لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
مستدركات
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
4
المجلد الثلاثون
المستدرك الرابع
2005-1426
حسن الأمين
رائد “دائرة المعارف الإسلامية الشيعية”
وسيّد “مستدركات الأعيان”
بقلم: الدكتور جودت القزويني
الحديث عن السيّد حسن الأمين حديثٌ عن مملكة مشحونة بالإثارة أو الحديث عن بحرٍ ما له ضفاف. فقد بقي السيّد حسن الأمين راهباً ملتفّاً بالعمل الدؤوب لا تشغله عن أحوال الماضين أو الحاضرين شاغلة. بقي طوال تسعين عاماً شابحاً نظره إلى هياكل الأمم والملوك، وإلى هياكل المعتقدات والأفكار، مستجلياً الحقائق مرّة، وموجّهاً لها أُخرى، ومنتفضاً عليها مرّة ثالثة.
إنغمس السيّد الأمين بالتتبّع وتحقيق أهدافه. حيث أراد أنْ يلمّ بكلّ ما يستطيع الوصول إليه ليجعله تحت قبضته، سواء أكان ذلك متعلّقاً بالأشخاص وتراجمهم، أو الأفكار ومعطياتها. فأنتج عملين هما حصيلة جهود سنوات متواصلة من التتبّع والكتابة، إندرجا في موسوعة “دائرة المعارف الإسلامية الشيعية”، و”مستدركات أعيان الشيعة”، وكان يعتقد أنَّ هذين العملين هما ثمرة عمره الذي به يحيا، ويمتدّ.
لم يلتفت إلى عمل حسن الأمين إلاّ القلائل، فلم يكن يشعر بعمله أحد، بل كان يجاهد مفرداً ليسبح في عالمه البعيد عن عوالم بني جلدته. لذلك كان مسكوناً بالاكتشافات ليس “من بلد إلى بلد”، وإنَّما باكتشافاته عبر الأزمنة. حتّى إذا قرّر معلومة من المعلومات هام بها، وتبنّاها، ولم يجد لها بديلاً. وبالرغم من كلّ ما كتبه وألّفه وسطّره من دراسات في صُلب التاريخ وتراجم الرجال فإنّ طاقة حسن الأمين لا تقتصر على هذه الكتابات وإنّما الكتاب الذي أراد كتابته، لم تُطاوعه الأيامُ له. فقد ترك حفنةً من أوراقه البيضاء الناصعة مملوءةً بالعناوين، لعلّ واحداً من أبنائه القادمين يتّبع أثره ويُكملُ مشواره ويرفعُ رايته على مدى الأزمان خفّاقة، لا تحملُ إلاّ إسمه “الحسن”، ومنهجه التاريخي “الأمين”.
أسرة السيّد محسن الأمين
للسيّد محسن الأمين خمسة أولاد ذكور، وأربع إناث. وزوجته هي العلوية أم البنين ابنة السيّد علي ابن السيّد محمد الأمين، وأولاده هم:
1 ـ العلوية نجيبة زوجة الشيخ محمد علي قبلان (ت: 1404هـ/ 1984م)، عالم مدينة ميس الجبل، وهو والد الشيخ عبد الأمير قبلان من زوجته الأولى. ولها بنت واحدة.
2 ـ العلوية أنيسة تزوجها إبن خالها السيّد مرتضى بن السيد عبد الحسين الأمين (ت: 1378هـ/ 1959م). وأولادها، الدكتور محمد علي، والسيد رائف الأمين، والسيّد عمران.
3 ـ محمد باقر (ت: 1397هـ/ 1977م)، وهو الولد “الروحاني” الوحيد من ذرية السيّد محسن، فقد بقي محافظاً على لباسه الديني، وتولّى منصب قاضي بيروت الشرعي، له من الأولاد: السيّد هاني (1349ـ1404هـ/ 1930ـ1984م)، والسيّد عاصم، والسيّد ياسر، توفي ولم يتزوج (1354ـ1404هـ/ 1935ـ1984م)، والسيّد محسن (1367ـ1418هـ/ 1948ـ1998م).
4 ـ العلوية فاطمة زوجة الشاعر (فتى الجبل) السيّد عبد الرؤوف الأمين بن السيّد علي محمود الأمين، (1318ـ1390هـ/ 1900ـ1970م). ولها من الأبناء: السيّد زيد، الدكتور علي، البحاثة الدكتور هيثم الأمين.
5 ـ العلوية عفيفة زوجة الشيخ خليل مغنية (1318ـ1378هـ/ 1900ـ1959م). وأولادها المحامي السيّد إبراهيم، السيّد إسماعيل، السيّد منير.
6 ـ السيد جعفر الشاعر الأديب (ت: 1402هـ/ 1982م) من اسرة التعليم، وهو من زوجة ثانية. ولده الأستاذ الفاضل صديقنا السيّد أكرم الأمين.
7 ـ السيّد حسن: صاحب مستدركات أعيان الشيعة، ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية، (لم يتزوج)، (1326ـ1423هـ/ 1908ـ2002م).
8 ـ السيّد هاشم: الشاعر المحلّق، من أسرة التعليم، إشتغل بالصحافة، ولم يتزوج (1332ـ1412هـ/ 1912ـ1992م).
9 ـ السيّد عبد المطلب، الشاعر الدبلوماسي (1335ـ1394هـ/ 1916ـ1974م). ولده السيّد محسن، (كاتب العدل في شقرا).
بين بلاد الشام والعراق
ولد السيّد حسن الأمين سنة 1326هـ/ 1908م بدمشق في محلّة حي الخراب، والتي تُعرف اليوم بمنطقة حي الأمين. فقد جرى إطلاق حي الأمين على هذه المحلّة سنة 1362هـ/ 1943م. ويعرف شارع المحلّة بشارع الأمين نسبةً لأبيه العلاّمة السيّد محسن الذي استوطنها. قضى السيّد حسن طفولته بين دمشق وشقرا، الموطن القديم لآل الأمين. وكان والده قد اتّخذ مدينة دمشق مركزاً دينياً وثقافياً بعد رجوعه من النجف الأشرف لتوجيه أبناء الشيعة إلى الدراسة والتثقيف بعد محاصرتهم في بيئة ضاربة عزلتها الثقافية عليهم. وفي دمشق درس سنة 1340هـ/ 1921م بالمدرسة العلوية الرسمية التي أسّسها والده العلاّمة، التي سمّيت بعد وفاته بالمدرسة “المحسنية” تكريماً له. كما حضر حلقات درس والده في دروس اللغة والمنطق والفقه وأصوله. وبعد أن أتمّ المرحلة الإعدادية سنة 1351هـ/ 1932م دخل معهد الحقوق التابع للجامعة السورية وتخرّج منه سنة 1353هـ/ 1934م، ثمّ مارس وظيفة المحاماة على مدى عامين كاملين، إلاّ أنَّ هذه المهنة لم ترق له فهجرها، وكانت المرحلة التي أعقبتها مرحلة ترقّب. وعندما عُيّن العلاّمة الشيخ محمد رضا الشبيبي وزيراً للمعارف في الحكومة العراقية سنة 1357هـ/ 1938م، طلبت المدارس العراقية مجموعة من الأستاذة العرب لتغطية النقص في كوادرها التعليمية، ففتحت الباب لاستقدامهم، وكان السيّد حسن الأمين واحداً منهم، حيث وصل العراق في العام نفسه، وعُيّن مدرساً في ثانوية الحلّة. وكان مديرها الأديب عبد الوهاب الركابي، وأحد مدرسيها هو والدي السيّد كاظم القزويني، فبقي عاماً دراسياً يدرّس مادة الأدب العربي والتاريخ الحديث والاقتصاد.
إئتلف السيّد حسن مع وضعه الجديد، وألِفَه. فقد كانت الحلّة في هذه الفترة الزمنية بالذات تزخر بالشخصيات العلمية والأدبية والاجتماعية. وكان للشخصيات التي عاصرها السيّد الأمين وجود فيها، ممّن أدركهم، فلم يكن قد أحسّ بالغربة وهو يطوي أرضه إلى أرض غيرها مخلفاً كلّ وجوده هناك. إلاّ أنّ مكانته لم تزايله، بل سبقت شهرتُهُ مقدَمه. فقد كان أبوه علماً من أعلام النهضة الإصلاحية الشيعية، وأحد المراجع الدينيين العظام. ولم تكن مواهب الإبن قد انحصرت بشهرة أبيه، بل راح قلمُه السيّال يُدبّج المقالات وينشرها على صفحات مجلّة “العرفان” وكان النشر يومذاك يُعدُّ من المفاخر التي لا ينالها إلاّ أنفار قلائل. وقد اشتهرت مقالته حول الحديث عن رحلته من دمشق إلى بغداد، وهي أوّل مقالة نشرها في أدب الرحلات. كما نشر مقالته الثانية في وصف رحلة قام بها مع مجموعة من طلاّب ثانوية الحلّة إلى مدينة سامراء. ثمّ تحوّل للتدريس في “دار المعلمين الريفية” الواقعة بمنطقة الرستمية (من ضواحي بغداد) فأمضى عامه الدراسي فيها. لكنّه آثر الرجوع إلى لبنان، وقبوله الانخراط في سلك القضاء، فعيّن قاضياً مدنياً بمنطقة النبطية. لكن هذه الوظيفة لم تستهوه فاستقالَ منها بعد طول مراس أواخر شهر شباط 1945م، وآثر الرجوع إلى العراق مرّة أخرى، والتدريس في “دار المعلمين العالية” الخاصّة بالبنات، والتي كانت تسمّى كلية الملكة عالية. وقد بقي في هذه المهنة أربع سنوات متواصلة، وخرّج جيلاً من الأديبات اللواتي أضحين فيما بعد من الأسماء الكبيرة ليس في العراق فحسب، وإنّما في العالم العربي ككل، أمثال نازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي، وفطينة النائب.
وتُعدُّ سنوات حسن الأمين في العراق من أغزر السنوات عطاءاً وتشكيلاً. فقد كانت الأجواء تفيض بالحركة الأدبية التي تجنح إلى التجديد والأصالة، وكان العراق كلّه يتنفسُ شعراً، لذلك ظهر نتاج الأمين الشعري غزيراً في هذه السنوات.
ولمّا أحسّ الأمين أنّ أباه المحسن زحف إليه العجز أراد أنْ يكون جنبه، فترك العراق سنة 1369هـ/ 1950م، ملتحقاً به إلى لبنان.
كانت هذه المرحلة من أشدّ مراحل الأمين الفكرية انعطافاً، فقد دخل مملكة والده الروحية والعلمية، وعاش فيها عامين كاملين قبل أن ينتقل والده إلى الرفيق الأعلى في 4 رجب سنة 1371هـ/ 30 آذار 1952م. إنَّ هزّة وفاة الوالد تركت أثرها في نفس الولد، خصوصاً بعد تجربة غربته ومعايشته على مدى سنوات، اكتشف الولد تفوّق أبيه ومجالدته في تحقيق أهدافه العلمية التي ينشدها. وكان أبوه قد أحسّ أنّ إنجازَ عمله لم يتمّ كما كان مقرّراً له، فقد بقيت أجزاء عدّة من موسوعة “أعيان الشيعة” مكتوبة بقلمه، لم ينشر شيء منها، وإخراجها من مسوداتها تحتاج إلى جهود متظافرة لا يقوى عليها إلاّ المتخصص الفعّال دون غيره من هواة البحث.
السيّد حسن: الأمين لمنهج أبيه الأمين
لم تكن جهود السيّد محسن الأمين في “أعيان الشيعة” إلاَّ ضرباً من ضروب الخيال. فلم يكن أحدٌ يجرأ على الإقدام لجمع تراجم علماء الشيعة عبر العصور بمثل السعة التي اشتمل عليها كتاب “الأعيان”. مضافاً إلى أنّ السيّد محسن كان يملك أسلوباً يمتاز بالسلاسة والتدفّق ونصوع العبارة وسلاستها. فلم يكن قد جمع في كتابه حشداً من التراجم دون أنْ يعمل النظر بها ويصوغها على وفق فهمه للشخصيات التي كتب عنها واستوعب مناحيها من تجميع الجهات. ولا فرق في ذلك بين الشخصيات المتقدمة التي لم يعاصرها وبين تلك التي عاصرها وكتب عنها. فلم تتبدّل منهجيتُه في ذلك، ولم تتغيّر. بل كان أُسلوبه واحداً في كلا المجالين. كما كانت له اجتهاداته الكثيرة في مطاوي بحوثه حول العديد من الأحداث المتصلة بسيرة مَنْ كتب عنهم، وقد أعطى آراءاً جريئة، مفككاً النصوص المتصفة بالغموض، ومستوحياً منها آراءه، بعد الموازنة والمفاضلة.
وعندما تهيّأ ولده السيّد حسن لإنجاز عمل “الأعيان” وتقديم أجزائه المخطوطة للنشر بعد تحقيقها ونسخها وإصلاحها وتتميمها على مدى أربع سنوات متواصلة، إنطبعت منهجية والده في كتابة التراجم والتعامل مع النصوص التاريخية، في نفسه، وأصبحت من الدلالات لديه حتّى اتّخذها منهجية ثابتة في أعماله التي ظهرت فيما بعد.
ويمكن القول إنّ السيّد حسن الأمين هو النسخة غير المعدّلة للسيّد محسن الأمين، فلم يستطع أن يتجاوزه في رأي، أو يردّ عليه في مطلب، أو يخالفه في اعتبار. حتّى أنَّ مقولة “الولد سرُّ بيه” لا يمكن أن تنطبق، والحال هذه، إلاّ عليه. فقد تأثّر فيه تأثّراً بالغاً، ووجد في كتاباته نافذة لحلّ الأزمات التاريخية والفكرية. كما وجد في دفاعه عن العقائد والتاريخ الشيعي الطريقة الناجعة في ردّ سهام القاصدين أو غير القاصدين على حدّ سواء.

جودت القزويني في حديث مع العلامة حسن الأمين ـ (بيروت 3 حزيران 2002م
ولم تقتصر هذه الملكة على التاريخ والتراجم فحسب، وإنّما سرت إلى تأثّره بأدب الرحلات. فقد كتب السيّد محسن شيئاً عن رحلاته إلى العراق وإيران ومصر وغيرها من البلدان، وسجَّل ما شاهده فيها، وما وقع له من مصادفات. وكانت هذه الأوراق التي نشرها ولده السيّد حسن تحت عنوان: “رحلات السيّد محسن الأمين” باعثاً لتسجيل رحلاته فيما بعد “من بلد إلى بلد”، وذكرياته في “حلّ وترحال”، حتّى عُدّ كتابه هذا من الكتب الرائدة في أدب الرحلات خلال القرن العشرين الميلادي.
دائرة المعارف الشيعية
انبثقت فكرة “دائرة المعارف الشيعية” من ردّة فعل على “دائرة المعارف الإسلامية” التي تصدّى لها نخبة من المستشرقين وصدرت بعدّة لغات. وكانت تحمل بعض المعلومات الناقصة المتعلّقة بجملة من الموارد التاريخية الشيعية أو التفسيرات المغايرة للفهم الشيعي والمناقضة له.
وكان حسن الأمين، كما يقرّر في مطالعته لتلك الموسوعة الشاملة، يدوّنُ ملاحظاته على صفحات الكتاب مرّة، وفي أوراق مستقلّة مرّة أخرى. وكانت فكرته تقوم على نشر تلك القصاصات المتضمنة للردود في مقالات متسلسلة. إلاَّ أنّ هذا المنحى لم يرق له لعدم مناسبته حجم الموسوعة التي يُراد دحض مباحثها الخاطئة في دراسة مفردات التشيّع التاريخية والعقائدية. فقد كانت الجهود المبذولة في موسوعة المستشرقين جهوداً كبيرة لا يمكن التعليق عليها بمقالات أو ردود متفرقة، إلاَّ بما يُضاهيها من عمل يكون مرجعاً عاماً يلتجئ الباحثون إليه، وكتاباً يُلفت الأنظار إليه. من هنا بدأ العمل لتشييد قواعد “دائرة المعارف الإسلامية الشيعية”، وكان ذلك محدّداً في عام 1386هـ/ 1966م.
إنّ جهود السيّد حسن الأمين في “دائرة المعارف” لم تكن مقتصرة على تحشيد المواضيع النظرية، بل كان الأمين، من خلالها، يسعى لخلق منظومة شيعيّة موحدة يستند إليها في عمله العلمي ويوحّدها فيه. من هنا فقد اندفع لتتّبع الدراسات حول تاريخ الشيعة وما يتعلّق به من أمور، وتقصّي أخبار الكتّاب ومراسلتهم وجذبهم الى ساحته بالمعرفة والكلمة الطيبة. وعلى ذلك فقد كان لا ينقطع عن المؤلفين أينما كانوا ووجدوا، تشهد على ذلك مراسلاته للكثير منه، وإشعارهم بأهمية أعمالهم بالثناء، وما تستدعيه كلماته الجزلة من دلائل.
أمّا الحدث التاريخي الذي سجّله حسن الأمين فيما يخصّ التاريخ الذي عاصره وشهده ووعاه، فهو يساوي في كمّه ما كتبه عن التواريخ المتقدّمة التي لم يعاصرها بل قرأها في كتب المؤرخين، ووازن بينها. أمَّا في النتائج فإنّ نوعية التاريخ المعاصر تختلف في جدّتها ونضارتها عن تلك النصوص المتقدّمة للتاريخ والتي هي نصوص مربكة عانى منها المتخصصون ولم يهتدوا للتخلّص منها.
ويُلاحظ على عمل الأمين ما يلي:
1 ـ إنَّ عمل السيّد الأمين كان رائداً في عصره، لم يُسبق إليه بمثل هذه المنهجية والسعة، فقد بدأت بوقت مبكر قبل أنْ تكون هناك جهود ملحوظة في التصدّي للتأليف الموسوعي الذي عُرف باسم “دائرة المعارف”. وقد ظهر شبيه هذا النمط بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتمثّل بمؤسسة “دائرة المعارف الإسلامية الكبرى” التي صدرت بعض أجزائها باللغة الفارسية، وترجمت إلى اللغة العربية.
2 ـ إنَّ عمل السيّد الأمين في “دائرة المعارف الشيعية” كان عملاً ذاتياً بحتاً. فلم تكن هناك جهة ثقافية أو دينية أو مؤسساتية تسند مشروعه، بل كان عمله منحصراً بجهوده الفردية المحدودة.
حدّثني مرّة أنّه قال: ما مفاده: لم يكن في نيتي إصدار “دائرة المعارف الشيعية” على هذه الشاكلة. فقد كنتُ أنوي إصدارها في (45) مجلداً، وأقوم باختيار البحوث لأوزعها على المتخصصين من الكتّاب، إلاّ أنّ ظروف العمل لم تكن قادرة على تحقيق ذلك، خصوصاً إذا اعتمدت على الإمكانات الذاتية دون غيرها.
3 ـ لم تكن جهود الأمين الفردية قد انصبّت على كتابة “دائرة المعارف” وجمع مباحثها فقط، بل تعدّت إلى جهوده الفردية في إصدارها أوّل مرّة على شكل كراسات صغيرة بصورة متسلسلة لكي لا يضيع جهده أو يتلاشى. وقد شكّلتْ هذه الكراسات ثلاث مجلدات فقط، ثمّ تطوّرت فيما بعد بالطبعات اللاحقة.
4 ـ تمَّ ترتيب “دائرة المعارف” على الحروف الهجائية من الألف حتّى “حرف الياء”. وقد استدركَ مؤلّفُها في نهاية بعض الأجزاء، كما أعاد في جملة منها بعض المباحث المشابهة التي تحمل نفس الكلمة.
5 ـ ركّزت دائرة المعارف على استقراء البحوث التاريخية والعقائدية وعرض بعض المؤلفات والتعريف بها. كما أوردت تراجم جملة من الرجال استطراداً ضمن بحوث خاصّة دون أن تؤثّر على منهجيتها في الموضوع.
ولم تفتْ صفحاتها البحوث السياسية المتعلقة بالتاريخ القديم أو الحديث، كالحديث عن الإضراب الخمسيني في سوريا الذي استمرّ (52) يوماً، والذي بدأ في 18 كانون الثاني 1936م، وانتهى في 8 آذار، أو البحوث الميدانية المتعلقة بالمراقد الإسلامية كالحديث عن المشهد الزينبي في القاهرة ومشهد الحسين في حلب، ومقام أبي أيوب، وغير ذلك.
كما تطرّقت الموسوعة إلى استجلاء بعض الصناعات، كصناعة الورق وتاريخه وما يتعلّق بتطوّر هذه المهنة، أو يتّصل بها.
6 ـ جمعت “دائرة المعارف الشيعية” أسماء كتّاب من بقاع شتّى، أمثال كامل مصطفى الشيبي، مرتضى مطهري، جورج صاوا، عبد الستار أحمد فراج، حسين مروة، مصطفى جمال الدين، الدكتور نبيه عاقل، السيّد علي الخامنئي، عبد العزيز الطباطبائي، سلمان هادي طعمة، وغيرها من الأسماء المتخصصة في مجالات التاريخ والفكر الإسلامي والأدب
7 ـ بالرغم أنَّ “دائرة المعارف الإسلامية” تخصّصت كما يُوحي عنوانها بالدراسات الشيعية، إلاّ أنّها في جوهرها كانت دائرة معارف إسلامية عامّة، وإنْ كان الدرس الشيعي ظاهراً فيها. ولا تخفى هذه الإشارة في جميع أجزائها.
8 ـ لم تقتصر “دائرة المعارف” على المفردات التاريخية والعقائدية وما يتّصل بهما من المباحث، بل لجأت إلى استصدار بحوث مستقلة في الفكر الإسلامي، والدراسات القرآنية وبحوث الاقتصاد الإسلامي. ومن جملة بحوثها في هذه المضامير: السنن التاريخية في القرآن، بحوث في تاريخ القرآن، مبادئ نظام الحكم الإسلامي، الميثولوجيا والبيروني، وبحث مطوّل بعنوان: “اليقين المنطقي والموضوعي والذاتي”. (يُلاحظ المجلد الرابع والعشرين ص159ـ390).
كما تضمنت أيضاً دراسات مقارنة في أصول الفقه، والسنة النبوية وعلم الحديث والفقه، من ذلك: مبحث القياس، والسنة النبوية، والظواهر وحجيتها، وشرع ما قبلنا، وسهم الإمام، والسند في علم الحديث، وغيرها.
9 ـ تضمنت “دائرة المعارف” جولة في دراسة الحروب على مرّ التاريخ، سواءً القديمة منها والحديثة. فقد حاول مؤلفها أنْ يدوّن تاريخ الوقائع التي عاشها إلى جانب الوقائع التي قرأ عنها، وتتبّعها على صفحات الصحف وساحات الأوراق. ومن تلك: حديثه عن واقعة الحرّة، وحرب مرو، وحرب صفين، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب لبنان عام 1892م.
10 ـ احتلّت القارات والدول والمدن التاريخية مساحة واسعة في “دائرة المعارف”. فقد جرى الحديث عن بعض القارات، ثمّ الدول على اختلافها، ومن أمثلتها: الهند، الصين، إيران، العراق، البحرين، فلسطين، باكستان، أفغانستان، إنكلترا، ألمانيا، ألبانيا، لبنان، تركيا، اليمن.
وكما جرى الحديث على تتبّع أخبار المدن التاريخية لبعض هذه الممالك والدول والإمبراطوريات، فقد جرى الحديث أيضاً عن بعض تاريخ المدن الهندية مثل لكنو، كشمير، أوده، أكره وممالكها الشيعية كالمملكة العادل شاهية، والقطب شاهية، وغيرهما.
أمّا المدن الإيرانية فقد ورد الحديث عن سبزوار، سجستان (سيستان)، طوس، قزوين، قم، كاشان، مشهد، نيسابور، كرمان، كرمانشاه.
كما ورد الحديث عن المدن العراقية: البصرة، بغداد، سامراء، غماس، الكاظمية، كربلاء، الكوفة، كركوك، الكناسة، النجف، واسط. والمدن اللبنانية: بعلبك، بنت جبيل، صور، صيدا، طرابلس.
أمّا المناطق في المملكة العربية السعودية، فقد ورد الحديث عن البقيع، غدير خمّ، القطيف، المدينة المنورة، مكة، الهفوف، الهلال الخصيب.
هذا بضميمة مدن تاريخية أخرى أفردت لها “دائرة المعارف” صفحات للتعريف بها، أمثال: القدس، القاهرة، صقلية، طبرستان، قفقازيا، الكويت، وادي آش (غرناطة)، ملتان.
11 ـ اعتمدت “دائرة المعارف” بالتعريف على الأمم والشعوب والأجناس الحاكمة في التاريخ. فقد أفردت بحوثاً ثرّة في التعريف بها، ومن ذلك: الأوزبك، الإيلخانيون، الفاطميون، البويهيون، السربداريون، الطاهريون، السعديون، القاجاريون، الصفويون، المزيديون، المشعشعون، المرداسيون.
وعند الحديث عن “الأكراد”، ورد تفصيل حول منشأ الأكراد، وكردستان جغرافياً، جمهورية مهاباد، يهود كردستان، الأكراد الفيلية الشيعة، والإبادة الجماعية للأكراد في العهد الأخير. كما ورد تعريف عن الثقافة الكردية، والكتابة والشعر والقصة والأدب والمسرحية والترجمة، والفلكلور والكتاب الكردي في بحوث متناسقة تقدّم معلومات شيّقة للقارئ المستزيد.
12 – شملت “دائرة المعارف” التعريف بالكتب ومؤلفيها سواءاً القديمة منها والحديثة. فقد ورد تعريف بجملة من الكتب التراثية، منها: كتاب الأغاني، مقاتل الطالبيين، الشاهنامة، الإكليل، وسائل الشيعة، كتاب العين، ضوابط الأصول، مجمع البحرين، الفهرست، نشوار المحاضرة.
أمّا الكتب الحديثة فقد عرّف جملةً منها، على سبيل المثال: كتب الدكتور جواد علي “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”.
كما أورد نصّين كاملين لوالده السيّد محسن الأمين، وهما بحدّ ذاتهما كتابان مشهوران ومتداولان، الأوّل: نقض الوشيعة (ج22، ص115ـ352)، والثاني: كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب، (ج19، ص71ـ262).
13 ـ أوردت الموسوعة مباحث مهمّة في الشعر واللغة والأدب العربي. ومن جملة هذه الموارد، بحث حول البند في الأدب العربي، البلاغة العربية، علم الصرف، الكنية، علم النحو، والكعبيات (قصائد للشاعر هاشم الكعبي). بضميمة بعض المباحث الأخرى المتعلقة بالشعر العامي من أمثال الزجل وغيره.
14 ـ إعتمدت “دائرة المعارف” التعريف بالبحار وغيرها من الأنهار. فقد تحدّثت عن البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، ونهر الليطاني، كما تحدّثت عن المعادن وأفردت الحديث عن البترول.
15 ـ في المجلد الخامس والعشرين ورد حشدٌ من الكتب: اليوم الموعود، الآثار الباقية، إصلاح المنطق، وكلُّ المواضيع التي طرقتها هي مواضيع مسهبة.
مستدركات أعيان الشيعة
بعد العمل في إعداد وضبط نصوص كتاب “أعيان الشيعة”، عمدَ السيّد حسن إلى ملء الفراغات التي تركها والده في بعض تراجم الأعلام دون أنْ تسنح الفرصة للرجوع إليها. وعندما نشر “أعيان الشيعة” في طبعته الثانية أورد هذه التراجم، في صُلب الكتاب. وكان من بينها تراجم للأشخاص الذين تُوفوا بعد صاحب الأعيان. وقد أشار المحقق الأمين إلى ذلك في الهوامش، ولم يُشر إلى بعضها الآخر. لكنّ عمله في تحشية الكتاب لم ينتهِ إلى حد، فقد قادته غزارة عمله إلى إفراد المستدركات ككتاب مستقل، والبدء بنشر أجزائه المتسلسلة بعدما وجد من تبنّى مؤلفاته، وهو على أعتاب الثمانين من العمر.
وفعلاً فقد نشر المجلد الأوّل من “مستدركات أعيان الشيعة” وكان قد فرغ منه في 7 جمادى الثانية 1407هـ/ 6 شباط 1987م، ولم يكن يعلم إلى أين سينتهي به المطاف، لكنّه واصل عمله. وكان في كلّ مرّة ينعى نفسه بالرغم أنّه لم يكن يُعاني من عجز أو مرض، حتّى بلغت مجلدات المستدركات إحدى عشرة مجلدة بالقطع الكبير.
كان السيّد الأمين طوال عقد ونصف من الزمن مواصلاً رحلته في جمع تراجم الأعلام والكتابة عنهم، وتقصّي أخبارهم. وقد جاء كتابه على هذه الصورة:
1 ـ رتّب كتابه على حروف المعجم. لكنّه كان يكرّر حروف المعجم إبتداءاً من حرف الألف وانتهاءاً بحرف الياء في كلّ مجلد من المجلدات. لعدم تقديره بما سيؤول إليه عدد الأجزاء التي يصدرها.
2 ـ نهج في كتابة “المستدركات” نهج أبيه في كتابة “الأعيان”، حيث جمع بين تراجم المتقدّمين والمتأخرين على حدّ سواء. فقد كتب عن ابن سينا، وأبو نؤاس، والحسين بن نما الحلّي، وحيدر الآملي من المتقدمين، إلى جانب حسين معتوق وخليل مغنية وعبد الحسين نور الدين ومحمد باقر الصدر، ومحمد علي الحوماني، وغيرهم من المتأخرين.
3 ـ أفردَ كتابات وافية حول علماء الشيعة القدامى أمثال الشهيد الأوّل، والكراجكي، والفيض الكاشاني، والشريف المرتضى، إلى جانب الفقهاء المعاصرين أمثال الإمام أبو القاسم الخوئي، والإمام محسن الحكيم، والسيّد محمود الشاهرودي، وأضرابهم، كما ترجم للشعراء الكبار من المتقدّمين أمثال البحتري، الفرزدق، كثير عزة، المتنبي، كشاجم، أبو فراس الحمداني، ابن الرومي ودعبل الخزاعي، إلى جانب الشعراء المعاصرين، أمثال: محمد مهدي الجواهري، وعلي الشرقي، ومحمود الحبوبي، ومحمد علي اليعقوبي، ومصطفى جمال الدين، وصالح الجعفري، ومحمد رضا شرف الدين، ومحيي الدين شمس الدين وغيرهم.
4 ـ ترجم لجملة من شخصيات الحكم على مرّ عصور التاريخ، أمثال تيمورلنك، علي بن المؤيد محمد أولجايتو (خدابنده)، إسماعيل الصفوي، نادر شاه، فتح علي شاه القاجاري، السلطان حسين الصفوي، ورضا بهلوي. كما تتبّع أخبار إدريس بن عبدالله الحسني مؤسّس دولة الأدارسة، وساقها كما وردت في كتب التاريخ.
5 ـ جمعت “المستدركات” أسماء جملة من المؤرخين والفلاسفة أمثال: المسعودي، التنوخي، الكندي، ابن مسكويه، صدر المتألهين الشيرازي، أفضل الدين الكاشاني. كما جمعت علماء من جنسيات وطوائف مختلفة كالبحرانيين والقطيفيين والعراقيين والإيرانيين والأفغان والباكستانيين وعلماء جبل عامل وغيرها من المناطق.
6 ـ كرّر الأمين بعض تراجم الأشخاص في أجزاء “المستدركات” أكثر من مرّة. فكان إذا عثر على إضافات في ترجمة الحال أو بعض المنظومات الشعرية ردّها إلى صاحبها، وأشار إلى موطن ترجمته الأولى في الأجزاء التي سبقت، وعيّن مكانها.
7 ـ جمع صاحب “المستدركات” بعض التراجم التي وجدها نافعة بأقلام الآخرين وحفظها كدراسات مستقلة بأسماء كاتبيها، مستفيداً من كتابات هذه النخب في الحديث عن الشخصيات كإضافات تاريخية تُغني مادة البحث من جوانب أُخرى.
8 ـ يُلاحظ أنَّ حسن الأمين عندما كتب عن المعاصرين له، فإنّه سجّل عنهم بعض المعلومات التي مهما طالت فإنّها سوف تبقى مقتضبة. فقد كان يملك خزيناً من المعرفة عن كثير من الأشخاص الذين عايشهم في أكثر من بلد، إلاّ أنّه لم يستخدم ما يكنزه عنهم من مواقف وأخبار ووصف، بل عمد إلى إطلاق الأحاديث العامّة حول الأشخاص التي هي أقرب ما تكون للتراجم الرسمية دون الدخول في التفصيلات.
تدوين التاريخ عند حسن الأمين
حسن الأمين باحثٌ أرّقه الوصول إلى الحقيقة التاريخية. فقد أحسّ أنّ التاريخ الذي وجده بين يديه هو تاريخ مزوّر في كلّ عصوره وأدواره. وقد أوعز السبب إلى تسلّط الدول والمتنفذين من ذوي السطوة، وأنّ كتابة التاريخ لم تتمّ إلاَّ لهؤلاء النخبة فقط. وكان يفكّر أنّ المسلّمات التي وصلتنا، والتي هي في حدّ ذاتها مرويات لا واقع لها في تاريخ الحُقب تلك، أصبحت حقائق لا يمكن إلاّ التسليم لها، لوجود قنوات التثقيف المغلوطة التي رسّختها في عقول الأجيال المتكررة. وقد بقي في درسه التاريخي يُنشد الخروج من هذه المعضلة المعقّدة باللجوء إلى مستندات غير مستندات الكتب والصحائف المُربكة كمستندات علم الآثار، وما يتّصل بها من معتبرات. لأنّ النصوص المحفوظة في بطون الكتب هي “نصوص” لُفّتْ بأغشية ساهمت في دفع الحقيقة، وتضليل القارئ الذي لم يُعاصر المراحل التي يقرأ عنها، ويحاول استيعابها. وبذلك سعى إلى إزالة “الغشاوة” عن النصّ باستقراء “الخفايا” التي تقف وراء النصوص، وإعادة تشكيلها من جديد. فربّما عثر المؤرخ على “جملة” صغيرة أرشدته إلى معنى كبير، وكشفت له خبايا خارج حدود النصّ.
ولم يقتصر تشويه التاريخ على النصوص القديمة فحسب، وإنّما تعدّى حديثُ الأمين عن تشويه التاريخ الحديث (المعاصر) أيضاً. فعندما يبدأ التاريخ بلحظة حصول الحديث وتدوينه فإنّ الكثير ممّا يسجّل في وسائل الإعلام على سعتها وشموليتها تمتدّ إليه يد التلاعب بالحقائق، باعتبار أنّ الحوادث الحالية التي تُعاصرها خاضعة جميعها لصراعات الطوائف والدول والملل والنحل والأديان كواجهة لإدامة الصراع دون أن تكون هناك هدنة في آفاق المرحلة. وبذلك يبدأ العمل في “تخريب” التاريخ. ومن هنا تأتي حاجةُ المرحلة لوجود مؤرخين منصفين يسجّلون الحقائق على ما هي عليه.
نصير الدين الطوسي: من الخيانة إلى البطولة
ومن الأمثلة التي ساقها الأمين تشويه شخصية الخواجة نصير الدين الطوسي. وهذه المسألة عاشها في وقت مبكّر من حياته وانشغل بها، وهي أيضاً قادته إلى التعامل مع النصوص التاريخية، في محاولة لبيان الخلل فيها، ونقضها. فعندما وجد بعض الأقلام تنسب للطوسي دوراً في الخيانة، والتعامل مع القوات المغولية الغازية، بالرغم مما يتمتع به من مكانة بين علماء الشيعة الإمامية، وتفرّد في مجال الفلسفة والعلوم الرياضية وغيرها، لم يستطع إلاَّ تقصّي أخباره. لكنّه انتهى إلى أنّ الطوسي لم يكن قد طالته مثل هذه التهم، وإنّما كان “بطلاً” من أبطال الإسلام. إلاَّ أنَّ بطولته لم تكن في مرحلته تلتجئ إلى الشدّة والعنف، بمعنى آخر لم تكن بطولة “السيف”، وإنّما كانت بطولة الفكر “القلم” لأنّه وضع أسس تحوّل المغول من الوثنية إلى الإسلام، ملتفّاً عليهم بالعلم، ومكبّلاً لهم بالمعرفة. وهذه الظاهرة، حسب اعتقاد الأمين، ظاهرة فريدة لم تتكرر في التاريخ بعدما تأثّر الغازي الغالب بالمضطهد المغلوب، لأنّ القاعدة أن يفرض المنتصر مفاهيمه وعقائده على غريمه، إلاَّ أنَّ في حالة نصير الدين كانت خططه قد قلبت الموازين، وعطّلت مثل هذه القواعد.
يقرّر الأمين أنَّ نصير الدين كان مكرهاً بالتعاون مع المغول، لكنّه بعدما اضطرّ لذلك عمد إلى تحقيق مشاريعه الإصلاحية داخل وسطهم. فأنقذ أوّلاً التراث الإسلامي من الإبادة حيث جمع الكتب والمؤلفات في مكتبة “مراغة” الشهيرة، وأسّس جامعة كبرى، ملأها برجال الفكر والاختصاص، ثمّ ساهم ثانياً في “أسلمة” المغول الوثنيين ودخولهم إلى الإسلام، بل تبنّيهم له، حتّى أصبحوا من بُناة الحضارة الإسلامية بما أنشأوه من الدول المشرقية حتّى وصولهم إلى تخوم الهند والصين.
ويُلاحظ على تفسير الأمين لتاريخ نصير الدين الطوسي ما يلي:
1 ـ إنّ تفسير حسن الأمين لتاريخ الطوسي كان قد وقع في “شَرَك” النصوص التي حاول التهرّب منها ودحضها. فقد قرّر سيرة الطوسي من خلال حشد المرويات التي وضعت الطوسي في قلاع الإسماعيلية قرابة ثلاثة عقود، ثمّ وقوع نصير الدين بيد هولاكو بعد اقتحامه لقلاع الإسماعيلية واعتقاله مع طبيبين آخرين كان هولاكو بحاجة إليهما بعد قتلَ جميع العلماء والفلاسفة. ولمّا كان نصير الدين عالماً فلكياً فقد ألجأت الحاجة هولاكو اصطحابه معه في رحلته إلى بغداد.
وقد أثبتنا في دراستنا عن نصير الدين الطوسي أنّ هذه النصوص لا يمكن الإقرار بها، أو الاعتماد عليها في تشكيل “واقع” تلك المرحلة التاريخية. وإنّما صورة “الواقعة” تلك لم تكن كما تحدّثت عنها هذه الحشود من المرويات التي هي بحدّ ذاتها لم تُعاصر المرحلة، ولم تُكتب إلاّ بعد قرون عنها.
2 ـ إعتقد السيّد الأمين أنّ نصير الدين الطوسي ساهمَ في دخول هؤلاء الوثنيين بالدين الإسلامي، وذوبانهم بالمجتمع. وهذه المقولة هي من المسلمات التي يتناقلها جميع من يقرأ تفاصيل التاريخ المغولي المبتسر الغامض، وكيف انتهى به الحال بعد احتلال القوات المغولية للدول الإسلامية. ولم تكن هناك إجابة حل هذه التساؤلات، لأنَّ تاريخ المغول هو ليس التاريخ المسطّر على صفحات الكتب الضئيلة التي وصلتنا، وإنَّما هو تاريخ مضيّع شأنه شأن كثير من الحقُب المهمة في تاريخ الأمم الإسلامية وممالكها.
ثمّ من الناحية العملية، كيف يمكننا أن نتصوّر أنّ شخصاً واحداً استطاع أنْ يقلب موازين “إمبراطورية” ضخمة بكلّ ما فيها من مفكرين وقادة عسكريين وعلماء من شتّى الأصناف بهذه الكيفية، وهو لم يعش بين ظهرانيهم سوى عقد ونصف من الزمن.
والحال إذ صحّ الغزو المغولي لإيران والعراق، وهو لم يصحّ بصورته هذه، فإنّ الفترة بين سقوط بغداد سنة 656هـ، ووفاة نصير الدين الطوسي سنة 772هـ، هي فترة اضطراب وتشكيل لا يمكن أن تتمّ من خلالها المشاريع الضخمة التي أسّسها نصير الدين الطوسي في بلدة “مراغة”، والإشراف على المنظومة الدينية للبلاد، وإدارته شؤون الأوقاف وتفقّده الحوزات العلمية في مدينة الحلّة في عهد المحقق الحلّي، تبعاً لما صوّرته النصوص المتداخلة التي أطفأت تاريخ هذه الحقبة بالمنقولات التي هي أشبه ما تكون بقصص القصّاصين من ذوي الإقناع على حساب الحقيقة.
3 ـ إنَّ تفسير الأمين لتاريخ نصير الدين الطوسي هو أقرب إلى التفسير “التبريري” للتاريخ الذي يقرّبه إلى الأسلوب الوعظي الإقناعي في محاولة إيجاد المنعطف بين حدّين متناقضين وترجيح كفَّةٍ منهما على الأخرى.
والحال أنَّ هذين التفسيرين لا وجود لهما في حياة نصير الدين الطوسي، وإنّما تأريخه مغايرٌ تماماً لما سُجّل على صفحات الكتب اعتماداً على النصوص المربكة المنسوبة للمؤلفين القدامى من المتقدّمين.
صلاح الدين الأيوبي: من البطولة إلى الخيانة
أثارت دراسة حسن الأمين لتاريخ صلاح الدين الأيوبي الجدل في صفوف المهتمين بدراسة هذا الموضوع وتطوّر أحداثه. فقد نهج الأمين خلافاً لما اعتاد عليه الكتّاب من اعتبار صلاح الدين قائداً فذّاً استطاع الوقوف في وجه الصليبيين ودحرهم، إلى أنّه قائدٌ نَسبَهُ إلى “الخيانة” بعدما آثار الاستسلام وتسليم مقاليد البلاد بلا قتال. كما طعن الأمين في سلوكه الشخصي ونسبه، تبعاً لنصوص بعض المؤرخين، إلى إدمانه السُكر.
وكان الأمين قد اعتمد على النصوص التاريخية التي حال أنْ يهرب منها فوقع في أسرها، كما هي الحال في نصوص نصير الدين الطوسي.
وخلاصة ما قاله، بعدما استعان بأقوال المؤرخين الأيوبيين أنفسهم، أمثال المؤرخ ابن شدّاد الذي ألّف “العلائق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة”:
1 ـ إنّ صلاح الدين الأيوبي أعاد فلسطين أو معظمها عدا القدس إلى الصليبيين بعد انتصاره في معركة “حطين”.
2 ـ أخذ عليه، اعتماداً على النصوص، أنّه اعتبر البلاد التي حكمها مزارع وقرى قسّمها في حياته على ورثته، حتّى تقاسم ورثتُهُ البلاد، مستقلاً كلٌّ منهم عن الآخر قبل أن يتنازعوا، أو يستنجد بعضهم على بعض بالصليبيين.
3 ـ قرّرت قراءة الأمين لهذه الحقبة التاريخية أنّ صلاح الدين أعاد فيما بعد القدس إلى الصليبيين ليحالفوه على جيوش الخلافة العباسية. وخلاصة القول فيها: أنّ الخليفة العباسي الناصر لدين الله أراد أنْ يُرسل تعزيزات عسكرية تسند الأيوبي في حربه مع الصلبييين بعد هزيمتهم بمعركة “حطين”. إلاَّ أنّ وجودهم لم ينتهِ بعد هذه الواقعة. فقد حرّرت معركة “حطين” قسماً من بلاد الشام، وبقي القسم الأكبر رازحاً تحت احتلال الصليبيين.
4 ـ رفضَ صلاح الدين طلب الخليفة العباسي، وأبدى المصالحة مع الصليبيين لمقاومة جيش الخلافة العباسية إذا دخل فلسطين. وقد اشترط عليه الصليبيون إعادة المدن الفلسطينية إليهم، فلبّى طلبهم.
5 ـ أصرَّ صلاح الدين على الخليفة العباسي عدم إرسال جيوشه لتعزيز قطاعاته العسكرية.
6 ـ ردّ الأمين أنّ رفض صلاح الدين لدخول الجيوش العباسية بلاد الشام لإنهاء الوجود الصليبي فيها لا يخرج عن المنافع الذاتية التي سوف ينالها الأيوبي من الوضع الجديد، في حين أنَّه لا يحرز إلاّ اليسير منها في ظلّ دولة الخلافة. وبذلك فقد فضّل مصالحه الشخصية على المصلحة الإسلامية.
7 ـ أوعز الأمين أنّ انتصار الجيوش الإسلامية على الصليبيين وتخليص بلاد الشام منهم سيجعل صلاح الدين أحد الولاة التابعين لدولة الخلافة، في حين أنّ طموحه كان في السلطة أكبر من ذلك.
وساق مثالاً مماثلاً جرى بين نور الدين الذي أرسل صلاح الدين إلى مصر ليُعدّ جيشاً من المصريين لمهاجمة الصليبيين من مصر بعد استعداد نور الدين نفسه لمهاجمتهم من بلاد الشام ليسهل القضاء عليهم، إلاَّ أنّ صلاح الدين رفض ذلك. وسبب رفضه، كما تقرّر قراءة الأمين، هو حبّه للاستقلال فهو الآن مستقلٌّ بمصر، وانتصار نور الدين على الصليبيين وإخراجهم من بلاد الشام لا يعود عليه إلاّ بمنصب أحد الولاة التابعين لنور الدين.
8 ـ ذكر الأمين، تبعاً لنصوص ابن الأثير، أنَّ نور الدين عزم على الزحف إلى مصر والقضاء على صلاح الدين “لكن جاءه أمرُ الله”، فتُوفي وهو يتأهّب للقضاء على صلاح الدين.
9 ـ ذكر الأمين أنّ صلاح الدين الأيوبي احتجز رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائهم في مكان آخر ومنع الفريقين من التزاوج لكي لا يتناسلوا. وقد نقل عن المقريزي صاحب “الخطط” أنَّ عدد مَنْ فرّق الأيوبي بين ذكورهم وإناثهم عشرة آلاف بين رجل وامرأة. وقد بقي هؤلاء محتجزين في عهد خلفاء صلاح الدين “عقوداً” من السنين، وكان من بينهم أطفال شاخوا في هذا الاحتجاز.
10 ـ حاول الأمين أنْ يُثبت أنَّ صلاح الدين بدّد أعظم مكتبة في العالم الإسلامي أسّسها الفاطميون في مصر.
ويُلاحظ على قراءة السيّد حسن الأمين لتاريخ صلاح الدين الأيوبي ما يلي:
1 ـ إنّ الأمين في درسه التاريخي لم يخطر في باله التشكيك في النصوص التاريخية بالشكل الذي يقرّبه إلى دائرة أوسع في نقد التاريخ والتشكيك في جزئياته. وعليه فقد اعتبر معظم النصوص المبثوثة في كتب التواريخ هي نصوص ثابتة وصحيحة، لا يُستلهمُ التاريخ إلاَّ من خلال سطورها.
2 ـ يُلاحظ أنّ النصوص المنسوبة للمؤرخين غالباً ما تحمل “نقيضها” معها، لينطفي وهج الشخصيات المراد الحديث عنها وتشويهها، على طريقة الذمّ مرّة، أو المدح الذي يُرادُ به الذمَّ مرّة أخرى، ولا وسطية بينهما.
وعلى هذه القاعدة تُقاس النصوص المنسوبة لصلاح الدين الأيوبي، أو تلك المنسوبة لنصير الدين الطوسي. ولا تتعدّى هذه الملاحظة العديد من الوقائع في جميع أدوارها وأطوارها وأزمانها ومراكزها.
إنّ قصة صلاح الدين كما وردت في النصوص التاريخية المتناقضة، والتي اعتمد السيّد الأمين على القسم المشوّه لشخصية صلاح الدين منها، هي في ذاتها تحملُ بذور نقائضها. فهي، اعتماداً على السرد التاريخي، تحاول ربط الشؤون السياسية الكبرى بالقضايا الشخصية البحتة. وإلاّ فلا يمكن أنْ نفسّر دخول صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين واعتماد الإمبراطورية الإسلامية عليه إلى وجود عدم الضوابط أو الشؤون العسكرية السائبة. وكأنّ الجيوش الإسلامية مرتبطة “بفرد” واحد تأتمرُ بأوامره، وليس هناك سلطة عليها تقف وراءه أو تحاسبه، خصوصاً وهو في حالة قيادته للجيوش، وليس حاكماً جرى العرف على زعامته للممالك الإسلامية.
إنّ ربط قضايا التاريخ الكبيرة بنتائج شخصيته هي سمة من سمات التاريخ الموهوم الذي لا يرقى إلى عصر “الوقائع”، وإنّما جرى عليه التحريف في عصور متأخرة عنه، خصوصاً عصر الصراع الصفوي ـ العثماني الذي بدأ أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، والذي فيه ظهر التحريف وتطوّر في الجانبين المذهبيين الشيعي والسنّي على حدّ سواء.
4 ـ اعتماداً على النصّ المنسوب لتاريخ ابن الأثير وغيره في قيام صلاح الدين الأيوبي الفصل بين الذكور والإناث الفاطميين ومنعهم من التزاوج حتّى شاخ أطفالهم وهم عشرة آلاف شخص، ممّا يُوحي أنَّ فترة الاحتجاز كان تقارب الخمسين عاماً على الأقل.
وتهدف مثل هذه المرويات المدسوسة بكتب التاريخ إلى مسائل، منها:
أ ـ إنَّ النصوص تحاول أنْ تردّ عمل صلاح الدين الأيوبي إلى العامل المذهبي الطائفي المتخذ من المذهب السنّي دافعاً له، باعتبار أنَّ الفاطميين هم من الشيعة المخالفين في المذهب والاعتقاد.
ب ـ إنّ مثل هذه الواقعة المعتمدة على الفصل بين الإناث والذكور، كما يقرّر النصّ، هي في حدّ ذاتها تنفي صحّة وقوعها. فإذا بقي هؤلاء العشرة آلاف شخص محتجزين، وشاب أطفالهم بهذه الطريقة التي قرّرها النص، ممّا يعني أنّ أحداً منهم لم يبقَ على قيد الحياة، خصوصاً من الطبقات الأكبر سنّاً، وعليه فإنّ عنصر الإبادة قد لحق بهؤلاء على مدى أكثر من نصف قرن من الاحتجاز.
أمّا الصمت الذي قرّرته الرواية في غياب تفاصيل مرحلة ما بعد الاحتجاز فهو دليل محكم على بطلانها من الأساس.
ج ـ إنّ مثل هذه الروايات تتكاثر في طبعات الكتب التاريخية وفي عصورها المختلفة، وهي تمزج حقائق الجد بالهزل والسخرية المبطّنة بالاستهزاء، ممّا يدلّ على أنّها ليست من أفعال المؤرخين على طول جبهات تاريخية متتالية، وإنّما هي من فعل أقلام عصر واحد وزّعها على العصور بالتساوي. وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ الإسلامي على مداه. وقد وردت الإشارة على أنّ الصفويين والعثمانيين ومن تبعهم من الساسة القاجاريين ساهموا في عملية تحريف الكتب المخطوطة، وتشكيلها وفق المناهج التي تخدم أهدافهم ومتبنياتهم السياسية.
حسن الأمين: ملاحظات عامّة
1 ـ السيّد حسن الأمين مؤرخ يمتاز بالجُرأة والبراءة. فإذا تقصَّى حدثاً تاريخياً أو معاصراً قال رأيه فيه دون أنْ يحسب للنتائج حسابها. وتغطي آراؤه جميع الجهات، القريبة منه أو البعيدة على حدّ سواء فيما يخصّ بتقييم سلوك الأفراد أو الأمم أو ركائز الأفكار وما يتّصل بها من المعتقدات على الصعيدين الديني أو السياسي.
2 ـ إمتاز الأمين بسعة الأفق، وغزارة المعرفة حتّى شكّل بحدّ ذاته “دائرة معارف” مليئة بالفوائد والدرر ينقلها معه في حلّه وترحاله. وقد تجلّت ثقافته في أحاديثه الشخصية وخطاباته المرتجلة البليغة، وكتاباته الغزيرة في أدب الرحلات والتراجم، أو السفر في أعماق الماضي، أو الإبحار في مدارات الأزمنة.
3 ـ عُرفَ السيّد حسن الأمين في الوسط المثقف العام بكتاباته ومتابعاته بالصحافة والمجلات ثمّ إصداره الكتب والمؤلفات. وعلى الصعيد الشيعي الخاص عُرف بالموسوعات التي أصدرها، والكتب التي تلتها فيما بعد. إلاّ أنّ معرفته داخل الوسط الشيعي لم تكن معرفة “شعبية”، وإنّما كانت أقرب ما تكون للمعرفة الرسمية. فلم تكنْ شخصيته بالرغم من بساطته وترسله قد نزلت إلى الشارع الشيعي وائتلفت معه. بل بقي شخصيةً رسمية يتوافد عليه نفرٌ محدود من الزائرين من ذوي الخبرة، أو من الدارسين التائقين لحلّ بعض المسائل التاريخية المشكلة أو التساؤل عنها. كما لم تكن تربطه علاقات بالقطاعات الشيعية الأخرى إلاّ بالقدر المحدود الذي يقرّبه إلى العلاقات التي لا تخرج عن نطاق الرسمية أيضاً.
4 ـ بالرغم من انفتاح حسن الأمين على جميع الأفكار واحترامه لها وعدم وقوعه في شباك “الطائفية”، إلاّ أنَّه لم يتجاوز في دراساته القراءة “الطائفية” للتاريخ، بل كانت جهوده جميعها منصبّة في هذه القراءة. ويظهر من ذلك تصدّيه للردود التي تظهر في الصحافة والمجلات ومتابعته لها، إلى جانب تصدّيه للمعارك التاريخية التي يُنَصّبُ نفسه فيها طرفاً يصدر حكمه على خصومه في أغلب الأحيان، أو ينتصر “لفئتهِ” بدرء الشبهات في أحيان أخرى. ولم تخرج دراساته عن إطار هذا المنحى في كلّ ما كتب وألّف. وكأنّ النزعة الطائفية التي أراد الهروب منها عملياً وقع بها نظرياً على صفحات الكتب وبين سطور المقالات، دون أن يجد في ذلك ضيراً أو حراجة. ويرجع سبب ذلك إلى أنّ حسن الأمين كان يشعر أنّ عالم التشيّع بما فيه من تاريخ ورجال وفكر ومؤلفات هو “تراثُه” الذي تلقّاهُ عن أبيه وهو مسؤول عنه، أو “ذاته” الكبرى التي يجب أن تكون ناصعة مضيئة على مدى الأجيال المتلاحقة دون أنْ يمسّها شيء من التغيير.
5 ـ إمتاز الأمين بصفة الوفاء، والخلق القويم. فقد كان في وفائه وخلقه ونبله مدرسة قائمة بذاتها. فهو يهتَمُّ لزيارة أو مراسلة مَنْ هم دونه مرتبةً ومقاماً وعمراً دون أنْ يجد حراجة في ذلك. تدعمه ثقة عالية يزرعها في نفوس مَنْ يقصدهم، وكأنّه يحاول أن يشكّل نفوسهم من جديد، أو يكرّم أعمالهم بالإشادة، وقد انعكس وفاؤه لأُناس عاش معهم، وسجّل عنهم، وأشاد بهم، وذكرهم بعد رحيلهم، كما ترك سطوره تلهج بالثناء عليهم في حياته وبعد رحيله.
وهو من منطلق هذا المبدأ لم يكن يقصد حتّى في دراساته التاريخية وهجومه الصارخ في بعض الأحيان، الإساءة إلى أحد، بل كان مبهوراً بالاكتشافات دون أنْ يحمل ضغينة على أحد. إنّ براءته باكتشاف المجهول ودهشته به تقرّبه إلى القراءة المحضة التي لا مراء فيها ولا جدل.
6 ـ يُلاحظ أنّ انبثاق عمل حسن الأمين التاريخي كان مرتبطاً بالعلاقة الحميمة التي حصلت بينه وبين صديقه الحاج حامد عزيزي، أحد ناشري الكتب الشيعية في بيروت منذ عقد السبعينيات الميلادية، وأثمرت خلال العقدين الأخيرين من حياة السيّد الأمين. فلم يكن الحاج عزيزي ناشراً لكتب “الأمينين”، الأب والإبن فحسب، وإنّما كان صاحب رؤية حاول تحقيقها وتنفيذها على رغم جسامة العمل وضخامته، وما يتطلبه من جهود متواصلة على حساب الطرفين.
وبهذا الاندفاع انطلق حسن الأمين مواصلاً سيره رغم تقدّمه الزمني، وحقّق رؤيته من خلال نشر موسوعاته؛ تحقيق أعيان الشيعة، مستدركات أعيان الشيعة، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية. وبعد أن تألّق اسمُهُ في عالم المصنّفين أقبلت بعض دور النشر تطلب رفده، فقدّم لها مؤلفات كانت كامنة على أدراج رفوف مكتبته، ونشر ما لا يقلّ عن عشرين كتاباً منها تلاقفتها أيدي القرّاء بالانتشار.
7 ـ بعد وفاة العلاّمة السيّد حسن الأمين يوم الاثنين 8 شعبان 1423هـ/ 14 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2002م لم يكن قد جرى له تشييع يليق وما له من مكانة علمية وأسرية في عالم التشيّع. ففي بيروت لم يكن الحشد الذي تجمّع في المسجد الجامع ينيف على الخمسين شخصاً. أمّا في “شقرا” بلدته العتيدة فقد استقبله أهله بالأعلام السوداء، وأعادوه إلى ترابه الأوّل في ظلال مسجد آبائه الأقدمين، وبين قناديلهم المنتشرة على أرجائه هنا وهناك.
أمّا الاحتفالات التي أقيمت بعد رحيله فلم تخرج عن الإطار “الرسمي” الذي رافق حياة الأمين نفسه. فقد تولّى تأبينه نخبة من رجال السياسة والدين الرسميين تحت رعاية دولتين رسميتين هما إيران ولبنان. ولم يكن للسيّد حسن الأمين أحدٌ يرثيه خارج السرب الرسمي، وكأنّ قدر هذه الشخصية الشيعية اللبنانية دفعها لأنْ تكون جسراً للتعبير عن الملاءمة التي تربط سياسة الدولتين الإيرانية واللبنانية بعضها بالآخر، حتّى ولو كان ذلك على صعيد الاحتفالات، التي جذبت الشخصيات من شتّى طوائفهم للتعبير عن هموم السياسة والدين وشجون المرحلة وشؤونها.
8 ـ لم يحصل السيّد حسن الأمين في حياته على ما يتمناه من دعم مشاريعه الثقافية، وتبنّيها من قبل عالم التشيّع أو غيره من العوالم الثقافية الأخرى، لكنّه بعد مماته حظيَ ببناء ضريح مجلّل على قبره كان قد أُعدّ عمله بمدينة أصفهان الإيرانية بسعي من سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان. ويمثّل الضريح بناءً متساوي الأضلاع تعلوه قبّة صغيرة، وتحيط به الكتابات المزينة بالأحجار والفنّ المعماري والأناقة في خط الرسوم ونقشها. وقد نُقشت صورة العلاّمة الأمين وهو في كامل أناقته وحيويته، على صخرة تشير إلى مرقده، كما نُقش عليها آخر بيتين من قصيدة لي في تأبينه، بعنوان “رثاء مؤرخ”، والبيتان هما:
| تجمّعت فيكَ أيامٌ وأزمنةٌ | مَنْ ذا سواكَ الذي قد حلّ مشكلها | |
| فقل لمن حملوا للقبر هيكله | دفنتمُ أممَ التاريخ أكملها |
وكان قد أُقيم حفل إزاحة الستار عن ضريحه بمدينة “شقرا” صباح يوم 25 ذي الحجة 1423هـ/ 27 شباط 2003م.
9 ـ بعد رحيل العلاّمة الأمين كتبتُ قصيدة في رثائه. ولم تكن القصيدة مرثاةً له، بل كانت مرثاةً لي أيضاً. فكنتُ أنعاهُ بالبيت إثر البيت، وأغيّر نعيه بنعي آخر، حتّى أحسست أنّي أؤبّن حسن الأمين المتلبّس في جسدي والذي يجري مجرى الدم في عروقي. لذلك كتبتُ بعد عنوان القصيدة هذه الجملة: “عندما نظرتُ بالمرآة تراءتْ صورة حسن الأمين فيها”.
فكنتُ أكتبُ البيت الواحد وأوزّعه على شخصين اثنين، الراحل الملتفّ بالصمت والمودّع الملتفّ بالحسرات، حتّى خُيّلَ لي أنّ هذه المرثاة صدرت مرتين؛الثانية منهما كانت صدى للأولى، وكأنَّ حسن الأمين هو الذي أعاد كتابتها وأرجعها إليّ. وقد ذكرتُ تمام القصيديتن في كتاب “الروض الخميل”.

جودت القزويني على قبر العلامة حسن الأمين ـ (شقراء 3 حزيران 2005م
وفي يوم من أيام الشتاء حملتُ قصيدة الرثاء ومشيتُ إلى بيت السيّد حسن الأمين ببيروت، لم أشأ أنْ أطرق الباب، بل تريثتُ بالإنتظار، فبقيتُ مرتقباً نزوله لشراء صحيفة أو إرسال رسالة، وطال وقوفي تحت سقف بنايته، لعلّه يُطلُّ كما كان بطلعته البهية، وترحابه الجميل لأُسمعَه أبياتي فيه، لكنّ أحداً لم يأتِ. ولمّا يئستُ بكيتُ، وتساقط الدمعُ من عينيّ، وبكت السماء معي وتساقط دمعُها مدراراً، فحملتُ “مظلّتي”، وعدتُ وحيداً أقطع ظلام المدينة بين قطرات الدمع، وزخّات المطر، وأنا أردّد قولي فيه، وأندبُ أيامه السالفة:
| مَنْ ذا يُعيدُ من الأزمان أجملَها | علّي أبثُّ شكاتي بينكم وَلَها | |
| يا أيّها “الحسنُ” الزاكي أرومتُهُ | هوّن خطاكَ فقد ناديتَ أعجلها | |
| قد جئتُ أرثيكَ هل تُرثى بقافيةٍ | إنْ لم يكُ الوحيُ من علياه أنزلها | |
| مَنْ ذا يضاهيك في الجُلّى ورهبتها | ألستَ أنتَ الذي قد كنتَ جحفلها؟ | |
| أنتَ الذي لو مددتَ السحبَ كنتَ فتى | على الملايين من جدواهُ ظلّلها | |
| ما خلتُ أنثرُ من نظم القريض رؤىً | ووجهُكَ البدرُ غافٍ ما تأملها | |
| بكتْ عليك مع القرطاس محبرةٌ | لمّا رثتْ صحفُ التاريخ مقولها |
مستدركات دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
لمّا انتهى المطاف بالسيّد الأمين ولم يُكمل من “دائرة المعارف” إلاَّ (25) جزءاً، ونصف جزء أُلحق بالمجريات التي أعقبت وفاته، وكان المؤمل أن يصدر ثلاثون جزءاً منها، إرتأى الحاج حامد عزيزي أنْ يتحمّل مسؤولية إصدار “دائرة المعارف” وفاءً للراحل الأمين، وطلب أن أزوّده ببعض ما ينسجم وخطة عمل المشروع، من التركيز على الدراسات وبعض الرسائل المخطوطة والمؤلفات، خصوصاً غير المنشورة. وبناءاً على ذلك زوّدتُ “المستدركات” بحشد من النصوص المخطوطة والدراسات والأبحاث المتفرقة سواءاً التي كتبتُها بقلمي أو التي جمعتُها واحتفظتُ بها على مدى أعوام طوال. وقد سار جمع المادة بشكل موزّع مستهدفاً إرضاء طبقات القرّاء على اختلاف مستوياتهم وتخصّصاتهم. وبهذا “الجزء الثلاثون” تكون دائرة المعارف قد تمّت بمستدركاتها الأربعة.
بيروت: 3/8/2005م
جودت القزويني
شيعة جبل عامل
جبل عامل اسم لمقاطعة من الأرض جنوبي الشام، ويسمّى جبل الجليل، ويُعرف بالبشارتين، ولا تزال القطعة الجنوبية منه تُعرف ببلاد بشارة.
ويطلق على ما كان بين النهرين (الليطاني والزهراني) بلاد الشقيف، وعلى ما وراءهما من جهة الشمال إقليم التفاح، الشومر، الريحان، والخروب.
اختلف المؤرخون في تحديده ولعلَّ هذا الاختلاف نشأ من امتداد سلطة زعمائه أحياناً، وتقلصها أخرى. فكانت بعض البلاد داخلة تحت سلطة زعمائه في زمن بعض المؤرخين فأضافها إليه، وخارجة في زمن بعض آخر، فأخرجها عنه.
يحدُّ جبل عامل جنوباً نهر القرن الجاري قرب ترشيحا “طير شيحا” من بلاد عكا، وشرقاً أرض الخيط، والأردن، والحولة، وقسم من جبل لبنان، وشمالاً نهر الأوّلي، وغرباً البحر المتوسط. وتدخل في هذا الحدّ صيدا، جزين، وقسم من قرى عكا.
وقد عدّلت الحدود أخيراً فاجتاح التعديل تسع قرى هي: الجادرية، هونين، القدس، مالكية الجبل، صالحا، حانوتا، تربيخا، أقرط، يوشع.
وقد شطرت بعض القرى شطرين، كما هي الحال في قرية ميس الجبل، ويارون، وعيثا الشعب، وراميا، وغيرها. فقد اجتاح التقسيم الشطر الوافر من أملاك أهل هذه القرى، وأدخله تحت الحكم الإسرائيلي.
وقد سُمّي جبل عامل بـ “لبنان الجنوبي” عند الاحتلال، وسُمّي لبنان الشمالي بـ “لبنان الصغير” وسُمّي جبل عامل بـ “الجنوب”().
وتُعتبرُ منطقة جبل عامل من المناطق التاريخية المقترنة بالتشيّع. وتُعدُّ عبر تأريخها الطويل إحدى المدارس الفكرية الشيعيّة المتميزة من خلال الآثار العلمية التي تركها فقهاء هذه المنطقة، والتي أصبحتْ مؤلفاتهم حتّى اليوم من المصادر المُعتَمدة في الدراسة والتدريس في أغلب العلوم الدينيّة.
ومنطقة جبل عامل عبارة عن قرى جبلية تقع بين مدينتي صيدا وصور جنوبي لبنان، ويُقال إنَّ الاتجاه إلى التشيّع بدأ فيها منذ نفي الصحابي أبي ذر الغفاري، أحد الموالين لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، إلى بلاد الشام في عهد الخليفة عثمان بن عفان. ولا يزال في قرية (ميس الجبل) مسجدٌ يحملُ اسمه.
أوردت كتب التاريخ أنَّ التشيّع ظهر أوّلاً في بلاد الحجاز، ثمّ ظهر في العراق زمن خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
تؤكد بعض الروايات أنَّ التشيع انتقل إلى بلاد الشام على يد أبي ذر الغفاري، خاصّة وأنّه سكن بلاد الشام بعد السنة الخامسة للهجرة، واستدعاه عثمان بن عفّان لشكوى من معاوية ابن أبي سفيان، لكنَّه عاد إلى بلاد الشام حيث استقرّ في جبل عامل، ونشر التشيّع هناك، وتُوفي سنة 32هـ/ 653م.
وما زال له مقام يُزار في قرية الصرفند بين صور وصيدا، ومقام آخر في قرية (ميس) في جبل عامل().
كما ذكرت المنقولات أنَّ معاوية كان قد ضيَّق على أبي ذر ممّا دفعه إلى الخروج إلى القرى، ونشر التشيّع فيها، وخاصّة المنطقة الواقعة بين أرض البقاع شرقاً والبحر المتوسط غرباً، ومدينة بعلبك وأعمالها، ومنها انتشر شمالاً وشرقاً في أعمال حمص وحلب().
وحسب منهجنا بدراسة التاريخ فإنَّ هذه المرويات لا واقع لها أصلاً، وهي ممّا أُلصق بتاريخ هذه المرحلة من الحوادث المفتعلة التي تحال أنْ تصرف تاريخ تلك الحُقبة عن واقعيته.
وقد تنبَّه العلاَّمة السيّد محسن الأمين إلى ذلك فأشار إلى أنَّ تشيّع أهل جبل عامل على يد أبي ذر لم يرد به خبر يُعتمد عليه، ولا ذكره مؤرّخ، إلاَّ تناقل الخلف له عن السلف، وبوجود مسجدين منسوبين إليه في تلك البلاد أحدهما في قرية ميس، والآخر في قرية الصرفند.
يقول الأمين: تُوفي أبو ذر بالربذة، فنسبة المشهد إليه غلط().
أمّا انتشار التشيّع في هذه المنطقة فيعود بالتأكيد إلى ازدهار الحكومات الشيعيّة خلال القرن الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين التي أصبحت أغلب بقاع العالم الإسلامي خاضعة لسيطرتها، إبتداءً بحكم البهويهيين للعراق وإيران، والحمدانيين لسوريا، والفاطميين لمصر، وأغلب مناطق شمال أفريقيا، وانتهاءً بحكم الأدارسة في شمال غرب أفريقيا، والزيدية في مناطق شمالي إيران واليمن().
وبالرغم من شيعيّة هذه الدول، إلاَّ أنّ الصراعات السياسية، كما أوردت النصوص، كانت مستحكمة بينها، فقد انتهى الحكم الحمداني شمال العراق على يد دولة شيعيّة أخرى هي دلة العُقيليين الذين حكموا الموصل من سنة 380هـ/ 990م، حتّى سنة 489هـ/ 1096م.
أمّا في سوريا فقد استحكمت إمبراطوريات الأمراء الشيعة مدّة طويلة من الزمن. وبعد سقوط الحمدانيين في حلب حلَّت محلهم إمبراطورية الأمراء الشيعة (المرداسيون) الذين بقوا في السلطة حتّى سقوطهم على يد العُقيليين أمراء الموصل سنة 472هـ/ 1089م.
وقد انتهى الاحتلال العُقيلي لحلب حدود عام 478هـ/ 1085م عندما أصبحت هذه المنطقة تحت النفوذ السلجوقي السنّي.
وفي مدينة طرابلس (الواقعة جنوب سوريا) حكم أمراء آخرون من الشيعة هم بنو عمَّار حتّى سقوطهم على يدي الصليبيين عام 503هـ/ 1109م.
وخلال هذه الفترة الزمنية وردت إشارات كثيرة تدل على انتشار الشيعة في بلاد الشام بشكل واسع خصوصاً ما ذكره معظم الرحّالة الذين قاموا بجولاتهم في القرن الخامس الهجري/ الحاي عشر الميلادي أنَّ هناك أعداداً كبيرة للشيعة في بلاد الشام بالرغم من عدم تميّزهم بين المذاهب الشيعية نفسها.
فقد كانت أغلب المدن القريبة من الساحل السوري تحتوي على أغلبية شيعية كحلب، طرابلس، بعلبك، وصيدا، كما كانت المدن الداخلية الأخرى كحمص، حماة، ودمشق يقطنها سكان من الشيعة أيضاً.
وقد ذكر الرحّالة الإيراني ناصر خسرو الذي زار هذه المنطقة سنة 439هـ/ 1047م أنَّ جميع سكان طرابلس، وأغلب القاطنين في مدينة صور كانوا من الشيعة.
ونًسب إلى ياقوت الحموي أنَّه اقتبس نقلاً عن رسالة لابن بُطْلان، (هكذا ورد اسمُه)، كُتبت حدود سنة 440هـ/ 1048م أنَّ فقهاء حلب كانوا يُصدرون فتاواهم طبقاً للمذهب الإمامي().
وذكر الرحالة ابن جُبير (540ـ614هـ/ 1145ـ1217م) بعد زيارته لمدينة دمشق سنة 580هـ/1184م أنَّ الشيعة فيها، وفي غيرها من المناطق لهم مظاهر غريبة، وهم أكثر عدداً من السُنّة، وقد نشروا عقائدهم في تلك المناطق، وهم مقسّمون على مجاميع هم: الإمامية، الزيدية، الإسماعيلية، والنصيرية().
وطبقاً للمنقولات فإنَّ التشيع بقي في حلب رسميّاً حتّى مجيء نور الدين زنكي (قُتلَ سنة 569هـ/ 1174م) فاتخذ سنة 541هـ/ 1147م المذهب الحنفي مذهباً رسميّاً مكانه().
أمّا الدولة الفاطمية فقد سقطت سنة 567هـ/ 1171م على يد صلاح الدين الأيوبي ممّا ساهم في انحسار المدّ الشيعي، وظهور المذاهب الإسلامية السُنيّة على مسرح الأحداث السياسية من جديد.
وشاهدٌ آخر على انتشار التشيّع في بلاد الشام تلك الصلة الوثيقة بين فقهاء بغداد وشيعة هذه البلدان تجلّت من الكتابات والرسائل التي كان يُجيبُ زعيم الإمامية الشريف المرتضى (436هـ/ 1044م) فيها عن الأسئلة الدينية التي ترده من صور، وصيدا، وطرابلس.
وقد حوت “رسائل الشريف المرتضى” التي نُشرتْ عام 1409هـ/ 1989م على رسالة (أجوبة المسائل الصيداوية)، رداً على الأسئلة التي وردته من شيعة صيدا، وكذلك على أجوبة لبعض المسائل الفقهية التي وردته من أهل طرابلس، والتي تضمّنت عدّة رسائل عُنونت بـ (جواب المسائل الطرابلسية الثانية)()، و(جواب المسائل الطرابلسية الثالثة)().
كما كان للفقيه أبو الفتح محمد بن عثمان الكراجكي() (ت: 449هـ/ 1057م) دورٌ في رعاية الوجود الشيعي في هذه الأنحاء، والحفاظ عليه، حيث كان هذا الفقيه تلميذاً للشيخ المفيد، والشريف المرتضى، وقد أصبح ممثلاً عن المرتضى في مدينة (صور)، وأحد علماء الإمامية البارزين في تلك المناطق.
بقيت الصلة بين أبناء جبل عامل وفقهائها، وفقهاء مدرسة بغداد قائمة عَبرَ مختلف العصور، وبالرغم من عدم وجود إشارات لهذه الصلة في فترة ما بعد شيخ الطائفة الطوسي نظراً للظروف السياسية التي عصفت بالمؤسسة الدينية بعد سيطرة السلاجقة على زمام الحكم في العراق، إلاَّ أنَّ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وما بعده شهد نشاطاً لدى الفقهاء العامليين الذين نزحوا للدراسة على يد فقهاء الحلّة أمثال المحقق الحلّي، والعلاّمة، وفخر المحققين. وأشهر هؤلاء الفقهاء، هم: الشيخ إسماعيل بن الحسين العودي الجزيني (ت: 580هـ/ 1184م)، والشيخ صالح بن مشرف العاملي الجُبعي (أحد أجداد الشهيد الثاني، وأحد تلامذة العلاَّمة الحلّي المتوفى 726هـ/ 1326م)()، وجمال الدين يوسف بن حاتم الشامي العاملي، (من تلامذة جعفر بن سعيد)، والشيخ نجم الدين طومان() بن أحمد العاملي (ت: 728هـ/ 1327م)().
كما أنَّ ازدهار الحركة العلمية في هذه الحواضر كان صدى لمنحى التفكير الفقهي والعقلي الذي كان متوارثاً لدى فقهاء مدرستي النجف والحلّة في ذلك الوقت. ويظهر التأثير جليّاً عند الشهيد الأوّل الذي يعتبر أكبر فقيه عاملي نقل فكر مدرسة الحلّة إلى بلاد الشام بعد أكثر من خمس سنوات من تلمذته على يد زعيم الإمامية فخر المحقّقين ابن العلاّمة الحلّي إبتداءً من عام 750هـ/ 1349م، وانتهاءً بعام 758هـ/ 1357م.
كانت الأوضاع السياسية لدولة المماليك في بلاد الشام خاضعة للصراعات بين الأطراف المتنازعة على النفوذ، والتي هي بدورها خاضعة للحكم المركزي في مصر. وقد امتازت ـ كما هي عادة أيّ حكم ـ بالعنف، واعتماد الوسائل المختلفة في قمع الخصوم.
ومن الملاحظ أنّ الشيعة كانوا قد مرّوا بمأزقين كبيرين خلال الحكم المملوكي بالشام:
أوّلهما: مذابح كسروان (التي وقعت تحت حكم المماليك البحرية عام 705هـ/ 1306م) والتي غيّرت في تركيبتهم الاجتماعية، وأخلّتْ بنظام استيطانهم، وفرَّقت شملهم في المدن والقرى التي لم يألفوا السكن بها من قبل.
وثانيهما: مقتل كبير زعمائهم الشيخ الفقيه محمد بن مكي المشتهر بالشيهد الأوّل عام 786هـ/ 1384م على يد المماليك البرجيّة (الشراكسة) بعد تسلّمهم مقاليد السلطة في مصر وبلاد الشام().
وكانت بين هاتين المرحلتين فترات اتصال وتفاهم بين الشيعة والمماليك الأتراك (سيأتي الكلام عليها)، وفّرت أجواءً من الحرية الدينية لنمو التشيّع في هذه الفترة المليئة بالمتناقضات والمتغيرات السياسية.
أمّا الإقطاع الشيعي المتمثّل بالمقاطعات الحاكمة فهو يختلف تماماً عن الحركة التي كانت تقودُها المؤسسة الدينية الشيعية المتمثلة بالشهيد الأوّل، والتابعين له من طلبة العلوم الدينيّة، وغيرهم من الأتباع.
إنَّ تاريخ الاضطهاد الطائفي ضد الشيعة، كما صوّرته النصوص، بدأ في مصر وبلاد الشام عند سقوط الإمبراطوريات الشيعية التي امتدّت في أرجاء العالم الإسلامي في تلك المرحلة التأريخية. فقد سقطت الخلافة الفاطميّة في مصر عام 567هـ/1171م على يد الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي (ت: 589هـ/ 1193م). وكانت الخلافة الفاطمية قد نَشَرتْ بواكير نفوذها على أفريقيا، ثمّ توسّعت أوائل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وبلغت أوجها في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي.
أمّا في بلاد الشام فقد استولى نور الدين زنكي عام 549هـ/ 1154م على دمشق، وأنهى الدولة الأتابكية البورية، واستطاع أنْ يوحّد المناطق السورية دينيّاً وسياسياً، وقد دام له الحكم حتّى وفاته عام 569هـ/ 1174م، واحتلال صلاح الدين الأيوبي لدمشق في العام نفسه().
وبعد وفاة صلاح الدين الأيوبي تفكّكت الدولة الأيوبية بعده، فنهض المماليك الأتراك للسيطرة على زمام الحكم بمصر سنة 648هـ/ 1250م.
وكانت بلاد الشام وحلب في عهده مليئة بالفرق الشيعية التي تشكّل بمجموعها أكثرية السكان منذ عهد الدولتين الفاطمية والحمدانية، والتي بدأت بتكوين الإمارات الشيعية في طرابلس، وصور، وحمص، وسلمية، وحلب.
أمّا الحالة السياسية في العالم الإسلامي فقد بلغت ذروة تدهورها بسقوط الخلافة العباسية ببغداد سنة 656هـ/ 1258م على يد هولاكو، حسبما أوردت المرويات ذلك.
ونتيجة لردّ الفعل بسقوط الخلافة العباسية السُنيّة فقد أُعلِنَ عن بعثها في القاهرة سنة 661هـ/ 1262م، وتلقَّبَ ملوك المماليك رسميّاً بالسلطنة().
وقد صوّرت النصوص المتناقلة السياسة التي إعتمدتها الدولتان الزنكية والأيوبية بأنّها اعتمدت المذاهب الإسلامية السُنيّة الأربعة، وحاربت المذاهب الإسلامية غير السُنيّة.
وكانت سياسة المماليك ـ طبقاً لهذه النصوص ـ هي امتداد لسياسة الزنكيين والأيوبيين في محاربتهم للتشيّع في مصر، وبلاد الشام. فقد أمر السلطان الظاهر بَيْبَرس سنة 665هـ/ 1267م باتّباع المذاهب السُنيّة الأربعة وتحريم ما عداها. كما أمر بأن لا يُولّى قاض، ولا تُقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة، أو الإمامة، أو التدريس ما لم يكن مُقَلِّداً لأحد هذه المذاهب.
ونظراً للتأثير السياسي، فقد ضعفت البنية الاجتماعية، وتفكّكت أواصرها في المجتمع الواحد، وبلغت الحالة درجةً بين الناس إذا أرادوا أنْ يكيدوا لشخص دسّوا عليه مَنْ رماه بالتشيّع، فتُصادر أملاكه، وتنهال عليه العقوبات والإهانات حتّى يُظهر التوبة من الرفض().
هذا على صعيد الأفراد. أمّا عندما تكون القضية أكبر من ذلك فإنَّ الدولة المملوكية تحتجُّ باختلاق التُّهم المختلفة وإلصاقها بهم كالاتصال بالصليبيين، أو التعاون مع القوات المغولية، أو الأيوبية لإسقاط الحكم المملوكي().
ومن هنا بدأت مذابح الشيعة في كسروان.
بلغت الاضطرابات أوجَها ببلاد الشام في هذه المرحلة بعد سيطرة المماليك على الحكم عام 658هـ/ 1260م. فقد تسلّم المماليك مقاليد السلطة في القاهرة قبل وصولهم إلى الشام بعقد من الزمن، وبالتحديد في عام 648هـ/ 1250م بعد انهيار السلطنة الأيوبية في مصر. وعند احتلال الجيوش المغولية للمماليك الأيوبيّة في الشام سنة 658هـ/ 1260م تقدّمت الجيوش المملوكية نحو الشام واستقرّت فيها بعد انتصارها في معركة عين جالوت من العام نفسه على القوات المغولية.
وعندما أصبحت دمشق خاضعة للحكم المملوكي أصبحت بلاد الغرب التنوخية ومناطق البقاع، وبعلبك تابعة لها، لأنَّها كانت تتبع الحكم المركزي بدمشق. أمّا المناطق اللبنانية في الجنوب والشمال، والساحل فقد كانت خاضعة للصليبيين حتّى عام 690هـ/ 1291م عندما أنهى المماليك الوجود الصليبي في الشرق.
وكان الحكم خلال هذه العقود الثلاثة مُوَزَّعاً بين المماليك والصليبيين، كما كان مهدداً من قبل الغزو المغولي في بعض الأحيان.
كانت المناطق المستقلة في بلاد الشام بشكل عام تجهد على التعامل مع هذه المتغيرات بما يضمن لها استمرارية بقائها ضمن حدود سلطتها.
فالأمراء التنوخيّون أو البُحتريون (الدروز) انقسموا فيما بينهم بسبب اضطراب الأوضاع السياسية التي عصفت بالمنطقة فنظَّموا علاقتهم المباشرة مع المماليك بالقاهرة عندما كانت مقاطعتهم خاضعة للحكم الأيوبي بدمشق قبل سيطرة المماليك عليها.
كما كان لبعض زعمائهم محاولات لعقد بعض الروابط مع الزعماء المغوليين.
فمن الأمثلة على ذلك أنَّ أحد زعمائهم حارب مع المغول في معركة (عين جالوت) سنة 658هـ/ 1260م التي وقعت بين المماليك وقوات المغول، في حين أنَّ زعيماً آخر من العائلة نفسها كان يحارب في صفوف المماليك ضد القوات المغولية.
ويذكر مؤرخ الأسرة التنوخية الأمير صالح بن يحيى أنَّ المنتصر من الفريقين يسدّ خلَّةَ البلاد قصداً لإصلاح الحال().
وهكذا كانت الوجودات المستقلّة تعيش ضمن متغيرات سياسية، وكان على قادتها أنْ يتكيّفوا بما تُمليه عليهم خبراتهم مع الأوضاع المستجدة في آن واحد.
مذابح كسروان
كانت منطقة كسروان الشيعية من المناطق المستقلة التي تمتاز بطبيعة جبالها المحصّنة، وكان أغلب أهاليها من الشيعة(). وتجاور هذه المنطقة جُنوباً المقاطعات التنوخية، والتجمّع الصليبي في الساحل، والتكتل الإسلامي السُني في البقاع. وقد سعى المماليك للسيطرة على المناطق في سوريا ولبنان.
وبالرغم من إتباع المقاطعات للسلطة الجديدة إلاَّ أنَّ شيعة كسروان بقوا مترددين في خضوعهم للحكم الجديد.
من هنا بدأت الحملات العسكرية للسيطرة على المنطقة. وكانت أولى هذه الحملات قد وقعت عام 691هـ/ 1292م والتي قادرها نائب السلطان الأمير بدر الدين بيدرا، إلاَّ أنَّ هذه الحملة أصابها الفشل().
فجرَّد المماليك حملة ثانية س699هـ/ 1299م ردّاً على معاملة الكسروانيين للجنود المماليك الهاربين من أيدي القوات المغولية بعد سيطرة السلطان المغولي غازان خان على بلاد الشام.
وقد أُتُّهمَ الكسروانيون بالاعتداء على بعض الهاربين خلاف ما كان يقوم به البحتريون من إكرامهم، والإحسان إليهم().
وانتهت هذه الحملة بالتفاوض مع كبار الكسروانيين، وإعادة الغنائم التي غنموها من الجنود المملوكين عند هزيمتهم أمام القوات المغولية(). وكان التنوخيون قد ساهموا مع المماليك في هذه الحملة الأمر الذي حدا بنائب دمشق أنْ اقتطع كسروان للأمراء التنوخيين فتمرَّد الكسروانيون على السلطة المملوكية مرَّةً أخرى، وتجدّد القتال بينهم وبين المماليك سنة 702هـ/ 1302م().
لم تتمكّن الحملات الكسروانية الثلاثة من السيطرة على المنطقة. ويبدو أنَّ الوضع الذي تفرّدت به كسروان بتمتعها بما يشبه الحكم الذاتي جعل سلطة دمشق تتحيَّن الفرصة للسيطرة عليها، والقضاء على المتنفذين فيها.
وقد إستخدم المماليك كُلَّ الوسائل التي من شأنها أن تُعبئ الرأي العام لشنّ هجوم كبير للسيطرة على كسروان(). وفعلاً فقد نجحت عام 705هـ/ 1305م من ذلك، وأسهم في التعبئة نواب ممالك طرابلس، وصفد، وبعض أمراء البقاع الغربي، وبعلبك مضافاً إلى مساعدة التنوخيين في القتال، واشتراكهم الفعلي به.
وقد سبقت هذه الحملة حملة دبلوماسيّة قام بها المماليك لإخضاع الكسروانيين، إشترك في الوساطة بين الدولة المملوكية والكسروانيين أحد رجالات الشيعة وهو الشريف زين الدين محمد بن عدنان الحُسيني (نقيب الأشراف بحلب)، قيل إنَّه سعى لحلّ النزاع القائم بين التنوخيين والكسروانيين الذي دام أكثلر من عقد من الزمن دون أنْ يحقق شيئاً من النجاح. وقيل أيضاً إنَّ هذه الوساطة لم تنجح بسبب زواج الشريف محمد بن عدنان (نقيب الأشراف) من إحدى الأميرات التنوخيّات!.
وقد ادّعى ابن كثير في حوادث سنة 704هـ: أنَّ نقيب الاشراف محمد بن عدنان كان قد اشترك مع ركب ابن تيميّة في ضرب جبل الجرد (الجرود: هي المناطق الجبلية الوعرة)، ودحر الكسروانيين.
وذكر الدكتور المنزوي قوله: إذا صحّتْ هذه الدعوى يظهر أنَّ زين الدين بن عدنان قد انحرف عن طريق عائلته، وباع نفسه لمماليك مصر الذين استخدموا الناصب ابن تيميّة لضرب الشيعة الكسروانيين، ودحرهم من جبال كسروان، وتسليمها إلى المارونيين من النصارى حيث بقوا فيها إلى اليوم().
نقلت النصوص أنَّ العالم السنّي الشيخ تقي الدين ابن تيميّة شيخ المذهب الحنبلي كان قد اشترك في دمشق بمفاوضة الشيعة للرجوع إلى الطاعة. ولمّا لم يستجب الشيعة الكسروانيون للشروط المملوكية عاد ابن تيميّة إلى دمشق، وأخذ بالدعوة إلى قتال الكسروانيين، والقضاء عليهم قضاءً مُبرماً بعدما أفتى بهدر دمائهم.
وقد سقطت كسروان بعد أحد عشر يوماً من بدء الحملة (من 2 إلى 13 محرم). ونظراً للمقاتل العظيمة التي أصابت أهلها()، فقد سُمِّيت هذه الواقعة في التاريخ الشيعي بـ “عاشوراء كسروان” تذكيراً بتلك الأيام الدامية التي لاقى بها الشيعة مقتل ثالث أئمتهم مع أهل بيته في محرم سنة 60هـ بالعراق في إحدى المدن الفراتية().
إلاَّ أنَّ مثل هذه المنقولات هي موهومات محضة دُسّت إلى كتب التواريخ دون أنْ يفطن إليها أحد.
من مجموع هذه الحوادث أظهرت النصوص أنَّ الانتقام المملوكي كان انتقاماً دمويّاً عنيفاً قضى على الكيان المستقل للشيعة في لبنان. وكانت فتاوى الإمام ابن تيميّة قد طُبِّقتْ على خصومه المذهبيين بما حققت نتائجها الكاملة في ذبحهم، والقضاء عليهم بعد مذابح كسروان.
ومن الوثائق المنسوبة إلى الإمام ابن تيميّة ـ بعد مذابح كسروان ـ رسالته التي بعثها إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون الثاني (698ـ708هـ/ 1299-1308م) يُبرزُ فيها فتاواه في قتال الكسروانيين، وإباحة دمائهم. وقد تضمّنت هذه الرسالة بعض الموارد التي يمكن التركيز عليها ضمن هذه النقاط التالية:
1 ـ اعتبر ابن تيميّة أنَّ فتوح كسروان هي من الانتصارات الكبيرة التي تحقّقت في عهد الناصر محمد بن قلاوون خليفة المسلمين، وقَرنَ عهدَهُ بعهد الخلفاء الراشدين.
2 ـ التأكيد على أنَّ شيعة كسروان الخارجين عن السُنّة والجماعة هم مرتدّون من الناحية العقائدية، أمّا من الناحية السياسية فهم يقدّمون “الصليبيين والتتار على أهل القرآن والإيمان”، وحدَّدَ أماكن تجمّعهم في مدينة جزّين وما حواليها، وجبل عامل ونواحيه.
3 ـ أوردت الرسالة أنَّ المقاطعة الشيعية في كسروان كانت خاضعة لسلطة ذاتية تكتسب شرعيتها من قبل بعض المشايخ، أمثال: بني العود. وذكر أنَّ بعض مؤلفات ابن العود، وغيره من المشايخ وقعت بأيدي القوات المملوكية الفاتحة .
4 ـ ذكر ابن تيميّة أنَّ الزعماء المغول إبتداءً بالسلطان هولاكو، وانتهاءً بالسلطان غازان كانوا قريبين من الزعماء الشيعة، وواقعين تحت تأثيرهم في محاولة لربط الكيانات الشيعيّة في بلاد الشام بالغارات المغولية عليها.
5 ـ برَّرَ ابن تيميّة ما فعلتْهُ القوات المهاجمة لمنطقة كسروان من قتل الأهالي دون تمييز بينهم، واستباحة دمائهم اعتماداً على بعض الروايات، والنصوص التاريخية المدعمة بالشواهد القرآنية، واقتداءً بسيرة نبيّ الإسلام في محاربته لليهود، وبسيرة الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في حربه مع الخوارج.
6 ـ الدعوة إلى تتبع الشيعة بعد مذبحة كسروان في أماكن انتشارهم التي عيَّنَ منها دمشق والقرى التابعة لها، صفد، طرابلس، حماة، حلب، وإلزامهم بالأحكام الإسلامية، ومعاقبة مَنْ عُرفَ بالبدعة والنفاق بما تُوجبه شريعة الإسلام.
7 ـ ميّز ابن تيميّة في (رسالته) بين شيعة كسروان، وغيرهم من الفرق الشيعية، ممّا يؤكد على أنَّ هوية سكانها المذهبية هي الإثنا عشرية، ووصفهم بالرافضة أوّلاً، وذكر من عقائدهم أنّهم يؤمنون بالمهدي المنتظر الذي دخل السرداب في (سامراء) منذ أربعة قرون مضت من عهده يومذاك().
وبعد استيلاء المماليك على كسروان نزح أغلب الشيعة إلى (جزّين)، واستقرّوا بها. أمّا قُراهم فقد اقتُطعتْ في كسروان لبعض أمرائهم في دمشق، وبعلبك، ثمّ أخذت الدولة بتشجيع استيطان العشائر التركمانية فيها منذ بداية عام 706هـ/ 1306م، ملزمةً إياهم بالمحافظة عليها.
وبعد الحملات الكسروانية انقطع الشيعة في وسط عدائي متظاهرين باعتناق المذهب الشافعي طيلة الفترة التي تَلَتْ هذه المرحلة.
كانت حصيلة تفريغ كسروان من سكانه الشيعة أنْ بدأت الهجرة المارونية تحلُّ محلّهم بتشجيع من أصحاب الإقطاع الكسرواني، وعلى رأسهم العائلات التركمانية من بني عسّاف.
كما أصبحت الإمارة العسّافية التركمانية في كسروان من الإمارات الإقطاعية، وبدأ الموارنة بتشجيع من الأمراء العسّافيين للسكن في كسروان لغرض إعمارها.
وبمرور الزمن بدأ التنافس الإقطاعي يشتدُّ بين التنوخيين (الدروز)، والعسافين المسلمين حتّى انتهى بسيطرة الموارنة على كسروان().
تلخيص مفردات البحث
تتّضح من خلال السرد التاريخي بعض النتائج التي يمكن إجمالها بفقرتين:
أولاً ـ يكتنف الغموض تفاصيل تاريخ جبل عامل، وتسلسل حوادثه وتعاقب الدول عليه. وقد سار البحث على ما ورد في النصوص المنسوبة إلى كتب التاريخ دون اللجوء إلى مناقشتها، أو تهشيمها سوى الإشارة إليها إشارة عابرة.
والواقع أنَّ الإشكالية في النصّ التاريخي التابع لهذه الحوادث لا يزال قائماً، خصوصاً النصوص المبتنية على المنهج الطائفي، المتخذ من التنافر المذهبي أساساً له. وهذا ما سمَّيناه بالتاريخ المُعلّب، أو “تعليب” التاريخ.
ثانياً ـ ما ورد من نصوص في تاريخ مذابح كسروان باعتماد المنهج الطائفي، لا يمكن الركون إليه أبداً، فمذابح كسروان، إنْ جرى عليها شيء، فإنَّه لم يكن بهذه الملتقطات التي عبَّرت عنها النصوص.
ومن ناحية ثانية فإنَّ تناقض النصوص، واضطرابها حول هذه الواقعة، واقعة كسروان، هي في حدّ ذاتها تشيرُ إلى تهافتها، واضمحلالها.
فقد لاحظ بعض الدارسين، وهو السيّد محمد علي مكي أنَّ الأخبار التي تطرَّقت لمعركة كسروان هي أخبار غامضة ومضطربة من جميع جهاتها()، وذلك ينصبّ على:
1 ـ الاضطراب في تحديد سنة وقوعها.
2 ـ الاضطراب في تحديد الهوية المذهبية لسكان كسروان، هل أنَّهم دروز، أو موارنة، أو من النصيرية، أو من الشيعة؟ ليدخل القارئ في دوّامة من التخرّصات المعتمدة على التأويل والتحليل في دائرة المنظومة الوهميّة للتاريخ.
3 ـ الاضطراب في سير المعركة، وغموض تفاصيلها.
4 ـ تضخيم دور ابن تيميَّة في إبادة الشيعة وقتلهم، ابتداءً من تصدّيه للمفاوضات بين الدولة وشيعة كسروان أوّلاً، وتصدّره ثانياً لقيادة الجيش لقتالهم.
وقد أوردت النصوص المنسوبة إلى ابن الأثير، والمكتوبة بأقلام لم تُعاصر هذه المرحلة أنّ أحد أعلام الشيعة، وهو الشريف محمد بن عدنان الحسيني، نقيب الأشراف بحلب، كان قد نكّل بالشيعة، واتَفقَ مع ابن تيميّة على قتالهم.
وكلّ هذه الملتقطات لا يمكن الوثوق بها، وتصديقها، لأنّها تصبُّ ضمن تيّار التاريخ المُعلَّب، أو المنظومة الوهمية للتاريخ.
5 ـ الرسالة التي كتبها شيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون الثاني (698ـ708هـ/ 1299ـ1308م) بشأن تبرير فتاواه بقتال الشيعة في منطقة كسروان ـ، أنَّ ابن تيميَّة منها براء. وهي قطعاً كانت قد كُتبت في فترة متأخرة عن عصره لأمور عديدة، يدور قسمٌ منها حول:
1 ـ المصطلحات المستخدمة في النص، مثل مصطلح (الرافضة) الذي أثبتنا أنَّه لم يكن مُتداولاً في تلك القرون، بل هو من مخترعات المتأخرين.
2 ـ ويدور قسمٌ آخر حول لغة النص: حيث يحاول تقمّص روح تلك المرحلة، وأدائها دون جدوى. فاللغة لغةٌ مصنوعة لا تمتُّ إلى روح تلك المرحلة بصلة.
3 ـ إنَّ لغة النصّ تتناقض وطريقة مخاطبة شيخ من شيوخ الإسلام مع حاكم متنفّذ. فطريقة حشر الاتهامات، وتصوير الفضائح، وتوزيع التُهم بطريقة غير متجانسة، يؤكّد على عدم مصداقية النصّ ووثاقته، خصوصاً أنَّ الصراع ـ إنْ صحَّ وجودُهُ ـ فهو صراع سياسي، وليس صراعاً عقائدياً().
د. جودت القزويني
الشيعة في العالم العربي
كان هذا الكتاب من أهم هذه الكتب وأكثرها تبصّراً بأوضاع الشيعة وأحدثها إصداراً. فقد صدر هذا العام ونال اهتماماً واسعاً من الباحثين ومن الشيعة أنفسهم، وجاء بعد مخاض طويل وبعد جولة شاقة من اللقاءات في عدّة بلدان عربية وأوروبية وأميركية تمّ فيها محاورة ما يربو على المئتي شخص من ذوي الاهتمام من الشيعة وغيرهم من الناشطين في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الديني ومن ذوي الاختصاصات المتنوعة والمواقع المختلفة والاتجاهات المتباينة. فجاء الكتاب خلاصة أمينة ودقيقة لطروحات من تمّ لقاؤهم.
واعتمد الباحثان في تحليلاتهما القيّمة على ما سمعاه من آراء وأفكار ونظريات وما رأياه من أحوال وما راقباه من أوضاع سياسية متقلبة وغير مستقرة وما تصوّراه من توجهات أعتقد أنّها تفيد الشيعة والسُنّة على السواء، وتفيد في استقرار المنطقة المليئة بالتقلبات والحبلى بالمفاجآت والأحداث الجسام. ويعتقدان أنّ استقرار المنطقة النابع من إنصاف أهلها وخاصّة أقلياتها، سيعود بالفائدة على بلدان هذه المنطقة وسيساهم مساهمة جادّة وحقيقية في توفير الاستقرار الذي ستعمّ فائدته الجميع. وضمّ الكتاب أحد عشر فصلاً بعد المقدمة التي بيّنت الاسباب التي دعت المؤلفين إلى تأليف هذا الكتاب.
إنّ صورة الشيعة عموماً قد شوّهت في الغرب وانطبعت في أذهانهم أنّ التشيّع لا يعني سوى “سياسة العنف والتعصّب ومفجري القنابل الانتحاريين”. ولكن الغرب لا يدرك أنّ الذي دفع الشيعة ـ والأقلية القليلة منهم التي استعملت العنف ـ هو سياسة العنف الذي تمارسه الحكومات لاضطهادهم. ولا يدرك الغرب مدى المعاناة والأسى الذي لحق بالشيعة والذي دفعهم لأعمال “الإرهاب وعمليات الحرب الفدائية” التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين.
وذكّر الكتاب بأهمية الشيعة استراتيجياً باعتبارهم يتواجدون في المناطق التي تكثر فيها المخزونات النفطية. وإن ما يربو على 14 مليون شيعي عربي يتركزون في المناطق النفطية المهمة، وهم يعانون من الاضطهاد المستمر. ورغم وعي الحكومات العربية المعنية بوجود الشيعة ومعاناتهم، إلاَّ أنّها ـ تواصل بدرجة وأخرى إهمال وجودهم وإنكار حقوقهم بل وتعتبرهم دائماً من الدرجة الثانية أو أدنى من ذلك. وهذا الموقف يخلق التوترات المتواصلة ويكون مصدراً لانعدام الاستقرار في المنطقة. لذا يتوصل الباحثان إلى أنّ الإسلام كدين عانى من قلّة الفهم له في الغرب. ويقع “الإسلام الشيعي” في أقصى مراتب النظرة السلبية إزاء الإسلام من قبل الغرب.
ويرى المؤلفان أنّ المشكلة لا تقتصر على النظرة السلبية الغربية للتشيّع وإنّما تتعدّى ذلك إلى داخل الإسلام، فقد تصاعد التوتر بين السُنّة والشيعة بدرجة كبيرة خلال العقود الأخيرة بدرجة لم تشهدها العلاقات السنيّة ـ الشيعية خلال عدّة قرون مضت. وربّما تعود معظم هذه التوترات إلى طبيعة العملية السياسية القائمة في البلاد العربية ومنها الدول الخليجية على وجه الخصوص حسب ما يراه المؤلفان.
المقدمة
في المقدمة يؤكد الكتاب على أشياء منها أنّهما يدرسان فقط الشيعة الإثني عشرية “الذين يتبعون إثني عشر إماماً معصوماً بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وانتهاء بالإمام القائم المنتظر محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام)”، رغم أنّ الشيعة الزيدية (يؤمنون بإمامة زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) والإسماعيلية (يؤمنون بإمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ويتواجدون في العالم العربي. والمؤلفان اختارا ست مناطق تتواجد فيها نسبة شيعية عالية، إمّا بأغلبية سكانية أو أقلية سكانية كبيرة. لذا أهملت بعض البلدان مثل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان من الدراسة لوجود أقلية شيعية صغيرة نسبياً ولعدم توفّر الإمكانات المادية التي تساعد الباحثين على تغطية هاتين الدولتين وغيرهما.
يطرح الكتاب مجموعة من الأسئلة المهمة في محاولة للإجابة عليها من خلال معاينة المشكلة والتحاور مع عدد كبير من المعنيين بها، ومنها:
من هم الشيعة وماذا يريدون؟ وما طبيعة دورهم في المجتمع الشرق أوسطي وسياساته؟ ما هي طبيعة “المشكلة الشيعية” من وجهة النظر السنية العامة والحكومية؟ كيف تؤثّر ديناميات سياسة الحكومة ومواقف الشيعة منها، على التطورات الداخلية والإقليمية؟ ما هي الاستراتيجيات ـ إن وجدت ـ التي تتكوّن متبناة من الشيعة والدولة للتعامل مع قضية الشيعة؟ ما الذي ينبغي على الحكومات الغربية أن تفكر فيه تجاه الشيعة في ضوء السياسات المستقبلية للمنطقة (الشرق الأوسط ـ أو العربية) وخصوصاً ما يتعلق بالعملية الديموقراطية؟ هذه الأسئلة المهمة يحاول الباحثان الإجابة عليها. ورغم تأكيدهما على أنّ موضوع الشيعة قد دُرس من قبل العديد من المهتمين إلاّ أنهما يريان أنّ دراسة أوضاع الشيعة كعامل مؤثّر في السياسات الغربية تجاه العالم العربي أو سياسات الحكومات الشرق أوسطية لم تحظ بالعناية اللازمة من قبل مراكز الأبحاث المنتشرة في العالم، ولقد التزم الباحثان في التصدّي لهذا الموضوع (تأثير الشيعة على القرار السياسي لدى الغرب والعرب) وأشبعاه دراسة وتحليلاً.
هذا من ناحية ومن الناحية الثانية يعتني الكتاب بدراسة العالم العربي، ومن هذا المنطق فإنّه يرى أنّ المسألة الشيعية أو الخلاف السنّي ـ الشيعي ليس هو المشكلة الوحيدة التي تواجه البلدان العربية المتضمنة في هذه الدراسة بل هناك مشاكل كثيرة وكبيرة تواجه العالم العربي، أهمها مشكلة المشاركة السياسية ومشكلة الديموقراطية وقضية رسم هوية وطنية تضمّ جميع فئات الشعب. وليس استمرار القضية الشيعية إلاّ مظهراً من مظاهر عدم توفّر المشاركة السياسية وانعدام الديموقراطية وعدم بروز هوية وطنية شاملة.
يذكر الكاتبان أسباباً دفعتهما لتأليف مثل هذا الكتاب منها: معارضة العديد من السُنّة لطرح مثل هذا الموضوع لأنّه شديد الحساسية، ولأنّه قد يفتح جروحاً، ويساهم في تدهور أوضاع المجتمعات التي يتواجد فيها الشيعة إلى جوار السُنَّة كما إنّ بعض السُنّة لا يعترف بوجود مشكلة من هذا القبيل على الإطلاق.
ومنها أنّ حكومات الشرق الأوسط التي تنظر إلى مواطنيها الشيعة أو الشيعة في العالم العربي نظرة قصيرة المدى، لا ترغب بدراسة وعرض قضايا الشيعة ونشرها وخاصّة للعالم الغربي، ومنها أنّ بعض الناس ينظر إلى مثل هذه المحاولة كأسلوب من أساليب التفرقة بين المسلمين، وإنّها استمرار للاستشراق الذي يحاول كشف عورات المسلمين وإظهارهم بأنّهم مجتمع ممزق ومتعصب وسهل الاختراق وضعيف. وعليه فإنّهم لا يفضلون نشر غسيل المآسي الاجتماعية في العالم العربي لأنّ السكوت والتعتيم عليها هو السياسة الفضلى، وعليه فإنّ هدف هذا الكتاب ـ حسب وجهة نظر كاتبيه ـ هو تشجيع مواطني وواضعي السياسة الغربيين والشرق أوسطيين للتفكير عميقاً بالقضية الشيعية ولتكون العقول أكثر تفتّحاً في محاولة لحلّها. ولأنّهما يعتقدان بأنّ تحقيق مجتمع قوي ومستقر لا يتم إلاّ من خلال دعم الإحساس لدى المواطنين بانتمائهم إلى دولتهم وثقتهم إنّها القادرة على توفير الرخاء المطلوب. ولا يتم هذا إلاّ من خلال مواجهة الحقائق وإن كانت مرّة كلّها بالتعاون مع جميع الأطراف المعنية.
بالنسبة للسياسة الأميركية فإنّها لا زالت أسيرة النظرة الضيقة والقاصرة تجاه المنطقة وتجاه شعوبها. ولقد عاش مؤلف الكتاب (كراهم فولر) 25 سنة من عمره وهو قريب من مصادر صنع القرار لما يتعلق بالشرق الأوسط، ولاحظ بأم عينيه مدى القصور في هذه السياسة التي اعتمدها بعض الحكام طريقاً لتحقيق مصالحهم، دون أن يلتفتوا إلى الشعوب المقهورة وطموحاتهم الإنسانية وأنّ هذه المصلحة لا يمكن أن تتحقّق بالصورة الحقيقية إلاّ إذا انسجمت مع مصالح الشعوب. فالسياسة التي تعتمد على شيئين بعيدين عن مصالح الشعوب العربية لا يمكن أن تحقق مكاسب مهمة على المدى البعيد. هذان الشيئان هما:
أولاً: مصالح إسرائيل التي تعمل واشنطن على تحقيقها بكلّ ما أوتيت من قوّة وسلطة.
ثانياً: الاستحواذ على النفط.
وهما شيئان لا يمكن أن تتم خدمة مصالح شعوب المنطقة من خلالهما ولا حتّى خدمة مصالح أميركا على المدى الأبعد.
الهوية الشيعية
“الهوية الشيعية” هو موضوع الفصل الأوّل من الكتاب، حيث نلاحظ فيه تحليلاً دقيقاً لوضع الشيعة، فالهوية يمكن أن تحدّد وفق الحدود الدولية لكلّ دولة في العالم، أو وفق اللغة، أو الثقافة أو الدين، وحتّى وفق المذهب في العديد من دول العالم. لكن الهوية الشيعية تعاني من كونها تمثّل حالة الأقلية في بحر من الأكثرية السنيّة، وهذه الحالة تنطبق على الأقلية العددية الشيعية في العديد من الدول العربية أو حتّى على الأكثرية العددية الشيعية كما في العراق والبحرين، فالشيعة في هذين البلدين يعانون من عقدة “الأقلية”.
وحسب الكتاب فليست المشكلة هي مشكلة أقلية مقابل أكثرية بل الأمر يبلغ مداه المعقد جداً إذا أخذنا الموضوع الشيعي بالاعتبار. ففي البلاد العربية يمكن للأقلية الدينية (المسيحية مثلاً) الإعلان عن مصالحها ونفسها ولا تحتاج إلى أن تغرس رأسها في الرمال، وكذلك الأقليات الأثنية كالكرد مثلاً فإنّهم يستطيعون الإعلان عن مطالبهم دون وجل أو تخوّف، وبإمكان المسيحي أو الكردي التمتع ببعض الحقوق وفقاً لدينه أو لغته. أمّا الشيعي فإنّه لا يستطيع التعبير عن هويته المذهبية في جو لا يسمح بذلك، ويشعر بحساسية فائقة تجاه الموضوع. والسلطات القائمة لا تسمح بالموضوع وتنظر له وتربي عليه، وبهذا فالمجتمع يستسيغ من المسيحي أو حتّى الزرادشتي أن يطالب بأمور تتعلق بهويته الدينية، ولا يرى غضاضة من مطالبة الكردي بتحقيق هويته الكردية في البلاد التي يعيش فيها، لكنّها ترى أنّ الشيعي ممنوع من التعبير عن هويته رغم أنّه بات أكبر الضحايا بسبب هذه الهوية.
إذا كان هذا هو التعامل مع الشيعة في بلادهم فإنّ نظرة الغرب “الانطباعية” وغير “التحليلية”. ـ حسب الكتاب ـ إلى الشيعة وكأنّهم معصبون وعدوانيون زادت من المشكلة وتجاوزت الحقيقة وتأثّرت بحوادث عابرة لا تعبر عن طريقة المجتمعات الشيعية في البلاد العربية. وهي بهذا تمثّل نظرة انفصالية لم تعتمد البحث عن الواقع والأسباب المحرّكة للمجتمع في بعض اللحظات التاريخية الحاسمة.
يعتقد مؤلفا الكتاب أنّ هناك عوامل داخلية وأخرى خارجية ساهمت في بروز الهوية الشيعية وأنّ هناك عوامل عامّة دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية ميّزت الصفات والممارسة الشيعية. يشترك الشيعة مع السُنّة في المعتقدات الإسلامية الرئيسية كالتوحيد والنبوة والمعاد، وأنّ القرآن الكريم والسُنة المشرفة هما مصدرا التشريع ولكنّه توجد اختلافات في تفسير العديد من القضايا. فالشيعة يؤمنون بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أوصى من بعده للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومنه إلى الحسن والحسين وبعدهما لتسعة أئمة من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) آخرهم الإمام الغائب الحجة بن الحسن (عليه السلام). ويرى الكتاب اهتمام الشيعة بذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في العاشر من محرم عام 61 للهجرة باعتباره أحد معالم الحزن. وأنّ الشيعة حوّلوا معتقداتهم إلى قوّة روحية وثقافية للدين. ويعتقد الكتاب أنّ “المرجعية” هي أحد أهم معالم الهوية الشيعية وهي تعني أنّ الشيعة يرجعون في أمور دينهم إلى المرجع وهو الفقيه الذي بلغ درجة علمية دينية وسلوكية رفيعة. ويحاول الكتاب طرح تعريف الشيعي مع تأكيده صعوبة ذلك ووجود خلافات عديدة حول الموضوع. ولكنّه يطرح التعريف العام الذي هو حصيلة صفات ومزايا دينية وثقافية وتاريخية وهذه يمتلكها الشيعي بالوراثة عن الأسلاف كما هو السنّي أو غير المسلم الذي يتبع ما كان عليه أسلافه في العادة. ولا يمكن اعتبار الشيعي شيعياً بالولادة فقط وإنّما الشيعي من التزم بقيم وأحكام شرعية إسلامية وأكد اعتقاده بوحدة الخالق ونبوة محمد (صلّى الله عليه وآله) وإمامة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).
من الناحية الجغرافية فالشيعة يتركزون في البلاد العربية المطلة على الخليج والغنية بالنفط. هذا الموقع الذي يعتبر الموطن الأساس للشيعة محاط بالأكثرية السنيّة.
الرافضة: ـ وهو مصطلح أطلق تاريخياً على فرقة من فرق الشيعة القديمة والمندثرة منذ القرن الثاني الهجري، لكن بعض الجهات لا زالت تطلقها على الشيعة لمحاصرتهم وحرمانهم من حقوق المواطنة والمشاركة في تحمّل مسؤولية البلدان التي يعيشون فيها، لذلك فإنّ المحيط الخارجي الذي يحيط بالشيعة يلعب دوره المستمر في صنع الهوية الشيعية. من الناحية الاقتصادية فالشيعة العرب هم الأكثر فقراً والأقل تمتعاً بالتطورات الاقتصادية وإنّ مناطقهم في الخليج والعراق ولبنان هي من أفقر المناطق وأنّ التحديث لم يصلهم إلاّ بعد أن وصلت غيرهم قبل ذاك بسنوات. ومثل ذلك في الأمور التربوية والصحية، فلا زال جنوب العراق وجنوب لبنان والقرى الشيعية في البحرين من أفقر المناطق وأقلّها حصة من حيث العمران حتّى أنّ البصرة في جنوب العراق لا تمتلك من المصانع إلاّ ما تفرضه الظروف وما يسبب تلوّثاً في الجو رغم أنّها مدينة غنية بكميات هائلة من النفط ورغم أنّ العديد من الشيعة يعتبرون أنفسهم من غير المذهبيين أو الطائفيين إلاّ أنّهم يؤكدون حقيقة تمييزهم من قبل الآخرين كشيعة ومعاملتهم على هذا الأساس. وقد يلجأ البعض إلى تكفير الشيعة وهو ما لوحظ في عدّة حالات بعد انتفاضة شعبان/ آذار 1991 في العراق صدرت جريدة حزب البعث الحاكم في العراق، “الثورة” بمقالات يُقال إنّ صدام هو الذي كتبها وهي تنعت شيعة العراق بنعوت وتتهمهم بتهم يعف اللسان عن ذكرها.
والشيعة لم يكونوا متّحدين دائماً، والاعتبارات الأمنية في السنوات الأخيرة تضع قيوداً مشدّدة على حركتهم. وهناك أمور تفرّقهم كذلك منها الولاءات السياسية واختلاف المرجعيات الدينية واختلاف مواقع المرجعيات الجغرافية.
يعتقد مؤلفا الكتاب أنّ الوعي السياسي الشيعي بدأ في الستينات وإن بدأ كوعي إسلامي وحركة إسلامية لا تختلف في أهدافها ومنهجها عن الحركة الإسلامية السنيّة وأنّ دوافع الحركة الإسلامية “الشيعية” لا تختلف عن “السنيّة” فهي تعبر عن ردّة الفعل الحقيقية عن فشل محاولات التقريب في العالم الإسلامي وفشل الأنظمة العربية في تحقيق الحماية من العدوان الخارجي وخاصّة العدوان الإسرائيلي الذي اغتصب فلسطين كلّها و أراضي عربية بعد حرب عام 1967 غير أنّ التحرّك السياسي الإسلامي الشيعي يضم عناصر قيادية من المؤسسة العلمائية الدينية ممّا يدل على الميل إلى التديّن لدى الشيعي كفرد وكمجموعة، ولقد عانت الحركة الإسلامية الشيعية من عنف الأنظمة العربية ما لم تعانه الحركة الإسلامية السنيّة وخير مثال على ذلك العراق. لذلك فإنّ الوعي السياسي الشيعي تميّز بالالتزام بالإسلام وبمقاومة الظلم الذي يتعرّض له المسلمون وخاصّة الشيعة منهم. ولم يتوجّه هذا الوعي الجديد نحو السلطة القائمة وحدها وإنّما هو عملية لإرجاع الشباب الشيعي الذي انتمى العديد من أفراده إلى الأحزاب العلمانية الشيوعية والقومية والوطنية، أملاً في رفع الظلم عنهم. ولهذا فالوعي الإسلامي الجديد كان موجهاً ضد ظلم السلطة من جانب وضد إغراق الشباب بالشعارات العلمانية الفارغة من جانب آخر. وفي هذا السياق جاءت كتب الشهيد السيّد محمد باقر الصدر (فلسفتنا واقتصادنا) استجابة لهذا التحرّك وللوضع القائم في العراق وغيره من المناطق. وحينما حلّت هزيمة حزيران 1967 وولدت فراغاً سياسياً وعقائدياً وأسفرت عن فشل الأنظمة والاتجاهات الفكرية والسياسية الفاعلة في الساحة العربية، كان البديل هو الاتجاه الإسلامي الذي طرح تطلعاته ونشطت الأحزاب الإسلامية التي تأسّست في أواخر الخمسينات في ملء الفراغ وحقّقت نجاحات باهرة على صعيد التوعية الدينية.
الشيعة العرب في الدولة السنّية
حمل الفصل الثاني عنوان “الشيعة العرب في الدولة السنّية” وهو يناقش علاقة الشيعة بالدولة، وطبيعة هذه العلاقة التي يمكن تمييزها بين دول فيها أقلية عددية شيعية وأخرى الشيعة فيما هم الأكثرية العددية وفي الحالتين تكون الثقافة السياسية والاجتماعية والتفسير السنّي للإسلام هو الغالب ويكون فيها الشيعة مهمشين لكن بالنسبة للأقليات الشيعية فإنّها تامل في تغيير طبيعة الأنظمة السائدة بحيث تتّجه نحو إلغاء التمايز وإعطاء الأقليات حقوقها وضمان أمنها. أمّا في الدول التي يكون فيها الشيعة أغلبية كما في العراق والبحرين فإنّه في هذا الوضع يكون انعدام التوازن الاجتماعي أكثر حدّة في سلوك الدولة، ويكون إصرار السُنّة على فرض الأمر الواقع مدعاة للتسبّب في وضع اجتماعي وسياسي متفجر بصورة مستمرة.
لاحظ الكتاب أنّ الدول العربية التي يتواجد فيها الشيعة لا تتبنى سياسة طائفية رسمية، وإنّما جميعها تدّعي الإسلام ديناً للدولة، ولكنّها تمارس الطائفية في سلوكها، ويكون ضحية ذلك هم الشيعة. وحتّى دولة علمانية مثل العراق تدّعي أنّ سياسة حزب البعث ضد الطائفية والتمييز مهما كان نوعه، تمارس الطائفية بصورة قوية غير معلنة تارة ومعلنة تارة أخرى ضد الشيعة. وحسب الكتاب، فغالباً ما يكون طرح شعار العلمانية غطاءً للممارسة الطائفية.
ويرى الكتاب أنّ المشكلة بالنسبة للشيعة لا تكمن في معاناتهم من تسلّط الحكم الطائفي عليهم فقط، وإنّما تمتد إلى تردّدهم في الإعلان عن معاناتهم أو المطالبة بحقوقهم كطائفة، فمثل هذا الأمر يجعلهم عرضة للاتهام بالطائفية وتدمير وحدة المجتمع والسعي إلى إثارة الفتن وزعزعة استقرار الدولة. مثل هذه الاتهامات الجاهزة تسلّط على الشيعة من قبل الدولة الطائفية التي تفرض سياستها الطائفية باستمرار.
وحول قضية ولاء الشيعة للدولة يناقش الكتاب وجهة النظر القائلة بأنّ ولاء الشيعة للدولة يكاد يكون “معدوماً”، أو أنّ ولاءهم “متعدد”. وحول الولاء يناقش الكتاب وجهة النظر القائلة بأنّ على مواطني الدولة أن يطعيوا الحاكم دون تحفظات وهو تمثيل للنظام الاستبدادي الذي يفكّر بالولاء من الناس دون أن يفكر بتوفير السعادة والاطمئنان والاستقرار لهم.
وهذا النوع من الأنظمة تبتلى به معظم الدول العربية وهو مسلّط على الشعوب العربية بسنتها وشيعتها لكن الشيعة هم الأكثر تضرّراً حسب وجهة نظر الكتاب. وفي هذا المجال يطرح الكتاب فكرة “العقد الاجتماعي” بين الحاكم والمحكوم والتي يتوفر فيها ولاء المحكومين للسلطة الحاكمة على أن تتولّى هذه السلطة توفير العدالة بين أبناء الشعب، ومثل هذا الأمر متوفّر في الإسلام وهو البيعة التي هي عقد بين الحاكم والمحكوم لا يجوز أن يخل الحاكم به. ويرى الكتاب أنّ مثل هذا الأمر (العقد الاجتماعي ـ أو البيعة) بالنسبة للشيعة ربّما يخفّف أو يزيل حالة التمييز القائمة.
وفيما يتعلق بالمعارضة السياسية للشيعة العرب يذكر الكتاب تطوّر الحركة الوطنية والإسلامية الشيعية باعتبارها جزء من الحركة التحررية، فلم يتحرّك الشيعة بإطارهم المذهبي وإنّما كان تحرّكهم ضمن التيارات السياسية القائمة. ولم تكن مطالبهم مذهبية وإنّما مطالب يتفقون عليها مع السنّة وهي مطالب عامّة. غير أنّ التحرّك الشيعي البارز هو بصفته الدينية كتحرّك المرجعية الدينية في النجف أو التحرّك السياسي في الستينات، وهذه التحرّكات وإن لم ترفع شعارات مذهبية إلاّ أنّ صفتها الدينية العامة والتزام ناشطيها بالإسلام أعطاهم الصفة الشيعية أكثر من غيرهم.
المطالب والاستراتيجيات الشيعية
في الفصل الثالث، يناقش الكتاب “المطالب والاستراتيجيات الشيعية” ويؤكد بأنّ الشيعة لا يختلفون عن السنّة في مطالبهم، فالإسلاميون يطالبون بدولة إسلامية وهناك أمور يريد الشيعة توفّر حلول لها مثل الحقوق المتساوية في المواطنة، وإنهاء حالة التمايز وإيجاد نظام تعددي تضمن فيه حقوق الإنسان وخاصّة حقوق الأقليات. فالشيعة يطالبون بمساواة حقيقية بينهم وبين السنّة وحماية لحريتهم في التعبير عن حقوقهم الثقافية (ومنها الدينية).
يعرض الكتاب استراتيجيات الشيعة المتدينين وغير المتدينين ويستعرض طروحات الطرفين. ويلاحظ أنّه من الصعب على حركة شيعية تطالب بحقوق الشيعة أن تكون بعيدة عن الدين لأنّ الشيعة هم في النهاية مجموعة دينية تقودها شخصيات علمائية دينية. ولكن الحركات العلمانية الشيعية قد تجد في الحركات اليسارية وسيلة للمطالبة بحقوق الشيعة من خلال مطالبتها بحقوق عامّة. غير أنّ الكتاب يصل إلى الخلاصة التي مفادها أنّ “الشيعة كلّما كانوا أكثر تعرّضاً للظلم كانوا أميل إلى الأسلوب الديني الذي يعتبر العنف بهم كطائفة وهوية”.
وحول التكتيك الذي يمكن أن يستعمله الشيعة في التعامل مع دولهم، فإنّ الكاتبين يريان أنّه مختلف حسب اختلاف الوضع الداخلي لكلّ دولة عربية، وحسب الكثافة الشيعية. فالألقيات الشيعية تميل إلى التفاوض في محاولة للوصول إلى نوع من الإنصاف، والأكثريات الشيعية التي تكون أكثر عرضة للظلم والاضطهاد لا تميل إلى هذا الأسلوب بسبب استنفاذه، ولأنّ الحكومات القائمة تخشى الخوض في الموضوع وتخشى من أي تحوّل يفقدها سطوتها أو بعض هذه السطوة. ويلاحظ أنّ الأحداث الدموية ربّما كانت عاملاً في بروز القضية الشيعية، فمقاومة الشيعة في لبنان للاحتلال الإسرائيلي ومقاومة شيعة الكويت للوجود العسكري العراقي غيّرت من وضعهم في هاتين الدولتين وأصبح الشيعة يتمتعون بنوع من الحقوق والمرونة السياسية لم يتوفر لهم من قبل. وقد تكون الثورة الإسلامية في إيران قد ساهمت في بروز القضية الشيعية ولا يعني هذا في التحليل الأخير أنّ القضية الشيعية تحتاج إلى الثورة أو الحرب لكي تبرز ولكن هذا واقع الحال كما يقرّر الكتاب.
أفرد المؤلفان فصلاً عن علاقات الشيعة العرب بإيران وهو الفصل الرابع وعنوانه (الصلة بإيران)، ناقشا فيه موضوعين مهمين، الأوّل كون نظرة العديد من السنّة عن ارتباط التشيّع بإيران وهذه النظرة ولدتها المواقف الحكومية العربية والاتهامات المستمرة ضد الشيعة. إنّ الحقيقة تؤكد أنّ التشيّع انتشر في القبائل العربية قبل الفتوحات الإسلامية.
والقضية الأخرى هي اتهام الشيعة بالولاء لإيران، والحقيقة كما يقرّرها الكتاب هو أنّ علاقات الشيعة بإيران تعتمد على المتغيّرات والظروف السياسية والاجتماعية وعلى جملة من السياسات الداخلية لكلّ من الدول العربية وإيران. وإنّ تأثّر الشيعة العرب بالظروف المحيطة بهم يؤكد أنّهم يتأثّرون كثيراً بوضع الشيعة في العراق وعلاقة الحكم بالشيعة.
فالإرهاب والعنف والقسوة التي اتبعها صدام ضد الشيعة أثّرت كثيراً. ويؤكد الكتاب أنّ علاقات الشيعة العرب بإيران تحكمها ثلاثة عوامل:
أوّلها: باعتبار إيران من أهم مراكز التشيّع. وثانيها: باعتبارها مركزاً للإيديولوجيا الإسلامية بعد انتصار الثورة الإسلامية. وثالثها: باعتبارها دولة.
وللشيعة العرب وجهات نظر متفاوتة تتراوح بين “احترام إيران الدولة الشيعية الوحيدة في العالم وتقدير حيويتها وثراء ثقافتها. كما أنّ بعض الشيعة العرب يفتخرون بالتصميم الذي أظهره الشعب الإيراني في تحدّيه وهزيمته للشاه. ويظهر العديد منهم تقديراً لإيران لأنّها وفّرت ملجأ للآلاف من المضطهدين الشيعة. ويرى البعض وجهات نظر أخرى. ولعل المهم في الأمر هو نظرة الشيعة والعديد من السنّة العرب إلى إيران باعتبارها مركزاً للصحوة الإسلامية وإنّها قدّمت نموذجاً في ممارسة السلطة يختلف بصورة كبيرة عمّا عليه أغلب الأنظمة العربية. وحتّى الشيعة العلمانيون الذين لا يعيرون اهتماماً بالدين ينظرون إلى إيران باعتبارها دولة استطاعت أن تطرح تجربة سياسية مهمة في مجال الانتخابات وتكوين مؤسسات دستورية كالبرلمان (مجلس الشورى). ويخلص الكتاب إلى أنّ الشيعة العرب يكافحون من أجل تمثيل كامل ومساواة في بلدانهم. ويرى الكتاب أنّ نظاماً غير نظام صدام في العراق يعطي الشيعة حقوقهم ويعطيهم قوّة تمثيلية معقولة ربّما يؤهل الشيعة العراقيين لدور مؤثّر في المنطقة. ومن ناحية أخرى يرى الغرب أنّ علاقات إيران بالشيعة العرب يمكن أن تكون مؤشراً إيجابياً إذا تبنّت إيران موقفاً معتدلاً ولعبت دوراً بناءً في المنطقة.
مؤلفا الكتاب
ـ گراهام فوللر Graham E, Fuller كبير المحللين السياسيين في مؤسسة راند الأميركية وعمل كدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط لمدّة 17 سنة، وكان معنياً بالدراسات المستقبلية بعيدة المدى، من كتبه: 1 ـ مركز الكون: الجغرافيا السياسية. 2 ـ الجغرافيا السياسية الجديدة لتركيا: من البلقان إلى غرب الصين. 3 ـ دول آسيا الوسطى الجديدة. 4 ـ المشكلة الكردية في تركيا. 5 ـ الجغرافيا السياسية للإسلام والغرب.
2 ـ رند الرحيم فرانكي: المديرة المسؤولة عن (المؤسسة العراقية) وهي منظمة للأبحاث والمعلومات، مهتمة بقضية الديموقراطية في العراق.
الدكتور عبد المنعم حسن
صدر المتألهين الشيرازي
هو محمد بن إبراهيم بن يحيى القوامي الشيرازي، الملقب به صدر الدين أو ملا صدرا، أو صدر المتألهين. وُلد في شيراز في أواخر القرن العاشر الهجري ( 979 – 980 هـ) من أسرة متنفذة معروفة. كان أبوه والياً على مقاطعة فارس، فوفر له أحسن وسائل التربية والتعليم في شيراز، تلك المدينة التي كانت قد أصبحت مركزاً لدراسة الفلسفة والعلوم الإسلامية الأخرى، فأتقن في فترة وجيزة العلوم الشرعية وهيمن على اللغتين العربية والفارسية. وإذ لم تستطع شيراز إشباع نهمه للاستزادة من العلم، شدّ رحاله إلى أصفهان التي كانت يومذاك على رأس المراكز العلمية والثقافية في بلاد فارس، بل ربما في جميع بلاد الشرق الإسلامي. ولم تخيب أصفهان ظنّه، فقد التحق فيها بحوزة تدريس الشيخ بهاء الدين العاملي وميرداماد. ولم يمض وقت طويل حتّى أصبح ضليعاً في العلوم الإسلامية وأحد ثقاتها، بل إنّه فاق حتّى أساتذته فيها. ولا عجب في ذلك.
أهم أساتذته
على رأس هؤلاء يأتي ميرداماد، أستاذ في العلوم العقلية وهو مؤسس المدرسة الفلسفية الصوفية التي درس فيها ملا صدرا، والتي عرفت باسم “مدرسة أصفهان”.
وكان ميرداماد عالماً منطقياً صوفياً وشاعراً، بالإضافة إلى كونه من كبار علماء الدين. وفي الوقت الذي كان يدرّس فيه فلسفة ابن سينا المشائية، وكان يسبغ عليها مسحة من الإشراق، وقد نظم الكثير من الشعر الرائع تحت اسمه المستعار (إشراق). إلاَّ أنّ صعوبة اللغة التي كتب بها ميرداماد أصبحت مضرب المثل بالقياس إلى لغة ملا صدرا البسيطة الواضحة، بل إنّه هو نفسه قد تنبأ لكتابات صدر المتألهين أن تبرز كتابته هو، وقد حصل ذلك فعلاً.
أمّا أستاذ ملا صدرا الآخر، الشيخ بهاء الدين العاملي، فلم يكن يقل عن الأوّل شهرة، فقد كان عالماً بالكلام والفقه والرياضيات والهندسية المعمارية والفلسفة والتنجيم والشعر كذلك، وباللغة الفارسية التي تعلمها ـ وهو العربي اللبناني ـ في الثانية عشرة من عمره، وأبدع فيها أيّما إبداع.
أنهى ملا صدرا مرحلته الأولى هذه في التعليم حيث بلغ شأواً رفيعاً في العلم. ولو أنّه بقي في أصفهان لأصبح من ألمع شخصياتها العلمية وأبرزها. إلاَّ أنّه كان يريد المضي في تنمية قواه الفكرية، فترك أصفهان إلى قرية صغيرة بالقرب من (قم) حيث أسلم نفسه إلى حياة الزهد والتزكية الباطنية، بادئاً بالمرحلة الثانية من حياته التي كرّسها للرياضيات الروحية التي كان يراها لازمة للذين يريدون بلوغ مرحلة التحلّي بالحكمة الإلهية، كما أنّه رأى أنّ التأمّلات الروحية تستوجب الاعتكاف عن الناس والأخلاد إلى “السكون الباطني” بصفته من مستلزمات الحياة الروحية. ثمّ إنّ الظروف التي كان يمرّ بها اقتضت منه ذلك لتفادي الضغوط الخارجية، فهو بالنظر لكتاباته البسيطة السلسة وتناوله مواضيع مثل العرفان وما وراء الطبيعة بأسلوب واضح وصريح مفهوم لدى العامّة، أصبح هدفاً لهجوم العلماء السطحيين، حتّى أنّ بعضهم اتهمه بالكفر، على الرغم من أنّه كان أتقى الناس، لم يهمل يوماً أداء فرائضه الدينية. فهو في مقدمة “الأسفار” وفي رسائله إلى ميرداماد، وفي “المبادئ الثلاثة” يشكو من أنّ بعضاً من معاصريه لا يفهمونه، على الرغم من أنّه سعى إلى إيقاظهم ولكن دون جدوى.
ولكي يحمي نفسه من السب والشتم والتكفير سعى إلى تطبيق آرائه الفلسفية مع الأحاديث والأخبار ليثبت أنّ الشرع والفلسفة، أو الحكمة، لا يتعارضان، ومن ذلك تأليفه “شرح الكافي”.
وقد درس عليه عدد كبير من التلاميذ، منهم الملا حسن فيض الكاشاني والملا عبد الرزاق اللاهيجي.
بعض أفكاره
لقد مزج صدر المتألهين الفلسفتين الإشراقية والمشائية وحكمة ابن العربي العرفانية في مزيج واحد مع الحقائق الذوقية والبراهين الفلسفية. وممّا قاله في هذا الشأن: “نحن قد جعلنا مكاشفاتهم الذوقية مطابقة للقوانين البرهانية” (أسفار/ 3) وله تعليقة مفيدة على “حكمة الإشراق” للسهروردي.
وعلى الرغم من أنّ ملا صدرا كان حكيماً إشراقياً، إلاّ أنّه كان يستحسن الطريقة المشائية. وكان عند بيان آراء الحكماء القدامى، يقوم بشرح انتقاداته إذا ما عنّ له شيء من ذلك ـ من ذلك مخالفته لرأي المشائين الذين يرون أن الكائنات حقائق متباينة، فهو يرى أنّ الوجود، وهو أصل كلّ شيء وحقيقته، هيئة واحدة، وإن تكن لها درجات متعددة من حيث الضعف والقوّة، والنقص والكمال ـ وهذه النظرة تختلف أيضاً عن وجهة نظر شيخ الإشراق، السهروردي، الذي يرى الضعف والقوّة، والنقص والكمال في الماهية، لا في الوجود.
ومن الأفكار الأخرى التي أبدع فيها ملا صدرا هي فرضيته المعروفة باسم نظرية “الحركة الجوهرية”. كان أكثر الفلاسفة قبله، كابن سينا، يرون أنّ الحركة من أعراض الجسم الطبيعية، فجاء ملا صدرا ليعلن أنّ الجوهر متحرّك أيضاً، ولكن قال بأنّ الحركة التي تظهر في الجوهر إنّما هي حركة اشتدادية استكمالية، ولا تؤثّر في حقيقة جوهر الجسم ولا تغيّره، كالتغييرات التي تطرأ على الإنسان في مختلف أدوار حياته، فهي تتعلق بضعف أو قوّة أو نقص أو كمال في الإنسانية، لا من حيث حقيقة الإنسان، أي جوهر الجسم ونواة وجوده الأصيل.
يستنتج ملا صدرا من نظريته هذه استنتاجات عديدة، منها إثبات المعاد الجسماني الذي كان الفلاسفة السابقون يسكتون عنه أو ينكرونه. إنّ طريقة إثباته المعاد الجسماني مفصلة لا يستوعبها هذا المختصر.
في المرحلة الثالثة من حياته يعود ملا صدرا إلى مسقط رأسه ليقوم بالتدريس بطلب من الشاه عباس الثاني، حيث ألّف معظم كتبه وحيث تخرّج على يديه العديد من التلامذة الذي أصبحوا فيما بعد من مشاهير العلماء، وأصبحت المدرسة التي كان يدرس فيها مشهورة حتّى أنّها جذبت أنظار الأجانب، فقد كتب (توماس هربرت) وهو رحالة زار بلاد فارس في القرن الحادي عشر الهجري، فزار شيراز في حياة ملا صدرا، يقول: “إنّ في شيراز كلية تدرس فيها مواضيع كالفلسفة والنجوم والفيزياء والكيمياء والرياضيات، وهي من أشهر مراكز العلم في إيران…” إنّ الحجرة التي كان يدرس فيها ملا صدرا ومدرسته ذات البناء الجميل، ما زالتا باقيتين منذ ثلاثة قرون، برغم عوادي الزمن البادية عليهما منذ أيام الصفويين.
قام ملا صدرا بالسفر إلى الحج على الأقدام سبع مرّات، وفي المرّة السابعة أصابته وعكة في طريق عودته في البصرة وتوفي ودفن فيها سنة 1050هـ وكان قبره معروفاً إلى بضع سنوات خلت.
الغالبية العظمى ممّا كتبه ملا صدرا كانت بلغة عربية فصيحة غير متكلفة، فيها الكتب والرسائل والجزوات القصيرة التي قد لا تتجاوز بضع صفحات، إلاَّ أنّها كانت ذات أهمية كبيرة بحيث أنّها طبعت طباعة حجرية قبل نحو قرن من الزمن في طهران، ثمّ أعيد طباعة بعضها بحلّة جديدة بعد تجدّد الاهتمام بأفكاره.
الأسفار
لا شك في أنّ على رأس أهم مؤلفات ملا صدرا يأتي كتاب (الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة) أو باختصار (الأسفار)، وهو خلاصة آرائه الفلسفية، أو الأصح: الفلسفة الصوفية، أو فلسفة التصوّف، كما يقول الدكتور حسين نصر في كتابه (صدر الدين الشيرازي وحكمته المتعالية) وهو يتناول الرحلات الأربع، أو الأسفار الأربعة، التي يطويها العقل، والتي تبدأ مع العقل من حالة الجهل حتّى تصل إلى حالة من الإشراق والوعي الصادق، أو المعرفة التامة بما وراء الطبيعة. وتتمثّل هذه الأسفار الأربعة ـ كما يقول الصوفي الإيراني الشهير في القرن الماضي، آقا محمد رضا القشمة ئي ـ في رحلة الخلق (المخلوق) إلى الحق (الخالق) عن طريق تمزيق حجب الظلام.
عندما ينهي السالك الرحلة الأولى تبدأ رحلته الثانية (من الحق إلى الحق بالحق)، وهي رحلة من الجوهر إلى مراقي الكمال المتتالية حيث يصل إلى معرفة أسماء الله، باستثناء ما لا سلطان له عليه.
وفي السفرة الثالثة تكون الرحلة (من الحق إلى الخلق بالحق)، وتتحقّق بمسيرة السالك خلال الأفعال، ويكون بقاؤه خلال بقاء الله، ويتّصف بالحكمة، وتستمر رحلته في عوالم الجبروت والملكوت والناسوت ويرى كلّ هذه العوالم في جوهرها ومقتضياتها، ويكتسب حالة من التنبؤ، ويكتسب كذلك معرفة العلوم الإلهية.
والسفرة الرابعة تكون (من الخلق إلى الخلق بالحق) حيث يرى المخلوقات بتأثيراتها ومقتضياتها ويدرك فوائدها ومضارها، ويعرف رجوعها إلى الله وكيفيته، ويصبح في مقام النبوة بمعنى وضع القوانين، ويكون (مع الحق) لأنّ وجوده يصبح (كلمة الصدوق).
وكلّ سفرة من هذه الأسفار تنقسم إلى عدّة مراحل وكلّ مرحلة إلى عدّة مناهج تتناول مواضيع متنوعة.
ولأهمية المواضيع التي تتطرق إليها الأسفار، كانت موضع عناية كبار الفلاسفة وتعليقاتهم خلال القرون الثلاثة الماضية، تناول بعضهم جوانب من الكتاب وعلّق آخرون على الكتاب كلّه.
وقد قام في العقد الماضي عدد من الباحثين، مثل العلامة الطباطبائي، والشيخ المظفر، ودانش بژوه، والسيد جلال الدين الآشتياني، والسيّد حسين نصر بترجمة حياته وتعريف مؤلفاته وأهمها هي:
1 ـ (أجوبة المسائل): وهي مجموعة إجابات عن عدد من القضايا الفلسفية وعن ما وراء الطبيعة.
2 ـ (أجوبة المسائل النصيرية): وهي أجوبة الأسئلة التي طرحها نصير الدين الطوسي على شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسرو شاهي. وقد طبعت هذه الأجوبة في حاشية كتاب ملا صدرا (المبدأ والمعاد) سنة 1314هـ في طهران.
3 ـ (أجوبة مسائل شمس الدين محمد الجيلاني): وقد طبعت في حاشية (المبدأ والمعاد).
4 ـ (أسرار الآيات وأنوار البينات): وهي شروح عرفانية ملا صدرا على بعض آيات القرآن الكريم، طبع في 1319هـ.
5 ـ (ديباچه عرش التقديس): على الرغم من العنوان الفارسي، فهي مقدمة عربية على كتاب ميرداماد (عرش التقديس)، يمتدح فيها أستاذه ميرداماد.
6 ـ ديوان شعر يضمّ قصائد جمعها تلميذه الملا محسن فيض الكاشاني.
7 ـ (رسالة في الحشر): وهي تعرف أيضاً باسم (طرح الكونين في حشر العالمين) في ثمانية فصول تتناول المعاد ورجوع كلّ شيء إلى الله تعالى. وقد طبعت في حاشية (المبدأ والمعاد)، وحاشية (كشف الفوائد) للحلّي، طبع سنة 1305هـ وفي (رسائل) ملا صدرا، طبع سنة 1302هـ طهران.
8 ـ (كتاب الحكمة العرشية): وهو من كتب ملا صدرا المهمة يبحث في الله وفي الآخرة، طبع في طهران سنة 1315هـ.
9 ـ (الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة): وتعرف اختصاراً بالأسفار. طبعته الأولى بالحجر كانت سنة 1282هـ.
10 ـ (رسالة في حدوث العالم): وتبحث في (الحركة الجوهرية) التي يرد فيها على آراء ميرداماد. طبعت في (رسائل) سنة 1302هـ.
11 ـ (اكسير العارفين في معرفة طريق الحق واليقين) وقد طبع ضمن (رسائل) ملا صدرا سنة 1302هـ.
12 ـ (رسالة في الإمامة): ذكرها آقا بزرك في (الذريعة).
13 ـ (رسالة في اتحاد العاقل والمعقول): وهي مطبوعة في طهران حسبما جاء في الذريعة.
14 ـ (رسالة في اتصاف الماهية بالوجود): طبعت في (الرسائل) في طهران سنة 1302هـ.
15 ـ (كسر الأصنام الجاهلية في ذم المتصوفين): المقصود بالمتصوفين هم المتظاهرون بالتصوف رياءً. طبعت في طهران في 1340هـ. ش.
16- (رسالة في خلق الأعمال): وهي في القضاء والقدر وحرية الاختيار عند الإنسان. طبعت في (الرسائل).
17 ـ (اللمعات المشرقية في الفنون المنطقية): وهي تضمّ أفكاراً جديدة لصدر المتألهين في المنطق.
18 ـ (مقالة في لِمَ اختصاص المنطق بموضوع معين في الفلك): وهي في الفلك.
19 ـ (كتاب المبدأ والمعاد): وهو واحد من كتب الملا صدرا المهمة في ما وراء الطبيعة والكون والآخرة. طبع في طهران في 1314هـ.
20 ـ (مفاتيح الغيب): يضمّ أفكار الملا صدرا في العرفان وما وراء الطبيعة، والكون والآخرة. طبع في طهران في 1282هـ.
21 ـ (المسائل القدسية في الحكمة المتعالية): يعتقد أنّ هذا هو آخر كتاب كتبه الملا صدرا في 1049هـ قبل وفاته.
22 ـ (كتاب المشاعر): وهو من كتبه المهمة التي يتناول فيها علم الوجود بإيجاز. طبع بالحجر في طهران في 1315هـ.
23 ـ (المظاهر الإلهية في أسرار العلوم الكمالية): يبحث في مسائل ما وراء الطبيعة في المنظور القرآني. طبع في هامش (المبدأ والمعاد).
24 ـ (رسالة في المزاج):يشرح فيها رأيه في الطبائع بصفتها فرعاً من علم النفس.
25 ـ (متشابهات القرآن): من أوائل ما كتبه الملا صدرا بأسلوب عرفاني، يشبه تفسيره لآية الكرسي.
26 ـ (نامه صدرا به استاد خود سيد مرداماد): أي رسالة صدرا إلى أستاذه السيد ميرداماد. وهي في أربعة أقسام.
27 ـ (رسالة في القضاء والقدر في أفعال البشر): مطبوعة في (الرسائل) سنة 1302هـ.
28 ـ (الرسالة القدسية في أسرار النقطة الحسية المشيرة إلى أسرار الهوية): طبعت في حاشية (المبدأ والمعاد) في 1314هـ.
29 ـ (رسالة فارسي منسوب به ملا صدرا): أي الرسالة الفارسية المنسوبة إلى الملا صدرا، وقد اكتشفت حديثاً.
30 ـ (سريان نور وجود الحق في الموجودات): وقد نسبه بعضهم إلى تلميذه الملا محسن فيض الكاشاني.
31 ـ (شرح الهداية الأثيرية):وهو تعليق على كتاب (الهداية) المشهور للأبهري.
32 ـ (شرح أصول الكافي): وهو مطبوع مع (مفاتيح الغيب) في طهران سنة 1282هـ.
33 ـ (الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية): والكتاب يتناول أساليب السلوك من وجهة النظر العرفانية، وهو من أهم كتب الملا صدرا. طبع في طهران سنة 1281هـ.
34 ـ (رسالة سه اصل): أي رسالة في الأصول الثلاثة: وهو دفاع شخص ويعالج علم النفس على ضوء الحكمة المتعالية.
35 ـ (التفسير): وهو تفسير لبعض سور القرآن الكريم وبعض آياته. طبع عدّة مرات سنة 1313هـ وبعدها.
36 ـ (تفسير الحديث): وهو شرح للحديث النبوي (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا).
37 ـ (تعليقات على آلهيات الشفاء): تتناول تعليقاته على ابن سينا مقالات كتاب الشفاء حتّى السادسة منها. طبع في هامش (الشفاء) في 1303هـ.
38 ـ (تعليقات على شرح حكمة الإشراق): وهو دراسة لفلسفة الإشراق للسهروردي، طبع في طهران في 1315هـ.
39 ـ (رسالة في التصوّر والتصديق):طبع في حاشية (الجوهر والنضيد) للحلي، في طهران سنة 1311هـ.
40 ـ (رسالة في التشخيص): في الفلسفة القديمة. طبعت في (الرسائل).
41 ـ (الواردات القلبية في معرفة الربوبية): نقد على العلماء الدنيويين المعاصرين له، طبع في (الرسائل).
42 ـ (رسالة الوجود): رسالة في فلسفة الوجود.
43 ـ (زاد المسافر): مختصر المبادئ الخاصّة بالعلوم الأخروية. وهناك مصنّفات أخرى تنسب إليه ولم يتم التأكد منها:
1 ـ (آداب البحث والمناظرة).
2 ـ (رسالة في الفوائد).
3 ـ (رسالة في إثبات الباري).
4 ـ (جوابات المسائل العويصة)، ولعله لميرداماد.
5 ـ (رسالة في القواعد الملكوتية)، ولعلها (المسائل القدسية) نفسها.
د ـ (سر النقطة).
وقد نقل عن العلامة الطباطبائي أنّه في شبابه رأى مجموعة من رسائل ملا صدرا في (الأرواح) و(البرزخ) و(القضاء والقدر) تختلف عن الرسالة المعروفة التي تحمل هذا الاسم نفسه.
ولعل الأبحاث الجديدة والتنقيبات في مكتبات إيران وأفغانستان والباكستان والهند، تكشف عن المزيد من أعمال ملا صدرا.
جعفر صادق الخليلي
ضرورة الدين
المعنى اللغوي
لـ “الدين” لغة عدّة معانٍ منها: الانقياد، وبهذا سمّيت الشريعة ديناً().
أمّا معنى الضرورة، فذكر اللغويون أنّها تأتي بمعنى الحاجة()، فحينما يقال: “رجل ذو ضرورة”، أي هو ذو الحاجة، وبهذا المعنى ورد “الضرورات تبيح المحظورات”، أي أنّ حاجة المرء إلى أمر من الأمور المحظورة تغيِّر حكمه من الحظر إلى الإباحة.
ولا يخفى أنّ استعمال الضرورة في مثل القول السابق، وكذا حينما يُقال “هذا عمل ضروري”، لا يعني مطلق الحاجة، بل الضروري هو ما تدعو الحاجة إليه دعاء قوياً، وملحاً، كما ذكر ذلك بعض اللغويين()، بل استعمل في اللغة بما سُلب فيه الاختيار للفعل والترك()، بحيث صار لا ينفك عن صاحبه.
المعنى الاصطلاحي
استخدم لفظ الضروري في علم الكلام بمعنى يتلاءم مع ما مرّ في آخر البيان عن المعنى اللغوي، أي الذي لا ينفك عن الآخر، لكن بتجريده عن المعنى الأصلي الذي انطلق منه وهو الحاجة، فقيل في تفسير واجب الوجود: ما كان وجوده ضرورياً، بمعنى الذي لا ينفك عنه، ومن الواضح هنا أنّ معنى الضروري لم يستعمل بمعنى الحاجة؛ لعدم ملاءمته مع حقيقة واجب الوجود الذي هو عين الوجود لا أنّه محتاج إليه.
وقد تطوَّر استعمال اصطلاح “الضرورة الدينية أو ضرورة الدين”. وقد كثر استخدام العلماء لهذا المصطلح عند الكلام عن الأمور الموجبة للخروج من الإسلام، وقد صيغت عدّة تعريفات لضرورة الدين ترجع كلّها إلى ما مرّ، ومن جملة هذه التعريفات:
1 ـ ما يعرف بالبداهة أنّه من أجزاء الدين، بحيث لو سئل عنه كلّ أحد من أهل الدين، لأجاب بأنّه منه على وجه الجزم واليقين، إلاّ من كان جديد الإسلام، أو بعيد الدار من المسلمين.
2 ـ ما كان دليله واضحاً عند جميع المسلمين، بحيث لا يصلح اختلافهم فيه بعد التفاتهم إليه.
3 ـ الذي يعرف العلماء المسلمون، والكافرون أنّه جاء به نبينا (صلّى الله عليه وآله).
4 ـ ما لا يتعرَّض أحد من المصنّفين في علوم الشريعة لبيان حكمه من جهة نفسه في شيء من كتبهم الاستدلالية، وغيرها؛ لعدِّهم ذلك من قبيل توضيح الواضحات، وإيراد القول غير المفيد، مثل: وجوب الصلوات الخمس().
الموقع العقائدي للضرورة الدينية
تقدَّم أنّ أصل الدين يحتل الموقع العقائدي الأوّل بحيث إنّ عدم الإيمان به يخرج من الإسلام في كلّ الصور والأحوال. ويلي أصل الدين في الأهمية العقائدية الضرورة الدينية، والفارق الاساس بين الاصل الدين في والضرورة الدينية: أنّ الذي يُخرج من الإسلام في الأوّل هو عدم الإيمان به، بينما المخرج منه في الضرورة الدينية هو إنكارها، لا عدم الإيمان بها.
وتفصيل الكلام في ذلك أنّ للعلماء اتجاهين في الضرورة الدينية:
الاتجاه الأوّل: يذهب إلى أنّ مجرَّد إنكار الضرورة الدينية يُخرج من الإسلام، من دون تفصيل بين حالة وأخرى، فالكفر يحصل بمجرَّد الإنكار.
وبناء على هذا الاتجاه يكون الفرق بين أصل الدين وضرورته أنّ عدم الاعتقاد بأصل الدين، ولو من دون إنكار، يتنافى مع الهوية الدينية، بينما لا بدّ في ضرورة الدين من الإنكار ليحصل هذا التنافي.
وقد اختار هذا الاتجاه محمد باقر الخونساري (ت: 1313هـ) في كتاب “تلويح النوريات من الكلام في تنقيح الضروريات من الإسلام”()، كما نسبه صاحب مفتاح الكرامة إلى ظاهر علماء الشيعة فقال: “وهنا كلام في أنّ جحود الضروري كفر في نفسه، أو يكشف عن إنكار النبوة مثلاً، ظاهرهم الأوّل”().
الاتجاه الثاني: يذهب إلى أنّ مجرَّد إنكار الضرورة الدينية لا يُخرِج من الإسلام، إلاّ إذا رجع إلى إنكار أصل ديني بالمعنى الخاص المتقدم، كإنكار الرسالة أو تكذيب النبي (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه بهذه الحال يتنافى مع الهوية الإسلامية، ويُخرِج منها.
فأصحاب هذا الاتجاه يفترقون عن أصحاب الاتجاه الأولى في أنّهم لا يحكمون بكفر منكر الضرورة الدينية لجهله، وعدم التفاته إلى الملازمة بين إنكاره، وإنكار أصل من أصول الدين، بينما يحكم أصحاب الاتجاه الأوّل بكفره في هذه الحالة.
والمستقرئ لأقوال العلماء يلاحظ كثرة الذاهبين إلى الاتجاه الثاني ممّا قد يؤدّي به إلى التعجب من نسبة صاحب مفتاح الكرامة الاتجاه الأوّل إلى ظاهر العلماء.
ونستعرض هنا بعض أقوال العلماء الذين اختاروا الثاني من الاتجاهين:
قال العلاّمة الهمداني (رحمه الله): “إنّ إنكار الضروري يوجب الكفر، إن كان منافياً للاعتراف الإجمالي (أي الاعتراف بجميع ما جاء به النبي (صلّى الله عليه وآله) إجمالاً)، أو كان موجباً لإنكار الرسالة في الجملة، وإلاّ فلا”().
وقال العلاّمة النراقي (رحمه الله): “وإنكار الضروري إنّما يوجبه (أي الكفر)، لو وصل عند المنكر حدّ الضرورة، وأنكره إنكاراً لصاحب الدين، أو عناداً، أو استخفافاً، أو تشهيّاً”().
وقال العلاّمة مرتضى الأنصاري (رحمه الله): “وأمّا الحكم بكفر منكر الضروري في مقابل الإسلام، فالمراد به: ما كان معلوماً عند المنكر كونه من النبي (صلّى الله عليه وآله)، ليرجع إلى كذب النبي (صلّى الله عليه وآله)، لا إنكار كون ذلك منه”().
وقال السيّد محسن الحكيم (رحمه الله): “أمّا الأمور الاعتقادية التي يجب فيها الاعتقاد لا غير، فالحكم بكفر منكرها ـ ضرورية كانت أو نظرية ـ يتوقف على قيام دليل على وجوب الاعتقاد بها تفصيلاً على نحو يكون تركه كفراً، ومجرَّد كونه ضرورياً لا يوجب كفر منكره، إلاّ بناءً على كون إنكار الضروري سبباً مستقلاً للكفر، وقد عرفت عدم ثبوته”().
وقال السيّد الخميني (رحمه الله): “الكافر هو من انتحل غير الإسلام، أو انتحله، وجحد ما يعلم من الدين ضرورة، بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة، أو تكذيب النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو تنقيص شريعته المطهَّرة، أو صدر منها ما يقتضي كفره من قول، أو فعل”().
وقال السيّد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله): وممّا ذكرنا يظهر أنّ الحكم بكفر منكر الضروري عند استلزامه لتكذيب النبي (صلّى الله عليه وآله)”().
ويقول السيّد الخامنئي (دام ظلّه): لو كان إنكاره لشيء من ضروريات الدين راجعاً إلى إنكار الرسالة، أو تكذيب النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو تنقيص الشريعة، فهو كفر وارتداد”().
وسيلة التعرّف على خلفية منكر الضرورة
إنّ تحديد منكر الضروري بناءً على الاتجاه الأوّل سهل المؤونة؛ إذ أنّ نفس إنكاره للضرورة الدينية كافٍ للحكم بارتداده، أمّا بناءً على الموقف الثاني، فإذا أنكر أحدهم الضرورة، لا يصحّ لنا أن نحكم بارتداده مباشرة، بل لا بدّ من ملاحظة الخلفية التي انطلق منها في الإنكار، فإن كان إنكاره يرجع الى إنكار الرسالة، وما شابه، يحكم بكفره، وإلاّ فلا، لكن الكلام في كيفية تحديد خلفيَّة المنكر إذا لم يصرِّح بها؟
هنا يطرح العلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) إحدى الطرق التي يمكن من خلالها تحديد الخلفية، والحكم بالكفر، إذ يقول: “فمنكر الضروري إنّما يكفر في مقابل الإسلام، إذا أنكر ما عَلِم هو كونه من الدين، ويكفي في علمنا بعلمه كون ذلك الأمر ضرورياً لا يشتبه عادةً”() هذا بعض الكلام في ضرورة الدين ممّا يجلي عنها غبار المجهولية، وإن كان هذا المصطلح يحتاج في تنقيحه إلى دراسة أوسع قد لا تناسب هذا البحث.
أكرم بركات
ضرورة المذهب
لا يخفى على الباحث أنّ هذا الاصطلاح لم يوجد في نصوص المعصومين (عليهم السلام)؛ لنبحث عن مرادهم منه، بل هو اصطلاح حادث من علماء الإمامية، ومنشور في كتبهم، لا سيَّما الفقهية منها
لذا، فإنّ طريق تحديد المعنى الاصطلاحي لضرورة المذهب هو الرجوع إلى كلمات علماء المذهب؛ ليُعرف مرادهم منه. ومن هؤلاء العلماء الخونساري صاحب كتاب “روضات الجنات”، الذي عرّف ضرورة المذهب بقوله: “ضروري المذهب هو ما يعرفه عموم العلماء من جميع فرق المسلمين أنّه من مذهب الإمامية، مثل وجوب مسح الرجلين في الوضوء، وكون التطليقات الثلاثة في المجلس الواحد بحكم الطلاق الواحد”().
وقد نقل الخونساري عن بعض المحققين أنّ “مدار ضروري المذهب على النص والإجماع القطعي من أهل الحل والعقد في المذهب”().
الموقع العقائدي لضرورة المذهب
إنّ أصل الدين يحتل الموقع العقائدي الأوّل في الإسلام، بحيث إنّ من لا يؤمن به لا تتحقق فيه الهوية الإسلامية، وإنّ أصل المذهب يشاطره الموقع بالنسبة للمذهب، فمن لا يؤمن به لا تتحقق فيه هوية المذهب، والموقع العقائدي لضرورة الدين يتحدَّد بكون منكر هذه الضرورة يخرج من الإسلام إمّا مطلقاً، أو في حالة يلزم من إنكارها إنكار أصل ديني.
بقي الكلام في الموقع العقائدي لضرورة المذهب الذي ممّا لا شك فيه أنّه لا يعتبر الإيمان به لتحقيق الهوية المذهبية وإنّما الكلام في تأثير إنكارها على هوية المذهب، والكلام هنا يختص بالمذهب الإمامي.
ولمعرفة الجواب لا بدّ من تتبّع أقوال العلماء الأعلام الذين يرى بعضهم أنّ المنتسب إلى المذهب يعتبر أنّ مذهبه وما يعتقده هو دينه؛ لذا فإنّ إنكار ضروري المذهب عند هذا البعض بمثابة إنكار ضروري الدين.
من هنا حكم صاحب الجواهر على منكر ضرورة المذهب بالارتداد، فقال: “بل الظاهر حصول الارتداد بإنكار ضروري المذهب، كالمتعة من ذي المذهب ايضاً؛ لأنّ الدين هو ما عليه”().
ولم يوافق العديد من العلماء على ما ذهب إليه صاحب الجواهر: إذ اعتبروا أنّ غاية ما يؤثّر إنكار ضرورة المذهب هو خروج المنكر عن المذهب دون الدين، فقد نقل الخونساري أقوال عدّة علماء بهذا المفاد()، منها:
قول القمي صاحب كتاب القوانين: “فضروري المذهب يستلزم إنكاره الخروج عن المذهب”. وقوله: “إنّ منكر ضروري مذهب الشيعة… ليس بكافر”. قول صاحب كتاب المقامع: “كلّ ما لم يكن من قبيل المتواتر من الأخبار، وضروري دين نبيِّنا المختار، فلا يوجب إنكاره الكفر، وإن كان ممّا يخالف المذهب، فإنكاره يوجب الخروج عن المذهب”.
قول المجلس صاحب كتاب بحار الأنوار: “وأمّا إنكار ضرورة المذاهب الإمامية، فهو يلحق فاعله بالمخالفين، ويخرجه عن التديّن بدين الأئمة الطاهرين صلوات عليه عليهم”.
والملاحظ عند تتبّع كلمات العلماء الأعلام أنّهم لم يفرِّقوا في إنكار ضرورة المذهب بين المستتبع لإنكار الأصل، وغير المستتبع لذلك الإنكار، بل أطلقوا الحكم بالخروج من المذهب دون تفصيل في ذلك.
أكرم بركات
طروس الإنشاء
للسيّد محمد القزويني
مخطوط القزويني
إضافة جديدة تسلّط الضوء على مرحلة مهمة في تاريخ العراق.
تتوزّع المخطوطات العربية مكتبات العالم منذ بداية الكتابة العربية والطباعة والخط اليدوي، وتصبح قضية التنقيب عنها وتحقيقها وإصدارها باستمرار مهمة جليلة، وهذه المخطوطات تراث حقب زمنية قدّرها العارفون بها والمتبعون لمظانها، حسب المحقق الجليل كوركيس عواد، بما لا يقل عن أربعة ملايين مخطوط عربي، منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، وانتشارها دليل نفاستها وتحوّلها إلى تراث إنساني، نهل منه أبناء شعوب مختلف بقاع العالم، وهذا العدد يخصّ المخطوطات التي جرى التعرّف عليها وتناقلتها أجيال الاختصاص، ولا شك أنّ أعداداً أخرى لم تزل في طيات النسيان أو رفوف مكتبات شخصية أو أهلية غير متقدمة للإحصاء أو التسجيل، ورغم أنّ الأمر واجب إنساني، فضلاً عن كونه عملية ليست سهلة أو متيسرة، وتحتاج إلى جهود غير قليلة، كي يتم العمل بها وإحياؤها وتقديمها بحلّة معاصرة، فإنّ كلّ ما يبذله جهابذة ومختصون يستحق الشكر والتقدير.
ولعل من بين هذه الجهود ما قام به الدكتور جودت القزويني مؤخراً، رافداً المكتبة بعدد من المخطوطات العربية لأعلام أدب وفكر قدموا ما اجترحته قرائحهم في زمانهم وحياتهم ومن بينها مخطوطة الأديب العلاّمة أبي المعز السيّد محمد القزويني المتوفى سنة 1335هـ/ 1916م.
قدّم المحقق للكتاب بترجمة حياة المؤلف وأسرته القزوينية ومن اشتهر بهذا اللقب من الاسر في العراق، وما كتبه معاصرو المؤلف عنه وتعريف المخطوط والتعقيب عليه، وفي تمهيده تعريف العنوان، ومحتوياته، فالطروس هي جمع طرس ويعني الصحيفة، كما أراد المؤلف بهذه التسمية تسجيل ما وقع له من مراسلات مع أعلام عصره ومشاهيرهم وجمعها في هذه الصحائف التي خطّها قلمه وأملاه، ويشتمل الكتاب على سجل حافل من المراسلات الشخصية والوقائع التاريخية، وعلى بعض من أدب الدعابة، وقد ظهرت شخصية المؤلف، كما رأى المحقق في طروسه معبرة عن العصر الذي عاشه بكلّ خلجاته وأحاسيسه وعلاقته الاجتماعية بشكل عام، وتضمن الكتاب تحقيق النص الكامل للمخطوط الذي يقع في 45 صفحة كتبها المؤلف بخط يده وتكملة بإضافة ما تفرّق من شعره في المصادر المطبوعة والمخطوطة وإلحاق منظومتين في “حديث الكساء” وفي “المواريث”، إضافة إلى 16 ملحقاً تاريخياً وأدبياً.
وقراءة الكتاب المطبوع تعطي انطباعات واضحة عن صورة الأدب العراقي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الماضي، كما تبيّن طبيعة ونوع هذا الأدب من خلال أسلوبه ولغته، كأدب معروف بأشكاله، البند والبرق والتخميس والتشطير، والمراسلات والمجاملات، ودور كلّ نوع منه في مرحلته.
ومن خلال النصوص يكتشف قارئوه اليوم طبيعة الحياة والعلاقات الإنسانية في تلك الحقبة من الزمن والمجتمع العراقي آنذاك، كما تعبر الطروس عن موقع الشعر عند أصحاب القرار وفي تاريخ ما يحيط بأصحابه، وتضيء الحياة الأدبية والفكرية وتَواصِلُها الثقافي والاجتماعي.
ولعل في شهادة الدكتور محمد مهدي البصير وتقريضه أجواء المخطوط ومؤلفه وعائلته إضافة أخرى لتلك الإضاءة فقد كتب: “وكانت أفراحهم وأحزانهم مواسم أدبية يتسابق فيها شعراء النجف والحلّة تسابقاً يعود على أدب ذلك الزمان بالنفع الكثير” وأضاف: “وإذا كانت التهاني والمدائح ممّا لا يحفل به مؤرخ الأدب كثيراً في هذا العصر، وأنّ الرثاء الصادق البليغ المفعم إحساساً وعاطفة كرثاء حيدر، والحبوبي والشبيبي، والخضري لأعيان هذا البيت جدير بأن يستوقف مؤرخ الأدب وأن يستأثر بقسط غير قليل من درسه ونقده وتمحيصه ولذلك فإنّ آل قزوين يعدّون بحق من أكبر زعماء نهضة العراق الأدبية في القرن الثالث عشر، والسيّد مهدي القزويني وأنجاله الأربعة هم الذين يحملون لواء هذه الزعامة ويتولون قيادة هذه الحركة”.
وذكر الأستاذ جعفر الخليلي في كتابه عن القصة العراقية مجموعة من الطرائف قال: “كان بيت زعيم الحلّة الروحاني السيّد محمد القزويني في أوائل القرن العشرين منتدى أدبياً تاريخياً، وديوان شعر لا تطلع عليه الشمس إلاَّ بجديد في عالم الشعر والأدب، ولا تغيب الشمس إلاَّ بجديد في عالم الفن فيتناقل أهل الحلّة ما كان يدور في هذا الديوان، والدواين الأخرى، وظلّوا يتناقلونه إلى ما قبل، وما بعد الحرب العظمى الأولى”.
وما سبق يوضح طبيعة أجواء المخطوط والحياة الأدبية في فترته، ومن خلاله وما سلط من ضوء على ما ورد فيه من مخاطبات لأعلام وشعراء آخرين عاصروا المؤلف التفاتة توثيق لهم ولمكانهم ودورهم في إثراء الحياة الأدبية ومجالاتها المتاحة، كما يعكس مستوى الاهتمام والتبادل الثقافي في تلك الفترة ويؤكد على مكانة الشعر بين صفوف الأدب الأخرى وتعدّد مواهب الأسماء المشتركة في طروس السيّد القزويني ومن بينها ما أعاروه من رغبة متابعة التطورات الحديثة وأنواع العلوم والمخترعات مثل الترام والسيارة والقطار والراديو وغيرها وتثبيتها بنصوص شعرية وتأمّلات لمّاحة تشهد لهم ولعصرهم وتأثّرهم به. كما بيّنت الطروس ما للرسائل البرقية من أهمية أخلاقية وأدبية من جهة، ومن جهة أخرى ما تقتضيه من اختزال للألفاظ وشمول الأغراض وتوريات وطرائف لها معان ومقاصد تعنى بما لديهم من إبداع وتفنن فيه.
وما عرضه المؤلف كنموذج لأدب زمانه في رسائله البرقية التي ضمّها مخطوطه، نقتطف الأبيات التي أرسلها إلى والي بغداد ملتمساً منه أن يبذل ما في وسعه لإغاثة الأهالي من العطش:
قل لوالي الأمر قد مات “الفرات” ومضى عنه أهاليه شتات
اقتربوا أن يموتوا عطشاً وبكفيك جرى ماء الحياة
وقد عنى بها الوالي وترجمها وأجاب عليها عاكساً بذلك مكانة صاحب الرسالة ونوع التأثير في نصّها وطبيعته الشعرية المتداولة وفي هذا النموذج وأمثاله صورة عن محتوى الطروس وما تضمنه من أدب اختصّ به أهل عصره، إضافة إلى ما احتواه من نوادر شخصية ودعابات مليحة، مبيناً بجلاء كونه مرآة الأدب العراقي في زمانه وصورته الناطقة لدوره الأدبي والثقافي.
د. كاظم الموسوي
عباس كاشف الغطاء
(1) هذا هو أحد الأساطين الأعاظم، والعُمد والدعائم من الطائفة الجعفرية الذين نهضوا بأعباء الزعامة، والتحفوا بأبراد المجد والكرامة. ما وقعت جارحتا بصري وعينا بصيرتي على سري من السراة ولا زعيم من الزعماء أجمع منه للمهابة في لطف، وللشدّة في لين، وللتقوى في ظرف، وللتواضع في شرف، وللعلم الخطير في أدب غزير ولغريزة الجود والإحسان من غير اعتداد وامتنان.
ويشهد الضمير والوجدان عليّ أنّ أبغض الأشياء إليَّ إطالة الإطراء، ومدّ حروف المدح والثناء حقيقة أو مبالغة، ولكن لا تزال لهذا الشيخ الشامخ في أوج الرفعة روعةٌ في قلبي، وعظمة في نفسي، ومهابة في عيني قلّ ما رأيتها لسري من السراة الأعاظم. ولا جرم أنّ المقام دون أنْ يفي بما يجب له من ذكر أدوار حياته و ترجمة مساعيه ومآثره وما امتاز وانفرد به، وما فاق وتقدّم به على سائر علماء عصره. نعم لا محيص من الإشارة الوجيزة، والجملة الصغيرة من ذلك كدأبنا مع كثير ممّن تقدّم من أقرانه الأعاظم شكر الله مساعيهم الجميلة.
هو العباس بن علي بن جعفر كاشف الغطاء، تُوفي والده العلاّمة الشهير سنة 54 بعد المائتين وألف()، وكانت ولادته قبل وفاة أبيه بسنتين، فنشأ في حجر عمّه الشيخ الفقيه الشيخ حسن وأخوته الأعاظم المشاهير الذين تقلد كلّ واحد منهم زعامة الإمامة والتقليد، وهم: الشيخ محمد، والشيخ مهدي، والشيخ جعفر، وكان أكثر حضوره وتحصيله على أخيه الشيخ مهدي الذي كان وحيد عصره في الفقهاهة، وله للعلم آثار كثيرة ومساع كبيرة، منها: المدرسة الشهيرة باسمه، ومثلها في كربلا، وله عدّة مؤلفات في الفقه وكان أخوه شيخنا العباس المترجم قد لازمه ولم ينخزل عنه إلى حين وفاته سنة 1289 وكان أكثر اعتماد أخيه عليه في أكثر مهماته ثمّ حضر بعده على شيخ الفقهاء في ذلك العصر الشيخ محمد حسين الكاظمي المتقدم الذكر ثمّ حضر بعده قليلاً على العلامة الميرزا حبيب الله الذي كان هو المدرس الوحيد في أواخر أيامه في النجف. وكان كلٌّ من هذين العلمين يشير بل ينصّ عليه ويوصي بل يرشد إليه حتّى استقل بعد وفاتهما واضطلع بأثقال الرئاسة الدينيّة من التدريس والقضاء والحكومة. وعكفت قلوب العامّة والخاصّة على حبّه والتهافت على الوثوق به لكرم أخلاقه ودماثة طباعه مع عظيم هيبته وأبهة وقاره.
وأقوى الأسباب الذي جعل أفئدة من الناس تهوي إليه هو تعفّفه عن أموال الناس وخاصّة الحقوق، فإنّه كاد أن لا يمسّها بيده حتّى يوصلها لأربابها من الضعفاء والمحتاجين وطلاب العلوم والأيتام من دون أن يتلمظ لنفسه منها بشيء. وقد شاع عنه ذلك واتّضح وتجلّى منه مع ما كان فيه من عزّة النفس والإباء وعلو الهمة، ونفوذ الأمر والنهي حتّى على الأمراء وحكّام النجف وانقيادهم إليه. ولم يزل على ذلك وأكثر إلى أن توفاه الله إليه في الخامسة عشر بعد الثلثمائة وألف.
سار (طيّب الله مرقده) مع ثلّة من عائلته وملازميه من (النجف) إلى (كربلاء) في شط الفرات، وبعد قضاء وَطرهِ من الزيارة قفل راجعاً فأجاب داعي الله الذي فاجأهُ في محل من ضواحي قضاء (الهندية) ولم يكن معه من خاصّة رجال أهل بيته سوى سليلة العلاّمة (الهادي) فتلقى هذه الفادحة بصبر أرسى من الجبال، ثقمّ حملَ جنازتَهُ مع ثُلَّة من أعراب ذلك المحل وساروا بها في الفرات في السفن الشراعية، حتّى جاءوا بها إلى شريعة (الكوفة) فخرج أهالي (النجف) على بكرة أبيهم وحملوا نعشَهُ على الأكتاف والرؤوس من مسافة أميال ولهم ضجة وعويلٌ وضوضاء. ملأتْ أجواء الفضاء، وكانوا يرون أنَّهم فقدوا بفقده أباً براً وحُصناً منيعاً. وكانَ ذلك في أخريات صفر من السنة الخامسة عشر بعد الألف والثلثمائة. وقد برع الشعراء وتفنّنوا وأكثروا من مراثيهم.
وكان ابن عمّه وسميه وقرينه العلاّمة الشيخ عباس بن الحسن بن جعفر كاشف الغطاء قد عدّه في النسب والعمر والفضل والرئاسة، وكان يؤازره ويعضده في حياته، ثمّ استقلّ بمشيخة الطائفة (الجعفرية) بعد وفاة سميه. وكان العباس بن الحسن بارعاً في الإنشاء والكتابة تحريراً، في التحرير يندر في عصره له النظير. وله مؤلفات في الفقه والأصول كثيرة، ومنظومات من أعلى طبقات النظم في النحو والفقه والأصول، وشرح منظومة السيّد بحر العلوم بالنظم فلم يقصر عنه.
ولم يزل مكباً على الجمع والتأليف حتّى قبضه الله إليه في سنة نيف وعشرين بعد الثلثمائة وألف. ومن الأسف أنّه لم يُنشر حتّى الآن شيء من مؤلفاته مع أنّها كثيرة وفيها الجيّد النفيس.
وكلّ من هذين العلَمين لم يعقب بعده سوى ولد واحد. أمّا العباس بن علي فأعقب شيخنا الهادي، وأمّا العباس بن الحسن فقد أعقب شيخنا المرتضى، وهو اليوم أحد أفاضل الأسرة الجعفرية وأعيانها في العلم والفضل والمواظبة على التحصيل. وأحسب أنّ ولادته في الثانية والثمانين بعد المائتين وألف فيكون قد ناهز الخمسين.
وله منظومات وأراجيز في بعض أبواب الفقه كالموازين والزكاة وغيرهما، وقد طبع بعضها وانتشر.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
عبد الرحمن الكواكبي
ونظريته في الإصلاح الاجتماعي
وُلد عبد الرحمن الكواكبي سنة 1853م في مدينة حلب الشهباء من بلاد الشام، في أسرة علمية عربية شريفة. ينحدر نسب الشيخ السيّد عبد الرحمن بن أحمد بن مسعود الكواكبي من الأسرة الصفوية. وهي ترجع بأصولها البعيدة إلى الشريف حمزة بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب().
الأسرة الصفوية أصل لعوائل أخرى إضافة للبيت الكواكبي مثل آل الحيدري رهط الشيخ السيّد صبغة الله الحيدري مفتي الشافعية في العراق()، وآل نجف رهط المرجع الديني الأعلى للشيعة في زمانه الإمام محمد طه نجف في العراق() العالمين الدينيين العراقيين المعاصرين لوالد السيّد عبد الرحمن الكواكبي. وهي أصل كذلك لعائلة الجبّاريين عشيرة الشاعر العراقي المشهور معروف عبد الغني الرصافي()، وأصل لملوك الدولة التي حكمت إيران لمدّة طويلة باسم الدولة الصفوية. وقد تقطعت الصلات بين هذه الفروع من آل صفي الدين، لأسباب دينية وسياسية وجغرافية. وقد توزّعت بها الأوطان بعد هجرة أجدادها من موطنهم الأصلي في الحجاز إلى إيران والشام والعراق.
وللبيت الكواكبي آثار مشهورة منها “المدرسة الكواكبية” في حلب، وقد نبغ منهم جماعة كبيرة من العلماء ورجال الإدارة، منهم السيّد أحمد الكواكبي (أبو عبد الرحمن) الذي كان أحد مدرسي الجامع الأموي الكبير في دمشق(). والمهاجر من أجداد الكواكبيين إلى حلب السيّد إبراهيم الصفوي() كما تذكر معظم المصادر التي تناولت الإشارة إلى نسبهم، وهو ابن السيّد علي علاء الدين الذي كان من كبار المتصوفة والعلماء في زمانه.
أمّا أم الكواكبي فهي السيدة الفاضلة عفيفة بنت مسعود آل النقيب المفتي في انطاكية. فهو هاشمي الأبوين. وقد توفيت والدته وكان له من العمر خمس سنوات فاحتضنته خالته صفية وربته وعلمته().
وللعلاّمة المحقق الشيخ آغا بزرك الطهراني مؤلف الموسوعة المشهورة “الذريعة” رأي يورده في كتابه (طبقات أعلام الشيعة)، عن والد المترجم له فيقول:
كان والده مدرساً في الجامع الأموي الكبير في دمشق وهو من العلماء المطلعين ورجال العلم الأفاضل، وهو شيعي لكنّه يكتم ذلك للاستمرار في التدريس بالجامع وغيره من المجالات التي كانت تمهد له نشر الحقائق وتعينه على خدمة العلم الصحيح، وكان نظيراً للسيّد جمال الدين الأفغاني بجميع المعاني، كما وصفه بعض العارفين، المطلعين على واقع أحواله.
ولم يذكر المحقق الطهراني مصدراً محدداً واضحاً لدعواه سوى الرجوع إلى بعض العارفين. ولعل النسب الصفوي الذي تعتز به الأسرة الكواكبية الشريفة وما يتبعه من تعاطف مع هذا الأصل هو الذي جعل أولئك البعض يخرجون بالاستنتاج الذي ذكره المحقق الطهراني رحمه الله.
صفاته وشخصيته
جاء في وصف الكواكبي أنّه “كان ربعة إلى الطول أقرب، قوي البنية صحيح الجسم، عصبي المزاج بتأن، أشهل العينين، أزج الحواجب، أبيض اللون واسع الفم، عريض الصدر، أسود شعر الرأس والذقن، متأنقاً في لباسه، جسوراً غير هيّاب فيما عزم عليه، يتكلم بجهر هادئ وسلاسة وابتسام، يحسن السباحة والصيد والفروسية”().
حياته
أوّل ما يُقال عن حياته أنّه نشأ على أبيه الجليل فربّاه وأطلعه على الحقائق وخرَّجه على يده فنمّى مواهبه وتعهّد قابلياته بالرعاية حتّى شبّ كما أراد له().
وقد تلقّى عبد الرحمن الكواكبي مبادئ العلم في بعض المدارس الأهلية ودرس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية. وأتقن اللغتين العربية والتركية وبعض الفارسية ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة(). لقد أولع الكواكبي بالعمل الصحفي فعمل في جريدة (الفرات) وعمره 27 سنة لمدّة خمس سنوات. وفي سنة 1877 ساهم في إنشاء جريدة “الشهباء” ثمّ أصدر في سنة 1879 صحيفة أخرى سمّاها “الاعتدال”(). مارس الكواكبي العمل في عدد من الوظائف الحكومية في مواقع مختلفة علمية وإدارية وحقوقية. ولم ترق استقامته وحبّه للإصلاح وصراحته في الحديث وحريته في الفكر لبعض ذوي المناصب العليا فسعوا به عند الحكومة فحبسته ثمّ صادرت أمواله وممتلكاته().
قال زيدان: “كان الكواكبي واسع الصدر، معتدلاً في كلّ شيء، عطوفاً على الضعفاء حتّى سمّاه الحلبيون “أبا الضعفاء”“().
وجاء في الرائد العصري “أنّه كان له في بلده مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس، ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين. ومع تمسّكه بأمّته الإسلامية والمطالبة بحقوقها والاستهلاك في سبيل نصرتها، كان بعيداً عن التعصّب يستأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء، لأنّه كان يرى رابطة الوطن فوق كلّ رابطة”().
لقد اتّهم الكواكبي بالعمل على تشكيل جمعية مناوئة للدولة، فاعتقل بتهمة خيانة الوطن. ولكن إصراره وصموده وشجاعته بالدفاع عن نفسه جعل محكمة بيروت تصدر حكماً بالبراءة وأطلق سراحه. وبعد خروجه من السجن وعودته لحلب عُين رئيساً لبلدية حلب ومنحه السلطان النيشان المجيدي الثالث(). لكن كلّ هذه النياشين والمناصب لم تغر الكواكبي لأنَّ أهدافه بالحياة أكبر كثيراً من هذه المكاسب الصغيرة. وبعدها خرج الكواكبي بعدما ضاق بالحكام العثمانيين المسيطرين على سوريا متجهاً إلى مصر(). يصف السيّد الكواكبي هجرته فيقول:
أقول وأنا مسلم عربي مضطر للاكتتام شأن الضعيف الصادع بالأمر، المعلن رأيه تحت سماء الشرق، الراجي اكتفاء المطالعين بالقول عمّن قال: (وتعرف الحق في ذاته لا بالرجال)، إنّني في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وألف هجرية هجرت دياري سرحاً في الشرق. فزرتُ مصر واتخذتها لي مركزاً أرجع إليه مغتنماً عهد الحرية فيها على عهد عزيزها حضرة سمي عم النبي (العباس الثاني) الناشر لواء الأمن على أكناف ملكه، فوجدت أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشرق خائضة عباب البحث في المسألة الكبرى.
واستُقبل الكواكبي في مصر استقبالاً جميلاً كمصلح مؤمن صادق وقد استطاع الكواكبي من التعبير عن الإرادة الإصلاحية في مصر(). وقد نشر فيها كتابيه المشهورين: “أم القرى” و”طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”.
لقد انطلق الكواكبي فيما بعد من مصر ليقوم بجولة إلى مختلف البلدان الإسلامية لاستطلاع أحوالها. وصف الكواكبي خط مسيره في مقدمة كتابه “أم القرى” فكانت محطته الأولى بعد مصر ميناء الحديدة في اليمن ثمّ صنعاء فعدن ومنها عمّان فالكويت، ومنها إلى البصرة ثمّ حائل ومنها إلى المدينة المنورة ثمّ مكة المكرمة. لقد كان طموح الكواكبي أن يشكّل جمعية سرية إصلاحية مقرّها في مكة المكرمة وقد تخيّل الكواكبي في كتابه “أم القرى” مثل هذه الجمعية، وأنّها عقدت اجتماعاتها في مكة المكرمة للتداول في أحوال المسلمين وأسباب تخلّفهم. وكان رجال هذه الجمعية (المُتَخَيَّلة!) يمثّلون مختلف الأقاليم والشعوب الإسلامية وهذا واضح من ألقابهم. فهم السيّد الفراتي الذي هو الكواكبي عينه. و”الفاضل الشامي، البليغ القدسي، الكامل الإسكندري، العلاّمة المصري، المحدّث اليماني، الحافظ البصري، العالم النجدي، المحقق المدني، الأستاذ المكي، الحكيم التونسي، المرشد الفاسي، السعيد الإنكليزي، المولى الرومي، الرياضي الكردي، المجتهد التبريزي، العارف التتاري، الخطيب القازاني، المدقق التركي، الفقيه الأفغاني، الصاحب الهندي، الشيخ السندي، الإمام الصيني”().
افترض الكواكبي أنَّ جمعيته هذه عقدت إثني عشر اجتماعاً تحدث بها هؤلاء العلماء المسلمون فيما يتعلق بتشخيص الأمراض الاجتماعية التي أصابت الأمّة الإسلامية فأدّت إلى انحطاطها وسبل العلاج الكفيلة للنهوض بهذه الأمّة من انحطاطها إلى مدارج التقدّم والرقي. ولنواصل متابعة تخيل الكواكبي لجمعيته الإصلاحية لنجد أنّه:
1 ـ يذكر أنّ الجمعية قرّرت أن تذيع بعض قراراتها مثل القرار رقم 6، الذي سنذكره لاحقاً لكنّها ستكتم القرارات الأخرى.
2 ـ تقرّر أن يكون تأسيس الجمعية الدائمة ابتداءً في بورسعيد أو الكويت بصورة غير علنية، ويفوض لهذه المهمة العلامة المصري والسيد الفراتي اللذين من المقرر اجتماعهما في مصر بعد ستة أشهر للقيام بالمستلزمات التمهيدية لهذا التأسيس.
3 ـ تشكيل الجمعية يصطدم مع بعض العوائق.
4 ـ يبشّر السيّد الفراتي المسلمين بأنّ “جمعية أم القرى” قد أُحكم تصوّرها وتأسيسها، فهي بعناية الحي القيوم الأبدي حيّة قائمة أبداً.
5 ـ يحذر من التجسس على جمعية “أم القرى” وأعضائها بقصد إيصال سوء إليها.
6 ـ إعلان عن طلب النصرة للجمعية برأي أو عمل أو تعضيد بجهد أو مال.
7 ـ استعمال الشفرة والرمز في تعامل الجمعية. واجتماعات الجمعية سرية.
8 ـ إسناد رئاسة الجمعية للأستاذ المكي وسكرتاريتها للسيّد الفراتي.
إنّ هذه الإشارات تعكس جانباً من عقلية الكواكبي التنظيمية في وقت لم تنتشر به الممارسات الحزبية في البلاد العربية ممّا يدلل على امتلاكه لوعي مبكر في هذا المجال.
وفي كتاب “أعلام النبلاء” لمحمد راغب الطباخ يذكر أنَّ الكواكبي كان يقول: “إنّ لهذه الجمعية أصلاً، وأنّه توسّع في السجل ونقّحه ست مرّات أخرى عند طبعه منذ سنتين ونيف أعني عقب قدومه إلى مصر”(). وفي تصوّري أنّ الكواكبي كان يسعى من أجل تشكيل مثل هذه الجمعية ولعلّه استطاع أن يكسب بعض الرجال لفكرته هذه. لكن المنية هي التي عاجلته قبل تحقيق هدفه هذا، أو أنّ هدفه هذا كان السبب في تعجيل منيته.
لقد اعتقد الكواكبي أنّ مصر زمن عباس الثاني أفضل من بلاده أو البلدان الشرقية الأخرى لنشر دعوته. لذلك اقترح أن تكون مصر مقراً لجمعيته الإصلاحية فقال: وإنّ جمعيتنا هذه إذا اختارت أن تجعل مركزها المؤقت في مصر دار العلم والحرية، فلها أمل قوي في أنّ حضرة العزيز (عباس الثاني) يكون عضداً للقائمين باعتزاز الدين وحامياً فخرياً للجمعية، ولا بدع فإنّه خير أمير شاب نشأ على الغيرة الدينية، والحمية العربية().
ألّف الكواكبي في مصر كتابه الثاني (طبائع الاستبداد) حيث نُشرت معظم بحوثه أوّل الامر في الصحف المصرية مثل جريدة “المؤيد”. والكتاب كما يذكر الكواكبي مرّ بمراحل هي:
1 ـ في زيارته الأولى لمصر كتب بعض المقالات حول الاستبداد.
2 ـ في زيارته الثانية لمصر واستجابة لتكليف بعض الشباب توسع بتلك البحوث ونشرها في كتاب اسمه (طبائع الاستبداد).
3 ـ في زيارته الثالثة لمصر أعاد النظر فيه، وأضاف إليه().
تقع بحوث الكتاب ضمن العناوين التالية: “الاستبداد والدين” و”الاستبداد والعلم” و”الاستبداد والمجد” و”الاستبداد والمال” و”الاستبداد والأخلاق” و”الاستبداد والتربية” و”الاستبداد والترقي” وأخيراً “الاستبداد والتخلص منه”. إضافة للكتابين السابقين فإنّ للكواكبي (كما في معجم المؤلفين) كتابين آخرين هما: “صحائف قريش” و”العظمة لله”().
لم يتبع الكواكبي خط معاصريه في السجع، ولم يتنطع في اللغة، ولم يتحذلق. فهو مناضل ضد كلّ استبداد حتّى استبداد المقلدين.
وفاته
توفي السيّد الكواكبي سنة 1902م، وقد قيل إنّه مات مسموماً على إثر تناوله فنجان قهوة مسمومة(). وقد أوفد عباس الثاني مبعوثاً عنه لدفنه.
دعوته الإصلاحية
الكواكبي (رضوان الله عليه) صاحب مدرسة مهمة ومتميزة من مدارس الإصلاح السياسي والاجتماعي والديني. فهو في دعوته الإصلاحية مؤمن بالإسلام لكنّه لا يلغي مبدأ التعايش مع غير المسلمين. وهو مؤمن بالإصلاح الديني الجذري لكنّه يعتقد بضرورة الإصلاح الشامل الذي يُعنى بكلّ مناحي حياة الأمّة ولا يقتصر على الدين فحسب. وهو مدرك للدور التخرييبي للدولة الدكتاتورية ضد الأمّة لكنّه يؤكد على ضرورة تبلور البديل السليم القائم على أسس دستورية وقانونية دقيقة وواضحة. وهو مؤمن بأهمية الخلافة الإسلامية للمسلمين لكنّها خلافة بقيادة عربية قرشية لا تركية عثمانية. وبخلافة مقيدة الصلاحيات لا مطلقتها. وهو مؤمن بوحدة الأمّة العربية وعظمتها لكنّه يعتقد أنّ دورها القيادي في العالم يتقوّم بالإسلام. وهو مؤمن بالمنهج السلفي، لكنّه يؤمن بضرورة الانفتاح الكامل بين المسلمين، ويفسّر السلفية بصورة تستوعب المذاهب الإسلامية المروية عن السلف الصالح (رضوان الله عليهم) دون تفريق. وهو مؤمن بدور الدين الأساسي في بناء الأمة الصالحة والدولة الكريمة لكنّه لا يؤمن بالحكومة الدينية ذات الصلاحيات المطلقة المقدسة. وهو مؤمن بضرورة التغيير وإنهاض الأمّة من انحطاطها لكنّه يتّبع المنهج الإصلاحي التربوي ويرفض النهج الثوري العنيف. وهو مؤمن بالانفتاح على الغرب لكنّه الانفتاح الذي لا ينسى الشرقي هويته ودوره بالحياة. وكنّا درسنا ـ في مناسبات سابقة ـ جوانب من دعوة الكواكبي الإصلاحية فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي والسياسي وموقفه من الدولة العثمانية، ومقترحه في تطوير الخلافة الإسلامية، ودور الدين في بناء الفرد والمجتمع، ومنهج العمل التنظيمي الذي يتبناه().
وسنحاول هنا أن نسلّط الضوء على جوانب أخرى من مدرسته الإصلاحية خصوصاً الاجتماعية منها. ومن نافلة القول أنّ استعراض آرائه لا يعني بالضرورة إيماننا بصلاحها جميعاً. فقد فكر هذا الرجل وكتب في محيط غير محيطنا وزمان غير زماننا. لكنّ التوقّف في محطات الوعي الفكري التي مرّت بها أمتنا عملية ضرورية للتعرّف على موقفنا الحالي في حركة الصراع الفكري والسياسي، ولنتأمل بعد ذلك في مشاكلنا الحاضرة ومدى ارتباطها بمشاكل أمتنا قبل قرن من الزمان، ما الذي تغيّر، وما الذي بقي منها. وحياة عبد الرحمن الكواكبي ومدرسته واحدة من تلك المحطات المهمة التي ينبغي المرور عليها للتعرّف على أهم معطياتها.
وسيكون كتابا الكواكبي المذكوران المصدرين الأساسين للتعرّف عليها. لقد طرح الكواكبي العديد من الآراء على ألسنة الشخصيات الإسلامية التي تخيلها، وأجرى حواراً بين هذه الأصوات وراح من خلالهم يحلل شؤون الأمّة الإسلامية ويبيّن التصوّرات المختلفة التي تتناول قضية تخلّف المسلمين والاقتراحات من أجل التغيّر والتطوّر.
أسس الانطلاق
انطلق الكواكبي من فرضية تقول: أنّه لا يكاد أن تجد إقليمين متجاورين أو ناحيتين في إقليم أو قريتين في ناحية أو بيتين في قرية أهل أحدهما مسلمون، والآخر غير مسلمين، إلاَّ وتجد المسلمين أقل من جيرانهم نشاطاً وانتظاماً في جميع شؤونهم الحيوية. كذلك تجدهم أقل إتقاناً من نظرائهم في كلّ فن وصنعة.
لكنّه مع تقديم هذه الفرضية على لسان أحد أشخاص حواره إلاَّ أنّه يحدّد ويقلص من شمولية هذا الفرض من خلال ملاحظتين هما:
1 ـ إنَّ أكثر المسلمين في الحواضر (وجميعهم في البوادي حينذاك) محافظون على أمهات المزايا الأخلاقية مثل الأمانة والشجاعة والسخاء.
2 ـ إنَّ هناك العديد من الأمم في إفريقيا أكثر تخلّفاً من المسلمين.
ثمّ يطوّر فرضيته المذكورة إلى الصيغة التالية: “إنَّ المسلمين ليسوا أحط من غيرهم مطلقاً بل إنّهم أحط من غيرهم ما عدا أهل النحل المتشددة في التديّن”. ويقصد بعبارة “أهل النحل المتشددة في التدين” تلك الأمم التي تعتنق ديانات غير توحيدية ذات طقوسية وثنية مثل الديانات الهندية أو الأفريقانية. كما إنّه يحسم القول في اللادينيين فيعتبرهم منحطين عن أهل الإيمان إجمالاً.
وبعد تطوير فرضياته ينتقل الكواكبي للإجابة على السبب الكامن وراء هذا التخلّف الذي كان يلف الحياة العامّة في وقته. فيذكر عدّة آراء بهذا الخصوص بحثاً عن الحقيقة لا رغبة في التناظر المجرد.
من الأسباب التي أشار إليها الكواكبي هو أنَّ منشأ هذا الفتور في الحياة الإسلامية يرجع الى بعض القواعد الاعتقادية والأخلاقية، ومن أمثلة ذلك العقيدة الجبرية “التي من بعد كلّ تعديل فيها جعلت الأمّة جبرية باطناً، قدرية ظاهراً”.
كذلك الدعوات الأخلاقية للزهد والقناعة والاكتفاء باليسير من الرزق والتباعد عن الزينة والمجد والرئاسة. لكنّه يرد على إرجاع ظاهرة التخلف إلى العقيدة الجبرية فحسب، إذ أنّ العقائد الجبرية وما هو أشد منها تعطيلاً للأخذ بالأسباب الطبيعية للأشياء موجودة في كافة الأديان. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الديانة المسيحية وما تدعو إليه من تبتل وخروج عن المال والماديات.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الدعوة الأخلاقية للزهد في الدنيا لم تمنع الجيل الأوّل من المسلمين مع ما كانوا عليه من زهد وقناعة وابتعاد عن حب الرئاسة من أن يكونوا أقوى الأمم وأعظمها. لذلك يورد الكواكبي سبباً آخر إضافة لما مرّ ذكره، فيبين أنَّ سبب التخلّف هو التحوّل السياسي الذي طرأ على الأمّة الإسلامية عندما تحوّلت قيادة المسلمين من قيادة نيابية ديموقراطية كما كان الحال زمن الخلفاء الراشدين إلى ملكية مقيدة بقواعد الشرع ثمّ صارت ملكية أشبه بالمطلقة.
ويعزي الكواكبي هذا التحوّل في السياسة الإسلامية إلى اشتداد الصراع الداخلي بين المسلمين، والذي أُذكيَ ـ حسب تصوّره ـ بتشجيع من الولاة والعمال كأسلوب لتعميق الانقسام لإيجاد مبرر الاستقلال السياسي عن مركز السلطة، أو لبعضهم عن البعض الآخر. وهذا في نظره هو السبب عينه الذي أدّى إلى تفرّق الناس في الدولة الإسلامية إلى فرق طوائف متباينة مذهبياً، ومتناحرة سياسياً.
لكنَّ الاختلاف بين الطوائف والقطاعات المتعددة من أبناء الشعب الواحد لم يحل دون بروز أمم عظمى مثل الأمّة الألمانية. كما إنّ الحكم المطلق لم يمنع كذلك من ولادة دول كبرى مثل الإمبراطورية الروسية. لذلك راح الكواكبي يبحث عن سبب آخر يقف وراء تخلّف المسلمين.
فذكر على لسان شخصية أخرى من شخصياته المفترضة أنّ السبب هو جهل الأمراء المترفين. لكن تحميل التبعة على الأمراء فقط لا يمكن الركون إليه، فما أمراء المسلمين إلاَّ منهم. ولو لم يكن المسلمون مرضى لما كان أمراؤهم مرضى، فهناك علاقة وثيقة في نظر الكواكبي بين الطرفين انطلاقاً من القول المعروف “كما تكونوا يولَّ عليكم”.
لذلك يضيف الكواكبي سبباً آخر يقف خلف ظاهرة التخلّف. وهو فقدان الحرية، وما يتفرّع من ذلك من أمراض سياسية واجتماعية. فمن فروع الحرية تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام باعتبار أنّهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة وبذل التضحية. ومنها حرية التعليم وحرية الخطابة والمطبوعات وحرية المباحثات العلمية ومنها العدالة والأمن على الدين والروح والشرف. وبفقد الحرية تصبح الحقوق المترتبة عليها في مهب الريح.
لكنّه يضيف إلى هذا السبب والأسباب التي قبله أسباباً أخرى فيذكر أنّ أسباب الانحطاط هي أنّنا تركنا ما جعلنا خير أمّة أخرجت للناس وهي:
1 ـ عبادة الله وحده لا نخضع ونتذلل لسواه.
2 ـ أمرنا شورى بيننا.
3 ـ نتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان.
4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويستمر الكواكبي في تعيين الأسباب الموجبة لتأخّر المسلمين قياساً إلى أمم العالم الراقية، فيذكر أنَّ من نواقص المسلمين هو فقدانهم للإمام الموحد لشؤونهم. لقد كان يطمح أن يرى في أمّة المسلمين من يستطيع أن يوحّد أو ينسق بين دولها وكياناتها المختلفة. وقد تأسّف أنّ الأمّة الإسلامية لم تنجب مثل بسمارك الألماني، أو غاريبالدي الإيطالي، يوفق بين أمرائهم أو يلزمهم بكلمة واحدة.
تقصير العلماء وتأخّر الأمّة
ولم يكتف الكواكبي بهذه الأسباب بل أضاف إليها سبباً آخر، وهو أنَّ التخلّف الذي تعيشه الأمّة يرتبط بالتشويش الذي يمارسه بعض العلماء، وغلاة المتصوفين على عامّة الناس. فصار هؤلاء (المتعالمون) يدلّسون على المسلمين في تفسير القرآن وقد أدخلوا الكثير من المفاهيم المنحرفة في أذهان المسلمين. وممّا ساعد هذا الصنف من علماء الدين وأدعياء الزهد والتصوّف في التأثير على الناس هو ادعاؤهم الكرامة على الله، وإنّ لهم القدرة في التأثير على مقادير الناس.
ثمّ يبيّن الكواكبي انتشار هذه الظاهرة في مختلف البلدان الإسلامية فيقول: “وقد قامت لهؤلاء المدلسين أسواقٌ في بغداد ومصر والشام وتلمسان قديماً، ولكن لا كسوقها في القسطنيطينة منذ أربعة قرون إلى الآن”.
لكنَّ الكواكبي كان يعلم أنّ مثل هذا المرض لا يقتصر على الأمّة الإسلامية، فالدين وسيلة يمكن لكلّ مستغل خصوصاً لمن يلبس مسوح العلم والزهد أن يستغلّها من أجل جني الأرباح أو الوصول لما يتمناه. ومثل هؤلاء المدلّسين كما هم موجودون في أوساط المسلمين فإنّهم موجودون كذلك في كلّ أمّة أخرى لها دين. لكن الحكماء من أبناء هذه الأمم يحدّون من تأثير هذا الصنف من أدعياء العلم والزهد.
لذلك فالنقص كما تصوّره إحدى شخصيات الكواكبي المتخيلة يقع في “دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين، وبعبارة أخرى تحت ولاية الجهال المتعممين”.
ويعتقد الكواكبي أنَّ هناك ترابطاً وثيقاً بين الأمراء المتكبرين على الأمّة وعلماء الدين الذين ينافقون لهم، ويتصاغرون لديهم، ويحرّفون أحكام الدين ليوافق أهواءهم. لقد كوَّن الكواكبي هذه الصورة من خلال ما رآه من ممارسات علماء الدولة العثمانية الرسميين.
وفي المقابل، فإنّ الأمراء زمن هذه الدولة كانوا يغدقون العطايا على أولئك العلماء ويمنحونهم الرتب والألقاب. بل إنّ الطبقة العلمائية كما يصوّرها الكواكبي كانت لها امتيازات وراثية، وكان الطفل من أبناء علماء الدولة يرث القاب العلم والعلماء. ويستهزئ الكواكبي بهذه الممارسات ويستخف بتلك الألقاب التي كان السلطان يمنحها في كتبه الرسمية فيذكر على لسان أحد رموز كتاب “أم القرى”، إنّ الطفل في المهد يُنعت بأعلم العلماء المحققين، والفطيم يوصف بأفضل الفضلاء المدققين، والشاب المراهق يوصف بأنّه أقضى قضاة المسلمين، ومعدن الفضل واليقين ورافع أعلام الشريعة والدين ووارث علوم الأنبياء والمرسلين، إلى آخر ما هنالك من الكذب المشين. وفي المقابل فإنّ هؤلاء العلماء الرسميين يبالغون في منح الألقاب الرفيعة للسلطان التي هي أقرب إلى صفات الرب منها إلى صفات المربوب. فالسلطان هو ذو القدرة ومهبط الإلهامات مالك رقاب العالمين وولي نعمة الثقلين إلى غير ذلك من مصارع الشرك والكبرياء والمهالك.
إنَّ حصول هؤلاء العلماء على الإمكانات والقدرات المختلفة وفي المقابل الفقر والضعف الذي كان يعيشه العلماء المخلصون أدّى إلى حصول خلل كبير في ممارسة الدور الذي تنيطه الشريعة الإسلامية بعالم الدين. “وبذلك ضاق على العلماء الخناق، لا رزق ولا حرمة، وكفى بذلك مضيعةً للعلم والدين”.
يعتقد الكواكبي أنّ هذه الممارسات السلطانية أدَّت إلى التباس الأمر على الناس في التعامل مع العلماء، فتشوشت عقائدهم وضعف يقينهم، فضيعوا الكثير من حدود الله وتجاوزوها، وفقدوا قوّة قوانين الله ففسدت أيضاً دنياهم واعتراهم هذا الفتور”.
ويشنُّ الكواكبي حملةً على لسان أحد شخصياته المتخيلة على تفنن العلماء الرسميين في طريقة لبسهم بصورة تجعلهم أقرب إلى طقوسية الكهنة منها إلى بساطة الإسلام.
وممّا يلاحظ على موقف الكواكبي من العلماء هو استنكاره الشديد للقانون الذي شرَّعته الدولة العثمانية وهو “قانون العدلية” واستنكاره على علماء هذه الدولة لتأييدهم هذا القانون الذي يلصق به الكواكبي أنّه حُكمٌ بما لم ينزل الله، وبما يتبرأ منه الدين الحنيف، فيه إبطال لحدود الله التي صرّح بها القرآن.
ويعتبر الكواكبي أنّ التسعين في المائة من أولئك العلماء الرسميين الذين يوصفون بالتبحّر في العلوم لا يحسنون حتّى قراءة نعوتهم المزورة. كما أنَّ الخمسة والتسعين من أولئك المتورعين رافعي أعلام الشريعة والدين يحاربون الله جهاراً.
لقد اعتبر الكواكبي هذا الثنائي المصلحي من أهم اسباب تخلّف الأمّة. فهؤلاء العلماء في نظر الكواكبي هم الذين ينفثون في صدور الأمراء روح الاستبداد ومعاداة الشورى. ويبين الكواكبي كذلك أنّ هذه التسويفات الدينية هي خير وسيلة يتوسّل بها الأمراء الطغاة في الوقوف أمام دعاة الإصلاح بل ويستغلونها في مقام الدعاء بأنّهم مجبورون على الاستبداد، لأنَّ ذلك هو تكليفهم الشرعي. ويصرخ الكواكبي بأنّ هؤلاء العلماء الرسميين أضرّ على الدين من الشياطين.
إضافة لمّا مضى فالكواكبي يذكر سبباً آخر يتعلق بالدور السلبي لعلماء زمانه وهو اقتصارهم على العلوم الدينية وبعض الرياضيات، وإهمالهم باقي العلوم الرياضية والطبيعية. ويذكر أنّ تبعة هذا التقصير وإن كانت تلحق علماء الأمّة المتقدمين إلاَّ أنّ العلماء المتأخرين أكثر قصوراً لأنّهم في زمن ظهرت فيه فوائد هذه العلوم، ولم يحصل فيهم ميل لاقتباسها. والحق فإنّ متقدمي علماء المسلمين لم يكونوا بهذا البعد الذي يصفه الكواكبي عن معارف عصورهم فكان أحدهم إضافة لعلمه الديني يلم بأهم العلوم السائدة في زمانه بل إنّ بعضهم كان موسوعة علمية تستوعب كافة المعارف في زمانه.
وعلى أيّ حال فالكواكبي يعتقد أنَّ ابتعاد العلماء عن المعارف العصرية أدّى بهم إلى الاقتصار “على البحث في النوافل والقربات المزيدة في الدين، ورواية الحكايات الإسرائيلية. ومثلهم المرشدون أهل الطرائق، مقتصرون على حكايات نوادر الزهاد من صحيح وموضوع، ورواية كرامات الانجاب والنقباء والإبدال. ولا ننسى خطباءنا واقتصارهم على تكرار عبارات في النعت والدعاء للغزاة والمجاهدين، وتعداد فضائل العبادات”.
ويبدو أنَّ الكواكبي كان في هذا التشخيص رافضاً تخلّف الوسط العلمي الديني عن مواكبة العصر. ولا يبدو أنَّه كان يريد من العالم الديني أن يكون مهندساً وطبيباً واقتصادياً أو عسكرياً، لأنَّ مثل هذا التوجّه ليس صعب التحقيق مع اتساع المعارف الإنسانية فحسب بل إنّه مستحيل. لذلك اتّجه العلماء للتخّصص في حقول معينة في كلّ علم لمواكبة التطوّرات المتسارعة فيها. كما أنّ تطوّر الأمم الأوروبية لم يكن لتخصّص علمائهم الدينيين بالعلوم الحديثة بل بتشخيص الحدود الواضحة بين دور رجل الدين والعالم المتخصّص بالعلوم الطبيعية والاجتماعية. على أنّ علماء الدين في المتجتمعات الأوروبية استفادوا من معطيات العلم الحديث في القيام بمهامهم الدينية.
ولم يَفُت الكواكبي أن يميّز بين طبيعة الدينين المسيحي والإسلامي بلحاظ العلم، ففي نظره أنّ نور العلم الحديث على قدر إبعاد العقلاء عن النصرانية وأمثالهم هو الطريق الذي يقرّبهم إلى الإسلام.
المشكلة الاجتماعية
يؤشّر الكواكبي على العلاقة بين تخلّف المسلمين وطبيعة الاهتمامات الاجتماعية عند الناس. ويعزي سبب الفتور الذي ساد في المجتمع الإسلامي إلى فقدان الاجتماعات وضعف الحركة الاجتماعية ويعتبر أنّ تقصير المسلمين في المؤسسات الاجتماعية الدينية الثلاثة وهي: صلاة الجماعة، وصلاة الجمعة، وتجمّع الحج، كان من أهم أسباب ضعف العلاقة بين الفرد ومجتمعه. والذي ساعد على نموّ هذه الظاهرة السلبية حسب تصوّره هو انكفاء الخطباء والوعاظ عن التدخّل في الشؤون العامّة خوفاً من الحكام وأهل السياسة وتشجيعهم بالمقابل على اهتمام الفرد بما يتعلّق به من شؤون حياتية خاصّة. وقد اعتبر الكواكبي مثل هذا النمط الفكري نمطاً يقف على الضد من منهج التفكير الإسلامي الذي يؤكد على مسؤولية الفرد عن المجتمع الإسلامي، والإنساني معاً. والذي يؤكد كذلك على العلاقة المتبادلة بين الفرد ومجتمعه.
إنَّ هذه الحالة من تعمّق الفردية والانعزالية أدَّت إلى فقدان الإحساس عند الفرد المسلم وجعلته لا يشعر بالمسؤولية عن مجتمعه ودينه ووضعته رهين قيد اللاأبالية. وقد تأصّلت هذه الحالة إلى درجة صوَّرها الكواكبي على لسان أحد رموزه “أنّه لو خُرّبت الكعبة ـ والعياذ بالله تعالى ـ لما تقطبت الحياة أكثر من لحظة”.
وممّا لا شكّ فيه أنَّ هذه النظرة لا تخلو من المبالغة في التصوير السلبي لحالة المسلمين أفراداً وجماعات تجاه أمتهم. فالمسلمون زمن الكواكبي لم تكن أوضاعهم قد وصلت إلى درجة عدم مبالاتهم بمثل هذا النوع من الافتراض. بل على العكس فقد شهدت تلك الأيام وما بعدها العديد من النهضات والحركات الجهادية والثورية والسياسية.
وعلى الرغم من هذه المبالغة التي عالج بها الكواكبي المسألة الاجتماعية، إلاَّ أنّه قدم مجموعة من التوصيات التي تسهم في تعميق دور الفرد في المجتمع وتساعد بلا شك على تعميق العلاقة بينهما، مقتبساً إيّاها من تجربة الأمم الأوروبية فيذكر أنَّ الأمم الحيّة المعاصرة لجأت إلى عدّة أساليب للِّقاء الاجتماعي، وتعميق الحسّ العام بين أبناء الأمّة منها:
1 ـ تخصيص يوم للتعطيل عن العمل للتفرّغ للّقاءات والندوات والاجتماعات.
2 ـ تخصيص أيام لإحياء ذكريات عظمائهم وكبار أعلامهم.
3 ـ الاهتمام بالمنتزهات العمومية والاستفادة منها في الاحتفالات والمهرجانات الرسمية.
4 ـ الاهتمام بالساحات والمنتديات العامّة في تصميمهم للمدن لتسهيل الاجتماعات والمذاكرات.
5 ـ تأسيس المسارح.
6 ـ إحياء وتعميم المعرفة التأريخية لأممهم.
7 ـ إقامة النصب التذكارية.
8 ـ حفظ آثارهم القومية والعناية بالنفائس التراثية لأممهم.
9 ـ نشر الأحداث والأفكار المختلفة في صحفهم اليومية.
10 ـ تأليف الأغاني والأناشيد لبث الوعي الاجتماعي والقومي عند الناس.
ولا بدَّ لنا من الإشارة أنَّ معظم هذه الممارسات عند الأمم الأوروبية لم تكن قد انتشرت بدرجة مناسبة عند الأمم الشرقية زمن الكواكبي، لذلك فاقتراحه إياها يمكن اعتباره نوعاً من المبادرة التجديدية.
المرأة في تفكير الكواكبي
يعتقد الكواكبي أنَّ وضع المرأة في المجتمع الإسلامي آنذاك كان أحد أسباب تخلّف الأمّة. ويؤكد بالذات على جهل المرأة في زمانه، ذلك الجهل الذي يزعم بعض الناس آنذاك أنّه من وسائل حفظ عفة النساء. إنَّ أثر جهل المرأة كان واضحاً في مجال تربية البنات والبنين مضافاً إلى تأثيره على الأزواج.
والكواكبي في موضوع المرأة يقف وسطاً بين من يدعو إلى رفض الحجاب وبين من يدعو إلى وضع المرأة في قفص مغلق من الجهل. ويمكننا تلخيص أهم ملامح تصوّراته حول المرأة بما يلي:
1 ـ الاهتمام بتعليم المرأة.
2 ـ التزام المرأة بالحجاب الإسلامي.
3 ـ دور المرأة الأساس هو تدبير المنزل إلاَّ لحاجة ملحة من باب توزيع الوظائف.
4 ـ مراعاة الكفاءة من الطرفين عند الزواج لأنّ الزوجين الصالحين يستطيعان أن يؤسسا الأسرة الصالحة.
لكن الكواكبي فيما طرحه في كتاب “أمّ القرى” يبدو وكأنّه متناقضٌ مع ما طرحه في كتابه “طبائع الاستبداد” فيما يتعلق باختصاص المرأة في العمل المنزلي. ففي كتابه الثاني ينعى على المرأة كسلها في المجتمع، ويعتبرها النصف غير المنتج، ويعتبرها كائناً مستغلاً وطفيلياً على الرجال. ويعتقد أنّ ضرر المرأة يزداد في المجتمع الحضري قياساً للمجتمع البدوي ويتصاعد هذا الضرر بمقدار درجة تحضر المجتمع.
وعلى أي حال ففكرة الكواكبي غير واضحة بخصوص هذه المسألة فإن اعتقد بأنّ دور المرأة هو إدارة الشؤون المنزلية فحسب، فلِمَ يلومها على أنّها لا تشارك الرجل في مسؤولياتها الحياتية. ولم يذكر المرأة البدوية مادحاً إيّاها بأنّها تشارك الرجل مناصفة في الأعمال والثمرات فتعيش كما يعيش.
السلفية في فكر الكواكبي
لقد كان الكواكبي معتقداً أنّ الإسلام الأصيل والصحيح هو إسلام السلف الصالح (رضوان الله عليهم). والكواكبي يقدّم فهماً منفتحاً للعقيدة السلفية فهو من جهة يعتبر خير من يمثّل إسلام السلف الصالح هو أهل جزيرة العرب لما هم عليه من بساطة ولعدم اختلاطهم المؤدّي إلى تأثّرهم بأهل الأديان الأخرى.
ومن جهة ثانية، فهو لم ينطلق من خلفية مذهبية معينة في تشخيص العقيدة السلفية. فيرى أنّ أهل جزيرة العرب “وغالبهم الحنابلة أو الزيدية مذهباً وقد نشأ الدين فيهم وبلغتهم فهم أهله وحملته وحافظوه وحماته، وقلَّما خالطوا الأغيار، أو وجدت فيهم دواعي الأغراب والتفنن في الدين لأجل الفخار”.
إنَّ سلفيته تستوعب الحنبلي كما تستوعب الزيدي أي السنّي والشيعي بل إنّها تستوعب كلّ مسلم مؤمن بكتاب الله ورسوله. ويعزّز هذا التصوّر اختياره لرجال جمعيته الإصلاحية المتخيلة رجال من مختلف المذاهب الإسلامية. وهذا الفهم يخالف تماماً السلفية المعاصرة التي تعتمد التعصّب المذهبي على منهج ابن تيمية كأهم أساس لها وتتهم المسلمين في توحيدهم بالله وتحارب دعوات التقارب بين أبناء السنّة والشيعة.
ويتحدّث الكواكبي على لسان أحد رموز كتابه “أمّ القرى” فيبين أنّ الدين الموجود الذي كان يتديّن به المسلمون حينذاك ليس هو الدين الذي تميّز به السلف عبر مئات السنين. بل طرأت على الدين طوارئ من تغييرات أو متروكات أو مزيدات أكثرها يتعلق بأصول الدين وبعضها بأصل الأصول ويقصد بذلك (التوحيد).
ويواصل الكواكبي سرد أصناف هذه الطوارئ على لسان أحد رموزه فيعدد أنواعاً منها من قبيل:
1 ـ الاستعانة بغير الله من أولياء وعلماء ومشايخ طرق صوفية.
2 ـ التعامل مع قبور الأولياء كتعامل المشركين مع أصنامهم.
3 ـ المغالاة في مدح الأولياء على طريقة بعض المتصوفين.
4 ـ استبدال أحكام الشرع المبين بما سمّوه بعلم الباطن.
5 ـ اختراع عبادات وقربات لم يأتِ بها الإسلام، ولا عهد له بها إلى أواخر القرن الرابع.
6 ـ اتخاذ ذكر الله لهواً ولعباً وجعلوا منه التغني والرقص ونقر الدفوف ودق الطبول.
7 ـ إدّعاء علم الغيب من خلال استخراجه من الجفر والرمل والنجوم وتحضير الجن.
ومعظم هذه الإشكالات التي يوردها الكواكبي يمكن النقاش فيها، إلاَّ أنّ المصيبة في تعامل بعض المتشددين معها بصورة تؤدّي إلى تكفير المسلمين، وأكبر ظنّنا أنّ الكواكبي لم يكن يطبقها على مخالفيه بالطريقة التي يطبقها المتشددون على المسلمين بدليل موقفه في إيجاد العذر لهم واعتباره إياهم مؤمنين.
ويعتبر الكواكبي كذلك أنّ التشدّد في الدين يخالف منهج الشريعة السمحاء. وهو انحراف عن طريقة الإسلام التي تدعو إلى اليسر ولا تدعو إلى العسر. ويعتقد أنّ التمادي بالتشدّد أدّى إلى أن يتحول الدين إلى إصر وأغلال. ولكن الكواكبي مع اعتقاده بأنّ الطريق القويم هو الطريق السلفي إلاَّ أنّه كان يجد العذر لإخوانه في الدين. فلا يكفّر الآخرين، وقد بيّن هذا الرأي على لسان رمز آخر من رموز جمعيته الإصلاحية إذ جعله يقول في معرض الكلام عن الصوفية. “ونحن نتأوّل لهم كثيراً ممّا ينكره ظاهر الشرع ونلتمس له وجوهاً ولو ضعيفة لأنّنا نرى مؤسسي التصوّف الأولين كالجنيد وابن سبعين من أحسن المسلمين حالاً وقولاً. وقد جعل المبنى لمثل هذا التوجّه هو المزيد من الاحتياط في التعامل مع نيات الآخرين، وحمل أعمال المتظاهرين بالصلاح على الصحة والإخلاص. ثمّ بيَّن أنَّ التصوّف المغالي لا تصحّ نسبته إلى مذهب معين.
ومن هنا، فإنّ السلفية التي كان ينادي بها الكواكبي جديرة بالدرس والتحقيق حيث إنّها تقدّم مقترحات إصلاحية قبال السلفية التي تنتهج أسلوب التكفير والتفرقة وعدم إعذار الآخر المسلم.
إضافة إلى ذلك، فالكواكبي يعتبر أنَّ الدين الحق هو ما استند على الكتاب والسنّة. ثمّ يبيّن أنّ الاختلافات بين المسلمين ليست في الأصول، وإنّما في فروع الأصول وفي بعض الأحكام التي ليس لها في القرآن أو السنّة نصوص صريحة، وأنَّ الاختلاف لم ينبع من هوى النفس أو التقصير في التتبّع بل إنّه ينبع من الاجتهاد. وهو يعترف أنَّ رفع الخلاف غير ممكن مطلقاً ولكن يمكن تخفيف تأثيراته، ولتعلق الكواكبي بجزيرة العرب وأهلها يذكر لنا أنّ أهل اليمن وبقية بلاد الجزيرة العربية هم الذين لا يزالون على مذهب السلف الصالح ويورد قول أحد رموز جمعيته الذي جاء فيه: إنّنا لم نزل بعيدين عن الصنائع والفنون فكذلك لم نزل على مذهب السلف في الدين، بعيدين عن التفنن فيه. ومسلكنا مسلك أهل الحديث، وأكثرنا يخرج الأحكام على أصول اجتهاد الإمام زيد بن علي بن زين العابدين، أو أصول الإمام أحمد بن حنبل.
وفي هذا القول يؤكد الكواكبي على أنّ سلفيته تستوعب المسلم السنّي كما تستوعب المسلم الشيعي طالما رجع كلاهما إلى المصادر الأصلية (الكتاب والسُنّة).
ودعا الكواكبي أن يكون التعامل مع آراء المجتهدين من خلال الوعي والفهم لا من خلال التقليد الأعمى والجهل. وهو يعتقد أنَّ الأئمة المجتهدين والفقهاء الأوّلين علَّموا المسلمين “طرائق الاستهداء والاجتهاد والاستنباط والتخريج والتفريع وقياس النظير على النظير، وما أحد منهم دعانا إلى الاقتداء به مطلقاً”. ويحاول الكواكبي أن يتوصل إلى السبب الذي دعا العديد من المسلمين إلى اختيار الطرق الصوفية فيرجع ذلك إلى توسّع الفقهاء في دائرة الأحكام الذي أدّى إلى تضيق الدين على المسلمين تضيقاً أوقع الأمّة في ارتباك عظيم جعل المسلم يشكّك في إسلامه لتعذّر تطبيقه لجميع العبادات والمعاملات وفق ما يفتي به الفقهاء المشدِّدون. وفي المقابل وجد الناس أمام هذا التضيُّق لأنفسهم فرجاً بالالتجاء إلى من يهون لهم أمور الدين كلّ تهوين من صوفية ذاك الزمان كما يتصوّر الكواكبي.
ولكي يوضح موقفه من التصوّف فإنّه يقسّم المراحل التاريخية التي مرّ بها التصوّف حسب ما أوصله إليه نظره فيذكر المراحل التالية:
1 ـ في البدء كان التنسك والزهد هو الصفة الغالبة لمعظم الصحابة والتابعين.
2 ـ مع انفتاح أبواب الدنيا على المسلمين قلَّ الزهاد فيهم، لذلك أصبحت لهم حرمة خاصّة عند عموم الناس. ومن هذا حاول البعض أن يتظاهر بالزهد لاصطياد الدنيا فاتخذوا من التصوف دثاراً، ومن الفقر شعاراً.
3 ـ وكمرحلة متقدّمة من هذه الحالة أصبح بعض العلماء، من الصنف الأخير ممّن أحبّ الرئاسة يدعو الناس إلى التنسّك وفق طرق مخصوصة يمرنهم عليها.
4 ـ وفي القرن الرابع الهجري وأمام توسّع الفقهاء في المسائل الشرعية وتفنن المتكلمين في العقائد لجأ بعض المتصوفة إلى فلسفة فيثاغورس وألبسوها لباساً إسلامياً وجعلوها علماً مخصوصاً أسموه علم التصوّف.
5 ـ وفي القرن الخامس الهجري وما بعده أدخل بعض دهاة الغلاة الغلوَّ في التصوّف، وكان جهل المسلمين مطيتهم للوصول إلى هذا الهدف.
ومع رجوع أكثرية المسلمين إلى أحد المذاهب الأربعة المعروفة إلاَّ أنَّ الكواكبي كان يميل إلى ضرورة الاجتهاد لكلّ فرد بدل التقليد ويورد حواراً ينقله أحد أعضاء جمعيته المتخيلة بين المفتي وأحد المستشرقين الروس ممّن هداه الله إلى الإسلام، يحبِّذ فيه سعي كلّ فرد مسلم إلى الاهتداء بنفسه لنفسه حسب وسعه، فإن أصاب كان مأجوراً وإن أخطأ كان معذوراً، ويكون أولى من أن يأسر نفسه الخطأ المحتمل من غيره. لكن الكواكبي يطرح هذا الرأي بحذر فيجعله على لسان ذلك المستشرق المهتدي حديثاً إلى الإسلام، إضافة لذلك فهو يورد جواب المفتي على المستشرق الذي جاء في ختامه: “أصبتَ فيما افتكرت، ولنعم ما أشرتَ به، ولكن هذا عمل مهم، يُحتاج إلى القيام به إلى جمعية تتكوّن من تضلّع أعضائها في فروع العلوم الدينية علمٌ كافٍ للإحاطة وحصول الثقة. ولسوء الحظ لا يوجد من فيهم في هذه البلاد، ولذلك علينا أن نترك هذه الفكرة آسفين، وندعو الله تعالى أن يلهم علماء مكة أو صنعاء أو مصر أو الشام القيام بإيفاء هذا الواجب”.
لكنّه أمام هذه الحالة الواقعية التي يعيشها المسلمون حذر من التقليد الصرف حتّى في مسألة التوحيد التي هي أساس الدين. لأنَّ هذا النوع من التقليد يكوّن المناخ المناسب لنموّ العصبية الطائفية. التي قد يشجعها بعض المنتفعين ممّن يضفي على نفسه صفة العلماء موهماً الناس بأنّ اختلاف الأئمّة رحمة للأمّة كما يقول الكواكبي. وأمام مثل هذه الادعاءات بيَّنَ الكواكبي من خلال أحد أعضاء جمعيته أنَّ الاختلاف يكون رحمة إذا حسن استعماله، ويكون نقمة إذا صار سبباً للتفرقة الدينية والتباغض. وتزداد هذه النقمة لو تعمّق الخلاف داخل أبناء المذهب الواحد بدون قيد حسن ينظّمه ويضبطه.
وللكواكبي العديد من الإشكالات على الدولة العثمانية، وهو إذ يورد هذه الإشكالات عليها لا يغيب عن باله أنَّ الدول الإسلامية الأخرى التي كانت قائمة آنذاك كانت لا تخلو بدورها أيضاً من هذه الإشكالات. لكنّه كان يركز على الدولة العثمانية باعتبارها أعظم.
الحكومة الصالحة
يعتقدُ الكواكبي بدور الإسلام في بناء الفرد والمجتمع والدولة، وهو مع اقتراحه لنظام الخلافة قيادة رمزية عربية، لكنّه عندما يقدّم مقترحاته حول الحكومة الصالحة لا يفترض أنَّ هذه الحكومة هي حكومة دينية، بل إنّه يضع موازين مدنية ترتبط بحياة الناس، يجب أن تسير على هديها الحكومة. إنَّ الكواكبي يحذَّر بشدّة من العموميات والمقالات غير المحددة فيما يتعلق بنظام الحكم فيقول مخطاباً أبناء الأمّة كما استلفت نظرهم إلى أنّه لا يوثق بوعد من يتولى السلطة أياً كان، ولا بعهده ويمينه على مراعاة الدين، ذلك من القضايا الكلية المبهمة التي تدور على لسان كلّ بر وفاجر، وما هي في الحقيقة إلاَّ كلام مبهم فارغ. إنّه يرى أنَّ الاستبداد هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمّة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم. لذلك يدعو إلى تحديد رابطة معينة معلومة ويطرح على الأئمة أهم القضايا التي يجب أن تبحث لتأسيس هذه الرابطة على أسس سليمة. والحق فإنّ طرح مثل هذه القضايا وفي تلك الفترة الزمنية المبكرة يعكس جانباً من الوعي السياسي والإنساني والديني الذي كان يعيشه الكواكبي.
لقد طرح الكواكبي عدداً من المباحث الدستورية والسياسية والقانونية المهمة وطلب من كُتّاب الأمّة ومفكّريها بحثها وتدارسها:
أوّلاً: محور الأمّة
1 ـ ما هي الأمّة؟ 2 ـ ما هي الحقوق العمومية؟ 3 ـ التساوي في الحقوق. 4 ـ الحقوق الشخصية.
ثانياً: محور الحكومة
1 ـ ما هي الحكومة؟ 2 ـ نوعية الحكومة. 3 ـ ما هي وظائف الحكومة؟
ثالثاً: محور العلاقة بين الأمّة والحكومة
1 ـ حقوق الحاكمية. 2 ـ طاعة الأمّة للحكومة. 3 ـ المراقبة على الحكومة. 4 ـ توزيع الأعمال والوظائف. 5 ـ التفريق بين السلطات السياسية والدينية والتعليم.
رابعاً: محور الحكومة والقانون
1 ـ تعين الأعمال بقوانين. 2 ـ كيف توضع القوانين. 3 ـ ما هو القانون وقوّته.
خامساً: محور وظائف الحكومة
1 ـ الشؤون المالية. 2 ـ الشؤون العسكرية. 3 ـ حفظ الأمن العام. 4 ـ حفظ السلطة في القانون. 5 ـ تأمين العدالة القضائية. 6 ـ حفظ الدين والآداب. 7 ـ الترقي في العلوم والمعارف. 8 ـ التوسّع في الزراعة والصناعة والتجارة. 9 ـ السعي في العمران.
سادساً: محور السعي لرفع الاستبداد
إنّ هذه المباحث التي أكَّد عليها الكواكبي يمكن النظر إليها بمثابة الهيكلية الدستورية التي اقترح تثقيف الناس باتجاهها.
وأخيراً
تتجلّى لنا صورة السيّد الكواكبي كمصلح له منهجه الخاص في الإصلاح. هذا هو الكواكبي فقد كان من كبار رجال النهضة الحديثة، وهو يرى رابطة الوطن فوق كلّ رابطة كما دلتنا عليه تصانيفه().
هذا هو الكواكبي أحد الروّاد المناضلين في العهد الحميدي، ولعلّه كان أقطعهم لساناً، وأعنفهم هجوماً().
هذا هو الكواكبي. قد نختلف أو نتفق معه في كلّ أو بعض آرائه، لكنّنا لا نستطيع تجاهل دوره النهضوي والإصلاحي المتميز. الكواكبي قبل أكثر من قرن طرح أمهات القضايا التي تؤدّي إلى انحطاط أمتنا وإعاقة نهضتها، وقدَّم الحلول العلاجية لتلك القضايا. وإن كان التطوّر السياسي والاجتماعي يقتضيان المعالجات الأكثر عصرية والأكثر واقعية. إلاَّ أنَّ ريادية الكواكبي تتجلّى في تمكّنه ـ وفي وقت مبكر ـ من التأشير على تلك القضايا والمشاكل المهمة، والتي لا يزال معظمها موجوداً في مجتمعنا العربي والإسلامي المعاصر. لقد كانت دعوته الإصلاحية بمثابة جرس إنذار لأهل زمانه لكنّها تجاوزته ليستمر جرسها في الرنين لعلّه يصل الأذن العربية المتعبة في زمن الضجيج، واختلاط الأصوات وتداخلها.
الدكتور علاء الجوادي
عجالة في العرفان الإيراني
المستخلص
الحق أنّ العرفان (الذي هو مفهوم للعالم) و(نظرية في المعرفة) و(منهج في البحث)، هو مذهب وطريقة في الحياة. و كذلك الحركة العرفانيّة فهي تكشف قابليتها للكشف والشهود وصفاء الباطن.
ولعلّ من أهم ما نطالعه عن العرفان الإيراني في تاريخ الآداب الإيرانية، سير العبد إلى الله عن طريق قلبه مع نفي كلّ ما سوى الله.
ربّما كان الواجب الاجتماعي للأدب العرفاني هو مكافحة الجبابرة والمترفين مع طرد هيمنتهم المادية.
والحق إنّ الإيرانيين لم يروا في الحياة المادية أساساً رئيسياً للتقدّم، بل وجدوا الرّشد في الصعود عن طريق الباطن إلى الإدراكات الإلهية العالية.
الكلمات الأساسية
العرفان ـ وحدة الوجود ـ الكشف ـ الشهود ـ طرح المسألة
أصبح العالم الذي نعيش فيه يستند أكثر فأكثر على سلوك الأفراد ووجوب الحفاظ على حقوق الإنسان وهناك كثير من الشعراء والفنانين قد ملكت عقولهم وقلوبهم محبة الإنسان ومقدراته.
نعم نحن نفتخر أن نقول إنّ قيمة الإنسان وحقوقه قد عُرفت من جانب الإيرانيين قبل الإسلام وبعده. ولا شك أن قورُش (Cyrus) مؤسّس سلالة الأمينيين هو أوّل من صدّر ميثاقاً لحقوق الإنسان وهو المعروف بمرسوم قورش الكبير.
ومن أهم الأمور التي أهدتها الثقافة الإسلامية الإيرانية إلى الدنيا هو العرفان، الذي وثّق الصلة بين الثقافة الإيرانية وثقافات العالم الإنسانية.
كما شكّلت الحماسة الشعبية والشعر الغنائي والقصة والحكاية والحكمة والأخلاق حلقات أخرى للصلات الروحية الاجتماعية، لكن تلك العلاقات ترتبط بالأمور التاريخية أو الشؤون الإنسانية ارتباطاً وثيقاً ومن الطبيعي أن تكون قيمتها مرتبطة بالعلاقات القابلة للتغيير والتبديل.
أمّا الأدب العرفاني فهو حصيلة التجارب الإنسانية العميقة في مكاشفة الأرواح وهذا لا يعروه تحوّل أو تغيير لأنّ العرفان والتصوّف يتطلبان بحثاً دقيقاً في أعماق الروح الإنسانية. وممّا لا شك فيه أنّ للملاحم الكبرى أبعاداً إنسانية محسوسة، لكن الملحمة تعتني بآداب النجباء والأمراء وأهدافهم، وبعبارة أخرى، كانت الملاحم انعكاساً للحياة والأفكار الطبقية في المجتمع، ولدينا في الأدب الفارسي ملاحم كثيرة مشهورة كشاهنامة الفردوسي وجرشاسبنامة الأسدي الطوسي و…
أمّا في الشاهنامة، ومن خلال القصة نرى الفردوسي كحكيم ومفكر له شفقة وشغف بالإنسان والإنسانية ولكن الحديث أخذ يدور في الشاهنامة حول بطولية رستم بشكل خاص وغزواته الوسيعة مع عناصر الشر والفساد في حياة الأمراء والسلاطين وطبقات المجتمع الأولى.
ومن خصائص العرفان الإيراني الفذّة اعتناؤه بالأشخاص المعدومين من الطبقات الفقيرة من المجتمع، وربّما يكون الأدب العرفاني أوّل من فسح المجال لهذه الطبقة في دخول ميدان الأدب، أو بعبارة أخرى: اتّخذ الشعراء والكتّاب الصوفيين تراجم أحوال هذه الطبقة مرآة تعكس الظلم والاستبداد الاجتماعي.
لقد صّور (النسائي) وخاصّة (العطار) آلام هذه الطبقة في قصصهم القصيرة أكثر من بقية الشعراء الإيرانيين، والعجيب أنّ الشيخ العطار، اختار أكثر أشخاص قصته من هذه الطبقة كالفلاح والسقاء وحفّار القبور والمجنون وسائر الأشخاص العاريين من كلّ منزلة اجتماعية. والحقيقة أنّ أكثر مشايخ الصوفية نشأ في بيئة الطبقات المحرومة مثل: (اويس القرني) الراعي، (حبيب بن سليم) الراعي، (با يزيد البسطامي) السقاء، (السري السقطي) البائع المتجول، (أبو القاسم الجنيد) الزجاج، (سمنون المحب) التامر، (أبو العباس الآملي) الجزار، وغيرهم.
ومن هنا، يتبين لنا لماذا كان للأدب العرفاني السلاسة في القول والبيان السهل الذي كان يميزه عن الأدب المدرسي والرسمي، لأنّ هؤلاء الأفراد، تطرقوا إلى ما لم يخطر ببال شعراء البلاط.
نحن لم نجد في تعاليم الصوفية مكاناً لليأس وسوء الظن في الضمائر الحيّة كأدب أبي العلاء المعري. لأنّ الفكر الصوفي يقوم على وحدة الوجود أو وحدة الشهود، والنتيجة واحدة وهي: حسن الظن الذي يربط الناس برابطة معنوية ثابتة، توجب المودة والأخوة الصافية بينهم. وقد كان الهدف من التربية الصوفية الأخوة والودّ، هو إيثار مراد الغير على مراد النفس وكانت هذه هي الغاية القصوى التي يُفنى فيها المحب في الحبيب بحيث لم يبق فيها مكان، للأنا والأنتَ، وهذه العلاقة نادرة الوجود.
رُوي أن قال قسيس: “لو طفئت نار الجحيم فأنا أسعرها بأنفاسي حتّى أحرق كلّ المذنبين”.
فأمّا في العرفان الإيراني الإسلامي، فودّ الغير هو أصل من الأصول، سمعنا قول (شهاب الدين سهروردي): لم ينم الشيخ ليلاً من حول الجحيم وسمعته يقول صباحاً: “ليت الجحيم امتلأت منّي، حتّى ينجو منها سائر الناس”.
فمعرفة العارف التي تدعى بالعرفان، تسمّى الكشف، وهذا الكشف في الحقيقة، هو رفع الحجاب عن الحقّ. والخروج من دائرة المشهودات، إذ لا يرى غير جمال الحقّ الذي لا وجود لسواه، في كلّ مراحل معرفة الحق، يكون إدراك العارف، الكشف، لا الاستدلال، والشهود لا الأخبار.
سأل أحد الصحابة الإمام عليّاً (عليه السلام): (أفرأيت ربّك؟) فأجابه (عليه السلام): (ما أعبد ما لا أرى) وحتّى زاده: (لم أعبد ربّاً لم أره) وهذا صحيح حقاً، لأنّ من صفى قبله بنور المعرفة رأى الله بالبصيرة قبل رؤية البصر.
والصوفية تجتنب عدّة أشياء أوّلها، الفلسفة إلى حد المقت.
قال الأستاذ المولوي: أرجُلُ أهل الاستدلال من الخشب، ولا قِوام للأرجُل الخشبية.
والمسألة الأخرى التي ينفر منها الصوفيون هي العقل. كان الصوفية يعتقدون بأنّ الفرار من العقل وسيلة لتزكية النفس، والذين تحرّروا من قيود العقل يدعون بالإبدال.
وجدير بالذكر، أنّ الخوف لم يكن له مكان في قلوب الصوفيين إذ لم يخافوا أحداً إلاَّ الله لأنّهم لا يعتقدون بوجود غير وجوده تعالى.
رُوي أنّ السلطان (محمود الغزنوي) أراد أن يرى الشيخ (أبا الحسن الخرقاني) ويعلم أنّ الشيخ لا يذهب لزيارة السلطان، فقال لرسوله: قل للشيخ: قال الله تعالى: { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.
ولمّا وصل الرسول واستمع الشيخ إلى قوله، قال: قل لمحمود: أنا منهمك في { أَطِيعُوا اللَّهَ} بحيث لا أعلم أرسول يوجد في العالم أم لا؟ إذاً فكيف أصل إلى المرتبة الثالثة (يعني أولي الأمر).
ثمّة مسألة أخرى من تعاليم الصوفية الإنسانية وهي التسامح والحرية في الدين والمذهب وهي الاعتقاد بوحدة الأديان الموجود. لأنّهم يقولون أنّ الاختلاف بين الأديان ظاهريّ ولفظيّ وكما يقال: يمشي الشكّ والدين جنباً إلى جنب في طريق الله ويقولان: وحده لا شريك له.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور عبد الحسين فرزاد
العدالة
العدالة لغة بمعنى الاستقامة. واصطلاحاً يُراد بها العدالة في الدين، بقرينة ورودها في لسان مشرّع الدين، وبلحاظ أحكام الدين.
والبحث في معنى العدالة إنّما نحتاج إليه لوجود التردّد من أحد أنحاءٍ ثلاثة:
1 ـ هل يكفي لتحقيق العدالة عدم صدور المعصية، بغضّ النظر عن وجود ملكة نفسانية أو عدمها؟
2 ـ هل تخلّ المعاصي الصغيرة بالعدالة؟
3 ـ هل يوجد شرط آخر غير ترك الذنوب، أو ملكة تركها باسم ترك ما ينافي المروءة؟
اشتراط الملكة
قد يُقال: إنّ مفهوم العدالة يعطي معنى الملكة، فإنّ العدالة وصف بحسب الفرض لإنسان ما من إمام جماعة أو شاهد أو قاضٍ ونحو ذلك. واستقامة نفس الإنسان ليست بمجرد عدم صدور معصية منه، ولو من باب عدم توفّر الفرص له، أو عدم مضي مدّة من بلوغه سن التكليف، أو توبته ليتورط في المعصية، إنّما استقامتها تكون بتطبعها بترك المعاصي ووجود الرادع النفسي عن المعاصي والزلات. هذا في كلّ ما ثبت فيه شرط العدالة بعنوانها.
أمّا مثل عنوان (من تثق بدينه وأمانته) الذي جاء في بعض روايات صلاة الجماعة، فأيضاً يدل اشتراط الملكة، إذ بدونها لا يحصل الوثوق. نعم كلّما ورد اشتراط ترك الفسق فحسب لم يدل على اشتراط العدالة بمعنى الملكة.
وفي مقابل ذلك قد يُستدل على كفاية عدم المعصية من دون شرط الملكة أو التطبّع النفسي بالروايات الواردة في قبول شهادة من يُقام عليه الحدّ بعد توبته()، وفيه رواية واحدة تامة السند، وهي ما عن عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحدود إذا تاب أتُقبل شهادته؟ فقال: إذا تاب ـ وتوبته أن يرجع ممّا قال، ويكذب نفسه عند الإمام وعند المسلمين، فإذا فعل ـ فإنّ على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك().
ونحن نعلم أنّ مجرد التوبة لا يستلزم رجوع الملكة، وإنّما التوبة تجعل الذنب كأنّه لم يتحقق، فيصبح حاله حال من هو قريب العهد بالبلوغ الذي لم تصدر منه معصية لا على أساس الملكة، بل على أساس الصدفة.
وقد يُقال: إنّ هذه الروايات إنّما تعارض ما دلّ على اشتراط العدالة في الشاهد، لا أنّها تفسّر العدالة بمجرد عدم الذنب.
وقد يُجاب على ذلك: بأن أُنس ذهن المتشرعة باشتراط العدالة في الشاهد يعطي لهذه الروايات ظهوراً في تفسير العدالة بمجرد عدم الذنب.
وقد يُقال برأي وسط بين اشتراط الملكة وكفاية عدم صدور الذنب، وهو: أنّ مجرد عدم صدور الذنب المجتمع مع عدم أي رادعٍ نفسي عن الذنب ـ كما قد يحصل لإنسان قريب العهد ببلوغه سن التكليف ـ لا يكون عدالة. والمحدود التائب ليس حاله هكذا، فإن توبته تعني تحقق الرادع النفساني فيه. فالعدالة عبارة عن ترك المعاصي عن رادعٍ نفساني، أمّا وصول الرادع النفساني إلى مستوى الملكة بحيث لا ينكسر عادة إلاّ في حالات نادرة جداً يتوفر فيها مستوى خاص من المغريات فليس شرطاً في تحقق العدالة، وذلك بدليل هذه الروايات التي اقتصرت على مجرد التوبة.
والصحيح أنّ هذه الروايات ليست بصدد إثبات العدالة الواقعية للمحدود الذي تاب، بدليل أنّها لم تفترض العلم بخلوّه عن باقي الذنوب، رغم أنّه عادة لا يُعلم عن محدودٍ تاب كونه خالياً من الذنوب، وإنّما هي بصدد بيان قبول شهادته المبتني في ظاهر الشرع على حسن الظاهر الذي سيأتي أنّه أمارة على العدالة، والمفروض أن توبته تعيد إليه حسن ظاهره الذي انكسر بفعل ما أوجب عليه الحد.
على أنّ الرواية الوحيدة التامة سنداً من تلك الروايات هي هذه الرواية التي نقلناها، والتي تشتمل على أن توبته تكون بتكذيب نفسه عند الإمام وعند المسلمين.
ولا يبعد أن يُقال: إنّ الاستعداد لتكذيب النفس عند الإمام وعند المسلمين لا يحصل من دون حصول الملكة.
وعلى أي حال، فقد يقول القائل: إنّنا لسنا بحاجة في مقام نفي شرط الملكة إلى مثل هذه الرواية، بل نقول من أوّل الأمر: إنّ المفهوم عرفاً من العدالة الاستقامة، والاستقامة ليست بمعنى مجرد عدم الذنب ـ ولو من باب أنّه لم تسنح الفرصة للذنب ـ بل هي ترك الذنب مع الرادع النفساني، لكن لا يُفهم من ذلك ضرورة وصول الرادع إلى مستوى ما يسمّى بالملكة، وهي الرادع القوي الذي يقف أمام المغريات الاعتيادية في الحالات الاعتيادية. إلاّ أنّ في صدق العدالة والاستقامة وكذا الثقة نظراً، بلا وجود ملكة من هذا القبيل عرفاً.
اشتراط ترك الصغيرة وعدمه
وأمّا إخلال المعصية الصغيرة بالعدالة وعدمه، فمقتضى ما هو المفهوم من كلمة العدالة بمعنى الاستقامة في الدين، ومثل التعبير بالوثوق بالدين في قوله: “صلِّ خلف من تثق بدينه وأمانته” هو كونه تاركاً للصغائر أيضاً. فارتكاب الصغيرة وإن كان معفوّاً عنه عند اجتناب الكبائر، لكنّه على أي حال خلاف الاستقامة في الدين وانحراف عنه، لأنّه محرم حسب الفرض.
إلاّ أنّه قد يُستدل على عدم إخلال المعصية الصغيرة بالعدالة بما رواه الصدوق بسنده عن عبدالله بن أبي يعفور قال: “قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): بِمَ تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تُقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج و اليد واللسان، ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار…”(). حيث أنّ التقييد بالكبائر يدل على عدم إضرار الصغيرة.
لا يُقال إنّ الرواية جعلت ترك الكبائر طريقاً لمعرفة العدالة، وهذا يدل على عدم إضرار الصغيرة بالعدالة. إذ لعل مقصوده (عليه السلام): إنّ ترك الكبيرة أمارة على العدالة، فحتّى لو كان ـ واقعاً ـ محكوماً بالفسق لارتكاب الصغيرة يكون ـ ظاهراً ـ محكوماً بالعدالة، لأنّ العدالة ـ تُعرّف كما ورد في هذا الحديث ـ بترك الكبائر.
بل يُقال: إنّ إطلاق الحديث لفرض العلم بارتكابه للصغيرة دليل على عدم إضرار الصغيرة بالعدالة، أي أنّ المقصود بالعدالة في لسان الأدلة مستوًى من الاستقامة قد يجتمع مع ارتكاب الصغيرة.
وقد يمكن التمسّك بالآية الكريمة على عدم إخلال الصغيرة بالعدالة، وهي قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}().
ووجه الاستدلال بهذه الآية المباركة هو أن يقال: إنّ بيان تكفير السيئات عند اجتناب الكبائر وإدخاله مدخلاً كريماً يدل بدلالة إلتزامية عرفية على أنّ ترك الكبائر يجعل باقي الذنوب كأن لم تكن وبحكم العدم في كلّ الأحكام.
إلاّ أنّه لو تمّ ذلك فهذا لا يعني دلالة الآية على عدم دخل ترك الصغائر في العدالة، وإنّما يعني عدم إضرار الصغائر بأحكام العدالة، وتعارضها حينئذ أدلة اشتراط تلك الأحكام بالعدالة. ولم تكن الآية بصدد بيان هذا اللازم ابتداء كي تكون حاكمة ـ بملاك النظر ـ على أدلة اشتراط العدالة. نعم قد يقال: إنّها تُقدَّم على تلك الأدلة باعتبار تقدُّم القرآن على ما يعارضه من الحديث، بمثل العموم من وجه().
هذا والدلالة الالتزامية التي ذكرناها لهذه الآية المباركة يمكن أن تُذكر لآيتين أُخريين أيضاً، وهما قوله تعالى:
1 ـ {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}().
2 ـ {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)}().
معنى الكبيرة والصغيرة
وثمرة هذا البحث تظهر في العدالة بناء على أنّ الصغيرة لا تخل بالعدالة. وقد يُقال بظهور الثمرة أيضاً في وجوب التوبة.
ولكن الصحيح أنّ وجوب التوبة لم يكن لأجل الفرار من النار كي يفترض أنّ الصغيرة المعفو عنها في من ترك الكبائر لا تحتاج إلى التوبة، بل هو: إمّا وجوب شرعي مستفاد من الأوامر الواردة بالتوبة من الذنب، وإطلاقها يشمل التوبة عن الكبيرة والصغيرة، أو وجوب عقلي سنخ وجوب الطاعة، فكما أنّ العقل حكم بأنّ مقتضى العبويدة للمولى امتثال أوامره وترك نواهيه، كذلك حكم بأنّ مقتضى العبودية له الندم على معصيته. وهذا أيضاً لا يفرق فيه بين أن يسكون الذنب معفوّاً عنه أو لا. ويحتمل كون أوامر التوبة إرشاداً إلى هذا الحكم العقلي.
وعلى أي حال فقد أنكر البعض انقسام المعاصي إلى الصغائر والكبائر فقال: إنّ المعاصي كلّها كبائر باعتبار المعصي جلّ وعلا، إلاّ أنّ بعضها أكبر من بعض في سلم الدرجات المتفاوتة. وقال أستاذنا المرحوم آية الله الشاهرودي (قدّس سرّه). “إنّ المعاصي لا تنقسم إلى صغائر وكبائر وإنّما تنقسم إلى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر ـ أي التي يكون تركها مكفِّراً لباقي الذنوب، والذنوب المكفَّرة ـ بالفتح ـ أي الذنوب التي تُغفر بترك باقي الذنوب”.
أقول: كلّ هذا يرجع إلى نزاع لفظي، إلاّ أن يُنكر أحد أصل كون ترك بعض الذنوب مكفراً للبعض الآخر، فذلك يكون نزاعاً حقيقياً، وهو خلاف ما يستفاد من الآية المباركة والروايات. وتفسير الآية بمعنى إن تجتنبوا الذنوب الكبيرة الواردة في هذه السورة، مثلاً، نكفِّر عنكم ما وقع منكم منها في ما سلف ـ سنخ قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}(). وقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}(). وبقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}() وبقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}() ـ خلاف الظاهر.
فالمعاصي وإن كانت متدرجة في الكبر والصغر، فليس هناك حد معين يفترض أنّها إلى هذا الحد تكون كبيرة وما دونه تكون صغيرة. فإنّ الكبر والصغر نسبيان بالنسبة لكلّ المعاصي، لكن قد عرفنا أنّ قسماً منها لو تركه أحد كفر عنه القسم الآخر الأصغر من الأوّل، فسمّي الأوّل بالكبيرة والثاني بالصغيرة، فيقع الكلام فيما هو المقياس لمعرفة الكبيرة والصغيرة. وقد اختلفت الآراء كثيراً بهذا الصدد، وقد نُسب رأيان إلى المشهور:
الأوّل: أنّ الكبيرة هي كل ذنب توعّد الله تعالى عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.
الثاني: أنّها كلّ ذنب توعّد الله عليه النار.
والأوّل أعمّ من الثاني، من حيث أنّ العقاب قد يتجسّد في غير النار، والثاني أعمّ من الأوّل من حيث عدم التقييد بكون الوعيد في الكتاب. ومن الممكن افتراض اتحاد كلا الرأيين بأن يكون المقصود بالعقاب ما يشتمل على النار، أو يكون المقصود بالنار مطلق العقاب، وذُكرت النار على سبيل المثالية، وبأن يكون المقصود من توعّد الله عليه النار توعده في الكتاب.
وقد يُجمع بين عموم الأوّل لغير النار، وعموم الثاني لغير الكتاب، حيث قيل: إنّها كلّ ذنب توعد عليه بخصوصه. قال العلاّمة الكني في قضائه: “اختاره الشهيدان في القواعد والدروس والروضة، وزاد في الأخير قوله: في كتاب أو سنّة” فما يصلح دليلاً على أحد الرأيين هو جملة من الروايات من قبيل:
1 ـ ما ورد ـ بسند تام ـ عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول في: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} قال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار().
2 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} قال: “الكبائر التي أوجب الله عزّ وجلّ عليها النار”().
3 ـ ما عن محمد بن الفضيل (الفضل ـ خ ل ـ) عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} قال: “من اجتناب الكبائر ـ ما أوعد الله عليه النار ـ إذا كان مؤمناً كفّر الله عنه سيئاته”().
4 ـ ما عن عبّاد بن كثير النوا، قال: “سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الكبائر، فقال: كلّ ما أوعد الله عليه النار”().
5 ـ ما عن الحسن بن زياد العطّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: “قد سمّى الله المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين، ولم يسم من ركب الكبائر، وما وعد الله عزّ وجلّ عليه النار مؤمنين في قرآن ولا أثر، ولا نسميهم بالإيمان بعد ذلك الفعل”(). وفي سنده ودلالته ضعف.
6 ـ ما عن ابن محبوب ـ بسند تام ـ قال: “كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر: كم هي؟ وما هي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفّر عن سيئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف”().
7 ـ ما عن علي بن جعفر في كتابه عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: “سألته عن الكبائر التي قال الله عزّ وجلّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} قال: التي أوجب الله عليها النار”().
8 ـ ما عن أحمد بن عمر الحلبي ـ بسند فيه موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، ولم تثبت وثاقته ـ قال: “سألت أبا عبدالله عن قول الله عزّ وجلّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} قال: من اجتنب ما أوعد الله عليه النار ـ إذا كان مؤمناً ـ كفّر عن سيئاته وأدخله مدخلاً كريماً، والكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف”().
وقد تحصّل بهذا العرض وجود بعض روايات تامّة سنداً ودلالة دالة على أنّ المقياس هو كون المعصية ممّا أوعد الله عليها النار، فكلّ معصية كذلك، فهي كبيرة، وغيرها صغائر.
ولو ورد في القرآن الوعيد بالعذاب، فاللازم انصرافه إلى عذاب جنّم وفيه النار، ولا يشمل أهوال يوم القيامة ـ مثلاً ـ التي ليست منها النار، فالوعيد بالعذاب وعيد بالنار أيضاً.
والظاهر من عنوان (أوعد الله عليها النار) كون الوعيد في القرآن الكريم، والنكتة في ذلك أنّ ظاهر إعطاء مقياس للمخاطبين للكبيرة والصغيرة هو إرادة إعطاء مقياس مضبوط ومفهوم عند المخاطبين يمكن الرجوع إليه لتشخيص الحال، بينما السنّة ليست محصورة وموجودة بتمامها عند المخاطبين عادة، كي يمكن إرجاعهم إليها كضابط، وهذا بخلاف القرآن الكريم. فهذه هي نكتة الانصراف إلى ما قلناه.
إلاّ أنّه قد يقال: إنّه لو كان المقياس هو الوعيد في القرآن بالنار لانتقض ذلك ببعض المعاصي والتي لم يرد في القرآن وعيد بالنار عليها، ولا شك فقهياً، أو إسلامياً في كونها من الكبائر: من قبيل اللواط، وشرب الخمر.
وقد يُقال في الجواب: إنّ عنوان ما أوعد الله عليه النار الوارد في الروايات إشارة إلى مفهوم عرفي راجع إلى تفسير الكبيرة والصغيرة ومتعارف بين الموالي والعبيد العرفيين. توضيحه: أنّ أوامر المولى ونواهيه لها محرّكية ذاتية للعبد إذا كان يحبّ مولاه، وهي محرّكية عاطفية، ولها محرّكية ذاتية عقلية للعبد إذا كان يعترف لمولاه بالمولوية الحقيقية ووجوب الطاعة، أو اجتماعية إذا كان يعترف له بالمولوية الاجتماعية، وهذه المحركيات الذاتية قد لا تكفي لتحريك العبد، وعندئذ إن كان اهتمام المولى بالقضية كبيراً يوعده بالعذاب على تقدير عدم الامتثال، وقد يعذّبه بالفعل عند المخالفة، وإن كان اهتمامه بها ليس كبيراً بغض النظر عن العبد حينما يراه مخالفاً ولا يعاقبه، إلاّ إذا رأى منه إصراراً على ذلك، أو رآه يضم هذه المخالفة إلى المخالفة الكبيرة. فقد يعاقبه على الصغيرة أيضاً، والمفهوم عرفاً من العفو عن الصغائر عند اجتناب الكبائر وعدم الإصرار هو هذا المعنى، فلا ينبغي أن نجمد في فهم مقياس ما أوعد الله عليه النار على فرض الوعيد الصريح، بل تهويله تعالى في كتابه لمعصية ما يفهم منه بناء على هذا الفهم العرفي الذي شرحناه، الوعيد بالنار، وعليه فمثل اللواط الذي تكرر في ذكر قصة لوط (عليه السلام) في القرآن الكريم، وتأنيبه الشديد لقومه على هذا العمل القبيح، ثمّ ذكر نزول العذاب عليهم وإهلاكهم، دليل كاف بهذا النمط من الفهم على الوعيد بالنار، وكون المعصية كبيرة. وضم النهي عن الخمر إلى النهي عن الأوثان وجعلهما معاً رجساً من عمل الشيطان في قوله تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمنوا إنّما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجسٌ من عملِ الشيطان فاجتنبوه لعلكم تُفلِحُونَ }() دليل كاف على الوعيد بالعذاب والنار، وكون شربه معصية كبيرة. ولعله إلى هذا أشار ما جاء في حديث عبد العظيم الحسني (رحمه الله) التام سنداً عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن أبيه موسى (عليه السلام) عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تعداد الكبائر من قوله: “وشرب الخمر لأنّ الله عزّ وجلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان”().
وقد يُقال: إنّ نفس حديث عبد العظيم الحسني يشهد لعدم كون المقياس في فهم الكبائر في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} خصوص الوعيد بالنار في القرآن الكريم؛ حيث جاء فيه في تعداد الكبائر: “وترك الصلاة متعمداً، أو شيئاً ممّا فرض الله عزّ وجلّ، لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله…”، فتراه استدل على كون ترك الصلاة كبيرة بالسنّة لا بالوعيد بالنار في القرآن، هذا بناء على دعوى أنّ هذا الحديث وإن كان وارداً بشأن آية أخرى، ولكن يفترض أنّ معنى الكبائر في الآيتين واحد.
ويمكن الجواب عن ذلك على ضوء ما شرحناه من الفهم العرفي لجعل المقياس هو الوعيد بالنار؛ بأنّه لا فرق في الدلالة على روح المطلب الذي أشرنا إليه ـ من كون الغرض مهماً إلى مستوى لا يكتفي المولى بأمره المولوي، بل يوعد العذاب على تقدير المخالفة ـ بين أن تدل آية قرآنية على ذلك أو يدل نص الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أو الإمام (عليه السلام) على ذلك، فالاستشهاد بنص الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّ تارك الصلاة بريء من ذمة الله ورسوله صحيح، وهذا لا ينافي ما نفهمه من روايات ما أوعد الله عليه النار التي قلنا: إنّ ظاهرها إرادة الوعيد في الكتاب، فنحن نفهم منها أنّه ما من معصية كبيرة إلاّ وهي مذكورة في القرآن، ولو كانت مذكورة في السنّة أيضاً. ومن الواضح دلالة القرآن على كون ترك الصلاة كبيرة؛ حيث جعله سبباً من أسباب السلوك في سقر في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)}().
وقد يورد على جعل المقياس الوعيد بالنار سواء خصّ ذلك الكتاب أو لم يخص بأحد إيرادين:
الأوّل: أنّه ما من معصية إلاّ وقد ورد عليها الوعيد بالنار في القرآن. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}().
وقال تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}().
وقال تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}().
وقال تعالى: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}().
والواقع: أنّ هذا الإشكال لو تمّ لكان إشكالاً على أصل تقسيم المعاصي إلى الكبائر، والصغائر، والوعد الجزمي بالعفو عن الصغائر على تقدير ترك الكبائر، لأنّ الوعيد بالنار لا يجتمع عرفاً مع الوعد الجزمي بالعفو غير المعلّق على التوبة.
ومن الواضح أنّ المقصود بهذه الآيات ليس من يرتكب الصغيرة، بل ولا من يرتكب الكبيرة، فليس مجرد ارتكاب كبيرة موجباً للخلود، أو سبباً لملء جهنم به، وإنّما تنظر هذه الآيات إلى الملحدين والمنافقين والأشقياء والمستهترين بالمعاصي وأمثالهم.
الثاني: أنّ هناك روايات عديدة وردت في حصر الكبائر في عدد قليل كسبع، أو خمس، أو تسع، أو عشر، بينما لو كانت الكبائر عبارة عمّا أوعد الله عليه النار، فهي كثيرة وغير منحصرة في عدد قليل، ولعل المنصرف من كلمة الكبائر في الروايات هو المعنى المقصود في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}. فليس المقصود من الكبائر في هذه الروايات معنى آخر غير المعنى المبحوث عنه.
والواقع: أنّ هذا ينبغي أن يكون إشكالاً على تلك الروايات، ويفحص عن جوابه، لا أن يكون إشكالاً على المقياس الماضي للكبائر وهو الوعيد بالنار، وذلك لأنّ الوعد الجزمي بالمغفرة على تقدير ترك قسم من الذنوب، وغير المعلّق على التوبة لا يجتمع عرفاً مع الوعيد بالنار؛ إذن فكل ما أوعد الله عليه النار ينبغي أن يكون داخلاً في المكفِّرات ـ بالكسر (أي ما يكون تركه مكفِّراً) ـ لا المكفَّرات ـ بالفتح ـ وإذا شككنا في صحة هذا المقياس، ينبغي أن يكون ذلك على أساس احتمال كون دائرة الكبائر أوسع من دائرة ما أوعد عليه النار، لا على أساس احتمال كونها أضيق منها. إذاً، فينبغي حمل هذه الروايات على بيان أكبر الكبائر، لا الكبائر بالمعنى الوارد في القرآن الكريم، فإنّ الكبيرة عنوان نسبي ومشكَّك، فيمكن أن تحصر بمستوى معين وببعض معانيها ودرجاتها في عدد قليل، كما يمكن أن توسع ببعض الدرجات. وممّا يلفت النظر أنّ الروايات الحاصرة للكبائر في عدد قليل لم ترد غالبيتها بعنوان تفسيبر الآية، إلاّ بمجرد دعوى الانصراف إلى إرادة المعنى المذكور في الآية. نعم قد يدّعى في بعضها القرينة على النظر إلى الآية الكريمة، وهي غير تامة السند، بينما الروايات السابقة ـ المفسِّرة للكبيرة بأنّها ما أوعد الله عليه النار ـ جملة منها كانت صريحة في تفسير الآية، وفيها ما هو تام السند.
هذا وبعض روايات الحصر في عدد قليل مشتمل على ما يشهد لهذا الجمع الذي أشرنا إليه ـ من حمل تلك الروايات على إرادة أكبر الكبائر، لا على إرادة الكبيرة بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ والروايات التامّة سنداً في هذا الباب كما يلي:
1 ـ ما ورد ـ بسند تام ـ عن ابن محبوب، قال: “كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر كم هي؟ ما هي؟ فكتب: الكبائر، من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفّر عنه سيئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف”(). وقد مضى منّا ذكر هذا الحديث في عداد أحاديث تفسير الكبيرة بما أوعد الله عليه النار، وهذا الحديث ـ كما ترى ـ فيه دلالة على ما ذكرنا من أنّ السبع هي عدد من المعاصي أكبر من سائر الذنوب، لا أنّ الكبائر المشار إليها في الآية الشريفة محصورة في هذا العدد، فإنّ هذا الحديث ـ كما ترى ـ قد جمع بين ذكر ذاك المقياس في صدر الحديث ـ وهو ما أوعد عليه النار ـ وذكر العدد السبع من المعاصي.
2 ـ ما عن عبيد بن زرارة ـ بسند تام ـ قال: “سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الكبائر، فقال: هن في كتاب علي (عليه السلام) سبع: الكفر بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البيّنة، وأكل مال اليتيم ظلماً. والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. قال: فقلت: هذا أكبر المعاصي؟ فقال: نعم، قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر، أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر: قال: أي شيء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر. قال: فإنّ تارك الصلاة كافر؛ يعني من غير علة”().
3 ـ ما عن محمد بن مسلم ـ بسند تام ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عليه النار”(). وما في هذا الحديث من عد عنوان ما أوجب الله عليه النار في عداد الكبائر السبع شاهد لما ذكرناه من الجمع.
4 ـ ما عن محمد بن أبي عُمير ـ بسند تام ـ عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) الكبائر خمسة: الشرك، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البينة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة”(). وقد ورد حديث تام السند ظاهر في عدم كون الزنا والسرقة من الكبائر. وهو ما عن محمد بن حكيم قال: “قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): الكبائر تُخرج من الإيمان؟ فقال: نعم وما دون الكبائر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن”(). فهذا ظاهره أنّ الزنا والسرقة ممّا دون الكبائر مع ضرورة كونهما من الكبائر بالمعنى المخل بالعدالة، أو بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر ـ فهذا بنفسه شاهد على أنّ الكبائر قد تُستعمل بمعنى أكبر الكبائر، بل نفس عدم شمول الروايات الحاصرة للكبائر في عدد قليل لكثير من المعاصي التي هي من الكبائر ـ بالمعنى الفقهي ـ بضرورة من الفقه دليل واضح على حملها على بيان أكبر الكبائر؛ إذاً فالروايات المفسّرة للكبائر بما أوعد الله عليها النار لا معارض لها.
ونفس الاختلاف في التعداد قد يكون شاهداً على عدم إرادة الحصر بالمعنى الحقيقي للكلمة أو على كون الحصرحصراً إضافياً، وأنّها ليست بصدد تعريف الكبيرة بمعناها العام الواردة في الآية الكريمة.
بقي الكلام في الروايات التي ذكرت عدداً كبيراً من المعاصي تحت عنوان الكبائر، أي عدداً أكثر من العدد الذي حصرت فيه الكبائر في الروايات السابقة، وهي ثلاث روايات:
1 ـ رواية عبد العظيم الحسني، وهي تامة سنداً، وواردة في الوسائل().
2 ـ رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) وهي واردة في نفس الباب()، وهي غير تامّة سندا.
3 ـ رواية الأعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) في حديث شرائع الدين الواردة في نفس الباب()، وهي غير تامة سنداً.
والروايتان الأخيرتان تقبلان الحمل على إرادة ذكر عدد من المعاصي أكبر من سائر المعاصي، وأن لا تكونا ناظرتين إلى تفسير الآية الكريمة، فإن وجدت في هاتين الروايتين معصية لم يوعد عليها النار، قلنا في مقام الجمع: إنّ هذه كبيرة بالإضافة لما هي أصغر منها، وليست كبيرة بالمعنى المقصود بالآية المباركة، كي تعارض الروايات المفسرة للآية بما أوعد الله عليه النار، وإن وجدنا معصية أوعد عليها النار غير مذكورة في هاتين الروايتين قلنا: إنّهما لم تكونا بصدد الحصر الحقيقي للكبيرة بالمعنى الوارد في الآية الكريمة.
أمّا الرواية الأولى فهي أيضاً غير واردة بصدد تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)}، وإنّما هي واردة بالنظر إلى آية أخرى، وهي قوله: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ}، إلاّ إذا جزمنا بوحدة المعنى في الآيتين كما ليس ببعيد، وعلى أي حال فلو وجدنا معصية ممّا أوعد عليها النار غير مذكورة في هذا الحديث الشريف، قلنا: إنّ هذا الحديث لا ينفي كونها من الكبائر، بل يثبت ذلك، وذلك لما جاء في هذا الحديث الشريف من التعليل لإثبات كون المعاصي المذكورة فيها كبائر بالآيات القرآنية المنذرة، بل وبالسنّة بالنسبة لترك الصلاة.
يبقى أنّ هذا الحديث الشريف ـ أعني المروي عن عبد العظيم الحسني ـ رضي الله عنه فرض ترك أي شيء ممّا فرض الله عزّ وجلّ كبيرة؛ بينما لم نجد في القرآن الوعيد بالنار على ترك كلّ ما فرض الله. ثمّ ماذا نقول في ترك الصوم؟ أيحتمل فقهياً عدم كونه من الكبائر؟!! طبعاً لا، مع أنّه لا يوجد في القرآن الوعيد عليه بالنار، وهذا كلّه قد يشهد لكون المقصود بروايات تعريف الكبيرة بما أوعد الله عليه النار، هو الوعيد بالنار في الشريعة لا في خصوص القرآن.
وقد يُقال: إنّ النظر في آية التكفير إلى المحرمات فقط، دون ترك الواجبات بقرينة قوله تعالى: {مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}، فإنّ ترك الواجب ترك للمأمور به، وليس منهياً عنه، إلاّ بالمعنى الأصولي القائل: إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده؛ فالمعنى: أنّ اجتناب المحرمات الكبيرة يوجب تكفير السيئات، وليس المقصود بالسيئات ما يشمل ترك الواجبات، وإلاّ للزم أن يكون ترك الصلاة التي هي عمود الدين مكفَّراً بترك المحرمات الكبيرة، وهذا غير محتمل، فكأنّ الآية الكريمة تنظر مسبقاً إلى من هو ملتزم بالواجبات فتقول: لو ترك المحرمات الكبيرة كفّرنا عنه صغائر المحرمات.
ويؤيد هذا الاستظهار أنّ أكثر روايات تعداد الكبائر غير مشتملة على ترك الصلاة، أو ترك أي واجب آخر في حين لا يحتمل كون ترك الصلاة التي هي عمود الدين أصغر من كلّ الكبائر المعدودة في تلك الروايات.
نعم توجد روايتان ذكرتا ذلك:
الأولى: ما مضى من رواية عبيد بن زرارة ـ بسند تام ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)؛حيث جاء في ذيلها قوله: “فقلت: هذا أكبر المعاصي؟ قال: نعم. قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظُلماً أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر، قال: أي شيء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر. قال: فإنّ تارك الصلاة كافر، يعني من غير علة”(). إلاّ أنّك عرفت أنّ مثل هذه الرواية لا تُحمل على النظر إلى تفسير الكبيرة بالمعنى الوارد في آية التكفير.
الثانية: ما أشرنا إليه من رواية عبد العظيم الحسني (رضي الله عنه) حيث جاء فيها ذكر ترك الصلاة متعمداً أو شيء ممّا فرض الله عزّ جلّ وهذه الرواية ليست واردة في تفسير آية التكفير، بل هي واردة في تفسير آية اللّمم، ولم ترد كلمة النهي في آية اللّمم، وإنّما قال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} بينما وردت في آية التكفير حيث قال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}، فمن المحتمل أنّ فرض فعل الفرائض كان مفروغاً عنه في آية التكفير، بينما في هذه الآية يكون ترك الفريضة داخلاً في الإثم. وهذه الرواية تؤيد ما استظهرناه من آية التفكير من أنّ موضوع الوعد بالتكفير هو من لم يكن عليه شيء من ناحية الواجبات، فإنّ هذه الرواية فرضت ترك الفرائض داخلاً في المقصود بالكبائر في آية اللّمم، وهذا يعني أنّ الله تعالى إنّما وعد في هذه الآية بالمغفرة لمن أتى بالفرائض، فيتّحد أو يتقارب مفاد الآيتين.
إلاّ أنّ الذي يبعد استظهارنا لاختصاص آية التكفير بالنظر إلى المحرمات، أنّ كلمة (ما تنهون عنه) وإن كانت ـ لعلها ـ مختصّة بالمحرمات بحسب حاقّ اللغة، ولكن حسب مناسبات الحكم والموضوع لا فرق في المعصية من حيث كونها صغيرة أو كبيرة، ومن حيث نكتة المكفِّرية ـ بالكسر ـ والمكفَّرية ـ بالفتح ـ بين أن تكون فعلاً لحرام، أو تركاً لواجب. وعلى أي حال فلا بدّ من افتراض أحد أمور ثلاثة: إمّا افتراض أنّ الآية ناظرة إلى خصوص المحرمات، أو افتراض أنّ المقصود بوعيد الله بالنار الوعيد في الشريعة، لا الوعيد في خصوص القرآن، أو افتراض أنّ مقياس الوعيد بالنار في القرآن إنّما ذكر للمحرمات، وأمّا ما فرضه الله من الواجبات فهي جميعاً يعتبر تركها كبيرة. ولعل هذا الوجه الأخير أقوى الوجوه. وأمّا استبعاد كون تمام الواجبات تركها كبيرة فيمكن الجواب عنه بأنّ المقصود ما ورد في رواية عبد العظيم الحسني من عنوان ما فرضه الله ليس هو تمام الواجبات بل الواجبات الواردة في القرآن، ويشهد لذلك ما في صدر الرواية من أنّ سؤال السائل كان عبارة عن طلب معرفة الكبائر من كتاب الله، فكأنّ مقصوده عليه الصلاة والسلام أنّ الواجبات على قسمين: منها ما فرضه الله وهو وارد في كتابه ويكون تركه كبيرة، ومنها ما فرضه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في سنته بإذن الله أو بإمضائه ولا يعتبر ترك ذلك كبيرة.
بقي الكلام في شيء واحد، وهو أنّنا وإن قلنا: إنّ ارتكاب الصغيرة لا يضرّ بالعدالة ولكنّنا نقول: إنّ الإصرار() على الصغيرة يجعلها كبيرة لعدّة روايات، كما ورد عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار”() إلاّ أنّ سنده ضعيف بعمار بن مروان القندي الذي روى هذا الحديث عن عبدالله بن سنان، ولم تثبت وثاقته. وما ورد عن محمد بن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث… قال النبي (صلّى الله عليه وآله): لا كبيرة مع الإستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار… إلخ()؛ وهذا الحديث تام سنداً(). وما عن الفضل بن شاذان ـ والسند غير تام ـ عن الرضا (عليه السلام) في تعداد الكبائر وفيه: (الإصرار على الذنوب)(). وعن تحف العقول مرسلاً (والإصرار على الصغائر من الذنوب)، والظاهر أنّ هذا هو المقصود حتّى مع حذف كلمة (الصغائر)، فإنّ الكبائر هي كبائر بلا حاجة إلى إصرار. وما عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي: “أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: لا تحقّروا شيئاً من الشر وإن صغُر في أعينكم، ولا تستكثروا شيئاً من الخير وإن كثر في أعينكم، فإنّه لا كبير مع الإستغفار، ولا صغير مع الإصرار”()، وسنده غير تام. وما عن أبي بصير بسند تام، قال: سمعت أبا عبدالله يقول: لا والله لا يقبل الله شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه(). ومقتضى إطلاق الحديث أنّ الإصرار على المعصية الصغيرة أيضاً يمنع قبول الطاعة، وافتراض بقائها صغيرة ـ وكونها معفوّاً عنها عفواً جزمياً لو لم يقترن بالكبائر ـ لا يجتمع عرفاً مع المانعية عن قبول الطاعة. وأدلة حصر الكبائر في أعيان المعاصي الكبيرة لو تمّت تحمل على ذوات الذنوب دون الإصرار عليها. وقد يقال: إنّ إطلاق هذا الحديث يعارض إطلاق الآية الكريمة: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} الظاهر في اجتناب أعيان الذنوب الكبيرة لا الإصرار على معصية هي في نفسها صغيرة.
وقد يُجاب بأنّ هذا الحديث يمكن تفسيره بافتراض كون نفس الإصرار على الذنب المقترن بالعمل من المعاصي الكبيرة، فيصبح مصداقاً لـ (كبائر ما تنهون عنه)، وإنّما قيّدنا الإصرار بكونه مقترناً بالعمل كي لا ينافي ما دلّ على العفو عن النية البحتة.
معنى اللّمم
وفي ختام هذا البحث لا بأس بالإشارة إلى معنى اللّمم، والذي يستفاد من كتاب لسان العرب() أنّ المحتملات في اللّمم ثلاثة:
1 ـ أن يكون بمعنى صغار الذنوب، وقد نقل في لسان العرب عن أبي إسحاق أنّه قال: اللّمم نحو القُبلة والنظرة وما أشبهها. وإلى هذا يرجع ما نقله عن الجوهري أنّه قال في تفسير قول وضّاح اليمن:
إذا قلت يوماً: نوّليني تبسّمتْ
وقالت: معاذ الله من نيل ما حَرُمْ
فما نوّلتْ() حتّى تضرّعْتُ عندَها
وأنبأْتُها ما رخّص الله في اللّممْ
قال الجوهري في تفسير ذلك يعني التقبيل.
2 ـ أن يكون بمعنى مقاربة المعصية من غير مواقعة.
3 ـ أن يكون بمعنى أنّك تأتي بشيء في وقت، ولا تقيم عليه، ولا تصرّ.
وكأنّما المقصود أنّك تُبتلى صدفة بمعصية ثمّ تتركها وتتوب عنها، وقد تُبتلى صدفة بها مرّة أخرى من دون إصرار، وهذا المعنى الثالث هو المستفاد من الروايات الواردة في معنى اللّمم().
هذا ولو لم نقبل دلالة هذه الآيات بالإلتزام العرفي على عدم إضرار الصغائر بالعدالة أو بحكم العدالة، فلا أقل من أنّها تصنع جواً متشرّعياً يمنع عن فهم معنى ترك جميع الذنوب من أدلة شرط العدالة أو مانعية الفسق، ويصرف الكلمتين إلى النظر إلى خصوص الكبائر دون الصغائر المجردة عن الكبائر، فجو متشرعي يعرف فيه أنّ مرتكب الصغيرة التارك للكبائر يكفّر الله سيئاته ويدخله مدخلاً كريماً، وله ما عند الله الذي هو خير وأبقى، ويجزيه بالحسنى، لا يسمح لفهم أكثر من ترك الكبائر من شرطية العدالة أو مانعية الفسق. وعلى أية حال فسواء تمّت هذه التقريبات أو لم تتم كفتنا رواية عبدالله بن أبي يعفور الماضية لإثبات عدم إضرار ارتكاب الصغيرة بالعدالة.
سيد كاظم الحائري
عزاء طويريج
بلدة “طويريج” بلدة صغيرة تقع بين مدينتي كربلاء والحلّة وهي إلى كربلاء أقرب. وسمّيت البلدة بهذه التسمية لأنّها الطريق الذي يمرّ بها الزائرون بواسطة المراكب والسفن الشراعية البدائية ليستريحوا من مشقّة الترحال، وعناء السفر. وقد صغّر لفظ (طريق) إلى (طويريق)، ثمّ أُبدل بلهجة الأهالي ممّن يستبدلون بحرف “القاف”في كلامهم، حرفَ “الجيم”.
وتستلقي المدينة على شاطئ من شواطئ نهر الفرات، حيث أنعشها بالموارد الطبيعية وأغناها، حتّى تحوّلت أراضيها إلى حقول وبساتين مثمرة، تكثر فيها الطيور على اختلاف أجناسها. ويُطلق على البلدة إسم “الهندية” لوقوعها على هذا الفرع من الفرات، وهو نهر “الهندية” الذي تبرّع بحفره وإنشائه أحد أمراء الهند سنة 1208هـ/ 1794م لإرواء مدينة النجف بعد الجفاف الذي عصف بها.
يرجع الفضل لاستمصار مدينة طويريج وازدهارها إلى العلاّمة السيّد صالح ابن فقيه عصره الإمام السيّد مهدي القزويني، حيث أقام بها مشرفاً على الأراضي الزراعية العائدة لجدّه وأبيه، والتي شاعت بيد العشائر المحيطة بتلك المنطقة، وتوزّعت عليهم.
حدّثني السيّد حميد بن أحمد بن السيّد صالح القزويني أنَّ جدّه السيّد صالح بعد عودته إلى الحلّة من مدينة النجف صادف أنّْ وقف على بعض أوراق “الطابو” والمستندات، فسأل والده عن مستند يسمّونه بالتركية “البلردي”، فأجابه بأنّه ملك في مدينة “طويريج” ضاع بيد العشائر، فجاء السيّد صالح إلى طويريج واتّصل برؤساء العشائر، وزعمائها وأنهى مشكلة الأراضي معهم حيث تنازلوا عنها، لكنّه جعلها مناصفةً بينهما.
ويُعتبر السيّد صالح أوّل مَنْ عمّر مدينة طويريج، وأنشأ فيها السكن. وقد أصبحت داره التي توارثها أبناؤه جيلاً بعد جيل، محطاً للرحال ومركزاً من مراكز الثقافة والأدب والاجتماع وقضاء الحوائج وحلّ المعضلات. وقد أدركتُ هذه الدار وما فيها من آثار تعبق بنفح أصالة الماضي وبراعة الحاضر. وكم خرّجت هذه الدار من شعراء، أُدباء، وعلماء كبار أصبح للمدينة وجود بهم. إلاَّ أنَّ هذه الدار انطفأ وهجها بعد وفاة عميد الأسرة أبي أحمد السيّد حميد القزويني سنة 1400هـ/ 1980م، فلم تَقُمْ لها عمد ولم يَصُنْها أحد، فانخسفَ ركنٌ منها، لم تبق منه إلاّ أركانٌ تشير إلى بوابتها القديمة التي أصبحتْ باباً يعلّق السائلون عليهم آمالهم ويخضبونه بالحناء ويربطونه بشرائطهم الخضراء. وقد زرتُ هذه الدار بعد غياب طويل في شهر آب عام 2003م، وصوّرتها على هذه الحالة التي يجدها القارئ أمامه.
السيّد صالح القزويني: مؤسس عزاء طويريج
ولد السيّد صالح بمدينة الحلّة سنة 1257هـ/ 1841م، ودرس في النجف على يد جملة من الفضلاء، ولازم خاله الإمام الشيخ مهدي كاشف الغطاء (ت: 1289هـ/ 1872م)، وحلقات درس الإمام الشيخ مرتضى الأنصاري (ت: 1281هـ/ 1864م)، وأُجيزَ من والده وغيره بالاجتهاد، وكان والده يصفه بالفقاهة. فقد نقل العلاّمة السيّد حسن الصدر في “تكملة أمل الآمل” أنَّ العلاّمة السيد مهدي سُئلَ عن رأيه في ولديه، فقال: “جعفر أعلم، وصالح أفقه”. ومضافاً للفقاهة التي تميّز بها السيّد صالح فإنّه يُعدُّ من كبار الشعراء في عصره، وشعره رائق متين. وله عدد من المؤلفات في الفقه والحديث، نشرتُ منها كتاب “مقتل أمير المؤمنين” عام 1394هـ/ 1974م.

بوابة دار القزويني
الانطلاقة الأولى لموكب عزاء طويريج
كيف بدأتْ فكرة تأسيس عزاء طويريج؟
لم تكن هناك فكرة لتأسيس موكب عزاء طويريج، بل يُعتبرُ هذا الموكب من المواكب التي أسّستْ نفسها بنفسها بما تحمله من عفوية، وصدق مشاعر وولاء. فقد كان السيّد صالح يُحيي مواسم عاشوراء من كلّ عام بالمأتم الذي يُقام بداره في “طويريج” فيتوافد أهالي البلدة للإجتماع عاماً بعد عام. وفي صبيحة يوم العاشر من المحرّم كان يقرأ بنفسه “مقتل الحسين” في الكتاب المنسوب إلى السيّد ابن طاووس المتوفى سنة 664هـ/ 1266م، وكان عدد الحاضرين يناهز العشرة آلاف شخص من الرجال فقط. وبعد تناول الغداء يذهب المجتمعون مشياً على الأقدام إلى كربلاء، وهي لا تبعد عن مدينة “طويريج” إلاّ بمسافة يسيرة، فيدخلونها بعد وقت الظهيرة بساعة واحدة، وهو الوقت الذي قيل إنَّ الحسين (عليه السلام) قُتل فيه. أمّا السيّد صالح (قدّس سرُّه) فكان يمتطي صهوة جواده، محاطاً بالجموع الثائرة.
وقد سرى هذا التقليد بعد وفاته عام 1304هـ/ 1887م إلى أبنائه وبقي متوارثاً بينهم. فلا يقود موكب عزاء طويريج إلاَّ مَنْ تحدّر من نسل السيّد صالح فقط. وهكذا كان الأمر كما أدركتُه في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري.
وممّن إستقلَّ لقيادة موكب عزاء طويريج بعد رحيل السيّد صالح:
1 ـ ولده زعيم الفرات العلاّمة السيّد هادي القزويني (ت: 1347هـ/ 1928م) وهو من مواليد عام 1279هـ/ 1862م. ذكره العلاّمة السيّد محمد صادق بحر العلوم في كتابه “الرحيق المختوم” ـ المخطوط بقوله: “زرتُه في بعض الليالي وأنا في طريقي إلى زيارة الحسين (عليه السلام)، فمكثتُ عنده ليلة وهو يحدّثني بأحاديث شيّقة، فما وقعت عيني على زعيم أجمع منه للهيبة. وفي عهده اتّسعت عمارات البلد، وهاجر إليها التجار وأرباب المهن والحرف”.
كان السيّد هادي من الشخصيات الاجتماعية الضخمة، جمع بين الزعامتين الدينية والعشائرية. وعند مجيء الأمير فيصل بن الحسين (فيصل الأول)، قبل تتويجه ملكاً على العراق ومروره بمنطقة الفرات الأوسط وغيرها، كانت دار السد هادي القزويني في بلدة طويريج إحدى المحطات التي استراح بها، والتقى فيها هو والوفد المرافق له بالسيّد القزويني. وكان ذلك في 28 حزيران 1921م. وقد أصبح رجال الوفد، فيما بعد، من قادة العراق الرسميين.
وعند تشكيل الوزارة العراقية الأولى (وزارة السيّد عبد الرحمن النقيب)، رُشّح القزويني وزيراً فخرياً فيها، لكنّه اعتذر عن ذلك بسبب المتناقضات السياسية التي حفلت بها المرحلة، وتقديره بعدم جدوى الإصلاح ضمن هذه الأجواء المرتبكة. وقد أرجع اعتذاره لأسباب صحية بحتة.
ومن مواقفه في حماية أهالي بلدته بعد قيام العراقيين بالثورة ضد قوات الاحتلال سنة 1920م، والتي عرفت بثورة العشرين، حيث زحَف الجيش البريطاني من مدينة الحلّة على طريق جدول أبو غرق واحتلّ البلدة، عدا دار السيّد القزويني، فالتجأ الأهالي إليها، وأقاموا بها أياماً حتّى انقشعت سحابة الاضطراب، واستتبَّ الأمن من جديد. وكان يقول: “إنَّ جميع الناس في طويريج أهلي، بعدما سُئل من قبل أحد القادة العسكريين عن عائلته”.
2 ـ جدّي السيد جواد بن السيّد هادي (ت: 1358هـ/ 1939م). ولد بمدينة طويريج عام 1297هـ/ 1880م، ودرس على يد كبار علماء النجف أمثال الميرزا حسين الخليلي والشيخ مهدي المازندراني، والإمام الخراساني، وله مؤلفات منها: الفوادح الملمّة في مصائب الأئمة (نسخته المخطوطة محفوظة لديّ)، ومجموعة من القصائد الشعرية.
3 ـ السيّد مهدي بن السيّد هادي (ت: 1366هـ/ 1947م). العالم الشاعر الأديب. شخصية اجتماعية بارزة. وهو من مواليد طويريج عام 1307هـ/ 1890م. درس في النجف وحضر على يد الإمام السيّد كاظم اليزدي، ولازم دروس العلاّمة الشيخ هادي كاشف الغطاء. ثمّ رجع إلى مدينته عَمَداً لأهلها، وانتهت إليه زعامة الأسرة بعد وفاة أبيه.
4 ـ السيّد محمد ضياء بن السيّد حسن بن السيّد صالح، (ت: 1375هـ/ 1956م). من فضلاء الأسرة وأعيانها السراة.
5 ـ السيّد رضا بن السيّد حسن (ت: 1405هـ/ 1985م)، وقد أقعده المرض. وهو فاضل أديب.
6 ـ السيّد محمد حسين بن السيّد هادي (ت: 1393هـ/ 1973م). العالم الشاعر الأديب. ومن شخصيّات الأسرة وزعمائها الشاخصين بالسيادة والفضل.
ولمّا لم يبق من أحفاد السيّد صالح أحدٌ من الروحانيين انتقلَ الاختيار إلى فرع آخر من فروع الأسرة، وكان:
أولهم: السيّد عبد العزيز (ت: 1394هـ/ 1974م) بن حسين بن حسن بن محمد بن محمد علي بن جدّ الأسرة السيّد أحمد القزويني. وهو فاضل من سكنة قرية “الرغيلة” القريبة من مدينة طويريج.
وثانيهم: الشيهد السعيد فضيلة السيّد موسى بن محيي بن السيّد حمادي بن طاهر بن جعفر بن علي بن السيّد أحمد القزويني. فبعد محاربة الحكومة العراقية البعثية للشعائر الحسينية ومنع الناس من المشاركة بها، حذّرته من مغبّة المشاركة في قيادة موكب عزاء طويريج، إلاّ أنّه لم يمتثل لتهديداتها فاعتُقل عام 1401هـ/ 1981م، وقُتل دون أنْ تسلّم جثته. كما قُتلَ صهرُه السيّد فارس بن السيد باقر بن حسن القزويني، وإثنان من إخوانه، وهما: عدّاي ومحمد، بعد اعتقالهم سنة 1399هـ/ 1979م، رحمهم الله جميعاً، وجعل ذكراهم هذه مصابيح إشعاع بعدما تعطّرت بأسمائهم هذه السطور.
حادثة عام 1386هـ/ 1966م

من أعلام موكب عزاء طويريج
العلامة السيد جواد القزويني محاطاً بأخوانه وأبنائه ( طويريج ـ 1934 م)
في اليوم العاشر من المحرّم عام 1386هـ حدثت حادثة مؤلمة. فقد صادف عند اقتحام الجموع المتراصّة للحضرة الحسينية المطهّرة أنْ سقط على باب سيّد الشهداء مجموعة منهم. وقد سبّب الحادث بوفاة ثلاثين شخصاً. وعلى أثر هذه الحادثة تغيّر مسرى الموكب من “سوق العرب” إلى الشارع الرئيسي المقابل لباب القبلة.
وقد خلّد السيّد أحمد حميد القزويني (ت: 1412هـ/ 1992م) هذه الواقعة بقصيدة عامرة، جاء فيها ذكر هؤلاء الفتية، بقوله:
يا ابنَ البتول، لنا ببابكَ فتيةٌ نالوا الشهادةَ في حماك فخُلّدوا
سمعوا الندا يعلو ألا من ناصرٍ عنّا يذبُّ غداةَ عزّ المنجدُ
فأتتكَ أرواحٌ لهم تهفو على ذاك “الضريح”، وعند بابكَ تسجدُ
ما الموتُ أدركَ مَنْ ببابكَ، إنّما موتُ الشهيد بيوم زرئكَ، مولدُ
أمّا المقطع الأول من القصيدة، فيقول فيه:
ذكراكَ وهي مدى الزمان تخلّدُ ومع القرون القادمات تُجدّدُ
تفنى الحوادثُ وهي بعدُ، كأنّها في كلّ عام من “محرم” تولدُ
يستصرخُ الدنيا هلالُ محرّم وصدى نداكَ الخافقين يرددُ
تأبى الكرامةُ أنْ نقرَّ لظالم وعلى الدنيّة لا تُمدُّ لنا يدُ
هذا دمي أفديه كي لا ينمحي إسمُ الجلالة أو يسودَ الملحدُ
ورنا لك التاريخُ حيث تجمّعتْ زمرُ الطغاة وأنتَ حقٌّ مفردُ
فاستصغرَ التاريخ كلّ رزية من بعد حادثةٍ بها تستشهدُ
منع الشعائر الحسينية
عند وصول حزب “البعث” إلى السلطة في العراق عام 1968م، بدأت معادلة الصراع تتّسع بين التيارات الدينية والسلطة السياسية. وكانت الدولة العراقية قد جاءت بعقلية “الاستبداد” ونشر مفهوم الإرهاب والتسلّط على رقاب الناس بالقوّة والفتك. ولم تكن هناك نوافذ يمكن أنْ تُسوّى بها الأمور مع جميع الأطراف السياسية العراقية، بل كانت الأيام تزداد سوءاً كلّما تقدّم الزمن ومشى.
ونظراً لسياسة السلطة العلمانية فقد مُنعت الشعائر الدينية، كما رفعَ الأذان من الإذاعة العراقية، وصلوات الجمعة وغيرهما من المظاهر الإسلامية. وكان نصيب الشعائر الحسينية ومنعها من أشدّ ما اهتمت به السلطة يومذاك، وجعلته من أولوياتها.
ولم يكن منع السلطة للشعائر قد تمّ فجأةٌ لعدم مقدرتها على ذلك، للتحدّي الذي واجهته كلّ عام. بل عمدت إلى أعمال متنوّعة، منها: اختراق المواكب بشخصيات السلطة وتغذيتها بشعاراتها. لأنّ “الردّات” التي تردّدها المواكب المختلفة لا تعدو أنْ تكون ردّات حسينية بشكل عام. بعض المواكب كان يردّد مقاطع فيها شيء عن حكم الإسلام ممّا كانت تختفي وراءه جهات الحركات الإسلامية السياسية.
وبالرغم أنَّ الكثير من هذه المواكب كانت عرضةً لدخول المندسّين من جهة الدولة، وحملهم “لافتات” وطنية، وردّات سياسية، إلاّ أنَّ عزاء طويريج، كان مستعصياً على الاختراق، فلم يكن بإمكان أحد أنْ يضيف شعاراً سياسياً أو وطنياً مقبولاً أو مرفوضاً إليه، لأنَّ هذا الموكب لم يكن يردّد إلاَّ كلمة واحدة، هي كلمة: “حُسين” بطريقة متناغمة وبإيقاع واحد؛ مفردة مرّة، أو يُضاف حَرف النداء، ليكون لها إيقاع ثانٍ عندما تُردّد بنغمة واحدة “يا حسين”.
وفي عِقد الثمانينات الميلادية (1980م) الذي صادف بداية القرن الخامس عشر الهجري (1400هـ) دخل العراق في حرب طاحنة مع إيران استمرّت ثماني سنوات (1980م ـ 1988م)، وقد تمكّنت السلطة من تصفية شخصيات العراق الكبيرة والقضاء على جميع المظاهر السياسية في البلاد، وكان من جملتها منع ممارسة الشعائر الحسينية بشكل قاطع وأكيد.
وقد دفع الشهيد السعيد السيّد موسى القزويني حياته ثمناً لإدامة هذه الشعائر بعدما نبّهتْهُ السلطة بضرورة تركه قيادة عزاء طويريج، إلاّ أنّه لم يستجب لتهديداتها، فقضى (رحمه الله) شهيداً، وضاعت أخباره، ولم تسلّم جثته إلى عائلته، بل كان نصيبها “المقابر الجماعية”.
وفي عقد الثمانينات الميلادي أعاد العراقيون المهجّرون والمهاجرون بمدينة قم الإيرانية هذا الموكب طوال السنوات التي قضوها هناك، فكان لهم موكب شبيه يخرج من أطراف المدينة يوم العاشر من المحرّم كلّ عام حتّى ينتهي بمرقد المعصومة فاطمة أخت الإمام الرضا (ع). وكان على رأس هؤلاء الحسينيين مجموعة من شباب مدينة طويريج. إلاّ أنَّ هذا “الموكب” رجع إلى وضعه الأول في العراق بعد تبدّل الأوضاع السياسة وسقوط السلطة البعثية يوم 9 نيسان 2003م على يد قوات التحالف، فناهز المشاركون فيه قرابة ثلاثة ملايين شخصاً من جميع المحافظات العراقية، ممّا يدلّ على محبة أهل العراق لهذا الموكب العريق، واعتزازهم به.
خلاصة القول في موكب “عزاء طويريج”
1 ـ منطقة طويريج وما يجاورها من الأراضي تقطنها بعض العشائر المتخصّص أفرادها بالزراعة، وكانت للسيّد مهدي القزويني جملة أراضي فيها. وقد وقف المؤرخ الشيخ محمد علي اليعقوبي على مستند مؤرخ بعام 1262هـ/ 1846م أبرمت فيه بعض العقود بين السيّد مهدي وأحد المغارسين في تلك المناطق. ويبدو أنّ هذه الأراضي الزراعية هي من مخلّفات والده العلاّمة السيّد حسن القزويني المتوفى سنة 1223هـ/ 1808م والذي يُعدُّ أوّل من مارس الزراعة من الأسرة.
2 ـ يمكن تقدير هجرة السيّد صالح القزويني إلى طويريج أنّها كانت مقاربة لسنوات الثمانينيات الهجرية (1280هـ)، وهي الفترة التي بدأت منطقة طويريج بالإعمار وبداية الازدهار. ولم تكن المدينة معروفة قبل هذه المرحلة سوى بالأراضي الزراعية المزدهرة بفضل وجود نهر الهندية الذي يصبُّ فيها بعد تفرّعه من نهر الفرات.
3 ـ يمكن استظهار بداية إنطلاقة موكب “عزاء طويريج” أو ما يسمّى “رِكْضَة” طويريج في العقد الأخير من القرن الثالث عشر الهجري (1290هـ/ 1873م) حتّى وفاة السيّد صالح سنة (1304هـ/ 1887م)، وهي فترة تأسيسه وانطلاقته.
4 ـ لم تكن الصورة التاريخية الأولى لانطلاقة الموكب تخرج على قاعدة المسيرة إلى كربلاء والوصول إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام). وهي ذات المسيرة التي عاصرناها في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري.
وكان المُتّبع في انطلاقة الموكب أن يتجمّع أهلُه خارج مدينة كربلاء وهم من شتى المناطق العراقية، ولم يقتصر على أهالي “طويريج” وحدهم. ويكون (السيّد القزويني) دائماً على صهوة جواده معهم. ولا يتحرّك الموكب إلاّ بإشارة منه. فعندما يحين موعد الإنطلاق يضرب عمامته السوداء بيده اليمنى وهو يصرخ بكلمة: “يا حسين”، وتبدأ إنطلاقة الموكب.
5 ـ تكون إنطلاقة الموكب عادة بالهرولة الخفيفة، ضمن الموج البشري المتراصّ، وبترديد شعارات محدودة، هي: يا حسين”، و”الله الله حسين وينه بالسيوف امگطعينه”. وينتهي المطاف إلى الحضرة الحسينية المطهرة، حيث ينزل (السيّد) عن جواده، ويستقرّ بغرفة “الكليدار” مع بعض الشخصيات. وتنتهي جموع الموكب بالصحن الحسيني حيث تُتلى عليهم القصائد واللطميات. وكانت العادة أن يقرأ أحد “الرواديد” الأكفاء قصيدة شعبية مؤثرة أمام الحشود المتجمعة في الصحن الحسيني، وكانت القصائد السنوية التي تتلى هي من نظم الشاعر إبراهيم الشيخ حسّون وهي باللسان الشعبي الشجي المعروف لدى أهل العراق.
6 ـ بعد حادثة سنة 1966م إلتفتَ بعض الباحثين لاستقراء تاريخ موكب “عزاء طويريج” والحديث عن نشأته وتأسيسه. وقد تصوّر بعضهم أنّ تأسيس هذا الموكب راجع الى عصر الإمام السيّد مهدي بحر العلوم (ت: 1212هـ/ 1797م). والحال أنّ بين وفاة الإمام بحر العلوم وتمصير مدينة طويريج مسافة زمنية تقرب من السبعين عاماً، ممّا يدلُّ على أنّ تأسيس الموكب كان في فترة متأخرة عنه.
جودت القزويني
العلاّمة المجلسي
(1037ـ111هـ)
هو العلاّمة الإمام شيخ الاسلام، محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني، ولد سنة 1037هـ. عالم جليل القدر، برز في العلوم العقلية والنقلية والحديث والفقه والرجال والأدب، وقد أجمع العلماء على أنه من أكابر الرجال في علوم الدين والشريعة وفي طليعة الفقهاء والأعلام من عظماء الشيعة الامامية، وُلِّيَ مشيخة الاسلام في أصفهان.
ذكره العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات وقال: “البحر المحيط”، والحبر الوقيط، والعقل البسيط، والعدل الوسيط، مولانا محمد باقر بن المولى محمد تقي بن مقصود الأصفهاني، المشتهر بالمجلسي لكونه لقب أبويه المذكورين.
قال صاحب “لؤلؤة البحرين”() بعد وصفه بالعلاّمة الفهامة، غواص بحار الأنوار، مستخرج لآلي الأخبار وكنوز الآثار، الذي لم يوجد في عصره ولا قبله ولا بعده قرين في ترويج الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين بالتصنيف والتأليف والأمر والنهي وقمع المعتدين والمخالفين من أهل الأهواء والبدع والمعاندين.
كان إماماً في وقته في علم الحديث، وسائر العلوم، وشيخ الاسلام بدار سلطنة أصفهان، ورئيساً فيها بالرياسة الدينية والدنيوية، إماماً في الجمعة والجماعة.
وهو الذي روّج الحديث ونشره لا سيما في الديار العجمية، وترجم لهم الأحاديث العربية بالفارسية، مضافاً الى تصلبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبسط يده بالجود والكرم لكل من قصده وأمّ…، ولشيخنا المذكور من المصنفات [ثمّ ذكر مصنّفاته التي سنذكرها فيما بعد]”.
وقال الحُرُّ العامليّ في أمل الآمل: “مولانا الجليل محمد باقر بن مولانا محمد تقي المجلسي، فاضل، ماهر، محقق، علامة، فهّامة، فقيه، متكلم، محدّث، ثقة، جامع للمحاسن والفضائل، جليل القدر، عظيم الشأن، أطال الله بقاه، له مؤلفات كثيرة مفيدة”.
وقال العلاّمة محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، في جامع الرواة: “محمد باقر بن محمد تقي بن المقصود علي الملقب بالمجلسي مدّ ظله العالي، أستاذنا وشيخنا وشيخ الاسلام والمسلمين، خاتم المجتهدين، الإمام العلاّمة، المحقق المدقق، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، وحيد عصره، فريد دهره، ثقة، ثبت، عين، كثير العلم، جيد التصانيف، وأمره في علو قدره وعظم شأنه وسمو رتبته وتبحره في العلوم العقلية والنقلية ودقة نظره وإصابة رأيه وثقته وأمانته وعدالته أشهر من أن يذكر، وفوق ما تحوم حوله العبارة، وبلغ فيضه وفيض والده رحمهما الله ديناً ودنيا بأكثر الناس من العوام والخواص، جزاه الله تعالى أفضل جزاء المحسنين، له كتب نفيسة جيدة، قد أجازني دام بقاء وتأييده أن أروي عنه جميعها”.
أساتذته
وجاء في مقدمة الجزء الأول من بحار الأنوار، طبعة دار الكتب الاسلامية بطهران سنة 1376هـ ما يلي: تتلمذ المجلسي على عدة من حملة العلم والأدب والفقه والدراية وروى عنهم، منهم:
1 ـ الشيخ الفاضل القاضي أبو الشرف الأصفهاني. قال في أمل الآمل [للحر العاملي] ص74 كان عالماً فاضلاً، نروي عن مولانا محمد باقر المجلسي عنه.
2 ـ العالم النحرير الفقيه أبو الحسن المولى حسن علي التستري ابن عبدالله الأصفهاني الفاضل الكامل الفقيه المعروف في عصر السلطان صفي الصفوي، والشاه عباس الثاني، [والتستري هذا هو] مؤلف كتاب التبيان في الفقه، ورسالة في حرمة صلاة الجمعة في الغيبة، المتوفى (رحمه الله) سنة 1075هـ.
3 ـ العالم الفاضل الجليل النبيل القاضي أمير حسين.
4 ـ العالم المتبحر الجليل المولى خليل بن الغازي القزويني، المتولد سنة 1001هـ المتوفى سنة 1089هـ، شارح كتاب الكافي (وله ترجمة في أمل الآمل ص44، وجامع الرواة، ج1، ص298، وانظر المستدرك، ج3، ص213).
5 ـ الفاضل الصالح ابن عمة والده الشيخ عبدالله بن الشيخ جابر العاملي، كان فاضلاً عالماً عابداً فقيهاً (أنظر أمل الآمل، ص20، والمستدرك، ج3، ص416).
6 ـ السيد الجليل الشريف الأمير شرف الدين علي بن حجة الله بن شرف الدين الطباطبائي الشولستاني، مؤلف كتاب توضيح المقال في شرح الاثني عشرية في الصلاة لصاحب المعالم، المتوفى سنة 1060هـ (أنظر المستدرك، ج3، ص409، وفي ص55 من أمل الآمل: شرف الدين الحسيني الشولستاني كان عالماً فاضلاً محققاً شاعراً أديباً، نروي عن مولانا محمد باقر المجلسي عنه) المجاور بالمشهد المقدس الغروي حياً وميتاً (أنظر جامع الرواة، ج2، ص551).
7 ـ السيد الأمجد السيد نورالدين علي بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الحسيني الموسوي العاملي، المجاور لبيت الحرام حياً وميتاً، طيب الله تربته. ولد سنة 970 هـ وتوفى سنة 1068هـ، وله شرح المختصر النافع، والفوائد المكية، وشرح الاثنى عشرية للشيخ البهائي وغيرها.
8 ـ الشيخ الجليل النبيل الشيخ علي ابن العالم النحرير الشيخ محمد ابن المحقق البصير الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، صاحب التصانيف الرائقة كشرح الكافي، والدر المنثور وغيرهما، ولد سنة 1013هـ أو 1014هـ، وتوفى سنة 1103 وقد بلغ التسعين (أنظر أمل الآمل، ص22، والمستدرك، ج3، ص409).
9 ـ الفاضل النحرير والمتبحر الجليل السيد علي خان ابن السيد نظام الدين أحمد بن محمد معصوم الحسيني الشيرازي المدني، شارح الصحيفة والصمدية، وصاحب كتاب سلافة العصر والدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية وأنوار البديع وغيرها من التصانيف الرائقة المتولد سنة 1057هـ، والمتوفى سنة 1120هـ (راجع خاتمة المستدرك، ص386، 409، وأمل الآمل، ص51).
10 ـ السيد الفاضل الأجل الأكمل الأمير فيض الله ابن السيد غياث الدين محمد الطباطبائي (خاتمة المستدرك، ص412)، والذي يروي عن السيد الجليل السيد حسين الكركي المفتي.
11 ـ والده المعظم البحر الخضم محمد تقي المجلسي.
12 ـ شيخ المحدثين محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب كتاب الوسائل.
13 ـ سيد الحكماء آغا ميرزا رفيع الدين محمد بن حيدر الحسيني الحسني الطباطبائي صاحب الرسائل والحواشي الكثيرة التي منها حواشية على الكافي، المتوفى سنة 1099هـ (المستدرك، ج3، ص409).
14 ـ السيد محمد المشتهر بسيد ميرزا الجزائري ابن شرف الدين علي بن نعمة الموسوي صاحب “جوامع الكلم في الحديث” (أنظر مستدرك الوسائل، ج3، ص409، وأمل الآمل، ص64).
15 ـ العالم الفاضل الصالح المولى محمد شرف بن شمس الدين محمد الرويدشتي الأصفهاني (مستدرك الوسائل، ج3، ص409، وفيه هو والد العالمة المحدثة حميدة: “توفيت رحمها الله سنة 1087”).
16 ـ العالم الزاهد المجاهد محمد صالح ابن المولى أحمد السروي الطبرسي المتوفى سنة 1081هـ (أنظر أمل الآمل، ص64، المستدرك، ج3، ص412، وجامع الرواة، ج2، ص131).
17 ـ العالم الجليل النبيل عين الطائفة ووجهها، المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي النجفي القمي صاحب المؤلفات الرشيقة النافعة، كشرحه على التهذيب، وحكمة العارفين، والأربعين في الإمامة، وتحفة الأخبار بالفارسية في فضائح الصوفية، وغيرها. توفى رحمه الله سنة 1098هـ (أنظر جامع الرواة، ج2، ص131، وأمل الآمل، ص64، والمستدرك، ج3، ص412).
18ـ السيد الخبير الفاضل الأمير محمد قاسم بن الأمير محمد الطباطبائي القُهْباني (أنظر جامع الرواة، ج2، ص550، والمستدرك، ج3، ص409).
19 ـ المحدث العلاّمة الفاضل الفقيه الشهيد بالحرم الالهي في سنة 1088هـ السيد محمد مؤمن بن دوست محمد الحسيني الاسترآبادي المجاور بمكة المعظمة صهر المحدث الاسترآبادي له كتاب الرجعة (أنظر الآمل، ص67، والمستدرك، ج3، ص388، و410).
20 ـ العالم الفاضل المتبحر المحدث العارف الحكيم المولى محمد بن الشاه مرتضى ابن الشاه محمود المدعو بمحسن المشتهر بالفيض الكاشاني، صاحب الوافي والصافي والمفاتيح وغيرها. المتوفى سنة 1091هـ، عن 84 سنة. (أنظر المستدرك، ج2، ص421، وأمل الآمل للحر العاملي، ص68).
21 ـ العالم الصالح الفاضل المولى محمد محسن بن محمد مؤمن الاسترآبادي (أنظر المستدرك، ج3، ص409).
تلامذته ومن روى عنه
له تلامذة ورواة فضلاء علماء فقهاء أعلام، منهم:
1 ـ المولى الفاضل الصالح التقي الزكي مولانا ابراهيم الجيلاني، كذا وصفه شيخه، وأجازه بخطه في آخر مجموعة رسائله ورسائل والده.
2 ـ العالم الجليل والحبر النبيل السيد ابراهيم ابن الأمير محمد معصوم القزويني، والد السيد الأكمل السيد حسين القزويني، ذكره آية الله بحر العلوم في اجازته للسيد حيدر ابن السيد حسين اليزدي.
3 ـ أبو أشرف الأصفهاني، قال [الحر العاملي] في أمل الآمل: عالم فاضل يروي عن مولانا محمد باقر المجلسي.
4 ـ الفاضل الصالح السعيد الحاج أبو تراب.
5 ـ العالم العامل، الفاضل الكامل، أفقه المحدثين الشريف العدل المولى أبو الحسن ابن محمد طاهر بن عبدالحميد الفتوني النباطي العاملي الأصفهاني الغروي، وكانت أمه أخت السيد الأمير محمد صالح [أنظر التسلسل 34 فيما يلي]، وهو جد صاحب الجواهر، له تفسير مرآة الأنوار وغيره، توفى في أواخر عشر الأربعين بعد المائة والألف. [ذكر صاحب الذريعة (ج1، ص149، الرقم 704) وفاته سنة 1138هـ].
6 ـ العالم الأمجد، الفاضل الأرشد، الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن يوسف الخطي البحراني، مؤلف رياض الدلائل وحياض المسائل، وغيرها، بالغ شيخه العلاّمة في توصيفه في اجازته له، توفى سنة 1121هـ.
7 ـ المولى الفاضل الكامل الصالح المتوقد الذكي الألمعي مولانا جمشيد بن محمد زمان الكسكري، كذا وصفه شيخه بخطه في آخر الفقيه الذي قرأه عليه. وبخطه (رحمه الله) أيضاً في آخر كتاب الأطعمة من التهذيب: أنهاه المولى الفاضل الصالح الزكي مولانا جمشيد الكسكري وفقه الله تعالى سماعاً وتصحيحاً وتدقيقاً في مجالس آخرها بعض أيام شهر محرم الحرام من سنة 1089هـ، فأجزت له روايته عني بإسنادي المتصل الى المؤلف العلاّمة قدّس الله روحه.
8 ـ الشيخ العالم حسن بن الندي البحراني.
9 ـ الشيخ الجليل الزاهد الورع، العلاّمة سليمان بن عبدالله بن علي بن الحسن بن أحمد ابن يوسف بن عمار الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1027 هـ صاحب كتاب البلغة والمعراج في الرجال، والأربعين في الإمامة.
10 ـ العالم المتبحر آغا ميرزا عبدالله بن العالم الجليل عيسى بن محمد صالح الجيرائي التبريزي ثم الأصفهاني الشهير بالأفندي مؤلف كتاب رياض العلماء.
11 ـ الفاضل الصالح المولى عبدالله المدرس ببعض المدارس في المشهد الرضوي، قال في الرياض: هو من تلامذة الاستاذ أيده الله تعالى، قد قرأ عليه في أوان مجاورته بتلك الروضة المقدسة، ثم لما خرج حفظه الله تعالى سافر معه الى اصبهان وقرأ عليه بها أيضاً من كتب الفقه والحديث.
وفي أمل الآمل [للحر العاملي]: مولانا عبدالله بن شاه منصور القزويني مولداً الطوسي مسكناً، كان فقيهاً مدرساً، له شرح ألفية بن مالك (فارسي) ورسالة في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) فارسية سماها الغديرية، من المعاصرين.
قال صاحب الرياض: لم نعرف رجلاً معاصراً بهذا الاسم سوى المولى عبدالله المدرّس.
12 ـ الفاضل المتتبع، الخبير النقاد، الشيخ عبدالله بن نورالدين صاحب كتاب العوالم في مجلدات كثيرة شائعة().
13 ـ الفاضل المولى الرضي الزكي عبدالله اليزدي.
14 ـ السيد الفاضل الموفق المسدد، ميرعبدالمطلب، قرأ عليه أصول الكافي الى آخره.
15 ـ السيد الجليل آغا ميرزا علاء الدين محمد كلستانه.
16 ـ السيد الفاضل الأمير علي خان الجردفادقاني، كذا ذكره شيخه بخطه في آخر كتاب التهذيب الذي قرأه عليه في مجالس آخرها شهر جمادى الأولى سنة 1097 هـ.
17 ـ تاج الفضلاء، صدر الدين السيد علي خان الشيرازي شارح الصحيفة.
18 ـ العالم الكامل السيد علي ابن السيد محمد الأصفهاني المعروف بالامامي ابن السيد أسدالله ابن السيد أبي طالب مؤلف كتاب التراجيح في الفقه.
19 ـ الفاضل الأجل مولانا علي أصغر المشهدي الرضوي، وصفه الفاضل الشيخ عبدالنبي صاحب تتميم أمل الآمل في اجازته لبحر العلوم، وصرح بأنه من تلامذة العلاّمة المجلسي، والمحقق أغا جمال الدين.
20 ـ الأمير عين العارفين الحسيني القمي العاشوري، صرح شيخه العلاّمة في آخر المجلد الأول من التهذيب في اجازة كتبها له بخطه في موضعين من هوامشه أنه قرأ عليه التهذيب في مجالس آخرها في بعض أيام شهر جمادي الآخرة سنة 1092 هـ.
21 ـ المولى الأجل التقي محمد ابراهيم السرياني إجازته مذكورة في كتاب البحار.
22 ـ الأديب الأريب الأمير محمد أشرف صاحب كتاب فضائل السادات.
23 ـ العالم الكامل، المحقق المدقق، الشيخ محمد أكمل، صرح ولده الاستاذ الأكبر في إجازته لبحر العلوم.
24 ـ شيخ المحدثين، وأفضل المتبحرين، الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعة.
25 ـ المولى المتبحر في الاخبار مولانا محمد حسين الطوسي البغجمي، يروي عنه الشهيد السعيد نصرالله الحائري.
26 ـ سبطه العالم الجليل المعظم الأمير محمد حسين ابن الامير محمد صالح.
27 ـ العالم الفاضل المولى محمد حسين بن يحيى النوري صاحب “رسالة في صلاة المسافر”، وملخص الربع الآخر من المجلد الثامن عشر من “البحار”، وفي آخره: تم ما أردنا استخراجه من أبواب المجلد الآخر لكتاب الصلاة من بحار الأنوار للمحقق العلاّمة مولانا واستاذنا محمد باقر علم الدين المجلسي أعلى الله تعالى مجلسه في أعلى عليين، في ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وعشرين ومائة بعد الألف على يد المتمسك بالمصطفين أبي يحيى النوري محمد حسين حامداً مصلياً. انتهى. قاله محمد علي الكشميري في كتاب “نجوم السماء”.
28 ـ المولى الفاضل الذكي المتوقد محمد داود، كذلك وصفه شيخه في آخر فروع الكافي الذي قرأه عليه وأجازه في رابع ذي الحجة سنة 1087هـ.
29 ـ الفاضل الزكي الألمعي المولى محمد رضا ابن المولى محمد صادق ابن المولى مقصود علي الأصفهاني ابن عم المجلسي.
30 ـ العالم النحرير المولى محمد رفيع بن فرج الجيلاني المعروف بملا رفيعا.
31 ـ السيد الفاضل الكامل، الحسيب النسيب الأديب الأريب اللبيب التقي الزكي الأمير محمد صادق المازندراني، كذا وصفه شيخه في اجازته له، رأيتها في آخر الاستبصار الذي قرأه عليه.
32 ـ المولى الفاضل الكامل الفقيه العالم آغا محمد التنكابني ثم الأصفهاني ابن العالم الجليل العلاّمة المولى محمد بن عبدالفتاح.
33 ـ السيّد الفاضل الأمير محمد صالح الحسيني القزويني.
34 ـ العلاّمة المحقق السيد الأجل الأمير محمد صالح بن عبدالواسع صهره، صاحب المؤلفات الأنيقة كشرح الاستبصار والذريعة وروادع النفس والحديقة وحدائق المقربين وغيرها، توفي سنة 1116هـ.
35 ـ الفقيه العالم الرباني الورع التقي الثقة العدل الحاج محمد طاهر بن الحاج مقصود علي الأصبهاني.
36 ـ المحقق المدقق العلاّمة محمد بن عبدالفتاح التنكابني المعروف بالسراب صاحب التصانيف الرائقة التي تبلغ ثلاثين، وكتاب سفينة النجاة، ورسالة الاجماع والأخبار والرسالة الكبيرة في حكم صلاة الجمعة.
37 ـ الفاضل الكامل المتبحر المولى محمد بن علي الأردبيلي مؤلف كتاب جامع الرواة، أورد في آخره إجازة العلاّمة المجلسي له.
38 ـ الفاضل الحبر العالم الشيخ محمد فاضل، وكان من تلاميذ والده أيضاً.
39 ـ الفاضل الكامل الفقيه مولانا محمد قاسم بن محمد رضا الهزار جريبي.
40 ـ الفاضل المولى محمد قاسم بن محمد صادق الأسترآبادي.
41 ـ العالم الجليل المفسر النبيل المتبحر الفاضل آغا ميرزا محمد المشهدي بن محمد رضا بن اسماعيل بن جمال الدين القمي صاحب تفسير كنز العرفان.
42 ـ العالم الفاضل الزكي محمد بن مرتضى الشهير بـ نورالدين صاحب تفسير الوجيز، ودرر البحار، ابن أخي المولى محسن الكاشي.
43 ـ الفاضل المجاهد آية الله في الفضل والعلم الامير محمد مهدي ابن السيد ابراهيم يروي عن المجلسي بلا واسطة أو بواسطة أبيه.
44 ـ الفاضل النبيل الحاج محمد نصير (الگلبايگاني) قاله آغا باقر المازندراني في اجازته لبحر العلوم.
45 ـ الشيخ الفقيه محمد بن يوسف بن علي بن كنبار النعيمي البلادريّ، الشاعر الماجد الذي له مقتل أبي عبدالله (عليه السلام)، الشهيد بأيدي الخوارج في البحرين سنة 1031هـ.
46 ـ المولى الفاضل مولانا محمود الطبسي، له مختصر شرح النهج لابن أبي الحديد.
47 ـ الفاضل التقي الصالح الحاج محمود بن غياث الدين محمد الأصبهاني.
48 ـ الفاضل الصالح مسيح الدين محمد الشيرازي، مدحه شيخه في اجازات البحار بأوصاف حسنة جميلة.
49 ـ السيد الجليل والمحدث النبيل السيد نعمة الله الجزائري.
وقال المحقق الكاظمي في مقابس الانوار، بعد ذكر والده: “تلميذه (الهاء ضمير يعود لصاحب الترجمة العلاّمة المجلسي) الأجل الأعظم الأعلم الأكمل، منبع الفضائل والاسرار والحكم، غواص بحار الأنوار، مستخرج كنوز الاخبار ورموز الآثار، الذي لم تسمع بمثله الأدوار والأعصار، ولم تنظر الى نظيره الأبصار والأمصار، كشاف أنوار التنزيل وأسرار التأويل، حلال معاضل الأحكام ومشاكل الأفهام، بأبلج سبيل وأنهج الدليل، صاحب الفضل الغامر والعلم الماهر، والتصنيف الباهر، والتأليف الزاهر، زين المجالس والمساجد والمنابر، عين أعيان الأوائل والأواخر من الأفاضل والأكابر، الشيخ الواقر الباقر، المولى محمد باقر، جزاه الله رضوانه وأحلّه من الفردوس مبطانه”.
وقال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: المولى محمد باقر المعروف بالمجلسي الثاني ابن المولى محمد تقي المعروف بالمجلسي الأول الأصفهاني، جاء في كتاب دار السلام: لم يوفق أحد في الاسلام مثل ما وفق هذا الشيخ العظيم والبحر الخضم والطود الأشم من ترويج المذهب بطرق عديدة أجلها وأبقاها التصانيف الكثيرة التي شاع ذكرها في الأنام وانتفع بها الخواص والعوام والمبتدي والمنتهي ثم حكى عن الآغا أحمد حفيد المحقق البهبهاني في كتاب مرآة الأحوال أنه قال: كان شيخ الاسلام من قبل السلاطين وفي أصفهان، وكان يباشر جميع المرافعات بنفسه ولا تفوته صلاة الأموات والجماعات والضيافات والعبادات، وبلغ من كثرة ضيافته أن رجلاً كان يكتب أسماء من أضافه فإذا فرغ من صلاة العشاء يعرض عليه إسمه وأنه ضيفه فيذهب، وكان له شوق شديد الى التدريس، وخرج من مجلس درسه جماعة من الفضلاء، (انتهى).
وعن تلميذه الفاضل الأميرزا عبدالله الأصفهاني في كتاب رياض العلماء أنهم بلغوا ألف نفس، قال، حج بيت الله الحرام، وزار أئمة العراق مكرراً، وكان يباشر أمور معاشه وحوائج دنياه بغاية الضبط، ومع ذلك بلغت مؤلفاته ما بلغت، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء…
وقال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: “قال العالم الجليل الأمير محمد صالح الخاتون آبادي في حدائق المقربين، بعد مدحه بعبارات رشيقة ما ملخصه: وحقوق جنابه المفضل على هذا الدين من وجوه شتى أوضحها ستة وجوه:
أولها: انه استكمل الكتب الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار وسهل الأمر في حلِّ مشكلاتها، وكشف معضلاتها على سائر فضلاء الأقطار، واكتفى بشرح والده على الفقيه حيث لم يشرحه، وأمرني أيضاً بشرح الاستبصار، فشرحته بيمن إشارته.
ثانيها: إنه جمع سائر أحاديثنا المروية في مجلدات بحاره الذي لم يكتب في الشيعة كتاب مثله.
وثالثها: المؤلفات الفارسية التي في غاية النفع والثمرة للدنيا والآخرة.
رابعها: إقامة الجمعة والجماعات وتشييده لجامع العبادات.
خامسها: الفتاوي وأجوبة مسائل الدين الصادرة منه التي كان ينتفع بها المسلمون في غاية السهولة واليوم بقيت الناس حيارى.
سادسها: قضاؤه لحوائج المسلمين وإعانته إياهم ودفعه عنهم ظلم الظلمة وما كان من شرورهم وتبليغه عرائض الملهوفين الى أسماع الولاة والمتسلطين ليقوموا بتنفيذها.
وبالجملة حقوقه كثيرة على أهل الدين، وبقيت آثاره ومؤلفاته الى يوم القيامة، وكل مؤلفاته الشريفة على ما وقع عليها التخمين تبلغ ألف ألف بيت وأربعة آلاف بيت وكسراً، ولما حسبناه بتمام عمره المكرم جعل قسط كل يوم ثلاثاً وخمسين وكسراً، وحقوقه على غيره متناهية، وقد كنت في حداثة سني حريصاً على فنون الحكمة والمعقول، صارفاً جميع الهمة دون تحصيلها وتشييدها الى أن شرفني الله تعالى بصحبته الشريفة في طريق الحج فارتبطت بجنابه واهتديت بنور هدايته، وأخذت في تتبع الفقه والحديث، وعلوم الدين وصرفت في خدمته أربعين سنة من بقية عمري متمتعاً بفيوضاته. مشاهداً آثار كراماته واستجابة دعوات”.
وفاته
توفي (رحمه الله) في السابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1111 هـ، وقيل سنة 1110هـ، (والأول أصح)، عن عمر ناهز ثلاثاً وسبعين سنة، ومرقده الشريف الآن ملجأ الخلائق في أصفهان بالباب القبلي من جامعها الأعظم العتيق، ومن المجربات استجابة الدعوات عند مضجعه المنيف.
مصنفاته
خلّف (رحمه الله) للمكتبة العربية والفارسية والاسلامية مصنفات عديدة في غاية الأهمية، منها:
أولاً: مصنفاته العربية
1 ـ بحار الأنوار، الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليهم أفضل السلام، ويعتبر هذا الكتاب دائرة معارف شيعية لا مثيل لها، أثبت العلاّمة المجلسي قدس الله سره فيها جل آثار الشيعة وأخبارهم قال الشيخ أغا بزرك الطهراني (رحمه الله) في كتابه الذريعة الى تصانيف الشيعة (ج3 ص16 الرقم 43): “هو الجامع الذي لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله لاشتماله مع جمع الأخبار على تحقيقات دقيقة وبيانات وشروح لها، غالباً لا توجد في غيره، شرع في طبعه سنة 1303()، وكان يخرج من تحت الطبع مجلداً مجلداً، وكمل طبع الجميع سنة 1315 هـ، وقد صرف الناشر في سبيله أموالاً جزيلة، لكنه أهدى جميع النسخ الى العلماء تبرعاً، وعدد مجلداته على ما قرره المؤلف أولاً “25” مجلداً، ولما كبر المجلد الخامس عشر “15” جعل شطراً منه من مجلد آخر فصار المجموع “26” مجلداً. وهذا فهرسها على نحو الإجمال والإشارة:
المجلد الأوّل: في العقل والجهل وفضل العلم والعلماء وحجية الأخبار واستخراج بعض القواعد عنها وإبطال القياس، في 40 باباً في إثني عشر ألف بيت بدأ في مقدمته بخمسة فصول:
أ ـ في مصادره.
ب ـ في بيان اعتبارها.
ج ـ في بيان الرموز.
د ـ في بيان كليات أسانيد الكتب.
هـ ـ في بيان مفتتح بعض الكتب.
طبع المجلد الأوّل مع الثاني بالهند طبعاً منقحاً معرباً مجدولاً في 17 جمادى الثانية سنة 1248هـ، وطبع أيضاً في تبريز قبل الطبع المذكور آنفاً “طبع أمين الضرب” سنة 1301هـ، كما ترجمهما بعض الأصحاب إلى الفارسية لبعض أبناء ملوك الهند المعبّر عنه في الكتاب “بشاهزاده” السلطان محمد بلند أختر، والظاهر أنّه ابن السلطان ناصر الدين أبي الفتح محمد شاه الهندي المتوفى سنة 1161هـ.
وللمجلد الأوّل ترجمة أخرى اسمه “عين اليقين” مطبوع بإيران.
والمجلد الثاني: في التوحيد وأسماء الله الحسنى وغير العدل والإرادة من صفاته العليا وفيه تمام الجزء الأوّل من توحيد المفضل وتمام الرسالة الإهليليجية للإمام الصادق (عليه السلام) مع شرحه لها وشرح جملة من الخطب، فرغ منه سنة 1077هـ في 31 باباً في ستة عشر ألف بيت ومرّ طبعه بالهند وتبريز مع المجلد الأوّل وكذا ترجمته أيضاً، وللمجلد الثاني ترجمة أخرى إسمها “جامع المعارف” مطبوع بإيران.
المجلد الثالث: في العدل والمشيئة والإرادة والقدرة والقضاء والهداية والإضلال والامتحان والطينة والميثاق والتوبة والشرايع ومقدمات الموت وأحوال البرزخ والقيامة وأهوالها والشفاعة والوسيلة والجنة والنار. في 59 باباً في ثلاثين ألف بيت.
المجلد الرابع: في الاحتجاجات والمناظرات الصادرة عن الصحابة والأئمة المعصومين (عليهم السلام) على ترتيبهم واحداً بعد واحد وفي آخره احتجاجات بعض العلماء مثل الشيخ المفيد والسيّد المرتضى وغيرهما في 83 باباً في ستة عشر ألف بيت، فرغ منه سنة 1080هـ وطبع قبل طبع أمين الضرب في تبريز سنة 1301هـ.
المجلد الخامس: في قصص الأنبياء والمرسلين، من آدم إلى الخاتم صلوات الله عليهم أجمعين، وفي إثبات عصمتهم والجواب على الاعتراضات عليها في ثلاثة وثمانين باباً في أربعين ألف بيت.
المجلد السادس: في أحوال سيدنا ونبينا خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) من الولادة إلى الوفاة وأحوال جملة من آبائه وذكر أصحاب الفيل وحفر زمزم وأحوال مكة وشرح حقيقة الإعجاز وبيان معجزاته وإعجاز القرآن، وذكر وقايع حياته وغزواته إلى وفاته، وفي آخره ذكر حالات سيدنا سلمان وأبي ذر وعمار والمقداد وبعض آخر من أصحابه في 72 باباً في سبعة وستين ألف بيت، ولما نفذت هذه النسخ لكثرة طالبيها أعيد طبعه على الحروف ثانياً سنة 1323هـ في طهران، وقد ترجم إلى الفارسية.
المجلد السابع: في الإمامة الإلهية وشرايطها والأحوال المشتركة للأئمة (عليهم السلام) من ولادتهم وغرائب شؤونهم وعلومهم وفضلهم على الأنبياء وثواب محبتهم وفضل ذريتهم، وفي آخره احتجاجات الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطبرسي في تفضيلهم، في 150 باباً في أحد وثلاثين ألف بيت، طبع هذا المجلد في تبريز سنة 1294هـ قبل طبع أمين الضرب ومختصره لآغا رضا بن محمد نصير بن المولى عبدالله الذي هو أخ العلاّمة المجلسي، ومختصره الآخر الموسوم بجامع الأنوار لآغا نجفي الأصفهاني.
المجلد الثامن: في الفتن بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) وسيرة الخلفاء وما وقع في أيامهم من الفتوح وغيرها وكيفية حرب الجمل وصفّين والنهروان وشرح أحوال معاوية في الشام ومعاملاته مع أهل العراق وذكر أحوال بعض خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) وشرح جملة من الأشعار المنسوبة إليه وشرح بعض كتبه في 62 باباً في أحد وستين ألف بيت، وطبع أوّلاً في تبريز سنة 1275هـ، وترجمه إلى الفارسية المولى محمد نصير بن المولى عبدالله بن المولى محمد تقي المجلسي والد آغا رضا الآنف ذكره، وله ترجمة أخرى تسمّى “مجاري الأنهار” ذكرها صاحب الذريعة في التسلسل، 1564، ص350، ج19 وقال: في ترجمة المجلد الثامن من البحار للمولى محمد مهدي بن محمد شفيع الأسترآبادي المازندراني المتوفى سنة 1259هـ فرغ منه سنة 1247هـ.
المجلد التاسع: في أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام) من ولادته إلى شهادته وأحوال أبيه، وذكر إيمانه وأحوال جملة من أصحابه والنصوص الواردة على الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) في 128 باباً في خمسين ألف بيت، طبع في تبريز أوّلاً سنة 1297هـ، والنصف الأخير منه الذي عليه وقفية المصنّف له بخطّه سنة 1086هـ موجود في الخزانة الرضوية، وترجمته لآغا رضا بن المولى محمد نصير ابن المولى عبدالله بن المولى محمد تقي الأصفهاني.
المجلد العاشر: في أحوال سيّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) وفضائلها ومناقبها ومحنها ومصائبها وأحوال سيّدنا الإمام أبي محمد الحسن المجتبى (عليه السلام) ومصائبه إلى وفاته وأحوال سيّد الشهداء الإمام أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) ووقايع شهادته وأحوال المختار وأخذه الثأر، في 50 باباً في تسعة وعشرين ألف بيت، طبع مكرراً في تبريز وغيرها، ترجمه إلى الفارسية المفتي مير محمد عباس، ثمّ ترجمه إلى الفارسية أيضاً الميرزا محمد علي المازندراني الساكن في شمس آباد أصفهان، كما ترجم إلى اللغة الأردية في ثلاثة أجزاء فيما يتعلق بسيدتنا فاطمة الزهراء والإمام المجتبى وسيّد الشهداء (عليه السلام)، كما ذكر صاحب الذريعة ترجمة فارسية أخرى له في التسلسل، 2384، ص160، ج20، تحت عنوان “محن الأبرار” وقال: في ترجمة عاشر البحار بالفارسية طبع بإيران سنة 1295هـ للشيخ محمد حسن بن عبدالله الهشترودي وهو مجلدان في مجلد واحد.
المجلد الحادي عشر: في الأئمة الأربعة بعد الحسين الشهيد وهم علي بن الحسين السجاد، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام)، ذكر فيه بعض تواريخهم وفضائلهم ومناقبهم وبعض معجزاتهم وكراماتهم وتراجم جماعة من أصحابهم وذراريهم في 46 باباً في ثمانية عشر ألف بيت.
المجلد الثاني عشر: في أحوال الأئمة الأربعة قبل الحجة (عليه السلام) وهم أبو الحسن علي بن موسى الرضا، وأبو جعفر محمد بن علي التقي الجواد، وأبو الحسن علي بن محمد الهادي النقي، وأبو محمد الحسن بن علي الزكي العسكري (عليهم السلام) وفيه ذكر أحوالهم وأحوال بعض أصحابهم في 39 باباً في إثني عشر ألف بيت.
المجلد الثالث عشر: في أحوال الحجة المنتظر (عليه السلام) وسمّاه في آخره بكتاب “الغيبة” ذكر فيه أحواله من والدته ونصوص إمامته وعلة غيبته وعلائم ظهوره وذكر بلاده وأولاده وقصة الجزيرة الخضراء، وفيه إثبات الرجعة وتراجم أصحاب الحجة وبعض من تشرف بخدمته في أربعة وثلاثين “34” باباً في أحد وعشرين ألف بيت، فرغ منه سنة 1087هـ، وطبع مكرراً منها في تبريز سنة 1332هـ، وترجمه إلى الفارسية بعض علماء الهند، وترجمه “للفارسية” أيضاً ميرزا علي أكبر الأرومي، وطبعت ترجمة الشيخ حسن بن محمد ولي الأرومي في طهران سنة 1329هـ، كما طبع أيضاً “استدراك” شيخنا العلاّمة النوري عليه الموسوم “بجنة المأوى”.
المجلد الرابع عشر: في السماء والعالم وحدوثهما وأجزائهما من الفلكيات والملك والجان والإنسان والحيوان والعناصر والأزمنة والأمكنة، وفيه أبواب الصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وتمام كتاب “طب النبي” وكتاب “طب الرضا” في 210 أبواب في ثمانين ألف بيت، ترجمه إلى الفارسية الآغا نجفي الأصفهاني.
المجلد الخامس عشر: الإيمان والكفر وهو في ثلاثة أجزاء:
أ ـ الإيمان وشروطه وصفات المؤمنين وفضلهم وفضل الشيعة وصفاتهم.
ب ـ الأخلاق الحسنة والمنجيات.
جـ ـ الكفر وشعبه والأخلاق الرذيلة والمهلكات.
وهو في 108 أبواب في عشرين ألف بيت، وترجمته الفارسية مطبوعة.
المجلد السادس عشر “أ”: الذي انتزعه المؤلف عند ترتيب المجلدات عن المجلد الخامس عشر وجعله كتاباً مستقلاً بعنوان “كتاب العِشْرَة” وطبع بعده لأنّه كقطعة منه انفصلت عنه فجعل في الترتيب بعده وهو في أبواب العِشْرَةِ وحقوق المُعاشِرِيْنَ من الوالدين والأرحام والإخوان وكيفية معاشرتهم في 108 أبواب في تسعة عشر ألف بيت، ومنتخبه وجوامع الحقوق.
المجلد السادس عشر “ب”: على حسب الترتيب الأوّل في الآداب والسنن والأوامر والنواهي والكبائر والمعاصي ويعرف بالزي والتجمّل أيضاً فيه أبواب التطيب والتنظيف والاكتحال والتدهن والمساكن وأبواب السهر والنوم والسفر وأبواب جوامع المناهي والكبائر والمعاصي والحدود على ما فصَّله في فهرس أبوابه مجموعها 131 باباً، ولما كانت النسخة التي طبع عنها هذا المجلد لم يوجد فيها إلاّ مجرد عناوين أكثر الأبواب الأخيرة من المناهي والكبائر والمعاصي والحدود المذكورة جميعها في الفهرس، أسقطوا هذه العناوين المجردة عن الحديث في الطبع لعدم الفائدة فخرج هذا المجلد عن الطبع ناقصاً. “وأضاف صاحب الذريعة قائلاً ـ ص23، ج3” لكنّا ظفرنا سنة 1330هـ بمعاونة مولانا العلاّمة الشيخ ميرزا محمد الطهراني بنسخة كاملة كتبت فيها بعد عنوان كلّ باب أحاديث الباب وهي نسخة عصر المصنف أو قريب منه من كتب خزانة العالم الجليل السيّد محمد بن علي الحسني الحسيني البغدادي المعروف بالعطّار() ـ لسكناه في سوق العطارين ببغداد ـ المتوفى بها سنة 1171هـ وعليها تملكه بخطّه وقد وقفها مع سائر كتب خزانته حفيده السيّد عيسى بن السيّد مصطفى ابن السيّد محمد المذكور، وتوفي السيّد عيسى سنة 1234هـ، وكان المتولي لها سنة 1330هـ السيّد حسين بن عيسى بن محمد بن السيّد عيسى الواقف لها وكان لا يبرزها للناس مخافة التلف لكنّه استنسخ هذه القطعة بخطّه المحدث المعاصر الحاج الشيخ عباس القمي في عدّة أيام في الكاظمية في بعض أسفاره وأشار إلى وجودها عنده في سفينة البحار في مادة “قمر” عند ذكر القمار، ونسخة أخرى كتبت عن خطه وأهديت إلى الحاج محمد حسين آغا ابن الحاج أمين الضرب بطهران كي يسعى في طبع هذه القطعة التي لا تتجاوز أربعة آلاف بيت، لكنّه لم يطبع بعد، وجرى على أصل النسخة ما جرى على بقية الكتب الموقوفة بعد وفاة متوليها السيّد حسين المذكور.
المجلد السابع عشر: في المواعظ والحكم من الله تعالى في القرآن والأحاديث القدسية ومن النبي (صلّى الله عليه وآله) ومن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) على ترتيبهم واحداً بعد واحدٍ وفي آخره موعظة “بلوهر الحكيم ليوذاسف بن الملك” في 73 باباً في ستة عشر ألف بيت، وترجمته بالفارسية تسمّى حقايق الأسرار، واستدراك عليه لشيخنا العلاّمة النوري سمّاه “معالم العبر” وهو مطبوع معه، وطبع المجلد السابع عشر أوّلاً في تبريز مع مستدركه سنة 1297هـ على نفقة الحاج ميرزا محمود الأميني القزويني العام الجامع للفنون المنزوي عن عوام الناس والمأنوس بمكتبته النفيسة إلى أن توفي سنة 1329هـ.
المجلد الثامن عشر: في جزءين، الطهارة في 60 باباً والصلاة في 161 باباً وفيه أدعية الأسابيع وصلواتها وصلوات الحاجات وتمام رسالة “إزاحة العلّة” في معرفة القبلة لشاذان بن جبرائيل كما مرّ كلّها في مائة ألف وألف وخمسمائة بيت، وملخص الربع الأخير من الصلاة()، وطبع هذا المجلد أيضاً عن نسخة ناقصة ومحل النقص في كتاب الصلاة في آخر ص751 ما بين باب فضل يوم الجمعة وليلتها وباب أعمال يوم الجمعة وآدابه، والنسخة الموجودة المشتملة على هذه النقيصة إلى باب نوافل العصر وهي بخط جيد وعلى هامشها حواش بخط السيّد بشر بن محمد بن ثنوان الحويزي المشعشعي وقد استنسخ النقيصة عنها جمع من الأفاضل وألحقوها بنسخهم المطبوعة وهي تقرب من إثنتي عشرة صفحة من صفحات البحار في 700 بيت تقريباً.
المجلد التاسع عشر: في جزءين أوّلهما في القرآن وبيان فضائله وآداب تلاوته وثوابها ووجوه إعجازه وفضائل كلّ سورة منه وفيه تمام تفسير النعماني المروي عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) في أصناف آيات القرآن وأنواع علومه النيف والستين نوعاً واحتجاجاته (عليه السلام) لدفع التناقض والاختلاف في القرآن في 130 باباً، وثانيهما في الذكر وأنواعه وآداب الدعاء وشروطه والأدعية المتفرقات والأعواذ والأحراز وأدعية الأوجاع والمناجاة وبعض الأدعية المشهورة مثل أدعية السر والدعاء السيفي والأدعية الجامعة والصحف الإدريسية في 131 باباً ومجموع الجزئين في ثلاثين ألف بيت.
هكذا ورد في الأصل لم يدرج محتويات المجلدين العشرون والواحد والعشرون( المحقق)
المجلد الثاني والعشرون: المزار في 64 باباً في ثلاثين ألف بيت، طبع المزار أوّلاً في تبريز طبعاً مغلوطاً لغاية سنة 1301هـ، واختصر المزار بعض فضلاء أسترآباد، وقال صاحب الذريعة في التسلسل 2609، ص208، ج20 مختصر مزار البحار: لبعض الفضلاء من أهل استرآباد مازندران، كذا قاله شيخنا النوري في “الفيض القُدسي”.
المجلد الثالث والعشرون: في العقود والإيقاعات في مائة وثلاثين باباً في أحد عشر ألف بيت.
المجلد الرابع والعشرون: في الأحكام الشرعية وينتهي الى الديات في ثمانية وأربعين باباً في ثلاثة آلاف بيت، ونسخة الأصل منه بخط مؤلفه العلاّمة المجلسي عند الميرزا فضل الله بن شيخ الإسلام الزنجاني.
المجلد الخامس والعشرون: في الإجازات وفيه تمام فهرس الشيخ منتخب الدين، ومنتخب علماء الشيعة من “سلافة العصر”، وأوائل كتاب الإجازات للسيّد ابن طاووس()، والإجازة الكبيرة لبني زهرة، وإجازة الشهيد الأوّل [الشيخ الأجل أبي عبدالله محمد بن الشيخ العالم جمال زين الدين مكي ابن شمس الدين محمد الدمشقي العاملي الجزيني]، والشهيد الثاني [الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الجبعي]، والمحقق الكركي [الشيخ الأجل نور الدين علي بن عبد العالي الكركي العاملي الملقب بالشيخ العلائي تارة، وأخرى بالمحقق الثاني]، وصاحب المعالم، وغيرها من الإجازات كإجازات والده وبعض مشايخه له، وإجازاته لبعض تلاميذه.
وبالرغم من أي هلجة()، قد صار “بحار الأنوار” مصدراً لكلّ من طلب باباً من أبواب علوم آل محمد (ص)، كما وصفه العلاّمة المجلسي في تصانيفهم المجاميع الكبار، مثل “جامع المعارف والأحكام” و”حدائق الجنان” و”معارج الأحكام” وغيرها. وذلك لأنّ أكثر مآخذ البحار من الكتب المعتمدة والأصول المعتبرة القليلة الوجود التي لا يسهل تناولها لكلّ أحد، حتّى أنّ شيخنا النوري مع ما يسّر الله تعالى له من مستدركه على الوسائل أن ينقل عن تلك الكتب بواسطة كتاب “البحار” كما صرّح به في أوّل خاتمة المستدرك، فبوسعنا أن نقول أنّ أكثر مصنفات المتأخرين عنه مستقاة من تلك البحار ومرتوية منها.
وأمّا الكتب المتعلقة به بالخصوص فهي أيضاً كثيرة أشرنا إلى جملة منها بعنوان الترجمة لما ذكرناه من المجلدات ممّا يقرب من عشرين مجلداً()، وإليك البواقي:
جامع الأنوار في مختصر سابع البحار، جامع المعارف في ترجمة ثاني البحار، جوامع الحقوق في انتخاب المجلد السادس عشر، جنة المأوى في استدراك الثالث عشر، حقايق الأسرار في ترجمة السابع عشر، درّ البحار في الانتخاب عن جملة مجلداته، سفينة البحار في الفهرس العام لجمع مطالبه على ترتيب حروف الهجاء، الشفاء في أخبار آل المصطفى في جميع أحاديث كتب العبادات من البحار مع أحاديث الوافي ويُقال له “الشافي في الجمع بين البحار والوافي”، العوالم الذي هو البحار بغير صورته كما وصفه به شيخنا في “الفيض القدسي”، عين اليقين في ترجمة المجلد الأوّل منه، فهرس أبوابه المطبوع بطهران سنة 1352هـ المسمّى بـ “مفاتح الأبواب”، فهرس أحاديثه مع تعيين محالها في الكتب المأخوذ عنها، فهرس الكتب التي هي مآخذ البحار مفصلاً وكأنّه شرح للفصل الأوّل من مقدمة البحار، فهرس منتخب جملة من مطالبه، مجرى الأنهار في ترجمة ثامن البحار، محسن الأبرار في ترجمة عاشر البحار، مستدرك البحار الذي كان تأليفه من آمال العلاّمة المجلسي، مستدرك الوافي الذي هو تلخيص للبحار، مصابيح الأنوار في فهرس أبوابه لتسهيل استدراكها، معالم العبر في استدراك السابع عشر، ملخص الربع الأخير من كتاب الصلاة منه، المنتخب من جميع البحار”.
وقد ذكر العلاّمة الشيخ آغا بزرك الطهراني في مجلدات الذريعة إلى تصانيف الشيعة كافة هذه الكتب المذكورة طبق الحرف الأوّل من اسمها، نرجو من يهمّه الأمر مراجعتها في محالها.
2 ـ أما كتابه العربي الثاني فهو كتاب “مرآة العقول” في شرح أخبار آل الرسول “وهو شرح للكافي، مخطوطة منه في مكتبة طهران، 1: 269 – 270. وطبع هذا الشرح في طهران بدون تاريخ، ذكره صاحب الذريعة (ج20 ص279 الرقم 2970) وقال: “مرآة العقول”، في شرح أخبار آل الرسول، للعلامة المجلسي المولى محمد باقر بن المولى محمد تقي بن مقصود علي المجلسي الأصفهاني .. وهو شرح على جميع كتب الكافي من الأصول والفروع والروضة، وأما كتاب الخمس منه فليس مدرجاً في أصل كتاب الكافي مستقلاً، وإنما ذكر أخباره في سائر الكتب، وقد استخرج تلك الأخبار من سائر كتبه ورتبها، وجمعها بعض الفضلاء في عصرنا، وطبع بعنوان الخمس في مجلد الفروع. وهذا الشرح لطيف مفيد جداً بل هو أحسن شروحه ويقرب من مائة ألف بيت في أربعة مجلدات، وقد طبع في سنة إحدى وعشرين بعد الثلاثمائة والألف على الحجر بإيران. وجعل الأصول في مجلدين، والفروع في مجلدين، وعلى هامشه تمام الكافي موزعاً على المجلدات الأربعة، أوله: “الحمدلله الذي وهب الحياة والقوى”. وقد فرغ من شرح كتاب روضة الكافي في سنة 1076 هـ كما في النسخة الرضوية، فيظهر أنه بدأ بشرح كتاب الروضة وكان في شرح البقية الى سنة 1102هـ ومع ذلك بقى شرح بعضه، كما قاله شيخنا العلاّمة النوري في كتاب الفيض القدسي عند ذكره لكتاب مرآة العقول بما ملخصه: “قد بقي من هذا الشرح نصف كتاب الدعاء، وكتاب العشرة، ونصف كتاب الصلاة، وتمام كتاب الخمس والزكاة، وخرج باقيه الموجود عندنا”.
وفي روضات الجنات: “وذكر في فهرست تصانيف العلاّمة المجلسي وصيته بتتميم ما نقص من تلك التصانيف، وصرّح في كتاب “حدائق المقربين “تأليف الأمير محمد صالح الخواتون آبادي صهر العلاّمة المجلسي على كريمته والمجاز منه أنّه وصى إليَّ عند وفاته بتتميم ما بقى من شرحه على الكافي، قال: “وأنا الآن مشتغل به حسب أمره الشريف”.
وقد رأيت قطعة كبيرة من “مرآة العقول “بخط الشارح العلاّمة المجلسي نفسه قد فرغ من كتابته أواخر رجب المرجب من سنة اثنتين ومائة وألف وفي هذه القطعة شرح النصف الثاني من كتاب الحجة من أصول الكافي ويقرب جميعه من عشرين ألف بيت، وقد اشترى هذه القطعة العلاّمة الميرزا لطف علي بن محمد كاظم الفاضل الملقب بصدر الأفاضل والمتخلص بـ “دانش” المولود بشيراز سنة 1268هـ ونزيل طهران في أوائل عمره، واشتراها سنة 1322هـ رأيتها في مكتبة ولده مجدالدين النصيري في حدود سنة 1365هـ.
ونسخة من المجلد الثاني عشر في شرح الروضة [قسم الروضة من هذا المؤلف] بخط محمد صادق، من الفضلاء كتبها بأمر الفاضل الكامل السيد عبدالباقي، وفرغ منها يوم الخميس 2/ ربيع الأول/ 1108هـ، عرضها على خط الشارح عند الحاج السيد محمد علي الروضاني بأصفهان كما كتبه إلينا”.
3 ـ كتاب ملاذ الأخيار في شرح الأخبار، خرج منه من أوله الى كتاب الصوم، ومن كتاب الطلاق الى آخره.
ذكره له صاحب الذريعة (ج22 ص191 الرقم 6645) وقال: “ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، للمجلسي المولى محمد باقر بن محمد تقي الأصفهاني المتوفى سنة 1110هـ أو 1111هـ، وهو شرح التهذيب خرج من أوله الى آخره في مجلدين، مجلد من أوله الى آخر النكاح، والمجلد الثاني من الطلاق الى آخر الكتاب في خمسين ألف بيت”.
أوّله: “الحمدلله الذي جعل اقتفاء آثار أئمة الدين لتهذيب مسالك اليقين كافياً، والصلاة على حجج الله الكرام السفرة الذين جعل الاستبصار بأخبارهم لمن لا يحضره الفقيه وافياً…”. جمع فيه ما علقه من الحواشي في سالف الزمان على “التهذيب” النافعة للمبتدي والمتوسط والمنتهي من الطلاب والكاشفة لحجاب الإرتياب، بالتماس قوّة عينه وأعزّ ولده الميرزا محمد صادق، الذي هو من بنت السيّد المير علاء الدين گلستانه، وفرغ من كتاب الطهارة في رجب سنة 1120هـ ومن الصلاة في ربيع الأوّل سنة 1109هـ، وكتب جملة منها قبل التاريخين، فإنّه ذكر فراغه من الحج سنة 1094هـ، والمجلد الأوّل منه من الطهارة إلى أواخر التجارة موجود في خزانة آل السيّد حسين بن المير إبراهيم القزويني صاحب معارج الأحكام بقزوين، وقد قابله وصحّحه السيّد حسين المذكور بنفسه من أوّل كتاب الجهاد إلى أواخر التجارة، وكتب عليه بخطّه بعض الحواشي. والمجلد الأوّل منه مع نقص قليل في آخره موجود في كتب الحاج الشيخ عبد الحسين الطهراني بكربلاء، ونسخة تامة من أوّله إلى الحديث السادس والسبعين والمائة من باب الزيارات في فقه النكاح الذي هو بعد باب الولادة والنفاس والعقيقة، يذكر الأحاديث في كلّ باب بالعدد ويتكلم أوّلاً في سنده وتوصيفه بالصحة أو الضعف أو غيرها، ثمّ يتكلم متنه وقد يقتصر على التكلّم في السند فيما كان متنه ظاهراً.
ورأيت أيضاً مجلده الأوّل المنتهي إلى الحديث 184 من باب تطهير الثياب وهو آخر الطهارة في كتب آل السيّد صافي بالنجف، ملكه السيّد محمد مؤمن بن محمد الموسوي سنة 1160هـ، ومجلد في الصلاة إلى آخر المزار فرغ سنة 1094هـ”.
4 ـ شرح الأربعين، ذُكِر في (ص12) من مقدمة بحار الأنوار (طبعة دار الكتب الإسلامية بطهران سنة 1376هـ) ضمن مؤلفاته العربية. وأظن أنّ المقصود به باب الأربعين حديثاً الذي دوّنه في أول مجلدات البحار وأورد فيه ما وصل إليه من رواياته عن كتب كثيرة بأسانيد متعددة ومتون متقاربة، وقال في آخر الباب ما مضمونه: مشهور مستفيض بين الخاصة والعامة بل قيل أنه متواتر، وإطلاق الحفظ عنه في تلك الأحاديث لو فرض شموله للحفظ عن ظهر القلب أو الحفظ بالتدبير في فهم المراد أو الحفظ بالعمل على طبقه، لكن أظهر مصاديقه كتابة الحديث عنه، ولذا جرت سيرة الأعلام على اقتفاء هذه السنة بتأليف كتاب يدون فيه أربعون حديثاً، فإن سماء المؤلف بإسم خاص مثل لسان الصادقين أو زلال المعين أو الماء المعين فنورده بإسمه، وإن لم يسمه بإسم خاص به فحيث يصدق عليه أنه أربعون حديثاً نعبّر عنه بهذا العنوان العام…
إنّ ذكر “شرح الأربعين” ضمن مؤلفاته العربية خطأ وقع به كاتب مقدمة “بحار الانوار” لأنّ “الأربعون حديثاً” شرح بالفارسية، ويؤيد صحة ادعائنا هذا سماحة الشيخ آغا بزرك الطهراني حيث قال في الذريعة (ج1 ص411 الرقم 2134) عند الكلام على الأربعين حديثاً: “الأربعون حديثاً: ـ في الإمامة، وشرحها بالفارسية مع خاتمة مفيدة في آخرها للعلامة المجلسي المتوفى سنة 1110هـ 1111هـ أوله: “لئالي حمد وجواهر ثناي…”، (طبع ايران سنة 1284)”.
5 ـ كتاب الفوائد الطريفة في شرح الصحيفة، قال شيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة الى تصانيف الشيعة (ج16 ص347 الرقم 1615): “للمولى محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1111 هـ، والنسخة الأصلية الموجودة الى آخر الدعاء الرابع في خمسة آلاف بيت بخط المجلسي عند الفاضل الآغا محمد رضا الدرخشتي القائني …”
6 ـ الوجيزة في الرجال، أولها: الحمدلله الذي رفع منازل الرجال على معارج الكمال، طبعت بقطع صغير. قال صاحب الذريعة (ج25 ص47 الرقم 234): “نسخة منها بخط خادم الطلبة ميرزا محمد حاجي ابن ملا محمد صالح كُتِبَتْ في 1098هـ، موجودة في مكتبة الخوانساري”.
7 ـ المسائل الهندية: وهي أسئلة أرسلها الشيخ عبدالله ابن المولى محمد تقي المجلسي الى أخيه العلاّمة المجلسي المولى محمد باقر ابن المولى محمد تقي، من بلاد الهند، فكتب العلاّمة المجلسي في جوابها “المسائل الهندية أو الرسالة الهندية”. (أنظر الذريعة ج2 ص94، الرقم 372 الأسئلة الهندية).
8 ـ الحواشي المتفرقة على الكتب الاربعة وغيرها، (أنظر مقدمة كتاب بحار الأنوار، طبعة دار الكتب الاسلامية بطهران سنة 1376هـ ص12).
9 ـ رسالة الاعتقادات، المصدر السابق.
10 ـ رسالة الأوزان وهي أول ما صنفه، كذا.
11 ـ رسالة في الشكوك، كذا.
12 ـ رسالة في الأذان، كذا.
13 ـ رسالة في بعض الأدعية الساقطة عن الصحيفة الكاملة، كذا.
مؤلفاته الفارسية
1 ـ مفاتيح الغيب في الإستخارة، فارسي في 1500 بيت، قال صاحب الذريعة (ج21 ص304 الرقم 5195): “للمجلسي المولى محمد باقر بن محمد تقي الأصفهاني، المتوفى سنة 1110هـ [1111هـ]، نسخة خطه الشريف عند السيد محمد رضا التبريزي في النجف، مرتب على فاتحة وثمانية مفاتيح وخاتمة، أوله: “الحمدلله الذي لا يعلم خير عباده سواه ومن استخاره هداه”. فرغ منه في شهر رمضان سنة 1104هـ، كتبه في ليالٍ منه، ونسخة في [مكتبة] المجلس الشورى [مجلس الشورى]، برقم 5900، كتابتها سنة 1114هـ، وفي دار الكتب برقم 6 تصوف فارسي، كتابتها سنة 1113هـ، وهو مطبوع سنة 1306هـ”.
2 ـ عين الحياة، فارسي، وهو في شرح وصية النبي (صلى الله عليه وآله)، لأبي ذر الغفاري الجامعة للمواعظ والنصائح، طبع بإيران مكرراً منها: 1240هـ، 1273هـ، 1297هـ. وذكر في فهرس “مشار” خمس عشرة طبعة له، كما طبع في الهند أيضاً. للمولى محمد باقر المجلسي… وله مختصر في ثلاثة آلاف بيت سماه: “مشكاة الأنوار”. ثم أضاف صاحب الذريعة (ج21 ص54 الرقم 3921) قائلاً: “مشكاة الأنوار فارسي مختصر” عين الحياة “في ثلاثة آلاف بيت للعلامة المجلسي، طبع في تبريز سنة 1308هـ، وفي طهران سنة 1311هـ، وفي بمباي”.
3 ـ مشكاة الأنوار: وهو غير مشكاة الأنوار المذكور في المادة السابقة، ذكره صاحب الذريعة، (ج21 ص54 الرقم 3920)، وقال: “في فضائل القرآن والدعاء، فارسي للعلامة المجلسي، مرتب على ثلاثة تنويرات: أولها في فضيلة القرآن وفيه كواكب، تاسعها في فضائل سور القرآن من سورة الفاتحة الى سورة الناس، والتنوير الثاني في فضل الدعاء وهو على ثلاثة أنجم، ثالثها في سبب عدم استجابة الدعاء، والتنوير الثالث في ذكر بعض الدعوات والأذكار في فصول: أولها في فضل التسبيحات الأربع. طبع مكرراً منها على الحجر في ايران سنة 1211هـ مع “كتاب لمعات الأنوار” عندي نسخة كتابتها سنة 1230هـ بخط السيد محمد رفيع بن قاسم الحسيني المشهدي”.
“ملحوظة”: قال صاحب “فرهنك عميد – فارسي” في ترجمة العلاّمة المجلسي ويسمّى كتاب مشكاة الأنوار “حلية المتقين”.
4 ـ حياة القلوب: ذكره صاحب الذريعة، (ج7 ص121 الرقم 646) وقال: “فارسي في ثلاثة مجلدات في أحوال الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، الأول في أنبياء السلف في ستة وعشرة آلاف بيت، والثاني في أحوال نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله)، في ستة وثلاثين ألف بيت، والثالث في أحوال الأئمة الخلفاء في تسعة آلاف بيت طبع بإيران مكرراً()، وهو في الحقيقة ترجمة لبعض الأحاديث التي أدرجها في المجلد الخامس والسادس والسابع من بحار الأنوار”.
5 ـ حق اليقين: ذكره صاحب الذريعة الى تصانيف الشيعة، (ج7 ص40 الرقم 204). وقال: “في أصول الدين فارسي في واحد وثلاثين ألف بيت للعلامة المجلسي وهو آخر تصانيفه يشتمل على جميع الأصول الخمسة مع البسط في الإمامة وذكر ضروريات الدين وعدد الكبائر أوله: “الحمدلله الواحد الأحد، الفرد الصمد، العليم القدير الذي ليس كمثله شئ”، طبع أولاً في طهران على الحروف سنة 1241هـ، وطبع بعده مكرراً منها على الحجر في سنة 1305هـ”. ومنها: سنة 1259هـ، 1268هـ.
6 ـ جلاء العيون: ذكره صاحب الذريعة، (ج5 ص124 الرقم 152)، وقال: “في تواريخ المعصومين (عليهم السلام) ومصائبهم بالفارسية، للعلامة المجلسي، مرتب على أربعة عشر باباً بعدد المعصومين (عليهم السلام)، طبع بإيران مكرراً()، وجدّد طبعه في النجف الأشرف بالمطبعة المرتضوية سنة 1353هـ على نفقة الحاج ابراهيم النجف آبادي، والحاج حسين علي الأصفهاني الشهير بنقشينه والمجاور للنجف الأشرف”.
7 ـ تحفة الزائر: فارسي للعلاّمة المجلسي أورده صاحب الذريعة، (ج3 ص348) الرقم 1588 وقال: “أورد في كتاب مزار البحار الذي فرغ منه سنة 1081هـ جميع ما ظفر به من الزيارات المذكورة في كتب المزار ثم ألّف تحفة الزائر سنة 1085هـ، بالفارسية لعموم النفع مقتصراً فيه على خصوص الزيارات المروية بطرق معتبرة عنده، في مقدمة وإثني عشر باباً وخاتمة، وأسقط فيه جملة من الزيارات المخصوصة وغيرها، وقد طبع كذلك مراراً، ولما رأى شيخنا العلاّمة النوري اعتبار أسانيد جملة من تلك المخصوصات أشار الى ابن أخته وصهره على كريمته الحاج الشيخ فضل الله بن المولى عباس النوري المصلوب شهيداً في 13 رجب سنة 1327هـ، بتجديد طبعه مع ملحقات من تلك الزيارات المعتبرة فأمر بطبعه في غاية الصحة والجودة في طهران سنة 1314هـ، وقد ترجم السيد عبدالله بن محمد رضا آل شبّر هذا الكتاب الى العربية وقال صاحب الذريعة في التسلسل 1589 ص438 ج3: “تحفة الزائر” العربي أو المعرب للسيد عبدالله بن محمد رضا آل شبر الحسيني الكاظمي المتوفى بها سنة 1242هـ، قال تلميذه الشيخ عبدالنبي الكاظمي في تكملة نقد الرجال “إنّه معرّب تحفة الزائر الفارسي للعلامة المجلسي كما أنّه عرّب جلاء العيون الفارسي له، [أنظر التسلسل 6 فيما سبق]، وكذا قال السيّد المؤلف نفسه في إجازته للسيّد محمد تقي القزويني وظاهر كلاميهما إنّ السيد لم يتصرّف في التحفة الفارسية بزيادة أو نقصان في الأدعية والزيارات أبداً وإنّما عمد إلى الألفاظ التي عبّر العلاّمة المجلسي عنها بالفارسية وبدلها بالعربية وأبقى الأدعية والزيارات على ترتيبها وكيفيتها كما صنع السيّد عكس ذلك في كتاب مزاره العربي الذي ألّفه مستقلاً في ستة آلاف بيت وسمّاه “تحية الزائر” وهو موجود بخطّه وفرغ منه سنة 1224هـ فإنّه عمد إلى هذا الكتاب بعينه وكتب بخطّه في هوامشه المعاني الفارسية للألفاظ العربية التي استعملها في متن الكتاب من غير تصرّف آخر في ترتيب الأدعية والزيارات أبداً وفرغ من الترجمة كذلك سنة 1225هـ وسمّى هذه الترجمة الفارسية “بزاد الزائرين” فصار هذا المجلد حاوياً لكتابين في المزار عربي وفارسي لكلّ منهما إسم يخصّه، لكنّه في تعريف التحفة لم يُسمّه باسم آخر فيعبّر عنه بتحفة الزائر العربي أو المعرّب فظهر أنّه تحفة الزائر المعرّب هو غير تحية الزائر الذي بينه وبين التحفة الفارسية اختلافات”().
8 ـ زاد المعاد: ذكره صاحب الذريعة، (ج12 ص11 الرقم 57) وقال: “في أعمال السنة فارسي في خمسة عشر ألف بيت، للمولى محمد باقر المجلسي، مرتب على أربعة عشر باباً وخاتمة له،: “الحمدلله الذي جعل وسيلة النيل السعادة…”. وله عليه حواش كثيرة لم تطبع على هوامش الأصل المطبوع بل توجد على بعض النسخ الخطية منها. وطبع قرب العشرين مرة، ذكر في فهرس “المشار” [ومن الطباعات طبعة سنة 1272هـ و1273هـ]”.
9 ـ ربيع الأسابيع: ذكره صاحب الذريعة، (ج10 ص75 الرقم 129)، وقال: “وهو في أعمال الأسبوع، أي التي تتكرر في كل اسبوع مرة، ألّفه العلاّمة المجلسي، وفرغ منه في 22 جماد الأول سنة 1099هـ، يقرب من تسعة آلاف بيت ثلثا الكتاب في فضائل الجمعة وأعمالها ليلاً ونهاراً، والثلث الأخير في أعمال بقية أيام الاسبوع أوله: “الحمدلله الذي جعل يوم الجمعة لعباده المؤمنين عيداً…” وطبع على الحجر بإيران”.
10 ـ كما ذكره له صاحب “فرهنگ عميد” كتاب مقياس المصابيح فارسي، وقال في ترجمة صاحب الترجمة وله “مقياس المصابيح در تعقيبات نمازهاى يوميه”()، وقال أيضاً وله رسائل صغيرة كثيرة جداً.
11 ـ كتاب حلية المتقين، أنظر التسلسل 3 فيما سبق. وطبع تحت عنوان حلية المتقين في ايران سنة 1372هـ، وسنة 1387هـ.
12 ـ كتاب الحدود والديات، قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة، (ج6 ص297 الرقم 1591): بالفارسية، أوله: “الحمدلله الذي شرح الديات والقصاص والحدود لرفع الفساد بين العباد ونظام عالم الوجود”، طبع بنول كشور في سنة 1262هـ، مرتب على قسمين في كل قسم منهما أبواب ذات فصول، وفرغ منه في 5/جمادى الأولى/1102 هـ، كما في النسخة المخطوطة في كتب جلال الدين المحدث في طهران”.
13 ـ رسالة في الشكوك: أنظر مقدمة البحار (طبعة دار الكتب الإسلامية بطهران) ص13.
14 ـ رسالة في الأوقات، قال صاحب الذريعة، (ج2 ص279 – 480، الرقم 1881): “أوقات الظهر والعصر ونوافلهما، فارسية تقرب من ثلاثمائة بيت، فرغ منها في رابع ذي الحجة سنة 1097هـ، رأيت منها عدة نسخ ضمن مجموعة من رسائله الفارسية في كتب الحاج الشيخ محمد الشهير بسلطان المتكلمين في طهران”.
15 ـ رسالة في الرجعة، أنظر مقدمة البحار (طبعة دار الكتب الإسلامية بطهران)، ص13.
16 ـ رسالة في اختيارات الأيام، وهي غير ما اشتهرت نسبتها إليه. (أنظر المصدر أعلاه ص13).
17 ـ رسالة في الجنة والنار، قال صاحب الذريعة الى تصانيف الشيعة، (ج5 ص163 الرقم 693): “فارسية، للعلاّمة المجلسي المولى محمد باقر الأصفهاني المتوفى سنة 1111هـ، وهي شرح للحديثين الشريفين أحدهما في الوعد والآخر في الوعيد، ولذا يقال لها شرح حديثي الوعد والوعيد، تقرب من أربعمائة بيت، أولها: “الحمدلله الذي أعدّ لأوليائه جنات النعيم ولأعدائه نزلاً من حميم”“.
18 ـ مناسك الحج الكبير، فارسي في (1000) ألف بيت، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة الى تصانيف الشيعة، (ج22 ص256 الرقم 6941).
19 ـ مناسك الحج الصغير، فارسي أيضاً في 700 بيت، ذكره له الشيخ العلاّمة آغا بزرك الطهراني أيضاً، (ج22 ص257 الرقم 6942).
20 ـ رسالة في مال الناصب.
21 ـ رسالة في الكفارات.
22 ـ رسالة في آداب الرمي.
23 ـ رسالة في الزكاة.
24 ـ رسالة في صلاة الليل.
25 ـ رسالة في آداب الصلاة، وهي رسالة فتوائية في الطهارة والصلاة، ابتدأ المؤلف فيها بإجمال في العقائد، ثم النية، ثم سائر أفعال الصلاة، كتبها العلاّمة المجلسي بالفارسية في ألف بيت. قال صاحب الذريعة، (ج1 ص21 الرقم 103): “توجد في خزانة كتب الحاج علي محمد النجف آبادي، والحاج الشيخ عباس القمي، وخزانة كتب المولى محمد علي الخوانساري في النجف الأشرف”.
26 ـ رسالة السابقون السابقون.
27 ـ رسالة في الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية.
28 ـ رسالة مختصرة في التعقيب.
29 ـ كتاب البداء “أنظر الملحوظة فيما يلي” ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة، (ج3 ص54 الرقم 137)، وقال: فارسي مختصر أوله: “الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى”، أحال في آخره الى كلامه في البحار وفي شرح الأربعين. طبع مستقلاً سنة 1265هـ، وطبع ضمن مجموعة الرسائل الست له بالهند”.
30 ـ ترجمة حديث الجبر والتفويض، المروي في “عيون الأخبار” عن الإمام الرضا (عليه السلام)، أوله: “إنّ الله لم يطع بإكراه”. قال الشيخ العلاّمة آغا بزرك الطهراني في موسوعته الذريعة الى تصانيف الشيعة، (ج4 ص96 الرقم 422): “للعلاّمة المجلسي المولى محمد باقر بن محمد تقي، رأيته ضمن مجموعة من موقوفات الشيخ عبدالحسين الطهراني”.
31 ـ رسالة في النكاح.
32 ـ رسالة صواعق اليهود في الجزية وأحكام الدية.
33 ـ رسالة في السهام.
34 ـ رسالة في زيارة أهل القبور.
35 ـ مناجات نامه.
36 ـ شرح دعاء الجوشن الكبير.
37 ـ إنشاءات كتبها بعد المراجعة من المشهد الغري في الشوق إليه.
38 ـ ترجمة عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر.
39 ـ ترجمة “فرحة الغري” لابن طاووس أبي المظفر غياث الدين عبدالكريم بن أبي الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحلي المتوفى سنة 692هـ. (أنظر الذريعة ج16 ص159 الرقم 433).
40 ـ ترجمة توحيد المفضل، طبع بإيران سنة 1287 هـ.
41 ـ ترجمة توحيد الرضا (عليه السلام)، طبع في آخر التحفة الرضوية للبسطامي سنة 1288هـ.
42 ـ ترجمة حديث رجاء بن أبي الضحاك.
43 ـ ترجمة الزيارة الجامعة.
44 ـ ترجمة دعاء كميل.
45 ـ ترجمة دعاء المباهلة.
46 ـ ترجمة دعاء السمات.
47 ـ ترجمة دعاء الجوشن الكبير.
48 ـ ترجمة حديث عبدالله بن جندب.
49 ـ ترجمة قصيدة دعبل بن علي الخزاعي الشاعر (148ـ 246).
50 ـ ترجمة ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة، الجهل، الرضا، الغضب، النوم، اليقظة.
51 ـ ترجمة الصلاة.
52 ـ أجوبة المسائل المتفرقة.
المصادر
1 ـ الأعلام لخيرالدين الزركلي، ج6 ص273.
2 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج44 ص96 الرقم 9852.
3 ـ أمل الآمل للحر العاملي، ص60.
4 ـ جامع الرواة للعلامة محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، ج2 ص78.
5 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة، للشيخ آغا بزرك الطهراني: ج1، ص21. ج2، ص94، 479. ج3، ص16، 54، 438. ج4، ص82، 83، 442. ج5، ص124، 163. ج6، ص297. ج7، ص40، 121. ج10، ص75. ج12، ص11. ج15، ص370. ج16، ص159، 347. ج19، ص350. ج20، ص160، 279. ج21، ص54، 304. ج22، ص191، 206، 256، 257. ج25، ص47.
6 ـ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات لمحمد باقر الموسوي الخوانساري، ج2 ص78ـ93، التسلسل 142.
7 ـ الروضة البهية للمولى محمد شفيع، ص36.
8 ـ ريحانة الأدب لمحمد علي المدرس التبريزي، ج455.
9 ـ الفهرس التمهيدي للمخطوطات المصورة الصادر عن الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية بمصر المطبوع سنة 1948م، ص446.
10 ـ فهرس تصانيف المجلسي لابن أخيه المولى محمد نصير بن المولى عبدالله بن المولى محمد تقي المجلسي، وهو مرتب على بابين العربي منها والفارسي مع تعيين أبيات كلّ واحد منها.
11 ـ فهرس مؤلفات المجلسي، منه نسخة خطية في مكتبة سبه سالار في طهران برقم 8169.
12 ـ فهرس مكتبة بنكال الهند: وفيه ذكر مصنفاته.
13 ـ الفيض القدسي للعلامة الشيخ النوري، ص5.
14 ـ قاموس “فرهنگ عميد – بالفارسية” تحت عنوان المجلسي.
15 ـ قاموس “لغت نامه دهخذا – بالفارسية” تحت عنوان المجلسي.
16 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج3 ص147.
17 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف بن أحمد البحراني، ص44.
18 ـ مقابس الأنوار للمحقق الكاظمي.
19 ـ ولا يكاد يخلو أي كتاب من كتب العلوم الشرعية للشيعة الإمامية دون ذكره، ولذا اكتفينا بهذا القدر من المصادر، ونستميح القارئ الكريم عذراً.
قيس آل قيس
علم الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد
الإمام السيد مهدي القزويني
(ت: 1300هـ 1883م)
أساتذته
درس السيّد مهدي على أساتذة عصره من الفقهاء أبناء الشيخ جعفر كاشف الغطاء وهم: الشيخ موسى (ت: 1241هـ/ 1826م)، والشيخ علي (ت: 1253هـ/ 1837م)، والشيخ حسن (ت: 1262هـ/ 1846م)، كما لازم عمّه السيّد باقر القزويني (ت: 1246هـ/ 1831م)، وأُجيز منه، وهو الذي أتعب نفسه في إعداده وتدريسه. كما حضر على عمّه السيّد علي القزويني وأجيز منه أيضاً.
مشايخه في الرواية
يروي القزويني عن أساتذته من آل كاشف الغطاء، وعن غيرهم أمثال:
1 ـ عمّه السيّد علي القزويني المولود بعد سنة 1156هـ/ 1743م وربّما تُستظهر وفاته بين سنة 1237هـ، وسنة 1240هـ().
2 ـ عمّه السيّد باقر القزويني المتوفى سنة 1246هـ/ 1831م().
3 ـ الشيخ جواد ملاّ كتاب (1200ـ1264هـ/ 1786ـ1848م) ().
4 ـ الشيخ محمد حسن النجفي صاحب جواهر الكلام المتوفى سنة 1266هـ/ 1850م().
5 ـ الشيخ رضا زين العابدين العاملي (ت: 1269هـ/ 1853م). من أئمة الجماعة في الحرم العلوي المطهر، ومن الزهاد المشتهرين بالتفؤل بالقرآن().
6 ـ السيّد محمد تقي بن مؤمن القزويني، من كبار علماء إيران (ت: 1270هـ/ 1856م). أجازه بإجازة الاجتهاد والرواية سنة 1241هـ/ 1826م، وهي إجازة كبيرة شبيهة بلؤلؤة البحرين للشيخ يوسف البحراني().
تلامذته والراوون عنه
من أظهر تلامذة القزويني:
1 ـ الشيخ محمد حرز الدين المتوفى سنة 1277هـ/ 1860م.
2 ـ الميرزا محمد الهمداني الكاظمي المعروف بإمام الحرمين المتوفى سنة 1303هـ/ 1885م. (واستجابة له ألّف القزويني كتابه الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد).
3 ـ الشيخ محمد بن علي الجزائري (ت: 1303هـ/ 1885م)، صاحب شرح كتاب المواريث لأستاذه القزويني (ضمن مجلدين).
4 ـ الشيخ إبراهيم الغراوي (ت: 1306هـ/ 1888م)، مجاز منه بالاجتهاد.
5 ـ الشيخ محمد شرع الإسلام (ت: 1307هـ/ 1889م).
6 ـ الشيخ عمران بن الحاج أحمد دعيبل.
7 ـ المحدّث الميرزا حسين النوري، صاحب مستدرك الوسائل (ت: 1320هـ/ 1902م).
كما تخرّج عليه أولاده المجتهدون الأربعة السيّد جعفر (ت: 1298هـ/ 1880م)، السيّد صالح (ت: 1304هـ/ 1886م)، السيّد محمد (ت: 1335هـ/ 1916م)، والسيّد حسين (ت: 1325هـ/ 1907م).
أمّا الراوون عنه فهم كثرة، منهم:
1 ـ الشيخ أحمد المشهدي (ت: 1309هـ/ 1891م).
2 ـ الشيخ محمد حسين الشهرستاني (ت: 1315هـ/ 1897م).
3 ـ السيّد علي نقي الطباطبائي (ت: 1320هـ/ 1902م).
4 ـ الشيخ محمد كاظم الخراساني الآخوند (ت: 1329هـ/ 1911م).
5 ـ الشيخ محمد علي الخونساري (ت: 1332هـ/ 1914م).
6 ـ الحسن بن أحمد الأصفهاني الشهير بجلال رفيع (1254ـ1332هـ/ 1838ـ1914م). ذكره الطهراني في الذريعة عند التعريف بكتابه “حياض الواردين ورياض الرائدين”، وقال: “صار مرجعاً للتدريس والوعظ والإفتاء في مسجده بالنجف”.
7 ـ الميرزا شيخ الشريعة الأصفهاني (ت: 1339هـ/ 1920م). ذكره الطهراني في الذريعة تحت عنوان (إجازة).
8 ـ السيّد حسن الصدر (ت: 1354هـ/ 1935م).
الهجرة إلى الحلّة: تشيُّع قبائل زبيد
هاجر السيّد مهدي القزويني إلى مدينة الحلّة بناءً على طلب أستاذه الشيخ حسن كاشف الغطاء. فبعد وفاة مرجع الإمامية الشيخ علي كاشف الغطاء كان أخوه الشيخ حسن مقيماً في الحلّة فرجع إلى النجف لملء الفراغ الذي تركه رحيل أخيه. ولم يشأ أنْ تُترك مدينة الحلّة دون عالم يرجع إليه أهلها بالأحكام، فوقع القرار على إرسال السيّد القزويني. وكان يومئذاك في الثلاثين من عمره، وفي قمّة نشاطه العلمي والعملي.
هبط القزويني أرض الحلّة سنة 1253هـ/ 1837م وهي نفس السنة التي تُوفي فيها أستاذه الشيخ علي كاشف الغطاء (وكان القزويني صهره على بنته) فأظهر نشاطه الديني بين الأهالي داخل الحلّة وفي أطرافها، وشكّل لجاناً للعمل قامت بدراسة المناطق واحتياجاتها بعدما بدت الحلّة تتعافى من حصارها الثقافي شيئاً فشيئاً الذي أضرّ بنهضتها التاريخية الأولى وأطفأ جذوتها.
فقد نُقل عن القزويني أنَّه قال: “عندما دخلتُ الحلّة لم يكن أهلها يعرفون من التشيّع إلاَّ نقل موتاهم إلى النجف”. وقد نجح خلال فترة قصيرة من استقطاب الشخصيّات، والعمل لتهيئة منظومة دينية ثقافية أعادت للبلدة سطوتها التاريخية وازدهارها الحضاري الذي تألق منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي حتّى القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، فأصبحت خلال عقود أربعة من الحواضر الأدبية والعلمية التاركة بصماتها على تاريخ العراق في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي.
كان العراق عند هجرة السيّد القزويني إلى الحلّة سنة 1253هـ/ 1837م قد تخلّص من حكم المماليك الذي استمرّ مائة وسبعة وعشرين عاماً. بعد سقوط آخر ولاتهم داود باشا (1232ـ1247هـ/ 1816ـ1831م) على يد قوات الوالي علي رضا اللاز.
بقي القزويني في الحلّة على مدى أربعين عاماً متواصلة، ولم يخرج منها إلاّ عام 1294هـ/ 1877م حينما استدعته مهام المرجعية الدينية العليا أنْ يكون في النجف.
اجتهاده ومرجعيته
ذكر العلاّمة السماوي في “الطليعة” أنّ السيّد القزويني نال رتبة الاجتهاد وهو مراهق(). وممّا هو متواتر لدى طبقات الأسرة أنَّه لم يقلد في حياته منذ بلوغه. وكان اجتهاده قبل مرحلة التكليف.
وقد أجازه جميع أساتذته بالاجتهاد وهو دون الثامنة عشرة من عمره. قال العلاَّمة السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: “لمّا بلغ المترجم له تسع عشرة سنة أجازه العلاّمة السيّد محمد تقي القزويني (تلميذ السيّد محمد المجاهد الطباطبائي)، وكتب له إجازة مبسوطة رأيتُها مجلدة تاريخها 18 المحرم سنة 1241هـ”.
قال ولده السيّد حسين القزويني عنه أنّه: “ابتدأ بتصنيف العلوم وهو ابن عشر سنوات، واستقلّ بالرأي والعمل باجتهاده والفراغ من معقوله ومنقوله وهو ابن ثمانية عشر. وكان تحصيله من موهبياته وتأييداته أكثر من كسبياته وتوفيقياته”().
وقال ولده أبو المعزّ السيّد محمد القزويني فيما كتبه عن حياة أبيه: “أنّه قرأ فنون العربية على الفضلاء من أهل الفن في النحو والصرف والاشتقاق والمعاني والبيان والوضع والعروض، ودرّس في هذه الفنون وهو ابن ثلاث عشرة سنة، بحيث قرأ عليه هذه الفنون جملة من الفضلاء قبل بلوغه سنّ التكليف.
وقد انتهت مرجعية التقليد إليه لعموم أهل العراق بعد وفاة الأنصاري، وأصبحت مطلقة في العقد الأخير من القرن الثالث عشر الهجري. وقد طبعت رسالته العملية المسمّاة “فلك النحاة في أحكام الهداة” في أيام مرجعيته بتبريز مرتين، (طباعة حجرية) سنة 1297/ 1880م، 1298هـ/ 1881م).
كنيته وألقابه
يكنّى القزويني بأبي جعفر، نسبة إلى ولده الأكبر ويلقّب بعدّة ألقاب، منها:
1 ـ معزّ الدين: وكان قد لُقّب به بعد إعتناق قبائل زبيد المذهب الشيعي على يديه حدود عام 1260هـ/ 1844م، وقدّر عددهم بمائة وعشرين ألف شخصاً. وكان هو يستخدم هذا اللقب في بعض مقدّمات كتبه.
2 ـ العلاّمة الثاني: حيث شُبّه بالعلاّمة الحلّي (ت: 726هـ/ 1326م) زعيم الإمامية في عصره لغزارة علمهما وابتكار مصنّفاتهما وكتبهما وزعامتهما الدينية. وكان لقب “العلاَّمة” من الألقاب التي اختصّت بالشيخ يوسف بن المطهر الحلّي حتّى عُرف به وحده طوال عصور التاريخ().
3 ـ الإمام: لقيامه بتحمّل أعباء المرجعية الدينية العليا بعد رحيل الفقيه الشيخ مرتضى الأنصاري().
مؤلفاته
عرف القزويني بوفرة نتاجه العلمي وغزارته وتشعبه في فنون المعرفة والاختصاص. فقد كان مشغوفاً بالكتابة والتأليف لم يسقط القلم عن يديه في حلّه وترحاله طوال سنوات حياته المليئة بالمشاغل والمهام الاجتماعية.
يقول العلاّمة الحسني: “إنَّ ما رقمه يراع سيّدنا الإمام القزويني من المؤلفات الرائقة والمصنّفات الشائقة في المواضيع المختلفة لأكبر دليل على مبلغ ما وصل إليه من النضوج الفكري والتفوّق الذهني وسعة الأفق والإحاطة بضروب العلوم”.
وإذا ذُكر الموسوعيون فإنَّ سيّدنا الإمام يأتي على رأس هؤلاء. فكما كتب في الفقه والأصول كتب في الحديث والتفسير والكلام العقائد الأخلاق والنحو والصرف والتاريخ ومسائل الخلاف والرياضيات والأنساب إلى غير ذلك.
وحيث أنَّ شرف العلم بشرف موضوعه فقد أعار للفقه وأصوله أهمية كبرى، وأفرد لهما المجلّدات الضخام.
وقد جمع في مؤلفاته بين الوفرة والجودة. وهذا التكافؤ الماثل في آثاره بين الكمّ والكيف ممّا قد لا يتأتى لكثير من ذوي الأقلام من الأعلام. “().
وقد تسالم مترجموه على أنّ القزويني لم يترك فرصةً إلاّ واهتبلها في مجال التأليف حتّى في مجالسه العامّة.
كان ولع التأليف والكتابة والتصنيف مسيطراً على شخصية الإمام القزويني، ومتلبّساً بها منذ أيام نشأته الأولى.
أمّا ثبت أسماء مؤلفاته حسب الترتيب الهجائي فهي كما يلي:
1 ـ الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد. أسس فيه علماً مستقلاً. ورتّبه على ثلاثة تأسيسات، ولكلّ تأسيس بناءات. أفرد فيه الاجتهاد عن علم الفقه وعن علم الأصول، وجعل له تعريفاً مستقلاً وموضوعاً وغاية على غرار العلوم الأخرى. صدر بتحقيقنا سنة 1425هـ/ 2004م.
2 ـ الأقفال في النحو. رسالة مختصرة ذكرها الطهراني في المجلد الثاني من الذريعة، ص274.
3 ـ أمنية الموقن في حديث “نية المؤمن”. رسالة طُبعت بتحقيقنا سنة 1982م، 1987م. وهي بالأصل بعنوان خاتمة للجزء الثالث من كتابه “مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام”، تقع في اثنتي عشرة صفحة. أفردها البحاثة الشيخ محمد طاهر السماوي وسمّاها بهذه التسمية. وطبعت في 63 صفحة.
4 ـ أنساب القبائل العراقية وغيرها مرتّب على حروف الهجاء. ورد ذكره باسم “أسماء القبائل والعشائر”. فرغ من تأليفه يوم السبت 6 جمادى الثانية 1288هـ.
5 ـ الإنسان في عوالمه الثلاثة. رسالة فقهية فرغ من تأليفها في مكة المكرمة عند سفره لأداء فريضة الحج. وهي آخر مؤلفاته، وعليها جفّ قلمه المبارك تكلّم فيها على تكاليف الإنسان بحسب عوالمه التي يتقلّب بها من بدء خلقه إلى وروده إلى عالم الآخرة.
6 ـ آيات الأصول. أو (البحر الزاخر في أصول الأوائل والأواخر) رتبها على إلهامات وخاتمة. وتعدّ من مبتكراته. حيث استنبط جميع قواعد علم الأصول من الآيات القرآنية، وأرجع إليها.
7 ـ آيات المتوسمين في الحكمة الإلهية كتاب كبير في عقائد الشيعة الإمامية. مزج علم الكلام بالفلسفة والعرفان يقع ضمن مجلدين.
8 ـ بصائر المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين. شرح استدلالي مبسوط لكتاب “تبصرة المتعلمين” للعلاّمة الحلّي. يقع في خمس عشرة مجلداً ضخماً وهو بحجم “جواهر الكلام” للنجفي. ذُكر تحت عنوان “بصائر السالكين” وهو خلاف وجه التسمية.
9 ـ بهجة الناظرين في أحكام الحاج والمعتمرين. (منسك في أحكام الحج) في مكتبتي نسخة منه.
10 ـ حقائق الإيمان في خلق القرآن. وردت باسم رسالة في “إبطال الكلام النفسي”. أشار المؤلف إلى تسميتها في كتابه “آيات المتوسمين”. فرغ من تأليفها صبيحة يوم الثلاثاء 6 شوال 1291هـ.
11 ـ دليل المتبحرين في مناسك الحاج والمعتمرين. رسالة مختصرة.
12 ـ رسائل في التفسير تتضمن رسائل في تفسير سورة الفاتحة والقدر والإخلاص
13 ـ رسالة في شرح كلام أمير المؤمنين في مقام التوحيد: “لم تحط به الأوهام”. كتبها طلباً من عبدالله باشا بن سليمان باشا وآلي بلدة شهرزور “السليمانية”. فرغ منها في 15 ربيع الثاني 1272هـ.
نشرتها محقّقةً سنة 1393هـ/ 1973م تحت عنوان “النور المتجلّي في شرح كلام أمير المؤمنين علي” حول مقام التوحيد. قدّم لها الدكتور حسين علي محفوظ.
14 ـ السبائك المذهبة في نظم الفروع الأصولية المهذبة. منظومة تامة في علم أصول الفقه تقع في (2750) بيتاً. فرغ من نظمها يوم السبت 2 صفر 1286هـ، أوّلها:
يقول راجي عفو رب محسن
محمد المهدي نجل الحسن
ومن شرّاحها: الشيخ عبد الرحيم الكرمانشاهي المتوفى سنة 1305هـ/ 1888م. ذكره الطهراني في الذريعة، ج14، ص254.
15 ـ سفينة الراكب فـي بحـر محبة علي بن أبي طالب. في شرح حديث “حب علي حسنة لا تضرّ معها سيئة وبغضه معصية لا تنفع معها حسنة”. قال: إنّه من الأحاديث التي أشكل الأخذ بظاهرها.
16 ـ شرح تبصرة المتعلمين، وهو أخصر من الشرحين الأوّلين.
17 ـ شرح قوانين الأصول للميرزا القمي. برزت منه جملة من الأدلة العقلية وبعض التعاريف، ولم يتم.
18 ـ شرح اللمعة الدمشقية برز منه أكثر العبادات في سبع مجلدات ، ولم يتم .
19 ـ الشهاب الوامض في أحكام الفرائض، (في المواريث)، أوله: “الحمـد الله وارث الأرض ذات الطول والعرض”. فرغ منه يوم الخميس 13 رجب 1279هـ في أكناف العراق من واسط. وعلى الكتاب شروح من جملتها:
أ ـ شرح تلميذه الشيخ محمد بن علي الجزائري(ت: 1303هـ/ 1886م) في مجلدين.
ب ـ شرح تلميذه الشيخ محمد بن عبد االله بـن علـي بن أحمد آل عيثـان الأحـسائي. ضـمن مجلـدين كبيرين. يقول الطهراني عنه: هو شرح مزجي فرغ من مجلده الثاني في 10 رجب 1300هـ.
20 ـ الصوارم الماضية في تحقيق الفرقة الناجية (كتاب مستقل في موضوع الإمامة) أوله: “الحمد الله الذي هدى ولم يترك الخلق سدى”. فرغ من تأليفه ببغداد سنة 1271هـ.
21 ـ الفرائد في أصول الفقه من أوّلها إلى آخرها يقع في خمس مجلدات ضخام على طريقة المتأخرين.
22 ـ فلك النجاة في أحكام الهداة. رسالة عملية فقهية تامة، طُبعت بتبريز طبعة حجرية سنة 1297هـ/ 1880م، وأعيدت طباعتها سنة 1298هـ/ 1881م في حياة المؤلف.
23 ـ القلائد الحلّية في العقائد الدينية. لم أقف عليها.
24 ـ قلائد الخرائد في أصول العقائد. قال في أوّها: “جعلتها في أصول العقائد الدينية التي يدور عليها الإسلام والإيمان، رتّبها على مقدمة وأنوار وخاتمة. فرغ من تأليفها ببغداد الأوّل من شهر رمضان 1280هـ. طبعت بتحقيقي سنة 1392هـ/ 1972م. وتقديم العلاّمة السيّد عبد الستار الحسني.
25 ـ القواعد الفقهية. وهو شرح جملة من كتاب “المعالم” لابن القطان. ذكره تلميذه الميرزا حسين النوري في خاتمة المستدرك بقوله: إنَّ له كتاباً في استنباط القواعد الفقهية تزيد على خمسة وسبعين قاعدة.
26 ـ كتاب المزار: مدخل لتعيين قبور الأنبياء والشهداء وأولاد الأئمة والعلماء. طُبع نصُّه بتبريز سنة 1297هـ/ 1880م، و1298هـ/ 1881م ضمن كتاب “فلك النجاة في أحكام الهداة”. أُعيدت طباعته ببيروت بتحقيقنا سنة 1424هـ/ 2003م.
27 ـ كنوز الودائع في شرح الشرائع. ذكره المؤلف في بعض مؤلفاته، ولم يذكره أحد في تعداد كتبه. ويبدو أنَّه شرح آخر لكتاب المحقق الحلّي، “شرائع الإسلام”.
28 ـ اللمعات البغدادية في الأحكام الرضاعية. فرغ من تأليفها عشية يم الاثنين 19 ذي القعدة 1270هـ ببغداد. وتحتوي على مقدمة وثلاث لمعات وخاتمة. أوّلها: “الحمدلله الذي خلق الإنسان فجعله بشراً سوياً، وأخرجه إلى الدنيا طفلاً صبيّاً”.
29 ـ مضامير الامتحان في علمي الكلام والميزان. رتّبه على مقدمة وثلاثة رهانات وخاتمة. الجزء الأوّل في علم الميزان، والثاني في علم الكلام.
30 ـ مطالع مشارق الأنوار في حلّ مشكلات أسرار الأخبار.
31 ـ منظومة في العبادات. تزيد على خمسة عشر ألف بيتاً. رأيتُ نسخة الأصل بخط مؤلفها مع مجموعة من مؤلفاته الخطية سنة 1393هـ/ 1973م.
32 ـ مهذب الوصول إلى علم الأصول. جمع وهذّب فيه رسائل الوحيد البهبهاني (ت: 1205هـ/ 1791م) في علم الأصول، مرتباً إياه على مقدمة وعنوانين وخاتمة. أوّله: “الحمدلله الذي أحكم أصول فروع الدين وأقام الحجج والبراهين”. فرغ منه ليلة السبت غرّة شهر رجب سنة 1275هـ.
33 ـ موارد الوصول إلى علم الأصول. أوّله: “حمداً لمن أصّل أصول الإيجاد بعين قابلية الاستعداد، ورتب فروع الاجتهاد على مظاهر تلك المواد”.
وقال في سبب تأليفه: “إنّه قد التمسني أعزّ الأولاد المتطلّع إلى مراتب الاستعداد والمستنشق لعطر شذى الاجتهاد، الولد الأكبر الميرزا جعفر أنْ أؤلف في الأصول الفقهية كتاباً مختصراً في غاية الإيجاز”. فرغ منه في الحلّة غرّة شعبان سنة 1275هـ. رأيتُ نسخة مخطوطة بقلم الشيخ عبد الهادي الشيخ عبد علي آل الشيخ خضر، تقع في (59) صفحة كبيرة، فرغ منها 6 ربيع الأوّل سنة 1346هـ.
34 ـ مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام. فقه استدلالي تفريعي، تعرّض فيه لأحوال الرجال ورجال الحديث. يقع في ست مجلدات.
نسخة المؤلف محوظفة بمكتبة الإمام الحكيم بالنجف.
35 ـ نزهة الألباب في شرح حديث ابن طاب. استخرج من حديث ابن طاب ثمانين باباً، في الفقه وفي الأصول. قال في آخره: “هذا آخر ما أردنا إيراده من تفسير الرواية عملاً بموجب إطلاق لفظ الكثرة الواقع فيها، المحمول في لسان الشارع على الثمانين”. فرغ منه صبيحة الاثنين 15 محرم 1268هـ طُبعت في مجلّة “تراثنا”، العدد الثاني، السنة الأولى، 1406هـ/ 1986م، بتحقيق وتقديم الشيخ جواد الروحاني.
36 ـ نفائس الأحكام في الفقه. أنجز منه أكثر العبادات وبعض المعاملات. وفيه مقدمة في المسائل الأصولية.
37 ـ نور البصائر وضياء النواظر. شرح متوسط لتبصرة المتعلمين في أربع مجلدات. الأوّل في الطهارة والصلاة، والثاني في الزكاة إلى آخر العبادات، وأوّل الثالث كتاب المتاجر، وأوّل الرابع كتاب النكاح إلى آخر الديات. وبه يتمّ الكتاب. فرغ من تأليفه ليلة الخميس 22 محرم سنة 1296هـ.
38 ـ الواردات الصيمرية في الأصول الفقهية والشرعية، وهي الرسالة المعروفة في “حجية خبر الواحد”. تقع في مجلد كبير حرّرها بالتماس الشيخ سليمان بن الشيخ محمد خلف الصيمري.
39 ـ وسيلة المقلدين إلى أحكام الدين.. وهو مختصر رسالته العملية “فلك النجاة في أحكام الهداة”. فرغ منه في 12 صفر 1283هـ.
أمّا كتبه التي فُقدت بسبب الأوبئة وما عصف منها على مدينة النجف، فهي:
1 ـ حاشية على شرح التفتازاني في علم الصرف.
2 ـ حاشية على شرح المطول للتفتازاني.
3 ـ شرح ألفية ابن مالك في النحو.
4 ـ شرح منظومة تجريد العقائد في علم الكلام.
5 ـ الفوائد الغروية في المسائل الأصولية.
6 ـ قوانين الحساب (في علم الحساب).
7 ـ مختصر في علم الكلام (في الجواهر والأعراض والأمور العامة).
8 ـ مسارب الأرواح (منظومة في علم الحكمة).
9 ـ معارج الصعود في (علم الطريقة والسلوك).
10 ـ معارج النفس إلى محل القدس (في علم الأخلاق).
11 ـ المفاتيح في شرح الأقفال (في النحو).
وفاته
تُوفي السيّد مهدي القزويني عصر يوم الثلاثاء 12 ربيع الأوّل 1300هـ/ 23 كانون الثاني 1883م، وجاؤوا به إلى النجف عصر يوم الأحد 25 ربيع الأوّل 1300هـ/ 4 شباط 1883م.
وهناك عدّة حوادث تتعلّق بحادث وفاة السيّد مهدي:
الأولى: الوباء الذي فتك بأهل تلك المناطق التي نزل بها من الحجّاج.
الثانية: طبقة اللصوص التي ظهرت لتسرق أكفان الموتى، وحاجياتهم.
الثالثة: حادثة قتال العشائر فيما بينها بعد اغتيال أحد الوجهاء، وهو يستلم نعش الإمام القزويني. وكان عدوُّه قد ظفر به في هذه المناسبة دون أن يحسب حساباً لحرمتها.
الرابعة: حادثة تشييع جثمانه حتّى وصوله إلى النجف.
الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد
أولاً: كانت الغاية من تأليف كتاب “الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد”، أنَّ مؤلفه رأى جملةً ممّن يدّعي الاجتهاد قد تقدّموا في مضماره وهم حسب فهمه غير مؤهلين له. فأحبَّ أنْ يجمع قواعده لكي يُعرف المحقّ من المدّعي.
ثانياً: يُعتبر كتاب “الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد” أوّل رسالة متخصّصة في موضوعها، حيث استطاع المؤلف أنْ يؤسّس علماً مستقلاً بذاته إشتمل على قواعد خاصّة تتعلّق بمراتب الاستعداد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد.
ثالثاً: تمَّ تأليف الكتاب إستجابة لأحد تلامذة المؤلف وهو الميرزا محمد الهمداني الكاظمي الشهير بأبي داود المتفى سنة 1303هـ/ 1885م.
رابعاً: أفرد العلاّمة المؤلف مبحث الاجتهاد عن مباحث علم أصول الفقه من جهة، ومباحث الفقه من جهة أخرى. فغالباً ما يُعدُّ الاجتهاد جزءاً من مباحث علم الأصول، أو الفقه أو من الأبحاث المشتركة بينهما. وهذا ما قرّره الإمام القزويني قبل مائة وخمسين عاماً من هذه المحاولة.
خامساً: عرّف القزويني الاجتهاد بأنّه: “العلم بالقواعد الممهّدة لتحصيل مراتب استعداد المواد الإنسانية الموجبة لحصول الملكات النفسانية في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الفصيلية”. حيث جمع في تعريفه لأوّل مرّة بين القواعد العلمية الموصلة لتحقيق الملكة وبين استفراغ الوسع في استنباط الأحكام من مداركها.
سادساً: قسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أبواب أو “تأسيسات” رئيسية مضافاً إلى مقدمة وخاتمة. تناول في التأسيس الأوّل: الاستعداد، أي معدّات الاجتهاد في جانبها النفسي والفطري. كما تحدّث في التأسيس الثاني عن المستعد، أي معدّات المجتهد. أمّا في التأسيس الثالث فقد تحدّث عن المُستعد له وهي ملكة الاجتهاد وكيفية وصول المجتهد لها.
سابعاً: أكّد القزويني في دراسته لشروط الاجتهاد على المرحلة التحضيرية التي يمرّ بها المستعد للوصول إلى هدفه العلمي في تحقيق الملكة، وهي ما قبل حصول الاجتهاد. في حين أنَّ معظم الدراسات التي تخصّ هذه المباحث تركّز على مرحلة ما بعد الاجتهاد. ففي الشروط العشرين التي ذكرها في مقام الحديث عن شروط الاستعداد (معدات الاجتهاد) ذكر أنَّ الاستعداد هو كيفية توجب حصول الملكات للنفس الناطقة القدسية”، أو هو “قابلية النفس الناطقة في الكمال إلى تحصيل العلوم من ملكات وأحوال”.
ثامناً: ركّز المؤلف من خلال الشروط التي قرّرها في الاستعداد على الميول والدوافع في عملية الاستجابة النشطة التي تصدر عن المستعد لغرض الوصل إلى أهدافه وتحقّقها. ويندرج فيها مبدأ التكرار أو المران الذي يعتمد على مستلزمات عملية للوصول إلى تثبيت التعلّم وترسيخه عن طريق إيجاد الروابط المتفاعلة ضمن إطار الدراسة والتدريس.
تاسعاً: من الشرائط الرئيسية التي قرّرها القزويني في المجتهد أنْ يكون فقيهاً، ويعني بذلك أنْ يكون تخصّصه الأوّل في ميدان الفقه بحيث لا تشغله التخصّصات في العلوم الأخرى عنه. ولمّا كانت طرق الاستنباط خاضعة لمؤثرات خارجية أو تأثيرات ذاتية فقد جعل المؤلف لها بعض الضوابط لئلا يتأثّر حكم المجتهد. حيث اشترط مضافاً إلى صفاء ذهن الفقيه وكمال إدراكه وتجربته وحسن اختياره عند تعارض الأدلة والنظر في الأحكام الشرعية الفرعية وأدلتها، عدم الميل لنفس الحكم الشرعي، وعدم الأخذ بالأقوال الشاذة، وعدم الاستسئناس بالحكم الصادر عن التقليد، وعدم السعي لجلب جاه أو اعتبار.
عاشراً: جمع المؤلف شروط (الاستقامة) في ثمان عشرة مفردة.
الحادي عشر: حال الإمام القزويني من خلال التأكيد على شرط “الاستقامة” أنْ يعالج مسائل جوهرية تخصّ مشكلة الانقسامات داخل الكيان الشيعي بحجة الاجتهاد في فهم النصوص وتأويلها. فقد اشترط في المجتهد عدم اللجوء إلى التأويل وتكثير الاحتمالات بحيث تُصبح مأَوّلاتُه كالظواهر، لأنَّ الشريعة ليست مبنية على الباطن والتأويل.
الثاني عشر: من خلال شروط الاستقامة حاول القزويني معالجة ظاهرة الصراع الأصولي ـ الأخباري وإبطالها، على وفق تصوّرات نظرية تمنع المجتهد من التوغل في علم الحديث بحيث يعوّل على الروايات تعويلاً كاملاً حتّى في حال عدم وثاقها ليجعلها مقابل القواعد الشرعية والاجتماعية وفحاوى مداليل الروايات، فيخرج عن مذهب الإمامية لرواية شاذة مهجورة ويأتي بفقه جديد.
الثالث عشر: يذهب المؤلف إلى أنَّ علم الأصول هو من العلوم الآلية شأنه شأن علم المنطق واللغة، وله أهمية مباشرة في عمليات استكشاف الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
الرابع عشر: حاول الإمام المؤلف صياغة منظومة متكاملة للمجتهد تخرجه من الدوائر النظرية إلى آفاق تشمل الواقع. فقد جنّب المستعد أنْ يستغرق تمام عمره في مضمار واحد كأنْ يثبت على بعض الدراسات العقلية دون أنْ يكون لها تطبيقات عملية في شتّى المجالات.
الخامس عشر: من الضوابط التي قرّرها القزويني في المجتهد عدم ميله للأخذ بالأقوال الشاذّة بحيث يتميّز بإيجاد آراء يتفرّد بها إظهاراً لمخالفة الفقهاء الكبار ليحقّق فتواه مقابل فتوى المجتهدين ليكون واحداً من الذين يُشار إليهم بالإشتهار. إعتقاداً منه أنَّ بضاعته العلمية لو كانت مكتملة لما احتاج للوصول إليها عن طريق المخالفة.
السادس عشر: أكّد المؤلف على أنَّ الجانب العلمي وحده ليس كافياً في عملية بلوغ الاجتهاد دون وجود الملكة التي قرنها بالتسديد الإلهي.
السابع عشر: اعتمد المؤلف على الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث الواردة عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)، وعن الأئمة أمثال الإمام علي بن أبي طالب والإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في استخراج قواعد علمية تختصّ بالفقه والأصول والفلسفة وعلم الكلام والعرفان.
الثامن عشر: جارى العلاّمة القزويني الإمام السيّد مهدي بحر العلوم بإطلاق تسمية (الخال) على الشيخ محمد باقر المجلسي (صاحب بحار الأنوار)، و(الجد) على والده الشيخ محمد تقي المجلسي.
التاسع عشر: يظهر على الكتاب الأسلوب الحداثي الذي يخصّ منهجية اللغة وترتيب المباحث وتنسيقها ضمن نطاق ثبات المضامين العلمية وتقعيد قواعدها.
العشرون: اعتمدتُ في تحقيق الكتاب على نسخة مخطوطة كُتبتْ في 10 رمضان 1282هـ/ 27 كانون الثاني 1866م، أي بعد تأليف الكتاب الذي تمّ في 10 صفر 1275هـ بسبع سنوات. وهي نسخة جيّدة الخط تقع في (204) صفحات، تشمل كلّ صفحة تقريباً على (18) سطراً، وكلّ سطر على (7ـ9) كلمات. ولم يذكر إسم ناسخها.
وهي نسخة بالرغم من جودتها، إلاَّ أنَّ فيها الكثير من التصحيف والتحريف والخطأ والاشتباه
* * *
بيروت: 27 آذار 2004م.
جودت القزويني
الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد
تأليف
الإمام السيد مهدي القزويني
المتوفى سنة 1300هـ/ 1883م
تحقيق
الدكتور جودت القزويني
مقدمة المؤلف
الحمدلله الذي جعل أفئدة أوليائه محال معرفته، وقلوبهم أوعية لمشيئته ومظاهر إرادته، وشرح صدور العلماء وجعلها خزائن علمه، ومستودعاً لحكمته، وصلَّى الله على محمد بديع فطرته، ومظهر كينونيَّته، وعلى آله حاملي صنيعته إلى خليقته، وعلى صحبه المقتدين بسنّته وسيرته.
وبعد: فيقول الراجي عفو ربّه الغنيّ، معزّ الدين محمّد بن الحسن، المدعو بمهدي الحسيني الشهير بالقزويني: إنّني لمّا رأيتُ ملة ممّن يدّعي صعود طُور() الاجتهاد، بغير عدّة ولا استعداد، ويزعم لغروره أنّه الكليم، وأنَّه بذلك زعيم، فحُقَّ له الجواب الربّاني، على التأبيد بـ {لَن تَرَانِي}()، أحببتُ ممّا ألهمني الله سبحانه وتعالى بتوفيقاته الربانية وعناياته الإلهية، من فيوضاته القدسيَّة وأسراره الغيبيّة الصادرة بواسطة الوحي الإلهي في كتابه المنزل، على نبيّه المرسل إلى الكائنات، والواردة على لسانه من موجز الكلم الجامعات، الظاهرة من أنوار أحاديث أهل بيته الهداة؛ أنْ أضع عِلْماً مشتملاً على قواعد تُعرفُ بها مراتب الاستعداد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد ليتميّز المحقّ من المدّعي، ويُعرف الخليّ من الملي:
كي لا يعانق معشوقاً سوى بطلٍ
ولا يطوفُ بحاناتٍ سوى ملكِ()
فإنّ ما ذكر من العلوم، من فروع وأصول، أحد الشرائط الموجبة للوصول.
وأمَّا الملكة فإنّها بنفسها شرط مستقل يتوقّف عليها المطلوب من رتبة الاجتهاد، وهي في الغالب إلهيّة قدسيّة ولدنيّة لا كسبيّة. ولذلك توقّف تحصيلُها بطريق الاكتساب على ما نحنُ بصدده من وضع العلم والفنّ المفاض من الملك الوهّاب.
مع إقتران ذلك بإجابة وإلتماس الولد الأعزّ عليّ، والمقبول لديّ، الفائق بذكائه إياس()، والرائق بذاته على أعلى الجواهر والأجناس، والحاوي من العلم ما يحملُه من الرغام أبو قبيس()، وينوفُ() بالزهد على أويس، كما ناف أويس() المتوَّج بالحبور والسعود، الميرزا محمّد الهمداني الشهير بابن داود().
فوجب أنْ نؤلّف فيه كتاباً محتوياً على بيان تعريفه، وموضوعه جامعاً للقوانين المشتملة على أصوله وفروعه، مبيّناً لفائدته وغايته موضحاً لبدايته ونهايته، نافعاً لأرباب الوصول موجباً للوصول إلى التحصيل والمحصول، وأنّه أكرم مسؤول، وخير مأمول، وقد سمّيتُه: علم استعداد بلوغ المراد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد، وسمّيتُ الكتاب: أساس الإيجاد في علم الاستعداد.
وقد رتّبتُه على مقدّمة، وتأسيسات، وخاتمة.
أمّا:
المقدمة
الاجتهاد: موضوعه وغايته
أمّا تعريفه: فهو العلم بالقواعد الممهّدة لتحصيل مراتب إستعداد المواد الإنسانية الموجبة لحصول الملكات النفسانيّة في استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعية من أدلتها التفصيلية.
وأمّا موضوعه المبحوث عنه في هذا الفن: فهو الاستعداد، وهو قابليّة النفس الناطقة في الكمال إلى تحصيل العلوم من ملكات وأحوال().
وأمّا غايته فهي تحصيل ملكة الاجتهاد الموجبة للوصول إلى المراد.
والكلام يقع في بيان الاستعداد، والمستعدّ، والمستعدّ له في تأسيسات.
التأسيس الأوّل
في الاستعداد
والكلام يقع فيه في بناءات:
البناء الأوّل
الاستعداد لغة واصطلاحاً
الاستعداد لغة التهيؤ، واصطلاحاً قد عرفتَ من بيان ماهيته: بأنّه قابلية النفس الناطقة في الكمال إلى تحصيل العلوم من ملكات وأحوال.
وإنْ شئت قلتَ: هو عبارة عن منتهى قابلية النفس الناطقة القدسيَّة في الكمال إلى تحصيل الملكات النفسانية. أو عبارة عن قبول النفس، أو كون النفس قابلة لذلك.
أو كيفيّة توجب حصول الملكات للنفس الناطقة القدسية. أو ترقي النفس في الإدراك إلى حالة لها تأثير في تحصيل تلك الملكات.
أو حالة توجب إفاضة العلوم عليها من المبدأ الفيّاض، أو توجب إيجاد العلم فيها. أو إزالة حجاب عن النفس يوجب ظهور نقش ما فيها من العلوم الآفاقية أو النفسية على الخلاف الآتي على أصول جميع الفرق الإسلامية والحكمية().
البناء الثاني
قبول النفس للكمالات
لا إشكال في قبول النفس الإنسانية للكمالات النفسانية من المعارف الإلهية، والعلوم الرياضية والطبيعية، والأحكام الشرعية، والأسرار الغيبيّة، والترقي إلى مراتب المعصوميّة.
وهذه في النفس الإنسانية خصوصية دون باقي الأنفس الحيوانية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}()، و{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}()، {خَلَقَ الْإِنْسَانَ}()، و{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}()، و{أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}().
أمّا لكمال الأجناس بالفصول، أو لكون الجنس فيه أكمل حصّة، وإلاّ لم تقبل الفصل الخاص()، وفي الأنواع من قبل التشخّصات أو لكمال الحصة النوعيّة. ولهذا اختصّ الكمال الغير() المتجاوز في المرتبة المعصوميّة على اختلاف رتبتها، صنفيّةً في مراتب النبوة والإمامة: و{فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ}() ولقضاء الضرورة في اختلاف أحوال الإنسان في التصاعد إلى مراتب التمييز من حال الطفولية متنازلاً إلى الشيخوخية: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ}()، ثمّ اختلاف حاله في تفاوت الإدراكات مع الاشتغال بالعلوم النظرية حسب اختلاف العلوم ودرجاتها.
فما يوجد من تعليم بعض الحيوانات لبعض اللغات، فهو من تعليمها لسائر التطبعيّات والعاديّات لا لتمييز محقق في تلك الماهيات.
نعم قد تدرك بعض الجزئيّات ممّا يقتضيه بقاء النّوع من التعيّش، والنكاح، والاهتداء إلى بعض المنافع، وترك بعض المضار.
وفي الحديث: “ما بُهمت البهائم إلاّ عن أربع: عن معرفة خالقها، والأكل والشرب، والذكر والأنثى والنافع والضّار”.
وقد يكون منها ما يستند إلى أمور عاديّة أو قياسات جزئيّة مع أنَّ الله عزّ وجلّ قد آتى كلّ نفس هداها وقال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}().
إلاَّ أنَّ ذلك بعيد عمّا نحنُ بصدده من خاصيّة الإنسان الذي هو منتهى كمال الحيوان، بل منتهى الأكوان في الإمكان، وتكليفه بطلب المعارف والعلوم، وأمره بالتدبّر والتفكّر في ملكوت السماوات والأرض، وبالآفاق والأنفس من أعظم الأدلة على تمكّنه من القابلية والقبول، وأبين الشواهد على مراتبه المتفاوتة في الوصول، مضافاً إلى قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}()، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}()، {وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}()، {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}()، {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}().
وقال (عليه السلام): “ثمّ خلق الإنسان ذا نفس ناطقة إنْ زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عالمها، وإنْ فارقت الأضداد فقد طابقت السّبع الشداد”.
وقال (عليه السلام): “ليس العلم في السماء فينزل، ولا في الأرض فيصعد، بل هو مجبول في صدوركم تخلّقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم”، إلى غير ذلك من الآيات والروايات.
البناء الثالث
الاستعداد بين الكيفيات النفسانية والاستعدادية
هل الاستعداد من الكيفيات النفسانية على حدّ باقي النفسانيّات من العلوم والوجدانيات، أو من الكيفيّات الاستعدادية التي تتفاوت حقائقها بحسب الحال اختلافاً حقيقياً لا تشكيكيّاً في الشدّة والضعف فقط()؟!.
فيه وجهان، أقواهما الأخير(). ولأجله اختلف نوعُ الإنسان في مراتب الوصول اختلافاً يتعذّر ترقّي بعض إلى مرتبة بعض لاختلاف كمال النوع باختلاف التشخصات، وإلاّ لقبل مطلق نوع الإنسان للترقي إلى مراتب النبوّات.
وما كان في درجة الإمكان من إتّحاد بعض الدرجات واختلافها في الترقّي والوصول فهو من فقد بعض الشرائط أو وجود بعض الموانع فيتعذّر الوصول بالعارض لا بالذات، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}()، وقال: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}()، وقال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}()، وقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}()، إلى غير ذلك.
البناء الرابع
اختلاف مراتب الاستعداد
لا إشكال في اختلاف مراتب الاستعداد على اختلاف مراتب القابليات وإلاَّ لاتّحدت الحقائق والماهيّات في الذاتيات والعرضيات. والتالي باطل بضرورة الوجدان والعقل والنقل، ولما حصل الاختلاف في الإيمان والكفر، ولا في العلم والجهل، ولا في مراتب التمييز والعقل، ولا في العصمة وغيرها، ولا اختلفت المراتب المعصومية بحسب النبوة والإمامة ولا مراتب النبوة، قال تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}()، و{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}()، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}()، و{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}()، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}()،{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}().
ولمّا حصل التفضيل والتفاوت بالأعمال {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً}()، {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}()، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}()، وقد قيل: “حسنات الأبرار سيئات المقربين”.
ولما حصل الاختلاف في الإدراكات والمدركات، ولا التفاوت في المعارف والوصولات، {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا}()، و”لو اطلع أبو ذر على ما في قلب سلمان لكفّره”()، وقال فيه (صلّى الله عليه وآله): “سلمان منّا أهل البيت”()، وقال (عليه السلام): “لو كشف لي الغطاء ما ازددتُ يقيناً”، وقال (صلّى الله عليه وآله): “ربّ أرني الأشياء كما هي”، وقال إبراهيم (عليه السلام): {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}()، وقال موسى (عليه السلام): {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}()، وقال تعالى في حقّ أصفيائه: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ}().
وعلى حسب الاستعداد جرى حكم المعارف والتكليف والتفاضل والتنافس في طلب الوضيع والشريف.
وقد ورد أنّ درجات الإيمان عشرة فصاحب الدرجة لا يكلّف بتكليف صاحب الدرجتين، وهكذا إلى العشر بلا ريب ومَيْن.
والإجزاء في الجميع يتمُّ مع إصابة ما في نفس الأمر في العقليات، وإصابة واقع الدليل في النقليات، {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}()، {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ}()، و”القضاء أربعة واحدٌ في الجنة، وثلاثة في النار”().
البناء الخامس
أقل مراتب الاستعداد
أقلّ مراتب الاستعداد في تحصيل درجة الاجتهاد ما يصدق معه الاسم، ويترتب عليه الحكم. وأعلاه ما لا يبلغ إلى حدّ الإحصاء ولا الانتهاء. إذْ لا نهاية لعالم الإمكان لرجوعه إلى ملكية القادر المتأبّد بالخلود والسلطان، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}()، و{وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}().
كيف وقد قال لنبيّه (صلّى الله عليه وآله): {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}()، ولا يتحدّد إلاّ برتبة المعصوم كما لا تتحدّد رتبته في الإمكان إلاَّ في ذات لا تدرك رتبتها الأذهان، في علو الشأن.
ولا إشكال إنَّ كلّ رتبة ولو أدناها مجزية في التكليف لصاحبها، إذْ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}(). وقال (عليه السلام): “انظروا إلى رجل عرف شيئاً من قضايانا فارضوا به حكماً، وهو حجة على غيره ما لم يوجد الأعلى”()، لعموم حجيّة العالم على الجاهل، ونفي الاستواء واحتياجه إلى الأعلى في الاهتداء {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى}()، و”ما لا يفيد نفسه لا يفيد غيره”، وهو متعذّر في النقليات، بعيد في السمعيات. وعليه يحمل قوله: “مَنْ عرف حلالنا وحرامنا ونظر في أحكامنا”().
فيكون المراد منه العالم المطلق على الإطلاق في جميع ما لهم من حلال وحرام في سائر العلوم والأحكام، وهو النائب المخصوص بالعموم لا العام()، وما بين الدرجتين درجات، تلحظ بحسب المقامات والتكليفات والترجيحات.
ومنه ما ورد في الرجوع إلى الأعلم الأورع، أو إلى الأفقه والأصدق، ونحو ذلك قوله: “لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً في دنياه”.
البناء السادس
الاستعداد الفطري والكسبي
الاستعداد منه فطري غير مفتقر إلى اكتساب، ولا طلب الأسباب، فإنْ جمعَ الشرائط وفقدَ الموانع ترتّبتْ مقتضَياتُه (بالفتح) على مقتضاه واقتضائه على حسب مراتبه المذكورة سابقاً من رتبة النبوّة والإمامة والحكمة والعلم والعرفان، وجميع الحرف والصنائع لإعطاء الله سبحانه له ما يستحقّه من الخلق، قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}()، ثمّ قال في بيان إعطاء الاستحقاق {أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ}()، وقال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}()، {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}(). وقال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}()، و{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}()، وقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا}()، {وَكَذَلِكَ… وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}()، {فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}().
وقال (عليه السلام): “إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من قلبه”. وقال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ}()، وقال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}()، وقال: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}()، وقال: {ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}().
وأمّا إشتراط جامعيّة الشرائط فلبيان أنّ مجرّد وجود الاستعداد لا يكفي في تحصيل الملكات العلمية لقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}().
وأمّا إنتفاء الموانع فلعدم تأثير المقتضى مع وجودها لقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}()، وقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا}()، وقال: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}()، وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}()، {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ}()، و{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}()، وأمثال ذلك.
إلاّ أنَّ مراتب الاستعداد الفطري تختلف بحسب المراتب في الافتقار إلى أدنى الأسباب وعدمه. ومنه ما هو كسبيّ مفتقر إلى المعالجات العلميّة والعمليّة كمعرفة سائر أرباب العلوم الكسبيّة والسماعيّة، والحرف والصنائع من تصفية القلب، ورفع الشواغل عنه والكدورات الملوثة له وإمعان النظر في المبادئ والمطالب، لقابليّة كلّ إنسان للاستعداد لتحصيل كلّ شيء إذا تعلّق بالأسباب، ودخل في الأشياء من كلّ باب، أو توكّل على ربّ الأرباب. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}()، {فَلَمَّا … رَءَا كَوْكَبًا}()، {فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ}()، {فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً}(). وقال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ}()، وقال: {وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا}()، وقال: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ}()، أي بدليل.
وقال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}()، وقال: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}()، وقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}()، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}().
وقال (عليه السلام): “ليس العلم في السماء فينزل، ولا في الأرض فيصعد، بل هو مجبول في صدوركم تخلّقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم”، فإنّ فيه إشارة إلى الاستعداد الكسبي بواسطة الأمر بالتخلّق المحتاج إلى معالجات النفس العلمية والعملية، ومجاهدتها في قمع القوتين الشهويّة والغضبيّة، وتحلّيها بالفضائل، وتطهيرها من الرذائل. ومع هذا:
فلا ينفعُ مسموع إذا لم يك مطبوع
فتأمّلْ.
البناء السابع
ارتباط تصفية النفس في حصول الاستعداد
لا إشكال أنَّ لقوّة النفس الناطقة القدسيّة وتصفيتها وتحلّيها بالفضائل وتطهيرها من الرذائل وتخلّقها بالأخلاق الجميلة، وتلبُّسها بكلّ فضيلة، دخلاً في حصول الاستعداد وتحصيله. ومثله في ذلك اعتدال المزاج وصلاح البدن واستواء الطبائع فيه، أو ما يقرب إلى الإستواء.
ويدلّ على الأوّل أنّ النفس كلّما تخلّقت بمكارم الأخلاق، وحصلت لها التصفية، وانقطعت عن العلائق والأعلاق قربت من مبدئها وأعطيت ما استحقت من الخلق، وفاض عليها ما تطلبه من الحقّ، وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}()، وقال: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}()، {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}()، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}()، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}()، {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}()، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}()، {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}().
ويدلُّ على الثاني أنّ مزاج الإنسان مركّب من الطبائع الأربع، ولكلّ واحدة منها طبيعة وخاصيّة، فإذا اعتدلت في التركيب اضمحلت خواصُّها وطبائعها، وصار المزاج خارجاً عنها، مستوي الإضافات والنسب إلى كلّ خاصيّة وطبيعة، فليس لواحدة فيه أولوية، ولا له فيها خصوصية، لأنَّ المركّب من الداخل والخارج خارج، وكانت الخصال فيه معتدلة، والطبائع مستوية، تحال إليه طبائعُ الأشياء ولا تحيله، يجامعها ولا تجامعه، فليس إليه شيء أقرب من شيء، ولا عنه شيء أبعد من شيء، له السلطنة عليها والكبرياء، فهو الأكسير الأعظم والكيمياء العظمى.
ولا تستوي هذه الطبائع في الحقيقة على التحقيق إلاّ في النبوّة والإمامة، كما قال تعالى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى}()، فهو المزاج البالغ إلى حدّ الاستواء، وعلى عرش الرحمن استوى().
فإنْ أُخذَ بمعنى الحال() فهو كمال المعرفة التامّة والأمانة المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا}()، وإنْ أُخذَ محلاً فهو القلب الحامل للمعرفة لقوله عزَّ من قائل: “ما وسعني أرضي ولا سمائي، بل وسعني قلب عبدي المؤمن”()، وهو عرش بلقيس الذي أمر سليمان أنْ {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا}().
وهذا هو الاستعداد الذي لأجله ترقى إلى قاب قوسين أو أدنى، وعرج به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حتّى بلغ رتبة الاصطفاء المشار إليها بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ}()، وقوله: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}(). ولم يعتدل هذا المزاج إلاَّ في الأكسير الأعظم، والحجر المكرّم، والكبريت الأحمر الذي انقادت إليه جميع الطبائع بالانطباع، وعليه قام الإجماع.
وأمّا ما عدا ذلك، فكلّ مزاج قرب إلى التكافؤ وأمكن أن يكون بالعلاج مرتبة الذّهب الوهّاج، والماء الرجراج، أو دونه بمرقاة، فهو أعلى مراتب العلماء من الأولياء، وأدنى مراتب ذوي الفطن، وهو المراد في كلام الأئمة (عليهم السلام) “من المؤمن الممتحن”().
والاعتدال الأوّل: راجع إلى قطع العلائق الدنيوية بالكليّة، كما قال (صلّى الله عليه وآله): “الدنيا رأس كلّ خطيئة”()، أو إستعمال حالة الزهد على القصد، والمتضمّن لذلك علمُ الطريقة.
والاعتدال الثاني: راجع إلى صوم الخواص، ورياضة البدن وتغذيته بالأذكار والدعاء، أو بالحمية التي قال فيها سيّد البشر: “بأنّها رأس كلّ دواء”، أو معالجته بما يوجب الصحّة من الدواء، أو يوجب حفظها من جميع الأسواء، والمتكفّل لبيان ذلك علم الطبّ، والرجوع إلى طب الأئمة ما فيه غناء لكلّ طالب.
البناء الثامن
شروط الاستعداد
الشرط الأوّل
الاخلاص في نية طلب العلم
يشترط في الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد: الإخلاص في نية طلب العلم والاشتغال في المطالب العلمية، والعلم بفضيلة العلم ورتبته، ورتبة الاجتهاد الموجبة للترقي عن حضيض التقليد إلى أوج رتبة السعادة الأخروية والإسعاد، والعلم بفضيلة أهل العلم وطلبته والعلماء المفضّل مدادهم على دماء الشهداء، وإنّ الملائكة تمسحهم بأجنحتها وتتبرّك بخدمتهم في زيارتها، وأنّه يدعو لطالب العلم جميع المخلوقات حتّى الحيتان في البحر والأرض والسماء، وإنّ النظر إلى وجه العالم عبادة ومجالسته عبادة ومذاكرته عبادة، وإنّ تفكّر العالم على وسادته ساعة تعدل عبادة العابد في سفح الجبل سبعين سنة، وإنَّ نومi عبادة وأنفاسه تسبيح، وإنّ فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، وإنّ الناس بين عالم رباني ومتعلّم على سبيل النجاة وهمجٌ رعاع، وإنّه إذا مات العالم في طلب العلم يرسل الله ملكين في قبره يعلّمانه العلم حتّى تقوم الساعة، وإنّه إذا مات العالم ثلم في الدين ثلمة لا يسدُّها أحد().
الشرط الثاني
وجود أسباب تحصيل العلم
ويشترط فيه وجود الأسباب المترتب عليها تحصيل العلم من الكتب العلمية والعمليّة للاطلاع على قوانين العلوم وكلّياتها وجزئياتها والاطلاع على أنظار العلماء وأفكارهم وأسرارهم. “فهم وإنْ غابوا عن مشاهدة العيونه فقد شوهدا بمحاجر الظنون، وإنْ أبعدتنا عنهم الدهور فقد جمعت ما بيننا وبينهم السطور”.
ولذلك أمر الله تعالى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالنظر إلى الكتب السماوية الماضية، وآثار القرون الخالية {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ}()، وأمثال ذلك، ولأنَّ “حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة”()، وسنّة الله في الماضين سنته في الباقين، وللاطلاع على أقوال العلماء ومعرفة الصحيح منها والفاسد، والاستعانة بها في المسائل النظرية لئلا يخرج عن جادة العلماء وطريقتهم، فإنَّ التفرّد في الأمور، من مواضيع الغرور، ومن مصائد إبليس المغرور.
الشرط الثالث
وجود الأسباب الموجبة لطلب المعيشة
ويشترط فيه وجود الأسباب الموجبة لكفايته في طلب المعيشة ليتمكّن من الفراغ والتخلي لطلب العلم إذْ “لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه”. على أنَّه المطلوب من حصول الملكة بحيث أنّه كالثريا من يد المتناول، فلا تنال مع وجود المشاغل. وقد قيل في المثل على لسان بعض العلماء: “لو كُلّفتُ ببصلة ما حفظتُ مسألة”.
وقد يقوم مقام هذا الشرط التوكل على ربّ الأرباب، والتوجّه إلى مسبّب الأسباب الرازق لكلّ أحد، خصوصاً لطلبة العلم، ومن حيث لا احتساب بغير حساب لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}().
وفي بعض ما ورد: “أبى الله إلاّ أن يرزق طالب العلم من حيث لا يحتسب”، وفي بعضها: “إنَّ الله تعالى يقول للأرض لا ترزقي أحداً إلاّ بكد اليمين وعرق الجبين، إلاَّ طالب العلم فإنّي أنا متكفّل برزقه”.
وقد نُقل في كتب الرجال عن حال جملة من العلماء في اشتغالهم في طلب العلم في أضرّ حالٍ من الحاجة، كشيخ الطائفة الطوسي()، والمقدّس الأردبيلي()، والفاضل الهندي()، والملاّ محمّد صالح المازندراني() وأضرابهم من المتأخرين والمعاصرين، وقد بلغوا في العلم مرتبة لا تُنال، وفازوا بسعادته في الأولى والمآل. وفي الحديث “طلب الناس العلم في الغنى وأبى الله إلاّ أنْ يكون في الفقر”.
إلاّ أنّه يكفي مع ذلك أدنى التعرّض في الرزق والإجمال في الطلب وإلاّ فالرزاق هو الربّ، كما قال سبحانه: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}(). ولعلَّ نفس طلب العلم تعرّضٌ للرزق، كما ورد في الحديث: “مَنْ فتح باب داره، وبسط بساطه فقد تعرّض لرزقه”.
ومع ذلك إذا أمكن الجمع بين الطلب للعلم والاكتساب خصوصاً بأعمال الأنبياء كان ذلك من أحسن الأعمال وأجمل الأشياء. كما نُقل عن ثاني الشهيدين() أنَّه كان يحتطب ليلاً لعياله ومعيشته، وعن السيّد الجليل العالم الربّاني السيّد هاشم الحلّي أو البحراني() إنّه كان عمله الاحتطاب المترفّع عمّا في أيدي الناس والمتنزه عن الأكل من بيت المال والصدقات.
فقد أوحى الله عزّ وجلّ إلى نبيّه داود على نبيّنا وعليه السلام: “يا عبدي يا داود لا عيبَ فيك إلاَّ أنّك تأكل من بيت المال فسأل الله عزّ وجلّ أنْ يرفعه عن ذلك فألانَ له الحديد، وعلّمه صنعة الدروع”().
وكان ولده سليمان (عليه السلام) مع عظم ملكه يعمل سفائف الخوص. وهكذا ما علم من حال النبي (صلّى الله عليه وآله)، وحال أمير المؤمنين وأولاده (صلوات الله عليهم أجمعين).
الشرط الرابع
وجود الزوجة
ويشترط وجود زوجة يغدو عليها ويروح بقدر ما يدفع بها العلاقة الشهوية، ويكسر بها قوّة الشهوة الحيوانية، فإنّه مع عدمها ربّما أدّى ذلك إلى شغل البال بالبلبال، فصار عليه ما يطلبه وبالاً بلا إشكال. ولا ينهمك بذلك بحيث يؤدّي إلى صرف عمره الشريف فيما لا يُعتنى بشأنه من الملاذّ الدنيوية، فيكون مضيعاً لما كان يرجوه من طلب السعادة الأبديّة.
وهو وإنْ ورد الشرع باستحبابه واستحباب كثرة الطروقة، إلاَّ أنّه بحيث لا يعارض فوات العلم وتحصيله. والمطلوب في الشرع عدم الإسراف في جميع الأشياء. وقد جاء في المثل: “ذبح العلم على فروج النساء”.
وقد يقوم مقام الشرط الثاني الصوم، كما قال (عليه السلام): “من استطاع فليتزوج ومن لم يستطع فليصم”، ورياضة النفس بالجوع وغيره، ممّا يوجب كسر الشهوة الحيوانية والإقبال على الله عزّ جلّ بالعبادات الشرعية، ومع ذلك كلّه فيه فوات السُنّة، وثواب ما يترتب على النكاح من الجزاءات الشرعية والعقليّة. وقد قال (صلّى الله عليه وآله): “النكاح من سنّتي ومَنْ يرغب عن سنّتي فليس منّي”، وقال: “مَنْ تزوّج حفظ ثلثي دينه، فليتّق الله في الثلث الآخر”.
وكأنَّه أراد بالثلثين طلب العلم والعبادة، فإنّه يحصل التوجّه إليهما. وأمَّا الثلث الآخر فهو بقيّة ما يجب تركه من المعاصي، فتأمّل.
الشرط الخامس
اختيار الأستاذ
يشترط في الاستعداد أخذ العلم والتعلّم عن أستاذ ماهر، محقق مدققٍ، نقّاد سليم الطريقة، معتدل السليقة، غير متبع للأهواء ولا متعصب للآراء، جيّد الإنصاف غير مرتكب لطريق الاعتساف ولا محبّ للخلاف. فقيه عارف، موافق غير مخالف؛ فإنَّ أدب الأديب من مؤدّبه، ورشد الرشيد من المرشد، وعلم المتعلّم من المعلّم، والتلميذ على طريقة أستاذه، (والطبعُ مكتسبٌ من كلّ مصحوب).
واشتراط الأخذ من الماهر لأنَّ غيره جاهل، والجاهل غير واصل، وغير الواصل ضال، فلا يصلح للعلم والهداية، و(ما لا يفيد نفسه لا يُفيد غيره). فيكون طلبُه جهلاً على جهل {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}().
وقد ورد في الحديث: “إنَّ العلم نور يقذفه الله بجوف من يشاء”. وفي الحديث: “إنّ العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق فلا يفيده كثرة السير إلاَّ بُعداً”().
واشتراط كونه محقّقاً مدقّقاً لعدم وصول غيرهما إلى حقائق الأشياء، وإنّما يأخذ قشوراً يسمّيها أهل العلم علماً ويعدّوه من العلماء. وقد ورد في الحديث: “إنّ العلم نقطة كثّره الجاهلون”()، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “قد أخذ جهلاً من جهّال وضلالاً من ضلاّل قد تسمَّى عالماً، وليس به”.
واشتراط كطونه نقّاداً لبُعده في محال الشبهات والإشكالات عن الاشتباه، لأنَّ المطالب العلمية مع تواردها في خطرات الأذهان كالدراهم المتكثرة التي فيها الصافي والمغشوش، فتحتاج في تمييزها إلى الصيرف النقّاد لاشتباه حالها على أكثر العباد.
فالأستاذ إذا لم يكن بحيث هذه الرتبة كان بعيداً عن النطق بالصواب.
واشتراط سلامة الطريقة؛ فإنَّ غيره غير هادٍ إلى الحقّ فيكون سبباً لاختلال التلميذ، وربّما يتمكن فيه من الشبهات، بحيث لا يمكن أنْ يزيلها عنه غيره من أهل الحق.
وربَّما يشترط أنْ يكون التلميذ كذلك، فإنَّه قد يوقع الأستاذ في الشبهة إذا كان في الجملة ممّن يعرف طريق الاستدلال والبحث، كما عُلمَ عن حال الأستاذ الأكبر العلاّمة البهبهاني مع أستاذه السيّد صدر الدين الكاظمي، فإنّ الأستاذ الأكبر كان في أوّل نشوئه أخباريّاً، وكان السيّد صدر الدين أصوليّاً، فلمّا تتلمذ على السيّد انقلب الأستاذ أصوليّاً بحتاً، والسيّد أخبارياً، لانتقاش الحقّ في ذهن التلميذ، ووقوعٍ للشبهات التي ألقاها عليه تلميذه وتمكّنت منه، فلم يهتدِ إلى التخلّص منها().
واشتراط كونه معتدل السليقة فإنَّ الأستاذ إذا كان معوج السليقة للأخذ بطرق الإفراط والتفريط كان سبباً لاعوجاج التلميذ في الاستدلال والسلوك على غير الجادة (والطبعُ مكتسبٌ من كلّ مصحوب)، و(لا تربط الجرباء حول صحيحة). والطبائع الحيوانية من هذه الجهة متساوية بغير مزية.
واشتراط كونه غير متتبع للأهواء ولا متعصّب للآراء للزومه النطق بخلاف الحقّ، فلا يهتدي إلى الحقّ ولأنّه يكون مسبوقاً بشبهة، فلا يحصل له العلم، ولو كانت المسألة إجماعية أو متواترة.
واشتراط كونه جيّد الانصاف غير مرتكب لطريق الاعتساف ليحصل له العلم بوصول التلميذ إلى المطالب العلمية ليكون على بصيرة من تعلّمه واكتسابه، وإلاّ لم يحصّل فائدة الطلب والتعلّم.
واشتراط كونه فقيهاً عارفاً فإنَّ المطلوب في هذا العلم تحصيل الملكة في الفقه. وللفقاهة طبع ومذاق لا يعرف إلاّ من قبل الأستاذ الفقيه العارف، وإلاّ لأمكن تحصيل الفقه بالنظر إلى كتب الاستدلال، خصوصاً جوامع المتأخرين، فلا يحتاج إلى البحث الأستاذ والتعليم، لأنَّ كلّ مشتغل لا إشكال عنده مقدار ما يفهم به كلام الأصحاب، وما ذكروه في كلّ باب، إلاّ أنّ طبع الفقاهة، ولسان الفقيه ومذاقه في الدخول والخروج في المسائل وأدلتها أمرٌ آخر غير مسطور في الدفاتر (وفي الحُميّة معنى ليس في العنب)، ولأنّ حكيتَ فقد فاتك الشنب().
واشتراط كونه موافقاً غير مخالف لكون غيره ناطقاً على خلاف الحقّ، وبعيداً عن الصواب، وإنْ أصاب. وقد ورد في تفسير قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}، أي إلى علمه عمّن يأخذه. ولهذا أمر الأئمة (عليهم السلام) بالرجوع إلى أصحابهم، وإلى رُواة حديثهم. وقوله في الحديث القدسي: “يا موسى لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً في دنياه”()، وهو أعم من العلم والعمل.
وفيما رواه علي بن سويد، قال: كتبتُ إلى أبي الحسن، وهو في السجن فكتب: “وأمّا ما ذكرتَ يا عليّ عمّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا فإنّك إنْ تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين”().
وعن أحمد بن حاتم قال: كتبتُ إليه (يعني أبا الحسن الثالث)() أسأله عمّن آخذُ معالم ديني وكتبَ أخوهُ أيضاً بذلك، فكتب (عليه السلام): فهمتُ ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسن في حبّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله().
وعن محمّد بن صالح الهمداني قال: كتبتُ إلى صاحب الزمان (عليه السلام) إنَّ أهل بيتي يقرعوني بالحديث الذي ورد عن آبائك (عليهم السلام) أنّهم قالوا خدّامنا وقوّامنا شرار خلق الله، فكتب: ويحكم أما تقرأون ما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً}، فنحن والله القرى التي بارك الله فيها، وأنتم القرى الظاهرة().
وفي آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال للحسين البصري: نحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عزّ وجلّ لمن أقرّ بفضلنا حيث أمرهم الله أن يأتونا فقال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً}، والقرى الظاهرة الرسل، والنقلة عنّا إلى شيعتنا، وشيعتنا إلى شيعتنا().
وعن أبي البختري عن الصادق (عليه السلام): “إنَّ العلماء ورثة الأنبياء وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنَّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنَّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”()، إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الحكومة والاستفتاء، كقوله (عليه السلام) في روايتي أبي خديجة، وعمرو بن حنظلة: “انظروا إلى رجل منكم”، الحديثين.
وقوله (عليه السلام) لابن أبي يعفور، قال: قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام) أنّه ليس ألقاك كلّ ساعة، إلى أنْ قال: فقال: وما يمنعك من محمد بن مسلم الثقة فإنّه قد سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً؟().
وفي التوقيع عن صاحب الزمان (عليه السلام): “وأمَّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم، وأنا حجّة الله”. وأمّا محمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنّه ثقتي، وكتابه كتابي().
وعن أبان بن عثمان أنَّ أبا عبدالله (عليه السلام) قال له إنَّ أبان ابن تغلب قد روى عنّي حديثاً كثيراً، فما رواه لك عنّي فاروه عنّي(). وفيما روي عن أبي محمّد الحسن ابن علي (عليه السلام) أنّه سُئلَ عن كتب بني فضّال، فقال: “خذوا بما رووا ودعوا ما رأوا”().
وفي رواية شعيب العقرقوفي قال: قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام): “ربّما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال عليك بالأسدي”، يعني أبا بصير().
وعن المفضل بن عمرو أنّ أبا عبدالله (عليه السلام) قال للفيض ابن المختار في حديث: فإذا أردتَ حديثنا فعليك بهذا الجالس، وأومى بيده إلى رجل من أصحابه فسألتُ أصحابنا عنه، فقالوا زرارة بن أعين().
وعن سليمان بن خالد قال سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ما أجد أحداً أحيى ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام) إلاَّ زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا. هؤلاء حُفّاظ الدين، وأمناء أبي (عليه السلام) على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة().
وفي رواية يونس بن يعقوب، قال: كنّا عند أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال: أما لكم من مفزع، أما لكم من مستراح تستريحون إليه ما يمنعكم من الحرث بن المغيرة النظري().
وعن مسلم بن أبي حيّه، قال: كنتُ عند أبي عبدالله (عليه السلام) خدمته فلمّا أردتُ أنْ أفارقه ودّعته، وقلتُ أحبّ أنْ تزوّدني، فقال: “ائت أبان بن تغلب فإنّه قد سمع مني حديثاً كثيراً، فما رواه لك عنّي فاروه عنّي”().
ومثله في رواية مسلم عنه (عليه السلام)، وفي رواية عبد العزيز، والحسن بن علي بن يقطين عن الرضا (عليه السلام)، قال: قلتُ لا أكادُ أصل إليك أسألك عمّا أحتاج إليه من معالم ديني أفيونس بن عبد الرحمن ثقة أخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني، فقال: نعم().
وفي رواية عليّ بن المسيب الهمداني قال قلتُ للرضا (عليه السلام) شقّتي بعيدة، ولستُ أصل إليك في كلّ وقت فعمّن آخذ معالم ديني قال من زكريّا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا().
وفي رواية جميل بن درّاج قال سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: بشّر المخبتين بالجنّة، بريد بن معاوية البجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمّد ابن مسلم، وزرارة. أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء إنقطعت آثار النبوّة، واندرست.
وفي آخر عنه (عليه السلام) أنّه قال: “لولا زرارة ونظراؤه لظننتُ أنّ أحاديث أبي (عليه السلام) ستذهب”(). وفي آخر قال قال: أبو عبدالله (عليه السلام): “رحم الله زرارة، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي”().
وفي حديث عن جميل بن درّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه ذمّ رجلاً، وقال إنّه ذكر أقواماً كان أبي ائتمنهم على حلال الله وحرامه، وكانوا عَيْبَة علمه، وكذلك هم عندي اليوم، إلى أن قال قلتُ: مَنْ هم، قال: بُريد، وأبو بصير، وزرارة، ومحمّد بن مسلم().
وما دلَّ على عدم جواز رد ما نقله أصحابهم ما حكموا به كروايتي أبي خديجة، وعمرو بن حنظلة السابقتين، وفي رواية يونس بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال: أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لك أنْ تردّه.
وفي التوقيع عن القاسم بن العلاء، عن صاحب الأمر (عليه السلام) أنّه قال: فإنّه لا عذر لأحدٍ من موالينا في التشكيك فيما ترويه عنّا ثقافتنا.
وعن أبي بصير قال قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام) أرأيت الراد على هذا الأمر كالرادّ عليكم؟! فقال: يا أبا محمّد من ردّ عليك هذا الأمر فهو كالرادّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعلى الله عزَّ وجلَّ().
وفي رواية عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سألته وقلتُ من أسأل وعمّن آخذها، وقول مَنْ أقبل؟ فقال: العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعني يؤدّي، وما قال لك عنّي فعني يقول: فاسمع له وأطعْ فإنّه الثقة المأمون(). وفي آخر أنّه سئل أبو محمّد عن مثل ذلك، فقال: “العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤديان، وما قالا لك عنّي فعنّي يقولان، فاسمعْ لهما وأطعهما، فإنَّهما الثقتان المأمونان”.
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الحثّ على بث الحديث وتعليم العلم وبثّه وكتابة الحديث من الشيعة وتوريثه من آخرين.
وما ورد في الأمر بالمبادرة إلى تعليم الصبيان وتأديبهم وتلقينهم حبّ آل محمّد، كما ورد في رواية جميل بن درّاج، وغيره عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: “بادروا أحداثكم بالحديث قبل أنْ يسبقكم إليهم المرجئة”().
وفي رواية الهروي عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) أنّه قال: رحم الله عبداً أحيا أمرنا، قلتُ كيفَ يحيي أمركم؟! قال يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس فإنَّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا().
وعنه (صلّى الله عليه وآله): رحم الله خلفائي، قيل: يا رسول الله ومَنْ خلفاؤك؟ قال الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنّتي، ثمّ يعلّمونها أمتي().
وعن الصادق (عليه السلام) في قوله الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، قال: “هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحملون به إلينا فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتّى يدخلوا إلينا فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم فيعيه هؤلاء ويضيّعه أولئك، فأولئك الذين يجعل الله لهم مخرجاً، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون”()، إلى غير ذلك.
فإنَّ هذه الروايات، وإنْ كان ظاهرها الدلالة على أخذ الحديث من الموافق، إلاّ أنّها دالّة بضمّ بعضها إلى بعض من أمر الحكومة والفتيا وتعليم العلم المستند إلى أهل البيت (عليهم السلام) على ما هو أعمّ من رواية الحديث أو استنباط ما يستنبطه العالم والفقيه من كلامهم، وردّ بعضه ـ من عامّه وخاصّه، ومطلقه ومقيّده، ومنطوقه ومفهومه، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وظاهره ومؤوله، وحقيقته ومجازه، ورمزه وخافيه، وما صدر لتقية أو غيرها، ـ إلى بعض، وردّ كلّ فرع إلى أصله ممّا أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه.
كما يدلّ على ذلك صريح الروايات والآيات الدالة على الأمر بالنفر، والتفقّه في الدين، والردّ إلى المستنبطين من العلماء وكما ستأتي مفصّلة.
فلا يجوز الأخذ من المخالفين، والتفقّه عليهم، خوفاً من الدخول في شبهاتهم من الفروع والأصول، إلاّ لمن كان على ثقةٍ من دينه ونفسه. كما وقع لكثير من علمائنا السابقين في حضور مجالس المخالفين، إمّا للتقيَّة أو لإحقاق الحقّ، كما وقع من المفيد، والمرتضى، والعلاّمة، والشهيدين().
ومع أنّه قد وقع ما وقع من صدور بعض الأشياء ممّا يوافق أصول العامّة، ويخالف أصول العدلية غفلة عن حقيقة الحال كقولهم: “إنّ السبب ما يلزم من وجوده الوجود لذاته، ومن عدمه العدم”، وقولهم في حجية الاستصحاب: “إنَّ ما ثبت دام”، غير ذلك من المسائل الداخلة عليهم من مخالطة الحكماء والمتكلّمين من أنّ “الواحد لا يصدر منه إلاّ واحد”، ومن القول بقدم المشيئة والإرادة، وجواز تقليد الأموات، والقول بالوعيد، والاحتياط، والقول باشتراط دخول العمل من الأوامر والنواهي في الأيمان، وخروج صاحب الكبيرة عنه كما يقوله المعتزلة، وغير ذلك.
نعم يجوز أخذ القواعد والعلوم التي لا دخل لها في أصول العدلية من أصول العقائد، والأصول الفقهية من علوم العربية والأدبيّة، وما يقرب من ذلك إلاّ لأجل الإطلاع على معرفة مذاهبهم، وقصد اجتنابها، وإرادة النقض عليها و النظر فيها، فتأمّل.
الشرط السادس
مناظرة العلماء والمباحثة مع أرباب العلم
يشترط في الاستعداد وتحصيله مناظرة العلماء وكثرة المباحثة مع أرباب العلم من القرناء والأساتيذ والفضلاء، فإنَّ ذلك من جملة موازين الفكر والنظر، ومعرفة الصحيح منها والفاسد، والإصابة والخطأ.
فإنّه مع حصول الموافقة يحصل له الاطمئنان بوصوله والوثوق من نفسه، ومع المخالفة فإنّه مع المناظرة معهم فإمّا أنْ يرجعوا إليه أو يرجع إليهم، فيكون ذلك أوثق بالوصول إلى الحقّ “فإنّ المؤمن مرآة أخيه”(). وقوله (عليه السلام): “خذ العلم من أفواه الرجال”(). مع أنّ العلم كسائر الأرزاق، ولا يعلم اقتران حصوله بأيّ سبب، فينبغي الجدّ والطلب في تحصيله.
وحيث أنَّ كلّ أمر مرهون بوقته، ولكلّ شيء أجل وكتاب، ولكلّ مطلب سبب، من الأسباب فرُبّما يُحصّل العلم في حال المطالعة ما لا يحصّله في الدرس، ويحصّل في الدرس ما لا يحصله في حال المطالعة، وقد يحصل بالمناظرة وحالة التدريس ما لا يحصّله فيهما، وربّما يحصّل في حالة الكتابة ما لا يحصّله في مقام آخر.
وكلّ ذلك إذا كان المطلوب من السؤال والمناظرة التفقه في الدين وطلب المعرفة. وأمّا إذا كان المقصود منه المجادلة والختل مع أنّه مذموم، كما ورد في جملة من الروايات في النهي عنه والأمر بالمجانبة عن مثله فإنّه لا يزداد بذلك عن الحقّ إلاّ بُعداً.
لأنّه ربّما أخرجه الجدال إلى التعصّب والعناد فينكر حقّاً، ويقيم الحجّة على إقامة الباطل. وربّما أوقعه ذلك في الشبهة التي لا خلاص له منها ولا محيص عنها فتورده الهلكة، وينحرف عن الطريق المستوي الذي كان متصدّياً لطلبه من التفقه في الدين وحصول الاستعداد إلى ملكة الاجتهاد الموجبة للوصول إلى تحصيل الأحكام الحقّة.
ولهذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: “قولوا ما قيل لكم وسلّموا لما روي لكم، ولا تكلّفوا ما لم تكلّفوا فإنّما تبعته عليكم، واحذروا في الشبهة فإنّها وضعت للظنة. وقد ورد في الحديث: “لحديث واحد تأخذه عن الصادق خير من الدنيا وما حوت من ذهب وفضّة”، وفي آخر: “خير من الدنيا وما فيها”، وفي آخر: “لحديث تصيبه من صادق في حلال وحرام خير لك ممّا طلعت عليه الشمس حتّى تغرب”. ومثله في آخر، مضافاً إلى ما ورد من الروايات الواردة في الحثّ على المذاكرة، كما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: تذاكروا وتلاقوا وتحدّثوا فإنّ الحديث جلاء للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يرين السيف، وجلاؤها الحديث().
وفي رواية يزيد بن عبد الملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “تزاوروا فإنَّ في زيارتكم إحياء لقلوبكم، وذكراً لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض فإنْ أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإنْ تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم”().
وفي رواية جميل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول: “المؤمنون خدم بعضهم لبعض، قلتُ وكيف يكونون خدماً بعضاً لبعض؟! فقال: يفيد بعضهم بعضاً”().
وعن أبي محمد (عليه السلام) في معنى ما روي عن آبائه (عليهم السلام) إنَّ حديثهم صعبٌ مستصعب، لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن(). قال في معناه: إنَّ الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك مثله، ولا يحتمله نبي حتّى يخرجه إلى نبي مثله، ولا يحتمله مؤمن حتّى يخرجه إلى مؤمن مثله إنّما معناه أنْ لا يحتمله في قلبه من حلاوة ما هو في صدره حتّى يخرجه إلى غيره().
وفي رواية الفضيل بن اليسار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) يا فضيل إنَّ حديثنا يحيي القلوب(). وفي رواية محمد بن حكيم قال قلتُ لأبي الحسن موسى: جعلتُ فداك فقّهنا في الدّين فأغنانا الله بكم عن الناس حتّى أنّ الجماعة منّا لتكون في مجالس فما يسأل رجل صاحبه إلاّ تحضره المسألة، ويحضره جوابها فيما منَّ الله علينا بكم.
مضافاً إلى ما ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من أنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة فاطلبوا العلم في مضانّه واقتبسوه من أهله، فإنّ تعلّمه حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعلم به جهاد، وتعليمه مَنْ لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله”()، إلى غير ذلك من الروايات.
فإنَّ هذه الروايات وإنْ دلّت بظاهرها على مذاكرة الحديث إلاّ أنّه ليس المقصود منها تلاوة ألفاظ الحديث دون معرفة معانيها، وما اشتملت عليه من ضروب المعاني والدلالات، وحقائق اللطائف والإشارات، والعمل بموجب الأوامر والنواهي، وسائر الأحكام المتضمّنة للدلالة عليها من المعارف الحقيّة والأحكام الشرعيّة، والمواعظ والعبر المشتملة على وجوب التحلّي بالأخلاق المرضيّة، كما ورد في الحديث:”خبرٌ تدريه خيرُ من خبر ترويه”().
ويدلُّ عليه ما ورد فيما سبق من الروايات من أنَّ فيه إحياءً للقلوب، وما ذكر فيه من التفقّه الذي أقلّ معانيه التفهّم، أو المراد به البصيرة المطلقة في أمر الدنيا والدين، ومعرفة آفاق النفوس وأحوال الآخرة.
وهذا الشرط وإنْ أمكن حصول الاستعداد بدونه إلاّ أنّه لا يحصل إلاّ بمشقة وتعب. ولئن حصل فلا يحصل المطلوب من إرادة تحصيل قوّة الاستعداد الموصل إلى خفيّات المراد، فتأمّل.
الشرط السابع
التدريس والبحث في العلوم
يشترط في تحصيل الاستعداد التدريس والبحث في العلوم الموجبة لتحصيل الاستعداد إلى ملكة الاجتهاد من العلوم الفقهية ومقدّماته من العلوم. فإنَّ في مدارسته وتعليمه مع كونه مستحبّاً ومرغوباً فيه الاطلاع على جزئيات المسائل والأحكام، وعلى كليّات المطالب الموصلة إلى التحصيل التام، والاطّلاع، على حقائقها ومداركها وصحيحها وفاسدها، والمجتمع عليه منها والمختلف فيه، والمشهور منها وغير المشهور، والذي استقرّ الخلاف فيه والذي لم يستقرّ فيه ذلك، والذي حُرِّر حكمه من الفروع وما لم يحرّر، وما قرّر من الأصول وما لم يقرّر.
ولا إشكال أنّه وإنْ أمكن التحصيل بدون التدريس إلاّ أنّه موجب للحثّ على المطالعة والنظر، ومن أعظم الدواعي إلى البحث عن دقائق المطالب في الأدلّة والأحكام والتحقيق والإحاطة في جميع المسائل وموجب لإعادة الفكر والنظر في المسائل.
لا إشكال أنّ جميع ذلك موجب للاستعداد التّام مع ما فيه من طلب الرزق في العلوم في كلّ مقام، وعرض الفكر والنظر على أفكار تلامذته من أرباب الوصول، وهو أحد الموازين الموجبة لتحقيق المأمول، وإيداع العلوم والحكمة عند أهلها، كما ورد في الحديث: “إنَّ تعلّمه لله حسنة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة”(). وقوله: “حتّى يودعوها نظراءهم وأشباههم”، و”إنَّ الحكمة ضالّة المؤمن”(). مضافاً إلى الروايات الدالّة على وجوب المذاكرة والتعليم والإنذار والإفتاء، ونحو ذلك فتأمّل.
الشرط الثامن
الكتابة في العلوم
من جملة الشرائط التي يغلب توقف تحصيل الاستعداد عليها الكتابة في العلوم لحصول التثبت في المطالب العلمية من المسائل الجزئية والكليّة. فإنّ ما يحرّر في الكتاب المطلوب بقاؤه في الأعقاب ليس كالذي يقرّر من المطالب العلمية المقصود منه بيان ما يمكن من الاحتمالات العقلية والخطرات الفكريّة المنبئة على عدم الاستقرار. إلاّ ما يقصد به العلم من الفتوى والحكومة بعد استفراغ الوسع التام.
هذا مع ما في الكتابة من حفظ العلوم عن دآء النسيان وصونها عن الزيادة والنقصان، وتوريثها لمن يأتي بعده من الطلاب ودوام النفع بعلمه في سائر الأعقاب.
ولولا الكتابة لما عرفنا ما عليه أئمتنا وأصحابهم، ولا ما عند قدماء أصحابنا من العلماء، ولا مَنْ تقدّم علينا، “فإنّهم وإنْ بعدوا وغابوا عنّا في الصدور، فقد جمعت ما بيننا وبينهم السطور”. وقد ورد في الحديث ما يدلُّ على جميع ما ذكرناه.
كما روي عن حسين الأحمسي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “القلب يتّكل على الكتابة”(). وفي رواية أبي بصير قال: “سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: “أكتبوا فأنتم لا تحفظون حتّى تكتبوا”(). وفي رواية المفضّل بن عمر قال، قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): “اكتب وبثّ علمك في أخوانك فإنْ مت فأورث كتبك بنيك فإنّه يأتي على النّاس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم”().
وفي رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام): “احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها”(). وفي رواية محمد بن الحسن قال قلتُ لأبي جعفر الثاني إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر أبي عبدالله (عليهم السلام)، وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم تروَ عنهم، فلمّا ماتوا صارت تلك الكتب إلينا فقال: “حدّثوا بها فإنّها حقّ”(). وفي رواية محمد بن عيسى عن يونس جميعاً قالا: “عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فقال: “هو صحيح”().
وفي رواية أحمد بن أبي خلف، قال: كنتُ مريضاً فدخل عليّ أبو جعفر (عليه السلام) يعودني في مرضي فإذا عند رأسي كتاب “يوم وليلة”، فجعل يتصفحه ورقةً ورقة، حتّى أتى عليه من أوّله إلى آخره، وجعل يقول رحم الله يونس، رحمه الله يونس، رحمه الله يونس”().
وفي رواية داود بن القاسم الجعفري، قال: أدخلتُ كتاب يوم وليلة الذي ألّفه يونس بن عبدالرحمن على أبي الحسن العسكري، فنظر فيه وتصفّحه كلّه، ثمّ قال: “هذا ديني ودين آبائي كلّه، وهو الحقّ كلّه”().
وفي رواية بورق() قال خرجتُ إلى سُرَّ مَنْ رأى، ومعي كتاب “يوم وليلة”، فدخلتُ على أبي محمّد وأريتُه ذلك، وقلت له: إنْ رأيت أنْ تنظر فيه، وتصفّحه ورقه ورقة فقال هذا صحيح، ينبغي أنْ يعمل به().
وعن فران إنّ الفضل بن شاذان كان وجَّهه إلى العراق إلى جُبّ به أبو محمّد الحسن ابن عليّ، وذكر أنّه دخل على أبي محمد، فلمّا أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء فتناوله أبو محمّد ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل فترحّم عليه، وذكر أنّه قال: أغبط أهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان”().
وفي رواية أبي هاشم الجعفري قال: عرضتُ على أبي محمّد العسكري كتاب “يوم وليلة” ليونس، فقال: تصنيفُ مَنْ هذا؟ قلتُ: تصنيف يونس مولى آل يقطين. فقال: أعطاه الله بكلّ حرف نوراً يوم القيامة().
مضافاً إلى ما ورد من الروايات الدالة على تفضيل مداد العلماء على دماء الشهداء، وليس إلاّ للانتفاع الحاصل بمدادهم في كتبهم مدى الدهور والأعوام، على كرور الأزمان والأيام. بحيث يقابل ثوابه الحاصل من انتفاع الأعقاب من العلماء الثواب الحاصل للشهداء بإراقة تلك الدّماء.
وخصوصاً ما رواه أنس قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “إذا مات المؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً فيما بينه وبين النار”().
هذا وظاهر جملة من الروايات المذكورة، وإن كان وارداً في كتابة الحديث، إلاّ أنَّ ظاهر جملة منها المصرّح بالأمر بالكتابة وصريح جملة منها إرادة ما يعمّ كتابة الحديث والفتوى المستندة إلى صريح أحاديثهم، وما أمروا به من الأخذ به، والعمل بموجبه في الكتاب والسنّة والإجماع، والأصول المقرّرة منهم، خصوصاً وعموماً. مضافاً إلى أنّ الظاهر من إطلاق لفظ الكتاب إرادة المصّنف من أصحابهم، كما يدلّ عليه قوله: “وكان من تصنيف الفضل”، وإلاّ فكتب الحديث تسمّى بألسنتهم الأصول، فتأمّل.
الشرط التاسع
العلم بجملة من أصول العلوم الإلهية
يُشترط في تحصيل الاستعداد العلم بجملة من أصول العلوم الإلهيّة، وهي أمور:
الأوّل: علم اللغة، وهي قسمان:
القسم الأوّل: علم اللغة التشريعية، وإنْ شئت سمّها الكونية أو الآفاقيّة، الجارية على ألسن العرب العرباء المنزل على لغتهم القرآن المجيد، والجاري على أكثرها ما ورد من سنّة النبي السعيد (صلّى الله عليه وآله) و أهل التمجيد والتحميد.
والمراد من معرفته التمكّن من فهم علم اللّغة حتّى أراد الرجوع إليه، ولو من أصل وكتاب. والمقدار الواجب منه ما يتوقف عليه فهم الكتاب والسُنَّة لأنّهما عربيّان أصليّان فصيحان غير جاريين على عُرف هذا الزمان، وإن قلنا بعموم خطاب المشافهة لأهل كلّ أوان، إذ الخطاب صادر على عُرف المخاطبين المشافهين، فتكليف الغائبين الرجوع إلى فهم المشاهدين.
ولا إشكال إنّ الاحتجاج بهما موقوف على فهمهما، الموقوف على علم اللغة، وما يتوقف عليه الواجب واجب.
القسم الثاني: معرفة اللغة الشرعية فإنّ في الكتاب من الألفاظ ما هو المقصود منه غير ما يعرف باللغة الأصلية، وإن كان ظاهره جارياً عليها كالحقائق الشرعية والمجازات الشرعيّة والبطون والتأويلات الخارجة عن ظاهر العبارة لابتناء الكتاب على الحقائق واللّطائف والإشارة.
وربّما يكون المقصود منه التأويل، لا ما تعلّق بظاهر التفسير، وفيه المحكم المتشابه، والناسخ والمنسوخ حكماً لا تلاوةً، ومثله الكلام في السنّة، فينبغي الرجوع في ذلك إلى الشرع، والآثار الواردة في ذلك من الكتاب المتضمّنة لمعاني الكتاب والأخبار، أو الرجوع إلى ما هو جارٍ على ألسنة المتشرّعة من المصطلحات الموضوعات، فإنَّ للشارع لساناً آخر، ولغة أخرى لا تخفى على الناقد الخبير.
ولا إشكال إنَّ جملة من وجوه الاستدلال في فروع وأصول موقوفة على فهم هذه اللغة.
الثاني: معرفة النحو لاختلاف معاني ألفاظ الكتاب والسنّة باختلاف الإعراب والبناء. والواجب تحصيل قواعده الكلّية، وموارده الجزئية. وقد وضعه أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك، وعلّمه أبا الأسود الدؤلي(). وهو ينقسم كاللّغة إلى القسمين المتقدمين، فيجب الرجوع فيه في المقامين.
الثالث: معرفة علم الصرف لاختلاف المعاني من الكتاب والسنّة باختلاف الصّيغ والمباني.
الرابع: معرفة علمي المعاني والبيان، فإنّ الكتاب في أقصى مراتب الفصاحة والبلاغة، مثله موجزات الكلم الصادرة في السُنّة من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأكثر كلام الأئمة (عليهم السلام).
ولا إشكال إنَّ دقائق المعاني المقصودة التي تختلف فيها وجوه الاستدلال موقوفة على معرفة دقائق تراكيب البلغاء، فلا يتمُّ المقصود إلاَّ بمعرفة العلم المعهود. ومَنْ رأى اشتراطه في الكمال لا في أصل الاستعداد، فهو بعيد عن السداد. وعموم ما دلّ على وجوب معرفة الآداب، ومعاني القرآن، وحقائق السُنن، ويواطن الإشارات من الأخبار دلّ عليه.
الخامس: معرفة علم الميزان لتوقف الاستدلال بالأدلة العقلية والنقليّة على العلم بصحة صورة الدليل من البراهين الحملية والاستثنائية الموجبة للعلم بالنتيجة المتوقف على العلم بالقوانين التي يجب مراعاتها في عصمة النظر عن الخطأ. والمتكفّل لبيان ذلك علم الميزان لحصر الأدلّة في العلوم الثلاثة، بدليل الحكمة، ودليل الموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. قال الله تعالى مخاطباً لنبيه (صلّى الله عليه وآله) {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}().
وقد وقع الاحتجاج بالثلاثة في علم الحقيقة، وعلم الطريقة، وعلم الشريعة في الكتاب العزيز، وأشار إلى الأوّل بقوله: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}()، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا}()، {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}()، وأشار إلى الثاني بقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}()، وأشار إلى الثالث بقوله: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}()، فإنّه راجع إلى الشكل الثاني.
وتقريره إنّ الله أنشأ العظام أوّل مرّة بلا سبق لمادتها ولا لصورتها ولا لمثالها ومن أنشأها كذلك قادر على إحيائها وإعادتها ثانية، فالله المنشئ قادر على الإعادة.
أمّا الصغرى فضرورية، وأمّا الكبرى فبالأولويّة القطعيّة. لأنَّ الإعادة في المتعارف أهون من الإنشاء، وإن كان بالنسبة إلى قدرته سواء. وقال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}()، وهو راجع إلى قياس استثنائي() لأنّه يُرجع التقرير إلى أنْ يُقال (لكنّه لم يفسد)، فلا تعدّد. والقرآن مشحون بالاستدلالات المنطقية، والقياسات الحملية() والاستثنائية.
إلا أنّه لمّا كان مرجع الدليل الأوّل في الاستناد إلى الفؤاد، وهو النظر إلى الوجود، ومرجع الثاني إلى القلب لم يمكن الاستدلال بهما في علم الشريعة، إذ لا يُدرك حقيقة الأحكام من حيث الوجود وتصفية القلب إلاّ معصوم.
مع أنّهما أخفى الطرق الإلهية، فلا يكونان شريعة لكلّ وارد، بخلاف الدليل الثالث فإنّ مستنده العقل سواءً كان عقلياً صرفاً، أو نقليّاً، مركّباً من عقلية ونقلية. لأنَّ الدليل لا يكون نقليّاً محضاً لأن النقلي المحض جعليّ صرفاً. ولا ملازمة بين المقدّمات الجعلية وبين نتائجها ما لم تكن إحدى مقدمات الدليل عقلية. ومن هنا لمّا كان سهل الوصول جعله الشارع طريقاً لعلم الشريعة كما جعله طريقاً للمعارف الإلهية.
نعم يبقى الكلام في معرفة صحة هذه الأدلة من حيث المادة لاشتراط صحّة الإنتاج على صحّة صورة الدليل ومادّته. أمّا معرفة صحّة الصورة فقد يكفلها علم الميزان، وأمّا صحّة المادة حيث لم تنضبط المواد والمطالب لم يجعل لها قانوناً خاصاً في علم خاص.
ونحن إن شاء الله نلتزم في هذا الفن بيان قواعد كلّية يرجع إليها في تصحيح كلّ مادة، وهي العمدة في تصحيح الاستعداد لملكة الاجتهاد. ومَنء رأى أنّ تعلُّمَ هذا العلم بدعة، فقد عدل عن الكتاب والسُنّة بلا إشكال، ومنْ رأى أنّه غريزي طبيعي في الاستدلال لمجبولية طباع العوام على وجوه الاستدلال فقد خرج عن الاعتدال، ومَنْ رأى أنّه لا ملازمة بين المقدمات القطعية الصحيحة في الترتيب، وبين نتائجها فهو في ضلال، وقتل نفسه لاحتياجه في إثبات ما ادّعاه إلى العلم بكيفية الاستدلال.
السادس: معرفة علم الكلام لتوقف جملة من المسائل الأحكامية وأدلّتها على العلم بقواعد متعلّقة في مباحث الأمور العامّة من مسائل الوجود والماهيّة والقدم والحدوث والإمكان، وكون الممكن مفتقراً إلى العلّة في بقائه كوجوده، وأنَّ العلّة في الافتقار في الإمكان أو الحدوث، وجملة من قواعد العلّة والمعلول وجواز توارد علّتين على معلول واحد واستحالة اتحاد الحقائق النوعية وانقلابها وعدمها واتحاد مختلفي الحقيقة في الخارج في فرد واحد، وحلول الشيء الواحد في محلّين واتّصاف شيء واحد بصفتين متضادتين، وغير ذلك ممّا يتعلّق في مباحث الجواهر والأعراض، غير ما يتوقف عليه العلم من مباحث الإلهيات من الوحدانية والعدل، وقواعد العدل من وجوب اللطف، وحُسن التكليف وشرائط المُكلِّف والمكلَّف والمكلَّف به، إلى غير ذلك ممّا يتوقف عليه جملة من الأحكام الشرعيّة، والاستدلال عليها لا لخصوص توقّف معرفة الأحكام، والتصديق بها على معرفة المكلّف والصانع، فإنّ ذلك ليس مقصوراً على علم الكلام، بل علمُ الحكمة أولى به، مع أنَّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.
السابع: معرفة أصول الفقه، ومعرفته أهمّ الأشياء على الفقيه في هذا الزمان لقصر أدلّة الفقه على الكتاب والسنّة والإجماع وأدلّة العقل، واشتمال الكتاب والسُنّة على الألفاظ المشتملة على الحقيقة والمجاز والاشتراك اللفظي والمعنوي والمتواطي والمشكك، والنقل والإضمار، والمترادف، والأسماء والأفعال والحروف والمفردات والمركبات، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبيّن، والمحكم والمتشابه، والنص والظاهر والمُؤوّل، والمنطوق والمفهوم المخالف والموافق، والعبارة والإشارة، والحقائق والدقائق، والرموز والخفاء، والجلاء، والرخص والعزايم، والناسخ والمنسوخ. ولكلّ من هذه أوضاع وأحكام وشرائط يجب معرفتها.
وكذلك معرفة الإجماع وموضوعه وأحكامه وحُجّيته، والأدلة العقلية التي يجوز التمسك بها والتي يمتنع، كأصل البراءة والاستصحاب والقياس، والمتكفّل لبيانها علم الأصول. بل معرفته أولى ما يتوقف عليه الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد، وإن كانت متعلّقة بمعرفة أمورٍ كلية، والمطلوب من الملكة الانتقال إلى الأمور الجزئية المتوقّف عليها كلّ فرع بخصوصه إلاّ أنّه هو السبب التام إلى الانتقال بحسب قواعده إلى مدارك الأحكام وإنكار علماء الحديث والأخبار لمعرفة هذا العلم أشدّ الإنكار باعتبار حدوث تدوينه ناشئ من قلّة التدبّر في الآثار الصادرة عن الأئمة الأطهار الدالة على وجوب مراعاة الأمور في معرفة الأحكام الشرعية، وما قرّره الأئمة من الأصول العقلية والنقلية لمعرفة الأحكام الفرعية.
فحدوث التدوين لا يدلُّ على حدوث التكوين. هذا مع أنّ تدوين أكثر العلوم الشرعيّة حتّى الفقهية إنّما حدث في آخر أزمنة الأئمة ومن بعدهم، فيلزم أن تكون أكثر علوم الإسلام بدعة. ولا إشكال في فساده، وغناء جملة من العلوم عنه، لتلفيق مسائله من علوم متفرقة مع أن أكثر مسائله لم تدوّن في تلك العلوم، ولا يوجب الغناء عنه، بل يؤكد الافتقار إليه والتعويل عليه.
الثامن: معرفة علم الرجال لتوقف الاستدلال بالاختيار على معرفة ما هي حجة منها كالصحيح والحسن والموثّق وغير الحجّة كالضعيف، وهو موقوف على العلم بأحوال الرواة في الجرح والتعديل للأمر في الأخبار بالرجوع إلى العمل إلى الأصدق والأورع والأفقه والأوثق، والرّجوع إلى الثّقة والمأمون كما في مقبولة عمرو بن حنظلة وغيرها، ومعرفة الكذابين والمدلّسين، ومعرفة طبقات الرجال، وأصحاب الأئمة والمشاهد وغير المشاهد والمُعاصر وغيره، ومَنْ روى عمّن لم يروِ عنهم ومعرفة المقرّب عندهم ورتبته وعلوّ قدره.
كما قال (عليه السلام): “أعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا”، وفي آخر “أعرفوا منّا منازل النّاس”، وفي آخر: “أعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا”()، بعد الروايات السابقة الآمرة بالرجوع إلى مثل زرارة، وأبان ابن تغلب، ويونس، ومحمّد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد بن معاوية، والحرث بن المغيرة()، وغير ذلك ممّا دلَّ عموماً وخصوصاً قوله: “وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله”().
فإنَّ الأمر بالرجوع إليهم موجب للعلم بمعرفتهم والإطلاع على أحوالهم فإنّا لم نؤمر في كتاب ولا سنّة باتباع كلّ ناعق. أمّا الأوّل فلقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}(). وأمّا الثاني: فللروايات السابقة الدالة على تفسير قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}()، وقوله (عليه السلام): “لا تأخذن دينك عن غير شيعتنا”.
فإنّ المراد بشيعتهم خصوص الإمامية، وما عداهم إمَّا مقطوع بعدم إرادته كالمخالفين وغير الإمامية، أو مشكوك فيه. وعلى كلّ حال فلا يجوز الرجوع إليه.
مضافاً إلى خصوص النواهي الدالة على المنع من الرجوع إلى الواقفية() والفطحية() وغيرهم من باقي الفرق، والنهي عن مخالطتهم ومجالستهم. بل في مكاتبة أحمد بن حاتم وأخيه التصريح في إرادة العدول وأهل المعرفة من الشيعة بقوله: “فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا فإنّنا كافوكما”.
فالتشكيك من بعض الأخبارية() في عدم الاحتياج إليه لعدم معرفة العدالة المذكورة في علم الرجال مع اختلاف العلماء في موضوعاتها وارتداد أكثر الرواة ورجوعهم إلى الحق مع عدم العلم بتاريخ صدور الروايات حالة الارتداد، أو الرجوع.
وإنّ العدالة من الكيفيات النفسانيّة التي لا تثبت بالشهادة ولا بالخبر، وأنّها شهادة فرع الفرع فلا تقبل. واختلاف العلماء في اعتبار التعدّد في قبول التزكية والجرح وعدمه واختلافهم في أسباب الجرح والتعديل وفي القبول مع الإطلاق في أحدهما أو فيهما، وعدم العلم بالعدل والمجروح غالباً لاشتراك الرجال بالأسماء وأسماء الآباء والأجداد والألقاب أو الكنى والأنساب، ووقوع الاشتباه في تحريف بعض الأسماء كما في بريد ويزيد، والاشتباه بين عمر وعمرو، ووقوع الاشتباه في الطبقات، والتحريف في الأسانيد والسقوط وغير ذلك، فلا يجدي الرجوع إلى معرفة أحوال الرجال مع قيام احتمال القدح ممّا ذكر، فهو من التشكيك في مقابلة الضرورة.
التاسع: معرفة علم التفسير، خصوصاً فيما يتعلّق من الآيات في الأحكام الشرعية، والمعروف أنّها خمسمائة آية. وقد دوّنها جماعة من العلماء كالراوندي في فقه القرآن، والمقداد في كنز العرفان، وابن المتوّج في آياته، والأردبيلي في زبدة البيان، والكاظمي في مسالك الأفهام، والجزائري في الشافية، وقد اشتملت عليها أكثر الكتب الاستدلالية. والأقرب عدم الانحصار بل الاستدلالات بالكتاب والسنّة تتزايد باختلاف الأفهام والأنظار على مرّ الدهور والأعصار، “وكم ترك الأوّل للآخر”، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ}()، والقرآن: (فيه تبيان كلّ شيء)، “فلا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه”، كما في صريح كلام الأئمة الأطهار.
ولا إشكال إنَّ الاستدلال به موقوف على العلم بمحكماته ومتشابهاته، وناسخه ومنسوخه، وظاهره ومُؤوّله، وباطنه وخافيه. وقد تواترت الأخبار بالأمر بالعرض على الكتاب المجيد، وهو موقوف على معرفة ما اشتمل عليه، ولا يتمّ إلاّ بالاطلاع على علم التفسير خصوصاً ما ورد من الآثار عن الأئمة الأطهار.
العاشر: معرفة علم الحديث، خصوصاً الأحاديث المتعلّقة بالأحكام الشرعية والفروع الفقهيّة. والأقوى اشتراط الاطّلاع على جميع ما صدر من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في العلوم المتعدّدة، والموارد الغير المنحصرة من المطالب الآفاقيّة أو الأنفسيّة، وما يتعلّق في أصول وفروع، أو إلهي، أو رياضي، أو طبيعي أصولاً وفروعاً على ما تضمنته جوامع أصحابنا الكبار من تأليفات المتقدمين والمتأخرين، وغيرها من المؤلفات الصغار، فإنّها البحر الذي يردُ منه كلُّ وارد، وينتهي إلى شريعته كلّ قاصد، وأنّ العلوم المعصومية محصورة بالاطّلاع عليها والأنظار من كلّ فريق طامحة إليها، وهي الحُجة الواضحة والأعلام اللائحة، وهي العمدة في هذا المقام ومنها يحصل المرام، والتوفيق التام، بل هي العمدة والمعتمد في هذا الباب، والمعوّل عليها في فصل الخطاب إلاّ إذا عارضها ما هو أقوى منها، وإلاّ فهي سفن النجاة المذخورة بأنواع السعادات، والمنجية من ظلم الجهالات. وما من حكمة إلاّ وفيها صفوها، ولا حقيقة إلاَّ وفيها أصلها. بل هي شرع العلوم وموردها ومنشأ الحكمة ومولدها، ومنها ظهرت الحقائق ومكنوناتها، وعنها صدرت فرائض الشريعة ومسنوناتها.
كيف لا، وقد ظهرت من أزمّة الحق وألسنة الصدق وأئمة الدين، ونجوم العالمين، وقد تظافرت السيرة من علماء الحديث والأصول في الرجوع في مقام الاستدلال إليها، وقام الإجماع على التعويل عليها وقد أمرونا (عليهم السلام) برواياتها وكتابتها وتأليفها وتصحيحها وتزييفها()، هذا مع أنَّها شفاء لما في الصدور، ونور للإيصال إلى المطالب العلميّة فوق نور.
ولا إشكال أنَّ حصول الاستعداد في الاطلاع عليها والغور في مظانها ومعانيها، وفهم حقائقها وإعطاء النظر فيها حقّه وإمعان الفكر فيها وإعطائه حقّه ومستحقه يوجب الوصول التام في مقامات الاستدلال إلى ما لا يصل إليه قبل أفضل العلماء الأعلام. ولا يزال الاستدلال بها يتزايد على مرّ الدهور والأعصار فلا يقنع بالقصور والاقتصار على بعض الكتب منها ولا على ما ظهر من العبائر والاعتبار.
الحادي عشر: معرفة علم الفقه من عبادات ومعاملات وعقود وإيقاعات وأحكام، ومعرفة قواعده وكليّاته وجزئياته، ومعرفة وجوه الاستدلال في مسائله والاطلاع على المجمع عليه، والمشتهر والمختلف فيه، وما لم يذكر أو يسطر أو يحرّر أو يقرّر ليعرف كيفيَّة الاستدلال، والدخول والخروج في مسائله، واستخراجه من دلائله وربّما توقف فهم أكثر الآيات القرآنية والأحاديث المعصوميّة على معرفته للأمر بالتفقّه في الدين، وأنّه “لا خير في عبادة لا فقه فيها”() وإنَّ: “التاجر فاجر ما لم يتفقه”() وللأمر بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب، وبما أجمعت عليه الطائفة من أهل الحق والصواب، وهو أقرب الشرائط وأولاها في تحصيل الاستعداد إلى ملكة الاجتهاد.
وهذه الشرائط إنّما جعلها الأصوليون من شرائط الاستعداد في ملكة الاجتهاد، ونحنُ قد جعلناه من شرائط حصول الملكة لتوقّف الاستعداد لحصول الملكات العلمية في فروع أو أصول عليها، وبين المقامين بونٌ بعيد.
ومنه يعلم أنّ من تصدّى لدعوى الاجتهاد بدون الإحاطة بهذه العلوم، إلاّ معرفة مقدار ما يحتاج إليه في الاستدلال ولو بالرجوع إلى الكتب الاستدلالية من كتب الأصحاب، مع أنّه طور من التقليد، لا استعداد له لتحصيل ملكة الاجتهاد فرضاً عن دعوى حصول الملكة، فتأمّل.
الشرط العاشر
الإحاطة بالقواعد الفقهية
يشترك في تحصيل الاستعداد الإحاطة بالقواعد الفقهية والأصول الشرعيّة الثانويّة من القواعد اللفظية الثانية من الشارع بالتواتر أو بالكتاب والسُنَّة أو الإجماع كالعمومات النبوية، والعمومات الصادرة من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) والجارية مجرى القواعد، والقواعد المستنبطة من كلام الفقهاء من موارد الأدلة المتفرقة بحيث قام الإجماع عليها ومعرفة مستندها ومداليلها وموارد مخصّصاتها وما يُعارضها من باب الطّهارات إلى باب الديّات، كقوله (عليه السلام): “خلق الله الماء طاهراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه وريحه”()، وقوله: “جُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا”()، وقوله (عليه السلام): “إذا كان الماء قَدْرَ كُرّ لم ينجسه شيء”()، أو “إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثاً”()، وقوله (عليه السلام): “إنّما الماء من الماء”()، وقوله (عليه السلام): “إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل”() وقوله: “إذا كان لله عليك حقوق أجزأك عنها حقّ واحد، أو شيء أو غسل”()، وقوله (عليه السلام): “ما جرى عليه الماء فقد طهر”()، وقوله (عليه السلام): “كل شيء لك طاهر حتّى تعلم أنّه قذر”()، وقوله (عليه السلام): “ماء الحمّام كماء النهر يطهّر بعضه بعضاً”()، لأنّ له مادّة()، وقوله (عليه السلام): “الماء يُطهِّر ولا يطهَّر”()، وقوله (عليه السلام): “الوضوء غسلتان ومسحتان”()، وقوله (عليه السلام): “يجزيك الصعيد عشر سنين”()، وقوله (عليه السلام): “إنّما الأعمال بالنيات()، ولا عمل إلاّ بنية”()، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ}، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20)}، و”لكل امرئ ما نوى”()، وقوله (عليه السلام): “لا ينقض الوضوء إلاّ ما خرج من أحد السبيلين اللذين أنعم الله بهما عليه”()، (ولا تنقض اليقين إلاّ بقين مثله)()، أو (لا ينقض اليقين بالشك أبداً)()، و(كلّ يابس ذكي)()، و(ما قطعه الحبالة فهو ميتة)()، وقوله (عليه السلام) وقد سئل عن ماء البحر: “الطهور ماؤه والحل ميتته”()، “الحيض دم أسود”()، و”ما أمكن أن يكون حيضاً كان حيضاً”()، “الاستحاضة دم بارد أصفر”()، “النفاس دم أتى مع الولد”()، و”لا صلاة إلاّ بطهور”()، و”لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب”()، و”لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس”()، و”تعاد الصلاة من سجدة”()، و”الصلاة خير موضوع”()، و”الصلاة على ما افتتحت عليه”()، “ومن لم يقم صلبه فلا صلاة له”()، “الصلاة مفتاحها التكبير واختتامها التسليم”()، و”الصلاة ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود”()، “كلّما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر”()، “الإسلام يُجبُّ ما قبله”()، و”إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فليس شكّك فيه بشيء”()، أو “إذا خرجت من شيء وشكّكت فيه فليس شكّك بشيء”، و”لا تعودوا الخبيث منكم”()، و”لا سهو في سهو”، و”لا إعادة في إعادة”()، وقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}، “إنّما جعل الإمام إماماً ليأتم به”()، “من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته”()، “صلّوا على كميش الذكر”()، “الأصل في الدماء الطهارة”()، “الأصل في الدماء السائلة الخبثية”، “الأصل في الدم الخارج من الرحم الحدثية”، “الأصل في الدم الحدثي الحيضيّة”، {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}() {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ}() الآية هي {الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا}()، الآية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}() {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}()، الآية {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا}()، “مَنْ أنَّ في الصلاة فقد تكلم”()، {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}()، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}()، (وإذا أمرتم بشيء فاتوا منه ما استطعتم)، و”لا يترك الميسور بالمعسور”()، و”ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه”()، “لا صيام لمن لم يُبيّت الصيّام من الليل”()، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}()، {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}()، “لا يضر الصائم إذا اجتنب أربعاً”()، “من أفطر متعمداً فليكفّر”، و”إذا قصّرت أفطرت”()، وقوله تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}()،وقوله (عليه السلام): “التقية من ديني”، “لا دين لمن لا تقيّة له”()، وقوله (عليه السلام): “فيما سقت الماء العشر”، و”في الغنم السائمة زكاة”()، {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}()، و{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}()، و{وَءَاَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}()، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}()، {أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}()، (الأقربون أولى بالمعروف) ()، {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ}()، وقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}()، “الطواف في البيت صلاة والعمرة حجّ أصغر()، وقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}()، وقوله: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}()، وقوله: “لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه”()، “إنّما يحلّل الكلام ويحرم الكلام”()، و”المؤمنون عند شروطهم”()، “رفع القلم عن ثلاث”()، “وضع عن أُمتي تسعة أشياء”()، “لا يتم بعد إحتلام”()، و{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}()، {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى}()، “أنت ومالك لأبيك”()، {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}()، {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}()، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}()، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}()، “إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه”()، “لا ينتفع بالميتة بإهاب ولا عصب”()، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}()، و”كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، وكلّ مبيع تلف في زمان الخيار فهو ممّن لا خيار له”()، و”البيعان بالخيار ما لم يفترقا”()، و”الأصل في المعاملة الفساد”()، و”الأصل في العقود الصحّة”()، و”ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده”()، و”لا ضرر ولا ضرار”()، “غبن المؤمن على المؤمن حرام”()، “الأصل في العقود اللزوم والأصل في البيع الحلول”()، و”الأصل في البيع بثمن المثل”()، و”الأصل في البيع أن يكون بنقد البلد”()، {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}()، “لا ربا بين والد وولده ولا بين مسلم وكافر”، و”البيع مثلاً بمثل والصرف يداً بيد”()، “الصلح بين المسلمين جائز إلاّ ما أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً”()، و”الصلح خير”()، و{فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}()، {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}()، {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}()، “لي الواجد يحلّ عقوبته وعرضه”()، و”ما صحّت فيه الولاية صحّت فيه الوكالة”، و”وما صحّت فيه الوكالة صحّت فيه الفضولية”، و”ما تصح إعارته تصحّ إجارته وبالعكس إلاّ المنحة”، و”لا سبق إلاّ في نصل أو خفّ أو حافر”()، و”لا وقف إلاّ في ملك أو ما أريد به وجه الله”()، و”الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها”()، و”لا يجني العبد على غير نفسه”، “منافع الحرّ مملوكة له”، و”لا تضمن منافع الحق التفويت وتضمن الإستيفاء”، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}()، “وما خانك الأمين”()، “يد الله على الشركاء ما لم يتخاونوا”، “لا رهان إلاّ في نصل أو خفّ أو حافر”، و”ما على الأمين إلاّ اليمين”()، و”كلّ ما لا يعلم إلاّ من قبله يقبل قوله فيه”، وقوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}()، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}()، و{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}()، و{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، “النكاح من سنّتي”()، و{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ}()، {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}()، {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}()، و”لا نكاح إلاّ بوليّ”()، {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}()، “المسلمون بعضهم أكفاء لبعض”، {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}()، {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}()، {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}()، {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}()، و”الأصل حرمة الفروج”، “للرضاع لحمة كلحمة النسب”()، “لا مهر لبغي”()، “الولد للفراش وللعاهر الحجر”()، “من تديّن بدين قوم لزمه حكمهم”()، “ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم”()، “لا رضاع بعد فطام”()، “الطلاق بيد من أخذ بالساق”()، “لا طلاق إلاّ بشاهدين”، “خمس يطلقن على كلّ حال”()، “إنّما الطلاق أن تقول لها أنت طالق”()، “من ملك شيئاً ملك الإقرار به”()، “إقرار العقلاء على أنفسهم جائز”()، “الناس أحرار إلاّ من أقرّ على نفسه بالرقية”()، “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه”()، “كلّ مولود يولد على الفطرة”()، “على اليد ما أخذت حتّى تؤدي”()، “من أتلف مال غيره فهو له ضامن”()، “المغرور يرجع على من غرّه”()، “الغاصب يكلف بأشق الأحوال”()، {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}()، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}()، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ}()، {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ}()، و{إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}()، “لا عتق إلاّ في ملك”()، “الساعي بالخير كفاعله”()، “يد المسلمين يد واحدة يذمّ عليهم أدناهم”()، {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}()، {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير}()، {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}()، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}()، {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}()، “كل مسكر حرام”()، “حرمت الخمر لإسكارها”()، “ما كثر دفيفه فهو حلال”()، “كُلْ من البيض ما اختلف طرفاه”()، وقوله: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}()، “الأصل في الحيوان قبول التذكية”()، و”الأصل عدم التذكية إلاّ ما علم تذكيته أو أخذ من يد المسلم أو وجد في سوق المسلمين”()، و”الأصل في اللحوم والجلود الحرمة”، “كلّ ما له فلس فهو حلال”()، “إذا مات فيما فيه حياته فهو ميتة”()، “زكاة الجنين زكاة أمه”()، {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ}() الآية: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}()، {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}()، “من كان له الرد كان النقصان عليه”()، و”لا توارث بين نحلتين أو ملتين”()، و{الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}()، “الولاء لمن أعتق”()، “الإمام وارث من لا وارث له”()، و”بنو الأمهات أولى من بني العمات”، “من نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فإرضوا به حكماً فإنّي جعلته عليكم حاكماً”()، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا}()، و”البينة على من إدعى واليمين على من أنكر”()، “من كان عليه اليمين كان له الردّ”()، “اليد قاضية بالملك”()، “يد الوكيل يد الأصيل”()، “أفعال المسلمين محمولة على الصحة”()، “ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم”()، “كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي أو نصّ”()، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}()، إنّما {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}()، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}()، “أتيتكم بالشريعة السمحة”()، و{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}()، {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}()، {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}()، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}()، “لا شهادة لولد على والده”، و”ادرأوا الحدود بالشبهات”()، و”لا تقيّة في الدماء”()، “القرعة لكلّ أمر مشكل أو لكلّ أمر مشتبه”()، و{الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى}() الآية، {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}()، “لا يقاد والد بولده ولا مسلم بكافر() “الأصل مباشرة العمل”، “الأصل عدم الولاية لإنسان على آخر”()، “الأصل عدم تحمّل إنسان عن آخر”، “الأصل عدم جواز التبرع عن الغير إلاّ ما قام عليه الدليل”، “الأصل فيما دار بين المالية والحقيّة أن يكون مالاً”، و”الأصل فيما دار بين الحقيّة والحكميّة أن يكون حقّاً”، و”الأصل فيما دار بين أن يكون حدّاً أو حكماً أن يكون حكماً”.
الشرط الحادي عشر
معرفة جملة من العلوم الرياضية والطبيعية
ويشترط في كمال الاستعداد معرفة جملة من العلوم الرياضيّة والطبيعية لحصول الربط له في الوصول إلى جملة من المطالب الفقهيّة، والأحكام الشرعية:
1 ـ معرفة علم الهيئة المرتبط بمعرفة القبلة وعلاماتها وانحرافات البلدان بالنسبة إلى الكعبة عرضاً وطولاً، ومعرفة مواقيت الصلوات كالزوال بالنسبة الى الفصول في زيادة الظلّ ونقصانه، وبالنسبة إلى بعض البلدان إلى انعدامه وحدوثه، ومعرفة دخول الليل وغيبة الشمس، وذهاب الحمرة المشرقيّة وذهاب الشفق، ومعرفة نصف الليل، والفجر الصّادق والكاذب، ومعرفة اانتقالات الشمس إلى البروج لمعرفة الأهلّة، والخسوف والكسوف، ومعرفة النيروز والعقرب، والساعات السعدية والنحسية الواردة في سفر أو نكاح.
ومعرفة كروية الأرض بمعرفة تقارب البلدان وتباعدها، ليترتب عليه جواز كون أوّل الشهر في أرض غير ما هو أوّله في بلد آخر. وجواز كون الشهر ثمانية وعشرين يوماً لشخص دون آخر في جواز الإفطار لقوم دون آخرين، واختلاف البلدان في طول النهار والليل، وجواز الإفطار لقوم دون آخرين، وجواز الصلاة في وقت لقوم دون آخرين.
2 ـ معرفة علم الطب للاحتياج إلى معرفة القرن والعَفْل() والعيوب الخَلْقية والمرض المبيح للإفطار، ومعرفة المرض الذي يبيح تصرفات المريض في الأمور المنجزة والذي يجوز معه النكاح والطّلاق، والذي يكون عيباً موجباً لردّ المبيع، والدّم خارج من الرحم في كونه حيضاً أو استحاضة، ومعرفة مخارج الأحكام كمعرفة البلوغ وسنّ اليأس وبقية الأحكام، ومعرفة المني، والفرق بين ماء الرجل وماء المرأة، ومعرفة بعض علامات البلوغ، ومعرفة المذي والوذي والمدي والودي، وغير ذلك.
3 ـ معرفة علم الهندسة ومعرفة علم الحساب والمساحة مثل الجبر والمقابلة، والأربعة المتناسبة، وغير ذلك ممّا يستخرج بواسطة المجهولات كالوصايا والمواريث والأقارير، ومعرفة مساحة الكرّ وتكسيره ومعرفته بحسب الأشكال الهندسية كالمثلث والمربع والمخمس والمسدس والإهليلجي والكروي والمكعب والمحدب والنعلي والهلالي والمعقود والمتسنم، ونحو ذلك.
4 ـ معرفة الصناعة لمعرفة الأحجار والمعادن وما خرج عن اسم الأرضيّة بالاستحالة، وما شكّ فيه من المعادن الأصلية والعمليّة في جواز التيمّم به والسجود عليه وعدمه وغيرها من الرمال والصخور والجصّ والنورة، وجواز استعماله في الأواني ما لم يبلغ الوصول إلى كونه ذهباً أو فضة، وجواز لبسه والصلاة فيه، وجواز التصرّف فيه، وما هو معدن، أو يخرج غوصاً أو نباتاً، وكونه متولداً من أرض أو حيوان كالمسك واللؤلؤ والصدف والعنبر، في نجاسته وطهارته وجواز الصلاة فيه وجواز بيعه وشرائه، وثبوت الخمس فيه وعدمه.
وهذه وإن كانت من الموضوعات التي لا يجب على الفقيه معرفتُها لأنَّ شأن الفقيه بيان الحكم وجواز رجوعه إلى غيره في بيان الموضوعات، إلاّ أنّه لا إشكال أنّ لها دخلاً في قوّة الاستعداد وترقيه عن مرتبة التقليد إلى رتبة الاجتهاد في كلّ شيء، وربّما يعسر عليه في بعض المقامات مع مسيس الحاجة إليها الرجوع بها إلى غيره فلا يحصل له تباين الحكم، فتأمّل.
الشرط الثاني عشر
معرفة ضروريات الأديان والمذاهب
ويشترط في الاستعداد معرفة ضروريات الأديان وأرباب الملل والشرائع ممّا اتفقت عليه العقول من معرفة الأحكام، كوجوب المعرفة وحرمة الكفر، ووجوب ردّ الوديعة وحرمة الظلم، ووجوب حفظ المحترمة، وحرمة السموم والقواتل، ووجوب دفع الضرر المظنون، أو ما اتفقت عليه الشرائع والأديان كنكاح الأمهات، ووجوب العبادات المفروضات كالصلاة والزكاة، وإن اختلفت الكيفيات.
ومعرفة ضروريات الإسلام: كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، وحلّية البيع، وحرمة الرّبا، وحرمة نكاح المحارم، وحرمة الخمر ونجاسة الكافر غير الكتابي، وحرمة الزنا واللواط، وحقوق الوالدين، والفرار من الزحف، والشرك بالله، والغيب، والقذف، وحرمة السرقة، وصحة المزارعات والمساقاة، ووجوب إنفاذ الوصية وقضاء الديون، والتوارث بين المسلمين، والتناكح بين المسلمين، والحدود والقصاص والدّيات.
ومعرفة ضروريات المذهب: كوجوب المسح على الرجلين، وعدم جواز المسح على الخفين، ومشروعية القنوت في كلّ صلاة فريضة ونافلة، ووجوب الخمس، ووجوب الزكاة في تسعة أشياء خاصّة، وحلّية المتعة، ووجوب طواف النساء والتمتع بالعمرة، والتحليل بعدها، وعدم جواز التحاكم إلى الطاغوت، وحرمة التعصيب()، ووجوب الردّ من الفاضل عن الفريضة إلى ذوي الفرض، وحرمة العَوْل()، والنقصان على كلالة الأب، وحرمة كلّ مسكر، وصلاة الكسوفين بالكيفية المعهودة، وصلاة الأموات كذلك، ووجوب الاستنجاء من البول بالماء، وحرمة بيع أمّهات الأولاد وجواز الصلح مطلقاً، وجواز بيع الثمار بعد بدو الصلاح، وعدم جواز التعدّد في الشفعة وأنّها لا تكون إلاّ بين شريكين، وحرمة الجرّي من السمك، ونحو ذلك ما ذكره الصّدوق في الهداية، والمرتضى في الانتصار، والعلاّمة في نهج الحق أنّه من دين الإمامية.
ومعرفة موارد الإجماع واستقرار الخلاف: كعدم إنفعال ماء البئر بالملاقاة، وانفعال القليل من الراكد عدا ماء الاستنجاء ونجاسة ماء الغسالة، ونجاسة أهل الكتاب، وعدم حليّة ذبائحهم، وعدم تطهير الماء بإتمامه كراً، وكون المغرب عبارة عن غيبوبة الحمرة المشرقية، إلى غير ذلك من باب الطهارة إلى باب الديّات، وموارد المشهور والأشهر بين الأقوال فتوى ورواية أو في أحدهما، وموارد الخلاف من الأحكام والفروع المبحوث عنها، والمتعرض لها في كلامهم وعدمه ليكون على بصيرة من قوّة استعداده في معرفة الأحكام الخفية، وعدم التعدّي عن الأحكام الجلية، ومعرفة ما صار من شعار الشيعة من الأحكام، وإنْ وقع الخلاف فيه، أو أمكن النزاع فيه، أو المناقشة في دليله، فتأمّل.
الشرط الثالث عشر
معرفة الموضوعات العرفية
ويشترط في الاستعداد معرفة الموضوعات العرفية الخاصّة التي استعملها الشارع في تعليق جملة من الأحكام عليها وكانت جارية في زمانه، سواءً كانت راجعة إلى عرفه أو عرف بلده أو عرف السائل كالمُدّ والصاع بالنسبة إلى بلده وعرفه المستعملين في الزكاة في الكفارات وفي استحبابهما في الوضوء والغسل وفي الصدقات والذنوب والمكوك والكُرّ والرطل() بالنسبة إلى عرفه، أو عرف بلده، أو عرف السائل المُقدّر به الكرّ والمُدّ والصاع() والدّرهم والدينار، المعلّق عليهما نصاب الزكاة، وبعض الكفّارات ككفارة الحيض، والدرهم المقدّر به المقدار المعفو عنه من نجاسة الدم، والدرهم المعلّق عليه أحكام اللقطة من جواز التقاطه ووجوب التعريف فيه ومعرفة مقداره، والدرهم والدينار المقدّر بهما الدّية الشرعيّة ومهر السنّة، وكالحبرة التي يستحب بها التكفين، والدّرهم المقدّر به وزن الكافور الذي يستحب مقداره في تغسيل الميّت.
فإنّه يجب الرجوع في معرفة هذه الأمور وأمثالها إلى ما كان في زمان الشارع، وإنْ تعيّن كمّاً وكيفاً وصفةً في الأزمنة المتأخرة عن زمانه.
ومثله اليوم والشهر والسنة مفرداً أو جمعاً في كون المراد منه السنة العربية والأشهر الهلالية أو العدديّة والعامّة من الأيام والأشهر والأعوام، والمنكسرة منها في حيض أو عدّة أو عدد بلوغ أو صوم أو اعتكاف، أو استبراء والقُرء والحمل والاستهلال، والحرية والرِّقيّة ونحوها.
ومثله في ذلك الأماكن المخصوصة التي علّق عليها بعض الأحكام. فإنّه يجب تعيين صدورها ومقدارها بالمساحة كالمطاف بين البيت والمقام، ومعرفة المقام مساحته والمواقيت التي يجب منها الإحرام، ومقدار الحرم وحدوده والمشاعر كالمسعى بين الصفا والمروة، وحدود منى، وحدود عرفات ووادي المحسر، وحدود المزدلفة، وحدود المسجد الحرام، ومسجد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، ومسجد براثا بالنسبة إلى الأحكام المختصّة بها، وحائر الحسين (عليه السلام) بالنسبة إلى جواز التخيير للمسافر. وأمّا بقية أحكام المشاهد فإنّه يتبع المتعارف ما يسمّى بيتاً بالنسبة إلى دخول الجنب والحائض واستحباب الزيارة ومحلّ الاستئذان إلاَّ ما جاء في بعض المستحبات من الوقوف على باب الحائر فإنّ المقصود به الحائر المحدود على الخلاف من أنّ المراد به ما حار فيه الماء أو ما حار عنه.
وأمّا مثل الجمار التي يجب الرمي بها بمقدارها فإنّه يعتبر فيه صفة الشرعية من المكان المخصوص، وإنْ تبدّل بحسب الزمان أو تغيّر كمّاً وكيفاً.
وأمّا مثل التربة الحسينية المعدّة للاستشفاء فالظاهر أنّ المراد بها ما كانت من تربة القبر أو من خصوص الحائر. وأمّا التي تتّخذ مشعراً للعبادة واستحباب السجود عليها فالظاهر منها التربة المأخوذة من الحرم وكلّما قرب إلى القبر كان أفضل.
وأمّا الأجناس من الغلاّت المعلّق عليها بعض الأحكام، إمّا ما يدخل تحت الثمرات كالتمر والعنب وأمثاله والمعتبر منه من الزكاة بدو() الصلاح أو ما صدق عليه اسم التمرية والعنبيّة على الخلاف. وفي البيع بدو الصلاح، فإنّه لا يجوز بيعه قبل صلاحه. وأمّا ما عداه ممّا يدخل تحت الزرع فإنّه يجوز بيعه مطلقاً بشرط السلامة.
والحكم يتبع الأسماء والأجناس فيما علق عليه الحكم على الاسم كالبول والغائط والمني والدم والكلب والخنزير والخمر، أو ما قام به الوصف يجاري مجرى الاسم كالميتة والكافر والثني من المعز أو البقر أو الإبل، والجذع من الضان أو الإبل، والحقّة وابن اللبون وبنت المخاض ويتبع الأجناس فيما علّق عليه الحكم. والحنطة والشعير جنسان في الزكاة وجنس واحد في الربا.
وأمّا مثل لفظ الشيء والجزء وتفسيرهما بالعشر أو السدس أو السبع، ومثل الكثرة وتفسيرها بالثمانين وفي سبيل الله وتفسيره بالحج، ولفظ القدم وتفسيره بمن مضى عليه ستة أشهر، فهو راجع إمّا إلى الوضع الشرعي أو كاشف عن الوضع العرفي أو من باب التعبّد في خصوص الأقارير والوصايا والعتق والنذر كما هو الأقرب وإلاَّ لاطّرد ذلك في جميع الأحكام ولزم حمل كثير السهو وكثير السفر على من وقع منه السهو ثمانين مرّة، وعلى مَنْ سافر ثمانين سفرة وهو مقطوع بفساده. وللنظر فيه مجال، فتأمّل.
الشرط الرابع عشر
الإحاطة بمعرفة الألفاظ العرفية
يشترط في الاستعداد الإحاطة بمعرفة الألفاظ العرفية والأمور العادية المعلق عليها أكثر الأحكام الشرعية من حمل القبض والإقباض والمشترطين في السلف والسّلم والرّهن والوقف والواقعين بضمان المبيع مع التلف، والغبن الواقع في العقود والموجب للخيار والتصرّف الموجب لسقوطه وللزوم البيع في المعاطاة، ومعنى المعاطاة، والضرر الموجب له والذي يجب دفعه، والكيل والوزن والعدّ والثمن والنقد المعبّر فيه والأجرة والمهر، والكِسوة والأحكام المُعْتَبرَين في الكفّارة والنفقة والمتعة مع عدم تسمية المهر مع العقد، والمساجد والحمامات والخانات والرباطة والمدارس المعتبرة في الوقوف والأجناس والأنواع من النباتات والحيوانات من الأنعام والوحوش والطيور والسموك() والسباع والحشرات، وغيرها من المائعات والجامدات ممّا عُلّق عليه الحلّ والحرمة والطهارة والنجاسة.
فإنّ هذه الأمور منها ما يرجع به إلى العُرف العام، ومنها ما يرجع به إلى عرف المتعاقدين، ومنها ما يرجع إلى ما يصدق عليه الاسم، فلا بُدّ من النظر في ذلك في عبارة ممّا علّق عليه بعض الشرائط أو الأجزاء كلفظ الماء مطلقاً أو مضافاً، والتراب والأرض والمكان أو تابعاً كالبول والغائط والمني والحيض والدم.
والميتة إسمٌ لما من شأنه تحلّ فيه الحياة، الكلب والخنزير والكافر لمن قام به المبدأ، والخمر والفقاع واللّبن واللباس مادّةً وهيئةً والساتر مطلقاً. والوطء ما صدق معه إلتقاء الختانين في ترتّب الغسل ونقض الصوم ووجوب الحدّ وهكذا ما اكتفى به الشارع من صدق مسمّى السجود على الجبهة وإن كان له حقيقة شرعيّة، وهكذا ما يدخل تحت إسم الراكع، إلى غير ذلك من الموضوعات المعلّق عليها الأحكام من باب الطهارة إلى باب الديّات، فلا بدّ من التأمّل في كلّ مقام بخصوصيته والإحاطة به وبمرجعه من العرف الخاص أو العام أو عرف الشارع أو وضعه أو العادة أو الغالب في العادة كالبيع بنقد البلد مع إطلاق البيع والنقد أصالةً أو وكالة، فتأمّل.
الشرط الخامس عشر
معرفة الآيات الآفاقية والنفسية
يشترط في الاستعداد الإحاطة بمعرفة الآيات الآفاقية والنفسية المترتب عليها بعض الأحكام الشرعية. قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}()، فإنّ الإستدلال بآيات الآفاق والأنفس لا يختصُّ بالمعارف الإلهية، والإستدلال على نفس الأحكام الشرعيّة بذلك بعيد المنال عميق المرام صعب الوصول، لم يجعله الشارع طريقاً في التكليف إلاّ إذا جعل الرجوع إلى العقل، بموجب قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، والملازمة بين حكومة العقل والشرع من باب الرجوع إلى الأنفس، من حيث أنّ الله عزّ وجلّ جعل في نفس الإنسان عيناً مدركة لحقائق الأشياء، ومن حيث النظر والالتفات إلى صفات الأفعال من حُسن وقبح رجوع إلى الآفاق، ومنه الرجوع إلى الكتاب والسنّة والإجماع لأنّها من جملة الآفاق من حيث إبداع ما فيها من الصنع والأوضاع والدلالات نطقاً وكتابةً وإيجاداً وخَلْقاً. وأمّا من غير هذا الطريق فلا دلالة للأنفس ولا للآفاق على نفس الأحكام.
نعم بعض الموضوعات المترتب عليها بعض الأحكام راجعة إلى معرفة الكتابين، والنظر في الدليلين كمعرفة العقل بالنسبة إلى انتظام الكلام والأفعال، والتمييز بين النافع والضار رجوع إلى الأنفس والآفاق، ومعرفة البلوغ بالعدد رجوع إلى الآفاق وبالاحتلام وخروج المني في يقظة ومنام في الذكر وخروج دم الحيض من الرحم في الأنثى وبالشعر النابت على العانة وفي العارضين وفوق أرنبة الأنف ونتوء الثديين رجوع إلى الأنفس، ومعرفة الرشد بحسن المعاملة وإتقان الأمور رجوع إلى الأنفس.
ومثله معرفة الإكراه والاضطرار والضرر والضرار والعسر والحرج والمشقّة رجوع إلى الأنفس. ومثله الظن الاجتهادي ومعرفة كميش الذكر في صلاة الأموات مع اشتباه الكفّار بالمسلمين واسترخاء الذكر وانقباضه بالماء رجوع إلى الأنفس. وانقباض اللّحم وانبساطه في النار مع اشتباه الذكي بالميتة رجوع إلى الآفاق، واختيار الخنثى المشكل بخروج المني والحيض من أحد المخرجين، وذي الرأسين والحقوين بالبول أو النوم رجوع إلى الأنفس، ودم الحيض وتكليف الحائض بالرجوع إلى التمييز بالصفات فهو رجوع إلى آيات الآفاق فتحكم بالحيضيّة وعدمها بذلك.
والرجوع إلى عادة الأقارب رجوع إلى الآيات النفسيّة، ومثله إلى الأتراب. ويحتمل أن يكون من الآفاق والرجوع إلى عادتها رجوع إلى الآيات النفسيّة. ومثله ما جعله الشارع فارقاً بين دم الحيض ودم الجروح والقروح وبين الحيض والعذرة.
والرجوع في معرفة المني إلى الصفات بالدفق والشهوة والفتور فإنّه راجع إلى الأنفس وإلى كون لونه كبياض البيض ورائحته كرائحة الطلع رجوع إلى الآفاق.
والرجوع إلى معرفة الأرض وما خرج عن اسم الأرضيّة في تيمم أو سجود رجوع إلى الآفاق، والرجوع إلى الأحكام المترتبة على النيّات ولوازمها من الإخلاص والجزم والقربة والمقصد المترتب عليها العقود والتمليكات والأعمال البدنية في عبادة أو معاملة رجوع إلى الأنفس.
والرّجوع إلى صفات الطيور والبيض في الحلّ والتحريم رجوع إلى الآفاق.
والرجوع إلى العلم والجهل والعمد والنسيان والشك والظن في موضوع أو حكم تكليفي أو وضعي في عبادة أو معاملة أو طهارة أو نجاسة والأحكام المعلّقة على ذلك رجوع إلى الأنفس. ومثله المرض المبيح للإفطار.
والرجوع إلى تحديد المسافة في التقصير رجوع إلى الآفاق. وفي الإقامة والاستيطان رجوع إلى الأنفس. ومعرفة القبلة بالزوال لمستقبل قبلة العراق وبوضع الجدي خلف المنكب أو بين الكتفين أو في الكتف الأيمن أو الأذن اليمنى بحسب اختلاف الأمصار والأقطار وبقية الكواكب بالنسبة إليها وإلى الوقت وباقي علامات الأوقات رجوع إلى الآفاق. والاجتهاد والتحري في القبلة والوقت رجوع إلى الأنفس.
ومثله الوقوف والصّدقات والنذور والوصايا، إلى غير ذلك ممّا يعرف بالإحاطة بموارد الأحكام من باب الطهارة إلى باب الديّات. {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}() {وَمَا بَيْنَهُمَا}() الآيات، فتأمّل.
الشرط السادس عشر
الإحاطة بسيرة المسلمين
يشترط في الاستعداد الإحاطة بسيرة المسلمين وسيرة الإمامية من أرباب الشريعة والمتشرّعة بالنظر إلى الأحكام التشريعية في عبادات ومعاملات وعقود وأحكام، وما عليه الغالب من العقلاء والمتدينين وسيرتهم في الأفعال والأقوال من المتعبّدين والملازمين للمساجد والجماعات والوعظ والتذكيرات والإرشادات والمطاعم والمشارب والمبايعات والتجارات والإجارات والزراعات والمشاركات والمباضعات والأمانات والمضاربات والوكالات والمناكحات والمفارقات والمملوكات والعصبيّات والمواريث والحدود والديّات، وما يتعلّق بالسياسات والعادات.
فإنّ أكثر الأحكام من الواجبات والمستحبّات والمحرّمات والمكروهات والمباحات والصحيحة والفاسدات والطاهرة والنجسات والمتنجسات معلومة يداً بيد خلفاً وسلفاً لدى المتشرعة من صاحب الشريعة، يرثها عن الأوائل والأواخر ويأخذها صاغر عن كابر لحمل أفعال المسلمين على الصحّة، وحرمة التجسّس عن أفعالهم وأحوالهم في الآية والرواية.
ومعلومية كون الناس صنفين مجتهداً ومقلّداً مع كثرة علماء الإمامية في الأعصار والأمصار واشتهار رؤسائهم كلّ الاشتهار، وغلبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وغلبة رجوع أكثر الناس إلى العلماء والاقتداء بهم، وحضور الجماعات والجمعات وكثرة الأعذار والإنذار فلا تخفى أكثر الأحكام الصادرة من صاحب الشريعة مع مواضبتهم على العبادات والطاعات والمعاملات والعادات والسياسات.
وليست الشريعة أقلّ رتبة ومزية من الشرائع السالفة مع بُعد أصحاب الشرائع عن أربابها، وقلّة العلماء في المتشرعة منهم ومعلوميَّة أحكام تلك الشرائع في أيدي أممهم بحيث يعرفها الرجال منهم، والنساء والصبيان، بل لا تخفى على غيرهم من أرباب الملل.
وقرب شريعتنا من صاحبها (صلّى الله عليه وآله) والحافظين لها من الأئمة الأطهار لبقاء الأئمة المشاهدين إلى المائتين والخمسة والستين()، وبقاء البوّابين() ومشاهدتهم للغائب منهم (عليه السلام) إلى تسعة وعشرين من المائة الرابعة وبقاء العلماء المشاهدين للبوّابين كعلي بن إبراهيم) وعلي بن بابويه) والكليني) وأضرابهم، وبقاء المشاهد للمشاهد لهم كالصدوق() وابن قولويه() والمفيد() والمرتضى() والشيخ()، وجماعة لا يمكن عدّهم إلى المائة الخامسة.
وهكذا تواصل الزمان بمن أخذ منهم ممّن لا يمكن إحصاؤهم من العلماء إلى زماننا هذا. مضافاً إلى تواتر المؤلّفات والمصنّفات التي لا تحصى بحدّ ولا تحصر بعد مع مطابقة الأعمال والأقوال، فلا تخرج أكثر الأحكام الشرعية ولا تحتاج إلى البحث عن الأدلة.
فينبغي لصاحب الاستعداد أن يلحظ السيرة في طلب الأحكام أولاً سواءً أعوزته النصوص والأدلة أم لا، وذلك لا يخفى على العارف البصير والناقد الخبير، فتأمّل.
الشرط السابع عشر
الإحاطة بمعرفة مشتركات العبادات
والعقود والإيقاعات والأحكام
يشترك في الاستعداد الإحاطة بمعرفة مشتركات العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام من الشرائط والأسباب والأجزاء والموانع والأحكام واللوازم، كالشرائط الراجعة إلى التكليف في العبادات وإلى الصحّة في العقود والإيقاعات والجواز والحرية في الأحكام كالبلوغ الذي هو شرط في التكليف بالعبادة وصحّة العقد من البيوع والإجارات والمناكحات والطلاق والخلع وأنواع الفراق والأقارير والعتق والنذور وغيرها من الإيقاعات.
وجواز الالتقاط والقصاص والحدود من الأحكام والعقل الذي هو من شرائط التكليف والصحّة في العبادات.
ومن شرائط الصحّة في المعاملات والجواز في الأحكام الإسلام الذي هو من شرائط الصحّة في العبادات، وصحّة الشراء فيما لو كان المبيع مصحفاً أو عبداً مسلماً، وصحّة التذكية والنكاح فيما لو كان أحد الزوجين مسلماً، وجواز التوارث فيما لو كان الميت مسلماً، وجواز التقاط المسلم، والإجارات والوكالات على خلاف.
والإيمان الذي هو من شرائط صحّة العبادة وإيمان المشتري وعدم الأعماء في عبارة أو معاملة والقصد والاختيار والرشد، وما يشترك بين العبادات البدنية والمالية والمركب منهما وما يختص به العبادات البدنية أو المالية، وما يشترك بين العبادات المالية والمعاملة، وما يشترك بين المعاملات والإيقاعات والأحكام وما يشترك بين العقود والإيقاعات من الشرائط والاحكام، وما يشترك بين العقود من الشرائط الراجعة إلى المتعاملين أو نفس المعاملة أو الثمن أو المثمن من عين أو منفعة ومن أنواع الخيارات، وما يشترك فيه أنواع الخيار من الأحكام، وما يشترك فيه الأحكام من الجنايات والغصبيات والاتلافات والحدود والديّات، وما تفترق فيه العبادات من المعاملات وما تفترق فيه النواقل الشرعية من نواقل الأعيان والمنافع، وما تفترق فيه عن الإيقاعات، وما تفترق فيه الإيقاعات والأحكام وما تفترق فيه الإيقاعات من أنواع الفراق وغيرها، وما تفترق فيه الأحكام.
فإنَّ الإحاطة بجميع ذلك ممّا له دخل للفقيه في قوّة الاستعداد وحصوله في تحصيل الملكات الاجتهادية، وتحصيل مدارك الأحكام الشرعية.
الشرط الثامن عشر
الإحاطة بنظائر الأحكام وأشباهها
يشترط في الاستعداد الإحاطة بنظائر الأحكام وأشباهها وأدلّتها وفحاوي دلالات بعضها على بعض لأجل حصول الاستئناس للفقيه بالمناسبات والتقريبات والمؤيدات للأدلّة الموصلة إلى مراد الشارع.
فسيأنس مع إطلاق أدلة البيع على جواز بيع المعاطاة مطلقاً وإنّها تنقسم كانقسام مطلق البيع إلى جميع أنواعه إلى عدم اشتراط التقابض في الطرفين وأنّه يكفي في صدق المعاطاة التعاطي والقبض في طرف واحد لجواز النسيئة والدين والتلف بها بموجب إطلاق الأدلة وعموماتها مع فقد قبض الثمن في الأوّل وفقد قبض الثمن في الأخير.
ويستأنس من تنصيف الشارع للمهر في الطلاق قبل الدخول، ومن تنصيفه في العنن() مع الفسخ بعدم استقرار المهر قبل الدخول فيتعدّى من ذلك إلى جميع الفواسخ قبل الدخول فيكون لزومه كُلاًّ بالموت قبل الدخول لدليل خاص وإن قام إجماع على ذلك، وإلاّ فجملة من الروايات تدلُّ على التصنيف به أيضاً، فلا يتعدّى لزومه كُلاًّ إلى الردة قبل الدخول فإنّه يكون قياساً ممنوعاً. وكون الردّة بحكم الموت لا يقتضي الالتحاق به في جميع الأحكام بخلاف حمل الموت أو الردّة في التنصيف لا يكون قياساً لأنَّ ورود التنصيف في الموارد المتعدّدة والنظر في أدلّتها يعطي أنَّ التنصيف في المهر قبل الدخول كاشف عن عدم استقرار ملكيته كُلاًّ، وأنّه جارٍ مجرى الأصل عند الشارع وإنْ لم يقم إجماع على إلغاء الفارق أو عقل يدلّ على ذلك، فإنّ ذلك من باب آخر في الاستدلال. وهكذا يستأنس من قبول دعوى كلّ من يتعذر منه إقامة (البيّنة) () أو تعيّن بدون بيّنة مع يمينه أو مطلقاً على قبول مدّعي الردّ في الوديعة، وإنْ أمكن معه إقامة البيّنة إلاّ أنّه لابتناء الوديعة غالباً على الإخفاء وعدم رغبة المالك على الإطلاع عليها أو لائتمانه على الردّ كالحفظ على قبولها من دون بيّنة، وتسرية ذلك إلى قبول دعوى الولي والوكيل والحاكم على الصرف على اليتيم وإنْ أمكن إقامة البيّنة على ذلك لعسر حصولها غالباً مع الحاجة إلى الصرف، إلى غير ذلك من المقامات.
فينبغي لمريد الاستعداد ملاحظة المناسبات والمتقاربات والمتلازمات في الأدلة من الأحكام لا على نحو السّبر والاستدلال بالنظائر، فإنّ ذلك من باب القياس الممنوع. فينبغي إمعان النظر في ذلك لئلاّ يقع في الهلكة من حيث لا يشعر. فإنّ الفرق بين المقامين مع ما بينهما من البُعد أدق من صوف الأرنب وأخفى من السحر، فلا بُدَّ من التأمّل التام لئلا تزلّ به أقدام الأفهام.
الشرط التاسع عشر
معرفة طبع الفقاهة ومذاقها
يشترط في الاستعداد معرفة طبع الفقاهة ومذاقها وهو معرفة مذاق الشارع في مشروعيّة الأحكام لابتناء مشروعيّة الأحكام عند الشارع على أساسات هي العلّة العظمى في مشروعيتها من سهولة الشريعة والمسامحة فيها، ورفع ما يلزم منه العسر والحرج، وما يلزم منه الضرر والرغبة في العبادات ووجوه الطاعات وأنواع القربات ورفع ما يلزم الإكراه وعدم القصد والاختيار لتحصيل الثواب وابتناء شرع العقود والإيقاعات والأحكام على قطع الخصومات ورفع المنازعات، وإيضاح ما يقع فيه الاشتباه والوقوع بالشبهات ومزج المحرّمات بالمحلّلات من الأموال وخلط الأنساب من المناكحات والمفارقات، كحكمه بعصمة الفروج ولزوم الاحتياط بها، وأحكام أمر العدّة بأقسامها في المفارقات بأدنى إشتباه، واستبراء الأرحام في طلاق أو خلع أو بيع أو شراء أو صلح، وامتزاج المواليد بتقدير مدّة الحمل وأمور المواريث وحرمة الدماء وابتناء الشرع فيها على الحقن والحفظ، كما في درء الحدود والقصاص بأدنى شبهة وعسر مشروعية الاحتياط في الماليات لصعوبته على النفوس وعدم القدرة والتمكّن منها غالباً وعسر مشروعيته على ذوات الحيض والاستحاضة والنفاس لغلبة تكرّره في الزمان وحدوثه في كلّ أوان، فلا تتمكن منه في تحصيل العادة ولا حفظ النفس من تكرار الغسل، ومشروعيّة أمر الصلح لقطعه للنزاع وقربه من الطباع، ومشروعية البينات في الدعاوى ولو وقعت الدعوى من أتقى الأتقياء لكثرة المتلبسين والمدلسين.
واشتراط العدالة في البيّنة لعدم التحرّج من الكذب في أغلب المدّعين وقبول الجرح لغلبة المتصنعين، وإلاّ لانسدَّ باب التخلص والمدخل والمخرج من المدّعين.
فينبغي للفقيه ملاحظة مذاق الشارع في مشروعيّة كلّ حكم وإنْ ساعدت عليه بعض ظواهر الأدلّة والاطلاقات والعمومات، وشمل مصداقه إطلاق بعض الموضوعات، كفتوى مَنْ يفتي بجواز تعدّد العقد من متعدّدين على المتمتع بها بترتيب الأزمان والآجال لخيال أنّ ذلك كإجارة الدار والدكان وأمثالهما، فيصحّ عقد الثاني وإنْ لم تنقضِ مدّة الأوّل.
فإنّ هذا القياس لا يسري والعلّة لا تُطّرد لاحتمال وقوع الاشتباه في مدّة الأوّل فيتداخل العقدان ويلزم منه فتح الباب الذي أراد الشارع سدّه وحسم النزاع فيه مع ما يترتب عليه من الفساد العظيم من خلط الأنساب ومزج المواريث.
هذا مع أنّ إطلاق الأدلة من النص والإجماع الدالين على حرمة العقد على ذات البعل يشمل مثل ذلك.
وكفتوى مَنْ يفتي في صحّة الدخول من الثاني في المتمتع بها قبل انقضاء عدّة الأوّل بأن يعقد عليها دائماً بعد الدخول بها ويطلّقها قبل أن يواقعها فيصدق عليها أنّها مطلّقة قبل الدخول بها فيجوز العقد عليها للآخر.
وهذا وإن شمله إطلاق الأدلة المطلقة قبل الدخول إلاّ أنّها حيلة شرعيّة منافية لمذاق الشارع بحيث يمجّها طبع الفقيه فلا يقبل مشروعيتها.
فمن أراد سدّ هذا الفساد اللازم بذلك لأنّه مع الحبل وعدم الفصل بين الوطئين بما يوجب براءة الرحم، لا تفيد هذه الحيلة سوى احتمال عدم ترتّب الإثم في الوطئ، وإلاّ فتجنب ما أراد الشارع اجتنابه لا يكاد يتحصّل، والمحذور الذي هرب منه وقع فيه.
وهكذا من الحكم بعدم انفعال القليل بالملاقاة أو القول بتطهيره باتمامه كرّاً. ومنه تحريم بعض المآكل والمشارب لاحتمال دخولها في بعض العناوين المحرّمة مع قضاء الضرورة من الأخبار والسيرة والطريقة بحلّيتها ومشروعيّة الاحتياط ولزومه فيما يلزم به المشقة بحيث ينافي طبع الفقاهة وإن شرّع أصله.
إلى غير ذلك كفتوى من يفتي بجواز مجامعة من فرضه الإفطار في شهر رمضان لزوجته مع وجوب الصوم عليها لزعمه أنّه ليس لها دفعه عن حقّه.
ولا إشكال إنَّ ذلك وإنْ كان منافياً لطبع الفقاهة لا تساعد عليه أدلة الصوم الدالة على أنّه ليس له معارضتها في الواجبات المضيقة لسقوط حقّه وتعيين حق الله، وما وجب ابتداءً وجبَ إستدامةً مع أنّه “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”().
مع أنّه يلزم أن تكون مأمورة بوجوب إتمام الصوم وعدم جواز الإفطار، ومأمورة بوجوب تمكين الزوج وعدم الامتناع القاضي بوجوب الإفطار. فيلزم جواز اجتماع الأمر والنهي الممنوعين عقلاً، وإنْ اختلفت الجهة مع اتحاد المورد لرجوع الأمر إلى جواز الإفطار والنهي إلى العدم، وإنْ كان متعلّق الأمر الأوّل التمكين لأنّ الأمر بالشيء أمرٌ بلوازمه. فالأمر بالتمكين أمر بالإفطار المنهي عنه وإنْ كان أحدهما تبعياً والآخر أصليّاً. إلى غير ذلك ممّا يقتضي تفصيله الإطناب والخروج عن وضع الكتاب، فتأمّل.
الشرط العشرون
الإحاطة بإشارات رموز أدلة الشرع وفحاوى دلالتها
يشترط في الاستعداد الإحاطة بإشارات رموز أدلّة الشرع وفحاوي دلالاتها ولحنه بأنواع الخطابات واقتضائها وتنبيهاتها بحيث يستشمّ إرادة الشارع من الأحكام الفرعيّة في عبادة أو معاملة وإقامة الدليل عليها من ذلك، أو بحيث لا يمكنه التعبير بها كالمستفاد من مجموع أدلة متفرقة ولوازمها، وإنْ كان ما يقابلها من الأدلة ما يمكن التمسك به على خلاف إثبات الأمر المقصود، ولكنّه لا مقابلة له لمجموع ما يستفاد منها وإن أمكن المناقشة بكلّ واحد من هذه الدلالات والإشارات، إلاّ أنّ المجموع لا يمكن دفعه.
ومن ذلك استفادة أصالة طهارة الدم من نفي البأس من استعمال الماء القليل مع شرب الحمامة أو الدجاجة في منقارها الدم وأمثال ذلك، وإنْ احتمل أن يكون ذلك لعدم إنفعال القليل. وهكذا الحكم بطهارة الملاقي لما حكم به حاكم آخر أو أفتى به غير مجتهد للحكم بتنفيذ فتواه.
والشيء في الخارج لا تكون له حيثيتان فيحكم عليه بالطهارة والنجاسة معاً وذلك كماء الغسالة فإنّه طاهر لمن يفتى بالطهارة ولمقلّديه، ونجس لمن يُفتي بالنجاسة ولمقلّديه.
وأمّا الجسم الملاقي له ممّن يرى طهارته فإنّه محكوم بطهارته للفريقين؛ لأحدهما بالأصالة وللآخر بالتبعيّة. لأنّ الآخر حكم بطهارة يده في حقّه ومعنى كونها في حقّه ترتيب جميع أحكام الطهارة التي من جملتها عدم انفعال الملاقي وجواز الأكل والشرب معه والائتمام به وجواز بيعه وشرائه.
وهذا مستفاد من فحوى: “مَنْ تديّن بدين قوم لزمه حكمهم”، ومن السيرة المستمرة في العبادات والمعاملات بإجراء الصحة بين المدعين في الجماعات والمتعاملين والقبض والإقباض، حيث يكون بالوجه المشروع وبالنكاح والطلاق مع اختلاف العلماء والمقلّدين في أكثر المسائل مع عدم وجوب الفحص عن عدم جريان أصالة الصحة في جميع ذلك مطلقاً.
ولو سلّم فإنّ أصالة الصّحة إنّما تثبت صحّة فعل المقابل في نفسه. وأمّا بالنسبة إليه مع علمه بعدم المشروعية بالنسبة إليه فإنّه يجب الفصح لوقوع الأمر على وجهين، مضافاً إلى لزوم العسر الحرج في ذلك وعدم انتظام أمر المسلمين، وعدم حصول الإلفة المأمور بها في الكتاب والسنّة لهم إلاّ مع التفتيش عن المذاهب، بل لا يُكتفي في تقليد المفضول مع احتمال المخالفة أو عدم العلم بالخلاف مع عدم جريان الأصول في مثله.
ويرشد إلى ذلك قوله (عليه السلام): “وبواطن الإشارات وحقائق السّنن”، كما في المرويّ فيما يجب على القاضي معرفته. وقوله: “لا تعدّ الرجل منكم فقيهاً حتّى يلحن له فيعرف اللّحن”. وقال (عليه السلام): “والفقيه المحدث والمحدّث المفهم”. وقوله: “لا يفقه العبد كلّ الفقه حتّى يمقت النّاس في ذات الله وحتّى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة”()، وقوله (عليه السلام): “فقهاء علماء حكماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء”.
وفي رواية الصدوق عن أبي عبدالله (عليه السلام): “أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أنّ الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب”().
وفي آخر عنه (عليه السلام): “حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه”، و”لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتّى يعرف معاريض كلامنا وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا في جميعها المخرج”(). وفي آخر (إلى أن قال): “من الأشياء أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة، وهذا منها، والله إنّ له عندي سبعين وجهاً”()، وفي آخر: “إنّي لأتكلم بالحرف الواحد لي فيه سبعون وجهاً إنْ شئتُ أخذتُ كذا”().
إلى غير ذلك ما ورد في تقسيم القرآن وإنّ بناءه على العبارة والإشارة واللّطائف والحقائق وأنّه “لا تنقضي غرائبه ولا تفنى عجائبه”، مع قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}().
فإنّ المراد بأولي الأمر إمّا الأئمّة أو علمائهم العارفين بحقائق كلامهم وأنّ المراد بالاستنباط ما يعلم به من الدلالات الخفية والدلالات الالتزامية لا ما كان بالدلالة المطابقية أو كان من باطن التأويل لا من ظاهر التنزيل. ولهذا تجد الفقيه يقتبس أدلّة الأحكام من مقامات من كلامهم لا تعرف من خصوص المقام وأكثر قوانين الفقه الكليّة مأخوذة من هذا القبيل من مجموع أدلة أحكام باب واحد أو أبواب متفرقة كقاعدة الإمكان وقاعدة اليد، وغيرهما. فتأمّل.
الشرط الواحد والعشرون
تحصيل جزئيات أدلة كلّ حكم بخصوصه
يشترط في الاستعداد قابلية النظر في تحصيل جزئيات أدلة كلّ حكم بخصوصه والنظر في دليله وفي صحته وفساده وصحّة إنتاجه صورة ومادّة.
أمّا النظر في صحّة صورة الدليل فيما ذكرناه سابقاً من اشتراط الإحاطة بالقواعد المنطقية. وأمّا النظر في صحّة مادته من إثبات الصغرى والكبرى والملازمة بينهما، فإنّه حيث أنّ المواد متفرّقة ومتعدّدة ولا يمكن الإحاطة بها لعدم انتهاء الأحكام الشرعيّة والفروع الفقهيّة لم تضبط بعلم مستقل، فاللازم أن يجعل لها قانوناً لم يكن الاختلاف فيه.
وهو أنّه إنْ قام إجماع أو عقل قاطع أو كتاب محكم أو سنّة محكمة في تصحيح مادّة الدليل من الصغرى أو الكبرى فإنّ أحدهما لا بدّ أن تكون قطعيته عقلية لعدم تركّب الدليل من نقليتين. فحينئذٍ تبقى الصحّة موقوفة على تصحيح الأخرى، فإنْ حصل القطع بأحد الوجوه التي ذكرناها فلا إشكال، وأمّا إذا كانت من متشابهات العقول فإنّها تعرض على محكم الكتاب والسنّة معاً أو أحدهما، وإنْ كان الدليل عليها من متشابه الكتاب فإنّه يرجع به إلى محكمات العقل والسنّة معاً أو أحدهما. وإنْ كان من متشابهات السنّة فإنّه يرجع به إلى محكمات العقل والكتاب أو أحدهما إن كان.
والمراد من المشابه ما لا يحصل العلم بمراد الشارع منه إلاّ بذلك، أو بإجماع قائم على الإرادة منه. وأمّا ما كان من المتشابه ما تحصل منه الدلالة على معناه إلاّ أنّه يحتمل إرادة خلاف دلالته باحتمال وجود دلالته باحتمال وجود المعارض فإنّه لا يعمل بالدليل وإن كان عقلياً، إلاّ بعد البحث عن المعارض فإنْ وجد وجب النظر في معارضته وترجيحه وعدمه بنحو ما ذكرناه، وإلاّ وجب العمل بموجب ظاهر دلالة الدليل، وذلك كالعمومات والمطلقات وغيرها في الظواهر، وكالأصول الأوليّة من أصل البراءة والاستصحاب في أصل ثبوت الحكم لا في مصاديقه بعد إثباته فإنّه لا إشكال في جواز العمل بها ولا يجب الفحص لقضاء الضرورة والسيرة المعلومة وفحوى الأخبار المقطوع بها من الموارد المتعددة، فتأمّل.
التأسيس الثاني
في المستعد
والكلام فيه يقع في بناءات:
البناء الأوّل
في شرائط المستعد
الشرط الأوّل
صفاء الذهن
يشترط في المستعد بعد اتصافه بالشرائط المتقدمة وجامعيته لشرائط الاستعداد صفاء الذهن ليتيسر له العمل بموجب الاستعداد ويتوصّل إلى معرفة الاجتهاد ويدرك حقائق المراد كما قال (عليه السلام): “قد تخلّى من الهموم إلاّ واحد انفرد به”. والمراد بالهمّ الواحد الذي انفرد به إنّما هو ما كان بصدده من المعارف الإلهية والمطالب الفرعية.
وقال (عليه السلام) في تقسيم القرآن: “وقسماً لا يعرفه إلاّ من صفا ذهنه ولطف حسُّه وأصحّ تمييزه لمن شرح الله صدره للإسلام”.
ولا إشكال إنّ مَنْ تشعّب ذهنه تشتّت آراؤه فلا يعطي الفكر في موضع حقّه لقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}(). ومَنْ لم يعط النظر حقّه فقد حرم استحقاقه من الخلق ومعه فلا يهتدي إلى ما أعدّ الله له الذهن من الوصول إلى مدركاته لفقدان شرائط الإدراك، وقد قال تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}().
فإنّ البصر إنّما يدرك ما أعدّ الله له من المدركات الواقعية من الألوان مع جامعيته لشرائط الأبصار. فإذا فقد شرطاً من الشرائط أو وجد معه أحد الموانع لم يدرك المدرك وكان الخطأ من أجل ذلك فكذلك عين البصيرة لا تدرك الأشياء الغير الحسيّة إلاّ بعد جامعيّة الشرائط وفقد الموانع.
ولهذا أنّ الله عزّ وجلّ جعل الهداية بعد إعطاء كلّ شيء ما استحقّه من الخلق فقال (الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى)، وقال تعالى: {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}()، وقال: {ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(). فإنَّ مَنْ لا صفاء لذهنه لا لبَّ له ولا له قلب، إذْ ليس المراد باللبّ والقلب الجارحة الجسمانية وإنَّما المراد به إدراك اللبّ والقلب الذي لا يحصل إلاّ مع صفاء الذهن وتوجّهه إلى نحو المدركات العلمية من العقلية والنقلية، فتأمّل.
الشرط الثاني
النظر في الأحكام الشرعية والفرعية وأدلتها
يشترط في المستعد بعد صفاء ذهنه التفكّر والنظر في الأحكام الشرعية الفرعية وأدلتها المأمور بالدخول منها إليها كما قال تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}()، وجميع ما يتوقف عليه فهم مداليلها من جميع مقدماتها العقلية والنقلية، الموضوعية والحكمية ونتائجها، وردّ كلّ حكم إلى دليله واستنباطه منه كما قال (عليه السلام) في مقبولة عمر ابن حنظلة: “انظروا إلى رجل منكم روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا”.
فإنّ المراد “بالحلال والحرام” بقرينة المقابلة بقوله: “وعرف أحكامنا”، الحلال والحرام من الأدلة لأنَّ لهم (عليهم السلام) في كلّ شيء حلالاً وحراماً() حتّى الموضوعات؛ من موضوعات الألفاظ وموضوعات الأحكام، ومن الأدلة.
فإنَّ مجرّد حصول الاستعداد القوي وحصول الملكة لا يجدي من دون النظر في أدلّة جزئيات الأحكام وحصول القرار منها والثبات، لأنَّ الاستعداد الكلي والقوي إنّما يوجب العمل بالظن بموجب كليّات الأدلة والمطلوب الجزم والقطع بالمكلّف به وإنْ كان مظنوناً، وهو لا يحصل إلاّ بالقطع، بحصول الأمارات الظنيّة المعتبرة من الشارع على ذلك الحكم أو موضوعه.
ولهذا نقول إنّ المفتي إنّما يعمل بعلمه الحاصل له من مقدمتين علميتين:
إحداهما: قوله “هذا ما أدّى إليه ظني”، وهي وجدانية.
وثانيهما: قوله “كلّما أدّى إليه ظنّي فهو حكم الله في حقي وحق مقلّدي”. وهذه قطعيّة كتاباً وسنّة وإجماعاً.
يدلُّ على ذلك ما ورد من الأمر بالتدبّر في القرآن كقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}()، وقوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}()، وقوله: {وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}()، وقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}()، وفي أخرى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}()، وقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ}()، وفي أخرى {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}()، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالة على وجوب العمل بالكتاب والنظر فيه، وردّ المتشابه إلى المحكم والمنسوخ إلى الناسخ والعام إلى الخاص والمطلق إلى المقيد.
وما ورد من أحاديث عرض الأخبار على الكتاب. وما ورد من النظر في الروايات والنظر في المرجّحات، وإنّ كلامهم كالكتاب فيه المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيّد والمجمل والمبين والظاهر والمؤوّل.
فإنّ هذا كلّه موجب للنظر والتفكّر في حلالهم وحرامهم ممّا أوجبوا العمل به من أدلة الأحكام على نحو ما سطّرناه، فتأمّل.
الشرط الثالث
أن يكون فقيهاً
يشترط في المستعد أن يكون فقيهاً لقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}()، و{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}().
وقد ورد عن الرضا (عليه السلام) في حديث: “إنَّما أمروا بالحج لعلّة الوفادة إلى الله عزّ وجلّ أو طلب الزيادة”، إلى أن قال: “مع ما فيه من التفقه ونقل أخبار الأئمة إلى كلّ صقع وناحية”، كما قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ}، الآية.
والمراد بأن يكون عارفاً حاذقاً بما عرفه وتحمّله من الكتاب والسنّة وأخبار الأئمة. فإنّ مجرد حمل الآيات والأخبار بدون التفقه فيها، ومجرد الحفظ وعدم التبصّر لا تصيِّرُه فقيهاً، كما قال (عليه السلام) في المرويّ عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه خطب النّاس فقال: “نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها مَنْ لم يسمعها، فرُبّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه”(). وقد أشار إلى ذلك في مقبولة عمرو بن حنظلة بقوله (عليه السلام): “وعرف أحكامنا”().
وقد أشير إلى هذه المعرفة بالدراية التي تتفاوت الناس في أفرادها في حديث الزراد عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال للصادق: “يا بُنيّ أعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإنَّ المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان. إنّي نظرت في كتاب علي فوجدتُ في الكتاب أنَّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته، إنّ الله يحاسب النّاس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا”().
ولهذا ورد في الأخبار أنّهم (عليهم السلام) يكلّمون الناس على قدر عقولهم، ويجيبون على الزيادة والنقصان(). بل ورد في ذمّ اليهود بعدم حملهم التوراة، وعدم العمل بما فيها بقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}(). حيث نفى عنهم التحميل بعد أن قال “حُمّلوا”.
ولا إشكال إنّ مَنْ حمل الفقه من دون تبصّر وتفقّه أولى بنفي الفقه عنه، فلا يسمَّى فقيهاً وإنْ كان عالماً. ولهذا قال في آخر: “اعرفوا منازل الناس منّا على قدر رواياتهم عنّا”. إذْ ليس المراد كثرة الرواية، فإنّ كثرة الرواية لا توجب رفع المنزلة عندهم (عليهم السلام).
وقال (عليه السلام): “حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه”، وقال (عليه السلام): “من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً”(). وفي آخر: “مَنْ حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً بعثه الله عزّ وجل يوم القيامة فقيهاً عالماً، ولم يعذبه”.
وقال (عليه السلام) في فضل العالم على العابد: “الرواية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد”، وفي آخر: “اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا”. وقال (عليه السلام): “ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه؛ مَنْ لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره”().
والمراد لم يترك التفقه في القرآن، وإليه أشار بقوله (عليه السلام): “من أخذ علمه من كتاب الله وسنّة نبيّه زالت الجبال قبل أن يزول”()، و”من أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال”(). وفي آخر: “من عرف دينه من كتاب الله”، الحديث(). وقال (ع): “وتعلموا القرآن فإنّه أحسن الحديث وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب”().
ولا يكون فقيهاً حتّى يكون عارفاً بطبع الفقاهة ومذاقها، كما قال (عليه السلام): “كتاب الله على أربعة أشياء؛ على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق. فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء”.
وقوله (عليه السلام): “وقسماً لمن صفا ذهنه ولطف حسّه”، وقال (عليه السلام): “المفتي يحتاج إلى معرفة معاني القرآن وحقائق السنن وبواطن الإشارات والآداب والإجماع والاختلاف والاطّلاع على أصول ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ثمَّ إلى حسن الاختيار ثمّ العمل الصالح ثمّ الحكمة ثمّ التقوى ثمّ حينئذ إنْ قدر”().
وقال (عليه السلام) في حديث: “وبضاعة المجتهدين العقل”(). وقال: “العقل نور في القلب يفرق بين الحق والباطل”(). وقال (عليه السلام): “اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله”، وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}().
ولا يكون عارفاً بطبع الفقاهة حتّى يكون عارفاً باللحن. والمراد باللحن معاريض الكلام وفحواه، قال الله تعالى: {فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}(). وقال (عليه السلام): “لا تعدّوا الرجل منكم فقهياً حتّى يلحن له ليعرف اللحن”، وقوله (عليه السلام): “لا يفقه العبد كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات الله وحتّى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة”، وقال (عليه السلام): “ما أعاد الصلاة فقيه حتّى يحتال لها كيف يدبّرها”. وقال (عليه السلام): “أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا”. وفي آخر: “حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه”، و”لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتّى يعرف معاريض كلامنا”(). وفي آخر “أنتم أفقه النّاس ما عرفتم معاني كلامنا”. وقوله (عليه السلام): “إنّي أتكلم بالحرف الواحد أو الكلام الواحد على سبعين وجهاً لي منها المخرج”.
ويرشد إلى ذلك أخبار التقية، وقوله: “إنّي خالفتُ بينهم”، وقول بعض أصحابهم لبعض: “إنّما أعطاك من جراب النورة”()، وإن اختلفت مراتب الناس في ذلك، من اختلاف مراتب الاستعداد كما ذكرنا.
ويدلّ عليه ما رواه في كتاب العقل بسنده عن إسحاق بن عمّار قال: قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام): “الرجل آتيه وأكلّمه ببعض كلامي فيعرفه كلّه، ومنهم من آتيه فأكلّمه بالكلام فيستوفي كلامي كلّه، ومنهم من آتيه فأكلّمه فيقول أعدْ عليَّ فقال: يا أبا إسحاق ولم تدرِ لم هذا؟ قلتُ لا، فقال: الذي تكلّمه ببعض كلامك فيعرفه كلّه فذلك مَنْ عجنت نطفته بعقله، وأمّا الذي يستوفي كلامك ثمّ يجيبك على كلامك فذلك رُكّبَ عقله في بطن أُمّه، وأمّا الذي تكلّمه بالكلام فيقول: أعِدْ عليّ فذلك الذي رُكّبَ عقله فيه بعدما كبر، فهو يقول لك أعدْ عليَّ”().
ولا إشكال أنّه بذلك تتفاوت مراتب الملكات بالفضيلة وبالأفضلية، فالأقوى استعداداً ما كان أقوى ملكةً بالفقه، لا ما كان أكثر اطّلاعاً. كما قال (عليه السلام): “ليس العلم بكثرة التعلّم، بل هو نور يقذفه الله في جوف مَنْ يشاء”(). وسيأتي بيان هذا القذف ومعناه، فتأمّل.
الشرط الرابع
حسن الاختيار عند تعارض الأدلة
يشترط في المستعد حسن الاختيار. والمراد منه إذا تعارضت الأدلة وتواترت عليه الوجوه والاحتمالات كان ذهنه أقرب إلى الصواب، وأعرف بمداخل التراجيح.
والذي ينبغي الأخذ بها ممّا يقرب من مذاق الشارع وشمّ مراده من تلويحات الأدلة. ولعلّه هو المقصود من فصل الخطاب والحكمة المأمور بها في الكتاب والسنّة، بل هو المراد من صحّة التمييز في الحديث الوارد في تقسيم القرآن بقوله: “وقسم لمن صفا ذهنه ولطف حسّه وصحّ تمييزه”()، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}()، مضافاً إلى قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}، وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}().
ولا إشكال إنَّ مجرّد معرفة الأدلة ومعرفة تعدّد المرجحات من دون تمييز المرجّحات أو الانتقال إليها ومعرفة أرجح الأقوال أو الأدلة أو الاحتمالات والوجوه وإصابة ما هو الأرجح، لا يُوجب حصول الملكة للمستعدّ. وهذا من قبيل ما لو كان عالماً بالقواعد الطبيعيّة، فيعتبر الحدس في العمليات، أو عالماً بالصناعة ولا يعرف كيفية العمل للأكاسير، فإنّه لا فائدة في علمه سوى الألفاظ والتقريرات. والمطلوب من العالم العمل الموجب للعلم، والعلم الموجب للعمل وهو أحد معنى قوله (عليه السلام): “من عمل بما علم زاده الله علم ما لا يعلم”.
فإنّ إعمال الأدلة والقواعد وردّ كلّ جزئي من الجزئيات إلى دليله وقاعدته طور من العمل وليس المقصود خصوص عمل الجوارح، ولو سلم. فالنظر والفكر وآلتها الجوارح. وقد فرض الله المعرفة والعمل على كلّ جارحة، فتأمّل.
الشرط الخامس
الاستقامة
يشترط في المستعدّ الاستقامة. قال الله عزّ وجلّ: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}()، وقال تعالى: {أَوْفُوا الْكَيْلَ}() {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ}، وقال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}()، وقال تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}()، وقال تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}()، وقال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}()، وقال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}()، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}().
والمراد بها النمط الأوسط بين الإفراط والتفريط. وقد أشار في الكتاب العزيز إلى هذا النمط بقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}()، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}()، وقال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}()، وقال: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}().
ولا إشكال أنّها مطلوبة في كلّ شيء على الخصوص في الأمور العلميّة والملكات العمليّة، ويجمعها أمور:
الأول: أنْ لا يكون معوجّ السليقة والفهم والإدراك بحيث يفهم ما لا يفيده الدليل ويزعم بسوء فهمه أنّه المدلول، لقوله (عليه السلام): “ولطف حسّه وصحّ تمييزه”، لأنّ لطف الحسّ وصحة التمييز لا تعقلان مع إعوجاج السليقة، فإنّ ذلك آفة للحاسّة الباطنيّة ومانعاً من إدراكها للأمور الواقعية. وهذا كما يعرض للحواس الظاهرية ما يمنعها من إدراك مدركاتها كالذي يرى الأبيض أسوداً والأحمر أصفراً ويسمع الصوت الحسن فيمجّه لزعمه أنّه قبيح وبالعكس.
وهذا قد يكون ذاتياً، وقد يكون كسبيّاً أو باعتبار العوارض، أمّا من اكتسابه من معلم معوجّ السليقة أو سيء الإدراك أو قد علّمه أشياء على خلاف الواقع والمراد، قد يكون من سبق تقليد أو تهمة فلا يهتدي إلى الحق ويرى ما هو غير الحق حقاً والكذب صدقاً وطريقه معرفته العرضُ على أفهام الفقهاء واجتهاداتهم فإنّ “المؤمن مرآة أخيه”. فإن وجد فهمه موافقاً حمد الله على الوفاق، وإنْ كان مخالفاً إتّهم نفسه على الشقاق، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي}().
إلاّ أنّ ما كان ذاتياً يصعُبُ زواله إلاّ مع المجاهدة والمعالجة والتطبع والجري والمماشاة مع الفقهاء الواصلين، وعدم الاستقلال عنهم في كلّ وقت وحين ما لم يبلغ إلى حد التقليد في كلّ شيء جديد.
الثاني: أنْ لا يكون لجوجاً عنوداً فيكون غرضه إذا تكلّم بشيء الإلحاح على تصحيح ما جنح إليه و ترويج ما عوّل عليه، وإنْ كان ما تكلّم به ظاهر الفساد. وكلّ ذلك للإصرار على رفع الخجل عنه حيث أخطأ الصواب وتجرّأ على ربّ الأرباب. {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}()، {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}()، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}().
الثالث: أن لا يكون في حال قصوره مستبدّاً برأيه يستطيل على أقرانه ويدّعي التفوّق على علماء زمانه، أخذ جهلاً من جهّال ولفّق من رأيه باطلاً من ضلال، ويدّعي الوصول بغير محصول، فيعترض على المجتهدين ويطعن على أرباب الدين، ويُحبُّ أنْ يشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا من غير تأمّل بأنّه قاصر عن الوصول إلى تلك المراتب العلية، وإدراك تلك الأنوار السنيّة، فهو من علمه على مثل نسج العنكبوت كلما رام التخلّص من مقام وقع في أشدّ الانتقام.
الرابع: أنْ لا يكون بحّاثاً في قلبه محبّة البحث والاعتراض، بحيث صار في قلبه مرضاً من الأمراض. فهو كالكلب العقور على كلّ عالم جسور، أو يكون الميل منه إلى الجدال والتعرّض في أندية الرجال للمقال إمّا حبّاً لإظهار الفضيلة وإمّا بياناً، لأنّه عالم عند كلّ قبيلة. وهذا من شرار العلماء كما هو صريح كلام الأئمة الأمناء، فإنّ حبّ الجدال ربّما أخرجه من الحق، وما بعد الحقّ إلاّ الضلال().
الخامس: أنْ لا تكون له حدّة فهم متجاوزة إلى حدّ الإفراط، بحيث يلحق بالأمزجة السودائية وأصحاب الجربزية()، فلا يقف على حدّ ولا ينتهي إلى أمد ولا يحصل له الجزم بشيء كلّما حصل له رأي في حكم عدل منه إلى آخر فلم يزل في شكّ وريب، وهذا أكبر كلّ عيب. كيف وقد قال (عليه السلام): “الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكة”، و”تركُكَ حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه”.
والمطلوب من حصول الملكة ردّ كلّ فرع إلى دليله وعدم تخطّي كلّ حكم عن سبيله.
السادس: أن لا يكون بليداً لا يتفطّن للمشكلات والدقائق، ولا جامداً لا يتصرّف في إدراك الحقائق، فيقبل كلَّ ما يسمع ويرى، وينقدح الشك في قلبه من أوّل شبهة فلا يتخلّص ممّا عرى.
والمطلوب أنْ يكون صاحب الملكة ذا نباهة وحذاقة يتفطّن بها إلى المشكلات ويتخلّص بها في المعضلات، ويقتدر بها على ردّ الفروع إلى الأصول، ويعرف بها من نفسه الوصول. مضافاً إلى قوله (عليه السلام): “لا يفلح من لا يعقل، ولا يعقل مَنْ لا يعلم”. إلى أنْ قال: “ومَنْ فرّط فقد تورّط، ومَنْ خاف العاقبة تثبّتَ عن التوغل فيما لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه، ومَنْ لم يعلم لم يفهم، ومَنْ لم يفهم لم يسلم، ومَنْ لم يسلم لم يكرم، ومَنْ لم يكرم يهضم، ومَنْ هضم كان ألوم، ومَنْ كان كذلك كان أحرى أنْ يندم”().
السابع: أن لا يكون جزّاماً قطّاعاً بكلّ شيء بحيث يتخيّل أنّ كلّ شيء عنده من الضروريّات لقصوره عن تمييز الضروريّات من النظريات، وتعويله على كلّ مسموع وصدق كلّ ناطق، فيكون خطؤه أكثر من صوابه لعدم معرفته بالسلوك، إلى كلّ حكم من بابه مع أنّه يدخل في عموم قوله (عليه السلام): “من أجاب في كلّ ما يُسأل عنه فهو المجنون”، وقوله: “من فرط فقد تورّط، ومن خاف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم فقد جدع أنف نفسه”.
الثامن: أنْ لا يكون مدّة عمره متوغلاً بالعلوم الكلامية والحكمية والرياضية والطبيعية، وغير ذلك من العلوم ممّا كان على غير طريقة الفقهاء بحيث يلتزم بتخريج الأحكام الشرعيّة على الدقائق الحكميّة والأمور الخفية ويخرجها عن مجاري الأمور اللغوية والعرفية والعادية، فيخرج فقهاً آخر خارجاً عن الشريعة المحمديّة والطريقة المثلى الأحمديّة.
التاسع: أنْ لا يكون له أنس بالتوجيه والتأويل وتكثير الاحتمالات في الآيات والروايات إلى حدّ تصير عنده المؤولات كالظواهر، والمعاني الخفية أظهر من كلّ ظاهر. والشريعة ليست مبنية على الباطن والتأويل إلاّ ما اقتضاه العقل أو دلّ عليه الدليل.
العاشر: أنْ لا يكون كثير الشك والتشكيك بكلّ حكم أو دليل، بحيث تكون عنده أكثر الضروريّات نظريات لزعمه أنّ ذلك من قوّة النظر، وجودة البصيرة والبصر، فيجهل الحق وتكون مجهولاته أكثر من معلوماته، فلا يصل إلى حقيقة مطلب في ذاته مع أنّه يدخل في عموم قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}()، وربّما يصل إلى حدّ الكفر لإنكار بعض الضروريات.
الحادي عشر: أنْ لا يكون جريئاً على الفتوى في الغاية، معوّلاً على كلّ ظن في البداية بزعمه أن ذلك من قوّة الفقاهة وغاية الوصول، وأنّ الفقيه من عوّل على فقهه في مراتب الوصول. ولم يعلم أنّ المفتي على خطر عظيم وإنْ أصاب، وأنّ النطاق على غير تثبت على شفير جهنم ولو جاء بالشيء العجاب. مضافاً إلى قوله (عليه السلام): “إنّ من أجاب في كلّ ما يُسأل عنه فهو المجنون”.
الثاني عشر: أنْ لا يكون مفرطاً في الاحتياط في مقام العمل لنفسه، ولا في مقام الفتوى لغيره بحيث يلحق بأهل الوسوسة المذمومة كما قال (عليه السلام): “لا تعوّدوا الخبيث منكم فإنّما يريد ليطاع فلا يحصل لصاحبه فقه ولا عمل”.
فإنّ التفريط بالاحتياط قد يكون موجباً للخروج عن الشريعة فيكون خلاف الاحتياط. كيف وقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}()، وقال (صلّى الله عليه وآله): “أتيتكم بالشريعة السمحة السهلة والحنيفية البيضاء”.
الثالث عشر: أنْ لا يكون متعصباً للآراء لذهاب أبيه أو جدّه أو أستاذه إليها زعماً منه أنّ الحقّ ما ذهبوا إليه، وأنّ الصواب ما عوّلوا عليه، وإنّ غيرهم لتعصّبه لهم لا يصل إلى آرائهم وأفكارهم ولا يلحق بغبارهم. ولم يعلم أنّ العلم في العالم كلّه (وفوق كلّ ذي علم عليم)، وإن الله يؤتي فضله من يشاء، وكم ترك الأوّل للآخر. وقال (عليه السلام): “ربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه”، وقال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}().
الرابع عشر: أنْ لا يكون سريع الإنكار إلى ما لا يصل إليه فهمه أو يدركه عقله فيحكم بكذبه إنْ كان رواية، وببطلانه إنْ كان قولاً أو دراية. كيف، وقد قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}، وقال أمير المؤمنين: “فإنّ أكثر الحق فيما لا تعلمون، وأكثر المعروف فيما تنكرون”. وروى ثقة الإسلام في الكافي عن أبي عبيدة، قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: “والله إنّ أحبّ أصحابي إليَّ وأورعهم وأفقههم أكتمهم لحديثنا”.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: “إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفون فرُدّوه إلينا، وقفوا عنده وسلّموا حتّى يتبين لكم الحق”.
وعن أحد الصّادقين (عليه السلام) قال: “لا تكذّبوا بحديث أتاكم به مرجئي ولا قدري ولا حروري ينسبه إلينا فإنّكم لا تدرون لعلّه شيء من الحق فتكذّبوا الله فوق عرشه”()، وفي آخر قال: قال الصادق (عليه السلام): “لا تكذبوا بحديث أتى به مرجئي ولا قدري ولا خارجي ينسبه إلينا فإنّكم لا تدرون لعلّه شيء من الحق فتكذبوا بالله”().
وفي آخر قال: سألتُه (عليه السلام) عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك (عليهم السلام) قد اختلف علينا فكيف نصنع، نعمل به على اختلافه أو نردّه إليك فيما اختلف فيه؟ فكتبَ: “ما علمتم أنّه قولنا فالزموه، وما لم تعلموه فردّوه إلينا”().
وفي آخر عن الباقر (عليه السلام) قال: “أمّا والله إنّ أحبّ أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا وإنّ أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم إليّ الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويُروى عنّا فلم يعظمه ولم يقبله واشمأزَّ منه وجحده وكفّر مَنْ دان به، وهو لا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج، وإلينا أُسند فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا”().
وفي آخر عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: “إنّ الله تبارك وتعالى خصّ عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتّى يعلموا ولا يردّوا ما لم يعلموا، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}، وقال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}.
وفي آخر قال قلتُ لأبي عبدالله جُعلتُ فداك إنّ الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فتضيق بذلك صدورنا حتّى نكذّبه. قال، فقال أبو عبدالله: أليس عنّي يحدّثكم؟ قال، قلتُ: بلى. قال: فيقول لليل إنّه نهار، وللنهار إنّه ليل. قال فقلت له: لا، فقال: ردّه إلينا فإنّك إن كذّبت فإنّما تكذّبنا().
وفي بعض مكاتبات أبي الحسن (عليه السلام): “ولا تقل لما بلغك عنّا أو نسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه فإنّك لا تدري لم قلنا وعلى أيّ وجه وصف”. وعن أحد الصادقين (عليهم السلام) قال: “لا تكذّبوا بحديث أتاكم به أحد فإنّكم لا تدرون لعلّه من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه”.
فإنّ هذه الأحاديث الشريفة وغيرها ممّا جاء في أدلّة التراجيح تدلّ على أنَّ المراد منها أنّ الإنسان إذا سمع حديثاً عن آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، وكان مخالفاً لرأيه وهواه، أو لما روي عنهم في معناه أو لم يدرك له معنى محصّلاً إمّا لإشكاله أو لقصور الفهم عنه أو لعدم موافقته للعقل أو الحسّ فلا يسارع إلى تكذيبه وردّه بل إنْ رأى له وجهاً صحيحاً أو تأويلاً قريباً وله شاهد، بموجب القواعد اللغوية أو الأصولية أو من أخبارهم أو من الكتاب أو السنّة، حمله عليه، وإلاّ سكت عنه من غير قبول ولا ردّ لإمكان وروده على أمر لا يحتمله عقله أو سبب لم يظهر له وجهه من تقيّة أو غيرها.
وإن كان لا بدّ من العمل فيعمل على موجب ما بنى عليه من أصول فيما تعارض فيه النصّان أو ما لا نصّ فيه من الاحتياط أو التخيير أو غير ذلك. وفي بعض الأخبار قال: “فذروه في سنبله”().
وهكذا لو سمع فتوى فقيه من الإمامية مع علمه بأنّه لا يأخذ بهوى ولا رأي ولا قياس ولا استحسان وأنّه لا يعمل إلاّ بموجب أصول أهل البيت وما أمروا به من الأدلة فلا ينبغي الإنكار بل ينبغي التورّع في حقّه وحمل كلامه على أحسن الوجوه أو ردّه إلى فهمه ولعلّه أخذه من مأخذ خفيّ من الأدلة الشرعية لا يصل إليه فهمه لأنّ {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}().
الخامس عشر: أنْ لا يكون سريع الوثوق بكلّ أحد، من كلّ راوي وناقل وقائل ومفتي، والتعويل على كلّ مصنّف ومؤلّف بالنقل ممّا يوجب الخروج عن الكتاب والسنّة والإجماع وضروريات العقول، أو يخالف أقوال الإمامية ورواياتهم، ويكون أشبه شيء بأقوال الفرق المنافية في أصول أو فروع، إلاّ ما يمكن فيه التأويل والتوجيه وردّه بالوجه الأوفق إلى مذهب العدالة أو السكوت عنه بحيث يمكن أن يكون له وجهٌ موافق لا تصل إليه الأذهان، فيكون من الأمور المتشابهة.
ويدلُّ عليه قوله في الرواية السابقة فيقول: “للّيل إنّه نهار وللنهار إنّه ليل”. فإنّ معناه أنّ ما يمكن أنْ يخرج على وجه مقبول يُقبلُ ولا يُردّ، وما لا يمكن من المحالات العقليّة والعاديّة والشرعيّة لا يقبل بل يُردّ إليه. ويرشد إليه قوله (عليه السلام): “بل الذي جاءكم به أولى”.
وما دلّ من الروايات الدالة على الوقوف عند كلّ شبهة، وما جاء من روايات التسليم والردّ إليهم، وما دلّ على حصر الرجوع إلى الثقات وعدم العذر في ردّ رواياتهم، إلى غير ذلك.
السادس عشر: أنْ لا يكون مسبوقاً بشبهة تقليد أو دليل أو موضوع أو حكم أو قاعدة فإنّه لا يعي إلى الصواب، ولا ينظر إلى الحقّ إلاّ من وراء حجاب. فإنّ الشبهة تورث الغشاوة في البصيرة كالرمد في الباصرة، فيرى الباطل في صورة الحقّ.
قال (عليه السلام): “إنّما سمّيت الشبهة بشبهة لأنّها تشبه الحق، فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى”().
وقال (عليه السلام) في ذمّ علماء السوء: “يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات”().
وفي وصية أبي الحسن لابنه: “أوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلّها، والصمت عند الشبهة”(). وفي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): “قولوا ما قيل لكم وسلّموا لما روي لكم ولا تكلّفوا ما لم تكلّفوا فإنّما تبعته عليكم، واحذروا من الشبهة فإنّها وضعت للفتنة”(). وقال (عليه السلام) في ذمّ القضاة: “فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ”، إلى أنْ قال: “ركّاب شبهات خبّاط جهالات لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم”().
ومن هذا القبيل الشُبَه الداخلة على الأخبارية من فساد الاجتهاد بما عليه علماؤنا وأصحابنا الأصولية من معناه، وهو الاجتهاد في الأدلة الشرعيّة، والنظر فيها والتراجع في استنباط الأحكام بحيث يكون المقصود منه الاجتهاد في تعيين قول الإمام، لخيال أنَّ ذلك من العمل بالرأي الممنوع منه في الكتاب والسنّة. ومع ذلك أنَّهم لا يمكنهم العمل بالأحاديث إلاّ بهذا النحو من الاجتهاد، وإلاّ فلا يكاد يحصل لهم علم أو عمل إنْ جزموا وحكموا، وإنْ وقفوا وسالموا وإن احتاطوا فعملوا وإن تخيّروا وقسّموا.
فإنّ هذا طور من الاجتهاد لا يتعدّاه أغلب الأصوليّة في كثير من الأحكام الشرعية إذْ ليس كلّ مَنْ أفتى جزم، ولا كل مَنْ جزم عمل بما علم.
السابع عشر: أنْ لا يكون متوغلاً في علم الحديث، بحيث يُعوّل على كلّ رواية مسطورة ولو كانت شاذّة سنداً وعملاً ويقتصر على مواردها ومداليلها المطابقيّة، وينظر إلى القواعد الشرعيّة المأخوذة من إجماعات الإمامية وفحاوى كلام الأئمة، ومن محكمات العقول بعين الازدراء والسخط والاعتساف، فيخرج عن مذهب الإمامية لرواية شاذة مهجورة علماً وعملاً ويأتي بفقه جديد تضحك منه المخدّرات في الحجلات، فإنّه قال (عليه السلام): “واترك الشاذ والنادر”()، وقال (عليه السلام): “والشاذة للذئب”.
الثامن عشر: أنْ لا يكون متوغلاً في علم الأصول بحيث ينظر إلى أحاديث الأئمة المعوّل عليها في ردّ كلّ شبهة، ومنها استبان كلّ حق واستنار كلّ صواب لمخالفتها للقاعدة، فإنَّ قواعد الفقه أغلبيّة لم تطرد، والفقه مبنيّ على تفريق المجتمعات وجمع المتفرقات، وقد قال (عليه السلا): “فإنّ لكلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً”()، وإنّما القاعدة تفيد حيث لا يكون دليل يوجب تخصيصها وتقييدها فحينئذٍ يكون المعوّل عليها كما أنّه لا يقدح فيها كلّ ما يسمّى دليلاً أو أمارة ما لم يكن له قوّة المعارضة.
ولا إشكال أنّ التوغّل في ذلك يوجب الخروج عن فقه الإمامية إلى فقه آخر، فتأمّل.
الشرط السادس
النظر إلى ما قيل لا إلى مَن قال
يشترط في المستعدّ النظر إلى ما قيل لا إلى مَنْ قال فإنّ الحق حقيق بأنْ يتّبع والتعويل على كلّ أحد حماقة، وسوء الظن من حسن الفطن، والنظر إلى القائل مع كونه غير معصوم محلّ الخطأ، والجهل كالعلم مقسوم على الكبير والصغير والخفي والشهير، فلا يأخذه إشتهار العالم بين الناس وخمول الأخوان، فالصواب في جانب واحد كما قال (عليه السلام): “فإنّ أكثر الحقّ فيما لا تعلمون”، وربّ مشتهر عقدت عليه الخناصر غير واصل، وربّ مخفي من العلماء داثر من أعظم الأفاضل.
لأنّ الاشتهار غالباً قد يكون سببه رغبة العوام وميل الطباع؛ لاشتماله على صفة جميلة غير العلم من كرم أو سخاء أو حسن خُلق أو عبادة مع كثرة المتصنعين والمتملقين من أرباب الدين كما ذمّهم الإمام (عليه السلام) وبيّن أحوالهم في قوله (عليه السلام): “يستحقر أخوانه، ويتواضع للأغنياء من دونه”().
وقد يكون سبب الاشتهار أنّه وجيه في البلاد وعند الرؤساء، والناس محتاجة إليه في قضاء لوازمهم. (ومَنْ عرف الإحسان قيداً تقيّدا).
وقد يكون الاشتهار أبانه بالفضيلة فيظنّ أكثر العوام والجهال أنّ العلم رداؤه.
والحاصل أنَّ أغراض الاشتهار في العلماء كثيرة، وكم لله من خبايا في زوايا. وقصة الشيخ ميثم مع علماء الحلّة معلومة().
ولهذا لم يعدّ أصحابنا الاشتهار وغيره من صفات الشخص من أسباب العدالة، فلا يدلّ على الرتبة العلميّة أو المزيّة على غيره، وإنْ ذكروا أنّ الاجتهاد يثبت بالاختبار أو الاشتهار أو شهادة العدل فهو طريق في الظاهر لمن تعذّر عليه، لا لمن تمكّن في الاختبار والتمييز بين كلامه وبين كلام غيره، فإنّ مَنْ له رتبة التمييز لا بدّ وأن ينظر في المقابل ولا يلتفت إلى من قال فيهلك، كما قال (عليه السلام): “فلينظر إلى علمه عمّن يأخذه”. فتأمّل.
الشرط السابع
عدم الميل إلى الحكم قبل الدليل
يشترط في المستعدّ عدم الميل والحبّ لنفس الحكم الشرعي لأنّه ما يلائم طبعه وهواه فتسبق المحبّة والميل إلى الحكم قبل الدليل فيتخيّل أنّه استفاده منه، ولم يعلم أنّه جرَّ الدليل إليه ولم يلتفت إلى المعارض، أو نظر إليه بعين السخط وعدم القبول. فإنَّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ.
وذلك كأن يكون فيه جلب مال أو حصول تولية له أو لقضاء شهوته بأكله وشربه أو استعماله أو لبسه، فيبني على حلّيته وإباحته للميل إلى سماعه من أصوات الغناء فيخرجه عن موضوعه أو عن حكمه.
وقد تواترت الروايات في ذمّ علماء السوء وذمّ أهل الرأي والأهواء والاستحسانات ما لا يكاد يُحصى بعدّ، فتأمّل.
الشرط الثامن
عدم الرغبة في الشيء لجلب الاعتبار
يشترط في المستعدّ عدم الرغبة في الشيء؛ إمّا لجلب جاه واعتبار، وذلك أنّه يُفتي بما إليه نفوس العامة أميل في تحليل لباس بعض الحرير واستعمال بعض أواني الذهب والفضّة والمآكل اللذيذة، وإن كان فيها شبهة التحريم لأجل أن يجلب وجوه العامّة إليه مع الفتوى والتقليد وإنْ لم يكن له في نفسه ميل وحبّ للشيء لتلك الغايات، (نعوذ بالله من ذلك).
وإمّا لكون الشيء أو الحكم أسهل وأخف في التكليف فيكون بذلك صرف وجوه الناس إليه فهو كما قال الإمام (عليه السلام): “لحلوانهم هاضم ولدينه حاطم”().
وهو يتخيّل مع ذلك لضعف نفسه وفساد طبيعته واتّباعه لهواه أنّ الدليل ساقه إلى الحكم به ومنعه من غيره، أو أنّه يرى ضعف دليل المقابل المخالف لرغبته.
وهذا من أعظم مصائد إبليس اللعين للفقهاء الغير المتنبهين لدقائق الاستعداد والإرشاد، فتأمّل.
الشرط التاسع
عدم الأخذ بالأقوال الشاذة والمذاهب النادرة
يشترط في المستعدّ عدم التعوّد للأخذ بالأقوال الشاذّة والمذاهب النادرة، بحيث يكون القصد منه إظهار المخالفة للفقهاء المحقّقين، أمّا لبيان أنّ الاقتحام بالفتوى بخلافهم من جهة وصوله وقصورهم، فإنَّ هذا باب بيّن الفساد بنسبة الخطأ إلى الأفهام المتعدّدة والآراء المجتمعة مع افتراقها في الأعصار والأمصار واتفاقها بالاتفاق، وعدم نسبة الخطأ إلى نفسه والقصور إلى رأيه.
نعم قد يتفق الخطأ مع المشهور لخطأ في فهم الدليل لشاهدٍ من الأدلة غير عليل، فيجوز الانفراد إذ لا وحشة مع الحق وإن انفرد عن الخلق، والمؤمن وحده جماعة. وهذا بخلاف ما لو اتّخذ عادةً، فإنّه يلزم منه أن يُخرجَ فقهاً آخر لآلِ محمد غير معروف عند شيعتهم.
وأمّا أن يكون قصد المخالفة لحبّ الاشتهار حتّى تشخص إليه الأبصار ويُذكر خلافُه في الأعصار والأمصار، وفي المثل المعروف: “خالف تُعرف”.
ولم يعلم الفقير أنّ هذا الاشتهار يُسبب الإنكار، فهو وإن عُرف شخصُه فقد أنكر العلماء عقله وفضله. فيجب على المستعدّ المحافظة من الوقوع في أمثال هذه الأشراك والمصائد ليقاد إليه الاستعداد بغير قائد، فتأمّل.
الشرط العاشر
عدم الاستئناس بدليل أو قاعدة
يشترط في المستعد عدم الاستئناس بليل أو قاعدة بحيث أنّه كلّما رأى فرعاً مندرجاً تحت تلك القاعدة أو رأى إطلاق الدليل قاضياً بإثباته أو نفيه جزم به وحكم بموجبه من غير التفات إلى خصوصيّات المقام.
فإنّ قواعد الفقه وأدلّتها خارجها أكثر من داخلها. فلا بدّ من ملاحظة خصوصيّات المقام ودلالة أدلّته عليه أو عدم اطّراد تلك القاعدة فيه، وتقييد ذلك الإطلاق وتخصيص ذلك العام سواءً كانت القاعدة عقلية أو شرعية أو لغوية. فإنّ أصل البراءة دليل حيث لا دليل، وإمكان انقطاع الاستصحاب وعدم جريانه لتحيكم دليل آخر عليه أو فقد شرائطه أو وجود موانعه.
وقاعدة الضمان أو استقراره محكّمة حيث لا ضرر من جهة المتلف أو حيث يكون السّبب أقوى من المباشر، وأصالة الحقيقة محكّمة حيث لا تقدّم القرائن على إرادة المجاز. وكذا مثل حجيّة مفهوم الشرط حيث لا يكون مخرجاً مخرج الغالب وعدم حجيّة مفهوم الصفة حيث لا يكون الوصف مشعراً بالعليّة. فالحاصل أنّ الجمود للاستئناس بشيء من هذه الأمور موجب لنفي الاستعداد وعدم الوصول إلى المراد، فتأمّل.
الشرط الحادي عشر
الاستئناس بالحكم لسبق تقليد
يشترط في المستعدّ عدم الاستئناس بالحكم لسبق تقليد منه لمن يقول به قبل حصول الاستعداد والاجتهاد، وتداول ذلك الحكم في العمل عنده وعند غيره من المقلّدة وأكثر تلك البلاد.
أو لأنّه قول كان يفتي به أكثر المعاصرين ونشأ عليه من أيّام الطفولة.
أو قول مجتهد واحد وكانت أكثر الناس مقلّدة له فلمّا مات جاء المجتهد الآخر وأقرّ الناس على البقاء على تقليده أو وافقه في الفتوى فقلّده الناس تأسيّاً به وهكذا. ثمّ مات الآخر وجاء الثالث فأقرَّ الناس على تقليده أو أفتى بموافقته بحيث بقي تداول الحكم بين الناس مدّة طويلة علماً وعملاً.
وهو مع ذلك أحد الأقوال في المسألة. بل يمكن أن يكون غيره أشهر منه عند القدماء والمتأخرين أو عند أحدهم، فيجيء الآخر فيتخيّل أنَّ الحكم ضروري للاستئناس به وأنّ غيره باطل مضمحل. بل ربّما ينفر منه العقل ويمجّه الطبع لكونه على خلاف علمه وعمله في العادة المستمرة والمدّة الطويلة، فينظر إلى أدلّة الأقوال بعين السخط والازدراء، ويقطع الحكم بأدنى تمسّك في الابتداء، أو أنّه يلتزم إلى أن يجرّ تلك الأدلة بالتأويل والتوجيه إليه أو يلتزم بطرحها للتعويل عليه. فيكون في الحقيقة قد أخذ الدليل من الحكم ولم يكن أخذاً للحكم من الدليل.
والمستعد وصاحب الملكة مَنْ ردّ الفرع إلى أصله وأخذ الحكم من دليله من دون داعٍ إليه غير الدليل ممّا قد عرفتَ من تلك الأباطيل.
الشرط الثاني عشر
أن يقول الحق ويفتي به
يشترط في المستعدّ أن يقول بالحق ويعمل عليه ويفتي به وإنْ ثقل التكليف به على نفسه أو على غيره، حسب ما ساقه الدليل إليه وعوّل من الاجتهاد بعد استفراغ الوسع التام عليه.
فإنّ الحقّ حقيق بأن يتبع، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}()، وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي}()، وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}()، وقال (عليه السلام): “أليس يحدثكم عنّي قال: قلتُ بلى بعد قوله يأتينا بالعظيم فتضيق صدورنا”. وقال (عليه السلام):في مدح علماء الدين: “واستلانوا ما استوعره المترفون”()، وقال (عليه السلام) في ذم علماء السوء: “يهون عليهم الجرائم ويصغر لديهم العظائم”.
إلاّ أن يكون ذلك ممّا ينافي أدلّة العسر والحرج بحيث تلزم منه المشقة التامّة والكلفة العامّة.
وأمّا مثل وجوب التسبيحات الثلاث في الأخيرتين أو الاكتفاء بواحدة، فإنّ الأوّل أثقل، وإنْ لم يلزم به العسر والحرج. ومثله الغسل من النجاسة مرتين أو الاكتفاء بالمرة الواحدة فإنّه وإن ثقل العمل بالأكثر إلاّ أنّه لا مانع منه. وهكذا ينبغي التأمّل التام في كلّ مقام.
الشرط الثالث عشر
الإستئناس بالحق
يشترط في المستعدّ الاستئناس بالحق وإن استوحش منه الخلق إذ لا وحشة مع الحقّ كما قال (عليه السلام): “لا تزيدني كثرة الناس حولي عزّة ولا تفرّقهم عنّي وحشة”(). وقال (عليه السلام) في مدح العلماء: “هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنِسوا بما استوحش منه الجاهلون”().
وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في حديث فضيلة العلم: “والمؤنس في الوحشة والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة”. إلى أن قال: “يرفع الله تعالى به أقوامنا فيجعلهم للخير قادة تقتبس آثارهم ويُقتدى بأفعالهم”().
وفي آخر: “إنَّ معرفة الله تعالى أنيس من كلّ وحشة وصاحب من كلّ وحدة ونور من كلّ ظلمة وقوّة من كلّ ضعف وشفاء من كلّ سقم”. إلى أن قال: “قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردّهم عمّا هم عليه شيء ممّا هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم لا أذى بل ما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد فاسألوا ربّكم درجات واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم”().
وهذا كلّه بحيث يصيب الحق ويقطع بحصوله من أدلته لا بحيث يكون التفرّد عن العلماء بنحو ما ذكرناه سابقاً، وإن كان يحتمل أو يظن إصابة غيره، فإنّ ذلك هو المنهي عنه فيما خالف المشهور والسواد الأعظم، فتأمّل.
الشرط الرابع عشر
الاستيحاش من الجهل وممّن يتكلم بغير علم
يشترط في المستعد الاستيحاش من الجهل وممّن يتكلّم بغير علم، ومن مدّعي العلم بغير استعداد ولا وصول إلى مرتبة الاجتهاد، أو الاجتهاد بغير الوصول وادّعاؤه بغير محصول، أو الافتاء بغير تبصّر والنطق بالعلم بغير تدبّر، وإنْ أذعن إليه الهمج الرعاع من الناس أتباع كلّ ناطق، وانقاد إليه الأوباش من الخلق حفدة كلّ ناعق.
فإنْ أمكن إظهار الإنكار وجب البدار، لأنّ العالم الجاهل فتنة لمن افتتن به. وإنّما تبعه الجاهلون لظنّهم بأنّه عالم، ولو علموا جهله لرموه بالحجارة للعمومات الدالة من الكتاب والسنّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}().
وقال (عليه السلام): “إذا ظهرت البدع فليظهر العالم علمه ومن لم يفعل فعليه لعنة الله”().
وقال (عليه السلام) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة وباعدوهم حتّى لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله تعالى لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات”().
وقال (صلّى الله عليه وآله): “إنّ عند كلّ بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان وليّاً من أهل بيتي موكلاً به يذبُّ عنه، ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره ويردّ كيد الكائدين. ويعبّر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار”.
وإذ لم يمكن له الإظهار لإدبار الخلق عنه وإقبالهم على الجاهل وغير المستحق لهذه الرتبة فإن كان من غير مذهب أهل الحقّ وخشي على نفسه وماله وعرضه فإنّه يجب السكوت للتقيّة، وإنْ كان من أهل المذهب ففيه وجهان؛يحتمل وجوب إظهار الإنكار لعدم لزوم التقيّة من أهل الحق، وإلاّ للزم إتلاف المذهب والدين ولم يقم للشرع عمود ولم يخضر للحقّ عود. ومعه يلزم فساد الدين وإضلال العالمين. ويرشد إليه قوله: “فليظهر العالم علمه”().
ولزوم الضرر من جهة إنكار الجهلاء وغير المتدينين بالكلام أو السبّ والشتم غير قادح في أرباب الدين، ولهذا قال (عليه السلام): “ولقد كان قبلكم قوم يقتلون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردّهم عمّا هم عليه شيء ممّا هم فيه”().
نعم يلزم إظهار الأمر بالمعروف ولا يلزم الإلجاء مع عدم التمكّن. وإصرار الخلق على الجهل إمّا لنظرهم إليه بعين الازدراء كما قالت الأمم الفاسدة في حق الأنبياء والمؤمنين، وإمّا لثقل الحق أو ثقل الناطق بالحقّ فتأخذهم العزّة بالإثم والحسد على نطقه بالصواب.
وأمّا إذا أمكن الإلجاء بحيث كان مبسوط اليد فلا إشكال في الوجوب. ويحتمل العدم للزوم الضرر على نفسه أو ماله أو عرضه.
نعم يجب عليه الإنكار في نفسه واعتزالهم والاستيحاش منهم، كما قال (صلّى الله عليه وآله) في صفة العلماء: “مقبل على شانه، عارف بأهل زمانه، مستوحش من أوثق أخوانه”.
والذي يظهر الأوّل. والرواية الأخيرة محمولة على ما لا تحتمله عقول الناس من المعارف ونحوها، لا في مثل هذه الإنكارات المتعلّقة في الشريعة فإنَّ السكوت موجبٌ لاضمحلالها.
ولهذا صدر من العلاّمة الأستاذ الأكبر البهبهاني ما صدر لمّا فشا مذهب الأخباريّة وظهر()، فتأمّل.
الشرط الخامس عشر
أن لا يكون مضيعاً لجوهرة عمره في العلوم الأخر
يشترط في المستعدّ أن لا يكون مضيّعاً لجوهرة عمره وأكثر زمانه في العلوم الأُخر من مقدّمات الفقه وغيرها، بل يشتغل في كلّ علم بمقدار ما يحصّل به قوّة الاستعداد ورفع الحاجة لما يترتّب عليه في الفقه، لقوله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}()، ولقول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما ورد عنه أنّه قال: “العلم أكبر من أن يحاط به، فخذوا من كلّ علم أحسنه”.
وزاد في رواية أخرى: “فإنّ النحل يأكل من كلّ زهر أزينه، فيتولّد جوهران أحدهما فيه شفاء للناس والآخر يستضاء به”.
ولا يفوت أكثر زمانه لما لا يعنيه منها بحيث لا يأتي إلى الفقه إلاّ في آخر عمره بأنظار قد كلّت ونفوس قد سئمت، فلا ينال منه إلاّ قليلاً من كثير ونزراً من خطير على غير وقف تام ممّا حصل في يده.
فإنّ علم الشريعة علم طويل الذيل صعب الحصول والمنال كثير الفروع والأحكام عظيم الأصول والمرام مرتبط الأبواب والمسائل مشتبك الإمارات والدلائل، ليس شريعة لكلّ وارد ولا فريسة لكلّ طارد، فكيف تحصى عجائبه وتفنى غرائبه في مدّة أيّام يسيرة وأعمال قصيرة؟!.
وقال بعض من سأل الإمام (عليه السلام): لم أزل أسألك عن مسائل الحج منذ أربعين سنة، فقال: يا هذا، بيت بناه الله قبل خلق آدم بأربعين ألف عام تفنى مسائله بأربعين سنة().
بل ينبغي للطالب أن يمارس مطالبه وكتبه مع كتب المقدمات كتاباً كتاباً، فيقتصر أوّلاً على مختصرات القدماء والمتأخرين ثمّ على متوسطات الكتب في المتون، ثمّ على الكتب الكبار من المتون، ثمّ على سبر كتب الاستدلال من المختصرات ثمّ المتوسطات ثمّ الكبار من غير تنقيح للأدلة.
فإذا فرغ من المقدمات لزم عليه معرفة الاستدلال والتنقيح والتدقيق، فكلّما مكث في باب لا يقدح عليه المكث لاطّلاعه على سائر الأبواب، وكلّما نقّر في كتاب انكشف عنه ألف حجاب. والإعراض عنه، في أكثر مدّة العمر مع أنّه لا يتيسر له منه شيء إلاّ بعد التعب التام والنصب، قد يفسد عليه أمراً آخر وهو أنّ التوغل بالمقدمات قد يوجب عليه البُعد عن المشكلات فلا يتفطّن إلى الأمور الفقهيّة وأدلّتها لغوره في مقدماتها وصرف دلائله عن مدلولاتها.
والغور في علم الأصول وإن أوجب الترقي في الفقه والوصول إلاّ أنّه لا محصول ممّا لم يذكره أكثر الأصوليين من التحقيقات لأنّ التعويل في أكثر الفقه على قواعده الكليّة وأصوله الشرعية المسطورة في كتب الاستدلال في خصوصيّات كلّ باب، فإنّ للفقه في كلّ باب منه فناً غير فنّ الآخر، وفقهاً غير فقه الآخر. فللعبادات طور غير المعاملات، وللعبادات البدنية فقه غير العبادات الماليّة وهكذا. ولهذا لم تجد لأكثر ما حرّر في ألسنة المتأخرين من الأصول في الفقه دليلاً ولا مدلولاً.
إلاّ أنّه لقصور جماعة عن تحصيل الفقه ولسان الفقاهة وقفوا في علم الأصول، وصعّبوا فيه على المشتغلين الطلب والحصول، بياناً للفضيلة، وخوفاً من كشف الحجاب عن جهلهم في الفقه تعلّلوا لهم بتلك العلل العليلة.
والحق أنّه لا إفراط ولا تفريط بل ينبغي إتقان مسائله على وجه لا يلزم منه تضييع العمر فيه عمّا هو الأهم، وعمّا كان المقصد الأصلي طلبه، والبحث عنه ممّا هو أتقن.
الشرط السادس عشر
وجوب الرواية إلى الأئمة الهداة
يشترط في المستعدّ وجوب أن يروي كلّما خطر لديه من حكم أو فرع أو قاعدة أو دليل كلّي أو جزئي إلى أئمة الحق وألسنة الصدق، والهداة المعصومين ونجوم العالمين، ولا يستقلّ عنهم في دليل أو قاعدة أو أصل أو فرع أو أمر أمروا بالرجوع إليه.
كما أمرونا بالرجوع إلى رواة حديثهم وإلى فتوى فتّائيهم والأخذ بما في الكتاب والسنّة والقراءة بما تقرأ الناس، والرجوع إلى أهل اللغة والعرف في الموضوعات اللغوية والعرفية، وإلى الشرع في الموضوعات الشرعية، والرجوع إلى ما أجمعت عليه الأمّة أو الإمامية أو العصابة المحقّة، والرجوع إلى محكمات العقول وردّ متشابهات الكتاب والسنّة والعقول إلى المحكم من كلّ واحد منها، وعدم جواز الأخذ بالرأي والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والأهواء والأخذ بكلّ ظن ما لم يقم عليه القاطع منهم.
فإنَّ فتح باب الظنون سدّ للأبواب المفتوحة منهم، وإن كانت مظنونة بالعارض. فلا يبقى لآية ولا رواية اعتبار ولا لحكم شرعيّ منار، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}()، فالآية قد شرطت في الإيمان ثلاثة أُمور:
الأوّل: تحكيم الأئمة (عليهم السلام) في كلّ مقام قام النزاع فيه بين الأمم.
الثاني: أنْ لا يكون في نفس الرادّ إليهم حرج ممّا قضوا عليه من مشقة وثقل أو إرادة غيره والميل إليه، ومنه الظنّ بخلاف أدلّة الأحكام المعتبرة.
الثالث: التسليم لهم: وقال (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}()، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذكر، وأهل بيته المسؤولون وهم أهل الذكر(). وفي آخر: “في الآية الذكر القرآن، ونحن قومه ونحن المسؤولون”().
وعن أبي جعفر (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم قال قلت له: إنّ مَنْ عندما يزعمون أنّ قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}()، أنّهم اليهود والنصارى. قال: إذن يدعونكم إلى دينهم. قال، ثمّ قال (عليه السلام): وأومى بيده إلى صدره: “نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون”(). وفي آخر عنه (عليه السلام) قال: “نحن قومه ونحن المسؤولون”.
وعن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا يكون العبد مؤمناً حتّى يعرف الله ورسوله والأئمة كلّهم وإمام زمانه ويردّ إليه ويسلّم له. وفي آخر قال، قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام): {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، قال (عليه السلا): “الذكر محمد ونحن أهله ونحن المسؤولون”(). وفي آخر قال فليذهب الحسن (يعني البصري) يميناً وشمالاً فوالله ما يوجد العلم إلاّ ها هنا. وعن الرضا (عليه السلام) عن قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فقال: “نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون، قلتُ فأنتم المسؤولون ونحن السائلون قال (عليه السلام): نعم”().
وفي حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال فيه: “أمّا لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان”. وفي آخر عن أبي جعفر (عليه السلام)، إلى أنْ قال فقول الله عزّ وجلّ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، مَنْ هم؟ قال: نحن، قلتُ علينا أنْ نسألكم، قال نعم، قلتُ: عليكم أنْ تجيبونا، قال ذلك إلينا(). وقد وردت مثله أخبار كثيرة.
وفي آخر: “إنّما كلّف الناس ثلاثة؛ معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما ورد عنهم، والردّ إليهم فيما اختلفوا”. وفي آخر عن يونس بن يعقوب إنّه قال لأبي عبدالله (عليه السلام) إنّي أسمعك تنهى عن الكلام، وتقول، ويل لأصحاب الكلام. فقال (عليه السلام): “إنّما قلتُ ويلٌ لهم إنْ تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون”. وفي آخر: أمر الناس بمعرفتنا والردّ إلينا والتسليم لنا. ثمّ قال: “وإنّ صاموا وصلّوا وشهدوا ْنْ لا إله إلاّ الله وجعلوا في أنفسهم أنْ لا يردوا إلينا كانوا بذلك مشركين”.
وفي آخر قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: “ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلاّ ما خرج من عندنا أهل البيت وإذا تشعّبت بهم الأمور كان الخطأ منهم والصواب من علي (عليه السلام)”. وفي آخر عنه (عليه السلام) قال: ليس أحد عنده علم إلاّ شيء خرج من عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فليذهب الناس حيث شاؤوا فوالله ليس الأمر إلاّ من هاهنا، (وأشار بيده إلى بيته)().
وعن أبي مريم قال، قال أبو جعفر (عليه السلام) لسلمة بن كحيل والحكم ابن عيينة: “شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت”() فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وفي آخر: “فليُشرّق الحكم وليُغرّب. أما والله لا يصيب العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرائيل”(). وفي آخر قال، قال أبو عبدالله: “أمّأ أنّه شرّ عليكم أنْ تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منّا”(). وفي ذيل حديث: “كيف تتكلّم بكلام لا يتكلّم به إمامُك؟”، إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على وجوب الردّ إليهم كرواية الإرجاء والتسليم وما دلَّ على النهي عن الأخذ بالرأي والمقاييس فإنّه دالة على وجوب تتبّع كلامهم والأخذ بما قرّروه وأقرّوا عليه من أصول كلية وفروع جزئية وأدلة مقرّرة وإشارات ورموز وفحاوى وألحان خطاباتهم وأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم، وألحان ما أقرّونا عليه من الكتاب والسنّة ودلالاتهما وإشاراتهما ورموزهما وفحاويهما وصريحهما، وخيال أنّ الرجوع إلى ذلك كما زعمه الأخبارية رجوع إلى غير المنصوص عنهم.
وخيالهم بأنَّ المنصوص من كلامهم ما كان بالدلالة المطابقية في الأحكام الجزئية دون باقي الدلالات ودون ما ورد في القواعد والأصول المحكمة، والردّ إلى العقول وإجماع الأمّة ظاهر الفساد كما قُرّر في محلّه، فتأمّل.
الشرط السابع عشر
كمال العقل
يشترط في المستعدّ كمال العقل لتوقّف صحّة تمييزه بصفاء ذهنه وحسن اختياره للأحكام الشرعية، وفرقه بين الحق والباطل.
والمراد بالعقل القوّة المدركة في الإنسان المميزة بين الضار والنافع دنيا وآخرة. قال (عليه السلام): “العقل نور يفرق فيه بين الحقّ والباطل”.
والمراد من كماله ما كملت به جنوده من أفعال الطاعات وترك المحرمات وما لا يرتكب المستعدّ خلال ما أدركه من حسن أو قبح أو نفع أو ضرر دنيا وآخرة عمداً، أو الذي لا يرتكب معه ما يرتكبه الجاهل من الأمور الغير الشرعية.
وفي النهج قال (عليه السلام): “كفاك من عقلك ما أوضح لك سبيل غيّك من رشدك”(). وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “إنّ العاقل من أطاع الله وإنّ الجاهل من عصى الله”، وقال (عليه السلام): “همّة العقل ترك الذنوب وإصلاح العيوب”()، وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال: “سيّد الأعمال في الدارين العقل”، “ولكلّ شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته لربّه”(). وقال (عليه السلام): “استرشدوا العقل ولا تعصوه فتذموا”.
وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): “لكلّ شيء آلة وعدّة وآلة المؤمن وعدّته العقل، ولكلّ شيء مطية ومطيّة المرء العقل، ولكلّ شيء غاية، وغاية العبادة العقل، ولكلّ قوم راعٍ، وراعي العابدين العقل، ولكلّ تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل، ولكلّ خراب عمارة، وعمارة الآخرة العقل، ولكلّ سفر فسطاط يلجأون إليه وفسطاط المسلمين العقل”().
وعن ابن عباس فيما روى: “إنّ أساس الدين بُني على العقل، وفرضت الفرائض على العقل ويتوسّل إلى الله بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربّه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من برّ العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام”().
وعن الباقر (عليه السلام) في حديث يقول فيه عن الله تعالى: “أنا أؤاخذ عبادي على قدر ما أعطيتُهم من العقل”. وعنه، عن علي (عليهما السلام) قال: “بالعقل أستخرج غور الحكمة، وبالحكمة أستخرج غور العقل”. وقال (عليه السلام): “ليس بين الإيمان والكفر إلاّ قلّة العقل”()، وقال الصادق (عليه السلام): “العقل دليل المؤمن”(). وقال (عليه السلام): “العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان”().
وفي حديث هشام عن الكاظم (عليه السلام) إنّ الله تعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}()، فقال (عليه السلام): “بالعقل تعرف الصادق على الله فتصدّقه والكاذب على الله فتكذّبه وقال إنَّ الله تبارك وتعالى يُحاسب الناس على قدر ما أتاهم من العقول”.
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أنّ الثواب والعقاب بالعقل. قال: “بك أثيب وبك أعاقب”()، وإنّه لا يكمل إلاّ فيمن كملت فيه جنوده، وهي خمسة وسبعون جنداً من أفعال الطاعات وترك الكبائر والصغائر من المعاصي. والناس تختلف في كماله باختلاف اجتماع جنوده.
ولا إشكال إنّ مَنْ كان جامعاً لجنود العقل كان قريباً إلى السداد والصواب. ومن هنا جاءت الروايات في تقديم قول الأعلم الأورع والأعدل ولقربه من الصواب، فتأمّل.
التأسيس الثالث
في بيان المستعد له
والكلام يقع فيه في بناءَات:
البناء الأوّل
في الملكة
وهي قد تطلق ويراد بها ما قابل الأعدام من الموجودات. فكلّ موجود ملكة بالنسبة إلى نقيضه، كالعقل فإنّه ملكة بالنسبة إلى الجهل، والبصر ملكة بالنسبة إلى العمى، والسماع ملكة بالنسبة إلى الصمم. وهي في مثل هذا المقام أعمّ ممّا تطلق عليه من صفات الأعراض. وتطلق كما هي محلّ المبحوث عنه، ويراد بها الكيفيّة النفسانية الراسخة الحاصلة من ممارسة الأشياء أو الأعمال كالعلم والشجاعة والكرم والعدالة والعفّة والغضب والرضا، ويقابلها من هذه الصفات الأحوال القابلة للزوال.
وهي في العلوم كيفيّة نفسانيّة حاصلة من ممارسة المسائل، وفي الاجتهاد القوّة القدسيّة أو الكيفية الكسبية الحاصلة من جامعية شرائط الاستعداد التي يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، أو من ردّ الفروع إلى الأدلة والأصول. وهذه الرتبة هي المايزة بين العالم والمتعلّم، والفقيه والمتفقّه، والحاكم والمحكوم عليه، والقاضي والمقضي عليه، والبصير والمستبصر، والمرشد والمسترشد، ولذلك قال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}()، وقال: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}(). وقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}().
وقوله (عليه السلام) لكميل ابن زياد: “إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك، الناس ثلاثة؛ فعالم رباني ومتعلّم على سبيل النجاة وهمج رعاع، أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق”().
فإنّ المراد بالعلم هو صاحب الملكة، ومن المتعلّم السالك في طريق العلم وفي تحصيله والمحكم لتقليده، والهمج الرعاع الخارج من القسمين.
فيكون معنى الحديث: إنّه ليسوا بعلماء واصلين فيستضيئوا بنور العلم، وليسوا متعلّمين ومستقرين في تقليدهم باتّباعهم لمن عوّلوا عليه في دينهم، فقال: ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وهو المجتهد الذي من شأنه أن يُقلّد ويُتّبع. فلو كان الناس صنفاً واحداً، وكلّ واحد قابل بدون الملكة أن يتوصّل إلى المطالب العلمية، كما زعمه الأخبارية، لم تصحّ القسمة المذكورة في الكتاب والسنّة. والتفصيل في الكتاب والسنّة قاطع للشركة ومنه حُرّم التقليد على المجتهد، ووجب التقليد على المقلّد.
وهذا هو العلم المأمور بطلبه بقوله (عليه السلام): “طلب العلم فريضة على كلّ مسلم أو مسلمة”()، وقوله (عليه السلام): “فاطلبوا العلم في مظانّه واقتبسوه من أهله”، مع احتمال أنْ يكون المراد الأعم من الاجتهاد والتقليد. ويحتمل إرادة خصوص التقليد لقوله: “فاطلبوه في مظانّه واقتبسوه من أهله” الذين هم المجتهدون.
وهذه هي المعرفة المقصودة في مقولة عمرو بن حنظلة بقوله: “انظروا إلى مَنْ كان منكم روى حديثنا ونظر حلالنا وعرف أحكامنا”، فإنّ المراد به: مَنْ نَظَرَ في حلالنا وحرامنا نظر استدلال. فإنّ المراد بالنظر ترتيب أمور معلومة لتحصيل أمور مجهولة وعرف بقوّة قدسيّة وملكة إلهيّة لدُنية أو كسبيّة وهي الدراية التي تفاوت الناس في درجاتها كما في حديث الزرّاد عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال للصادق (عليه السلام): “يا بُنيّ أعرف منازل الشيعة على قدر رواياتهم ومعرفتم”، فإنَّ المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات يعلو المؤمن إلى أقصى جدران الإيمان، إنّي نظرتُ في كتاب عليّ فوجدتْ في الكتاب أنَّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته، وأنَّ الله تعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا”().
ولا إشكال إنَّ المراد من الدراية للرواية استنباط الأحكام منها المتوقف على تلك المقدّمات والشرائط المعتبرة في الاستعداد على حصول الملكة الحاصلة من جامعية شرائط المستعدّ والاستعداد. ولا إشكال أنّها هي الشرط الأعظم في الاجتهاد، وإلاّ لم يجز الأمر بالرجوع إليه في الكتاب والسنّة بقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}()، وقوله في تفسير قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}()، أي إلى علمه عمّن يأخذه، وقوله (عليه السلام) لأبان(): “اجلس في مسجد المدينة وافتي الناس، فإنّي أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك”(). وقال (عليه السلام) في مدح العلماء: “يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تُقتبس آثارهم ويُقتدى بفعالهم وينتهى إلى آرائهم وترغب الملائكة في خلتهم”().
فإنّ قوله: “وينتهي إلى آرائهم” دليل على صحة الاجتهاد ووجوب التقليد. وهي المراد من التشبيه في قوله (صلّى الله عليه وآله): “علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل”، وقوله: “علماء فقهاء حكماء، كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء”. والمراد من الفقهاهة بقوله (عليه السلام): “لا تعدّوا الرجل منكم فقيهاً حتّى يلحن له فيعرف اللحن”. ومن الفراسة بقوله: “اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله”()، وربّما يطلق إسم النور كما في الحديث المذكور، وبقوله: “العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه”()، وفي آخر “نور يقذفه في قلب من يريد أن يهديه”. وقد يعبّر عنها بالوجه كما في قوله (عليه السلام): “إنّ أبا حمزة ينظر بالوجه”، ولعلّه هو المراد من التوسم في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}().
والمحصّل من ذلك أنّ لها في كلام الأئمة إطلاقات: الأوّل: المعرفة، الثاني: العلم، الثالث: الدراية، الرابع: الحكمة، الخامس: الذكر، السادس: النبوة، السابع: الفراسة، الثامن: النور، التاسع: الوجه، العاشر: المعنى المستفاد من مجموع الروايات الملكة، الحادي عشر: حسن الاختيار، الثاني عشر: التوسم.
إلاّ أنّ إطلاق العلم على الملكة وإنْ كان مجازاً، لأنّ العلم عبارة عن الإدراك الفعلي، وذلك لأنّه إمّا عبارة عن الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل أو حصول تلك الصورة في العقل أو قبول العقل لتلك الصورة أو التفات الذهن نحو المعلوم أو إدراك للأشياء على ما هي عليه أو صفة توجب تمييزاً لمن قامت به. وكلّ واحد من هذه المعاني غير الملكة التي هي عبارة عن الاقتدار على إدراك المعلومات، إلاّ أنّ إطلاقه عليها صار حقيقة عرفيّة كسائر إطلاقات أسماء الحرف والصنايع من نحو الحياكة والنجارة والحدادة والصياغة على أسماء ملكاتها.
ولا إشكال إنّ العلم كسائر الصفات النفسانية إسم لملكته كالشجاعة والسخاء والعدالة وغيرها، وعليه يحمل إطلاقات طلب العلم والنفقة في الدين الواردة في الكتاب والسنّة. ومثله إطلاق لفظ المعرفة، وإن كانت المعرفة حقيقة العلم بالجزئيات، وهكذا المتبادر من معنى الدراية. إلاّ أنّ الظاهر أنّ هذه الإطلاقات مع المعاني الأخر وإطلاقات ألفاظها إطلاقات شرعيّة حقيقة أو مجازاً، فتأمّل.
البناء الثاني
هل الملكة لدنية أم كسبية؟
إختلف العلماء في أنّ ملكة الاقتدار التي هي من شرائط الاجتهاد هل هي لدنيّة وقوّة قدسيّة إلهية أو كسبية؟! صريح الأكثر، ـ ومنهم الشهيد والعلاّمة البهبهاني() والمحدّث البحراني، ـ الأوّل()، وظاهر جماعة منهم وصريح آخرين الأخير.
يُحتجُّ للأوَّلين:
أوّلاً: بأنّ ملكة الاجتهاد لو كانت كسبية لكان الاجتهاد شريعة لكلّ وارد، والتالي باطل، فالمقدّم مثله. أمّا الملازمة فظاهرة، لأنّ مَنْ جدَّ وجد، ومَنْ لجَّ في باب ولج، ومَنْ اكتسب كسب، ومَنْ سلك طريقاً وصل. وأمّا بيان بطلان التالي فضروري لما نرى بالوجدان من كثرة الطلبة للعلم وقلّة الواصلين، ولا يناله إلاَّ ذو حظّ عظيم.
ثانياً: إنَّ إعطاء الاقتدار على إدراك جزئيات الأحكام كسائر الأرزاق الإلهيّة ليس للعبد في تحصيلها صنع، وإنْ تعرّض للأسباب ما لم يحصل من المعطي الوهاب.
ثالثاً: إنّ هذه الرتبة السنيّة من آثار النبوة ومراتب الوحي، فلا يختص بها إلاّ الأوحد من الناس، وهو مَنْ عرف الله قابليته للفيض وإنْ كان الطالب لهذه الرتبة كثير من الناس.
رابعاً: الآيات الدالة، منها قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}()، ومنها قوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ}()، ومنها قوله: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}()، ومنها قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}()، ومنها قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}()، ومنها قوله: {آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}()، ومنها قوله: {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}()، ومنها قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}()، ومنها قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}()، ومنها قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}()، ومنها قوله: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}()، ومنها قوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}()، ومنها قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}()، ومنها قوله: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}().
خامساً: الأخبار الدالة على ذلك، منها قوله: “ليس العلم بكثرة التعلم وإنّما نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه”()، ومنها قوله: “العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه”، ومنها قوله: “العلم علم الله لا يؤتيه إلاّ لأوليائه”().
سادساً: الأخبار الدَّالة على أنَّ ليس للعباد في المعرفة صنع، منها: ما في رواية بريد العجلي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ليس لله على خلقه أنْ يعرّفهم، وللخلق على الله أنْ يعرفهم ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا.
ومنها: عن حمزة الطيّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال لي اكتب فأملى عليّ أنّ من قولنا إنّ الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرّفهم (الحديث)()، ومنها: عنه (عليه السلام) قال: “ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع؛ المعرفة والجهل والرضا والغضب والنوم واليقظة”، ومنها: عن حمّاد بن عبد الأعلى قال قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام):أصلحك الله هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: لا، قلتُ: فهل كلّفوا المعرفة؟ قال: لا، إنَّ على الله البيان، لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ولا يكلّف الله نفساً إلاّ ما آتاها(). قال وسألته عن قوله عزَّ وجلّ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}()، قال حتّى يعرّفهم ما يرضيه ويسخطه، وقال فألهمها فجورها وتقواها قال بيّن لها ما تأتي وما تترك. وقال {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}()، قال عرضناه إمّا آخذاً وإمّا تاركاً، وعنه (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}()، قال: “نجد الخير ونجد الشرّ”(). وعن عبدالأعلى بن أعين قال: سألتُ أبا عبدالله (عليه السلام) عمّن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟ قال: لا. وفي آخر عن زكريا بن يحيى عن أبي عبدالله قال: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.
وعن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: “إنّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل”(). وعن عبد الأعلى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “لم يكلّف الله العباد المعرفة ولم يجعل لهم إليها سبيلاً”(). وعنه (عليه السلام) في قوله {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}()، قال: عرّفناهم فاستحبوا العمى على الهدى، وهم يعرفون. وفي رواية: “بيّنا لم”. إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا المضمون الدالة على أنّ المعرفة من صنع الله وعطائه، ولا تكون كذلك إلاّ أن تكون موهبيّة لدُنيّه، فتأمّل.
ويُحتج للآخرين():
أوّلاً: بأنّ الملكة هي الكيفيّة الحاصلة من ممارسة المسائل ولا يكون حصولها إلاّ بالكسب.
ثانياً: إنّه لو كان حصول الملكات لدُنيّاً لما احتيج إلى الاكتساب في طلب العلوم والمقدّمات، والتالي باطل بالضرورة والوجدان فالمقدّم مثله والملازمة ظاهرة.
ثالثاً: إنّه لو لم يكن تحصيل الملكات العلمية مقدوراً، لما أُمر بطلب العلم في الكتاب والسنّة، والتالي باطل. أمّا الملازمة فلأنَّ الأمر تكليف ولا يتعلّق ألاّ بالمقدور. وأمّا بطلان التالي، فلقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}() الآية، وقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}()، وقال (عليه السلام): “طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة”()، وفي آخر: “فاطلبوه من مظانه واقتبسوه من أهله”، وقال (عليه السلام): “تفقه يا بُنيّ في الدين”، وقال (عليه السلام): “تفقهوا ولا تكونوا أعراباً”، وقال (عليه السلام): “من حفظ من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً”()، إلى غير ذلك من الروايات.
رابعاً: الروايات الدالة على وجوب بذل العلم لطالبه واستحباب تدريسه، وما دلّ على مدح العلماء والمتعلمين، و”إنّ الحكمة ضالة المؤمن”()، فإنّها تدلّ على كون العلم كسبيّاً.
خامساً: لو جاز أنْ تكون الملكات موهبيّة لجاز أنْ يكون العلم بجزئيات الأحكام موهبيّاً من غير توقّف على العلم بالاستدلال والدليل فلا يختص أحد بهذه المرتبة ولا يكون لأحد مزيّة، وبالتالي باطل بالضرورة والوجدان ولا يدّعيه إلاّ مَنْ ادّعى عدم حصر الدليل بالبرهان ممّن يدّعي المكاشفات والمشاهدة لحقائق الأشياء بالرياضيّات. وهو مع أنّه ظاهر الفساد ضروريّ البطلان بالنسبة إلى الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلاّ من جهة الوحي الإلهي.
سادساً: إنّه لو كانت الملكات موهبيّة للزم أنّه لا يحصل الاجتهاد إلاّ لأوحديّ الناس لمن تحلّى بصفات الكمال وتطهّر من الرذائل. ولا إشكال في فساده لما نجده من كثرة المجتهدين في الإمامية في سائر الأعصار والأمصار مع أنّ الجميع لم يتصفوا بهذه الصفات، بل أكثرهم لم يعرف علم الأخلاق فضلاً عن تحلّيه بتلك الصفات.
سابعاً: إنّه لو كانت الملكات موهبية لم يحصل الاجتهاد للمخالفين مع أنّ اجتهادهم في الفقه على موجب أصولهم وأدلّتهم لا ينكر، والملازمة ظاهرة لعدم قبول المحّل للإضافات الإلهيّة والعناية الربانيّة.
ثامناً: إنّه لو لم تكن الملكات كسببية لما أمر بالمجاهدة في طلبها، والتالي باطل، والملازمة ظاهرة. وأمّا بطلان التالي فلقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فإنّ المراد بالهداية الإراءة، والسُبل الأدلة. والمقصود تحصيل المقام الذي فيه بيان السبيل ويتقدّر فيه على تحصيل الدليل.
ولا إشكال إنّ نصب الدلائل على الأشياء من الله على العباد، التحصيل. فإن وُجدَ حصل التكليف بالحكم بمقتضاه وإلاّ كان العمل والعلم على موجب ما يقتضيه العقل. وعلى ذلك تحمل الأخبار المتقدّمة الواردة بأن ليس للعباد في المعرفة صنع، وإنّهم لم يكلّفوا المعرفة، وأنّهم لا سبيل لهم إليها، وأنّه لم يخلق فيهم أداة موصلة إليها، لأنَّ إرادة الله وكراهيته لا تعلم إلاّ من قبله، إمّا بوحي منه على رسله في كتاب أو سنّة أو بضرورة العقل. وليس للعباد أن يتكلّفوا ما لم يكلّفوا. ومنه يعلم فساد حُجيّة الظن مطلقاً، ولو من غير دليل نصب عليه القاطع، أو تحمل الأخبار الواردة على ذلك على المعرفة الفعلية.
فإنّ حصول القطع أو الظن من الأدلّة أمر خارج عن الاختيار منهما من الصفات والآثار الحاصلة بوجود أسبابها، ولو من أسباب خفية غير معلومة.
ولهذا لا يمكن زوالها بالاختيار، ولا يمكن التكليف في غيرها إلاّ من جهة التعبّد المحض لما ستعرف من أنَّ تحصيل العلم أو الظنّ بعد المقدّمتين من باب اللزوم العقلي أو من باب الإعداد أو من جهة العادة أمر توليدي، أو أنّه ظهور للنفس بما فيها بعد إزالة الحجاب من رفع الشبهات بالدليل والبرهان.
فإنْ أرادوا بالموهبيّة هذا المعنى، فلا نزاع مع أنّه لا يتمّ بالنسبة إلى تحصيل الملكات وهو قوّة الاقتدار لأنّه علم بالقوّة لا بالفعل، والنزاع المذكور في العلم الحاصل من الدليل بالفعل. وعليه أيضاً تحمل الأخبار الواردة بأنّه نور يقذفه الله في قلب من يريد.
تاسعاً: الآيات والأخبار الواردة بأنّ النفس خُلقت كاملة وأنّه مكتوب فيها ما لها وعليها، إلاّ أنّه لما تنزلت من عوالمها حجبت في ظلمات الجسم والعوارض عليها من تعقّلاتها كقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}، وقال: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وقال (عليه السلام): “خلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكّاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإن فارقت الأضداد فقد طابقت السبع الشداد”.
وقال (عليه السلام): “ليس العلم في السماء فينزل، ولا في الأرض فيصعد، بل هو مجبول في صدوركم تخلّقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم”.
ولا إشكال أنّ الأمر بالتزكية والتخلّق طورٌ من الكسب لمقدوريته، وإلاّ لم يؤمر به، وعليه تحمل الآيات والأخبار السابقة. وقال (عليه السلام)():
دواؤكَ فيك ولا تشعرُ
وداؤك منك وما تبصرُ
وأنت الكتاب المبين الذي
بأحرفه يظهر المضمرُ
وتزعمُ أنّك جرمٌ صغير
وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ
ومنه يتبيّن فساد الأدلّة السابقة، وإنّ النزاع بين الفريقين لفظي لخيال أنّ كلّ شيء توقف على التصفية، والاستعانة بتزكية النفس والعمل والتقوى إنّه لدُنّي.
ولا إشكال أنّ اللدنيّ والوهبي هو ما لا يتوقف على تحصيل سبب علمي ولا عملي ولا ننكر أن يكون للتوفيقات الإلهيّة مدخل في تحصيل العلم بالنسبة إلى أهل الأنفس القدسيّة ولكن ليس كلُّ مَنْ إكتسب علماً كان من أهل هذه الرتبة، لأنّ العلم بالوجدان يعطى للعدل والفاسق وللمؤمن والمخالف، وإنْ كان يُعدّ بالنسبة إلى الأخير شيطنة، لأنّ العلم ما ترتّب عليه العمل.
ولهذا إنّ مَنْ ادْعى كون الملكات موهبيّة قال: إنّ للجدّ في العلوم والتكسّب مدخلاً عظيماً في تحصيل الملكات كما صرّح به الشهيد في الروضة وجماعة. فتأمّل.
البناء الثالث
تفاوت الملكات
لا إشكال في أنّ الملكة كما عرفتَ من الكيفيّات النفسانية. والكيف وإنْ لم يقتضِ قسمةً ولا نسبة لنفسه، إلاّ أنّها كسائر الكيفيّات تنقسم باعتبار المحلّ وتتّصف بالقوّة والضعف والزيادة والنقصان والشدّة والأشديّة والأوليّة والأولوية حسب اختلاف المحلّ للقبول، فتوصف بالتواطي والتشكيك() كسائر العرضيات، وتعرض لها الكيفيّات الاستعدادية، من تلك الصفات من الزيادة والنقصان.
وهذا الاختلاف قد يكون باعتبار المورد وقد يكون باعتبار المتعلّق، والأوّل قد يكون لقصور في المحلّ، وقد يكون لتقصير باعتبار الأسباب والمتقضيات والشرائط الموجبة للاستعداد.
والثاني قد يكون من جهة التقصير أو للقصور الحاصلين من جهة المورد، وقد يكون من جهة الموانع الذاتية أو العرضية. والمعتبر في الجميع صدق إسم حصول الملكة، ومعه فيصدق إسم الاجتهاد عليه، وتترتّب عليه الثمرات من صحة الفتوى والحكومة والفقه والقضاء لشمول الأدلة لما صدق عليه الإسم من الكتاب والسنّة عموماً وخصوصاً وعدم الوصول إلى بعض المطالب.
وعدم ترتّب بعض آثار الملكات عليها لا يقدح في صدق إسم الملكة بعد الاتصاف وترتب أكثر الآثار عليها، أمّا مع القصور فلا يترتب عليه إثم مع بذل الجهد باعتبارها إذ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}()، و{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}()، وإنّ الله إنَّما يكلّفهم على ما آتاهم من العقول.
وأمّا مع التقصير وإن صدق معه الأعم إلاّ أنّه لا يترتب عليه الحكم لحصول الإثم المانع شرعاً من القبول، وهو كالمانع العقلي ولحصول المقدرة والتمكن فيبقى في عهدة التكليف فيما لم يصل إليه باعتبار ما اتّصف به من ملكة الاستعداد لتمكّنه من كماله الموجب للوصول إلى تلك الآثار التي لا يتمكن من الوصول إلهيا بتلك الملكة القاصرة الناشئة بسبب التقصير.
ومن هنا أنّه يجب النظر في الواقعة المتكرّرة مع احتمال الوصول والتمكّن من غير ما استعدّ له من الموصولات الأولية. وأمّا ما كان عدم الوصول إليه من الموانع الذاتية أو العرضية فلا يقدح في صدق اسم الملكة، ولا يوجب التقصير ولا القصور في الاجتهاد. لأنّ الحاكم المطلوب إمّا أنّه لا يمكن الوصول إليه بالمرة لفقد الدليل والإمارة الدالين عليه وأمّا أنّه يمكن الوصول إليه إلاّ أنّه منع منه مانع لتعارض الأدلّة وفقد الترجيح من جميع الوجوه. ومعهما فيجب العمل على ما بنى عليه من أصوله من الصورتين فتأمّل.
البناء الرابع
اختلاف مراتب العلماء
إعلم أنّه حيث جاز تفاوت الملكات باعتبار قابليّة الاستعدادات واجتماع شرائطها وفقد موانعها وباعتبار فقد الشرائط أو وجود الموانع جاز اختلاف مراتب العلماء وتفاضلهم باعتبار الملكات، وجاز ترتّب الأحكام على جميع مراتب العلم من العلماء لصدق الإسم على الجميع. أمّا الأوّل فلقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}()، وأمّا الثاني فلتبعيّة الحكم للإسم وعموم قوله {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}()، لصدق التفقّه بأقل ما يصدق عليه وجود اسم الملكة فيه الموجب للإنذار وللحذر عند قوله وسؤاله، مضافاً إلى عموم قوله في مقبولة عمرو ابن حنظلة: “وعرف أحكامنا” لصدق المعرفة مع ضعف الملكة وقوّتها، إنْ أُريد بالمعرفة المعرفة القريبة، وإنْ أريد بها العقلي كما هو ظاهر عموم الجمع المضاف، فهو من شرائط الاجتهاد لا من شرائط الملكة، وإن كان حصوله من مقتضيات الملكة. وكذا قوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}()، لصدق الأهلية مع ضعف الملكة وقوّتها. وهكذا ما جاء من الألفاظ الأخر في الروايات.
ويؤيده قوله (عليه السلام): “من حفظ من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً”()، وفي بعض الروايات: “ما يحتاجون إليه في أمر دينهم”().
ولعلّ المراد بالأربعين حديثاً أربعون حديثاً من أحاديث الأصول الكليّة التي تطّرد في جميع أبواب الفقه، ويمكن أنْ يتعلّم بها أكثر الأحكام الجزئية، فإنّها في الحقيقة لا تزيد على ذلك إلاّ قليلاً. ولا إشكال أنّ المحكم لمعانيها ودلائلها ولوازمها يحصل له بسببها الملكة التامّة في الفقه وإن قصّرت عن غيرها من الملكات القوية.
أو المراد الكليّات من عمومات الفقه من باب الطهارة إلى الديّات كالنبويّات المشتملة على موجزات الكلم كقوله (ص): “إنّما الأعمال بالنيات”()، و”إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام”()، و”ولا يحلّ مال امرئ مسلم إلاَّ بطيب نفسه”، و”البيعان بالخيار ما لم يفترقا”()، و”على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي”()، و”ما على الأمين إلاّ اليمين”()، و”البينة على المدّعي واليمين على من أنكر”، و”إدرؤوا الحدود بالشبهات”()، و”الجروح قصاص”()، و”كلّ شيء طاهر حتّى تعلّم أنّه قذر”()، و”ما جرى عليه الماء فقد طهر”، و”كلّ شيء يابس ذكيّ”()، و”الوضوء غسلتان ومسحتان”()، و”الصلاة مفتاحها التكبير واختتامها التسليم”()، و”لا صلاة إلاّ بوضوء”، و”صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب”()، و”لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس”()، و”لا تعاد من سجدة وتعاد من ركعة”()، و”لا يضر الصائم إذا اجتنب أربعاً”()، و”بما سقت السماء العشر”()، و”إنّما يجب الحج على أهل الجدّة في العمر مرّة”()، و”للرضاع لحمة كلحمة النسب”()، و”لا عتق إلاّ في ملك”()، ونحو ذلك، فإنّها أكثر الفقه ولا تزيد على أربعين، فتأمّل.
البناء الخامس
هل المراد “بالأفضل” مَنْ كان أقوى ملكة واستعداداً في الفقه، أو مَنْ كان أكثر إطلاعاً عليه؟
وإذا قد عرفت أنّ التفاضل بين العلماء إنّما يختلف ويتفاوت بتفاوت مراتب الملكات بالقوّة والضعف حسب تفاوت القابليات أو الاستعدادات، وبذلك تفاوتوا في الدرجات وتنافسوا في المقامات وتفاضلوا في الوصول إلى الرتب الرفيعات، وتسابقوا إلى الخيرات وتشبّهوا بالأنبياء في الإدراكات ووجب الاقتداء بهم في الأفعال والأقوال وصاروا في الأرض هم الأوتاد بحيث تشدُّ إليهم الرحال من كلّ ناد، وصاروا هم القرى الظاهرة، ما بين الخلق وبين القرى المباركات بحيث سار الناس بأعمالهم وعلومهم ما بينهم ليالي وأيّاماً آمنين لا يخشون ريب المشككين ولا تحريف الغالبين ولا إنتحال المبطلين من سائر فرق المخالفين، ولهذا قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}()، وقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}()، و{فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}().
وقال (عليه السلام): “يرفع الله به أقواماً فيجعلهم للخير قادة تقتبس آثارهم ويُقتدى بفعالهم وينتهى إلى آرائهم وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتهم تمسحهم وفي صلواتها تبارك عليهم ويستغفر لهم كلّ رطب ويابس، حتّى حيتان البحر وهوامه وسباع البرّ وأنعامه”، إلى أنْ قال (عليه السلام): “إنَّ العلم حياة القلب من الجهل وضياء الأبصار من الظلم وقوّة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار والدرجات العلى في الآخرة والأولى، الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الربّ ويعبد، وبه توصل الأرحام ويعرف الحلال والحرام، العلم إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله تعالى من حظّه”().
وهذا ما لا إشكال فيه، وإنّما الكلام والإشكال في أنّ المراد بالأفضل هل هو مَنْ كان أقوى ملكةً واستعداداً في الفقه، أو من كان أكثر اطّلاعاً عليه؟ فيه وجهان بل قولان، أقواهما الأوّل لأنّه:
أولاً: إنّ المقصود من ملكة الاجتهاد قوّة الاقتدار على ردّ الفروع إلى الأصول واستنباط الأحكام من الأدلة الشرعيّة. ولا إشكال إنّ ذلك لا يحصل إلاّ بقوّة الملكة، ومجرّد الإطلاع على الأدلة من دون معرفة الاستنباط منها لا يفيد، لعدم تحقّق المعرفة وحصولها بدون الملكة. ولا إشكال إنْ تفاوت المعرفة والإدراك بتفاوت الملكات قوّةً وضعفاً. ولا نعني بالأفضل إلاّ من كانت له هذه المزيّة، ولا تحصل إلاّ بقوّة الإدراك الموقوفة على قوّة الملكة.
ثانياً: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}()، وقوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}(). ولا إشكال إنّ إتّباع الأحسان لا يحصل بدون قوّة الملكة. وقوله تعالى: {ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(). ولا إشكال إنَّ القلب لا يحصل بمجرّد الإطّلاع من دون قوّة الملكة، ولا يحصل له استحضار مدارك الأحكام ومشاهدتها بدونها، مضافاً إلى الآيات الدالة على وجوب التفكّر والتدبّر في الآيات والآثار الذي لا يحصل له ثمرة بدونها.
ثالثاً: قوله: “حديث تدربه خير من ألف حديث ترويه”()، وفي آخر عنه (صلّى الله عليه وآله): “نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها فربّ حامل فقه غير فقيه وربّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه”. وفي آخر عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}()، قال هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحمّلون به إلينا فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتّى يدخلوا علينا فيسمعون حديثنا فينتقلونه إليهم فيعيه هؤلاء ويضيّعه هؤلاء، فأولئك الذين يجعل الله لهم مخرجاً ويرزقهم من حيث لا يحتسبون”(). وفي آخر قوله (عليه السلام): “لا تعدّوا الرجل منكم فقيهاً حتّى يلحن له فيعرف اللّحن”(). وفي آخر: “لا يفقه العبد كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات الله، وحتّى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة”.
ولا إشكال إنّ معرفة اللحن والوجوه الكثيرة لا تحصل بدون قوّة الملكة. وفي آخر: “إنّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرَّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن إمتحن الله قلبه للإيمان”(). ولا إشكال إنّ المؤمن الممتحن العارف لرموزهم وبواطن إشاراتهم ولطائف عباراتهم وحقائق كلامهم، ولا يتمّ إلاّ لصاحب الفراسة والملكة التي بيّنها بقوله (عليه السلام): “إتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله”، وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} (). ويؤيّده الروايات الدالة على الأخذ برواية الأفقه والأصدق والأورع.
ويمكن الإحتجاج للأخير بقوله (عليه السلام): “إنّ العلماء ورثة الأنبياء وذاك أنَّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً”().
وبقوله (عليه السلام): “اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا”، لظهور أنّ المراد من الحظّ الوافر وقدر الرواية، الكثرة. وفي آخر قوله (عليه السلام): “أئتِ إبان ابن تغلب فإنّه قد سمع منّي حديثاً كثيراً”(). وربّما يؤيده أنّ الملكة وقوّتها بدون الإطلاع على الفقه والأدلة والكليات والجزئيات منها لا تفيد.
وفيه: أمّا الرواية() فلا دلالة فيها على الكثرة، وإنّما المراد أنّ الأخذ ولو بشيء من الروايات فهو حظّ وافر لما يترتب على ذلك من ثمرات العلم والعمل والثواب في الآخرة.
وأمّا الروايتان الأخيرتان فليس المراد منها كثرة الرواية، وإنّما المراد منها دراية الرواية. والمعرفة كما عرفت في الرواية السابقة على قدر رواياتهم ومعرفتهم. ويرشد إليه قوله (عليه السلام):”إعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا”، وقوله (عليه السلام) في مكاتبة أحمد ابن حاتم وأخيه إلى أبي الحسن الثالث: “فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا وكلّ كثير القدم في أمرنا”()، إذ المراد من “المسن وكثرة القدم” ما كان إيمانه وعلمه عن معرفة ويقين.
نعم كثرة الاطلاع من شرائط الإستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد، لا حصول القوّة التي تختلف حسب مراتب القابليات في الاستعداد، فتأمّل.
البناء السادس
في جواز تجزئ الملكة وعدمه
اختلف العلماء في جواز تجزّي الملكات وعدمه على قولين؛ ذهب جماعة إلى الأوّل، وآخرون إلى الثاني. ومحلّ النزاع يتصوّر في أمور:
الأوّل: إنّ الملكات العلمية الحاصلة من مجموع شرائط الاستعداد والمستعد في محالها باعتبار نوعها، هل هي قابلة للتجزي والتعدّد، فيكون إختلافها بالقوّة والضعف اختلاف الأجناس بالفصول والأنواع بالتشخصات لا لأنّها تقبل القسمة في حدّ ذاتها في المحلّ الواحد فإنَّ ذلك بحسب التحقيق متعذّر لأنّه كيفيّة نفسانية، والكيف لا يقتضي قسمة ولا نسبةً في حدّ ذاته، وإنّما ينقسم باعتبار المحل واختلاف قابليّته.
الثاني: إنَّ الملكات باعتبار ما يترتب عليها من الآثار هل هي قابلة للتجزي؟ بمعنى أنّ الملكة يمن أن يصدر منها بعض الآثار، ويمتنع تأثير مقتضاها في الباقي، وهذا على وجهين:
أحدهما: إنّ الامتناع لرفع قابلية المقتضي بالنسبة إلى الآثار، والآخر عن الاقتضاء.
ثانيهما: لوجود المانع من تأثيره، وهذا يتصوّر على وجهين:
الأوّل: باعتبار المانع الذاتي، لعدم قابلية الأثر لقبول التأثير في الآثار الأُخر، وذلك لا لقصور الملكة عن إدراكها، بل لأنّها في حدّ ذاتها لا تدرك.
الثاني: من جهة المانع العرضي من إدراكها.
الثالث: إنّ الملكات هل هي قابلة للتجزّي باعتبار الاجتهاد الفعلي، بمعنى أنّه هل للمجتهد الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، أم لا؟
الرابع: إنّه على تقدير أنّه لو إجتهد في بعض الأحكام دون بعض سواء كان عدم اجتهاده في الباقي لعدم القابلية أو لتعذّر الاجتهاد أو لعدم تمكّنه لضيق الوقت أو غيره، فهل ظنَّه بالنسبة إلى ما اجتهد فيه حجّة لنفسه أم لا؟
الخامس: على تقدير كونه حجّة لنفسه، فهل هو حجّة لغيره أم لا؟
أمّا النزاع في المعنى الثالث والرابع والخامس فلا يتعلّق لنا غرض فيه في هذا الفن، وإنّما يتعلق به غرض الأصولي والفقيه.
وأمّا النزاع بالمعنى الأوّل والثاني فهو متعلّق الغرض في هذا الفنّ وإنْ تعرّض له بعض المحققين من الأصوليين إلاّ أنّهم لم يُشبعوا الكلام فيه، ولم يقفوا منه على حدّ التحقيق.
أمّا النزاع الأوّل فالذي يظهر أنّ الملكات قابلة للتجزي بالمعنى الذي ذكرناه، ولهذا قلنا بأنّها تختلف حسب اختلاف القابليّات في الاستعداد بالتشكيك قوّة وضعفاً، ويظهر من إطلاق بعضهم المنع، ولا وجه له لما عرفتَ.
وأمّا النزاع بالمعنى الثاني باعتبار الوجه الأوّل فهو مبني على أنّ العرضي الضعيف هل يمايز القوي بفصل من سنخه أم لا؟ فيه خلاف بين الحكماء والمتكلّمين.
فإنّ قلنا بالأوّل جاز القول بالتجزي على هذا الوجه. وهذا يتمّ إذا قلنا بأنّ مبادئ الملكات أحوال متتالية وإنّ حصول الملكة تدريجي، وهو لا يتمّ على القول بأنّها موهبيّة صرفة وإنّما يتمّ على ما قلناه من أنّها كسبيّة مقرونة بأسباب وشرائط واستعدادات اختيارية.
وإنْ قلنا بالثاني فالملكات من الأمور البسيطة التي لا تقبل التجزي. فإن حصلت حصل مقتضاها وإنْ اختلفت أو اختلف قوّة وضعفاً باعتبار القابلية والاستعداد، وإلاّ فلا ملكة. وما يخال حصوله فهو مجرّد دعوى لا دليل عليها. وهذا كما يحصل من كثير من طلبة العلم دعوى ملكة الاجتهاد بلا حصول ولا وصول.
وأمّا النزاع بالمعنى الثاني باعتبار الوجه الثاني بمعنييه، فالذي يظهر وقوعه بالنسبة إلى المجتهد المطلق لعدم اشتراط الاطلاق بفعليّة الوصول إلى جميع الأحكام فإنّ جملة من الفروع الخفيّة والأحكام الدقيقة يقصر أكثر المجتهدين عن الوصول إلى إدراك أصولها وأدلّتها لبعدها عن الإدراك بالذات ولخفاء مداركها إلاّ عن الأوحدي من الفقهاء الماهرين كبعض مسائل الحيض ممّا يتعلق بأحكام المضطربة، وجملة يتعذّر الوصول إلى مداركها كبعض الأحكام النقلية التي خَفَتْ أدلّتها عن المتأخرين بتلف الأصول الأربعمائة()، وأفتى بها بعض القدماء المطّلعين عليها كإلحاق النبطيّة بالقرشية في سنّ اليأس، وأفتى به بعض المتأخرين لاستصحاب حكم الحيض في حقّها وتعويلاً على فتوى (المقنعة) () وإجرائها مجرى النّص، مع أنّ الاستصحاب لا يعيّن إلحاق خصوص النبطيّة فإنّه أمر موقوف على النقل.
وإجراء فتوى “المقنعة” مجرى النصّ مبنيّ:
أولاً: على أنّه رواية مرسلة. وفي تعيين موضوعها وحجيّة المرسل في مثله كلام.
ثانياً: على أنّ مضمون النصّ ذلك مع أنّه يحتمل الخطأ في فهم الفقيه.
ثالثاً: مبنيّ على مقاومة الدليل لتخصيص أو لتقييد عمومات الروايات وإطلاقها الدالّة على أنّ حدّ اليأس خمسون فيما عدا القرشية.
رابعاً: مبني على كون الحصر في القرشية إضافياً لا حقيقياً. وجملة من الأحكام يتعذّر الوصول إلى تعيينها من جهة تعارض الأدلة والإمارات مع فقد الترجيح والأخذ بالتمييز أو الاحتياط عملاً بالدليلين، ليس حكم الله الواقعي، لإمكان أنْ يكون دليلاً موجباً لتعيين الحكم أقوى من المتعارضين أو وجود أمارة موجبة لترجيح أحدهما على الآخر. ومع ذلك كلّه لا ينافي حصول ملكة الاجتهاد ولا ينافي اتّصافه بالمجتهد المطلق. والقول بالمنع على هذا التقدير لا وجه له مع أنّ رواية أبي خديجة تدلّ على هذا المعنى. فإنّ قوله (عليه السلام): “يعلم شيئاً من قضايانا”، دالة على المجتهد المطلق على معنى التجزي بالمعنى الأوّل والثاني باعتبار الوجه الأوّل، حيث عُلّق الحكم على العلم لاشتراط الحكومة بالشيء بالعلم الفعلي سواء حصل العلم له بالقضايا الأخر بالفعل، أو لم يعلم.
أمّا لعدم الاستفراغ فإنّ الاجتهاد في موضع لا يتوقف على حصول الاجتهاد في موضع آخر بالفعل لتعذّره أو تعسّره في حق أكثر المجتهدين فإنّ الإحاطة بجزئيات الأحكام لا تليق إلاّ بالواحد العلاّم أو بالإمام.
وأمّا لعدم وصوله إلى مدارك الأحكام الأخر لتعذر الوصول إليها باعتبار المانع الذاتي أو العرضي. وليس في الرواية دلالة على قصور ملكة عن الإدراك في المسائل الأخر بحيث تكون الملكة قابلة لتحصيل بعض الأحكام دون بعض، على أنّ مناط الاجتهاد الظنّ، والمذكور في الرّواية العلم، والمتبادر منه العلم القطعي، فإنّه لا بدّ من الحكم بمقتضاه إذا رضي المتحاكمان به فيكون المراد به الحاكم بالتراضي من الخصمين فلا تشمل الرواية زمان الغيبة، بل يختصّ ذلك بالحضور لحصر الحكومة وإنفاذها في الغيبة في الفقيه الجامع للشرائط.
وأمّا إذا فرّقنا بين المجتهد والحاكم وقلنا بأنّه لا يشترط الاجتهاد المطلق في الحاكم كما تعطيه بعض الروايات، وأفتى به بعض الفقهاء فلا إشكال، إلاّ إنّه بعيد عن السّداد، فتأمّل.
البناء السابع
موهوبية الملكة (التسديد الإلهي)
إنّا وإنْ قلنا بأنَّ ملكة الاجتهاد حصولها كسبيّ فيه وفي سائر العلوم، إلاّ أنّ موهبيتها وكونها من عطاء الله تعالى لا تُنكر، لأنّه عزّ وجلّ وهو الوهاب المطلق والمعطي العامّ والفياض التام والخالق لجميع الجواهر والأعراض لا شريك له في ملكه ولا يكون في ملكه إلاّ ما شاء تكوينه، والرزاق لكلّ شيء والمعطي لكلّ شيء ما استحق من الخلق. إلاّ أنّه سبحانه وتعالى جعل لكلّ شيء سبباً وأبى إلاّ أنْ يُجري الأشياء بأسبابها من مخلوقات ومرزوقات ومن خلق ورزق والمدد منه لكلّ سبب بما أودع فيه من الاعداد والقابلية للتأثير والقدرة مع اقتران ذلك بالاختيار في كلّ من الفاعل والقابل بموجب سرّ الأمر بين الأمرين. كيف، وقد قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}()، وقال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}()، مع أنّه قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}()، وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}()، وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}().
ولا إشكال إنّ العلوم كسائر الأشياء التي هي من إيجاداته ومخلوقاته المقرونة بالأسباب والمفاضة بواسطة أسبابها منه تعالى على أربابها. قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}()، وقال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ … يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}()، وقال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}()، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}().
ولا إشكال إنّ ملكة الاجتهاد مرتبة من مراتب النبوّة، ومقام من مقامات الإمامة، ومورد من موارد الوحي، ومصدر من مصادر القدس واللاهوت. والفقيه محدّث مفهم وقلبه ملهم، وموفّق من الله ومسدّد من صاحب الشريعة، ومؤيّد بنظر إمام الوقت موضع سرّه وترجمانه إلى أوليائه وشيعته ولسانه المعبّر عنه في خليقته ووكيله المطلق في شريعته والموكول إليه أحكام عباده، فليس بمغفول عن تأييده ولا مهمل عن رعايته. كيف وقد قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ}()؟!.
والفقهاء هم القرى الظاهرات بين النّاس وبين القرى المباركات وهم الأئمة، وقد جعل الأمان بالسير في علومهم والتمييز بين الحلال والحرام في زمان الغيبة والحضور. وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}(). وأطراف الأرض هم العلماء الذين ننقص الأرض بموتهم.
وقال (عليه السلام): في مقبولة عمرو بن حنظلة: “فإنّي قد جعلته حاكماً عليكم فارضوا به حكماً”. وقال: “لا تحقروا عالماً آتاه الله علماً لأنّ الله سبحانه لم يحقّره إذ آتاه إيّاه”. فلم يكن شريعة لكلّ وارد ولا فريسة لكلّ طارد بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولا يشاء التوفيق إلاّ لمن شاء هدايته إلى تلك الأسباب التي جعل الله عزّ وجلّ التوفيق إلى العلم والوصول إليه والترقي إلى هذه المرتبة بسببها وإعدادها وحصول القابلية لقبول الفيض من الله والعناية من صاحب الشريعة، ومن إمام الزمان بالتسديد والهداية إليها. ومن أجل أنّ السلوك من هذه الأبواب بدلالته ودلالة الأئمة (عليهم السلام) لمّا كان داخلاً تحت القدرة والاختيار جاز التكليف.
والأمر من الله ورسوله والأئمة بطلب العلم وتحصيله قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ}(). وقال (عليه السلام): “اطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله، وتفقهوا في الدّين”، إلى غير ذلك من الآيات والروايات، فتأمّل.
الخاتمة
في بيان مسائل متفرقة وأساسات متعددة تتعلق في الاستعداد والمستعد والمستعد له
وفي بيان كيفية الاستدلال والتوصل إلى ردّ الفروع إلى الأصول بواسطة الملكة
والكلام فيها يقع فيه بناءَات:
البناء الأوّل
من الشرائط الراجعة إلى الاستعداد والمستعد
روى العلاّمة المجلسي في البحار عن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) أنّه قال لقاضٍ: “هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: فهل أشرفت على مراد الله عزّ وجلّ في أمثال القرآن؟ قال: لا، قال: إذن هلكت وأهلكت، والمفتي يحتاج إلى معرفة معاني القرآن و حقائق السّنن وبواطن الإشارات والآداب والإجماع والاختلاف، والاطلاع على أصول ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ثمّ حسن الاختيار ثمّ العمل الصالح ثمّ الحكمة ثمّ التقوى ثمّ حينئذٍ قدر”().
وهذه الرواية قد صرّحت بجملة من الشرائط الراجعة إلى الاستعداد والمستعدّ، وقد أشرنا إلى تفاصيل ما فيها في الأبواب المتقدّمة، وبقي الكلام في أمور:
الأوّل: أنّه ذكر من جملة الشرائط الحكمة، فإنّ أراد بالحكمة من العلم، وهو الملكة الخارجة عن حدّ الإفراط في الفهم وهو الجربزة وعن حدّ التفريط وهو البلادة في الفهم، فالمراد بها ما أشرنا إليه من معنى الاستقامة في شرائط المستعدّ، و(وقد تقدّم الكلام في معناها مفصّلاً). وإنّْ أراد من معنى الحكمة وضع الأشياء في محالها واتقانها على ما هي عليه بحيث يكون إنْ نطق في الفتوى أو الحكومة نطق في محلّه بعد كمال الشروط وتمام الجامعية، وإن سكت عن الفتوى والحكومة سكت في محلّه كما في محال خفاء المدارك أو فقد الترجيح وفي مقام الريبة في الدعوى أو في الشهادة أو في الشهود، وإنْ جزم كان في محلّه، وإنْ ظنّ أوشك أو تردّد كان في محلّه.
أو يراد بها معرفة كيفيّة الاستدلال على الحكم والدخول والخروج من القواعد والأدلة على موجب القوانين في الاستدلال والنقض والإبرام وغير ذلك كان هذا شرطاً آخر. وإنْ أُريد بالحكمة المعارف الإلهية وإنّ مَنْ لم يكن عارفاً بالدليل والبرهان غير كامل الإيمان فلا يصلح لهذا المنصب الذي هو من مناصب الإمام أو لتوقّف جملة من الأدلة على قواعد الحكمة إلاّ أنّه مع بعده يحتمل أن يكون شرطاً في الكمال. وإنْ أُريد به الحكمة الفلسفية فهو مصطلح خارج عن الشرع لا يحمل كلام الأئمة عليه.
الثاني: أنّه ذكر من جملة الشرائط العمل الصالح، والمراد بالعمل الصالح المواظبة على الواجبات وصنوف الطاعات وكونه شرطاً في الصحّة والأخذ والقبول لا إشكال فيه، لاشتراط العدالة في جواز العمل بفتوى المجتهد. وأمّا كونه شرطاً في الاستعداد ففي كونه من مقدمات الاستعداد أو من كمال المستعدّ سواءً قلنا بأنّ الملكة موهبيّة أو كسبية وجهان، أقواهما الأخير. إذ لا إشكال على القولين أنّ للأعمال الصالحة دخلاً تامّاً في تحصيل العلوم الإلهية وسبباً تامّاً للتوفيقات الربانيّة قال تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}()، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}()، وقال تعالى: {وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}()، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}()، وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}()، وقال (عليه السلام): “العلم يهتف بالعمل فإنّ أجابه، وإلاّ ارتحل”()، وقال (عليه السلام): “من عمل بما علم زاده الله علم ما لا يعلم”، وفي آخر: “كفي ما لا يعلم”.
الثالث: إنّه ذكر من جملة الشرائط التقوى. والظاهر أنّ المراد بها في مقابلة العمل الصالح التعفّف في ترك المعاصي، وإنْ كانت التقوى أعمّ من ترك المعاصي وفعل الواجبات، لأنّ ترك الواجبات محرّم كسائر المعاصي إلاّ أنّهما حيث اجتمعا افترقا، لأنّ التفصيل في الكتاب قاطع للشركة وكونه شرطاً للصحة والقبول، فممّا لا إشكال فيه لأنّه من أركان العدالة. وأمّا كونه شرطاً في الاستعداد أو من كمال المستعدّ ففيه الوجهان، والأقوى الأخير، لأنّه لا إشكال أنّ للتقوى وترك المعاصي دخلاً تامّاً في تحصيل العلوم موهبية كانت أو كسبية لأنّ المعاصي تورث ظلمة القلب والدين والطبع فلا يهتدي إلى خير أبداً. قال تعالى: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}()، وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}()، وأعظم الخيرات العلم. ولا إشكال أنّه معها يكون بعيداً من التوفيق مستعدّاً للخذلان من الله عزّ وجل. وهذا بخلاف المتقي فإنّه أقرب ما يكون إلى الله في التوفيق والتسديد وإجابة الدعاء قال الله عزّ وجلّ: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}()، وقال عزّ وجلّ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}()، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}()، وقال (عليه السلام): “العلم نور يقذفه الله في جوف من يريد أن يهديه”، وفي آخر: “والعلم ضياء يرزقه أولياؤه فلا توافقه ظلمة القلب، ولا من أراد الله خذلانه”، فتأمّل.
الرابع: ينبغي لطالب الاستعداد والمستعدّ أنْ يشتغل بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، ويبذل جهده في مجاهدة نفسه التي بين جنبيه، الذي هو الجهاد الأكبر كما صُرّح به في كلام سيّد البشر. وذلك بأن يطهّر نفسه من رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف ويتحلّى بأنواع الفضائل والكمال من مكارم الأخلاق، “إذ العلم عبادة القلب وصلاة السّرة وقربة الباطن إلى الله”.
فكما لا تصحّ الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلاّ بتطهير الظاهر من الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصحّ عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلاّ بعد طهارته من خبائث الأخلاق ومساويها وأنجاس الأوصاف. قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): “بني الدين على النظافة”()، وهو كذلك ظاهراً وباطناً، وقال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}() تنبيهاً للعقول على أنّ الطهارة والنجاسة غير مقصورتين على الظواهر المدركة بالحسّ. فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن، ولكنّه نجس الجوهر لتلطّخ باطنه بالخبائث. والنجاسة عبارة عمّا يجتنب ويطلب البُعد منه.
وخبائث صفات الباطن أهمّ بالاجتناب، فإنّها مع خبثها في الحال مهلكات في المثال. ولذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب”()، والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحلّ إستقرارهم. والصفات الرديّة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها من الصفات المذمومة كلابٌ نابحة. فأنّى تدخله الملائكة وهو مشحون بها؟!.
ونور العلم طور من الوحي لا يقذفه الله إلاّ بواسطة الملائكة، لاقتضاء التطهير من هذه الصفات التشبّه بهم، فيوجب ذلك مرافقتهم وإلفتهم كما قال (عليه السلام): “ليس العلم في السماء فينزل ولا في الأرض فيصعد بل هو مجبول في صدوركم تخلّقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم”. وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}()، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}()، وقال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}()، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(). وقال في تفسيره كما عن الصادق (عليه السلام): “مَنْ صدّق فعله قوله ومَنْ لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم”().
وقال (عليه السلام): “اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقكم”(). وقال (عليه السلام): “إنّ من علامات الفقيه الحلم والصّمت”().
وعن الصادق (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه؛ مَنْ لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادةٍ لا فقه فيها، ألا لا خير في نسك لا ورع فيه”().
يعني أنّ الفقيه الكامل ليس إلاَّ مَنْ كان عالماً بالمراد من الوعد والوعيد جميعاً، عارفاً بالمقصود من الأوامر والنواهي جملة بملاحظة بعضها مع بعض، وضمّ بعضها إلى بعض.
وإنّما عُرف الفقيه بهذه العلامات السلبيّة لأنّ أكثر من يسمّى عند الجمهور من العامّة بهذا الإسم في كلّ زمان موصوف بأضدادها. فكأنّه عرّض بعلماء السوء وفقهاء الزور.
وقد أبطل بكلّ علامة مذهباً من المذاهب الباطلة في الأصول والفروع. فبالأوّل أبطل مذهب المعتزلة القائلين بإيجاب الوعيد وتخليد صاحب الكبيرة في النار وأبطلوا الجزاء والوعد على الإيمان زعماً منهم أنّه بذلك يخرج عن الإيمان أو يكون واسطة بين المؤمن والكافر. وأبطل مذهب الخوارج المضيقين في التكاليف الشرعية مع أنّ الله عزّ وجلّ يقول {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}()، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}()، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}()، وقال:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(). وقال (صلّى الله عليه و آله): “أتيتكم بالشريعة السمحة”.
وأبطل بالثانية مذهب المرجئة، ومَنْ يجري مجراهم من المغترّين بالشفاعة وصحة الاعتقاد كالأشاعرة.
وأبطل بالثالثة مذهب الحنابلة والأشاعرة ومنْ يشبههم كأكثر المتصوّفة.
وبالرابعة مذهب المتفلسفة الذين أعرضوا عن القرآن وأهله وحاولوا إكتساب العلم والعرفان من كتب قدماء الفلاسفة والمشائيّة ومذهب الحنفية الذين يعملون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وتركوا القرآن والحديث والعلم الذي ليس فيه تفهّم كعلم الأخباريّة الذين يعملون بالحديث من دون تدبّر في أصوله وفروعه، والتعويل على مجرّد وجود الرواية من دون نظر إلى قواعد الجمع بين الأخبار المنصوصة بالخصوص والمستنبطة من جميع النصوص؛ فإنّ ذلك ليس بعلم.
وعن الباقر (عليه السلام): “أنّه سئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إنّ الفقهاء لا يقولون بهذا. فقال: ويحك وهل رأيتَ فقيهاً قط. إنّ الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة والمتمسك بسنّة النبي (صلّى الله عليه وآله).
وعن الصادق (عليه السلام): أنّه قال: “طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم؛ صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل.
فصاحب الجهل والمراء مؤذي مماري متعرّض للمقال في أندية الرجال يتذاكر العلم وصفته الحلم، قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع فدقّ الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه.
وصاحب الاستطالة والختل ذو خبّ وملق، يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره.
وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر، قد تحنّك من برنسه وقام اللّيل في حندسه، يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً مقبلاً على شأنه عارفاً بأهل زمانه مستوحشاً من أوثق إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه”().
وعن النبي (صلّى الله عليه وآله): “العلماء رجلان؛ رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإنّ أهل النّار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنة وأدخل الداعي النار، بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الأمل. أمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة”().
والمراد بالآخذ والتارك في ظاهر الرواية الآخذ بموجب العلم من الأعمال والتارك لموجبه منها. ويحتمل منه وجهاً آخر وهو العامل بخلاف علمه كمن يفتي بغير ما وصل إليه من التكليف لمراعاة أمور دنيويّة ويأمر بخلاف علمه. والعامل بموجب علمه وهو ما كان فتواه بمقتضى اعتقاده.
ويحتمل وجه آخر أنّ المراد بالآخذ والتارك طالب العلم المستديم على طلبه، ولم يلتفت إلى دنياه، والتارك مَنْ ترك طلب العلم لتحصيل الدنيا من أموال أو طلب رئاسة أو سياسة.
ويحتمل أنْ يراد بالآخذ مَنْ طلب العلم لغايته المقصودة من كونه كمالاً للنفس في المعرفة وكونه عبادة وكونه شرطاً تتوقف عليه صحّة العبادة؛ والتارك مَنْ طلب العلم بخلاف ما أُعدَّ له من الغايات الدنيويّة فلا يكون طلب العلم منه لله.
وقال (عليه السلام): “منهومان لا يشعبان؛ طالب الدنيا وطالب العلم فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ الله له سلم، ومن تناولها من غير حلّها هلك، إلاّ أنْ يتوب أو يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجاه، ومن أراد به الدنيا نهى حظّه”(). وفيه إشارة إلى المعنى الأخير الذي ذكرناه في الرواية السابقة.
وعن السجاد (عليه السلام): “مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون، ولمّا تعملوا بما علمتم، فإنّ العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً، ولم يزدد من الله إلاّ بُعداً”().
وعن الباقر (عليه السلام):”من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس فليتبوّأ مقعده من النار. إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها”(). وفيه إشارة إلى ما ذكرناه.
وعن الصادق (عليه السلام): “العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ إرتحل عنه”(). وعنه (عليه السلام): “إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإنّ كلّ محبّ لشيء يحوط ما أحبّ”().
كما أنّه يستفاد من ذلك أنّ العمل لا يكون إلاّ بالعلم كما قال (عليه السلام): “من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح”(). وعن الصادق (عليه السلام): “العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير من الطريق إلاّ بُعداً”().
ويستفاد منه أنّه ينبغي للعالم أنْ يخلص لله في طلب العلم، وأن يخلص تعليمه لله من غير طمع. وأمّا إذا كان التعليم منه والفتوى أو الحكومة بالرشوة فلا إشكال في تحريمه. وأمّا إذا كان يعلم أنّهم يصلونه ويكرمونه وأنّ التعليم لم يكن لتلك الغاية فلا بأس به.
وفي رواية حمزة بن حمران قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول:”مَنْ استأكل بعلمه افتقر. قلتُ: إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومكم ويبثونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البر والصّلة والإكرام. فقال: “ليس أولئك بمستأكلين، وإنّما ذلك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله، ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا”().
وينبغي منه نصح المتعلّم والاقتصار على قدر فهمه ولا يحمّله ما لا طاقة له به، فقد قال (عليه السلام): “مَنْ كسر مؤمناً فعليه جبره”()، ولا يبدي إليه ما يتسرّع إلى إنكاره لعدم وصول عقله إليه، فقد قال (عليه السلام): “إيّاك أنْ تتكلّم بما يسرع إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره إذ ليس كلّ من أسمعته نكراً أمكنك أنْ توسعه عذراً”().
ويجب بذل العلم ومنعه من غير أهله، فعن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: “قام عيسى ابن مريم (عليه السلام) خطيباً في بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل لا تحدّثوا الجهّال بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم”()، وأنْ يقول ممّا لا يعلم. فقد سئل الباقر (عليه السلام) ما حقّ الله على العباد، قال: أنْ يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون”().
وعن الصادق (عليه السلام): قال: الله خصّ عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتّى يعلموا ولا يردوا ما لم يعلموا، وقال تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}، وقال: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}(). وقال (عليه السلام): “إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك؛ إيّاك أنْ تُفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم”().
وعن الباقر (عليه السلام): “مَنْ أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه”().
والأخبار في ذلك كثيرة أخذنا منها قدر الحاجة، فتأمّل.
البناء الثاني
تعلّق الاجتهاد في مقام التكليف
إعلم أنّه لا يتعلّق الاجتهاد من صاحب الملكة إلاّ في مقام التكليف وأنْ يكون متعلّق التكليف الظن.
وحيث قامت الأدلة العقليّة على حجيّة ظنّ المجتهد وصاحب الملكة ووجوب العمل به على نفسه وعلى غيره من مقلّديه، ينبغي لصاحب الملكة العلمية إذا أراد معرفة حكم من الأحكام الشرعية بموجب ما أودعه الله من قوّة الاقتدار أنْ يستفرغ وسعه في طلب دليل الحكم ومدركه وبذل الجهد فيما يعارضه من الأدلة وفي الترجيح والأمارات الموجبة له بحيث لا يكون منه تقصير بحسب قابليته وملكته على حدّ الوسع منه.
وهذا ممّا لا إشكال فيه، وإنّما الكلام والإشكال فيما يعرف به حدّ الوسع ويقطع بسببه في براءة ذمّته من وجوب الطّلب. فهل الواجب القطع بعدم دليل آخر أو القطع بعدم المعارض والقطع بعدم وجود مرجّح آخر والقطع بعدم الترجيح وحصول المرجح لأحد الدليلين، أو يكفي الظن بالعدم؟
فيه وجهان، يحتمل الأوّل ليقين الشغل بالتكليف، والشك في المكلّف به. والشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، ولا يتم إلاّ بحصول القطع بالعدم. وما لا يتمّ الواجب المطلق إلاّ به واجب.
ويحتمل الأخير لأنّ المتيقن من التكليف إنّما هو ما وصل إليه من الأدلة واحتمال وجود غيره مع أنّه منفي بالأصل. فالأصل يقتضي براءة الذمة منه لأنّه شك في التكليف لا شك في المكلّف به. ويدل عليه قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}()، وحدّ الوسع ما ظنّ فيه العدم وحصول القطع وتحصيله خارج في مثله عن حدّ الوسع لقيام الاحتمال العقلي وإمكان وجود دليل أو إمارة أو فهم آخر، وهو موجب لعدم حصول الاجتهاد والتمكّن من حكم من الأحكام وموجب للزوم العسر والحرج، وهما منفيّان آيةً وروايةً، مضافاً إلى قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}()، والذي آتاها هو الظن بالحكم، والظن بعدم المعارض.
والقطع بالحكم لا يحصل إلاّ في قليل من الأحكام على أنّه يلزم من ذلك أن يكون التكليف بالأحكام الواقعيّة، على أن يكون من المراد من الواقع ما هو في نفس الأمر، وليس كذلك، وإنْ ظهر من إطلاق جماعة، منهم بحر العلوم لاستحالة التوصّل إليه بحسب العادة، بل التكليف به مرتفع من زمان آدم (عليه السلام)، فكيف في زمان الحيرة وغيبة الإمام المخبر عنه؟! بل المراد من الواقع واقع الدليل.
ولا إشكال إنّا مكلّفون بواقع ما وصل إلينا في الأدلة، والظاهر منه المسمّى الحكم الظاهري ما نفهمه منها الآن بحسب ما يفهم منها زمان الصدور لو كنّا حاضرين مجلس الخطاب بموجب القواعد اللفظية والعقلية سواءاً قلنا بعموم خطاب المشافهة أم لا. أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّا مشاركون لهم بالتكليف، وتكليفهم إنّما هو بظاهر هذه الخطابات الواصلة إلينا. والإشكال أنّهم لم يفهموا منها، والحال هذه، إلاّ ما نفهمه الآن. والخطاب بألسنتهم يوجب اتباعنا لفهمهم النوعي بحسب الخطاب لا الشخصي لتعذر الوصول إليه مع أنّ الأصل يقتضي عدم غيره، لقوله (عليه السلام): “ربّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه”. وهذه الرواية مع أخبار التراجيح دالة على عموم خطاب المشافهة ودالّة على أنّ التكليف بما نفهمه على أنّه لو تمّ ذلك للزم عدم جواز مخالفة المتأخرين للمتقدمين. ولا إشكال في فساده، فتأمّل، فإنّه أنيق.
إلاّ أنَّ الاستفراغ يختلف بحسب الأحكام الشرعية والاستعداد والمستعد والقدرة على التحصيل حسب اختلاف الأزمان والتمكّن من الآيات والكتب الاستدلالية، وما يحتاج إليه من المقدمات المتوقف عليها الاستدلال. فتأمّل.
البناء الثالث
الحق والباطل وأيّهما ينقدح أوّلاً؟
إعلم أنّه بعد النظر في الحكم والنظر في الدليل والفهم من الدليل، هل الذي ينقدح أوّلاً في بادئ الرأي والنظر من الأحكام هو الحقّ، والذي ينقدح أخيراً هو الباطل، أو بالعكس؟! وهو مبني على أنّ النفوس أوّل ما تذهب إلى الخيرات باعتبار أصل الوجود أنّه خير محض والشرور طارئة عليه، أو أنّها تذهب إلى الشّر باعتبار انغماسها في عالم الماهيات والجهل والتوجّه إلى الهوى والشيطان.
يحتمل الأوّل أنّ فطرة الإنسان على الحقّ، وأوّل ما ينقدح في ذهنه ذلك، ثمّ تنقدح الشكوك والشبهات في ذهنه باعتبار النظر إلى الطرق الأُخر لعموم قوله {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}()، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}()، وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}()، وقوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}()، وقوله (عليه السلام): “وكلّ مولود يولد على الفطرة”()، ولأنّ “الحقّ يعلو ولا يعلى عليه”.
ويحتمل الأخير، ولعلّه أيضاً من الكتاب والسنّة من وجوه:
الأوّل: إنّ النفس أوّل ما ينقدح فيها ما يلائم طبعها وشهواتها من حلّ مالٍ أو مأكل أو مشرب أو ملبس أو ما يجلب ذلك أو ما يوجب السهولة من التكاليف أو التخفيف، ولا تميل إلى الأشق ولا إلى ما فيه مشقة ولا إلى ما لا يلائم الطبع والشهوة. ولا إشكال إنّ ذلك من التزوّد والرشد بخلاف النفس والنظر بموجب ما يقتضيه العقل ولا يتمّ إلاّ بعد التأمّل التام والتخليّ من جميع العوارض والنظر إلى محض ما تقتضيه دلالة الدليل والفهم المستقيم والعقل القويم.
الثاني: إنّ الشيطان في مثل هذه المواضع متربّص للإنسان خصوصاً للعلماء الذين يهتدي بهداهم الخلق ويضلّ بإضلالهم الخلق. وهذا المقام من جملة مقامات مصائده ومواضع أشراكه. ولهذا جاء النهي عن التسرّع في الفتوى من دون تربّص وتدبّر.
الثالث: قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، فإنّه يدلّ على سبق الباطل على الحقّ ثمّ يأتي الحق من بعده فيدمغه. ويدلّ عليه قوله (عليه السلام): “أبى الله أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلاً، وأبى الله أن يجعل الباطل في قلب الكافر حقاً”(). وقوله (عليه السلام): “إنّ الله لم يجعل العلم جهلاً”().
الرابع: قوله تعالى: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}()، فإنّه يدلّ على أنّ الحق بعد الباطل.
الخامس: قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ}()، وهو يدلُّ على أنّ الشيطان متربّص بالنسبة إلى نفوس الأنبياء وألسنتهم، فيُمَوِّه على أسماع الناس عند خطاباتهم بما يحيل بينهم وبين خطاباتهم حتّى لا يفهموها.
ولا إشكال إنّ العلماء حيث لم يكونوا معصومين يمكن أن ينفث في أفهامهم ونفوسهم بخلاف الأنبياء والأوصياء لعصمتهم فلا يتمكّن من النفث في قلوبهم وأنفسهم، وإنّما ينفث بأمر خارج عن ذلك. فإذا كان تربّصه للأنبياء وللرسل لأجل الإضلال فللعلماء بطريق أولى. وربّما يؤيّده قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}()، فأوّل خطرات تخطر هي للباطل أقرب. وبعد التأمّل والنظر يجب على الله سبحانه إظهار الحقّ لديه وإزالة الباطل عنه لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}()، وقال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ}()، وقال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}()، مضافاً إلى قوله (عليه السلام): “أبى الله أن يجعل الحق في قلب المؤمن باطلاً والباطل في قلب الكافر حقّاً”، وقال تعالى: وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}()، أي يبيّن لهم الباطل باطلاً والحقّ حقّاً فإنّه أحد ما يستفاد من وجوه الآية.
السادس: قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}()، فالزبد هو الباطل، والذي ينفع الناس هو الحق. فلا بُدّ أنْ يقوى في الناس ويثبت في القلب ويرسخ فيه.
وربّما يدلُّ عليه ما يدلّ من الروايات على الأخذ من رواياتهم بالأخير وبالأحدث؛ ففي الكافي عن أبي عمرو الكناني قال، قال أبو عبدالله: “يا أبا عمرو أرأيت لو حدّثتك بحديث أو أفتيك يقيناً ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك، بأيّهما كنت تأخذ قلتُ بأحدثهما وأدع الآخر. فقال: قد أصبت”.
وفي آخر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “أرأيتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتُك بخلافه بأيّهما كنتَ تأخذ؟ قال قلت: كنتُ آخذ بالأخير. فقال لي: رحمك الله”.
وعن المعلّى ابن خنيس قال قلت لأبي عبدالله إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: خذوا به حتّى يبلغكم عن الحي فخذوا بقوله قال قال أبو عبدالله: “لا ندخلكم إلاّ فيما يسعكم”. قال الكليني وفي حديث آخر: “خذوا بالأحدث”().
ويستفاد من هذه الرواية الاكتفاء بتحصيل الظنّ بالعدم عن المعارض. ويستفاد منها جواز العمل بفتوى الحيّ بعد موته ما دام في فسحة النظر في معرفة المجتهد الحي والعدول إليه. إلاّ أنّ هذا الوجه من كون السابق إلى الذهن هو الباطل، والحقّ ينافي ما عليه أصحابنا العدلية من أنّ التكليف منوط بالدليل والفهم منه أوّلاً أو آخراً سواء أصاب الواقع منه أم أخطأ، ويوجب القول بالتصويب وإنّ حكم الله تابع لظنون المجتهدين لا بمعنى أنّ التكليف بالأحكام الظاهرية على أنّها بدلية لا عذريّة فإنّ التصويب بهذا المعنى مذهب جماعة من الإمامية، وإليه ذهب الأمير فيض شارح المعارج وجماعة، وكلاهما فاسدان، بل ينافي ما جاء من الروايات في أدلة التراجيح، وإنّ المعتمد حصول الفهم من الدليل أو المرجّح أوّلاً كان أو آخراً أو ما يستقرّ عليه ظنّه ويترجّح في نظره.
نعم البناء على أحد الوجهين يمكن أن يكون أحد المرجحات لابتناء الترجيح على الإمارات الظنيّة مطلقاً لفتح باب الظنّ فيها بخلاف الأدلة وإلاّ فالتعويل على أحد القولين في إصابة الحقّ محلّ إشكال، بل مخالف للضوابط ولسيرة الفقهاء. وليس في أدلّة الطرفين ما يوجب القطع بأحدهما حتّى أنّه يجب العمل بموجبه فهو إثبات أصل أو مرجّح بدليل ظنّي لم يقم على حجيّته قاطع. نعم على القول بفتح باب الظنون في الأحكام أو في الأدلة ربّما يجعل أحد الوجهين موجباً لحصول الظنّ فيعتبر، ولا إشكال في فساده، فتأمّل.
البناء الرابع
تكامل علم الفقه وتزايده بتزايد الأفكار
إعلم أنّ علم الفقه كسائر العلوم النظرية من العقليّة والنقلية لم يزل لقوّة الملكات يتزايد بتزايد الأفكار ويتكامل في الأدلة والأحكام بتكامل الأنظار، فلا يتوقف حكم فرع من الفروع عند المتأخرين على اشتراط التعرّض له ولبيانه وتحريره في ألسنة المتقدّمين، ولا الاستدلال بدليل عند الأواخر على سبق الاحتجاج به عند الأوائل ولو كان الدليل رواية لم يعثر عليها المتقدمون أو عثروا عليها ولم يفتشوا عمّا فيها، وتنبّه إليه المتأخرون فإنّه “ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه”()، أو كان الدليل آية لم يستدلّ به المتقدّمون أو استدلّوا بها ولم يفهموا منها الحكم المخصوص، وتنبّه إليه المتأخرون. فإنّ قصر الاستدلال في الأحكام على خصوص خمسمائة آية لا دليل عليه، بل الدليل بخلافه. كيف وقد قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}()، وقال (عليه السلام): “كتاب الله على أربعة أشياء؛ على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق، فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء”(). وقال (عليه السلام): “القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق”()، وفي آخر: “فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وتبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق له تخوم وعلى تخومه تخوم()، ولا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكم ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجُلْ جالٍ بصره وليبلغ الصفة نظره، ينجُ من عطب ويتخلّص من نشب، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات، فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص”().
وفي حديث الحارث قال دخلتُ على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقلت يا أمير المؤمنين إنّا إذا كنّا عندك سمعنا الذي نشدّ به في ديننا، وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة لا ندري ما هي قال: أوقد فعلوها؟ قال قلتُ: نعم. قال: سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمّد ستكون في أمّتك فتنة، قلتُ فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه تبيان من قبلكم من خبر وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله، ومَنْ التمس الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيّنه الأهواء ولا تلبسه الألسنة ولا يخلق على الردّ، ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء، وهو الذي لم تلبث الجن إذا سمعوه أنْ قالوا:”إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرّشد”، من قال به صدق، ومن عمل به أجر ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم”().
وفي آخر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: “إنّ هذا القرآن مأدبة الله. فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتبعه”().
وفي آخر: “ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يدرك قعره”. إلى أن قال: “فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره”.
إلى أنّ قال: “وبحر لا ينزفه المستنزفون وعيون لا ينضبها الماتحون ومناهل لا يغيضها الواردون ومنازل لا يضل نهجها المسافرون”، إلى أنْ قال: “جعله ريّاً لعطش العلماء وربيعاً لقلوب الفقهاء ومحاجّ لطرق الصلحاء ودواء ليس بعده داء ونوراً ليس معه ظلمة، وحبلاً وثيقاً عروته، ومعقلاً منيعاً ذروته، وعزّاً لمن تولاه وسلماً لمن دخله وهدى لمن حاج به، وحاملاً لمن حمله ومطية لمن أعمله وآية لمن يتوسّم وجنّة لم استلئم وعلماً لمن وعى وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى”().
وفي آخر: “وتعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث، وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنّه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنّه أحسن القصص”().
وهكذا ما ورد من كلامهم في معنى حديثهم واشتماله على وجوه، لهم فيها المخرج ولو وقف الاستدلال على ما استدلّ به الأوّلون لامتنع التعدّي عن أكثر النصوص ولوجب القدح في أكثر الاحتجاجات المذكورة في كتب الأصحاب فإنّ المتأخرين على الشهيد الثاني() قد زادوا عليه كثيراً من وجوه الأدلة والأحكام، وهو قد زاد على الشهيد الأوّل()، وقد زاد الشهيدان على الفاضلين()، والفاضلان على السيّدين والشيخين()، والسيّدان والشيخان على من تقدّمهما.
وقد جرت سنّة الله في عباده وبلاده بتكامل العلوم والصنائع يوماً فيوماً على كرور الأزمان والأيام والسنين والأعوام بتلاحق الأفكار واتّساع الأنظار وزيادة كلّ لاحق على سابق، ومتأخّر على متقدّم، إمّا بزيادة تتبعه وفهمه أو عثوره على ما لم يعثر عليه الأوّل، أو لأنَّ أفكار الأوائل وأنظارهم قد هيّأت له فكراً زائداً ونظراً صائباً فزاد عليهم بما أخذ عنهم، أو لعناية ربانية ولطف مخصوص ساقا إلى المتأخر زلفةً وكرامة تختصّ به كما نشاهد ذلك بالوجدان وبالضرورة والعيان، ليس في شيء من ذلك ما يزري بحال المتقدّمين أو ينقص من جلالتهم أو يطعن فيهم.
ولنعم ما قال الشيخ الفقيه ابن إدريس (رحمه الله) في خاتمة كتاب السرائر: أنّه لا ينبغي لمن استدرك على من سلف وسبق إلى بعض الأشياء أنْ يرى لنفسه الفضل عليهم لأنّهم إنّما زلّوا حيث زلّوا لأجل أنّهم كدّوا أفكارهم، وشغلوا زمانهم في غيره، ثمّ صاروا إلى الشيء الذي زلّوا فيه بقلوب قد كلّت ونفوس قد سئمت وأوقات ضيّقة. ومن يأتي من بعدهم قد استفاد منهم ما استخرجوه ووقف على ما أظهروه من غير كدّ ولا كلفة وحصلت له بذلك رياضة واكتسب قوّة، فليس بعجيب إذا صار إلى حيث زلّ فيه من تقدّم وهو موفور القوى متّسع الزمان لم يلحقه ملل ولا حاصره ضجر أنْ يلحظ ما لم يلحظوه ويتأمّل ما لم يتأمّلوه. ولذلك زاد المتأخرون على المتقدمين وكثرت بكثرة الرجال واتصال الزمان وامتداد الآجال، (انتهى كلامه رفع مقامه).
وقال بحر العلوم العلاّمة الطباطبائي() عقيب كلامه: “وكما أنّ استدراك اللاحق على من سلف لا يوجب طعناً فيهم، فكذا إهمالهم لما استدركه لا يوجب طعناً فيه ولا فيما سبق إليه، ولو كان الاستدراك على السلف طعناً في الخلف لكان السلف أولى به لتقدّمهم في ذلك وسبقهم إليه إذْ ما من أحد منهم إلاّ وقد إستدرك على من تقدّمه بأشياء كثيرة أهملها المتقدّم أو لم يُشبع القول فيها. وكثيراً ما يدّعي أحدهم أنّ المسألة خالية من النّص، ثمّ يأتي آخر فيها بنص أو نصوص معتبرة بل صحيحة من الكتب الأربعة فضلاً عن غيرها. والاستدراك بالنصّ على الشهيد الثاني كثير جداً، واستقصاء المواضع التي اتفق ذلك له أو لغيره يفضي إلى غاية التطويل”.
وهذا كلام في غاية التحقيق ولا يختصّ ما ذكره بالنسبة إلى النصوص أو الفهم منها، أو من الآيات القرآنية بمقتضى القواعد العربية والدقائق البيانية أو بموجب ما اطّلع عليه من تفسير الآيات بالروايات، بل يتسرّى ذلك إلى الأصول المقتبسة من الكتاب والسنّة فإنّه زاد المتأخرون من قواعد الأصول وقواعد الفقه والتحقيقات والتدقيقات في الأدلة والأحكام ما لا يخطر على بال أحد من القدماء، ولا من غيرهم من الفضلاء، ولا يوجب ذلك القدح بالاحتجاج بها والتعويل عليها، ولا الحكم عليها بأنّها بدعة فإنّ فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد جرى في المثل السائر، كم ترك الأوّل للآخر.
وإنّي وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانه
لآتٍ بما لم تستطعْهُ الأوائلُ
فتأمّل بما سطّرناه وتبصّر فيما حرّرناه تجده كلّه مأخوذاً من معدن النبوّة وبيت الرسالة ومقتبساً من الكتاب والسنّة بدلائل لائحة وبراهين واضحة {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}()، فتأمّل.
البناء الخامس
معرفة حصول ملكة الاجتهاد
إعلم أنّ لمعرفة حصول ملكة الاجتهاد بعد جامعية شرائط المستعدّ وشرائط الاستعداد طرقاً عديدة.
أولاً: عرض فهمه على أفهام العلماء من المتقدمين والمتأخرين ممّا سطّروه في الكتب الاستدلالية بأن يكون قد فهم ما فهموه من ردّ كلّ فرع إلى دليله وأنّه دخل فيما دخلوا فيه من كيفيّة الاستدلال على الأحكام وخرج بما خرجوا به من النقض والإبرام، أمّا في مقام التدريس أو مقام المناظرة مع العلماء المجتهدين المتبحرين بطرق المعارضة والجدال بالتي هي أحسن، والماهرين في طرق الاستدلال، والحاذقين في المداخل والمخارج الموجبة لإقامة الحق، والمدققين في الأدلّة القابلة للنقض والإبرام أو في مقام الكتابة بأنْ كتب مثل ما كتبوه وحرّروه وزاد بالنظر إلى ما سطّروه وأقام البرهان القويّ على تصحيح ما أفسدوه أو فساد ما صحّحوه. فإنّه لا إشكال أنّه يعلم من نفسه حصول الملكة له في استنباط كلّ فرع من دليله في كلّ مقام، والإنسان على نفسه بصيرة في بلوغه ومصيره. ولا يشترط أن يكون فهمه موافقاً للجميع بل يكفي موافقة البعض من المتقدمين أو المتأخرين.
نعم يشترط أن يكون ما فهمه قد فهموه وحرّروه وإن لم يكن على جهة القبول من الكلّ بل من البعض لمن يعتمد على فهمه من الاساطين والمشاهير المعلومين بالفقاهة والتحقيق، وإلاّ فإن كان موافقاً للكلّ فمما لا إشكال فيه وهكذا لو كان موافقاً لفتوى المشهور أو الأكثر أو الأشهر. وأمّا لو وافق البعض دون البعض فيكفي إنْ لم يكن رجع البعض الموافق غير فتواه أو رجع فإنّه لا يدلّ على عدم حصول الملكة وإنّما يدلّ على الخطأ في خصوص ذلك الحكم لعدم جواز الانفراد عن الفقهاء لو اتفق كونه الأشهر بين القدماء والمتأخرين بحيث ينسب إلى الشذوذ.
وأمّا لو كان قد وافق جماعة ممّن يمكن الوثوق بأنظارهم فلا بأس كما هي العادة الجارية بين الفقهاء في مخالفة المشهور إذا كان الدليل أقوى في نظرهم من دليل المشهور أو للقدح في الشهرة الحاصلة.
والغرض فيما نحن فيه تحصيل العلم بحصول الملكة لا بيان صحّة العمل فيما اجتهدوا فيه من بعض الأحكام فإنّه لا يتعلّق بغرضنا وإنّما يتعلّق بفنّ الأصول بالنسبة إلى اشتراك حصة اجتهاد المجتهد بما يبعد عن الخطأ ويقرب إلى الصواب.
ثانياً: إقرار أهل الفضل والمعرفة من العلماء المميزين لتحصيل الملكات والعارفين بموازين كلامه وسليقته ومداخله ومخارجه في المناطرة أو في التدريس أو في الكتابة له بأنّه صاحب ملكة واقتدار. فإنّ المؤمن مرآة أخيه، ولا يعرفُ الفضل إلاّ ذووه.
ثالثاً: إجازة العلماء المعلومي الاجتهاد من ذوي الفضل والعدالة والسداد له بالفتوى والحكومة، وجواز التقليد له، وقطع الخصومة لإجازة الإمام له بواسطة إجازتهم المتصلة إلى أهل العصمة بالخصوص أو بالعموم، كما يدلّ عليه صريح مقبولة عمرو بن حنظلة، ورواية أبي خديجة وغيرهما من الروايات، فتأمّل.
البناء السادس
الالتباس في دعوى حصول ملكة الاجتهاد
قد كثر الالتباس على جمع من الناس من التمويهات الحاصلة من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس في دعوى حصول ملكة الاجتهاد من غير عُدّة ولا استعداد طلباً للرئاسة التامّة وجلباً لوجوه العامّة على غير تقوى من الله تعالى ولا طاعة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا لبصيرة في العلم والدين ولا على هدى من ربّ العالمين، {زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}.
بل تخيّلوا أنّ مجرد ضبط القواعد الأصولية وبعض الأدلة النقليّة والنظر في الكتب الإستدلالية وارتكاب نهج الفقهاء في الإستدلال وأنّه بمجرد ما يعرف أن يقيم الدليل على مسألة من غير تبصّر في حلّ مشكلة، أنّ ذلك موجب لاجتهاده والعمل على ظنّه.
ولم يعلم المغرور أنّ أدنى طلبة العلم والمشتغلين قد يكون له أكثر من معرفته في إقامة الأدلّة والبراهين، وعليه فيلزم أنْ يكون أكثرهم مجتهدين.
ولا إشكال أنّ الإجتهاد ليس شريعة لكلّ وارد ولا فريسة لكلّ طارد، بل ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء من عباده والله ذو الفضل المبين.
ولنختم الكلام بما يناسب المقام في هذا المرام من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة الطاهرين ممّا يوجب التمييز بين المجتهدين والمدّعين، وممّا يوجب ردّ المتّصفين والمتشبهين، قال (عليه السلام): “مَنْ نصب نفسه للنّاس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحق بالإجلال من معلّم الناس ومؤدبهم”().
وفي كلامه (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي، قال كميل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخرجني إلى الجبّانة فلمّا أصحر تنفّس الصعداء ثمّ قال: يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك. الناس ثلاثة؛ فعالم ربّاني ومتعلّم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق وصنيع المال يزول بزواله. يا كميل معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه.
يا كميل هلك خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. ها أنّ هاهنا لعلماً جماً (وأشار إلى صدره) لو أصبتُ له حملة. بلى أصبتُ لقنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا مستظهراً بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه أو متقلّداً لحملة الحق لا بصيرة له في إحيائه ينقدح الشك في قلبه لأوّل عارض من شبهة. ألا لا ذا، ولا ذاك، أو منهوماً باللذّة سلس القياد للشهوة أو مغرماً بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شبهاً بهما الأنعام، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين أولئك، أولئك والله الأقلون عدداً، والأعظمون قدراً، يحفظ الله بهم حججه حتّى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أوراحها معلّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم. ثمّ قال لي: انصرف إذا شئت”().
وقال (عليه السلام) في كلام له آخر: “عباد الله إنّ من أحب عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعدّ القِرى() ليومه النازل به فقرَّب على نفسه البعيد وهوّن الشديد، نظر فأبصر وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات، سهّلت له موارده فشرب نهلاً، وسلك سبيلاً جدداً، قد خلع سرابيل الشهوات وتخلّى من الهموم إلاّ همّاً واحداً إنفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى. قد أبصر طريقه وسلك سبيله وعرف مناره وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه وتصيير كلّ فرع إلى أصله، مصباح ظلمات كشاف غشاوات مفتاح مبهمات، دفاع معضلات دليل قلوات، يقول فيفهم ويسكت فيسلم. قد أخلص لله فاستخلصه فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها ولا فطنة إلاّ قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه، يحلّ حيث ثقله وينزل حيث كان منزله، وآخر قد تسمّى عالماً وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلاّل، ونصب للناس شَرَكاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على أرائه وعطف الحق على أهوائه يؤمن من العظائم ويهوّن كبير الجرائم، يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، فذلك ميّت الأحياء فأين تذهبون وأنّى تؤفكون، والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة فأين يُتاه بكم، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمّة الحقّ وأعلام الدين وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش”().
إلى أن قال: “فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنّ أكثر الحق فيما تنكرون”.
إلى أن قال: “فلا تستعملوا الرأي فيما لا يُدرك قعره البصر ولا تتغلغل إليه الفكر”().
وقال (عليه السلام) في كلام له: “فيا عجبي، ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصّون أثر نبيّ ولا يقتدون بعمل وصيّ، ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات، المعروف عندهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم وتعويلهم في المبهمات على آرائهم كأنَّ كلّ إمرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعُرى وثيقات وأسباب محكمات”().
وقال (عليه السلام) في كلام له آخر: “إنّما بدء الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجال رجالاً على غير دين الله، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسنة المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث() ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى”().
وقال (عليه السلام) في كلام له آخر: “وإنّما سمّيت الشبهة شبهة لأنّها تُشبه الحق، فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى”().
وفي كلام له آخر في صفة من يتصدّى للحكومة بين الأمّة وليس لذلك بأهل: “إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان، رجل وكّله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي مَنْ كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته، ورجل قمش جهلا في جهال الناس غانٍ في أغياش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه الناس عالماً وليس به، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، فإنْ نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشواً رثّاً من رأيه، ثمّ قطع به، فهو مَنْ لبس الشبهات على مثل نسج العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، فإنْ أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإنْ أخطأ رجا أنْ يكون قد أصاب، جاهل خبّاط جهالات عاشٍ ركّاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما فوّض إليه، لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره، ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ منه مذهباً لغيره، وإنْ أظلم عليه أمر، اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعجّ منه المواريث إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالاً ويموتون ضلاّلاً، ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تُلي حقّ تلاوته ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه، ولا عندهم أكثر من المعروف ولا أعرف من المنكر”().
وفي كلام له (عليه السلام) آخر في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا: “ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف غيره(). ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً، وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد، أفأمرهم الله بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن تبليغه وأدائه، والله تعالى يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، وقال {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضاً، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}، وإنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به”().
وقال في كلام آخر: “يا معشر شيعتنا والمنتحلين ولايتنا إياكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، تفلّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها، وأعيتهم السنّة أن يعوها، فاتخذوا عباد الله خولا() وماله دولا، فذلّت لهم الرقاب وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق أهله فتمثّلوا بالأئمة الصادقين وهم من الجهّال الملاعين، فسئلوا عمّا لا يعلمون فأنفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم فضلّوا وأضلّوا. أمّا لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما”().
وقال الباقر (عليه السلام): “مَنْ أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومَنْ دان الله بما لا يعلم فقد حادّ الله، حيث أحلَّ وحرّم فيما لا يعلم”().
وقال الصادق (عليه السلام) حيث قيل له ترد علينا أشياء لا نعرفها في كتاب ولا سنّة، فنظر فيها وقال: “لا، أمّا إنّك إنْ أصبت لم تؤجر وإنْ أخطأت كذبت على الله”().
أعاذنا الله سبحانه وتعالى وجميع إخواننا المؤمنين أنْ نقول في العلم بغير علم ولا يقين.
* * *
هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب. وقد جاء بحمد الله تعالى وبركات المشهد المقدّس الكاظمي على مشرّفيه أفضل الصلاة والسلام تامّ الفصول، خالياً من الفضول. فنسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يتلقّاه منّا بالقبول ويثيبنا عليه أعظم الثواب ويجعله ذخراً لنا يوم الحساب وينفع به جميع الطلاب إنه كريم وهّاب.
وكان الفراغ بيد مؤلّفه ومؤسّسه عشية يوم الثلاثاء في عشر شهر صفر المظفر من شهور سنة الخامسة والسبعين بعد المائتين والألف هجرية.
* * *
وكان الفراغ من تسويده عشية الخميسن في اليوم العاشر من الشهر التاسع في السنة الثانية من العشر التاسع من المائة الثالثة من الألف الثاني من الهجرة النبوية والحمدلله أوّلاً وآخراً.
مصادر التحقيق ومراجعه
1 ـ المصادر المطبوعة
ابن أبي الحديث، عز الدين (ت: 656هـ/ 1258م).
شرح نهج البلاغة، (بيروت، 1954).
ابن البراج، عبد العزيز (ت: 481هـ/ 1088م).
جواهر الفقه، (قم، 1991م)، تحقيق: إبراهيم بهادري.
ــــ، المهذب، (قم، 1986م).
ابن خلكان، أحمد بن محمد (ت: 681هـ/ 1282م).
وفيات الأعيان، (القاهرة، 1947م)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
ابن العماد، عبد الحي (ت: 1089هـ/ 1678م).
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، (القاهرة، 1932م).
الإحسائي، ابن أبي جمهور (ت: 880هـ/ 1475م).
عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، (قم، 1982م)، تحقيق الشيخ مجتبى العراقي.
الأردبيلي، أحمد (ت: 993هـ/ 1585م).
مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، (قم، 1982م)، تحقيق: محسن العراقي.
البحراني، يوسف (ت: 1186هـ/ 1772م).
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، بيروت، 1980م.
بحر العلوم، مهدي، (ت: 1212هـ/ 1797م).
رجال بحر العلوم/ (النجف، 1965م).
البرقي، أحمد بن محمد، (ت: 274هـ/ 887م).
المحاسن، (النجف، 1964م).
البهبهاني، الوحيد محمد بن أكمل (ت: 1205هـ/ 1791م).
الرسائل الفقهية، (قم، 1987م).
ــــــ، الفوائد الحائرية، (قم، 1994م).
الحراني، أبو محمد، (معاصر للشيخ الصدوق المتوفى 381هـ/ 991م).
تحف العقول عن آل الرسول، (النجف، 1965م).
الحر العاملي، محمد (ت: 1104هـ/ 1693م).
الفصول المهمة في أصول الأئمة، (النجف، 1959م).
ــــ، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، طهران، 1963م، تحقيق: عبد الرحمن الرباني.
الحلّي، ابن إدريس، (ت: 598هـ/ 1202م).
السرائر، (قم، 1990م).
الحلي، ابن فهد (ت: 841هـ/ 1437م).
المهذب البارع في شرح المختصر النافع، قم 1987م، تحقيق: مجتبى العراقي.
الحلي، المحقق (ت: 676هـ/ 1277م).
شرائع الإسلام، (بيروت، 1983م).
ــــ، المعتبر في شرح المختصر، (بيروت، 1984م).
الحلي، العلامة (ت: 726هـ/ 1325م).
تذكرة الفقهاء، (طهران. لا. ت).
ــــ، تحرير الأحكام، طبعة حجرية.
ــــ، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، (طهران، 1905م).
ــــ، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، (بيروت، 1983م).
الحموي، ياقوت (ت: 626هـ/ 1229م).
معجم البلدان، (بيروت، 1955م).
الحميري، عبدالله (ت: 300هـ/ 913م).
قرب الإسناد، (قم، 1993م).
الزمخشري، محمود بن عمر (ت: 538هـ/ 1143م).
الجبال والأمكنة والمياه، (بيروت، 1938م).
الشهيد الثاني، زين الدين (ت: 965هـ/ 1558م).
مسالك الأفهام الى تنقيح شرائع الإسلام (تبريز، 1893م)، وطبعة ثانية (قم، 1984م).
الشهيد الأول، محمد بن مكي (ت: 786هـ/ 1384م).
البيان، طبعة حجرية.
ــــ، الذكرى، طبعة حجرية، 1272هـ.
الصدوق، الشيخ (ت: 381هـ/ 991م).
ثواب الأعمال، (بيروت، 1988م).
ــــ، الخصال، (النجف، 1967م).
ــــ، علل الشرائع، (النجف، 1966م).
ــــ، عيون أخبار الرضا، (بيروت، 1984م).
ــــ، كمال الدين وتمام النعمة، (قم، 1985م).
ــــ، معاني الأخبار، (النجف، 1967م).
ــــ، مَنْ لا يحضره الفقيه، (النجف، 1966م).
الصفار، محمد بن الحسن (ت: 290هـ/ 903م).
بصائر الدرجات، (طهران، 1984م).
الطباطبائي، علي (ت: 1231هـ/ 1816م).
رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، (طبعة حجرية، طهران 1984م). وطبعة ثانية (قم، 1992م).
الطبرسي، أحمد، (من مشايخ ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588هـ).
الاحتجاج على أهل اللجاج، النجف، 1966م.
الطبري، أحمد (ت: 694هـ/ 1295م).
ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، (بغداد، 1967م).
الطريحي، صفي الدين (ت: 1100هـ/ 1689م).
مجمع البحرين، (النجف، 1962م).
الطوسي، الشيخ (ت: 460هـ/ 1068م).
الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، (النجف، 1965م).
ــــ، أمالي الشيخ الطوسي، (النجف، 1967م).
ــــ، تهذيب الأحكام، بيروت، 1986م.
ــــ، الخلاف، (قم، 1997م).
ــــ، المبسوط في فقه الإمامية، (طهران، 1967م)، تحقيق محمد تقي الكشفي.
علي بن أبي طالب، الإمام (ت: 40هـ/ 660م).
نهج البلاغة، (بيروت، 1980م)، تحقيق: الدكتور صبحي الصالح.
الفاضل الهندي، بهاء الدين محمد الأصفهاني (ت: 1137هـ/ 1725م).
كشف اللثام، مجلدان (قم، 1985م).
الفيض الكاشاني، محسن (ت: 1091هـ/ 1680م).
تفسير الصافي، (قم، 1996م).
القاضي عياض، أبو الفضل (ت: 544هـ/ 1149م).
الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج1 (بيروت، 1988م).
القزويني، صالح (ت: 1304هـ/ 1887م).
مقتل أمير المؤننين، (النجف، 1974م).
القزويني، محمد (ت: 1335هـ/ 1916م).
طروس الإنشاء وسطور الإملاء، (بيروت، 1998م).
القزويني، مهدي (ت: 1300هـ/ 1883م).
كتاب المزار، (بيروت 2003م).
القزويني، (مجهول).
المشجّر الكشاف ـ مخطوط.
كاشف الغطاء، جعفر، (ت: 1228هـ/ 1813م).
كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، (طبعة حجرية، 1271هـ/ 1854م).
الكعبي، هاشم، (ت: 1231هـ/ 1816م).
ديوان هاشم الكعبي، (النجف، 1964م).
الكليني، محمد بن يعقوب، (ت: 329هـ/ 941م).
الكافي، (طهران، 1952م).
الكراجكي، محمد بن علي (ت: 449هـ/ 941م).
الكافي، (طهران، 1952م).
الكراجكي، محمد بن علي (ت: 449هـ/1057م).
كنز الفوائد، (بيروت، 1982م).
المازندراني، محمد صالح (ت: 1081هـ/ 1670م).
شرح أصول الكافي، (طهران، 1984م).
المجلسي، محمد باقر (ت: 1111هـ/ 1699م).
بحار الأنوار، (بيروت، 1981م).
المرتضى، الشريف، (ت: 436هـ/ 1045م).
الانتصار، (بيروت، 1982م)، تحقيق: محمد رضا الخرسان.
ــــ، رسائل الشريف المرتضى، (قم، 1985م)، تحقيق؛ أحمد الحسيني.
ــــ، شرح المسائل الناصرية، (طهران، 1859م)…
المفيد، الشيخ (ت: 413هـ/ 1022م).
الإرشاد، (النجف، 1962م).
ــــ، المقنعة، قم 1987م.
النجاشي، أحمد بن علي (ت: 450هـ/ 1058م).
الرجال، (النجف، 1972م).
النجفي، محمد حسن (ت: 1266هـ/ 1850م).
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، (طهران، 1978م).
النراقي، أحمد، (ت1245هـ/ 1829م).
عوائد الأيام، أوفسيت الطبعة الحجرية، 1408هـ.
النعماني، محمد بن إبراهيم (ت: 380هـ/ 990م).
كتاب الغيبة، (طهران، لا. ت).
النوري، الميرزا حسين (ت: 1320هـ/ 1909م).
مستدرك، وسائل الشيعة، (تبريز، 1880م).
النوري، فضل الله، (1327هـ/1909م).
قاعدة ضمان اليد، (قم، 1994م).
النيسابوري، محمد بن الفتال، (ت: 508هـ/ 1114م).
روضة الواعظين، (النجف، 1966م).
الهندي، محمد، (ت: 1323هـ/ 1905م).
الكشكول ـ مخطوط.
2 ـ المراجع المطبوعة والمخطوطة
الأردوبادي، محمد علي (ت: 1380هـ/ 1960م).
قضايا وفوائد ـ مخطوط.
الأمين، محسن (ت: 1371هـ/ 1952م).
أعيان الشيعة، (بيروت، 1982م)، تحقيق: حسن الأمين.
بحر العلوم، محمد صادق (ت: 1399هـ/ 1979م).
الدرر البهية في تراجم علماء الإمامية ـ مخطوط.
بل، مس (ت: 1346هـ/ 1927م).
فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر خياط.
حرز الدين، محمد (ت: 1365هـ/ 1946م).
معارف الرجال، (النجف، 1965م).
الحكيم، محمد تقي (ت: 1422هـ/ 2002م).
الأصول العامة للفقه المقارن، (بيروت، 1963م).
الخاقاني، علي (ت: 1398هـ/ 1978م).
شعراء الحلة، (الجف، 1953م).
السماوي، محمد (ت: 1370هـ/ 1951م).
الطليعة من شعراء الشيعة: (بيروت، 2001م)، تحقيق: كامل سلمان الجبوري.
شبر، جواد (ت: 1402هـ/ 1982م).
أدب الطف أو شعراء الحسين، (بيروت، 1978م).
الصدر، حسن (ت: 1354هـ/ 1935م).
تكملة أمل الآمل ـ مخطوط.
الصدر، رضا (ت: 1415هـ/ 1994م).
الاجتهاد والتقليد، (بيروت، 1976م).
الطهراني، محسن (ت: 1389هـ/ 1970م).
الذريعة إلى تصانيف الشيعة، (بيروت، 1982م).
ــــ، نقباء البشر في القرن الرابع عشر، (النجف، 1954م).
الفضلي، عبد الهادي.
الاجتهاد، (بيروت، 2000م).
القزويني، حميد (ت: 1400هـ/ 1980م).
السلسلة الذهبية في تراجم أعيان العائلة القزوينية ـ أوراق مخطوطة.
الكاظمي، محمد مهدي (ت: 1391هـ/ 1971م).
أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة، (النجف، 1968م).
اليعقوبي، محمد علي (ت: 1385هـ/ 1965م).
البابليات، (النجف، 1955م).
السيد مهدي القزويني
علماء الشيعة بعد الغيبة الكبرى
النوّاب الأربعة:
(1) عثمان بن سعيد
عثمان بن سعيد الأسدي العسكري السمّان. أوّل سفراء الإمام المهدي (عليه السلام). كان وكيلاً للإمام الهادي (عليه السلام) المُتوفى سنة 254هـ/ 868م، ثمّ أصبح وكيلاً للإمام العسكري (عليه السلام) المُتوفى سنة 260هـ/ 874م. وقيل إنّه تولّى تغسيله ودفنه(). كان عثمان بن سعيد يتّجر بالسمن فلحقه لقب السمَّان، كما لُقّب بالعسكري نسبة إلى أرض العسكر (سامراء).
تُوفي ودُفن بالجانب الغربي من بغداد (شارع الميدان)، ولم يتعدَّ خلافة المعتمد.
أدركنا مسجده، وكان يُقيم الصلاة فيه جماعةً أحد السادّة الأجلاء من آل الحيدري، وهو السيّد محمد طاهر.
(2) محمد بن عثمان
محمد بن عثمان العمري الشهير بالخلاّني، السفير الثاني للإمام (عليه السلام) اضطلع بمهام السفارة خمسين عاماً، أو أربعين. تُوفي في جمادى الأولى سنة 305هـ/ 917م.
له كتب في الفقه، ممّا سمعه من الإمام الحسن العسكري، ومن الامام المهدي(عليهما السلام). وعن أبيه أيضاً.
قيل: إنَّ كتبه وصلت إلى السفير الثالث، الحسين ابن روح عند الوصية إليه، كما وصلت إلى أبي الحسن السمّري، السفير الرابع.
وقبر الخلاّني عامرٌ مشيّد يقع وسط مدينة بغداد (صوب الرصافة)، وله مسجدٌ فخم يأمُّ الصلاة فيه السيّد محمد الحيدري الذي غلبَ اسم الخلاّني عليه نسبةً إلى المقام، فعُرفَ بالسيّد محمد الخلاّني تمييزاً له عن بعض أعلام اسرته ممّن تزدهي بهم دار السلام في هذا العصر.
ذكر لي النسَّابة الخبير السيّد عبد الستار الحسني أنَّ الموضع الذي ينُسب إلى السفير الثاني محمد بن عثمان بن سعيد العمري كان يُعرف بمقبرة دار الفيل. وفي سنة 363هـ تُوفي عبد العزيز بن جعفر الفقيه الحنبلي المعروف بغلام الخلاّل فدُفن في هذا الموضع. وكان قبرُهُ يُعرف بقبر الخلاّل، ثمّ صحّف إلى الخلاّلي. وقد ورد ذكرُه في أخبار دخول المغول إلى بغداد سنة 656هـ حيث ذكر ابن الجوزي وغيرُهُ أنَّ الغازين أخذوا الخليفة المستعصم وأخرجوه إلى موضع عند قبر الخلاّل، وقتلوه هناك.
وقد ذكر ابن رجب الحنبلي في (ذيل طبقات الحنابلة) جملة كرامات وقعت لقبر الخلاّل.
وأمّا الشيخ الطوسي المُتوفي سنة 460هـ فقد ذكر في كتاب الغيبة أنَّه زار قبور السفراء الأربعة، وذكر مواضع تلك القبور بما يُفيد كونها في الجانب الغربي، لا الجانب الشرقي. وأنَّ هذه القبور المنسوبة إليهم ليست لهم. وقد ذهب إلى هذه الرأي من المتأخرين البحّاثة السيد عبد الحسين آل طعمة في (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء). (أيَّد أنَّها في الجانب الغربي).
يقول جودت القزويني: إنَّ ما نُسب إلى الشيخ الطوسي وغيره هو دخيل عليه، وعلى مؤلفاته، فلا وجه لاعتبار هذه النصوص، ووثاقتها.
وذكر الشيخ يونس السامرائي أنَّ عشيرة المواشط المسمَّاة بهذا الاسم نسبة إلى أحد أجدادهم، وهو السيّد علي المخل المشهور بابن الماشطة، يظنُّ بعض أفرادها أنَّ الشيخ الخلاّني (دفين بغداد بجانب الرصافة) هو أحد أجدادهم؛ حيث أنَّ أبا العشيرة إسمه على المخل. وفي الحقيقة أنَّ هذا الظنّ عارٍ عن الصحّة، فقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه الشيخ الخلاّني، فقال: هو الشيخ عبد العزيز بن جعفر غلام الخلاّل المُتوفى سنة 363هـ. وهذا ينفي الظنّ الذي ذهب إليه بعض أفراد هذه الأسرة لأنَّ جدّهم الذي عُرفوا به هو على المخل المشهور بابن الماشطة بن محمد. ومن هنا يظهر الفرق بين هذا وذاك().
(3) الحسين بن روح
الحسين بن روح النوبختي، أصله من مدينة قم، من أسرة اشتهرت بالعلم والسياسة. هاجر إلى بغداد خلال زمن السفارة الأولى، وأصبح وكيلاً للسفير الثاني لعدّة سنوات، وكان مدعوماً من بني فرات الأسرة الشيعيّة الحاكمة.
كان الحسين بن روح حلقة وصل بين السفير الثاني، وبين زعماء الشيعة قبل توليه منصب (السفارة). وذكر شيخ الطائفة الطوسي أنَّه كان واسطة بين السفير الثاني، ووكلائه بالكوفة.
وقد مكّن عمله بالوكالة الاتصال بالمراتب الشيعيّة الرسميّة المستخدمة في الإدارة العباسية، خصوصاً أرحامه من آل بني نوبخت، وبني فرات.
وكان الحسين واحداً من عشر وكلاء للخلاّني، بعدها تولّى الوكالة المطلقة سنة 305هـ/ 917م، واستمرّت مدّة سفارته إحدى وعشرين سنة حتّى وفاته سنة 326هـ/ 938م.
قال حرز الدين: مرقده ببغداد جانب الرصافة، وإلى جنبه مسجد صغير تقام فيه الصلوات جماعة، ويُعرف موضع قبره في عصرنا في سوق الشورجة التجاري ببغداد في زقاق غير نافذ. ويعدّ من المراكز الشيعية ببغداد().
أقول: وفي عصرنا كان السيّد جعفر شُبّر يُقيمُ الصلاة جماعةً وقت الظهر في هذا المرقد الشريف. كما تُقام فيه الدروس التوجيهية والثقافية. وقد ذكرتُ بعض النوادر الأدبية التي حصلت في هذا المرقد بين شمس الدين الخطيب والشيخ محمد آل حيدر في كتاب “الروض الخميل”.
تختلف الأخبار الواردة عن حسين بن روح عن بقية السفراء، ففيها شيء من الغزارة، بخلاف المعلومات المبهمة والمقتضبة التي وردت في أخبار بقية السفراء، وإنْ كان الاضطراب قد طالها بشكل فعّال.
(4) علي بن محمد السمري
علي بن محمد السمري (السفير الرابع): تولّى السفارة سنة 326هـ/ 938م، وتُوفي سنة 329هـ/ 941م.
بقي في منصبه ثلاثة أعوام فقط، ولم يظهر له نشاط ملحوظ، كما كان لسلفه ابن روح. وقد انقطع الإمام المهدي (عليه السلام) عن الناس بموته. وقبل وفاته أعلن السمري انتهاء عصر الغيبة الصغرى، ولم يوصِ بعده لأحد. وقد أورد الشيخ الطوسي نصَّ الكتاب الذي بعثه له الإمام المهدي (عليه السلام) يخبره فيه بعدم الوصيّة.
ذكر حرز الدين أنَّ قبره جانب الرصافة في سوق الهرج القديم قرب المستنصرية في الضفة اليسرى من نهر دجلة، ويقع في حجرة بين السوق، وبين المسجد المعروف بمسجد القبلانية().
(5) علي بن محمد السمري (السامري)
يقع هذا المرقد في قبائل خفاجة المجرية (المكرية)، شرقي مرقد النبي ذي الكفل بثلاث فراسخ، في مقاطعة البترة المجاورة لمقاطعة العليّة في الأرض التي يمرُّ بها نهر (الشاه)، من أعمال الحلّة المزيدية().
قال حرز الدين: صاحب هذا القبر مجهول لدينا. وقد احتمل فيه أنَّه قبر أحد علماء بلاد واسط المنسوبين إلى قرية (سِمّر).
كما نقل أنَّ بعضهم أعتقد أنَّه السامري الذي كان مع النبيّ موسى، أو هو السامري. الذي أضلَّ قوم موسى. وهي محكيّات لا صلة لها بالموضوع.
(6) الشيخ الكليني
محمد بن يعقوب الكُليني الرازي الملقّب بثقة الإسلام، ومن المجدّدين على رأس القرن الثالث الهجري. من فقهاء الشيعة ومحدّثيهم. كتب كتاب (الكافي) في علوم الدين الذي يُعدّ من الموسوعات الحديثيّة الأولى في تاريخ الإسلام، ورتّبه على أصول، وفروع، وروضة. وهو مطبوع مشهور متداول في ثمانية أجزاء، وهو واحد من أربعة كتب في علم الحديث عند الشيعة، ألّفها إثنان آخران من الفقهاء المحدّثين هما: الشيخ الصدوق، وشيخ الطائفة الطوسي.
استغرق الكليني عشرين عاماً في جمع مادة كتابه، وتصنيفه، وقد نال احترام جميع طبقات العلماء منذ عهد تأليفه.
وصفه الشيخ علي بن عبد العالي الشهير بالمحقّق الكركي المُتوفى سنة 940هـ/ 1534م بقوله: “الكتاب الكبير في الحديث الذي لم يُعلم مثله”.
ويُلاحظ أنَّ كتاب الكافي، وغيره من كتب الحديث الشيعيّة والسُنيّة على السواء تضمَّنت الكثير من الأحاديث غير الموثّقة، الضعيفة والمدسوسة، المصمّمة للإساءة إلى الأئمة وأصحابهم بما هو بعيد عن واقع حالهم.
قال العلاّمة السيّد محمد مهدي بحر العلوم: كتاب الكافي الذي صنّفه هذا الإمام (طاب ثراه)، كتاب جليل عظيم النفع، عديم النظير، فائق على جميع كتب الحديث بحُسن الترتيب، وزيادة الضبط والتهذيب، وجمعه للأصول والفروع، واشتماله على أكثر الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ().
أقول: تُوفي الكليني ببغداد سنة 329هـ/ 941م، ودُفن بمرقده المعروف الآن سنة 1394هـ/ 1974م في جامع الصفوية في الجانب الشرقي (الرصافة) بباب الجسر العتيق، المسمّى في الوقت الحاضر بجسر الشهداء.
قال أبو علي الحائري في “منتهى المقال في الرجال”: وقبره (قدّس سرُّه) معروف في بغداد الشرقية مشهور، تزوره الخاصّة والعامّة في تكية (المولوية)، وعليه شباك من الخارج إلى يسار العابر من الجسر.
وذكر حرز الدين أنَّ مرقده ببغداد جهة باب الكوفة (الرصافة)، في جامع الصفوية الذي اشتهر فيما بعد بجامع الآصفية، تحريفاً مقصوداً من جهة معينة في العهد العثماني بالعراق، ثمّ عُرف أيضاً بتكية المولوية. ومرقدُه مطلّ على دجلة عامر مشيّد جنب مدرسة المستنصرية().
وقد اتّفقَ المؤرخون جميعاً على أنَّ هذا القبر هو قبر الكليني، وقد زاره الولاة والأعيان من المسلمين في جميع الأزمان الماضية.
يقول جودت القزويني: كنتُ أتردّدُ على زيارة قبره دائماً، ولم يكن ما يدلُّ عليه سوى فتحة شباك صغيرة تُطلّ على الشارع الفرعي الذي يمرّ إلى الشارع المسمّى بشارع النهر، وكان الناس يوقدون الشموع، ويضعونها على دكّة الشباك ليُنوّروا قبره بهذه الصلة.
إلاَّ أنَّ هذا المكان أُزيل بالكامل ضمن التعديلات التي أُجريت على المنطقة، وانمحى أثره بداية القرن الخامس عشر الهجري، أوائل الثمانينات الميلادية.
(7) أبو الفتح الكراجكي
الكراجُكي (نسبة إلى كراجك قرية على باب واسط): هو القاضي أبو الفتح الشيخ محمد بن علي بن عثمان الواسطي، عالم محدّث وفقيه متكلّم، من تلامذة الشيخ المفيد، والسيّد المرتضى، وابن شاذان، وغيرهم. أسند إليه أرباب الإجازات من علماء الإمامية، واشتهر بكتابه “كنز الفوائد”. تُوفي سنة 449هـ/ 1057م). ودُفن قريباً من الشيخ الكليني.
قال حرز الدين: مرقده ببغداد في الجهة المؤدّية لباب الكوفة، جانب الرصافة الشرقية لنهر دجلة، رأس الجسر القديم في جامع الصفوية المعروف بجامع الآصفية تحريفاً، ثمّ بتكية المولوية.
كان رسم قبره دكّة عالية بارتفاع ثلثي قامة إنسان، خلف دكّة قبر الشيخ الكليني (قدّس سرُّه). ولم نشاهد على الدكّة الصخرة القديمة، ورأينا رسم موضعها بعد قلعها. وكان إلى جانب هذه الدكّة رسم قبرين مردومين يظهر ذلك من الحجارة والأنقاض الباقية كالأكمتين.
يقول حرز الدين: المشهور أنَّ بهذه الجهة الشرقية من الرصافة دور سكن متقاربة لوجوه علماء الشيعة، ومنها: دار ثقة الإسلام الشيخ الكليني التي صارت مسجداً ومقبرةً له، ولبعض وجوه العلماء.
ففي صدر هذا السوق المستطيل مع مجرى نهر دجلة، (المعروف بسوق الهرج تارة، وسوق السرّاجين أخرى، وسوق السراي في زماننا المتأخر) ـ مرقد الشيخ عثمان بن سعيد العمري، وفي وسطه عند رأس الجسر العتيق مرقد الشيخ الكليني، والشيخ الكراجكي، وأسفل منهما بيسير عند انحدار دجلة مرقد الشيخ علي بن محمد السمري في مسجد القبلانية().
(8) قطب الدين الكيدري
قطب الدين الكيدري من المحتمل أنْ يكون هذا المرقد للشيخ قطب الدين أبو الحسن محمد بن الحسين ابن الحسن البيهقي الشهير بقطب الدين الكيدري شارح نهج البلاغة سنة 576هـ/ 1180م. ذكر له الطهراني في الذريعة بعض المؤلفات. كما كتب عنه في “الثقات العيون في سادس القرون”، وهو الجزء الثاني من موسوعته طبقات أعلام الشيعة().
(9) ابن قولويه
الشيخ جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه، من ثقات أهل الرواية والحديث. ذُكرتْ له عدّة مؤلفات، وطبع له كتاب “كامل الزيارات” سنة 1356هـ/ 1937م. ويروي عنه التَلْعكبري، والشيخ المفيد، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، وغيرهم، كما أورد ذلك الشيخ الطوسي(). تُوفي سنة 368هـ/ 979م.
أمَّا قبرُه اليوم فهو معروف في الرواق المطهّر مع قبر الشيخ المفيد.
(10) الشيخ المفيد
الشيخ المفيد هو محمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلّم. أصله من قرية سويقة من قرى عُكْبرا العائدة لناحية الدجيل، التي تبعد عن بغداد قرابة عشرة فراسخ.
عاش الشيخ المفيد في فترة ما بعد عصر الأئمة (عليهم السلام)، عصر الغيبة الكبرى، وقد استطاع أنْ يسدَّ الفراغ في الفكر الشيعي بما ألَّف وحرَّر في مختلف مجالات الدراسات العقلية.
كان الشيخ المفيد يُشرف أيام الحكم البويهي للعراق على المنظومة الثقافية الدينيَّة للبلاد. وكانت مدرسته ببغداد قد خرّجت كبار العلماء الذين يعتزّ بهم تاريخ الفكر الإنساني، أمثال: الشريف المرتضى علم الهدى. وشيخ الطائفة الطوسي، والشيخ النجاشي صاحب كتاب الرجال.
ولد سنة 338هـ/ 949م، وتُوفي سنة 413هـ/ 1022م، ودُفن بمشهد الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)، وقبرُه معروف داخل الحرم المطهّر.
قال في وصفه السيّد مهدي بحر العلوم في “الفوائد الرجالية”: “شيخ مشائخ الأجلّة ورئيس رؤساء الملّة، فاتح أبواب التحقيق بنصب الأدلة، والكاسر بشقاشق بيانه الرشيق حجج الفرق المضلّة اجتمعتْ فيه خِلالُ الفضل، وانتهت إليه رئاسة الكلّ، واتفق الجميع على علمه وفضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته. كثير المحاسن، جم المناقب، حاضر الجواب، واسع الرواية، خبيراً بالرجال والأخبار والأشعار، وكان أوثق أهل زمانه في الحديث، وأعرفهم بالفقه والكلام، وكلُّ مَنْ تأخّر عنه إستفاد منه”.
(11) شيخ الطائفة الطوسي
الشيخ محمد بن الحسن الطوسي الملقّب بشيخ الطائفة (ت: 460هـ/ 1068م). من زعماء المسلمين الكبار في العصر البويهي. تتلمذ على يد الشيخ المفيد، والشريف المرتضى، واستفاد منهما. وبعد وفاة الشريف المرتضى سنة 436هـ/ 1044م إنتهت الزعامة إليه. وكانت مدرستُه ببغداد محطّة للعلم تخرّج منها ما يقرب من ثلاثمائة عالم.
وبعد إتخاذه مدينة النجف مركزاً لنشاطه العلمي عام 448هـ/ 1056م، وازدهارها بحلقات التدريس وتخريج الفقهاء بما لم تشهد المدينة نشاطاً قبله، عُرف بلقب “مؤسس جامعة النجف الدينية”، الأمر الذي دعا بعض الكتّاب الاعتقاد بأنّ مركز النجف العلمي كان قد تأسَّس على يد الشيخ الطوسي.
والواقع أنَّ تأسيسه كان قد تمَّ على يد الأئمة من أولاد الإمام علي (عليه السلام) منذ أنْ دُفنَ فيه جسد الإمام (عليه السلام). وهو ظاهرٌ معروف من ذلك الوقت، خلافاً لما ابْتُدِعَ من قصة ظهور القبر الشريف زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، وتشييد بنائه في قصة موهومة مُفْتعلة.
ومرقد شيخ الطائفة لا يزال في داره التي تحوّلت إلى مسجد، ويعدُّ من معالمَ النجف الشاخصة. وقد طالت يدُ العبث بآثار النجف، فهدَّمت القباب والمراقد والبيوت الأثرية في ظلّ ظروف الحرب العراقية الإيرانية (1400ـ1408هـ/ 1980ـ1988م)، إلاَّ أنَّ مسجد شيخ الطائفة ومرقده سلما من الهدم.
وبعد وفاة زعيم الشيعة في عصره السيّد مهدي بحر العلوم سنة 1212هـ/ 1797م دُفن في المسجد نفسه.
وفي عصرنا كان أحد أحفاد العلاَّمة بحر العلوم، وهو المجتهد السيّد محمد تقي بحر العلوم يقيمُ صلاة الجماعة في هذا المسجد التاريخي العريق. كما كان العديد من العلماء يعقدون حلقات التدريس فيه، أمثال الإمام الشهيد السيّد محمد باقر الصدر، المقتول سنة 1400هـ/ 1980م.
وبعد وفاة السيّد محمد تقي خلّفه ولده السيّد حسين بحر العلوم في إمامة الصلاة والتدريس. وكلُّ هؤلاء الأماثل هم من أعيان العماء في القرن الأخير.
(12) أحمد ابن طاووس
أبو الفضائل السيّد أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي عبدالله محمد (الطاووس) بن إسحاق بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
أورد نسبه صاحب عمدة الطالب، وذكر أنَّ لأبيه أربعة بنين، هم: شرف الدين محمد، وعزّ الدين الحسن، وجمال الدين أبو الفضائل أحمد، ورضي الدين أبو القاسم علي(). وأمّهم بنت الشيخ ورّام بن أبي فراس المالكي صاحب المجموعة المشهورة، وأم أبيهم بنت شيخ الطائفة الطوسي المتوفى سنة 460هـ/ 1068م.
ذكره تلميذه الحسن بن داود في كتابه (الرجال) بقوله: “فقيه أهل البيت، مصنّف مجتهد، قرأتُ عليه، وأجاز لي جميع مصنفاته ورواياته. وكان شاعراً بليغاً مجيداً، حقّق في الرجال والرواية والتفسير تحقيقاً لا مزيد عليه. ولقد ربّاني وعلّمني وأحسن إليَّ وأكثر فوائد هذا الكتاب (الرجال) من إشارته وتحقيقه”.
وذكره تلميذه العلاَّمة الحلي المتوفى سنة 727هـ/ 1327م، مع أخيه رضي الدين أبو المكارم فقال في إجازته الكبيرة لبني زهرة: “السيدان الكبيران السعيدان رضي الدين علي، وجمال الدين أحمد إبنا موسى بن جعفر، وهما زاهدان عابدان ورعان”().
وذكره صاحب أمل الآمل بقوله: “كان عالماً فاضلاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً فقيهاً محدّثاً ثقة شاعراً جليل القدر عظيم الشأن”.
ذكره الشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد (والد الشيخ البهائي) بقوله “السيد الإمام العلاّمة جمال الدين أبي الفضائل، كان مجتهداً واسع العلم، إماماً في الفقه والأصول والأدب والرجال، ومن أورع فضلاء أهل زمانه وأتقنهم وأثبتهم وأجلّهم، وهو أوّل مَنْ قسَّم الأخبار إلى أقسامها الأربعة المشهورة؛ الصحيح، الحسن، الموثّق، الضعيف. واقتفى أثره العلاّمة الحلّي، وسائر مَنْ تأخّر عنه من المجتهدين إلى اليوم. وقد زيدت عليها في زمن المجلسيين على ما قيل، بقية أقسام الحديث المعروفة بالمرسل والمضمر، والمعضل، والمسلسل، والمضطرب، والمدلّس، والمقطوع، والموقوف، والمقبول، والشاذ، والمعلّق”.
ترجم له الأمين في أعيان الشيعة()، والشيخ النوري في المستدرك()، والخوانساري في روضات الجنات()، والشيخ يوسف البحراني في اللؤلؤة()، والقمي في الكنى والألقاب()، وغيرهم.
كانت له اليد الطولى في إحياء المعارف، وبثّ العلوم المصنّفات التي خلّفها، والمؤلفات التي رقمها يراعه. فقد قيل إنّه ترك من بعده (82) كتاباً منها: بشرى المحققين (في الفقه) يقع في ست مجلدات، حلّ الإشكال في معرفة الرجال، الأزهار في شرح لامية مهيار (في مجلدين)، ملاذ علماء الإمامية (في الفقه) ـ أربع مجلدات، عين العبرة في غبن العترة، وديوان شعره، وغيرها.
قال الشيخ محمد علي اليعقوبي: توجد في كتابه “عين العبرة” شواهد شعرية لم يصرّح بأسماء ناظميها، والذي يغلب على الظن أنّها من نظمه().
ومن شعره، وقد تأخّر حصول سفينة يتوجّه بها إلى مدينة النجف، مخاطباً الإمام عليّاً (عليه السلام):
لئن عاقني عن قصد ربعك عائقٌ فوجدي لأنفاسي إليك طريقُ
أسيرٌ بكفّ الروح يجري بحكمها وليس سواءً موثقُ وطليقُ
تُوفي بالحلّة سنة (673هـ).
قال حرز الدين، مرقدُه بالحلّة، محلّة أبو الفضائل، حيث نُسبت الحارة التي فيها قبره إليه. ويقع في الشارع الغربي بظاهر مدينة الحلّة، قرب باب كربلاء().
يقول الشيخ اليعقوبي: المحلّة التي فيها قبره الآن تعرف قبل ثلاثة قرون بمحلّة أبي الفضائل، كما رأيتُ ذلك في وثيقة رسمية مؤرّخة سنة 1101هـ().
(13) السيّد علي بن طاووس
السيّد رضي الدين علي بن طاووس ينتهي نسبه إلى الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط (عليه السلام). وهو أخ السيّد أحمد ابن طاووس.
ولد سنة 589هـ/ 1193م، وتُوفي سنة 664هـ/ 1266م كان من زعماء الدين والدنيا. تولّى نقابة الطالبيين ببغداد في فترة حكم الدولة الإيلخانية، وقد استمرّ، كما نقلت الأخبار في منصبه أقلّ من أربع سنوات.
شوّهت المصادر التاريخية دوره الديني والسياسي فقد نقلت عنه أنَّه رفض طلب المستنصر بالله الخليفة العباسي لتولّي نقابة الطالبيين أيام فترة حكمه، إلاَّ أنَّه قبلها عند دخول المغول بغداد. ولم تكن الأحداث على هذه الصورة التي حاولت المنقولات المزيفة أنْ تُظهره فيها.
قيل: إنَّه جلس في مرتبة خضراء، ونُقل شعرٌ عنها بالمناسبة.
والواقع أنَّ جميع هذه الأخبار لا يمكن إثباتها أو الوثوق بها، فضلاً عن التسليم لها.
وللسيّد رضيّ الدين مؤلفات في شتّى العلوم، إلاَّ أنَّ ما نُسب إليه من بعض الكتب المطبوعة يصعب تصديق نسبتها لمؤلفها لما فيها من تهافت لا يمكن صدوره عن زعيم ديني وسياسي مثله.
مرقد ابن طاووس
مرقدهُ بالحلّة الفيحاء، محلّة الجامعين على الشارع العام، عليه قبّة جميلة. ويتّصل بمرقده فِناء واسع، يتوافد عليه الزائرون، وفوق قبره لوحة كُتب عليها: “هذا قبر رضيّ الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاووس، مولده يوم الخميس نصف محرم سنة 589، ووفاته يوم الاثنين 5 ذي القعدة سنة 664هـ”.
وفي عصرنا أزالت الدولة العراقية أوائل القرن الخامس عشر الهجري المقام جميعه، وحوّلته إلى ساحة عامة.
وقد اختلف في مكان دفنه، قيل هو لابنه السيّد علي بن طاووس، وإليه ذهب السيّد حسن الصدر، كما ذكر ذلك في نزهة الحرمين في عمارة المشهدين.
وذكر العالم المعاصر السيّد هادي كمال الدين (عند ترجمته للسيّد علي ابن طاووس): أنَّ قبره مزار مقدّس بمقربة سجن الحلّة المركزي، وقريب منه من الجهة الخلفية، مرقد ابن أخيه غياث الدين عبد الكريم بن طاووس. وفي نهاية بساتين الجامعيين قبر ولده رضي الدين علي بن طاووس. وما قيل: إنَّ قبره بالكاظمية، أو النجف ليس بمحل اعتماد، بل هو مجرد احتمال().
يقول المؤرّخ الشيخ محمد حرز الدين: مرقده في الحلّة على الراجح عندنا.
ويقول جودت القزويني: إنَّ مرقد رضيّ الدين سواءً أكان هنا أو هناك فإنَّه أُزيل عن مكانه ولم يَعُدْ له أثر يدلُّ عليه. وإنّ كان قبره في موضعه هذا هو مكان دفنه، وإقباره.
(14) المحقق الحلّي
أبو القاسم جعفر بن الحسن بن أبي زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، يُلقب بنجم الدين، والمحقّق الحلّي، والمحقّق الأوّل. واشتهر بلقب المحقّق حتّى عُرفَ به دون سواه.
وصفه البحراني بقوله: محقق الفقهاء، ومدقق العلماء، وحاله في الفضل والنبالة، والعلم والفقه والجلالة، والفصاحة والشعر والأدب والإنشاء أشهر من أنْ يُذكر، وأظهر من أن يسطّر().
ذكره السيّد حسن الصدر في إجازته الكبيرة للشيخ الطهراني بقوله: هو أوّل من نبعَ منه التحقيق في الفقه، وعنه أُخذ، وعليه تخرّج ابن أخته العلاّمة الحلّي، وأمثاله من أرباب التحقيق والتنقيح. وليس في الطائفة أجلّ منه بعد الشيخ الطوسي. إتّسعت النهضة العلمية في زمان المحقّق، فتخرّج عليه الطلاّب، وبرز من عالي مجلس تدريسه أكثر من أربعمائة مجتهد، ممّا لم يتّفق لأحد قبله. ذكر ذلك السيّد حسن الصدر().
وذكره السيّد الأمين في أعيان الشيعة بقوله: كفاه جلالة قدر، اشتهاره بالمحقّق. فلم يشتهر أحد من علماء الإمامية على كثرتهم في كلّ عصر بهذا اللقب، وما أخذه إلاّ بجدارة واستحقاق. وقد رزق في مؤلفاته حظاً عظيماً، فكتابه المعروف “بشرائع الإسلام” هو عنوان دروس المدرسين في الفقه الإستدلالي في جميع الأعصار، وكلّ مَنْ أراد الكتابة في الفقه الاستدلالي، يكتب شرحاً عليه، كمسالك الأفهام، ومدارك الأحكام، وجواهر الكلام، وهداية الأنام، ومصباح الفقيه، وغيرها. وصُنّف بعضهم شرحاً لتردداته خاصّة، وعليه من التعليقات والحواشي عدد كثير، ونسخه المخطوطة النفيسة لا تحصى كثرةً، وطُبعَ عدّة طبعات في إيران. ولأهميته فلا يخلو بيت طالب علم منه. طبع في لندن هو ومختصره النافع، وعليه شروح كثيرة.
وقد ذُكر في “دائرة المعارف الإسلامية” أنّ كتاب “شرائع الإسلام”، هو عمدة كتب الشيعة في الفقه، تُرجم إلى الروسية، وإلى الفرنسية. كما تُرجم إلى الإنكليزية.
تجدر الإشارة أنَّ (مصنّف هذه الرسالة)، الإمام السيّد مهدي القزويني له شرح على كتاب “شرائع الإسلام” لم يتمّه سمَّاه “مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام”، خرج منه أكثر كتاب الطهارة في سبع مجلدات، “وهو كتاب في الاستدلال مبسوط جدّاً لا يكاد يوجد في كتب المتأخرين أبسط منه. وعلى هذا البسط جمع فيه بين طريقتي الاستدلال والتفريع، وما يقتضي له التعرّض من أحوال رجال الحديث”. ذكر هذه العبارة السيّد حسين القزويني نجل المؤلف عند كتابته عن أحوال والده.
يقع مرقد المحقّق الحلّي بمحلّة الجباويين، وسمّي الشارع القريب منه بشارع المحقق نسبةً إليه. والمرقد عامرٌ مشيّد معروف سعى إلى تجديده الحاج عبد الرزاق مرجان، وأضاف إليه مساحةً لتوسعة باحة المقام.
(15) يحيى بن سعيد
أبو زكريا الشيخ نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي. فقيه، مصنّف، وهو ابن عم المحقّق الحلّي.
إشتهرت نسبتُه إلى جدّه، فيقال: يحيى بن سعيد. وقد أخذ الإسم واللقب من جدّه نجيب الدين يحيى بن الحسن بن سعيد.
قال شيخنا العلاّمة حرز الدين يُعرَّف الشيخ نجيب الدين بابن سعيد الأصغر تمييزاً له عن جدّه ابن سعيد الأكبر، يحيى بن الحسن بن سعيد. هكذا ذكر العلماء أعلى الله مقامهم في الفرق بينهما”().
وقال الرجالي الشيخ حسن بن داود: يحيى بن أحمد بن سعيد، شيخنا الإمام العلاّمة الورع القدوة، كان جامعاً لفنون العلوم الأدبية والفقهية والأصولية، له تصانيف منها: كتاب “الجامع للشرائع” في الفقه، وكتاب المدخل في أصول الفقه، وكتاب “نزهة الناظر في الأشباه والنظائر” في الفقه.
ولد بالكوفة سنة 601هـ/ 1205م، وتُوفي سنة 689هـ/ 1290م، وقد أرّخ وفاته صاحب أمل الآمل بسنة 690هـ/ 1291م.
وأمّه بنت الفقيه الشيخ محمد بن إدريس الحلّي، صاحب (السرائر).
اشتهر ابن سعيد بكتابه “الجامع للشرائع”، وصفه السيّد حسن الصدر بقوله: من أحسن كتب الفروع على ترتيب الكتب في الفقه، تام مستوفي الفروع كبير، في آخره أصل في الديّات أخرجه بتمامه. وعندي نسخة من كتاب (الجامع) عليه خطّه الشريف، وقراءة بعض الأفاضل الأجلّة، وكان هذا الشيخ من أمراد الدهر().
يقع مرقد ابن سعيد بالحلّة، محلّة الطاق، وبُني قريباً منه مسجد الخطيب الشيخ محمد آل شهيب، وعليه بناء، وصحن كبير.
ويبدو أنَّ مرقده هذا هو مدرسته العلمية ذاتها التي كانت مركزاً من مراكز الثقافة بالحلّة في عصره.
يقول الشيخ محمد حسين حرز الدين: كان مدخل قبره عبارة عن (طارمة) سقفها من جذوع النخيل، تُفضي إلى حِجْرة واسعة مربّعة، فوقها قبّة عالية البناء، قديمة الإنشاء. وفي ساحة تلك الحجرة دكّتان لقبرين على كلّ منهما ستارٌ أخضر بينهما ثلاثة أمتار، قيل إنَّ إحدى الدكتين هي قبر نجيب الدين يحيى بن سعيد الهذلي، والثانية: قبر السيّد محمد بن السيّد جلال الدين بن جعفر آل السيّد سليمان، (جدّ الشاعر السيّد حيدر الحلّي). وتتصل بهذه الحجرة حجرة أخرى من جهة الشرق مدخلها من الحجرة الأولى، وفيها قبران، قيل إنَّ أحدهما قبر دبيس بن علي بن مَزْيد الأسدي، والآخر يُعرف بقبر ابن علي الهادي().
(16) الشيخ ورام بن أبي فراس
الشيخ ورّام بن أبي فراس يتّصل نسبُه بمالك الأشتر. وأسرته من الأسر الشريفة المتنفذة بالحلّة، وهي أسرة آل أبي فراس، ويُعرف بعض أفرادها بلقب الأمير.
والشيخ ورّام من تلامذة سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي، وهو جدّ السيّد رضيّ الدين علي بن طاووس لأُمّه. وزوجته حفيدة شيخ الطائفة الطوسي، وكانت من العالمات المجتهدات.
له مؤلفات لم نعرف شيئاً عنها سوى مجموعته المُسمَّاة باسمه “مجموعة ورّام” في الحديث، التي طُبعت بعنوان “تنبيه الخواطر ونزهة النواظر”، مقتصرة على المواعظ والحكم. وفي النسخة المطبوعة الكثير من الأحاديث غير الموثّقة.
تُوفي الشيخ ورَّام سنة 605هـ/ 1208م.
(17) ابن إدريس العجلي
ابن إدريس العجلي هو فخر الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن إدريس العجلي المُتوفى سنة 598هـ/ 1202م، عُرف برائد النهضة العقلية التجديدية التي عبَّر عنها في كتابه السرائر (الحاوي لتحرير الفتاوي). وهو الذي وقف أمام تيّار المُقلّدة الذين جمدوا على ما خلّفه شيخ الطائفة الطوسي من تراث علمي، ولم يتمكّنوا من الإفلات عنه. لذلك نُقل القول إنَّ ابن إدريس أعاد فتح باب الاجتهاد الذي أوشك أنْ يغلق بعد وفاة الطوسي.
ذكره علماء الطائفة، وأثنوا عليه. قال الشهيد الأوّل في إجازته لابن الخازن الحائري: وبهذا الإسناد عن فخار، وابن نما.. مصنّفات الشيخ العلاّمة المحقّق فخر الدين أبي عبدالله محمد بن إدريس الحلّي الربعي.
وقال المحقّق الثاني في إجازته للقاضي صفي الدين، ومنها: جميع مصنّفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد المحقق، حبر العلماء والفقهاء، فخر المِلّة والحق والدين، أبي عبدالله محمد ابن إدريس الحلّي الربعي برد الله مضجعه، وشكر له سعيه بالأسانيد المتقدّمة إلى الشيخ الفقيه محمد بن نما بحق روايته عنه بالقراءة وغيرها فإنّه أشهر تلامذته.
وقال الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة: وعن المشايخ الثلاثة (نجيب الدين أبي نما، والسيّد فخار، والسيّد محيي الدين أبي حامد) جميع مصنّفات ومرويات الشيخ الإمام العلاّمة المحقّق فخر الدين أبي عبدالله محمد بن إدريس الحلي.
قال المرزا النوري عنه: العالم الجليل المعروف الذي أذعن بعلوّ مقامه في العلم والفهم والتحقيق والفقاهة أعاظم الفقهاء في إجازاتهم وتراجمهم().
ومرقدُه بالحلّة عامرٌ مشيّد، علي قبّة كبيرة زرقاء إلى جانبها مأذنة. ويتّصل برواقه حرم فسيح يُعدّ من مساجد المدينة التي سعى بعمارتها وصيانتها سنة 1318هـ/ 1900م العلاّمة أبو المعزّ السيّد محمد القزويني.
وقد أرّخ هذه العمارة الشيخ يعقوب الحاج جعفر النجفي بهذه الأبيات:
مقام لابن إدريس تداعى وهدّ بناؤهُ السامي المُوطّدْ
حوى للعلم بالفيحاء سرّاً “سرائره” له بالفضل تَشهدْ
فشيَّدهُ ابن “مهديّ” البرايا وعادَ بناؤهُ العافي مُجدّدْ
وكم (لمُحمّد) آثار فضل بها ما زال طول الدهر يُحمدْ
فيا لكَ من مقام (أرخوّهُ (على مثوى ابن إدريسٍ يُشيّدْ)(2)
وفي عصرنا جدّدت أسرة آل مرجان الحلّية عمارة مرقده. وقد تحوّل مسجد ابن إدريس، وبفضل جهود العالم الجليل الشيخ علي سماكة إلى مركز ثقافي، وأُسّست فيه مكتبة عامرة، إلاَّ أنّه بعد وفاة الشيخ سماكة عام 1390هـ/ 1970م خفتَ نشاط المكان، وتلاشى صوتُه، ولم يبقَ فيه حتّى الصدى.
(18) محمد ابن نما
الشيخ محمد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلّي المُتوفى سنة 645هـ/ 1247م. زعيم الشيعة في زمانه، وهو من مشايخ المحقّق الحلّي، ومن مشايخ سديد الدين (والد العلاَّمة)، والسيّد أحمد بن طاووس، وأخيه رضيّ الدين.
إبتدأ نفوذ أسرة آل نما الديني بالنجف والحلّة منذ عهد أبيهم الشيخ نما بن علي الربعي الذي كان من أعمدة فقهاء النجف في عصر أبي علي الشيخ حسن بن شيخ الطائفة الطوسي.
وهذه الأسرة هي، وأسر علمية أخرى تُعتبرُ الحلقة المفقودة بين مدرسة النجف، ومدرسة الحلّة في القرنين الخامس والسادس الهجريين.
ومن علمائهم الشيخ الرئيس، أبو البقاء هبة الله بن نما (كان حيّاً سنة 573هـ/ 1177م).
يقع مرقده بمحلّة الجبّاويين، وهو من المراقد المعروفة الشاخصة. وكنّا نتردّد على المقام، كلّما زرنا الحلّة الفيحاء، لننعم برؤية العالم الديني الشيخ محمد آل حيدر، والعالم الشاعر السيّد عبد الرحيم العميدي.
كان هذا المرقد من المراقد المهجورة بالبلدة، لم يعتنِ به أحد، وعندما حلَّ الشيخ محمد آل حيدر سنة 1389هـ/ 1969م عالماً موجّهاً، مُمَثّلاً من قِبل الإمام المرجع السيّد محسن الحكيم تحوّل هذا المقام إلى منتدى ثقافي أدبي اجتماعي قلَّ نظيره بين المنتديات. فقد جمع نخبة من أدباء الحلّة المغمورين الذين لم يدرك ثقافتهم وآفاقهم حتّى مَنْ عاش معهم من المقرّبين.
إلاّ أنَّ الظروف السياسية التي عصفت بالعراق في هذه المرحلة تحت سلطة القتلة الحاكمين حدّتْ من الفاعلية الثقافية حتّى بدأت تضمر وتنحسر بعد الاعتقالات والقتل الذي طال بعض مثقفي الحلّة، ممّن كانوا يتردّدون على مقام ابن نما.
ومن نوادر مجمع مقام ابن نما (ندوة القلم الإسلامي) التي أسّسها العلاّمة الشيخ محمد حيدر، وقد جُمعت الطرائف التي سطَّرها شعراء الندوة في مجموع أودعتُه في الجزء الأوّل من “الروض الخميل”، فليُطلبْ هناك.
(19) جعفر ابن نما
الشيخ جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الله بن نما المتوفى سنة 680هـ/ 1281م من مشايخ العلاّمة الحلّي. لقّب بنجم الملّة والدين. وقد ذكره العلماء في مصنّفاتهم، وأثنوا عليه. له مؤلفات عديدة نُسب منها إليه: مثير الأحزان (قصة مقتل الحسين)، وأخذ الثار في أحوال المختار، طُبع سنة 1416هـ/ 1996م، بتحقيق الشيخ فارس الحسّون بعنوان “ذوب النضار في شرح الثار”.
يقع مرقد الشيخ جعفر بن نما بمحلّة المهدية على مسافة قريبة من مرقد والده الشيخ محمد. وعليه بناء وقبّة.
وقد تعرّضت بعض مراقد علماء الحلّة إلى التهديم من قِبل الدولة العراقيّة، بحجّة توسعة المدينة، وتنظيمها، ولم يجدوا طريقاً لهندسة المكان إلاّ بالقضاء على هذه الآثار التي لا يمكن أن تُعوَّض بشيء.
(20) أحمد بن فهد الحلّي
الشيخ أحمد بن فهد الأسدي الحلّي (757ـ841هـ/ 1356ـ1437م)/ إنتهت إليه زعامة الشيعة بالحلّة في النصف الأوّل من القرن التاسع الهجري. ويربط عصره بين مدرستين تاريخيتين من مدارس الفقه الشيعي هما: مدرسة العلاّمة الحلّي، ومدرسة المحقّق الكركي.
تتلمذ على يد تلامذة فخر المحقّقين بن العلاَّمة الحلّي، وتصدّى للزعامة في جميع العصور السياسية المتقلّبة. ومن تلامذته المجتهد السيّد محمد بن فلاح، مؤسّس الدولة المشعشعيّة بالأهواز.
كان الشيخ ابن فهد له نفوذ في الدولة البارانية، كما أنَّ له يداً في إرساء قواعد دولة المشعشعين بزعامة صهره على بنته السيّد محمد بن فلاح الموسوي.
تعيين مرقد ابن فهد
أُختلف في مكان تعيين قبر ابن فهد الحلّي بين مدينتي الحلّة وكربلاء، والسبب في ذلك وجود مرقدين في كلا المدينتين لابني فهدين متعاصرين، هما: ابن فهد الحلّي، وإبن فهد الأحسائي، وهو الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد المقرئ الاحسائي.
يذهب السيّد مهدي القزويني، خلافاً لما هو عليه التسالم اليوم، إلى أنَّ قبر ابن فهد الحلّي بمدينة الحلّة، في حين أنَّ من رأيه أنَّ قبر ابن فهد الأحسائي بكربلاء.
ذكر الشيخ الطهراني في “نقباء البشر” بترجمة السيّد حسين بن السيّد مهدي القزويني المُتوفى سنة 1325هـ/ 1907م هذا النصّ: يقول الطهراني: “كتبَ لي الشيخ آغا رضا الأصفهاني أنّه كان من رأي السيّد حسين القزويني أنَّ المقبرة المعروفة في كربلاء بمقبرة ابن فهد الحلّي هي مقبرة ابن فهد الأحسائي. أمّا الحلّي فهو مدفون بالحلّة، لعلَّه سمع ذلك من أبيه”.
قال الشيخ محمد حرز الدين: قيل إنَّ مرقد ابن فهد الأسدي في الحلّة، ومرقد شهاب الدين الأحسائي في كربلاء، وذلك خلاف التحقيق، وما عليه سيرة علمائنا الأقدمين والمتأخرين، المعتضدة بالشهرة والتلقي أنَّ مرقد ابن فهد الأسدي الحلّي بكربلاء المقدّسة. والظاهر أنَّ الاشتباه نشأ من معاصرة كلّ منهما للآخر. إلاَّ أنَّ الأحساسي بقي حيّاً مدّة بعد وفاة الأسدي الحلّي().
وقبر ابن فهد الشاخص اليوم بكربلاء يقع في شارع القبلة. وكان قبل ذلك بستاناً فخماً يُطلق عليه إسم (بستان ابن فهد)، وهو مزار معروف، وعليه قبّة عالية. وقد اتُخذ في عصرنا مقرّاً لجمعية سُمّيت (جمعيّة النهضة) موالية لسلطة الدولة السياسية، برئاسة أحد الشرطة ممّن يرتدي الزي الديني، العمامة البيضاء، والصاية الرمادية، التي يتغيّر لونها تبعاً للفصول الأربعة.
وقبر ابن فهد بكربلاء مشيّد، وعليه شباكٌ حديدي تعلوه أربع ثريّات، وتُحيط به المصابيح الكهربائية. وفوق قبره غطاء أخضر تدلّى على أطراف القبر العليا، هكذا رأيتُه في منتصف التسعينات الهجرية، وقد وضعت لوحة زيارة تحية للمرقد، أثبتُها على ما فيها، وهي:
زيارة الشيخ أحمد بن فهد الحلي
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام على الأنبياء والمرسلين، السلام على عباد الله الصالحين، السلام على العلماء العاملين، السلام على حفظة شريعة سيّد المرسلين، السلام عليك أيّها الشيخ الخاشع، السلام عليك أيّها الولي الخاضع، السلام عليك أيّها العالم العامل، السلام عليك أيّها الفاضل الكامل، السلام عليك يا أعظم الآيات، السلام عليك يا مُظهر الكرامات، السلام عليك يا مروّج الشرع والإيمان، السلام عليك يا شبه النبي موسى بن عمران، السلام عليك يا مَنْ بذل عصاءَهُ بالثعبان، السلام عليك يا جامع الفروع والأصول، السلام عليك يا مَنْ جاور في حياته ومماته ريحانة الرسول()، السلام عليك يا مَنْ أدرك صُحبة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ، السلام عليك يا من شهد له الإمام المنتظر (صلوات الله عليه) بالفقه والإيمان، السلام عليك يا شيخ أحمد بن الشيخ فهد الحلي، جَمَعنا الله وإيّاك في مستقر رحمته، وحشرك وإيانا في زمرة الأئمة الطاهرين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وتابع بيننا وبينهم بالخيرات، إنّك مجيب الدعوات، إنّك على كلّ شيء قدير. (انتهت الزيارة).
أمّا مرقد ابن فهد بمدينة الحلّة، فهو يقع بمحلّة الطاق من الشارع المسمّى بشارع الكواوزة (الكوّازين).
(21) ابن حمّاد
أبو الحسن كمال الدين علي بن شرف الدين الحسين بن حمّاد الليثي الواسطي، من أعلام الأدب بالحلّة الفيحاء في القرن التاسع الهجري. يقع قبره بمحلّة “الجامعين” بالقرب من قبر الشاعر الخليعي.
كانت ذكرى ابن حمّاد تتردّد في الحلّة أواخر القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وتُتلى قصائده في النوادي والمحافل خصوصاً قصائده في أهل البيت (عليهم السلام)، وكأنَّ مدينة الحلّة لا تودُّ إلاَّ أن تجمع أبناءها أينما كانت عصورهم، في عصر واحد لا يغادرونه، بل يمضي مع عمر البلدة، وهي تمخرُ عُباب الزمن لتُوصل محبّيها إلى شاطئ الشعر والأدب والتاريخ.
قال الشيخ محمد حرز الدين عن ابن حمّاد: “هو المشهور بالعلم والتقى، ومن مشايخ الإجازة والرواة، كما اشتهر كذلك في الحلّة المزيدية في الأيام التي كانت الحلّة مزدهرة بالسادة الأماثل حلفاء المجد والسؤدد، أنجال السيّد مهدي القزويني الحلّي النجفي، ويومئذٍ كانت المجالس العلمية والأدبية لها سوق عامر بروادها وهواتها. فيأتي ذكره العاطر في طي رجال العلم والأدب السابقين في الحلّة().
(22) جمال الدين الخليعي
الخليعي، جمال الدين أبو الحسن علي بن عبد العزيز الخليعي. من شعراء الحلّة في القرن التاسع الهجري. نُقل أنَّ أسرته كانت بالأصل من مدينة الموصل، على المذهب السُني، وقد تشيّع جمال الدين لرؤية رآها، ونظم شعراً في أهل البيت (عليهم السلام) مدحاً ورثاءً. رُبَّما سُمّي بالخليعي نسبة لهذا الانتقال. ومن شعره المتداول على الألسنة هذان البيتان، اللذان يقول فيهما:
إذا شئتَ النجاةَ فزُرْ حسيناً لكي تلقى الإلهَ قرير عينِ
فإنَّ النار ليس تمسُّ جسماً عليه غبار زوّار (الحسينِ)
تُوفي الشيخ الخليعي حدود سنة 850هـ/ 1446م، ودُفن في إحدى بساتين محلّة “الجامعين” بين مقام الإمام الصادق (عليه السلام)، (الواقع على ضفة فرات الحلّة الغربية جنوبي البلد)، وبين قبر رضيّ الدين ابن طاووس، على مقربة من باب النجف، الذي يسمّيه الحلّيون باب “المشهد”، وبالقرب منه قبر الشاعر ابن حمّاد. وذكر ذلك المؤرخ الشيخ اليعقوبي في (البابليات).
وزار مرقده الشيخ حرز الدين أوائل القرن العشرين الميلادي، ووصفه بهذا الوصف: مرقده بالحلّة في بستان جانب البلد، وكان قبره عتيقاً جدّاً، عليه قبَّة صغيرة، وبالقرب منه على مسافة، مرقد ابن حمّاد الليثي الواسطي الذي يقع في بستان قليلة النخيل().
(23) علي الشافيني
الشافيني: هو الشيخ علي بن الحسين المعروف بالشفهيني المتوفى في الربع الأوّل من القرن الثامن الهجري (كما ضبطه المؤرخ الشيخ اليعقوبي).
يقع مرقده في محلّة (المهدية)، وعليه بناء وقبّة. وقد اشتهر الشافيني (أو الشفهيني) بالشعر البليغ الذي خلّده في مدح أهل البيت (عليهم السلام). وقد تأثّر في شعره كبار معاصريه، أمثال الشهيد الأوّل الشيخ محمد بن مكي الجزّيني العاملي الذي شرح إحدى قصائده في مدح الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، المتداولة يومذاك.
مطلعها:
يا روح أنسٍ من الله البدئ بدا وروح قدس على العرش العليّ بدا
يقول اليعقوبي: شرح الشهيد هذه القصيدة شرحاً اشتمل على فوائد كثيرة. ولمّا اطّلع الشفهيني على الشرح مدح الشهيد بقطعة شعرية.
وسمّيت هذه القصيدة “المجنّسة” لما ورد فيها من الجناس اللفظي في كلّ مزدوج من أبياتها.
وذكر اليعقوبي أيضاً هذا النصّ فيما ورد من الاختلاف باسم هذا الشاعر قائلاً: في كتاب المزار من “فلك النجاة” للعلاَّمة الشهير السيّد مهدي القزويني الحلّي في بيان قبور علماء الحلّة كالمحقّق، والشيخ ورّام، وآل نما، وآل طاووس، وعدّ منها قبر الشافيني (من غير هاء). ومن هنا يغلب على ظنّي، بل يترجّح لديّ أنَّه منسوب إلى (شيفيا أو شافيا)، وهي قرية على بُعد سبعة فراسخ من واسط، ذكرها ياقوت في معجمه، وذكر أسماء جملة من أهلها، والنسبة إليها الشيفياني أو الشافياني، وإنّما حُرّفت من الرواة والنُسّاخ إلى شافيني وشفهيني().
(24) ابن العرندس الحلّي
الشيخ صالح بن عبد الوهاب بن العرندس الحلّي. والعرندس في اللغة من أسماء الأسد.
كان الشيخ صالح من أعلام الأدب والفقه في عصره، اشتهر بنظمه الرائق الجذّاب. وقد ذكر المؤرخ الشيخ اليعقوبي أنَّ وفاته كانت حدود عام 900هـ/ 1495م، وقبره بالحلّة مشيّد، عليه قبّة بيضاء في محلّة جبران، شارع المفتي().
وعلى قبره هذه الكتابة: “هذا قبر الشيخ صالح بن عبد الوهاب المعروف بابن العرندس، من بكر بن كلاب. كان عالماً متطلّعاً في علمي الفقه والأصول. ولد نهاية القرن الثامن، وتُوفي منتصف القرن التاسع سنة 840هـ”().
(25) محمد بن مكي
لم أهتدِ إلى محمد بن مكي هذا. رُبَّما يكون من أساتذة الشهيد الثاني المتوفى سنة 965هـ/ 1558م. قيل إنَّ الشهيد قرأ عليه من كتب الطب؛ شرح الموجز النفيسي وغاية القصد في معرفة الفصد من تصنيفه. تُوفي سنة 938هـ/ 1532م. وقيل إنَّه عاملي شامي.
إلاَّ أنَّ الشيخ الطهراني عثر على نسخة من كتابه (غاية القصد) ليس فيها هذه النسبة. يقول الطهراني: ليس فيه أنَّه عاملي شامي، ولعلَّ ما في “أمل الآمل” له مأخذ آخر().
ومن علماء الإمامية المعروفين بهذا الإسم، هو شمس الدين الشيخ محمد بن مكي الجزّيني العاملي المعروف بالشهيد الأوّل المقتول سنة 786هـ/ 1384م، وسيأتي تعيين مرقده بالمتن.
(26) العلاّمة الحلّي
العلاّمة الحلّي، يوسف بن المُطهّر: من أعاظم علماء الشيعة، وقادتهم التاريخيين. ولد بمدينة الحلّة سنة 648هـ/ 1250م، وتُوفي فيها سنة 726هـ/ 1326م. لعبَ دوراً مهماً في توجيه الدولة المغولية الإيلخانية، وترشيدها. وقد تولّى السلطة إثنان من تلاميذه، هما: غازان خان، وألجايتوخان الشهير بخدابندة. كان عصره عصر انفتاح ثقافي امتدّت به الإمبراطورية الإيلخانية إمتداداً واسعاً.
درس وتعلّم على يد خاله المحقّق الحلّي، ووالده الشيخ سديد الدين، ولازم الفيلسوف المتألّه الخواجه نصير الدين الطوسي بمدينة مراغة عشر سنوات متواصلة، ودرس على يديه، ويد أساتذة آخرين العلوم الدينيّة في الجامعة الكبرى التي أسَّسها الطوسي فيها.
(27) علي بن حمزة الطوسي
يُعرف لدى العامّة باسم ابن الحمزة. من علماء الإمامية في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. قيل عنه إنَّه محمد بن علي بن حمزة الطوسي (من تلامذة شيخ الطائفة المُتوفى سنة 460هـ).
وقيل إنّه علي بن حمزة بن الحسين بن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو القول الذي ذهب إليه المؤرّخ محمد حرز الدين(1).
وعليٌّ هذا كما قيل، هو جدّ الحمزة أبي يعلى المعروف بالحمزة الغربي. (الذي يقع مرقده بمنطقة الهاشمية، قرب الحلّة)، يقع مرقده بين البساتين على جانب الطريق المؤدية إلى مدينة طويريج (الهندية).
زاره حرز الدين سنة 1330هـ/ 1912م، وكان عامراً مشيداً، عليه قبّة صغيرة، وله حرم حوله صحن دار واسعة تابع لمرقده. كما زاره حفيده محمد حسين حرز الدين سنة 1386هـ/ 1967م، ووصف قبره. قال: يقع اليوم في محلّة العباسيّة الشرقية من مدينة كربلاء (باب طويريج). والقيّم على قبره هو حنظل آل مسعود من قبيلة شمّر().
(28) نصير الدين الطوسي
الخواجة نصير الدين الطوسي (597 ـ 672هـ/1201ـ 1274م) مؤسّس المناهج العقلية في الإسلام. له مؤلفات في الفلسفة، والرياضيات، والعقائد، والعلوم الطبيعيّة نافت على الخمسين مؤلّفاً.
كان الطوسي واحداً ممّن تولّى الأشراف على المنظومة الدينية الثقافية للدولة المغولية الإيلخانية، حيث أسّس جامعة كبرى بمدينة “مراغة”، كما أنشأ مكتبة نفيسة بأمّهات الكتب، وألحق مشاريعه بتأسيس مرصد فلكي بمراغه، يُعدُّ أكبر مرصد أُنْشِئَ بالشرق.
ومن أظهر تلامذته العلاّمة الحلّي.
وقد أُلصقت به التُّهم، وحاولت بعض الأقلام النيل من شخصيته، وتشويه دوره التاريخي في الثقافة الإسلامية، فنسبت تعاونه مع هولاكو، ومساهمته في سقوط الخلافة العباسية، كما نُسبت إليه تُهمٌ أخرى بسطنا الكلام فيها بكتاب “المؤسسة الدينية الشيعيّة”.
وقبر نصير الدين في مشهد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، وهو معروف اليوم في رواق الحضرة الكاظميّة المطهّرة.
(29) الشهيد الأوّل
الشهيد الأوّل هو الشيخ محمد بن مكي الجزّيني العاملي المقتول سنة 786هـ/ 1384م على يد المماليك الشراكسة في معركة الشهداء قرب النبطية الفوقا. وكانت هذه المعركة قد حدثت بعد سقوط المماليك الأتراك سنة 784هـ/ 1382م من قبل المماليك الشراكسة، والمقاومة التي أبداها الشهيد وأتباعه في جزّين وما جاورها من دعم القوات المملوكية التركية، خلافاً لما شاع من أنَّ أمر مقتله كان بسبب الطائفية، والاختلاف العقائدي بين الشيعة والسُنّة، ممّا يُسقط التفسير الطائفي للتاريخ سقوطاً كاملاً.
وقد ابتُدِعَتْ قصة صلب الشهيد بقلعة دمشق، ثمّ إحراقه من قبل السُنّة، وهو أمرٌ متأخّر منقول في روايات مُلفّقة على صفحات الكتب المنسوبة للمؤرخين.
ويُلاحظ أنَّ للشهيد قبراً في بلاد الشام أشار إليه المؤلف الإمام القزويني، حيث كان معروفاً لدى الشيعة في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي.
ولدى التحقيق ظهر لنا أنَّ الشهيد دُفن في مسجده بجزّين، وكان قبرُه معروفاً.
ورد في بعض مجاميع العلاّمة السيّد محمد صادق بحر العلوم ما يلي: “تقع جزّين في الجنوب من جبل لبنان، وإليها ينسب جملة من الأعلام العامليين. وفيها دار الشهيد الأوّل، ومقامه. وقد امتدَّ التعمير الجديد فالتهم دار الشهيد ومقامه، ولم تبق إلاَّ صخرة تُشيرُ إلى رفات العلاّمة الشهيد”.
أقول: أمَّا بعد الحرب الأهلية بلبنان التي استمرّت قرابة عشرين عاماً، فقد اختفت جميع المعالم الدالّة على وجود أثر إسلامي شيعي فيها. أمّا مسجدُه فقد تحوّل إلى كنيسة، وكان له قبرٌ بها. كما أصبحت داره أو مدرسته جزءاً من طريق عام، يُعرف اليوم بمنطقة الساحة.
(30) الشهيد الثاني
الشهيد الثاني هو زين الدين بن أحمد الجُبعي العاملي، ولد سنة 911هـ/ 1505م، واختفى سنة 965هـ/ 1558م.
وأسرة آل زين الدين من الأسر الشيعيّة التي ما زال أفرادها يتوارثون العلم منذ عهد العلاّمة الحلّي حتّى الآن، وقد سُمّيت سلسلتهم بالسلسلة الذهبيّة.
درس الشهيد الثاني في بلاده، وهاجر إلى مصر والحجاز وبيت المقدس والعراق. وكما قام برحلة أواخر سنة 951هـ/ 1544م إلى (القسطنطينية)، عاصمة الخلافة العثمانية.
إكتنفَ الغموض أخبار الشهيد الثاني، وسيرته بشكل عام. أمَّا قصة مقتله فقد نُقلتْ فيها روايتان:
الأولى: إنَّه قُتل في طريقه إلى القسطنطينية (إسلامبول)، وهي الرواية التي أُعتمد عليها في المتن.
أمّا الرواية الثانية فقد قيل إنَّه قُتل بأمر الوزير الأعظم رستم باشا (962ـ968هـ/ 1555ـ1561م) في عاصمة الخلافة نفسها. وللمقام حديث لا تسعه هذه التعليقة.
أمّا قصّة مقتله التي تبنّاها الإمام القزويني، وغيره من الأعلام فهي رواية لا يمكن أنْ يُستدل على وثاقتها، بالرغم أنَّ لغز مقتل الشهيد الثاني بقي سرّاً لدى قاتليه. وكلّ ما يمكن أنْ يشار إليه هو اختفاؤه فقط، دون أن تُعرف الجهة التي وراءه، والتي أشارت المنقولات إلى أنّها لا تخرج عن نطاق العثمانيين.
نُقل عن خط الشيخ البهائي أنّه قُبض على الشهيد الثاني بمكة المشرفة بأمر السلطان سليم، ملك الروم، في خامس شهر ربيع الأوّل سنة 965هـ، وكان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر، وأخرجوه إلى بعض دور مكة، وبقي محبوساً هناك شهراً وعشرة أيام، ثمّ ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطينة، وقتلوه بها في تلك السنة، وبقي مطروحاً ثلاثة أيام، ثمّ ألقوا جسده الشريف في البحر قدّس الله روحه، كما شرَّف خاتمته.
وقد ألّف تلميذه الشيخ محمد بن علي بن الحسن العودي العاملي كتاباً في حياته سمّاه “بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد” فُقدتْ بعض فصوله، ولم يبق إلاَّ القليل من أجزائه. وقد ظفر بها الشيخ علي حفيد الشهيد المذكور، وأدرجها في الجزء الثاني من كتابه “الدر المنثور”. ثمّ ذيّله بترجمة جدّه الشيخ حسن صاحب (المعالم)، وتراجم جمع من العلماء من ذريته().
(31) أحمد الأردبيلي
الشيخ أحمد الأردبيلي المعروف بالمقدّس الأردبيلي المُتوفى سنة 993هـ/ 1585م، من فقهاء النجف، ومراجع الدين. إهتمّ بالدراسة والتدريس، وتخريج الفقهاء. وقد ازدهرت النجف في عصره ازدهاراً رائقاً. وأهم تلامذته السيّد محمد العاملي صاحب المدارك، والشيخ حسن بن الشهيد الثاني، صاحب المعالم.
ومن أهم مؤلفاته كتابه “مجمع الفائدة والبرهان في إرشاد الأذهان”، المطبوع بقم سنة 1403هـ/ 1982م. وهو شرح لكتاب “إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان” الذي ألّفه العلاّمة الحلّي، وهو متن فقهي خال من الاستدلال. وكانت مجموعة عالية من فقهاء الشيعة قد وضعت شروحاً على هذا الكتاب قبل المقدّس الأردبيلي، وبعده أيضاً، أمثال: فخر المحققين الحلّي، والشهيد الأوّل، والشهيد الثاني، ومحمد باقر السبزواري، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ محمد حسن كبّة.
(32) صدر الدين الكاظمي
صدر الدين الكاظمي (1193ـ1264هـ/ 1779ـ1848م) جدّ أسرة آل الصدر العلمية، ومنه أخذت الأسرة لقبها.
السيّد صدر الدين محمد بن السيّد صالح بن السيّد محمد بن إبراهيم بن زين العابدين بن السيّد نور الدين الموسوي العاملي الكاظمي. ولد بقرية (معركة) من قرى جبل عامل، وفي سنة 1197هـ/ 1783م هاجر إلى النجف فدرس بها، ثمّ استقرّ بمدينة الكاظميّة، ثمّ سافر إلى أصفهان، وعاد إلى النجف مرَّة أخرى. لذلك لحقته جميع أسماء هذه البقاع. بُولغ بعلم السيّد صدر الدين ونبوغه، فقيل إنّه اجتهد قبل بلوغه سنّ التكليف. وقد تخرّج على يديه مجموعة من الفقهاء أمثال المجدّد الشيرازي، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ شريف العلماء.
وله مؤلفات منها: أسرة العترة في الفقه الاستدلالي، والقسطاس المستقيم في أصول الدين، وكتاب المستطرفات في الفروع التي لم يتعرّض لها الفقهاء.
وهو أحد أصهار الشيخ جعفر كاشف الغطاء على إبنته. وله ولد مجتهد هو السيّد محمد علي الملقّب “أغا مجتهد”. وولده إسماعيل هو جدّ الإمام المعاصر السيّد محمد باقر الصدر.
(33) أحمد الجزائري
الشيخ أحمد الجزائري بن الشيخ إسماعيل بن عبد النبي بن سعد الجزائري. جدّ أسرة آل الجزائري النجفية. وأصل العائلة من منطقة خوزستان، ولقب الجزائري نسبة إلى تلك الجزائر في تلك المنطقة.
عُرف الشيخ أحمد بالفقاهة والاجتهاد، وتسالم العلماء على تقدير علمه وكتاباته خصوصاً مؤلّفه “قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر” الذي طُبع ضمن ثلاث مجلدات. أمّا الشافية في الفقه فهو كتاب آخر من مؤلفاته، كتبَ منه كتاب الصلاة فقط، وشرحه ولده الشيخ محمد الجزائري.
تُوفي الشيخ أحمد سنة 1151هـ/ 1738م، وأُقبر في الإيوان الكبير المعروف بإيوان العلماء.
(34) محمد باقر المازندراني
الأغا محمد باقر المازندراني الهزارجريبي النجفي من تلامذة السيّد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء. تُوفي سنة 1205هـ/ 1791م. من فقهاء القرن الثالث عشر الهجري. تخرّج على يديه مجموعة من العلماء. ذكر ترجمته السيّد الأمين في أعيان الشيعة.
(35) مقبرة العلماء
وتقع في الإيوان الكبير الملاصق لرواق مرقد الإمام علي (عليه السلام) من الجهة الشمالية، ويُعرف قديماً بمقام العلماء. وقد دُفن فيه جماعة من العلماء ذكر بعضهم البحّاثة الشيخ جعفر محبوبة معتمداً على إحصاءات العلاّمة المجتهد السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي. إلاَّ أنَّه ساق الأسماء بلا تسلسل زمني(). وقد رتّب الشيخ محمد حسين حرز الدين هذه الأسماء على التسلسل الزمني معتمداً على ما أورده الشيخ محبوبة دون إضافة تُذكر().
والعلماء الذين أُقبروا بمقبرة العلماء، هم:
1 ـ الأمير السيّد نعمة الله الفتّال العلوي النجفي، (من علماء عصر الشاه طهماسب الأوّل).
2 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل بن عبد النبي بن سعد الجزائري الغروي. كان من مشاهير علماء الشيعة، وصاحب كتاب “قلائد الدرر” توفي سنة 1151هـ.
3 ـ المولى علي نقي الكمرئي الفراهاني، توفي سنة 1060هـ.
4 ـ السيّد ميرزا رحيم العقيلي الإسترابادي توفي بعد المائة والألف.
5 ـ الشاعر المعروف “بالداعي”، المؤلف في التفسير، وله ديوان شعر توفي 1166هـ.
6 ـ الشاعر المعروف بالراهب الأصفهاني المؤلف في الفقه والأصول توفي سنة 1166هـ.
7 ـ الشاعر المعروف بالرامي الهمداني. توفي سنة 1173هـ.
8 ـ العالم السيّد حسن بن نور الدين الموسوي الجزائري تُوفي سنة 1173هـ.
9 ـ الشاعر آغا محمد المعروف بالعاشق الأصفهاني، الأديب الفقيه الأصولي، تُوفي سنة 1180هـ.
10 ـ الميرزا علي رضا الأردكاني الشيرازي الشاعر المعروف بتجلي، تُوفي سنة 1188هـ.
11 ـ الشاعر صهباء القمي. توفي سنة 1191هـ.
12 ـ الأمير محمد مهدي توفي سنة 1193هـ.
13 ـ الآغا محمد باقر الهزارجريبي المازندراني تُوفي سنة 1205هـ.
14 ـ الميرزا فتح الله الحسيني المعروف بميرزا أبو المظفر ميرزا علاء الدين محمد الأصفهاني، المتوفى سنة 1206هـ.
15 ـ الأمير السيّد عبد الباقي بن الأمير السيّد محمد حسين الخاتون آبادي الحسيني، إمام الجمعة المتوفى سنة 1207هـ.
16 – الشيخ محمد القاضي باصفهان المتوفى سنة 1220هـ.
17 ـ الميرزا محمد علي ابن ميرزا محمد إمام جمعة الأصفهاني، المتوفى سنة 1224هـ.
18 ـ مير محمد هادي بن محمد صادق الواعظ الأصفهاني، المتوفى سنة 1224هـ.
19 ـ الشيخ أحمد النراقي صاحب (المستند)، المتوفى سنة 1224هـ).
20 ـ الشيخ محمد مهدي النهاوندي، المتوفى سنة 1235هـ.
21 ـ العلاّمة المجاهد السيّد علي الداماد المتوفى سنة 1236هـ.
22 ـ الآقا محمد علي بن الآقا محمد باقر الهزارجريبي المتوفى سنة 1245هـ.
23 ـ السيّد عبد الغفور اليزدي (من تلامذة صاحب الفصول، وشريف العلماء)، المتوفى سنة 1246هـ.
24 ـ السيّد رضا خان الهي الكرماني، من أحفاد شاه نعمة الله، العارف المشهور (رئيس الطريقة المعروفة باسمه).
25 ـ السيّد عبد الرزاق الكاشي الحسيني، نزيل أصفهان.
(36) قاسم محيي الدين
هو الشيخ قاسم بن محمد بن أحمد بن الحسين بن علي بن محيي الدين الثاني بن الحسين بن محيي الدين الأوّل بن عبد اللطيف بن علي نور الدين ابن شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن جمال الدين أحمد بن أبي جامع العاملي الحارثي الهمداني.
كان عالماً أصولياً وفقيهاً متضلعاً أخذ عليه العلم جماعة من الفطاحل الذين إزدان بهم الفقه، منهم: الشيخ حسن بن الشيخ جعفر (صاحب أنوار الفقاهة)، والشيخ صاحب الجواهر، وغيرهما.
له مؤلفات كثيرة، منها: نهج الأنام إلى مدارك الأحكام، يقع في ثلاث مجلدات، وكنز الأحكام في شرح شرائع الإسلام، ورسالة في حجية خبر الواحد، وغيرها. توفي سنة 1237هـ/ 1822م.
وآل محيي الدين من الأسر العلمية التي ظهر فيها علماء وأدباء كان لهم حضور على الساحة العلمية والسياسية بالعراق، وآخر مَنْ عاصرنا منهم العلاَّمة الدكتور عبد الرزاق محيي الدين (رئيس المجمع العلمي العراقي)، الكاتب والشاعر البليغ.
وقد نزح أجدادهم من موطنهم الأصلي في جبل عامل إلى العراق، وبقيت سلالتهم متوارثة فيه. وقد عُرفوا قديماً بآل أبي جامع نسبةً إلى أحد أجدادهم الذي ابتنى جامعاً في جبل عامل، حتّى ظهر أواسط القرن الحادي عشر الهجري، الشيخ محي الدين الشيخ عبد اللطيف فنُسبوا إليه، وكان شيخ الإسلام بمدينة (الحويزة)، تُوفي قبل عام 1090هـ().
(37) علي القزويني
السيّد علي بن السيّد أحمد القزويني من كبار المجتهدين الذين انطمس ذكرهم، ولم يُعرف عنهم شيء. حتّى فاتت المترجمين أخباره، هو وأخوته الأعلام؛ السيّد حسن، والسيّد حسين، والسيّد محمد علي.
والسيّد علي من أساتذة السيّد مهدي، ومن مشايخه في رواية الحديث. ولد السيّد علي بعد سنة 1156هـ/ 1743م، ويمكن استظهار وفاته بين عام 1237هـ/ 1822م، وعام 1240هـ/ 1825م.
وردَ في مشجّرة مخطوطة أنَّه “كان عالماً فاضلاً، مجتهداً، ورعاً، مثرياً، مسموع القول، نافذ الحكم عند معاصريه من العلماء”.
وللسيّد علي ولدان هما: السيّد جعفر، والسيّد مير.
وعقب السيّد علي منتشرٌ اليوم في الدغّارة، والديوانية، ومناطق فراتية أخرى.
أمّا أساتذة السيّد علي فهم: والده السيّد أحمد، والسيّد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيّد حسين بن السيّد أبو الحسن موسى بن حيدر الشقرائي العاملي المتوفى سنة 1230هـ/ 1815م، وغيرهم.
أكرّر القول أنّي لم أقف على أيّة ترجمة للسيّد علي القزويني في كتب الرجال، فقد اختفت أخبارُهُ تماماً هو وإخوته. ولولا خبر تحمّل السيّد مهدي القزويني الرواية عنه لما بقي إسم له يُذكر.
قال العلاّمة السيّد علي نقي النقوي في كتابه المخطوط “أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات”، وهي إجازته الكبيرة لصديقه العلاّمة السيّد محمد صادق بحر العلوم ـ ما نصَّه:
“يروي السيّد مهدي القزوني (ره) أيضاً (كما ذكره إبنه العلاّمة السيّد حسين في رسالته المتكفّلة لترجمة أبيه) عن العلاّمة السيّد علي القزويني، ولم أطّلع على شيء من حاله. ولعلّه الذي هو من تلاميذ السيّد بحر العلوم، (وقد يكون صاحب الحاشية على القوانين وهو من تلاميذ الشيخ الأنصاري، تُوفي كما في التكملة سنة 1298هـ)، ولكنَّ الثاني بعيد كما لا يخفى، وحيث لا أدري بمن يروي عنه تركتُ ذكره في عدد الأسانيد”.
وفي الترجمة التي كتبها السيّد حسين القزويني عن والده السيّد مهدي ذكر عمّه السيّد علي كواحد من أساتذته بقوله: “وممّن حضر عليه واقتطفَ من فوائده الفروع الفاضل المدقّق الالمعي عمُّه الشريف السيّد علي القزويني”.
(38) الشيخ البهائي
الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي الجبعي الحارثي، الشهير ببهاء الدين العاملي. ولد ببلاد الشام سنة 953هـ/ 1547م، وعاش ببلاد فارس عندما هاجر والده الشيخ حسين بن عبد الصمد إليها سنة 961هـ/ 1554م، وقد تولّى منصب شيخ الإسلام بأصفهان أيام الدولة الصفوية بعد وفاة أبيه سنة 984هـ/ 1576م، وبقي فيه طوال سني حياته حتّى وفاته سنة 1031هـ/ 1622م.
عُرف البهائي بتعدّد مواهبه، ليس في الفقه والعلوم الدينيّة فحسب بل بالهندسة والدراسات العلمية أيضاً والفلك. وتُنسب إليه العديد من المباني الهندسية البالغة التعقيد في العمارة، كما تُنسب له بعض المخترعات أيضاً. انتهت إليه رئاسة الإمامية في عصره. وقد أفاض بما كتب باللغتين العربية والفارسية كتابات في مختلف شؤون المعرفة، فهو من الشخصيَّات التي تعدَّت حدود أوطانها. وكان مقدّراً من الشاه عباس الصفوي، ومصاحباً له في كثير من المناسبات.
تُوفي الشيخ البهائي بأصفهان، ونُقل جثمانه إلى المشهد الرضوي، ودفن في بيت له قرب الحضرة المطهرة. ويقع مرقده في الزاوية الجنوبية للصحن الرضوي وسط حرم مزخرف كُسيتْ جدرانه، وسقوفه بالمرايا الهندسيّة الدالة على متانة الصنع وإبداعه.
(39) المجلسيان
محمد تقي، ومحمد باقر
المجلسيان: هما الشيخ محمد تقي المجلسي، وولده الشيخ محمد باقر المجلسي، صاحب كتاب “بحار الأنوار”. يُلقّب الأب بالمجلسي الأوّل، وهو من تلامذة الشيخ البهائي العاملي، والمولى عبدالله التستري. وقد تُوفي سنة 1070هـ/ 1659م، ودُفن جنب الجامع الكبير بأصفهان، وله مؤلفات عديدة.
ويُعدُّ ولده الشيخ محمد باقر المجلسي آخر علماء العهد الصفوي بإيران، وهو صاحب أضخم موسوعة في علم الحديث عند الشيعة، وهي كتاب “بحار الأنوار” الذي ينيف على المائة مجلد، مطبوع .
تولّى المجلسي منصب شيخ الإسلام، وكان معتمداً لدى السلطنة الصفوية، (خصوصاً لدى الشاه سليمان الصفوي)، الذي يُعدُّ هو نفسه واحداً من أركانها.
ومن مؤلفاته كتاب “مرآة العقول في شرح أقوال الرسول”، وهو شرح على كتاب الكافي، اهتمّ بالتعليق عليه العلاّمة السيّد مرتضى العسكري، وقدَّم له دراسة مفصّلة، ونُشر في عدّة مجلّدات.
(40) أحمد المزيدي
أحمد بن محمود بن شهاب بن علي بن محمد بن عبدالله بهاء الدين بن أبي القاسم بن أبي البركات بن القاسم بن علي بن شكر (المدفون بالمحاويل) ابن الحسن الأسمر (المدفون في المحاويل أيضاً) بن أحمد شمس الدين (نقيب النقباء) بن علي بن أبي طالب محمد بن عمر (صاحب الحجر الأسود) بن يحيى بن الحُسين النسّابة بن أحمد المُحدّث بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين علي ابن الحسين (عليهم السلام).
كان أحمد المزيدي يسكن المزيدية وهي قرية منسوبة لآل مزيد، أمراء الحلّة، تقع بالقرب من جسر الهاشمية على الضفة اليسرى من شطّ الحلّة، ودفن فيها بعد موته، وقبرُه ما زال مزاراً فيها.
ومن ذريته السادة ألبوسليمان بالحلّة الذين منهم الشاعر الكبير السيّد حيدر الحلّي الشهير. ذكر ذلك السيّد مهدي الوردي النسّابة في كتابه المخطوط “الجوهر الفريد في أعقاب زيد الشهيد”,
(41) ابن فهد الأحسائي
ابن فهد الأحسائي مرَّ الحديث عنه في ترجمة الشيخ ابن فهد الحلّي. ومن رأي المؤلّف السيّد مهدي القزويني أنَّ القبر الموجود بالحلّة هو للفقيه الشيخ ابن فهد الحلّي، أمّا المرقد المعروف بمدينة كربلاء فهو لشهاب الدين أحمد بن فهد المقرئ الأحسائي. وقد جرت النصوص التاريخية خلاف ذلك، فقيل إنَّ المرقد الموجود بكربلاء هو للحلّي، والذي في الحلّة للأحسائي.
ومن خلال دراستنا لحياة ابن فهد الحلّي، ومكوثه في الحلّة طوال سني زعامته الدينيّة، فإنَّ الأقرب أنْ يكون قبره بها، لا في غيرها من المدن. ولو كان قبره قريباً من مراقد الأئمة ملاصقاً للحضرة المطهّرة لكان ذلك دلالة على وصيّة منه بدفنه. أمّا أنْ يُدفن خارج حرم الأئمة، فذلك ينبئ على أنَّ هذا القبر ليس إلاَّ لشخص آخر. فيكون القبر الذي هو في كربلاء ألصق بالأحسائي منه إلى الحلّي. وهذا ما جزم به المؤلف الإمام (قدّس سرُّه)، وما دلّنا البحثُ عليه.
(42) الشريف المرتضى
الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ/ 966 ـ 1045م): علم الهدى، ذو المجدين، أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام). من أعلام العلم في القرن الرابع الهجري. انتهت إليه الزعامة بعد أستاذه الشيخ المفيد. وكان قد تولّى نقابة الطالبيين، وأمارة الحج بعد وفاة أخيه الأصغر الشريف الرضي، مضافاً إلى النظر في المظالم والقضاء.
ألّف مؤلفات غزيرة اعتمدت كأصول للمذهب الشيعي في التفسير والكلام والعقائد والفقه والأصول، وغير ذلك.
ومن مؤلفاته: الشافي في الإمامة، في الردّ على المعتزلة حقَّقه العلاّمة السيّد عبد الزهراء الحُسيني الخطيب، ونُشرَ في أربع مجلدات، ورسائل الشريف المرتضى، والشيب والشباب، وأمالي المرتضى.
تُوفي بالكاظمية، ودُفن بداره، وقيل: نُقل بعدها إلى كربلاء مع جسد أخيه الرضي. وهو قولٌ على شهرته لا ينهض بقيام الدليل على نقله.
(43) الشريف الرضي
الشريف الرضي (359 ـ 406 هـ/ 970 ـ 1015م): أبو الحسن محمد بن الحسين الطاهر الموسوي.
تولّى نقابة الطالبيين أيام الحكم البويهي، وله مؤلفات متينة، وتفسير للقرآن، يقع في عشرين مجلداً، فقدت أجزاؤه. وهو جامع كتاب “نهج البلاغة” من خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وشاعر لا يُشقّ له غبار، قيل: إنَّه أشعر الطالبيين، وأقول: بل من أشعر شعراء العربيّة.
تُوفي في داره بالكاظمية، ودُفن بها. وقيل كما قيل عن أخيه المرتضى أنَّ جسده نُقل إلى المشهد الحسيني بكربلاء، ودفن عند قبر أبيه الحسين الطاهر، وقبرهما ظاهر معروف.
ولم تُحدّد النصوص متى تمَّ نقل جسدَيْ المرتضى والرضي إلى كربلاء.
قال السيّد بحر العلوم في الفوائد الرجالية: إنَّ موضع قبر الشريف الرضي عند قبر جدّه إبراهيم المجاب آخر الرواق، فوق الرأس في الزاوية الغربية في الحرم الحُسيني.
وقال السيّد حسن الصدر في “نزهة الحرمين”: إنَّ قبر الشريف الرضي عند قبر والده خلف الضريح الحسيني بستّة أذرع. ولعلَّ هذا القبر هو الذي لاحظه العلاّمة السيّد أغا مير بنفسه بعد التعميرات التي أجريت داخل الروضة المطهرة سنة 1367هـ. وقال: هناك خلف الضريح بستة أذرع ثلاثة قبور شاهدتُ ذلك بنفسي عند حفر الأسس لدعائم القبة التي جرى بناؤها مؤخراً بالكونكريت المسلّح، فرجوتُ المعمار عدم مسّ تلك القبور الثلاثة. ومن المرجح أنَّ هذه القبور الثلاثة قبور السادة أبي أحمد الطاهر الحسين، الشريف الرضي، والشريف المرتضى علم الهدى.
قال صاحب “روضات الجنّات”: نُقلَ جثمانه أوّلاً من داره التي كانت واقعة في جانب الكرخ ببغداد، ووُضع في مسجد الأنباريين في الكرخ قبل نقله إلى كربلاء، ونُقل من هناك، وأودع في الكاظمية، فشاعت التسمية لهذا المحل بقبر الرضي، ومنه نُقل إلى كربلاء ودُفن فيها. وبقيت العمارة التي في الكاظمية باسمه.
قال المؤرّخ المحقّق الشيخ محمد حرز الدين: القول في حديث نقل جثمان الشريف الرضي إلى الحائر الحُسيني يُعدّهُ أهل (الكرخ) من الخرافات قديماً وحديثاً، وأنّه أُقبر بداره في سوق الصفارين، ولم يُنقل بعد.
يقول جودت القزويني: وهذا الرأي هو ما نذهب إليه في تعيين مرقدي الشريفين، وإنّهما من المستبعد أن يكونا نُقلا إلى الحائر الحُسيني. والمقامان الحاليان الموجودان بالكاظمية هما محلا قبريهما.
ويُلاحظ أنَّ جميع النصوص التي أوردت خبر نقل جسدي الشريفين إلى كربلاء لم تكن معاصرة لذلك العصر، ولا قريبة منه، بل هي نتاج القرنين المتأخرين. أمّا ما نُسب للعمدة وغيره، فهو مشكوك في نسبته إلى مؤلفيه.
(44) الوحيد البهبهاني
العلاّمة البهبهاني (1117 ـ 1205هـ/ 1705 ـ 1791م) هو الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل الشهير بالأغا البهبهاني، أو الوحيد البهبهاني. انتهت إليه رئاسة المرجعيّة الدينية العليا. عاش بمدينة كربلاء، وأسّس مركزاً علمياً بها، تخرّج عليه جميع مجتهدي عصره، ولُقّب بمجدّد المذهب على رأس المائة الثانية عشرة.
قال عنه تلميذه السيّد مهدي بحر العلوم: “مجدّد ما اندرس من طريقة الفقهاء، ومعيد ما انمحى من آثار القدماء”.
وللإمام المؤلف السيّد مهدي القزويني كتاب سمّاه “المهذّب”، جمع فيه كلمات الوحيد البهبهاني في علم الأصول، ورتّبها من أوّل مباحثه إلى آخر مبحث “التعامل والتراجيح” مع تهذيب، وتنقيح، واختيارات وزيادات تمسّ الحاجة إليها في إكمال الكتاب. (كما ذكر ذلك ولده السيّد حسين القزويني في ترجمته لأبيه).
وللبهبهاني مؤلفات متخصّصة، طُبع بعضها. وله ولدان مجتهدان، هما: الأغا محمد علي المتوفى سنة 1216هـ/ 1801م، والأغا عبد الحسين.
(45) مرتضى الطباطبائي
السيّد مرتضى الطباطبائي من مجتهدي عصره.
وفاته ومدفنه
تُوفي السيّد مرتضى بكربلاء سنة 1204هـ/ 1790م، ودُفن في الرواق ممّا يلي قبور الشهداء جوار قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، ووضع على قبره صندوق خشبي، على يمين الداخل إلى الحرم من باب الشهداء.
وبعد عام تُوفي الوحيد البهبهاني، فدُفن في المكان نفسه. وفي سنة 1231هـ/ 1816م تُوفي السيّد على الطباطبائي (صاحب الرياض)، فدُفن معهما، ووضع صندوق خشبي محكم الصنع، مزخرف، وعليه أسماؤهم الثلاثة.
(46) السيّد علي الطباطبائي
السيّد علي الطباطبائي (1161 ـ 1231هـ/ 1748 ـ 1816م) بن السيّد محمد علي بن السيّد أبو المعالي الصغير بن السيّد أبو المعالي الكبير الطباطبائي.
هو ابن أخت العلاّمة الوحيد البهبهاني، وصهره على إبنته. وكان العلاّمة الوحيد أستاذه الأوّل، ومربّيه. اشتهر السيّد علي بالفقاهة، وعُرف بكتابه رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل”. وجدُّه السيّد أبو المعالي الكبير هو صهر المولى صالح المازندراني.
كان السيّد علي في زحمة الصراع الأخباري ـ الأصولي يتردّد على الشيخ يوسف البحراني الذي كان أخبارياً معتدلاً، وكان يحضر دروسه ليلاً حذراً من اطلاع خاله البهبهاني (الذي كان متصدّياً للأخباريين تصدّياً كاملاً دون تمييز بين معتدل، وغير معتدل)، لعلم السيّد علي بمكانة البحراني العلمية واعتداله().
أمّا ولده السيّد محمد الشهير بالمجاهد فهو الذي أفتى بالجهاد ضد الغزو الروسي لإيران، وزحف على رأس قوّة من العشائر، والتعبئة الشعبيّة لمقاومة القوات الروسية. إلاَّ أنَّ الجيش الإيراني تقهقر في المعركة، وخُذل السيّد المجاهد في مواجهته من قبل القاجاريين، ولم يحسب حساباً لمثل هذه التقديرات السياسية. فتُوفي عند انسحابه بقزوين سنة 1242هـ/ 1827م. وكان ذلك في عهد الشاه فتح علي القاجاري المُتوفى سنة 1250هـ/ 1834م.
ولكلا الفقيهين الأب والابن مواقف عملية ضد التيّار الأخباري الذي قويت شوكته في هذه المرحلة، وهي المرحلة الثانية في تاريخ النشاط الأخباري الذي كان يتزعمُه الميرزا محمد عبد النبي الأخباري (الجدّ الأعلى لأسرة آل جمال الدين بالعراق)، المقتول بالكاظمية سنة 1232هـ/ 1816م.
(47) الشيخ يوسف البحراني
الشيخ يوسف البحراني (صاحب الحدائق)، فاضل محدّث. ولد سنة 1107هـ/ 1696م في قرية الماحوز بالبحرين، وبعد الاضطرابات التي عصفت بالبحرين في هذه الفترة، هاجر إلى إيران، وبقي فيها مدَّة من الزمن. ثمّ سافر للعراق واستقرَّ بمدينة كربلاء، وكتب مؤلفات رائقة، منها: موسوعته الفقهية “الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة” المطبوعة في عشرين مجلداً.
وله أيضاً: سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد. وهو من إسمه ردّ على إبن أبي الحديد فيما أورده بشرح نهج البلاغة ممّا يخالف مبدأ الإمامة. وله مؤلفات أخرى.
أهم ميزة للبحراني نقده الشديد لتيّار الحركة الأخبارية الجارف الذي بلغ أوج نشاطه في هذه المرحلة، والذي تصدّى له المجتهدون جميعاً، وعلى رأسهم الوحيد البهبهاني. وكان البحراني محسوباً على هذا التيّار نفسه، إلاّ أنَّه أدرك النتائج التي تنتهي بأهل هذا التيار، والمقاصد التي تختفي فيه. فحاول إطفاء لهب الصراع بإيقاف حركة الصراع التي تقودها عناصر لا ترتقي بالعلم إلى مستوى شخصيّات مدرسة الاجتهاد.
(48) السيّد مهدي بحر العلوم
السيّد مهدي بحر العلوم جدّ أسرة آل بحر العلوم النجفية (1155 ـ 1212هـ/ 1742 ـ 1797م). درس على يد الشيخ يوسف البحراني (ت: 1186هـ/ 1772م)، والسيّد أحمد القزويني (ت: 1199هـ/ 1785م) والوحيد البهبهاني (ت: 1205هـ/ 1791م).
كانت مدينة كربلاء في هذه الفترة حاضرة من حواضر العلم، حيث هاجر إليها زعماء الدين من إيران بعد سقوط الدولة الصفوية، وتعرّض البلاد للأزمات السياسية. وقد وجد العلماء بالمدينة مكاناً آمناً للدراسة والتدريس بالرغم من وجود المنغصات التي كان يُثيرها بعض متعصبي الأخباريين.
إنتقل إلى النجف سنة 1169هـ/ 1756م، حضر لدى الشيخ مهدي الفتوني (ت: 1183هـ/ 1769م)، والشيخ محمد تقي الدورقي (ت: 1186هـ/ 1772م). وفي سنة 1186هـ/ 1772م سافر إلى إيران، وحضر على يد الميرزا مهدي الأصفهاني، أحد كبار علماء المعقول يومذاك. وفي عام 1193هـ/ 1779م رجع إلى النجف.
تخرّج على يديه مجموعة راقية من العلماء أمثال السيّد حسن القزويني، والشيخ مهدي النراقي (ت: 1209هـ/ 1795م)، والسيّد محمد جواد العاملي (ت: 1226هـ/ 1811م)، والسيّد عبدالله شبّر (ت: 1242هـ/ 1827م)، والشيخ حسين نجف (ت: 1251هـ/ 1835م).
وله من المؤلفات: الفوائد الرجالية المعروف برجال السيّد بحر العلوم، نشرفي أربع مجلدات.
نال السيّد بحر العلوم شهرة كبيرة بين زعماء عصره. وفي زمانه قُسّمت المرجعيّة الدينيّة بين مجتهدي النجف فكان كلُّ واحد منهم مختصّاً بوظيفة محدّدة. وقد تصدّى للفُتيا الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وللتدريس بحر العلوم، وللصلاة جماعة الشيخ حسين نجف، وغيرهم لتنظيم الشؤون الإدارية.
كما سعى السيّد بحر العلوم ميدانياً لتعيين جملة من المراقد، والتنقيب عنها.
أمّا مرقده بالنجف فهو يقع إلى جنب مرقد شيخ الطائفة الطوسي في مسجده الأثري الشامخ. وقد أُسّست مكتبة سُمّيت مكتبة “العَلَمَين” نسبة لهاتين الشخصيتين الكبيرتين في تاريخ الشيعة. وقد أوقف العلاّمة السيّد محمد صادق بحر العلوم مؤلفات مكتبته المخطوطة التي تناهز أربعمائة كتاب، مع بعض مجاميعه التي لم تُطبع، لهذه المكتبة كما أخبرني بذلك. ولا أدري أينَ آلتْ بعده؟
(49) الشيخ جعفر كاشف الغطاء
الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1156 ـ 1228هـ/ 1743 ـ 1813م) من أعاظم مجتهدي الشيعة في عصره. عاش بالنجف طوال سني حياته. ودرس بمدرسة الوحيد البهبهاني، هو وأغلب أعلام طبقته. ومن أساتذته الشيخ مهدي الفتوني (ت: 1183هـ/ 1769م)، والسيّد أحمد القزويني (ت: 1199هـ/ 1785م)، والسيّد صادق الفحّام) ت: 1204هـ/ 1791م).
تخرّج جيل شامخ من علماء عصره على يديه، منهم: أولاده الأعلام، وأولاد السيّد أحمد القزويني الخمسة، وأصهاره الشيخ أسد الله الدزفولي الكاظمي، والشيخ محمد علي الهزارجريبي، والشيخ محمد تقي الأصفهاني، والسيّد صدر الدين العاملي (جدّ أسرة آل الصدر).
مضافاً لطبقة المجتهدين من تلامذته الذين أصبحوا من زعماء النجف البارزين بالعلم أمثال الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر، والسيّد عبدالله شبر، وغيرهم.
إمتاز الشيخ كاشف الغطاء من بين الفقهاء بقوّة الاستنباط في المسائل الفقهية، وقد اعترف بتفوّقه جميع الفقهاء من أعلام مدرسته.
ويقصد بالشهيد محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأوّل صاحب “اللمعة الدمشقيّة”.
عُرف بمؤلّفه “كشف الغطاء عن خفيّات مبهمات الشريعة الغرّاء” الذي اشتهرت أسرته آل كاشف الغطاء بنسبتها إليه.
ذكر حرز الدين “أنَّ مرقد الشيخ كاشف الغطاء في محلّة العمارة بالنجف عند ملتقى ثلاثة أزقّة، وتُعرف مقبرتُه بمقبرة آل كاشف الغطاء. وقد أعدّها لنفسه في زمن حياته، وتقع جنب مسجده ومدرسته التي اشتهرت في عصرنا”().
وقد ضمّت هذه المقبرة أولاده وأحفاده أيضاً.
(50) موسى كاشف الغطاء
الشيخ موسى كاشف الغطاء الملقّب المصلح بين الدولتين، بعد توسّطه بإطلاق سراح الأسرى العثمانيين لدى الإدارة القاجارية الإيرانية سنة 1237هـ/ 1822م.
تولّى الزعامة الدينيّة بالنجف بعد وفاة أبيه، وعُرف بالفقاهة، وتتلمذ على يديه جميع مَنْ جاء بعده من المجتهدين. وقد انجرَّ للدخول في حلبة الصراع الأخباري ـ الأصولي، وتصدَّى لزعماء الأخبارية، وأصدر الفتاوى ضدهم.
ومن أعماله العمرانية تجديد بناء سور النجف. تُوفي سنة 1241هـ/ 1826م، ودُفن بمقبرتهم مع أبيه.
(51) علي كاشف الغطاء
الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء. وصفه حرز الدين بأستاذ العلماء والمدرسين، وشيخ الفقهاء والمحقّقين، مَنْ أذعنت له العرب والعجم، واعترف بفضله وعلمه فطاحل العلماء. حاز إلى عظمة العلم والمرجعية صولة الرئاسة().
وقد خرَّج جيلاً من العلماء الذين نال بعضهم المرجعيَّة الدينيّة، أمثال: الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ/ 1865م، والسيّد علي الطباطبائي المتوفى سنة 1298هـ/ 1881م، والسيّد مهدي القزويني، المتوفى سنة 1300هـ/ 1883.
إشتهر بكتابه “الخيارات” في الفقه.
قال حرز الدين: “في أيام رئاسة الشيخ علي جاء وفد من وجوه أهل الحلّة وضواحيها إلى النجف يطلبون منه إرسال عالم قدير إليهم بعد وفاة أخيه الشيخ محمد سنة 1246هـ/ 1830م، فأرسل إليهم أخاه الشيخ حسن. ولمّا تُوفي الشيخ علي عاد الشيخ حسن إلى النجف، وأصبح الرئيس المطاع النافذ الحكم في ايام الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر).
هكذا روى الثقاة من معاصرينا، وبعض أساتذتنا.
وحدّثونا أيضاً أنَّه لمّا تولّى الشيخ حسن الزعامة في النجف أرسل وجه تلامذته الأعلام إلى الحلّة، وهو السيّد مهدي القزويني المعاصر، المتوفى سن 1300هـ، وهي البذرة الأولى لآل القزويني في الحلّة.
(52) الشيخ حسن كاشف الغطاء
الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء. فقيه مدقّق مشهور بالفقاهة والاستنباط. أقام بالحلّة عدّة سنوات، ورجع إلى النجف بعد وفاة أخيه الشيخ علي سنة 1253هـ/ 1837م ليتولّى الزعامة الدينيّة فيها.
كانت أغلب دراسته على يد أخيه الشيخ موسى، وتلامذة والده، أمثال: السيّد جواد العاملي، والشيخ أسد الله التستري، والشيخ قاسم محيي الدين، وغيرهم.
ومن تلامذته السيّد مهدي القزويني (مؤلف الكتاب)، والشيخ مشكور الحولاوي المتوفى سنة 1272هـ/ 1856م، وغيرهما من أعلام الفقهاء.
وقد اشتهر بكتابه “أنوار الفقاهة” الذي وصفه الشيخ حرز الدين بقوله: “هو كتاب متين، كثير الفروع، محيط للغاية”.
وقد نُقلت من مواقفه مناظرته مع مفتي بغداد السيّد أبو الثناء الألوسي في محضر الوالي نجيب باشا سنة 1260هـ/ 1844م حول الحركة البابيّة بالعراق، وطرق مواجهتها.
ولولده الشيخ عباس المُتوفى سنة 1323هـ/ 1905م رسالة خاصّة في ترجمة والده سمّاها “نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري”. لخّصها الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه “العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية” الذي طُبع بتحقيقنا سنة 1418هـ/ 1998م.
(53) الشيخ أسد الله التستري
الشيخ أسد الله التستري الكاظمي، فقيه من مشاهير المحقّقين، تُوفي سنة 1234هـ/ 1819م. وقد عُرف أولاده، وأحفاده بآل أسد الله نسبةً إليه، واعتزازاً به وبشهرته.
ومن أشهر مؤلفاته التي عُرف بها كتابه “مقابس الأنوار في أحكام النبيّ المختار”، وقد طُبع على الحجر نهاية القرن الثالث عشر الهجري. وورد عنوانه في النسخة المطبوعة “مقابس الأنوار، ونفائس الأسرار المقتبسة من مشكاة آل محمد المختار”.
(54) السيّد باقر القزويني
السيّد باقر بن السيّد أحمد القزويني: الملقّب بصاحب الكرامات.
عُرف بالفقاهة إلاَّ أنّه لم يكتب سوى كتب ثلاثة لم يُطبع شيء منها، وقد تخرّجت على يديه طائفة من الأعلام.
ذكره الميرزا النوري في المستدرك وقال إنّه كان من القائمين على دفن الموتى وتجهيزهم ممّن أبادهم وباء الطاعون سنة 1246هـ. وكان يقوم بتجهيز أكثر من ألف شخص، ودفنهم يومياً().
وورد تعريف به في مُشجرّة مخطوطة كُتبت حدود سنة 1313هـ/ 1895م كما يلي:
“كان عالماً مهاباً، وله مناقب لا تُحصى، منها: أنَّه جعل يتفقّد ساكني النجف، وأهاليها سنة الموت، يدفن المفقود، ويعطف على الموجود. وكان أشخص أهل زمانه، وأحبَّهم عند عامّة الخلق. وله اليد الطولى بالعلوم على الإطلاق حتّى ملأَ ذكرُه الآفاق بحُسن الأخلاق، وتهابه الناس حيّاً وميّتاً لكثرة كراماته. وقد دُفن في المقبرة المعروفة لهم في نفس (الولاية)، ومات سنة 1247هـ”.
نُقل أنَّ السيّد باقر جلس لتدريس تلامذته في بعض الأيام فرآهم في المناظرات والجدل أشبه بالأسود الضارية. فترك التدريس برهةً من الزمن، وألزمهم بدراسة علم الأخلاق، حتّى لانت طباعهم.
مؤلفاته
ذُكرت للسيّد باقر هذه المؤلفات: 1 ـ جامع الرسائل. 2 ـ الفُلك المشحون. 3 ـ الوجيز في الأحكام. 4 ـ الوسيط في الأحكام الشرعية.
وعندي نسخة من كتاب (الوسيط) بخطّ المؤلف، كتبَ على صفحتها الأولى: “بسم الله تعالى؛ ممّا مَنَّ الله به عليَّ بتصنيفه، وتملّكه، وأنا الباقر آل السيّد أحمد الحسيني الشهير بالقزويني”.
تُوفي السيّد باقر سنة 1246هت/ 1831م آخر مرض الطاعون الذي أصاب النجف، وأُقبرَ في مقبرته التي أصبحت فيما بعد مدفناً لابن أخيه السيّد مهدي القزويني، وأولاده وأحفاده.
وذكر ترجمته البحاثة الشيخ عبد المولى الطريحي، وأنقلها بالنصّ لندرتها:
السيّد باقر ابن السيّد أحمد القزويني الحسيني، عالم كبير، وفقيه شهير، وهو الذي عقمت النساء أنْ تلد مثله، صاحب المقامات العالية والكرامات الظاهرة بعصره، وله أياد مشكورة، وأعمال مبرورة، وعلى الأخص في السنة التي عمَّ الوباء فيها النجف وضواحيها، وجميع أرجاء العراق. وقد جهَّز السيّد باقر (على ما يروي العلاّمة المحدّث النوري الميرزا حسين، عن إبن أخيه السيّد مهدي ابن السيّد حسن)، وأظهر من البسالة و الشجاعة وقوّة القلب والتجلّد، ما تحير به العقول والأفكار؛ لم يوفّق لذلك الأمر العظيم أحد من علماء الأمصار. فقد جهَّزَ ودفن ما ينيف على أربعين ألفاً. وكان لا يهدأ ولا ينام، ولا يلتذ بكلام ولا طعام شأنه التجوّل في الصحن والغرفات، خوفاً من أنْ يوجد أحد متروك بلا غسل ودفن وكفن. وكان ينوب عنه في أوقات الصلاة السيّد الصالح العلاّمة التقي الورع السيّد علي العاملي.
له فقاهة جعفرية، وهمّة علوية، وتسديدات ربانية، وتوفيقات سماوية. تُوفي سنة 1246هـ، في التاسع من ذي الحجة في أواخر الطاعون (الوباء)، وانتهى بوفاته كما أخبر به قبل مماته. وأعقب من الأنجال الذكور السيّد جعفر.
أمّا آثاره العلمية التي ذكرها العلاّمة الصدر في التكملة فهي، (1) كتاب الوجيز (وهو على سبيل المتن في الطهارة والصلاة)، في الفقه (2) كتاب الوسيط (وهو على سبيل الاستدلال العلمي)، (3) الحواشي على كشف اللثام للفاضل الهندي المعروف. (4) كتاب جامع الرسائل في الفقه.
وكانت أكثر آثار السيّد باقر العلمية على نهج تأليف أستاذه الإمام الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وعلى ذوقه في الفقاهة الإمامية، والاستدلالات العلمية.
أمّا نجله السيّد جعفر ابن السيّد باقر فقد كان عالماً فاضلاً، وأديباً شاعراً لوذعيّاً عظيم الشأن، له آثار علمية وأدبية معروفة. تُوفي بالنجف سنة 1265هـ، ورَثَته الشعراء بمراثٍ غرّاء. ومن جملة ذلك قصيدة مطلعها: “مصابٌ يكادُ العرش منه يميدُ”().
(55) الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر)
الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر صاحب كتاب “جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”. هو جدّ أسرة آل الجواهري النجفيّة المعروفة بسلسلة علمائها الأعلام، وشعرائها الكبار، وعلى رأسهم الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.
تُوفي بالنجف سنة 1266هـ/ 1850م، وأُقبر بالقرب من مرقد السيّد باقر القزويني المُتوفى قبله بعشرين عاماً، وبنيت على مرقده قبّة، واتّصل بالحرم مسجد مشهور. وأصبحت هذه المقبرة مدافن لكبار علماء الأسرة.
وكان أحد أحفاده المعاصرين وهو العلاّمة الشيخ محمد تقي الجواهري إماماً في هذا المسجد، يُقيمُ الصلاة جماعة، ويُلقي دروسه العالية على طلاب العلم. وقد غيّبته السلطة الظالمة في سجونها، واختفت أخباره طوال عقدين كاملين من الزمن، حتّى عُلمَ أنَّه نال درجة الشهادة على أيدي هؤلاء الظلمة الذين جلبوا للعراق الدمار، ولرجال العلم الفتك والظليمة.
(56) السيّد جواد العاملي
السيّد جواد العاملي من منطقة شقرا بجبل عامل اشتهر بالفقاهة والعلم، وكان أحد مراجع النجف في عصره. وهو الذي أفتى بوجوب مقاومة الهجمات الوهابية على النجف، وحرمة الفرار عنها. قيل إنَّه كتبَ رسالةً في ذلك.
ومن مؤلفاته كتابه “مفتاح الكرامة” الذي شرح فيه كتاب “قواعد الأحكام” للعلاّمة الحلّي، وهو دائرة معارف فقهية كبرى، طبعت بالقاهرة أوائل القرن العشرين. تُوفي سنة 1226هـ/ 1811م.
(57) الشيخ حسين نجف
الشيخ حسين نجف كان واحداً من المراجع الدينيين الذين التزموا بإقامة الصلاة جماعة، وتنظيم شؤون الحوزة العلمية في عصره. فكانت للسيّد مهدي بحر العلوم مهام التدريس، وللشيخ كاشف الغطاء مهام الفتيا والتقليد، وللشيخ محيي الدين منصب القضاء. له مؤلفات في الفقه والكلام، وديوان شعر لا يزال مخطوطاً.
تُوفي سنة 1251هـ/ 1835م، وقد ناف على التسعين، ودُفن في حجرة من الصحن الغروي على يسار الداخل من باب القبلة.
وأسرة آل نجف من الأسر العلوية الصفوية التي أخفى بعض أفرادها نسبه بعد سقوط الدولة الصفوية. ولم يتقدّم أيّ واحد منهم إلى ارتداء الزي العلوي رغم تسالمهم على سيادتهم وقطعهم بها. وقد أثبتَ نسبهم المتّصل نسّابة العراق السيّد عبد الستّار الحسني، ووافقه النسّابة الخبير السيّد مهدي الوردي الكاظمي في ذلك، حيث أورد مشجّرة نسبهم كاملة في كتابه المخطوط “النور الساطع في عقب الإمام السابع”، واحتفظ بنسخة منها، استعارها منّي الطبيب النسّابة السيّد ياسر التندي، ولم يُرجعها إليَّ، اعتزازاً بها.
(58) الشيخ مرتضى الأنصاري
الشيخ مرتضى الأنصاري فقيه أصولي انتهت زعامة التدريس والمرجعيّة بالنجف والعالم الشيعي إليه، في القرن الثالث عشر الهجري. وهو من تلامذة أسرة آل كاشف الغطاء، خصوصاً الشيخ موسى بن الشيخ جعفر.
تخرّج على يديه جيل من الفقهاء، تولّى الكثير منهم مقام المرجعيّة، أمثال المجدّد الشيرازي، والسيّد حسين الكوهكمري، والشيخ محمد الإيرواني، والشيخ محمد طه آل نجف، وغيرهم.
وقد أصبحت مؤلفاته في علم الأصول والفقه، خصوصاً (الرسائل والمكاسب) من كتب الدراسات العليا في جامعات العلم بالنجف.
ومن نوارده أنَّ السيّد محمد علي شرف الدين العاملي المُتوفى شاباً سنة 1290هـ/ 1873م عرض عليه كتاباً له في تراجم الأعلام سمّاه “يتيمة الدهر في ذكر علماء العصر” وطلب رأيه فيه، وكان أسلوبه في كتابه هذا مُملاًّ، فكتب الشيخ الأنصاري على صفحة الكتاب الأولى بعد أن اطّلع على بعض مضامينه هذا البيت المفرد:
إنْ كنتَ ضيَّعتَ عمراً في كتابته فلا أُضيّعُ عمراً في قراءته!
وأرجعه إليه!
تُوفي الشيخ الأنصاري بالنجف سنة 1281هـ/ 1864م، ودُفن في دكّة الحجرة التي دُفن بها الشيخ حسين نجف على يسار الداخل إلى الصحن من الباب المعروفة بباب السوق الصغير().
ويلاحظ أنَّ إيراد إسم الشيخ الأنصاري كان من إضافات المؤلف بعد تأليفه كتابه بتسع سنوات؛ حيث أنَّ تأليف كتاب المزار تمَّ سنة 1272هـ، ووفاة الأنصاري كما وردت، هي سنة 1281هـ.
وهذه الإضافة الوحيدة التي حصلت بعد زمن تأليف الكتاب. أمّا بقية العلماء المدرجة أسماؤهم من المعاصرين للمؤلف فكلّهم كانوا قد تُوفّوا قبل زمن التأليف، حتّى وإنْ كانت الفترة التي تفصل بينهم تُعَدُّ بسنوات قليلة.
جودت القزويني
علي كاشف الغطاء
(1) هو أدامه الله زعيم الطائفة الجعفرية اليوم وشيخها، وأكبر من فيها سناً وسناءً ومجداً وعلاءً، المتربع في منصة آبائه الكرام وأجداده الأعلام الطالع في سماء مطالعهم المشرق بدراً في أفلاك مرابعهم. أمّا عمره الكريم مدّ الله فيه فقد تجاوز الستين على اليقين وقد قضى شطره الأوّل بتحصيل العلم في المدرسة الكبرى والزاوية المقدسة (النجف الأشرف) في حياة أبيه العلاّمة الرضا بن موسى بن جعفر، وكان له من أوّل نشأته إلى اليوم ولع في الآداب والعلوم العربية والموسوعات من التاريخ وعلم المحاضرة وغيره. وقد رفده على ذلك وأعانه عليه ما أودع الله فيه من غريزة الذكاء ولطف القريحة أعظم من ذلك ما منحه من قوّة الحافظة وسعة الذاكرة ونباهة الهاجس ولطافة الطبع وأريحية الروح وسلامة النفس وصفاء الضمير. فقد حاز بهذه الخلال ميزة وتقدّماً على أقرانه، وسبقاً على كثير مَنْ في طبقته من أسرته.
ثمّ قضى أكثر الدور الثاني من حياته في الرحلة والأسفار والتجوّل في عواصم الإسلام وأمهات البلاد، فكانت أوّل رحلة له إلى إيران أقام في أصفهان التي هي من أمهاتها الرؤوم على أمثاله من العلماء سبع سنين بين شيراز وأصفهان وخراسان وطهران تقابله كلّ واحدة من هذه بكلّ بجالة وحفاوة إزاء فضله الذاتي وكرمه الأخلاقي وآدابه الضافية، فضلاً عمّا يوجب له المزيد من الكرامة في تلك الأقطار من شيوع ذكر جدّه الشيخ الكبير كاشف الغطاء الذي هو أحد أئمة العلماء، ومن كبراء مروجي مذهب الشيعة الإمامية.
وكان هذا الشيخ الكبير قد سافر إلى تلك العواصم في أوّل القرن الماضي لإرشادهم ودعوتهم إلى اتباع الشريعة والعمل بها، والوقوف على حدودها يوم كان أكثرهم يقنع من ذلك بالانتساب إليها، فكان ذلك الإمام الداعي إلى الله بمشكور مساعيه وخلوص نيته قد أبقى له و لسلالته ذكراً جميلاً، وصيتاً طائراً، وفخراً باهراً. وهذه العزّة والكرامة هي التي قضت لحفيده الذي نحن في ترجمته بطول المكث في إيران، واستطابة ذلك المكان. نعم (وكلّ مكان يُنبتُ العزَّ طيّبُ).
وفي كلّ ذلك لم تكن مهنته وعنايته إلاّ بالتحصيل والعلم وفصل الخصومات والإفادة والاستفادة. وقد جمع في سفره هذا عدّة مجاميع وسفائن مشحونة بالفوائد والآداب من الشعر والنثر وغيره. ثمّ قفل راجعاً إلى وطنه أزمان كانت زعامة أسرته الجعفرية في عُهدة بعض المشايخ من بني عمومته الذين هم أكبر منه سنّاً وأعظم حنكة وخبراً. فاكتبَّ على الجمع والتأليف سيّما وأكثر شغفه بمطالعة الكتب ومسامرة الآداب والأدباء. وكان له للطيف محاضرته واستحضاره وأنيس محادثته لجليسه محبة جاذبة للأميال، وعظيم وقع في القلوب ولا سيما من الأمراء والحكام، وأخصّهم ولاة بغداد وكبراء أمرائها. فقد كان يأخذ منهم بأزمّة القلوب وأعنّة القبول. فممّن صبا منهم إليه، واشتهر بودّه له وإخلاصه الوزير الشهير، المتضلع في الفضل والآداب وأكثر العلوم الإسلامية، المنشئ الوحيد في عصره في التركية وذي الحظ الكبير منها في العربية، صاحب التفسير المشهور (بأحسن القصص) وغيره من المؤلفات سري باشا، وهو أعلم والٍ رأيناه وسمعنا به في رجال الدولة العثمانية أخيراً، وله نوادر آداب لا يتّسع المقام لذكرها. وكانت ولايته على العراق في السنة السادسة بعد الثلثمائة وألف هجرية. وهذا الكتاب الموسوم (بالنوافح العنبرية) ألّفه من نحن في ترجمته باسم هذا الوزير الخطير الذي كان يقدر العلم حق قدره ويعرف خطره ويوفي أهله حقوقهم. وبعد أنْ حوّل هذا الوالي عن العراق إلى ولايته السابقة من (ديار بكر) اقتضت الأحوال والشؤون للشيخ المترجم بأن يسافر إلى الآستانة، فكانت هي رحلته الثانية التي نقد فيها أربعة أعوام من عمره، صرف أكثرها في نفس العاصمة وشيئاً منها في الحجاز وسوريا وبعض بلاد الهند وأطرافها، ثمّ عاد وقد احتقب معه عدّة من الكتب وألّف في سفره هذا عدّة مجاميع، ولا يزال ذا شغف بتوسيع خزانة كتبه وجمع كلّ مرتخص وغال فيها. وقد يوجد فيها بعض النفائس التي لم تطبع، وما يعدّ من الآثار، وعلى أثر كتابة فهرست لمكتبته هذه استوسع فألّف أحسن كتاب سمّاه “نهج الصواب في المكاتب والكتابة والكتاب”، فجاء كتاباً حسناً في بابه، بديعاً في أسلوبه وجمعه، وقد خرج إلى التبييض ولم يطبع لهذا الوقت.
أمّا دوره الأخير وحالته الحاضرة فهو اليوم زعيم السلالة الجعفرية وأكبر مَنْ فيها، وأحد الأعلام والأعاظم في النجف الأشرف. ويشتغل من التأليف بخدمة جليلة لأمته ولقومه ألا وهي كتاب “مستدرك الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة”، وترجمة ذلك إجمالاً: إنّ من استوفى النظر في مرآة التاريخ ومراجعة الآثار يجد على أوّل نظرة أنّ طائفة الشيعة كانت ولا تزال من صدر الإسلام وإلى اليوم من أكبر جذوم الطوائف الإسلامية وباسقات أدواحها والتي تغرب وتعجب بنوابغ الرجال، وأفراد الدهر، وجهابذة العصور، وأعيان الملوك والأمراء، والفلاسفة والحكماء، والشعراء والأدباء، وسائر الطبقات والأصناف، لهم من كلّ طبقة محاسنها وعيونها، وأوضاحها وغررها، في كلّ قرن من القرون، وعصر من العصور. وكان قد هبّ في كلّ طائفة من طوائف المسلمين المتنوعة حسب اختلافها في الأصول والفروع مَنْ يجمع رجال طائفته، وأعيان من ينتظم في جامعته في مجموع يحيي به أمرهم، ويخلّد به ذكرهم، ويسدي أكبر صنيعة إلى العلم وأهله.
وجرى التعارف آنفاً على تسمية ما يؤلف في ذلك النهج أنْ يطلق عليه كتاب “الطبقات”، وقد كثر ذلك في العصور الوسطى، بل وما قبلها بقليل، وتضاعفت أعداد المؤلفات حسب اختلاف العناوين والمنوعات. فتجد كتاب طبقات للشافعية وكتب طبقات للحنفية وأمثالها في الفروع، ثمّ طبقات المعتزلة، وطبقات الأشاعرة وأضرابها في الأصول ثمّ في سائر العلوم كطبقات النحاة وطبقات الشعراء وعيون الأنباء في طبقات الأطباء، ونظائر ذلك.
أمّا الشيعة، وأخصُّ الإمامية فمن الأسف الذي يحقّ لو ينشق له قلب الغيور منهم أنّه على ما لهم من فخامة الفضل وضخامة المجد ووفير العدد والعدّة ونبوغ الرجال وامتداد باع التأليف والتصنيف في كلّ علم وفن، والدخول في كلّ مدخل، والنفوذ من كلّ باب سهل أو صعب، جلي أو غامض، ولكن أغفلوا هذه العزيمة، وذهلوا عن أداء هذه الفريضة، وما اضطلع صليب منهم بهذا العبء، ولا نهض نقيب لاستخراج هذا الخبء.
فبقيت أعيان طبقات الشيعة وكبار رجالها كعقد منتثر لم تنظم جواهره في أسلاكها، ولم تشرق دراريه في أفلاكها، ولم تجتمع فرائده إلى أمثالها. نعم سوى أشتات في زوايا كتب متفرقة من كتب تراجم غيرهم كوفيات الأعيان لابن خلّكان، فإنّه أكثرَ من ذكر مشاهيرهم من كلّ طبقة حتّى من السلاطين والأمراء فضلاً عن الشعراء والأدباء.
ولا يشك خبير أنّ نسبة ما ذكره إلى مَنْ أغفله نسبة الواحد إلى الألف أو النقطة إلى الحرف. وكذلك تجد في كثير من أمثاله قبله أو بعده كثيراً منهم، ولكنّه لا يفي بكلّ ذلك الشرف ولا يبلغ كلّ تلك الغاية، ولا يأتي شيء منها، بل ولا كلّها بما نروم من الغرض. نعم مضى عشرة قرون والشيعة عن ذلك غافلون كأنْ ليس فيهم من تسمو به همته إلى اجتناء تلك الثمرة واستدناء فروع هاتيك الشجرة، حتّى هبّ السيّد الجليل الذي دون مقامه تعريفه بالفاضل النحرير السيّد علي خان صاحب “السلافة”، والمؤلفات الكثيرة الشاهدة بسعة فضله، فسمت نفسه إلى إسداء هذه الصنيعة والعارفة إلى قومه وطائفته، فشرع في مؤلف أجاد وأبدع في تنسيقه وتحريره وسمّاه “بالدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة”، ورتبه على إثنتي عشرة طبقة، هكذا: (1) الصحابة (2) التابعين (3) المحدّثين الرواة (4) العلماء (5) الحكماء والمتكلمين (6) علماء العربية (7) السادة الصوفية (8) الملوك والسلاطين (9) الأمراء (10) الوزراء (11) الشعراء (12) النساء.
وأنت تعلم متّعك الله أنّ السيّد علي خان فارس هذه الحلبة، وإمام هذه الصنعة ولو كُلفت بأنْ تعيّن متخصصاً لها لما كنتَ تعدوه في الاختيار، ولا تتخطاه في الانتخاب، ولا تزداد إلاَّ عجباً به بعد الاختبار. ولكن ويا أسفاه بل وا لهفاه أنّه ما أكمل من ذلك المشروع الجليل سوى المقدمة في تعريف الشيعة وتمييز الإمامية على أنقح ما يراد. ثمّ شرع في الطبقة الأولى وهي طبقة الصحابة بعد مقدمة مهمة في تعريف الصحابي، وبعد إستيفاء الشيعة من الصحابة ذكر فقط قليلاً من الطبقة الرابعة ثمّ وقف جاري قلمه وانقطع صدى صوته وانبترت نبرات أنفاسه، وبقي العمل خداجاً والكتاب غفلاً، لا يوجد إلاَّ في نوادر المكاتب، ولا يعرفه سوى قليل من الأفاضل.
ومرّت على ذلك ثلاثة قرون والشيعة تزداد اتساعاً وتتّسع انتشاراً وتعظم آثاراً وتنهض وتكبو لها دول في الشرق وإمارات ثمّ تكثر فيها العلماء والمؤلفون والنوابغ والاختصاصيون، ولكن لا يسنح لهم خاطر، ولا يمرّ بخلدهم خيال يدفع بواحد منهم إلى إتمام ذلك المشروع الجليل الذي فتح بابه ذلك السيّد الجهبذ شكر الله سعيه فإنّه نبّه الأفكار، ونشط العزائم، وأحكم الأساس والدعائم، سوى أنَّ القرائح كأنها جامدة، والهمم خامدة شأنها في أكثر ما يحتّم عليها ويلزم لها، على ذلك ومثله طويت صحائف الليالي والأيام، حتّى نهضت بشيخنا المترجم همّته القعساء وشيمته الشمّاء التي تستهل الصعب أو تدرك المنى، فشرع في كتاب واسع على تلك الخطة وذلك النهج وزاد فيه على الطبقات التي ذكرها السيّد حتّى بلغ بها إلى ما يناهز الثلاثين طبقة، ورتّب كلّ طبقة على الحروف.
وعهدي أنه قد جمع منه شيئاً كثيراً يبلغ عدّة مجلدات ضخمة، ولكنّه لم يتممه إلى الآن، وما أطنبنا بعض الأطناب في هذه المادة إلاَّ لننبّه الخواطر، وننشّط العزائم، ونحرّك نار الغيرة الكامنة تحت رماد الخمود والخمول إنْ كانت، لأنّنا نريد أن ننشّط عزيمة ذلك الذي قد بذل جهده واستفرغ وسعه فإنّنا نعلم أنّ عملاً كهذا، أعني جمع من نشرهم الزمان وطواهم من علماء الشيعة وشعرائها ومحدّثيها ورواتها وسلاطينها وملوكها وأطبائها وحكمائها وغير ذلك من الطبقات من مدّة ثلاثة عشر قرناً إلى اليوم في جميع أنحاء المعمورة، من العرب والعجم والترك والمغول والهند وسائر الشعوب والأمم، إنّ عملاً مثل هذا لا يقدر عليه شخص واحد مهما ساعدته الأسباب، وامتدَّ له العمر، ولا يبرق هذا الأمل ببارقة النجاح حتّى تحصل معاونة ومساعدة، ونصرة ومرافدة، وتتألف له جمعية فاضلة تنهض بعبئه، وتقوم بثقله، ويجمعوا له من العدّة والآثار ما هان وسهل، وعزَّ وندر، فعسى أنْ يحقّق الله الرجاء، ويبعث لهذه الأمنية بعض الكرام الأكفاء، وما ذلك على الله بعزيز إنْ شاء الله.
ثمّ لا يخفى على الأفاضل أنّه قد صنّف في هذا الموضوع بعض الكتب ممّا يقارب عصر السيّد علي خان، ولكنّها والحقّ يُقال لا تستحق الذكر، ولقد كان سترها أحسن من نشرها، بل وعدمها خيراً من وجودها، على أنّ الوجود الناقص خيرٌ من العدم الصرف.
نعم قد ألّف في العصور الوسطى بعض الكتب في خصوص من كان ينظّم الشعر من الشيعة، وهو كتاب “نسمة السحر في مَنْ تشيع وشعر”، وهو كتاب نفيس في مجلدين ضخمين عثر الشيخ المترجم على الجزء الثاني منه في بعض أسفاره بنسخة قديمة فنسخها بخطّه، وهو مرتّب على الحروف. ولا شكّ أنّه لم يطبع حتّى الآن، ولكنّه على حسنه وسعته ما استوفى ولا أحاط حتّى ولا بالخمس ولا الربع. فعسى أنْ يعثر على جزئه الأوّل الباحثون والأثريون أو يوجد عند أرباب المكتبات العالية، فيسمحون بنسخة ليكون من بعض المواد لذلك العمل المأمول إنْ شاء الله.
هذا وإنْ لشيخنا المترجم ولدين؛ أحدهما العلاّمة الفاضل الشيخ أحمد، وثانيهما الشيخ محمد الحسين، صاحب كتاب “الدين والإسلام” أو “الدعوة الإسلامية”.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
العمل مع السلطان
قراءة في مخطوطة الشريف المرتضى
دراسة وتحقيق البروفيسور مادلونك Madelung
ترجمة: د. رضوان السيد
I ـ تقديم
يبدو أنّ مسألة العمل مع السلطان غير الشرعي، وتولّي مناصب من قبله، شغلت بال علماء الشيعة الإمامية منذ وقتٍ مبكِّرٍ. فمن المعروف أنّ الإمامية لا يعترفون بالخلفاء التاريخيين فيما عدا عليّ بن أبي طالب، ويعتبرونهم مغتصبين وغير شرعيين. ذلك أنّ خلافة النبيّ في الأمّة ـ في نظرهم ـ كانت بالنصّ، حقاً من حقوق الإمام علي والأئمة من أعقابه. لكنّهم دُفِعوا عن حقّهم أيام الأمويين ثمّ أيام العباسيين. ثمّ إنّ الأئمة أنفسهم كَفّوا منذ عليّ زين العابدين عن السعي للوصول إلى السلطة عن طريق الثورة على الخلفاء غير الشرعيين. والإمام السادس جعفر الصادق ـ على الخصوص ـ رفض قبول أيّة مؤازرة لاستعادة حقّه في الخلافة بالقوّة، وحرّم على أتباعه المشاركة في التحرّكات الثورية باسم الإمام، حتّى يأتي الإمام القائم الذي ينتزع حقّه بالسيف. وقد حافظ الأئمة من بعده على سياسة التقيّة هذه، وظهرت آثار ذلك في عقيدة الشيعة الإمامية، إذا لا يتوقعون استلام الأئمة السلطة قبل ظهور المهدي.
هكذا تُرك أتباع الأئمة وشأنهم لملاءمة أنفسهم مع الأمر الواقع المتمثّل في استمرار الإمرة غير الشرعية. ويبدو أنّ هذا الوضع كان همّاً رئيساً بين هموم الجماعة الشيعية الإمامية. ويمكن تبيُّنُ ذلك من تعدّد الفتاوى والأجوبة المروية عن الأئمة والتي تتصل بمدى شرعية تصرّفات أئمة الجور والبغي، ووجوب طاعتهم أو معصيتهم، وجواز دفع المكوس التي يطلبونها أو عدم جواز ذلك، ثمّ جواز العمل معهم وقبول هداياهم أو عدمه. وكانت مسألة قبول منصب أيام أئمة الجور هؤلاء من المسائل التي جرى النقاش حولها ورُويت بشأنها آثارٌ مسندةٌ إلى الأئمة، ثمّ جُمعت فيما بعد في دواوين الحديث الإمامية في باب “المعاش” أو “المكاسب”(1). إنّ هذه المسألة لم تكن نظريةً بحتةً؛ ذلك أنّه من المعروف أنّ بعض الشيعة الإمامية وُلُّوا مناصب في الدولة إبان تكوُّن الشيعة الإمامية في القرنين الثاني والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين). وهكذا يمكن القول إنّ إجابات الأئمة ورواياتهم إنّما تعالج وقائع محدّدة. وأظهرُ هذه الوقائع وأشهرها في المرحلة الأولى، واقعة علي بن يقطين الذي كان موظفاً كبيراً أيام المهدي والهادي والرشيد. وعندما توفي عام 182هـ (798م) وَلِيَ الأميرُ الأمين ابن الرشيد الصلاة عليه. وقد كان علي بن يطقين أحد كبار أتباع الأئمة؛فقد روى عن جعفر الصادق وموسى الكاظم، وعُرف بالاهتمام بالأمور المالية للكاظم(2).
أمّا الفتاوى والآراء التي توردها المصادر للأئمة فيما يتّصل بهذا الأمر فمختلفة: إذ إنَّ بعض هؤلاء يذهبون إلى تحريم قبول منصبٍ من أي سلطان من سلاطين الجور. ويعلِّلون ذلك غالباً بأنّ العمل للسلطان ومعه يعني مؤازرته في ظلمه، ودعم نظام حكمه. وقد رأى جعفر الصادق أنّ الأمويين لم يكونوا ليستطيعوا دفع الطالبيين عن حقهم في السلطة لولا أنّهم وجدوا أعواناً، يُنَظِّمون لهم الأمور، ويجمعون لهم الضرائب، ويقاتلون من أجلهم، ويؤمّون جماعاتهم في المساجد(). ثمّ إنَّ العمل للسلطان الجائر سيُرغم العامل على إنفاذ توجيهات وأوامر تتناقض والشرع والعدل، وسيعني هذا سقوط العامل نفسه في الضلال والجور.
لكنْ هناك فتوى تستثني من هذا التحريم العام، الذين أُلجئوا إلى قَبول منصبٍ ما تحت طائلة التهديد بالقتل. ويرى الإمام جعفر نفسه، أنّ الولاية جائزةٌ لمن لا يقدر على تأمين طعامه وشرابه بغير عمل السلطان. وتضيف الفتوى المنسوبة إلى الإمام جعفر في هذا الصدد أنّ (المُلْجَأَ والخائف من الموت جوعاً) إذا ولي أحدُهُما منصباً معيَّناً فإنَّ عليه تأْديةَ الخُمْس للإمام(2). وهناك طائفةٌ من الآثار تبيح العمل مع السلطان غير الشرعي إذا كان غرض المتولّي، التخفيف عن أبناء مذهبه من الشيعة ومساعدتهم لدى ولاة الأمر. وللمساعدة أشكالٌ متعددةٌ قد يكون منها إطلاقُ سراح المسجونين منهم وإعفاء المدينين للسلطان من المغارم أو دفعها عنهم، واستعمال الأكفياء منهم في ديوانه وإدارته، وتقديم الأُعطيات والصدقات للضعفاء والفقراء منهم. ولا شك أنّ مساعدة الإمام نفسه تقع في طليعة أعمال الخير هذه، فقد قال الإمام موسى الكاظم لعليّ بن يقطين: إنّ لله مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه(3). وكان علي بن يقطين ـ كما ذكرت المرويات الشيعية ـ يُهدي الأئمة هدايا تبلغ قيمة بعضها الثلاثمائة ألف درهم. وعندما أراد الإمام الكاظم تزويج أبنائه، ومن بينهم خليفته علي الرضا، طلب إلى ابن يقطين أن يدفع مهور نسائهم عنه. عندها أمر ابن يقطين جواريه فتبرعن من حليهن بما قيمته عشرة آلاف دينار، أضاف إليها هو ثلاثة آلاف دينار للزفاف، وأرسل ذلك كلّه للإمام(4). وكان من عادة الإمام الكاظم عندما يريد شراء بعض الضياع، أن يعهد إلى علي بن يقطين بإتمام الإجراءات الضرورية لذلك(5). وكان ابن يقطين يُعيدُ الى أتباع الإمام سراً ما دفعوه من خراج أراضيهم للسلطة(6). وكان يتكفَّلُ سنوياً بنفقات الحجّ لأعدادٍ من الشيعة تتراوح ما بين المائتين والخمسين والثلاثمائة شخص(7)، لكي يتمكّنوا من زيارة الإمام بالمدينة أثناء الرحلة للحجّ، ولذا فإنّ الإمام رفض الإذن له باعتزال منصبه عندما سأله الفتوى في ذلك(8). وقد كان يعده بالجنّة تكراراً، لأعمال الخير الكثيرة التي يقوم بها(9).
وجاءت غيبةُ الإمام فلم تغيِّر كثيراً من جدليات الأمر الواقع المستمرّ بين الشيعة الإمامية والسلطة؛ فقد ظلّ العباسيون في السلطة وظلّوا يدّعون أنّهم أحقُّ بالخلافة. ولم يعد بوسع المتعاملين مع السلطان من الشيعة أن يفيدوا الإمام نفسه، بل أتباع الأئمة، وأبناء الطائفة.
وبسبب من غيبة الإمام وعدم إمكان الرجوع إليه شخصياً في مسألة التعامل وعدمه في الحالات المعينة؛ فقد اشتدّت الحاجةُ لقواعد فقهية يمكنُ الركونُ إليها والنظر إلى الحالات التفصيلية في ضوئها. ولا شكّ أنّ الحاجة للتقعيد في الوضع المستجدّ شمل مختلف نواحي الحياة وليس هذه المسألة فقط… ويدلّ على هذا الاهتمام المستمر بالمسألة انصراف فقيهين في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) للتأليف فيها، هما: أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن المغير البوشنجي، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن داود. أمّا الأوّل فهو عراقي “مختلط المذهب”، وقد أَلَّفَ رسالةً بعنوان: “كتاب عمل السلطان”(1)؛ وأمّا الثاني فقد كان شيخَ الإمامية وفقيههم في قُمّ (378هـ/ 988م)، وقد كتب رسالة “في عمل السلطان(2)” وقد ضاع العملان؛ ولذا فليس بمستطاعنا الحكم على مدى نجاح الرجلين في وضع الأمور في نصابها فيما يتصل بهذه المسألة.
II
تستندُ النشرةُ الحالية لرسالة الشريف المرتضى: “مسألة في العمل مع السلطان” إلى مخطوطة مكتبة “مجلس” بطهران (رقم 5187)، وتضمّ هذه المكتبة عدداً كبيراً من مخطوطات الشيعة الإمامية خصوصاً مؤلفات السيّد المرتضى(3). ويذكر آغا بزرك الطهراني أنّ السيّد أبا القاسم الأصفهاني بالنجف كان يملك مخطوطة أخرى للرسالة(4). وهناك مخطوطة حديثةُ النسخ أرسلها آغا بزرك إلى عبد الرزاق محيي الدين الذي ألّف كتاباً عن المرتضى(5)، وتُسَمَّى الرسالة: “مسألة في الولاية عن الجائر”، بإجازة المرتضى لتلميذه أبي الحسن محمد بن محمد البصروي؛ في شعبان عام 417هـ (تشرين الأوّل/ أكتوبر، 1026م) (6). أمّا النجاشي تلميذ المُرتضى فقد سمّاها في كتابه الرجال: “مسألة في عمل السلطان”(7). وليست هناك إشارت إليها في الأعمال الشيعية المتأخرة. ويبدو أنّها لم تكن معروفةً على نطاق واسع. لكنّ ذكرها في الأعمال الأُولى، ثمّ طبيعة النصّ نفسه؛ كلّ ذلك يؤكد أصالة نسبتها للشريف المرتضى.
أمّا الشريف المرتضى (المتوفى 436هـ/ 1044م) فهو مَنْ عَقِب الإمام موسى الكاظم. وقد صار حُجّة الشيعة وفقيههم بغير منازع ببغداد، بعد وفاة شيخه المفيد عام 413هـ/ 1022م. وكان نقيب نقباء الطالبيين هناك، كما ولي المظالم. واحتفظ بعلاقاتٍ جيدةٍ مع خلفاء العباسيين: الطائع، والقادر، والقائم؛ وله في القائم مرثية معروفة. ويبدو أنّ مسألة العمل مع السلطان غير الشرعي كانت تُهِمُّهُ شخصياً، بسببٍ من منصبه الرسمي وعلاقاته بالخلفاء العباسيين؛ وربّما شعر بالحاجة لتسويغ سلوكه لدى أبناء مذهبه المعاصرين. لكنّ السبب المباشر لتأليف هذه الرسالة ـ كما يذكر هو نفسه ـ ذلك النقاش الذي جرى حول المسألة في مجلس الوزير أبي القاسم الحسين المغربي؛ وزير مُشَرِّف الدولة البويهي ببغداد في جمادى الثانية، عام 415هـ (أيلول/ سبتمبر، 1024م)(1). والوزير المغربي يعتبر أحد كبار مثقفي العصر، وهو شيعي، وذو اهتمام أكيد وشخصي بموضوع النقاش. وتذكر المصادر أنّ المرتضى كان على علاقةٍ حسنة به، وقد كتب له رسالةً أخرى في إيضاح مسألة غيبة الإمام(2). ويبدو أنّه كتب له رسالةَ “عمل السلطان” بعد النقاش السالف الذكر بأيام قليلة(3)، وذلك أنّ الوزير استقال من منصبه في الايام الأخيرة من العام نفسه(4).
III ـ نص الرسالة
الحمدلله وسلامه على عباده الذين اصطفى محمد والطيّبين من عترته، جرى في مجلس الوزير السيّد الأجلّ أبي القاسم الحسين بن علي المغربي أدام الله سلطانه، في جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وأربعمائة، كلامٌ في الولاية من قبل الظَّلَمَة وكيفية القول في حسنها وقبحها؛ فاقتضى ذلك إملاء مسألة وجيزة يُطْلَعُ بها على ما يُحتاج إليه في هذا الباب. والله الموفق للصواب والرشاد.
اعلَمْ أنَّ السلطان على ضربين: مُحِقٌّ عادل، ومُبْطِلٌ ظالم متغلِّب. فالولايةُ من قبل السلطان المحقُّ العادل لا مسألة عنها، لأنّها جائزةٌ، بل ربّما كانت واجبةً إذا حتمها السلطان وأوجب الإجابة إليها. وإنّما الكلامُ في الولاية من قبل المتغلِّب، وهي على ضروب: واجب ـ وربّما تجاوز الوجوب إلى الإلجاء ـ ومباح، وقبيح، ومحظور. فأمّا الواجبُ فهو أن يعلم المتولّي أو يغلب على ظنّه بأماراتٍ لائحةٍ أنّه يتمكّن بالولاية من إقامة حقٍّ ودفعِ باطلٍ أو أَمْرٍ بمعروفٍ ونَهْيٍ عن منكر. ولولا هذه الولايةُ لم يتمّ شيءٌ من ذلك. فيجب عليه الولايةُ لوجوب ما هي سببٌ إليه، وذريعةٌ إلى الظَفَر به. فأمّا ما يخرج إلى الإلجاء فهو أن يُحمل على الولاية بالسيف، ويغلب في ظنّه أنّه متى لم يُجِبْ إليها سُفِكَ دَمُهُ، فيكون بذلك مُلْجَأ إليها. فأمّا المُبَاح منها فهو أن يخاف على مالٍ له من مكروهٍ يقعُ به يُتَحَمَّلُ مثلُهُ، فتكون الولايةُ مباحةً بذلك ويسقط عنه قُبْحُ الدخول فيها، ولا يلحق بالواجب، لأنّه إنْ آثر تحمّل الضرر في ماله والصبر على المكروه النازل به ولم يتولَّ فإنَّ ذلك أيضاً له.
فإن قيل: كيف تكون الولايةُ من الظالم حسنةً فضلاً عن [أن تكون] واجبةً، وفيه وجه القبح ثابت، وهو كونُها ولايةً من قبل الظالم؛ ووجهُ القبح إذا ثبت في فعلٍ كان الفعلُ قبيحاً، وإن حصلت وجوهُ حُسْنٍ! ألا ترى أنّ الكذب لا يحسُنُ وإن اتّفقت فيه منافعُ دينيةٌ بألطافٍ يقع عندها الإيمان وكثير من الطاعات؟ قلنا: غير مُسَلَّم أنَّ وجه القبح في الولاية للظالم هو كونُها ولايةً من قبله، وكيف يكونُ ذلك وهو لو أُكره بالسيف على الولاية لم تكن منه قبيحة. وكذلك إذا كان فيها توصُّلٌ إلى إقامة حقٍّ ودفعِ باطل تخرُجُ من وجه القبح. ولا يشبه ذلك ما يعترض في الكذب ممّا لا يُخرجُهُ من كونه قبيحاً، لأنّا قد علمنا بالعقل وجه قبح الكذب، وأنّ مجرد كونه كذباً [قبيح]؛ لأنَّ هذه جهة عقلية يمكن أن يكونَ العقلُ طريقاً إليها. وليس كذلك الولاية من قبل الظالم؛ لأنّ وجه قبح ذلك في الموضع الذي يَقْبُحُ فيه شرعيٌّ، فيجب إن نثبته قبيحاً في الموضع الذي يجعله الشرع كذلك. وإذا كان الشرعُ قد أباح التولّي من قبل الظالم مع الإكراه، وفي الموضع الذي فرضناه أنّه متوصِّلٌ به إلى إقامة الحقوق الواجبات، علمنا أنّه لم يكن وجهُ القبح في هذه الولاية مجرد كونها ولايةً من جهة ظالم. وقد علمنا أنّ إظهار كلمةٍ لما كانت تحسن مع الإكراه، فليس وجه قبحها مجرد النطق بها وإظهارها، بل بشرط الإيثار. وقد نطق القرآنُ بأنّ يوسف (عليه السلام) تولّى من قبل العزيز وهو ظالمٌ، ورغب إليه في هذه الولاية حتّى زكّى نفسه قائلاً: “قال اجعلْني على خزائن الأرض إنّي حفيظٌ عليم” [سورة يوسف، 55]، ولا وجه لحسن ذلك إلاّ ما ذكرناه من تمكُّنه بالولاية من إقامة الحقوق التي كانت تجبُ عليه إقامتُها.
وبعد، فليس التولّي من جهة الفاسق أكثر من إظهار طلب الشيء من جهةٍ لا يُسْتَحَقُّ منها، وبسببٍ لا يوجبه، وقد فعل ما له هذا المعنى أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ لأنّه دخل في الشورى تعرُّضاً للوصول إلى الإمامة، وقد علم أنّ تلك الجهة لا يستحق من مثلها التصرّف في الإمامة. ثمّ قبل اختيار المختارين له عند إفضاء الأمر إليه، وأظهر أنّه صار إماماً باختيارهم وعقدهم، وهذا له معنى التولّي من قبل الظالم بعينه، للاشتراك في إظهار التوصل إلى الأمر بما لا يستحقّ به ولا هو موجبٌ لمثله. لكنّا نقول إنّ التصرّف في الإمامة كان إليه (عليه السلام) بحكم النصّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن (؟) الله. فإذا دُفع عن مقامه وظنّ أنّه ربما توصّل إلى الإمامة بأسبابٍ وضعها واضعون، لا تكونُ الإمامةُ مستحقةٌ بمثلها، وجب أن يدخل فيها ويتوصل إليه، حتّى إذا وصل إلى الإمامة كان تصرُّفه فيها بحكم [النص الأوّل لا بحكم] هذه الأسباب العارضة. ويجري ذلك مجرى مَنْ غُصِبَ على وديعةٍ وحيل بينه وبينها، وأظهر غاصبُها أنّه يهبُها لصاحبها، فإنّه يجوزُ لصاحب الوديعة [أن يقبضها] ويُظهر أنّه قبضها على جهة الهبة، ويكون تصرّفه حينئذٍ فيها بحكم المِلك الأوّل لا عن جهة الهبة. وعلى هذا الوجه يُحمل تولّي أمير المؤمنين (عليه السلام) لجلد الوليد بن عقبة.
ولم يزل الصالحون والعلماء يتولّون في ازمانٍ مختلفةٍ من قبل الظَّلَمَة لبعض الأسباب التي ذكرناها. والتولي من قبل الظلمة إذا كان فيه ما يُحَسِّنه ممّا تقدَّم ذكره، فهو على الظاهر من قبل الظالم وفي الباطن من قبل أئمة الحقّ (عليهم السلام)؛ لأنّهم إذا أذنوا له في هذه الولاية عند الشروط التي ذكرناها فتولاها بأمرهم فهو على الحقيقة والٍ من قبلهم ومتصرفٌ بأمرهم، ولهذا جاءت الرواية الصحيحة بأنّه يجوز لمن هذه حاله أن يقيم الحدود، ويقطع السُرّاق، ويفعل كلّ ما اقتضت الشريعة فعله من هذه الأمور.
فإن قيل: أليس هو بهذه الولاية مقوّياً للظالم ومظهراً فرض طاعته، وهذا وجهُ قبحٍ لا محالة كان غنياً عنه لو أبى الولاية؟ قلنا: الظالم إذا كان متغلباً على البلد فلا بدَّ لمن هو في بلاده وعلى الظاهر من جملة رعيته، من إظهار تعظيمه وتبجيله، والانقياد له على وجه فرض الطاعة؛ فهذا المتولّي من قبله لو لم يكن متولياً لشيءٍ لكان لا بدَّ له من التفلّت منه، مع إظهار جميع ما ذكرناه من فنون التعظيم للتقيّة والخوف. فليس تُدْخِلُهُ الولايةً في شيءٍ من ذلك لم يكن يلزمُهُ لو لم يكن والياً. وبالولاية يتمكّن من أمْرٍ بمعروفٍ ونَهْيٍ عن منكرٍ؛ فيجب أن يتوصّل بها إلى ذلك. فإن قيل: أرأيتم إنْ غلب على ظنّه أنّه كما يتمكّن من أمرٍ ببعض المعروف ونَهْيٍ عن بعض المنكر، فإنّه يلزم على هذه الولاية أفعالاً منكرةً قبيحةً لولا هذه الولاية لم تلزمه، ولا يتمكّن من الكف عنها؟ قلنا: إذا كان لا يجد عن هذه الأفعال القبيحة محيصاً، ولا بدَّ أن تكونَ الروايةُ سبباً لذلك، ولو لم يتولّ لم يلزمه أن يفعل هذه الأفعال القبيحة، فإنّ الوِلايةَ حينئذٍ تكونُ قبيحةٌ لا يجوز أن يدخل فيها مختاراً.
فإن قيل: أرأيتم إنْ أُكره على قتل النفوس المحرَّمة كما أُكره على الولاية، أيجوز له قتلُ النفوس المحرّمة؟ قلنا: لا يجوز ذلك! لأنّ الإكراه لا حكم له في الدماء. ولا يجوز أن يدفع عن نفسه المكروه بإيصال ألم إلى غيره على وجهٍ لا يُحْسُنُ ولا يَحِلُّ؛ وقد تظاهرت الرواياتُ عن أئمتنا (عليهم السلام) أنّه لا تقيّةَ في الدماء؛ وإنْ كانت مُبيحةً لما عداها عند الخوف على النفس.
فإنْ قيل: فما عندكم في هذا المتولّي للظَلَمة ونيتُهُ معقودةٌ على أنّه دخل هذه الولاية لإقامة الحقوق إن منعه من هذه الولاية أو ممّا يُتصرف فيه منها مانعٌ من الناس ورام الحيلولةَ بينه وبين أغراضه، كيف قولُكُم في دفعه عن ذلك وقتاله وقتله؟ قلنا: هذه الولاية ـ إذا كانت ـ حسنةٌ أو واجبةٌ عند ثبوت شرط وجوبها؛ وبيّنا أنّها في المعنى من قبل إمام الحقّ وصاحب الأمر؛ وإن كانت على الظاهر الذي لا معتبر به كأنّها من قبل غيره؛ فَحُكْمُ من منع منها وعارض فيها حُكْمُ مَنْ مَنَعَ من ولاية من ينصبُهُ الإمامُ العادلُ في دفعه بالقتل والقتال غير ذلك من أسباب الدفع.
فإن قيل: كيف السبيلُ إلى العلم بأنّ هذا المتولّي في الظاهر من قبل السلطان الجائِرِ مُحِقٌّ لا تَحِلُّ مُعارضتُهُ ومخالفته وهو على الظاهر مُتَوَلٍّ من قِبَلِ الظالم الباغي الذي يجب جهادُهُ ولا يَحْسُنُ إقرارُ أحكامه؟ فإن قلتم: الطريق إلى ذلك أن نجد من يعتقد المذهب الحق يلي من قبل الظلمة والمتغلبين مختاراً فنعلم أنّه ما اعتمد ذلك إلاّ لوجهٍ صحيح اقتضاه؛ قيل لكم: وهذا كيف يكونُ طريقاً صحيحاً وقد يجوز لمعتقد الحق أن يعصي بأن يلي ولايةً من قبل ظالمٍ لبعض أغراض الدنيا ومنافعها، فلا يكون دفعه ومنعه قبيحين. قلنا: المُعَوَّلُ في هذا الموضع على غلبة الظنون وقوّة الإمارات؛ فإن كان هذا المتولّي خليعاً فاسقاً قد جرت عادتُهُ بتورط القبائح وركوب المحارم ورأيناه يتولى للظلمة؛ فلا بد من غَلَبة الظنّ بأنّه لم يتولّ ذلك مع عادته الجارية بالجرم والفجور إلاّ لأغراض الدنيا؛ فيجب منعُهُ ومنازعتُهُ والكفُّ عن تمكينه. وإن كانت عادتُهُ جاريةً بالتديُّن والتصوُّف والكفّ عن المحارم ورأيناه قد تولّى مختاراً غير مكرهٍ لظالمٍ فالظنُّ يقوى أنّه لم يفعل ذلك مع الإيثار إلاَّ لداعٍ من دواعي الدين التي تقدَّمَ ذكرُها، حينئذٍ لا يحلّ منعُهُ ويجب تمكينه. فإن اشتبه في بعض الأحوال الأمر، وتقابلت الإمارات، وتعادلت الظنون وجب الكفُّ عن منعه ومنازعته على كلّ حال؛ لأنّا لا نأمن في هذه المنازعة أن تقع على وجهٍ قبيحٍ، وكُلُّ ما لا يؤمَنُ فيه وجهُ القبح يجبُ الكفُّ عنه.
وهذه الحالُ في فنون التصرّف وضروب الأفعال أكثر من أن تُحصى؛ فإنّه لو عهدنا من بعض الناس الخلاعةَ والفسقَ وشربَ الخمر والتردُّد إلى مواطن القبح، ورأيناه في بعض الأوقات يدخل إلى بيت خَمّارٍ ونحن لا ندري أيدخل للقبيح أم للإنكار على من يشرب الخمر؛ فإنّا لقوّة ظنوننا بالقبيح منه على عادته المستمرة يجب أن نمنعه من الدخول، ونحول بينه وبينه إذا تمكّنا من ذلك؛ وإن جاز على أضعف الوجوه وأبعدها من الظنّ أن يكون دخل للإنكار لشرب الخمرة. ولو رأينا مَنْ جرت عادتُهُ بالصيانة والديانة وإنكار المنكر يدخل بيت خَمّارٍ، فإنّه لا يحسُنُ منعُهُ من الدخول، لأنّ الظَنَّ يسبق ويغلب، إلاّ لوجهٍ يقتضيه الدين، إمّا لإنكارٍ أو غيره. فإن رأينا داخلاً لا نعرفُ له عادةً حسنةً ولا سيئةً توقفْنا أيضاً عن منعه لأنّه يجوز أن يكون الدخول لوجه جميل، ولا أمارة للقبيح ظاهرة.
فإن قيل: فكيف القولُ فيمن يتولّى للظالم، وغرضُهُ أن يتمَّ له بهذه الولاية الأمْرُ بالمعروف والنَهْيُ عن المنكر، وجمع بين هذا الغرض وبين الوصول إلى بعض منافع الدنيا إمّا على وجه القبح أو على وجه الإباحة؟ قلنا: المعتبر في خلوص الفعل لبعض الأغراض أن يكونَ لولا ذلك الغرض لما فعله وأقدم عليه؛ وإنْ جاز أن يكون فيه أغراض أخرى ليس هذا حكمها. فإنْ كان هذا المتولّي لو انفردت الولاية بالأغراض الدينية وزالت عنها الأغراض الدنيوية لكان يتولاّها ويدخل فيها، ولو انفردت عن أغراض الدين بأغراض الدنيا لم يقدم عليها؛ فهذا دليلٌ على أنّ غرضه فيه هو ما يرجع إلى الدين، وإنْ جاز أن يجتمع إليه ممّا لا يكون هو المقصود. وإن كان الأمرُ بالعكس من هذا فالغرضُ الخالصُ المقصودُ هو الراجع إلى الدنيا فحينئذٍ تقبُح الولاية.
فإن قيل: ما الوجه فيما يُروى عن الصادق (عليه السلام) من قوله: “كفّارةُ العمل مع السلطان قضاءُ حوائج الإخوان”؛ أو ليس هذا يوجِبُ أنّ العمل من قبله معصيةٌ وذنب حتّى يحتاجَ إلى الكَفّارة عنها؟ وقد قلتم: إنّها تكونُ في بعض الأحوال حسنةً وواجبة؟ قلنا: يجوزُ أن يكون (عليه السلام) أراد بذلك أنّ قضاء حاجات الإخوان يُخْرِجُ الولاية من القبح إلى الحسن، ويقتضي تعرّيها من جهة اللوم، كما أنّ الكَفّارة تُسقِطُ اللوم عن مرتكب ما يقتضيها. فأراد أن يقولَ إنَ قضاء حاجات الإخوان يُدْخِلُها في الحسن، فقال: يكون كفّارةً لها تشبيهاً. ويمكن أيضاً أن يريد بذلك من تولّى للسلطان الظالم وهو لا يقصد بهذه الولاية التمكّن من إقامة الحق ودفع الباطل، ثمّ قضى بعد ذلك حاجات الإخوان على وجهٍ يستحق الثواب والشكر، فهذه الولايةُ وقعت في الاصل قبيحةً، ويجوز أن يسقط عقابها ويتمحص عن فاعلها بأن يفعل طاعةً قصدها، وتكون تلك الطاعة هي قضاءُ حاجات الإخوان المؤمنين؛ وهذا أوضح. والحمدُلله ربّ العالمين والصلاةُ على محمدٍ وآله الطاهرين.
عوائد الأيام
يُعدّ كتاب “عوائد الأيام” واحداً من أهم مؤلفات الفاضل النَّراقي وأشهرها، وهو يتضمن القواعد الأصولية والفقهية الأساس، وبعض الموضوعات والفوائد الأدبية والرجالية. وقد عني المؤلف فيه بطرح مباحث عُدَّ الإطلاع عليها والإلمام بها بهدف استنباط الأحكام أمراً لازماً خلت منه المكتبة العربية من قبل.
القيمة العلمية لعوائد الأيام
بالإضافة إلى الخصوصيّات الفريدة التي توافرت في مؤلف هذا الكتاب باعتباره واحداً من أعاظم العلماء وأدقّهم، فإنّ لهذا الأثر في حدّ ذاته قيّمة علمية ميزته عن سائر مؤلفات النّراقي، بل لا نظير لهذا الأثر بين مؤلفات سائر العلماء. ومن تلك المميزات:
أ ـ إبتكاره مسلكاً جديداً في اختيار الموضوعات ومنهجية البحث والتدوين.
ب ـ طرحه للتحقيق موضوعات ومسائل وجد أن الإلمام بها ومعرفتها أمر ضروري لاستنباط الأحكام الشرعية.
ج ـ تطرّقه إلى مباحث جديدة لم يتطرق إليها أحد قبله، كمبحث “ولاية الفقيه” وموضوع “الإسراف” وكان صاحب العوائد أوّل فقيه يجمع الموضوعات والمباحث الخاصّة بولاية الفقيه ويؤكد بأدلة عقلية ونقلية أنّ للفقيه جميع الخيارات الحكومية التي تمتّع بها النبي والأئمة (عليهم السلام).
د ـ ومن خصائص الكتاب تنوّع الموضوعات والقواعد المطروحة للبحث والتدقيق.
هـ ـ تتبعه الوسيع في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والخوض في أقوال الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين المعاصرين له، والإستفادة من آراء كبار الأدباء والمفسرين وخبراء سائر العلوم.
و ـ التنظيم الجميل في ترتيب المباحث والدقة في صياغة التعابير، ورعاية الإيجاز والاختصار والمتانة في بيان المطالب خالية من التعقيد والغموض.
فتح هراة
ومقتل شيخ الإسلام التفتازاني
بقي الشاه إسماعيل مُعتزّاً بقوّته وجبروته، بعد الانتصارات المتلاحقة التي حظيت بها قواته بقيادة القبائل القزلباشية، والتي أخذت تتهاوى أمام سطوتها المدن والممالك والبلدان، فاتّجه هذه المرّة إلى المناطق الشمالية لبلاد فارس.
وكانت إمبراطورية الأوزبك السُنيّة، المسيطرة على هذه المناطق، من جملة مناطق نفوذها الممتدة إلى أفغانستان، والصين().
وبعد معارك طاحنة إستطاع الشاه إسماعيل أنْ يتغلّب على الأوزبك، بعد مقتل زعيمهم محمد الشيباني سنة 916هـ/ 1510م، والسيطرة على منطقة خراسان وما والاها من المدن بضميمة مدينة (مشهد) الدينيّة الشيعيّة().
أمّا مدينة هراة فقد سقطت بيد الصفويين، وكانت ـ استناداً إلى المؤرخين الشيعة ـ مدينة ذات غالبية شيعية، إلاَّ أنَّ مقاليد السلطات الدينية كانت بيد المشايخ الأحناف السنيين.
وعند دخول الشاه إسماعيل المدينة انتفض الأهالي من الشيعة الذين كانوا واقعين تحت اضطهاد الأوزبك للسيطرة على المراكز الحيوية في البلاد، والانتقام من خصومهم السياسيين.
وكانت قد جرت عملية تعبوية بين الشيعة أنفسهم لمساندة الصفويين قام بها علماء الإمامية الهرويين، أمثال الأمير عطاء الله بن فضل الله الحُسيني الدشتكي الشيرازي الهروي المعروف بجمال الدين المُحدّث الأصيلي (كان حيّاً سنة 929هـ/ 1523م) الذي بقي مسانداً للسلطة الجديدة، ومدافعاً عنها().
كما فوّضت بعض المناصب الدينية رسميّاً للشخصيات المتنفذة كمنصب القضاء الذي قلَّده الشاه إسماعيل للمير غياث الدين محمد بن المير يوسف (قتل سنة 927هـ/ 1521م بأمر أمير خان التركمان).
وقد رافقت دخول هراة فوضى الفاتحين ـ كما في أي غزو همجي ـ في عملية للسيطرة على المدينة فسُجِّل مقتل عدد من الخطباء السُّنَّة الذين لم ينصاعوا لأوامر القوات الفاتحة، كما قُتل شيخ الإسلام سيف الدين أحمد بن يحيى التفتازاني().
أمّا مقتل شيخ الإسلام، سيف الدين أحمد بن يحيى بن سعد الدين التفتازاني فقد كان مدعاة للأسى والأسف عند الشيعة أنفسهم. فقد نُقل عن المجتهد نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي المعروف بالمحقق الثاني (ت: 940هـ/ 1534م) أنّه عندما دخل مدينة هراة في تلك المرحلة، وعلم بمقتل التفتازاني اعترض، وقال: “لو لم يُقتل لأمكن أنْ يلزم عليه بإقامة الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة حقيّة مذهب الإمامية، وبطلان مذاهب غيرهم، فيكون ذلك سبباً لهداية سائر أهالي تلك البلاد”.
وكان التفتازاني مع خمسة من كبار علماء السُنّة() قد اجتمعوا في دار الإمارة لاستقبال الشاه إسماعيل قبل دخوله المدينة بعد سيطرة قواته عليها(). إلاَّ أنَّ النصوص الشيعية الواردة حول مقتله نسبتْ صدور قتل التفتازاني إلى الشاه إسماعيل نفسه.
ورد في المصادر الشيعية هذا النص: “في هذه السنة (916هـ) قتلَ صاحب الجلالة (إسماعيل الصفوي) سيف الدين أحمد بن يحيى بن سعد الدين التفتازاني ـ شيخ إسلام خراسانن بسبب معارضته”().
وذكر الخوانساري أنَّ السلطان إسماعيل الصفوي عندما فتح هراة سنة 916هـ، صدر أمره المعظم بقتل هذا الرجل في جماعة أخرى من علماء هراة المتعصبين مع أنّه كان من جملة علمائها السنّة الذين اجتمعوا، وجلسوا في دار الإمارة لتعيين المنزل لحضرة الشاه قبل ورود موكبهِ المبارك عند وصول خبر فتحه().
أمّا القاضي الشهيد السيّد نور الدين التستري المرعشي فقد نقل في ردّه على الميرزا مخدوم الجرجاني الذي إدّعى التسنّن لظروف سياسية سيأتي تفصيلها، أنَّ جدَّهُ الشريف الثاني الجرجاني، الذي كان صدراً للسلطان شاه إسماعيل هو الذي أفتى بقتل شيخ الإسلام التفتازاني()، ربّما كان ذلك في محاولة تحريضيَّة ضد الميرزا مخدوم، أو هي واقعة حقيقية أراد أن يُذكّره بها، ويُشنّع بها عليه.
ومن خلال ما ورد من إنكار الكركي في قتل شيخ الإسلام فإنَّ مقتله يُرجَّح أنْ يكون قد جرى على يد المنتفضين من أهالي هراة الشيعة، ولم يكن قد صدر عن إرادة ملكية رسمية عليا، وإلاّ لم يمكن للكركي أنْ يتجرّأ في الاعتراض على مقتله بالشكل الذي حفظته المصادر التاريخية عنه.
إنَّ ما نقلَ من اعتراض المحقق الكركي على مقتل شيخ الإسلام التفتازاني يزرع الشك في الروايات المنقولة التي نسبتْ أمر مقتله إلى الشاه إسماعيل، ويضعّفها، خصوصاً أنَّها منقولة عن مصادر بعيدة عن الأحداث. وترجح قضيَّة مقتله إلى إنتفاضة أهالي هراة المناوئين للسلطة الأوزبكية، وإلاَّ فلا يوجد أي مبرر لمقتله بعد خضوع غالبية العلماء السُّنَّة للتعامل مع الحكم الجديد، والخضوع له.
كما أنَّ العلماء الآخرين لم يقع عليهم أيُّ شيء ممّا وقع على نظيرهم التفتازاني.
يُضاف إلى ذلك أنَّ بعض النصوص التأريخية كشفتْ تحدّي الثوار الموتورين من السلطة الأوزبكية، في عملية هياج انتقامية كانت تحدث في ظروف تلك الفترة ذات التطوّرات السياسية المعقدة.
ولا يُستبعد أنْ يكون التفتازاني قد سقط ضحية هذا الهوس الذي يُصاحب عادة انتقال السلطة، خصوصاً إذا كان هذا الانتقال قائماً على السيف.
لذلك فإنَّ ما صدر من تأسّف الكركي على مقتل شيخ الإسلام التفتازاني هو أقرب لهذه الفرضية، وإلاَّ فمن الصعوبة أنْ تصدر مثل هذه النقول عن فقيه مثل الكركي كان لتوّه دخل بلدة ما زالت تعاني من تبدّل أوضاعها السياسية، ليقوم بالاعتراض على القرارات الصادرة عن أعلى سلطة ملكية فيها.
نعم، يجوز أنْ تكون مقولة تأسّف الكركي على شيخ الإسلام صحيحة، لكنّها مقولة عامّة لم تكن موجّهة بالتحديد إلى شخص الشاه.
إنَّ من جملة عدم الانضباط الجماهيري الذي ينسجم مع هذه الفرضية ما ورد في هذا النص: “لمّا اجتمع علماء السُّنَّة في دار السيادة، انتدبوا عدداً منهم لاستقبال موكب قلي جان بيك، ولمّا شاهد أهالي هراة الذين ذاقوا من الأوزبك مُرّ العذاب اثنين من الأوزبك يدخلون دار السيادة ثارت ثائرتهم، واقتحمَ الدار عدد من الأوباش، والشباب الثائر فقتلوا محمد لكور، ومحمد علي العيني أمام المجتمعين، ثمّ سرى الاضطراب إلى أنحاء المدينة وأزقّتها، فقتل مائة شخص ممّن كان لهم علاقة بالأوزبك. وفي عصر ذلك اليوم دخل قلي جان بيك المدينة، فهدأ أهلها، وسلّم رسالة الفتح إلى أعيان المدينة، وأشرافها.
وفي اليوم التالي اجتمع عامّة الناس، وخواصهم في المسجد الجامع، واعتلى حافظ زين الدين المنبر، وبدأ بقراءة رسالة الفتح بلحن مؤثّر، وأُسلوب جذّاب لكنَّه لم يستجب لطلب بعض أفراد القزلباش الذين كانوا تحت منبره بذكر بعض العبارات، فما كاد ينزل عن المنبر حتّى بادره هؤلاء بسيوفهم، فأردوه قتيلاً داخل المسجد. وقد أصيب أهالي هراة بالرعب والهلع عند مقتل زين الدين”().
د. جودت القزويني
فخر المحققين
الزعامة الدينية والزعامة السياسية
استقلّ بزعامة الشيعة بعد وفاة العلاّمة الحلّي ولدُهُ محمد بن الحسن، فخر المحقّقين (682 ـ 771هـ/ 1283 ـ 1369م) الذي كان فقيهاً نابهاً، بولغ في ذكائه، ومقدرته العلمية منذ صباه حتّى قيل إنَّه نال درجة الاجتهاد في سن مبكرة من حياته، قبل بلوغه الحلم().
ولم تظهر لفخر المحققين صلة بعد صلة أبيه بالإيلخانيين بسبب عدم استقرار الوضع السياسي، وتشتّت مراكز القوى الحاكمة في البلاد، وعدم مقدرة السلطان أبي سعيد على إدارة دفّة الحكم لصغر سنّه.
وكلُّ ما عُرف عن نشاطه السياسي منذ بداية حياته أنّه كان شريك والده في رحلاته إلى السلطانية، وكان أحد أساتذة المدرسة السيّارة التي أسَّسها خدابندة بإشراف والده العلاّمة.
كما كان أحد الأطراف المشتركة في المناقشات الجدلية التي كانت تدور في بلاط السلطان خدابندة مع علماء المذاهب الإسلامية في بعض الأوقات.
إلاّ أنّه بعد وفاة أبيه وردت إشارة منه أنّه غادر مدينة الحلّة وسكن آذربيجان دون أن يكشف السبب في هذه المغادرة(). وتصمت النصوص عن دوره في هذه الهجرة، وفي المدن التي تنقَّل بها. ويبدو أنَّ رحلة فخر المحققين هذه، إنْ صحّتْ أنَّ هناك رحلة، كانت محاولة لإعادة دور أبيه مرّة ثانية على أرض إيران.
لم تكن هناك إشارات واضحة تعين في تأكيد مثل هذه الافتراضات المهمة، كما لم تكن هناك نصوص تفصح عن مدى صلة فخر المحققين بالسلطان أبي سعيد، إلاّ أنَّ رحلة فخر المحققين هذه كانت، على أحسن الفروض، رحلة تحريضيّة تستهدف القضاء على إدارة الأمير چوپان التي تحكمت بشؤون السلطان أبي سعيد قرابة عقد من الزمن، والتي سببت ثورة السلطان أبي سعيد على الأمير چوپان بعد فترة قصيرة من وصول فخر المحققين إلى إيران().
ولم يظهر لفخر المحققين أي نشاط تاريخي يمكن أنْ يسجَّل له خلال المدّة التي قضاها في إيران بسبب ضعف الدولة الإيلخانية، وتدهورها بعد موت السلطان خدابندة.
كما إنَّ عودته إلى الحلّة لم يكن زمنها معلوماً؛ بَيْدَ أنَّ الإمبراطورية الإيلخانية، طبقاً للنصوص التي بين أيدينا، بدأت بالتفتُّت بعد وفاة الإيلخان الشاب أبي سعيد عام 736هـ/ 1335م مباشرة بسبب الصراعات الداخلية، وحروب الأطراف المتنازعة على السلطة، هكذا أوحى تسلسل الأحداث المتناقلة.
فخلال هذه المرحلة استقلت مجموعة من المناطق مُشكِّلةً دولاً شيعية متعددة، بعدما كانت جميعها تابعة للإدارة الإيلخانية سابقاً، ففي سبزوار (خراسان) ساعد حسن الجوري (رئيس إحدى الطرق الصوفية المسمّاة بالشيخية الجورية) ـ السربداريين بتشكيل دولة شيعية صغيرة ظهرت سنة 738هـ/ 1337م، وبقيت حتّى عام 788هـ/ 1386م.
كما أوجد الأمير قوام الدين المرعشي (ت: 781هـ/ 1379م) المعروف باسم ميرزا بزرك (الميرزا الكبير)، دولة شيعية أخرى تركّزتْ في مدينة آمل بمازندران سنة 760هـ/ 1359م. وقد هزم ولده السيّد كمال الدين (ت: 820هـ/ 1417م) على يد تيمور سنة 794هـ/ 1391م، لكنّه بقي في سلطته، وبقي الحكم مستمراً في سلسلته كحكام شبه مستقلين حتّى فترة العصر الصفوي().
إنَّ هاتين الدولتين الشيعيتين الصغيرتين، كما صوّرت الأخبار، كانتا قائمتين على مبادئ الطرق الصوفية الجامعة بين الالتزام بالتشيع من جهة، والدفاع عنه بالقوّة من جهة أخرى، ويشبهه إلى حد ما الارتباط الذي تكرّر بعد قرنين من الزمن على يد الصفويين بعد اكتساحهم السلطة في إيران.
إنَّ عدداً من الحكومات المحلية الصغيرة التي حلّت محل الإيلخانيين كانت شيعية، أو متعاطفة مع التشيع إلاَّ أنَّها من المحتمل جدّاً كانت متطابقة في نزعتها مع التجربة التي تكرَّرت على يد الصفويين أوّل أيام حكمهم في الجمع بين العقائد الشيعية والأفكار الصوفية.
كما كانت الإمبراطوريتان الجلائرية (في آذربيجان والعراق)، والجوپانية (في آذربيجان) من بين هذه الإمبراطوريات ذات النزعات الشيعية أيضاً.
إنَّ مدّة استقرار فخر المحققين في إيران لم تُحدَّد ضمن المصادر التاريخية المتوفرة، إلاَّ أنَّ عودته إلى الحلّة ربّما كانت بعد موت أبي سعيد عام 736هـ/ 1335م، أو ربّما قبل هذا التاريخ أيضاً.
ولم تظهر لهذا الفقيه أيَّةُ صلة تذكر مع الدويلات الشيعية التي تناثرت في أرجاء الدولة الإيلخانية.
أمّا الحلّة فبعد وفاة السلطان أبي سعيد سنة 736هـ/ 1335م، فقد استولى عليها الأمير الشريف أحمد بن رميثة بن أبي نُمي()، وحكمها أعواماً طوالاً، وكان حسن السيرة، يحمده أهل العراق. وبقي فيها حتّى قضى على حكمه الشيخ حسن الجلائري() سنة 740هـ/ 1339م، واستولى على المدينة().
ولم تظهر لفخر الدين صلات بالجلائريين بسبب ما آل إليه الوضع السياسي من صراعات للسيطرة على مقاليد الحكم، كما لم يظهر له إلاّ نشاطٌ علمي، وتفرّغ لتخريج الفقهاء، وإصلاح مؤلفات والده، وشرحَ بعضها إلتزاماً بالوصية التي كتبها له أبوه.
وقد استمرّ مركز الحلّة محافظاً على حيويته، كما بقي الفقهاء أمناء أوفياء لتركة العلاّمة الضخمة في حياته، وبعد مماته().
وفي الفترة التي أعقبت سيطرة حسن الجلايري على الحلّة استقرّت الأوضاع فيها. ويبدو أنَّها تمتَّعتْ بالهدوء حيث أخذ طلاب العلوم الدينية ينزحون إليها للدراسة. وكان من أهم هؤلاء الطلبة فتى (جزّين)، محمد بن جمال الدين مكي العاملي الذي وصل إليها سنة 750هـ/ 1349م، ودرس على يد علمائها، وأصبح فيما بعد الرائد الأوّل لعلماء جبل عامل الشيعة، ورئيساً للطائفة الشيعية في بلاد الشام.
إنَّ أجلى مظاهر أهمية فخر المحققين أنّه استطاع أن ينقل فكر مدرسة الحلّة الاجتهادي إلى بلاد الشام على يد تلميذه محمد بن مكي الذي عاد من الحلّة بعد خمس سنوات من تلمذته على يد هذا الأستاذ ليُحوّل جبل عامل إلى مركز دراسي شيعي أصبحت له أهميتُهُ السياسية، والفكرية المتميزة في العالمين الإسلامي بشكل عام، والشيعي بشكل خاص.
تشرَّبَ محمد بن مكي بالتجربة الاجتماعية الضخمة التي خاضعها فخر المحققين مع والده العلاّمة في أروقة البلاط الإيلخاني، وقد حاكى هذه التجربة وسعى إلى تطبيقها، ولكن على أرض المماليك ببلاد الشام، في محاولة لاسترجاع الوجود الشيعي الذي ضاع بين زحمة التيارات الفكرية الغريبة التي عصفت به، والاضطهاد الذي طاله نتيجة الحروب بين المغول والمماليك.
إلاّ أنَّ تجربته هذه وإنْ كُتِبَ لها النجاح بسبب ما أحرزه من نتائج، فقد دفع حياته ثمناً لها ليكون أوّل من لُقّب بالشهيد في تاريخ فقهاء الشيعة بعد مقتله عام 786هـ/ 1384م، والتعبير عنه بالشهيد الأوّل في كلمات الفقهاء تمييزاً له عن فقيه عاملي آخر ـ قُتل بعده بقرنين ـ، حتّى غلب هذا اللقب على إسميهما، فعُرفا به.
تلخيص مفردات البحث
أوّلاً ـ إنتاب الغموض المرحلة التي أعقبت وفاة شيخ الطائفة الطوسي، فلم تصدر إشارات عن الوضع الدراسي أو السياسي للفقهاء الذين جاءوا بعد الشيخ الطوسي.
ثانياً ـ مُلئَ الفراغ الزمني، على مدى قرن كامل، بالتركيز على وجود تيّار أُطلقَ عليه إسم “المُقلِّدة”، وهم مجموعة العلماء الذين حملوا فكر شيخ الطائفة الطوسي، وجمدوا عليه، في حين غابت جميع التفاصيل الأخرى التي هي أشبه ما تكون بالبقعة التاريخية المظلمة، شأنها شأن كثير من المراحل الزمنية المتقدّمة على هذه المرحلة، أو المتأخرة عليها.
ثالثاً ـ حاول علماء الشيعة المعاصرين أنْ يجتهدوا في تأويل المقولة التي أصبحت لديهم من المسلّمات الناصّة على أنَّ “باب الاجتهاد أوشك أنْ يُغلق بعد رحيل شيخ الطائفة الطوسي”، فوضعوا تعليلات تؤيّد صحّة هذه الفرضية، ولم يستطيعوا الانفلات منها بسبب غموض النصوص، التي هي بحدّ ذاتها لا يمكن التسليم بها جميعاً، بسبب التشكيك في أصل المقولة، وعدم إمكانية إثباتها.
رابعاً ـ صوّرت الروايات أنَّ هولاكو خان عندما دخل بغداد لم يُفرّق في استباحة المدينة بين السنّة أو الشيعة، مستثنياً النصارى فقط.
فإنْ صحَّ أنَّ فتح بغداد تمَّ على يد هولاكو، والجيوش المغولية في هذه الفترة بالذات، فإنّ ذلك يعدُّ فتحاً على سبيل الاستيلاء والسيطرة. ولم يكن متعلّقاً بالعنف المذهبي، أو الديني.
خامساً ـ صوّرت الروايات أنَّ خسارة العراق لعلمائه، وتراثه الثقافي في الغزو المغولي كان كبيراً وبالغاً. حتّى وضعت مقولات أصبحت من المسلّمات، مفادها: إنَّ ماء دجلة أصبحت أزرق اللون من الحبر، (وليس أسوداً) من كثرة ما أُلقي فيه من الكتب المخطوطة (يومذاك). كما قيل أيضاً إنَّ ماء دجلة أصبح أحمر اللون من كثرة القتل، وسفك الدماء.
ومثل هذه المقولات الجاهزة الموضوعة بعد قرون من وقوع الحدث، لا تصمد أمام سلامة مدن العراق الأخرى كالبصرة والحلّة والكوفة، وغيرها، وسلامة علماء بغداد أنفسهم من وقائع الغزو. وهذا ما أبطله بعض المتخصّصين في دراسة تاريخ الشأن المغولي في مؤلفاتهم().
سادساً ـ تعمّدت كتب التاريخ تشويه صورة الخواجة نصير الدين الطوسي، واتهامه بشتّى صنوف التُّهم. والسبب يرجع إلى أصل “النصّ”، والكلام فيه، فحياة نصير الدين شابها التزوير، والتحريف. وقد تفرَّقت النصوص الموضوعة في كتب ورسائل شتّى، ويتلخص معظمها بما يلي:
1 ـ التأكيد على إسماعيليّة نصير الدين، وانتقاله إلى التشيّع الإثني عشري بعد سقوط الإسماعيليين.
2 ـ إتهامه بالتواطؤ مع القوات المغولية للسيطرة على قلاع ألموت الإسماعيلية.
3 ـ إتهامه بالتواطؤ مع المغول لإسقاط الخلافة العباسيّة.
4 ـ إتهامه بالنفاق السياسي، والتبدّل، وهي تهم يمكن أنْ تلتصق بعموم المناوئين.
وبناءً على منهجنا في دراسة أدوار التاريخ وأطواره، فإنَّ:
1 ـ جميع النصوص التي تناولت نصير الدين بالنقد هي نصوص “معلّبة”، دُسّت في كتب التاريخ، يظهر ذلك من تضاربها وتهافت رواياتها، الأمر الذي أبطله جملة من متخصّصي الكتّاب.
2 ـ إنَّ قضاء نصير الدين (28) عاماً من حياته في قلاع الإسماعيليين، ثمّ زحفه مع الجيش المغولي لإسقاط الدولة العباسيّة مقولتان خاضعتان للتشكيك، لعدم إمكانية النصوص البرهنة عليهما، لتحاملها على الحقائق أوّلاً، ولظهور آثار الصنعة والوضع عليها ثانياً.
سابعاً ـ حاولت النصوص بناءً على التفسير الطائفي للأحداث توجيه تهمة إسقاط الخلافة العباسيّة إلى الوزير الشيعي ابن العلقمي.
وابن العلقمي (593 ـ 656هـ/ 1197ـ 1258م) هو مؤيد الدين الأسدي، وزير الخليفة المستعصم العباسي. وقد اتُّهم بتهمة الخيانة للخليفة المستعصم بالله، فقيل إنّه كاتبَ هولاكو، وأطمعه بفتح العراق. ومن مظاهر هذه الخيانة:
1 ـ إشارته على الخليفة العباسي بتسريح أكثر جنوده.
2 ـ عدم الإنفاق على الاستعدادات العسكرية.
3 ـ تهوين أمر المغول، ودعوة الخليفة لمواجهة هولاكو بعدما أحاط ببغداد.
أمّا سبب خيانة ابن العلقمي للخليفة، كما صوَّرته النصوص المنسوبة إلى مؤرخي السُّنَّة، فإنَّه كان يريد الانتقام من أهل السُّنَّة بعد المذابح التي وقعت بمحلّة الكرخ الشيعيّة سنة 654هـ.
وقد نفى عنه بعض المؤرّخين خبر المخابرة على المستعصم. وأسهب الدكتور جعفر خصباك في مناقشة نصوص الروايات المتعلّقة بخبر ابن العلقمي، وانتهى إلى إبطالها، بإظهار تناقضها، وعدم دقتها في ميزان النقد التاريخي.
ثامناً ـ المصادر الشيعيّة، وغيرها التي تناولت سيرة العلاّمة الحلّي بقيت معلوماتُها مقتضبة ومضطربة، ولم تستطع إزاحة الحجاب عن سيرته السياسية، والأحداث التي أحاطت به وبذلك أُخفيت فصول مهمة من سيرته سواءً في جانبها العلمي أم السياسي على حدّ سواء.
واتّضح من خلال سياق الأحداث، وتتابعها أنَّ العلاّمة الحلّي كان مشرفاً في فترة من فترات السلطة على الدولة الإيلخانية من خلال حاكمين اثنين هما: غازان خان، وأخوه أُلجايتوخان (خدابندة). وكان العلاّمة قد أدّبهما، وربّاهما، وبقيَ مشرفاً على سير الدولة خلال حقبة حكمهما، وإنْ استُلبت تفاصيل هذه المرحلة من كتب التاريخ.
تاسعاً ـ طالت الاتهامات العلاّمة الحلّي، والسلطان خدابندة في وقت واحد، وأُطلق لقب (الرافضة) عليهما. وقد نُسبت للسلطان اتهاماتٌ تغيضُ الشيعة والسُنّة في آنٍ واحد، منها: أنَّه اتّخذ قراراً بنقل جسدي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وولده الإمام الحسين (عليه السلام) من النجف وكربلاء إلى السلطانية، لكنَّه جُوبه بمعارضة من علماء الشيعة، وأهالي المدينتين المقدَّستين، الأمر الذي جعله ينشئ مقبرةً ملكية فخمة، تبقى معلماً من المعالم التي تُشير إلى تاريخه على مدى العصور.
أمّا التهمة في جانبها السُنّي فقد قيل إنَّه أرادَ أنْ يغزو مكة لتدمير قبري الخليفتين الراشدين، أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب ونبشهما، لكنّه تُوفي قبل أنْ يُحقّق غرضه.
والذي يُلاحظ على هذه الاتهامات:
1 ـ إنَّ مصطلح (الرافضة) لم يكن قد ظهر في هذه المرحلة الزمنيّة، أو قبلها، وإنَّما هو من المصطلحات المستحدثة، وإنْ نُسبَ إستعمالُه إلى كتب الأقدمين.
2 ـ من خلال النصّين اللذين أوعزا اعتداء السلطان على الرموز الإسلامية، وهتك حرمة المراقد الشيعيّة والسُنيّة يظهر على وفق ذلك، أنَّ هذه النصوص تحاول أنْ تجعل سيرة السلطان من السير المذمومة في عيون قارئيه. وتناقض الروايتين يدلُّ على تهافتهما معاً.
عاشراً ـ على وفق ما ورد في المصادر التاريخية: أنَّ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية أخذ بما يُوافق المذهب الشيعي في مسألة الطلاق، التي تنصّ على أنَّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلاَّ واحدة. وبناءً على فرض صحة المناقشات المذهبيّة التي دارت بين فقهاء المذاهب الإسلامية في بلاط السلطان خدابندة بعد وقوع طلاق السلطان من زوجته، ومحاولة إرجاعها، فإنَّ فتوى ابن تيميَّة لا يمكن إلاَّ أنْ تكون فتوى سياسية أراد أن يُحرج السلطان والعلاّمة بها من جهة، ويشجّع فقهاء السنّة بالبلاط بالتعامل مع الحدث طبقاً للواقع، من جهة أخرى.
الحادي عشر ـ نال الغموض والتشويه حياة الفقيه الشيخ فخر المحقّقين بن العلاّمة الحلّي، فضاعَ كُلّ تاريخه، ولم تبقَ إلاَّ بعض المرويات حوله، كظهوره مع والده في بلاط السلطان خدابندة محمد.
والذي يتّضح من عجلة الأحداث أنَّ الإمام فخر المحققين كان من كبار علماء عصره، جمع بين المنحيين السياسي والعلمي، وتصدّى لإدارة مهامه ضمن الإشراف على ترشيد الدولة الإيلخانية.
ومن المستبعد جدّاً أنْ يكون هو ووالده العلاّمة قد انقطعا إلى التدريس والتأليف، وتركا مهامَهما السياسيّة في إدامة المنظومة الثقافية للبلاد، وإنْ جمعا معاً مهام التدريس وتصنيف المؤلفات، وتحريرها.
الثاني عشر ـ إحدى شذرات فخر المحققين اللامعة في سماء بلاد الشام في تلك المرحلة تلميذُهُ شمس الدين محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأوّل صاحب الكتب المنهجيّة، والتاريخ الحافل بالعمل السياسي والإداري في الدولة المملوكية التركية.
فقد نشأ الشهيد الأوّل متأثّراً بأستاذه فخر المحقّقين، وبتجربته السياسية الضخمة التي عاشها في رحاب بلاط الإمبراطورية الإيلخانية. وقد نقل هذا التلميذ النابغ فكر مدرسة الحلّة إلى مراكز جبل عامل، وطوَّره، هو ومَنْ جاء بعده من النخبة الراقية من جهابذة العلم، حتّى تميَّزت مدرسة علمية ممتدّة الأطراف، سمّيت بمدرسة جبل عامل، ما زال أبناؤها يتوارثون العلم جيلاً بعد جيل.
د. جودت القزويني
فضائل ومناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
في مسند أحمد بن حنبل
الخلاصة
لم تكن المطالعة والدراسة في فضائل ومناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذا عهد جديد، بل أنّ أكثر ما كتب في هذا الصدد كان مأخوذاً من المصادر المدوّنة من قبل أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فكان القارئ أو السامع لها يظنّ أنّ فيها شيئاً من المبالغة، ولكن، وبسبب عدم الغور في مصادر إخواننا أتباع مدرسة الخلفاء، وخاصّة الصحاح والمسانيد المعتبرة لديهم، ودراستها، أو عدم الدقّة في دراستها وتبويبها، بقيت هذه الأحاديث مدفونة في صدور هذه الكتب ومحجوبة عن أشعة الحقّ، لذلك ارتأينا أن نستخرج المروية منها والمدوّنة في كتاب مسند الإمام أحمد بن حنبل، الذي يُعدّ من المجموعة الحديثية المعتبرة لدى إخواننا أهل السنّة، لتكون الشاهد الناطق لصفات وفضائل ذلك الإمام الهمام،… فما قمنا به هو إلقاء الضوء على تلك الأحاديث الشاملة المتضمّنة لصفات ومناقب الإمام (عليه السلام)، وما تميّز وانفرد به (عليه السلام) من حيث: إيمانه، تقواه الإلهي الخالص، شجاعته، قضاؤه، صحبته وملازمته للنبي (صلّى الله عليه وآله).
تقديم وتعريف
على أكثر من أُفق تُشرف شخصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتتمدّد عبر التاريخ منذ أربعة عشر قرناً لتصبح أكثر تألُّقاً وأكثر سطوعاً كلّما تقدّم الزمن، وكأنّ التاريخ يرفض أن يطمرها بغباره، وهذا هو دَيدنه وسننه مع كلّ الموجودات، حيث يتراكم غبار السنوات ليندثر تحته كلّ ما كان ينبض بالحياة، إلاّ علي بن أبي طالب الذي شقَّ بعظمة شخصيته هذه السنة التاريخية رغم كثرة ما أريد به من سوء في حياته وبعد قرون من شهادته، وما فَعلَتْه أيادي الشرّ في ذريته من قتل وتشريد ومحاولة لطمس ذكره، فإذا باللّعن الذي شُنَّ على المنابر استبدل بعد هذه القرون الطويلة بمحبة وإعجاب شديدين من لدن رجالٍ من هذه الإنسانية لم ينتموا حتّى إلى دينه ناهيك عن مذهبه، وكأنّ إشعاع هذه الشخصية لا يُحجب بسُحُبٍ، وهي كالشمس الساطعة التي تمنح الحياة والنور والصحة، وتتوهّج على الدوام إلى آخر الدهر.
عبر هذا الوهج حاولنا أن نغور في عمق التاريخ وننتقي لقطات من السيرة العلوية التي واكبت السيرة النبوية، لتضيف القليل القليل إلى الكمّ الذي قيل وكُتب عنه (عليه السلام)، واخترنا روايات من كتب إخواننا أهل السنّة ـ أتباع مدرسة الخلفاء ـ كتاب مسند أحمد بن حنبل من المجموعة الحديثية المعتبرة لنشاهد فضائله ومناقبه ومنزلته عند الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، وجعلناها ضمن تصنيف موضوعي، مع إضافة بعض التعليقات المناسبة، نقلنا الأحاديث نصاً، من مسند أحمد بن حنبل بدون أي تصرف، حفظاً للأمانة، ومن الله التوفيق.
1 ـ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أوّل مؤمن في الإسلام
{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة التوبة، الآية: 19].
يمكننا، وكلّ منصف، معرفة عمقِ إيمان الإمام علي (عليه السلام) وتوحيده الخالص لله، ونفوره من المشركين، يمكننا ذلك من خلال الاطلاع على الأحاديث التالية:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا أسباط بن محمد ثنا نعيم بن حكيم المدائني عن ابن مريم عن علي (عليه السلام) قال: “انطلقت أنا والنبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إجلس، وصعد على منكبَّي()، فذهبت لأنهض به فرأى منّي ضعفاً (!!) فنزل وجلس لي نبي الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: إصعد على منكبَّي، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنّه يُخيّل إليّ أنّي لو شئت لنلتُ أفق السماء حتّى صعدت على البيت (الكعبة) وعليه تمثال صِفر أو نُحاس فجعلت أزاوله (أعمل على إزالته) عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتّى إذا استمكنتُ منه (تمكنت من إزاحته) قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إقذف به (إرمه أسفلاً)، فقذفت به فتكسَّر كما تتكسّر القوارير (الأواني الزجاجية)، ثمّ نزلت فانطلقت أنا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) (أسرعنا في الجري) نستبق (يسبق بعضنا بعضاً) حتّى توارينا (اختفينا) بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: “قال لي علي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن لا تدع تمثالاً إلاَّ طمسته() ولا قبراً مشرقاً إلاَّ سوّيته (جعلته في مستوى الأرض)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني نصر بن علي ثنا عبدالله بن داود عن نعيم بن حكيم عن أبي مريم عن علي (رض) قال: “كان على الكعبة أصنام، فذهبت لأحمل النبي (صلّى الله عليه وآله) إليها فلم أستطع، فحملني فجعلت أقطعها ولو شئت لنلت السماء”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبو داود المباركي سليمان بن محمد ثنا أبو شهاب عن شعبة عن الحكم عن أبي المورّع عن علي قال: “كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جنازة فقال: “من يأتي المدينة فلا يدع قبراً إلاّ سوّاه، ولا صورة إلاّ طلّخها، ولا وثناً إلاّ كسّره. قال: فقام رجل فقال: أنا، ثمّ هاب أهل المدينة (خافهم) فجلس، قال علي (رض): فانطلقت ثمّ جئت فقلت، يا رسول الله لم أدع بالمدينة (لم أترك فيها) قبراً إلاَّ سوّيته ولا صورة إلاّ طلختها ولا وثناً إلاَّ كسّرته”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا يزيد أنبأنا شعبة بن سلمة بن كهيل عن حبّة العرني، قال: سمعت علياً (رض) يقول: “أنا أوّل رجل صلّى مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)” ().
ـ حدّثنا عبدالله، ثني… عن… (بعد ضحك الإمام علي (عليه السلام) تعجّباً لقول أبيه) ثمّ قال (عليه السلام): اللّهم لا أعترف أنّ عبداً لك من هذه الأمّة عبدَك قبلي غير نبيّك (قالها 3 مرّات)، لقد صلّيت قبل أن يصلّي الناس سبعاً()”
نقد، تحليل واستنتاج
1 ـ من الجملة (فرأى منّي ضعفاً) يتبادر إلى الذهن أنّ الدعوة كانت في بدايتها وأنّه (صلّى الله عليه وآله) كان حدثاً صغير السن، ورغم ذلك لم يكن أحدٌ غيره مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في هدم الأصنام وتطهير البيت منها.
2 ـ معاناته ومكابدته (عليه السلام) في زعزعة الأصنام وقلعها وهي مصنوعة من المعدن الصلب الثقيل من قبيل النحاس و الصفر، دليل آخر على حداثة سنّه وصغر عمره.
3 ـ فرارهما وتواريهما (صلّى الله عليه وآله) و(عليه السلام) بالبيوت خشية إيذاء الناس، يدلّ على أنّ الدعوة لا زالت في مرحلتها السرية، والإمام لا زال حدثاً صغير السن، ومع ذلك فهو أوّل من آمن بالله وبرسوله (صلّى الله عليه وآله) وأطاع أوامره ولازمه في جميع الأوقات والحالات.
4 ـ يتبادر إلى الذهن، من جملة (فإنّه يخيّل إليّ أنّي لو شئت لنلت أفق السماء) أنّه (عليه السلام) أحسّ وشعَرَ بكلّ وجوده بالسموّ والرفعة المعنوية وهو يكسّر الأصنام ويلقيها أرضاً، ويدرك معنوية القرب له تعالى وهو موحّده ومطيع لأوامره وأوامر رسوله (صلّى الله عليه وآله). أوّلاً وأخيراً، أنّه (عليه السلام) قد عمل بما عمل به أبوه النبي إبراهيم (عليه السلام) في تحطيم الأصنام وتكسيرها وتطهير الأرض من رجسها.
2 ـ خشيةُ الإمام (عليه السلام) من الله فقط
لم يخْشَ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أحداً سوى الله تعالى، وما أخذته في أعماله إلى الله لومة لائم، والتاريخ أمضى شاهد على ذلك… لنرى ما جاء في الحديث التالي:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني شيبان أبو محمد ثنا حماد يعني ابن سلمة أنبأنا حجاج بن وطاة عن الحكم بن عتيبة عن أبي محمد الهذلي عن علي بن أبي طالب (رض): أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث رجلاً من الأنصار أن يسوّي كلّ قبر وأن يلطّخ كلُّ صنم، فقال: (الرجل): يا رسول الله إنّي أكره أن أدخل بيوت قومي، قال (عليه السلام): فأرسلني، فلمّا جئت قال (صلّى الله عليه وآله): يا علي لا تكوننّ فتاناً ولا مختالاً ولا تاجراً إلاّ تاجر خير، فإنّ أولئك مسوّفون في العمل”().
3 ـ شرف الإنفراد بالنبي (صلّى الله عليه وآله) لم ينله إلاَّ علي (عليه السلام)
إنّ الإمام علي (عليه السلام) ولمكانته ورفيع مقامه، كان الوحيد الذي متى ما شاء لقاء النبي (صلّى الله عليه وآله) أذن له والأحاديث التالية أصدق شاهد على ذلك:
حدّثنا أبو سعيد ثنا عبد الواحد بن زياد الثقفي ثنا عمارة بن القعقاع عن الحارث بن يزيد العكلي عن أبي زرعة عن عبدالله بن نجي قال: قال علي: “كانت لي ساعة من السَّحَر أدخل فيها على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فإن كان قائماً يصلّي سبّح لي فكان ذاك إذنُه، وإن لم يكن يصلّي أذنَ لي”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبو كريب محمد بن العلاء حدّثنا ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيدالله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال علي (رض): “كنت آتي النبي (صلّى الله عليه وآله) فاستأذن، فإن كان في صلاة سبّح لي، وإن كان في غير صلاة أذن لي”().
ـ حدّثنا عبدالله، حدّثني أُبي ثنا يحيى بن آدم ثنا ابن المبارك عن يحيى عن عبيدالله بن زحر عن علي بن زيد بن القاسم عن أبي أمامة عن علي (رض) قال: “كنت إذا استأذنت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إن كان في صلاة سبّح وإن كان غير ذلك أذن”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبو كريب محمد بن العلاء… عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال علي (رض): “كنت آتي النبي (صلّى الله عليه وآله) فاستأذن، فإن كان في صلاة سبّح، وإن كان في غير صلاة أذن لي”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى أُبي ثنا علي بن إسحاق أنبأنا علي بن إسحاق أنبأنا عبدالله أنبأنا يحيى بن أيوب عن عبيدالله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة: “أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخبره أنّه كان يأتي النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: فكنت إذا وجدته يصلّي سبّح فدخلت وإذا لم يكن يصلّي أذن”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن جابر بن عبدالله بن نجي عن علي (رض) قال: “كنت آتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّ غداة، فإذا تنحنَحَ دخلت وإذا سكت لم أدخل”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى أُبي حدّثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن جابر قال: سمعت عبدالله بن نجي يحدّث عن علي (رض) قال: كانت لي ساعة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الليل ينفعني الله عزَّ وجلَّ بما شاء أن ينفعني بها…”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا أبو بكر بن عياش ثنا مغيرة بن مقسم ثنا الحارث العكلي عن عبيدالله بن نجي قال: قال علي (رض): “كان لي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مدخلان بالليل والنهار، وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلّي تنحنح، فأتيته…” ().
“وهل الشمس يحجبها الغربال؟”
نقد، تحليل، واستنتاج()
من خلال استقرائنا للأحاديث الآنفة الذكر، نفهم:
1 ـ إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يخصص لأحد غيره (عليه السلام) في حياته مثل ذلك الوقت ـ السحر ـ الذي هو وقت الوصل والمناجاة مع المحبوب الخالق لينهل منه ما يقوّيه على السبح في النهار إن لك في النهار سبحاً طويلاً مع أولئك الذين قال الله تعالى عنهم “لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم” لإصلاحهم ولهدايتهم… فنرى أنّه (صلّى الله عليه وآله) يخصّص ساعة من ذلك الوقت الغالي، الثمين للانفراد بوصيّه وعضيده وخليله وحامل رايته في الدارين وأبي ولَدَيه، الإمام علي (عليه السلام) ليزقّه العلم اللّدنّي ويودعه أسراره ويناجيه ويستقوي بعضهم ببعض، وربما يخفّف بعضهم عن بعض… فيا ترى ما كانت تحمل وتضمّ تلك الخلوات في طياتها؟! تحمل الأنس؟ تخفف الهموم؟ الاستقواء ببعض؟ إيداع الأسرار؟ أم…؟ أم…؟ … فالحقيقة لا يعلمها إلاّ الله تعالى وحده، الآمرُ بها!!
2 ـ لماذا في السحر؟ ولماذا مع علي (عليه السلام) لا مع غيره؟!.
حسب تصوّري: لينفردا بعيداً عن عيون الحاسدين التي يمكنها تحمّل دخول الشوك إليها ولا تحمّل رؤية هذين الشريفين الكريمين الخليلين الطاهرين معاً، وليكون هو تعالى ثالثهم، لا، بل أوّلهم، كالمعلم الذي يُشرف على تلميذيْه المخلصَيْن من عباده…
أمّا من خلال قراءة الجزء الأخير من الحديث (الذي لم نذكره) يذكر مرّة وينعدم ذكره أخرى، بالرغم من النقل عن نفس الراوي، فهو بلا أدنى شك أو تردّد، موضوع، وما وضعه إلاّ للتقليل من شأن الحديث وأهميته، والحطّ منه، والنيل منه… فهل يُعقل أن يدخل جروٌ بيت النبوة والعصمة والطهارة، ولا يشعر به النبي (صلّى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) ويختبئ هذا الحيوان تحت سرير خاص للوليد (الحسن (عليه السلام)؟؟ وهل يعقل عاقل أنّ البيت الذي طهّر الله أهله وأذهب عنهم الرجس يسكن فيه جرو؟!! أين وجدانكم وذمّتكم يا من نقلتم الحديث، ويا من كتبتموه وتناقلتموه وصدّقتموه؟!!.
في نهاية الحديث (1251) يذكر أنّ ناقله غير موثق ولا يُصدّق به، وما جاء في هذا الحديث نفس مضمون ما جاء فيما سبقه من الأحاديث!!.
4 ـ قضاء علي (عليه السلام) أو علي (عليه السلام) والقضاء
رغم أنّ الأحاديث خير ناطق وأبين قائل، إلاَّ أنّنا أحببنا أن نضيف إلى بيانها، وهو: أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلمه بعظمة وخطورة وأهمية مسؤولية القضاء، أناطها بالإمام علي (عليه السلام)، رغم أنّه (عليه السلام) في ريعان شبابه ـ المرحلة التي يكون فيها الإنسان عرَضاً لتقاذف أمواج أهوائه النفسية وتأثّره بمختلف الرياح والأعاصير، إلاَّ من ثبّت الله قلبه على اليقين ولم يزغه، وثبت قدمه ولم يزلّها وكان ذلك الإمام علي (عليه السلام)، وقد اختاره الله تعالى على لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله) وما ينطق عن الهوى يكون قاضياً في حكومته (صلّى الله عليه وآله) الإلهية، وليحكم بما أنزل الله جلًّ وعلا وبما أراده النبي (صلّى الله عليه وآله) بكلّ صلابة ويقين ورباطة جأش، لا يخاف في الله لومة لائم،… لنطّلع على ما جاء في هذا الصدد:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنى يحيى من الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي (رض) قال: بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن وأنا حديث السن، قال: قلت تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء؟! قال (صلّى الله عليه وآله): إنّ الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك، قال (عليه السالم): فما شككت في قضاء بين اثنين بعد”().
ـ حدّثنا عبد الله حدّثنا أُبي ثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي (رض) قال: “بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إنّك تبعثني إلى قوم هم أسنّ منّي لأقضي بينهم؟ قال (صلّى الله عليه وآله): إذهب، فإنّ الله تعالى سيثبت لسانك ويهدي قلبك”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عفان ثنا محمد بن جعفر ثنى شعبه عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري الطائي قال: أخبرني مَنْ سمع علياً (رض) يقول: “لمّا بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن فقلت: تبعثني وأنا رجل حديث السن وليس لي علم بكثير من القضاء؟! قال (عليه السلام): فضرب صدري رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: إذهب فإنّ الله عزَّ وجلَّ سيثبّت لسانك ويهدي قلبك، قال: فما أعياني قضاء بين اثنين”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى أُبي ثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن سماك عن حنش عن علي (رض) قال: “بعثني رسول الله إلى اليمن، قال: فقلت يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسنّ منّي وأنا حديث لا أبصر القضاء (لا علم لي بالقضاء) (!) ، قال: فوضع يده على صدري وقال: اللهم ثبّت لسانه، واهد قلبه، يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضي بينهما حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّك إذا فعلت ذلك تبيّن لك القضاء، قال: فما اختلف عليّ قضاء بعد، أو ما أشكل عليّ قضاء بعد”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني محرز بن عون بن أبي عون ثنا شريك عن سماك عن حنش عن علي (رض) قال: “بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قاضياً، فقال (صلّى الله عليه وآله): إذا جاءك الخصمان فلا تقضي على أحدهما حتّى تسمع من الآخر، فإنّه يبيّن لك القضاء”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبو الربيع الزهراني وثنا علي ابن حكيم الأودي وحدّثنا محمد بن جعفر الوركني وثنا زكريا بن يحيى زحمويه، وحدّثنا عبدالله بن عامر بن زرارة الحضرمي وحدّثنا داود بن عمرو الضبي قالوا: ثنا شريك عن سماك عن حنش عن علي (رض) قال: “بعثني النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن قاضياً فقلت: تبعثني إلى قوم وأنا حدث السن ولا علم لي بالقضاء، فوضع يده على صدري فقال: ثبّتك الله وسدّدك، إذا جاءك الخصمان فلا تقضي للأوّل حتّى تسمع من الآخر، فإنّه أجدر أن يبيّن لك القضاء. فقال (عليه السلام): فما زلت قاضياً” وهذا لفظ حديث داود بن عمرو الضبي وبعضهم أتمّ كلاماً من بعض().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا محمد بن سليمان لوين وثنا محمد بن جابر عن جابر عن سماك بن حنش عن علي بن أبي طالب (رض) قال: “بعثني النبي (صلّى الله عليه وآله) قاضياً إلى اليمن…” فذكر الحديث، قال (صلّى الله عليه وآله): “إنّ الله مثبّت قلبك وهادٍ فؤادك، فذكر الحديث، قال لوين: وثنا شريك عن سماك بن حنش عن علي (رض) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) بمثل معناه”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي (رض) قال: “بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن، فقلت: إنّك تبعثني إلى قوم هم أسنّ منّي لأقضي بينهم!! فقال (صلّى الله عليه وآله): إذهب، فإنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا بهز وعفان المعني، قالا: ثنا حماد بن سلمة أخبرنا سماك بن حنش بن المعتمر: “أنّ علياً (رض) كان باليمن فاحتفروا زبية للأسد، فجاء حتّى وقع فيها رجل وتعلق بآخر وتعلق الآخر بالآخر حتّى صاروا أربعة، فجرحهم الأسد فيها، فمنهم من مات فيها ومنهم من أخرج فمات، قال: فتنازعوا في ذلك حتّى أخذوا السلاح، قال: فأتاهم علي (رض) فقال: ويلكم! تقتتلون مئتي إنسان في شأن أربعة أناسي؟، تعالوا أقضي بقضاء، فإن رضيتم به، وإلاَّ فارتفعوا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، قال: فقضى للأوّل ربع ديّة وللثاني ثلث ديّة، وللثالث نصف ديّة، وللرابع الديّة كاملة. قال: فرضي بعضهم وكره بعضهم، وجعل الديّة على قبائل الذين ازدحموا، قال: فارتفعوا إلى النبي (رفعوا القضية ونقلوها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، قال بهز: قال حماد: أحسبه قال: كان متكئاً فاحتبى ـ قال (صلّى الله عليه وآله) سأقضي بينكم بقضاء، قال: فأخبر أنّ علياً (رض) قضى بكذا وكذا، قال: فأمضى قضاءه”. قال عفان: سأقضي بينكم. (توضيح: عفان يُكذّب بهزاً وحماداً، ومراده ـ عفان ـ من هذه الجملة: أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يقبل قضاء الإمام علي (عليه السلام) وسيقضي هو (صلّى الله عليه وآله))().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا أبو سعيد ثنا إسرائيل ثنا سماك عن حنش عن علي (رض) قال: “بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن فانتهينا (وصلنا) إلى قوم بنوا زبية للأسد (حفرة لصيد الأسود والسباع)، فبينما هم كذلك يتدافعون، إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثمّ تعلق رجل بآخر حتّى صاروا فيها أربعة (تعلّق أحدهم بالآخر استنقاذاً من السقوط في الزبية)، فجرحهم الأسد، فانتدب رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحاتهم كلّهم، فقام أولياء الأوّل إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي (رض) على تفيئة ذلك، فقال: تريدون أن تتقاتلوا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) حي؟ إنّي أقضي بينكم قضاءً إن رضيتم فهو القضاء (الفصل) وإلاَّ حجز بعضكم عن بعضك (ابتعدتم عن بعض وامتنعتم عن القتال) حتّى تأتوا النبي (صلّى الله عليه وآله) فيكن هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا ذلك (فمن تعدّى وتجاوز) فلا حقّ له: إجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر (الزبية) ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأوّل الربع لأنّه هلك من فوقه (أي: أنّه كان سبباً لمن مات بعد جرّه معه) وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، فأبوا أن يرضوا (رفضوا قضاءه)، فأتوا النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، فقصّوا عليه القصّة، فقال (صلّى الله عليه وآله): أنا أقضي بينكم وأحتبي()، فقال رجل من القوم: إنّ علياً قضى بيننا فقصّوا عليه القصّة فأجازه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (أيّده وكفّ عن التكرار)().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا بهز ثنا حماد أنبأنا سمان عن حنش أنّ علياً (رض) قال: “وللرابع الدية كاملة”().
توضيح
أ) الشخص الأوّل الذي سقط في الزبية هو الذي تسبّب في موت الثاني الذي جرّه معه إلى البير وتسبّب في هلاكه، والثاني هكذا،… إلاَّ أنّ الرابع والأخير الذي سقط ومات وكان الثالث جرّه وسبّب هلاكه، إلاَّ أنّه ـ الرابع ـ لم يتسبّب في هلاك أحد، لذلك استحق الدية كاملة.
ب) الحبوة: ما يحتبى به، أي: يشتمل به من ثوب أو عمامة.
وضع النبي (صلّى الله عليه وآله) يده على صدر الإمام علي (عليه السلام) إنّها اليد الإلهية: “… ولكن الله رمى: يد الله على يدك” أي: منحه التفقُّه والتقوى واليقين الإلهي الذي مركزه القلب، واللسان هو المعبّر عنه، وهو الذي يتفوّه بكلمة الفصل.
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا حسين بن محمد ثنا شعبة عن سلمة والمجالد عن الشعبي أنّهما سمعاه يحدّث: “أنّ علياً (رض) حين رجم المرأة من أهل الكوفة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: أجلد بكتاب الله، وأرجمها بسنّة نبي الله (صلّى الله عليه وآله)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي “أنّ علياً (رض) جلدَ شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا هشيم وأبو إبراهيم المعقب عن هشيم أنبأنا حصين عن الشعبي قال: “أُتي علي بمولاة لسعيد بن قيس محصنة قد فجرت، قال: فضربها مئة ثمّ رجمها ثمّ قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة أخبرنا مجالد عن عامر قال: “حملت شراحة وكان زوجها غائباً، فانطلق بها مولاها إلى علي (رض)، فقال لها عليّ: لعلّ زوجك جاءك أو لعلّ أحداً استكرهك على نفسك، قالت: لا، وأقرّت بالزنا، فجلدها علي (رض) يوم الخميس ـ وأنا شاهده ـ ورجمها يوم الجمعة ـ وأنا شاهده ـ فأمر بها فحفر لها إلى السرّة ثمّ قال: إنّ الرجم سنّة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد كانت نزلت آية الرجم فهلك من كان يقرؤها،…”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد بن قتادة عن الشعبي: “إنّ شراحة الهمدانية أتت علياً (رض) فقالت: إنّي زنيت، فقال: لعلّك… لعلّك رأيتِ في منامك، لعلّك استُكرهتِ، فكلّ تقول: لا، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنّة نبي الله (صلّى الله عليه وآله)”().
شرح
لقد بذل الإمام علي (عليه السلام) جُلّ جهده وتمام سعيه للوصول إلى اليقين في قضائه، وذلك لإصدار الحكم، وهو مطمئن، وليس فيه شائبة شك أو تردّد، لنرى كيف أصدر حكمه في امرأة اعترفت على نفسها:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا بهز بن حماد بن سلمة أنبأنا سلمة بن كهيل عن الشعبي: “أنّ علياً (رض) قال لشراحة: لعلّكِ استُكرهت، لعلّ زوجك أتاك، لعلّكِ، لعلَّكِ، قالت: لا، قال: فلمّا وضعت ما في بطنها جلدها ثمّ رجمها، فقيل له جلدتها ثمّ رجمتها؟! قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن عطاء بن السائب عن أبي ظبيان الجني: “إنّ عمر بن الخطاب (رض) أتي بامرأة زنت فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها فلقيهم علي (عليه السلام) فقال: ما هذه؟ قالوا: زنت، فأمر عمر برجمها، فانتزعها (أخذها بالقوّة) عليٌ من أيديهم وردّهم، فرجعوا إلى عمر (رض) فقال: ما ردّكم؟ قالوا: ردّنا علي (رض)، قال: ما فعل هذا علي إلاَّ لشيء قد علمه، فأرسل إلى علي فجاء وهو شبه المغضب، فقال: ما لك رددت هؤلاء؟ قال (عليه السلام): أما سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتّى يستيقظ، وعن الصغير حتّى يكبر، وعن المبتلى حتّى يعقل” (يعني: ثلاثة لا يشملهم حكم القصاص والحدّ)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا أبو سعيد ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي ظبيان: “أنّ علياً (رض) قال لعمر: يا أمير المؤمنين، أما سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتّى يستيقظ، وعن الصغير حتّى يكبر، وعن المبتلى حتّى يعقل (؟!)”().
توضيح وتذكّر
إنّ القضاء هو أساس الحكومة الإسلامية، وإذا اختلّ أو فسد، فسدت أنظمة الدولة تبعاً لذلك، ولذلك نرى أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أودعه (عليه السلام) مسؤولية ذلك، وما عمله (صلّى الله عليه وآله) ذلك إلاَّ دليل لإثبات أهليته وولايته وخلافته (عليه السلام) على الأمّة، بل إنّ أساس ذلك هو عدله ودقّة قضائه (عليه السلام).
نقد، تحليل، واستنتاج
أ) الملفت للانتباه، والجدير بالذكر، أنّ تأكيده (عليه السلام) في الأحاديث المارّة الذكر، على الالتزام بكتاب الله وسنّة نبيه (صلّى الله عليه وآله)، ـ حسب اعتقادي ـ هو جوابه لمن قال له (عليه السلام): إن كنت عملت بسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسنّة الخلفاء الراشدين ولّيناك علينا!!… لذلك نراه (عليه السلام) في كلّ مقام مناسب يؤكد التزامه وتمسّكه بكتاب الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله)، وكأنّه (عليه السلام) يريد أن يقول: أنّ لا أحد يلتزم بكتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) غيري،… فصدقت يا أبا الحسن، وأنت الفاروق الصدّيق المصدّق.
ب) نستنتج من قضائه ـ عليه السلام ـ أنّه حريص، ومنذ شبابه، وهذه جبلّته، على حقن الدماء ووحدة المجتمع والأمّة، ـ ذاك في حادثة الزبية ـ، أمّا في قضية الرجم، فالإمام علي (عليه السلام) حاول في وضعه التبريرات أمام المرأة علّه يجعل سبيلاً وثغرة للخلاص ممّا هي فيه، ليس لطمس الحقيقة، بل لحفظ العفة والحياء في المجتمع الإسلامي، وعدم إماطة لثام الستر والعفّة والحياء الذي هو خلُق الإسلام…
أمّا قوله: أما سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: …، وتذكيره، يبيّن أنّه (عليه السلام) الوحيد الذي يحفظ ويقرّ بكلّ ما قال به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا ينسى منه أدنى شيء،…
5 ـ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحمل كتاب الله وقوانينه معاً
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: “رأيت علياً (رض) على المنبر يخطب وعليه سيف حليته حديد، فسمعته، يقول: والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلاَّ كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة أعطانيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيها فرائض الصدقة، قال: لصحيفة معلّقة في سيفه”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا هاشم بن القاسم ثنا شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: “شهدت علياً (رض) وهو يقول على المنبر: والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلاًّ كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة معلقة بسيفي أخذتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيها فرائض الصدقة معلّقة بسيف له حليته حديد، أو قال: بكراته حديد، أي حلقته”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا عبد الرحمن عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي (رض) قال: “ما عندنا شيء إلاَّ كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة عن النبي (صلّى الله عليه وآله): المدينة حرام ما بين عاثر إلى ثور (حدودها)، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف، وقال: ذمّة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولّى قوماً بغير إذن مواليه (من رشّح وولى نفسه خليفة دون إذن ولاته) فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل منه صرف ولا عدل().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة، سمعت القاسم بن أبي برزة يحدّث عن أبي الطفيل قال: سُئل عليّ (رض): هل خصّكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشيءٍ؟ فقال ما خصّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشيء لم يعمّ الناس كافة إلاَّ ما كان في قراب سيفي هذا؛ قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا بهز ثنا همام أنبأنا قتادة عن أبي حسان: “أنّ علياً (رض) كان يأمر بالأمر فيؤتى فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله()، قال: فقال له الاشتر: إنّ هذا الذي تقول قد تفشغ() فيه الناس، أفشيء عهده إليك رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ (). قال علي (رض): ما عهد إليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً خاصاً دون الناس إلاَّ شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب (غلاف) سيفي، قال: فلم يزالوا به حتّى أخرج الصحيفة، قال: فإذا فيها: من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، قال: وإذا فيها: إنّ إبراهيم (عليه السلام) حرّم مكة وإنّي أحرم المدينة حرام ما بين حريتها وحماها كلّه لا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلاَّ لمن أشار بها، ولا تقطع منها شجرة إلاَّ أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال، قال: وإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم()، وهم يدٌ على من سواهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان عن إبراهيم التميمي عن الحارث عن سويد، قال: قيل لعلي (رض): “إنّ رسولكم كان يخصّكم بشيء دون الناس عامّة؟ قال: ما خصّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشيء لم يخصّ به الناس إلاَّ بشيء في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل، وفيها: أنّ المدينة حرم بين ثور إلى عاثر، من أحدث فيها أو آوى محدّثاً فإنّ عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، وذمّة المسلمين واحدة، فمن أخفَر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، ومن تولّى مولى بغير إذنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل”().
توضيح
1 ـ أنّ سؤال الناس: هل خصّكم… يدلّ على علمهم، علم اليقين، أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد خصّ أهل بيته باشياء.
أمّا الذين يشملهم اللعن، فهو إشارة إلى ما سيفعله بنو أمية بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة وبأهلها، يعني واقعة الحرّة ومقتل أهل المدينة على يد جيش يزيد بن معاوية.
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال: سمعت القاسم بن أبي بزة يحدّث عنه الطفيل، قال: سُئل علي (رض): هل خصّكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشيء؟ فقال: ما خصّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشيء لم يعمّ به الناس كافّة إلاَّ ما كان في قراب سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة فيها مكتوب: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدّثاً”().
تحليل، نقد، واستنتاج
من خلال تأمّلنا في السؤال الذي يُسأل به الإمام علي (عليه السلام): هل خصّكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشيء؟ والجواب لم يكن نفياً قاطعاً، بل مستثنياً، وكذلك نرى أن شاع بين الناس ما خُصّ به الإمام،… ولو جمعنا إجابات الإمام علي (عليه السلام) نراه يؤكد على:
1 ـ حفظ حرمة المدينة، حرمة أهلها المسلمين، وحرمة العهد الذي بينهم (عهد الأخوة الإسلامية)… ومن أحدث في المدينة أو آوى محدثاً فعليه اللعنة، وفيه إشارة صريحة واضحة إلى ما سيحدثه بنو أمية، وقد أحدثه يزيد بن معاوية وكانت واقعة الحرة المفجعة. وفي هذا الحديث يتجلّى بوضوح أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أودع أمين سرّه ووصيه ما سيحدث في المستقبل وهو ممّا كان يوجعه عند اختلائه (صلّى الله عليه وآله) به (عليه السلام) في الأوقات المخصّصة وتناجيهما معاً،… وإنباء أنّ من يستبيح المدينة يستبيح أهل بيت نبيّها (صلّى الله عليه وآله).
2 ـ فرائض الصدقة: وهي حقوق المسلمين الواجب على الولي ومن يتصدّى الأمور حفظها وأدائها إلى أهلها ومن يستحقها بشكل يحفظ كرامة وشخصية الفرد المسلم.
3 ـ العقل، فكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، والذي سمّى الإمام (عليه السلام) هذه الأحكام: “فهمٌ يؤتيه الله عزَّ وجلَّ رجلاً في القرآن أو ما في الصحيفة” وهذه الأحكام تخصّ القاضي والولي العادل الذي بيده أمور المسلمين، ولعلم النبي (صلّى الله عليه وآله) بعدم استيعاب الناس لها، فخصّها علياً (عليه السلام). أمّا لو يسأل سائل: لماذا خصّ النبي (صلّى الله عليه وآله) علياً (رض) بهذه الصحيفة، ما عسى أن يكون الجواب؟
الجواب واضح وصريح لمن فتح الله بصيرته، ولم يقفل قلبه بسوء نيّته وعمله،… وهو:
أ) إنّ هذه الأمور لا يمكن لأحد حفظها وأدائها إلاَّ من كان ولياً ووصياً، ومن سمت وعلت روحه حتّى صار إلهيّاً، وهو الإمام المعصوم.
ب) أنّها (الصحيفة) عُلقَت بالسيف وزُيّنَ السيف بها كما يُزيّن المجاهد به ـ السيف ـ وأي مجاهد، المجاهد الذي دافع بسيفه عن الإسلام ونبي الإسلام، فهو اليوم يدافع عنها، لتبقى ـ الصحيفة ـ أبدأً في يد معصوم، لأنّها الصحيفة المبيّن فيها أهم الأحكام التي هي دعائم صرّح الإسلام الخالد.
وما هذه الصحيفة، وحملها من قبَل الإمام (عليه السلام) مع سيفه إلاَّ شاهداً على:
1) إنّه المعتمد الوحيد والمخلص الأوحد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).
2) إنّه الخليفة والإمام الحق بعد النبي (صلّى الله عليه وآله).
3) شاهد صدق لمظلومية الإمام (عليه السلام).
4) تحدياً لمن منع كتابة الحديث وجمعه، بُغية طمس الحق وإخفائه، لذلك شهرها الإمام (عليه السلام) بتعليقها بقراب سيفه.
5) أهميتها كأهمية السيف في الجهاد وإقامة العدل.
وأخيراً نذكر حديثاً في هذا الصدد دعماً لما قلنا:
حدّثنا محمد بن الحسن عن صفوان عن ابن مسكان عن حجر عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عمّا يتحدّث الناس أنّه دُفعت إلى أمِّ سلمة صحيفة مختومة، قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما قُبض ورث علي (عليه السلام) سلاحه وما هنالك ثمّ صار إلى الحسن والحسين، فلمّا خشيا أن يُفتّشا استودعا أم سلمة، ثمّ قبضا بعد ذلك، فصار إلى ابنه علي بن الحسين ثمّ انتهى إليك أو صار إليك، قال: نعم”().
6 ـ علم الإمام علي (عليه السلام) وتنبّؤه
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني عبيدالله بن عمر القواريري ثنا حمد بن زيد أنبأنا أيوب عن محمد بن عبيده قال: “ذكر عليّ أهل النهروان فقال: فيهم رجل مودون اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد، لولا أن تبطروا() لنبأتكم بما وعد الله عزَّ وجلَّ الذين يقتلونهم على لسان محمد (صلّى الله عليه وآله) قال: قلت: أأنت سمعت منه؟ قال: أي ورب الكعبة”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا حماد بن يحيى ألابح ثنا ابن عون عن محمد بن عبيدة قال: “لمّا قتل علي أهل النهروان قال: إلتمسوه، فوجدوه في حفرة تحت القتلى فاستخرجوه وأقبل علي (رض) على أصحابه فقال: لولا أن تبطروا لأخبرتكم ما وعد الله من يقتل هؤلاء على لسان محمد (صلّى الله عليه وآله)، قلت: أنت سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: إي وربّ الكعبة”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا محمد بن أبي بكر بن علي المقدمي ثنا حماد ـ يعني ابن زيد ـ عن أيوب وهشام عن محمد بن عبيدة: أنّ علياً (رض) ذكر أهل النهروان فقال: فيهم رجل مودون اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد، لولا أن تبطروا لنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد (صلّى الله عليه وآله)، فقلت لعلي: أأنت سمعته؟ قال: أي وربّ الكعبة”().
ـ حدّثنا عبيدالله ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة عن أبي الوضيء قال: “شهدت علياً (رض) حين قتل أهل النهروان قال: إلتمسوا في القتلى، قالوا: لم نجده، قال: اطلبوه (ابحثوا عنه جيّداً)، فوالله ما كذبتُ ولا كُذبت، حتّى استخرجوه من تحت القتلى” قال أبو الوضيء: فكأنّي أنظر إليه حبشي إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل ذنب اليربوع”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني حجاج بن يوسف الشاعر حدّثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبي صالح أنّ أبا الوضيء عباداً حدّثه أنّه قال: “كنّا عامدين إلى الكوفة مع علي بن أبي طالب (رض)، فلمّا بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاث من حروراء شذّ منّا (خرج وانفصل عنّنا) ناس كثير، فذكرنا ذلك لعلي (رض) فقال: لا يهولنكم أمرهم، فإنّهم سيجرعون، فذكر الحديث بطوله قال: فحمد الله علي بن أي طالب (رض) وقال: إن خليلي أخبرني أنّ قائد هؤلاء رجل مخدج اليد، على حلمة ثديه شعرات كأنهنّ ذنب اليربوع، فالتمسوه فلم يجدوه، فأتيناه فقلنا: إنا لم نجده، فقال: فالتمسوه فوالله ما كذبت ولا كَذبت ثلاثاً، فقلنا: لم نجده، فجاء علي بنفسه فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا، اقلبوا ذا، حتّى جاء رجل من الكوفة، فقال: هو ذا، قال علي (رض): الله أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه (أي: أنه ابن أبيه) فجعل الناس يقولون، هذا ملك، هذا ملك، يقول علي (رض): ابن من هو؟”().
7 ـ إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعطي الإمام علي (عليه السلام) من علومه ويطلعه على أسراره، وكان يوصيه بتدوين تلك العلوم، وما كتبه الإمام (عليه السلام) كان قبساً ممّا أخذه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أبي ثنا سفيان بن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: “سألت علياً (رض): هل عندكم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيء بعد القرآن؟ قال: لا، والذي خلق الحبّة وبرأ النسمة إلاّ فهم (علم) يؤتيه الله عزَّ وجلَّ رجلاً في القرآن أو ما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل (الدية)، وفكاك الأسير (تحريره وإطلاقه)، ولا يُقتل مسلم بكافر (تفضيل المسلم على الكافر)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا يحيى ثنا سعيد بن أبي عروبه عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال: “انطلقت أنا والاشتر إلى علي (رض) فقلنا: هل عهد إليك نبي الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً لم يعهده إلى الناس عامّة؟ قال: لا، إلاَّ ما في كتابي هذا؟ قال: وكتاب في قراب سيفه، فإذ فيه: المؤمنون تكافأ دماؤهم (سواسي)، وهم على يد من سواهم (أمّة واحدة)، ويسعى بذمتهم أدناهم، القوي يؤوي الضعيف، ألاّ يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ومن أحدث حدثاً (أتى ببدعة) أو آوى محدثاً (مبدعاً للقتال) فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا محمد بن آبان بن عمران الواسطي ثنا شريك عن مخارق عن طارق يعني ابن شهاب، قال: سمعت علياً (رض) يقول: “ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلاَّ ما في القرآن وما في هذه الصحيفة، صحيفة كانت في قراب السيف (غلافه)، كان عليه حليته حديد أخذتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيها فرائض الصدقة (!)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبي ثنا محمد بن جعفر الوركاني ثنا شريك عن مخارق عن طارق قال: “خطبنا علي (رض) فقال: ما عندنا شيء من الوحي أو قال: كتاب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاَّ ما في كتاب الله وهذه الصحيفة المعروفة بسيفي وعليه حليته حديد، وفيها فرائض الصدقات (!)”().
8 ـ الإمام علي (عليه السلام) يلوذ بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ليحميه ويدافع عنه
من كان، يا ترى، المحامي والمدافع الأقرب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حروبه ومغازيه؟ لنقرأ الحديث التالي ونرى:
656 ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا وكيع ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي (رض) قال: “لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأساً”().
9 ـ رضاب النبي (صلّى الله عليه وآله) يعافي الإمام (عليه السلام) ليكون ملازماً له وعضيده وحامل لوائه
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن مغيرة عن أم موسى عن علي (رض) قال: “ما رمدت منذ تفل النبي (صلّى الله عليه وآله) في عيني”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أُبي ثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمر وعن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: “وكان أبي يسمر مع علي، فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف، فقيل له: لو سألته، فسأله، فقال (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث إليّ وأنا أرمد (عيني مصابة) يوم خيبر، فقلت: يا رسول الله، إنّي أرمد العين، قال: فتفل في عيني (ألقى برضابه ـ ماء فيه ـ في عيني)، وقال (صلّى الله عليه وآله): اللهم أذهب عنه الحرّ والبرد، فما وجدت حرّاً ولا برداً منذ يومئذ، وقال: لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، وليس بفرّار، فتشرّف لها أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) (كل قد حسب نفسه أنّه سيتشرّف بها)، فأعطانيها”().
تحليل واستنتاج
أ) قوله: “كان يسمر مع أبي”، والسمر: السهرات الليلية، يُستبعد من الإمام (عليه السلام) ذلك، والله من وراء القصد،…
ب) إنّ سلامة الإمام علي (عليه السلام وعافيته ووجوده مهمّ جداً للنبي (صلّى الله عليه وآله)، لأنّه (عليه السلام) عضده وحامل لوائه، وعليه تتوقف المهمات الصعبة، كفتح خيبر، إذ لم يكن لها إلاَّ هو (عليه السلام)،…
ج) قوله (صلّى الله عليه وآله): ليس بفرّار تُبيّن:
1 ـ يبدو أنّ قبله قد فرّوا في هذه المهمة الخطيرة وأمثالها.
2 ـ إنّه (عليه السلام) ثابت القدم، قويّ الشكيمة، مؤيّد ومسدّد من الله تعالى، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
د) أمّا لبسه في غير موسمه، ليس إلاَّ أنّه (عليه السلام) مستغرق في الله لا تهمّه نعومة أو خشونة الملبس.
وأمّا دعاؤه (صلّى الله عليه وآله) إليه (عليه السلام)، يعني: اللهم اذهب عنه ضرر الحرّ والبرد، لذلك يقول (عليه السلام) ما مرضت بعد ذلك.
10 ـ النبي (صلّى الله عليه وآله) يدعو له (عليه السلام) بالعافية لحاجة الإسلام إليه
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرّة عن عبدالله بن سلمة عن علي (رض) قال: مرّ بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنا وَجِعٌ (مريض) وأنا أقول: اللهم إنّ كان أجلي حضر (قَرُب موتي) فأرحني (بقبض روحي) وإن كان آجلاً فارفعني (أقوم بأداء أعمالي)، وإن كان بلاءً (اختباراً) فصبّرني (ألهمني الصبر للخروج بما يُرضيك). قال (صلّى الله عليه وآله): ما قلت؟ فأعدتُ عليه (كررت كلامي)، فضربني برجله، فقال (صلّى الله عليه وآله): ما قلت؟ قال (عليه السلام) فأعدت عليه، فقال (صلّى الله عليه وآله): اللهم عافه أو اشفه. قال (عليه السلام): فما اشتكيتُ ذلك الوجع بعد”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا نهان شعبة عن عمرو بن مرّة قال: سمعت عبدالله بن سلمة عن علي (رض) قال: “كنت شاكياً (ألماً) فمرّ بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فذكر معناه (الحديث) إلاَّ إنّه قال: اللهم عافه، اللهم اشفه، فما اشتكيت ذلك الوجع بعد”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبدالله بن سلمة عن علي (رض) عنه قال: “اشتكيت، فأتاني النبي (صلّى الله عليه وآله) وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخراً فاشفني أو عافني وإن كان بلاءً فصبرني. فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): كيف قلت؟ قال: فأعدتُ عليه، قال: فمسح بيده ثمّ قال: اللهم اشفه أو عافه، قال: فما اشتكيت وجعي ذاك بعد”().
نقد، تحليل، واستنتاج
مهما كانت الغاية من نقل الحديث، ومهما حمل من ألفاظ غير أدبية ـ فضربني برجله ـ إلاَّ أنّ النتيجة، بل الغرض الواضح عنه ـ الحديث ـ هو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يعزّ عليه مرض الإمام (عليه السلام) ومفارقته إيّاه، لأنّه (عليه السلام) عضده (صلّى الله عليه وآله) وأخوه وخليفته وحامل لوائه، … و…، وهو من دعائم الدين.
11 ـ النبي (صلّى الله عليه وآله) يولّيه مسألة الخمس بطلب منه كما طلب يوسف (عليه السلام) ليكون أميناً على الخزائن
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا محمد بن عبيد ثنا هاشم بن البريد عن حسين بن ميمون عن عبدالله بن عبدالله ـ قاضي الري ـ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت أمير المؤمنين علياً (رض) يقول: “اجتمعتُ أنا وفاطمة (رضي الله عنهما) والعباس وزيد بن حارثة عند رسو لالله (صلّى الله عليه وآله) فقال العباس… ثمّ قال زيد بن حارثة…
قال (عليه السلام): فقلت أنا يا رسول الله إن رأيت (إذا وافقت) أن توليني هذا الحق الذي جعله الله لنا في كتابه من هذا الخمس فأقسمه في حياتك كي لا ينازعنيه أحد بعدك، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): نفعل ذلك، فولاّنيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حياته ثمّ ولاّنيه أبو بكر (رض) فقسّمته في حياته ثمّ ولاّنيه عمر (رض) فقسّمت في حياته حتّى كانت آخر سنة من سني عمر (رض) فإنّه أتاه مال كثير”().
نقد، تحليل، واستنتاج
بدءاً، يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: لماذا بادر الإمام (عليه السلام) بهذا الطلب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ الجواب على ذلك:
1 ـ علمه (عليه السلام) بالآخرين من خلال استقرائه لتصرّفاتهم مع النبي (صلّى الله عليه وآله) والآخرين، بأنّهم سينازعونه ويمنعون أهل البيت حقّهم.
2 ـ إثباته (عليه السلام) أنّ الخُمس لله وللرسول (صلّى الله عليه وآله) {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَ…} (سورة الأنفال، الآية: 41)، وأنّه (عليه السلام) من النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو (صلّى الله عليه وآله) منه (عليه السلام): “أنا منك وأنت منّي”.
3 ـ علمه (عليه السلام) أنّ غيره لا يلتزم بهذا الحق ويُجحف فيه ويمنع أهل البيت (عليهم السلام) حقّهم الشرعي الإلهي، ليشتروا به ذمم الناس.
4 ـ طلبه هذا (تولّني هذا الحق) هو من نفس نوع الطلب الذي طلبه النبي يوسف (عليه السلام) حينما قال لعزيز مصر ـ بلا تشبيه ـ {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (سورة يوسف، الآية: 55).
12 ـ النبي (صلّى الله عليه وآله) يأتمنه (عليه السلام) لعدالته، ويوكله ويولّيه القيام بأعماله
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا وكيع ثنا سيف بن سليمان المكي عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن علي: “إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا نحر البُدن أمرني أن أتصدق بلحومها وجلودها وجلالها”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدّثني رجل عن عبدالله بن أبي نجيع عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس قال: “أهدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجة الوداع مئة بُدنة، نحر منها ثلاثين بدنة بيده، ثمّ أمر علياً فنحر ما بقي منها، وقال: إقسم لحومها وجلالها وجلودها بين الناس”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا معاذ أنبأنا زهير بن معاوية أبو خيثمة عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي (رض) قال: أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن أقوم على بُدنه، وأن أتصدّق بلحومها وجلودها وأجلّتها”().
13 ـ علي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله وحفظ حياة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)
إنّه (عليه السلام) هو الوحيد الذي وصل إلى المقام الذي يشري فيه نفسه ابتغاء مرضاة الله للحفاظ على حياة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وذلك ما جعل النبي (صلّى الله عليه وآله) يعتمد عليه ويعوّل عليه في الأمور المهمة والصعبة والخطيرة، ولنقرأ معاً ما جاء في ذلك بين طيّات مسند الإمام أحمد بن حنبل:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال: وأخبرني عثمان الجزري أنّ مقسماً مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} (سورة الأنفال، الآية: 30) قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله عزَّ وجلَّ نبيّه (صلّى الله عليه وآله) على ذلك فبات عليٌ على فراش النبي (صلّى الله عليه وآله) تلك الليلة، وخرج النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه، فلمّا رأوا علياً ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري،…().
14 ـ النبي (صلّى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) روح واحدة، بعضهم من بعض
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن مريم عن علي (رض): “فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): وأما أنت يا علي فمنّي وأنا منك”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى أُبي ثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هاني وهبيرة بن مريم عن علي… فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي: “أنت منّي وأنا منك”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أبي ثنا أسود ـ يعني ابن عامر ـ أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي (رض) قال: أتيت النبي (صلّى الله عليه وآله) وجعفر وزيد، قال: فقال لزيد… وقال لجعفر…، قال: قال لي (صلّى الله عليه وآله): “أنت منّي وأنا منك، قال فحَجِلت() وراء جعفر”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أُبي ثنا يزيد أنبأنا إسرائيل بن يونس ثنا أبو إسحاق عن الحارث عن علي (رض) قال: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “يا علي إنّي أحب لك ما أحبّ لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي”().
15 ـ علي (عليه السلام) حامل الرسالة الإلهية والمبلّغ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أبو بكر ثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن حنش عن علي (رض): “إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) حين بعثه ببراءة (سورة البراءة) فقال: يا نبيّ الله إنّي لست باللّسن (المتحدّث!) ولا بالخطب (خطيب!) قال (صلّى الله عليه وآله): ما بدّ أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت؟ قال: فإن كان ولا بدَّ فسأذهب أنا، قال (صلّى الله عليه وآله): فانطلق، فإنّ الله يثبّت لسانك ويهدي قلبك، قال: ثمّ وضع يده (صلّى الله عليه وآله) على فمه (عليه السلام)” () (للثبات والسداد).
ـ حدّثنا عبدالله ثنا محمد بن سليمان لوين ثنا محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي (رض) قال: “لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبي (صلّى الله عليه وآله)، دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) أبا بكرٍ (رض) فبعثه بها (أبا بكرٍ بالآيات) ليقرأها على أهل مكة، ثمّ دعاني النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: أدرك أبا بكر (رض) (إلحق به) فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه (الآيات) فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر (رض) إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال (أبو بكر): يا رسول الله: نزل فيّ شيء؟ (هل أخبرك الله شيئاً عنّي)، قال (صلّى الله عليه وآله): لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي (يبلغ الرسالة) عنك إلاّ أنت أو رجل منك”().
نقد، تحليل، واستنتاج
في الحديث (1289): إن صحّ، فهذا تواضع منه (عليه السلام) قِبال النبي (صلّى الله عليه وآله)، أما: فهل شهِدَ العالم خطيباً ومتكلماً أجدر وأبلغ من علي (عليه السلام)؟!.
16 ـ علي (عليه السلام) خليفة النبي (صلّى الله عليه وآله)
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أُبي ثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبدالله الأسدي عن علي (رض) قال: “لمّا نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (سورة الشعراء، الآية: 214) قال: جمع النبي (صلّى الله عليه وآله) من أهل ببيته (!!)، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال (عليه السلام) فقال (صلّى الله عليه وآله) لهم: من يضمن عنّي دَيْني ومواعيدي ويكون في الجنة ويكون خليفتي في أهلي؟ (!) فقال رجل: ـ لم يسمّه شريك (لم يذكر اسمه) ـ يا رسول الله أنت كنت بحراً من يقوم بهذا؟ قال: ثم قال الآخر: قال: فعَرضَ ذلك في أهل بيته فقال علي (رض): أنا”().
نقد وتحليل
1 ـ من جملة (جمع النبي (صلّى الله عليه وآله) من أهل بيته) يُراد منها التشويه على معنى أهل البيت، وهل كان أبو لهب وأبو جهل و… و… من أهل بيته (صلّى الله عليه وآله)؟ أم: أهله أو عشيرته وأقربائه؟!!.
2 ـ في الجملة “… ويكون خليفتي في أهلي” أيضاً يُراد منه الحصر وتضييق خلافته (عليه السلام)،…”.
3 ـ الفقرة: من يضمن عني ديني ـ أي: يؤدّي بعدي، ومواعيدي، أي: الوعود والمواثيق، ويكون في الجنة، وربما حذفت أو سقطت (معي)، فهذه تضمر وتكمن فيها العصمة، لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ما ينطق عن الهوى، ولا يؤدّي عنه إلاَّ من كان منه، ولم يرتكب صغيرة ولا كبيرة، من خلال عبارته (في الجنة) وكلمة (خليفتي) لا تصحّ إلاَّ لمن يمثّله (صلّى الله عليه وآله) ويكون مثله وعاملاً عمله، وإنّ الله سبحانه وتعالى عندما يقول في محكم كتابه العزيز: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (سورة البقرة، الآية: 30)، المقصود النبي آدم (عليه السلام) والأنبياء ومن يحذو حذوهم، فهل الكفار هم خلفاء الله في الأرض؟!! وما الخليفة إلاَّ من يمثّل المخلّف، والخلافة التي عرضها النبي (صلّى الله عليه وآله) وقبلها الإمام علي (عليه السلام) ما هي إلاَّ الولاية،…
من هم أهل النبي (صلّى الله عليه وآله)؟ ومن هو حامل رايته؟
ـ حدثّنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا قتيبة بن سعد ثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن سمار عن عامر بن سعد عن أبيه قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول له ـ وخلّفه في بعض مغازيه ـ فقال علي (رض): أتخلّفني مع النساء والصبيان؟ قال: يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزل هارون من موسى، إلاَّ أنّه لا نبوّة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، فتطاولنا لها، فقال (صلّى الله عليه وآله): ادعوا لي علياً (رض) فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} (سورة آل عمران، الآية: 61) دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضوان الله عليهم أجمعين، فقال: اللهم هؤلاء أهلي”().
3476 ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن عثمان الجزري عن مقسم قال: لا أعلمه إلاَّ عن ابن عباس: “أنّ راية النبي (صلّى الله عليه وآله) مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عباده، وكان إذا استحرّ القتال كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ممّا يكون تحت راية الأنصار”().
(أقول: لأنّه (صلّى الله عليه وآله) أمِنَ جانب الإمام علي (عليه السلام)، وأطمأن له، فذهب تحت راية الأنصار عندما استحرّ واشتدّ القتال).
17 ـ النبي (صلّى الله عليه وآله) يوصي بولاية الإمام علي (عليه السلام) في غدير خم
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا ابن نمير ثنا عبد الملك عن أبي عبد الرحمن الكندي عن زاذان بن عمر قال: “سمعت علياً في الرحبة وهو يُنشد الناس() من شهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم غدير خم وهو يقول ما قال: فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول: من كنت مولاه (فهذا) فعلي مولاه”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا محمد بن عبدالله ثنا الربيع ـ يعني ابن أبي صالح الأسلمي ـ حدّثني زياد بن أبي زياد سمعت علي بن أبي طالب (رض) ينشد الناس، فقال: “أنشد الله رجلاً مسلماً سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما قال، فقام إثنا عشر بدرياً فشهدوا”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا علي بن حكيم الأودي أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب وعن زيد بن يثيغ قالا: “نشد عليٌّ الناس في الرحبة: من سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم إلاَّ قام؟ فقام من قِبَل سعيد ستة، ومن قِبَل زيد ستة فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لعلي (رض) يوم غدير خم: أليس الله أولى بالمؤمنين؟ قالوا: بلى، قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى علي بن حكيم أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن عمرو ذي مر بمثل حديث أبي إسحاق ـ يعني عن سعيد ـ وزيد، وزاد فيه: “وانصر من نصره واخذل من خذله”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا عبيدالله بن عمر القواريري ثنا يونس بن أرقم ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: “شهدت علياً (رض) في الرحبة يُنشد الناس: أُنشد الله من سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، كما قام (كم عدد من قام): فشهد ـ قال عبد الرحمن: فقام ـ إثنا عشر بدرياً (شهدوا معركة بدر)، كأنّي أنظر إلى أحدهم، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمّهاتهم؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أحمد بن عمر الركيعي ثنا زيد ابن الحباب ثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسي حدّثني سمان بن عبيد بن الوليد العبسي، قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدّثني: “إنّه شهد عليّاً (رض) في الرحبة، قال: أنشد الله رجلاً سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشهده يوم غدير خم إلاَّ قام ولا يقوم إلاَّ من قد رآه، فقام إثنا عشر رجلاً فقالوا: قد رأينا وسمعناه حيث أخذ بيده (عليه السلام) يقول (صلّى الله عليه وآله): اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فقام إلاَّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته”().
18 ـ إنَّها الولاية والوصاية والخلافة حقاً وحصراً
وما هذه الأحاديث التي ذكرت في مسند الإمام أحمد بن حنبل إلاّ دليل وشاهد ناطق على ذلك لنقرأ:
ـ حدَّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا أبو سعد مولى بني هاشم ثنا سليمان بن بلال ثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن عائشة بنت سعد عن أبيها: “أنّ علياً (رض) خرج مع النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى جاء ثنية الوداع، وعلي (رض) يبكي يقول: تخلّفني مع الخوالف: فقال: أو ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاَّ النبوة”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عفان حماد ـ يعني ابن سلمه ـ أنبأنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، قال: قلت لسعد بن مالك: إنّي أريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابك (أرى فيك هيبة وشدّة) أن أسألك عنه، فقال: لا تفعل يا ابن أخي إذا علمت عندي علماً فسلني عنه ولا تهبني، قال: فقلت: قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (رض) حين خلّفه بالمدينة في غزوة تبوك، فقال سعد (رض): “خلّف النبي (صلّى الله عليه وآله) علياً (رض) بالمدينة في غزوة تبوك، فقال (علي): يا رسول الله أتخلّفني في الخالفة في النساء والصبيان؟! فقال (صلّى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فأدبر (رجع) علي مسرعاً كأنّي أنظر إلى غبار قدميه يسطع (يرتفع وينتشر)، ـ وقد قال حماد ـ فرجع عليٌ مسرعاً”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا محمد بن جعفر شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد يحدّث عن سعد عن النبي (صلّى الله عليه وآله): “إنّه قال لعلي: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن علي بن زيد قال: سمعت سعد بن المسيب قال: قلت لسعد بن مالك: إنّك إنسان فيك حدّة، وأنا أريد أن أسألك، قال: ما هو؟ قال، قلت حديث علي (رض)، قال، فقال: “إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعلي: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ قال (عليه السلام): رضيت، ثمّ قال: بلى، بلى”().
ـ حدّثنا عبدالله بن أبي ثنا حجاج ثنا فطر عن عبدالله بن شريك عن عبدالله بن الرقيم الكناني قال: “خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك بها، أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي (رض)”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة وعلي بن زيد بن جدعان قالا: ثنا ابن المسيب حدّثنا ابنٌ لسعد بن مالك ثنا عن أبيه قال: “دخلت على سعد فقلت: حديثاً حدّثنيه عنك حين استخلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً (رض) على المدينة، قال: فغضب فقال: من حدّثك به؟ فكرهت أن أخبره أنَّ ابنه حدّثنيه فيغضب عليه، ثمّ قال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين خرج في غزوة تبوك استخلف علياً (رض) على المدينة، فقال علي: يا رسول الله ما كنت أحب أن تخرج وجهاً إلاَّ وأنا معك، فقال (صلّى الله عليه وآله): أوما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبي بعدي”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سعد أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعلي: “أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ـ قيل لسفيان ـ غير أنّه لا نبي بعدي، قال: نعم”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا عبدالله ـ يعني ابن حبيب بن أبي ثابت ـ عن حمزة بن عبدالله عن أبيه عن سعد قال: “لما خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزوة تبوك خلّف علياً (رض) فقال له: أتخلّفني؟ قال به: “أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي”().
تحليل واستنتاج
أ) نص حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو البرهان القاطع والحجة الدامغة أنّه تعيين وصي له (صلّى الله عليه وآله) وقوله للنبي (صلّى الله عليه وآله): أتخلّفني، فهي الخلافة الحقّة.
ب) لحوق الإمام (عليه السلام) حتّى مكان معيّن (ثنيّة الوداع) وهو غير معارض لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) وما هو هذا ديدنه، بل ليُشهد الناس على مقولة النبي (صلّى الله عليه وآله) الإلهية التاريخية: “أنت منّي بمنزلة هارون من موسى”.
19 ـ النبي (صلّى الله عليه وآله) يعطيه درع الحطميّة ليكون صهره، ووالد ابنيه الحسنين
ـ حدّثنا عبدالله أنبأنا سفيان بن أبي نجيح عن أبيه عن رجل سمع علياً (رض) يقول: “أردت أن أخطب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنته، فقلت: ما لي من شيء (لا أملك شيئاً)، فكيف؟ ثمّ ذكرت صلته وعائدته فخطبتها إليه، فقال (صلّى الله عليه وآله): هل لك من شيء؟، قلت: لا، قال (صلّى الله عليه وآله): فأين درعك الحطميّة التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ قال: هي عندي، قال: فأعطها إيّاه”() (أي بعها وادفعه صداقاً لفاطمة ـ س ـ).
20 ـ علي (عليه السلام): خليل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأخوه
لم يفارق الإمام علي (ع) النبي (ص) طوال حياته الشريفة، وكان (ع) ملازماً له في كل آن ومكان، وهل يكون حال الخليلين على غير ذلك؟!!
عن أمّ المؤمنين السيّد أمّ سلمة (رض) أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا غلبه المرض في آخر حياته، قال: ادعو لي خليلي، فكلّ أرسلت إلى قريب لها، وأرسلت أمّ المؤمنين السيّدة عائشة (رض) إلى أبيها، والنبي (صلّى الله عليه وآله) في كُلّ مرّة يفتح عينه الشريفة من إغمائة تغشاه ويقول: ادعو لي خليلي، حتّى قال (صلّى الله عليه وآله) انتن صويحبات يوسف، ادعو لي علياً، فأتى (عليه السلام) واحتضنه حتّى فارقت روحه الشريفة بدنه الطاهر، وهو (صلّى الله عليه وآله) على ذلك الحال، بعد أن أوصى الإمام (عليه السلام) وسرّه بما يجب،… والأحاديث التالية خير دليل ناطق على ذلك.
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا وكيع ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس قال: “لمّا مرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة (رض) فقال (صلّى الله عليه وآله): ادعو لي علياً (رض)، قالت عائشة (رض): ندعو لك أبا بكر (رض)؟ قال: ادعوه (يعني علياً) قالت حفصة: يا رسول الله ندعو لك عمر (رض)؟ قال: ادعوه (علياً) قالت أم الفضل: يا رسول الله ندعو لك العباس؟ قال: ادعوه (علياً) فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير علياً، فقال عمر (رض) قوموا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر يصلّي بالناس، فقالت عائشة (رض) إنَّ أبا بكر رجل حصر ومتى ما لا يراك، الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس، فخرج أبو بكر (رض) فصلّى بالناس ووجد النبي (صلّى الله عليه وآله) من نفسه فخرج يهادي بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض، فلمّا رآه الناس، سبحوا أبا بكر (إيماءه في الصلاة للتنبيه) فذهب يتأخر، فأومأ إليه (خذ مكانك) فجاء النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتم بالنبي (صلّى الله عليه وآله) والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) من القراءة ومن حيث بلغ أبو بكر، ومات في مرضه ذاك عليه الصلاة والسلام” ().
تحليل، نقد، واستنتاج
وإن لم نكن نحن في صدد نقد وتحليل مثل هذه المواضيع، وما كان علينا إلاَّ ذكر فضائل الإمام علي (عليه السلام) إلاَّ أنّه يحزّ في قلب المسلم المنصف أن يمر بهذا الحديث ولم يعبّر عمّا يؤلمه ويثير مشاعره الإنسانية، فلذلك نذكر مختصراً عنه:
1 ـ يكرّر النبي (صلّى الله عليه وآله) أربع مرّات: أدعوه، ومن حوله يتغافل ويتغابى ويدعو صاحبه، والدليل على ذلك أنَّهم لما اجتمعوا، رفع (صلّى الله عليه وآله) رأسه الشريف ولم ير علياً، تغيّر حال المجتمعين!.
2 ـ لو يسأل سائل: لماذا قال عمر (رض) قوموا، لو كان النبي (صلّى الله عليه وآله) قد قصدهم ودعاهم؟؟!!
3 ـ لو كانت إرادة النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يصلي أبو بكر، فلماذا خرج يتهادى على ما به من وجدٍ وألم، لماذا خرج بتلك الحالة؟ وماذا يريد؟ ألم تكن معاناته في خروجه أن يعلن للناس أنّ ذلك لا يمثّله!!
4 ـ من هما الرجلان اللذان اتكأ عليهما النبي (صلّى الله عليه وآله) لماذا لم يسمّوهما؟ ألم يكونا علي (عليه السلام) والعباس عمّه؟
وهناك الكثير الكثير من الكلام، إلاَّ ما عسانا أن نقول غير ما قال ابن عباس: يوم الخميس وما رزيّة يوم الخميس!!”.
21 ـ طريق علي (عليه السلام): الصراط المستقيم
ـ حدّثنا عبدالله ثنى أُبي ثنا أسود بن عامر ثنى عبد الحميد بن أبي جعفر ـ يعني الفراء ـ عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي (رض) قال: “قيل يا رسول الله من يؤمَّر بعدك؟ (!)، قال: إن تؤمّروا أبا بكراً (رض) تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، وإن تؤمّروا عمراً تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإنّ تؤمّروا علياً (رض) ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهدياً يأخذكم الطريق المستقيم().
نقد، تحليل، واستنتاج
بالرغم من وضوح الحديث، وضوح مقاصده، ومهما حاولوا أن يقدّموا على عليّ (رض)، إلاَّ أنَّ عبارة “ولا أراكم فاعلين” تبيّن مدى علم النبي (صلّى الله عليه وآله) ومعرفته بجبلّتهم وسجاياهم وكشف النبي (صلّى الله عليه وآله) لما يخفي ويضمر في نفوسهم، بأنّهم لم ولن يفعلوا، بل تعدّوا إلى ما وراء ذلك لما هو أدهى وأمرّ ممّا فعلوه فيه (عليه السلام) وبالأئمة من ولده وأهل بيته (عليهم السلام) من قتل وتشريد و… و…
أمّا عبارة “يأخذكم الطريق المستقيم”، فهو: الصراط المستقيم الذي يأخذ الناس إليه، فهو المعصوم حقّاً، ولكن أين القلوب التي تفقه وتعي هذا القول؟!!
22 ـ الإمام علي (عليه السلام) لا يفارق النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا ينفك عنه حتّى احتضاره (صلّى الله عليه وآله)
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا بكر بن عيسى الراسبي ثنا عمر بن الفضل عن نعيم بن يزيد عن علي بن أبي طالب (رض) قال: أمرني النبي (صلّى الله عليه وآله) أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيته أن تفوتني نفسه (تفارقه روحه وأنا لم أكن عنده) قال: قلت: إنّي أحفظ وأعي، قال: أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت إيمانكم”().
نقد وتحليل
1 ـ المهم إنّهم ذكروا أنّه (عليه السلام) كان ملازماً للنبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى آخر نفس من حياته الشريفة المباركة.
2 ـ إنّ ما صدر عن غيره ـ من الخليفة الثاني وأم المؤمنين عائشة ـ ينسبوه إليه (عليه السلام) فجعله في مصافهم وليبيّنوا أنّه (عليه السلام) لا يصغي لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله).
3 ـ صرف الأفكار وإذاعتها عن وصيته الإلهية ـ حديث الثقلين ـ إلى ما ذكروه في آخر الحديث.
وهل يغسّل النبي (صلّى الله عليه وآله) ويجهّزه إلاّ وصيّه؟!
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا أبي عن ابن إسحاق حدّثني حسين بن عبدالله عن عكرمة عن ابن عباس، قال: “لمّا اجتمع القوم لغسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وليس في البيت إلاَّ أهله: عمّه العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس().
23 ـ أتعرفون علياً؟!! فهذا هو علي
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة ثنا أبو بلج ثنا عمرو بن ميمون قال: “إنّي جالس إلى ابن عباس، إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا ابن عباس إمّا أن تقوم معنا وإمّا أن تخلونا هؤلاء (تخرجهم)؟ قال: فقال: ابن عباس: بل أقوم معكم، قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يُعمى، قال: فابتدأوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف أف (مضجراً منزعجاً)، وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل (قالوا عنه سوءاً) قال له النبي (صلّى الله عليه وآله):
1 ـ لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً، يحبّ الله ورسوله. قال: فاستشرف لها من استشرف، قال (صلّى الله عليه وآله): أين علي؟ قالوا: هو في الرحل يطحن، قال: وما كان أحدكم ليطحن؟ قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث في عينيه ثمّ هزّ الراية ثلاثاً فأعطاها إيّاه.
2 ـ قال: ثمّ بعث فلاناً (إشارة إلى أبي بكر) بسورة التوبة (براءة) فبعث علياً خلفه فأخذها منه، قال (صلّى الله عليه وآله): لا يذهب بها إلاَّ رجل منّي وأنا منه.
3 ـ قال: وقال لبني عمّه: أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ قال: وعلي معه جالس، فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، قال: أنت ولييّ في الدنيا والآخرة، قال: فتركه ثمّ أقبل على رجل منهم فقال: أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا، قال: فقال عليّ: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، قال: فقال (صلّى الله عليه وآله): أنت وليي في الدنيا والآخرة.
4 ـ قال: وكان أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة.
5 ـ قال: وأخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: “إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”.
6 ـ قال: وشرى (باع، فدى) علي نفسه، لبس ثوب النبي (صلّى الله عليه وآله) ثمّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبي الله، قال: فقال: يا نبي الله، قال: فقال له علي: إنّ نبي الله (صلّى الله عليه وآله) قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار،…
7 ـ قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك، قال فقال له علي: أخرج معك؟ قال: فقال له نبي الله: لا، فبكى علي، فقال له: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاَّ أنّك لست بنبي؟ إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاَّ وأنت خليفتي.
8 ـ قال: وقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي.
9 ـ وقال: سدّوا أبواب المسجد غير باب علي. فقال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره.
10 ـ وقال: “من كنت مولاه فإن مولاه علي”().
24 ـ محبّو الإمام علي (عليه السلام) ـ قولاً وعملاً ـ مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في الجنة،… إنّها الولاية حقّاً
ـ حدّثنا عبدالله ثنى نصر بن علي الأزدي أخبرني علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي حدّثني أخي موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن حسين (رضي الله عنه) عن أبيه عن جدّه: “أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخذ بيد الحسن والحسين رضي الله عنهما فقال: مَنْ أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة() (إنّها لولاية حقّاً).
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عفان ثنا معاذ بن معاذ ثنا قيس بن الربيع عن أبي المقدام عن عبد الرحمن الأزرق عن علي (رض) قال: “دخلَ عليَّ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) وأنا نائم على المنامة، فاستسقى الحسن أو الحسين، قال: فقام النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى شاة لنا بكر فحلبها فدرّت، فجاءه الحسن فنحّاه النبي (صلّى الله عليه وآله) (جعله جانباً)، فقالت فاطمة: يا رسول الله كأنّه أحبّهما إليك؟ قال: لا، ولكنّه استسقى قبله، ثمّ قال: إنّي وإيّاك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي حدّثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى ثنا علي: “أنّ فاطمة (رض) اشتكت ما تلقى من أثر الرحى في يدها، وأتى النبي (صلّى الله عليه وآله) سبي، فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة (رض) فأخبرتها، فلمّا جاء النبي (صلّى الله عليه وآله) أخبرته بمجيء فاطمة (عليها السلام) إليها، فجاء النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): “على مكانكما، فقعد بيننا حتّى وجدت برد قدميه على صدري، فقال ألا أعلّمكما خيراً ممّا سألتماه إذا أخذتما مضاجعكما أن تكبّرا الله أربعاً وثلاثين وتسبّحاه 33 وتحمّداه 33 فهو خير لكما من خادم” (!)().
تحليل واستنتاج
1 ـ أرى في الحديث (1145) جواباً وتعليلاً لما جاء في الحديث (794) وهو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) هو الذي طلب من الإمام (عليه السلام) أن يبقى راقداً في مكانه ليضع قدمه الشريفة على صدره ويمدّه ممّا أمدّه الله تعالى منه، فلذلك أحسّ ببرد قدمه، ويا ترى ألم يكن ذلك البرد زاداً ليتحمّل به ما ستجرّه عليه الأيام، ليكمّل المشوار بكلّ طمأنينة وقرار،…
2 ـ أنّ عمل النبي (صلّى الله عليه وآله) مع الحسنين هو أوّلاً عمل أخلاقي وتربوي، ثمّ سقيه (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام) باللبن تعويده على أنّه إذا استسقى ماءً لا يُسقى، إشارة إلى واقعة الطف!!.
25 ـ محب علي مؤمن، ومبغضه منافق
لكلّ شيء في الكون ميزان ومقياس، فما هو يا ترى مقياس المؤمن والمنافق؟!.
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش قال: قال علي (رض): “والله إنّه ممّا عَهِدَ إليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه لا يبغضني إلاَّ منافق ولا يحبّني إلاَّ مؤمن”().
26 ـ علي ـ عليه السلام ـ من أهل الجنة، ومن يضدّه ظالم
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا علي بن عاصم قال حصين: أخبرنا عن هلال بن يساف عن عبدالله بن ظالم المازني قال: “لمّا خرج معاوية من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة (جعله عاملاً عليها) قال: فأقام خطباء يقعون في علي (يسيئون إليه) قال: وأنا إلى جنب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: فغضب، فقام فأخذ بيدي فتبعته، فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه (معاوية) الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة! ثمّ… ثمّ قال: قلت: وما ذاك؟ قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أثبِت حراء فإنّه ليس عليك إلاَّ نبي أو صديق أو شهيد… وبينهم علي (عليه السلام)().
27 ـ الإمام علي (عليه السلام) عن لسان أمّ المؤمنين عائشة
رغم أنّ السيّدة أمّ المؤمنين عائشة هي زوجته (صلّى الله عليه وآله) ومرافقته لفترة غير قصيرة في حياته، وقد عُرفت من بين محدّثي أتباع مدرسة الخلفاء بكثرة رواياتها عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وفي جميع شؤون حياته الشريفة (صلّى الله عليه وآله)، إلاَّ أنّها ليقينها بعلم الإمام علي (عليه السلام) وصدقه، في أحايين كثيرة كانت عندما تُسأل عن سير النبي (صلّى الله عليه وآله) وأقواله وأفعاله ـ وذلك بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) كانت تهدي سائليها وترشدهم إليه (عليه السلام) ليحصلوا على الإجابة الصحيحة الوافية، وما ذلك إلاَّ اعترافها، كما سبق، بأعلميته وبملازمته ومرافقته النبي (صلّى الله عليه وآله) طوال حياته الشريفة… لنطّلع معاً على ما جاء في هذا الصدد:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يزيد عن الحجاج عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: “سألت عائشة (رض) عن المسح على الخفين، فقالت: سل علياً، فإنّه أعلم بهذا منّي، كان يسافر مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: فسألت علياً (رض) فقال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يزيد بن الحجاج عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة عن علي (رض) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) بمثله().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا… عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ، قال: “سألت عائشة عن المسح على الخفين؟ فقالت: سل علياً (رض)، فسألته فقال: ثلاثة أيام وليالهن ـ يعني للمسافر ـ ويوم وليلة للمقيم”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى أُبي ثنا أيوب ثنا معاوية ثنا الأعمش عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: “سألت عائشة (رض) عن المسح، فقالت: ائت علياً (رض) فهو أعلم بذلك منّي، قال: فأتيت علياً فسألته عن المسح على الخفين، قال: فقال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمرنا أن نمسح على الخفين يوماً وليلة وللمسافر ثلاثاً”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يحدث عن شريح بن هانئ: “أنّه سأل عائشة (رض) عن المسح على الخفين؟ فقالت: سل عن ذلك علياً (رض) فإنّه كان يغزو مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فسأله… ().
ـ حدثّنا عبدالله ثنى أُبي ثنا حجاج ثنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: “سألت عائشة (رض) فقلت: أخبريني برجل من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) أسأله عن المسح على الخفين، فقالت: ائت علياً (رض) فسله، فإنّه كان يلزم النبي (صلّى الله عليه وآله)، قال: فأتيت علياً (رض) فسألته، فقال: أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمسح على خفافنا إذا سافرنا”().
ـ حدثّنا عبدالله حدّثني أُبي حدّثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، قال: حدّثني الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: “سألت عائشة (رض) عن المسح على الخفين قالت: سل علي بن أبي طالب (رض) فإنّه كان يسافر مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فسألته فقال: للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة”. قال يحيى: وكان يرفعه ـ يعني شعبة ـ ثمّ تركه().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا عبد الرزاق… عن… عن شريح بن هانئ قال: “أتيت عائشة (رض) أسألها عن الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فاسأله، فإنّه كان يسافر مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى إسحاق بن إسماعيل ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي (رض) قال: “كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح مع ظاهرهما، حتّى رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما”().
ـ حدّثنا عبدالله ثنى إسحاق بن إسماعيل… عن عبد خير عن علي (رض) قال: “كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح مع ظاهرهما، حتّى رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا بهز ثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة قال: رأيت علياً (رض) صلّى الظهر ثمّ قعد لحوائج الناس، فلمّا حضرت العصر أتي بتور من ماء فأخذ منه كفّاً فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، ثمّ أخذ فضلة فشرب قائماً، وقال: إنّ أناساً يكرهون هذا وقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث”().
نقد، تحليل واستنتاج
1) إنّ السؤال هو عن المسح وليس غسل الرجل للوضوء كما هو جارٍ الآن عن أتباع الخلفاء.
2) الثقة الأعلم والملازم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حلّه وترحاله هو الإمام علي (عليه السلام)، فهو المعتمد عليه والأسوة الحقيقي برسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي يهدي إليه الناس.
3) ذكر في الأحاديث تارة “خفٌّ” وأخرى “نعال”، وإذا كان نعال، يمكن المسح على الرجل بغير نزعه بسبب هيئته وشكله.
4) أنّ الحديث (1318) صريح وواضح ولا يحتاج إلى بيان وشرح… وهناك احتمال كبير بأنّهم أرادوا تثبيت جواز المسح على الخفين فنسبوه إلى الإمام (عليه السلام) لعلم الجميع بأنّه (عليه السلام) الأعلم، المقتدي، والمتأسي حقاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والجملة الأخيرة في الحديث (1318) خير دليل وأوضح برهان وأدمغ حجّة.
وبعد مراجعتنا لمسانيد الصحابة، وجدنا فيها ما يعزز ويدعم احتمالنا، فهناك أحاديث عديدة حول من ينقل ويجوّز ذلك.
28 ـ منزلة الإمام علي (عليه السلام) بإقرار الصحابة
كانت لمنزلة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من الألمعية والبيان الذي لا يمكن لأحد كتمانه، لنرى ما جاء في ذلك عن جحيفة:
ـ حدّثنا عبدالله ثنا أبو صالح الحكم بن موسى ثنا شهاب بن خراش ثنا الحجاج بن دينار عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي جحيفة قال: “كنت أرى أنّ علياً (رض) أفضل الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذكر الحديث، قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، إنّي لم أكن أرى أنّ أحداً من المسلمين بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أفضل منك().
29 ـ الإمام علي (عليه السلام) على لسان ابنه الإمام الحسن (عليه السلام)
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا وكيع عن شريك عن أبي إسحاق عن هبيرة: “خطبنا الحسن بن علي (رض) فقال: لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم، ولا يدركه الآخرون، كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يبعثه بالراية، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، لا ينصرف حتّى يُفتح له”().
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن حبشي قال: “خطبنا الحسن بن علي بعد قتل علي (رض) فقال: لقد فارقكم رجل بالأمس، ما سبقه الأوّلون، ولا أدركه الآخرون، إن كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليبعثه ويعطيه الراية فلا ينصرف حتّى يُفتح له، وما ترك من صفراء ولا بيضاء إلاَّ سبع مئة درهم من عطائه، كان يرصدها لخادم أهله”().
30 ـ النبي أبو ولده (عليه السلام) ومسمّيهم بأمرٍ من الله
لا يخفى على مسلم، أنّ حق تسمية المولود على المولود له، إلاَّ أنّنا نرى أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يسمّى ولدي السيدة فاطمة الزهراء بضعته (سلام الله عليها)، لنرى ما جاء في مسند الإمام أحمد في ذلك:
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هاني بن هاني عن علي (رض) قال: “لمّا وُلد الحسن سمّيته حرباً، فجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟ فسمّاه الحسن، (وهكذا الحسين ومحسن) ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله): سمّيتهم بأسماء ولد هارون: شبّر وشبير ومشبر”().
(أقول: فيه إشارة إلى هارون أخي النبي موسى (عليه السلام)، وتمهيد للحديث الإلهي التاريخي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى).
ـ حدّثنا عبدالله حدّثني أُبي ثنا زكريا بن عدي أنبأنا عبدالله بن عمرو بن عبدالله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي (رض) قال: “لمّا وُلد الحسن سمّاه: حمزة، فلما وُلد الحسين سمّاه بعمّه جعفر، قال: فدعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: إنّي أمرت أن أغيّر اسم هذين، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسمّاهما حسناً وحسيناً”().
المصادر
1 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني؛ طبعة جديدة مصححة مرقمة الأحاديث ومفهرسة.
2 ـ مؤسسة التاريخ العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1991م ـ 1412هـ.
3 ـ معجم لغة الفقهاء. وضع: ا. د. محمد رواس قلعه جي و د. حامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1408هـ ـ 1988م.
4 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد، الشيخ المحدّث أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي، ت 290هـ ق. الجزء الرابع.
Superiority and Excellent Qualities of Imaam Ali bin Abitaleb (p.b.u.h.).
In Mosnad of Ahmad bin Hanbal.
Dr. Nahleh Gharavi – Naeeni.
Abstract
Superiority and Excellent Qualities of Imaam Ali bin Abitaleb.
Study and learning about the superiority and excellent qualities of Imaam Ali bin Abitaleb (p.b.u.h.) is not new, but most of what is written about it has been taken from the sources of prophet’s family (Ahlolbait). A reader or hearer thought that it is exaggeration, but because of not looking deeply on the sources of people of the Sonnah, our brothers, specially Sehaah and Mosnads, the books which are creditable on their views or the lack of accuracy in its learning and sectioning.
These kinds of Hadithes (radiations) have been buried in these books and covered from the light of truth, so we decided to bring out the Hadithes from the Mosnad of Ahmad bin Hanbal which is among the creditable book of our brothers, people of the Sunnah, so it can be a witness of attributes and superiority of this Imam.
What we standed for in this paper is to show a light of these Ahaadith (traditions) about him, that he is lonely on: his faith, his pure virture, bravery, judgment, and being the closest companion of the Prophet (p.b.u.h.).
الدكتورة نهلة الغروي النائيني
فقهاء البحرين
خرّجت مدرسة الحلّة الكثير من الفقهاء في عصر فخر المحققين. وكان هؤلاء الفقهاء تجمعهم الدراسة والتدريس حتّى إذا بلغوا مرحلة علميّة توزّعوا في بلدانهم كما حصل للشهيد الأوّل عندما رجع إلى مدينة جزّين، وإلى فقيه آخر هو الشيخ جمال الدين أحمد بن عبدالله بن المتوّج البحراني (ت: 820هـ/ 1417م).
تميّزت البحرين() بنهضة دينيّة على مرّ العصور، وقد عُرف التشيّع بها منذ عصور الإسلام الأولى. والمُلاحظ أنّ العلماء البحرانيين كان لهم حضور في كلّ الأدوار التي مرّت على المؤسسة الدينية الشيعية منذ أيام مدرسة بغداد في القرن الخامس الهجري حتّى عصرنا الحاضر.
ففي القرن الخامس الهجري عُرفَ الفقيه ابن أكمل البحراني الذي يروي عنه محمد بن محمد البصروي المتوفى سنة 443هـ/ 1051م، (والذي كان أحد تلامذة الشريف المرتضى) ـ كتابه “المفيد في التكليف”()، والشيخ ناصر الدين راشد بن إبراهيم بن إسحاق البحراني (ت: 605هـ/ 1208م) الفقيه المتكلم من تلامذة فقهاء العراق().
وفي مرحلة مدرسة الحلّة عُرف منهم الكثير من الفقهاء الكبار الذين تتلمذوا على يد فقهاء الحلّة أمثال الشيخ إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم البحراني المُتوفى بعد سنة 669هـ/ 1271م، والذي كان من تلامذة المحقّق الحلّي، الشيخ جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي.
ومنهم: الفيلسوف كمال الدين أحمد بن علي بن سعادة الستراوي البحراني (المعاصر لنصير الدين الطوسي، والمُتوفى قبله)، وهو المعروف بابن سعادة. كان حكيماً متكلماً وفقيهاً. وقد ذُكر أنَّ له رسالة في علم الكلام شرحها نصير الدين(). وهو أستاذ الفيلسوف جمال الدين علي بن سليمان الستراوي البحراني().
ومنهم: الشيخ كمال الدين ميثم بن علي البحراني الفيلسوف المحقق والحكيم المتكلم (636ـ699هـ/ 1239ـ 1300م) أستاذ نصير الدين الطوسي، اشتهر بكتابه شرح نهج البلاغة().
ومنهم الشيخ فضل بن جعفر بن فضل بن أبي قائد البحراني من تلامذة المحقق الحلّي().
أمّا في مرحلة زعامة فخر المحققين فقد تخرّج الفقيه الشيخ جمال الدين أحمد ابن المُتوَّج البحراني() (ت: 820هـ/ 1417م) على يديه في السنين التي كان الشهيد الأوّل مقيماً في الحلّة()، وهو من أساتذة فقيهين كبيرين، هما: أحمد ابن فهد الحلّي، وأحمد ابن فهد الأحسائي.
ومن تلاميذه أيضاً: ولده الشيخ جمال الدين ناصر بن أحمد بن المتوّج (المتوفى سنة 850هـ/ 1446م) ().
ومنهم الشيخ حسين بن الشيخ علي بن سليمان الستراوي (المُتوفى أواخر المائة السابعة وأوائل الثامنة)، وهو من مشايخ العلاّمة الحلّي().
ومنهم: الشيخ إبراهيم ابن عشيرة البحراني أحد تلامذة مدرسة الحلّة، وهو صاحب شرح الألفية للشهيد الأوّل، فرغ منها سنة 809هـ/ 1406م().
وقد ازدهرت مدرسة البحرين ازدهاراً كبيراً بعد ظهور الدولة الصفوية بإيران، وساهم بعض فقهائها بتولّي منصب القضاء في إيران الصفوية، أو في البحرين نفسها بعد سيطرة الصفويين عليها، كما تولّى بعضهم منصب شيخ الإسلام في تلك المرحلة، أمثال: الشيخ سليمان الماحوزي (ت: 1121هـ/ 1709م)، والشيخ عبدالله السماهيجي (ت: 1135هـ/ 1723م)، والشيخ يوسف البحراني (ت: 1186هـ/ 1772م).
وقد أخذت الحركة الإخبارية طريقها إلى البحرين أيام الدولة الصفوية، وعُرف فقهاء البحرين الأخباريون بالتسامح والمسالمة بشكل عام.
وبالرغم أنَّ النهضة الثقافية الشيعيّة كانت متميزة في البحرين، إلاَّ أنَّ مدرسة البحرين الفقهية بقي فقهاؤها يستمدّون تخصُّصاتهم عن فقهاء العراق.
كما تعرَّضت هذه المؤسسة الدينية البحرانية لمشاكل سياسية وحروب راح ضحيتها الكثير من أعلام الإمامية ممّا اضطرَّ الكثير منهم إلى الهجرة خارج أسوار بلادهم، كما حصل ذلك إثر غزو اليعاربة العُمانيين (عام 1130هـ/ 1718م حيث تفرَّق الكثير من فقهاء البحرين في بلدان مختلفة في العراق وإيران، وغيرها().
د. جودت القزويني
فقهاء العصر البويهي
بدأ ازدهار التشيّع في بغداد باحتلال البويهيين عاصمة الخلافة العباسية سنة 334هـ/ 945م، وبظهور شخصيات شيعيّة في غاية الازدهار العلمي.
فقد شهدت هذه الفترة الزمنية بالذات انقسامات سياسية، وقيام دول صغيرة مُنيتْ بها المملكة الإسلامية، وانفصلتْ عنها(). وكانت بغداد لمَّا تزل بيد الخلفاء العباسيين الذين كانوا بدورهم محتفظين بسيادةٍ معنوية على الدويلات المنفصلة عنها، والتي كانت تُقدّم للخليفة العباسي الدعاء، والخُطب في المناسبات الدينيّة، وتشتري منه الألقاب().
كان بنو بويه من الديلم، وهم مُقيمون بالجبال الواقعة في الجنوب الغربي من شاطئ بحر (قزوين)، وقد قيل إنّهم أسلموا على يد فقيه شيعي كبير هو الحسن بن علي الأطروش() المُلقّب بالناصر الكبير صاحب الديلم (ت: 304هـ/ 916م)، الذي جمعهم، واستولى بهم على طبرستان سنة 301هـ/ 913م().
لمّا تدهورت الأحوال في عاصمة الخلافة بسبب الصراع على إمارة الأمراء، والحروب بين طوائف الجُند من الديلم والتُرك؛ زحفَ أحمد بن بويه إليها، فهرب الجُندُ من الأتراك بعدما عجزوا عن ردّه، فاستقبله الخليفةُ المُستكفي، وولاّهُ إمارة الأمراء، ولقَّبه “مُعزّ الدولة”.
وقد حرصَ البويهيون على استمرار منصب “أمير المؤمنين” للخليفة العباسي باعتبار أنَّ النظرة الدينية إلى الخلافة العباسية كانت لا تزال قوية، بحيث أنّ البويهيين لم يجرؤا على اتخاذ خطوة مخالفة لها، كما لم يكن لهم مشروعٌ عقائدي محدّد حتّى يُطالب الرأي العام الشيعي بإقرار مشروعه السياسي.
وفي مقابل حفاظ البويهيين على منصب “الخلافة”، قد حاولوا سلب الخلفاء نفوذهم العام، ولم يُبقوا من الخلافة إلاَّ مظهرها. وقد عمدوا إلى إطلاق ألقاب من نوع آخر اختصّتْ بالخلفاء، وقد استعيضَ بها عن التفوّه باسم الخليفة، ومن تذلك الألقاب: “المقامات الشريفة، والمجلس، والحضرة” كتعويض عن النفوذ المفقود، أو رغبة في الاحتفاظ بمراسم (الخلافة) التي ضاع سلطانها الفعلي().
عمل البويهيون بسياسة الانفتاح، وإطلاق الحريات الفكرية، وهذه السياسة ميّزت العصرَ البويهي عن غيره من العصور المتقدمة أو المتأخرة عليه. فقد كانت سياستُهم قائمةً على أساس التقارب بين المذاهب الفكرية، وإعطاء الفرصة الكاملة للتعبير عن الرأي، وفسح المجال لزعماء المُتكلمين من الأشاعرة والمُعتزلة، وغيرهما من التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم في مُناقشات حُرّة مع أرباب المذاهب والفِرق الاعتقادية.
إنَّ هذه الفترة بالذات ـ حفلتْ بظهور فرق، ونحل، وبانقسام كبير في الآراء في مجادلات فكرية مُعقّدة خصوصاً في مجال علم الكلام؛ حيث كثُر النقاش حول مواضيعهِ؛ ومن ذلك الجدال في “صفات الخالق”، و”أفعال الإنسان في الجبر والاختيار”، وحول “الإمامة والخلافة”، وما يتّصل بمسائل كلامية كانت جميعاً محور جدل بين الكبار.
والذي صوّرته أقلام الكتاب أنَّ البويهيين لم يكونوا حريصين على تأكيد إنتمائهم المذهبي بقدر ما كانوا حريصين على الاحتفاظ بمقاليد السلطة السياسية في الحكم؛ وعلى ذلك اختلفَ الباحثون في تحديد هويتهم المذهبية بعدما اتفقوا على نسبتهم إلى التشيّع؛ فاعتقدَ بعضُهم أنَّهم “زيدية”، ونسَبهم آخرون إلى المذهب الإسماعيلي”، وأكّد طرفٌ ثالث أنَّهم “إثنا عشرية”().
وقد ذهب بعض الباحثين إلى الاعتقاد أنَّ البوهيين كانوا على المذهب الزيدي، ثُمَّ تبنّوا المذهب الإثني عشري للملائمة لهم من الناحية السياسية في إيجاد أرض صلبة من العراقيين يستندون إليها في تثبيت أركان دولتهم().
لكنَّ البويهيين بالرغم من تشيّعهم المذهبي لم يُفكروا فيما بعد بمشروع سياسيّ شيعي كما أنَّ فقهاء الشيعة واصلوا سياسة المُصالحة معهم دون أنْ يتعرّضوا لقضيّة شرعية هذه السلطة.
بَيْدَ أنَّ الشريف المُرتضى (355ـ 436هـ/ 966ـ 1044م) كتب سنة 415هـ/ 1024م بحثاً بعنوان “مسألة في العمل مع السلطان”()، حاول فيه أنْ يُجيبَ على سؤال وجّهه إليه الوزير الفاطمي ابن المغربي (ت: 418هـ/ 1027م) في جواز العمل مع السلطة البويهية وعدمه. وقد أثبتَ من خلال أدلة القرآن، والسُّنّة والعقل جواز العمل ضمن دائرة المصلحة الإسلامية العامة، هذا إذا صحّت نسبة هذه الرسالة إليه.
خلال العهد البويهي ظهر فقهاء كبار تناوبوا بنجاح على قيادة الشيعة، وكان محمد بن محمد بن النُعمان المُلقب بالشيخ المفيد (336 ـ 413هـ/ 948 ـ 1022م) الفقيه الأوّل الذي يُعتبرُ الرائدَ لمدرسة الاجتهاد عند الإثني عشرية، وتبعهُ إثنان من تلامذته هما؛ الشريف المُرتضى، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460هـ/ 995 ـ 1068م).
أدَّى هؤلاء الفقهاء الثلاثة أدوارهم العلمية تبعاً للظروف التي أحاطتْ بهم، كما أسَّسوا أركان المذهب الشيعي، واستفادوا من تنقية التراث الذي وصلهم في إرساء الأسس العقائدية للطائفة.
وقد امتدّتْ حياتُهم لتشملَ حكم عُضد الدولة البويهي (367 ـ 372هـ/ 978 ـ 983م)، ثمّ استمرّت حتّى سقوط البويهيين، واحتلال السلاجقة لبغداد عام 448هـ/ 1056م.
تميّزت المرحلة الأولى من نفوذهم باستقرار الحكم البويهي، أمّا المرحلة الثانية فقد سادتها الاضطرابات الداخلية.
ونتيجةً للحرية التي تمتع بها هذا العصر فقد أصبحتْ (بغداد) مركزاً إستقطبَ قادة المذاهب الدينية، على اختلاف مشاربهم، من مختلف بقاع العالم.
وبالرغم من ظهور الشيعة كمدرسة بدأتْ تتبلور فكرياً في هذه المرحلة، إلاَّ أنَّ المؤسسة الدينية المتمثلة بالفقهاء لم تُسجّلْ أيَّ نشاط سياسيّ يخدم السلطة البويهية بشكل مباشر، أو تُسهم في مناصب حكوميَّة مهمة؛ بل حرصتْ على أداء وظيفتها بطريقة متوازنة مع الظروف السياسية غير المستقرة.
كان التيار التقليدي ـ الذي يمثّلهُ المفيد ـ مدعوماً من قبل البويهيين أنفسهم، وبالتحديد من قبل عضد الدولة. وكان هذا الحاكم القوي يقصد زيارة شيخ الشيعة في داره، كما كان يعقد مجالس فكرية عامّة لمناقشة الاختلاف بين وجهات نظر التيارات الكلامية المتباينة، يحضرها بنفسه. ولمَّا تفوّقَ المفيد في بحث “الإمامية” على القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت: 415هـ/ 1024م)، قيل إنَّ عضد الدولة قدَّم له هدايا ثمينة، واقتطعَ له بعض القُرى التي تُحيط ببغداد، كما أجرى الرواتب لتلامذته().
أمّا من جهة ثانية، فقد كان عضد الدولة متيقظاً من شخصيّات سياسية، وكان أبو أحمد الحُسين الطاهر (303ـ400هـ/ 915ـ1010م) ـ والد المرتضى والرضي ـ قد أُبعدَ إلى شيراز عام 369هـ/ 979م لاتهامه بتأييد بعض رجال الأسرة البويهية المناوئين لحكم عضد الدولة.
وأبو أحمد الحُسين هو ابن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى بن جعفر المعروف بالكاظم (عليه السلام)، من الشخصيّات السياسية والعلمية المُوقّرة.
تزوّج من فاطمة بنت الحُسين المعروف بالناصر الصغير ابن أحمد بن الحسن الأطروش المعروف بالناصر الكبير (صاحب الديلم) بن علي (العسكري) بن الحسين بن علي (الأصغر) عن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
والحُسين بن أحمد (الناصر الصغير) هو ابن خالة عزّ الدولة بختيار، أحد سلاطين آل بُوَيْه، ولد سنة 331هـ/ 942م، وكانت بينه، وبين ابن عمّه عضد الدولة وقائع انتهت إلى قتله 367هـ/ 977م().
عُرف الحُسين أبو أحمد (والد الشريفين) بالكفاءة السياسية، وقد صوَّرته النصوص بأنَّه كان رسول سلام بين آل بُويه، وبين الممالك المحيطة بهم، أمثال الحمدانيين، والأتراك، والديلم.
وذكرت النصوص أنَّ من مهمات الحُسين أنَّه كان سفير الخلفاء والملوك والأمراء في الأمور المهمة، حيث سُفّر أيام معزّ الدولة البويهي ليقوم بوساطة بينه وبين الأتراك. كما توسَّط للصلح بين معزّ الدولة، وآل حمدان.
ولمَّا اختلف بهاء الدولة (379ـ403هـ/ 989ـ1013م) سنة 384هـ/ 994م مع أخيه صمصام الدولة (372ـ376هـ/ 982ـ986م) سافر الحُسين والد الشريفين إلى بلاد فارس للإصلاح بينهما().
وقيل إنَّ الخليفة العباسي الطائع كلَّفه لتسكين الفتن المتتالية في العاصمة أيام ملوك الديلم البويهيين، وبين العسكريين البغداديين والفرس من جهة، وبين الشيعة والسُنّة من جهة ثانية.
أُسندت نقابة الطالبيين للحُسين مرّات عديدة، كما أُضيفت إلى مناصبه أمارة الحج، والنظر في المظالم.
وكان قد تعرّض للحيف السياسي سنة 369هـ/ 979م عندما قبضَ عليه عضد الدولة (وعلى أخيه أحمد)، ومعهم بعض الأشراف، وسجنهم في إحدى القلاع بفارس(). وقيل في سبب اعتقاله إنَّ عضد الدولة استعظم أمره، وخشي منه، وطمع في أملاكه(). كما قيل إنَّه أمر سياسي بعدما مال الحسين إلى بعض أقارب عضد الدولة في صراعهم السياسي معه.
وبالرغم أنَّ مثل هذه التفاصيل هي في حدّ ذاتها غير قابلة للتسليم، إلاَّ أنَّ فترة اعتقال الحسين، كما حدّدتها المصادر، قاربت سبع سنوات، ولم يُطلق سراحه إلاَّ عام 376هـ/ 987م، أي بعد تولّي شرف الدولة بن عضد الدولة السلطة، حيث ردّ إليه اعتباره، وأملاكه المُصادرة.
لم تُفصَّل حياة الشريف الحسين الموسوي شأنها شأن بقية المفردات التاريخية المنسيّة سوى ما ذُكر من أوصافه بأنَّه كان مضيافاً شجاعاً، يقضي الحقوق، ويوزّع الصدقات، وينظر في حال الفقراء، ويبني المساجد. وقد مدحه ورثاه ولداه المرتضى والرضي. وللشاعر أبي العلاء المعرّي مرثية فيه().
والذي يبدو أنَّ موقف عضد الدولة من الحُسين الطاهر كان متصلاً بموقفه السلبي من أبناء الناصر الكبير الحسن بن علي الأطروش. وقد ورثَ صفة التمرّد الرضي (359ـ406هـ/ 970ـ1015م) الذي كان يرى أنَّ دولة البويهيين هي دولة جدّه لأمّة الناصر الكبير وكان يُعبّر عن تمرّده بقصائد شعرية أقرب ما تكون إلى التلميح منها إلى التصريح نتيجةً لقوّة عضد الدولة، ومحبّة أهل العراق له.
أمّا في المرحلة التالية ـ كما صوّرتها النصوص ـ والتي تبدأ بوفاة عضد الدولة عام 372هـ/ 983م فقد طالت المحنة السياسية الشيخ المفيد، وعموم الشيعة، حيث اتّسمَ الحكم البويهي بعد وفاة عضد الدولة بصراعات بين الأسرة البويهية، وفتن داخلية أثارتها قوى سياسية ناشطة مُتخذة من المذاهب السُّنية واجهة للصراع. وقد بلغَ الضعف أوجه في السنوات العشرة الأخيرة من القرن الرابع الهجري، ونتيجةً لهذا الضغط السياسي حاول البويهيون مواجهة القوى المُتخذة من النفوذ السُّني مبرّراً للوصول إلى الحكم بمبادرة التخلّي عن الهوية الشيعية، والظهور بمظهر الخلافة العباسية السُنيّة، حيث عمدَ الحسن بن أبي جعفر الملقّب بعميد الجيوش (ت: 401هـ/ 1011م)، وهو ممّن ولي وزارة بهاء الدولة سنة 392هـ/ 1002م، إلى منع الاحتفالات الشيعية بعيد الغدير، وبالمناسبات الدينية في ذكرى “عاشوراء” خشية إثارة مشاعر السنة، كما نُفيَ المفيد عن بغداد عام 393هـ/ 1003م للسبب نفسه().
وتفاقم الوضع الداخلي للبويهيين سنة 398هـ/ 1007م حيث استُهدف المفيد بالاعتداء في عملية إثارة مشاعر الشيعة، وهو في مسجده ببغداد، فجُوبهَ هذا الاعتداء باعتداء آخر على اثنين من كبار القُضاة السُنَّة ممّا خلقَ مبرراً للدولة بإحراق دور الشيعة التي تجمّعت في القسم الغربي من بغداد، ونفي المفيد عنها.
وقد ذكر بعض المؤرخين أنَّ رجوع المُفيد إلى بغداد مرّة ثانية كان بتدخّل علي بن مزيد الأسدي (ت: 408هـ/ 1017م) () الذي كان رئيساً للإمارة “المَزْيدية” الشيعيّة المتمركزة بمدينة الحلّة().
أمّا عن الجهة التي ذهب إليها المفيد فلم يُشر أحدٌ من الباحثين إليها، وقد اجتهدَ بعض الكُتّاب المعاصرين() في المسألة إلاَّ أنَّ قصة نفي المُفيد بقيتْ تدور في دائرة الظن والاحتمال، الأمر الذي يُعزّز القول إنَّ حادثة الاعتداء على المفيد، وإحراق بيوت الشيعة هما في حدّ ذاتهما ـ عملية لإسكات المعارضة المتمثلة بالتيار السُّني ضد السلطة البويهية نفسها، هكذا أوحت المرويّات.
الشيخ المفيد: أعباء مرحلة ما بعد الغيبة
واجه المُفيد التيارات الفكرية التي عصفتُ بالمذهب الشيعي، وقد تحمّل عبء فترة ما بعد الغيبة الكبرى التي تصدّى أستاذه محمد بن أحمد بن الجُنيد الإسكافي (ت: 381هـ/ 991م)، وفقيه آخر هو الحسن بن علي بن أبي عقيل العمري (كان معاصراً للكليني المُتوفى سنة 329هـ/ 941م) لملء فراغها. ونتيجةً للاجتهاد في الرأي أدانَ جمهورُ علماء الشيعة محاولة ابن الجُنيد في الأخذ بالاجتهاد في الأحكام الشرعية لاتهام طريقته خروجاً على طريقة المذهب الذي ينفي الأخذَ بالقياس، أو استخدام (الرأي) الشخصي في استنباط الأحكام. وممّا ساعدَ على انتصار هذا الخط أنَّ (القياس) و(الرأي) مُصطلحان ظهراً في المدارس السُنيَّة منذ فترةٍ مُبكّرة، وجُوبهَ بالرفض من أئمة الشيعة أنفسهم.
من هنا كان المفيد يقظاً تجاه الاجتهادات الفكريّة المتباينة، وتيارات الفرق الغالية؛ لذلك كان عملُه مبتنياً على محورين:
الأول: على الصعيد المذهبي (الداخلي).
حيث انصبّتْ جهودُهُ على:
أ ـ تصحيح ما يتصل بالمذهب الشيعي، وتنزيهه من الانحراف العقائدي الذي يمكن أن يتسرّب إليه من ظهور التيارات الغالية. كما حصر في عملية تشريع الأحكام على الالتزام بالأصول المعتمدة في عملية التشريع، ورفض ما تسرَّب الى المذهب عن طريق بعض الفقهاء قبله، من الاعتماد على الأدلة السنيّة في استخدام الرأي والقياس. وقد ردَّ أستاذهُ ابن الجُنيد ـ الذي نُقِلَ عنه الأخذ ببعض المقولات السُّنية ـ ردّاً عنيفاً، وخطّأهُ في موارد عديدة().
وقد أثَّر هذا المسلك على تلامذة المُفيد فاعتمدوا آراء أستاذهم في ردّ ابن الجُنيد. إلاَّ أنَّ اعتبار هذا الفقيه أُعيدَ بعد قرنين من الزمن على يد فقهاء مدرسة الحلّة، حيث اعتمدَ المُحقق الحلّي (602ـ676هـ/ 1206ـ1277م)، والعلاّمة الحلّي (648ـ726هـ/ 1250ـ1325م) على مؤلفاته، ونقلوا كثيراً من آرائه الفقهية في كتبهم.
ويبدو أنَّ الأسلوب الذي اتّبعه المُفيد في ردّ أستاذه كان ضرورة لإصلاح المذهب من جهة، والاطمئنان إلى عمل المفيد نفسه من خلال بيان حرصه على سلامة المذهب ـ من قِبل المتحفظين ـ وإبعاد موارد النقد عن طريقتهِ الاجتهادية من جهة أخرى.
ب ـ الاهتمام بالكفاءات المؤهلة للزعامة الدينيّة؛ فقد تخرَّج عليه مجموعة من العُلماء كان من أهمهم المرتضى الذي تولَّى الزعامة بعده، والطوسي، وأبو الفتح الكراجكي (374ـ449هـ/ 984ـ1057م) الذي تولّى زعامة الشيعة في بلاد الشام.
الثاني: على الصعيد الخارجي.
دأبَ الشيخ المُفيد على مكافحة التيارات العقائدية المُخالفة بالحوار المُباشر مع كبار قادتها، وبالتصدّي لنقدها فكريّاً عن طريق إفرادِ بحث أو رسالة تتضمن مناقشة الآراء المختلفة، وإقرار الرأي الذي يراهُ من خلال مصادره الخاصّة به.
وقد اشتهرَ المفيد بالمناظرات، وعُرفَ بالجدل، وعُدَّ من المُتكلّمين، حيث غلبتْ هذه الصفة على ملكاته العلمية الأخرى. وقد حرص على تسجيل “مناظراتهِ” بنفسه في كتاب خاص سمّاه “العيون والمحاسن” حاول تلميذُهُ الشريف المرتضى أن يُصحّحه ويختصرَهُ بكتاب سمّاه “الفصول المختارة من العيون والمحاسن”.
ومضافاً للأسماء الكبيرة التي ظهرت في ثنايا هذا الكتاب كأسماء زعماء المعتزلة والأشاعرة، والزيدية والإسماعيلية، والمُحدّثين، وغيرهم، فقد أوضحتْ هذه المجالس طبيعة الحياة الاجتماعية، ومنحى الاتجاه العقلي في تلك المرحلة، كما رسمت صورة للمناظرات التي كانت تعقد في بيوت الاشراف، والقُضاة، وغيرهم. وحرصتْ بعض المناظرات بإحصاء عدد الحاضرين، والجهات التي تصدّى (المفيد) لمناظرتها.
ونظراً لما تحتلُّه هذه المجالس من الشهرة والصدارة العلمية فقد أشارَ إليها مؤرخون كبار كاليافعي، وابن النديم، وأبو حيّان التوحيدي().
الحسين الطاهر: الزعامة السياسية
أمّا على الصعيد السياسي الشيعي فقد كان الحُسين الطاهر (والد الشريفين المرتضى والرضي) ممثلاً لهذا الاتجاه، وكان هذا الرجل قد جَمعَ بين السلطتين الدينية والسياسية، وقد ظهرت سلطتُه الدينية في المفاوضات التي دارت بين دولة البويهيين، ودولة الحمدانيين التي نجحَ فيها بتقريب أوجه الاختلاف بين الدولتين الشيعيتين.
أمّا نفوذُهُ السياسي فقد ظهرَ في إخماد الفتن التي حلّتْ ببعض المناطق المتمردة ضد السلطة البويهية عام 368هـ/ 979م، والتي تمكّن من إخضاع أهلها بعد حرب شديدة.
ونتيجةً لتزايد نفوذ الحسين الطاهر بعد الانتصار الذي حقّقه على خصومه البويهيين في “ديار مُضر” خشيَ عضد الدولة منه، فاعتقله في شيراز سنة 369هـ/ 980م، وبقي منفياً حتّى وفاة عضد الدولة سنة 372هـ/ 983م.
وقد حاول شرف الدولة البويهي إعادته من منفاه إلى العراق، وردَّ اعتباره بعد وفاة أبيه عضد الدولة، وقلَّدهُ مناصب رسميّة تتناسب مع مكانتهِ الروحية حيث ولاّهُ نقابة الطالبيين، ثمّ القضاء، وولاية الحج().
إنَّ طموح الحسين الطاهر السياسيّ ربَّما كان مُتأتياً من صلته بأُسرة الحسن الأطروش المُلقّب بالناصر الكبير؛ فقد تزوّج من هذه الأسرة التي بقيتْ تحتفظ بسمعتها السياسية والدينية، وقد ورثَ ولده الشريف الرضيّ طموحَهُ هذا، في حين أنَّ ولده الشريف المرتضى بقي ملتزماً بمنهج أستاذه المفيد في الرئاسة الدينية بعيداً عن دائرة الصراع السياسيّ بالرغم من تولّيه منصب “نقابة الطالبيين” بعد وفاة الرضي عام 406هـ/ 1015م، والذي يُعدّ من المناصب المتوارثة لهم.
الشريف المرتضى: مرحلة التأسيس
ونظراً لاتجاه المرتضى العلمي فقد كان متمماً للجهود التي قدَّمها المفيد، والتي كانت بدايات التأليف في المسائل المذهبية المختصة بعلم الكلام، أو علم استنباط الأحكام (أصول الفقه)؛ حيث طوَّر تلك المباحث، وهذَّبها، وأفردَ لها بحوثاً مُطوَّلة.
شكَّلَ المرتضى ظاهرةً متميزةً في تأريخ الفقهاء الشيعة على الإطلاق حيث أحدثَ انعطافاً عقليّاً هائلاً مكَّنه من تشكيل نظريات المذهب الشيعي الإمامي على وفق قواعد جديدة. وتعتبرُ مرحلتُه نقلةً في تاريخ التأليف المذهبي للشيعة على الإطلاق، وقد شهد بذلك العلاّمة الحلّي الذي اعتبرَ مؤلفاته الاساس الذي أبتُنيَ عليه المذهب الشيعي الإمامي().
تميّز المرتضى بمنهج الرفض العقلي الذي صَبغَ فيه كتاباته في علم الكلام، والتشريع وتفسير القرآن.
ونتيجةً لهذا المنحى العقلي الحاد، فقد رفَضَ أخبار الآحاد، واقتصرَ على الأخذ بالروايات المتواترة فقط، وهو بذلك كان من السابقين للدعوة إلى فتح باب الاجتهاد().
وقد حاول الاستقلال بمنهجه العقلي، وصياغة مؤلفاته على هذا المنهج، وبذلك ناقش أستاذه المفيد في كثير من المسائل المتعلقة بعلم الكلام، واختلف معه(). كما ناقش من جهة ثانية المُعتزلة الذين يُشاركونه في المسلك العقلي أيضاً، وردَّ على عبد الجبار المُعتزلي بكتاب كبير في موضوع الإمامة سمّاه الشافي().
توسّعت زعامة المرتضى بعد وفاة المفيد عام 413هـ/ 1022م، واتّجهتْ أنظار الشيعة في البلدان المُتاخمة إليه تسألُهُ عن مشكلات المسائل الدينيّة، وتنتظرُ أجوبته عليها. وقد تشكّلتْ من ذلك مجموعة كبيرة من الكتابات طُبعتْ عام 1985م بعنوان “رسائل الشريف المرتضى”. وقد حوت هذه الرسائل الاستفتاءات في المسائل الدينية والبحوث الكلامية والفقهية، ومواضيع متعددة أخرى. كما نُسبت من بينها إليه رسالة (العمل مع السلطان)()، كان أوّل مَنْ تنبّه إليها من الباحثين هو البروفسور W. Madelung الذي ترجمها إلى اللغة الإنكليزية، ووضع مقدّمةً لها().
وفي ظلّ زعامته سعى المرتضى إلى تنظيم الدراسة الدينيّة، والاهتمام بطلبة العلم؛ حيث خصَّص رواتب شهرية لهم، ووفَّر مستلزمات التأليف من الورق والمحابر، يُنفقُ أغلبُهُ من الموارد الخاصّة التي كانت تُدرُّ عليه من أراضٍ زراعيّة كان يمتلكها().
شيخ الطائفة الطوسي: منهج التوازن العلمي
تخرّج على يد الشريف المرتضى تلامذة، كبار حفظوا مدرسة الاجتهاد؛ وكان محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ/ 1068م) أعظم تلامذته على الإطلاق، وهو الزعيم الثالث في مدرسة بغداد الذي استطاع أنْ يُكمل أهداف هذه المدرسة، ويكون آخر فقيه كبير للشيعة ليس لهذه الفترة فحسب، بل لفترة طويلة من تاريخ مدرسة الاجتهاد، وصلتْ بعد أكثر من قرن من الزمان إلى فقهاء مدرسة الحلّة.
إلتزمَ الطوسي ـ الذي لُقِّب بشيخ الطائفة() الخطّ العلميَّ الذي بدأهُ أستاذاهُ المفيد، والمرتضى، ولم تُسجّل حياتُهُ التي قضاها تحت ظلالهما سوى شرح لكتاب فقهيّ كانَ المفيد قد عَمِدَ فيه إلى الإفتاء بمتون الروايات بحذف إسنادها؛ حيثُ أرجعَ الطوسي مصادر الفتوى إلى الأحاديث التي اعتبرها موثقة، واختار ما رآه صحيحاً من كتاب (الكافي) للكليني، وبعض المجاميع الحديثيّة القديمة. وقد أصبحَ كتاب (المُقْنِعَة) بفضل هذا الجُهد أحد كُتب أربعة مُعْتَمَدة في علم الحديث عند الشيعة، والذي أطلق عليه اسم “تهذيب الأحكام”.
أمّا بعد تولّي الطوسي رئاسة المذهب فقد قدَّم جهوداً علمية استطاع من خلالها أنْ يجمعَ بين المنحى العقلي والنقلي، ويُقَلّل من حدّة الانعطاف العقلي الحاد الذي انتهجه أستاذاهُ المفيد والمرتضى.
وقد أصبح الطوسي الوريث الأوّل للتراث الشيعي، حيث قامَ بإعادة صياغتهِ وتنقيحهِ وفقاً لمنهجهِ العلميّ المتوازن. وأهمُ المواضيع التي كتبَ بها، وأصبحتْ مصدراً من مصادر الفكر المذهبي الشيعي هي: تفسير القرآن، الفقه، أصول الفقه، الحديث، علم الرجال، الفقه المُقارن.
وتعتبرُ المرحلة التي عاشها الطوسي في بغداد، والتي تُقدّر بأربعين عاماً، من أخصب الفترات التي ساعدتهُ على وضع مؤلفاته المهمة. وقد اكتسبت هذه الكتب ميزة خاصّة جعلت معظم مؤلفي الشيعة في القرون اللاحقة يستقون منها مادتهم العلمية، ويكوّنون مؤلفاتهم، لأنّها حوت الكتب المذهبيّة القديمة والأصول القديمة التي كتبها الشيعة قبله().
ونظراً لمكانة الطوسي العلمية، فإنّ الخليفة العباسيّ القائم بأمر الله (ت: 422ـ467هـ/ 1031ـ1074م) أراد تعميم محاضراته على طلبه الدراسات الدينية من مختلف المذاهب الإسلامية؛ فخصًّص لهذا الغرض “كرسيّ الكلام” له؛ الذي اعتبَرهُ بعض الكُتّاب المعاصرين منصباً رسميّاً لا يتأتّى إلاَّ لذوي المكانة العلمية المتميزة().
وبعد احتلال السلاجقة لبغداد عام 447هـ/ 1055م تعرَّض الطوسي للفتنة السياسية حيث كُبستْ دارُهُ، وأُحرقت مكتبته الفريدة على دفعات نظراً لغزارتها أمام محضر حاشد من الناس، وفي ميدان عام من ميادين العاصمة(). كما أُحرقَ “الكرسيّ” الذي خصّصه الخليفة العباسي له().
وبعد عام من سيطرة السلاجقة على بغداد كانت مدينة النجف المحطّة التي اختارها الطوسي لنشاطه العلمي حيث قضى إثني عشر عاماً في تربية الفقهاء، والمتكلمين الذين زخرتْ بهم هذه المدينة، ولم يؤلّف شيئاً يزيد عمَّا ألَّفه ببغداد سوى المحاضرات التي ألقاها على تلامذته، والتي جُمعتْ تحت عنوان (الأمالي).
وبالرغم من أنَّ الشيعة تعرَّضوا لإرهاب السلاجقة في بغداد، حيث أحرقوا مكتباتهم الشهيرة والثمينة كمكتبة أبو نصر سابور بن أرشدير ـ وزير بهاء الدولة البويهي (379ـ403هـ/ 989ـ1012م) () الزاهرة بالكتب النادرة؛ إلاَّ أنَّهم لم يتعرّضوا للوجود الشيعي بالنجف رغم قرب المسافة بينها، وبين عاصمة الخلافة بغداد. ربّما كان السبب ناشئاً من التحالف السياسي القائم بين السلاجقة والمَزْيديين (أمراء الحلّة الشيعة) كما أنَّ الفقهاء لم يكونوا قد شكَّلوا خطراً سياسياً مُنافساً للحكم الجديد.
تراجعَ الوجود العلميّ الشيعي ببغداد وانحسرَ إلى قُرى متفرقة، وأصبحتْ عاصمة الخلافة العباسية التي خضعت للسيطرة السلجوقية مع مُدنٍ أخرى تتحرّك تحرّكاً فكرياً يختلف عمَّا كان عليه الاتجاه الفكري أيام البويهيين، وذلك بعد إنشاء المدارس النظامية() بجهود الوزير نظام المُلك (ت: 486هـ/ 1093م)، وكان الغرض منها تقوية التيارات التقليدية مقابل التيار العقلي الذي يُمثّلُه المُعتزلة والشيعة.
بدأتْ مدينة النجف تستقطبُ طُلاّبَ العلم المهاجرين إليها. وبالرغم ممّا قيلَ عن كثرة عدد طلاب العلوم الذين كانَ الطوسي يُشرفُ على دراستهم ببغداد، والذين قُدِّرَ عدد المجتهدين منهم بثلاثمائة مجتهد؛ إلاَّ أنَّه لم يُعرف من أسماء الذين إحتَضَنتْهم النجف سوى أربعينَ إسماً فقط، أو ما يزيدُ عليه قليلاً().
وبعد وفاة الطوسي فَقَدتْ مدينةُ النجف نفوذها، وبقي تلامذته من الفقهاء وعلى رأسهم ولده أبو علي، الذي تُوفي بعد عام 515هـ/ 1121م محافظين على التركة العلمية الضخمة التي قدَّمها شيخُ الطائفة لهم، ومقدسين آراءهُ، ونظرياتِهِ التي خَبَرها طوالَ أكثر من ربع قرن منذ تسلّمه زعامة الطائفة الشيعية.
وقد أُطلقَ اسم (المُقلِّدة) على الفقهاء الذين تبنّوا منهجه وحافظوا على طريقته، والذين لم تُسَجَّلْ أيّةُ محاولة لهم، ولأتباعهم من شأنها أنْ تُطوّر الدراسات التي أرسى قواعدها فقهاء بغداد.
وقد استمرَّ الركودُ العلمي في الفكر الاجتهادي الشعي حتّى ظهور ابن إدريس الحلّي (543ـ598هـ/ 1148ـ1201م) زعيماً للشيعة والذي تعهَّد عملياً بتطوير آراء الطوسي، واستدلالاته المنهجيّة في الفقه.
د. جودت القزويني
في الأدب القانوني الإسلامي
قراءة في بعض خصوصيات دستور الجمهورية الإسلامية في إيران
المقدمة
ربّما رجحت الدراسات الدستورية التقليدية التوقّف عند كون الدستور قانون السلطة في الدولة المعنية، فأكثرت الحديث عن المؤسسات الدستورية وآليات عملها وما إلى ذلك، غير أنّنا وجدنا أنّ دراسة دستور الجمهورية الإسلامية في إيران ينبغي أن تتوفّر قبل كلّ شيء على بيان خصوصيات هذا الدستور وتميّزه عن غيره بها.
إنّ البحث في الأدب القانوني الإسلامي يجد في دستور الجمهورية الإسلامية نموذجاً نادراً لدراسة البناءات اللغوية في تعبيرها عن الأحكام القانونية المطلوب بيانها.
ونحن لن نستطيع هنا في هذا العرض الموجز أن نستوعب خصوصيات دستور الجمهورية الإسلامية في إيران جميعاً ولكنّنا نأمل أن نستطيع التوقّف عند أهمها، والتي تتمثّل لنا في:
1 ـ معالم رئيسة في شكل الدستور.
2 ـ المضمون الجوهري لأحكام الدستور.
إنّ الدستور وهو القانون الأساس للدولة إنّما هو قانون السلطة وفق ما يذهب إليه كثير من فقهاء القانون، ولكن هذا لا يعني ـ كون الدستور نظاماً للهياكل الوظيفية في الدولة وحسب ـ أنّه ليس مخططاً تظهر فيه أقسام الإدارة في الدولة ومواصفات من يشغلون مراكزها المختلفة كما هو الحال في مخطط جهاز أيّ مرفق من مرافق الدولة. إنّ الدستور هو قانون القوانين، حيث يوجد مخطط المؤسسات الدستورية وبيان السلطات الثلاث كما يوجد بيان فلسفة الحكم وأُسسه العامّة وأهدافه الاستراتيجية.
من هنا، فإنّ الدستور ينبغي أن يسجّل ثمرة نضال الأمّة في سبيل نيل حقوقها المشروعة ويمكن للدستور أن يتخطّى الطابع الوصفي والتسجيلي لما أسّسه من هياكل ووضعه من مبادئ وقواعد العمل إلى مهمة تربوية توجيهية، مهمة فكرية عقائدية، يضمن لها التطبيق، ويدفع بها للسير نحو الهدف، والدستور الإسلامي في إيران كما سنرى على سبيل الإجمال ينزع إلى لعب هذه الدور: دور السند والقاعدة لحركة الثورة الإسلامية فضلاً عن الدور الأوّلي الذي أشرنا اليه باعتباره قانون السلطة. وقد تجلّت هذه المعاني في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون بحيث يحسّ المتأمّل فيه بذلك الترابط الوثيق بين المستويين المذكورين.
على مستوى الشكل نعتقد أنّ الدستور موضوع البحث قد اتّصف بخصوصيات عديدة سنحاول أن نشير إلى بعضها فنتطرق إلى لغة الدستور وأسلوبه في عرض الأحكام من ناحية، وإلى هيكل المؤسسات الدستورية الذي يرسمه في بنائه للدولة الإسلامية الوليدة من ناحية أخرى.
وأمّا على مستوى المضمون فإنّنا نعتقد أنّ الخصيصة الأساسية للدستور موضوع البحث تتمثّل في القاعدة العقائدية التي تبتنى عليها الدولة بكلّ تفاصيلها، كما نعتقد أنّ الأهمية التي أولاها هذا الدستور لحقوق الإنسان وحرياته الاساسية كانت من التميّز بحيث يمكن اعتبارها هي الأخرى من الخصوصيات الرئيسة على مستوى المضمون.
وهكذا سوف تنقسم هذه القراءة في خصوصيات دستور الجمهورية الإسلامية في إيران إلى ثلاثة فصول: فنتناول في الأوّل بعض المعالم الرئيسة في شكله وفي الثاني والثالث جانبين من جوانب مضمونه الجوهري وهما القاعدة العقائدية وحقوق الإنسان.
الفصل الأوّل
معالم رئيسة في شكل الدستور
إنّ دستور الجمهورية الإسلامية في إيران يفاجئ المطالع ابتداء بخصوصيته، ويقدّم نفسه محاولة نادرة لتقنين الأحكام الخاصّة بتنظيم الدولة الإسلامية وتحديد هويتها الفكرية ووضع كلّ ذلك موضع التنفيذ. وبكلمة أخرى، فإنّ الدستور الإسلامي قد نقل الأفكار الإسلامية المتعلقة بالحكم وفقه الدولة من القوالب النظرية إلى القوالب المقننة المعدّة للتطبيق، من أجل تحويل المبادئ والقواعد الإسلامية من بطون الكتب إلى الممارسة اليومية العملية. ومن هنا يبدو المعلم الأوّل في ثورية الدستور حيث ترجم إرادة الثورة في التغيير فأجهز على الأشكال والهياكل وحدّد المضامين الجديدة، وهو تغيير شامل أصاب الأوضاع الدستورية المنهارة في أوصالها كافة فضلاً عن الصميم.
ولعل أولى الملاحظات المهمة التي تدرج بالمناسبة هي المتعلقة بشكل الدستور الإسلامي عموماً وأسلوب تناوله للموضوعات المختلفة.
ويأتي في مقدمة هذه الملاحظات (الفنيّة) اشتمال النصّ الدستوري على استشهادات من نصوص مصادر الشريعة الإسلامية الرئيسة ونعني بذلك نصوص الكتاب الكريم والسنّة المطهرة، وهو ما يعتبر خروجاً على المألوف من الصياغات الدستورية وهو بالتحديد من أبرز ما يعطي دستور الجمهورية الإسلامية في إيران طابعه الخاص. وها نحن نلمس معلمين من معالم شكل الدستور: الأوّل وهو لغة الدستور والثاني أسلوبه.
الفرع الأوّل: لغة الدستور
ملاحظتان رئيستان تبرزان في هذه المناسبة، الأولى: استشهاد الدستور بنصوص من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، والثانية استخدامه لمصطلحات وتعبيرات خاصّة. وتتفق هاتان الملاحظتان لا على تأكيد الخصوصية فحسب، بل أيضاً على تأكيد الترابط بين الشكل والمضمون في مسألة الصياغة بحيث لا يمكن حصرهما ـ أي الملاحظتين ـ في الجانب الشكلي من الدستور بشكل مطلق.
أولاً ـ استشهاد الدستور بالنصوص التشريعية
إن ابتناء نظام الجمهورية الإسلامية في إيران وفقاً للدستور موضوع البحث على الأحكام الشرعية للإسلام الحنيف جعل من الدستور الإسلامي هيكلاً قانونياً عصرياً لأحكام شرعية فقهية مستمدة من المصدر التشريعي الثرّ للإسلام، أي الكتاب والسنّة. والمطالع للدستور سواء كان مواطناً بسيطاً أو مسؤولاً في الدولة باحثاً قانونياً أو سياسياً سيجد المصدر التشريعي ماثلاً أمامه بشكل ملفت للنظر. بل إنّ هذه الاستشهادات في رأينا ستكون هادياً للباحث في الدستور أياً كانت صفته في فهم وتفسير الأحكام التي وردت بصددها تلك الاستشهادات.
أوّل تلك الاستشهادات شهادة التوحيد “لا إله إلاَّ الله”، وردت في المادة الثانية التي تكفلت ببيان جوانب القاعدة الإيمانية للجمهورية الإسلامية ولا ندري ما إذا كان وضع هذا الاستشهاد في بداية قائمة الاستشهادات مقصوداً لذاته أم أنّه كان مجرد صدفة. وفي الحالين، فإنّه قد أخذ موقع الشعار أو الراية التي تستظل بها بقية أحكام الدستور.
أمّا المادة 18، فقد أوردت عبارة “الله أكبر” بمناسبة النصّ على الأحكام الخاصّة بعلم الجمهورية الإسلامية.
أمّا المادة السابعة التي وضعت مبدأ الشورى موضع التطبيق فقد استشهدت بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (سورى الشورى، الآية: 38)، وقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (سورة النساء، الآية: 95).
كما أوردت المادة الثامنة الآية الكريمة:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(سورة التوبة، الآية: 71)، بينما أوردت المادة الحادية عشرة التي بيّنت موقف الجمهورية الإسلامية من المسلمين في مختلف أقطارهم الآية الكريمة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(سورة الأنبياء، الآية: 92).
أمّا عندما تعرّضت المادة 14 لعلاقة الجمهورية الإسلامية والمسلمين بغير المسلمين فقد أوردت الآية الكريمة : {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة الممتحنة، الآية: 8).
وفي خصوص الأحكام المتعلقة بالقوات المسلحة استشهدت المادة 151 بالآية الكريمة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} (سورة الأنفال، الآية: 60).
هذا عن متن الدستور، وأمّا عن مقدمته المنشورة معه (طبعة عام 1997 التي نشرتها رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية) فقد أوردت بمناسبة الحديث عن أسلوب الحكم النصوص التالية:
1 ـ قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء، الآية: 92).
2 ـ قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (سورة الأعراف، الآية: 157).
3 ـ قوله تعالى: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (سورة الأنبياء، الآية: 105).
4 ـ قوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (سورة النور، الآية: 42).
5 ـ الحديث الشريف: “تخلّقوا بأخلاق الله”.
6 ـ قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (سورة القصص، الآية: 5).
كما استشهدت المقدمة في الفقرة الخاصّة بولاية الفقيه العادل بما ورد في قول الإمام (عليه السلام): “مجاري الأمور بيد العلماء الامناء على حلاله وحرامه” (تحف العقول/ 327).
أمّا في الفقرة الخاصّة بالقضاء فقد ورد قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (سورة النساء، الآية 58)، و في فقرة أخرى ورد قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (سورة البقرة، الآية: 143).
إنّ هذه الاستشهادات تعطي بذاتها فكرة واضحة عن الأسس التي قامت عليها أحكام الدستور والموجهات التي استرشد بها، وتتّضح هذه الأسس ويبرز الاسترشاد المذكور من خلال الملاحظة الثانية التي تعبّر عن مدى التزام الدستور بالمفاهيم والموازين الإسلامية.
ومن الجدير بالذكر أنّ مشاريع الدستور الإسلامي المنشورة في كتاب “أعلان دستوري إسلامي” والتي وضع أحدها وعلق عليها المستشار الدكتور علي جريشة لم تتضمن في متونها استشهادات كالتي وردت في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران إذا استثنينا عبارة البسملة التي وردت في مشروعين من تلك المشاريع بمناسبة الإشارة إلى أنّ إصدار الأحكام القضائية يكون باسم الله الرحمن الرحيم، ولم توضع هذه العبارة بين قوسين ممّا قد يفسّر بأنّها لم تستعمل كاستشهاد أو استعارة.
وأمّا المذكرة الإيضاحية التي وضعها المستشار جريشة على (الإعلان الدستوري) الأوّل في كتابه المذكور فقد وردت فيها عدّة آيات كريمة، وكذلك الحال بالنسبة لنموذج الدستور الإسلامي الذي وضعه نائب رئيس مجلس الدولة المصري الأستاذ الدكتور مصطفى كمال وصفي فقد استشهد بثلاث آيات كريمة، علماً أنّ كتاب الدكتور جريشة يشتمل على ثلاثة نماذج للدساتير الإسلامية فضلاً عن نموذج الدكتور جريشة الوارد تحت عنوان: “الإعلان الدستوري الإسلامي” ذكرنا اثنين منها، ووضع الإثنين الآخرين مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف والمجلس الإسلامي العالمي().
ثانياً ـ استخدام مصطلحات وتعبيرات خاصّة
من الناحية اللغوية الثانية، فإنّ دستور الجمهورية الإسلامية في إيران استخدم مصطلحات وتعبيرات إسلامية دخلت في صياغته بشكل طبيعي سلس وبشكل مكتنز بالمعاني. وبالرغم من أنّ بعض هذه المصطلحات والتعبيرات مستعمل بشكل أو آخر في النصوص القانونية والدستورية الوضعية إلاّ أنّها تتّخذ هنا من خلال الإطار العام والسياق الذي وردت فيه معاني خاصّة بفكر الحركة الأصيلة الصاعدة، بينما كان القسم الآخر من هذه المصطلحات والتعبيرات جديداً تماماً على الصياغات الدستورية.
ونحن لن نستطيع هنا أن نستعرض كلّ تلك التعبيرات والمصطلحات ومعانيها الغنية ولكن نكتفي بالإشارة إليها باختصار.
من ذلك الذي نعنيه المفردات التالية ومشتقاتها: الطاغوت، الظلم، الاستكبار، الغصب، الفساد… إلخ.
ومن ذلك أيضاً المفردات التالية ومشتقاتها: الجهاد، القسط، الرشد، الاستضعاف، التكامل، الصلاح، العدل، الحدود، الوحي، حاكمية الله، الفقه، الأخلاق، الولاية، الشورى، الأنفال، التقوى، الإفتاء، المرجعية، الأمور الحسبية.
هذه المفردات وسواها يستحق كلّ منها التوقّف والتأمّل والمقارنة، وفي كلّ الأحوال سوف تبرز دلالة أكيدة لهذه الاستخدامات الصياغية، هي أنّ واضعي الدستور قد تمثّلوا المفردات والصياغات التي تتردّد عند الفقهاء الإسلاميين على اختلاف مذاهبهم في عملية بيان أو استنباط الأحكام الشرعية واستقرارها بشكل تلقائي معبّر في سياق الأحكام الدستورية.
ولهذا، فإنّنا نجد شيوع تلك المصطلحات في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران يشابه إلى حد ما ما هو عليه الحال بالنسبة لمشاريع الدساتير الإسلامية التي ألمحنا إليها.
ومن ناحية ثانية، فإنّ استخدام دستور الجمهورية الإسلامية لتلك المصطلحات قد انتقل إلى الأدبيات الإعلامية والسياسية في البلاد ثمّ انتقل حتّى إلى لغات أجنبية كما هو الحال بالنسبة لمصطلحات كالاستكبار مثلاً. وقد كشف شيوع بعض هذه المصطلحات في التحليلات السياسية والقانونية عن أنّها تمتلك دلالات غنية يمكن الاستعاضة بها إلى حدّ كبير عن المصطلحات الأجنبية.
الفرع الثاني ـ أسلوب الدستور
نعني بأسلوب الدستور في هذا المقام طريقة تناوله للأحكام التي تضمنها والتسلسل الذي انتهجه للوصول إلى النتائج التي توخّاها. وإذا لم يكن من المعتاد أن يهتم الباحثون الدستوريون بهذه المسألة، فإنّنا نرى فيها دلالات خطيرة تتعلق بالمضمون وإن كانت المسألة ذاتها شكلية.
والدستور بعد هذا إمّا أن يبقى على حاله وإمّا أن يتعرّض إلى التغيير، وهذه المسألة تبدو لنا مهمة هي الأخرى في مبحث المعالم الشكلية حيث تكشف دراستها عن مرونة أو جمود الدستور، وقد اخترنا هاتين المسألتين لإثارتهما في هذا الفرع لما لهما من خصوصية في دستور الجمهورية الإسلامية.
أوّلاً ـ تسلسل الأحكام والدلالات المستفادة
أ ـ عنوان النظام:
يبدأ دستور الجمهورية الإسلامية في إيران في مادته الأولى بهذه العبارات: “نظام الحكم في إيران هو الجمهورية الإسلامية، التي صوّت عليها الشعب الإيراني بالإيجاب بأكثرية 98,2% ممّن كان لهم حق التصويت خلال الاستفتاء العام…”.
إنّ من نافلة القول أنّ الإطار الذي هيّأه الاستفتاء الشعبي العام الذي جرى في آذار/ مارس 1979 على النظام الجديد وهو نظام “الجمهورية الإسلامية” قدم بذاته إضاءة لا بدَّ منها للتعرّف على هياكل النظام الجديد. فهذا النظام “جمهوري” يستند إلى الجمهور أداةً وهدفاً، وهو “إسلامي” يستمدّ شكله وروحه من التعاليم الإسلامية الحكيمة.
وهذان التعبيران في حقيقتهما لا يشكلان عنوان النظام فحسب، ولا وصفاً مجرداً للشكل الخارجي للنظام وإنّما يفترض أنّهما يحملان أيضاً معاني (ضمانات) النظام المتمثلة بالإرادة الشعبية من ناحية وبأحكام الشريعة الإسلامية الحكيمة.
وهذان التعبيران في حقيقتهما لا يشكلان عنوان النظام فحسب، ولا وصفاً مجرداً للشكل الخارجي للنظام وإنّما يفترض أنّهما يحملان أيضاً معاني (ضمانات) النظام المتمثلة بالإرادة الشعبية من ناحية وبأحكام الشريعة الإسلامية من ناحية أخرى كما يفهم من تعبير “الجمهورية الإسلامية”.
إنّ مؤسسات الدولة في الحقيقة ليست أشكالاً وهياكل مجردة في بناء الدولة ونظامها، إنّما هي أيضاً أدوات لتحقيق أفكار معيّنة وترجمتها على صعيد التطبيق العملي، وبالتالي فالمؤسسات الدستورية هي عبارة عن شكل ومضمون يحدّدهما الدستور.
ومن هنا، نجد عدداً من الباحثين يتوقف عند إصرار الإمام الخميني الراحل (رحمه الله) على أن يتم الاستفتاء الشعبي ـ وهو المعبّر عن الإرادة الشعبية ـ على نظام اسمه بالتحديد “جمهورية إسلامية”، فهذا الاسم هو المعبّر عن شكل ومضمون النظام المطلوب. ويبدو أنّ ذلك الإصرار قد أتى أكُلَهُ وصار واضحاً بعد الاستفتاء أنّ الخيار الشعبي قد انصبّ على الشكل “الجمهوري” والمضمون “الإسلامي”.
هذا ويرى المتأمّل في أحكام دستور الجمهورية الإسلامية شيئاً فشيئاً أنّ هناك علاقة وثيقة بين الشكل والمضمون بحيث يمكن أن يُقال إنّ للمضمون تأثيراً بيّناً واضحاً على بناء الهياكل ورسم الآليات. وعلى كلّ حال، فإنّ إصرار الإمام الخميني (رحمه الله) على تحديد النظام مقدماً قد تبعه إصرار آخر على بناء هيكل مؤسسي يستجيب من ناحية لمتطلبات الدولة العصرية ومن ناحية ثانية لأهداف الشريعة الإسلامية في تحقيق الحكم الإسلامي. وقد لخص الإمام الراحل (رحمه الله) رؤيته الخاصّة بالحكومة الإسلامية بقوله “إنّ الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي على الناس”.
في هذا القول الموجز بيان لكون الحكومة الإسلامية حكومة قانون وأنّ القانون المعني هو الذي يكون مصدره الله سبحانه وتعالى، وأنّ الوسط الذي ينظّمه القانون ويؤدّي دوره فيه هو الناس، أي المجتمع. وأمّا الدولة ومؤسساتها والملخصة بتعبير الحكومة الإسلامية فهي أداة تطبيق القانون الإلهي في المجتمع، وهي نفسها منقادة إلى ذلك القانون ومقيدة به، فهو فوقها وفوق المجتمع يحكمها كما يحكمه.
ب ـ فصول الدستور:
تتوزّع أحكام الدستور موضوع البحث على فصوله الأربعة عشر وبإيجاز كما يلي:
1 ـ الأصول العامة لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران وخصّص لها الفصل الأوّل الذي يحتوي على أربع عشرة مادة. وقد تناول هذا الفصل القاعدة الإيمانية للنظام وسبل تحقيق أهداف المجتمع المسلم، كما تطرّق إلى دور الموازين الإسلامية في ضبط وتوجيه مقرّرات وحركة الدولة مشيراً إلى موقع ولاية الأمر ومبدأ الشورى في ذلك كما تحدث عن دور الفرد والأسرة والدولة والأمّة بطوائفها وأقلياتها.
والذي ينبغي الالتفات إليه في هذا الفصل الأوّل هو أسبقية وأولوية الأساس العقائدي للجمهورية الإسلامية بالتفصيل الذي سنتطرق إليه لاحقاً. وهكذا، فإنّ البحث العقائدي جاء في مقدمة أحكام الدستور تالياً لعنوان النظام مباشرة والذي ألمحنا إلى أنّه هو نفسه (أي العنوان) يتضمن المعنى العقائدي بشكل مجمل وغير مباشر. والحقيقة أنّ المادة الأولى المخصّصة لعنوان النظام قد نصّت صراحة على أنّ الشعب قد شارك في الاستفتاء على عنوان النظام “انطلاقاً من إيمانه الأصيل بحكومة القرآن العادلة الحقّة…”.
2 ـ اللغة والخط والتاريخ والعَلَم تناول أحكامها الفصل الثاني في المواد من 15ـ 18 فبيّن أنّ اللغة الرسمية هي الفارسية وأنّ اللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن والمعارف الإسلامية، ولأنّ آداب اللغة الفارسية متداخلة معها بشكل كامل فيجب تدريس العربية خلال مرحلة المتوسطة والثانوية في جميع الصوفف وكافة الحقول الدراسية.
ولو دققنا النظر في موضوعات هذا الفصل، سيّما الاهتمام باللغة العربية لوجدنا لذلك ارتباطاً وثيقاً بعنوان النظام وبالأساس العقائدي للدستور وفي ذلك دلالة واضحة الأهمية، وذلك ما جعل هذه الأحكام تسبق غيرها.
3 ـ حقوق الشعب تناولها الفصل الثالث في المواد من 19ـ42 فتطرق إلى مبدأ المساواة في الحقوق وعن ضمانات هذه الحقوق بالنسبة لأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً وبصرف النظر عن انتماءاتهم القومية كما أشار إلى أنواع الحقوق من سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وقضائية.
4 ـ المسائل الاقتصادية والمالية تناولها الفصل الرابع في المواد من43 ـ 55 فبيّن القواعد الأساسية لاقتصاد البلاد، وأشار إلى دور القطاعات الثلاثة: الحكومي والتعاوني والخاص وتطرّق إلى مسائل أخرى. ويبدو هذا الفصل وثيق الصلة بحقوق الشعب التي جرى تثبيتها في الفصل السابق، وربّما كانت الصلة المذكورة هي الدافع الذي جعل مسائل الفصل الرابع تبحث في نهاية أحكام حقوق الشعب الواردة في الفصل الثالث.
5 ـ حاكمية الشعب والسلطات الناشئة عنها تولّت بيانها الفصول التالية أي من الفصل الخامس حتّى نهاية الفصل الرابع عشر فأكدت ابتداء على الحاكمية المطلقة لله سبحانه وتعالى ثمّ تدرجت المواد في بيان حق الحاكمية الممنوح للإنسان على مصيره الاجتماعي وما ينجم عن ذلك من مراكز قانونية وسلطات، ودور الأطراف المختلفة التي تمارس حقّ الحاكمية.
ويبدو من الترتيب الوارد لهذه الأطراف مقدار الأهمية المعلقة على مسألة الشورى، فالسلطة التشريعية كانت أوّل ما بحثته الفصول المذكورة لتنتقل بعدها إلى مركز القيادة الذي يضطلع به الولي الفقيه الجامع للشرائط أو مجلس القيادة المؤلف من 3 أو 5 مراجع جامعين للشرائط، ثمّ تناولت الأحكام السلطة التنفيذية بما فيها القوات المسلحة ثمّ ما يتعلّق بالسلطة القضائية. وكان النصّ على الأحكام الخاصّة بالإذاعة والتلفزيون والشاملة لوسائل الإعلام الأخرى هو آخر ما تضمّنه الدستور، إلاّ أنّ تعديلات عام 1989 قد جعلت الدستور مؤلفاً من 177 مادة، حيث أضيفت مادة تتعلق بتشكيل ووظائف مجلس الأمن الوطني وأخرى تتعلق بتعديل الدستور.
إنّ تسلسل تناول موضوعات الدستور يبدو مناسباً لما تحتله مسألة الخصوصية العقائدية في الدولة الإسلامية. ونعتقد أنّ هذا التسلسل هو أكثر توفيقاً ممّا ورد في مشروع الدستور الذي وضعه مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف عام 1977()، حيث تتناثر الأحكام التي تدل عليها بشكل غير مباشر في ثنايا المواد والفصول، وحتّى في الباب الثاني الذي يبيّن أسس المجتمع الإسلامي، فإنّ المادة الخامسة تقول: “التعاون والتكافل أساس المجتمع”، وهو ما انتقده الدكتور مصطفى كامل وصفي (رحمه الله) مقترحاً أن يكون النص: إنّ الإيمان بالله والتوحيد هما أساس المجتمع.
وقد التفت النموذج الآخر الذي أقرّه المجلس الإسلامي العالمي (إسلام آباد 1983) فيما يبدو إلى هذه الناحية فابتدأ ببيان الأساس العقائدي منذ الديباجة، ثمّ أكد على النتيجة المترتبة على ذلك منذ المادة الأولى من المتن().
ثانياً ـ المرونة والجمود في أحكام الدستور
تضمنت آخر مادة في الدستور وهي المادة 177 التي اشتمل عليها الفصل الرابع عشر بياناً لكيفية تعديل الدستور. والمعلوم أنّ طريقة تعديل الدستور تعتبر المعيار الأساس، إلى جانب قرائن أخرى، لمعرفة ما إذا كان الدستور مرناً أو جامداً.
على أنّ القول بأنّ هذا الموضوع ليس وثيق الصلة بمبحث “الأدب القانوني” فنقتصر على القول إنّ دستور الجمهورية الإسلامية في إيران جامد في أحكامه الأساسية ومرن فيما سواها، وهذه المرونة ليست مطلقة لأنّها مقيدة بشروط عسيرة وبالتالي فإنّ المرونة التي أتاحتها المادة 177 لا تسمح بتغيير الأساسيات التي يقوم عليها بناء الجمهورية الإسلامية في إيران بينما تسمح بمراعاة مستجدات الأوضاع والظروف بتعديل ما تتضح ضرورة تعديله من الأحكام الأخرى. ولو دققنا النظر في خلفية الجمود المطلق لبعض الأحكام في هذا الدستور لوجدناها متمثلة بتعلّق هذه الأحكام عموماً بالأساس العقائدي للدولة والذي سنتطرق إليه بعد قليل.
الفصل الثاني
القاعدة العقائدية للدستور
يمكن اعتبار المبحث العقائدي من أهم خصوصيات دستور الجمهورية الإسلامية في إيران. والحقيقة أنّنا لا نكاد نجد دراسة في نمط حكم إسلامي خالية من الإشارة إلى الأساس العقائدي للحكومة الإسلامية والذي يشكل مضمونها الجوهري. ويتمثّل الأساس المذكور بالنظرة الكونية التوحيدية للإنسان المسلم.
وإذا كان بعض الكتّاب قد اختلفوا في اعتبار ما إذا كانت حكومات أخرى من غير الإسلامية قائمة أو غير قائمة على أساس عقائدي، فإنّ حكومة الإسلام لا خلاف في أنّها قائمة ـ بالتعريف ـ على أساس العقيدة الإسلامية. وهذا المضمون العقائدي للدولة الإسلامية هو الذي حدّد الحكم الإسلامي أهدافه وحوّر في أعمال السلطات الممنوحة للمؤسسات الدستورية بحيث تتلائم وأحكام الشريعة الغرّاء…
ومن هنا، كان للفقهاء دور كبير في مسألة فحص الأشكال وملاءمتها مع المضامين، ومن هنا أيضاً مثَّل الدستور الإسلامي نتاجاً كبيراً لعملية الفحص هذه حيث بذل جهد فقهي وقانوني على مستوى عال من الأهمية للتوصل إلى رسم هياكل الدولة الإسلامية بما ينجسم مع نظرية الحكم الإسلامي ويحقق أغراضها.
ولا يعني ذلك أنّ الأشكال التي وضعها الدستور الإسلامي هي أشكال نهائية، إذ أنّ تحقيق المضمون قد يتطلب تحويرات جديدة وهو ما حصل فعلاً كما ألمحنا.
وهكذا فقد تطلب قيام المؤسسات على الأساس العقائدي والفقهي نوعين من الأحكام الدستورية.
الأوّل: يحدّد دور العقائد في نظرية الحكم إجمالاً.
الثاني: يترجم ذلك الدور عملياً في الآليات التي تحكم عمل المؤسسات الدستورية.
ولمّا كان الدستور هو قانون القوانين فقد قيّدت تلك المؤسسات بهذه الطريقة بالقانون، وتحول قول الإمام الراحل (رحمه الله) من أنّ “الحكومة في الإسلام تعني اتباع القانون” وأنّ “القانون وحده هو الحاكم في المجتمع” إلى نصوص دستورية. وفيما يلي مراجعة سريعة لنوعي الأحكام المشار إليهما.
النوع الأوّل
النوع الأوّل من الأحكام الدستورية نطالعه أساساً في المادة الثانية من الدستور ثمّ في مواضع أخرى منه، ويهمّنا أن نركّز على هذه المادة لأنّها تقدّم خصوصية من أبرز خصوصيات الدستور المبحوث عنها هنا.
يمكن أن نقسّم المادة الثانية إلى قسمين يتحدّث الأوّل عن أسس نظام الجمهورية في إيران ويتحدّث القسم الثاني عن وسائل تحقيق ما يؤمن به هذا النظام من قسط وعدل واستقلال وتلاحم وطني.
أمّا أسس النظام، فهي وفقاً للقسم الأوّل من المادة ستّة أسس، تقابل الخمسة الأولى منها أصول الدين من (توحيد) و(عدل) و(نبوة) و(إمامة) و(معاد)، بينما يكون الأساس السادس بحسب النص هو “الإيمان بكرامة الإنسان وقيمته الرفيعة وحريته الملازمة لمسؤوليته أمام الله”.
وبناء على ما تعنيه مبدأ علوية الدستور على القواعد القانونية الأخرى، فإنّ مواده التي تمثّل الأسس هي مواد حاكمة على ما سواها، ومقتضى ذلك أنّ أصول الدين بالإضافة إلى مبدأ كرامة الإنسان أصبحت هي القواعد التي تحكم ما سواها من مواد الدستور والقوانين التفصيلية.
وفي القسم الثاني من المادة الثانية تأكيد لدور الفقهاء في آليات الحكومة الإسلامية وقبل كلّ شيء عن طريق “الاجتهاد المستمر من قبل الفقهاء جامعي الشرائط على أساس الكتاب وسنّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين”.
وفي الدستور موضوع البحث أحكام متعددة تشير إلى أهمية دور الفقهاء من خلال ما ترشحهم له من مواقع في هيكل الدولة الإسلامية هو كما هو في مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور والسلطة القضائية والتنفيذية… فضلاً عن القيادة.
النوع الثاني
وأمّا النوع الثاني من الأحكام الدستورية التي نحن بصددها فنجد له أمثلة كثيرة في الدستور نذكر منها على سبيل المثال تثبيت الدستور لمسألة السيادة في مقدمة بيان أحكام المؤسسات الدستورية التي تمارس من خلالها السلطات الثلاث في البلاد حيث قالت المادة السادسة والخمسون: “السيادة المطلقة على العالم وعلى الناس لله، وهو الذي منح الإنسان حق السيادة على مصيره الاجتماعي ولا يحق لأحد سلب الإنسان هذا الحق الإلهي أو تسخيره في خدمة فرد أو فئة ما، والشعب يمارس هذا الحقّ الممنوح من الله بالطرق المبينة في المواد اللاحقة”.
ويدلل موضع هذه المادة على أنّ واضعي الدستور قصدوا أن تكون عنواناً للآليات التي سيسجلها الدستور وقد جاء نص المادة التالية مباشرة (المادة 57) ليبيّن أنّ “السلطات الحاكمة في جمهورية إيران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمّة وذلك للمواد اللاحقة في هذا الدستور، وتعمل هذه السلطات مستقلة عن بعضها بعضاً”.
على أنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ المفاهيم العقائدية والفتاوى الفقهية ليست من الناحية الفنية الصياغية (قانوناً) بالمعنى الاصطلاحي المعاصر، ولذلك فالقواعد الواردة فيها وإن كانت واجبة الاتباع إلاَّ أنّها بحاجة إلى صياغة جديدة تتحوّل بموجبها إلى (قواعد قانونية) قابلة للتطبيق من قبل ذوي العلاقة دون كبير عناء أو اختلاف، وذلك ما فعله الدستور أو أوكله إلى ما سواه من قوانين أدنى مرتبة، ونصّ في المادة الرابعة على خضوعه وخضوعها “لموازين الشريعة”.
وعلى كلّ، فإنّ الدستور الذي أنشأ سلطات ثلاثاً، فضلاً عن منصب ولاية الفقيه وهيئة باسم مجلس الخبراء وأخرى باسم مجلس صيانة الدستور وثالثة باسم مجلس تشخيص مصلحة النظام قد جعل السلطات الثلاث مستقلة عن بعضها، ولكنّه قيّدها بضابطين: ضابط النصوص وضابط آلية العمل. فبموجب الضابط الأوّل تتقيّد تلك السلطات وسائر المؤسسات بالأصول العقائدية والموازين الشرعية والقوانين الإسلامية. وبموجب الضابط الثاني تتقيّد بوجود مؤسسات أخرى إلى جانبها لها وظائف خاصّة بها فلا تتجاوز عليها، ولها إمكانية الرقابة المتبادلة فتأخذها بنظر الاعتبار وهكذا يتجاوز الدستور الإسلامي ما وقعت فيه بعض الدساتير الأخرى حين أتاحت الفرصة لرئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو البرلمان أن يمارس دور الحاكم المطلق، أو للسلطة القضائية أن تجنح إلى تهميش دور المؤسسات الأخرى، وإنّما فعل الدستور الإسلامي ذلك بالنص على موازنة تستند إلى تغليب موازين الشريعة وهي موازين إلهية تحكم الجميع دون عسف أو محاباة.
وبالتالي، فإنّ الدولة لا يكفي في نظر الدستور الإسلامي أن تكون دولة مؤسسات وحسب بل ينبغي أن تكون دولة مؤسسات وقانون وآليات منسّقة تجعل محور حركة الدولة متجهاً في خط متصاعد متزن نحو صاحب السيادة المطلقة الذي رسم للإنسان دور الخلافة على الأرض.
الفصل الثالث
اهتمام الدستور بحقوق الإنسان
لقد تضمّن الدستور الدائم للجمهورية الإسلامية في إيران مجموعة من الأحكام الخاصّة بحقوق الإنسان دون أن يفرد لها فصلاً خاصاً ولعلّنا نستطيع الاستنتاج من هذا بشكل ابتدائي أنّ الدستور الإسلامي يعتبر أحكام الحقوق جزءاً من بقية الأحكام مندمجاً فيها بحيث يقع كلّ حكم منها في موقعه المناسب فلم يجمعها كلّها تحت عنوان واحد أو يعزل لها تصريحاً دستورياً خاصّاً. وهكذا جاءت الأحكام الخاصّة مثلاً بتوزيع السلطة وتنظيمها في فصل، وجاءت (حقوق الشعب) في فصل آخر وهلم جراً.
ونحن في بحثنا عن حقوق الإنسان في هذا الدستور الفريد من نوعه سوف لا نجد كبير عناء في فهم القيمة العالية التي يخصّصها الدستور لحقوق الإنسان، وذلك حينما نقرأ القسم الأوّل من المادة الثانية التي تعدّد أسس نظام الجمهورية الإسلامية فتجعلها ستّة، تبين في الخمسة الأولى وبتعبيراتها الخاصّة أنّ أسس النظام هي في الحقيقة أصول الدين نفسها من توحيد وعدل ونبوّة وإمامة ومعاد بينما تبيّن أنّ الأساس السادس للنظام هو “الإيمان بكرامة الإنسان وقيمته الرفيعة، وحريته الملازمة لمسؤوليته أمام الله”.
وهكذا يجعل الدستور من الكرامة الإنسانية أساساً سادساً من أسس نظام الجمهورية الإسلامية إلى جانب أصول الدين، وأصول الدين هذه كما هو المفترض، وكما جاء النص عليها في هذه الفقرة، هي أعلى القواعد (الآمرة) في النظام الإسلامي ويعني وضع الكرامة الإنسانية إلى جانبها أنّ القيمة الرفيعة للإنسان أصبحت في هذا النظام في موضع الدليل والنور الكاشف، وأصبحت لها الحاكمية على كلّ القواعد التي توضع في هذا الحقل بدلالة الأسس الأخرى.
غير أنّ هذه الفقرة لم تتوقف عند هذا الحد، بل أضافت لذلك ما وصفت به نظام الجمهورية الإسلامية بأنّه “نظام يؤمن بالقسط والعدالة والاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتلاحم الوطني…”. ولو دققنا النظر في هذه التعبيرات لوجدناها مفعمة بالإيمان بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكاد تلخص مطالب المواطن في صدد تلك الحقوق والحريات.
فنظام الجمهورية الإسلامية في هذا النص يؤمن بالقسط والعدالة. والعدالة هي ضد الظلم والجور، والعدل هو التسوية، وأمّا القسط فهو العدالة المجسّمة. يقول اللغوي العسكري في “الفروق اللغوية”: “الفرق بين العدل والقسط أنّ القسط هو العدل البيّن الظاهر، ومنه سمّي المكيال قسطاً، والميزان قسطاً لأنّه يصوّر لك العدل في الوزن حتّى تراه ظاهراً وقد يكون من العدل ما يخفى”.
وقيام النظام على أساس العدالة، وهي ضد الظلم، أمر جوهري في تعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. ثمّ إنّ النظام يقوم على أساس القسط، ومعناه هنا تجسيد العدل في مصاديق ظاهرة. وأمّا أشكال الاستقلال من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية… فقد يتصوّر أنّها إنّما تتعلّق برفض النفوذ الأجنبي في هذه الحالات وحسب، ولا علاقة لها بالتالي بحقوق الإنسان في داخل البلد. والواقع أنّ حقوق الإنسان معنيّة مباشرة بهذه الاستقلال. ولو نفينا هذا الاستقلال لسلبنا إرادة الناس في تحديد اختياراتهم من جهة ولنزعنا منهم شخصيتهم المتميزة، ولفرّطنا بتاريخهم ومعتقداتهم ومجمل تطلعاتهم ومسيرتهم في الحال والاستقبال، وفي الأمر تفصيل لا يتّسع له المقام.
وأمّا النقطة الأخيرة من المادة الثانية فهي في صميم ما نحن بصدده من استكشاف جوانب اهتمام دستور الجمهورية الإسلامية في إيران بحقوق الإنسان إذ جعلت “محو الظلم والقهر مطلقاً ورفض الخضوع لهما” من طرق ترجمة إيمان نظام الجمهورية الإسلامية بالقسط والعدالة والاستقلال.
لقد جاء تعبير (مطلقاً) في هذا النص في محلّه تماماً ليحسم كلّ نقاش محتمل حول أشكال وأساليب الظلم والقهر المعنية في النصّ، وبكلمة أخرى، فإنّ الظلم والقهر اللذين كانا موجودين قبل قيام النظام الإسلامي ينبغي أن يمحيا بكلّ أشكالهما، وأنّ الخضوع لهما مرفوض في المستقبل تحت أي شكل.
أولاً ـ مناخ حقوق الإنسان في الإسلام
لقد كرّس دستور الجمهورية الإسلامية في إيران عدّة مواد كما ألمحنا لبيان أحكام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وقد اهتمّت بذلك بشكل أولي المادة الثالثة، ثمّ مواد أخرى سنذكر بعضها.
ويمكن اعتبار أحكام هذه المادة بمثابة الإطار الذي يمكن التحدّث في مجاله عن الحقوق والحريات المضمونة بالأحكام الأخرى من الدستور.
نتوقّف عند مقدمة هذه المادة التي صيغت بعناية فائقة، لنظهر مدى اهتم الدستور بموضوع حقوق الإنسان. لقد جعلت هذه المقدمة ممّا سبق أن بيّناه بخصوص المادة السابقة أهدافاً، وجعلت أمر الوصول إليها أمراً مفروغاً منه بوجوب السعي إليه. ثمّ لم يكتف النص الدستوري في هذه المادة، وهي المادة الثالثة، بتلك الأهداف العامة الشاملة بل صاغ أهدافاً تفصيلية عملية تقع على طريق الأهداف الشاملة أو تكون جزءاً منها. وهكذا جاء النص الدستوري الذي نحن بصدده كما يلي: “من أجل الوصول إلى الأهداف المذكورة في المادة الثانية، تلتزم حكومة جمهورية إيران الإسلامية بأن توظف جميع إمكانياتها لتحقيق ما يلي…” ثمّ يمضي النص في تعداد ما ينبغي تحقيقه في ست عشر فقرة.
إنّ هذا النص يوجب على حكومة الجمهورية الإسلامية العمل على تحقيق الأهداف المسجلة في فقرات المادة الثالثة هذه، ثمّ إنّه يوجب عليها، وليس يخوّلها فحسب، أن توظف جميع إمكانياتها لهذا الغرض ومعنى هذا أنّ المسؤولية الحكومية ستكون واسعة وشاملة، ولا يحدّها سوى حدود الإمكانيات، جميع الإمكانيات.
وبعبارة أخرى، فكأنّ النص الدستوري جعل من هذه الأهداف التفصيلية الست عشرة والتي تقع بشكل أو آخر في إطار حقوق الإنسان، محور عمل الحكومة الرئيس. فهي بتوظيفها (جميع إمكانياتها) ستستنفد الوسع وتستخدم ما في الطاقة في سبيل حقوق الإنسان… وبكلمة ثالثة، فإنّ كيان الحكومة يصبح قائماً على أساس وظيفتها الرئيسة وهي تعزيز حقوق الإنسان من خلال مسيرتها التي تستهدف ترجمة الفقرات الست عشرة للمادة الثالثة من الدستور على أرض الواقع المعاش، ويصبح الإنسان بما يحمله من كرامة، ويستأهله من تكريم محور عمل الحكومة الإسلامية. وبتدقيق النظر يُعلم أنّ مفهوم الإنسان لا يُقتصر في بعض أحكام المادة الثالثة من الدستور على المواطن الإيراني، بل يتعدّاه إلى الإنسان خارج الحدود أيضاً.
عنصر الأخلاق
الفقرة الأولى من هذه المادة تضع هدف “خلق المناخ الملائم لتنمية الأخلاق على أساس الإيمان والتقوى ومكافحة كلّ مظاهر الفساد والضياع” في مقدمة الأهداف المسطرة في فقراتها.
ولنلاحظ أوّلاً أنّ أولوية هذه الفقرة إنّما تتأتّى من كون الحكم الذي تشتمل عليه حكماً عاماً، بمعنى أنّه حكم يكوّن الإطار لما ستستعرضه الفقرات التالية من أهداف وحقوق. وبيان ذلك أنّ نصّ هذه الفقرة يشير بشكل صريح إلى أنّ حقوق الإنسان عامّة لا تطبق في فراغ وإنّما في مناخ ينبغي له أن يساعد على تعزيز حقوق الإنسان وإنّ على الدولة واجب الإسهام في تهيئة هذا المناخ الذي هو عبارة عن بيئة أخلاقية، أساسها الإيمان والتقوى، في نفس الوقت الذي تنقل فيه حقوق الإنسان من إطارها النظري إلى إطار التطبيق اليومي.
وهكذا يمكن مراجعة نص الفقرة من جديد لنلاحظ أنّه يميّز بين نوعين من الأخلاق: نوع يقوم على أساس الإيمان والتقوى، وهو الذي يشتمل على المكارم، والنوع الثاني لا يقوم على الإيمان والتقوى وإنّما على مفاهيم أخرى، وتلك أخلاق لا يسعى إليها الدستور الإسلامي.
ولعلّ من المفيد أن نشير في إطار هذه العبارات إلى إمكان تفريع البحث هنا إلى نوعين: الأوّل يتعلق بالتساؤل عن ضرورة مكارم الأخلاق، والثاني يتعلق بضرورة إقامتها على أساس الإيمان والتقوى.
ففي صدد التعرّف على ضرورة مكارم الأخلاق كإطار لمباحث حقوق الإنسان لا سيما في التطبيق يبدو أنّ كثيراً من المتخصصين، فضلاً عن شواهد الواقع المادي وشواهد التاريخ يؤمنون بأنّ أزمة حقوق الإنسان هي في الأصل أزمة أخلاقية. وكلّما كان مجتمع ما يؤمن إيماناً قاطعاً بالأخلاق الكريمة فإنّه سيمج أنواع الظلم والتعسف على اختلافها ويرفض تطبيقاتها الاقتصادية والاجتماعية. وإذا أردنا أن ننقل هذه المفاهيم إلى مستوى الفلسفة، فإنّه يمكن القول إنّ الظلم شيء قبيح والعدل شيء جميل، وكما تمثّل مكارم الأخلاق تطبيقات لمفاهيم الجمال فإنّ مساوئ الأخلاق تمثّل تطبيقات لمفاهيم القبح، وبالتالي فإنّ الظلم يلتقي بأشكاله المختلفة مع مصاديق القبح أي مع الأخلاق السيئة بينما يلتقي العدل والحق مع مصاديق الجمال أي مع الأخلاق الحسنة.
أمّا بقية النص التي تقيم مكارم الأخلاق المعنيّة على أساس التقوى والإيمان فذلك من قبيل زيادة الإيضاح باعتبار أنّ ما يتلاءم مع التقوى والإيمان إنّما هو الأخلاق الحسنة لا أيّة أخلاق كانت، فضلاً عن أنّ الإيمان والتقوى يفرضان التزامات تضمن العدل والحق ممّا سنتعرّض لها لاحقاً.
أمّا الثاني من الأساسين المذكورين فهو مكافحة كلّ مظاهر الفساد والضياع.
أمّا الفساد فما دام ذكره مختصراً بهذا الشكل فقد يذهب البعض إلى أنّه نقيض الأخلاق الكريمة ولا حاجة إلى النص عليه بعد أن أكدت الفقرة نفسها على الأخلاق الكريمة القائمة على الإيمان والتقوى كأساس أوّل. والحقيقة أنّ كلمة الفساد تشمل هنا كلّ أشكال الفساد المتصوّرة سواء كانت ذات محتوى أخلاقي أو قانوني أو ما إلى ذلك. فالجرائم الواضحة كالسرقة والرشوة مثلاً تدخل في إطار الفساد كما تدخل العادات الذميمة التي يأباها المجتمع الأخلاقي. كما تدخل في عبارة الفساد تلك المخلفات الثقيلة الكريهة التي ورثها المجتمع عن عصور سياسية بائدة كبعض أشكال الفساد الإداري والسرف والتبذير، ومن تلك الأمثلة ما يقع تحت طائلة القانون فيحاسب عليه بموجب نصوص خاصّة، ومنها ما لا يتعرض لها القانون المدوّن وإنّما تستهجنه قواعد الأخلاق الإسلامية، وقواعد العلاقات الاجتماعية السليمة. ويبدو أنّ إطلاق كلمة الفساد تعني هذه الأمثلة وكلّ الأشكال التي يمكن أن يظهر بها الفساد.
ولعلّ كلمة الضياع الواردة في النص نفسه يمكن أن تنسب إلى تطبيقات الفساد أيضاً. غير أنّ فرزَها في النص يُراد به إمّا معنى إضافي أو توكيد على الضياع بذاته كشكل خطير من أشكال الفساد. والأرجح لدينا هو الاحتمال الأوّل، لا سيّما إذا عدنا إلى ما بيّناه قبل هذا من استعباد وتكريه للضياع في إطار النظرة الإسلامية إلى حقوق الإنسان إذ فُسّر بأنّه ضد المعاني الجميلة التي تظهر للمسلم في رؤيته الكونية، ذلك أنّ هذه الرؤية تؤمن بالهدفية والنظام، بل وبقداسة الهدف ومسيرة الإنسان في هذا الكون باتجاه التكامل والتسامي.
عنصر الوعي الاجتماعي
إنّ المادة الثالثة من الدستور الإسلامي أوضحت في مقدمتها وفي الفقرة الأولى منها أسساً معينة لمجموعة الحقوق والحريات التي نصّت عليها في فقراتها الأخرى. وقبل أن تمضي المادة في ذكر تلك الحقوق والحريات نصّت في الفقرة الثانية على ضرورة “رفع مستوى الوعي العام في جميع المجالات بالاستفادة السليمة من المطبوعات ووسائل الإعلام ونحو ذلك”.
إنّ التأمّل في هذه الفقرة يكشف عن أنّها لا تسجل حقاً من حقوق المواطنين فحسب، وإنّما تضع مقدمة أخرى للحقوق والحريات التي ستنص عليها المادة الثالثة نفسها. أمّا كيف يتم في هذه الفقرة تسجيل هذا الهدف المزدوج فنستنتجه من صياغة النص وموضعه. أمّا موضع النص فقد جاء قبل البدء بسرد الحقوق والواجبات، فكان في ذلك تأكيداً على أهميته، وعلى كونه مقدمة لازمة لما سيأتي لاحقاً.
وأمّا الصياغة فالذي يظهر منها أنّ خلق الظروف المساعدة لفهم الحقوق والحريات ووعي أهميتها وتعزيز مكانتها في المجتمع هو أمر ضروري لرفع مستوى التمتع بتلك الحقوق والحريات وتعزيزها فعلاً. فالحقوق والحريات لا يكفي في تعزيزها أن تُسجّل وتُقرأ على الناس في قرار رسمي، كما لا يكفي فيها أن تكون مفهومة من قبل نخبة معينة من الناس، بل ينبغي أن تكون ثقافة الحريات والحقوق الإنسانية ثقافة شائعة على صعيد المجتمع عامّة، أو كما تنص الفقرة المذكورة فتقول: “رفع مستوى الوعي العام في جميع المجالات”.
إنّ النص واضح في تسجيله لأهمية أن تهدف العملية المقصودة هنا إلى رفع مستوى الوعي العام، أي أنّ العملية ليست عملية تبليغ وإيصال معلومات فحسب، بل هي عملية رفع مستوى الوعي، وذلك بتحقيق الوعي حين لا يوجد، ورفع مستواه بعد أن يوجد، وجعل عملية رفع مستوى الوعي على نطاق واسع بحيث تشمل أوّلاً: المجتمع عموماً، وثانياً: كافة المجالات.
من هذا نفهم أنّ الدولة ستُضمِّن برامج عملها مسألة العمل على التوعية العامّة وفي جميع المجالات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والصحيّة… وما إلى ذلك من الجوانب الحياتية المادية والروحية. كما نفهم أنّ عمل الدولة في هذا المجال قد أصبح التزاماً في عاتقها. يلزمها به الدستور نفسه.
ومن هنا، وفي مقابل هذا الالتزام، فقد أصبح للمواطنين حق في اكتساب الوعي المشار إليه، وفي جميع المجالات، وبالتالي، فإنّ الدستور لم يسجل هنا واجباً من واجبات الدولة فقط، وإنّما سجّل حقاً من حقوق المجتمع، وهو ضرورة رفع مستوى وعيه العام وفي جميع المجالات من أجل أن تعزّز مسيرة الحقوق والحريات التي تظهر مفرداتها تباعاً في هذه المادة الهامّة، وهي المادة الثالثة.
إنّ نص الفقرة الثانية لا يقتصر على هذا الذي أوردناه، إذ أنّه يستطرد فيبيّن كيفية استخدام الإعلام للمهمة المذكورة فيقول: “… بالاستفادة السليمة من المطبوعات ووسائل الإعلام ونحو ذلك”. أي إنّ رفع مستوى الوعي العام في جميع المجالات سيكون عن طريق الاستفادة السليمة من المطبوعات ووسائل الإعلام… ومن هذه التعبيرات يمكن فرز جانبين. الأوّل هو الوسائل التي ستستخدم في رفع مستوى الوعي العام، والثاني كيفية ذلك الاستخدام. فأمّا الجانب الأوّل الذي يشير إلى الوسائل فقد عددها وحدد كونها المطبوعات ووسائل الإعلام ونحو ذلك. وأمّا الجانب الثاني فهو الاستفادة السليمة من هذه الوسائل.
لقد وضع النص الدستوري المطبوعات ووسائل الإعلام الأخرى مرئية أو مسموعة في خدمة هدف نبيل واسع النطاق وهو رفع مستوى الوعي، وبالتالي، فإنّ على الدولة بموجب هذا الالتزام أن تفحص وسائل الإعلام وتجعلها مطابقة لما هو كفيل بتحقيق رفع مستوى الوعي العام.
وينبغي الإشارة إلى أنّ هناك فصلاً كاملاً في الدستور الإسلامي هو الفصل الثاني عشر المتضمن مادة واحدة هي المادة الخامسة والسبعون بعد المائة مكرّس للإذاعة والتلفزيون في الجمهورية الإسلامية. وفي هذا الفصل نص صراحة على حرية النشر والإعلام.
وبدلالة هذه المادة، فإنّ وسائل الإعلام والنشر توضع وفق الدستور في خدمة الهدف أي من أجل رفع مستوى الوعي العام، وفي الوقت نفسه تحقيق حرية النشر والإعلام. ومعنى ذلك أنّ استخدام وسائل النشر بحرية لا يمنع من القيام بتوجيه الإذاعة والتلفزيون بخصوص ضرورة تحقيق هدف رفع المستوى العام للوعي. وفي الدستور مواضع أخرى ذكرت فيها جوانب تتعلق بحرية النشر وبوسائل الإعلام.
عنصر المستوى التربوي والعلمي
أحد الأهداف التفصيلية الهامّة التي نصّ الدستور الإسلامي على التزام “حكومة جمهورية إيران الإسلامية بأن توظف جميع إمكانياتها لتحقيقها” هو هدف “توفير التربية والتعليم والتربية البدنية، مجاناً للجميع، وفي مختلف المستويات وكذلك تيسير التعليم العالي وتعميمه”.
هذا هو نص الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من الدستور الإسلامي. وفيه أيضاً كما في الفقرة السابقة من المادة نفسها بيان ذو جانبين: فقد اشتمل في جانب منه على تحديد التزام من التزامات الدولة تجاه المواطن، وفي جانب آخر على حق من حقوق المواطن، هو حق نيل قسط مناسب من التربية والتعليم والتربية البدنية ـ مجاناً ـ وتيسير التعليم العالي وتعميمه.
إنّ إشارة هذه الفقرة إلى قضية توفير التربية والتعليم والتربية البدنية تفيد أوّلاً أنّ التوعية التي تتمّ بالوسائل الإعلامية وطرق النشر المعروف لا تفي وحدها بالغرض المطلوب وهو رفع مستوى المواطنين العلمي والثقافي. بل إنّ النص يفيد ضمناً أنّ الحد الأدنى المطلوب تحقيقه بالنسبة لكلّ مواطن هو إيصاله إلى أبواب التعليم العالي. ولذلك فقد أشار النص إلى مجانية المراحل التي يتضمنها هذا المستوى من التربية والتعليم والتربية البدنية، بالإضافة إلى تأكيده على شمولية هذا الحق نصاً، سواء من ناحية المراحل التي يتضمنها إذ يقول: “في مختلف المستويات”، أو من ناحية أفراد المواطنين المشمولين إذ يقول: “للجميع”.
وبذلك تلتزم حكومة الجمهورية الإسلامية دستوراً بتهيئة كافة ما يحتاجه تحقيق هذا الغرض الذي يعتبر أساساً لازماً لتعزيز الوعي العام، وبالتالي لفهم الحقوق والحريات، فضلاً عن دوره في التقدّم العام للبلاد. وكما ذكرنا فإنّ هذا الالتزام بتوفير التربية والتعليم والتربية البدنية مجاناً للجميع يعبّر في المقابل عن حق من حقوق المواطن التي يضمنها الدستور، ولكن إلى مستوى التعليم العالي وحسب.
أمّا فيما يتعلق بالتعليم العالي فقد اقتصر النص الدستوري على ذكر التزام الدولة بتيسيره وتعميمه، إذ لم يذكر شيئاً عن مجانيته، فأصبح التزام الدولة محدوداً بتوفير فرص التعليم العالي لمن يرغب فيه من المؤهلين له وبالقدر الذي يتناسب مع أوضاع البلد المتكاملة. وعلى ذكر هذا التناسب، فإنّنا نرى أنّ من الضروري أن يتم التفكير بمدّ مراحل الدراسة المجانية لتشتمل على التعليم العالي، بما في ذلك الفروع المهنية والتكنولوجية سيّما وأنّ إيران من البلدان النفطية الرئيسة التي ينتظر أن تسهم الدولة فيها بقسط وافر من الجهود والنفقات في قطاع التربية والتعليم العالي.
ولا يبدو لنا أنّ التزام الدولة يكون هنا مطلقاً فيقبل جميع المتقدمين للدراسات الجامعية. إذ أنّه لا يمكن أن يكون مطلقاً في الواقع. بمعنى أنّ الدولة لا يمكن أن تستوعب جميع المتقدمين إلى التعليم العالي بما توفّره وتيسّره من فرص له، فذلك غير ممكن عملياً ولا يتناسب مع ضرورة النمو المتوازن بين القطاعات المختلفة، ولكن التزام الدولة يكون في تعميم التعليم العالي، بمعنى عدم حجبه عن أحد لغير الأسباب العلمية وضرورات الواجبات الكفائية المتوزعة على مختلف القطاعات في البلاد، كأن يقتصر التعليم العالي كلاً أو جزءاً على فئات أو طبقات من المجتمع، أو على سكان مناطق جغرافية محددة.
هنالك جانب من الجوانب التي يهتم بها الدستور الإسلامي، إضافة إلى جانب التربية والتعليم العالي وهو جانب البحث العلمي. إنّ هذا الجانب هو المكمل الطبيعي للأوّل. وبقدر ما يعتبر البحث العلمي أساساً هاماً من أسس تقدّم الدولة والمجتمع ككلّ، فإنّه كذلك يعتبر حقاً من حقوق الأفراد والمجتمع. وقد جاء النص على ذلك في الفقرة الرابعة من المادة الثالثة من الدستور. لقد وضعت هذه الفقرة مسألة البحث العلمي في عداد المسائل التي تلتزم الحكومة بأن توظّف جميع إمكانياتها لتحقيقها وهي: “تقوية روح التحقيق والبحث والإبداع في كافة المجالات العلمية والتكنولوجية والثقافية والإسلامية عن طريق تأسيس مراكز البحث وتشجيع الباحثين”.
وهكذا فقد جعل النص الدستوري هذه المجموعة من المعارف النظرية والعملية وتطويرها في متناول يد المواطنين عن طريق تأسيس مراكز البحث أوّلاً، وتشجيع الباحثين ثانياً. وحسناً فعل النص الدستوري حين لم يقصر التشجيع على “الإبداع” فحسب بل خصّ به عمليتي التحقيق والبحث أيضاً، ذلك إنّ الإبداع ـ وبالإضافة إلى أنّه يحتاج إلى معارف مسبقة عادة ـ فإنّ الثروة العلمية والأدبية الإسلامية الموجودة فعلاً هي من الكنوز التي لا غنى عنها للباحثين وللساعين إلى الإبداع.
عنصر الاستقلال وحرية الاختيار
وإذا ما انتقلنا إلى الفقرة الخامسة من نص المادة الثالثة من الدستور الإسلامي فسنجد عالماً رحباً للحديث عن الإنسان وحقوقه وحرياته، إذ أنّ هذا النص يجعل من مهمات الدولة “طرد الاستعمار كلية ومكافحة النفوذ الأجنبي” وواضح أنّه ما دام الاستعمار قد طُرِدَ بنجاح الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية، فإنّ من المرجّح أن لا يكون الطرد المقصود هنا مادياً بل معنوياً، أي المقصود طرد آثار الاستعمار التي تركها في الداخل على البُنى الإدارية والتربوية والاقتصادية، كما أنّ الأمم المتحدة نفسها قد أقرّت مسألة تصفية الاستعمار فأصبح ذلك مهمة عالمية، وتلك نتيجة طبيعية لإقرار مبدأ حق تقرير المصير للشعوب وفرض سيادتها على ثرواتها الوطنية. وإذا كانت بعض القوى العالمية لا يروق لها مبدأ حقّ تقرير المصير في واقع الأمر، فإنّ أحكام الدستور في إيران قد التزمت به وتعهدت بطرد الاستعمار كلية، كما تعهدت بمكافحة النفوذ الأجنبي. ويعتبر النفوذ الاستعماري أو الأجنبي عائقاً من العوائق الرئيسة في ممارسة وتعزيز الحقوق والحريات، وعلى هذا، فإنّ النص الدستوري الإسلامي يكتسب أهمية خاصّة في تأكيده على محاربة وتصفية الاستعمار بشكل كامل، وكذلك النفوذ الأجنبي.
في المادة الثالثة من الدستور ثلاث فقرات متتابعة تتابعاً منطقياً، يكفي بذاته لإيضاح الترابط العميق القائم فيما بينها ونعني بها الفقرات السادسة والسابعة والثامنة.
تمثّل الفقرة السادسة مقدمة للحريات التي يريد الدستور تأكيدها، وتسجّل السابعة ضرورة ضمان تلك الحريات بالقانون، وتشير السابعة إلى بعض ثمار التمتع بالحريات المذكورة.
فالفقرة السادسة تنص على التزام الدولة بـ “محو أي مظهر من مظاهر الاستبداد والديكتاتورية واحتكار السلطة” وهذه هي المقدمة الضرورية للتمتع بالحريات، بل بدون ذلك لا معنى للحديث عن الحقوق والحريات إذ أنّها تكون دائماً معرّضة للإلغاء والانتهاك تحت أيّة حجة كانت، وإذا كان للاستبداد والديكتاتورية واحتكار السلطة معان متميزة عن بعضها، فإنّها تشترك جميعاً في الاستهانة بالرأي الآخر والاعتداد بالنفس والتعالي على الأمّة، وهي المعاني التي أرادت الثورة الإسلامية ودستورها اقتلاعها ونفيها عن المجتمع الإسلامي الجديد القائم على فلسفة الإسلام وأحكامه الربانية، وقد جاء الالتزام الدستوري بمحو المظاهر الثلاثة المذكورة بعد الفقرة الخاصّة بطرد الاستعمار ومكافحة النفوذ الأجنبي، وكأنّ النص الدستوري يريد أن يوثق التزامه بالحريات التي سيذكرها مشيراً إلى الأخطار التي تتهدد تلك الحريات من الخارج ومن الداخل، وبالفعل فإنّ تلك الأخطار كانت ماثلة خطيرة في العهد المباد والذي سجّل الدستور الإسلامي نهايته. ثمّ إنّ الفقرة التالية من المادة الثالثة تنتقل إلى النص على “ضمان الحريات السياسية والاجتماعية” فتسجّل أنّ هذا الضمان سيبيّنه القانون.
أمّا الثمرة التي تقتطفها الفقرة الثامنة من هذه المادة ـ وثمار الحريات كثيرة ـ فهي “إسهام عامّة الناس في تقرير مصيرهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي”.
والحقيقة التي يسجلها الدستور الإسلامي هنا، أنّ الحريات ينبغي أن لا تتوقف عند حدود النصوص، بل إنّ هناك هدفاً من تسجيل النص نفسه. فبعد التزام الدولة بتهيئة المقدمات التي ذكرنا بعضها تواً، أو سابقاً، أشار الدستور مستطرداً إلى مسألة في غاية الأهمية وهي مشاركة الأمّة في تقرير المصير الذي تريده على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا بدَّ من ملاحظة هامّة هنا، هي أنّ هذه المشاركة ـ وبعد طرد الاستعمار ومكافحة النفوذ الأجنبي ونفي الديكتاتورية والاستبداد ـ هي مشاركة حرجة، سليمة من شوائب الانحراف والتحريف والضغط والتزييف، وهكذا تكون الفقرات السادسة والسابعة والثامنة من المادة الثالثة من الدستور قد أدّت أغراضاً متعددة، لتصيب مجتمعة هدفاً كبيراً في النهاية.
المساواة والعدالة
الفقرة التاسعة من المادة الثالثة نصّت على “رفع التمييز غير العادل…” وهذا يعني وجود تمييز غير عادل تطلّب أن يشار إليه بنص صريح، كما يعني أنّ رفع التمييز ليس مطلقاً وإنّما هو يشمل غير العادل فقط، ذلك أنّ التمايز بين الناس في بعض المواضع والأحوال أمر مقبول وربّما ضروري لا سيّما إذا كان مثل هذا التمييز يعني تقييماً (فنيّاً) من أجل وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، أو من أجل مكافأة المنتجين وتقدير المضحّين… وما إلى ذلك.
وعلى هذا، فإنّ استطراد الفقرة نفسها جاء في محله إذ قالت “… وإتاحة تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة. وأمّا تعبير (للجميع) فهو ضمانة في النص لشمولية التكافؤ المنصوص عليه، وعدم وجود مسوغ للاستثناءات التمييزية، كما أنّ ذكر “المجالات المادية والمعنوية كلّها) ضمان آخر لشمولية النص لموضوعات الفرص المتكافئة المشار إليها، ومن الجدير أن نلاحظ أنّ ذكر المجالات المعنوية له أهمية خاصّة على أساس أنّ “المعنويات” هي حقل من الحقول التي لا يعنى بذكرها عادة في هذا المجال، بينما هنالك أشكال من التمييز المعنوي، وعدم تكافؤ الفرص ـ في مجالات معنوية ـ ذات آثار خطيرة على الفرد والمجتمع.
وعلى هذا، فإنّ الإدارة السليمة في الدولة تأخذ بنظر الاعتبار ضرورة تحقيق العدالة، وهي بالتالي مدعوة لأن توجد من الأجهزة ما يتناسب مع المهام المطلوبة منها. في هذا السياق، يأتي نص الفقرة العاشرة من المادة موضوع البحث ليؤكد على “إيجاد النظام الإداري السليم وإلغاء الأنظمة الإدارية غير الضرورية…”.
أمّا الفقرة الحادية عشرة، والخاصّة بـ “تقوية بنية الدفاع الوطني… من أجل حفظ الاستقلال…” والنظام الإسلامي للبلاد، فإنّها ذات علاقة دقيقة بمجالات حقوق الإنسان بقدر ما يمثّل الاستقلال، والنظام الإسلامي للبلاد ضمانين من ضمانات تلك الحقوق.
وفي الحقيقة، فإنّ الاستقلال نفسه هو حق من حقوق الأمّة كما أشرنا إلى ذلك في فرصة سابقة، وهو ضمانة لحقوق وحريات أخرى. كما أنّ النظام الإسلامي، باعتباره الاختيار الذي صمّمت عليه فئات الشعب جميعاً قد أصبح حقاً من حقوق الشعب، وفي الوقت نفسه ضمانة أساسية من ضمانات حفظ الحقوق والحريات في البلاد وتعزيز مسيرتها. وعلى كلّ حال، فبالاستقلال، وبالنظام الإسلامي الذي استقرّت عليه إرادة الأمّة تتحقق شخصية الجمهورية الإسلامية، ومن خلالها تتعزز السيادة وتؤمّن الحقوق وتحترم الحريات.
وتأتي الفقرة الثانية عشرة لتنصّ على “بناء اقتصاد سليم وعادل وفق القواعد الإسلامية…”.
ولعلّ ممّا ياحظ قبل كلّ شيء في هذا النص أنّه يذكر حقّين متداخلين معاً، الأوّل هو حق الأمّة ـ وواجب الدولة أيضاً ـ في بناء اقتصاد سليم وعادل، والثاني هو كون هذا البناء قائماً على القواعد الإسلامية، إذ أنّ نظام الجمهورية الإسلامية يقوم على أصول الإسلام كما ألمحنا سابقاً في ذكرنا للمادة الثانية من الدستور.
ربّما كان من الممكن الاكتفاء في هذه الفقرة بالنصّ الذي ذكرناه، غير أنّ الفقرة أضافت تفصيلاً يوضح المراد من بناء الاقتصاد السليم العادل وفق القواعد الإسلامية فقالت: “… من أجل توفير الرفاهية، والقضاء على الفقر، وإزالة كافة أنواع الحرمان في مجالات التغذية والمسكن والعمل والصحة، وجعل التأمين يشمل جميع الأفراد”.
وعلى هذا، فإنّ الأهداف الاقتصادية العامّة التي توجّه نحوها هياكل الاقتصاد وفعالياته المختلفة قد أصبحت واضحة على إجمالها، فهي تتلخص في توفير الرفاهية والقضاء على الفقر. وهنا إجابة بليغة على تساؤلات الكثيرين عن أهداف الاقتصاد الإسلامي.
فإذا كان هدف الأنظمة الاقتصادية المادية السعي وراء أكبر كمية ممكنة من الثروة وجمعها في يد أفراد أو فئة من الأمّة، أو في يد الحكومة دون الأمّة، فإنّ الاقتصاد الإسلامي كما ورد في مقدمة الدستور الإسلامي وسيلة لأهداف، إنّه وسيلة إلى “سد حاجات الإنسان في مسيرة تكامله ورقيّه”.
وهكذا، فإنّه لا يكفي حتّى القول ببناء اقتصاد سليم وعادل، بل إنّ هذا الاقتصاد ينبغي أن ينبني على القواعد الإسلامية كما ينبغي أن يسعى إلى إشباع الحاجات الإنسانية الأساسية المتمثلة بالغذاء والسكن والصحة إضافة إلى العمل، بل وإضافة إلى شمول جميع الأفراد بالتأمين.
وعلى أساس هذه النظرة، تقول مقدمة الدستور “فإنّ برنامج الاقتصاد الإسلامي هو توفير الفرص المناسبة لظهور المواهب الإنسانية المختلفة” وتستطرد المقدمة قائلة “ولذا، فإنّه يجب على الحكومة الإسلامية أن تؤمن الإمكانيات اللازمة بصورة متساوية، وأن توفّر ظروف العمل لجميع الأفراد، وتسدّ الحاجات الضرورية لضمان استمرار حركة الإنسان التكاملية”. ولعلّ التكملة الطبيعية لمثل هذا البرنامج هو السعي إلى “إيجاد الاكتفاء الذاتي” في مجالات متنوعة من مجالات أنشطة الدولة والمجتمع، وهو ما نصّت عليه الفقرة الثالثة عشرة من المادة نفسها من الدستور الإسلامي.
ثمّ جاءت الفقرة الرابعة عشرة إلى ذكرضمان تلك الحقوق والحريات فأكّدت على “ضمان الحقوق الشاملة للجميع، نساءً ورجالاً”، وإذا كان هذا النص مطلقاً بحيث يشمل كلّ ضمان يمكن تصوّره، فإنّ الدستور الإسلامي وجد من الضروري إلى جانب ذلك أن يسمّي واحداً من تلك الضمانات، ولعلّه بذكره لهذا الضمان قد اعتبره من أهمها، ألا وهو الضمان القضائي، فقال: “… وإيجاد الضمانات القضائية لهم”. ولم تكتف هذه الفقرة بهذا التفصيل بل انتقلت إلى التذكير بمبدأ المساواة، فقالت: “… ومساواتهم أمام القانون”.
وهكذا، فإنّ المواطن في ظل الدستور الإسلامي، ذكراً كان أم أُنثى، يعتبر مضمون الحقوق، لا سيما أمام القضاء، وربّما كانت العبارة الأخيرة من النص بخصوص مبدأ المساواة أمام القانون موجّهة إلى القضاء أوّلاً وبشكل خاص، ثمّ إلى جميع المكلفين بتطبيق القانون سواء في حالات قيام نزاع ما أم بدون ذلك. وأخيراً، فإنّ النص مطروح أمام المستفيدين منه، أي المواطنين، لطمأنتهم بعدم وجود تمايز بينهم فيما يتعلق بالحقوق التي هي لهم بموجب القانون.
إنّ نص هذه الفقرة، مع مزيد من التمعّن فيه، قد حمل طمأنة متعدّدة الجوانب للمواطن في خصوص الحقوق المنصوص عليها. فهو من جانب يذكر نصاً مسألة الضمان، وأصبح على التشريعات التفصيلية أن تعنى بإيجاد صور التطبيق. ومن جانب ثاني يدعو النص (الحقوق) موضوع البحث بالشاملة وتلك طمأنة تخصّ عدم الانتقاص من الحقوق والضمانات بعد الاعتراف بها، ومن جانب ثالث تنصّ الفقرة على تعبير (للجميع)، حتّى يكون عدم الانتقاص شاملاً للأفراد كما هو شامل للموضوعات، ومن جانب رابع فسّر الجميع أو فصّل ذكرهم بقوله رجالاً ونساءً، حتّى يكون الشمول الخاص بالأفراد أكيداً لا من ناحية أفراد (الجميع) فرداً فرداً وحسب، بل من ناحية اختلاف الجنس أيضاً بحيث ستضمن الحقوق للرجال وللنساء دون تمايز بين الجنسين ولا بين أفراد الجنس الواحد، وهذا أحد المواضع التي أشار فيها الدستور إلى حقوق المرأة وضماناتها ومساواتها بالرجال كمواطنة أمام القانون.
وهكذا، فإنّ هذه الفقرة الموجزة قد أوجبت أن تنص القوانين الإسلامية المستمدة من الدستور على وضع ضمانات للحقوق، ومنها الضمانات القضائية العادلة، كما أوجبت مراعاة مبدأ تساوي المواطنين أمام القانون. وإذا كان مبدأ المساواة أمام القانون واضحاً في احتوائه ضماناً على مراعاة العدالة، فإنّ الضمانات القضائية قد احتاجت أن توصف بـ (العادلة)، إذ لا يكفي مثلاً أن يُضمن للمواطن حق المثول أمام القضاء واللجوء إليه في حالات معينة بل ينبغي ـ إضافة إلى ذلك ـ أن تشمل هذا المواطن عدالة القضاء حين يلجأ إليه، لتكون استفادته من الضمانات القضائية استفادة حقيقية.
خاتمة
هنالك زوايا متعددة يمكن النظر من خلالها إلى دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، ولعلّ الدراسات الدستورية التقليدية تفضّل دراسة هيكل الأحكام التي يتضمنها الدستور باعتباره قانون السلطة، فتذهب إلى بيان هيكل المؤسسات الدستورية وآليات عمل السلطات الثلاث وإجمالاً ترسم الصورة التي يريدها الدستور للسلطة في الدولة: من يمثلها، وكيف يمارسها ومن أين يستمدها، وإلى أين يقودها؟
وهذه الجوانب من غير ريب مهمّة وأساسية ولا بدَّ أن يتوفّر عليها الدارسون ولعلّ السنوات التي مرّت على صدور الدستور موضوع البحث قد تكفلت إلى حدّ ما بعرض الجوانب المذكورة وإن لم يزل هنالك ما يمكن قوله فيها.
من هنا تبرز الحاجة إلى نوعين من الدراسات: تلك التي تهتم بمقارنة أحكام هذا الدستور الفريد بما هي عليه الدساتير الأخرى، وتلك التي تبرز خصائص هذا الدستور وما يميّزه عن سواه، وهي دراسة قريبة من النوع الأوّل باعتبار جانب المقارنة. وقد اخترنا هذا النوع في محاولتنا المتواضعة.
لقد تصفحنا إذن أحكام دستور الجمهورية الإسلامية من هذه الزاوية، ويحسن الانتباه إلى أنّها زاوية نظرية لا علاقة لها بما يجري من تطبيق لأنّ لذلك زاوية نظر أخرى. وبكلمة أخرى، فإنّنا تصفحنا ما بين دفتي الدستور المعلن باعتباره نموذج دستور إسلامي ينقل أحكام الشريعة الإسلامية من بطون الكتب الفقهية إلى قوالب القواعد القانونية المعدّة للتطبيق وإدارة المجتمع.
وقد رجحنا النظر في أحكام الدستور على مستويي الشكل والمضمون، فقسمنا البحث إلى ثلاثة فصول على الرغم ممّا بين موضوعاتها من علاقة، فتناولنا في الفصل الأوّل بعض جوانب الشكل، وفي الثاني والثالث بعض جوانب المضمون.
ولقد وجدنا خلال البحث أنّ هنالك كثيراً من المسائل التي يجدر التوقّف عندها والتأمّل فيها ومقارنتها بأحكام الدساتير الأخرى واسترجاع خلفياتها الفقهية وأهدافها المستقبلية. غير أنّ كلّ ذلك ممّا يضيق به بحث متواضع مختصر كالذي نقدّمه هنا. ولذلك فقد اقتصرنا في جانب الشكل على تناول مَعْلَمَيْن من المعالم التي ميّزت شكل الدستور موضوع البحث.
المعلم الأوّل هو لغة الدستور حيث رصدنا ظاهرتين تتمثّل الأولى في استشهاد الدستور بعدد من النصوص الشريفة من القرآن الكريم والسنّة المطهرة وتتمثّل الثانية باستخدام الدستور لحشد من المصطلحات الغريبة على الدساتير الأخرى. وسواء كنّا في حضرة الاستشهادات أو المصطلحات، فإنّنا نجد أنفسنا أمام المصدر التشريعي الذي استقى منه الدستور أحكامه.
وإذا كان من الحقّ القول إنّ المسألة اللغوية هذه مسألة شكلية لتعلّقها بالصياغة، فإنّ من الحقّ القول أيضاً بأنّ الشكل المختار بتعبيره عن مصدره التشريعي قد عبّر عن مسألة موضوعية أيضاً بحيث لا يمكن فهم محتوى أحكام الدستور بدون الرجوع إلى محتوى الاستشهادات والمصطلحات المستخدمة في تضاعيف تلك الأحكام وفي مداخلها.
وأمّا المعلم الثاني الذي أشرنا إليه فهو أسلوب الدستور في معالجة المسائل التي تناولها من الناحية الشكلية وعنينا بذلك طريقة تناوله للأحكام والتسلسل الذي انتهجه للوصول إلى النتائج التي توخاها، إضافة إلى مسألة مرونة وجمود الدستور، ذلك أنّنا وجدنا أنّ لهذا المعلم دلالات لا بدَّ من تتّبعها للباحث في الدستور من ناحية الخصوصيات التي تطبعه تسهم في تمييزه عمّا سواه.
وهكذا فقد تعرّضنا ضمن هذا المعلم الشكلي إلى العنوان الذي كرّسه الدستور لنظام الدولة في إيران وهو نظام جمهوري إسلامي، كما تعرضنا لتتابع فصول الدستور وما عالجته من موضوعات من أجل التعرّف على خارطة تلك الموضوعات التي رسمها واضعو الدستور، وقد تبين لنا من التأمّل في تلك الخارطة مقدار الاهتمام الذي تميّز به المبحث العقائدي الذي شكّل أساس الدستور ومرجعيته الأولى.
وعند تطرقنا إلى مدى مرونة الدستور وجدنا أنّ طائفة من أحكامه تتّصف بالجمود المطلق بحيث لا يمكن أن ينالها التعديل أو التبديل وهي بشكل عام تتّصل بالأساس العقائدي بينما تبقى الأحكام الأخرى مرنة في حدود معينة بسبب القيود التي وضعها الدستور نفسه، ولا سيما في المادة الأخيرة منه (م 177) المكرّسة لهذه المسألة.
كلّ ما تقدّم استغرق الفصل الأوّل من البحث، بينما انتقلنا في الفصلين الثاني والثالث إلى المسائل الموضوعية، فأشرنا في الفصل الثاني إلى خصوصيته المتعلقة بالأساس العقائدي للدستور، وقد وجدنا هذا الأساس معبّراً عنه في نوعين من الأحكام.
الأوّل: يحدّد دور العقائد والفقه في نظرية الحكم إجمالاً، ووجدنا المادة الثانية تكرّس هذا المعنى بشكل رئيس حيث أشارت إلى (أصول الدين) باعتبارها أساساً للنظام مضافاً إليها أساس سادس هو الإيمان (بكرامة الإنسان وقيمته الرفيعة وحريته الملازمة لمسؤوليته أمام الله…”. كما أشارت المادة نفسها إلى دور الفقهاء المسلمين في حركة آليات الحكومة الإسلامية، وفي بقية مواد الدستور إشارات لهذه المهمة تؤكد المعنى المذكور.
الثاني: من تلك الأحكام الدستورية وجدنا له أمثلة متعددة في الدستور منها تأكيده على مسألة مصدر السيادة في الدولة حيث جزمت المادة السادسة والخمسون بأنّ “السيادة المطلقة على العالم وعلى الناس لله، وهو الذي منح الإنسان حقّ السيادة على مصيره الاجتماعي…”.
على أنّنا لم نتابع عدداً من الموضوعات المهمة المتعلقة بالسيادة في هذه المناسبة لأنّنا فضلنا الاختصار، إذ كان جديراً بالبحث هنا دراسة تعبيرات السيادة ودور القائد والسلطات الثلاث ودور الأمّة في هذه التعبيرات من خلال النظام الذي اختاره الدستور والذي أصبح يدعى بنظام (ولاية الفقيه في ظل الشورى). ومن المعلوم أنّ هناك كتابات عديدة في هذا المجال.
وأمّا في الفصل الثالث، فقد انتقلنا إلى معلم آخر من المعالم الموضوعية التي تميز دستور الجمهورية الإسلامية وهو اهتمامه بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وقد لفت نظرنا في هذا المجال أنّ الدستور موضوع البحث قد وضع هذه المسألة في مستوى أسس النظام، أي في مستوى أصول الدين من الناحية الدستورية، وهو ما صرّحت به المادة الثانية، كما اهتمّت بتفصيلات تلك الحقوق والحريات معظم مواد الدستور فضلاً عن المنصبّة عليها أساساً وذلك في الفصل الثالث منه.
ومبحث حقوق الإنسان على رغم أهميته الكبيرة فيما خصّص له من أحكام الدستور الإسلامي لم يشغل فصلاً محدداً بعينه دون غيره، بل جاءت هذه الأحكام موزّعة هنا وهناك وإن كان الفصل الثالث من الدستور أكثر تركيزاً في هذا المجال. ولعلّنا نجد مبرّر ذلك في استقاء الدستور لأحكامه من أحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت إجمالاً لإنقاذ الإنسان من الظلمات التي يعيش فيها ووضعه في المسار السليم اللائق به كخليفة لله تعالى على الأرض. فالتكريم الذي خصّ به تعالى الإنسان لا يعدله تكريم آخر، وهكذا وجدنا كلّ قواعد الشريعة مكرّسة لهذا الهدف الذي يتلخص بتعبيد الإنسان لخالقه المنعم عليه وتحريره بالتالي من كل تبعية أو عبودية لغيره. ومن الواضح أنّ لهذا الموقف الأساس نتائج كبيرة وباهرة تنعكس على الهيكل الاجتماعي المطلوب بناؤه والمؤسسات السياسية التي تتكفل بإدارة وتوجيه المجتمع وفق الشريعة الإلهية التي تريد سعادة الإنسان في الدارين.
غير أنّنا لم نستعرض في هذا البحث الحقوق والحريات التي أشار إليها الدستور فذلك أقرب إلى البحث القانوني المتخصّص منه إلى الأدب القانوني، فاقتصرنا على إثارة موضوع “مناخ الحقوق” الذي عبرت عنه أحكام الدستور، وتركنا استعراض الحقوق ودراسة ضماناتها المتنوعة إلى بحث آخر مستقل.
الدكتور عباس محمود
في ذكرى البروفسور فلاطوري
الدكتور عبد الجواد الفلاطوري، عالم ومحقّق إسلامي، وهو حفيد الحكيم الملا إسماعيل الأصفهاني، أستاذ السبزواري في الفلسفة. وُلد ّالفلاطوري في 1304هـ. ش في أصفهان، وبعد إنهاء الدراسة الابتدائية رحل إلى مدينة مشهد المقدسة لحضور دروس الأديب النيشابوري (الأديب الثاني)، حيث درس الأدب والبلاغة عليه، ثمّ أنهى دراسة الفقه والأصول على الحاج ميرزا أحمد المدرس الحسيني اليزدي (المتوفى في 1391هـ). والحاج شيخ هاشم المدرس القزويني (المتوفى في 1380هـ) والحاج شيخ رضا الترابي الخراساني، ثمّ درس عند الشيخ هادي الكدكني النيشابوري “شرح الإشارات” للخواجة نصير، و”شرح الجغميني” في الهيئة. ودرس “شرح التجريد” عند الحاج الشيخ محمد رضا الكلباسي (1295ـ1383هـ)، ودرس عند الشيخ مجتبى القزويني الخراساني (المتوفى في 1383هـ) بعض الفلسفة والمعارف وعلوم القرآن التجريدية. ثم ينتقل إلى طهران ليتلقى دروساً في الفلسفة والفقه عند الشيخ محمد تقي الآملي (المتوفى في 1390هـ). بعد ذلك يقضي ثلاث سنوات في صحبة الفيلسوف المعروف الميرزا مهدي الآشتياني (المتوفى في 1373هـ) بصفة مرافق علمي. وفي سنة 1313هـ وبعد نيل المراتب العلمية العالية في المواضيع المذكورة، يشدّ رحاله إلى خارج البلاد للاطلاع على الفلسفات الأخرى. ولمّا كانت له رغبة خاصّة في الفلسفة الألمانية، فقد رحل إلى ألمانيا. وكان قد سبق لبعض أساتذته، ومنهم الميرزا مهدي الآشتياني، أن أطلقوا عليه لقب (الحكيم)، واعتبروه في المباحثات الفلسفية صاحب توجّهات حكيمة وانتقادات علمية، ومن حيث عمق التفكير والأفكار العلمية وصفوه بأنّه من مفاخر إيران.
للدكتور فلاطوري مؤلفات، منها:
1 ـ ترجمة كتاب “تاريخ إيران في القرون الإسلامية الأولى” عن برتولد سپولر.
2 ـ مقالة بعنوان “العقل كدليل نهائي على حقوق الشيعة” طبعت في المجلة الألمانية “فلسفة الحقوق والعلوم الاجتماعية” 1958.
3 ـ كتاب “تغيّر بناء الفلسفة اليوناينة بتأثير طرز الفكر الإسلامي” وهو كتاب قيّم جدّاً.
وقد قام الدكتور فلاطوري بتدريس الفلسفة في جامعة كولون بألمانية. وقد كان له سهم وافر في إنشاء “مركز التحقيق في العقائد والعلوم الشيعية في جامعة كولون”، وفي هذا يقول: “كانت جامعة كولون الألمانية قد قامت قبل سنوات (قبل 1344هـ. ش) وما بعدها، وبالاستناد إلى جهود المسؤولين في الجامعة. إلى إنشاء “مركز التحقيق في العقائد والعلوم الشيعية، ومنذ ذلك الوقت حتّى الآن (تاريخ كتابة هذا الكلام) استطاع المركز أن يجمع نحواً من ثمانية آلاف كتاب شيعي في الفقه والأصول والكلام والرجال والتاريخ والأدب وغير ذلك، مع أنّه لم تكن في هذا المركز قبل ذلك حتّى نسخة واحدة من الكتب الشيعية. ومنذ سنة (1347هـ. ش) يوم قدّمت تقريراً عن أهمية التحقيق في العلوم والعقائد الشيعية، لدارسي الإسلام، في مؤتمر المستشرقين الألمان الذي عقد في مدينة (ورتسبرغ)، ظهر اهتمام واضح بذلك. وأقل ما يمكن أن يُقال في هذا الشأن هو أنّه في هذا الوقت القصير ظهر أكثر من عشرة كتب ومقالات من مؤتمر كولون نفسه وبقلم البروفسور أورين غراف رئيس المؤتمر وبقلمي أيضاً وكذلك فيما يتعلق بالمؤتمر، وهناك نحو عشرة كتب ومقالات أخرى يجري تأليفها. إنّ هذا النجاح يحيي الأمل في توسيع تعاوننا مع مراكز علمية أخرى، وخاصّة المراكز العلمية الشيعية…”.
كتب الفروفسور عبد الجوار الفلاطوري مقالة علمية قيّمة بعنوان “ضرورة تبادل مفاتيح التفاهم بين الثقافات”، جاء في بعض جوانب منها:
“إنّ طرح مسألة الفكر الغربي وطريقة التعامل معها، وحدود التعامل وكيفية الاستفادة منه أو طرده، طرح جيّد، وكان ينبغي أن يحدث قبل مئة وخمسين عاماً على أيدي القادة الدينيين والسياسيين في العالم الإسلامي، عندئذ كان يمكن تعيين معيار الأخذ والعطاء في الميدان الثقافي بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، ممّا كان سيحول دون هجوم ظواهر الحضارة الغربية على جسم الثقافة الإسلامية وروحها، ومن ثمّ تخريبها وتعريض عالم الإسلام لمشكلات نحن اليوم مقيدون في أسارها.
إلاَّ أنّ ضرورة البحث الواعي في ذلك ـ على شرط أن تكون هناك أهداف ونتائج عملية ولا تكتفي بالبحث النظري المتنور فحسب ـ بلغت حدّاً يجعل من الممكن الاستفادة من ذلك في أي مقطع زماني. واليوم، أي بعد الاحتكاك والأخذ والعطاء وحتّى الاشتباك الثقافي بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي خلال القرنين الأخيرين، خرجت حقيقة الأمر عن مجرد طرح سؤال وانتظار الجواب، أو عن ضرورة كتابة وصفة شافية، بل إنّها الآن تتخذ شكل مشكلة غامضة. إنّها مشكلة تتعلق بالطبقات والأبعاد والأحداث والجهات والمجاري ومختلف المناطق، وحتّى في شتى الشؤون الحياتية المشحونة بمشاعر الحب والبغض، والصداقة والعداوة، وسائر الأحاسيس الإيجابية فلن نقدر على إيجاد تغيير في هذه الحالة، فهي مشكلة أشبه بالسرطان الذي سرت جذوره إلى جميع العروق والمجاري الفكرية والعملية، ولا يمكن الخلاص منه بمجرد الحوار العلمي، إلاَّ إذا تبع ذلك إجراءات عملية جادة. وثمّة مشكلة أخرى تضاف إلى تلك المشاكل. ففي خضم البحث والحوار حول التعامل والمقابلة مع جميع الثقافات، وخاصّة الثقافتين وليدتي الإسلام والمسيحية، هناك مشكلة التفهيم والتفهم والتفاهم… ولأضرب على ذلك مثلاً:
بعد مضي سنة على الثورة الإسلامية في إيران وبعد أن اشتهر الإسلام لدى الخاص والعام، عقدت الأكاديمية الكاثوليكية في مدينة ميونيخ ندوة عامة لمدّة يومين ـ وبالطبع على مستوى أكاديمي رفيع ـ حول الإسلام. وكان أحد زملائي، المختصّ بالشؤون الإسلامية في ألمانيا الغربية، أحد المتكلمين في الندوة حول القرآن. وتكلّم آخرون كلّ في موضوع معين، وكنت طوال الوقت من المستمعين، وأحاول التمييز بين السليم والسقيم ممّا يُقال عن الإسلام. كنت أجدني في المشكلة نفسها التي تكلّمت عليها. ولتبيان صعوبة القيام بالواجب الذي كلفت به، لفتُّ أنظار الحاضرين في الجلسة إلى نكتة علمية ومثال عيني، فقلت إذا استثنينا علوماً مثل الرياضيات والفيزياء وغيرهما ممّا لا علاقة لظهورها وبيانها وتكرارها بأي نوع من العواطف والمشاعر والإحساسات النفسية لأصحابها وناقليها، فإنّ أكثر العلوم والمعارف الإنسانية، بحسب درجاتها وعمق ارتباطها في الوجود بالإنسان، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعواطف والمشاعر لدى حامليها والمؤمنين بها، بحيث أنّه في حال إغفال ذلك الارتباط، تفقد تلك المعارف كلّ معنى ومحتوى لها. وبعبارة أخرى، سوف تكون تلك الظاهرات، للذين يفتقرون إلى تلك الروابط، جوفاء وفارغة. فمثلاً هذا الصليب (أشار إلى الصليب الضخم المزين بالتزيينات الفنية، والمعلق في صدر المكان) يمثّل في نظر الفرد غير المسيحي أروع عمل فني، ولا شيء غير ذلك ولكنّه في نظر الفرد المسيحي الذي يعرف المسيح على مستوى أعلى من ذلك، يمثل تمازجاً بين واقعية وجود المسيح (عليه السلام) ووجود الصليب القائم بحيث أنّ أحدهما لا معنى له بدون الآخر. إنّ فرداً كهذا قد امتزجت فيه، منذ صباه حتّى كبره، كلّ الخواطر والعواطف والإحساسات الملازمة لهذا الصليب حتّى أنّه أصبح أساساً من الأسس المكينة لوجوده المعنوي…
كذلك هي حال الرابطة العقائدية والإيمانية بين المسلم والقرآن وشخصية النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله)، فهو أيضاً امتزجت فيه منذ طفولته حتّى كبره هاتان الظاهرتان مع مئات الخواطر والمقولات والمسموعات،.. وتصنع له محتواه الذي يتعذّر عليه أن يبيّنه لغير المسلم.
وعليه، فإنّ ظاهرات العلوم والمعارف الإنسانية، كلّ بحسب درجة ارتباطها من حيث الشدّة والضعف بالإحساسات والمشاهدات والمجاري النفسية والروحية والقلبية والعاطفية، تستقي من هذا المعين، أو، في الأقل، تحمل لوناً وظلاً من محتواه”.
كنت أريد ممّا قلته في تلك الجلسة العلمية، فيما يختصّ بالإسلام، الوصول إلى هدف القول بأنّ انتقاداتي وتصحيحاتي لما قيل في تلك الجلسة، كان لها، من حيث المنظور الفكري، منشأ آخر، وليست لمجرد الاعتراض واصطناع العراقيل، ههنا قال الأستاذ المذكور، أعني البروفسور ويلد، إنّ السيّد فلاطوري على حق، وأكّد ذلك بإيراد مثال وتجربة من عنده…
لتوكيد هذا الذي قيل لا بدَّ من مثال واقعي وحي آخر: في اللقاء الذي جرى بيني وبين شاخص فلسفة الوجود، الفيلسوف الألماني مارتين هايدجر، تناول الحديث الفلسفة الوجودية الصدرائية الإسلامية، وهل لها ارتباط بفلسفته أم لا، طال الحديث بيننا وتوصلنا إلى نتيجة تختلف عمّا روّج له أتباع الفلسفتين، وهي أنّه ليس هناك ما يربط بين فلسفته والفلسفة الوجودية الصدرائية، وأشير هنا الى فرق أساس و احد فقط. إنّ الفلسفة الوجودية الصدرائية فلسفة إسلامية برمّتها وتستقي من منابع مثل أرسطو حتّى الأفلاطونية الجديدة وكذلك من بعض الفلاسفة المسلمين، وترتوي من منبع الوحي، وهي قد أقامت، بشكل خاص، قواعد جديدة للفكر الفلسفي في الإسلام. الفلسفة الوجودية الصدرائية لا يكون لها أي معنى ولا بقاء دون الاتصال بالباري تعالى وبفيض الوجود الساري من قدرته وبواقعية “كل يوم هو في شأن”، بينما الذي لا وجود له في فلسفة هايدجر الوجودية هو الاتصال والارتباط بالله. ليس من الضروري أن يكون الفكر ضد الله، ولكن الوجود الذي يراه، أي ذلك الوجود الذي يقوم ظهوره وسر بقائه على الإنسان، وليس له في الظهور ولا في المحتوى أي ارتباط بالله الخلاق المبدع، ولا يمكن أن يكون، يختلف عن الوجود الصدرائي الناجم عن العلاقة بين رب العالمين بمقدار الاختلاف الموجود بين الله والإنسان.
وبعد تبادل الرسائل بهذا الشأن، وصل الحديث إلى الصعوبات القائمة في طريق التبادل الثقافي التفاهم الصحيح بينها. وفيما يتعلق بالتساؤل: لماذا يعجز حملة الثقافات، في كثير من المواقف الجوهرية والأساس عن إدراك بعضهم بعضاً، أو يخطئون في الفهم؟ ضرب هايدجر مثالاً، فهو قد اعترف بحقيقة وجود صعوبات في تبادل الثقافات والعلوم الإنسانية، وقال: “كما تعلم، إنّ بيني وبين أتباع البوذية السائدة في اليابان علاقة وثيقة استفدت منها كثيراً، ولكنّي إذا شئت أن أبيّن مقدار إمكان التفاهم بيني وبينهم لا بدَّ لي أن أقول إنّني كلّما جلست للحديث معهم أشعر وكأنّ هناك جداراً ضخماً من الزجاج قائم بيننا، وإنّنا نتكلم من وراء هذا الجدار، أي إنّنا نشاهد وجوهنا وحركاتنا في الكلام، ولكنّنا لا نسمع أصوات بعضنا بعضاً…”.
لا شكّ أنّ هذا الكلام لا يعني اليأس من إجراء بحث خلاّق بين الحضارات أو عدم جدوى الكلام في هذه المشكلة التي تضع حياة العالم الثالث ووجوده تحت خطر سيطرة ظواهر المدنية الغربية التي تؤدّي إلى الفناء الثقافي. إنّ هدف كلامه هو القول بضرورة إجراء بحث خلاّق وعدم التماثل في ذلك.
إنّ النجاح في هذا المضمار لا يكون إلاَّ عن طريق تحليل الروابط والتعامل بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، بل المقصود هو الشرق والغرب اللذان استمرّ بينهما الكثير من التبادل الثقافي والسياسي منذ ما قبل الفلسفة اليونانية حتّى الوقت الحاضر، على أن تكون التحليلات من وجهات نظر تاريخية وجغرافيائية وسياسية وعلمية وغير ذلك، وإلاَّ فإنّ الخصام لا يكون مع الغرب العالم ولا الغرب الإنساني بل سيكون مع الغرب التاجر الذي ألقى بظلّه البغيض في صور مختلفة خلال القرنين الأخيرين على مختلف الشعوب، فهدم القيم الأخلاقية والإنسانية، من دون أن يضعوا بديلاً ـ ولو بنظام إنساني آخر ـ وكان ذلك من طرف واحد، ممّا أدّى إلى تغطية المعايب والمحاسن في كلتا الثقافتين وعدم إمكان الانتفاع المتقابل بهما.
أسلوب التحليل
على قدر تعقيد أصل المشكلة المطروحة هنا وتعدّد أبعادها، كذلك هو تعقيد العثور على ما ييسر هذا التحليل على تنوّعه واختلافه. إنّ أجلى طريق، بل وأقصره للوصول إلى ذلك هو الأسلوب التاريخي الموضوعي، أي ينبغي السعي لتقسيم التعامل بين الشرق والغرب منذ بدايته حتّى اليوم إلى عصور مختلفة ولتعيين المواضيع التي أدّت إلى ذاك التعامل، وتحديد الأسباب والنتائج والعراقيل، وحلّ عُقد الأحداث المتشابكة لكلّ عصر من العصور، ومن ثمّ بعقد مقارنة بين تلك العصور، والتوصّل إلى استنتاجات جديدة، وأخيراً الحصول من المجموع على نتائج كلية لاختيار أنسب الأساليب…” ().
في رحاب الشاعرة
پروين اعتصامي
ولدت پروين اعتصامي لعائلة أذربايجانية في 15/3/1906 في حي ششكلان بتبريز، وتزامنت ولادتها مع صدور النظام الدستوري بعد مواجهة عنيفة بين الشعب والسلطة وكفاح مرير ضد الاستبداد الملكي، انطلقا من مسقط رأسها تبريز.
ترعرعت پروين في أحضان عائلة مولعة بالأدب والعلم، في أجواء الثورة الآذربايجانية (الثورة الدستورية)، وفي خضم الظروف السياسية ـ الاجتماعية التي أحدثت تحوّلاً في المسيرة الأدبية لتلك الفترة وكلّ تحوّل كبير في شكل الأدب ومضمونه لا بدّ أن يكون مسبوقاً بتحوّل عظيم في الحياة الاجتماعية().
تربّت في أحضان أمّها التي كانت نموذجاً للمرأة الآذربايجانية المثقفة، وتأثّرت بها كثيراً فنظّمت فيها شعراً يصف شخصيتها القوية ودورها في تربيتها.
أمّها السيّدة اختر الملوك (كوكب الملوك) بنت الميرزا عبد الحسين شوري بخشايشي الملقب بقوام العدالة أحد كتّاب وخطباء عهد ناصر الدين شاه، درس الميرزا شوري في تبريز وطهران، وتميّز برهافة حسّه وجمال خطّه.
توفي في تبريز عام 1916 مخلّفاً ولدين هما غلام علي خان وحسن خان وبنتين هما خديجة سلطان والأخرى السيدة (اختر الملوك). له ديوان بخط النستعليق في المكتبة الوطنية.
كان المرحوم قوام العدالة معروفاً بتديّنه وحسن تعامله مع الآخرين وخصوصاً مع الذين يعملون تحت إشرافه. كان يحرص في أوقات الاستراحة على المطالعة ونظم الشعر، وقد عرف بحسن خطّه حتّى تعدّ مخطوطاته من آيات الخط الفارسي().
أمّا والد پروين فهو يوسف اعتصام الملك، ولد في تبريز عام 1874، في أجواء تشجّع الفن والأدب فجعلت منه شخصية أدبية وثقافية بارزة، كان يجيد الفرنسية والتركية والعربية بصورة كاملة، وله باع طويل في اللغة الفارسية وآدابها. يقول عنه العلاّمة دهخدا: “يعدّ في اللغة العربية وآدابها ـ على وجه الخصوص ـ من الأئمة والأركان، حتّى أنّه في معرفته بلغات العرب وإحاطته بها لا مثيل له في إيران ويعزّ مثيله في مصر والعراق والشام.
وقبل أن يكمل العشرين من عمره ألّف كتاب: (قلائد الأدب في شرح أطواق الذهب) الذي اتّخذ في مصر مادة دراسية، ولم يمضِ وقت طويل حتّى توالت تقاريظ أدباء ساحل النيل الغرّاء لكتابه العربي الآخر (ثورة الهند) وأخذت مطبعتا بولاق والقاهرة تتسابقان على شراء حق طبعه”().
ويقول الدكتور مهدي مجتهدي: “لقد أصبح معروفاً أنّ أرض تبريز ليست عاجزة عن أن تربّي رجالاً مثل الخطيب”()، ويضيف: “ولأنّه لم يسافر إلى خارج إيران وإنّ كلّ ما تعلّمه كان في تبريز، فإنّنا ندرك مدى ما كانت عليه أجواء تبريز من رقي قبل الحركة الدستورية من حيث العلوم القديمة والحديثة، ويمكن القول بصورة جدية أنّه هو الذي عرف إيران بمشاهير شعراء العالم مثل: شكسبير، غوته، ميلتون، تريو الإيطالي، تولستوي ومكسيم غوركي.
وفي نثره يظهر بوضوح تأثير الكتّاب والأدباء الأتراك مثل نامق كمال وتوفيق فكرت وأدباء مصر والشام المعاصرين وأسلوب الكتّاب القاجاريين. ويبدو أنّه تعلّم اللغة الفرنسية من خلال اللغة التركية”().
في كنف هذه الشخصية تربّت پروين، وبدأت منذ صباها تتعرّف على مؤلفات كبار الشعراء والمؤلفين، وتنظيم الشعر ـ حتّى أضحت فيما بعد أشعر شعراء القرن الرابع عشر الهجري في إيران رغم قصر عمرها. يقول والدها يوسف اعتصامي: “استطاعت السيّدة پروين أن تتميز عن الآخرين باسلوبها وشخصيتها وآرائها الفلسفية وكلماتها الأخلاقية. شعر پروين ليس أوقات وأحوال وأشخاص، إنّه شعر تربية وتهذيب وتعميم الأخلاق الكريمة، إنّه شعر روح الرحمة والعاطفة والفضيلة، ونغمة شجية للسعي والعمل والهمّة والإقدام، ونشيد الصحوة والتقوى والصلاح…
پروين تناجي عواطف الإنسان وأحاسيسه، تؤاسي القلب الحزين، وتسكن النفس المتألمة. وحين يُقال إنّ الشعر استولى بتعاقب الزمن، على الناحية المعنوية من حياة الإنسان، وحاكى بعد ذلك صور الشعور وأشكالها، وفي آخر الأمر عُدّ روح المجتمع، فإنّما تصدّق هذه الأوصاف على شعر كبار الشعراء، ويأتي شعر پروين ليقف في هذا المصف”().
ويقول العلاّمة الميرزا محمد خان القزويني بعد مطالعة ديوانها: “طالعت بكلّ سرور ومتعة الجزء الأكبر من هذا الديوان، وكنت كلّما طالعت أكثر كلّما ازددت عجباً كيف تظهر في هذا القحط الذي أصاب رجال الفضل والأدب امرأة هي ملكة النساء الشاعرات في مركز إيران، وكيف تنظّم الشعر بهذا المستوى من الفصاحة والقوّة بما يمكن مقارنته لفظاً ومعنى وفكراً ومضموناً بأفضل قصائد العظماء وخصوصاً ناصر خسرو الذي يبدو أنّ السيّدة تأثّرت بأسلوبه أكثر من غيره”().
في الوقت الذي يشتهر فيه العلاّمة دهخدا القزويني بالدقّة والتشدّد في نقده نجده يجعل پروين في منزلة رفيعة وهي في بداية شبابها، ويضعها في مصف كبار أدباء الفارسية.
ويقول عنها معاصرها المرحوم ملك الشعراء بهار: “لقد حملت السيّدة پروين كلّ صفات الشاعر… ولو لم تترك هذه الشاعرة العذبة إلاّ غزل (سفر الدموع) لكان كافياً لوضعها في مكان رفيع في بلاط الشعر والأدب، فكيف وقد تركت لنا (لطف الحق)، (كعبة القلب)، (جوهر الدمع)، (الروح الحرة)، (البصر والقلب)، (بحر النور)، (جوهر الحجر)، (حديث الرحمة)، (الوادي)، (نغمة الصباح)، وسائر قصائدها الأخرى التي تعدّ كلّ منها برهاناً ساطعاً على بلاغتها وفصاحتها”.
ويضيف ملك الشعراء: “لو ظهر شعراء مبدعون من جنس الرجال في إيران، أرض الأدب والثقافة، لما كان ذلك مدعاة للاستغراب، ولكن أن تظهر امرأة شاعرة تمتلك مثل هذه القريحة والموهبة والقدرة، وتنظّم مثل هذه الأشعار الرائعة، فإنّه أمر نادر يدعو للعجب وألف تمجيد واستحسان”.
يورد أخوها أبو الفتح اعتصامي في مقدمته لما جمعه من مقالات وأشعار كتبت بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاتها نبذة مختصرة عن حياتها فيقول: “درست پروين الأدبين الفارسي والعربي على أبيها. وكانت منذ البداية طفلة مجتهدة مفكرة، وحسب قول السيّدة محصص قليلة الكلام كثيرة التفكير، يندر أن تلعب مع الأطفال. غالباً ما تكون لوحدها، وكأنّها في منزل غير منزل الآخرين. وفي مجالس الدرس والبحث كانت دائماً متفوّقة على غيرها.
بدأت نظم الشعر في ريعان صباها، وكان منزل أبيها ملتقى لأهل الأدب والعلم، فكانت تذهلهم بموهبتها المميزة وقريحتها السيالة.
أنهت بنجاح دراستها في مدرسة (إناثية) الأميركية بطهران في عام 1924 بعد أن كانت الأفضل بين طالبات المدرسة، وفي حفل التخرّج ألقت كلمة بعنوان: (المرأة والتاريخ)، وعملت لفترة بالتدريس في المدرسة نفسها، واقترح عليها الدخول إلى البلاط الملكي فرفضت.
رافقت أبيها في جميع أسفاره، ولم يكن أبوها يوافق على طبع ديوانها قبل زواجها رغم إصرار الأصدقاء والأقارب خشية أن تظنّ النفوس أنّه يروّج بذلك لتزويجها.
تزوّجت پروين بابن عمّ أبيها عام 1934 وانتقلت بعد العقد بأربعة أشهر إلى بيت زوجها في كرمانشاه، ولم يكن الزواج متكافئاً، فعادت بعد شهرين ونصف إلى بيت أبيها، وحصلت على الطلاق بعد ذلك بعام.
طبع أبوها الكتاب خلال تلك الفترة بعد أن لم يعد هناك مسوّغ للتأخير. وفي عام 1926 بعثت وزارة المعارف للسيّدة پروين وساماً علمياً من الدرجة الثالثة، فأعادته مرفقاً بهذه العبارة: (الأجدر منّي كثيرون).
دخلت الشاعرة پروين المستشفى في الثاني والعشرين من آذار عام 1941، ولم تكن قبل ذلك تعاني من مرض، ومكثت فيه حتّى توقفت أنفاسها في منتصف ليلة الرابع من نيسان، فحمل جثمانها الطاهر إلى قم ودفنت في مقبرة العائلة إلى جوار قبر أبيها في صحن السيّدة معصومة (عليها السلام).
قصة زواج
القاسم بن الحسن (عليه السلام)
طلب منّي بعض الأعزّاء أنّ أكتب بعض ما عثرت عليه حول “قصة زواج القاسم”، فلبّيت هذا الطلب، مع ضيق الوقت وعدم وفور المصادر اللازمة. وأرجو أن يكون هذا الجهد المتواضع مقبولاً. وقد ذكرت في هذا المقال أوّلاً نصّ القصّة كما ذُكرت، ثمّ أوردت بعض ما يمكن أن يرد عليها من مناقشات.
قصة زواج القاسم
جاء في المنتخب: “لمّا آل أمر الحسين إلى القتال بكربلاء، وقتل جميع أصحابه، ووقعت النوبة على أولاد أخيه، جاء القاسم بن الحسن، وقال يا عمّ الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفرة. فقال له الحسين: يابن الأخ أنت من أخي علامة، وأريد أن تبقى لأتسلّى بك، ولم يعطه إجازة للبراز، فجلس مهموماً مغموماً باكي العين حزين القلب. وأجاز الحسين إخوته للبراز ولم يجزه، فجلس القاسم متألماً، ووضع رأسه على رجليه، وذكر أنّ أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن، وقال له إذا أصابك ألم وهمّ فعليك بحلّ العوذة وقراءتها وفهم معناها، واعمل بكلّ ما تراه مكتوباً فيها، فقال القاسم لنفسه مضى سنين عليّ ولم يصبني من مثل هذا الألم، فحلّ العوذة وفضّها ونظر إلى كتابتها وإذا فيها: يا ولدي قاسم أوصيك إنّك إذا رأيت عمّك الحسين (عليه السلام) في كربلا وقد أحاطت به الأعداء فلا تترك البراز والجهاد لأعداء رسول الله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلّما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك في البراز، لتحظى في السعادة الأبدية.
فقام القاسم من ساعته وأتى إلى الحسين (عليه السلام)، وعرض ما كتب الحسن على عمّه الحسين. فلمّا قرأ الحسين العوذة بكى بكاءً شديداً، ونادى بالويل والثبور، وتنفّس الصعداء، وقال: يابن الأخ هذه الوصية لك من أبيك وعندي وصية أخرى منه لك ولا بدَّ من إنفاذها، فمسك الحسين (عليه السلام) يد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عوناً وعباساً، وقال لأمّ القاسم: ليس للقاسم ثياب جدد؟ قالت: لا.
فقال لأخته زينب: إئتيني بالصندوق، فأتته به، ووضع بين يديه، ففتحه، وأخرج منه قباء الحسن وألبسه القاسم، ولفّ على رأسه عمامة الحسن، ومسك بيد ابنته التي كانت مسمّاة للقاسم، فعقد له عليها، وأفرد له خيمة، وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما.
فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمّه ويبكي، إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج وهي تقول له: ما يخطر ببالك وما الذي تريد أن تفعله؟
قال لها: أريد ملاقاة الأعداء، فإنّهم يطلبون البراز، وإنّي أريد ملاقاتهم، فلزمته إبنة عمّه.
فقال لها خلّي ذيلي فإنّ عرسنا أخّرناه إلى الآخرة، فصاحت وناحت وأنّت من قلب حزين ودموعها جارية على خدّيها وهي تقول: يا قاسم أنت تقول عرسنا أخّرناه إلى الآخرة وفي القيامة بأي شيء أعرفك، وفي أي مكان أراك؟
فمسك القاسم يده ضربها على ردنه وقطعها، وقال: يا ابنة العم اعرفيني بهذه الردن المقطوعة.
قال فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم، وبكوا بكاءاً شديداً، ونادوا بالويل والثبور.
قال من روى: فلمّا رأى الحسين أنّ القاسم يريد البراز، قال له: يا ولدي أتمشي برجلك إلى الموت؟
قال: وكيف يا عمّ وأنت بين الأعداء وحيداً فريداً، لم تجد محامياً ولا صديقاً، روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء.
ثمّ إنّ الحسين (عليه السلام) شقّ أزياق القاسم، وقطع عمامته نصفين، ثمّ أدلاها على وجهه، ثمّ ألبسه ثيابه بصورة الكفن، وشدّ سيفه بوسط القاسم، وأرسله إلى المعركة.
ثمّ إنّ القاسم قدم إلى عمر بن سعد، وقال: يا عمر أما تخاف الله، أما تراقب الله يا أعمى القلب، أما تراعي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
فقال عمر بن سعد: أما كفاكم التجبّر، أما تطيعون يزيد؟
فقال القاسم: لا جزاك الله خيراً، تدّعي الإسلام وآل رسول الله عطاشا ظمأى، قد اسودّت الدنيا بأعينهم، فوقف هنيئة فما رأى أحداً يقدّم إليه فرجع إلى الخيمة فسمع صوت ابنة عمّه تبكي، فقال لها: ها أنا جئتك، فنهضت قائمة على قدميها وقالت: مرحباً بالعزيز، الحمدلله الذي أراني وجهك قبل الموت.
فنزل القاسم في الخيمة، وقال: يابنة العمّ مالي اصطبار أن أجلس معك والكفّار يطلبون البراز، فودّعها، وخرج وركب جواده، وحماه في حومة الميدان، ثمّ طلب المبارزة، فجاء إليه رجل يعدّ بألف فارس، فقتله القاسم، وكان له أربعة أولاد مقتولين، فضرب القاسم فرسه بسوط وعاد يقتل بالفرسان، إلى أنّ ضعفت قوّته، فهمّ بالرجوع إلى الخيمة، وإذا بالأزرق الشامي قد قطع عليه الطريق، وعارضه فضربه القاسم على أمّ رأسه، فقتله.
وسار القاسم إلى الحسين (عليه السلام)، وقال: يا عمّاه العطش العطش أدركني بشربة من الماء، فصبّره الحسين، وأعطاه خاتمه، وقال: حطّه في فمك ومصّه. قال القاسم: فلمّا وضعته في فمي كأنّه عين ماء، فارتويت وانقلبت إلى الميدان.
ثمّ جعل همّته على حامل اللواء، وأراد قتله، فأحاطوا به بالنبل، فوقع القاسم على الأرض، فضربه شيبة بن سعد الشامي بالرمح على ظهره، فأخرجه من صدره.
فوقع القاسم يخور بدمه، ونادى: يا عمّ أدركني.
فجاءه الحسين (عليه السلام)، وقتل قاتله، وحمل القاسم إلى الخيمة، فوضعه فيها، ففتح القاسم عينه فرأى الحسين قد احتضنه وهو يبكي ويقول: يا ولدي لعن الله قاتليك، يعزّ والله على عمّك أن تدعوه وأنت مقتول، يا بنيّ قتلوك الكفّار كأنّهم ما عرفوا من جدّك وأبوك.
ثمّ إنّ الحسين (عليه السلام) بكى بكاءً شديداً، وجعلت ابنة عمّه تبكي وجميع من كان منهم لطموا الخدود وشقّوا الجيوب، ونادوا بالويل والثبور وعظايم الأمور().
هذا تمام ما ذكر في هذه القصة.
وقبل أن أذكر الملاحظات على هذه القصّة أودّ أن أنّبه على أنّ هذه القصّة لم تذكر في كتاب “المنتخب” هذا فقط، بل ذكرت قبله في كتاب “روضة الشهداء” للكاشفي كما صرّح به المحدّث النوري()، وذكرت أيضاً بعده في كتاب “أكسير العبادات” المعروف بـ “أسرار الشهادة” للفاضل الدربندي().
وفي هذا الفصل أذكر بعض الملاحظات على هذه القصّة، ثمّ أذكر بعض ما يخصّ بكتابَي “روضة الشهداء” و”المنتخب”، وبعدها تحت عنوان “مع الفاضل الدربندي” أذكر ما قاله رحمه الله في إثبات هذه القصّة، وما يمكن أن يردّ عليه.
الملاحظات على هذه القصّة
إنّ الملاحظات التالية على بعض جملات هذه القصّة تقوّي احتمال كونها موضوعة، قد وضعها بعض من يحاول أن يستدرّ الدموع بأيّة طريقة ممكنة، وبهذا نثبت أنّها لا صحّة لها.
أولاً: جاء فيها عن لسان الحسين (عليه السلام) يخاطب القاسم: “يا ابن الأخ أنت من أخي علامة”ـ علماً بأنّ القاسم لم يكن هو الوحيد من أولاد الحسن (عليه السلام) الذين عاشوا بعد أبيهم، فيكون علامة، فللقاسم أخوة حضروا وقعة الطف، مثل الحسن المثنّى وأبو بكر بن الحسن وعبدالله. إلاّ أن نقول إنّ القاسم قد امتاز على إخواته بمميّزات جعلته علامة دون إخوته، وإثبات هذا المعنى بحاجة إلى دليل.
ثانياً: وجاء فيها عن لسان الحسين (عليه السلام) يقول له: “اريد أن تبقى لأتسلّى بك”، هل من المعقول أنّ الحسين (عليه السلام) مع تصريحه أكثر من مرّة بأنّه سيُقتل في هذه الارض أن يقول للقاسم مثل هذا الكلام.
والظاهر أنّ واضع هذه القصّة قد غفل عن هذه التصريحات التي كان الحسين (عليه السلام) يصرّح بها بين حين وحين، كي لا يطمع الأعداء في إخضاعه لبيعة يزيد بن معاوية.
ثالثاً: وجاء فيها أيضاً أنّ القاسم ذكر: “أنّ أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن”، علماً بأنّ القاسم كان في آخر سنة من حياة أبيه الحسن (عليه السلام) لا يبلغ أكثر من سنة أو سنتين، فكيف كان متفطّناً في تلك الأيام لكلّ ما كان يجري حوله؟!.
رابعاً: جاء فيها أنّ الحسين (عليه السلام) قال له: “عندي وصية أخرى منه لك، ولا بدَّ من إنفاذها”، فلو كان تزويج القاسم كان وصية من الحسن (عليه السلام) لِمَ لَم ينفّذها الحسين (عليه السلام) قبل هذه الفترة، في الأيام التي كان يعيش في المدينة، أو نفّذها في طريقه إلى كربلاء، أو نفّذها لدى وصوله إلى كربلا وقبل أن يستأذن القاسم البراز؟ إلاَّ أن نقول إنَّ الوصية بتزويجه كانت محدّدة بيوم عاشوراء وفي تلك الساعة، وهذا ممّا لا دليل على إثباته.
خامساً: جاء فيها أنّ الحسين (عليه السلام) “مسك بيد ابنته التي كانت مسمّاة للقاسم، فعقد له عليها”.
والأسئلة التي تطرح هي: ما إسم هذه البنت؟ كم كان عمرها آنذاك؟ من كانت أمّها؟
وقد غفل كاتب هذه القصّة عن هذا. الواقع أنّ حياة الإمام الحسين (عليه السلام) لدورها البنّاء في الحياة البشرية لم تكن تخفى على أحد، فقد كتب المؤرّخون عن حياته كلّ مجمل ومفصّل، حتّى عدد أولاده، وذكروا أسماء زوجاته.
سادساً: اختلاف ما ذكر في مصرعه (عليه السلام) مع ما ذكره المؤرّخون بهذا الشأن.
هذه الملاحظات وغيرها توجب التشكيك في صحّة هذه القصّة.
وفي هذا الفصل أذكر بعض الملاحظات بشأن اعتبار مصادر هذه القصّة:
مع كتاب “روضة الشهداء”
من مصادر هذه القصة كتاب “روضة الشهداء”، لقد صرّح المحدّث النوري رحمه الله بأنّ قصّة زواج القاسم لم يذكرها أحد قبل الكاشفي، وهو الحسين بن علي الكاشفي المتوفّى حدود 910، فإنّه ذكرها في كتابه “روضة الشهداء”، ثمّ فنّد هذه القصّة بوجوه ذكرها بالتفصيل().
وذكر العلاّمة الطهراني هذا الكتاب، وصرّح بأنّه فارسي ملمّع، وأنّه مرتّب على عشرة أبواب وخاتمة فيها ذكر أولاد السبطين، وجملة من السادات، وقال: “واحتمل بعض أنّه أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتّى يقال لكلّ قارئ: “روضة خوان”().
وممّا يؤيّد كلام المحدّث النوري هذا بأنّ هذه القصّة لم يذكرها أحد قبل الكاشفي هذا هو وجود قرائن تدلّ على أنّ القصّة هذه كانت بالأصل فارسيّة، ثمّ ترجمت إلى العربيّة.
ومن هذه القرائن وجود كلمات فيها مثل: “النوبة” و”علامة” و”الردن المقطوعة” وأمثالها، فإنّها كلمات لم تكن آنذاك شايعة الاستعمال في اللغة العربيّة.
مع كتاب “المنتخب”
ومن مصادرها أيضاً كتاب “المنتخب”.
وفي هذا الفصل أودّ أن ألفتَ النظر إلى نسبة هذا الكتاب الذي طبع منسوباً لفخر الدين الطريحي، وأقول إنّه ليس نفس “المنتخب” الذي ألّفه هذا الشيخ الجليل. ويدلّ على هذا أنّ النسخ الموجودة من هذا الكتاب بتصريح من العلاّمة الطهراني مختلفة كثيراً مع النسخة المطبوعة في الزيادة والنقصان().
وهذا وحده يكفي في التشكيك في هذا الكتاب، فعليه لا يمكن الاعتماد على أنّ كلّ ما جاء في هذا المطبوع هو من تأليف وجمع فخر الدين الطريحي رحمه الله، ويحتمل قويّاً أن تكون هذه القصّة من الزيادات المدسوسة في هذا الكتاب.
وقد تفطّن العلاّمة السيّد عبد الرزاق المقرّم لهذا المعنى حيث قال معلّقاً في الهامش على ما ذكره من مصرع القاسم: “كلّ ما يذكر في عرس القاسم غير صحيح، لعدم بلوغه سنّ الزواج، ولم يرد به نصّ صحيح من المؤرخين، والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل في العلم، فلا يمكن لأحد أن يتصوّر في حقّه هذه الخرافة، فثبوتها في كتابه “المنتخب” مدسوسة في الكتاب، وسيحاكم الطريحي واضعَها في كتابه”().
أدلّة الفاضل الدربندي على صحّة هذه القصّة
قال الفاضل الدربندي بعد أن ذكر القصّة بتفاصيلها: “لا يخفى عليك أنّ حكاية التزويج والأعراس للقاسم ممّا لم يذكره جمّ غفير من أصحاب المقاتل، وقال بعض الحذّاق في فنون الأخبار والآثار: إنّ تلك الحكاية لم أقف فيها بأثر معتبر.
ولكن أقول إنّ الظنّ الأقوى بحصول هذه القضيّة ممّا لا ينكره ذو تتبّع عزيز وتفكّر دقيق عميق، وذلك لوجوه:
الأوّل: أنّ كماليّة المصايب وتماميّة محنة آل الله تعالى وأهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فوق التماميّة والكمالية قاضية بوقوع هذه القضيّة ايضاً.
والثاني: أنّ الرثّاء والقرّاء قديماً وحديثاً جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر من أهل كلّ الأقاليم ممّا فيه طائفة من الموالين والشيعة لأهل البيت من أهل الأمصار والقرى والرساتيق يذكرون هذه القضيّة في رؤوس الأشهاد فوق المنابر وفي كثير من المآدب والمجالس، من مجالس ذكر التعزية والمصايب بحضور جماعة من العلماء الأتقياء والفضلاء الصلحاء، ولا يمنعون الرثاة وذاكري المصائب عن ذكرها، ولا ينسبونهم لأجل ذلك إلى الكذب والافتراء.
والثالث: أنّ قصائد الشعراء الرثاة من العرب والفرس والترك والهند والكرد واللُرّ مشتملة على هذه القضية، بل إنّ ذلك بعد إمعان النظر ممّا لا يختصّ بأهل إقليم بعد إقليم، وبعصر دون عصر آخر.
والرابع: أنّه كما جرت سيرة الشيعة وعادتهم على بيانها بالحال وإقامة التشبيهات.
والخامس: أنّ وقوعها ممّا صرّح به جمّ غفير من متأخّري المتأخرين وغيرهم، من أصحاب المقاتل والسير والتواريخ، حتّى أنّ بعض المتتبّعين وهو صاحب كتاب “أنساب آل أبي طالب” قد ذكر إنّ الزفاف قد وقع وقد حبلت فاطمة وولدت ولداً ذكراً سمّاه أهل أمّها وعشيرتها من جهة الأمّ بـ “القاسم المثنّى”، وهو الذي قتله بنو أمية في “الري”، وقبره مشهور يزار في “الري”، أي في قرية من “الشمرانات”، وهذا القاسم مشهور بلقب “شهزاده قاسم”.
والسادس: المنامات والأحلام الصادقة من أهل الولاء والإيمان والإخلاص والإيقان، حيث رأوا في الطيف والمنام سيّد الشهداء، وسألوه عن تلك القضية فأخبرهم بوقوعها.
والسابع: حكاية بنهاس().
مع الفاضل الدربندي
أمّا ما ذكره رحمه الله أوّلاً: لو كان مقصوده رحمه الله هو أنّ محنة كربلاء لا تكتمل إلاَّ بذكر أمثال هذه القصص فأقول: إنّ ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) في يوم كربلاء جليل لم يشهد التاريخ مثيلاً له في المحنة والبلاء، فلا حاجة إلى ذكر أمثال هذه القصص لإكمال هذه المحنة.
وأمّا ثانياً: لم نعثر على شاهد واحد يثبت أنّ القرّاء كانوا يذكرون هذه القصّة قبل القرن العاشر الهجري.
مضافاً إلى أنّ سكوت العلماء وحده لا يدلّ على صحّة هذه القضية، لأنّ كثيراً من القضايا قد سكت عنها العلماء لجهات هم أعرف بها.
وأمّا ثالثاً: نعيد القول بأنّنا لم نعثر على شاهد واحد يثبت أنّ الشعراء قبل القرن العاشر قد ذكروا هذه القصّة في قصائدهم وأشعارهم.
وأمّا رابعاً: إنّ المتتبّع في تاريخ الشيعة يعرف بوضوح أنّ سيرة الشيعة بإقامة التشبيهات لم يمرّ عليها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون.
مضافاً إلى أنّ إقامة التشبيهات وحدها لا تكفي في إثبات صحّة هذه القصّة، لأنّ التشبيهات والتمثيليّات غالباً تعتمد على الخيال والذهن.
وأمّا خامساً: إنّ الذين ذكروا هذه القصّة هم جماعة قليلة من المتأخّرين لا يمكن الاعتماد على نقلهم وحدهم، فلو كانت هذه القضية صحيحة لماذا لم يذكرها القدماء من العلماء مثل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد وغيرهما؟
وأمّا ما ذكره نقلاً عن مؤلّف كتاب “أنساب آل أبي طالب” من أنّ الزفاف قد وقع وأنّ فاطمة قد حملت وولدت ذكراً سمّي بـ “القاسم المثنّى”، وهو الذي قتله بنو أميّة في “الري” فهو نقل غير صحيح، لأنّ مؤلّف هذا الكتاب كان يعيش في القرن الثالث عشر، فمن أين جاء بهذه التفاصيل التي لم يذكرها أحد غيره؟ غير أنّه قد اعتمد على ما سمعه من أفواه عامّة الناس، وهذا لا يكفي في صحّة هذا النقل.
وقد غفل مؤلّف هذا الكتاب أنّ فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) كانت زوجة الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن (عليه السلام)، وعلماء النسب لم يذكروا في عداد بنات الحسين (عليه السلام) فاطمة أخرى غيرها.
والعجب أنّ هذا الفاضل قد ذكر بعد صفحتين من كتابه هذا أنّ زوجة القاسم هي “زبيدة”، مع العلم بأنّنا لم نعثر على مصدر معتبر قد عدّ من بنات الحسين (عليه السلام) من اسمها “زبيدة”.
علماً بأنّ هذا الفاضل قد نقل أيضاً عن مؤلّف “أنساب آل أبي طالب” ـ واسمه “بحر الأنساب” وهو بالفارسية كما صرّح به() ـ أنّ الحصين بن نمير قد جاء برأس القاسم بن الحسن إلى “الري”، وذكر أيضاً تفاصيل جرت على هذا الرأس وأنّه دُفن في قرية من قرى “الشمرانات”، وأنّ “زبيدة” زوجة القاسم بن الحسن لمّا ولدت “القاسم المتثنّى” جاء إليها أخوالها من نسل “يزد جرد” فحملوها مع ولدها إلى “الشمرانات”، وذكر أيضاً أنّ “القاسم المثنّى” قد حارب بني أميّة في عصر الحجّاج، حتّى قتل، ودُفن بقرب “دربند”، هذا كلّه غير صحيح، لعدم اعتبار هذا الكتاب، مضافاً إلى أنّ هذه التفاصيل لم تذكر في غير هذا الكتاب.
وأمّا “شهزاده قاسم” المدفون بقرب “دربند” فهو كما حدّده العلاّمة الشيخ محمد الرازي نقلاً عن كتاب “منتقلة الطالبيّة” هو: “القاسم بن أبي القاسم الزانكي بن إسماعيل جالب الحجارة بن الحسن الأمير بن زيد بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)”().
مضافاً إلى أنّ كثيراً من العلماء قد صرّحوا بأنّ القاسم بن الحسن (عليه السلام) لم يعقب، مثل السبط ابن الجوزي نقلاً عن طبقات ابن سعد().
قال ابن عنبة: “أعقب من ولد الحسن أربعة: زيد والحسن والحسين الأثرم وعمر إلاَّ أنّ الحسين الأثرم وعمر انقرضا سريعاً، وبقي عقب الحسن من رجلين لا غير: زيد والحسن المثنّى”().
وذكر المجدي نقلاً عن “تهذيب الأنساب” بأنّ “العقب من الإمام الحسن (عليه السلام) من أربعة رجال وهم: الحسن وزيد وعمر والحسين الأثرم، انقرض إثنان وهما عمر والحسين”()، ولم يذكر القاسم بن الحسن منهم.
هذه النصوص وأمثالها صريحة في أنّ القاسم بن الحسن (عليه السلام) لا عقب له، فعليه لا يصحّ الاستدلال بوجود قبر “القاسم المثنّى” على صحّة قصة زواج القاسم بن الحسن (عليه السلام).
وأمّا سادساً: لم يذكر رحمه الله صاحب هذه الرؤيا من هو؟ ولعلّه كان عادلاً في نظر هذا الفاصل ولم تثبت عدالته في نظر الآخرين، كي يعتمد على نقله هذا.
إذن لا يمكن الاعتماد على هذه الرؤيا من دون معرفة صاحب الرؤيا.
فالنتيجة أنّ ما يذكر في زواج القاسم غير صحيح.
هذا ما تيسّر لي بيانه في هذا المختصر، والحمدلله أوّلاً وآخراً.
محمود دُرْياب النجفي
كتاب المغازي لأبان بن عثمان
نقد وتعريف
أبان، لقبه وموطنه
أغلب المصادر تذكره باسم أبان بن عثمان الأحمر البَجَلي، ما عدا ياقوت الحموي الذي يسمّيه أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي، وفي الوقت نفسه يشير إلى أنّ المصدر الذي استقى منه هو كتاب “الفهرست” للشيخ الطوسي، حيث لا يوجد سوى الاسم الأوّل. يذكر الشيخ الطوسي في “الفهرست” شخصاً باسم يحيى بن زكريا اللؤلؤي()، غير أنّ ياقوتاً، لعلة ما، ربّما سهواً، يأتي به إلى جانب سيرة حياة أبان، لذلك يجب إهمال ما يخصّ اللؤلؤي من منازعات.
تقول المصادر الشيعية عنه أنّه كان من موالي قبيلة البجيلة. إنّنا نعلم أن يكون المرء مولى لا يعني أنّه أعجمي، سواء بين العرب قبل الإسلام واحتمالاً بعده، وقد كان عقد الولاء موجوداً، ومن ذلك ولاء زيد بن حارثة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وولاء عمار بن ياسر لبني مخزوم. ومع ذلك، فإنّ احتمال أن يكون أبان أعجمياً قوي جدّاً.
قبيلة البجيلة قحطانية، وهي، مثل كثير من القبائل الحجازية أو اليمنية، هاجرت إلى العراق في أوائل الفتوحات، وحضرت القادسية. في هذه الحرب التحق بعض الفرس اختياراً بالعرب ووالوهم. وكثيرون آخرون من الفرس وقعوا في الأسر، ثمّ بعد إطلاق سراحهم أصبحوا على مرّ الزمن يعرفون بموالي القبائل العربية. وقد حاربت قبيلة البجيلة في حرب صفين إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ودافعت عن المختار ضد مناوئيه(). وعليه، فلا بدَّ من وجود آثار من التشيع في هذه القبيلة.
“الأحمر” كان لقباً شائعاً، ويذكر السمعاني عدداً ممّن اشتهروا بهذا اللقب، فيقول: “الأحمر” صفة الرجل الذي فيه حمرة وهي من الألوان(). ويستشهد ابن منظور بشواهد كثيرة لإثبات أنّ هذه الصفة كناية عن بياض الوجه، لا احمراره. وعلى هذا هل يمكن أن يكون “الأحمر” ذا علاقة بلقب “الحمراء” الذي كان الإيرانيون الساكنون في العراق يلقبون به؟ إذا كان ذلك فلا شك في أنّ أبان عجمي إيراني، وأنّه استطاع، مثل كثير من المحدّثين الشيعة والسنّة أن ينال خلال جيل أو جيلين أو ثلاثة مركزاً علمياً ممتازاً.
محمد بن سلام، تلميذه، أورد له لقب “الأعرج” أيضاً، فهو يذكره في عدد من المناسبات باسم “أبان الأعرج”(). إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما يقتبسه منه في طبقات الشعراء، فلا بدَّ أن يكون أبان الذي نحن بصدده، ولعلّ “الأعرج” تصحيف “الأحمر”().
لا بدَّ من القول أنّ هناك شخصاً آخر باسم أبان بن عثمان بن عفان، ابن الخليفة الثالث، قد تسنّم منصب حاكم المدينة لسنوات، ويُقال أنّه كانت له يد في أخبار السيرة النبوية. إنّ هذا التشابه الاسمي جعل بعضهم يحسبه هو أبان الإمامي المذهب، من ذلك فؤاد سزگين الذي كتب عن كتّاب السيرة النبوية في العصر الأوّل فذكر بينهم أبان بن عثمان بن عفان، وقال إنّ اليعقوبي قد اقتبس في تاريخه أقوالاً منه()، بينما الذي ورد ذكره في تاريخ اليعقوبي هو أبان بن عثمان الأحمر، والدليل على ذلك هو أنّ اليعقوبي يقول إنّ أبان من رواة أخبار الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فلا شك إذن في أنّ سنوات عمر ابن الخليفة الثالث ـ وهو قد شارك في حرب الجمل مع عائشة ـ لم تبلغ الحد الذي يجعله من رواة أخبار الإمام الصادق (عليه السلام). ثمّ أنّ نظرة إلى مصادر أحاديث الشيعة ومعرفة بسيطة بأحاديث أبان تكشفان عن هذا الخطأ الكبير.
ولا شكّ في أنّ موطنه كان الكوفة، حيث كانت تسكن قبيلة البجيلة. والنجاشي، بعد أن يذكر أنّه “كوفي”. يقول: “كان يسكنها تارة ويسكن البصرة تارة”. ولهذا كان أشخاص من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومحمد بن سلام الجُمَحي في البصرة من تلامذته(). ويجدر التنويه بقول الكشّي: “وكان أبان من أهل البصرة”().
وهناك نكتة أخرى عن محل سكناه في الكوفة هي قول الكشي “كان من الناووسية” فيمكن أن تقرأ “من القادسية” التي لا تبعد سوى بضعة فراسخ عن الكوفة، فليس من الخطأ القول عن القادسي أنّه كوفي.
مكانة أبان العلمية
كان أبان من بين أصحاب الإجماع، أي “أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم” وهذا أفضل دليل على علو مرتبة أبان العلمية ووثاقته.
إنّه من رواة كثير من روايات مختلف أبواب الفقه المذكورة في الكتب الأربعة وغيرها من كتب الفقه، وقد أوردها العلاّمة التستري في قاموس الرجال. وقد قام باحث آخر() بإعداد الروايات المنقولة عن أبان بن عثمان في فروع الكافي. جماعة من المشايخ والرواة قد اعتبروا أبان علاّمة عالماً بالرجال. وقد أعدّ العلاّمة الفقيه المعاصر، آية الله الشبيري، مسرداً لم ينشر بعد، عن مشايخ أبان والروايات التي رووها عنه، مع ذكر مظانّها، وقد استعنّا به هنا.
كان أبان من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) وقد نقل عنه كثيراً من الأحاديث من دون واسطة، كما أنّه قد تتلمذ على عدد من كبار أصحاب الإمامين الباقر والصادق، وروى أحاديث كثيرة عن الإمامين عن طريق أساتذته. ولعل هذا دليل على أنّه كان من شبان أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
بإلقاء نظرة على مشايخ أبان وتلامذته ندرك مقامه العلمي الرفيع بين أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام). من بين مشايخه زرارة بن أعين، وأبان بن تغلب، وإسحاق بن عمار، ومعاوية بن عمار، وأبو بصير، وعيسى بن عبدالله، ومنصور بن حازم، وعبدالله بن أبي يعفور، وبشير النبال، وزيد الشحام، وفضيل بن يسار، وصفوان الجمال، ومحمد بن مسلم.
من أفضل تلامذته ابن أبي عمير ويعتبر أبان من أهم مشايخه. ومن أهم الذين رووا عنه: محمد بن زياد البياع، ومحمد بن زياد الأزدي، وحماد بن عيسى، وحسن بن علي بن فضال، وأحمد بن محمد بن أبي نصير البزنطي، وعلي بن مهزيار، ومحمد بن وليد الصيرفي، وعبدالله بن حماد الأنصاري، وحسن بن علي الوشاء، ومحمد بن خالد البرقي، وحسن بن محبوب، ويونس بن عبد الرحمان، وإبراهيم بن أبي البلاد، وفضالة بن أيوب الأزدي، ومحمد بن سنان، وعلي بن الحكم.
وبالإضافة إلى العديد من التلاميذ الذين ربّاهم، له كتابان: أحدهما هو كتاب السيرة هذا الذي سوف نواصل الكلام عليه. وكتابه الآخر هو “الأصل” الذي يشير إليه الشيخ على وجه الإجمال، وهو، بالطبع، يضم الكثير من الأحاديث الفقهية والعقائدية التي انتقلت عن طريق تلامذته إلى مصادر الحديث.
أبان والاتجاه الناووسي
النوبختي وسعد بن عبدالله الأشعري، في معرض ذكر الفرق التي ظهرت بعد ارتحال الإمام الصادق (عليه السلام)، يشيران إلى فرقة لم تؤمن بموت الإمام، واعتقدوا أنّه المهدي. وقد أطلق عليها اسم الفرقة الناووسية: “سمّيت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يُقال له فلان بن فلان الناووس”() ليس هناك شرح واضح في المصادر عن هذا الشخص. قال بعضهم إنّ اسمه هو عبدالله، وسمّاه آخرون باسم عجلان. تفصيل هذا البحث في تعليقات كتاب “مقالات”().
المصادر الموجودة قلّما تشير إلى الرواة الذين يحملون هذا الاعتقاد(). يحتمل أنّ كلاماً في هذا قد كان في البداية ثمّ سرعان ما زال وامّحى. من المعلوم أنّ الشيعة في تلك المرحلة قد قسّموا عموماً إلى فرقتين كبيرتين هما الإمامية والإسماعيلية.
جاء في رجال الكشي عن انتماء أبان بن عثمان إلى الناووسية كما يلي: “محمد بن مسعود [العياشي] قال: حدّثني علي بن الحسن [بن علي الفضال] قال: كان أبان من أهل البصرة وكان مولى بجيلة وكان يسكن الكوفة وكان من الناووسية”.
كتب الرجال الأخرى ـ باستثناء الشيخ والنجاشي اللذين لم يذكرا شيئاً أبداً عن هذا الأمر ـ تشير كلّها إلى هذه الرواية فيما يتعلق بانتماء أبان إلى الناووسية. العلاّمة أيضاً يذكر ما رواه الكشي، ويبدأ بالقول: “كان أبان من الناووسية”. وبالاستناد إلى قول الكشي بأنّ أبان كان من أصحاب الإجماع، وبعد مقارنة ذلك بهذا الاتهام يقول: “فالأقرب عندي قبول روايته وإن كان فاسد المذهب”(). من العجيب أنّ العلاّمة في “المنتهى” يقول أنّ أبان من الواقفة، ثمّ يعتبر”فطحياً” في موضع آخر، والظاهر أنّه اعتمد على ما في ذاكرته ـ حسب تخمين العلاّمة التستري ـ عن فساد مذهب أبان عند كتابة الموضوع، ولكنّه بدلاً من الناووسية اعتبره واقفياً أو فطحياً().
في معرض بيان أنّه من أصحاب الإجماع، يقول ابن داود الحلّي: “وقد ذكر أصحابنا أنّه كان ناووسياً، فهو بالضعفاء أجدر، ولكن ذكرته هنا لثناء الكشي عليه”(). وعلى الرغم من قوله “ذكر أصحابنا”()، ينبغي أن لا نشك في أنّ مصدر قوله إنّما هو ما قاله الكشي. وعليه فإنّ مصدر هذا الاتهام هو مقولة الكشي عن ابن فضال الذي هو نفسه فطحي المذهب.
لعلّ أهم سبب للشك في هذا الاتهام هو أنّه على الرغم من قضاء أبان سهراته الكثيرة بين المحدّثين والفقهاء الإمامية لم يشر أحد من أصحاب مصادر الحديث القديمة، وخاصّة النجاشي والشيخ، إلى هذا الاتهام، هذا مع أنّ أبان ظلّ حياً بعد ذلك لسنوات. إنّ عدم إشارة النجاشي والشيخ إلى هذا الاتهام يمكن أن يكون دليلاً على عدم صحته.
النكتة الأخرى هي أنّ بعض نسخ الكشي تذكر “القادسية” بدلاً من “الناووسية”(). فإذا أخذنا بنظر الاعتبار الغلط في نُسخ الكشي()، واحتمال صحة النسخ البديلة، فإنّ هذا الأمر يبدو صحيحاً. إنّ القرينة على عدم صحة نسبة الناووسية إليه هي أنّ الكشي نفسه يذكر أنّ أبان من بين أصحاب الإجماع.
والدليل الذي يمكن أن يدل على صحة “القادسية” هو أنّ النقل المذكور يعنى ببيان هوية أبان الشخصية ومحل سكناه: “كان أبان من أهل البصرة وكان مولى بجيلة وكان يسكن الكوفة وكان من القادسية” فالظاهر أنّ القائل كان يريد أن يشير إلى محل سكناه في الكوفة، والقادسية لا تبعد عن الكوفة سوى خمسة عشر فرسخاً، يمكن اعتبار سكنتها، من حيث المنطقة، من أهل الكوفة().
إنّ نسبة أبان إلى الناووسية ينكرها الباحثون، وقد أورد بعض أدلتهم صاحب كتاب “التنقيح” الذي اعترض عليه. ولكن لا بدَّ من القول أنّه على الرغم من أنّ بعض هذه الأدلة لا تستطيع بمفردها أن تثبت عدم صحة هذه النسبة، ولكنّها بمجموعها ـ كما قال العلاّمة التستري أيضاً ـ تحول دون القبول إطلاقاً بهذه النسبة. وقد أيّد كلّ من العلاّمة والعارف بالرجال المعاصر آية الله الشبيري الزنجاني في توضيحاته عدم صحة التهمة الموجهة إليه.
إنّ القول بأنّ أبان قد روى عن الإمام الكاظم (عليه السلام) يمكن أن يكون دليلاً على إنكار اتهامه بالناووسية. يقول العلاّمة التستري في رفض هذه التهمة: “إنّا لم نقف على روايته عنه، ولا عدّه الشيخ والبرقي في الرجال في غير أصحاب الصادق (عليه السلام)”. وفي قبال ذلك لا بدَّ من القول بأنّ النجاشي قد صرّح قائلاً بأنّ أبان قد: “روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهم السلام!” ().
يضاف إلى ذلك أنّ في “معاني الأخبار” روايتين ينقلهما أبان عن الإمام الكاظم (عليه السلام)” ().
والدليل الآخر الذي يمكن ذكره على عدم صحة اتهام أبان بالناووسية هو الرواية التي ينقلها الكشي نفسه وأبان من بين رواتها: محمد بن الحسن قال: حدّثني أبو علي، قال: حدّثنا محمد بن الصبّاح، قال: حدّثنا إسماعيل بن عامر عن أبان عن حبيب الخثعمي، عن ابن أبي يعفور، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ دخل موسى (عليه السلام) فجلس، فقال أبو عبدالله: “يابن أبي يعفور، هذا خير ولدي وأجلّهم إليّ، غير أنّ الله عزَّ وجلَّ يضلّ قوماً من شيعتنا، فاعلم أنّهم قوم لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم”. قلت: جعلت فداك، قد أزغت قلبي عن هؤلاء. قال: “يضلّ به قوماً من شيعتنا بعد موته جزعاً عليه، فيقولون: لم يمت، وينكرون حق الأئمة من بعده ويدعون الشيعة إلى ضلالهم، وفي ذلك إبطال حقوقنا وهدم دين الله. يا ابن أبي يعفور، فالله ورسوله بريء ونحن منهم براء”().
هذه الرواية تستنكر صراحة العقيدة التي وردت في المصادر باسم الناووسية.
أبان يروي أخبار شعراء أيام العرب
بالإضافة إلى الفقه والكلام عند الشيعة كان أبان واقفاً على أخبار شعراء العرب وأيامهم وأنسابهم. وتخصّصه في سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) يعود إلى توجهاته العلمية تلك. يومئذ كانوا يطلقون على أمثال هؤلاء اسم “الأخباريين”. وله في هذا الباب تلامذة مبرزون ومشهورون.
يقول الشيخ الطوسي والنجاشي عن أبان أنّه عاش زمناً في البصرة والكوفة، ولهذا فقد قال أشخاص مثل أبي عبيدة معمر بن المثنى ومحمد بن سلاّم الجمحي أنّهما سمعا منه “أخبار الشعراء والنسب والأيام” يقول العلاّمة التستري، رحمة الله عليه: “هذا وأبو عبدالله محمد بن سلاّم الذي قال في الفهرست والنجاشي: “أخذ عن أبان هذا” لم أعرفه، والمعروف أبو عبيد قاسم بن سلام، ويأتي في محله محمد بن سلام، لكنّه متأخّر، فقال الحموي في ذاك: مات سنة 232هـ. فيشكل أن يأخذ عن هذا الذي من أصحاب الصادق (عليه السلام)”.
لا ريب أنّ الشخص الذي عناه الشيخ و النجاشي هو محمد بن سلاّم الجُمَحي المتوفى سنة 232 أو 231هـ. وهو صاحب كتاب “طبقات فحول الشعراء” المعروف والذي طبع مؤخراً وقد صحّحه تصحيحاً جيّداً جدّاً محمود محمد شاكر. محمد بن سلام ينقل عن أبان بن عثمان الأحمر في أكثر من عشرة مواضع أخباراً وأشعاراً، وعلى هذا لا يمكن قبول قول العلاّمة التستري. وفيما يتعلق بالعمر، فعلى الرغم من هذه المنقولات فإنّنا مضطرون إلى إيجاد نوع من التوازن بين عمري الأستاذ وتلميذه إلى الحد الذي يسمح لهما بحضور جلسات الدرس. وفي الوقت نفسه لم يكن أبان، طبعاً، الصحابي الوحيد للإمام الصادق (عليه السلام)، بل، خلافاً لتصوّر العلاّمة التستري الذي كتب يقول إنّه لم يرَ رواية من الإمام الكاظم (عليه السلام) منقولة عنه. ولكن سبق القول إنّ هناك خبرين ينقلهما أبان عن الإمام الكاظم (عليه السلام) مذكورين في كتاب “معاني أخبار”. وعلى هذا يمكن أن يكون حياً في سنة 170. أو بضع سنوات بعد ذلك.
لا بدَّ من القول صراحة أنّ تتلمذ محمد بن سلام وأبي عبيدة معمر بن المثنى على يد أبان، على الرغم من كونهما من الوجوه الأدبية البارزة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، لدليل على علو مقام أبان العلمي يومذاك. وعليه يلزم القول إنّه لم يكن محدّثاً للأخبار الفقهية فحسب، بل كان أيضاً عالماً بارزاً وأديباً ذا نفوذ ومؤرخاً عارفاً بأخبار العرب وأيامهم.
نورد هنا اقتباسين ممّا نقله محمد بن سلام عن أبان بن عثمان: قال ابن سلام: أخبرني أبان بن عثمان البجلي، قال: مرّ لبيد بالكوفة في بني فهد، فأتبعوه سؤولاً يسأله: من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضّليل(). فأعادوه إليه، فقال: ثمّ من؟ فقال: الغلام القتيل(). وقال غير أبان، قال: ثمّ ابن العشرين ـ يعني طرفة ـ قال: ثمّ من؟ قال: الشيخ أبو عقيل ـ يعني نفسه().
[قال ابن سلام أخبرني] أبان بن عثمان البجلي، قال: مرّ [الأخطل] بالكوفة في بني رؤاس، ومؤذنهم ينادي بالصلاة، فقال بعض شبانهم: أبا مالك، ألا تدخل فتصلي؟ فقال:
أصلّي حيث تُدركني صلاتي وليس البر وسط بني رؤاس()
المواضع التي وردت فيها المقتبسات من أبان بن عثمان في “طبقات فحول الشعراء” هي: 1/103، و253، و255 و2/375 و382 و439 و471 و472 و482 و490 و492 و541. وقد وردت هذه المنقولات في “الأغاني” وفي مصادر أخرى سنذكرها في الهامش.
أبان وكتابه المغازي
بالنظر إلى ما نقل عن أبان من أخبار السيرة التي وصلت إلينا يتبيّن أنّ كتابه هذا كان منذ البداية في متناول يد المحدّثين والإخباريين (أي المؤرخين) إلاّ أنّه، مثل سائر كتب الشيعة، كان محدود الاستفادة منه، وقلّما ورد ذكره في كتب المتقدّمين، بحيث أنّ ابن النديم، في القسم الباقي منه، لم يذكر كتاب المغازي هذا ولم يشر إلى مؤلفه بشيء. ومع ذلك، فإنّ الشيخ الطوسي في “الفهرست” الذي ألّفه بهدف التعريف بمصنّفات الإمامية، يذكر كتابه هذا. والظاهر أنّه لم يعرف لأبان كتاباً غير هذا، ولكنّه قال إنّ له كتاباً آخر باسم “الأصل” في العبارات التالية:
“وما عرف من مصنّفاته إلاَّ كتابه الذي يجمع المبتدأ والمبعث والمغازي والوفاة والسقيفة والردّة”.
كان هذا الكتاب يشتمل في الأصل على عدد من الفصول، يعدّ كلّ فصل منها كتاباً، ولكنّها جميعاً كتاب واحد، كما قال عنه الشيخ. يعدّد الشيخ طرقه للوصول إلى الكتاب، ثمّ يضيف: “وهناك نسخة أخرى أنقص منها رواه القميون”(). من المحتمل أن يكون هذا الكتاب تحت تصرّف علي بن إبراهيم ونقل عنه في تفسيره.
ولقد كان النجاشي عارفاً بالكتاب أيضاً، فهو يقول: “له كتاب حسن كبير يجمع المبتدأ والمغازي والوفاة والردّة”(). ويكرّر ياقوت هذه العبارة نفسها بشأن الكتاب، من دون أن يذكر إن كان هو قد رآه أم لا().
لسوف نرى ـ على قدر ما لدينا من اطّلاع ـ أنّ الشخص الوحيد الذي استعان بكتاب أبان وصرّح بذلك، هو الشيخ الطبرسي. أمّا الآخرون الذين استفادوا من الكتاب فقد نقلوا الرواية عن طريق أساتذتهم واصلة إلى أبان، من دون إشارة إلى الكتاب نفسه. لتوضيح ذلك لا بدَّ من مقدمة قصيرة:
ابتداءً لا بدَّ من الإشارة إلى أنّه بالإضافة إلى السماع من الأساتذة، كان الرجوع إلى الكتب المدونة مألوفاً منذ القرن الأوّل الهجري. مع ذلك كانت أهمية السند في نقل الحديث والأخبار، جعل الاستفادة من المدونات أمراً لا يكون إلاَّ بإجازة صاحب الرواية أو حتّى السماع والقراءة. في هذه الحالة عندما كان تلميذ يحصل على الأحاديث عن طريق السماع أو القراءة، ما كان أحد يروي عنه هذه الأحاديث إلاَّ إذا كان يعرف أستاذ الراوي ويطمئن إليه، إذ كان من اليسير جدّاً أن يقوم بعضهم بوضع الأحاديث. ومع ذلك فلم يكن وضع الأحاديث قليلاً، ولكن لم يكونوا يومذاك يعرفون طريقاً آخر أفضل لمنع وقوع الوضع. إذا أثار أحد شكوكهم راحوا يفتشون عمّن يمكن أن يكون قد نقل الحديث نفسه عن ذلك الشيخ، غير الناقل المشكوك فيه. كان هذا الأسلوب الوحيد لقبول الحديث منه. لقد أوردنا هذا التوضيح لنعرض سبب عدم الرجوع إلى الكتب في القرون الأولى، وإنّما كان يكتفي بذكر اسم الأستاذ. وفيما يتعلق بكتاب أبان، فإنّ الذين ذكروا اسمه فقط من المحتمل جدّاً أنّ كتابه كان في متناول أيديهم أيضاً.
اليعقوبي وكتاب المغازي
على كلّ حال، لقد استند كثير من الرواة والمؤرخين على كتاب أبان وإن لم يذكروا الكتاب بالاسم. من المؤرخين الأوائل الذين استندوا إلى كتاب أبان هو أحمد بن محمد بن واضح اليعقوبي، وهو من المؤرخين الذين لم يدونوا التاريخ بصورة حديث مسند، بل هو يذكر آحاد النقول من دون ذكر سند. مع ذلك، ففي مطلع المجلد الثاني أورد فهرستاً بالمصادر التي اعتمدها، وفيه اسم أبان مذكور هكذا: “… وكان ممّن روينا عنه ما في هذا الكتاب… أبان بن عثمان عن جعفر بن محمد (عليه السلام)”. سبق القول إنّ فؤاد سزگين قد استند إلى هذا الكلام في قوله إنّ لأبان بن عثمان بن عفان كتاباً في السيرة اعتمده اليعقوبي فيما كتب(). إنّ ابن الخليفة الثالث كان قد توفي فيما بين سنة 95 و105هـ. لذلك فإنّه ما كان يمكن أن ينقل عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام). وقد ارتكب هذا الخطأ عبد العزيز الدوري أيضاً().
ينقل اليعقوبي في تاريخه العديد من الروايات عن الإمام الصاق (عليه السلام) ولكن لا بدَّ من القول أنّه في الفهرست المذكور صرّح بأنّه نقل من أبي البَختري عن الإمام الصادق (عليه السلام) بعض الروايات، وعليه فليس كلّ ما نقل في كتابه عن الإمام الصادق (عليه السلام) مأخوذاً من أبان. أمّا ما ينقله اليعقوبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) من طريق أبان أو أبي البختري فهي:
1 ـ حديث عن مولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الثاني عشر من شهر رمضان (ج2، ص7).
2 ـ حديث عن أنّ الفاصلة بين زواج عبدالله من آمنة وولادة الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانت عشرة أشهر (ج2، ص9).
3 ـ رواية بشأن جبريل ونزوله لأوّل مرّة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان. ولذلك اتّخذ المسلمون الجمعة عيداً (ج2، ص22ـ23).
4 ـ رواية عن أنّ معجزات كلّ نبي تتناسب مع شيوع حالة خاصّة في زمانه، وأنّ معجزة القرآن كانت بسبب شيوع السجع والخطابة… في زمان بعثة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (ج2، ص35).
5 ـ رواية عن نزول القرآن وانتظار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى نزول آية القتال والبدء بالحرب (ج2، ص44).
6 ـ رواية عن إلقاء جبريل كلمة عند مواراة الرسول (صلّى الله عليه وآله) التراب بحيث كان الحاضرون يسمعون الصوت دون أن يروا أحداً (ج2، ص114) هنالك في تاريخ اليعقوبي روايات أخرى تشبه ما نقل عن أبان في المصادر الأخرى شبهاً تاماً. من ذلك خبر عن خديجة (عليها السلام) ينقله الشيخ المفيد في “الأمالي” ص 110 واليعقوبي أورده في (ج1، ص35) بدون ذكر السند.
كتب الشيعة في الحديث وكتاب السير لأبان
بالإضافة إلى الروايات الفقهية الكثيرة، تضمّ كتب الحديث في القرنين الثالث والرابع أخباراً كثيرة حول سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، من أهمها كتاب “الكافي” للكليني، وتفسير القمي، وكتب الصدوق وبعض كتب الشيخ المفيد. الكليني، في “الروضة” خاصّة، يذكر عدداً من روايات أبان في سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله). وفي ظن قريب من اليقين يمكن القول إنّ ما جاء في “الروضة” وفي تفسير القمي مأخوذ من كتاب أبان. خاصّة إذا لاحظنا أنّ الشيخ يشير في الفهرست إلى نسخة من كتاب “رواه القميون”، كما إنّ الشيخ الصدوق أيضاً ينقل أحاديث كثيرة في كتابه “علل الشرايع” و”الأمالي” عن أبان، بعضها يخصّ تاريخ الأنبياء وبعضها يخصّ سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون (340 ـ421) من أئمة الزيدية في ديار الديلم وگيلان، ينقل في كتاب أماليه تحت عنوان “تيسير المطالب” أخباراً عن أبان في مواضع عدّة، وإسنادها جميعاً متشابهة حتّى إلى أبان: أخبرني أبي، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدّثنا جعفر ابن بشير البجلي، عن أبان بن عثمان”. هذا الاشتراك في الإسناد والنقل عن أبان قد يؤخذ على أنّه نقل من كتاب أبان().
والشيخ المفيد الذي جاء اسمه كأوّل شخص في أوّل إشارة للشيخ الطوسي إلى أبان، يورد نقولات عن أبان.
الطبرسي وكتاب أبان
الشخص الوحيد الذي صرّح بأنّه نقل من كتاب أبان وحفظ لنا جانباً كبيراً منه، هو المرحوم الطبرسي في كتابه “أعلام الورى”. في فصل مغازي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينقل بعضاً من ذلك بقوله: “وفي كتاب أبان” أو “قال أبان”. وفي بعض المواضع يشمل نقله منه عدّة صفحات، فلا شك في أنّها منقولة من كتاب أبان، وذلك لأنّ الطبرسي كثيراً ما يشير إلى مصادره().
من المحتمل أيضاً أنّ الطبرسي قد نقل من هذا الكتاب في “مجمع البيان” ولكن هنا اكتفى من السند بذكر المعصوم، لذلك ليس الأمر واضحاً.
كان كتاب “أعلام الورى” في متناول ابن شهرآشوب، فنقل منه عن كتاب أبان. من بين مقتبسات ابن شهرآشوب من أبان هناك حديث واحد عن مولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يذكر في “أعلام الورى”، ولكن في المواضع الأخرى مصدره هو “أعلام الورى” على الرغم من أنّه لم يشر إلى ذلك، ودليل ذلك هو إنّه في الوقت الذي يقتبس ما نقله الطبرسي عن أبان يقتبس قبل ذلك وبعده من ابن إسحاق أو من غيره في “المناقب”.
الراوندي في “قصص الأنبياء” يستند إلى كتاب “أعلام الورى” فيما يتعلق بالمغازي، ولكنّه لا يشير إليه ولا إلى اسم أبان، إنّما تشابه العبارات هو الذي ينبئ عن ذلك. وفي فصل تاريخ الأنبياء يتكرّر اقتباسه من أبان.
المصادر السُّنيّة وكتاب أبان
على قدر بحثنا الذي أجريناه لم نعثر في مصادر أهل السنّة إلاَّ على اقتباس واحد من أبان في حديث عن السيرة النبوية، وهو حديث مطوّل تقريباً فيه “عرض رسول الله نفسه على قبائل العرب”. أبو نعيم الأصفهاني والبيهقي يذكر أنّ سندين لذلك، أحدهما عن: أبان بن عبدالله البجلي عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب، والآخر عن: أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب… إلخ. يقول محقق “دلائل النبوة” للبيهقي في ذيل اسم أبان بن عبدالله البجلي: “هو أبان بن أبي حازم البجلي الكوفي” وقد ورد اسم هذا الشخص في “ميزان الاعتدال” (1/9) و”الضعفاء” للعقيلي (1/44) و”تهذيب الكمال” للمزي (2/14). ابن سعد (طبقات، 6/355) يقول: “توفي أبان في خلافة أبي جعفر بالكوفة”.
لقد ذكرنا هذه الإيضاحات ليتبين لنا إن كان أبان بن عبدالله في السند الأوّل هو نفسه أبان بن عثمان. في وقت يكونان فيه متعاصرين، واسماهما أبان، ولقبهما البجلي، وكلاهما ينقلان هذا الحديث نفسه عن أبان بن تغلب!.
لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنّ المزّي اعتبر أنّ أبان بن تغلب من مشايخ أبان بن عبدالله. ومن المحتمل جدّاً أن يكون سنده في ذلك هو هذا الحديث. إنّنا نرى أنّ أبان بن عبدالله في السند الأوّل خطأ، إنّما المقصود هو أبان بن عثمان الأحمر.
ولا بدَّ من ملاحظة أنّ هذا السند: أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قد تكرّر عشرات المرّات().
على كلّ حال، هذا الحديث كثير الورود في مصادر أهل السنّة، حيث ذكر أنّ راويه هو أبان بن عثمان().
كتاب “المبتدأ” لأبان بن عثمان
الفصل الأوّل من كتاب أبان هو “كتاب المبتدأ” وهو اسم مأخوذ من “البدء والبديء: الأوّل” ويقصد به أخبار الأوّلين القدامى، ومصداقه الخاص هو إخبار أنبياء الله منذ آدم (عليه السلام)، إذ كان المؤرخون المسلمون يبدأون بتاريخ الإنسان من ذلك الزمان، بتأثير من التدوين التاريخي في التوراة والقرآن. ابن إسحاق أيضاً كتب في بداية كتابه في السيرة فصلاً باسم “المبتدأ” والذي حذفه بعد ذلك ابن هشام، وما زلنا نلاحظ وجود أمثال هذا الفصل في كتب التاريخ العامّة. مثل تاريخ اليعقوبي وتاريخ الطبري. في هذه الفصول تورد عادة أخبار عن أهل الكتاب وهي فصول تكثر فيها الإسرائيليات من أقوال اليهود أو من المصادر اليهودية. يذكر ابن النديم عدداً من الكتب بهذا العنوان().
كما قلنا من قبل، الفصل الأوّل من كتاب أبان يسمّى “المبتدأ”. وعنوان الكتاب قد يشمل كتاباً مستقلاً أو فصلاً من كتاب، بمثلما كانت الأبواب الفقهية في كتاب تعنون تحت عنوان كتاب متميز.
وقد أعدّ أبان هذا الفصل بذكر روايات عن الأئمة (عليهم السلام) ومن مصادر أخرى، لذلك لا يمكن الوثوق بجميع ما أورده فيه. فيما يلي نورد فهرستاً بالأخبار المنقولة عن أبان في مختلف المصادر.
لا بدَّ من القول إنّ من المصادر التالية التي كانت أكثر استناداً على كتاب أبان هما كتابا الراوندي “علل الشرايع” و”قصص الأنبياء”. وكثيراً ما يمكن أن تكون إرجاعات الهوامش مقتبسة الواحد من الآخر، وهذا يصدق أكثر على “البحار” الذي يكاد يكون قد أورد جميع نقولات قصص الأنبياء، لذلك فقد تغاضينا عن ذكر القصص نفسها.
المواضع التي اقتبس فيها من كتاب “المبتدأ” لأبان في المصادر التالية فيما يخصّ الأنبياء، كما يلي:
تفسير العياشي: ج1، ص365 وج2، ص183. تفسير القمي: في الصفحات 37 و304 و469 و568 (الطبعة الحجرية). الاختصاص: ص265. مجمع البيان: ج1، ص204. علل الشرايع: في الصفحات. 13 و28 و35 و36 و38 و66 و69 و72 و74 و398 و418 و546 و551 و562 و578 و584. معاني الأخبار: ص269. أمالي الصدوق: ص170. كمال الدين: ج1، ص147. فضائل الأشهر الثلاث [!]: ص22. الخصال: ج1، ص50 و502. ثواب الأعمال: ص77. بحار الأنوار: ج11 في الصفحات 87 و100 و103 و175 و178و 179 و181 و210 و266 و291 و293 و317 و318 و323 و324 و331 و337 و385. ج12 في الصفحات 4 ـ7 و13 و38 و39 و44 و77 و79 و85 و104 و111 و115 و117 و128 و130 و160 و256 و261 و303 و307 و341. ج13 في الصفحات 10 و38 و42 و120 ـ 123 و136 و176 و178 و242 و243 و265. ج14 في الصفحات 38 و39 و110 و115 و137 و139 و180 و192 و201 و214 و219 و251 و252 و270 و371 و427 و445 و448.
أبان والسيرة
ممّا يؤسف له أنّنا نفتقد سيرة أبان لذلك لا يمكننا أن نتحدّث عن كيفية تدوينه الكتاب. على قدر علمنا كان هو أيضاً تحت تأثير أسلوب الحديث، ينقل الروايات عن السيرة مسندة، والدليل على ذلك هو الأقسام الباقية منه بحيث أنّ كلّ قسم بقي بشكل خبر مستقل.
لقد سعى أبان، بصفته محدّثاً شيعياً، أن يدوّن سيرة مستندة إلى أخبار الأئمة المعصومين. ولذلك فإنّ معظم اقتباساته هي إمّا مأخوذة مباشرة من الإمام الصادق (عليه السلام) وإمّا عن طريق بعض الأصحاب تصل إلى الإمام الصادق أو الباقر (عليهما السلام) ولكنّه مع ذلك لجأ إلى الطرق العادية أحياناً في نقل الحديث لإكمال كتابه. فمثلاً ينقل في بعض الأحيان عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن عبدالله بن عباس، وأحياناً أخر ينقل مرسلاً بحيث أنّه لم يذكر اسم الإمام المعصوم، فمن المحتمل في هذه المواضع أنّه نقل رواية عن غير الأئمة المعصومين.
بالنظر لأنّ جوانب كبيرة من السيرة قد أوردها الطبرسي في “أعلام الورى” بدون إيراد اسنادها، لذلك لا يمكن دراسة إسناد أبان في هذا الكتاب دراسة مسهبة. ولكن في الوقت نفسه ممّا بقي في أيدينا منه ومن الثقاة الذين يقتبس منهم، مثل زرارة، وأبي بصير، ومحمد بن مسلم، وأبان بن تغلب وغيرهم، يمكن الوثوق بدقة كتابه.
وبما أنّ جميع كتب السيرة المستقلة التي كتبها الشيعة قد تلفت، مع الأسف، فترميم سيرة أبان يعتبر خطوة على طريق معرفة وجهات نظر الشيعة فيما يتعلق بسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله). هناك، في الحقيقة، مقادير مهمة من أخبار السيرة في تفسير علي بن إبراهيم القمي وكذلك في تفسير أبي الجارود عن الإمام الباقر (عليه السلام) ورواية مستقلة أخرى، ولكنّها جميعاً ليست لها قيمة سيرة كاملة منظمة ودقيقة. لا بدَّ أن نضيف أنّ عملية ترميم الكتاب قد أُنجزت وهو جاهز للنشر.
إليكم فهرستاً عن مواضيع كتاب المغازي لأبان، ونشير إلى أنّ كلّ عنوان يمكن أن يحتوي على خبر قصير أو طويل.
* مكة قبل الإسلام: الكافي، ج4، ص210.
* ميلاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الكافي، ج8، ص300. أمالي الصدوق، ص234. مناقب ابن شهرآشوب، ج1، ص53 و57.
* بداية النبوة: أمالي ابن الشيخ، ص28. تيسير المطالب، ص6.
* المعراج: البحار: ج17، ص336. عن أمالي الصدوق، الكافي: ج8، ص262 و276. تفسير القمي، ص111.
* رسول الله والمشركون: تفسير العياشي، ج2، ص252. روضة الكافي، ص103.
* رسول الله وخدية: أمالي الشيخ المفيد، ص110.
* رسول الله ودعوة القبائل: دلائل النبوة لأبي نعيم، ص282ـ 288. دلائل النبوة للبيهقي، ج2، ص442.
* اختيار النقباء: الخصال، ج1، ص89 و90.
* غزوة بدر: تفسير القمي، ص235 و236. الكافي، ج8، ص111. سعد السعود، ص102ـ 104.
* بنو النضير: تفسير القمي، ص671 ـ 673 (الطبعة الحجرية).
* غزوة أحد: الكافي، ج8، ص110. الخصال، ج2، ص15. علل الشرايع، ج1، ص7. معاني الأخبار، ص40. أعلام الورى، ج1، ص177ـ 183. المناقب، ج1، ص192ـ 193.
* حمراء الأسد: أعلام الورى، ج1، ص83 ـ 185.
* غزوة الأحزاب: الكافي، ج8، ص216 و277. تفسير القمي، ج2، ص186. أعلام الورى، ج1، ص193 ـ 196.
* وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله): الكافي، ج1، ص236. علل الشرايع، ص66. أمالي المفيد، ص212.
* بنو هاشم والمعارضون: أعلام الورى، ج1، ص271 و272. الكافي، ج8، ص295 ـ 297.
* غسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أعلام الورى، ج1، ص270. كامل الزيارات، ص13. تهذيب الأحكام، ج1، ص461.
* أخلاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الكافي، ج6، ص270 و548. كتاب الزهد، ص44، 49. الاختصاص، ص299. معاني الأخبار، ص119. أمالي الصدوق، ص377. الكافي، ج8، ص332. علل الشرائع، ص35. الكافي، ج2، ص632. الخصال، ج2، ص6 و87.
* بنو قريظة: البحار، ج15، ص206 عن كمال الدين.
* حديث الإفك: الجمل، ص426.
* صلح الحديبية: الثاقب في المناقب، ص43. أعلام الورى، ج1، ص206.
* خيبر: أعلام الورى، ج1، ص208 ـ 210. تيسير المطالب، ص29.
* مؤتة: أعلام الورى، ج1، ص212 و213. المناقب، ج1، ص257. تيسير المطالب، ص31.
* فتح مكة: المناقب، ج1، ص206. أعلام الورى، ج1، ص218. الكافي، ج5، ص33 و527.
* السرايا بعد فتح مكة: أعلام الورى، ج1، ص225 ـ 228. علل الشرايع، ص473.
* غزوة حنين: الكافي، ج8، ص376.
* المنافقون في تبوك: أعلام الورى، ج1، ص246.
* المباهلة: أعلام الورى، ج1، ص256.
* حجة الوداع: أعلام الورى، ج1، ص260 و261.
* أبو ذر ورسول الله (صلّى الله عليه وآله): الكافي، ج8، ص128.
* بنو ضبة: الكافي، ج7، ص245.
* نزول سورة والعاديات في حق علي (عليه السلام): تأويل الآيات الظاهرة، ص811.
* الخطبة الشقشقية: معاني الأخبار، ص361 و362.
دور الشيعة في الكتابات التاريخية
نورد فيما يلي شرحاً إجمالياً عن دور الشيعة في تدوين تاريخ العصر الأوّل الإسلامي:
إذا اعتبرنا الكتابات الأولى للمسلمين هي كتابة الحديث، كان الشيعة متقدمين على غيرهم في تدوين الحديث بالنظر للأهمية التي كانوا يولونها لذلك. وقد كان من الأمور المؤثّرة في ذلك هو منع الخلفاء من تدوين الحديث من جهة، وأوامر أئمة الشيعة (عليهم السلام) بتدوينها من جهة أخرى(). وحسب ما يقوله الدكتور شوقي ضيف ومصطفى عبد الرزاق، أوّل كتاب في تاريخ الإسلام كان كتاب سليم بن قيس المعاصر للحَجّاج().
إنّ التحدّيات التي كانت مفروضة على الشيعة حملتهم على السعي للمحافظة على معتقداتهم، وقلّما كانوا يعنون بالبحث عمّا لدى الآخرين. كانت العناية بالأخبار الشيعية محفوفة بالمخاطر. وقد جلد أبو عبد الله أحمد بن محمد مئة جلدة بأمر من المتوكل لعدم احترامه بعض أفراد السلف. وكان قد ألّف عدداً من كتب التاريخ().
ومن الأدلة الأخرى على عدم الاهتمام النسبي هو أنّ حركة المسلمين التاريخية التي كانت تدور عموماً حول أحداث الخلافة، كانت مرفوضة في نظر الشيعة، لذلك لم تكن تحظى باهتمامهم.
إلاَّ أنّ هذا لا يعني أنّ مساهمة الشيعة في تدوين الآثار العلمية كانت قليلة، بل بالعكس، إذ بالمقارنة مع غيرهم، مع أخذ النسبة العددية والإمكانات بنظر الاعتبار، يتبيّن أنّ للشيعة على هذا الصعيد سابقة جديرة بالثناء. إنّ المساعي العلمية للشيعة ولمؤيديهم قد بلغت مبلغاً حملت أحمد بن يونس على أن يقول: “جميع أصحاب المغازي كانت لهم ميول شيعية” مثل ابن إسحاق وابن معشر يحيى بن سعيد الأموي وغيرهما(). وحتّى الطبري قد اتهم بالتشيع()، أو أنّه، كما سبق أن قلنا، حصلت له مؤخراً ميول شيعية(). كذلك اتّهم ابن الأعثم بالتشيّع.
وإذا ما تجاوزنا المتهمين بالتشيّع، فهناك مؤرخون من الشيعة فعلاً، مثل اليعقوبي، وهو من المؤرخين المبرزين في الشيعة الإمامية. والمسعودي، صاحب كتاب، “مروج الذهب”، من الشيعة الزيدية، في الأقل، ونصر بن مزاحم المنقري، صاحب كتاب “وقعة صفين” يعدّ من الشيعة، ويعدّ كتابه من الكتب التاريخية القيّمة التي وصلتنا. وهناك آخرون مثل: أبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، من الشيعة الإمامية ومن المؤرخين، وقد عدّد ابن النديم بعض كتبه().
أحمد بن عبدالله الثقفي من الشيعة الذين ذكرهم الخطيب واعتبره مؤلف “مقاتل الطالبيين”()، وقد أورد ابن النديم بعضاً من مصنّفاته().
محمد بن زكريا بن دينار الغلابي، من المؤرخين الشيعة، وقد أشار النجاشي إلى كتبه عن مقاتل الطالبيين، وله كتاب في فاطمة الزهراء (عليها السلام) (). وقد أورد ابن النديم أسماء بعض من كتبه().
إبراهيم بن محمد الثقفي، من مشاهير المؤرخين الشيعة. كان في البداية زيدي المذهب، ثمّ انتمى بعد ذلك إلى مذهب الشيعة الإمامية. له مصنّفات في المغازي، والسقيفة، والشورى، ومقتل عثمان، ومقتل علي (عليه السلام)، ومقتل الحسين (عليه السلام) وفي مواضيع أخرى، لم يبق منها سوى كتابه القيم “الغارات”().
جابر بن يزيد الجعفي (ت 127، 129) من المحدّثين والمؤلفين الشيعة. له عدد من الكتب في المقاتل نقل منها كلّ من الطبري ونصر بن مزاحم(). وقد ذكره النجاشي وذكر كتبه().
أصبغ بن نباته، من أصحاب الإمام علي (عليه السلام) وتوفي في أوائل القرن الثاني. كان يحفظ للإمام أكثر من سبعين خطبة، ومن رواة عهد الإمام إلى مالك الأشتر، له كتاب في مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)().
يحيى بن الحسين العبيدلي (ت177) من مؤرخي الشيعة وله كتاب بعنوان “أخبار المدينة” وآخر بعنوان “نسب آل أبي طالب” وقد اقتبس منه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه عن مقاتل الطالبيين، كما استعان به صاحب كتاب “بحر الأنساب”()، وقد ذكره النجاشي أيضاً().
هذه أسماء بعض المؤرخين الشيعة. وثمّة أسماء أكثر في رجال النجاشي والشيخ الطوسي وكذلك في فهرست منتجب الدين.
من الرواة الشيعة الذين تجب الإشارة إليهم أبو مخنف وهضام بن محمد الكلبي، وقد كانا من المؤرخين بمعنى الكلمة. وقد أورد النجاشي شرح حالهما في رجاله().
إنّ عناوين بعض المؤلفات الشيعية التاريخية تدل على أنّ هؤلاء كانوا يولون اهتماماً خاصاً بالسيرة النبوية والحوادث المهمة في صدر الإسلام.
من ذلك، مثلاً، كتاب “أسماء آلات رسول الله وأسماء سلاحه” وكتاب “وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)” لعلي بن الحسن بن علي بن فضال”().
وبعض عناوين مصنّفات عبد العزيز الجلودي الأزدي ـ من علماء الشيعة المعروفين في البصرة ومن أصحاب الإمام الجواد (عليه السلام) ـ مثل كتاب “الجمل” وكتاب “صفين” وكتاب “الحكمين” وكتاب “الغارات” وكتاب “الخوارج” وكتاب “نسب النبي (صلّى الله عليه وآله)” وكتاب “ذكر علي (عليه السلام) في حروب النبي (صلّى الله عليه وآله)” وكتاب “مآل الشيعة بعد علي (عليه السلام)” وكتاب “أخبار التوابين وعين الوردة”، وكتاب “أخبار المختار” و”أخبار علي بن الحسين (عليه السلام)” و”أخبار عمر بن عبد العزيز” و”أخبار من عشق من الشعراء” و”أخبار قريش والأصنام” وكتاب “طبقات العرب والشعراء” وكتاب “خطب النبي (صلّى الله عليه وآله)” وكتاب “خطب عثمان” وكتاب “كتب النبي (صلّى الله عليه وآله)” وكتاب “رسائل عمر” وكتاب “أخبار الوفود على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر” وكتاب “رايات الأزد” وكتاب “مناظرات علي بن موسى الرضا (عليه السلام)”().
أحمد بن إسماعيل بن عبدالله البجلي من أهل قم، له مصنفات تاريخية، منها كتاب “العباسي” الذي يقول عنه النجاشي: “وهو كتاب عظيم نحو من عشرة آلاف ورقة من أخبار الخلفاء والدولة العباسية، رايت منه أخبار الأمين”().
ومن بعض مؤلفات المحدّث الشيعي أحمد بن محمد بن خالد البرقي كتاب “الشعر والشعراء” وكتاب “البلدان والمساحة” وكتاب “التاريخ” وكتاب “الأنساب” وكتاب “المغازي”(). ومن أمثال هذه الكتب كثير ورودها في فهرست الشيخ ورجال النجاشي.
إنّ أبان بن عثمان هو نفسه شاهد قائم على قوّة تدوين التاريخ بين المحدّثين الشيعة، فقد كان متبحراً أيضاً في النسب والشعر وهما من لوازم العالم المؤرخ. وقد سبق القول إنّ محمد بن سلام الجمحي وأبا عبيد معمر بن المثنى كانا من تلامذته في هذا الباب، والجميع يعلمون مدى علو كعب هذين في الشعر والأدب.
يمكن القول إنّ أسلوب تدوين التاريخ عند الشيعة قد ناله الإهمال بمرور الزمن، ولم يعنى به إلاَّ في المباحث الكلامية. ومن بين علماء الشيعة في القرنين الرابع والخامس لا بدَّ من الإشارة إلى الشيخ المفيد (ت413) بصفته مؤلف كتابين قيمين هما “الجمل” وهو دراسة كلامية ـ تاريخية يستند إلى مصادر موثوق بها عن حرب الجمل، والآخر هو كتاب “الإرشاد” وهو شرح حياة الإمام علي (عليه السلام) وأئمة الشيعة الآخرين، وهو بحث تاريخي ـ كلامي. والكتب الأخرى التي كتبت في أحوال الأئمة (عليهم السلام) مثل “أعلام الورى” و”كشف الغمة” جاءت بعده.
رسول جعفريان
كوكبة شهداء عصر الرسالة
من استشهد مع النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)
(1) الحمزة بن عبد المطلب
سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، عمّ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله). قُتل في واقعة أُحد. ومرقده في سهول جبل أحد، أقبره النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في أرض المعركة.
قال حرز الدين: كانت في قبره قبّة مبنيّة بالجصّ والحجر الثقيل، وله مشهد يزار قديماً وحديثاً، حتّى جاء الوهابيون فهدّموا قبور أئمة البقيع في اليوم الثامن من شوّال سنة 1342هـ، وقبر الحمزة، ولم يبقوا من بقعته إلاَّ المسجد الأثري المعروف بمسجد المصرع().
وذكره السيّد جواد شبر في “الضرائح والمزارات” بقوله: “هو عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وأحد أعمدة الإسلام، دُفن بأُحد على فرسخ من المدينة. وكانت شهادته في اليوم السابع من شوّال، السنة الثالثة من الهجرة. ومن المأثور عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان يزور (قباء) يوم السبت، وقبر الشهيد حمزة يوم الأربعاء من كلّ أسبوع”().
(2) زيد بن صوحان
زيد بن صوحان العبدي الكوفي. قيل إنّه استشهد بالبصرة في وقعة الجمل سنة 36هـ/ 656م. كان من أعلام المسلمين وقادتهم. له مرقد قديم بمدينة البصرة في الطريق الذاهب إلى السيبة في قرية كوت الزين التابعة لقضاء أبو الخصيب().
(3) عمار بن ياسر
عمار بن ياسر من أجلّة الصحابة. ذكرت الأخبار أنّه قُتل في واقعة صفّين سنة 38هـ/ 657م، وكان ابن الرابعة والتسعين.
مرقدهُ بمنطقة الرقّة على شاطئ الفرات عامرٌ مشيّد.
ونُقل عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أنَّه قال لعمّار بن ياسر: “ستقتلُك الفئةُ الباغية”.
(4) أبو الهيثم التيهان
وردت في الأصل “الهيث”. ولم أهتد إلى مَنْ استشهد مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من أصحابه، وهو بهذا الاسم. ويبدو أنَّ الصواب هو أبو الهيثم بن التيهان.
ربَّما وقع ذلك من النسَّاخ.
(5) أويس القرني
أويس القرني أحد سادات التابعين، ذكرت المصادر أنَّه قُتل مع الرجَّالة في وقعة صفين سنة 37هـ/ 657 م.
له مرقد بالرقّة عامرٌ مشيّد. كما نُسب له قبر في شوشتر، وهي نسبة مستبعدة.
(6) عبدالله بن بديل
عبدالله بن بديل الخزاعي كان من قادة الدولة الإسلامية. قيل إنّه قُتل مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حربه مع معاوية بصفّين. وقُتل معه أخواه محمد، وعبد الرحمن.
(7) شهداء كربلاء
نقلت كتب التواريخ أنَّ عدد مَنْ استشهد من أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء يتراوح بين ستّة عشر رجلاً، وخمسة وعشرين. ذكر الشيخ المفيد أنَّ شهداء بني هاشم كلّهم مدفونون ممّا يلي رجلي الحسين (عليه السلام) في مشهده، إلاَّ العباس. وليس لقبور أخوته وأهله أثر.
فأمّا أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ممّن قُتلَ معه، فإنَّهم دفنوا حوله، وليس لهم قبورٌ ظاهرة، وهم لا يخرجون عن محيط الحائر().
(8) العباس بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
أمُّه فاطمة بنت حزام المشتهرة بأمَّ البنين. لُقّب “قمر بني هاشم” لصباحته، كما كان يُقال لعبد مناف “قمر البطحاء”، ولعبدالله، والد النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) “قمر الحرم”.
اشتهر العباس بلقب أبي الفضل، وأبي القاسم. كما اشتهر عند العامّة بباب الحوائج لاعتقادهم بكراماته. وكان بعض الأعلام يقدّم زيارته على زيارة أخيه الحسين (عليه السلام) لأنَّه بابه في الحوائج، ولا تُقصدُ الدار من غير بابها.
يقول الشاعر السيّد مهدي الأعرجي المتُوفى سن 1359هـ/ 1940م، بعدما قدَّم زيارة العباس على أخيه:
قصدتُك قبل ابن النبي محمّدٍ وأدمعُ عيني كالحيا في انسكابها
لأنّك في كلّ الحوائج بابُه وهل يقصدون الدار من غير بابها؟
وقبر العباس قريبٌ من قبر أخيه الحسين (عليه السلام)، ويقع بالجهة الغربية منه، على بُعد ما يقرب من ثلاثمائة متر فقط.
وقد اشتهرت بطولة العباس، ودفاعه عن أخيه الإمام في واقعة الطف، حيث استشهد فيها، وكان من قادة الإسلام الكبار.
نُقل أنَّه شُيّدت على قبره “سقيفة” بعد أربعة وثلاثين عاماً، ثمّ توالت عمليات إعمار المرقد وبنائه على مدى القرون، حتّى عصرنا هذا.
وبلدة كربلاء مُتراصّة بأبنيتها الأثرية، وبيوتها ومدارسها القديمة، ويتشكّل نسيجُها المعماري من زخرفة بنائية تمتدُّ بين ضريحي الإمامين الحسين والعباس (عليهما السلام).
وقد عمدت سلطة الإجرام بالعراق (التي تسلّطت منذ 17 تموز 1968م)، إلى هدم جميع هذه الأبنية بما تحويه من آثار، ومراقد، ومدارس دينية، وبيوت ذات قيمة تاريخية بحجّة التوسعة بين الضريحين.
(9) حبيب بن مظاهر الأسدي
حبيب بن مظاهر الأسدي من الصحابة الذين سمعوا الحديث عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله). نقلت المصادر الشيعية أنّه أقام بالكوفة بعد حادث مقتل الإمام علي (عليه السلام)، وكان مع ولده الحسن، ثمّ ولده الحسين (عليه السلام).
ولمّا قدم مسلم بن عقيل إلى الكوفة لازمه حبيب مع قادة الكوفة.
يقع قبرُه عند جهة رأس الحسين (عليه السلام).

مرقد الحر بن يزيد الرياحي
(10) الحر بن يزيد الرياحي
الحر بن يزيد الرياحي من أعيان التابعين، وأشراف تميم. ذُكر أنَّه أُرسل في كتيبه لاعتراض مسيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، والحيلولة دون وصوله إلى الكوفة. ولمّا إلتقى بالإمام، كما تحكي المنقولات، ندم وانصرف إلى معسكره، وقاتل بين يديه حتّى قُتل فنقلته عشيرته حيث موضعُهُ اليوم.
ومرقدُه يبعد تسع كيلومترات عن مدينة كربلاء على جهة الغرب، وهو عامرٌ مشيَّد تعلوه قبّة، ويُحيط به فِناء واسع، يقصده الزوّار، ويتبركون به.
قال السيّد محمد القزويني فيه:
إذا ما جئتَ مغنى (الطفّ) بادرْ لمثوى (الحُرّ) ويحكَ بالرواحِ
وزرْ مغناهُ مِنْ قُرب، وأنشدْ (لنعمَ الحرّ حرُّ بني الرياحِ)
وكان أحد الأدباء، قيل إنّه من آل الأعسم قد داعب أبا المعزّ السيّد محمد القزويني، عندما همَّ لزيارة الحرّ الرياحي، مخاطباً إيّاه بهذا البيت المفرد:
أشرْ (للحرّ) مِنْ بُعد، وسلّمْ (فإنَّ الحرَّ تكفيه الإشاره)
فأجابه القزويني:
زُرْ (الحرَّ) الشهيد، ولا تؤخّرْ زيارته على الشهداء قدّمْ
ولا تسمع مقالة مَنْ يُنادي (أشر للحُرّ من بُعد وسلّمْ)
ويُلاحظ جمالية هذه الحَلْبة الشعرية ببراعة استهلالها الذي لا يمكن أنْ يرقى إليه جواب.
(11) مسلم بن عقيل
مسلم بن عقيل بن أبي طالب. أحد أعمدة الإسلام، وقادته الكبار. صوّرته المنقولات أنَّه سفير الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة. وألصقت به الكثير من التحريف والتزوير.

مقام مسلم بن عقيل – الكوفة
فقد ذكرت الأخبار أنَّ ثلاثين ألف مقاتل بايعوه وعندما جاء إليهم خذلوه. وقد درسنا قصّة مسلم بن عقيل في كتابنا “المؤسسة الدينيّة الشيعيّة” دراسة مفصّلة، ظهر فيها زيف المنقولات التي تسرّبت إلى كتب التاريخ، وغطّت على حقائق الأشياء، وواقعيتها.
ومرقدُهُ عامرٌ مشيّد بمدينة الكوفة جنب المسجد الأعظم، متّصل بركنه الشرقي الجنوبي.
وقد وقف المؤرّخ الشيخ محمد حرز الدين على بعض آثار مرقد مسلم بن عقيل، منها: بقية شباك قديم كان قد وُضع على قبره، مصنوع من الحديد الصفر، وشباك آخر يعود تاريخه إلى سنة 1055هـ/ 1645م().
نُقل أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) وجَّه مسلماً إلى الكوفة ليأخذ البيعة له من أهلها، فخرج من مكة منتصف شهر رمضان سنة 60 للهجرة.
اكتشف والي الكوفة عبيدالله بن زياد مكانه بالكوفة فقبض على هاني بن عروة، وخرج مسلم قبل موعده، وحاصر قصر الإمارة ولكنَّ قواته تفرّقت، وانفضَّ أصحابُه من حوله، وبقي مسلم وحيداً يجوب شوارع الكوفة، فلجأ إلى بيت إمرأة إسمها (طوعة) آوته، ودافعتْ عنه، وحين علم إبنُها (بلال) بوجود مسلم في الدار أفشى خبره لوالي الكوفة، فأرسل قوّة هاجمت ابن عقيل، وأسرته.
قيل: إنَّ إبن زياد قتله مع رفيقه هاني بن عروة، وأمر بقطع رأسيهما، وأرسل بهما إلى يزيد بن معاوية. كما أنَّ جثتيهما سُحبتا بأسواق الكوفة.
وقد بيَّنا تهافت هذه الرواية جُملةً وتفصيلاً فيما كتبناهُ عن مسلم بن عقيل. فليُطلب هناك.
(12) هاني بن عروة
هاني بن عروة المرادي من قبيلة مذحج العربية، من زعماء الإسلام. أدرك النبي (صلّى الله عليه وآله) وصحبه. وفي رواية مسلم بن عقيل عندما جاء إلى الكوفة اتّخذ منزل هاني مقرّاً له.
وقد ذكرت المرويات التي أصبحت من المسلّمات لدى طبقات الشيعة أنَّ أمر هاني بن عروة انكشف لوالي الكوفة عبيدالله بن زياد في الإعداد للثورة مع مسلم بن عقيل، الأمر الذي دعا إلى إلقاء القبض عليه وسجنه. ويُستفاد من النصوص أنَّ معارك طاحنة كانت قد وقعت بين الطرفين قبل أن يُلقى القبض على ثوّار العلويين.
قُتل هاني وهو ينيف على التسعين عاماً. هكذا حكت الأخبار.
ويقع مرقدُه خلف مسجد الكوفة، وقد أُجريت عليه تعميرات متتالية. وهو اليوم عامرٌ مشيّد.

مقام عون بن عبد الله
(13) عون بن عبدالله الطيّار
عون بن عبدالله بن جعفر الطيّار، أمُّه زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلا).
ذكر المحقّق السيّد عبد الرزاق كمونة: أنَّ قبره يبعد عن مدينة كربلاء مسيرة فرسخ واحد على طريق المسيّب. واعتمد في تعيين المرقد الطاهر على ما أورده الإمام المُصَنّف السيّد مهدي القزويني أنَّ قبر عون بن عبدالله بن جعفر خارج الحائر الشريف().
وقد شكّك بعض الباحثين في نسبة المشهد إلى صاحبه، حيث قيل إنَّ المشهد هو لسميّه عون بن عبدالله بن جعفر بن مرعي بن حسن البنفسج بن علي المصفح بن إدريس بن داود بن أحمد المسوّر (وكان يسور في الحرب) بن عبدالله الصالح بن موسى الجون ابن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، من علماء الحائر الشريف، وله هناك مكانة مرموقة.
كانت له ضيعة في المكان الذي أُقبر فيه فيما بعد، فكان يُقيم فيها مدّة في الحائر، وقد أدركته الوفاة في المدّة التي أقام فيها في ضيعته، فدُفنَ حيث قبرُه الآن. نصَّ على ذلك ابن مُهنّا في (التذكرة ـ مخطوط).
وأملى عليَّ النسَّابة السيّد عبد الستار الحسني تحت عنوان “تحقيق حول مرقد عون الواقع قرب مدينة كربلاء”، ما نصّه: يتوهم البعض أنَّ المرقد الواقع بالقرب من مدينة كربلاء على سبعة أميال من شرقي المدينة أنّه عون بن عبدالله بن جعفر الذي أمّه الحوراء زينب بنت علي (عليها السلام)، إنّما عون المذكور مدفون في الحائر الحُسيني مع الشهداء في حفرة واحدة عند رجلي الإمام الحسين (عليه السلام)، وإنّما المرقد المعروف بهذا الاسم هو عون بن عبدالله بن جعفر بن مرعي بن علي بن الحسن البنفسج.
وكان سيّداً جليلاً، سكن الحائر الحُسيني المقدّس، وكانت له ضيعة على ثلاثة فراسخ عن كربلاء فخرج إليها وأدركه الموت فدُفنَ في ضيعته، فكان له مزار مشهور وقبّة عالية والناس يقصدونه بالنذر وقضاء الحاجات، وقبّته ماثلة للعيان.
ذكره النسَّابة السيّد جعفر بن السيّد محمد الأعرجي الكاظمي المُتوفى سنة 1333هـ/ 1914م في كتابه (مناهل الضَرَب في أنساب العرب).
(14) منتجبو الصحابة بالبقيع
مقبرة البقيع من المقابر الإسلامية التاريخية، ضمّت أجساد الكثير من الأئمة، والصحابة والتابعين، وأعيان البيت النبوي. وكانت هذه المقبرة عامرة بأضرحتها الأثرية. وفي 8 شوّال 1344هـ/ 21 نيسان 1926م تمَّ القضاء على جميع مراقد هذه المقبرة بفتاوى صدرت من الفقهاء الوهابيين الذين يعتقدون بحرمة زيارة القبور، لأنَّها، حسب عقيدتهم، إحدى أنواع الشرك.
وممّن دُفن في البقيع:
1 ـ عثمان بن مظعون. تُوفي السنة الثانية للهجرة، وهو أوّل مَنْ دُفن في هذه المقبرة.
2 ـ عبدالله بن مسعود المُتوفى سنة 32هـ/ 653م.
3 ـ العباس بن عبد المطّلب، عمّ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)، المُتوفى سنة 33هـ/ 654م، وإليه ينتسب السادة العباسيون.
4 ـ محمد بن سلمة، من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، تُوفي سنة 43هـ/ 663م.
5 ـ زيد بن ثابت، تُوفي سنة 45هـ/ 665م.
6 ـ عبدالله بن جعفر الطيّار بن أبي طالب، زوج العقيلة زينب بنت علي (عليه السلام). تُوفي سنة 80هـ/ 699م.
7 ـ محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، المعروف بابن الحنفية، تُوفي سنة 83هـ/ 702م.
8 ـ مالك بن أنس، تُوفي سنة 174هـ/ 790م.
(15) سلمان الفارسي
أبو عبدالله سلمان الفارسي أحد زعماء الإسلام، وقادته. تولّى الإمارة على المدائن أيّام الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطّاب. وبقي في السلطة فترة حكم الخلفاء الراشدين حتّى وفاته سنة 36هـ/ 656م. وقد بُولغ بعلمه، وما ينطوي عليه من أسرار الحكمة والعرفان حتّى نُقلت هذه المقولة: “لو يعلم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله”.
ورُوي حديث منسوب إلى النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: أمرني ربّي بحبّ أربعة، “علي، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد”.
ذكر البحّاثة السيّد جواد شبّر في “الضرائح والمزارات” ما يلي: سمّيت المدائن بهذا الاسم لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة من المدن المتّصل بعضها بالآخر. ولا يزال من آثار المدائن “الإيوان” المعروف بطاق كسرى، جوار بلدة سلمان پاك.
وتدلُّ الروايات التاريخية على أنَّ بناء هذا الإيوان يرجع إلى عهد سابور، ثمّ رمَّمه كسرى أنو شروان، فسُمّي باسمه “إيوان كسرى أنوشروان”، أو “إيوان كسرى”().
تُعرف منطقة المدائن لدى العراقيين بمنطقة سلمان پاك، (سلمان الطاهر). وپاك كلمة فارسيّة تعني “الطاهر”.
مرقده بالمدائن قريب من نهر دجلة، وطاق كسرى، ظاهرٌ مشهور يقصده الناس في مواسم الزيارة، وهو محاط بمنطقة أثرية جميلة.
وعلى مقربة منه قبر الصحابي عبدالله الأنصاري، والصحابي حذيفة بن اليمان، وعلى أثر التآكل الذي حصل في الضفة بمياه الفيضان نقلت الحكومة العراقية بقايا رفاتيهما إلى مشهده سنة 1350هـ/ 1931.
ولعظم مكانته بالإسلام، فقد ورد في فضله الحديث المأثور: “سلمانٌ منّا أهل البيت”.
وتأريخ سلمان أصابه الغموض، فلم تُنقل من أخباره إلاَّ القصص التي لا هدف وراءها، شأن الكثير من الشخصيّات التي أصابها الغموض والإبهام. أمّا واقع تاريخ مثل هؤلاء القادة الذين كانوا من دعائم الإمبراطورية الإسلامية فلم نظفر بسطر واحد منه سوى الاعتراف بتوليهم المناصب الرسميّة.
(16) حذيفة بن اليمان
حذيفة بن اليمان العنسي الأنصاري من كبار الصحابة. قاد الجيوش الإسلامية في فتح مدينة (دينور). وفي عهد الخليفة عمر بن الخطّاب اختير والياً على المدائن والعراق، فبقي فيها حتّى وفاته عام 40هـ/ 660م في الأيام الأولى لحكم أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام).
(17) أبو ذر الغفاري
الربذة قرية من توابع المدينة المنوّرة، وفيها قبر أبي ذر الغفاري، جندب بن جنادة. ذكرت المصادر أنَّ أبا ذر اعترض على تصرّفات الخليفة عثمان بن عفّان في تقسيم العطاء، فخرج مغاضباً، وقيل إنَّ الخليفة نفسه كان قد نفاه إلى الربذة، حيث تُوفي بها سنة 32هـ/ 653م، كما تنقل الأخبار، وليس معه أحد إلاَّ ابنته.
وبالغت المرويات في طريقة نفي أبي ذر، وكيف خرج على “قتب ناقته بغير وطاء، ثمّ أنجوا به الناقة، وتعتعوه” حتّى وصل الربذة، حيث أخرجوهُ من المدينة “متعتعاً ملهوزاً بالعصي”.
زار العلاّمة الشيخ عبد الهادي الفضلي سنة 1409هـ/ 1989م ـ الربذة التي تقع شرقي منطقة الحجاز، وتُعرف أطلالها بالبركة، وقال: “ضللنا الطريق أكثر من مرَّة في صحراء جرداء قاسية، وبعد وصولنا إلى جبل السنام، انحدرنا إلى الربذة، وهي تبعدُ خمسة عشر كيلومتراً عن الجبل”.
وقد وصفَ الفضلي الموضع الذي عليه الربذة، ممّا يدلُّ على أنَّ المنطقة مهجورة بالكامل. قال: “في الربذة بئر ماء صالحة للاستعمال، وبُركة إسطوانية الشكل، كبيرة جدّاً، إلى جنبها حوض ماء مستطيل. وبالقرب منها مسجد كبير متهدّم، وفيه محل وضوء يمين القبلة”.
وتوجد مقبرة قرب المسجد يتوسّطها قبر أبي ذر، مع مدافن أخرى لبعض الصحابة، عليها كومة من الحجارة، وقد وُضعتْ علامة على قبر أبي ذر تدلُّ عليه.
حدَّثني الشاعر السيّد حسن خليفة: أنَّ المكان المعروف بالربذة كان قبل سنة 1989م خاضعاً لتنقيبات مديرية الآثار (جامعة الرياض)، وقد وُضعت علامات على مواضع متعدّدة هناك. كما ذكر أنَّ البئر الموجودة فيها، يرجع تاريخ بنائها إلى القرن الثامن الهجري.
(18) كميل بن زياد
مسجد الحنّانة من مساجد النجف القديمة التي قيل إنَّ بعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يُقيمون الصلاة فيه. وفي خبر أنَّ رأس الإمام الحسين (عليه السلام) دُفن فيه، وهو رأي باطل، ومجانب للصواب. وبالقرب منه موضعٌ يُقال له “الثَويّة”، وفيه مدافن بعض أتباع الإمام علي (عليه السلام) من القادة المسلمين الكبار.
قيل أوّل مَنْ دُفن بها الخبّاب بن الأرث المتوفى سنة 37هـ/ 657م، ثمّ سهل بن حنيف سنة 38هـ/ 658م، والأحنف بن قيس سنة 67هـ/ 686م، وكيل بن زياد النخعي المتوفى سنة 82هـ/ 701م، وغيرهم.
إشتهر مرقد كميل بن زياد النخعي من بين المراقد في هذه المنطقة، وقد تسالمت عليه الأيدي بالحفظ.
قال حرز الدين: على مرقده قبّة بيضاء صغيرة على تل عال من الأرض في الصحراء، مسافة ميل واحد عن سور مدينة النجف الأشرف شرقاً على يسار الذاهب من النجف إلى مسجد الكوفة().
ويُعدّ كميل بن زياد من كبار الصحابة العلماء، تولّى السلطة ضمن تشكيلة الإمبراطورية الإسلامية، وأدار العديد من الولايات الإسلامية بالعراق.
وقد خلّده الدعاء الذي علّمه إيّاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلا) المعروف باسم “دعاء كميل”، الذي ما زالت كلماتُه المشبّعة بالمضامين الروحيّة والفلسفية تتردّد في دور العبادة بكلّ بقاع الأرض.
كما اشتهرت وصيّة الإمام علي (عليه السلام) له، التي يقول فيها: “يا كميل، احفظ عنّي ما أقول لك؛ الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع”.

مقام ميثم التمار
(19) ميثم التمّار
ميثم التمّار الأسدي الكوفي: من زعماء الكوفة وساداتها، عُرف بالتمّار لتجارته ببيع التمور.
له مرقدٌ عامرٌ مشيّد بالكوفة، قريب من مسجدها الأعظم جدّد عام 1384هـ/ 1964م، وأرَّخه السيّد محمد الحلّي بقوله “وميثم التمّار قد جُدّدا”.
ذكرت الأخبار أنَّ ميثم التمّار كان عنده علم المنايا والبلايا، وهو مطّلع على الأسرار، ويمتلك موهبة التنبؤ بالمجريات قبل وقوعها. ويُعزى ذلك إلى علم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لقّنه به، وعلّمه إيّاه.
نُقل أنَّ الإمام علي (عليه السلام) قال له: “ستؤخذ بعدي فتُصلب، وتُطعن بحربة، فامض معي حتّى أريك النخلة التي تصلب على جذعها”!,
(20) رشيد الهجري
رشيد الهجري من خاصّة الإمام علي (عليه السلام)، وتلامذته الذين تخرّجوا عليه. نُسبَ إليه كما نُسب لميثم التمار تضلعه بعلم المنايا والبلايا، فكان يعرف مستقبل الأمور من حساباتها، وله طريقة في ذلك.
أمّا هذه الطريقة فهي صحيحة ومتّبعة، وقد نُقل أمثالها في عصرنا هذا بوجود بعض المؤلفات التي تدلُّ على كشف نتائج الحوادث بأزمانها.
وقد سمعتُ بحادثتين متداولتين في وقتهما:
الأولى: حدَّثني بها صديقي النابغة الدكتور سيل أنور الملائكة حيث ذكر أنَّ مجموعة من أسرة آل الملائكة كانت تُقيم جلسةَ أسبوعية في أحد بيوت الملائكة، وفي ذلك الأسبوع كانت الجلسة قد انعقدتْ بدار الأستاذ جميل الملائكة. وممّن حضر الجلسة قريبٌ لهم هو عباس الچلبي، وكان ضعيف البصر، ناف عمره على الخمسين.
وكان لدى بعض أفراد أسرة الملائكة كتاب حول “تاريخ الحياة والممات”، هو بقية صندوق، فيه كتب جدّ الأسرة الشيخ عيسى الكبير. فجرى الحديث حوله فأخذ عباس الچلبي الكتاب على سبيل التحدّي، وبدأ يحسب في جداوله، وطرائقه، فحصل على نتيجة مفادها أنَّه يموت “بعد أسبوع واحد، الساعة الحادية عشرة ليلاً، يوم الخميس”. ولم يُحمل الموضوع محمل الجدّ من قِبل جميع الحاضرين، ومنهم الچلبي نفسه.
وبعد أُسبوع واحد، وفي تمام الساعة الحادية عشرة مات عباس الچلبي، فصُعق مَنْ علم بالواقعة.
الثانية: ما نُقل عن وفاة الشاب العلاّمة الشيخ محمد رضا شمس الدين بالنجف سنة 1377هـ/ 1958م (عن عمر قارب التاسعة والعشرين عاماً، كتب خلاله سبعين مؤلفاً بين صغير وكبير، وأغلبها من المبتكرات) ـ، فقد أخبره أحد أقرانه وهو الشيخ محمد عزّ الدين المتوفى في 16 آذار 1977، طبقاً لحسابات كتاب كان يحتفظ به، أنَّ (سرداب) داره بالنجف سوف يسقط عليه، ويقتله (وحدّد له الزمان).
لم يحمل الشيخ شمس الدين الأمر على محمل الجدّ. وبعد فترة أجريت بعض الترميمات في داره، وبالسرداب بالذات، وكان شمس الدين قد نزل مع العمّال لإلقاء نظرة على العمل فانهدم السرداب عليه، وقتله وحده، بعدما نجا جميع العمال من الحادث.
ولمّا سمع المرجع الأعلى السيّد محسن الحكيم بخبر الشيخ عزّ الدين، منعه عن استعمال هذا العلم.
وللحديث تفصيل أوردته في ترجمة الشيخ محمد رضا شمس الدين في كتابي (أعلام الأدب المنسي بالعراق في القرن العشرين).
* * *
يقع مرقد رشيد الهجري بباب النخيلة ضمن حدود الكوفة قديماً، شرقي مرقد ذي الكفل على بُعد خمسة كيلومترات على يمين الذاهب من مسجد الكوفة.
قال الشيخ حرز الدين: وقفنا على مرقده سنة 1308هـ/ 1891م، وكان في حجرة صغيرة عليها قبّة بيضاء عتيقة مبنيّة بالجص والحجارة القديمة بارتفاع سبعة أذرع.
وفي 1387هـ/ 1967م زار الشيخ محمد حسين حرز الدين حفيد الشيخ حرز الدين، ومحقق كتابه (مراقد المعارف) ـ مرقد رشيد الهجري، وكانت عليه قبّة غير القبّة التي وصفها جدُّه قبل ثمانين عاماً من رؤيته إيّاها().
وفي عصرنا جدّد الحاج مقداد حاجم السعد البناء، وانتهى منه سنة 1414هـ/ 1993م مستخدماً لوحات المرمر التي رصفها على الضريح، والقبّة مع الإيوان المزيّن بالكاشاني، مع باحة تقارب ثلاثة آلاف متر مربع لاستراحة الزائرين ولوقوف الحافلات أيام الزيارة.
(21) حجر بن عدي الكندي
حُجر بن عدي الكندي من زعماء الكوفة وساداتها. مرقده في قرية عذراء القريبة من دمشق.
نُقل أنَّ معاوية بن أبي سفيان نفّذ فيه القتل مع ستّة أنفار من أصحابه.

تعمير مقام حجر بن عدي (مرج عذراء) ـ دمشق 1983
والذي يظهر من خلال تسلسل نصوص التاريخ أنَّ حجراً وأصحابه زحفوا لإسقاط الحكم الأموي بالشام. وطبقاً للنصوص ذاتها فإنّهم لاقوا مصيرهم بالقتل على ما نُقل من حكايا من الصعوبة إثبات بعضها فضلاً عن جُلّها.
وسيرة حجر وتاريخه أصابهما الطمس شأنهما شأن سيرة أقرانه من القادة المسلمين.
نقل الشيخ حرز الدين: أنَّ على قبر حُجر دكّة يُضلّلها سقف حجرة صغيرة إلى جنب مسجد عامر بالمصلين المسلمين().
وقد زرت مرقده أوائل شهر صفر سنة 1403هـ/ 1983م بصحبة العلاّمتين السيّد عبد الزهراء الحُسيني الخطيب، والشيخ حسن فرج الله في مرج العذراء، وهي منطقة تبعد عن العاصمة دمشق ثلاثين كيلومتراً. وكانت على القبر قبّة قديمة، وحولها بناء حديث وفي هذا العام بدأ إعمار المقام يتجدّد تجديداً حديثاً.
وقد رأيتُ صخرة على القبر كُتب عليها “جدَّدَ بناء مقام هذا الصحابي الجليل حجر بن عدي، المحسنان الكريمان ثقة الإسلام الحاج أغا رفيع، وشيخ العراقين بمساعي الحاج مهدي البهبهاني عام 1375هـ/ 1955م”.
وتحت هه الكتابة توجد صخرة أثرية قديمة مكتوب عليها أسماء مَنْ دُفنَ مع حُجر. وقد نقلتُ ما كُتب على هذه الصخرة، في “الروض الخميل”.
وفي عام 1422هـ/ 2001م قمنا بزيارة للمرقد المطهّر برفقة أخي الأجل السيّد حيدر القزويني (الذي إلتقيتُه لأوّل مرّة منذ عام 1398هـ/ 1978م بعد غياب دام أكثر من عشرين عاماً)، وبرفقة صديقنا الأعز، زينة المحافل الأستاذ الحاج عبد الرزاق الحاج غنّاوي السعدي (المقيم بمدينة بعلبك)، فرأينا العمران قد امتدَّ إلى المقام بما لم يشهد له سابق، كما أنَّ قوافل الزائرين كانت تغصُّ بالمقام ذهاباً وإياباً.
(22) عبدالله بن عفيف الأزدي
عبدالله بن عفيف الأزدي من العلماء الزهّاد، ومن زعماء قبيلة الأزد بالكوفة، ومن تلامذة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعتمديه.
قيل: إنَّه أُصيبَ بالعمى أواخر سنيّه، وبعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) تحدّى والي الكوفة عبيدالله بن زياد، فقتله. ولنا على قصَّة مقتله تعليق ليس هذا موضعه.
(23) عمرو بن الحمق الخزاعي
عمرو بن الحمق الخزاعي الكوفي من الصحابة الأجلاّء، ومن أعمدة الحكم في الدولة الإسلامية، تُوفي سنة 51هـ/ 671م.
ومرقده بظاهر مدينة الموصل عند أعلى نهر دجلة، وتُعرف مقبرته بمقبرة النقيب.
نُقل أنَّ معاوية بن أبي سفيان طلبه بعد فشل ثورة حجر بن عدي الكندي، فهرب إلى الموصل، ومات فيها.
قد التصقت في مسيرة حياته مرويات مُفكَّكة حلّت محلَّ تاريخه الواقعي الذي لم يصل إلينا شيء منه.
جودت القزويني
لمحات من حياة الشاعر الكبير
أحمد الصافي النجفي
أحمد الصافي النجفي شاعر مبدع من بلاد الرافدين، كان يحمل في أعماقه طهر القباب الذهبية وإباء النخيل الباسقات، وحبّاً لا ينضب لأمته، فأنتجت قريحته الوقّادة قصائد عذاباً، تبقى غرراً فريدة في ديوان الشعر العربي، عاش شاعرنا المبدع شريداً ومات جريحاً وترنو عيناهُ إلى بلاده ليحتضنها بعد سني الغربة، ولكنّه عاد مهيض الجناح، أقرب من الضرير إلى البصير فلم يرَ من حبيبه الوطن غير نسائم الفراتين تداعب قلبه المتعب من أعباء السبعين، هذا هو سفر الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي نتعرّف على جوانب من حياته الأدبية من على أجنحة هذه اللمحات.
نبذة عن المولد والنشأة
آل الصافي أسرة علوية يرجع تاريخ وجودهم في العراق إلى القرن الرابع الهجري، وهاجر أجدادهم إلى النجف الأشرف ومنطقة الحيرة القريبة منها حيث استقرّ قسم منهم هناك. وفي النجف الأشرف وُلد الشاعر الموهوب أحمد الصافي النجفي عام 1897م، والتي اعتبرت آنذاك قبلة للأدباء والشعراء والعلماء لكثرة دواوينها العلمية والأدبية ومنابرها الوطنية. وكان أكثرها شهرة هو ديوان السيّد محمد رضا الصافي عميد أسرة آل الصافي الأديب والشاعر، وهكذا نشأ الشاعر أحمد الصافي في هذه الأجواء، وفي كنف شقيقه السيّد محمد رضا (صاحب الديوان)، فقرض الشعر في العاشرة من عمره، وترعرع في جو عائلي يكاد يكون علمياً خالصاً، من الآباء والأجداد والأصدقاء، فشبّ على عمر يقترن فيه العلم بالحرية. والثورة بالحياة، حفظ القرآن الكريم صغيراً وأتقن العربية وعلومها حتّى درّس فيما بعد الأدب العربي بطهران أثناء تواجده فيها ـ سيأتي الحديث عنه لاحقاً ـ. اشترك الصافي النجفي في تجمّع أدبي ضمّ نخبة من شباب النجف، اتّخذوا من مدرسة آل الخليلي الكبرى مقراً، فشرع يقرأ بشغف الكثير من الدواوين الشعرية والقصص الأدبية.
أحمد الصافي ورباعيات الخيام
أثناء مطالعاته الكثيرة للآداب المختلفة في التجمّع المذكور، شغف بترجمة الأديب اللبناني وديع البستاني لرباعيات الشاعر الإيراني الحكيم عمر الخيّام التي نقلها (البستاني) عن اللغة الإنكليزية لـ (فيتزجيرالد) ولقد أسف الصافي وقتها لأنّ المترجم وديع البستاني لم يترجم من رباعيات الخيّام إلاَّ سبعين رباعية وتمنّى لو كان قد أتمّ هذه الرباعيات التي تجاوزت المائتين في تحقيق المستشرق الالماني (خولدكه)، هذا وظلّ الصافي تراوده فكرة ترجمة هذه الرباعيات على أمل تحقيقها، والجدير ذكره أنّ ترجمة وديع البستاني لرباعيات الخيام تعتبر أقدم ترجمة للعربية، ثمّ جاءت ترجمة الشاعر أحمد الصافي، والشاعر العراقي طالب الحيدري والشاعر المصري الشهير أحمد رامي. والشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي، وفاضل عبد الحق المصري والشاعر البحريني إبراهيم العريض وغيرهم.
الصافي يترجم رباعيات الخيام في إيران
وهكذا بدأت قصة ترجمة الصافي النجفي لرباعيات الخيام، وأخذت تتبلور لتظهر في عالم الأدب الرفيع بصورتها الرائعة، ففي العشرين من عمره اشترك الصافي مع صديقه عباس الخليلي في التجارة فاشتريا محتويات سفينة جاءت من البصرة إلى الكوفة محمّلة بالأقمشة وهي أوّل سفينة أتت من البصرة عقب احتلال الإنكليز لبغداد، وحين حُكم على صديقه الخليلي بالإعدام لاشتراكه في ثورة العشرين المعروفة (30/6/1920) تسلّم الصافي البضاعة خوفاً من مصادرة سلطة الاحتلال لها، وحين دوهمت بيوت آل الخليلي بحثاً عن عباس الخليلي الهارب دُوهم بيت الشاعر أيضاً، فخاف الصافي على نفسه وفرَّ إلى إيران ملتحقاً بصديقه الذي وصلها قبله ليستقرّ فيها، وفي مدرسة (مرو) بشارع ناصر خسرو في قلب العاصمة طهران حصل الصافي على غرفة مستقلة مع مخصّصات شهرية مكّنته من العيش إلى حدّ ما فجدَّ في تعلّم اللغة الفارسية وقرأ بها الكثير من الأدب الفارسي حتّى أتقنها بصورة جيّدة وانكبَّ على رباعيات عمر الخيّام التي عشقها من قبلُ ووجد أنّها أكثر من أربعمائة رباعية وبدأ بترجمتها بشغف وحبّ شديدين ليحقّق حلمه القديم، والتقى الصافي النجفي بكبار رجال السياسة والعلماء والشعراء ووجوه البلد في ديوان أحد الوجهاء الإيرانيين عن طريق صديقه القديم عباس الخليلي فعرفوا فضله ومقدرته الأدبية والعلمية خاصّة بعد أن أتمّ ترجمة رباعيات الخيّام وكانت أجود ترجمة لرباعيات الشاعر الفيلسوف عمر الخيّام على يديه والتي كان من أشدّ المعجبين بهذه الترجمة (بهار) وهو الشاعر الذي احتلَّ في اللغة الفارسية منزلة (أحمد شوقي) أمير الشعراء في اللغة العربية، وكان العلاّمة الكبير محمد القزويني الذي درس عليه الدكتور مصطفى جواد بباريس أيام دراساته العليا في (السوربون/ فرنسا) في مقدمة المعجبين بهذه الترجمة، ولإعجاب القزويني هذا قيمة كبيرة في عالم الأدب بصفته أحد العلماء المتضلعين باللغة العربية وآدابها فضلاً عن تضلعه باللغتين الفارسية والفرنسية وكان نتيجة هذا الإعجاب بترجمة الصافي لرباعيات الخيّام أن تولّى السيّد القزويني تقديم هذه الترجمة بقلمه، والتي طبعت خمس مرّات وبثلاثمائة وإحدى وخمسين رباعية بمتانة جيّدة وتعبير دقيق لأغراض الشعر وعلى أثرها قُلّد وسام العضوية في النادي الأدبي بطهران وعمل في الصحافة والترجمة كما درَّس الأدب العربي في جامعة طهران، وبعد سبع سنوات قضاها في إيران عاد إلى النجف الأشرف عام 1927م، وكان له علاقة كبيرة برباعيات الخيّام المترجمة ويحملها معه في حلّه وترحاله فهي معه أثناء عودته إلى النجف الأشرف ومنها إلى بغداد، وأخيراً في حقيبة سفره مع أشعاره إلى سوريا فلبنان لكثرة تعلّقه وشغفه بها ومن مواقفه في هذا المجال أنّه رفض استلام مبلغ (500) دينار عراقي من بعض دور النشر في بغداد وبيروت لإعادة طباعة ترجمته لرباعيات الخيّام مُعلّلاً ذلك أنّها كانت تردّد على أفواه الجهلة في نوادي اللهو والمجون ولأنّ رباعيات الخيام أرفع وأسمى من ذلك. ونذكر هنا إحدى الرباعيات المترجمة لشاعرنا المبدع الصافي النجفي (رحمه الله) ():
قد انطوى سفرُ الشبابِ واغتدى ربيعُ أفراحي شتاءً مُجدبا
لهفاً لطيرٍ كانَ يدعى بالصِّبا متى أتى وأيّ وقتٍ ذهبا
أمّا صاحب الرباعيات الشهيرة فهو العارف الحكيم أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخياميّ النيشابوري فيلسوف ورياضي ومنجم وشاعر إيراني، عاش في نهاية القرن الخامس الهجري وتعود شهرته الواسعة في العالم إلى شعره الرباعي في حين كان اهتمامه العلمي يفوق اهتمامه الأدبي والشعري بشكل خاص، بل إنّه كان يلجأ إلى الشعر حينما كانت تداهمه موجة من الإرهاق والتعب ـ حسب ما يذكره لنا التاريخ ـ من شدّة الانهماك العلمي ويتّخذ من الشعر الوجداني وسيلة للراحة لما فيه من إيقاعات موسيقية وآفاق واسعة تثير البهجة والسرور في أعماق النفس فيرتمي في أحضانها هرباً من الجدية العلمية ذات العناء الشديد فكان حصيلة ذلك الهروب اللطيف تلك الرباعيات الجميلة التي طبقت شهرتها الآفاق حتّى ترجمت إلى عدّة لغات عالمية بعد أن شغف بها العديد من العلماء والشعراء في شتّى أنحاء العالم ومن بينهم شاعرنا المبدع أحمد الصافي النجفي.
أحمد الصافي ونماذج من أشعاره الإيمانية
ولشاعرنا السيّد أحمد الصافي أشعار كثيرة تنبعث منها الروح الإيمانية بجلاء، والتي نقتبس منها مقتطفات لمقالنا هذا، فشاعرنا المرحوم كان يبدو في فترات من خلوات حياته إنساناً متفكراً أقرب إلى الصوفي المتأمل بعظمة الوجود وخالقه العظيم، فيقول شعره في الله عزَّ وجلَّ والإسلام رقيقاً خاشعاً وكأنّما يستغفر ربّه تائباً من ذنبه لعلّة انشغاله في حياته الطويلة عن التعبّد، وكثيراً ما كانت أشعاره تذاع من الإذاعة اللبنانية في بيروت آنذاك في السبعينات. وتنشر في مجلتها “هنا بيروت” والتي كنت أواظب على مطالعتها وقتذاك، ومن تلك القصائد الفريدة “التقاعد المضمون” يناجي فيها ربّه بنبضات عرفانية جميلة وضمان تقاعده عند الله سبحانه وتعالى في رضاه عنه الذي لا يثمن بأي راتب تقاعدي، ومن تلك الأشعار قصيدته “الله” نلاحظ فيها النبضات العرفانية والعقائدية، لِمَ لا وهو ابن النجف وحافظ القرآن الكريم، والدارس العلوم الدينية في الحوزة العلمية على أيدي أساتذة كبار، منهم: حسين الحمامي وآية الله العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني:
راح يقوي على المدى إيماني فبربي قد امتلأ وجداني
قيل لي هل عرفته بدليل أو بحسٍّ أو عيانِ
قلت كلا إيمان قلبيَ أقوى من دعاوى الحواسِ والبرهانِ
واضح لي وضوح روحي وعقلي ماثل في مداركي ككياني
هو رمز الوجود سرّ التجلي هو روح الأكوان معنى المعاني
كلّما عفته رجعت إليه كرجوع الأفياء للأغصانِ
فاعتقادي بالله روح وجودي وجحدي له انتحار ثانيِ
ممسك بي وإن تخليت عنه حافظ لي وإن تركت عناني
وهذه أبيات من قصيدة بعنوان العقل والله في طياتها نفس الأفكار العرفانية والتوحيدية إذ يقول:
إذا طغى العقلُ على ربِّهِ فالعقلُ معناهُ هو الجهلُ
يعترضُ العقلُ على خالق من بعض مصنوعاته العقلُ
إن بانَ فضلُ العقلِ في صُنعه فصانع العقل له الفضلُ
عبدته لم أدْرِ ما كنهه والجزء هل يعرف ما الكلُ
لم أدْرِ إلاَّ أنَّهُ خالقي ولأنّني لشمسه ظِلُّ
وله قصيدة في فضل القرآن وإعجاز بيانه الفريد:
متى رُمْتَ تحليقاً إلى العالم الثاني اتّخذتُ جناح النفس آية قرآنِ
وإنْ رحت أتلو آية متمتعاً رجعت ملاكاً لابساً جسم إنسانِ
فدنيا تعاليم وكون فصاحة ومجمع أديان ومنبع عرفانِ
أغر بأشعاري ولما تلوته هزأت بأشعاري وفني وتبياني
ومن درر قصائده الإيمانية نشيده “الله أكبر”:
أُفكِّرُ بالسفاسفِ في الحياةِ وأحسبُها حقائقَ راهناتِ
فيقطعُ لي سلاسلَ تُرَّهاتي صياحُ مؤذنٍ اللَّهُ أكبر
واضربُ سادراً بينَ الهمومِ وأسعى للوصولِ إلى النعيمِ
فيهديني إلى النهج القويمِ هُتاف مؤذنٍ اللَّهُ أكبر
وأفني في الرقادِ ثمينَ عمري كأنّي ميتٌ في جوفِ قبرِ
فيوقظني لأُحشرَ كلَّ فجرِ صِياحُ مُؤذن اللَّهُ أكبر
وأغرق في مطالعة الكتابِ وأنعمُ بينَ أوهامٍ عذابِ
فيرجعني إلى دنيا الصوابِ صُراخُ مؤذن اللَّهُ أكبر
وأسعى نحوَ آمالٍ عظامِ وأخشى أن يُخيِّبها حِمامي
فيشفيني من الداءِ العقامِ هتاف مؤذن اللَّه أكبر
واذهبُ لتنزه في اختيالِ وأمرحُ بين أنواعِ الجمالِ
فيوقفُني ويسخَرُ من خيالي نداءُ مؤذنٍ اللَّهُ أكبر
وتُبهرُني أحاديثُ العظامِ وما تحويهِ من حكمٍ سوامِ
سينفذُ في غدٍ كلُّ الكلامِ ولا يبقى سوى اللَّهُ أكبر
ويمعن في أحاديث شتاتِ ونبقى بينَ هاك وبين هاتِ
ونُمعنُ في التخاصمِ والنضالِ ونُفني العمرَ في قيل وقالِ
فيعلو قاطعاً صوتَ الجدالِ صِياحُ مؤذنٍ اللَّهُ أكبر
ونأخُذُ في أحاديث شتاتِ ونبقى بينَ هاك وبينَ هاتِ
فاسمعُ صوتَ حيَّ على الصلاةِ فانهضُ صائحاً اللَّهُ أكبر
وهناك نماذج كثيرة من أشعاره الإيمانية بين دفتي دواوينه العشرة ومجموعته الأخيرة من أشعاره التي لم تنشر.
أحمد الصافي وقضية فلسطين
ولشاعرنا الكبير أحمد الصافي مواقف وطنية رائعة تظهر عليه بوضوح في أشعاره منها ما قاله في فلسطين السليبة يحثُّ فيها المسلمين والعرب على تحريرها من براثن الصهيونية العالمية، منها:
أتصبحُ هاتيكَ الحقائقُ أوهاما ويحكُمنا صهيونُ عرباً وإسلاما
إلهي إنْ نعجزْ فلستَ بعاجزٍ فما لَكَ قد أسكنْتَ بيتَكَ هدّاما
أفي منزل الأرواحِ تُسكنُ أجساما وفي مهبطِ الأملاكِ تجعلُ أصناما
وفي شرقِكَ الروحي تتركُ أمّةٌ تكالبُ أطماعاً وتنهشُ إجراما
وما الشرقُ إلاَّ معبدٌ لكَ خالدٌ لدينِكَ كُهذاناً يضمُّ وخدّاما
أتصبحُ أرضُ القدسِ دارَ خلاعةٍ وتُبدَّلُ من طُهرِ العبادةِ آثاما
وقد ذكر الدكتور محمد حسين الصغير في مقدمة كتابه “فلسطين في الشعر النجفي المعاصر” أبياتاً لشاعرنا المرحوم أحمد الصافي النجفي، منها:
محمدٌ هل لهذا جئت تسعى وهل لك ينتمي همل مشاعُ
أإسلامٌ وتغلبهم يهودٌ أآسادٌ وتقهرُهم ضباعُ
شرعتَ لهم طريقَ المجدِ لكنْ أضاعوا نهجَك السامي فضاعُوا
صور من إبائه وعزّة نفسه
كان شاعرنا الكبير أحمد الصافي النجفي مشهوراً بشدّة إبائه وعزّة نفسه ورفضه لكلّ ما يشمّ منه رائحة العطف أو المساعدة حيث يعتبر هذا الأمر استهانة به وجرحاً لكرامته رغم سوء حالته الاقتصادية وحاجته الشديدة إلى المال، حتّى أعيا هذا الأمر أهله في مدينة النجف الأشرف الذين كانوا يسعون إلى مساعدته والتخفيف عن كاهله وهو في سوريا أو لبنان، ولكنّه كان يرفض هذه المساعدة ويعيد لهم المال دون أن يمس منه شيئاً، وفي إحدى المرّات أنشأ عدد من الأدباء في بلاد الشام نادياً أدبياً ودعوا الصافي إلى إلقاء قصيدة فيه وقد لبّى الصافي الدعوة وألقى قصيدة عامرة، وبعد فترة عرض عليه النادي القبول بعضويته وضمنوا له شراء كافة مخطوطات دواوينه مع شراء بيت له يكون سكناً دائماً له بدلاً من التنقّل في الفنادق، غير أنّه رفض هذا العرض المغري بعد أن شعر أنّ هنالك نوعاً من التعاطف والشفقة في هذا المجال.
وفي إحدى المرّات دُعيَ شاعرنا الصافي إلى إلقاء قصيدة في إحدى المنتديات الأدبية في لبنان، وقام عريف الحفل بتعريفه مطلقاً عليه لقب أمير الشعراء، ولكن هذه التسمية أثارت الشجون في نفسه فضمتها رباعياته الشهيرة حيث يقول:
فكم من أحمق فيهم دعاني أميراً مالئاً قلبي شجونا
دعاني بالأمير وكنت أولى بأن أُدعى أمير المفلسينا
ويقول أيضاً:
صافحتْني يدُ امرئ فرآني ساخنَ الكفِ من لظى الوسواسِ
قال هذي حرارة الإيمان قلتُ لا بل حرارةُ الإفلاسِ
ومن أجمل ما وصف به إفلاسه قوله:
براني الاقتصادُ وهدّ جسمي بمنعي عن مآكلِ واجباتِ
أضرّ بيَ الطوى حتّى كأنّي لنقصِ الأكلِ آكلُ من حياتي
وفي الإفلاس والمرض يقول:
مذ رآني الطبيبُ قال دعْ السعي وهمّاً به حشاكَ يجيشُ
قلتُ إنّي أسعى ولا ألحقُ العيشَ فإن أسترحْ فكيفَ أعيشُ
وبلغ من إباء الصافي بحيث صار يشكّك حتّى في هدية الصديق المألوفة مثل ساعة اليد أو القلم أو مبلغ من المال، حيث كان يسائل نفسه: أهي هدية من الهدايا المتعارفة عند الناس أم هي ضرب من ضروب المساعدة والإشفاق. وفي إحدى المرّات قدّم له صديق قديم مبلغاً من المال داخل رسالة في مناسبة من المناسبات فحار الصافي في رفض المبلغ أو قبوله، وقد عبّر عن هذه الحيرة في أبيات، منها:
ونبيلُ قومٍ جادَ لي برسالةٍ فواحةٍ من لطفِهِ بعبيرِهِ
وإذا بها ملغومةٌ بسخائِهِ فاحترتُ بين مسائتي وسرورِهِ
حاولتُ ردَّ سخائِهِ فخشيتُ أن أقضي على نبعِ السخا بضميرِهِ
فرضيتُ منكسراً بجرحِ كرامتي وقبلتُ جرحي خوفَ جرحٍ شعورِهِ
ولعلّ الكثير من الأدباء آنذاك يجهلون هذه الصفة في شاعرنا الصافي فكانوا عندما يكتبون عنه يفيضون في شرح أبعاد شاعريته يعرجون إلى بؤس حالته وضنك عيشه ويحثّون الحكومة العراقية على تخصيص راتب له لإنقاذه من حالة البؤس وشظف العيش، فكان الصافي عندما يقرأ ما يكتب عنه يستشيط غضباً. وفي إحدى هذه الحالات سارع الصافي إلى إرسال رسالة إلى الصحف العراقية يقول فيها: لقد حرتُ والله ماذا أكتب وبماذا أجيب كلام هؤلاء الأصدقاء والمحبين الذين لا يعرفون كيف يظهرون عواطفهم تجاهي فيجرحونني وهم يحسبون أنّهم يداوون جرحي. لقد أصبت من الزمان بجروح كثيرة ولكن كان أعمقها في نفسي التوجّع لي والتأسّف والتهلف عليَّ.
وفي هذا المضمار حدثت جفوة طارئة بينه وبين صديقه الحميم عباس الخليلي وعلى أثرها جاءت قصيدة الصافي الشهيرة التي تحمل عنوان “الصديق الثري” وفيها يقول:
فكم قضَيتُ دهراً مع صديقي يظلّلُنا لشقوتنا الهناءُ
توفّق للغنى فأزورَّ عنّي وبدَّل بالجفا منه الإخاءُ
لذاك نأيتُ عنه وفي فؤادي بقايا الودِّ يطردُها الجفاءُ
وذكرى الودِّ لا زالت بقلبي لدى الأيام يحفظها الوفاءُ
وأبكي كلّما أرنو إليها ويسبقُها ـ متى ترني ـ البكاءُ
وأرثي بالقريضِ قديمَ حبّي لو أنّ الميتَ يُرجعُهُ الرّثاءُ
أدام الله أصحابي بفقر مخافة أن يفرقنا الثراءُ
وتعليقاً على ما ورد أعلاه ذكر الأديب جعفر الخليلي في كتابه الشهير “هكذا عرفتهم”: ويوم ذكر لي الصافي أنّه يقصد بهذه الأبيات أخي عباساً لم أصدق عن أخي حسبما أعرف أنا عنه ويعرف عارفوه أن يكون للمال عنده قيمة فسكت الصافي. ولم يرد عليَّ. لذلك لا يبعد أن يكون للوهم أثره في هذه الجفوة سواء كان قد داخل ذهن أخي أو داخل ذهن الصافي أو داخل ذهن كليهما معاً وهذا الأخير أرجح، وإلاَّ لماذا لم يسأل عن الصافي بعد انقطاعه. وأشهد أنّ أخي كان يسألني عنه مرّات في رسائله ويسألني عنه عند زيارتي له في طهران ويحنّ إليه.
هذا وكان شاعرنا الصافي النجفي يعيش على موارد دواوينه، وكان مترفّعاً عن قبول المساعدات المالية التي تقدّمها الجهات الرسمية إليه وترفع عن المدح. وهكذا امتاز الصافي النجفي بعزّة النفس وبالإباء المنقطع النظير متطبعاً مع فقره وإفلاسه الدائم بانشراح لوجود ملكة القناعة في أعماق نفسه الأبية حتّى ضُرب به المثل، وهو القائل:
أنا حسبي ثروة من أدبٍ قد كفتني عن طلاّب الذهب
فليدم جيبي فقيراً إنّما فقرُ جيبي ثروةُ للأدب
ويقول الأديب عباس الخليلي: ومن هذا الشيء الكثير الذي حكى واقعه، ولكنّه ما قبل شيئاً من أحد ولو أراد لفاقت والله ثروته ثروة أحمد شوقي وغيره دون إذلال أو دون استعطاء.
الشاعر الرحالة
لم يكن شاعرنا أحمد الصافي النجفي رحالة يجوب بقاع الأرض ليكتشف بدائع الآثار وروائع الفنون وخفايا المدن كما فعل الرحالة ابن بطوطة وغيره بل كان الصافي شريداً من كيد حكام الجور الضالعين في ركاب الاستعمار لرفضه وجود المحتلين الأجانب لبلاده فاضطر إلى مغادرة العراق إلى إيران، ملتحقاً بصديقه عباس الخليلي الذي وصلها قبله هارباً بعد ثورة العشرين 30/6/1920 التي قادها علماء الطائفة الشيعية ضد الاحتلال البريطاني حفاظاً على نفسيهما من بطش السلطة. كما اضطر إلى مغادرة العراق ثانية والذهاب إلى سوريا سنة 1930م، وفي منتصف الأربعينات استقرّ في بيروت، وكان الصافي يكره الإنكليز كثيراً بسبب جرائمهم في العراق والدول العربية حيث يقول:
أحارب جيش الإنكليز لأنّني وقفت على نصر الحقيقة مُخذَمي()
أحاربهم حربي لكلّ رذيلة إلى كلّ شيطان إلى كلّ أرقمِ
أخاف إذا ماتوا تموت أباليس فأبقى بلا لعني لهم نصف مسلمِ
تحاربهم روحي وكفي ومنطقي وإن هم نووا قتلي يحاربهم دمي
وعندما اجتاح الإنكليز لبنان سنة 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية زجّوا بالشاعر إلى السجن حيث كان من أبرز من تصدّروا المظاهرة التي قامت بوجه القوات الغازية أثناء دخولها بيروت. وفي السجن ألّف ديوانه “حصاد السجن” وهكذا عاش الصافي بعيداً عن بلاده مغترباً وحين شبّت الحرب الأهلية في لبنان أُصيب برصاص قنّاص فسقط على وجهه وكاد الموت يدركه لولا عناية الله سبحانه فنقل للمستشفى وأُحيط بعناية فائقة.
الصافي شاعر المتأملات الوجدانية
كان الصافي النجفي شديد الاستغراق والتأمّل، منغلقاً على ذاته، سريع الثورة والانفعال، فهو يجمع في شخصيته بين النموذج العاطفي والعصبي، لكنّه أقرب إلى العاطفيين من حيث ترجيعه البعيد للحوادث في نفسه والتزامه قيماً ومبادئ ثابتة لا يحيد عنها، فقد اختار نمط حياته بذاته ولم يخرج عن عاداته وتقاليده قيد أنملة، وكان يؤمن أنّه صاحب رسالة، وإنسان جدير بالإقتداء.
ولي في الشعرِ مدرسةٌ وشرعٌ وآياتٌ تلوحُ ومعجزاتُ
أعلمكم بشعري الشعر لكن تعلمُكمْ حياتي ما الحياةُ
برز الصافي النجفي في دنيا الشعر في الثلاثينات. يوم كان جيل أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران يودّع العالم، وفي فترة بدأت فيها موجة المدرسة الإبداعية تغزو حياتنا الأدبية، لكن تكوينه النفسي جعله يعلي مكانة العقل في شعره فوق مكانة الإحساس. ويؤثر الواقع والفكر على الخيال والإبهام، ويفضّل التعبير عن الحياة وما فيها على التحليق في عوالم سحرية متخيلة، فظلّ أقرب إلى المتنبي من حيث تمجيده العقل، وإلى المعري في نظرته المتشائمة إلى الحياة، ولم يأخذ من الرومانسيين تمجيدهم الطبيعة وإحلالها محل الواقع، وإنّما نظر إلى الكون والإنسان والمجتمع نظرة متوازنة بعيدة عن الشطط.
وفي شعره نظرات إنسانية واجتماعية ووصف للواقع وفلسفة عملية تلتقي وفلسفته المثالية، وإذا كان مظهره وسلوكه الخارجي قد أسبغا على حياته بعض الشذوذ والطرافة، فإنّ شعره يستمد طرافته من تفرّد أفكاره وجدَّتها، وحسن تناوله الموضوع الذي يطرقه، وصدق تأملاته، وموضوعيتها وتركيزه الشديد على شدّ القارئ باختيار الموضوعات التي يعالجها. نراه بتأملاته يصنّف البشر إلى ملاك وشيطان إذ يقول:
عجبتُ للناسِ يُدعى كلُّهم بشراً وذا ملاكٌ وذا يبدو كشيطانِ
هذا يرقّ لذي بؤسٍ فيطعمُهُ وذاكَ يسلبُ خبزَ البائسِ العاني
أحاولُ السب للإنسانِ من رجلٍ مؤذٍ فيسكتُني إحسانُ إنسانِ
حتّى حسبتُ وفعلُ الناسِ مختلفٌ إحسانُ ذلكَ تكفيراً عن الثاني
والنجفي شاعر مجدد، لكن تجديده يفترق عن تجديد معاصريه، فهو يستعين في فنّه بمادة لغوية واضحة وسهلة ودقيقة، وأسلوب لفظي تقليدي لكنّه مجدّد في أفكاره، يجهد كثيراً في صوغ الفكرة لتأتي طريفة ممتعة ولا يطيل قصائده، وإنّما يقدّمها على صورة مقطوعات شعرية وجيزة، وسهلة ممتنعة تسحر القارئ، وليس نهجه الشعري هذا غريباً عن أدبنا، فقد ألّف الشعراء العرب هذا النهج وجعلوه من بعض شعرهم أقوالاً سائرة محكمة النسج، وجيزة القول، حتّى كأنّ كلّ مقطوعة منها هي زبدة قصيدة طويلة، تعدّ من الشوارد التي تجمع في مختارات الأدب. ومن أشعاره مقطوعة جميلة يخاطب بها “القنبلة الذرية” التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية ضدّ اليابان عام 1945م، في مدينتي هيروشيما وناكازاكي ويضع علاجاً لمأساة البشرية بفكر سامٍ:
يا ذرةً لبناءِ الكونِ ناسفةً هل تستطيعين نسفَ الحرصِ والطمعِ
قد انفجرتِ فزلزلتِ الوجودَ بنا هلاّ انفجرتِ لنا في رأسِ مخترعِ
فكُّ الكهاربِ من دنياك محكمةٌ أخفذُ من فكِّ ما في النفسِ من جِشَعِ
يا ذرةَ العقلِ في دنيا الورى انفجري وحطمي عالَم الأوهامِ والبِدَعِ
هذي قيامتُنا الصغرى قد ابتدأت فهل قيامتُنا الكبرى على التَبَعِ
عجبتُ للعقلِ من سرِّ الإلهِ دنا والخُلقُ ما زال خلقَ النمرِ والضَبُعِ
ونفر من الروح المادية لعصرنا، فعبّر عن نفوره قائلاً:
أنا والعصرُ قد تعاكستُ سيراً فكأنّي أعيشُ في عصرِ نوحِ
أنا أسمو في عالمِ الروحِ دوماً في زمانِ لم يعترفْ بالروحِ
ومن طرافة تأمّلاته قوله في اللاّنهاية أيضاً:
سعدَ الضريرُ فليسَ دونَ خيالِهِ أبداً حدودٌ جمةٌ وقيودُ
أمّا حسن التناول فلعل النجفي من أبرز شعراء عصرنا قدرة على إخراج شعره وتخليصه من الضعف وتنقيحه ليجيء معبّراً بكفاية عن الفكرة التي يتناولها. يقول مفتخراً بنضاله ونضال أخيه:
سجنت وقلبي في العلا سجنوا أخي وآمل في العلياء أن يسجنوا الإبنا
إذا لم نورّثُ تاجَ مجدٍ وسؤددِ لأبنائنا طرّاً نورثهم سجنا
والبيتان من أفضل ما قيل أو يُقال في الفخر، على بساطة التراكيب فهماً ووضوح الصوغ، وعمق الفكرة، حسب آراء بعض النقاد.
لم يكن النجفي ضيق الأفق، فلم يقتصر شعره شأن كثير من شعراء العصر على موضوعات محدودة لا يتعداها، بل كان الكون كلّه مسرحاً لتجاربه الشعرية. وفي ذلك دليل على اقتداره، وغنى مخيلته، وتمكّنه الشعري، فقد شملت موضوعاته الوصف والحكمة والإنسانيات والاجتماعات والنقد والفكاهة، فهو في الوصف مبدع دقيق الملاحظة، يقول في وصف ضفدعة:
مغنيتي في الليل ضفدعة جذلى تَغبُّ الطلى ماء فتغدو به ثملى
من الماء في فيها اصطفت وتراً لها فتعزف لحناً بالمياه قد ابتلا
وهو قليل الاختفاء بالصور البيانية في وصفه وحكمه، مقتصد فيها إلى أبعد الحدود، لأنّه يؤمن أنّ الشعر فكرة قبل أن يكون صنعة، لكنّه يجري أحياناً وراء الفكرة، ويهمل عناصر الفن الأخرى حتّى يقع في عيوب النثرية، ولكن من المفيد هنا أن نذكر ما قاله عنه الأديب الكبير عباس محمود العقاد أنّه أشهر شعراء العربية وكتب عنه مخطوطاً يقول في أثنائه: “لا يكفي أن يدرسَ الصافي أديبٌ واحدٌ، بل يجبُ أن يدرسَه مائةُ أديبٍ لسعةِ آفاقه الشعرية”.
الصافي النجفي مع الحبِّ والمرأة
لم يتزوّج الصافي وعاش عازباً. وتعلّق في دمشق بحبّ فتاة تدعى “الست سامية” لكنّه اكتفى بنظم قصيدة جميلة بحقّها ولم يتقدّم بخطوبتها كما توقعت:
خلقت حبيبتي لما خلقنا ففيم أتيتني بعد الشبابِ
لقد كنّا نتيهُ بقفرِ حبٍّ ظماء لا نعب سوى السراب
فليس اليوم يروي منك شوقي ولو أنّي شربتُك كالشرابِ
عرفتكِ بالضميرِ ولم يَبنْ لي خيالُك في ملامحه العذابِ
ولما أن رأيتكِ قلت شمس أضاءت لي وكانت في غيابِ
كأنا زورقان قد التقينا هوالِكَ في مصارعة العبابِ
تماسكنا حناناً واتحدنا أقارب نلتقي بعد اغترابِ
تالقينا وقد ولّى شبابي فارجع لي اللقا عهد الشبابِ
شباب جلّ عن نزق وطيش فما تخش العواقب في الحسابِ
سيحسدنا الشباب على هوانا ويدرس عندنا فن التصابي
ثمّ تعلّق بماري الراهبة الجميلة، وكان يلتقيها في بيت أهلها وهي تهمّ بدخول الدير لأنّها منذورة.
قالت سأنأى عن الدنيا بصومعة قلت اجعليها بحق الله لاثنينِ
فهل تضيق بدنيا الحب صومعة تحوي مليكين بل تحوي ملاكينِ
ما نحن لما اتحدنا بالصفات سوى روح وأن حسبت في العدِّ روحينِ
روح من الملأ الأعلى قد انقسمت بين العراق وبين الشام نصفينِ
فهل توحدنا دار تكون لنا كالقشر يجمع في أحشاء لبينِ
كلاهما لاجئ في قلب صاحبه من عالم الناس أو من عالم الشينِ
وهل تضيق بدين الله صومعة عن ضم حرينِ بل للَّه عبدينِ
لا غرو إذ كلنا للَّه منقطع أن ضمنا اللَّه منه تحت جنحينِ
اللَّه ثالثنا في جوف معبدنا ولا أقول إلهي ثالث اثنينِ
وله هذان البيتان في الحب والمرأة:
تمنيتُ من خدّي حبيبيَ قبلةً وما خدّه الوضاء غيرُ شعاعِ
فجادَ بها لكن بوقتِ وداعهِ فيا ليتَ كلّ العمرِ وقتَ وداعِ
وهكذا كان شاعرنا الصافي ينظّم أبياتاً جميلة في المرأة في فترات متقطعة من حياته، ولكنّه في نهاية المطاف ترك الدنيا أعزب، ويقول الأستاذ الخليلي في أسباب عدم زواجه: والشيء الذي أنا متأكد منه أو قل شبه متأكد على الأقل إنّه كان في كلّ حبّه خائباً وإنّي لأستبعد أن يكون حبّ المرأة له حبّاً متبادلاً من ناحية العاطفة الجنسية وإنّما هو حبّ إعجاب من المرأة بشعره ورقّته وإكباره واحترامه ذلك لأنّ الصافي لم يكن يعنى بهندامه وملبوسه وبالمسائل المستحدثة “الأتكيت المألوف” في المجتمع ثمّ هو لم يكن من الجمال الذي يجذب امرأة حسناء لها نضارة الوجه وأناقة الملبس وحسن السليقة والذوق كـ “سامية” التي قال فيها قصيدته البائية، وقد بالغ الصافي في ذكره دمامة وجهه وقبح صورته كما فعل قبله الشاعر الحطيئة، حتّى قال في ذلك تهكّماً:
لذاك تبدو لعيني المرآة بعض الخصومِ
إنّي لأرثي لعين ترنو لوجهي الذميمِ
لو كان وجهي بكفي القيته في الجحيمِ
أبيع جسمي بدين لو صحّ بيع الجسومِ
صحيح أنّه قد بالغ في دمامة وجهه الذي يشه كثيراً وجه الزعيم الهندي الشهير المهاتما غاندي كأنّهما توأمان ولكنّه لم يبالغ في إهماله لمظهره حين قال:
أنتم نظرتم ظاهري فضحكتمو ونظرتُ باطنَكم فعدتُ ضحوكا
فلنبقَ نضحكُ لستُ قطُ بظاهري أهتمُ إن يكُ بالياً مهتوكا
كلاّ ولستم تحفلونَ بباطنٍ إن كانَ باطنُكم غدا مهتوكا
وفي مذكرات أكرم زعيتر أنّ الصافي نشر مقالاً في جريدة الجزيرة الدمشقية، حول المرأة التي يريدها، فعدد الشروط، قال:
“على أن لا تطلب منّي مالاً، ولا جمالاً، ولا كمالاً، لأنّي لا أطلب شيئاً منها، وأن لا تطلب منّي صحة لأنّي مصاب بضعف في القلب، وتضخّم في الكبد ومرض في الكلية ـ هو داء الرمل ـ وضعف الأعصاب، والتهاب الحنجرة وغيرها…”.
نهاية المطاف
للشاعر أحمد الصافي النجفي عشرة دواوين مطبوعة، وهي: الأمواج ـ الأغوار ـ التيار ـ الحان اللهيب ـ هواجس ـ حصاد السجن ـ شرر ـ اللفحات ـ الشلال ـ أشعة ملونة ـ وترجمة لرباعيات الخيّام، وله ترجمة ممتازة من الشعر الفارسي باسم (صفحات من الأدب الفارسي) وكتاب آخر باسم (هزل وفكاهة) بعيد عن الشعر.
استأجر في بيروت شقة صغيرة، وإلى جواره سيدة كبيرة السن تسكن مع زوجها فكانت تعتني بالشاعر احتراماً لسنّه وحين شبّت الحرب الأهلية أُصيب برصاص قناص فسقط على وجهه وكاد الموت يدركه لولا عناية الله سبحانه وتعالى نقل للمستشفى وأحيط بعناية فائقة ثمّ أخذ إلى بغداد للعلاج، في يوم 9/ شباط/ 1976م، واستقبله عدد من الشعراء بالشعر الجميل، كان من بينهم الدكتور الشيخ أحمد الوائلي الذي أتحفهُ بقصيدة رائعة طويلة نقتطفُ منها هذه الأبيات:
يا عودَ جرحِكَ لحن بالعبيرِ ندي
فخلِ جرحَكَ يشدو في ذرى بلدي
فربَّ جرحٍ على أنغامهِ سكرتْ
دنيا وما زالَ صدّاحاً إلى الأبدِ
يابن الفراتِ لقد تاقَ الفراتُ إلى
لحنٍ عن الشّطِ والناعورِ مبتعدِ
غنّى للبنانَ فاخضرّتْ شواهقُهُ
ولفّع السفحَ في زاهٍ من البردِ
يا أيّها العائدُ المجروحُ نزَّ لهُ
بالقلبِ جرحٌ وجرحٌ نزَّ بالجسدِ
عولج في مدينة الطب ببغداد، وليقضي دور النقاهة فيها، وبعد عام، أي 27/ حزيران/ 1977 لفظ أنفاسه الأخيرة في ثرى وطنه وشيع تشييعاً فخماً ودفن في مدينة النجف الأشرف حيث مسقط رأسه عند مثوى أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام).
المصادر
1 ـ هكذا عرفتهم “المجلد الثالث”/ للأستاذ جعفر الخليلي.
2 ـ مجلة القافلة السعودية/ العدد الثالث: 1996م.
3 ـ إلى ولدي/ عباش شبّر.
4 ـ ديوان الدكتور الشيخ أحمد الوائلي.
أحمد الخزعلي
لمحة من حياة الآخوند
الملا حبيب الله الشريف الكاشاني
الراحل الكبير هو حبيب الله الشريف الكاشاني()، والسجع المطبوع على خاتمه هو (يا حبيب قلوب العارفين). والده، الملا علي مدد بن رمضان الساوجي المتوفى في العام 1270هـ.ق، (ولم نعثر على تاريخ ولادته (رحمه الله)).
سيرة والده
سافر الوالد في سنين البلوغ الأولى من مسقط رأسه، مدينة “ساوه”، إلى قزوين” من أجل دراسة العلوم الدينية، ولم يدّخر جهداً في مسعاه، وقد عرف بالجدية والمثابرة، درس لسنوات عديدة عند السيد إبراهيم القزويني (صاحب كتاب “ضوابط ودلائل الأحكام”، والمتوفى في العام 1262هـ.ق.)().
بعد ذلك هاجر إلى “كاشان” ليلتحق بدرس الملا أحمد الراقي (صاحب كتاب “معراج السعادة”، والمتوفى في العام 1245هـ. ق)، والذي طبقت شهرته الآفاق في تلك الأيام فضلاً وعلماً، إلاّ أنّه وبعد مدّة معينة انصرف عن الفاضل النراقي ليلتحق بدورس السيّد محمد تقي بشت مشهدي الكاشاني (مؤلف رسالة “حجيّة المظنّة”، والمتوفى عام 1258هـ. ق، وهو ابن السيّد مير عبد الحي بن السيّد إبراهيم بن السيّد ماجد بن إبراهيم الكاشاني).
وفي تلك الأيام ألّف المرحوم الملا علي مدد بنفسه حلقة دراسية، وقد انتبه إلى فضله وعلمه أحد كبار علية المجتمع الكاشاني، وهو المرحوم السيّد مير محمد علي الكاشاني، الجدّ الأكبر للسيّد أبو القاسم الكاشاني (الزعيم الإيراني الكبير والمعروف)، وقد أعجب به إلى درجة دفعته إلى بناء مسكن له في محلة باسم “جهل دختران”، كي يستبقيه في “كاشان”، واستدعى ولده السيّد حسين الكاشاني وعدداً آخر من الطلبة الشباب في المدينة كي يدرسوا الفقه والأصول على يده.
بعد مدّة هاجر الملا علي مدد مع السيّد حسين الكاشاني إلى “أصفهان” للدراسة في حوزتها العلمية، إلاّ أنّهما لم يلتحقا بأي من حلقات الدرس هناك، فسافرا معاً لزيارة العتبات المقدسة في العراق وعادا أدراجهما إلى “كاشان” حيث بقي الملا علي مدد لسنوات طويلة في “كاشان” وهو يدرّس فيها الفقه والأصول، ويفتي الناس بأمور الدين، وكان يعدّ من الفضلاء المعروفين في تلك الديار.
انتبه عدد من فضلاء “ساوه” إلى منزلة الملا علي مدد الساوجي العظيم المقيم في “كاشان”، الأمر الذي حدا بهم إلى محاولة إعادة هذا العالم الساوجي إلى مدينة “ساوه”. وهكذا ذهب عدد منهم إلى كاشان وطلبوا بإصرار كبير من الملا علي مدد العودة إلى مسقط رأسه، وهو بدوره استجاب لمطلبهم، وعاد معهم إلى مدينته القديمة.
رغم هذا يجدر القول بأنّ الملا علي مدد كان قد وصل إلى درجة الاجتهاد منذ شبابه، وكان معروفاً بفضله، إلاّ أنّه لم يسع للحصول على إجازة الاجتهاد من أحد، ولكن عند عودته إلى “ساوه” قام بعض العوام الجهلاء بتحريك من بعض الخواص الحاقدين بمطالبة الملا علي بن مدد أن يريهم إجازته في الاجتهاد، الأمر الذي أجبره على طلب إجازة الرواية والاجتهاد من الملا مهدي بن ملا مهدي النراقي() (المتوفى في العام 1268هـ.ق، والمدفون قرب مقبرة علي بن بابويه في مدينة “قم”)، وذلك كي يسكت هؤلاء العوام.
بقي هذا العالم الجليل في “ساوه” حتّى نهاية عمره، حيث وافته المنية في العام 1270هـ. ق، وشيع جثمانه إلى مدينة “قم” ودفن في مقبرة علي بن بابويه، وهي من كبرى المزارات في تلك الديار، إلى جانب أستاذه الملا مهدي النراقي.
مؤلفاته
1 ـ شرح إرشاد الأذهان للعلاّمة الحلي. ويشتمل على قسم من كتاب الطهارة في مجلدين، ونسخة منه كانت عند ولده الملا حبيب الله.
2 ـ كتاب في رؤوس المسائل الفقهية.
3 ـ رسالة في اشتراط القبض في الوقف.
4 ـ رسالة في حجية الظن.
5 ـ رسالة في أصل البراءة.
6 ـ رسالة في الاستصحاب.
7 ـ الرسالة الشكية أو جامع الأحكام، وقد طبعت في 358 صفحة بالقطع الوزيري بسعي حفيده الحاج محمد شريف.
8 ـ رسائل في الفقه والأصول. (ذكر في فهرست كتب ولده الملا حبيب الله ما يلي: ثلاثة مجلدات في الأصول من الوالد عندنا).
حفيده السيّد “إمامت” يقول في كتابه “تذكرة الشعراء”: إنّ الملا علي مدد كان من الشعراء أيضاً، إلاّ أنّنا لم نحض بأي من أشعاره. أمّا أبناء الملا علي مدد فهم: الملا حبيب الله، والملا محمد تقي الذي سكن “ساوه” وتوفي عام 1338هـ.ق، أي بسنتين قبل وفاة الملا حبيب الله، ودفن في مقبرة شيخان بمدينة “قم” المقدسة إلى جوار قبر الميرزا القمي().
أمّا والدة الملا حبيب الله فهي إبنة المرحوم الميرزا حبيب الله المعروف بالميرزا بابا حسيني النطنزي ابن الميرزا رفيع الدين، من تلامذة الملا أحمد النراقي. ولدى عودة الملا علي مدد إلى “ساوه”، كما أسلفنا، بقيت الوالدة في “كاشان”، وكان الملا حبيب الله في الخامسة من عمره في ذلك الوقت، وقد بقيت تهتم بشؤون تربيته حتّى كبر.
يقول المرحوم ملا حبيب الله(): جدي لأمي هو الميرزا رفيع الدين الحسيني النطنزي، الذي كان من أفاضل العلماء، ولم يبق من مؤلفاته سوى كتاب في علم الإطلاع(). ويستأنف المرحوم قائلاً: لي قرابة أيضاً بالميرزا أبو الحسن الكاشاني المعروف بالمجتهد، وكان هذا من تلامذة الملا أحمد النراقي، والميرزا القمي، وله رسالة معروفة في حجية المظنة().
ولادته
تقول والدة الميرزا حبيب الله أنّ ولادته كانت بسنتين قبل موت محمد شاه القاجاري. وهذا الأخير مات في العام 1264هـ.ق()، والملا حبيب نفسه في كتاب “لباب الألقاب” يقول: “كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري عندما توفي والدي في ساوه عام 1270هـ.ق”. لذلك يكون تاريخ ميلاده عام 1261 أو 1262هـ. ق، ولا نعرف اليوم والشهر الذي ولد فيه.
دراسته
دراسته ابتدأت في “كاشان” ثمّ “طهران”، وبعد ذلك في كربلاء، وبعد العودة من العتبات المقدسة في العراق استقرّ لمدّة في مدينة “كلبايكان”، وعاد بعدها إلى مدينة “كاشان” حيث بقي مشغولاً بالتدريس والتأليف حتّى وافاه الأجل.
أساتذته
1 ـ السيّد حسين بن مير محمد علي بن السيّد رضا الكاشاني (المتوفى عام 1296هـ. ق بطهران، وهو جدّ السيّد أبو القاسم الكاشاني المتوفى عام 1381هـ.ق). هذا العالم الجليل له إجازات في الاجتهاد من السيّد محمد تقي بن مؤمن القزويني() المتوفى عام 1270هـ.ق، والمؤرخة في 1267هـ.ق. وكذلك من الملا مهدي بن الملا مهدي النراقي بتاريخ 1262هـ.ق، وكلاهما تدلان على فضله وعلمه().
يقول الملاح حبيب الله (رحمه الله): “كنت في الخامسة من عمري حين غادَرَنَا والدي إلى “ساوه”، فانتقلت شؤوني بشكل كلي إلى والدتي وقد ساعدها في ذلك هذا السيّد الجليل. وكما تعرفون كان والدي توفي وأنا في الثامنة من عمري ممّا حدا بالسيّد حسين الكاشاني إلى تشجيعي بانتهاج طريق العلم والتحصيل، وقد انكببت بشكل كلي على هذا الأمر ممّا جعلني أكمل مقدمات الفقه والنحو والصرف وأنا في الرابعة عشر من عمري، الأمر الذي أهلّني لحضور دروس الفقه والأصول للمرحوم السيّد مير محمد علي والسيّد حسين الكاشاني، ولم أتم السادسة عشر حتّى أخذت إجازة في الرواية، وفي الثامنة عشر حصلت على إجازة الاجتهاد”().
ويضيف الملا حبيب الله قائلاً: “كان هذا الرجل الكبير من طلبة والدي، ورافقه في حلّه وترحاله (وكما أسلفنا فقد كان رفيق سفره إلى مدينة أصفهان، ثمّ إلى العتبات المقدسة في العراق). كان لوالدي بعض الحقوق عليه، لذا فقد التزم أمور معيشتي واحتياجاتي منذ الخامسة من عمري ولسنوات طوال، كان لي أبر وأرأف من والد كريم، وهو الذي دفعني لاتخاذ طريق العلم والدرس والبحث ووفر مستلزمات ذلك لي”().
2 ـ مير محمد علي بن السيّد محمد الكاشاني، المتوفى عام 1294هـ.ق، وتلميذ السيّد إبراهيم القزويني (مؤلف “ضوابط الأصول ونتائج الأفكار”)، وله مؤلفات هي:
ـ تكميل الأحكام في شرح المختصر النافع، ونسخته الخطية عند الملا حبيب الله.
ـ شرح كتاب نتائج الأفكار.
ـ شرح تشريح الأفلاك للشيخ البهائي.
ـ رسائل في أصول الفقه.
وعنده إجازات في الاجتهاد من كلّ من:
ـ الملا مهدي بن ملا مهدي النراقي بتاريخ 1260هـ.ق.
ـ الشيخ زين العابدين المازندراني بتاريخ 1276هـ.ق، وقد أجازه في الاجتهاد بعد أن قرأ أحد مؤلفاته.
ـ الشيخ قاسم بن الشيخ محمد، مؤلف كتاب “كنز الأحكام في شرح شرائع الإسلام” والواقع في تسعة مجلدات.
ـ السيّد إسماعيل البهبهاني بتاريخ 1283هـ.ق (وقد أعطيت بعد قراءة إحدى مؤلفاته).
ـ الملا محمد علي الكني، المتوفى عام 1306هـ.ق، ومؤلف “توضيح المقال في علم الرجال” و”القضاء والشهادات”، وغيرها.
ـ الملا محمد بن الملا أحمد النراقي، المتوفى عام 1297هـ.ق، ومؤلف كتاب “مشارق الأحكام”، وغيره.
لقد درس المرحوم الملا حبيب الله في شبابه على يد السيّد مير محمد علي الكاشاني، وكان صهره أيضاً().
3 ـ الحاج الملا محمد اندرماني الطهراني()، المتوفى عام 1282هـ.ق. يقول “اعتماد السلطنة” عن هذا الرجل أنّه كان من أوائل المجتهدين ذوي النفوذ والسلطة والقدرة، ذو كلمة مسموعة في أوساط عديدة، ولهذا السبب بقيت مدرسة “مروي” التاريخية في وسط طهران تحت إشرافه لمدّة طويلة.
والحق يُقال إنّ هذا الرجل (رضوان الله عليه) لم يقصر أبداً، خلال حياته، في نشر الشرع المقدس وإغاثة الملهوف وقضاء حاجات المسلمين وحل الخصومات حسب الشرع الحنيف. كما كان الرجل، ذو المكانة السامية، عميد دار الخلافة (طهران) في وقته().
يقول الملاّ حبيب الله: “درست على يديه سنتين متتاليتين، كان مليح التقرير وحسن التحرير وجميل الظاهر ذا المناقب والمفاخر، وقد درست بعض نوادر الشيخ الأنصاري على يديه”().
4 ـ الميرزا أبو القاسم كلانتر، مؤلف “مطارح الأنظار” (وهي تقريرات درس الأصول للشيخ الأنصاري) والمتوفى عام 1292هـ.ق.
يقول الملا حبيب الله: “لقد درست سنة كاملة بعض فرائد الشيخ الأنصاري على يديه، وقد بقي هذا الرجل الكبير عشرين عاماً يدرس على يد الشيخ الأنصاري، الذي صرّح ولعدّة مرّات باجتهاده. وقد حضر إلى طهران عام 1277هـ.ق، وبقي فيها حتّى وفاته، ودفن هو وابنه من بعده (ميرزا أبو الفضل، مؤلف كتاب “شفاء الصدور”) في حضرة عبد العظيم الحسيني بجنوب طهران في مقبرة أبو الفتوح الرازي”().
5 ـ الشيخ محمد بن محمد علي، وهو ابن أخت صاحب كتاب “الفصول”، وصاحب كتاب “حاشية المعالم”.
وقد ورد في “المآثر والآثار” أنّ الشيخ محمد أصفهاني الأصل وطهراني السكن، وهو ابن أخت الشيخ محمد تقي الأصولي، مؤلف كتاب “حاشية المعالم”، ولم يكن أحد يدرس كتابي “الفصول” للشيخ محمد حسين و”اللمعة الدمشقية” كما يدرسها هو (أعلى الله مقامه) ().
وقد ورد أيضاً في نهاية بحثه في وصف كتاب “هداية المسترشدين” (حاشية المعالم) بنسخته المطبوعة أنّه قد بقي منه بعض مسائل متفرقة إلى الاجتهاد والتقليد تقارب عشرين ألف بيت جمعها بعد وفاته الفاضل المحقق ابن أخته الشيخ محمد (سلمه الله وأدام عزّه)، وجعلها مجلداً آخر لثالث المجلدات(). وقد درس المرحوم الملا حبيب الله قسماً من الفصول على يد هذا العالم الجليل.
6 ـ الحاج الملا هادي المدرّس الطهراني، ورد في كتاب “المآثر والآثار” الصفحة 150 أنّه كان محققاً جليلاً، ومجتهداً عظيماً، درس كلّ علماء دار الخلافة (طهران) على يديه، وكان في الأغلب يدرّس كتاب “الفصول” في علم الأصول والرياض في الفقه. وفي عصره كان بإمكان الطالب أن يكمل دراسته العلمية بشكل كامل في طهران، الأمر الذي انتفى وذهب رونقه بعده.
أمّا شهرته بالمدرّس فلأنّه في شبابه كان يدرّس في مدرسة الحاج محمد حسين خان المروزي فخر الدولة، والمعروفة باسم مدرسة “مروي”. أمّا وفاته فكانت في العام 1295هـ.ق (أعلى الله مقامه). الملا حبيب الله درس قسماً من قوانين الميرزا القمي على يديه.
7 ـ الشيخ حسين بن محمد إسماعيل بن أبي طالب الأردكاني الحائري، المعروف بالفاضل الأردكاني، والمولود عام 1235هـ.ق، والمتوفى عام 1302 أو 1305هـ.ق.
ابتدأ دراسته على يد عمّه الشيخ محمد تقي الأردكاني()، ثمّ هاجر إلى العتبات المقدسة في العراق ودرس على يد أعاظم العلماء فيها.
الملا حبيب بعد أن درس في طهران سافر إلى العتبات المقدسة في العراق، كما أسلفنا، وهي نفس الفترة التي توفي فيها الشيخ الأنصاري، فانعقدت بعض الحلقات الدراسية للفاضل الأردكاني، وهناك حضرها الملا حبيب الله الذي كان في العشرين من عمره. وبعدها عاد إلى “كاشان”.
8 ـ يقول الملا حبيب الله في “لباب الألقاب”: درست في طهران لمدّة على يد واحد من أعاظم تلامذة الحاج الملا هادي السبزواري(). ويبدو أنّه كان يقصد الميرزا حسين السبزواري، صاحب حاشية شرح منظومة السبزواري.
يقول السيّد (سهى) في كتابه “الحكماء والعارفين”: إنّ مصطلح الحكماء الأربعة يطلق على الأغلب على: السيّد محمد رضا قمشه اي، والسيّد علي المدرس، والميرزا أبو الحسن جلوة، والميرزا حسين السبزواري. وهم جميعاً من تلاميذ السبزواري الكبير، وقد كانوا جميعاً في طهران (قدّس الله سرّهم).
ويقول كذلك في ذكر تلامذة طلبة السبزواري الكبير: من تلامذة الميرزا حسين السبزواري المقيم بطهران في مدرسة عبدالله خان في سوق طهران الكبير في “سوق البزازين”، وهو أستاذ الآخوند هيدجي().
9 ـ الملا زين العابدين الكلبايكاني، المتوفى عام 1289هـ.ق، وتلميذ الشيخ محمد تقي صاحب “حاشية المعالم”، وأخوه صاحب “الفصول والجواهر”. كما أنّ له مؤلفات عديدة منها “شرح درة بحر العلوم”، وبحث عن صلاة المسافر، وآخر عن صلاة الجمعة، ومنظومة بشكل أرجوزة في ألف بيت نشرت تحت عنوان “تكملة درة بحر العلوم”().
وقد جاء في “المآثر والآثار”: “إنّه مجتهد كبير ومرجع لجميع الفضلاء، وهو إلى جانب علو منزلته الفقهية والعلمية، فهو أرجح أهل العلم والمعرفة عقلاً وحكمة. بعض العلماء كانوا يرون أنّ له رأي اجتهاد في فروع المعرفة الإثني عشر، وآخرون اعتقدوا أنّ له إمكانات خارقة تفوق الكثير من الناس”().
وعندما عاد الملا حبيب الله من العراق إلى كاشان، سافر إلى كلبايكان رغبة منه في الاستزادة من فيض هذا العالم الكبير. إلاّ أنّه كان قد توقّف عن إعطاء الدروس في تلك الفترة ممّا اضطر الملا حبيب الله إلى كسب بعض المعارف منه بشكل متفرق، وخارج حلقات الدرس.
10 ـ الحاج الملا عبد الهادي الطهراني: مدرّس بمدرسة “مروي” بطهران، كانت لهذا العالم “حاشية القوانين”، وقد درس الملا حبيب الله جزءاً من كتاب “الفصول” على يديه().
بعض الكتابات التي ظهرت عن المرحوم الملا حبيب الله ذكرت أنّ سيّد الحكماء السيّد علي شرف الدين المرعشي، وهو جدّ المرجع الإسلامي الكبير آية الله المرعشي النجفي، والمتوفى عام 1316، وصاحب كتاب قانون الصلاح في الطب. وهو يعدّ من أساتذة الملا حبيب الله إلاّ أنّنا لو نعثر على دليل قطعي لذلك.
وممّا ذكر في سيرة سيّد الحكماء في كتاب “ريحانة الأدب” للخياباني()، وكذلك فهرست مؤلفي الكتاب، وكذلك القيام بطبع كتابه الطبي عام 1270هـ.ق، ووجوده في مدينة “تبريز” يجعل احتمال تلمذة الملا حبيب الله على يديه ضعيفاً. لذلك يكون هذا الأمر هو كما قال المرعشي النجفي: “… وهو بأي حال بحاجة إلى تحقيق أكثر”.
كانت هذه السطور سيرة مختصرة جدّاً لعشرة من أساتذة الملا حبيب الله الكاشاني، وواضح أنّ أساتذته العظماء رغم قصر المدّة التي تتلمذ فيها على أيديهم()، وبسبب الاستعداد الكبير لتلقي العلوم عنده، قد طووا مسيرة عشرات السنين في فترة قصيرة نسبياً. وكانت النتيجة أنّ الملا حبيب الله الكاشاني الشاب، وهو في ريعان شبابه كان عالماً فاضلاً ومدرساً من الطراز الأوّل، وقد قضى سنواته الستين في الدرس والتدريس والتأليف، حيث وافاه الأجل عام 1340هـ. ق (رحمه الله).
ما قبل عاشوراء
الأوضاع الاجتماعية والسياسية
في العراق والحجاز (60ـ61هـ)
العراق والحجاز حين موت معاوية
حين مات معاوية بن أبي سفيان في أواخر رجب من سنة ستين الهجرية، كان النعمان بن بشير والياً على الكوفة من قبل معاوية، وهو من الذين قاتلوا في صف معاوية في صفّين، وعلى البصرة عبيدالله بن زياد، وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص المعروف (بالأشدق).
ومثلما كان لكلّ واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص في تطبيق وتنفيذ سياسة معاوية، فإنّ لكلّ ولاية من تلك الولايات ملامحها الخاصّة أيضاً.
فالكوفة… كانت عوامل الثورة فيها والانتفاض على السلطة الأموية أكثر من غيرها، كما كانت هويتها السياسية الغالبة هي هوية التشيّع، وإذا نظرنا في استعراض تاريخي للسنوات العشرين المنصرمة نجد أن عمق المعارضة السياسية للنظام الأموي إنّما كانت في الكوفة، وإنّ هذه المدينة هي التي دفعت ثمن معارضتها لذلك النظام أكثر من غيرها، فقد لاحقتها سياسة التعسف، وقتل الرجال وتصفيتهم وتشريدهم، وحبس الأرزاق… وكتم الأنفاس طيلة عشرين عاماً فهي تخرج من محنة لتدخل في محنة جديدة.
وتأتي بعدها البصرة، أمّا المدينة ومكة فإنّ موت معاوية ومجيء يزيد للحكم لم يكن يمثّل عند أهلها فرصة للثورة وتغيير الأوضاع مثلما هو الشعور السائد عند أهل الكوفة بشكل خاص.
الكوفة المبادرة
ظلّت الكوفة طيلة عقدين من الزمن تتطلّع لعودة الخلافة الإسلامية إلى أصحابها الشرعيين، وكان رجال الشيعة وزعماؤهم يكتبون إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في حياة معاوية في مناسبات مختلفة يدعونه إلى الثورة ويعلنون عن استعدادهم للنصرة، لكن الإمام (عليه السلام) كان ينصحهم على الدوام بالركون والسكون ما دام معاوية حياً.
وكان موت هذا الأخير قد شكّل عند الشيعة في الكوفة إيذاناً بانتهاء عهد السكوت وقد تناهى إلى أسماعهم أنّ الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد جدّد رفضه البيعة ليزيد وأنّه تحرّك نحو مكة، فانطلقوا يكتبون إليه (عليه السلام) يجدّدون دعوتهم ويعلنون استعدادهم لنصرته.
ويشير المؤرخون إلى أنّ أعداداً كبيرة من الرسائل قد وصلت إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وذلك من أهل الكوفة، ولم يشر المؤرخون إلى أي رسائل وصلته من البصرة.
وسنجد في طيات ما يأتي أنّ الكوفة مثلت الخيار الواقعي الذي فضّله الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) على كلّ الخيارات الأخرى التي عرضت عليه من محبّين ومشفقين.
الحسين (عليه السلام) في المدينة
تولّى يزيد الحكم بعد موت معاوية في أواخر رجب فكتب فوراً إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يأمره أن يأخذ البيعة من الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر… ().
وتشير المصادر التأريخية أنّ الوليد بن عتبة لم يرسل إلاّ للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعبدالله بن الزبير، فيما استثنى عبدالله بن عمر باستشارة من مروان بن الحكم، ولا ندري سبب إقحام عبدالله بن عمر في قضية البيعة ليزيد وهو كما تصفه المصادر التاريخية أو كما وصفه معاوية بأنّه “رجل قد وقذته العبادة وأنّه لا يطمع بالخلافة إلاّ أن تأتيه طوعاً”… فإذا كان الأمر كذلك فما قيمة بيعته ليزيد من عدمها سيما وأنّ معاوية قد أجبر الناس فبايعوه.
لقد كان يزيد يريد البيعة من الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): وعبدالله بن الزبير لأسباب سياسية تجعله يطمئن إلى أنّهما لن يقوما بعمل مضاد للإطاحة به أو إعلان أحدهما أحقيته بالخلافة، أمّا إذا كان عبدالله بن عمر لا يطلب هذا الأمر فما هي قيمة بيعته وهو معتزل الناس مشغول بعبادته؟
إنّ خوف يزيد من عبدالله بن عمر ليس له ما يبرّره وهو صاحب مبدأ الطاعة لمن غلب، ويزيد قد غلب والحكم بيده وولاته على الأمصار أخذوا له البيعة من الناس.
أمّا خوفه من الحسين (عليه السلام) فله ما يبرّره:
1 ـ إنّه يعلم أنّ للإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حق في هذا الأمر يتقدّم به عليه وهو الحق الذي تضمنته بنود الهدنة بين الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبين معاوية، ومثل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يتنازل عن هذا الحق الذي ترتبط به مصلحة الدين ومصالح المسلمين.
2 ـ إنّ الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) له شيعة كثار في العراق وفي الكوفة بوجه خاص، فإذا أعلن عن حقّه في الخلافة فسوف تنطلق حركة سياسية ستضع يزيداً في مأزق حرج.
هذه المخاوف التي كانت تساور يزيد هي التي جعلته يبادر إلى الكتابة للوليد آمراً إيّاه بأخذ البيعة من الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعبدالله بن الزبير.
ولكن قبل أن نسترسل مع هذا الأمر لنعرف ما هو حال المدينة ذلك اليوم؟
لقد جاء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الوليد بن عتبة ومعه فتيان بني هاشم مستعدون لأي طارئ “فقام فجمع مواليه وأهل بيته ثمّ أقبل يمشي حتّى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه إنّي داخل فإنّ دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فاقتحموا عليَّ بأجمعكم وإلاّ فلا تبرحوا حتّى أخرج إليكم”().
وهذه التدابير لا يتّخذها إلاّ من كان يتوقّع الغدر والشر ممّن سيجتمع به.
إنّ هناك مجموعة من المؤشرات يكشف عنها النص:
1 ـ إنّ العلاقة بين الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبين الوليد بن عتبة لم تكن علاقة ود أو ثقة وإلاّ لم يتوقع منه الغدر فيأتيه بكلّ ذلك العدد من فتيان بني هاشم ويحدّد لهم إشارة خاصّة لاقتحام المكان.
2 ـ إنّ الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان مصمماً على الامتناع عن إعطاء البيعة ليزيد بعد أن أنبأ عبدالله بن الزبير أنّ دعوة الوليد لهما إنّما هي لإخبارهما بموت معاوية وأخذ البيعة ليزيد.
3 ـ إنّ مسير الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعه فتيان بني هاشم شكّل ذلك المساء مشهداً ليس عادياً في المدينة، وربّما كان ذلك مبعث تساؤل وتعجّب الناس، وربّما كانت تلك المحاولة غير مباشرة لتنبيه الناس إلى حدوث شيء غير عادي أو لتعبئة المؤيدين والأنصار.
لقد كان الامتناع عن البيعة ليزيد مع وجود معاوية على قيد الحياة له معنى خاص، فالحاكم المتغلب موجود ولن يضر ولي العهد امتناع هذا أو ذاك ما دام لم يمسك بعد بأزمة الحكم، أمّا وقد انتقلت مقاليد السلطة بين يديه فإنّ الامتناع عن تلك البيعة ستعني شيئاً آخر هو أكثر خطراً وأكثر تهديداً للسلطة وهذا أمر يعرفه الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كلّ المعرفة، فرفض البيعة ـ سيوجه نحوه خطراً أيضاً لذلك فقد كان ما كان من اصطحابه لفتيان بني هاشم.
“فأنفذ الوليد إلى الحسين (عليه السلام) في الليل فاستدعاه فعرف الحسين الذي أراد فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم: إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن يكلفني فيه أمراً لا أجيبه إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي، فإذا دخلت… إلخ”().
وهذا النص يكشف عن توقّع الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) للخطر الذي يهدّد حياته من جرّاء رفضه البيعة، ومع وجود ذلك فإنّه لا يتطامن أو يركن إلى الاستسلام أو يهرب بل يصمّم على الاستمرار في الرفض لكنّه في نفس الوقت يحتاط لذلك الاحتمال، سيّما وقد عبّر عن الوليد بأنّه “غير مأمون” من التآمر والغدر.
وهذا هو الفارق الكبير بينه (عليه السلام) وبين عبدالله بن الزبير الذي أحجم عن تقحم الخطر الذي تقحمه الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) بشجاعة، فقد هرب عبدالله بن الزبير من ليلته سالكاً الطرق الفرعية وليس له من صاحب سوى أخوه جعفر بن الزبير.
لقد دخل الحسين (عليه السلام) على الوليد وعنده مروان بن الحكم محضر السوء والضغينة في كل آن ومكان… ورفض أن يعطي بيعته سراً فوافقه الوليد على ذلك وتظاهر بقبول حجة الإمام، لكن مروان يحرّضه على حبس الحسين بن علي (عليه السلام) حتّى يأخذ البيعة منه أو يقتله، فيثور الإمام قائلاً له: “أنت يابن الزرقاء تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت”().
كان موقف الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) ذاك إيذاناً بأنّه سوف لن يعطي البيعة ليزيد أبداً، وهذا هو الذي أخاف مروان فقال ما قال “والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه”().
وحين خرج الإمام الحسين (عليه السلام) يلوم مروان صاحبه على تركه إيّاه دون أخذ البيعة منه فيجري على لسان الوليد كلام نتوقّف عنده:
فقال الوليد: “الويح لغيرك يا مروان إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنّي قتلت حسيناً، سبحان الله! أقتل حسيناً إن قال لا أبايع؟! والله إنّي لأظنّ أنّ امرءاً يحاسب بدم الحسين بن علي بن أبي طالب خفيف الميزان عند الله يوم القيامة…” ().
هذا النص وهذا الكلام ينبئ عن حقيقة رجل يخاف على دينه أكثر ممّا يخاف على دنياه… وإنّه يعرف للإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقّه وفضله، وإنّ عدم إعطائه البيعة ليست مبرراً للإقدام على جريمة قتله! وإذا كان الوليد بهذا التديّن العالي وبهذا الإذعان لفضل الحسين (عليه السلام) فما الذي دعا الإمام لاتخاذ كلّ تلك التدابير فيأتيه ومعه فتيان بني هاشم ومواليه يحملون السلاح، وما الذي دعا الإمام (عليه السلام) ليقول عنه بأنّه “غير مأمون”.
ولو كان الوليد بهذه المواصفات التي أنبأ عنها النص المتقدّم أفما كان يبيّن ويتّضح للإمام الحسين (عليه السلام) قبل هذا فيحمد له دينه ومحبته وتحرجه في الدماء.
إنّ قولة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام): “فهو غير مأمون” تنبئ عن معرفة سابقة وتجربة مريرة حتّى يحتمل الإمام (عليه السلام) إنّه قد يتعرّض للقتل أو الغدر به إن لم يبايع.
ونحسب أنّ لتلك المقولة المنسوبة للوليد احتمالان:
الأوّل: أنّ الوليد ما كان ليريد أن يخوض نزاعاً أو قتالاً مع الإمام الحسين (عليه السلام) وبني هاشم، وما زال الأمر لم يتم بعد في المدينة فقال ما قال لمروان لينجو من لائمته واتهامه بالجبن والخوف، فصرف الأمر بهذه الطريقة وقد تقدّم إنّ سوابقه لا تتوافق مع ما بدى عليه من اللطف بالحسين (عليه السلام) ومعرفة حقّه والإذعان بفضله.
الثاني: أن يكون الكلام ذاك من وضع الرواة والمؤرخين، وهذا احتمال ضعيف، لأنّ الوليد لم يترك الإمام الحسين (عليه السلام) وشأنه، فقد واصل إرسال الرسل يستدعون الإمام لإعطاء البيعة في اليوم الثاني، وهذا ما قوّى من عزم الإمام على الخروج إلى مكة.
إنّ الذي لم تتحدّث عنه المصادر التأريخية هو ردّة الفعل في المدينة على نبأ موت معاوية، وامتناع الإمام الحسين (عليه السلام) عن إعطاء البيعة، وفرار ابن الزبير إلى مكة.
وبدون شك فقد شاع خبر هذه التطوّرات بين أهل المدينة في اليوم الثاني من وصول خبر موت معاوية إلى الوليد إن لم يكن في نفس الليلة، وشاع خبر امتناع الإمام الحسين (عليه السلام)، وفرار عبدالله بن الزبير إلى مكة، ولكن ما هو ردّ فعل مجتمع المدينة؟
لا تذكر مصادر التأريخ تفاصيل عن ردود الفعل، ولا سبيل لنا لتصوّر الحالة، ولكن مقتضى مثل هذه التطوّرات الخطيرة يفرض أن يكون هناك وضع غير عادي، ونحسب إن أقصى ما سيطر على الناس يومذاك هو مشاعر القلق والترقب لما ستسفر عنه الأمور.
ولم يحدّثنا التأريخ عن موقف علني لفرد أو جماعة من أهل المدينة ناصر الإمام الحسين (عليه السلام) في موقفه ذاك غير أهل بيته ومواليه، وربّما كانت هناك مشاعر متعاطفة معه، لكنّها لم تتحوّل إلى مرحلة الموقف السياسي العام والعلني، وبهذا نكتشف إنّ المدينة لم تكن المكان المناسب الذي يطلق فيها الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) دعوته الصريحة للبيعة لنفسه باعتباره صاحب الحق الطبيعي في الخلافة المغتصبة.
ومثلما واجه الإمام الحسين (عليه السلام) الموقف بشجاعة في دار الإمارة عند الوليد بن عتبة في عدم إعطاء البيعة، فإنّه اتّخذ قرار الهجرة من المدينة إلى مكة بشجاعة.
“فخرج الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ من تحت ليلته ـ وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجهاً نحو مكة ومعه بنوه وأخوته وبنو أخيه وجُلّ أهل بيته إلاّ محمد بن الحنفية (رض)…” () “ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته (عليه السلام) لو تنكبت الطريق الأعظم كما صنع ابن الزبير لئلا يلحقك الطلب، فقال: لا والله لا أفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض”().
“ولمّا دخل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكّة كان دخوله إليها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان”().
والسؤال الذي يثيره النص المتعلق بالصورة التي خرج بها الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) من المدينة متوجهاً نحو مكة هو: هل مثل هذا الركب من الرجال والنساء والأطفال يمكن أن يخرج في وضع استثنائي تعيشه المدينة ـ سراً بدون أن يعرف السلطان؟ نعتقد أن ذلك أقرب إلى المستحيل، ولو كان الإمام (عليه السلام) قد خرج لوحده أو بصحبة عدد محدود من الرجال لكانت مسألة الخروج سراً واردة ومعقولة، لكنّه خرج بموكب كبير… لكنّنا لا نملك تفاصيل ما دار تلك الليلة عند خروجه بينه (عليه السلام) وبين السلطة، إلاّ ما قيل من أنّ الوليد ابن عتبة أرسل إليه مرّات يدعوه للبيعة مع أنّ موعد أخذ البيعة من الناس كان غداة ذلك اليوم وإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد سبق منه القول للوليد من أنّه لا يبايع سراً وقبل الوليد العذر، فلماذا إذاً يكرّر الدعوة إليه في الليل مرّة ثانية.
والذي نحسبه أنّ ذلك من وضع الرواة ليقولوا إنّ الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) خرج من المدينة هارباً كما فعل ابن الزبير، لكنّهم بعد ذلك يقولون إنّه (عليه السلام) ركب الطريق الأعظم ورفض الخروج عنه إلى الطرق الفرعية، وهذا دليل آخر على أنّ الحسين بن علي بن أبي طلب (عليه السلام) لو كان قد خرج خائفاً فإنّه ما كان ليسير على الطريق الأعظم ولكان اختار الطرق الفرعية انسجاماً مع حالة الخوف.
لقد كان خروج الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة يمثّل البداية العملية والحقيقية للثورة الحسينية، وليس كما يسشاع من أن أهل الكوفة هم الذين دعوه إلى الثورة، فالصحيح حسب هذه السياقات وحسب ما سيأتي هو أنّ موقف الإمام (عليه السلام) الرافض لإعطاء البيعة ليزيد وتحرّكه نحو مكة قد وجد صداه في الكوفة فبادرت إلى احتضان الحركة وتأييدها، فقد حرّك الإمام (عليه السلام) ساكنها فتحرّكت على أمل إعادة الحق إلى أهله الطبيعيين.
وحينما تحرّك الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة لم تذكر المصادر التاريخية أحداً من أهلها وأشرافها تحرّك معه، ما عدا أهل بيته ومواليه، ولهذا الأمر تفسيران:
الأوّل: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وبفعل المدّة القصيرة التي لبث بها بالمدينة بعد موت معاوية ووصول كتاب يزيد لم يعلن للناس عمّا كان يخطط له من نهضة في مواجهة اغتصاب الحق المتمثل بتولي يزيد للسلطة وادعائه الخلافة على المسلمين.
الثاني: إنّ التناقضات في مجتمع المدينة وتعدّد ولاءاته السياسية، وسيطرة الدولة وإحكام قبضتها لم تكن لتسمح لغير الإمام الحسين (عليه السلام) والهاشميين بالتحرّك العلني في معارضة السلطة، وبالتالي، فإنّ كلّ تلك الحقائق كانت تفرض وضعاً سياسياً يميل لصالح الاستسلام العام الذي شهدته المدينة أمام تيار السلطة القوي والنافذ.
لقد كان أهل البيت وبني هاشم سواء منهم الذين رافقوا الحسين (عليه السلام) أو الذين لم يرافقوه يعرفون أن الإمام بصدد النهضة ويعرفون أيضاً الهدف من ذلك، ولنا من الحوار الذي دار بين الإمام الحسين (عليه السلام) وبين أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ما نستدل به على ذلك، فإنّ محمداً لما علم بعزم الإمام الحسين (عليه السلام) على الخروج جاء إليه وقال له: “يا أخي أنت أحبّ الناس إليَّ وأعزهم عليَّ ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإنّ بايعوا حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك”().
وليس بين أيدينا ما يدلنا على ما تحدّث به الإمام قبل أن يقول محمد بن الحنفية هذا الكلام، لكن الراجح أمران:
الأوّل: أن يكون الإمام قد أخبره في تلك الساعة عزمه على النهوض والخروج من المدينة بعد أن رأى أن ظروفها غير مناسبة للحركة.
الثاني: أن يكون الإمام الحسين (عليه السلام) قد تحدّث مع أخيه حول موضوع النهضة لكن القرار الأولي هو أنّ يتحرّك من المدينة. لذلك فإنّه لما سمع بعزم الإمام على الخروج قال له ما قال.
وأمّا دلالة النص فهي تؤكد أنّ هناك أحاديث سابقة وإنّ مسألة النهضة قد تمّ بحثها. ومحمد بن الحنيفة هنا لا يثبط عزم الإمام الحسين (عليه السلام) عن ذلك وإنّما هو يقترح منهجاً يراه مناسباً للحركة.
وهكذا نكتشف أنّ قرار الحركة من المدينة إلى مكة إنّما كان الخطوة الأولى للانطلاق إلى المرحلة الثانية، ولا نشك بأنّ الذين خرجوا مع الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) من المدينة كانوا على مثل رأيه، حيث لم نعرف عن أحد منهم أنّه قد تراجع عنه منذ أن تحرّك من المدينة وحتّى الشهادة في كربلاء.
وهكذا خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة في موكب غريب ومثير، سائراً على الطريق الأعظم… ولكن مع هذه الصورة المعبرة كلّ التعبير عن شجاعة التحدّي في مثل تلك الظروف فإنّ هناك من يصرّ على ترديد بيت الشعر القائل:
خرجَ الحسينُ مِنَ المدينةِ خائفاً كخروجٍ موسى خائفاً يترقبُ
وهذا وصف لا يليق بالإمام الحسين (عليه السلام) أوّلاً وكذّبته وقائع الأحداث والتأريخ ثانياً. فالحسين (عليه السلام) لم يخرج خائفاً أبداً.
ولكن… ما هي الآثار التي ترتبت في المدينة بسبب حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وفرار عبدالله بن الزبير إلى مكة؟
لقد كانت من أوّل النتائج عزل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عن ولاية المدينة، وعيّن يزيد بدلاً عنه عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق().
وكان هذا معروفاً بالكبر… فكانت أولى الخطوات التي اتخذها هي أنّه عيّن عمرو بن الزبير أميراً لشرطته، ثمّ أمره أن يضرب كلّ من كان على هوى عبدالله بن الزبير، فقام مدير الشرطة بملاحقة أنصار أخيه وأولاده، فضرب بالسوط كلّ من:
1 ـ المنذر بن الزبير وهو أخوه.
2 ـ محمد بن المنذر بن الزبير وهو ابن أخيه.
3 ـ عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث.
4 ـ عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام.
5 ـ حبيب بن عبدالله بن الزبير.
6 ـ محمد بن عمار بن ياسر().
وقد ضربهم بين الأربعين إلى الستين سوطاً. ولعل هناك غيرهم قد تعرّضوا للضرب أيضاً لكن مصادر التأريخ لم تورد أسماءهم.
وسواء كان غيرهم قد ضرب أيضاً أو لم يكن، فإنّ هذا الحدث ينبئ عن اضطراب وضع المدينة من جهة، وسكون أهلها من جهة ثانية، فهؤلاء الذين ضربوا لم يكونوا من مجاهيل الناس، ولكن مع ذلك لم تحدّثنا مصادر التأريخ عن صوت لمعترض على هذا الإجراء التعسفي، وهو إجراء يذكرنا بمقولات المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه في العراق، وهي معاقبة البريء بجرم الجاني، وربّما كان هناك من قد اعترض فالتأريخ لا يذكر كلّ شيء، كما لم يحدّثنا التأريخ عن تعرّض بني هاشم لسوء من قبل السلطة وفيهم كثيرون لم يخرجوا مع الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومنهم ولد العباس بن عبد المطلب حيث لم يخرج منهم أحد مع الحسين (عليه السلام).
الحسين (عليه السلام) في مكة
تقدّم أنّ الحسين (عليه السلام) وصل إلى مكة بعد ثلاث مضين من شعبان سنة 60هـ، ومكة يومئذ مكتظّة بمن قدّم إليها معتمراً أو حاجاً، ثمّ إنّ مكة ملتقى الناس من كلّ الحواضر الإسلامية، وكان وصوله إليها بعد ابن الزبير، وليس بين وصولهما وقت طويل، ومنذ أن وطأت قدماه أرض الحرم الشريف، تحوّل الناس عن ابن الزبير إليه يأتونه حلقات حلقات “وتركوا عبدالله بن الزبير وكانوا قبل ذلك يتحلقون إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أنّ الناس لا يحفلون به والحسين مقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين رضي الله عنه صباحاً ومساء”().
ولكن ما هي مضامين الأحاديث والحوارات التي كانت تجري بين الإمام الحسين (عليه السلام) وتلك الوفود التي كانت تجتمع إليه، وهي وفود كثيرة إلى درجة وجد ابن الزبير أنّه أصبح عاطلاً لا يأتيه أحد مع وجود الحسين.
لا تذكر المصادر تفاصيل عن طبيعة الأحاديث والحوارات، لكن الراجح هو أن الأحاديث كانت متنوّعة… أحاديث عن سنّة الرسول والحسين (عليه السلام) هو امتدادها الطبيعي، وحديث عن أحكام العمرة والحج، وأحاديث أيضاً عن السياسة، والحكم والبيعة ورفضها وأسباب رفضها، ولعل أحاديث رفض البيعة كان تشكّل المحور الأهم في كلّ تلك الأحاديث.
ومن منطوق الروايات نكتشف أنّ وجود الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة، استقطب الوضع الاجتماعي، وقد اتفق المؤرخون على ذلك وهو استقطاب جعل ابن الزبير الذي كان يرى نفسه مؤهلاً للخلافة أن يأتي إلى الحسين (عليه السلام) صباحاً ومساء، ومع وجود هذا الاستقطاب يأتي هذا السؤال:
لماذا لم يتحرّك الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة؟
بمعنى أنّه لماذا لم يتخذ خطوات عملية للإعلان عن مواجهته للحكم ومن ثمّ السيطرة على مكة والامتداد بالحركة السياسية نحو بقية الأمصار الإسلامية.
والجواب على هذا السؤال نجده عند الإمام الحسين (عليه السلام) فيما قاله وهو يخرج من مكة نحو العراق: “والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليَ من أن أقتل داخلاً منها بشبر، وأيم الله لو كنت في حجر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا في حاجتهم والله ليُعْتَدَنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت”().
وهذا النص في دلالته وصراحته يغني الباحث عناء التأويل والتحليل، فالحسين (عليه السلام) هو أولى الناس بمعرفة حرمة حرم الله وبيته المكرم، ولكنّنا مع ذلك نحتاج إلى تحليل آخر لمضمون هذا النص غير ما يتعلّق بحرمة الحرم، وبالذات نقطة جوهرية فيه، وهي أنّ الإمام (عليه السلام) أخبر عن أنّهم (يعني جماعة يزيد) سيتحررون قتله ولو دخل حجر هوام الأرض! فما معنى ذلك، ولماذا يتحدّث الإمام عن القتل؟
إنّ اكتشاف الدلالة سيقودنا إلى معرفة السبب الأصلي الذي جعل الإمام الحسين (عليه السلام) يخشى على حرم الله أن تنتهك حرمته بسفك دمه الطاهر فيه.
فلو افترضنا أنّ هذه الجموع التي كانت تأتي إلى الحسين (عليه السلام) وهو في مكة قد بايعته على الموت من أجل إعادة الحق إلى أهله، ونادت به خليفة للمسلمين أما كان ذلك مدعاة لشعور الإمام (عليه السلام) بالقوّة والقدرة على صيانة حرمة الحرم؟
لكن حديث الإمام (عليه السلام) عن القتل داخل الحرم يُنبئ عن شعوره (عليه السلام) بالوحدة والخذلان حتّى يتمكن (هؤلاء) من قتله.
إنّ تلك الجموع التي كان تأتيه وتتحلق حوله كانت أغلب الظن تتعاطف معه كونه سبط الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، لكنّها لم تكن مستعدة للتضامن معه في مشروعه السياسي، ولم تكن مستعدة للقتال معه أو النهوض معه في ثورة تطيح فيها الرؤوس وتسفك الدماء.
وحينما لا يجد الإمام الحسين (عليه السلام) مثل هؤلاء الأنصار المستعدون للثورة، فإنّ الطبيعي هو أن يخشى على حرمة الحرم أن تنتهك إن بقي فيه، فهو قد صمّم على عدم البيعة ليزيد، وهذا الأخير لا يستقرّ له حال حتّى يأخذ منه البيعة عندها يحصل الذي كان يحذره حيث ستقع معركة غير متكافئة الأطراف يقتل فيها الحسين (عليه السلام) وأهل بيته والقليل من أنصاره داخل الحرم وهذا ما لا يرضاه الإمام لحرم الله.
ولكن يبقى سؤال آخر هو:
لماذا اختار الإمام الحسين (عليه السلام) الكوفة على سواها من البلدان؟ وهذا سؤال نجد جوابه في روايات المؤرخين، حيث لم يذكروا بلداً من البلدان التي كانت تشكّل خارطة العالم الإسلامي حينذاك دعت الحسين (عليه السلام) إليها ونصرت حركته ودعوته سوى الكوفة.
فالكوفة وحدها، كما أجمع المؤرخون هي التي تحرّكت بعد موت معاوية وبعد أن علمت بامتناع الحسين (عليه السلام) عن إعطاء البيعة ليزيد، وحركته ومن ثمّ استقراره في مكة وكتب أهل الكوفة لم تأت للإمام إلاّ بعد استقراره في مكة.
لقد قدّم الكثيرون للإمام الحسين (عليه السلام) خيارات عديدة لتكون منطلقاً لحركته منها اليمن ومنها الحجاز، لكنّه أغلب الظن لم يجد في هاتين الحاضرتين ما يرجحهما لكي يتخذ من إحداهما منطلقاً، وهكذا أصبحت الكوفة هي البلد الوحيد من بين بلدان العالم الإسلامي الذي أعلن نصرته للإمام الحسين (عليه السلام) والاستعداد للتضحية من أجل إعادة الحق إلى نصابه.
وهناك سؤال آخر وهو:
لماذا تحرّك الشيعة في الكوفة في هذا الوقت بالذات وبدأوا بإرسال الكتب التي أعلنوا فيها تأييدهم ودعوتهم للإمام للمجيء إلى الكوفة للمناداة به خليفة للمسلمين؟ وهل كان مجرد امتناع الإمام عن البيعة ليزيد سبباً لهذه الحركة، أم أنّ هناك أسباباً إضافية؟
يبدو أنّ الأمر كان أبعد من مجرد الامتناع عن إعطاء البيعة فقط، فقد امتنع الإمام (عليه السلام) قبل ذلك بأربع سنوات عن إعطاء البيعة ليزيد بولاية العهد قبل موت معاوية، وقد عرف الجمهور بذلك ومنهم الشيعة في الكوفة ولكن ذلك الامتناع لم يحدث في الظاهر والعلن هزّة في الوجدان الشيعي كالذي حدث بعد الامتناع الثاني.
كما أنّ كتب الشيعة في الكوفة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) التي وصلته في مكة لم تكن الكتب الأولى التي تصله منهم ولا هذه الدعوة هي الأولى من نوعها فقد سبقتها كتب ودعوات.
فقد كتب الشيعة في الكوفة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السلام)، وكتبوا له أيضاً وجاء وفد منهم بعد شهادة حجر بن عدي الكندي، وقد أبدوا استعدادهم في تلك الرسائل لنصرة دعوته، لكنّه (عليه السلام) كان في المرّات السابقة يدعوهم إلى الكتمان ويخبرهم أنّه لن ينهض ما دام معاوية حياً لأسباب تتعلق بالعهد والهدنة التي أبرمها الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية والتوقيت بموت معاوية له معناه، وهو أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد أصبح في حل من عهد الصلح والهدنة بعد أن نقضه معاوية في حياته.
ويبدو أنّ هذا التوقيت كان يلحّ على الضمير الشيعي في الكوفة ويحفز عند النفوس الاستعداد للنهوض والقيام.
وعندما تحرّك الإمام الحسين (عليه السلام) إلى مكة رافضاً إعطاء البيعة ليزيد واجتماعه بالناس في مكة عارضاً عليهم أسباب رفض البيعة، كانت أنباء كلّ هذه التطورات تصل إلى الكوفة القريبة من الحجاز، وهذا كلّه كان مبعثاً لإيجاد شرارة النهضة في نفوس الشيعة في الكوفة فاجتمعوا في بيوت زعمائهم، ومن هناك قرّروا الكتابة إلى الإمام (عليه السلام) يدعونه للمجيء إلى الكوفة ليكونوا له جنوداً في دعوته لإعادة الحق إلى أصحابه الشرعيين.
اجتماعات الكوفة وكتبها
الكوفة عانت من عسف معاوية وعماله أكثر من أي بلد آخر، والكوفة قدّمت التضحيات طيلة عشرين عاماً، ومجتمع مثل هذا بدون شك يتحيّن الفرص من أجل التخلّص من النظام الحاكم وقد وجد الكوفيون هذه الفرصة قد سنحت بعد موت معاوية وانطلاق الإمام الحسين (عليه السلام) بدعوته، ووجود حاكم على الكوفة كان أقل بطشاً من سابقيه هو النعمان بن بشير، وهكذا توافرت أهم العوامل المساعدة على إعلان النهضة والثورة.
من المهم أن نعرف تفاصيل المشهد الاجتماعي والسياسي للكوفة بعد موت معاوية وانطلاق حركة الإمام الحسين (عليه السلام) نحو مكة، فهذه المعرفة ستعيننا كثيراً للوصول إلى استنتاجات دقيقة تتعلق بتطوّرات الموقف السياسي خلال خمسة أشهر هي المسافة الزمنية الفاصلة بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى مكة وشهادته في كربلاء.
والكوفة حين مات معاوية كانت تتقاسمها أربع فئات:
الأولى: فئة أتباع السلطة وأركان الحكم وهم يمثّلون النخبة الحاكمة من رؤوس الأرباع والشرطة والجند والزعماء، والمتملقين، والمخبرين والطامحين إلى احتلال مواقع كبيرة في جهاز السلطة… وهؤلاء كانوا يمثلون الفئة الكبيرة المتغلبة في الكوفة.
الثانية: فئة تمثّل طليعة الشيعة ونخبتهم المثقفة المتدينة من قرّاء وعلماء وزعماء قبيليين كانوا خارج جهاز الحكم، تلاحقهم “تهمة العداء” للسلطة والحكم، وهم مبعدون عن المواقع السياسية التي وضعها معاوية لحكم العراق.
الثالثة: فئة تمثّل الخوارج، وهم أقلية قليلة داخل الكوفة.
الرابعة: وهي فئة تمثّل السواد الأعظم من الناس ممّن لا يهمهم من يكون الحاكم بل ويهمهم أن يكونوا في سلامة ودعة ومعاش جارٍ، وهؤلاء حينما يؤيّدون حركة ما فإنّما يفعلون ذلك طمعاً في الحصول على مغنم دون أن يكونوا مستعدين للتضحية من أجل ذلك.
هذه الفئات الاجتماعية هي التي كانت تشكل المشهد الذي تميل فيه الكفة للمتغلب بالقوّة، أي السلطة التي تملك القوّة وتتصرّف بالأرزاق والأعطيات، وبهذا تكون النخبة الشيعية قليلة قياساً إلى مجموع الفئات الأخرى، لكن هذه الفئة لم تمنعها القلة من التأثير في الوضع الاجتماعي داخل الكوفة إلى درجة جعلت النعمان بن بشير يبدو ضعيفاً في مواجهة تلك التحوّلات، وهو ضعف دفع ببعض أنصار السلطة للكتابة إلى يزيد يدعوه فيها إلى إرسال رجل قوي للسيطرة على الكوفة.
وهذا أمر يثير أسئلة، منها:
كيف استطاع الشيعة أو النخبة منهم وهم فئة قليلة ملاحَقة “متهمة” من التأثير في الوضع الاجتماعي والسياسي وإيجاد أرضية إقناع حوّلت الجماهير للتعاطف مع الدعوة لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام)؟
فقد تحرّك حجر (رض) حركة قوية داخل الكوفة استقطبت جمهوراً كبيراً داخل المدينة، لكن حركته تمّ تبديدها وعزلها عن محيطها الاجتماعي، وبالتالي إخراج حجر ورفاقه من الكوفة مقيدين يساقون إلى الشام أمام أنظار الناس دون أن تحدث ردّة فعل مضاد يعتنى بها.
إنّ السبب يكمن في أمرين كما نعتقد:
الأوّل: هو طبيعة الأشخاص الذين تحرّكوا هذه المرّة، فهؤلاء كان لهم دور كبير في تعبئة الناس وإقناعهم بالإنضمام إلى الحركة أو التعاطف معها على الأقل ممّا شكّل قاعدة جماهيرية أقنعت القائمين على الحركة بصواب خطوة توجيه الدعوة للإمام الحسين (عليه السلام) في القدوم إلى الكوفة.
فقد كان هناك سليمان بن صرد الخزاعي، وهو صحابي جليل وشيخ كبير السن، وبرير بن خضير الهمداني، وهو سيّد القرّاء في الكوفة وكان شيخاً كبير السن وناسكاً وله شرف ومنزلة عالية لدى الهمدانيين، وجابر بن الحارث السلماني وهو شخصية لها منزلتها وقدرها في الكوفة، وغير هؤلاء ممّن لا يقلّون عنهم منزلة كأمثال حبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ورفاعة بن شداد، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعابس بن شبيب الشاكري، والمختار الثقفي، وغيرهم.
فقد كان هؤلاء الزعماء عاملاً مهماً من عوامل يقظة الناس عموماً والجمهور الشيعي بوجه خاص، فهؤلاء كانوا يمثّلون بقايا أنصار الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في صفّين والنهروان.
الثاني: هو الأسلوب والطريقة التي تعامل بها النعمان بن بشير مع الكوفة وهي سياسة توصف باللين أو هي السياسة الأقل قهراً أو اضطهاداً من سياسة زياد بن أبيه في التعامل مع الخصوم السياسيين.
ومثل هذه السياسة في وضع اجتماعي تتجاذبه التقاطعات والثارات والضغينة لحري بأن يدفع المعارضة أن تخرج ولو تدريجياً عن حالة الانزواء والتخفي إلى التحرّك الأكثر علنية والأكثر فعالية.
لقد كان الشيعة في الكوفة يتطلّعون إلى تحقيق مشروع إعادة الخلافة الإسلامية إلى أصحابها الشرعيين، وقد بذل بعض الزعماء الشيعة محاولات على هذا الصعيد بعد هدنة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد دعوا الإمام الحسين (عليه السلام) إلى القتال ضد معاوية، لكن الإمام رفض ذلك مذكراً هؤلاء بأنّه لا يمكن فعل شيء والإمام الحسن (عليه السلام) قد صالح معاوية.
وطبيعي جدّاً أن لا يتراجع هذا المشروع طالما وجد من يؤمن به، وقد يتم تأجيله فترة ما ولكنّه سينطلق عندما تتوفّر الشرعية وعندما تتوفّر الظروف الموضوعية.
وهذا هو الذي حصل، فقد رفض الإمام الحسين (عليه السلام) إعطاء البيعة ليزيد، وهذا يعني أنّ شرعية النهضة قد توفّرت وإنّ شرعية السلطة القائمة قد سقطت لدى شيعة الإمام الحسين (عليه السلام)، كما أنّ الظروف الأمنية والسياسية في الكوفة وهي ظروف مناسبة قد مثّلت الظروف الموضوعية المناسبة.
لقد تحرّك المشروع في الكوفة بصورة قوية جعلت النعمان بن بشير يستشعر بخطورة الحركة الشيعية الداخلية بعد فوات الأوان، أي بعد أن دخل مسلم بن عقيل إلى الكوفة وأخذ الشيعة يختلفون إليه ويجتمعون عنده، وبدأت الصيحات تعلو والمعارضة تشتد، حينها أخذ النعمان يتهدّد ويتوعد بطريقة اعتبرها أصحاب الجهاز الحاكم ضعفاً أو تضعفاً، واعتبرتها المعارضة غير ذات جدوى في منع الحركة من الامتداد والانتشار السريع، وهذا نص دال ينفعنا في هذا الاسنتاج، وهو قول النعمان بن بشير: “إنّي لا أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب عليَّ ولا أشاتمكم ولا أتحرّش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنّة ولا التهمة ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر…” ().
ولكن هذه الخطبة لم تكن لتؤّثر في وضع متقلب، بل إنّها جعلت أعوان السلطة يستشعرون الخطر الداهم يحدق بهم “فقام إليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستعضفين”().
هذه السياسة التي عرضها النعمان بن بشير لم تكن هي التي كان يستخدمها المغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه في مثل هذه الظروف، ومع أنّها سياسة لم تخل من التهديد والوعيد لكنّها لم تكن ذات بال والناس بصدد عمل كبير يستهدفه ويستهدف يزيد.
هذه السياسة التي أبداها النعمان بن بشير في مقابل أمّة تنزع أو تحضر للثورة ومن ثمّ عزله أو الإطاحة به، ستساعد على امتداد الثورة وانتشارها وتشجيع الذين لم يلحقوا بركب الثورة بعد إلى الإلتحاق بها، بعد أن اكتشفوا عجز السلطة عن مواجهة التطورات والأحداث المتسارعة والمتلاحقة، وهي حركة كانت ترفع عنواناً وشعاراً كبيراً وخطيراً وهو البيعة للحسين (عليه السلام) خليفة للمسلمين.
الكتب والكتاب
المتعارف عليه عند المعنيين بالحديث عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ودراستها، ورسخ في ثقافة الجمهور الشيعي ظاهرة الكثرة التي كتبت إلى الإمام الحسين (عليه السلام) تدعوه القدوم إلى الكوفة عارضة عليه استعدادها لنصرة دعوته، وغالباً ما توصف الرسائل التي وصلت الى الإمام الحسين (عليه السلام) من أهل الكوفة بالكثرة، حتّى يتخيل البعض أنّ كلّ أهل الكوفة كتبوا برسائلهم إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
لكن التدقيق والتحقيق بالمقدار الممكن والمتوفّر من المصادر، والقرائن يكشف عن كثرة نسبية في تلك الرسائل، لأنّنا إذا رجعنا إلى قراءة المشهد السياسي في الكوفة عشية الثورة، فإنّنا سنجد أنّ استقطابات الواقع السياسي تحرّكت باتجاهات متعدّدة ومتضادة وإنّ الذين كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكونوا كلّ أهل الكوفة حتماً، فهناك من كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وهناك من كتب إلى يزيد، وهناك من بقي ينتظر النتائج التي ستسفر عنها تلك التطوّرات.
نعم، ليس هناك من شك في كثرة الناس الذين بايعوا الحسين (عليه السلام) على يد مسلم بن عقيل وهذا أمر له تفسيره الاجتماعي والسياسي وسيأتي الحديث عنه في محله.
وما دمنا نتحدّث عن الرسائل، فحري بنا أن ندرس مسألتين تتعلقان بها، هما:
1 ـ المضمون الذي احتوته الكتب، أو بتعبيرنا المعاصر ـ الخطاب السياسي ـ الذي حملته تلك الكتب.
2 ـ طبيعة الأشخاص الذين ذكرت المصادر التأريخية أسماءهم ممّن كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
ومن خلال معرفة ذلك سنتوفر على معلومات غاية في الأهمية عن الثورة الحسينية.
المسألة الأولى ـ مفردات الخطاب السياسي
بين أيدينا مجموعة من النصوص سنتناولها حسب تسلسلها الزمني كما رواها المؤرخون، فلهذا التسلسل الزمني أهمية بالغة في معرفة تطوّر الحركة واتجاه شعاراتها. فقد وصلت إلى الإمام الحسين (عليه السلام) كما في روايات المؤرخين أربع دفعات من البريد، في كلّ بريد رسالة واحدة أو أكثر.
البريد الأوّل
كان أوّل كتاب وصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) هو الكتاب الموقع من قبل: حبيب بن مظاهر الأسدي، سليمان بن صرد الخزاعي، المسيب بن نجبة الفزاري، رفاعة بن شداد. وهو كتاب وصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في العشر الأوائل من شهر رمضان سنة 60هـ أي بعد حوالي الشهر أو أكثر بقليل من وصول الإمام الحسين (عليه السلام) إلى مكة.
وهذا نص الكتاب: “بسم الله الرحمن الرحيم: للحسين بن علي من سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.
سلام عليكم، فإنّنا نحمد الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فالحمدلله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزها وغصبها فيأها وتآمر عليها بغير رضى منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعداً له كما بعدت ثمود.
إنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا إنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله. والسلام ورحمة الله عليك”().
وإذا تجاوزنا مقدمة النص من الحمد والثناء لله عزّ وجلّ وهو ديباجة الكتب والرسائل والخطب يومذاك، فإنّ النص اشتمل على مجموعة من المضامين نشير إليها:
1 ـ إنّ معاوية انتزى على الأمّة، واستولى على السلطة بغير حق ولا مؤهلات من دين أو ورع أو علم تتيح له تسنّم موقع الخلافة، فتأمر على الناس بغير رضى منهم، وإنّه ابتزّ أموال المسلمين واغتصب عليهم فيأهم، وإنّه كان قاتلاً لأخيار الأمّة، مصطفياً لشرار الخلق، وإنّه وزع الأموال بغير حق على الجبابرة والأغنياء والمتزلفين وأهل الفسوق والفجور… وإنّ هذا الطاغية قد قصمه الله بالموت وبعد مثلما بعدت ثمود. وهذه المضامين كانت تشكل نقيض مفردات العقيدة الإسلامية الشيعية في المواصفات التي يجب أن يتمتع بها خليفة المسلمين، وهي مفردات تعلموها من مصادر الشريعة الإسلامية، ووجودها مجسّدة تجسيداً حياً في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
2 ـ إنّ الشيعة في الكوفة أعلنوا عن عدم اعترافهم بشرعية الحكم القائم، لكنّهم أعلنوا أيضاً عن عدم انتخابهم حتّى ذلك الحين أميراً عليهم من بينهم يقود حركتهم في مواجهة الحكم، ولهذا الأمر منشأ عقائدي ومنشأ سياسي، العقائدي هو أنّ الولاية والأمرة لا تصحّ في ذلك الحين لأحد من الناحية الشرعية مع وجود الإمام الحسين (عليه السلام) فهو صاحب الأمر وله أن يعين من يراه لهذا الموقع، والسياسي هو أنّ تجاذبات الكوفة وتعقيدات وضعها الاجتماعي سلبت منها القدرة على الاتفاق على شخص ما واقتراحه على الحسين (عليه السلام)، ولعلّهم رأوا أنّ ليس من حقّهم اقتراح أحد حتّى يأتيهم أمر الإمام (عليه السلام) ولذلك فقد أكدوا في الكتاب على هذه المسألة “إنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحق…”.
3 ـ إنّ الشيعة في ذلك الحين، أي حين كتابة الكتاب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) كانوا قد قطعوا شوطاً في التحرّك السياسي المعارض للسلطة فهم مقاطعون للوالي ولا يجتمعون معه على جمعة ولا يخرجون معه إلى عيد وفي هذا دلالة على العزم والجدية في المقاطعة وإنّ الأمور في الكوفة أخذت تتبلور عن وجود معارضة قوية حتّى أنجرّت إلى اتخاذ الشيعة قرار عدم حضور الجمعة مع الوالي.
والجمعة في ذلك الحين، وكذلك العيد، تشكّلان مناسبة الاجتماع الطبيعي في الحياة الاجتماعية الإسلامية في الكوفة وغيرها من الحواضر الإسلامية، ولعلنا نكتشف أهمية حضور الجمعة والجماعة ودلالتها على الانسجام مع وضع السلطة حين نتذكر ما أمر به معاوية المغيرة بن شعبة بإلزام جماعة من الشيعة وغيرهم بحضور صلاة الجماعة في المسجد مع الوالي.
4 ـ إنّ الشيعة في الكوفة كانوا يحاذرون من تصعيد الموقف ضد الوالي إلى درجة المواجة المسلحة. لأنّ التجارب السابقة علّمتهم أنّ عدم اجتماع الكلمة وتوحّد القوى سيؤدّي إلى تبديد أي حركة معارضة مثلما حصل في حركة حجر، وشعورهم بالحاجة إلى إمام يجمعهم ويوحّدهم ويقودهم في المواجهة هو الذي دعاهم إلى ذلك التريّث ريثما يطمئنون إلى أنّ الحسين (عليه السلام) قد استجاب لدعوتهم وبدأ بالتحرّك نحوهم إلى الكوفة وقد لخصوا ذلك بقولهم: “ولو قد بلغنا إنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله”.
وهذا إعلان واضح لا يحتاج إلى تأويل وهو أنّ تصعيد الموقف ضد الحكم جعلوه متوقفاً على حركة الإمام الحسين (عليه السلام) نحو الكوفة.
من هنا، وبعد التعرّف على مضمون الرسالة الأولى يمكن أن نصفها بأنّها كانت رسالة بيعة وعهد، واستعداد للنصرة وانتظار وتريّث وحذر. لقد كانت المعارضة حتّى ذلك الحين معارضة سلمية ولم تكن بعد قد انتقلت إلى مستوى المعارضة المسلحة.
إنّ المصادر التاريخية تذكر أنّ هذه الرسالة كانت أوّل كتاب وصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وإنّها كانت نتيجة مداولات مطولة بين الشيعة فيما يجب أن يفعلوه بعد أن بلغهم موت معاوية وامتناع الإمام الحسين (عليه السلام) عن البيعة وخروجه إلى مكة. حيث تشير المصادر إلى “اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد، فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صرد إنّ معاوية قد هلك وإنّ حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل عن نفسه، قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، قال فاكتبوا إليه، فكتبوا إليه”().
لقد وردت في هذا النص إشارات واضحة إلى استعداد الناس للتضحية والموت دون الحسين (عليه السلام)، لكنّه من جهة أخرى كشف عن وجود تخوّف لدى كبار الشيعة من أن لا يفي المجتمعون بتعهداتهم والتزاماتهم وهو ما صرّح به سليمان بن صرد الخزاعي بكلّ صراحة ووضوح وهو صاحب التجارب الطويلة من طليعة الباقين من أصحاب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، فهو يستشعر المسؤولية الملقاة على عاتقه وهو يدعو الإمام إلى الكوفة ويعلن عن الاستعداد للنصرة والموت دون الحسين (عليه السلام)، وعندما عرف من المجتمعين صدق العزيمة أمرهم أن يكتبوا وأن يضعوا اسمه في أوّل الكتاب.
وإشارة أخرى حول الكتاب وهي أنّ المؤرخين ذكروا أسماء أربعة من الموقعين عليه، مع أنّ الاجتماع كان اجتماعاً عاماً وهذا الأمر له دلالة خاصّة وهي أنّهم وضعوا أسماء أربعة يعرفهم الإمام الحسين (عليه السلام) معرفة كاملة لأنّ ذلك سيكون مدعاة لاطمئنانه.
وإشارة أخيرة عن الكتاب وهي أنّه يذكر بعد الأسماء الأربعة عبارة “وشيعته من المؤمنين والمسلمين في الكوفة”. وهذا تخصيص وليس تعميماً، فالذين كتبوا للحسين (عليه السلام) هم شيعته من المؤمنين والمسلمين وليس كلّ أهل الكوفة.
ولكن كم كان عدد هؤلاء المجتمعين، فهو أمر لا سبيل إلى معرفته بدقة، وإن كنّا نميل إلى أنّ عددهم ليس بالكثير الكثير، فالاجتماع كان قد عقد في بيت وليس في المسجد أو في مكان عام والبيت عادة يستوعب عدداً محدداً قليلاً من الناس، ويمكننا أن نشير إلى أسماء أخرى حضرت ذلك الاجتماع، ومنهم محمد بن بشير الهمداني الذي روى ما دار في ذلك الاجتماع بنصّه، وعبدالله بن سبع الهمداني، وعبدالله ابن وال وهما اللذان حملا ذلك الكتاب إلى الحسين (عليه السلام) مسرعين حتّى أوصلاه إلى مكة في العشر الأولى من شهر رمضان المبارك.
إنّ هناك سؤالاً تثيره عملية الكتابة إلى الإمام (عليه السلام) ودعوته للمجيء إلى الكوفة، فقد تقدّم أنّ سليمان بن صرد الخزاعي أثار سؤالاً مهماً وجّهه للمجتمعين وهو سؤال فيه الكثير من دلالات الوعي والحرص على حياة الإمام (عليه السلام) ودلالة معرفة طبيعة الناس والأوضاع العامّة الحاكمة عليهم، وحين استوثق سليمان من استعدادهم للتضحية أمر بالكتابة إليه، والسؤال هنا هو: ما الذي جعل هؤلاء المكاتبين وزعمائهم على الأقل يطمئنون إلى أنّهم قادرون على إنجاز الفعل الذي تتطلبه حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وهي القتال دون دعوته وإعادة الخلافة المغتصبة إلى أصحابها الشرعيين؟ إنّ هناك احتمالين:
الأوّل: أن يكون هؤلاء المجتمعون واثقون من قدرتهم على التعبئة القتالية للأنصار والمؤيدين داخل الكوفة كونهم يمثّلون الزعامات النافذة والمؤثّرة في المجتمع الكوفي أو في قبائلهم على الأقل، وهذا احتمال وارد جدّاً.
الثاني: إنّ الوضع الاجتماعي داخل الكوفة كان منقلباً ذلك الحين وإنّ الناس كانوا ينتظرون إشارة الثورة لتقوم بعملية حاسمة في طرد ممثل الحكم الأموي في الكوفة… وبمعنى آخر إنّ الوضع السياسي داخل الكوفة كان ذلك الحين يعيش حالة عامّة من التفاعل مع أنباء موقف الإمام الحسين (عليه السلام) ومثل هذا التفاعل الجماهيري خلق نوعاً من الثقة بالنفس إلى درجة جعلتهم يبدون أكثر تصميماً على نصرة حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، هذا أيضاً احتمال وارد، ولا سيما إنّ تساؤل سليمان بن صرد الخزاعي لم يشر إلى موضوع الكثرة والقلّة من المؤيدين والأنصار وإنّما كان يتجه نحو التأكد من استعداد تلك الجماهير للنصرة والتضامن مع الحركة والتضحية من أجلها ومن أجل الإمام الحسين (عليه السلام).
إنّنا نستطيع أن نتصوّر أنّ ذلك الاجتماع لم يتم بصورة عفوية وإنّما تمّ الإعداد والدعوة له، وبدو شك فقد حضره وجوه الشيعة وأتباعهم، كما نستطيع أن نجزم أنّ نتائج ذلك الاجتماع والكتاب المرسل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) قد أوجد جواً عاماً جعل الآخرين يفكّرون بنفس الطريقة وهي كتابة رسائل إلى الإمام يعلنون فيها عن استعدادهم لنصرة دعوته، ويدعونه للقدوم إلى الكوفة.
البريد الثاني
أمّا البريد الثاني حسب التسلسل الزمني لما رواه المؤرخون فهو في الواقع ضمّ مجموعة كتب، ولكن الروايات لم تذكر النصوص الواردة فيها، وهي على ما يبدو كانت المجموعة الأكبر من الكتب التي وصلت إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث تذكر الرواية “ثم لبثنا يومين ثم سرحنا إليه قيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبدالله بن الكدن الأرحبي، وعمارة بن عبيد السلوي، فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفة من الرجل والإثنين والأربعة”().
وهذا النص تهمّنا منه أمور:
الأوّل: التطوّر في أسلوب كتابة الكتب والرسائل، ففي الرسالة الأولى وقع في الكتاب أربعة من زعماء الشيعة المعروفين نيابة عن جمع من الشيعة المؤمنين، أمّا في الكتاب الثاني فقد حرص الناس على كتابة رسائلهم موقعة بأسمائهم منفردين أو مجموعين باثنين أو ثلاثة أو أربعة وربّما أكثر.
وهنا نقطة مهمة يجب التوقّف عندها وهي أنّ اسم أي شخص من هؤلاء لم تذكرهم الرواية وهذا الأمر له عدّة احتمالات:
الأوّل: أن يكون هؤلاء الذين كتبوا الرسائل من غير المعروفين في الوسط الشيعي بحيث لا يذكر الراوي أسماءهم.
الثاني: إنّ كتابة الكتب والرسائل تلك لم تحصل نتيجة اجتماع عام مثلما حصل في الرسالة الأولى، وإنّما كان الشخص والإثنان أو الثلاثة والأربعة يكتبون رسائلهم ويأتون بها إلى مكان معلوم يدعون رسائلهم عند من يحملها إلى الإمام الحسين (عليه السلام) فضاعت بذلك الأسماء وتعذّر الإحصاء.
الثالث: أن يكون الراوي قد اجتهد لسبب ما، فلم يذكر الأسماء وهو احتمال ضعيف. أمّا الاحتمال الثاني فهو المرجح عندنا.
البريد الثالث
يبدو أنّ أخبار كتابة الرسائل والكتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) قد شاعت في الناس إلى درجة وجدت صداها في النفوس التي أخذها الحماس للمسارعة في إرسالها، فالملاحظ أنّ البريد الثاني جاء بعد ليلتين أو ثلاثة من إرسال البريد الأوّل كما ذكرت الرواية، وهذا إنّ دلّ على شيء فإنّما يدل على سرعة وسعة انتشار الخبر من جهة، واستعداد النفوس أو الأرضية المناسبة لإظهار الاستعداد لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) من جهة ثانية.
وفي هذا التتابع جاء البريد الثالث بعد يومين من إرسال البريد الثاني وهو يحمل كتاباً واحداً، وهذا نصّه:
بسم الله الرحمن الرحيم: “للحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد، فحيهلا، فإنّ الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليكم”().
والملاحظ أنّ هذا الكتاب لم يذكر الرواة أسماء الموقعين فيه ولا عددهم قليلاً كانوا أم كثيراً، لكنّه يشبه الكتاب الأوّل في تحديد هوية الباعثين له وهم “شيعته من المؤمنين والمسلمين” وربّما كان عدد الموقعين عليه أكثر من السابقين وربّما أقل، ولكنّه على كلّ حال كتاب من شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) وهذا أمر مهم في تحديد هؤلاء الذين بعثوه، فهم ليسوا من المجاهيل، وربّما كان منهم الكثير ممّن استشهدوا معه فيما بعد في كربلاء.
وعلى كل حال، فإنّ الأهم، هو أنّ النص المتقدّم يحمل دلالة مهمة في الكشف عن مستوى الحركة والاستعداد ونضج الثورة، وتحرّر الإرادة، ففيما كان الكتاب الأوّل عبارة عن أخبار بواقع الحال الاجتماعي السائد حينذاك، والاستعلام عن استعداد الإمام الحسين (عليه السلام) للقدوم وانتظار ذلك القدوم للقيام بالخطوة الثانية من الحركة وهي طرد الوالي من الكوفة، فإنّ الكتاب الثالث أظهر شوقاً واضحاً واستعجالاً للقدوم، ممّا يكشف عن تصاعد في الحماس للانطلاق بالحركة إلى مداها الأرحب، وهو إعلان الحسين (عليه السلام) خليفة للمسلمين.
إنّ كلمات الترحيب والانتظار، واتفاق الآراء على نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) دون سواه سوّغت للقائمين على الحركة أن يطلبوا من الإمام الاستعجال بالقدوم.
وهذا النص، إذا كشف عن شيء، فإنّما يكشف عن حالة جماهيرية عامّة، وانقلاب شامل في الوضع الاجتماعي، وفي مثل هذه الانقلابات والتحوّلات الاجتماعية تصبح مشاعر الإحساس بالقوّة والمستقبل المشرق هي العلامة المميزة التي تحكم العلاقة بين المعارض المشرف على الانتصار وبين جهاز السلطة المشرف على الانهيار.
وهنا، وفي مثل هذه الأجواء يبحث أصحاب المصالح الخاصّة عن التصرّف أو السلوك المناسب الذي يحقّق لهم هذه المصالح. إنّ أصحاب المبادئ تدفعهم مثل هذه الحالات للاستماتة من أجل مبادئهم. أمّا أصحاب المصالح الخاصّة، فإنّهم يسارعون عادة للتأسيس لمواقعهم المتفرضة في المستقبل فينسجمون مع الحالة الجديدة بل يحاولون ركوب موجتها.
مثل هذه الظاهرة حدثت في الكوفة فيما فعله عدد من أركان الجهاز الحاكم حين كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يستحثونه على القدوم إلى الكوفة ليس لأنّهم آمنوا به وبحركته، بل لأنّهم أرادوا أن يسبقوا المستقبل فيؤسّسوا لمواقعهم في مستقبل الحكم الجديد المتوقع، وهذا ما سنكشف عنه عند الحديث عن البريد الرابع.
البريد الرابع
بعد كلّ تلك الكتب والرسائل من حقّنا أن نتوقع أن نتصوّر أنّ الدعوة للإمام الحسين (عليه السلام) أصبحت حالة شائعة في المجتمع الكوفي ذلك الحين، وأصبح الناس أكثر جرأة في التحدّث علناً في مجالسهم العامّة أو الخاصّة، وهذا ما نتوقعه حتّى أوقعت هذه الحالة الخوف في نفوس عدد من أركان السلطة والجهاز الحاكم ولا سيّما أنّهم يرون ما آل إليه الحكم في الكوفة من ضعف عن مواجهة المد الجماهيري، واستقواء المعارضة ومجاهرتها بانتقاد الحكم وإدانته أو التذكير بجرائمه التي ارتكبها ضد خيار أهل الكوفة.
لقد تذكّر الكوفيون في مثل تلك الظروف ـ وهذا أمر طبيعي ـ العسف الذي لاقوه من المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه والضحاك، فتحرّكت في نفوسهم عوامل الثورة والرغبة في الخلاص. وكان هذا التحوّل البيّن مدعاة لتبادر مجموعة من أركان السلطة للكتابة إلى الحسين (عليه السلام) وإليك النص: “أمّا بعد فقد اخضر الجناب وأيعنت الثمار وطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جندٍ لك مجندة والسلام عليك…”().
ووقّع الكتاب كلّ من شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعرزة بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمير التميمي(). وحمل كتابهم إلى الإمام الحسين (عليه السلام) سعيد بن عبدالله الثقفي().
والنص في خطابه ولهجته، وفي وصف الباعثين له، يبدو عاماً وليس خاصّاً كما جاء في الكتاب الأوّل والثالث حيث وصف الكتابان الباعثين إنّهم شيعة الحسين (عليه السلام) من المؤمنين والمسلمين، أمّا هذا الكتاب فهو لا يحدّد ذلك، وإنّما الذي يكشف عنه النص أنّ الكوفة أصبحت جنداً مجندة للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهذا يكشف عن تقدير الحالة الخطيرة التي وصل إليها تحوّل الوضع الاجتماعي والسياسي، وهو تقييم صدر من أشخاص كانوا من أركان السلطة من جهة وكانوا من زعامات الكوفة من جهة ثانية، وهذا إن كشف عن شيء فإنّما يكشف عن اتّساع وشيوع ظاهرة الدعوة للإمام الحسين (عليه السلا)، وإنّ هذه الدعوة لم تكن سرية ولو كانت كذلك، فمن أين يتأتى لأشخاص معروفين بعملهم لصالح السلطة أن يعرفوا ما كان يجري في السر، وكيف يبادر هؤلاء للكتابة لو لم يروا الانقلاب الكبير.
وهناك لغز في حقيقة وصول هذا الكتاب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وهل وصل فعلاً، ومتى وصل؟ وأصل اللغز تثيره روايات المؤرخين، فهم يذكرون أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أن اجتمعت عنده رسل أهل الكوفة، كتب إليهم: “أمّا بعد، فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم”(). وهانئ وسعيد، هما: هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبدالله الحنفي، وقد تقدّم أنّهما حملا البريد الثالث إلى الإمام الحسين كما تذكر الروايات، في حين أنّ الرواية تذكر أنّ شبث بن ربعي وجماعته أرسلوا بكتابهم بعد البريد الثالث فلماذا لم يذكر الإمام الحسين (عليه السلام) رسولهم سعيد بن عبدالله الثقفي؟
مع أنّ الإمام (عليه السلام) حاجج هؤلاء يوم عاشوراء بإرسالهم الكتب ودعوته للمجيء إلى الكوفة! وهذا يعني أنّ الكتاب قد وصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
هناك احتمالات:
1 ـ أن يكون البريد الثالث والرابع قد أرسلا معاً بيد هانئ وسعيد فكانا آخر الكتب التي وصلت وهو احتمال ضعيف إذا اعتبرنا أنّ سعيد الثقفي هو غير سعيد الحنفي، أمّا إذا اعتبرنا أنّ الحنفي هو نفسه الثقفي وأنّ الاختلاف الوارد في اللقب هو مجرد تصحيف فيكون معنى ذلك أنّ الكتاب الرابع قد وصل إلى الإمام الحسين وإنّه (عليه السلام) لم يرسل كتابه إلى أهل الكوفة إلاّ بعد تكامل الرسائل لديه.
2 ـ أن يكون كتاب شبث بن ربعي وجماعته قد وصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) بعد تحرّك مسلم بن عقيل من مكة نحو المدينة فالكوفة، ومسلم هو الذي حمل كتاب الإمام إلى أهل الكوفة.
لقد أجمع المؤرخون وكتب التأريخ التي بين أيدينا على ما ذكرناه من عدد الكتب، إلاّ أنّ ابن الأثير، ذكر أنّ البريد الثاني شمل نحواً من مائة وخمسين صحيفة وهو عدد أكبر ممّا ذكرناه عن الطبري بنحو مائة صحيفة، وكذلك قال ابن خلدون في تأريخه()، لكنّها اتفقت جميعاً أنّ وجبات إرسال الكتب كانت أربعة وجبات.
ولعل المؤرخين غفلوا عن ذكر كتب أخرى فهو أمر ليس بمستبعد، ولكن على كلّ حال، فإنّ تلك الكتب ملأت خرجين كما أجمعت الروايات.
لقد عبرت تلك الكتب عن وجود رغبة قوية لدى أهل الكوفة للقيام بعملية التغيير التي نادى بها الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنّها العملية التي يجب أن يقودها ميدانياً الإمام نفسه كما طلب أهل الكوفة، وهذا هو الذي يفسّر لنا توقّف أهل الكوفة عن القيام بأي عمل عسكري على صعيد الواقع بانتظار قدوم الإمام (عليه السلام)، وسنلحظ هذا التحفّظ عندهم حتّى مع وصول مسلم بن عقيل (عليه السلام) سفير الإمام إليهم، فقد ظلّوا لا يفعلون شيئاً بعد أن بايعه كما تقول الروايات ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة.
كتاب الإمام الحسين (عليه السلام)
ومع تلك الكتب، فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد أبدى نوعاً من التوقّف عند الاستجابة الفورية لتلك الدعوات، لأسباب كان هو (عليه السلام) أدرى بها، لعلّه كان يريد بذلك التعرّف على المزيد من تفاصيل الأوضاع في الكوفة وحقيقتها، وهذا أمر يتّضح من منطوق كتابه الذي أرسله إلى الكوفيين مع سفيره إليهم مسلم بن عقيل (عليه السلام)، حيث يقول الكتاب:
“بسم الله الرحمن الرحيم: من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد: فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم: إنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم، وأمركم، ورأيكم، فإن كتب إليَّ إنّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدّمت عليَّ به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام”().
وهذا الكتاب كان في الواقع وعداً بالقدوم مشروطاً بانطباق الواقع على ما حفلت به الكتب الواصلة إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
فهل كان مصدر هذا التريث، هو شك الإمام (عليه السلام) في صدق الدعاوى الواصلة إليه عبر الكتب وهو شك منشأه التجربة التأريخية للإمام الحسين (عليه السلام) في مواقف أهل الكوفة مع أبيه وبعده أخيه (عليه السلام)؟ أم أنّ ذلك كان مبالغة منه (عليه السلام) في إلقاء الحجة عليهم بضرورة الإلتزام بالعهد والوعد في النصرة لحركته.
لقد حدّد الإمام في كتابه إلى أهل الكوفة عناصر الحركة الناجحة على الصعيد الميداني الشعبي، وهذه العناصر هي:
1 ـ الملأ، وهم جمهور الناس.
2 ـ أهل الفضل والحجى، وهم النخب والصفوة الواعية.
3 ـ الإجماع والوحدة والاتفاق.
أمّا أهل الحجى والفضل فلا نعتقد أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يساوره الشك في صدق ولائهم ووعودهم، وهم أصحاب أبيه في صفين والجمل والنهروان وأصحاب أخيه الإمام الحسن (عليه السلام)، فضلاً عن أنّهم كانوا قبل هذا التاريخ يراسلونه أو يلتقون به في وفود تأتيه من العراق.
ولكن إذا كان عنده من شك فهو في جمهور الناس الذين أرسلوا إليه الكتب ولا سيّما وإن من هؤلاء من كان يعرفهم الإمام الحسين (عليه السلام) بالولاء للجهاز الحاكم والعمل معه طيلة السنوات العشرين الماضية.
ويؤكّد الإمام (عليه السلام) على مسألة الإجماع في الرأي لأنّ هذا الإجماع سيساهم حتماً في توجيه اهتمام الجمهور والنخب الواعية نحو إنجاز مهام الثورة أو مواجهة التطورات التي ستنتج عنها، ولكن إزاء مثل هذا التطوّر الكبير ما هي الوصايا التي أوصى بها الإمام الحسين (عليه السلا) سفيره إلى الكوفة؟
تقول المصادر التاريخية “ثمّ دعا مسلم بن عقيل فأمره بتقوى الله، وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بذلك”().
إنّ الاجتماع في الرأي، والصدق في العهد والميثاق هما حجر الزاوية الأهم في تشكيل العناصر الذاتية لإنجاح الثورة.
والذي فعله الإمام الحسين (عليه السلام) هو أنّه لم يتحرّك نحو الكوفة أبداً حتّى جاءه كتاب مسلم بن عقيل يستعجله القدوم إلى الكوفة بعد أن وجدها كما وصفتها كتب أهلها إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
كتب أخرى
هل وصلت إلى الإمام الحسين (عليه السلام) كتب أخرى من غير الكوفة؟
إنّ المصادر التأريخية لا تذكر أي كتاب وصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) من أي بلد سوى الكوفة، والأكثر من ذلك هو أنّ تلك المصادر لا تذكر مبايعة أي أحد ومن أي بلد آخر للإمام الحسين (عليه السلام) أو عرضه الاستعداد للنصرة والتضحية على الرغم من مكوثه في مكة المكرمة ما يقارب خمسة أشهر وهي حينذاك مليئة بالمعتمرين الحجاج القادمين من كلّ مكان.
ولا ندري هل أنّ ذلك لم يحصل فعلاً أم أنّ المؤرخين أغفلوا ذكره، لكن المرجح عندنا هو أنّ ذلك لم يحصل بصورة تستحق الذكر ويمكن استنتاج ذلك من قراءة النتائج النهائية للثورة فيما يتعلق بأسماء الذين استشهدوا معه (عليه السلام).
وفي مثل هذه الأجواء أصبحت الكوفة عملياً هي الخيار النهائي لانتخابها من قبل الإمام منطلقاً للثورة، فحتّى لو كانت هناك بيعة أو عهد بالنصرة أو كتب للدعوة للقيام والنهوض قد جاءت من بلد آخر فإنّها لم تبلغ في سعتها ووقتها الدرجة التي بلغتها كتب أهل الكوفة ودعوتهم، ولذلك توجّه الإمام الحسين (عليه السلام) إليهم باعتبار أنّ الكوفة قد استوفت عناصر الثورة الناجحة التي تقرب إلى أصحابها المسافة نحو تحقيق الأهداف والغايات المنشودة السامية.
البصرة
الكوفة والبصرة تمثّلان ركنا العراق الأهم في ذلك العصر، وفيما كانت الكوفة، تتفاعل مع الدعوة لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) وتجري فيها التحوّلات السياسية، والتحالفات بسرعة كبيرة، كانت البصرة حسب ما يبدو بعيدة عن التطوّرات التي كانت تجري في الكوفة أو في مكة، ولذلك لم تشر المصادر التأريخية إلى حصول تطوّرات غير عادية في البصرة حينذاك.
وهنا يمكن أن أشير إلى دور عبيدالله بن زياد في السيطرة على البصرة، فقد سار على خطى أبيه زياد في القسوة والقتل والمطاردة للشيعة من أجل تصفية كلّ وجود سياسي عندهم، وقد تمكّن من السيطرة على الأوضاع السياسية والأمنية في المدينة ممّا أفقد الشيعة القدرة على التحرّك المضاد، وبالإضافة إلى هذا العمل فهناك عوامل أخرى منها ضعف التيار الشيعي الشعبي عموماً قياساً إلى التيار الآخر المضاد، ولا ننسى أنّ البصرة كانت المكان الذي احتضن سياسياً وعسكرياً أوّل حركة سياسية وعسكرية نكثت بيعة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وأدّت فيما بعد إلى معركة الجمل المعروفة.
لقد كان في البصرة زعماء شيعة ونخب شيعية، لكنّها طيلة عشرين عاماً لم تمارس معارضة سياسية مسلحة، لكن وجود بعض الوجوه الشيعية ممّن كان قد شارك في جيش الإمام علي (عليه السلام) في حرب صفّين، جعل الإمام الحسين (عليه السلام) يوجّه رسالة استنهاض إليهم للانضمام إلى نهضته، فقد ذكرت المصادر التأريخية أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد أرسل إلى خمسة من زعماء البصرة وأعيانها يدعوهم فيها لنصرته، والملاحظ أنّ الرسول الذي حمل الكتاب إلى هؤلاء الزعماء وصل البصرة في نفس الليلة التي كان فيها عبيدالله بن زياد يتهيأ في صبيحتها للحركة إلى الكوفة بعد أن جاءه قرار تعيين يزيد له أميراً على الكوفة.
ويبدو أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد كتب ذلك الكتاب بعد أن وجّه بمسلم بن عقيل إلى الكوفة من أجل كسب المزيد من الأتباع والمناصرين للثورة.
لقد ذكر المؤرخون أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كتب برسالة موحدة وبعثها إلى رؤوس الأخماس وإلى الأشراف، وذكروا من هؤلاء مالك بن مسمع البكري، الأحنف بن قيس، المنذر بن الجارود، مسعود بن عمرو، قيس بن الهيثم، عمرو بن عبيدالله بن معمر… وكان ممّا جاء فيها (… وأنا أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) فإنّ السنّة قد أميتت وإنّ البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم”().
والتدبّر في هذا المقطع من الكتاب يوضح أنّ هناك اختلافاً بيّناً بين مضمون الكتاب الذي بعثه الإمام الحسين (عليه السلام) لأهل الكوفة وبين مضمون الكتاب الذي بعثه لأشراف البصرة، ففي كتاب الكوفة وعد بالقدوم، وذكر لما قاله الناس في رسائلهم، أمّا في كتاب البصرة فهي الدعوة لسنّة النبي (صلّى الله عليه وآله)، والسمع والطاعة للإمام الحسين (عليه السلام) أي بعبارة أخرى الدعوة للبيعة والنصرة، وهذا يكشف عن أنّ البصرة لم تكن قد أرسلت وفوداً أو كتباً تنبئ عن حركة مؤيدة ومستعدة للانطلاق.
ولكن السؤال هو: لماذا كتب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أشراف البصرة ولم يكتب إلى أهل اليمن أو غيرها من البلدان؟
السبب الراجح عندنا هو أنّ البصرة باعتبار جوارها الجغرافي ووقوعها ضمن الخارطة السياسية للعراق يومذاك كان يعنيها ما سيجري في الكوفة وإنّ موقفها سيكون ذا تأثير سلبي أو إيجابي على مسيرة الأحداث، كما أنّ فيها بقايا من الشيعة وإن كانوا أقل حركة وأقل معارضة من شيعة الكوفة، فالغالب على شيعة البصرة كما يبدو أنّهم كانوا أكثر استتاراً من شيعة الكوفة، حتّى أنّ بعض مبرزيهم صاروا من المقربين لزياد بن أبيه ولابنه عبيدالله مثل الأحنف بن قيس، وشريك بن الأعور، والمنذر بن الجارود، الذي تزوج عبيدالله بن زياد ابنته هند.
ولقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يأمل في أن يحرّك كتابه إليهم العزيمة على النهضة والاندفاع لنصرته، ولكن الذي حصل هو أنّ المنذر بن الجارود وشى بالرسول القادم بكتاب الإمام الحسين (عليه السلام) خشية من أن يكون (على حد زعمه) مدسوساً عليه من قبل عبيدالله بن زياد()، فقام هذا الأخير بقتل الرسول والتهيؤ للحركة نحو الكوفة.
وعلى الرغم من أنّ جميع الذين وصلهم الكتاب كتموا خبره ما عدا المنذر، إلاّ أنّ أي واحد منهم لم يتحرّك لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) الذي كان حينذاك في مكة.
لكن النصرة جاءت من آخرين لا ندري هل شملهم خطاب الإمام الحسين (عليه السلام) أم لا. ويبدو أنّ خبر الكتاب قد شاع في البصرة سواء بسبب قتل الرسول أو بسبب آخر، ولا نشك أنّ عبيدالله بن زياد قد اتّخذ تدابير مشدّدة من أجل مواجهة أي حركة، ومثل هذه التدابير قد تكون سبباً مباشراً في إشاعة الخبر.
ولهذا فقد أخذ الشيعة يجتمعون في بيت امرأة من عبد القيس يُقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ، وتذكر الروايات التأريخية أنّ تلك الاجتماعات استمرّت أياماً عديدة كان فيها الشيعة يتداولون أمر الحركة ويقلبون وجوه الموقف تجاهها.
ويبدو أنّ تلك الاجتماعات صارت تعقد بعد خروج ابن زياد من البصرة، وفي واحد من تلك الاجتماعات جاءت النتيجة مخيبة جدّاً، حيث تقول المصادر التأريخية “فأجمع يزيد بن نبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين (عليه السلام) وكان له بنون عشرة، فقال أيكم يخرج معي، فانتدب معه ابنان له عبدالله وعبيدالله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إنّي قد أزمعت على الخروج وأنا خارج، فقالوا له: إنّا نخاف عليك أصحاب ابن زياد، فقال: إنّي والله لو قد استوت أخفافها بالجدد لهان عليَّ طلب من طلبني”(). ولم تذكر المصادر التأريخية أحداً خرج من البصرة لنصرة الحسين (عليه السلام) غير هؤلاء الثلاثة!.
الكتاب
لا سبيل أمامنا لمعرفة أسماء كلّ الذين أرسلوا الكتب والرسل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أن أغفلت المصادر التأريخية ذكرهم، ولذلك فلن نستطيع التعرّف على طبيعة شخصياتهم واتجاهاتهم السياسية وما هي مصائرهم في نهاية المطاف.
لكنّنا نمتلك على الأقل ثمانية عشر إسماً من أسمائهم، وهذا سيعيننا ولو بصورة نسبية على ما تقدّم من بحث أنّ في الكوفة حين انطلاق الدعوة لمبايعة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت هناك أربع فئات تتقسّم ولاءات ومواقف الناس، هي: 1 ـ أعيان الشيعة ووجهاؤهم. 2 ـ الخوارج. 3 ـ عوام الناس. 4 ـ المنافقون أصحاب المصالح والمواقع السلطوية. والذين كتبوا هم الأصناف الثلاثة وإن كان منهم من اصطفّ في يوم ما مع الخوارج مثل شبث بن ربعي عندما اصطف مع الخوارج في حرب النهروان ثمّ طلب الأمان تحت الراية التي أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا أيوب الأنصاري برفعها لمن يريد الأمان منهم.
أعيان الشيعة
يمكن أن نعدّد أسماءهم حسب ما جاءت في المصادر التأريخية، وهم:
1 ـ حبيب بن مظاهر الأسدي، التحق بالإمام الحسين (عليه السلام) واستشهد معه في كربلاء.
2 ـ عبد الرحمن بن عبدالله بن الكدن الأرحبي، كان ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) والمستشهد معه في كربلاء.
3 ـ قيس بن مسهر الصيداوي، ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وعاد إلى الكوفة يحمل إليها رسالة الإمام الحسين (عليه السلام بحركته من مكة، فاعتقله عبيدالله بن زياد وقتله صبراً.
4 ـ سعيد بن عبدالله الحنفي أو الثقفي، كان ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهد معه في كربلاء.
5 ـ سليمان بن صرد الخزاعي، اعتقله ابن زياد بعد أن سيطر على الكوفة، قاد ثورة التوابين فيما بعد.
6 ـ رفاعة بن شداد، المرجح أنّه اعتقل من قبل السلطة، اشترك في ثورة التوابين وكان من قادتها.
7 ـ عبدالله بن سبع الهمداني، كان ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
8 ـ المسيب بن نجبة، المرجح أنّه اعتقل من قبل السلطة، اشترك في ثورة التوابين وكان من قادتها.
9 ـ هانئ بن هانئ السبيعي، كان ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
10 ـ عبدالله بن وال، كان ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
11 ـ عمارة بن عبيد السلولي، كان ممّن حمل الرسائل إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، ثمّ عاد إلى الكوفة وخرج مع مسلم بن عقيل.
هذه هي الأسماء المعروفة ممّن أرسل الرسائل من الشيعة الذين وردت أسماؤهم في المصادر التأريخية، والمرجح أن يكون هناك غيرهم ممّن كتب الرسائل قد اعتقل أو استشهد مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، أمثال المختار الثقفي الذي اعتقل، ومسلم بن عوسجة، وبرير بن خضير وغيرهم.
المنافقون وأصحاب المناصب
كان من جملة من راسل الإمام الحسين (عليه السلام) ممّن أثبتت المصادر التأريخية أسماءهم سبعة من الشخصيات التي كانت لها مواقع متميزة في جهاز السلطة الحاكم، وقد تعرّضنا إلى الأسباب التي دعتهم إلى تلك الكتابة في الفصول المتقدمة من هذا البحث، وسنتعرض هنا لأسمائهم مع شيء من خصوصياتهم:
1 ـ شبث بن ربعي، قاتل إلى صف الإمام علي (عليه السلام) في صفّين، ثمّ اعتزل بعد التحكيم وصار يحمل راية الخوارج، ثمّ التجأ إلى راية الأمان التي أمر الإمام علي (عليه السلام) برفعها يوم النهروان، شهد ضد حجر بن عدي الكندي في عهد زياد بن أبيه، كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، ثمّ صار من أعوان عبيدالله بن زياد، قاتل ضد مسلم بن عقيل وكان على جزء من جيش ابن سعد في كربلاء.
2 ـ حجار بن أبجر، من رجال السلطة الأموية في عهد المغيرة، شهد ضد حجر بن عدي.
3 ـ يزيد بن رويم، من رجال السلطة الأموية، ناقل الأخبار وجاسوس على الشيعة.
4 ـ يزيد بن الحارث، من رجال السلطة الأموية.
5 ـ عزرة بن قيس، من رجال السلطة الأموية.
6 ـ عمرو بن الحجاج الزبيدي، كان ممّن شهد ضد حجر بن عدي.
7 ـ عمرو بن الحجاج التميمي، من رجال السلطة الأموية وممّن شهد ضد حجر بن عدي.
هؤلاء هم جميعاً ذكرت أسماؤهم في الروايات ممّن كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) والمرجح أنّ هناك أسماء أخرى كتبت من الطائفتين: من الشيعة المخلصين الذين وفوا بالعهد والميثاق، ومن المنافقين الذين نكثوا العهد والميثاق، لأنّ كتابتهم لم تكن من أجل الإيمان بحركة الإمام الحسين (عليه السلام) بل حرصاً على مصالحهم، لما رأوا الوضع في الكوفة انقلب إلى غير صالح السلطة القائمة فأرادوا بذلك الكتاب أن يقدموا لأنفسهم شيئاً يضمن لهم فيما يحسبون موقعاً متميزاً عند استتباب الأمور للإمام الحسين (عليه السلام).
ولكن الذي حدث هو أنّهم سارعوا إلى معاضدة ومناصرة عبيدالله بن زياد، ولذلك أسباب نعرفها حين نلاحظ الطريقة التي عالج بها عبيدالله بن زياد الأوضاع في الكوفة والبصرة.
محمد هادي الأسدي
المحدّثات الشيعة
إنّ عنوان الكتاب وحده يدل على أهميته من حيث موضوعه ومن حيث جهد البحث والتنقيب الذي بذل فيه، فهو يتناول 195 من النسوة المحدّثات اللائي روين عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أحاديثه وسنّته وتقريراته، وعن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من المتصفات بالتشيع لآل البيت (عليهم السلام).
تقول المؤلفة إنّ الذي حملها على تأليف الكتاب هو الظلم الذي أنزله معظم المؤرخين بالمحدثات من النسوة وإهمال ذكرهن في كتبهم وخاصّة المحدثات الشيعة منهن، إلاّ ما ندر.
ثمّ هي تضيف قائلة إنّها سعت في هذا التحقيق والبحث إلى أن تستند أكثر إلى مصادر أهل السنّة لسهولة ذكر الشواهد من كتبهم، وعلى هذا، فإنّ الكتاب خاص في موضوعه، ولا بدّ لكلّ مؤرخ للحديث وتاريخه أن يرجع إلى هذا الكتاب القيم.
الدكتورة نهلا غروي النائيني
المحقق الكركي
المحقق الكركي بين الفقاهة والسياسة
ظهر اسم زين الدين علي بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن عبد العالي الكركي أوّل ما ظهر في خضمّ هذه المرحلة عندما فتح الشاه إسماعيل مدينة هراة. فقد دخل الكركي هراة، ولم يؤثر عنه أيُّ حدث سوى ما نُقل عن احتجاجه لمقتل شيخ الإسلام التفتازاني أحد كبار علماء السُنَّة يومذاك عام 916هـ/ 1510م.
ولد الكركي في قرية كرك نوح، الواقعة في سفح جبل لبنان، حدود عام 868هـ/ 1464م، ومات سنة 940هـ/ 1534م. وقد درس على يد محمد بن محمد ابن خاتون، وأُجيز منه سنة 900هـ/ 1495م().
أقام الكركي في بلدان عدّة متنقّلاً بين دمشق، وبيت المقدس والخليل، وأخذ عن محدّثي هذه المراكز. كما زار مصر، وقرأ فيها على يد بعض العلماء السُنّة أمثال أبي يحيى زكريا الأنصاري (ت: 926هـ/ 1520م)، وكمال الدين أبي عبدالله إبراهيم بن محمد بن أبي شريف القدسي (ت: 923هـ/ 1517م)().
وأهم أساتذته هو الشيخ علي بن هلال الجزائري، أحد فقهاء الإمامية المشهورين في عصره. وقد أجازه بتاريخ 15 رمضان 909ـ/ 3 آذار 1504م.
رحل الكركي إلى العراق أواخر عام 909هـ/ 1503م، وأقام في مدينة النجف، ولم يُسجّل أي موقف له في هذه المدينة حتّى بعد دخول الشاه إسماعيل إليها عام 914هـ/ 1508م().
ويبدو أنَّ منطقة كرك نوح الجبليّة كانت قد اشتملتْ على نهضة علمية منذ وقت مبكر، وأنَّ أسماءَ لبعض علماء الشيعة كانت قد عُرفت فيها أوائل القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي أمثال أحمد بن طارق ابن سنان الكركي (529ـ 592هـ/ 1135ـ 1196م) الذي ترجمت له بعض المعاجم الرجالية السُنيّة().
وقد انحصرت تراجم الأعلام الكركيين خلال قرون عدّة على الشيعة فقط، فقد أحصى الحر العاملي في كتابه “أمل الآمل” ما يقرب من ثلاثين كركيّاً شيعيّاً.
وقد بلغ مركز كرك الديني أوج ازدهاره في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين/ السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، عندما استقطب شخصيّات شيعيّة كبيرة أمثال الشيخ علي بن هلال الجزائري.
كما تخرّج عن هذا المركز الشهيد الثاني زين الدين الجبعي المقتول سنة 965هـ/ 1558م، والشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي، (ت: 984هـ/ 1576م)، والد الشيخ البهائي، وغيرهما من كبار الزعماء.
المراحل الزمنية لحياة الشيخ الكركي
يمكن تقسيم حياة المحقق الكركي حسب المراحل التالية:
المرحلة الأولى: مرحلة بلاد الشام. وهي تمتدّ أربعين عاماً من سنة ولادته عام 868هـ/ 1464م، ونشأته حتّى هجرته إلى النجف عام 909هـ/ 1503م.
المرحلة الثانية: إقامته في النجف من سنة 909هـ/ 1503م إلى سنة 916هـ/ 1510م.
المرحلة الثالثة: السفر إلى هراة، وخراسان في عهد الشاه إسماعيل الصفوي من سنة 916هـ/ 1510م إلى سنة 919هـ/ 1513م.
المرحلة الرابعة: الرجوع إلى النجف، عام 919هـ/ 1513م، وبقاؤه فيها حتّى عام 935هـ/ 1529م.
المرحلة الخامسة: العودة إلى بلاد فارس في عهد الشاه طهماسب الصفوي بعد شهر رجب عام 935هـ/ نيسان 1529م، وبقاؤه فيها حتّى عام 939هـ/ 1533م.
المرحلة السادسة: الرجوع إلى النجف عام 939هـ/ 1533م، ووفاته فيها عام 940هـ/ 1534م.
تداخلت حياة المحقق الكركي في كتب التراجم والتاريخ الشيعي التي نقلت أخباره، وامتزجت مراحل حياته بعضها ببعض حتّى لا يكاد يفرّق بين جهوده، وأعماله، وحقيقة دوره الديني والسياسي في ظل نفوذ الشاه إسماعيل الصفوي، وولده طهماسب.
إنَّ شخصية المحقق الكركي شخصية فريدة في تاريخ الفقهاء الإماميين، فهو فقيه على جانب كبير من الفقاهة. وعلى الرغم أنّه لم يستكمل وضعاً سياسياً يليق بطموحه ضمن إطار السلطة الصفوية، إلاَّ أنّه استطاع أن يؤسّس تيّاراً فتح الباب للفقيه لأنْ يكون في قلب الأحداث.
لم يكن المحقق قد تولّى مناصب كبيرة ضمن تشكيلة الدولة الرسميّة، كما لم يكن له نفوذ ظاهر، أيّام حكم الشاه إسماعيل الصفوي في السنين الثلاثة التي قضاها تحت سلطته.
أمّا في مرحلة الشاه طهماسب إبن الشاه إسماعيل الصفوي (930ـ 984هـ/ 1524ـ 1576م) فقد اختلفت موازين القوى ضمن الصراعات بين الصفويين وبعض أمراء القبائل القزلباشية، وكان الكركي قد لعب دوراً فيها، وأصبح رقماً بارزاً في الأحداث.
بين النجف وهراة وخراسان
إنَّ أهم ملامح حياة الكركي تبدأ منذ مجيئه إلى هراة، وإقامته في خراسان سنوات قليلة، حيث سعى لمساندة تيار الثورة الصفوية التي بدأت طلائعها القتالية بالانتشار والتوسّع، وتوحيد المدن والمناطق المجاورة لهيكلية الدولة الشيعية العقائدية الجديدة، في محاولة لفرض سلطته الدينية، واكتساب الموقع القيادي للجماهير الذي يتناسب مع طموحه، وإرادته في تثبيت دعائم الدولة على وفق أسس عقائدية بحتة.
تتضائل المعلومات عن حياة الكركي في مرحلته الأولى التي قضاها في بلاد الشام، سوى ما نقله هو نفسه عن دراسته وإجازات روايته التي تلقّاها عن مشايخه من السُنَّة والشيعة على حدّ سواء.
كما لم يُنقل عنه أي نشاط عند إقامته في مدينة النجف أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، حتّى عند سقوط العراق بيد القوات الصفوية عام 914هـ/ 1508م.
إلاّ أنَّ ما نُقل عن رحلته إلى النجف عام 909هـ/ 1503م، بعد انتصار الصفويين في تشكيل حكومتهم ببضع سنين ـ يدلُّ على أنَّ هذه المدينة كانت تضمُّ مقرّاً للدراسة والتدريس أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي التي كان العراق فيها خاضعاً لحكم دولة الآق قوينلو التركمانية السُنّية، بعدما بدأ مركز الحلّة العلمي بعد وفاة الفقيه إبن فهد الحلّي عام 841هـ/ 1437م بالضمور والتلاشي شيئاً فشيئاً.
وطوال هذه المدّة التي قضاها الكركي في النجف فإنّ المعلومات المنقولة تاريخياً عن مركز النجف الديني لم تكن كافية لتشكيل صورة عن حجم هذا المركز العلمي، سوى أنّ أهميته بدأت تتعاظم في هذه الفترة الزمنية من خلال الإشارة إلى أسماء فقهاء كبار كانوا قد درسوا في هذه الحاضرة التي بلغت أوج نهضتها على يد الشيخ أحمد الأردبيلي (ت: 993هـ/ 1585م) وتلامذته من الفقهاء العامليين، وغيرهم.
أمّا مرحلة سفره إلى هراة منذ عام 916هـ/ 1510م، ثمّ انتقاله إلى مدينة مشهد فقد كانت جهوده فيها منصبّة على الجوانب الثقافية المحدودة التي تدور ضمن إطار تخصّصه الفقهي النظري.
كما لم تشهد هذه المرحلة أيّ نشاط سياسي له، فلم تكن السياسة الصفوية ساعية إلى جذب الفقهاء الإماميين، والاعتماد عليهم لعدم حاجة الصفويين لهم، فكرياً، وتعبوياً في هذه المرحلة.
أمّا من الناحية الفكرية والعقائدية فالصفويون هم أصحاب طريقة شيعيّة استطاعت أنْ تعبّئ أتباعها في تمثُّل طريقة أئمة أهل البيت الروحية في السياسة والحكم، والتشرّب بها في التضحية والفداء.
أمّا من النايحة التعبوية، فإنَّ الصفويين كانوا قد أنشدّوا إلى توحيد البلاد الفارسية تحت سلطتهم قبل مجيء فقهاء الإمامية العرب إلى بلادهم خصوصاً في مرحلة السلطان جنيد، وولده السلطان حيدر.
وهو ما ينفي المقولة التي يردّدُها بعض الكتّاب المعاصرين أنَّ الدولة الصفوية إبّان تشكيلها على يد الشاه إسماعيل الصفوي كانت قد اعتمدت على استقطاب الفقهاء الشيعة العرب واستدعائهم إلى بلاد فارس لغرض نشر التشيّع بين الإيرانيين أوّلاً، وتعبئتهم مقابل الخطر العثماني السنّي().
وهذا أمرٌ لم يحدث في هذه الفترة، وإنَّما حدث أنْ هاجر بعض فقهاء الشيعة في منتصف حكم ولده طهماسب.
أمّا ظهور الفقهاء العامليين على أرض إيران فقد إبتدأ في فترة حكم الشاه عباس الكبير (995ـ1038هـ/ 1587ـ1629م).
ألّف المحقّق الكركي سنة 917هـ/ 1511م في مدينة مشهد رسالتين الأولى: (الرسالة الجعفرية) في الصلاة الواجبة والمندوبة، والتي نالت تقدير تلامذته، فكتبوا عليها شروحاً، وتعليقات مختلفة().
أمّا الرسالة الثانية التي نُسبت إليه، فهي “نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت” تناول فيها موضوع الخلافة، وحمل فيها على الخلفاء الراشدين الثلاثة في محاولة تنظيرية قام بها للنيل من جميع المناوئين لنظرية الإمامة الشيعية، أو الذين حالوا دون تحقّقها في عهدها الأوّل.
وبناءً على فرض صحّة هذه النسب، فإنَّ الكركي كان قد وجد أرضية لهذا التوجّه لدى التيار الثوري فأراد أنْ يُنظّر له، ويبرّر الأعمال التي ارتكبها المحاربون القزلباشيون، وغيرهم في هدم قبور بعض كبار علماء السنّة، ونبشها، وإشاعة الرعب تحت ستار مبرّرات الاعتقاد الديني.
الكركي ـ القطيفي: فقهاء الضد
إنَّ هجرة الكركي من النجف إلى بلاد فارس كانت متزامنة مع هجرة زميل له هو الفقيه الشيخ إبراهيم القطيفي (كان حيّاً سنة 945هـ/ 1538م) الذي جاء إلى العراق أواخر سنة 913هـ/ 1507م، وأقام في مدينتي الحلّة والنجف. وبعد سنوات ثلاثة رحل إلى بلاد فارس، وكان في عام 917هـ/ 1511م مقيماً في مدينة مشهد.
نقلت المصادر أنَّ القطيفي كان على صحبة حسنة مع زميله الكركي إلاَّ أنَّ العلاقة بينهما لم تستمر كما كانت عليه فيما بعد إبتداءً من مرحلة الإقامة بمدينة مشهد عام 917هـ/ 1511م، وما تلتها في مرحلة الإقامة بالنجف (919هـ935هـ/ 1513ـ1529م) من تعقيدات وخصومات جعلت هذين الفقيهين أن يكونا أوّل علاّمة من علامات فقهاء الضد الإماميين، الذين تكرَّرت نماذجهم في المراحل التالية ضمن إطار الصراع في دائرة المرجعية الدينية العليا.
لم تعكس النصوص الشيعيّة المنقولة أيّة خصومة بين هذين الفقيهين في المرحلة الأولى من تعايشهما سواءً أكان في النجف، أم في مشهد، غير أنَّ القطيفي نفسه نقل فيما بعد في أحد مؤلفاته وهو “الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية” مناقشة فقهية تتعلق بأحكام الأسفار جرت بينه وبين الكركي إبّان إقامتهما بمدينة مشهد، نسب فيها الكركي إلى الخطأ() ممّا يدل على أنَّ جذور الاختلاف بينهما كانت ممتدة إلى المرحلة الأولى من مراحل تشكيل الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي.
وفي بلاد فارس لم يأخذ هذان الفقيهان موقعهما ضمن تشكيلة الدولة الصفوية، بل لم يجدا موضعاً لهما حتّى للسكن في بلاد العجم، فأبعدَ كلٌّ منهما إلى العراق، وأُلزما بالإقامة هناك. وقد ذكر ذلك الكركي نفسه في رسالته “قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج”.
يقول الكركي في مقدمته: “إنّا لما لزمنا الإقامة ببلاد العراق، وتعذَّر علينا الانتشار في الآفاق لأسباب ليس هذا محل ذكرها، لم نجد بُدّاً من التعلّق بالغربة لدفع الأمور الضرورية من لوازم متممات المعيشة”().
وذكر الطهراني أنَّ تأليف هذه الرسالة كان سنة 916هـ/ 1510م، وهو خلاف التسلسل التأريخي للأحداث، فيبدو أنَّ الرسالة كانت قد أُلّفتْ سنة 919هـ/ 1513م، وليس سنة 916هـ/ 1510م، وقد سرى هذا الاشتباه في النسخ الخطيّة المنسوخة لهذه الرسالة.
وممّا يدل على وجود القطيفي في النجف إجازته للاسترابادي في 21 محرم 920هـ/ 12 آذار 1514م().
إلاّ أنَّ الكركي لم يشأ الإشارة إلى الأسباب التي دعت إلى هذا القرار، وهل كانت متعلقة بإرادة الشاه إسماعيل أم بكبار أمراء القوات القزلباشية الحاكمة في البلاد، أم هي إفرازٌ للصراع بين أمراء القبائل القزلباشية، إنتهى بالكركي لأنْ يكون أوّل ضحاياه.
حاول الشيخ جعفر المهاجر أنْ يجتهد في تفسير سبب إبعاد الكركي عن إيران، ونسب أمر إبعاده إلى الشاه إسماعيل نفسه، لأنَّ الشاه إسماعيل كما يعتقد المهاجر ـ خشي من نفوذ الكركي بتوجيه الحياة العقلية للمجتمع الإيراني وإنشائه سلطة مقابل سلطة الحاكم نفسه().
والحال أنَّ النصوص المنقولة لم تكشف عن أي نشاط اجتماعي كان الكركي قد أدّاه في فترة حكم الشاه إسماعيل الصفوي ضمن ممارسة عمله التغييري بتوجيه الحياة العقلية للمجتمع الإيراني يومذاك، وإنّما إقتصر نشاطه على المرحلة التالية في ظل سلطة الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيلن وبالتحديد منذ عام 936هـ/ 1530م، حتّى عام 939هـ/ 1533م.
وممّا ينفي هذا الزعم أيضاً مبادرة الشاه طهماسب باستدعاء الكركي إلى إيران مرّة أخرى بعد التمرّد الذي قام به بعض أمراء القزلباش ضده، ولو كان الكركي قد وقف أمام سلطة أبيه لما طلبه الشاه، مضافاً إلى أنَّ الشاه إسماعيل وولده لم يتخلّيا عن الكركي وإسناده طوال فترة حكمهما.
بقي الكركي بعد إبعاده إلى النجف على ولائه للصوفيين، ولم يتغير موقفه الديني والسياسي منهم بخلاف القطيفي الذي أصبح فيما بعد من المناهضين للحكم الصفوي، وربّما كان قد اتّخذ من الكركي هدفاً للتعبير عن مواقفه السياسية من خلال تصدّيه للردّ على كتبه ورسائله الفقهية.
والذي يُرجَّح أنَّ أمر إبعاد الكركي عن إيران كان بقرار من بعض أمراء القبائل القزلباشية، ولم يكن صادراً عن الشاه إسماعيل الصفوي.
وممّا يؤيّد هذا الرأي أنَّ الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل استدعى الكركي إلى إيران مرّة أخرى إبّان نشوب الخلافات بين بعض زعماء القزلباش، وقيامهم بالاعتراض على السلطة الصفوية نفسها، وولاّه مهاماً دينية عليا، ممّا يدل على أنَّ قرار إبعاد الكركي عن إيران، أيام حكم أبيه، كان صادراً عن جهات متنفذة أخرى، ولم يكن متعلّقاً بالشاه إسماعيل نفسه، وإلاَّ لما سمح له الوضع السياسي باستدعائه إلى إيران.
يُضاف إلى ذلك أيضاً ما نُقل عن الدعم المادي الذي كان يقدّمه الشاه إسماعيل للكركي عند إقامته في مدينة النجف، الذي يُغطي نفقات طلبة العلوم والمشتغلين من العلماء().
كان كلّ ذلك قبل وقوع معركة جالديران عام 920هـ/ 1514م الحاسمة التي نشبت بين الصفويين والعثمانيين بقيادة الشاه إسماعيل، والسلطان سليم، والتي كان النصرُ فيها للعثمانيين بعد هزيمة القوات الصفوية هزيمة ساحقة.
بقي الكركي في النجف خمسة عشر عاماً، وهي مدّة تشمل فترة حكم الشاه إسماعيل حتّى وفاته عام 930هـ/ 1524م، وخمس سنوات من حكم ولده الشاه طهماسب أي حتّى عام 936هـ/ 1530م. وقد تفرّغ خلال هذه الفترة للتدريس، والتأليف. وأضخم جهوده العلمية التي عُرف بها واشتهر هو كتابه “جامع المقاصد في شرح القواعد” الذي شرح ففيه كتاب “قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام” للعلاّمة الحلّي شرحاً استدلالياً تفصيلياً، وقدّمه هدية إلى الصفويين.
ذكر الكركي في مقدمته على كتاب “جامع المقاصد” قوله: “لمّا كان هذا الكتاب ممّا مَنَّ الله عليَّ بإنشائه في حرم سيدي ومولاي أمير المؤمنين، وسيّد الوصيين واقعاً في أيام الدولة العليَّة العلوية، الشاهية الصفوية الموسوية أيّدها الله تعالى بالنصر والتأييد، وقرن أيامها بالخلود والتأبيد أحببتُ أنْ أجعله تحفة أؤدّي بها بعض حقوقها عندي، ووسيلة لاستحصال الدعاء لها على مرور الأعصر، وذلك غاية جهدي”.
وورد في آخر إحدى النسخ الخطيّة لجامع المقاصد محفوظة بمكتبة المتحف البريطاني (برقم 7809 Or) ما يلي: كمل النصف الأوّل من كتاب قواعد الأحكام، وكمل بكماله النصف الأوّل من الشرح بمعونة الله وتوفيقه، ويتلوه بمشيئة الله سبحانه وتعالى شأنه وتوفيقه النصف الثاني كتاب النكاح، وهو المسؤول (بمحمد وآله التوفيق لإكماله على أحسن الأحوال).
وفرغ من تسويده مؤلفه العبد الفقير إلى الله تعالى، المستغفر من ذنوبه وعيوبه علي بن عبد العالي (تجاوز الله عن سيئاته) يوم السبت لأربع بقين من شهر صفر (خُتم بالخير والإقبال) من شهور سنة ثمان وعشرين وتسعمائة على من نُسبت إليه الصلاة والسلام، وآله البررة الأعلام”().
قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج
ظهرت عند إقامة الكركي في النجف بوادر الخصومة بينه وبين المجتهد الشيخ إبراهيم القطيفي، وكان من مظاهر هذه الخصومة تصدّي القطيفي للردّ على المؤلفات التي كان الكركي قد كتبها قبل هذه المرحلة بسنوات غير قليلة، كردِّه أواخر سنة 926هـ/ 1520م على “الرسالة الرضاعية” التي كان الكركي قد ألَّفها قبل عقد كامل من هذه المرحلة، وبالتحديد في 11 ربيع الثاني سنة 916هـ/ 18 تموز 1510م (يحتمل أنّه كان قد كتبها في النجف قبل سفره إلى هراة).
ذكر القطيفي ما يلي: “وقفتُ في تاريخ شهر ذي الحجة الحرام آخر شهور سنة 926هـ على رسالة لبعض المعاصرين ألَّفها في الرضاع، وأورد فيها مسائل زعم أنَّ عليها الإجماع، ثمّ قال: أشهدُ بالله أنَّ جهاد مثل هذا الرجل على الغلط والأغلاط في المسائل أفضل من الجهاد بالضرب بالسيف في سبيل الله”().
رأى الأفندي نسخة من الرسالة مكتوبة بخط الشيخ علي بن عبد الصمد الحارثي (عمّ الشيخ البهائي)، قال: إنّه كتبها بعد سنتين من التأليف، وفرغ من الكتابة سنة 935هـ().
وذكرها الطهراني في الذريعة أيضاً، قال: فرغ من تأليفها 11 ربيع الأوّل سنة 933هـ في مدينة النجف().
كما ردَّ على رسالته “قاطعة اللجاج في حلِّ الخراج” التي ألَّفها سنة 919هـ/ 1513م برسالة سمّاها “السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج”.
والخراج هو مقدار من المال، أو الحاصلات الزراعية يُفرض على الأراضي التي تمَّ الصلح عليها مع المشركين.
ويؤخذ عن الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة إذا عدل الخليفة عن تقسيمها على المحاربين، ورأى المصلحة في وقفها بعد تعويض المحاربين، أو استرضائهم.
وكذلك يؤخذ عن الأرض التي أفاء الله بها على المسلمين، أي تمّت السيطرة عليها دون قتال، فملكوها وصالحوا أهلها على خراج محدّد يُؤدّى لبيت المال.
والمشكلة هي مشكلة تاريخية قديمة، ظهرت بثوب جديد لتكون من المسائل الجدلية التي تعقّدت بين الكركي والقطيفي حول حلّية الخراج، وهي أقرب ما تكون بالمشكلة السياسية تبعاً للاختلاف الدائر بين الدولتين الصفوية والتركية العثمانية.
والسؤال الذي يقرّر المسألة، هو: هل أنَّ الفقهاء الشيعة الذين يرضخون تحت الحكم العثماني يجوز لهم تناول شيء من خراج العراق بأمر السلطان، أم لا يجوز؟
فذهب المحقّق إلى القول بالجواز، في حين أنَّ القطيفي أنكر ذلك عليه.
وقد بقي تفاعل الاختلاف إلى عصر الأردبيلي (ت: 993هـ/ 1585م) الذي نحا منحى القطيفي في الحكم بالتحريم، وألّف في ذلك الرسالة الخراجية، كما ألّف الشيخ ماجد بن فلاح الشيباني (تُوفي حوالي سنة 1921هـ/ 1612م) رسالة “حلّ الخراج” ردّ فيها على الأردبيلي وقال بحلّية الخراج().
* * *
ومن جانبه ردَّ الكركي على القطيفي الذي قال بتحريم السجود على التربة المشويَّة في رسالة أجاز فيها السجود عليها، فرغ من تأليفها سنة 933هـ/ 1527م.
ويبدو أنَّ حدّة الخصومة اشتدّت أكثر ممّا كانت عليه في السنوات الخمسة التي سبقت سنة تأليف هذه الرسالة، بعدما ظهرت على شكل مجادلات في مجال اختصاص كلا الفقيهين المتخاصمين.
رجع الكركي إلى بلاد فارس بعد شهر رجب سنة 935هـ/ نيسان 1529م، بطلب من الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي الذي تولّى الحكم بعد وفاة أبيه سنة 930هـ/ 1524م وهو ابن عشر سنوات ونصف، وأوكلت له مهمة نشر التعاليم الشيعية من خلال الممارسات الدينية، والشعائر العبادية كصلاة الجمعة، والإشراف على المنظومة الدينية في البلاد، طبقاً لإجازة كتبها الكركي للشيخ نور الدين أبي القاسم علي بن عبد الصمد بن الشيخ شمس الدين محمد الجبعي العاملي (عمّ الشيخ البهائي)، فإنّه كان بالنجف في 5 رجب 935هـ/ 16 آذار 1529م. قال في آخرها: “كتب هذه الأحرف الفانية مؤلفها الفقير إلى الله علي بن عبد العالي بالمشهد المقدس الغروي في خامس شهر رجب سنة خمس وثلاثين وتسعمائة”().
كما كان قد انتهى من كتابة آخر كتاب (المهر) من شرح المقاصد يوم السبت 18 جمادى الأولى سنة 935هـ. وكان الكركي قد بدأ بشرح مبحث التفويض بعدما فرغ من مبحث (المهر)، وكتب عدّة صفحات ثمّ توقف عن إكمال كتابه بسبب سفره إلى إيران، ولم تسنح له الفرصة بعد ذلك لإتمامه().
القطيفي: محكمة التاريخ
أثار موقف القطيفي السلبي من الشيخ الكركي حفيظة أعلام الشيعة الكبار. فقد نُقل عن العلاّمة الملجسي أنَّ القطيفي ليس له مرتبة المعارضة مع الشيخ الكركي().
وذكر الشيخ يوسف البحراني أنَّه اطَّلع على مؤلفات القطيفي التي كتبها نقداً للكركي، لكنّه قال: إنَّ القطيفي في جميع كتبه ما أصاب، ولا وفّقَ للصواب().
ونقل الخوانساري أنَّ القطيفي في بعض مؤلفاته نسب المحقّق الكركي إلى الجهل، وعدم الفضيلة، بل التديّن والعدالة. وأردف قائلاً: لو ثبتَ عنه ذلك لكان قولاً عظيماً().
أمّا السيّد محسن الأمين فقد ذكر أنَّ الكركي أبعد غوراً، وأصحّ رأياً، وأقوى سياسة من القطيفي. يقول الأمين: وُصفَ القطيفي بالورع لتورّعه عن الخراج، وجوائز الملوك. وكان الأولى به أنْ يتورّع عن القدح في أمثال المحقّق الثاني في جلالة قدره، وعلو شأنه().
إنَّ جميع هذه النصوص الواردة على مختلف عصورها، حول النزاع بين هذين الفقيهين أشبه ما تكون بمحكمة تاريخية أضفتْ شرعيتها على المحقّق الكركي، وأنزلت حكمها على غريمة الشيخ القطيفي دون أنْ تُعيره سمعاً.
يبدو أنَّ حكّام التاريخ هؤلاء كانوا قد اتفقوا على أحكامهم هذه، بالرغم من تباعد عصورهم، ربّما لكي لا تتكرر نماذجهم مرّة أخرى بين الفقهاء.
الصراع العثماني ـ الصفوي
قادتْ انتصارات الشاه إسماعيل وفتوحاته إلى تهديد الدولة العثمانية بعدما نشطت المعارضة في داخلها، وظهرت في بعض الأحيان على شكل ثورات مسلّحة كالتي قام بها شاه قولي في السنة الأخيرة لحكم السلطان بايزيد الثاني سنة 915هـ/ 1509م.
وعندما تولّى ولده سليم مقاليد الحكم بدعم الانكشارية سعى إلى الاستئثار بالسلطة دون إخوته، وقد تمثّلت سياسته بالقسوة والفتك عندما استهلَّ حكمه بقتل الكثير من إخوته وأبنائهم، وكبار رجال حاشية البلاط.
قيل إنَّ السلطان سليم ـ كما تنقل النصوص التي هوّلت هذه الوقائع، وضخّمتها ـ تمرّد على والده هو وإخوانه، واستطاع أنْ يستولي على مقاليد السلطة إلاّ أنَّه فتك بأخوته فتكاً ذريعاً فجهّز جيوشه إلى بلاد آسيا لمحاربتهم والقضاء عليهم، هم ومَنْ يتصل بهم من أبناء عائلته، فاقتفى أثر أخيه إلى أنقره، كما قبض على خمسة من أولاد أخوته في (بورصة)، وأمر بقتلهم. كما قتل أخاً آخر له كان في مدينة (صاروخان)…
أمّا أخوه أحمد فقد جمع جيشاً لمحاربته، وقاتل جيوش سليم إلاّ أنّه قُتل في 17 صفر سنة 919هـ/ 24 نيسان 1513.
ونُقلَ أنَّ السلطان سليم سئل عن قتل أخيه أحمد مع التجائه إليه، فأجاب: بأنَّ أعداء الدولة الخارجين كثيرون، فإذا ذهبتُ إلى الحرب استولت عليه شياطين الإنس والجن بالغش، فيعمل مثل ما عمل، ويترتب على ذلك إراقة دماء المسلمين، فقتل واحد لإحياء كثيرين أمرٌ واجب().
كما نُقل أنّ والده السلطان بايزيد لما تنازل عن العرش وضع له بعد فترة قصيرة السُمَّ في الماء، فلمّا توضَّأ تساقط شعر لحيته، ومات().
وخلال السنين الثلاثة الأولى من تولّيه السلطة استحكم السلطان سليم، وصفا له الجو في الاستعداد لمواجهة الصفويين بعدما أصبحت بلاد فارس مأوى للفارّين من أرحامه.
ويبدو أنَّ نفوذ قوات الانكشارية هو الذي أرغم السلطان بايزيد للتنازل عن الحكم لولده سليم، بعدما كان قد قادهم في بعض الحملات العسكرية في جورجيا، وبعض الأراضي الواقعة شرقي الأناضول، والتي كان الانتصار ملازماً لهم فيها. وقد اعتمد السلطان سليم على الانكشارية، وجعلهم ركيزة حكمه لإقامة الإمبراطورية العثمانية العالمية.
إنَّ التهديدات الصفوية بالسيطرة على بعض الأراضي العثمانية، وقيام بعض الحركات ذات الطابع الداعم للتوجهات العقائدية الصفوية كانت موضوع اهتمام السلطان بايزيد الثاني أوّلاً قبل وصول ولده إلى السلطة حيث لم يكن مستعدّاً لمواجهة الشاه إسماعيل.
حينما احتلّ الشاه إسماعيل بغداد سنة 916هـ/ 1610م حاول السلطان بايزيد أنْ يحرّك المماليك في مصر، والتركمان الأوزبك وراء النهر لمواجهة التوسّع الجديد، إلاَّ أنَّ هذه الجهود لم تنتج شيئاً مثيراً رغم تحقيق بعض الغلبة على القوات الصفوية في بعض المواجهات.
وفي عصر السلطان سليم الشهير بالياوز (القاطع) إنقلبتْ موازين القوى العثمانية، وأصبح السلطان سليم مستعداً لمواجهة الصفويين بعد بضع سنوات من حكمه، خصوصاً أنَّ الصفويين في مرحلتهم الأولى من الحكم كانوا قد اعتمدوا على العنف الطائفي ـ كما نقلت النصوص ـ في تصدير فتوحاتهم للمناطق التي يتوجهون للاستيلاء عليها متخذين المذهب الشيعي وسيلة للتوسع السياسي، وتثبيت دعائم الدولة.
بالغت المرويات بتهويل أسباب الصراع بين الصفويين والعثمانيين، والتأكيد على أنَّه صراع طائفي يقوم على الاختلاف العقائدي المذهبي، فأوعزت أنَّ الممارسات التي اعتمدها الصفويون كانت قد شملت الفتك بخصومهم السياسيين والعقائديين السنيين، وتنظير المفردات التاريخية لتشكيل قواعد عملية منها، خصوصاً في مجال (الإمامة) المعتمدة على النظرية الشيعية في النص، والاختيار الإلهي.
ولم تكتف النصوص المتناقلة بذلك، بل صوّرت أنَّ القوات الصفوية لم تكتفِ باحتلال الأراضي وإخضاع أهلها لهم، بل عمدت إلى نبش قبور بعض كبار علماء السُنّة سواءً أكان ذلك داخل الأراضي الإيرانية، أم خارجها كما حصل ذلك عند احتلالهم مدينة بغداد، ونبش قبور بعض كبار أئمتها.
ذكر المؤرّخ عباس العزاوي أنَّ العثمانيين راعوا الطريقة نفسها في القتل والطعن بنسب الصفويين، أو الفتوى بقتلهم، أو حرق موتاهم بعد نبشهم قبور موتاهم ـ ما عدا الشيخ صفي، وما ماثل من الفضائع.
وذكر العزاوي أيضاً: أنَّ حروب الصفويين والعثمانيين، كانت للمُلك والاستقلال به، حيث اتَّخذَ كلٌ منهما الدين ذريعة، بل آلة للوقعية بالآخر، والقضاء على سطوته، فمحا الواحد قوّة الآخر إلى أنْ هلكا معاً().
وذكر ابن شدقم في نصّ منسوب إليه، أنَّ الشاه إسماعيل فتح بغداد، وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يُسمع بمثله قطٌّ في سائر الدهور بأشدّ أنواع العذاب، حتّى نبشَ موتاهم من القبور().
وكان حين يتوجّه لبلد يأمر بالأذان في الطرق بـ (حيَّ على خير العمل)، و(مُحمَّد وعلي خير البشر)، وذكر الأئمة الإثني عشر على رؤوس المنابر.
وكان يفخر بهذا حتّى أنَّ كثيراً من الناس نسبوا هذا المذهب إليه، ونسبوه إلى الكفر والضلال (كما قال بنو العباس عن الفاطميين والعبيديين)، وهذا من باب الحسد و البغض والتعصّب والجهل المحض().
وذكر مؤرخ آخر أنَّ الشاه إسماعيل هدم مراقد الأئمة والمشايخ، وفتك بالكثير من أهل السُنّة().
وقد أرجعت بعض المصادر السُنيَّة هذه الأعمال على أنّها أسباب ردود أفعال العثمانيين الذين اتخذوا موقعاً مبايناً لهم، وبنوا قواعدهم على المنطق العقائدي السنّي في تعبئتهم لمواجهة إفرازات المرحلة القادمة.
فقد أوردت هذه المصادر أنَّ الشاه إسماعيل أمعن في قتل العلماء، وأحرق كتبهم ومصاحفهم، ونبش قبور المشايخ من أهل السُنَّة، وأخرج عظامهم، أحرقها، وكان إذا قتل أميراً، أباح زوجته وأمواله لشخص آخر، فلمّا بلغ السلطان سليم ذلك تحرّكت همَّته لقتاله، وعدَّ ذلك من أفضل الجهاد().
ومقدمة لما قام به العثمانيون من التعبئة ضد الصفويين فقد أمر السلطان سليم بإحصاء عدد الشيعة المنتشرين في المناطق التابعة للدولة العثمانية بصورة سريّة، ثمّ أمر بإيقاع المذابح بهم جميعاً. وقُدّر عدد القتلى ما بين الأربعين ألفاً، والسبعين ألفاً().
كما أمر أيضاً بنفي أقرباء القتلى إلى الدول الأفريقية، وتفريقهم في مقدونيا، وغيرها من المدن خوفاً من احتمال وقوع تمرّد عليه().
وكانت كلُّ هذه التحضيرات مقدمة أعدَّها السلطان سليم لإعلان الحرب على الدولة الصفوية، فصدرت الفتاوى من أعلى سلطة دينية في البلاد تؤكد على وجوب مقاتلة الشيعة، وإباحة دمائهم().
معركة جالديران
إبتدأت التبعئة العسكرية العثمانية لمواجهة الدولة الصفوية، وقد بدأت مرحلة جديدة من الصراع العثماني ـ الصفوي فسَّرتها الكتب التاريخية المنسوبة نصوصها لتلك المرحلة بأنَّها بلورت إظهار المسائل التأريخية العقائدية ذات وجهات النظر المختلفة، واعتمدت عليها في الصراع العسكري، حيث بدأ تنظيرٌ دينيٌّ يُبررُ قتال كلّ طرف للآخر.
إتَّجه السلطان سليم إلى إيران على رأس حملة قوامها حوالي المائة ألف مقاتل، وفي صحراء جالديران في 2 رجب عام 920هـ/ 23 آب 1514م تقابل الجيشان الصفوي والعثماني، وبدأت الحرب، فكثر القتل في صفوف الإيرانيين().
وكان الشاه إسماعيل قد قسَّم جيشه إلى قسمين جعل أحدهما تحت إمرة والي ديار بكر محمد بيك استاجلو، وجعل الثاني تحت قيادته المباشرة.
وقد شنَّ الشاه إسماعيل حملة قوية على الجناح الأيسر فقابله العثمانيون بالمدفعية التي كان الجيش العثماني متفوقاً بها، والتي كانت السبب الرئيسي في حسم المعركة().
وقد تكبَّد الجانبان الصفوي والعثماني خسائر كبيرة، وقتل الكثير من كبار القادة في هذه المعركة، فمن الجانب الإيراني قُتل نائب السلطنة الأمير عبد الباقي اليزدي، وحاكم خراسان، وحاكم همدان، ونقيب أشراف النجف محمد كمونه وحاكم بغداد وعدد آخر من قادة القزلباش، وزعمائهم.
بينما قتل من العثمانيين أمير الأمراء حسن باشا، وحاكم صوفيا (بلغاريا)، وحاكم مقدونيا سليمان بيك، وحاكم قونيا، وحاكم أفلاق (يوغسلافيا حالياً)(). كما قُتل ما يقرب من العشرة آلاف عربي في ميدان الحرب() ووقع كثير من قواد الجيش الصفوي في الأسر، كما نُقل أنَّ إحدى زوجات الشاه إسماعيل أُسرتْ أيضاً().
وقد بالغت النصوص باستخدام السلطان سليم أقسى العقوبات بحق خصومه عندما أمر بقتل جميع الإيرانيين الذين وقعوا بالأسر، أو ممّن إلتجأ إليه().
فتحت مدينة تبريز أبوابها أمام السلطان سليم فدخلها في 14 رجب سنة 920هـ/ 4 أيلول 1514م، واستولى على خزائن الشاه، وأرسلها إلى القسطنطينية. كما أرسل أربعين حرفيّاً من أمهر الصُنّاع إليها أيضاً().
أمّا أهالي تبريز فقد نُقل أنّهم خرجوا لاستقبال السلطان يتقدمهم العلماء والفضلاء، وفرشوا الطريق بالسجاد، وقدَّموا الهدايا والتُحف الثمينة إليه.
وعندما قدم السلطان سليم إلى مسجد تبريز الجامع أُلقيت الخطبة باسمه، وحينما ذكر الخطيب أسماء الصحابة والخلفاء الأربعة أجهش الحاضرون بالبكاء().
إلاَّ أنَّ السلطان سليم لم يستطع مواصلة زحفه داخل الأراضي الإيرانية لأسباب قاهرة يتعلق بعضُها بصعوبة تموين الجيش العثماني وتوفير المواد الغذائية له، وأخرى تتعلق بالأحوال الجويّة التي سبَّبها الشتاء القارص في موت عدَّة آلاف من القوات العثمانية.
وكان الشاه إسماعيل قد أخلى جميع القرى والنواحي من المؤمن، وأحرق الغِلاّت، ومخازن الطعام ممّا سبَّب نقصاً كبيراً في المواد الغذائية.
وقد تقرّر انسحاب الجيش العثماني في اليوم الخامس والعشرين من انتهاء المعركة، أوّل يوم من شهر شعبان من عام 920هـ/ 20 أيلول 1514م، بعدما حرَّض جماعة من قوّاد الانكشارية إلى العودة لديارهم، الأمر الذي اضطر السلطان إلى تأجيل الحرب، والعودة إلى بلاده().
وقد انشغل السلطان سليم بفتح ديار بكر، حلب، الشام، ومصر، ولقّب بـ (خادم الحرمين الشريفين)، وصار أكبر سلاطين الدولة العثمانية().
أثَّرت معركة جالديران تأثيراً معنوياً كبيراً في أوضاع الدولة الصفوية بعد هزيمتهم أمام العثمانيين.
فبالرغم من فداحة الخسائر التي تكبَّدها الصفويون فإنَّ وقع الهزيمة من الناحية المعنوية في نفوسهم كان أكثر فتكاً وتأثيراً في سير الأحداث المستقبلية للدولة، وتلاحم منظومة الحكم الصفوي السياسية.
إنَّ الهزيمة التي أحدثها اندحار الصفويين أمام نيران مدفعية القوات العثمانية سبَّبتْ انتكاسة فعليّة داخل جهاز الحكم إستمرّ أعواماً طويلة من الزمن خصوصاً في مرحلة حكم الشاه إسماعيل، وطوال العقد الأوّل من حكم ولده الشاه طهماسب.
وكان تأثير هذا الاندحار قد أثَّر على النظرة القدسية للشاه إسماعيل أوّلاً، الذي كان يُمثّل المرشد الكامل لأتباعه، وعلى طبيعة العلاقة مع الأمراء القزلباشيين المتنفذين ثانياً.
فالشاه إسماعيل كان وريث تراث روحي كبير، كما كان حليف انتصارات متواصلة لم تعرف الاندحار أبداً، شهدتها مرحلة حكمه قرابة عقد ونصف من الزمن، وكانت النظرة العامة إليه نظرةَ إجلال وإكبار تضعه في منزلة الهياكل المقدّسة. وعلى رغم أنَّ بعض المخالفين للسياسة الصفوية نسبَ الإيرانيين إلى القول بنظرية (الحلول)، أي حلول روح الله في الشاه()، فإنَّ ذلك وإنْ لم يثبت بشكله هذا، إلاَّ أنّه يكشف عن إحدى أشكال حقيقة المنزلة التي تبوَّأها الشاه إسماعيل بين أبناء رعيته.
أمّا من ناحية الأمرء القزلباشيين فقد تمتَّنتْ مكانتهم مقابل سلطة الشاه، وأصبحوا سلطة أشبه ما تكون بسلطة الحكم المطلقة التي حافظت على تشكيلة الحكم الصفوي باعتبارها فقط التشكيلة السياسية الملائمة لمتطلبات تلك المرحلة.
فقد أظهر الزعماء القزلباشيون عدم رضاهم بالتسليم المطلق لقرارات الشاه الداعية إلى العبودية والاستسلام، والتي كانت سائدة قبل هذه المرحلة على طريقة طاعة المريد للمرشد.
وقد إزدادت تصرّفاتهم في المعارضة حتّى وفاة الشاه إسماعيل سنة 930هـ/ 1524م، ولم تستقر حتّى مجيء ولده طهماسب الذي كان إبن العاشرة والنصف حيث استغل أمراء القزلباش مجيء هذا الغلام إلى السلطة لتعزيز سلطتهم في المملكة، وقد توالت على الحكم خلال فترة عشر سنوات قبائل قزلباشية مختلفة كانت تحكم في بعض الأحيان بشكل مستقل، وفي أحيان أخرى كانت حليفة مع القبائل الأخرى().
لقد أثَّرت هذه الانقسامات في العلاقات الفارسية ـ التركمانية فلم تستمر على ما كانت عليه، بل أصابها شيء من التعقيد، الأمر الذي دعا الشاه إسماعيل إلى إبعاد الأمراء القزلباشيين عن المناصب الكبيرة في الدولة في محاولة للحدّ من مواجهتهم له، كما تصدّى ولده في المرحلة الثانية إلى المواجهة العسكرية معهم بعدما استحكمت الخلافات خلال العقد الأوّل من حكمه بينه، وبين هذه القبائل التي وصل الخلاف فيما بينها درجة أدّى إلى الاقتتال بين القبائل نفسها.
عيَّن الشاه إسماعيل أوائل حكمه أحد المقربين له، وهو حسين بك لالا شاملو في منصبين كبيرين من مناصب الدولة الصفوية، وهما منصب (وكيلي نفسي نفيسي همايون)، ومنصب (أمير الأمراء). وقد بقي الأمير حسين بك ست سنوات في هذا المنصب، ثمّ تعاقب على منصب الوكالة بعد حسين بك خمسة من الوكلاء الإيرانيين ما بين سنة 913هـ/ 1508م، و930هـ/ 1524م. وبقي هذا المنصب بعيداً عن نفوذ أمراء القزلباش.
أمّا منصب أمير الأمراء فهو من المناصب المهمة التي يسيطر القزلباشيون عليه. ففي الحالة التي يكون فيها الشاه غير قادر على إدارة دفَّة الحكم، أو لم يكن مدعوماً من القاعدة العامّة يقوم أمير الأمراء، والقادة من أمراء القزلباش بملء الفراغ، وإدارة عجلة الدولة.
وكان الشاه إسماعيل يحاول الموازنة بين قوّة الوكلاء الفرس مقابل قوّة منصب أمير الإمارة الذي هو بيد التركمان، لكنَّه فشل في ذلك بعد أنْ أخطأت حساباته السياسية.
لقد نجم ردُّ فعل عنيف من جانب القزلباش على تعيين الشخصيّات الفارسية في منصب الوكالة، وقد قُتلَ وكيلان من هؤلاء الوكلاء الخمسة على يد القزلباش، كما قُتل ثالثٌ منهم كنتيجة مباشرة للصراع القائم بين الشاه وبين أمراء القزلباش. أمّا الوكيلان الآخران فإنَّ كلّ واحد منهما احتفظ بمنصبه لمدّة عامين فقط().
إنَّ هذه السلسلة من الصراعات هي التي قادت، في مرحلة الشاه طهماسب، أنْ يكون للشيخ الكركي إسمٌ داخل الدولة الصفوية بعدما استقدمه الشاه طهماسب من النجف إلى إيران عام 936هـ/ 1530م. وكان الكركي قد خرج من إيران عام 919هـ/ 1513م مبعداً من قبل أمراء القزلباش أنفسهم.
هذا ما يتعلّق بتأثير معركة جالديران على مستقبل منظومة الحكم الصفوي. أمّا النتائج العملية التي تركتها هذه المعركة فأهمها:
أوّلاً: الحدّ من نشاط التوسّع الصفوي، ومنع انتشاره في المناطق الجغرافية خصوصاً العربية منها التي أصبحت خاضعة للتوسّع العثماني منذ القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، ولمدّة أربعة قرون كاملة.
ثانياً: إنَّ هذه المرحلة أفرزت صراعاً طائفياً متقدّماً بين الفرقتين الشيعية والسنيّة. وقد قاد النزاع بين الإمبراطوريتين تنظيرٌ دينيّ للاختلافات التاريخية اعتماداً على تفسير النصوص الدينيّة.
وقد ركّز هذا الصراع المذهب الشيعي في معظم بلاد فارس، كما ثبَّت التسنّن في دول آسيا الصغرى.
أمّا العراق فقد بقي مُقَسَّماً بمناطقه بين الشيعة والسنّة. فأغلبية مناطق الوسط والجنوب أصبحت ذات أغلبية شيعيّة في حين أنَّ المناطق الأخرى أصبحت ذات غالبية سُنيَّة.
ثالثاً: كانت هاتان الإمبراطوريتان القويتان الصفوية ـ والعثمانية في أوج انطلاقتهما، ولم تكن إحداهما تستطيع القضاء على الأخرى. فبالرغم من انتصار السلطان سليم فإنّه لم يستطع أنْ يحقق نصراً أكثر ممّا حقّقه في جالديران.
وقد بقي الصراع الصفوي ـ العثماني قائماً لمدّة طويلة على شكل مواجهات وحروب.
إنَّ الصراع العثماني ـ الصفوي لفت أنظار المهتمين بدراسة التاريخ من الفلاسفة والمفكرين ـ رغم تحفّظنا على ما انتهوا إليه من نتائج ـ، أمثال المؤرخ توينبي Toynbee الذي اعتقد أنَّ المساعي الصفوية في بثّ المذهب الشيعي بالقوّة في آسيا الصغرى اثار حفيظة السُنيّين، كما أثار حفيظة الدولة العثمانية حيث نشب الخلاف بين الدولتين على مبدأي التسنّن والتشيّع.
وكان العالم الإيراني الموحّد في اتجاهاته الثقافية في مناطق آسيا الصغرى والعراق وإيران عالماً إيرانياً واحداً تسوده الاتجاهات الثقافية الفارسية.
إلاَّ أنَّ هذا النزاع قسَّم العالم الإيراني إلى عالم شيعي صفوي، وعالم عثماني سُنّي.
الكركي بين مرحلتين
عاصر الكركي اثنين من الحكّام الصفويين؛ الشاه إسماعيل، وولده الشاه طهماسب.
المرحلة الأولى: في ظلّ الشاه إسماعيل الصفوي
قضى الكركي ما يقرب من ثلاث سنوات بإيران في ظلّ حكم الشاه إسماعيل، ولم تظهر له أيَّةُ مشاركة فاعلة في هذه المرحلة سوى بعض المهام التثقيفية، أو الكتابات التي ظهرت على شكل رسالتين ألَّفهما في مدينة مشهد سنة 917هـ/ 1511م، وهما الرسالة “الجعفرية في فقه الصلاة”، ورسالة “نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت” في الردّ على مغتصبي الإمامة من وجهة نظر شيعية، (المشكوكة نسبتها إليه).
أمّا بعد هذه المرحلة فلم تطل مدّة بقاء الكركي في إيران أكثر من عام، فكان عام 919هـ/ 1513م قد رجع إلى النجف.
وعلى الرغم من الفترة القصيرة التي قضاها الكركي في إيران في المرحلة الأولى فقد عدَّهُ خواند مير المؤرخ المعاصر لتلك الفترة من جملة علماء دولة السلطان شاه إسماعيل الأوّل، وبالغ في الثناء عليه().
ولم تكن هناك علاقة وثيقة بين السلطان شاه إسماعيل، والفقيه الشيخ الكركي كما كانت قبل هذه الفترة قائمة ـ على سبيل المثال ـ بين السلطان أولجايتوخان (خدابندة) والعلاَّمة الحلّي، سواءً أكانت على الصعيد الثقافي أم على صعيد السياسة، وإنَّما كانت علاقة الشاه إسماعيل بالكركي علاقة الحاكم بالرعية، ولم تتميز إلاَّ بتأييد الكركي لبعض الممارسات التي تؤيد سياسة الدولة من جهة، أو تنصّ على تفخيم شخصية الشاه من جهة أخرى، كما نُسب ذلك إليه.
ويظهر ذلك بما نُقل عن الكركي من تأييده للممارسات التي قامت بها العناصر القتالية المُساندة للصفويين من القبائل القزلباشية وغيرها في إشاعة مبدأي التبرؤ والتولي، والنيل من مغتصبي منصب الإمامة الشيعية من الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم، والتصدّي لهم باللعن، وهو نقلٌ مشكوك في وثاقته.
ومن خلال ما ينقله الشيخ محمد بن سليمان التنكابني المُتوفى سنة 1302هـ/ 1885م، وهو مؤلف غير معاصر للأحداث، فإنَّ ظاهرة (اللعن) لم تكن شائعة في إيران في عهد الشاه إسماعيل شيوعها في عهد خلفه طهماسب. والأمر يعني أنَّ ظاهرة سبّ الخلفاء، على وفق هذه المنقولات، أصبحت من الممارسات الشعبيّة التي دخلت بيوت العبادة، ومراكز الصلوات العامّة في عهد طهماسب.
نقل التنكابُني أنَّ المحقّق الكركي عندما قصد مدينة أصفهان ذهب إلى المسجد، وأقام صلاة الجماعة، وقد ارتقى أحد تلامذته المنبر بعد الصلاة، وجاهر في سب الخلفاء، ولم يكن حتّى ذلك الزمان يجهر أحدٌ بذلك().
وقد أوردت النصوص المنسوبة لتلك المرحلة، والمناوئة للسياسة الصفوية بعض الصور السائدة التي كانت تُمارس في صلوات الجمعة، حيث نقل الميرزا مخدوم الجرجاني في (النواقض لبنيان الروافض) هذا النص: تواتر عن ابن العال أنّه (قبَّحه الله) كان يأمر بالاجتماع في المساجد يوم الجمعة لسبّ الصحابة، والأزواج على المنبر مع التجنب مع الصلاة. ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا دأبُ الرفضة.
وتفصيله: إنَّ هؤلاء يجتمعون يوم الجمعة في الجامع الكبير، ويرتقي الخطيب الكافر على المنبر، ويسبّ الصحابة مبتدئاً بأبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أوّل مَنْ أسلم وهاجر، ثمّ بعد الثمانية من التسعة الباقية عن العشرة المبشرة بالجنّة، ثمّ بعدهم عائشة، وحفصة، وأم حبيبة اللاتي مسَّ جسدهُنَّ جسد الذي لم تمسّ النار من مسَّ جسده. ثمّ سائر الصحابة المعروفين، ثمّ التابعين، ثمّ الأئمة الأربعة، وسائر الأولياء.
ثمّ إنَّ الحمد والصلاة والموعظة في خطبهم تطفلية لا يتكلمون بها إلاّ كسالى، فلمّا تمَّت، ووصلوا إلى (اللعن) يتبدّل كسلهم إلى النشاط، وبرودتهم إلى الحرارة، فيعوون عوي الكلب العقور، ويشقشقون شقشقة الجمل السكران، ولا ينزلون من المنبر إلاَّ وقد نالوا بتلك الفظاعة خيار الأمّة، وتزلزلت بها في القبور أجساد كبار الأئمة.
ويلاحظ من صيغة النصّ ولغته أنّه لا يرقى إلى صيغة ولغة تلك المرحلة.
كما نقل عن الكركي أيضاً فتواه التي أصدرها في جواز السجود للشاه إسماعيل على سبيل التعظيم. ويبدو أنَّ هذه الفتوى المنقولة عنه ـ إنْ صحَّ ذلك ـ كانت تساير ما دأب عليه المسؤولون في جهاز الدولة، وغيرهم من الرعية، من السجود للشاه تعظيماً له.
وقد ذكر الميرزا مخدوم الجرجاني أنَّ ظاهرة السجود استمرتْ حتّى فترة طويلة من حكم الشاه طهماسب، وبالتحديد حتّى عام 964هـ/1560م حينما أمر الشاه طهماسب بعد ذلك بمنعها().
إلاَّ أنّي لم أقف على مثل هذه الفتوى في مؤلفات الشيخ الكركي.
وبعد الصعوبات التي واجهها الكركي في إيران والتي دعت إلى هجرته للنجف عام 919هـ/ 1513م، فإنَّ صلته بالصفويين بقيت متينة، وكان الشاه إسماعيل قد دأب على دعم الوجود العلمي للنجف، المتمثّل بالكركي دعماً ماديّاً وافراً على طول فترة حكمه.
نقل الخوانساري: أنَّ الملك العادل المقتدر، شاه إسماعيل (والد حضرة الشاه طهماسب) كان يُوصل إلى الشيخ الجليل الكركي في كلّ سنة سبعين ألف ديناراً شرعيّاً لينفقها في سبيل تحصيل العلم، ويفرّقها في جماعة الطلاب والمشتغلين().
وهو ما يقوّي الاعتقاد أنَّ قرار إبعاد الكركي عن إيران في تلك المرحلة لم يكن خاضعاً لإرادة الشاه إسماعيل، وإنّما كان قراراً صادراً من بعض مراكز القوى المتنفذة في السلطة من الزعماء القزلباشيين.
وفي الرحلة الأولى من حياة الكركي في إيران قيل إنّه كتب رسالته “نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت”()، وهي الرسالة التي تُنظّر لمعالم مدرستين فكريتين تقومان على المستندات النظرية الدينيّة في تبرير شرعية الحكم الإسلامي في مرحلة الخلافة الإسلامية، وصلاحية الحكم فيها. وهاتان المدرستان هي مدرسة الإمامية الشيعية القائمة على النص والتعيين، ومدرسة الخلافة السُنيّة القائمة على مبدأ الشورى.
وقد كتب هذه الرسالة في مدينة مشهد، وفرغ منها في 16 ذي الحجة الحرام سنة 917هـ/ 5 آذار 1512م.
تضمَّنت مقدمته ثناءً بالغاً على الشاه إسماعيل ودولته العلوية الشاهيّة الموسوية الصفوية، ثمّ حمل على الخلفاء الراشدين، الذين “أنكروا ما ثبت في أعناقهم من حقّ أمير المؤمنين، وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب، وأهل بيته المعصومين، وادّعوا التآمر على الناس، وتسمّوا زوراً وبهتاناً بخلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بغير قدم راسخ في علم، ولا سبق في فضل”، وعلى الحكم الأموي أيضاً.
وحاول النصّ المنسوب للكركي أنْ يضعه في موضع التبرير بسبب تأليفه لمثل هذه الرسالة، على أنّه وجد جملة من الشيعة الذين وصفهم “بضعفاء الاعتقاد المنسوبين إلى التشيّع” من بعض أطراف البلاد لم يجوّزوا اللعن على الخلفاء الراشدين، وأوعز ذلك إلى اعترافهم بعدم وجود دليل يدل على ذلك في كتاب أو سنّة، كما أنّه لم ينقل عن أهل البيت أنّهم أمروا بسبّ أحد منهم.
ودفعاً لهذه الشبهة رأى أنْ يكتب رسالة يبيّن فيها (كفر) الخلفاء، وجواز لعنهم بدلائل من الكتاب والسنّة. وقد رتَّبها على مقدمة وسبعة مباحث، وخاتمة. تناول في المقدمة معنى اللعن. أمّا في البحوث السبعة فقد دعم الحجج التي تناولها الكتاب، وكانت خمسة منها تستند على القرآن، وواحدة على السُنَّة، والسابعة تستند على الأحاديث الشيعية الإمامية.
وتضمَّنت الخاتمة بحثين؛ الأوّل حول عائشة، وهل تستحق اللعن أم لا؟ والثاني عالج فيه الاختلاف بين المذهبين السُنّي والشيعي، وتكلّم على أسباب حصر المذاهب السُنيَّة في أربعة، وغلق باب الاجتهاد.
وعلى فرضية صحّة نسبة الرسالة إلى الكركي فإنَّ بقاءه في إيران لم يدم طويلاً بعد تأليفه “نفحات اللاهوت” بفعل نفوذ مؤسسات القرار المتعارضة في الدولة.
وهذا لا يعني، حسب هذه الفرضية، أنّ قرار إبعاده كان له صلة بتأليف هذه الرسالة، بل كانت له أسبابُهُ السياسية الأخرى. إنَّ “نفحات اللاهوت” لم تُضفْ شيئاً جديداً للمقاتلين الإيرانيين الذين دأبوا على مثل هذه الممارسات، التي تخلص إلى أنَّ مبررات الصراع الدموي الطائفي المستند على المبادئ العقائدية الجديدة، كانت هذه الرسالة إحدى روافده.
إلاَّ أنَّ شيئاً من ذلك لم يحصل بسبب تهافت نسبة هذه الرسالة إليه.
المرحلة الثانية: في ظلّ الشاه طهماسب الصفوي
أمّا دور الكركي في المرحلة الثانية في ظلّ الشاه طهماسب فقد كان مختلفاً عن دوره في ظلّ أبيه السلطان شاه إسماعيل إختلافاً كبيراً.
ففي أوائل سني حكمه، وبالتحديد في عام 932هـ/ 1526م وقع نزاع بين الشاه طهماسب، وبعض الأمراء من قبيلة استاجلو التركمانية لغرض السيطرة على مقاليد السلطة إلاَّ أنَّ قوى النفوذ الصفوية استطاعت التغلب على هذا التمرّد، وقمعه.
وقد بلغت الاختلافات أوجهاً خلال العقد الأوّل من حكمه تبعتها سلسلة من الفوضى استمرّت بين طائفتي (تكلو)، و(استاجلو)، وانتهت بالاقتتال بينهما حتّى تمكّن الشاه طهماسب في نهاية الأمر أنْ يحكم سيطرته على الأمور عام 939هـ/ 1533، ويحدّ من سطوة هذه القبائل التركمانية شيئاً فشيئاً().
كان المحقق الكركي قد عاصر بعضاً من هذه الأحداث، وأصبح طرفاً بها منذ مجيئه إلى إيران نهاية عام 935هـ/ آب 1529م، أو أوائل عام 936هـ/ أيلول 1529م وبقائه لمدّة ثلاث سنوات. إلاّ أنّ مجيئه هذه المرّة كان مرتهناً بإرادة الشاه طهماسب نفسه. فقد بعث طهماسب بعض الجوائز إلى الكركي، وإلى زميله الشيخ إبراهيم القطيفي، فتقبّل الكركي الجائزة، وردَّها القطيفي.
وقد عاتبَ الكركي صاحبه، ونسبه إلى الخطأ.
نُقلَ أنَّ الشاه طهماسب أرسل جائزة للقطيفي فردَّها معتذراً بعدم الحاجة، فقال له الكركي: أخطأت في ردِّها، وارتكبت إمّا حراماً محظوراً أو مكروهاً بتركك التأسّي بالإمام الحسن السبط في قبوله جوائز معاوية مع أنّك لست أعلى مرتبة من الإمام، ولا السلطان أسوأ حالاً من معاوية.
وقد أشار القطيفي إلى هذه الحادثة في رسالته (قاطعة العجاج) وخطَّأ الكركي في قبوله جائزة الشاه().
ونقل الأفندي أنَّ هذه المحاورة جرت في أحد المشهدين؛ المشهد الحسيني في كربلاء، أو المشهد الغروي في النجف، وقد اجتمعا خلف القبر المبارك في الرواق.
وعلَّق الأفندي كما نُسب إليه القول: إنَّ كليهما طودي الحلم، وعَلَمي العلم، ولا يليق بمثلي أنْ يحاكم بينهما، لكن أقول على وجه الإجمال: إنَّ مرام المحقق الثاني تتراءى منه آثار المغالطة، إمّا:
أولاً: فلأنَّ أخذ الحسن جوائز معاوية فهو إستيفاء بعض حقوقه (عليه السلام)، فلا تصحّ المقايسة، ويبطل حديث التأسّي.
ثانياً: إنَّ باب التقيّة والضرورة في شأن الإمام الحسن (عليه السلام) واضح مفتوح في أخذه تلك الجوائز، لأنّه كان قد صالح ظاهراً مع ذلك الملحد تقية لشيعتهِ، وحقناً لدم زمرة تبعته، ولا وجه للاستدلال عليه من جهة التأسي.
ثالثاً: قال تعالى “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”، وأخذ تلك الجوائز من السلطان الجائر مستلزم له، فهو ممنوع من باب أنَّ مقدمة المحظور محظورة إذا كانت مستلزمة له().
إنَّ إرسال الجائزة إلى هذين الفقيهين ـ كما يظهر من سياق الأحداث ـ كان يستبطن دعوتهما للتوجّه إلى إيران لغرض الاستفادة من نفوذهما الديني في دعم توجّهات الدولة الصفوية.
إلاّ أنَّ رفض القطيفي لاستلام الجائزة كان مقترناً بعدم الاستجابة لدعوة الشاه طهماسب للتوجّه إلى إيران.
ولم تكن الأسباب واضحة تماماً في سبب رفض القطيفي لتلبية دعوة الشاه طهماسب، لكنّها تنحصر في مسالتين:
الأولى: إنَّ القطيفي والكركي برهنا على أنَّهما لا يستطيعان العمل فيما بينهما إلاَّ باستقلال أحدهما عن الآخر. والتصدّي للعمل في إيران يعني خضوع القطيفي لسطوة الدولة الممنوحة لزميله الكركي، وهذا أمر لا يقوى القطيفي عليه من خلال ما ألَّفه في ردِّ زميله وخصمه الكركي من بحوث وكتابات.
الثانية: شهد القطيفي عند إقامته في مدينة النجف خلال ما يقرب من عشرين عاماً، فترة سيطرة الصفويين على العراق حتّى وفاة الشاه إسماعيل عام 930هـ/ 1524م، وبعدما شهد انقلاب السلطة بيد العناصر الموالية للإمبراطورية العثمانية الأمر الذي جعله في تلك المرحلة معتقداً بسطوة العثمانيين وتفوّقهم على خصومهم التقليديين، ولعلَّ ذلك هو السبب الذي دعاه لعدم قبول دعوه الشاه وصلاته خلال هذه المرحلة الزمنية بالخصوص.
الكركي في إيران
استطاع الأمير ذو الفقار رئيس قبيلة موصلو من عشيرة كلهر الكردية بعد وفاة الشاه إسماعيل سنة 930هـ/ 1524م أن يسيطر على بغداد، ويقتل عمَّهُ إبراهيم خان موصلو، والي بغداد، الذي كان مُنصَّباً من قبل الشاه إسماعيل. وقد استقلَّ العراق عن الإمبراطورية الصفوية هذه المرّة منذ فتح الشاه إسماعيل لبغداد عام 914هـ/ 1508م.
ولمّا كان الأمير ذو الفقار يسعى إلى الحماية العسكرية فقد خضع عام 932هـ/ 1526م، أي بعد سنتين من سيطرته على الحكم، للإمبراطورية العثمانية.
إنَّ استدعاء الكركي والقطيفي من قبل الشاه طهماسب إلى إيران كان قبل حلول عام 936هـ/ آب 1529م، حيث بدا للقطيفي أنْ يرفض كلّ صلة تقوم بينه وبين الصفويين، وهو يعيش بعيداً عنهم تحت حكم الإمبراطورية العثمانية.
إلاّ أنَّ الأحداث تسارعت فأسرع الشاه طهماسب سنة 936هـ/ 1530م لاحتلال بغداد، وإخضاع كافة المدن العراقية لسلطته بعد القضاء على الأمير ذو الفقار الأمر الذي أرجع العراق مرَّةً أخرى إلى الحكم الصفوي.
وصل الكركي إيران قبل قيام الهجوم الإيراني على العراق، في حين بقي القطيفي في النجف بعد هذه الأحداث، ما يزيد على العقد من الزمن حتّى وفاته.
يبدو أنَّ مقدم الكركي إلى إيران كان مرتبطاً بالصراعات الدائرة بين أمراء القزلباش والصفويين، وكانت سلطة الصفويين بقيادة الشاه طهماسب تسعى للحدّ من نفوذ القزلباش التركمان داخل المؤسسة الحاكمة لذلك سعى الشاه طهماسب بإصدار أمر ملكي (فرمان) يؤكد على الالتزام بسلطة المجتهد (الكركي) إلتزاماً شرعياً كاملاً، وتطبيق أوامره لأنّه نائب الإمام الثاني عشر.
ونصُّ الفرَمان هو: (يتضح من الحديث الصحيح النسبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام): “انظروا مَنْ كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته حاكماً فإذا حكم علينا بحكم، فمَنْ لم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ، وهو رادٌّ على الله، وهو على حدّ الشرك”. وواضح أنَّ مخالفة حكم المجتهدين، الحافظين لشرع سيّد المرسلين هو والشرك في درجة واحدة. لذلك، فإنَّ كلّ مَنْ يخالف حكم خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيّد المرسلين، نائب الأئمة المعصومين، لا زال كاسمه العلي علياً عالياً، ولا يتابعه فإنّه لا محالة مردود، وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة والتدبيرات العظيمة. كتبه طهماسب بن شاه إسماعيل الصفوي الموسوي)().
بدأ الكركي عمله الديني في إيران بإظهار سلطة العلماء وترسيخها في نفوس الطبقات الشعبيَّة، كما قام بسنِّ قوانين العدل في البلاد، وكيفية سلوك العمال مع الرعية في أخذ الخراج، ومدّته.
مضافاً إلى ما إشتُهرَ عنه من إقامة صلاة الجمعة في المدن الإيرانية، وبثّ العلماء والمُدرَّبين للعمل الاجتماعي لخلق منظومة دينيَّة موحدة للبلاد().
وكان أيضاً يُولّي في بعض الأحيان المسؤولين ويعزلهم، فقد عزل الأمير منصور الدشتكي (ت: 946هـ/ 1539م) من منصب الصدارة()، ونصَّبَ تلميذه المير معز الدين محمد الأصفهاني (ت: 952هـ/ 1545م) ()، ثم بدا له أن يعزله ليُنصِّب الأمير أسد الله الشوشتري (ت: 963هـ/ 1555م) مكانه.
من هنا، فقد ذهب بعض المؤرخين إلى الاعتقاد أنَّ الشاه طهماسب كان قد جعل أمور المملكة الصفوية بيد الكركي، وأصدر أوامره إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الكركي لأنَّ أصل المُلك في نظر هذا السلطان،كما يعتقد بعض مُدوني التاريخ الصفوي، إنَّما هو للمجتهد الكركي لأنَّه نائب الإمام المهدي (الثاني عشر).
نُقل عن السيّد نعمة الله الجزائري أنَّه قال:لمّا قدم الكركي إصفهان وقزوين في عصر السلطان الشاه طهماسب، (أنار الله برهانه) مكَّنه من الملك، وقال له: أنت أحق بالملك لأنّك نائب عن الإمام، وإنّما أكونُ من عمالك، أقوم بأوامرك ونواهيك().
وذكر الأفندي: أنَّ الشاه طهماسب نصَّب الكركي حاكماً في الأمور الشرعية بجميع بلاد إيران، وأعطاه حكماً وكتاباً يفضي من العجب لغاية مراعاة السلطان لأدبه في ذلك الكتاب().
العودة إلى النجف
برهن الكركي، من خلال عمله على أرض إيران، على إمكانية إقرار سلطة الفقيه بشكل فعلي لممارسة السياسة ضمن تشكيلة الدولة الصفوية. ومنذ ذلك الوقت أصبح الفقيه من الأرقام التي لها ثقلها في السياسة الإيرانية سوءاً أكان داخل جهاز الدولة، أم خارجه.
وقد تمكّن من خلال منهجه الثقافي على كبح سلطة الأمراء التركمان القزلباشيين المتنفذين، والحدّ من إمتداداتهم في الأوساط الإيرانية.
وفي هذه المرحلة كان الشاه طهماسب، وأجهزة الحكم التابعة له تحاول توسيع سلطة قوية تتمكّن من تقليص نفوذ العناصر القتالية التركمانية بدعم من الدولة التي تحاول أنْ تخلق مراكز قوى ذات نفوذ رسمي مقابل النفوذ الذاتي الذي تتمتع به هذه القبائل.
وعلى ذلك، فقد تشكَّلتْ جبهةٌ أمام الكركي ضمَّتْ عناصرَ من أمراء القزلباش، وبعض كبار شخصيات الدولة، وقد تعرّض الكركي إلى صراعات عنيفة، كما جرت محاولة لاغتياله من قبل بعض أمراء هذه القبائل.
فمن الوزراء الذين عارضوه وزيران، كان أحدهما عالماً مثقفاً يرجع في أصوله إلى سادات الحلّة الأشراف، وهو الأمير نعمة الله الحلّي (ت: 940هـ/ 1533م) الذي درس في الحلّة، ونشأ بها، وهاجر إلى إيران عام 929هـ/ 1523م، وأصبحت له الحضوة فيها.
أمّا ثانيهما فهو الفيلسوف الأمير غياث الدين منصور الدشتكي (ت: 948هـ/ 1541م) بن صدر العلماء الشهيد المير صدر الدين الثالث محمد الحسيني الدشتكي الشيرازي.
فقد قيل في سبب معارضته الأمير الحلّي هو تحريضه للمجتهد الشيخ إبراهيم القطيفي (الذي كان يسكن النجف يومذاك) ضد الكركي بالرسائل.
ونُقل أنَّ بعض الرسائل الأخرى التي كانت تصل إلى الشاه طهماسب بأسماء مجهولة، والتي تتضمن نسبة بعض الاتهامات الأخلاقية أو السياسية للكركي، كان المتهم فيها هو الأمير نعمة الله الحلّي الذي قيل إنّه كان وراءها().
وقد بلغ الأمر أنْ تتشكَّل جبهة من العلماء للمباحثة مع الكركي في مجلس السلطان في مسألة صلاة الجمعة بالاتفاق مع بعض الأمراء، إلاَّ أنَّ المجلس لم يُعقد لهم.
وبالرغم أنَّ النصوص المنقولة في تفسير الصراعات تتركّز على الجوانب الشخصيّة، وتغفل وقائع الأحداث الحقيقيّة، إلاَّ أنَّ هذه الوقائع المنقولة بالرغم من ضآلة المعلومات التي تنطوي عليها فإنَّها تكشف عن بعض الوجوه في حقيقة هذه الصراعات الحادّة.
ذكر الأفندي أنَّ نعمة الله الحلّي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي، وحصلت له تلك المرتبة الجليلة ببركته، ولكن نازعه بعد ذلك، وكفر بنعمته، وبدَّل الحقوق بالعقوق، واتّصل بخدمة الشيخ إبراهيم القطيفي الذي كان يسكن بالغري (وكان من خصماء الشيخ علي الكركي) رغماً لأنف الشيخ علي. وكان يكتب إلى الشيخ إبراهيم مكتوباً، ويرغّبه في بعض الأمور التي تورث النقص على الشيخ الكركي. لكن ذلك لم يفده، ولم يتضرّر منه الشيخ الكركي، وعاد ضرر تلك الأمور إليه في الدنيا والآخرة().
أمّا الأمير منصور الدشتكي فقد كان أحد المعارضين الأشداء للكركي، وكان يتحجّج في معارضته له في نطاق المسائل الخارجة عن موضوع اختصاصه الفقهي، كما حدثَ ذلك عندما غيَّر الكركي اتجاه القبلة في مدينة شيراز، وأراد أنْ يُغيّر اتجاهها في مدينة تبريز أيضاً، حيث وقف الدشتكي لمعارضته متحججاً بأنَّ تغيير الاتجاه مخالف للحسابات الرياضية التي تعتمد يومذاك على الدوائر الحسابية الهندية.
قوي النزاع بين الكركي والدشتكي، وآل الأمر إلى المناقشة في مجلس السلطان الذي قيل إنَّه وقف إلى جانب الكركي.
أمّا محاولة اغتيال الكركي فقد نُسبت إلى أحد أمراء القزلباش، وهو محمود بيك مهردار الذي قرَّر قتل الكركي، لكنَّه مات قبل أنْ يُحقّق هدفه.
وقد نُقلتْ روايتان في قصة مصرعه يظهر من إحداهما أنَّ مهردار ربَّما كان قد قُتل على يد المناوئين له عندما وُجدتْ جثتُه مرميةً في بئر.
نقل الأفندي (نقلاً عن بعض التواريخ الفارسية المعاصرة لتلك الأحداث): أنَّ محمود بيك سقط فرسه في بئر كان في عرض الطريق، وانكسر رأسه وعنقه، ومات في ساعته().
كما نُقلت عن المؤرخ حسن روملو رواية ثانية اعتبرها إحدى كرامات الكركي الدينية في ردّ خصومه، حيث ذكر هذا النص: كان محمود مهردار يلاعب بالصولجان يوم الجمعة، وكان الشيخ الكركي مشغولاً في ذلك الوقت بالدعاء حيث أنَّ الدعاء فيه مستجاب، يشتغل لدفع شرّه وفتنته وفساده بالدعاء السيفي، ودعاء الانتصاف للمظلوم من الظالم، ولم يتمّ الدعاء الثاني بعد وكان على لسانه “قرّب أجله، وأيتم ولده” حتّى وقع محمود بيك عن فرسه أثناء ملاعبته بالصولجان، واضمحل رأسه بعون الله تعالى().
أصبح وجود الكركي فتيلاً لاستمرار الأزمة السياسية داخل إيران بعد تصاعد عمليات العنف التي شهدتها تلك المرحلة، والتي راح ضحيتها بعض الأمراء.
وكأنَّ الصراع الذي أرادته السلطة الصفوية الحاكمة أصبح صراعاً بين طرفين رئيسيين، هما: الكركي، وبعض زعماء القبائل القزلباشية. أمّا الدولة فأصبحت وكأنَّها طرف ثالث في النزاع.
إستغلَّ الشاه طهماسب هذه الأحداث للقضاء على خصومه السياسيين، فقام بإصدار (فرمان) حكومي في 16 ذي الحجة 939هـ/ 9 تموز 1533م يعزّز قوّة الكركي، ويُوجب إمتثال أوامره والطاعة له من جميع أركان الدولة، بعدما أصدر الرخصة له بالتوجّه إلى العراق. فتوجّه الكركي إلى العراقي، واستقرَّ بالنجف.
تضمَّن الفرمان الذي أصدره الشاه طهماسب للكركي:
1 ـ التأكيد على أنَّ الدولة الصفوية هي الدولة التي “أظهرت الطريقة الحقّة للأئمة المعصومين، وهي الدولة التي تعتمد على أصول العقيدة الإثني عشرية، والانقياد لعلماء الدين الذين حفظوا شريعة سيّد المرسلين”.
2 ـ إنَّ الدولة الصفوية هي الدولة الممهدة لظهور الإمام المهدي (صاحب الأمر).
3 ـ الثناء على الكركي، وأنَّه قدوة العلماء الراسخين ولقَّبه (الفرمان) بـ “حجة الإسلام والمسلمين”، كما أضفى عليه لقب “نائب الإمام”.
4 ـ أثنى الفرمان على جهود الكركي في خدمة التشيّع، وهداية الناس، كما قرّر أن يكون الكركي الإمام صاحب الطاعة المطلقة، ويجب على السادات والأكابر والأشراف والأمراء والوزراء، وأركان الدولة إتباعه.
5 ـ إعطاء الصلاحيات الرسميّة الواسعة للكركي في تنصيب أو عزل المسؤولين سواءً المدنيين منهم أم العسكريين، “فإنَّ مَنْ يعزله الكركي عن السلطة فهو معزول، والذي يُنَصِّبُهُ فهو مُنَصَّب، ولا تحتاج قراراتُهُ إلى سند يُرجع إليه”.
6 ـ اقتطاع بعض الأملاك والأراضي في العراق وقفاً شرعياً صحيحاً على الكركي، وبعده على أولاده جيلاً بعد جيل، والحكم بأنَّ دخل كلّ أرض العراق، وخراجها يُوضع تحت سلطته، ويُنفق باختياره.
وكذلك ورد الأمر لموظفي العراق بأنْ لا يكون لهم أي شأن بأملاك الكركي التي له، أو التابعة لرعاياه.
7 ـ صدر الأمر لجميع الولاة والأمراء أنْ يقوموا بواجب التعظيم، وذلك بالمبادرة إلى زيارته.
8 ـ تُضربُ السكك في مدينة المؤمنين (الحلّة) بحضور وكلاء العلاّمة، وتكون منطقة اليرقانية، وتوابعها تابعة لحكم العلاّمة حسب الأمر.
9 ـ إنَّ مَنْ يُخالف الكركي يجب أنْ يتوقع الحساب الشديد.
وفي الوقت نفسه عزل الشاه طهماسب الأمير نعمة الله الحلّي، وأبعده إلى العراق أيضاً. وقيل إنَّه رجع إلى بغداد، وأقام فيها().
كما عُزِلَ الأمير منصور الدشتكي عن منصب الصدارة، وقُلِّدَ منصباً آخر يتعلق بحكومة الشرعيات في كلّ ممالك فارس، وأُوكلتْ إليه مهمة الإشراف على القضاة، والتصدّي للشرعيات لتلك البلاد().
تمكَّنَ الشاه طهماسب من القضاء على الخطوط المعارضة له من أمراء قبيلة استاجلو التركمانية، ومن يقف معها قضاءً عسكرياً ساحقاً، كلّ ذلك كان قد تمَّ أواخر سنة 939هـ/ 1533م على أرض إيران.
أمّا الكركي فرجع إلى النجف مرَّةً أخرى، وكان العراق لا يزال تابعاً للسلطة الصفوية منذ احتلاله من قبل الشاه طهماسب عام 936هـ/ 1530م.
ولكن المعلومات عن الكركي في مدينة النجف هذه المرَّة تكاد تكون معدومة. فلم يطل بقاؤه فيها إلاَّ عاماً واحداً، حيث قيل إنّه بقي هدفاً لخصومه الذين لاحقوه، وقتلوه بالسُّمّ في 18 من شهر ذي الحجة سنة 940هـ، الموافق للأوّل من شهر تموز سنة 1534().
وقد نُسبَ حديث مقتله إلى اثنين من أعلام الإمامية المعاصرين لتلك المرحلة، هما: الشيخ محمد بن علي بن حسن العودي الجزِّيني، في رسالته “بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد”، التي كتبها في أحوال أستاذه الشهيد الثاني زين الدين العاملي حيث ذكر فيها أنَّه تُوفي مسموماً في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة 940هـ، وفي مدينة النجف().
كما نُسب للشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (والد الشيخ البهائي) قوله: “إنَّ الكركي قُتل شهيداً بالسُّمّ، المستند إلى فعل بعض أمناء الدولة”().
بين المحقق الكركي ونصير الدين الطوسي
نظراً للصلاحيات الواسعة، والنشاط الشعبي الديني الذي تمتع بهما الكركي فقد عدَّهُ المؤرخ الإيراني حسن بيك روملو، المعارض له، أنّه كان الرديف الأوّل في التاريخ الشيعي للخواجة نصير الدين الطوسي (الذي كان قد تألق نجمُه بعد فتح بغداد من قبل المغول عام 656هـ/ 1258م) في قيامه بنشر المذهب الشيعي الإمامي، والسطوة الممنوحة له داخل الدولة الصفوية.
ذكر المؤرخ حسن بيك روملو في (أحسن التواريخ): بعد الخواجة نصير الدين الطوسي لم يسع أحد من العلماء بمثل ما سعى الشيخ علي الكركي في إعلاء المذهب الجعفري، وترويج دين الحق الإثني عشري. وكانت له مساع بليغة ومراقبات شديدة في منع الفسقة وزجرهم، وقلع قوانين المبتدعة، وفي إزالة الفجور والمنكرات وإراقة الخمور والمسكرات، وإجراء الحدود والتعزيرات، وإقامة الفرائض والواجبات والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات، وبيان أحكام الصلوات والعبادات، والفحص عن أحوال الأئمة والمؤذنين، ودفع شرور الظالمين والمفسدين، وزجر مرتكبي الفسوق والفجور والعصيان. وكان يُرغّب عامّة الناس في تعلّم الشرائع، وأحكام الإسلام، ويكلفهم بها().
وبالرغم من أهمية هذه الملاحظة إلاّ أنَّ الاختلاف بين شخصيتي نصير الدين الطوسي والكركي كان كبيراً سواءً على صعيد ظروف الإمبراطوريتين وتركيبة الحكم فيهما أوّلاً، أم على صعيد مشربهما العلمي، ومنهجهما المعرفي ثانياً.
فالدولة المغولية لم تكن دولة مسلمة في بداية نشأتها في إيران والعراق، بل تحوَّل الحُكّام المغوليون إلى الإسلام بعد فتوحهم لهذه المناطق الإسلامية الكبرى، ولم تكن لهم إيديولوجية فكرية محدّدة في تثبيت مشروعهم السياسي.
أمّا الدولة الصفوية فهي دولة استلهمت وجودها من المبادئ الشيعية المطلقة في السياسة والحكم التي ورثها الأبناء عن الآباء.
ومن ناحية المنهج المعرفي لكلا الزعيمين، فإنَّ نصير الدين كان فيلسوفاً رياضياً بحتاً، في حين أنَّ الكركي كان فقيهاً قبل أنْ يكون شيئاً آخر.
ولا شك أنَّ النتائج التي ظهرت عن فعل هاتين الشخصيتين الكبيرتين هي نَتَاج مبناهما العقلي المستند على الفلسفة عند الأوّل، وعلى الاجتهاد الفقهي عند الثاني.
فقد قام نصير الدين الطوسي باستدعاء العقول المهاجرة التي تركت مواطنها إثر الحملات المغولية على إيران والعراق، وإرجاعها للاشتراك معاً في النهضة العلمية المزدهرة، والتي أعقبت الفتح المغولي في ظلّ أجواء علمية لم يظهر فيها اي استئثار مذهبي سوى ما اشتهر من التسامح الذي امتاز به ذلك العصر الذهبي في تأريخ الإسلام الثقافي.
كما قام أيضاً بطرح المنظومة الشيعية الإثني عشرية كواحدة من المنظومات الإسلامية في عملية للتلاقح الفكري بين تيارات المذاهب الكلامية والفقهية الإسلامية لم يشهد لها تأريخ الإسلام مثيلاً إلاَّ في بعض المراحل السابقة التي ازدهر فيها التواصل الثقافي في زمن البويهيين ممّا شهده القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.
وقد مكَّنتْ هذه التشكيلة تخريج العلماء الكبار من مختلف المذاهب، ودراستهم على بعضهم الآخر سواءً من الذين درسوا على يد نصير الدين نفسه من العلماء السنيين، أو ممّن حضر على يد العلماء السنيين من الشيعة أمثال العلاّمة الحلي، وولده فخر المحققين، اللذين خرَّجا بدورهما جمهرة كبيرة ممّن درسوا عليهما من طلاب العلوم من مختلف المذاهب في الجامعة العلمية الكبيرة التي تأسّست في مدينة (مراغة)، أو في المدارس السيّارة التي أعقبت هذه الفترة التأريخية على عهد السلطان خدابندة الإيلخاني الشيعي.
أمّا الكركي فقد انصبَّتْ نشاطاته على نشر منظومة دينية ثقافية في صفوف الإيرانيين، وتطبيق مفاهيمها تطبيقاً عملياً. وهو وإنْ مارس تثقيف النخبة بتخريج التلامذة والمدرسين، وخلق كوادر علمية دينيّة مثقفة بثقافته ـ كما فعل سلفه نصير الدين الطوسي قبل ذلك ـ إلاَّ أنّ جهوده امتدَّتْ إلى الشارع الإيراني من خلال شيوع المراسيم العبادية في طول البلاد وعرضها، المستندة على مزيج من المباني العقائدية والفقهية التي سعى الكركي لأنْ تكون ثقافةً شعبيةً يوميّة لكلّ فرد.
مراجعة مفردات البحث
1 ـ المحقق الكركي من علماء لبنان (بلاد الشام)، استقرَّ بالنجف. كان يُعرف في زمانه بالعلائي، والمولى المروّج، والمحقّق الثاني().
2 ـ قضى معظم حياته بالنجف، وعاش بإيران ست سنوات فقط، ثلاثةً منها في بداية عهد الشاه إسماعيل الصفوي (916ـ919هـ/ 1510ـ1513م)، وثلاثة أخرى تحت ظلّ ولده الشاه طهماسب (936ـ939هـ/ 1530 ـ 1533م).
3 ـ لم يظهر للكركي أيُّ دور سياسي في السنوات الثلاثة التي قضاها تحت ظلّ سلطة الشاه إسماعيل بإيران. وبقي محتفظاً بصلته بالصفويين بعد هجرته إلى النجف، وقد تلقّت الحوزة العلمية النجفية بواسطته الدعم المادي والمعنوي من قِبل الشاه إسماعيل طوال سني حكمه.
4 ـ إنتاب الغموض السنوات التي قضاها الكركي بمدينة النجف على مدى خمسة عشر عاماً، ولم يُعرف عنه خلال هذه المرحلة سوى ما صدر عن قلمه من مؤلفات. أمّا مجريات الأحداث التي أحاطت به، أو إنجرَّ إليها، أو مارسها فقد بقيت كلُّها في دائرة الكتمان، ولم يُعرف عنها شيء، أُسوةً ببقيّة الأعلام الذين سبقوه في أدوارهم السياسية والعلمية كالشريف المرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي، والعلاّمة الحلّي، وغيرهم.
5 ـ ظهر النشاط السياسي للكركي خلال السنوات 935ـ939هـ/ 1528ـ1532م) في ظلّ سلطنة الشاه طهماسب الصفوي. وكلُّ ما نُقلَ عنه لا يتعدّى هذه المرحلة دون أن تعمّ إلى بقية فواصل حياته، كما حاولت الدراسات أن تصوّره.
6 ـ حاولت بعض النصوص المنسوبة الى الشيخ الكركي أنْ تنال من مظهره التاريخي المتألّق لينطفئ سراج هذه الشخصيّة بنفحة من المرويات الملفّقة التي تحكي سيرته، أو تصف بعض مقولاته بالسلب.
فممّا نُسب إليه: رسالة “نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت” التي تُنظّر الردّ على مغتصبي الإمامة. وقد بالغت الرسالة بالسُباب واللعن والشتيمة لصحابة رسول الله، وزوجته عائشة، ولخلفاء المسلمين الأوائل.
والرسالة ركيكة النسج، هشَّة لا ترقى إلى لغة كاتبها، وأسلوبه العلمي المتين.
كما أنَّ أحداً من فقهاء الشيعة ومراجعهم قبل مرحلة الكركي، أو بعده لم يكن قد تطرَّق إلى جواز سبّ الصحابة، وشتمهم، والنيل منهم، ممّا ينفي وجود مثل هذا المنهج في كتب العلماء الشيعة الكبار.
إنَّ المقدّمة الفاضحة لكتاب “نفحات اللاهوت”، المنسوبة إلى الكركي هي في حدّ ذاتها تنفي صلتها بمؤلفها من جهة اللغة التي تكلّم بها، والمضمون الذي تناوله في حديثه.
يقول في المقدمة المنسوجة على لسانه في ذمّ الخلفاء الراشدين الثلاثة:
“ليتأمّل العاقل المنصف أنَّه هل يجوز أنْ يتولّى منصب الإمامة (الذي هو معظم منصب النبوة) مثل شيخ (تيم) الجاهل بأمور الدين، ومواقع الشرع، بحيث يخفى عليه ميراث الجدّ، ونحوه، بعد أنْ سجد للأصنام حتّى شاب رأسه.
ومثل عقل عَدي الزنيم، ربيب الغلظة والمكر والخديعة، والمطعون في نسبه، والمجترئ على الرسول (صلّى الله عليه وآله)، في حياته وبعد موته. الذي حكم برأيه، وغيَّر الشرع من عند نفسه، وفعل مع بضعة سلالة النبوة ما لا يفعله ذوو الأحقاد من الجاهلية الأولى بأعدائهم.
ومثل ثور بني أُميَّة الذي حملهم على أعناق المسلمين، وآثرهم بالفيء والغنائم على كبراء الأنصار والمهاجرين، مُربّي أعداء الرسول، والمنتقم من ذريّة البتول، والمقتول بسيوف قتل بها المشركون في بدر وأُحد، وغيرهما من مواقف الحروب”.
ولا تحتاج هذه المقدمة المتهافتة إلى تحليل، أو إفاضة، أو تعليق.
وقريب من هذه الرسالة، رسالة أخرى نُسبت إليه بعنوان “تعيين المخالفين لأمير المؤمنين” نُشرت في “رسائل المحقق الكركي”()، ومن عنوانها إنَّها تطعن في الطبقة الأولى من القادة المسلمين، وقد نسب تأليفها إستجابةً إلى “الأمر العالي المطاع” دون أنْ يذكر إسمه.
والنسخة المنسوبة إلى الكركي مكتوبة سنة 1284هـ/ 1867م. وهي رسالة مُريبة لا يُمكن تحقيق نسبتها إليه. كما أنَّ شيخ التحقيق العلاّمة الطهراني لم يذكرها في عداد مؤلفات الكركي في موسوعة “الذريعة إلى تصانيف الشيعة”، ممّا يدلُّ على أنّها من صناعة الأقلام المتأخرة.
وممّا أُلحق برسائل الكركي بعض الاستفتاءات المريبة، كما ورد في هذا الاستفتاء المنسوب إلى الكركي أيضاً: ما قوله (مُدّ ظلّه) فيما إذا قال زيد لعمرو: يا سُني وهو شيعي، فما يستحق من العقوبة الشرعية؟ (بيّنوا تؤجروا)().
(الجواب): يعزّره حاكم الشرع الشريف إذا رفع إليه ذلك عمرو، ويثبت شرعاً تعزيراً يردعه().
إنَّ جميع هذه المرويات لم تتكرّر في مؤلفات الكركي الثابتة النسبة إليه، كما أنَّ الأسلوب الذي كُتبتْ به يختلف عن أُسلوب المحقّق في مؤلفاته الأخرى، يظهر ذلك من المقارنة بين هاتين الطريقتين الدالتين على أنَّ كاتبهما ليس شخصاً واحداً، وإنّما مكتوبتان بقلم شخصين، مختلفين.
7 ـ لم تكتفِ النصوص بنسبة المؤلفات المزورة إلى الكركي، بل ذكرت أنَّه عندما أقام بإيران قام بأعمال طائفية، منها: أنّه أمر بإخراج العلماء المخالفين لئلا يضلّوا الموافقين.
ومنها: أنَّه كان لا يخرجُ إلاَّ والسُباب يمشي في ركابه، مجاهراً بلعن الشيخين، ومَنْ على طريقتهما. وقد نُسب نقل هذا القول للسيّد نعمة الله الجزائري (ت: 1112هـ/ 1700م)، وتناقله المتأخرون عليه، وحاولوا انتقاده، أو توجيهه، أو الإنحاء باللائمة عليه. وكلّ هؤلاء لم يُعاصروا مرحلته، علماً أنّ بين وفاة الكركي، وولادة الجزائري مائة وعشر سنوات.
إنتقد الشيخ يوسف البحراني المُتوفى سنة 1186هـ/ 1772م المحقّق الكركي على ما نُسب إليه من مرويات بقوله: إنَّ ما نقله الجزائري عن الكركي من المجاهرة بسب الشيخين خلاف ما استفاضت به الأخبار عن الأئمة الأخيار الأبرار (عليهم السلام). وهي غفلة من شيخنا (الكركي) ـ إنْ ثبتَ النقل ـ.
ونقل الجزائري أيضاً: أنَّ علماء الشيعة في مكة كتبوا إلى علماء أصفهان من أهل المحاريب والمنابر: إنّكم تسبّون أئمتهم في أصفهان، ونحنُ في الحرمين نعذّب بذلك اللعن والسب().
والواقع أنَّ هذه النصوص هي من المرويات غير المحقَّقة القابلة للقدح، والتي يتساوى طرف نفيها مع طرف إثباتها.
وربّما يصحّ نقل المقولة الأخيرة، لكنْ في عصر متأخر عن عصر الكركي. رُبَّما كان ذلك في عصر الشاه عباس الصفوي، أو بعده.
د. جودت القزويني
محمد الحسين كاشف الغطاء
هو محمد الحسين بن علي بن الرضا بن موسى بن جعفر كاشف الغطاء، أحد أفراد الأسرة الجعفرية التي انتقلت من نواحي الحلّة إلى النجف الأشرف قبل مائة وخمسين سنة ولم يزل العلم والمجد متوارثاً فيها خلفاً عن سلف وكابراً عن كابر. وكان أوّل منار سطع منهم فطبق ألقُه الآفاق بعد أنْ أشرق من أفق العراق هو الشيخ جعفر الذي يقصر أبرع كاتب وأبلغ يراع عن تصوير سعة علمه وقوّة غريزته وبلاغة يراعه وأخلاقيته للأدلة والبراهين التي تنبع فوراناً من ينبوع قلبه. فها هو يجري مترسلاً في مؤلفاته لدى أغمض المباحث وأعضل المسائل كخطيب مصقع لا يتتعتع ولا يتلعثم، في شوط فذّ، ونفس واحد. وكلّ مصنفاته تشهد له بذلك بيد أنّه لم يشتهر منها سوى ما أصبح وسام مجد له ولأسرته، وهو كتاب “كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء”()، الذي أملاه عن خاطره في إحدى سفراته، وليس معه غير متن من متون الفقه، وسوى شرح القواعد للعلاّمة الحلّي رضوان الله عليه. وهذا الشرح على وجازته كاف في الدلالة على علو كعبه وأنّه كان قد تجسّم فقاهة وعلماً. وكثيراً ما يكتب الكاتبون أنّ الشخص الفلاني أو الكتاب الفلاني لم يسبقه سابق ولم يلحقه لاحق. ولكنّني لو كنتُ أقولها في غير ذوي العصمة لما عدوتُ بها هذا المقام. وشاهدي لذوي المعرفة على ذلك نفس مصنّفاته. فإنّك تجدها لدى أوّل نظرة على طرز عجيب وأسلوب غريب لم تعهده في شيء من الكتب التي كنت تغاديها وتراوحها طول عمرك. وهذه حظيرة فيحاء متّسعة الأرجاء يقصر شوط رجائي عن حصرها والإتيان عليها.
أمّا مساعيه الكريمة وخدماته العظيمة للدين ولطائفة الإمامية وصيانة أمته ووطنه من الكوارث التي كادت أنْ تأتي عليهم وتدعهم في مهب زوابع الحدثان تحت طبقات النسيان ولا في خبر كان، دحرها من وطنه وأمّته حتّى خرجت صقيلة الأديم رافلة بنعيم النصر يوم كانت النجف كصومعة راهب، في قاحل فلاة من الأرض، لا هلَّة ولا بلَّة، ولا مانع ولا وازع، تختطفها ذئاب أمراء نجد من بني سعود وغيرهم، أزمان كان الوهابيون يرون من الغنم المشروع بل المفروض مهاجمة بلاد المسلمين ولا سيما بلاد كالنجف هي لغة سلاط ألسنتهم وقيد مد أظافيرهم.
ولو ظفروا بها أو نشبت بها أظفارهم لاكتسحوها من تخومها واقتلعوها من أعماقها ولأغرقوها بطوفان دماء سكانها. ولكن عناية من الله ببيوت أذن أنْ ترفع، وأن تبقى ولا تقع. أهاب بذلك الأسد من آساد الله، المجاهدين في ذات الله، فرسى بنفسه وأولاده وخاصّة الأعلام من تلاميذه فكان للنجف سوراً من حديد، ودفعهم غير ما مرّة. حتّى احتقبوا اليأس منها، وانصرفت وحوش أطماعهم عنها.
شطّ القلم عن القصد، وذهب في غير سبيل الغرض، محمد الحسين هو أحد فروع تلك الذات الكريمة الشهيرة، جرى من ذلك النبع، واشتق من تلك الدوحة التي نارها نجارها، ونفحها شرحها، التي لم يزل العلم والإرشاد ضارباً فيهم رواقه، رماداً عليهم سرادقه. وهم أقدم وأشهر بيت في النجف، قد اضطلع أعباء الرئاسة الدينية، واستمرّت متسلسلة فيه. أمّا الحسين فقد طوى ليومه هذا ستّة وثلاثين صحيفة من كتاب عمره، ومنذ استقلت به قدماه وانتصبت على الأرض قامته، ما ألف ولا عرف سوى المطالعة والكتاب والعلم والآداب، فكرع من علوم الشريعة ولا سيما الفقه والأصول ومبادئهما ما حسب وأحسَّ أنَّه ارتوى واستغنى، وألّف وصنّف ما استطاع وما سمحت له به العناية، فكان خير ما اقتطف وجمع وألّف من خميلة عمره وخامل أيامه إضمامة أريجة يعدّها خير ذخيرة له ألا وهو كتاب “الدين والإسلام” الذي يشتمل على عدَّة أجزاء أخرجت المطبعة منها جزأين، ونسأله تعالى توفيقه لطبع بقية الأجزاء. وله كتاب “العقبات العنبرية في الطبقات الجعفرية”، ذكر فيه تراجم حياة سلسلة أسرته وتعداد مساعيهم وآثارهم وتصانيفهم، وما قيل فيهم من مدائحهم وتهانيهم، وتأبينهم ومراثيهم، وهو كتاب كبير وأحسن مجموع تاريخ وأدب، سوى أنّه يحتاج إلى بعض الإصلاح والتهذيب، فإنّه جمعه قبل الخامسة عشر من عمره، وإلى الله جلّ شأنه نرغب في أنْ يمدّه بالعناية لخدمة العلم والحقائق إنْ شاء الله.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
محمد خدابندة الصفوي
الشاه الضرير
بعد اغتيال الشاه إسماعيل الثاني تولَّى أخوه محمد خدابندة (985ـ 996هـ/ 1577ـ 1588م) العرش الصفوي، وكان الشاه الجديد والياً على بلاد فارس من قبل أبيه، وأخيه إسماعيل.
قد اغتنمَ العثمانيون فرصة الاضطرابات داخل الجهاز الصفوي حيث هاجم السلطان مراد الثالث إيران واحتل أذربيجان، كما أصبحت منطقة خراسان هدفاً لهجمات الأوزبك.
وقد ظهر في هذه الفترة بالذات دور أميرات البلاط الصفوي في شخصيَّة الأميرة بريخان خانم بنت الشاه طهماسب التي قيل إنَّها كانت من المعارضات لسياسة أخيها إسماعيل في الحكم، إلاَّ أنَّها قُتلت بعد فترة قصيرة من مقتل أخيها إسماعيل الثاني.
أمّا زوجة الشاه خدابندة (مهد عليا)، والدة الشاه عباس الكبير، فقد ظهرت سلطتها في ميادين السياسة والحكم، وقد قُتلتْ أيضاً سنة 988هـ/ 1580م على يد بعض القوات القزلباشية، وبعدها بسنوات قتل ولدها، وليُّ العهد السلطان حمزة سنة 993هـ/ 1585م، وقيل سنة 994هـ/ 1586م.
تُوفي الشاه محمد خدابندة سنة 1004هـ/ 1596م. وكان قد تنازل عن العرش لولده قبل ما يقرب من عقد واحد على رحيله.
د. جودت القزويني
محمد شاه ابن عليّ شاه
(1) هو زعيم الإسماعيلية في الهند ولهم في بومباي ملك ضخم وهي مواطنهم اليوم، وأمّه بنت نظام الدولة وقد نال رتبة الزعامة لأتباعه أو الربوبية عليهم، كما يقال وهو غلام لم يبلغ الحلم. وقد رأيتُه لمّا ورد إلى زيارة النجف الأشرف وزرتُه في الزائرين فوجدتُه ربّاً، ولكنّه ربُّ صباحة وملاحة فآمنتُ بآية حُسنه وجماله فقط، ولقد كانت آيةً باهرةً (فتبارك الله أحسن الخالقين). وقد أرّخ عام زيارته السيّد جعفر الحلّي بقوله:
أهلاً فقد لاحت لنا البشايرْ وأصبح الغريُّ وهو زاهرْ
بالشاه سلطان الورى محمد إلى عليّ جاء وهو زائر
الملك الوارث من آبائه مآثراً ما مثلها مآثر
قبل بلوغ العشر نال رتبةً تقصر عنها السبعةُ الزواهرْ
مظهر رشد الخلق في وجوده وأهله كانوا هم المظاهر
للَّه أمٌّ ولدت محمداً طاهرة قد جاء منها طاهر
من يرها في الملك وهي لبوة قال ابنها لا شكَّ ليثٌ خادر
هاجر كي يحجَّ قبل سيد أركان مثواه هي المشاعر
مهاجر للَّه قد أرختُهُ (محمد أفضل مَنْ يُهاجرْ)
(الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء)
محنة الشيعة في العراق
هذه كلمة ألقاها الدكتور مصطفى جمال الدين في المؤتمر العام الرابع لرابطة أهل البيت الإسلامية العالمية الذي أقيم في لندن 9ـ11 ربيع الثاني 1412هـ/ 18ـ 20 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1991م، وكان لها صدى متميز بين كلمات المؤتمر.
وتأتي هذه الكلمة في ظروف سياسية معقدة عاشها العراق والمنطقة المحيطة به في أقسى ما مرَّ عليهما معاً من أزمات، وذلك بعد غزو العراق لدولة الكويت، وتهشيم القوّة العراقية على يد قوات التحالف في حرب الخليج الأولى عام 1991م.
وقد أفرز الوضع الداخلي للعراق تمرّداً شعبياً وانتفضت المدن العراقية لمواجهة السلطة بعد سقوطها عسكرياً في المواجهة مع قوات التحالف. إلاَّ أنّ السلطة العراقية قمعت ثورة المدن المقدّسة. وأبادت المنتفضين وغيرهم من العوائل العراقية فيما سُمّي بضحايا، “المقابر الجماعية”.
وقد استخدمت السلطة العراقية الورقة الطائفية المذهبية في ردّ حركة الثوّار المنتفضين، واتهمتهم بالاتهامات المتكررة.
وتأتي كلمة جمال الدين ضمن هذا السياق، فقد تضمّنت إثارة تساؤلات حول انتفاضة 1991م، والموقف العام منها، مذكّراً بوقوف النجف وعلمائها في الأحادث التي مرّت على العالم العربي، ومساهمتهم فيها على جميع الأصعدة.
وقد أصبحت هذه “الكلمة” من الوثائق التي تحكي مرحلة من مراحل تاريخ الشيعة في العراق نهاية القرن العشرين.
(جودت القزويني)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ وأهل بيته الطاهرين وعلى صحبه المنتجبين الذين اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سماحة السيد الأمين العام أصحاب السماحة أعضاء اللجنة المركزية والعلماء الأجلاء، والأخوة الأفاضل المجتمعين من كلّ حدب وصوب في مؤتمركم الرابع لرابطة أهل البيت (عليهم السلام).
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد… إنّها لمناسبة كريمة أن أقف بينكم، وأنتم تتداولون الرأي للوصول إلى أنجع السبل في الدفاع عن مقدساتنا العظيمة. ومرجعيتنا الرشيدة التي امتحنت بهذا الطاغوت الجاثم على صدر وطننا الكريم. فاغتنمَ هذه الفرصة لأحيي رابطة أهل البيت الإسلامية العالمية التي كانت ـ وما زالت ـ معقلَ التفكير بمشاكلنا الجسيمة، ومنبَع التخطيط لحلولها السليمة، وأقدّر، بإكبارٍ، جهد السادة المؤسسين لهذه الرابطة والمتحملين لأعبائها الجسام في ظروف لم تكن مهيأةً لأيسرَ ممّا خططوا وأسهلَ ممّا أرادوا.
واسمحوا لي ـ أيّها السادة المؤتمرون ـ أن أقف خاشعاً لذكرى بطلٍ كان محورَ التفكير بهذه الرابطة، وقطب العزم الذي تدور عليه أنشطتها، كما كان السِلكَ الرابطَ بين همم الشباب المندفعين، وتريّث الشيوخ المتعلقين إلى أن صاغها ـ مع هذه الصفوة من زملائه ـ صياغةً قد تدنو إلى ما يطلب لها من كمال، في وقت نحن أحوج ما نكون لمثلها، وستبقى هذه الرابطة أبرز السمات الدالة على سعة تفكيره، وعمق إخلاصه لقضية أمّته.
لم يكن أبو صالح ـ طيّب الله ثراه ـ واحداً من هؤلاء المجاهدين، بذل في سبيل الله مهجته، وروّى طريق النضال بناصع دمه، ولكنّه كان ـ فوق ذلك ـ جيشاً من العزيمة لا يقهر، وحشداً من التفكير لا يضعف، ونبعاً من الإخلاص لا ينضب.
ونحن إذ نستعيد ذكراه في طريقنا المجدب هذا، لا نظن أنّ غراس آمالنا ستورق كشجر الخابور الذي قيل فيه: “كأنّك لم تحزن على ابن ظريف”.
بلى والله!!
فقدناه فقدان الربيع فليتنا فديناه من فتيانا بألوفِ
رحم الله أبا صالح بمقدار ما بذل من جهد في سبيل وطنه… وضحى، في نكران، من أجل عقيدته ودينه.
أيّها السادة:
استعرض إخواني الخطباء والمتحاورون، في اليومين السابقين، محنة الشيعة في العراق، وكثير منهم وضع يده، أو كاد، على أسبابها الحقيقية، وحاول مشكوراً أن يجد الحلول الملائمة لها.
ولا أريد ـ بعد الذي قيل ـ أن أطيل في ذلك، فأسباب المحنة واضحة ومعروفة، ليس اليوم بل منذ ما كان يسمّى بـ (الحكم الوطني)… ونتائجها شاخصة ومشهودة، ليس اليوم أيضاً، بل من سحق نفسية الشيعة بعد ثورة العشرين، والتشكيك بمواطنتهم، وتسفير مراجعهم في العشرينات، حتّى هدم مقدساتهم وحرق مكتباتهم، وأسر مرجعيتهم في العشرينات، ونحن نقف بين هذه الأسباب الواضحة وتلك النتائج الشاخصة، عاجزين تماماً عن الحلول التي ندرك، أمّا لماذا؟ فكلكم تعرفون الجواب ولا أريد أن أتحدث عن شيء ربّما كنتم أعرف به منّي.
لذلك سيكون حديثي لكم ـ مع الاعتذار من أحد شعرائنا المعروفين ـ حديثاً عن (هوامش على دفتر المحنة)!!.
وسأضع هذه الهوامش في النقاط الآتية:
أولاً ـ الشعب العراقي والشعب العربي بل وشعوب العالم كلّها تعرف أنّ الانتفاضة التي حدثت في منتصف شعبان كانت انتفاضة طبيعية جداً من شعب حكم بالحديد والنار أكثر من عشرين عاماً.
وهم ابتداءً من الرئيس الأميركي وانتهاءً بالرئيس المصري ما زالوا يحرضون الشعب العراقي على هذه الانتفاضة ولكن الأميركان لأسباب أصبحت معروفة أعطوا للنظام الضوء الأخضر في قمعها،
فاستغل النظام المهزوم ذلك لصب حقده على معاقل الشيعة ومقدساتهم وأسر مرجعيتهم ممّا هو معروف.
والهامش الذي أريد تسجيله هو: لنفترض أنّ الانتفاضة شيعية جنوبية وليست عراقية عامّة، ولنفترض أنّ الشيعة مشكوك بإسلاميتهم ـ كما يحلو لبعض المتطرفين من إخواننا أهل السنّة ـ ولكن: أليست هذه العتبات المقدسة مشاهدَ ومساجد إسلامية، أليس فيها مرقد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) ومراقد أبنائه من أهل البيت (رضي الله عنهم) ألا يستحق قصفها بصواريخ (سكود) وإهدار كرامتها وحرمتها، وسحقها بأقدام البغاة من اليزيدين والصداميين، منشوراً واحداً، أو بيان استنكار مقتضباً يصدر من جهة عربية أو إسلاميّة ـ ولو كانت غير حكومية ـ كالأزهر مثلاً في مصر، وجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في المغرب، ورابطة العالم الإسلامية في السعودية، أو من أيّة جامعة، أو منتدىً، أو أي حزب إسلامي أو فئة إسلامية، أو أي عالم ديني يؤمن بأن علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين المقدسين وأنّ الحسين ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنة؟!.
أتكون حرمة هذه العتبات المقدسة مهدورةً لأنّ الشيعة يسكنون بجوارها؟
معنى ذلك أنّ سكان القدس والقاهرة، لو كانوا شيعة ـ كما كانوا يوماً ما كذلك ـ لسكت العرب والمسلمون عن تدنيس مسجدها الأقصى، وأزهرها الشريف؟
أم لأنّ الشيعة هم الذين بنوا هذه العتبات المقدسة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يكون الأزهر شريفاً؟ ولماذا يكون جامع رأس الحسين، ومرقد السيدة زينب والسيدة نفيسة مراقد ومشاهد مقدسة وقد بناها الفاطميون من الشيعة؟
ثانياً ـ لنفترض أنّ شيعة العراق ليسوا عرباً ـ كما هم ليسوا مسلمين ـ وإن كان جلّهم من قيس وأسد وربيعة وعامر وتميم وغيرهم ـ ولكن أكراد العراق ـ يا إخواننا في الوطن العربي ـ ليسوا عرباً أيضاً، فلماذا كلّ هذه الضجة الصاخبة حول اضطهاد الأكراد من قبل النظام ـ مع إنّنا نستنكر ذلك أشد الاستنكار ـ ولكنّ ما وقع للشيعة في الجنوب والوسط أضعاف ما وقع لإخوانهم في الشمال فلماذا لا ينبس العالم العربي ببعض هذا الاحتجاج؟!.
ثالثاً ـ إنّ العتبات المقدسة في العراق ـ حتّى لو كانت شيعية ـ أليست هي من الآثار العظيمة الدالة على تطوّر العمارة العربية وشموخها، أليس ما فيها من زخرف وفسيفساء، وفن معماري أصيل يدعو لصيانتها وعدم المساس بها، واستنكار اليد الآثمة التي تحاول هدمها؟
أنصون طاق كسرى، ومعابد بابل والحضر، وهي ليست إسلامية ولا عربية، ونقيم الدنيا ونقعدها لمعابد أبي سنبل، وندعو لجمع التبرعات الهائلة لنقلها وصيانتها، ثمّ نسكت عن معتوه يهدم بحقده الأعمى كلّ هذه الأمجاد الشامخة لعمارتنا وفننا الإسلامي الأصيل.
هل هدم العدو الإسباني آثار العرب والمسلمين في الحمراء، وطليطلة، وغرناطة، وإشبيلية وغيرها من آثارنا في الأندلس؟ ألم يكن المفروض أنّ عداءهم للعرب والمسلمين أعظم من عداء صدام حسين للمسلمين الشيعة؟!.
رابعاً ـ ثمّ لماذا يسكت المثقفون والمفكرون من إخواننا العرب عن حرق مكتبات الشيعة في النجف وكربلاء، وتاريخنا العربي والإسلامي يتحدّث بألم ومرارة لا مثيل لهما عن غزو المغول لبغداد، وعن حرق المكتبات العربية العظيمة وإلقائها في مياه دجلة، وفيها (دار الحكمة) لسابور ـ وهي مكتبة شيعية فيما نعرف ـ فلماذا يسكت مثقفونا ومؤرخونا عن هولاكو العصر الحديث ولماذا لا تتحدّث مجلة تراثية عربية، أو معهد إسلامي، أو حتّى معهد المخطوطات التابع لجامعة الدولة العربية عن حرق مكتبة الإمام الحكيم العامّة، وهي تضمّ آلاف المخطوطات العربية؟! لماذا لم يرتفع صوت واحد لمطالبة الطاغية بنهب هذه الكتب ـ بدلاً من حرقها ـ ثمّ أضافتها إلى مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، وبهذا يكون شفى غيظه من جهة، واحتفظ بهذا التراث العظيم من جهة أخرى.
خامساً ـ وهامش خامس يتعلّق بإخواننا الإسلاميين في العراق، ألا يحق لهم ـ بحكم التنسيق والعمل الواحد والهدف المشترك ـ أن يسألوا إخوانهم الإسلاميين في مصر والسودان والجزائر وتونس، والأردن، والكويت: لماذا سكتوا عن سحق الحركة الإسلامية في العراق، وعن هدم مساجدها ومعابدها ومعاقل الثقافة الإسلامية وإعدام رجال الدين وعلماء الإسلام في العراق، بل لقد أيّد بعضهم ذلك ـ كما فعل الاستاذ علي بلحاج الشخص الثاني في جبهة الإنقاذ الجزائرية!!.
أيكون النضال المشترك من أجل الوحدة الإسلامية في الأقطار العربية هدفاً من أجل بعض المسلمين دون بعض؟!.
ثمّ لماذا قاد الترابي ذلك الوفد الحاشد، ليجعل من جمهورية إيران الإسلامية الشيعية درعاً حصيناً للدفاع عن (رجل مسلم هو صدام) ولا يقود هذا (الترابُ) وفده لحماية الإمام الخوئي والحوزة العلمية في النجف الأشرف من ظلم طاغوت، افترض أنّه رجل مسلم، وهو يعلم علم اليقين أنّه اغتال أنصع داعية مسلم، وعلى فراش الترابي نفسه!!.
ثمّ لماذا أبرق السيّد الحكيم (قدّس سرّه) للرئيس عبد الناصر (رحمه الله) مطالباً بإطلاق الشهيد سيّد قطب وعدم الإصرار على محاكمته وإعدامه… ولا يطالب شيخ الأزهر مثلاً بإطلاق الشهيد الصدر أو الشهداء من أبناء السيّد الحكيم وعدم الإصرار على إعدامهم!!.
هناك أيّها السادة ـ هوامش أخرى ذكرت منها الأمثلة الواضحة، وليس غرضي منها ـ كما هو واضح ـ الدعوة إلى الفرقة بين المسلمين، فأنا لست طائفياً، وليس في تاريخي الأدبي أو السياسي ما يدل على ذلك، بل كنت ولا أزال أدعو إلى إسلام حقيقي خالٍ من التطرّف المذهبي والقومي، وكنت أؤكد على جهلنا نحن المسلمين بروح الإسلام الكريمة، وتغليبنا العصبية المذهبية على تسامح هذا الدين وإنسانيته، كما كنت أؤكد على جهلنا ـ نحن العرب ـ بتسامح عروبتنا وإنسانيتها، والانحراف بها إلى روح من العصبية والشوفينية أملتها علينا ـ من حيث لا ندري ـ تعاليم أمم أخرى لها مصالحها الكبيرة من وراء هذه الفرقة.
وقد نشرت بالأمس في جريدة المؤتمر أبيات من قصيدة في الخمسينات قلتها في تكريم أحد مراجع الدين في النجف الذي جاء لتوّه من مؤتمر إسلامي، وممّا جاء فيها:
هل حقَّق الوحدة المرهوبَ جانبُها بين الطوائف للإسلام مؤتمرُ
لا (طائفية) ترمي المسلمين بها يدٌ تطاير من أظفارها الشررُ
ولا تطرّفَ في (قوميةٍ) غَرَس التفريق فينا، فبئس الغرس والثمر
هذا محمد فخر العرب قاطبة ما كان يمتاز عن (سلمان) (عمر)
وذا (أبو حفص) قد أولاه أمرته على المدائن لا راجٍ ولا حذر
وكذا ظلّ جيش الدين مزدهياً أنّى سرى فاح من أعطافه الظفر
مشى على الغرب مشيَ الفاتحين فلم يرتد حتّى تجلّى البحر يعتذر
وشاقه أن يؤمن الصينَ جحفله فما توقفّه جبن ولا خور
حتّى إذا ازدهر الإسلام وارتفعت أدواحُهُ، وتفيّا ظلَّها البشرُ
الفيتنا نحن ـ جندَ المسلمين ـ وفي فم الشباب بقايا الكأس تستعرُ
وعادت الليلة الظلماء داجيةً فينا كأن لم يلح من فجرنا أثر
هذه هي عقيدتي في الإسلام والعروبة، وتتركّز في أنّ أهم أمراض المسلمين في الوقت الحاضر: الطائفية، والعنصرية، وهما في رأيي ورأي كلّ المخلصين في الوطن العربي سرّ تأخّر هذا الشعب العربي المسلم، وبخاصّة في العراق. ولعل حروب الخمسين سنة المعلنة بين الحكم العربي والشعب الكردي في العراق، والحروب غير المعلنة بين الحكم السنّي والشعب الشيعي هي التي أوصلتنا إلى هذا الحكم الدكتاتوري الأرعن.
هذه الملاحظات أو الهوامش التي أوردتها هذه الصراحة ـ الجارحة أحياناً ـ هي التي يجب أن تكون أساس التفاهم بين سنّة العراق وشيعته، وهي الأساس الثابت لحل المشكلة العراقية، نحن لا نريد من السنّة أن يكونوا شيعة، كما لا نريد لهم أن يجعلوا الشيعة سنّة، فهذه مذاهب فقهية وعقائدية لا تؤثّر في الواقع السياسي والاجتماعي لمواطني البلد الواحد.
نحن نرجو أن يعيد العراقيون نظرهم في هذا الواقع المرّ، وليتجنبوا الخوف من بعضهم البعض، نحن جميعاً مسلمون، لأنّ الإسلام شهادة لا إلَهَ إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، والمسلم بعد ذلك ـ من سلم الناس من يده ولسانه، بل من بطشه وصواريخه!!.
ونحن جميعاً عرب، لأنّنا نعيش في هذا الجزء من الوطن العربي نشعر بشعور العرب في كلّ مكان، ونتحدّث بلغتهم، ونحسّ بأحاسيسهم، ويجمعنا وإيّاهم مصير واحد، وليست العروبة دماً يجري في عروق بعض الناس دون بعض، بل هي هذه المشاعر الواحدة، والأعراف المتشابهة، والمصائر المشتركة.
وإذا اختلفت الشيعة والسنّة في بعض مسائل الفقه والعقيدة، ألا يختلف السنّة أنفسهم في بعض هذه المسائل؟! فلماذا نجعل الخلاف في الرأي خلافاً في الوطنية، والقومية، والدين أيضاً. لماذا نصغي إذن لأبواق صدّام وهي تصوّر لنا خطر الشيعة القادم ـ لا لأنّه يؤمن فعلاً بهذا الخطر، بل لأنّه يريد تخويف سنّة العراق من شيعته، ليفرّق الحركة الشعبية الضاغطة عليه وعلى نظامه، ويشدّ هذه الطائفة ـ من حيث لا تدري ـ إلى دعم نظامه المنهار.
ثمّ أتوجّه لإخواننا العرب في الجزائر، وتونس، ومصر، وفلسطين، وأسألهم كيف نسوا مواقف النجف السياسية والأدبية منذ مطلع هذا القرن حتّى اليوم؟ ألم تقد النجف بعلمائها جيوش الشيعة للدفاع عن الحكم العثماني متناسيةً كلّ ما ألحقه بها الأتراك من اضطهاد وعسف؟! ألم تصدر في النجف فتاوى الجهاد من أجل برقة وطرابلس في سنة 1908؟! ألم تصدر فتاوى مراجع الدين في النجف بصرف الحقوق الشرعية من أجل الجزائر وفلسطين؟!.
ولا تزال ـ أيّها الأخوة ـ رفوف المكتبة العربية مثقلةً بدواوين شعراء النجف الكاملة عن (جهاد المغرب العربي) والثورة الجزائرية وبورسعيد، أمّا ديوان (الفلسطينيات) فهو من أشهر ما أصدرته جمعية الرابطة في النجف في الثلاثينات من هذا القرن، وهو يضمّ أوّل قصيدة عربية في الدفاع عن فلسطين للمرحوم صالح الجعفري في سنة 1925م.
ولعلّ العرب لم ينسوا أنّ دماء الشيعة ـ وهم أكثر أفراد الجيش العراقي ـ ما برحت تضرِّج الصخور العربية في القدس أو يافا، وبيت لحم، ما الذي حدث لهؤلاء الشيعة فأصبحوا في نظر مجلات ياسر عرفات شعوبيين أتباع رجلٍ لم ينجح في سياسته تجاه معاوية!! أهكذا تجف دماء الشيعة وأموالهم من أجل وهمٍ سوّفه لهم صدام حسين قبيل احتلاله الكويت؟!.
نرجو أن يعيد إخواننا العرب النظر في موقفهم من شيعة العراق، ولا يصدقوا الفرية التي تقول لهم إنّ الشيعة في العراق صدى للثورة الإسلامية في إيران، وإنّهم في طريقهم لقيام دولة يستثنى الجزء الكردي منها، لتستقل، أو لتلتحق بإيران!!.
هذه ـ يا أخوتنا ـ كلّها أوهام أو هي رسائل تخويف يبرّرها النظام المهزوز في العراق لتخويف الأمّة العربية من بعض أبنائها.
صحيح أنّ الشيعة في العراق وفي إيران يجمعهم مذهب واحد، ولعلّ الصحيح أيضاً أنّ الشيعة في الهند وباكستان أكثر عدداً، ومع ذلك فالشيعي الهندي يبقى هندياً… والشيعي الإيراني أو الباكستاني يظل إيرانياً أو باكستانياً… فلماذا نتصوّر أنّ الشيعي في العراق أو لبنان أو الخليج لا يبقى عربياً…
أغفروا لي أيّها السادة أنّي أطلت هذا الحديث وأشكركم والسلام عليكم.
د. مصطفى جمال الدين
مدينة نطنز
موقعها ومناخها
تقع مدينة نطنز على سفح جبل كركس، وهي تبعد عن طهران مسافة 327كلم وعن كاشان 77كلم وعن أصفهان 129كلم، يحدّها شمالاً الصحراء ومدينة كاشان وجنوباً أصفهان ومن الجهة الشرقية والشمالية الشرقية تحدّها أردستان وموغار، أمّا من الغرب فقمصر وجوشقان وميمه.
تتميّز نطنز باعتدال مناخها، ويمكن اعتبارها ملاذاً من العواصف الرملية الصحراوية، فأغلب مناطقها ذات مناخ لطيف وخصوصاً في المناطق الجبلية، أمّا وديان جبل كركس فهي مليئة بالخضرة والعيون … والأشجار الكبيرة.
تكثر فيها الفاكهة بأنواعها، وأبرز أنواعها كمثرى نطنز المشهورة بجودتها والتي تضرب بها الأمثال ويشتهر فيها الرمان الذي راج في الأسواق كثيراً السنوات الأخيرة، ولو استحدث في المدينة برادات ومصانع لعصير الفواكهة لأثّرت كثيراً على النمو الاقتصادي وعلى المستوى المعاشي للمزارعين في المنطقة.
حظيت نطنز بموقع استراتيجي منذ العصور القديمة وحتّى العصر القاجاري، فقد كانت ممراً للقوافل المتوجهة من الجنوب إلى الولايات الشمالية في إيران وحلقة الوصل بين أصفهان ووسط إيران وجنوبها وشرقها، وأدّى هذا الأمر إلى ازدهار اقتصادها، وما وجود بقايا معابد النار في نطنز وقرية أبيانه ومحلة (باغباد) في جبل أفوشته، وهي بقايا مدن باغباد أو (بلغ بت) من العصر الأشكاني أيضاً والذي كان قلعة حربية للسيطرة على الطريق بين أصفهان ووسط إيران وشرقها وجنوبها، وغير ذلك من الآثار إلاّ دليل على أهمية نطنز وازدهارها في العصور الغابرة.
وبلغت نطنز أوج ازدهارها في العصر الصفوي، فقد كان الملوك الصفويون يحبّونها كثيراً وخصوصاً شاه عباس الأوّل الذي أقام في جانبيها قصري (تاج آباد) و(عباس آبادشكارگاه). كان شاه عباس مولعاً بصيد الطيور في نطنز، وذات مرّة مات بازه بالزكام في سفوح جبال نطنز فأمر ببناء، قبة عظيمة على أحد القمم الشاهقة وأسماها (قبة الباز).
أقسام المنطقة
تشكّل منطقة نطنز إلى جانب مدينتي نطنز وبادرود، عدّة نواحٍ: ناحية (إمام زاده)، ناحية برزرود (تشمل ناحيتين برزرود وچيمه رود)، ناحية كركس وناحية (طريق رود).
وكلّ ناحية من هذه النواحي لها جمالها الخاص الذي يتجلّى باعتدال مناخها وجمال طبيعتها (وخصوصاً في المناطق الجبلية)، وعيون المياه المعدنية والمغارات الطبيعية ومزارع الورد وبساتين الفاكهة ومعامل الصيني والسيراميك التقليدية ومصانع آلات الزينة الخشبية مثل الأواني وأدوات الشطرنج والمزهريات وغيرها. إضافة إلى الآثار التاريخية القيّمة التي تتراوح في قدمها بين أقدم العصور والعصر القاجاري.
تبعد النواحي عن مدينة نطنز بمسافات مناسبة لإقامة أماكن سياحية تقليدية فيها ولو حصل هذا لاستقدمت المنطقة عدداً كبيراً من السواح وحصلت البلاد على مدخول لا بأس به من العملة الصعبة، ولا يخفى الدور الكبير الذي تؤدّيه السياحة في إحداث تنمية اقتصادية تساعد على إيجاد فرص عمل جديدة وتنشط الصناعات التقليدية وتحدّ من الهجرة السكانية المتزايدة إلى طهران والمدن الكبيرة الأخرى، وستحافظ بالتالي على طبيعة التركيبة السكانية والثقافية للمدن الصغيرة والأرياف في هذه المنطقة.
الآثار التاريخية في نطنز
تنتشر الآثار التاريخية في مدينة نطنز ونواحيها، وهي متفاوتة في قدمها، فمنها ما يعود إلى ما قبل الإسلام، وبعضها متعلق بالحقبة القاجارية والبقية في العصور الأخرى.
يطالعنا في مدينة نطنز معبد للنار وأثر قدم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) (من العصر السلجوقي)، ومجموعة أبنية مسجد الجمعة (تشمل أبنية من العصر الديلمي وحتّى العصر المغولي 289 ـ 725هـ)، السيدة رقية، عدّة مساجد وحسينيات قديمة، وحمام قديم.
تقع آثار المعبد في شمال غرب مسجد الجمعة، وهي أربعة أعمدة حجرية ضخمة موزّعة على جهات المعبد الأربعة، وطاق جنوبي وبقايا قبة وثلاثة طيقان أخرى وسقف المعبد. وهذه الأجزاء مشيّدة بالصخور والجص وهي قائمة على منصة ترتفع عن الأرض بمقدار 1.5 ومترين. ولا تزال المنصة سليمة إلى الآن وهي تحدّد مكان المبنى القديم.
موضع قدم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)
إلى الشمال الغربي من (قبّة الباز) هناك واد تجري فيه عين عذبة تصب في حوض. ويطلق أهالي المنطقة على هذا المكان اسم: موضع قدم علي (عليه السلام)، وتفيد التحقيقات التاريخية أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) توقّف عند العين في سفره إلى خراسان.
مسجد مير
يقع مسجد مير في بعض أحياء مدينة نطنز، وهو يشتمل على بوابة كبيرة نصف خربة، تحمل كتابة بارزة بخط الثلث، غير مقروءة لتعاقب السنين وتأثير العوامل الطبيعية. وحرم المسجد مربع الشكل طول ضلعه 16 متراً، يعلوه سقف ذو تسع قبب صغيرة متشابهة وهو الجزء الأهم في المسجد بعد البوابة. ويحتوي المحراب على نقوش ورسوم وكتابة بخط الثلث للآية 116 من سورة هود ولسورة الفاتحة. ويذهب عالم الآثار الفرنسي (آندريه غدار) إلى اعتبار مسجد مير من أبنية العصر السلجوقي.
مسجد الجمعة
يقع هذا المسجد خلف بساتين نطنز، وهو يشتمل على منارة شاهقة وقبة هرمية الشكل، وهما جزء من مجموعة أبنية مسجد الجمعة ومرقد العالم الرباني والعارف الكبير الشيخ نور الدين عبد الصمد الأصفهاني النطنزي وهو من ابناء القرن الثامن الهجري.
تشمل هذه المجموعة أيضاً حرماً ثماني الاضلاع يعود الى العصر الديلمي(289). يتكون المسجد من أربعة إيوانات وعدة مصليات ودهاليز توصل جوانب الصحن بعضها الى البعض. وهو مشيد عام 704هـ، ويحمل زخارف وكتابات بارزة بخط الثلث، ومنها كتاب بخط الخطاط الصفوي الشهير محمد رضا إمامي تحمل أمر شاه عبّاس الأول بالوقف للمسجد، وهناك ايضاً أمر للأمير حسام السلطنة القاجاري، ويوجد للمسجد أبواب خشبية محفور عليها نقوش وزخارف جميلة.
مرقد الشيخ نور الدين عبد الصمد
يتكوّن من مبنى مربع الأضلاع بطول 5.90 م، يحمل الجزء الأسفل من الجدران فسيفساء نجمية الشكل، مطعمة بمعادن لامعة، وبعضها مرصع بالفيروز، إلاّ أنّ أكثره سرق.
وللمرقد ضريح ثمين جداً، تعرّض للسرقة وهو موجود الآن في متحف ڤكتوريا وألبرت. وعلى أنّ أجمل ما في مجموعة مسجد الجمعة هي بوابة خانقاه الشيخ نور الدين عبد الصمد الذي تكسوه طبقة من الفسيفساء الجميلة.
منارة المسجد
تحظى هذه المنارة بأهمية كبيرة لارتفاعها الكبير وجمالها المميز الذي تكتسبه بفضل نمط بنائها وطريقة تزيينها وما تحمله من كتابات فيروزية اللون. يبلغ ارتفاعها 37.20 م وقطرها 2.80م، وهي مزوّدة بسلم لولبي ذي 188 درجة تحمل المنارة كتابة بخط الثلث فيروزية اللون.
المسجد مَعرِض الفن الإسلامي
عندما انتشر الإسلام في العالم المتمدن في القرن السابع الميلادي، تغيّرت ملامح كثير من الأقطار، وبدخولها التدريجي في الإسلام، قامت أقوام مختلفة بالمساهمة في بناء حضارة جديدة هي الحضارة الإسلامية. ولم تكن هذه الأقوام التي ساهمت بأفكارها من عنصر بذاته ولا من موطن بعينه، فقد امتدّت حدود هذا النشاط الفكري من الصين شرقاً حتّى إسبانيا غرباً، ومن جنوب أفريقيا جنوباً حتّى وراء القفقاز شمالاً. وفي إطار هذه الحدود عاشت عناصر آرية وهندية وساميّة وقبطية وبربرية وغيرها وعملت معاً على إقامة صرح هذه الحضارة. بديهي أنّ نسبة مساهمة كلّ قوم من هذه الأقوام مختلفة في بناء هذا الصرح ليست متساوية. فالأغنى تراثاً منها كانت أقوى أثراً. ولا شك في أنّ ما أدّى إلى سرعة انتشار الثقافة هو الوحدة في الدين والوحدة في رسم الخط، وانتشار الاستقرار في الأرض الإسلامية. ولقد كان القرآن هو بؤرة تلك الوحدة والمجيب عن جميع الأسئلة التي تثيرها الحياة اليومية. إنّ انتشار القرآن بلغته الأصلية، والسيطرة التامّة للكتابة العربية أوجدا رابطاً شدّ جميع أرجاء دنيا الإسلام، وكان عاملاً مهماً في خلق كلّ ألوان الفنون. وكثير من الأقوام التي اعتنقت الإسلام أضافت علومها وفنونها إلى مجموعة العلوم الإسلامية، إذ لم يكن من المعقول أن يقوم الإيراني الفارسي العنصر، أو المسيحي السوري، أو الرومي القبطي، بعد قبوله الإسلام، بالتخلي عمّا ورثه من آبائه وأجداده من العقائد والآداب والرسوم دفعة واحدة، ويتشبّع بالتعاليم الإسلامية بمعناها الحقيقي. لذلك من الطبيعي القول بأنّ المسلمين قد اقتبسوا من العلوم والفنون في البلدان التي استولوا عليها، الأمر الذي أدّى إلى تطوّر الفنون الإسلامية وحضارتها.
ولكي نزداد معرفة بالفن الإسلامي لا بدَّ من الرجوع إلى عدد من الأحداث التاريخية في مجال الدين الإسلامي الحنيف. لقد ظهر الإسلام ـ الذي يعني التسليم والاستسلام لذات الله تعالى ـ في مكة، المدينة التجارية الواقعة على الطرق التجارية المؤدية إلى سوريا وجنوب الجزيرة العربية. إنّ الأحداث والوقائع التي سبقت ولادة الإسلام وعملت على تنامي الإسلام تكمن في التاريخ المعقد للعرب والجزيرة العربية. والفن الإسلامي ينبغي أن يدرس من زوايا مختلفة. الفن والإيمان يرتبطان في الإسلام ارتباطاً لا ينفصم، في إطار القوانين الحاسمة المساعدة للفنانين على الخلق والإبداع الفني، الأمر الذي يخافه فنانو الغرب لأوّل وهلة.
إنّ الفن الإسلامي الذي يعتبر من أغنى الفنون في العالم، يقوم، في الواقع، على أساس من فنون الدول التي كان لها تاريخ مديد في الفن والمدنية، كما أنّه كان له تأثير عميق على فنون هذه الدول نفسها في الكلام على العلاقة بين الإسلام والفن وما كان لهذا الدين من تأثيرات في اطراد تطوّر الفن في المجتمعات الإسلامية، لا بدَّ أن نفصل في البحث بين مسألتين اثنتين:الأولى هي ما وقع بالفعل، والثانية هي ما ورد في القرآن الكريم وكتب الفقه الرئيسة في هذا الشأن.
فيما يتعلّق بما وقع فعلاً يمكن القول إنّ العرب المسلمين، في مواجهتهم لكلّ أمّة واستيلائهم على كلّ بلد، كانوا يقتبسون شيئاً من العناصر الثقافية والفنية من تلك الأمّة وذاك البلد، دون النظر إلى اختلاف المذاهب والعناصر. ثمّ على أثر اتّساع الإسلام جغرافياً، كثرت العناصر المؤلفة للفن الإسلامي.
ولا ننسى أنّ الفنانين المسلمين قد استفادوا من الحضارات التي سبقتهم، ولكنّهم فاقوها من حيث الفن والتقنية، وعند عرض فنونهم على العالم امتزجوا في الفن الزخرفي الذي صاحب معظم بضائعهم، ولعل من أسباب هذا التمازج بين الصناعة والفن المشهود في أكثر الآثار الإسلامية هو نظرة الإسلام المتعددة الأبعاد إلى الظاهرات، فالإسلام هو الدين السماوي الوحيد الذي يلفت نظر الإنسان إلى انتشار الجمال في مختلف أنواع المخلوقات، ويبيّن له أنّ لكلّ ظاهرة من الظاهرات بُعدين اثنين: البُعد النفعي والبُعد الجمالي. أي ذلك الجانب الذي يسهّل علينا شؤوننا المعاشية اليومية، والجانب الذي يوفّر لنا التغذية الروحية، وبالنظر لأنّ الحياة الإنسانية لا تقوم بتوفير الحاجات المادية فقط، بل لا بدَّ من ضمان الجانبين المادي والروحي لعبور المرحلة الحيوانية إلى المرحلة الإنسانية، فالامتزاج بين الجمال والتزينات الزخرفية تعبير عن هذا المفهوم وخلاصة للفن.
أمّا القرآن الكريم، وهو السند الإسلامي القويم، فإنّه في الحقيقة المعيار الذي يقاس عليه ما في الكتب والنصوص الإسلامية الأخرى من سلامة وسقم من صحيح وغلط. لذلك، فإنّ ما جاء في القرآن بشأن الفن حكم حاسم في كيفية تعامل الإسلام مع الفن. إنّ القرآن في كثير من آياته يدعو الناس إلى التفكير والتأمّل في خلق الأشياء المختلفة. إنّه يحثّه على النظر إلى الجبال والأنهار والبحار والسماء والنجوم والحيوانات والإنسان، وخاصّة الجوانب الجمالية في هذه المخلوقات فيؤكدها.
كذلك يقوم الفن الإسلامي على أسس من تعليمات نبي الإسلام العظيم، تلك التعليمات التي تجعل من المعنى مركز ثقل الفن، تبتعد عن استنساخ الرجل والمرأة استنساخاً تاماً، وبذلك أصبح الفن الإسلامي ذا خصوصية خاصّة به، وسرعان ما بلغ مرحلة النضج والإثمار. وهكذا اكتسب الفنان الإسلامي خبرة جديدة في نظرته إلى العالم وإلى العقيدة الإسلامية، واستطاع أن يبلغ الشأو في الخلق والإبداع والابتكار والتجديد، ممّا لم يكن متاحاً له من قبل. وهذا ـ بالإضافة إلى استيعاب فنون سائر الأقطار والأمم ـ هو الذي أظهر امتياز الفن الإسلامي وغناه وكشف عن هويته الفائقة، وغدا يسهل تمييزه من بين فنون العديد من الأقطار الأخرى.
لا بدَّ من القول إنّ أقواماً كثيرين قد ساهموا، خلال قرون عديدة، في تقدّم الفن الإسلامي. لذلك، عند دراسة تاريخ الفن الإسلامي لا بدَّ من الأخذ بنظر الاعتبار أقطاراً واسعة وأزمنة مديدة. علينا أن نركب خضم أمواج البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، وأن نلحق بقوافل الجمال للتجار والزائرين في رحلاتهم عبر الأراضي ونجتاز الحدود من بلد إلى بلد، ونقطع الفيافي والرمال في أرض حارة إلى السهول الساحلية، إلى الوديان والأنهار والمراعي الخضر وسلاسل الجبال المغطاة بالثلوج، إلى الأراضي الجافة القاحلة تحت الشمس المحرقة والسماء التي تمرّ الايام دون أن يمرّ بها طيف غيمة. هناك من إسبانيا حتّى تخوم الهند يمتدّ نطاق صحراوي شهد يوماً مسيرة المسلمين الظافرة مارين بشمال أفريقيا ومصر وسوريا وإيران… كان الفنان المسلم من اليسير عليه يومذاك أن يرحل من مكان إلى آخر مشرقاً ومغرباً ليزداد معرفة وتجربة، أو ليعرض معارفه على الآخرين. إنّ هذه الحرية في التنقّل وعدم الاهتمام بالانتماء القومي الخاص، أسبغ على فن جميع الأقطار الإسلامية لوناً من الوحدة والمشاركة، بحيث إنّ المشاهد ـ وحتّى وإن لم يكن عارفاً بالفن ـ يستطيع أن يدرك التشابه الفني المشترك بين قصر الحمراء في الأندلس والقصور الهندية والباكستانية.
إنّ أساس نشاط المسلمين الفني وما يربط بينهم هو “التوحيد” وذلك لأنّ الفنان المسلم يستقي من مصدر واحد هو القرآن الكريم، فللإيمان دور خلاّق في الفن الاسلامي، وهو أمر يتّصف بالخلود، إنّ المواضيع الفنية ونتاجات الفنانين المسلمين وما يقوم به المشجعون ـ بصرف النظر عن القوميين والعنصريين ـ قد سارت في أرجاء العالم عن طريق التوحيد أو عن طريق محبي الفن. ينبغي أن لا ننسى أنّ العقائد الدينية هي وجه اشتراك الحضارة الإسلامية ومحورها الأصيل، لأنّ الإسلام يضمّ جميع شؤون حياة البشر، ولا يقتصر على القلب والروح. وبعبارة أخرى، تعتبر العقائد الكلية الإسلامية بمثابة القالب أو التمثال الثابت الذي يستمد روحه ونفسيته من مختلف الآراء المحلية. إنّ الدين الإسلامي يحثّ أتباعه على التزام النظام والضبط والمدنية، وفي الوقت نفسه يعدّ العدّة لإعلاء القلم على السيف. لذلك، فإنّ المشغول بالزهد والتقوى والأفكار الإنسانية يحظى بمكانة اجتماعية شامخة، والمسلم الذي يستغل قواه الفكرية يكون أقرب إلى الله. وعلى هذا الأساس نلاحظ، بالمقارنة، أنّ الفن الإسلامي، بالقياس إلى الشرق والغرب، يمتاز بحدوده وخصائصه الخاصّة التي وجدت في ظل “الوحدة”، وذلك لأنّ الاشتراك في الدين أدّى بمختلف الملل في العالم إلى التجاوز عن الاختلافات العنصرية والقومية والتاريخية والتمحور حول الإسلام، وعلى الرغم من أنّ فنون المسلمين في كلّ منطقة تتأثّر بالسابقة التاريخية والفنية لتلك المنطقة وتصطبغ بصبغتها، إلاّ أنّ روح الإسلام تتجلّى فيها جميعاً. إنّ الاشتراك في الدين لم يوجّه العلائق المعنوية فحسب، بل إنّه يهدي حتّى آداب مختلف البلدان ورسومها هداية جلية وواضحة بشكل معجز.
إنّ ما له أهمية هنا هو أنّه على الرغم من المماحكات السياسية التي تقع بين بعض الدول الإسلامية أحياناً، فإنّ الروابط الثقافية بينها لم تنقطع ولم يزل تبادل وجهات النظر بين مختلف الجماعات الفنية باقياً. إنّ تأثير الاشتراك في المعتقدات الدينية أقوى بكثير ممّا هو في العالم المسيحي، على النشاطات الثقافية لمختلف البلدان.
تتّخذ الاساليب الفنية الإسلامية المختلفة في الأزمنة المختلفة أسماءها من الأسر الحاكمة أو البلد الذي نشأت عليه، وهذا يدل على مدى التقدّم الذي بلغه الفن الإسلامي بسبب دعم الحكام له. يشمل الفن الإسلامي أساليب عديدة يتميّز كلّ واحد منها عن غيره، ويمكن معرفة هذا التميز بسهولة من حيث انبعاثه من محيط معين، برغم أنّه لا يمكن القول عن أسلوب ما إنّه “أكثر إسلامية” من غيره. ومرّة أخرى يدل هذا التمييز بسهولة على وجود ظاهرة “التعدّد في التوحد” أو “التوحد في التعدد” ممّا يؤكد أنّ الإسلام ليس توافقاً من صنع الإنسان. كما أنّه من الواضح أنّ التعدّد في الأسلوب أظهر في خصائص أقوام متزامنة ممّا هي في المسيرة التاريخية ومضي الزمان. فمثلاً، في الفن الإيراني في القرن السابع والقرن العاشر، أو في الفن المغربي للقرن السادس والقرن الثاني عشر، فالاختلاف أقلّ ممّا في الظاهرات الفنية على امتداد التاريخين المغربي والإيراني، وهذا يؤدّي بنا إلى القول بأنّ للفن الإسلامي طاقة تضامنية والقدرة على الخلود، وهذا يعني أنّ هذا الفن ليس وليد التجربة نحو المظاهر والظاهرات، بل هو نتيجة الوعي بالزمن اللانهائي الخالد.
أكثر فروع الفن الإسلامي ـ من الصين حتّى إسبانيا، على الرغم من كثرة المصالح واختلاف الأساليب والصور ـ مترابطة ومتوحدة بعض ببعض من الناحية الفكرية والنظرية والتركيب الشكلي، كما أنّ تقليد الطبيعة ليست له مكانة متميزة. لذلك، فإنّ اتّساع النظرة الواحدة في تركيب الفن الزخرفي انتزاعي ومنفصل عن المادة والطبيعة اللتين ترفعان من مكانة العالم ولا يتبع الطبيعة بصورة كاملة. في الحضارات الأخرى، إقامة قواعد الفنون الزخرفية على أساس الجمالية من وجهة نظر الفرد والذوق الشخصي، أدّت إلى ابتعادها عن نيل الوحدة النظرية الانتزاعية في النحت والفنون الأخرى.
إنّ الفن الإسلامي، بمعنى، فن تجريدي وعرفاني يتجلّى جوهره في صنع القرائن. إنّ كلّ نظامه التجريدي انعكاس عن المحتوى العرفاني القائم على العقائد الإسلامية، ولا سبيل فيه للانفعالات العاطفية والمثيرة. لذلك، فإنّ الفن الإسلامي يختلف كلّ الاختلاف عن الفنين المسيحي والبوذي.
على الرغم من أنّ الحكمة الأولية في كيفية تكوين الفن الإسلامي. مدينة لسنن إيران القديمة والروم البيزنطيين، فإنّ هذا الفن، بعد أن اتّخذ شكله الخاص، تميّز بخصائص مختلفة تماماً عن الفنين الإيراني والرومي. وقد كان من أهم خصائص الفن الإسلامي أنّه في الوقت الذي تميّز بالوحدة والنظام، تميّز أيضاً بالتنوّع المطلوب. وبعبارة أخرى، يمكن أن نقول إنّ “وحدة المحتوى” و”التنوّع في الشكل” وهما من نتاج تنوّع العادات الثقافية والفنية لمختلف الشعوب والأقوام ـ قد طغت على سائر النواحي.
كان الفن الإسلامي تلاحماً بين الأشكال القديمة، الجارية بقوّة في الفنون الشعبية في السوق والشارع، وفن أهل الصحراء، والاحتياجات الأكثر معقولية لفن المدينة. وهكذا استبدل الأشكال والصور الأصيلة القديمة بأشكال انتزاعية وكلية. وهكذا تفقد مظاهر الأناس الشبه متمدنين البدو بعض خصائصها الغامضة الخفية، ولكنّه بدلاً من ذلك يمنحها سطوعاً جديداً تجرى فيه روح معنوية جديدة. ولا بدَّ لنا أن نتذكّر أنّ الإسلام هو دين الرجوع إلى الأصل، أي رجوع كلّ شيء إلى الوحدة الكامنة فيه.
في الفنون التجميلية اعتراف بأهمية الأصل وتجنّب العبثية والسلبية والإثم. وبعبارة أخرى، الفن الإسلامي يبيّن كلّ ما هو ضروري بشكل جميل مرغوب فيه… فالأعمال الفنية ينبغي أن تكون من الناحية العملية نافعة، ومن الناحية النفسية ممّا تتقبله طبيعة الإنسان.
بالأخذ بنظر الاعتبار كيفية ظهور الفنون الإسلامية ودراسة أصولها يمكننا أن نشير إلى عدد من العوامل التي كان لها دور مهم في المسيرة التكاملية لها.
* إنّ السبب في ظهور تنوّع كبير في الفن الإسلامي في البداية هو “تنوّع الأقوام والثقافات” الذي خلق بالطبع أساليب مختلفة ذات جوانب فنية خاصّة وتتحدّد بنقاط معينة. فمثلاً، في القرنين العاشر والحادي عشر (الميلاديين) ظهر في إسبانيا مكتب للتطعيم، أو قيام الفاطميين بترويج نحت الأحجار.
* العامل الآخر هو “التغييرات السياسية في الممالك الإسلامية، مثل حملة المغول، وهي وإن كانت مصيبة عظيمة تصيب العالم الإسلامي، وأنزلت الدمار بالمدن الإسلامية وبالعلوم الإسلامية، ولكنّها كانت لها آثار بارزة في الفن الإسلامي ما زالت باقية، من ذلك تكامل فن الرسم الإيراني.
* العامل الثالث هو “التجارة” في العالم الإسلامي. إنّ الآثار الإسلامية التي اكتشفت في الدول الإسلامية تؤكد أنّ الصناعات اليدوية الفنية كان ينقلها التجار من بلد إلى آخر في دنيا الإسلام، حيث قام الفنانون المحليون بتقليدها.
* وعامل آخر هو “هجرة الصنّاع” الذين نشروا العقائد في أقصى النقاط البعيدة. من ذلك مثلاً، قام أحد صنّاع الفسيفساء من بغداد بصنع كمية من الطابوق الكاشاني لمحراب مسجد كبير في القيروان. أو قيام الفنانين الإيرانيين ببعض الأعمال الفنية التي يمكن مشاهدتها اليوم في قونية وسيواس في تركيا منذ زمن السلجوقيين. أو سرعة بناء مدينة سامراء، عاصمة العباسيين على أيدي الأعداد الكبيرة من الصناعيين والعمال المهاجرين. يقول اليعقوبي إنّ الحجارين كانوا يأتون بالمرمر من أنطاكية وكان الزجاجون وصنّاع الفخار من الكوفة ونساجو الحصران من البصرة، وكلّهم شاركوا في ذلك.
* وعامل آخر هو “تغيير مكان العاصمة”، فعندما استقرّ عبد الرحمن الأموي، آخر خليفة أموي، في إسبانيا، نلاحظ عظمة الفن الإسلامي وجلاله هناك.
* وعامل آخر هو تأثير الثقافات المحلية.
هذه كلّها كانت لها تأثيرات كبيرة على تطوّر الفن الإسلامي وتنوّعه. ومن ذلك أيضاً فن العمارة الإسلامية، وخاصّة في عصر الإيمان، فقد كاد أن يكون فناً دينياً بحتاً. كانت البيوت تبنى لمجرد أنّ يقضي المسلم فترة حياته القصيرة فيها، إلاَّ أنّ بيوت الله ـ من الداخل في الأقل ـ كانت نماذج للفن خالدة. وكان يكفي الفرد المسلم المتقي الفقير أن يكون المسجد جميلاً، فكان يصرف ماله وجهده في سبيل ذلك، ويبذل فيه كلّ ما لديه من فن وصنعة، ومن ثمّ يقدّمه هدية لله، فيما كان الناس جميعاً يستفيدون منه في كلّ وقت، لأنّ المساجد كانت تبنى عادة بالقرب من الأسواق، حيث يسهل الوصول إليها.
إنّ لبناء المسجد في فن العمارة الإسلامية أهمية كبيرة، بصفته مكاناً للعبادة ومركزاً للتجمّع والفصل في كثير من الخلافات، ولإقامة الكثير من المراسيم. لذلك كان الصنّاع والفنانون يبذلون قصارى جهودهم وفنونهم ومهاراتهم لخلق مكان جميل قوي البناء يوفّر جواً من المعنوية. لقد كان المسجد في الواقع مجموعة من مظاهر الفنون المختلفة تراكمت لإيجاد هذا المكان الخاص في فضاء تسوده العلاقة بين الخالق والمخلوق، ويمثّل في الوقت نفسه جمال الفن الإسلامي الذي ينبغي ألاّ يشغل المرء عن التوجّه إلى ربّه. ولمّا كان المسجد قصراً اجتماعياً للدين الإسلامي وملجأ من حياة المدينة المضطربة، فقد أولوا لتزيينه وتجميله اهتماماً خاصاً، ولذلك يمكن القول إنّ أوّل مكان تجلّى فيه الفن الإسلامي هو المسجد.
أمّا المساجد الأولية الإسلامية فقد كانت بسيطة. وكان الهدف هو الذي يفرض خريطتها، بحيث تكون فيها ساحة مربعة للمصلين، وحوض في وسطها للوضوء، وإيوان مسقف ذو أعمدة يقي الناس من الحر والمطر، وتقام فيه الدروس، ومحراب متوجّه إلى القبلة حيث تترادف، صفوف المصلين، وكان لبعض المساجد قباب من الطابوق غالباً وجدران من الطين.
في كلّ مدينة كان المسجد الجامع أكبر مساجدها حيث كانت تعلن الأخبار والبيانات الحكومية وتعقد فيها اللقاءات الاجتماعية والثقافية، ومقراً لحشد الجيوش وتسييرها لمواجهة العدو. لذلك كان المسجد مركز ثقل البناء في المدينة، وكانت تراعى في بنائه الظروف المحلية والسنن السائدة.
لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ العمارة الإسلامية بدأت عملها في وقت كانت تفتقر فيه إلى كلّ معرفة سابقة في هذا المضمار… في المرحلة الأولى استفادت من كلّ ما رأته حولها، من سوريا والروم والبيزنطيين والإيرانيين من دون ترجيح أحدها على الآخر… ثمّ استمرّ التطوّر حتّى استخدم المرمر المزخرف والفسيفساء والكاشاني والفرش وما إلى ذلك من الكتائب والقناديل والزجاج الملوّن. وقد وضعت المنابر المصنوعة من الخشب المطعّم بالآبنوس والعاج، صنعت بمهارة فائقة.
من مميزات المساجد الأخرى هي المنائر والمآذن التي كانت بشكل أسطواني أو مربعة الشكل.
لم يكن يبدو للفنان المسلم أي أمر صعب أو مادة صعبة، لا الخشب ولا المعدن ولا الطابوق ولا الحجر ولا الإسفلت وغير ذلك… لقد استعان فن العمارة الإسلامي بكلّ الفنون التجميلية الأخرى، وقد قامت المساجد في الجزيرة العربية، وفلسطين، والشام، وبين النهرين، وإيران، وما وراء النهر، والهند، ومصر، وتونس، وصقلية، ومراكش وإسبانيا.
والخلاصة هي أنّ الإسلام استطاع أن يقيم على أنقاض المدنية القديمة حضارة جديدة بحيث إنّه في العصر العباسي، وعلى أثر نفوذ الحضارة الإيرانية واليونانية، بلغت أوج عظمتها، وبعد استيلاء العرب على إسبانيا، انتشرت الحضارة الإسلامية شيئاً فشيئاً في أرجاء أوروبا، فالقادة المسلمون ما أن توطدت أركان حكمهم حتّى بادروا إلى بناء المساجد والقصور العظيمة، وقد سعوا أن تكون آثارهم أعظم وأجلّ من الآثار التي خلفها السابقون عليهم قبل الإسلام، وحسبما يظهر من تلك الآثار ومن زخارفهم يعتقد أنّها بنيت على أيدي المصريين والشاميين والإيرانيين وحتّى البيزنطيين….
في فن العمارة الإسلامية لا بدَّ من القول بأنّها في الحقيقة تمثّل تراث مختلف الملل ـ الذي وإن توحّد في بوتقة الإسلام ـ إلاّ أنّه منحه وضوحاً عقلياً.
كلّ من له إلمام بفن العمارة الإسلامية يدرك أنّه كان للرياضيات أثر كبير في ذلك الفن إذ إنّ من مميزات الفن الإسلامي وجود النقوش الهندسية.
إنّ الأشكال الإسلامية المتداخلة الملتوية تتألف عادة من عدد من الأشكال المنتظمة… إنّ هذه الأشكال الهندسية الملتوية تدل، دون شك، على عقلانية أسلوب العمل، الذي يحكي عن الفكر الوحدوي، ممّا يحمل المشاهد إلى ميادين رفيعة من الروحانية والإيمان بوحدة الله.
المصادر
1 ـ آذر تاش، أذو نوش، هنرهاي ايراني وآثار برجسته آن، تهران 1335هـ، ش.
2 ـ بوكهارت، تيتوس، هنر إسلامي “زبان وبيان” ترجمة مسعود رجب نيا، تهران، ج1، 1365هـ، ش.
3 ـ المؤلف نفسه روح هنر إسلامي، ترجمة سيّد حسين نصر، مجلة هنر ومردم، شماره 55، اردبيهشت، 1346هـ، ش.
4 ـ بلا، مساجد جامع إيران مجموعه اي از آثار قديمي إيران، موزه رضا عباسي، 1358هـ، ش.
5 ـ پرايس، كريستين، تاريخ هنر إسلامي، ترجمة مسعود رجب نيا، ج2، تهران، 1235هـ، ش.
6 ـ بوپ، آرتور ابهام، معماري إيران، ترجمة غلامحسين صدري افشار، تهران، 1366هـ، ش.
7 ـ جنسن، هـ تاريخ هنر، ترجمة پروز مرزبان، تهران، 1359هـ، ش.
8 ـ دانشور، سيمين، هنر إسلامي، ترجمه رضا بصيري، تهران، 1363هـ، ش.
9 ـ دوري، كارل جي، هنر إسلامي، ترجمة رضا بصيري، تهران، 1363هـ، ش.
10 ـ دورانت، ويل، تاريخ تمدن “عصرايمان ـ بخش أول”، ترجمه أبو طالب صارمي، أبو القاسم طاهري وأبو القاسم بانده، ج3، تهران 1317هـ، ش.
11 ـ شهيدي، سيد جعفر، روزنامه، رستاخيز، شماره، 632، 1336هـ، ش.
12 ـ شيباني، مجير، تاريخ تمدن، تهران، ج 2، 1343هـ، ش.
13 ـ فتحي، حسينعلي نهضت شعوبية، ج1، 1354هـ، ش.
14 ـ كوتل ارنست، هنر إسلامي، ترجمه هوشنگ طاهري، تهران، 1347هـ، ش.
15 ـ گدار، آندره، هنر ايران، ترجمه بهروز حبيبي، تهران، 1358هـ، ش.
16 ـ مجد الدين، أكبر، تأثير إسلام برهنرهاى تجسمى مصر، انتشارات كانون أموزش علم وفرهنگ، دانشگاه فارابي، شماره 6، 1358هـ، ش.
17 ـ هوگ، ج، هنر معماري در سرزمينهاى إسلامي، ترجمة پرويز ورجاوند، تهران، ج2، 1335هـ، ش.
18 ـ حاتم، غلامعلي، مسجد جلوه گاه هنر إسلامي، فصلنامه هنر، شماره 33 تابستان 1376هـ، ش.
الدكتور غلام علي حاتم
مشاهدات في عمق إيران الإسلامية
لم تكن صورة المجتمع الإيراني في ظل نظام الحكم القائم هناك… واضحة تماماً لي… مجرد صورة مضببة مهتزة بفعل المعلومات والبيانات التي تبثّها أجهزة الإعلام الغربية… وأيضاً للأسف… ما تبثّه أجهزة إعلام دول إسلامية وعربية شقيقة.
تخيّلت حين وجّهت الدعوة لي لزيارة إيران… إنّني سوف أكتشف مجتمعاً عاد به رجال الدين المتشددين إلى الخلف عدّة قرون… مجتمعاً يحكم بالحديد والنار…
تهبط طائرة الخطوط الجوية التركية مطار طهران بعد منتصف الليل… كافة الأنشطة الخدمية والتجارية تتولاّها في الغالب سيدات وقورات… جادات… سافرات الوجه… فتاة في ريعان الشباب تتناول جواز سفري لتنهي إجراءات الوصول… إلى جوارها أجد في انتظاري الشاعر الكبير د. قيس آل قيس مدير قسم اللغة العربية بأكاديمية العلوم الإنسانية والبحوث الثقافية بطهران… خارج المطار أعداد غفيرة رجالاً ونساء في انتظار ذويهم… ترتسم على الوجوه علامات البشر والحبور، لا وجوه عكرة ولحي كثيفة كما رسم لنا الإعلام الصهيوني… لم أرَ للجلباب القصير والسروال أثراً وفشلت في العثور على امرأة منتقبة.
يرحب بي مرافقو الدكتور قيس… يصطحبني الجميع إلى فندق ضخم… تجاوزت الساعة الثالثة قبل الفجر وشوارع طهران تعجّ بالحركة… أرى نساءً تسرن بكامل حريتهن وفي أمان تام دون خشية متسكع… أو بلطجي… أو اعتراض من رجل شرطة يروع الآمنين…
طيلة إقامتي في طهران وقم المقدسة لم ترَ عيناي سوى عدد قليل من رجال الشرطة، مجرد ضابط شرطة واحد أمام الفندق يومئ بالتحية للجميع مبتسماً، ضابط شرطة آخر صادفناه في أحد شوارع طهران الرئيسية يتولّى مساعدة المسنين في عبور الطريق أو يجيب على استفسار متسائل، رجلا شرطة يقفان بأحد الطرق السريعة على مشارف العاصمة يفحصان حادث تصادم، بل أنّ مركز تحقيقات الإمام علي الذي دارت به وقائع الاحتفال بتكريمنا وحضره عدد كبير من رجالات الدولة والفكر والرأي… عرفت منهم الدكتور مصطفى معين وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا… لم يتواجد بهذا المركز أو أمامه… سوى ضابط شرطة واحد ووحيد… كانت مهمته توجيه السيّارات والحافلات إلى أماكن الانتظار… لا قوات للحراسات الخاصّة… ولا قوات لمكافحة الإرهاب… ولا… ولا… كما نرى ونسمع…
من يتخيّل أنّ وزيراً يتسوّق مطالب وحاجيات أسرته بنفسه… دون حتّى الاستعانة بسائقه الخاص أو سكرتيره… من يصدّق…
وهذا الشرطي الذي انشقّت عنه الأرض وهرع ملبياً رجلاً وقوراً تعلو رأسه عمامة سوداء ويتزيّن بالجلباب والعباءة محاوراً طفلاً لا يزيد عمره عن عشر سنوات… تمزّقت ملابسه الملوّثة قليلاً… ملامح وجهه تفضح جوعه… الرجل الوقور يوجّه حديثه لضابط الشرطة… ينصرف… ثمّ يعود على الفور… دقائق وتحضر سيّارة تقلّ فتاة جمالها أخاذ… تربّت على كتف الطفل متحدّثة معه… تقدّم له قطعة حلوى… يبتسم الطفل ابتسامة عريضة ويرافق الفتاة إلى السيّارة التي تنطلق بهم.
اعتقدت أنّ الطفل مصيره الإيداع في حجز قسم الشرطة… أو تخشبية رعاية الأحداث… يرد الرجل الوقور نافياً اعتقادي… بل يؤكد أنّ الطفل رافق الفتاة إلى الدائرة الاجتماعية لبحث حالة أسرته وتقديم العون لها…
لم أرَ في شوارع طهران أو قم المقدسة… متسولاً يبتز مواطناً أو وافداً، لم أرَ سكاناً للعشش أو الخيام… أو كائناً بشراً يفترش الرصيف ويلتحف السماء.
أسواق طهران وشوارعها التجارية تعجّ بالحركة والنشاط… وقم المقدسة كذلك… حالة البيع والشراء في أوجها… السلع رخيصة وفي متناول الجميع… الشوارع يتعذّر السير فيها وتبطؤ الحركة نتاج هذا الزخم من السيّارات الصغيرة والحافلات. بالمناسبة… وطيلة فترة إقامتي التي امتدّت إلى إثني عشر يوماً لم أرَ سوى أقل من عشرين سيّارة ماركات مختلفة صناعة أجنبية، كافّة سيّارات الركوب صناعة إيرانية، حدّثني مرافقي الدكتور قيس أنّ السيّارة البيجو الفرنسية تمّ تصنيع 95% من مكوّناتها في إيران، أكد ذلك زميلاي اللبنانيان دكتور محمد عوض طي أستاذ القانون بالجامعة اللبنانية والدكتور علي مهدي زيتون أستاذ الأدب العربي.
بحماس بالغ أجابني زميلاي أنّ المرأة الإيرانية نالت من الحريات والحقوق في ظل الثورة ما لم تنله المرأة الفرنسية… حقاً… أبديت انبهاري وإعجابي بتلك المرأة العظيمة… امرأة محتشمة… ترتدي أحدث خطوط الموضة لكن بلا إظهار لمفاتن الجسد وما يثير غرائز الرجال… تضع على رأسها منديلاً رقيقاً غالباً ما يظهر خصلة من شعرها الذهبي.
امرأة تعتزّ بذاتها وكرامتها وبوضعها المتقدّم في المجتمع الإيراني… لقد وصلت في ظلّ الثورة بقيادة الراحل العظيم الإمام الخميني إلى مرتبة مستشار الرئيس، وجدتها أستاذة بالجامعة وصحفية مرموقة وفنانة قديرة… وفي وظائف متعدّدة تشغلها بنجاح، بل أنّ النسبة الغالبة في حضور مؤتمر تكريمنا كانت للنساء.
في زياراتنا المتعدّدة لأكاديمية العلوم الإنسانية وجدت خليطاً من الطلبة والطالبات… تدور بين الجميع مناقشات حامية الوطيس… أجابني مرافقي أنّ موضوع المناقشة خارج قاعات الدرس غالباً عن البلطجة الأميركية ودعم الانتفاضة الفلسطينية والعداء للصهيونية وهذا الكيان اللقيط الجاثم على أرض فلسطين العربية…
وهو ما وجدته بشكل أو بآخر في جامعة شهيد بهشتي وجامعة الإمام الصادق بطهران العاصمة… الأنشطة الطلابيّة السياسية والنقابية تمارس بحرية وبلا قمع أمني أو إداري… بلا تدخل من الإدارة ولا وجود لحرس جامعي أو وصاية من أي أحد كان.
تظاهرة ضخمة تخترق شوارع العاصمة طهران… اللافتات والهتافات مدوية… تندّد بالمجازر التي ترتكبها عصابات العدو على أرض فلسطين… وتهزأ بالتهديدات والبلطجة الأميركية… تؤكد التأييد لقائد الثورة والحكم في إيران الإسلامية… التظاهرة ينضم إليها كلّ من تعبر بهم رجالاً ونساءً في شوارع المدينة الضخمة المترامية الأطراف… لم أرَ رجل أمن واحد يحيط بها أو هراوات تواجه المتظاهرين أو تهديداً بإطلاق الرصاص المطاطي أو الطلقات الحيّة على صدور الناس… ولم أسمع عن حملات اعتقال طالت قادتها.
كم كانت سعادة جميع من صادفتهم وعرف أنّني ضيف مصري… حين أعلنت وكالات الأنباء العالمية عن مظاهرات لطلاّب الجامعات المصرية مساندة لانتفاضة الشعب الفلسطيني، كان الحديث عن دور الحركة الشعبية المصرية وتأثيرها على مجريات الأحداث.
الاحتفاء بنا من أعضاء الهيئة العلمية في جامعات طهران فاق توقعاتنا. وازداد الحديث عن دور مصر الريادي الثقافي والعلمي في المنطقة.
كانت أمنيتي إبان حياتي أن أعرف هذا الرجل الثائر عن قُرب. هذا الرجل الذي أطاح بعرش الطاووس وأقام نظاماً ثورياً خلاّقاً نال من عداء الغرب والأميركان وذيولهم ما لم ينله نظام حكم من قبل.
هذا الرجل الذي ترجم الفكرة الإسلامية الحقّة عن الحكم والعدل والحرية والمساواة إلى لغة مفهومة وواقع ملموس… هذا الرجل الذي احتشدت لتأييده ورجاله نساء إيران قبل رجالها. لكن السنوات انقضت دون أن تتحقق أمنيتي، وكانت الفرصة… أن أزوره في مرقده الطاهر…
ساحة ضخمة تمتدّ طولاً وعرضاً عدّة كيلومترات في رحاب مسجد ضخم ما زالت أعمال تشييده قائمة على قدم وساق، أعداد ضخمة من البشر تقرب من المليون في رحاب الضريح وعلى مرمى البصر في الساحة… أُسَرٌ بكاملها… أطفالها قبل نسائها… مشغولون بالصلاة أو القراءة أو الدعاء، المرقد الشريف مكدّس بأوراق البنكنوت التي يهبها الزوار عن قناعة وتوجّه لأعمال التشييد تحت إشراف لجنة شعبية.
لم ألمس قائداً أو زعيماً أحبّه شعبه لدرجة التقديس في حياته ومماته مثل الإمام الخميني (رحمه الله).
كنت أتصوّر أنّ هؤلاء الرجال الذي يحكمون إيران مثل هؤلاء الذين طالعنا وجوههم العكرة في أفغانستان طالبان والفرقاء هناك… أو هؤلاء الأجلاف الوهابيين… أو مثل هؤلاء الشيوخ المتمشيخون الذين عهدناهم يجاهدون ضد المرأة والتقدّم ويثرثرون عن الجن والعفاريت والبصاق والمخاط… إلخ، تصوّرت حين وطأت قدماي العاصمة الإيرانية طهران أنّ العلاّمة د. مهدي جلشني رئيس أكاديمية العلوم الإنسانية مجرد فلتة وحالة استثنائية… رجل يجمع بين أعلى المراتب العلمية في العلوم الدينية والفيزياء النووية… شيخ جليل آخر يحاضر في جمع من المثقفين عن العولمة… أستاذه في الفلسفة والتاريخ… إلخ.
أناس أجلاء… غاية في التواضع والبساطة لا تحوطهم أيّة مظاهر “للأبهة أو الفخفخة” أياً كانت مواقعهم في الدولة الإيرانية… منازلهم بسيطة بساطة منازل عامّة الشعب… لا حراسة ولا حرّاس سوى حب شعبهم لهم.
يستقبلني هذا الشيخ الوقور في منزله البسيط، الجميع يفترش الأرض ويقدّم لهم الشاي الإيراني والفاكهة بنفسه… يودّع ضيوفه إلى الخارج ويشدّ على أيديهم منحنياً في تواضع… خافت الصوت دائماً بشوش الوجه… صديقي الحميم الناشر السوري القدير طلال فخر الدين أزوره في قم المقدسة… نلتقي وبرفقتي زميلاي الدكتور طي والدكتور زيتون ورئيس الجامعة اللبنانية إبراهيم قنصوه باللجنة الشعبية المؤسسة لهذه الجامعة الموقرة وعدد من أعضاء هيئتها العلمية… نلمس كلّ حب وإعزاز وتقدير لكلّ ما هو عربي وإسلامي ووطني معاد للصهيونية والإمبريالية.
الشعب الإيراني شعب يتيمز بأصالته وحضارته… صامد مثابر… شعب متديّن بطبعه محبّ لآل البيت، مقدس لمزاراتهم الشريفة… لا يمكن أن أصف مدى احتفاء كلّ من التقاني وعلم أنّني مصري… مصر لها مكانة خاصّة… سامية… بين الإيرانيين جميعاً.
حديقة غنّاء… مترامية الأطراف… كانت بالأمس القريب حديقة خاصّة بالمخلوع… الشاه المقبور… وأسرته وحاشيته المقيتة. الحديقة الآن وفي ظل الثورة الشعبية الإسلامية مفتوحة للجمهور… للعوام بلا رسوم دخول، ينعم بها المحبّون شباناً وفتيات بلا أعين رقيبة أو متطفلة، ولا تدخل من رجل أمن أو مباحث آداب، لم نلمح أفعالاً خارجة أو خادشة للحياء.
سائقو سيّارات الأجرة حين يعلمون أنّنا ضيوفٌ عربٌ على الجمهورية يبالغون في كرمهم والاحتفاء بنا… بعضهم كان يرفض تقاضي أجرة الركوب، بعضم ردّ إلينا ما دفعناه بالزيادة لجهلنا بالعملة الإيرانية.
المحلات التجارية أبوابها مفتوحة على مصراعيها أثناء الصلاة وتخلو من الباعة… رغم ما تحويه من سلع وبضائع تثير اللعاب.
فتاتان أنيقتان يستوقفهن الدكتور طي ويسألهما بالفرنسية… كيف نصل إلى البازار… بكلّ جرأة تجيب إحداهن وتسعى الأخرى لاستيقاف سيّارة أجرة وتتحدّث قليلاً مع سائقها… ينصرف مشيحاً بيديه… تنادي على ضابط شرطة يقف وحيداً في عرض الشارع… تتحدّث معه… أجابها بما معناه عدم قدرته فرض أمر على سائق سيّارة أجرة…
تنجح في الحصول على سيّارة أجرة وتوجّه حديثها إلينا مخبرة إيانا بالمبلغ الضئيل جدّاً أجرة الركوب مقابل توصيلنا لمسافة كبيرة.
هناك حدّثني الجميع عن ضرورة عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران… فالعلاقات بين الشعبين عمقها آلاف السنين… ومصر سند قوي لإيران في مواجهة كافة التحديات… وإيران كذلك… لم يتطرق أحد أيّاً كان في معرض حديثه معي لأي خلاف أو اختلاف مع الحكم في مصر.
… بنظرتها الحانية وابتسامتها الرقيقة تودعني أمام مبنى الأكاديمية… تلك النظرة والابتسامة التي خلبت لبي في أوّل لقاء جمعنا بمركز تحقيقات الإمام علي.
إنّ انبهاري بالمجتمع الإيراني وقيادته… والذي تأكد بهذه الزيارة القصيرة… فاق كلّ التوقعات، إنّه مجتمع يسعى الجميع حكاماً ومحكومين لتأكيد وتكريس قيم العدالة والأمن والحرية والمساواة بين جميع أبنائه وطوائفه بلا استثناء.
إلى هؤلاء جميعاً… أنحني احتراماً وتقديراً.
عاطف الجبالي
المشاهير من أولاد الأئمة (عليهم السلام)
(1) أخوة الإمام الحسين (عليه السلام)
استشهد من أخوة الحسين (عليه السلام) بكربلاء ستة، أوّلهم: أبو الفضل العباس قُتل وهو ابن الرابعة والثلاثين.
ـ أبو عمر عثمان بن علي، (21) عاماً.
ـ أبو محمد عبدالله الأكبر بن علي، (25) عاماً.
ـ أبو عبدالله جعفر بن علي، (19) عاماً.
ـ أبو بكر عبدالله الأصغر بن علي.
ـ العباس الأصغر بن علي.
(2) عون ومعين ولدا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)
ذكر السيد مهدي السويج أنَّ عون بن علي (عليه السلام) هو المدفون ببغداد خارج المنطقة المعروفة سابقاً بالزوراء، وتعرف اليوم بمدينة المنصور.
وهو أحد أولاد الإمام علي الستّة الذين تُوفوا في حياته. فقد كان مع أبيه الإمام في واقعة النهروان، وجُرح أثناءها، ولما وصل إلى هذا المكان تُوفي، ودُفن فيه.
أمّا معين فقد ورد ذكره في الرحلة المنسوبة إلى ابن جبير عند كلامه عن مدينة السلام بغداد، قال: في الطريق إلى باب البصرة من بغداد مشهد داخله قبرٌ متّسع كتب عليه “قبر عون ومعين أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب”().
وذكر الحموي أنَّ مشهدهما في الجانب الغربي من بغداد في جهة الكرخ().
وقد ذكر قبريهما جَمعٌ من المؤرخين ولم يبقَ لقبرهما اليوم أثر. وكان هذا المشهد قرب تربة السيّدة سلجوقي خاتون المعروفة بالخلاطية ابنة السلان ارسلان السلجوقي ورباطها، وكانت شمالي الموضع المعروف اليوم بالخضر الياس، وقد جرفت دجلة كلّ هذا المواضع.
فمّمن ذكره الرحالة ابن جبير في رحلته بقوله: ـ “في الطريق إلى باب البصرة مشهد حافل البنيان داخله قبرٌ متّسع السنام عليه مكتوب: هذا قبر عون ومعين من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه”.
جاء في “دليل خارطة بغداد”: قال تاج الدين علي ابن أنجب المعروف بابن الساعي في سيرة سلجوقي خاتون زوجة الناصر لدين الله: “كانت قد اختارت أنْ تُنشئ تربة إلى جانب مشهد عون ومعين ولديّ علي ـ عليه السلام ـ بالجانب الغربيّ في مشرعة الكرخ لتدفن فيها إذا ماتت، فشُرع في بنائها فلم تصعد حيطانها قامة حتّى أدركها أجلها، فدفنت فيها، وتُمّم بناؤها”().
وأورد الطهراني في تعريفه بكتاب “الدرة الغالية في أخبار القرون الخالية” للسيد جعفر الأعرجي النسَّابة المعاصر: أنَّ الأعرجي أنكر ما ذكره السيّد مهدي القزويني الحلّي النجفي في “المزار” من كتابه “فلك النجاة” من كونهما ولدي أمير المؤمنين (عليه السلام) المسمّين بعون ومعين، المقتولين في حرب النهروان().
يقول جودت القزويني: وهو الرأي نفسُه الذي نتبنّاه في نفي وجود ولدين للإمام علي (عليه السلام) بهذين الاسمين فضلاً عن أنّهما قتلا في معركة النهروان.
(3) القاسم بن الحسن
ذكر المؤرخ الشيخ محمد حرز الدين في حديثه عن تعيين مرقد القاسم بن الحسن، ما نصَّه: القاسم بن الحسن، وقد تسمّيه الأعراب أبو جاسم. قال بعض العلماء إنّه سيدٌ علوي من ذراري أئمة أهل البيت. وقد سئل السيد القزويني عنه فأجاب بأنّه القاسم الأكبر بن الحسن (عليه السلام). ولا يخفى أنَّ السيد قد انفرد بهذه الدعوى، ولم نعثر على مأخذها().
وعلَّق المحقق الشيخ محمد حسين حرز الدين على هذا النصّ بقوله:
اتفق النسّابون والمؤرخون فيما نعلم على أنَّ ليس للإمام الحسن السبط (عليه السلام) ولد يسمّى القاسم الأكبر غير القاسم شهيد الطف، مع عمّه الحسين (عليه السلام). قال الشيخ المفيد في الإرشاد: وأمّا عمر والقاسم وعبدالله بنو الحسن بن علي (عليه السلام) فإنّهم استشهدوا بين يدي عمّهم الحسين (عليه السلام) في الطف، والله أعلم().
وقال السيد عبد الرزاق كمونة:
بقرب المسيب مشهد يُقال إنّه القاسم الأكبر بن الحسن ابن أمير المؤمنين (عليه السلام). قال السيد مهدي القزويني في (فلك النجاة): “القاسم بن الحسن السبط، وهو القاسم الأكبر غير شهيد الطف المدفون في (العتيكات) المسمّى الآن بالمسيب، قريب من الفرات، وقد أُصيب جريحاً في النهروان”.
قلتُ: إنّ الحسن بن علي بن أبي طالب لم أعثر له على ولد اسمه القاسم غير القاسم بن الحسن شهيد الطف مع عمّه الحسين بن علي (عليه السلام)، ولم أعثر على مستند قول السيّد مهدي القزويني().
(4) عمران بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
عمران بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قيل هو أحد أبنائه الستّة الذين فقدهم في حياته، وقد أصيب جريحاً في معركة النهروان.
ذكر حرز الدين أنَّ النّهروان هي عبارة عن ثلاث قرى بين واسط وبغداد. وعلى النهر السفلي قنطرة عليها منارة صغيرة قائمة في زماننا، والقنطرة مبنيّة بالجص والآجر، ولها ثلاثة أبواب لمنافذ المياه. ويُعرف هذا الجسر في عصرنا بجسر (حربة)، نسبةً إلى قبيلة حربة التي تقيم على مقربة منه ضمن ناحية بلد، ورئيسهم الملاَّ ناجي الحاج درويش آل حسين. ويقع هذا الجسر على يمين الطريق للقوافل بين بغداد وسامراء().
وفي النهروان وقعت المعركة بين الإمام علي (عليه السلام) والخوارج، والتي قيل إنَّ بعض أولاد الإمام قُتلوا فيها.
أمّا المحقق السيد عبد الرزاق كمونة فقد نقل قول السيد مهدي القزويني لكنّه أعتقد أنَّ إسم (عمران) مصحّف عن عمر، حيث قال: كان لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ولدان إسمهما عمر، أحدهما: عمر الأكبر، وأمُّه الصهباء بنت ربيعة، والأصغر، وأُمُّه الثقفية ـ وهذا هو قول صاحب المجدي.
ويُستظهر من مجموع الأخبار أنَّ عمران كان قد رافقَ أباه الإمام (عليه السلام)، وجاهد معه، وجُرح بالمعركة لكنّه حمل نفسه إلى الكوفة، فتُوفي في الطريق متأثّراً بجراحه. حيث موضعه اليوم.
زار المرقد المحقق الشيخ محمد حسين حرز الدين سنة 1387هـ/ 1967م، وهو يقع بين منطقة الجميجمة، وآثار مدينة بابل، وله مشهد مرتفع، محاط بالتلال. يقول حرز الدين: كان موضع قبره أخفض من أرض صحنه خمسة عشر دَرْجة، وعليه شباك حديد في داخلة دكّة قبره. يحيط به حرم متّصل بآخر، وفوقهما قبّة صغيرة ترمز لقبور بعض شهداء وقعة النهروان كما يزعمون().
وفي جامع الأنوار للشيخ عيسى البندنيجي القادري المتوفى سنة 1283هـ/ 1866م، ذكر أنَّ مدفن عمران بن علي باتفاق أهل العراق قرب الحلّة الفيحاء.
ثمّ قال: وقرب بغداد على بُعد أربعة عشر فرسخاً قرية تسمّى (العمرانية) مررتُ بها في بعض أسفاري إلى وطني، فرأيتُ بها مشهداً وعليه قبّة، فسالتُ عنه بعض الأكابر في السن من أهاليها، فقال: إنّه قبر عمران بن علي وإليه تُنسب هذه القرية().
وعلّق المحققان الأستاذان أسامة ناصر النقشبندي، ومهدي عبد الحسين النجم على هذا الموضع بقولهما: “لم يرد في كتب التاريخ والسير، التي أحصتْ أولاد الإمام علي، إسم عمران، بل ذُكر بالمصادر الحديثيّة. قيلَ إنّه جرح في النهروان، وحمل إلى الكوفة، وقبره ظاهر بين الجميجمة وآثار بابل”.
(5) القاسم بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)
القاسم بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ولد سنة 155هـ/ 759م.
وهو أخو الإمام الرضا (عليه السلام)، وأخته فاطمة دفينة قم المعروفة بمعصومة قم.
قيل إنَّ القاسم توارى في عهد هارون الرشيد في أرض سورا القريبة من مدينة الحلّة.
قبر القاسم اليوم عامرٌ مشيّد. وقد أسّس العلاّمة الشهيد السيّد محمد تقي الجلالي حوزة علمية في المنطقة، وأحياها بالمشاريع الثقافية والعمرانية، لكنَّ السلطة الظالمة لم تدعه يُكمل مشواره، حيث قضت عليه بالقتل سنة 1402هـ/ 1982م، فذهب إلى ربّه شهيداً صابراً، وقد خسرنا أمثاله من العاملين، أعلى الله في الخلد مقامه.
طرأت على مشهد القاسم عمارات مختلفة يرجع تاريخها إلى القرن السادس والسابع للهجرة. كما طرأت إصلاحات جديدة على المرقد والمقام سنة 1288هـ/ 1871م، تمّت على يد السيد العلوي الفاطمي الأغا علي شاه الحُسيني بن السيد حسن أغا خان، والمخدّرة الجليلة بي بي سركاه. كما ورد ذلك منقوشاً على رخامة مرمر بُنيتْ على مدخل الإيوان الكبير من جهة اليسار.
قال الشيخ محمد حرز الدين: وفي عصرنا سنة 1325هـ/ 1907م تصدّى العالم الجليل السيد محمد نجل الحجة الكبرى السيد مهدي القزويني لإصلاح الحرم، وإنشاء شباك جديد مكسوّ بالفضة بالبذل من الشيخ خزعل الكعبي أمير عربستان().
كتب السيد محمد القزويني المُتوفى سنة 1335هـ/ 1916م، إلى الشيخ خزعل أمير المحمّرة (المسمّاة اليوم خوزستان)، مشجّعاً إيّاه على مبادرته بعمل شباك فضيّ يُوضع على ضريح القاسم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، فتمَّ عمله، ونُصب سنة 1324هـ/ 1906م. وقد أرّخه الشاعر الكبير عبد المجيد العطّار المتوفى سنة 1342هـ/ 1923م بقوله:
للإمام (القاسم) الطهر الذي قدّس رُوحا
(خزعلٌ) خيرُ أميرٍ أرّخوا (شادَ ضريحا)
وكان القزويني، قبل ذلك، قد بارك مبادرة الشيخ خزعل ببناء خان كبير قرب مقام القاسم ليكون دار استراحة للزائرين، وذلك سنة 1319هـ/ 1901م.
كما أمرَ السيد محمد القزويني بإنشاء بئر في هذا الخان، وفّرت لسكّان المنطقة الماءَ عند جفاف نهر الفرات. ولمّا علم الشيخ خزعل بذلك أبرقَ إلى القزويني بهذين البيتين:
سقيتم بني الدنيا بماء نوالكم وجدُّكمُ في الحشر من حوضه ساقي
فلا زلتمُ وِرْداً إلى كلّ منهل ولا زال هذا العزّ في بيتكم باقي
إلاَّ أنَّ الخان سكنه بعض الفقراء، ثمّ اغتصبوه. وقد أُخرج منه سنة 1358هـ/ 1939م شارعان طولاً وعرضاً، فلم تبقَ منه إلاَّ بقيّة عرضة.
وفي سنة 1385هـ/ 1965م، أمرَ السيد محسن الحكيم (ت: 1390هـ/ 1970م) أنْ يُشيّد بقية خان الوقف مدرسة دينيّة، وتُقتطع منها دارٌ للمرشد الروحي الذي يُقيم في البلدة، فامتثل وكيله السيّد محمد تقي الجلالي لبناء مدرسة بطابقين، ودار للإقامة. وأصبحت المدرسة ملتقى لنواة حوزة القاسم الثقافية.
وذكر السيد المؤلف (قدّس سرُّه) في كتابه “أنساب القبائل العراقية” تحت عنوان (شوشة) قال: هي ثوية في العراق بقرب ذي الكفل، فيها قبر القاسم بن العباس بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، والآن هي خراب، وفيها القبر المعلوم().
ويُلاحظ أنَّ تاريخ الفراغ من تأليف كتاب أنساب القبائل هو سنة 1288هـ/ 1871م، وهو الزمن الذي يشير فيه السيد القزويني إلى عدم وجود عمران في البقعة التي فيها قبر القاسم.
* * *
ومن النوادر الأدبيّة بين الشاعر السيد رضا الهندي، والمؤرخ الشيخ محمد علي اليعقوبي التي حدثت عام 1336هـ/ 1917م عند زيارتهما لمرقد القاسم، هذه النادرة أنقلها عن خط اليعقوبي.
كتب الشيخ محمد علي اليعقوبي على إحدى الصفحات الأخيرة من مجموع بخط السيد رضا الهندي، وفيه شيء من شعره، ما صورته:
في 19 شوّال سنة 1336هـ مضيتُ في خدمة مؤلف هذا الكتاب، مولاي العالم النحرير، الفاضل الأديب، سيدي الرضا سليل العلاّمة السيد محمد الموسوي الهندي قاصدين زيارة السيد الكريم، القاسم بن الإمام الكاظم (عليهما السلام). وكان السيد المذكور لم يزر ذلك المرقد المقدّس قبل ذلك إلاَّ مرّة واحدة. فلمّا لاحت القبّة الشريفة أنشأ ـ أيّده الله ـ مرتجلاً:
فديتُك يا خَلفَ (الكاظمِ) وخير فتًى من بني هاشمِ
قسمتَ الزيارة لي مرتين وأرجو المزيد من (القاسمِ)
وحين حللنا بذلك المشهد الشريف، وفرغنا من زيارة المرقد المنيف قلتُ هذين البيتين مخاطباً فيهما سيدي الرضا (دام عزّه):
بمرقد القاسم إذْ زرتُه نلتُ من الله عظيم الرضا
فكيف لا أرجو رضاهُ غداً ومنكَ قد زرتُ الإمام (الرضا)
وقد أشار اليعقوبي إلى الحديث المنقول عن الإمام الرضا (عليه السلام) الذي يقول: “مَنْ لم يقدر على زيارتي، فليزُرْ أخي القاسم”.
(6) القاسم بن العباس بن الإمام الكاظم (عليه السلام)
القاسم بن العباس بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع). قبرُهُ في قرية “شوشى” القريبة من مرقد ذي الكفل، وكانت شوشى تُعدُّ من المناطق السريانية القديمة.
شاهد المؤرّخ الشيخ محمد حرز الدين لدى زيارته قبر القاسم بن العباس سنة 1315هـ/ 1897م أطلالاً، وأسّس بناء وحجارة وخزف أشبه شيء بالبلد الدارس القديم، كما اطّلع على آثار تخطيط دور وحوانيت مقسّمة إلى جانب المرقد.
وذكر أنَّ بعض النخيل كانت تحيط بالقبر، وإنْ كانت نابتةً في أرض موات غير عامرة بالزراعة لارتفاعها.
كما لم تكن إلى جانب القبر قرية مسكونة، غير تلك القرى البعيدة عنه في الأرض العامرة().
(7) الحمزة بن القاسم حفيد العباس بن علي (عليه السلام)
أبو يَعْلَى الحمزة من القاسم بن علي بن الحمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
قال عنه الأردوبادي: كان أوحدياً من سروات المجد من هاشم، وفذّاً من أفذاذ بيت الوحي، وأحد علماء العترة الطاهرة، روى الحديث وأكثر، واختلف إليه العلماء للأخذ منه.
وقد روى عن كبار مشايخ الشيعة المحدّثين، أمثال: هارون بن موسى التلعكبري (ت: 385هـ/ 995م)، وعلي بن محمد القلانسي (من مشايخ الغضائري)، وغيرهما، وهو من طبقة ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكُليني المتوفى سنة 329هـ/ 940م صاحب كتاب (الكافي).
أدرك الحمزة أواخر القرن الثالث، وأوائل القرن الرابع الهجريين. وله من المؤلفات: كتاب (مَنْ روى عن جعفر بن محمد من الرجال)، وكتاب التوحيد، وكتاب الزيارات والمناسك، وكتاب الرد على محمد بن جعفر الأسدي().
وُصفَ الحمزة بأنَّه محدّث ثقة، جليل القدر، عظيم المنزلة، وهو أحد علماء الإجازة، وأهل الحديث. ذكره مترجموه، وأثنوا عليه بالعلم والورع.
ويروي الحمزة عن عمّه محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس (عليه السلام)، وعن الشيخ سعد بن عبدالله الأشعري المُتوفى سنة 301هـ/ 914م، وغيرهما.
وقد أظهر قبره الإمام السيد مهدي القزويني بعدما كان خافياً.
القزويني: تشيّع قبائل زبيد وتعيين قبر الحمزة
هاجر السيد مهدي القزويني (1222ـ 1300هـ/ 1807ـ1883م) من النجف إلى الحلَّة سنة 1253هـ/ 1837م. وكان العراق يومذاك قد تخلَّص من حكم المماليك الذي استمرَّ (127) عاماً، بعد سقوط داود باشا (1232ـ1247هـ/ 1816ـ1831م)، آخر ولاتهم، على يد الوالي علي رضا اللاز.
كانت منطقة الحلّة، وما جاورها من المناطق خاضعةً لسلطة قبيلة زبيد بزعامة وادي بن شِفَلَّح، وهي من أقوى قبائل المنطقة.
وقد عُيِّن وادي، في هذه المرحلة بالذات، ممثّلاً عن سلطة بغداد في منطقة الفرات الأوسط سنة 1252هـ/ 1836م، واستمرّ نفوذه في عهد حكم الوالي نجيب باشا، وأصبح يتقاسم سلطة العراق مع ولاة بغداد.
في تلك المرحلة كان القزويني قد بذل نشاطاً في بثّ الوعي الديني في صفوف أهل الحلّة وأطرافها، وكان قد نُقل عنه قوله “إنَّ أهل الحلّة لا يعرفون من التشيّع سوى نقل موتاهم إلى النجف”، في السنوات التي وفد على الحلّة نتيجةً للكوارث الاجتماعية التي أصابت المدن العراقية بالتخلّف، وغياب المنظومة الدينيَّة للفقهاء.
كان القزويني قد جاوز الثلاثين من عمره عند وفوده إلى مدينة الحلّة، وهو في قمّة نشاطه الفكري والجسماني، قد بلغَ به النشاط للقيام بوضع دراسة ميدانيّة عن المدينة، وما جاورها ليرى احتياجاتها، وما يلزمها من متطلبات.
وقد نجح خلال الشهور الأولى من استقطاب طبقات المجتمع، والتأكيد على الصفوة منهم، الأمر الذي أظهرَ شهرته بالمنطقة خصوصاً أنَّ أباه وأخوته كانوا يملكون بعض المقاطعات الزراعية هناك ممّا يُسهم في شهرتهم، وامتدادهم بين عشائر المنطقة.
وعلى الرغم أنَّ جميع مَنْ كتب عن الإمام القزويني ذكر أنَّه كان سبباً في نقل قبيلة زبيد من المذهب السُنّي إلى المذهب الشيعي إلاَّ أنَّ رواية تشيُّعهم بقيت مُتناقلةً لدى بعض المُطّلعين، دون أن تُسَجَّل في كتاب.
نقل لي السيد حميد القزويني (توفي سنة 1400هـ/ 1980م) عن عمّه السيّد هادي عن أبيه السيّد صالح عن الإمام السيّد مهدي القزويني: أنَّ وادي بن شفلّح (شيخ قبيلة زبيد)، كان قد صادفَ السيّد القزويني مع بضعة من أصحابه في إحدى جولاته بضواحي مدينة الحلّة، وكان وادي في تمام سطوته السياسية، وقوّته العسكرية فحاول إحراج القزويني، وتوهينه أمام جموع عسكره المُسلّح بكامل عُدَّته قائلاً له بطريقة الغطرسة:
هل أنتَ القزويني الذي يسبُّ الشيخين؟!
(إشارةً منه إلى شيعيته فقط، فلم يكن القزويني بطبيعة الحال يعتدي على مقام الخلفاء).
أصبح القزويني بين خيارين؛ إمّا النكوص والتراجع، وإمّا الاقتحام والتحدّي، دون حساب لِما تكون عليه النتائج.
تمهَّل القزويني قليلاً، ثمّ ردَّ على الشيخ وادي في مقام الغضب قائلاً له: أتهدّدني بالشيخين؟ ثمّ شتم وادي وأباه، ومَنْ معه، وكرّر شتمهما.
لم يكن الشيخ وادي متصوّراً أنَّ فرداً أعزلاً يواجه مجموعة بهذه السطوة بمثل هذا التحدّي، فلم يكن له هذه المرَّة إلاَّ خياران؛ إمَّا أنْ يقضي على خصمه بالقتل، أو يرضخ له.
وهذا ما حصل بالفعل.
نزل الشيخ وادي عن صهوة جواده بعدما أبهرته شجاعة الإمام، وتقدَّم نحو مقبِّلاً حَدْوةَ فرسه، قائلاً له: “أنتَ ومذهبُك على دين الحقّ”.
منذ ذلك اليوم لم يجد القزويني نفسه إلاَّ وقبائل زبيد ـ في هذه المنطقة ـ بأكملها خاضعة له من الناحية الدينيَّة، بعد اعتناق زعيمها الشيخ وادي مذهب التشيّع.
قدَّرَ العلاّمة الميرزا حسين النوري عدد المعتنقين للشيعيَّة بأنَّه قارب مائة ألف شخص. وذكرت المس بيل Miss Gertrude Bell (ت: 1346هـ/ 1927م) أنَّ تشيُّع قبائل زبيد تمَّ حدود سنة 1246هـ/ 1830م على يد مجتهد كبير، ما زال أحفادُهُ يلعبون دوراً هامّاً في الحياة السياسيّة لمدينة الحلّة.
أمّا التاريخ الذي ذكرته بيل Bell في سنة تشيّع القبائل فهو تاريخ مُقارب، حيث كانت هجرة القزويني إلى الحلّة سنة 1253هـ/ 1837م، وبطبيعة الحال، فإنَّ تشيّع القبائل كان قد تمَّ بعد هذا التاريخ.
أمّا قصة ظهور مرقد الحمزة فهي مقترنة بالجولات التي كان يقوم بها القزويني لضواحي مدينة الحلّة لإرشاد الناس وتوجيهها، وخلق منظومة ثقافيَّة للنُخبة؛ حيث شهدَ ظهور المرقد في قصّةٍ أثبتَها العلاّمة الأردوبادي في أوراقه التي كتبها عن الحمزة، كما أثبتها نقلاً عن الإمام القزويني نفسه، روايةً عن ولده أبي المُعزّ السيّد محمد القزويني.
مشهده الشريف
قال الأردوبادي: لسيدنا أبي يعلى الحمزة في أرض الجزيرة بين الفرات، ودجلة من جنوب الحلّة السيفيَّة مشهدٌ معروف في قرية تُعرفُ باسمه، بمقربة من قرية (المَزْيَديَّة). وهو اليوم مركز ناحية (المدحتية)، من نواحي قضاء الهاشمية.
وتؤمُّ هذا المشهد الشريف جماعاتٌ كبيرة من المسلمين للتبرّك به، والزيارة له، وتُساقُ إليه النذور، وتُعزى إليه الكرامات، تتناقلها الألسن، ويتسالم عليها المشاهدون، وتخبتْ بها النفوس.
وكان من ذي قبلُ يُعرفُ بمشهد حمزة ابن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام). وبما أنَّ الثابت في التاريخ والرجال أنَّ قبر (حمزة ) المذكور في (الري) جنب مشهد السيد الأجل عبد العظيم الحسني (سلام الله عليه)، وكان سيد العلماء والفقهاء المجاهدين سيدنا المهدي القزويني المتوفى سنة 1300هـ بعد أنْ هبط الحلّة الفيحاء، وأقام بها عمد الدين، وشيَّدَ دعائم المذهب كان يمرّ بالمشهد المُعظَّم عند وفداته إلى بني (زبيد) لبثّ الدعوة الإلهية بينهم، وهدايتهم إلى الطريقة المُثلى، ولا يزوره، ولذلك قلّتْ رغبةُ الناس في زيارته.
فصادف أنْ مرَّ به مرَّة، ونزل تلك القرية للمبيت بها، فاستدعاه أهل القرية لزيارة (المشهد)، فاعتذر بما قدَّمناه، وقال: “لا أزورُ مَنْ لا أعرف”، ثمّ غادرها من غدٍ إلى (المزيدية)، وبات بها. حتّى إذا قام للتجهد في أخريات الليل، وفرغ منه، وطفقَ يراقب طلوع الفجر، دخل عليه داخل في زي علوي شريف من سادة تلك القرية، وكان يعرفه سيدنا المهدي بشمائل الصلاح والتقوى، فسلَّم وجلس.
وقال: إستضفتَ أهلَ قرية الحمزة، وما زرتَهُ.
قال: نعم، ولِمَ ذلك؟!
فأجابَهُ بما قَدَّمناهُ من جوابه لأهل القرية.
فقال له العلويُّ المذكور: “رُبَّ مشهور لا أصلَ له”، ليس هذا ققبر حمزة بن موسى الكاظم (عليه السلام) كما اشتُهرَ، وإنَّما هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة، وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم، وأثنوا عليه بالعلم والورع.
فَحَسِبَ سيدّنا المهديُّ أنَّه أخذَ ذلك عن أحد العلماء، لأنَّه كان من (عوام) السادة، وأين هو من الاطلاع على الرجال والحديث؟! فأغفلَ عنه، ونهض للفحص عن الفجر، وخرج العلوي من عنده، ثمّ أدَّى فريضة الصبح، وجلس للتعقيب حتّى مطلع الشمس، ثمّ راجع كتب الرجال فوجد الأمر كما وصفه الشريف الداخل عليه قُبيل الفجر.
ثمّ ازدلف أهلُ القرية مُسلّمين عليه، وفيهم العلويُّ، المُشارُ إليه، فسأله السيدُ المهديُّ عن دخوله عليه قبيل الفجر، وإخباره إيّاه عن المشهد، وصاحبه عمَّنْ أخذه، ومِنْ أين لك ذلك؟ فحلف العلويُّ بالله أنّه لم يأته قبل الفجر، وأنّه كان بائتاً خارج القرية في مكان سمَّاه، وأنّه سمع بقدوم سيّدنا المهدي فجاءهُ زائراً في وقته، وأنّه لم يره قبل ساعته تلك!.
فنهضَ السيّد من فوره، وركب لزيارة المشهد الشريف، وقال وجبتِ الآن عليَّ زيارته، وإنّي لا أشكُّ أنَّ الداخل عليَّ هو الإمام الحُجّة (صلوات الله عليه).
وركب الطريق معه أهلُ المَزْيديَّة. ومن يومئذٍ اشتهر المرقد الشريف بالاعتبار والثبوت، وازدلفت الإمامية إلى زيارته، والتبرّك به، والاستشفاع به إلى الله.
أخذنا هذا النبأ العظيم من كتاب (جنة المأوى) للعلاّمة المُحدّث النوري (رحمه الله) مُلخّصاً.
وبعد ذلك نصَّ به سيدُنا المهديُّ ـ قدَّس الله سرَّه ـ في “فلك النجاة”، وتبعه من بعده؛ كالعلاّمة النوري في “تحية الزائر”، والحاج المولى هاشم الخراساني في “منتخب التواريخ”، والعلاّمة المامقاني في “تنقيح المقال”، وشيخنا المحدّث القمي في “الكنى والألقاب”، وغير هؤلاء (قدَّسَ الله أسرارهم)().
يقول جودت القزويني: أروي عن السيّد عبد الحميد القزويني المُتوفى سنة 1400هـ/ 1980م؛ أنَّ الرجل الذي زار السيّد مهدي القزويني كان من أهل تلك المنطقة، وعندما استدعاه القزويني ليسأله عمَّن سمعَ ذلك، استبطأ مجيئه. وبعد مضي ساعات طوال جيءَ بالرجل محمولاً من قِبل أولاده، وقدماه تخطّان الأرض، لا تكادان تحملانه. فعندما سأله السيّد عمّا حلَّ به علم أنّه منذ مدّة لا يقوى على الحركة لمرض أصابه، ولم يخرج من داره إلاَّ تلبية لطلبه.
قال السيّد القزويني له: أبشر بالشفاء. وفعلاً فقد شفي الرجل من مرضه.
وذكر هذه الحكاية المحدّث الميرزا حسين النوري في كتابه (جنة المأوى)، ونقلها عن السيّد صالح ابن السيّد مهدي القزويني المُتوفى سنة 1304هـ/ 1886م)، قال: “حدّثني جماعة من الأفاضل الكرام، والصلحاء الفخام، منهم السيّد السند والحبر المعتمد، زبدة العلماء الأعلام، وعمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل والأدب، وحائز معالي الحسب والنسب الميرزا صالح (دام علاه)، ابن سيّد المحقّقين، ونور مصباح المجاهدين، وحيد عصره، وفريد دهره، سيّنا المعظّم السيّد مهدي، (أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد أعلامه)، وقد كنتُ سألتُ عنه (سلّمه الله) أنْ يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظّم التي سمعتُها من الجماعة، فإنّ أهل البيت أدرى بما فيه، مع ما هو عليه من الإتقان والحفظ والضبط والصَّلاح والسّداد والاطّلاع، وقد صاحبتُه في طريق مكّة المعظّمة ذهاباً وإياباً فوجدتُه (أيّده الله) بحراً لا ينضب، وكنزاً لا ينفد، فكتب إليَّ مطابقاً لما سمعتُه من تلك العصابة”.
وذكر الميرزا النوري أنَّه سمع هذه الكرامات شفاهاً من السيّد مهدي القزويني، وقال: “لم تكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فإنّه ورث العلم والعمل عن عمّه الأجلّ الأكمل السيّد باقر القزويني. وكان عمُّه قد أدّبه وربّاه، وأطلعه على الخفايا والأسرار، حتّى بلغ مقاماً لا تحومُ حوله الأفكار، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم تجتمع في غيره من العلماء الأبرار”.
وذكر النوري أيضاً أنَّ السيّد محمد القزويني ذيَّل هذه الروايات بقوله: “سمعتُ هذه الكرامات الثلاثة سماعاً من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطَّر الله مرقده”، ثمّ ساق الحكايات الثلاثة.
وقد وقفتُ على نسخة الأصل التي أثبتها الميرزا النوري في (جنة المأوى) في بعض أوراق أبي المعزّ السيّد محمد القزويني وهي في عشر صفحات، مكتوبة بخط رديء، وقد ذيَّلها أبو المعزّ بما نصّه: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله وصلّى الله على محمد وآله وصحبه، يقول الأقل الفقير إلى رحمة ربّه محمد الحسيني القزويني، إنّي قد رويتُ هذه الكرامات الثلاث سماعاً من لفظ الوالد العلاّمة المرحوم (عطَّر الله مرقده)، ورويتُ الحكاية الأولى عن الصالح التقي الحاج علي علوش الحلّي مستقلاً، وحُرِّرَ في رجب سنة 1302هـ. وقد أمضاها بختمه (محمد الحسيني).
وقد أفاد النقل عن بعض علماء الإمامية أنَّهم حظوا بملاقاة الإمام ـ عليه السلام ـ بما لا يحصل القطع بمعرفته إلاَّ بعد غيبته لوجود القرائن.
وممّا يستحسن ذكره في هذا السياق ما كتبه السيّد المهدي نفسه في كتابه المخطوط (آيات المتوسمين) حيث قال: “رُبَّما ظهر لبعض خواص الشيعة من العلماء الأعلام، (وقد عدَّ بعضَهم)، كما نقل ذلك الثِقاتُ من أصحابنا ممّن شاهدناهم مشافهةً. ورُبَّما تيسَّرَ لنا في بعض المواضع بما لا يحصل لنا الشعور بمعرفته إلاَّ بعد غيبته ممّا يحصل لنا القطع به، لإجراء ما لا يجريه سواه، ولا يقوم به إلاَّ إيّاه من بعض الكرامات في مسجد الكوفة، وطريق كربلاء، والحائر الشريف، وغير ذلك ممّا لا يتسعُ المقام ذكره.
مرقد الحمزة حفيد العباس (ع) ـ الهاشمية (الحلة)
الحمزة الشرقي
يُعرفُ أبو يعلى الحمزة بن القاسم بالحمزة الغربي. أمّا الحمزة الشرقي فهو الشريف السيّد أحمد المقدس بن هاشم بن علوي ـ عتيق الحسين ـ ابن الحسين الغُريفي من آل أبي الحمراء، ثمّ من بني علي الضخم،

مرقد الحمزة حفيد العباس (ع) ـ الهاشمية (الحلة)
المنتهي نسبُه إلى محمد الحائري ابن إبراهيم المُجاب ابن محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر، وهو الجَدُّ الأعلى للسادة الغُريفيَّة البحرانية. وقد أطلعني صديقنا الفاضل الأستاذ الأديب هاشم محمد الموسوي الغريفي على (مُشجَّرة) كتبها بخطّه الجميل عند زيارتي له بالبصرة الفيحاء صيف عام 1396هـ/ 1976م، كُتبَ عليها تعريفٌ بالسيّد أحمد المقدَّس، وهو كما يلي:
“أحمد المقدّس ـ دفين لملوم القديم ـ له قبّة ومزار، ويُعرفُ اليوم بالحمزة الشرقي، ويُعرفُ أيضاً سبع (آل شبل). و(شبل) قبيلة من العرب، و(لملوم) إسم مكان شرق (الشنَّافية) على الطريق القديم، أتى زائراً، وقتله (الجبور) مع عياله وأطفاله”. (اهـ).
أمّا كيفية شهادته فقد يَمَّم زيارة مراقد أجداده الطاهرين بالعراق، وعارضه اللصوص في هذا المكان، وهم يريدون سلبه وسلب عياله، فدافع السيّد عن نفسه وعياله ورحله وشدَّ فيهم، وثبتَ لهم، واحتدمَ بينه وبينهم القتال، فقتل منهم أُناساً حتّى قُتلَ هو، وحليلته، وابنه، ودُفنوا في هذا المكان، وهو من أراضي (لملوم) مساكن قبيلة (جبور) و(الأقرع) من عشائر العراق الشهيرة، وهي بشرقي (الديوانية) من مدن العراق المعروفة. وأظهر الله سبحانه على قبره الكرامات الباهرة، وعرَّف بشرفه القريب والبعيد.
أقول: إنَّما لُقِّب بالحمزة تشبيهاً له بأبي يَعلى الحمزة حفيد العباس من حيث الكرامات.
أمّا (لملوم) فهي من القُرى الفُراتيَّة التي اندرستْ حدود سنة 1220هـ/ 1805م وتفرَّق أهلُها جرّاء إنتقال مجرى الفرات عنهم، وسكن الغالبيةُ العظمى منهم في قرية (الشَنّافية).
عقب الحمزة
أولدَ الحمزةُ ـ كما ذكرَ النسّابةُ العمري في كتابه المجدي (المخطوط) ـ أربعة ذكور، وهم: (محمد، والحسن، وعلي، والقاسم).
فأمّا محمد بن حمزة، فكان أحد السادات تقدّماً ولساناً، وبراعة، قتله الرجالة في بستانه أيام المكتفي، وهو وأخوه الحسن لم يذكر لهما ولد.
وولد علي بن الحمزة ثلاثة ذكور: محمداً، والحسن، والحسين.
فامّا الحسن فلم يُعقِب.
وأمّا محمد بن علي بن حمزة فنزلَ البصرة، وروى الحديث بها، وبغيرها، عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وغيره. وكان متوجهاً، قوي الفضل والعلم، وهو لأمّ ولد، ويُكنّى أبا عبدالله. ومات محمد عن ستة ذكور أولد بعضُهم.
وأمّا الحسين بن علي، فإنَّه أعقبَ محمداً وعلياً. فمحمَّدٌ لم يُعقبْ، وعليّ أعقبَ ثلاثة ذكور، أعقب بعضُهم.
وولد القاسم بن حمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس سبعة عشر ذكراً، منهم: علي بن محمد بن حمزة بن القاسم بن حمزة بن الحسن ابن عبيدالله، وكان من أهل الفضل.
ومنهم: الحسين بن علي بن الحسين بن القاسم بن حمزة، وقع إلى (سمرقند). واحسبُ أنّ منهم جعفر بن علي العباس الرقي النحوي المعروف بالإبراهيمي، رآه شيخُنا أبو الحسن النسّابة، وروى عنه.
ومنهم: القاضي (بطبرستان) أبو الحسن علي بن الحُسين ابن محمد بن الحسين بن الحسن بن القاسم بن حمزة، مات عن ولدين ذكرين.
فقال القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل: جاءنا رجل إلى بغداد عباسي علوي، وكانت له في نفسي هيبة، وفي عيني منظرٌ، حتّى ربّما سبقتني الدمعة، وذكرتُ به سلفه، فسألتُ عن الرجل فخُبّرتُ أنّه ولد للقاضي أبي الحسن علي بن الحُسين العباسي.
وذكرَ لي النسّابةُ المتفرّد السيّد عبد الستار الحَسني البغدادي أنَّه تحدَّر من هذا السيّد الجليل سلسلة طاهرة، وذيل طويل من أشراف السادات الذين لم يَخلُ من ذكرهم كتابٌ في أنساب الطالبيين.
وأردفَ قوله: إنَّ بعض مَنْ لا تحقيقَ عنده نَسبَ الأسرة العلوية المعروفة بآل (الشامي) في كربلاء إلى الحمزة بن القاسم هذا، وهو غلط محض فإنَّ هؤلاء السادة من ألواد أبي الحَرْث مُحمَّد المُنتهي نسبُهُ إلى موسى أبي سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
أقول: ومن رهط المُترجَم له؛ السيّد الشريف علي بن الحسين العلوي العباسي الذي ظهرَ قبره أخيراً قرب (المحاويل)، ونُسبتُ إليه الكرامات.
ناحية المدحتية
(المَدْحَتيَّة) من النواحي الجميلة، العريقة في تاريخها، وأصالتها. ومركزُها قريةُ (الحمزة) التي تبعد عن (الهاشمية) أربعة كيلومترات شرقاً. وإنَّما سُمِّيتُ باسم (الحمزة) لوجود قبر الحمزة حفيد العباس، كما ذكر ذلك المؤرّخ السيّد عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديماً وحديثاً)، ويُرْدفُ قوله أيضاً في هذا الصدد: هي قرية كبيرة فيها حوانيت كثيرة، وبيوت عديدة، ومرافق مختلفة لا تجد مثلها لا في (الهاشمية)، ولا في (القاسم)، وفيها من النفوس أكثر من ألفي نسمة جلُّهم من قبيلة ألبو سلطان. وقد اطَّلعنا على (فرامين) عثمانية تؤيّد وجود هذه القرية في ربيع الأوّل سنة 1029هـ، وأوّل صفر سنة 1072هـ/ 25 أيلول 1661م، وتقول هذه الفرامين أنَّ سدانة المزار ـ أي قبر الحمزة ـ لآل نجم الهلال، وهي العائلة التي تتولَّى السدانة المذكورة حتّى اليوم.
ويأخذ أهل (المَدْحتية) مياهَهُم من نُهيِّر يُدعى (روبيانة) في مدخل القرية.
أقول: لا تزال السدانة منحصرة بعقب نجم بن هلال، وهم من قبيلة شمّر (آل إجْعَفَرْ).
وقد نُقل في ورودهم إلى القبر أنّه اتفق أنْ مرَّ ركبٌ لعشيرة (شمَّر)، وكان من بينهم أولاد نجم بن هلال الستة، وهم: (علي، وحمد، وكاظم ـ من أمّ واحدة ـ، وموسى، وعبيد، وناعور ـ من أمّ واحدة ـ) فمرضَ (عليٌّ) مرضاً شديداً، وآيسَ منه أخوتُه، لذلك رحلوا عنه، وتركوه على حاله تُطيِّبُهُ إمرأةٌ كانت مسؤولةً عن خدمة زائري قبر الحمزة. واستعادَ (عليٌّ) المذكور عافيتَه، وتزوجَ من المرأة، وبقيَ معها مُقيماً في مكانه مستفيداً من تردّد الزائرين إلى القبر. وبعد مُدَّة رجعَ إخوتُهُ فرأوه على خير ما يُرام، حتّى أقاموا معه يتسلَّمون الهدايا والنذور، ويهتمون بخدمة الزُوّار والقاصدين. ومن ذلك اليوم بقي نسلُهم كما بقوا، وأفخاذُهم لا تزالُ موجودة.
السيد مهدي القزويني والكرامات الثلاثة
نقل الميرزا حسين النوري في كتابه (جنّة المأوى) ثلاث كرامات للإمام السيّد مهدي القزويني. وكان النوري قد أثبتها نقلاً عن نجله الثاني العلاّمة السيّد المرزه صالح المُتوفى سنة 1304هـ/ 1886م. وذكرَ أنَّ أخاه أبا المُعزّ ذيَّلها بخطّه.
وقد وقفتُ على نسخة الأصل، وهي تقع في عشر صفحات. كتب السيّد أبو المُعزّ في آخرها أنَّه روى الحكايات الثلاثة سماعاً عن لفظ أبيه، وروى الحكاية الأولى عن الحاج علي علوش الحلّي.
وكان تاريخ هذا التذييل في شهر رجب سنة 1302هـ/ أيّار 1885م أي بعد وفاة أبيه السيّد مهدي بعشرين شهراً تقريباً، وقبل وفاة أخيه السيّد صالح بسنة ونصف السنة.
أمّا نصُّ الحكاية الثانية المتعلقة بتعيين قبر الحمزة، فهي كالآتي:
حدَّثني الوالد (قُدِّسَ سرُّه)، قال: لازمتُ الخروج إلى (الجزيرة) مُدَّة مديدة لأجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحقّ، وكانوا كلّهم على رأي أهل التسنّن، وببركة هدايته وإرشاده رجعوا إلى مذهب الإمامية، كما هم عليه الآن. وهم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس.
وكان في الجزيرة مزارٌ معروف بقبر الحمزة بن الكاظم تزوره الناس، ويذكرون له كرامات كثيرة. وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريباً.
قال (قدِّس سرُّه): فكنتُ أستطرق الجزيرة بالقُرب منه، ولا أزورُهُ، لِما صحَّ عندي أنَّ الحمزة بن الكاظم (عليه السلام) مقبورٌ في (الري) مع عبد العظيم الحسني.
فخرجتُ مرَّةً على عادتي، ونزلتُ ضيفاً عند أهل تلك القرية فتوقّعوا منّي أنْ أزور المرقد المذكور فأبيتُ، وقلتُ لهم: لا أزورُ مَنْ لا أعرف.
وكان المزارُ المذكور قلَّتْ رغبةُ الناس فيه لإعراضي عنه. ثمّ ركبتُ من عندهم، وبتُّ تلك الليلة في قرية (المَزْيديَّة) عند بعض ساداتها.
فلمّا كان وقتُ السّحر جلستُ لنافلة الليل، وتهيَّأتُ للصلاة فلمّا صلّيتُ النافلة بقيتُ أرتقب طلوع الفجر، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل عليَّ (سيّدٌ)، أعرفُه بالصلاح والتقوى من سادات تلك القرية، فسلَّم وجلس، ثمّ قال: يا مولانا بالأمس تضيَّفتَ أهل قرية الحمزة، وما زرتَه.
قلتُ: نعم. قال: ولِمَ ذلك. قلتُ: لأنّي لا أزورُ مَنْ لا أعرف. والحمزة بن موسى الكاظم (عليه السلام) مدفون في الري. فقال: “رُبَّ مشهور لا أصلَ له”، ليس هذا قبر حمزة بن موسى الكاظم، وإنْ اشتُهرَ أنَّه كذلك، بل هو قبر أبي يَعْلَى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة من أهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم، وأثنوا عليه بالعلم والورع.
فقلتُ في نفسي: هذا السيّد من عوام السادة، وليس من أهل الإطلاع على الرجال والحديث، فلعلَّه أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء.
ثمّ قمتُ لأرتقب طلوع الفجر، فقام ذلك (السيّد)، وخرج. وأغفلتُ أنْ أسأله عمَّنْ أخذ هذا، لأنَّ الفجر قد طلع وتشاغلتُ بالصلاة.
فلمّا صلّيتُ جلستُ للتعقيب حتّى طلعت الشمس. وكان معي جملة من كتب الرجال فنظرتُ فيها، وإذا الحال كما ذكر. فأتى أهل القرية مُسلّمين عليَّ، وفي جملتهم ذلك (السيّد).
فقلتُ: جئتني قبل، وأخبرتني عن قبر الحمزة أنَّه أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي، فمِنْ أينَ لك هذا، وعمَّن أخذته؟!.
فقال لي: والله، ما جئتُكَ قبل الفجر، ولا رأيتُك قبل هذه الساعة، ولقد كنتُ ليلةَ أمس بائتاً خارج القرية (في مكان سمّاه)، وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك.
فقلتُ لأهل القرية: الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فإنّي لا أشكُّ في أنَّ الشخص الذي رأيتُه هو صاحب الأمر (عليه السلام).
قال: فركبتُ أنا، وجميع أهل تلك القرية لزيارته. ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهوراً تاماً على وجه صار بحيث تُشدُّ الرحال إليه من الأماكن البعيدة.
(8) السيّد محمد بن الإمام علي الهادي (عليه السلام)
السيّد محمد بن الإمام علي الهادي (عليه السلام) ولد سنة 228هـ/ 842م، وتُوفي بحياة أبيه سنة 252هـ/ 866م. أقام مع أسرته بمدينة سامراء طوال سنوات حياته القصيرة التي صوّرتها المصادر بأربعة وعشرين سنة.
حاولت الروايات أنْ تستلب دور السيّد محمد، وتحوّله إلى محض إتهامات وأراجيف لا طائل وراءها، فألصقت به أنَّه كان المرشّح للإمامة بعد أبيه دون أخيه الإمام العسكري (عليه السلام) إلاَّ أنَّ الله أماته ليُصبح أخوه الحسن العسكري الإمام الفعلي مكانه.
وهذه القصة تُطابق ما رُوي عن إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي تُوفي في حياة أبيه، ممّا يدلُّ على أنَّ نسج القصتين يخضع لسلطان واحد.
وقد أُضيف إلى السيّد محمد مطلبان؛ الأوّل: دخول مصطلح (البداء) في قصته، واتصاله بعلم الله ممّا حوّل النصّ التاريخي إلى نصّ عقائدي أخرجه عن مساره.
والثاني: نسبة الفرقة “المحمديّة” التي قالت بإمامة السيّد محمد وأنَّه حيّ لم يمت، وهي ذات النسبة التي طالت إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام) حينما قيل إنّه حي لم يمت، وأُطلق على أتباعه الإسماعيلية.
وجميع هذه الأسماء لا وجود لها على مسرح تاريخ الأحداث، وإنّما هي من المبتدعات المتأخرة التي تسرّبت في كتب التاريخ والفرق والعقائد والحديث بعد قرون من تأليفها.
ولأبي جعفر السيّد محمد سلالة منبثّة في العراق وإيران تنتهي بنسبها إلى شمس الدين الشهير بمير سلطان البخاري المُتوفى سنة 832هـ/ 1429م، وقبره في بروسا ظاهرٌ مشتهر. وهو ابن السيّد علي بن محمد بن الحسين بن محمد بن علي بن أبي جعفر بن الإمام علي الهادي (عليه السلام).
وممّن عُرف من هذه السلالة: السادة آل البعّاج بالعراق، الذي يرجعون بنسبهم إلى المؤيد بالله يحيى بن محمد البعاج الذي كان من أكابر سادات العراق وأعيانهم في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي.
نُسب للنسّابة السيّد ابن مهنا العبيدلي (الذي عاش في القرن السابع الهجري) القول إنَّ السيّد جعفر لم يعقب من الذكور أحداً، بل أعقبَ بنتين فقط.
واعتمد هذا الرأي النسّابة المحقّق السيّد عبد الستار الحسني، والنسّابة الخبير السيّد مهدي الوردي.
وقد علَّق السيّد موسى الموسوي الهندي (ت: 1400هـ/ 1980م) على قوليهما بما نصَّه: إنَّ ابن مهنا المذكور ليس بذلك الثبت الذي لا يطال أقواله التشكيك. أليس هو القائل إنَّ قبر أبي جعفر محمد بن علي الهادي في (بلد) الموصل()؟
لكنَّ الأستاذ الموسوي الهندي لم يفطن هو، أو غيرُه إلى أنَّ مثل هذه المرويات كانت قد تسرَّبت إلى كتب الأقدمين، ونُسبت إليهم وهم منها براء. وعليه فإنَّ تقديم دليل التسالم على شهرة الواقع في قبالة غياب النص هو في حدّ ذاته يرقى في مثل هذه الحالات، إلى مستوى الدليل في إثبات الثابت، وإبعاد الشبهة عنه.
وعبارة القزويني التي يذكر فيها السيّد محمد بأنّه “كان يُلقّب بالبعّاج”، كافية في هذا المقام على المرام.
قبرهُ الشريف
يقع مقام السيّد محمد في مدينة بلد التي تبعد عن سامراء أربعين كيلومتراً جنوباً. وله مقام مشهور يزدحم بالزائرين الذين يقصدونه من شتّى البقاع لأداء فروض الزيارة، والدعاء عنده. وعلى مقامه قبّة شاهقة شيّدت سنة 1208هـ/ 1794م على يد الشيخ زين العابدين السلماسي. والتعميرات اليوم سنة 1396هـ/ 1976م قائمة في صحن المقام التي أصبحت الغرف المحيطة به تربو على المائة والعشرين غرفة، وهي مخصّصة لسكنى الزوّار الذين لا مأوى لهم في البلد. كما شيّدت مأذنة سنة 1371هـ/ 1952م ما زالت شاخصة.

(9) السيّد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)
السيّد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) كان من زعماء الإسلام وقادته. تولّى إدارة يزد وشيراز.
ذكره بحر العلوم في “تحفة العالم”، وقال: إنَّه من أهل الفضل والصلاح. ثمّ ذكر ما يدلّ على حسن عبادته.
وفي رجال الشيخ أبي علي: إنَّه مدفون كأخيه شاه چراغ بشيراز. وقد صرَّح بذلك العلاّمة الجزائري في الأنوار النعمانية، وقال “محمد وأحمد مدفونان في شيراز، والشيعة تتبرّك بتربتيهما، وتكثر زيارتهما”.
جّدّد مقام السيّد محمد العابد الذي يقع في محلّة يُطلق عليها إسم (باغ قتلغ)، فبُنيت عليه قبّة منذ القرن السابع الهجري. كما استمرّت عمليات تجديد البناء، وإدامته على مدى العصور، منها: التجديد الذي أمرَ به نادر شاه الأفشاري. ومنها: التجديد الذي أمر به النواب أويس بن النواب الأعظم الشاه زاده فرهاد القاجاري سنة 1296هـ/ 1879م. وله في عصرنا مزار عامرٌ يُتبرّك به، وتعقد له النذور.
نسب البحّاثة الشيخ يونس السامرائي، كما ورد في كتابه (الدور) قبراً في الدور إلى السيّد محمد بن الإمام الكاظم (عليه السلام)، وسمّاه بالعابد. والصواب إنَّ مرقد الدور هذا هو لأحد المتصوّفة ممّن لا يمتُّ إلى الأصول العربيّة بصلة، ولقبه المرادف لاسمه في كتب التاريخ والسير يدلُّ على ذلك.
(10) أحمد بن الإمام الكاظم (عليه السلام)
أحمد بن الإمام الكاظم (عليه السلام) المعروف بشاه چراغ. قبرُه بشيراز مشهور، بُنيت عليه عمارة في القرن السابع الهجري، كما شُيّدت قبّة على ضريحه. وقد تعرّض البناء للزلازل، وتهدّم قسمٌ كبير منه على مرّ الأيّام.
وفي منتصف القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي تمَّ إعادة بناء المرقد، وتشييد قبّة ذهبيّة جديدة عليه.
لم تكن المعلومات التي تخصّ السيّد أحمد في كتب التاريخ كافيةً عنه، ولم تعطِ أيّة معلومات مفيدة سوى المعلومات الوصفية التي تتعلّق بعواطفه النفسية وعواطف أمّه، وولائها للأئمة (عليهم السلام). فقد انصبَّت النصوص على وصفه بما يلي:
1 ـ كان سيّداً كريماً جليلاً، ورعاً.
2 ـ كان الإمام موسى والده يُحبُّه، وقد وهب له ضيعته المعروفة (باليسيرة!).
3 ـ أعتقَ أحمد ألف رقبة من العبيد والإماء في سبيل الله.
4 ـ بعد وفاة أخيه الإمام الرضا (عليه السلام) ذهب إلى شيراز، ومات فيها أيام الخليفة المأمون العباسي.
5 ـ كانت أمُّه أمّ ولد. ولها من الإمام موسى (عليه السلام) أيضاً محمد، وحمزة.
أودع الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عندها “سفطاً” فيه بعض مواريث آبائه المعصومين (عليهم السلام) قبل أن يودع بالسجن. وبعد وفاة الإمام الكاظم (عليه السلام)، طالب ولده الإمام الرضا (عليه السلام) بالسفط.
تقول الرواية: “فصاحت أم أحمد، وشقّت جيبها، وقالت له: مات أبوك”!.
بايعت أم أحمد الإمام الرضا (عليه السلام) بالإمامة بعد فقد أبيه، وكان ولدها أحمد موجوداً.
ومن خلال دراستنا لسيرة أهل البيت (عليهم السلام) ظهر لنا أنَّ تاريخ هؤلاء القادة يختلف عمّا صوّرته النصوص التاريخيّة التي تسرّبت لمؤلفات التاريخ، وحرَّفتها.
كان السيّد أحمد، وأخوته في هذه المرحلة قادةً يحكمون البقاع. وكان هو يتولّى ولاية شيراز، ورُبّما لقبُ “الشاه” كان قد أطلقه عليه الأهالي نسبة لما كان يتمتع به من مزايا في الحكم والسلطة.
إلاَّ أنَّ التاريخ الموهوم، الذي أطلقنا عليه إسم “التاريخ البديل”، كان قد حلَّ على صفحات الكتب بعدما أزاح التاريخ الأصلي، وأخفاه.
من هنا يُلاحظ في تراجم سيرة هؤلاء القادة الدينيين والسياسيين أنَّ الحديث انصبَّ على بيان الجانب الذي هو خارج النشاط، أو الفعل التاريخي. وهذا ما دعاني أنْ أذكر نموذجاً منه خلال ترجمة النصوص التاريخية لسيرة السيّد أحمد (عليه السلام)، والتي هي قاعدة مُطّردة للكتابة عن جميع الشخصيّات الفاعلة في التاريخ، وتحويلها إلى شخصيّات يكون تأريخها أقرب إلى الإنطفاء منه إلى التوهّج().
(11) السيّد أحمد بن موسى الحارث
السيّد أحمد بن موسى بن جعفر الملقّب بالحارث، له مرقد مشيّد عامر، عليه قبّة وللاعراب عقيدة خاصّة به.
قال حرز الدين: هكذا اشتهر القبر، ولم أتحقّقه مَنْ هو، وابن مَنْ؟ وهو من القبور التي هي تحت الفحص والتنقيب لدينا().
ويلاحظ أنَّ المؤرخ حرز الدين إعتمد على ما أورده الإمام القزويني حول المرقد. وقد إحتمل القزويني أنَّ هذا القبر هو قبر أحمد المزيدي، من علماء الإجازة والحديث. وسيأتي ذلك في (الفصل السابع) من هذه الرسالة.
(12) الشاه عبد العظيم الحسني
هو أبو القاسم السلطان شاه عبد العظيم بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ذكره الأمير الداماد في كتابه “الرواشح السماوية في الفوائد الرجالية”، فقال في جملة كلام له: من الذائع والشائع أنَّ طريق الرواية من جهة أبي القاسم عبد العظيم بن عبدالله الحسني المدفون بمشهد الشجرة بالريّ من الحسن، لأنّه ممدوح.
وذكره العلاّمة الحلّي في الخلاصة بقوله: “كان عالماً عابداً ورعاً، له حكاية تدل على حُسن حاله ذكرناها في كتابنا الكبير”.
وقال الشهيد الثاني في تعليقته على الخلاصة: “عبد العظيم هذا، هو عبد العظيم المدفون بمسجد الشجرة، وقبره يُزار. وقد نصَّ على زيارته الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
كان أبو القاسم من أصحاب الإمام الجواد، والإمام الهادي (عليه السلام) محترماً عندهما في الغاية، وكانا يحبّانه حُبّاً شديداً. نقل الشيخ الصدوق بالإسناد المتّصل أنّه قال: “دخلتُ على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلمّا أبصرني قال: مرحباً بك يا أبا القاسم، أنتَ وليّنا حقّاً”.
والسيّد عبد العظيم يروي عن الإمام أبي جعفر محمد الجواد (عليه السلام)، وعن الإمام الهادي (عليه السلام)().
وروى عنه من رجالات الشيعة، أحمد بن أبي عبدالله البرقي، وأحمد بن محمد بن خالد، وأبو تراب الروياني.
كان الشاه عبد العظيم الحسني من رجال الحكم والسلطة. وقد نقلت النصوص ما يخالف سيرة حياته، بل شوّهت صورته البطولية، بمنقولات تسرّبت إلى الكتب الشيعيّة دون أنْ يفطن إليها أحد. ومن ذلك القصة التي نُسبت للنجاشي، والتي تظهر الشاه عبد العظيم بالشخص المتخفي الذي لا يعرفه أحد في حياته. تقول الرواية:
كان عبد العظيم ورد الري هارباً من السلطان، وسكن سرباً في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي فكان يعبد الله في ذلك السرب، ويصوم نهاره، ويقوم ليله فكان يخرج مستتراً فيزور القبر المقابل قبره، وبينهما الطريق، ويقول: هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر (عليه السلام)، ولم يزل يأوي إلى ذلك السرب، ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمد (عليه الصلاة والسلام) حتّى عرفه أكثرهم. فرأى رجلٌ من الشيعة في المنام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال له أنّ رجلاً من ولدي يحمل من سكة الموالي، ويدفن عند شجرة التفاح في (باغ) عبد الجبار عبد الوهاب، وأشار إلى المكان الذي دُفن فيه. فذهب الرجل ليشتري الشجرة ومكانها من صاحبها، فقال له لأي شيء تطلب الشجرة ومكانها فأخبره بالرؤيا، فذكر صاحب الشجرة أنّه كان رأى مثل هذه الرؤيا، وأنّه قد جعل موضع الشجرة مع جميع (الباغ) وقفاً على الشريف، والشيعة يدفنون فيه.
فمرض عبد العظيم ومات (رحمة الله عليه)، فلمّا جُرّد ليغسّل، وُجِدت في جيبه رقعة فيها ذكر نسبه، فإذا فيها: أنا أبو القاسم عبد العظيم بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)().
وإمعاناً بالسخرية فقد استعمل ناسج الرواية كلمة (باغ) الفارسية، بدلاً من كلمة (بستان) العربيّة. كما حشر إسم (عبد الجبار عبد الوهاب) وصوّره بأنّه هو مالك البستان.
قال صاحب “عمدة الطالب” في طيّ ذكر عقب زيد بن الإمام الحسن المجتبى ما نصّه: عبد العظيم السيّد الزاهد المدفون في مسجد الشجرة بالريّ وقبره يُزار. وأولد عبدُ العظيم محمد بن عبد العظيم، وكان زاهداً كبيراً، وانقرض محمد بن عبد العظيم، ولا عقب له.
وقد ألّف الحاج مولى محمد باقر بن المولى محمد إسماعيل المازندراني الكجوري المتوفى سنة 1313هـ/ 1895م كتاباً كبيراً سمّاه (جنّة النعيم في أحوال السيّد عبد العظيم)، طبع بطهران سنة 1296هـ في (548) صفحة، استظهر في كتابه هذا أنَّ وفاة عبد العظيم كانت أوائل سنة 250هـ.
قال النجاشي: إنَّ لأبي جعفر ابن بابويه كتاب أخبار عبد العظيم ابن عبدالله الحسني().
يُعدُّ مرقد الشاه عبد العظيم الحسني من المراقد الشهيرة في إيران، وقد أُجريت عليه الإنشاءات العمرانية على طول عقود السنين. ومنطقة (الري) التي يقع فيها المقام أصبحت من المدن المهمّة القريبة من العاصمة طهران.
يقول المؤرخ حرز الدين: مرقده غنيّ عن التعريف، وله مشهد مشيّد بأنواع العمارات والزخارف، وصحن عامر فيه الغرف والإيوانات().
وقال العلاّمة السيّد محمد صادق بحر العلوم فيما كتبه عن السيّد عبد العظيم الحسني: امّا مشهدُهُ في زماننا هذا الموافق سنة 1359هـ/ 1940م فهو بلدة عظيمة ذات بساتين جميلة وحدائق ذات بهجة زاهية تبعد عن طهران (عاصمة إيران) ثلاثة أميال تقريباً بينهما سكةٌ حديد، وحول قبره شبّاك فضيّ، وعليه قبّة كبيرة ذهبية بين منارتين من القاشاني الثمين، وحول ضريحه صحن واسع يقصده الزائرون من كلّ فجّ لا سيّما في ليالي الجمعة، ويتبرّكون به، وينذرون له النذور، ويعظّمونه غاية التعظيم، ويقابله قبر حمزة بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وهو أيضاً مزار معروف.
وقد دُفن حول مرقد عبد العظيم جماعة من العلماء والوزراء والسلاطين، منهم: ناصر الدين شاه القاجاري (المقتول في المشهد المذكور يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة سنة 1313هـ).
(13) الحمزة بن الكاظم
الحمزة بن الكاظم مرقده بمنطقة الري معروف، متّصل برواق الشاه عبد العظيم الحسني.
ويؤثر له مرقد بمدينة قم، وآخر بمدينة شيراز وآخر في كرمان. والأوّل أقواها().
قال السيّد بن شدقم الحُسيني المدني في (الأنساب): كان عالماً فاضلاً كاملاً جليلاً رفيع المنزلة عالي الرتبة، عظيم الحظ والجاه، والعزّ والابتهال، محبوباً عند الخاصّ والعام، سافر مع أخيه الرضا (عليه السلام) إلى خراسان، واقفاً في خدمته ساعياً في مآربه، طالباً رضاه، ممتثلاً لأمره. فلمّا وصلا إلى (سوسمر) إحدى قرى (سنر) ـ كذا ـ خرج عليهما قوم من رؤساء المأمون ـ كذا ـ فقتلوه، وقبرَهُ أخوه الإمام الرضا (عليه السلام) في بستان بها.
وقال السيّد جعفر بحر العلوم في كتابه “تحفة العالم”: أمّا حمزة بن موسى فهو المدفون في الري في القرية المعروفة بـ (شاه زاده عبد العظيم)، وله قبّة وصحن وخدّام، وكان الشاه زاده عبد العظيم على جلالة شأنه، وعظم قدره يزوره أيام إقامته في الري، وكان يخفي ذلك على عامّة الناس، وقد أسرَّ إلى بعض خواصه أنّه قبر رجل من أبناء موسى بن جعفر.
وفي “تحفة الأزهار”: إنَّه أعقبَ ولدين أحدهما علي، والآخر القاسم أبا محمد، وإليه تنتمي السادة الصفوية.
قال السيّد حسن الصدر في “نزهة الحرمين”: قبره بالري قرب قبر الشاه عبد العظيم قرب طهران.
وفي “ناسخ التواريخ”: إنَّ الحمزة مدفون في قم.
ومن نسل الحمزة السادة الصفويون، والسادة الجبّاريون في كركوك، وأسرة السيّد عبد الحسين اللاري، وآل الواعظ (أسرة السيّد جعفر الأدهمي)، وهم غير آل الواعظ (أسرة الشيخ نجم الدين)، فهؤلاء من المعاضيد، وليسوا من العلويين. كما تتصل بالحمزة جمهرة كبيرة من السادة في بلخ، وبلاد فارس، والهند، حدَّثني بذلك النسّابة السيّد عبد الستار الحسني.
(14) الإمام زيد بن علي (عليه السلام)
الإمام زيد هو ابن الإمام علي بن الحسين زين العابدين، والأخ الأصغر للإمام الباقر (عليه السلام).
استقرَّ رأي الباحثين جميعاً على أنَّ ولادته منحصرة في عام 78هـ أو 80هـ.
إلاَّ أنَّ المحقّق السيّد عبد الرزاق المقرّم استظهر أنَّ ولادته كانت سنة 66هـ/ 685م، أو 67هـ/ 686م، اعتماداً على الرواية القائلة أنَّ أمّ الإمام زيد (وإسمها حوراء) هي أمّ ولد أهداها المختار بن يوسف الثقفي إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام).
وطبقاً للرواية نفسها فإنَّ أم زيد كانت قد علقت به في السنة التي بعثها المختار إلى الإمام.
يقول جودت القزويني: يقرّر الواقع غير ذلك، فإنَّ الإمام زيداً لم يكن الولد الأكبر لحوراء، فقد وُلد أخوه أبو حفص عمر الأشرف المتوفى سنة 132هـ/ 749م قبله(). وعلى ذلك تكون ولادة الإمام زيد سنة 68هـ/ 687م. (هذا إذا كانت هذه الرواية صحيحة).
إلاَّ أنَّ الخوارزمي ذكر أنَّ ولادته كانت سنة 57هـ/ 677م كما نقل عنه ذلك السيّد كمونة في “مشاهد العترة”. وهو الرأي الذي نذهبُ إليه.
درس زيد على يد أخيه الباقر (عليه السلام)، فنشأ عالماً متيناً مفسّراً، متكلّماً، بليغاً، بصيراً بعلم الجدل والمناظرات. وقد عُرف بالعلم والفهم، وعُدّ من علماء آل محمد، ومن سادات بني هاشم، وعين أخوته بعد الباقر (عليه السلام)، وأفضلهم().
وللإمام زيد العديد من المؤلفات الثابتة النسبة إليه، إلاَّ أنَّ الشكوك تطال نسخها المطبوعة، فمن الصعب إثبات نسبتها إليه، كتاب الصفوة، ومسند الإمام زيد بن علي، وتفسير غريب القرآن، وتأويل مشكل القرآن. فهي مؤلفات فيها شيء من تُراثه، إلاَّ أنَّ يد العبث كانت قد طالتها، فمسختها.
أسهبتُ في الحديث عن قصة مقتل الإمام زيد (عليه السلام)، وتفاصيل ثورته، ومحاولة تفكيك الرواية التي وردت منسوبة للطبري، وغيره في المجلّد الأوّل من كتاب (تاريخ المؤسسة الدينية الشيعيّة)، وخلُصَ البحث أنَّ الإمام زيداً كان حاكماً على العراق، ولم تكن هناك ثورة كما صوَّرتها المرويات، كما لم تتمّ عملية قتله بهذه الطريقة الملفّقة التي دُسّت في كتب المؤرّخين والمحدّثين.
أمّا حادثة صلبه، وما اتّصل بها من اتّخاذ الفاختة جوفه عشّاً لها، أو ببقاء جسده مصلوباً منكساً مقطوع الرأس، أربع سنوات كاملة، وغير ذلك فلا واقع لها في سيرة هذا الإمام العظيم.
أمّا شهادته فهي قطعاً قائمة إلاَّ أنَّ فاعليها مجهولون عندنا، فلا بُدَّ أنَّ مقتله كان قد تمَّ بطريقة ما، إلاَّ أنّها بلا شك ليست تلك التي رُويت في كتب التاريخ بهذه الطريقة المريبة المفككة.
أمّا موضع قبره فهو الموضع الذي أثبته الإمام القزويني، وحدَّده في كناسة الكوفة، إلاَّ أنَّ جسد الإمام زيد لم يُحرق، كما شاع ذلك.
المرقد المطهر وموقع الكناسة
لم يذكر أحدٌ من المؤرخين قبراً لزيد سوى ما نقله السيّد القزويني من تعيين قبره. وقد كتب المحقق السيّد عبد الرزاق المقرّم بحثاً مفصّلاً عن الإمام زيد (عليه السلام)، وعيّن قبره بكناسة الكوفة معتمداً على ما نقله السيّد مهدي القزويني في تعيين قبره.
قال السيّد المقرّم: ليس بالهيّن معرفة هذين الموضعين على سبيل القطع، خصوصاً موقع الكناسة، مع ما لها من الشهرة، وتكرار الذكر في صفحات التاريخ بمناسبة الحوادث الواقعة فيها، حيث لم تكن خارطة تخطط أرجاءها، ولا بقيت من آثارها ما يُتعرّف بها الأحوال إلاّ أعلام دارسة، وصور مجهولة، كما هو الشأن في آثار الأمم البائدة، والديار الخاوية، فليس في وسع المُنقّب الحزم بشيء منها إلاَّ بالتقريب بالوقوف على الرسوم والتلال، أو الحفريات، أو الركون إلى كلمات مستطردة خلال السير.
وحتّى الآن لم يتسنَّ لنا شيء من تلك القرائن سوى ما وجدناه في “فلك النجاة” للعلاّمة الحجّة السيّد مهدي القزويني (قُدّس سرُّه): “إنَّ المشهد المعروف لزيد بن علي الذي يُزار ويُتَبرك به، محل صلبه وحرقه”.
وهذه الكلمة من سيّدنا البحّاثة يجب الاحتفاظ بها، لما هو المعهود من غزارة علمه، وسعة إحاطته. وقد وثقَ بها وأرسلها إرسال المسلّمات أخذاً عن أوثق المصادر المتوفرة لديه. لذلك لم تترك لنا مُنْتَدحاً عن الإذعان بأنَّ هذا المشهد القائم في شرقي قرية ذي الكفل واقع في محل الكُناسة.
ويشهد له أنَّ الصلب وأشباهه ممّا يقصد فيه الإرهاب وتمثيل قوّة البأس، وشدّة السلطان لا يكون إلاَّ في المحتشدات العامّة، ومختلف زرافات الناس. وهذا الموضع قريب من النُخيلة، وهي العباسية في كلام ابن نما، والعباسيات اليوم. ولا شك أنَّ النخيلة كانت باب الكوفة للخارج إلى الشام والمدائن وكربلاء.
فناسبَ أن يكون الصلب في الموضع العام، أو بالقرب منه على ألاّ يفوت الغرض المقصود من الإرهاب، وإراءة الغلبة وقوّة السلطان.
وهذا الاعتبار يؤيّد ما أرسله السيّد المُتتبّع. وبقي تحديد الموضع الذي دُفن فيه قبل النبش والإخراج على ذمّة التاريخ، وسعة المنقّب().
يقول جودت القزويني: لقد أبطلنا الروايات التي تُنبيء بوقوع نبش قبر زيد، وصلبه في كتابنا “تهشيم التاريخ”، وأثبتنا وقوع عملية القتل فقط دون الدخول بالتفاصيل.
ويؤثّر أنَّ للإمام زيد مشهداً بمصر يُقال له مشهد رأس زيد الشهيد، أورد ذكره ابن عثمان في كتابه “مرشد الزوّار” قال: قُدمَ برأس زيد بن علي يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 122هـ، وبنوا عليه هذا المشهد المعروف بمشهد التبن (أو التبر)، (بحري القاهرة). والدعاء فيه مستجاب، والأنوار تُرى عليه بالليل نازلة().
يُلاحظ:
1 ـ إنَّ سياق تسلسل الأحداث يكذّب وجود مشهد لرأس الإمام زيد بمصر.
2 ـ ثبتَ أنَّ جسد الإمام زيد لم يتعرّض للتشويه، أو الصلب والإحراق. وإنَّما كان ذلك فقط في طي المرويات المحرّفة.
3 ـ ممّا يُبيّن تهافت الرواية أنَّ تاريخ وصول رأس زيد بن علي إلى مصر الذي حدّده المؤلف بيوم الأحد 10 جمادى الآخرى 122هـ، كان مُزوّراً أيضاً، شأنه شأن أصل الروايات التي شوّهت الأحداث. فلم يكن يوم العاشر من جادى الثانية لتلك السنة قد صادف يوم الأحد، كما يزعم النص، وإنّما كان ذلك اليوم يوم الأربعاء.
(15) الحسين قتيل فخ
فَخّ: وادي بمكة، دُفن فيه الحسين الأثرم ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ولهذا الوادي أيضاً تُنسب واقعة فخّ التي قيل إنَّ الحسين بن علي بن الحسن (المثلث) بن الحسن (المثنى) بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان قد خرج على الخليفة العباسي موسى الهادي سنة 169هـ/ 785م، وقتل هو وأصحابه في تلك الواقعة.
(16) إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى
لُقّب الغمر لجوده وكرمه. كان من أئمة الحديث ورواته، عالماً من علماء آل محمد، وزعيماً من زعماء الهاشميين.
يقع مرقده بالكوفة بالقرب من مرقد ميثم التمّار، وهو قبرٌ مشهور ومعروف.
قال الشيخ محمد حرز الدين:ظهر قبر إبراهيم الغمر متأخّراً نهاية القرن الثاني عشر الهجري. عثر عليه بعض المنقّبين عن حجارة آثار الكوفة الدفينة لبيعها، حيث وجدَ صخرةً دفينة تحكي بوضوح أنّه قبر إبراهيم الغمر. وبنى عليه قبّة السيّد الجليل، علاّمة عصره، وفريد دهره السيّد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي النجفي. والظاهر أنَّها القُبّة الموجودة في زماننا، أوائل القرن الرابع عشر، حيث أنّه الجد الأعلى للسادة الطباطبائية جميعاً().
وقد استظهر العلاّمة السيّد عبد الرزاق كمّونة أنَّ هذا القبر هو قبر إبراهيم طباطبا ابن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
قال السيّد كمونة: وما نسبه السيّد مهدي القزويني في “فلك النجاة” إنّه لإبراهيم بن الحسن المثنى إشتباه، لأنَّ قبره بالهاشمية().
(17) قبور الطالبيين بالهاشمية
يقصد السيّد المصنّف بهؤلاء الطالبيين: عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن (عليه السلام)، وعلي بن الحسن بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن (عليه السلام)، والحسن بن الحسن بن الإمام الحسن (عليه السلام)، وعبدالله بن الحسن بن الحسن بن الإمام الحسن (عليه السلام)، والعباس بن الحسن المثلث بن الحسن بن الإمام الحسن (عليه السلام).
وقد سبقت الإشارة إليهم.
(18) إسماعيل ابن طباطبا
إسماعيل بن إبراهيم (طباطبا) بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
قبرُهُ بالهاشميّة معروف. وصفه الشيخ محمد حسين حرز الدين محقّق كتاب جدّه الشيخ محمد حرز الدين عندما زاره سنة 1387هـ/ 1967م بقوله: يقع قبره بمقاطعة “السلط” عند الرجيبات، إحدى عشائر الجبور، ضمن ناحية القاسم، وكان عامراً مشيداً، جديد البناء، ويتعهّد آل يسار على رعاية المرقد، والعناية به().
ذكرت النصوص أنَّ عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) تمَّ اعتقاله مع عدد من أخوته، وبني عمومته من آل الحسن، وكان إسماعيل بن إبراهيم الطباطبا واحداً منهم. ونُقلَ أنَّ هؤلاء دُفنوا أحياءً بعدما سُجنوا بقصر ابن هُبيرة (شرقي الكوفة) في سرداب تحت الأرض، حيث رُدم عليهم، وماتوا فيه.
وقد ذكرنا التشكيك بهذه الروايات بشكل قاطع، لأنَّ هؤلاء النخبة من آل الحسن (عليه السلام) كانوا حكّاماً للعراق، ولم يكونوا أسراء بيد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، أو غيره. ولا مجال لبسط الحديث في هذه العجالة.
(19) إبراهيم المُضَر
يقع قبر إبراهيم بن عبدالله المُضَرّ في الهاشمية على فرع نهر الجربوعية من فروع نهر الفرات. والهاشمية من أعمال مدينة الحلّة التابعة لها.
قال المؤرّخ الشيخ محمد حرز الدين: لم يتّضح لنا إبراهيم هذا مَنْ هو، ومَنْ هم آل المضر سوى ما ذكره الداودي صاحب “عمدة الطالب” في آل فخار الموسويين()؟
(20) الحمزة والشاه عبد العظيم
سبق الحديث عن قبري الحمزة بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) والشاه عبد العظيم الحسني في أرض الري بإيران.
(21) فاطمة (معصومة قم)
السيّدة الجليلة فاطمة، الشهيرة بمعصومة قم بنت الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وأخت الإمام الرضا (عليه السلام)، تُوفيت سنة 201هـ/ 817م.
كانت مع أخيها الإمام الرضا (عليه السلام) الذي تولّى السلطة بعد أبيه الإمام الكاظم (عليه السلام)، وسكن أرض خراسان تبعاً لمتطلبات تلك المرحلة، ولتوجيه الإمبراطورية الإسلامية وترشيدها.
وقبر السيّدة المعصومة أشهر الآثار الموجودة بمدينة قم، وأشخصها. وقد أصبح من المراكز التدريسية والعلمية والاجتماعية والسياسية، يتوافد يومياً عليه الزائرون، وتُقام بباحته الصلوات جماعةً.
وقد أُجريت على قبر السيّدة فاطمة عمارات مختلفة، قبل عهد الصفويين، وبعده لا يمكن الإلمام بها في هذه العجالة.
(22) محمد بن جعفر الطيّار
محمد بن جعفر الطيّار بن أبي طالب. قيل إنّه استشهد بحرب (تستر) لمّا فتحها المسلمون. ويقع مرقده بمدينة “دزفول”. وقد أوردتُ له بعض التفصيلات في الجزء الأوّل من كتاب “تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية”، في الحديث عن “الزينبات الثلاثة”.
جودت القزويني
المظاهر الفكرية لمدرسة بغداد
شهدت هذه المرحلة تطوّراً من خلال المؤلفات التي وضعها فقهاء مدرسة بغداد، وقد شمل هذا التطوّر ميادين (علم أصول الفقه، الفقه المُقارن، علم الحديث، علم الرجال، علم التفسير، علم الكلام)، كما أصبحتْ هذه الكتابات من المصادر الأساسية للمذهب الشيعي.
علم أصول الفقه
ففي مجال علم أُصول الفقه؛ بدأ هذا العلمُ يتخلَّصُ من حالته البسيطة الأوليّة، وينالُ قسطاً من النضج، والتكامل. وأوّل رسالة وصلتْ إلينا في هذا المجال هي رسالة (مختصر أصول الفقه) التي ألَّفها الشيخ المفيد؛ حيث أفردَ علم أصول الفقه عن غيره من العلوم التي اختلطتْ به كعلم الكلام، وعلم الحديث، ولم نقف على تأليف في هذا الموضوع قبل الشيخ المفيد بالرغم ـ ممّا قيل ـ من وجود رسائل لبعض أصحاب الأئمة في مباحث أصولية مُحدّدة، وليس في تمام مباحث علم الأصول().
والسببُ في ذلك ـ كما اعتقده بعض الباحثين ـ أنَّ فقهاء الشيعة لم يشعروا بالحاجة إلى الاجتهاد بمعناه الواسع في عصر الأئمة، والذي استمرّ حتّى عصر الغيبة الكبرى عام 329هـ/ 940م؛ لكنَّ الحاجة إلى ملء الفراغ في مجال التشريع ظهرتْ بعد هذه الفترة؛ أي أنَّ بدء التصنيف في علم الأصول بدأ على الصعيد الشيعي من مطلع (القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، في حين أنَّ التصنيف فيه كان قد بدأ على الصعيد السُنّي أواخر القرن الثاني الهجري؛ حيث ألَّف الإمام الشافعي (ت: 204هـ/ 819م) رسالته في أصول الفقه، التي أُعتبرت أولى الأعمال التي وصلتنا في هذا العلم().
وذهبَ بعض كُتّاب الشيعة إلى أنَّ تأسيس علم أصول الفقه كانَ على يد الأئمة الشيعة أنفسهم خصوصاً الإمامين الباقر (57ـ 114 أو 116هـ/ 677ـ732 أو 734م)، والصادق (83ـ148هـ/ 702ـ765م) ـ عليهما السلام ـ اللذين أمليا على تلامذتهما قواعدَهُ. أي أنَّ ذلك كان قبل زمن الغيبة الكبرى().
واستدلَّ أصحابُ هذا الرأي بأنَّ الإمامين الباقر، والصادق (عليهما السلام) كانا قَدْ أمليا من خلال الروايات مباحث هذا العلم، لكنَّها لم تُجمع في تأليف مُستقل؛ لذا حاول بعضُ مُحدّثي الشيعة جمعَ هذه الروايات، وترتيبها على أبواب علم أصول الفقه مكوّنين منها كتباً تحكي زمان تلك المرحلة المتقدمة من التأليف؛ كما فعل ذلك الحر العاملي (ت: 1104هـ/ 1693م) في كتاب (الفصول المُهمّة في أصول الأئمة)، وعبدالله شُبّر (1188ـ 1242هـ/ 1774ـ 1826م) في كتاب (الأصول الأصلية)()، ومحمد هاشم الخونساري (ت: 1318هـ/ 1900م) في كتاب (أصول آل الرسول)().
وذكرَ مؤرخو الشيعة أنَّ أوّل مَنْ صنَّف في مسائل علم أصول الفقه هو هشام بن الحكم (ت: 199هـ/ 815م) حيث ألَّف كتابَ (الألفاظ ومباحثُها)، ثمّ يونس ابن عبد الرحمن آل يقطين البغدادي (ت: 208هـ/ 824م) صنّف كتاب (إختلاف الحديث ومسائله)، وهو مبحث تعارض الحديثين، وقد رواهُ عن الإمام الكاظم (128، أو 129ـ 183هـ/ 746، أو 747ـ 799م).
وبالرغم من أنَّ هذين الكتابين هما في عِداد المفقودات إلاَّ أنَّ بعض الكُتّاب اعتبرهما أوّل الكتابات الشيعية التي ظهرت في علم الأصول، ولهذا السبب ذهب السيّد حسن الصدر (1272ـ 1354هـ/ 1856ـ 1935م) إلى أنَّ الإمام الشافعي لم يكن أوّلَ مَنْ ألَّف في هذا العلم، بل سبقه هشام بن الحكم تلميذ الإمام الصادق إلى ذلك().
كما ذهب الدكتور أبو القاسم گرجي إلى أنَّ الشافعي بالرغم من عمله الكبير إلاَّ أنَّه لم يكن تأليفاً، بل كان من أماليه شأنه في ذلك شأن أمالي الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). لذلك تتكرّر عبارة: “قال الشافعي” في الكتاب.
كما اعتقد گرجي أنَّ رسالة الشافعي لم تطرح مسائل علم الأصول بشكلها المُجرّد بل طرحتْ هذه المسائل من خلال الكتاب والسُنّة، لذلك ظهرتْ عناوين في الرسالة لا تندرج في مباحث علم الأصول بل هي من مباحث الفقه، وعلم الحديث().
وبالرغم من هذه الملاحظات إلاَّ أنَّ رسالة الشافعي تبقى المحاولة الأولى لجمع مباحث هذا العلم سواءً أكانتْ من الأمالي أم من المؤلفات.
وبالرغم منْ أنَّ المؤلفين في علم الأصول ممّن أفردَ بحثاً في جميع مسائله كالشافعي، أو غيره ممّن كتبَ في بعض المباحث الأصولية، إلاَّ أنَّ دراسة مباحث هذا العلم بقيت مختلطة بمباحث علوم أخرى. وفي النطاق الشيعي كانت رسالة الشيخ المفيد “مختصر أصول الفقه” أوّل محاولة من فقيه شيعي للقيام بفصل مباحث الأصول عن غيره من مباحث علم الكلام، والحديث. وقد قسّم المفيد الأصول التي تستند عليها أحكام الشريعة إلى:
1 ـ الكتاب (القرآن).
2 ـ السُنّة.
3 ـ أقوال الأئمة المعصومين.
كما قسّم الأخبار إلى:
أ ـ الخبر المتواتر، وأرادَ به خبر جماعة بلغوا من الكثرة والتباعد فيما بينهم حدّاً يُمتَنعُ معه عادةً توافقهم على الكذب.
ب ـ الخبر الواحد معه قرينة تشهد بصدقهِ، ويُريدُ به الخبر الذي لم يبلغ حدَّ التواتر من الأخبار.
حـ ـ الخبر المُرسل في الإسناد: وهو الذي يعمل به “أهل الحقّ على الاتفاق”.
ولم يذكر المفيد الدليل العقلي، وهو الدليل الرابع من أدلّة الاستنباط في جملة أدلّة الأحكام، بل ذكر أنَّ الطرق الموصلة إلى أصول الأحكام (الكتاب، السُنّة، أقوال الأئمة) تكون عن طريق:
أ ـ العقل. وعرَّفه بأنَّه السبيل إلى معرفة حُجيّة القرآن، ودلائل الأخبار.
ب ـ اللسان (اللغة)، وهو السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام.
جـ ـ الأخبار: وهي السبيل إلى إثبات أعيان الأصول من الكتاب والسُنّة، وأقوال الأئمة.
وقد بحث الشيخ المُفيد في رسالته المختصرة مباحثَ أصوليةً تتعلَّقُ بالأوامر والنواهي، ومباحث الألفاظ، والخصوص والعُموم، والنَسخ، والحقيقة والمجاز، والقياس، والرأي، والإجماع، والاستصحاب، واختلاف الأخبار. وطُبِعتْ رسالتُهُ عام 1322هـ/ 1904م بإيران، ثمّ أُعيد طبعُها ضمن كتاب (كنز الفوائد) لتلميذه الشيخ الكراجكي عام 1985م في (15) صفحة.
وبالرغم أنَّ مباحث الشيخ المُفيد الأصولية لم تَصلْ إلينا بشكل كامل، حيثُ أنَّ رسالتَهُ في أصول الفقه هي على ما يبدو مختصر لمباحثه في هذا العلم، إلاَّ أنَّها مهَّدتْ لمباحث أُصولية مُسْتَوْعَبَة طوَّرها تلميذه الشريف المرتضى من خلال كتابه “الذريعة إلى أصول الشريعة” الذي يمكن أنْ يُعدَّ أوّل كتاب شيعي تناولَ مباحثَ أصول الفقه بشكل مُسْتَوْعَب. وقد أصبح مصدراً من أهم المصادر في هذا العلم، وبقي مداراً للدراسة حتّى زمان المحقق الحلّي (ت: 676هـ/ 1277م).
وترجع أهميَّة الكتاب إلى أنَّ مؤلفَه استطاع أنْ يفصل بين مسائل أصول الفقه، ومسائل أصول الدين، كما نبَّه على ذلك في مقدمة كتابه هذا().
وقد ذكر المرتضى أنَّه قدَّم مباحث متكاملة في علم أصول الفقه دون أنْ يَسْتَعينَ بالكتب التي صُنّفتْ قبله()، ولعلّه أرادَ بذلك إتخاذ منهج لا يعتمد على بعض طرق الاستنباط التي تعتمدُها المذاهب السُّنيّة من استخدام (الرأي)، و(القياس).
وكان تلميذُهُ الشيخ الطوسي من أوائل الذين تنبّهوا إلى ضرورة إفراد مباحث علم الأصول بشكل مستقل، وتأليفها، محاولاً أنْ يقوم بهذه المهمة من خلال كتابه (العُدَّة). وقد أشار الطوسي في مقدمة كتابه إلى أنَّ كتاب (المختصر في أصول الفقه) هو أوّل كتاب شيعي جمع مباحث الأصول، وإنْ لم يكن متكاملاً()، كما أنكرَ أنْ يكونَ للمرتضى كتابٌ في علم الأصول على كثرة أماليه في هذا العلم على طلابه، الأمر الذي حمل الفقيه المعاصر الإمام الشهيد السيّد محمد باقر الصدر للاعتقاد أنَّ المرتضى لم يكن قَدْ أعلنَ عن كتابهِ بَعدُ، أو لم يكنْ قَدْ ألَّفه بعدُ().
ثمّ عاد الطوسي في كتابه (العُدّة) نفسهُ مقتبساً جملةَ مباحث أُصولية عن كتاب (الذريعة)، مع الإشارة إلى مواضع الاقتباس، والنقل عن أستاذهِ، وتأثّره في منهجه، ونظرياته.
ومن خلال الجمع بين النصّين يتّضح أنَّ الطوسي كتبَ المباحث الأولى من (العُدّة) في حياة المرتضى وهي الربع الأوّل من الكتاب، أمّا بقيّة الكتاب فقد ألَّفه بعد وفاته.
ويمتاز عمل الطوسي بأنَّه أرادَ أنْ يُشذِّبَ مباحث (الذريعة) عن المباحث غير الأصولية وإنْ كانت قليلة، كما أرادَ أنْ يُثبّت وجهات نظره المخالفة في بعض المسائل لوجهة نظر المرتضى، خصوصاً في موضوع (أخبار الآحاد).
إنَّ علم الأصول مِنْ خلال جهود المُرتضى والطوسي بلغ تطوّراً له أهميتُه في هذا الميدان، ولم تشهد المدرسة الشيعية كتاباً ثالثاً إلاَّ على يد فقهاء مدرسة الحلّة عندما كتبَ المحقق الحلّي كتابه (المعارج).
وقد استطاعَ المُرتضى من خلال فَهمه للاجتهاد أنْ يَضعَ قواعدَهُ، ويُنظّرَ مباحثَهُ. وترجع أهميّة عملهِ إلى أنَّ ممارسة الاجتهاد عملياً بدأتْ منذ عهد ما بعد الأئمة على يد ابن الجُنيد، وابن عقيل، وتبعهما المُفيد؛ لكنَّ وضع مباحث الاجتهاد نظرياً لم يتم إلاَّ على يده. وقد كتبَ المُحقق الحلّي في (الاجتهاد)، وأضافَ إضافةً مهمّة للمبحث الذي كتَبهُ المرتضى قبله بقرنين من الزمن، وذلك عندما أعطى مفهوماً جديداً لكلمة (الاجتهاد) أخرجها عن مفهومها الضيق الذي كان يُمثّل في تلك المرحلة الزمنية معنى رأي المُجتهد الشخصي إلى معنى عملية إستنباط الأحكام الشرعيّة من مداركها الأصلية().
وقد جرتْ عملية مُقارنة بين مباحث (الذريعة)، و(المعارج) في مبحث مدرسة الحلّة مع مقارنة آراء المرتضى، والمحقق بما كتبه العلاّمة الحلّي في كتابه (مبادئ الوصول).
الفقه المقارن
من المظاهر الفكرية التي تميّزتْ بها مدرسة بغداد التأليف في مجال (الفقه المقارن)، ويبدو أنَّ هذا الاتجاه نشأ من خلال الحرية الفكرية التي اتسمَ بها هذا العصر. فقد تصدّى الشيخ المُفيد للكتابة في هذا الميدان بكتاب سمّاه “الأعلام فيما اتفقتْ عليه الإمامية من الأحكام”() قارنَ فيه آراء فقهاء الشيعة الإمامية بمن خالفهم من فقهاء المذاهب الأخرى.
كما كتبَ المُرتضى كتابَ (الانتصار)()، درس فيه المسائل الفقهية التي انفردَ بها فقهاء الشيعة عن غيرهم من فقهاء المذاهب الإسلامية.
وقد هدفَ المرتضى إلى ردِّ الزعم القائل إنَّ الشيعة إنفردوا بمسائل أفتوا بها لم يكن فيها موافق لهم من بقية فقهاء المذاهب الفقهية الأخرى.
أمّا منهجُه في البحث فقد تركَّز على بيان المسائل الفقهيّة التي انفردَ بها الشيعة؛ بذكر المسألة أوّلاً، ثمّ عرض آراء زعماء المذاهب السّنيّة، والموازنة بينها، مستخلصاً حكمه الذي يعتبرُهُ رأي فقهاء الشيعة في المسألة، وذلك بإيراد الأدلة التي يعتمدُها من خلال القرآن، والسّنة والإجماع، والعقل. وهو بذلك استقرأ مسائل الفقه في جميع مباحثه ابتداءً من العبادات وانتهاءً بالمواريث.
وقد ذكرَ جملةً من المصادر التي اعتمدها، والتي تُعتبرُ مصادر رئيسية تعكس آراء أصحابها.
ويظهر أنَّ محاولة المرتضى كانتْ تهدفُ إلى تقريب شقة الخلاف في المسائل الفقهية باختلاف وجهات نظر فقهاء المذاهب، ومُقارنة بعضها ببعض على أساس تقديم الدليل؛ وبذلك تُوصدُ أبواب المنازعات التي لم تُبتنَ على أصول البحث الجاد.
وفي هذا المجال أيضاً وضَعَ الطوسي كتابَهُ الخلاف، الذي يُعتبرُ موسوعة للفقه المقارن تناولتْ باستيعاب المسائل الفقهية المقارنة بين الفقه الشيعي، وغيره من المذاهب غير الشيعيّة سواءً المذاهب التي لم يَدمْ لها البقاء كمذهب زُفر، والأوزاعي، والبصري، والسَّدي، والظاهري، أو المذاهب التي كُتبَ لها الاستمرار كالمذاهب السُّنيّة الأربعة.
وميزةُ (الخلاف) أنَّه أصبحَ سجلاًّ حفظ بعض آراء فقهاء المذاهب البائدة التي قد لا توجد في غيره من الكتب()، كما اُعتبر سجلاًّ هامًّا لآراء فقهاء الشيعة أيضاً. ومن خلال هذا الجهد كان الطوسي بالرغم من علمه بفقه الشيعة، وكونه من أكثر فقهائه؛ على علم بفقه المذاهب الأخرى(). وقد نهجَ بشكل أكثر استيعاباً إلى ذكر المسائل المُختلف فيها، وأدلتها، وكان يختار منها ما وصل إليه اجتهادُه().
ولم تشهد فترة ما بعد “مدرسة بغداد” عملاً فقهياً مُقارناً إلاَّ على يد العلاّمة الحلّي (726هـ/ 1325م)، أي بعد أكثر من قرنين من الزمن.
علم الفقه
أمّا في مجال الدراسات الفقهية فبالرغم من الجهود التي قدَّمها الفقهاء فإنَّ التأليف الفقهي تطوّر خلال فترة (مدرسة بغداد)، وقد وصلَ ذروته على يد الطوسي من خلال كتابِهِ (المبسوط) الذي يُعدُّ من أعظم مؤلفات شيخ الطائفة، بل من أعظم كتب الفقه في مجال ممارسة العمل الاجتهادي، وطريقة استنباط الأحكام الشرعية.
كانت طريقة التأليف السائدة في الفقه الشيعي مقتصرة على نقل الروايات الواردة عن الأئمة، واستخراج “الفتوى” منها، مع الحفاظ على ذكر إسناد الحديث.
وأوّل فقيه خَرَج على هذه الطريقة هو علي بن الحُسين ابن بابويه القُمي (260ـ329هـ/ 874ـ941م) في كتابه “الشرائع” الذي إعتمدَ فيه على الإفتاء بمتون الروايات مع حذف إسنادها، وقد بثَّ ولدُهُ الشيخ الصَدُوق (306ـ381هـ/ 918ـ991م) هذا الكتاب في متون كتبه (الفقيه، المُقنع، الهداية). وقد نَهج الشيخ المُفيد النَهجَ نفسَهُ في كتابه (المُقْنِعَة)، الذي قامَ الطوسي بتتبع مصادرهِ الحديثية بالاعتماد على الروايات الموثّقة.
وقد عوَّل الفقهاءُ على هذه الكتب، وعاملوها معاملة الكُتب الحديثية لأنَّ متونها مأخوذة من الروايات نفسها، واعتمدوا عليها عند إعوازهم إلى النصوص. وقد سمّى الفقيه السيّد حُسين البروجردي (1292ـ 1380هـ/ 1875ـ1961م) هذه الكتب بـ (المسائل المُتلقاة)، ويعني بذلك المُتلقاة عن الأئمة، كما سُمّيت أيضاً بـ (الفقه المنصوص)().
وقد مرَّ فقهُ الطوسي بمرحلتين:
الأولى: المرحلة التقليدية حيث ألّف في إبان شبيبتهِ كتاب (النهاية) الذي اعتمدَ فيه على ذكر ألفاظ الحديث بدلاً عن الفتيا، والذي هو أقرب ما يكون إلى كتب الرواية منه إلى كتب الفتوى، وقد تَسالمَ الشيعة على دراسته حتّى عصر المُحقق الحلّي الذي أزاحه بكتابهِ (شرائع الإسلام).
الثانية: مرحلة التجديد الفقهي، وذلك من خلال كتابه (المبسوط) الذي حاولَ فيه أنْ ينقلَ البحث الفقهي من نطاقهِ المحدود في اقتباس الفتوى من نصوص الأحاديث إلى ممارسة الاجتهاد بشكله العام، وذلك بتطبيق القواعد الأصولية والمقارنة بين الأحكام في عملية تُظهرُ جُهدَهُ في ممارسة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المُعتمدة.
وقد ذكرَ الطوسي في مقدمة (المَبْسُوط) أنَّ بعضَ الفقهاء (ويعني الشيعة) لم يتحمّلوا مخالفة الطريقة التقليدية في الفقه “حتّى لو استعيضَ عن المسألة الفقهية معناها بغير اللفظ المُعتاد”(). وكان هدف الطوسي من تأليف (المبسوط) منصبّاً على:
1 ـ إستيعابُ الأبواب الفقهية في كتاب واحد يشمل أصول المسائل وفروعها. وقد أشار إلى أنَّ كتُبَ فقهاء الشيعة لم تستوعب جميع المسائل الفقهية، وقد عبَّر عن هذه الكتب “بالمُختصرات”().
2 ـ التخلّص من الاتجاه التقليدي في التفكير الفقهي المُعتمد على نقل الأخبار ومحاولة الجمع بين الاتجاهين النقلي والعقلي في مضمار الدراسات الفقهية.
3 ـ الردّ على اتهام بعض فقهاء المذاهب الإسلاميّة بعدم قدرة الفقهاء الشيعة على استنباط الأحكام الشرعية لنفيهم (القياس)، و(الرأي) في الاجتهاد().
أمّا في مجال الرسائل الفقهية المُختصرة فَقَدْ تَميَّزتْ رسالة (جُمل العلم والعمل) التي كَتَبها الشريف المُرتضى باقتراح من أستاذه الشيخ المُفيد بأنّها وضِعَتْ أساساً للمبتدئين بدراسة الفقه(). ولم تقتصر على الفقه وحده، بل قدَّم لها فصلاً بعنوان “مختصر في أصول الدين” في صفحات عشرة، شمَلَ على مباحث عقائدية نظرية بحتة تشمل (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة). وهو ـ باختصار ـ أجملَ فيه اعتقاد الشيعة بالمسائل المتعلقة بأصول الدين والمذهب، وقد شَرَحَهُ الطوسي بكتاب كبير سمّاه (تمهيد الأصول في علم الكلام) ().
ويبدو أنَّ الفقهاء المتصدّين لزعامة الطائفة ـ فيما بعد ـ دأبوا على وضع رسالة فقهية تتضمنُ بيان آرائهم في المسائل الفقهية، وقد جرتِ العادة على تضمين رسائلهم هذه بمقدمة في أُصول الدين، وقد سُمِّي هذا النوع من التأليف ـ فيما بعد ـ (بالرسالة العملية). والغرض من ذلك تسهيلُ مسائل الفقه للمبتدئين للرجوع إلى فتوى (المُجتهد).
وقد تطوّرت (الرسالةُ العملية) عند الفقهاء، وأضيف إليها قسمٌ آخر مكمل لمباحث (العبادات) أسموهُ بقسم (المعاملات)، وهو يتضمّن الأحكام الفقهية التي تتعلّق بالبيع والشراء والهبة، والوقف، وغير ذلك. وقد اعتبرت (الرسالة العملية) سمةً من سمات الفقيه الذي انقادت الزعامة الدينية إليه، أو هو مُرشّح لها.
علم الحديث
أُلّفتْ في هذا العهد، الجوامع الحديثية، حيث كتب المحمدون الثلاثة أربعة كتب ما زالت تعتبر من المصادر الأصلية الأولى لعلم الحديث عند الشيعة().
وأوّل مَنْ جمع الأحاديث المروية عن الأئمة هو محمد بن يعقوب الكليني (ت: 328، أو 329هـ/ 941، أو 942م) في كتابه (الكافي) في علم الدين: الذي يُعدّ أوّل موسوعة جمعتْ أحاديث الأئمة؛ كما قام الصدوق (ت: 381هـ/ 991م) بتأليف “مَنْ لا يحضرُهُ الفقيه”. وقد أصبحَ هذان الكتابان مع كتابي الطوسي “تهذيب الأحكام”، و”الاستبصار”، مصادرَ أساسية من مصادر الحديث، وسُمّيت هذه المجاميع بـ “الكتب الأربعة”.
وبالرغم أنَّ كتابي “التهذيب” و”الاستبصار”، عُدّا من كتب الحديث الأساسية، إلاَّ أنَّ الطوسي لم يقتصر على جمع الأحاديث فقط بل مارس جُهداً إجتهادياً واضحاً في تقديم روايات الأحكام التي يبحث عنها الفقيه من خلال التوفيق بين الأخبار، والجمع بينهما. وقد اعتمد مؤلفو الكتب الأربعة على الكتب المؤلفة في علم الحديث التي جمعها قدماء مُحدّثي الشيعة ممّا وصل إليهم من أخبار الأئمة، وقد سُمّيتْ هذه المصنّفات “بالأصول الأربعمائة”.
وقد نصَّ كُتّابُ الشيعة الأوائل على أنَّ هذه الأصول أُلِّفتْ في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، وأنّ الأحاديث الواردة فيها كانت من أمالي الإمام على تلامذته.
وذكر المُحقّق الحلّي أنَّها كُتبتْ من أجوبة مسائل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أربعمائة مُصَنَّفٍ لأربعمائة مُصنِّف سمَّوها “أصولاً”(). وقد قيل إنَّ هذه الأصول أُهملتْ لاحتواء الكتب الأربعة، وجوامع الحديث عليها، وعلى غيرها من مصادر أحاديث الشيعة. وقد ضمَّن محمد باقر المجلسي (1037ـ1111هـ/ 1628ـ1699م) بعض ما عثرَ عليه من هذه الأصول كتابَه “بحار الأنوار”().
وكانت مكتبة “دار العلم” التي أسّسها عام 381هـ/ 991م الوزير أبو نصر سابور بن أردشير (ت: 416هـ/ 1025م) قد حوت على نفائس الكتب التي قدّر عددها بعشرة آلاف مُجلّد، وقد ضَمَّتْ كُتباً بخطوط الأئمة المُعتبرة، وأصولها المحررة(). وكانت هذه المكتبة بالذات مصدراً من المصادر الأولى التي ساهمَ مؤلفو كتب الحديث الأربعة بالاعتماد عليها، واستخراج كتبهم منها؛ إلاَّ أنَّ هذه المكتبة ـ كما قيل ـ أحرقها السلاجقة سنة 451هـ/ 1059م().
ويُلاحظ أنَّ فترة الاستقرار التي شَهِدتْها مدرسةُ بغداد في ظل الحكم البُويهيّ هي التي ساهمتْ في وضع كتب الحديث، ولم تظهر مجاميع حديثيَّةٌ أخرى بعد هذه الفترة؛ إلاَّ بعد قرون وفي ظل دولة شيعيّة هي (الدولة الصفوية)، حيث عادّ علماء الشيعة إلى وضع مجاميع حديثيّة أخرى أكثر ترتيباً، واستيعاباً لأبواب الحديث.
فقد ألَّف الفيض الكاشاني (1007ـ 1091هـ/ 1599ـ 1680م) كتاب الوافي، كما ألَّف الحُرُّ العامليُّ (ت: 1104هـ/ 1692م) كتاب (وسائل الشيعة)() وقد أوردا في كتابيهما ما تضمّنته الكتب الأربعة.
وجمَع المجلسي الأحاديث المروية عن النبيّ والأئمة في كتاب يُعدُّ من أوسع المجموعات الحديثية سمّاه “بحار الأنوار”، طُبع في (110) مُجلدات.
أمّا علم (دراسة الحديث) الذي يختصُّ بمعرفة الأحاديث الصحيحة عن غيرها فلم يكن من مختصات المُحدّثين، وإنَّما كان من مختصّات الفقهاء المجتهدين()، لذلك خَضعت كتب الحديث لقواعد النقد التي تكفّل بها علم (دراية الحديث). وقد ظهر معيار جديد على يد فقهاء (مدرسة الحلّة) يحدّدُهُ (سند) الحديث بعدما كان المعيار عند المُحدّثين الأوائل معتمداً في معرفة الحديث الصحيح على اعتبارات ذوقية خاضعة للرضى والتسليم().
وقد قُسّمتْ أحادايث الكتب الأربعة إلى خمسة أقسام (الصحيح، الحسن، المُوثّق، القوي، الضعيف)، ونُسِبَ هذا التقسيم إلى أحمد بن طاووس (ت: 673هـ/ 1274م)، أو إلى تلميذه العلاّمة الحلّي، وتابعهما سائر الفقهاء. وقد رفض الأخباريون ـ وهم إتجاه ظهرَ أواخر الدولة الصفوية ـ هذا التقسيم، واعتبروا أنَّ جميع الأحاديث المروية هي صحيحة حتّى لو كانت نسبة الكتاب إلى مؤلفهِ غير متواترة().
وفي هذا المضمار قدَّم زين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني (911ـ 965هـ/ 1505ـ 1558م) دراسة مستفيضة عن (سند) أحاديث الكافي، وانتهى الى أنَّ كتاب الكافي ضمَّ (5072) حديثاً صحيحاً، و(144) حديثاً حسناً، و(1118) حديثاً موثّقاً، و(302) حديثاً قويّاً، و(9485) حديثاً ضعيفاً. كما قام الفقيه جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني (959ـ1011هـ/ 1552ـ1602م) باستخراج الأحاديث الصحيحة من الكتب الأربعة، وألَّف منها كتاباً سمَّاه (مُنْتَقى الجُمان في الأحاديث الصحاح والحسان)، لكنَّه لم يكمل عمله الذي يُعتبرُ متفرداً بين جهود فقهاء الشيعة().
علم الرجال
مضافاً إلى جهود الطوسي في مجال علم الحديث يظهر جهده في مجال علم الرجال المختص “بتشخيص رواة الحديث”(). ولمّا كانت أحاديث النبيّ والأئمة تُشكّل مصدراً من مصادر التشريع، كان تمييز صحيح الأخبار عن غيرها متعلّقاً بمعرفة الرواة، وناقلي الأحاديث الذين عن طريق معرفة وثاقتهم تُعرفُ صحةُ الحديث.
وقد اعتُمدتْ “كتبٌ أربعة” في علم الرجال؛ كان أقدّمها رجال الكشي، الذي كان معاصراً لابن قولويه المُتوفى عام 369هـ/ 979م، المُسمّى (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين)؛ إلاَّ أنَّ هذا الكتاب لم يَصلْ إلاَّ عن طريق الطوسي بعدما وجدَ فيه أغلاطاً كثيرة كانت تستوجب التصحيح من قِبله()، وقد سمّاه “إختيار الرجال”، وأملاهُ على تلامذته أيام إقامته في النجف سنة (456هـ/ 1064م). أمّا الكتاب الثاني فهو كتاب (الرجال) للنجاشي (ت: 450هـ/ 1058م) الذي يُعتبرُ عمدة الأصول الرجالية نظير الكافي في علم الحديث().
أمّا الكتابان الآخران فهما (الرجال) و(الفهرست) للطوسيّ.
رتَّبَ الطوسي كتابَ (الرجال) على أبواب بعدد رجال أصحاب النبيّ، وأصحاب كلّ واحد من الأئمة، وقد تضمَّن ما يقارب (8900) اسم، وكان غرضه محاولة جمع أسمائهم، وتمييز طبقاتهم().
أمّا (الفهرست) فقد ذكر فيه أصحاب الكتب والأصول مع المحافظة على ذكر أسانيد الرواة عنهم، وأحصى ما يزيد على (900) إسم من أسماء المُصنّفين(). وقد عَمَدَ الطوسي في (الفهرست) إلى تمييز الرواة، وما قيل فيهم من الجرح والتعديل لغرض التعويل على رواياتهم، أو عدمه، وأمّا في الرجال فقد أحصى مؤلفي الشيعة فقط دون تمييز الممدوح منهم من المذموم().
وقد حاول الطوسي من خلال كتابيه أنْ يسدَّ الثغرة التي ظهرت في علم الرجال بعد فقدان كتابين مهمين ألّفهما أحمد بن الحسين الغضائري (ت: 411هـ/ 1020م)، وأشار إلى أنَّ عمله لم يستوف ذكر جميع أسماء المؤلفين لاستحالة الإحاطة بهم في البلدان المتفرقة في ذلك الوقت().
وقد استدرك مُنتجب الدين ابن بابويه الرازي (كان حيّاً عام 600هـ/ 1203م) عليه بكتاب (فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنّفيهم)، كما استدرك عليه ابن شهرآشوب (ت: 588هـ/ 1192م) بكتاب (معالم العلماء). وقد اشتمل الأوّل على (553) مؤلفاً، كما اشتمل الثاني على (1021) إسماً. وقد تصدّى هذان المُحدّثان لتتمة (فهرست) الطوسي في عصر واحد، ولم يعلم كلٌّ منهما بعمل الآخر().
وقام القهبائي (كان حيّاً عام 1016هـ/ 1607م) بجمع الكتب الرجالية الأربعة في كتاب واحد سمّاه (مجمع الرجال)().
الخلاصة
1 ـ وضع زعماء مدرسة بغداد وهم (الشيخ المفيد، الشريف المرتضى، الشيخ الطوسي) أساسَ التفكير العقائدي للشيعة.
2 ـ بلغَ علم أُصول الفقه درجة من التكامل على يد المرتضى، وذلك باستقلاله عن مسائل علم الكلام، والتخلّص منها نسبياً.
3 ـ تطوَّر الاستدلال الفقهي من مرحلة الاعتماد على النصوص الحديثية في استخراج الفتوى والحكم الشرعي، إلى عملية ممارسة اجتهادية تعتمدُ المصادرَ الأساسية للتشريع.
4 ـ شهدتْ هذه الفترة ظهور علم الحديث، وعلم الرجال معاً؛ حيثُ جُمعت الكتب الأربعة في علم الحديث، والكتب الأربعة في علم الرجال.
5 ـ كتب المرتضى مبحثاً حول (الاجتهاد)، ومبحثاً حول (التقليد). وقد تعرّض إلى الشرائط، والضوابط المتعلقة بهما؛ ممّا يدل على أنَّ مبدئي الاجتهاد والتقليد كانا معروفين منذ ذلك العهد.
6 ـ الاتجاه السائد لدى علماء مدرسة بغداد كان اتجاهاً علميّاً محافظاً، ولم تسجّل هذه الفترة نشاطاً سياسياً مهماً لهم.
تفصيل مفردات البحث
وفقاً لمنهجنا في دراسة التاريخ الإسلامي فإنَّ النتائج التي تختصُّ بفقهاء مدرسة بغداد في العصر البوبهي تتلخص بما يلي:
1 ـ كان فقهاء بغداد من رجال الفكر والحكم معاً، وأنَّ مدينة بغداد كانت مسرحاً لنشاطهم الثقافي، وإشرافهم على المنظومة الدينيّة للبلاد. إلاَّ أنَّ طبيعة سلطتهم، ومداها، وجميع التفاصيل المتعلّقة بها طُويت ضمن سجلات التاريخ الأصلي الذي انتُهبت صفحاتُه بالاستلاب.
2 ـ هذه المرحلة بالذات هي إحدى مراحل التطوّر العلمي، وليست مرحلةً أُسّستْ فيها العلوم، كما صوّرتها النصوص. وما يخصّ تراث المراحل السابقة عليها فقد إختفى ضمن فصول التاريخ الإسلامي الذي لم يصل إلينا.
3 ـ صوّرت النصوص أنّ السلطة العباسيّة كانت بيد الأتراك، وقد تدهورت مركزيتُها بسبب وقوع الفتن داخل مؤسساتها أوّلاً، واستقلال الأمراء بأطرافها ثانياً.
4 ـ أوحت النصوص أنَّه لم يبقَ للخليفة العباسي من السلطة سوى مدينة بغداد ونواحيها ما بين دجلة والفرات(). ممّا أُضطرَّ الخليفة المستكفي بالله (333ـ 334هـ/ 945ـ 946م) إلى دعوة البويهيين لاستلام السلطة بالعراق، والتخلّص من نفوذ الأتراك.
5 ـ صوّرت المنقولات أنَّ البويهيين دخلوا بغداد سنة 334هـ/ 946م، وأسقطوا الخلافة العباسية، وتركوها خلافةً صُورية، تتمثّل بشخص الخليفة فقط دون إسناد سلطة إليه.
6 ـ الشك في ثبوت امتداد حكم الخليفة العباسي حتّى ولو كان، كما صوَّرته النصوص، صُورياً، معنويّاً، لأنَّ تركيبة الأحداث على هذه الشاكلة تُضعضعُ دون إسناد سلطة إليه.
7 ـ أوحت تحليلات النصوص أنَّ البويهيين كانوا منفتحين فكرياً على جميع الاتجاهات، ولم يتبنّوا مذهباً دينيّاً محدّداً، فتركوا الناس على عقائدها. لكنّها عادت فذكرت أنَّ البويهيين هم شيعة زيدية، تبنّوا المذهب الإثني عشري فيما بعد مجاراةً لشيعة أهل العراق.
8 ـ ذكرت النصوص أنَّ البويهيين هم أوّل مَنْ أحبّوا الشعائر الشيعيّة المتعلّقة بعيد الغدير، وذكرى عاشوراء وقد تطوّرت الشعائر الحُسينيّة، وما يتّصل بها في عهدهم بما لم يسبق إليه في العهود الأولى.
كما ذكرت النصوص نفسها أنَّ البويهيين أنفسهم، في مرحلة زمنية تالية، وقفوا ضد الشعائر الحُسينية، ومنعوها، إرضاءً للسُنّة، وخشيةً من قيام الفتن الطائفية ببغداد.
والذي يبدو من سياق مجرى حوادث التاريخ وتسلسلها أنَّ مثل هذه الفتن لا وجود لها في هذه المرحلة ببغداد. فلم يقم البويهيون باختراع الشعائر الحُسينيّة وإدخال الطقوس المعروفة اليوم، وإنّما حدث ذلك فقط في ظلّ الدولة الصفوية، وبالتحديد في عهد الشاه عباس الصفوي.
والدليل على ذلك أنَّه لا يوجد نصّ تاريخي يشيرُ إلى وجود مثل هذه الشعائر في الفترة التي تلت سقوط البويهيين إلى قيام الصفويين. وهي فترة تقرب من ستمائة سنة.
والأغرب من ذلك أنَّ فترة العلاّمة الحلّي التي شهدت النصوص بانتشار التشيّع خلال الإمبراطورية الإيلخانية، لم تشهد أي خبر عن وجود ما يُسمّى بالشعائر الحُسينيّة، أو القيام بإحيائها على الطريقة المُتعارفة اليوم.
9 ـ أوردت النصوص أنَّ تحرّك الخليفة القادر ضد الفاطميين كان بتبنّيه الاتجاه السلفي، والاعتماد على أتباعه، والطعن بالنسب العلوي للفاطميين، ونسبة الكفر لهم، وإشراك علماء الشيعة في توقيع محضر وضعوا تواقيعهم الدالة على نفي الفاطميين الانتساب إلى البيت النبوي().
وقد أصبحت الدعوة الفاطمية فعّالة داخل الإمبراطورية العباسية بعد ثورة الوزير أبي الحارث إرسلان بن عبدالله البساسيري، وسيطرته على عاصمة العباسيين، بغداد، وإعلانها عاصمة تابعة للفاطميين سنة 450هـ/ 1058م. قيل: إنَّ البساسيري خطب للمستنصر بالله على المنابر من المحيط الأطلسي حتّى البحر الأحمر ـ هكذا وردت العبارة ـ()!.
بقي البساسيري عاماً واحداً، ثمّ استُردَّ الحكم منه بعد مقتله عام 451هـ/ 1059م.
10 ـ سُطِّرَ تاريخ هذه المرحلة بنصوص تتداخل حوادثها فيما بينها تداخلاً يُفضي إلى تهشيم الحوادث بعضها للآخر. كما أنَّ نتائج النصوص جميعها، كما وردت على لسان المؤرّخين، تهدف إلى تهشيم جميع الشخصيّات التي تكلَّمت عليها النصوص، ووصفت أعمالها أو أفعالها السياسيّة والدينيّة على السواء، دون النظر إلى الميزة المذهبيَّة أو الدينيّة، أو العرقية، أو غير ذلك.
11 ـ صوَّرت النصوص أنَّ صراع الممالك والإمبراطوريات، في هذه المرحلة، بل في جميع المراحل الزمنيّة المتقدّمة والمتأخّرة، قام على عمد واحد هو الصراع المذهبي، السُني ـ الشيعي، ولا يوجد حافزٌ آخر سواه.
هناك أمثلة على ذلك:
المثال الأوّل: قتل المخالفين.
نسبت النصوص للخليفة القادر بالله (381ـ 422هـ/ 991ـ1031م) أنَّه بعث إلى السلطان محمود الغزنوي ببلاد فارس سنة 408هـ/ 1017م يأمُره ببثّ السُنة بخراسان. ففعل ذلك، وبالغ، وقتل جماعة، ونفى جماعة من المعتزلة، والرافضة، والإسماعيلية، والجهميّة، والمشبّهة، وأمر بلعنهم على المنابر.
وقد انصاع السلطان الغزنوي لأوامر الخليفة العباسي واستنَّ بسنته في قتل المخالفين، ونفيهم، وسجنهم.
المثال الثاني: إحراق الكتب.
في عام 420هـ/ 1029م قام السلطان محمود الغزنوي بإحراق كتب المخالفين. فأحرق خمسين حِمْلاً ـ هكذا ورد العدد ـ، ما عدا كتب المعتزلة، والفلاسفة، والروافض، فإنّها أُحرقت تحت جذوع الذين صلبهم، لأنَّها تُعتبرُ من أصول البدع.
يقول النصّ: فخلت هذه البقعة من دُعاة الباطنيّة (الإسماعيلية)، وأعيان المعتزلة والروافض().
12 ـ قيل إنَّ حركة الحسن الأطروش (الناصر الكبير) قامت إبّان عهد الخليفة المقتدر بالله، حيث دخل طبرستان سنة 302هـ/ 914م، وأسلم أهلُها على يديه، مُزيحاً النفوذ العباسي ـ الساماني عنها. (كانت طبرستان تحت سلطة حاكم يُعيّن من قبل الأمير الساماني التابع للخلافة العباسيّة).
وقد نجح الناصر الكبير ـ كما تصوّر سيرته النصوص ـ بالقضاء على النظم الإقطاعية السائدة ببلاد الديلم.
كان الأطروش شاعراً، وإماماً في الفقه والدين، وزعيماً للإمارة العلوية بطبرستان، لُقّب بألقاب عدّة، منها: الناصر، ناصر الحقّ، الناصر الكبير، الداعي للحقّ.
وقد صوّرت المنقولات أنَّ دولته بطبرستان أصبحت في صراع عسكري مع الخلافة العباسية، حيث بقي جيشها يُنازل جيوش العباسيين في جناح الدولة الشرقي، ويُلحق بها الهزائم، ممّا سبَّب اضطراب دولة الخلافة، وتخوّفها منه. كما أصبحت هذه الدولة سبباً للسيطرة على عاصمة الخلافة العباسيّة بعد دخول البويهيين بغداد سنة 334هـ/ 946م.
وبالرغم أنَّ النصوص ذكرت أنَّ طبرستان بقيت بأيدي العلويين حتّى مقتل الداعي الصغير، الحسَن بن القاسم سنة 316هـ/ 928م حيث انقرض بموته النفوذ العلوي بطبرستانن إلاَّ أنَّها عادت لتذكر أنَّ طبرستان العلوية نفسها أثَّرت في سقوط بغداد سنة 334هـ/ 946م والسيطرة على الخلافة العباسية().
الأطروش بين الزيدية والإثني عشرية
13 ـ ذكرت أغلب المصادر أنَّ الحسن الأطروش كان زيديَّ المذهب، وقد أكَّدت جميع دراسات المستشرقين على أنَّ نشوء الدول الزيدية كان مبكراً في تلك البقاع، وأنَّ الأطروش كان من أئمتهم.
إلاَّ أنَّ علماء الإمامية كما ظهر في كتاباتهم، ومناقشاتهم للنصوص أكّدوا أنّه إمامي إثنا عشري، وليس زيديَّ المذهب.
قال الأفندي: “الناصر الكبير من عظماء الإمامية، وإن كانت الزيدية أيضاً يعتقدونه، ويدرجونه في جملة أئمتهم. وقد يظنّ في حقّه أنَّه زيدي المذهب، لكنّه بريءٌ عن ذلك المذهب”().
وقد ذكر الأفندي أنَّ الناصر، أو ناصر الحقّ هو صاحب مؤلفات على طريقة الشيعة الإمامية، والزيدية أيضاً. وورد في كتاب رجال النجاشي تعداد لبعض أسماء المؤلفات التي يظهر بُعدُ نسبتها إليه من خلال عناوينها().
14 ـ إنَّ نسبة الأطروش إلى الزيدية أو الإمامية قد تُوحي بنصوصها أنَّها من المسائل التاريخية العادية، التي تمرُّ بين السطور مروراً عابراً، إلاَّ أنَّ النسيج الذي صيغت به هذه المقولة، والمناقشة التي دارت حولها اتّسعت لتشمل مداراً أوسع ممّا وُضعتْ له.
15 ـ طبيعة الجذب والشدّ في نسبة الأطروش إلى المذهبين الزيدي والإمامي بحدّ ذاتها تُوحي بوجود الحكم المذهبي للتاريخ دون سواه. وهذا ما اتَّسم به تاريخ الإسلام غير النصوص التي اشتركت في تشويهه.
16 ـ أوحت مقولات الشيخ البهائي أنَّ الناصر الكبير كان يدعو الفرق المختلفة في المذاهب إلى نصرته، لذا كان يتطلّب منه أنْ يؤلّف القلوب ويوحّدها لئلا ينصرف الناس عنه.
من هنا كان يجمع بين فقه المذاهب المختلفة في العبادات وغيرها، حيث أظهر الجمع بين الغسل والمسح في الوضوء، وبين قنوت الإمامية والشافعية (كما تضمّنته كتبه).
أمّا في موضوع زواج المُتعة فقد أظهر التوقّف والتردّد في تحليله وتحريمه، حيث قال: “التوقف عند اختلاف الأمّة هو الصواب”().
17 ـ ذكر البهائي، أنَّ الأطروش لم يدّع الإمامة لنفسه، وأنّ أصحابه اعتقدوا أنّه هو إمام زمانه. وربّما أثبتَ الأتباع لمتبوعهم أموراً هو بريء منها. كما زعم النصيرية أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) “هو فاطر السماوات والأرض”، وأصرّوا على اعتقادهم. فإذا اعتقد جماعة من العقلاء الألوهيّة في علي (عليه السلام)، فليس عجيباً من اعتقاد جماعة من العقلاء الإمامية في ناصر الحق().
ويُلاحظ:
1 ـ إنَّ الكثير من هذه المسائل الفقهية أو التاريخية أصبحت من المسلّمات لدى المتأخرين، وإنْ كان لا يرقى الاختلاف فيها إلى تلك المرحلة الزمنية المتقدّمة في تاريخ الإسلام.
2 ـ لا يمكن إثبات مثل هذه المنقولات على أنَّها من الحقائق المسلَّمة التي تُبتنى عليها حوادث تاريخية أخرى. وإلاَّ فجميع النتائج ستكون مجانبة للصواب.
18 ـ إنعدمت رؤية الحُقبة الزمنية التي جاءت بعد مرحلة ما يُسمّى بالغيبة الكبرى انعداماً مطلقاً سوى بعض المتفرّقات التي لا تشكّل تاريخاً لتلك المرحلة، أو شيئاً من التاريخ.
19 ـ أوحت المرويات أنَّ إبتداء تاريخ فقهاء الشيعة كان مقترناً بالشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (336ـ413هـ/ 948ـ1022م) وأنَّه هو المؤسّس لعلم الكلام، والجدل، والعقائد، مضافاً إلى الفقه، والفقه المقارن، وغير ذلك من العلوم.
وبذلك لم يَعُدْ بالإمكان تصوّر مرحلة ما قبل الشيخ المفيد إلاَّ بما يُقترن بشتات من المعلومات المقتضبة حول الفقيهين ابن الجُنيد، وابن عقيل اللذين ضاع تأريخهما العلمي والسياسي معاً، ولم يبق منهما ما يُستدل به عليهما.
أمّا تاريخ الفقهاء، وما يتّصل بالمرحلة التي قبل هذه العهود فلا أثرَ لها على صفحات الكتب التاريخية المُتَداولة.
20 ـ من النصوص المنسوبة إلى المؤرخين، هذان النموذجان في تعريف الشيخ المفيد:
النصّ الأوّل: (المنسوب إلى الخطيب البغدادي) يقول عن المفيد: “شيخ الرافضة، المتعلّم على مذاهبهم. صنَّف كتباً كثيرة في ضلالاتهم، والذبّ عن اعتقاداتهم ومقالاتهم، والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين، وعامّة الفقهاء والمجتهدين. وكان أحد أئمة الضلال. هلكَ به خلقٌ من الناس، إلى أنْ أراح الله المسلمين منه”().
النصّ الثاني: (المنسوب للصفدي)، يقول:
“كان رأس الرافضة، صنَّف لهم كتاباً في الضلالات، والطعن على السلف”().
ويُلاحظ على النصَّين:
1 ـ إنَّهما مكتوبان بقلم واحد، ومتضمنان وصفاً مشتركاً.
2 ـ إنَّ مصطلح “الرافضة” لم يكن له وجود في هذا القرن، ولا قبله. وهو من المصطلحات المستحدثة التي سُرّبت إلى كتب التاريخ للإيحاء أنَّ الصراع الطائفي في الإسلام له جذوره الضاربة إلى أيام ظهوره الأولى.
وقد مرَّ الحديث على هذا المصطلح عند الحديث عن جماعة (الرافضة) الذين انقلبوا على الإمام زيد بن علي (عليه السلام) في كتابنا “تهشيم التاريخ”.
21 ـ أوردت النصوص أنَّ زعيم الشيعة الشيخ المفيد كان من الشخصيّات المقرَّبة لجهاز السلطة، وأنَّ حاكم العراق عضد الدولة البويهي كان يزوره بداره، ويعقد له المجالس العلمية، والمحاضرات وقد اقتطع له بعض الأراضي للنفقة على طلبة العلوم، كما أهدى له هدايا فخمة عندما نجح في إفحام خصومه في بعض المناظرات.
النصوص نفسها تؤكد أنَّ البويهيين أنفسهم نفوا الشيخ المفيد مرّتين بسبب الصراعات الطائفية التي نشبت بين الشيعة والسنّة ببغداد.
حاول بعض الكتّاب أنْ يُعلّل سبب نفيه إلى فشل السياسة البويهيّة. يقول الدكتور هاورد Haward: “فشل البويهيون في حفظ النظام، كما أخفقوا في إظهار عدالتهم، فأخذوا يبحثون عن كبش فداء بين الشيعة، فما وجدوا ضالتهم إلاَّ بالشيخ المفيد، بالرغم أنَّه لم يكن مسؤولاً عن أي مجال للتحريض على الفوضى”().
كما أخفت المصادر التاريخية الجهة التي توجَّه إليها المفيد، عند نفيه عن بغداد، ليُتَّخذ موضوع نفيه متَّسعاً للتأويل.
والحال أنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث أبداً، فلم يُنفَ الشيخ المفيد عن بغداد، ولم تكن معادلة الأحداث كما صوّرتها النصوص التي لا تنطبق على الواقع.
22 ـ صوّرت النصوص حالة بغداد عند مجيء شيخ الطائفة الطوسي بأنَّها كانت تحتوي على نهضة علمية عالية بوجود المدارس، ودور العلم والمعاهد، والمكتبات الشهيرة الفخمة().
أمّا خراسان التي نزح منها الطوسي فكانت في هذه المرحلة ذات حكم سنيّ متعصب بفعل مطاردة السلطان محمود الغزنوي للشيعة في عرض البلاد وطولها.
فنزوح الشيخ الطوسي إلى العراق كان بفعل الصراعات الطائفيّة المذهبية، وهي الصيغة التي اصطبغت بها كتب تاريخ الإسلام.
والحال أنَّ الواقع نفسه يكذّب مثل هذه المزاعم، خصوصاً ما يتعلّق بالحكم ورجاله، حيث تختفي فيه جميع هذه الفوارق وتتلاشى.
23 ـ في حياة الطوسي نقطتان تاريخيتان مهمتان كلتاهما لا أصل لهما من الواقع:
الأولى: منح الخليفة العباسي القائم بأمر الله (422ـ467هـ/ 1031ـ1075م) كرسي الكلام له، تقديراً لمقامه العلمي، وهذا الكرسي لا يُعطى إلاَّ للقليلين من كبار العلماء، ولرئيس علماء العصر.
الثانية: إضطهادُه عند دخول السلاجقة بغداد، وهربه إلى النجف بعدما تعرّضت دارُهُ للنهب، وأحرقت كتبه وآثاره، مع كرسي التدريس الذي منحه الخليفة له().
أمّا ما يخصُّ كرسي الكلام فلم يُعرف هل أنَّه منصب رسمي، أم هو منصب اعتباري تقديري؟
ظاهر المنقولات يوحي بأنَّه منصب فخري يدلّ على احترام الجهة التي منحته له.
وما يخصّ حادثة اضطهاد الطوسي، وهربه إلى النجف، فإنَّ النصوص أكّدت على اختفائه عاماً واحداً (447هـ ـ 448هـ) ببغداد، ثمّ رحيله إلى النجف، واستقراره فيها.
وعلى ذلك يظهر من مجرى الأحداث:
أ ـ إنَّ اختفاء الطوسي وإحراق كتبه وآثاره كان بسبب الطائفيّة المذهبيّة السُنيّة التي جاء بها السلاجقة. مع العلم أنَّ النصوص العامّة أكّدت على أنَّ الطوسي ببغداد كان أستاذاً لجميع المذاهب الإسلاميّة، وقد تخرّج على يديه ثلاثمائة مجتهد ببغداد، من مختلف المذاهب الإسلامية. (إلاَّ أنَّ مائتين وخمسين إسماً منهم إختفى، ولم يُعرف عنهم شيئاً). فأين العمل الطائفي المذهبي الذي استحقّ المطاردة عليه؟!.
ب ـ إذا أراد السلاجقة إدراك هدفهم في القضاء على الشيخ الطوسي، أو اعتقاله، فكيف استطاع الإفلات منهم خلال عام واحد ببغداد، ثمّ البقاء بالنجف إثني عشر عاماً كاملة دون أنْ يتعرّض له أحد، والمسافة بين بغداد والنجف غير بعيدة؟
24 ـ حاولت النصوص أنْ تُضفي على شيخ الطائفة الطوسي صفة الموسوعيّة، حيث قيل إنّه صنَّف في كلّ فنون الإسلام، ونَسَبتْهُ إلى التجديد().
إلاَّ أنَّ هذه النصوص المنسوبة إلى المؤرخين السُنّة عادت بعدما وصفته “بفقيه الشيعة ومصنّفهم”، فنسبته إلى المذهب الشافعي.
ونُسب للصفدي قوله في وصف الطوسي: “تفقّه الطوسي للشافعي، ولزم المفيد، فتحوّل رافضيّاً”().
ويُلاحظ أنَّ مثل هذا الإيقاع الداخلي للعبارة من جهة، والمعادلة الرياضيّة ذات النتيجة الموهومة، من جهة ثانية، هما بحدّ ذاتهما كافيان لإبعاد مثل هذه النصوص التي تُجلُّ نسبتُها عن أمثال مؤرخين كبار كالصفدي، وغيره.
25 ـ نقلت النصوص نفسها قصة إتهام الخليفة القائم بأمر الله للشيخ الطوسي بأنَّه تناول الصحابة بما لا يليق بهم، فأحضرهم الخليفة، واستجوبه بالتُهمة. وقد أعلن الطوسي بطلانها.
أمّا قصّة الاستجواب فهي كالآتي:
نقل الطوسي في كتابه (المصباح) فقرة (دعاء يوم عاشوراء)، هذا نصُّها: “اللَّهُم خُصَّ أوّل ظالم باللعن منّي، وابدأ به أوّلاً، ثمّ الثاني، ثمّ الثالث، ثمّ الرابع، والعن يزيد خامساً”!.
ولمّا سمع الخليفة بها حاول استجواب الطوسي عنها، لأنَّها تمسّ الخلفاء الراشدين، فأجابه الطوسي: الظالم الأوّل: هو قابيل بعدما قتل هابيل. والثاني: عاقر ناقة صالح، وإسمه قيدار بن سالف (هكذا ورد إسمُه)، والثالث: قاتل يحيى بن زكريا، والرابع: عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي (عليه السلام)().
ولا تحتاج هذه الرواية الفولكلورية إلى تعليق.
د. جودت القزويني
من نوادر الآثار الخطية
سفينة الراكب في بحر محبّة علي بن أبي طالب
للسيّد مهدي القزويني المُتوفى سنة 1300هـ
تحقيق: جودت القزويني
مقدمة المحقق
هذه الرسالة من مؤلفات العلاّمة السيّد مهدي القزويني، وهي تقع ضمن مجموعة من رسائله المخطوطة في مجلّد يناهز الأربعمائة صفحة. وقد تضمّن المجموع اثنتي عشرة رسالة في العقائد والفلسفة والتفسير والحديث وعلم الأصول. وتقع رسالة “سفينة الراكب في بحر محبة علي بن أبي طلب” في عشرين صفحة من النسخة المخطوطة (227ـ248). والمخطوطة مكتوبة بقلم الشيخ حسن بن الشيخ علي الحلّي وهي محفوظة عندي، وأكثر رسائله صدرت بتحقيقي.
وقد طابقتُ هذه الرسالة “سفينة الراكب” مع نسخة أخرى وجمعتُ بينهما في نصّ موحّد، ولم أثقل القارئ بالاختلافات الطفيفة والجزئية بين النسختين، وقد أشرتُ إلى المهم منها.
بغداد ـ 28 رجب 1392هـ/ 7 أيلول 1972م
جودت القزويني
مقدمة المؤلف
الحمدلله ربّ العالمين الذي جعل محبّته في قلوب أوليائه نوراً يستضاء به إلى معرفته، وطريقاً دالاً يهتدى به إلى طاعته، وحبّب إلى قلوب عباده أولياءه، وجعل محبتهم نفس محبته، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم عين معصيته()، إذ كان سبحانه {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}()، ولا تحيط به الأفكار، ولا يستدل عليه إلاّ بالآثار بعد محو الأوهام والأغيار، فجعلهم أعظم آياته، وأجلى دلالاته، بعد أنْ كانوا هم السبيل إليه، والإدلاء عليه، وصلّى الله على محمد المصطفى من دون بريته بمحبته، والمخصوص من دونهم بمعرفته، وعلى آله الذين أمرَ عبادَه بمودتهم، وندب إلى محبتهم، حتّى جعلَ مودتَهم أجر الرسالة() وعوض الهداية والدلالة.
وبعد: فيقول الراجي عفو ربّه الغني؛محمد بن الحسن المدعو بمهدي الحسيني الشهير بالقزويني؛ إنّه لما كان الحديث المشهور، والصحيح المأثور، المروي عند الفريقين من العامّة والخاصّة الوارد عن النبي الأمين (صلّى الله عليه وآله أجمعين)، في حقّ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيّد الوصيين، وإمام المتقين، ويعسوب الدين، علي بن أبي طالب، والد الأئمة الميامين، عليهم سلام الله أجمعين. قال (صلّى الله عليه وآله) في حقّه خاصّة: “حبُّ عليّ حَسنةٌ لا تضرُّ معها سيئة، وبغضُهُ معصية لا تنفعُ معها حسنةٌ”، من الأحاديث التي أشكل الأخذُ بظاهرها على قلوب من لم يجعل الله تعالى له نوراً يهتدي به إلى معرفته، ولا ضياءً يستضيء به إلى الفوز بمحبته، حيث أنَّ العمل بظاهره موجب للقول بإباحة العصيان والعقوق، وداعي إلى تسامح العباد بالطاعة والفسوق، وما ذاك إلاَّ لما أصابهم في الوصول إلى حقيقة معناه من العجز، ولم يدركوا ما فيه من الإشارات والرمز، حتّى أنَّ أكثرَ العلماء في الأمصار جعلوه غرضاً للأفكار، ولم يصلوا إلى الحقّ من معناه والصواب،
وقد أخطأ سهمُ الجميع وما أصاب، وربّما تعرّض بعضهم للجواب، ولم يأتِ بشيء عجاب.
الصفحة الأولى من مخطوطة “سفينة الراكب”
وقد التمسني مَنْ لا يسعني مخالفته، ومَنْ حقّتْ عليَّ إجابته أنْ أشرحه شرحاً يذلّل منه الصعاب، ويميط() عن وجوه أبكار معانيه الحجاب، ويكشف عن مخدرات حقائقه النقاب، فأجبتُه مسرعاً إلى مسؤوله، ومبادراً إلى نيل مأموله، وعلى الله التوفيق، وإنّه بالهداية حقيق، وسمّيتُه “سفينة الراكب في بحر محبة علي بن أبي طالب”، ورتبته على مقدمة ومشارق وخاتمة.
المقدمة
في بيان متن الحديث وسنده
أمّا المقدمة ففي بيان متن الحديث المشهور وسنده، وما ورد ممّا يقرب من لفظه ومعناه ومورده.
فنقول والله المستعان وعليه التكلان: روى الخوارزمي في المناقب قال أنبأني مهذّب الأئمة أبو المظفر عبد الملك بن علي بن محمد الهمداني قال: أخبرني أحمد بن نصر بن أحمد قال: أخبرني الحسين بن علي بن العباس الفقيه قال: أخبرني أبو محمد عبدالله بن محمد الهروي أخبرني سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدّثني محمد بن يوسف الضبي قال: حدّثنا محمد بن سعيد الخزاعي حدّثني عمرو بن حمزة أبو أسد القيسي، حدّثني خلف بين مهران أبو الربيع عن أنس بن مالك
قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “حبُّ علي حسنة لا تضرُّ معها سيئة، وبغضُهُ سيئة لا تنفع معها حسنة”().
قال في مجمع البحرين: وفي المشهور بين الفريقين: “حبُّ علي حسنة لا تضرُّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة”().
وروي بطريق آخر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) كما رواه الخوارزمي في الأربعين، والديلمي في الفردوس: “يا عليُّ حبُّكَ حسنة لا تضرُّ معها سيئة، وبغضك سيئة لا تنفع معها حسنة”().
وروى الزمخشري كما في الحديث القدسي بمعناه: الصفحة الأخيرة من مخطوطة “سفينة الراكب”
“لأُدخلُ الجنّةَ مَنْ أطاع علياً وإنْ عصاني، وأُدخلُ النار مَنْ عصاه وإنْ أطاعني”().
وفي الصراط المستقيم: قد أجمع المسلمون على قوله (صلّى الله عليه وآله): “حبُّ عليّ يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب”().
وقال: قال صاحب الوسيلة أنّه من خصائصه. ويأتي ممّا يدل على هذا المعنى ونحوه من طرق الفريقين ما يزيد على ألف رواية.
وورد مثل ذلك في حقّه وفضله (عليه السلام) ممّا ليس فيه كلام، بل عليه إجماع علماء الإسلام، والكتاب والسنّة ناطقان بما يدلُّ على هذا المرام، ولم يناقش فيه إلاّ بعض مَنْ أخذه التعصّب والعناد، وألقاهُ الغيُّ والبغضُ لعلي (عليه السلام) في حفرة الإلحاد، إلى أنْ خَرَجَ بذلك عن حدِّ الإسلام إلى الكفر والجحود، وجحد الحق مع ظهوره كما جحد عادٌ وثمود، فادّعى مرّة أنَّ الحديثَ مكذوبٌ، وأُخرى بعد تسليمه لو صحَّ لنفعَ حبُّه أباه لمعلومية حبّه له مع أنَّه رُويَ أنَّ في رجليه نعلين يغلي منهما دماغه، ولو سَلِمَ لَزِمَ إحباطُ أعمال أكثر الناس لزعمكم أنَّ أكثر الناس يبغضه، وقد كذّب القرآن ذلك بمدحه للصحابة ولمن يعمل صالحاً بقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8} ونحوها ولم يشترط فيه حب علي (عليه السلام) ولا بغضه. ولو كان حبُّه حسنة لا يضرّ معها سيئة لم يضرّ ترك العبادات ولا فعل المنهيات وبطل الحدود والتواعدات.
ولا إشكال في فساد ما ذكره إمّا من جهة السند فقد عرفت روايته في كتب الفريقين. وإمّا من جهة الدلالة والمعنى فتحقيق الجواب عنه يتم في مشارق()
المشرق الأوّل: في بيان لفظ الحديث
1 ـ في بيان معنى (الحبّ):
أمّا (الحُبُّ) بضم الحاء: المحبة. وبكسرها: الحبيب. وحبّب إليَّ الشيء نقيض كَره. ومن كلام بعضهم “كلّ ذنب محبوب”، ومعنى كونه محبوباً ميل النفس إليه، فإذا قوي الميل سُمّي عشقاً.
وحببته أحبّه من ناب ضرب، والقياس أحبّه “بالضم”، لكنّه غير مستعمل. وأحبّه من باب تعب لغة.
و”تحابوا”: أي أحبّ كلّ واحد منهم صاحبه. وتحابا في الله اجتمعا عليه بعمل صالح، ومنه “أين المتحابون بجلالي”، أي بعظمتي وطاعتي في الدنيا، والجلال العظمة.
وفي الحديث “حبُّ الرسول من الإيمان”() والمراد اتباعه فلا يردّ، كما قيل إنَّ الحبَّ أمر طبيعي لا يدخل فيه الاختيار.
ويمكن أن يراد الحبّ العقلي النفسي كالمريض يكره الدواء، ويميل إليه لما فيه من النفع. فكذا النبي (صلّى الله عليه وآله) لما فيه من صلاح الدارين ومن أعلى درجات الإيمان وتمامه أنْ يكون طبعه تابعاً بعقله في حبّه.
وقوله تعالى: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ}() فسّر بالحنطة والشعير، والعصف التبن، والريحان ما يؤكل منه().
وقوله: {وَحَبَّ الْحَصِيدِ}() فُسّرَ بالحنطة. وقوله: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ}()، أي يختارونها.
وتطلق على مطلق الإرادة كقوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}()، {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}().
وقد يراد بها مطلق العناية ومنه محبة الله تعالى للعبد أو القرب، ومنه محبة العبد لله. وفي الحديث “إذا أحببتُ عبدي كنتُ سمعه الذي يسمعُ به”، قيل أي اجعل سلطان حبّي غالباً عليه حتّى يسلب عنه الاهتمام بشيء غير ما يؤوب به إليَّ، فيصير منخلعاً عن الشهوات، ذاهلاً عن الحظوظ واللذات، فلا يرى إلاّ ما يحبّه، ولا يسمع إلاّ ما يحبّه، و لا يعقل إلاّ ما يحبّه، ويكون الله تعالى في ذلك له يداً مؤيداً، وعوناً ووكيلاً، يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عمّا لا يرضاه. قيل: وهو جيّد().
وذكر بعض الشارحين: أنَّ هذا مبالغة في القرب وبيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد وباطنه وسرّه وعلانيته. فالمراد إنّي إذا أحببتُ عبدي جذبتُه إلى محل الأنس، وصرفته إلى عالم القدس فصيّرتُ فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت، وحواسه مقصورة على اجتذاب أنوار الجبروت فثبت حينئذٍ في مقام القرب قدمُهُ، وتميّز بالمحبة لحمه ودمه إلى أنْ يغيب عن نفسه ويذهل عن حسّه حتّى أكون بمنزلة سمعه وبصره().
قلتُ: وبلوغ المحبّة والشوق والتعلّق بالمحبوب إلى مقام الخلوع عن جميع الحواس ومدركاتها في التوجّه والإقبال إليه ليس بمنكور كما وقع من النسوة اللواتي تعلّقن بيوسف فقطّعنَ أيديهن ولم يشعرن بما وقع منهنَّ، وهو تعلّق بمخلوق فكيف لو كان متعلقاً بالخالق؟ كما وقع من الحسين (عليه السلام) وأصحابه في طفّ كربلاء شوقاً إلى لقاء الله تعالى. حتّى قيل إنّهم لم يذوقوا حرَّ الحديد لشدّة ما تعلّقتْ به قلوبهم وتطلّعتْ إليه نفوسهم ممّا شاهدوه من المنازل الرفيعة والدرجات البديعة.
وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المقام حيث قال: “إنّ لله أقواماً تعلّقتْ نفوسهم بالملأ الأعلى لا يبشّرون بالأحياء، ولا يعزون بالموتى”.
وقد يحتمل أنْ يكون معنى الحديث أنَّ العبد إذا تقرّب إلى الله بالنوافل وحرف وجهه عن النظر إلى غير الله بما حصل له من شدّة الإقبال بالعبادة كان محلاً ومظهراً لمشيئة الله تعالى وإرادته فيكون أدنى ما يمنحه من جهة التقرّب إليه بالعبادة تسخير الكائنات فلا يحجب بصره عن ملكوت الأرض والسماوات ولا يصمُّ سمعه عمّا أودعه في حركات الأفلاك ولا عن جميع المسموعات ولا يقوى في مقابلة يده قويّ، ولا يبعد عن وطء رجليه جبل ولا سويّ كما هو المشاهد من كرامات الأولياء وسرعة ما يكون منهم بمحض الإرادة من الحياء والعطاء، كما قال تعالى في الحديث القدسي: “عبدي أعطني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون”()، فإنَّ المراد بالمماثلة ظهور أفعاله به كظهور فعل النار بالحديدة المحماة بالنار، وإلاّ فالله تعالى لا مثل له ذاتاً ولا صفة ولا فعلاً.
وفي الحديث: “إنَّ الله يحبّ من الخير ما تعجل” أي يرضى به ولا يكرهه. وفيه أيضاً “ألا ترون ما تحبّون حتّى تختلف بنو فلان فيما بينهم، فإذا اختلفوا طمع الناس، وتفرّقت الكلمة وخرج السفياني”.
قيل: وتوضيح الحديث، على ما نقل، هو أنّ بني (فلان) يريد بهم بني العباس، فلم تتفق الملوك على خليفة وهذا معنى تفرّق الكلمة. ثمّ ينتهي من بعد مدّة مديدة إلى خروج السفياني ثمّ ظهور المهدي (عليه السلام)().
قلتُ: وهو كذلك إذ لم تتفق بعد اختلافهم كلمةُ الإسلام على ملك إلى زماننا هذا (اهـ). وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}()، أي لا يغفر لهم. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}().
وقيل: نزلت في أهل البصرة. نُقل ذلك عن الصادق (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: “يوم الجمل والله ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم”. وتلى هذه الآية.
وقيل: هي أعمُّ من ذلك وإنّما هي خطاب لكافة المؤمنين. وقول علي (عليه السلام): “ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم” فإنّ منكري إمامته من المتقدمين لم يقع بينه وبينهم قتال بل أوّل قتال وقع له بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو حرب الجمل، فلذلك قال ما قال.
ويرشد إليه قوله “فسوف يأتي الله”. وهذان الوصفان مع باقي الصفات المذكورة نصوص على أنّ علياً (عليه السلام) هو المراد بالآية، ولذلك أردفه بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}().
بل صرّح المفسرون ونصَّ عليه في صحاحات القوم بأنّها نزلت فيه يوم خيبر.
وقوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(): قيل محبة الله للعباد إنعامه عليهم وأن يوفقهم لطاعته، ويهديهم لدينه الذي ارتضاه. وحبّ العباد لله أنْ يطيعوه ولا يعصونه.
وقيل: محبة الله صفة من صفات فعله، فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد، وأمّا محبة العبد لله تعالى فحالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم له، وإيثار رضاه، والاستئناف بذكره.
وعن بعض المحققين: محبة الله للعبد كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أنْ يطأ على بساط قربه، فإنَّ ما يوصف به تعالى إنّما يؤخذ باعتبار الغايات لا المبادئ، وعلامة حبّه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور، والترقي إلى عالم النور، والأنس بالله، والوحشية عمّن سواه، وصيرورة جميع الهموم همّاً واحداً.
قال في الكشاف: وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّهم يحبّون الله فأراد أنْ يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن ادّعى محبّته وخالف سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهو كذّاب وكتاب الله يكذّبه.
وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصفق فلا شكّ أنّه لا يعرف ما الله، ولا يدري ما محبة الله. وما تصفيقته وطربه ونعرته وصفقته إلاّ أنّه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسمّاها الله بجهله وزعارته؛ ثمّ صفق وطرب ونعرَ وصعق على تصوّرها.
وربّما رأيت المنيّ قد ملأ أزار ذلك المحبّ عند صعقته، وجثا العامّة حوله قد ملأوا أردانهم بالدموع لما رققهم من حاله().
وقوله: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}()، أي أشياع ابنيه المسيح وعزير، أو مقربون عنده قرب الأولاد من والدهم(). تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
وقيل: المحبة شدّة الإرادة، ولذلك قال تعالى: {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}) ولم يقل يريدون، لشدّة إرادتهم. وقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ}() قيل الضمير راجع للطعام، أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونحوه، {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} وقيل على حبّ الله، وهو وإنْ احتملهما إلاّ أنّه قد روى أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن أبيه عن معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن (عليه السلام) الرضا في قول الله تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا}. قال: قلت حبُّ الله أو حبُّ الطعام؟ قال: حبّ الطعام().
قلتُ: وهو أبلغ في الثواب لأنّ “أفضلَ الأعمال أحمزها”، وهذا لا يكون إلاّ لحبّ الله تعالى فما يحتاج إلى البيان بل صرّح به في الآية التي بعدها بقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}.
وقيل الفرق بين المحبة والهوى أنّ الهوى يحلّ بالقلب، والمحبة يحلُّ فيها القلب. وفي الحديث عن علي (عليه السلام): “مَنْ أحبّنا أهلَ البيت فليتخذ للفقر جلباباً”. وفي آخر إنّ رجلاً قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) إنّي أحبّك فقال له: “أعد للفقر جلباباً”().
والمراد أنّه ليزهد في الدنيا وليصبر على الفقر والقلّة. وكنّى بالجلباب عن الصبر لأنّه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن.
وقيل: إنّما كَنَّى به عن اشتماله بالفقر، أي فليلبس إزار الفقر ويكون منه على حالة تعمّه وتشمله لأنَّ الغنى من أحوال أهل الدنيا ولا يتهيأ الجمع بين حبّ الدنيا وحبّ أهل البيت (عليهم السلام).
قلتُ: ويحتمل أنْ يراد بالفقر هنا الافتقار إلى كلّ شيء لأنَّ من أحبَّ أهل البيت (عليهم السلام) كان ممتحناً بالابتلاءات الكثيرة، والاختبارات الخطيرة من أهوال الدنيا، كما هو المعلوم ذلك، وكونه من خصائص المؤمن من الابتلاء بالنفس والبدن أو الماء أو العرض وتحمّل الأذية من الأعداء لأهل الدين ولأهل البيت (عليهم السلام) خاصّة.
كما ورد عنهم (عليهم السلام) إنَّ البلاء إلى المؤمن (أو محبنا) أقرب من العين إلى الحاجب(). وكما ورد أيضاً في الأخبار: إنَّ المؤمن لو كان في حجر ضب لقيّض الله له شيطاناً يؤذيه وأنّه أقلُّ من أنْ يكون له زوجة أو ولد يؤذيه أو جار يؤذيه().
والمراد بالاستعداد؛ الاستعداد للتحمّل على مثل هذه الأمور التي ترد عليه.
وفي معاني الأخبار عن أحمد بن المبارك قال: قال رجل لأبي عبدالله (عليه السلام) حديثاً يروى أنّ رجلاً قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) إنّي أحبُّك فقال له: أعدّ للفقر جلباباً. فقال ليس هكذا قال: إنّما قال له أعددتَ لفاقتك جلباباً (يعني يوم القيامة)().
والمراد به على هذا التقدير الفقر الأخروي فيكون الحبّ جلباباً أي وقاية من النار والآلام الصادرة على الأشرار، ولعلّه هو معنى الحديث المذكور في المتن.
2 ـ في بيان معنى “البغض”
والمراد (بالبغض) ضد الحبّ، والتباغض ضد التّحاب، والبغضاء. (بالمدِّ) أشد البغض وكذلك البغضة (بالكسر). وبغضه يبغضه من باب نصر، وقد بغض الرجل بغاضة أي صَار بغيضاً، وبغضه الله إلى الناس تبغيضاً.
وفي الحديث: “إنّ الله يبغض المؤمن الضعيف”. قلتُ: وما المؤمن الضعيف؟ قال: “هو الذي يرى المنكر، ولا ينكر على فاعله”().
ومعناه أنْ يعامله معاملة المبغض مع مَنْ أبغضه، بأنْ يُوصلَ إليه ما يترتب على البغض، لا حقيقة البغض، فإنّ ما يوصف به سبحانه يؤخذ باعتبار الغايات لا المبادئ().
3 ـ في بيان معنى “الحسنة”
والمراد بالحسنة خلاف السيئة، والحسن نقيض القبيح والجمع محاسن على غير قياس وقد حسن الشيء وإن شئت خففت الضمّة فقلت حسن الشيء، قاله الجوهري(). و(حسنان) إسم رجل إنّ جعلته فعلاً من الحسن تكون النون أصلية وإنْ جعلته فَعَلاَن من الحسن وهو القتل تكون النون زائدة. وقالوا امرأة حسنة وحسناء ولم يقولوا رجلاً أحسن، وحسّنت الشيء تحسيناً زينته. والحسن والحسين أبناء علي وفاطمة (عليهما السلام) فإذا ثنّيت قلت الحسنان وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر. وفيه نزلت {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}(). والحسن بن علي العسكري، والحسن بن الحسن المثنى، والحسن بن الحسن المثلث. ومحاسن المرأة المواضع الحسنة من بدنها التي أمر الله تعالى بسترها. ومحاسن الأعمال نقيض مساوئها. واستحسن الشيء عدّه حسناً ومنه الاستحسان عند أهل الرأي.
قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(). قال المفسرون أي ولنجزينهم بحسناتهم التي كانوا يعملون. وقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}()، يعني القرآن بدليل قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}()؛ لأنّ القرآن باعتبار فصاحته وبلاغته وإعجازه في نظمه وأسلوبه واشتماله على الأمور الغيبية وخلوّه عن التناقض، وكونه تبياناً لكلّ شيء أحسن الكتب السماوية المنزلة من الله إلى البرية.
ويحتمل أنْ يراد بعموم الموصول ما هو أعمّ من القرآن والأحاديث النبوية والمعصومية، وإنّ المراد بالأحسن إتباع ما جمع شرائط الأدلة والدلالة والأمارات والترجيحات والوجوه التي تعبّدنا بها الشارع بالأخذ بها.
ويحتمل أنْ يراد بالوصول أحسن ما نزل ممّا وصل إليه الفقيه بفقهه من ترجيحه بظنّه وترك العمل بالمرجوح فتكون الآية دليلاً على حجيّة الراجح من الأدلة أو على حجيّة الظنّ الناشيء من الأدلة الشرعية لأنّ الحاصل من غير الأدلة الشرعية غير منزّل من الله عزّ وجلّ.
وقيل هو أن يأتي بالمأمور به ويترك المنهيّ عنه. وإن أحسن ما أنزل الله وأولى بالاتباع إنّما هو المأمور به().
ويحتمل أنْ يراد بالموصول الإمام، فإنَّ الإمام أحسن ما نزل بمنزلة النبي (صلّى الله عليه وآله)، والمراد به الجامع لصفات الإمامة وشرائطها دون غيره ممّن يدّعي الإمامة لنفسه، وهو على الضد من ذلك. ويشير إلى ما احتملناه قوله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}() مع احتمال أنْ يراد به المعنى الأخير على أنْ يكون() المراد بالعباد المذكورين الذين أخبتوا وأنابوا لا غيرهم. فَوضعَ الظاهرَ موضعَ المُضمر، أراد أنّهم نقّاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن، ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها وأوقعها.
وفي رواية إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أحدهما() (ع) في قوله الله عزّ وجل {فَبَشِّرْ عِبَادِ}() قال: هم المسلّمون لآل محمد (عليهم السلام) إذا سمعوا الحديث أدّوه كما سمعوه لا يزيدون ولا ينقصون.
وقوله تعالى {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}()، أي فيها ما هو حسن وأحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. فمرهم أن يأخذوا بما هو واجب وندب لأنّه أحسن من المباح(). وقوله تعالى {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}()، قال: القرآن().
ويحتمل أنْ يراد به المجادلة بالدليل الجامع لشرائط الإنتاج الموافق للعقل أو السنّة أو الكتاب.
وقوله {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}()، أي الصدق وروي أنّها سعة في الخلق، وسعة في الرزق {وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً}، أي رضوانك والجنة.
ويحتمل أنْ يراد بالحسنة في الدنيا حبّ علي (عليه السلام) وأهل بيته أو حب آل محمد، {وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً}، أي ما أعدَّ الله للمحبّين من الثواب. وهو معنى الحديث “حبّ علي حسنة”.
وقوله {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}()، أي غنيمة. وقوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ}().
عن علي (عليه السلام) “الحسنة حبّنا أهل البيت، والسيئة بغضنا”().
قلتُ: فيكون معنى قوله “فله خير منها” أي له في الآخرة خير من أجلها أو ثواب. ويؤيده ما روى عن جابر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: “يا علي لو أنّ أمّتي صاموا حتّى صاروا كالأوتاد، وصلّوا حتّى صاروا كالحنايا، ثمّ أبغوضك لأكبّهم الله على مناخرهم في النار”(),
وقوله تعالى {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ}()، أي بالنعم والنقم والمسخ والمحن {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}().
ويحتمل أنْ يُرادَ بالحسنات حبّ آل محمد، والسيئات حبّ أعدائهم، وأنّ الله عزّ وجل إختبر الناس بذلك كما قال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}()، وإنّ المراد بالفتنة هنا الاختبار والابتلاء الذي وقع بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) من اختلاف أمّته ليتميز السعيد من الشقي، والمؤمن من المنافق، وكلّ ذلك إنّما كان بتكليفهم بالرجوع إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}()، قيل أراد بالحسنات الصلاة. وفي معنى إذهابها للسيئات قولان:
الأوّل: إنّ معناه أنّ الصلوات الخمس يكفّرن ما بينهنّ. ويؤيده ما روي في سبب نزول هذه الآية: إنَّ رجلاً من الصحابة أصاب من إمرأة قُبلة فأتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فأخبره فأنزل الله تعالى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}()، فقال الرجل: إليَّ هذا. فقال (صلّى الله عليه وآله) : لجميع أمتي كلّهم(). وفي الحديث “صلاة الليل تذهب بما عمل به في النهار”()، أي تمحوه.
الثاني: إنّها لطف في ترك السيئات كما قال تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}().
ويحتمل أنّ الله عزّ وجل لمّا ضاعف الحسنة قال {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}() ولم يضاعف السيئة فباعتبار الموازنة والمقابلة لا تقابل السيئة فتذهب لضعف مقابلتها.
ويحتمل أنْ يكون ذلك من جملة الألطاف الإلهية كاللطف بتضاعف الحسنة على السيئة.
ويحتمل أنْ يراد بالحسنات محبة آل محمد (صلّى الله عليه وآله) والتعدّد باعتبار الإضافة إلى كلّ واحد منهم لأنّها تعدُّ حسنة مستقلة فتكون الآية بمعنى الحديث.
وقوله تعالى {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}()؛ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال “كان يوسع المجلس، ويستقرض للمحتاج، ويعين الضعيف”.
والحسنى خلاف السوأى. وقوله {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}()، أي بالخصلة الحسنة وهي الإيمان، أو بالمِلّة الحسنى وهي الإسلام.
قال الشيخ أبو علي فأمّا مَنْ أعطى ممّا أتاه الله وصدق بالحسنى بأنّ الله تعالى يعطي بالواحد عشراً إلى أكثر من ذلك().
وفي رواية أخرى إلى مائة ألف فما زاد {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}. قال لا يريد شيئاً من الخير إلاّ يسّره الله له.
وقوله {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}() يراد بها الحسنة والزيادة في بعض الروايات قصر من زمرّدة خضراء. ويحتمل أنْ يراد بالحسنى في جميع ذلك ولاية آل محمد وهو الأصح، والمفهوم من الأخبار.
وقوله {إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}()، أي العاقبتين اللتين كلّ واحدة منهما حسنى العواقب، وهما النصر والشهادة.
وفي حديث علي (عليه السلام): “المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر من الله إحدى الحسنيين، أمّا داعي الله فما عند الله خير له، وأمّا ما رزقَ الله فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه”. والحسنى أحد الحيطان الموقوفة على فاطمة (عليها السلام). وقوله تعالى {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}() سُئل ما هذا الإحسان. فقال: “الإحسان أنْ تحسن صحبتهما وأنْ لا تكلفهما أنْ يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه”().
وفي الحديث “حسّن بالقرآن صوتك”()، ومثله “حسّنوا القرآن بأصواتكم فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً”()، وفيه: “لكلّ شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن”.
وفي حديث الباقر (عليه السلام): “رجع بالقرآن صوتك، فإنَّ الله يحبُّ الصوت الحسن”(). إلى غير ذلك ممّا دلَّ صريحاً على رجحان تحسين الصوت في القرآن بالمعنى المتعارف.
وقيل: إنّ تحسين الصوت إنّما هو بتأدية الحروف، والإعراب، والاعتماد على المخارج، فإنّه يحسّن الصوت به حسناً جيداً، وإنّ تحسين الصوت لا دخل له في القرآن، وهو وإنْ كان بعيداً عن مفاد تلك الأحاديث، وخارجاً عن مناطيقها إلى ما لا دليل عليه إلاّ أنّه للجمع بينه وبين ما دلَّ على تحريم الغناء عموماً أو خصوصاً حسن().
4 ـ في بيان لفظ “السيئة”
والمراد بالسيئة نقيض الحسنة. وأصل السوء التكرّه، يُقال ساءه يسوؤه سوء إذا أتاه بما يكرهه. والسيئة الخاصلة التي تسوء صاحبها عاقبتها.
قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا}()، قيل أي مكان الجدب والخصب.
وأصل السيئة “سيوءة” فقلبت الواو ياءً وأُدغمت. وقوله تعالى {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}()، أي يستعجلونك بالعذاب والنقمة قبل الرحمة بالعافية والإحسان إليهم بالإمهال، وذلك أنّهم سألوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يأتيهم بالعذاب.
وقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى}()، أي عاقبة الذين أشركوا النار، كما أنّ عاقبة {الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}() أعني الجنة.
وقوله تعالى: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ}()، السوء، خيانة صاحبة العزيز. وعن الرضا (عليه السلام): “السوء القتل، والفحشاء الزنا”().
وقوله تعالى {يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ}()، أي ما يسوؤكم عواقبه. وقوله تعالى {سُوءَ الْعَذَابِ}() يعني الجزية. وقوله تعالى {سُوءُ الدَّارِ}() يعني النار تسوء داخلها. وقوله تعالى {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}() السَوْء والسُوْء هما من ساءه يسوؤه سوءاً (بالفتح). وساءه نقيض سرّه، والإسم السوء (بالضم).
فمن قرأ {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}() ـ بالفتح ـ فمن المساءة، ومنْ قرأ ـ بالضم ـ فمن السوء. و{مَطَرَ السَّوْءِ}() ـ بالفتح ـ الحجارة.
وقوله تعالى {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا}() أي ساءهم ذلك حتّى يتبين السوء في وجوههم. وقوله تعالى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}(). قال الشيخ أبو علي: الحسنة تقع على النعمة والطاعة، والسيئة تقع على البلية والمعصية، والمعنى ما أصابك يا إنسان خطاباً عاماً من خير، من نعمة وإحسان فمن الله تفضلاً منه، وامتناناً وامتحاناً، وما أصابك من سيئة أي بلية ومصيبة فمن نفسك لأنّك السبب فيها بما اكتسبتَ من الذنوب(). ومثله {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}().
وقوله تعالى {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ}، أي خصب ورخاء {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}، أي جدب وضيق رزق {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}(). فإنّ الكلّ منه إيجاد؛ غير أنَّ الحسنةَ إحسانٌ وامتحان، والسيئة مجازاةٌ وانتقام().
والأقوى أنّ الآية أُشير بها إلى نفي الجبر والتفويض، وإثبات سرّ الأمر بين الأمرين، وأنَّ الحسنة والسيئة بمعنى الموجود من الشيء على الجهتين. باعتبار الخلق والتكوين من الله فإيجاد، واعتبار الفعلية فهي منسوبة إلى الإنسان لأنّه هو فاعل الطاعة والمعصية بالآلات المخلوقة لله عزّ وجلّ غير أنّ الحسنة تنسب إلى الله إمّا باعتبار ملاحظة توفيق العبد إليها منه، أو باعتبار كونها مظهر ما أُودع فيه وما تركب منه من أحد الجزأين الذي هو الوجود الصادر من الله عزّ وجلّ، ووجهه من ربّه الذي هو خير محض لا يشوبه في ذاته شرّ، وإنَّ السيئة تنسب إلى العبد باعتبار الخذلان له من الله عزّ وجلّ وتركه ونفسه بغير مانع عنها وعن فعلها، أو باعتبار كونها مظهر الجزء الآخر الذي هو ماهيته من قبل نفسه التي هي شرٌّ محض، وبتركبهما معاً حصل له الاختيار والمقابلة والموازنة بين الجبر والتفويض.
فالوجود أولى بالحسنة من الماهية، والماهية أولى من الوجود بالسيئة. فصدور الحسنة من الوجود أوّلاً وبالذات، ومن الماهية ثانياً وبالعَرض، وصدور السيئة من الماهية أوّلاً وبالذات، ومن الوجود ثانياً وبالعرض؛ لكون كلّ أثر من سنخ المؤثّر، وعلى صورة صفة المؤثّر كالإشراق الحاصل من الشمس على الجدار فإنَّه أوّلاً وبالذات منسوبٌ إلى الشمس، وثانياً وبالعرض ينسب إلى الجدار، وكالفيء الحاصل من الجدار مع إشراق الشمس عليه؛ فإنّه أوّلاً وبالذات صادر من الجدار، وثانياً وبالغرض صادر من الشمس.
وعلى ذلك دلَّ الحديث القدسي: “يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنتَ أولى بسيئاتك منّي”.
والوجه في ذلك، كما قلنا، أنَّ الطاعة إنّما تصدر من الإنسان بواسطة العقل الذي هو مظهر للوجود، والمعصية إنّما تصدر بواسطة النفس التي هي وزير ومظهرٌ للماهية.
فمتى كانت مسخّرة تحت سلطان العقل كان حكمها بالأمر وبالطاعة حكم العقل، بل تضمحلّ تحت قهره وسلطانه، فتكون مطمئنة ثمّ تصير راضية ثمّ تصير مرضيّة.
وجميع ما يصدر منها من طاعة فهو لا من حيث ما تقتضيه أوّلاً وبالذات ذاتها؛ وإنّما هو بواسطة مقهوريتها تحت سلطان العقل.
فهو منسوبٌ إلى العقل أوّلاً وبالذات، وإن كان بواسطتها ثانياً وبالعرض؛ إلاَّ إنّها لمكان المشابهة واتّحادها معه بالتبعية والمقهورية صحَّ نسبة الطاعة إليها لكونها في هذا المقام عقلاً محضاً كما قال الشاعر:ـ
رقَّ الزجاج ورقّت الخمرُ
فتشاكلا، فتشابه الأمرُ
فكأنّه خمرٌ ولا قدحٌ
وكأنَّه قدحٌ ولا خمرُ
والمعصية إنّما تصدر بواسطة النفس التي هي مظهر الماهية أوّلاً بالذات مع خروجها عن سلطان العقل ومقهورية العقل تحتها.
وتصدر من العقل ثانياً وبالعرض باعتبار مقهوريته تحت سلطان النفس وهواها. وهي بهذه الحالة تسمّى (الأمّارة) ويكون العقل معها شيطنةً لا عقلاً صرفاً. (اهـ).
وقوله: “إنَّ الحسنات يذهبنَ السيئات” كما قيل إبطال لمذهب المعتزلة حيث قالوا إنَّ الكبيرة غير مغفورة لأنَّ لفظ السيئات يطلق عليها بل هي أسوأ السيئات.
ولا ينافيه قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}، وقوله {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. فإنَّ المراد بجزاء السيئة ما يقابلها من العقاب في حدّ ذاتها لو لم تكون هناك حسنة تُوجب ذهابها وتكفيرها، أو المراد بها الإساءة وما يقابلها من القصاص في نفسٍ أو مال.
وقوله: {شَرًّا يَرَهُ} فإنَّ ذهاب الحسنة بالسيئة أعمّ من أنْ يكون بعد الرؤية أو قبلها على اختلاف مراتبها.
وفي الحديث “سيئةٌ تسوؤك خيرٌ مِنْ حسنة تعجبك” أي توقعُك في العجب.
وكان الوجه في ذلك على ما قيل إنَّ السيئة تزول مع الندم عليها، وأمّا العجب فإنّه يبطل العمل، ويثبتُ السيئة فكانت السيئةُ خيراً من الحسنة المعجبة().
ويحتمل أنْ يُراد بالسيئة ما يصيب من الآلام الدنيوية خير من نعمة دنيوية معجبة إذا صبر على تلك الآلام والبليات.
في بيان لفظ “الضر”
أمّا الضُرّ فهو ـ بالضّم ـ سوء الحال، و ـ بالفتح ـ ضد النفع.
وقد ضرّه وضارّه؛ بمعنى أضرَّ به. وضارّه ضيراً من باع، والضَرورة ـ بالفتح ـ الحاجة. ومنه “رجلٌ ذو ضرورة” أي ذو حاجةٍ. وقد اضطرّ إلى الشيء لجأ إليه. وقوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}() المضطر الذي أحوجه مرضٌ، أو فقرٌ، أو نازلة من نوازل الأيام إلى التضرّع إلى الله تعالى.
وفي الخبر “نهي عن بيع المضطرّ”. ومثله “لا تبع من مضطر”. قيل هذا يكون من وجهين، أحدهما أنْ يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه، وهذا بيعٌ فاسد لا ينعقد. والثاني: أنْ يضطر إلى البيع لدين ركبه أو مؤونة ترهقه ويبيع ما في يده بالوكس للضرورة، وهذا سبيله في حقّ الدين والمروة أنْ لا يباع في هذا الوجه ولكنْ يُعان ويقرض إلى ميسرة، أو تُشترى سلعته بقيمتها.
وفي حديث الشفعة: قضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن، وقال “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”.
يُقال: ضرّه ضراراً، وأضرَّ به إضراراً الثلاثي متعدي، والرباعي مُتعدٍ بالباء؛ أي لا يضرّ الرجل أخاه فينقصهُ شيئاً من حقّه. والضرار (فعال) من الضّر أي لا يجازيه على أضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه.
وقيل الضرر ما تضرّ به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أنْ تضرّه من غير أنْ تنتفعَ أنتَ به. وقيل هما بمعنى، والتكرر للتأكيد.
وفي بعض النسخ: ولا “إضرارٌ” قيل ولعلّه غلط، والمضارة في الوصيّة أنْ لا تمضيَ أو ينقصَ بعضُها، أو تمضي لغير أهلها، ونحوها ممّا يخالف السنّة.
والضرائر (جمع ضرّه): هُنَّ زوجات الرجل لأنّ كلّ واحدة تضرُّ بالأخرى بالغيرة والقسم.
وفي الحديث: “جاء ابنُ أمّ مكتوم يشكو ضرارته”. الضرارة هنا هي العمى. وكان الرجل ضريراً، وهي من الضرر الذي هو سوء الحال().
وقد يطلق على المشقة والكلفة ومعنى المقابلة بالشيء وضدّه. والنفع ضد الضرر، يُقال: نفعته بكذا فانتفع. والإسم المنفعة. والنفع الخير؛ وهو ما يتوصلُ به الإنسان إلى غيره.
يُقال نفعني الشيء نفعاً فهو نافعٌ، وانتفعتُ بالشيء ونفعني الله.
المشرق الثاني
في بيان أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام)
في بيان بعض أحوال علي بن أبي طالب ممّا يتعلق باسمه ولقبه وميلاده ومدّة عمره ومماته وأولاده ونسائه وإمامته.
أمّا اسمه: فهو علي بن أبي طالب، وإسمه عبد مناف. وقيل عمران. ويحتمل أنَّ الثاني هو الإسم، والأوّل هو اللقب لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}()، ابن عبد المطلب، وإسمه شيبة الحمد، بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف، وإسمه زيد بن قصي، وإسمه مجمع بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن النظر ويسمّى قريشاً بن مالك بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان.
وفي بعض الروايات أنّه إذا وصل النسب إلى عدنان فقد كذب النسابون وقيل إلى إبراهيم.
ويسمّى “حيدرة” سمّته به أمّه باسم أبيها أسد(). وسمّاه النبي (صلّى الله عليه وآله) أبا تراب().
وأمّا لقبه: فالمرتضى والسيّد والعادل والمرشد والصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم، وأمير المؤمنين، وسيّد الوصيين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين ويعسوب الدين، والأنزع البطين، وأسد الله، وسيف الله.
أمّا كنيته: فأبو الحسن، ويكنّى أبا الحسنين، وأبا الحسين. وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أوّل هاشمية ولدت هاشمياً، وهو أصغر أخوته جعفر وعقيل وطالب وكلّ واحد أكبر من الآخر عشر سنين.
وأمّا ميلاده: فقد اتفق المؤرخون من العامّة والخاصّة على أنّه ولد في وسط البيت الحرام. قال الله عزّ وجلّ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}()، فإنّ هذه الآية، وإنْ كان المراد من ظاهرها هو بيان البيت الحرام وصفاته، إلاّ أنّ المراد من باطنها أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ هو المقصود من لفظ البيت لإطلاق إسم الإمام.
ويُقال للأئمة (عليهم السلام) البيوت، كما في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ}()، وقوله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}()، وقوله تعالى: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}() بل الآية صريحة الدالة على ذلك لأنّ قوله للذي ببكة واقع خبر لقوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ}، وبكة هي وسط البيت فيدل على أنّ بكة موضوع فيها لا موضوعة، والموضوع هو البيت في بكة وإلاّ لكان الأولى أنْ يقول “لبكة” لا للذي “ببكة” فدلّ على أنّ الذي وضع غير بكة.
وقوله “مباركاً” لأنّه أحد الذرية من إبراهيم التي بارك الله فيها، وأحد القرى المباركات.
وقوله {فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ}() لأنّ فيه الإمامة التي هي مقام إبراهيم التي جعلها الله له في قوله تعالى {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} قال: ومن ذريتي. قال: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}()، وقوله {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ }()، وقوله {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا}()، لقوله (صلّى الله عليه وآله): “إنّ مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركب فيها نجا”(). وقوله (صلّى الله عليه وآله): “إنّ مثل أهل بيتي كباب حطّة مَنْ دخلها كان آمناً”.
وأمّا قوله {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} فهو أمرٌ خارج عمّا يتعلق بالباطن ويحتمل أنْ يستفاد منه إستحباب زيارته، وزيارة الأئمة من ولده للإجماع على عدم الوجوب لما ورد من أنَّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه ينبغي تجديده في زيارته().
قال يزيد بن قعنب كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين (عليها السلام) وكانت حاملاً به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق. فقالت: ربِّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل (عليه السلام) وإنّه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى البيت، وبحقّ المولود الذي في بطني لما يسّرت عليَّ ولادتي.
قال يزيد بن قعنب فرأيت البيت وقد انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا والتصق الحائط فقمنا أنْ ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح. فعلمنا أنّ ذلك أمر من الله تعالى، ثمّ خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين (عليه السلام).
ثمّ قالتْ: إنّي فضّلتُ على مَن تقدّمني من النساء لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله عزّ وجل سرّاً في موضع لا يجب أنْ يعبد الله فيه إلاّ اضطراراً، وإنّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها أكلت منها رطباً جنياً، وإنّي دخلتُ بيت الله الحرام فأكلتُ من ثمار الجنة وأوراقها. فلمّا أخرج هتف بي هاتف يا فاطمة سمّيه علياً فهو عليٌّ والله العالي، يقول إنّي شققتُ إسمي، وأدبتهُ بأدبي ووقفته على غامض علمي، وهو يكسّر الأصنام في بيتي وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدّسني ويمجدني(). فطوبى لمن أحبّه وأطاعه وويل لمن أبغضه وعصاه().
هذا وقد وقع الفراغ من رقمها في السابع عشر من رجب من سنة الخامسة بعد الألف وثلثمائة هجرية.
تمّت والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
وقد بدأتُ بتحقيق هذه الرسالة في 26 رجب 1392هـ، الموافق 5 أيلول 1972م، وانتهيتُ من تحقيقها ونسخها في 28 رجب 1392هـ الموافق 7 أيلول 1972م، والحمدلله ربّ العالمين. تمّتْ على يد ناسخها جودت بن السيّد كاظم الحسيني القزويني.
من نوادر مخطوطات العصر الصفوي
مختصر التواريخ الإسلامية
لمؤلف مجهول
عثرتُ على هذه المخطوطة ضمن مجلّد كبير محفوظ بمكتبة المتحف البريطاني، تقع في ثلاثين صفحة، وكلّ صفحة تتضمّن عشرة سطور، والسطر الواحد يشمل بين 8ـ 10 كلمات بشكل عام.
ومؤلفها كان حيّاً سنة 1020هـ، وفي السنة التي ختم بها أحداث رسالته، ولم تصدر أيّة إشارة إلى معرفة اسمه، لكنّه ذكر ما يُشيرُ إليه في موضعين:
الأوّل: في سنة (536هـ)، أشار إلى وفاة جدّه أبي نصير الشيخ أحمد الجامي، ممّا يُوحي أنّه من سلالته.
الثاني: في سنة (1016هـ)، أشار إليها بقوله: يوم السبت العاشر من شهر ربيع الثاني ذهب الأخ الأعز سلطان محمد الشهير بالصوفي نحو الهند، وجاء أيضاً يوم السبت تاسع من عشر الأوّل من الشهر السابع من سنة العشرين بعد الألف بعون الله المؤلّف.
أمّا طريقتُهُ في التأليف تتلخّص فيما يلي:
1 ـ فقد ابتدأ بولادة النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله)، مسجّلاً التواريخ بشكل مختصر حتّى انتهائه بوفاة الشيخ عبد الصمد بن الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي سنة (1020هـ)، وهو أخ الشيخ البهائي العالم المعروف.
2 ـ بدأ المؤلف بتسجيل الحوادث بعام الفيل، وهي السنة التي وُلِد فيها النبي محمد (صلّى الله عليه وآله). والتي توافق سنة 882 الإسكندرية. والتاريخ الإسكندراني هو تاريخ سرياني له حساب خاص لتحويله إلى التاريخ الهجري، وهو رومي، غير أنّ التاريخ الرومي يبتدئ من شهر كانون الثاني، والسرياني يبتدئ من شهر تشرين الأوّل، وعدد أيامه ثلاثون يوماً، أو واحد وثلاثين، وأوّل أيامهم الاثنين.
3 ـ أخذ المؤلف يؤرّخ الحوادث بسنة ولادة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)، حيث ذكر ما حدث بعد ست سنوات من ولادته، من وفاة والدته آمنة بنت وهب، وموت عمّه أبي طالب بعد ثماني سنوات.
4 ـ استمرّ المؤلف بإثبات الحوادث مقترنة بعمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتّى بلوغه سنّ البعثة، حيث انتقل بإثبات الحوادث ابتداءً من سنوات البعثة حتّى سنوات الهجرة، وبقي على ذلك إلى آخر الكتاب.
5 ـ عمد المؤلف إلى ذكر الوقائع دون أنْ يدخل في تفاصيلها. وكان فقط يودّ الإشارة إل الحدث مقترناً بسنة وقوعه، ليكون للرسالة هذه طعمٌ خاص بها.
6 ـ ظهرت في بعض عبارات المؤلف كلمات عليها مسحة العُجمة، وهي محدودة، وقد تركتُها كما كتبها مؤلفها دون أن أغيّر من النصّ شيئاً، ممّا يدلُّ على أنَّ لغة المؤلف العربية لم تكن إلاّ لغة العلم والدراسة، وليست لغة المخاطبة والمحاكاة.
7 ـ المعلومات الواردة في نصّ المخطوطة، التي اعتمدها المؤلف كمسلّمات مَفْروغٌ منها، لم أعمدْ لدحضها أو مناقشتها، بل تركتُها دون تعليق، لأنَّ ذلك يخرج العمل عن تحقيق مخطوطة إلى مجال آخر من مجالات نقد التاريخ ومحاججة نصوصه التي أصبحت من “الثوابت” التي لا يمكن الخروج عليها في حالٍ من الأحوال.
والسبب في تهافت أكثر المسلّمات الواردة فيها أنّها صدى للمصادر التي كانت متوفرة في العصر الصفوي الثاني، وهو عصر الشاه عباس، وأغلب هذه الكتب هي مؤلفات غير موثّقة، لا ترقى نسخها إلى المؤلفات الأصلية للعصور الإسلامية الأولى.
ومهما يكن من أمر، فإنَّ هذه الرسالة من نوادر الأعمال المعجمية التي ترجع إلى العصر الصفوي الثاني الذي تميّزه فترة حكم الشاه عباس الصفوي.
(جودت القزويني)
بسم الله الرحمن الرحيم
وُلِدَ سيّدنا وسيّد الثقلين أبو القاسم محمّد بن عبدالله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل، وقيلَ السابع عشر منه أوّل سنة من عام الفيل، وإثني وثمانين وثمانمائة الإسكندرية، فانصدع طاق كسرى، وخمدت نار فارس، ويبس بحر ساوة، وانكبتْ أصنامُ الكعبة. وكان على عهد أنوشيروان. وماتَ أبوه قبلَ ولادته. وماتتْ أُمُّهُ، وهي: آمنة بنتُ وهب بن عبد مناف، بعد ستّة() سنين من ولادته في درب مكة.

الصفحة الأولى من مخطوطة ”مختصر التواريخ الإسلامية”والصفحة الأخيرة من مخطوطة”مختصر التواريخ الإسلامية”
وفي عام الثامن من ولادته: تُوفِّي جدُّهُ عبد المطّلب.
الصفحة الأولى من مخطوطة مختصر التواريخ الإسلامية – الصفحة الأخيرة من مخطوطة مختصر التواريخ الإسلامية
وفي عشر سنين: سافر مع عمّه أبي طالب إلى الشّام.
وفي الخامس عشر: كان يأكل من كسبه.
وفي العشرين: راح مع أعمامه لحرب النجاه، وفي جبل أبي قبيس ظفر عليهم.
وفي الاثنين والعشرين: سُمِّي بين النّاس بمحمّد الأمين.
وفي الرابع والعشرين: سافر مع ميسرة غلام خديجة. بنت خويلد فربح في تجارته، وبشّر بالرسالة بحيرا الراهب.
وفي الخامس والعشرين: تزوّج بخديجة، وكانت عنده خمس وعشرون سنة، وما تزوّج عليها قطّ حتّى توفّاها الله.
وفي الثلاثين: وُلِدَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) في نفس الكعبة بإجماع أهل العلم والسّير.
وفي الخامس والثلاثين: عمّرت فرش() الكعبة، وهو كان فيهم حتّى نَصبَ الحجر الأسود بيده المباركة() في الركن العراقي.
وفي الأربعين: تشرَّف بشرف الوحي في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، موافقاً بإحدى وعشرين وتسعمائة الإسكندريّة. وفي شوّال هذه السنّة كان رجوم الشياطين، ووقوف قريش على أمره.
وفي السنة الثانية من البعثة: وُلِدتْ سيّدةُ نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله.
وفي الثالثة: كانت دعوته (صلّى الله عليه وآله) عامّة.
وفي الرابع: كان جفاء الكفّار معه.
وفي الخامس: كانت() هجرة بعض أصحابه إلى الحبشة. وفي هذه السّنة كانت هجرة الكفّار معه وسائر المسلمين لعدم البيع والشّرى، والتكلّم إلى ثمانية أشهر.
وفي السادس: كانت معجزة شقّ القمر.
وفي التاسع: كان إسلام أكثر قبائل العرب.
وفي العاشر منه في ذي القعدة: كانت وفاة أبي طالب (رض)، وبعده بثلاثة أيّام وفاة خديجة (عليها السلام)، وسُمِّيت() هذه السنة عام الحزن.
وفي الحادي عشر: كان تزويج عايشة. وكان أيضاً فيها تزويج سودة بنت زمعة مع الزفاف، ثمّ راح إلى الطائف، ورجعَ بعد شهرين وعشرة أيام. وكان هذا الطريق إسلام الجنّ، ونزول “قُلْ أُوحي”. ثمَّ رجع إلى مكّة وتحصّن بشعب أبي طالب (رض). وفي هذه وقع معراجُهُ إلى سدرة المنتهى.
وفي السابع والعشرين من رجب: فُرضت() الصلاة.
وفي الثاني عشر: كانت دعوة أهل المدينة.
وفي الثالث عشر: كانت هجرته إليها من غار جبل الثور مع أبي بكر.
وفي السنة الأولى من الهجرة في رمضان: فَرضَ الجهاد. وفي ذي الحجّة منها: آوى عائشة()، وما دخل بها إلاّ بعد سنتين.
وفي إثني() من الهجرة: كان زفاف سيّدة النّساء فاطمة (عليها السلام) بأمير المؤمنين (عليه السلام)، وغزاء أبواه وأبوا طواو، وذات العشيرة، وبدر الأوّل، وبطن النخلة.
وفي شعبان من هذه السنة فرض صوم رمضان وتقرَّر القبلة إلى الكعبة. وفي رمضان كان غزاء بدر الكبير ثمّ بعدها غزاء كدر، وبني قينقاع، وسويق. وفي ذي الحجّة هذه السنة أمر بالأضحيّة.
وفي الثالث كان غزاء ذي الأمر، وقردة، وقتل كبراء اليهود، وتحريم الخمر، واللعب بالقمار، وولادة أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام).
وفي رمضان هذه السنة: تزوّج بحفصة بنت عمر. وفي الشوّال منها: وقعتْ() حرب أُحد، فكسر سنُّه المبارك، واستشهد عمُّه حمزة رضي الله عنه. وأيضاً أُبيح له الخُمس في هذه السّنة.
وفي الرابع: كانت ولادة سيّدنا أبي عبدالله الحسين بن عليّ (عليه السلام)، وغزاء الرّجيع، وبئر معونة، وبني النّضير، وبدر المعد.
وذات الرقاع، وتزوّج بأُمّ سلمة بنت أُميّة، وأمّ المساكين زينب بنت حريمه، فتُوفيت زينب بعد شهرين.
وفي الخامس في محرم: تزوّج بزينب بنت جحش، وفي الرّبيع الأوّل منها كانت غزوة دومة الجندل. وفي الشوال: حرب الخندق وقتل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عمرو بن عبد ود. وفي ذي القعدة كانت غزوة بني قريظة.
وفي سنة ست كانت غزاء بني لحيان، وبني فرود، وبني المصطلق وإفك عايشة. وفي رمضان هذه السّنة: تزوّج بحورية بنت حارث. وفي ذي القعدة أمر بالحجّ، ووقع صلح حديبيّة وبيعة الرضوان، ودعوة الحُكذام فأسلم النجاشي وتزوّج أمّ حبيبة رتمة بنت أبي سفيان لأجله وأرسلها إليه فخلّى بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهذا النكاح.
وفي هذه السّنة شرع صلاة الإستسقاء.
وفي سنة السابع من محرّم: كان فتح خيبر، وإعطاء الراية لأمير المؤمنين (عليه السلام) وقلع باب خيبر، ثمّ سلّم فدك() وآوى القرى.
وفي هذه السنة: تزوّج بصفيّة بنت حيّ الأخطب الخيبريّة وأمر ببناء المنبر وتزوّج بميمونة بنت الحارث.
وفي سنة الثامن: كانت غزوة الأعراب. وفي جمادى الأولى غزاء مؤتة الشّام. وفي رمضان فتح مكّة معظّمة. وفي شوال كانت غزوة حنين، وبعدها غزوة الطائف وبنى الحكى، ومولد إبراهيم بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتزوّج بننت حليقة الكلبي وتوفِّيت في حياته.
وفي سنة التاسع: نزلت آية الحجاب، وغزوة تبوك، وتخريب مسجد ضرار، فرض ومنع المشركين من دخول المسجد الحرام.
وفي العاشر: فرض أداء الزكاة وتعيينها ووفاة إبراهيم بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وحجّة الوداع.
وفي سنة إحدى عشر: كان ظهور فتنة مسيلمة الكذّاب وادّعائه النبوّة بغير حقّ.
وفي آخر الصّفر أو إثني عشر من شهر ربيع الأوّل: كانت رحلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى دار الفردوس وابتداء خلافة أبي بكر بإجماع الناس له عند أهل السنّة.
وفي رمضان هذه السنة توفيت() فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وفي الثاني عشر: كان فساد مسيلمة وقتل الوحشي إيّاه.
وفي سنة الثالث عشر: كانت غزوة يرموك وفتح بعض بلاد الشام.
وفي جمادى الآخرة: كانت وفاة أبي بكر ووصيّته بالخلافة لعمر، وفتح أكثر بلاد الشّام.
وفي الرابع عشر الهجري: كانت غزوة قادسيّة واستخلاص بلاد سواد كوفة المشهور بأعمال غزاني.
وفي الخامس عشر: كان فتح كلّ أهل الشام.
وفي السادس عشر: كان فتح تمام عراق العرب وهرب يزدجرد منها إلى خراسان وتعيين الخراج.
وفي السابع عشر: فتوح ولايات بكر وربيعة.
وفي الثامن عشر: وفاة أبي عبيدة الجراح بالشام وفتح ولايات آذربايجان وآران وأرمن وبعض من خوزستان وبعض من فارس، وابتداء إمارة معاوية في الشام.
وفي العشرين: وفاة زينب بنت جحش، حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ بعدها وفاة سودة بنت زمعة، وفتوح مصر والإسكندرية والبحرين وبقيّة ولايات اليمن.
وفي الحادي والعشرين: غزوة نهاوند، وفتوح بعض ولايات عراق العجم. وأسلم في هذا العام دار الموحّدين قزوين.
وفي الثاني والعشرين: فتح تتمَّة ولايات عراق العجم، وكان إسلام بلدة سمنان وخوارفها وتتمَّة فارس وكرمان وشيانكاره ومكران وخراسان بفرغانة.
وفي الثالث والعشرين في السادس والعشرين ذي الحجّة: كان قتل عمر.
وفي الرابع والعشرين: وفاة عمر وخلافة عثمان، ووفاة حفصة بنت عمر.
وفي الخامس والعشرين: فتح أفريقيّة وبربر وأندلس.
وفي السادس والعشرين: ظفر أهل إسلام على الروم.
وفي السابع والعشرين: كان فتح ولايات المغرب.
وفي الثامن والعشرين: كان فتح بعض الروم، ووقع الاختلاف بين المسلمين في القرآن، فجمع عثمان كتاب الوحي فجمعوا القرآن.
وفي التاسع والعشرين: نقلوها إلى البياض وأمر عثمان بإحراق سائر المصاحف.
وفي الثلاثين: كانت ردّ أهل خراسان لرجوع يزدجرد إليهم.
وفي الحادي والثلاثين: فتح تتمَّة مازندران وتوابعه.
وفي الثاني والثلاثين: كان قتل يزدجرد، وزوال دولة الأكاسرة، ووفاة عبد الرحمن بن عوف وعباس بن عبد المطلب.
وفي الثالث والثلاثين: غزوة ذات الصور.
وفي الرابع والثلاثين: إبتداء فتنة العوام على عثمان.
وفي الخامس والثلاثين: تسكين ذلك() الفتنة قليلاً، ثمّ اجتماعهم وقتلهم عثمان في الثامن عشر من ذي الحجّة وما دفنوه وما صلّوا عليه، ثمّ بعد ثلاثة أيام دفنوه في مقبرة اليهود، ثمّ إنّ معاوية بن أبي سفيان أدخلها في مقابر المسلمين. وفي هذه السنة: جلوس أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسند الخلافة.
وفي السادس والثلاثين:في جمادى الأولى: كان حرب الجمل بالبصرة وقتل طلحة والزبير، ورجوع عايشة إلى المدينة.
وفي هذه السنة: كانت وفاة صفية بنت حيّ.
وفي ذي القعدة من هذه السنة: كان حرب صفّين إلى مائة يوم وقتل عمّار بن ياسر، وأويس القرنيّ رضي الله عنهما.
وفي السابع والثلاثين: حرب خوارج النهروان.
وفي الثامن والثلاثين: كانت وفاة ميمونة بنت الحارث.
وفي التاسع والثلاثين: كان استيلاء معاوية ببعض عراق العرب.
وفي الأربعين: كان شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام).
وفي الإحدى والأربعين: كان صلح الحسن (عليه السلام) مع معاوية.
وفي الرابع والأربعين: كانت وفاة أمّ حبيبة بنت أبي سفيان.
وفي الخامس والأربعين: كان بطلان مرآة الإسكندرية بمكر أهل الفرنج.
وفي التاسع والأربعين: كانت شهادة الحسن بن علي (عليه السلام) بمكر معاوية.
وفي الإحدى والخمسين: كانت وفاة() سعد بن أبي وقاص.
وفي السادس والخمسين: كانت وفاة جويريّة بنت الحارث حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وفي الثامن والخمسين: كانت وفاة عايشة بمكر معاوية.
وفي التاسع والخمسين: كانت وفاة أمّ سلمة (رضي الله عنها) وهي آخر نسائه (صلّى الله عليه وآله).
وفي الستين: كان موت معاوية.
وفي الإحدى والستين: كانت شهادة أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، وتخريب المدينة، وقتل أكثر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأمر الكافر الزنديق يزيد لعنه الله.
وفي الثاني والستين: كان استيلاء المختار بن أبي عبيدة على الكوفة ودعواه على يزيد بطلب دم الحسين (عليه السلام).
وفي السادس والستين: كان قتل عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وأكثر الخوارج بيد المختار الثقفيّ وسعيه.
وفي السابع والستين: كان قتل عبيدالله بن زياد بسعي المختار.
وفي رمضان هذه السنة: قُتل المختار في حرب مصعب بن الزبير.
وفي الثامن والستين: كان ظهور النواصب.
وفي السبعين: كان قتل مصعب بن الزبير.
وفي الثاني والسبعين: كان حرب حجاج بن يوسف الثقفي مع عبدالله بن الزبير، ولم يحجّ في هذه السنة أحد.
وفي الثالث والسبعين: خرّب الحجّاج الكعبة، وأحرق عبدالله الزبير.
وفي السادس والسبعين: نقشوا اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الدنانير والدراهم.
وكانت في سنة إحدى وتسعين: وفاة سيّدنا ومولانا إمام زين العابدين (عليه السلام).
وفي الرابع والتسعين: كان هلاك الحجّاج.
وفي السابع والتسعين: كان ابتداء وزارة البرامكة أوّلهم جعفر البلخيّ.
وفي المائة: كان ابتداء دعوة بني العباس، وخلافة عمر بن عبد العزيز.
وفي الإحدى والمائة: كان دفع عمر بن عبد العزيز اللعن عن أهل البيت.
وفي الخامس والمائة: وفاة أبي البشر كعب بن عمر الأنصاري، وهو آخر الصحابة.
وفي الرابع عشر ومائة: كانت وفاة سيّدنا أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام).
وفي الإحدى والعشرين ومائة: كان خروج زيد بن عليّ، وترك قوم إيّاه فسموا بالرافضة، وصار علماً للشيعة مطلقاً.
وفي الثاني والثلاثين ومائة: كان ابتداء ظهور خلافة بني العباس، أوّلهم السفاح عبدالله بن محمد بن علي، وهم سبع وثلاثون نفساً، مدّة خلافتهم أربع وعشرون وخمسمائة، وآخرهم المعتصم، قتله الهلاكو في سنة ست وخمسين وستمائة.
وفي الثامن وأربعين ومائة: كانت وفاة سيّدنا أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
وفي الخمسين ومائة: كانت وفاة أبي حنيفة.
وفي الخامس والسبعين ومائة: أظهر الرشيد مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام).
وفي السابع والسبعين ومائة: كانت وفاة مالك بن أنس الأصبحي بالمدينة.
وفي الثالث والثمانين ومائة: كانت وفاة سيّدنا موسى بن جعفر (عليه السلام).
وفي المائتين: كانت بيعة المأمون لسيّدنا الرضا (عليه السلام).
وفي الثالث ومائتين: كانت شهادة الرضا (عليه السلام) في طوس.
وفي الرابع والمائتين: في رجب كانت وفاة الشافعي بمصر، ثمّ دوَّن علوم الأوائل كالحكمة والمجسطي والرياضي والنجوم والطبّ وغيرها.
وفي العشرين ومائتين 220: كانت وفاة سيّدنا أبي جعفر محمد بن علي التقيّ (عليه السلام).
وفي الثاني والثلاثين ومائتين 232: كانت وفاة أحمد بن حنبل ببغداد.
وفي السادس والثلاثين ومائتين 236: كان أمر المتوكّل إرسال الماء إلى قبر أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وجريانه فيه.
وفي الرابع والخمسين ومائتين 254: كانت وفاة سيّدنا أبي الحسن علي التقيّ (عليه السلام).
وفي الستين ومأتين 260: كانت وفاة سيّدنا الحسن العسكري (عليه السلام).
وفي الإحدى والستين ومائتين 261: كانت غيبة مولانا حجّة الله صاحب الأمر (عليه السلام).
وفي السادس عشر وثلاثمائة 316: وضع ابن مقلة خطّ النسق.
وفي التاسع والعشرين وثلاثمائة 329: كانت وفاة أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني، صاحب الكافي.
وفي الخامس والثمانين وثلاثمائة: كانت وفاة صاحب إسماعيل بن عباد.
وفي التاسع والتسعين وثلاثمائة: كانت وفاة إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب الصحاح.
وفي الثالث عشر وأربعمائة: كانت وفاة شيخنا أبي عبدالله محمد بن النعمان الإماميّ المفيد.
وفي العشرين وأربعمائة: كان وضع الحساب من الشيخ الرئيس أبو علي سينا.
وفي السادس وثلاثين وأربعمائة: كانت وفاة السيّد المرتضى (رضي الله عنه).
وفي الستين وأربعمائة: كانت وفاة شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله).
وفي الخامس وخمسمائة: كانت وفاة أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
وفي السابع عشر وخمسمائة: كانت وفاة أخيه أحمد الغزالي في قزوين.
وفي الثلاثين وخمسمائة: كانت وفاة الزمخشري صاحب الكشّاف.
وفي السادس والثلاثين وخمسمائة: كانت وفاة جدّي أبي نصير الشيخ أحمد الجامي.
وفي الثاني والستين وخمسمائة: كانت وفاة الشيخ المفسّر أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسيّ صاحب مجمع البيان.
وفي السادس وستمائة: كانت وفاة الإمام فخر الرازي في الهراة.
وفي السادس والخمسين وستمائة: كانت قتل الهلاكو ببغداد.
وفي الثاني والسبعين وستمائة: كانت وفاة الخواجة نصير الملّة والدين الطّوسي.
وفي الخامس والسبعين وستمائة: كانت وفاة الكاتبيّ القزوينيّ في قزوين.
وفي السادس والسبعين وستمائة: كانت وفاة الشيخ أبي القاسم جعفر بن سعيد صاحب الشرايع.
وفي الرابع والتسعين وستمائة: كان إسلام غزاى خان وأكثري الجنكيزيّ.
وفي العاشر وسبعمائة: كان رواج مذهب الإثني عشريّة بأن رفضوا بعض الأصحاب في رؤوس المنابر في عهد السلطان محمّد خدابنده.
وفي السادس عشر وسبعمائة: كانت وفاة السلطان محمد.
وفي الثاني والعشرين وسبعمائة: كانت بناء مدرسة رزمساريه في القزوين.
وفي السادس والعشرين وسبعمائة: كانت وفاة العلاّمة جمال الملّة والدين الحلّي الإماميّ (رحمه الله).
وفي السادس والثلاثين وسبعمائة: كانت وفاة السلطان أبي سعيد بن سلطان محمد.
وفي السادس والستين وسبعمائة: كانت وفاة المحقّق صاحب شرح المطالع.
وفي السادس والثمانين وسبعمائة: كانت شهادة شيخنا أبي عبدالله محمد بن مكّي العامليّ صاحب الذكرى.
وفي السابع وثمانمائة: كانت وفاة تيمور.
وفي الخمسين وثمانمائة: كانت وفاة شاه رخ.
وفي الثامن والتسعين وثمانمائة: كانت وفاة عبد الرحمن الجامي في هرات.
وفي السادس وتسعمائة: كانت وفاة أمير علي شير.
وفي السابع وتسعمائة: كان خروج الأمير الأعظم إسماعيل بن حيدر الصفويّ ورواجه هذا المذهب الحقّ.
وفي التاسع عشر وتسعمائة: كانت ولادة شاه طهماسب نوّر الله مرقده.
وفي الثلاثين وتسعمائة: كانت وفاة شاه إسماعيل، وابتداء خلافة الشاه طهماسب.
وفي هذه السنة أو بعدها بقليل وُلِد سيّدنا أمير محمد جعفر الرضوي (رضوان الله عليه).
وفي الأربعين وتسعمائة: كانت وفاة شيخنا الأعظم المعظّم المحقّق الشيخ علي().
وفي الخمسين وتسعمائة: كانت ولادة شيخنا الأعظم، رئيسنا المعظّم بهاء الملّة والدّين العاملي.
وفي الثامن والسبعين وتسعمائة: كانت ولادة السلطان الأعظم، والخاقان المعظّم أبي المظفر شاه عباس الحسيني.
وفي صفر الرابع والثمانين وتسعمائة: كانت وفاة شاه طهماسب.
وفي الثامن من شهر الربيع الأوّل من تلك السنة كانت وفاة والد شيخ بهاء الملّة والدين (رحمه الله) في بحرين.
وفي الخامس والثمانين وتسعمائة: كانت وفاة شاه إسماعيل الثاني.
وفي الثامن والثمانين وتسعمائة: ملكت الملكة أم شاه عباس.
وفي الثالث والتسعين وتسعمائة: قتل السلطان حمزة أخ شاه عباس. وبعد هذه السنة جاء الروم إلى آذربايجان.
وفي أواخر الخامس والتسعين وتسعمائة: جلس على سرير السلطنة سلطان شاه عباس، وولد العالم العارف مولانا محمد تقيّ الزيابادي في شوّال هذه السنة. وبعد هذه السنة جاء أُزبُك إلى خراسان ففعلوا ما فعلوا.
وفي الألف: كان قتل عبدالله خان أُزبُك أهل سبزوار قابطة، ووقوع الطاعون في قزوين، فمات منْ لا يُحصى.
وفي هذه السنة: كانت وفاة سيّدنا ومولانا سيّد حسين الحسيني (رحمه الله).
وفي السادس والألف: كان موت عبدالله خان، وموت إبنه بعده بستة أشهر.
وفي السابع والألف: كان فتح خراسان.
وفي العاشر والألف 1010هـ: كان مشي شاه عباس من أصفهان إلى المشهد المقدّس الرضوي، وفتح مرو وما وراها.
وفي الثاني عشر والألف: كان فتح كنجة وتوابعها.
وفي صفر السادس عشر والألف: كان فتح شيروان وما وراها.
وفي يوم السبت العاشر شهر ربيع الثاني من هذه السنة ذهب الأخ الأعزّ سلطان محمّد الشهير بالصوفي نحو الهند، وجاء أيضاً يوم السبت تاسع من عشر الأوّل من الشهر السابع من سنة العشرين بعد الألف بعون الله المؤلّف.
وفي السابع عشر والألف: كانت وفاة شيخنا السالك على الآل (رحمه الله).
وفي الخامس من شهر ربيع الأوّل من التاسع عشر بعد الألف: تُوفي الوزير الأعلم الأعظم حاتم بيك الأردوبادي في محاصرة قلعة دمدمة من أعمال أرم رشتى، ونقل جسده إلى تبريز، ودُفنَ في مقبرة الجهان شاهيّة.
وفي العشرين بعد الألف: كانت وفاة شيخنا الأعظم السالك على منهج الحق الشيخ عبد الصمد بن الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي في حوالي المدينة المتبركة، ونقل جسده إلى نجف الأشرف ودفن فيه (رحمه الله عليه).
(تمّت)
منهاج السالكين ومعارج الطالبين
في علم السير والسلوك وتصفية القلب
وآداب العبيد والملوك
مؤلّف هذا الكتاب هو الشيخ نجم الدين الكبرى، من شيوخ العرفان المشهورين.
وقد عُني بتصحيحه الأستاذ الفاضل الدكتور السيّد محمد الدامادي، أستاذ الأدب الفارسي، وتفضل مشكوراً بإهدائه إلى الدكتور مهدي گلشني، رئيس معهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، بالبيت التالي:
له أيادٍ عليَّ سابغةٌ أُعَدُّ منها ولا أُعدِّدُها
* * *
بِسْمِ اللَّه الرَّحمن وبه نستعين
أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي يَعْلَمُ مَكاييل البِحارِ وَمثاقيلَ الجِبالِ، منشيءُ السَّحابَ الثِّقالَ، وَمُدبِّرُ الأُمُورَ وَمُقَلِّبُ الأَحْوالَ، مُقَدِّرُ الأَرْزاقَ وَالآجالَ، ذو الفَضْلِ والإِكرامِ والجَلالِ، المُنَزَّهُ عَنِ الحلولِ وَالإِنْتقالِ والإِتصالِ والإِنْفصالِ، المُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ، المُتقدَّسُ عَنِ النُقْصانِ وَالزّوالِ، المُبَرَّأُ عَنْ مَقالَةِ أَهْلِ الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ، هُوَ الحَيُّ الَّذي لا إِله إِلاَّ هو الكَبيرُ المُتَعالُ، لَيْسَ لَهُ شريكٌ ولا شَبيهٌ ولا مِثالٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله) عَبْدُهُ وَرَسُولُه نَبِيَّنا صادقاً فِي المَقالِ وَرسولاً مَحْمُوداً فِي الفِعالِ، مَرْضِيّاً فِي الخِصالِ (صلّى الله عليه وآله) وأَصْحابِهِ خَيْرِ صَحْبِ وَآلٍ.
وَبَعْدُ سَأَلْتَني وَفَقَّكَ اللَّهُ تعالى عن شرحِ بعضِ ما أعطانِي الله تعالى مِن نِعْمَةِ الفَقْرِ وَبيانِ ما رأيتُ بِعَيْنِ قَلْبي مِنْ إِحْسَانِهِ الجَميلِ عَلَيَّ خَاصَّةً وَعَلى جَميعِ الفُقَراءِ عَامَّةً، فَأَسْرَعْتُ إِلى إِجابَتِكَ وَنَقَلْتُ عَنْ جَرِيدَةِ قَلْبي وصَحيفَةِ خاطِري بَعْضَ ما خَصَّني اللَّهُ بِهِ وَأَلْهَمَني بِجَمْعِهِ فَأَقُولُ وَبِاللَّه التَّوفيقُ.
طُفْتُ بَعْضَ الدُّنيا وجَرَّبْتُ الأُمُورَ وباشَرْتُ الأَشْغالَ ورَكَبْتُ العَظَائِمَ وذُقْتُ مَرارَةَ الأَشْياءِ وَحَلاوَتِها وفَتَّشْتُ الكُتُبَ وخَدَمتُ العُلماءَ وَضيَّعْتُ عُمْري في طَلَبِ الدُّنْيا وَرَأَيْتُ العَجايبَ فَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَسْرَعَ ذِهاباً وَأَعْجَلَ زَوالاً مِنَ العُمْرِ وَالدُّنيا، وما رَأَيْتُ شَيْئاً أَقْرَبَ مِنَ المَوتِ وَالآخِرَةِ، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَبْعَدَ مِنَ التَمَنِّي وَمَا رَأَيْتُ شيئاً أَحْسَنَ مِنَ التَأَنِّي، ورأيتُ خيرَ الدُّنيا والآخِرَةِ فِي القَنَاعَةِ، وَرَأَيْتُ شَرَّ الدُّنْيا والآخِرَىِ فِي الطَمَعِ، وَرَأَيْتُ أَقْصَرِ النَّاسِ عُمْراً مَنْ ضَيَّعَ بِلَعَلَّ وعَسى وَسَوْفَ، ورَأَيْتُ أَحْسَنَ الحِليةِ التَّواضُعَ، وَرَأَيْتُ أَقْبَحَ الأَشْياءِ البُخْلَ، وَمّا رَأَيْتُ شَيْئاً جامِعاً للخَيْرِ خَيْراً مِنْ حُسْنِ الخُلقِ، وَمَا رَأَيْتُ شيئاً جامعاً لِلشَرِّ شرّاً مِنَ الحَسَدِ، وَرَأَيْتُ مَوْتَ الأَحْمَرِ فِي السُّؤالِ، وَرَأَيْتُ حَياةَ الأَبَدِ فِي التَعَفُّفِ وَكِتْمانِ الحَالِ، وَرَأَيْتُ التَّوْفِيقَ مَعَ الجِدِّ وَالسَّعْي، وَرَأَيْتُ الخِذْلانَ مَعَ التَّهَاوُنِ وَالكَسَلِ، وَرَأَيْتُ البَلاءَ مُوَكَّلاً بِالكَلامِ، وَرَأَيْتُ السَّكِينَةَ نازِلاً بالسُّكوتِ، وما رَأَيْتُ حَريصاً إِلاَّ مَحْرُوماً، وما رَأَيْتُ طالِبَ الدُّنيا إِلاَّ مَهْموماً، وما رَأَيْتُ صاحِبَ العِيالِ إِلاَّ غريقاً، وَرَأَيْتُ أَقلَّ الأَشْياءِ إِخْوانُ الصِدْقِ والفُتُوَّةِ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ الأَشْياءِ إِخوانُ السَّوءِ وَالنِفاقِ، وما رَأَيْتُ حُرّاً إِلاَّ مَنْ أَعْتَقَهُ اللَّه تَعالى مِنْ رِقِّ الدُّنيا، وَرَأَيْتُ الذُّلَّ والهَوانَ في خِدْمَةِ المَخْلوقِينَ، وَرَأَيْتُ العِزَّ وَالمَجْدَ فِي خِدْمَةِ الخالِقِ، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشَدِّ وَأَقْسى مِنْ قَلبِ المُلُوكِ، وَمَا رَأَيْتُ زِينَةً لِلْفُقراءِ أَحسنَ مِنْ طَرْحِ الرِّقَاعِ بَعضِها عَلَى بَعْضٍ، وَرَأَيْتُ خَيْرَ الحِسَابِ مُحَاسَبَةَ النَّفْسِ، وَمَا رَأَيْتُ عَاقِلاً قَطُّ إِلاَّ مُقْبِلاً عَلَى الآخِرَةِ، وَمَا رَأَيْتُ جَاهِلاً قَطُّ إِلاَّ مُقْبِلاً عَلَى الدُّنْيا. وَمَا رَأَيْتُ الرّاغِبَ إِلاَّ مَشْغولاً، وَمَا رَأَيْتُ الزَّاهِدَ إِلاَّ فارِغاً، وَمَا رَأَيْتُ المُرِيدَ إِلاَّ طالباً، وَمَا رَأَيْتُ المُدَّعي إِلاَّ كاذِباً، وَمَا رَأَيْتُ حِلْيَةً أَزَينَ مِنْ صِدقِ الحَديثِ، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً مِنْ صُنعِ اللَّهَ إِلاَّ وَرَأَيْتُ اللَّهَ فِيهِ، وَرَأَيْتُ النَّفْسَ تَحُثُّ عَلَى العارِ، وَرَأَيْتُ الهَوَى تُجُرّنَا إِلى النَّارِ، وَرَأَيْتُ العَقْلَ يَسُوقُنَا إِلى عَمَلِ الأَبْرَارِ، وَرَأَيْتُ أَقْوَى الرِّجالِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيبِ نَفْسِهِ ومَنْعِها عَنِ المَعاصِي والشَّهَواتَ، وَرَأَيْتُ بَرَكَةَ العُمْرِ وَالرِزْقِ في طَاعَةِ اللَّهِ وَرَأَيْتُ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ في مُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله)، وَرَأَيْتُ تَمامَ النِعَمَ الشُّكْرَ المُنْعِمَ، وَرَأَيْتُ خَيْرَ الرُّفَقَاءِ العِلْمَ، وَرَأَيْتُ شَرَّ الدُّنْيَا الحِرْصَ، وَرَأَيْتُ جَميعَ العُصاةِ والمُذْنِبينَ وَأَهْلَ الكبَائِرَ المُسْرِفينَ، وَرَأَيْتُ دُخولَ الجَنَّةِ فِي أَكْلِ الحَلالِ، وَرَأَيْتُ دُخُولَ النَّارِ فِي مُتَابَعَةِ الهَوى، وَرَأَيْتُ سَلْطَنَةَ الشَّيْطانِ عَلَى الخَلْقِ مِنْ حُبِّ الدُّنْيا، وَرَأَيْتُ أَجْهَلَ النَّاسِ مَنْ لم يَعْتَبِرْ بِالأَمْواتِ وَحَالِهِمْ وبُيُوتِهِم، وَرَأَيْتُ أِشْقَى النَّاسِ مَنْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ، وَرَأَيْتُ جميعَ آفةِ الإِنْسَانِ مِنَ اللِّسَانِ، وَرَأَيْتُ أَسَاسَ الشَّرْعِ وَالدِينِ عَلَى التَصَبُّرِ وَاليَقِينِ، وَرَأَيْتُ أَفْضَلَ العِباداتِ أَداءَ الفَرائِضِ، وَرَأَيْتُ أَحْسَنَ العِبادَاتِ إِجْتِنَابَ المَعَاصِي، وَرَأَيْتُ خَيْرَ الأَعمالِ كَفَّ الأَذى عَنِ النَّاسِ، وَرَأَيْتُ أَشَدَّ مِنْ المَوْتِ النَّدَامَةَ عَلَى الفَوْتِ، وَمَا رَأَيْتُ عِصْمَةَ النَّفْسِ إِلاَّ لِلأَنْبِياءِ والأَوْصِياءِ، وَمَا رَأَيْتُ حَياةَ القَلْبِ إِلاَّ للأَوْلِيْاءِ، وَطَلَبْتُ الأَمْنَ وَالرَّاحَةَ، فَمَا وَجَدْتُ إِلاَّ فِي تَرْكِ الدُّنْيا وَرَفْضِها، وَطَلَبْتُ الأنسَ بِاللَّهِ تَعالى، فَمَا وَجَدْتُ إِلاَّ فِي الإِعْتُزَالِ عَنِ النَّاسِ، وَطَلَبْتُ مُخَالَفَةَ الشَّيْطَانِ، فَمَا وَجَدْتُ إِلاَّ فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَعَداوَتِها، وَرَأَيْتُ أَرْجى مِنِّي عِنْدَ اللَّهِ حُسْنَ الظَنِّ بِاللَّهِ تَعالى.
وَسَمِعْتُ مَنْ لاَ يَزْرَعُ لاَ يَحْصُدُ وَمَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمُ، وَمَنْ رَكَبَ في سَفينَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يَسوقانِهِ إِلى الجَنَّةِ أَو النَّارِ، إِيَّاكُم ثُمَّ إِيّاكُم وَالإِغْتِرَارَ وَرَأَيْتُ جميعَ الخُلَفاءِ والمُلُوكِ وَأَرْبابِ الشَوْكَةِ مَشْغُولِينَ بِذَبِّ ذُبابَةٍ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَا حَصَلَ لَهُمْ، وَرَأَيْتُ جَميعَ الخَلْقِ مِن لَدُنَ خَلْقِ آدمَ إِلى نَفْخِ الصورِ عَاجِزِينَ عَنْ جَبْرِ كَسْرِ رِجْلِ نَمْلَةٍ، وَرَأَيْتُ جَميعَ الفُضلاءِ والفُصَحاءِ وَأَرْبَابَ النُّجوم وَأَصْحَابَ العُلومِ وَالإِلهيِّينَ عاجِزينَ مُضْطَرينَ عَنْ اتِّخاذِ جَناحِ بَعُوضَةٍ ما قَدَرُوا واعْتَرَفُوا بِالعَجْزِ وَالنُّقْصَانِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ وَالعِلْمُ والقَدَرُ تبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ لَيْسَ لهُ شريكٌ فِي المُلكِ هُوَ الحيُّ الَّذي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، موجِدُ الأَشياءَ، مُزَيِّنٌ لِلأَرْضِ وَالسَّماءِ خالقُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، رازِقُ الجِنِّ والإِنْسِ، المُنَزَّهُ عَنْ الاسْتِقرارِ فِي الاسواءِ، يَحْكُمُ ما يُرِيدُ وَيَفْعَلُ مَا يَشاءُ، كاسِي العِظامِ الرفاتِ بِلاَ آلاتٍ وَأَدَوَاتٍ، مُميتُ الأَحْياءَ ومُحْيي الأَمْوَاتَ، مُقَدِّرُ الأَرْزاقَ وَالأَقْواتَ، سَامِعُ الحِسِّ والحَرَكاتِ، العَالِمُ بِدَبِيبِ النَّمْلِ وَالخَفِيِّ مِنَ الأَصْوَاتِ، لاَ يَعْزبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ فِي السَّمَوَاتِ، عَالِمٌ بِالأَسْرارِ وَالخَفِيّاتِ، آمَنَّا بِهِ وَبِجَميعِ مَلاَئِكَتُهُ وَكُتُبِهِ ورُسُلِه، وَالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ والشَّفاعَةِ والجَنَّةِ وَالنَّارِ والقَبرِ والسُّؤَالِ وَالحَوْضِ والمِيزانِ والسِّراطِ، وَخُلودُ (النارِ) للكافرينَ وَخُلودُ الجَنَّةِ لِلمُؤمِنينَ، وَالحُكمُ بِالعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ وَالقضاءِ وَالحَتمِ وَرَدِّ المَظَالِمِ وَالأَمْنِ وَالنَّعيمِ في الجَنَّةِ وَكُلُّ ما قالَ اللَّه تَعالى في مُحْكَمِ كِتابِهِ وَتَنْزِيلِهِ مِنَ الوَعْدَ وَالوَعِيدِ وَجَزاءِ الشَقِيِّ وَالسَّعِيدِ وَالأَمْرِ والنَّهِي والأَخْبارِ وَالقَصَصِ وَالأَمثالِ وَالحِكَمِ وَالحَلالِ وَالحَرَامِ وَالمُتَشابِهِ، وَمَا بَيَّنَ وفَسَّرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) حَقٌّ، وهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعالى قَائمٌ بِذَاتِهِ وقِيامُ جَميعُ الخَلائِقِ بِهِ، وكُلُّهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ سِرِّ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ حَياةً وَلاَ نُشُوراً ومَنْ دَخَلَ الجَنَّةَ فَبِظِّلِهِ [كَمَا فِي المتن ولعلَّ فَبِفَضْلِهِ] ومن دَخَلَ النَّارَ فَبِعَدْلِهِ.
المَنْهَجُ الأَوَّل
في تَعَبِ الفَقيرِ السَّالِكِ فِي طريقِ التَّصَوُّفِ
سَأَلْتَني وَفَّقَكَ اللَّهُ عن حِلْيَةِ الفَقِيرِ الصّادِقِ، إِجْعَلْ يَا أَخي زادَكَ التَّقْوى وبِضَاعَتَكَ الإِفْلاسَ وسَفَرَكَ الآخِرَةَ وَأَنْفَاسَكَ المَراحِلَ وَمَنْزِلَكَ القَبْرَ وقَرِينكَ الصَّبْرَ وَصَاحِبَكَ اليقينَ وتَدْبيرَكَ العَجْزَ وحَرَكاتِكَ السُّكونَ وَبَيْتَكَ الخَلْوَةَ وَطَعَامَكَ الجوعَ وَشَرَابَكَ الدَّمْعَ وَلِباسَكَ الفَقْرَ وَنَوْمَكَ مُحاسَبَةَ العُمْرِ وَوِسَادَتَكَ رُكْبَتَكَ وَمَجْلِسَكَ المَسْجِدَ ودَرْسَكَ الحِكْمَةَ وَنَظَرَكَ العِبْرَةَ ومُراقِبَكَ الحَياءَ ورفيقَكَ التَوْفيقَ وَسِمَتَكَ حُسْنَ الخُلْقِ وَمُعَلِّمكَ القَنَاعَةَ وصَلواتَكَ الوَداعَ وصَوْمَكَ الصَمْتَ وهَمَّكَ النَّارَ وفَرَحَكَ الجَنَّةَ وصِحَّتَكَ اليَأْسَ ومَرَضَكَ الطَّمَعَ ومُذَكِّرُكَ المَقَابِرَ وَوَاعِظُكَ الأَيَّامَ ومُطْرِبَكَ الحُزْنَ وَسَماعَكَ ذِكْرَ الموْتِ ورَفْضَكَ رَفْضَ الدُّنْيا وأَرْبَابِها وسِلاحَكَ الوُضَوءَ ومَرْكَبَكَ الوَرَعَ وخَصْمَكَ الشَّيْطَانَ وَعَدُوَّكَ النَّفْسَ وسِجْنَكَ الدُّنْيا وسَجَّانَكَ الهَوى ولَيْلَكَ التَّضَرُعَ وَنَهارَكَ الاستِغْفَارَ والاستِعْدادِ لِلْمَوْتِ وَحَاصِلَكَ الوَقْتَ وَحِصْنَكَ الدينَ وَشِعارَكَ الشَّرْعَ وَحَدِيثَكَ كِتَابَ اللَّهِ تَعالى ورأسَ مالِكَ حُسْنَ الظَنِّ بِاللَّهِ وحِرْفَتَكَ الصَّلاةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) وعادَتكَ الدُّعاءَ لِجَميعِ المُسْلِمينَ وأَمْنَكَ العَمَلَ الصَّالِحَ وخَوْفَكَ ردَّ العَمَلِ وسوءَ الخَاتِمَةِ وغَايةِ هِمَّتِكَ اللَّهُ تَعالى وقُصَارى هَوَاكَ.
هَذا نَعْتُ الفَقِيرِ وسِمَتُهُ وَمَا عَدَا ذاكَ فَأَمَانِيٌّ وَغُرورٌ فَإِذا وُفِّقْتَ وَفَعَلْتَ عِشْتَ حُرّاً ومُتَّ فارِغاً وقُمْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ القَبْرِ آمِناً وَدَخَلْتَ الجَنَّةَ سَعيداً إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
المَنْهَجُ الثّاني
في عَلامةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ ووصُولِ العَبْدِ إِلى مَوْلاَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وَمَعْرِفَتِهِ بِصِفَاتِهِ وتَقَدُّسِ ذَاتِهِ
وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ المُتَوَجِّهُ إِلى اللَّهِ السائرُ إِلى حَضْرَتِهِ إِنَّ المانِعَ وَالمُعْطي وَالضارَّ وَالنافِعَ وَالهادي وَالمُضِلَّ هُوَ اللَّهُ تَعالى وَلَيْسَ فِي الوُجودِ أَحَدٌ إِلاَّ هُوَ وَالبَاقِي فانٍ، وَيَسْتوي لِسانُهُ وَقَلْبُهُ فِي الذِكْرِ وَيَمْتلي عُرُوقُهُ عَنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِهِ، ولاَ يَرْي لِنَفْسِهِ قيمةً، ويُبْغِضُ الدُّنْيا وطُلاَّبَها، ويُحِبُّ المَوْتَ وَلِقَاءَ اللَّهِ تَعالى، ويَخْتَارُ الخَلْوَةَ وَالعُزْلَةَ وَيَفرُّ مِنَ النَّاسِ، وَيَسْتَوي عِنْدَهُ المَدْحُ والذَمُّ والخَيْرُ وَالشَرُّ والمَنْعُ والعَطَاءُ وَالذَّهبُ والتُّرابُ. وَيَبْكِي بِاللِّيلِ وَالنَّهارِ عَلَى تَقْصِيرِهِ، وَيَكُونَ فِي الدُّنْيا في القالِبِ وَفِي الآخِرَةِ بِالقلبِ وَيُصَحِّحُ إِعْتِقادَهُ وإيمانَهُ باللَّهِ وَلاَ يُجْري عَلَى لِسانِهِ إِلاَّ ذِكْرَ الحَقِّ وذِكْرَ المَوْتِ، أَوْ شيءٍ مِنْ هَوْلِ المُطَّلَعِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الجَنَّةِ والنَّارِ، ويكونُ أَقْرَبَ الأَشْياءِ إِلَيهِ المَوْتُ وأَبْعَدَ الأَشياءِ إِلَيْهِ الأَمَلُ، ويَبْكي عَلى أَنْفاسِهِ بَعْدَ يأْسِهِ عَنْ جَميعِ الخَلائِقِ، وهذا عَلامَةُ إِقبالِ اللَّهِ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ عَلَى عَبْدِهِ الضَّعِيفِ ووصولِ العَبْدِ إِلى بابِ سَيِّدِهِ وَمَوْلاَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ تَعالى.
المَنْهَجُ الثَّالِث
فِي حَقيقةِ دُخولِ الفَقيرِ فِي الخَلْوَةُ وَآدَابِهَا
حاصِلُهُ أَنْ يَكونَ العَبْدُ السَّالِكُ المُريدُ فارِغاً مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ طَالِباً لِرِضاءِ اللَّهِ تَعالى وَإِصْلاَحِ قَلْبِهِ وَحالِهِ وَلِيُطَهِّرَ ظاهِرَهُ مِنْ أَوْسَاخِ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ وَمِنْ مَظَالِمِ الخَلْقِ بِالاسْتِحْلاَلِ أَوْ بِرَدِّهَا، هَارِباً مِنَ الدُّنْيا وَأَرْبَابِهَا مُقْبِلاً عَلَى الآخِرَةِ، مُشْتَغِلاً بِأَسْبَابِهَا مُتَوَجِّهاً إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ، مُجَرَّداً خَالياً عَنْ جَميعِ الإِرَادَاتِ ظَاهِراً وَبَاطِناً صَامِتاً ساكِتاً خائِفاً مُتَضَرِّعاً باكِياً عاجِزاً مُسْتَحِيْياً فَقيراً خَالِصاً مُتَمَسِّكاً بالشَّرْعِ حَافِظاً لِحُدُودِ اللَّهِ عالِماً بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعالى، تَابِعاً لِسُنَّةِ رَسولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله).
فَإِذَا دَخَلَ الخَلْوَةَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَبَيْتُ الخَلْوَةِ قَبْرٌ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلْمَيِّتِ اخْتِيارٌ وَلاَ إِرادةٌ، وَإِنْ كانَ لَهُ حاجَةٌ يَقْضِي جَمِيعَ حَوائِجِهِ وَأَشْغَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الخَلْوَةَ حَتَّى لاَ يَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِشَيءٍ سِوَى اللَّهِ، وَيَطْلُبُ مَكاناً بَعِيداً مِنَ الخَلْقِ قَرِيباً إِلى الجامِعِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الجُمُعَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ المَكَانُ ضَيِّقاً، وَلاَ يَدْخُلُ لَهُ شُعَاعُ الشَّمْسِ وَضَوْءُ النَّهَارِ، وَلاَ يَكُونُ عِنْدَهُ مَعْلُومٍ وَلاَ مَطْعُومٍ، وَيَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ دَائِماً لَيْلاً وَنَهاراً سِرّاً وَجَهْراً بِلاَ فُتُورٍ وَتَعَلُّلٍ يَأْخُذُ قَلْبُهُ مِنْ لِسانِهِ وَلِسانُهُ مِنْ قَلْبِهِ وَيَقُومُ بِأَمْرِ شَيْخٍ نَاصِحٍ أَوْ أَخٍ مُشْفِقٍ أَوْ رَفِيقٍ صَالِحٍ أَوْ صَدِيقٍ حَمِيمٍ بِطَعَامِهِ وَمَزاجِهِ وَصَلاَحِهِ وَفَسِادِهِ وَعَقْلِهِ وَدِمَاغِهِ وَتَسْكِينِ صَبْرِهِ وَتَعْجِيلِ دَفْعِهِ بِسُلْطَانِ وَهْمِهِ وَإِطَاعَةِ أَحْكَامِهِ مِثْلَ الطَّبِيبِ الحَاذِقِ العَالِمِ بِعِلَلِ المَرِيضِ وَفِعْلِ الأَدْوِيَةِ، وَهُوِ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعالى مِرَاراً وَتَضَرُّعِهِ إِلَيْهِ وَيُعَفِّرُ وَجْهَهُ بِالتُّرَابِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَسْليمِ وَجْهِهِ إِلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وَلاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَغْلُوباً بِغَيْرِ أَوَانِهِ، وَلاَ يَنامُ بِاخْتِيارِهِ، وَلاَ يَبْكي عَلى شَيءٍ، وَلاَ يَتَعَلَّلُ لِشَيءٍ، وَلاَ يُصَلِّي إِلاَّ الفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ، وَلاَ يَخْطُرُ بِبالِهِ مِنَ الكَرَاماتِ وَالمَواهِبِ شَيء، وَلاَ يَرى لِنَفْسِهِ وَخَلْوَتِهِ وَخِدْمَتِهِ قِيمَةً، وَلاَ يُبْقي عِنْدَهُ دَعْوَى وَلاَ رُعُونَةً، وَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الخَواطِرَ الرَدِيَّةِ، ويَفْني عَنْ قَلْبِهِ الإِرادَةَ الفَاسِدَةَ الخَسيسةَ بِدَوامِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وَتَقْليلِ الغِذاءِ بِمِقْدارِ صَبْرِهِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ وَصَمْتِهِ، وَيَسْتَعْمِلُ الطيبَ وَالبَخُورَ دِائِماً، وِلاَ يَأْكُلُ الدَّسِمَ، وَيَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِالأَدَبِ، وَيَكُونُ دائِماً مِثْلَ صَاحِبِ جِنَايِةٍ عَظِيمِةٍ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ الجَابِرِ وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً بِخِلاَفِ الشَّرْعِ وَالسُّنَّةِ، وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلى إِظْهارِ الأَشْياءِ وَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِالذَّكْرِ، وَيَسْتَحيي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ طَاعَتِهِ كَما يَسْتَغْفِرُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَيَخافُ عَلى نَفْسِهِ وَالذَّاكِرُ مِثْلَ مَا يَخَافُ عَلى الكُفَّارِ [كذا في المتن ولعلَّ: مِنَ الكُفَّارِ] وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ العَقِيدَةِ، مُؤْمِناً بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مُؤْمِناً بِالبَعْثِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ، مُحِبّاً لأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله)، مُعْتَرِفاً بِفَضيلَتِهِمْ عَلى جَميعِ الخَلاَئِقِ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ هَذا يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ كَانَ مُبْتَدِعاً وَيَخْتارُ إِرادَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إِرادَتِهِ، وَيُحِبُّ لِجَميعِ النَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلْوَةِ لاَ يُظْهَرُ إِلاَّ العَجْزَ وَالكِتْمَانَ، وَيَحْفِظُ القَلْبَ وَاللِّسَانَ، وَيُدَاوِمُ فِي خَلَواتِهِ وَغَيْرِ خَلَوَاتِهِ عَلى الوُضوءِ وَالطَّهَارَةِ، وَلاَ يُبْقي لَهُ مَحَبَّةَ الدُّنْيَا وَأَرْبَابِها، وَيَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى العِصْمَةَ وَالأَمانَ مِنْ شُرُورِ نَفْسِهِ الأَمّارَةِ بِالسُّوءِ، وَالتَّوْفِيقِ عَلى الطَّاعَةِ وَحُسْنِ الخَاتِمَةِ، فَإِنَّ الأُمُورَ بِخَواتِمِهَا.
المَنْهَجُ الرَّابع
فِي مَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَأَتْبَاعِهَا وَلاَ يَعْرِفُها أَحَدٌ بِالحَقِيقَةِ أَبَداً
إِعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ النَّفْسَ شَرَّ الأَشْياءِ. وَهِيَ بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وَهِيَ مَطِيَّتُكَ، وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ إَلَيْهَا، وَمَثَلُها كَمَثَلِ السَّارِقِ الواقِفِ عِلى مَتَاعِ البَيْتِ، وَهِيَ قَرِينَةُ الشَّيْطَانِ، وَمَأْوَى كُلِّ سُوءٍ، وَلَها صِفَاتٌ مَذْمُومَةٌ تُحِبُّ الشَّرَّ وَتُبْغِضُ الخَيْرَ، تُخَالِفُ العَقْلَ وَتُوَافِقُ الهَوَى وَهُوَ يَدْعُوهَا إِلى الطَّاعَةِ، وَهِيَ تَتَحَرَّكُ إِلى المَعْصِيَةِ، وَهِيَ فِي الشِّبَعِ مِثْلَ السَّبْعِ، وَفِي الجُوعِ مِثْلَ الطِّفْلِ الضَّعِيفِ، وَفِي الغَضَبِ مَثْلَ المُلُوكِ الجَبَابِرَةِ، وَفِي الأَكْلِ مِثْلَ البَهَائِمِ، وَفِي الخَوْفِ مِثْلَ النَّمِرِ وَالأَسِدِ، وَمِنْ سُوءِ عَادَاتِهَا تَخَافُ مِنَ الفَقْرُ وَالقِلَّةِ، وَلاَ تَخَافُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وَأَلِيمَ عَذَابِهِ، وَهِيَ مُسْخِرَةُ الشَّيْطَانِ، وَلَهَا أَعْوَانٌ وَأَنْصَارٌ مَثْلَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا وَالهَوَى وَالشَّيْطَانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْ أَعْوَانِهَا جُنُودٌ وَرُنُودٌ وَخَيْلٌ وَحَشَمٌ مِنْ زِينَةِ الحَيَاةِ الدُّنْيا مِثْلَ كَثْرَةِ اللَهْوِ وَكَثْرَةِ النَّوْمِ وَكَثْرَةِ الضِحْكِ وَحِكاياتِ العُشَّاقِ وَحُبِّ الدُّنْيا وَاخْتِيارِ الغِنَى وَالكِبْرِ وَالحَسَدِ وَالنَّمِيمَةِ وَالعَداوَةِ وَالذَّمِيمَةِ وَارْتِكابِ المَعَاصي وَالمَلاَهي وَالاِشْتِغَالِ بِكُلِّ مَا لاَ يَعْنِيهِ، وَجَمْعِ المَالِ وَطُولِ الأَماني وَالآمالِ، وَالأَمْرِ بِالمُنْكَرِ وَالنَهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ، وَالتَّمَنِّي وِالغُرورِ وَاللَّهْوُ وَالسُّرورِ، وَالعَماراتِ وَالتِّجاراتِ وَتَحْسِينِ القَبيحِ، وَهَتْكِ السِّتْرِ، وَمُجاوَزَةِ الحُدودِ، وَاسْتِعانِةِ الباطِلِ، وَإِنْكارِ الحَقِّ، وَتَعْظيمِ أَبْناءِ الدُّنْيَا وَتَحْقِيرِها أَبْناءَ الآخِرَةِ، هَذا كُلُّهُ مِنْ صِفاتِ النَّفْسِ الأَمّارَةِ بِالسُّوءِ، فَكُلُّ عِرْقٍ مِن عُرُوقِ ابْنِ آدَمِ جُنْدٌ واحِدٌ مِنْ شُرَطِ أَعْوانِهَا، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى وَأَبْصَرَهُ بِعُيُوبِهَا وَأَعانُهُ عَلى تَسْخِيرِها ومَعْرِفَةِ مَكايِدِها، أَلْجَمَها بِلِجامِ الوَرَعِ، وَقَيَّدَهَا بِسَلاسِلِ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ، وَتَكْلِيفَاتِ الشَرْعِ، وَيَقْتُلُهَا بِسَيْفِ المُجَاهَدِةِ وَيُسَلِّطُ عَلَيْهِا الجُوعَ والعَطَشِ وَالسَّهَرَ، وَيُخَالِفُهَا فِي كُلِّ شَيءٍ إِلاَّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وَيخَافُ مِنْهَا فِي الطَّاعَةِ أَيْضاً وَيذُمُّ عَلى جَمِيعِ أَفْعَالِها، وَلاَ يَغْفُلُ تَأديبَها وَرِياضَتَها إِلى المَوْتِ، وَيَجْعَلُ العَقْلَ عِقالَها وَالشَّرْعَ سِجْنَهَا وَالعِبَادَةَ سَجّانَهَا، وَذِكْرَ الْمَوْتِ طَعَامَها وَشَرَابَها، وَبَعَدَ الاحْتِياطِ التَّامِّ البَالِغِ فِي أَمْرِهَا يَتَضَرَّعُ هَذا العَبْدُ المِسْكِينُ إِلى خَالِقَها، موجِدِها، وَمُنْشِئها، وَيَسْتَعيذُ بِاللَّهِ مِنْ كَيْدِهَا وَسُوءِ عَادَتِها وَغَلَبَتِهَا عَلى عَقْلِهِ، وَيَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الأَمانِ مِنْ شَرِّهَا وَأَمانِيهَا، وَإِنَّ مَثَلَ العَقْلِ وَالنَّفْسِ مِثْلُ شَخْصَيْنِ عَدُوَّيْنِ قَاصِدَينِ قَديميِّ العَدَاوَةِ وَالخُصُومَةِ، وَبِيَدِ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا سَيْفٌ مُجَرَّدٌ مُتَرَقِّبٌ لِغَفْلَةِ صاحِبِهِ، وَلاَ يَقْطَعُ النَّظَرَ مِنْهُ حَتَّى إِذا غَفَلَ يَقْتُلُهُ، وَكُلُّ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ، وَمَنْ كَانَ ظالِماً لِنَفْسِهِ وَيَقْتُلُها بِالظُّلْمِ عَلَيْهَا نَجَا مِنْ شَرِّهَا، وَأَمِنَ مِنْ مَكائِدِها. قالَ اللَّهُ تَعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَالظُّلْمُ عَلَيْهَا أَنْ يَمْنَعَها مِنَ الشَّهَوَاتِ الفاسِدَةِ وَاللَّذاتِ الفانِيَةِ وَالأَماني الباطِلَةِ وَالآمالِ الكاذِبَةِ وَغُرورِ الدُّنْيا وَحُبِّ الشَّرَفِ وَالمالِ وَيَجُرُّها إِلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى طَوْعاً وَكُرْهاً وَعَلى مُتابَعَةِ الشَّرْعِ وَالسُّنَّةِ انْقِياداً وَاضْطِراراً، وَتَحْريضَها عَلى حُبِّ الآخِرَةِ وَذِكْرِ المَوْتِ، وَيَخافُ مِنْ مَكْرِهَا وَكَيْدِهَا وَرُعونَتِها فِي العِبَادَةِ وَالزُّهْدِ، فَإِنَّ خِداعَها وَغُرورَها وَفَسادَها فِي الطَّاعَةِ أَكْثَرَ مِنَ المَعْصِيَةِ، وَإِنَّ لَها فِي الطَّاعَةِ شُرْباً وَعَيْشاً أَحَبُّ إِلَيْها مِنْ ارْتِكابِ المَعاصي مِثْلُ شَرٍّ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَرُؤْيَةِ العِبَادَةِ وَقِيمَةِ العَمَلِ وَالرِّياءِ وَالنِّفاقِ وحُبِّ إِقْبالِ الخَلْقِ وَتَقْبيلِ اليَدِ وَالتَبَرُّكِ وَالزِّيادَةِ وَحُسْنِ الصِّيتِ وَثَنَاءِ الخَلْقِ وَرَغْبَةَ المُلُوكِ وَتَرَدُّدِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا المُلوكِ وَحُضُور السمَاعِ وَتَخْرِيقِ الخِرْقِ وَالتُّصَنُّعِ، وَإِظْهَارِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَقِلَّةِ الأَكْلِ لِرُؤْيِةِ النّاسِ، وَالبُكَاءِ الكَاذِبِ، وَتَحْرِيكِ الشَّفَقَةِ، وَالإِشَارَةِ بِالعَيْنِ، وَالتَخَشُّعِ بِلا خُشوعِ القَلْبِ، ولِبْسِ المُرَقَّعَاتِ وَرُؤْيَةِ المَناماتِ وَالمُؤاخاتِ وَالحُكْمِ عَلى المَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِ وَالمُبالَغَةِ فِي الطَّاعَةِ وَالعِبادَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ النَّاسِ العاجِزينَ وَالتَّوَّابِينَ، وَالتَّكاسُلِ فِي الخَلْوَةِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِ الإِرادَةِ وَأَكْلِ الأَطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ وَالتَّرَفُّعِ فِي المَجَالِسِ وَالرِّضَاءِ بِحُضورِ المُرْدَانِ فِي السمَّاعِ وَنَظَارَةِ النِسْوَانِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ الشَّيْطانِ فَإِنَّ هَذا الخِصَالَ عَلى الحَقيقةِ أَشَدُّ مِنْ شُرْبِ الخَمْرِ وَارْتِكَابِ المَعاصِي، أَعاذَنَا اللَّهُ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَرُؤْيَةِ أَعْمَالِنَا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله):
“إِذَا أَرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً أَبْصَرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ”.
اللَّهُمَّ بَصِّرْنَا بِعُيُوبِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا وَلاَ تَكِلْنا إِلى أَنْفُسِنا طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلاَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَانْصُرْنَا عَلى أَعْدَائِنا، وَاجْعَلْنا مِنَ الَّذينَ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا آمِنينَ، وَلاَ تَفْضَحْنَا عَلى رُؤُوسِ الأَشْهادِ، فَإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعادَ.
المَنْهَجُ الخامس
فِي نَصِيحَةِ الفَقيرِ وَإِرْشَادِهِ
إِذَا أَرادَ الفَقيرُ أَنْ يَقَعَ عَلَى طَرِيقِ الآخِرَةِ آمِناً وَيَعْبُرَ بِحَارَ آفاتِ الدُّنْيَا سَالِماً، فَيَلْزَمُ هَذَا كُلُّهُ جِدّاً، وَيَشْتَرِطُ مَعَ جَمِيعِ ذَلِكَ الخُلُوصِ، فَإِنَّهُ أَصْلُ العُبُودِيَةِ، وَمَدارُ الخِدْمَةِ وَالطَّاعَةِ أَكْلُ الحَلالِ وَتَرْكُ المُحَالِ وَصِحَّةُ الاعْتِقادِ وَصِدْقُ الاجْتِهادِ وَاسْتِعْدادُ المَوْتِ وَاسْتِدْراكُ الفَوْتِ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْرِهِ، قَبْلَ حُلُولِ قَبْرِهِ وَحِفْظُ اللِّسانِ عَنِ الإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَالاشْتِغَالُ بِعُيُوبِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَوْعِظَةُ نَفْسِهِ قَبْلَ مَوْعِظَةِ غَيْرِهِ، وَبُغْضُ الدُّنْيَا ظَاهِراً وَباطِناً لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى، وَتَرْكُ مَا فِيها لِمَنْ فِيها، وَكِتْمانُ الحَالِ وَتَرْكُ المَقالِ وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِيهِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَالدُّعَاءُ لِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ، وَكِتْمانُ مَصَائِبِهِ، وَإِظْهَارُ مَعايِبِهِ، وَتَسْلِيمُ الأَعْضاءِ إِلى النَّفْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَديدٍ، وَإِلْزامُها بِحِفْظِ رَغْبَتِهَا مِنْ عَذابِ النَّارِ، وَالنَّظَرِ إِلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةَ وَإِلى أَرْبابِ الدُّنْيا بِالعِبْرَةِ لاَ بِالإِنْكارِ، وَبَذْلِ النَّصِيحَةِ وَتَرْكِ الفَضِيحَةِ وَكَظْمِ الغَيْظِ وَتَسْكينِ الغَضَبِ عِنْدَ القِدْرَةِ عَنِ الصَّدِيقِ وَالعَدُوِّ إِلاَّ فِي مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى، وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَمَلِهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلى مَنْ يَعْمَلُ لَهُ وَالنَّدَمِ عَلى إِفْلاسِهِ وَتَهْذيبِ الأَخْلاَقِ وَتَبْدِيلِ الأَفْعالَ وَمُجاراةِ النَّاسِ، وَالصَّبْرِ عَلى تَرْكِ اللَّذاتِ وَالشَّهَواتِ، وَتَرْكِ القَدْحِ فِي الأَحْياءِ وَالأَمْواتِ، وَمُخالَفَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطانِ فِي الهَواءِ وِفِي زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا ظَاهِراً وَباطِناً وَالصَّبْرِ عَلى الشَّدَائِدِ فِي طَرِيقِ اللَّهِ تَعالى وَاسْتِواءِ المَدْحِ وَالذَّمِّ وَالفَرَحِ وَالغَمِّ، وَتَسْكِينِ النَّفْسِ وَالقَلْبِ عِنْدَ الجُوعِ فِي البَرِّ وَالبَرْدِ وَالحَرَّ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، وَصِدْقِ اللِّسَانِ، فَإِنَّهُ زُبْدَةُ مَعانِي الإِنْسَانِ، والاجتنابِ عَنِ الكِذْبِ وَجَري اللِّسانِ بِالصِّدْقِ والصَّوابِ وَالتُّقى فِي الاسْتِقامِةِ بِتَكْرارِ أَحْوالِ يَوْمِ القِيَامَةِ. وَالنَّظَرُ البالِغُ فِي الغِذاءِ وَالقُوتِ، وَالنُّطْقِ بِالحَزْمِ وَالسُّكُوتِ، وَالقَناعَةُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى، وَالقِيامُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وَتَعَوُّدِ النَّفْسِ بِالقَليلِ مِنَ الأَكْلِ، وَتَعَوُّدِ اللِّسانِ بِالكَثيرِ مِنَ الذِّكْرِ، وَمُحاسِبَةِ العُمْرِ وَالأيّامِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَساعَةٍ. وَاخْتِيارُ الخُمولِ وَتَرْكُ الشَّهْوَةِ وَالانْقِطاعُ عَنِ العَلائِقِ وَالإِنْفِرادُ عَنِ الخَلائِقِ، وَتَرْكُ التَّدْبير والرِّضاءُ بِالتقديرِ، وَصَلاةُ الاسْتِخارَةِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَلُزُومُ البَيْتِ وَاخْتِيارُ الصَّمْتِ وَذِكْرُ المَوْتِ وَهَمُّ الفَوْتِ وَالتَعَفُّفُ عِنِ السُّؤالِ إِلاَّ مَعَ ضَرُورَةِ الحالِ، وَتَرْكُ حُظوظِ النَّفْسِ وَانْقِيادُ أَحْكامِ الشَّرْعِ، وَظَنُّ جَميعِ الخَلائِقِ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَبِنَفْسِهِ مِنَ الدَّاخِلينَ، وَتَرْكُ حِكاياتِ الدُّنْيا وَأَبْنائِها وَسِيرَةِ مُلوكِها وَعادَةِ جودِها وَمَمْلَكَتِها، وَحِفْظُ أَوْقاتِ الصَّلاةِ مِنْ أَوَّلِهَا، وَمُدَاوَمَةُ الوُضُوءِ وَالطَّهَارَةِ فِي الثَّوْبِ وَالبَدَنِ، وَاسْتِمَاعُ كَلامِ المَشايِخِ بِالحُرْمَةِ وَكَلامِ الجُهَّالِ بِالعِبْرَةِ، وَتَحْقِيرُ النَّفْسِ وَتَعْظِيمُ الشَّرْعِ وَتَرْكُ الاخْتِلاطِ بِالمُتَصَوِّفَةِ إِلاَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ تَعالى، وَمُلازَمَةُ الحَدِيثُ النَبَوِيِّ (ص) وَتَرْكُ حَدِيثِ الدُّنيا، وَالإقبالُ عَلى الطَّاعَةِ بِالنَّشاطِ، وَالبُكاءُ عَلى الذُّنوبِ، وَمَلاَمَةُ النَّفْسِ عَلى كَثْرَةِ العُيُوبِ، وَالاسْتِغْنَاءُ عَلى الصَّاعَةِ خَوْفاً لِرَدِّ البِضاعَةِ، وَالرَّجَاءُ مَعَ العَمَل وَالخَوْفُ مِنَ الأَجَلِ وَالكِتْمانُ فِيمَنْ يَهْدِي اللَّهُ، وَالسُّكوتُ عَمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ وَتَرْكُ الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِي الخَلْقِ وَالإِقْبالُ عَلى الآخِرَةِ، وَحُسْنُ الخَلْقِ وَنِسْيانُ الطَّاعَةِ وَتَرْكُ التثبُّتِ وَالشَّكْوى إِلاَّ بِحَضْرَةِ المَوْلَى، وَحَسْمُ مادَّةِ الشِّرْكِ بِإِحاطَةِ الفُضُولِ وَهَجْرُ الخَلْقِ وَصَلاةُ اللَّيْلِ وَالبُكاءُ لِسَيِّدِهِ وَصَوْمُ الدُّنْيَا وَإِفْطارُ الآخِرَةِ، دَعْ نَفْسَكَ فَإِنَّها مَحَلٌّ لِلأَرْجَاسِ وَالأَنْجَاسِ، وَكُنْ حَليباً طَريحاً تَحْتَ أَقْدامِ النَّاسِ، أَيُّها المُقَصِّرُ أَيْنَ العَمَلُ؟ أَيُّهَا المُتمنِّي إِلى مَتى هَذِهِ الآمَالُ؟! آنَ أَوانُ الرَّحِيلِ، أَيْنَ الزّاهِدُ وَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ السَّبِيلِ؟ هَذَا الكَلاَمُ مُقَيَّدٌ مُخْتَصَرٌ، عَلَيْكَ بِحِفْظِ اللِّسَانِ وَغَضِّ البَصَرِ.
المَنْهَجُ السَّادِسُ
فِي تَفْضيلِ الفَقْرِ عَلى مَا سِوَى اللَّهِ تَعالى
الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المُبْدِئُ المُعِيدُ، لَوَ أَتَى آتِ مِنْ رَبَّي تَعالى يَقُولُ أَنْتَ مُخَيَّرٌ مِنْ رَبِّكَ أَنْ تَعِيشَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَتَمْلِكَ الدُّنْيَا بَأَسْرِهَا وَجَمِيعِها بِلاَ مُنَازَعَةِ أَحَدٍ وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ مَعَ الأَغْبِياءِ أَو تَمُوتَ السَّاعَةَ وَتَدْخُلَ النَّارَ وَتُبْعَثَ فِي زُمْرَةِ الفُقَرَاءَ وَعِزَّتِهِ وَجَلاَلِهِ لاَ أَرْغَبُ فِي نَعِيمِ الدُّنْيا وَدُخولِ الجَنَّةِ وَأَخْتارُ المَوْتَ وَدُخُولَ النَّارِ، وَالفَقرُ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ العَارِ، لِمَا وَجَدْتُ مِنْ لَذَّةِ العَيْشِ وَطِيبِ الوَقْتِ وَصَفاءِ الحالِ وَفَراغِ القَلْبِ وَرَاحَةِ البدنِ وَسَلاَمَةِ النَّفْسِ وَكِثْرَةِ المُنَاجَاتِ بِاللَّيْلِ مَعَ مَوْلاَي وَغَيْرِها، مِمَّا يَحْصَلُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ الكِسْراتِ اليَابِسَاتِ، وَذُلُّ النَّفْسِ عِنْدَ لِبْسِ المُرَقَّعَاتِ، وَصَفْوُ العَيْشِ فِي جَمِيعِ الأَحْوالِ، يَا إِخْواني الفُقَراءُ المَوْتُ مَوْتُكُمْ وَالحَيَاةُ حَيَاتُكُمْ وَالدُّنْيا دُنْيَاكُمْ وَالآخِرَةُ آخِرَتُكُمْ وَالعَيْشُ عَيْشُكُمْ، عَانِقُوا الفَقْرَ وَتَسَوَّدُوا الرُكْبَةَ إِذا نِمْتُمْ، وَاشْكُرُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدونَ، وَاصْبِرُوا عَلى مَا أَصابَكُمْ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ وَالمَوْهِبَةِ العَظِيمَةِ، وَاجْعَلوا التَّكْبيراتِ الأَرْبَعَ عَلى جَمِيعهم، فَإنّما بَيْنَ بياضِ النَّهارِ وسَوادِ اللَّيْلِ أُمُورٌ عَجائبٌ وَشُرورٌ وَنَوائِبٌ، فَكَمْ مِنْ فاسقٍ تائِبٍ، وَكَمْ مِنْ زاهِدٍ خائِبٍ، وَكَمْ مِنْ حاضِرٍ غائِبٍ، وكَمْ مِنْ غائِبٍ حاضِرٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأطيعُوا وَاعْتَبِروا يَا أُولِي الأَبْصَارِ، وَاعْلَمُوا إِنَّ مالَكُم مالَكُم فَاقْطَعُوا آمالَكُم، وَانْتَظِروا آجالَكُم، وانْظُروا مَا كَسَبْتُمْ لِغَدِكُمْ، فَإِنَّ غَداً لِلنَّاظِرِينَ. [متن برابر با نسخه است أما عبارت به صورت هاي [إِنَّ غداً لِناظِرِهِ قَرِيبٌ] و[غداً لِلمنتظرينِ قريبٌ] نيز آمده است].
المَنْهَجُ السَّابِع
فِي صِفَةُ الدُّنْيا وَحَقِيقَتِها
الدُّنْيَا مَوْضِعُ الفِكْرَةِ وَمَنْزِلُ العِبْرَةِ وَمُقامُ العَثْرَةِ وَبِناءُ الحَسْرَةِ وَهِيَ مَزْرَعَةُ المُؤْمِنينَ وَسُوقُ الطّالِبينَ وَمَتْجَرُ المُريدينَ وَمَطِيَّةُ القاصِدينَ وَقَنْطَرَةُ السَّالِكينَ وَمَعْشُوقَةُ المَغْرورينَ وَمَمَرُّ الصَّادِقِينَ وَمَزْبَلَةُ العَارِفينَ وَمَمْلَكَةُ الشَّيَاطينَ، عَجُوزَةٌ بَكِرَةٌ يَا أَصْحابَ الفِطْنَةِ وَالفِكْرَةِ، مَكَّارَةٌ غَدَّارَةٌ فَرَّارَةٌ طَرَّارَةٌ، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ لَهَا صَدِيقٌ وَخَليلٌ، وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ لَهَا هَالِكٌ وَقَتِيلٌ، بَحْرُهَا عَمِيقٌ وَرَاكِبُها غَرِيقٌ مُحِبُّهَا مَشْغُولٌ وَأَمِيرُهَا مَعْزُولٌ وَصَدِيقُهَا مَقْتُولٌ وَزَاهِدُها فارِغٌ وَراغِبُهَا مَخْذُولٌ، سُرورُها هَمٌّ وَتِرْيَاقُهَا سَمٌّ وَسَاحِلُها يَمٌّ، شِفاءُهَا داءٌ وَصُحْبَتُهَا بَلاءٌ وَمَحَبَّتُهَا عَنَاءٌ، فَإِنَّهَا لِلنَّوَائِبِ وَالرَّزَايَا مَخْلُوقَةٌ، عَدُوَّةٌ لَجَمِيعِ الخَلْقِ، شَرَابُها سَرابٌ وَمَعْمُورُهَا خَرَابٌ وَحَاصِلُهَا تُرَابٌ، فِي حَلالِها حِسابٌ وَفِي حَرامِها عَذابٌ وَفِي الشُّبُهاتِ عِتَابٌ.
المَنْهَجُ الثَّامِنُ
فِي صِفَةِ طَرِيقِ اللَّهِ تَعالى
إِعْلَمْ أَنَّها أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَضْوَءُ مِنَ القَمَرِ وَأَبْيَنُ مِنَ النَّهَارِ، وَلَهُا عَلاَماتٌ بَيِّنَاتٌ وَآياتٌ وَاضِحَاتٌ، مَنْ تَرَكَهَا ضَلَّ وَمَنْ سَلَكَهَا اهْتَدَى، وَلَكِنّهَا كَثيرَةُ المَوَانِعِ وَالمَقَاطِعِ وَالمَهَالِكِ، وَفِيهَا جِبالٌ رَاسِخَاتٌ وَبِحَارٌ زَاخِراتٌ وَقِطاعٌ زاجِراتٌ، تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ تِنِّينٌ وَفَوْقَ كُلِّ مَدَرٍ أَسَدٌ عَرِينٌ، هَذا نَعْتُها لِلنَّاظِرِينَ مِنَ البَعِيدِ، وَأَمَّا مِنَ القَرِيبِ فَكَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهَا الظَمْآنُ ماءً، وَلاَ يَقْطَعُهَا إِلاَّ الصِدّيقونَ الخائِفونَ التَّارِكونَ التَّائِبونَ الرَّاغِبونَ السَّابِقونَ بِقُلُوبٍ عَامِرَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَأَبْدانٍ خَرِبَةٍ أَرْضِيَّةٍ.
وَاعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِرُ فِي طَريقِ اللَّهِ تَعالى، أَنَّ الخَلْوَةَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ لِعَالِمٍ رَبَّانِيٌّ، أَوْ مُرِيدٍ صادِقٍ مُجَرِّدٍ رَوْحانِيٌّ، جافِيَ القَلْبِ عَنْ جَميعِ الإِراداتِ وَالمُراداتِ، تارِكٌ لِلدُّنْيا وَالآخِرَةِ، عاشِقٌ لِلمَوْتِ، عَدُوٌّ لِلدُّنْيا، وَنَفْسُهُ مُحِبَّةٌ لِلآخِرَةِ وَأَهْلِهَا، كَرِيمٌ بِمَالِهِ، عَفِيفٌ عَمّا لَيْسَ لَهُ، ذُو قَلْبٍ حَيٍّ وَنَفْسٍ مَيِّتٍ وَعَقْلٍ صَحِيحٍ وَهَوى سَقيمٍ، قَلِيلُ الأَكْلِ كَثِيرُ الذِّكْرِ وَالفِكْرِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتَوَجَّهُ إِلى مالِكِ المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ، وَيَتَمَسَّكُ بِقَوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَتَبَرَّأُ عَنِ الكُلِّ وَيَتُوبُ إِلى اللَّهِ تَعالى مِنْ جَميعِ دَعْواهُ وَمَحالَهُ، وَيَشْهَدُ بِقَلْبِهِ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ البَاقِي وَمَا سِوَاهُ مَيِّتٌ.
الميرزا حسن الشيرازي
ذكر المعنيون بالبحث عن تاريخ الشيعة الإمامية وتقلبات أدوارهم أنّ لهم على رأس كلّ قرن بعد الهجرة مجدداً لمذهبهم، وكبيراً زعيماً من زعمائهم، وعدّدوا في تطبيق ذلك نظم قلادة كلّ أفرادها فريد، وكلّ بيت من أبياتها هو بيت القصيد.
فإن كانت هذه السمة مطردة محكمة، جديرة بالاعتبار والاعتداد فمجدد المذهب في رأس القرن الرابع عشر أو آخر القرن الثالث عشر هو هذا الزعيم العظيم الذي هو أوّل من لُقّب من علماء العراق (بحجة الإسلام)، ولم يكن هذا اللقب شائعَ الاستعمال في علماء القطر العراقي حتّى ثنيت الوسادة لهذا الإمام الشهير فأطلق عليه حجة الإسلام.
ولعمري إنْ كان أحد جديراً بهذا اللقب حريّاً به غير نافر عنه، ولا مجاز به، ولا عارية عليه، ولا غلط فيه، فهو ذلك الطود المستعلي في آفاق سماء المجد الباذخ في أجواء المعالي وزعامة الأمّة الإمامية.
نعم ثنيت الوسادة له في أوائل هذا القرن، وألقيت إليه مقاليد التقليد والمرجعية من كلّ تلك الطائفة أينما كانت من أطراف الأرض وأقاصي البلاد، وامتدّ عليها سجسج ظلّه وغمرها وابل فضله، وصار يعولها علماً ومالاً، ومجداً وشرفاً.
هو تغمده الله برضوانه من أسرة شريفة في شيراز. ومبادئ تحصيله كان فيها ثمّ في أصفهان، ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف، وتخرّج على علاّمة علماء عصره ومصفي مناهل العلمين الكريمين الفقه والأصول العلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري أعلى الله مقامه، وكان منقطعاً إليه، ملازماً له ملازمة ظلّه. ولم يزل وجيهاً ومقدّماً في حوزة ذلك الأستاذ الذي اصطنع بتدريسه وعلمه الباهر جماعة من المحققين الأكابر.
ثمّ بعد وفاة العلاّمة الأنصاري هاجر السيّد (قدّس سرّه) إلى سُرّ مَنء رأى واستوطنها وجعلها قاعدة تدريسه، ومدرسة تربيته وتعليمه، فصارت الأفاضل تنخرط إليه، وتتهافت في المهاجرة تعويلاً عليه، فما مضى غير قليل حتّى انضمَّ إليه حشدٌ من أعيان الأفاضل الأعلام، انتظموا به انتظام اللؤلؤ في سلكه، والتفّوا حفافيه التفاف الشجر في غياضه أو نبت الربيع في رياضة. وعادت بهم تلك البلدة الموحشة بلدة آهلة، ومباءة بأهل الفضل والدرس والتدريس حافلة، وانصبّت عليها ينابيع البركات والخيرات من معادن الأرض وخزائن السماوات، حتّى غمرت هضابها الشاهقة، ويفاعها السامقة. وما عتمت أنْ أصبحت تلك البلدة كلّها مدرسة كبرى ومزاراً تتقاطر عليه القوافل، وتشدّ إليه من أقصى الأرضين الرواحل. وصار (قدّس سرّه) يعول كلّ من دار عليه سورها من غير مبالغة ولا مغالاة، بل هو دون تمام الحقيقة. فقد كانت له مسانهات وجرايات شهرية لمن في أقطار الأرض من ضعفاء الشيعة ومحاويجهم وطلاب العلم وأحلاس المدارس تساوي أو تزيد على أضعاف مَنْ كان يعولهم في بلد هجرته وموطن إقامته. كلّ ذلك ممّا شهدتُ بعضه بعيني، وأدركته في عصري فرأيتُ شيئاً باهراً، وأمراً خطيراً، وعناية من الله عظمى، وكفاك (حديث التنباك) الذي قد التزمته إحدى الدول الكبرى من دولة إيران، وأحسّ هو (قدّس سرّه) أنّ تلك الدولة اللدودة التي لا تزال فيها نهمة استعمار بلاد الإسلام إنّما تريد بذلك الالتزام مدّ يد عدوانها ونفوذها إلى تلك المملكة التي هي وجنة الشرق وجنته ومدافن ثروة الأرض، فتلافى ذلك ونهض نهضة الليث الخادر، فأصدر حكماً بتحريم شرب التنباك، وأظهر التواء من ذلك العمل، وتأثّراً حرَّك عواطف الشعب فهاج هياج البحر عند مهب الزعازع، وعجَّ عجيج العشار، ولم يسع كلا الدولتين لتسكينه إلاَّ بفسخ ذلك الالتزام، ورفض تلك الخطة على رغمها معاً وتحمل الأضرار الطائلة عليهما. والقصة طويلة قد سالت بها أسلات الألسنة، وجرت سيولاً من أنابيب الأقلام.
أمّا باقياته الصالحات فكثيرة، منها: مدرستان كبيرتان في سُرّ مَنْ رأى، وجسر وصل به ضفتي شط دجلة وغرم على نفقته الأموال الطائلة العشرة آلاف ليرة أو أوفى، ثمّ جعل ريعه للحكومة فما احتفظت به حتّى أصبح اليوم أنقاضاً، وعملت فيه أعراضاً، وبقيت السابلة والقوافل في أشدّ الخطر والعذاب من مشقة العبور في المعابر القيرية وسوء معاملة أربابها وفي كلّ شهر يؤدّبون للسمك عدّة مأدبات من لحوم الإنسان، ويثأرون له (ردّ الفعل) ولا دافع ولا مانع، ولا مجيب ولا سامع، فلا حول ولا طول.
وقد خرجنا في هذه الترجمة عن خطتنا من الإيجاز. ولكن دافع الإنصاف وأن لا نبخس الناس حقوقهم دفعنا إلى ذلك ما هو دأبنا في كلّ من ذكرناه أمّا من نحن في ذكره وشريف ترجمته فقد كان حقّه لعظيم صنائعه للدين، أكثر من هذا فقدّس الله سرّه، ولا أخلى تلك الطائفة وسائر المسلمين من زعيم مثله إن شاء الله. نعم كانت رحلته إلى ربّه في شهر شعبان من سنة 1312 في (سرّ مَنْ رأى)، وحُملَ على الأعناق التي طوقها أطواق اللجين والنضار بمعروفه، حمل منها إلى النجف وهي مسافة مائتي ميل تقريباً، تتداول حمله قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، تتزاحم على التبرّك به وتتهافت عليه (ثُبىَ ثبى كراديسا كراديسا).
تزاحم أعناق الورى تحت نعشه ويكثر عند الازدحام استلامها
ثمّ دفن عن مرقد جدّه أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، وله مشهد يزار، ولم يعقب من صلبه سوى سليل واحد وهو السيّد العلاّمة السيّد علي آغا، وأنّه اليوم هو بقية آبائه في (سرّ مَنْ رأى)، وأحد العلماء الأعلام فيها أدامه الله علماً لشرعه، وصاعد بروح أبيه إلى حظائر قدسه، ومنّ على الشيعة بمثله، ليعيد مجدهم، ويلم شعثهم، فقد انتكث حبلهم حتّى كاد.
(الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء)
نفي تحريف القرآن
لا نتحاشى الاعتراف بوجود روايات قد تنمّ عن تحريف الكتاب في المجاميع الحديثية عند الشيعة الإمامية، كما هي في المجاميع الحديثية عند أبناء السّنة. غير أنّ وجود هكذا روايات شاذّة في كتب الحديث لا يُعبِّر عن شيء من عقيدة صاحب الكتاب، فضلاً عن الطائفة التي ينتمي إليها صاحب الكتاب. لأنّ نقل الحديث لا ينمّ عن عقيدة ناقله، ولا سيّما إذا كان له تأويل وجيه، كما هي الحالة في الأحاديث المنقولة عن كتب أصحابنا المعتمدين، ممّا ظُنَّ دلالتها على التحريف، أمّا النظر الدقيق فيأبى هذا الاحتمال.
مثلاً نسبوا إلى الكليني() أنّه ممّن يقول بالتحريف، لنقله روايات ـ قد يحسب الحاسب دلالتها على التحريف ـ في الكافي الشريف. وذكروا لذلك مثالاً الباب (35) من كتاب الحجّة، الذي عقده لبيان: أنّ علم القرآن كلّه ظاهره وباطنه عند الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).
ويحتوي الباب على ست روايات كانت الثانية حتّى الخامسة ضعيفة الإسناد. والأُولى مختلف فيها، والأخيرة حسنة، حسب مصطلحهم في دراية الحديث().
جاء في الحديث الأوّل: “ما ادعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل إلاّ كذّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالب والأئمة من بعده”.
وهذا الجمع إشارة إلى مصحف علي (عليه السلام) حيث ألّفه على ترتيب النزول تماماً، مشتملاً على بيان التنزيل والتأويل ـ على الهامش ـ ومن ثمّ قال ابن جُزَيّ الكلبي: ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير().
والحديث الثاني أوضح هذا المعنى، جاء فيه: “ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه، ظاهره وباطنه، غير الأوصياء”.
وفي الحديث الثالث: “أُوتينا تفسير القرآن وأحكامه”.
وفي الحديث الرابع: “إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره كأنّه في كفّي”.
وفي الحديث الخامس: “وعندنا ـ والله ـ علم الكتاب كلّه”.
وفي الحديث السادس عند تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ}() ـ: “إيّانا عُني”.
هذه هي كلّ أحاديث الباب رواها الكليني عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) دلالة على أنّ علم القرآن كلّه عند أئمة أهل البيت لا يدانيهم في ذلك غيرهم إطلاقاً().
فيا ترى أي دلالة فيها على وقوع تحريف في القرآن، كما حَسِبَه أمثال النوري وأتباعه؟!.
وأمّا الروايات التي أخرجها الأستاذ الدكتور موسى كاظم يلماز() من كتاب الكافي، باعتباره من أهم الكتب المشتملة على روايات التحريف، فهي:
1 ـ ما قدّمنا من روايات تشتمل على أنّ علم القرآن كلّه ظاهره وباطنه عند الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام). وقد نبّهنا إلى أنّ هذا المعنى لا يمسّ مسألة التحريف في شيء.
2 ـ ما أخرجه الكليني في آخر باب النوادر من كتاب فضل القرآن، بإسناده إلى هشام بن سالم ـ أو هارون بن مسلم، كما في بعض النسخ ـ عن أبي عبدالله الإمام الصادق (عليه السلام) قال: “إنّ القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد (صلّى الله عليه وآله) سبعة عشر ألف آية”().
والحديث بهذه الصورة نادر غريب، لأنّ آي القرآن الكريم لا تعدو بضعاً ومائتين وستة آلاف آية، فهي لا تبلغ سبعة آلاف فكيف بسبعة عشر ألفاً؟! ومن ثمّ وقع الشُرّاح في مشكلة العلاج!.
وقد جزم المولى أبو الحسن الشعراني ـ في تعليقه على شرح الكافي للمولى صالح المازندراني ـ بأنّ لفظة “عشر” من زيادة النُسّاخ أو الرُّواة.
والأصل: سبعة آلاف، عدداً تقريبياً ينطبق مع الواقع نوعاً ما().
هذا مع العلم بأن كتابة الألف والآلاف ـ في القديم ـ كانت متقاربة بلا ألِفٍ.
والدليل على صحة ما ذكره الشعراني ما جاء في كتاب “الوافي” للمولى محسن الفيض الكاشاني، وقد وضع كتابه على جمع أحاديث الكتب الأربعة “الكافي” و”الفقيه” و”التهذيب” و”الاستبصار” للمحمّدين الثلاثة.
وعليه، فهذا الحديث عندما ينقله عن الكافي نراه بلفظ “… سبعة آلاف آية” من غير ترديد() الأمر الذي يدل على أنّ نسخته كانت على ذلك من غير شك.
كما اعترف النوري أيضاً باختلاف النسخ وأنّ بعض النسخ تشتمل على “سبعة آلاف”().
وعلى أي تقدير، فالنسخة المشتملة على رقم سبعة عشر ألفاً غلط بلا ريب.
وهذا نظير ما روي عن عمر بن الخطاب، كان يزعم أنّ عدد حروف القرآن أكثر من مليون حرف.
فقد أخرج الطبراني بإسناده عن طريق محمد بن عبيد بن آدم عن عمر أنّه قال: “القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف (1027000) فمن قرآه صابراً محتسباً كان له بكلّ حرف زوجة من الحور العين”().
في حين أنّ حروف القرآن بالضبط ـ وفق المأثور عن ابن عباس ـ ثلاثمائة وثلاثة وعشرون ألف وستمائة وواحد وسبعون حرفاً (323671) ثلث المأثور عن عمر:
فيا ترى بماذا يوجّه أبناء السنّة هذا العدد الضخم المبالغ فيه من حروف القرآن مأثوراً عن مثل الخليفة عمر بن الخطاب؟!.
وهل له محمل سوى اشتباه أو خلط في الرواية أو النقل.
وهكذا فيما روي عن بعض نسخ الكافي حسبما تكلّمنا فيه.
3 ـ والحديث الثالث: “في مصحف فاطمة مثل القرآن ثلاث مرّات”().
ولا شك أنّ المصحف هنا بمعنى الصحف، ولعله تصحيف عنه. ولا غرابة في اشتمال صحيفة فاطمة (عليها السلام) على حِكَم ومواعظ وآداب وسنن ما يزيد على حجم القرآن بكثير.
والدليل على ذلك ذيل الحديث: “والله ما فيه من القرآن حرف واحد. قال الراوي: قلت: هذا والله العلم. قال: إنّه لعلم وما هو بذاك”.
إذن فالصحيفة تشتمل على غير القرآن، لا أنّها قرآن وزيادة، كما زعم الزاعم!.
قال العلاّمة المجلسي ـ في الشرح ـ: الظاهر أنّ مصحفها يشتمل على الأخبار فقط().
4 ـ أخرج عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: دفع إليّ أبو الحسن موسى (عليه السلام) مصحفاً… ففتحته وقرأت فيه سورة البيّنة. فوجدت فيه اسم سبعين رجلاً من قريش().
قوله: فوجدت فيه أي في المصحف ـ على الهامش طبعاً ـ إذ لم يقل فيها أَيْ في السورة… ولعله كان عند قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} تفسيراً وتعييناً للمعنيين بها من الكفار حينذاك.
هكذا ذكر شرّاح الحديث.
5 ـ تفاسير مدرجة ضمن تلاوة الآية، كما كان عليه السلف الصالح، حيث كان مأموناً من الاشتباه والخلط. وهو كثير مأثور عن ابن مسعود وأُبيّ بن كعب وغيرهما من الأصحاب الكبار، وهكذا عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
مثلاً قوله (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: في ولاية علي والأئمة من بعده {فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}(). وقوله: هكذا نزلت، قال الشُرّاح: أي بهذا المعنى(). قال المولى محسن الفيض: وهكذا في نظائره().
وهذا نظير ما ورد عن ابن مسعود، كان يقرأ: “كان الناس أمّة واحدة، فاختلفوا، فبعث الله النبيين”().
وقرأ: “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم” وهو أب لهم “وأزواجه أُمهاتهم”().
وقرأ: “يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك” أنّ علياً مولى المؤمنين “وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته”().
وهكذا غيرهن من آيات، أدرج التفسير ضمن الآية… وقد شرحنا ذلك في محلّه().
الأخباريّون ومحنة الطائفة
نسب الدكتور يلماز إلى عامة علماء الشيعة ـ ممّن عاشوا بين القرن الرابع والقرن الرابع عشر الهجري ـ رأيهم في التحريف. رغم أنّ بعضهم ممّن عاشوا بعد القرن الرابع والخامس كالصدوق والطوسي والطبرسي قد نفوه. ثمّ جاء بأسماء أربعة من العلماء وأضاف خامساً() كلّهم عاشوا بعد القرن العاشر، ونسب إليهم القول بالتحريف، شاهداً على دعواه.
ولتبيين قيمة هذه النسبة الشوهاء نلفت النظر إلى التوضيح التالي:
كان علماؤنا الأعلام منذ زمن حضور الحجة (عليه السلام) وفي زمن الغيبة، على طريقتين في الاتجاه الأُصولي وفي استنباط مباني شريعة الإسلام: أهل نظر وتحقيق، وهم المجتهدون. وأهل نقل وتحديث، وهم المحدّثون.
يختلف المحدّثون عن المجتهدين بالاعتماد على النقل أكثر من العقل، ولا سيما في مسائل الأصول، حيث لا حجيّة لأخبار الآحاد هناك عند المجتهدين.
وقد كان لأهل الحديث أساليب معروفة بالإتقان والإحكام في الأخذ والتلقّي والتحديث في أسانيد الروايات وفي متونها، عرضاً ومقابلة مع الأصول المعتمدة.
وعلى هذا الأسلوب الروائي المُتقَن دُوّنت الأصول الأربعة() الجامعة لأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) مأخوذة من مشايخ أجلاءً وعن كتب ذوات اعتبار:
وقد سادت طريقة الإتقان في النقل والتحديث حُقباً من الزمان، وانتهت بدور العَلَمين خاتمي المُحدّثين: الشيخ الحرّ العاملي (1033ـ 1104)(). والمولى محسن الفيض الكاشاني (1007 ـ 1082)().
أمّا وبعد هذا الدور فيأتي دور الانحطاط والاسترسال في نقل الحديث وفي رواية الأخبار، وأصبح أهل الحديث منذ “القرن الحادي عشر” مجرد نَقَلة الآثار وحفظة الأخبار، من غير اكتراثٍ لا بالأسانيد ولا بصحّة المتون. فقد زالت الثقة بأحاديث ينقلها هؤلاء (الأخباريون) المسترسلون، بعد انتهاء دور (المحدّثين) المتقنين:
إنّهم اهتموا بضخامة الحجم أكثر من الدقة في النقل، ومن ثمّ لم يأبهوا ممّن يأخذون وعلى أي مصدر يعتمدون. إنّما المهم عندهم حشد الحقائب وملء الدفاتر بنقول وحكايات هي أشبه بقصص القصّاصين وأساطير بني إسرائيل.
ومن ثَمَّ واكبوا إخوانهم الحشوية الذين سبقوهم في هذا المضمار، وساروا على منهجهم في الابتذال والاسترسال.
فإن كانت محنة أهل السنّة قد جاءتهم من قبل أهل الحشو في الحديث، فكذلك جاءتنا البليّة من قبل هؤلاء (الأخباريين) المسترسلين.
وأوّل من طرح مسألة التحريف على منصّة البحث والتدليل عليه، هو عَلَمُ هذه الفئة المتطرفة وشاخصهم اللائح السيّد نعمة الله الجزائري (1112) في كتابه “منبع الحياة” الذي وضعه لتقويض دعائم أصول التحقيق في مباني الشريعة الغرّاء. وانطلقت وراءه مجموعات غير عميقة الرأي، وأخيراً رائدهم النوري (1320) في كتابه “فصل الخطاب” الذي وضعه نقضاً لدلائل الكتاب ونفي حجّيته القاطعة الثابتة عند أهل الصواب.
آراء جماعة العلماء
وإذ قد وقفت على هذه التفاصيل من جماعة علماء الشيعة، فاعلم أنّهم ـ بأسرهم سواء المحققون والمحدّثون ـ أجمعوا على رفض احتمال التحريف في كتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}().
وإليك سرد أسماء من صرّح بنفي التحريف وكان من أعلام الطائفة بالذات:
1 ـ شيخ المحدّثين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الصدوق (ت 318هـ). فقد عدّ رفض التحريف من ضرورات المذهب الاعتقادية للشيعة().
2 ـ عميد الطائفة: محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ت 413هـ). صرّح بذلك في كتابه “أوائل المقالات”. وبيّنه بتفصيل في أجوبة المسائل السرويّة().
3 ـ الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين (ت 436هـ). أكّد القول في ذلك وشنّع على القائلين بالتحريف من الحشوية والأخبارية، في أجوبة المسائل الطرابلسيات().
4 ـ شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ). عدّ احتمال شبهة التحريف واهياً مجمعاً على بطلانه().
5 ـ أبو علي الفضل بن الحسن الطَبْرَسي (ت 548هـ). قال: أمّا الزيادة فمجمع على بطلانها. وأمّا القول بالنقيصة فالصحيح من مذهب أصحابنا الإمامية خلافه().
6 ـ جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف، ابن المطهّر الحلّي (ت 726هـ). جعل القول بالتحريف متنافياً مع ضرورة تواتر القرآن بين المسلمين().
7 ـ المولى المحقّق أحمد الأردبيلي (ت 993هـ). جعل العلم بنفي التحريف ضرورياً من المذهب().
8 ـ شيخ الفقهاء الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء (ت 1228هـ). كذلك جعله من ضرورة المذهب بل الدين وإجماع المسلمين وأخبار النبي والأئمة الطاهرين().
9 ـ الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (ت 1373هـ). جعل رفض احتمال التحريف أصلاً من أُصول الشيعة().
10 ـ شيخ الإسلام، بهاء الملّة والدين، محمد الحسين الحارثي العاملي (ت 1031هـ).
11 ـ المولى المحدّث العارف المحقّق محمد بن المحسن الفيض الكاشاني (ت 1090هـ) فصّل البيان في ردّ مزعومة التحريف تفصيلاً شافياً، في مقدمة تفسيره الصافي (م6، ج1، ص33ـ 34). وفي كتابه الوافي (ج2، ص273ـ 274، ط1). وأكمل الاستدلال عليه في كتابه الذي وضعه لبيان أصول الدين والكلام عن إعجاز القرآن الكريم().
12 ـ محمد بن الحسن الحرّ العاملي (ت 1104هـ) في رسالة كتبها رداً على سفاسف بعض معاصريه().
13 ـ المولى المحقّق التبريزي (ت 1307هـ) في تعليقته التفصيلية على رسائل الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري في الأصول، ممّا ينبؤك عن رأي شيخه المحقّق بلا ريب().
14 ـ الشيخ محمد الجواد الحجّة البلاغي (ت 1352هـ) الأستاذ المحقّق المفسّر، شيخ أهل التفسير والتحقيق في العصر الأخير. والذي برّأ ساحة الشيعة الإمامية من هذه التهمة بكلّ جدّ وصرامة تحقيق().
15 ـ المحقّق البغدادي السيّد محسن الأعرجي (ت 1227هـ). له في شرح الوافية كلام وافٍ بإثبات صيانة القرآن من التحريف().
16 ـ قاضي القضاة المحقّق الكركي الشيخ عبد العالي (ت 940هـ). له رسالة في نفي التحريف().
17 ـ الإمام السيّد شرف الدين العاملي (ت 1381هـ). استوعب البحث عن ذلك().
18 ـ السيّد محسن الأمين العاملي (ت 1371هـ). له ردّ لطيف على نسبة القول بالتحريف إلى الشيعة الإمامية الأبرياء().
19 ـ العلاّمة الأميني صاحب كتاب “الغدير”. ردّاً على افتراءات ابن حزم وأذنابه().
20 ـ السيّد العلاّمة الطباطبائي صاحب تفسير “الميزان” (ت 1402هـ). له بحث وافٍ بإثبات صيانة القرآن من التحريف().
21 ـ سيّدنا الأستاذ الإمام الراحل الخميني صاحب النهضة الإسلامية المباركة (1320ـ 1409هـ) في تقريراته الأُصولية().
22 ـ سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي (ت 1413هـ) الذي استوفى البحث عن ذلك وكان رصيدنا الوافي في كلّ ما كتبناه بهذا الشأن().
هؤلاء هم أعلام الأمّة وأعضاد الملّة، ممّن دارت بهم رحى الشريعة، وقويت أركان الدين الحنيف. وقد عرفت إطباقهم، من مُجتهدين ومُحدّثين، على رفض شبهة التحريف عن كتاب الله العزيز الحميد. لا الشرذمة القليلة من الأخبارية المتطرّفة، أذناب الحشوية البائدة نبعت في عهد متأخّر، لا سابقة لهم في تحقيق ولا عمق لهم في تفكير، سوى تشويه سمعة الدين، والحطّ من كرامة كتاب الله المجيد، وقد خاب ظنّهم {وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ}.
ومن ثَمَّ فإنّا نربأ بأمثال كاتبنا المعاصر “الدكتور يلماز” أن يأخذ من ترهات هؤلاء الأذناب، دليلاً على عقائد ونظرات الأطياب.
أمّا الذين سمّاهم ـ على حساب علماء الشيعة ما بين القرن الرابع والقرن الرابع عشر ـ فلا مستند فيهم بالذات! ومن المؤسف أنّه لم يراجع كتبهم، وإنّما وسمهم بذلك عفواً، تقليداً لما زعمه الأستاذ محمد حسين الذهبي صاحب كتاب “التفسير والمفسرون”، وكانت له نظرة سيئة بالنسبة إلى الشيعة الإمامية، ساعياً في امتهان موضعهم بالذات من القرآن والتفسير، ممّا يجعل موقف الرجل معادياً للشيعة في ظاهر الحال، فلا ينبغي الركون إليه في معرفة مواضع الشيعة في أي جهة كان. الأمر الذي تغافل عنه أمثال كاتبنا “يلماز”!.
وإليك بعض التعرفة بشأن من سمّاهم:
1 ـ المولى عبد اللطيف الكازراني، صاحب تفسير “مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار”.
هكذا عبّر الأستاذ “يلماز” تقليداً وتبعاً للأستاذ محمد حسين الذهبي(). ونسب إليه عفواً من غير تحقيق أنّه جَزّم بأنّ القرآن الذي جمعه عليّ (عليه السلام) وتوارثه الأئمة بعده هو القرآن الصحيح، وما عداه وقع فيه التغيير والتبديل().
وهذا المعنى هو من استنباط الأستاذ الذهبي، استنبطه من المقدمة الثانية التي جاءت في التفسير المزبور() حسبما زعم.
أمّا من هو المولى عبد اللطيف الكازراني؟ فقد ذكر آغا بزرگ الطهراني: أنّه من اشتباه مباشر الطبع()، حيث عدم اطلاعه باسم المؤلف، فنسب المقدمة إليه عفواً من غير دراية.
وقد نسبها الطهراني إلى المولى الشريف أبي الحسن الفتوني النباطي، المتوفى حدود (1140هـ)().
ومن غريب الأمر أنّ النسبة الأولى ـ حسبما ذكره المولى حسين النوري ـ جاءت من قبل كلام المؤلف في خطبة الكتاب: “يقول العبد الضعيف الراجي لطف ربّه اللطيف…” فحسب مباشر الطبع أنّه إشارة إلى اسم المؤلف، المجهول… () ولكن من أين جاءت النسبة إلى “كازران”؟ الأمر الذي بقي مجهولاً كسائر الجهالات بأصل الكتاب ومؤلفه!.
وعلى أي تقدير، فإنّ هذا الكتاب نموذج آخر من كتب الأخباريين المسترسلين غير المعروفين، أمثال كتب الجزائري والنوري من المتأخرين غير الملتزمين بطريقة الشيعة الإمامية المجتهدين والمحدّثين منهم سواء، فلا يجوز أن تقع موضع دراسة لفهم آراء الشيعة بالذات فضلاً عن العلماء الأعلام.
2 ـ المولى محسن الفيض الكاشاني (توفي سنة 1090هـ). نسب إليه الكاتب ـ تبعاً للأستاذ الذهبي ـ أنّه يصرّح بأنّ القرآن الذي جمعه علي (عليه السلام) هو القرآن الكامل الذي لم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل.
وهذا أيضاً استنباط استنبطه الأستاذ الذهبي، بحجّة أنّه ساق أحاديث تنمّ عن التحريف().
لكن المولى الفيض شكّك أوّلاً في صحّة إسناد تلك الروايات، ثمّ على فرض صحتها ـ فرضاً غير واقع في أكثرها ـ فهي صالحة للتأويل بأنّ التحريف إنّما وقع في المعنى. يقول (رحمه الله): “فيكون التبديل من حيث المعنى، أي حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله، بأن حملوه على خلاف ما يراد منه”().
وقد نوّهنا عن رأي هذا المحقق المضطلع بأحاديث أهل البيت، الذي كان في الصف المقدّم في الدفاع عن قدسيّة القرآن الكريم، وأنّه محفوظ عن التغيير والتبديل أبداً. أثبت ذلك بدلائل واضحة وشواهد لائحة، في أُمهات كتبه التحقيقية أمثال “علم اليقين” و”الوافي” و”الصافي” وغيرها().
3 ـ وأمّا السيّد عبدالله شبّر، فهو من أعلام المحدّثين في القرن الثالث عشر (توفي سنة 1242هـ) كان يرى رأي أصحابه الأخباريين، وكانت عبارته في التفسير() واردة وفق المأثور عندهم(). الأمر الذي لا يأخذ به سائر أعلام الإمامية ولا سيّما القدامى منهم والمحققين المجتهدين إطلاقاً.
4 ـ وأمّا السلطان محمد الخراساني، صاحب كتاب “بيان السعادة في مقامات العبادة” (1311هـ)… فقد عرفت أنّه القطب الصوفي زعيم الفرقة “النعمة الإلهية” الملقب في الطريقة بـ “سلطان علي شاه”. ومن عبث حاول أهل الشغب في الرأي نسبته إلى الشيعة الإمامية المتبرئين عن مسالك الدراويش المبتدعين.
5 ـ وهكذا الحاجي حسين النوري ـ حسب تعبيرهم ـ صاحب كتاب “فصل الخطاب” (1320هـ) الذي حاول فيه إثبات تحريف الكتاب، على غرار أخيه السلفي الحشوي ابن الخطيب في كتابه “الفرقان”.
إنّ أمثال هؤلاء الشواذ لا يؤخذ بشيء من أقوالهم وأقلامهم ما دامت حائدة عن طريقة العقل الرشيد، وقد نبذت آراءهم الأمّة في أي صقع من الأصقاع كانوا وفي أي حقب من حقب التاريخ عاشوا.
ملخص دلائلنا على نفي التحريف
وبعد… فإنّ لعلمائنا الأعلام دلائل وافية بإثبات صيانة القرآن الكريم عن التبديل والتحريف طول تاريخ الإسلام المجيد نلخّصها فيما يلي:
1 ـ بديهة التاريخ
إذ من بديهة العقل أنّ مثل القرآن الكريم الذي كان منذ أوّل يومه موقع عناية المسلمين قاطبة، أن يسلم عن أي تغيير أو تبديل في نصّه أو تحريف في لفظه. فالأمّة برمّتها، وعلى مختلف نزعاتها واتجاهاتها في مسائل الأصول والفروع، كانت تقدّس شأن هذا الكتاب العزيز، وتعظّم من مقامه الكريم. درساً وعناية، قراءة وتلاوة، فهماً ومراجعة، في كلّ آونة حياتها، وفي مختلف مسائلها السياسية والإدارية والاجتماعية وغيرها… ومن ثمّ دأب الجميع على حراسته والحفاظ عليه بتمام الوجود وكمال العناية والوعي… ولم يسبق في التاريخ كتاب له عناية بالغة من أمّة كبيرة بشأنه كالقرآن… فيا ترى كيف يمكن للأغيار التطاول عليه، وهو في المحل الأرفع؟!.
وهكذا استدل الشريف المرتضى والشيخ الكبير كاشف الغطاء على سلامة القرآن عن طوارق الحدثان().
2 ـ ضرورة تواتر القرآن
من الدلائل ذوات الشأنّ، الداحضة لشبهة التحريف هي: ضرورة تواتر القرآن في مجموعه وأبعاضه، في سوره وآياته، وكلماته وحروفه، بل وحتّى في هجائه وقراءته، حرفاً حرفاً وكلمة كلمة، وحركة وسكوناً… هكذا تلقّته الأمّة يداً بيد سليماً عن أي تغيير أو تبديل.
وإذا كان من الضروري لثبوت قرآنية كلّ حرف وكلمة ولفظ وحركة أن يثبت تواتره منذ عهد الرسالة إلى مطاوي القرون وفي جميع أدوار التاريخ، فإنّ ذلك لممّا يرفض احتمال التحريف نهائياً. لأنّ ما قيل بسقوطه، إنّما نقل بخبر الواحد، وهو غير حجة في هذا الشأن، حتّى ولو كان صحيح الإسناد حسب مصطلحهم.
إذاً، فكل ما ورد بهذا الشأن، بما أنّه خبر واحد، مرفوض ومردود على قائله.
هكذا استدل العلاّمة الحلّي في كتابه “نهاية الوصول إلى علم الأصول”. وعلى غراره سائر الأصوليين كالسيّد المجاهد في كتابه “وسائل الأصول”. والمحقق الأردبيلي في “شرح الإرشاد”. والجواد العاملي في موسوعته القيّمة “مفتاح الكرامة”. وغيرهم().
3 ـ مسألة الإعجاز
ممّا يتنافى واحتمال التحريف في كتاب الله هي مسألة الإعجاز القرآني، التي تحدّى بها أبداً. والإعجاز كما هو قائم بمعناه في أصول معارفه ومباني تشريعاته، كذلك قائم بلفظه في جُمَله وتراكيبه، وفي تناسب نظمه ونغمه، في انتقاء كلماته وحروفه، بحيث إذا أُبدل حرف منه أو كلمة، ثمّ فُتّشت بها لغة العرب كلّها، على أن يوجد في مثل موضعها الخاص، لم يوجد، كما صرّح به علماء البيان.
وكلامٌ هذا شأنه، كيف يا ترى يمكن تبديل كلمة منه أو تغيير تعبير فيه، بما يجعل الوضع غير وضعه الأوّل، فهل هذا إلاّ كسر لشوكة التحدّث الذي صرخ به القرآن الكريم؟!.
إذن، فكيف يجرؤ مسلم أن يتفوّه بهكذا كلام يكون نقضاً صريحاً لمسألة الإعجاز؟!.
4 ـ صريح القرآن
ومن الدلائل على نفي التحريف، هي صراحة القرآن الكريم في مواضع من آياته، منها: آية الحفظ. قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(). فقد ضمن تعالى حراسة القرآن وسلامته عبر الخلود، لا فوق أطباق السماوات ولا في صدور الخواص من الأولياء، إذ لا مباهات بذلك… وإنّما هو على أيدي الناس وبين أظهرهم، رغم وفرة الدواعي على تقويض دعائمه، وهذا هو الإعجاز المباهى به بشأن هذا الكتاب العزيز؟
ومنها: آية نفي الباطل عنه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}() والباطل المنفي هو الضياع والفساد، فهو مصون عن النقض والتحريف وتناول أهل العبث والطيش، حفظاً مع الأبد وسلامة مع الخلود().
وآيات غيرهما ذكرناها في رسالة “صيانة القرآن من التحريف”، وتعرّضنا لشبهات دارت حولها ومناقشات تكلمنا فيها بالتفصيل().
5 ـ نصوص الروايات
هناك وفرة من روايات صحيحة وصريحة في عدم إمكان وقوع التحريف في كتاب الله:
منها: روايات العرض على كتاب الله. الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) الآمرة بعرض الأحاديث على كتاب الله، فما وافق كلامه تعالى فهو حق، وما خالف فهو زخرف وباطل()… وفي ذلك دلالة واضحة على سلامة المعيار، ليكون مقياساً تاماً لتمييز الغثّ من السمين… فإنّ المشتبه لا يوثق به ذاتاً، فكيف يوثق به معياراً؟
هكذا استدل المحقق الكركي والسيّد الطباطبائي بحر العلوم على سلامة القرآن().
ومنها: نصوص صادرة عن أئمة أهل البيت صريحة في نفي التحريف عن كتاب الله. وهي كثيرة ناصّة على نفي التحريف إمّا تصريحاً أو تلويحاً، نذكر منها نماذج:
1 ـ جاء في رسالة الإمام أبي جعفر (عليه السلام) إلى سعد الخبر: “وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده…”().
وهذا تصريح بأنّ الكتاب العزيز لم ينله أي تحريف في نصّه “أقاموا حروفه”. وإن كانوا قد فسّروه على غير وجهه تأويلاً باطلاً، وهو تحريف معنوي ـ على ما أسبقنا ـ ومن ثمّ فإنّهم “حرّفوا حدوده”. والمراد من تحريف الحدود هو تضييعها، كما ورد في حديث آخر: “ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده”().
2 ـ سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}() وما يقوله الناس: ما باله لم يسمّ علياً وأهل بيته؟
فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الذي فسّر لهم ذلك().
فقد قرّر (صلّى الله عليه وآله) أنّه لم يأت ذكرهم في الكتاب نصّاً، وإن كانوا مقصودين بالذات فحوىً على خلاف ما يقوله أهل التحريف في زعم سقوط أساميهم لفظاً.
3 ـ روى المفيد بإسناده إلى جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: “إذا قام قائم آل محمد (صلّى الله عليه وآله) ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن، على ما أنزل الله جلّ جلاله فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنّه يخالف فيه التأليف”().
فكانت صعوبة حفظ القرآن ذلك اليوم، إنّما لأجل مخالفته للتأليف الراهن، أي من حيث النظم والترتيب لا شيء سواه.
ومن ثَمَّ قال سيدنا الأستاذ الإمام الخوئي طاب ثراه: كانت أمثال هذه الأحاديث، الصحيحة الإسناد، الصريحة المفاد، حاكمة على كلّ ما رووه بشأن إثبات التحريف في كتاب الله. إذ قد تبيّن بوضوح: أنّ المقصود من التحريف الواقع في كلام الأئمة، هو التحريف المعنوي، وأنّ المخالفة هي في النظم والترتيب، لا ما زعمه أهل الزيغ والتحريف().
الشيخ محمد هادي معرفة
نهج البلاغة
شدّني للإسلام بعد القرآن
في ذكرى الخليفة الرائد الرابع، علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه وطيّب ذكراه، لا يسعني إلاّ الاعتراف بالحقائق الثلاث الآتية:
أولاها: أنّ الإمام علي، في كتابه الشهير “نهج البلاغة”، كان العربي الأهم الذي ربّى في نفسي الإسلام، بعد القرآن. فمنذ صباي المسيحي، وأنا أُطالع فيه وحيداً، تحت صنوبر غابة السيوفي، في أعالي الأشرفية (شرقي بيروت).
فلم أكن أصلاً أتلمس فيه ديناً، بل حِكَماً فلسفية، تتوق نفسي إليها. فأتهذب بها، وأغيبها، وأدوّنها على دفتر أعود إليه كلّما احتجت إلى الاستشهاد بعظيم من عظماء هذه الدنيا.
كما كنت أُردد بعض مقاطع هذا الكتاب تكراراً، وبصوت مرتفع، وأنا في عزلتي البريّة، تقويماً للغتي العربية. ففقر والدي، وصممه وشحّه، إضافة إلى مجاعات الحرب العالمية الثانية، حكمت عليّ طلب العلم على نفسي، دون مدرسة أو مدرّس. فكان نهج البلاغة، معلمي الأخلاقي واللغوي، الذي لا يُنكر فضله العميم، عليّ وعلى كلّ طالب علم سليم.
ولم أكن أدري أنّ هذا الكتاب المفيد، بعد كتاب الله العزيز، سيقودني تدريجاً، وأنا في الرابعة والخمسين من عمري، لاعتناق الإسلام الحنيف، في شباط 1985م.
وشهادتي البريئة في هذا الكتاب، سبقني إليها العديد من المفكرين والباحثين، مسلمين وغير مسلمين. منهما ما قاله المؤرخ الكبير، الدكتور نبيه فارس: “علي بن أبي طالب إمام المسلمين الشهير، وإمام البلاغة والفصاحة”().
والحقيقة الثانية، أنّي ما زالت أكتشف في الإمام علي، بعد أن شهدت أنّ “لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله”، المعين الأهم، بعد الحديث الشريف، للفلسفة الإسلامية، لا بل إنّه من الرواة الأكثر صدقاً لأحاديث النبي العربي محمد بن عبدالله (صلّى الله عليه وآله). كيف لا، وقد زوّجه ابنته فاطمة، وهي أحبّ بناته إليه؟ وجعله من كتّابه. وطلب من الله أن “يذهب عنه الحر والبرد”().
والحقيقة الثالثة، أنّ فساد معظم القادة السياسيين، المتلبسين زوراً بأهداف الدين، هو الخطر الحقيقي والدائم على مفاهيم الدين. وهذا ما نزال نشهده في عصرنا الحالي، كما في كلّ عصر ومكان. فالدين عند الإمام علي، لم يكن مجرد صلاة، يتمتمها خمس مرّات في اليوم. ولا مجرد حركات شكلية يؤدّيها ركوعاً وسجوداً ووقوفاً. بل حياته اليومية، كانت كلّها صلاة عملية تطبيقية، أدّت إلى إغناء الفقه الإسلامي، بتراث هائل من الفكر العقلاني الواقعي المؤدّي إلى إصلاح المجتمع، ورفع الظلم عن العباد().
وفي زمن الشدائد الذي نعيش، كم نحن بحاجة للعودة إلى فكر هذا الإمام العظيم. فلبنان يتخبّط اليوم في خضم هائل من الاحتكار والغلاء الخانق، يستثمره أصحاب المصارف والمتاجرون بالعملات الأجنبية، على حساب الفقراء والضعفاء من أبناء هذا الشعب المسكين. وكأنّي بإمامنا الحبيب، يدعونا إلى الثورة على هذا النظام اللبناني الإقطاعي الفاسد، الذي يسمّونه “اقتصاداً حراً”، حينما يقول: “أعجب لامرئ يجد أطفاله جياعاً ولا يخرج على الناس شاهراً سيفه”().
ففي هذا القول الجريء، وقد اشتهر الإمام بجرأته الحكيمة، تطبيق عملي لمشيئة الله تعالى الواردة في كتابه العزيز: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119}().
وهكذا أصبح الإمام علي، بنظر النقاد العالميين والمحليين، موضع احترام كلّي وإجلال كبير. فكان الورع الحق، والهادي الأمين، والمفكر العميق، بعيداً عن خزعبلات دهاقنة السياسة ومحترفيها. وما أكثرهم اليوم في مجلسنا النيابي، وحكوماتنا المتعاقبة على حكم لبنان، حكماً طائفياً إقطاعياً احتكارياً بشعاً!.
وقد وُصف هذا الإمام المجيد بأنّه “تقي وعالم ورائد المدّ الإسلامي في شبه الجزيرة العربية. ولكن استقامة خلقه وتقواه جردتاه أمام مكائد أخصامه”().
فكان اغتياله الدنيء، على يد المرتدين من الخوارج في مدينة الكوفة التي اتخذها عاصمة لحكمه الشريف. ولكن ذكر الإمام علي بن أبي طالب، لم ولن يستطيعوا اغتياله. فبقي حياً في نفوس المؤمنين من المسلمين وغير المسلمين.
أمام علي (عليه السلام) نطأطئ الهام أمام ذكراه العطرة، ونستلهم عظاته البينات، التي لا تفضلها في جودتها، إلاّ آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم.
وإنّ نُصحي إلى أبناء أُمتي الشباب، ألاَّ يهملوا هذا المصدر العلمي الهام المتمثل بنهج البلاغة. فهو كتاب جليل بديع، لا يصحّ أن يخلو منه رف مكتبة منزلية أو مدرسية أو جامعية. وليقرأ قراءة متأنية متأملة، استدراراً لمنافع حكمه وعظاته.
ولا نكتفينّ منه بالقراة وبعض الحفظ. بل علينا تطبيقه تطبيقاً عملياً، في حياتنا اليومية، بكلّ تصرفاتنا وأقوالنا تجاه الغير. فالانتساب الديني الوراثي، إن لم يقترن بتنفيذ عملي لموجبات الإسلام الاجتماعية والإنسانية، إنّما هو انتساب نفاقي باطل، يبعدنا عن جوهر الدين.
د. ميشال الغريّب
نهج البلاغة وأثره في الشعر العربي
إنّ الحديث عن الإمام علي (عليه السلام) حديث عن الإيمان والإخلاص، وحديث عن المحبّة والإيثار، وحديث عن الشجاعة والإقدام، وحديث عن القيم الأخلاقية، وحديث عن الحكمة المتعالية، وحديث عن الحقيقة المجسّدة، وحديث عن القرآن الناطق الذي مهما حاول الإنسان أن يحيط بجميع صفاته قعد به العجز واستولى عليه البهر، فكان كما قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): “لو أنّ الرياض أقلام والبحر مداد والجنّ حسّاب والإنس كتّاب ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)”().
صِفاتُ عليٍّ لا يحيطُ بها الحصرُ وفي عَدِّها تُفنى الدفاترُ والحِبْرُ()
فإذا نظرنا إلى صفاته الجميلة ومحاسنه الحميدة ومناقبه الفاخرة وجدناه أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، وأفضل الناس علماً وحلماً، وأصوب الناس رأياً وأحسنهم تدبيراً، وأسخى من السحاب الهاطل، ذلك العبقري الفذّ الذي كان أوّل المؤمنين إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعلمهم بالقضية، وأعظمهم مزية يوم القيامة()، وهو الصديق الأكبر، وسابق الأمّة، وسيّد الزهّاد، وخير البشر، وأخو الرسول، وباب مدينة العلم، وصاحب الأذن الواعية، ووارث الكتاب، وهادي القوم، ومولى الموحدين، وباذل الأموال سرّاً وعلانية، وخشن في ذات الله.
وبناءً على ما جاء في الروايات، نزل في عليّ (عليه السلام) ثلاثمائة آية()، منها آيات التطهير والمودّة والمباهلة والتبليغ والإكمال وسورة الإنسان، كما وردت في شأنه أحاديث الثقلين والسفينة والمؤاخاة والراية والولاية والمنزلة والأخبار التي تدل على أنّ علياً كان وليّ الله ووصيّ النبيّ وخليفته ووارثه ووزيره ونفسه وقاضي دينه ورفيقه في الجنّة وحامل لواء الحمد يوم القيامة وسيّد المسلمين وأمير المؤمنين وإمام المتّقين وقائد الغُرّ المحجلين وفاروق الأمّة ويعسوب الدين وصاحب الحوض وساقيه وقسيم الجنّة والنّار.
وجدير بالذكر أنّ الإمام الحقّ قد وصف في كثير من المرويّات بأنّه مع الحقّ والقرآن وأنّهما معه، وهو بمنزلة الكعبة، والنظر إليه عبادة؛ من أحبّه فقد أحبّ الله ومن أبغضه فقد أبغض الله؛ حبّه إيمان وبغضه نفاق؛ لحمه لحم النبيّ ودمه دم النبيّ؛ صاحب النجوى وصالح المؤمنين؛ لم يسبقه الأوّلون بعلم ولا يدركه الآخرون، ويزهر في الجنة ككوكب الصبح.
استحقّ عليّ هذه المنزلة من الله والرسول لعمله لا لقرابته من خاتم النبيّين فقط، فكما أنّ رسول الله عظيم، لأنّه على خلق عظيم لا بأقربائه، كذلك عليّ عظيم بإيمانه وإخلاصه وإيثاره وجهاده وحسن بلائه مع النبيّ.
وكما هو معروف لقد كان للإمام عليّ (عليه السلام) أثر طريف قيّم يتضمّن عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة ويشتمل على الترغيب والتنفير والإلهيات والولائيات والحقوق وأصول المدنية وقواعد العدالة والسياسات والجدليات والنصائح والأخلاق، قد جمع الشريف الرضي موادّه الأدبية البديعة الرائعة بالرجوع إلى الجوامع الروائية والمصادر التاريخية وسمّاه نهج البلاغة.
إنّ هذا الكتاب مجموعة من الخطب والأوامر، والكتب والرسائل، والحكم والمواعظ التي قالها إمام الفصحاء وسيّد البلغاء مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) تبعاً للظروف والمناسبات، فمنها ما كان أجوبة عن أسئلة، ومنها مباحث في خلق الموجودات، ومنها في صفة الدنيا والآخرة، ومنها في عظمة الإسلام والقرآن والسنّة النبويّة والعترة، ومنها في ذكر العبادات والمعاملات، ومنها خطاب لأهل العراق والشام، ومنها وصايا لأرحامه وأصحابه وعشيرته وعمّاله، ومنها كلمات في الحياة الحرّة الكريمة، ومنها في بيان أصول العقائد والإخلاص، ومنها في أهمية القضايا التاريخية والسياسية، ومنها في وصف الجنّة والنار، ونفثة مصدور إلى غير ذلك.
نعم، إنّ كلّ كلمة من كلمات نهج البلاغة تعكس بوضوح روح الإمام وفكره وعلمه وأخلاقه وفضائله وعظمته في دينه وجميع صفات الجلال والكمال ومحمود الشمائل والخلال، ومن الطريف أنّ في هذا الكتاب تعابير علمية خاصّة كمصطلحات كلامية ومفاهيم فلسفية، مع أنّ الفلسفة لم تكن معروفة عند المسلمين في صدر الإسلام وعهد الإمام.
وبما أنّ النهج يحتوي على جواهر الكلم الدينية والدنيوية التي كانت مستفاضة من الصقع الربوبي ومستفادة من الحضرة المحمديّة، فهو فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، ولذلك سُمّي بأخي القرآن وثاني الفرقان.
ومن الواضح أنّ هذا الكتاب الكامل في فنّه بما فيه من المعاني الطريفة والمقاصد الشريفة والتلويحات اللطيفة والفوائد الجليلة والمواعظ الزهدية والحكم النفسية والآداب الخلقية والأخبار الغيبية وغيرها ممّا يكون خارجاً عن وسع الطبيعة البشرية، يمهّد السبيل للبحث حول تأثير ثواقب الكلم العلوية في الأدب العربي وخاصّة الشعر، كما أنّ كثيراً من الأدباء والشعراء على اختلاف مذاهبهم وتباين آرائهم لا يختلفون في أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) باب مدينة علم الرسول وخازن معارفه وأعلم الأمّة من بعده ومدخل دار حكمته، وليس فيهم من يستنكف أن يأخذ عنه ويرجع إليه. ولذلك نراهم يخوضون في هذا القاموس العظيم ويدّعون شرف الانتماء إليه والانتساب له ويفخرون بأخذهم عنه وحفظهم لكلامه علماً بأنّ هذا الانتماء والأخذ لم ينقص من أقدارهم ولم يجرّدهم من فضائلهم، بل زادهم فضلاً وقدراً، وازدادوا به فخراً وشرفاً:
نهجُ البلاغةِ مشرعُ الفُصَحاءِ ومعششُ البلغاءِ والعلماءِ
روضٌ مِنَ الحكمِ الأنيقةِ جادَهُ جودٌ مِنَ الأنوارِ لا الأنواءِ
أنوارُ علمِ خليفةِ اللَّهِ الَّذي هو عصمةُ الأمواتِ والأحياءِ
مشكاةُ نورِ اللَّهِ خازنُ علمِهِ مختارُهُ مِن سرّةَ البطحاءِ
وهو ابنُ بجدتِهِ عليهِ تهدَّلَّتْ أغصانُهُ من جملةِ الأمراءِ
ووصيُّ خيرِ الأنبياءِ اختارَهُ رغماً لِتيمَ أرذلِ الأعداءِ
صلّى الإلهُ عليهما ما ينطوي بردُ الظلامِ بنشرِ كفِّ ضياءِ()
استمراراً في البحث نتطرّق الآن إلى الحديث عن هذا التأثير بشكل نموذجي واضح كما يلي:
1 ـ أتباعُ كلّ ناعقٍ يميلون مع كلّ ريحٍ. (نهج البلاغة 496/ح 147).
وقد قيل في هذا المعنى:
إنْ مالتِ الرّيحُ هكذا وكذا مالَ معَ الرّيحِ حيثُما مالَت
(التمثيل والمحاضرة 242)
2 ـ أحبب حبيبك هوناً ما، عَسى أن يكونَ بغيضَكَ يوماً ما، وأبغض بغيضَكَ هوناً ما، عسى أن يكون حبيبكَ يوماً ما. (نهج البلاغة 522/ 268).
قد اقتبس إبراهيم بن السيّد علي الأحدث الطرابلسيّ من هذه الحكمة فقال:
أحببْ حبيباً لكَ هوناً ما ولا تجاوزنَ حدّاً وهكذا القلى
أبغضُ بغيضَكَ الشقيّ هوناً ما إن لم يكن شقاؤهُ قَدْ عمّا
(فرائد اللآل 1/175، 88)
ومن جيد ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:
,احببْ إذا أحببتَ حُبّاً مقارباً فإنَّكَ لا تدري متى أنت نازعُ
وأبغضْ إذا أبغضتَ غيرَ مباينٍ فإنَّكَ لا تدري متى أنت راجعُ
(شرح نهج البلاغة 19/156)
كما قال النمر بن تولب:
وأحببْ حبيبكَ حُبّاً رُويداً فليسَ يُعُولك أنْ تصرما
وأبغضْ بِغَيْظِكَ بغضاً رُوَيداً إذا أنتْ حاوَلْتَ أن تَحْكُما
(موسوعة أمثال العرب 2/120)
وخلاصة هذه الكلمة: النهي عن الإسراف في المودة والبغض، فربّما انقلب من تودّ فصار عدوّاً، وربما انقلب من تعاديه فصار صديقاً(). وبعبارة أخرى: لا تكن مكثراً ثمّ تكون مقلاً، فيعرف سرفك في الإكثار وجفاؤك في الإقلال().
3 ـ احذروا نفار النعم فما كلّ شارد بمردود. (نهج البلاغة 511/256).
هذا أمر بالشكر على النعمة وترك المعاصي، فإنّ المعاصي تزيل النعم كما قيل:
إذا كُنْتَ في نعمةٍ فارْعِها فإنَّ المعاصي تُزيلُ النّعم
(شرح نهج البلاغة 19/80)
4 ـ إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه. (نهج البلاغة، 470/ج11).
أخذ ابن أبي الحديد هذا المعنى فقال في قطعة له:
إنَّ الأماني أكسابُ الجَهولِ فَلا تَقْنَعْ بها وارْكَبِ الأَهوالَ والخَطَرا
وَاجْعَلْ مِنَ العَقْلِ جَهلاً واطّرح نَظَراً في الموبِقاتِ ولا تَسْتَشَعِرُ الحَذَرا
وإنْ قَدَرْتَ على الأَعْداءِ مَنْتَصِراً فاشْكُر بِعَفْوِكَ عَنْ أَعْدائِكَ الظَّفَرا
(شرح نهج البلاغة 18/109)
5 ـ إذا هِبْتَ أمراً فقع عليه، فإنّ شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف فيه. (نهج البلاغة 501/ح175).
ما أحسن ما قاله المتنبي في هذا المعنى:
وإذا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدُّ فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تكونَ جَبانا
كلُّ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّعْبِ في الأَنْـ ـفُسِ سَهْل فِيها إذا هوَ كَانا
(ديوان المتنبي 4/372)
يقول: إنّما يصعب الأمر على النفس قبل وقوعه، فإذا وقع سهل وهان، كما قال البحتري:
لَعَمْرِكَ ما المكروهُ إلاّ ارْتِقابه وَأبرَح ممّا حلّ ما يَتَوقَّعُ()
(نفس المصدر)
6 ـ أزجر المسيء بثوابِ المحسنِ. (نهج البلاغة 501/ح177).
من أجودِ ما قيلَ في هذا المعنى قول أبي العتاهية:
إِذا جازَيْتَ بالإحْسانِ قوماً زَجَرْتَ المذنبينَ عَنِ الذُّنوبِ
(شرح نهج البلاغة 18/410)
7 ـ ألا وإنّ من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحّة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب. (نفس المصدر 19/337).
قال أحمد بن يوسف الكاتب في هذا المعنى:
المالُ للمرءِ في مَعيشَتِهِ خيرٌ مِنَ الوالدين والوَلَدِ
وَإِنْ تَدُمَ نعمةٌ عليكَ تَجِدْ خيراً من المالِ صحّةَ الجَسَدِ
وَما بِمضنْ نالَ فَضْلَ عافِيَةٍ وَقُوتَ يَوْم فَقْرٌ إلى أَحَدِ
(نفس المصدر)
8 ـ أما إنّه ليس بين الحقّ والباطل إلاَّ أربع أصابع. [فسئل (عليه السلام) عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثمّ قال:] الباطل أن تقول سمعت، والحقّ أن تقول رأيت. (نهج البلاغة 198/ح141).
من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي:
خُذْ ما تَراهُ وَدَعْ شيئاً سَمِعْتَ بِهِ في طَلْعَةِ الشَّمسِ ما يُغنيكَ عَن زُحَلِ()
(ديوان المتنبي 3/205)
9 ـ إنّ أهل الدنيا كركب بيناهم حلوّاً إذا صاح بهم سائقهم فارتحلوا. (نهج البلاغة 548/ح415).
ممّا يناسب كلام الإمام علي (عليه السلام) قول أبي العتاهية:
إنَّ داراً نَحْنُ فِيْها لَدَارٌ لَيْسَ فِيْها لمُقِيْمٍ قَرارُ
كَمْ وَكَمْ قَدْ حَلَّها مِنَ أُناسٍ ذَهَبَ الليلُ بِهِمْ والنَّهارُ
فَهُمُ الرَّكْبُ أصابُوا مَناخاً فاستَراحوا ساعَةً ثُمَّ سارُوا
وكذا الدُّنيا على ما رَأَيْنا يَذْهَبَ النَّاسُ وَتَخْلو الدِّيارُ
(شرح نهج البلاغة 20/53)
10 ـ إنْ صبرتَ صَبْرَ الأكارمِ، وإلاَّ سلوتَ سلوَّ البهائمِ. (نهج البلاغة 548/ح414).
أخذ هذا المعنى أبو تمام، بل حكاه فقال:
وقال عليٌّ في التَّعازي لأَشْعَثٍ وخافَ عليهِ بعضَ تلكَ المآثمِ
أَتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً فتؤجر أم تَسلُو سُلُوَّ البهائمِ
(شرح نهج البلاغة 20/50)
كما قال محمود الوراق:
إذا أنت لَمْ تسلِ اصطباراً وحسبةً سلوتَ على الأيامِ مثل البهائمِ
(ديوان المتنبي 1/181)
ومثل هذا قول المتني:
وللواجِدِ المكروب مِنْ زَفَراتِهِ سكون عزاء أو سكون لغوب
(نفس المصدر)
11 ـ إنَّ الصبرَ لجميلٌ إلاَّ عنك، وإنّ الجزعَ لقبيحٌ إلاَّ عليكَ، وإنَّ المصابَ بك لجليلٌ، وإنّه قبلك وبعدك لجلل(). (نهج البلاغة 527/ح292).
قد أخذ المتنبي هذا المعنى فقال:
أجدُ الجفاءَ على سِواكَ مروءةً والصَّبْرَ إلاَّ في نَواك جميلا
(ديوان المتنبي 3/350)
ومن هذه الكلمة أيضاً قول بعض الشعراء:
أَمْسَتْ بجفني للدّموعِ كُلُومُ حُزناً عليك وفي الخدودِ رُسومُ
والصّبرُ يحمدُ في المواطنِ كلّها إلاَّ عَلَيْكَ فإنَّهُ مَذْمومُ
(شرح نهج البلاغة 19/195)
12 ـ أولى النّاس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
(نهج البلاغة 478/ح52)
مثل هذا قول الشاعر:
أعفُ عنّي فَقَدْ قدرتَ وخيرُ الـ ـعفوِ عفوٌ يكونَ بعدَ إقْتِدارِ
(مجمع الأمثال 1/243)
كما اقتبس الطرابلسي منه قائلاً:
أعفُ إذا قدرتَ يا ذا الصولةِ فإنَّ خيرَ العفوِ ما عَنْ قُدْرَةِ
(فرائد اللآل 1/199)
13 ـ إيّاك وما يتقذر منه. (نهج البلاغة 407/ك33).
قال الطرابلسي في هذا المعنى:
واحْذَرْ أُمُوراً توجِبُ اعْتِذارا يُنْزِلُ ذُو القدرِ بها مقْدارا
(فرائد اللآل 1/38)
هذا مثل جاء في كتاب له (عليه السلام) إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكّة، ويضرب في النهي عن اقتراف الخطايا.
14 ـ إيّاك ومصادقة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك. (نهج البلاغة 475/ح38).
أخذ ابن أبي الحديد هذا المعنى فقال في أبيات له:
حياتُكَ لا تَصْحَبَنَّ الجَهُولَ فَلا خيرَ في صُحْبَةِ الأَخْرَقِ
يَظُنُّ أخو الجَهْلِ أنّ الضَّلا لَ عينُ الرَّشادِ فَلا يَتَّقي
ويكسبُ صاحبُهُ حُمْقَهُ فيسرقُ مِنْهُ وَلا يسرق
وأقْسِمُ أنَّ العَدُوَّ اللبيـ ـبَ خيرٌ من المشفقِ الأحمقِ
(شرح نهج البلاغة 18/157)
15 ـ الجار قبل الدار. (نهج البلاغة 405/ك 31).
اقتبس الطرابلسي من هذا المثل فقال:
الجارُ ثمّ الدارُ يا خليلي فاختَرْ تَكْنْ ذا سؤدَدٍ أثيلِ
(فرائد اللآل 1/145)
وقد قيل في معناه: إذا أردت شراء دار فسل عن جوارها قبل شرائها(). قال أبو تمام في هذا المعنى أيضاً:
مَنْ مبلغٌ أَفْناءَ يَعْرُب كُلّها أَنّي ابتنيتُ الجارَ قبلَ المنزلِ
(موسوعة أمثال العرب 3/482)
كما قال شاعر آخر:
يَلُومُونَني أَنْ بَعْتُ بالرخْصِ مَنْزِلي وَلَمْ يَعْلَمُوا جاراً هناكَ يُنَغِّصُ
فقلتُ لهُمْ: بعضُ الملامِ فإنَّما بجيرانِها تَغْلُو الدِّيارُ وتَرْخَصُ
(نفس المصدر)
16 ـ الحكمة ضالّة المؤمن. (نهج البلاغة 481/ح 80).
أخذ الطرابلسي هذا القول فقال:
الحِكْمَةُ الّتي أَضَلَّ المؤمنُ يأخُذُ حيثُ يَراها تُمْكَنُ
(فرائد اللآل 1/179)
17 ـ حنَّ قدح ليس منها. (نهج البلاغة 386/ ك28).
هذا مثل يضرب لمن يدخل نفسه بين قوم وليس منهم، أو يمتدح بما لا يوجد فيه، ولقد اقتبس الطرابلسي منه قائلاً:
يَا مَنْ بِنَظْمِ الشّعرِ جاءَ يَفْتَخِر قَدْ حَنَّ قدحٌ لَيْسَ مِنْها فازْدَجِرْ
(فرائد اللآل 1/159)
18 ـ خالطوا النّاسَ مخالطةً إن متّم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم. (نهج البلاغة 470/ح 10).
من جيّد ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:
يا ذا الّذي وَلَدَتْكَ أُمُّكَ باكِياً والنَّاسُ حوْلَكَ يَضْحَكُونَ سرورا
إحْرِصْ على عَمَلٍ تكونَ به مَتَى يبكونَ حَوْلَكَ ضاحكاً مسرورا
(مجاني الأدب 2/43)
19 ـ الدنيا خلقت لغيرها، ولم تخلق لنفسها.
(نهج البلاغة 557/ح 463)
قال أبو العلاء المعرّي في هذا المعنى ما يطابق إرادة أمير المؤمنين (عليه السلام) بلفظه هذا:
خُلِقَ النَّاسُ لَلْبَقاءِ فَضَلَّتْ أُمَّةٌ يَحْسَبُونَهُم للنَّفادِ
إنَّما يُنْقَلُونَ مِنْ دارِ أَعْمَا لٍ إلى دارِ شَقْوَةٍ أَوْ رَشادِ
(شرح نهج البلاغة 20/181)
20 ـ رأيُ الشَّيخِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ جَلَدِ الغُلام. (نهج البلاغة 482/ح 86).
أخذ الطرابلسي هذا المعنى فقال:
مِنْ مشهدِ الغُلامِ رَأيُ الشَّيخِ، يا فَتاةُ خيرٌ لك فابتغي الحيا()
(فرائد اللآل 1/251)
كما قال شاعر آخر:
إنَّ الأمورَ إذا الأحداث دَبَّرَها دونَ الشّيوخِ تَرى في بعضِها خَلَلا
(أمثال وحكم 1/50)
وقريب من هذا قول المتنبي:
الرَّأيُ قَبْلَ شُجاعَةِ الشُّجْعانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المحَلُّ الثاني
(ديوان المتنبي 4/307)
لا ريب أنّ الرأي مقدّم على الشجاعة لأصالة منفعته، وإنّما خصّ الرأي بالشيخ والجَلَد بالغلام، لأنّ الشيخ كثير التجربة، فيبلُغ من العدوّ برأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرّب().
21 ـ ربَّ ساعٍ فيما يضرّه. (نهج البلاغة 402/ك 31).
من أحسن ما قيل في هذا المعنى قول ابن هرمة:
وكَمْ مِنْ طالِبٍ يسعى لِشَيءٍ وَفيهِ هَلاكُهُ لو كَانَ يَدْرِي()
(البيان والتبيين 3/154)
22 ـ ربَّ قولٍ أنفذُ مِن صَوْلٍ. (نهج البلاغة 545/ح 394).
اقتبس الطرابلسي من هذه الكلمة فقال:
قُلْ ما تَراهُ ربَّ قَوْلٍ أُثَّرَا أَشَدَّ مِنْ صَوْلٍ يُريْكَ أَثَرَا
(فرائد اللآل 1/242)
كما قال الأخطل:
حَتّى أصَرّوا وَهُمْ مِنّي عَلَى مَضَضٍ والقولُ ينفذُ ما لا تنفذُ الإبر()
(موسوعة أمثال العرب 6/102)
23 ـ ربّما كان الدواء داء، والداء دواء. (نهج البلاغة 402/ك 31).
مثل هذا قول أبي الطيّب المتنبي:
قَدْ استشفيتُ مِنْ داءٍ بِداءِ وأقتلُ ما أَعَلَّكَ مَا شَفاكا
(ديوان المتنبي 3/129)
ومن ذلك أيضاً معنى قوله أو قريب منه:
لَعَلَّ عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُهُ فَرُبَّما صَحَّتِ الأجسامُ بالعللِ
(نفس المصدر 3/210)
كما قال أبو نؤاس:
دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فَإِنَّ اللَّوْمَ إِغراءُ وَدَاوِني بالَّتي كانت هيَ الدّاءُ
(ديوان أبي نؤاس 6)
24 ـ ربَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ. (نهج البلاغة 388 رك 28).
مثلُ هذا الكلام قول الشاعر:
فلا تَلُمِ المرءَ في شأنِهِ فَرُبَّ ملومٍ وَلَمْ يذْنُبِ
(المستقصى 2/99)
كما اقتبس الطرابلسي منه فقال:
رُبَّ ملومٍ مَا لَهُ ذَنْبٌ يُرى فلا تَلُمْ شَخْصاً على ما قَدْ جَرَى
(فرائد اللآل 1/247)
25 ـ ردّوا الحجر من حيث جاء()، فإنّ الشرّ لا يدفعه إلاَّ الشرّ. (نهج البلاغة 530/ح 314).
أخذ الطرابلسي هذا الكلام فقال:
مِنْ حَيْثُ ما جاءَكَ رُدَّ الحَجَرا لا تَقْبَل الضَّيْمَ تَكُنْ سامي الذَّرى
(فرائد اللآل 1/259)
26 ـ الرفيق قبل الطريق. (نهج البلاغة 405/ك 31).
من مستحسن ما قيل في هذا المعنى قول الطرابلسي:
قبلَ الطّريقِ حَصِّلِ الرَّفيقا فَرُبَّما تَلْقَى بها مَضِيْقا
(فرائد اللآل 1/257)
27 ـ زهدك في راغبٍ فيك نقصان حظّ، ورغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس. (نهج البلاغة 555/ح 451).
ممّا يناسب هذا الكلام قول العباس بن الأحنف في نسيبه:
مَا زِلْتُ أَزْهَدُ في مَوَدَّةِ راغِبٍ حَتَّى ابتُليتُ برَغْبَةٍ في زاهدِ
هَذَا هُوَ الدَّاءُ الّذي ضَاقَتْ بِهِ حِيْلُ الطّيبِ وَطَالَ بَأسُ العائِدِ
(شرح نهج البلاغة 20/101)
28 ـ السعيد من وعظ بغيره. (نهج البلاغة 117/ط 86).
من الشعر القديم الجيّد في هذا المعنى قول الحارث بن الكلدة:
إنَّ السعيدَ لهُ في غيرِهِ عظةٌ في الحوادثِ تحكيمُ ومعتبرُ
(جمهرة الأمثال 1/531)
كما أخذ الطرابلسي هذا الكلام فقال:
فَهَلُ يُوعَظُ مَنْ يكونُ فَظْ إنَّ السعيدَ مَنْ بغيرِهِ اتَّعَظْ
(فرائد اللآل 1/289)
29 ـ شقشقة هدرت ثمّ قرت. (نهج البلاغة 50/ط 3).
قد اقتبس الطرابلسي من هذا المثل قائلاً:
شقشقةٌ قَدْ هَدَرَتْ وَقَرَّتْ مِنِّيَ لَمَّا حَاجَتِي اسْتَقَرَّتْ
(فرائد اللآل 1/315)
30 ـ الصبر مفتاح الفرج. (شرح نهج البلاغة 20/307).
من الشعر الحكمي في هذا الباب قول الشاعر:
بنى اللَّهُ للأخيارِ بيتاً سماؤهُ همومٌ وأحزانُ وحيطانُهُ الضُرُّ
وَأَدْخَلَهُمْ فيهِ وَأَغْلَقَ بابَهُ وَقَالَ لَهُمْ مِفْتَاحُ بابِكُمُ الصَّبْرُ
(جواهر الأدب 2/478)
كما تأثّر الطرابلسي بهذه الكلمة فقال:
والصّبرُ في ما قيلَ مفتاحُ الفرجْ يا فوزَ مَنْ إليهِ في السَّعْي دَرَجْ
(فرائد اللآل 1/352)
31 ـ ضحّ رويداً. (نهج البلاغة 414/ك 41).
اقتبس الطرابلسي من هذا المثل فقال:
ضحّ رُوَيْداً وَتَأَنَّ فالعَجَلْ يُجيءُ في بعض الأمورِ بالزَّلَلْ
(فرائد اللآل 1/355)
كما قال زيد الخيل:
فلو أَنَّ نصراً أصلحتْ ذَاتَ بَيْنَنَا لَضَحَّتْ رُويداً عن مطالِبَها عَمْرُو()
(مجمع الأمثال 1/419)
32 ـ العالم من عرفه قدره. (نهج البلاغة 149/ط 103).
ممّا هو في معنى هذا المثل() من الشعر قول المتنبي:
وَمَنْ جَهَلَتْ قَدْرَهُ نَفْسُهُ رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَا لا يَرَى
(ديوان المتنبي 1/168)
33 ـ عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إيّاه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
(نهج البلاغة 491/ح 126)
مثل هذا قول أبي الطيب المتنبي:
ومن ينفقُ السّاعاتِ في جمعِ مالِهِ مخافَةَ فقرٍ فَالَّذي فعلَ الفقر
(ديوان المتنبي 2/255)
كما قيل في هذا المعنى أيضاً:
أَمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تَعَجَّلْتَهُ وَأَخَّرْتَ إِنْفَاقِ مَا تَجْمَعُ
فَصِرْتَ الفَقِيرَ وَأَنْتَ الغَنِيّ فَمَا كَانَ يَنْفَعُ مَا تَصْنَعُ
(نفس المصدر)
34 ـ العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال؛ والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. (نهج البلاغة 496/ح 147).
ما أحسن ما قاله الطغرائي في هذا المعنى:
مَنْ قَاسَ بالعلمِ الثراءَ فإنَّهُ في حُكْمِهِ أَعْمَى البَصِيْرَةِ كَاذِبُ
العِلْمُ تَخْدِمُهُ بِنَفْسِكَ دائِماً والمَالُ يَخْدِمُ عَنْكَ فيهِ نَائِبُ
والمَالُ يُسْلَبُ أو يبيد لِحَادثٍ والعلمُ لا يخشى عليهِ السَّالِبُ
والعلمُ نقشٌ في فؤادِكَ رَاسخٌ والمالُ ظِلٌّ عَنْ فَنائِكَ ذَاهبُ
هذا عَلَى الإنْفَاقِ يَغْزِرُ فَيْضَهُ أَبَداً وذَلِكَ حِيّنَ تنفقُ نَاضِبُ
(جواهر الأدب 2/449)
35 ـ عند تناهي الشدُّة تكونُ الفرجةُ، وعند تضايقُ حلَق البلاء يكونُ الرَّخاءُ. (نهج البلاغة 536/ح 351).
من جيد ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:
إذَا تَضَايَقَ أَمْرٌ فَانْتَظِرْ فَرَجَاً فَأَضْيَقُ الأَمْرِ أَدْنَاهُ مِنَ الفَرَجِ
(البيان والتبيين 3/26)
كما قال الشاعر:
إذا بلغَ الحوادثُ منتهاهَا فَرَجٌّ بُعيدها الفرجُ المُطلاّ
فكم كربٌ تولّى إذ تَوَلَّى وكَمْ خطبٌ تجلّى حينَ جَلَّى
(شرح نهج البلاغة 19/267)
36 ـ عند الصباح يحمد القوم السَّرَى. (نهج البلاغة 229/ط 160).
هذا مثل يضرب لمحتمل المشقة العاجلة رجاء الراحة الآجلة، كما قاله خالد بن وليد:
عِنْدَ الصَّباحِ يحمدُ القومُ السَّرَى وتَنْجَلِي عَنْهُمْ غيابَاتُ الكَرَى
(مجمع الأمثال 2/3)
ومثل هذا قول الجميح:
قلتُ أُعزِّي صَاحِبي أَلا بَلَى عِنْدَ الصَّباحِ يحمدُ القومُ السَّرى()
(جمهرة الأمثال 2/42))
وأخذ الطرابلسي هذا المثل فقال:
مِنْ وَجْهِ عمرٍ وغَوْث مَنْ لهُ سَرَى عندَ الصَّباحِ يحمدُ القومُ السَّرى
(فرائد اللآل 2/2)
37 ـ الغيبة جهد العاجز. (نهج البلاغة 556/ح 461).
قال المتنبي في هذا المعنى:
وأكبرُ نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍ وكلُّ اغتيابٍ جهدُ مَنْ مَا لَهُ جَهْدُ
(ديوان المتنبي 2/95)
38 ـ فاعل الخير خير منه، وفاعل الشرّ شرّ منه(). (نهج البلاغة 474/ح 32).
أخذ ابن أبي الحديد هذا اللفظ والمعنى فقال:
خيرُ البضائِع للإنسانِ مَكْرُمَةٌ تُنْمِي وتَزْكُوا إذا بَارتْ بَضَائِعُهُ
فالخيرُ خيرٌ وخيرٌ مِنْهُ فاعِلُهُ والشرُّ شرٌّ وشرٌّ مِنْهُ صَانِعُهُ
(شرح نهج البلاغة 18/149)
كما قال عبيد بن الأبرص:
الخيرُ يبقى وإن طالَ الزّمانُ به والشرُّ أخبث ما أوعيتَ من زَادِ
(العقد الفريد 3/52)
ومثل هذا قول الطرابلسي:
وفاعلُ الخيرِ غَدَا مِنْهُ يُرى خيراً كذا الشرُّ فكُنْ مُعْتَبَرَا
(فرائد اللآل 1/49)
39 ـ فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.
(نهج البلاغة 479/ح 66)
قد قيل في هذا المعنى:
وللموتِ خيرٌ مِنْ زيارةِ باخِلٍ يُلاحِظُ أَطْرَافَ الأكليلِ عَلَى عَمْدِ
(العقد الفريد 2/273 و6/193)
40 ـ قد أضاء الصبح لذي عينين(). (نهج البلاغة 501/ح 169).
هذا الكلام جارٍ مجرى المثل ويضرب للأمر ينكشف ويظهر كلّ الظهور. قال أبو الطيب المتنبي في هذا المعنى:
وَهَبْنِي قُلْتُ: هذا الصُّبْحُ لَيْلٌ أَيَعْمَى العالَمُونَ عَنِ الضِّيَاءِ
(ديوان المتنبي 1/138)
كما قال ابن هاني:
فاستيقظوا من رقدةٍ وتنبّهوا ما بالصباحِ عَنِ العيون خَفَاءُ
(شرح نهج البلاغة 18/395)
ولقد اقتبس الطرابلسي من هذه الكلمة فقال:
مِنْ جِيْدِ هَذَا الرَّيمِ دُونِ مَيْنِ قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عينين
(فرائد اللآل 2/80)
41 ـ قرنت الهيبة بالخيبة(). (نهج البلاغة 471/ح 21).
ومثل هذا قول الشاعر:
لا تكوننَّ للأمورِ هبوباً فإلى خيبةٍ يصيرُ الهبوبُ
(جمهرة الأمثال 1/488)
كما اقتبس الطرابلسي منه قائلاً:
قَدْ قَرَنَ الحِرْمَانِ بِالحَيَا كَمَا قِرَان خَيْبَة بهَيْبَةٍ نَمَا
(فرائد اللآل 1/86)
ومن ذلك أيضاً قوله:
لا تَهِبَنْ في طَلَبٍ فَالْهَيْبَة فِيما يُقَالُ قَبْل أَصْلِ الخَيْبِةِ
(نفس المصدر 2/353)
كانت العرب إذا أوفدت وافداً قالت له: إيّاك والهيبة، فإنّها خيبة؛ ولا تبت عند ذنب الأمر وبت عند رأسه().
42 ـ القلب مصحف البصر. (نهج البلاغة 548/ح 409).
مثل هذا قول الشاعر:
تُخَبِّرُني العَيْنَانِ مَا القَلْبُ كَاتِمٌ ومَا جَنَّ بِالبَغْضَاءِ والنَّظْرِ الشَّزْرِ
(شرح نهج البلاغة 20/46)
ومن جيّد ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:
إنَّ العُيونَ لتبدي في تقلّبها مَا في الضّمائرِ من ودٍّ ومِنْ حَنَقِ
(نفس المصدر)
43 ـ قلة العيال أحد اليسارين. (نهج البلاغة 495/ح 141).
أخذ الطرابلسي هذا المعنى فقال:
وقلّةُ العيالِ يا هَذا أَحَدْ يساري المَرْء فَحَصِّلْ مَا وَرَدْ
(فرائد اللآل 2/99)
44 ـ قلوب الرجال وحشية، فمن تألّفها أقبلت عليه. (نهج البلاغة 477/ح 50).
مثل هذا قول الشاعر:
وإنّي لَوَحْشِيٌّ إذَا مَا زَجَرْتَنِي وإِنّي إِذا أَلَّفْتَنِي لأَلُوفُ
(شرح نهج البلاغة 18/180)
45 ـ قيمةُ كلّ امرئ ما يحسنه(). (نهج البلاغة 482/ح 81).
قد قيل في هذا المعنى:
لا يَكُونُ الفَصِيْحُ مِثلَ العَييِّ لا، ولا ذُو الذَّكاءِ مِثْلَ الغَبِيِّ
قِيْمَةُ المَرْءِ قَدْرُ مَا يَحْسِنُ المَرْ ءُ قَضَاءٌ مَنْ الإمَامِ عَلِيٍّ
(معجم الأدباء 1/67 الفصل الأول)
كما أخذ ابن طباطبا العلوي هذا اللفظ والمعنى فقال:
يَا لائِمي دَعْني أُغَالِ بِقِيْمَتِي فَقِيْمَةُ كُلِّ النَّاسِ مَا كَانَ يُحْسِنُه
(أمثال وحكم 2/1170)
ومن هذا الباب أيضاً قوله (عليه السلام)
وقيمةُ المرءِ مَا قَدْ كانَ يُحْسِنُهُ والجاهلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ()
(ديوان الإمام علي 25)
46 ـ كما تدين تدان. (نهج البلاغة 214/ط 153).
اقتبس الطرابلسي من هذا المثل فقال:
كَمَا تُدِيْنُ يَا فَتَى تُدَانُ فَلْيَكُ مِنْكَ أَبَداً إِحْسَانُ
(فرائد اللآل 2/122)
كما قال يزيد بن الصعق الكلابي لملك بن ملوك غسان:
يا أَيُّها الملكُ المقيتُ أَمَا تَرى لَيْلاً وَصُبْحاً كَيْفَ يَخْتَلِفَان
هَلْ تستطيعُ الشمسُ أن تؤتى بها ليلاً وَهَلْ لَكَ بالمليكِ يَدَان
فَاعْلَمْ وَأَيقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ وَاعْلَمْ بأنَّ كَمَا تُدِيْنُ تُدَان
(جمهرة الأمثال 1682)
47 ـ كم من أكلة منعت أكلات(). (نهج البلاغة 510/ح 171).
ما أحسن ما قاله ابن هرمة في هذا المعنى:
وَكَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَخَاهَا بِلَذَّةِ سَاعَةٍ أَكَلاتِ دَهْرِ()
(البيان والتبيين 3/154)
كما اقتبس الطرابلسي منه فقال:
وَرُبَّ أكلةٍ لأكلاتٍ تُرى مَانعةً فاحفظْ لما قَدْ أُثرا
(فرائد اللآل 1/244)
مثل هذا قول ابن العلاّف:
كَمْ أَكْلَةٍ خَالَطَتْ حَشَا شَرِهِ فَأَخْرَجَتْ رُوْحَهُ مِنَ الجَسَدِ()
(جمرة الأمثال 1/492)
وقد قيل في هذا المعنى:
كَمْ أكلةٍ عَرَّضَتْ لِلْهكِ صَاحِبُها كحبّةِ الفُخِّ رُوحه مِنَ الجسدِ
(نفس المصدر)
وأخذ هذا المعنى يلفظه الحريري فقال في المقامات: “رُبَّ أكلةٍ هَاضَتِ الآكلَ، وَمَنَعَتْهُ مَآكِلَ”().
48 ـ كَناقِلِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ(). (نهج البلاغة 385/ك 28).
أخذ الطرابلسي هذا اللفظ والمعنى فقال:
إنّي بِقَصْدِي مِصْرَ في نَظْمِ الدُّرَرْ مُسْتَبْضِعٌ تَمْراً إلى أَرْضِ هَجَرْ
(فرائد اللآل 2/119)
وقريب من هذا قول الشاعر:
أهدي لهُ طرفَ الكلامِ لها يُهدى لوالي البصرةِ التمرُ
(شرح نهج البلاغة 15/188)
49 ـ لا تسخط الله برضى أحد من خلقه. (نهج البلاغة 384/ك 27).
قال أبو الطيب المتنبي مشيراً إلى هذا الكلام:
وَبِمُهْجَتي يَا عَاذِلِي المَلِكُ الّذي أَسْخَطْتُ كُلَّ النَّاسِ في إرْضَائِهِ
(ديوان المتنبي 1/136)
50 ـ لا رَأْيَ لِمنْ لا يُطَاع. (نهج البلاغة 71/ط 27).
قد اقتبس الطرابلسي من هذه الكلمة فقال:
مَنْ لا يُطَاعُ مَا لَهُ رَأْيٌ يُرَى كَذَا عليٍّ قَالَ في ما أُثِرَا
(فرائد اللآل 2/204)
51 ـ لا جاء يُرَدُّ ولا ماضٍ يُرْتَدُّ. (نهج البلاغة 170/ط 114).
من أجود ما قيل في هذا المعنى قول المتنبي:
وَمَا ماضي الشّبابِ بِمُسْتَرَدٍّ وَلاَ يَوْمٌ يَمُرُّ بِمُسْتَعَادِ
(ديوان المتنبي 2/77)
وقد أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
فَلاَ أَنا رَاجِعٌ مَا قَدْ مَضَى لي وَلاَ أَنا دَافِعٌ مَا سَوْفَ يَأتي
(شرح نهج البلاغة 7/256)
52 ـ لا كنز أغنى من القناعة. (نهج البلاغة 540/ح 371).
من لطيف ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:
وَأَرَى القناعةَ للفتى كنزاً لَهُ والبرُّ أفضلُ مَا به يَتَمَسَّكُ
(جواهر الأدب 2/486)
53 ـ لا يزهدنّك في المعروف من لا يشكره لك، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه، وقد تدرك من شكر الشاكر أكثر ممّا أضاع الكافر، والله يحبّ المحسنين. (نهج البلاغة 505/ح 204).
قد أخذ ابن أبي الحديد هذا المعنى فقال من جملة قصيدة له حكمية:
لاَ تَسْدِيَنَّ إلى ذي اللؤمِ مَكْرَمَةً فإنَّهُ سِبِخٌ لاَ ينبتُ الشَّجَرَا
فَإِنْ زَرَعتَ فَمَحْفُوظُ بِمَضْيَعَةٍ وَأَكْلُ زَرْعِكَ شُكْرُ الغيرِ إنْ كَفَرَا
(شرح نهج البلاغة 19/24)
54 ـ لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه(). (نهج البلاغة 476/ح 40).
اقتبس ابن بسام من هذا الحديث فقال:
لسانُ مَنْ يَعْقَلُ في قَلْبِهِ وَقَلْبُ مَنْ يَجْهَلُ في فِيْهِ
(موسوعة أمثال العرب 6/223)
قال الرضي (رحمه الله تعالى) عند شرح قوله (عليه السلام): وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أنّ العاقل لا يطلق لسانه إلاَّ بعد مشاورة الروية ومؤامرة الفكرة؛ والأحمق تسبق زحافات لسانه، وفلتات كلامه مراجعة فكره ومماخضة رأيه. فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه، وكأنّ قلب الأحمق تابع للسانه().
55 ـ لكلّ امرئ في ماله شريكان: الوارث والحوادث(). (نهج البلاغة 534/ح 335).
أخذ الرضيّ هذا اللفظ والمعنى فقال:
خُذْ مِنْ تُرَاثِكَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّمَا شُركاؤُكَ الأَيّامُ والورّاثُ
لَمْ يَقْضِ حَقُّ المالِ إلاَّ مَعْشَرٌ نَظَرُوا الزَّمانَ فيه، فَعَاثُوا
(شرح نهج البلاغة 19/251)
كما قال الطرابلسي:
مَالُ الشَّحِيْحِ يَا خليلي بَشَّرِ بِوَارِثٍ أَوْ حَادِثٍ مُسْتَنْكَرِ
(فرائد اللآل 1/98)
56 ـ ما عدا ممّا بدا. (نهج 74/ط 31).
أخذ الطرابلسي هذا الكلام فقال:
وَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا يا هَذي حَتَّى تركتِ صُحبتي يَا هَاذِي
(فرائد اللآل 2/260)
57 ـ ما لابن آدم والفخر: أوّله نطفة، وآخره جيفة، ولا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه. (نهج البلاغة 55/ح 454).
من أحسن ما قيل في هذا اللفظ والمعنى قول بعضهم:
مَا بَالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ وَجِيْفَةٌ آخِرهُ يَفَخَرُ
يَصْبَحُ مَا يَمْلُكُ تَقْدِيْمَ مَا يَرْجُو وَلاَ تَأْخِيْرَ مَا يَحْذَرُ
(شرح نهج البلاغة 20/150)
58 ـ مثل الدنيا كمثل الحيّة ليّن مسّها، والسمّ الناقع في جوفها، يهوى إليها الغرّ الجاهل، ويحذرها ذو اللبّ العاقل(). (نهج البلاغة 489/ح 119).
قد أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
إنّما الدَّهْرُ أرقمٌ لَيِّنُ المَسِّ وَفي نابِهِ السُّقَامُ المُقَامُ
(شرح نهج البلاغة 18/284)
59 ـ تكلّموا تُعرفوا فإنّ المرء مخبوء تحت لسانه(). (نهج البلاغة 545/ح 392).
قال المتنبي في هذا المعنى:
أُصَادِقُ نَفْسَ المَرْءِ من قبلِ جسمِهِ وأعرفُها في فعلِهِ والتكلُّمِ
(ديوان المتنبي 4/265)
كما قال الأعورُ الشِنِّيُّ:
وكأين ترى من صامتٍ لكَ معجبٌ زيادتُهُ أو نقصُهُ في التكلّمِ
(البيان والتبيين 1/118)
وممّا يناسب كلام الإمام علي (عليه السلام) قول بعضهم:
وفي الصَّمْتِ سِتْرٌ للغبيّ وإنّما صحيفةُ لُبِّ المرءِ أن يتكلّما
(متنبي وسعدي 170)
وكان يحيى بن خالد يقول: ما جلس إليّ أحد قطّ إلاَّ هبته حتّى يتكلّم، فإذا تكلّم إمّا أن تزداد تلك الهيبة أو تنقص().
60 ـ من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ(). (نهج البلاغة 501/ح 173).
قيل في هذا المعنى:
وخيرُ الرأي مَا استقبلْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ بأن تتّبعَهُ اتّبَاعَا
(شرح نهج البلاغة 18/404)
61 ـ من جرى في عنان أمله عثر بأجله(). (نهج البلاغة 471/ح 19).
من جيّد ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:
مَنْ تَمَنّى المُنَى فأغرقَ فيها مَاتَ مِنْ قبل أَنْ يَنَالَ مُنَاهُ
(شرح نهج البلاغة 18/127)
62 ـ من سلّ سيف البغي قتل به. (نهج البلاغة 536/ح 349).
أخذ الطرابلسي هذا اللفظ والمعنى فقال:
مَنْ سَلَّ سيفَ البغي يوماً قتلا به فَدَعْ بغياً تَنَلْ كُلَّ عُلاَ
(فرائد اللآل 2/287)
63 ـ من طلب شيئاً ناله أو بعضه. (نهج البلاغة 544/ح 386).
قال الطرابلسي في هذا المعنى:
جِدّ تَنَلْ مَا رُمْتهُ بمحمدةٍ يا صاحبي مَنْ رَامَ شيئاً وَجَدَه
(فرائد اللآل 2/279)
64 ـ من كرمت عليه نفسه، هانت عليه شهواته.
(نهج البلاغة 555/ح 449)
والجيّد النادر في هذا قول الشاعر:
فإنَّكَ إنْ أعطيتَ بطنَكَ سؤلَه وفرجُكَ نالا منتهى الذَّمْ أجمعا
(شرح نهج البلاغة 20/99)
65 ـ من ملك استأثر. (نهج البلاغة 501/ح 173).
قد اقتبس الطرابلسي من هذا الكلام فقال:
مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ آثِرْ أَبَدا أَهْلَكَ تَلْقَ في الأنامِ رُشْدَا
(فرائد اللآل 2/280)
66 ـ من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره(). (نهج البلاغة 536/ح 349).
قيل في هذا المعنى:
أرى كُلَّ إنسانٍ يرى عيبَ غيرِهِ وَيَعْمَى عَنِ العيبِ الّذي هُوَ فيهِ
وَمَا خَيْرُ مَنْ تخفى عليهِ عيوبُهُ ويبدُو لهُ العيبُ الّذي بأخيهِ
(شرح نهج البلاغة 18/100)
67 ـ المنيّة ولا الدنيّة(). (نهج البلاغة 546/ح 396).
قد أخذ الطرابلسي هذا الكلام فقال:
دون سلوّه أرى المنيّهْ مختارة وأكره الدنيّة
(فرائد اللآل 2/265)
68 ـ الناس أبناء الدنيا، ولا يلام الرجل على حبّ أمّه(). (نهج البلاغة 529/ح 303).
أخذ محمد بن وهب الحميري هذه الكلمة فقال:
وَنْحُنُ بَنُو الدّنيا خُلِقْنَا لِغَيْرِهَا وَمَا كنتُ مِنْهُ فهو شيءٌ مُحَبَّبُ()
(شرح نهج البلاغة 18/327)
69 ـ الناس أعداء ما جهلوا(). (نهج البلاغة 501/ح 172 و172/ح 348).
هذه من كلماته الشريفة التي لا نظير لها كما قال الشاعر متأثراً بها:
جَهَلْتُ أَمْراً فَأَبْدَيْتُ النكِيْرَ لَهُ والجاهِلُونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ
(شرح نهج البلاغة 20/86)
ومن الشعر المنسوب إليه (عليه السلام) في هذا المعنى:
وقيمةُ المرءِ مَا قَدْ كَانَ يُحْسِنُهُ والجاهلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ
(ديوان الإمام عليّ 25)
70 ـ والله لا أكون كالضبع: تنام على طول اللدم، حتّى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها().
(نهج البلاغة 53/ط 6)
أخذ الطرابلسي هذا الكلام فقال:
مع أنّني لست كمثل الضَّبُعِ حَسْبَ الَّذي حَكُوهُ عَنْهَا فَاسْمَعِ
تخرجُ وهي تسمع اللدمَ لِمَنْ يَصِيْدُهَا حَتَّى تُصَادُ فَاعْلَمَنْ
(فرائد اللآل 2/205)
من الواضح أنّ للنهج تأثير كبير في الأدب العربي، وما أشرنا إليه في بحثنا هذا قليل من كثير، لكنّنا اخترنا نماذج شعرية من بين مئات أبيات متأثّرة بهذا الكتاب الشريف على قدر الوسع والإمكان؛ تلك الأبيات المنتشرة في الدواوين والمصادر التاريخية والمراجع الروائية والموسوعات الأدبية.
فهرس المراجع
1 ـ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، بتحقيق أبو الفضل إبراهيم، قم، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، بدون تاريخ.
2 ـ ابن شعبة الحراني: تحف العقول عن آل الرسول، صحّحه وعلّق عليه علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، ط2، 1404هـ/ 1363ش.
3 ـ ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، حقّقه وعلّقه حواشيه علي شيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1409هـ/ 1989م.
4 ـ أبو نواس، الحسن بن هانئ: ديوان ابي نواس، حقّقه وضبطه وشرحه أحمد عبد المجيد الغزالي، بيروت، دار الكتاب العربي، 1412هـ/ 1992م.
5 ـ أبو هلال العسكري: كتاب جمهرة الأمثال، حقّقه وعلّق حواشيه ووضع فهارسه محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش، بيروت، دار الفكر ودار الجيل، ط2، 1408هـ/ 1999م.
6 ـ الأمين، السيّد محسن: أعيان الشيعة، حقّقه وأخرجه حسن الأمين، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط5، 1403هـ/ 1983م.
7 ـ الثعالبي، أبو منصور: الإعجاز والإيجاز، بيروت، دار الرائد العربي، ط2، 1403هـ/ 1983م.
8 ـ الثعالبي، أبو منصور: التمثيل والمحاضرة، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، الرياض، الدار العربية للكتاب، ط2، 1983م.
9 ـ الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1968م.
10 ـ الجرجاني، عبد القاهر: أسرار البلاغة في علم البيان، تصحيح محمد رشيد رضا، بيروت، دار المعرفة، 1402هـ/ 1982م.
11 ـ حسن زاده آملي: إسناد نهج البلاغة قبل الشريف الرضي، مجلة العلوم الإنسانية، السنة الثانية [العدد 1ـ2] طهران، 1369ش/ 1370هـ.
12 ـ دهخدا، علي أكبر: أمثال وحكم، تهران، مؤسسة انتشارات أمير كبير، ط7، 1370ش.
13 ـ ديوان الإمام علي، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت، دار ابن زيدون، بدون تاريخ.
14 ـ الزمخشري، جار الله محمود بن عمر: المستقصى في أمثال العرب، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1987م.
15 ـ الشبلنجي: نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار (وبهامشه إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى للشيخ محمد بن علي الصبّان)، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ.
16 ـ الشريف الرضي، أبو الحسن محمد: نهج البلاغة، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلمية صبحي الصالح، بيروت، 1387هـ/ 1967م.
17 ـ الطرابلسي الحنفي، إبراهيم بن السيّد علي الأحدب: فرائد اللآل في مجمع الأمثال، 1312هـ.
18 ـ الفيروزآبادي، السيّد مرتضى الحسيني: فضائل الخمسة من الصحاح الستّة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط4، 1402هـ/ 1982م.
19 ـ القندوزي، سليمان بن إبراهيم: ينابيع المودة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بدون تاريخ.
20، المتنبي، أبو الطيب أحمد: ديوان المتنبي، شرح عبد الرحمن البرقوقي، بيروت، دار الكتاب العربي، 1357هـ/ 1938م (تاريخ المقدمة).
21 ـ محفوظ، حسين علي: متنبي وسعيدي، تهران، چاپخانه حيدري، 1317هـ/ 1336ش.
22 ـ الميداني، أبو الفضل أحمد: مجمع الأمثال، حقّقه وفصله وضبط غرائبه وعلّقه حواشيه محمد يحيى الدين عبد الحميد، دار المعرفة، 1374هـ/ 1955م.
23 ـ الهاشمي: السيّد أحمد: جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، مصر، مطبعة السعادة، ط21، 1348هـ/ 1946م.
24 ـ ياقوت الحموي: معجم الأدباء، بيروت، دار الفكر، 1400هـ/ 1980م.
25 ـ اليسوعي، لويس شيخو: مجاني الأدب في حدائق العرب، بيروت، دار المشرق، 1992م.
26 ـ يعقوب، إميل بديع: موسوعة أمثال العرب، بيروت، دارُ الجيل، 1415هـ/ 1995م.
الدكتور علي رضا ميرزا محمد