لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد العاشر
بسم الله الرحمن الرحيم
التقية([1])
أ ـ التقية من المبادىء التي دان بها الشيعة وطبقوها دون حرج أو إنكار، تمسك بها الإسماعيليون على اختلاف فرقهم وفروعهم وبخاصة في دور الستر، وتمسك بها الجعفريون (الإماميون). وإضافة إلى ذلك يطبقها الزيديون الذين ينكرونها ويأبونها ـ كما سنرى في أثناء هذا البحث.
لقد صارت التقية مثلبة الشيعة ومناسبة للطعن في شجاعتهم واعتبرها غير الشيعة خير ثغرة ينفذون منها إلى الحط من شأنهم وشأن عقيدتهم ورميهم بالذل والمسكنة والخمول وإهدار الرجولة. ولم يقتصر الأمر على طعن المسلمين من غير الشيعة للشيعة وإنما تعدى ذلك إلى المستشرقين من أمثال جولد تسهير الذي اعتبر التقية صفة تنطوي على المخاتلة والغدر ([2]).
ب ـ لم ترد عبارة «تقية» في القرآن وإنما وجدنا لفظ «تقاة» في سورة آل عمران([3]) {لا يَتَّخِذِ الْمُؤمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ ثُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}.
وقد ذكر الشريف الرضي([4]) (ت406 ـ 1015)** والزمخشري([5]) (ت538 ـ 1144) أن «تقاة» قد قرئت «تقية». ومن الواضح أن المراد بها هنا التظاهر بموالاة الأعداء على أساس (أن تتقوا منهم تقاة) أي تحذروهم وتتجنبوا الأذى منهم. ومن هنا يتبين أن الخوف والمحافظة على النفس في مواطن الخطر هما أساس التقية وأن القرآن قد أباح للمسلمين ـ وبخاصة المسلمين الأولين الذين عناهم هنا ـ الخائفين على دمهم أن يتخذوا الكافرين أولياء (تقاة أو تقية) على أمل زوال الظروف التي دعتهم إلى هذه الضرورة والضرورات تبيح المحظورات كما هو معروف.
ويجب أن نلاحظ أن (التقاة) أو «التقية» هنا موصولة بالإيمان الباطني، وأن الإسلام قد أقرها على هذا الأساس، وأوعد أصحاب (التقاة) من المسلمين الأولين المضطهدين في مكة بالعقاب إن لم يكن الإيمان متلبساً بالقلب ـ بختام الآية بعبارة: «وإلى الله المصير» وذلك وعيد صريح وتذكير بعد التحذير الأول.
ويحسن بنا أن نلاحظ أن التقوى والتقية ـ التي تتحد معها في الأصل تتصلان بمعنى الإسلام، فكلا اللفظين في معناهما الاصطلاحي الإسلامي، مرتبط بالانقياد للقوة العظمى ـ قوة الله ـ فالتقوى من الاتقاء بمعنى النجاة ـ والتقية والتقوى متقاربان في الأصل بل لعلهما من أصل واحد ـ أي حماية النفس من قوة معينة، فهي متصلة بالخوف، وكذلك الإسلام يتصل بالتسليم والانقياد لهذه القوة وبالسلامة من غضبها وسطوتها. ويحسن أن نضيف إلى ذلك أن التأثر بالجمال عند العرب ينصرف إلى هذه الرهبة والهيبة لهذه القوة المجهولة واصطلحوا عليه بالروعة وقالوا: هذا أمر رائع فالهيبة التي تدل على الجلال وهو متصل بالهيبة والخوف نحو: أمر جلل ـ والإسلام والتقوى والتقية كلها متصلة بالقوة وبالخوف منها وبالتسليم لها. وذلك كله لا يعني أن العرب قد كان يخالط الخوف نفوسهم لجبنهم، وإنما ينصرف إلى هذه البيئة الصحراوية المخيفة المليئة بالأشباح وإلى الأقدار التي داعبت خيالهم حتى لقد وضعوا ـ برواية ابن خالويه ـ للداهية أربعة آلاف اسم([6]). ومن الغريب أن يتصل معنى الإيمان بالخوف أيضاً. فالإيمان من آمن والثلاثي منه: أمن والأمان هو النجاة من الخطر ومن الخوف، وهكذا تتصل المعاني في التقوى ـ التي منها التقية ـ والإسلام والإيمان بالينبوع البعيد الذي ينعكس من البيئة العربية الصحراوية التي كان يملؤها الخوف حتى لقد كانت أول عبارة يفوه العربي المسلم بها إذا لقي غيره قوله: «السلام عليكم»([7]) ليطمئن القادم تمهيداً لاطمئنانه هو.
ج ـ بعد هذا كله، نعود إلى التقية لنبحث السابقة الأولى لها، لقد كان من الصدف أن التقية قد ارتبطت ـ أول ما ارتبطت ـ بابن عبد سابق هو عمار بن ياسر الذي قتل في صفين(37هـ ـ 656م) دفاعاً عن حق علي، وكان من الشيعة الأوائل الذين اتفق الباحثون على كونه من أشد أنصار علي إخلاصاً له وتفانياً في الدعوة له ونصرته. وذلك أن القرشيين عذبوا أباه وأمه حتى قتلوهما وعمار ينظر، فلما حل عليه الدور في التعذيب لم يتركوه حتى سب رسول الله (ص) وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله في المدينة ـ بعد نجاته من الموت ـ قال: ما وراءك يا عمار، قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فقال رسول الله: فكيف تجد قلبك؟ فقال: أجد قلبي مطمئناً بالإيمان. قال: فإن عادوا فعد([8]) ثم نزلت فيه الآية: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ، إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيْمَانِ}([9]) وفي الآية استفهام وجوابه: أما الاستفهام فهو: من كفر بالله بعد إيمانه؟ وأما الجواب: فصدره محذوف من السياق ثم تليه النتيجة: ويمكن أن تصب الآية في هذا القالب: من كفر بالله من بعد إيمانه؟ من كفر بالله ونبيه وارتد عن الإسلام، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وهكذا قرر الإسلام وقرر النبي مبدأ التقية بوصفها وسيلة لحماية النفس من خطر يؤدي بها من غير طائل. ويجب أن نلاحظ أن عماراً كان عبداً وأن الإسلام قد جاء لحماية الفقراء والمستضعفين والعبيد من جشع مستغليهم، وهو لا يعني مطلقاً أن يفنيهم أو يقدمهم ضحايا لا لشيء إلا لضرب مثل نادرة على الشجاعة، فهذه الصفة تتوقف على شخصية الرجل نفسه. ولا دخل لها في إيمانه بالحركة الجديدة وقبوله بها. وهي لا تعني إباحة الهرب والجبن في الحرب ـ فهذا هو ميدان الشجاعة حقاً ـ وإنما تعني إنه ـ إذا تحالفت الظروف السيئة على مسلم، فلا داعي للانتحار، بل لا ضير من التظاهر بعكس ما يضمر ليحقن دمه حتى تزول هذه الظروف ويلتحق بزملائه المسلمين، وعندئذٍ يستطيع أن يبدي شجاعته وقوته وجلده في ميدان تتساوى فيه الفرص للجميع ولا تتحالف على شخص وحيد وقع في قبضة أعدائه. فالتقية قد أقرت في الإسلام لا لأنه يحض على الجبن، وإنما لأنه هدف إلى أن يحمي الضعفاء والفقراء والعبيد تحت لوائه. ولم يكن من العدل أن يتطلب منهم أن يتغيروا بقدرة قادر من قوم ضعفاء إلى أبطال أسطوريين لمجرد نطقهم بالشهادتين. أما الشجاعة والإقدام فالإسلام ـ في بيئته الجديدة ـ كفيل بإنبات كل المثل الإنسانية في نفوسهم ومن الجدير بالالتفات أن الإسلام لم يعن الحض على الجبن وإنما ترك المسلم لطبيعته وخلقه ونشأنه. فمن كان الإباء والإقدام والصبر من خلقه وجبلته ومات في سبيل مبادئه صابراً فهو شهيد مثاب([10]) ومن كان مؤمناً في إخلاص دون أن يسعفه قلبه على الجد لجبلة جبل عليها فليس عليه من حرج([11]).
والقرآن يقول: {فضل الله المجاهدين على القاعدين}([12]) ويقول أيضاً: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ}([13]) ولم يكن عمار ليبوح بسر يتعرض لإفشائه زملاؤه للموت وإنما طوى إيمانه في قلبه كما نصت الآية: {وَقَلْبَهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمانِ} فالأيمان هو المهم وهو متوفر حاضر. ومن المعلوم أن الإسلام قد جعل الإيمان درجة في العقيدة أعمق من الإسلام، فالعبرة بالإيمان الذي يتصل بالقلب وهو يعني التصديق بالعقيدة الجديدة القائلة بالتوحيد والنبوة والمساواة. ولعل من المستحسن أن نضيف إلى هذه الفقرات الآية التي تستند ظهور الإسلام لإنقاذ البائسين واهتمامه بهم: {وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الُوَارِثِينَ}([14]) وإلى الحديث الذي يقول: «اتبعوني أجعلكم أنساباً»([15]). لنضع يدنا على ما كان الإسلام يهدف إليه. فالتقية إذن أمر يتصل بعامل إنساني يبيح للرجل أن يحقن دمه في الظروف التي يؤدي فيها التظاهر بالإسلام إلى القضاء على حياته وربما تعريض حياة غيره من الدائنين نفسها إلى الضرر أو القتل كما حدث فعلاً في الإسلام الأول، وأبو عمار وأخوه وأمه يشهدون. والتقية ـ بعد ـ عرف إسلامي يتصل بالإنسانية وفهمها أكثر من اتصاله بالدين وحدوده. وفهمها السليم ـ في رأينا ـ لا يتأدى، إلا من هذه الوجهة بل إن الإسلام لم يفكر فيها قبل أن يمتحن عمار، فلما فعل تنبه إليها وفلسفها وأسسها على ذلك الأساس الذي مر بنا تفصيله.
يضاف إلى هذا كله أن خصال الإسلام الثلاث في تخيير الكفار المقهورين بين الإسلام أو السيف أو الجزية ـ تدخل في باب إقرار التقية فليس خافياً على الإسلام وشارعه أن الدخول في الدين الجديد على هذه الصورة تحت حد السيف أو ما لا يمكن توفيره من مال يعني دفع كلا الضررين بتحمل أهون الثلاثة وهو الدخول في دين القاهرين([16]) فلا يمكن أحداً أن يتصور أن معتنق الإسلام على هذه الصورة جاد في إسلامه إلا إذا رأى فيه الروح مما كان يعاني، شأن المسلمين الأولين، وذلك أمر يدخل في باب الحدس والتخمين. فلم يبق إلا أن يكون الإسلام مؤمناً بمبادئه ومثله واثقاً من تأثيرها في الناس إذا أتيح لهم أن يزنوا الأمور ويجربوا الحياة الجديدة ولو بالإكراه أولاً، فهو من هذه الناحية يغري بالتقية ويقدمها إلى الجاهلين به ثقة منه في كسبهم متى آمنوا واطمأنوا. فتفادى القتل والجزية والدخول في الإسلام إلى المغلوبين لإغرائهم باعتناقه. فهذه تقية لا جدال فيها كما يبدو. ثم أن الإسلام لم يكتف بإتاحة الولاء ـ تقية ـ للمغلوبين على أمرهم من أرستقراطيي العرب وسادتهم وكانوا يعرفون صراحة بالمنافقين والمؤلفة قلوبهم لأنه كان يشتري ولاءهم بالمال وجعلهم إحدى الطوائف الثماني التي لها نصيب في أموال الصدقات. وتلك إمارة على إتاحة الإسلام التقية حتى للأرستقراطيين السابقين، بل أدخل فيها وأبعد منها مدى.
د ـ لقد تنبه جولد تسيهر إلى أن الخوارج كانوا أول من دان بالتقية وتوسل بها والذي دعا الخوارج إلى التقية هو ما دعا عماراً: الكره والحقد المتبادل بينهم وبين جماعة المسلمين حتى كاد اصطياد الخارجي يعني القضاء عليه، وقد قاتلهم علي (عليه السلام) حتى أبادهم ولكنهم كانوا لا ينفدون حتى يملأوا الشعاب والجبال من جديد. ومن هنا تعلقوا بالتقية حفاظاً على حياتهم وخلاصاً من الفناء.
وقد اضطرت الظروف الخوارج، وهم أعتى وأشجع أصحاب المثل الإسلامية، إلى الأخذ بالتقية ولقد أخبرنا الشهرستاني (548، 1135) أن هذه الفكرة قد تسببت في انقسام الخوارج وذلك أن نافع بن الأزرق (ت65هـ: 694م) وقد كان يكفر القاعدين عن الحرب وكان يقول: «التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر» فانصرف زعماء الخوارج وأتباعهم إلى نجدة الحروري الذي قتل أيام عبدالملك بن مروان 69هـ: 9/698. وكان نجدة يرى أن التقية جائزة واحتج بقوله تعالى: {إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةٌ}، فبين لنا التزاوج الواضح بين الظروف والتقية وإسناد الإسلام لها والشهرستاني إلى ذلك يعدد بدع الأزارقة أصحاب نافع المذكور ويرى «أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل»([17]) فكان المبدأ أرسخ في بيئة الخوارج حتى أحوج الأمر إلى ثورة. وغاصت التقية في أعماق الخوارج حتى دار النقاش حولها ـ بعد نافع ـ حول كونها: هل تطبيق في القول؟ أم العمل؟ أو كليهما؟ فرأينا الضحاك وهو رئيس فرقة من الخوارج قتل سنة 128: 746 يرى أنها تجوز. في القول دون العمل([18]) وكان أسلافهم النجدات يرونها «جائزة في القول والعمل وإن كان في قتل النفس»([19]).
وعلاوة إلى ذلك فقد ابتدع الخوارج اصطلاح: «دار التقية» «ودار العلانية»([20]) وكانوا يعنون بدار التقية المواطن التي يغلب عليها غيرهم من المسلمين فبينوا لنا اضطرارهم إلى التعلق بهذا الدرع الذي حمى كثيراً من المسلمين قبلهم وبعدهم. بل لقد كان من لصوق التقية بالخوارج أنهم ـ مع اعتبارهم غيرهم من المسلمين كفاراً ـ جوزوا تزويج المسلمات ـ أي الخارجيات ـ من كفار قومهم ـ أي المسلمين ذوي المذاهب الأخرى في دار التقية([21]). وذلك يعني أنهم ـ وهم غلاة المخلصين لمبادئهم سمحوا بالزنا الذي يعنيه تزوج الكافر بالمسلمة ـ بقدر ما يتعلق الأمر بعقيدتهم لا في سبيل المحافظة على حياتهم وإنما لأن الظرف يقتضي التقية ويقتضي الكتمان. وفوق هذا كان للصدقات عندهم تنظيم خاص في حال التقية وآخر في حال العلانية أيضاً([22]).
وقد لا يكون هذا رأي كل الخوارج ولكنه رأي المشهور من فرقهم على كل حال والتزم به النجدات والإبراهيمية والضحاكية والإباضية والصفرية وغيرهم.
هـ – أما الشيعة فقد وجدناهم بعد قتل علي (عليه السلام) وقد علاهم معاوية فقتل رؤساءهم وأمر عماله ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وأمر بحرمان كل من عرف عنه مولاة علي من العطاء وإسقاطه من الديوان والتنكيل به وهدم داره([23]) وبدأ لعن علي على المنابر فصار التشيع يعني الموت كما حدث سنة 51هـ: 671م لكثير من زعماء الكوفة من أمثال حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الذين أبوا الديانة بالتقية وصرحوا بالمعارضة فكان أن قتلوا، بل لقد دفن أحدهم ـ وهو عبدالرحمان بن حسان ـ حياً([24]) واستمر القتل والقمع وكانت التقية جنة تقي من الموت وسبيلاً إلى الحياة بعد أن صار مبدأ الدولة لا صلاة إلا بلعن أبي تراب([25]) ولم تكن التقية من أهل الكوفة شيعية، وإنما كانت عرفاً إنسانياً أقره الإسلام في القرآن وجعل أولياء علي يمدون من أعمارهم بالبراءة من إمامهم وقائدهم وكان ميدان البطولة مغلقاً في ظل ذلك الطغيان الذي أعقب تنازل الحسن عن الخلافة سنة 41 هـ ـ 661م وخلو الجو للخصوم يفعلون فيه ما يشاؤون.
ويقتضينا الواقع والإنصاف أن نسلم بأن التقية لم تكن إلا درعاً احتمى به الكوفيون ليكسبوا الوقت وينتظروا انكشاف الغمة عنهم، وقد رأيناهم ينهضون ويقاتلون ـ بعد قتل الحسين ـ سنة 61هـ: 680م حين استيقظت ضمائرهم وتعاظمهم ما اقترفوا، وكان منهم التوابون الذين خرجوا لقتال الأمويين لا لشيء إلا للتكفير عن قعودهم عن نصرة الحسين. وكانوا يرددون الآية {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذلِكُمْ}([26]) ولسان حالهم يقول: «أقلنا ربنا تفريطنا فقد تبنا»([27]). وقد أبدوا من ضروب الشجاعة ـ التي كانت التقية حصرتها في أنفسهم ـ ما صار مدعاة لإعجاب أعدائهم بهم، فسمحوا لهم ـ من بعد هزيمتهم ـ أن يرتحلوا ويلحقوا بأمصارهم([28]).
ثم تكررت الأحداث في الكوفة حتى ثار عبدالرحمن بن الأشعث (ت84 هـ: 703م) على الحجاج ولم يكن عبدالرحمن شيعياً ولم يعرف ذلك عنه ولم يكن أبوه وجده إلا من ألد أعداء علي وأبنائه ولكن أنصار عبدالرحمن بعد انهزامه، تسلحوا بالتقية حين انتصر الحجاج عليهم وسامهم ما سام القرشيون عماراً في الإسلام الأول: البراءة من الإسلام والاعتراف بالكفر، وقد كانوا يفعلون ذلك نجاة من الموت كما فعل عمار أما القرشيون فكانوا يحمون عقيدة يؤمنون بها، وأما الحجاج فلم يبغ إلا إذلال الرجال والإزراء بأعدائه وأنه لمزاج غريب حقاً، حمل الناس على الكفر شرطاً لإطلاق سراحهم، وإهدار دمهم مع الإيمان، وتلك ـ على كل حال ـ صورة مما آلت إليه حال العالم الإسلامي في أواخر القرن الأول الهجري: ومن أوضح الأمثلة على رسوخ التقية في نفوس المسلمين عموماً في هذا الوقت أن الشعبي (ت104هـ: 3/ 722م) الذي يمثل في الصحاح مكاناً مرموقاً ـ قد كان يتقي على صورة فيها إزراء بالإنسانية وبالخلق النبيل. وبينما كان الحسن البصري (ت110هـ: 9/728م) لا يعطي في نفسه الدنية في مجلس الحجاج ولا يداجي ولا ينافق وإنما كان يتجه في أوقات الحرج إلى السكوت، وجدنا الشعبي يلومه على صراحته في حضرة الحجاج ويقول:
«أغضبت الأمير وأوغرت صدره» فلما قال له الحسن: «إليك عني يا عامر، يقول الناس: يا عامر الشعبي عالم أهل الكوفة، أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تهواه بهواه وتقاربه في رأيه، ويحك يا عامر، هل اتقيت إن سئلت بصدقك أو سكت فسلمت به». فكان جواب الشعبي عجباً «يا أبا سعيد، قد قلتها وأنا أعلم ما فيها» ولقد كان الحسن محقاً حين أغلظ له بقوله: «فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة»([29]) وروى الغزالي أيضاً خبراً آخر جمع الشعبي والحسن البصري أيضاً في مجلس عمر بن هبيرة، فصدر من الحسن ما صدر منه في مجلس الحجاج السابق فلامه الشعبي وهو يقول له: «يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته»([30]) بل لقد اعتبر فريق من العرب الحسن البصري صاحب تقية لتحبيذه للسلامة وردوا سبب ذلك إلى أصله غير العربي([31]) ولم يكن الشعبي ولا الحسن البصري شيعيين بل لعلهما كانا من أعدائهم. وهذه تقية واضحة في وقت تقبل الشيعة فيه الموت دون البراءة من علي أو الاعتراف بالكفر وقتل كميل بن زياد النخعي 82: 701 وقنبر وغيرهما من الشيعة من الشواهد على ذلك.
وجرت بعد ذلك أمور وأحداث بلورت اتجاهات الناس وقامت الدولة العباسية وظل الشيعة معارضين ورجحت كفة العباسيين واستطاعوا أن يكسبوا معظم العالم الإسلامي، فأحس الشيعة من جديد بالضغط يزيد وبالقتل يستمر وبالدولة الجديدة تقوى ويشتد ساعدها، فكان العود إلى التقية أمراً تتطلبه الظروف. وكان ذلك أيام بدأت الحركة العلمية تستغرق العالم الإسلامي في منتصف القرن الثاني الهجري، وجعلت الطوائف والفرق والنحل تتبين وتستقل وتكون لها مبادئها وتسندها بالحجج العقلية والمنطقية. وهكذا وجد الشيعة أنفسهم مضطرين لا إلى التقية فقط، بل إلى تأسيسها على أساس من المنطق والكلام، فبدأت الأحاديث تروى والأخبار تترى فرووا، عن الصادق ـ جعفر بن محمد المتوفى سنة 148: 765 أقوالاً في التقية وتحبيذها، ورووا عن الباقر ـ محمد بن علي بن الحسين المتوفى 119: 737 ـ أنه قال: «جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية»([32]) وإنه قال: «التقية ديني ودين أبائي»([33]) وسواء أصح هذا الخبر أم لا فإنه يعكس حال الشيعة عكساً صحيحاً ويبين الظروف التي أحاطت بهم، وهو إلى ذلك صحيح من حيث أن التقية دين القرآن فهي دين النبي جد الباقر.
و ـ وكان فريق آخر من الشيعة يباشر المعارضة الإيجابية بالسيف والثورة وهم الزيديون، فنهض زيد بن علي بن الحسين في الكوفة سنة 121: 739 وتلت حركته ثورات أخرى حتى قام محمد بن عبداللَّه بن الحسن في المدينة سنة 145: 3/762 ونصره أصحاب الحديث والفقهاء والزهاد وكان سفيان الثوري المتوفى سنة 161: 777 يقول: «إن يرد اللَّه خيراً بهذه الأمة يجمع أمرها على هذا الرجل»([34]) وثار إبراهيم بن عبدالله أخو محمد في البصرة وكان أبو حنيفة المتوفى سنة 150 : 767 يعضده ويحث الناس على الخروج معه ويقول: «إن القتيل مع إبراهيم يعدل قتله لو قتل يوم بدر، وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة([35]). ومهما يكن من أمر فإن المهم ـ فيما يتعلق بموضوعنا ـ أن الإمام مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر (المنصور) (ت158: 775) فقال: «إنما بايعتم مكرهين وليس على كل مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته»([36]) وقد أشار ابن خلدون (ت808: 6/1405) إلى ذلك وذكر فتوى الإمام مالك بجواز نقض بيعة الإكراه([37]) وواضح أن الإمام مالكاً كان يرى أن الناس قد أجابوا المنصور وبايعوه لخوفهم من القتل فكانت بيعتهم على غير أساس من عقيدة قلبية وهكذا نعود من جديد إلى التقية التي خرج بها مالك بيعة الناس على الصورة التي ارتد بها عمار عن الإسلام في محنته في مكة وهو بذلك قد أقر التقية وأغرى الناس ببيعة محمد بن عبدالله بن الحسن. ولعل في هذا الحادث ما يجلو ارتباط التقية لا بالإسلام الأول فقط بل بأصحاب الحديث من أهل السنّة في أيام الإمام مالك المعاصر لكثير من الحوادث التي دعت الشيعة إلى التعلق بالتقية ومما يدخل هذا المدخل أن القرطبي (ت661 ـ 3/1272) قد ذكر في تفسيره أن الشافعي والكوفيين على هذا الرأي من إيثار التقية في حال الخوف من القتل، وذكر كذلك إنه قد «أجمع أهل العلم»، على ذلك([38]) ولا بد أن نلاحظ أن ذكر موافقة «الكوفيين» على التقية ومعهم الشافعي (ت304 ـ 819 ـ 820) إنما جاءت من أن هذا البلد قد كان مسرحاً لكثير من المظالم وعديد من الثورات على الظلم وأهله.
وقبل أن نتطرق إلى حادث آخر يؤيد رسوخ التقية في العالم السني، يحسن با الالتفات إلى أن التقية ـ حتى الآن ـ لم تكن قد لصقت بالشيعة هذا اللصوق الذي وثقته الحوادث فيما بعد حتى بدا للناس أنها عرف خاص بهم. ومن هنا فاجأتنا الأحداث بمثال بديع للتواصل بين الظروف والتقية. وذلك أن المأمون (ت218 ـ 823) لما أسقطه أخوه من ولاية العهد واستطاع الانتصار واستعادة حكمه ـ التزم أفكار منافسي خصومه في العقيدة وطراز التفكير وقرب الشيعة والمعتزلة ونادى بخلق القرآن وتفضيل علي بن أبي طالب([39]) وقد كانت محنة خلق القرآن محكّاً مبيناً للزعم القائل بأن التقية من عقائد الشيعة وحدهم. ولقد أورد الطبري (ت310: 3/922) وابن الأثير (ت630: 1233) في حوادث سنة 218: 833 في المحنة قولهما: «وأجاب القوم كلهم حين أعاد عليهم القول: إن القرآن مخلوق إلا أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل (ت: 241-855 ) وسجادة والقواريري ومحمد بن نوح المصروب، فأمر بهم أسحق بن إبراهيم «ممتحنهم بالنيابة عن المأمون» فشدوا في الحديد، فأعاد عليهم المحنة، فأجاب سجادة إلى أن القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلى سبيله، فأصر الآخرون على قولهم فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول.
فأجاب القواريري إن القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدا جميعاً في الحديد ووجها إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً باشخاصهما وكتب كتاباً بتأويل القوم فيما أجابوا إليه.
وذكر سليمان بن يعقوب ـ صاحب الخبر ـ أن بشر بن الوليد «القاضي المتوفى سنة 238: ـ تأول الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر «من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» وهكذا نعود من جديد إلى عمار بن ياسر والآية التي نزلت فيه ونتبين الإنسانية التي تكمن في تلك الحادثة والحدود التي حددها الإسلام في القرآن للمدى الذي يستطيع الإنسان فيه ـ إذا أكره ـ أن يحفظ به دمه «وقلبه مطمئن بالإيمان».
ويذكر القرآن أصحاب الأخدود ممن عذبوا اليهود اليمانيين «بالنار ذات الوقود»([40]) وهذا هو الذي أراد الإسلام أن يتفاداه في أوائله وأعطى المسلمين الأوائل من الأرقاء والعبيد والمستضعفين والفقراء الخيرة على قدر طاقتهم مع اطمئنان قلوبهم بالإيمان لتجنيبهم ما لا طاقة لهم به. وقد جاء الإسلام لإنقاذهم مما هم فيه لا لتعريضهم لما هو أشد منه وتركهم طعمة للسيف والنار والسوط. ولم يكن ثبات ابن حنبل ليمنع أصحابه ـ والآية تتردد بين جوانبهم ـ أن يستجيبوا للمأمون والمعتصم والواثق «حكموا من 198 ـ 232» في المحنة ولقد صدروا عن إنسانيتهم وصدر ابن حنبل عن إنسانيته أيضاً. وكل صدر عن طاقته وكل أرانا التقية على حقيقتها والإسلام الذي أقرها وبين كلا الفريقين لنا تأملها في الدين لا في التشيع وحده([41]).
وإذا تبين ذلك فإننا نستطيع أن نضع شيعياً ـ لا شك في شيعيته ـ كريم النفس ابيا بإزاء هؤلاء الحنابلة وغيرهم من فقهاء أهل السنّة الخائفين المضطرين إلى الديانة بالتقية ليتضح الأساس الذي قامت عليه هذه العقيدة المتصلة بالظروف الاجتماعية وبقوة الاحتمال الشخصي فقد كان الشريف الرضي المتوفى سنة 406 رجلاً أبياً كريماً حر الرأي لم تستطع الأحداث التي مرت في أيامه أن تنال من شدة ذهنه وعزة نفسه فضمن كتابه «حقائق التأويل في متشابه التنزيل» كلاماً يدور حول التقية الأولى يعكس لنا هذه الحقيقة التي تنبع من تواصل التقية مع الظروف. لقد بحث الشريف التقية على أنها شأن يكون بين المؤمنين والمشركين لا بين المسلم والمسلم فلم يتطرق إلى تقية المسلم مطلقاً، ثم إنه قد صرح في جلاء ـ كما فعل ابن حنبل ـ أن حبيب بن عدي حين قتل كان أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية وذكر أن «إعطاء التقية رخصة وأن الأفضل ترك إظهارها([42]) وذكر أن «إقامة المرء عليه الإسلام» حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه حتى يسلم([43])ولم يفت الشريف أن يلحظ أن التقية لا تكون بالممالأة بالعمل وإنما تكون «قولاً باللسان»([44]) ونقل عبارة أبي العالية أن «التقية باللسان لا بالعمل»([45]) وكان الشريف في ذلك كله صدر عن أفقه الواسع ونفسه المطمئنة ولم يكن ذهنه متجهاً إلى الظروف الصعبة التي تمر بالشيعة كما مرت بالحنابلة قبل ذلك، فلم يشأ أن يحاول الوصل بين ما في القرآن وما تأتي به الظروف ولعل هذا الذي ورد في حقائق التأويل يبين صحة مدح الشريف للخليفة الفاطمي وتهافت مشاركته في الطعن في نسبه تحت ضغط العباسيين كما شهد له بذلك أبو الفداء (ت732/1331 وصح له قوله:
ما مقامي على الهوان وعندي
مقول صارم وأنف حمي
ألبس الذل في بلادي الأعادي
وبمصر الخليفة العلوي([46])
ويبين أيضاً أنه كان بمعزل عن شؤون الشيعة وإن نقابته للطالبيين كانت تتصل بأرحامه وذوي قرباه دون سواد الشيعة وأمتهم في العراق وأن ذلك كان موكولاً بالشيخ المفيد (ت412/2-1021) وبالطوسي (460 / 8-1067) من بعده وغيرهما ممن كان الشيعة يتلقون منهم النصح والإرشاد ويأخذون عنهم أمور دينهم ودنياهم.
ز ـ وقد آن لنا أن نتوقف الآن لنقرر أن التقية قد كانت تعني إنقاذ المسلمين من شرك الكفار. فصارت الآن سلاحاً يتستر به المسلم من أخيه المسلم وسلاحاً يتسلح به الضعيف أمام القوي وذلك أمر يعكس ما آل إليه حال العالم الإسلامي من الفرقة والانقسام والتشتت بحيث غدا الدين الذي جاء للم الشعث في العالم كله ومحو الفوارق الطبقية والعرقية والدينية ـ مفرقاً للناس فرقاً وطوائف ومذاهب ونحلاً يتربص كل فريق منهم بالآخر ويتحين الفرص للإيقاع به. لقد كان أصل كل ذلك أن قوماً أرادوا لأنفسهم الملك والسلطة وكان الطريق أمامهم شاقاً، فأنبتوا في المجتمع الإسلامي نباتاً يورث الشقاق والعداوة بين المظلومين أنفسهم من قبائل الإسلام وبلدانه وشعوبه، فانشغل المظلوم والفقير بقتال الفقير، والمحروم بلعن المحروم ونهبه وسلبه، واستراح أصحاب الدسيسة إلى سلامتهم واطمأنوا على جاههم ومجدهم وسلطانهم وكان الأساس الاستعلاء الشخصي والطمع الفردي والتسلط الأرستقراطي. هكذا استغل مروان بن الحكم (56 ـ 685) وأرحامه عثمان وأشاعوا الكراهية في الأمة الإسلامية حتى ضحوا بعثمان نفسه، ثم تناول معاوية هذا الخيط بيده فاستغل ضحية آل عبد شمس وجعل قتله ستاراً لملكيته، فشطر العالم الإسلامي شطرين: شطراً عثمانياً يمثله هو وأنصاره من طلاب الدنيا في الشام وغيرها وشطراً علوياً يلتف حوله المظلومون والمحرومون والمساكين وأصحاب العقيدة والمثل العليا.
حـ – لقد كان العداء الذي تمكن في قلوب الرعية مدعاة إلى احتجاب الشيعة وراء حجاب التقية، فسمعنا ابن بابويه القمي (ت381 ـ 991) يقول في صراحة وجلاء: اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة([47]).
وقال الشيخ المفيد (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكالمة المخالفين وترك مخالفتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا)([48]). وهذا الذي يقوله فقيها الشيعة الكبيران يبين لنا الصعوبات التي كان يعانيها الشيعة حتى في أيام حكم البويهيين.
طـ ودخل عامل السياسة الميدان فزاد الأمر تعقيداً، وكان وجود دولة شيعية رسمية في مصر تنافس الدولة العباسية باعثاً على إسراف الشيعة في العراق وغيره من توابع العباسيين في اتخاذ التقية. وكان الأمر بالنسبة للإسماعيليين أشد وأنكل. فمن المعروف أن التقية لازمة من لوازمهم ـ وكان هذا يعني أن للإسماعيلي المصري أو المغربي أو غيرهما ـ شرعاً أن ينكر إسماعيليته ليدفع عن نفسه خطر الموت فرأينا لهذه العقيدة علاجاً (إسلامياً) عباسياً زينه الفقهاء والسائرون في ركاب الدولة بالمنطق البراق حتى وجدنا رجلاً محترماً كالغزالي (ت505 ـ 1111) يكتب في الرد على الباطنية بناء على الأوامر «الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم([49])على اعتبار «إن الحاجة إلى الكتاب عامة في حق الخاص والعام شاملة جميع الطبقات([50]). وكان الغزالي يعتزم دحض عقيدة الباطنية بالمنطق والعقل بدحض مبدئهم في «إبطال الرأي وإثبات التعليم([51])ولكنه لم يكتف بالجدل العلمي إنما انزلق إلى مهاوي السياسة فقرر أن «قبول التقية من المرتد لا بد منه… وأما توبة الباطنية وكل زنديق يستتر بالكفر ويرى التقية ديناً. ففي هذا خلاف بين العلماء([52]). ثم ذكر رأي السائرين في ركاب الدولة وإنه قد «ذهب ذاهبون إلى أنه لا تقبل توبته، وزعموا أن هذا الباب ـ لو فتح ـ لم يمكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم، فإن من سر عقيدتهم التدين بالتقية»([53]) هذا بالنسبة للمسالمين من الشيعة الإسماعيليين في زمن السلم، أما في الحرب فإن من قبض عليه منهم فإن حكمه القتل وكذلك النساء. «فإنا نقتلهن مهما صرحن بالاعتقاد الذي هو كفر على مقتضى ما قررناه([54])وأما الصبيان فمهما بلغ صبيانهم «من العمر» عرضنا الإسلام عليهم فإن قبلوا قبل إسلامهم وردت السيوف عن رقابهم إلى قربها وأن أصروا على كفرهم مقلدين فيه آباءهم مددنا سيوف الحق إلى رقابهم وسلكنا بهم مسلك المرتدين. وهكذا بلغت الحال بحماة الدين ولم ينس الغزالي، بعد أن سلح الدولة بكل هذه الحجج والبراهين، أن يذكر أن هذا الأمر ليس نهائياً ـ أيام السلم ـ وأن «الأمر منوط برأي الإمام»([55]) لئلا يسد الطريق عليه إذا بدا له أن يسالم أو يهادن أو يساوم.
ي ـ وقد أشرنا في مطلع هذا البحث إلى أن الزيدية قد أنكروا التقية ولم يعملوا بها واتهموا غيرهم من الشيعة بالخور والضعف لتسترهم بها، ولكنهم مع مرور الزمن واستقرارهم في اليمن وشعورهم بالأمان وفتور حماسهم الحربي، الذي لازم دعوتهم، جعلوا «يحرمون صلاة الجمعة في بلد السلطان ليس على شرطهم([56]) وذلك يدخل في الحذر والمحافظة على النفس وهو لب التقية كما مر بنا
1- ويحسن بنا أن نعرض للعالم الإسلامي في القرون المتأخرة ليتم لنا وصل آخر هذا البحث بأوله فلقد صار المجتمع الإسلامي ـ بعد اكتساح التتار له ـ مجتمعاً تتوزعه الدويلات والجهل والعصبيات، وصار ضيقُ الأفق الطابع العام له وصارت العزلة التي عاناها سبباً في شدة العصبية المذهبية، ودخل في الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي عامل جديد هو تنفس التشيع وتحرره من الضغط الذي كان يعانيه من الحكومات المضادة له، وبدأ التوازن بين الكفتين يظهر. وكان نتيجة ذلك أن رأينا المجتمع السني ـ الذي كان ينعى على الشيعة تمسكهم بالتقية ـ يلتزم بها. وذلك أمر طبيعي يدخل في جبلة الدفاع عن النفس المركبة في كل إنسان ولكن غير الشيعة لم يحتاجوا إليه لأنهم كانوا في منجاة منهم بالسلبية التي أبدوها لمظالم الحكومات المتوالية التي انصب ضغطها وظلمها على معارضيها من الشيعة، وهكذا بدأت سلسلة من الصور التي تبعث الأسى في مجتمع جاء الإسلام لصهره في بوتقته وإنقاذه من الفرقة والظلم والقلق الروحي، فرأينا الملك محمد خدابنده المتوفى سنة 716 ـ 1316 ـ 7 يميل إلى التشيع ويشجعه ويتخذه له مذهباً ويمل عليه الناس([57]). فكان أن تظاهر كثير من غير الشيعة بهذا المذهب حفاظاً على أرواحهم وأموالهم فخفي أمر كثير من الباحثين والمفكرين على المؤرخين حتى تنازع بعضهم مؤرخي الطرفين فأضافهم كل فريق إلى مشربه ومنهم قطب الدين الشيرازي (ت710 ـ 1310) المعاصر لخدابنداه المذكور الذي أضافه القاضي نور الله إلى التشيع([58]) وغيره إلى أهل السنّة. وقد شك الخوانساري في هذه النسبة إلى التشيع وعلله بأنه «قد كان ذلك في مبدأ أمر الرجل وزمان كونه في ديار العجم وانعكاس أمر التقية هناك وغاية ارتفاع أمر الشيعة باعتبار تشيع سلطانهم الشاه محمد خدابنده وأخذه بأنفاس جماعة العامة([59]). وظهر في أواخر القرن السابع وأوائل الثامن ابن تيمية صورة جديدة من إصرار ابن حنبل على عقيدته السلفية وعانى ما عانى في سبيل إقامة عقيدته على أساس من الثبات، ابن تيمية هذا أضيفت إليه التقية، فقد ذكر ابن أبي الفضائل في كتابه «النهج السديد فيما بعد تاريخ ابن العميد» (جرجيس) «في حوادث سنة 699 ـ 1288 ـ 300 إنه لما فتح التتار الشام وأسروا جماعة وكانت الأحوال مضطربة في دمشق فذكر أن ابن تيمية وبدر الدين ان جماعة ذهبوا إلى مقدم التتار في قلعة دمشق لتحقيق الصلح فلم يظفر بشيء وأن ابن تيمية أعاد الكرة فتوجه إلى مخيم التتار بسبب المأسورين الذين أرجفوا بقدوم المصريين لطرد التتار فاعتقلهم هؤلاء، قال المفضل: «وتحدث مولاي مع الشيخ في أمر (يزيد) بن معاوية وسأله: هل تجوز لعنته أم لا ـ فعلم الشيخ (ابن تيمية) أن فيه موالاة فكلمه بما لاق خاطره من الكلام بغير شيء يكره([60]). وتلك تقية خفيفة يغلب عليها المجاملة. ولكن ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية أظهر تقية لا شك فيها حين اشتد الخلاف بينه وبين المالكية فقبضوا عليه في سنة 727 ـ 1326 وأخذوه إلى حبسهم توطئة لمحاكمته وأحضروه في يوم الأربعاء إلى قاضي القضاة شرف الدين المالكي وادعى عليه فأجاب: أن القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وتوبتي وإسلامي، فأعيد إلى الحبس حتى يسأل الحنبلي كيف كان الحكم وسيره القاضي الحنبلي وغيره إلى قاضي القضاة يسعون في المذكور ألّا يكون الحكم إلا عنده ولا يكون عند المالكي (لأنه لا يقبل توبة المرتد ويحكم بإعدامه). فأحضروه في سابع عشرين الشهر وعزره بالعادلية بالدرة وركب حماراً وطيف به البلد وراحوا به إلى الصالحية وآخر النهار ردوه إلى الحبس وأعلموا نائب السلطنة بما فعلوه… وحبسه (النائب) بالقلعة مقيداً وسكنت الفتنة([61]) لقد نقلنا النص كله لأهميته في هذا المقام ولبيان ظروف هذه التقية التي أملاها خطر الموقف ومن هنا اعترف ابن قيم الجوزية بأنه ارتد عن الإسلام وأعلن توبته وجدد إسلامه. وهذا الخبر كله رواه أحد أنصار ابن قيم الجوزية وكبر على ابن كثير أن يرويه إلا مختصراً جداً لشدة أثره في نفسه وكان من أنصار ابن تيمية المخلصين([62]).
وفي سنة 788 ـ 7/1386 فتح تيمورلنك حلب وكان قد اتخذ التشيع غير المتعين([63]) (الذي لا يخرج عن موالاة علي) مذهباً له فجمع فقهاءها ـ على عادته كلما فتح بلداً ـ ليمتحنهم ويرى رأيهم في علي ومعاوية ويزيد وفي مسائل أخرى كان تيمور يكررها في كل مكان يفتحه([64]) وكان السؤال الأخير: ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد «وهنا قال القاضي شرف الدين وكان إلى جانب الحافظ الخوارزمي ـ راوي هذا الخبر ـ «اعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي»([65]) وهذا إرهاص بالتقية وأمر بها كما لا يخفي. والمهم أن الحافظ الخوارزمي قد تخلص من الحرج بقوله: «كان الحق مع علي في نوبته»([66]) فسر تيمور وكان تخلصه كتخلص محمد بن الحسن الطوسي الفقيه الشيعي المتوفى سنة 460هـ 1067م بمناورة أخرى([67]) يحسن الفقهاء في كثير من الأحيان حبكها متى دعت الضرورة إليها.
ومما زاد في البلية أن عاملاً مساعداً على الغلو في التعصب قد نبت من قيام دولتين إسلاميتين قويتين تدين إحداهما بالتشيع والأخرى بمذهب أهل السنّة ونعني بهما الدولة الصفوية في إيران وما بعدها من دول شيعية، والإمبراطورية العثمانية في بلاد الروم. فاضطهد العثمانيون الشيعة وأسرفوا في قتلهم وفعلوا بهم الأفاعيل، ومن ذلك ما أصاب أربعين ألفاً من الشيعة الترك ممن قتل أو سجن مدى الحياة على يد سليم الأول سنة 918 ـ 1512 ـ أصاب ذلك حتى الصبي الذي في السابعة ولم ينج منه الشيخ الذي بلغ السبعين([68]).
ومن ذلك ما فعله مراد الرابع سنة 1047/8-1637، وكان من تمام ما أتاه إحراقه جميع كتب الشيعة([69]) وهكذا اضطر الشيعة إلى النجاة بالتقية وأسرفوا فيها اضطراراً حتى لقد جعل بعضهم يشك في شيعية البعض الآخر في مواطن التشيع. ومن الطريف أن بعض الشيعة قد شكوا في شيعية بهاء الدين العاملي المتوفى سنة 1032/3-1622 لأن الشيخ عمر ـ وكان من علماء أهل البصرة من أهل السنّة ـ قال: (إن بهاء الدين محمداً من أهل السنّة إلا أنه كان يتقي من سلطان الرافضة…) ([70]) فأوضح لنا ذلك أن اتباع كلتا الطائفتين كانوا يلتزمون التقية في هذه الظروف التي يهدر فيها دم الرجل لأمر لا يدخل في التدين ولا في الإيمان بالمبادىء وإنما يضحى به على مذبح الطمع والتسلط الظالم. ويضاف إلى ذلك أن بهاء الدين العاملي ألف في سياحته الطويلة في سوريا ومصر رسالة في وحدة الوجود ظهر فيها بمظهر شافعي كامل([71]) ومما يذكر أيضاً أن الشيعة قد قدموا ثلاثة من أبرز علمائهم المتأخرين قرابين على مذبح التعصب المذهبي، فقتل الشيخ محمد بن مكي العاملي في دمشق سنة 786/1384([72]) وقتل الشيخ زين الدين بن علي في بلاد الترك سنة 952/1544، وقتل القاضي نور الله التستري في الهند سنة 1019/11-1610 ([73]) وكذلك كان يفعل العثمانيون بالشيعة من سكان دولتهم([74]). وكان الضغط شديداً على الشيعة في كل مكان تسوده دولة سنية حتى كانوا يعيرون باتخاذهم التقية ـ مما رأينا انسحابه على غيرهم أيضاً. ومهما يكن من أمر فإن الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء قد قال في ذلك: «واللوم والتعيير بالتقية إن كانت تستحق اللوم والتعيير ـ ليس على الشيعة فحسب بل على من سلبهم موهبة الحرية والجأهم إلى العمل بالتقية»([75]).
2 ـ بقي أمر مهم يكمل هذه الصورة التي تعكس التقية في سفرها الطويل، ذلك أنه لما قام محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1201/1786 بدعوته الوهابية اندفع فقهاء الإسلام إليه بين معارض وموافق وكتبت في مدح مذهبه الموازي لمذهب ابن تيمية ومدحه عديد من الكتب، ودخلت الحركة أمور وتطورات ليس هذا موضعها. وقد أرسل محمد بن عبدالوهاب رسائل إلى الأمراء والوزراء يدعوهم إلى مذهبه، وكان من الكتب كتاب أرسل إلى بغداد سنة 1155ـ 3-1742 حيث كان سليمان باشا (المتوفى سنة 1179/1765 ـ) وزيراً، فرد عليه عبدالله أفندي الراوي برسالة حاول فيها أن يدحض ما أورده محمد بن عبدالوهاب في رسالة التوحيد ومخطوطها المحفوظ في مكتبة جامعة كمبردج هو في الواقع كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق) وإن كان عنوان المخطوط فيها يقول: «رد الوهابي» دون إشارة إلى المؤلف وفي مكتبة الأوقاف العراقية نسخة من هذا المخطوط. وبعد هذا الاستطراد نذكر أن هذا الكتاب الوهابي قد ذكر عبارة تحتمل دلالة كبيرة قال: «بل لقد حرر وأمر (محمد بن عبدالوهاب) عند شيوخ أفاضل أكابر منهم الشاميون: الشيخ علي أكندي الداغسطاني الذي قد ذكرنا اسمه وابن عمه الشيخ عبدالكريم الداغسطاني والشيخ البرهاني والشيخ عثمان الديار بكري نزيل نابلس أرسل إليه نسخة. فأمرها وأقرها وحرروه وأجازوه، ولكن عذرهم عدم المساعدة لهم في قيام تضمنه من إقامة الدين وإخلاصه لرب العالمين، وإلا هو الذي يدينون به في أنفسهم وأهليهم وأصحابهم من عشائرهم لأن ذلك يعتاز إلى سيف قائم وإمام عادل، وذلك متعذر إلا بتوفيق وإيجاد الله»([76]) فبينت لنا عبارتهم «يقدرون على نهي اناس عما اعتقدوه وعملوا به وقالوه» إن التقية هي مبدأ إسلامي يتصل بالإنسان قبل الإسلام وإن الصدور عنها صدور عن طبيعة البشر وإن كان الرجل حنبلياً أو وهابياً. والذي يلفت النظر أن صاحب الرد لم يعقب على هذا الذي أورده عن هؤلاء الفقهاء بل هو الذي صاغ هذه العبارة ترجمة عن مشاعرهم وضمائرهم فهي موافقة ضمنية على ما أصدروه. وهكذا ترتبط النهايات بالبدايات وتنعكس الأوائل على الأواخر وتبدو لنا التقية في معزل عن الخصومة بين الشيعة وأهل السنّة فتلقي عنها ما أثقلتها بها القرون.
3 ـ ولعل من غير الممل أن نضيف إلى هذا كله أن التقية ـ في فهمها الواسع ـ قد أنتجت أدباً يتسم بالتستر بالرمز والإشارة في مختلف الأقطار والأزمان، ولعلها من أهم ما بنى الأدب الرمزي بناءه وغذاه بالمواهب والفرص ولنا في كليلة ودمنة ورسائل إخوان الصفا وكتب أكثر الصوفية وكتب النحل من أمثال الحروفية وغيرهم أمثلة تضرب. ونستطيع أن نضيف إلى هذه الآثار كتباً من الغرب من أمثال يوتوبيا لتوماس مور، وقد تسبب ذلك الكتاب في إعدامه «ورسائل فارسية» لمونتسكيو الكتاب الذي نقد فيه هذا الفيلسوف المجتمع الفرنسي على لسان ريكا وأزيك ورضى، ثم أساطير لافونتين التي تشبه كليلة ودمنة وخرافات أيسوب، تلك الكتب التي تعكس هذه التقية الإنسانية التي لاحت في سماء الإسلام يوماً فرعى برعايتها الإنسانية ومزج الروح الديني بالشعور الإنساني والضعف البشري فجعل الدين منظماً لحياة الناس قلباً وقالباً.
أما بعد فهذه هي التقية في بدئها وتطورها عقيدة إسلامية إنسانية طبقتها المذاهب الإسلامية على اختلافها حين سامتها الحوادث تطبيقها، ولم تكن عقيدة شيعية ولعل اضطرار الشيعة إلى اتخاذها درعاً يحميهم ـ في الماضي الذي انزاح كابوسه ـ يدعو إلى التأمل والاعتبار.
الدكتور كامل الشيبي
وإليك بعض ما جاء في رسالة وجهها أحد فقهاء المغرب إلى من بقي من المسلمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة وانتهاء الحكم الإسلامي في إسبانيا كلها، وهذه الرسالة فتوى باستعمال التقية وأمر بأن يتخذوها عقيدة ما داموا على ما هم فيه من الخوف، قال صاحب الرسالة بعد المقدمة:
بعد السلام عليكم من كاتبه إليكم من عبيدالله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده عبيدالله تعالى أحمد بن بوجمعة المغراوي ثم الوهراني.
إلى أن يقول:
مؤكداً عليكم في ملازمة دين الإسلام آمرين به من بلغ من أولادكم، إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم.
ويستطرد قائلاً:
وإن أكرهوكم في وقت صلاة على السجود للأصنام وحضور صلاتهم فأحرموا بالنية وانووا صلاتكم المشروعة وأشيروا لما يشيرون من صنم ومقصودكم الله، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام، وإن أجبروكم على شرب خمر فاشربوه لا بنية استعماله، وإن كلفوا عليكم خنزيراً فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرم وإن أكرهوكم على نكاح بناتكم منهم فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه ناكرين لذلك بقلوبكم.
ثم يقول:
وإن أكرهوكم على كلمة الكفر فإن أمكنكم التورية والألغاز فافعلوا ولتكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك([77]).
وما تعرض له الشيعة من جو الجائرين وحكم الظالمين كان أعظم مما تعرض له هؤلاء الخائفون، وشراً منه، فألجأهم ذلك إلى التقية التي أفتى بها هذا الفقيه السني.
وإليك مثالاً عما كان يجري على الشيعة:
قال صاحب إعلام الورى وهو يسرد حوادث شهر شعبان سنة 941 في دمشق.
وفي تاسع شعبان منها حرق القاضي شمس الدين محمد بن سيف الدمشقي الحنفي نائب ابن الشحنة بمصر: ابن يونس بدمشق، وحسين البعلبكي البقسماطي تحت القلعة بعد أن ربط رقبتيهما ويديهما ورجليهما في خوازيق، ثم ألقى عليهما القنب والبواري والحطب إلى أن صارا كوم رماد، لأنه ثبت عليهما عند القاضي أنهما رافضيان.
وإليك مثالاً آخر جرى قبل هذا الحادث بمئات السنين. وما جرى من ذلك بين الحادثتين وبعدهما أكثر من أن يحصيه عد:
دعا زياد ابن أبيه صيفي بن فسيل: فلما صار عنده قال له زياد: يا عدو الله ما تقول في أبي تراب؟ قال صيفي: ما أعرف أبا تراب، قال زياد ما أعرفك به، قال: ما أعرفه قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذلك أبو تراب. فقال: كلا ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير: هو أبو تراب. وتقول أنت: لا قال: وإن كذب الأمير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد قال زياد: وهذا أيضاً من ذنبك، علي بالعصا. فأتى بها – فقال: ما قولك في عليّ؟ قال: أحسن قول أنا قائله. قال زياد: اضربوا عاتقه بالعصى حتى يلصق بالأرض. فضرب حتى لزم الأرض قال: اقلعوا عنه، ايه ما قولك في علي قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني. قال: زياد: لتلعننه أو لأقتلنك، قال: إذن تقتلني قبل ذلك. قال زياد: ادفعوا في رقبته ثم قال: أوقروه حديداً وألقوه في السجن.
ثم أرسله بعد ذلك مع حجر بن عدي إلى معاوية فقتله مع من قتل.
تلاتر
قرية تقع في مقاطعة رودبار شهرستان وكانت سابقاً من توابع رودبار ألموت وتبعد عن قزوين سبعين كيلومتراً وعن (معلم كلاية) 82 كيلومتراً وعن الديلم 100 كيلومتر وتقع تلاتر على الخط الجغرافي 75 درجة و36 دقيقة طولاً و35 درجة و20 دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 2180 متراً. حسب إحصائية عام 1987م بلغ عدد نفوسها 400 نسمة ويحدها شمالاً الشكور وتنكابن وشرقاً قرية روح آباد ونهر خارود وجنوباً نهر شاهرود وغرباً قرية اكوجان وكانت من أملاك حفيد السيد المير قوام الدين بن السيد كمال الدين صادق المشهور بالمير بزرك الذي هاجر إلى قزوين في أواخر القرن الثامن للهجرة من مازندران ثم استقر في تلاتر ويعرف قديماً وحديثاً بسادات قوامى وأكثر أهالي هذه القرية هم من السادات الحسنيين وكلهم معروفون بآل القوامي وهي آخر قرية من حدود الشمال الغربي من دولة الإسماعيليين النزاريين من أهم محصولات تلاتر الجوز والكرز والبندق، ويبلغ محصول البندق في السنة بين 60 إلى 80 طن.
ومصدر مياه هذه القرية عيون هائلة تتساقط مياهها على شكل شلال من جبال شاهقة في شمال القرية.
ويقع على جبل جنوب القرية مزار إمامزاده أفضل، وله حرم مربع وفي وسط الحرم قبر عليه صندوق وله قبة وهذه العمارة من آثار العصر الصفوي وتحيط بالمزار أشجار كثيفة ويزوره سكان القرى المجاورة جماعات وأفراداً([78]). نبغ من تلاتر علماء أعلام منهم السيد مير حسين بن السيد مطهر الحسيني التلاتري القزويني المولود في 215هـ والمتوفى سنة 290/هـ من أئمة الفتوى والدين وله مؤلفات في الفقه والتفسير، ومنهم السيد أبو القاسم بن السيد حسين التلاتري القزويني المولد في 1244هـ والمتوفى سنة 1310/ هـ من أعلام العلماء ومنهم السيد عبدالصمد بن السيد حسين التلاتري المتوفى حدود سنة 1315؟/هـ وهو حكيم فيلسوف من أكابر علماء طهران في عصر الشاه ناصر الدين القاجاري ومنهم السيد هبة الله التلاتري القزويني المتوفى سنة 1364/هـ من أئمة الفتوى والتقليد ومنهم السيد أبو القاسم بن السيد هبة الله المتوفى في رمضان سنة 1408/هـ من أكابر خطباء المنبر الحسيني في قزوين ومنهم السيد ناصر القوامي الذي أنجز في تلاتر مشاريع خيرية منها بناء مستشفى ضخم يرتاده المرضى من جميع القرى المجاورة وحمام ومسجد كبير.
عبد الحسين الصالحي
تلمسان
العابر بتلمسان الجزائرية لأول مرة.. قد يظن أنها بلدة شامية هاجرت بناسها وبساتينها وينابيعها وأغانيها… بزهرها.. ونضرة الوجوه فيها.. هاجرت من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.
والواقف فوق أعلى قمة من هضبة «لالا.. ستي» الصخرية البيضاء.. التي تحتضن تلمسان من جنوبها بانحناءة هلال ابن يومين ـ الواقف هناك ـ إذا مدَّ بصره في صباح صيف إلى ما وراء مضيق البحر المتوسط، يظن أن تلمسان مدينة أندلسية كبيرة هربت بأسطحتها القرميدية وقصورها وموشحاتها من عدوة البحر في الشمال.. إلى التلال العالية في الجنوب بعد أن تساقط نصف متاعها وأبنائها أثناء الرحلة الخائفة.
ومن مكانها في الجنوب، كانت تلمسان تستطيع من فوق التلال أن تتطلع كل صباح إلى الأندلس أو تتذكر على الأقل.
والمؤرخون القدامى والمحدثون الذين كتبوا عن تاريخ تلمسان.. كانوا يؤكدون بشهادة قاطعة أن المدن العربية في الأندلس حين خرج منها العرب اتجه أهل كل مدينة من مدنها الكبيرة إلى ناحية عبر البحر… فأهل قرطبة يمموا شطر «تلمسان».. بينما حل أهل غرناطة بمدينة «فاس» بالمغرب العربي.. ولعل ولع الأهلين بالموشحات الأندلسية.. وحفاظهم عليها حتى الآن في هذه المدن الثلاث هو خير دليل على صحة ما رواه المؤرخون.. إن لم يكن هذا الولع مروي بحنين حزين إلى الماضي… خاصة وإنه الميراث الأخير الذي ما زال يحتفظ به الأندلسيون من الأندلس… وما نبرة الحزن التي تشيع بعبقها التاريخي في هذه الموشحات إلا تلويحة وداع أيدي لوطن قد فقد إلى الأبد.
إن هذه الرجعة الصغيرة إلى تاريخ تلمسان قد تغيب عن البال… إذا كان العابر بما يمر بمدينة الينابيع لأول مرة وإذا حدث وأن كان مروره بها في شهر نيسان، فإنه قد يظن أن هذه المدينة الصغيرة الضاحكة… لم يعرف وجهها البكاء أبداً… لم ينغرس بصدرها سهم يوماً ما… لم يتهدم فيها بيت… ولم يطف بأسوارها غاز.. لم يجع فيها طفل ولا امرأة… تلك لأن كل ما في تلمسان الآن يضحك… يسير بعطره… يحمل بين أضلاعه إرثاً تاريخياً… ويقضي نهاره في بستان يغرق المدينة… ويدع ليله لموشح قد يتموج مع الليل على مهل من هذه النافذة الصغيرة العالية… أو تلك.
تمر بتلمسان الآن. فتجد… الأطفال بأناشيدهم في باحات المدارس… وزهور اللوز باشتعالها الأبيض في البساتين… والعيون المكحولة الخجلى في أسواقها الضيقة.
أما إذا عدت إلى كتب التاريخ لتسأل عن تلمسان… فإنك ستزداد إعجاباً بها… بقدر ما سيحزنك ما مر بها من أمم غازية… ومن حروب دامية. إلا أن ما يلفت النظر في تاريخ هذه المدينة أن الأمم والقبائل الغازية لها قد كانت في كل مرة تضيف إلى تلمسان من المباني والمآثر أكثر مما تهدمه فيها… بل إن بعض هؤلاء الغزاة قد كانوا لا يضيفون شيئاً لعمران هذه المدينة قبل أن يرمموا ما تهدم على أيديهم منها… مهما امتد بهم زمان حكمها أو قصر.
وفيما عدا فترتين متأخرتين من تاريخ هذه المدينة، فإن كل الفترات السابقة… وكل الحكام السابقين لها على مر التاريخ قد أكدوا لتلمسان شخصيتها المتميزة من النواحي التالية:
أ ـ شخصيتها التاريخية والفكرية.
ب ـ شخصيتها الجغرافية والاقتصادية.
جـ شخصيتها العمرانية والفنية.
شخصية تلمسان التاريخية
تعاقب على حكم مدينة تلمسان بغرب الجزائر… الأمم والشعوب التالية:
* البربر: وبنوا فيها أصل المدينة القديمة وهي «أغادير» أي القلعة. وأطلقوا على البلدة كلها اسم «تلمسان» أي الينابيع.
* الرومان: وقد حكموا المدينة من بداية الربع الأخير من القرن الخامس الميلادي إلى عام 671م عند قدوم العرب المسلمين بقيادة عقبة بن نافع.
* الفاندال: وقد مروا بها خلال فترة الحكم الروماني للمدينة ثم طردوا منها من جديد على يد الرومان الكاثوليك.
تلمسان في العهد الإسلامي
منذ عام 671م وحتى نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي ظلت تابعة للأمويين والعباسيين.
* بنو زناتة: وقد حكموها منذ بدايات القرن الثامن الميلادي حتى نهاياته تقريباً… حينما انشقوا عن العباسيين مع حركة انشقاق الخوارج في المشرق… وذلك بقيادة زعيمهم «أبو قرة» من «بني يفرن» وهي فخذ من زناتة.
* الأدارسة: قدموا من فاس بالمغرب. واستولوا على تلمسان بالمصالحة مع زعيم قبائل زناتة.. وظلوا يحكمون تلمسان طيلة القرن التاسع الميلادي.
* الصنهاجيون: من أتباع الفاطميين وقد حاصروا تلمسان عام 937م وفتحوها.
* المرابطون: وهم قبائل من موريتانيا والسنغال حاصروا المدينة عام 1079م بزعامة «يوسف بن تاشفين» وفتحوها وبنوا فيها ضاحية «تاغرارت».
* الموحدون: وقد كانوا يتركزون في الجبال الداخلية في المغرب العربي بزعامة «ابن تومرت»… وقد أرسل ابن تومرت صديقه «عبدالمؤمن» لفتح تلمسان فحاصرها عام 1143م، ودام حصاره لها سنتين حتى انهزم المرابطون… وفتحت المدينة لهم… ودام حكمهم لها 40 سنة.
* بنو عبدالواد أو الزيانيون: وقد كانوا بدواً رحل استخدمهم الموحدون للحفاظ على تلمسان إلا أن شوكتهم قد قويت فيها.. وعلا شأنهم حينما استطاعوا أن يصدوا قبائل (بني غانية) الطامعة في تلمسان… فما كان من الخليفة الموحدي بالمغرب إلا أن كافأ زعيمهم بتعيينه حاكماً لها… واستمر حكم بني عبد الواد لتلمسان ثلاثة قرون ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي إلى نهايات القرن الخامس عشر.
واشتهر منهم «يغمراش» الذي يعود إليه الفضل في بناء المساجد والقصور الباقية حتى الآن في تلمسان.
* المرينيون: وقد حاصروا تلمسان سبع سنوات ابتداء من عام 1299هـ بقيادة زعيمهم السلطان المريني «أبو يعقوب» ولم يرفع الحصار عن المدينة إلا بموته.. إلا أن المرينيين قد بنوا خارج أسوار المدينة القديمة مدينة جديدة أطلقوا عليها اسم «المنصورة». وقد عاد المرينيون مرة ثانية لحصار تلمسان بقيادة أبي الحسن المريني ففتحوها ودام حكمهم لها إحدى عشرة سنة.
* بنو عبد الواد؛ عادوا لفتح المدينة بقيادة «أبو حمد الثاني» فدخلوها… وظلوا يحكمونها إلى بداية القرن السادس عشر الميلادي.
* فترة الحكم التركي: وقد خضعت تلمسان للأتراك العثمانيين منذ عام 1555م بعد أن كان قد فتحها القائد التركي «بابا عروج» الذي استنصر به «أبو زيان» من بني عبد الواد على عمه «أبو حمد الثالث» الذي انتزع منه الحكم.
* الأمير عبد القادر الجزائري: وقد حكم تلمسان منذ عام 1863.
الحكم الفرنسي
لم يدم حكم الأمير عبد القادر طويلاً لتلمسان إذ إن الفرنسيين سرعان ما عادوا فاحتلوا المدينة من جديد وبنوا بها مركزاً عسكرياً في حي «المشوار» واستمرت سيطرتهم عليها إلى عام 1962م حين استقلت الجزائر.
إن هذا الاستعراض المبسط للحركة التاريخية العنيفة التي لم تدع لهذه المدينة الصغيرة فرصة لالتقاط أنفاسها ـ هذا الاستعراض يوقفنا أمام مدينة متميزة… عانت من الحروب والويلات كثيراً وتعاقبت عليها فتوحات عاصفة من جهات مختلفة… وشعوب متغايرة…
حاول كل شعب منها أن يطبع هذه المدينة بطابعه… إلا أن فترة الحكم الإسلامي فيها التي امتدت على مدى اثني عشر قرناً قد تميزت بصراعات فكرية بين الزناتيين والأدارسة… والصنهاجيين أتباع الفاطميين والمرابطين والموحدين، ثم بني عبد الواد التابعين للموحدين ثم المرينيين، ثم بني عبد الواد مرة أخرى.. وأخيراً الأتراك العثمانيين.
وقد حرصت كل من هذه الفئات على نشر مذهبها في «تلمسان» وإضافة المآثر الجديدة إليها… وكان بناء المساجد والأضرحة من أهم ما كانت تعنى به تلك الفرق… لذا فإن الطابع الديني قد ظل مسيطراً على هذه المدينة طيلة عصورها… وقد استمد سكان المدينة من هذا الطابع قوة جعلتهم يقفون بضراوة أمام موجة «الفرنسة» ومسخ الشخصية العربية واللغة العربية أيام الحكم الفرنسي.
ومما زاد في تثبيت هذه القوة… قدوم عدد كبير من الهاربين من «قرطبة» بالأندلس إلى تلمسان في نهاية القرن الثامن الهجري (الثالث عشر الميلادي)… إذ إن هؤلاء قد حملوا معهم اعتزازهم بدينهم الإسلامي الذي فروا به من محاكم التفتيش… وحملوا معهم إلى جانب ذلك الطابع الفني المتقدم الذي وصل إليه الأندلسيون في عز مجدهم.
الموقع الجغرافي والشخصية الاقتصادية
إلا أن هذا الازدحام التاريخي على تلمسان قد يعزى إلى ناحية أخرى تتعلق بموقعها الجغرافي.. وشخصيتها الاقتصادية.
فتلمسان بحكم موقعها المتوسط بين شرق إفريقيا وغربها… وبحكم وقوعها في نقطة قريبة من البر الأوروبي قد لفتت إليها الأنظار لتكون محطة للقوافل العابرة بين شرق الشمال الإفريقي وغربه… كما أن موقعها في أطراف السهل الساحلي المطل على البحر المتوسط قد جعلها محطة للقوافل العابرة بين وسط أفريقيا وشمالها… والمؤرخون القدامى كالبكري وابن خلدون يؤكدون أن تلمسان قد كانت سوقاً لتجارة الذهب الذي كان يحمل من وسط إفريقيا في طريقه إلى أوروبا أو الشمال الإفريقي أو المشرق العربي… وصياغة الذهب ما زالت مشتهرة حتى الآن في تلمسان بشكل متوارث.
وموقع تلمسان الجغرافي كان قد لفت نظر معظم الشعوب المحاربة… لتكون منطلقاً لجيوشهم الساعية إلى السيطرة على شمال أفريقيا… فالرومان جعلوا منها قاعدة لجيوشهم وكذلك كانت المدينة نقطة ارتكاز هامة لأكثر الجيوش التي تحمل صفة الدعوة لمذهب ديني معين.
ولعل خصب السهول التي تحيط بتلمسان وتنوع مزروعاتها وأشجارها المثمرة… وكثرة مياهها وينابيعها قد أسهمت إلى حد كبير في اجتذاب هذا العدد الكبير من الأمم والشعوب إليها… إذ إن المياه والمزروعات قد كانت، وما زالت، المكان الأكثر إغراء للحروب والمنازعات… والقبائل المتنقلة.
ومما يؤكد هذه النظرية أن أكثر القبائل التي مرت بتلمسان قد حاولت أن تستقر فيها… وأن تضيف إليها في كل مرة إضافات عمرانية هامة… ما زال بعضها قائماً حتى الآن… وعلى حين غدا بعضها الآخر آثاراً تنطق بما كانت عليه في الماضي.
الشخصية العمرانية… والفنية.
منذ القدم… كان بعض التلمسانيين يعتقدون أن مدينتهم أزلية البناء، وأن بعض القصص المذكورة في القرآن الكريم قد حدثت في تلمسان… وقد ذكر ابن خلدون هذه الناحية.. واستبعدها حين قال: «ويزعم بعض العوام من ساكنيها أنها أزلية البناء، وأن الجدار الذي ذكر في القرآن في قصة الخضر وموسى (عليه السلام) هو بناحية أغادير ـ من تلمسان ـ».
ويروي «البكري» أن «أبا المهاجر» أحد صحابة رسول الله (ص) قد كان أول من نشر الإسلام في تلمسان إلا أن الشيء المؤكد أن عقبة بن نافع قد مر بها في طريقه إلى المغرب العربي، إلا أن الآثار الباقية في تلمسان الآن تشير إلى أن مدينة تلمسان الحالية قد بنيت على أربع مراحل بأربعة أسماء.
* أغادير: وقد بناها البربر.
* بوماريا: وقد بناها الرومان.
* تافرارت(**): وقد بناها المرابطون.
* المنصورة: وقد أنشئت على يد المرينيين خلال حصار السبع سنوات للمدينة القديمة.
وأهم الآثار الباقية إلى اليوم ترجع إلى عهد المرابطين، الذين قدموا إلى تلمسان على جمال عليها دروع جلدية.. وبوجوه ملثمة لا يبين منها إلا العينان… ولكنهم ما لبثوا أن استقروا فيها بزعامة «يوسف بن تاشفين» الذي يروى أنه قد ساهم بنفسه في بناء الجامع الكبير في تلمسان… وذلك في سنة 1125م، ولا يختلف هذا المسجد في تصميمه وزخرفته عن جامع «قرطبة» الشهير.
ومئذنة الجامع الكبير في تلمسان تشبه إلى حد كبير مئذنة جامع قرطبة.. وقد شيدت على قاعدة مربعة… وارتفع بنيانها على هذه القاعدة… حيث انتهت في الأعلى بمربع أصغر من مربع القاعدة تحيط به شرفة يستطيع المؤذن أن يطل منها على المدينة بأكملها.
وقد كانت الجدران الخارجية للجامع مطلية بالجص ومزينة بالفسيفساء، أما داخل المسجد فقد زين بأقواس تنحني بأقواس صغيرة متعاقبة على شكل أوراق الورد.
وعن النهضة والعمران في عهد الموحدين قال ابن خلدون يصف ما كان عليه الأمر في تلك الأيام: «وصرف ولاة الموحدين بتلمسان نظرهم واهتمامهم إلى تحصينها وتشييد أسوارها وحشد الناس إلى عمرانها والتفاني في تمصيرها واتخاذ الصروح والقصور بها».
وتزدهر المدينة مرة أخرى على يد المرينيين الذين بنوا في مدينة تلمسان ضاحية المنصورة بأسوارها، وقصورها، ومساجدها… وما تزال حتى الآن أطلال مسجد المنصورة ذي السبع يشهد على ما وصل إليه فن العمران في تلك الأيام… كما أن الفضل يرجع إلى المرينيين في بناء المسجدين الباقيين حتى الآن في تلمسان (مسجد سيدي بومدين، ومسجد سيدي الحلوي)… وتختلف الزخرفة الداخلية لمسجد سيدي بومدين عن زخرفة الجامع الكبير الذي بناه المرابطون في أن الأخير مزين في داخله بأعمدة مربعة قصيرة تعلوها أقواس على شكل نصف دائرة… إلا أن ما يلفت النظر في تلمسان الآن أطلال سور المنصورة الذي كان يحيط بالمدينة من الغرب… ويطل على التلال والبساتين المثمرة الممتدة خلفه.
وهذه الآثار ليست كل شيء في تلمسان، فهي ما زالت تعج بمساجد ومدارس كثيرة تعود إلى العصور المختلفة من تاريخها.
ويرجع الفضل إلى تلمسان في الحفاظ على كثير من أصول الغناء الأندلسي… وقلما تجد موشحاً أندلسياً الآن إلا وقد ذكر فيه مصدر الغناء التلمساني.
وقد عاش في تلمسان كثير من الشعراء المشهورين مثل ابن خفاجة، وابن الخميس.
وما زال أهل تلمسان يعزفون حتى الآن على آلة يسمونها «الرباب»، وهي أقرب الآلات إلى عود زرياب… وهي تشبه سمكة قرش صغيرة مقلوبة، ونغم «الحوفي» يرتبط غالباً بتلمسان، غير أن أصول الموسيقى الأندلسية التي وضع قواعدها «زرياب» علي بن نافع، قد انتقلت إلى تلمسان… وظلت محفوظة بها إلى الوقت الحاضر.
والتلمسانيون يعزفون هذه الموسيقى على النهج الذي وضعه زرياب… إذ تبدأ النوبة الموسيقية «بالتوشية»، وهي لحن جماعي هادىء يغنيه المجتمعون تمهيداً لظهور السلطان… الذي كان يطل من باب جانبي مع نهايات هذا اللحن.. ليأخذ مكانه على الكرسي… ولينتقل معه الغناء إلى حصة الكرسي» وفيها يتوجه المدعوون للسلام على السلطان واحداً إثر واحد… بمصاحبة موسيقى بطيئة تحمل معنى المهابة والاحترام… وحين ينتهي المدعوون من السلام… تعزف الموسيقى «لحن المصدر».
ثم «البطايحي» الذي يبلغ فيه الغناء قمة حماسه.. وتفتح أثناءه النوافذ المطلة على البساتين… بعد ذلك ينحدر المدعوون على (الدرج) ليتمتعوا بجمال الطبيعة يصاحبهم غناء مرح يشبه القفز على الأدراج… ومن هنا سميت هذه الوصلة بوصلة «الدرج»… وبعد أن ينعم المدعوون بكل ما في الطبيعة من فتنة… تعزف الموسيقى لحن (الانخلاص) ثم يتفرق الجمع على نغمة (الانصراف).
هذه هي تلمسان موطن التاريخ… وملعب الزهور… وبلدالمساجد… ونزهة النفس…
تلمسان المدينة التي تظن أنها لأول وهلة بلدة شامية هاجرت بناسها وبساتينها بينابيعها وأغانيها… بزهورها ونضرة الوجوه فيها، هاجرت من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب… وحين تقف على قمة من هضبة «لالا… ستي» التي تحتضن تلمسان من الجنوب، وتمد بصرك إلى ما وراء مضيق البحر المتوسط تظن أنها مدينة أندلسية كبيرة، هربت بأسطحتها القرميدية، وقصورها، وموشحاتها من عدوة البحر في الشمال… إلى التلال العالية في الجنوب بعد أن تساقط نصف متاعها أثناء الرحلة.
فواز عبيد
جامع تلمسان
تظهر الكتابات المتوفرة في بعض المواضع من مسجد تلمسان، ولا سيما في الصحن وقاعدة القبة والمحراب بأن الأشغال به تمت في جمادى الثانية عام 530هـ، ويسجل على باب المقصورة تاريخ رمضان 533هـ، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنه في عام 540هـ قام عبد المؤمن ببناء جدران تاقرارت(**) قرب تلمسان وكذا سور المدينة، وتذكر مصادر أخرى أن يغمراسن بن زيان الذي أسس الحكم الزياني واتخذ تلمسان عاصمة له هو الذي بنى منارة الجامع الكبير، وهناك طاولة خشبية عثر عليها في جدار المحراب تشير إلى أن أبا حمو الثاني هو الذي شيد مكتبة الجامع. ويذكر دارسون فرنسيون معاصرون أن هذا المسجد قد بني على ثلاث مراحل: أولاها تعود إلى عام 1102م حيث قام يوسف بن تاشفين ببناء مسجد يشبه مسجدي الجزائر وندرومة يحتوي على قاعة للصلاة ـ هي القاعة الحالية ـ وفناء من سبعة أروقة، وفي عام 1136م ـ وهي المرحلة الثانية ـ يكون علي بن يوسف بن تاشفين قد بنى المحراب والرواق الأوسط والقبة الموجودة أمام المحراب، أما المرحلة الثالثة فكانت عام 1236م وفيها أقام يغمراسن سبعة أروقة جديدة فوق الفناء القديم وهو ما أعطى المسجد شكله وأبعاده الحالية وزوده أيضاً بمنارة وقبة مركزية تدلى وسطها شمعدان.
ويبقى هذا مجرد استنتاجات إذ ليس ثمة من وثيقة أو أثر يثبت أن يوسف بن تاشفين هو مؤسس هذا المسجد مما يرجح احتمال أن يكون ابنه علي هو المؤسس الحقيقي للجامع الكبير بتلمسان. وليس ثمة من تفسير لسكوت المؤرخين عن تاريخ بناء الجامع وإشارتهم، بالمقابل، إلى أن يوسف بن تاشفين هو الذي بنى ما يعرف «بالقصر القديم». وتظهر الدلائل أن المسجد كان قد بني في فترة لاحقة وهو ما يدعم فرضية أن يكون الباني هو علي بن يوسف، ذلك أنه، وفي الفترة التي كان يوسف ابن تاشفين يبسط سلطته على تلمسان، كان ثمة مسجد آخر بمنطقة أغادير بتلمسان مما يفسر عدم الحاجة إلى بناء آخر بتلمسان (ولمسافة بين تلمسان وأغاير ليست بعيدة) بينما كانت هذه الحاجة كبيرة لبناء مساجد في مناطق أخرى كندرومة والجزائر العاصمة اللتين لم تكونا تتوافران على جامع كبير للصلاة قبل تلك الحقبة.
(**) (وردت: تافرارت و تاقرارت؛ وهي : تاغرارت) .
ويبلغ طول مسجد تلمسان 49,30م وعرضه 45,60 م ويصل طول الفناء إلى 27 متراً وعرضه نحو 15 متراً. وبحسب بعض الدراسات التي تناولت هذا المعلم فإنه لم يثبت ان كان الفناء محاطاً من الناحية الشمالية بأي رواق كما هو شأن المساجد المرابطية الأخرى فيما تشبه الركائز التي تحيط بالفناء من ناحية الشرق تلك الموجودة في فناءات السماجد التي شيدها المرابطون وأسهم في بنائها بنو عبد الواد لاحقاً وهي تختلف عن الركائز الموجودة حالياً غرب الفناء وتلك التي تحيط بالمنارة.
ويوجد باب الإمام يسار المحراب، وباب المنبر يمينه، كلاهما تحت القوسين اللتين تؤطران الرواق المركزي، وهو ما لا نجده إلا في جامع القرويين بفاس دون سائر معالم المرابطين الدينية. وتتخذ كل من أبواب الواجهة والثلاثة الأولى من الجدار الشرقي الشكل نفسه الذي توجد عليه في مناطق أخرى كتنمال والكتيبة وتختلف بعض الشيء عن تلك الموجودة في مسجدي: الجزائر وندرومة، أو فاس، مما يطرح احتمال أن يكون الموحدون قد أدخلوا عليه بعض التعديلات: ولعل ما يعزز هذا الاحتمال ما يلاحظ من أشكال بعض الأقواس التي تحمل خصوصيات الحقبة الموحدية والتي أفضت دراستها العميقة إلى أنها ليست من وضع علي بن يوسف وإنما من وضع عبد المؤمن بن علي.
محراب مسجد تلمسان
وشيد بنو عبد الواد المنارة والقبة المركزية والرواقين اللذين يطوقان الفناء من ناحية الغرب وقبة سيدي مرزوق وغيروا من مخطط الفناء.
ويمكن أن تحصي في مسجد تلمسان ثلاثة عشر رواقاً تتجه نحو المحراب الذي يتكىء على خمسة صفوف من الأعمدة، ويلاحظ أن الرواق الأوسط أوسع من القبة، كما أن صفين من الأقواس المتجهة شرق ـ غرب يقسمان قاعة الصلاة إلى مجموعتين من الممرات تضم كل مجموعة ثلاثة.
ومسجد تلمسان هو المسجد الوحيد من بين مساجد المرابطين الذي كان يحتوي على سرايا: سبعة منها تنتمي إلى الحقبة المرابطية وهي: العمودان المنتصبان على جانبي المحراب والخمسة الأخرى يقوم عليها الرواق الرئيسي، أما العمود. الثامن فينتمي إلى حقبة بني عبد الواد.
وتنتهي الأعمدة بتيجان ربع دائرية تتكون من جزأين: علوي يرتبط بمكعب مستطيل، وسفلي أسطواني الشكل. ويتراوح عرض الجزء العلوي ما بين 25 و45 سنتيمتراً وارتفاعه ما بين 6 إلى 16 سنتيمتراً، (وارتفاعه ما بين 14 و26 سنتيمتراً؟)، ويزين هذا الجزء صفان من أوراق الأكاسيا يختلف شكلها وأبعادها من تاج لآخر، عدا تاج واحد تتساوى فيه الأوراق ارتفاعاً، بينما تبدو أوراق الصف السفلي في بقية الأعمدة أكبر من أوراق الصف العلوي، كما أن الورقة المركزية أقصر من الأوراق الأخرى المحيطة بها، وهذه الأوراق متساوية في العرض أيضاً عدا الورقة الوسطى في الصف العلوي فهي تبدو أعرض من غيرها، ولا نجد ذلك إلا في نموذجين، يتراوح هذا العرض ما بين 5 و6 سنتيمتر في أربعة تيجان ومن 12 إلى 13 سنتيمتراً في البقية بينما تتراوح سماكة هذه الأوراق ما بين 2 و9 ملليمتر، ولا تتخذ أعقابها الشكل نفسه. وباستثناء الصف العلوي في عمودين فإنها تتخذ كلها شكل معين.
أما المناطق الفاصلة بين السواري والتيجان في هذه الأعمدة فهي ملساء ومسطحة في ثلاثة أعمدة وملساء ونصف دائرية في عمود واحد، ولولبية نصف دائرية في عمودين ويتراوح ارتفاعها ما بين 1 و7 سنتيمتر وسماكتها ما بين النصف وثلاثة سنتيمترات. وبالمسجد أقواس مختلفة الشكل منها المنكسرة والمفصصة وهي أنواع: ذات تسعة فصوص وذات الخمسة عشر: ثلاثة عشر منها كبيرة وفصان صغيران وهما الواقعان على جانبي الفص الأوسط في القوس، وهناك أقواس على جانبي الفص الأوسط في القوس، وهناك أقواس بخمسة وعشرين فصاً: ثلاثة عشر كبيرة واثنا عشر صغيرة، كما توجد أشكال أخرى ليست بذات بال.
ومسجد تلمسان هو المسجد الوحيد، من بين مساجد المرابطين، الذي يتوفر على محراب من الحقبة المرابطية، يأخذ جوفه شكل متعدد الأضلاع وهو شكل شاع في الهندسة المعمارية الإسلامية قبل المرابطين في المشرق والمغرب والأندلس يتكىء قوس المحراب على عمودين؛ وتعلو الجوف قبة صغيرة وحافتان على شكل متعدد الأضلاع ولوحات مستطيلة، أما القبة فتتألف من ستة عشر جزءاً وهي تشبه قبة جامع القرويين التي تتألف من عشرين جزءاً وإن لم يكن المرابطون هم أول من ابتدع هذا الشكل من القباب فإنهم أفادوا منه في تتويج جوف المحراب، كما استعملوه في أماكن أخرى كبعض الحمامات وقبة الباروديين بمراكش التي تتكون من ثمانية أجزاء، أما اللوحات المستطيلة فعددها خمسة الكبريان بلا إطار أما الأخرى فلها أطر من النوافذ التي تزينها زخرفة نباتية، ويبدو أن المرابطين هم أول من أبدع هذا في هندسة المحاريب، وأما الحافتان فإحداهما بثماني زوايا والأخرى بخمس وهي التي كتبت عليها بخط كوفي البسملة وآيات قرآنية.
ويتميز الجزء العلوي من إطار المحراب بالقوس النصف دائرية والتي قطرها متر ونصف المتر وعلوها متر وثلث المتر وطول انفتاحه أكثر من المتر تحيط بها قوس كبيرة قطرها ثلاثة أمتار إلا عشرة سنتيمترات وارتفاعها متران وثلث وانفتاحها متران وعشرون سنتيمتراً، وتضمن الإفريز زخرفة متنوعة ما بين مستطيلات تمتد من محيط القوس الصغرى إلى مسافة نحو القوس الكبرى حيث تلتقي بسلسلة تشكيل زخرفي آخر على شكل أنصاف دوائر متصلة وأوراق صغيرة تمتد على محيط القوس الكبيرة كلها. وقد ظهر هذا الشكل أول ما ظهر في مسجد قرطبة في القرن التاسع الميلادي ومحراب جامع الزهراء في القرن العاشر، وإذا كان المرابطون قد تأثروا بهذه الأشكال فإنهم، لا شك، قد تركوا على المعالم التي أنجزوها بصماتهم التي تميزهم عمن سبقوهم في هذا المجال لا سيما فيما يتعلق بالزخرفة.
ولم يتبق من المقصورة سوى الباب الذي يتخذ جزؤه العلوي شكل القوس. وهو موضوع في إطار عرضه متران وارتفاعه 1,25م زين بخطوط كوفية على الوجهين كليهما تحمل البسملة وآيات قرآنية وكتب على القوس «وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم أمر ببنائه… أبو عبدالله محمد بن يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم أيده الله ونصره ووفقه… في المسجد الجامع بتلمسان العليا حرسها الله وكان إتمامه في شهر رمضان المعظم عام ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
وإلى جانب هذه الزخرفة الخطية توجد زخرفة نباتية تتكون من سعف وزهور بعضها منحوت على الخشب وبعضها الآخر مسمر.
خليفة قرطي
التمهيد في علم الأصول
تأليف أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.
كتاب كلامي قيم شرح فيه قسم الكلام من كتاب (جمل العلم والعمل) لأستاذه الشريف المرتضى ترجمه إلى الفارسية الدكتور مشكاة الديني.
تمهيد القواعد
تأليف: الشهيد الثاني، زين الدين علي بن أحمد العاملي، المستشهد سنة 965هـ.
عمد المؤلف إلى كتاب «القواعد» للشهيد الأول وهذبه ونقحه وأضاف إليه فوائد كثيرة وأجرى عليه تعديلات مهمة ورتبه أحسن ترتيب وسماه «تمهيد القواعد».
التنبيه في سبيل السعادة
كتاب لأبي نصر محمد الفارابي
وقد حقق الدكتور جعفر آل ياسين هذا الكتاب فكتب عنه ما يلي:
1 ـ التعريف العام بالكتاب وغاياته:
إنَّ المصطلح السائر لدلالة (التنبيه) هو كون الشيء الذي لا يحتاج إلى برهانٍ زائدٍ على ما تقدّم عليه من إيضاحات ـ والمتقدّم هنا هو كتاب (تحصيل السعادة).
أمّا في هذا الكتاب فإنّنا نجد أنَّ الفارابي (ت 339هـ). يقرّر أنَّ الكمال هو الغاية الأصيلة التي يتشوقها الإنسان في تطلعه نحو حياةٍ أكثر سعادة وسلامة؛ لأنَّ السعادة الحقيقية هي آثر الخيرات طرّاً، باعتبار أنَّها تُطلب لذاتها لا لشيءٍ آخر يُتوسل به إليها.
وهذه السعادة ـ في ضوء تطبيقاتها العملية ـ تتصف أفعالها بحالين: إمّا حال مذمّة، أو حال محْمدة؛ وهي في الحالين لا تتعدى كونها أحد ثلاثة:
(أ) أفعالٌ يحتاج الإنسان فيها إلى استعمال أعضاء بدنه وآلاته؛ كالقيام والقعود والنظر والسماع.
(ب) ـ أفعالٌ مصدرها عوارض النفس؛ كاللَّذة والغضب والشوق والفرح والخوف.
(ج؛) ـ أفعالٌ تخضع في قيامها لعامل التمييز الذهني عند الإنسان.
وجميع هذه الأفعال ـ إذا قيستْ من وجهة نظر أخلاقية ـ تخضع لما يسمّيه الفيلسوف الفارابي بجَوْدَة التمييز أو رداءته. ولكن من أين لنا قُنْية هذه الجَوْدَة في التمييز؟ ـ ذلك هو الأصل وهو الغاية في مبحث التنْبيه على سبيل السعادة التي قصدها الحكيم.
فنحن لا ننال السعادة بالأفعال الجميلة ما لَمْ تكن تلك الأفعال قاصدة هادفة من جهة، ومتحقِّقة بصناعةٍ معينةٍ من جهةٍ أُخرى؛ بحيث يعود الكائن الناطق يمتلك قدرة على التمييز في أفعاله المختارة طيلة حياته بأسرها. وذلك لأنّه في فِطْرته يمتلك استعداداً لها يستطيع ـ في حال التطبيق الذاتي والعلمي ـ أن يميّز بين الصواب والخطأ، وبين الجميل والقبيح؛ في تعادلٍ تفرضه أيحاناً إمكانية أحدهما على الآخر، أو غَلَبة أحدهما على الآخر.
وعلى الرَّغم من هذا؛ فإنَّ القوّة التي يُفطر عليها الإنسان غير مكتسبة، بينما حال التمييز تتصف بالاكتساب. والأخيرة منهما تنقسم إلى صِنْفين: أحدهما به يكون التمييز؛ إمَّا جيّداً وإمّا رديئاً.. والآخر به تكون الأفعال وعوارض النفس إمّا جميلة وإمّا قبيحة. والأخير من الصِنْفين يدعوه الفيلسوف بالخُلق ـ ويحدّه «بأنَّه الذي تصدر به عن الإنسان الأفعال القبيحة والحسنة على أنْ تخضع الأفعال ويخضع التمييز للثوابت التي تلزم الإنسان بأنْ تكون أفعاله وتمييزه في كلِّ شيءٍ؛ كي يمكن عندئذٍ إدامة فعل الجميل وجَوْدته معاً؛ بحيث تصير «لنا قوّة الذهن مَلَكة لا يمكن زوالها» باعتبار أنَّ «الخُلق الجميل وقوّة الذهن هما الفضيلة الإنسانية».
وفي سبيل تحقيق هذه الغاية التي قصدها الفيلسوف؛ ينبغي أنّ نسلك طريقين لنقف منهما على مقاصد أبي نصر بالذات.
الأول: محاولة أنْ تصير الأخلاق الجميلة ملكة لنا؛ بحيث لا يمكن للصواب أنْ يزول إلاّ بعُسْر ومشقّة.
الثاني: أنْ تكون لدينا القدرة على إدراك الصواب إدراكاً سليماً لا عوج فيه ولا ضلال.
فما هي الوسيلة التي تُحقّق لنا الوصول إلى المهيع الأوّل من هذين الطريقين؟
إنّها، وقبل كلِّ شيء، وسيلة الاعتياد، والمقصود به «تكرير فعل الشيء الواحد مراراً كثيرة زماناً طويلاً في أوقات متقاربة» من حيث أنَّ الفعل الجميل هو ممكن للإنسان بالقوّة قبل حصوله، وممكن بالفعل بعد حصوله، فهو إذن بالتعوّد يتحقق، وبالتطبيق يظهر وينمو.
ولكن ما هي الآلة التي ينبغي أنْ نستعين بها كي تقودنا إلى الفعل الجميل حقّاً؟… يؤكِّد الفيلسوف هنا إنّها آلة «الوسط الأخلاقي» ـ فالأفعال متى كانت متوسطة حصل الخُلق الجميل.. وما يقوله الفارابي عن «الوسط الأخلاقي» هو ذاته الذي تبناه من قبل المعلم الأول أرسطوطاليس في كتابه المعروف (الأخلاق إلى نيقوماخوس).
فنحن حين نهدف إلى الوقوف على الوسط في الأفعال الخُلقية؛ علينا أوّلاً التعرّف على زمان الفعل ومكانه «ومَنْ منه الفعل، ومَنْ إليه الفعل، وما منه الفعل، وما به الفعل، وما من أجله وله الفعل، وجعلنا الفعل على مقدار كلّ واحدٍ من هذه. فحينئذٍ نكون قد أصبنا الفعل المتوسط». ونظرا لاختلاف مستويات الأفعال الخُلقية؛ لذا نجد أنَّ الوسط الأخلاقي يختلف قوّة وضعفاً، سلباً وإيجاباً؛ حسب أفعاله وغاياتها.
ويحاول الفارابي هاهنا سَوْق نماذج لأفعال الوسط الأخلاقي؛ محتذياً بها إلى حدٍّ كبير حذو أرسطوطاليس في كتابه المشار إليه سابقاً… فمثلاً: «إنَّ الشجاعة خُلق جميل يحصل بتوسطٍ من الإقدام على الأشياء المفزعة والإحجام عنها. والزيادة في الإقدام تكسب التهوّر، والنقْصان في الإقدام يكسب الجُبْن؛ وهو خُلق قبيح… والسخاء يحدث بتوسطٍ في حفظ التقتير؛ وهو قبيح. والزيادة في الإنفاق والنقْصان في الحفظ يكسب التبذير». ومن ثمّة يشير إلى أوساط أفعالٍ أُخرى كالعِفَّةِ والظَّرف والهَزْل والمجون والتودّد وغيرها، منتهياً إلى أنَّ «تحديد هذه الأشياء على الاستقصاء ليس يحتمله هذا الكتاب، وقد أُستقصي في موضع آخر» ـ لعلّ الفارابي يعني في هذا الاستقصاء كتابه الذي ألّفه شرحاً على كتاب أرسطوطاليس «الأخلاق إلى نيقوماخوس» الذي أشار إليه في مؤلَّفه: «الجمعْ بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطوطاليس».
والميزان الحقّ في الحكم على الفعل الخُلقي هو أن «نحصي الأخلاق خُلقاً خُلقاً، ونحصي الأفعال الكائنة عن خُلقٍ خُلقٍ، ومن بعد ذلك ينبغي أنْ نتأمل وننظر أي خُلقٍ نجد أنفسنا عليه» بحيث يكون للإنسان السوي آلة يسبر بها غَوْر أفعاله؛ فما وجده منها يتصف بأنَّه جميلٌ وملذٌّ وغير مؤذٍ؛ اعتبره خُلقاً سليماً، والعكس بالعكس. فكأنَّ مراقبة النفس لكلّ فعلٍ تقوم به واختيار الوسط من تلك الأفعال؛ هي عملية يتميّز بها الإنسان في تطبيقاته الخُلقية؛ بموازنةٍ دقيقة بين إفراطٍ وتفريطٍ، إن نقْصانٍ وزيادة، وتجنّب الوقوع في أحد طرفيّ المعادلة، لأنَّ الحدّين المُسْتقطبين يتّصفان معاً بالرذيلة. بينما الفضيلة منهما وسط، لا يميل إلى هذه ولا إلى تلك ـ بل هو صراطٌ مستقيمٌ لا عوج فيه ولا إلتواء، ينبغي أنْ لا تزلّ قدم الإنسان عنه، فيهوي عندئذٍ في ظلال الغيّ والفعل السيء الذي يتصف بالقُبْح والسلب والفدامة!…
وعلى الرَّغم ممّا يراه الفارابي في قضية الوسط الأخلاقي وضرورة الأخذ به، فهو ـ في الوقت ذاته ـ لا يُخفي عنَّا صعوبة عملية الكشف عنه؛ لأنَّ الوقوف على الوسط، كما يقول الفيلسوف، «عسيرٌ جداً»! ـ ولكن الحكيم يبقى مؤكّداً أنَّ (التعوّد) سبيل لا حبّ في اقتناص هذا الوسط حيثما كان؛ سلباً أو إيجاباً… وتلك شِنْشنة تمسَّك بها المعلم الأوّل؛ وحذا حذوه جميع الذين ساروا على الطريق ذاته من أنصار الأخلاق المعيارية ذات «الحكم» الذي لا يخضع للتغيّر الوضعي في كلّ زمان وفي كلّ مكان!…
وأيّاً ما كان؛ فإنّنا كلّما وجدنا أنفسنا مالتْ إلى جانبٍ عوّدناها أفعال الجانب الآخر، ولا نزال نفعل ذلك إلى أنْ نبلغ الوسط أو نقاربه جدّاً ـ كما يقول الفارابي. ووسيلة الكشف عن ذلك تتحقّق على الشكل التالي: «بأنْ ننظر إلى سهولة الفعل الكائن عن النُقصان؛ هل يتأتى أمْ لا، فإنْ كانا (يقصد التأتي أو عدمه) على السواء من السهولة، أو كانا متقاربين؛ علمنا أنّا قد وقفنا أنفسنا على الوسط. وامتحان سهولتهما هو أنْ ننظر إلى الفعلين جميعاً؛ فإنْ كنّا لا نتأذى بواحدٍ منهما، أو نلتذ بكلِّ واحدٍ منهما، أو نلتذ بأحدهما ولا نتأذى بالآخر، أو كان الأذى عنه يسيراً جداً؛ علمنا أنّهما في السهولة على السواء ومتقاربين ـ ولمَّا كان الوسط بين طرفين، وكان قد يمكن أنْ يوجد في الأطراف ما هو شبيه بالوسط، وَجَبَ أنْ نتحرز من الوقوع في الطرف الشبيه بالوسط».
وفاتَ الفارابي أنَّ الأحكام العقلية هنا، سواء على الفعل أو وَسَطه الأخلاقي، قد لا تستوي لدى جميع الأفراد في إشكالاتهم على الوسط مهما تفاوتتْ درجاته وتباينت أوضاعه. ومن هنا فليس للإنسان، من الناحية النظرية على أقل تقدير، إلاَّ أنْ يحسم القول بأنَّ الوسط فعلٌ اختياري، وكلّ فعلٍ اختياري لايتمّ ـ في ظل المدرسة المعيارية في علم الأخلاق ـ إلاَّ بسبيل العقل؛ بعيداً عن تأثيرات المحسوسات وما تقوده إليه من ضلالات!
وليس في موقف الفارابي هذا ما يضادّ الرأي الذي نراه ولكننا نعود لنؤكِّد ثانية أنَّ الإنسان لا يمكن له أنْ يستحيل إلى عقلٍ خالصٍ فحسب؛ دون أنْ تحتويه تكامليته النفسانية في اختيار الفعل الذي يريد ـ وتلك مشكلة قامتْ في الأخلاق والفلسفة؛ تنازعتها التكاملية من جهة والثنائية من جهةٍ أُخرى، وبقيتْ حتى عصرنا الحاضر تمثّل «موقفاً» من مواقف الفكر الإنساني بكلّ صوره ومفارقاته.. ونحن أميل إلى التكاملية منّا إلى الرأي الآخر!…
وعَوْدٌ على بَدْء؛ الناس ـ في رأي الحكيم ـ يختلفون فيما بينهم: فهناك مَنْ له جَوْدة الرّوية وقوّة العزيمة، ويمثّل هذا الجانب الإنسان الحر، أمّا مَنْ افتقر إليهما أو إلى العزيمة بالذات؛ فهو الإنسان العبد بطبعه!… ويتميّز الأحرار هنا بأنّهم: «متى أرادوا أنْ يسهِّلوا على أنفسهم فعل الجميل ـ وترك القبيح باستعمال اللّذة والأذى؛ فإنَّ الأخفى منها والأظهر عندهم بمنزلةٍ واحدةٍ» باعتبار أنَّ بعض اللَّذات أعرف لنا، ونحن أشدّ إدراكاً لها، وبعضها الآخر أخفى ونحن أقلَّ إدراكاً لها؛ سواء في الطبع أو العاقبة.
وجَوْدة التمييز تتفرّع في هذه المرحلة إلى صِنْفين: صِنْفٌ ينبغي أنْ يُعلم وليس شأنه أنْ يفعله إنسان في الوجود، وصنْفٌ شأنه أنْ يُعلم ويُفعل مع تلازم فيه بين العلم والعمل معاً ـ وهذا الأخير يحصل لنَا بصنائع تُكسبه علم ما يُعمل والقوّة على عمله، ويتصف بأنَّ له قصده الإنساني الذي يتمثّل بثلاث شعب هي: اللَّذيذ والنافع والجميل ـ والنافع؛ إمّا ينفع في اللّذة وإما ينفع في الجميل. فالصنائع إذن صِنْفان أيضاً: صنْفٌ مقصودهُ تحصيل الجميل، وصِنْفٌ مقصودهُ تحصيل النافع.
ويقرّر الفارابي هنا أنَّ الصناعة التي مقصودها تحصيل الجميل فقط هي التي تسمْى (الفلسفة) أو الحكمة على الإطلاق ـ وأنَّ الجميل هذا يتفرع إلى قسمين:
(أ) ـ علمٌ فقط؛ وهو الفلسفة النظرية وتشمل موضوعات التعاليم والطبيعة وما بعد الطبيعة.
(ب) ـ علمٌ وعملٌ؛ وهو الفلسفة العملية والمدنية والسياسية.
ويمسك الفيلسوف، في ضوء هذا التقسيم، بالصِنْف الذي تصدر عنه الأفعال الجميلة والقُدرة على أسبابها؛ بحيث تعود قُنْية لنا، وينعتها الفارابي بـ«الصناعة الخُلقية» مؤكِّداً أنَّ الطريق إليها يمرّ عَبْرَ الفلسفة، والفلسفة تحصل بجَوْدَة التمييز، وجَوْدَة التمييز تحصل بقوّة الذهن على إدراك الصواب. ولا يتحقّق الأمر الأخير إلاَّ بوسيلةٍ أُخرى تُتخذ آلة لهذا الغرض؛ وتسمّى صناعة المنطق.
فعلم المنطق، في هذا التنظير، صناعة تتقدم على غيرها من العلوم بالأوّلوية؛ لأنّها سلاحٌ للتمييز بين ما هو صادق وكاذب. والعقل الإنساني آلتها وسبيلها، وبها ينال كماله المطلوب والمرغوب فيه؛ باعتبار «أنّها تفيد الحكم بصواب ما يُعقل، والقُدرة على اقتناء الصواب فيما يُعقل».
والمنهج السالك هنا يفرض على دارس الفلسفة (أعني الباحث عن سعادته الحقّة) أنْ يستلم مقدماتٍ قبل البَدْء بصناعة المنطق؛ لأنَّ بين هذه المقدمات وعلم المنطق علاقة شبه. ويقصد الفيلسوف بهذه المقدمات صناعة النحو من حيث «أنّه يفيد العلم بصوات ما يلفظ به، والقوّة على الصواب منه بحسب عادة أهل لسانٍ ما». لذا يجب أنْ تتحقّق في المنهج الكفاية من التنْبيه على أوائل هذه الصناعة، ومن ثمّة الولوج إلى دراسة العلم الذي يقوّم الذهن، ويقود في النهاية إلى اقتناء الفلسفة الصادقة التي هي الهدف الأصيل للإنسان السعيد!..
يقول الفارابي: ولمّا كانت صناعة المنطق هي أوّل شيءٍ يُشرع فيه بطريقٍ صناعيٍّ؛ لزم أنْ تكون الأوائل التي يُشرع فيها أموراً معلومة سبقتْ معرفتها للإنسان؛ فلا يُعرَى من معرفتها أحدٌ، وهي أشياء كثيرة. وليس أيّ شيءٍ اتّفق منها يستعمل في أيّ شيءٍ اتّفق من الصنائع؛ لكنْ صِنْفٌ منها يستعمل في صناعةٍ، وصِنْفٌ آخر في صناعةٍ أُخرى ـ فلذلك ينبغي أنْ نحصل من تلك الأشياء ما يصلح لصناعة المنطق فقط». والذي يصلح لهذه الصناعة، في رأي الفيلسوف، هو «الألفاظ المنطقية الدّالة». لذا وَجَب أنْ نأخذ من صناعة النحو مقدار الكفاية لغرض الإفادة من تلك الصناعة فحسب.
وفي مثل هذه المرحلة نكون قد بلغنا السبيل التي ستقودنا إلى السعادة المرغوبة التي «من أوّل مراتبها تحصيل صناعة المنطق» وآخر غايتها بلوغ القُدرة على تأمل الخير المطلق، وتلك هي نهاية شوط العقول في اقتناصها المعرفة العرفانية التي تريد!
2 ـ هوية الكتاب:
في تحقيق هوية (التنْبيه على سبيل السعادة) نحوٌ من الاطمئنان، حيث أشار إليه ابن أبي أُصيبعة (ت668هـ) في كتابه الموسوم عيون الأنباء في طبقات الأطباء؛ تحت عنوان: (رسالة في التنْبيه على أسباب السعادة)… ويذكره صلاح الدِّين الصفدي (ت764هـ) في كتابه الوافي بالوفيات تحت عنوان (التنْبيه على أسباب السعادة). وأقدم إشارة إليه أوردها عبد اللطيف البغدادي (ت629هـ) في إملاء سيرته الموسوم (الإفادة والاعتبار) حيث نعته بـ (التنْبيه على سبيل السعادة)… وأورد القفطي (ت646هـ) في كتابه إخبار العلماء بأخبار الحكماء اسم كتاب (في السعادة الموجودة) لعلّ المقصود منه كتاب «التنْبيه» ـ ويرد بذات الاسم كذلك في فهرس مكتبة الأسكوريال بإسبانيا.
ونحن، من حيث عنوان الكتاب، أكثر ميلاً إلى اختيار لفظة (سبيل) بدل (أسباب)، وقد استوحينا ذلك من طبيعة النصّ الداخلي من جهة؛ وما ذكرته بعض نسخه المخطوطة التي أشرنا إليها في كتابنا الموسوم (مؤلفات الفارابي)، من جهةٍ أُخرى. وأنَّه ليُلْفت النظر حقّاً ما وجدنا عليه أكثر مخطوطاته في التزامها بلفظ (سبيل) بدل (أسباب) رغم أنّها غير متأخرة النسْخ والتدوين!…
أمّا وضعنا لفظة (كتاب) في بدء عنوان (التنْبيه)، فقد اعتمدنا في ذلك على تنظير المؤلف بالذات الذي يقول فيه: «بحسب الوسط المحدود في هذا الكتاب» ـ لذا أجزنا لأنفسنا هذه الإضافة، بدل لفظة (رسالة) التي اصطنعها بعض الناسخين.
وأعود ثانية إلى ما سبق لنا تقريره عند تحقيقنا لكتاب (تحصيل السعادة) للفارابي حيث قلنا «إن (التحصيل) يعتبر مفتاحاً لما يجب أن يسلكه طالب الفلسفة كفردٍ أو عضوٍ في مجتمعٍ متكاملٍ؛ وتكافله وتكامله هذا لا يتمّ إلاّ بشكلٍ مرحلي يتدرج فيه من الأعم إلى الأخص، وعندئذٍ يتلو كتاب (تحصيل السعادة) كتاب (التنْبيه على سبيل السعادة)؛ لأنَّ الغرض منه ـ كما بسطنا من قبل ـ هو أن تتقوّم النفوس بسلوكٍ جميلٍ نافعٍ ينهض على أساسٍ من الإدراك المعرفي عند الإنسان؛ كي تتحقّق لديه قوّة إدراك الوسط الأخلاقي»… وفي هذا المجال تساير الفلسفة العملية اقتناء الفعل الجميل وذلك بارتباطها بالتطبيق المدني لهذه الأفعال؛ أو بالأحرى بالسياسة؛ خاصة في مفهومها الأخلاقي.. وفي حال التقاء المرحلة الأُولى مع المرحلة الثانية والتحامهما معاً؛ تتحقّق لهذا الإنسان ولهذا المجتمع سعادته التي يتطلع إليها.
والذي تريد التأكيد عليه هو أنْ كتاب تحصيل السعادة يعتبر في رأينا الأوّل في البناء السياسي والاجتماعي، وكتاب التنْبيه على سبيل السعادة هو الثاني.
وجدير بالذكر هاهنا، أنّنا نميل إلى أنَّ مؤلفات الفارابي السياسية والاجتماعية تأتي بعد مجموعته المنطقية المعروفة (أعني شروحه المطوّلة) ـ فهي إذن لا تبدأ بظهوره الفلسفي، بل هي متأخرة، في تصورنا، عن بواكيره الأوُلى، وقد يرتفع بعضها إلى مرحلة شموخه الفلسفي… ورأينا هذا متأتٍ من أنّنا نتبنى أصلاً الفكرة التي ترى أنَّ محاولة الفارابي في الإصلاح السياسي والاجتماعي ظهرتْ عندما لمس الفيلسوف انهيار القاعدة الإسلامية ووسائل الحكم فيها، ممّا جعله يربط بين تأثيراته العامة بالإنجاز الأفلاطوني والأرسطوطالي في هذا السياق، وقيم التعاليم الإسلامية التي لم يسبق تطبيقها فعلاً، وإنّما احتواها الحكّام من الناحية النظرية فحسب.
وأيّاً ما كان؛ فحذارِ أنْ نقع بما وقع فيه بعض الباحثين العرب من أمثال د. محسن مهدي ـ حين اعتبر كتاب التنْبيه على سبيل السعادة هو الجزء الأوّل من مجموعةٍ ثلاثية هي:
1 ـ التنْبيه على سبيل السعادة.
2 ـ الألفاظ المستعملة في المنطق.
3 ـ كتاب المقولات.
وجميع هذه الكتب تكوّن ما يسمّى بـ«الأوسط الكبير) أو (المختصر الكبير)!… وكان السبب الرئيسي في الانزلاق إلى هذا الرأي هو أنَّ الفارابي في الربع الأخير من كتابه (التنْبيه) يتحدث عن الوسيلة التي ينبغي أنْ يميّز فيها الإنسان بين الحقّ والباطل، والخطأ والصواب (كما أوضحنا ذلك في فقرة سابقة)؛ ويعني بها صناعة المنطق وألفاظه التي تسبقها صناعة النحو ـ كدليلٍ يسوقه لتحديد طرائق المنهج التي تسبق الشروع بدراسة الفلسفة وموضوعاتها، لذا عُدّ هذا وسيلة لتلك… بينا نجد الفيلسوف في تنظيره المعرفي يؤكد، وبوضوحٍ تام، أنَّ المنطق الحقّ هو (البرهان) لأنَّه السبيل الحقيقي لهذه الصناعة؛ الذي يقود إلى التصديق اليقيني من حيث أنّه يؤدي إلى قوانين ثابتة يمكن الاستعانة بها في جميع موضوعات الفلسفة.
في ضوء هذا الذي ذكرنا؛ لا نجد ما يبرّر صحة الرأي الذي يذهب إلى أنَّ كتاب التنْبيه على سبيل السعادة هو الجزء الأول من مجموعة الفارابي المنطقية، لأنَّ الكتاب المذكور ـ كما نرى ـ لا يُعدّ وسيلة لصناعة المنطق باعتبار أنَّه ينهض أساساً على محاولة تحقيق السعادة الإنسانية المرغوبة في ظلّ دراسة الفلسفة كمنْظومةٍ قائمةٍ على منهجٍ محدّد. وأنَّ كثيراً من فقراته ترتبط أصلاً في البحث عن مفاهيم وأصول أخلاقية واجتماعية.
فهل يصحّ ـ بعد الذي قلناه ـ اعتبار التنْبيه على سبيل السعادة كأنّه (المقدمة) التي قدّمها الفارابي لكتاب الألفاظ المستعملة في المنطق؟… إنَّه أمرٌ لا يمكن الركون إليه، ولا يحْسُن الأخذ به منهجياً، على أقلّ تقدير!…
فما المقصود إذن بعبارة الفارابي التي يقول فيها «ونجعل مآلنا لهذا الكتاب» التي قرأها د. مهدي «ونجعله (تالياً)» ـ حسب ما ورد في بعض نسخ (التنْبيه).
وفات د. محسن مهدي أنَّ مخطوطة المكتبة البريطانية المرقمة Rich Add. 7518 ترد فيها النهاية واضحة كما ذكرنا في أعلاه؛ أي «ونجعل مآلنا لهذا الكتاب» ـ ويعني بذلك كتاب التنْبيه. ومن هنا فإنَّ القراءة الخاطئة لمحسن مهدي أوقعته، من حيث يعلم أو لا يعلم، في الحكم المبتسر حول كتاب (التنْبيه)!…
إنني لا أتردّد في أنَّ أبا نصر الفارابي قصد بعبارته تلك الإشارة إلى أنَّ السعادة لا تتمّ للإنسان إلاّ بوسائله العقلانية المتميّزة؛ ولا بُدّ لنا من دراسة ما يؤدي إلى اقتناء هذه الملكة المتميّزة ـ فإذن ينبغي »أنْ «نفتح كتاباً من كتب الأوائل» متخذين إياه مدخلاً إلى دراسة ألفاظ المنطق وموضوعاته؛ كما يقول الفيلسوف… وليس في هذا ما يدعو إلى اعتبار (التنْبيه على سبيل السعادة) هو الجزء الأول الذي يسبق كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، كما بسطنا من قبل… إنَّ (التنْبيه) كتابٌ يرتبط، من حيث التنظيم، بدلالة المفهوم الذي يصحر به الفارابي دائماً وهو (تحصيل السعادة).
أمّا الإشارة الواردة في كتاب (الألفاظ المستعملة في المنطق) والتي تقول: «وقد قيل في الكتاب الذي قُدِّم على هذا الكتاب أيّ قوة يفيدها صناعة المنطق وأيّ كمالٍ يُكسبه الإنسان بها… وبالجملة فإنّها تُكسب القوّة أو الكمال الذي ذكرناه في الكتاب الذي قبل هذا». والتي اعتبرها د. محسن مهدي تأكيداً لما ذهب إليه بخصوص كتاب التنْبيه على سبيل السعادة!… أقول إنَّ الفيلسوف هنا يعني كتاب إحصاء العلوم الذي يورد فيه فقرة مفصلة عن المنطق ووسائله وغايته، ويؤيد رأينا هذا حديث الفارابي عن السوفسطائية الذي يرد في كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، حيث لا مجال للقول بأنَّ المقصود هو كتاب التنْبيه، لأنَّ الأخير يخلو من ذلك تماماً: فالمقصود إذن كتاب إحصاء العلوم.
يضاف إلى هذا أنَّ الفارابي حين أشار إلى فكرة تقسيم العلوم وطرائق مناهجها الفلسفية في كتاب التنْبيه على سبيل السعادة؛ جاءتْ إشارته مرسلة بدون تفصيل، لذا لَمْ نجد لها تطبيقاً عملياً إلاَّ في كتابه إحصاء العلوم، فلا مشاحة إذن في القول إنَّ كتاب إحصاء العلوم يأتي في الترتيب الزمني بعد كتاب التنْبيه من ناحية التأليف.
ونعود إلى ما بدأنا به؛ لنقرّر أنَّ كتاب التنْبيه على سبيل السعادة يتميّز باستقلالية عن منظومة كتاب المنطق الفارابية، ونقترح في هذا المجال ضمّه إلى مجموعة مؤلفات الفيلسوف الأخلاقية والسياسية والاجتماعية.
3 ـ منهج التحقيق:
أحسبني على حقٍّ حين أؤكّد هنا السبيل ذاته الذي سلكناه في تحقيقنا لكتاب «تحصيل السعادة» ـ حيث انصبّ اهتمامنا على أمرين في منهجية التحقيق النقدي:
أولهما؛ الحرص الشديد على اختيار القرارات التي في تصورنا تعكس نحواً من القرابة مع النسخة الأم Archetype ومحاولة التغيير التي يستدعيها النصّ عند الضرورة لبعض كلماته التي قد تكون من هنات الناسخين؛ وما أكثرها خاصة في المخطوطات المتأخرة. متجاوزين طريقتهم في النسْخ الخاطىء لبعض كلمات اللغة العربية التي ينبغي الأخذ بما هو متّفق عليه منها؛ لأنّنا لسنا من دعاة الأخذ بطرائق النسْخ القديم؛ كما فعل مثلاً الأب بوييج اليسوعي في تحقيقاته لكتاب ابن رشد (ت595هـ) حيث نجد في الصفحة الواحدة: (حتي، حتى.. إلى، إلي.. مبدأ، مبدا.. عصا، عصى.. وهكذا) لأنَّ الغرض من التحقيق في رأينا هو إيجاد وسيلةٍ سيلمةٍ تقرب إلى روح النصّ بدلالته التي ترتفع أحياناً إلى حدّ المطابقة مع الأصل، دون الإخلال بالأمانة العلمية التي يفرضها الجهاز النقدي. وهذا بحدّ ذاته ممّا يجعل المحقّق يعمل على اعتبار نسخة المؤلف مثلاً خاضعة لهذا الجهاز أيضاً؛ لأنَّ المؤلف هنا ـ من الناحية الشكلية ـ ناسخٌ فحسب على أقلّ تقدير!… فإذا دوْن لفظة (حتى) مع نقطتين تحت الألف المقصورة؛ أبحنا لأنفسنا إصلاحها؛ بشرط أنْ لا نغيّر من المضمون شيئاً ـ تلك هي الطريقة التي سلكناها؛ وللباحثين حرية الاختيار فيما يحقّقون!…
وثانيهما؛ إنّنا لَمْ نعتمد نصّاً معيناً من المخطوطتين، بل تمَّ تحقيق النصّ على قاعدة (التكامل) بينهما؛ حيث يساعد بعضها بعضاً في كشْف الشكل الحقيقي الذي أراده الفيلسوف ـ مع بذل البصيرة الاجتهادية، قدر المستطاع، في تنقية النصّ من الشوائب الأخرى.
وقد أجزنا لأنفسنا، في ضوء ما ذكرنا في أعلاه، أنْ نعيد المختصرات إلى أُصولها في الرسم السليم للكلمة، فمثلاً (مح = محال، ح = حينئذٍ، فح = فحينئذٍ، أيض = أيضاً، مط = مطلوب، ظ = ظاهراً، كك = كذلك، يق = يقال، ثلثه = ثلاثة، مهية = ماهية). وكذلك أصلحنا إملاء بعض الكلمات؛ فمثلاً: (مبدا = مبدأ، حيوته = حياته، الجزؤ = الجزء، جزوية = جزئية) ـ وأصلحنا أمر التنْقيط؛ حيث يلتزم الناسخ (خاصة في نسخة م) بوضع النقطة أو النقطتين تحت الحرف، سواء كانت فاء أو تاء أو نوناً ابتدائية أو وسطية دون مراعاة لقواعد الإملاء، مع الوقوع في أخطاء التأنيث والتذكير، وذلك حسب أمزجة الناسخين!…
وكذلك فإنَّ النسختين خالية من حركات الضمّ والفتح والكسر، وغير ملتزمة بقواطع النصّ، باستثناء النسخ المطبوعة في حيدر آباد. ومن هنا فإنَّ علامات الوقف وتقسيم النصّ إلى فِقرٍ هو من عملنا الخاص، وفي ضوء فهمنا للنصّ المحقّق.
وقد اعتبرنا نشرة حيدر آباد لكتاب التنْبيه على سبيل السعادة رقماً ثالثاً يضاف إلى المخطوطتين اللّتين استعملتا في التحقيق، على الرغم من أنَّ نشرة الهند مفتقرة إلى التحقيق العلمي الدقيق.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنَّ كتاب التنْبيه على سبيل السعادة تُرجم إلى عدة لغاتٍ أجنبيةٍ كاللاتينية والألمانية والروسية والفارسية والتركية، ولا يخلو بعضها من التعليق والتحقيق.
وفي أدناه وصفٌ للمخطوطتين، مع إجراء مقارنةٍ بينهما، كما أوردناهما في تحقيقنا لكتاب (تحصيل السعادة).
4 ـ المخطوطتان:
(أ) نسخة المكتبة البريطانية (المتحف البريطاني سابقاً):
يقع كتاب (التنْبيه على سبيل السعادة) ضمن المجموع المرقم Rich Add. 7518 وتسلّسله العاشر بين الرسائل الفارابية، ويبدأ من ورقة 125ظـ 136 و… وتحتوي المخطوط على الرسائل الفلسفية التالية:
1 ـ مقالة في معاني العقل، تبدأ من ورقة (1 ظـ 5ظـ).
2 ـ مقالة في أغراض ما بعد الطبيعة، تبدأ من ورقة (6 وـ 10ظـ).
3 ـ كتاب في مبادىء آراء أهل المدينة الفاضلة، يبدأ من ورقة (10 وـ53 و).
4 ـ كتاب فصوص الحِكم، يبدأ من ورقة (53ظـ – 62ظـ).
5 ـ مقالة في الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، تبدأ من (63 وـ81و).
6 ـ رسالة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم، تبدأ من ورقة (81ظـ 87 ظـ).
7 ـ كتاب تحصيل السعادة، يبدأ من ورقة (88 ظـ 110 ظـ).
8 ـ في جواب مسائل سُئل عنها، تبدأ من ورقة (111 وـ 122و).
9 ـ رسالة في إثبات المفارقات، تبدأ من ورقة (122 وـ125و).
10 ـ كتاب التنْبيه على سبيل السعادة، يبدأ من ورقة (125ظـ – 136و).
11 ـ كتاب السياسة المدنية، يبدأ من ورقة (136 ظـ – 171ظـ).
ومجموع أوراق المخطوط يبلغ (171) ورقة، وحجمه 21 × 12سم (15 × 6,3سم)، ومسطرته (19) سطراً في الصفحة الواحدة.
وفي الرسالة الأخيرة (السياسة المدنية) وردتْ إشارة إلى تاريخ تدوينه على الشكل التالي:
«ثمَّ في يوم الإثنين من أواخر شهر الشوّال (كذا) في بلدة أصفهان صينتْ عن الحدثان؛ في السنة الخامسة من العشر الأول من المائة الثانية (كتب الناسخ لفظة الأولى، ثم أصلحها إلى الثانية) من الألف الثاني من الهجرة النبويّة على هاجرها ألف ألف تحية وعلى آله خير الورى تحية، على يدي العبد محمد يوسف بن محمد علي، عُفي عنهما بالنجاة الرضي».
فتاريخ نسّخ المخطوط إذن هو 1105 للهجرة. أما كتاب التنْبيه على سبيل السعادة في هذه النسخة ففيه استدراكات على الهامش، وتصحيحات قليلة على السطور، ولا يخلو من أخطاء إملائية. ويستعمل الناسخ طريقة الاختصار لبعض الكلمات، كما أشرنا من قبل.
(ب) ـ نسخة مكتبة مِشْكاة:
وهي المجموعة التي أُهديت إلى المكتبة المركزية لجامعة طهران. وكتاب (التنْبيه على سبيل السعادة) يقع ضمن المجموع المرقم (240 ـ كتابخانه مشكوة) ويبدأ من الورقة (73ظـ – 80ظـ). ولأهمية المخطوط يستحسن تقديم وصفٍ كاملٍ له.
يضمُّ المجموع (200 ورقة) يرد في الورقة الأولى منه (1ظـ) برنامج ما في المخطوط من رسائل تحت عنوان: (مجموعة الرسائل لأبي نصر الفارابي) ـ وكُتب هذا العنوان بخطٍ مخالفٍ لخط البرنامج؛ ويبدو أنّه أحدث منه، وتحت العنوان رقم (23) والمقصود به عدد الرسائل وفي أدناه ذكر لهذه الرسائل.
1 ـ أغراض أرسطو في مقالات كتابه الموسوم بالحروف: هو تحقيق غرضه في كتاب ما بعد الطبيعة.
2 ـ أسماء العقل حسب ما ذكره أرسطو.
3 ـ في إثبات المفارقات.
4 ـ الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو.
5 ـ عيون المسائل على رأي أرسطو، وهي 160 مسألة (كذا).
6 ـ كتاب الفصوص.
7 ـ جوابات لمسائل متفرقة، وهي 41 مسألة (كذا).
8 ـ نُكتٌ فيما يصحّ وما لا يصحّ من أحكام النجوم.
9 ـ المبادىء التي بها قوام الأجسام والأغراض (أصلحتها يد متأخرة إلى: السياسة المدنية).
10 ـ فضائل الإنسانية (أصلحتها يد متأخرة إلى: تحصيل السعادة).
11 ـ التنْبيه على أسباب السعادة.
12 ـ إحصاء الأبواب التي في مختصر كتاب المدني.
13 ـ مبادىء آراء أهل المدينة الفاضلة.
14 ـ فصول تشتمل على ما يُضطر إلى معرفته من أراد الشروع في صناعة المنطق.
15 ـ المختصر الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين.
16 ـ مقالة صدّر بها كتابه المنطق.
17 ـ مقالة في الكلّيات الخمس.
18 ـ كتاب الأوسط الكبير في المنطق (ستة أجزاء).
ونجد في الورقة التالية ذكر لهذا الأوسط الكبير على الوجه الآتي: «مقالة الفارابي صدّر بها كتابه في المنطق، مع مقالةٍ في الكلّيات الخمس. والمقالتان مع ما يليهما هو كتاب الأوسط الكبير في المنطق لأبي نصر.
تفصيل ما اشتمل عليه هذا الكتاب:
الأول: إيساغوجي؛ وهو المدخل (= إحصاء الأشياء التي عنها تأتلف القضايا). والثاني: قاطيغورياس وهو المقولات. الثالث: بارمنياس وهو العبارة. الرابع أنولوطيقا الأول وهو القياس. الخامس: أنولوطيقا الثانية وهو البرهان. السادس: طوبيقا وهو الجدل. السابع: سوفسطيقا وهو المغالطة. الثامن: ريطوريقا وهو الخطابة. التاسع: بيطوريقى وهو الشعر. وكما أشاد مدوّن البرنامج عندما ذكر أنَّ كتاب (الأوسط الكبير) ستة أجزاء، فإنَّ المجموع يقف عند السادس وهو الجدل.
وعَوْدٌ إلى وصف المخطوط؛ ففي الصفحة (2و) من الجهة العليا عبارة حديثة الخط تقول: «رسالة جمع بين الرأيين» ـ وفي وسط الصفحة ترد أسماء الأشهر الهجرية، وتحت كل شهر ترد عبارة باللغة الفارسية تدل على أرقام معينة!. والخط بالنسبة لهذه المدونات فارسي دقيق متأخر. وفي أسفل الصفحة نجد عبارة بخط نسْخ حديث تقول: «اشتريت في النسي وأنا الراجي (كلمة غير مقروءة) عفو ربه الغني… عبدالغفار عبدالوهاب الرضوي عفي عنهما».
وهناك تعليقات وتصحيحات على هوامش بعض الرسائل بخط الناسخ، بعضها يتكون من عبارات، وبعضها الآخر كلمات مفردة. ويبدو أنَّ النسخة مقارنة مع أخرى، وتمَّ التصحيح في ضوئها.
أمَّا كتاب التنْبيه على سبيل السعادة؛ فيقع في (7) ورقات، وتسلسله الحادي عشر، وحجمه (22,5 = 12,5سم) ومسطرته (21) سطراً (15 × 8سم) وخطه نستعليق حديث كسائر خط المجموع، وتاريخ نسخه الحادي عشر للهجرة (ظاهراً).
وتتصف نسخة (التنْبيه على سبيل السعادة) هنا بنفس الصفات تقريباً التي مرّتْ من حيث الإِملاء والمختصرات والتنقيط وخلوها من التقطيع الجُملي. وهناك بعض التصحيحات القليلة على الهامش مدونة بخط الناسخ، ولعلها قورنتْ مع نسخةٍ أخرى؛ لأنَّ الناسخ يضع علامة (صـ) في نهاية الكلمة أو الجملة.
في ضوءهذه الصورة التي وصفنا فيها المخطوطتين، يمكن القول أنْ هناك وشائج قربى بينهما ـ ولكن ليس من السهل أبداً الإِدعاء بأنَّ أحداً منهما نُقل عن الآخر، فدرجة القربى تظهر أكثر وضوحاً في مخطوطٍ دون آخر.
د. جعفر آل ياسين
التنزيه
رسالة للسيد محسن الأمين صدرت سنة 1927 كانت دعوة كبرى من دعواته الإصلاحية أحدثت هزة في العالم الإسلامي لا سيما في إيران والعراق وشبه القارة الهندية الباكستانية وسورية ولبنان. وننشر أولاً تلخيصاً للرسالة، ثم نتبعه بذكر بعض ما كان لها من صدى، وتجاوب واستنفار في العالم الإسلامي:
قال في مفتتح الرسالة:
إن الله سبحانه وتعالى أوجب إنكار المنكر بقدر الإمكان بالقلب أو اليد أو اللسان ومن أعظم المنكرات اتخاذ البدعة سنة والسنّة بدعة والدعاية إليها وترويجها.
ثم يشير بعد ذلك إلى ما ينكره من الأمور التي دخلت في مجالس ذكرى الحسين فيقول:
(فمنها الكذب) بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب وهي تتلى على المنابر وفي المحافل بكرة وعشياً ولا من منكر ولا رادع وسنذكر طرفاً من ذلك في كلماتنا الآتية إن شاء الله، وهو من الكبائر بالاتفاق لا سيما إذا كان كذباً على الله أو رسوله أو أحد الأئمة (عليهم السلام).
(ومنها إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها) بضرب الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف حتى يسيل دمها وبضرب الظهور بسلاسل الحديد وغير ذلك. وتحريم ذلك ثابت بالعقل والنقل وما هو معلوم من سهولة الشريعة وسماحتها الذي تمدّح به رسول الله (ص) بقوله: «جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء» ومن رفع الحرج والمشقة في الدين بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة).
(ومنها كل ما يوجب الهتك والشنعة) مما لا يدخل تحت الحصر ويختلف الحال فيه بالنسبة إلى الأقطار والأصقاع إلى غير ذلك.
فإدخال هذه الأشياء في إقامة شعائر الحزن على الحسين (عليه السلام) من المنكرات التي تغضب الله ورسوله (ص) وتغضب الحسين (عليه السلام) فإنما قتل في إحياء دين جده (ص) ورفع المنكرات فكيف يرضى بفعلها لا سيما إذا فعلت بعنوان أنها طاعة وعبادة.
وقد رأينا في هذه الأيام أوراقاً مطبوعة ذكر فيها صاحبها أنه يرد على ناشئة عصرية من صفتها كذا وكذا فطائفة منها ازدلفت إلى مشاهدهم المقدسة ببقيع الغرقد فهدمتها وطائفة منهم قد تألبت لإبطال إقامة العزاء للنبي وآله وعترته أيام وفياتهم المعلومة لا سيما يوم عاشوراء.
وحسن فيها ما يفعله بعض الناس أيام عاشوراء من لبس الأكفان وكشف الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف حتى تسيل منها الدماء وتلطخ بها تلك الأكفان ودق الطبول وضرب الصنوج والنفخ في البوقات و(الدمام) وغير ذلك والسير في الأزقة والأسواق والشوارع بتلك الحالة.
وعرض بنا بسوء القول لنهينا عن قراءة الأحاديث المكذوبة وعن هذا الفعل الشائن للمذهب وأهله والمنفر عنه والملحق به العار عند الأغيار والذي يفتح باب القدح فيه وفي أهله ونسبتهم إلى الجهل والجنون وسخافة العقول والبعد عن محاسن الشرع الإسلامي واستحلال ما حكم الشرع والعقل بتحريمه من إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها حتى أدى الحال إلى أن صارت صورهم الفوتغرافية تعرض في المسارح وعلى صفحات الجرائد. وقد قال لنا أئمتنا (عليهم السلام) «كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيئاً علينا» وأمرونا بأن نفعل ما يقال لأجله «رحم الله جعفر بن محمد ما أحسن ما أدب به أصحابه». ولم ينقل عنهم أنهم رخصوا أحداً من شيعتهم في ذلك ولا أمروهم به ولا فعل شيء من ذلك في عصرهم لا سراً ولا جهراً حتى في أيام ارتفاع الخوف والتقية كأوائل دولة بني العباس وعصر المأمون وغير ذلك.
وقد كتب على ظهرها أنها للمصلح الكبير أفهذا هو الإصلاح الذي يوصف صاحبه بالمصلح الكبير بالحث على أمر لو فرض محالاً أنه ليس محرماً فهو يلصق العار بالمذهب وأهله وينفر الناس منه ويفتح باب القدح فيه أليس من الورع في الدين والاحتياط فيه التحاشي عنه أما يقتضي الإصلاح لو كان القصد الإصلاح تركه والتجافي عنه صيانة للمذهب وأهله من الصاق العيب بهم والتنفير عنهم فلو فرض إباحته فهو ليس من واجبات الدين التي يضر تركها.
وقد أفاض صاحبها في ذكر خرافات العرب قبل الإسلام مما لا مساس له بالموضوع وفي أمور أخرى كثيرة من هذا القبيل بعبارات مطولة ولسنا بصدد استقصاء جميع ما فيها مما يوجب الانتقاد لأن ذلك يطول به الكلام ولا يتعلق لنا به غرض بل نقتصر على شق الرؤوس واستعمال الطبول والزمور ونحوها ونذكر نموذجاً من كلامه في غيرها مما وقع نظرنا عليه اتفاقاً ليكون مثالاً لغيره.
كقوله: «ومن فواجع الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور ما نقلته بعض جرائد بيروت في هذا العام عمن نحترم أشخاصهم من المعاصرين الوطنيين([79]) من تحبيذ ترك المواكب الحسينية والاجتماعات العزائية بصورها المجسمة في النبطية وغيرها فما أدري أصدق الناقل أم كذب فإن كان صادقاً فالمصيبة على الدين جسيمة عظيمة لا ينوء بها ولا ينهض بعبئها عاتق المدينين (إلى آخر ما هنالك).
وتقول: هذا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد شيئاً ولو أضيف إليه أضعافه من قاطعات النحور ومجففات البحور ومفطرات الطيور. بل أن من فجائع الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور اتخاذ الطبول والزمور وشق الرؤوس على الوجه المشهور وإبراز شيعة أهل البيت واتباعهم بمظهر الوحشية والسخرية أمام الجمهور مما لا يرضى به عاقل غيور وعد ذلك عبادة ونسبته إلى أهل البيت الطهور. والمواكب الحسينية والاجتماعات العزائية لا تستحسن ولا تحل إلا بتنزيهها عما حرمه الله تعالى وعما يشين ويعيب وينسب فاعله إلى الجهل والهمجية وقد بينا أن الطبل والزمر وإيذاء النفس والبروز بالهيئة المستبشعة مما حرمه الله ولم يرضه لأوليائه سواء وقع في النبطية أو القرشية أو مكة المكرمة.
وجاء فيها «قالوا إنا نجد قراء التعزية كثيراً ما يسردون على مسامع الجالسين أحاديثاً (كذا) مكذوبة وأجاب بما لفظه: وكثير من أساطين العلماء يعملون بضعاف الأخبار من السنن ومن المعلوم أن روايات التعزية من سنخ الرخص لا العزائم والله يحب أن يأخذ برخصه كما يحب أن يأخذ بعزائمه».
وإنا نسأله ما ربط عمل العلماء بالخبر الضعيف في السنن بأخبار التعزية التي هي أمور تاريخية لا أحكام شرعية وما ربط الخبر الضعيف بالمقام والقائل الموهوم إنما قال إنهم يوردون أحاديث مكذوبة ولم يقل ضعيفة الإسناد وما معنى أن روايات التعزية من سنخ الرخص لا العزائم فالرخصة خاصة بالمباح والمستحب والمكروه والعزيمة بالحرام والواجب فما معنى أن روايات التعزية من الرخص فهل تلك الروايات نفسها مباحة أو مكروهة أو مستحبة فإن كان المراد نفس الرواية فلا تتصف بشيء من ذلك وإن كان المراد نقلها فأي معنى لقول نقلها رخصة لا عزيمة مع أنها إن كانت كذباً كان نقلها محرماً وإن كان المراد مضمونها فهو قصة تاريخية لا تتصف برخصة ولا عزيمة ولو فرض أو مضمونها حكم شرعي فلا بد أن يكون أحد الأحكام الخمسة التكليفية فكيف جعل رخصة فقط (وقوله) إن الله يحب أن يؤخذ برخصه إلخ لا ربط له بالمقام إذ معناه أن الله يحب أن يخفف على عبده بترك المستحب مثلاً كما يحب أن يلتزم بفعل الواجب وترك المحرم فما ربط ذلك بإيراد الرواية المكذوبة في التعزية.
وجاء فيها «قالوا وجلهم أي قراء التعزية يتلو الحديث ملحوناً (وأجاب) بما ملخصه على طوله أن المستمعين أمم عديدة ألسنتها شتى منهم عربي وفارسي وتركي وهندي و.و. إلخ. ومنهم عوام فينقل لهم معنى الأحاديث بألفاظهم العامية (إلى أن قال) وأي حاجة ماسة للعربية الفصحى في قراءة التعزية على أمة أمية كمعدان العراق وقروية الشام وسكان بادية نجد والحجاز واليمن المصطلحين فيما بينهم على وضع ألفاظ معلومة».
وأنت ترى أن الجواب غير منطبق على هذا المقال الموهوم فالقائل يقول: الأحسن رفع اللحن من قراءة التعزية وهو يقول في جوابه أن المستمعين منهم عربي وفارسي وتركي وهندي فما ربط الفارسي والتركي والهندي والجاوي بالمقام فلم يقل القائل أنه لا ينبغي قراءة التعزية بالتركية للأتراك وبالفارسية للفرس وبالهندية للهنود بل يقول ينبغي لقراء التعزية بالعربية للعرب عدم اللحن ولم يقل أنه لا ينبغي أن يقرأ الحديث بالمعنى حتى يجيبه بأن منهم عواماً فينقل لهم الحديث بألفاظهم العامية على أن ذلك أمر غير واقع فليس في قراء التعزية من يقرأ بالألفاظ العامية بل كلهم يقرأون الفصحى ولكن مع اللحن من البعض والقائل لم يأب عن قراءة التعزية بالألفاظ العامية كالنعي المتعارف بل يقول إذا قرىء الشعر لا يحسن أن يكون ملحوناً وإذا نقل حديث أو خطبة ينبغي أن لا يكون فيه لحن. والقائل يقول لا ينبغي اللحن في قراءة التعزية وهو يقول في جوابه لا يلزم قراءتها بالعربية الفصحى ولو فرضنا أنه أراد من العربية الفصحى عدم اللحن فيقال له: إذاً أي حاجة إلى ترك اللحن في جميع الكلام؟ ولماذا وضع النحو وكتب العربية؟ وهل قراءة الفاعل مخفوضاً والمفعول مرفوعاً تزيد في فهم المعاني لمعدان العراق وقروية الشام وسكان بادية نجد واليمن والنازلين بأرياف مصر والحالين في نواحي حضرموت والمتبوئين صحراء أفريقية وبلاد المغرب؟ وما الذي يدعوه إلى كل هذه المدافعة عن اللحن في قراءة التعزية؟ وما القارىء إلا خطيب. وما الذي يدعوه إلى كل هذه المدافعة عن اللحن في القراءة أهو حب الإصلاح أم أمر آخر؟ وهل إذا تلونا الحديث والشعر بدون لحن فاستجلبنا به قلب ذي المعرفة ولم ننفره بسماع الغلط وصنّا الحديث عن اللحن والغلط وعن الخطأ في فهم المعنى بسبب اللحن ولم نجعل تفاوتاً على غير العرفة الذي لا يضره رفع الفاعل ولا يزيد في فهمه خفضه يكون عملنا هذا مضراً وعكسه نافعاً والمستمعون كما يوجد فيهم المعدان يوجد فيهم أهل العلم والمعرفة.
قال: «وممن طعن على القراء للتعزية بعض المعاصرين زعم أن الكثيرين منهم بين مخلق (كذا)([80]) للأخبار وبين ماسخ لها وعنده هذا الطعن عليه ـ انتهى».
ومراده كاتب هذه السطور الذي ذكره في مقدمة المجالس السنية ما لفظه: هذا ولكن كثيراً من الذاكرين لمصابهم (عليه السلام) قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها إلى آخر ما ذكرناه. والمجالس السنية إنما ألفناها لتهذيب قراءة التعزية وإصلاحها من العيوب الشائنة والمحرمات الموبقة من الكذب وغيره وانتقاء الأحاديث الصحيحة الجامعة لكل فائدة فقام هذا الرجل يرمينا بأن هذا الطعن علينا بأننا نختلق الأحاديث ونمسخها وجاء بعبارته هذه التي جمجم فيها وبترها وأبت نفسه إلا أن يذكرها والله تعالى يعلم وعباده يعلمون وهو نفسه يعلم أننا لسنا كذلك وأننا نسعى جهدنا ونصرف نفيس أوقاتنا وعزيز أموالنا في تأليف الكتب وطبعها ونشرها لا نستجدي أحداً ولا نطلب معونة مخلوق قصد لتهذيب الأحاديث التي تقرأ في إقامة العزاء من كل كذب وعيب وشين ليكون الذاكرون من الخطباء الذين تستجلب قراءتهم الأنظار وتستهوي إليها الأفئدة والأسماع وتستميل الطباع وليكون أثرها في النفوس بقدر ميلها إليها ولتكون مفخراً للشيعة لا عاراً عليهم ولتكون قراءتهم عبادة خالصة من شوب الكذب الموجب لانقلابها معصية فإن إقامة شعائر الحزن بذكر صفات الحسين (عليه السلام) ومناقبه ومآثره ووصف شجاعته وإبائه للضيم وفظاعة ما جرى عليه وذكر المواعظ والخطب والآداب ومستحسن أخبار السلف وغير ذلك والتخلص إلى فاجعة كربلا على النهج المألوف مع تهذيبها عن المنافيات والمنكرات من أنفع المدارس وأقوى أسباب التبشير بالدين الإسلامي وطريقة أهل البيت (عليهم السلام) يعرف ذلك كل منصف ونحن نذكر لك واقعة واحدة تكون نموذجاً لما نقوله وهي أنه اتفق وجودنا في مدينة بعلبك في وفاة بعض أجلاء السادة من آل مرتضى فقرأ رجل من القراء الذين عودناهم على عدم اللحن في القراءة خطبة من النهج في صفة الأموات وكان بعض عرفاء المسيحيين حاضراً فقال لجلسائه أنني لم أعجب من بلاغة هذا الكلام الذي هو غاية في البلاغة ولا من جري القارىء في قراءة كالسيل ولا من مضامين هذا الكلام الفائقة وإن كان ذلك كله موضع العجب وإنما عجبت من عدم لحن هذا القارىء فيما قرأه على طوله.
يقول هذا الرجل إننا نزعم أن الكثير منهم بين مختلق للأخبار ثم يشتمنا بهذا القول وما ندري ما الذي يزعمه هو أيزعم أنهم كلهم ليسوا كذلك كيف وغالبهم عوام يخلطون الحابل بالنابل ولا ننكر أن فيهم الفضلاء الكاملين الذين يفتخر بأمثالهم ولكن الكثير منهم ليسوا كذلك كما هو مشاهد بالعيان ويجهل أو يتجاهل قراءتهم حديث أين ضلت راحلتك يا حسان الذي اختلقه بعض الناس على سطح مسجد الكوفة كما هو مشهور عند فضلاء النجف وغيرهم. أم حديث خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون مظناً لهجوم الخيل على مخيمنا يوم يحملون وتحملون وإلا فليدلنا في أي كتاب هذا الحديث وأي رواية جاءت به ضعيفة أو صحيحة. أم حديث أن البرد لا يزلزل الجبل الأصم ولفحة الهجير لا تجفف البحر الخضم أم حديث قول شمر للحسين (عليه السلام) (بعدك حياً يا ابن الخارجي) أم حديث أي جرح تشده لك زينب. أم حديث مخاطبة زينب للعباس حين عرض شمر عليه وعلى إخوته الأمان. أم حديث مجيء زين العابدين لدفن أبيه مع بني أسد. أم حديث درة الصدف التي حاربت مع الحسين (عليه السلام) أم حديث مجيء الطيور التي تمرغت بدم الحسين (عليه السلام) إلى المدينة ومعرفة فاطمة الصغرى بقتل أبيها من تلك الطيور: أم غير هذه الأحاديث الكثيرة التي تقرأ على المنابر وهي من الكذب الصراح والتي يطول الكلام بالإشارة إليها في هذه العجالة. أم يزعم أن قراءة الأحاديث المختلقة خير من قراءة الأحاديث الصحيحة المروية قصداً للإصلاح.
وحاصل مقصود هذا المصلح الكبير أن لا ينبه أحد من قراء التعزية على ترك قراءة الأحاديث المكذوبة وعلى ترك اللحن ولا على قراءة بعض ما ينفر السامعين بل يريد أن تبقى الأحاديث ممزوجاً صحيحها بسقيمها وغثها بسمينها وصدقها بكذبها وخطأها بصوابها وقشرها بلبابها ولحنها بأعرابها فحبذا هذا الإصلاح. وما ندري ما الذي يسوءه من حمل القراء على قراءة الأحاديث الصحيحة وما الذي يعجبه من قراءة الأحاديث المكذوبة والملحونة وليس هو بقارىء تعزية ولا إقامه القراء محامياً ووكيلاً عنهم.
ومما قاله في تحسين لبس الأكفان وكشف الرؤوس وشقها بالمدى والسيوف يوم عاشورا: «ما الذي نقموه على هذه الفئة وسفهوا لأجله أحلامها وأخرجوها به عن دائرة الإنسانية ألبسها لبس الموتى فهذا عمل غير معيب عقلاً وهو مشروع ديناً في إحرام الحج ومندوب في كل آنٍ للآخرة وتأهباً للموت وكفى واعظاً ومن الغرور بالدنيا محذراً ومنذراً أكشفها عن رؤوسها وهذا أيضاً مستحسن طباً مشروع بالإحرام ديناً أم شقها أرؤسها بآلة جارحة وهذا أيضاً مسنون شرعاً إذ هو ضرب من الحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفية مباحة بالأصل والراجح منها مستحب والمرجوح مكروه والمضر محرم والحافظ للصحة واجب فقد تمس الحاجة إلى عملية جراحية تفضي إلى بتر عضو أو أعضاء رئيسية حفظاً لبقية البدن وسداً لرمق الحياة الدنيوية والحياة الدنيا بأسرها وشيكة الزوال والاضمحلال أتباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة ما في أهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلها سعادة أخروية وحياة أبدية وفوز بمرافقة الأبرار في جنة الخلد ـ انتهى».
قوله الحجامة مباحة بالأصل بل هي محرمة بالأصل لأنها ضرر وإيذاء للنفس ولا تحل إلا مع الضرورة لدفع مرض أو ألم أعظم منها وإلا لكانت كفعل حجام ساباط الذي ضرب به المثل فقيل: أفرغ من حجام ساباط. وكان إذا لم يجد من يحجمه حجم زوجته وأولاده (قوله) والمرجوح مستحب فيه أنه يشمل الواجب والمستحب (قوله) والحفاظ للصحة واجب فيه أنه لا يجب دائماً فمع الخوف على النفس يجب وبدونه يستحب. وحيث جعل شق الرؤوس نوعاً من الحجامة فهو إما واجب وذلك حينما يخشى الضارب على نفسه الهلاك ولو لم يضرب نفسه بأن يخبره الطبيب الحاذق أن في رأسه مرضاً مهلكاً لا يشفيه إلا جرح رأسه وشقه أو مستحب بأن يكون الضارب محموماً حمى شديدة ويخبره الطبيب الحاذق أن دواءه في شق رأسه وإخراج الدم منه ويشترط في هذين عدم التعرض للشمس وشدة الحركة الذي قد يوجب شدة مرضه أو هلاكه وإما محرم وذلك حيث يكون إيذاء صرفاً وضرراً بحتاً. وحيث إن الذين يضربون رؤوسهم ليس في رؤوسهم داء ولا في أبدانهم حمى فانحصر فعلهم في الحرام وإذا كان محرماً لم يكن مقرباً إلى الله ولا موجباً لثوابه بل موجباً لعقابه ومغضباً لله ولرسوله (ص) وللحسين (عليه السلام) الذي قتل لإحياء شرع جده (ص) (قوله) قد تمس الحاجة إلى عملية جراحية إلخ فيه أن العملية الجراحية المفضية إلى بتر العضو أو الأعضاء تباح بل تجب لأنها مقدمة لحفظ النفس الواجب وتباح لأجل الضرورة فإن الضرورات تبيح المحظورات فيقدم الأهم وهو حفظ النفس على المهم وهو عدم الإيذاء والإضرار ويرتكب أخف الضررين ولكن الحرام لا يباح لإدراك المستحب فالاستحباب لا يعارض الحرمة ولا يطاع الله من حيث يعصى ولا يتقبل الله إلا من المتقين. ومن ذلك تعلم أن قوله أتباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة ما في إهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلها سعادة أخروية كلام شعري فإن الفائدة الأخروية وهي الثواب لا تترتب على فعل المحرم فلا يكون في هذا الفعل إلا الضرر الدنيوي والأخروي.
وما أشبه هذا الكلام الشعري بما يحكى أن رجلاً صوفياً سرق تفاحة وتصدق بها فسأله الإمام الصادق (عليه السلام) عن سبب فعله ذلك فقال: إنه لما سرقها كتبت عليه سيئة فلما تصدق بها كتب له عشر حسنات لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فإذا أسقطنا سيئة من عشر حسنات بقي تسع حسنات فقال له الصادق (عليه السلام): أن هذا جهل أو ما سمعت قوله تعالى: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} إنك لما سرقت التفاحة كتبت عليك سيئة فلما تصدقت بها كتبت عليك سيئة أخرى لأنك تصدقت بغير مالك أو ما هذا معناه.
ثم قال: «لا يقال أن السعادة والفوز غداً لا يترتبان على عمل ضرري غير مجعول في دين الله لأنا نقول أولاً الغير مشروع (كذا) في الإسلام في الأمور الضررية هو ما خرج عن وسع المكلف ونطاق طاقته لقبح التكليف حينئذٍ بغير مقدور أما ما كان مقدوراً فلم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله وكونه شاقاً ومؤذياً لا ينهض دليلاً عى عدم جعله إذ التكاليف كلها مشتقة من الكلفة وهي المشقة وبعضها أشد من بعض وأفضلها أحمزها وعلى قدر نشاط المرء يكون تكليفه وبزنة رياضة المرء نفسه وقوة صبره وعظمة معرفته يكلف بالأشق فالأشق زيادة للأجر وعلواً للرتبة ومزيداً للكرامة ومن هاهنا كانت تكاليف الأنبياء أشق من غيرها ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل وفي الخبر أن عظيم البلاء يكافؤه عظيم الجزاء وفي آخر أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل من المؤمنين وعباد الله الصالحين وهكذا إلى الطبقة السفلى وهي طبقة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فهم أخف تكليفاً من سائر الطبقات ـ انتهى».
قوله: لا يترتبان على عمل ضرري غير مجعول في دين الله. (فيه): أن الجعل للأحكام لا للأعمال فيقال هذا الحكم مجعول في دين الله أو غير مجعول ولا معنى لقولنا هذا العمل مجعول في دين الله أو غير مجعول بل يقال جائز أو غير جائز أو نحو ذلك. (قوله): لأنا نقول أولاً الغير مشرع (كذا) في الإسلام إلخ. فيه: (أولاً): أن قوله الغير مشروع لحن غير مسموع تكرر وقوعه منه كما نبهنا عليه إذ لا يجوز دخول أل على المضاف إلا إذا دخلت على المضاف إليه كالجعد الشعر (ثانياً): أنه ذكر أولاً ولم يذكر ثانياً. (قوله): أما ما كان مقدوراً فلم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله. فيه: (أولاً): أن الكلام في العمل الذي فيه ضرر كما صرح به في قوله: لا يترتبان على عمل ضرري والجعل للحكم لا للعمل كما مر فكأنه اشتبه عليه ما سمعه من أن الله لم يجعل حكماً ضررياً بمقتضى قوله (ص): لا ضرر ولا ضرار وما يريد أن يثبته من أن الله يجوز أن يكلف بما فيه ضرر كشق الرؤوس فخلط أحدهما بالآخر (ثانياً): قوله: لم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله أن أراد به أنه لم يقم برهان على جواز أن يكلف الله بما فيه ضرر فأين قول الفقهاء دفع الضرر المظنون واجب؟! وأين اكتفاؤهم باحتمال الضرر الموجب لصدق خوف الضرر في إسقاط التكليف؟! وأين قولهم بوجوب الإفطار لخائف الضرر من الصوم وببطلان غسل من يخاف الضرر لحرمة الغسل واقتضاء النهي الفساد في العبادة ووجوب التيمم حينئذٍ؟! وأين قولهم بوجوب الصيام وإتمام الصلاة على المسافر الذي يخاف الضرر على نفسه بالسفر لكون سفره معصية؟! وقولهم بسقوط الحج عمن يكون عليه عسر وحرج في الركوب والسفر أو يخاف الضرر بسفره؟! إلى غير ذلك من الأحكام المنتشرة في أبواب الفقه. (قوله): وكونه شاقاً ومؤذياً لا ينهض دليلاً على عدم جعله ـ فيه أنه أعاد لفظ الجعل وقد عرفت أنه ليس له هنا محمل وجمع بين الشاق والمؤذي وهما غيران حكماً وموضوعاً فالمؤذي وهو الضار يحرم فعله ولم يكلف الله به والشاق الذي فيه عسر وحرج لم يكلف الله به لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} إلا في موارد مخصوصة لكن ربما يجوز فعله إذا لم يكن مضراً.
ومن الطريف قوله: التكاليف كلها مشتقة من الكلفة فإن الكلفة إذا بلغت حد العسر والحرج أسقطت التكليف كما عرفت وإذا بلغت إلى حد الضرر أوجبت حرمة الفعل. وأفضل الأعمال أحمزها إذا لم تصل إلى حد الضرر وإلا حرمت فضلاً عن أن تكون أفضل أو غير أفضل (قوله) على قدر نشاط المرء يكون تكليفه إلخ فيه أن تكاليف الله لعباده واحدة لا تتفاوت بالنشاط والكسل وقوة الصبر وعظمة المعرفة فالواجبات يكلف بها الجميع لا يسقط واجب عن أحد بكسله وضعف صبره وحقارة معرفته ولا يباح محرم لأحد بشيء من ذلك ولا يجب مباح ولا يحرم على أحد بقوة صبره ونشاطه وعظمة معرفته وكذا المستحبات والمكروهات نعم الكسلان كثيراً ما يترك المستحب وقليل الصبر كثيراً ما يفعل المكروه والتكليف في الكل واحد وليس في الشريعة تكليف لشخص بغير الشاق ولآخر بالشاق ولشخص بالشاق ولآخر بالأشق بحسب تفاوت درجاتهم ومراتبهم في النشاط والرياضة والصبر والمعرفة (ومن هنا) تعلم فساد قوله: ومن هاهنا كانت تكاليف الأنبياء أشق من غيرها ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل. نعم كلف نبينا (ص) دون غيره بأشياء خاصة دون غيره مثل الزيادة على أربع أزواج وباقي التكاليف يتساوى فيها مع غيره وأين هذا مما نحن فيه.
قوله: وفي الخبر أن عظيم البلاء يكافؤه عظيم الجزاء. هذا أجنبي عن المقام إذ المراد بالبلاء هو المصائب الدنيوية من موت الأولاد وذهاب الأموال والقتل وتسلط الظالم وأمثال ذلك وأي ربط لهذا بما نحن فيه من التكليف بالشاق أو ما فيه ضرر. وهكذا خبر أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل.
ليس معناه أشد الناس تكليفاً بل المراد بذلك المصائب والبلايا الدنيوية التي تصدر عليهم كما صدر على النبي (ص) وأهل بيته (عليهم السلام) وأوليائهم. وفي أي لغة يصح تفسير البلاء بالتكليف. وهل الذين يشقون رؤوسهم من أمثل الطبقات حتى كلفوا بذلك والعلماء وخيار المؤمنين ليسوا كذلك فلم يكلفوا به ولم يفعلوه.
(وأما المستضعفون) فهم القاصرون في الإدراك الذين رفع الله عنهم بعض التكاليف التي لا يمكنهم معرفتها لقصور إدراكهم كما رفع التكاليف عن المجانين لحكم العقل بقبح تكليف الجميع فأين هذا مما نحن فيه.
قال: «ولو كان الشاق وإن دخل تحت القدرة والطوق غير مشروع ما فعلته الأنبياء والأولياء ألم يقم النبي (ص) للصلاة حتى تورمت قدماه؟ ألم يضع حجر المجاعة على بطنه مع اقتداره على الشبع؟ ألم تحج الأئمة مشاة حتى تورمت أقدامهم مع تمكنهم من الركوب؟ ألم يتخذ علي بن الحسين البكاء على أبيه دأباً والامتناع من تناول الطعام والشراب حتى يمزجها بدموع عينيه ويغمى عليه في كل يوم مرة أو مرتين؟ أيجوز للنبي وآله (ص) إدخال المشقة على أنفسهم طمعاً بمزيد الثواب ولا يجوز لغيرهم؟ أيباح لزين العابدين أن ينزل بنفسه ما ينزله من الآلام تأثراً وانفعالاً من مصيبة أبيه ولا يباح لوليه أن يؤلم نفسه لمصيبة إمامه؟ أينفض العباس الماء من يده وهو على ما هو عليه من شدة الظمأ تأسياً بعطش أخيه ولا نقتص أثره؟ أيقرح الرضا جفون عينيه من البكاء والعين أعظم جارحة نفيسة ولا نتأسى به فنقرح على الأقل صدورنا ونجرح بعض رؤوسنا؟ أتبكي السماء والأرض تلك بالحمرة وذي بالدم العبيط ولا يبكي الشيعي بالدم المهراق من جميع أعضاءه وجوارحه؟ ولعل الأذن من الله لسمائه وأرضه أن ينزف (كذا) على الحسين ما تشعر بترخيص الإنسان الشاعر لتلك المصيبة الراتبة أن ينزف من دمه ما استطاع نزفه إجلالاً وإعظاماً وهب أنه لا دليل على الندب فلا دليل على الحرمة مع أن الشيعي الجارح نفسه لا يعتقد بذلك الضرر ومن كان بهذه المثابة لا يلزم بالمنع من الجرح وإن حصل له منه الضرر اتفاقاً ـ انتهى».
وقد عرفت أن المشقة إذا وصلت لحد العسر والحرج أوجبت رفع التكليف بالإجماع لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ولم توجب تحريم الفعل وإذا وصلت إلى حد الضرر أوجبت رفع التكليف وحرمة الفعل (أما) استشهاده بقيام النبي (ص) للصلاة حتى تورمت قدماه فإن صح فلا بد أن يكون من باب الاتفاق أي ترتب الورم على القيام اتفاقاً ولم يكن النبي (ص) يعلم بترتبه وإلا لم يجز القيام المعلوم أو المظنون أنه يؤدي إلى ذلك لأنه ضرر يدفع التكليف ويوجب حرمة الفعل المؤدي إليه وإلا فأين ما اتفق عليه الفقهاء من أنه إذا خاف المكلف حصول الخشونة في الجلد وتشققه من استعمال الماء في الوضوء انتقل فرضه إلى التيمم ولم يجز له الوضوء مع أنه أقل ضرراً وإيذاء من شق الرؤوس بالمدى والسيوف إلى غير ذلك، وأما وضعه حجر المجاعة على بطته مع اقتداره على الشبع فلو صح لحمل على صورة عدم خوف الضرر الموجب لحرمة ذلك لكن من أين ثبت أنه كان يتحمل الجوع المفرط الموجب لخوف الضرر اختياراً مع القدرة على الشبع وكذا استشهاده بحج الأئمة مشاة هو من هذا القبيل، أما بكاء علي بن الحسين (عليه السلام) على أبيه المؤدي إلى الإغماء وامتناعه عن الطعام والشراب فإن صح فهو أجنبي عن المقام فإن هذه أمور قهرية لا يتعلق بها تكليف وما كان منها اختيارياً فحاله حال ما مر، وأما نفض العباس الماء من يده تأسياً بعطش أخيه فلو صح لم يكن حجة لعدم العصمة، وأما استشهاده بتقريح الرضا (عليه السلام) جفون عينيه من البكاء فإن صح فلا بد أن يكون حصل ذلك قهراً واضطراراً لا قصداً واختياراً وإلا لحرم ومن يعلم أو يظن أن البكاء يقرح عينيه فلا يجوز له البكاء إن قدر على تركه لوجوب دفع الضرر بالإجماع وحكم العقل، أما قوله: «أتبكي السماء إلخ…» فكلام شعري صرف لا يكون دليلاً ولا مؤيداً لحكم شرعي وأما قوله: وهب أنه لا دليل على الندب فلا دليل على الحرمة فطريف لأن الأصل في المؤذي والمضر الحرمة ودفع الضرر واجب عقلاً ونقلاً، ومثله قوله مع أن الشيعي الجارح لا يعتقد بذلك الضرر، فإن الجرح نفسه ضرر أولاً وذلك لا يتفاوت فيه الشيعي وغيره فالكل ذو لحم ودم لا دخل فيه للمذهب.
ثم نقول عطفاً على قوله: «أيقرح الرضا جفوف عينيه ولا نتأسى به فنقرح على الأقل صدورنا ونجرح بعض رؤوسنا: إننا لم نر كم جرحتم مرة بعض رؤوسكم ولا كلها ولا قرحتم صدوركم من اللطم ولا فعل ذلك أحد من العلماء وإنما يفعله العوام والجهلة. أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم. يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.
ونقول عطفاً على قوله: «أتبكي السماء والأرض بالحمرة والدم ولا يبكي الشيعي بالدم المهراق من جميع أعضائه»: إننا ما رأيناكم أهرقتم دماً طول عمركم للحزن من بعض أعضائكم ولا من جميعها فلماذا تركتم هذا المستحب المؤكد تركاً أبدياً وهجرتموه هجراً سرمدياً ولم يفعله أحد من العلماء في عمره ولو بجرح صغير كبضعة الحجام ولماذا لم يلبسوا الأكفان ويحملوا الطبول والأبواق وتركوا هذه المستحبات تفوز بها العوام والجهلة دونهم. (انتهى).
ولما توفي السيد محسن نشر جعفر الخليلي صاحب جريدة الهاتف العراقية في جريدته المقال التالي:
السيد محسن الأمين
يقود معركة الإصلاح بشجاعة وتضحية
المفروض أن يكون العالم الروحاني رجلاً جافاً خشناً تدل على ذلك مآكله وملابسه وأفكاره، وسواء أكان هذا المفروض حقاً أم باطلاً فقد وجد أن أكثر العلماء الروحانيين عاشوا على هذه الوتيرة يتهيبهم الناس لجفافهم وعدم فهم أفكارهم وترفعهم عما يحوط الناس ويكتنفهم، أما الذي انطبق عليه تعريف المؤمن بأن يكون (هشاً بشاً) فقد كانوا قليلين ومن هذا القليل كان السيد محسن الأمين، فقد وعيت أول ما وعيت وأنا أسمع باسمه عالماً متجدداً ينزع إلى اللباب ويدعو للتبسط فمالت نفسي له وقرأت بعض عظاته وأفكاره فدلني المقروء على روحانية من صنف آخر غير ما ألفت أن أرى في النجف على الغالب فهفت نفسي إليه، وكلما ازددت قراءة لأفكاره ازداد إيماني به كعالم أفهم ما يقول وأعرف ماذا يريد، وكم كنت وأنا صبي أمر على المسجد الهندي والمسجد الطوسي وأخيراً الصحن الشريف في النجف فأسمع العلماء يتدارسون ويتباحثون فكان ذلك عندي كالرطينة، وإذا كان ذلك حقاً باعتباره درساً من الفقه أو الأصول الذي هو فوق مستوى الرجال فضلاً عن الأطفال فأين الحق في هذا الكلام الذي يتداولون به في مجالسهم ويرسلونه تعبيراً عن أغراضهم، أنه لا يزال رطينة من الرطائن لايستطيع أن يتفهمها كثير من الكبار وجميع الصغار على الإطلاق، ولكن بين هذه الرطائن التي ينطق بها العلماء قد ينطلق من أفواه بعضهم كلام مفهوم لجميع الكبار وكثير من الصغار فترتاح إليه النفوس وينفذ إلى القلوب ولم نعرف سبب هذا الاختلاف حتى قيل لنا أن هذه اللغة المفهومة كلها أو بعضها والروحية التي تدفع بها إنما هي روحية المتجددين من العلماء، وكان السيد محسن الأمين في طليعة دعاة التجدد وعنواناً لروحيتهم.
ومن الحق أيضاً أن نقول أن هذا الذي سمي بالتجدد لم يكن جديداً وإنما كان هو القديم بل هو اللب والأساس من الدين ومن العلوم الاجتماعية ولكن الذي أخرج العلماء على قواعد الإيمان التي تتطلب أن يكون العالم هشاً بشاً هو الذي أخرجهم على مغزى التشريع وقواعد الدين وانتحى بهم ناحية هي وأصول الدين الصحيح على طرفي نقيض فإذا بنا لا نعرف منطوقهم ولا محمولهم ولا ما يهدفون إليه.
وما لنا وهذا الآن وكلما أريد أن أقول بأن أول ما جذبني من السيد محسن كان هذا الذي يقوله السيد محسن فيفهمه الناس ويتحسسون بخطره وقيمته، وازددت معرفة به من أبي فقد كان أبي زميله في الدرس مدة طويلة وصديقه مدة إقامة السيد محسن في النجف طالباً للعلم ثم علمت أن للسيد محسن أنداداً من العلماء هم الآخرون كانوا ينفذون إلى النفوس بدعواتهم الإصلاحية وأحاديثهم الشهية والفرق بين السيد محسن وغيره هو أن السيد محسن لم يكتف بالكتابة والوعظ والإرشاد بل راح يعمل على قدر الطاقة لتنزيه الدين من الشوائب والقضاء على كل تعقيد يوسع الخرق والعمل على تنشئة جيل صالح منذ أن ذهب إلى دمشق هادياً ومرشداً فتوجه إلى تأليف كتب أدبية وأخلاقية مدرسية وتأليف كتب خاصة بتأريخ سيرة الحسين (عليه السلام) وعرضها عرضاً مجرداً من الشوائب والأكاذيب لاتخاذها مصدراً لخطباء المنابر الحسينية ثم عمل لقيام المدرسة المحسنية في دمشق وإلزام الخطباء بمراعاة خطته في المآتم الحسينية وأول عمل قام به هو تحريم الضرب بالسيوف والسلال في يوم عاشوراء ومقاومة الذين يستعملون الطبول والصنوج والأبواق وغيرها في تسيير مواكب العزاء بيوم عاشوراء، فكان هذا أول عمل اتخذ منه مخالفوه ذريعة لمهاجمته وقد أيدهم في نشاط الحملة كونها جاءت متفقة ورغبة العوام (والسواد) كل الاتفاق واتسعت الحملة وكان الشيخ عبدالحسين صادق في النبطية والسيد عبدالحسين شرف الدين في صور ممن خالف السيد محسن الأمين فبعثت هذه المخالفة في نفس السيد محسن روحاً جديدة زادته حماسة وثورة في وجه القائلين بجواز الضرب بالسيف على الرؤوس في يوم عاشوراء فأصدر (رسالة التنزيه).
واتجه الجميع إلى كبار العلماء يستفتونهم في أمر الضرب بالسيف كمظهر من مظاهر الحزن على أبي عبدالله الحسين فأفتى المرحوم (السيد أبو الحسن الأصفهاني) بحرمة الضرب بالسيف، وقال ما مضمونه: «إن استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم أمثاله في مواكب العزاء بيوم عاشوراء إنما هو محرم وهو غير شرعي».
وكان المرحوم السيد أبو الحسن لم ينفرد بعد بالزعامة الروحية بل كان في طريق انفراده بها وكان له منافسون من العلماء فكادت تجمع فتاوى منافسيه على خلافه وتبعهم في ذلك كل الشيعة لا القليل، ودوت هذه الفتاوى المخالفة للسيد (أبو الحسن) الذي أيد السيد محسن في جميع الأندية والمجالس، وتبناها الخطيب الشهير السيد صالح الحلي وقد كان من مشاهير الخطباء الذين قلما تجود الطبيعة بأمثالهم من حيث القدرة والخبرة والجرأة فصرخ بالناس وهاجمهم ضد السيد محسن الأمين، وانقسم الناس إلى طائفتين على ما اصطلح عليه العوام: (علويين) و(أمويين) وكان الأمويون هم أتباع السيد محسن الأمين وقد كانوا أقلية لا يعتد بها وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى.
واتخذها البعض حجة لمهاجمة أعدائهم واتهامهم بالأموية وكثر الاعتداء على الأشخاص وأهين عدد كبير من الناس، وضرب البعض منهم ضرباً مبرحاً وبلغت جرأة السيد صالح أن تطاول على السيد أبو الحسن وتناول السيد محسن.
وبدافع إعجابي بالسيد محسن وانطباعاتي عنه منذ الصغر وإيماني بصحة دعوته أصبحت (أموياً) وأموياً قحاً في عرف الذين قسموا الناس إلى أمويين وعلويين، وكنت شاباً فائر الدم كثير الحرارة فصببت حرارتي كلها في مقالات هاجمت بها العلماء الذين خالفوا فتوى السيد أبو الحسن والذين هاجموا السيد محسن الأمين ولما كنت يومذاك موظفاً فقد نشرت مقالات في الجرائد بتواقيع مستعارة وتبعني في عملي هذا عدد من (الأمويين) ثم ما لبثنا أن تعارفنا نحن (الأمويين) وكان المرحوم الشيخ محسن شرارة في الطليعة، ولست أذكر مما مر إلا أنني أحسنت الدفاع عن السيد محسن بقلمي ولساني حتى هددت بالقتل والاعتداء.
وكنت أجد في كثير من الأحيان رسالتين وأكثر قد ألقي بها تحت الباب تتضمن إلى جانب التهديد بالقتل شتائم عجيبة غريبة فكنت أسعى لالتقاطها قبل أن يعرف أحد عنها شيئاً ذلك لأن لي أماً ملتهبة العاطفة أخشى أن يصل إليها خبر التهديد فتجن وتنغص علي حياتي، وكان لي من حسن الحظ من يدفع عني الشر رغم كونه من العلويين، ومن الحق أن أشير إلى المجتهد الكبير الشيخ عبدالكريم الجزائري فقد كان ممن ذب يوم ذاك هو والزاهد التقي المرحوم الشيخ علي القمي والعالم المعروف الشيخ جعفر البديري عن السيد محسن، ولكن التيار كان جارفاً والقوة كلها في جانب (العلويين) وكانوا يتفننون في التشهير بالذين سموهم (بالأمويين)! ولا تسل عن عدد الذين شتموا وضربوا وأهينوا بسبب تلك الضجة؛ وكان السبب الأكبر في كل ذلك هم (العامليون) الذين كانوا يسكنون النجف طلباً للعلم وكان معظمهم من مخالفي السيد محسن.
وممن دافع عن السيد محسن خارج النجف كان المرحوم السيد مهدي القزويني في البصرة وكان السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني في بغداد الذي ساعدنا نحن الذين تولينا الكتابة والدفاع عن السيد كثيراً، على أن دفاع هؤلاء لم يكن مستغرباً يوم ذاك كما كان دفاع المرحوم الشيخ علي القمي ودفاع المرحوم الشيخ جعفر البديري لبعدهما عن روح التجدد، وقد أثار هذان الأخيران في ذبهما عن السيد محسن دهشة الأوساط.
وقد استطاع السيد محسن أن يوجه مساعيه توجيهاً عملياً فيحول بين أرباب المآتم الحسينية والمواكب وبين القيام بأية حركة تتنافى والشريعة الإسلامية حتى الخطباء فقد استطاع أن يسيطر عليهم ويحصر خطبهم ضمن دوائر معينة من الموعظة والإرشاد وقراءة سيرة الحسين وتاريخ شهادته بعد أن كانت الفوضى عملت عملها حتى بلغ من تصرف الخطباء أن يرووا على منابر الحسين أخباراً وروايات هي أقرب للكفر منها إلى الإسلام عند علماء الشيعة.
أما النجف وسائر المدن الأخرى فقد قابلت دعوة السيد محسن برد فعل قوي شديد ظهر أثره في أول شهر محرم جاء بعد الفتوى فقد ازداد عدد الضاربين بالسيوف والسلاسل وازداد استعمال الطبول والصنوج والأبواق وكثرت الأهازيج والأناشيد التي تتضمن النقمة والتحدي لتلك الحركة الإصلاحية وخاف (الأمويون) على حد تعبير الناس وانسحب الكثير منهم من الميدان.
وبلغ السيد محسن خبر هذه الضجة كما بلغه خبر الذين ذبوا عن رأيه ودافعوا عن حركته وظهر لي من شكره لي وثنائه علي في أول التقائي إياه أنه كان يعرف كل شيء عن الحركة.
وأصدرت جريدة (الفجر الصادق) وكنت فيها جريئاً على قدر ما تستدعيه حرارة الشباب واندفاعه وكانت لي مع السيد صالح الحلي مواقف مشهودة استطعت أن أنتقم منه للإصلاح ولم أبال بالتهديد والوعيد وكان المرحوم الحاج عطية أبو كلل يؤيدني في موقفي لعدة أسباب أهمها كونه من مقلدي السيد (أبو الحسن) ثم ارتباط أسرته بأسرتي ارتباطاً قديماً، هذا إضافة إلى اتفاقي والحاج عطية ببث الدعوة لحمل اتجاه مواكب (الأنصار) إلى النجف في يوم وفاة النبي (ص) تلك الحركة التي كان هو وحده بطلها وقد نجحت ومنذ ذلك اليوم والمواكب تقصد النجف في يوم وفاة النبي من كل سنة.
فكان كل هذا سبباً لوقوف جريدة الفجر الصادق في وجه السيد صالح الحلي وقوف من لا يخشى شيئاً ولا يخاف أمراً ولكي تتم الحملة بالنجاح ويتم الانتقام لدعوة السيد محسن الإصلاحية قامت جريدة الفجر الصادق بالدعوة للخطيب الأستاذ الشيخ محمد علي اليعقوبي وكان يومذاك يسكن في الجعارة (الحيرة) ولاقت الدعوة لليعقوبي إقبالاً بالنظر لما كان يتمتع به من مواهب أدبية وملكات ممتازة وكثر على مرور الزمن التلذذ بمنبر اليعقوبي وبان أثر الانكسار على السيد صالح جلياً وتشجع أنصار الحركة الإصلاحية بالظهور ولم يعد يتردد اسم (الأمويين) كثيراً كما كان يتردد من قبل.
وزرت دمشق مصطافاً لأول مرة وكان أول عمل عملته هو زيارة السيد محسن وكان يسكن بيتاً إلى جوار المدرسة المحسنية وجاء ذكر الحركة الإصلاحية فأفاض كثيراً في وصف العلل والفوضى التي تعم الناس وقال إن الأمر بحاجة إلى أيد فعالة تنشل هؤلاء الجهلاء من جهالتهم وأذكر فيما أذكر أنه قال لي ما مضمونه: (إن السيد صالح الحلي هو أحسن خطيب عرفته المنابر الحسينية وأنا أود أن نعد الخطباء على غراره إذا ما أردنا أن ننبه الناس ونوجههم توجيهاً صحيحاً أما موقفه ضد الحركة الإصلاحية وضدي أنا، فله تفاسير أخرى لا يجوز أن تصدنا عن قول الحقيقة).
إلى أن قال الأستاذ الخليلي:
وجاءت الأخبار تنبىء أن السيد محسن قادم إلى العراق فاختلف أنصاره في أمره فمنهم من رجح مجيئه ومنهم من لم يرجح ذلك لأن الفتنة لم تكن قد خمدت بعد تماماً وإن الفعل وإن بدا أخف من السابق ولكنه كان لا يزال غير مستهان به وكتب البعض إلى السيد محسن بتأجيل قدومه ولكن السيد محسن كان جريئاً وغير هياب فتحرك من دمشق وتحركت الجماهير لاستقباله ودعا السيد (أبو الحسن) إلى تبجيله وتكريمه فتضاعف الغرض وإذا به استقبال لم تشهد النجف نظيراً له اشترك فيه العلماء والفضلاء والتجار ومختلف الأصناف ودنا منه (الشيخ كلو الحبيب) وهو من وجوه الطبقات المسماة (بالمشاهدة) وهي الطبقات التي تمثل النجف بقوة السلاح ـ دنا منه الشيخ كلو الحبيب وترامى على قدميه ثم أخذ يقبل يديه ويقول: لعن الله من غشني، ها هو ذا وجهك النوراني يشع بالإيمان فأغفر لي سوء ظني فإنما الذنب ذنب أولئك المارقين المغرضين الذين قالوا عنك ما قالوا([81]).
وكان وجه السيد محسن يشع بالإيمان حقاً فقد كانت له جاذبيته وسحره وكان ينم عن نفس وادعة بعيدة عن التعقيد لا غموض فيها ولا إبهام فلا يلبث أن يراه أحد حتى يحبه.
ونزل في النجف ضيفاً على السيد (أبو الحسن) المرجع الديني الأكبر في النجف ثم انتقل بعد ذلك إلى بيت الشيخ خليل مغنية وقد زرت سماحته هناك وكان محله غاصاً بطبقة كبيرة ممن كان قد تألب وألب الناس عليه ولكنه ما كاد يراه حتى ذاب أمامه كما يذوب الثلج أمام صيف الشمس الحارة، وبالغ الحاضرون في استقبالي والعناية بي في مجلسه ستراً لمواقفهم النابية وخوفاً من أن أشير ـ وأنا العارف بفعلتهم ـ إلى ما بذلوا من جهود ومساعي للنيل من السيد والحط من شأنه وكان معظمهم من العامليين.
وبولغ في إكرام السيد محسن والحفاوة به وكثرت الولائم والدعوات التي أقيمت له وفرضت شخصيته المحترمة نفسها حتى على خصومه فبالغوا هم الآخرون في تكريمه وتبجيله ولم يخرج من النجف حتى سقط اسم (العلويين والأمويين) من الأفواه فلم يعد أحد قسم الناس إلى قسمين.
في صميم معركة الإصلاح
تجاوبت بثورة (التنزيه) أنحاء العالم الإسلامي، وعمت دعوتها المسلمين في كل مكان، وترجمت إلى أكثر من لغة، ووجد فيها المخلصون فرصة ثمينة للتخلص من الشوائب والأباطيل، فأرادوها نقطة انطلاق نحو نهضة إصلاحية شاملة، كما وجد فيها الآخرون خطراً يهدد بعضهم بما هم فيه من جمود ورجعية، وبعضهم بما لهم من مصالح ومآرب، وأصبحت البلاد الإسلامية تغلي غلياناً بها، فكثرت الردود عليها وانهالت الهجمات على صاحبها، وصاحبها صامد كالطود مؤمن بانتصاره في النهاية، ونذكر أن فريقاً من محبيه المخلصين هالهم أن يتعرض شخصه لمثل ما تعرض له فكتبوا إليه يرجونه بسحب الرسالة من المكتبات، وإخفائها عن العيون إلى أن تهدأ الضجة، وتخمد العاصفة فكان جوابه أن ضاعف الكميات المطروحة وزود المكتبات بأكثر ما يستطيع تزويدها من النسخ، وقال لمن حوله: إذا كان لا بد من التضيحة فإني لمغتبط أن يكون شخصي هو الضحية.
وإننا ـ للتاريخ ـ لنورد هنا مثالاً مما كان يدلي به خصوم الدعوة وأنصارها على السواء من حجج وبيانات مستشهدين بأقوال من حاولوا أن يناقشوا الموضوع ويردوا على الرسالة دون أن يوغلوا في الشتائم والسباب، ودون أن يعتمدوا على البذاءة وحدها…
فكان ممن أيد الدعوة بحماسة الكاتب الهندي (محمد علي سالمين) صاحب جريدة (ديوائن ميسج) التي تصدر في بومباي باللغة الإنكليزية، فكتب مقالاً نشر باللغة العربية قال فيه:
… وكتب العلامة المجتهد الأكبر آية الله السيد محسن الأمين أيده الله كتاباً رد به على من يضربون الصدور. والكتاب بصورة رسالة جمع فيها من الشارد والوارد إلى ما شاء الله على أن هذا العمل لم يأتنا من إمام أو وصي بل هو بدعاية الجهلة بدعة ابتدعوها وكما قال النبي الكريم: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فبأي حديث بعده يؤمنون؟
ظنوا حب آل محمد بهذه الأعمال فهذا لعمري ليس حباً لأن من أحب شيئاً أعزه واحترمه وهل اللطم والضرب والتشبيهات في الشوارع أمام المجوس والوثنيين يدل على حبكم يا محبي آل محمد اليوم؟ «انتهى».
ولم ينم أعداء الدعوة فتناوله منهم السيد نور الدين شرف الدين فرد عليه بمقال قال فيه:
«لم يكن في الحسبان أن الشعائر الحسينية التي اتخذتها الشيعة سنة من عهد آل بويه إلى يومنا هذا تجعل مسألة نظرية تتضارب فيها الأفكار وتختلف الأنظار إذ لا شك في فوائدها التي تعود بالنفع العميم على هذه الطائفة وليت من ناقش في ذلك أدلى بحجة واضحة وبرهان قاطع لنتبعه فإن الحق أحق أن يتبع».
وبعد أن يمضي الكاتب على هذا المنوال يعدد أسماء بعض المخاصمين لدعوة الإصلاح ويعدد أسماء كتبهم التي تخالف الدعوة وهم: عمه السيد عبدالحسين شرف الدين، وصهر عمه الشيخ عبدالله سبيتي، وابن عمه السيد محمد علي شرف الدين وقريب عمه الشيخ مرتضى آل ياسين. ثم الشيخ عبدالحسين الحلي والشيخ محمد حسين المظفر، يذكر هؤلاء ليدعم قوله بهم ثم يستشهد ببعض الأقوال إلى أن يصل إلى الرد الصريح على خصمه فيقول:
ومما عجبت له جداً ـ بل أسفت ـ أن محمد علي سالمين اقتفى أثر المهوسين فغدا يضرب على ذلك الوتر الذي تغلق المسامع دون ألحانه ونغماته. ثم يقول:
والأستاذ أنكر على الشيعة تمام الإنكار ما يقومون به من لطم الصدور والتمثيل والنياحة على الحسين وزعم أن ذلك محرم بل بدعة وضلالة، إنها حملات شديدة ولهجات غريبة ظهرت بمظهر الإصلاح. ثم يقول مريداً أن يبرهن أن لا ضرر جسدياً من الضرب: نحن نلتمس من الأستاذ سالمين أن يلدم صدره لزمن ساعة أو ساعتين فإن حصل له شيء، من ذلك (أي الأذى) فأنا ضمين له كل ما يقترح (!!).
ثم يختم كلامه بقوله. لم أقصد بكلمتي هذه إلا الذوذ عن الحقيقة.
كما أن أنصار الدعوة كانوا يقظين فتناول (نور الدين) منهم كاتبان وقع أحدهما مقاله بتوقيع (حبيب بن مظاهر: ووقعه الثاني بتوقيع (أبو فراس) وقد جاء في مقال الأول:
نكتب هذه الكلمة الموجزة ليعلم أن الطائفة الإسلامية الشيعية قد ابتليت كغيرها من الطوائف بفئة خاصة من الخلق دأبها قلب الحقائق والمكابرة لدى الدليل ـ حينما يؤب إليها رشدها ـ إن تلك الأعمال قد اتخذها أمراء الشيعة سنة من عهد القرن الرابع إلى يومنا هذا فإذا قيل لها أن عمل الأمراء وأتباعهم من الرعاع لا يصلح أن يكون حجة شرعية: قامت وأعادت تمثيل تلك الرواية وزادت عليها قول: (واسنة نبياه) وإذا اعترضت عليها بأن الشيء لا يكون سنة نبوية إلا إذا صحت روايته عن النبي (ص) كما أن عمل غير واجب العصمة لمصلحة اقتضته لا تبرر العمل المضر: جابهتك بالسباب والتفسيق والتكفير فيخيل إليك أنها من بقايا رؤساء الكنيسة في القرون الوسطى ولا تحسبن أن هذه الفئة اكتفت بالقول السيء بل اجتهدت في إضرام نار الفتنة حتى بين الأخ وأخيه والولد وأبيه فكانت العائلة وهي في مسكن واحد منقسمة إلى قسمين قسم يحبذ تلك الأعمال البربرية وقسم ينكرها.
ثم بعد هذا كله إذا جاءها أحد المصلحين الغيورين وأثبت لها بالحجة الراهنة الدامغة حرمة الكذب في المأتم الحسيني وحرمة إضرار النفس بضرب الزنجير وشج الرأس واللطم الدامي وإدخال الاقفال في الأبدان وتشبه الرجال بالنساء إلى غير ذلك من الأعمال الهمجية ـ قامت عليه وأعادت تمثيل رواية القذف والسب.
إلى أن يقول: هذا مجمل ما أحدثته هذه الفئة وقد طبعت في ذلك وريقات كلها سباب وشتائم شأن صبيان الأزقة. وجاء في مقال الثاني:
كنا نحسب أن كلمة الداعية الإسلامي المفضال الأستاذ محمد علي سالمين ستكون الأخيرة من نوعها في موضوع المأتم الحسيني وأنها سيكون منها مقنع لجماعة التهويش فيفهمون أن الأمة قد اقتفت أثر مصلحيها وأصبحت عالمة خيرها من شرها، وإن هذا الذي يستندون إليه من الضوضاء والضجيج لا يحسدون عليه.
ولكن كلمات جاءت بتوقيع (نور الدين شرف الدين) جعلتنا نعلم أنهم لا يزالون يحسبون أن التهويل يوصلهم إلى ما يأملون!
إنني لا أريد هنا أن آتي بأدلة جديدة أقدمها بين يدي القارىء الكريم، ولكن الذي أريده هو أن أفهم صاحب تلك الكلمات ومن لف لفه ونفخ في بوقه ومن حرضه ودفعه أننا بعد اليوم لن نعير كل ما يصدر من هذا القبيل أقل اهتمام وأننا نضمن بأوقاتنا وأوقات القراء أن تشغل بهذه الأمور التي أصبح مفروغاً منها، فلينضحوا كل ما في نفوسهم ويسودوا ما يشاؤون من الصحف، وسيرون أن هذه البذور الإصلاحية التي تعهدها أفاضل الأمة وساداتها بالرعاية ستنمو وتأتي أكلها في وقت قريب.
ولن يضير هؤلاء الكرام أن يقول عنهم (نور الدين) إنهم مهوسون([82]).
وهاجم الدعوة وصاحبها الشيخ عبد المهدي المظفر في البصرة فأصدر رسالة سماها إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة قال فيها:
وهذا السيد ـ يعني مؤلف رسالة التنزيه ـ قد كنا نسمع عنه أنه من أهل المآثر الحسان، وذوي المكانة السامية في العلم ولكن لما اطلعنا على هذه الرسالة وقعنا في حيرة الشك لما اشتملت عليه من التهجمات على الشيعة والتهويلات الفارغة على مظاهر الشريعة، والاستدلال على مقصوده بما لا يليق أن ينسب إلى مثله، وليته اكتفى بذلك وكف عن قدس صاحب الشريعة وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) ولم ينسب إليهم عدم العصمة عن فعل المحرمات جهلاً بمواقعها، أو سلب الاختيار منهم عند وقوعها، وهذا مما يخالف إجماع الإماميين لأنهم عندنا معصومون عن المعاصي عمداً وخطأ، إذ لو وقعت منهم جهلاً بها أو لغلبة الطباع البشرية عليهم لم تكن أفعالهم حجة بل ولا أقوالهم ولم يثبت بهم اللطف الكامل علينا فإن من لا يملك نفسه عن فعل المعاصي لا يكون مقرباً في كثير من الأحوال إلى الطاعات بل مبعداً عنها وأني لا أريد الرد عليه في مقاصده وإثبات رجحان تلك المظاهر الشريفة أو وجوبها الكفائي لكفاية ما كتبه للرد عليه جملة من إخواننا الأفاضل ولكن أتعرض لبعض ما كتبه استغراباً له وإن كان كل ما فيها غريباً فمن غرائبها:
نفي العصمة عن حجج الله وهداة دينه كما سلف و«منها» نفي العصمة عن شبل أمير المؤمنين العباس (عليه السلام) مريداً به إثبات المعصية له في حال الوفود على ربه فالسيد يثبت له المعصية والإلقاء بالنفس إلى التهلكة بلا وجه شرعي والإمام (عليه السلام) يصفه بصلابة الإيمان، والسيد ينقم عليه رمي الماء من يده والإمام يمدحه بالمواساة و«منها» استدلاله على حرمة تلك الشعائر المحترمة بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فإني لا أعرف كيف يكون الحكم الغير الإلزامي حرجاً وتكون الحرمة ليست بحرج و«منها استدلاله على الحرمة بقوله» (لا يطاع الله من حيث يعصى) فإنه جعل محل النزاع مفروغاً عن حرمته حتى صيره من مصاديق الحديث فيا عجباً أهذه المظاهر التي مضت عليها القرون الكثيرة وهي شعار للشيعة حتى أن بعضها مضى عليه القرون الكثيرة وهي شعار للشيعة حتى أن بعضها مضى عليه ألف سنة تكون بنظر السيد محرمات مفروغاً عن حرمتها والشيعة بأجمعهم في جميع الأزمنة بين مرتكب للمحرم وبين تارك للنهي عن المنكر راض به فيحق لنا أن نستسعد بدعائه ودعاء جماعة المصلحين بالغفران لإخواننا المؤمنين ونستشفع بهم إلى الله في خلاص رقابهم من النار و«منها» جعله التذكار الحسيني بأطواره وشؤونه مجلبة للنقص والعار ومحلاً للاستهزاء عند الأغيار، بربك أيها المنصف البصير هل تصلح أمثال هذه التلفيقات دليلاً على حكم شرعي، و«منها» إنكاره مجيء زين العابدين (عليه السلام) من الحبس لدفن أبيه (عليه السلام) فإنه ما أنكر إلا أمراً مسلماً، وقد بلغني أن جماعة انتصروا للسيد محسن وأيدوه في إنكار دفن زين العابدين لأبيه بدعوى أنه مخالف لمقدورات البشر، ولعمر الحق هذا هو الأمر الموجب للخروج عن الإسلام «انتهى» وتتابعت الرسائل في الهجوم على رسالة التنزيه وقد عدد بعض أسماء أصحابها نور الدين فيما تقدم من كلامه وكل الرسائل لا تخرج عن هذا المنطق ومنطق نور الدين المتقدم، وإن كان بعض الرسائل تعمد البذاءة والإيغال في الشتائم وسيء القول، ومثل ذلك القصائد والمقاطيع وقد اكتفى أنصار الدعوة بإخراج رسالة واحدة للرد على الجميع هي رسالة (كشف التمويه عن رسالة التنزيه) لمؤلفها الشيخ محمد الكنجي ولكنهم اتخذوا من الصحافة الحرة ميداناً رحيباً لأقلامهم المتوثبة وكان ممن أبدع في ذلك الشيخ محسن شرارة والأستاذ سلمان الصفواني وغيرهما.
الشيخ محمد عبده والسيد محسن الأمين
وقال الدكتور علي الوردي عالم الاجتماع الكبير، قال في كتابه (مهزلة العقل البشري) فيما قال:
يعجبني من المصلحين في هذا العصر رجلان هما: الشيخ محمد عبده في مصر والسيد محسن الأمين في الشام، فالشيخ محمد عبده قد نال في بدء دعوته الإصلاحية من الشتيمة قسطاً كبيراً حتى اعتبروه «الدجال» الذي يظهر في آخر الزمان. ولكنه الآن خالد لا يدانيه في مجده أرباب العمائم مجتمعين.
وإني لا أزال أذكر تلك الضجة التي أثيرت حول الدعوة الإصلاحية التي قام بها السيد محسن قبل ربع قرن. ولكنه صمد لها وقاومها باسلاً فلم يلن ولم يتردد. وقد مات السيد أخيراً ولكن ذكراه لم تمت ولن تموت وستبقى دهراً طويلاً حتى هدم هاتيك السخافات التي شوهت الدين وجعلت منه أضحوكة الضاحكين!
تنزيه الأنبياء
كتاب للسيد المرتضى
طبع على الحجر في إيران في (189) صحيفة، كل صحيفة تسعة عشر سطراً، والكتاب في موضوعاته يتصل بمسألة تمثل نقطة الخلاف الجوهري بين الإمامية والمعتزلة، إذ أن الإمامية يذهبون إلى أن الأنبياء والأئمة لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب، كبيراً كان أو صغيراً، لا قبل النبوة ولا بعدها، والمعتزلة يحيلون على الأنبياء وقوع الكبائر والصغائر المستخفة، قبل النبوة وفي حالها، ويجوزون أن يقع منها ما لا يستخف بهم من الصغائر في الحالين.
فهو دفاع عن الأنبياء، ومحاولة لوصفهم بالعصمة، الأمر الذي يلتزمه الإمامية في أئمتهم أيضاً. وجل ما في الكتاب منصب على صرف الظواهر القرآنية، والأحاديث النبوية التي يظهر منها نسبة الخطأ والصغائر إلى الأنبياء، ويعنى الكتاب بتبرير سيرة أئمة الإمامية. منذ وفاة النبي حتى غيبة الإمام الثاني عشر.
ومع أن الكتاب يعالج مسألة كلامية، فهو جدير أن يعد من كتب الأدب لما احتواء من مسائل النحو والبلاغة واللغة.
ثم هو من خير الكتب تصويراً للمذهب الإمامي. وتحديداً لمكانه من المذاهب الأخرى، وقد أحال فيه السيد على كتابه «الشافي» ورسالته «المقنع في الغيبة».
وللكتاب تتمة ألفها «عبدالوهاب الحسيني» من أفاضل القرن التاسع أوائل القرن العاشر.
التنعيم
موضع بمكة خارج الحرم هو أدنى الحل إليها على طريق المدينة منه يحرم المكيُّون يالعمرة. قيل على فرسخين من مكة وقيل أربعة([83]) وسمى بذلك لأن جبلاً عن يمينه يقال له نعيم وآخر عن شماله يقال له ناعم والوادي نعمان. وعن التنعيم([84]) قال الطبري (… لما خرج الحسين (عليه السلام) من مكة اعترضه رُسلُ عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد فقالوا له: انصرف أين تذهب فأبى عليهم ومضى وتدافع الفريقان فاضطربوا…. ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعاً قوياً ومضى الحسين (عليه السلام) على وجهه فنادوه يا حسين ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الأمة فتأول حسين (عليه السلام) ([85]) قول الله عز وجل: {لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}([86]) فلما بلغ ذلك إلى عمرو بن سعيد أرسل رسول بالامتناع من الجدال خوف الفتنة فرجعوا. ومن هنا أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) ثورته حين صادر الأموال التي بعثها بحير بن ربيان الحميري عامل يزيد من اليمن إلى يزيد فيقول الطبري (… ثم إن الحسين أقبل حتى مر بالتنعيم فلقي بها عيراً قد أقبل بها من اليمن بعث بها بحير بن ربيسان الحميري إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فأخذها الحسين (عليه السلام) فانطلق بها ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم من أحب أن يمضي معنا إلى العراق (وفينا كراءه واحسنا صحبته ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقه ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه…) ([87]).
وفي التنعيم يقول محمد بن عبدالله النميري:
فلم تر عيني مثل سرب رأيته
خرجن من التنعيم معتمرات
مررن بفخ ثم رحن عشية
يلبين للرحمن مؤتجرات
فأصبح ما بين الإراك فحذوه
إلى الجذع جذع النخل والعمرات
له أرج بالعنبر الغض فاغم
تطلع رياه من الكفرات
تتضوع مسكا بطن نعمان إن مشت
به زينب في نسوة عطرات
عبدالحسين الصالحي
تهامة([88])
يتكون معظمها من أرض رملية شديدة الحرارة محاطة من جهة الغرب بالبحر الأحمر، ومن الجنوب بخليج عدن، ومن الشرق بجبال السراة، ومن الشمال بتهامة الحجاز. وهي صالحة لغرس النخيل، وزراعة القطن. والتبغ، والحبوب كما أن فيها عدداً من الوديان المشهورة ترويها السيول المنهمرة الآتية من جبال السراة، والتي قد تفيض إلى البحر الأحمر.
ومن وديانها الشهيرة، وادي موزع، ووادي السَّحاري، ووادي نخلة، ووادي زبيد، ووادي رمع، ووادي سهام، ووادي سردد، ووادي مور، ووادي عبس، ووادي حرض، ووادي جازان، ووادي صبيا، ووادي بيش.
وتعتبر مدينة الحديدة أكبر مدن تهامة وأعظمها شهرة. وهي واقعة في الوسط، وتليها من الجنوب مدينة المنصورة، ثم مدينة الدريهمي، وبيت الفقيه ابن عجيل، والحسينية، وحيس، وزبيد، ومدينة المخا، والشيخ عثمان، ولحج، وعدن، وقد ذكر الهمداني في «صفة الجزيرة» عن مدينة عدن أنها جنوبية تهامية، وأنها أقدم أسواق العرب، وقال أنها ساحل يحيط به جبل لم يكن فيه طريق فقطع في الجبل باب بزبر الحديد وصار لها طريقاً إلى البحر إلخ…
ويلي الحديدة من الشرق، مدينة المراوعة واقطيع، وباجل. ومن الشمال، مدينة الزيدية، والمنيرة، واللحية، والزهرة، وحرض، وميدي، وصبيا، وباعريش، وجازان، وغيرها.
أما قرى تهامة التي بنيت بيوتها من القش فكثيرة لا يحصيها عد، ومن موانيها المشهورة سوى عدن، والحديدة. ميناء المخا، والخوخة وميدي، وجازان، واللحية، وغليفقة، ومن مدنها القديمة الخربة التي كانت لها شهرة كبيرة، مدينة المهجم في وادي سردد ومدينة الكدرا الواقعة في وادي سهام، وفشال في وادي رمع، والمحالب في وادي مور.
وتتصل بتهامة شبهه جزيرة الصنيف([89]) ذات الأملاح العظيمة الحجرية. كما أنه توجد على مقربة من تهامة، بعض الجزر الواقعة في البحر الأحمر، منها جزيرة فرسان. وجزيرة دهلك، وجزيرة كمران، وجزيرة بريم، التي يطلق عليها اسم ميون. وهي واقعة على مقربة من مضيق باب المندب.
تهذيب الأحكام (كتاب)
تأليف أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ.
ترجمه معاصرة النجاشي (ت/450) بقوله: «محمد بن الحسن بن علي الطوسي أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقة، عين، من تلامذة شيخنا أبي عبدالله. له كتب، منها: كتاب تهذيب الأحكام وهو كتاب كبير، وكتاب الاستبصار. وكتاب النهاية، وكتاب المفصح في الإمامة، وكتاب ما لا يسع المكلف الإخلال به، وكتاب العدّة في أصول الفقه، وكتاب الرجال من روى عن النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام. وكتاب فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين، وكتاب المبسوط في الفقه، ومقدمة في المدخل إلى علم الكلام، وكتاب الإيجاز في الفرائض. ومسألة في العمل بخبر الواحد. وكتاب ما يعلل وما لا يعلل، كتاب الجمل والعقود، كتاب تلخيص الشافي في الإمامة، مسألة في الأحوال، كتاب التبيان في تفسير القرآن. شرح المقدمة وهو رياضة العقول، كتاب تمهيد الأصول وهو شرح جمل العلم والعمل»([90]).
وقال العلاّمة الحلي (ت/726هـ): «شيخ الإمامية قدس الله روحه رئيس الطائفة. جليل القدر عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه. صنف في كل فنون الإسلام، وهو المهذب للعقائد والأصول والفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل. وكان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ولد في شهر رمضان سنة 385هـ، وقدم في العراق شهور سنة 408هـ»([91]).
هذا وذكرت المصادر أن الخليفة العباسي القائم بأمر الله جعل له كرسي الكلام بها، ثم هاجر إلى النجف الأشرف سنة 448هـ، وأحيى فيها النشاط العلمي وأصبحت الحوزة العلمية الكبرى للشيعة حتى اليوم. وكان (قدس سره) بها حتى توفي ليلة 22 محرم سنة 460هـ، وقد بلغ تلامذته من الشيعة ثلاثمائة ومن العامة خلق كثير وخلف أكثر من خمسين كتاباً، ومن مؤلفاته: 1 ـ مسائل الخلاف 2 ـ التبيان في تفسير القرآن. 3 ـ المبسوط في الفقه. 4 ـ والرجال (الأبواب) 5 ـ الفهرست.
كانت حياته حافلة بالنشاط العلمي منذ نزوله بغداد عام 408 وملازمته شيخه المفيد (ت/413) وهجرته إلى كربلاء عام 449، ثم إقامته في النجف الأشرف حتى وفاته سنة 460هـ.
وذكر ابن الجوزي في المنتظم في حوادث 448 ما يكشف عن الحياة السياسية للطوسي، قال ما نصه: «وفي هذه السنة أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش ومشهد العتيقة ومساجد الكرخ بالصلاة خير من النوم، وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان (حي على خير العمل) وقلع جميع ما كان على أبواب الدور والدروب من محمد وعلي خير البشر، ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السنّة من باب البصرة فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة. وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبدالله بن الجلاب شيخ البزازين بباب الطاق؛ لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض، فقتل وصلب على باب دكانه. وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره»([92]).
وفي كتاب الغيبة للطوسي عند ذكر عثمان بن سعيد العمري ما لفظه: «قال أبو نصر هبة الله بن محمد: وقبر عثمان بالجانب الغربي من مدينة السلام، في شارع الميدان، في أول الموضع المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد… قال محمد بن الحسن مصنف هذا الكتاب: رأيت قبره في الموضع الذي ذكره وكان بني في وجهه حائط وبه محراب المسجد، وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيق مظلم، فكنا ندخل إليه ونزوره مشاهرة. وكذلك من وقت دخولي إلى ـ بغداد وهي سنة ثمان وأربعمائة ـ إلى سنة نيف وثلاثين وأربعمائة، ثم نقض ذلك الحائط الرئيس أبو منصور محمد بن الفرج وأبرز القبر إلى برا وعمل عليه صندوقاً»([93]).
يفيد هذا النص أمرين. الأول: إن تاريخ تردد الشيخ الطوسي إلى بغداد سنة 408هـ، وبما أن ولادته سنة 385هـ، فيكون عمره حين وروده ثلاث وعشرين عاماً، ولا يفيد أن مولده طوس كما ذهب إليه شيخنا العلاّمة الطهراني دام ظله في المشيخة.
الثاني: أن تأليف هذا الكتاب في سنة 447هـ فيكون عمره حين التأليف اثنين وستين عاماً، وحيث ذكر هذا الكتاب في الفهرست فيظهر تأخر تأليف الفهرست عن هذا الكتاب.
قال شيخنا العلاّمة: «إنه هرب إلى الحائر في زمن الخليفة العباسي»، وقال في المشيخة: «إنه ولد في طوس»، ولما ذاكرته بذلك في مصدره صحح نسخته وشطب على كلمة طوس، فإنه لا تصريح في المصادر بمكان مولده.
وترجمه باستيفاء الأستاذ حسن عيسى الحكيم في رسالته الجامعية التي كتبها عنه باسمه «الشيخ الطوسي» وطبعت في مطبعة الآداب بالنجف سنة 1395هـ 1975م.
وقال السيد البروجردي (1380) في مقدمة الخلاف للطوسي ما لفظه: «وأنت إذا نظرت إلى كلماته في الكتابين [التهذيب والاستبصار] وما جادل به المخالفين في المسائل الخلافية كمسألة مسح الرجلين، وما أفاده في مقام الجمع بين الأخبار واختياراته في المسائل، وما يستند إليه فيها، وما يورده من الأخبار في كل مسألة لاذعنت أنه من أبناء سبعين»([94]).
قال الجلالي: ولم أفهم لهذا الإذعان سبباً في كلامه… سوى الملازمة بين طول العمر والتأهل لما ذكره من البحوث العلمية، وهذا ما لا ملازمة بينهما، فكثرة الإنتاج العلمي قد يكون فيما دون السبعين، ولعله… ناظر إلى ما هو الحال في عصره وطبقها على العصور المتقدمة، والظاهر هو أن الطوسي لغربته عن الوطن لما تيسر له ذلك منذ وروده العراق 408 إلى وفاته 460 توفق لكثرة الإنتاج، ولو كان من أهل البلد وقيد بالارتباطات الاجتماعية لما تيسر له ذلك.
هذا، وللطوسي ترجمة مفصلة بقلم الشيخ آغا بزرك الطهراني طبعت في مقدمة تفسير التبيان في النجف سنة 1381هـ. ونشرت مستقلة باسم «حياة الشيخ الطوسي»([95]).
ويتلخص من حياة الطوسي:
سنة 385هـ ولد في شهر رمضان.
سنة 408هـ قدم بغداد.
سنة 435هـ حتى هذا التاريخ كان يزور عثمان بن سعيد العمري.
سنة 448هـ أحرقت كتبه وداره في باب الكرخ، وعلى إثرها هاجر إلى كربلاء ثم النجف الأشرف.
سنة 460هـ توفي في النجف الأشرف في 22 محرم، ودفن في داره جنب مسجده المعروف باسمه، وهو اليوم في الشارع المعروف باسمه على يسار الخارج من الصحن العلوي الشريف متجهاً إلى وادي النجف.
ولا يعلم مقدمه من أين؟ أو يستخلص من هذه التواريخ أن عمره حين ورد بغداد كان 23 عاماً. وأنه استوطن الكرخ ببغداد 40 عاماً، وأنه عاش في النجف الأشرف 12 عاماً، ورحل بعد أن أدى رسالته عن 85 عاماً.
أما الكتاب:
وصفه شيخنا الشيخ آغا بزرگ: «أحد الكتب الأربعة المجاميع القديمة، المعول عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتى اليوم. ألفه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المولود في 385 والمتوفى في 460 استخرجه من الأصول المعتمدة للقدماء التي هيأها الله له، وكانت تحت يده من لدن وروده إلى بغداد في 408 إلى مهاجرته منها إلى النجف الأشرف في 448 ـ إلى أن قال: ـ وقد خرج من قلمه الشريف تمام كتاب الطهارة إلى أوائل كتاب الصلاة بعنوان الشرح على مقنعة أستاذه الشيخ المفيد الذي توفي في 413، وذلك في زمن حياة المفيد، وكان عمره يومئذ خمساً وعشرين أو ستاً وعشرين سنة، ثم تممه بعد وفاته، وقد أنهيت أبوابه إلى ثلاثمائة وتسعين باباً، وأحصيت أحاديثه في ثلاثة عشر ألف وخمسمائة وتسعين حديثاً، أوله: الحمد لله ولي الحمد ومستحقه. وبعده كتب الاستبصار»([96]).
قال الصدر (ت/1354) عن التهذيب: «كاف للفقيه فيما يتتبعه من روايات الأحكام عما سواه في الغالب ولا يغنى عنه غيره في هذا المرام»([97]).
ونسخه المخطوطة كثيرة، ومنها ما وقف عليه، ووصفه شيخنا العلاّمة بقوله: «ويوجد في تبريز الجزء الأول منه بخط مؤلفه شيخ الطائفة وعليه خط الشيخ البهائي في مكتبة السيد الميرزا محمد حسين بن علي أصغر شيخ الإسلام الطباطبائي الذي توفي في 1293هـ، واليوم بيد أحفاده، وكان تمام الأجزاء بخط المؤلف إلا قليلاً موجوداً إلى أواخر القرن العاشر، فإنه كتب الشيخ عز الدين الحسين بن عبدالصمد والد البهائي تمام التهذيب بخطه، فرغ من الكتابة في 949هـ، وكتب في آخره شهادة المقابلة هكذا: بلغت المقابلة والتصحيح بنسخة الأصل التي هي بخط مؤلف الكتاب الشيخ الطوسي إلا النزر القليل. ثم كتب السيد الصدر علاء الملك المرعشي نسخة التهذيب بخطه في 974هـ عن نسخة خط الشيخ حسين بن عبدالصمد، وكتب في آخره صورة خطه كما نلقناه» إلى آخر كلامه دام ظه([98]).
وطبع الكتاب مكرراً عدة مرات، منها سنة 1318هـ و1378هـ في عشرة مجلدات في النجف الأشرف.
أسلوب التأليف
قال الطوسي في مقدمة التهذيب: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خلقه محمد وآله وسلم تسليماً ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، وذكروا أنه لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذي يدينون الله تعالى به ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع، ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم، ولا أن يبيح العمل به العليم، وقد وجدناكم أشد اختلافاً من مخالفيكم وأكثر تبايناً من مبانيكم، ووجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على فساد الأصل. حتى دخل على جماعة ممن ليس لهم قوة في العلم ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ شبهة، وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك، وعجز عن حل الشبهة فيه، سمعت شيخنا ابا عبدالله أيده الله يذكر أن أبا الحسن الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها، وهذا يدل على أنه دخل فيه على غير بصيرة واعتقد المذهب من جهة التقليد، لأن الاختلاف في الفروع لا يوجب ترك ما ثبت بالأدلة من الأصول. وذكر أنه إذا كان الأمر على هذه الجملة فالاشتغال بشرح كتاب يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية من أعظم المهمات في الدين ومن أقربه إلى الله تعالى، لما فيه من كثرة النفع للمبتدىء والريض في العلم، وسألني أن أقصد إلى رسالة شيخنا أبي عبدالله أيده الله تعالى الموسومة بالمقنعة: لأنها شافية في معناها كافية في أكثر ما يحتاج إليه من أحكام الشريعة، وأنها بعيدة من الحشو، وأن أقصد إلى أول باب يتعلق بالطهارة وأترك ما قدمه قبل ذلك مما يتعلق بالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة: لأن شرح ذلك يطول، وليس أيضاً المقصد بهذا الكتاب بيان ما يتعلق بالأصول وأن أترجم كل باب على حسب ما ترجمه، وأذكر مسألة مسألة فاستدل عليها إما من ظاهر القرآن أو من صريحه أو فحواه أو دليله أو معناه. وإما من السنة المقطوع بها من الأخبار المتواترة أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدل على صحتها، وإما من إجماع المسلمين إن كان فيها، أو إجماع الفرقة المحقة، ثم أذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك وانظر فيما ورد بعد ذلك مما ينافيها ويضادها، وأبين الوجه فيها إما بتأويل أجمع بينها وبينها، أو أذكر وجه الفساد فيها، إما من ضعف إسنادها أو عمل العصابة بخلاف متضمنها. فإذا اتفق الخبران على وجه لا ترجيح لأحدهما على الآخر بينت أن العمل يجب أن يكون بما يوافق دلالة الأصل وترك العمل بما يخالفه، وكذلك إن كان الحكم مما لا نص فيه على التعيين حملته على ما يقتضيه الأصل، ومهما تمكنت من تأويل بعض الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها فإني لا أتعداه وأجتهد أن أروي في معنى ما أتأول الحديث عليه حديثاً آخر يتضمن ذلك المعنى إما من صريحه أو فحواه حتى أكون عاملاً على الفتيا والتأويل بالأثر، وإن كان هذا مما لا يجب علينا لكنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث. وأجري على عادتي هذه إلى آخر الكتاب وأوضح إيضاحاً لا يلتبس الوجه على أحد ممن نظر فيه، فقصدت إلى عمل هذا الكتاب لما رأيت فيه من عظم المنفعة في الدين وكثرة الفائدة في الشريعة، مع ما انضم إليه من وجوب قضاء حق هذا الصديق أيده الله تعالى. وأنا أرجو إذا سهل الله تعالى إتمام هذا الكتاب على ما ذكرت ووفق لختامه حسب ما ضمنت أن يكون كاملاً في بابه مشتملاً على أكثر الأحاديث التي تتعلق بأحكام الشريعة، ومنبهاً على ما عداها مما لم يشتمل عليه هذا الكتاب؛ إذ كان مقصوراً على ما تضمنته الرسالة المقنعة من الفتاوى، ولم أقصد الزيادة عليها؛ لأني إن شاء الله تعالى إذا وفق الله الفراغ من هذا الكتاب ابتدىء بشرح كتاب يجتمع على جميع أحاديث أصحابنا أو أكثرها يبلغ إليه جهدي. وأستوفي ما يتعلق بها إن شاء الله تعالى، ومن الله تعالى استمد المعونة وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى، إنه المبتدىء بالنعم المفتتح بالكرم»([99]).
وذكر في كتابه ما نصه: «قال محمد بن الحسن بن علي الطوسي (قدس سره): كنا شرطنا في أول هذا الكتاب أن نقتصر على إيراد شرح ما تضمنته الرسالة المقنعة، وأن نذكر مسألة مسألة، ونورد فيها الاحتجاج من الظواهر والأدلة المفضية إلى العلم، ونذكر مع ذلك طرفاً من الأخبار التي رواها مخالفونا ثم نذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحاديث أصحابنا رحمهم الله، ونورد المختلف في كل مسألة منها والمتفق عليها، ووفينا بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة، ثم إنا رأينا أنه يخرج بهذا البسط عن الغرض ويكون مع هذا الكتاب مبتوراً غير مستوفى، فعدلنا عن هذه الطريقة إلى إيراد أحاديث أصحابنا رحمهم الله المختلف فيه والمتفق، ثم رأينا بعد ذلك أن استيفاء ما يتعلق بهذا المنهاج أولى من الأطناب في غيره فرجعنا وأوردنا من الزيادات ما كنا أخللنا به، واقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا الخبر من كتابه أو صاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله، واستوفينا غاية جهدنا ما يتعلق بأحاديث أصحابنا رحمهم الله المختلف فيه والمتفق، وبينا عن وجه التأويل فيما اختلف فيه على ما شرطناه في أول الكتاب، وأسندنا التأويل إلى خبر يقضي على الخبرين وفق الله تعالى للفراغ من هذا الكتاب نحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار؛ لتخرج الأخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات. ولعل الله يسهل لنا الفراغ أن نقصد بشرح ما كنا بدأنا به على المنهاج الذي سلكناه، ونذكره على الاستيفاء والاستقصاء بمشيئة الله وعونه»([100]).
تاريخ التأليف:
قد ألف الطوسي التهذيب في حياة أستاذه المفيد المتوفى 413هـ حيث قال في المقدمة: «وسألني أن أقصد إلى رسالة شيخنا أبي عبدالله أيده الله تعالى»، داعياً له بالتأييد وتأريخ تأليفه قبل عام 413هـ.
وبعد ملاحظة مولد الطوسي عام 385، وهجرته إلى العراق عام 408، ووفاة المفيد عام 413 يستنتج أنه ابتدأ بالتأليف ما بين 408 إلى 413، وعمره حينئذٍ ما بين 23 إلى 28 عاماً حيث إنه لم يتتلمذ على المفيد سوى خمس سنوات.
سبب التأليف:
صرح الطوسي بأن سبب التأليف بالإضافة إلى مذاكرة: «بعض الأصدقاء» ولم يسمه، ما في الروايات «من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده» فالهدف هو رفع هذا النوع من الاختلاف للبعض وسمى أبا الحسن الهاروني العلوي أن «التبس عليه الأمر من اختلاف الأحاديث، وترك المذهب» وأسلوبه في تحقيق الهدف هو: «شرح كتاب يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية».
ولم يكن قصده تأليف موسوعة حديث في الأصول والفروع، بل حصر مهمته في رفع الاختلاف في الفروع خاصة فأسلوب التأليف ليس سوى شرح ما ترجمه شيخه المفيد «مسألة مسألة»:
1 ـ الاستدلال عليها إما من «ظاهر القرآن أو من صريحه أو فحواه أو دليله أو معناه، وإما من السنة المقطوع من الأخبار المتواترة أو الأخبار التي يقترن إليها القرائن التي تدل على حجيتها وإما إجماع المسلمين أن كان فيها إجماع الفرقة المحقة».
2 ـ ثم ذكر أحاديث الأصحاب المشهورة مع النظر فيما ينافيها، وبيان الوجه فيها إما بتأويل: للجمع بينهما أو ذكر وجه الفساد من ضعف الإسناد أو العمل على خلافه.
3 ـ إنه اقتصر على ما تضمنته الرسالة المقنعة لشيخه المفيد «ولم يقصد الزيادة عليها» ولا الاستدراك للفروع التي فاتته.
أسلوب التأليف:
سلك الطوسي في بداية التهذيب بسرد السند كاملاً وقال: «ووفينا بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة». ثم عدل عن هذا الأسلوب في أواخر الطهارة وقال في سبب ذلك: «إنا رأينا أن يخرج بهذا البسط عن الغرض ويكون مع هذا الكتاب مبتوراً غير مستوفى فعدلنا عن هذه الطريقة إلى إيراد أحاديث أصحابنا رحمهم الله المختلف فيه والمتفق». ولكن النسخة المطبوعة تفيد أنه استمر إلى آخر كتاب الصلاة معبراً عن المفيد بقوله: «أيده الله تعالى» ثم بعد ذلك قال: «رحمه الله ثم رجع إلى الأسلوب الأول قائلاً: «ثم رأينا بعد ذلك استيفاء ما يتعلق بهذا المنهاج أولى من الأخذ في غيره فرجعنا وأوردنا من الزيادات ما كنّا أخللنا به».
وهذا يدل على اضطراب في منهجية التأليف، ويبدو أنه كان يشعر بنقص في المكتبة الإسلامية لمادة التأليف ولما شرع فيه وجده لا ينتهي إلى حد فرأى الاختصار، ثم رأى أن الاختصار قد لا يفي بالمقصود فأتى بالزيادات.
الزيادات:
قدّ الطوسي باباً ملحقاً لأكثر كتب تهذيب الأحكام. وقد يبدو لأول وهلة أنها روايات استدركها على الموضوع فكأنها كتب مستقلة يمكن فصلها عن الكتاب واعتبارها مستدركاً ملحقاً. وكلام الطوسي في أسلوب التأليف ومنهجية الكتابة بالتفصيل ثم العدول بالاختصار ثم التفصيل بالزيادات يأبى ذلك، فهي «زيادات» غير استدراكية بل من صميم الموضوع للرجوع إلى المنهاج الأول الذي عدل عنه ثم رجع إليه.
ومن هنا يمكن أن نستنتج أن التهذيب كان له نسختان صغرى من دون زيادات وكبرى كاملة مع الزيادات، وليس للصغرى اليوم وجود.
أمل لم يتحقق:
ويبقى الأمل في نفس الطوسي ـ الذي يظهر أنه لم يتحقق وهو ما قاله: «… إن شاء الله إذا وفق الله الفراغ من هذا الكتاب ابتدىء بشرح كتاب مجمع على جميع أحاديث أصحابنا أو أكثرها مما يبلغ إليه جهدي واستوفي ما يتعلق بها إن شاء الله»([101]). ولم تتحقق هذه الأمنية.
مثال للمنهاجين:
وللمقارنة في عدول الشيخ الطوسي من منهاجه في تأليف التهذيب نذكر مثالين من أول الكتاب، حيث صرح بأنه سار على المنهاج الأول في كتاب الطهارة، ثم مثال آخر من كتاب الأمر بالمعروف.
قال في مفتتح الكتاب، وهو أول رواية في الكتاب ما لفظه: ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى عن أحمد بن محمد عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) : عن الرجل ينام وهو ساجد؟ قال: «ينصرف ويتوضأ».
وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد عن حماد عن عمر بن أذينة وحريز عن زرارة عن أحدهما…. قال: «لا ينقض الوضوء إما ما خرج من طرفيك أو النوم»([102]).
وبعد أن استوفى خمسة أحاديث متوافقة قال: «فأما الخبر الذي رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن العباس عن أبي شعيب عن عمران بن حمران أنه سمع عبداً صالحاً يقول: من نام وهو جالس يتعمّد النوم فلا وضوء عليه».
والخبر الذي رواه سعد بن عبدالله عن أحمد بن محمد بن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن بكر بن أبي بكر الحضرمي قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) هل ينام الرجل وهو جالس؟ فقال: كان أبي يقول إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعاً فعليه الوضوء».
وكذلك سائر الأخبار التي وردت بما يتضمن نفي إعادة الوضوء من النوم لأنها كثيرة، فمعناها أنه إذا لم يغلب على العقل ويكون الإنسان معه متماسكاً ضابطاً لما يكون منه، والذي يدل على هذا التأويل…» ([103]).
وروى في الأمر بالمعروف بالأحاديث التالية في التهذيب: روى اثنين عن البرقي والأخير لعله عن الكليني قال ما لفظه: «أحمد بن أبي عبدالله عن يعقوب بن يزيد رفعه قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله تعالى، فمن نصرهما أعزه الله تعالى.
أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن عيسى، عن محمد بن عرف، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (ص) يقول: إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتأذن بوقاع من الله تعالى».
عنه([104]) عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال النبي (ص) : كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم وشر من ذلك فكيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ فقال: نعم وشر من ذلك فكيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً»([105]).
فإن الطوسي نقل عن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت/329) في الكافي الحديث رقم 4، ثم روى عنه في الحديث رقم 5، ثم في الحديث رقم 6 نص ما ذكره الكليني، وكذلك في الحديث رقم 7 وفي الحديث رقم 8 أعاد النقل عن الكليني.
ويظهر أن المعلق لم يوضح السبب في هذا التغيير في الأسلوب حيث قال: «الضمير راجع إلى محمد بن يعقوب، وأن توسيط خبران عن البرقي، وكثيراً ما يفعل الشيخ… ذلك لظهور الأمر». وأحال إلى الصفحات 357 و358 و359 و360. وانظر الكافي ج1 ص344 فإن الخبرين عن البرقي لم يتوسطا في الكافي بل كانتا متلاحقتين متتابعتين في الأصل. وإنما حصل التوسط بعد نقل الطوسي، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى إعادة الضمير إلى الكليني في النقل.
ومن أسلوب التأليف:
1 ـ الابتداء بصاحب الكتاب، قال: «اقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا من كتابه أو صاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله»([106]).
2 ـ الاختصار في الأسانيد قال: «نحن نذكر الطرق التي بها نتوصل إلى رواية هذه الأصول والمصنفات نحن نذكر على غاية ما يمكن من الاختصار لتخرج الأخبار عن حد المراسيل وتلحق بباب المستندات».
3 ـ إحالة التفصيل إلى الفهارس قال: «وأوردت جملة من الطرق إلى هذه المصنفات والأصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول، وهو مذكور في الفهارس المصنفة في هذا الباب للشيوخ من أراده أخذه من هناك».
قال الحارثي: «ما يرويه الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى في الكتابين وما يرويه غيره مما حذف أول سنده للعلم به اختصاراً. الأولى للقارىء إن كان الشيخ أن يذكر أول المجلس أو الكتاب السند تاماً. ثم يقول في أول كل حديث وبالسند المتقدم إلى الحسين بن سعيد أو بسندي المتقدم. أي أروي لكم أو أرويكم بسندي إليه»([107]).
4 ـ عند تعارض الروايات ينتقد الشيخ في التهذيب رجال السند ابتداءاً من صاحب الكتاب وبعده، ولا يتعدّ السند قبل صاحب الكتاب، ويصف بالضعف مثلاً صاحب الكتاب أو من روى صاحب الكتاب عنه، كما في علي بن حديد، لا من روى الكتاب عن صاحبه. وهذا يدل على عدم الحاجة إلى توثيق رجال الإجازة.
5 ـ مناقشة الكليني والصدوق: ومن أسلوب الطوسي مناقشة ما رواه الكليني والصدوق في كتابيهما بحكم تأخره (رحمه الله) عنهما. منها ما رواه الكليني روايات دلت على أن شهر رمضان لا ينقص أبداً ورواها الصدوق أيضاً([108])، ثم قال: «من خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامة في ضدها اتقى كما يتقي العامة ولا يكلم إلا بالتقية كائناً من كان، إلا أن يكون مسترشداً فيرشد ويبين له، فإن البدعة إنما تمات بترك ذكرها»([109]).
وهذا الرأي الذي رآه كل من الشيخ الكليني والصدوق، وقد ردّه الشيخ المفيد في الرسالة العددية بقوله: «فهي أحاديث شاذة قد طعن نقلة الآثار من الشيعة في سندها، وهي مثبتة في كتب الصيام في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها، وأنا أذكر جملة ما جاءت به الأحاديث الشاذة وأبين عن خللها وفساد التعلق بها في خلاف الكافة إن شاء الله»([110]). وقد أورد كلام الشيخ المفيد بطوله سيدنا الأستاذ دام ظله في مقدمات رجاله([111])، وقد فنّد هذا الرأي الشيخ الطوسي أيضاً: «وهذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه، أحدها: أن متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأصول المعتبرة وإنما هو موجود في الشواذ من الأخبار»([112]).
6 ـ تقطيع الأحاديث: ونقل الطوسي (قدس سره) أحاديث طويلة من مصادره على نحو التقطيع بأن وزعها على الأبواب في كتابه ومن هذا السبب قد يظن البعض أنه من التعليق، وليس كذلك. وليس ذلك غفلة بل لوضوح التقطيع والواسطة عنده وإن خفي ذلك على من لم ينتبه إلى أسلوبه (قدس سره).
وقد تعجب من ذلك صاحب المنتقى وقال: «العجب أن الشيخ رحمه الله ربما غفل عن مراعاتها [طريقة للكليني] فأورد الإسناد من الكافي بصورته ووصله بطريقه عن الكليني من غير ذكر للواسطة المتروكة. فيصر الإسناد في رواية الشيخ له منقطعاً. ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله»([113]).
وقد اعتمد الطوسي في تأليف تهذيب الأحكام على كتاب الكافي كمصدر رئيسي ولكنه ـ كما يبدو ـ بسبب تقطيع أحاديث الكافي لتوزيعه على أبواب الفقه أصبح بعض الأحاديث فاقدة الإسناد مع أنها مسندة.
مثال ذلك: روى الطوسي في تهذيب الأحكام في وجوب الحج (ج5 ص6) ما نصه: «محمد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن شهاب، قال سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت»([114]).
وهذه الرواية بظاهرهها مضمرة حيث لم يذكر صريحاً المسؤول عنه، ولكن المقارنة بينها وبين مصدر الطوسي وهو الكافي للكليني. نرى رواية أخرى أكمل من هذه في كتاب الكافي. ونصها، قال الكليني: عدَّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن شهاب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل أعتق عشية عرفة عبداً له. أيجزي عن العبد حجة الإسلام؟ قال: نعم. قلت: فام ولد أحجها مولاها أيجزىء عنها؟ قال: لا قلت: أله أجر في حجتها؟ قال: نعم قال وسألته عن ابن عشر سنين يحج قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم وكذلك الجارية عليها الحج إذا اطمثت»([115]).
فقد استقطع الطوسي من هذه الرواية ما يخصه وهو القسم الأخير من الرواية من دون تنبيه على سقط بين السند والقسم الأخير من قوله: «عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ إلى قوله: قال سألته» فأصبحت الرواية في كتاب التهذيب مضمرة، مع أنها ليست كذلك، والعصمة لأهلها، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في روايات الأمر بالمعروف، وراجع التهذيب 6: 171.
عدة الطوسي:
روى الطوسي في سلسلة الأسانيد في تهذيب الأحكام من عدة من أصحابنا. ولم يعرف من هم، والظاهر أنهم لكثرتهم واعتماده على وثاقتهم أعرض عن ذكره. وذلك في موارد، منها:
1 ـ قال الشيخ باب صلاة الكسوف من زيادات التهذيب: عن محمد بن علي بن محبوب، عن عدّة من أصحابنا، عن محمد بن عبدالحميد، عن علي بن الفضل الواسطي».
2 ـ ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عدّة من أصحابنا.
3 ـ باب الحيض، في كفارة وطىء الحائض.
4 ـ أخبرني الحسن بن عبيد الله عدّة من أصحابنا [فسره صاحب المجمع بأن المراد بها أبو غالب الزراري، وابن قولويه والتلعكبري والصيمري والشيباني، وكلهم معتمد لله بل منصوص على توثيقهم عدا الأخير].
5 ـ باب الحمام «محمد بن علي بن محبوب عن عدّة من أصحابنا».
6 ـ باب اللباس والمكان: «محمد بن أحمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد، عن عدّة من أصحابنا».
7 ـ عدّة من أصحابنا عن عدّة من أصحابنا.
8 ـ باب صلاة الكسوف، عمر بن أذينة عن رهط، وشرح الرهط، وفي ذيل الحديث كالآتي: الفضيل بن يسار وزرارة وبريد ومحمد بن مسلم.
فإذا كانت العدّة في طبقة مشايخ الطوسي كان حكمه حكم سائر مشايخه، وكلما بعد عن عصره وقرب إلى عصر المعصوم (عليه السلام) فلا محيص سوى القول بوثاقة بعضهم، وإنما أعرض عن التصريح لكثرتهم كما تقدمت الإشارة إليه في عدّة الكليني.
التعليق:
قال الحارثي: «تنبيه: لا تظنن ما رواه الشيخ في التهذيب والاستبصار عن الحسين ابن سعيد ونحوه ممن لم يلحقهم، وكذا ما رواه عن الفقيه عن أصحاب الأئمة وغيرهم معلقاً، بل متصل بهذه الحيثية؛ لأن الرجال الذين بينهم وبين رواته عنه معروفة لنا لذكرهم في ضوابط بينوها بحيث لم يضرهم فرق بين ذكرهم لهم وعدمه، وإنما قصدوا الاختصار، نعم إن كان شيء من ذلك غير معروف الواسطة بأن يكون غير مذكور في ضوابطهم فهو معلق، وقد رأيت منه شيئاً في التهذيب لكنه قليل جداً([116]) انتهى ونقله السيد الصدر([117]) ولقد أجاد فيما أفاد فاغتنم، ومن هذا القبيل ما نقله عن موسى بن القاسم قال صاحب المنتقى: «ومن عجيب ما رأيته في هذا الباب أن الشيخ (رحمه الله) أورد في كتاب الحج من التهذيب [عدَّة] أحاديث صورة إسنادها هكذا: (موسى بن القاسم عن علي، عنهما، عن ابن مسكان) وليس بالقرب منها ما يصلح إرجاع الضمير المثنى إليه، وإنما أورد في مواضع بعيدة إخباراً طريقها هذا (موسى بن القاسم، عن علي بن الحسن الجرمي: عن محمد بن أبي حمزة ودرست، عن عبدالله بن مسكان). ولا شك أن الضمير المذكور عائد إلى ابن أبي حمزة ودرست، وأن المراد بعلي هذا الرجل الذي يروى عنهما وهو الطاطري، فانظر إلى أي مرتبة انتهى الحال في البعد عن موضع التفصيل، وما أدري كيف وصلت غفلة الشيخ (رحمه الله) إلى هذا المقدار (منه…)»([118]).
نقد التهذيب:
أول من انتقد الطوسي هو ابن إدريس الحلي (ت/ 598هـ) حيث قال في فصل ميراث المجوس في السرائر: «… تهذيب الأحكام أورد فيه من كل غث وسمين»([119]). ولم يذكر… ما هو الغث، منه والظاهر أنه ينتقده بناءً على آرائه الخاصة من عدم حجية الخبر الواحد.
وانتقد الفيض الكاشاني (ت/1091هـ) التهذيبين بعد أن شرح أسلوب الطوسي بقوله: «وأما شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (قدس سره) فقد يجري في كتابي (التهذيب والاستبصار) على وتيرة الكليني، فيذكر جميع السند حقيقة أو حكماً، وقد يقتصر على البعض فيذكر أواخر السند ويترك أوائله. وكل موضع سلك هذا المسلك ـ أعني الاقتصار على البعض ـ فقد ابتدأ فيه يذكر صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله، أو مؤلف الكتاب الذي نقل الحديث من كتابه، وذكر في آخر الكتابين بعض طرقه إلى أصحاب تلك الأصول ومؤلفي تلك الكتب، وأحال البواقي على ما أورده في كتاب (فهرست الشيعة) ([120]).
ثم قال الفيض (1091هـ): «وأما التهذيب، فهو وإن كان جامعاً للأحكام. مورداً لها قريباً من التمام، إلا أنه كالفقيه في الخلو من الأصول، مع اشتماله على تأويلات بعيدة وتوفيقات غير سديدة. وتفريق لما ينبغي أن يجمع، وجمع لما ينبغي أن يفرق، ووضع لكثير من الأخبار في غير موضعها وإهمال لكثير منها في موضعها، وتكرارات مملة، وتطويلات للأبواب مع عنوانات قاصرة مخلة»([121]).
وقال الفيض أيضاً: «وما الاستبصار فهو بضعة من التهذيب: أفردها منه مقتصراً على الأخبار المختلفة والجمع بينها بالقريب والغريب»([122]).
وانتقد الشيخ يوسف البحراني (ت/ 1181هـ) كلاً من التهذيب والاستبصار بقوله: «أما الشيخ الطوسي فهو شيخ الطائفة ورئيس المذهب، إمام في الفقه والحديث إلا إنه كثير الاختلاف في الأقوال. وقد وقع له خبط عظيم في كتابي الأخبار في تمحله للاحتمالات البعيد»([123]).
وقد خص هذه بقوله: «وهو ما وقع للشيخ المذكور سيما في التهذيب من السهو والغفلة والتحريف والنقصان في متون الأخبار وأسانيدها وقلما يخلو خبر من علّة من ذلك»([124]).
ثم حاول البحراني الاعتذار للطوسي بقوله: «إنه لمزيد الاستعجال في التصنيف، والحرص على كثرة التأليف وسعة الدائرة، والاشتغال بالتدريس والفتوى والعلم والعمل، ونحو ذلك قد وقع في هذه الأحوال الظاهرة»([125]).
اختلاف النسخ:
ودافع الجابلقي عن نقد التهذيب بقوله: «وكثرة النقص والتحريف والزيادة في متون وأسانيد أخبار التهذيب في حيز المنع، ولو كان لعله من النساخ والكتاب نسخة بعد نسخة، فنسبة الكل إلى الشيخ غير وجيه»([126]).
قال الحارثي في وصول الأخبار: «وقد وقع لنا في كتاب التهذيب مواضع حكمنا فيه بالأدراج، ومواضع يغلب فيها ذلك على الظن، ومواضع يشك فيها، وسبب ذلك عدم فصل النساخ الحديث عن غيره بدائرة ونحوها، فإذا وقع كلام للمصنف مناسب للحديث أو هم كونه منه»([127]).
وقال صاحب المنتقى: «ثم اعلم أنه كما كثر الغلط في الأسانيد بإسقاط بعض الوسائط على الوجه الذي قررناه، فقد كثر أيضاً بضد ذلك وهو زيادة بعض الرجال فيها على وجه تزداد به طبقات الرواية لها، ولم أر أيضاً، من تفطن له: ومنشأ هذا الغلط أنه يتفق في كثير من الطرق تعدد الرواة للحديث في بعض الطبقات. فيعطف بعضهم على بعض بالواو، وحيث إن الغالب في الطرق هو الوحدة، ووقوع كلمة (عن) في الكتابة بين أسماء الرجال فمع الإعجال يسبق إلى الذهن ما هو الغالب، فتوضع كلمة (عن) في الكتابة موضع واو العطف. وقد رأيت في نسخة التهذيب التي عندي بخط الشيخ رحمه الله عدة مواضع سبق فيها القلم إلى إثبات كلمة «عن» في موضع الواو، ثم وصل بين طرفي العين وجعلها على صورتها واواً. والتبس ذلك على بعض النساخ فكتبها بالصورة الأصلية في بعض مواضع الإصلاح. وفشا ذلك في النسخ المتجددة، ولما راجعت خط الشيخ رحمه الله فيه تبينت الحال، وظاهر أن إبدال الواو بـ(عن) يقتضي الزيادة التي ذكرناها، فإذا كان الرجال ضعيفاً ضاع به الإسناد. فلا بدَّ من استفراغ الوسع في ملاحظة أمثال هذا، وعدم القناعة بظواهر الأمور. ومن المواضع التي اتفق فيها هذا الغلط مكرراً رواية الشيخ عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن عبدالرحمن بن أبي نجران وعلي بن حديد والحسين بن سعيد، فقد وقع بخط الشيخ (رحمه الله) في عدَّة مواضع منها إبدال أحد واوي العطف بكلمة (عن) مع أنَّ ذلك ليس بموضع شك أو احتمال لكثرة تكرر هذا الإسناد في كتب الحديث والرجال. وسيأتي في بعض هذه الفوائد ما يتضح لك به حقيقة الحال»([128]).
قال المحقق النراقي في التهذيب: «قلما نجد حديثاً فيه من ذلك [= التحريف والتصحيح والزيادة والنقصان] في متنه أو سنده»([129]).
وعقبه السيد الخوئي قائلاً: «ما ذكره رحمه الله وإن كان لا يخلو عن نوع من المبالغة، إلا أنه صحيح في الجملة، والخلل في روايات التهذيب كثير(ة) نتعرض لبيانه من جهة السند ضمن التراجم إن شاء الله»([130]).
وأحسن ما كتب في الموضوع حول التهذيب هو كتاب انتخاب الجيد من تنبيهات السيد للشيخ حسن بن محمد الدمستاني، لخص فيه كتاب «تنبيه الأريب في إيضاح رجال التهذيب» للسيد هاشم البحراني (ت/ 1107هـ) فرغ من تأليفه سنة 1173هـ. ووصف شيخنا العلاّمة دام ظله كتابه بقوله: «فريد في بابه من أحسن ما كتب فيه».
وأحسن ما يقال في المقام ما ذهب إليه صاحب المنتقى بقوله: «نعم يتفق كثيراً في أخبارنا المتكررة وقوع الاختلاف في أسانيدها بإثبات واسطة وتركها. ويقوى في النظر أنَّ أحدهما غلط من الناسخين فيجب حينئذٍ التصفح لمظان وجود مثله ليعثر على ما يوافق أحد الأمرين بكثرة فيترجح لا محالة به، وما أظن وقوع الاختلاف على هذا النحو في طرق أخبارنا إلا ويمكن التوصل إلى معرفة الراجح فيه بما أشرنا إليه من الطريق. ولكنه يفتقر في الأغلب إلى كثرة التفحص والتصفح. وإذا كان احتمال الغلط في النسخ مرجوحاً في نظر الممارس المطلع على طبقات الرواة حكم لكل من الطريقين المختلفين بما يقتضيه ظاهره من صحة وغيرها»([131]).
مشيخة التهذيب:
أورد الشيخ الطوسي طرقه إلى مصادر الكتاب في آخره، وبلغت 52 طريقاً من دون ترتيبها لها على المعجم، وربما رتبها حسب أهميتها عنده أو تيسرها لديه.
قال الحر العاملي (ت/1104هـ): «في خاتمة الوسائل في ذكر طرق الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (قدس سره) وأسانيده التي حذفها في كتاب (التهذيب) و(الاستبصار) ثم أوردها في آخر الكتابين. وقد حذفتها أنا أيضاً للاختصار والإشعار بمأخذ تلك الأخبار. فقد صرح بأنه ابتدأ كل حديث باسم المصنف الذي أخذ الحديث عن كتابه أو صاحب الأصل الذي نقل الحديث من أصله، وقد أورد الطرق بغير ترتيب أيضاً، وقد أوردتها كما أوردها لقلتها، وارتباط بعضها ببعض، واستلزام ترتيبها للتغير والتكرار فأقول: المسندات…» ثم أوردها الحر من دون أن يرتبها على المعجم([132]).
وقد قام أحد الأصحاب الأجلاء بترتيب مشيخة التهذيب على المعجم، وأتم بها كتاب الوجيزة في الرجال للعلاّمة المجلسي (ت/ 1111هـ). وأرجع إلى معجم رجال الحديث لسيدنا الأستاذ الخوئي دام ظله مع علامات الاختزال التي شرحها اعتماداً على طبعة في ذيل الوجيزة في الرجال للعلاّمة المجلسي (ت/1111) تحقيق الحاج عبدالله السبزالي([133]) قال دام فضله: لقد أمرني العلاّمة مد ظله بإلحاق طرق الشيخ في المشيخة بهذا التأليف إتماماً للفائدة، حيث إن العلاّمة المجلسي (رحمه الله) لم يذكرها في وجيزته، وبما أن السيد الخوئي (عليه) لم يذكر أغلب ـ إن لم يكن جميع ـ طرق الشيخ في المشيخة تفصيلاً، بل اكتفى بالإشارة إلى صحتها أو ضعفها، رأيت أن ألحقها مفصلة كما هي في آخر كتاب التهذيب مع ذكر المصدر من المعجم. وبما أنني قد ذكرت هذه الطرق إلى عناوينها حسب ترتيب حروف التهجي للعنوان ـ والشيخ (رحمه الله) ذكرها حسب ارتباطها وترتيبها ببعضها للاختصار ـ فكان لزاماً عليّ أن أذكر إرجاعات مرقمة بين معقوفتين ([ ]) لمعرفة المراد من عبارة الشيخ (رحمه الله) (هذا الإسناد) أو (هذه الأسانيد). فيتم إكمال الطريق، وربط الأسانيد ببعضها بمراجعة صاحب الرقم [ ] وطريقه إليه، ويتميز هذا الطريق ـ بكونه المراد ـ عن غيره ممن للشيخ إليه عدة طرق، قال الشيخ (رحمه الله):
1 ـ ما ذكرته عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري. فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله [محمد بن محمد بن النعمان] والحسين بن عبيدالله، عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري عن محمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري.
2 ـ وما ذكرته عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عنه.
ب ـ وأخبرني أيضاً الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه، ومحمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبدالله، والحسين عن أحمد بن أبي عبدالله.
ج ـ وأخبرني به أيضاً الحسن بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد الزراري عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله.
3 ـ وما ذكرته عن أحمد بن إدريس، فقد:
أ ـ رويته بهذا الإسناد [48] عن محمد بن يعقوب عن أحمد بن إدريس.
ب ـ وأخبرني به أيضاً الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، والحسين ابن عبيدالله، جميعاً عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن سفيان البزوفري، عن أحمد بن إدريس.
4 ـ وما ذكرته عن أحمد بن داود القمي، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن النعمان، والحسين بن عبيدالله، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه.
5 ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد، ما رويته بهذا الإسناد [44] عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد.
6 ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد، ما رويته بهذا الإسناد [28] عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد.
7 ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن خالد، ما رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد.
8 ـ أحمد بن محمد بن سعيد. [يأتي في أبي العباس (54)].
9 ـ وما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى، الذي أخذته من نوادره فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبيدالله، والحسين بن عبدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن الحسن بن حمزة، ومحمد بن الحسين البزوفري. جميعاً عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
بـ وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله، وأبو الحسن بن أبي جيد جميعاً عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
10 ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى، ما رويته بهذا الإسناد [46] عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد.
11 ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى، ما رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا. عن أحمد بن محمد بن عيسى.
12 ـ جعفر بن محمد بن قولويه. [يأتي في أبي القاسم (56)].
13 ـ الحسن بن سعيد، [يأتي في أخيه الحسين (21)، وانظر الرقم (20) أيضاً].
14 ـ وما ذكرته عن الحسن بن محبوب. ما أخذته من كتبه ومصنفاته، فقد:
أ ـ أخبرني بها أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير القرشي عن أحمد بن الحسين بن عبدالملك الأزدي، عن الحسن بن محبوب.
ب ـ وأخبرني به أيضاً الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد.
ج ـ وأخبرني به أيضاً أبو الحسن بن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، ومعاوية بن حكيم الهيثم بن أبي مسروق، عن الحسن بن محبوب.
15 ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب، ما رويته بهذا الإسناد [9] عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب.
16 ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب، ما رويته بهذه الأسانيد [32] عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب.
17 ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب، والحسين بن سعيد ما رويته بهذا الإسناد [5] عن أحمد بن محمد، عنهما جميعاً.
18 ـ الحسن بن محبوب، والحسين بن سعيد. [يأتي في الحسين بن سعيد (21)].
19 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن سماعة فقد:
أ ـ أخبرني به أحمد بن عبدون، عن أبي طالب الأنباري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة.
ب ـ وأخبرني أيضاً الشيخ أبو عبدالله، والحسين بن عبيد الله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي عبدالله الحسين بن سفيان البزوفري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة.
20 ـ وما ذكرته عن الحسين بن سعيد (عن الحسن ـ خ ل)، عن زرعة، عن سماعة، وفضالة بن أيوب، والنضر بن سويد، وصفوان بن يحيى، فقد رويته بهذه الأسانيد [21] عن الحسين بن سعيد، عنهم.
21 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد، فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان. والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون. كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد.
ب ـ وأخبروني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد.
ج ـ ورواه أيضاً محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار. عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد.
22 ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسين بن سعيد، والحسن بن محبوب معاً، ما رويته بهذا الإسناد [6]. عن أحمد بن محمد، عنهما جميعاً.
23 ـ ومن جملة ما رويته عن الحسين بن سعيد، والحسن بن محبوب، ما رويته بهذا الإسناد [46] عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عنهما جميعاً.
24 ـ الحسين بن سفيان البزوفري [يأتي في أبي عبدالله (55)].
25 ـ وما ذكرته عن الحسين بن محمد. فقد رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد.
26 ـ وما ذكرته عن حميد بن زياد فقد:
أ ـ رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن حميد بن زياد.
ب ـ وأخبرني به أيضاً بن عبدون، عن أبي طالب الأنباري. عن حميد بن زياد.
27 ـ زرعة، [تقدم في الحسين بن سعيد (21)].
28 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن سعد بن عبدالله. فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي القاسم جعفر بن محمد قولويه عن أبيه، عن سعد بن عبدالله.
ب ـ وأخبرني به أيضاً الشيخ (رحمه الله) عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله.
29 ـ [وما ذكرته عن] سماعة، [تقدم في الحسين بن سعيد (20)].
30 ـ وما ذكرته عن سهل بن زياد، فقد رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، منهم علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد.
31 ـ صفوان بن يحيى، [تقدم في الحسين بن سعيد (21)].
32 ـ وما ذكرته عن علي بن إبراهيم، فقد:
أ ـ رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم.
ب ـ وأخبرني أيضاً برواياته الشيخ أبو عبدالله محمد بن النعمان والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون. كلهم عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري. عن علي بن إبراهيم بن هاشم.
33 ـ وما ذكرته عن علي بن جعفر، فقد أخبرني به الحسن بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى، عن العمركي النيسابوري البوفكي، عن علي بن جعفر.
34 ـ وما ذكرته عن عليّ بن حاتم القزويني. فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، وأحمد بن عبدون، عن أبي عبدالله الحسين بن علي بن شيبان القزويني عن علي بن حاتم.
35 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن علي بن الحسن بن فضال. فقد أخبرني به أحمد بن عبدون المعروف بأن الحاشر سماعاً منه وإجازة. عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال.
36 ـ وما ذكرته عن علي بن الحسن الطاطري، فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن أبي مالك أحمد بن عمرو بن كيسبة. عن علي بن الحسن الطاطري.
37 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن علي بن مهزيار. فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبدالله، والحميري، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن إدريس، كلهم عن أحمد بن محمد، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار.
38 ـ فضالة بن أيوب، [تقدم في الحسين بن سعيد (21)].
39 ـ وما ذكرته عن الفضل بن شاذان، فقد:
أ ـ أخبرني في الشيخ أبو عبدالله، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي محمد بن الحسن بن حمزة العلوي الحسيني الطبري، عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن شاذان.
ب ـ وروى أبو محمد بن الحسن بن حمزة، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الفضل بن شاذان.
ج ـ وأخبرنا الشريف أبو محمد الحسن بن أحمد بن القاسم العلوي المحمدي، عن أبي عبدالله محمد بن أحمد الصفواني. عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الفضل بن شاذان.
40 ـ ومن جملة ما ذكرته عن الفضل بن شاذان: ما رويته بهذه الأسانيذ [48] عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان.
41 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري. فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن سفيان، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى.
ب ـ وأخبرنا أبو الحسين بن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد. عن محمد بن يحيى، وأحمد بن إدريس، جميعاً عن محمد بن أحمد بن يحيى.
ج ـ وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى.
د ـ وأخبرني به الشيخ أبو عبدالله، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي، وأبي جعفر محمد بن الحسن البزوفري، جميعاً عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى.
42 ـ وما ذكرته عن محمد بن إسماعيل. فقد رويته بهذا الإسناد [48] عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل.
43 ـ وما ذكرته عن محمد بن الحسن بن الوليد، وعلي بن الحسين بن بابويه، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين، ومحمد بن الحسن بن الوليد.
44 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن الحسن الصفار. فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون. كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه([134]).
ب ـ وأخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار.
45 ـ محمد بن علي بن الحسن، [يأتي في أبي جعفر (52)].
46 ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن علي بن محبوب، فقد أخبرني به الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه محمد بن يحيى، عن محمد بن علي بن محبوب.
47 ـ وما ذكرته عن محمد بن يحيى العطار، فقد:
أ ـ رويته بهذه الأسانيد [48] عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى العطار.
ب ـ وأخبرني به أيضاً الحسن بن عبيدالله، وأبو الحسن بن أبي جيد القمي، جميعاً عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى العطار.
48 ـ فما ذكرناه في هذا الكتاب عن محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله، فقد:
أ ـ أخبرنا به أيضاً الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه رحمه الله، عن محمد بن يعقوب رحمه الله.
ب ـ أخبرنا به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أبي غالب أحمد بن محمد الزراري، وأبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، وأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي عبدالله أحمد بن أبي رافع الصيمري، وأبي المفضل الشيباني وغيرهم كلهم عن محمد بن يعقوب الكليني.
ج ـ وأخبرنا به أيضاً أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، عن أحمد بن أبي رافع. وأبي الحسن عبدالكريم بن عبدالله بن نصر البزاز بتنيس وبغداد. عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني جميع مصنفاته وأحاديثه، وأجاز ببغداد بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
49 ـ وما ذكرته عن موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبدالله، عن الفضل بن غانم، وأحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم.
50 ـ النضر بن سويد، [تقدم في الحسين بن سعيد (21)].
51 – وما ذكرته في هذا الكتاب عن يونس بن عبد الرحمن، فقد:
أ ـ أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبدالله، والحميري، وعلي بن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، وصالح بن السندي، عن يونس.
ب ـ وأخبرني الشيخ أيضاً والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن الحسن بن حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس.
ج ـ وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أبي المفضل محمد بن عبدالله بن محمد بن عبيدالله بن المطلب الشيباني، عن أبي العباس محمد بن جعفر بن محمد الرزاز، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن يونس بن عبدالرحمان.
52 ـ وما ذكرته عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان عنه.
53 ـ وما ذكرته عن أبي طالب الأنباري، فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، عنه.
54 ـ وما ذكرته عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد. فقد أخبرني به أحمد بن محمد بن موسى، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد.
55 ـ وما ذكرته عن أبي عبدالله الحسين بن سفيان البزوفري، فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، والحسين بن عبيدالله، عنه.
56 ـ وما ذكرته عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه. فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، والحسين بن عبيدالله، جميعاً عن جعفر بن محمد بن قولويه.
57 ـ وما ذكرته عن ابن أبي عمير، فقد رويته بهذا الإسناد [56] عن أبي القاسم بن قولويه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد العلوي الموسوي، عن عبيدالله بن أحمد بن نهيك، عن ابن أبي عمير.
محمد حسين الحسيني الجلالي
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
اسم كتاب لمسكويه كان الشيخ محمد عبده ينصح بتدريسه في الأزهر، وقام علي باشا رفاعة بنشره وتبويبه، وشرع سعد زغلول في اختصاره والتعليق عليه دون أن يتمه.
ويعتبر هذا الكتاب أهم كتب مسكويه الأخلاقية وأطرفها وأكملها([135]) ونظراً لأن مسكويه كان أديباً شاعراً يحذق العربية والفارسية على السواء فإن أسلوبه فيه يمتاز بالسلاسة والرقة والعذوبة على غير عادة الفلاسفة الإسلاميين. وقد أعجب نصير الدين الطوسي به كل الإعجاب فترجمه إلى الفارسية وقال عنه([136]):
بنفسي كتاب حاز كل فضيلة
وصار لتكميل البرية ضامنا
مؤلفه قد أبرز الحق خالصاً
بتأليفه من بعد ما كان كامناً
ووسمه باسم الطهارة قاضياً
به حق معناه ولم يك مائنا
لقد بذل المجهود للَّه دره
فما كان في نصح الخلائق خائنا
والكتاب بعد هذا ست مقالات، تدور كما قلنا حول الأخلاق الإيجابية للإنسان، أي الأخلاق التي تليق به من حيث هو حيوان ناطق. ولذلك نراه يفرق في المقالة الاولى بين النفس والجسد تفريقاً يثبت روحانية الأولى وخلودها، واحتياج قواها المختلفة إلى كمال خاص يتفق وما فيها من عقل مسيطر وفكر مقدس. ونراه يتناول في الثانية خلق الإنسان وقابليته للتغير والتهذيب، ومدى أثر المعرفة في العمل الخلقي، ويتأدى في ذلك إلى “المنزلة الرفيعة” الجديرة بالإنسان وماذا عسى أن يعوقنا عنها. أما المقالة الثالثة فلا تتناول غير موضوع السعادة بالبسط والمناقشة والعرض. وأما المقالة الرابعة فتحدد الأعمال الخلقية وتميزها عن غيرها وتنتهي بنا الى الخامسة التي يبسط فيها أنواع المحبة بوجه عام، ومحبة الصديق على الخصوص. وأخيراً تأتي المقالة السادسة لتبين لنا طريق حفظ الصحة على النفس ومعالجتها إذا مرضت.
ويطول بنا المقام إذا أردنا أن نبين وجه الطرافة والجمال والاتساق في هذه المقالات البعيدة في منهجها عن منهج الدينيين (كالبصري في كتاب أدب الدنيا والدين([137]) والمعتمدة في طريقتها على الاستقراء العلمي الدقيق والذي يرسل البصر في الكون كله ويحدد للإنسان ماهيته وعمله فيه.
أما مصادره في ذلك الكتاب فهي تلك الثقافة الخلقية الواسعة التي استمدها من الأمم الأربع، والتي يلوّح فيها القرآن، متفقاً مع أرسطو وأفلاطون وجالينوس وغيرهم من حكماء اليونان على الخصوص.
وإذا حاولنا أن نعقد مقارنة بين هذا الكتاب وكتاب أرسطو (إلى نيكوما خوس) وجدنا مسكويه يبز المعلم الأول أحياناً في الوضوح والانسجام، ويتفوق عليه في فصول خاصة كفصل الصداقة والصديق، يزيد على فصوله فصولاً أخرى جوهرية كفصلي (دفع الأحزان) و(حفظ الصحة على النفس السليمة).
محمد حسين ظاظا
التوابون
تشاء التقادير أن يسبق عبيدالله بن زياد إلى الكوفة فيعمل بكل وسيلة على تفريق المجتمعين حول مسلم بن عقيل وتخذيلهم عنه بعد أن خلت الساحة من القادة الذين كان معظمهم إما في السجن أو خارج الكوفة لم يعلموا بتوقيت الثورة التي اضطر مسلم إلى إعلانها في غير موعدها بسبب اعتقال هاني بن عروة حتى إذا وصل الحسين (عليه السلام) كان الأمر غير المنتظر، ولا ريب أنه لو سبق الحسين إلى الكوفة فوصلها قبل عبيدالله بن زياد لكان للقضية غير شكلها الذي انتهت إليه وها هو الحسين على أبواب الكوفة قد حط في كربلاء.
فماذا كان شعور الكوفيين وقد بلغ الحسين إلى جوارهم وأقبل نازلاً بلادهم، وها هو رسوله قيس بن مسهر الصيداوي يحمل رسالته إليهم معذراً إيما إعذار؟! لقد كان ابن زياد في ذلك الحين سائداً في الكوفة فكان في الكوفيين ثلاث فئات:
فئة كانت ذات عقيدة راسخة وإيمان ثابت، وكانت قد استطاعت الإفلات، هذه الفئة فعلت ما يمليه الواجب والشرف والحمية في موقف كهذا فقد كانت فيمن طلب إلى الحسين القدوم إلى الكوفة ووعدته النصر فيمن وعد، وهاهو الحسين قد أقبل مجيباً الدعوة فهي تفعل ما وعدته به وهي لم تشترط النجاح للانضمام إليه فإذا كان قد قل ناصروه وكثر خاذلوه فليس في ذلك ما يبرر قعودها عن نجدته مهما كانت النتائج المنتظرة وكان في هذه الفئة الأبية الباسلة حبيب بن مظاهر الأسدي ونافع بن هلال الجملي ومسلم بن عوسجة الأسدي وسعيد بن عبدالله الحنفي وعبدالله بن عمير الكلبي وآخرون غيرهم. فلقد تسلل هؤلاء من الكوفة إليه فوافاه أكثرهم في كربلاء وقتلوا جميعاً بين يديه بعد أن أبلو أحسن البلاء.
وفئة أخرى كانت تمثل الانتهازية وهي على نقيض الفئة الأولى فما تكترث بمبدأ ولا تحفل بعقيدة وهي إذا كانت قد كتبت إلى الحسين فيمن كتب، فلأنه خيل إليها أن حركته ناجحة، فرأت أن تركب الموجة المتوثبة تحقيقاً لمنافعها الذاتية وكسباً لمصالحها الشخصية وإذا كانت ترى في الحسين رجل الساعة المفرد الخليق بالتأييد والنصرة فلا ترى بأساً وقد مالت الكفة مع ابن زياد أن تميل معها وتقاتل القائد الذي دعته لتنضوي تحت لوائه ما دام هذا يحقق لها المكاسب!
ومن المدهش أن كتاب هذه الفئة إلى الحسين كان من أبلغ الكتب التي وصلته وأشدها استفزازاً واستثارة فقد قالوا فيه: أما بعد فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار فإذا شئت قاقبل على جند لك مجندة. وإن كان من الملفت للنظر أن كتابها كان آخر الكتب التي وصلته، أي بعد أن تخيلت أن نجاح الحركة أصبح شبه مؤكد.
وعندما أقبل الحسين كان هؤلاء الرجال أصحاب هذا الكتاب قد خرجوا لقتاله فيمن خرج وتولوا قيادة الجند وكانوا من أشد الناس عليه يوم المعركة. فمنهم شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث وعروة بن قيس ويزيد بن رويم وعمرو بن الحجاج!
وفئة ثالثة كانت بين الفئتين فلا هي استطاعت نصر الحسين لظروف فوق طاقتها، ولا هي نفرت لقتاله حتى إذا قتل الحسين كانت تتحرق تحرقاً بما جرى، وترى أنها تحمل الكثير الكثير من مسؤولية الأحداث التي وقعت. وإن ذلك مهما كانت الأعذار ـ أمر عظيم لا يغسله إلا الدم وسلوك نفس الطريق التي سلكها الحسين. ومن رجال هذه الفئة سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة الفزاري وعبدالله بن سعد بن نفيل الأزدي ورفاعه بن شداد البجلي وعبدالله بن وآل التيمي. ومن هذه الفئة انبعثت فكرة الثورة التي عرف رجالها باسم (التوابين) والتي كانت فريدة بأهدافها وأطوارها ورجالها.
فاجتمع هؤلاء الخمسة وتداولوا فيما بينهم لتقرير الخطة التي تنجيهم مما هم فيه وتمحو عنهم الوصمة التي لحقتهم. فلو كان الحسين لا يزال حياً لكان لهم في الإياب إليه منجاة ولكن الحسين قتل وليس من هو قائم مقامه فبأي صبغة إذن يجب أن تصطبغ حركتهم وعلى أي أساس يجب أن تقوم، وأي شيء يجب أن تستهدف؟
إنه لم يكن أسهل من تعيين الهدف فما دام الحسين قد قتل فليكن شعار الحركة الطلب بثأر الحسين، وللطلب بالثأر عند العرب قيمة كبرى فالقتيل الذي يراد تكريمه هو الذي يجب أن يؤخذ بثأره أولاً، وما دام قد تعين الهدف فقد وجب تنظيم الحركة وتهيئة رسائلها.
وفي الاجتماع الأول الذي عقده أولئك الخمسة ورهطهم في منزل سليمان بن صرد الخزاعي في نفس السنة التي قتل فيها الحسين وضعت أسس الثورة وأوضح أحدهم المسيب بن نجبة الفزاري أهدافها ومراميها بخطابه الذي ألقاه عليهم ووصف فيه استعدادهم للتكفير عما فات فكان من قوله: لا عذر دون أن تقتلوا قاتله أو تقتلوا في طلب ذلك. ثم طلب إليهم في نهاية الخطاب أن يولوا عليهم رجلاً منهم.
فرد عليه رفاعة بن شداد بخطاب مختصر ختمه بطلب تولية زعامة الحركة لسليمان بن صرد الخزاعي الذي وصفه بأنه المحمود في بأسه ودينه الموثوق بحزمه. فوافقوا كلهم على ذلك. وعلى الأثر وقف سليمان وألقى خطاباً قال فيه: «ألا لا تهابوا الموت فما هابه أحد قط إلا ذل، ثم قال: «أحدوا السيوف واركبوا الأسنة حتى تدعوا الناس وتستنفروهم».
ولما كان المال عصب الحرب فقد دعاهم إلى بذل المال وقال كل من أراد المعونة بشيء من ماله فليأت به إلى عبدالله بن وآل.
ثم كتب سليمان بعد ذلك إلى من يأنس فيهم تأييد حركتهم في المدن الأخرى فكتب إلى سعيد بن حذيفة بن اليمان وجماعته في المدائن يعلمه بما عزموا عليه ويدعوهم إلى المساعدة وكتب إلى المثنى بن مخزمة العبدي في البصرة بمثل هذا فجاءه الجواب من المدائن والبصرة بالتلبية.
وأصبح سليمان منذ ذلك اليوم زعيم ثورة التوابين وقائد جيشها. وسليمان هذا كانت له صحبة مع رسول الله (ص) وهو من المهاجرين وكان اسمه يساراً فسماه الرسول سليمان وكان له سن عالية وشرف في قومه فلما قبض الرسول تحول فنزل الكوفة وشهد مع علي (عليه السلام) صفين وكان من جملة من كتب للحسين غير أنه لم يقاتل معه للظروف القاهرة التي حالت دون ذلك.
ثم أخذ زعماء الحركة يبثون الدعوة لها ويتأهبون لليوم الرهيب وراحوا يجمعون المال ويشترون السلاح.
ولم يكن سهلاً يومئذٍ القيام بثورة فعالة تجمع حولها الجماهير مهما كان الناس مخلصين للهدف متأثرين به. فقد كانت البلاد ترزح تحت جو إرهابي فظيع يملك على الأهلين أنفاسهم، ويحصي عليهم حركاتهم وسكناتهم، ويفرض عليهم مرهق الأحكام وقاسي الأنظمة، وكان الناس لا يبرحون حديث عهد بمجزرة كربلا وفجائع المدينة التي بلغت من الهول أقصى حدوده.
ففي ظروف كهذه ودماء الناس لا تزال تمور كان من العسير إخراج الثورة إلى حيز عملي ونقلها من ثورة فكرية نفسية إلى ثورة حربية دموية فكان لا بد من انتظار الزمن المناسب واهتبال الفرص السانحة والانصراف إلى الدعاية أولاً حتى إذا جد الجد كان الجو ملائماً والنفوس على استعداد وهكذا ظل الزعماء طيلة ثلاث سنين يبثون دعوتهم سراً حتى اجتمع عليها خلق كثير دون أن يفتضح للحكام أمرهم، وأنه ليدعو إلى الإعجاب هذا الحذق في التكتم، والإحكام في الحذر الذي رافق الحركة تلك السنوات الثلاث التي كان يحكم العراق خلالها رجل مخيف كعبيد الله بن زياد لم يستطع بفضل مهارة الدعاة أن يستريب بأحد من القائمين على الحركة أو يشك بمصر من الأمصار الثلاثة الكوفة والبصرة والمدائن التي كانت ميداناً رحيباً لنشاط دعاية سليمان الخزاعي وإخوانه.
ولما مات يزيد بن معاوية ووهن أمر الحكام جهروا بفكرتهم وبثوا رسلهم في الناس وأخذ شاعرهم عبدالله الأحمر ينشد مستفزاً.
صحوت وودعت الصبا والغوانيا
وقلت لأصحابي أجيبوا المناديا
وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى
وقبل الدعا لبيك لبيك داعيا
ألا وانع خير الناس جداً ووالدا
حسيناً لأهل الدين إن كنتن ناعيا
فأضحى حسين للرماح دريئة
وغودر مسلوباً لدى الطف ثاويا
فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته
فضاربت عنه الشانئين الأعاديا
سقى الله قبراً ضمن المجد والتقى
بغربية الطف الغمام الغواديا
فيا أمة تاهت وضلت سفاهة
أنيبوا فأرضوا الواحد المتعاليا
ومضت سنة كان أمر الحكومة فيها مضطرباً مشتتاً فإن عبيدالله بن زياد والي العراق كان قد هرب من البصرة إلى الشام وأهل الكوفة طردوا عامل ابن زياد عمرو بن حريث وعبدالله بن الزبير قد أعلن خلافته في الحجاز ودان له العراق وأوشك مروان بن الحكم زعيم البيت الأموي أن يسير إليه فيبايعه لولا أن وصل عبيدالله بن زياد إلى دمشق فشجعه على طلب الخلافة وقلب رأيه فبايعه الناس وانشطرت البلاد إلى خلافتين واحدة في مكة وأخرى في دمشق والأمة بينهما تغمرها الفوضى وتجتاحها النزعات المتباينة.
فرأى سليمان أن الساعة قد دنت وأن الظروف مؤاتية فقرر وأصحابه إعلان الثورة وحددوا يوم الخروج وأرسلوا إلى جماعتهم في البصرة والمدائن يعينون لهم اليوم والمكان الذي يوافونهم إليه.
وفي أول ليلة من ربيع الأول سنة خمس وستين خرج سليمان في جمهرة من أصحابه فعسكر بالنخيلة قريب الكوفة وأرسل رجاله إلى الكوفة يعلنون الثورة ويستنفرون الناس وأمرهم أن يهتفوا باسم الحسين فاندفعوا في سكك الكوفة ينادون: يا لثارات الحسين!… وقصدوا المسجد الأعظم والناس يُصَلُّونَ العشاء، ينادون يا لثارات الحسين!… فهز هذا النداء الذي يتعالى لأول مرة القلوب وأثار فيها أروع الذكريات فكان الناس إذا سمعوا هبوا إلى سلاحهم ملبين…
وسمعه عبدالله بن حازم الأزدي وعنده بنوه وامرأته سهلة ابنة سبرة وكانت من أجمل النساء وأحبهم إليه، ولم يكن دخل مع القوم فوثب إلى ثيابه فلبسها، وإلى سلاحه وفرسه، فقالت له زوجته: ويحك أجننت؟! فقال لا ولكني سمعت داعي الله فأنا مجيبه وطالب بدم هذا الرجل حتى أموت. فقالت إلى من تودع بنيك هذا؟!… فقال إلى الله! اللهمَّ إني أستودعك ولدي وأهلي. اللهمَّ احفظني فيهم وتب علي مما فرطت في نصر ابن بنت نبيك…
وطافت الخيل تلك الليلة في الكوفة ينادون يا لثارات الحسين وأصبح الصباح فإذا في المعسكر أربعة آلاف ثائر على قدم الاستعداد.
فأقام سليمان في النخيلة ثلاثة أيام يبعث إلى من تخلف عنه فخرج إليه نحو من ألف رجل فصار معه خمسة آلاف، ويظهر أن سليمان كان ينتظر عدداً أكثر من هذا العدد فأراد التريث فقال له المسيب بن نجبة الفزاري: إنه لا ينفعك الكاره للخروج ولا يقاتل معك إلا من خرج على بصيرة محباً للخروج فلا تنتظر أحداً، فقال له سليمان نعم ما رأيت.
وقد أراد زعيم الثورة سليمان أن يذيع على الثائرين برنامج الثورة وأن يوجز لهم خطتها وهدفها فوقف في ذلك الجمع وألقى خطاباً قصيراً يحوي على إيجازه كل ما انطوت عليه جوانحه وجوانح أصحابه من شعور ويعرب عن موقفهم خير إعراب فقال:
أيها الناس (من كان خرج يريد بخروجه الله والآخرة فذلك منّا ونحن منه فرحمة الله عليه حياً وميتاً ومن كان إنما يريد الدنيا فوالله ما يأتي فيء نأخذه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله وما معنا من ذهب ولا فضة ولا متاع إلا سيوفنا على عواتقنا ورماحنا في أكفنا وزاد قدر البلغة فمن كان ينوي هذا فلا يصحبنا».
ولقد أجاد سليمان في بيان الموقف وتصويره فإنه وإخوانه لم يكونوا يطمعون بغنم أو إمارة، بل ربما كانوا لا يأملون بنصر وظفر، فإن الأمر الذي يقدمون عليه على غاية من الخطورة والهول والطلب بثأر الحسين من قاتليه ليس أمراً يسيراً، فالذين يطلب منهم الثأر يتمتعون بسلطان واسع وقوى شتى ولا تقوى على الظفر بها شراذم مستقتلة وجماعات مستميتة وكل ما يرجوه زعماء الثورة ودعاتها أن يتأسوا بالحسين فيغسلوا عنهم معرة خذلانه ورجاؤهم للفوز ضعيف بل يكاد يكون مستحيلاً فأراد سليمان أن يوضح هذا لتابعيه ليكونوا على بينة من مستقبلهم، ولقد أثرت هذه الحقيقة المرة في أعصاب الكثيرين فأضعفت من عزمهم فتخلفوا يوم الزحف حتى بقي من الخمسة الآلاف ثائر الذين اجتمعوا في النخيلة ثلاثة آلاف ومائة فحسب، ما فيهم إلا مستميت مستقتل.
فلما عزم سليمان على المسير قال له عبدالله بن سعد بن نفيل إنا خرجنا نطلب بدم الحسين (عليه السلام) والذين قتلوه كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد وأشراف القبائل وليس في الشام سوى عبيدالله فقال سليمان إن الذي قتله وعبى الجنود إليه عبيدالله بن زياد فسيروا إليه على بركة الله فإن ينصركم الله رجونا أن يكون من بعده أهون علينا منه ورجونا أن يطيعكم أهل مصركم يعني الكوفة بغير قتال فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين (عليه السلام) فتقتلونه وإن تستشهدوا فما عند الله خير للأبرار فاستخيروا الله وسيروا وأرسل عبدالله بن يزيد أمير الكوفة (وكانت في حكم عبدالله بن الزبير) وإبراهيم بن محمد بن طلحة أمير خراجها رسولاً إلى سليمان إنهما يريدان أن يأتيا إليه فقال سليمان لرفاعة بن شداد قم فأحسن تعبية الناس ودعا رؤساء أصحابه فجلسوا حوله وجاء عبدالله وإبراهيم ومعهم أشراف أهل الكوفة سوى من شرك في قتل الحسين (عليه السلام) فإن عبدالله قال لكل من شرك في قتل الحسين (عليه السلام) من المعروفين أن لا يخرجوا معهم خوفاً من سليمان وأصحابه (وكان) عمر بن سعد في تلك الأيام يبيت في قصر الإمارة خوفاً منهم فأشار عبدالله وإبراهيم على سليمان وأصحابه أن يقيموا ولا يستعجلوا فإذا علموا أن عبيدالله بن زياد سار إليهم تهيأوا وساروا إليه جميعهم وجعلا لسليمان وأصحابه خراج جوخي إن أقاموا فلم يقبلوا وقالوا إنّا ليس للدنيا خرجنا فقال لهم عبدالله أقيموا حتى نرسل معكم جيشاً كثيفاً فلم يقم سليمان وأصحابه، ونظروا فإذا شيعتهم من أهل البصرة والمدائن لم يوافوهم لميعادهم فجعل بعضهم يلومونهم. فقال سليمان لا تلوموهم فإنهم سيلحقونكم قريباً متى بلغهم خبر مسيركم وما أراهم تأخروا إلا لقلة النفقة. ثم خطبهم سليمان وحرضهم عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين فباتوا بمكان يقال له دير الأعور ثم سار فنزل على أقساس بني مالك على شاطىء الفرات ثم أصبحوا عند قبر الحسين (عليه السلام) فلما وصلوا ضجوا بالبكاء وترحموا على الحسين (عليه السلام) وتابوا عند قبره وأقاموا عنده يوماً وليلة.
وزادهم النظر إلى القبر حنقاً ثم ودعوا القبر وازدحموا عليه عند الوداع كان الرجل يعود إلى ضريحة كالمودع له حتى بقي سليمان في نحو ثلاثين من أصحابه آخر الناس فأحاطوا بالقبر وقال سليمان الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين (عليه السلام) اللهمَّ إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعد. وتكلم الرؤساء من أصحاب سليمان فأحسنوا.
وكان مع الناس عبدالله بن عوف الأحمر على فرس كميت يتأكل تأكلاً وهو يقول:
خرجن يلمعن بنا إرسالا
عوابسا يحملننا أبطالا
نريد أن نلقى بها الأقيالا
القاسطين الغدر الضلالا
وقد رفضنا الأهل والأموالا
والخفرات البيض والحجالا
نرجو به التحفة والنوالا
لنرضي المهيمن المفضالا
ثم ساروا على الأنبار. وكتب إليهم عبدالله بن يزيد والي الكوفة كتاباً يطلب فيه منهم الرجوع فقال سليمان وأصحابه: قد أتانا هذا ونحن في مصرنا فحين وطنا أنفسنا على الجهاد ودنونا من أرض عدونا نرجع؟! ما هذا برأي. وكتب إليه سليمان يشكره ويقول: إن القوم قد استبشروا ببيعهم أنفسهم من ربهم وتوجهوا إلى الله وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله عليهم فقال عبدالله: قد استمات القوم والله ليقتلن كراماً مسلمين. ثم ساروا حتى أتوا هيت ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قرقيسيا وفيها علموا بأن عبيدالله بن زياد في الطريق في جموع غفيرة ثم ساروا مجدين حتى وردوا عين الوردة فنزلوا غربيها واستراحوا خمسة أيام وأراحوا دوابهم وأقبل عبيدالله بن زياد في عساكر الشام حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة. فخطبهم سليمان وقال: إن أنا قتلت فأميركم المسيب بن نجبة، فإن قتل فالأمير عبدالله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبدالله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد.
وكان ابن زياد توجه من الشام في عسكر عظيم فلما وصل إلى الرقة أرسل أمامه مقدمة اصطدمت بمقدمة التوابين بقيادة المسيب ووصل الخبر إلى عبيدالله بن زياد فأرسل إليهم الحصين بن نمير مسرعاً في اثني عشر ألفاً وقيل في عشرين ألفاً، وعسكر العراق يومئذٍ ثلاثة آلاف ومائة لا غير فتهيأت العساكر للقتال وذلك يوم الأربعاء لأربع وقيل لثمان بقين من جمادى الأولى سنة خمسة وستين. ودنا بعضهم من بعض فدعاهم أهل الشام إلى الدخول في طاعة عبدالملك بن مروان وكان مروان قد مات في شهر رمضان من هذه السنة وبويع بالخلافة ولده عبدالملك. وقيل بل كان مروان حياً. ودعاهم أصحاب سليمان إلى تسليم عبيدالله بن زياد إليهم والخروج من طاعة عبدالملك وآل الزبير فأبى الفريقان وحمل بعضهم على بعض وجعل سليمان بن صرد يحرضهم على القتال ويبشرهم بكرامة الله ثم كسر جفن سيفه وتقدم نحو أهل الشام وجعل يرتجز ويقول:
إليك ربي تبت من ذنوبي
وقد علاني في الورى مشيبي
فارحم عبيداً غير ما تكذيب
واغفر ذنوبي سيدي وحوبي
فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين وميسرته على ميمنته وحمل سليمان في القلب على جماعتهم فانهزم أهل الشام إلى معسكرهم وظفر بهم أصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل. فلما كان الغد وصل إلى الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع عدده ثمانية آلاف كان أمدهم به عبيدالله بن زياد فصاروا عشرين ألفاً. وخرج أصحاب سليمان عند الصباح فقاتلوهم قتالاً لم يكن أشد منه جميع النهار لم يحجز بينهم إلا الصلاة فلما أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في الفريقين.
فلما أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف أمدهم بهم ابن زياد فصاروا ثلاثين ألفاً فاقتتلوا اليوم الثالث وهو يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى وقت الضحى. ثم إن أهل الشام تكاثروا عليهم وأحاطوا بهم من كل جانب. فلما رأى سليمان ذلك نزل ونادى يا عباد الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي. وكان كسر جفن سيفه ونزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه فقاتلوا حتى قتلوا من عدوهم مقتلة وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح فلما رأى الحصين صبرهم وبأسهم بعث الرجال ترميهم بالنبل فأتت السهام كالشرر المتطاير واكتنفتهم الخيل والرجال فقتل سليمان.
وكان عمره يوم قتل ثلاثاً وتسعين سنة. فلما قتل سليمان أخذ الراية المسيب بن نجبة وكان من وجوه أصحاب علي (عليه السلام) وترحم على سليمان ثم تقدم إلى القتال وكر على القوم وجعل يرتجز ويقول:
قد علمت ميالة الذوائب
واضحة الخدين والترائب
إني غداة الروع والتغالب
قصاع أقران مخوف الجانب
ثم تكاثروا عليه فقتل فلما قتل أخذ الراية عبدالله بن سعد بن نفيل وترحم على سليمان والمسيب ثم قرأ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ثم حمل على القوم وجعل يرتجز ويقول:
ارحم إلهي عبدك التوابا
ولا تؤاخذه فقد أنابا
وفارق الأهلين والأحبابا
يرجو بذاك الفوز والثوابا
وحف به من كان معه من الأزد فبينما هم في القتال أتاهم فرسان ثلاثة وهم عبدالله بن الخضل الطائي وكثير بن عمرو المزني وسعد بن أبي سعر الحنفي وقد أرسلهم سعد بن حذيفة فخبروا بمسير أهل البصرة مع المثنى بن مخزمة العبدي في ثلاثمائة فسر الناس بذلك. فقال عبدالله بن سعد ذلك لو جاؤونا ونحن أحياء. فلما نظر الرسل إلى مصارع إخوانهم ساءهم ذلك واسترجعوا وقاتلوا معهم فكان أول من استشهد في ذلك الوقت من الثلاثة كثير بن عمرو المزني وطعن الحنفي فوقع بين القتلى ثم برىء بعد ذلك وكان الطائي فارساً شاعراً فجعل يقول:
قد علمت ذات القوام الرود
إن لست بالواني ولا الرعديد
يوماً ولا بالفرق الحيود
وقاتل قتالاً شديداً وطعن فقطع أنفه. وقاتل عبدالله بن سعد بن نفيل حتى قتل. وبقيت الراية ليس عندها أحد. فنادوا عبدالله بن وال فإذا هو يحارب في جانب آخر في عصابة معه فحمل رفاعة بن شداد فكشف أهل الشام عنه فأتى وأخذ الراية وقاتل ملياً حتى قطعت يده اليسرى ثم استند إلى أصحابه ويده تشخب ثم كر عليهم وهو يقول:
نفسي فداكم اذكروا الميثاقا
وصابروهم واحذروا النفاقا
لا كوفة نبغي ولا عراق
لا بل نريد الموت والعناقا
فقاتل حتى قتل.
وكان ابن وال من الفقهاء العباد. فلما قتل أتوا إلى رفاعة بن شداد وطلبوا منه أن يأخذ الراية فأشار عليهم بالرجوع لما رأى أنه لا طاقة لهم بأهل الشام وقال لعلَّ الله يجمعنا ليوم هو شر لهم. فقال له عبدالله بن عوف بن الأحمر: ليس هذا برأي لئن انصرفنا ليتبعوننا فلا نسير فرسخاً حتى نقتل عن آخرنا وإن نجا منا أحد أخذته العرب يتقربون به إليهم فيقتل صبراً ولكن هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل وسرنا حتى نصبح ونسير على مهل ويحمل الرجل صاحبه وجريحه ونعرف الجهة التي نتوجه إليها. فقال رفاعة: نعم ما رأيت وأخذ الراية يقاتل.
ورام أهل الشام استئصالهم قبل الليل فلم يقدروا لشدة قتالهم وقوة بأسهم. وتقدم عبدالله بن عزيز الكناني فقاتل أهل الشام ومعه ولده محمد وهو صغير فنادى بني كنانة من أهل الشام وسلم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة فعرضوا عليه الأمان فأبى وأخذ ابنه يبكي في إثر أبيه وبكى الشاميون رقة له ولابنه. فقال يا بني لو كان شيء آثر عندي من طاعة ربي لكنت أنت ثم اعتزل ذلك الجانب وقاتل حتى قتل. ولما علم كريب بن زيد الحميري ما عزم عليه رفاعة من الرجوع جمع إليه رجالاً من حمير وهمدان وقال: عباد الله روحوا إلى ربكم والله ما في شيء من الدنيا خلف من رضا الله وقد بلغني أن طائفة منكم يريدون الرجوع…. لا أولي هذا العدو ظهري حتى أرد مورد إخواني. فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك فتقدم عند المساء في مائة من أصحابه فقاتلهم أشد القتال فعرض ابن ذي الكلاع الحميري عليه وعلى أصحابه الأمان فقال قد كنا آمنين في الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة فقاتلوهم حتى قتلوا. وتقدم صخر (صحير) ابن حذيفة بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة فقال لهم: لا تهابوا الموت في الله فإنه لاقيكم ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى الله فإن ما عند الله خير لكم ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا. فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم. ونظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به فرسه أو جرح فدفعه إلى قومه ثم سار بالناس ليلته كلها وجعل لا يمر بجسر إلا قطعه خوفاً أن يلحقهم الطلب وجعل وراءهم أبا الجويرية العبدي في سبعين فارساً فإذا مروا برجل قد سقط حمله أعانوه أو وجدوا متاعاً قد سقط قبضوه حتى يوصلوه إلى صاحبه. وأصبح الحصين وأصحابه فلم يجدوهم فتركهم الحصين ولم يبعث أحداً في إثرهم فلما ساروا وأصبحوا إذا عبدالله بن غزية في نحو من عشرين رجلاً قد أرادوا الرجوع إلى العدو مستقتلين فجاء رفاعة وأصحابه وناشدوهم الله أن لا يفعلوا فلم يزالوا يناشدونهم حتى ردوهم إلا رجلاً من مزينة يسمى عبيدة بن سفيان فإنه انسل من بين الناس ورجع بدون أن يعلم به أحد حتى لقي أهل الشام فشد عليهم بسيفه يضاربهم حتى عقر فرسه فجعل يقاتل راجلاً وهو يقول:
إني من الله إلى الله أفر
رضوانك اللهم أبدي وأسر
فقيل له: من أنت؟ قال: من بني آدم لا أحب أن أعرفكم ولا أن تعرفوني يا مخربي البيت الحرام وشد الناس عليه من كل جانب فقتلوه. وساروا حتى أتوا قرقيسيا ثم ساروا إلى الكوفة ثم أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في أهل المدائن حتى بلغ هيت فأتاه الخبر فيها فرجع فلقي المثنى بن مخزمة العبدي في أهل البصرة بصندوداء فأخبره الخبر فأقاموا حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه وبكى بعضهم إلى بعض وأقاموا يوماً وليلة ثم تفرقوا فسار كل طائفة منهم إلى بلدهم. وقطع أصحاب ابن زياد رأس المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد فبعث بهما ابن زياد إلى مروان بن الحكم أو إلى ولده عبدالملك في الشام. وقال أعشى همدان يذكر الوقعة ويرثي التوابين من قصيدة:
توجه من دون الثوية سائرا
إلى ابن زياد في الجموع الكتائب
بقوم هم أهل النقيبة والنهى
مصاليت أنجاد سراة مناجب
مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبة
ولم يستجيبوا للأمير المخاطب
فساروا وهم من بين ملتمس التقى
وآخر مما جر بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا
إليهم فحيوهم ببيض قواضب
يمانية تذري الأكف وتارة
بخيل عتاق مقربات سلاهب
فجاءهم جمع من الشام بعده
جموع كموج البحر من كل جانب
فما برحوا حتى أبيدت سراتهم
فلم ينج منهم ثم غير عصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا
تعاورهم ريح الصبا والجنائب
أبوا غير ضرب يفلق الهام وقعه
وطعن بأطراف الأسنة صائب
فيا خير جيش للعراق وأهله
سقيتم روايا كل أسحم ساكب
فلا تبعدن فرساننا وحماتنا
إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب
فإن تقتلوا فالقتل أكرم ميتة
وكل فتى يوماً لإحدى النوائب
التوضيح الأنور
ألّف يوسف بن مخزوم الأعور الواسطي كتاباً هاجم فيه الشيعة، وهو الذي ترجم له السخاوي في الضوء اللامع 10: 338 وقال: «يوسف الجمال أبو المحاسن الواسطي الشافعي، تلميذ النجم السكاكيني…
رأينا له مؤلِّفاً سمَّاه: الرسالة المعارضة في الرد على الرافضة».
فرد عليه الشيخ نجم الدين خضر بن محمد الحبلرودي([138]) في سنة 839هـ في الحلة فألف كتاباً سماه «التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور»([139]).
وكتب بعد ذلك بسنة ـ سنة 840هـ في الحلّة أيضاً الشيخ عز الدين الحسن بن شمس الدين محمد بن علي المهلبي الحلي كتاباً في الرد على الأعور بأمر الشيخ جمال الدين بن فهد، وسماه «الأنوار البدرية في كشف شبه القدرية»([140]).
توضيح المنطق
تأليف الشيخ محمد باقر بن محمد جعفر الآشتياني القزويني من فحول المتكلمين وأكابر علماء المنطق والرياضيات والحكمة توفي حدود سنة 1275هـ.
أوله بعد البسملة (نحمدك يا من جعل المنطق مزين الأذهان لاكتساب التصور والتصديق وصيرها آلة يحترز بها عن الخطأ…
آخره (… قد تم تحريره وتنميقه بيد مؤلفه المسيء الجاني محمد باقر بن محمد جعفر الأشتياني في يوم الاثنين واحد شهر رمضان المبارك… بدار السلطنة قزوين والحمد لله تعالى على إتمامه والسلام).
والنسخة الأصل بخط المؤلف وعليها حواش منه مؤرخة سنة 1253 هجرية من مخطوطات كاتب هذه السطور. ولم يذكر هذا الكتاب في (الذريعة) ولا في فهارس المكتبات العامة والخاصة. كان المؤلف من أعلام قزوين وتخرج على الشيخ محمد صالح البرغاني المتوفى سنة 1271 هجرية وانتهت إليه الرئاسة العلمية وكان من مدرسي المدرسة الصالحية وهو من علمائنا المنسيين.
عبدالحسين الصالحي
تونس (الجمهورية)
ـ 1 ـ
تقع في الشمال الغربي من قارة أفريقيا. تقسم إلى ثلاثة أقسام طبيعية هي أولاً ـ جهة شمالية تتركب من مزارع خصبة يمر على جانب عظيم منها وادي مجردة. ثانياً ـ الساحل وهو يمتد من الناحية الشرقية على طول البحر، وهذا القسم يتألف من أرض خصبة غزيرة العمران وافرة السكان. ثالثاً ـ قسم جنوبي يشتمل على سهول عظيمة ومراعي شاسعة وواحات نخيل تبتدىء منها الصحراء الكبرى. تمثل القسم الشرقي من المغرب العربي الواقع في شمال أفريقية. تحدها من الغرب الجزائر، ومن الجنوب الشرقي ليبيا ومن الجنوب الغربي الصحراء. وتربطها بالجزائر سلسلة جبال الأطلس التي تعتبر العمود الفقري لأقطار المغرب العربي. وقد جعلت من هذه الأقطار وحدة جغرافية متسعة. وتمتد هذه الجبال في تونس من الجنوب الغربي بجوار تبسة إلى الشمال الشرقي حيث جبل زغوان وبوقرنين، ويزيد ارتفاعها بالقرب من حدود الجزائر على 1500 متر، ثم يقل شيئاً فشيئاً صوب الشمال إلى أن يبلغ التلال الخصبة المحيطة ببنزرت وماطر ويتخلل هذه السلسلة ممرات كثيرة تسهل الاتصال بين الشمال والجنوب. وتغطي هذه الجبال أشجار الفلين وصنوبر حلب، وفيها مناجم الرصاص والحديد والفسفات وتتخلل هذه الجبال سهول كثيرة مشهورة بإنتاجها للحبوب.
أما الشواطىء في تونس فهي منخفضة على العموم ما عدا في الشمال، ولا يتعدى عمق البحر 200 متر في هذه الشواطىء، مما جعلها صالحة لصيد السمك. وبأزاء مدينة صفاقس تمتد جزر قرقنة التي اشتهر أهلها بصيد الإسفنج، وفي جنوب خليج قابس توجد جزيرة جربة التي اشتهرت ببساتينها وواحاتها الجميلة. وتتصل سهول منطقة الساحل بسهول الشمال بواسطة مضائق زغوان وقرنبالية، كما أن مضائق قابس تربطها بسهول شواطىء الجنوب، وتحتل السهول 86% تقريباً من مجموع مساحة القطر التونسي.
ولا يوجد في تونس من الأنهار الجديرة بهذا الاسم إلا نهر مجردة وفروعه، وهو ينحدر من الغرب إلى الشرق صوب خليج تونس، على أن مياهه تقل كثيراً زمن الصيف. أما نهر مليان فإنه عبارة عن نهر تنضب مياهه في الصيف في كثير من الأحيان. ويوجد كذلك منحدرات أشهرها زرود ومرج الليل، وهي تفيض من غير موسم وتصب في سبخات أو تضيع في الفيافي.
ومناخ تونس على العموم دافىء معتدل. أما الأمطار فهي غير منتظمة إذ يختلف سقوطها من ناحية إلى أخرى ومن سنة إلى سنة، وكذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأرض وقربها من البحر أو من الصحراء، مما جعل كل منطقة من المناطق التونسية مختصة بإنتاج معين. ويمكن تقسيم المناطق كما يأتي:
في شمال سلسلة جبال الأطلس وبخاصة على ضفاف نهر مجردة توجد أخصب الأراضي التونسية الصالحة لإنتاج الحبوب. وقد اشتهرت فيها الكاف وباجة وتبرسق وسليانة والفحص وسوق الأربعاء وسوق الخميس وطبرية وماطر، وهي من أهم المراكز الفلاحية بتونس.
وفي جنوب جبال الأطلس يمتد «إقليم المنبسطات» (La Region des Steppes) بين مدينة قفصة من الغرب وواحات الجريد من الجنوب والساحل التونسي من الشرق، ولا تقطعه إلا تلال قليلة. وبعض هذه المنبسطات من الناحية الغربية مساحات شاسعة من الحلفاء، وبها مزارع كبيرة ومراع شاسعة، وتقل الأمطار في هذا الإقليم حتى تنقطع تماماً في الجنوب، وليس به من القرى إلا القليل باستثناء مدينة القيروان.
وتمتاز منطقة الجريد ومنطقة نفزاوة في الجنوب التونسي بواحاتها الجميلة الغنية ووفرة مياهها.
وفي الشمال الشرقي تمتد شبه جزيرة بين خليج تونس وخليج الحمامات تسمى «دخلة المعاوين» وهي من أخصب الأراضي التونسية بما فيها من غابات الزيتون وأشجار البرتقال، وتكثر فيها القرى العامرة.
أما ما يعبر عنه «بالساحل» فهي منطقة تبدأ من ناحية سوسة وتنتهي إلى ناحية صفاقس، ويغطي هذه المنطقة غابات الزيتون منذ أقدم العصور.
وأهم هذه المدن: تونس والقيروان وصفاقس وسوسة وبنزرت وقابس والمهدية وتوزر ومساكن والمنستير والقلعة الكبرى وماطر وباجة والكاف.
ومدينة تونس الواقعة على خليج تونس هي العاصمة الإدارية والثقافية والاقتصادية. وقد لعبت أدواراً هامة في تاريخ البلاد، وكان تاريخها قبل الفتح الإسلامي مجهولاً، إذ إن العاصمة في ذلك الحين كانت مدينة قرطاجنة، وبعد الفتح العربي اتخذ العرب من مدينة القيروان عاصمة لهم، وبعد أن استولوا على مدينة قرطاجنة سنة 698م بدأت مدينة تونس تنافس القيروان حتى أصبحت عاصمة من العواصم الإسلامية التي ازدهرت فيها الحضارة العربية. ومنذ عهد الدولة الحفصية أصبحت قاعدة لتونس، وقد أخذت مدينة تونس شكلها الحالي ابتداء من القرن الرابع عشر م.
ومدينة صفاقس الواقعة في شمال خليج قابس هي عاصمة الجنوب التونسي الإدارية، وتعد أهم مركز اقتصادي لتونس، وقد أحاطت بها مزارع الزيتون الشاسعة منذ القدم، وينتهي إليها خط حديدي أنشىء لنقل الفسفات من قفصة إلى البحر.
أما المهدية فهي من عواصم الساحل التونسي أسسها المهدي عبدالله الفاطمي سنة 916م وصارت منذ ذلك العهد قاعدة الخلافة الفاطمية، وقد احتلتها القوات المتألفة من أهل جنوة وبيزة وصقلية سنة 1087م. ثم احتلتها النورمان والأسبان، ولم تخلص من أيدي هؤلاء إلا في عهد الأتراك.
وتعد تونس من أكثر أقطار المغرب العربي استعراباً بعد هجرة بني هلال إليها في القرن الحادي عشر م. ولم يبق أثر للعنصر البربري الأصلي ولا للقرطاجنيين والرومان الذين احتلوا البلاد قروناً متوالية قبل العرب، كما انمحى أثر الأتراك من تونس، وقد تغلب العنصر العربي على كل هذه العناصر وابتلعها.
أما لغة السكان فهي العربية، وتعتبر اللهجة التونسية العامية من أقرب اللهجات للعربية الفصحى، وقد اختفت اللهجات البربرية القديمة ولا تجد بقاياها اليوم إلا في منطقة قفصة ومطماطة الجبلية والدويرات وشنني بأقصى الجنوب التونسي. ويدين جميع السكان العرب بالدين الإسلامي ويتبع معظمهم المذهب المالكي.
وقد اشتهرت تونس منذ عهد قديم بزراعتها، وكانت تسمى في عصر الرومان «مخازن رومة» لما كانت تنتجه من الحبوب والزيوت والتمر ومختلف الفواكه. وبالرغم من ثروتها المعدنية الكبيرة فهي قبل كل شيء بلاد زراعية، ومعظم سكانها يعيشون من الزراعة بصورة مباشرة، وتبلغ منتجات أرضها نصف تجارتها مع الخارج، وكل الحركة الصناعية والتجارية ترتكز على حالة الزراعة وتتأثر بأزماتها.
ومن أهم محصولات البلاد الزيتون الذي يبلغ عدد أشجاره 22 مليون شجرة ولا يزال في ازدياد، وتأتي تونس في الدرجة الرابعة بعد إسبانيا وإيطاليا واليونان فيما تحتوي عليه من أشجار الزيتون، وهي الثالثة فيما تصدره إلى الخارج من الزيت.
وأرض تونس غنية بمعادنها المختلفة، وتعد ثاني أقطار العالم المنتجة للفسفات، كما يستخرج منها الحديد والرصاص والزنك والمنغنيز والنحاس والبروم والبوتاس.
وتعتمد تجارة تونس مع الخارج على تصدير القمح والزيت والفسفات.
عصور تونس التاريخية تونس قبل الفتح الإسلامي
كان يسكن تونس في القديم العنصر البربري الذي لا يعرف عنه التاريخ إلا القليل، ويحدثنا المؤرخون إنه كان للبربر نصيب من الحضارة لاتصالهم بمصر الفرعونية وبلاد اليونان.
وفي القرن الثاني عشر ق. م. ابتدأت تنتشر على سواحل تونس مراكز تجارية قام بتأسيسها الفينيقيون الذين قدموا إليها من الشام، وهم الذين أنشأوا مدينة قرطاجنة في القرن التاسع ق.م. التي ما لبثت أن أصبحت تسيطر على بقية المدن والمراكز التجارية الجديدة على طول سواحل بلاد المغرب، وتكونت في قرطاجنة في ذلك العصر أعظم دولة بحرية امتد نفوذها من برقة إلى المغرب الأقصى، وزاحمت الدولة اليونانية في السيادة على البحر الأبيض المتوسط. وبعد أن سيطرت قرطاجنة على السواحل بسطت سلطانها على المناطق الداخلية واستعمرتها وأجبرت البربر على دفع الضرائب والانخراط في الجيش.
وقد انبعثت من مدينة قرطاجنة حضارة شرقية زاهرة، وأخذ البربر بأسباب هذه الحضارة، ونقلوا عن الفينيقيين أصول التجارة والصناعة والفلاحة، واعتنقوا عقائدهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية.
وفي منتصف القرن الثالث ق.م. اشتد التنافس بين رومة وقرطاجنة في السيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط وأدى ذلك إلى نشوب «الحروب الفينيقية الثلاثة» بين الفريقين، وقد دامت أكثر من قرن وانتهت بتدمير قرطاجنة الفينيقية سنة 143ق.م. وإقامة قرطاجنة الرومانية على أنقاضها.
وقد تركت الحضارة الفينيقية التي دامت أكثر من عشر قرون آثاراً عميقة في البلاد.
وبعد العصر الفينيقي دخلت تونس تحت سيطرة روما من سنة 146ق.م. إلى سنة 430م. ولم يعتن الرومان بادىء الأمر باستعمار البلاد إذ كانوا منهمكين في الحروب الداخلية. وقد بسطوا نفوذهم المباشر على «إفريكا» (إفريقية) التي كانت تشمل مناطق تونس الحالية، بينما وكلوا أمر «نوميديا» (وهي منطقة قسنطينة التابعة للجزائر) إلى أمير من أمراء البربر وضعوه تحت حمايتهم.
وشرعت الدولة الرومانية في تنظيم استعمارها وتوطيد أقدامها في البلاد، بعد أن استقر الحكم للقياصرة سنة 31ق.م. فأقطعت الأراضي الشاسعة إلى قدماء المحاربين والأغنياء من الرومان وخطت الطرقات في طول البلاد وعرضها. فانتشرت المزارع والبساتين وعم العمران وتعددت المدن الزاهرة حتى أصبحت تونس من أخصب ممتلكات الإمبراطورية الرومانية وأكثرها عمراناً. وقد جعل الرومان من مناطق البلاد القاحلة مناطق خصبة بما أحدثوه من نظام محكم للري وما حفروه من آبار.
وكانت سيطرة الرومان على البلاد عسكرية واقتصادية، ومع ذلك فقد ازدهرت حضارتهم في البلاد وبلغت أوجهاً بين بقية ممتلكاتهم وأخذ البربر بأسباب هذه الحضارة وساهموا في ازدهارها، ووصل بعضهم إلى أعلى الرتب والوظائف في الدولة الرومانية. إلا أن بعض القبائل البربرية لم تُقبل على هذه الحضارة وبقيت محافظة على شعائرها ولغتها، وتحصنت في الجبال وصارت تتربص الفرص للانتقاض على السلطة الرومانية.
ولما ظهرت الخلافات الدينية بين المسيحيين ساعد البربر على انتشارها في إفريقية وضعف نفوذ الحكام وتكررت ثورات البربر، وانتهى هذا العصر الذي دام ستة قرون باحتلال الوندال للبلاد في القرن الخامس الميلادي.
وأسس الوندال بإفريقيا مملكة مستقلة دامت نحو المائة سنة، وكان احتلالهم للبلاد احتلالاً عسكرياً، وقد احتفظوا بنظام الإدارة الرومانية، وقضوا على الاستعمار الروماني للأراضي، فاستمالوا بذلك البربر وتعاونوا معهم وأشركوهم في الغزوات التي شنوها على سواحل البحر الأبيض المتوسط.
ولما ضعف سلطان الوندال خرج جزء كبير من بلاد البربر عن طاعتهم، ولم يبق بأيديهم سوى شمال بلاد إفريقية (تونس)، وانتهى بهم الأمر إلى أن طردهم روم بيزنطة سنة 534م. الذين ألحقوا إفريقية بإمبراطوريتهم بعد أن كسروا شوكة البربر. ثم شرعوا في تنظيم البلاد وإقامة الحصون بها لرد غارات القبائل البربرية.
وبعد أن عاد الأمن للبلاد وتمتعت بحياة الرخاء مدة قرنين متواليين اضطربت الأحوال بسبب ضعف سلطان الروم واستفحال النزعات الدينية، وأفضى ذلك بولاة الروم إلى الاستقلال بالحكم في المناطق الإفريقية التي كانوا يديرون شؤونها، وقويت شوكة رؤساء قبائل البربر فخرجوا عن طاعة الدولة وصاروا يناهضونها في كل المناسبات.
الفتح الإسلامي
بعد أن استولى العرب على مصر سنة 17هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب اتجهوا بفتوحاتهم نحو الشمال، فانتزعوا برقة وطرابلس من يد الروم، ثم حولوا أنظارهم إلى بلاد المغرب، وغزوا إفريقيا لأول مرة سنة 27هـ، ثم رجعوا إليها سنة 45هـ. ولكنهم لم يستقروا بها ولم يتركوا وراءهم أثراً يذكر.
فكانت هاتان الحملتان تمهيداً للفتح النهائي الذي تم على يد عقبة بن نافع سنة 50هـ. وقد رأى عقبة أن أحوال إفريقية لا يمكن أن تستقر للعرب إلا إذا أنشأوا لهم مركزاً قاراً بها ومعسكراً يخرجون منه لفتح بقية المغرب. فصرف عنايته لبناء مدينة القيروان. ومنذ اليوم الذي أصبح فيه للعرب عاصمة في إفريقية اهتموا بفتح بلاد المغرب فتحاً نهائياً، وصاروا يعتبرون إفريقية ولاية مستقلة الشخصية بعد أن كانت تابعة لمصر.
وقد وقف كل من الروم والبربر في وجه استيلاء العرب على إفريقية وبقية المغرب وتحالفوا لمقاومة العرب. ولكن عقبة عرف كيف يقضي على هذه المقاومة في بادىء الأمر، واستطاعت جيوشه أن تستولي على البلاد إلى أن وصلت حتى المحيط الأطلسي. غير أن جيوشه انهزمت في طريق رجوعها من المغرب الأقصى أمام جيوش البربر التي كان يقودها «كسيلة»، فخرجت إفريقية من يد العرب للمرة الأولى بعد أن احتل البربر القيروان. وأقاموا دولة بربرية في جنوب إفريقية، بينما كان الروم محتفظين بشمالها، ومتحصنين في قرطاجنة وبقية المراكز المحصنة، غير أن انهزام الجيوش العربية لم يمح أثر العرب في إفريقية إذ بقي الكثير منهم مقيماً بالقيروان تحت حكم كسيلة، وكانت تناصرهم قبائل بربر الجنوب الذين دخلوا الإسلام منذ الغزوة الأولى.
وفي عهد عبدالملك بن مروان توجه العرب إلى القضاء على دولة الروم ودولة البربر، وكسر شوكة قبائل بربر الشمال المعتصمين في الجبال. فاستطاع زهير بن قيس البلوي القضاء على المقاومة البربرية سنة 64هـ، وجاء بعده حسان بن النعمان إلى إفريقية سنة 76هـ، وكانت مهمته القضاء على مقاومة الروم، فتمكن من الاستيلاء على حصونهم وطردهم من عاصمتهم قرطاجنة.
ولكن إفريقية خرجت من يد العرب مرة ثانية، إذ انتظمت مقاومة البربر بزعامة امرأة منهم تلقب «بالكاهنة» بينما جاءت النجدات إلى الروم من بيزنطة نفسها.
وعاد حسان إلى إفريقية سنة 81هـ، وبقضائه على جيوش الكاهنة قضى على آخر مقاومة قام بها أهل البلاد، ثم اتجهت عنايته إلى الروم فاستولى على قرطاجنة بعد أن حاصرها براً وبحراً.
وهكذا تم الفتح العربي في إفريقية وبقي على العرب أن ينظموا شؤون ولايتهم الجديدة وأن يستقروا فيها، وأن يفتحوا بقية المغرب حتى يتم لهم أمر البلاد كلها.
وكانت إدارة البلاد موكلة إلى الوالي الذي يعين من قبل الخليفة. واتخذ العرب مدينة القيروان مركزاً إدارياً، وأنشأوا بها الدواوين المختلفة، وعينوا العمال للإشراف على شؤون الولاية.
وبادر حسان بإنشاء ميناء جديد يحل محل قرطاجنة، فبنى مدينة تونس التي ما لبثت أن أصبحت المنفذ الذي خرج منه العرب لفتح صقلية وإيطالية.
تونس في القرن الثاني الهجري
كان للخلافات السياسية التي حدثت في المشرق أواخر القرن الأول الهجري والتي أدت إلى ظهور «الخوارج» صداها في بلاد المغرب. فانتشرت حركة الخوارج بسرعة بن قبائل البربر وحتى في بلاد الأندلس التي كانت في ذلك الحين تابعة لإمارة القيروان. وصارت إفريقية بدورها ميداناً للفتن الداخلية فلم تستقر فيها دولة قوية إذا استثنينا دولة بني المهلب، إلى أن ظهرت الدولة الأغلبية في أواخر القرن الثاني هـ.
وفي هذا العهد أيضاً وجه الخليفة عمر بن عبدالعزيز عنايته إلى نشر الإسلام في المغرب. فأرسل جماعة من مشاهير التابعين تنظيم هذه المهمة، وبناء صرح المغرب الإسلامي، فأسسوا المساجد في سائر أنحاء البلاد لنشر مبادىء الدين الإسلامي، وأنشأوا الكتاتيب لتعليم اللغة العربية([141]). ويرجع تاريخ بناء جامع الزيتونة إلى هذا العهد (سنة 114هـ).
وبالرغم من الفتن والاضطرابات فقد بدأت تظهر في إفريقية بوادر ازدهار الحضارة العربية، وشرعت إفريقية في ظل الإسلام تأخذ طريقها إلى الحياة السياسية والعقلية الخاصة بها، إلى أن تكونت فيها دول قوية لها شخصيتها وحضارتها. وأولى هذه الدول هي الدولة الأغلبية.
دولة الأغالبة
ولم تستقر الأحوال في إفريقية إلا في عهد الخلافة العباسية عندما عين هارون الرشيد سنة 184هـ إبراهيم بن الأغلب عليها، جاعلاً الإمارة وراثية في بيته. وهكذا نشأت في تونس أول دولة عربية قوية مستقلة داخلياً عن الخلافة، وتعاقب أمراؤها على الحكم أكثر من قرن بلا انقطاع.
وقد اتخذ الأغالبة القيروان عاصمة لمملكتهم التي كانت تشمل الجمهورية التونسية الحالية، كما تشمل مقاطعة قسنطينة (بالجزائر) وطرابلس الغرب.
الدولة الفاطمية
كان للمذاهب المختلفة الناشئة في الشرق العربي أثرها في الدولة التي نشأت في المغرب. وقد كانت هذه البلاد حتى أواسط القرن الثالث الهجري يسودها المذهب المالكي الذي وطد أركانه بها كل من الفقيهين المالكيين أسد بن الفرات وسحنون. ولكن شيئاً فشيئاً بدأ البربر يتصلون برجالات المذاهب الأخرى ووجدوا في فرقة الخوارج تلاؤماً مع طبيعتهم، وسرعان ما أقبلوا على اعتناق مذهبها، وما كاد القرن الثالث يوفي على نهايته حتى كان مذهب الأباضية ـ وهي فرقة من فرق الخوارج ـ قد انتشر انتشاراً كبيراً في القبائل التي تسكن جنوب المغرب.
أما قبائل الشمال كتامة وصنهاجة وما يتبعهما فقد اعتنقت المذهب الشيعي الفاطمي الذي قام بالدعوة إليه في المشرق عبدالله المهدي وأوفد في ذلك الحين الداعي أبا عبدالله ليتولى نشر مذهبه ببلاد المغرب.
وكانت دولة الأغالبة قد أشرفت على نهايتها. فنظم أبو عبدالله الدعوة ضدها، كوّن الجماعات لنشر المذهب الشيعي الفاطمي وخلع طاعة الأغالبة، والعمل على تكوين خلافة شيعية فاطمية بالمغرب.
وعندما رأى عبدالله المهدي أن الدعوة قد انتشرت بالمغرب، وأن جيوش داعيته قد أصبحت قاب قوسين من النصر، انتقل من سلمية إلى سجلماسة وظل مختفياً بها إلى أن انتهى الأمر بانهزام جيوش الأغالبة، وفر آخر أمير منهم وهو زيادة الله الأغلبي بعد أن يئس من وصول نجدة العباسيين إليه. فدخل عبدالله إلى القيروان حيث بويع بها سنة 297 ولقب بأمير المؤمنين.
وهكذا تكونت بإفريقية خلاف الفاطميين، بينما كانت الخلافة العباسية ما تزال قائمة ببغداد، والخلافة الأموية بالأندلس. وبعد ذلك أخذ الفاطميون يوطدون أركان دولتهم ببلاد المغرب، فأسسوا عاصمتهم الجديدة سنة 308 وأسموها المهدية، واستطاعوا أن يخضعوا لسلطانهم كافة بلاد المغرب، بعد أن قضوا على الدولة الأباضية في تيهرت (الجزائر) والصفرية في سجلماسة (المغرب الأقصى) والإدريسية في فاس([142]).
وبعد ذلك اتجه الفاطميون بدعوتهم إلى منبعها الأول في الشرق العربي، وأرادوا أن يبسطوا سلطانهم عليه، فوجهوا جيوشهم بقيادة مولاهم جوهر الصقلي الذي ما لبث أن استولى على مصر ودخل عاصمتها الفسطاط، وأسس بجوارها مدينة القاهرة سنة 358هـ التي أصبحت منذ ذلك الحين حاضرة الخلافة الفاطمية التي امتد نفوذها من الشام إلى أقصى المغرب.
وبالرغم من بعض الثورات التي انتابت تونس في هذا العصر فإن الحضارة العربية قد ازدهرت بها، ونشطت النهضة العلمية وانتشرت المعاهد الثقافية ليس في تونس فقط بل حتى في مدن صقلية التي كانت خاضعة لسلطانهم. وإلى جانب هذا احتفظ الفاطميون بالسيادة العربية على البحر الأبيض المتوسط، فكان أسطولهم يجوب البحار ويشن الغارات على المدن الإفرنجية وعلى جزر اليونان، واستطاعوا أن يضموا إلى خلافتهم كلاً من جزيرتي اقريطش (كريت) وسردينيا وقسماً من جزيرة كورسيكا.
الدولة الصنهاجية
لما انتقلت عاصمة الخلافة إلى القاهرة أصبح المغرب ولاية تابعة لمصر يدير شؤونها أمير من أصل بربري اسمه بلكين بن زيري بن مناذ الصنهاجي. وهكذا تأسست الدولة الصنهاجية، وكانت مرتبطة بالخلافة ارتباطاً صورياً فحسب. واستطاع ملوكها الاحتفاظ بمملكتهم الواسعة التي ورثوها عن الفاطميين.
ثم خرج عن طاعتهم المغرب الأوسط حيث تكونت به دولة بني حماد في فجر القرن الخامس هـ، وبقيت مملكة بني زيري محصورة في إفريقية وعاصمتها القيروان.
وتعتبر الدولة الصنهاجية أول دولة بربرية في إفريقية بعد الفتح الإسلامي، وقد مهد لهم السبيل الأغالبة والفاطميون في نهضتهم بالبلاد من الوجهة الاقتصادية والعمرانية والثقافية. فشارك الصنهاجيون في بناء صرح الحضارة العربية، فانتشرت الزراعة في أنحاء البلاد بفضل انتشار وسائل الري، وارتفع مستوى الصناعة الوطنية ونشطت التجارة مع الخارج.
وامتلأ بلاط ملوكها برجال العلم والأدب، وعنى أغلبهم بالفن المعماري فأنشأوا القصور الفخمة والمنازه الجميلة وتنافسوا في تشييد المعالم كالجسور والطرقات وصهاريج المياه والحصون والأسوار.
غزوة بني هلال
وحوالى سنة 435هـ. أظهر الملك المعز بين باديس الصنهاجي انحيازه إلى الخلافة العباسية في بغداد معلناً خروجه عن طاعة الخليفة الفاطمي المستنصر سنة 439هـ.
فرأى المستنصر أن ينتقم من المعز، وأرسل إلى إفريقية قبائل بني هلال وبني سليم ورياح التي كانت تقيم في الصعيد المصري، فوصلوا إفريقية سنة 440هـ.
وقد أحدث هذا الزحف العربي انقلاباً عميقاً في مختلف نواحي الحياة بإفريقية، إذ تم بفضله استعراب البلاد بصورة نهائية، وكان من نتائجه تمزق أوصال الدولة الصنهاجية، ونشأت دويلات صغيرة في أنحاء البلاد كانت أشبه بملوك الطوائف بالأندلس كما وقع في سائر البلاد التي كان يحكمها العرب شرقاً وغرباً وقتذاك، وبقي بنو زيري محتفظين بالمهدية والمناطق المجاورة لها.
ولم يكن هذا آخر عهد الفاطميين في تونس بل إن الخطبة عادت إليهم بعد انقضاء عهد المعز بن باديس وعهد ولده تميم حيث تولى يحيى بن تميم بن المعز فعاد إلى طاعة الفاطميين. وعما فعله المعز بن باديس بالشيعة في تونس وغيرها ننقل عبارة ابن الأثير بنصها:
مذبحة الشيعة الكبرى
قال ابن الأثير: «في سنة 407 قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية([143])، وذلك أن المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل هؤلاء رافضة فترضى عن الشيخين فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلى من القيروان وهو مكان يجتمع فيه الشيعة فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم طمعاً في النهب، وانبسطت يدي العامة في الشيعة وأغراهم عامل القيروان وحرضهم.
وسبب ذلك إنه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أن المعز بن باديس يريد عزله فأراد إفساد البلد، فقتل من الشيعة خلق كثير وأحرقوا بالنار ونهبت ديارهم وقتلوا في جميع إفريقية. واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصنوا به فحصرهم العامة وضيقوا عليهم فاشتد عليهم الجوع فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم. ولجأ من كان منهم في المهدية إلى الجامع فقتلوا كلهم. وأكثر الشعراء ذكر هذه الحادثة فمن فرح مسرور ومن باك حزين».
النورمان
وفي تلك الفترة انتزع النورمان من العرب جزيرة صقلية بعد أن كانت تابعة لتونس مدة تقرب من ثلاثة قرون، وصاروا يغزون المهدية بين الحين والآخر حتى استولوا عليها سنة 543هـ، كما استولوا على معظم السواحل التونسية، بينما كانت مدن الداخل تخضع لحكم القبائل العربية. وهكذا انقرضت الدولة الصنهاجية في تونس.
الدولة الموحدية
استنجد الملك الحسن بن علي الصنهاجي بعبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية في المغرب الأقصى لإنقاذ تونس من أيدي الإفرنج، وكان عبدالمؤمن في ذلك الحين قد أخضع لسلطانه المغرب الأقصى كما ضم إلى مملكته بلاد الأندلس، فاستجاب عبدالمؤمن لاستنجاد الصنهاجيين، وسار إلى إفريقية محتلاً في طريقه المغرب الأوسط، ثم أخذ يحتل بلاد إفريقية، وبعد أن استولى على المناطق الداخلية سار إلى مدن الساحل وطرد منها النورمان. فتم له أمر البلاد سنة 555هـ وهكذا تأسست دولة مترامية الأطراف تضم أقطار المغرب العربي الثلاثة، ودامت أكثر من سبعين سنة استطاع فيها الموحدون أن يخمدوا الثورات العديدة التي كانت تقوم ضدهم بين الحين والآخر.
وتعتبر دولة الموحدين لا سيما في عهدها الأول دولة شيعية في جذورها وميولها وأدبها.
الدولة الحفصية
عمل ملوك بني حفص على إصلاح البلاد من جراء العهد المضطرب الذي مر على إفريقية، وساروا على منوال الموحدين في تنظيم دواوين الدولة. واستطاع أبو زكريا مؤسس الدولة وكذلك المستنصر الذي خلفه توطيد دعائم الأمن في تونس وإخماد نار الفتن بين القبائل والقضاء على الثورات التي نشبت في مختلف أنحاء البلاد.
وقد اتسعت المملكة الحفصية حتى شملت طرابلس والجزائر ومراكش التي انضم ملوكها بنو مرين إلى الحفصيين وقدموا لهم فروض الولاء، كما بايعهم أمير مكة وأهل الحجاز سنة 658هـ.
وفي عهد المستنصر أغار لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في الحملة الصليبية الثامنة، ونزل الطاعون بجيشه فأفنى معظمه، ولقى الملك لويس نفسه حتفه بتونس سنة 669هـ. (1270م).
ثم شاهدت الخلافة الحفصية عهداً مضطرباً دام حوالى مائة سنة، وكان التنافس بين أمراء البيت الحفصي وتطلعهم إلى الخلافة من جهة، والخلافات القائمة بين القبائل من جهة أخرى باعثاً لكثير من الفتن التي أضعفت سلطة الخلافة المركزية، فخرج عن طاعة الخليفة أطراف المملكة، واستقل بالحكم بنو يملول في توزر، وبنو خلف في نفطة، وبنو مكي في قابس، وبنو ثابت في طرابلس.
وقد شجع التدهور الذي لحق الخلافة الحفصية في ذلك العهد ملوك بني مرين في المغرب الأقصى على الاستيلاء على إفريقية مرتين دون أن يستقر لهم الحكم بها زمناً طويلاً.
وفي أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الهجري عادت البلاد إلى وحدتها القديمة ومجدها السالف، وساد فيها الأمن بفضل أعمال الخليفة أبي العباس والخليفة أبي فارس، فتدعمت أركان الدولة من جديد وامتد نفوذ بني حفص إلى المغرب الأقصى والأندلس. وقد عني كل من هذين الخليفتين بإقامة الحصون على السواحل لرد الحملات التي ابتدأ يشنها الصليبيون على تونس، بيد أن الخلفاء الذين تولوا بعدهما لم يستطيعوا أن يحافظوا على مكانة الدولة، فساروا بالبلاد إلى الفوضى، وخرج عن سيادتهم كثير من الأنحاء حتى لم يبق تابعاً لهم في أواخر القرن التاسع الهجري غير مدينة تونس وما جاورها من المناطق، واستقلت مدن السواحل بحكم نفسها، وأخذت كل واحدة منها تلعب دوراً هاماً في البحر الأبيض المتوسط.
وفي عهد الدولة الحفصية رأت البلاد عصوراً زاهرة بالرغم مما انتاب البلاد من اضطرابات وضعف سلطة الخلفاء المركزية، وقد عقدت الدولة الحفصية عدة معاهدات لتنظيم الملاحة وتمتين العلاقات التجارية والسياسية بينها وبين البلاد الأوروبية كبرشلونة وجنوى وبيزة وصقلية والبندقية ومرسيليا، واشتهرت بين التجار الأوروبيين أسواق تونس والمهدية وقابس وعناية وأصبحت قبلة تجار البحر الأبيض المتوسط. وأينعت الحياة الأدبية والعلمية في هذا العصر، وكان نزوح العرب من الأندلس وصقلية إلى تونس من العوامل التي كان لها أكبر الأثر في انتشار العلوم والفنون، فظهر أثر الفن الأندلسي فيما أنشىء من المباني كجامع القصاء بعاصمة تونس وصومعته المشهورة وأسواق المدينة وأبوابها التي ما تزال موجودة إلى الآن. كما عمل الملوك الحفصيون على تشجيع العلم والأدب في البلاد، فأسسوا المدارس لسكنى الطلبة ونظموا التعليم بجامع الزيتونة، ومن مشاهير رجال هذا العصر ابن خلدون وابن عرفة والأطباء من آل الصقلي.
تونس في القرن العاشر الهجري
شهد القرن العاشر ذلك النزاع الكبير الذي كان قائماً بين الأسبان والأتراك للتحكم في البحر المتوسط والسيطرة عليه، وقد ابتدأ نفوذ الأسبان يمتد إلى سواحل المغرب بعد أن طردوا العرب من الأندلس، بينما ظهر في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بعض القواد الأتراك مثل بابا عروج وأخيه خير الدين الذين كانوا يعملون باسم السلطان العثماني.
وهكذا أصبح العثمانيون والأسبان يتسابقون للاستيلاء على سواحل تونس بعد أن عجز أمراء بني حفص على رد هجماتهم. واستطاع أمراء الإفرنج احتلال أهم مراكز السواحل التونسية، وسقطت مدينة تونس 935هـ (1529م). في يد خير الدين وخطب فيها للسلطان العثمان ثم انتزعها منهم الأمير الحفصي الحسن وحكمها تحت الحماية الإسبانية سنة 977هـ ثم عاد إليها الحكم الإسباني الحفصي سنة 980هـ ثم استعادها الأتراك سنة 981هـ (1573م) فأصبحت ولاية تابعة للسلطنة العثمانية وجزءاً من ممتلكاتها في شمال إفريقيا الممتدة من الجزائر حتى مصر.
وكان في جملة الأسارى المقبوض عليهم في فتح تونس الأخير الأمير (محمد بن الحسن) الحفصي فأرسل إلى الأستانة وبقي فيها معتقلاً إلى أن قضى نحبه. وبموته انقطعت السلالة الحفصية بعد أن حكمت ما يقرب من ثلاثمائة سنة.
بقايا التشيع
وليس في أيدينا الكثير من تشيع الحفصيين ومنه ارتباط أصولهم بالموحدين ارتباطاً وثيقاً، ويشير محمد بن تاويت من مقال له في مجلة دعوة الحق إلى التشيع في عهد الحفصيين ثم السعديين، متحدثاً عن الموحدين ونهاية دولتهم: «… ولكن النشاط تحول إلى تونس مرة أخرى وتجددت الدولة بالحفصيين منها. ولا نستبعد أن يكون ابن الآبار (الشيعي) كتب لهم (درر السمط) ـ وهو كتاب في رثاء الحسين ـ وهي آخر ومضة للتشيع في هذه الدولة. إلى أن كانت دولة السعديين، فعاد المنصور إلى هذه النغمة في شعار بلاطه التي ترددت في مولديات القشتالي وعبدالواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي. وقد جازى المنصور سعيد الماغوس بالآلاف على شرحة لدرر السمط…).
ويقول أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب (إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان، المولود سنة 1219هـ 1804م والمتوفى سنة 1874 م في كتابه المذكور:
«وأهل إفريقية يدينون بحب علي وآله يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم، جبلة في طباعهم، حتى أن نسوانهم عند طلق الولادة ينادون: (يا محمد، يا علي)» (انتهى).
وهذا كل ما بقي من آثار التشيع في تونس.
عهد الأتراك والفرنسيين
كان يحكم ولاية تونس نيابة عن السلطان العثماني وال يحمل لقب «الباشا» ويساعده ديوان يتألف من ضباط الجيش، وكانت قيادة الجيش بيد «آغا» وقيادة كل فرقة عسكرية بيد «الداي»، وعين لجباية المال موظف يسمى «الباي».
وقد أخذ نفوذ الديوان يتسع شيئاً فشيئاً إلى أن أدى الأمر بالبلاد إلى قيام الثورة سنة 999هـ (1590م) كانت نتيجتها إعطاء مقاليد الأمور إلى أحد «الدايات»، ثم أخذ نفوذ الداي يتسع شيئاً فشيئاً، بينما كان يتضاءل نفوذ «الباشا» الممثل الرسمي للدولة العثمانية في تونس.
وقد نظمت شؤون هذه الولاية في عهد عثمان داي الذي عمل على تقوية الجيش وإعطاء قيادته إلى «باي». وسار على منواله يوسف داي الذي تولى الحكم سنة 1019هـ (1610م)، فاستتب الأمن في عهدهما ونهضت البلاد من جديد.
ثم ساءت الأحوال في تونس بعد ذلك، لأن الدايات الذين تعاقبوا على الحكم من سنة 1047هـ (1637م) إلى سنة 1117هـ (1705م) لم يستطيعوا أن يحتفظوا لأنفسهم بالنفوذ، وقد تضاءلت سلطتهم أمام سلطة «البايات» التي أخذت تتسع يوماً بعد يوم طول القرن الحادي عشر الهجري.
ومن العوامل التي قوت نفوذ البايات ما عمد إليه الباب العالي من إعطائهم لقب «باشا» وجعل منصب الباي وراثياً.
وقد امتاز الثلث الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر بما انتاب البلاد من حروب واضطرابات ناتجة عن التنافس على العرش. فنشبت الفتن الداخلية، وقامت حروب بين إمارة الجزائر وإمارة تونس، فعمت بذلك الفوضى، وتمزقت أوصال الدولة، وضعفت السلطة المركزية، مما شجع أساطيل الدول الأوروبية على ضرب سواحل تونس بالقنابل مرات عديدة.
وعلى أثر غزوة قام بها والي الجزائر سادت البلاد اضطرابات شديدة، وتمكن آغا الجيش حسين بن علي من الاستيلاء على الحكم بمساعدة الجيش التركي وموافقة الأهالي سنة 1117هـ (1705م). وهكذا تأسست الدولة الحسينية التي توارثت الحكم في تونس حتى قيام الجمهورية. فعاد الأمن للبلاد بعد حالة من الاضطرابات دامت أكثر من أربعين سنة. وقضت الدولة الحسينية منذ أوائل عهدها على الثورات التي كان يقوم بها الجيش من حين لآخر لقلب نظام الحكم، وجعلت الولاية وراثة في العائلة الحسينية.
وفي أوائل القرن التاسع عشر بدأت تونس تستيقظ متدرجة في طريق النهضة العصرية، وكان يربطها بالدولة العثمانية مجرد روابط روحية، فبادرت بالتحرر من هذه القيود الصورية، واعترفت الدول الأوروبية كفرنسا وإنكلترا والنمسا باستقلالها وعقدت معها المعاهدات والاتفاقات. ثم اتجهت همة أمرائها إلى إدخال الإصلاحات على مرافق البلاد الحيوية، وفي مقدمتها إصلاح نظام الحكم بما يتفق والنظام الدستوري السائد في الأمم المتمدنة.
فقبيل فرض الحماية الفرنسية بنحو أربعين سنة نجد على عرش تونس الباي المصلح الشهير أحمد باشا (1837م ـ 1855م) الذي كان حريصاً على إدخال إصلاحات واسعة النطاق في جميع النواحي، وهيأت له الزيارة التي قام بها إلى أوروبا سنة 1846م فرصة الاطلاع على تقدم المدنية الحديثة والاقتناع بإدخال انقلاب جديد في حياة الشعب، وبمجرد عودته إلى تونس وضع مشروعات هذا الانقلاب الذي كان يرجو من ورائه تدعيم أركان دولته وتنظيمها على أساس جديد يضمن لها التقدم والرقي ويحفظها من اعتداء الدول عليها. وكان أبرز ما قام به من مشروعات تنظيمه للجيش على الأساليب الحديثة، وإنشاؤه لمدرسة حربية جلب إليها الأساتذة من أوروبا، وإحداث مصانع للأسلحة والذخيرة ودار لصناعة السفن وتكوين أسطول بحري.
وقد سار على منواله محمد باشا الذي ارتقى عرش تونس عام 1855م وقد اشتهر هذا الملك بإصداره دستوراً حديثاً للدولة التونسية سمي «عهد الأمان» (10 سبتمبر سنة 1858) وهو أول دستور في العالم الإسلامي.
وفي عهد الصادق باي وبفضل جهود المصلح الكبير الوزير خير الدين باشا ثم تعديل هذا الدستور عام 1861 وفقاً لمبدأ فصل السلطات وإقامة النظام البرلماني، وتأسيس مجلس تشريعي له سلطة واسعة منها حق خلع الأمير إذا خالف بتصرفاته أحكام الدستور. ونظمت الإدارة المركزية والإدارات المحلية تنظيماً عصرياً، كما نظمت البلديات والمحاكم الشرعية وشؤون الأوقاف، وسن قانون جديد يضمن للفلاحين حقوقهم كما وضع برنامج خاص لتوزيع الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية. وأنشىء مجلس للعناية بالشؤون الصحية وإدارة لغابات الزيتون وإدارة الأوقاف، ونظمت مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأسست المدرسة الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أرسلت البعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا.
وهكذا كانت تونس تسير بخطى واسعة في سبيل الرقي والتقدم إلى أن منيت بالاحتلال الفرنسي.
فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحولت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين والمترجمين فحسب.
ومنذ احتلال بلاد الجزائر سنة 1830 بدأت فرنسا توجه أنظارها إلى تونس عاقدة العزم على وضع يدها عليها وبسط نفوذها فيها.
وقد بدأ التدخل الأجنبي يتسرب إلى تونس ويتسع شيئاً فشيئاً في القرن التاسع عشر، ففتحت أبواب البلاد للجاليات الأجنبية، وشرع الأمراء في استقدام الفنيين الأجانب وإعطائهم بعض الامتيازات، مما حمل التفاصيل على التدخل لحماية مصالحهم. ثم حملوا الدولة التونسية على أخذ قروض من أوروبا، وتمكنوا ـ بدعوى حماية هذه الأموال ـ من التدخل الفعلي في شؤون البلاد، وكان التنافس بين هذه الدول الأوروبية من العوامل التي ورطت الدولة في مشروعات لا تعود عليها بفائدة تذكر.
وهكذا ضيقت هذه الدول الخناق على تونس ووضعت في عنقها أغلالاً عجزت عن التخلص منها فيما بعد.
وقد أدت هذه الحالة بالدولة التونسية إلى فرض ضرائب مرهقة للشعب لأداء الديون التي أثقلت كاهلها. ونتج عن هذا التصرف قيام ثورة في البلاد بزعامة علي بن غذاهم سنة 1864.
وأمام الضغط الدولي وتحرج الحالة الداخلية سلمت الدولة مصلحة الجمارك للأجانب مقابل ما اقترضته من أموال. فزادت الأحوال اضطراباً وانتهى الأمر بتكوين لجنة مالية دولية تحت رئاسة الجنرال خير الدين سنة 1286هـ (1870م) وقد عملت هذه اللجنة على توحيد الديون، وكانت تبلغ 125 مليون فرنك، وما لبثت أن أصبحت هذه اللجنة ميداناً جديداً اشتد فيه النزاع والتنافس بين الدول، واتخذتها إيطاليا وانجلترا وسيلة لمقاومة النفوذ الفرنسي.
وعملت فرنسا نفسها على إحباط أعمال هذه اللجنة حتى تزيد أحوال تونس استياء واضطراباً، وتقتنع الدول بوجوب تسليم مقاليد الأمور إلى دولة واحدة هي فرنسا. وكان تنافس الدول ظاهراً في تسابقها للحصول على بعض الامتيازات في البلاد. وهكذا حصلت فرنسا على امتياز بإنشاء سكة حديد بين تونس والجزائر سنة 1874 وحاول القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة التلغراف، فلم يفلح ولكنه حصل على شراء السكة الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة إنجليزية بفضل ما بذله من أموال طائلة. وأخذ القنصل الفرنسي روسطان امتيازاً بإنشاء سكة حديدية أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس.
وفي النهاية صممت فرنسا على أن تسبق، وظلت تترقب الفرصة المناسبة وتهيىء الظروف المساعدة ولو أدى الأمر إلى خلق هذه الظروف.
فاتخذت بعض المناوشات البسيطة التي كانت تحدث أحياناً على الحدود بين التونسيين والجزائريين سبباً للتدخل المباشر في شؤون تونس.
وبالرغم مما تعهد به الباي محمد الصادق في ذلك الحين من دفع الغرامات وضمان الأمن على الحدود زحفت الجيوش الفرنسية من الجزائر بدون سابق إنذار على القطر التونسي، بينما نزلت قوات أخرى من البحر في ميناء بنزرت ومنطقة طبرقة. وبعد معارك لم تدم طويلاً وصلت القوات الفرنسية يوم 12 مايو سنة 1881م إلى بلدة منوبة، وحوصر الباي في قصره بباردو، وعرض عليه قائد الجيش الفرنسي الجنرال «بربار» والقنصل «روسطان» معاهدة «باردو» التي فرضت الحماية على تونس وكانت اعتداءً صارخاً على سيادتها الداخلية والخارجية. ثم زادت فرنسا سيطرتها بما أسمته (اتفاقية المرسى) بتاريخ 8 حزيران (يونيو) سنة 1883م، ولم يتركا له الوقت للنظر فيها ولا لاستشارة شعبه، بل أجبراه على إمضائها، وهكذا تحت تثير الوعيد وفي ظل احتلال الجيوش الفرنسية لعدة مناطق من البلاد أكره محمد الصادق باي على إمضاء المعاهدة يوم 12 مايو 1881م.
ثم تجاوزت فرنسا حدود المعاهدتين اللتين فرضتا على تونس فرضاً، فحلت محل الدولة المحمية، وحكمت البلاد حكماً مباشراً، وأصبح ممثلها بتونس الحاكم المستبد والرئيس الأعلى للإدارة التونسية.
ولم تكد الجيوش الفرنسية تحتل مناطق البلاد وتفرض حمايتها على تونس حتى ثار الشعب في وجهها، وعمت الثورة جميع أنحاء البلاد وزاد الثورة اشتعالاً تيقن الشعب أن الباي أرغم على عقد المعاهدة إرغاماً، مما دعاه إلى الاحتجاج لدى الدول الأجنبية ـ وبخاصة تركيا ـ على الاعتداء الفرنسي على بلاده.
فاضطرت فرنسا أمام الثورة المندلعة في أنحاء البلاد إلى إرسال النجدات تلو النجدات لإخضاع البلاد إلى سلطانها.
وقد دامت المعارك الطاحنة حتى شهر شباط (فبراير) سنة 1882م، واشتهرت القيروان وسوسة وقابس والقلعة الصغيرة وزغوان وتستور بمقاومتها العنيفة، أما صفاقس فقد احتلت بعد حصارها بحراً وبراً وبعد أن دمرت تدميراً. وظلت المنطقة الجنوبية تقاوم بزعامة القائد الكبير علي بن خليفة حتى عام 1910م.
وهكذا ظهر الشعب التونسي إرادته في عدم قبول الحماية التي فرضت عليه فرضاً فقاومها بالسلاح، ولما تغلبت عليه القوة الغاشمة أبى أن يستسلم ويرضخ للمصير الذي أرادته له فرنسا، فأخذ يقاوم الحماية الفرنسية بالوسائل السياسية وبالثورات العنيفة بين الحين والآخر، ولم يدع فرصة تمر دون أن ينتهزها للتخلص من نير الاستعمار الفرنسي.
وقد سجل شعب تونس في كفاحه من أجل الاستقلال صفحات رائعة من البطولة والتضحية، وكلما حاولت فرنسا القضاء على حركته التحريرية بجميع وسائل الإرهاب والاضطهاد عادت هذه الحركة أقوى نشاطاً وأشد بأساً، إلى أن ظفر هذا الشعب باستقلاله الناجز. وانتهى بعد ذلك حكم الدولة الحسينية وقامت الجمهورية سنة 1957م.
تونس (الجمهورية)
ـ 2 ـ
تشغل جمهورية تونس جزءاً صغيراً من المغرب العربي تبلغ مساحته نحو 164,000ك مربع (نحو 64,000 ميل مربع). وتقع بين خطي عرض 30 و37 شمالاً، وبين خطي طول 8 و11 شرقاً (بالنسبة إلى غرينتش). وتحيط بها ليبيا من الشرق والجنوب والجزائر من الغرب. ولها شاطىء على البحر المتوسط يبلغ طوله نحو 1,300ك م، إذ يحف بها البحر من الشمال والشرق. وإذا نحن استثنينا الأجزاء الجبلية فإن البلاد مستوية في سطحها، وقلما يتجاوز ارتفاع السهول فيها 350 متراً. أما المناطق الجبلية في الغرب فقد يبلغ ارتفاعها نحواً من 1300 متر. وأعلى جبال تونس هو جبل شامبي البالغ ارتفاعه 1550 متراً. البلاد، بحكم موقعها، نقطة وقد كانت التقاء بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبين البحر والبر، وبين الخصب والجدب ـ نقطة التقاء في الطبيعة والثقافة والعنصر والحضارة.
ونحن نجد في هذه الرقعة الصغيرة من الأرض تنوعاً في المناخ وفي طبيعة الأرض. فإلى الجنوب من خليج قابس وفي منطقة الجريد تقترب الطبيعة والأرض من الصحراء بكثبان الرمل المنتشرة والجفاف والسبخات. وفي المناطق الغربية والشمالية الغربية نجد جزءاً من جبال الأطلس، هي امتداد للأطلس المغربي الجزائري. أما السهول التي تمتد في الشمال والشرق وتشمل سهل خليج تونس وخليج قابس ومنطقة بِنْزِرت، فهي سهول رسوبية خصبة. وتتمتع منطقة بنزرت بكمية معتدلة من المطر تبلغ نحو 630 ملم، أما حول تونس فقلما يسقط من المطر أكثر من 460ملم سنوياً. وقد تلفح الرياح الشرقية الجنوبية (الصيفية) هذه المنطقة بحرارتها وجفافها فتصبح وكأنها السهوب. ويبلغ سقوط المطر في مرتفعات الخرومير نحواً من 1500 ملم في السنة. وهذه المنطقة أغزر مناطق الشمال الإفريقي مطراً. ويمكن القول إجمالاً أن الشمال التونسي هو متوسطي المناخ.
والجبال التونسية هي نهاية للسلسلتين الأطلسيتين، على التوالي ـ التل الشمالي (الخرومير) وهي سلسلة قليلة العرض، والتل الجنوبي (أو التل الأطلسي) الذي هو امتداد لجبال الأطلس الجزائرية الصحراوية وهذا الجزء من المرتفعات أعرض من الشمالي. وبين هاتين السلسلتين يمتد وادي مَجِرْدَة، ونهر مجردة هو النهر الوحيد في تونس الدائم الجريان. ومساحته تبلغ نحواً من 15,000ك مربع، وتربته خصبة سوداء، وهذا الوادي هو أغنى أجزاء البلاد التونسية، وأهميته في المشاريع الزراعية كبيرة، على ما سنرى.
وإلى الجنوب من سلاسل الجبال، وإلى الغرب من خليج قابس تقع السهوب الوسطى الممتدة من الساحل شرقاً والممتدة تدريجاً نحو الغرب. وقد ترتفع نحواً من 600متر. واقتصاد هذه المنطقة هو اقتصاد المناطق الشبيهة بالصحراوية، لانها لا تنال أكثر من 400ملم من الأمطار. وساحل سوسه ـ وهو الامتداد الشرقي للسهوب المتاخم للبحر ـ يقوم اقتصاده، مبدئياً على زراعة الأشجار المثمرة؛ التي تجود في هذه المنطقة التي تسمى، مع امتداد شمالي وجنوبي، «الساحل».
وتلي منطقة السهوب، إلى الجنوب، منطقة المنخفضات الجنوبية أو منطقة الشطوط، التي توجد فيها البحيرات المالحة (تسمى واحدتها شُطْ في تونس: الموسمية، والتي تغطيها قشرة من الملح، لكن تحت هذه يوجد الماء العادي الصالح لري الأشجار. وأكبر الشطوط هو شط الجريد، الذي ينخفض 16 متراً عن سطح البحر ويمتد من على مقربة من البحر المتوسط إلى حدود الجزائر تقريباً. وإلى الشمال منه يقوم شط الرهارسة الذي ينخفض 21 متراً تحت سطح البحر. بالإضافة إلى هذين الشطين الكبيرين هناك شطوط نفثة والوديان والحمة.
وثمة منطقة تمتد نحو 320ك م من الشمال إلى الجنوب، تقع جنوبي منطقة المنخفضات، هي صحراوية، وتبلغ مساحتها نحو 50,000ك مربع، وقلما يسقط فيها أكثر من 150ملم (ويغلب أن يكون 100ملم) من الأمطار. وفي هذه المنطقة الجنوبية تقع جبال القصور الصخرية، وهي التي تفصل سهل جفارة المصاقب للساحل جنوبي قابس، عن الأرض الرملية المنخفضة.
والجبال التي تنال قسطاً وافراً من مياه الأمطار، في الشمال الغربي من البلاد، تكسوها غابات الفلين والبلوط، أما حيث اجتث الناس الغابات، على مدى العصور، فقد تنبت الأنجم والأشجار والقزمة. والمنطقة الواقعة جنوبي الجبال مباشرة تصلح للحبوب، أما السهوب فتنتج الأسبرتو، الذي يستعمل في صنع الورق، والجنوب فيه واحات، هي التي تفيد من مياه الشطوط، مثل توزر على شط الجريد. والاختلاف بين درجات الحرارة الصيفية والشتوية كبير في الجنوب التونسي بأكمله.
قدّر عدد سكان تونس في سنة 1977 بنحو ستة ملايين نسمة، بمعدل 36,3 نسمة للكيلومتر المربع الواحد، على تباين بين الشمال والجنوب. ويعيش أكثر هؤلاء في المنطقة الشمالية المعتدلة المناخ، ذات الأمطار. وقد قدر أن 10% من سكان البلاد يقطنون الحاضرة (حول 1975) إذ بلغ عددهم 550,000 نسمة. وإلى جانب العاصمة تقوم في شمال البلاد: بنزرت (63,000) وسوسة (70,000). والمدن الأخرى الكبيرة هي: صفاقس (171,000) والقيروان (55,000) وجربة (70,000) وقفصة (42,000) وقابس (40,000).
وقد عرفت هذه الرقعة من الأرض وجود الإنسان مستقراً منذ حول سنة 10,000ق.م. أو قبل ذلك، وهذا هو الإنسان المعروف عنصرياً باسم جنس البحر المتوسط. لكن تونس لم تكن بمعزل عن الأقطار الأخرى، القريبة منها والبعيدة على حد سواء. لذلك فقد دخل في تركيب السكان عناصر مختلفة: جاءت من أوروبا في آخر الحقبات الجليدية، ثم في العصور القديمة والمتوسطة، وإن كان أثرها في جهات القطر مختلفاً: وجاءت من آسية بحراً وبراً، من لبنان وغير لبنان؛ وجاءها العرب في القرن السابع للميلاد، كما دخلتها العناصر التركية، ولو أنها محدودة.
وقد أفادت تونس لا من عناصر هؤلاء السكان فحسب، ولكن من المدنيات والثقافات التي التقت فوق ترابها ـ فالفينيقيون واليونان والرومان والمصريون القدماء والليبيون والبربر والعرب ـ وكل له في الحضارة مشاركة وفي الثقافة إسهام ـ نقلوا ما كان عندهم. وكانت تونس بوتقة لهذه كلها ـ التقت واختلطت وامتزجت واختبرت وجربت وأخيراً أصبحت جزءاً من الشخصية التونسية الفكرية والروحية والأدبية. وكانت وسيلة التعبير التي استخدمتها نهائياً هي اللغة العربية، وكان المصدر الروحي الذي قبلته هو الإسلام. لكن الاختبارات الأخرى لم تذهب هدراً، ولم تسمح تونس لنفسها بأن تنساها أو تخنقها. فتونس هي التي أعطت العالم القديس أغسطين وهي التي وهبت الفكر أسد ابن الفرات، وابن سحنون وقدمت للأدب ابن رشيق وللعلم ابن الجراح.
بدأ ظهور تونس على مسرح التاريخ الواسع لما أصبحت قرطاجة (أنشئت في القرن التاسع ق.م. على أيدي الفينيقيين) قوية بحيث أنها تمكنت من السيطرة التجارية والبحرية على سواحل البحر المتوسط الجنوبية الغربية وجزيرة صقلية، كما كانت لها مراكز تجارية هامة حتى الشواطىء الجنوبية الغربية من إيبريا (في أواسط القرن السادس ق.م). وبلغت أوج عظمتها في القرن الرابع ق.م. إذ دخلت يومها في منافسة عنيفة مع روما، النجم الجديد في البحر المتوسط الغربي. وقد انتهت الحروب البونية (218 ـ 201 و149 ـ 146 ق.م). بتدمير قرطاجة التي أصبحت ولاية رومانية. وقد ظلت المدينة مهملة قرناً ونصف القرن حتى أعاد أغسطوس قيصر (27ق.م ـ 14م) تعميرها، وعاد إليها ازدهارها بحيث أنها أصبحت، في القرنين الأولين للميلاد، المدينة الثانية في الإمبراطورية بعد رومة. ولكنها عادت إلى مدينة عادية بسبب انحطاط الإمبراطورية في الغرب، وفي سنة 439م احتلها الفندال واتخذوها عاصمة لهم إلى أن استعادتها بيزنطية. (533م). وفي القرنين ونصف القرن التي تلت ذلك كانت تونس تعاني ما كانت تعانيه مناطق الشمال الأفريقي من تمرد الحكام المحليين على السلطة البيزنطية والخلافات الدينية المسيحية التي قامت في المنطقة.
وفي أواسط القرن السابع للميلاد احتلت الجيوش الإسلامية البلاد التونسية، فيما احتلته من أقطار المغرب ولن يتسع المجال هنا لتفصيل ما أصاب البلاد التونسية بين الفتح العربي والفتح العثماني، لكننا لا بد لنا من عرض موجز لتطور البلاد الحضاري والسياسي. ويمكن القول إجمالاً أن تونس في عصر الولاة (27 ـ 184هـ/ 647 ـ 800م) مرت بفترة حروب وثورات، فإن الأمر استقر للعرب أخيراً، وأخذت العربية والإسلام بالانتشار. وهذه الفترة تذكر دوماً ببناء مدينة القيروان (التي أصبحت عاصمة الشمال الإفريقي وحتى إسبانية لبعض الزمن بعد فتحها)، وتأسيس أول دار لصناعة السفن قرب قرطاجة القديمة، وبناء جامع الزيتونة في مدينة تونس. وفي سنة 184هـ/ 800م قامت الدولة الأغلبية التي كانت تتبع الخلافة العباسية، إلا أنها كانت مستقلة في إدارتها. وهذا الدور امتد إلى 298هـ/ 909م وفيه فتح الأغالبة صقلية ومالطة، وحظيت تونس (وأصبحت تسمى أفريقية عند جغرافي العرب) بعمران وافر، فكثر البناء، ووسع جامع الزيتونة في تونس، وأصبحت القيروان مركزاً كبيراً للعلم وبنيت مدينة وقادة.
في سنة 297هـ/ 909م قامت في تونس الدولة الفاطمية (عاصمتها المهدية التي بناها المهدي) وظلت الدولة هناك حتى انتقالها إلى مصر (360هـ/ 970م). وخلفتها الدولة الصنهاجية. (362 ـ 543هـ/ 973 ـ 1148م). إلا أن تونس زحفت إليها قبائل بني هلال وبني سليم (440 ـ 443هـ/ 1048 ـ 1051م) وكانت نتيجة ذلك الأضرار التي لحقت الكثير من المدن وبخاصة القيروان، غير أن هذا الزحف أدى إلى تعريب المنطقة.
وقد أنقذ تونس من الفوضى الحكم الموحدي (555 ـ 626) الذي جاء على يد عبدالمؤمن بن علي مؤسس دولة الموحدين في المغرب الأقصى([144]). وفي أيامهم أصبحت مدينة تونس عاصمة البلاد. وقد نظمت الإدارة ووضع حد للثورات. وقد عهد الموحدون إلى عبدالواحد الحفصي بإدارة البلاد. فكان أنه لما تولى أبو زكريا الحفصي الأمر قطع الخطبة للموحدين وجعلها لنفسه، وبذلك قامت دولة الحفصيين (626 ـ 981/1228 ـ 1574).
وكان الحفصيون إلى جانب اهتمامهم بالإدارة والحكم، يعنون بالموارد الاقتصادية في البلاد زراعة وتجارة وصناعة، كما شجع أكثر ملوكهم العلم والأدب. فإلى أيامهم يرجع إنشاء المدارس النظامية ودور الكتب (كان لأبي زكريا، مؤسس الدولة، مكتبة في قصره بالقصبة فيها ستة وثلاثون ألف مجلد). وأقبل الناس على زيارة العاصمة التونسية للاستزادة من العلم والأدب. وفي العصر الحفصي ظهر ابن خلدون (توفي/1405م).
كان القرن السادس عشر قرن خصومة ومنافسة ونزاع للاستيلاء على تجارة البحر المتوسط والسيطرة على شواطئه. وكانت إسبانيا قد احتلت غرناطة (1492م)، فأخذت ترنو إلى الشمال الأفريقي. كما كانت الدولة العثمانية في عز مجدها وقوتها. وكانت المنافسة بين هاتين القوتين كبيرة. وقد استولت إسبانيا على بجاية وطرابلس وجربه (مطلع القرن السادس عشر) لكن الدولة العثمانية استقرت في الجزائر. ودارت بين 1516م و1574م معارك بحرية كبيرة بين العثمانيين والإسبان، في شمال إفريقية ومالطة ومعركة لبنتو (1571م)، انتهت بأن استولى العثمانيون على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط (وكانوا قد احتلوا سورية ومصر سنة 1516 و1517م) من غرب الجزائر إلى الحدود المصرية. وهكذا في سنة 981هـ/ 1574) دخلت القوات العثمانية البحرية والبرية (من طرابلس والجزائر) تونس، وأصبحت البلاد ولاية عثمانية.
احتلت الدولة العثمانية تونس (1574م) وعندها وضع سنان باشا، القائد الفاتح نظاماً لإدارة البلاد قوامه وال (برتبة باشا) هو الحاكم العام للبلاد، يعاونه رئيس للإنكشارية (وعددهم أربعة آلاف جندي)، والباي وهو المشرف على الشؤون المالية، ورائس وهو المشرف على شؤون الولاية البحرية. وضم هؤلاء جميعاً ديوان يفصل في شؤون الجند وتدبير الولاية. وقد يحضر الديوان بعض الأعيان بصفة استشارية. ولم يصمد هذا التنظيم أمام ثورة الجند، فاتفق الوالي وكبار الضباط وقرروا أن يعهد إلى «الداي» بالإشراف على الإنكشارية وتأمين سير الأمور في المدينة. حدث هذا سنة 1590م. وقد قام على شؤون البلاد دايات إلى سنة 1650م. ونعمت البلاد في أيامهم، على العموم، بقسط وافر من الثراء والأمن والتقدم. فقد هبط تونس بين 60 و80 ألفاً من مهاجرة الأندلس (إذ أخرجهم الإسبان قسراً من ديارهم) انتشروا في أكناف البلاد يشيدون القرى وينشؤون المزارع والبساتين. وقد مصروا أو عمروا من البلدان سليمان وقرنبالية والجديدة وزغوان وطبرقة ومجاز الباب وتستور وقلعة الأندلس وغيرها. واستوطن عدد منهم العاصمة وأنشؤوا أسواقاً للصناعات التي حملوها معهم كصناعة الشاشية (الطربوش القصير) ونسج الحرير ونقش الرخام والحفر عليه وعمل الجبس وصنع الزليج (القاشاني). واهتم الدايات بالأسواق والصناعات، وإصلاح الحنايا (القني) الحفصية الأصل وإحداث الحصون وإقامة الجسور. وكانت لتونس تجارة خارجية لا يستهان بها، خاصة في القرن السابع عشر، مع مدن إيطالية وبلاد هولندا وإنكلترا. وكانت تونس وبنزرت وجربة الموانىء الرئيسة للتجارة الخارجية.
وعلى نحو ما اختفى نفوذ الوالي (الباشا) أمام سلطة الداي، تقلص نفوذ هذا أمام الرجل الجديد الذي تولى السلطة وهو الباي، المشرف المالي أصلاً، والحاكم الفعلي الآن، الذي يحصل على موافقة الباب العالي في استانبول، ويمنح رتبة الباشاوية. وعهد البايات الأول يسمى العهد المرادي ويمتد من 1640 إلى 1705م. وقد بدأ العهد بداية طيبة، فأعيد الأمن إلى البلاد، ونظمت مواقع الجند ومراكزهم، وبنيت الزوايا والمساجد، وأنشىء مارستان في الحاضرة، وشيدت القنطرة القائمة على نهر مجردة. إلا أن الخصام والنزاع دب بين أفراد العائلة ونشبت حروب أهلية، وغزت الجزائر البلاد، فتعثرت الأمور تعثراً كبيراً ومل الناس الظلم والقتل والتشريد والتعسف والاستبداد، فنادوا «بطيب نفس واختيار منهم بحسين بن علي التركي آغا أوجاق (أي آمر فرقة) باجة، وسلموا له أمر الولاية العامة، وأقرت الدولة العثمانية ولايته. وكان ذلك سنة 1705م. وهو التاريخ الذي بدأت الدولة الحسينية حكم تونس. (البيت الحسيني ظل يحكم البلاد التونسية، على تباين في مستويات النفوذ ودرجات السلطة حتى سنة 1957 على ما سيمر بنا).
والدور الأول من العهد الحسيني يوصلنا إلى سنة 1937.
ولسنا ننوي أن نؤرخ للولاة أفراداً، ولكننا لا بد أن نلم بما جرى في هذه الفترة (1705 ـ 1837م). أما العلاقة مع الجيران فقد كانت سيئة، فكثرت حملات الجزائريين والطرابلسيين على تونس، الأمر الذي كان سيىء الأثر اقتصادياً وسياسياً. يضاف إلى ذلك أن البلاد شهدت ثورات ضد الحكام، بعضها كانت بين أفراد البيت الحاكم. ومع ذلك فقد تقدمت تونس في أيام محمود باي (1814 ـ 1824م) وحسين باي (1824 ـ 1835م)، وكان الثاني عوناً لأبيه منذ أن تولى الأول الحكم (لأنه كان متقدماً في السن). فقد ترقت تونس واتسع نطاق عمرانها. فكان فيها «معالم عمومية» كثيرة في داخل الحاضرة «17 جامعاً للخطبة وعشرون مدرسة كبرى و115 مكتباً للمبتدئين، عدا الزوايا والسبايل والتكايا والمستشفى».
ومع أن تونس كانت ولاية عثمانية فإن نفوذ الدولة العثمانية في الإيالات المغربية الثلاثة (طرابلس وتونس والجزائر) كان ضعيفاً. وكان بايات تونس يظهرون بمظهر الفخامة، وكانت فرنسا تشجع التصرف المستقل للبايات، لأن هذا في مصلحتها، ومن ثم فالمعاهدات التي عقدت بين فرنسا وتونس (وكانت عادة تعقب خلافات أو حملات) مثل سنة 1768م و1816م وغيرهما، عقدت بعيداً عن الدولة. وكانت فرنسا قد أفادت من الامتيازات التي منحها سليمان القانوني لفرنسوا الأول (1535م) فطبقتها يومها في تونس، وعينت قنصلاً لها فيها منذ سنة 1577. ولكن الصفة العامة للعلاقات التونسية الفرنسية في هذه الفترة هي نشاط وحسن جوار. وكانت لتونس متاجرات كثيرة مع الخارج، وبخاصة فرنسا وإيطاليا، وكان ذلك يتم عن طريق تونس وطبرقة وسوسة وجربة. وفي زمن محمود باي (حكم 1814م ـ 1824م) انتفى الرق من الأراضي التونسية، إذ قبل الباي بمقررات مؤتمر اكس ـ لا ـ شابل (آخن) الذي انعقد سنة 1818م وقرر القضاء على الرق.
في عام 1830م أنزلت فرنسا جندها في الجزائر وبدأت عملية احتلالها واستعمارها. وهذا الحادث كان هاماً بالنسبة إلى تونس. ذلك أن فرنسا، كما كان يقال عنها فيما بعد، أنها باحتلالها الجزائر خلقت مشكلتين ـ المشكلة التونسية والمشكلة المغربية ـ وقد ظلت فرنسا لحل كل من المشكلتين مدة طويلة حتى حلتهما لمصلحتها فاحتلت تونس (1881م) والمغرب 1912م.
في الوقت الذي كان فيه محمود الثاني سلطان تركية (توفي 1839) وخلفاؤه يحاولون إصلاح تركية، وكان محمد علي باشا (1805 ـ 1849م) يفتح أبواب مصر للحضارة الغربية، كانت تونس تسير على طريق الحضارة الحديثة بخطى حثيثة. حكامها كانوا مأخوذين بذلك، وبعض وزرائهم كانوا مؤمنين بمثل هذا الخطو.
وكان البايات الذين حكموا تونس في هذه الفترة هم: أحمد باي (1837 ـ 1855م) ومحمد باي (1855 ـ 1859م) ومحمد الصادق باي (1859 ـ 1883م). وقد اهتم الأول بالإدارة بعامة وبالجيش وبالأسطول بخاصة وأنشأ المكتب الحربي وأنشأ المحمدية على غرار فرساي (بعد زيارته لفرنسا سنة 1846م) وأبطل الرقيق وأعتق المماليك الموجودين في الإيالة، لكن أعماله اقتضت نفقات لم يكن للدولة بها قبل، فأحدثت ضرائب جديدة واحتكرت تجارة الملح والصابون والدخان والجلد. فكان من ذلك ضيم لحق بالناس. وفي أيام خلفه محمد باي (1855 ـ 1859م) احتفل بالجيش لكن الأهم من ذلك صدور عهد الأمان والمجلس الشرعي والمجلس البلدي للحاضرة وإدخال الطباعة العربية الحديثة إلى البلاد. ومع أن محمد الصادق باي (1859 ـ 1882م) كان عاقد النية على الإصلاح أصلاً، فقد كان فريسة أهواء وزرائه. ومع أن خير الدين كان أحد الوزراء ثم رئيساً للوزارة (1873 ـ 1877م)، فإن أثره الرسمي لم يكن كبيراً، لكن أثره الإصلاحي كان أكبر. ومع ذلك فقد حصلت تونس في عهد الصادق باي على دستور لتطبيق نصوص عهد الأمان وفتحت المدرسة الصادقية وعني بجامع الزيتونة وأنشئت الرائد التونسي.
والمكتب الحربي (أو مكتب المهندسين) أنشى سنة 1840م بقصد إعداد الضباط الفنيين للخدمة في الجيش (على نحو ما كان يقوم به محمد علي في مصر)، ومع أن المكتب لم يعمر طويلاً فقد كان له أثر كبير، إذ أتيح لأستاذ عظيم من علماء الزيتونة هو الشيخ محمود قبادو بالامتزاج بأفراد من أساتذة الغرب ـ إيطاليين وفرنسيين وبريطانيين. فكان ذلك مجالاً لأن يحدث «احتكاك بين العقلية الغربية والعقلية الإسلامية». وقد نقل قبادو بعض الآراء إلى زملائه في الزيتونة بعد أن أقفل المكتب. ولعل أهم ما جاهر به قبادو وفيما بعد هو حاجة العالم الإسلامي إلى العلوم الحكمية والرياضية. ولعل أبرز المصلحين في تونس في تلك الأيام هو خير الدين التونسي (1810 ـ 1879م). وقد أوضح آراءه في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك». وخلاصة ما ذهب إليه أن أهل أوروبا بلغوا ما بلغوه بسبب التقدم في «العلوم والصناعات وبالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي». وهذا ما يحتاجه المسلمون. ويعود إلى خير الدين الاهتمام بالمدرسة الصادقية (1876م)، وهي مدرسة كان القصد منها أن تعلم العلوم العصرية واللغات الأجنبية.
إلا أن تونس وقعت تحت طائلة ديون كثيرة (على نحو ما حدث في مصر في الوقت نفسه) وأنشئت اللجنة المالية (القومسيون المالي) سنة 1868م لترتيب دفع الفوائد على الأقل (في السنة نفسها ألغي الدستور). وكانت فرنسا في الواقع تريد أن تحتل تونس، لكن بريطانيا وإيطاليا وقفتا لها في الطريق. فلما التأم مؤتمر برلين (1878م) دبرت فيه الأمور. فوافقت فرنسا على أن تستأجر بريطانيا قبرص من الدولة العثمانية مقابل أن تطلق هذه يد تلك في تونس. وكان بسمارك يريد تشجيع فرنسا على مغامرة استعمارية تلهيها عن الحرب البروسية الفرنسية. ولذلك فإن فرنسا احتلت تونس (1881م) وعقدت معاهدة اعتبرت موقتة مع الباي محمد الصادق. فلما توفي الباي (1882م) وخلفه علي باي، عقد، مرغماً، مع فرنسا (بواسطة الوزير المقيم كومبان) معاهدة المرسى التي نصت على حماية فرنسا على تونس (1883م).
كانت الحماية الفرنسية على تونس استعماراً تاماً مقنعاً أول الأمر تكشفت حققته إذ بدت الأساليب المستعملة لتحقيق أطماع فرنسا واضحة. ففرنسا لم تكن لتكتفي بالسيطرة على شؤون البلاد ومواردها، بل أرادت أن تجعل منها منطقة ينتقل إليها الفرنسيون للإقامة والاستيطان الدائمين. ولذلك فقد اتبعت سياسة تتلخص فيما يلي:
1 ـ جعلت جميع الوظائف ذات الأهمية في الإدارة بيد الفرنسيين، وشجعت الفرنسيين على قبول ذلك عن طريق منحهم علاوات مختلفة (سكنية وتعليمية وصحية وتعويضات سفر وما إلى ذلك) بحيث أن الموظف الفرنسي العامل في تونس كان له ثلاثة وأربعون صنفاً من العلاوات وكانت مرتبات الموظفين تبلغ 75% من موازنة الدولة التونسية 1951م). واستغني عن اللغة العربية في الإدارة والتعليم الرسمي، ووضعت اللغة الفرنسية مكانها.
2 ـ مكنت الإدارة الفرنسية للمعمرين الفرنسيين (وكان بينهم نحو 5% من الأوروبيين) من الحصول على مساحات شاسعة من الأرض. فأراضي الدولة بيعت لهم بأسعار بخسة وعلى أقساط طويلة الأمد. والغابات عوملت بالأسلوب ذاته. بل أن بعض أراضي الأوقاف بدلت بعقارات في المدن كي يمكن بيعها للفرنسيين. وكانت شركة الأنفدا الفرنسية قد ابتاعت قطعة واسعة من الأراضي في الشمال التونسي (نحو 100,000 هكتار) قبل الاحتلال. أما بعد فرض الحماية فقد شجع شراء الأراضي بالطرق الخاصة وهذا تمركز في سهول حاضرة تونس وبنزرت وماطر. أما الذي أشرنا إليه من البيع الرسمي فقد كان أكثره في الوسط والجنوب. وقد استطاع المعمرون، حتى قيام الحرب العالمية الثانية، من تملك 540,000 هكتار (منها نحو 14,000 للأوروبيين) بالطريقة الخاصة، بينما الاستعمار الرسمي وضع تحت تصرفهم ما يزيد عن 600,000 هكتار. ومعنى هذا أنه كان للمعمرين، وغالبيتهم الساحقة من الفرنسيين، نحو 30% من الأراضي للاستغلال في القطر التونسي.
3 ـ بالإضافة إلى تملك الأرضين الجيدة جعلت فرنسا موارد الاقتصاد التونسي بيد الفرنسيين ـ الصناعات الرئيسة وتجارة الصادر والوارد ووسائل المواصلات واستغلال الفوسفات ـ كانت جميعها حكراً على الفرنسيين (كانت التجارة الخارجية، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، 61% بيد الفرنسيين شركات وأفراداً).
4 ـ جعل التعليم فرنسي الصبغة رسمياً. والتعليم الخاص ترك حراً، لكن دون عون مالي. في سنة 1950م كان ثمة مكان لـ134,000 طالب (وطالبة) في المدارس الرسمية ووسعت المدارس الخاصة 30,000 طالب. أما العدد الذي كان يجب أن يوجد له مكان للتعليم الابتدائي فهو 600,000 طالب. أي أن المدارس جميعها وسعت 29% من العدد الأصلي. ومن مجموع الطلاب في المدارس الرسمية كانت نسبة الفرنسيين 22% (كان عدد السكان الفرنسيين في تونس جميعها لا يتجاوز 5% من مجموع السكان). ووزعت المدارس الرسمية توزيعاً غير عادل على أنحاء البلاد. ففيما كانت المدارس أكثر عدداً في الجنوب. أما التعليم الثانوي فكان كله بيد الإدارة الفرنسية. ومثل ذلك يقال عن «معاهد الدراسات العليا» (وكانت هذه مقصورة على الآداب والقانون). وحتى جامع الزيتونة أراد الفرنسيون التدخل في شأنه ادعاءً منهم أنهم يريدون إصلاحه لتكون خدمته للعلم أنفع!
ومع أن التونسيين قاموا بثورات بعيد الاحتلال الفرنسي، وكذلك قاموا بثورة في مطلع الحرب العالمية الأولى، فإنهم فضلوا العمل السياسي المنظم. وبعد حركتين أوليتين على يد الشيخ محمد السنوسي والشيخ المكي بن عزوز (نفي الأول وأرغم الثاني على الهجرة) بدأ العمل السياسي المنظم سنة 1905م على يد جماعة «الحاضرة»، لكنه اتخذ شكلاً أكثر تنظيماً في 1908م لما قام حزب «تونس الفتاة»، وكان علي باش حمبه المنظم له (حتى سنة 1911م إذ نفي من البلاد). وفي سنة 1919م رغب بعض الساسة من الإفادة من مؤتمر الصلح (1919م) فنظموا أمورهم، ونشأ عن ذلك الحزب الدستوري برياسة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي.
وقد تقدم الحزب إلى الحكومة (إلى الباي الذي كان لا يزال الرأس الأسمى للحكومة التونسية) مطالباً بإنشاء مجلس تشريعي مختلط الأعضاء (تونسيين وفرنسيين) وحكومة مسؤولة أمامه والفصل بين السلطات الثلاث والسماح للتونسيين أن يوظفوا في حكومتهم (!) وشراء الأراضي من إدارة الشؤون الزراعية (أسوة بالمعمرين الفرنسيين!) وتقرير حرية الصحافة وجعل التعليم إلزامياً. وقدمت مذكرة إلى الرئيس الأميركي ولسن (في باريس) طالب الحزب فيها باستقلال تونس.
وتظاهرت الحكومة بقبول بعض المطالب (فصل السلطات وحرية الصحافة) لكن الأمر لم يطل، وضغطت الحكومة على أعضاء الحزب فأخذ البعض يخرج من البلاد، ومنهم الثعالبي نفسه الذي غاب عن بلاده من 1923 إلى 1937. وفترت عزيمة الحزب وأعضائه فقام شباب جديد بمهمة تنظيم جديدة سنة 1934م فأنشؤوا الحزب الدستوري الجديد بقيادة الرئيس الحالي الحبيب بورقيبة. وكان للحزب تقديم مذكرات وتنظيم مظاهرات وتحمل أفراده النفي والحبس والتشريد (بخاصة بين 1936م و1938م). ولكنه عمل سراً واحتفظ بتنظيمه الذي شمل البلاد في خلايا عديدة. وبعد أن سمح له بالعودة نظم مؤتمراً وطنياً (1946م) حضره الحزبان الدستوريان (القديم والجديد) وأساتذة الزيتونة والاتحاد التونسي لموظفي الحكومة واتحادات العمال (وبهذه المناسبة فإن تونس كانت في مقدمة الأقطار العربية التي قامت فيها تنظيمات عمالية نقابية في أعقاب الحرب العالمية الأولى). وأصدر المؤتمر الوطني بياناً حدد فيه أهداف العمل الوطني جاء فيه «ويعلن عزم الشعب الثابت على استرجاع استقلاله التام، والانضمام ـ كدولة ذات سيادة ـ إلى جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة والمشاركة في مؤتمر الصلح».
وأمام إصرار الشعب على الحصول على الاستقلال، قامت فرنسا ببعض إصلاحات وتعديلات، فزادت عدد الوزراء في الحكومة بحيث تساوي أهل البلاد مع الأجانب، وصارت رئاسة مجلس الوزراء إلى تونسي، وأخذت تعين تونسيين في المناصب الكبرى. وفي سنة 1950م نشرت الحكومة برنامجاً للإصلاح، فاشترك الحزب الدستوري الجديد في الوزارة لتطبيق البرنامج.
إلا أن مقاومة المعمرين اشتدت فوقف العمل في اتجاه الحكم الذاتي، وتوقفت الحكومة، وابتعد الوطنيون عنه بطبيعة الحال. وبين 1951م و1954م تعرضت البلاد لسجن زعمائها وفرض الأحكام العسكرية فيها (1952م) وقيام الإرهاب على يد المنظمة التي أنشأها المعمرون (سموها الكف الأحمر) ورد الفعل التونسي بقيام «الفلافة». ولم يطرأ على الوضع تغيير حتى تولى رئاسة الوزارة الفرنسية منديس ـ فرانس (1954م ـ تموز/ يوليو) فعرض على تونس الحكم الذاتي، وبدأت المفاوضات في الخريف، ومع أنها توقفت إذ سقطت الوزارة الفرنسية، فإنها استؤنفت، وتم الاتفاق في حزيران (يونيو) 1956م على أن يكون لتونس حكم ذاتي، على أن يحافظ على المصالح والعلاقات الفرنسية، وعلى أن تحتفظ فرنسا بمسؤوليتها عن الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الداخلي. على أن هذا كله لقي الرفض من المعمرين والزعماء الوطنيين، وعادت أعمال الإرهاب وأخيراً، ورغبة في التوصل إلى نتيجة، عادت المفاوضات في باريس بين بورقيبة والحكومة الفرنسية (شباط/ فبراير ـ 1956م) وانتهت في 20 آذار (مارس) 1956م بإعلان استقلال تونس وحقها في ممارسة المسؤولية في الشؤون الخارجية والدفاع والأمن، على أن تسحب القوات الفرنسية من البلاد، بما في ذلك بنزرت، خلال فترة انتقالية، وانتخبت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور. (يجب أن يذكر هنا أن مما عجل في قضية منح تونس استقلالها هو استقلال المغرب في السنة ذاتها، واحتدام الثورة الجزائرية في ذلك الحين، التي بدأت في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954م).
وتلكأت فرنسا في سحب قواتها من تونس وتعللت بالثورة الجزائرية، وأدى الأمر إلى تصادم بين التونسيين والجنود الفرنسيين. وبعد أخذ ورد وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتوسط الدول الغربية في الأمر، وتولي ديغول السلطة (حزيران/ يونيو ـ 1958) وقعت اتفاقية انسحبت بموجبها القوات الفرنسية (إلى تشرين/ أكتوبر ـ 1958م) من تونس باستثناء تلك المرابطة في بنزرت. وقد تمت ثلاثة أمور سياسية هامة في أواخر الخمسينات. أولها وضع حد للأسرة الحسينية. ففي 25 تموز/ يوليو ـ 1957م قرر المجلس التأسيسي بإلغاء الملكية وإعلان تونس جمهورية. (وهكذا ظلت الأسرة الحسينية تحكم تونس ـ عملاً أو شكلاً ـ من 1705م إلى 1957م). وثانيها أن تونس انضمت إلى جامعة الدول العربية (تشرين الأول/ أكتوبر ـ 1958م).
وطلبت الحكومة التونسية من فرنسا أن تسحب قواتها من بنزرت، لكن فرنسا ترددت، فوقع القتال بين الفريقين في صيف 1961م، وقتل فيه عدد من التونسيين (نحو 800) ومن الجنود الفرنسيين.
وعاد الفريقان إلى طاولة المفاوضات، ولما توقف إطلاق النار في الجزائر (آذار/ مارس ـ 1962) تسارعت المفاوضات التونسية الفرنسية، وفي صيف ذلك العام انسحب الفرنسيون من بنزرت وسلموا منشآتهم العسكرية إلى الحكومة التونسية.
وسن المجلس الوطني التونسي تشريعاً (1963) أذن بموجبه للحكومة في أن تستملك جميع الأراضي التي يملكها أجانب في البلاد ومساحتها نحو 750,000 هكتار.
نقولا زيادة
ابن أبي الضياف استثمر قربه من الحكام لتدوين الوقائع
«إتحاف أهل الزمان»
مرجع أساسي لفهم تاريخ تونس
احتفى التونسيون هذه الأيام بمؤرخهم أحمد بن أبي ضياف الذي كان ذاكرة البلد في القرن التاسع عشر حتى أطلق عليه بعض الأكاديميين لقب «جبرتي تونس». ومناسبة الاحتفاء صدور طبعة أنيقة لمصنفه الكبير «إتحاف أهل الزمان» المؤلف من ثمانية أجزاء.
ولولا هذا المؤرخ لضاع قسم كبير من تاريخ تونس في القرن التاسع عشر، فهذا الموظف ـ الذي كان الملوك يعهدون إليه بتحرير الأوامر والرسائل والمراسيم استطاع أن يستفيد من وجوده في مواقع صنع القرار ليسجل ذاكرة تونس منذ بواكير القرن الذي عاش فيه، وتحديداً من عهد رائد المحاولة التحديثية الأولى حمودة باشا الحسيني (1782 ـ 1814)، إلى عهد الملك محمد الصادق باي الذي وقّع على وثيقة الحماية مع قائد الجيش الفرنسي في 12 أيار (مايو) 1881، والمعروفة بمعاهدة «باردو».
وهناك أوجه شبه كبيرة بين مؤرخ النهضة المصرية عبدالرحمن الجبرتي وأحمد بن أبي ضياف في صيغة نقل الوقائع والتعليق عليها حتى أنه يجوز القول بانتمائهما إلى مدرسة تاريخية واحدة، وإن كان الثاني تأثر في آرائه الإصلاحية برفاعة رافع الطهطاوي وبخير الدين التونسي.
وضع ابن أبي الضياف كتاباً رئيسياً هو «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان» في ثمانية أجزاء، خصص كل جزء منها لملك من الملوك الذين حكموا البلاد في تلك الفترة، وصولاً إلى صدور «عهد الأمان» وهو وثيقة قانونية تضمن حقوق الرعايا الأجانب في تونس استصدرها القناصلة الأوروبيون من الملك محمد باي على أثر مقتل أحد اليهود في تونس العاصمة، وانتهاء بسن دستور 1861 على يد الصادق باي، وهو أول دستور في العالم العربي.
بدأ أحمد ابن أبي الضياف حياته الإدارية في سكرتارية «الخزنة دار» أي المؤتمن على أموال الدولة، لكنه سرعان ما ارتقى في السلم الإداري لبراعته في التحرير، وبدأ يكلف ـ وهو ما زال شاباً يافعاً ـ بمهمات سياسية دقيقة. وبعد أن تولى الحكم أحمد باي في العام 1837 جعله كاتب سره. ومنذ ذلك التاريخ احتفظ بهذا المنصب، وعهد إليه الباي بتحرير الرسائل والمراسيم المهمة واصطفاه من ضمن خاصته، وأرسله في سفرات إلى الخارج خصوصاً إلى استانبول عاصمة الدولة العثمانية لنقل رسائل إلى السلطان، واجتمع هناك مع شيخ الإسلام أحمد عارف باي، واهتم بشروحه «للتنظيمات» وهي التدابير الدستورية التي أقرتها الدولة العثمانية لإصلاح نظامها السياسي. ولذلك شارك بعد عودته إلى تونس في تحرير دستور «عهد الأمان» وكان من المدافعين البارزين عن سنه. وزاد نجمه صعوداً في المجلس الكبير وهو برلمان استشاري مستمد من الدستور، واحتفظ في الوقت نفسه بلقب «كاتب السر». ثم تقلب في مناصب سياسية كبيرة إلى أن نشبت ثورة 1864 بسبب مضاعفة قيمة الضريبة الفردية فقمع الجيش النظامي الانتفاضة بشراسة وعنف شديدين، ولذلك انتقد في القسم الثامن من كتابه تصرفات محمد الصادق باي وفضل اعتزال المناصب السياسية.
لكن تكليف صديقه المصلح خير الدين التونسي تشكيل الوزارة في العام 1873 أعاد إليه الأمل بالخروج من النفق، فانخرط في المحاولة الأخيرة لإنقاذ البلاد وإصلاح أوضاعها تفادياً لتدخل عسكري فرنسي، لكنه توفي في العام 1874 قبل استكمال التجربة التي انتهت مع عزل خير الدين.
ويعد ابن أبي ضياف أحد مثقفي عصره اللامعين، فقد وضع أشعاراً كثيرة لم تجمع في ديوان، إلا أن كتب التراجم والمنتخبات الأدبية حافلة بها، كما ألف نصوصاً أدبية وفكرية كثيرة من أهمها رسالته التي تحمل عنوان «أسئلة من تلقاء أوروبا وأجوبتها» وهي ثلاث وعشرون سؤالاً «أوردها بعض أعيان الأمة الفرنساوية» عن وضع المرأة في المجتمع الإسلامي وأجوبة المؤلف عليها، ونشرها المؤرخ د. المنصف الشنوفي في العام 1968 تحت عنوان «رسالة أحمد بن أبي ضياف في المرأة» ونشر المحقق محمد صالح مزالي من ناحيته رسائل ابن أبي الضياف إلى خير الدين لما كان مقيماً في باريس في مهمة رسمية بين 1854 و1857 تحت عنوان «من رسائل ابن أبي الضياف».
أما كتابه الأساسي «إتحاف أهل الزمان» فصدرت الطبعة الأولى منه عن وزارة الثقافة في العام 1967. وحاول المؤرخ أن يستعرض في «الإتحاف» تاريخ تونس منذ الفتح الإسلامي، لكن القسم الأهم منه يتمثل في المقدمة التي ضمنها آراءه الإصلاحية و«الأبواب» الثمانية التي نقل فيها الوقائع السياسية والاجتماعية في ظل حكم البايات (الملوك) الذين عاصرهم. ويعتبر تاريخ ابن أبي الضياف المرجع الرئيسي للمؤرخين العرب والغربيين عن تاريخ تونس في القرن الماضي في جميع المجالات، ويرجح الدكتور أحمد عبدالسلام أن يكون ابن أبي الضياف حرر كتابه في آخر حياته عندما اعتزل المناصب السياسية فساعده الاعتكاف في بيته على جمع ذكرياته وتدوينها، كما يرجح أن يكون تحريره استغرق نحو عشرة أعوام اعتماداً على ملاحظات ووثائق احتفظ بها منذ إطلالته على دوائر الدولة من الداخل.
ويوضح د. عبدالسلام أن غاية ابن أبي الضياف من وضع «الإتحاف» هي التعريف بمزايا الملك الدستوري أو «الملك المقيد بقانون» وفقاً للتعبير الذي يستخدمه، ولذلك فهو يبدأ بمقدمة طويلة تذكرنا بمقدمة ابن خلدون، وهو معجب به إعجاباً شديداً واستشهد بأقواله.
وخصص ابن أبي الضياف القسم الأخير من كتابه لتراجم إعلام الثقافة والسياسة وهي تراجم تختلف عن كتب التراجم العادية في أنها لا تقتصر على العلماء وإنما تهتم أيضاً برجال الدولة ومشاهير الحرفيين وأصحاب الصنائع، لكنه ألزم نفسه بعدم التعريف بتراجم معاصريه الذين لم يذكرهم إلا عرضاً.
ويرى د. عبدالسلام في كتاب صدر له في الدار العربية للكتاب عن ابن أبي الضياف أن قراءته لمقدمة ابن خلدون تلاقحت مع الآراء التي انتشرت في العالم الإسلامي بعد اتصاله بالتفكير الأوروبي وبالحضارة الغربية، وأدرك أن المؤرخ لا يليق به أن يصرف همه إلى تمجيد الملوك وتكييف الوقائع بما يوافق هواهم، وإنما دوره نقد مواقع النقص والتمييز بين المسيء والمحسن من الحكام حتى يكون التاريخ «عبراً»، لكنها ليست أخلاقية وإنما سياسية أيضاً.
فصاحب «الإتحاف» يدعونا إلى «الاعتبار» بتدخلات الأجانب ودولهم في سياسة بايات تونس تدخلاً لم يحصل مثيل له في القرون الماضية، كما يستخلص الدروس من ظلم هؤلاء البايات في حكمهم «المطلق» لرعاياهم وما قاد إليه من ضعف الدول ووهن النظم السياسية. وهو يقول في هذا السياق عند تعريفه لمفهوم التاريخ «إن علم التاريخ، وإن كان من الفنون الأدبية، فهو من وسائل العلوم الشرعية، يكسب الناظر برهان التجريب ويشحذ فكر الأديب الأريب ليقيس على ما مضى، مواقع الانتقاد والرضى، ويرى الأسباب وما تولد منها، والحوادث وما نشأ عنها». ويشدد ابن أبي الضياف على الرابط بين الانهيار ومسبباته من ظلم وعسف في استخلاص الضرائب والجبايات المختلفة وتلاعب بقيمة العملة وتدخلات غير شرعية في التجارة ومن نفقات باهظة تثقل كاهل الدولة وترهق الموازنة في النسج على منوال ملوك أوروبا خصوصاً فرنسا، إذ حاول محمد باي (1855 ـ 1859) مثلاً بناء قصر فخم في ضاحية المحمدية تشبهاً بقصر فرساي. وتحول القصر ـ الذي لم يكتمل بناؤه في حياته ـ إلى خراب.
ولم يكتف ابن أبي الضياف بالملاحظات والتعليقات التي عقب بها على رواية الحوادث وتحليل أسبابها والتي بثها في مختلف أبواب «إتحاف أهل الزمان» بل خصص «العقد الأول» من «مقدمة» كتابه لبسط نظريته في «الملك وأصنافه» وهي نظرية مشابهة لما طرحه رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي، وهو يتساءل في نقده للحكم المطلق «كيف يستقيم حال لأمة يعلمون أن نفوسهم وأموالهم بيد واحد فيها كما يريد لا كما يراد منه، لا يسأل عن ذلك إلا في الآخرة فهم والحالة هذه في خطر واضطراب لاختلاف حال البشر، فمنهم المنصف والجائر، والفطن والغني والشديد واللين، والحليم والجاهل، إلى غير ذلك من التباين الواقع في سجايا البشر».
ويصنف ابن أبي الضياف الملك السياسي إلى ثلاثة أصناف: الملك المطلق والملك الجمهوري والملك المقيد بقانون أي الدستوري، وهو يختار هذا الصنف الثالث الدستوري «فهذا بعد الخلافة هو «الملك الذي يحاط به العباد، ويماط به الفساد، ويناط به المراد، وصاحبه ظل الله في الأرض ينتصف به المظلوم وتداوى بعدله الكلوم، لأن أمره دائر بين العقل والشرع، وصاحبه يتصرف بقانون معلوم في سائر أموره، لا يتجاوزه، ويلتزم العمل به عند البيعة، ويؤكد ذلك باليمين في ذلك المشهد، فإذا تعمد مخالفته انحلت بيعته من الأعناق».
ويستشهد ابن أبي الضياف في هذا المجال بالنظم السياسية في الغرب قائلاً «انظر حال الإفرنج الذين بلغ العمران في بلدانهم إلى غاية يكاد السامع ألا يصدق بها إلا بعد المشاهدة، كيف تدرجوا في أسبابه تدريجاً معقولاً، فإنهم أسسوا قوانين عدل حتى استقر الأمن وذاقوا لذته وتفيئوا ظلاله فأقبلوا على شؤونهم واشتغلوا بما يوسع دائرة عيشهم وثروتهم فقوي الأمل واستقام العمل».
ويؤكد هذا الجانب من تفكيره إنه رجل دولة يحمل رؤية متكاملة لنظام الحكم وللمدارس السياسية وأنه اختار موقعاً خاصاً في تيارات الفكر النهضوي. وفي ضوء ذلك يتضح من خلال استعراض شخصية ابن أبي الضياف المتعددة الأبعاد أن الرجل لم يكن مؤرخاً عادياً فهو لا يكتفي بتدوين الوقائع التي عاشها ولا بكتابة سير الشخصيات الفكرية والسياسية التي جايلها، وإنما هو صاحب نظرية ساهمت في إثراء الفكر السياسي الإصلاحي في القرن الماضي، واستطاع أن يبلور ـ من خلال مؤلفه الرئيسي «الإتحاف» ـ رؤية متكاملة للنهضة رفعته إلى مصاف زعماء الإصلاح مثل معاصره وصديقه خير الدين.
التيمية
قرية صغيرة تقع على الزاوية الجنوبية الشرقية لسفح (جبل القارة) في الإحساء، كان فيها حدود 300 منزل، أما اليوم فالقرية تكاد تكون مهجورة، حيث تركها معظم أهلها واستوطنوا مناطق أخرى.
وكانت (التَّيْمِيَّة) في القرن الثامن والتاسع الهجري بلداً عظيماً مهماً، وكانت موطناً لعدد من كبار العلماء أمثال العالم الشهير الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي، بل يقال: أنه اجتمع فيها في عصر ابن أبي جمهور وفي وقت واحد أربعون عالماً مجتهداً يقيمون الجماعة في أربعين مسجداً مما يدل على أن البلدة كانت كبيرة جداً وكانت عاصمة دينية للمنطقة، ومع الأسف أن تلك الحقبة من الزمن محاطة بالغموض الشديد بحيث لم نطلع على أحوال أولئك الأعلام وتاريخهم.
وعن هذه القرية جاء في (الأزهار الأرجية) للشيخ فرج العمران ما ملخصه: «التَّيْمِيَّة من قرى (الأحساء)، كانت في القديم تضم طائفة من الفقهاء والمجتهدين وثلة من الحكماء الراسخين مما يبلغ عددهم أربعين عالماً ـ كما قيل ـ، منهم الفيلسوف الشهير الشيخ محمد بن أبي جمهور، والشيخ محمد البويهي قدس الله أسرارهم…» ثم أنشأ الشيخ فرج أبياتاً في مدح هذه البلدة فقال:
قدسوها مدين (التَّيْمِيَّة)
فهي من خيرة القرى الهجرية
قدسوا تلكم الربوع اللواتي
هي بالأمس مشرقات مضية
هي بالأمس مشرقات زواه
بالتقى والمعارف الدينية
مشرقات بالحكمتين تسمى
تلك علمية وذي عملية
جمعت أربعين من علماء الد
ين ممن نالوا المراقي العلية
منهم الفيلسوف (ابن أبي جمهور)
رب اللطيفة القدسية
هوذا كاتب (العوالي اللآلي)
و(المُجَلى) في الحكمة النظرية
منهم العالم (البويهيُّ) من أدرك
أسمى المراتب العلمية
هؤلاء الأعلام كانوا مصابيحَ
بهم قد أضاءت (التَّيْمِيَّة)
فعليهم من ربنا رحماتٌ
أبدا الدَّهر بكرةً وعشيَّة
تينمل
هي المدينة التي استقر بها المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية في أوائل القرن السادس وبها يوجد قبره وقبور بني عبدالمؤمن. وبها شيد عبدالمؤمن بن علي المسجد العظيم الذي ما زالت أطلاله بادية للعيان. وبهذا المسجد منارة مستطيلة الشكل بنيت فوق المحراب ولا نظير لهذا النوع من البناء في المغرب سوى منارة بارمادا بمدينة سلا.
ومسجد تينمل كثير الشبه بمسجد الكتبيين بمراكش ومسجد مدينة تازة. ويبلغ طول كل جانب منه 45 متراً وله ثلاثة أبواب جنوباً وثلاثة أبواب شمالاً وله محراب ممتاز بزخارفه العجيبة وأمام محرابه ثلاث قباب وتسع بلاطات.
تقع القرية على بعد كيلومتر واحد من الكلمتر 101 في الطريق المؤدية من مراكش إلى تاروانت عبر الأطلس الكبير.
وهندسة هذا المسجد غريبة من نوعها، إذ تجمع بين هندسة الحصن، فالأبواب بارزة عن الجدران الأصلية، والأسوار عالية وبها ممرات للحراسة وهو شبيه بقلعة حصينة.
ثبت الأسانيد العوالي
إلى مرويات السيد محمد رضا الحسيني
الجلالي (كتاب)
ازدهرت الحركة العلمية لدى المسلمين منذ بزوغ الأمة المسلمة وامتدادها على رقعة جغرافية واسعة بلغت في أيام مجدها تخوم أوروبا إلى الصين، ولبث المسلمون عدة قرون يستأثرون بمعظم العلوم المتداولة في هذه القرون، يتدارسونها، ويعلمونها، ويتعمقون في بحثها وتطويرها، ويعملون على استيعابها وتدوينها في مصنفات متنوعة، ولم يقتصروا على ذلك وإنما كان لهم نصيب هام في إبداع جملة علوم جديدة لم يسبقهم إليها أحد من الأمم الأخرى، مضافاً إلى إنتاج أساليب مبتكرة في البحث العلمي، وترسيخ تقاليد علمية دقيقة ظلت تفتقر إليها مناهج البحث حتى جاء المسلمون. فمثلاً لا نلتقي بما أسماه المسلمون «علم الكلام» في تراث الأمم الأخرى، وهكذا الحال في «أصول الفقه» وغيرهما، وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في «علوم الحديث» بأسرها، فبينما تعرض تراث النبوات الماضية للإهمال والضياع، ولم تتبلور تجربة تدوين التراث النبوي إلا بعد مرور قرون على تعاطي ذلك التراث شفوياً وتحوله إلى حكايات وقصص متهافتة، تموج بها حياة العامة، وتمتزج بالفلكلور، في الوجدان الشعبي، نجد المسلمين اتخذوا من «الحديث الشريف» موقفاً مختلفاً مغايراً لما شاع في تاريخ النبوات السالفة، فبدأوا بتدوين الحديث باكراً، وعملوا على تأصيل تقاليد أخرى في نقله وحفظه عبر الأجيال. صحيح إن عملية التدوين هذه اكتنفتها ظروف وملابسات صعبة في الفترة الأولى كادت أن تضحي بالسنة الشريفة، غير أن الجهود العظيمة التي بذلها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وطائفة من الصحابة تغلبت على تلك الملابسات وأرست أصول منهج متقن في تدوين السنة ونقلها من طبقة إلى طبقة أخرى عبر التاريخ، ووضعت ضوابط ومعايير واضحة للتعامل مع مروياتها، واكتشاف الموضوعات منها، وتمييزها عن المرويات الصحيحة.
ويمكن القول: إنه لم تستأثر علوم باهتمام المسلمين بعد علوم القرآن والتفسير كعلوم الحديث، فقد انخرط في كل عصر عدد من الرواة وطلاب العلم في رواية الحديث وتدوينه ودراسة طرقه ومتونه، بل إن طلاب العلم عامة ما خلا حالات خاصة محدودة كانوا يولون رواية الحديث ودراسته والتصنيف في علومه أهمية فائقة، فحتى الذين نبغوا منهم في علوم اللغة العربية وآدابها أو التاريخ والسيرة أو غير ذلك غالباً ما تشتمل قوائم مؤلفاتهم على أكثر من أثر في الحديث وعلومه. وأضحى التأليف في هذا الحقل علامة على تقدم طالب العلم وعلو مقامه وشرفه، فتسابق المصنفون في هذا المضمار، وحرصوا على مشافهة الشيوخ وسماعهم، وتنقلوا بغية الوصول إلى مواطنهم بين البلدان، وأضحت «الرحلة في طلب العلم» من الظواهر الشائعة في الحياة العلمية الإسلامية آنذاك، بحيث أطلق على البعض لقب الرحال بعد أن صارت الرحلة في طلب العلم بمثابة الحرفة له. فمثلاً سمي أحمد ابن علويه الأصفهاني (الرحال، لأنه رحل خمسين رحلةً) ([145])، وكان محمد بن عبدالله بن البهلول قد (سافر في طلب الحديث عمره) ([146]).
وتجول الكثيرون من بلد إلى بلد بحثاً عن شيوخ الرواية حتى (ادعى بعض الطلبة أنه سمع أحاديث في مائة وعشرين موضعاً، كان من بينها، فضلاً عن المراكز الإسلامية الكبرى، مدن: آمد وبوشنج وتنيس) ([147])، وكان أصحاب الأئمة (عليهم السلام) يفدون إلى المدينة من مختلف الأمصار لسماع الحديث منهم([148])، وهكذا كان يفعل غيرهم من المسلمين أتباع المذاهب الأخرى، فقد ذكر السبكي في ترجمته للربيع ابن سليمان المرادي المتوفى سنة 270هـ (وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه من الآفاق نحو مائتي رجل) ([149]).
طرق أداء الحديث ونقله:
تنوعت طرق أداء الحديث ونقله تبعاً لما استأثر به من الاهتمام والتصنيف، واشتهر منها ثمان طرق، هي:
1 ـ السَّماع: وقسموه إلى: إملاء، وتحديث من دون إملاء، وعدّوه أهم طرق نقل الحديث([150]).
2 ـ القراءة على الشيخ: وقد اصطلح عليه معظم المحدثين «عرضاً» باعتبار (إن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما يُعرَضُ القرآن على المقرىء) ([151]).
3 ـ الإجازة: وهي إذن الشيخ لتلميذه ومَنْ يستجيزه أن يروي عنه حديثاً أو كتاباً من تأليفه أو سائر مؤلفاته أو سائر مروياته، من دون أن يسمع هذه المرويات بتفاصيلها من الشيخ، كما في الطريق الأول «السَّماع» أو يقرأ ذلك ويعرضه على الشيخ مثلما هو الطريق الثاني.
وقد ذكر الخطيب في «الكفاية» خمسة أنواع للإجازة، استوعب فيها المكاتبة والمناولة وأتبعها بالإجازة على الإجازة. وفي فترة لاحقة ذكر لها القاضي عياض ستة أنواع في «الإلماع»، واقتفى أثره ابن الصلاح في «علوم الحديث» مع زيادة نوع سابع، فأضحت سبعة أنواع، وهي: أن يجيز لمعيَّن في معين، وأن يجيز لمعيَّن في غير معين، وأن يجيز لغير معين بوصف العموم، وأن يجيز للمجهول أو بالمجهول ويتشبث بذيلها الإجازة المعلقة بالشرط، وأن يجيز للمعدوم، وإجازة ما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله أصلاً بعد ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك، وآخرها إجازة المجاز([152]).
(4 ـ المناولة: وقسموها إلى نوعين:
أ ـ المناولة المقرونة بالإجازة: وهي أن يدفع الشيخ إلى المجاز كتاباً ويقول له: (هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني) ثم يملكه إياه، أو يقول: (خذه وانسخه وقابل به ثم رُدَّهُ إليّ) أو نحو ذلك([153]).
ب ـ المناولة المجردة عن الإجازة: وهي أن يناوله الكتاب، ويقول: (هذا من حديثي أو من سماعاتي). ولا يقول: (اروه عني أو أجزت لك روايته عني) ونحو ذلك([154]).
5 ـ المكاتبة: وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب سواء كان حاضراً أو غائباً مروياته بخطه. وتنقسم المكاتبة إلى نوعين:
أ ـ المكاتبة المجردة عن الإجازة.
ب ـ المكاتبة المقترنة بالإجازة. أي أن الشيخ مضافاً إلى كتابه للطالب بمنحه إجازة، فيقول: (أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك) أو نحو ذلك من عبارات الإجازة([155]).
6 ـ إعلام الشيخ للطالب أن مروياته أو مؤلفه المحدد هو سماعه من فلان أو روايته، من دون أن يأذن له صراحة بروايته عنه، فلا يقول له: «اروه عني، أو أذنت لك في روايته) ونحو ذلك([156]).
7 ـ الوصية بالكتب: وهي أن يوصي الشيخ بكتاب يرويه عند موته أو سفره لشخص([157]).
8 ـ الوجادة: وهي أن يعثر شخص على مؤلف يشتمل على مرويات يرويها أحد، مدونة بخطه غير أنه لم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه تلك المرويات، ولم يمنحه صاحبها إجازة ونحوها تأذن له بروايتها. فيستطيع ذلك الشخص في هذه الحالة أن يقول: (وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه: أخبرنا فلان بن فلان) ويذكر شيخه ويسوق سائر الإسناد والمتن([158]).
هذه أشهر الطرق لتحمل الحديث وأدائه، وقد أطنب غير واحد من المؤلفين في دراية الحديث ببيان تفاصيل واسعة مما يتصل بأنواع هذه الطرق ومدى الإستناد إليها في تلقي مرويات السنة الشريفة وقبولها، فبينما اتفق كافة المحدثين على أن الطريق الأول «السَّماع» أوثق هذه الطرق، اختلفوا في أن الطريق الثاني «القراءة على الشيخ» هل ترقى إلى مرتبة «السَّماع» أم تقع دونه؟ وإن اشتهر بينهم عدم الخلاف في (أنها رواية صحيحة إلا ما حكي عن بعض من لا يُعتَدُّ بخلافه)([159]).
أما الإجازة فبالرغم من وقوعها في المرتبة الثالثة من طرق تحمل الحديث وتلقي طائفة واسعة من المحدثين لها بالقبول إلا أن البعض أبطلها ولم يقبلها، وصرح بأنه (لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة) ([160]). وبقطع النظر عن تشدد هؤلاء في قبول الإجازة. فإن (المشهور بين العلماء من المحدثين والأصوليين أنه يجوز العمل بها. بل ادعى جماعة الإجماع عليه. بل السيرة القطعية متحققة بذلك) ([161]). ولسنا في مقام تنقيح الموقف في هذه المسألة وتقرير الكلمة الفصل في أمر استهلك من القدماء جهوداً هائلة في النقض والإبراج، ولم تعد هناك جدوى لاستئناف النظر فيه، بعد أن ورثنا تراثاً غزيراً من الإجازات المدونة التي ظهرت بواكيرها في القرن الهجري الثاني ثم تراكمت بمرور الزمان. من هنا ينبغي أن نبحث بعداً آخر في مسألة «الإجازات»، وهو: ما هي قيمة هذا التراث الغني المتراكم عبر القرون، وكيف يتسنى لنا توظيف هذا المقدار من المدونات واستثمار البيانات الزاخرة فيها كمادة أساسية في قراءة مسار الحياة العلمية للمسلمين؟
قيمة الإجازات:
شاعت في الحياة العلمية لدى المسلمين مجموعة تقاليد علمية، ظهرت منذ العصر الإسلامي الأول ثم ترسخت بمرور الأيام، وكانت الإجازة إحدى أجلى هذه التقاليد وأهمها، بحيث أضحت علامة ترمز للعلوم الإسلامية، فمثلما تبلورت في عصور متأخرة في الحياة العلمية الأوروبية بعض الشهادات العلمية، واحتلت مكانة هامة في تصنيف الرتب العلمية للدارسين، وتأكدت أهميتها بالتدريج حتى صارت جزءاً من البنية التنظيمية للأكاديميات والجامعات في داخل أوروبا وخارجها، كذلك كانت الإجازات العلمية (من التقاليد التعليمية المهمة في النظام التربوي عند المسلمين، وقد عدها كثير من علماء الحديث من بين الوسائل السليمة التي يتم عن طريقها نقل مختلف العلوم، وخاصة العلوم الدينية من جيل إلى جيل) ([162]). وفي هذا الضوء يمكن القول إن الإجازات تعبر عن رمز علمي للهوية الحضارية للأمة الإسلامية، رمز ولد في فضاء الحياة العلمية الإسلامية، وترسخ كتقليد يضبط الحركة العلمية، ويعمل على تصنيف مراتب طلاب العلم، ويفصح عن عروجهم في مدارج العلم، عبر الإشارة إلى مشايخهم وأساتذتهم الذين نهلوا منهم. ومع إن الإجازة أسيءَ استخدامها في حالات عديدة، وأفرغها بعض أهل العلم من مضمونها حين تسامح في منحها لكل من يطلبها من دون أي ضابطة أو قيد، حتى قيل: «إن البعض صار (قبل وفاته يجيز جميع مسلمي عصره في رواية الأحاديث التي كان يعرفها) ([163]). وشغف البعض بها كعنوان فقط كما هو دأب بعض الذين يتسابقون على الشهادات في عصرها، حتى (كان الآباء يجمعون الإجازات لأبنائهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً) ([164]). غير أن ذلك لا يعني انعدام أهمية الإجازة كتقليد علمي تميزت به الدراسات الإسلامية، ولا ينفي إمكانية الإفادة من التراث الزاخر الذي وصلنا من الإجازات. وسنشير فيما يلي إلى شيء من الوظائف التي يمكن أن تؤديها الإجازة راهناً.
1 ـ الإجازة العلمية واحدة من رموز الحياة العلمية الإسلامية، التي أثمرها النظام التربوي الإسلامي، وولدت في فضاء الحلقات العلمية عند المسلمين، وتجذرت كتقليد متوارث يساهم في تنظيم تلقي العلم وتداوله بين الأجيال، فلماذا لا نعود إلى الإفادة منها في تصنيف الرتب العلمية للدارسين، بعد تقنينها بدقة وصرامة ووضع ضوابط واضحة لمنحه بالمواءمة بين ما ورثناه من السلف وما بلغته الحركة العلمية وما أفضت إليه من مراتب علمية في هذا العصر؟
2 ـ تحفل الإجازات لا سيما الكبيرة منها ببيانات شتى تلمح إلى الأحوال الاجتماعية والسياسية فضلاً عن الثقافية والعلمية السائدة في تلك العصور. وعلى هذا يمكن أن يستند إليها الباحث كوثائق هامة يعيد تحديد صورة الحياة الفكرية والاجتماعية للمجتمعات الإسلامية في ضوئها.
3 ـ تفريعاً على ما مضى يستطيع الباحث إضاءة الأبعاد الغائبة والمطموسة في الحواضر العلمية الإسلامية في جميع الأمصار، بعد التنقيب في الإجازات المدونة داخلها، والتقاط ما تحكيه تلك الإجازات ولو بالإشارة والتلميح، خاصة إن بعض الحواضر العلمية العريقة لا تسعفنا المراجع المتداولة في استجلاء صورة شاخصة الأبعاد لها في بعض مراحلها التاريخية.
4 ـ تعتبر الإجازات من أهم الوثائق والسجلات التي احتفظت لنا بعدد غفير من أسماء طلاب العلم في التاريخ الإسلامي الذين لم تستوعبهم مصنفات الرجال والتراجم، وربما أدرجتهم هذه المصنفات غير أنها لا تمنحنا معلومات وافية تحدد عصرهم وطبقتهم ومشايخهم وموقعهم في مسار الحركة العلمية.
5 ـ الإجازة قناة للتواصل مع السلف، والاطمئنان إلى نسبة مؤلفات وآثار الماضين إلى أصحابها. وقطع الطريق على انتحال آثار الآخرين ونسبتها إلى غير أصحابها. مضافاً إلى ما تزودنا به الإجازات من معلومات هامة عن مؤلفات الإسلاميين في سائر حقول المعرفة. فإن بعض الإجازات يضم طائفة من عناوين مصنفات شيوخ الإجازة. حتى أن غير واحدة من الإجازات تكاد تكون بمثابة قوائم تحصر مؤلفات أولئك الشيوخ بتمامها. بنحو قد لا نعثر عليه في الببليوغرافيات الخاصة في التراث الإسلامي.
6 ـ الإجازات أداة لتوثيق عُرى الأخوة بين المذاهب الإسلامية، لأن طلاب العلم كانوا يحرصون على تحصيل الإجازات من شيوخ الفرق الأخرى، ويفخرون بالإفادة منهم والتلمذ عليهم. فكانت الإجازة أداة للتفاهم والتواصل بين أهل العلم، ونافذة يطل من خلالها أتباع كل مذهب على علوم المذهب الآخر، مما يعزز الفهم الصحيح لآراء الآخر، وينفي الصورة المزورة التي يرسمها الخصوم، ويعمل على تفاعل الحركة العلمية الإسلامية وتخصيبها، وبلوغ نتائج مشتركة في كافة العلوم الإسلامية. من هنا يمكن الإفادة من تراث الإجازات كرصيد لا غنى عنه في مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية والوحدة القائمة على التفاهم المشترك واحترام الرأي الآخر بين المسلمين.
تراث الإجازات:
ذهب بعض الباحثين إلى أن الإجازات الشفوية قديمة العهد لدى المسلمين([165])، فقد قال بشير بن نهيك: (كتبت إلى أبي هريرة كتاباً فلما أردت أن أفارقه قلت: يا با هريرة إني كتبت كتاباً، فأرويه عنك؟ قال: نعم، إروه عني([166]). وكان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد منح إجازة شفوية لسليم بن أبي حية يأذن له فيها أن يروي ما يرويه عنه (عليه السلام) أبان بن تغلب، يقول سليم بن أبي حية: (كنت عند أبي عبداللَّه (عليه السلام) ، فلما أردت أن أفارقه ودعته وقلت: أحب أن تزودني، فقال: إئت أبان بن تغلب فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً فما روى لك عني فاروه عني) ([167]). وهكذا قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأبان بن عثمان: (إن أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف حديث فاروها عنه) ([168]). وهذا يعني أن الإمام أذن لأبان بن تغلب أن يروي عنه للآخرين، كذلك أذن لغيره أن يعتبر ما يرويه عنه أبان بمثابة ما يتلقاه عنه مباشرة، أي أنه أجاز لأبان الرواية عنه كما أجاز لغيره الرواية عن أبان عنه.
أما الإجازات التحريرية فقد تأخرت كثيراً عن الإجازات الشفوية، ولعل من أقدم ما وصلنا منها يعود للقرن الثالث الهجري، يقول أبو الحسن محمد بن أبي الحسين الوزان: (ألفيت بخط أبي بكر أحمد بن خيثمة صاحب التاريخ ما مثاله: «قد أجزت لأبي زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي عني ما أحب من كتاب التاريخ الذي سمعه مني أبو محمد القاسم بن الأصبغ، ومحمد بن عبدالأعلى كما سمعاه مني، وأذنت له في ذلك لمن أحب من أصحابه. فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا، فأنا أجزت له ذلك بكتابي هذا. وكتب أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوّال من سنة ستة وسبعين ومائتين»)([169]).
وذكر النجاشي أن أحمد بن عبدالله بن أحمد الدوري أبو بكر الوراق (دفع إلى شيخ الأدب أبي أحمد عبدالسلام بن الحسين البصري كتاباً بخطه، قد أجاز له فيه جميع رواياته) ([170]). وهناك إشارات متعددة في الفهارس وكتب الرجال القديمة تنص على تعاطي الإجازات التحريرية بين طلاب العلم وشيوخهم.
وازداد عدد الإجازات حتى أفرد لها طائفة من العلماء مؤلفات مستقلة ترصدها وتضم ما تناثر منها، ولعل السيد رضي الدين علي بن طاوس المتوفى سنة 664هـ من أقدم الذين أفردوا مؤلفاً مستقلاً في هذا المضمار، وهو «كتاب الإجازات لكشف طرق المفازات فيما يحصى من الإجازات»([171]). ثم تدفق التأليف في هذا الحقل فأنجزت كمية كبيرة من المؤلفات التي تضبط الإجازات، والتي تتفاوت في حجمها فمنها ما هو مختصر ومنها ما هو مبسوط واسع. كما تصدى بعض شيوخ الإجازة لكتابة مؤلف يستوعب كافة طرقه إلى مشايخه في بعض إجازاته التي يمنحها للمجازين منه([172]).
وتنوعت صيغ الإجازات فمنها ما جاءت نثراً، فيما نظمت أخرى شعراً([173])، واختلفت أساليب نثرها ونظمها تبعاً للموهبة الأدبية للشيخ المجيز، وتفاوتت الإجازات أيضاً فيما تشتمل عليه من مادة تاريخية بتراجم الشيوخ ومصنفاتهم والإشارات إلى أحوالهم والظروف الزمانية والمكانية التي اكتنفت حياتهم.
الوحدة الثقافية في ثبت الأسانيد العوالي:
ألف أحد أبرز مشايخ الإجازة المعاصرين السيد محمد رضا الحسيني الجلالي ثبتاً يشتمل على طرق الإجازات الموصلة إلى أهم الأثبات والمشيخات الجامعة لطرق الرواية المعتمدة على الإجازة المعتبرة لتصحيح نسبة الكتب والمؤلفات إلى علماء الإسلام. وأسماه «ثبت الأسانيد العوالي إلى مرويات السيد محمد رضا الحسيني الجلالي».
وشدد في مقدمة هذا الثبت على اشتراك (أعلام المسلمين في تبادل الطرق وتناقل الروايات وتعاطي الإجازات حتى أصبحت الطرق بينهم متداخلة وأطرافها مترابطة وفروعها متشابكة وأصولها متواصلة. وهذا وحده يكشف عن كون المشروع رباطاً وثيقاً بين علماء الأمة. يعبر عن الوئام التام والوفاق والأخوة والاتفاق والاتحاد بين الرفاق على طريق الإسلام، والوحدة في المسير إلى الهدف بين أولئك الأعلام، وفيه إشعار واضح بأن الحق في ما قيل من أن اختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية، بل لا يخفى على ذوي الأذواق السوية أن مثل هذا من أسباب التواصل العلمي والتبادل الثقافي. وذلك يؤدي إلى المزيد من التقارب بين علماء المذاهب. فيقف كل منهم على ما لدى الآخرين من مواد معرفية، لعل فيها ما يرشد إلى هدى أو يردُّ عن ضلالٍ وردى) ([174]).
وسلك السيد الجلالي في هذا الكتاب مسلكاً التزم فيه بذكر المشايخ (الذين ألفوا الأثبات المستقلة أو المشيخات، أو الفهارس، أو المعاجم أو البرامج أو الإجازات المفصلة المسماة بعناوين خاصة غالباً أو التي يجمعها دفتا كتاب أو رسالة لسعتها) ([175]).
والتزم فيه بذكر مشايخه المباشرين، مضافاً إلى سائر الطبقات، ولم يذكر شيخاً بنحو مستقل ليس له إسهام في التأليف في هذا المضمار.
وأماط السيد الجلالي اللثام عن نوع البيانات التي استوعبها في هذا المصنف: فذكر أنه جمع فيه الأعلام من كافة المذاهب الإسلامية، ممن لهم أثبات ومشيخات مشهورة، كيما يجيء عمله جامعاً لكل ما للأمة المحمدية من طرق وروايات ودواوين ومؤلفات.
ثم تطرق للهوية المذهبية لأولئك الأعلام، وأوضح أنه ذكر ثلاثين شيخاً من أعلام الشيعة، وثلاثين شيخاً آخر من أعلام أتباع المذاهب الأربعة «الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة»، بالإضافة إلى خمسة عشر شيخاً من أعلام الزيدية، فبلغ مجموع ما أورده خمسة وسبعين شيخاً من أعلام المسلمين، من ذوي المصنفات المشهورة في الحقل المذكور.
وخلص السيد الجلالي في خاتمة المطاف لبيان الهدف الذي يرمي إليه من ذلك قائلاً: (وإنما جمعتهم تحقيقاً لهدف أشرت إليه، وهو التركيز في رص بنيان الصف الإسلامي، فإني أعتبر هذا العمل خطوةً في إعلان المداراة في سبيل الله، لتحقيق إرادته في وجود الأمة الواحدة، ونهيه عن التنازع المؤدي إلى الفشل، والضعف، وصداً لدعاة التفرقة من أدعياء الدين من المفتين بالزور بالتفسيق والتكفير للمسلمين، والناشرين للخلاف الحزبي والفئوي والطائفي والعنصري، وغير ذلك، وليكون عملنا رداً على بعض من أدخل أنفه في مثل هذه الصناعة بلا شأن أو باع، حيث يتبع تلك الأغراض الفاسدة، فيتغافل عن ذكر ما لغير طائفته من التراث العلمي المجيد والفكر السديد والرأي الرشيد، سعياً منه في الانفراد بساحة البحث، وإبعاداً لغير طائفته عن الظهور على معرض الفكر!)([176]).
وألمح إلى أنه إنما اقتصر في هذا الثبت على أشهر المشايخ من كل فرقة، وذكر طائفة منهم، (باعتبارهم محاور للأسانيد ومداخل للطرق، عندهم تجتمع إذا تفرقت، ومن لدنهم تتشعب إذا تجمعت) ([177]).
بناء على ما سبق تتجلى أهمية تراث الإجازات لدى المسلمين كمادة أساسية في تعميق أواصر الوحدة الإسلامية، عبر الكشف عن أعمق قناة للتواصل الثقافي بين المذاهب والفرق الإسلامية، تلك القناة التي ظلت تغذي الحياة العلمية وترسخ أسس التفاهم المشترك، عبر تبلور رؤى موحدة في العلوم الإسلامية، فضلاً عن التوفر على معرفة الرأي الآخر بموضوعية ونزاهة بعيداً عن المواقف المنحازة.
(راجع: الإجازة)
عبدالجيار الرفاعي
ثريا
اسم جريدة إيرانية صدرت خارج إيران، هاجمت الدول الأوروبية التي تحاول استثمار البلاد وأثارت الشعب عليهم، كما طالبت بالضرب على أيدي المرتشين في أجهزة الدولة والبلاط ممن كانوا يقفون في وجه الحركات التحررية. صدرت بين العامين 1316 و1318هـ (1898 و1900م).
الثعلبية
من منازل الحاج في طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية وهي ثلثا الطريق وأسفل منها ما يقال له الضويجحة على ميل منها مشرف، ثم تمضي فتقع في برك يقال لها برك حمد السبيل ثم تقع في رمل متصل بالخزيمية وإنما سميت بالثعلبية نسبة إلى ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء لما تفرقت أزد مآرب لحق ثعلبة بهذا الموضع فأقام به فسمي باسمه فلما كثر ولده وقوي أمره رجع إلى نواحي يثرب فأجلى اليهود عنها فولده هم الأنصار([178])، وفي الثعلبية يقول الشاعر:
سأثوى نحو الثعبية ما ثوت
حليلة منصور بها لا أريمها
وأرحل عنها إن رحلت وعندنا
أياد لها معروفة لا نذيمها
وقد عرفت بالغيب إن لا اودها
إذا هي لم يكرم علينا كريمها
إذا ما سماء بالدناح تخايلت
فإني على ماء الزبير اشيمها
يقر بعيني إن أراها بنعمة
وإن كان لا يجدي على نعيمها
حل بها الحسين (عليه السلام) يوم الثلاثاء 22 ذي الحجة سنة 60 هجرية قال السيد ابن طاوس في اللهوف ص30: (… ثم سار حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم استيقظ فقال: قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنة. فقال له ابنه علي الأكبر: يا أبا ألسنا على الحق؟ فقال: بلى يا بني والله الذي إليه مرجع العباد، فقال: يا أبا إذن لا نبالي بالموت، فقال الحسين (عليه السلام): جزاك الله عني بني خير ما جزا ولداً عن والده، ثم بات (عليه السلام) في الموضع المذكور…) ومن أهم الحوادث في هذا الموقع هو وصول خبر نعي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة إلى الحسين (عليه السلام) قال الطبري بسنده عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: (… لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين. قالا فوقف الحسين كأنه يريده ثم تركه ومضى، ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا: السلام عليك. قال: وعليكم السلام ورحمة الله ثم قلنا: فمن الرجل؟ قال: أسدي فقلنا: فنحن أسديان فمن أنت؟ قال: أنا بكيرين المتعبة فانتسبنا له ثم قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك. قال نعم لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة.
فرأيتهما يجران بأرجلهما في السوق قالا: فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياً فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا فقلنا له: يرحمك الله إن عندنا خبراً فإن شئت حدثنا علانية وإن شئت سراً. قال: فنظر إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سر، فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمس؟ قال: نعم وقد أردت مسألته فقلنا: قد استبرانا لك خبره وكفيناك مسألته وهو امرؤ من أسد منّا ذو رأي وصدق وفضل وعقل وأنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلهما فقال: إنا الله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليهما فردد ذلك مراراً…)([179]).
يقول عبدالحسين الصالحي: لقد نبغ من الثعلبية علماء أعلام ورواة ثقاة جاء ذكرهم في كتب السير ومعاجم الرجال منهم عبدالأعلى الثعلبي من روات الحديث([180]).
روى عنه إبان بن تغلب (عليه السلام) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان وينسب إلى الثعلبية عبدالأعلى بن عامر الثعلبي عداده في الكوفيين روى عن محمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسعيد بن جبير…) ([181]).
عبدالحسين الصالحي
الثغور
ـ 1 ـ
شكلت المناطق الشمالية لبلاد الشام، ومناطق الجزيرة، الحدود الشمالية لبلاد الإسلام في مواجهة البيزنطيين، لتصبح جبهة المواجهة المستمرة، في مواقع ثابتة عرفت «بالثغور»؛ و كان المتطوعون للحرب في هذه المواقع المتقدمة يؤدون واجباً دينياً عرف باسم «المرابطة».
وقد توجهت أنظار المسلمين في شتى أقطار الدنيا إلى منطقة الثغور، وبذلوا لها النفس والنفيس من الأرواح والأموال مما يدل على أهمية التزام المسلمين بتأدية هذا الواجب، ولهذا كانت بلاد الشام محط أنظار المسلمين وكانت قلوبهم عند ثغورها. وكان الحمدانيون لفترة من الزمن قادة التحرك الإسلامي، مما جعل لدولتهم أهمية خاصة في تاريخ بلاد الشام في القرن الرابع الهجري، إذ بهذه الحروب تولت هذه البلاد المواجهة عن كل العالم الإسلامي، ومنطقة حلب عن كل بلاد الشام، وسيف الدولة عن كل حكام المسلمين، فظهر أدب الجهاد، وأدب الحروب التي قادها سيف الدولة الحمداني بين سنتي 333 ـ 356هـ/ 944 ـ 967م.
فما هي الثغور، وما المرابطة، وما الحروب التي دارت حولها وبها دفاعاً ومواجهة أو هجوماً، وما هي الصورة التي رسمها الأدب لهذه الجبهة؟
الثغور هي دار الحرب، والمواضع التي تكون حدّاً فاصلاً بين بلاد المسلمين وأعدائهم، وهي تشكل موضع المخافة من أطراف البلاد([182]).
إن موقع بلاد الشام وطبيعة تكوينها جعلا منها منطقة للثغور، وقد ميز المؤرخون الثغور الجزرية عن الثغور الشامية، فالأولى وهي برية بكاملها، ومنها شمشاط وكيسوم، وملطية، وزبطرة والحدث ومرعش وحصن منصور وقورس ودلوك ورعبان([183])، بينما كانت الثغور الشامية برية وبحرية، والبرية في القرن الرابع الهجري كانت أكثر من عشرة ومن أهمها أذنة، المصيصة، طرسوس، عين زربة، الهارونية وأنطاكية([184])، أما البحرية فهي تضم مدن السواحل كاللاذقية وجبلة، وعرقة وطرابلس وبيروت وصيدا والصرفند وصور وعكار ويافا وغزة([185]).
لقد بدأ إعداد هذه المواقع وترميم حصونها، وبناء فلاعها، وإقطاع الأرض فيها، وبناء المساجد، وإسكان الناس بهدف المرابطة وذلك ابتداءً من صدر الإسلام إلى سيف الدولة الحمداني، مما جعل هذه الثغور مدناً آهلة بالسكان، يأتيها المسلمون من كل مكان (يرابطون بها إذا وردوها، وترد عليهم الجرايات والصلات، وتدر عليهم الأنزال والحملان العظيمة الجسيمة، إلى ما كان السلاطين يتكلفونه، وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوعين ويتحاضون عليه متبرعين) ([186]).
كما أن المناطق الواقعة وراء هذه الثغور كانت مأهولة بالسكان، وكانت تسمى بالعواصم، لأنها تعصم الثغور وتمدها في أوقات النفير، والعواصم اسم للناحية وليست موضعاً بعينه، وكانت إنطاكية قصبتها، أو أم مدنها وقراها([187]).
لقد كانت منطقة الثغور ساحة الحرب الإسلامية ـ البيزنطية المستمرة منذ صدر الإسلام، غير أن انقسام الدول العباسية وتمزقها دويلات وإمارات في القرن الرابع، جعل الدولة الحمدانية وحدها في مواجهة البيزنطيين، لضعف السلطة العباسية في بغداد، ولبعدها عن مناطق الثغور، ولحلول الدويلات في المناطق الفاصلة بينها وبين هذه الثغور.
والواقع أن أبرز أحداث القرن الرابع الهجري وخاصة الواقع منها في الثلث الثاني من هذا القرن كانت الحروب الحمدانية البيزنطية، والتي جرت في عهد سيف الدولة، حيث صادف هذا الأمير العربي المقدام عهد نفر من القادة البيزنطيين المتحدرين من الأسرة المقدونية التي تولت عرش بيزنطة، والتي عرفت بحماسها للاحتفاظ بأبهة ملك الرومان والدفاع عن عز سلطانهم، أي أنه كان على سيف الدولة أن يدافع خلال ربع قرن من الزمن عن الحدود الشمالية للدولة الإسلامية ضد أعداء أشداء. فقد واجه بين سنة 333 ـ 343هـ/ 944 ـ 954م القائد باراداس، فوكاس، وبين 343 ـ 349 ـ/ 954 ـ 960م القائدين ليون ونقفور فوكاس ولدي باراداس، وقد انفرد نقفور بالحكم ابتداء من سنة 451هـ/ 962م ليشن حروباً ضد سيف الدولة يساعده جان تزيمسكيس الذي خلف نقفور في حكم بيزنطة بين سنة 359 ـ 366هـ/ 969 ـ 976م.
وهكذا يكون سيف الدولة قد بدأ حكمه بمواجهة البيزنطيين، وانتهى حكمه وهو يواجههم. فمنذ أن (ملك سيف الدولة حلب، سارت إليه الروم، فخرج إليهم وقاتلهم بالقرب منهم فظفر بهم وقتل منهم)([188])، وكان ذلك سنة 333هـ/ 944م.
وحتى نهاية حكمه لحلب، وحين واجه ربه سنة 356هـ/ 967م كان (سيف الدولة قد غزا الروم أربعين غزوة له وعليه).
بين هذين التاريخين كان بلاط سيف الدولة يزدحم بالأدباء والشعراء، كما كان صدره يزدحم بأحلام القضاء على البيزنطيين، فواكب الشعراء هذه الأحلام واقعاً مظفراً أحياناً، ومتراجعاً أخرى، فكانت كتابة التاريخ من خلال الصورة الأدبية ـ، لذلك فإننا سنة بسنة مع صورة وقصيدة أو صور وقصائد، صور معارك، وقصائد شعر، وأحياناً خطب جهاد، للحث على القتال أملاً بالنصر، الصور يرسمها سيف الدولة ببريق السيوف، وقتامة غبار المعارك، وحمرة النجيع، والقصائد يسطر بها الشعراء لهيب العواصف وانتفاضة الاعتزاز بالنصر دفاعاً عن الأرض المؤمنة. نعم كان بين الأدب والتاريخ سباق. فأيهما كان أكثر جلاءً وأشد وضوحاً، وأنصع صفحة في نقل الوقائع والأحداث؟
والواقع أن قراءة الصورة الأدبية لحرب الجهاد الحمدانية، دفاعاً عن الثغور الإسلامية تمكننا في الملاحظات التالية:
ـ إن أدب الحرب الجهادية كان ثبتاً تاريخياً بالوقائع وثبتاً جغرافياً بالمواقع.
فقد شارك بأدب الحرب عشرات الشعراء من الشاميين أصلاً، أو الوافدين على بلاط الحمدانيين، كالمتنبي، وأبي فراس، والسري الرفاء، والوأواء الدمشقي، وابن نباتة السعدي، وأبي الفرج الببغاء، والنامي، والناشىء الصغير، وأبي طالب الرقي، بالإضافة إلى خطب ابن نباتة النثرية، بحيث جاءت كل قصيدة أو خطبة تحكي حادثة ونصراً، وتدوّن هزيمة وأسراً، في سنة معينة، وتاريخ معين حتى لكأننا نتمكن أن نرصد في كل سنة وصفاً لمجموعتين أو أكثر من الحوادث العسكرية التي تعارف أهل ذلك العصر على تسميتها بالشواتي والصوائف.
ففي سنة 339هـ/ 950م قصد سيف الدولة السنبوس وسمندو، وكان أبو الطيب المتنبي متقدماً فالتفت فرأى سيف الدولة خارجاً من الصفوف يدير رمحاً فعرفه فرد الفرس إليه فسايره وأنشده ممجداً انتصاراته على الدمستق البيزنطي.
لهذا اليوم بعد غدٍ أريجُ
ونارٌ في العدو لها أجيج
رضينا والدمستق غير راض
بما حكم القواضب والوشيج
فإن يقدم فقد زرنا سمندو
وإن يحجم فموعدنا الخليج
وفي سنة 340هـ/ 951 ـ 952م توقف سيف الدولة في عربسوس ثم أصبح صافاً يريد سمندو وقد اتصل أن العدو جامع معدُّ في أربعين ألفاً، فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام وأحب الأمير المسير إليها فاعترضه أبو الطيب المتنبي وأنشده:
تعدَّ القرى والمس بنا الجيش لمسةً
تبار إلى ما تشتهي يدك اليمنى
وفي الموقعة نفسها قال أبو العباس الصفري شاعر الأمير الحمداني:
فحويت قسراً عربسوس ولم تدع
فيها جنودك ما خلا أبلادها
وفي المناسبة ذاتها قال المتنبي مخاطباً سيف الدولة:
سريت إلى جيحان من أرض آمد
ثلاثاً لقد أدناك ركض وأبعد
وفي سنة 342هـ/ 953م غزا سيف الدولة نواحي ملطية، وعبر الفرات إلى دلوك وعدة مواقع حيث أدرك العدو على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه فقال في ذلك النامي الشاعر:
وفد سار في الروم الدمستق باغياً
له ساعة نكراء في لوب نكد
وفي المناسبة ذاتها قال المتنبي مخاطباً سيف الدولة:
سريت إلى جيحان من أرض آمد
ثلاثاً لقد أدناك ركض وأبعد
وفي سنة 343هـ/954م أعاد سيف الدولة بناء قلعة الحدث، وقد وقعت عندها حرب جمع فيها ابن الفقاس الدمستق خمسين ألفاً من جموع الروم فهزمهم سيف الدولة بجيش قليل العدد والعدة فقال السري الرفاء:
رفعت بالحدث الحصن الذي خفضت
منه الحوادث وحتى ذل جانبه
وقال المتنبي بعد هذه الواقعة:
هل الحدث الحمراء تعرف لونها
وتعلم أي الساقيين الغمائم
وهكذا فقد نظم كل من الحسين بن الكوجك والمتنبي وغيرهما من الشعراء القصائد حول موضوع معاودة الروم لتخريب قلعة الحدث وهزيمتهم من قبل سيف الدولة مجدداً إلى غزواته سنة 345هـ/956م يوم وطىء من أرض الروم موطئاً لم يطأه المسلمون منذ ثلاثين سنة فعبر نهر أرسناس وقصد تلة بطريق وعاد بغنائم فتناول الشعراء هذه الحوادث وما تلاها لتكون قصائدهم الثبت التاريخي والجغرافي للانتصارات والمواقع.
ـ كما أن أدب الحرب اختار من المعارك صوراً وصف فيها ساحة الحرب وأدواتها:
حيث نجد أدوات الحرب ووسائلها غزيرة الذكر، غنية المثول في القصائد، فالوأواء الدمشقي يصف الرماح والسيوف:
مجيب لأطراف الرماح إذا ارتمت
لها وافدات الطعن من كل جانب
تظل المنايا تحت ظل سيوفه
إذا خطر الخطي بين الكتائب
بينما يصف أبو فراس الحرب والخيل التي امتطاها رجال مرو يعبرون بها الفرات لمواجهة الأعداء، وهم في قطع الماء كالجزر العائمة حتى أدركوا.
وتجدر الإشارة إلى أن السري الرفاء قد وصف الجيش بأكثر من إحدى وعشرين قصيدة، وخصص لوصف المعارك ثلاث عشرة قصيدة ومقطوعة، بينما خص أبو فراس الحرب والأسر في بلاد الروم وهي من نتائج الحرب بأكثر من عشرين قصيدة.
ـ وأخيراً قدمت الصورة الأدبية للحروب الحمدانية وصفاً للبطولات والأنتصارات:
وذلك في حروف الدفاع عن الثغور الإسلامية، حيث برز الأفراد والقادة فالنصر نصرهم، وبقدرتهم وبرضى الله يكون، وببطولاتهم يتحقق، فالقادة يرتفعون إلى مستوى الخوارق بما يظهرونه من بطولات، فالمتنبي يصور سيف الدولة وقد تمكن من أسر قسطنطين، ابن قائد الروم، الهارب جريحاً من المعركة:
فلما رأوه وحده دون جيشه
دروا أن كل العالمين فضول
على قلب قسطنطين منه تعجب
وإن كان في ساقيه منه كبول
أغركم طول الجيوش وعرضها
علي شروب للجيوش أكول
ويتوجه السري الرفاء لبطل المعركة سيف الدولة الذي جمع الجيوش قاصداً خرشنة، مقتحماً أرباضها، محاصراً المدينة.
يطير على أرباض خرشنة بها
لوافح يهتكن المنيف المشيدا
فبات على البرج المطل كأنما
يلاحظ منه فرقداً ثم فرقدا
أو يصف أبو الفرح الببغاء سيف الدولة ببأسه، وجيشه في صورة كالليل أو كالقطر صافح موج بحر مزبد:
قاد الجياد إلى الجياد عوابساً
شعثاً ولولا بأسه لم تنقد
في جحفل كالسيل أو كالليل أو
كالقطر صافح موج بحر مزبد
ورد أبو فراس، يذكر بطولات العرب عامة والحمدانيين خاصة، عندما أحفظه الدمستق متهماً العرب بقلة صميم الروم فأدركوا النصر المنتظر:
ضربنا بها عرض الفرات كأنما
تسير بنا تحت السروج الجزائر
الخبرة بالحرب: (إنما أنتم كتاب ولا تعرفون الحرب) رد الحمداني قائلاً:
نحن نطأ أرضك منذ ستين سنة بالسيوف أم بالأقلام ثم أردف بشعره:
أتزعم يا ضخم اللغاديد أننا
ونحن أسود الحرب لا نعرف الحربا
فويلك من للحرب إن لم تكن لها
ومن ذا الذي يمضي ويضحي لها تربا
ـ ولا بد من القول إن صورة الأسر في التاريخ لم تكن كصورة الأسر في الأدب، فروميات أبي فراس، التي جاءت ملحقاً بأدب الجهاد، كانت أروع صور الحرب دفاعاً عن الأرض، وعن الكرامة والحق، علماً أن الأسر والفداء والمعاهدات شغلت حيزاً من العلاقات بين العرب والبيزنطيين خلال عدة قرون وخاصة في القرن الرابع الهجري ومع الحمدانيين بالذات.
وإذا مثل أبو فراس ظاهرة الأسر والفداء كشاعر فإن موقفه من خلال شعره، كان كمواقف العرب والمسلمين من الحرب مع الروم، إذ يتساوى لديهم الأسر والنصر كنتيجة للحرب، لأن الذود عن الديار وعن الشرف هو الهدف من هذه الحرب مهما كانت النتيجة التي تقترن بها، فالأسر ليس هزيمة عند صاحب الحق بل هو انتصار كما يفند ذلك أبو فراس:
إن زرت خرشنة أسيرا
فلكم أحطت بها مغيرا
من كان مثلي لم يبث
إلا أسيراً أو أميراً
ليست تحل سراتنا
إلا الصدور أو القبورا
وفي الختام إن دراسة الصورة الأدبية لحروب الدفاع الحمدانية توحي لنا بملاحظتين اثنتين:
ـ الأولى: إن الحالة الجهادية التي غرست بها بلاد الشام، وقدر سيف الدولة أن ينال شرف إدارة حرب الجهاد في فترة معينة من الزمن، وقدرته على حسن إدارته هذه الحرب، كما أحسن إدارة الحياة الأدبية في بلاطه هي التي خلقت هذا الأدب وأعطته موقعه وصداه في تراث القرن الرابع الهجري.
ـ الثانية: إذا كانت النصوص التاريخية وصفاً أميناً للأحداث تعرضها بألوانها وظلالها في إطار من الحركة والحياة، تغوص على محاسنها ومعايبها، ولا تخلفها ولا تحورها، ليظل الفرق بين التاريخ والأدب كالفرق بين الصورة الفوتوغرافية والصورة المتحركة، مما يسمح بالقول إن الصورة الأدبية هي الفيلم الوثائقي عن أحداث العصور السابقة لاختراع الصورة المتحركة، كما يسمح بالقول إنه لا بد للمؤرخ من العودة للنصوص الأدبية كعودته للنصوص التاريخية ليصوغ بحوثه ويخرجها بأفضل شكل ومضمون.
الدكتور محمد كاظم مكي
الثغور
ـ 2 ـ
كانت الحدود بين بلاد المسلمين والروم في أيام بني أمية وبني العباس بل قبل أن يقضي المغول القضاء المبرم على العباسيين بما ينيف على قرن ونصف قرن، تتألف من سلسلتي جبال طوروس وطوروس الداخلة (انتي طوروس) Anti Taurus وكان يعين هذه الحدود ويحميها خط طويل من القلاع (تعرف بالعربية بالثغور) يمتد من ملطية على الفرات الأعلى إلى طرسوس بالقرب من ساحل البحر المتوسط. وكان الروم يحتلون هذه القلاع تارة والمسلمون تارة أخرى. فكان الفريقان فيها بين كرّ وفرّ. وينقسم خط القلاع هذا عادة إلى مجموعتين: إحداهما تحمي الجزيرة (وتسمى ثغور الجزيرة) وهي الشمالية الشرقية، والثانية تحمي الشام (وتسمى ثغور الشام) وهي الجنوبية الغربية. وكان من ثغور الجزيرة: ملطية وزبطرة وحصن منصور وبهسنا والحدث، ثم مرعش والهارونية والكنيسة وعين زربى، ومن الثغور التي تحمي الشام، وكانت بالقرب من الساحل الشمالي لخليج إسكندرية (إسكندرونة): (المصيصة وأذنة وطرطوس. ولا تزال هذه المدن الثلاث: المصيصة (Mopsuestia) وأذنة وطرطوس، وكلها من بناء الروم، فما زالت قائمة. فالمصيصة على نهر جيحان (نهر بيرامس) ومدينة أذنة، وهي قرب المصيصة، تقع على نهر سيحان (نهر سارس) Sarus وأطلق المسلمون على نهري سارس وبيرامس اسم نهر سيحان ونهر جيحان.
وكانا في مصدر الإسلام حداً مائياً بين بلاد المسلمين وبلاد الروم. وقد سمى البلدانيون العرب نهري بيرامس وسارس باسم جيحان وسيحان، على غرار تسميتهم نهري أوكس (Oxus) وحكسارتس (Jaxartes) في آسيا الوسطى وهما أكثر شهرة، باسم جيحون وسيحون. ومنابع هذين النهرين في المرتفعات شمال أرمينية الصغرى. وكان نهر جيحان ـ وقد ذكر أبو الفداء أنه «يقارب نهر الفرات في الكبر، وتسميه العامة جهان» ـ بعد مروره بالمصيصة يصب في بحر الروم في خليج أياس إلى شمال ميناء المدون (ملس Mallus ) ثم صار ملبو (Malo). أما نهر سيحان فأصغر منه، ولم يكن على ضفافه مدن جليلة غير أذنة. وعلى هذا النهر كانت قنطرة الحجر وقد مر ذكرها([189]).
ومهما يكن من أمر، فإن أجل الثغور مدينة طرسوس، وكان مقاتلتها من الفرسان والمشاة. وهي تشرف على المدخل الجنوبي للدرب المشهور عبر طوروس المعروف بأبواب قليقية ذكر ابن حوقل أن على طرطوس سورين من حجارة وبها مئة ألف فارس. ثم قال «وكان طرطوس سورين من حجارة وبها مئة ألف فارس. ثم قال «وكان بينها وبين حد الروم جبال منيعة متشعبة من اللكام كالحاجز بين العالمين» ويقصد بهما عالمي الإسلام والنصرانية. وقال ابن حوقل أن الحامية العظيمة التي أدركها وشاهدها فيها سنة 367هـ (978م) «كانت من الغزاة الوافدين إليها من البلدان الإسلامية لقتال الروم». وسبب ذلك ـ فيما ذكر ـ «أن ليس مدينة عظيمة من حد بلاد فارس والجزيرة والعراق والحجاز واليمن والشامات ومصر والمغرب إلا وبها لأهلها دار ورباط في طرسوس ينزله غزاة تلك البلدة ويرابطون بها إذا وردوها. وترد عليها الجرايات والصلات وتدرّ عليهم الأنزال والحملان العظيمة الجسيمة إلى ما كان السلاطين يتكلفونه وينفذونه متطوعين ويتحظون عليه متبرعين».
وكانت الندبات السنوية على النصارى تجتاز من باب الجهاد المشهور لمقاتلتهم. وفي الجهة اليسرى من جامع طرسوس، دفن الخليفة المأمون، فقد أدركته منيته وهو في بذندون (بدندس Padandos) القريبة منها. وكان يشق المدينة نهر البردان (نهر كودنس Cydnus). وفي سوري المدينة ستة أبواب وخندق عميق. ولبثت طرسوس، على ما قال ياقوت، ثغراً إسلامياً حتى كانت سنة 354هـ (965م) فإن نقفور ملك الروم Nicephoru Phocas استولى على الثغور ونزل على طرسوس فسلمها إليه من كان بها على الأمان والصلح. فخرج منها من المسلمين من أراد بلاد الإسلام وأقام نفر يسير على الجزية. وخربت المساجد «وأحرق نقفور المصاحف وأخذ من خزائن السلاح ما لم يسمع بمثله، ولم تزل طرسوس بيد النصارى إلى هذه الغاية أي سنة 632هـ (1226م)».
الثقلين (حديث)
ـ 1 ـ
يعتمد مذهب الشيعة في الفقه قبل كل شيء على كتاب الله، وما ثبت من سنة نبيه الكريم بالتواتر أو خبر الثقة أياً كان مذهبه، وأيضاً تثبت السنة النبوية عندهم بقول أئمة أهل البيت، واحتجوا لذلك بحديث الثقلين بعد تمحيصه وتحقيقه سنداً ومتناً.
فقد اهتموا بهذا الحديث اهتماماً بالغاً، وأثبتوا تواتره بطرق السنّة والشيعة، وجمع بعضهم في كتاب مستقل أقوال السنّة حول هذا الحديث، وأشار إلى اسم الكتاب الذي نقل عنه، ورقم الجزء والصفحة، ولكنه أهمل تاريخ الطبع، فسد هذا الفراغ السيد الفيروز آبادي في كتابه «فضائل الخمسة من الصحاح الستة».
وهذا نص الحديث كما جاء في صحيح الترمذي ج2 ص308 طبعة بولاق سنة 1292هـ:
«إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما».
ورواه مسلم في صحيحة، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب طبعة بولاق سنة 1290هـ، رواه بلفظ «أني تارك فيكم ثقلين… إلخ. وروى مسلم أن قائلاً قال لابن أرقم: نساء النبي من أهل بيته؟ قال: لا، وأيم الله. أن المرأة تكون مع الرجل ثم يطلقها، فترجع إلى أمها وأبيها، إن أهل بيته أصله وعصبته الذين تحرم عليهم الصدقة.
ورواه الإمام أحمد في مسنده ج4 ص366 طبعة مصر سنة 1313هـ. والبيهقي في سننه ج2 ص148 طبعة حيدرآباد سنة 1344هـ. والمنتقي في كنز العمال ج1 ص45 طبعة حيدرآباد سنة 1312هـ. وابن الأثير في أسد الغابة ج2 ص12 طبعة مصر سنة 1285هـ. والسيوطي في الدر المنثور عند تفسير آية المودة في سورة الشورى طبعة مصر سنة 1314هـ. والنسائي في الخصائص ص12 طبعة مصر سنة 1348هـ. وأبو نعيم في حلية الأولياء ج1 ص255 طبعة مصر سنة 1351هـ. والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج8 ص442 طبعة مصر سنة 1349هـ والهيثمي في الزوائد ج9 ص164 طبعة 1352هـ الناشر مكتبة القدسي. وابن حجر في صواعقه ص75 طبعة مصر سنة 1312هـ. وغير ذلك كثير.
أما تفسير الحديث فندعه للشيخ محمد عبده، قال في تعليقه على نهج البلاغة ص155، و585 طبعة بيروت سنة 1963م.
«في الحديث عن النبي (ص) قال: «تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي». وأهل البيت يستند إليهم في أمور الدين كما يستند إلى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الأعضاء، لأنهم على الصراط يلحق بهم من قصر، ويرجع إليهم من غلا وتجاوز».
ومن البداهة أن السبب الموجب للاستناد إليهم في أمور الدين هو علمهم به، وحفظهم له، وهذا هو بالذات تفسير الشيعة لحديث الثقلين.
ويقول السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة الجزء الثالث (القسم الأول) الصفحة 36 من طبعة 1380 ـ 1960 في تحديد أهل البيت:
«إذا علم ذلك ظهر أنه لا يمكن أن يراد بأهل البيت جميع بني هاشم بل هو من العام المخصوص بمن ثبت اختصاصهم بالفضل والعلم والزهد والعفة والنزاهة من أئمة أهل البيت وهم الأئمة الاثنا عشر وأمهم الزهراء البتول».
ويقول السيد محمد تقي الحكيم:
هذا الحديث يكاد يكون متواتراً بل هو متواتر فعلاً، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنّة في مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصه تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً. وقد أصدرت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية رسالة أسمتها (حديث الثقلين). وقد استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى أهل السنّة.
وحسب الحديث لئن يكون موضع اعتماد الباحثين أن يكون من رواته كل من صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وخصائص النسائي، وسنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري، وحلية الأولياء، وكنز العمال، وغيرهم، وأن تعني بروايته كتب المفسرين أمثال الرازي، والثعلبي، والنيسابوري، والخازن، وابن كثير، وغيرهم، بالإضافة إلى الكثير من كتب التاريخ، واللغة، والسير، والتراجم. وقد استقصت رسالة دار التقريب عشرات المؤلفين من هؤلاء وغيرهم([190])، وقد كنت أود نقلها بنصها لقيمة ما ورد فيها من رأي ونقل لولا انتشارها وتداولها، وما أظن أن حديثاً يملك من الشهرة ما يملكه هذا الحديث، وقد أوصله ابن حجر في الصواعق المحرقة إلى نيف وعشرين صحابياً يقول في كتابه: «ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً»([191]). وفي غاية المرام وصلت أحاديثه من طرق السنّة إلى (39) حديثاً، ومن طرق الشيعة إلى (82) حديثاً.
والظاهر أن سر شهرته تكرار النبي (ص) له في أكثر من موضع يقول ابن حجر: «ومن له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف». وقال: «لا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة».
ولسان الحديث كما في رواية زيد بن أرقم: «أني تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما». وفي رواية زيد بن ثابت: «أني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». ورواية أبي سعيد الخدري: «أني أوشك أن أدعى فأجيب، وأني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأن اللطيف أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما».
مناقشة الحديث
وقد ناقش الأستاذ محمد أبو زهرة هذا الحديث بمناقشات مطولة بعد أن استعرض استدلال الشيعة به على وجوب الرجوع إليهم، نذكر كل ما يتصل بحديثنا منه، ثم نعقب عليه بما يتراءى لنا من أوجه المفارقة فيه.
يقول: «ولكنا نقول: إن كتب السنة التي ذكرته بلفظ سنتي أوثق من الكتب التي روته بلفظ عترتي، وبعد التسليم بصحة اللفظ نقول: بأنه لا يقطع بل لا يعين من ذكروهم من الأئمة الستة المتفق عليهم عند الإمامية الفاطميين، وهو لا يعين أولاد الحسين دون أولاد الحسن، كما لا يعين واحداً من هؤلاء بهذا الترتيب، وكما لا يدل على أن الإمامة تكون بالتوارث، بل لا يدل على إمامة السياسة، وأنه أدل على إمامة الفقه والعلم»([192]).
ومواقف النظر حول نصه هذا، تقع في ثلاث:
1 ـ مناقشته في الحديث من حيث سنده لتقديم ما ورد فيه من لفظ سنتي على ما ورد من لفظ عترتي، لكون رواته من كتب السنّة بهذا اللفظ أوثق.
2 ـ كونه لا يعين المراد من الأهل كما لا يعين الأئمة المتفق عليهم لدى الشيعة أو غيرهم، وكأنه يريد أن يقول: إن القضية لا تثبت موضوعها، فكيف جاز الاستدلال به على إمامة خصوص الأئمة؟!
3 ـ دلالته على إمامة الفقه لا السياسة:
أما المناقشة الأولى فهي غير واضحة لدينا، لأن رواية وسنتي ـ لو صحت ـ فهي لا تعارض رواية العترة، واعتبار الصادر شيئاً واحداً أما هذه أو تلك لا ملجىء له، وأظن أن الشيخ أبا زهرة تخيل التعارض بينهما، استناداً إلى مفهوم العدد، ولكنه نسي أن هذا النوع من مفاهيم المخالفة ليس بحجة ـ كما هو التحقيق لدى متأخري الأصوليين ـ على أن التعارض لا يلجأ إليه إلا مع تحكم المعارضة، ومع إمكان الجمع بينهما لا معارضة أصلاً، وقد جمع ابن حجر بينهما في صواعقه، فقال: «وفي رواية كتاب الله وسنتي وهي المراد من الأحاديث المتقصرة على الكتاب لأن السنة مبينة له، فأغنى ذكره عن ذكرها، والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة»([193]) وإن شئت أن تقول: «إن ذكر أهل البيت معناه ذكر للسنة لأنهم لا يأتون إلا بها، فكل ما عندهم مأخوذ بواسطة النبي أي بواسطة السنة، وقد طفحت بذلك أحاديثهم، ويؤيده ما ورد في كنز العمال من جواب النبي (ص) لعلي عندما سأله: ما أرث منك يا رسول الله؟ قال (ص): ما ورث الأنبياء من قبل: كتاب ربهم وسنة نبيهم»([194]).
وإذن يكون ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وكلتا الروايتين يمكن أن تكونا صحيحتين ولا حاجة إلى تكذيب إحداهما وتعيين الصادرة منهما بالرجوع إلى المرجحات.
ومع الغض عن ذلك وافتراض تمامية المعارضة، وأن الصادر منه (ص) لا يمكن أن يكون إلا واحدة منهما فتقديمه لكلمة وسنتي، لا أعرف له وجهاً.
لأن حديث التمسك بالثقلين متواتر في جميع طبقاته، والكتب التي حفلت به أكثر من أن تحصى، وطرقه إلى الصحابة كثيرة، ورواته منهم ـ أي الصحابة ـ كثيرون جداً، وفي رواياته عدة روايات كانت في أعلى درجات الصحة، كما شهد بذلك الحاكم وغيره.
بينما نرى الحديث الآخر لا يتجاوز في اعتباره عن كونه من أحاديث الآحاد. ولقد كنت أحب للسيد أبي زهرة أن يتفضل بذكر الكتب السنِّية التي روت حديث وسنتي، لنرى مدى ادعائه الأوثقية لها، وأي كتب أوثق من الصحاح والسنن والمسانيد ومستدركاتها التي سبق ذكرها وذكر روايتها للحديث لتقدم عند المعارضة؟!
وفي حدود تتبعي لكتب الحديث واستعانتي ببعض الفهارس، لم أجد رواية وسنتي إلا في عدد من الكتب لا تتجاوز عدد الأصابع لليد الواحدة، وهي مشتركة في رواية الحديثين معاً، اللهم إلا ما يبدو من مالك حيث اقتصر في الموطأ على ذكرها فحسب، ولم يذكر الحديث الآخر ـ إن صدق تتبعي لما في الكتاب ـ يقول راوي الموطأ: «وحدثني عن مالك: أنه بلغه أن رسول الله (ص) قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه»([195])، ويكفي في توهين الرواية أنها مرفوعة ولم يذكر الكتاب رواتها، مما يدل على عدم اطمئنان صاحبها إليها ولسانها «عن مالك أنه بلغه أن رسول الله»، ولعل الموطأ هو أقدم مصادرها في كتب الحديث كما أن ابن هشام هو أقدم رواتها في كتب السير([196]) فيما يبدو.
وما عدا هذين الكتابين. فقد ذكرها ابن حجر في صواعقه مرسلة وذكرها الطبراني فيما حكى عنه([197]).
ومثل هذه الرواية ـ وهي بهذه الدرجة من الضعف لأنها لا تزيد على كونها مرفوعة أو مرسلة، ولو قدر صحتها فهي لا تزيد على كونها من أخبار الآحاد ـ هل يمكن أن تقف بوجه حديث الثقلين مع وفرة رواته في كتب السنَّة وتصحيح الكثير من رواياته، كما سبق بيانه؟
هذا كله من حيث سند الحديثين.
أما من حيث المضمون، فأنا شخصياً ـ لا أكاد أفهم كيف يمكن أن تكون السنة مرجعاً إلى المسلمين في جميع عصورهم أن يتمسكوا بها إلى جنب الكتاب، وهي غير مجموعة على عهده (ص) وفيها الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد.
ولقد كان رسول الله (ص) بالمدينة وأصحابه كما يقول ابن حزم: «مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز، وأنه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط وأنه إنما قامت الحجة على سائر من لم يحضره (ص) بنقل من حضره، وهم واحد أو اثنان».
وإذا صح هذا وهو صحيح جداً لأن التاريخ لم يحدثنا عنه (ص) أنه كان يجمع الصحابة جميعاً، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام، ولو تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهما من السنّة، فماذا يصنع من يريد التمسك بسنته من بعده ولنفترضه من غير الصحابة؟ أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم الولاة والحكام، وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام، أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين وهو لا يجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد من اثنين من لم يكونوا بالمدينة؟ والحجية ـ كما يقول ابن حزم ـ: لا تتقوم إلا بهم.
والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه أو مقيده ما دمنا نعلم أن من طريقة النبي في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة، فالإرجاع إلى شيء مشتت وغير مدون تعجيز للأمة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية.
وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبياً، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكاثر الفتوح، وانتشار الإسلام، ومحاولة التعرف على أحكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث للأغراض السياسية أو الدينية أو النفسية؟
ومثل هذه المشكلة هل يمكن أن لا تكون أمامه (ص) وهو المسؤول عن وضع الضمانات لبقاء شريعته ما دامت خاتمة الشرائع، وقد شاهد قسماً من التنكر لسنته على عهده (ص).
إن الشيء الطبيعي أن لا يفرض أي مصدر تشريعي على الأمة ما لم يكن مدوناً ومحدد المفاهيم، أو يكون هناك مسؤول عنه يكون هو المرجع فيه.
وما دمنا نعلم أن السنة لم تدون على عهد الرسول (ص)، وأن النبي (ص) منزه عن التفريط برسالته، فلا بد أن نفترض جعل مرجع تحدد لديه السنة بكل خصائصها، وبهذا تتضح أهمية حديث الثقلين وقيمة إرجاع الأمة إلى أهل البيت فيه لأخذ الأحكام عنهم، كما تتضح أسرار تأكيده على الاقتداء بهم، وجعلهم سفن النجاة تارة، وأماناً للأمة أخرى، وباب حطة ثالثة وهكذا… وبخاصة إذا أدركنا مقام النبوة وما يقتضيه من تنزيه عن جميع المجالات العاطفية غير المنطقية، وإلا فما الذي يفرق أهل بيته عن غيرهم من الأمة ليضفي عليهم كل هذا التقديس، ويلزمها بهذه الأوامر المؤكدة بالرجوع إليهم، والاقتداء بهم، والتمسك بحبلهم؟
أما ما يتصل بعدم تعيينه المراد من أهل البيت فهذا من أوجه ما أورده أبو زهرة من إشكالات على هذا الحديث.
وكون القضية لا تشخص موضوعها بديهة، لذلك نرى أن نتعرف على المراد من أهل البيت من خارج نطاق هذا الحديث.
وأول ما يلفت النظر سكوت الأمة عن استيضاح أمرهم من النبي (ص) وبخاصة وقد سمعوه منه في نوب متفرقة وأماكن مختلفة، أما كان فيهم من يقول له: إنك عصمتنا من الضلالة بالرجوع إلى أهل بيتك، وجعلتهم قرناء القرآن، فمن هم أهل هذا البيت لنعتصم بهم؟ أترى أن عصمتهم من الضلالة من الأمور العادية التي لا تهم معرفتها والاستفسار عنها، أم ترى أنهم كانوا معروفين لديهم فما احتاجوا إلى استفسار وحديث؟ والذي يبدو أن الصحابة ما كانوا في حاجة إلى استفسار وهم يشاهدون نبيهم (ص) في كل يوم يقف على باب علي وفاطمة، وهو يقرأ: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، وتسعة أشهر وهي المدة التي حدث عنها ابن عباس، كافية لئن تعرف الأمة من هم أهل البيت، ثم يشاهدونه وقد خرج إلى المباهلة وليس معه غير علي وفاطمة وحسن وحسين، وهو يقول: (اللَّهم هؤلاء أهلي) ([198])، وهم من أعرف الناس بخصائص هذا الكلام، وأكثرهم إدراكاً لما ينطوي عليه من قصر واختصاص.
وأحاديث الكساء، بما في بعضها من إقصاء حتى لزوجته أم سلمة، ما يغني عن إطالة الحديث معه في التعرف على المراد من أهل البيت على عهده، وأحاديثه على اختلافها يفسر بعضها بعضاً، ويعين بعضها المراد من البعض.
وعلى أنّا لا نحتاج في بدء النظر إلى أكثر من تشخيص واحد منهم يكون المرجع للقيام بمهمته من بعده، وهو بدوره يعين الخلف الذي يأتي بعده وهكذا… وليس من الضروري أن يتولى ذلك النبي بنفسه إن لم نقل أنه غير طبيعي لولا أن تقتضيه بعض الاعتبارات.
ومنها احتجنا إلى النص على من يقوم بوظيفة الإمامة، لأن استيعاب السنة والأحكام الشرعية وطبيعة الصيانة لحفظها التي تستدعى العصمة لصاحبها والعاصمية للآخرين، ليست من الصفات البارزة التي يدركها جميع الناس ليتركها مسرحاً لاختيارهم وتمييزهم، ولو أمكن تركها لهم من مجال التشخيص فليس من الضروري أن يتفق الناس على اختيار صاحبها بالذات مع تباين عواطفهم وميولهم.
وطبيعة الصيانة والحفظ ومراعاة استمرارها منهجاً وتطبيقاً في الحياة، تستدعي اتخاذ مختلف الاحتياطات اللازمة لذلك.
ولقد أغناها (ص) حين عين علياً في نفس حديث الثقلين وسماه من بين أهل بيته لينهض بوظائفه من بعده، ومما جاء في خطابه التاريخي في يوم غدير خم، وهو ينعى نفسه لعشرات الألوف من المسلمين الذين كانوا معه: «كأني قد دعيت فأجبت، أني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفونني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: «إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي، فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»([199]).
ثم قال في مرض موته بعد ذلك مؤكداً: «أيها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا أني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل، وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فأسألهما ما خلفت فيهما»([200]).
على أن الأحاديث الدالة على عصمته كافية في تعيينه، أمثال قوله (ص): «علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار»([201]) وقوله (ص) لعمار «يا عمار، إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، إنه لن يدلك على ردى ولن يخرجك من هدى»([202]). وقوله (ص): «اللهم أدر الحق مع علي حيث دار»([203]) إلى غيرها من الأحاديث.
ومن هنا قال أبو القاسم البجلي وتلامذته: «لو نازع علي عقيب وفاة رسول الله (ص) وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله (ص) لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: «علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار»، وقال له غير مرة: «حربك حربي، وسلمك سلمي»([204]).
الثقلين (حديث)
ـ 2 ـ
هذا الحديث أخرجه أكابر علماء المذاهب ـ قديماً وحديثاً ـ في كتبهم من الصحاح، والسنن، والمسانيد، والتفاسير، والسير، والتواريخ، واللغة، وغيرها.
فهذا صحيح مسلم في الجزء السابع: 122، وسنن الترمذي في الجزء الثاني: 307، وسنن الدارمي في الجزء الثاني: 432، ومسند أحمد ابن حنبل في الجزء الثالث: 14 و17 و26 و59، وفي الجزء الرابع: 366 و371، وأيضاً في الجزء الخامس: 182 و189، وخصائص النسائي: 30، ومستدرك الحاكم في الجزء الثالث: 109 و148 و533، والحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب في الباب الأول: 11، في بيان صحة خطبته بماء يدعى حُمَّا، قال بعد نقل الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه، ورواه أبو داود وابن ماجه القزويني في كتابهما، وأيضاً في الباب الحادي والستين: 130، والطبقات لمحمد بن سعد الزهري البصري في الجزء الرابع: 8، والحلية لأبي نعيم الأصبهاني في الجزء الأول: 355، وأسد الغابة لابن الأثير الجزري في الجزء الثاني: 12 وفي الجزء الثالث: 147، والعقد الفريد لابن عبد ربه القرطبي في الجزء الثاني في خطبة النبي (ص) في حجة الوداع: 346 و158، وتذكرة الخواص في الباب الثاني عشر: 332 لابن الجوزي، قال بعد نقل قول جده: «وقد أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي أيضاً، وذكره رزين في الجمع بين الصحاح، والعجب كيف خفي عن جدي ما روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم…». وإنسان العيون لنور الدين الحلبي الشافعي في الجزء الثالث: 308، وذخائر العقبى لأحمد بن عبدالله الطبري: 16 والسراج المنير للعزيزي([205]) الشافعي في شرح الجامع الصغير للسيوطي في الجزء الأول: 321، وفي هامشه أيضاً للشيخ محمد الحنفي، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 24، ونسيم الرياض لشهاب الدين الخفاجي في الجزء الثالث: 410، وفي هامشه أيضاً شرح الشفا لعلي القاري ومنتخب كنز العمال لعلي المتقي في هامش المسند للإمام أحمد بن حنبل في الجزء الأول: 96 و101، وفي الجزء الثاني: 390، وفي الجزء الخامس: 95، والكشف والبيان للثعلبي في تفسير آية الاعتصام، وفي تفسير آية {.. آَيُّهَ الثَّقَلاَنِ}([206]) وتفسير الإمام فخر الدين الرازي في تفسير آية الاعتصام في الجزء الثالث: 18 وتفسير النظام النيسابوري في تفسير آية الاعتصام في الجزء الأول: 349، وتفسير الخازن في تفسير آية الاعتصام في الجزء الأول: 257، وفي الجزء الرابع في تفسير آية المودة: 94، وأيضاً في تفسير آية {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ}: 212 وابن كثير الدمشقي في تفسير آية المودة في الجزء الرابع: 113، وفي تفسير آية التطهير في الجزء الثالث: 485، وأيضاً في تاريخه في الجزء الخامس أو السادس في ضمن حديث الغدير، والمواهب العلية لحسين الكاشفي في تفسير آية {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ}، والنهاية لابن الجزري في الجزء الأول، وأيضاً في الدر النثير للسيوطي: 155، ولسان العرب لجمال الدين الأفريقي المصري في الجزء السادس في لغة العترة وفي الجزء الثالث عشر في لغة الثقل والحبل، والقاموس لمجد الدين الشيرازي في لغة الثقل، وتاج العروس لمرتضى الزبيدي في الجزء السابع في لغة الثقل، ومنتهى الأرب لعبدالرحيم الصفي پوري في لغة الثقل، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي في الجزء السادس في معنى العترة: 130، ومدارج النبوة لعبد الحق الدهلوي([207]): 520، والمناقب المرتضوية لمحمد صالح الترمذي الكشفي: 96 و97 و100 و472، ومفتاح كنوز السنة: 2 و448، ومصابيح السنة للإمام البغوي الشافعي في الجزء الثاني: 205 و206، وابن حجر في الصواعق: 75 و87 و99 و90 و136، وإسعاف الراغبين في هامش نور الأبصار للشبلنجي: 110، وينابيع المودة لسليمان بن إبراهيم البلخي الحنفي: 18 و25 و30 و32 و34 و95 و115 و126 و199 و230 و238 و301، والسيد مير حامد حسين الهندي ـ قد رواه من جماعة تقرب من المائتين من أكابر علماء المذاهب، من المائة الثانية إلى المائة الثالثة عشرة، وعن الصحابة والصحابيات أكثر من ثلاثين رجلاً وامرأة، كلهم رووا هذا الحديث الشريف عن النبي (ص).
وهذا هو الحديث بروياته المتعددة:
نص الحديث
«أيها الناس إنما أنا بَشرٌ أوشكُ، أو يِوشَكُ، أو أنّي لأظُن، أنْ أُدْعَى فأجيبَ، أوْ أنْ يأتِني، أوْ يأتي رَسُولُ رَبّي، فأجيبَ، أوْ فأُجيبَهُ، أوْ كَأنّي قَدْ دُعِيتُ فأَجبْتُ، وإني، أوْ أَنا تارِكٌ أوْ تركْت، أوْ قدْ تركْتُ، أوْ خَلَفْتُ، أوْ مُخلفٌ فيكم الثَّقَلين، أوْ ثَقَلَيْن، أوْ أمْرَيْنِ، أوْ الثَّقَلَيْنِ خَلِيفَتَيْنِ، أو اثْنَينِ، أو مَا إنْ تمسّكْتُمْ بهِ، أو ما إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ، أَو مَا إنْ اعْتَصَمتُمْ بهِ، لنْ تَضِلوا بَعْدي، أو لنْ تَضلوا أبداً، أو لنْ تَضِلوا، إن اتّبعتُمُوهُما، أو إنَّكُم لنْ تَضِلوا بَعْدَهُما، وهُما كتَابُ اللَّهِ، وأهلُ بَيتِي عِترتي، أحدهُما اثْقَلُ منَ الآخَرِ، أو كتابُ الله، حبْلٌ ممدود، أو كتابُ اللهِ فيه الهُدَى والنُّورُ، أو الصِّدقُ، أو كتابُ رَبِّي وعِتْرتِي أَهْلُ بَيْتي، أو وَعِتْرتي وهُم أهلُ بَيْتي، أو وَعِترتي أهلُ بَيتي وقرَابَتي، أو أهلُ بَيتي، أو نَسَبي؛ وإنَّهُما لنْ يَتَفَرقا، وهُم أهلُ بَيْتي، أو وَعِترتي أهلُ بَيتي وقرَابَتي، أو أهلُ بَيتي، أو نَسَبي؛ وإنَّهُما لنْ يَتَفرقا، أو لن يَفْتَرقا، أو أن لا يَفْترقا، أو إنَّهُما لقَرينان لنْ يَفْترِقا، حَتَّى يَرِدَا عليَّ الحوضَ، فانْظرُوا، أو فاتَّقُوا اللهَ، وانْظرُوا كيفَ تَخْلُفوني، أو تَحْفَظوني فيهمَا، أو فانْظرُوا كيفَ تَلحقُوا بي فيهمَا، أو بمَ، أم بما، أو مَاذا، أو مَا تخْلفوني فيهمَا، أو إنَّ اللطِيف الخبِيرَ أخْبرني، أو نَبّأنِي، أو أَنْبأني، أنهما لنْ يَفْترَقا حتَّى يلقياني، سَألتُ ذَلكَ رَبّي فَأعْطاني، فَلا تَسْبِقوهُم فَتهلكوا، وَلا تُعَلموهُم فإنَّهُمْ أعْلمُ مِنكُم، أو فاسْتَمْسِكوا بِهِما وَلا تَضِلوا؛ أو إنَّهما لنْ ينقَضِيا حتى يَرِدَا عليّ الحوضَ، أو سألتُهُما رَبي فَوَعَدَني أنْ يُورِدَهُما عليّ الحوضَ، أو سألتُه ذَلكَ لهُمَا والحوض عرضه ما بين بُصرى إلى صنعاء، فيه من الآنية عدد الكواكب، أو إنّ اللطيفَ الخبيرَ عَهِد إليّ عَهِد أنّهمَا لنْ يَفْترِقا حتّى يَردَا عليّ الحوضَ كهَاتَين، وأشار بالسبابتين، أو إني فرَطكم، وإنكم تبعي، وتوشِكونَ أنْ تَرِدُوا عليّ الحوضَ، وأسْأَلكمْ، أو سائِلكمْ، حينَ تلقَوْني عنْ ثَقَليّ، أو إني سَائِلكمْ حينَ ترِدونَ عليَّ عن الثقلينِ: كيفَ خَلَفْتُمونِي فيهِما؛ أو وإنَّ الله سَائلي وسَائلكمْ فماذَا أنتُمْ قَائِلونَ، أو إني لكم فَرَط، وَإنكم وَارِدُونَ عليّ الحوضَ فانظرُوا كيفَ تخْلفوني في الثّقْلينِ، قيل، أو قلنا، أو قالوا، وما الثّقَلانِ؟ قال (ص): كتَابُ الله طَرَفُهُ بِيدِ الله، وطَرَفُهُ بِأيديكمْ، أو قال، الأكبرُ، أو الثَّقَلُ الأكبرُ، أو الأكبرُ منْهُمَا، أو أوّلهُما، أو أحدُهُما، كتابُ الله، والأصغرُ، أو الثقل الأصغرُ، أو والآخرُ عِترتي، فمن اسْتقبلَ قبلتي، وأجابَ دَعْوتي، فليستَوص بِهما خَيراً، أو أُوصِيكُم بِكتَابِ الله وعِترَتي، أو حَسْبُكم كتابُ الله وعِترتي، أحدُهما أعظَمُ منَ الآخرِ، أو قال إنّي سَائِلكم عنِ اثنين: عن القرآنِ وعن عِترتي، أو إنَّ الله سائلكم كيفَ خَلفتُموني في كتابه وأهل بَيتي، أو إني تارِكٌ فيكمْ ما إنْ تمسكتُم به لنْ تَضِلوا، أو مَا إنْ أخَذتمْ بهِ لنْ تَضِلوا بَعْدي، أمرَيْنِ أحَدُهُما أكبرُ منَ الآخرِ، سَببٌ موصولٌ من السَّماءِ إلى الأَرْضِ، أو إني تاركٌ فيكم الثقلينِ خَلفي: كتابَ الله وعِترتي، أو قدْ تركتُ فيكم مَا لم تَضِلوا بَعدَه، أو إني تركتُ فيكم الثقلين: الثقلَ والأكبرَ والثقلَ الأصغر، وأما الثقلُ الأكبرُ فبيد الله طَرَفهُ والطرفُ الآخرُ بأيديكم، وَهو كتابُ الله، إنْ تمسكتم بهِ لنْ تَضِلوا ولنْ تَذِلوا أبَداً، أو فاسْتمسِكوا به فلا تَضِلوا، ولا تبدلوا، أو فَتَمسّكوا بِه لنْ تَزالُوا ولنْ تَضِلوا، وأمّا الثقلُ الأصغرُ فعِترتي أهلُ بيتي، أو ألاَ وعِترتي، أو أذَكرُكم الله في أهل بيتي، قالَها مَرَّةً، أو مَرّتين، أو ثلاثَ مراتِ، أو إنَّ الله عزّ وجلّ أوحى إليّ أني مَقْبوض، أقُولُ لكم قَوْلاً إنْ عملتُمْ بهِ نَجَوتُمْ، وإن تركْتُموهُ هَلكْتُمْ، إنّ أهلَ بيْتي وعِترتي هُم خاصّتي وحامّتي، وإنّكم مَسْؤولون عن الثقلين: كتابِ الله وعِترتي، إنْ تَمَسّكْتُمْ بهما لنْ تَضِلوا، أو إنكم لنْ تَضِلوا إنْ اتّبعْتُمْ واسْتَمسكتُمْ بهِما، أو إنّي تَاركٌ فِيكمْ كتابَ الله وعِترتي أهْلَ بيتي، فهُما خَليفَتانَ بَعْدِي، أحَدُهما أكبرُ منَ الآخرِ، أو إني تارك فيكم الثقلين: كلاَمَ اللهِ وعترتي، أَلاَ فَتمَسكوا بهِما، فإنهُمَا حَبْلانِ لا يَنْقَطِعان إلى يَوم القِيامَة. وقال([208]):
أيّها النّاس، يُوشِكُ أنْ أقْبَضَ قَبْضاً سرِيعاً فينْطلقَ بي وقَد قَدمْتُ إليكم القولَ مَعْذِرَةٌ إليكم، أَلاَ إنّي مُخْلفٌ فيكمْ كتابَ رَبّي عزّ وجلّ وعِترتي أهلَ بَيتي، ثم أخذ بيد علي فقال هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض، فأسْألُهما ما خلفتُ فيهما».
والطرق المروية لهذا الحديث لعلها تبلغ ستين طريقاً أو أكثر، وكلها متفقة على نقل لفظي الكتاب والعترة، أو أهل بيتي، أو هما معاً، وهو الأكثر، وإن اختلفت في نقل سائر الألفاظ صدراً وذيلاً كما أومأنا إليها قبلا، وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة:
«ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بعرفة، وفي آخر أنه قال بغدير خم، وفي آخر أنه قال بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي آخر أنه قال لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ولا تنافي إذ لا مانع أنه كرر عليهم في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة».
وقال أيضاً في ص136:
«ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً لا حاجة لنا ببسطها».
وقال سليمان بن إبراهيم البلخي الحنفي في ينابيع المودة نقلاً عن الشريف السمهودي المصري في جواهر العقدين، قال بعد إيراد طرق عدة لهذا الحديث:
«وفي الباب زيادة على عشرين من الصحابة، ورواه شمس الدين السخاوي في الاستجلاب عن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم ثم قال:
«وفي الباب عن جابر وحذيفة بن أسيد، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن سعد، وضميرة، وعامر بن ليلى، وعبدالرحمن بن عوف، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وعدي بن حاتم، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب، وأبي ذر، وأبي رافع، وأبي شريح الخزاعي، وأبي قدامة الأنصاري، وأبي هريرة، وأبي الهيثم بن التيهان، ورجال من قريش، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي طالب (رض)، انتهى كلام شمس الدين السخاوي([209]) على ما حكاه عنه السيد مير حامد حسين الهندي صاحب العبقات، في الجزء الثاني من حديث الثقلين.
وقال صاحب العبقات:
«ورواه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحسن بن علي المجتبي (عليه السلام)، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وابن عباس وأبو سعيد، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان، وحذيفة بن اليمان، وأبو رافع مولى الرسول (ص)، وحذيفة ابن أسيد الغفاري، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبدالله بن حنطب، وجبير بن مطعم، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وطلحة بن عبيدالله التيمي، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وسهل بن سعد، وعدي بن حاتم، وعقبة بن عامر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو شريح الخزاعي، وأبو قدامة الأنصاري، وأبو ليلى الأنصاري، وضميرة الأسلمي، وعامر بن ليلى بن ضمرة، والمعصومة الكبرى فاطمة الزهراء، وأم سلمة، وأم هانىء، ومدرك رواية هؤلاء الصحابة والصحابيات، مضافاً إلى ما تقدم: ما رواه صاحب العبقات في الجزء الأول من حديث الثقلين عن جماعة كثيرة من أكابر علماء المذاهب في كل عصر ومائة، فالمائة الأولى، وهي المائة الثانية من الهجرة، رواه عن جماعة، منهم: سعيد بن مسروق سنة 126، سليمان بن مهران المعروف بالأعمش سنة 146 ـ 147، ومحمد بن إسحاق بن يسار المدني سنة 151، وعتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، وعبدالله بن نمير الهمداني سنة 199، إلى أن عد سبعة عشر عالماً منهم في تلك المائة.
المائة الثالثة منهم: أبو عامر عبدالمالك بن عمرو العقدي 204، وأبو بكر عبدالله ابن محمد المعروف بابن أبي شيبة 235، وأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني 241، وأبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي 7255 ومسلم بن الحجاج النيسابوري 261، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي 279 إلى أن عد خمسة وثلاثين من أكابر العلماء في تلك المائة.
المائة الرابعة منهم: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري 310، وأبو عمر أحمد ابن عبدالله القرطبي 328، وأبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة 332، وأبو منصور محمد بن أحمد بن طلحة الأزهري اللغوي 370؛ وأبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني 389؛ إلى أن عدَّ واحداً وعشرين من أكابر تلك المائة.
المائة الخامسة منهم: أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري 405، وأبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي 438، وأبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني: 430، وأبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي 488، وأبو الحسن علي بن محمد بن الطيب الجلالي المعروف بابن المغازلي 483، إلى أن عد ثلاثة عشر من أكابرهم في تلك المائة.
المائة السابعة منهم: مبارك بن محمد بن محمد بن عبدالكريم المعروف بابن الأثير الجزري 606، وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبدالكريم المعروف بابي الأثير الجزري 630، وضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي النبلي 643، وشمس الدين أبو المظفر يوسف بن سبط بن الجوزي 654؛ ونظام الدين حسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري المعروف بالنظام الأعرج؛ إلى أن عد ستة عشر من أكابرهم في تلك المائة.
المائة الثامنة منهم: صدر الدين أبو المجامع إبراهيم بن محمد بن المؤيد الحموي 722، وعلاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن 741، وشمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد الذهبي 748؛ وإسماعيل بن كثير الدمشقي 776؛ وسعد الدين مسعود بن عمنر التفتازاني 791؛ إلى أن عد ستة عشر من أكابرهم في تلك المائة.
المائة التاسعة منهم: مجد الدين محمد يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي 817، ومحمد بن محمود الحافظي البخاري المعروف بخواجه بارسا 822، وملك العلماء شهاب الدين الدولة آبادي 849، إلى أن عد خمسة من أكابرهم في تلك المائة.
المائة العاشرة منهم: جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي 911، ونور الدين علي بن عبدالله السمهودي 911 وشمس الدين محمد العلقمي 929، وشهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي المكي 974، ومحمد الطاهر الفتني الكجراتي 986، إلى أن عد سبعة عشر من أكابرهم في تلك المائة.
المائة الحادية عشرة منهم: علي بن سلطان محمد المعروف بعلي القاري سنة 1014 وعبدالرؤوف بن تاج العارفين المناوي 1031، ونور الدين علي بن إبراهيم بن أحمد بن علي الحلبي الشافعي 1044، وأحمد بن الفضل بن محمد باكثير المكي 1047، وشهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري الحنفي 1047؛ إلى أن عد أحد عشر من أكابرهم في تلك المائة.
المائة الثانية عشرة منهم: أحمد أفندي الشهير بالمنجم باشي 1113، ومحمد بن عبدالباقي بن يوسف الأزهري الزرقاني المالكي([210]) 1122، وولي الدين عبدالرحمن الدهلوي 1174، ومحمد بن إسماعيل الأمير اليماني الصنعاني 1182 ومحمد بن علي الصبان؛ إلى أن عد ثلاثة عشر من أكابرهم في تلك المائة.
المائة الثالثة عشرة منهم: محمد مبين بن محب الله اللكهنوي 1202، وولي الله بن حبيب الله اللكهنوي، ورشيد الدين خان، دهلوي، وسليمان بن إبراهيم المعروف بخواجه كلان الحسيني البلخي الحنفي المعاصر، والمولوي صديق حسن خان المعاصر، إلى أن عد عشرة من أكابرهم في تلك المائة؛ ورواه في الجزء الثاني من حديث الثقلين عن أكثر من مائة من علماء المذاهب، من المائة الثانية إلى المائة الثانية عشرة عن زيد بن أرقم بطرق متعددة وعبارات شتى.
وأما ما رواه بعض الأعلام في تفسير آية الاعتصام([211]) فإن كان المراد منه ما روي عن الإمام مالك في الموطأ([212]) بلاغاً، وعن الطبراني في الكبير، وابن هشام في السيرة، وابن حجر في الصواعق مرسلاً؛ فقد ظهر مما قدمناه أنه غير حديث الثقلين قطعاً، وكذا يظهر مما ذكره ابن حجر وكمال الدين الجهرمي وصاحب المرقاة في الصواعق والمنح المكية، والبراهين القاطعة والمراقاة.
قال ابن حجر في مواضع من الصواعق، منها بعد قوله: «وفي رواية كتاب الله وسنتي» قال:
وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب، لأن السنة مبينة له فأغنى، ذكره عن ذكرها؛ ومنها قوله:
«إذ لا مانع من أنه (ص) كرر عليهم ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة».
ومنها قوله: تنبيه: سمى رسول الله (ص) القرآن وعترته ـ وهي بالمثناة الفوقية الأهل والنسل والرهط الأدنون ـ ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كل منهما معدن للعلوم الدينية والأسرار والأحكام الشرعية، ولذا حث (ص) على الاقتداء بهم والتعلم منهم، وقال الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت، إلى أن قال: ويؤيده الخبر السابق: «ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم»؛ وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، وشرفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة ـ وقد مر بعضها وسيأتي الخبر الذي في قريش ـ وتعلموا منهم فإنهم أعلم منكم، فإذا ثبت هذا العموم لقريش، فأهل البيت أولى منهم لأنهم امتازوا عنهم لخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش.
وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض ـ كما يأتي ويشهد لذلك الخبر السابق «في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي» إلى آخره ثم أحق من يتمسك به منهم: إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته، ومن ثم قال أبو بكر: علي عترة رسول الله (ص) أي الذين حث على التمسك بهم، فخصه لما قلناه، كذلك خصه (ص) بما مر يوم غدير خم.
ومنها: بعد قوله (ص) لا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم؛ قال: وقوله دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدماً على غيره.
ومنها: قوله في المنح المكية في شرح القصيدة الهمزية:
آل بيت النبي إن فؤادي
ليس يسليه عنكم التأساء([213])
قال وفي الحديث أيضاً: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي، فليتأمل أنه (ص) قرنهم بالقرآن في أن التمسك بهما يمنع الضلال ويوجب الكمال.
وقال صاحب كتاب المرقاة (علي القاري) في شرح المشكاة في مواضع منه، منها بعد ذكر الكتاب:
ومن جملة كتاب الله العمل بأحاديث رسول الله (ص) لقوله سبحانه: {… وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا…}([214]).
ومنها قوله:
وقال الطيبي: وقوله (ص): «إني تارك فيكم» إشارة إلى أنهما بمنزلة التوأمين الخلفين عن رسول الله (ص) وأنه يوصي الأمة بحسن المعاشرة معهما، وإيثار حقهما على أنفسهم، كما يوصي الأب المشفق لأولاده، ويعضده الحديث السابق في الفصل الأول «أذكركم الله في أهل بيتي» كما يقول الأب المشفق «الله الله في حق أولادي».
ثم قال: أقول: الأظهر هو أن أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم، المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكونوا مقابلاً لكتاب الله سبحانه كما قال: {… وَيُعْلِمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…}([215]).
ويؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب عن حميد بن عبدالله بن زيد أن النبي (ص) ذكر عنده قضاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأعجبه وقال: «الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت».
وقال المناوي في فيض القدير: «إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله، حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (أي الكوثر) يوم القيامة» وزاد في رواية «كهاتين» وأشار بأصبعيه، وفي هذا مع قوله أولاً: «إني تارك فيكم» تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما، وإيثار حقهما على أنفسهم، والاستسماك بهما في الدين؛ أما الكتاب فلأنه معدن للعلوم الدينية، والحكم الشرعية، وكنوز الحقائق، وخفايا الدقائق، وأما العترة فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق، وحسنها يؤدي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته.
قال الحكيم «والمراد بعترته هنا العلماء العاملون منهم إذ هم الذين لا يفارقون القرآن»، ثم قال: تنبيه: قال الشريف السمهودي: وهذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسك من أهل البيت والعترة الطاهرة في كل زمان الى قيام الساعة، حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به، كما أن الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض، انتهى ما حكاه عنهم صاحب العبقات في الجزء الأول من حديث الثقلين.
ورواه صاحب العبقات في الجزء الثاني من حديث الثقلين عن جماعة أخرجوه بلفظ الأخذ منهم: محمد بن سعد البصري في كتاب الطبقات وابن راهويه الحنظلي في المسند، وأحمد بن حنبل الشيباني في المسند، وأبو عيسى الترمذي في الصحيح، وأبو علي التميمي في المسند، ومحمد بن جرير الطبري في كتاب تهذيب الآثار، وأبو عبدالله المحاملي في كتاب الأمالي، وسليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الكبير، وأبو إسحاق الثعلبي في التفسير، ومحيي السنة البغوي في المصابيح، والقاضي عياض في كتاب الشفاء، ومجد الدين بن الأثير الجزري في جامع الأصول، وولي الدين الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح، وأبو الحجاج المزي في تحفة الأشراف في معرفة الأطراف، وشمس الدين الخلخالي في المفاتيح في شرح المصابيح، وجمال الدين الزرندي، في نظم درر السمطين، وابن كثير الدمشقي في التفسير، وسعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد، والخواجه بارسا في فصل الخطاب، وشهاب الدين الدولة آبادي في هداية السعداء، وشمس الدين السخاوي في الاستجلاب، وجلال الدين السيوطي في إحياء الميت بفضائل أهل البيت، وأيضاً في الأساس في مناقب بني العباس، وأيضاً في الدر المنثور، وأيضاً في جمع الجوامع، ونور الدين السمهودي في جواهر العقدين، وعبدالوهاب بن محمد البخاري في تفسير الأنوري، وملا علي المتقي في كنز العمال، وملا علي القاري في شرح الشفاء للقاضي عياض، وفي المرقاة في شرح المشكاة، وأحمد بن فضل بن محمد باكثير المكي في وسيلة المآل، والسيد محمد القادري الشيخاني في الصراط السوي، وشهاب الدين أحمد الخفاجي في نسيم الرياض، وحسام الدين السهادينوري في المرافض، وميرزا حسن على المحدث اللكهنوي في تفريح الأحباب، ومولوي رشيد الدين خان الدهلوي في رسالة الحق المبين، وسليمان بن إبراهيم البلخي في ينابيع المودة، والمولوي صديق حسن خان المعاصر في السراج الوهاج.
ورواه في الجزء الأول من حديث الثقلين بلفظ الثقلين عن جماعة من أعاظم العلماء في كل عصر ومائة منهم: سعيد بن المسروق، روى عنه مسلم، والركين الفزاري روى عنه أحمد في المسند، وأبو حيان التيمي الكوفي روى عنه مسلم، وأحمد وعبدالملك: العرزمي روى عنه أحمد، ومحمد بن إسحاق اليسار المدني، روى عنه ابن منظور الأفريقي، وإسرائيل السبيعي روى عنه أحمد، وابن علية البصري روى عنه مسلم، ومحمد بن الفضل الضبي روى عنه الترمذي ومسلم، ويحيى بن حماد الشيباني روى عنه النسائي والحاكم، وزهير بن الحرب، روى عنه مسلم، ونصر بن عبدالرحمن الناجي روى عنه الترمذي، ونصر بن علي الجهرمي روى عنه حكيم الترمذي في نوادر الأصول، ومحمد بن المثنى العنزي روى عنه النسائي في خصائصه، وابن ماجة القزويني روى عنه محمد بن يوسف الكنجي في كفاية الطالب، وأبو داود السجستاني روى عنه الكنجي وسبط ابن الجوزي في الكفاية وتذكرة الخواص، وأسعد بن عامر الشاذان الشامي روى عنه أحمد، وشجاع بن مخلا الفلاس روى عنه مسلم، ومحمد بن البكار الهاشمي روى عنه مسلم، والدارمي في السنن، وحكم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار في المسند، وعبدالله بن أحمد في زيادات المسند، وأبو عوانة في المسند الصحيح، وعبد ابن حميد في المسند، والحاكم في المستدرك، وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى روى عنه السيوطي في إحياء الميت، وأبو عبدالرحمن النسائي في الخصائص، والطبراني في الكبير والأوسط والصغير، ومحمد باكثير في وسيلة المآل، والباغندي روى عنه ابن المغازلي وأحمد ابن يحيى المعروف بثعلب في تهذيب اللغة، وابن أبي الدنيا في فضائل القرآن، ومحمد بن المظفر البغدادي روى عنه ابن المغازلي، وأبو إسحاق الثعلبي في التفسير، وعبدالملك بن محمد الواعظ النيسابوري في كتاب شرف النبوة، وأبو نعيم الأصبهاني في منقبة المطَّهَّرين والحلية، وابن المغازلي في المناقب، وابن خزيمة في الصحيح، وأبو المظفر السمعاني في رسالة القوامية، وابن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة، والغندجاني روى عنه ابن المغازلي وأبو نصر في تاريخ اليمني([216]) والحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين، وأحمد بن الحسين بن علي البيهقي روى عنه الخوارزمي في المناقب، وأبو سهل النحوي البشران روى عنه ابن المغازلي، وابن عبدالبر القرطبي روى عنه شاه ولي الله في إزالة الخفاء، ومحمد بن طاهر المقدسي في كتاب طرق حديث الثقلين، وشيرويه الديلمي في كتاب فردوس الأخبار، ومحيي السنة البغوي في المصابيح، ورزين العبدري في كتاب الجمع بين الصحاح، والقاضي عياض في الشفاء، والعاصي في زين الفتى في تفسير سورة هل أتى، وأخطب خوارزم في كتاب المناقب، وابن عساكر روى عنه ابن كثير في تاريخه، وأبو موسى المديني في التتمة بمعرفة الصحابة في ذيل الحلية لأبي نعيم، وأبو الفتوح العجلي في كتاب فضائل الخلفاء، ومجد الدين بن الأثير الجزري في جامع الأصول، والإمام فخر الدين الرازي في التفسير، وضياء المقدسي في كتاب المختارة، والصنعاني في مشارق الأنوار النبوية، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤل، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، والأبيوردي الشافعي روى عنه السيوطي في إحياء الميت، ومحيي الدين النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللغات.
ورواه أيضاً محب الطبري في ذخائر العقبى، والنظام الأعرج النيسابوري في التفسير، وسعد الدين الفرغاني في شرح القصيدة، وجمال الدين الأفريقي في لسان العرب في لغة الثقل والحبل، وصدر الدين الحموي في فرائد السمطين، ونجم الدين القمولي في التكملة في تفسير مفاتيح الغيب، وفخر الدين الهانسوي في دستور الحقائق، وعلاء الدين الخازن في لباب التنزيل، وولي الدين الخطيب في مشكاة المصابيح، وأبو الحجاج المزي في تحفة الأشراف، والطيبي في الكاشف في شرح المشكاة، والخلخالي في المفاتيح في شرح المصابيح، والذهبي روى عنه الشيخاني في الصراط السوي([217])، والسيد علي الهمداني في كتاب المودّة، والسيد محمد الطالقاني في رسالة «قيافه نامه»، والتفتازاني في شرح المقاصد، والحميد بن أحمد المحلي في كتاب محاسن الأزهار، ومجد الدين الشيرازي في القاموس.
كما أن الخواجه بارسا قد رواه في فصل الخطاب، وشهاب الدين الدولة آبادي في هداية السعداء، وشمس الدين السخاوي في الاستجلاب، والسيوطي في إحياء الميت، وفي الأساس وفي البدور السافرة، وفي الدرّ المنثور وفي الجامع الصغير، وفي الدر النثير، وفي الخصائص الكبرى، والسمهودي في جواهر العقدين، والروزبهان في الرسالة الاعتقادية، وشهاب الدين القسطلاني في المواهب اللدنية، وشمس الدين العلقمي في الكوكب المنير، وابن حجر المكي في الصواعق، وعلي المتقي في كنز العمال، ومحمد طاهر الفتني في مجمع البحار، والميرزا مخدوم الشريفي في النواقض، وكمال الدين الجهرمي في البراهين القاطعة، وبدر الدين الرومي في تاج الدرة، وجمال الدين المحدث في الفضائل الأربعين، وعلى القاري في شرح الشفاء، وعبدالرؤوف المناوي في فيض القدير، والملا يعقوب اللاهوري في رسالة العقائد ونور الدين الحلبي الشافعي في إنسان العيون، وأحمد ابن الفضل بن باكثير المكي في وسيلة المآل، ومحمود الشيخاني القادري في الصراط السوي، والسيد محمد البخاري في كتاب تذكرة الأبرار، وعبدالحق الدهلوي في مدارج النبوة، وشهاب الدين الخفاجي في نسيم الرياض، والعزيزي البولاقي في السراج المنير، والمقبلي([218]) الصنعاني في ملحقات الأبحاث المسددة، قال بعد نقل الحديث: ورواياته مع شواهده متواترة معنى، والزرقاني المالكي في شرح المواهب اللدنية، وحسام الدين السهادنبوري في المرافض، وميرزا محمد البدخشاني في مفتاح النجا، ورضي الدين الشامي في تنضيد العقود، ومحمد صدر عالم في معارج العلا، وولي الدين الدهلوي في إزالة الخفاء، ومحمد إسماعيل الأمير اليماني في الروضة في شرح التحفة، ومحمد معين السندي في كتاب دراسة اللبيب، ومحمد بن علي الصبان في إسعاف الراغبين، ومحمد مرتضى الزبيدي الواسطي في تاج العروس، وأحمد([219]) العجيلي الشافعي في ذخيرة المال، ومحمد مبين اللكهنوي في وسيلة النجاة، وجمال الدين المحدث اللكهنوي في تفريح الأحباب، وعبدالرحيم الصفي پوري في منتهى الأرب، وولي الله اللكهنوي في مرآة المؤمنين، ورشيد الدين خان الدهلوي في رسالة الحق المبين، وعدوي الخمراوي في مشارق الأنوار، وسليمان بن إبراهيم البلخي الحنفي المعاصر في ينابيع المودة، ومولوي صديق حسن خان المعاصر في السراج الوهَّاج في شرح الصحيح المسلم.
الأول: أنا لا ننكر ورود النص في التمسك بالسنة السنية المحمدية، في مثل: «كتاب الله وسنتي» بل المراد أن تلك النصوص غير حديث الثقلين المتفق عليه بين فرق الإسلام.
الثاني: ما أوردته في طي هذه الأوراق يعلم الله جل جلاله أني لم أرد به الجدال والشحناء، بل ذكرته إيقاظاً للبصائر والأبصار، فإن المؤمن مرآة المؤمن والمسلمون يد واحدة على من سواهم، عصمنا الله من الزلل في القول والعمل.
الثالث: ما أوردته في هذه الرسالة من كلمات فطاحل إخواننا أهل السنّة نقلته عن كتبهم، وأسانيدي إلى أرباب تلك الكتب معنعنة متصلة موصولة، بواسطة أحمد مشايخي الأعاظم([220]) الراوي عن علماء الإسلام بفرقهم المتشعبة من الإمامية والحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والزيدية.
قوام الدين الوشنوي
الثورة الإسلامية الإيرانية
خصائصها المتميزة
إنَّ استيعاب الثورة الإسلامية الإيرانية والمفهوم التطوري الذي تستند عليه يتطلب ابتداءً إدراك الخصائص المتميزة لهذه الثورة.
إنَّ هذه الثورة لا تشبه أي ثورة أخرى، فالثورة الفرنسية، على سبيل المثال هي ثورة سياسية نقلت سلطة الدولة من الطبقة الأرستقراطية إلى طبقة هرمية اجتماعية جديدة ترتكز على مبدأ الثروة.
كما إنَّ الثورة الروسية تتشابه بشكل من الأشكال في نقل السلطة الاقتصادية من الطبقة البرجوازية إلى طبقة الكادحين.
بيد أنَّ الثورة الإسلامية تجمع بين الثورتين الاقتصادية والسياسية في آن واحد، ولكن ما يميزها أيضاً أنها ثورة فكرية امتدت شامخة أمام مفاهيم الإنسان والحضارة السائدة في الغرب منذ قرون، والتي يمكن من خلال ذلك أن تكون الثورة الوحيدة التي ينطبق عليها اسم الثورة «العصرية» بكل ما في الكلمة من معنى.
يبدأ التأريخ الغربي بالعصر الحديث الذي سمي بعد ذلك بعصر النهضة، وهو العصر الذي تزامنت فيه ولادة الرأسمالية Capitalism مع ولادة الاستعمار Colonialism حيث شرعت منذ بداياتها الأولى بسن قانون القطيعة بين الغرب وبين جميع الثقافات العالمية الأخرى.
وعلى ذلك فإن لعام 1492م أهمية مستثناة، فقد شهد هذا العام بالتحديد سقوط غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في أوروبا، وفي الوقت نفسه شهد كذلك احتلال وتدمير حضارة الأميركيين الأصليين بعد وصول كريستوفر كولمبس Christopher Columbus إليها. وقد تبع ذلك في القرون الخمسة اللاحقة الغزو الاستعماري لكل من أفريقيا وآسيا بوسائل العدوان العسكري نفسها، والاستغلال الاقتصادي مضافاً إلى محاولة إلغاء الثقافات والتقاليد الروحية التي تتميز بها هذه المناطق، وتدميرها تدميراً شاملاً.
وقد اعتبرت أوروبا نفسها منذ هذه الفترة الزمنية بالخصوص صاحبة المشروع الثقافي الأصيل، وباعثة لتجديد عصري متفرد.
1 ـ دعوى الإنسان على إدارة الحكم على الأرض بقدراته الذاتية دون التدخل الغيبي، أو الإلهي المطلق.
2 ـ إحلال مفهوم سيطرة الأسواق الاقتصادية بدلاً من مفهوم النظرية الإلهية باعتبار انَّ الأسواق هي المنظم الوحيد لجميع العلاقات القائمة بين الأفراد والشعوب. وعلى هذا الأساس فإنَّ جميع الأفراد يتنافسون فيما ـ بينهم طبقاً لهذه القاعدة ـ لما يشبه مقولة الصراع التي أشار إليها توماس هوبز Thomas Hobbes في قوله: «الإنسان ذئب لا يعدم الإفتراس»Man is a wolf preying upon man.
3 ـ لا تعدو الطبيعة إلا أن تكون خزاناً من المواد الضرورية غير قابل للنفاد، ومستودعاً للإنتاج والاستهلاك على حد سواء. وقد لخص ذلك ديكارت بقوله: «جعلنا أسياداً على الطبيعة، وملاكاً لها».
بيد أن الثورة الإسلامية في إيران اعتمدت على ركائز أخرى مختلفة تمتد بجذورها إلى أقدم حضارات العالم. وقد عبر قائدها الإمام الخميني في حديثه عن هذه الثقافة بأنَّها ثقافة تمتدُّ لآلاف السنوات([221]).
فلقد حثت الأحاديث النبوية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن ثقافة الإيرانيين وأدبهم تستلهم الكثير من هذه المبادىء والقيم الإنسانية العليا كما ورد على لسان الشاعر الفردوسي ما كان سائداً في زمانه من أنَّ فضيلتي الشجاعة والاستشهاد هما قرينتا الخلود. ومن خلال عالمية الإسلام كما عرف ذلك من تعاليم القرآن وكذلك الرسل الذين هم مقدَّمون على الخلق كمبلغين لرسالة واحدة. هي رسالة الله، يظهر أن الإسلام لم يكن قد دخل إيران كعقيدة غريبة غير مألوفة، ولكن بشكل يتقرب من خلفيات ذهنية الإيرانيين ويتوافق مع نقاء القرآن الأصيل.
وقد كان النزاع قائماً بين الخليفة علي، ومعاوية (نظراً للمفاسد التي أدخلها في الإسلام)، وقد ظهر ذلك من خلال:
1 ـ عدم الإقرار بمبدأ القضاء والقدر. حيث أنَّ الإقرار بهذا المبدأ الذي ينص على أنَّ عمل الإنسان محتوم من الأزل سوف يلغي مفهومي الثواب والعقاب. كما سيجعل من الوعد والوعيد الإلهيين لا معنى لهما ـ كما ذكر الإمام علي في نهج البلاغة([222]) ـ ذلك لأنَّ الله في واقع الأمر كان قد أمر خلقه أن يتصرفوا طبقاً لإرادة حرة ومسؤولة.
أما فقهاء السلطة ـ كما يسميهم الإمام الخميني ـ فإنَّهم يختلقون الأحاديث التي من شأنها أن تشيع التطاحن بين المسلمين الحقيقيين الذين وقعوا فريسة لسلطة معاوية المستبدة.
فقد ادَّعى معاوية ـ اعتماداً على هؤلاء الرواة ـ أنَّ الرسول قال ـ بما معناه ـ إذا سلط عليكم من يحكمكم فأنَّها مشيئة الله، فعليكم طاعته والصلاة خلفه.
2 ـ المبدأ القرآني الرافض لمبدأ المباهاة بالثروة كما نصَّ القرآن على ذلك بقوله تعالى: {وَإِذَاَ أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}([223]).
فقد مجَّد عليُّ المثل الذي ضربه أبو ذر، المدافع الأول عن المفاهيم الثورية للإسلام، وسعيه لتقديم الأولوية لحماية الثورة، والانتصاف للفقير مذكراً بقول الرسول فيه: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، أصدق ذي لهجة من أبي ذر»([224]).
3 ـ ممارسة الاجتهاد: أعاد القرآن إلى الأذهان التذكير بمبادىء الشريعة الخالدة التي نقلت منذ عهد إبراهيم الخليل إلى النبي محمد، كما ذكر القرآن ذلك: {* شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَاْ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}([225]).
كما ترك مسؤولية تطبيق مبادئها الثابتة للاتباع اعتماداً على الظرف التأريخي لكل حقبة زمنية، ولكل مجتمع، الأمر الذي سيصدر أحكاماً فقهية تتناسب مع كلا هذين الفرضين.
وقد أعطى الرسول نفسه مثالاً من خلال مائتي آية قرآنية تختص بالتشريع من ضمن ما يزيد على ستة آلاف آية (تمثل سور القرآن). وقد كان ذلك عمل الأنبياء قبله. «فلكل زمان كتاب»([226]).
وقد طبقت هذه الأمثلة بعد رحيل الرسول (ص) الذي كان صاحب الكلمة، ومطبق الرسالة محتذين بمثاله التكاملي عبر مسارات التأريخ في تطبق الشريعة العالمية الخالدة التي صممها الخالق، واعتماداً على الظروف التاريخية التي هي دائماً في تجدد مستمر.
وهذه هي مسؤولية الناس في الاقتداء بالمثال الذي ضربه الرسول (ص).
وعلى ذلك فقد استطاع الإمام الخميني ممارسة دوره كقائد موجه دون أن يكون ذلك على حساب استبعاد المعرفة لتقنيات العالم الحديث على شرط أن تكون مندرجة في طريق الله. والتي تكون منصبة على ازدهار الإنسان والبشرية جمعاء وليست ساعية على فنائهما.
وعلى هذا الأساس فإنَّ هذه الطريقة تبدد النقولات التي تزعم أنَّ الإسلام هو عدوٌ للعلم والتقنية بينما الإسلام في حقيقته هو المحرك الرئيس والمحفز لهذين الأساسين: العلم والتقنية.
كما أنَّ طريقة الإمام الخميني هذه بددت الإشاعات الغربية غير المسؤولة التي تربط الإسلام بالعنف والإرهاب.
لم يكن الإمام الخميني قد دعا للعودة إلى الأهداف الصحيحة للثورة الحقيقية فحسب، وإنما كان قد حدَّد الوسائل أيضاً. وهذه الوسائل تندرج في نبذ العنف من جانب، والاعتقاد من جانب آخر، أن الخلود البشري تمنحه سلطة (الشهادة).
إنَّ المثال النموذجي لهذه الطريقة الجديدة ظهر من خلال نظرته إلى الجيش، فقد كان هذا الجيش خاضعاً لسلطة الشاه حيث امتلك قوة ربما كان يعدها أبدية لا تقهر.
أما الإمام الخميني فكان يحمل تصوراً آخر للسلطة، فهو لا يراها متمثلة بالمعدات العسكرية الظاهرة، وإنما تتمثل بالقوة العرفانية المعتمدة على الوجدان الصوفي الذي يتسلح به المقاتلون.
وقد كانت جميع توجيهاته خلال زمن المواجهة والحرب مستوحاة من هذه المبادىء فهو يقول:
«لا توجهوا بنادقكم إلى صدور الجنود، بل خاطبوا عقولهم» (حتى لا يتضاعف عدد الفارين)([227]).
إنَّ مبدأ اللاعنف هذا هو شبيه بمبدأ غاندي في مقاومة أفتك قوة عسكرية واقتصادية، الأمر الذي يدعو إلى خلق عالم مزدهر،. (وهكذا فليزدهر العالم).
«إنَّ دم الشهيد سيوقض ضمير الآلاف من الأحياء».
ومن هنا فقد انتصر الشعب الأعزل وساد على مثل هذا الجيش المحصن القوي.
إنَّ الاستراتيجيات العسكرية والسياسية في العالم كله التي تحسب حسابها للقوة بناءً على المعايير المادية قد ارتكبت خطأ في ذلك حيث إنها أهملت حقيقة أن السلاح مهما كان فعَّالاً فإنَّه سوف يدار بواسطة الرجال. فإذا حدث أمر غير منطقي في عقل أو قلب هؤلاء الرجال فإنَّ الأسلحة ستسقط من أيديهم. وهذه الاستراتيجيات لا مكان للإيمان في كمبيوتراتها، أو في مداراتها الألكترونية. إنَّ طريق الغرب يقود إلى طريق مسدود Dead end.
في حين أن طريق الإسلام لا يقتصر على حجب النفس على مسلماتها التراثية، أو تكرار صيغ الفقهاء الكبار الذين أوجدوا حلولاً للمشكلات المتعلقة بالزمان الذي كانوا فيه حيث وجدوا أنه لا يمكن لبعض مفرداته أن تحلَّ المشاكل المتعلقة بالزمن الذي نحن فيه.
فمن هنا كان حرياً متابعة طرائقهم ذات الحلول التشريعية الفقهية على مرتكزات من مبادى الشريعة العالمية الخالدة التي تمكن الفرد من تطبيقها في جميع الفترات التاريخية.
{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعَاً وَعدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُواْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}([228]).
يعلمنا القرآن أن الله جعل الخلق في تطور مستمر وأنه موجود في جميع الأشياء المستجدة. فإننا ـ والحال هذه ـ لا نستطيع ملازمة الجمود أمام متطلبات الخلق الجديد من خلال تكرار ما فرضه العلماء المحافظون علينا منذ قرون مدعين أن باب الاجتهاد قد أغلق بينما كانوا هم أنفسهم قد استأثروا بهذا العمل لمصالحهم الذاتية.
وسعياً لإيجاد حداثة خارجة عن حداثة الغرب اقترح الأسدآبادي (جمال الدين الأفغاني) العودة إلى الإسلام المتجدد الذي يمكن الفرد أن يولد فقهاً متجدداً يقوم على مبادىء الشريعة العالمية الخالدة.
هذا الارتباط التكاملي كان الإمام الخميني قد تبناه، حيث ذكر إنَّ الشعائر الإسلامية تحتل نسبة الثمن من الشريعة في حين أنَّ ما تبقى من النسبة تندرج في خدمة المجتمع طبقاً لقيم الإسلام، وهي الفكرة التي لخَّصها بقوله: «العدالة والحرية».
من هنا فإنَّ أعمال الإمام الخميني تعدُّ الذروة بين أعمال مجددي الفكر الإسلامي.
لقد استطاع الإمام الخميني أن يضع القاعدة الأساسية للإسلام المتحرك موضع التطبيق كبديل وحيد عن التقدم الزائف الذي يدين به الغرب False modernity of the West.
إنَّ هذا الدين الذي يدين به الغرب لم يحدد له اسم سوى ما يطلق عليه من مصطلحات أمثال «السوق الموحدة» أو تلك التي ترتكز عليها الرأسمالية الأميركية والتي يسميها لوتواك Luttwak «القانون الإلهي للسوق» والتي تتحكم بجميع علاقات المجتمع، كما تتحكم أيضاً بجميع العلاقات الدولية.
وتقود هذه الممارسة إلى تقسيم العالم إلى شمالي، وآخر جنوبي، وبين هذين التقسيمين تتناثر الأقطار المسماة بالنامية، والتي هي دائماً تخضع لنفوذ الأقوى، وتتأرجح بين طبقتي المالكين والمحرومين تحت ذريعة (التحرر الاقتصادي)، أي «التحرر» الذي يقوم على افتراس الضعفاء.
ومثل هذا التقدم إذا ما تم النصر له فإنَّه سيقود البشرية جمعاء إلى الانتحار في لحظة تندلع فيها الثورة على يد أولئك المحرومين الذين قادهم أصحاب «السوق الموحدة» إلى الجوع والموت.
إنَّ هذه الانفجارات الاقتصادية (التي يقوم بها الكبار) ربما لا تقل عن تلك الانفجارات التي أحدثتها قنبلة هيروشيما، لكنها تنفجر بانتظام على مدى كل يومين متعاقبين، وكذلك الانتحار البيئي Planetary Suicide الناتج عن التلوث أو المخلفات Exhaustion أو دمار الطبيعة.
ومنذ بداية القرن المنصرم حاول بعض المصلحين أمثال (الأسدآبادي وجمال الدين الأفغاني أن يشخصوا مصادر الشر، ويعينوا الأعمال غير المسؤولة التي يقف وراءها دعاة السوء. فقد دعا الأسدآبادي في العدد العاشر من مجلة (العروة الوثقى) المسلمين إلى نبذ الجمود العلمي الذي خلفته آراء العلماء السابقين على مراحل القرون.
كما ميز في العدد السابع عشر أيضاً بين المبادىء الخالدة للشريعة عن تطبيقاتها في المجال الفقهي والذي يظهر من خلالها الاختلاف طبقاً للفترات الزمنية، ولمجتمع تلك الحقبة بالذات.
ودعا المسلمين جميعهم إلى إعادة اكتشاف حيوية الإسلام الخلاقة في عصره الأول، وفي عصوره الأخرى التي بلغ فيها ذروته.
إنَّ الإسلام الحي الخلاق ـ كما ذهب الأسدآبادي ـ هو الإسلام النابع من القرآن والذي لا يقبل تقليد الغرب، كما لا يقبل الرجوع إلى الماضي. وقد برهن تأريخ القرن العشرين على صحة مقولته.
ومثاله الفاجع ما قام به مصطفى كمال أتاتورك في تركيا عندما سعى ليجعل تركيا واحدة من الدول الأوروبية بما قام به من استيراد للمفاهيم الغربية الخالصة من القومية والعقلانية التي هي شبيهة بتلك المفاهيم التي شوهتها يد أوغوست كونت Auguste Comte العدو اللدود والمستميت للأديان جميعها([229]).
وذلك بالرجوع إلى فقهاء السلطة. وقد ظهر ذلك واضحاً في طريقة شيخ الأزهر المحيرة عندما أفتى أن الحرب ضد إسرائيل مقدسة. ثم عاد ليصدر فتوى ثانية للسادات يعتبر فيها الصلح المنفرد مع إسرائيل مهمة مقدسة أيضاً.
إن مثل هذه الانتهازية هي التي جعلت الإمام الخميني يصدر ملاحظاته ضد من يسميهم بفقهاء السلطة Theologians of Power. وأمثال هؤلاء الفقهاء هم الذين حجبوا أنفسهم عن التراث الشامخ الذي قدمه الأسدآبادي، والشيخ محمد عبده.
لقد بدأ الإمام الخميني ـ معتمداً على مفاهيم الإسلام الواقعية الأصيلة ـ ثورته الإسلامية الواثقة ففي حديث نقل عن أبي ذر، حدد النبي (ص) أشياء ثلاثة تعود لجميع أفراد المجتمع، وهي: (النار والكلأ والماء).
وهذه المصطلحات بلغة عصرنا تعني القطاع الصناعي، وجانب الملكية الأساس.
من هنا يمكن القول أن التقدم المطلوب، الذي طرحه الإمام الخميني، هو تقدم معكوس تماماً عما هو موجود فعلاً، فلا تتشابه حتى مصطلحاته مع المصطلحات الشائعة.
ويتميز هذا التقدم عن التقدم الغربي من خلال مرتكزات ثلاثة:
الأولى: التوحيد
لا يعني التوحيد إثبات وحدانية الله المطلقة، أو اتحاد العالم الذي أنشأه فحسب، بل إنَّ كل فرد من الأفراد، ومجتمع من المجتمعات ليس عليه إلا واجب الخضوع لله بالطريقة التي يؤدي خدمته فيها للمجتمع العالمي للإنسان.
الثانية: معارضة الفردانية
Inversion of Individualism
خلافاً للفردانية التي تسعى لجعل الفرد مركزاً ومقياساً لجميع القضايا، وخلافاً لتحويل نمط (المعيشة) إلى غاية تخضع لحسابات الربح والخسارة كمجال يتنافس فيه الفرد مع الآخرين. فإن ذلك يتطلب الوصول إلى حقيقة أنَّ أيَّ عضو من أعضاء المجتمع الدولي هو عضو مسؤول بشكل لا إرادي عن جميع أعضاء هذا المجتمع كما نص القرآن على ذلك {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}([230]).
ثالثاً: الاهتمام بالطبيعة
لا يمكن اعتبار الطبيعة خزاناً، أو مستودعاً غير فعال، بل هي مجموعة آيات، ولغة من خلالها تكلم الله فأرانا عظمته فيها لغرض أن نتحمل المسؤولية للحفاظ عليها. أنَّ احترام الطبيعة يجعلها طبيعة خلافة مثمرة.
ومن هنا يمكن تلخيص المردودات الجوهرية لرسالة الإمام الخميني بأنها رسالة يمكن أن يرتكز على قواعدها تقدم جديد، لكنَّه تقدم حقيقي وصحيح.
روجيه غارودي
الثورة السورية الكبرى سنة 1925
والمساهمة الشيعية فيها
سبق هذه الثورة التي قادها سلطان الأطرش ثورة قادها هو نفسه سنة 1922 وذلك أن الثائر العاملي الشيعي أدهم خنجر كان قد لجأ إلى شرق الأردن. وفي خلال إقامته في عمان جاء إلى جبل الدروز في 17 تموز سنة 1922 وقصد بلدة سلطان الأطرش (القرية) وذهب إلى بيته، وصدف أن كان سلطان غائباً عن البيت، في بلدة أم الرمان وعلم الجند بوجود أدهم في البيت فقبضوا عليه وأرسلوه مخفوراً إلى سجن السويداء، فلما عرف سلطان بما جرى أسرع يطالب بإطلاق سراح أدهم.
فأرسل سلطان شقيقه علي إلى المستشار الفرنسي في السويداء (ترانكا) يطالب بإطلاق أدهم فرفض ترانكا ذلك متحدياً سلطان بقوله لعلي: إن أدهم في القلعة، ليأت أخوك ويأخذه، لقد صار في حوزة الجند الفرنسي. عندكم المحافظة على الضيف، وعند الجند المحافظة على الجاني.
ولما جوبه سلطان بهذا الجواب أبرق إلى الجنرال غورو في بيروت مطالباً بإطلاق المحتمي به، فلم يستجب له.
فمضى سلطان إلى (المقرن القبلي) والسويداء مستثيراً قومه فلباه الكثيرون. ولكن السلطة الفرنسية كانت محكمة أمرها في الجبل.
ولما أدرك سلطان عقم مطالباته بإطلاق أدهم صمم على القتال في سبيل استنقاذ ضيفه المحتمي به، فقاد أنصاره إلى (تل الحديد) ليقطع الطريق على الفرنسيين الناقلين أدهم إلى دمشق فينقذه من أيديهم، فاشتبك هناك بقوة فرنسية كانت معدة لنقله فتغلب عليها.
على أن الفرنسيين الذين أدركوا تحركات سلطان لم يرسلوا أدهم على الطريق البري، بل أرسلوه في طائرة إلى دمشق ثم مضوا به إلى بيروت.
ومضى سلطان بعد معركة تل الحديد إلى قرى (المقرن القبلي) يستنفر الناس ويستثيرهم، وكانت الطائرات الفرنسية تطارده وتلقي قنابلها على تجمعاته وتهدم البيوت. كما كان الجنود في البر يتابعونه فيشتبك بهم، ويداهمون قرى أنصاره فيصادرون غلالهم ومواشيهم وينسفون منازلهم بما فيها منزل سلطان نفسه.
فلجأ سلطان إلى شرق الأردن، وأخذ من هناك يناوش الفرنسيين برجاله الذين يرسلهم إلى الجبل فيقاتلونهم، أو يتقدم هو بنفسه على رأس رجاله فيصادمهم.
فرأى الفرنسيون أن يفاوضوه لا مباشرة بل عن طريق وفد درزي، يعرض عليه العودة مكرماً فأبى ذلك، ثم عاودوا الإرسال، فذهب إليه وفد من زعماء الجبل فاقتنع بالعودة لعاملين اثنين: هو خشيته من تقارب إنكليزي فرنسي يؤدي إلى القبض عليه، ثم لأنه رأى أنه يستطيع العمل في الداخل أكثر مما أصبح مستطيعاً أن يقوم به في الخارج، فعاد إلى الجبل في 5 آذار سنة 1923 عودة كريمة. عاد وفي نفسه معاودة الثورة على الفرنسيين.
مقدمات الثورة
عندما قرر الجنرال غورو جعل جبل الدروز دولة منفصلة كان فيما تقرر أن يكون حاكم الجبل من أهله، وقد اختير سليم الأطرش حاكماً للجبل، وظل كذلك طيلة حياته. ولما مات عمد الفرنسيون إلى تعيين حاكم فرنسي مكانه ناقضين بذلك اتفاقهم مع الدروز.
وكان (كاربييه) حاكم الجبل من أشرس الرجال وأفظهم، وأشدهم طغياناً وإرهاقاً، فعامل الناس أسوأ معاملة.
وفي 17 أيار (مايو) سنة 1925 سافر الكابتن كاربييه إلى فرنسا مجازاً. وفي 5 نيسان نمي إلى زعماء الجبل بأن الجنرال ساراي سيزور الجبل، فألفوا وفداً طلب موعداً من ساراي، فأوعز إليهم بأن يحضروا إلى دمشق. وفي دمشق لم ينالوا منالاً بالتخلص من (كاربييه). ومع أنهم طالبوا بتنفيذ الاتفاق المعقود بينهم وبين غورو، الذي ينص على كون حاكم الجبل يجب أن يكون من أبناء الجبل، فقد كان يرضيهم أن يكون فرنسياً ولكن غير الكابتن كاربييه وقد أعلنوا ذلك بأن طلبوا بأن يبقى (برينو)، الذي ناب عن كاربييه أثناء غيابه ـ بأن يبقى هو حاكماً أصيلاً للجبل. فلم يلتفت ساراي إلى طلبهم، وزاد على ذلك بأن أمرهم بترك دمشق خلال ساعتين، ومن يتأخر يعتقل.
وقبل ذلك وخلال التذمر من كاربييه دارت في بعض الأذهان فكرة الثورة، فعقد في أوائل شهر أيار سنة 1925 في دمشق بمنزل قاسم الهيماني اجتماع ضم بعض الشخصيات الدرزية وبعض الشخصيات الدمشقية، كان التفكير بالثورة مدار الحديث فيه.
ثم عقد اجتماع أوسع في منزل الدكتور عبدالرحمن شهبندر حضره قادة دروز فاعلون أكدوا أن الوحدة والاستقلال ستكونان هدفهم، وجرى التداول بأمر الثورة.
ولكن كانت في نفوس الدروز ذكريات أليمة من تعصبات مذهبية كانت تنالهم بسوء، فترددوا في التعاون مع الدمشقيين فاتجهوا إلى سعيد حيدر (الشيعي) الذي كان من كبار الزعماء الوطنيين، فالتقوا به سراً عارضين عليه مخاوفهم باعتباره شيعياً. وقد حدثني هو بعد ذلك بزمن بما جرى بينه وبينهم، فقال إنهم فاتحوه بما يخشونه فطمأنهم بأن تلك التعصبات قد مضى زمنها، وعرض نفسه مثالاً، قائلاً لهم إنه يلقى من إخوانه الوطنيين كل ما يليق به، وهو واحد منهم لا يعامل إلا بالتقدير، وحضهم على المضي بالثورة، فكان لهذا اللقاء أثر كبير في التصميم على الثورة.
وهكذا كان للشيعيين أدهم خنجر وسعيد حيدر، ما كان من أثر في قيام الثورة، ثم كان ما كان من مشاركة الشيعة مشاركة فعالة في معارك الثورة.
ولما أمر الجنرال ساراي زعماء الدروز بمغادرة دمشق خلال ساعتين عادوا إلى جبلهم غاضبين أي غضب…
فتألفت لجان لتوحيد الصفوف وجمع الكلمة، كانت الرئيسية منها في السويداء ويتفرع عنها خمس لجان في المجيدل وشهبا وتعله وقيصما وساله. فنظمت هذه اللجان عرائض وقعها الأهلون وفيها يطلبون أ لا يرجع كاربييه إلى الجبل. كما وقع الموظفون عريضة يطلبون أن تقبل استقالتهم في حال رفض إقالة كاربييه من حاكمية الجبل لأنه يتعذر العمل معه.
وأرسلت برقية إلى ساراي بهذا النص: «الوفد الدرزي الممثل بشخص زعماء الشعب وجهته ببيروت يلتمس مقابلة فخامتكم».
فأحنقت هذه البرقية ساراي، وعندما وصل الموفدون إلى بيروت رفض مقابلتهم.
وبعد توسط زعماء دروز لبنان سمح لهم بمقابلة سكرتير المفوضية العام، فلم تنتج المقابلة شيئاً.
وبلغ الهياج في الجبل أثر ذلك أقصاه، وتم تشكيل جماعة من الشبان باسم الجمعية الوطنية برئاسة سلطان الأطرش قررت ما يلي:
1 ـ بذل كل مرتخص وغال في سبيل الاستقلال.
2 ـ مواصلة السعي في عدم قبول كاربييه لحاكمية الجبل.
3 ـ تذكير أعضاء المجلس التمثيلي بتنفيذ مقررات الشعب.
4 ـ رجم وضرب وإهانة كل نائب لا يعمل بهذه المقررات.
5 ـ بذل كل عضو من أعضاء الجمعية دمه في سبيل مساعدة أي فرد من أفراد الجمعية والسير على خطة معتدلة بطريقة قانونية.
الخطوة الأولى نحو الثورة الكبرى
في 3 تموزن سنة 1925 دعي المجلس التمثيلي الدرزي للاجتماع، فعقد أعضاء الجمعية الوطنية اجتماعاً في دار حسين مرشد قرروا فيه الاتصال بأعضاء المجلس ودعوتهم إلى إصدار قرار بإقالة كاربييه من حاكمية الجبل فوافق النواب على ذلك ما عدا واحداً.
وما إن بلغ المسامع صدور القرار حتى تجمهر فريق من الشبان هازجين متحمسين ففاجأهم الضابط الفرنسي (موريل) وانهال عليهم ضرباً بالسوط، فقابل حسين مرشد ضربه بالضرب وانهال عليه بعصاه، وأطلق يوسف الأطرش عياراً نارياً نحوه. فولى (موريل) الأدبار وأحجار المتظاهرين تلاحقه، ولجأ إلى دار الحكومة.
فرأى وكيل الحاكم (رينو) أن يتلافى الأمر فدعى الوجوه إلى اجتماع طلب فيه أربعة مطالب حسماً لنتائج ما وقع:
1 ـ أن يعتذر الوجوه للضابط عن الإهانة التي لحقت به.
2 ـ أن تدفع السويداء ليرة ذهبية غرامة.
3 ـ أن ينفى عشرة من آل مرشد إلى صلخد.
4 ـ أن تهدم دار حسين مرشد (ضارب الضابط بالعصا).
فوافق الحاضرون على الشروط الثلاثة الأولى ورفضوا الشرط الرابع لما فيه من امتهان وخرق حرمة. ولوحوا ـ في حال الإصرار على تنفيذه ـ بالعصيان المسلح، فتنازل عنه (رينو).
وهكذا طوي أمر هذا الحادث، ولكن لم يطو أمر الإصرار على عزل كاربييه.
ورأى المفوض السامي أن ينحي (رينو) عن الجبل وأن يحل محله في النيابة عن كاربييه عسكري غيره هو (تومي مارتان) ليمهد السبيل لعودة كاربييه.
وقال (تومي مارتان) إنه قادم للتحقيق وسأل الناس عما يطلبون. فانحصرت مطاليبهم بإقالة كاربييه، وقدموا له عريضة بأفعال كاربييه طالبين رفعها إلى المفوض السامي.
وفي 11 تموز 1925 عمد المفوض السامي ساراي إلى أسلوب الغدر فأرسل كتاباً سرياً إلى مندوبه في دمشق يطلب إليه فيه دعوة الزعماء الدروز إلى دمشق لاستماع شكواهم ومطاليبهم، حتى إذا حضروا بلغهم أنه يعدهم مسؤولين عن كل اضطراب في الجبل وأبقاهم محتجزين.
فدعا المندوب كلاً من عبدالغفار ونسيب وحمد آل الأطرش فأبلغهم مآل أمر المفوض السامي ثم أبعدهم إلى (تدمر).
أما سلطان ـ كان ممن يطلب حضورهم ـ فلم يقع في الفخ، بل كان قد توجه إلى قرية (رساس)، فلما بلغه ما جرى على الجماعة صمم على إعلان الثورة.
وحاول المفوض السامي استدراجه فأوعز (تومي مارتان) بطلب مقابلته، فرفض سلطان الطلب فأرسل (تومي مارتان) قوة مؤلفة من مئة وتسعين جندياً بقيادة الضابط (للقرية)، فمضى (نورمان) إلى (الكفر) ونزل بقوته عند مائها، فنذرهم شيخ الكفر أسعد مرشد بمغادرة المكان، فمضى نورمان إلى مكانٍ وعرٍ يطل على الطرقات.
المعركة الأولى واشتعال الثورة
كان سلطان في هذه الأثناء ينتقل من قرية إلى قرية شاحذاً الهمم مثيراً الحماسة، فقصد أم الرمان، فأمتن، فملح، فعرمان، فصلخد، وواصل تنقله فكان يقابل في كل مكان يقصده بالأهازيج الحماسية.
وبلغ سلطان خبر الكابتن (نورمان: فقصد إليه، فشبت معركة انتهت بإبادة نورمان عدا بضعة أفراد حملوا النبأ إلى (تومي مارتان) في السويداء، فأسرع هذا إلى الاحتماء بقلعتها مع الموظفين الفرنسيين ونسائهم.
وزحف سلطان إلى السويداء وحاصر القلعة. فكان ما جرى إيذاناً بقيام الثورة الشاملة وأصبح اشتعالها أمراً محتوماً.
نتيجة معركة الكفر والهزيمة التي لحقت الفرنسيين فيها نبهت الجنرال ساراي إلى أن الأمر أخطر مما كان يحسب فراح يعد حملة كبرى للثأر لهزيمة الكفر، وإنقاذ الفرنسيين المحاصرين في قلعة السويداء وإعادة السيطرة على جبل الدروز.
على أنه كان يؤمل بإنهاء الأمر سلماً فأطلق عبد الغفار الأطرش من معتقله (وأرسله وسيطاً بينه وبين الثوار.
وكان الثوار عندما علموا بالإعداد للحملة الفرنسية أبقوا فريقاً منهم محاصراً للقلعة وانتقلوا بجمهورهم إلى نبع (قراصة) وهناك التقوا بعبد الغفار الأطرش فحاول إقناعهم بالتفاوض سلمياً فرفضوا وأصروا على القتال.
فأكمل الجنرال ساراي إعداد الحملة التي فاق عدد رجالها على السبعة الآلاف بقيادة الجنرال (ميشو) الذي زحف بها من بلدة (ازرع).
وما بين 31 تموز و2 آب 1925 جرت معركة (المزرعة) بين الحملة الزاحفة وبين الثوار المتربصين بها، وفي المناوشات الأولى في 31 تموز وقتال صباح الأول من آب انهزم الثوار. على أنهم عادوا فسحقوا مؤخرة الجيش الفرنسي في مساء الأول من آب، وأجهزوا عليه في صباح الثاني منه فكانت هزيمته هزيمة ماحقة.
ولو أن الثوار بعد هذا النصر الحاسم اتجهوا حالاً إلى دمشق لما وقف في وجههم شيء ولوصلوها سالمين غانمين.
ولكن يبدو أن النصر الكبير فاجأهم، ولم يكونوا قد خططوا لما بعد المعركة.
ولما حاولوا بعد ذلك الزحف إلى دمشق كان الفرنسيون قد أفاقوا من هول الصدمة وأعدوا طائراتهم التي هاجمت بنارها من السماء فرسان الثوار الزاحفين فصدتهم عن التقدم بعد أن وصلوا إلى جبل المانع في 23 آب واصطدموا بالقوى الفرنسية. هذا فضلاً عن أن الفرنسيين كانوا قد أحاطوا دمشق بالأسلاك الشائكة ونصبوا الرشاشات وحصنوا مواقعهم وجمعوا ما أمكنهم جمعه من القوى.
تأجيج الثروة
إذا كان نصر معركة الكفر قد نبه الجنرال ساراي إلى خطورة الحال،فإن النصر المؤزر في معركة المزرعة قد نبهه إلى أن الحال هي أخطر مما فكر، فعمد إلى طلب النجدات العسكرية من باريس. وفي الوقت نفسه عمد إلى مواجهة الأمر سلمياً فكلف وفداً من دروز لبنان الذهاب إلى الجبل لمفاوضة الثوار على شروط تحفظ كرامة الطرفين.
كما أطلق من المعتقل الزعماء الدروز الذين كان قد اعتقلهم في تدمر والحسكة إظهاراً لحسن نيته.
وإذا كان الجنرال ساراي قد أخذ يحاول إطفاء النار التي أشعلها، فإنه كان هناك من يحاول زيادة تلك النار ضراماً.
فبينما كان الوفد الذي أرسله ساراي من دروز لبنان يفاوض للسلام، كان وفد آخر يفاوض لإدامة الحرب.
فنصر معركة المزرعة قد شحذ همة حزب الشعب في دمشق وحرك مطامحه لتعميم الثورة في سورية.
وكانت قد عقدت قبل ذلك في دمشق، عندما بدأ تململ الدروز، وتحركهم ـ عقدت عدة اجتماعات في دمشق بين دروز الجبل الناقمين، وبين جماعة حزب الشعب لتوحيد الجهود والتحرك الثوري.
وجاء انتصار المزرعة مثبتاً إمكان النصر الثوري العسكري، فعقد اجتماع سري في دمشق في منزل آل الحلبوني حضره الدكتور عبدالرحمان شهبندر رئيس حزب الشعب وعدد كبير من أعضاء الحرب وغيرهم وتعاهدوا على القيام بالثورة، وأرسلوا وفداً إلى الجبل، محرضاً على دوام الثورة.
وهكذا كان في الجبل وفدان: وفد دروز لبنان الذي أرسله الجنرال ساراي للتفاوض على السلم، ووفد حزب الشعب الموفد للتفاوض على الحرب والمؤلف من أسعد البكري وتوفيق الحلبي وزكي الدروبي، وبوصول الوفد الثاني قويت وجهة نظر سلطان والقالين بقوله بدوام الثورة وامتدادها.
وتم التوافق على أن يزحف الثوار من الجبل صباح 23آب، وفي الوقت نفسه ينتقل الثوار المعدون في دمشق فيلتقي الجميع في بلدة (الكسوة) غير البعيدة عن دمشق ومنها يباشرون جميعاً الانقضاض على دمشق.
تم هذا التوافق في 17 آب، ولكنه لم يصل خبره إلى دمشق إلا في 20 من هذا الشهر ولم يكن قد بقي من الوقت إلا يومان تعذر فيهما الإعداد في دمشق لقصر الوقت.
فعقد اجتماع في منزل الحاج عثمان الشرباتي حضره الشهبندر وبعض جماعة حزب الشعب لمحاولة إنفاذ ما اتفق عليه.
وبعدما تبين حراجة الموقف قرر الشهبندر وفريق من صحبه بينهم القائد العسكري المتمرس في العهد التركي يحيى حياتي الانطلاق من دمشق لعل تجمعاً يكون احتشد خارجها، فباتوا في (حوش المتبن) فلم يجدوا شيئاً، فانطلقوا إلى بلودان، ثم عادوا سراً إلى دمشق ومنها مضوا إلى الغوطة في طريقهم إلى الجبل فالتقوا في 25آب بسلطان الأطرش في قرية (كفر اللحف).
وأدرك الفرنسيون دور حزب الشعب في حدوث ما حدث، فأصدر المفوض السامي قراراً في 26 آب باعتقال الهية الإدارية للحزب ومصادرة أوراقه وإغلاق مكتبه، فاستطاع بعض الأعضاء النجاة من الاعتقال ملتحقين بالثورة، واعتقل آخرون فنفوا إلى أرواد وإلى الحسكة.
النداء
النداء الذي أذاعه سلطان الأطرش في 23 آب سنة 1925 بدعوة السوريين إلى الثورة ونشرته أول ما نشرته الصحف المصرية. ونحن قرأناه في الصحف البيروتية منقولاً عن الصحف المصرية. ومن أجل أن لا تؤاخذ الجريدة البيروتية التي نشرته، فإنها نشرته بشكل انتقادي قائلة فيما قالت: إن الجماعة تمردوا لغير هذا. وقد كان ذلك قبل فرض الرقابة على الصحف:
إلى السلاح إلى السلاح
يا أحفاد العرب الأمجاد هذا يوم ينفع المجاهدين جهادهم والعاملين في سبيل الحرية والاستقلال عملهم هذا يوم انتباه الأمم والشعوب فلننهض من رقادنا ولنبدد ظلام التحكم الأجنبي عن سماء بلادنا لقد مضى علينا عشرات السنين ونحن نجاهد في سبيل الحرية والاستقلال فلنستأنف جهادنا المشروع بالسيف بعد أن سكت القلم ولا يضيع حق وراءه مطالب.
أيها السوريون لقد أثبتت التجارب أن الحق يؤخذ ولا يعطى فلنأخذ حقنا بحد السيوف ولنطلب الموت توهب لنا الحياة.
أيها العرب السوريون.
تذكروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي تذكروا أن يد الله مع الجماعة وأن إرادة الشعب من إرادة الله وأن الأمم المتحدة الناهضة لن تنالها يد البغي لقد نهب المستعمرون أموالنا واستأثروا بمنافع بلادنا وأقاموا الحواجز الضارة بين وطننا الواحد وقسمونا إلى شعوب وطوائف ودويلات وحالوا بيننا وبين حرية الدين والفكر والضمير وحرية التجارة والسفر حتى في بلادنا وأقاليمنا.
إلى السلاح أيها الوطنيون إلى السلاح تحقيقاً لأماني البلاد المقدسة إلى السلاح تأييداً لسيادة الشعب وحرية الأمة إلى السلاح بعد ما سلب الأجنبي حقوقكم واستعبد بلادكم ونقض عهودكم ولم يحافظ على شرف الوعود الرسمية وتناسي الأماني القومية.
نحن نبرأ إلى الله من مسؤولية سفك الدماء ونعتبر المستعمرين مسؤولين مباشرة عن الفتنة يا ويح الظلم لقد وصلنا من الظلم إلى أن نهان في عقر دارنا فنطلب استبدال حاكم أجنبي محروم من مزايا الإنسانية بآخر من بني جلدته الغاصبين فلا يجاب طلبنا بل يطرد وفدنا كما تطرد النعاج.
إلى السلاح أيها الوطنيون ولنغسل إهانة الأمة بدم النجدة والبطولة إن حربنا اليوم هي حرب مقدسة ومطالبنا هي:
1 ـ وحدة البلاد السورية ساحلها وداخلها والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلة استقلالاً تاماً.
2 ـ قيام حكومة شعبية تجمع المجلس التأسيسي لوضع قانون أساسي على مبدأ سيادة الأمة سيادة مطلقة.
3 ـ سحب القوى المحتلة من البلاد السورية وتأليف جيش وطني لصيانة الأمن.
4 ـ تأييد مبدأ الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان في الحرية والمساواة والإخاء.
إلى السلاح ولنكتب مطالبنا المشروعة هذه بدمائنا الطاهرة كما كتبها أجدادنا من قبلنا.
إلى السلاح والله معنا والإنسانية معنا لتحي سورية حرة مستقلة.
سلطان الأطرش
قائد جيوش الثورة الوطنية السورية العام
حادث الجنرال سوليه
ظل خطر تقدم الثوار إلى دمشق قائماً فراح الفرنسيون يحصنون المدن والقرى الموصلة إلى دمشق كدرعا وازرع وبلدات حوران ويحشدون فيها ما لديهم من قوى. وفي يوم ذهب الجنرال (سوليه) لتفقد المواقع العسكرية بين دمشق ودرعا، فلم يكد يصل بسيارته إلى قرية (المرجانية) حتى اعترضه حاجز من الأحجار، فلما توقفت السيارة انهال عليها الرصاص فجرح الجنرال (سوليه) ومرافقه الكابتن (دوكوتيل) كما جرح سائق السيارة، على أن السائق استطاع الوصول بالسيارة إلى أقرب محطة قطار وهي (المسمية) فامتطى الجنرال منها القطار عائداً إلى دمشق. وتقدمت قوة فدمرت قرية المرجانية وأحرقتها.
معركة المسيفرة
هذه المعركة معركة المسيفرة أول معركة يساهم فيها الدمشقيون في القتال.
كان الفرنسيون يعملون على حشد ما لديهم من قوة وكان الثوار يراقبون ذلك، فقرروا أن يبادؤوا بالهجوم ولا يتركوا للجيش فرصة مهاجمتهم، فجمعوا في 17 أيلول ما يستطيعون جمعه من الرجال ليباغتوا ليلاً القوى المحتشدة في (المسيفرة) فمشوا تحت الظلام وكان من الممكن أن يأخذوا الفرنسيين على غرة ويفتكوا بهم لولا أن رصاصة انطلقت من بينهم فنبهت النائمين من الجند فأخذوا أهبتهم وراحوا يطلقون الأسهم النارية في الفضاء لإنارة الظلام، وقامت معركة كانت من أشد معارك الثورة، وكانت ضحاياها من الفريقين كثيرة. ووصل الثوار إلى القرية ملتحمين بالجند، ثم تركوها عائدين.
وقد ادعى كل من الفريقين النصر في هذه المعركة، فالفرنسيون باهوا بصد الثوار عن التقدم وبما ألحقوه بهم من قتلى قالوا إنهم خمسمائة قتيل والثوار أعلنوا أنهم غزوا الجيش في عقر داره وأنهكوه وأعاقوه عن التقدم.
وقد كان بلاغ الفرنسيين عن المعركة ـ كما لا أزال أتذكره حتى الآن ـ مفعماً بالتفاخر رنان الكلام ـ وكأنه يشير إى الثأر لمعركة المزرعة. وكان رد الثوار عليه لا يقل تفاخراً…
وكان الفرنسيون بعد أن استقر أمر الثورة وبدا أنها تتقدم يوماً يوماً، قد أرسلوا لقيادة الجيش الفرنسي لقمعها الجنرال (غاملان Gamelin) ([231]) وواصلوا إرسال الجنود.
فكان هم غاملان إنقاذ (تومي مارتان) المحصور هو ومن معه في قلعة السويداء. وكان المدد بالغذاء يأتيهم طول مدة الحصار بالطائرات التي تلقي إليهم بالطعام، وبألواح الماء المجمد.
واستطاع غاملان أن يشق طريقه إلى السويداء وأن يعود بتومي مارتان، دون أن يستطيع المكوث في السويداء.
معركة الزور الأولى([232])
وبعد أن تجمع من تجمع في الجبل من الجبل من الدمشقيين كان لا بد من تخفيف الضغط عن الجبل بمد الثورة إلى خارجه والحؤول دون زحف الفرنسيين إليه بتجمعاتهم التي أخذوا يعدونها بقيادة غاملان.
وكان ممن التحقوا بالثورة حارس ليلي ممن يحرسون الأزقة والأسواق ليلاً في دمشق اسمه حسن الخراط. فلما تقرر التغلغل في غوطة دمشق وإشعال الثورة فيها كان هو ممن انتقل إليها. وقامت العصابات الدمشقية في الغوطة، فإذا بهذا الحارس البسيط المغمور يعود في الغوطة بطلاً مغواراً على رأس مجموعة مقاتلة يخوض بها المعارك مع الفرنسيين، وبالرغم من وجود عدد من الزعماء المدنيين والعسكريين في قيادات الثوار، فقد غدا اسم حسن الخراط ألمع الأسماء وأبرزها، وأول بروز له كان في معركة (الزور) الأولى، التي كانت أولى معارك الغوطة وأول معركة يخوضها حسن الخراط وتبرز فيها شجاعته وحسن قيادته.
وبين الجماعات التي التحقت بالثورة في الغوطة كان العشرات من شبان الشيعة الدمشقيين وقد استشهد العديد منهم.
معركة الزور الثانية
أراد الفرنسيون الانتقام لمعركة الزور والقضاء على عصابة حسن الخراط التي بدأت تتعاظم فأعدوا قطعة من الجيش أرسلوها في 17 تشرين الثاني 1925 لحصار حسن الخراط وعصابته (في الزور) والقضاء عليها، مزودة بأقوى الأسلحة وبينها الطائرات، فقامت معركة شديدة فشل فيها الفرنسيون في حصار حسن الخراط.
وكانت نهاية حسن الخراط بعد ذلك الاستشهاد في معارك الغوطة.
ثورة حماه
كان الفرنسيون قد أنشأوا جيشاً من المتطوعة، كان بجنوده وضباطه من السوريين وسموه جيش الشرق. وكان بين ضباط هذا الجيش، فوزي القاوقجي الذي كان معهوداً إليه قيادة موقع حماه. فثار بمن في قيادته من الجند، ولكنه فشل في السيطرة على حماه بسبب تخاذل بعض من كان متفقاً معهم داخل حماه وخارجها. فانطلق بثورته صوب الشمال فهاجم المعرة وتعطلت بذلك المواصلات الحديدية بين حماه والشمال، والطريق البرية بين دير الزور وحلب.
وكان من نتائج ثورة فوزي القاوقجي أن اضطر الجنرال غاملان الذي كان يعد العدة لاكتساح الجبل وكان قد بدأ توغله في المقرن الجنوبي، اضطر لأن يتخلى عن الجبل ويوجه قسماً كبيراً من قواته إلى الشمال، ما فتح الطريق أمام الثوار إلى غوطة دمشق والسيطرة عليها وجعلهم على أبواب دمشق.
وقد عانت حماه ما عانت من ضربها بالمدافع والطائرات واحتراق البيوت وتساقط القتلى.
في الغوطة
أخذ الثوار في السيطرة على الغوطة وقبل أن تتم سيطرتهم التامة، كان الفرنسيون يبعثون بقطعات من الجيش لا يتعدى وصولها مداخل الغوطة، ولإرهاب الدمشقيين قبضوا في أوائل طلعاتهم في العاشر من تشرين الأول 1925 على من صادفوه من القرويين المسالمين العزّل وبعض الدمشقيين الذين اتفق وجودهم خارج دمشق وقتلوهم رمياً بالرصاص وشدّوا جثثهم على الدواب وادخلوها دمشق وطافوا بها في الشوارع ثم رموها في ساحة المرجة لبضع ساعات. ورداً على ذلك استطاع الثوار قتل بعض الأرمن والشركس المتطوعين في الجيش الفرنسي وبعض الفرنسيين وحملوا جثثهم حتى أبواب دمشق وألقوها هناك.
كما أحرق الفرنسيون ما طالته أيديهم من القرى مثل جرمانا، والمليحة، وزبدين، ودارايا، ودير مجدل، وجسرين، والبلاط.
ثم ساد الثوار في الغوطة وحالوا بين الفرنسيين والخروج من دمشق، وكلما كان الفرنسيون يحاولون الخروج منها بقطعاتهم العسكرية، كانت هذه القطعات ترتد منهزمة أمام كرات الثوار.
وكثيراً ما كان الثوار يتغلغلون بمجموعات صغيرة في المدينة فيروعون الفرنسيين ويذعرون عملاءهم ويختطفون بعضهم.
في دمشق
وأخيراً صمم الثوار على اقتحام دمشق وكانوا قد عرفوا أن الجنرال ساراي موجود فيها وأنه يحل في قصر العظم الواقع في قلب دمشق في البزورية. وفي حين تقدم ما يقرب من 400 ثائر بقيادة نسيب البكري لاحتلال المدينة ودخلوها من عدة جوانب وقضوا على جنود المتاريس الفرنسيين في الشاغور والميدان، وانسحب بقية الجند الفرنسي المبعثر في المدينة وأطرافها ملتجأ إلى القلعة أو معتصماً بأبراجها مع الموظفين الفرنسيين ونسائهم، كان (حسن المقبعة) يتقدم من جهة الشاغور مستهدفاً قصر العظم، وأدرك الفرنسيون ما يرمي إليه الثوار، فتمكن (ساراي) من الخروج من القصر، وبقي فيه قطعة من الجند اشتبك معها الثوار في معركة عنيفة استشهد فيها حسن المقبعة.
ولما أيقن الفرنسيون بسيطرة الثوار على معظم أحياء المدينة، وأن دمشق أصبحت في قبضتهم، وأنهم عاجزون على استردادها في ساحة القتال، عمدوا إلى مدافعهم المنصوبة في تلال (المزة) وفي القلعة فصبوا حممها على أحياء المدينة، وإلى طياراتهم الجوالة في السماء فرموا بنيرانها في كل مكان. وقد استمر ذلك من منتصف يوم الأحد 18 تشرين الأول حتى مساء الثلاثاء 20 منه.
ولما رأى الثوار ما رأوا آثروا الانسحاب إلى البساتين المجاورة لدمشق والمحيطة بها من جهاتها الأربع.
وانطلق وفد دمشقي من المقربين من الفرنسيين إلى الأركان العامة للتوسط في إيقاف النار، فوافقت على ذلك على أن يدفع الدمشقيون غرامة حربية مئة ألف ليرة ذهبية وأن يسلموا ثلاثة آلاف بندقية مع كل بندقية مئة رصاصة، وأن يتم ذلك خلال أربعة أيام.
وأعلنت الأحكام العرفية بالبلاغ الذي أذيع مساء 24 تشرين الثاني 1925 بهذا النص:
1 ـ تعلن الإدارة العرفية في دمشق وسنجقي دمشق وحوران اعتباراً من ظهر يوم الأربعاء الواقع في 25 نوفمبر سنة 1925.
2 ـ تخول السلطة العسكرية في المناطق التي أعلنت فيها الإدارة العرفية حسب المادة الأولى من صلاحيات القضاء والضابطة التي تقوم بها السلطة الملكية وذلك في الجنايات والجنح التي تقترف ضد سلامة الدولة وسلامة المنطقة وجيوش الدولة المنتدبة والنظام والأمن العام وفقاً لنصوص القرار رقم (4س) تاريخ 10 يناير سنة 1925.
3 ـ تقوم السلطة العسكرية بتطبيق الصلاحيات الملمح إليها بالاتفاق مع حضرة المفوض السامي أو مندوبه.
4 ـ الواجبات الناجمة عن أحكام هذا القرار أو أحكام القرار رقم (5س) تتناول جميع الأشخاص الموجودين بأية صفة كانت في المناطق المعلنة فيها الإدارة العرفية.
5 ـ تثابر الإدارة الملكية على القيام بالصلاحيات التي لم تجرد عنها بموجب هذا القرار.
6 ـ أمين السر العام والسلطات الملكية والعسكرية من فرنسية وسورية مكلفون كل فيما يختص بتنفيذ أحكام هذا القرار.
ثم عينت السلطة الفرنسية الجنرال أندريا Anderiaحاكماً عسكرياً على دمشق وجبل الدروز.
ومما يذكر أن تسليم البنادق المطلوب تسليمها كان متعذراً فكان متطوعو الأرمن والشركس في الجيش الفرنسي يسرقون البنادق من مستودعات الجيش ويبيعونها للدمشقيين بأثمان باهظة([233]).
وقد بدت الحمية الدمشقية في ذلك الزمن الفاجع على حقيقتها، ففي تلك الظروف القاسية التي يشغل كل إنسان بنفسه عن غيره تنادى الدمشقيون لإعالة المنكوبين المشردين، فألف جماعة منهم جميعة منهم باسم (جميعة إغاثة منكوبي الثورة)، ويقول لطفي الحفار في مذكراته: كانت تلك الجمعية تقوم بإطعام وإكساء ثمانية آلاف نفس ما بين عاجز وامرأة وطفل، وبإيواء المشردين منهم في المدارس والمؤسسات المتاحة.
ويقول: وقد وجدت تجاوباً عظيماً من الميسورين وحتى من متوسطي الحال([234]).
وقد وصف مراسل جريدة التيمس اللندنية ما جرى قائلاً:
«…إن الانكسارات التي أصيب بها الفرنسيون والمقاومة التي لاقوها في جبل الدروز قد أحدثت اضطراباً عاماً فانتشر الثائرون خارج دمشق وانصرف الجيش إلى معالجة القرى التي اشتبهوا بأنها تلجىء رجال العصابات ومنذ أسبوعين أحرق الفرنسيون قرى عديدة في الجنوب الشرقي من دمشق وجلبوا أربعة وعشرين جثة وطافوا بها على ظهور الجمال في شوارع دمشق الرئيسية وعرضوها في ساحة المرجة، وكانوا يقصدون من هذا الذي يثير كوامن الصدور أن يحذروا العناصر المقلقة ولكنه أفضى إلى تأثير يعاكس التأثير المقصود منه على خط مستقيم فقد هاج غضب الجمهور وسخطه ومما زاد الطين بلة أن كثيرين من القتلى الذين عرضت جثثهم هم من أهالي دمشق. وبعد ثلاثة أيام من هذا العمل وجدت خارج باب شرقي 12 جثة من جثث الشراكسة الذين يستخدم الفرنسيون الكثيرين منهم في القتال جنوداً غير نظاميين فهذا الجواب على عمل الفرنسيين يدل على الروح السائد بين الذين أراد الفرنسيون أن يرهبوهم. وفي ليل 17 أكتوبر هوجم جنود من الفرنسيين وقتلوا في أحد الأحياء المتطرفة وبعد قليل أطلقت النار على عدد آخر من الجنود وفي صباح اليوم التالي ظهر في حي الشاغور ستون ثائراً وبعد قليل ظهرت عصابة من دروز جرمانا في حي الميدان وذهبت العصابات إلى الأسواق في وسط المدينة وشجعها على ذلك أناس من أحياء أخرى هاجموا الشرطة وجردوهم من سلاحهم وجعلوا يطلقون بنادقهم في الفضاء فبثوا الذعر والرعب ولم يكن أحد يعرف في الحقيقة ما كان يجري وكان عدم الوقوف على حقيقة الحال سبباً في ازدياد القلق ويظهر أن الفرنسيين كانوا يعتقدون من قبل أن الجمهور يوشك أن يقوم بحركة مهمة وأن القوات التي تعمل ضدهم أكبر مما هي في الحقيقة على أن الذين راقبوا الحال مراقبة دقيقة يرون أن عدد المغيرين لم يزد على خمسمائة.
وفي ظهر اليوم الثامن عشر من شهر أكتوبر أرسل الفرنسيون الدبابات فجعلت تخترق الأسواق بسرعة هائلة وتصب نيرانها ذات اليمين وذات اليسار. وفي الساعة السادسة مساء بدأ الفرنسيون بضرب المدينة العريقة في القدم. إلى آخر ما قال…
تقرير الجنرال غاملان
إذا كان الجنرال ساراي هو المسؤول الأول عن مسار الأمور فإن الجنرال غاملان، هو شريكه في المسؤولية الكاملة. وقد كان عليه أن يقدم تقريراً مكتوباً لمراجعه في باريس فأرسل إلى وزارة الحربية الفرنسية في 30 تشرين الثاني التقرير التالي:
ثارت الاضطرابات في دمشق يوم الأحد في تشرين الأول فأحدثت أزمة شديدة دامت 48 ساعة. وقد دلت العمليات على أن هذه الاضطرابات قد ثارت بدافع خارجي من جهة ويدافع بعض العناصر الدمشقية التي تغتنم كل فرصة للمشاغبة على السلطة من جهة أخرى.
فقد دخلت بعض العصابات المسلحة الأحياء والأسواق وخاصة الشاغور والميدان فتبعهم قسم من الغوغاء في هذه الأحياء بقصد السلب والسرقة ولولا حزم السلطة لكانت الحالة خطيرة. وقد أطلقت القلاع مدافعها على الأحياء الثائرة واشتركت الطائرات في هذه العملية فأرغم هذا التدبير طائفة من الوجهاء على مراجعة السلطة والموافقة على الشروط المفروضة. ومنذ ذلك التاريخ ازداد عدد العصابات في ضواحي دمشق وحماه، وكان الثائرون في القرى الدرزية: (المليحة وجرمانا وجسرين) يلقون كل مساعدة وقد اضطر القائد العامل في هذه الظروف أن يحشد قسماً من الجيش في دمشق لملاحقة الثائرين في ضواحيها فوصلت إلى دمشق في 15 تشرين الأول الفرقة الثانية وكتيبة من الشراكسة وفي 15 منه وصلت فرقة من الكتيبة السادسة ثم وصلت في 16 منه فرقة أخرى من الكتيبة السادسة من السباهيين وكانت هذه النجدات كلها بمثابة فرق محافظة في بادىء الأمر ثم أصبحت بعد أمد قريب مكلفة بمقاومة الثائرين وتوطيد الأمن في دمشق وضواحيها.
وفي 13 منه أرسلت قوة من الجيش إلى جسرين حيث يقيم بعض الثائرين فتوفقت إلى القبض على 106 منهم وعادت بأربعة وعشرين جثة. أما خسائرنا فقد كانت طفيفة وأعيدت الحملة في 14 منه فأحرق الجيش قرية المليحة بعد أن ثبت ثبوتاً لا يحتمل الشك اشتراكها من الثائرين في معظم أعمالهم.
وقد طلب إلى قرية جرمانا أن تسلم بنادقها فلم تفعل فاضطررنا إلى إحراقها في 15 وفي 17 منه أرسلت فرقة 11 ـ 21 إلى دوما باكراً وزارت قرى سقبا وجسرين وسواهما بينما كانت كتائب الشركس تحتل جرمانا وتقاتل بعض الذين أقدموا على احتلالها وقامت الثورة في دمشق في 18 منه بهجوم على قصر العظم وأطرافه كان القصد منه كما تبين الوصول إلى المفوض السامي وقد استمرت 48 ساعة. وقد وضع تحت تصرف نسيب البكري ورمضان شلاش منذ أمد غير قريب عدد لا بأس به من العصابات كان من الصعب ملاحقتها والقضاء عليها بالرغم من كل التدابير ثم بدأت منذ ذلك الحين الاعتداءات على رجال الجيش المنفردين وقد ثبت الآن أن تلك العصابات كانت تدخل دمشق من جهة الشاغور والميدان بمساعدة بعض الأهالي الذين يشاركونها في أعمالها وكانت تهاجم الجند المنفرد في الأحياء والأسواق وفي 18 منه وصل المفوض السامي قادماً من بيروت وذهب تواً إلى أزرع ودرعاً يزور مراكز الجيش وبرفقته الجنرال غاملان فكان الثائرون يحاولون بشتى الوسائل الوصول إليه وقد تأكد لنا إذ ذاك أن كميناً هيء في القدم لمهاجمة القطار الذي يقل المفوض السامي من درعا إلى دمشق وبناء على أوامر المسيو أوبوار في اتخاذ كل تدبير يؤدي إلى إنهاء الثورة ساد الهدوء في المدينة بأقل من أربع وعشرين ساعة وقد اضطررنا في هذه الظروف لاستعمال المدفعية لأن هؤلاء الذين يطلقون رصاصهم علينا من النوافذ والأسطحة لا يمكن الوصول إليهم بغير هذه الوسيلة فأطلقت مدافع القلعة قنابلها على جوار قصر العظم وألقت الطائرات قذائفها على الشاغور أما حامية قصر العظم فقد أحاطت بها النيران من كل حدب وصوب وانقطعت عنا أخبارها وقد أنذرنا العائلات الأوروبية بالالتجاء إلى المراكز العسكرية قبل إطلاق القنابل ولم يكف الثائرون رغم كل هذه الإنذارات عن إطلاق رصاصهم في سوق الحميدية ومدحت باشا والشاغور والميدان والعمارة فاضطررنا لإعطاء الأوامر للقلعة بمتابعة إلقاء القنابل على جوار قصر العظم وعلى الشاغور والميدان وأشرنا على قائد المدفعية بأن يجعل القنابل شبيهة بقنابل التجارب شديدة الصوت قليلة الأذى لإلقاء الرعب في نفوس السكان ويظهر أن متابعة إلقاء القنابل قد هدأت الحالة كثيراً وأوصلنا إلى النتائج المطلوبة ففي الساعة الثامنة صباحاً جاء وفد إلى مركز القيادة العليا وعلى رأسه الأمير سعيد حفيد الأمير عبدالقادر ثم جاء وفد آخر على رأسه حقي العظم وطلبا إيقاف إطلاق القنابل فعقد اجتماع برئاسة مندوب المفوض وافق فيه مندوبو دمشق على دفع غرامة قدرها مئة ألف ليرة تركية ذهباً وتسليم ثلاثة آلاف بندقية وقد اشترطنا عليهم أن يتم تسليم هذه الغرامة صباح السبت في 24 منه وإلا عدنا إلى إطلاق القنابل وقد دفعت الغرامة في الوقت المعين ولم يتمكن المندوبون من جمع البنادق وفي الوقت المحدد فتدخلت دائرة الاستخبارات في الأمر وأخذت تبحث عن البنادق وتفتش الدور منذ ذلك الحين ودمشق هادئة وقد عاد التجار إلى فتح حوانيتهم بعد تردد طويل وقد أصيبت بعض الأحياء بالخسائر وكان القسم الأكبر منها من جراء النيران التي أضرمها الثوار والسالبون أما الطيارات والمدافع والمصفحات فليست مسؤولة إلا عن قسم ضئيل من هذه الخسائر وقد عنيت القيادة العامة بأن لا تعمد إليها إلا عند الحاجة الماسة وتمكنت مع هذا من أن تصل إلى النتيجة المطلوبة في حصر الحركة بأقل النفقات والخسائر والحيلولة دون تحرك الأفاعي الدمشقية الحقيقية (انتهى).
من تقرير ساراي إلى وزارة الخارجية
«فأنا أعترف بخطأي لقد تركت في المراكز الهامة وفي الجيش موظفين وضباطاً يكرهونني كل الكره ويحاولون الإيقاع بي ولقد كنت أعرف ذلك ولكني لم أتخذ في حقهم أي تدبير ظناً مني أن هؤلاء إذا كانوا يكرهونني فإنهم لا يكرهون فرنسا وقد كنت مخطئاً في هذا الظن وأنا لا أتهم دون أن أذكر الأسماء فإني مضطر في مثل هذه الظروف للتصريح بتلك الأسماء وها أنا أذكر هؤلاء واحداً بعد آخر: إن الخطأ الذي ارتكبته في سورية هو إبقائي على بعض الموظفين الذين يكرهونني ويسعون للإيقاع بي وأول هؤلاء المسيو غوتيه المندوب المساعد في دمشق ورئيس الغرفة السياسية في المندوبية فقد كان هذا الموظف رئيس جماعة تعمل على مخالفة تعليماتي في الجبل وتأييد سياسة الكابتن رينو وهي سياسة التعاون مع عائلة الأطرش التي يرغب رجالها في الوصول إلى الحكم ذلك الكابتن الذي أثار الشغب في دمشق وحاول مفاوضة الدروز الثائرين لتوطيد السلام بأي ثمن ولو قضى هذا السلام على مركز فرنسا ومكانتها ولقد أشرت إليكم في تقرير سابق أن السبب الأساسي في اضطرام نيران الثورة الدرزية كان عبارة عن خلاف بين ضباط الاستخبارات فقد كان أحدهما يريد مركز الآخر وهو الكابتن رينو نفسه وكان يرغب في الوصول إلى أغراضه بالتقرب من عائلة الأطرش وكان كاربييه يبعدها عنه ولقد كان في عمل الضابط بالنسبة لنفسه على الأقل شيء من المنطق فهو يريد مركز الآخر والوسيلة الوحيدة للوصول إلى هذا المركز هو أن يبدل سياسة هذا الموظف الآخر ومن هنا نشبت الثورة على أن من يظن أن الدروز وخاصة عائلة الأطرش سيعمدون إلى الهدوء والسكينة إذا عين الكابتن رينو حاكماً في الجبل لا يعرف الدروز ولا يعرف أحوالهم فلو عين الكابتن رينو حاكماً لوجد الدروز حجة أخرى لإثارة الثورة».
عزل ساراي
وفي 8 تشرين الثاني كان ساراي يركب البحر عائداً إلى فرنسا بعد أن تبلغ نبأ استدعائه إليها.
الثورة إلى لبنان
بعد أن حققت الثورة ما حققته من الاطمئنان إلى وضعها في الجبل وتركزها في الغوطة تقرر التقدم بها في خطوات أبعد. وكان أقرب مكان إليها هي الجهة المعروفة بإقليم البلان التي يكثر فيها الدروز. فالمنطقة الممتدة غربي دمشق الجنوبي المؤلفة يومذاك من قضاء وادي العجم وقاعدته قطنا، وقضاء القنيطرة وفيه الجولان وما يتبع القضاء من سفوح جبل الشيخ الشرقية. إن سكان السهل من هذه المنطقة هم من السنيين والنصارى والأعراب (المعروفين بعرب الفضل) والشركس، وما بقي من ذلك فسكانه جميعاً من الدروز.
إلى هذه المنطقة تقرر مد الثورة، وكان قد وفد إلى الجبل بعض دروزها يطالبون بإنجادهم لإشعال الثورة. فتألفت بقيادة زيد الأطرش شقيق سلطان حملة انضم إليها عدد من الدمشقيين والقائد العسكري فؤاد سليم.
وفي نهاية تشرين الأول سنة 1925 تم إعداد الحملة فتوجهت إلى الغرب واصلة إلى بلدة (مجدل شمس) دون أن يعيقها أي عائق. وفي 8 تشرين الثاني دخلت بلدة حاصبيا دون أن تلقى أية مقاومة بعد أن استسلمت حاميتها ولم تقاتل فأرسلها شيخ حاصبيا حسين قيس إلى جديدة مرجعيون بأمان. وبدخول الحملة حاصبيا تكون الثورة قد قامت في لبنان.
وللتدليل على حسن تعامل الثائرين مع الأهلين ننشر هنا بعض ما قالته الصحف الصادرة يومذاك، فمراسل جريدة المقطم القاهرية قال: «لم يتعرض الثائرون للأهلين بشيء ما، بل قاموا تجاههم بكل عطف وإنصاف».
وقالت جريدة (ألف باء) الدمشقية بعددها الصادر في 12 تشرين الثاني: «إن عصابة زيد الأطرش احتلت حاصبيا وهي تقدر بألف ثائر ولم تمس المسيحيين بسوء».
وقالت جريدة (الأحرار) البيروتية في عددها الصادر في التاريخ نفسه: «إن الثوار لم يتعرضوا للأهلين بل احتلوا دوائر الحكومة وانتشروا في المدينة وقراها».
وقالت جريدة الصحافي التائه: «يجب الاعتراف للثائرين أنهم يسيرون بطرق منظمة وأنهم بحاصبيا أظهروا كل عطف على المسيحيين، وكانوا يسمحون للنساء والأطفال بالسفر ولم يتعرضوا لأحد مطلقاً بسوء وجل ما فعلوه أنهم أعلنوا حكومة سورية مستقلة وصرح زعماؤهم أنه ما مأرب لهم مع الأهالي وأن مأربهم مع الفرنسيين».
على أن السلطة أرادت التشويه فقالت في بيانها: «ارتكب عصاة يقيمون في حاصبيا أعمال نهب وسلب في تلك المقاطعة دون أن يشرعوا في أقل عمل عسكري».
وعندما تقدم الثوار خارجين من حاصبيا إلى جديدة مرجعيون كان طريقهم يمر على بلدة (كوكبا)، فوصلت طلائعهم إليها في 11 تشرين الثاني بقيادة حمزة الدرويش فدعاهم كاهن البلدة وبعض رجالها إلى دخول البلدة لتناول الطعام إظهاراً لحسن النية وتجنباً لكل سوء، فاستجابوا له لنفس الغاية. فلم يرق هذا التصافي والتواد لبعض عملاء الفرنسيين فقرروا تكديره وقلبه على عكس ما أريد له، فرابطوا في مداخل البلدة مطلقين الرصاص على القادمين فقتلوا ثلاثة منهم. فصاح حمزة الدرويش: ما جئنا لقتالكم، وسنغضي عن دماء القتلى الثلاثة ونعتبرهم فدية للوفاق.
فلم يستجب له وتوالى إطلاق الرصاص، فعند ذلك اضطر الثوار لاقتحام البلدة وسقطت الضحايا واحترقت البيوت وتهجر السكان فاتخذ الفرنسيون ومن إليهم ذلك ذريعة لتشويه صورة الثورة والثائرين وصوروا الأمر اعتداء طائفياً واستغل أسوأ استغلال.
ثم تابع الثوار سيرهم إلى جديدة مرجعيون، ومع أن الفرنسيين جلوا عنها كما فعلوا في حاصبيا، فإن ضابطاً في ما كان يسمى بالقناصة اللبنانية، وهم لبنانيون مرتزقة يتجندون عند الفرنسيين بقيادة ضباط لبنانيين ـ إن ضابطاً في القناصة اللبنانية أبى إلا أن يقاتل الثوار عند مداخل جديدة مرجعيون، ولم يلبث أن هزم بعدما تسبب بإحراق عدة بيوت في الجديدة.
وكان الناس يحسبون أن الثوار سيتقدمون إلى جبل عامل لأن النبطية مفتوحة أمامهم، بل إن الطريق إلى صيدا كان ممهداً لدخولهم إليها، فلا قوى تقاتلهم حتى بيروت.
على أن القوى العسكرية التي كان قد طلبها ساراي لإخماد الثورة كانت قد بدأت بالوصول إلى بيروت وأخذت تتأهب للزحف إلى مناطق الثورة.
والثوار عوضاً عن أن يتوغلوا في جبل عامل اتجهوا إلى (راشيا)، فتحصنت القوة الفرنسية في قلعتها، فحاول الثوار اقتحام القلعة صاعدين على السلالم التي أحضروها فكثر فيهم القتلى وأبدوا من ضروب البطولة ما لا مثيل له. وبعد محاولات استطاع فريق منهم دخول القلعة فدارت معارك في داخلها، وقد كان سقوطها وشيكاً لولا أن الطائرات الفرنسية ألقت إلى داخل القلعة رسائل بتوقيع الجنرال غاملان تحض المدافعين عنها على الصمود لأن النجدات في طريقها إليهم. وبالفعل بدأت طلائع النجدات بالوصول والتمركز، وبدأت المدفعية تصب قنابلها على الثوار خارج القلعة. وأدرك الثوار أنه سيحاط بهم فانكفؤوا منسحبين، عائدين إلى حاصبيا.
وقد كان هذا الانكفاء بداية الانكفاء التدريجي للثورة، فانسحب الثوار من جديدة مرجعيون إلى حاصبيا. وتعتبر معركة قلعة راشيا من أعنف معارك الثورة وأشدها، كما أنها من أبعدها أثراً في مصير الثورة.
ويمكن القول أن حملة زيد الأطرش قد تفككت واختفى اسمه نهائياً من الأحداث، ثم تبين أنه قد عاد إلى الجبل. أما عن اختيار الثوار الزحف إلى راشيا وترك جبل عامل، مع أن التوقعات كلها كانت توحي بأن خطوتهم الثانية بعد جديدة مرجعيون كانت (النبطية)، وبذلك يتقدمون من أرض عاملية هي (جديدة مرجعيون) إلى أرض عاملية أخرى هي (النبطية) ـ أما عن ذلك فإن بعض ما فسر به هذا التصرف هو التالي:
إن خطتهم الرئيسية هي قطع طريق بيروت ـ دمشق، وهاجموا قلعة راشيا لتأمين طريق زحفهم ولمنع تعديات حاميتها على دروز راشيا.
ذكر ذلك الدكتور حسن أمين البعيني في كتابه: (دروز سوريا ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي) (ص171).
ثم نسب القول في حاشية الصفحة 172 إلى زيد الأطرش في حديث مسجل له. بعد أن قال المؤلف في المتن: «أحدث انتقال الثورة إلى لبنان تطوراً مهماً في مسارها، وكان له أبعاد عسكرية وسياسية. وتتلخص الأولى في أن قادة الثورة استهدفوا إشغال الفرنسيين في الجنوب اللبناني والبقاع كما في سورية، وقطع طريق بيروت ـ دمشق لمنع وصول النجدات إليهم، فالتغلب عليهم في جزء استراتيجي من لبنان يسهل التغلب عليهم في سورية».
على أنه يعود فيلحق بقوله هذا قولاً آخر هو: «واستهدف بعض القادة نتيجة لانتصارات الثورة الأولى في الجنوب اللبناني، الوصول إلى جبل عامل وجبل لبنان تمهيداً لنشوب الثورة فيهما وإمداد الثورة بآلاف المقاتلين وتهديد بيروت وصيدا» ويعلق في الحاشية على هذا القول، قائلاً: «من المعولين على الخطة المذكورة أعلاه لنجاح الثورة، فؤاد سليم. انظر محمد سعيد العاص (صفحة من الأيام الحمراء) ص209 ـ 210 (انتهى).
وعلى هذا فإنه يمكن القول بأن تخطيط فؤاد سليم الذي كان القائد العسكري للحملة، هو الاستيلاء على قلعة راشيا أولاً، ثم التحول إلى جبل عامل، وإلى جبل لبنان وإثارة الألوف فيهما ما يؤدي إلى تهديد صيدا وبيروت نفسها بعد أن يصبحوا على أطرافها.
ولكن انكفاء راشيا قضى على هذا الطموح الثوري البعيد، وقضى فيما قضى بعد ذلك…
كان صد الثوار عن راشيا عاملاً على تعقبهم إلى حاصبيا فتقدم الفرنسيون فقاتلهم الثوار بضعة أيام دفاعاً عنها، ولكنهم خشوا التطويق فآثروا الانسحاب إلى مجدل شمس للدفاع عنها. وقد ظلت مجموعات من الثوار تعمل في وادي التيم والبقاع الغربي وكانت لها وقائع ظافرة لا سيما في البيرة والرفيد، وكانت موقعة الفالوج أعظمها.
بداية النهاية
توالت الامدادات من فرنسا، وأخذ الفرنسيون يقوون مواقعهم، فأقاموا في مدينة حمص حامية قوية بإمرة الجنرال (مارتي). كما تكاثرت قواهم في دمشق بأمرة الجنرال أندريا، حيث أخذوا يعدون حملتين تتجه إحداهما إلى شمال الغوطة بأمرة الكولونيل (ماسيت) وتتجه الثانية إلى شرقها بأمرة الكولونيل (فرن).
كما استطاعوا أن يقيموا خلال الشتاء ست مخافر عسكرية قوية في داخل الغوطة: الأول في دوما، والثاني في أوتايا والثالث في شبعا والرابع في خرابو والخامس في بويضان من المرج والسادس في براق على حدود جبل الدروز الشمالية للحيلولة دون اتصال ثوار الجبل بثوار الغوطة.
كما أنهم نشروا على طول السكة الحديدية في حوران قوات كثيفة، وأقاموا مخفراً عسكرياً في بصرى أسكي شام وآخر في بصرى الحرير، وكذلك في كل من المسمية والمسيفرة. أما في درعا وفي أزرع فقد أقاموا في كل واحدة منهما معسكراً كبيراً. وأعدوا حملة لمطاردة الثوار في وادي التيم وإقليم البلان.
ولم يأت فصل الربيع حتى كانوا قد أحكموا أمرهم وأعدوا مخططاتهم الحربية وتدابيرهم العسكرية.
أما الثوار فقد كانوا خلال الخريف والشتاء قد رسخوا أقدامهم في الغوطة وأخذوا يغيرون على دمشق ويدخلون أزقتها وأسواقها ويعودون إلى معاقلهم. كما أنهم سيطروا على سكة حديد دمشق ـ بيروت. واتصل ثوار الشمال بثوار القلمون وسيطروا على المنطقة الممتدة من شمالي حمص حتى جبل الدروز متخذين من مدينة النبك قاعدة لهم. أما في منطقة دمشق الغربية التي تمتد من أبواب دمشق حتى الزبداني فقد كانوا سادتها.
كما أنهم عادوا فسيطروا على وادي التيم وإقليم البلان ووادي العجم.
وبانقضاء فصل الشتاء بدأ الفرنسيون زحوفهم، وكان في أوائل ما قصدوه منطقة القلمون وقاعدتها بلدة (النبك) حيث مضت إليها حملة كبيرة بقيادة الجنرال (مارتي) المتمرس بالحروب الجبلية، فتلقاها الثوار في الرابع عشر من آذار سنة 1926 في مضيق عيون العلق وصمدوا لها حتى أوشك رصاصهم على النفاذ عند ذلك انسحبوا ودخل الفرنسيون النبك.
وبعد القلمون أعد الفرنسيون حملة لاقتحام إقليم البلان ووادي التيم، وكانت هذه الحملة ذات ثلاث شعب، واحدة بقيادة الجنرال مارتي بقوة رافقته من حمص، والثانية بقيادة الكولونيل ماسيت التي اتجهت إلى سعسع فمجدل شمس، والثالثة بقيادة الكولونيل (ليمانغرانكور) التي تجمعت في صيدا ثم عابرة بعد ذلك جسر الغجر متجهة إلى مجدل شمس.
وفي الثالث عشر من نيسان كانت هذه الحملات تحتل مجدل شمس بعد معارك طاحنة.
ثم حشد الفرنسيون قواهم في أزرع وبصرى الحرير وأحكموا تطويق جبل الدروز من الشمال والغرب، وتقدموا في 19 نيسان 1926 بحملة مؤلفة من عشرة آلاف جندي بقيادة الجنرال أندريا نحو السويداء، فدافع الثوار عنها ما استطاعوا الدفاع. ولكن قواهم كان ينقصها ما تتزود به القوى الفرنسية من سلاح ثقيل وذخيرة لا تنتهي، فاستطاع الفرنسيون احتلال السويداء، ما كان إيذاناً ببدء الانهيار العام.
وعاد الثوار جماعات متفرقة تقاتل هنا وهناك. وأصبح للفرنسيين قاعدتهم وسط الجبل التي ينطلقون منها لإخضاع مقارن الجبل الأربعة. على أن الأمر لم يكن سهلاً على الفرنسيين فقد استمر القتال استنزافاً من نيسان 1926 إلى حزيران 1927 وقد تحصن الثوار في اللجاه الذي حدثت فيه معارك عنيفة كانت فيها خسائر الفرنسيين كبيرة.
في الغوطة
بقيت الغوطة منيعة فعزم الفرنسيون على التخلص منها وأعدوا لذلك عدة حملات تطوقها من كل جهة، وبدأوا بالزحف عليها في 19 تموز سنة 1926، فأقلبت حملة بقيادة الجنرال ماسيت من ناحية جبل الدروز وحملة من حوران من جبل قاسيون في دمشق هابطة في طريق برزة وحملة سارت من دمشق في طريق الغوطة العام وحملة من النبك والقطيفة.
وفي صباح التاسع عشر من تموز 1926 نشبت المعارك على طريق دوما، وعسكرت الحملة الثالثة في أوتايا وراحت تضرب القرى بمدافعها زاحفة على حواش الفارة فامتد بذلك خط القتال من حوش الريحاني حتى خرابو وأوتايا. وظلت المعارك محتدمة من 19 تموز حتى 25 منه.
وعدا عن القوى الزاحفة فقد كانت المدافع المنصوبة على روابي المزة وفي البرامكة ومعمل الزجاج وقصر البلور تنهال بقنابلها على مواقع الثوار.
وتمت للفرنسيين السيطرة على الغوطة.
ومن المناطق التي كانت الثورة قد اشتعلت فيها المناطق الشيعية في جبال بعلبك بقيادة توفيق حيدر الذي خاض مع الفرنسيين معارك طاحنة، واستطاع في 18 أيار سنة 1926 احتلال مدينة بعلبك لفترة. وفي 11 حزيران سنة 1926 زحفت عليه حملة فرنسية كبيرة من رياق ورأس بعلبك فلم تستطع إخضاعه. وظل يناوش حتى شتاء سنة 1927 حيث كان الفرنسيون قد وطدوا أمرهم في مناطق الثورة، فغادر منطقة بعلبك إلى جبل الدروز.
كما أنه قامت في المنطقة نفسها تجمعات ثورية شيعية أخرى بقيادة حسن طعان دندش، وأولاد جعفر وتقاسموا المنطقة على الشكل التالي: جماعة توفيق حيدر، من رياق إلى بعلبك، وجماعة حسن طعان دندش من بعلبك حتى رأس اللبوة وجماعة أولاد جعفر من اللبوة إلى القصير.
وهناك ثوار أكروم الشيعة بقيادة زين مرعي جعفر. وقد تجردت لهم في أواسط أيار 1925 حملة فرنسية اتجهت إليهم من ثلاث جهات: من حمص ومن الهرمل ومن وادي خالد. وفي الثامن عشر من أيار كان الصدام في (فيسان) فانتصر الثوار. ثم كان أمرهم بعد توطد أمر الفرنسيين في كل مكان أمر غيرهم.
وكانت مساهمة شبان الشيعة الدمشقيين في معارك الغوطة مساهمة فعالة، وقد استشهدا منهم في تلك المعارك عدد كان فيه ثلاثة من تلاميذ السيد محسن الأمين.
وفي القصف الذي ضربت به المدافع والطيارات الفرنسية إحياء دمشق، قصفت إحدى الطائرات دخلة الشرفا التي فيها بيت السيد محسن الأمين فأصابت القنابل بيت الحاج زاهد بيضون الملاصق لبيت السيد محسن فقتلت ولده يوسف كما أصابت بيت الشيخ علي الجمال غير البعيد عنه فقتلت ولده صالح. وقيل يومذاك أن المقصود كان بيت السيد محسن.
والشيخ علي الجمال والحاج زاهد بيضون هما من كان ينيب السيد محسن أحدهما عنه في إمامة صلاة الجماعة في المسجد عندما يضطر للتغيب عن هذه الصلاة.
والشيخ علي الجمال كان من أبرز تلاميذه في الدراسات الفقهية، وخطيبه المتميز في المنابر الحسينية.
الثورة العراقية الكبرى
ـ 1 ـ
الوثيقة التي كانت مقدمة لإعلان الثورة:
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن عموم أهالي النجف الأشرف، علماءها وأشرافها وأعيانها، وممثلي الرأي العام فيها، وكافة (الشامية) ([235]) ـ سادتها وزعماء قبائلها وممثليها ـ قد انتدبنا بعض علمائنا وأشرافنا ووجهائنا، وهم حضرات الشيخ عبد الرضا آل الشيخ راضي والسيد نور السيد عزيز الياسري، والسيد علوان الياسري، والحاج عبدالمحسن شلاش لأن يمثلونا تمثيلاً صحيحاً، قانونياً، أمام حكومة الاحتلال في العراق، وأمام عدالة الدول الديمقراطية التي جعلت من مبادئها تحرير الشعوب وقد خولناهم أن يدافعوا عن حقوق الأمة ويجهروا في طلب استقلال البلاد العراقية بحدودها الطبيعية العاري عن كل تدخل أجنبي، في ظل دولة عربية وطنية، يرأسها ملك عربي مسلم مقيد بمجلس تشريعي وطني، وهذه هي رغائبنا لا نرضى بغيرها ولا نفتر عن طلبها، ومنه نستمد الفوز والنجاح وهو حسبنا ونعم الوكيل.
في 18 رمضان سنة 1338 هجرية.
الموقعون:
(1) شيخ الشريعة الأصبهاني (2) السيد أبو الحسن الأصبهاني (3) الشيخ علي آل الشيخ جعفر كاشف الغطاء (4) السيد صالح كمال الدين (5) الشيخ مشكور الحولاوي (6) الشيخ موسى نقي زاير دهام (7) الشيخ إسحاق الرشتي (8) الشيخ مهدي الخراساني (9) السيد علي نجل الإمام السيد حسن الشيرازي (10) الشيخ محمد جواد البلاغي (11) الشيخ جواد الشبيبي (12) الشيخ علي المانع (13) السيد محمد رضا الصافي (14) الشيخ محمد جواد الجزائري (15) السيد سعيد كمال الدين (16) السيد صالح البغدادي (17) السيد أحمد الحبوبي (18) السيد عباس الكليدار (19) السيد علي بحر العلوم (20) السيد محسن القزويني (21) الشيخ جعفر الجواهري (22) الشيخ علي الأعسم (23) محمد جعفر السيد باقي (24) الشيخ عبدالحسين الحياوي (25) السيد محمد حسين السيد كاظم القزويني (26) السيد هادي الخرسان (27) السيد هادي النقيب الرفيعي (28) السيد محمد الحسيني (29) الشيخ محمد حسين الجواهري (30) عبدالغني مسعود (31) الحاج محمد سعيد شمسه (32) محمد رضا الصراف (33) السيد مهدي السيد سليمان (34) الحاج حسون شربة (35) السيد حسن كمونة (36) محمد الحاج محسن النجم (37) غيدان عدوه (38) الحاج حسين الظاهر (39) محمد رؤوف شلاش (40) السيد علي جريو (41) عبد المهدي الدجيلي (42) عيسى الخلف (43) هادي الحاج علوان (44) صالح نعمة (45) الحاج سعد الدعمي (46) السيد محمد رضا الحلو (47) الحاج جواد شعبان (48) مجيد الحاج محمد شريف (49) محمد سعيد ناجي (50) يوسف عجينة (51) نعمة السيد محمد الصافي (52) كاظم الشيخ محمد علي بيج (53) الحاج هادي فخر الدين (54) سلمان فخر الدين (55) ملا عزيز آل سليمان (56) حسين النجم (57) سلمان الظاهر رئيس الخزاعل (58) السيد هادي امگوطر (59) حاج جاسم آل چياد (60) مرزوك العواد (61) عبدالواحد الحاج سكر (62) علوان الحاج سعدون (63) سلمان العبطان (64) السيد عبد زيد (65) السيد محسن أبو طبيخ (66) السيد هادي زوين (67) صدام الفنيخ (68) جرى المريع (69) لفته الشمخي (70) عبادي آل حسين (71) مهدي آل عسل (72) مجبل آل فرعون (73) السيد عبدالله العذاري (74) الشيخ عبداللطيف شعبان (75) الحاج عبدالله شعبان.
الثورة العراقية الكبرى
ـ 2 ـ
لقد كان في أذهان الإنكليز حين احتلوا العراق أنهم سيستطيعون الاعتماد على الشيعة وحدهم في حكم البلاد، وأن الشيعة بسبب ما عانوه في الماضي من الحكم العثماني، وما ألجئوا إليه من الانعزال، وما عوملوا به من الإبعاد عن الشؤون العامة، وعن الحكم بالذات، بحيث أن مجلس النواب العثماني (مجلس المبعوثان) لم يكن بين أعضائه من شيعة العراق ـ وهم الأكثر عدداً فيه ـ إلا نائب واحد اختير من منطقة كربلاء لمرة واحدة لم تتكرر. أما بقية المناطق المأهولة بالشيعة وحدهم فقد كان الحكم يرشح فيها نواباً غرباء عنها ليس بينهم شيعي. وكذلك القول في مجلس الأعيان الذي لم يكن فيه عضو شيعي لا عراقي ولا غير عراقي.
وإذا كان قد وجد نائب شيعي عراقي واحد في مجلس النواب، فقد كان يزامله فيه نائب شيعي آخر عن ولاية بيروت التي كان يتبعها جبل عامل ذو الأكثرية الشيعية.
وهكذا نرى أن مجلس النواب العثماني لم يكن يضم إلا نائبين شيعيين فقط على الكثرة العددية التي كانت للشيعة في الدولة العثمانية، لا سيما في العراق. أما مجلس الأعيان فحرم الشيعة من دخوله.
وقد ركزنا على مجلس النواب ومجلس الأعيان ليكونا مثلين بارزين على ما كان عليه الشيعة من اهتضمام في العهد العثماني.
أما في الوظائف الكبرى منها والصغرى، فليس في تاريخ الدولة العثمانية ما يشعر بأنه كان للشيعة فيها نصيب ابتداءً من منصب الوزير وانتهاء بمنصب مدير الناحية ومروراً بمنصب الوالي ومنصب المتصرف ومنصب القائمقام. ما عدا متصرفاً واحداً من جبل عامل عين لفترة قصيرة ثم عزل.
ومما عاناه الشيعة في الدولة العثمانية عدم الاعتراف بمذهبهم فكان المفروض عليهم أن يتحاكموا ويحكم عليهم بما يراه قضاة المذهب الحنفي.
هذا كان وضع الشيعة عندما احتل الإنكليز العراق. ومن هنا حسب الإنكليز أن الشيعة سيكونون هم المرحبين بهم العاملين معهم.
وقد كان على الإنكليز أن يعوا الدرس الذي تلقوه عند بدء احتلالهم للبصرة ومحاولتهم التقدم نحو بغداد، وكيف أن الشيعة قد نسوا كل ما عانوه من حكم الأتراك فهبوا وعلى رأسهم مجتهدوهم للدفاع عن الدولة العثمانية لأنها كانت بنظرهم الدولة الإسلامية الكبرى المهددة أرضها بالاحتلال الأجنبي، واعتقدوا ـ مصيبين أو مخطئين ـ بأن زوالها زوال للدولة الممثلة للإسلام والمتسمة بسمة الخلافة الإسلامية.
كان على الإنكليز أن يعوا هذا الدرس، ولكنهم ـ على دهائهم وحنكتهم ـ لم يعوه، وحسبوه أمراً طارئاً لا يلبث الواقع الذي ينتظر الشيعة أن يجعلهم أصدقاء الإنكليز الذين يعتمدون عليهم.
وعندما دعا السير وليم مارشال القائد العام للجيوش البريطانية في العراق ـ عما دعا في 11 تشرين الثاني 1918م من اعتقد أنهم زعماء العراق وألقى عليهم خطاباً ثم وزعه عليهم مكتوباً، مناهم فيه الأماني، وأشار فيه إلى ما سيبدأ بتنفيذه من إطلاق أسرى الحرب العرب وإعلان عفو عن فريق من السجناء وتوزيع طعام وألبسة على الفقراء وإطلاق الحرية للتجار وتخفيف التضييق عن العمل الشخصي ـ لم ينس أن يضرب على الوتر الشيعي الحساس، وأن يلفت نظر الشيعة إلى العناية الخاصة بهم، فجعل من جملة وعوده السماح بنقل الجثث لتدفن في كربلاء والنجف، وفتح الطريق من جديد للزيارات المنظمة للأماكن المقدسة.
لم يفت أحد زعماء الشيعة الحاضرين الشيخ مبدر الفرعون رئيس عشيرة آل فتلة ـ لم يفته ما رمى إليه القائد الإنكليزي الفاتح، وأدرك أن الشيعة هم المقصودون أكثر من غيرهم بأقوال السير وليم مارشال، لذلك انبرى وحده للرد عليه، متجاهلاً كل ما قاله عن كربلاء والنجف والزيارات ونقل الجثث. لا بصفته زعيماً شيعياً كبيراً، بل بصفته عربياً استقلالياً يرى أن تحقيق الاستقلال العربي ـ لا العراقي وحده ـ هو المطلب المنشود، وركز في رده على ما قاله القائد الإنكليزي: «أتيت لأذيع بينكم انتهاء القتال مع الجيوش التركية ـ (إلى أن يقول): يمكننا اليوم أن نبين أن الوعود التي أعطيت مراراً يجب أن تنجز في أول فرصة ممكنة».
والوعود التي يشير إليها، هي الوعود التي أغدقها سلفه فاتح بغداد الجنرال (مود) إذ أنه بعد احتلاله بغداد في 11 آذار سنة 1917م ـ أذاع في 19 آذار 1917م منشوراً على العراقيين قال فيه فيما قال: «إن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل بمنزلة محررين».
ثم يقول: «أمنية الحكومة البريطانية هي أن تحقق ما تطمح إليه نفوس فلاسفتكم وكتابكم مرة أخرى ولسوف يسعد أهالي بغداد حالة ويتمتعون بالغنى المادي والمالي بفضل نظامات توافق قوانينهم المقدسة وأطماحهم القومية الفكرية».
ثم يقول: «إن التصميم هو أن لا يذهب ما قاساه العرب الشرفاء هباء منثوراً. إن المأمول لهو مأمول بريطانيا العظمى والأمنية أمنيتها، بل هو مأمول وأمنية الأمم المتحالفة معها أن تسمو الأمة العربية مرة أخرى عظمة وصيتاً وأن تسعى كتلة واحدة وراء هذه الغاية بالاتحاد والوئام».
ثم يختم قوله بهذه الجملة: «… أن تنظموا مع ذوي قرباكم شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً في تحقيق أطماحكم القومية».
وقف الشيخ مبدر الفرعون يرد عليه قائلاً فيما قال: «… إني لا أقدر أن أصف ما نشعر به من السرور والبهجة لما شاهدناه من ألطاف فخامتكم يا حضرة القائد العام وتفضلتم بهذه الدعوة لاجتماعنا مع بعضنا البعض وما ينتج على أثر ذلك من التحاب وما تفضلتم بإبدائه من مضمون خطتكم الجليلة التي احتوت على ما تأمله الأمة العربية من حسن نوايا الحكومة البريطانية».
ثم يقول: «وحيث أن فخامتكم هو الممثل الأوحد لجلالة الملك جورج الخامس أعرض لفخامتكم أن الأمة العربية لا تنفك مخلصة للحكومة البريطانية ما دامت هذه نواياها».
ثم يختم خطابه قائلاً: «فنسأل الله أن يديم اجتماعاتنا بحفلات شائعات مثل هذه الحفلة التي طفحت بالسرور العظيم والإخلاص العميم، وأن يحقق آمال العرب وأمانيهم التي ضحوا في سبيلها بكل غال ورخيص».
كان خطاب الشيخ مبدر الفرعون جواباً على خطاب وليم مارشال رداً عنيفاً على تلويح الجنرال بما لوح به للشيعة، وبياناً واضحاً بأن الشيعة عرب استقلاليون تحرريون، لا انتهازيون إقليميون، ولا وصوليون نفعيون، فاضطهاد الترك لهم لا يحملهم على مصادقة الإنكليز والسير معهم، إنهم طلاب استقلال وحرية لا للعراق وحده بل للبلاد العربية جميعها، فهو قد كرر أكثر من مرة كلمة (الأمة العربية).
فالشيخ مبدر فضلاً عن أنه خيب أمل الإنكليز بتجافيه عن أن يلم أدنى إلمام بما هو مذهبي، بل تعالى عن ذلك كل التعالي، أنه إلى جانب ذلك قد تجافى عن الإلمام أدنى إلمام بما هو إقليمي محلي، فهو الزعيم العربي الذي لا يتكلم عن الشيعة وعن العراق، بل يتكلم عن العرب وعن الأمة العربية.
والشيخ مبدر الفرعون ليس خريج الجامعة التي يمكن أن يكون لقنته شؤون القوميات، ولا من دارسي النزعات التي أفرزتها النهضة الأوروبية قومياً وعربياً…
إنه خريج القاعدة الشيعية الصلبة التي أرسى أسسها علي بن أبي طالب، يوم ذادوه عن حقه في الخلافة فقال: «… والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة».
لقد كان علي بن أبي طالب يستطيع يومذاك أن يثيرها حرباً شعواء يلتف فيها حوله الأنصار الناقمون بقيادة سعد بن عبادة، ويستجيب له فيها مالك بن نويرة وقومه الذين وصموهم بالردة، وهم لم يرتدوا، بل توقفوا متسائلين عن الأسلوب الذي تم فيه الوصول إلى الخلافة!
وتلتف حوله الألوف المؤلفة لو أهاب بها. ولكن أمور المسلمين هي وحدها التي تهم علي بن أبي طالب، وأمور المسلمين قد لا تسلم إذا أعلنا الحرب.
لقد كان علي بن أبي طالب يلوح لمبدر الفرعون من وراء العصور، وكانت كلمته بل كلماته تجلجل في سمعه وتملأ نفسه فانطلق يتحدث بمثل ما تحدث به.
وقبل ذلك عندما صرح المسيو بيشون وزير خارجية فرنسا في مجلس النواب في أواخر تشرين الأول سنة 1918م بما يناقض أهداف السوريين واللبنانيين والأحرار في الاستقلال اجتمع رجال الدين وزعماء العشائر الشيعية في دار المرجع الديني الكبير الشيخ مهدي الخالصي وقرروا الاحتجاج على بيان الوزير الفرنسي فكتبوا احتجاجاً رفعوه إلى حكومة فرنسا وحكومات الحلفاء هذا نصه:
«إن الخطاب الذي ألقاه مؤخراً مسيو بيشون ناظر خارجية فرنسا، في مجلس النواب الفرنسوي، والذي أظهر فيه أن للأمة الفرنسوية حقوقاً في سوريا ولبنان وفلسطين نشأت عن التقاليد التاريخية. وأن هذه الحقوق قائمة ـ أيضاً ـ على آمال، ورغائب السكان، الذين هم زبائن فرنسا ـ منذ زمن طويل ـ وأن المعاهدات السابقة التي وردت بها هذه الحقوق، وما زالت كما كانت عليه وأن يكون لمؤتمر السلم القول الفصل.
فنحن ـ العراقيين ـ بصفتنا عرباً، ويهمنا ما يهم سوريا ولبنان وفلسطين، لا نعتقد بأن لأمة من الأمم ـ في بلادنا العربية ـ حقوقاً قديمة ولا حديثة. ولم تكن الصلات التجارية المؤسسة على حرية التجارة بين الشعوب وفقاً لقوانين حقوق الدول ـ سبباً يكسب البلاد المتاجرة حق الأرجحية في البلاد على أهلها، والتصرف بحريتهم الوطنية، واستقلالهم الذاتي. ولما كانت كل تصريحات رجال الدول العظمى ـ ونخص منهم بالذكر رئيس الولايات المتحدة المشهور ـ تفيد أن غاية الحرب الكبرى هي تحرير الشعوب، ونسخ كل سياسة دولية يقصد منها تقييد حرية الأمم، واتخاذ شكل لها يخالف إرادتها؛ فنحن ـ كأمة قامت تطالب باستقلالها، وتهرق دماء أبنائها، وتضحي زهرة شبابها على مجازر الظلم في سبيل استقلالها، وقامت تنتصر للحلفاء أيام كانت الحرب غير باسمة لهم ـ وعلى الخصوص في الساحات الشرقية ـ نأبى كل معاهدة عقدت بشأننا من هذا القبيل بين دولة وأخرى ونعتقد أننا محونا بدماء أبنائها، كل معاهدة، أو اتفاق، أو مفاوضة، جرت بدون معرفتنا.
هذا؛ وليست الأمة العربية، أقل مجداً تاريخياً، أو حضارة زاهرة، أو جدارة بالاستقلال؛ من الأمم اليونانية، والسربية، والبلقانية، والرومانية، والجبلية، وغيرها من الدول؛ التي أجمع الحلفاء ـ في أشد أزمات السياسة الدولية ـ على إجابة مطاليبها الاستقلالية. ولم تبذل تلك الدول أكثر مما بذلنا ولا كانت ـ عند استقلالها ـ أعظم رقياً منا.
فنحن ـ بناء على ما أوردناه من الحقائق المعروفة بالبداهة لدى مقامكم المعظم، واستناداً على بيانات، ووعود رجال الدول العظمى العلنية، التي اتخذناهها، واتخذها العالم بأجمعه سنداً ـ نحتج على البيانات التي أوردها ناظر خارجية فرنسا المحترم، ونطلب باسم الحرية والإنسانية؛ اللتين دعتاكم لتحرير اليونان؛ اعترافاً بحضارتها القديمة، ومجدها الغابر، أن تعضدونا في هذا الأمر الحيوي؛ لأن تاريخنا من الحضارة، والعظمة، والمجد؛ ما يدعوكم لنجدتنا ومعاضدتنا؛ في طلب حقوقنا الطبيعية؛ التي يرمز إليها علمنا العربي الذي نستظل بظله الآن فرحين، وبالختام اقبلوا فائق احتراماتنا».
علماء الشيعة مجتمعين في الكاظمية عندما احتل الإنكليز البصرة في الحرب العالمية الأولى وفي هذا الاجتماع أعلنوا الجهاد للدفاع عن العراق في وجه الإنكليز ومناصرة الجيش التركي
الاستفتاء
الواقع أن خطاب مبدر الفرعون كان تحديداً لموقف الشيعة من القضية الوطنية، وعندما تكلم الشيخ مبدر كان يعلم أن ما يتكلم به هو صدى لما يعتمل في نفوس الشيعة في كل بقعة عراقية لذلك كان واضحاً صريحاً بإعلان ما أعلنه بأن محاولة دغدغة عواطف الشيعة بذكر النجف وكربلاء والزيارات هو شيء لا يثير اهتمام الشيعة في هذا الموقف اليوم. فلم يقل كلمة واحدة في هذا الشأن، بل تجاوزه إلى الحديث عن العرب وحقوقهم والأمة العربية وتطلعاتها. ولا شك أن الإنكليز بوغتوا بهذا الموقف الشيعي الجلي لا سيما وأن المعبر عنه رجل في مقام مبدر الفرعون الذي يرأس عشيرة من أكبر عشائر العراق والذي يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها.
وقد كان كلامه الكلام العراقي الوحيد في ذلك المجتمع بحيث بدا أن الجميع موافقون على ما قال.
ومع ذلك فقد رأى الإنكليز أن يكملوا طريقهم فاعتبروا كلام مبدر كلاماً شخصياً لا يعبر عن حقيقة موقف الشيعة أو أنه نتيجة حماسة وقتية لا تلبث أن تزول عند إعمال الفكرة والتبصر بالأمر. فلجؤوا إلى الاستفتاء الذي رأوا فيه الطريقة الوحيدة التي تضمن لهم إبراز النوايا الشيعية الصحيحة التي كانوا حتى ذلك الوقت يعتبرونها في مصلحتهم. وكان الإنكليز قد عينوا حكاماً إنكليزاً لجميع المناصب العراقية، ففي مركز كل لواء وكل قضاء (حاكم) إنكليزي يدير شؤونه، فبعث الحاكم العام إلى هؤلاء الحكام طالباً إليهم أن يجري كل منهم في منطقته استفتاء على شكل الحكم الذي يريده العراقيون مؤملاً أن تكون نتيجة الاستفتاء في صالح الإنكليز، وكان الاستفتاء عبارة عن أسئلة معينة، كان السؤال الأول منها عن جنسية الحاكم الذي يريدونه والثاني عن شكل الحكم والثالث عن حدود العراق. وإننا ننشر نص جواب مدينة الكاظمية نموذجاً لغيره من الأجوبة.
في يوم الأربعاء الموافق 25 ربيع الثاني 1337هـ؛ اجتمع علماء وأشراف ووجوه مدينة الكاظمية، ووقعوا على المضبطة التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم: بناء على الحرية التي منحتنا إياها الدولتان المفخمتان بريطانيا وفرنسا، وحيث أننا ممثلو جمهور كبير من الأمة العربية العراقية المسلمة؛ فإننا نطلب أن تكون للعراق ـ الممتدة أراضيه من شمالي الموصل إلى الخليج ـ حكومة عربية إسلامية، يرأسها ملك عربي مسلم؛ هو أحد أنجال جلالة الملك حسين؛ على أن يكون مقيداً بمجلس تشريعي وطني. والله ولي التوفيق».
وقد وقّع العريضة فيمن وقعها كبار العلماء: الشيخ مهدي الخالصي والسيد حسن الصدر، والسيد محمد مهدي الصدر، والشيخ السلماسي، والسيد مهدي بن السيد أحمد آل السيد حيدر، والشيخ عبدالحسين آل ياسين.
على أن الكلمة الفصل في هذا الموضوع هي لمدينة النجف وما يتبعها من العشائر الفراتية الشيعية الكبرى. وكان الإنكليز قد جعلوا النجف مركزاً لما سموه (لواء النجف والشامية)، وكانوا يعلمون أن هذا اللواء هو الذي يقرر المصير ففي مدينة النجف المراجع العلمية الدينية، وفيما يتبعها من مناطق؛ القيادات السياسية الفاعلة التي يمكن أن تنقلب بسرعة إلى قيادات عسكرية محاربة.
لذلك كتب الحاكم العام أرنولد ولسون في 30 تشرين الثاني سنة 1918م إلى الميجر (نوربري) الحاكم السياسي للواء النجف والشامية أن يدعو رؤساء عشائر النجف ووجوهها ليجتمع ولسون إلى الجميع ويذاكرهم في مستقبل الحكم في العراق.
ونفذ نوربري أمر رئيسه ودعا إلى اجتماع النجف في أوائل كانون الأول كلاً من: الشيخ عبدالكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري والسيد هادي النقيب والسيد عباس سادن الحضرة العلوية والحاج محسن شلاش والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ عبدالرضا الشيخ راضي والسيد محمد رضا الصافي والشيخ باقر الشبيبي.
ودعا من رؤساء العشائر كلاً: من محسن أبو طبيخ والسيد نور الياسري والسيد علوان الياسري والشيخ مجبل آل فرعون ومحمد العبطان والحاج عبدالواحد سكر والسيد هادي زوين وشعلان الجبر وعلوان الحاج سعدون وعبادي الحسين ولفتة آل شمخي ومرزوق آل عواد وسرتيب آل مزهر وفريق المزهر.
ووصل ولسون إلى النجف والتقى بالمدعوين مجتمعين وخطب فيهم فرد عليه الشيخ محمد رضا التشبيبي مطالباً بحكومة دستورية يرئسها ملك عربي، مما أثار امتعاض الحاكم العام فقاطعه ضارباً ـ أي الحاكم ـ بقبضة يده على المنضدة ولكن بدون جدوى.
وتكلم الحاج عبدالواحد سكر طالبا إمهال المجتمعين ليتشاوروا مع غيرهم ممن لم يحضروا الاجتماع ليتفق الجميع على رأي واحد.
فاستاء الحاكم العام إذ لم يكن متوقعاً مثل هذا الموقف فرد على عبدالواحد قا ئلاً: «اجتمعوا الآن وقرروا قراراً إجماعياً بما تتفقون عليه وسلموه لنا.
وانفض الاجتماع دون أن ينال الحاكم العام مأرباً من المجتمعين.
وكان السيد كاظم اليزدي هو المرجع الديني الأكبر، في ذلك الوقت، ولكنه كان قد صار إلى شيخوخة واهنة، وقد زاره الحاكم العام، وقد تبين بعد ذلك أن الزيارة كانت أقرب أن تكون زيارة مجاملة وأن الحاكم لم يصارحه بكل شيء.
فإن المجتمعين بعد أن خرجوا من اجتماعهم مع الحاكم العام تفرقوا إلى المنازل، وسار عبدالواحد سكر والسيد علوان الياسري إلى دار السيد محمد رضا الصافي وبعثا إلى الشيخ عبدالكريم الجزائري ليوافيهما إليها، فاتفقوا على أن يقابلوا السيد كاظم اليزدي ويطلعوه على نتيجة الاجتماع ويعلموا ما دار بينه وبين الحاكم العام ولسون، فلما قابلوه وأخبروه بما جرى بينهم وبين ولسون، تعجب السيد اليزدي وقال لهم إنه لم يكلمني بهذه الصراحة، وأشار عليهم بأن يعقدوا اجتماعاً عاماً يحضره ممثلون لجميع الطبقات.
وعمل الجماعة برأي السيد اليزدي فدعوا إلى اجتماع أكبر انعقد عصر اليوم التالي في منزل الشيخ جواد الجواهري حضره أكبر عدد أمكن وصول الدعوة إليه.
فتكلم الشيخ جواد فعرض على الحاضرين ما جرى مع الحاكم العام وطلب إليهم إبداء رأيهم لينتهي الاجتماع إلى قرار بات.
فتناول الكلام كثيرون وطالب بعضهم بحكم جمهوري ورشح أحدهم ملكاً سماه.
وكان آخر المتكلمين الحاج عبدالواحد سكر الذي قال فيما قال: إننا غير أكفاء للجمهورية ولسنا إنكليز لنختار حاكماً غير عربي. إننا عرب والواجب القومي يقضي علينا أن نختار ملكاً عربياً وحيث أن البيت الهاشمي في مكة أنبل بيت في العالم العربي فيجب أن نختار أحد أنجال الملك حسين ليكون ملكاً على العراق.
فوافق الجميع على هذا الرأي وتفرقوا كل إلى بلده.
الإعداد للثورة
كان مفهوماً للجميع أن الإنكليز يعدون لاستمرار حكمهم المباشر للعراق، وقد كانوا يأملون أن يكتسب هذا الحكم غطاء شعبياً ينتج عن الاستفتاء الذي قاموا به. وكان في ظنهم أن الشيعة بسبب ما نالهم من الحكم الماضي سيماشونهم ثم تبين لهم خطؤهم في الرأي وأن الشيعة مصممون على طلب الاستقلال والحؤول بين الإنكليز وتطبيق الحكم المباشر لذلك عادوا يتنمرون وكفوا عن مسايرة الشيعة وطلب مرضاتهم.
وأدرك الشيعة في الوقت نفسه أن الإنكليز لا يرضون بحكم عربي دستوري استقلالي يرأسه ملك عربي، لذلك صمموا على الثورة على الإنكليز ثورة مسلحة كاسحة يكونون هم وقودها.
وكان قرارهم الذي اتخذوه في النجف في دار الشيخ جواد الجواهري تحدياً صريحاً للإنكليز وإعلاناً للتمرد عليهم، فكان لا بد لهم من الإعداد للثورة والانصراف إلى ما يقتضيه العمل الثوري المسلح من تجميع للقوى وتوحيد، وكان ذلك كله متوقفاً على الالتفاف حول زعيم له من القدرات الفكرية والنفوذ الشعبي ما يجعل كلمته نافذة وأوامره ملزمة، وكان ذلك محصوراً بالمرجعية النجفية التي تستطيع وحدها الإمساك بزمام الموقف والتي يستجيب لها الشعب استجابة طوعية: ويسلم لها الزعماء كلهم دون منازع.
ولما كان السيد اليزدي قد صارح القوم بأنه ليس من السياسة في شيء ولم يمارسها طوال حياته وأنه بذلك يخشى مزالقها، وأنه لا يريد إلا تعاطي ما خلق له من تسيير شؤون مرجعيته الدينية، لذلك اتجهت أنظار الجميع إلى الرجل الذي يمكن أن يكون مؤهلاً لقيادة العمل الثوري المسلح فوجدوه في شخص الشيخ محمد تقي الشيرازي الذي كان لا يقل شهرة وصلة بالجمهور عن السيد اليزدي. وكان الشيرازي يقيم في ذلك الوقت في سامراء، فكتب المعدّون للثورة إلى نجله الشيخ محمد رضا ليعرض الأمر على والده ثم لينتقل الوالد إلى النجف، فجاء الجواب بالموافقة وأن الشيخ يتهيأ للانتقال، ثم ارتؤوا أن تكون كربلاء هي مقر الشيخ لعوامل عديدة، وهكذا انتقل الشيرازي من سامراء إلى كربلاء.
وكانت أول خطوة في قيادته الثورية أن وجه إليه الاستفتاء الخطي التالي:
ما يقول شيخنا وملاذنا حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين شيخ ميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي متع الله المسلمين بطول بقائه في تكليفنا معاشر المسلمين بعد منحنا من الدولة المفخمة البريطانية العظمى انتخاب أمير لنا نستظل بظله ونعيش تحت رايته ولوائه، فهل يجوز انتخاب غير المسلمين للإمارة والسلطنة علينا أم يجب علينا اختيار المسلم. بينوا تؤجروا.
فكان جواب الشيخ على الاستفتاء بهذا النص:
بسم الله الرحمن الرحيم
«ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين».
وكان الغرض من هذه الفتوى قطع الطريق على الإنكليز لمواصلة الاستفتاء، والمقصود بغير المسلم سواء في الاستفتاء، أو الجواب هو (الإنكليزي)، إذ كان الحاكم العام الحالي إنكليزياً، وكان المطلوب أن يستمر إنكليزياً، وأن يحكم العراق حكماً إنكليزياً مباشراً.
وقد طبع من هذه الفتوى عشرات ألوف النسخ ووزعت في كل مدينة وقرية. وفي مساء 27 رجب 1337 (30 نيسان 1919م)، توفي السيد كاظم اليزدي، فأصبح الشيخ الشيرازي هو المرجع الأول دون منافس، إذ كان هو المؤهل لتولي المرجعية بعد اليزدي سواء كان هناك ثورة أو لم يكن. وبذلك تقوى موقفه وموقف المعدين للثورة.
ولما كانت الثورة قد أصبحت محتومة. فقد ارتئي إعداد مكتبين لها واحد في النجف وآخر في كربلاء وتولى مكتب النجف كل من الشيخ محمد رضا الشبيبي والسيد سعيد كمال الدين والسيد حسين كمال الدين والسيد سعد صالح والسيد محمد عبدالحسين والشيخ محمد باقر الشبيبي. وعهد بالرئاسة للشيخ محمد رضا الشبيبي.
الشيخ محمد تقي الشيرازي
وتألف مكتب كربلاء من كل من السيد هبة الدين الشهرستاني والسيد عبدالوهاب الخراساني والشيخ عبدالحسين نجل الشيخ محمد تقي الشيرازي. وعهد بالرئاسة للسيد هبة الدين الشهرستاني.
ولما كان المجتمعون بالحاكم العام ولسون في النجف قد وعدوه بأن يجيبوه على ما عرض عليهم من أسئلة لذلك فقد اجتمعوا في دار الشيخ جواد الجواهري وكتبوا الجواب التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد أن اجتمع بنا الحاكم العام في النجف الأشرف وأخبرنا بلسان الحكومة البريطانية المحتلة بشكل الحكومة التي نختارها وننتخب ملكاً، وبعد اجتماعنا بعلمائنا وبعد أن وقفنا على مقررات دولتي بريطانيا وفرنسا حول تحرير الشعوب وخلاصة قولها أن غرض الحكومة في الشرق تحرير الشعوب تحريراً نهائياً وإنشاء حكومات وإدارة وطنية في سورية والعراق تقوم بها الشعوب بذاتها من خالص رغبتها ومحض اختيارها وبعد ملاحظة الأصول الإسلامية الجعفرية فإننا قررنا على أن تكون لنا حكومة عربية إسلامية ملكية دستورية مقيدة بقانون أساسي بشرط أن لا يخالف قواعدنا وعاداتنا وشعائرنا الدينية منها والوطنية تحت ظل ملك عربي وهو أحد أنجال الشريف حسين. هذه رغبات الأمة العراقية لا نحيد ولا نتنازل عنها قيد شعرة.
وقد وقع على هذا الجواب كبار العلماء وزعماء العشائر ووجوه مدينة النجف.
ولما انتهى الأمر إلى هذا الحد وظهر أن اجتماعات المجتمعين ستستمر وأنها اجتماعات تمردية بدا أثرها في جوابهم على ما استفتاهم به الحاكم العام ولسون ـ أمر حاكم النجف الإنكليزي الزعماء والرؤساء بالتفرق وذهاب كل منهم إلى بلده.
على أنه لم تنقطع الصلات بينهم فظلوا يتكاتبون وينظمون اجتماعات محلية ويترددون إفرادياً على النجف.
وظل الشيخ الشيرازي في موقعه في كربلاء يوجه ويهيىء فمن ذلك أنه ألف مجلساً استشارياً يساعده في المهمات، مكوناً من كل من الشيخ مهدي الخالصي والسيد أبو القاسم الكاشاني والسيد هبة الدين الشهرستاني وميرزا أحمد الخراساني والشيخ محمد رضا الشيرازي.
أما في مدينة النجف، فقد كان المسجد الهندي منتدى شعبياً عاماً تلتقي فيه الجموع يومياً بعنوان الاستماع إلى مجالس «التعزية» فيقوم الخطباء بتهيئة النفوس للثورة وشحنها بالحماسة. وقد اشتهر بذلك خطيب المنبر الحسيني الشيخ محمد علي القسام الذي كان في ذلك الوقت من أبرع الخطباء وأكثرهم شعبية، كما عرف من غير الخطباء السيد محمد الباقر الحلي الذي كان يلقي القصائد الشعرية الحماسية.
ولما رأى الحاكم الإنكليزي العام ما يجري واقتنع بفشل سياسة الاستفتاء عمد إلى استعمال الشدة فاستبدل بحكام المناطق السابقين حكاماً عرفوا بالشراسة والعنفوان مما عجل باشتعال الثورة.
وجرت اتصالات مع بغداد قام بها السيد هادي زوين فعقد اجتماع([236]) في إحدى الدور البغدادية في 3 شعبان سنة 1338 خطب فيه السيد هادي فرد عليه أحد البغداديين مستوضحاً حقيقة ما يجري في كربلاء والنجف ومقدار الاستعداد للثورة والموقف العلمي للعلماء، لكي يحدد البغداديون موقفهم.
فرد السيد هادي قائلاً: أنا أفصحت لكم بقولي إن الفراتيين([237]) مع العلماء في النجف وكربلاء وضعوا الخطط الصريحة للعمل الجدي، فليحدد البغداديون موقفهم.
وكثرت الأقوال وتكلم كثيرون. وكان بين ما قيل كلام (مطاطي) كما عبر عنه أحد الكتّاب.
ولما كثر الكلام وطالت الجلسة حسم الحاج جعفر أبو التمن الأمر بأن قال: «إني أود أن أدرس الحالة بنفسي وأقف على حقائق الأمور. فاتفق الجميع على ذلك.
وقرر جعفر أبو التمن السفر إلى كربلاء في 13 شعبان ليجتمع بالعلماء والزعماء حيث يصادف يوم 15 شعبان موعد الزيارة الشعبية للحسين (عليه السلام) في كربلاء.
وعاد السيد هادي مصحوباً بجعفر أبي التمن إلى كربلاء فالتقى هناك ببعض العلماء النجفيين وبزعماء العشائر فقرر الجميع انتخاب وفد منهم مؤلف من أربعة أشخاص برفقة جعفر أبي التمن لمقابلة الشيخ الشيرازي والمداولة معه في الموقف والاتفاق على الخطوة القادمة. فلما اجتمعوا تم القرار على ما يلي:
أن يتقدموا بكتاب خطي إلى السلطات البريطانية يحتوي على طلب الاستقلال التام. وأن يدعموا طلبهم بمظاهرات سلمية، فإن استجابت السلطات لهم تحقق المطلوب، وإن لم تستجب ـ وهذا ما كانوا واثقين منه ـ أعلنوا الثورة المسلحة الشاملة.
ثم دعي بقية الزعماء الفراتيين ـ وكانوا موجودين في كربلاء ـ إلى مؤتمر عام يعقد في منزل الشيخ الشيرازي، فقرر المؤتمر بالإجماع الموافقة على القرار المتقدم. ثم توجهوا إلى مقام الثائر الأكبر الحسين بن علي (عليه السلام) فأدوا الزيارة مجتمعين وعاهدوا الله ورسوله أمام ضريح الحسين على أن يخلصوا في ثورتهم ويتفانوا في تحقيق أهدافهم الاستقلالية وأن لا يتراجعوا.
وإننا تخليداً لذكرهم نسجل أسماءهم هنا وهم:
السيد محسن أبو طبيخ، وشعلان أبو الجون، والسيد نور الياسري، وعبدالواحد سكر، ومجبل الفرعون، والسيد علوان الياسري، والسيد قاطع العوادي، وغثيث الحرجان، ورايح العطية، ومرزوق العواد، وشعلان الجبر، وعبادي الحسين، وعبد السادة الحسين، وجري المريع، والسيد هادي مقوطر، والسيد هادي زوين، وسرتيب المزهر فرعون.
وعاد جعفر أبو التمن إلى بغداد وأنبأ البغداديين بما كان فقرروا أن تعضد بغداد الثورة بمظاهرات سلمية تعلن المطالب الوطنية لا أكثر من ذلك.
الثورة
أخذ زعماء الفرات يتفرقون فانتقل شعلان أبو الجون وغثيث الجرحان إلى الرميثة حيث مضارب عشائرهما، وعمل آخرون على أخذ رسائل من الإمام الشيرازي إلى مختلف الأنحاء تفصل الأمور.
ورأوا أن يراجعوا رؤساء (السماوة) و(الرميثة) وأن يوفدوا رسولاً إليهما مسموع الكلمة فاختاروا الشيخ رحوم الظالمي وهو يجمع صفتين: كونه في الأصل من الفاعلين في عشائر الرميثة لأنه منهم، وكونه متفقهاً ممن درسوا في النجف ولا يزال فيها. ومضى الشيخ رحوم يحمل رسالة من الشيرازي موجهة إلى (المؤمنين في كافة العراق) وأدى مهمته أحسن أداء متغلغلاً بين العشائر.
ثم تقرر أن تقدم كل منطقة بمفردها عريضة إلى حاكم المنطقة بطلب الاستقلال، وزاد النجفيون في عريضتهم تعيين موعد لمقابلة حاكم النجف (نوربري) فاجتمعوا به وصارحوه بمطلبهم وتمنوا عليه أن يتلقوا جواباً، فقال الحاكم بأنه سيتصل بالحاكم العام في بغداد ويعلمهم بجوابه. وطال الانتظار ولم يأت الجواب.
وقرر الإمام الشيرازي إرسال وفد من قبله لمقابلة الحاكم العام في بغداد وتألف الوفد من السيد هبة الدين الشهرستاني والميرزا أحمد الخراساني وحمل معه المطالب الاستقلالية، لكن الحاكم رفض مقابلة الوفد كما رفض استلام كتاب الشيرازي.
ولكنه عاد بعد حين فأرسل بواسطة حاكم النجف رسالة موجهة إلى (حضرات أصحاب الفضيلة العلماء الأعلام وحضرات أشراف النجف الأشرف) ومؤرخة في 16 يونيو 1920م يمني فيها ويعد بوعود غامضة فحاول شيخ الشريعة في النجف التهدئة بناء على هذه الرسالة ولكن الأمور كانت تسير سريعاً إلى الثورة.
وقامت في كربلاء احتشادات ومظاهرات وألقيت الخطب الحماسية العنيفة، فذهبت قوة عسكرية إلى كربلاء طوقت المدينة ثم اقتحمتها وقبضت على الشيخ محمد رضا نجل الإمام الشيرازي وعلى آخرين في 5 شوال 1338 ونفتهم إلى جزيرة هنجام في الهند.
وحدث في مدينة الحلة مثل ما حدث في مدينة كربلاء فنفي بعض رجالها إلى هنجام أيضاً.
وبعد توالي هذه الأحداث عقد زعماء الفرات اجتماعاً قرروا فيه عدة قرارات منها إعلان استقلال البلاد ووضع صيغة إنذار يوجه إلى حاكم النجف والشامية يحتجون فيه على الاعتقالات والنفي ويطلبون إطلاق المنفيين.
كما أرسلوا رسائل إلى إخوانهم في بغداد والكاظمية والرميثة يخبرونهم بما جرى وينبؤونهم بأن الثورة على الأبواب ويدعونهم إلى الاستعداد لها.
كما قرروا بأنه إذا لم يستجب المحتلون لمطالبهم في مدة خمسة أيام من تقديم المطالب فستعلن الثورة في 18 شوَّال سنة 1338.
وأبلغوا مقرراتهم إلى الإمام الشيرازي وغيره من العلماء، وطلبوا من الشيرازي إصدار فتوى بمشروعية الثورة.
وانتهت جلساتهم في 12 شوَّال 1338 على أن يجتمعوا اجتماعاً آخر عند انتهاء مدة الإنذار للنظر في تنظيم الأمور وتأمين الطرق والشروع بالثورة. ومضى كل منهم إلى جهته للإعداد لليوم الموعود. على أنهم قسموا مناطق الفرات إلى ثلاث جبهات هي:
1 ـ جبهة أبو صخير والشامية والنجف وكربلاء وطويريج وعفك بما فيها الدغارة وأطراف الحلة والفلوجة والمسيب والمحمودية.
2 ـ جبهة السماوة والرميثة وتوابعهما عدا عشائر بني حجيم الذين يسكنون جنوبي السماوة.
3 ـ جبهة الخضر وهم بنو حجيم وما يحيط بهم ويقرب منهم إلى حدود لواء المنتفك.
وشعرت السلطات بما يدبر فقامت بمحاولة خداع للزعماء إذ جاء يوم 14 شوَّال سنة 1338، حاكم النجف (نوربري) لزيارة عبدالواحد سكر وقال له إن الحكومة قررت (الإفراج عن المعتقلين وستنظر ببقية مطالبكم وإني راغب أن تحضر أنت وبقية الزعماء والرؤساء لتطلعوا على ما جاءني من الحاكم العام. فاعتذر عبدالواحد بمرضه الذي لا يستطيع معه الذهاب إلى النجف وقال لا أظن أن بقية الزعماء يوافقون على طلبك. وإذا كان عندكم شيء فاعلنوه في الصحف.
وقد كانت هذه محاولة ساذجة لجمع زعماء الثورة في مكان واحد واعتقالهم جميعاً.
وقد بقي لإعلان الثورة صدور فتوى الإمام الشيرازي فأصدر الفتوى التالية:
«مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في مطالبتهم رعاية السلم والأمن ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز من قبول مطالبهم».
وحين تدقق في نص هذه الفتوى نجدها على أعلى درجات الحكمة والحنكة والوعي والنضج السياسي والابتعاد عن الغوغائية.
فهي لا تفرض على العراقيين الحرب، بل تفرض عليهم المطالبة بحقوقهم وأن لا يتجاوزوا أول الأمر المطالبة السلمية وأن لا يخلوا بالأمن. فإذا لم تستحب مطالبهم سلمياً فهي أيضاً لا تفرض عليهم الحرب، فقد تكون هناك طرق أخرى غير الحرب، وقد يكون الانتظار مفيداً لذلك جعلت الحرب جائزة لا مفروضة. ثم اشترطت في تلك الحرب أن تكون دفاعية.
وليس معنى دفاعية أن ننتظر أن تهاجمنا الجيوش الإنكليزية فندافع عن أنفسنا، بل معناها أن لا نتجاوز في حربنا حدود المطالبة بالحقوق.
وقد طبع من هذه الفتوى عشرات الألوف من النسخ ووزعت في كل مكان، وبقي انتظار من يقدح عود الكبريت لتهب النار.
الرميثة تشعل النار
كنا قد أشرنا فيما تقدم إلى ذهاب الشيخ رحوم الظالمي موفداً من الإمام الشيرازي إلى موطن عشيرته في الرميثة وبوصوله إلى الرميثة سلم الرسائل المرسلة إلى الزعماء وشحن النفوس بالحماسة والاندفاع ثم حمل البندقية كغيره ممن حملها.
وكان يحكم الديوانية التي تتبعها الرميثة (ميجر ديلي) وهو إنسان متغطرس متعسف غاشم أرعن، وكانت قد بلغته تحركات الشيخ رحوم والاتصالات بين رؤساء الرميثة والآخرين. فأرسل إلى حاكم الرميثة (اللفتنت هيات) أن يرسل إليه جميع رؤساء الرميثة بمن فيهم شعلان أبو الجون وغثيث الحرجان فأرسل (هيات) يستدعيهم. وصدف أن كان بعضهم عند غثيث الحرجان فأرتأى شعلان أن لا يذهبوا جميعهم وأن يذهب واحد منهم فقط خشية اعتقالهم جميعاً وتطوع هو بالذهاب بمفرده وقال لرفاقه إنه إذا أحس شراً من الإنكليز فسيرسل إليهم أنه يحتاج عشر ليرات المانية وأن عليهم عند ذاك أن يرسلوا إليه عشرة من خيرة رجالهم لإنقاذه.
وفي يوم الجمعة 13 شوّال 1338هـ (30 حزيران 1920م) سار الشيخ شعلان أبو الجون إلى الرميثة فاستقبله (هيات) بالعنف والتوبيخ وأسمعه كلاماً قاسياً، فرد عليه شعلان بأعنف وأقسى. فأمر هيات بتوقيفه ثم إرساله مخفوراً بالقطار الذي سيصل من البصرة، وهنا أرسل شعلان مع مشعل الحاجم إلى غثيث الحرجان بالرسالة المتفق عليها، فأرسل إليه غثيث الرجال العشرة إلى الرميثة فاقتحموا السراي ووصلوا إلى السجن بعد أن قتلوا الحارس وشرطياً آخر وجرحوا اثنين وأخرجوا شعلان من السجن وعادوا به إلى غثيث الحرجان. فكانت هذه الرصاصات أول رصاصات تطلق في الثورة العراقية فتشعلها.
ومما يذكر أنه كان في السراي 120 جندياً مسلحاً وفي السجن الذي هو داخل السراي خمسة وعشرون شرطياً مسلحاً. وكان في محطة قطار الرميثة التي تبعد عن السراي أربعمائة متر ثلاث مئة جندي في كامل سلاحهم بما فيها الرشاشات، ومع ذلك تسلط الرجال العشرة عليهم جميعاً فأذهلوهم ببسالتهم وشلوا روحهم المعنوية فعجزوا عن مقاومتهم.
وفي يوم إخراج شعلان من السجن كان قد وصل إلى الرميثة رسول من عبدالواحد سكر يطلب فيه من الرميثيين قطع سكة الحديد وهدم القناطر والجسور التي يمر عليها القطار من الرميثة إلى السماوة، فنفذ الرميثيون ما طلب منهم فقطعوا السكة وخربوا القناطر والجسور، ثم هاجموا بعض المخافر القريبة منهم فاحتلوها وأسروا من فيها. كما هاجموا القطار الذي كان يحمل حاكم السماوة فاضطر الحاكم لتركه واللجوء إلى الرميثة.
ثم تجمع الثوار في قرية (أبو عقال) فهاجمتهم قوة بريطانية يوم 3 تموز 1920 فتغلبوا عليها وأبادوها، وكان هذا ثالث انتصار للثوار. وأصبح بيد الثوار العديد من الأسرى الإنكليز فأرسلوهم إلى النجف.
ثم توالت المعارك والانتصارات وأهمها في معركة العارضيات التي كان فيها الثوار بقيادة شعلان أبو الجون واستمرت 13 ساعة شارك فيها الطيران الإنكليزي فأسقط الثوار طائرة وكان الانتصار في العارضيات انتصاراً باهراً.
وبنتيجة هذه المعركة اضطر الإنكليز للانسحاب من الديوانية ومن الرميثة، واحتشدوا في السماوة والحلة، جنوبي الفرات الأوسط، وشماليه، وكان لهم في السماوة ما لا يقل عن عشرين ألف جندي ضرب عليهم الثوار حصاراً محكماً دام ما يزيد على الشهرين، ثم حاول الجيش الإنكليزي الخروج من السماوة فاصطدم بالثوار اصطداماً عنيفاً بحيث أبيدت أكثريته ولم يصل إلى غايته منه إلا الأقل. كما استولى الثوار على القطارات المسلحة في محطة السماوة وكانت غنائمهم منها وافرة.
وفي القطاعات الأخرى كان نصر الثوار في معركة (الرارنجية) نصراً مؤزراً، ووقعت المعركة يوم 7 ذي القعدة 1338هـ. والرارنجية تقع في مقاطعة الرستمية التي تبعد عن مدينة الحلة اثني عشر ميلاً في جنوبيها، وعن بلدة الكفل ثمانية أميال شمالاً.
وغنم الثوار فيها مدفعاً واثنين وسبعين رشاشاً وقنابل يدوية كثيرة وقنابل مدفعية ومبلغاً كبيراً من المال عدا الأقوات والخيام. ولم يأكل الثوار من الأقوات شيئاً بل احتفظوا بها للأسرى الذين كان قد بلغ عددهم 160 أسيراً منهم 79 بريطانياً والباقون من الهنود.
وقد سحب الثوار المدفع إلى الكوفة ليضربوا به الباخرة (فاير فلاي) التي كانت ترسو في الفرات وتضرب الثوار بالمدافع فتصدهم عن التقدم إلى الكوفة لإحكام الحصار على القوة الإنكليزية المحاصرة فيها وأوصولوا مع المدفع 25 قذيفة، ولكن الإنكليز عند هزيمتهم كانوا قد اقتلعوا (مغلاق) المدفع ليعطلوه، ولكن الحداد الكوفي (رضا الصيقل) استطاع صنع مغلاق له، فضرب الثوار الباخرة بالقنبلة الأولى فأصابتها إصابة مباشرة، ثم بالقنبلة الثانية فاشتعلت فيها النيران وغرقت.
وكانت هناك انتصارات حررت الشامية والنجف وأبو صخير والكفل وكربلاء ولواء الديوانية والدغارة وعفك وطويريج وسدة الهندية والمسيب وبعقوبة وشهربان.
وفي هذه الأثناء توفي الإمام الشيرازي في 3 ذي الحجة 1338م (17 آب 1920م) فخلفه في المرجعية الدينية وفي قيادة الثورة شيخ الشريعة الله الأصفهاني.
وبعد أن امتدت الثورة من قلب الفرات إلى أعلاه ثم إلى أقصى الجنوب ثم شملت فيما شملت بعض لواء الدليم وبعقوبة، بل أن ثوار اليوسفية وصلوا إلى ضواحي بغداد في أم الطبول قرب جسر الخر مما حمل الإنكليز على إحاطة بغداد بالأسلاك الشائكة ونصب المدافع والرشاشات حولها.
انتهاء الثورة
ما كان للثورة أن تمتد أكثر مما امتدت، ولا كان لها أن تستمر أكثر مما استمرت، بل أن بلوغها ما بلغت كان شيئاً عظيماً.
أما عوامل تراجع الثورة ثم انتهائها فتتلخص فيما يلي:
1 ـ كان مما يعوز الثورة: المال، فقد تولى زعماؤها الإنفاق عليها من أموالهم الخاصة وأنفقوا في هذا السبيل كل مدخراتهم، ولجأ بعضهم للاستدانة من التجار. وتأمين الغذاء اليومي للثوار هو وحده مما ينؤون به. ولم تتلق الثورة أية إعانة مالية من الخارج، على عكس الثورة السورية التي جاءت بعدها بخمس سنين (سنة 1925م)، فقد تلقت أموالاً كثيرة، وتألفت لها في الخارج لجان لجمع الإعانات وإرسالها إلى الثوار.
وكاتب سطحي مثل أمين سعيد الذي كتب عن الثورة العراقية وهو يعب الكؤوس في فنادق القاهرة ومقاصفها دون أن يكون له أية صلة بأحداثها ورجالها وأرضها، يزعم أن الثورة تلقت أموالاً من سوريا، وهو زعم لا أساس له من الصحة استنكره ونفاه جميع من له علم بحقائق الثورة.
على أن الوحيد الذي فكر بإمداد الثورة بالمال كان الملك فيصل الأول عندما كان لا يزال أميراً في دمشق. فقد روى بعد مجيئه للعراق وتتويجه ملكاً عليه، روى لأحد زعماء الثورة السيد علوان الياسري كما روى من قبل للسيد محسن أبو طبيخ أنه وهو في دمشق دفع إلى بعض العسكريين العراقيين الموجودين يومذاك في دمشق والمتصلين به مبلغ سبعين ألف ليرة ذهبية لإرسالها إلى الثوار. ولكنه بعد مجيئه إلى العراق أراد أن يتحقق عن مصير تلك الأموال فتأكد له أنها قسمت بين الأصحاب في دمشق ولم يصل منها شيء للثوار.
2 ـ عدم حصول الثوار على بديل مما كانوا يفقدونه من ذخائر وأسلحة، فلم تكن لهم أية صلة بأية دولة لتمدهم بالسلاح، فإذا أطلقوا رصاصة لم يكن لهم ما يعوضهم عنها، وهذا نفس ما كان ينقص الثورة السورية التي امتدت إلى مساحات واسعة من سورية، ولكن عندما خرجت إليها الحملات الفرنسية كان ما لديها من ذخائر للبنادق لا يقوم بالمعارك الطويلة.
وهو الذي لم ينقص الثورة الجزائرية التي قامت في زمن كانت فيه الدول العربية المستقلة تمدها بالمال والسلاح معاً، في حين لم يكن أمام الثورتين السورية والعراقية دول عربية مستقلة ولو قبض للثورة العراقية وللثورة السورية ما قبض للثورة الجزائرية لانتهتا إلى غير ما انتهتا إليه.
وكلنا نذكر أن الثورة الجزائرية انتهت وفي خزينتها ملايين فائضة عن حاجتها.
3 ـ إن الثوار في معظمهم فلاحون اعتمادهم على الزراعة، وقد أبعدهم اشتراكهم في الثورة عن حقولهم فتعطلت زراعتهم التي هي مورد رزقهم ورزق عيالاتهم الوحيد.
4 ـ النجدات التي توالى ورودها على الجيش البريطاني وهي نجدات لا تنضب، بينما لا نجدات للثوار فمن يقتل منهم لا يحل محله أحد.
أما زعماء الثورة فقد تفرق أمرهم فقبض الإنكليز على بعضهم، وانتقل آخرون إما إلى الحجاز أو سوريا أو إيران. ثم شمل الجميع العفو الذي أعلن في 22 رمضان 1339هـ (20 أيار 1921م).
الثورة العربية
الثورة العربية التي انبعثت خلال الحرب العالمية الأولى، والتي كانت بحق مفتتح النضال العربي الاستقلالي الذي توالى بعد نهاية الحرب وسيطرة الإنكليز والفرنسيين على العراق وبلاد الشام بعد سيطرتهم على غيرها قبل الحرب.
هذه الثورة كان بين كبار قادتها اثنان من الشيعة،
أحدهما: كان قائداً عسكرياً سجل له التاريخ أنه أول فاتح عربي بعد مئات السنين ـ يحرر مدينة عربية بجيش عربي ويعلن فيها استقلالاً عربياً في ظل علم عربي ثم يمتد في فتوحه وصولاً إلى مدينة حلب نهاية المدن السورية الكبرى. ذاك هو الشريف ناصر بن علي الحسيني([238]).
وإذا كان الشريف ناصر أول قائد عربي يحرر مدينة عربية، فقد كان كذلك أول ثائر يطلق أول رصاصة في أول ثورة عربية استقلالية تحررية.
يقول القائد العسكري صبحي العمري الذي كان من ثوار تلك الثورة ـ يقول في الصفحة 24 من الجزء الثاني من كتابه (أوراق الثورة العربية) ما يلي:
مما حدثني به الشريف ناصر بن علي عن هذه الأيام الأولى من الثورة قال: عندما تقرر قطع العلاقات بالأتراك وتبليغ القائد التركي بذلك اتخذ هذا القرار في الاجتماع الذي جرى في معسكر الشريف علي في (سيدنا حمرة) بين الشريفين علي وفيصل والشريفين شحاد([239]) وناصر. وكلفت بترحيل العائلات الموجودة في العوالي وهي بساتين على بعد أربعة كيلومترات جنوب المدينة. وبعد أن رحلت قافلة العائلات بحراسة بعض المسلحين توجهت ومعي ابن عمي الشريف أحمد بن غالب، والعبد خيرالله عائداً إلى جيش الأمير علي وسلكت طريق الحرة الوعر الذي يمر من شرقي المدينة. وخلال الطريق خرج علينا فجأة ولد الشيخ (ابن مبيريك) ([240]) ومعه اثنا عشر هجاناً مسلحين، معترضاً طريقنا وسألني بنبرة التهكم والتهديد (وهو يعرفني طبعاً) أنت ذاهب إلى ربعك؟ يقصد جيش الأمير علي، وبسرعة خاطفة قدرت الموقف بأن الأميرين خرجا من سيدنا حمرة بعد أن بلَّغا القائد التركي بثورتهم على الترك، وبأن ولد ابن مبيريك الضالع مع الترك قد أرسل إلى هذا الطريق لعرقلة الاتصالات بين المدينة وجيش علي وفيصل، وبأن الوقت والموقف لا يساعدان في هذا الظلام الحالك (كانت الساعة التاسعة ليلاً) على الأخذ والرد، ونحن ثلاثة وهم ثلاثة عشر لم يتبينوا حقيقة عددنا في هذا الظلام بعد. وقررت بسرعة وكان جوابي عن سؤاله أن وجهت بندقيتي نحوه وأطلقت عليه طلقة واحدة خر على أثرها من على ناقته قتيلاً والتفت إلى من معه وطلبت إليهم أن يستسلموا فاستسلموا بتأثير المفاجأة التي جمدتهم بعد مقتل شيخهم فجمعنا سلاحهم وفتشنا متاعهم وعثرنا بخرج ابن مبيريك على مقدار كبير من الليرات الذهبية وعلى رسائل من القائد التركي إلى بعض مشايخ البدو يطلب إليهم عدم الانحياز للأشراف، وبعض الرسائل من ابن الرشيد.
وكانت طلقة الشريف ناصر هذه، أول طلقة تطلق في الثورة العربية الكبرى. وولد ابن مبيريك أول قتيل من قتلاها. ويلتحق الشريف ناصر مع أسراه الاثني عشر بجيش الأمير علي وكانوا أول الأسرى فيها.
والثاني: قائد سياسي التحق بالثورة العربية فكان دماغاً من أكبر أدمغتها، ثم كان الرجل الثاني في أول وفد عربي دولي يحضر مؤتمراً دولياً عالمياً لأول مرة في التاريخ. ثم يصبح ممثل العرب الوحيد في ذلك المؤتمر إلى جانب ويلسن ولويد جورج وكليمانصو وغيرهم من زعماء العالم الذين مثلوا بلادهم في مؤتمر فرساي المنعقد لتصفية نتائج الحرب العالمية الأولى.
إن منظمي المؤتمر أبلغو الأمير فيصل الموجود يومذاك في باريس ـ أبلغوه يوم 17 كانون الثاني سنة 1919 بأنه يكون للعرب في المؤتمر مندوبان، فتقرر أن يكون هذان المندوبان: كلاً من الأمير فيصل ورستم حيدر. فألقى فيصل في السادس من شباط سنة 1919 مصحوباً برستم حيدر كلمة العرب. وفي الواحد والعشرين من نيسان غادر الأمير فيصل عائداً إلى دمشق فأصبح رستم حيدر وحده ممثل العرب.
وسنتحدث فيما يلي عن تطور الفكرة العربية حتى انتهى الأمر فيها إلى الثورة على الأتراك:
بدأت تنمو في الأتراك الروح الطورانية، وبعد أن قام في الأتراك مثل عبيد الله من يدعو إلى طمس أسماء الخلفاء الراشدين المكتوبة على قباب المساجد التركية لأنها أسماء عربية وإبدالها بأسماء الأتراك. وبعد أن ألفت جمعية (تورك ياوردي) دعاء ليتلى في المساجد التركية جاء فيه: «وأنت يا مملكة توران الجميلة المحبوبة أرشدينا إلى الطريق المؤدية إليك لأن جدّنا أوغوز الكبير ينادينا».
أما حين صار الأمر إلى هذا الحال بعد أن كان في الأتراك مثل نامق كمال الذي يقول مخاطباً الوطن: «اذهب أيها الوطن وتدثر بالسواد في الكعبة ثم ابسط إحدى ذراعيك إلى روضة النبي ومد الثانية إلى المشهد في كربلاء ثم افتح صدرك واخرج منه شهداءك وانثرهم على الملأ وقل: يا رب هؤلاء هم الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيلك، بينهم من استشهد ببدر ومن استشهد في حنين».
حين حل عبيد الله محل نامق كمال، وحين أصبح الحكم التركي حكماً متسلطاً على العرب يريد تتريكهم، وحين صارت اللغة العربية غريبة حتى في بلاد العرب، أما حين حل كل هذا وما هو شر من هذا، فقد بدأ التهامس العربي، ثم بدأت الأصوات ترتفع قليلاً قليلاً حتى تحولت إلى الجهر لا جهراً باللسان بل جهراً بالسنان، جهراً يتلظى بنيران البنادق ولهيب المدافع.
ومن الحقائق التي ليست معروفة أن الذين بدأوا بهذا التهامس، ثم أتبعوه بشيء من ارتفاع الصوت، هم الفقهاء، فالفقيه الفلسطيني الشيخ يوسف النبهاني زار استنبول باعتبارها عاصمة الخلافة الإسلامية، وباعتباره من كبار الفقهاء المسلمين، فأحس فيها التحول الجديد وشعر بما يبيت للعرب فتركها عائداً إلى بلاده قائلاً:
ويممت دار الملك أحسب أنها
إلى اليوم لم تبرح إلى المجد سلّما
فألفيت فيها أمة عربية
يرى الترك منها أمة الزنج أكرما
وما نقموا منا بني العرب خلة
سوى أن خير الخلق لم يك أعجما
بني الترك أني تكلمت هاجياً
ولكن قلبي من جفاكم تكلما
على أنَّ التحرك العربي الفعَّال كان بعد سنة 1908، سنة إعلان الدستور العثماني، فالذين أسقطوا السلطان عبدالحميد وأعلنوا الدستور إعلاناً نهائياً كانوا جماعة حزب الاتحاد والترقي. وقد هلل العرب للعهد الجديد وأنشأوا للحزب فروعاً في بلادهم، وحسبوا أنَّ الحرية ستشملهم. وشيئاً فشيئاً بدأت تتكشف نوايا (الاتحاديين) وأخذت الدعوة (الطورانية)([241]) بالتظاهر وأطل التتريك واضحاً.
وكان وراء حزب الاتحاد والترقي جمعية (تركيا الفتاة)، التي كانت هي الموجه الفعلي للاتحاد والترقي، وكان الحزب وجهها العلني، بينما كانت هي قاعدته السرية([242]).
وبالمقابل عمل الشبَّان العرب على إنشاء جمعية (العربية الفتاة)، وكان منشؤوها طلاباً يدرسون في باريس بينهم رستم حيدر، وكانوا يدركون نوايا الاتحاديين، فقاموا سنة 1911 بتأليف جمعيتهم. وكان هدفها كما قالت: «النهضة بالعرب وإيصالهم إلى مصاف الأمم الحيَّة». ولم تذكر الجمعية كلمة الاستقلال، ولكنها في الحقيقة كانت تعمل من أجله بعد أن بدا من الاتحاديين ما بدا..
وفي صيف سنة 1913 أنهى أكثر أعضاء الهيئة الإدارية للجمعية دراستهم في باريس وعادوا إلى بلدانهم، ولما كان بعضهم من بيروت فقد أعيد تأليف الهيئة فيها، وبدأت الجمعية نشاطها السري وأنشأت جريدة (المفيد) مظهراً علنياً لها. كما أنها وضعت تصميم العلم العربي بألوانه الثلاثة: الأخضر فالأبيض فالأسود، الذي أضيف إليه عند إعلان الثورة في الحجاز اللون الأحمر.
ولما اشتركت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1 تشرين الثاني 1914) أصبحت دمشق مقر قيادة الجيش الرابع ومركز العمل في سورية، فانتقلت الهيئة الإدارية لجمعية العربي الفتاة إلى دمشق وواصلت عملها السري، ثم اتصلت بجمعية العهد العسكرية لتوحيد الجهود العربية.
وحتى هذا الوقت لم تشأ الجمعيتان معاداة الأتراك أو عرقلة مجهودهم الحربي، بل قرروا العمل معهم جنباً إلى جنب، ولكنهم كما يقول أحد الباحثين: «كانوا في الوقت نفسه يريدون تجميع قواهم (العرب) وتوحيد كلمتهم استعداداً للاحتمالات التي قد تتمخض عنها الحرب».
على أنه بعد أن بطش جمال باشا بطشته الكبرى بزعماء العرب وشنق منهم من شنق تحول الأمر ووقعت الواقعة بين الأمتين. ولم يستطع جمال باشا كشف سر (العربية الفتاة) بالرغم من كل ما جرى من تعذيب، وإن كان قد أعدم فريقاً من أعضائها مع من أعدم دون أن تظهر حقيقة الجمعية.
نشوء العنصرية التركية والتظاهر بكره العرب.
لم تكن العنصرية التركية ذات موضوع قبل عهد جمعية الاتحاد والترقي. وكانت الشعوب التي تضمها الإمبراطورية العثمانية تعامل على حد سواء. حتى إن الأتراك أنفسهم، لتمسكهم بالدين الإسلامي، كانوا يشيدون بذكر الخلفاء الراشدين وآل الرسول (ص)، ويفتخر سلاطينهم بكونهم خدام الحرمين الشريفين. فلما جاءت الجمعية إلى الحكم ابتدع بعض زعمائها فكرة السيطرة التركية على الشعوب الخاضعة لها، وراحوا يقنعون الترك بأفضليتهم على سواهم من الشعوب المحكومة. وقد ساهمت الصحافة الاتحادية بنصيب كبير في هذه الدعوة، فنشرت صحيفة (إقدام) التركية مقالاً جاء فيه: إن العرب يبيعون كل شيء بالمال… حتى العرض.. إلى غير ذلك من الطعن بشرفهم والدس على شهامتهم وتقاليدهم. فقابلت الأوساط العربية في استانبول هذا المقال بالسخط الهياج، وتظاهر الطلبة العرب فيها فهاجموا إدارة الجريدة وحطموا نوافذها وأهانوا محرريها. ثم ذهب وفد من النواب العرب إلى رئيس الوزارة وزير الداخلية وقدموا احتجاجهم، كما أبرقوا إلى جميع الصحف في البلاد العربية بتفاصيل الأمر، فراحت هذه تسلق كاتب المقال بالسنة حداد واشتد التوتر بين الترك والعرب على أثرها.
ثم تحورت الدعوة إلى التمهيد لتتريك العرب والأقوام الأخرى، فنشر أحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي مقالاً في إحدى الصحف جاء فيه:
«على الأتراك أن يسموا دولتهم (الدولة التركية) وينبذوا اسم (الدولة العثمانية) البالي، وعليهم ألا يعترفوا بوجود عنصر آخر يستظل بالراية التركية غير العنصر التركي، أما العرب والأقوام الأخرى فما عليهم إلا أن يكتسبوا العنصرية التركية الرفيعة».
وراحوا يضربون على هذه الأوتار، وأسسوا للغاية نفسها أندية كثيرة بعناوين تركية خالصة مثل: (ترك أو جاغى) أي العائلة التركية، و(ترك ورنكي) أي ثبات الترك، و(تورك ياوردي) أي المملكة التركية، و(تورك بلكسيشي) أي العلم التركي، و(تورك كوجي) أي القوة التركية… إلخ.
ولم يكتف الاتحاديون باستخدام الصحافة والمنظمات السياسية لتحقيق أغراضهم، بل اتخذوا الدين وسيلة لتحقيق تلك الأغراض أيضاً. فقد أوعزوا إلى أحد علماء الدين المدعو عبيدالله بالدعوة للمذهب الجديد، فراح هذا يخطب في المصلين أيام الجمع في مسجد آيا صوفيا وغيره قائلاً:
(أيها الأتراك المسلمون كفاكم وهنا ومسامحة، أنفضوا عنكم هذا الغبار، وأمحوا من مساجدكم أسماء الخلفاء الراشدين وآل الرسول ممن لا يعنيكم أمرهم، واكتبوا بدلها أسماء الأبطال الاتحاديين أمثال طلعت، وجمال، وأنور، وجاويد، الذين هم أولياء الله الصالحين قدس الله سرهم… أيها الأتراك، علام هذه التكايا والمساجد الكثيرة في عاصمتكم، هلاّ بعتموها واقتصرتم على بعض المساجد الكبيرة وقدمتم أثمانها لجيشكم العتيد….
وقد جمعت الحكومة أقوال عبيدالله هذا في كتيب عنوانه (شعب جديد)، طبعت منه ملايين النسخ ووزعتها مجاناً على الشعب التركي.
ومنذ ذلك الحين، حتى حمي الوطيس بين العرب والترك، وأصبح الشبان الأتراك المتحمسون ينظرون إلى الأقوام الخاضعة لهم نظرة ازدراء واحتقار، فأجابهم العرب بالتكتل والانتظام في جمعيات علنية أو سرية معادية أهمها:
المنتدى الأدبي
أسسه في استانبول عبدالكريم الخليل([243]) صبغته الظاهرية أدبية محضة، ولكنه كان في السر جمعية سياسية يلتقي فيها أبناء العروبة، فيتعارفون ويتآلفون. وكثيراً ما كانت تعقد فيه اجتماعات تلقي فيها الخطب والمحاضرات. وكان يزوره الزعماء الاتحاديون مداهنة وجساً للنبض.
جمعية العهد السرية
لما اشتد التوتر بين الترك والعرب أسس عزيز علي في 28 تشرين الأول عام 1913 جمعية العهد السرية، ويتلخص منهاجها فيما يأتي:
«غاية الجمعية السعي وراء الاستقلال الداخلي للبلاد العربية، على أن تكون متحدة مع حكومة استانبول على غرار اتحاد النمسا والمجر. وإن الجمعية ترى ضرورة بقاء الخلافة الإسلامية وديعة مقدسة بيد آل عثمان. وتهتم الجمعية بأمر سلامة استانبول من مطامع الدول الأجنبية اهتماماً خاصاً، لاعتقادها أن استانبول رأس الشرق، لا يمكنه أن يعيش بدونها. وعلى رجال «العهد» أن يبذلوا قصارى جهدهم في إنماء الخصال المحمودة وبث الدعوة للتمسك بالأخلاق الفاضلة، لأن الأمة لا تستطيع الاحتفاظ بكيانها السياسي والقومي ما لم تكن مجهزة بالأخلاق الصالحة. ويجب على الأمة العربية أن تسعى للحصول على ما يؤهلها لأن تكون القوة الاحتياطية الرئيسية لحصن الشرق أمام الاستعمار الغربي».
انتمى إلى هذه الجمعية الضباط العرب ويروي سليمان فيضي في مذكراته أنه أنشأ في مدينة البصرة مدرسة أهلية باسم (تذكار الحرية). ويقول:
فوجئت بطلب جمعية الاتحاد والترقي تبديل اسم المدرسة إلى (مدرسة الاتحاد والترقي)، وجعل التدريس فيها باللغة التركية. فلم أقبل، واشتد النزاع بيني وبين الجمعية. وحين رأت الجمعية شدة عنادي قررت أن تخبر الوزارة بأمر التدريس باللغة العربية خلافاً للقوانين، وهذا معناه غلق أبواب المدرسة. وقد شكوت الحال إلى الوالي، سليمان نظيف إذ ذا» وطلبت منه أن يحكم بيني وبين الجمعية فأجابني.
إنك محق في تمسكك بالاحتفاظ باسم المدرسة وبتدريس اللغة العربية فيها ولكن حكمي، إذا أردته، سيكون عليك وليس لك، تنفيذاً لرغبات استانبول. فنصيحتي أن تتفق واياهم بأي ثمن.
وهكذا اتفقت على أن أتخلى للجمعية عن المدرسة في نهاية تلك السنة الدراسية… واستقيل من مديريتها وانفض يدي من المؤسسة التي بذلت في سبيلها أتعاباً جسيمة.
ومنذ الساعة التي رأيت فيها اللافتة الجديدة على مدرستي وسمعت طلابها يرددون الدروس بالتركية، منذ تلك الساعة أيقنت أن جمعية الاتحاد والترقي لا تضمر للعرب إلا السوء والشر، وأنها شائرة إلى تتريكهم ومحو عروبتهم». ويقول سليمان فيضي فيما يقول عن استعمال اللغة التركية وحدها في البلاد العربية:
«تصوروا محاكمة تجري في إحدى محاكم العراق. فالحاكم يجهل العربية، والمتهم يجهل التركية، ويقوم الكاتب أو المباشر بمهمة الترجمة، فأي ظلم الذي يجري باسم القانون حين يخطىء المترجم. لقد قال لي يوماً أحد الحكام الأتراك. أن ضميري معذب لأني لا أفهم ما يقوله المتهم نصاً كما أنه لا يفهم أسئلتي.
وأعلنت الحرب العالمية الأولى، وكان المسيطر على الحكم جماعة (الاتحاد والترقي) العنصريون العازمون على تتريك العناصر غير التركية في الدولة العثمانية لا سيما العرب الذين كانوا هم المستهدفين قبل غيرهم، وبالخصوص عرب بلاد الشام الذين يكثر فيهم المستنيرون المثقفون.
فاختار الاتحاديون لحكم بلاد الشام واحداً من أشرس رجالهم وأكبر طغاتهم وأكثرهم استهتاراً بالدماء هو جمال باشا الذي كان يشكل واحداً من الثلاثي الجبار المسير لشؤون الدولة: طلعت وأنور وجمال.
لما عزم على الانتقال إلى سورية قرر الزعماء العرب المقيمون في استنبول الانتقال معه ومعاونته في المجهود الحربي الذي عهد إليه به، وكان أهم ما فيه الأعداد لغزو مصر.
كما قرروا الكف عن مطالبة الدولة بتحقيق أمانيهم الإصلاحية، لا سيما التي أقرت في مؤتمر باريس قرروا ذلك لعدم إشغال الدولة بشيء غير المجهود الحربي.
ولكنهم إذا كانوا قد قرروا ذلك، فإن جمال باشا كان قد قرر القضاء عليهم، فلم يلبث إن ساقهم إلى المشانق قافلة بعد قافلة. ثم عمد إلى تهجير الأسر السورية المشهورة مثل أسرة المؤيد والعظم والأمير عبدالقادر الجزائري والكيلاني والشمعة وعبدالهادي والحسيني والمطران وحيدر والعابد وحمادة وأسر كثيرة أخرى لا يمكن إحصاؤها وأرسلهم نساءً ورجالاً وأطفالاً لأقاصي الأناضول وكان الأمير فيصل بن الحسين في دمشق عندما كان جمال باشا يعد لشنق مجموعة من كبار رجال العرب ملقاة في السجن، فحاول جهده أن يثنيه عن ذلك، فأبى.
وفي اليوم الثاني عندما بلغ فيصلاً نبأ شنقهم أثارت نخوته ونزع كوفيته عن رأسه ورماها على الأرض وصاح بالحاضرين: طاب الموت يا عرب.
وكانت هذه الصيحة هي إعلان الثورة العربية… وعدا عن هذه القافلة التي شنقت كان في سجون جمال باشا جماعات معدة هي الأخرى لصعود المشانق.
ولما استطاع فيصل الإفلات من جمال باشا والوصول إلى الحجاز ـ في تفاصيل ليس هنا مكان الحديث عنها ـ كان أول ما فعله إقناع والده الشريف حسين([244]) بإعلان الثورة تخليصاً للعرب السوريين من البلاء المحيط بهم، وأعلنت الثورة واستطاع الثوار أسر والي الحجاز وفريق من كبار الضباط الأتراك، فأرسل فيصل إلى حكام استنبول بأنه إذا سقطت شعرة بعد الآن من رأس عربي، فإن لديه الكثير من الرؤوس التركية الكبيرة التي سيجتثها مقابل ذلك([245]).
وكان لهذا التهديد أثره المطلوب فتوقفت المجازر في سوريا ثم كان من أمر الثورة ما كان مما هو ليس من موضوع بحثنا. ووصل الأمير فيصل إلى دمشق منتصراً بالتفاصيل الآتية:
شعر شيعي في الثورة من قصيدة للشاعر العراقي
عبد الحسين الأزري:
دُمْ ذاكراً فيكَ يا شعبانُ([246]) من وثبوا
فسوفَ يحفلُ في تمجيدِكَ العربُ
واحفَظْ لهم عهدَ صِدقٍ عند وثبتِهم
بنودُه الشَّرفُ المورُوثُ والحسَبُ
عَهداً لقَومٍ على وِرُدِ الرَّدي عَقدُوا
راياتِهم أوْ يَنالُوا كلَّ ما طَلبُوا
سَرَوا يجدُّونَ في إدراكِ غايتِهمْ
مهما تكاثَفتِ الأسْتارُ والحُجُبُ
إن أنكرَ العربُ ما من أجْلهِ نَهضُوا
فلَنْ يَضيعَ لهم حقٌّ ولا طَلبُ
وإن تَلاعبَ في أقصىَ رغائبِهمْ
فسوفَ يجنحُ مُضطرّاً لما رَغِبُوا
* * *
يا نهضةٌ جدَّدَ الشعبُ العَريقُ بها
رَفيعَ مجدٍ تهاوَتْ دُونه الشُّهبُ
مُذ راحَ يُنقذُ في أرْواحِه وَطناً
مرَّتْ عليه عُصورٌ وهو مُعتَصَبُ
يا أيُّها الوَطنُ المرعُوبُ جانبُه
مَهلاً سيحْميكَ شَعبٌ ليس ينشَعِبُ
قُلْ للمطامع والأيَّامُ صافحَةٌ
عن طُولها اليومَ لا نكرٌ ولا عجَبُ
لا تَذهبَنَّ بك الأحْلامُ إنَّ لها
مَعنىً بأسْفارِ قَومي غيرَ ما كتبُوا
سيَمنعُ الشعبُ عنه كلَّ عادِيةٍ
ويَرجعُ الحقُّ إنْ صاحُوا وإن صَخِبُوا
والحقُّ أبلجُ لا يَخفى سَناهُ وإن
سادَ الظَّلامُ وحالَتْ دُونه السُّحُبُ
هذي الجزيرَةُ لم تَخمَدْ ضَغائنُها
كنارِ فارسَ لم يَطْفَأ لها لهَبُ
يا مُوقدَ النَّارِ خفِّفْ من حَرارتِها
فما لَها من سِوى سُكَّانِها حَطَبُ
لا يَخدَعنَّكَ حِلمُ القَومِ إنَّهم
كالماءِ إنْ حَلُموا والنار إن غَضِبُوا
توارثوا سُنِنَ العَلياء عن سَلَفٍ
ضجَّتْ بذكرِهُم الأجْيالُ والكتُبُ
هُم الذينَ إذا حلَّ الصَّريخُ بهم
سَعى يُلبِّيه منهم جَحْفلٌ لَجبُ
انبعاث الحكم العربي
يوم الثلاثاء الأول من تشرين الأول/ أكتوبر من السنة 1918 شهدت الدنيا حدثاً لم تشهد نظيراً له منذ أكثر من أربعمائة سنة.
هذا الحدث هو أن جيشاً عربياً يقوده قائد عربي وترفرف فوقه راية عربية قد دخل مدينة عربية باسطاً سلطانه فيها باسم العرب.
كان يقود هذا الجيش قائد حجازي ينوب في قيادته هذه عن قائده العام الذي هو أيضاً حجازي.
كان القائد الداخل هو الشريف ناصر والقائد العام هو الشريف فيصل بن الحسين.
وقد كان ذلك إثر تمزق الجيش التركي بقيادته الألمانية التركية المشتركة([247]).
لقد استطاع الشريف ناصر أن يسبق بجيشه الصغير، القائد الإنكليزي بجيشه الكبير في الدخول إلى دمشق، فقد كان التسابق بين الجيشين إلى احتلال المدن السورية قائماً، فالعرب حريصون على أن يسجلوا أنهم الذين حرروا مدنهم، والإنكليز حريصون على أن يمنوا على العرب بأنهم هم الذين حرروا لهم مدنهم.
ويوهم (دافيد فرومكين) في كتابه (سلام ما بعده سلام) بأنه يعتقد بصدق الإنكليز في دعواهم أنهم هم الذين سبقوا إلى احتلال دمشق، وأنهم في مؤتمر الصلح استطاعوا صرف نظر الرئيس الأميركي ويلسون عن أهداف بريطانيا في البلاد العربية في الحكم العثماني وحولوه إلى أهداف فرنسا وذلك عندما شدوا انتباهه إلى التهديد الفرنسي لاستقلال سوريا، وهو تهديد يتنافى ونقاط ويلسون ومبادئه.
ويقول فرومكين: لم يصل الوفد البريطاني في تماديه إلى حد التظاهر أمام الرئيس الأميركي وغيره من ممثلي الدول بأن فيصل حرر دمشق. فقد كان الجنرال اللنبي دقيقاً في قوله لأعضاء المؤتمر أنه «بعيد الاستيلاء على دمشق سمح لفيصل باحتلال دمشق وبإدارتها» (انتهى).
ونقول نحن: إن رستم حيدر كان أحد أبرز القادة غير العسكريين للجيش العربي الزاحف بقيادة فيصل إلى دمشق وقد رأيناه يؤكد دخول الجيش العربي دمشق بقيادة الشريف ناصر قبل دخول الجيش الإنكليزي إليها.
وكما أننا نعلم يقيناً بأن رستم حيدر قد أثبت صدقه في كل ما دوّن، كذلك فإننا لأن نتهم اللنبي بالكذب، فما هي الحقيقة إذن في هذين القولين المتناقضين، وهما في الوقت نفسه صادقان؟!
الحقيقة ـ في رأينا ـ هي أن فيصلاً خشي أنه في ظروفه التي هو فيها، وما يترتب على جيشه مما يقوم به من إنجازات في طريقه إلى دمشق قبل الوصول إليها خشي أن يسبقه الإنكليز إلى دخول دمشق، فعمد إلى إرسال رسول إلى سلطان الأطرش ليجمع رجاله ومن ينضم إليهم من المتطوعين السوريين غير المرتبطين بالجيش وأن يسرع الجميع بقيادة الرجل الثاني في الجيش العربي بعد فصيل، الشريف ناصر الذي يكسب وجوده على رأس هؤلاء المقاتلين وقيادته لهم، شرعية عسكرية تجعلهم جزءاً من الجيش العربي وممثلين له.
وهكذا سبق الشريف ناصر بمتطوعيه إلى الدخول إلى دمشق قبل الإنكليز وأعلن فيها الحكم العربي، ودخل الإنكليز بعده، وبعيد دخولهم دخل الجيش العربي ودخل فيصل.
واستعمال اللنبي كلمة (سمح) لفيصل باحتلال دمشق تدل دلالة واضحة على أن اللنبي كان يعرقل تقدم فيصل بجيشه إلى دمشق باعتباره هو القائد العام واعتبار فيصل من القادة التابعين لقيادته، فهو الذي يسمح بالتقدم والتأخر، فهو لم (يسمح) لفيصل بالتقدم إلا بعيد تيقنه من دخول الجيش الإنكليزي إلى دمشق.
ولم يكن يعلم أن فيصلاً قد دبر ما دبر. ويسمي يوسف الحكيم قوة الشريف ناصر طليعة الجيش العربي فيقول: فما بزغت شمس أول تشرين الأول حتى ظهرت تحت سماء دمشق (طليعة الجيش العربي) بقيادة الشريف ناصر فاستقبلت استقبالاً شعبياً رائعاً، وأعقبتها فرقة أسترالية حلت دمشق وضواحيها، ويقول صبحي العمري في الجزء الثاني من كتابه (أوراق الثورة العربية: دخل الشريف ناصر دمشق ومعه جموع كبيرة: معه هجانة عقيل ونوري الشعلان وعودة أبو تايه وجموعهما وجموع الدروز وفي مقدمتهم سلطان وحسين الأطرش، وغيرهم «انتهى».
ومن هذا يتبين واضحاً أن الداخلين لم يكن فيهم أحد من عسكريي الجيش، ويذكر العمري في مكان آخر من كتابه أن القوة العسكرية النظامية دخلت بعد ذلك، وكان العمري نفسه من ضباطها.
ويكذب العمري لورنس في دعواه أن الجنرال اللنبي دخل دمشق قبل فيصل، فيقول: إن فيصل دخل دمشق قبل اللنبي بعدة ساعات، فاللنبي وصل راكباً سيارة، وفيصل دخلها خيّالاً من طريق الميدان تحف به الألوف من الخيالة والهجانة بموكب لم يشاهد مثله من قبل «انتهى».
وكذلك يقول العمري إن الجيش الإنكليزي وصل إلى المزة من ضواحي دمشق بعد دخول الجيش العربي النظامي إليها بعدة ساعات، وأن الجيش الإنكليزي لم يدخل أحد منه المدينة. وهنا لا بد من القول إن الثورة العربية عندما أعلنت في الحجاز كان مقاتلوها من بدو الحجاز وحدهم، وكانوا مجرد ثوار لا تنظيم عسكرياً لهم، وقد تألف منهم ثلاثة جيوش بقيادة أبناء الحسين الثلاثة، لم يكن في إمرتهم جهاز من الضباط متسلسلي الرتب، أو أي تنظيم قيادي عسكري.
وقد كان لا بد في استمرار الثورة من تشكيل جيش نظامي أرتئي أن تكون نواته من الضباط العرب في الجيش العثماني الذين وقعوا في أسر الإنكليز.
وفي 2 آب/ أغسطس 1916 وصلت إلى ميناء جدة أول قافلة من هؤلاء وكان معظمها من العراقيين، وتتابع بعد ذلك وصول قوافل الضباط وضباط الصف والجنود، فكانوا يوزعون على الجيوش الثلاثة.
ولما تقرر أن يتجه فيصل بجيشه نحو الشمال واحتل (الوجه)، تقرر ضم معظم الضباط والجنود النظاميين إلى جيشه، وأن يرسل إليه كل من يصل من أمثالهم بعد ذلك. وكان ممن وصل جعفر العسكري فعين قائداً عسكرياً عاماً لجيش فيصل النظامي. وقد جرى تنظيم هذا الجيش وفق الأساليب الحديثة ووزع رجاله ألوية وأفواجاً وسرايا وفصائل وحظائر، كما صنفوا مشاة ومدفعية وخيّالة ومخابرة وهندسة.
وكان هؤلاء إما ممن قدموا من معتقلات الأسر أو فرّوا من الجيش العثماني والتحقوا بجيش الثورة أو أسروا خلال المعارك مع الجيش العثماني.
وعند وصول الجيش العربي النظامي إلى العقبة جرى تنظيم فرقتين، كل فرقة من لوائين وكل لواء من فوجين أو ثلاثة وكل فوج من ثلاث سرايا مشاة وسرية رشاش وفصيل نقلية، كما جرى تشكيل لواء خيالة، وتشكلت المدفعة بلواء صحراء من بطاريتين كل منهما من مدفعين أو أربعة، ومن لواء مدافع جبلية عيار 7,5 ببطاريتين كل بطارية من مدفعين أو أربعة مدافع. ونظمت الإعاشة والمهمات والنقليات برئاسة ضباط.
وتشكل المقر العام من ضباط ركن يترأس كل واحد منهم شعبة: العمليات، الإدارة، الاستخبارات، اللوازم، الصحة، المحاسبة.
وجميع هؤلاء الضباط ممن نشأوا في مدارس الجيش العثماني ومنهم من تخرج من مدرسة الأركان ومنهم من أكمل تحصيله العالي في المانيا، وكذلك ضباط الصف والجنود، جميعهم ممن خدموا وتدربوا في الجيش العثماني. وكان الضباط ما بين عراقي وشامي ما عدا يمانياً واحداً اسمه (سري) كان ضابطاً في الجيش العثماني. ولم يكن فيهم أي ضابط أو جندي حجازي لأن الحجازيين كانوا معفيين من الخدمة العسكرية.
وكما سبق الجيش العربي الجيش الإنكليزي في الدخول إلى دمشق فقد كان سبقه من قبل في الدخول إلى مدينة درعا ما أثار غيظ الإنكليز، كما يذكر ذلك رستم حيدر الذي كان من أبرز القادة غير العسكريين في الجيش العربي.
فهو يقول في مذكراته التي كان يدوّنها يومياً، يقول عن يوم الأحد 29/9/1918: سباق بين العرب والإنكليز على دمشق، ثم يقول عن يوم الاثنين 30/9/1918: صباحاً مع الفجر مشينا إلى درعا… ثم يقول: السباق بين جيوشنا والإنكليز… ثم يقول: تألم الإنكليز من العرب لأنهم دخلوا درعا قبلهم…
وكما كان دخول دمشق بقيادة الشريف ناصر، فكذلك كان دخول درعا قبل ذلك بقيادته فبادر في الحال إلى تأليف حكومة عربية فيها قبل وصول الجيش الإنكليزي الذي كان يسير في أثر الجيش التركي المنهزم.
يقول لورنس:
«ولما سألت عن أخبار الجنرال بارو قيل لي بأن رجاله ينتشرون الآن للإحاطة بدرعا، فسارعت إلى قمة البويب ومنها إلى حيث يتخذ باور استعداداته لمهاجمة درعا كي أبلغه نبأ سقوطها وأوفر عليه عناء المعركة.
وبعد التحية والسلام أخبرن بارو بواقع الحال فدهش للخبر وقال: على كل حال سأذهب إلى درعا كما تشير التعليمات المعطاة لي لأشكل قوة حرس للمحافظة على الأمن.
فأجبته بأن العرب قد سبقوه إلى ذلك ونظموا حكومة عسكرية في المدينة».
ونقل الأمير فيصل مقر قيادته إلى درعا، وتولاه القلق الشديد خشية أن يسبقه (الإنكليز إلى احتلال دمشق([248])، فبادر بإرسال نسيب البكري إلى صديقه سلطان باشا الأطرش([249]) ليستحثه على الاشتراك بالمعركة. ولبى سلطان الأطرش نداء الأمير فالتحق بالجيش العربي مع عدد من رجاله، كما انضم عدد من المتطوعين السوريين وزحف الجميع بقيادة الشريف ناصر إلى دمشق فقضوا على مقاومة الجيش التركي نهائياً واستطاعوا الوصول إلى دمشق قبل الجيش الإنكليزي.
دخول فيصل إلى دمشق
في اليوم الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر كان الأمير فيصل يقف عند أبواب دمشق في (المقدم)([250]). وكان ينظر إليه في تلك الساعة على أنه البطل العربي الأول الذي انبعث من بين القرون بعد خمود البطولات العربية طيلة أكثر من أربعمائة سنة..
فلأول مرة بعد تلك السنين الطويلة تشهد الدنيا العربية قائداً عربياً على رأس جيش عربي يقبل على عاصمة عربية محرراً لها…
ومضى فيصل وإلى جانبه الشريف ناصر في موكب فروسي يحف به ما لا يقل عن خمسمائة وألف فارس شاهرين سيوفهم وبنادقهم، يخترق بهم شوارع دمشق المزدحمة بالناس المهللين الهازجين المصفقين، وتتناثر عليه من الشرفات والأسطحة الورود والزهور والعطور.
ويقول رستم حيدر عن أحداث الخميس 3/10/1918 واصفاً وصول فيصل إلى دار الحكومة:
فكان الدوي والهتاف والتصفيق فوق ما يتصوره كاتب. الكل يترامون على يده فرحين مبتهجين حتى دخل بهو الحكومة الكبير وهناك جمع عظيم من العلماء والأعيان فأحاطوا به والناس تداكت من الباب والخفر يمنعهم ولكن نصحت عليهم فتركوهم. في أثناء ذلك تقدم المفتي وبايعه باسم والده، وكان قبل أعطى فتوى بقتله. وبعده قام الأمير فخطب… فقام (الشيخ) عبدالقادر الخطيب وبلغ الأمر بصوت عال ونوه عن الإسلام ولزوم أتباع القرآن والسنّة ومحافظة حقوق العنصر… فسبحان الله كيف تدور الألسن من محور إلى آخر، وكيف يحول الإنسان لسانه من الذم إلى المدح.
يشير رستم حيدر بهذا القول إلى موقف الشيخ عبدالقادر الخطيب وكيف أنه يبلغ عن لسان الأمير فيصل ويمدحه، في حين أنه عند إعلان الثورة العربية في الحجاز تملّق جمال باشا فخطب في الجامع الأموي لاعناً الملك حسين وقال إنه خارجي عاص، عصى الله وشق عصا الطاعة وخرج على خليفة المسلمين.
وعندما جاء فيصل إلى دمشق منتصراً كان أول من دعا باسم والده وأول من لقبه بأمير المؤمنين.
تأليف أول حكومة عربية
في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 1918 عهد الأمير فيصل إلى رضا الركابي بتأليف حكومة تدير البلاد ومنحه صلاحيات الحاكم العسكري([251]).
فتألفت حكومة عربية مستقلة استقلالاً تاماً توزعت المناصب فيها على عرب من الأقطار التي وجد منها رجال يومذاك في دمشق. فلم يكن هناك مكان للإقليمية، بل كان الموضوع موضوع أمة عربية ثائرة لطلب استقلالها ووحدتها وحريتها. فتولى قيادة الجيش نوري السعيد (عراقي). وتولى إدارة الأمن العام جميل المدفعي (عراقي). وتولى إدارة الشرطة محمد علي التميمي (فلسطيني). وتولى قيادة موقع دمشق زكي العظمة (سوري). فضلاً عن المناصب الكبيرة الأخرى التي كان بين من تولوها لبنانيون مسيحيون مثل إدارة العدلية التي تولاها إسكندر عمون (لبناني ماروني من دير القمر)([252]).
التقدم العربي إلى الشمال
والجيش العربي الذي كان يتسابق مع الجيش الإنكليزي لاحتلال المدن العربية قبله، واصل هذا التسابق في شمال سوريا، ففي 14 تشرين الأول/ أكتوبر دخل الشريف ناصر حمص وفي 16 منه دخل حماه. وقبل ذلك في يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1918 كانت تدخل مدينة حلب قوة عربية مؤلفة من أقل من مائة رجل ما بين فارس وهجّان بقيادة الشريف مطر الذي كان بقوته هذه مقدمة لقوة الشريف ناصر الزاحف وراءها إلى حلب.
وفي هذا الوقت كان الوالي التركي مصطفى عبدالخالق والقائد العسكري مصطفى كمال باشا يتواريان في بعض زوايا محطة بغداد انتظاراً لوصول قطار يقلهما مع غيرهما من الموظفين. وفي الليل كانا يركبان القطار مع بقايا الجنود الألمان والأتراك.
أما الشريف مطر فقد حطّ رحاله في دار الحكومة وجلس جلسة بدوية على بساط بسط له على أرض البهو الذي يؤدي إليه الدرج الكبير، ونزل جنوده في صحن دار الحكومة وحفروا في الأرض نقراً أشعلوا فيها النار لطبخ القهوة يسقون بها الواردين على الشريف للسلام عليه.
وكان لا يزال في حلب قليل من الجنود الأترك فتجمع منهم نحو خمسين جندياً وتوجهوا إلى دار الحكومة للفتك بالقوة العربية النازلة فيها، ولكن القوة تصدت لهم فولوا منهزمين.
ويقارن مؤرخ حلب الشيخ كامل الغزي في كتابه (نهر الذهب في تاريخ حلب) فيقول:
«ومن الصدف الغريبة أن استيلاء الدولة العثمانية على حلب شبيه باستيلاء الدولة العربية عليها من جهة أن كلتا الدولتين أخذتها صفواً عفواً دون حرب ولا ضرب. كما أن الناس في جميع هذه البلاد اغتبطوا بهذه الدولة وفرحوا بتخلصهم من بغي قادة الجنود العثمانية وظلمهم، كذلك اغتبطوا بقدوم السلطان سليم لتخلصهم من ظلم قادة جنود الغوري سلطان الدولة الجركسية».
ويقول الغزي: «إن الناس في صباح اليوم المذكور هرعوا للسلام على الشريف مطر، وكان الروع ذهب من القلوب وظهرت المارة في الشوارع وتلاحقت عساكر الشريف ببعضها وانضم إليهم العدد الكبير من عشائر البادية المخيمة في صحارى ولاية حلب وكانوا يدخلون إليها زمرة بعد زمرة ولا يرون فيها أدنى مقاومة ولا حدث بدخولهم أقل خوف، وكان النهب من الدعّار قد وقف وسكتت الأمور وانتشر لواء الأمان ورفعت الرايات والأعلام العربية على أبواب الأماكن الأميرية، ولم يقتل من بقايا الجنود التركية وغيرهم سوى بضعة أشخاص اشتبه بهم الأعراب فقتلوهم».
سجل العرب وصولهم إلى حلب قبل وصول الإنكليز، فقد وصل الإنكليز إلى حلب بعد وصول العرب إليها بيوم.
وإذا كان العرب قد وصلوا على الخيل والجمال، فإن الإنكليز كذلك وصلوا مشاة وفرساناً وهجانة، هكذا يصف الغزي وصولهم، ولكنه يضيف إلى ذلك: بأن معهم السيارات والعجلات المشحونة بالمهمات الحربية. ثم يقول: وهم إنكليزيون ومصريون وهنود، والمصريون مسلمون، والهنود مسلمون وبراهمة وسيخ، وكان عددهم جميعاً لا يزيد على ألف جندي.
لم يكن الشريف مطر ـ كما قلنا ـ سوى مقدمة للشريف ناصر فاتح دمشق، فبعد يومين من وصول الشريف مطر، وصل الشريف ناصر. فنزل أولاً ضيفاً على أحد الوجوه ثم انتقل إلى منزل خاص أعد له في محلة العزيزية.
ويصف الشيخ كامل الغزي صاحب كتاب (نهر الذهب في تاريخ حلب) وصول الشريف ناصر إلى حلب في كتابه بالآتي: وقد تحدث أولاً عن بدء الاحتلال العربي لحلب يوم الجمعة 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 قائلاً.
في ذلك الوقت توارى الوالي مصطفى عبدالخالق والقائد العسكري مصطفى كمال باشا إلى جهة محطة بغداد واختبآ في بعض جهاتها، وعلى أثر مسيرهما إلى المحطة وقت الغروب أقبل على حلب من جهة قارلق عرب الشريف حسين ملك العرب وهم دون مائة عربي ما بين فارس وهجّان يرأسهم الشريف مطر نائب الشريف ناصر وكيل حضرة الأمير الملكي الشريف فيصل نجل الشريف حسين. وفي ذلك الوقت تحقق الناس أن الشريف قد استولى على حلب.
إلى أن يقول: ولما وصل الشريف مطر وعربه إلى حلب نزل في دار الحكومة فجلس على بساط فتح له على أرض البهو الذي يؤدي إليه الدرج الكبير ونزل عربه في صحن دار الحكومة وحفروا في الأرض نقراً أشعلوا فيها النار لطبخ قهوة البن يسقون منها الواردين على الشريف للسلام وعروض الاحترام.
ثم يصف ما جرى بعد ذلك إلى أن يصل إلى أحداث يوم الأحد فيتحدث عنها ثم عن أحداث يومي الاثنين والثلاثاء إلى أن يؤدي به الكلام إلى وصول الشريف ناصر فيقول:
الأمير ناصر من الأشراف الحسينية القاطنين في العوالي المجاورة للمدينة المنورة وحين قيام الشريف حسين على الأتراك كان الشريف ناصر وأسرته في جانب الشريف حسين فوكله حضرة الأمير الشريف فيصل في التأمّر مكانه على حلب فوصل إليها يوم الأحد ثاني وعشرين من محرم الجاري ونزل ضيفاً كريماً في منزل أحد وجهاء حلب في محلة الجميلية وبعد أيام انتقل إلى دار خصوصية هيئت له في محلة العزيزية.
ثم يقول: وبعد وصول الأمير ناصر بيومين أصدر أمره قبل كل شيء بأن يؤلف مجلس شورى ينتخب الدرك والشرطة أولاً ثم ينتخب موظفين لدوائر الحكومة فتألف هذا المجلس من اثني عشر عضواً من وجهاء حلب في أيام الدولة التركية وقد انتخبوا واحداً منهم رئيساً عليهم وهو حضرة كامل باشا القدسي ثم شرعوا بانتخاب الموظفين فأحسنوا بتعيين بعضهم وأساؤوا في آخرين شبوا ونشأوا على ظلم الناس…
ثم يقول وهو يتحدث عن أحداث يوم الجمعة 27 المحرم:
حضر الأمير ناصر إلى الجامع الكبير بموكب حافل وصلى فيه صلاة الجمعة ودعا الخطيب لملك العرب الشريف حسين بالنصر والظفر. وبعد الفراغ من الصلاة أمر حضرة الشريف ناصر لخدمة الجامع بأربعين ذهباً إنكليزياً.
ويختفي بعد ذلك اسم الشريف ناصر من صفحات الكتاب وتتوالى فيها أسماء من تولوا الأمر في حلب من ولاة وحكام عسكريين. كما يبرز اسم الأمير فيصل في زيارته لحلب مرتين، إلى أن نصل إلى يوم الأربعاء 25 شوَّال فإذا باسم الشريف ناصر يبرز فجأة فيقول الغزي عن هذا اليوم: وصل الشريف ناصر إلى حلب قادماً عليها من دمشق فاستقبل بحفاوة ونزل في دار الإمارة وبعد أيام عاد إلى دمشق.
وبعد يومين من وصول الشريف ناصر إلى حلب في المرة الأولى بدأ بتشكيل حكومة حلب، فارتأى إنشاء مجلس شورى من وجهاء حلب يعهد إليه بالتعيينات الحكومية التي تبدأ أول ما تبدأ بتعيين قوى الأمن الداخلي من درك وشرطة. فأنشىء المجلس من اثني عشر عضواً انتخبوا رئيساً لهم كامل باشا القدسي.
وبدأت التعيينات وتبدل الدول لم يبدل الذهنية، فلم يجر اختيار الموظفين على أساس اختيار الأصلح، فلا بد من الوساطات والتدخلات والأغراض الشخصية، فيقول الغزي: «فأحسنوا بتعيين بعضهم وأساؤوا في آخرين». ومن طريف ما يذكر الغزي: بدأ الناس يتذمرون من الموظفين ومن قولهم: رح وتعال غداً وبعد غد، نظير ما كانوا يفعلون مع أصحاب الدولة الزائلة إذ كانوا يقولون لهم بالتركية بدل هذه الكلمات: «كت كل يارن أوبر كون».
فقال أحد المراجعين: «بدّلنا القلبق بالعقال وكيت وكال بروح وتعال». والقلبق هو لباس الرأس المعمول من فرو الغنم وهو الذي كان يعتمره الأتراك.
وفي أول جمعة أتت والشريف ناصر في حلب، خرج بموكب حافل إلى الجامع الكبير فأدى الصلاة فيه، ودعا الخطيب لملك العرب حسين بالنصر والظفر.
فكانت أول جمعة بعد قرون وقرون وقرون يدعى فيها على المنبر لملك عربي…
وبعد ذاك الكبت الطويل انطلقت النفوس بالأماني العربية، فاستولت مجموعة من شبان حلب على نادي جمعية الاتحاد والترقي بما فيه من أثاث وكتب، وسموه نادي العرب وأصدروا جريدة يومية سموها: العرب.
وبعد أيام وصل إلى حلب شكري باشا الأيوبي حاكماً عسكرياً لحلب. ثم وصل الأمير فيصل، وكانت حلب قد أرسلت وفداً لاستقباله في حماه، ثم أعدت له استقبالاً حافلاً على مقربة من حلب، فنزل في دار أعدت له في محلة العزيزية وأقبل الناس للسلام عليه.
وبعد يومين مضى في موكب مهيب إلى نادي العرب الذي كان غاصاً بالناس، فأعدت له فيه غرفة خاصة كان يتقبل فيها البيعة نيابة عن أبيه ملك العرب.
حتى هذا الوقت كان الأمل لا يزال قائماً بإقامة الدولة العربية الواحدة، ولم تكن هناك فكرة ملك سوري مستقل، وبالرغم من أن شيوعيي روسيا كانوا قد كشفوا معاهدة سايكس ـ بيكو قبل انتهاء الحرب، فإن نشوة النصر كانت تصرف النظر عن التفكير بما أعد للعرب من تمزيق لبلادهم واستعمارها.
فالأمير فيصل هنا يتلقى البيعة لملك العرب، لأنه لم يكن قد واجه بعد الحقائق المرة في مؤتمر فرساي، ولم تكن آماله قد تزعزعت فصار لا يطلب إلا استقلال سوريا، فلا يناله…
وبعد انتهاء المبايعة انتقل إلى صدر النادي فأخذ الشعراء والخطباء يتتابعون على المنبر، فلما انتهوا بدأ ـ وهو جالس ـ بارتجال خطاب، فوقف الحاضرون إجلالاً وتعظيماً، فطلب إليهم الجلوس لأن كلامه سيطول. وتهيأ فريق من الكتّاب لتدوين ما يتكلم به، فحفظوا لنا بذلك صفحة من صفحات التاريخ العربي كان يجب حفظها.
وقد نشر الشيخ كامل الغزي في كتابه الخطاب كاملاً، ومن يقرأه ير فيه إعلان تخطيط لمسار الدولة العربية العتيدة، كان فيه فيصل موفقاً في التخطيط والعرض.
ومن أهم ما فيه هو اليقين بقيام دولة العرب الكبرى. فهو يقول فيما يقول في الخطاب.
«العرب أمم وشعوب مختلفة باختلاف الأقاليم، فالحلبي ليس كالحجازي والشامي ليس كاليماني، ولذا قرر والدي أن يجعل البلاد مناطق يطبق عليها قوانين خاصة بنسبة أطوار وأحوال أهلها».
ولا أحسب أنه كان بين مستمعي الخطاب من خطر له في تلك الساعة أن يردد قول الشاعر:
منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى
وإلاّ فقد عشنا بها زمناً رغدا
لأنه لم يكن هناك من لا يعتقد أنها منى حقاً!
ووصلت إلى حلب من دمشق وحمص وحماه وفود لتحية الأمير، وتوكيد الروابط بين أهل البلاد، فأقامت بلدية حلب لهذه الوفود مأدبة حاشدة خطب فيها الخطباء وأنشد الشعراء.
وبينما الأمير في هذا الجو المتألق بالآمال الكبار، وبينما هو في قمة الاطمئنان إذ تلقى برقية من والده يطلب إليه الإسراع في السفر إلى باريس ليمثل العرب في مؤتمر المنتصرين في الحرب…
ولم يكن يدور في خلد الأمير وهو يقرأ البرقية أنها في حقيقتها فاصلة بين ماض مشع بالحبور والأمل ومستقبل قاتم بالغم واليأس! ولم يكن يخطر له أنها تقتلعه من بين جمهور يندفع به إلى الذروات الطامحة في الوصول إلى المجد العربي المتجدد، لترمي به في أيدي جمهور يتكالب عليه ليرمي به وبأمته في قيعان الهوان!
لا شك أن فيصلاً ـ وقد قرأ البرقية ـ قد استشعر منتهى الغبطة، فها هو وقد قاد العرب إلى النصر في ميادين القتال، سيقودهم إلى التحول من أسوأ حال إلى أحسن حال، من حال التفرقة والإذلال إلى حال الوحدة والاستقلال!
هناك على المنبر الأممي سيعلي صوت العرب بين الأمم، ومن المجلس الدولي سيعود بقرار فتح باب المسيرة العربية الاستقلالية الكبرى! وتقدرون فتضحك الأقدار! ومن حلب تقدمت قوة عربية إلى إنطاكية فاحتلتها.
الجنرال اللنبي في حلب
الجنرال اللنبي كان هو القائد العام للجيوش الإنكليزية والعربية والفرنسية، وكانت هذه الجيوش التي دخلت بيروت ودمشق وحلب وما إليها بإمرته، وهو صاحب السلطة الإدارية المطلقة في جميع الأراضي المحتلة وقد جاء حلب زائراً متفقداً مستطلعاً، فكان في استقباله في محطة القطار الشريف ناصر قائد جيش الشمال، وشكري باشا الأيوبي الحاكم العسكري وبعض الرجال العسكريين.
فيصل بن الحسين رجل الثورة العربية
لا بد لنا وقد وصلنا إلى هنا، من أن نتحدث عن رجل الثورة العربية فيصل بن الحسين وعما آل إليه أمره:
ولد بالطائف سنة 1300 (1883) وترعرع في خيام بني عتيبة في بادية الحجاز، ورحل مع أبيه حين أبعد إلى الآستانة سنة 1308 (1891م) وعاد معه 1327 (1909م) واختير نائباً عن جدة في مجلس النواب العثماني سنة 1913 فأخذ ينتقل بين الحجاز والآستانة. ثم أعلن الأتراك الحرب على الحلفاء ودخلوها إلى جانب ألمانيا، ورأى الاتحاديون([253]) أن الفرصة سانحة للقضاء على أقطاب العرب وخيرة شبانهم، لا سيما الذين ساهموا منهم في المؤتمر العربي في باريس واشتركوا بالدعوة الإصلاحية. فقبضوا على القافلة الأولى وتم قتلها شنقاً في 15 آب 1915 ثم قبضوا على قافلة ثانية، مما اقتضى أن يوفد الشريف حسين نجله فيصل إلى دمشق لعل من الممكن إيقاف المجازر، ثم لدرس الأمور ومدى استطاعة القيام بعمل ثوري عربي يحد من تعسف الاتحاديين وطغيانهم، فجاء فيصل إلى دمشق في 15 كانون الثاني (يناير) سنة 1915 وحاول التوسط عند جمال باشا لإطلاق المعتقلين، ويقول جمال باشا في مذكراته: «وأصدرت محكمة عالية حكمها في القضية الكبرى (قضية 6 أيار ـ مايو) ونحن لا نزال نتبادل الرسائل مع الحسين، فجاهد فيصل لينال عفواً للمحكوم عليهم، وكان يزورني في كل يوم ويحول مجرى الكلام إلى قضية العفو، وسمعت أنه كان يعنف أعيان دمشق الذين يذهبون لزيارته لعدم سعيهم لإنقاذ مواطنيهم. ودعاني يوماً للغداء معه في القابون، وكان ذلك في أوائل شهر نيسان (أبريل) فدار الحديث حول موضوع العفو أيضاً…» ثم يقول جمال باشا: «وتلقيت بعد أيام رد الشريف حسين على برقيتي وهو يلح في إصدار العفو لأن صدوره في مصلحة الحكومة».
ولم يلبث فيصل أن شعر بأنه أصبح رهينة في يد جمال باشا، وهنا دار صراع بين ذكائين حادين: ذكاء جمال الذي أراد أن يستزيد في الرهائن، وذكاء فيصل الذي يريد التخلص من قبضة جمال باشا.
وكان جمال باشا قد نفذ حكم الموت شنقاً بالقافلة الثانية في 6 أيار 1916 الذي بلغ عدد رجالها الواحد والعشرين شخصاً، حاول جمال باشا أن يقنع فيصل باستدعاء أخيه علي إلى دمشق، وكان المفروض أن علياً يهيىء جماعات من متطوعة الحجازيين لمشاركة جمال في الزحف على القناة، فراسل فيصل أباه، وأخاله سراً، واتفقوا على أن يرسل زعماء المتطوعة برقيات إلى القيادة التركية بأنهم في شوق إلى الزحف وأنهم يرجون بأن يكون الأمير فيصل على رأسهم، ثم زار الأمير جمال باشا وأبلغه بأن أخاه علياً تلقى أمراً من أبيه بأن يتقدم باتجاه القناة، وأنه يود أن يذهب إلى المدينة فيجيء مع أخيه والمتطوعة إلى القدس، فأجاز له جمال ذلك وأصحبه بوفد مؤلف من ضابطين كبيرين وشخصيتين دمشقيتين، ووصل الوفد إلى المدينة وبقي أعضاؤه عدة أيام، وأعلن لهم فيصل أنه مضطر للبقاء أياماً أخرى لأعمال هامة وأن بإمكانهم العودة إلى دمشق واتجه فيصل إلى مكة فأطلع والده على ما يجري في سورية، وما يعلقه السوريون من آمال عليه في الثورة لإنقاذهم وإنقاذ العرب أجمعين. وكان فيصل قبل ذلك خلال تردده على دمشق قد انتسب إلى جمعية «العربية الفتاة» وتبرع لها بالمال.
وتم إعداد كل شيء وأعلنت الثورة في التاسع من شعبان 1334 (10 حزيران 1916) أي بعد إعدام شهداء 6 أيار بثلاثة وثلاثين يوماً وبعد وصول فيصل إلى الحجاز بأسبوعين. وتولى فيصل قيادة الجيش الزاحف إلى بلاد الشام وما زال في معارك متصلة حتى دخل جيشه دمشق في أول تشرين الأول (أكتوبر) 1918، ودخلها هو في الثالث منه فاستقبل فيها استقبالاً لم تر المدينة شبيهاً له منذ قرون. وفي الخامس من تشرين الأول تألفت أول حكومة عربية في دمشق. وكانت نيات الحلفاء قد تكشفت وبدا غدرهم واضحاً، وبدأت متاعب فيصل. فكان عليه أولاً أن يذهب إلى باريس ليمثل والده في مؤتمر الصلح فوصل مرسيليا في 18 تشرين الثاني 1918 (1337) واتجه إلى باريس وقدم إلى المؤتمر مذكرة مؤرخة في 29 كانون الثاني 1919 تتضمن المطالب العربية. ثم ألقى في السادس من شباط خطاباً وسط فيه مطالب العرب. ثم غادر باريس عائداً إلى سوريا تاركاً رستم حيدر مكانه ممثلاً للحجاز، شاعراً بالخيبة المريرة. وقد استقبل في بيروت التي وصلها في 30 نيسان (أبريل) سنة 1919 استقبالاً رائعاً اشتركت فيه وفود من جميع المدن اللبنانية والسورية ولم تنسه حراجة الموقف وما هو فيه من مشاغل أن يلتفت إلى شؤون المواطنين فقد علم وهو في بيروت أن جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية قد أوشكت على التلاشي لضعفها المالي، فتبرع بمبلغ ألف ليرة ذهبية كانت هي السبب في رد الحياة إليها ثم وصولها بعد ذلك إلى ما وصلت إليه. ثم انتقل إلى دمشق، واتجهت نيته إلى إيجاد مجلس نيابي تتمثل فيه البلاد ساحلاً وداخلاً بما فيها فلسطين ولبنان ولما كان من المتعذر إجراء انتخابات، فقد تقرر أن تجري الانتخابات من قبل الناخبين الثانويين الذي قاموا بانتخابات منن قبل الناخبين الثانويين الذي قاموا بانتخاب نواب البلاد في المجلس النيابي العثماني، وفي حال تعذر ذلك يعتمد النواب بموجب عرائض موقعة من الأهلين، وهكذا اجتمع المجلس باسم «المؤتمر السوري العام» في السابع من حزيران (يونيو) سنة 1919م (1338) بدمشق. ثم تتالت الأحداث فقررت البلاد على لسان المؤتمر إعلان استقلال سورية الطبيعية بما فيها فلسطين وأن يكون فيصل بن الحسين ملكاً عليها، وأعلن ذلك في الثامن من آذار سنة 1920م (17 جمادى الثانية 1338) ودعا رضا الركابي لتأليف الوزارة الأولى، فألفها وباشرت أعمالها، ولكن الدول لا سيما فرنسا وإنكلترا صاحبتا الشأن في الموضوع، تجاهلت الأمر كأنه لم يكن، بل أن عصبة الأمم أصدرت قراراً بانتداب فرنسا على سوريا ولبنان، وبريطانيا على العراق وفلسطين، ورد الملك فيصل على ذلك بتأليف وزارة جديدة اعتبرت وكأنها وزارة دفاع وطني.
وفي أثناء ذلك كان مصطفى كمال قد بدأ نهضة في الأناضول، ونشأ صراع بينه وبين الفرنسيين في كيليكيا على الحدود السورية، فطلب الجنرال غورو الذي كان قد وصل من قبل مفوضاً فرنسياً سامياً، طلب من فيصل وحكومته السماح للجنود الفرنسيين بعبور المناطق السورية للوصول إلى كيليكيا، ولكن طلبه قوبل بالرفض ونسي فيصل ما كان بينه وبين الأتراك ولم يذكر إلا أنهم شعب يقاتل في سبيل استقلاله. فأسرع الفرنسيون للاتفاق مع الأتراك فانسحبوا لهم من كيليكيا ليتفرغوا للسوريين. وهكذا فوجىء فيصل وحكومته بالجنرال غورو يرسل لهم في 14 تموز (يوليو) 1920 إنذاراً شديد اللهجة يتضمن مطالب معينة، وعزز ذلك بإعداد الجيش الفرنسي للزحف من لبنان. وعندما بحث الأمر جدياً في مجلس الوزراء قال ياسين الهاشمي المسؤول العسكري الأول أنه لا يستطيع النهوض بأعباء الدفاع لأن الجيش أضعف من القيام بهذه المهمة ولا يستطيع الصمود فنياً سوى بضع ساعات.
وتبين من تقرير أعده خبراء عسكريون أن العتاد الحربي لدى الجيش لا يزيد عن مئتين وسبعين رصاصة لكل بندقية وثمانين قنبلة لكل مدفع من المدافع السبعين. وأمام هذه الحقائق قرر مجلس الوزراء قبول الإنذار، لإنقاذ دمشق من الاحتلال. ولكن غورو كان يحلم بدخول دمشق فاتحاً، فادعى تأخر وصول الجواب ووجه جيوشه صوب دمشق وكان من شروط الإنذار تسريح الجيش المرابط في مجدل عنجر فسرح تنفيذاً للإنذار. وهنا قرر فيصل وحكومته أن يقاتلوا دفاعاً عن شرف دمشق مهما كانت النتائج وأن لا يسمحو لغورو بدخول دمشق صفواً عفواً بلا دماء، فجمعوا ما أمكن جمعه من الجنود مما لا يتعدى بضع مئات تساندهم جماعات من الأهلين وصمد الجميع وفي روابي ميسلون بقيادة يوسف العظمة وتقدم الجيش الفرنسي فلم يدخل دمشق إلا وأرضها مخضوبة بدماء بنيها دفاعاً عنها وكان في طليعة الشهداء القائد البطل يوسف العظمة، وخرج فيصل من دمشق واحتلها الفرنسيون. وذهب فيصل إلى لندن ليواجه الإنكليز بتنكرهم لوعودهم للعرب الذين حالفوهم في الحرب، وكانت الثورة العراقية قد أخمدت، وأيقن الإنكليز بعدها أن العراق لا يدار بالاستعمار، فرضوا بأن يكون فيصل ملكاً للعراق على أن يجري استفتاء شعبي على ذلك وتم الأمر وفاز فيصل بما يقرب الإجماع من أصوات العراقيين وغدا ملكاً للعراق، واستأنف معاركه لانتزاع استقلال العراق الكامل من الإنكليز وتدرج في ذلك حتى أدخل العراق عصبة الأمم، واتجه للقضايا العربية الأخرى لا سيما في فلسطين وسوريا، وبينما هو يكافح من أجل ذلك، إذ فاجأه الموت سنة 1352 (1933) في برن عاصمة سويسرا غير بالغ الخمسين من عمره، بعد أن وصل بين العرب إلى المنزلة التي أسماها كتاب العرب يومذاك حين وصفوه بأنه ملك العراق وزعيم العرب، ولم يكن بين أوصاف فيصل أصدق من هذا الوصف. ولم يبق كاتب ولا شاعر ولا سياسي في العرب إلا ورثى فيصلاً أحر الرثاء، وبكاه أمر البكاء، وكان يوم أربعينه في بغداد يوم الأمة العربية كلها.
جمال باشا
ولا بد بعد هذا من التعريف بالسفاح جمال باشا الذي كان تطبيقه للخطة الاتحادية التورانية الأصل في إذكاء الثورة العربية:
كان جمال باشا هذا من المتأثرين بالفكرة التورانية الهادفة إلى تتريك العرب كغيره من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، لذلك اختير لقيادة الجيش الرابع وفوضت إليه السلطة الكاملة في حكم قسم كبير من البلاد العربية التي تدخل فيها مقاطعات كيليكية وسوريا ولبنان وفلسطين والحجاز.
وقد كان في قيادة الجيش الرابع عند إعلان الحرب زكي باشا الحلبي من كبار الضباط العرب، ولما عزم الاتحاديون على اغتنام فرصة الحرب وتطبيق خططهم على العرب نقلوه من هذه القيادة وعينوا فيها جمال باشا، فقدم من استنبول إلى دمشق بجلبة وعظمة بالغتين.
وكان العرب قبيل الحرب عقدوا مؤتمرهم في باريس للمطالبة بالإصلاح في بلادهم، كما كانوا قد أنشأوا بعض الجمعيات لتدعيم الحق العربي. ولكن ما أن أعلنت الدولة العثمانية الحرب على الحلفاء حتى أوقفوا كل نشاط لهم وأعلنوا تضامنهم معها وتوحيد الجهود لكسب الحرب ثم النظر بعد ذلك بما يجب النظر به.
ولكن الاتحاديين جماعة (جمعية الاتحاد والترقي) كانوا مصممين على اغتنام فرصة الحرب للقضاء على رؤوس العرب وتفريق أسرهم في مهامه الأناضول والتمهيد لتتريك البلاد بكل وسيلة، فانتدبوا لهذه المهمة جمال باشا. وقد استقبل جمال باشا منذ وصوله إلى حلب حتى حلوله في دمشق بحفاوة بالغة كانت في حقيقتها إعراباً عن التضامن مع الدولة.
ولكي ندرك حقيقة نوايا العرب، وما كانوا عليه من وجوب التضامن مع إخوانهم الأتراك في الحفاظ على كيان الدولة، مع قيام حكم لا مركزي يحفظ لهم حقوقهم واستعمال لغتهم، نأخذ هنا ما كتله الدكتور عبدالرحمن شهبندر في إحدى المناسبات: «قضيت شطراً من حداثتي في عصر السلطان عبدالحميد فكنت أشعر أنا والخلص من الإخوان الذين اجتمع بهم بكابوس ينيخ على البلاد العثمانية من جراء الجاسوسية وكم الأفواه والضرب على الأيدي الحرة والتصرف في خيرات الأمة حتى إذا بدرت بوادر الحرية في الروملي ودقت ساعة الدستور في سلانيك شمرنا عن ساعدنا في سورية لتأييد هذا الانقلاب والوقوف مع إخواننا في الجيش العثماني في وجه أهل الرجعى فألفنا الهيئات الإدارية لجمعية الاتحاد والترقي في طول البلاد وعرضها ، وكانت دمشق الشام عاصمة لهذه الهيئات وكانت مربوطة بالمركز العام في سلانيك. أما القطب الذي درنا حوله في السياسة الوطنية التي اتبعناها يومئذٍ فأساسه ما دونته جمعية الاتحاد والترقي في السطر الأول من يمينها المقدسة وهو خدمة الأمة العثمانية خدمة خالصة من غير تفريق بين عناصرها. وقد شغفنا بهذه الأخوّة والمساواة شغفاً عجيباً حتى أن قائد الأركان حرب سليم الجزائري وهو من أخلص إخواننا وأنفذهم لما بلغه أن جمعية في الأستانة تألفت باسم الإخاء العربي وقف في حفلة حافلة في دمشق وامتشق حسامه، وصاح بأعلى صوته: «إننا لن نسمح بتأليف جمعية باسم الإخاء العربي فكل من تحدثه نفسه بالانضمام إليها ليس له إلا هذا السيف». كان هذا شعور أحرار العرب عامة في تلك الأيام ولكن أخذت الأخبار تتسرب إلينا من مختلف الجهات بأن الاتحاديين في الأستانة ينوون الشر بالعرب وبقوميتهم. وقد جعل ذلك يقيناً في نفوسنا أن قاضياً عربياً كبيراً نقلته الحكومة من مناستر إلى دمشق فلما مر على الأستانة ليقابل وزير العدلية نجم الدين ملابك ويتلقى منه التعليمات الجديدة قال له هذا: «إنك ذاهب إلى رئاسة محكمة الاستئناف في الشام فاجعل المحاكمات من الآن فصاعداً بالتركية لأننا قررنا تتريك العناصر». هذا مما قصه عليّ سراً رجل نزيه من أنزه رجالنا فجاء شهادة قطعية على عزم الاتحاديين على سلوك مسلك عنصري جديد مع العرب. إن هذه الجملة المقتضبة التي نقلها لي القاضي الجليل كانت فاتحة عصر جديد في حياتي إذ نقلتني من ذاك الانمحاء في القوميات العثمانية إلى تأييد قوميتي العربية في الجامعة العثمانية.
وكان الاتحاديون كلما خطوا في هذا المضمار باعاً خطت العناصر الأخرى ذراعاً إلى أن حلت كارثة الحرب العالمية فظن العاملون في جمعية الاتحاد والترقي أن ساعة الانتقام دنت فارتكبوا تلك الموبقات والجرائم التي تقشعر منها الأبدان في سورية وسائر المناطق العربية. وحسبي أن أقول هنا أن نفس الضابط الكبير الذي ندد بجمعية الإخاء العربي سنة 1908 ذهب على أعواد المشانق التي نصبها السفاح جمال باشا لرجالات العرب في السادس من أيار (مايو) سنة 1916 (انتهى).
وقد كان أول ما فعله جمال باشا أن فرق الضباط العرب المجتمعين في سورية وقذف بهم إلى ميادين القتال البعيدة. وكانت الفرق العسكرية العربية 23 و25 و27 تؤلف الفيلق التركي السادس وقاعدته دمشق. والفرق العسكرية العربية 33 و35 و37 تؤلف الفيلق التركي الثالث وقاعدته الموصل، فأرسلت جميعها على غاليسيا للاشتراك مع النمسويين والألمان في صد الهجوم المندفع من جبال الكاربات.
وبدرت فلتات من جمال باشا في دمشق في أول عهده تدل على ما ينويه من البطش ففي حفلة أقيمت له أشار أحد الخطباء العرب إلى التسامح ودعا جمال باشا إلى العفو والرحمة والرأفة بالناس، وكان من المقرر أن يكون جمال باشا آخر الخطباء، ولكن لم يكد ينزل الخطيب العربي عن المنبر حتى مشى إليه جمال باشا وقال في جملة كلام له: «إن التاريخ حفظ اسم السلطان سليم العثماني بين كبار الخلفاء مع أنه فتك بأخوته وبأهله وبرجال دولته لأنه وجدهم قد تآمروا عليه وهددوا المملكة الإسلامية».
فبدا وكأن جمال باشا يعلن منهجه في عمله الجديد، ولم يلبث أن بدأ التطبيق فشكل ديواناً عرفياً في عاليه سيقت إليه القافلة الأولى وكانت مؤلفة من أحد عشر شخصاً من نخبة شباب العرب نفذ الحكم فيهم في 14 آب سنة 1915 في بيروت.
وجاء في البيان الذي أذاعته بعد قتلهم: «… أن التحقيقات جارية بصورة دقيقة بحق أعوانهم الأشرار الذين لم يكن قبض عليهم من قبل».
فعلم الناس أن قوافل أخرى ستساق إلى الموت، وبالفعل فبعد ثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوماً سيق عشرون آخرون بين شيوخ وشباب إلى المشانق في 6 أيار سنة 1916 فشنق بعضهم في بيروت وبعضهم في دمشق. وكان يجري في هذه الأثناء نقل عائلات بأكملها نساءً ورجالاً وتوزيعها في الأناضول. فقبض في شهري آذار ونيسان (مارس وأبريل) سنة 1916 (1335هـ) على أفراد ثلاثمائة أسرة من أسر سورية ولبنان وفلسطين وأرسلوا إلى الأناضول فوزعوا على مدنه وقراه بعدما صودرت أموالهم وأملاكهم.
وكانت قوافل أخرى معدة للإعدام، ولكن الشريف حسين كان قد أعلن ثورته، واستطاع أسر بعض كبار الضباط الأتراك وأرسل يهدد بأنه سينتقم أشد الانتقام إذا استرسل جمال باشا في مجازره فتوقفت الإعدامات.
وكان هم جمال باشا العسكري هو إعداد حملة لغزو مصر باجتياز قناة السويس فعمل جهده لإعداد الحملة التي وصلت القناة وفشلت في القيام بأي عمل جدي. وكان من الحمق التفكير باجتياز القناة بمثل الوسائل البدائية التي أعدتها الحملة، وكان أمل جمال باشا هو أن يثور المصريون عندما يعلمون بوصوله إلى ضفة القناة فينشغل بهم الإنكليز ولكن المصريين لم يثوروا، واستطاع بضع مئات أن يعبروا القناة ولكن الإنكليز تلقفوهم أسرى وطافوا بهم في شوارع القاهرة.
ثم كانت النتيجة أن الإنكليز هم الذين عبروا القناة وتدفقوا متجهين إلى فلسطين، فكانت نهاية جمال باشا في بلاد الشام إذ استدعي إلى استنبول خريف سنة 1917.
وكانت الحرب تمشي إلى نهايتها فبقي منزوياً هناك بعد الجبروت والطغيان. وانتهت الحرب ففر الثالوث الاتحادي أنور وطلعت وجمال معاً، ثم افترقوا فمضى طلعت إلي برلين حيث اغتاله الأرمن ومضى أنور إلى تركستان الروسية حيث قتل في قتال مع الروس. أما جمال فانتهى به الأمر مفتشاً للجيش الأفغاني. وفي سنة 1922 تعقبه الأرمن إلى تفليس في رحلة له إليها فاغتالوه (انتهى).
وأعود هنا إلى مناقشة كانت لي مع أحد الكتّاب في إحدى الجرائد، فيها شيء من التفصيل عن هذا الموضوع، فانشرها هنا، وأن تكرر فيها بعض ما ذكرته.
كتب خالد عزب في عدد 2/6/2000 من الحياة تعليقاً على العددين 45 و46 من مجلة «الاجتهاد» الفصلية اللذين صدرا في مجلد واحد مخصص للدولة العثمانية في الدراسات الحديثة. وذكر في ما ذكر دراسة حسن كيالي عن جمال باشا في سوريا، وقال إن صاحب الدراسة تساءل عن جمال باشا: هل هو قومي أم انفصالي أم اتحادي؟ وأنه انتهى في دراسته إلى أن حكم جمال باشا في سورية خلال الحرب العالمية الأولى كان منسجماً مع التزامه بالعثمانية ووسائلها لفرض شرعية الدولة…
تساؤل كيالي عما تساءل عنه عن قومية جمال باشا أم انفصاليته أم اتحاديته. هذا التساؤل يرد في أحد أقسامه إلى ما علل به أحد الدارسين لتلك الفترة انقلاب جمال باشا على صديقه الحميم، وملازمه الدائم عبد الكريم الخليل، انقلاباً أدى إلى إعدامه على أعواد المشنقة ـ إلى ما علل به هذا الانقلاب المفاجىء من أنه كان نتيجة لتورط جمال باشا بالاتفاق مع عبدالكريم الخليل في حركة انفصالية، كان جمال باشا يبغي من ورائها الاستقلال ببلاد الشام. ولما كان عبدالكريم الخليل أبرز القائمين بالحركة العربية يومذاك فقد أراد جمال باشا كسب معونته على تحقيق هذا الأمل. ثم تسربت إشاعات عن هذه الحركة إلى العاصمة اسطنبول، ما حمل الرجل الأقوى في الحكم، أنور باشا، على التلويح لجمال باشا بوصول تلك الإشاعات إليهم. فأسرع جمال باشا إلى التخلص من عبدالكريم الخليل لطمس ما يحمل من أسرار تدين جمال باشا.
وقد جرى على تداول هذا الرأي أكثر من قلم عربي من الأقلام التي سجلت أحداث ذلك الوقت. على أن البعيدي الغور رأوه أشبه بالخيالات والأساطير التي لا تدعمها الحقائق والاختبارات. وليس واضحاً ما يعنيه كيالي في تساؤله عن قومية جمال باشا وعن اتحاديته؟ وإذا كان لنا أن نفسر «القومية» التي ذكرها بالقومية التركية، فإننا سنظل غير مدركين ما تعني «اتحاديته». وبعد هذا التساؤل حسم كيالي الأمر بأن جزم بعثمانية جمال باشا، وأن ما فعله كان منسجماً مع هذه العثمانية، وكان وسيلة لفرض شرعية الدولة.
وبذلك لا بد لنا من التساؤل هل كان جمال باشا ـ بعرض عثمانيته ـ أكثر من عثمانية أولئك الذين أعدمهم؟ وهل بدا له ما يريب في عثمانيتهم، فكان هذا الريب ذريعته في فعل ما فعل؟
إن المجال هنا أضيق من أن يتسع لشرح نشوء الحركة العربية في الدولة العثمانية وتطورها طوراً بعد طور.
وكل ما يمكن أن نقوله إن رجال الحركة العربية منذ نشأت تلك الحركة حتى إعدام من أعدم من أولئك الرجال، لم يكن في أذهانهم أبداً الانسلاخ عن عثمانيتهم، والانفصال عن الحكم الذي غلت بما غلت به من تسمية تبعده عن الصفة التركية، وكل ما كانوا يدعون إليه ويطالبون به هو لا مركزية، محدودة، يعاد فيها للغة العربية مكانتها في بلادها، وإنصاف في تقاسم المناصب والمراتب، وإصلاح في الحياة العامة. على إننا لا ننكر أنه عندما جهر جماعة «الاتحاد والترقي» الذين سيطروا على الدولة وملكوا زمام تسييرها، معلنين تركيتها أو طورانيتها لا عثمانيتها، وبدأوا يجاهرون بذلك مخططين للتتريك العام في الدولة، وصار حتى مدرسو اللغة العربية في المدارس العربية أتراكاً، وصار الأمر إلى أن تقول جريدة «طنين» علناً: «… لأن العرب إن لم ينسوا لغتهم وتاريخهم وعاداتهم فإنهم سيعملون عاجلاً على استرجاع مجدهم الضائع…
ولا ننكر أنه عندما بلغ الأمر إلى هذا الحد تحركت في نفوس الشبان العرب المثقفين عوامل الانفصال أمام هذا الخطر الداهم. ولكن ذلك ظل همساً في المجالس الخاصة لا يتعداها.
وعندما قرر فريق من رجالات العرب التنادي لعقد مؤتمر عربي يحدد مطالب العرب من الدولة، وعقد هذا المؤتمر في 18 حزيران (يونيو) سنة 1913 في قاعة الجمعية الجغرافية في باريس، لم تخرج قراراته عن طلب اشتراك العرب في الإدارة المركزية، وأن تكون اللغة العربية لغة رسمية في البلاد العربية وما إلى ذلك من لا مركزية… وصرح رئيس المؤتمر عبدالحميد الزهراوي للصحف الفرنسية: «إن رغبتنا إيجاد مجموع عثماني قوي يرتقي فيه مجموعنا العربي». وتظاهر حكام اسطنبول بأنهم تفهموا المطالب العربية وأنهم ساعون في الاستجابة لها، وفي الوقت نفسه حركوا أذنابهم في البلاد العربية لمهاجمة المؤتمرين والقول إنهم لا يمثلون العرب، ثم جاءتهم الفرصة التي طالما انتظروا أمثالها، وهي قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914 ودخول الدولة العثمانية حينها حليفة لألمانيا.
وهنا أعلن رجال العرب، وفي أولهم رجال مؤتمر باريس، أنهم حيال هذا الخطب المدلهم يوقفون كل طلب ولا يشغلون الدولة بهمومهم، بل يتكاتفون معها للانصراف إلى تحقيق النصر، حتى إن عبد الغني العريسي، المتحمس الأكبر في المؤتمر والمطالب الأعلى صوتاً في جريدته «المفيد» تحولت حماسته إلى مناصرة الدولة وتعضيدها، وعادت جريدة «المفيد» داعية عثمانية لتأليب العرب على تلبية نداء الحرب. وهنا اختار الاتحاديون حكام أسطنبول أشرس رجالهم، وأكثرهم استهتاراً بالدماء، جمال باشا، وهو موضوع كلامنا والذي يبرر حسن كيالي أفاعيله في بلاد الشام، ويجعلها منسجمة مع التزامه العثمانية ولفرض شرعية الدولة ـ اختاروه حاكماً مطلقاً لبلاد الأشم كلها إلى الحجاز…
فماذا كان صدى هذا الاختيار لدى رجالات العرب؟ كان صداه الترحيب المطلق: وقرر الموجودون منهم في اسطنبول، من زعماء (ونوابا) التخلي عن الإقامة في العاصمة ومرافقة جمال باشا إلى بلدهم ليعاضدوه ويناصروه ويكونوا في تصرفه. واحتفلت الشام بالقائد الممثل للدولة وهيبتها، والمعد للأيام الموعودة المقبلة. ويبدو أن خطيباً من خطباء الاحتفالات، وهو عبد الرحمن الشهنبدر، كان بعيد النظر فلاح له الشر في اختيار رجل جبار مثل جمال باشا للسيطرة على العرب في حرب عالمية لا رقيب فيها ولا حسيب. فدعا في خطابه جمال باشا إلى أن يكون رحيماً عطوفاً لأنه بهذا يملك قلوب الناس.
فلم يملك جمال باشا نفسه من أن يتقدم إلى المنبر في الحال بعنف قائلاً بأن الرحمة والعطف لا مكان لهما في هذه المواقف. فالسلطان سليم لم يتوان عن خلع أبيه، وقتل أولاده، وبذلك نجح في قيادة الدولة إلى النصر. فقرر عبدالرحمن شهبندر الرحيل عن البلاد، فنجا ببعد نظره من المذابح التي توالت بعد ذلك على أترابه ونظرائه.
لم يجىء جمال باشا إلى سورية منسجماً مع عثمانيته، ولفرض شرعية الدولة ـ كما يزعم حسن كيالي، بل جاء منسجماً مع طورانيته، ولفرض هذه الطورانية على العرب، مستعملاً في ذلك أفظع أنواع الاضطهاد ومنها القتل والتهجير الجماعي والترويع والتشريد. ولم تكن العثمانية مهددة في بلاد الشام، لينسجم معها في مجازره، ولم تكن شرعيتها محل تراخٍ ليفرضها بتلك الوسائل الرهيبة الوحشية. ولم يكد يستقر المقام بجمال باشا في دمشق حتى بدأ بتنفيذ المهمة التي جاء من أجلها، وهي إلقاء القبض على قادة الرأي العربي ومثقفيه ومفكريه، قافلة وراء قافلة، فنصب لهم المشانق في بيروت ودمشق، وراح يرسلهم إليها دفعة وراء دفعة.
وانصب حقده أكثر ما انصب على من حضروا مؤتمر باريس. فتتبعهم واحداً واحداً، ابتداء من رئيس المؤتمر عبدالحميد الزهراوي حتى آخر مشارك فيه. فشنقهم كلهم ما عدا اثنين كانت الدولة قد جعلت منهما عميلين اخترقت بهما صفوف المؤتمر.
چالدارن (معركة)
ـ 1 ـ
معركة چالدارن هي المعركة التي دارت في سهل چالدارن بين السلطان العثماني سليم والشاه الصفوي إسماعيل وانهزم فيها الثاني.
و(چالدارن) اليوم اسم لإحدى القرى التابعة لناحية (سبه چشمة) من ناحية مدينة (ماكو).
إن البحوث الدقيقة في نفسية وأخلاق الخصمين القويين الملك إسماعيل الصفوي والسلطان سليم العثماني تدلنا على الأسباب التي دعت هذين القائدين الجارين الصديقين لترجيح الخصومة على المسالمة التي كانت تربطهم في سابق عهدهم.
كان السلطان سليم رجلاً محباً للجاه، ومتعصباً وشجاعاً. حتى أسماه المؤرخون الأتراك بـ(پاووز) أي الطائر والقاطع. بينما وصفه المؤرخون الأوروبيون بقساوة القلب والدموية. بحيث يكتب عنه أحد السائحين الإيطاليين فوسكولو Foscolo ما يلي: «إن سليم هو أكبر رجل دموي عرفه التاريخ، بحيث لا يفكر شيء عدا الحروب وفتح البلدان».
وعلى خلافه الملك الصفوي، فإنه كان صلباً أزاء الشدائد والمصاعب، حيث خلقت منه شجاعته وخشونته رجلاً مقتدراً، وفي الحقيقة هو خليط من الشجاعة والحيلة، وهو حر وكريم، ومدرك لما يستوجب التشجيع ولما يستحق العقاب. وكان رجل حرب وقائداً كفوءاً جديراً بقيادة الجيش العظيم الذي كان يمتلكه، وامتاز بثقته على جلب ثقة جنوده حتى يمكن أن يقال إنه كان ذا قدرة خلاقة بالإضافة إلى كونه فاتحاً.
ويظهر هذا الاختلاف الشاسع بين هذين الرجلين العظيمين أن أياً منهما لم يكن مستعداً للانقياد للآخر. ولهذا السبب لم يرسل الصفويون مندوباً عنهم لتهنئة السلطان سليم بعد عزل أبيه من العرش وتوليه الحكم واعتبروه غاصباً للحكم والتاج العثماني، بينما حضر للتبريك الكثير من سفراء الدول آنذاك مثل حكومة البندقية والمجر ومصر وروسيا وكان هذا التجاهل من الملك إسماعيل من عوامل نفرة السلطان سليم ـ وإن كان عاملاً ثانوياً أمام العوامل الحقيقية ـ مما استغله السلطان المغرور والمولع بالحروب لترسيخ عزمه على شن هجومه على بلاد إيران، ومن ثم فقد أمر بانعقاد اجتماع طارىء للديوان السلطاني في مدينة أدرنة في 19/ محرم/ 920هـ الموافق للسادس عشر من مارس عام 1514، وحضر هذا الاجتماع قادة الجيش والأدباء ورجال الدين والعلماء.
وفي هذا الاجتماع حذر السلطان سليم من الملك الإيراني ودولته الشيعية، وأوضح المخاطر التي يشكلها الشيعة، خصوصاً وإن المروج لهذا المذهب هو شخص مثل الملك إسماعيل الذي يتمتع بنفوذ قوي بين أتباعه وصور الملك إسماعيل وأتباعه الشيعة بأنهم خطر يتهدد العالم الإسلامي، ومن ثم رأى أن الجهاد ضد الملك الصفوي من الواجبات التي ينبغي أن يتحملها هو وسائر المسلمين.
وتركت الإثارة المذهبية من السلطان أثرها العميق في نفوس الحاضرين وخصوصاً رجال الدين، حتى إنهم رأوا لزوم هذا الجهاد ومن ثم أفتوا بوجوبه. ولكن هذه الأدلة الدينية لم تكن كافية لإقناع قادة الجيش، إذ لا تخلو الحرب مع القزل باش من المصاعب والمتاعب، إضافة إلى أن تجهيز الجيش اللازم يتطلب النفقات الباهظة والمؤونات الكبيرة والمشقات المجهدة، خصوصاً وأن الإيرانيين يقاتلون في بلادهم بينما تقطع الجيوش التركية مسافات شاسعة، وتتعرض خلال ذلك لعدة مخاطر، ولذلك فإن قادة الجيش هؤلاء لاذو بالصمت دليلاً على عدم رضاهم. ولكن موافقة الجنود الـ(پني چري) للسلطان العثماني، جعلته يصمم على شن الحرب، فأمر بتجمع الجيوش التركية في عرصة (پني شهر) وكتب في ذلك عدة كتب وجهها إلى حكام الولايات.
ثم غادر السلطان سليم أدرنة ودخل اسطنبول في شهر صفر عام 920هـ (مارس 1514م)، ووجه رسالة إلى عبد خان الأزبكي قائمقام عمه شيبك خان الذي كان حاكماً على بلاد ما وراء النهر، طلب إليه فيها الانتقام لدم عمه من الملك الصفوي، بحيث يشن هجومه على خراسان تزامناً مع هجومه هو على الجانب الآخر لإيران.
وجاء في الرسالة ما نصه: «منذ مدة وأهالي الشرق يعانون الويلات من يد الصفوي ابن اللئيم والزنيم الأثيم والسفاك الأثيم مع طائفته الضالة التي هي {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهُ} واتباعه المفسدون الذين {وَيَقْطعونَ ما أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. إن هؤلاء بحسب طبعهم آخذون بإيقاد النار. وقد خرجوا من ديارهم ليزرعوا الفتنة والفساد في كل أرض تطؤها أقدامهم، وعلى رأسهم صاحبهم الذي خرج من مواضع النعل إلى مواقع القيادة واستطاع الاستيلاء على تلك الديار، فاستباح الدماء المكرمة المحترمة والفروج المحرمة المصونة، وأتلف الأهل والعيال وأموال المسلمين وممتلكاتهم، وأهلك الحرث والزرع والنسل والضرع، وضيع ذخائر الخاصة والعامة دون تمييز. وإن ما ناله المساكين المظلومون من ذلك الظلوم الغشوم، لم ينله أسباط بني إسرائيل من آل فرعون الجبابرة، ولا سكان بيت المقدس من نبوخذ نصر وقد مضى عهد طويل لم يذق فيه هؤلاء المساكين طعم الراحة ولم يزر النوم أجفانهم.
وقد شغلتنا حالياً على الدين المحمدي، على واضعه أفضل الصلاة وحثت صيانة ناموس الشريعة الأحمدية خاطر مشيد العالم على احراز مثوبات الجهاد وشحذ همتنا للعمل بـ«أنا ظالم إن لم أنتقم من الظالم».
وقد قرّ رأينا على قمع واستئصال ذلك المفسد الملحد بعد استخارة الملك المتعال واستشارة ملهم العقل الفعال، وعما قريب سنسير على رأس جيش لا يعد ولا يحصى وكلٌ من جنوده قابض على سيف وخنجر وطامح إلى الشمس وكلهم ممن يشار إليهم بالبنان في إطلاق النار والقتال بالحراب، ويشبهون في ذلك الشهب والسماك الرامح. وإننا حين نسير لقتال جنود الشيطان والمعاندين اللعناء وقافلة التكبر والحقد وقطاع طرق الدنيا والدين فإنما نسير بقلوب ثابتة وصدور منشرحة بالرجاء والأمل، حسب المضمون الشامخ لـ«من كان لله كان الله له».
وحضرتكم تعلمون أكثر من الجميع حقيقة والدكم تغمده الله بغفرانه وتعرفون الجوهر الطاهر لروحه الذي يسبح من بحر الفطرة وليس بوسع أحد من الخلق بلوغ كنهه وإن تضييع دم مثل هذا الملك العاقل، العالم، العادل لأمر لا تقره المذاهب جميعاً بحسب فتوى «كتب عليكم القصاص في القتل» وإن الوجه الأقرب والطريق الأولى عند الله وعند الناس هو المباشرة في القتل، أي جهد وجد ضمن احتمال العقل وسعة الفهم وقوة الفهم والمسارعة في ذلك، لتحسن سهام حسن التدبير أصابتها لمواضع التقدير، حتى يستأصل هذا الظالم الغاشم من الوجود، وتهدأ الغيرة التي أثارتها نكبات عهده، بيد المجاهدين من أصحاب الدين، ولنسعى فيما بعد لفتح باب المصالحة وتهيئة أسباب المواصلة بحكم «تواصلوا بالكتب ولو شط المزار»، حتى يتبادل الطرفان الرسائل والرسل المحترمين المحملين بتحف المحبة وهدايا إبراز المودة التي تبعث على تعارف الأرواح في عالم الأشباح من الجانبين وعلى الاتحاد الذي يتمسك به الأحياء والأولياء، وحتى يستحكم بناء الوحدة والإخوة يوماً بعد آخر، وتتأكد أواصر ذات البين ساعة بعد أخرى وفقاً للقدرة الحميدة والحكمة المختبرة وخضوعاً لأوامر الشريعة.
وقد أرسلنا الآن أحد خاصة علمائنا وهو محمد بيك زرفت لإبلاغ رسالة الصدق والصفاء هذه ولإنهاء خطاب المسرة هذا، لجهة مآب الصولة، وإن شاء الله تعالى سيرجع إلينا عاجلاً محملاً بالأخبار السارة لتلك الذات الملائكية بعد أن ينال الشرف بلقاء الحضرة الباعثة للسرور. ولتكن إمدادات العناية اللسانية والتوفيقات السبحانية والتأييدات الصمدانية قرينة حالكم على الدوام. بحق النون والصاد. تم تحريره في أواخر شهر محرم الحرام سنة عشرين وتسعمائة»([254]).
ورداً على رسالة السلطان سليم. كتب عبيد خان الأزبكي رسالة في أواخر جمادى الثانية من نفس ذلك العام، موجهة إلى الديار العثمانية بواسطة خورشيد بهادر القائد الأزبكي، جاء فيها:
«إلى حضرة جلالة الخليفة، منقبة السلطنة، مآب المعالي، نصاب الفلك، سلطان السلاطين، وخاقان الخواقين والملك الفاتح هازم الأعداء وملك الملوك المبجل خديوي اليونان والروم أعلى الله شأنه ومقامه، كهف الغزاة والمسلمين وقاتل الكفرة والمشركين وقامع العجزة والمتحدين المؤيد من عند الله الذي لا إله سواه أبي النصر والفتح السلطان سليم شاه… وكفى به شهيداً…
ولما كان الملك المعظم عازماً على دفع تلك الشرذمة القليلة، فإن هذا المريد وبعد وصول فرخ نظام الدين محمد بيك أدام الله تعالى إقباله ـ قد أبلغ الخواص والعوام بالرسالة، وأطلع جميع الميرزات والخانات والسلاطين والبهادريين والأغلانيين وأمراء الواس وأمراء تومان وزعماء الجيوش وحراس الثغور وجملة المطيعين والتابعين من الأوزبك والجغتاي الجنكيزخانيين من حدود سمرقند حماها الله وحرسها حتى نهاية حدود طشقند بالبشارة، وبعد المشاورة عزمت على إزالة الطغمة المتغلبة والفرقة الضالة الرافضة لعنهم الله ودهرهم.
وقد أرسلت الرسول المشار إليه، عمدة الخواص خورشيد بهادر الذي سيصلكم بعد تقبيل البساط، وإن شاء الله سيأتي النصر المظفر بهمة الجانبين في حوالي أصفهان وزنده رود (وما ذلك على الله بعزيز) وتفضلوا بالسؤال عن باقي الأمور من المشار إليه»([255]).
وبعد أن أمضى السلطان العثماني في مدينة القسطنطينية اثنين وعشرين يوماً، تحرك صوب اسكوتاري ومن هناك إلى حدود إيران. وفي السابع والعشرين من صفر عام 920هـ (1514م) وصلت من إزنكميد رسالة تهديد باللغة الفارسية إلى الملك إسماعيل، وقد بعث بها إلى البلاط الملكي الصفوي بيد أحد الجواسيس الإيرانيين الذي أمسك العثمانيون به سابقاً ويدعى قليج.
وفي الحقيقة كانت الرسالة بمثابة إعلان للحرب، إذ أظهر السلطان سليم عداءه للملك إسماعيل بلهجة غاية في الخشونة، حيث يكتب قائلاً: «… أما بعد، فإن هذه الرسالة الموقرة هي من حضرة مآب الخلافة، قاتل الكفرة والمشركين، قامع أعداء الدين، مرغم أنوف الفراعين، معفر تيجان الخواقين، سلطان الغزاة والمجاهدين شبيه الإسكندر وكيخسرو، صاحب النسب الشريف، السلطان سليم شاه بن السلطان بايزيد بن السلطان محمد خانيم، وموجهة إليك يا قائد العجم القائد الأعظم والزعيم المعظم، ضحاك الدهر، الأمير إسماعيل الشهير، لأجل أن تعلم بأن فعل الفعال الحق وصنع الجواد المطلق برغم كونه غير معلل بالغرض إلا أنه يتضمن المصالح والحكم اللامتناهية، كما ورد في الكتاب المبين {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}. حكمة خلق الإنسان الذي هو عين الأعيان ونقاء العالم وخلاصة الأكوان، كما قال عز وعلا {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} ولكن لكون أفراد هذا النوع لهم القابلية على مظهرية الأسماء المتقابلة بجمعهم للدقة والروحانية والكثافة الجسمانية فإن الغاية لن تحصل والخلافة لن تتحقق دون طاعة الشريعة المقدسة لوالي الرسالة النبوية عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات.
ولما كانت الشرائع النبوية توصل إلى الفوز والسعادة في العالمين وهي سبب إلى المعرفة الخالدة، لذلك فإن كل شخص يمتنع عن طاعة الأحكام الإلهية أو يخرج عن الانقياد للأوامر ويقوم بهتك ستر الدين وهدم الشرع المبين، يتوجب على كافة المسلمين عموماً والسلاطين خصوصاً أن يغدوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ} ويصغوا إلى نداء العقل ويبذلوا كل شيء لدفع المكائد ورفع المفاسد الصادرة عن هذا المفسد، كل بحسب طائفته وحسب إمكاناته.
وقد تصديت لإمارة بلاد الشرق تعدياً، وخرجت من موضع الذلة إلى صفة الإمارة والأبهة، وفتحت أبواب الظلم والحيف على المسلمين وزاوجت بين الألحاد والزندقة وخلطت بينهما، واتخذت من الفساد والفتنة شعاراً لك، ورفعت أعلام الظلم، وادعيت الملوكية والقيادة، أتباعاً لهوى النفس والرغبات الطبيعية لمن تحلل من قيود الشريعة، وانطلق من نواميس الملة. وقد تواترت أخبار أفعالك المشينة ومساوىء أحوالك من إباحة للفروج المحترمة وإراقة للدماء المكرمة، وتخريب للمساجد والمنابر وإحراق المراقد، وإهانة للعلماء والسادات، وإلقاء المصاحف الكريمة في القاذورات وسب الشيخين الكريمين رضى الله عنهما. وقد جمع أئمة الدين والعلماء المهتدون رضوان الله عليهم أجمعين على كفرك وأتباعك وشيعتك وارتدادكم جميعاً عن الإسلام، مما يوجب قتلك، وقد أفتوا بذلك على رؤوس الأشهاد واتفقوا بالكلام والأقلام.
وبناء على ذلك فقد عبرنا البحر لهذا الغرض الذي هو تقوية الدين وإعانة المظلومين وإغاثة الملهوفين وإطاعة الأوامر الإلهية، وإقامة المراسم الملكية، بعناية الله وحسن توفيقه بألوية الظفر وعساكر النصر وأسود قوية وأبطال ذوي خناجر، يقطعون العدو المدبر كحد السيف، ويحملون الأقواس التي ترسل سهامها للعدو إلى برج القوس. وختم عبورنا بالخير والظفر في شهر صفر.
ثم يعظه بترك المعاصي والآثام وأنواع الذنوب والمظالم، ورفع السيف عن أعناق المسلمين والكف عن هدم المساجد والمراقد وقتل العلماء، والإنضواء في زمرة {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ}، والاعتراف بانضمام المناطق الخاضعة لحكمه على أنها جزء من الممالك العثمانية، فإنه سينال السعادة حينئذٍ حسب تعبير الرسالة… ثم يختمها بدعوته للحرب إذا أصر على رفض الدعوة إلى الاستسلام ويذيلها بالآية الشريفة {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} والسلام على من اتبع الهدى. حرر ذلك في شهر صفر المظفر سنة عشرين وتسعمائة بيورت أزنكميد([256]).
وفي نفس اليوم أرسل أخرى إلى ابن فرخ شاه بيك محمد بيك، خلف عائلة آق قويونلو، رغبه فيها على مقاومة الملك الصفوي، وقد جاء في الرسالة:
خضرة مآب الولاية، ونصاب السيادة، وقباب السلطنة سراج الدين محمد بيك بن فرحشاد بيك دام إقباله نبلغكم العواطف الملكية. أننا قد علمنا على وجه التحقيق من المخلصين الموثوقين وسالكي الطريق بأن عائلة الأياليين والأقارب وعشائر الآباء والأجداد لحضرتكم، لا يزالون على طريق أهل السنَّة والجماعة، وهمتكم مجبولة على العادات الحسنة وعلى الطاعة، وأما أمر مشايعتكم ومجاراتكم لطائفة القزلباش الملحدين وترك ولاية دياربكر التي هي إرث لكم فإنما كان ذلك اضطرارياً لا اختيارياً، وبمقتضى «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم بل ينظر إلى قلوبكم وبالكم» فإن من الواضح أن حضرتكم لن يتضرر دينكم وديانتكم ما دمتم على نفس الاعتقاد الحق برغم كل المصاعب التي تعانون منها من هؤلاء القوم الزنادقة الملاحدة.
وإن وقوع كبار الصحابة في أسر المشركين وفتنتهم ليمنحك العذر لما أنت فيه.
ثم يمضي في الحديث عن هذه الزمرة الملحدة (الشيعة) على حد زعمه وإن إعلاء راية الدين تتطلب فتح إيران وإلحاقها بالممالك العثمانية.
ثم يعده بمنحه أعلى المراتب والدرجات السامية التي تفوق ما كان عليه آباؤه وأجداده إن هو انضم إلى صفوف العثمانيين. ويختمها بعبارة ـ بعناية الله وتوفيقه ـ حرر في أواخر شهر صفر الخير سنة عشرين وتسعمائة»([257]).
ولما كان الملك إسماعيل ـ آنذاك ـ منشغلاً بقتال الأزبكيين فقد عمد إلى إرسال محمد خان استاجلو قائد جيوش إيران وحاكم ديار بكر من أجل إتلاف جميع المواد الغذائية الموجودة في الولاية الواقعة على طريق قوات السلطان سليم وتخريب جميع الطرق ومن ثم الانسحاب إلى آذربايجان. وهكذا فقد أحرق محمد خان جميع القرى الواقعة على طريق جيوش السلطان سليم، وأتلف كل المواد الغذائية وخرب الطرقات. وبعمله هذا أخر دخول جيش الأتراك إلى إيران، وهيأ أسباب إيذاء جيش العدو إلى حد ما. بحيث اضطر العدو إلى جلب المواد الغذائية للجيش عن طريق البحر إلى ميناء طرابزون([258]).
وبعد أن أرسل السلطان العثماني رسالة تهديده إلى الملك الصفوي، دخل (بني شهر) محل تجمع جيوشه والتحقت به هناك قوات يني چري الذين كانوا قد تجمعوا من المناطق الخاضعة للعثمانيين.
وبعد أن استعرض السلطان العثماني قواته؛ أمر بالتحرك صوب الحدود الإيرانية، وفي سيد غازي أنعم على قوات (اليني چري) بالهدايا الوفيرة من أجل إرضائهم، ثم سير جيشاً مكوناً من عشرين ألف بقيادة أحمد باشا دوقه كين أوغلي للحصول على أخبار الخطط الحربية للإيرانيين والتوزيع العسكري لقوات الملك إسماعيل فأرسلهم إلى الحدود الإيرانية، وقدم هو إلى قيسارية عن طريق قونية، واستراح هناك بضعة أيام، أرسل خلالها إلى علاء الدولة ذو القدر ليحضر عنده بنفسه، ويتحد معه في حربه ضد إيران. ولكن ذو القدر لم يوافق رغبات السلطان سليم إذ كان تحت وصاية دولة مصر ومن ثم فهو لا يستطيع مناصرة السلطان سليم.
وبينما كان مشغولاً في المفاوضات مع السلطان المذكور، هاجم فرسانه ـ بأمره ـ قورخانة ومؤنة العسكر التركي، وهكذا أرغم السلطان العثماني على الاحتفاظ ببعض قواته في حدود المناطق الخاضعة لحكم علاء الدولة ذي القدر، طوال فترة حربه مع ملك إيران، ليكون بذلك في مأمن من الهجمات الاحتمالية لذي القدر.
وبعد فشل مفاوضات السلطان سليم مع علاء الدولة أمر السلطان سليم قسماً من جيشه بقيادة مصطفى أتاتورك بمحاصرة باي برد ليكون بذلك مؤمناً لجناح جيشه الأيسر من المخاطر المحتملة من الأكراد والگرجيين. وذهب بنفسه إلى مقر جيشه في سيواس. ووضع أربعين ألفاً من قواته بين قيساربة وسيواس ليحفظ مؤخرة جيشه من الهجمات المحتملة للأعداء، ومن انتفاضات وتحركات المؤيدين لملك إيران المتناثرين في تلك المناطق. حيث بقي عدد كبير جداً من فدائيي ملك إيران في الأناضول وحدود إيران رغم المجازر العامة التي حدثت ضد الصوفيين والشيعة في هذه المناطق.
وبعد أن دمر محمد خان استاجلو جميع القرى الواقعة في طريق القوات التركية وأتلف جميع المؤن والمواد الغذائية فيها، أمر السلطان سليم بتهيئة المواد الغذائية من الولايات المختلفة وإرسالها بالسفن إلى ميناء طرابزون، ومن هناك نقلت بواسطة البغال والجمال إلى المعسكرات التركية ولكن أغلب القوافل كانت تتعرض لهجمات الگرجيين والقبائل التركية المؤيدة لإيران([259]).
وأرسل السلطان من سيواس قراجه باشا، علي بيك ميخال أوغلو، وفرحشاد بيك بايندري لجمع المعلومات عن تحركات القوات الإيرانية، وأرسل رسالة أخرى إلى الملك الإيراني تحمل نفس مضمون الرسالة الأولى وحملها أحد الجواسيس الإيرانيين الذي كان قد أسر من قبل القوات التركية.
ومضمون الرسالة هو ما يلي([260]): {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين، هذا كتاب أنزلناه مباركاً فاتبعوه واتقوا لعلكم تفلحون. إن منشور الظفر هذا الذي هو كالوحي النازل من السماء، قد كتب بأمر الحضرة السامية الذي هو خليفة الله في الأرض، بمقتضى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً».
من سليمان المكان، شبيه الإسكندر الظافر وفريدون النصر، قاتل الكفرة كافل الكرام البرره، المجاهد المرابط المنظور المظفر الليث ابن الأسد ابن الغضنفر، نار لواء العدل والإحسان، السلطان سليم شاه بن السلطان بايزيد بن السلطان محمد خاتيم إلى ملك العجم، مالك دولة الظلم والجور، الزعيم الشرير وقائد الأشرار، ضحاك الدهر وعديل قابيل، الأمير إسماعيل، معرب عن أن العزة الإلهية والقدرة الربانية تؤثر الملك من تشاء، وبتوقع ما يفتح الله للناس من رحمة لا ممسك لها. ولا جرم فإن الأوامر والنواهي الإلهية أمور الأحكام الملكية نافذة في فضاء الأرض مثل فضاء السماء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولما كان أمر إخضاعك للملة المحمدية على واضعها الصلاة والتحية بالقوة لآرائك الضالة، متواتراً عند الجميع، وبأنك هدمت أساس الدين المتين، ونشرت لواء الظلم على قواعد الاعتداء، ورأيت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مغاير للشريعة، وطفقت وشيعتك الشنيعة تحللون الفروج المحرمة والدماء المحترمة، ويحكم سماعون للكذب آكالون للسحت رحت تستمع إلى زخرف الكلام وتأكل المحرمات، وتخرب المساجد وتقيم معابد الأوثان، وتحطم منابر الإسلام بيد الاعتداء، وترى التعاليم المبينة أساطير الأولين…
وهكذا يمضي في رسالته، مهاجماً فيها تارة ومتوعداً أخرى وناصحاً ثالثة ويختمها بعبارة «ولله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين».
وفي العشرين من جمادى الأولى 920هـ (كانون الثاني 1514م) وصل السلطان سليم إلى نهر جاي صوفي الذي يمثل حدود إيران، ودخل مدينة زنجان. وكان الملك الصفوي قد أمر نور علي بإخلاء المدينة من قبل، لذلك استسلمت للسلطان العثماني دون مقاومة، ثم ذهب إلى سهل ياسي جمن قرب زنجان ليستريح هناك.
وفي أثناء ذلك اطلع جواسيس السلطان بأن الملك الإيراني لم يكن يفكر في قتال العثمانيين، وهو سيسعى بتدمير الطرق الواقعة على مسلك القوات العثمانية لسحب هذه القوات إلى داخل إيران حتى مجيء فصل الشتاء وعندها يهلك الجنود العثمانيون من شدة البرد والجوع.
وللحيلولة دون انتشار هذه الأخبار في صفوف القوات العثمانية التي تحدث الذعر في نفوسهم، أمر السلطان سليم بإلقاء الجواسيس في السجن، وفي غضون ذلك حضر عند السلطان سليم أحمد جان موفداً من قبل أحمد بيك بن فرحشاد بيك الآق قويونلو الذي كان يتمتع بالنفوذ في كردستان وأيد أحمد جان مقولة الجواسيس وحمل رسالة جوابية لرسالة السلطان سليم التي مر ذكرها، كتبها أمير الآق قويونلو بماء البصل خوفاً من الملك الصفوي، ولئلا تنتشر في أوساط الإيرانيين إذا ما وقعت في أيديهم.
وقد جاء في الرسالة ما يلي: «إلى ساحة العظمة والجلال الذي لا يزال عالياً بعون الملك المتعال وبعد؛ فقد وصلت في أواخر ربيع الآخر، أوامر القضاء مع الحاجب القديم للوالد الأمجد قدوة الأماجد والأعيان أحمد جان، زيد قدره، وقد وصلت خلسة على بعير إلى هذا العبد، فانتحيت بها ركناً قصياً وأخذت أفتحها على مهل ثم قرأتها في الخفاء، وقد طالعت كل سطر من سطورها بشوق ونشاط، وأدركت جواهرها المكنونة.
وفي الحقيقة أنه ليس هناك من اطلع عليها، بل ظلت في عالم السر والخفيات، وكتبت جوابها بماء البصل وأعدتها بيد المشار إليه ورغم أن حاملها هو من المخلصين لنا إلا أنّا لم نطلعه عليها إلا بعد الإيمان الغلاظ، وليس خوفنا منه، إنما الخوف من وقوع رسل حضرتكم في مصاعب، ينالنا جميعاً أثرها العتاب والعقاب.
حسبي الله ونعم الوكيل، وكل توكلنا على حضرة مسبب الأسباب، ونأمل أن تشملكم القدرة الإلهية برعايتها وأن يوصلنا إلى المنزل المقصود فهو المراد… وأمركم الأعلى»([261]).
ومن أجل دفع ملك إيران إلى الحرب، بادر السلطان سليم لإرسال رسالة باللغة التركية في جمادى الأولى عام 920هـ (18/كانون الثاني 1514م) ضمنها خطاباً عدائياً شديد اللهجة. وكان الغرض الرئيسي من هذه الرسالة هو دفع عدوه إلى الحرب إذ لم يجب ملك إيران على رسائله حتى ذلك الحين، ولم يبدر من قادة القزلباش أي دفاع أو مقاومة بوجه التقدم العثماني. بل إنهم كانوا ينسحبون بأمر الملك إسماعيل. وأرفق السلطان سليم برسالته عصا وخرقة وكشكول ومسبحة حتى يكف ملك إيران عن تخوفه من الحرب وليفهمه بأن الانسحاب ليس من شيمة الرجال وأولى به إن فعل ذلك أن يحمل العصا والمسبحة ويلبس الخرقة على غرار ما يفعل الصوفيون عنده.
وفي السابع والعشرين من جمادى الأولى، وبينما كان السلطان يمضي أوقاته في آق ده بالقرب من كماخ، وصل رسول ملك إيران مقر السلطان العثماني، وسلمه رسالة ملكه مع علبة من الذهب مليئة بالترياك.
وعلى خلاف رسائل السلطان سليم التي كانت مليئة بسوء الأدب والتهجم والعتاب، فإن هذه الرسالة كانت في غاية الأدب والاحترام ومعبرة عن الأخلاق المتينة التي كان يتحلى بها ملك إيران وعن ذوقه السليم ولا مبالاته وبرودة دمه وذكائه وكانت دليلاً على اختلاف أخلاق الملك إسماعيل عن الأخلاق الخشنة، الحادة للسلطان العثماني.
وقد بين الملك إسماعيل بعد الألقاب اللازمة بأسلوب متين وعذب بأنه لا يعرف أسباب العداء بينه وبين السلطان، وهو راغب ـ كما في السابق ـ بحفظ العلاقات الودية بين البلدين الجارين، خصوصاً وأن علاء الدولة ذو القدر لا يهدد أحداً كما يهدده نفسه. ثم ذكره بعلاقته معه حينما كان حاكماً لطرابزون، ورد على الأدلة التي ذكرها السلطان العثماني كمبرر للعداء بأسلوب مؤدب، وأوضح رغبته في تجديد العلاقات الودية القديمة بين البلدين. ثم ينهي رسالته ببعض الجمل المهينة اللامبالية ويذكره بأنه مشغول بالصيد في أطراف أصفهان، ولكن إذا لم يثمر هذا الجواب الودي بالنتيجة المطلوبة فإنه سيرتدي لباس الحرب لمواجهة الشخص الذي يهدده. ثم يذيل رسالته بالعبارة التالية «افعل ما تشاء»!
فأغضبت رسالة ملك إيران بأسلوبها الساخر السلطان العثماني إلى حد جعلته يأمر بقتل السفير الإيراني وتقطيعه إرباً على خلاف الأعراف السائدة بين البلاطات الملكية.
ويئس السلطان العثماني تماماً بعد الرسالة الجوابية للملك إسماعيل، إذ رأى أنه لم يستطع إغضابه رغم كل التهديدات والتهجمات والشتائم، وأدرك بأن الملك إسماعيل يحاول باستخدام سياسة الكر والفر جره إلى داخل البلاد، ومن خلال إتلاف المؤن وتدمير القرى يسعى إلى إيقاع الجيش في القحط ومن ثم إرغامه على توقيع معاهدة صلح بين البلدين.
وأحدثت السياسة الجديدة للملك إسماعيل إزاء السلطان سليم، بلبلة في صفوف الجيش التركي، الذي رأى نفسه أنه قد قطع رحلة طويلة استغرقت أشهراً وتحمل الجوع والنصب دون أن يقابل الجيش الإيراني، وحتى المستشارون العسكريون وقواد الجيش العثماني كانوا غير راضين عن تصميم السلطان ولا يرون أي جدوى من وراء تحركات جيوشهم ويتوقعون الهزيمة لها.
ولذلك فقد أجمعوا على انتخاب هموم باشا بيگلر بيك([262]) كممثل عنهم لصرف السلطان سليم عن عزمه، حيث كان مقرباً منه.
ولما كان السلطان سليم عازماً على الحرب مع ملك إيران، ويرى أي نوع من الانسحاب دليل على ضعفه، فإنه أمر بضرب عنق هموم باشا وعين محله زينل باشا ثم أصدر أمراً بالحركة نحو إيران.
وكتب السلطان العثماني الذي كان منزعجاً من عزم الملك إسماعيل رسالة أخرى باللغة التركية وجهها إليه من جرموك، وجاء في الرسالة ما يلي:
«إسماعيل بهادر، أصلح الله شأنه، عندما يبلغك التوقيع الرفيع لسيد العالم والحكم الشريف لواجب الانقياد والأتباع، فعليك أن تعلم أن رسالتك قد وصلت حضرتنا السعيدة، وقد كتبت فيها كلمات وقحة، مما زاد في عزمنا، وأمرت بترك الانتظار.
وقد دخلنا مملكتك بقواتنا الجريئة التي قدمت من الأماكن البعيدة في جيوش لا تحصى، مع رايات الفتح وآيات النصر، وبعد قطعنا للمراحل والمنازل، وفي عرف السلاطين أولي الأمر ومذهب الخواقين ذوي القدر فإن المملكة هي بمثابة المرأة، وإن الشخص الذي له نصيب من الرجولة وحظ من الفتوة قطعاً لا يرضى بتعرض الآخرين لعرضه وناموسه.
ومع هذا فإن جيوشنا الظافرة لا تزال موجودة في بلادك، رغم مضي الأيام، وليس ثمة أي حركة أو علامة تدل عليك، وليس هناك أي أثر واضح على وجودك، بل ظللت متستراً فكانت سيان حياتك ومماتك.
وظاهر الحال يشير إلى أن اكتساب الجرأة هو عارض لما هو لازم. ولم يبدر منك إلى الآن أي عمل يمكننا استنباط رجولتك وصلابتك منه. إن عملك هو ثمرة لمكرك والحيلة التي تتصف بهما، ولا ريب فإن جرأتك العارضة، إنما هي أثر للتلبيس والتدليس لا غير، وعلاج مرضك الذي أنت مبتلى به معروف وتستعمله لأجل الحصول على قوة القلب. فلتكن الآن كما مضى واستعمل هذا الدواء عسى أن تجد في نفسك شيئاً من الجرأة.
ونحن قد قمنا لأجل إزالة ضعف قلبك بفصل أربعين ألفاً من قواتنا الظافرة وإبقائها بين قيسارية وسيواس، وليس ثمة مروءة ورجولة أكثر من ذلك يمكننا تقديمها لعدونا. وبعد كل ذلك فإن بقيت على حالك منزوياً في ركنك خائفاً مذعوراً فإن اسم الرجولة يحرم عليك حينها وأفضل لك أن ترتدي زي النساء بدلاً عن زي الملوك وحري بك أن تتخلى عن القيادة والزعامة ولن تقوم بهذا العمل لأنك لست كفوءاً والسلام على من اتبع الهدى تحريراً: أواخر شهر جمادى الآخرة سنة عشرين وتسعمائة».
وأرسل مع رسالته بعض الألبسة النسائية والعطور وأدوات التجميل إلى ملك إيران، وفي أثناء ذلك أرسل رسالة أخرى إلى عبيد خان الأزبكي، طلب إليه فيه مناصرته في حربه مع إيران، ثم غادر جرموك واتجه صوب ترجان وأخذ في التوغل في الأرض الإيرانية ليستولي على تبريز عاصمة إيران في حال عدم التقائه بالجيش الإيراني.
وفي أثناء الطريق أرسل ميرخان محمد بيك للسلطان العثماني تقريراً يفيد بأن خان محمد استاجلو حاكم دياربكر قد وصل حدود خوي والتحق به الملك الصفوي بجيشه واستعدا للحرب.
وفي نفس الوقت وصلت السلطان سليم رسالة من الملك الصفوي يدعوه فيها إلى الحرب في سهل چالدارن. وكان هذا الخبر باعثاً لارتياح السلطان العثماني، لأنه كان يخشى تمرد جيوشه في حال توغله أكثر في الأرض الإيرانية. ومن ناحية أخرى يخشى الوقوع أسيراً بيد الجيوش الإيرانية.
وفي ليلة الأربعاء الثاني من رجب عام 921هـ التقى الجيش العثماني بالجيش الإيراني في سهل چالدارن. وكان هذا الالتقاء قد حدث بالرغم من وجود المعارضة الشديدة للقوات العثمانية التي كانت تقول «قد جلبتنا للحرب، بينما لا نرى أي عدو أمامنا، وحتى متى يمكننا السير في بلاد مدمرة بعد أن أجهدتنا المسافات الشاسعة، والتي أهلكت خيولنا، إضافة إلى انعدام المؤنة الكافية، فمن سيكون المسؤول إذا لمن ننتصر إزاء جيش مرتاح. وإذا ما هزمنا ـ لا سمح الله ـ إزاء القزلباش فإن الموت سيكون حينها أهون علينا من عار الهزيمة. فمن الأفضل أن نرسل شخصاً ليعقد الصلح مع الملك إسماعيل».
مجير شيباني
چالدارن
ـ 2 ـ
من المعروف أن المعركة التي خاضتها القوات الإيرانية مع القوات العثمانية في سهل (چالدارن) كانت من أكبر المعارك التي خاضتها هذه القوات إن لم نقل أكبرها قاطبة.
ونحن قبل أن ندخل في تفاصيل المعركة والأحداث التي سبقتها والظروف التي مهدت لها نرى لزاماً علينا أن نذكر بعض الأمور المتعلقة بملابسات المعركة لإظهار مدى التفاوت بين الطرفين:
أولاً: لم يكن الإيرانيون حتى يوم المعركة قد التقوا بجيش مجهز بالمدافع التي تعد أحدث الأسلحة أنذاك.
ثانياً: بلغ عدد القوات العثمانية التي حضرت المعركة ما يقارب عشرة أضعاف القوات الإيرانية ـ هذا إذا أخذنا بنظر الاعتبار جميع الحاضرين حتى رجال المدفعية والمشرفين على أعمال الحمل والنقل وعمال الخدمات.
ثالثاً: لم يكن تسليح القوات الإيرانية بمستوى التسليح العثماني، ولم يكن الإيرانيون مدربين بمستوى تدريب سائر القوات العثمانية فضلاً عن قوات (اليني چري) التي كانت يومذاك بشهادة الأوروبيين أفضل جيوش العالم تدريباً وقوة وشدة مما سيرد ذكره في الآتي من القول.
رابعاً: على الرغم من كل هذا التفاوت الكبير، لم يقع من الإيرانيين أسير واحد بين أيدي القوات العثمانية بينما تمكنت القوات الإيرانية من أسر عدد كبير من العثمانيين.
بعد ذكر هذه الأمور نحاول أن نرافق الأحداث حسب تسلسلها حتى نصل إلى يوم المعركة ونطلع على أهم ما دار فيها بشيء من الإيجاز.
خطة السلطان سليم لخلع أبيه عن العرش
كان السلطان سليم شاباً طموحاً، يدرك أن الأمور إذا ما تركت لحالها وسارت سيراً طبيعياً فلن يصل إلى عرش الإمبراطورية العثمانية أبداً. ولذلك ساقه طموحه إلى التفكير بالتخلص من أبيه المريض، ليستبق بذلك الأحداث، ولم يجد لتنفيذ خطته أفضل من قوات اليني چري.
قوات اليني چري (الانكشارية)
تعطي كلمة (اليني چري) التركية معنى (الجيش الحديث) وهي تطلق على القوات التي كان السلاطين العثمانيون يؤلفونها من بعض الشعوب الحديثة العهد بالإسلام، حيث يعمد هؤلاء السلاطين إلى انتقاء الأفراد في سن الخامسة عشرة فيوكلون أمر تدريبهم إلى جيش يسمى (عجمي أوقلان) أو (عجمي أوغلان) ويستمر تدريبهم في هذا الجيش فترة طويلة تستغرق سبع سنوات يتعلمون خلالها أنواع الفنون العسكرية والأساليب القتالية، حتى إذا اشتد عودهم وقويت بنيتهم نقلوا إلى جيش (اليني چري) ليعكف على تدريبهم ثماني سنين أخرى حتى إذا فرغوا من تدريباتهم العنيفة خلال هذه السنين أرسلوا إلى سوح الحرب وميادين القتال، وهكذا تستغرق فترة تأهيل مقاتل (اليني چري) للوصول إلى مرحلة دخول الحرب عملياً خمس عشرة سنة متواصلة.
ولم يكن لهذه القوات مثيل بين سائر جيوش العالم، وكان صيتها ذائعاً في سائر البلدان.
ومن السياسات التي استعملها السلاطين العثمانيون في تربيتهم لهذه القوات أنهم جعلوها تقتصر في تأمين معاشها على الحروب وعلى الغنائم التي يطلق لهم العنان في الاستيلاء عليها حيثما كانت هناك حرب وكانت غنائم…
وعلى هذا الوتر أخذ الأمير الشاب سليم ابن سلطان بايزيد الثاني يضرب فيتناغم اللحن مع ما يدور في خلجات نفوس مقاتلي اليني چري. فالسلطان شاخ وهرم ولم يعد يقوى على شن الحروب متذرعاً بعدم وجود المبرر لها، والأمير سليم شاب طموح لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره وهو شديد الرغبة في شن الحروب والاستيلاء على أراضي جديدة تضاف إلى أراضي الإمبراطورية العثمانية.
عرض الأمير سليم الأمر على قائد قوات اليني چري الملقب بالأقا فوافق هذا، وباشر وقواته تنفيذ خطة الإطاحة بالسلطان بايزيد الثاني تحت قيادة الأمير سليم، فقام هذا تحت جنح الظلام بقتل أخويه وأمر بقتل جميع حراس القصور. حتى إذا فرغ من ذلك أمر بقطع الطرق بين أسطنبول والمدن الأخرى لمنع وصول الخبر إلى أبيه العليل الذي يقضي فترة استراحة وعلاج على السواحل الآسيوية… ثم بعث ببعض الجند ليحملوا أباه إلى شرقي الأناضول وأوصاهم بمواصلة السير به ليل نهار حتى يوصلوه إلى المكان المحدد.
ونفذ هؤلاء الجند الأوامر فساروا به سيراً حثيثاً حتى قضى نحبه في الطريق.
وبعد إزالة هذه العقبات الكئود، اعتلى الأمير سليم العرش، فأصبح سلطان الإمبراطورية العثمانية ولم يبق من العثمانيين من ينافسه ويقض مضجعه سوى ابن عمه بايزيد الثالث الذي هرب إلى سوريا وأخذ ينال من السلطان سليم ويتهمه باغتصاب العرش من أبيه وقتله لأخويه ويدعو معاقبته بأشد العقوبات. ولذلك بعث السلطان سليم بجيش إلى سوريا للقبض على بايزيد الثالث ولكنه لم يفلح بالقبض عليه فصدرت الأوامر بضرب أعناق بعض زعماء سوريا وحمل رؤوسهم إلى اسطنبول.
ثم أمر السلطان سليم بفرض الحصار على مدينة حلب حيث لجأ بايزيد الثالث، فحاصرتها القوات العثمانية في شتاء عام 1513م ثم دكتها بالمدفعية. وبعد أيام من الحصار علم العثمانيون بفرار بايزيد الثالث من حلب قبل وصولهم إليها، ولجوئه إلى إيران.
رسالة السلطان سليم إلى الملك إسماعيل وجوابها
حين علم قائد الجيش العثماني المحاصر لمدينة حلب بفرار بايزيد الثالث منها ولجوئه إلى آذربايجان في إيران، طلب إلى أمير حلب أن يبعث إليه بطلب العودة إلى حلب وهدده بالشر إن لم يستجب لطلبه، فاستجاب أمير حلب وبعث إلى بايزيد الثالث ووعده بالامان وطلب منه القدوم إلى حلب… إلا أن بايزيد الثالث أدرك حقيقة الأمر فرفض وأصر على رفضه.
بلغ السلطان سليم خبر إصرار بايزيد الثالث على البقاء في إيران فبعث الرسالة التالية باللغة الفارسية إلى الشاه إسماعيل الصفوي.
«من قبل السلطان بن السلطان والخاقان بن الخاقان الملك المعظم السلطان سليم إلى الصفوي العالي المقام ملك إيران إسماعيل الكبير. أما بعد: فليعلم الأخ المظفر أن ابن عمنا قد كره الإقامة في وطنه في هذه الأيام وغادره إلى آذربايجان وكما علمنا فهو يقيم الآن في تبريز، وإذ كان حضوره عندنا ضرورياً فمن المؤسف أن لا نستفيد من جدارة ابن عمنا وشجاعته ومن ثم نتمنى على أخينا المظفر أن يعيده إلينا ويسلمه في حدود بلادنا إلى المسؤولين هناك لتبقى بذلك المودة الدائمة بيننا وبين الأخ المظفر». قرأ الملك إسماعيل هذه الرسالة فامتعض منها، حيث لم يكن مستعداً للتخلي عن شخص لاذ به والتجأ إليه… ولذلك كتب الرسالة التالية إلى السلطان سليم:
«وصلت رسالة الأخ المظفر التي تبشرنا بسلامته فكانت مدعاة لسرورنا، وأما بشأن ابن عم الأخ المظفر الذي يعيش الآن في إيران ضيفاً علينا فيجب أن نتحدث بعض الشيء عن ذلك فقد حدث في وقت سابق أن هرب من إيران كثير ممن استحقوا العقوبات الشرعية أو العرفية ولجأوا إلى الدولة العثمانية، ولما كنا نحترم أمر اللجوء فإننا لم نطلب إلى الأخ المظفر تسليمهم ولا إلى آبائه الخالدين. وبناء على هذا نأمل أن لا يطلب إلينا الأخ المظفر أن نسلك مسلكاً مخالفاً لأصول الضيافة وشؤون اللجوء فنسلم ضيفاً عزيزاً لجأ إلينا».
فكتب السلطان سليم رسالة شديدة اللهجة ضمنها تهديداً للملك إسماعيل فرد هذا برسالة مماثلة.
ولم يكتف السلطان سليم بالتهديد، والوعيد بل تعدى ذلك إلى أنواع الشتائم، حيث وصفه بالأفعى والعقرب والشيطان وأنه امرؤ واجب القتل مباح الدم.
والحقيقة أن السلطان سليم اتخذ من مسألة لجوء بايزيد الثالث إلى إيران ذريعة للهجوم على إيران، إذ كان مصمماً على هذا الهجوم والقضاء على الدولة الشيعية قبل أن ترسخ جذورها، ولا نريد هنا أن ندخل في التفاصيل، بل سنشير بعض الإشارة:
إن قطب الدين محمد بن أحمد النهر والي المعاصر لتلك الأحداث وصاحب كتاب (الإعلام بأعلام بيت الله الحرام) بين السبب الحقيقي لهجوم السلطان سليم على الشاه إسماعيل: فهو بعد أن يصف قيام الدولة الصفوية قائلاً عن الشاه إسماعيل:
«… وأظهر مذهب الرفض والإلحاد وغير اعتقاد العجم إلى الانحلال والفساد… وأخرب ممالك العجم وأزال من أهلها حسن الاعتقاد…».
ثم يقول: «… فلما وصلت أخباره (الشاه إسماعيل) إلى السلطان سليم خان تحركت فيه قوة العصبية، وأقدم على نصرة السنة الشريفة السنية وعدّ هذا القتال من أفضل الجهاد، وقصد أن يمحو من العالم هذه الفتنة وهذا الفساد، وينصر أهل السنّة الحنيفية على مذهب أهل البدع والألحال…» إلى آخر ما قال…
هذه هي الأسباب الحقيقية، كما عبر عنها معاصر للسلطان سليم ومعاشر له ومتصل به ومطلع على حقيقة الشعور في تلك الأيام:
السلطان سليم ومستشاره العسكري
بعد أن أوصل السلطان سليم العلاقات بين إيران والدولة العثمانية إلى منحدر خطير، كف عن المراسلة وبعث بمستشاره العسكري (عزت چابين) إلى إيران ليتحسس له الأمور فيها وليأتيه بالخبر اليقين عن مدى استعداد الشاه إسماعيل لخوض الحرب وعدد قواته وأماكن انتشارها وكل ما يلزم معرفته في هذا الشأن. فتوجه عزت چابين إلى آذربايجان محملاً برسالة من الوزير العثماني، ليتمكن من دخول إيران بحجة المفاوضات، وكان السبب في حمله لرسالة الوزير العثماني هو وصول الرسائل المتبادلة بين السلطان سليم والملك إسماعيل إلى طريق مسدود.
ومضى وقت طويل استطاع عزت چابين خلاله أن يجمع معلومات هامة جداً عن الأوضاع في إيران ثم عاد إلى أسطنبول حيث كان السلطان سليم ينتظر قدومه بفارغ الصبر. فاستدعاه السلطان وبادره بالسؤال عن الأوضاع في آذربايجان وكردستان فأخبره عزت چابين أن عدد قوات الملك الصفوي (الشاه إسماعيل) المستعدة للقتال لا يتجاوز الخمسين ألف مقاتل من عشائر آذربايجان وكردستان التي لا يشك في ولائها للملك الصفوي، ولكن جمع هذه العشائر يلزمه وقت ومن جانب آخر فإن قوات الشاه إسماعيل الخمسين ألف ليست متمركزة في مكان واحد، هذا بالإضافة إلى وجود الخلافات بين بعض العشائر مما يشكل حائلاً دون اشتراكها في الحرب… فسأله السلطان سليم عن الوقت الذي يلزم لجمع قوته في مكان واحد والوقت الذي يلزم لحشد قوات العشائر فأجاب عزت چابين أن جمع القوة المسلحة يستغرق من الوقت شهراً أو شهراً ونصف الشهر بينما يستغرق جمع قوات العشائر فترة ثلاثة أشهر.
ثم أخذ السلطان سليم يسأل عن كل صغيرة وكبيرة، ويتدبر الأمر مع مستشاره لوضع خطة هجوم محكمة يباغت بها الإيرانيين ويأخذهم على حين غرة، حتى إذا فرغ من ذلك أمر باستدعاء رؤساء القبائل العثمانية إلى قصره ثم طلب إليهم أن يجهزوا أنفسهم وأفراد قبائلهم لخوض حرب لم يذكر مكانها ولم يحدد أجلها ولكنه ضرب لهم موعداً يحضرون فيه بقواتهم.
إبادة الشيعة في الدولة العثمانية
عزم السلطان سليم على إبادة الشيعة في بلاده قبل أن يبدأ هجومه على إيران متهماً إياهم بأنهم على غير الإسلام، ولكنه لم يشأ أن يحدث ضجة كبيرة في بلاده.
ولذلك أوعز إلى شيخ الإسلام في مدينة (باليك شير) ليصدر هذا فتواه بإباحة دم (المرتدين) الشيعة، وبالفعل صدرت الفتوى وبدأت إبادة الشيعة في هذه المدينة بكل قساوة ووحشية، وكان اتهام أي شخص بالتشيع مبرراً كافياً لإجهاز الناس عليه بسيوفهم وسكاكينهم وعصيهم حتى يتركوه على الأرض قتيلاً.
ثم امتدت المجازر إلى (انتالية) فبدأت عمليات إبادة الشيعة فيها بالجملة، وإذا كان عدد الشيعة في باليك شير قليلاً فهم في انتالية كثرة، فراحوا يغادرون أوطانهم جماعات جماعات لينقذوا أنفسهم وعيالهم من الموت المحتوم، ويتوجه بعضهم إلى جزيرة قبرص حيث كانوا يجدون الأمان فيها، لأنها لم تكن خاضعة للدولة العثمانية آنذاك وإنما تتبع لحكومة جمهورية البندقية وتوجه البعض الآخر إلى أنطاكية.
ثم امتدت المجازر إلى أماكن أخرى فوصلت (أرض روم) وطرابزون وولايات أخرى، وكان كثير من الناس يتشركون في هذه المجازر طلباً للثواب ـ كما خبرهم شيوخ الإسلام بذلك ـ وطلباً للمنفعة الدنيوية حيث كان الشخص يستلم عن كل رأس يقطعه من رؤوس (المرتدين) نصف بايزي وعن كل زوج (بايزي) واحد([263]).
ومن بين القبائل التي اضطرت إلى الرحيل عن مواطنها ومغادرة الأراضي العثمانية، كانت قبيلة (ساري قميش) وهي قبيلة كبيرة تتألف من تسعة آلاف شخص، تعيش في سهول خصبة تحيطها مناطق جبلية من ثلاث جهات عدا جهة الجنوب التي تكثر فيها التلال وتمتد حتى سواحل البحر. وكانت هجرة هذه القبيلة نحو المناطق الحدودية من إيران في فصل الشتاء في مناطق جبلية مكسوة بالثلوج في كثير من المواقع، ومن الطبيعي أن حركة قبيلة تتكون من تسعة آلاف شخص عبر مسافات شاسعة وفي مثل تلك الظروف القاسية تستغرق وقتاً طويلاً لا سيما إذا لاحظنا حركة النساء والأطفال وانتقال الدواب الكثيرة التي تتم ببطء شديد.
ولذلك كانت هذه القبيلة تصطدم بين حين وآخر ببعض قطعات الجيش العثماني وتفقد في كل اصطدام عدداً من أفرادها وما زالت تغذ السير حتى دخلت الحدود الإيرانية بشق الأنفس بعد أن ضحت بالكثيرين من أبنائها.
الرسالة الثالثة من السلطان سليم إلى الملك إسماعيل ومقدمات الحرب مع إيران
عندما بلغ السلطان سليم رحل قبيلة (ساري قميش) من الأراضي العثمانية ودخولها أراضي ديار بكر التابعة لإيران، بادر إلى إحضار وزيره الأعظم (حميد الدين بيك أوقلو) وأخبره بالأمر فاقترح هذا إرسال كتاب إلى الشاه إسماعيل واقترح أن يكتب مسودته ثم يعرضها عليه، فوافق السلطان سليم على ذلك، وكتب الوزير الأعظم الرسالة التالية:
«هذه هي المرة الثانية التي يلجأ إلى بلادك فيها بعض رعاياي المتمردين فتستقبلهم، وفي المرة الأولى حينما سئلت عن سبب إيوائك في بلاطك لأمير عثماني متمرد أجبت بأن بلاطك خانقاه ومن دخل الخانقاه لا يطرد منه، أما الآن فإن من ترك البلاد ولجأ إليك هي قبيلة من القبائل العثمانية وجميع أفرادها مذنبون ويستحقون العقاب.
آمل أن تبادر فور اطلاعك على كتابي هذا إلى إخراج هذه القبيلة المتمردة من بلادك، تحت المراقبة وتسلمها إلى ضباطي وجنودي، وفي غير ذلك فإني سأهيىء الأسباب لاسترجاع هذه القبيلة».
وإذا كانت قبيلة (ساري قميش) قد أفلتت من قبضة السلطان سليم، فإنها أثارت بإفلاتها السخط والغضب في نفسه فعزم أن لا يبقي شيعياً واحداً في بلاده، ومن ثم أصدر أوامره إلى جميع الولايات العثمانية بقتل جميع السكان الشيعة، ومن الطبيعي أن يتعاطف بعض الناس مع الشيعة، فكانوا يؤونهم في بساتينهم أو منازلهم ويعرضون أنفسهم بذلك لعقوبة الموت، وكان بعض الحكام يأخذون الرشوة في مقابل غض نظرهم عن وجود بعض الشيعة أو السماح لهم بالهجرة إلى ديار بكر في إيران.
وشاءت إرادة اللَّه أن يكون شتاء ذلك العام شديد البرودة، فكان الجليد يحول دون انتقال المسافرين عبر الطرق العثمانية، وكان من آثار شدة البرد في ذلك العام إن خفت عملية إبادة الشيعة، لإعاقة البرد القارس للجنود العثمانيين الشداد الغلاظ عن مطاردة الشيعة وتعقب آثارهم.
جواب الشاه إسماعيل على رسالة السلطان سليم
عندما وصلت رسالة السلطان سليم الشديدة اللهجة إلى الشاه إسماعيل، جمع أركان دولته وتشاور معهم حول الرد، فاقترح بعضهم صيغة معينة إلا أن الشاه إسماعيل لم يستحسنها، ثم اقترح كاتبه الأمير عبدالباقي الصيغة التالية:
«على الرغم من أن السلطان سليم قتل عشرات الآلاف من أتابع مذهبنا فإن ملك الشيعة لم يعترض على الملك العثماني لأنه لم يشأ التدخل في شؤون الدولة العثمانية بزعامة السلطان سليم، وإذ دخل الآن بعض الشيعة الأراضي الإيرانية، فلا ينبغي للسلطان سليم أن يتدخل بشؤون إيران».
استحسن الشاه إسماعيل وطلب أن تكتب بأسلوب يعلم السلطان سليم أن جميع الإيرانيين يعيشون الأسى والعزاء لإبادة أتابع مذهبهم في الأراضي العثمانية.
وحين وصلت السلطان سليم هذه الرسالة استدعى مستشاره العسكري (عزت چابين) وقال له: لقد وضع الملك (الصوفي) ـ للمرة الثانية ـ في أيدينا ذريعة للهجوم على إيران واحتلال أجزائها الشمالية والغربية على أقل الاحتمالات، ولقد كان استرجاع بايزيد الثالث مبرراً للهجوم على إيران إلا أنه مبرر ضعيف، إضافة إلى عدم استعداد قواتي للحرب آنذاك، أما الآن فإن عدم استعداد الشاه إسماعيل لإعادة قبيلة (ساري قميش) إلينا يعد مبرراً قوياً لشن الهجوم على الأراضي الإيرانية بحجة أنها صارت مأوى للمتمردين علينا. فاستصوب (عزت چابين) رأي السلطان وذكره بما حذره منه سابقاً بعدم إطالة المكوث في إيران بعد دخولها، لأن الشاه إسماعيل يتمكن حينئذٍ من جمع العشائر الإيرانية وتعبئة قواتها فيكون الوضع خطراً بالنسبة للسلطان سليم.
ثم استدعى السلطان سليم وزيره الأعظم (حميد الدين أوقلو) ليستشيره بحضور عزت چابين وإذ حضر عنده أخبره بعزمه على شن الحرب على إيران وطلب إليه أن يكتب للشاه إسماعيل بإعلان الحرب عليه، فقال حميد الدين أوقلو أن إعلان الحرب يعطي الملك الصفوي الفرصة الكافية لحشد قواته ثم إني لا أراك في حاجة لإعلان الحرب فكل رسالة من رسائلك التي بعثت بها إليه كانت بمثابة إعلان حرب لا سيما الرسالة الثالثة.
استحسن السلطان رأي وزيره وطلب إليه إبلاغ المركزين التجاريين العثمانيين في تبريز وأردبيل باستحصال ديونهم من الإيرانيين قبل أن تشن الحرب. وهنا تدخل عزت چابين قائلاً: إن استحصالهم للديون بسرعة يقتضي أن يخبروا المدينين بأنهم عازمون على إغلاق مراكزهم التجارية، وعندئذٍ يدرك الإيرانيون بفطنتهم أن السلطان العثماني عازم على شن الحرب وإلا لما أغلق هذه المراكز التي تشتغل في إيران منذ سنوات طويلة. فأجابه السلطان: إن ما تقوله عين الصواب، وإذن فلنباشر بتهيئة وسائل الحرب، فقال عزت چابين: ولكني أقترح عليك أن لا تشن الحرب في فصل الشتاء أو في الشهر الأول من الربيع حيث تشتد برودة الطقس في الشتاء وتغطي الثلوج الأرض وتنقطع السبل أما في الشهر الأول من فصل الربيع فتسقط الأمطار بغزارة في المنطقة، وكما ذكرت لك سابقاً فإن أفضل وقت لشن الحرب هو فصل الصيف.
ثم سأل السلطان سليم عن عدد القوات التي ينبغي له أن يصطحبها، فأجابه عزت چابين قائلاً: إذا كنت عازماً على شن هجوم سريع فاصطحب مائتي ألف مقاتل وإن كنت تريد إطالة وقت الهجوم فإن خمسمائة ألف مقاتل لا يكفون حينئذٍ لكثرة من سيحشدهم الشاه إسماعيل من عشائر كردستان وآذربايجان.
وفي نهاية الاجتماع استقر رأي السلطان سليم على البدء في الهجوم على دياربكر ثم الانتقال منها سريعاً إلى آذربايجان، ولكي يطمئن الشاه إسماعيل إلى عدم عزمه على شن الحرب في وقت قريب كتب إليه رسالة ورد فيها ما مضمونه:
إنه أطلع على مضمون رسالة الشاه الصفوي، ولكونه مريضاً فإنه لم يستطع أن يصمم على أمر معين ولكنه سيخبره بعزمه حالما يستقر رأيه على شيء.
أدت هذه الرسالة دورها فأقنعت الشاه إسماعيل بعدم عزم السلطان سليم على شن حربه على إيران في وقت قريب ومما رسخ هذه القناعة في نفسه أكثر وصول كتاب من والي دياربكر الخان محمد أستاجلو يذكر فيه أن السلطان سليم مشغول في الوقت الراهن باضطرابات الأجزاء الغربية من بلاده (البلقان) وإن انشغاله هذا سيعيقه عن التفكير في الهجوم على إيران.
ثم أعقب والي دياربكر كتابه بكتاب آخر يذكر فيه أن سكان منطقتين من المناطق الغربية في الدولة العثمانية قد ثاروا على الحكومة العثمانية وإن السلطان سليم مضطر للمسير إليهم وإخماد ثورتهم ومن ثم فلن يجد الفرصة الكافية لشن الحرب على إيران.
وكان الشاه إسماعيل يعتمد على أقوال خان محمد أستاجلو وكتبه ويثق بها، ولذلك اطمأن بعد هذين الكتابين إلى أن السلطان سليم لن يهاجم إيران في وقت قريب، ووجد نفسه قادراً على الذهاب إلى كردستان ولرستان والعودة منهما قبل حدوث الهجوم.
وفي الحقيقة فإن محمد أستاجلو لم يكن يحاول خداع الشاه إسماعيل، وإنما انطلت عليه حيلة السلطان سليم حيث أشاع هذه أنه عازم على السير لإخماد الاضطرابات القائمة في بعض المناطق الغربية من بلاده (دول البلقان) ليحول بإشاعته هذه دون مبادرة الشاه إسماعيل إلى تعبئة العشائر الإيرانية وكان محمد أستاجلو يكتب إلى الملك إسماعيل كل ما يسمعه أو يحصل عليه من معلومات بواسطة عماله.
وكان نجاح السلطان سليم في إشاعته كبيراً إلى حد أن اقتنع جميع رجال حاشيته ـ عدا وزيره الأعظم عزت چابين ـ بأنه عازم على السير إلى دول البلقان.
الشاه إسماعيل يستدعي خان محمد أستاجلو
زالت مخاوف آذربايجان من هجوم السلطان سليم وبلغ الاطمئنان في نفس الشاه إسماعيل إلى حد كبير، بحيث لم ير بأساً في استدعاء عامله على دياربكر خان محمد أستاجلو، فقد كتب له أنه عازم على السير إلى كردستان ولرستان ويرغب في اصطحابه معه، وأمره بإبقاء ألفين من جنوده في دياربكر تحت أمرة معاونه والسير إليه ببقية جيشه، وكتب له أن بقاءه في كردستان ولرستان لن يستغرق أكثر من ثلاثة أشهر، ومما لا ريب فيه أن السلطان سليم لن يفرغ من حربه في المناطق الغربية لعام كامل ولا يتسنى له حتى ذلك الوقت التفكير بشن الحرب على إيران وخلال هذا الوقت سيكون هو قادراً على تعبئة جميع عشائر لرستان وكردستان وآذربايجان للوقوف بوجه السلطان سليم.
وبادر خان محمد أستاجلو إلى تنفيذ أوامر الشاه إسماعيل فأبقى ألفين من جنوده تحت أمرة معاونه في دياربكر وسار هو ببقية قواته إلى آذربايجان.
وكانت خطة السلطان سليم تقتضي توجيه بعض جيشه لقتال محمد أستاجلو في دياربكر ليسير ببقية جيشه إلى آذربايجان، وقد وضع هذه الخطة لمعرفته بصلابة محمد أستاجلو وشجاعته فكان يتوقع أن يعيق تقدم قواته في ـ حال دخول جميع هذه القوات المناسب، وحين بلغه خبر استدعاء الشاه إسماعيل لمحمد أستاجلو قال لمستشاره العسكري (عزت چابين) الآن فتحت أبواب دياربكر بوجهي. وقد ارتكب الشاه إسماعيل باستدعائه لمحمد أستاجلو( خطأً ) كبيراً لم يستطع جبره أبداً، وفي الحقيقة فهو لم يكن بحاجة إلى قوات محمد أستاجلو بقدر ما هي ذريعة أراد بها عدم إبقائه على رأس قواته في دياربكر بعد أن أوغر الحساد عليه صدره وصوروه له بأنه يشكل خطراً عليه لمكانته وكثرة أتباعه.
حملة السلطان سليم على قرة باغ
انقضى فصل الشتاء ببرده القارس ودخل فصل الربيع، وما كاد الشاه إسماعيل يتوجه نحو كردستان ولرستان حتى أحيط السلطان سليم بالخبر بواسطة حمائم البريد التي يطلقها الجواسيس العثمانيون لتحمل الأخبار من مكان لآخر.
وكان السلطان سليم قد فرغ من إعداد جيشه قبل أن يبلغه خبر تحرك الشاه إسماعيل وكان يتحين الفرصة المناسبة للانطلاق بجيشه نحو إيران، فوجد الفرصة قد حانت الآن ومن ثم أصدر أوامره بالحركة.
تحرك الجيش العثماني عبر الطرق أفواجاً أفواجاً. فكان المراقب لهذه الطرق يرى سيلاً من المقاتلين المشاة والفرسان ورجال المدفعية ولم ينقطع هذا السيل ليومين.
ولم يكن أحد من عامة الناس يعرف وجهة هذا الجيش إلا أن المراقب لاتجاه الأرتال العسكرية كان يتوقع أن يكون اتجاه الجيش صوب دياربكر لا سيما بعد أن شاع بين الناس خبر لجوء قبيلة ساري قميش إلى دياربكر، ولم يكن أفراد الجيش بافضل حظاً من عامة الناس فكل ما يعرفونه أنهم سائرون إلى دياربكر لقتل المرتدين فيها من أفراد قبيلة ساري قميش ثم قسم السلطان سليم جيشه الجرار إلى ثلاثة أقسام: أمر قسماً بالسير إلى دياربكر واحتلالها وقسماً آخر باحتلال قرة باغ وسار هو على رأس القسم الثالث إلى الشمال من بحيرة (وان) وسلك طريق آذربايجان.
وكان الشاه إسماعيل قد عين (حسن قرة جماق لو) والياً على دياربكر، فما كاد هذا يدخل دياربكر حتى بلغتها طلائع القوات العثمانية، ولم يكن في ديار بكر أكثر من ألفي مقاتل إضافة إلى افتقاد هذه القوات لقائد عسكري محنك مثل خان محمد أستاجلو ومع ذلك فقد صمدت دياربكر لمدة اثني عشر يوماً بوجه خمسين ألف مقاتل من القوات العثمانية.
ثم وقعت دياربكر تحت سيطرة السلطان سليم بعد أن وقع من الجيش الإيراني فيها ألف ومائتي جندي بين قتيل وجريح.
وسار القسم الثاني من الجيش العثماني لاحتلال قرة باغ وكان عدد هذا القسم خمسة وعشرين ألف مقاتل تحت قيادة (يونس أورخان).
بلغ جيش يونس أورخان مشارف قرة باغ في وقت كانت فيه القبائل تنتقل من مراعي الشتاء إلى مراعي الصيف، فحشدت هذه القبائل قوتها تحت قيادة زعمائها ومن أبرزهم محمد القرة باغي، فبلغ عدد هذه القوات خمسة عشر ألف مقاتل.
ودارت بين الطرفين رحى حرب ضروس، امتلأت أرض المعركة أثرها بجثث القتلى من كلا الطرفين وظل الطرفان يتقاتلان حتى بان النصب عليهما.
وكان والي قرة باغ (صولت ـ إينانلو) قد بعث عدداً من رجاله إلى وراء الجبهة لجمع أكبر عدد ممكن من قوات العشائر فما كاد الجهد يبلغ مبلغه من الطرفين ويستولي النصب عليهما حتى وصل ألفان وخمسمائة من محاربي العشائر إلى ساحة المعركة، فكان لهم دور كبير في إمالة كفة النصر إلى القرة باغيين وبان الانكسار على العثمانيين فأمر (أورخان) بانسحاب قواته بعد أن سقط منهم تسعة آلاف بين قتيل وجريح في حين سقط من قوات العشائر سبعة آلاف مقاتل بين قتيل وجريح.
وما كادت الحرب تضع أوزارها حتى بادر والي قرة باغ (صولت ـ اينانلو) إلى إبلاغ الشاه إسماعيل بخبر هجوم القوات العثمانية على قرة باغ واندحارهم بوجه قبائلها واحتمال أقدامهم على شن الهجوم مرة أخرى، ولم يجد شخصاً جديراً بحمل هذا الخبر وإيصاله كما ينبغي أفضل من محمد القره باغي.
وانطلق محمد القرة باغي بأقصى سرعته صوب تبريز وما كاد يصل تبريز حتى أبلغ وجود الشاه إسماعيل فيها، حيث كان متوجهاً إلى كردستان ولرستان.
وكان الشاه إسماعيل قد خلف وراءه ابنه الصغير طهماسب ليشرف على إدارة الأمور أثناء غيبته إلا أن طهماسب لم يكن سنه يسمح له أن يتدبر الأمور كما ينبغي، فما كان من أبيه إلا أن عين له وصياً يشرف عليه ومجلس شورى يتدبر الأمور ويتداول الرأي فيها.
وحين وصل محمد القرة باغي تبريز محملاً بهذه الأخبار الخطيرة، لم يستطع الوصي أن يبادر إلى تنفيذ عمل معين فدعا مجلس الشورى للاجتماع، وما كاد المجلس ينعقد حتى وصل الرسول يحمل خبر سقوط دياربكر بأيدي العثمانيين ومقتل وجرح جميع القوات الإيرانية الموجودة فيها.
وخبر رسول دياربكر الحاضرين أن عدد القوات العثمانية التي احتلت دياربكر يبلغ الخمسين ألف مقاتل، ومن الطبيعي أن ألفي مقاتل لا يستطيعون الصمود بوجه قوة تفوقهم بخمسة وعشرين ضعفاً.
ولو كان الشاه إسماعيل حاضراً لتدبر الأمر، أما وهو غائب فإن ابنه الصغير غير قادر على البت في الأمور، وكذلك فإن نائب السلطنة لا يقدر على الإقدام على أمر خطير كصد جيش كبير، فالتصدي له يتطلب قوة مثله، وتهيئة هذه القوة تستلزم إنفاق مال كثير من خزانة الدولة ولم يكن هو مفوضاً بإنفاق مثل هذه المبالغ… وما زال نائب السلطنة ومجلس الشورى يتداولون الأمر حتى استقر رأيهم إلى الإسراع في إبلاغ الشاه إسماعيل بالخبر وطلب عودته بأسرع ما يمكن.
إطلاع الشاه إسماعيل على خبر الهجوم في همذان
كان الملك إسماعيل قد توجه إلى الجنوب ببطء، حيث لا حاجة به إلى العجلة وما زال ينتقل بحركته البطيئة حتى بلغ همذان.
وهناك أعجب بجمال طبيعتها وعذوبة هوائها فأمر بحط الرحال فيها لثلاثة أيام، ثم تحرك بعد ذلك صوب مدينة سنندج، وما كاد يبتعد عن همذان قليلاً حتى أدركه رسول نائب السلطنة في تبريز يحمل إليه كتابه.
سلم الملك الكتاب إلى كاتبه الأمير عبدالباقي فقرأه عليه، فأدرك حينئذٍ الخدعة التي أوقعه السلطان سليم فيها حين بعث له برسالة ينبئه فيها أنه غير عازم على شن الهجوم على إيران في وقت قريب وحين شن هذا الهجوم دون أن يعلن الحرب.
ثم أوعز الشاه إسماعيل إلى الأمير عبدالباقي بقراءة الكتاب بصوت عال ليسمعه الجند ويدركوا حقيقة الأمر ثم أمر الجميع بعد قراءة الكتاب بالعودة إلى همذان. وكتب من هناك إلى رؤساء القبائل والعشائر أن تجمع قواتها وتلحق به في آذربايجان وحدد مراكز ثلاثة تجتمع فيها هذا القبائل، فقبائل شمال آذربايجان تجتمع في تبريز وقبائل شرق آذربايجان وجنوبها تجتمع في منطقة ميانه، بينما تجتمع قبائل غرب آذربايجان في منطقة أرومية.
وأوصى الشاه إسماعيل رؤساء القبائل في رسائله أن يتحملوا نفقات جنودهم لمدة شهر، وأمر مأموريه بجمع الضرائب بعد أن أوصاهم بعدم فرض ضرائب إضافية بحجة الحرب.
ثم بعث بكتاب إلى تبريز أمر فيه قائد قواته هناك بإرسال عدد من المدربين إلى منطقتي أرومية وميانه لتدريب مشاة وفرسان العشائر التي سوف تتجمع في هاتين المنطقتين.
وعندما دخل تبريز بادر من فوره إلى جمع قواد الجيش لمعرفة أوضاع قواتهم وطبيعة تجهيزاتها ومخزون التجهيزات الحربية والذخائر في مستودعاتهم.
ولم تكن القوات الإيرانية تمتلك مدافع ومن ثم فهي في غنى عن ذخائر المدفعية ولا تمتلك من الأسلحة النارية إلا البنادق الثقيلة.
وكان جواب قواد الجيش أن الذخائر الحربية تكفي لخمسة وعشرين ألف محارب في حال بقائهم في ساحة الحرب لشهر واحد، على فرض أن يطلق رامي النبال مائة نبلة يومياً ويطلق حامل البندقية خمسين طلقة يومياً، أما المؤن والأغذية الجافة مثل: القمح والحبوب والعلف والشعير (للحيوانات) فتكفي لخمسة وعشرين ألف فارس وراجل لمدة ثلاثة أشهر، يلزم بعدها تجديد المؤن وعلف الحيوانات.
وكانت مستودعات الدولة تحتوي آنذاك على عشرة آلاف درع وسبعمائة وخمسين بدلة حرب والعديد من السيوف و32 ألف رمح وسبعة آلاف ساطور.
وقد اشتهرت بعض المدن الإيرانية بصناعة الأسلحة والتجهيزات الحربية، فمثلاً كانت كرند مشهورة بصناعة الدروع والمغافر، وكانت زنجان تعد من المدن المصنعة للسلاح حيث عرف أهلها بمهارتهم في صناعة السيوف والخناجر، وكذا الحال بالنسبة لأصفهان والري وتبريز.
وإذ كانت الظروف غير مؤاتية بالنسبة للشاه إسماعيل فإنه كان يأمل أن يتمكن فيما بعد من إرسال خمسين ألف مقاتل إلى داخل الحدود العثمانية لعله يستطيع بذلك إزعاج العثمانيين بحيث يضطر السلطان سليم للعودة إلى بلاده ومن ثم يتسنى للإيرانيين استعادة دياربكر. ولم يكن الشاه يعلم بتقدم السلطان سليم بسرعة نحو آذربايجان كما لم يكن يعلم من قبل بهجومه على إيران، حيث لم يكن الشاه إسماعيل يملك جهاز استخبارات في الأراضي العثمانية ومن ثم كان هو ورجاله يتوقعون وقوع الأحداث بالافتراض والحدس وحسب.
فمثلاً كانوا يتوقعون أن السلطان سليم بعد اندحار قواته في قرة باغ وإحراز العشائر هناك لنصر مؤزر سيحاول معاودة الهجوم مرة أخرى ولو لأسابيع أو أشهر حتى يهزم عشائر قرة باغ، وخلال هذا الوقت يكون الشاه إسماعيل قد وجد الوقت الكافي لحشد قوة كبيرة من عشائر آذربايجان ربما تبلغ مائة ألف مقاتل بدلاً عن الخمسين ألف التي يطمح للحصول عليها في وقت قريب.
وكان الشاه إسماعيل غافلاً في أفكاره هذه كل الغفلة عن تخطيط السلطان سليم، حيث لم يكن هذا مستعداً لتأخير قواته في قرة باغ، لأنه كان متيقناً من أن عشائر قرة باغ لن تترك مواقعها المحصنة لتكشف نفسها في السهول للقوات العثمانية التي تفوقها بالعدة والعدد، ولم يكن متيقناً من ذلك لما سحب قوته من قرة باغ وترك ظهرها مكشوفاً للأعداء.
وحين التقى القرة باغي في تبريز بالشاه إسماعيل أكد له بأن عشائر قرة باغ سوف تصمد بوجه القوات العثمانية حتى النفس الأخير سواء وصلتها الإمدادات من تبريز أو لم تصلها، إلا أنه أبدى للشاه مخاوفه من إبادة العشائر عن آخرها في حال عدم وصول الإمدادات إليها ومن ثم تقع المنطقة في قبضة السلطان سليم.
ورغم الحاجة الماسة التي يشعر بها الشاه إسماعيل إلى الجندي الواحد، إلا أنه خصص لقرة باغ ألفي جندي من مجموع خمسة وعشرين ألف جندي كانوا جاهزين لديه، ثم طلب من محمد القرة باغي أن يسير إلى قرة باغ بهؤلاء الألفين ويطمئن العشائر هناك بأنه سيرسل غيرهم في وقت لاحق وربما تمكن من إرسال عشرة آلاف مقاتل.
طلائع الجيش العثماني
انطلق محمد القرة باغي بجنوده يغذ السير نحو قرة باغ، فسلك جهة الغرب مولياً وجهه نحو مضيق (يام) حتى بلغه ثم انحدر في السهول وواصل سيره حتى وصل منطقة (خوي) فاجتازها وما زال يغذ السر نحو قرة باغ حتى ابتعد عن خوي مسيرة ثلاثة أيام، وذات يوم أفاق الجنود على ضجة تنبعث من السهول المجاورة، فتبينوها فإذا هي مئات الحيوانات تفر مذعورة كأنما هناك صيادون يتعقبونها فأمر محمد القرة باغي بعض جنوده باعتلاء بعض المرتفعات المجاورة واستطلاع الأمر، فامتثل هؤلاء وحدقوا في الأفق لكنهم لم يروا أثراً للصيادين. فأمر محمد القرة بايغ بمواصلة المسير، ولكنه ظل يتوجس خيفة من فرار الحيوانات ويجزم بوجود سبب وراءه.
حتى إذا آذنت الشمس بالمغيب وتوقف الجند عن المسير، أمر بحط الرحال، وعين بعض الجند لحراسة العسكر وأوصاهم بالمبالغة بالحذر لئلاّ يؤخذون على غرة…
وانقضى الليل ولم يحدث شيء يثير القلق وأشرقت الشمس واعتلى الحراس بعض المرتفعات وتوجهوا بأنظارهم صوب المغرب فكانت أشعة الشمس تكشف لهم السهول على امتدادها، وبعد حين شاهدوا مجموعة من الفرسان وأدركوا من زيهم أنهم ليسوا إيرانيين، فهبطوا مسرعين وأخبروا القرة باغي بالأمر، فتحقق بنفسه وعرف بأنهم من الفرسان العثمانيين، ورجح أن يكونوا طلائع الجيش العثماني فأمر قواته بالاختفاء خلف الصخور ونقل الخيول والدواب إلى ما وراء التلال المجاورة لهم.
ولكن اختفاء ألفي مقاتل أمر عسير، خصوصاً مع وجود الخيول، ولذلك لاحظ الرصد العثماني وجود القوة الإيرانية، فأمر قائد قوة الاستطلاع العثمانية بالانسحاب وبعث رسولاً يطلع السلطان سليم على قدوم القوات الإيرانية.
كان السلطان سليم يتقدم نحو آذربايجان على رأس قواته المتشكلة من مائتي ألف مقاتل (وفي رواية أخرى مائة وخمسين ألفاً) بعد أن ضم إليها القوة التي اندحرت في قرة باغ، وقد أبقى منها خمسمائة مقاتل يراقبون الأوضاع هناك لمعرفة تحركات القبائل القرة باغية وقد أذن لهم بالفرار في حال شنت هذه القبائل هجوماً عليهم.
وكان السلطان سليم يرى في آذربايجان منطقة حيوية تفوق بأهميتها منطقة قرة باغ ومن ثم بادر إلى سحب قوته المندحرة في قرة باغ وتوجه بجميع قواته صوب آذربايجان، وبالإضافة إلى ملاحظته لأهمية هذه المنطقة كان يرى أن احتلال قرة باغ سيكون سهلاً إذا فرغ من احتلال آذربايجان.
وفي المعسكر الإيراني كان جنود محمد القرة باغي يكمنون وراء التلال والصخور بانتظار قدوم الجنود العثمانيين، إلا أن انتظارهم طال دون جدوى، إذ كان الجنود العثمانيون قد انسحبوا للالتحاق بجيشهم الزاحف من خلفهم… وحينئذٍ اقترح محمد القرة باغي على ضباطه إبقاء القوة حيث هي لمراقبة تحركات العدو من ناحية ولإبلاغ الشاه إسماعيل بالخبر من ناحية أخرى. فاستصوب الضباط اقتراحه، ثم انتدب اثنين منهم وبعث بهما إلى تبريز لشرح الموقف للملك إسماعيل.
ثم أوصى القرة باغي بإدامة الحراسة فوق المرتفعات واستراحة الجنود مع إبقائهم في حالة تأهب لاحتمال حدوث اشتباك مع العدو، ولكن انقضى النهار دون حدوث شيء ذي بال، ومع الليل شاهد الحراس بعض النيران تشتعل عن بعد فأدركوا أنها نار الجنود العثمانيين، وحين أبلغ محمد القرة باغي بخبر النيران أشرف على صخرة وألقى بنظره عليها فأدرك أن مضرميها لا بد أن يكونوا طلائع الجيش وهم قوة صغيرة. ومن ثم جمع ضباطه وأخذ يتدبر الأمر معهم حتى استقر رأيهم على ضرورة الإمساك ببعض الأسرى ومعرفة أخبار الجيش منهم، ثم تبرع أحدهم ويدعى إبراهيم الصغير باصطحاب مجموعة من الجند والتسلل إلى صفوف العدو في محاولة لجلب بعض الأسرى، وبالفعل فقد اصطحب خمسين من جنوده ونجح في مسعاه حيث أسر أحد عشر جندياً من بينهم اثنان من أمراء الفصائل وعاد بهم مسرعاً إلى معسكره.
وعلى الفور باشر محمد القرة باغي بالتحقيق مع الأسرى وبدأ بآمري الفصائل فعلم منهما أن عدد القوات العثمانية التي تقترب من حدود آذربايجان يبلغ المائتي ألف جندي وهي جميعاً تحت قيادة السلطان سليم يعاونه عدد من المستشارين وأركان الجيش ويشرف على القيادة المباشرة ضابط كبير برتبة (نيون ـ باشي) يدعى (بلبل قولتاي).
وقد أخذ السلاطين العثمانيون في القرن السادس عشر الميلادي أسماء الدرجات العسكرية من أتراك ما وراء النهر والمغول حيث انتقلت في بادىء الأمر من هؤلاء إلى الأتراك والسلاجقة الذين كانوا يحكمون في آسيا الصغرى ثم انتقلت من هؤلاء إلى السلاطين العثمانيين. فكانت ربتة (تومان باشي) تعطى في الجيش العثماني للضابط الذي يتولى قيادة عشرة آلاف جندي، وتأتي رتبة (نويون ـ باشي) مائة ألف جندي، ويسمح له في بعض الأحيان بقيادة جيش يتألف من مائتي ألف مقاتل.
وعلم محمد القرة باغي من الأسرى أن الجيش العثماني سوف يستخدم ثلاثمائة مدفع في هجومه على آذربايجان وما زال يستجوبهم حتى أحاط بتفاصيل كثيرة عن تركيب جيش العدو وعدده وعدته وتقسيماته وكثير مما ينبغي معرفته، فبادر إلى جمع المعلومات وبعث بها إلى الشاه إسماعيل.
الشاه إسماعيل في تبريز
بلغ كتاب محمد القرة باغي الشاه إسماعيل في تبريز، فجمع أركان دولته ومن بينهم خان محمد أستاجلو وحسن بيك لله والأمير عبدالباقي والأمير سيد يوسف والسيد محمد كونه وسارو بيره قورچي إضافة إلى (أصلان) زعيم قبيلة ساري قميش التي لجأت إلى الأراضي الإيرانية.
أمر الشاه إسماعيل الأمير عبدالباقي بقراءة كتاب القرة باغ على الحاضرين، ثم طلب منهم إبداء رأيهم، فتضاربت الآراء فمنهم من قال: نهرع إلى ساحة القتال ومنهم من رجح إعلان الجهاد فاعترض عليه الحاضرون أن ذلك لن يجدي نفعاً ولن تكون نتيجته إلا إلقاء أناس لا يعرفون شيئاً عن أساليب القتال في التهلكة بين براثن جيش مدرب شرس. وما زال كل يطرح رأيه حتى استقر الرأي علي استدعاء من تدرب من العشائر في مراكز التدريب الثلاث في تبريز وأرومية وميانة وإلحاقهم بالقوات الحاضرة في تبريز ومن ثم السير إلى لقاء العدو مع حث مراكز التدريب على الاستعجال في تدريب قوات أكبر من العشائر في أسرع وقت.
وقد بلغ مجموع جنود العشائر الذين جمعوا من مراكز التدريب ثلاثة آلاف ومائتين شخصاً، فأصبح عدد القوات التي تستعد للحركة من تبريز 25575 فإذا أضيف لهم عدد قوات محمد القرة باغي كان المجموع 27575 مقاتل. ومن بين هؤلاء المقاتلين كان هناك عشرة آلاف فارس.
ولو كان الشاه إسماعيل يستطيع الصبر لشهر آخر لأمكنه جمع خمسين ألف مقاتل، ولكنه كان يعلم أن السلطان سليم سيحتل آذربايجان بأسرها خلال هذا الشهر ولذلك عزم على الإسراع في التصدي له ومحاولة إيقافه. وهكذا أصدر أوامره بمغادرة تبريز.
ولكي يتمكن الجيش من الحركة بأقصى سرعة ممكنة، أصدر الشاه إسماعيل أوامره بالتحرك دون قوة استطلاع، فقد كان يعلم أن الفاصلة بينه وبين العدو لا تزال كبيرة من جهة، ومن جهة ثانية كانت قوات القرة باغي بمثابة قوة استطلاع متقدمة تراقب العدو عن كثب وتبعث بالمعلومات أولاً بأول.
وبعد مسير ثلاثة أيام من تبريز بلغ الشاه إسماعيل كتاب آخر من محمد القرة باغي ينبئه فيه أنه تمكن من الإمساك بمجموعة أخرى من الأسرى، واستجوبهم فكانت أقوالهم تؤيد أقوال المجموعة الأولى، ثم يعقب القرة باغي في كتابه قائلاً: إن مما لا شك فيه أن هدف السلطان سليم الأول هو احتلال (خوي) ولكنه لا يعلم مقصده بعد خوي… أما الشاه إسماعيل فكان يدرك أن غاية السلطان سليم النهائية هي تبريز إذ من غير الممكن أن يتجه شمالاً أو جنوباً حيث لا جدوى من التحرك في هذين الاتجاهين.
وجمع الشاه إسماعيل قادة جيشه وأوعز إلى الأمير عبدالباقي أن يقرأ عليهم الكتاب الجديد… حتى إذا فرغ هذا من قراءته أوصى الملك قادته بالصبر والثبات وأوضح لهم الغاية من التصدي للعدو وشحذ هممهم ثم أصدر أوامره بمواصلة الحركة.
خبر إبادة الشيعة في دياربكر
وفي اليوم التالي وصل من القرة باغي كتاب آخر يذكر فيه خبر إبادة الشيعة في دياربكر، وقد استقى القرة باغي أخباره من المجموعة الثانية من الأسرى الذين أمسك بهم، حيث ذكر له هؤلاء، أن السلطان سليم بعد دخوله لدياربكر أصدر أوامره بقتل جميع سكانها الشيعة، وكان أغلب سكانها من السنّة إلا أنهم لم يشتركوا في قتل إخوانهم الشيعة، وباشر الجيش العثماني بتنفيذ الأوامر، فقسم المدينة إلى ما يشبه لوحة شطرنج كبيرة حيث قسمها إلى مربعات عديدة، ثم أخذت كل مجموعة من الجيش على عاتقها مربعاً من هذه المربعات وباشرت بذبح كل من وجدته من الشيعة بحجة كونهم من المرتدين عن الإسلام. وقد عمد بعض الشيعة إلى قتل نسائهم وأطفالهم للحيلولة دون وقوعهم أسرى بيد القوات العثمانية.
وأضاف القرة باغي في كتابه بأن عمليات إبادة الشيعة استمرت ليلاً نهاراً حتى لم يعد يوجد رجل شيعي واحد في دياربكر اللهم إلا من اعتصم برؤوس الجبال وشعابها.
ويذكر القرة باغي في كتابه أن عدد من قتل من شيعة دياربكر بلغ ستمائة ألف، إلا أن هذا الرقم فيه كثير من المبالغة حيث كان جميع الشيعة في دياربكر لا يتجاوزون الستمائة ألف بما فيهم النساء والأطفال. واختلفت تقارير عدد القتلى، وكان أقلها خمسين ألفاً.
وكان الأمير عبدالباقي يقرأ الكتاب على مسامع الشاه وضباط جيشه الحاضرين لديه، حتى إذا فرغ من قراءته أخذ الشاه يكفكف دمعه ثم أمر الأمير عبدالباقي بإحضار عدد من الكتاب واستنساخ هذا الكتاب وتوزيعه على القوات ليقرأ عليها في الليالي القادمة، ليعلم أفراد هذه القوات بأن ما حصل في دياربكر سيحصل في آذربايجان وغيرها من المناطق الإيرانية في حال احتلالها من قبل الجيش العثماني، فأكثر سكانها من الشيعة.
ثم قسم الشاه جيشه إلى تسعة أقسام، وأخذ على عاتقه قيادة قسم منها، وعين ثمانية رجاله لقيادة الأقسام الثمانية الأخرى، وهؤلاء الثمانية هم: خان محمد أستاجلو والأمير عبدالباقي ومحمد القرة باغي وحسن بيك لله وسارو بيره قورچي والسيد محمد كونه الأمير السيد يوسف وأصلان زعيم قبيلة ساري قميش، وبعث بمن يبلغ القرة باغي بإبقائه على رأس قواته، ثمن أمر هؤلاء القادة بأن يعين كل منهم خليفتين له، يتعاقبان على قيادة القوات في حال وفاته. وإضافة إلى تولي الشاه إسماعيل لقيادة قسم من أقسام الجيش فقد كان القائد العام لكل القطعات المحاربة. وعين لخلافته في قيادة الجيش رستم كاچر مينه ومن بعده علي محمد الهمداني.
وفي الوقت الذي كان فيه الشاه إسماعيل يتقدم نحو محمد القرة باغي كان الأخير ينسحب بقواته للالتحاق بالملك، حيث الجيش العثماني الجرار يتقدم نحو الأمام وكان القرة باغي مفوضاً بالإقدام على ما يرى الصلاح فيه ففضل الانسحاب على المقاومة التي لا جدوى من ورائها، فوصل بمن معه إلى الملك في السابع من حزيران.
وبعد أن انضمت قوة محمد القرة باغي إلى صفوف الجيش بعد أن كانت بمثابة قوة استطلاع متقدمة، أمر الشاه إسماعيل بتقديم قوتي استطلاع لتتقدما الجيش في مسيرته وتستكشفا الطريق أمامه.
وقبيل غروب شمس اليوم العاشر أبلغت هاتان القوتان الشاه إسماعيل بظهور طلائع القوات العثمانية. فأصدر الشاه أوامره بالتوقف عن المسير لنصب الخيم وإمضاء ليلتهم في ذلك المكان، وأوصى بأخذ الحيطة والحذر ومراقبة أطراف المعسكر لاحتمال قيام العدو بهجوم ليلي مباغت. وحين خيم الظلام أرسلت قوة الاستطلاع المتقدمة بأنها تشاهد نيران كثيرة تشير إلى وجود معسكر كبير. ومن الطبيعي أن لا يكون السلطان سليم بحاجة إلى الاستتار ومن ثم أذن لقواته بإشعال النيران وطبخ الطعام عليها.
وفي تلك الليلة أخبر الشاه إسماعيل قادته بأنه لا يتوقع قيام العدو بهجوم في اليوم التالي لوجود فاصلة كبيرة بين الجيشين ولكنه أوصاهم بإبقاء جنودهم في حالة استراحة كاملة طوال الليل، ليتمكنوا من الاستيقاظ باكراً في صبيحة اليوم التالي، لاحتمال وقوع هجوم غير متوقع.
وفي صبيحة اليوم الحادي عشر من حزيران واصلت القوات الإيرانية مسيرتها حتى وصلت منطقة سهلية تبعد عن مدينة خوي بعشرين فرسخاً وتسمى بمنطقة چالدران.
وفي ذلك اليوم أخذ الجيشان يقتربان من بعضهما، وواصلت قوات الاستطلاع إبلاغ الخطوط الخلفية باقتراب قوات العدو، وحين توسطت الشمس كبد السماء توقف الفريقان لأداء الصلاة ثم واصلا زحفهما.
وعند العصر أمر الشاه إسماعيل قواته بالتوقف، وأوضح لقادته بأنه يخشى في حالة التقدم إلى الأمام من عدم قدرته على الاستفادة من الفرسان في وقت الحرب كما ينبغي، ويخشى أيضاً من التفاف القوات العثمانية حول قواته إذا ما تقدم أكثر.
سهل چالدران
قدَّر أن يكون سهل چالدران محلاً للقاء الجيشين الإيراني والعثماني، وهذا السهل عبارة عن أرض واسعة تمتد بين سلسلتين جبليتين نحو الشرق والغرب.
وفي بعض مناطق السهل كانت السلسلتان الجبليتان تبتعدان عن بعضهما. أكثر من مد النظر وفي مناطق أخرى تقتربان من بعضهما. وحينئذٍ يتحول السهل إلى واد عريض جداً، تتواجد على طرفيه بعض المسالك التي تؤدي نحو الجنوب والشمال.
وفي بعض المناطق تلال متوسطة الارتفاع، يمكن اعتبارها سوراً طبيعياً من جهتي الشمال والجنوب، وفي مثل هذه المناطق اختار الشاه إسماعيل التوقف ليستفيد من وجود التلال. وبين سلسلتين من التلال الواقعتين في جهتي الشمال والجنوب تبرز أرض منبسطة، اختارها الشاه إسماعيل لتكون ميداناً لفرسانه.
وكان اختيار الشاه الصفوي لهذا الموقع اختياراً موفقاً فلو تقدم قليلاً إلى الأمام لدخل سهلاً واسعاً تمتد على جانبيه سلسلتان جبليتان، يمكن أن يلتف السلطان سليم من خلفهما فيطبق على القوات الإيرانية قبل أن تبدأ الحرب.
ولذلك كان الموقع الذي عسكر في الشاه إسماعيل أنسب موقع يمكن أن تعسكر فيه قوة قليلة بوجه قوة كبيرة تفوقها بسبع مرات أو ثمان، حيث كانت التلال تشكل حاجزاً منيعاً يحول دون عبور العثمانيين وإطباقهم على القوات الإيرانية.
وعندما خيم الظلام جمع الشاه إسماعيل قادة الجيش وأعاد عليهم وصاياه وحثهم على شحذ همم جنودهم وتنبيههم إلى الخطر المحدق بهم وبعوائلهم وأهليهم في حال اندحارهم أمام العدو، ثم أذن لهم بالانصراف بعد أن أكد على ضرورة إبقاء الجنود في حالة استراحة.
وحين أخلد المحاربون إلى النوم، أخذ الشاه إسماعيل يطوف بالمعسكر ويتفقد الأوضاع فيه، ويتحدث إلى بعض الحراس لاختبار معنوياتهم، فلمس فيهم عزماً راسخاً على القتال ومعنويات راسخة لا تتزلزل.
وعند طلوع الفجر على صوت الآذان من الطرفين، نهض الجميع لأداء الصلاة ثم تهيأوا للقتال. وأخذت أنغام الموسيقى تتعالى من الطرفين فاتخذ كل موضعه.
ولم يكن الإيرانيون قادرين على شن الهجوم لقلة عددهم فانتظروا مبادرة العدو بذلك، وكان هناك أمران يقفان إلى جانبهم، فالأمر الأول هو سقوط أشعة الشمس حين شروقها في أعين العثمانيين وأما الأمر الثاني فهو وجود التلال على جانبيهم مشكلة بذلك حواجز طبيعية.
بداية الحرب مع إطلاق المدافع
كان العثمانيون قد تمكنوا تحت جنح الظلام من تقريب المدافع نحو صفوف الجيش الإيراني، فلما تنفس الصبح أمر قائد المدفعية (القورخان) بأن تطلق جميع المدافع نيرانها صوب الجيش الإيراني فهدر ثلاثمائة مدفع في وقت واحد.
وكان مدى المدفعية يتراوح بين ثلاثمائة ذراع وأربعمائة ذراع، فأصدر الشاه إسماعيل أوامره بالتراجع مسافة 300 ذراع للخروج عن مدى المدفعية مع البقاء بين سلسلتي التلال وكانت خطة العثمانيين تقضي بأن تواصل المدفعية تقدمها وإطلاق نيرانها ليواصل الإيرانيون تقهقرهم، ولكن السلطان سليم أعرض عنها أمر مشاته بالزحف نحو عدوهم.
فأوعز الشاه إسماعيل إلى اثنين من قادته هما حسن بيك لله والأمير عبدالباقي بالتقدم لصد الزاحفين وكان معهما خمسة آلاف مقاتل.
واشتبك الفريقان، فكان عشرون ألف مقاتل عثماني يضغطون على خمسة آلاف مقاتل إيراني ضغطاً شديداً دون أن يتمكنوا من زحزحتهم عن مواقعهم، وكان الشاه إسماعيل يطل على ساحة المعركة من تل مشرف عليها، فرأى صمود جنوده وأعجب به.
وفي الجانب الآخر كان السلطان سليم يشرف على المعركة أيضاً فأغاظه توقف جنوده إزاء حفنة من الإيرانيين فاستدعى (النيون ـ باشي بلبل قولتاي) وأمره بتسيير عشرين ألفاً آخرين لمهاجمة الإيرانيين من الجناحين.
وأدرك الشاه إسماعيل أن هدف العدو هو الإطباق على قواته من جهتي الشمال والجنوب، فبادر من فوره إلى توجيه خان محمد أستاجلو للوقوف بوجه القوات الزاحفة من جهة الشمال وأمر محمد القرة باغي بالتصدي للعدو من جهة الجنوب.
فأسرع هذان القائدان ونشرا قواتهما على الجناحين وبدأ قتال ضار بين الطرفين، تطايرت فيه الرؤوس من الجانبين واشتد ضغط العثمانيين على القوات الإيرانية دون أن تتمكن من إحداث شرخ في صفوفها، ولاحظ الشاه إسماعيل شدة الضغط على الجناحين فأمر السيد محمد كونه بالوقوف على أهبة الاستعداد في ثلاثة آلاف مقاتل لمساعدة الجناحين إذا بان الضعف فيهما، وأوصاه بإدامة الاتصال مع خان محمد أستاجلو ومحمد القرة باغي لمعرفة أخبارهما.
وارتفعت الشمس، وأخذت تلهب وجوه المحاربين وما زال القتال يستمر بضراورة، وفجأة قطع العثمانيون اتصالهم بالإيرانيين في القلب وانسحبوا عن ساحة المعركة، فتوقف الإيرانيون في أماكنهم ولم يتعقبوهم خشية أن يكون الأمر خدعة.
وفي الحقيقة لم يكن الأمر خدعة، وإنما هو استبدال قوة بأخرى، فبعد أن رأى السلطان سليم عجز قوات المشاة من جيش (چاووش) غضب وأمر (بلبل قولتاي) بسحبها وإبدالها بقوات من جيش (إيچ أوقلان) وهو يأتي بالمرتبة الثانية بعد جيش اليني چري من حيث القوة والكفاءة الحربية.
بدأ جيش (إيچ أوقلان) زحفه في الساعة الثامنة صباحاً ولهذا الجيش أسلوبه الخاص في القتال حيث يقاتل بعض الجنود قائماً بينما يقاتل البعض الآخر جالساً، وإذا زحف إلى الأمام قدم الدروع صفاً واحداً فكأنه سد حديدي يتقدم.
وإزاء هذا الزحف المتواصل اقترح بعض القادة على الشاه إسماعيل أن يبادروا بالهجوم عليهم لإحداث شرخ في صفوف الإيچ أوقلان، فاستصوب رأيهم، فشنت قوة إيرانية حملة شديدة مركزة استطاعت بها إحداث ثغرة بين صفوف (الإيچ أوقلان ونفذت منه إلى المواضع العثمانية.
وكانت حملة موفقة إلا أنها أخذت معها الكثير من الجنود الإيرانيين، حيث أطبق العثمانيون على عدد منهم وحصدوهم بسيوفهم وسهامهم.
وما زال الإيرانيون يندفعون في قلب العثمانيين ويوسعون الشرخ ذات اليمين وذات الشمال حتى بدأ (الإيچ أوقلان) يتقهقرون، والإيرانيون يتعقبونهم.
بلغ عد المقاتلين الإيرانيين في قلب الجبهة 9 آلاف مقاتل، حصدت منهم الساعات الأولى من القتال أربعة آلاف فبقي منهم خمسة آلاف، وهؤلاء جميعاً منشغلون بتعقب جنود الإيچ أوقلان الآخذين بالتقهقر.
كان الشاه إسماعيل يراقب سير القتال بدقة، فرأى تقهقر العثمانيين وتعقب الإيرانيين لهم، ومن موقعه المشرف على ساحة المعركة أدرك أن مواصلة قواته لزحفها ينطوي على خطر ما حق، حيث كانوا يقتربون من مدى المدفعية.
التفت إلى أحد ضباطه وأمره بالإسراع إلى الأمير عبدالباقي وتحذيره من خطر المدفعية، وبعد قليل شوهدت قوات الإيچ أوقلان تقطع اتصالها بالقوات الإيرانية ثم تبدأ بالانفراج نحو الشمال والجنوب، فازدادت سعة الثغرة التي دخلها الإيرانيون حتى بلغت ثلاثمائة ذراع وفجأة هدرت المدفعية فراحت تحصد الإيرانيين حصداً.
وكان جميع القادة الإيرانيين المشرفين على القتال في قلب الجبهة قد استشهدوا ولم يبق منهم إلا (حسن بيك لله) فأصدر هذا أوامره بالانسحاب للابتعاد عن مدى المدفعية، فعادت البقية الباقية إلى مواقعها وانتظمت صفوفها مرة أخرى فنزل الشاه إسماعيل يتفقد الأوضاع في قلب جبهته وأدرك مدى الخسائر التي لحقت بقواته، حيث أهلكت المدفعية ألفين وخمسمائة منهم ولم تبق إلا مثل هذا العدد.
وبعد نصف ساعة طلب العثمانيون التوقف عن القتال مؤقتاً للتمكن من دفن القتلى وسحب المجروحين إلى خلف خطوط القتال فوافق الشاه إسماعيل على طلبهم.
وفي الساعة الثالثة من بعد الظهر استأنف العثمانيون هجومهم، وكان هجوماً عنيفاً بدا للوهلة الأولى وكأنه سيكتسح الإيرانيين أمامه اكتساحاً.
واشتد الضغط على قوات الخان محمد أستاجلو في الجناح الشمالي، وأخذ الجنود يتساقطون الواحد تلو الآخر حتى بان النقص في عددهم، فبعث يطلب المدد من السيد محمد كونة فأمده هذا بألف من جنوده.
وفي غضون ذلك قدم على الشاه إسماعيل فارس، وأخبره بقرب وصول ألفي فارس من عشائر أرومية ففرح الشاه بهذا الخبر فرحاً شديداً، ثم التفت إلى من حوله وقال لهم. سندخل المعركة بدخول الفرسان إليها وحينئذٍ سأشترك في القتال بنفسي. فحاول بعضهم أن يثنيه عن هذا القرار فلم يستمع لكلامهم وأصر على رأيه ثم تدخل الشيخ الشبستري وكان مرافقاً له فحاول جاهداً أن يصرفه عن قرار الاشتراك في الحرب فلمس فيه إصراراً لا يلين، فكف عن محاولته.
واشتد الضغط على الجناحين فلم يتزعزعا عن مواقعهما، وأدرك العثمانيون أن الغلبة على الجناحين أصعب منها على القلب ومن ثم أمر السلطان سليم (بلبل قولتاي) بإنزال جيش (أسطنبول) إلى ساحة المعركة، فبادر هذا إلى تقسيم أفراد هذا الجيش ـ ويبلغ عددهم عشرين ألف مقاتل ـ إلى قسمين دفع بالقسم الأول إلى قلب الجبهة، ثم قسم البقية إلى مجموعتين من خمسة آلاف مقاتل ودفع بهما إلى الجناحين. فازدحم المقاتلون العثمانيون في القلب والجناحين حتى كان بعضهم يقف خلف البعض الآخر ينتظر دوره في القتال.
وعند الغروب وصلت قوات العشائر المتشكلة من ألفي فارس، فاستقبلها الملك إسماعيل وتفحص أفرادها ثم أوصاهم بالاستراحة والاستعداد للاشتراك في صبيحة اليوم التالي.
وكف الفريقان عن القتال بعد أن خيم الظلام على المنطقة فاستدعى الشاه إسماعيل الشيخ الشبستري وأبلغه بما كتب في وصيته، وطلب منه الإشراف على تنفيذها بنفسه في حال مقتله في ساحة المعركة، وكان قد أوصى بتشكيل مجلس شورى يتكون من ثلاثة رجال؛ أحدهم من رجال البلاط والثاني من قادة الجيش وهو قائد الفرسان (ديو سلطان روملو) والثالث من رجال الدين وهو الشيخ الشبستري، ويكون دور هذا المجلس هو الإشراف على إدارة الأمر في البلاد حتى يبلغ طهماسب ابن الشاه إسماعيل سن الرشد ليتولى بنفسه إدارة الأمور.
وأوصى أيضاً بنقل جثته إلى أردبيل ليدفن فيها في مقبرة جده هناك. ثم أمر بإبقاء ما بقي من قوات المشاة خلف الجبهة وإعفائهم من الواجبات والحراسات الليلية.
وكان الشاه إسماعيل يعلم أن العثمانيين لن يدعوا قواته تخلد إلى الراحة، فأمر بتشديد الحراسة وتقديم الكلاب إلى الخطوط الأمامية لساحة القتال لمراقبة تحركات العدو.
وما كاد ينقضي من الليل نصفه حتى تقدم نحو ألف من القوات العثمانية متسترين بالظلام ومحاولين مفاجأة الإيرانيين، إلا أن نباح الكلاب لفت انتباه الإيرانيين لوجودهم، وإذ لم يبق من المشاة إلا العدد القليل الذي لا يصلح لصد العدو، فقد بادر الفرسان للقيام بهذا الدور راجلين.
واشتبك الطرفان في قتال ضار لم يستطع فيه العثمانيون التقدم خطوة واحدة ولم يتقهقر الإيرانيون شبراً واحداً، وكان السلطان سليم يهدف بإنزال هذه القوة الصغيرة إلى ساحة القتال إلى تحقيق أمرين؛ الأول هو إزعاج الإيرانيين وإبقائهم في حالة نفير مستمر حتى يأخذ منهم السهر مأخذه ويكون قتالهم ضعيفاً في اليوم التالي. والأمر الثاني هو اختبار صمودهم إزاء هذه القوة الصغيرة فإذا لم يبدوا صلابة في دفاعهم وتمكنت هذه القوة من إحداث شرخ في صفوفهم بادر حينئذٍ إلى إرسال قوة أكبر، فيأتي عليهم جميعاً أو يولون الدبر.
ولكن الإيرانيين صمدوا صموداً بطولياً وأكثروا القتل في صفوف عدوهم بعد أن أشعلوا مشاعلهم وتبينوا مواضعهم، فأمر السلطان سليم بقهقرة جنوده مع إبقائهم في ساحة المعركة، لإزعاج الإيرانيين ومنعهم من النوم.
ومن طلوع الفجر قسم الشاه إسماعيل قوة الخيالة إلى أربعة أقسام، ثلاثة منها تتولى الدفاع عن قلب الجبهة والجناحين والرابع يكون على أهبة الاستعداد لنصرة من يشتد عليه الضغط ويبين فيه الضعف من الأقسام الثلاثة الأخرى. وكان هذا اخر أمر يصدره الشاه إسماعيل بكونه القائد العام لساحة القتال، حيث قرر الإنضواء تحت قيادة قائد الخيالة (ديو سلطان روملو) للنزول إلى ساحة المعركة والاشتراك فيها إلى جانب جنوده، وأوصى بإطاعة أوامر (رستم ـ كلاچرمنية) الذي سيخلفه في إدارة المعركة.
وما كاد الشاه إسماعيل يهم بالنزول عن مقره حتى قبل وفد من العثمانيين محمل برسالة من السلطان سليم، يقترح فيها على الشاه إسماعيل وقف القتال حيث لا جدوى منه للإيرانيين مهما قاوموا. وللحيلولة دون القضاء على البقية الباقية من الجنود الإيرانيين يقترح السلطان سليم أن يستسلم الشاه إسماعيل وجنوده للقوات العثمانية ويدفعوا بأسلحتهم إليها وفي مقابل ذلك يوافق السلطان على أمرين:
1 ـ الإبقاء على حياة الشاه إسماعيل وأبنائه وأفراد عائلته وصيانة أموالهم جميعاً، ولكنه لا يوافق على بقائه في إيران وإنما ينقله وجميع عائلته وأمواله إلى مكان يحدده السلطان بنفسه، خارج الأراضي الإيرانية.
2 ـ الإبقاء على حياة وأموال الضباط والجنود الإيرانيين الذين يستسلمون إلى القوات العثمانية وصيانتهم من الرق والعبودية، ويتعهد بعدم إرغامهم على العمل. وسيمكثون في معسكرات الأسر حتى إتمام احتلال آذربايجان وكردستان وطالش وگيلان الذي لن يستغرق أكثر من ثلاثة أشهر ثم يطلق سراحهم ليعودوا إلى بيوتهم وأسرهم وبعد استشارته لرجال حاشيته كتب الشاه إسماعيل الجواب التالي:
«لن يستسلم ملك إيران ولا ضباطه وجنوده ولكنهم مستعدون لعقد الصلح مع الملك العثماني وقواته وشرط الصلح هو انسحاب السلطان سليم عن آذربايجان ودياربكر ليتمكن ملك إيران من بسط سيطرته عليهما.
وإذا وافق السلطان سليم على هذا الشرط، سيقع الصلح بين إيران والدولة العثمانية، ولن يكون هناك مبرر للاستمرار في القتال، وإذا لم يوافق فسيستمر ملك إيران وضباطه وجنوده في القتال ولن يغمدوا سيوفهم حتى يسترجعوا آخر شبر من الأراضي الإيرانية من الملك العثماني».
وسلم الشاه إسماعيل جوابه للوفد العثماني ثم تحرك مع قواته للانتشار في المواقع المحددة.
واستأنف العثمانيون القتال، وقد خفي على الشاه إسماعيل أمر مهم ولم يطلع عليه ولم يتسن لأحد من جنده وضباطه الاطلاع عليه بسبب انشغالهم طوال الليل بالتصدي لتحرشات العدو.
لم يكن الشاه إسماعيل يعلم أن بلبل قولتاي (قائد القوات العثمانية) كان قد نقل مدفعيته تحت جنح الظلام إلى تلة تشرف على الجناح الجنوبي من أجل توفير الغطاء الكافي لإنزال قواته في الجنوب لتوسيع ساحة المعركة من جانب ولمحاصرة القوات الإيرانية من جانب آخر.
وشاهد رستم ـ كلاچرمنيه نزول الجنود العثمانيين من التلة مستعينين بالحبال والشباك، فأوعز إلى قائد الجناح الجنوبي (حسن بيك لله) بالتصدي لهم ومنعهم من الإنزال، فأمر بيك لله ثلاثمائة من فرسانه بتنفيذ المهمة، وانطلق هؤلاء بأقصى سرعتهم نحو التل فما كادوا يقتربون منه حتى هدرت المدافع وحصدتهم حصداً، وانجلت الغبرة عن قطع متناثرة من اللحم، خلا عدد قليل منهم لا زالوا يواصلون تقدمهم نحو التل، فتصدى لهم الجنود العثمانيون وأطلقوا النار عليهم فأهلكوهم عن بكرة أبيهم.
وكان الشاه إسماعيل يقاتل في القلب غير ملتفت إلى إنزال الجنود العثمانيين، فلما هدرت المدفعية بعث من يستوضح له الأمر ثم طلب تنصيبه قائداً للجناح الجنوبي فوافق رست كلاچرمينه على طلبه.
الشاه إسماعيل والمدفعية العثمانية
شاهد الملك إسماعيل نزول الجنود العثمانيين من أعلى التل إلى أسفله فأدرك مدى الخطر الذي يهدد قواته في حال نجاح العثمانيين في إكمال إنزالهم، فباشر بتقسيم الفرسان (ويبلغ عددهم في الجناح الجنوبي ألفين ومائتين بعد أن قتل منهم ثلاثمائة فارس) إلى ثلاثة مجاميع، وضع المجموعة الأولى تحت قيادة (حسن بيك لله) ويبلغ عدد الفرسان فيها ثمانمائة فارس، وأخذ على عاتقه قيادة إحدى المجموعتين التي تتألف كل منهما من سبعمائة جندي وأوكل قيادة الأخرى إلى (غلام علي القرة باغي).
وتقضي خطة الشاه إسماعيل التي عزم على تنفيذها رغم خطورتها بأن يبقى حسن بيك لله بقواته في الجناح الجنوبي بينما يتقدم هو بمجموعته نحو المدفعية فيباشر بتدميرها ويتبعه غلام علي القرة باغي لحماية ظهره وإبقاء طريق العودة مفتوحاً أمامه لئلا يحيط العدو بقوته فيبيدها.
وتحرك الشاه على رأس جنوده ليجتاز جناحه الجنوبي نحو الشمال حتى وصل بإزاء جنود (الآكنجي) المكلفين بحراسة المدافع، وحينئذٍ انعطف بجواده صوب المغرب وانطلق بأقصى سرعة نحو جنود (الآكنجي) وانعطف جنوده من خلفه وتبعوه بأقصى سرعتهم، فكان منظراً مهيباً ينطلق فيه سبعمائة فارس بسرعة الريح لينقضوا على أعدائهم، وبنفس السرعة اعتلوا التل وانقضوا كالصاعقة على رؤوس العدو، بينما باشر البعض الآخر بتدمير المدافع، ووسيلتهم بالتدمير هي وضع صناديق البارود الموجودة في المكان، تحت المدافع وإضرام النار فيها، فكانت تتناثر في السماء قطعاً.
ولم يكن المدفعيون منتبهين إلى قدوم الشاه إسماعيل نحوهم حتى اقتحم عليهم مواقعهم، إذ كانوا منشغلين بإطلاق القذائف نحو الشرق لتغطية الإنزال، وما كان الإيرانيون يقتحمون مواقع المدفعية حتى سكتت عن الهدير وكفت عن إطلاق القذائف فأدرك حسن بيك لله في الجناح الجنوبي إن الملك بلغ مقصده وإن المدفعية لم يعد بإمكانها توفير الغطاء لجنود الإنزال فبادر من فوره إلى توجيه أربعمائة من فرسانه للانقضاض على الجنود الذين نجحوا في الإنزال، وانطلق هؤلاء الفرسان بأقصى سرعتهم فتصدى لهم العدو وأطلق النار فأردى منهم مائة فارس، واستمر الباقون فانقضوا على الجنود العثمانيين الذين لم يجدوا الفرصة لإعادة تعبئة بنادقهم بالبارود وباشروا بقتلهم، وحاول بعض العثمانيين تسلق التل فلم يفلحوا وكان مصيرهم القتل.
وتحولت مواقع المدفعية إلى جحيم، ومع انفجار المدافع أفاق بلبل قولتاي من ذهوله فبعث بألفي مقاتل من قوات اليني چري لإنقاذ المدافع من التدمير، فسلك هؤلاء نفس الطريق الذي سلكه الشاه إسماعيل في صعوده للتل، وحينئذٍ تصدى لهم غلام علي القرة باغي فقد كان يدرك أن صعود قوات اليني چري إلى التل يعني هلاك الشاه إسماعيل وجنوده.
واشتد القتال بين الطرفين، فقوات اليني چري تحاول الوصول إلى أعالي التل والقرة باغي وأصحابه يحاولون إبقاء طريق العودة مفتوحاً أمام أصحابهم، وبعد قليل انضم إلى قوات اليني چري المهاجمة ألف مقاتل آخر فأصبح عددها ثلاث آلاف مقاتل.
والتفت الشاه إسماعيل إلى قدوم قوات العدو ومحاولتهم قطع طريق العودة إلى قواته والصعود إلى أعالي التل، فأمر مجموعته بالانسحاب، فاشتدت ضراوة القتال وكثرت الضحايا في صفوف الإيرانيين والعثمانيين، وجرح الشاه إسماعيل في يده اليمنى، ولكنه نجح في الإفلات من قبضة اليني چري بمائة وعشرين من أصحابه كانوا البقية الباقية من مجموعته حيث سقط منهم في ساحة المعركة خمسمائة وثمانون فارساً.
وبلغت الخسائر في مجموعة غلام علي القرة باغي خمسمائة وخمسين فارساً فيكون مجموع من قتل من الفرسان المهاجمين لمواقع المدفعية ألف ومائة وثلاثين فارساً، ورغم فداحة هذه الخسائر إلا أنها أسفرت عن تدمير المدفعية ووقف الاستفادة منها.
واشتد سخط السلطان سليم على قائد قواته (بلبل قولتاي) متهماً إياه بالإهمال والتقصير ثم عزله وأمره بالنزول إلى ساحة المعركة والاشتراك في القتال جنباً إلى جنب مع سائر الجنود المقاتلين، فجرح وسقط إلى الأرض فرضته الخيول ومات.
وفي سورة غضبه أمر السلطان بتقدم الجيوش الأربعة الأقوى بين قواته وهي جيوش اليني چري والعثمانلي واسطنبول والچركس وطلب منهم حسم المعركة بأسرع وقت.
ولم يبق من القوات الإيرانية إلا عشرة آلاف فارس وبعض المشاة الاحتياط وكان يتوجب على هؤلاء أن يتصدوا لمائة ألف مقاتل من أقوى الجيوش العثمانية، فعلى جناح الجنوب أن يتصدى لجيش أسطنبول وعلى قلب الجبهة أن يقف بوجه زحف جيش اليني چري بينما يتوجب على الجناح الشمالي بقيادة خان محمد أستاجلو أن يتصدى لقوات الجيش العثمانلي. وخلف هذا الجيش الثلاثة كان جيش الچركس يقف على أهبة الاستعداد لملأ أي ثغرة يمكن أن يحدثها الإيرانيون في صفوف القوات العثمانية ولمساعدة من يحتاج إلى دعم من هذه الجيوش الثلاثة.
وقسم محمد أستاجلو قواته الألفين إلى مجموعتين، فجعل ألفاً في المقدمة وقسمها إلى صفين وجعل الألف الثاني في الخلف كقوة احتياطية، فواجهت القوة الأمامية ضغطاً شديداً، وكثر القتل في افرادها حتى لم يبق منهم إلا مائتي ونيف وكانوا يواجهون بصفوف متراصة لا نهاية لها من الجنود العثمانيين المزودين بالرماح فكثيراً ما كان يحدث أن يصطدم جواد أحدهم بخمسة رماح دفعة واحدة. ثم راح هذا العدد يتضاءل فانخفض عدد الفرسان في كل صف من الصفين الأماميين إلى خمسين فارساً وكانوا على قلتهم محافظين على نظامهم ومتقاربين من بعضهم فلا يكاد العد يجد ثغرة ينفذ من خلالها إليهم.
وحين التفت أستاجلو إلى ضعف قوته الأمامية قدم خمسمائة من احتياطه ثم قسم المجموع إلى صفين، وهنا بادر العثمانيون إلى نصب الأبراج، وهي وسائل عادة ما يستعملونها في اقتحام القلاع إلا أن السلطان سليم رأى استعمالها يومئذٍ مناسباً، فأمر بنصبها وباشر جنود الچركس بإطلاق النبال منها فكانت نبالهم تحصد الإيرانيين حصداً دون أن يتمكنوا من دفع الأذى عن أنفسهم.
وفي قلب الجبهة كان الشاه إسيماعيل وروملو يواجهان بألفين وخمسمائة فارس زحفاً كثيفاً من قوات اليني چري، وهي أقوى القوات العثمانية، وعندما كان العثمانيون يشنون الحرب على إحدى الدول الأوروبية فإن حضور قوات اليني چري في ساحة المعركة كفيل بجعل العدو يلقي سلاحه ويلوذ بالفرار.
وصمد الإيرانيون للوهلة الأولى فكان الطرفان يتقاتلون بكل ضراوة دون أن يتمكن أحدهما من زعزعة الطرف المقابل، ثم بدأت كفة اليني چري ترجح وأخذوا يتقدمون بانتظام مخلفين وراءهم جثث القتلى وخيولهم ولم يبق من القوة المدافعة عن القلب سوى ثلاثمائة فارس من أصل ألف، وأدرك روملو عظم الخطر المحدق بقواته فقدم ألفاً آخر من احتياطه، وكان جنود اليني چري يحصدون قواته بالساطور فأمر بتجهيز أفراده بالرماح لتفادي ضربات السواطير المهلكة.
وتوقف تقدم اليني چري، فأمر السلطان سليم بنقل جميع الأبراج المتحركة إلى القلب وتجهيز أفراد اليني چري بالرماح، واشتد الضغط على القلب والجناحين وكان حسن بيك لله في الجناح الجنوبي يعاني من ضغط أشد من القلب والجناح الشمالي.
وكان القتال في الجناح الجنوبي شديداً فقتل حسن بيك لله وخلفه في القيادة شخص من قبيلة (اينانلو) يدعى (داود). وبعث كلاچرمينه بخمسمائة مقاتل من جنود المشاة ـ الذين أوصى الشاه إسماعيل باستراحتهم إلى الجناح الجنوبي.
وحين قتل حسن بيك لله كان عدد المقاتلين في الجناح الجنوبي لا يتجاوز ثمانمائة وخمسين مقاتلاً. واستمر هؤلاء الجنود يقاتلون لساعتين ونصف دون توقف أو استراحة، حتى قتلوا عن آخرهم باستثناء بعض الجرحى الذين لم يقووا على الاستمرار في القتال.
ومع حلول الساعة الرابعة احتلت قوات أسطنبول الجناح الجنوبي، بعد أن خلا من المقاتلين الإيرانيين.
وفي الجناح الشمالي كان الخان محمد أستاجلو يتصدى لزحف خمسة وعشرين ألف مقاتل من الجيش العثماني واثني عشر ألف من جيش (الإيچ أوقلان).
واستأذن رستم كلاچرمينه الشاه إسماعيل في الالتحاق بالجناح الشمالي وإبقاء علي محمد الهمذاني محله فأذن له ونزل فقاتل قتالاً شديداً وقتل. ثم بعث أستاجلو يطلب المدد من علي محمد الهمذاني فأجابه بأنه لا يملك جندياً واحداً وليس أمامه إلا النزول والاشتراك بنفسه في القتال. فقد أرسل ما بقي من احتياطي ـ على قلته ـ إلى قلب الجبهة لتعرضها لضغط شديد من قوات اليني چري.
وعند العصر استدعى السلطان سليم قائد الجيش العثماني واسمه (محمد سوات) وأمهله ساعة واحدة للقضاء على الإيرانيين في الجناح الجنوبي وإلا فسيعزله وينزله إلى ساحة القتال كما فعل ببلبل قولتاي من قبل.
فأصدر محمد سوات أوامره بشن هجوم كاسح، فضاقت الأرض بفرسان محمد أستاجلو واختل نظامهم ووهنت خيولهم فأمرهم بالترجل عنها، وحينئذٍ أخذ العثمانيون يخترقون صفوفهم فيفرقونهم آحاداً، ثم يحيطون بهم من كل جانب، فكان المقاتل الإيراني يجد نفسه محاطاً بعشرات الجنود العثمانيين، وما زال الأمر هكذا حتى أبيد جنود محمد أستاجلو عن آخرهم وقتل أستاجلو معهم.
الشيخ محمد حسن الشبستري في ساحة المعركة
وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الإيرانية تباد في الجناحين الجنوبي والشمالي كان الشيخ الشبستري يراقب ساحة المعركة فأدرك أن قلب الجبهة سيحاصر عاجلاً أو آجلاً فور سقوط الجناحين.
وينقل أن الشاه إسماعيل كان يحمل معه دائماً مصحفاً مخطوطاً بيد الإمام علي (عليه السلام) فإذا حط رحاله وضع هذا القرآن في صدر الخيمة، فحمل الشيخ الشبستري هذا القرآن ونشره بين يديه وتقدم نحو ساحة القتال حاسر الرأس حافي القدمين محاولاً الوصول إلى الشاه إسماعيل لإثنائه عن الاستمرار في القتال فقد كان يدرك أن إيران بأسرها ستقع بيد السلطان سليم في حال مقتل الشاه إسماعيل فليس ثمة امرؤ ينوب عنه بهيبته وتأثيره على الناس.
وبعد جهد جهيد وصل الشبستري إلى الشاه إسماعيل فناداه قائلاً: أقسم عليك بهذا القرآن الذي خطته يد علي بن أبي طالب (ع) إلا ما رحمت شيعة إيران وانصرفت عن القتال فانسحب من هذا المكان لتحول دون إبادة شيعة جدك بيد السلطان سليم. وإن لم تنسحب فسيحاصرك العثمانيون عاجلاً ويقطعون عليك الطريق، وإني لأعلم أن الموت أشهى إليك من العسل ولكن آلاف الشيعة سيقتلون بعد موتك… ثم إن القرآن يأمرك بالكف عن القتال.
فألقى الشاه إسماعيل بنظره على القرآن المنشور بين يدي الشيخ الشبستري وقرأ كيف أن الله وعد المسلمين بالنصر الآجل إن لم يحققوه عاجلاً فطلب من روملو إصدار الأمر بالانسحاب وإبلاغ الجناحين بالأمر أيضاً.
ولم يحدد التاريخ وقت إصدار الشاه إسماعيل لأمر الانسحاب، بدقة، ولكن مما لا شك فيه أن صدور هذا الأمر كان في الساعة الرابعة أو قبلها بقليل، ولو تجاوزها بقليل لكانت القوات العثمانية قد تمكنت من اجتياز الجناحين وأطبقت على القلب ومن ثم لم يكن أمام الشاه إسماعيل وأصحابه طريق للانسحاب من ساحة المعركة.
وعلى أي حال فقد احتلت القوات العثمانية الجناحين وبدأ انسحاب بقية القوات الإيرانية بقيادة الشاه إسماعيل وكان انسحاباً سريعاً لم يتح لهم حمل شيء من متاعهم.
ولم يستطع الإيرانيون دفن جثث قتلاهم فقد كانوا يعلمون أن القوات العثمانية ستتعقبهم لا محالة ومن ثم انسحبوا بأقصى سرعتهم.
مدينة تبريز
في الوقت الذي دخل فيه السلطان سليم آذربايجان كانت مدينة تبريز عاصمة لإيران ومقراً دائماً لاستقرار الشاه إسماعيل، ولم تكن هناك مدينة إيرانية تضاهيها بسعتها وعدد سكانها، وقد أجريت في عام 1490م (896هـ) إحصائية لعدد السكان فيها فبلغوا مليون نسمة.
وفي ظهر اليوم الثاني من معركة چالدران بعث الشاه اسماعيل رسولاً إلى تبريز لإبلاغ أهلها وحاكمها بضرورة تحصين مدينتهم والاستعداد للدفاع عنها وكان يحسب أنهم سيبادرون إلى ترميم سور المدينة وتخزين المؤن ومن ثم يتأهبون للقتال، ولكن ما كاد أشراف المدينة يفهمون من الرسول قرب انهزام الشاه إسماعيل أمام السلطان سليم حتى أخذوا يجمعون أموالهم وعيالهم ويلوذون بالفرار.
ومن الطبيعي أن عامة الناس حينما يرون أشرافهم ينهزمون من مدينتهم فإنهم سيقتصون آثارهم، وهكذا دب الرعب في نفوس الجميع فكانوا يجمعون كل ما يقدرون عليه ويبتعدون عن المدينة مسرعين.
وكان الشاه إسماعيل عازماً على إبقاء أهل تبريز متحصنين في مدينتهم ليبادر هو إلى حشد العشائر في جيش كبير يستطيع به إلحاق الهزيمة بالسلطان سليم وقواته وكان مصيباً فيما عزم عليه.
وحين خرج من ساحة المعركة كان مثخناً بالجراح وبادر من فوره إلى بعث رسله إلى ميانة وأرومية وأمرهم بجمع كل من يجدونه في معسكراتهما من مشاة وخيالة، المتدربين منهم وغير المتدربين وإرسالهم إلى (در جزين) ليلتحقوا به فيها، وقبل وصوله (در جزين) بعث برسله إلى رؤساء عشائر كردستان ولرستان وطالش وگيلان ومازندران وخراسان ليسيروا إليه في آذربايجان برجالهم.
وفي (دبر جزين) سيَّر عشر مجاميع من جنود الإعاشة لجمع المؤن والعلف من المناطق المتاخمة لها، لتهيئة الأسباب لقدوم قوات العشائر وتمركزها في هذه المنطقة.
دخول السلطان سليم مدينة تبريز
يذكر المؤرخون العثمانيون أن السلطان سليم حينما دخل مدينة تبريز عين (محمد سوات) حاكماً عسكرياً عليها وأمره بعدم إهراق قطرة دم واحدة من سكان المدينة ومنع الجنود من دخول بيوتها أو الاعتداء على أحد من أهلها والسبب في ذلك هو استسلام سكان تبريز للقوات العثمانية دون مقاومة.
بينما يذكر المؤرخون الآخرون أن السلطان سليم وعد قواته بإطلاق أيديهم في نهب ما يجدونه في هذه المدينة، لا سيما قوات اليني چري التي اعتادت على نهب المدن المفتوحة مكافأة لما تقدمه من جهود في إحراز الانتصارات العسكرية.
وكانت دكاكين المدينة وأسواقها مقفلة فباشر الجنود العثمانيون بكسر أبوابها ونهب ما فيها، وفعلوا الشيء نفسه في بيوت المدينة.
وإذا كانت أقوال المؤرخين الإيرانيين وغير الإيرانيين تتضارب مع أقوال المؤرخين العثمانيين فثمة قرائن تؤيد صحة ما ذكره الإيرانيون، فمثلاً يذكر أن الشاه إسماعيل حينما دخل تبريز فوجىء بكثرة الخراب فيها وقال: ولو امتد عمري ثلاثين سنة ما استطعت ترميم هذا الخراب، والقرينة الثانية هي نقل الملك طهماسب لعاصمته إلى قزوين بعد وفاة أبيه، ورغم أن أحد الأسباب التي دعته إلى نقلها كون قزوين تبعد كثيراً عن الحدود العثمانية ولوجود حواجز وموانع طبيعية تحول دون تقدم العثمانيين نحوها ولكن إلى جانب هذا السبب، كان الخراب الذي حل بتبريز حافزاً له للإقدام على خطوة كهذه.
وقد تأثرت الحركة التجارية في تبريز بدخول القوات العثمانية إلى هذه المدينة فظلت الأسواق معطلة إلى فترة طويلة فقد قتل جميع التجار الذين كانوا في المدينة وحتى الذين هربوا منهم لم يجدوا ما يتاجرون به بعد عودتهم إليها.
وبلغ السلطان سليم في تبريز أنباء التحاق قوات العشائر بالشاه إسماعيل في (در جزين) والتفافهم حوله بانتظار شن الهجوم على القوات العثمانية واسترداد مدينة تبريز منها ثم الانطلاق منها لاسترداد جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.
فخشي السلطان عاقبة مكثه في تبريز وعزم على العودة منها، على الرغم من إعجابه بمناخها وجمال الطبيعة فيها.
وهنا يذكر المؤرخون العثمانيون أن السبب في اتخاذ السلطان سليم قرار العودة هو إثارة قوات اليني چري الموجودة في تركيا للشغب والاضطرابات. ولكن من المستبعد أن يكون هذا الأمر هو السبب الحقيقي للانسحاب من تبريز وإخلاء آذربايجان بأسرها.
ولا شك أن من أهم الأسباب في انسحاب السلطان سليم من تبريز وحرمانه من جني ثمار النصر بالقضاء على الدولة الصفوية ومطاردة الشاه إسماعيل ـ لا شك أن من أهم الأسباب في ذلك، هو سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها الشاه إسماعيل، فحالت بين السلطان سليم وبين الحصول على ما يحتاجه من قوت لجيشه وعلف لخيوله، لا سيما أن قانصوه الغوري حاكم مصر قد حال بين قوافل الأقوات القادمة من تركيا إلى جيش السلطان سليم وبين الوصول إليه، لأن مصلحته كانت في عدم تقوية العثمانيين.
وتوجهت قوات السلطان سليم نحو كردستان بعد إخلائها لأذربايجان، فلحق بهم الشاه إسماعيل بقواته ولم يكن السلطان سليم موجوداً مع قواته فهددهم بقتل من بيده من الأسرى العثمانيين في حال بقائهم في كردستان فاضطروا لإخلائها، وكان عدد الأسر العثمانيين الذين وقعوا في أيدي القوات الإيرانية ألف وتسعمائة واثنين وأربعين أسيراً.
وأبقى السلطان سليم في دياربكر خمسين ألف مقاتل مرابطين فيها على الدوام خوفاً من هجوم الإيرانيين عليها ومحاولتهم استعادتها.
وكان الشاه إسماعيل عازماً على تحرير دياربكر من السيطرة العثمانية ولكن الأجل لم يسمح لم بتحقيق عزمه، حيث توفي في طريقه إلى القفقاز في ربيع عام 1523م (في ليلة الاثنين التاسع عشر من شهر رجب عام 930م) ([264]).
جام وفيروز
يدور بحث وجدل حول مدينة جام وهل هي نفس مدينة فيروزكوه أو غيرها. وقد قمت بزيارة المنطقة فوصلت إلى نتيجة مفادها أن مدينة جام (عاصمة الغوريين) لا يمكن أن تكون هي نفس فيروزآباد.
اكتُشفت في مدينة جام منارة للسلطان غياث الدين محمد بن سام الغوري وذلك في عام 1957م وكان للعثور عليها أصداء واسعة في أوساط الباحثين، وكان الذي اكتشفها هو أندره ماريك المستشرق البلجيكي وقبل أن يكتشفها هذا المستشرق، كان (أصلان باغلي عبدالله ملكيار) [والي هرات] قد اكتشف المنارة، إلاَّ أن اكتشاف المستشرق البلجيكي لها هو الذي أثار اهتمام المنقبين فقاموا بفحص المنارة والتنقيب في أطرافها وأول من قام بذلك هو Le Berre في عام 1960م ثم قام في عام 1962 ـ 1963م المهندس A.Bruno بالبحث عن هندسة المنارة، ثم قام بعدهما عدد آخر من الباقين في التحقيق عنها وفي عام 1970 ـ 1971 قام مهندس ألماني بالسفر إلى أفغانستان وفحص المنارة وعثر فيها على كتابات عبرية هي عبارة عن ألواح مقابر اليهود.
تقع المنارة في وسط وادٍ كان في قديم الزمان ملتقى نهرين هما الجام ونهر هريرود.
وتعتبر هذه المنارة بعد منارة دهلي التي بناها الغوري أيضاً ثاني أطول منارة في العالم حيث أن طولها يبلغ (63,30) متراً، والطريق المؤدي إلى المنارة يعبر مدينة جام ثم يدخل في منحدرات جبلية وعرة لا سبيل فيها إلاَّ بواسطة الخيل والدواب فإن المنارة تقع خارج قرية جام وتقع مقبرة اليهود بينها وبين القرية، ويطلق على المنطقة اسم (كشكك) ويمكن مشاهدة بقايا القلاع المهدمة والأبراج التي كانت تستعمل سابقاً لأجل المراقبة في أعالي ورؤوس جبال أطراف المنارة ويمكن كذك مشاهدة خرائب قلعة جام التي بقي منها الجدار الخارجي فقط ويمكن أيضاً مشاهدة خرائب قلعة على قمة جبل خاره، وفي الحقيقة يمكن مشاهدة خرائب وبقايا قلاع كثيرة في الجبال المحيطة بمنطقة قرية جام والمنارة، التي بنيت جميعها لأجل حراسة المنطقة، والمنطقة محاطة بمنعطفات جبلية خطيرة، ووعرة يصعب النفاذ إليها، وتوجد على مسافة من القرية وفي داخل المنعطفات الجبلية قرية تسمى (پاي زيارت).
الآثار التاريخية في منطقة جام
1 ـ منارة جام: بحث المستشرق (آندره ماريك) بالتفصيل عن هذه المنارة ونتيجة لتصدعها وميلانها قليلاً احتمل أن المنارة آيلة إلى السقوط. والميلان فيها حدث نتيجة لجريان النهر من جانبها الأيسر حيث سببت المياه ميلانها درجتين صوب النهر وتقع ساحة طولها 320 متراً وعرضها 20 متراً في الجانب الشرقي من المنارة قيل إنها كانت قلعة جام المهدمة أو المسجد الجامع.
2 ـ دار الحومة المسماة بـ(دختر پادشاه) والعمارات في أطرافها: توجد أمام المنارة وعلى قمة الجبل المسمى بـ(خاره) هذه القلعة ويسميها الأهالي بـ(أزگ دختر پادشاه) واحتمل آندره ماريك أنها (قصر فيروزه) ولكني أقول إنها إحدى القلاع التي بنيت لأجل مراقبة الطرق المؤدّية إلى المنطقة وأنها تعدُّ نقطة مراقبة ويظهر من الفحص عن المنطقة أنها لم تكن صالحة للسكن لانحدارها الشديد ووعورتها. ومساحة القصر هي 55 متراً طولاً و17 متراً عرضاً وتوجد في جدران القصر منافذ للاستطلاع ومراقبة الطرق المارة في أطراف القلعة. وتوجد في غرب هذا القصر أو المعسكر وعلى سفح جبل (بزغاله) قلعة أخرى وفي رأيي أنها أيضاً بُنيت لأجل المراقبة والاستطلاع للجهة الشمالية من المنطقة.
أمّا الساحة التي هي الآن تقع في جانب يمين المنارة ففي رأيي أنها كانت في الأيام السالفة المسجد الجامع لفيروزكوه وقد تهدمت على مر السنين وتوجد أحجار المسجد الآن في المنطقة وتحت غطاء من التراب ويستفيد منها الأهالي لبناء بيوتهم، كما أنه يمكن العثور على قطع الزجاج المنقوش وهي تشبه الزجاجيات التي تنسب صناعتها للغوريين، وتوجد على جدار القصر كتابة قديمة باللغة العربية لكن مر السنين أثر فيها فنحن اليوم عاجزون عن قراءتها لكن يمكن قراءة بعض الأسماء العربية مثل عباس بن عطا ـ عبدالله ـ خالد بن داوود يعقوب ـ أحمد ـ أبو يعقوب ـ يعقوب بن عطا ـ علي بن سور.
ويوجد على قمة إحدى الجبال خزان للماء كان يستعمل لإمداد القصر بالماء ومما يثير الانتباه وجود مقبرة لليهود في منطقة تدعى (كشكك) بالقرب من المنارة وقد عثر إلى الآن (عام 1973م) على 84 صخرة قبر وأقدم تاريخ مقروء على هذه الصخرات يعود لصخرة كتب عليها تاريخ عام 1012م أي قبل أن يقوم أوكتاي بن جنگيزخان بهدم فيروزكوه بسنتين.
وغاية ما يمكن أن يقال أن قرية جام لم تكن هي قرية فيروزكوه وأن هذه المنارة المبنية في المكان ليست منارة المسجد الجامع ولكنها في كل الأحوال من بناء السلطان الغوري لأن اسمه ورد على جدرانها بالخط الكوفي.
غلام جيلاني داوري
جامع التواريخ (كتاب)
الغزو المغولي الأول الذي حمل وزره جنگيز، ثم الغزو المغولي الثاني الذي باء بإثمه هولاكو لم تؤرخهما المصادر العربية تاريخاً مفصلاً يعرض دقائقهما، ويوضح وقائعهما بحيث تكون الصورة أمامنا جلية ترينا ما جرى رؤية بينة شاملة.
وكل ما اشتملت عليه المصادر العربية حديث إجمالي متقطع، وتدوين عام موزع على وقائع السنين. ولم يكن من هم أكثر من كتبوا عن ذلك أن يخصصوا تاريخاً محصوراً بالغزو وحده، بل كان هم معظمهم منصرفاً إلى التدوين العام لما يجري خلال كل عام ومنه بطبيعة الحال تقدم المغول إلى البلاد الإسلامية.
وممن عني من مؤرخي العرب بتاريخ المغول، ابن كثير في البداية والنهاية وأبو الفداء في تاريخه ومؤلف الحوادث الجامعة والسبكي في طبقاته وابن خلدون وابن حجر في الدرر الكامنة والعيني في عقد الجمان والسخاوي في الضوء اللامع. هذا مضافاً إلى ما ورد في الكامل لابن الأثير وما أورده ابن الفرات في تاريخه… وفي عصرنا هذا يمكن أن نعتبر كتاب الدكتور جعفر خصباك أفضل ما ألف في هذا الموضوع.
أمّا في غير اللغة العربية فمن تواريخ المغول باللغة الفارسية كتاب (جهان كشاي) لعطا ملك الجويني و(تاريخ وصاف) لعبدالله بن فضل الله الشيرازي المعروف بوصاف الحضرة و(تقويم الوقائع التركية) لصاحب كشف الظنون. وفي اللغة التركية عدة كتب وضعت بالتركية رأساً أو ترجمت إليها مثل كتاب (شجرة الترك) لأمير خيوة وكتاب (كلشن خلفا) وكتاب (ترك تاريخي) وكتاب التاريخ العام لسائر بطون التتر والمغول والترك، منقول من الفرنسية إلى التركية.
والمغول سواء في عهد جنگيز أو حفيده هولاكو لم يكونوا حملة حضارة ولا رسل عقيدة. كما لم يكونوا ذوي ثقافة ولا أهل علم مما يمكن أن يحملهم على أن يدونوا التاريخ بأنفسهم لأنفسهم، أو أن يعدوا من رجالهم من ينصرف إلى غير القتل والضرب والتخريب والسلب.
ولكنهم بعد ذلك وقد أسلموا ثم بدأوا يتشبعون بروح الحضارة الإسلامية ويروضون من جماحهم ويهذبون من عتوهم، ثم يوغل الفكر الإسلامي فيهم فيلتفتون إلى غير الطغيان والجبروت، ويتأملون شؤون الحياة تأمل ذي الفكر الذي أخذ يستنير بنور المدنية وضياء العلم.
إنهم وقد احتوتهم الذهنية الإسلامية وسهرتهم أوساطهم، بدأوا يعنون بتاريخهم والتطلع إلى ماضيهم وحاضرهم وتسجيل ما يمكن أن يعتبروه من مآتيهم ومآثرهم.
وإذا كان ماضيهم زاخراً بسفك الدماء، حافلاً بالترويع، قائماً على الغدر وتحليل كل محرم. فإن ذهنيتهم، بل ربما كان لنا أن نقول: إن ذهنية الناس كل الناس يومذاك وما بعد يومذاك، كانت ترى في الغلبة وقهر الشعوب أفخم أمجادها بصرف النظر عما يرافق هذه الغلبة من أهوال وفجائع.
وهكذا فإن مجرد تصورهم ما أحرزه جنگيز من انتصارات، وما حققه هولاكو من فتوح، كان في نظرهم شيئاً خطيراً يستحق أن يمتدحوا به ويسجلوه في صحفهم دليلاً على بطولتهم وإشارة إلى قوتهم وشجاعتهم.
وكان أول من فكر منهم بوضع تاريخ لهم هو غازان الذي عهد بهذه المهمة إلى الطبيب فضل الله رشيد الدين الهمذاني.
رشيد الدين
وتعود الصلة بين رشيد الدين وبين المغول إلى اليوم الذي حقق فيه هولاكو انتصاراته الحاسمة في زحفه الطويل فكان مما خضع له قلعة الموت حصن الإسماعيليين الحصين فاستسلم حاكمها ركن الدين خورشاه واستسلم معه فيمن استسلم ثلاثة من نزلاء القلعة هم نصير الدين الطوسي ورئيس الدولة وموفق الدولة الهمذاني.
فقتل هولاكو الجميع واستثنى من القتل هؤلاء الثلاثة لا رحمة بهم، بل حاجة إليهم لأن الأول كان فيلسوفاً كبيراً وفلكياً مشهوراً والثاني والثالث كانا طبيبين معروفين. وكان هولاكو بحاجة لهذا النوع من الرجال فألزم الثلاثة صحبته وأمرهم بمرافقته والسير في ركابه.
والطبيب موفق الدولة هو جد الطبيب فضل الله رشيد الدين الهمذاني.
ولسنا ندري إلى أي مدى استمرت صلة الجد بالمغول، ولا نوع الصلة التي كانت بعد ذلك للأب بهم ولكننا نعلم أن رشيد الدين كان من أعوان غازان السلطان المغولي المسلم المقربين وخلصائه الأثيرين.
على أن ما يرويه رشيد الدين نفسه قد يدلنا على أن صلة الأسرة بالمغول ظلت مستمرة وأنها تعمقت بعد إسلامهم، فرشيد الدين يقول عن نفسه: «على هذا النحو كنت أستغل أوقات فراغي، وذلك لأني ألحقت بقصر السلاطين منذ شبابي الغض».
ولا بد أن الذي ألحقه بالقصر هو ارتباط أبيه بذلك القصر بعد ارتباط جده. ويبدو لنا أن ذلك الارتباط كان في تسلسله ارتباط أسرة عرفت بالطبابة ومهارتها بها وأنه كما كان الجد طبيب القصر المغولي كذلك كان الأب ثم كان الحفيد.
سيرة رشيد الدين
ولد رشيد الدين في مدينة همذان سنة 654هـ (1247) على الأرجح. إذ أنه يحدثنا أنه كان في سنة 705 في حدود الستين من حياته. وقبل غازان كان على صلة بأباقا خان وخلفائه مكرماً عندهم معنياً به في بلاطهم. ولكننا لا نعلم أنه تولى منصباً كبيراً قبل غازان الذي ولي الملك سنة 694هـ (1295).
ونحن نعلم أن أول من أسلم من ملوك المغول هو (تكودار) بن هولاكو الذي ولي الملك بعد أخيه (أباقا خان) وتسمى بأحمد. وكان أباقا خان قد عهد بالملك إلى ابنه (أرغون). ولكن آل الجويني ومن والاهم من الأمراء والقواد لم يدعوا أرغون يتولى الملك ونادوا بتكودار ملكاً سنة 680 ولم يطل الأمر أكثر من ثلاث سنين حيث استطاع أرغون التغلب على عمه الأمير (أحمد تكودار) وقتله وتولى الملك بعده. وفي عهد أرغون انتعشت الوثنية من جديد كما اشتد نفوذ اليهود. وبعد أرغون تولى ابنه غازان الذي كان أول ملك مغولي يؤدي الصلاة في المساجد الجوامع فيحذو حذوه الأمراء والكبراء وجمهرة الشعب المغولي. وكانت صلة رشيد الدين بغازان في أول أمرها صلة علمية بحتة. وكان السلطان يغتنم فرصة لقائه برشيد الدين ليذاكره في مبادىء الإسلام وتفسير القرآن ويستوضحه ما خفي عليه من شؤون الدين، وليجول معه في أمور العلم والفكر.
ثم ولاه المنصب الأول في الدولة وجعله وزيراً له، بعد مقتل الوزير السابق صدر الدين الزنجاني، الذي أودى به سعيه برشيد الدين عند غازان ومحاولة الإيقاع به لديه، فأدى ذلك إلى مقتله وإحلال رشيد الدين محله عام 697هـ (1297م) وأشرك معه في الوزارة سعد الدين الساوجي.
ثم مات غازان وتولى الحكم بعده أخوه الجايتو خدابنده فحفظ للوزيرين منصبيهما وظلت لرشيد الدين نفس المنزلة التي كانت له عند غازان.
وكما حيكت له الدسائس لدى غازان أخذت الدسائس تحاك له ولزميله سعد الدين لدى (خدابنده) فنجا منها رشيد الدين مراراً في حين أنها أدت إلى مقتل زميله سعد الدين وإحلال علي شاه محله الذي أخذ يدس على رشيد الدين دون أن ينجح في دسائسه. ومات الجايتو خدابنده ورشيد الدين على مكانته، وتولى بعد خدابنده ولده أبو سعيد والتنافر بين الوزيرين على أشده ودسائس علي شاه لدى أبي سعيد تتوالى حتى نجح في حمل السلطان على أقصائه عن الوزارة سنة 717هـ (1317م). على أن مساعي أصدقائه أعادته من جديد إلى الوزارة بعد أن تردد وأحجم، ولكن هذه العودة كانت السبب في وصوله إلى نهاية المحنة. إذ اتهمه زميله علي شاه بأنه سمم السلطان خدابنده وبعد مناقشات طويلة اقتنع أبو سعيد بأن رشيد الدين إن لم يسمم أباه فهو على الأقل وصف له دواء كان السبب في موته. وبالرغم من أن التهمة كانت واهية فقد سيطرت على أبي سعيد فأمر بأن يقتل رشيد الدين وان يقتل معه ولده اليافع إبراهيم الذي لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة من عمره بدعوى أنه هو الذي ناول الدواء بنفسه للسلطان، فقتل ولده أمام عينيه ثم قتل هو سنة 718هـ (1319م) وقد بلغ الثالثة والسبعين من عمره.
ولم يلبث بعد ذلك أبو سعيد أن أدرك أنه كان مخطئاً فيما أجراه على رشيد الدين وولده، وشاء أن يكفر عما فعل فاستدعى غياث الدين أحد أولاد رشيد الدين وعهد إليه بالمنصب الذي كان يشغله أبوه في الوزارة.
الربع الرشيدي
أنشأ رشيد الدين في تبريز ضاحية أطلق عليها اسم الربع الرشيدي وعني بها عناية فائقة. على أن أكثر ما يهمنا من تلك الضاحية أنه أنشأ فيها مكتبة حافلة جمع فيها من صنوف الكتب ما قل أن يجتمع مثيله في مكتبة. وكانت تحتوي على ما لا يقل عن خمسين ألف مجلد.
ولما نكب وقتل كان من أفجع آثار النكبة إحراق تلك المكتبة بكل ما فيها. ولدينا الكثير من الكتب التي لم يصلنا إلاَّ اسمها وكانت فيما تحويه مكتبة الربع الرشيدي وذهبت كلها طعمة للنار. ويكفي أن نذكر منها مؤلفات ابن الفوطي وحدها.
المثقف المسلم والعالم العالمي
هذا تلخيص لحياة رشيد الدين السياسية، وهي حياة مهما كان قد أوتي فيها من كفاءة وتفوق في حسن تصريف الأمور، ومهما كتب له من النجاح في ميادينها، فهي على كل حال حياة كحياة كل السياسيين المتفوقين منهم وغير المتفوقين، الذين لا يلبث اسمهم أن يضيع في طيات الزمن ويختفي في أغوار الدهر. ولو كانت هذه الحياة هي كل ما كان لرشيد الدين لما وجد من يشغل نفسه بها ويلفت قراءه إليها.
ولكن لرشيد الدين حياة أخرى هي التي تعنينا في هذا البحث، وهي التي عنت قبلنا غيرنا من الكاتبين: هي حياة العالم المفكر المؤرخ، وهي حياة اكسبت رشيد الدين الخلود، وجعلته من أحياء الذكر على طول الدهر.
يقول المستشرق الفرنسي (كاترمير) في مقدمته التي كتبها لكتاب جامع التواريخ: «إذا غنا النظر عن الطب الذي أقبل رشيد الدين على تعلمه منذ زمن مبكر، وعن شتى فروع المعرفة الأخرى التي ترتبط بهذا العلم برباط مباشر، وجدنا أنه أيضاً لم يهمل دراسة الزراعة والهندسة والميتافيزيقا واللاهوت. وكان يحيط إحاطة تامة بكثير من اللغات وهي: «الفارسية والعربية والمغولية والتركية والعبرية وربما الصينية».
ويقول عنه أيضاً «كان مولعاً بالمعرفة أشد الولع فاستطاع رغم كل هذه المشاغل والموانع أن يجد لنفسه الوسيلة لمعالجة الآداب والعلوم والإحاطة بالدين الإسلامي إلى أعمق حد».
ويبدو مما ذكره الفقيه الكبير الحسن بن يوسف بن المطهر، المعروف بالعلامة الحلي في بعض كتبه أن مجالس رشيد الدين في عهد وزارته كانت مجالس علمية ومباحث إسلامية تعرض فيها شتى البحوث وتطرح مختلف الأسئلة لا سيما المتعلق منها بالإسلام. وإن بعض من كان يحضر كان يسأل رشيد الدين عن دقيق الأمور، وكان رشيد الدين يجيب ويناقش.
وقد ذكر العلامة الحلي أنه حضر بعض تلك الجلسات في عهد السلطان الجايتو خدابنده واستمع إلى سؤالين إسلاميين طرحا على رشيد الدين وأنه أجاب عنهما. ولشدة إعجاب الحلي بجواب رشيد الدين فقد دون السؤالين والجوابين. يقول العلامة الحلي ما نصه: (وحضرت في بعض الليالي للاستفادة من نتائج قريحته فسئل في تلك الليلة سؤالين مشكلين فأجاد في الجواب عنهما).
والواقع أن رشيد الدين كان يمثل المسلم المثقف، الرفيع الثقافة كما كان يمثل العالم العالمي، بأوسع ما تعنيه هذه الكلمات من معنى. ولو لم تشغله السياسة، ولو لم يغره الحكم لكان له من الشأن فوق الذي كان. إذ أنه لم يعط الجانب الثقافي إلاَّ بعض العطاء ومع ذلك فقد كان له فيه مثل الذي رأينا.
وإذا كان لرشيد الدين من الكتب مثل (التوضيحات) و(مفتاح التفاسير) و(الرسالة السلطانية) و(الأحياء أو الآثار) و(لطائف الحقائق) و(بيان الحقائق)، فلا شك أن قمة أعماله التأليفية هي ما كتبه في التاريخ في كتابه (جامع التواريخ).
قصة جامع التواريخ
يعود الفضل بالدرجة الأولى في تأليف هذا الكتاب إلى السلطان غازان الذي شاء أن يكون للمغول تاريخ مكتوب. وكان لا بد في الرجوع في تسجيل هذا التاريخ إلى مصادر معروفة وأحداث مكتوبة تكون المادة الأولى للمؤرخ الذي يأخذ على نفسه القيام بهذا العبء.
وكان سلاطين المغول يحتفظون في خزائنهم بوثائق مكتوبة بلغتهم فيها تدوين لكثير من وقائعهم، كما كان كثير من الأسر المغولية العريقة يحتفظ بمثل هذه الوثائق. وكان كل ذلك يحتاج إلى من ينظمه وينسقه ويستخلص منه الحقائق، ويخرج منه أصولاً لتاريخ يمكن أن يدون.
واهتم غازان بهذا ونضجت الفكرة في ذهنه فعمل على تحقيقها، ولم يكن في بلاطه أفضل من رشيد الدين من يمكن أن يعهد إليه بإنجاز تاريخ المغول وتدوينه. فأودع لديه كل ما كان تحت يده من وثائق وعهد إليه باستطلاع ما يمكنه استطلاعه من المدونات الأخرى أو الروايات غير المعروفة.
فقام رشيد الدين بالمهمة على أفضل وجوهها وعكف على إنجازها بقدر ما تسمح له به ظروف اضطلاعه بشؤون الإدارة والحكم.
ولما أوشك الكتاب على التمام كان غازان قد توفي 703هـ (1303م) وورث عرشه أخوه (اللجايتو خدابنده) فلم يكن أقل اهتماماً من أخيه بإنجاز هذا التاريخ، بل زاد عليه بأن طلب إلى رشيد الدين أن يشير إلى الشعوب التي اتصل بها المغول ويعرض لتاريخها وأن يضيف إلى ذلك دراسة شاملة لكل الشعوب.
ولم تأت سنة 710هـ (1310م) حتى كان الكتاب قد انتهى مكتوباً باللغة العربية واللغة الفارسية باسم (جامع التواريخ) وأودع مكتبة المسجد الذي كان رشيد الدين قد بناه في مدينة تبريز.
ويصف كاترمير الكتاب قائلاً: «الواقع أن تاريخ رشيد الدين قد اعتمد في تأليفه على فحص الوثائق الوطنية الصحيحة المحفوظة في سجلات الإمبراطورية والمذكرات التي في حوزة الأسرة الكبيرة وقام بتأليفه رجل صادق حي الضمير، وبذلك يكون قد توفرت له كل مقومات الصدق».
وينقل كاترمير عن المخطوطة العربية وصفاً لمنهج رشيد الدين وطريقته في التدوين بقلم رشيد الدين نفسه: «أستطيع أن أشهد لنفسي بأني لم أدخر أي احتياط أو جهد في تحري الحقيقة والامتناع عن كتابة كل ما هو زائف أو مشكوك فيه. وقد اقتبست دون أي تغيير ما انطوت عليه أصدق الوثائق الخاصة بكل شعب، والروايات التي حازت أحسن التقدير والمعلومات التي استقيتها من أعلم الرجال في كل قطر. وفتشت كتب المؤرخين ورجال الأنساب. وحققت هجاء اسم كل أمة وكل قبيلة».
والواقع أننا نستطيع أن نعد ميزة التجرد أولى الميزات التي اتصف بها رشيد الدين في تاريخه، وأن نوقن بأنه سعى وراء الحقيقة سعياً مخلصاً شجاعاً، ولم يراع جانب المغول وهو يتحدث عما في تاريخهم من فظائع، وكان كما قال عنه كاترمير: «إذا كان يبدو في كتابه مسلماً صادق الإسلام، فإنّا نراه من جهة أخرى يتجنب الإطراء غير المجدي ويتمسك دائماً بنزاهة في الرأي تستحق كل إجلال، ولا سيما إذا كانت من مؤرخ».
ويقول أيضاً: «يذكر دون مواربة ولكن دون مبالغة أيضاً ضروب القسوة الشنيعة التي ارتكبها هذا الشعب (المغولي) وتخريب أعظم المدن وأكثرها ازدهاراً وتذبيح السكان العديدين دون قلق أو ندم، كما يصور بهدوء وتحفظ ضروب التجديف التي قاموا بها في مساجد بخارى وغيرها من المدن، حيث مزقوا المصاحف وألقوا بها أرضاً وصنعوا من أغلفتها الثمينة مذاود لخيلهم».
تاريخ هولاكو
عندما نراجع كتاب تاريخ هولاكو ونتجاوز ما فيه من ذكر المذابح والأهوال التي رافقت هولاكو ومشت معه في كل خطوة خطاها مما نص عليه رشيد الدين نصاً واضحاً، وعندما نقف عند محاولة المغول غزو مصر، وتصميم الملك المظفر سيف الدين قطز على المقاومة والقتال وما انتهى إليه الأمر بعد ذلك من الظفر.
نرى أن هذا القسم قد حوى من الحقائق وأوضح من الخوافي ما لم يكن ممكناً الوصول إليه في غير هذا الكتاب. لقد أبرز لنا مثلاً مقدمات معركة عين جالوت والأحداث التي أدت إلى تلك المعركة إبرازاً لا نجد له مثيلاً في غيره. وحين نريد الاعتزاز بما جرى لا نجد أمامنا ما يمدنا بمثل ما أمدنا به رشيد الدين في كتابه.
وعندما يصف المؤتمر العسكري الذي عقده وترأسه الملك المظفر سيف الدين قطز، فإنه يذكر كل الكلمات والجمل التي وصفت هولاكو بما هو فيه والتي صورته سفاكاً غادراً لا يرعى إلاّ ولا ذمة ولا يحفظ عهداً ولا أماناً.
إنه يذكر مثلاً عن لسان ناصر الدين قيمري من كبار أعضاء المؤتمر قوله عن هولاكو: «لا يتورع عن احتزاز الرؤوس. وهو لا يفي بعهده وميثاقه».
ويذكر عن لسان سيف الدين قطز قوله واصفاً ما جرى في البلاد التي مر بها هولاكو: «إن كافة بلاد ديار بكر وربيعة والشام ممتلئة بالمناحات والفجائع. وأضحت البلاد من بغداد حتى الروم خراباً يباباً، وقضي على جميع ما فيها من حرث ونسل».
حقائق أخرى
من الحقائق التي عرفناها في كتاب (جامع التواريخ) حقائق مذهلة حقاً. فلم يكن يدور في خلدنا أن المحرضين للمغول على غزو المسلمين هم بعض المسلمين. وأن قاضي القضاة شمس الدين القزويني كان هو المحرض والمصر على التحريض والثابت عليه. فإن هذا القاضي أو قاضي القضاة هذا كان لا يحتمل وجود الإسماعيليين في قلاعهم المنيعة التي ارتدت عنها جحافل جنگيز، فكان لا يفتأ يتوسل إلى منكوخان بمختلف الوسائل المثيرة ليحمله على توجيه هولاكو لمباشرة الغزو والتقدم إلى القلاع الإسماعيلية.
ولقد سار هولاكو وشعار حملته القضاء على الإسماعيليين الذي كان يسميهم الملاحدة، ويحدثنا رشيد الدين عن ذلك قائلاً عن هولاكو: «ثم أرسل عدة رسل إلى الملوك والسلاطين في إيران تشتمل على تلك العبارات: «بناء على أمر القاآن قد عزمنا على تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة…».
تدابير ابن العلقمي
ويعرض لنا رشيد الدين المحكمة التي كان يعدها ابن العلقمي لدفع عادية المغول وكيف كان يفسدها الدوادار الصغير مجاهد الدين، كما يحدثنا عما يشبه المؤتمر الذي عقده من يسميهم أمراء بغداد وعظماؤها في منزل ابن العلقمي الذين كان منهم سليمان شاه والذي اضطر على حضوره ـ على ما يبدو ـ الدوادار نفسه وكيف حمل الحاضرون على ضعف الخليفة مستشعرين الخطر الداهم. وكيف قام ابن العلقمي بعد ذلك بإعداد الجند وعرضهم وكيف كان نقص المال يحول دون إكمال الأعداد وكيف أن الخليفة رفض مد الجند بالمال مما أفسد خطط الوزير…
ثم يشير رشيد الدين إلى حقيقة اتهام ابن العلقمي قائلاً:
«ولما كان الدوادار ـ في تلك الفترة ـ خصماً للوزير فإن أتباعه من سفلة المدينة وأوباشها كانوا يذيعون بين الناس أن الوزير متفق مع هولاكو خان».
كما يشير إلى أن سليمان شاه حين أحضر بين يدي هولاكو واستجوبه هولاكو متسائلاً كيف لم يشر على الخليفة بما فيه الرأي، وأن سليمان شاه أجابه بأن الخليفة لم يستمع لنصح الناصحين.
حقائق وحقائق
ومما يثير النفس أسى أن المستعصم الذي رفض أن يجود بالمال لإعداد الجيش وتنظيمه كما أراد ابن العلقمي، يضطر بعد أن دخل المغول بغداد لأن يكشف لهولاكو عن حوض مملوء بالذهب في ساحة القصر، فحفروا الأرض حتى وجدوه وكان مليئاً بالذهب الأحمر وكله سبائك تزن الواحدة مائة مثقال، كما يروي رشيد الدين.
ثم يقول: وقصارى القول أن كل ما كان الخلفاء قد جمعوه خلال خمسة قرون وضعه المغول بعضه على بعض فكان كجبل على جبل.
بعد فوات الأوان
وبعد فوات الأوان يدرك المستعصم أن ما قد أشار به ابن العلقمي كان هو الصواب وأنه لو عمل بآرائه لما وصل الحال إلى ما وصل إليه…
ولما استدعاه هولاكو عاد يستشير ابن العلقمي قائلاً له: ما حيلتنا؟.. فقال ابن العلقمي: «لحيتنا طويلة». وكان مراده من ذلك ـ كما نص رشيد الدين ـ: (أنه عندما فكر أول الأمر في أن ترسل أحمال وفيرة لدفع هذا البلاء، قال الدوادار: «لحية الوزير طويلة» وحال دون الأخذ بهذا الرأي واستمع الخليفة لكلامه وأهمل تدبير الوزير).
ولا شك أن الأمر الآن قد خرج عن كل تدبير ورأي.
ومن صراحة رشيد الدين استعماله كلمة الشهادة لمن يقتله المغول كما قال عن تاج الدين بن صلايا الأربلي: «… وعند محاكمته ثبت جرمه واستشهد».
كذلك يشير إلى ما بلغ إليه الملوك من الهلع الذي حملهم على الاستخذاء استخذاء مزريا: فهو مثلاً يحدثنا عن السلطان عز الدين صاحب الروم، أنه عندما فتحت بغداد أمر بصنع حذاء ملكي في غاية الجودة ونقشت صورته على نعل ذلك الحذاء ثم قدمه لهولاكو أثناء معاتبته إياه، وعندما وقع نظر هولاكو على تلك الصورة قبل عز الدين الأرض وقال: (إن أملي هو أن يشرف الملك رأس هذا العبد بوضع قدمه المباركة عليها).
مجلدات الكتاب
يشتمل كتاب جامع التواريخ على أربعة مجلدات: الأول: يتعلق بتاريخ المغول المشتمل على تاريخ القبائل التركية المغولية وأجداد جنگيز، ثم جنگيز نفسه ومن بعده خلفاؤه حتى غازان. والثاني: يتعلق بتاريخ الفرس قبل الإسلام، ثم التاريخ الإسلامي إلى سقوط بغداد، ثم الأمم التي اتصل بها المغول في فتوحاتهم، والثالث: يشتمل على أبعد عصور التاريخ حتى آخر خلفاء بني العباس. والرابع: يشتمل على تفصيل حدود الأقاليم السبعة وولايات ممالك العالم.
على أن كاترمير يقول: لدينا الجزء الأول من كتاب رشيد الدين وهو الجزء الخاص بتاريخ المغول. وأنه الكتاب الوحيد الذي نستطيع العثور فيه على أصدق المعلومات عن حياة جنگيز خان وخلفائه وعن عهودهم.
ثم يتساءل كاترمير: هل الأجزاء الثلاثة الأخرى قد ضاعت دون أمل في العثور عليها؟ وكان في نية كاترمير تحقيق أكثر ما يمكنه تحقيقه من المجلد الأول ولكنه لم يستطع تحقيق سوى القسم الخاص بهولاكو ونشره بالفرنسية مع مقدمة نفيسة طويلة سنة 1836م.
ويقول يحيى الخشاب: إن حديث كاترمير عن (جامع التواريخ) قديم، وقد جاء الكثير عنه سواء من ناحية اكتشاف أجزاء منه لم تكن قد عثر عليها أيام كاترمير أو من ناحية النشر.
ومن أمثلة ذلك الطبعة التي صدرت سنة 1858م وهي قسم من الجزء الأول متعلق بأجداد جنگيز وتاريخ جنگيز نفسه. وكان إخراج آخر جزء من هذا البحث سنة 1888م باللغة الفارسية مع الترجمة الروسية وقد أخرج هذه الأجزاء المستشرق الروسي (برزين).
كما صدر بعد ذلك ابتداء من أوائل هذا القرن أكثر من قسم من المجلد الأول كهذا الذي نشره المستشرق الفرنسي (بلوشيه) سنة 1911م والذي نشر في إيران سنة 1937م والذي نشره المستشرق التشكسلوفاكي (كارل) سنة 1940م وكذلك سنة 1941م.
وهكذا يمكن القول أن المجلد الأول من جامع التواريخ قد نشر كله. كما نشر كارل يان سنة 1951م القسم المتعلق بالفرنج مع المجلد الثاني.
في اللغة العربية
كان عبدالوهاب عزام أول من دعا في العرب لنشر (جامع التواريخ) وترجمته وألقى عام 1947م محاضرة في الجمعية الجغرافية عن رشيد الدين تحدث فيها عن كتابه وضرورة القيام بنشر القسم العربي منه وترجمته بقية الأجزاء إلى اللغة العربية.
ثم مضت عهود وعهود فكان إن قررت إدارة الثقافة والإرشاد القومي في مصر أن تقوم بنشر هذا التاريخ. ولكننا لا نعلم أنه صدر في اللغة العربية غير قسم من المجلد الثاني ـ الجزء الأول ـ وهو (تاريخ هولاكو). نقله إلى اللغة العربية كل من محمد صادق نشأت ومحمد موسى هنداوي وفؤاد عبدالمعطي الصياد، وراجعه وقدم له يحيى الخشاب. وطبع سنة 1960م.
كما نشرت مع هذا القسم السيرة الطويلة النفيسة لرشيد الدين التي كتبها المستشرق الفرنسي كاترمير والتي ترجمها محمد القصاص.
وكذلك نشر الجزء الثاني من المجلد الثاني…
ووعد يحيى الخشاب في آخر مقدمته بنشر ما ينجز من الكتاب أولاً بأول. ولا نعلم بعده هل تحقق شيء من هذا الوعد أم لا.
حرص رشيد الدين على حفظ مؤلفاته
كان رشيد الدين حريضاً على أن تصل مؤلفاته لا سيما جامع التواريخ إلى الأجيال الآتية. وقد كان يعلم ما كان يمكن أن يكون عليه، أو ما كان عليه مصير كثير من الكتب حين لا يكون في أيدي الناس منها إلاّ نسخ محدودة تذهب بها أيدي الحدثان لا سيما في العصور التي تكثر فيها الفتن وتعم الفوضى.
لذلك حرص أشد الحرص على أن يتخذ طريقة يكتب لمؤلفاته معها الوصول من جيل إلى جيل، فاستكتب عدة نسخ من كتبه مفردة ومجمعة، بالفارسية وبالعربية، كما استكتب مجلداً ضخماً ضم كل مؤلفاته بالفارسية والعربية زيادة منه في الحرص على حفظها. وأودع ذلك في البناء الكبير الذي أشاده في الربع الرشيدي ليكون مدفناً له. ثم توسع في الاحتياط فوقف قسماً من ثروته لكتابة نسخة بالفارسية ونسخة بالعربية في كل عام من مجموعة مؤلفاته كلها لترسل إلى مدينة من مدن الإسلام الكبرى وتوقف على أهل تلك المدينة، وكتب في ذلك وصية جميلة طريفة مؤثرة.
ولكن كل ذلك الحذر لم يفد وضاع ما ضاع من مؤلفاته ووجد ما وجد شأنه شأن كل المؤلفين في تلك العهود.
ولعل هذا الحرص هو الذي أوصل إلينا ما وصل، ولولاه لضاع الجميع، وقد كان مطمئناً إلى بناء الربع الرشيدي الذي حفظ فيه كتبه، ولكن الربع كله نهب بعد نكبته واحترقت مكتبته كما قلنا.
جامع الخلاف والوفاق
بين الإمامية وبين أئمة الحجاز والعراق
فقه مقارن بين آراء الحنفية والمالكية، وهو كشرح وتذييل على كتاب «غُنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع» للفقيه أبي المكارم ابن زهرة الحلبي، المتوفى سنة 580هـ.
وقد فرغ منه مؤلفه في مشهد الإمام الرضا في النصف من رجب سنة 698هـ.
نسخة فريدة منه، كتبها حسن بن محمد بن عبدالعزيز، وفرغ منها يوم الثاني من جمادي الأولى سنة 700هـ، وكان قد كتبها لنجم الدين علي بن محمد بن محمد القمّي السبزواري، وتقع في 154 ورقة؛ موجودة في المكتبة المركزية لجامعة طهران، مذكورة في فهرسها 16: 336، وذُكرت أيضاً في نشرة المكتبة المركزية 4: 438.
وعنها مصوّرة في المكتبة المركزية أيضاً، رقم الفلم 2832 و2914، مذكورة في فهرس مصوّراتها 1: 312.
الجامع الصفوي
طمع السلطان مراد الرابع العثماني (1032 ـ 1049هـ) في العراق ـ وكان تحت سلطة الدولة الصفوية ـ فعزم على حرب إيران وهو يعلم أنه لا قبل له بالحكم الصفوي، فلجأ إلى إثارة الطائفية من جديد، واستنجد بعلماء السوء علماء البلاط، ليفتوه بجواز إثارة الحرب الداخلية بين المسلمين، وإباحة سفك الدماء المحرمة وقتل النفوس المحترمة، فلم يجروء أحد منهم على ذلك إلاّ شاب([265]) يدعى نوح أفندي، فأفتى حسب ما يهواه السلطان بتكفير الشيعة تحت عنوان: (من قتل رافضياً واحداً وجبت له الجنة!!) سبّبت قتل عشرات الألوف.
والفتوى ـ بنصها العربي ـ مدرجة في كتاب «العقود الدُرية في تنقيح الفتاوى الحامدية» ص102 من الجزء الأول([266])، جاء فيها:
«ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم (الشيعة) فهو كافر مثلهم!…» إلى أن يقول في ص103: «فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار، تابوا أو لم يتوبوا… ولا يجوز تركهم عليه بإعطاء الجزية، ولا بأمان مؤقت ولا بأمان مؤبد… ويجوز استرقاق نسائهم، لأنَّ استرقاق المرتدة بعدما لحقت بدار الحرب جائز، وكلّ موضع خرج عن ولاية الإمام الحق! فهو بمنزلة دار الحرب، ويجوز استرقاق ذراريهم تبعاً لأمهاتهم».
فأرسل السيد شرف الدين علي بن حجة الله الشولستاني ـ من علماء النجف الأشرف آنذاك ـ هذه الفتوى إلى إيران للسعي في وضع حدّ لهذه المجازر.
فتصدّى له الشيخ عز الدين علي نقي الطغائي الكمَري، قاضي شيراز، وشيخ الإسلام بأصفهان، المتوفى سنة 1060هـ، فألف في الرد عليه وفي تفنيد مزاعمه وإبطال مفترياته كتاباً حافلاً سمّاه «الجامع الصفوي»([267]).
جامع الشتات
تأليف: الشيخ محمّد إسماعيل بن الحسين المازندراني الخواجوئي، المتوفى سنة 1173هـ.
كشكول في النوادر والمتفرقات، مشتمل على جملة من المباحث والفوائد المتفرقة، منتقاة من أبواب مختلفة لعلوم شتى، من التفسير والحديث والفقه والرجال والكلام، وغيرها من المعارف الإلهية.
أغلبها شرح لأحاديث نبويّة شريفة ولروايات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) منتخبة من مواضيع متنوعة مختلفة، كما اشتمل على تحقيقات وتدقيقات، ومناقشة لآراء وأقوال بعض الأعلام.
الجامعين
قال ياقوت في معجم البلدان: كذا يقولونه بلفظ المجرور المثنى، هو حلة بني مزيد التي بأرض بابل على الفرات بين بغداد والكوفة وهي الآن مدينة كبيرة آهلة وكذا أوردها الأصطخري في كتاب الأقاليم، بينما أوردها ابن حوقل في كتاب صورة الأرض هكذا: (الجامعان). وقد اختلف المؤرخون في تعيين موضع الجامعين فهناك من ذهب إلى أنه يقع على الجانب الغربي من الفرات كياقوت الحموي. وقال آخرون بأنه يقع في الجانب الشرقي منه.
وبالرغم من ذلك فإن هناك في الطرف الجنوبي من الجانب الغربي لمدينة الحلة محلة تحمل اسم الجامعين وهي أقدم المناطق فيها.
جبابين الكوفة([268])
أول مرة ينادى: يالثارات الحسين
الجبّانة (بالتشديد) الصحراء، وتسمى بها المقابر لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه. وقال أبو حنيفة: الجبابين كرام المنابت، وهي مستوية في ارتفاع، الواحدة جبّانة. والجبّان: ما استوى من الأرض في ارتفاع، ويكون كريم المنبت. وقال ابن شُمَيْل: الجبانة ما استوى من الأرض وملس ولا شجر فيه، وفيه آكام وجلاه، وقد تكون مستوية لا آكام ولا جلاه. ولا تكون الجبّانة في الرمل ولا في الجبل. وكل صحراء جبّانة([269]).
وإذا كان هذا تعريف (الجبّانة) لغوياً، فقد كان لجبابين الكوفة ذكر بارز في تاريخها بعد استشهاد الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وبدء توثب المختار لإعلان ثورته التي جعل شعارها: الأخذ بثأر الحسين (عليه السلام). وهو ما نفصله فيما آخذين له عن ابن الأثير في كتابه الكامل:
في هذه السنة (66هـ) رابع عشر ربيع الأول وثب المختار بالكوفة وأخرج عنها عبدالله بن مطيع عامل عبدالله بن الزبير.
وسبب ذلك أن سليمان بن صرد لما قتل قدم من بقي من أصحابه (التوابين) الكوفة، فلما قدموا وجدوا المختار محبوساً قد حبسه عبدالله بن يزيد الحطمي وابراهيم ابن محمد بن طلحة([270])، فكتب إليه من الحبس يثني عليهم ويمنيهم الظفر ويعرفهم أنه هو الذي أمره محمد بن علي، المعروف بابن الحنفية، بطلب الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شداد والمثنى بن مخربة العبدي وسعد بن حذيفة بن اليمان ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط الأحمسي وعبدالله بن شداد البجلي وعبدالله بن كامل، فلما قرأوا كتابه بعثوا إليه ابن كامل يقولون له: إننا بحيث يسرك، فإن شئت أن نأتيك ونخرجك من الحبس فعلنا. فأتاه فأخبره، فسر بذلك وقال لهم: إني أخرج في أيامي هذه.
وكان المختار قد أرسل إلى ابن عمر يقول له: إنني قد حبست مظلوماً، ويطلب إليه أن يشفع فيه إلى عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب إليهما ابن عمر في أمره، فشفعاه وأخرجاه من السجن وضمناه وحلفاه.
إنه لا يبغيهما غائلة ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة ومماليكه أحرار ذكرهم وأنثاهم.
فلما خرج نزل بداره، فقال لمن يثق به: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم! أما حلفي بالله فإنني إذا حلفت على يمين فرأيت خيراً منها كفرت عن يميني، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم، وأما هدي البدن وعتق المماليك فهو أهون عليّ من بصقة، فوددت أن تم لي أمري ولا أملك بعده مملوكاً أبداً.
ثم اختلفت إليه الشيعة واتفقوا على الرضى به، ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى حتى عزل ابن الزبير عبدالله بن يزيد الحطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة واستعمل عبدالله بن مطيع على عملهما بالكوفة.
وكان قدوم ابن مطيع في رمضان لخمس بقين منه، وجعل على شرطته إياس بن مضارب العجلي، وأمره بحسن السيرة والشدة على المريب، ولما قدم صعد المنبر فخطبهم وقال: أما بعد فإن أمير المؤمنين بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضى منكم، وأن أتبع وصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وسيرة عثمان بن عفان، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم، فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم، فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي، ولأقيمن درء الأصعر المرتاب.
فقام إليه السائب بن مالك الأشعري فقال: أما حمل فيئنا برضانا فإنا نشهد أن لا نرضى أن يحمل عنا فضله وأن لا يقسم إلا فينا، وأن لا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في سيرة عمر بن الخطاب فينا، وإن كانت أهون السيرتين علينا، وقد كان يفعل بالناس خيراً.
فقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبر.
فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها. ثم نزل.
وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له إن السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، فابعث إلى المختار فليأتك، فإذا جاء فاحبسه حتى يستقيم أمر الناس، فإن أمره قد استجمع له وكأنه قد وثب بالمصر.
فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن قدامة وحسين بن عبدالله البرسمي من همدان، فقالا: أجب الأمير، فعزم على الذهاب، فقرأ زائدة: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثَبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} الآية؛ فألقى المختار ثيابه وقال: ألقوا علي قطيفة فقد وعكت، إني لأجد برداً شديداً، ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالي. فعادا إلى ابن مطيع فأعلماه، فتركه.
ووجه المختار إلى أصحابه فجمعهم حوله في الدور وأراد أن يثب في الكوفة في المحرم، فجاء رجل من أصحاب شبام، وشبام حي من همدان، وكان شريفاً اسمه عبدالرحمن بن شريح، فلقي سعيد بن منقذ الثوري وسعر بن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد الكندي وقدامة بن مالك الجشمي فقال لهم: إن المختار يريد أن يخرج بنا ولا ندري أرسله ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية نخبره بما قدم علينا به المختار، فإن رخص لنا في اتباعه تبعناه وإن نهانا عنه اجتنبناه، فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا. قالوا له: أصبت.
فخرجوا إلى ابن الحنفية، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فأخبروه عن حالهم وما هم عليه وأعلموه حال المختار وما دعاهم إليه واستأذنوه في اتباعه. فلما فرغوا من كلامهم قال لهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر فضيلة أهل البيت والمصيبة بقتل الحسين، ثم قال لهم: وأما ما ذكرتم ممن دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال لا تفعلوا.
فعادوا وناس من الشيعة ينتظرونهم ممن أعلموه بحالهم، وكان ذلك قد شق على المختار وخاف أن يعودوا بأمر يخذل الشيعة عنه، فلما قدموا الكوفة دخلوا على المختار قبل دخولهم إلى بيوتهم، فقال لهم: ما وراءكم فقد فتنتم وارتبتم! فقالوا له: إنا قد أمرنا بنصرك. فقال: الله أكبر، اجمعوا إليّ الشيعة، فجمع من كان قريباً منهم، فقال لهم: إن نفراً قد أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به فرحلوا إلى الإمام المهدي، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره وظهيره ورسوله وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين.
فقام عبدالرحمن بن شريح وأخبرهم بحالهم ومسيرهم وأن ابن الحنفية أمرهم بمظاهرته ومؤازرته، وقال لهم: ليبلغ الشاهد الغائب واستعدوا وتأهبوا. وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحواً من كلامه.
فاستجمعت له الشيعة، وكان من جملتهم الشعبي وأبوه شراحيل، فلما تهيأ أمره للخروج قال له بعض أصحابه: إن أشراف أهل الكوفة مجمعون على قتالكم مع ابن مطيع، فإن أجابنا إلى أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا، فإنه فتيّ رئيس، وابن رجل شريف، وله عشيرة ذات عز وعدد.
فقال لهم المختار: فالقوه وادعوه. فخرجوا إليه ومعهم الشعبي فأعلموه حالهم وسألوه مساعدتهم عليه وذكروا له ما كان أبوه عليه من ولاء عليّ وأهل بيته. فقال لهم: إني قد أجبتكم إلى الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولوني الأمر. فقالوا له: أنت لذلك أهل ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي وهو المأمور بالقتال وقد أمرنا بطاعته. فسكت إبراهيم ولم يجبهم، فانصرفوا عنه فأخبروا المختار، فمكث ثلاثاً ثم سار في بضعة عشر من أصحابه والشعبي وأبوه فيهم إلى إبراهيم فدخلوا عليه، فألقى لهم الوسائد، فجلسوا عليها وجلس المختار معه على فراشه، فقال له المختار: هذا كتاب من المهدي محمد بن علي أمير المؤمنين وهو خير أهل الأرض اليوم وابن خير أهلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا.
قال الشعبي: وكان الكتاب معي، فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعه إليه الشعبي، فقرأه فإذا فيه: من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد فإني قد بعثت إليكم وزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي وأمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي فانهض معهم بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك فإنك. إن نصرتني وأجبت دعوتي كانت لك بذلك عندي فضيلة، ولك أعنة الخيل وكل جيش غاز وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه بين الكوفة وأقصى بلاد الشام.
فلما فرغ من قراءة الكتاب قال: قد كتب إليّ ابن الحنفية قبل اليوم وكتبت فلم يكتب إلا باسمه واسم أبيه. قال المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان قال: فمن يعلم أن هذا كتابه؟ فشهد جماعة ممن معه، منهم: زيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبدالله بن كامل وجماعتهم إلا الشعبي.
فلما شهدوا تأخر إبراهيم عن صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه ثم خرجوا من عنده، وقال إبراهيم للشعبي: قد رأيتك لم تشهد مع القوم أنت ولا أبوك، أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ فقال له: هؤلاء سادة القرّاء ومشيخة المصر وفرسان العرب ولا يقول مثلهم إلا حقاً.
فكتب أسماءهم وتركها عنده، ودعا إبراهيم عشيرته ومن أطاعه وأقبل يختلف إلى المختار كل عشية عند المساء يدبرون أمورهم، واجتمع رأيهم على أن يخرجوا إليه الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين.
فلما كان تلك الليلة عند المغرب صلى إبراهيم بأصحابه ثم خرج يريد المختار وعليه وعلى أصحابه السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبدالله بن مطيع فقال له: إن المختار خارج عليك بإحدى هاتين الليلتين وقد بعثت ابني إلى الكناسة فلو بعثت في كل جبانة عظيمة بالكوفة رجلاً من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة لهاب المختار وأصحابه الخروج عليك.
فبعث ابن مطيع عبدالرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني إلى جبانة السبيع، وقال: اكفني قومك ولا تحدثن بها حدثاً. وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشر. وبعث زحر بن قيس الجعفي إلى جبانة كندة. وبعث عبدالرحمن بن مخنف إلى جبانة الصائديين. وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم. وبعث يزيد بن رويم إلى جبانة المراد، وأوصى كلاً منهم أن لا يؤتى من قبله. وبعث شبث بن ربعي إلى السبخة وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم.
وكان خروجهم إلى الجبابين يوم الاثنين، وخرج إبراهيم بن الأشتر يريد المختار ليلة الثلاثاء وقد بلغه أن الجبابين قد ملئت رجالاً، وأن إياس بن مضارب في الشرط قد أحاط بالسوق والقصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع وقد لبسوا عليها الأقبية، فقال له أصحابه: تجنب الطريق. فقال: والله لأمرن وسط السوق بجنب القصر ولأرعبن عدونا ولأرينهم هوانهم علينا.
فسار على باب الفيل ثم على دار عمرو بن حريث، فلقيهم إياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح. فقال: من أنتم؟ فقال إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الذي معك وما تريد؟ لست بتاركك حتى آتي بك الأمير. فقال إبراهيم: خل سبيلاً. قال: لا أفعل، وكان مع إياس بن مضارب رجل من همدان يقال له أبو قطن، وكان يكرمه، وكان صديقاً لابن الأشتر، فقال له ابن الأشتر: ادن مني يا أبا قطن، فدنا منه، وهو يظن أن إبراهيم يطلب منه أن يشفع فيه إلى إياس، فلما دنا منه أخذ رمحاً كان معه وطعن به إياساً في ثغرة نحره فصرعه وأمر رجلاً من قومه فاحتزَّ رأسه، وتفرق أصحاب إياس ورجعوا إلى ابن مطيع.
فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشرط، وبعث مكان راشد إلى الكناسة سويد بن عبدالرحمن المنقري أبا القعقاع بن سويد. وأقبل إبراهيم ابن الأشتر إلى المختار وقال له: إنا اتعدنا للخروج القابلة، وقد جاء أمر لا بد من الخروج الليلة، وخبره الخبر، ففرح المختار بقتل إياس وقال: هذا أول الفتح إن شاء الله تعالى! ثم قال لسعيد بن منقذ: قم فأشعل النيران في الهوادي والقصب وارفعها وسر أنت يا عبدالله بن شداد فناد: يا منصور أمت، وقم أنت يا سفيان بن ليلى وأنت يا قدامة بن مالك فناديا: يا لثارات الحسين! ثم لبس سلاحه.
فقال له إبراهيم: إن هؤلاء الذين في الجبابين يمنعون أصحابنا من إتياننا، فلو سرت إلى قومي بمن معي ودعوت من أجانبي وسرت بهم في نواحي الكوفة ودعوت بشعارنا لخرج إلينا من أراد الخروج ومن أتاك حبسته عندك إلى من معك، فإن عوجلت كان عندك من يمنعك إلى أن آتيك. فقال له: افعل وعجل وإياك أن تسير إلى أميرهم تقاتله ولا تقاتل أحداً وأنت تستطيع أن لا تقاتله إلا أن يبدأك أحد بقتال.
فخرج إبراهيم وأصحابه حتى أتى قومه، واجتمع إليه جل من كان أجابه، وسار بهم في سكك المدينة ليلاً طويلاً وهو يتجنب المواضع التي فيها الأمراء الذين وضعهم ابن مطيع، فلما انتهى إلى مسجد السكون أتاه جماعة من خيل زحر بن قيس الجعفي ليس عليهم أمير، فحمل عليهم إبراهيم فكشفهم حتى أدخلهم جبانة كندة وهو يقول: اللَّهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك وثرنا لهم فانصرنا على هؤلاء.
ثم رجع إبراهيم عنهم بعد أن هزمهم، ثم سار إبراهيم حتى أتى جبانة أثير، فتنادوا بشعارهم، فوقف فيها، فأتاه سويد بن عبدالرحمن المنقري ورجا أن يصيبهم فيحظى بها عند ابن مطيع، فلم يشعر به إبراهيم إلا وهو معه، فقال إبراهيم لأصحابه: يا شرطة الله انزلوا فإنكم أولى بالنصر من هؤلاء الفساق الذين خاضوا في دماء أهل بيت نبيكم. فنزلوا، ثم حمل عليهم إبراهيم حتى أخرجهم إلى الصحراء فانهزموا، فركب بعضهم بعضاً وهو يتلاومون، وتبعهم حتى أدخلهم الكناسة، فقال لإبراهيم أصحابه: اتبعهم واغتنم ما دخلهم من الرعب. فقال: لا ولكن نأتي صاحبنا يؤمن الله بنا وحشته ويعلم ما كان من نصرنا له فيزداد هو وأصحابه قوة مع أني لا آمن أن يكون قد أتي.
ثم سار إبراهيم حتى أتى باب المختار، فسمع الأصوات عالية والقوم يقتتلون، وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبأ له المختار يزيد ابن أنس. وجاء حجار بن أبجر العجلي فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط. فبينما الناس يقتتلون إذ جاء إبراهيم من قبل القصر فبلغ حجاراً وأصحابه أن إبراهيم قد أتاهم من ورائهم، فتفرقوا في الأزقة قبل أن يأتيهم، وجاء قيس بن طهفة النهدي في قريب من مائة، وهو من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا وأقبل شبث إلى ابن مطيع وقال له: اجمع الأمراء الذين بالجبابين وجميع الناس ثم أنفذ إلى هؤلاء القوم فقاتلهم فإن أمرهم قد قوي وقد خرج المختار وظهر واجتمع له أمره.
فلما بلغ قوله المختار خرج في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند في السبخة، وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم يخافون أن يظهروا لقرب كعب الخثعمي منهم، وكان قد أخذ عليهم أفواه السكك. فلما أتاهم أبو عثمان في جماعة من أصحابه نادى: يا لثارات الحسين! يا منصور أمت أمت! يا أيها الحي المهتدون إن أمين آل محمد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند وبعثني إليكم داعياً ومبشراً، فاخرجوا رحمكم الله! فخرجوا يتداعون: يا لثارات الحسين! وقاتلوا كعباً حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار فنزلوا معه، وخرج عبدالله بن قتادة في نحو من مائتين فنزل مع المختار،وكان قد تعرض لهم كعب، فلما عرفهم أنهم من قومه خلى عنهم.
وخرجت شبام، وهم حي من همدان، من آخر ليلتهم، فبلغ خبرهم عبدالرحمن بن سعيد الهمداني، فأرسل إليهم: إن كنتم تريدون المختار فلا تمروا على جبانة السبيع. فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا بايعوه، فاجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبيته وصلى بأصحابه بغلس.
وأرسل ابن مطيع إلى الجبابين فأمر من بها أن يأتوا المسجد، وأمر راشد ابن إياس فنادى في الناس: برئت الذمة من رجل لم يأتِ المسجد الليلة. فاجتمعوا فبعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد ابن إياس في أربعة آلاف من الشرط.
فسار شبث إلى المختار، فبلغه خبره وقد فرغ من صلاة الصبح، فأرسل من أتاه بخبرهم، وأتى إلى الختار ذلك الوقت سعر بن أبي سعر الحنفي، وهو من أصحابه، لم يقدر على إتيانه إلا تلك الساعة، فرأى راشد بن إياس في طريقه فأخبر المختار خبره أيضاً، فبعث المختار إبراهيم بن الأشتر إلى راشد في سبع مائة، وقيل في ستمائة فارس وستمائة راجل، وبعث نعيم بن هبيرة، أخا مصقلة بن هبيرة، في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل وأمره بقتال شبث ابن ربعي ومن معه، وأمرهما بتعجيل القتال وأن لا يستهدفا لعدوهما فإنه أكثر منهما، فتوجه إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث بن ربعي في تسعمائة أمامه، فتوجه نعيم إلى شبث فقاتله قتالاً شديداً، فجعل نعيم سعر بن أبي سعر على الخيل ومشى هو في الرجالة فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فانهزم أصحاب شبث حتى دخلوا البيوت، فناداهم شبث وحرضهم، فرجع إليه منهم جماعة، فحملوا على أصحاب نعيم وقد تفرقوا، فهزمهم، وصبر نعيم فقتل، وأسر سعر ابن أبي سعر وجماعة من أصحابه، فأطلق العرب وقتل الموالي. وجاء شبث حتى أحاط بالمختار، وكان قد وهن لقتل نعيم.
وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رويم في ألفين، فوقفوا في أفواه السكك، وولى المختار يزيد بن أنس خيله وخرج هو في الرجالة، فحملت عليه خيل شبث فلم يبرحوا مكانهم، فقال لهم يزيد بن أنس: يا معشر الشيعة إنكم كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إذا ظهروا عليكم اليوم؟ والله لا يدعون منكم عيناً تطرف، وليقتلنكم صبراً، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأمولكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلاّ الصدق والصبر والطعن الصائب والضرب الدراك، فتهيأوا للحملة. فتيسروا ينتظرون أمره وجثوا على ركبهم.
وأما إبراهيم بن الأشتر فإنه لقي راشداً فإذا معه أربعة آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فوالله لرب رجل خير من عشرة، والله مع الصابرين. وقدم خزيمة بن نصر إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في الرجالة، وأخذ إبراهيم يقول لصاحب رايته: تقدم برايتك، امض بهؤلاء وبها.
واقتتل الناس قتالاً شديداً، وحمل خزيمة بن نصر العبسي على راشد فقتله، ثم نادى: قتلت راشداً ورب الكعبة! وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم وخزيمة ومن معهما بعد قتل راشد نحو المختار، وأرسل البشير إلى المختار بقتل راشد، فكبر هو وأصحابه وقويت نفوسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل.
وأرسل ابن مطيع حسان بن فائد بن بكر العبسي في جيش كثيف نحو ألفين، فاعترض إبراهيم ليرده عمن بالسبخة من أصحاب ابن مطيع، فتقدم إليهم إبراهيم، فانهزموا من غير قتال، وتأخر حسان يحمي أصحابه، فحمل عليه خزيمة، فعرفه فقال: يا حسان لولا القرابة لقتلتك، فانج بنفسك. فعثر به فرسه فوقع، فابتدره الناس، فقاتل ساعة، فقال له خزيمة: أنت آمن فلا تقتل نفسك، وكف عنه الناس وقال لإبراهيم: هذا ابن عمي وقد آمنته، فقال: أحسنت! وأمر بفرسه فأحضر فأركبه وقال: الحق بأهلك.
وأقبل إبراهيم نحو المختار وشبث بن ربعي محيط به، فلقيه يزيد بن الحارث وهو على أفواه السكك التي تلي السبخة، فأقبل إلى إبراهيم ليصده عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم إليه طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر وسار نحو المختار وشبث فيمن بقي معه، فلما دنا منهم إبراهيم حمل على شبث، وحمل يزيد بن أنس، فانهزم شبث ومن معه إلى أبيات الكوفة، وحمل خزيمة بن نصر على يزيد بن الحارث فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك وفوق البيوت وأقبل المختار. فلما انتهى إلى أفواه السكك رمته الرماة بالنبل فصدوه عن الدخول إلى الكوفة من ذلك الوجه.
ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس فسقط في يده، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: أيها الرجل لا تلق بيدك واخرج إلى الناس واندبهم إلى عدوك، فإن الناس كثير وكلهم معك إلا هذه الطائفة التي خرجت والله يخزيها، وأنا أول منتدب، فانتدب معي طائفة ومع غيري طائفة.
فخرج ابن مطيع فقام في الناس ووبخهم على هزيمتهم وأمرهم بالخروج إلى المختار وأصحابه.
ولما رأى المختار أنه قد منعه يزيد بن الحارث من دخول الكوفة عدل إلى بيوت مزينة وأحمس وبارق، وبيوتهم منفردة، فسقوا أصحابه الماء ولم يشرب هو، فإنه كان صائماً، فقال أحمربن شميط لابن كامل: أتراه صائماً؟ قال: نعم قال: لو أفطر كان أقوى له. قال: هو أعلم بما يصنع. فقال أحمر: صدقت، أستغفر الله.
فقال المختار: نعم المكان للقتال هذا. فقال إبراهيم: إن القوم قد هزمهم الله وأدخل الرعب في قلوبهم، سر بنا، فوالله ما دون القصر مانع. فترك المختار هناك كل شيخ ضعيف ذي علة ونقلهم واستخلف عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم أمامه؛ وبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفين، فخرج عليهم؛ فأرسل المختار إلى إبراهيم أن أطوِه ولا تقم عليه؛ فطواه وأقام؛ وأمر المختار يزيد بن أنس أن يواقف عمرو بن الحجاج، فمضى إليه، وسار المختار في أثر إبراهيم، ثم وقف في موضع مصلى خالد بن عبدالله، ومضى إبراهيم ليدخل الكوفة من نحو الكناسة، فخرج إليه شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح إليه المختار سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه، وأرسل إلى إبراهيم يأمره بالمسير، فسار حتى انتهى إلى سكة شبث، فإذا نوفل بن مساحق في ألفين، وقيل خمسة آلاف، وهو الصحيح، وقد أمر ابن مطيع منادياً فنادى في الناس أن ألحقوا بابن مساحق.
وخرج ابن مطيع فوقف بالكناسة واستخلف شبث بن ربعي على القصر، فدنا ابن الأشتر من ابن مطيع فأمر أصحابه بالنزول وقال لهم: لا يهولنكم أن يقال جاء شبث وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل يزيد بن الحارث وآل فلان، فسمى بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو وجدوا حر السيوف لانهزموا عن ابن مطيع انهزام المعزى من الذئب. ففعلوا ذلك.
فلم يلبثوا حين حمل عليهم أن انهزموا يركب بعضهم بعضاً على أفواه السكك وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بعنان دابته ورفع السيف عليه، فقال له: يا ابن الأشتر أنشدك الله هل بيني وبينك من إحنة أن تطلبني بثأر؟ فخلى سبيله، وقال: اذكرها. فكان يذكرها له.
ودخلوا الكناسة في اثارهم حتى دخلوا السوق والمسجد وحصروا ابن مطيع ومعه الأشراف من الناس غير عمرو بن حريث، فإنه أتى داره ثم خرج إلى البر، وجاء المختار حتى نزل جانب السوق. وولي إبراهيم حصار القصر ومعه يزيد بن أنس وأحمر بن شميط، فحصروهم ثلاثاً، فاشتد الحصار عليهم، فقال شبث لابن مطيع: انظر لنفسك ولمن معك فوالله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم. فقال: أشيروا عليّ. فقال شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك ولنا أماناً وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك. فقال ابن مطيع: إني لأكره أن أخذ منه أماناً والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز والبصرة. قال: فتخرج ولا يشعر بك أحد فتنزل بالكوفة عند من تثق به حتى تلحق بصاحبك.
وأشار بذلك عبدالرحمن بن سعيد وأسماء بن خارجة وابن مخنف وأشراف الكوفة، فأقام حتى أمسى وقال لهم: قد علمت أن الذين صنعوا هذا بكم هم أراذلكم وأخساؤكم وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم سامعون مطيعون، وأنا مبلغ ذلك صاحبي ومعلمه طاعتكم وجهادكم حتى كان الله الغالب على أمره. فأثنوا عليه خيراً.
وخرج عنهم وأتى دار أبي موسى، فجاء ابن الأشتر ونزل القصر، ففتح أصحابه الباب وقالوا: يا ابن الأشتر آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون. فخرجوا فبايعوا المختار، ودخل المختار القصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال:
الحمد لله الذي وعد وليه النصر وعدوه الخسر جعله فيه إلى آخر الدهر وعداً مفعولاً وقضاء مقضياً، وقد خاب من افترى، أيها الناس إنا رفعت لنا راية ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية أن ارفعوا وفي الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية لقتلى في الواعية وبعداً لمن طغى وأدبر وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس وبايعوا بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفاً مكفوفاً والأرض فجاجاً سبلاً ما بايعتم بعد بيعة عليّ بن أبي طالب وآل عليّ أهدى منها!
ثم نزل ودخل عليه أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنّة رسول الله (ص)، والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا.
وكان ممن بايعه المنذر بن حسان وابنه حسان، فلما خرجا من عنده استقبله سعيد بن منقذ الثوري في جماعة من الشيعة، فلما رأوهما قالوا: هذان والله من رؤوس الجبارين، فقتلوا المنذر وابنه حسان، فنهاهم سعيد حتى يأخذوا أمر المختار، فلم ينتهوا، فلما سمع المختار ذلك كرهه، وأقبل المختار يمني الناس ويستجر مودة الأشراف ويحسن السيرة.
وقيل له: إن ابن مطيع في دار أبي موسى، فسكت، فلما أمسى بعث له بمائة ألف درهم وقال: تجهز بهذه فقد علمت مكانك وأنك لم يمنعك من الخروج إلا عدم النفقة. وكان بينهما صداقة.
ووجد المختار في بيت المال تسعة آلاف ألف، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر، وهم ثلاثة آلاف وخمسمائة، لكل رجل منهم خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعدما أحاط بالقصر وأقاموا معه تلك الليلة وتلك الأيام الثلاثة مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، وجعل الأشراف جلساءه، وجعل على شرطته عبدالله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان(كيان) أبا عمرة.
فقام أبو عمرة على رأسه ذات يوم وهو مقبل على الأشراف بحديثه ووجهه، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق([271]) قد أقبل على العرب، ما ينظر إلينا؟ فسأله المختار عما قالوا له، فأخبره، فقال: قل لهم لا يشق عليهم ذلك فأنتم مني وأنا منكم، وسكت طويلاً ثم قرأ: {إنا من المجرمين منتقمون}. فلما سمعوها قال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله قد قتلتم، يعني الرؤساء.
وكان أول راية عقدها المختار لعبدالله بن الحارث أخي الأشتر على أرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبدالرحمن بن سعيد ابن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى، وبعث قدامة بن أبي عيسى بن زمعة النصري حليف ثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث سعد بن حذيفة ابن اليمان على حلوان وأمره بقتال الأكراد وإقامة الطرق.
وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن قيس، فلما ولي المختار وبعث عبدالرحمن بن سعيد إلى الموصل أميراً سار محمد عنها إلى تكريت ينظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار فبايعه.
فلما فرغ المختار مما يريد صار يجلس للناس ويقضى بينهم، ثم قال: إنّ لي فيما أحاول لشغلاً عن القضاء؛ ثم أقام شريحاً يقضي بين الناس، ثم خافهم شريح فتمارض، وكانوا يقولون: إنه عثماني، وإنه شهد على حجر ابن عدي، وإنه لم يبلغ هانئ بن عروة ما أرسله به، وإن علياً عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحاً ذلك منهم تمارض، فجعل المختار مكانه عبدالله بن عتبة بن مسعود، ثم إن عبدالله مرض فجعل مكانه عبدالله بن مالك الطائي.
راجع: التوابون
الجبال (بلاد)
إن البلاد الجبلية الواسعة الممتدة من سهول العراق والجزيرة في الغرب إلى مفازة فارس الملحية الكبرى في الشرق، قد سماها البلدانيون العرب إقليم الجبال. ثم بطل استعمال هذا الاسم، وصار الإقليم أيام ملوك السلجوقية في المئة السادسة (الثانية عشرة) يعرف غلطاً بعراق العجم. وقد سمي بذلك تمييزاً له عن عراق العرب، وهو ما يعرف به القسم الأسفل من ما بين النهرين.
وقد حصل هذا التغيير في اسم هذا الإقليم على الوجه الآتي حسبما يظهر: فالعراق، على ما قد بينا (الفصل الثاني ص 42 الحاشية 1)، اسم أطلقه المسلمون على النصف الأسفل لما بين النهرين، كما أطلق العرب هذا الاسم بصيغة المثنى على المدينتين الكبيرتين: الكوفة والبصرة فقالوا «العراقين» أي «عاصمتي العراق». وكانت هذه التسمية هي التسمية القديمة الوارد ذكرها في الأدب العربي غير أن السلاجقة، وقد تولوا حكم بلاد فارس الغربية في النصف الثاني من المئة الخامسة (الحادية عشرة)، جعلوا دار حكومتهم في همذان، وبسطوا نفوذهم أيضاً على ما بين النهرين حيث مقام الخليفة العباسي. وأحرز السلاجقة من الخليفة لقب سلطان العراقين، فكان اسم عراق العجم يتفق هو ووضعهم هذا على ما يظهر. وسرعان ما أصبح ثاني هذين العراقين يراد به إقليم الجبال حيث كان السلطان السلجوقي يمضي أكثر وقته. وهكذا صار يُعرف لدى العامة بعراق العجم تمييزاً له عن الآخر. ولياقوت رأي بصدد هذه التسمية. فقد أشار إلى أن تسمية العجم لهذا الإقليم بالعراق في أيامه غلط وهو اصطلاح محدث. وقد استعمل ياقوت نفسه الاسم القديم فقال الجبال. ولكن القزويني معاصره، وقد كتب بالعربية أيضاً، أطلق على هذا الإقليم ما يرادفه بالفارسية فسماه قوهستان (أي إقليم الجبل). ومهما يكن من أمر فإن لفظ «الجبال»، بطل استعماله على ما يظهر بعد الفتح المغولي. ولم يستعمله المستوفي البتة في المئة الثامنة (الرابعة عشرة). وينقسم إقليم الجبال القديم إلى قسمين: الصغير، وهو مردستان في الغرب، والكبير وهو عراق العجم في الشرق. وما زال اسم «العراق» يطلق عليه حتى اليوم. وما زال ذلك القسم من البلاد الذي كان إقليم الجبال قديماً في جنوب غربي طهران، يعرفه أهله اليوم باسم «ولاية عراق».
وكانت المدن الأربع القديمة ـ قرميسين (كرمانشاه الحديثة) وهمذان والري وأصفهان ـ أجل مدن النواحي الأربع لهذا الإقليم منذ القدم. ففي أيام بني بويه، أي في المئة الرابعة (العاشرة)، كانت دواوين الدولة في الري، على ما في ابن حوقل، ثم أصبحت همذان في ختام القرن التالي قاعدة سلاجقة بلاد فارس. ولكن أصفهان كانت في جميع الأوقات على ما يظهر أوسع بلاد الجبال وأخصبها وأكثرها مالاً.
جبَّانة السبيع([272])
جبانة السبيع: هي المكان الذي حدثت فيه الوقعة التي تمت بها سيطرة المختار على الكوفة سيطرة تامة، وتتبع بعدها العناصر التي ساهمت في قتل الحسين (عليه السلام) وأهله وأصحابه فانتقم منهم:
لما استوسق الشام لمروان بن الحكم بعث جيشين: أحدهما إلى الحجاز عليه حُبَيش بن دَلَجة القيْنيُّ والجيش الآخر إلى العراق مع عبيدالله بن زياد، وكان من أمره ما هو مذكور في بحث التوابين، وكان قد جعل لابن زياد ما غلب عليه وأمره أن ينهب الكوفة ثلاثاً، فاحتبس بالجزيرة وبها قيس عيلان مع زفر بن الحارث على طاعة ابن الزبير، فلم يزل عبيدالله بن زياد مشتغلاً بهم عن العراق نحو سنة.
فتوفي مروان ووليّ بعده ابنه عبدالملك بن مروان، فأقر ابن زياد على ما كان أبوه ولاّه وأمره بالجد في أمره.
فلما لم يمكنه في زفر ومن معه من قيس شيء أقبل إلى الموصل، فكتب عبدالرحمن بن سعيد عامل المختار إلى المختار يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل وأنه قد تنحى له عن الموصل إلى تكريت. فدعا المختار يزيد بن أنس الأسدي وأمره أن يسير إلى الموصل فينزل بأداني أرضها حتى يمده بالجنود، فقال له يزيد: خلني أنتخب ثلاثة آلاف فارس، وخلني مما توجهني إليه، فإن احتجت كتبت إليك استمدك. فأجابه المختار، فانتخب له ثلاثة آلاف، وسار عن الكوفة، وسار معه المختار والناس يشيعونه، فلما ودعه قال له إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا مكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن خبرك كل يوم عندي، وإن احتجت إلى مدد فاكتب إليّ مع أني ممدك وإن لم تستمد لأنه أشد لعضدك وأرعب لعدوك. ودعا له الناس بالسلامة، ودعوا له، فقال لهم: اسألوا الله لي بالشهادة فوالله لئن فاتني النصر لا تفوتني الشهادة.
فكتب المختار إلى عبدالرحمن بن سعيد أن خل بين يزيد وبين البلاد. فسار يزيد إلى المدائن، ثم سار إلى أرض جوخى والراذانات إلى أرض الموصل فنزل بباتلى، وبلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثن إلى كل ألف ألفين، فأرسل ربيعة بن مخارق الغنوي في ثلاثة آلاف، وعبدالله بن جملة الخثعمي في ثلاثة آلاف، فسار ربيعة قبل عبدالله بيوم فنزل بيزيد بن أنس. بباتلى، فخرج يزيد بن أنس وهو مريض شديد المرض راكب على حمار يمسكه الرجال، فوقف على أصحابه وعبأهم وحثهم على القتال وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن العازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبدالله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي، وجعل على ميمنته عبدالله، وعلى ميسرته سعراً، وعلى الخيل ورقاء، ونزل هو، فوضع بين الرجال على سرير، وقال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فروا عنه، وهو يأمر الناس بما يفعلون، ثم يغمى عليه ثم يفيق.
واقتتل الناس عند فلق الصبح يوم عرفة واشتد قتالهم إلى ارتفاع الضحى، فانهزم أهل الشام وأخذ عسكرهم، وانتهى أصحاب يزيد إلى ربيعة بن مخارق وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادي: يا أولياء الحق أنا ابن مخارق، إنما تقاتلون العبيد الأباق ومن ترك الإسلام وخرج منه! فاجتمع إليه جماعة فقاتلوا معه، واشتد القتال، ثم انهزم أهل الشام وقتل ربيعة بن مخارق، قتله عبدالله ابن ورقاء الأسدي وعبدالله بن ضمرة العذري، فلم يسر المنهزمون غير ساعة حتى لقيهم عبدالله بن جملة في ثلاثة آلاف فرد معه المنهزمين.
ونزل يزيد بباتلى فباتوا ليلتهم يتحارسون، فلما أصبحوا يوم الأضحى خرجوا إلى القتال فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم نزلوا فصلوا الظهر، ثم عادوا إلى القتال فانهزم أهل الشام وترك ابن جملة في جماعة فقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه عبدالله بن قراد الخثعمي فقتله، وحوى أهل الكوفة عسكرهم وقتلوا فيهم قتلاً ذريعاً وأسروا منهم ثلاثمائة أسير، وأمر يزيد بن أنس بقتلهم، وهو بآخر رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فدفنه أصحابه وسقط في أيديهم.
وكان قد استخلف ورقاء بن عازب الأسدي، فصلى عليه ثم قال لأصحابه: ماذا ترون؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل إليكم في ثمانين ألفاً، وإنما أنا رجل منكم فأشيروا عليّ فإني لا أرى لنا بأهل الشام طاقة على هذه الحال وقد هلك يزيد وتفرق عنا بعض من معنا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا لقالوا: إنما رجعنا عنهم لموت أميرنا ولم يزالوا لنا هائبين، وإن لقيناهم اليوم كنا مخاطرين، فإن هزمونا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم بالأمس. فقالوا: نعم ما رأيت. فانصرفوا.
فبلغ ذلك المختار وأهل الكوفة، فأرجف الناس بالمختار، وقالوا: إن يزيد قتل، ولم يصدقوا أنه مات. فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر وأمره على سبعة آلاف وقال له: سر فإذا لقيت جيش يزيد بن أنس فأنت الأمير عليهم فارددهم معك حتى تلقى ابن زياد وأصحابه فتناجزهم. فخرج إبراهيم فعسكر بحمام أعين وسار، فلما سار اجتمع أشراف الكوفة عند شبث بن ربعي وقالوا: والله إن المختار تأمر علينا بغير رضى منا، ولقد أدنى موالينا فحملهم على الدواب وأعطاهم فيئنا، وكان شبث شيخهم، وكان جاهلياً إسلامياً، فقال لهم شبث: دعوني حتى ألقاه.
فذهب إليه فلم يدع شيئاً أنكروه إلا ذكره له، فأخذ لا يذكر خصلة إلا قال له المختار: أنا أرضيهم في هذه الخصلة وآتي لهم كلَّ ما أحبوا، وذكر له الموالي ومشاركتهم في الفيء، فقال له: إن أنا تركت مواليكم وجعلت فيئكم لكم تقاتلون معي بني أمية وابن الزبير وتعطوني على الوفاء عهد الله وميثاقه وما أطمئن إليه من الإيمان؟ فقال شبث: حتى أخرج إلى أصحابي فأذكر لهم ذلك. فخرج إليهم فلم يرجع إليه وأجمع رأيهم على قتاله.
فاجتمع شبث بن ربعي ومحمد بن الأشعث وعبدالرحمن بن سعيد بن قيس وشمر حتى دخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي فكلموه في ذلك، فأجابهم إليه، فخرجوا من عنده حتى دخلوا على عبدالرحمن بن مخنف الأزدي فدعوه إلى ذلك، فقال لهم: إن أطعتموني لم تخرجوا. فقالوا له: لِمَ؟ فقال: لأني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم مثل فلان وفلان، ثم معه عبيدكم ومواليكم وكلمة هؤلاء واحدة، ومواليكم أشد حنقاً عليكم من عدوكم، وإن انتظرتموه قليلاً كفيتموه بقدوم أهل الشام، أو مجيء أهل البصرة([273]) فتكونوا قد كفيتموه بغيركم ولم تجعلوا بأسكم بينكم. فقالوا: ننشدك الله أن تخالفنا فتفسد علينا رأينا وما أجمعنا عليه! فقال: إنما أنا رجل منكم، فإذا شئتم فاخرجوا.
فوثبوا بالمختار بعد مسير إبراهيم بن الأشتر وخرجوا بالجبابين كل رئيس بجبانة. فلما بلغ المختار خروجهم أرسل قاصداً مجداً إلى إبراهيم بن الأشتر، فلحقه وهو بساباط يأمره بالرجوع والسرعة، وبعث المختار إليهم في ذلك: أخبروني ماذا تريدون فإني صانع كل ما أحببتم. قالوا: نريد أن تعتزلنا فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك. قال: فأرسلوا إليه وفداً من قبلكم وأرسل أنا إليه وفداً، ثم انظروا في ذلك حتى يظهر لكم. وهو يريد أن يريثهم بهذه المقالة حتى يقدم عليه إبراهيم بن الأشتر، وأمر أصحابه فكفوا أيديهم، وقد أخذ عليهم أهل الكوفة بأفواه السكك فلا يصل إليهم شيء إلا القليل. وخرج عبدالله بن سبيع في الميدان فقاتله بنو شاكر قتالاً شديداً. فجاءه عقبة ابن طارق الجشمي فقاتل معه ساعة حتى ردهم عنه، ثم أقبل فنزل عقبة مع شمر ومعه قيس عيلان في جبانة سلول، ونزل عبدالله بن سبيع مع أهل اليمن في جبانة السبيع.
ولما سار المختار وصل إلى ابن الأشتر عشية يومه، فرجع ابن الأشتر بقية عشيته تلك، ثم نزل حين أمسى [فتعشى أصحابه] وأراحوا دوابهم قليلاً ثم سار ليلته كلها ومن الغد فوصل العصر وبات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة.
ثم إنّ المختار عبأ أصحابه في السوق وليس فيه بنيان، فأمر ابن الأشتر فسار إلى مضر وعليهم شبث بن ربعي ومحمد بن عمير بن عطارد وهم بالكناسة، وخشي أن يرسله إلى أهل اليمن فلا يبالغ في قتال قومه. وسار المختار نحو أهل اليمن بجبانة السبيع ووقف عند دار عمرو بن سعيد وسرح بين يديه أحمر بن شميط البجلي وعبدالله بن كامل الشاكري وأمر كلاً منهما بلزوم طريق ذكره له يخرج إلى جبانة السبيع وأسر إليهما أن شباماً قد أرسلوا إليه يخبرونه أنهم يأتون القوم من ورائهم فمضيا كما أمرهما.
فبلغ أهل اليمن مسيرهما فافترقوا إليهما واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، ثم انهزم أصحاب أحمر بن شميط وأصحاب ابن كامل ووصلوا إلى المختار، فقال: وما وراءكم؟ قالوا: هزمنا وقد نزل أحمر بن شميط ومعه ناس من أصحابه. وقال أصحاب ابن كامل: ما ندري ما فعل ابن كامل.
فأقبل بهم المختار نحو القوم حتى بلغ دار أبي عبدالله الجدلي، فوقف ثم أرسل عبدالله بن قراد الخثعمي في أربعمائة إلى ابن كامل وقال له: إن كان قد هلك فأنت مكانه وقاتل القوم، وإن كان حياً فاترك عنده ثلاثمائة من أصحابك وامض في مائة حتى جبانة السبيع فتأتي أهلها من ناحة حمام قطن.
فمضى فوجد ابن كامل يقاتلهم في جماعة من أصحابه قد صبروا معه، فترك عنده ثلاثمائة رجل وسار في مائة حتى أتى مسجد عبدالقيس، وقال لأصحابه: إني أحب أن يظهر المختار وأكره أن تهلك أشراف عشيرتي اليوم، ووالله لأن أموت أحب إليّ من أن يهلكوا على يدي، ولكن قفوا فقد سمعت أن شباماً يأتونهم من ورائهم فلعلهم يفعلون ذلك ونعافى نحن منه. فأجابه إلى ذلك فبات عند مسجد عبدالقيس.
وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي، وكان شجاعاً، وعبدالله بن شريك النهدي في أربعمائة إلى أحمر بن شميط، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكثروه، فاشتد قتالهم عند ذلك.
وأما ابن الأشتر فإنه مضى إلى مضر فلقي شبث بن ربعي ومن معه، فقال لهم إبراهيم: ويحكم انصرفوا فما أحب أن يصاب من مضر على يدي. فأبوا وقاتلوه، فهزمهم، وجرح حسان بن فائد العبسي فحمل إلى أهله فمات، فكان مع شبث، وجاءت البشارة إلى المختار بهزيمة مضر، فأرسل إلى أحمر بن شميط وابن كامل يبشرهما، فاشتد أمرهما.
فاجتمع شبام، وقد رأسوا عليهم أبا القلوص، ليأتوا [أهل] اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض: لو جعلتم جدكم على مضر وربيعة لكان أصوب، وأبو القلوص ساكت، فقال: ما تقول؟ فقال: قال الله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَّارِ}. فساروا معه نحو أهل اليمن.
وانهزم أهل اليمن هزيمة قبيحة، وأخذ من دور الوادعيين خمسمائة أسير فأتى بهم المختار مكتفين، فأمر المختار بإحضارهم وعرضهم عليه، وقال: انظروا من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني. فقتل كل من شهد قتل الحسين، فقتل منهم مائتين وثمانية وأربعين قتيلاً، وأخذ أصحابه يقتلون كل من كان يؤذيهم.
فلما سمع المختار بذلك أمر بإطلاق كل من بقي من الأسارى وأخذ عليهم المواثيق أن لا يجامعوا عليه عدو ولا يبغوه وأصحابه عاثلة، ونادى منادي المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا من شرك في دماء آل محمد (ص).
وكان عمرو بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين فركب راحلته وأخذ طريق واقصة فلم ير له خير حتى الساعة، وقيل: أدركه أصحاب المختار وقد سقط من شدة العطش فذبحوه وأخذوا رأسه.
وبعث المختار غلاماً له يدعى زربى في طلب شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحابه، فلما دنوا منه قال شمر لأصحابه: تباعدوا عني لعلي يطمع فيّ، فتباعدوا عنه، فطمع زربى عن أصحابه ثم حمل عليه شمر فقتله، وسار شمر حتى نزل مساء ساتيدما، ثم سار حتى نزل منه قرية يقال لها الكلتانية على شاطىء نهر إلى جانب تل، ثم أرسل إلى أهل تلك القرية فأخذ منها علجاً فضربه وقال: امض بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير. فمضى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة صاحب المختار، وكان قد أرسله المختار إلى تلك القرية ليكون مسلحة بينه وبين أهل البصرة، فلقي ذلك العلج علجاً آخر من تلك القرية فشكا إليه ما لقي من شمر، فبينا هو يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة اسمه عبدالرحمن بن أبي الكنود فرأى الكتاب وعنوانه: لمصعب بن الزبير من شمر، فقالوا للعلج: أين هو؟ فأخبرهم، فإذا ليس بينه وبينهم إلاّ ثلاثة فراسخ، قال: فأقبلوا يسيرون إليه. وكان قد قال لشمر أصحابه: لو ارتحلت بنا من هذه القرية فإنا نتخوف بها. فقال: أوكل هذا فزعاً من الكذاب([274]) والله لا أتحول منها ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم رعباً. فإنهم لنيام إذ سمع وقع الحوافر، فقالوا في أنفسهم: هذا صوت الدبا([275]) ثم اشتد، فذهب أصحابه ليقوموا فإذا بالخيل قد أشرفت من التل، فكبروا وأحاطوا بالأبيات، فولى أصحابه هاربين وتركوا خيولهم، وقام شمر وقد اتزر ببرد، وكان أبرص، فظهر بياض برصه من فوق البرد وهو يطاعنهم بالرمح وقد عجلوه عن لبس ثيابه وسلاحه، وكان أصحابه قد فارقوه، فلما أبعدوا عنه سمعوا التكبير وقائلاً يقول: قتل الخبيث، قتله ابن أبي الكنود، وهو الذي رأى الكتاب مع العلج.
وأقبل المختار إلى القصر من جبانة السبيع ومعه سراقة بن مرداس البارقي أسيراً فناداه.
امنن عليّ اليومَ يا خيرَ معَدْ
وخَيرَ مَنْ حل بِشِحْرٍ والجَنَدْ
وخَيرَ مَنْ لَبّى وحَيّا وسَجَدْ
فأرسله المختار إلى السجن ثم أحضره من الغد، فأقبل إليه وهو يقول:
ألا أبلغْ أبا إسحاقَ أنّا
نَزَوْنا نَزْوَةً كانَتْ علَينَا
خرجنا لا نرى الضعفاء شيئاً
وكان خروجنا بطراً وحينا
لقينا منهم ضرباً طلحْفاً
وطعناً صائباً حتى انثَنَيْنَا
نُصِرْتَ على عدوّك كل يومٍ
بكل كتيبةٍ تَنْعى حُسينا
كنصرِ محمد في يومِ بَدْرٍ
ويومِ الشعبِ إذ لاقى حُنَيْنَا
فأسْجِح إذ ملكتَ فلوْ ملَكنا
لجُرنا في الحكومةِ واعتَديْنَا
تقَبّلْ تَوْبةً مني فإنّي
سأشكرُ إنْ جعلتَ النقد دَينَا
قال: فلما انتهى إلى المختار قال: أصلح الله الأمير، أحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء والأرض. فقال له المختار: اصعد المنبر فأعلم الناس. فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل، فخلابه [المختار] فقال له: إني قد علمت أنك لم تر شيئاً وإنما أردت ما قد عرفت أن لا أقتلك، فاذهب عني حيث شئتَ لا تفسد عليّ أصحابي، فخرج إلى البصرة فنزل عند مصعب وقال:
ألا أبلغْ أبا إسحاقَ أني
رأيتُ البُلْقَ دهماً مُصمتاتِ
كفرْتُ بوحيكمْ وجعلتُ نَذراً
عليَّ قتالَكُمْ حتى الممَاتِ
أُري عينيّ ما لم تُبْصِراهُ
كلاِنا عالِمٌ بالتُّرَهاتِ
وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرد المختار لقتلة الحسين، وقال: ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء، بئس ناصر آل محمد (ص)، أنا إذاً في الدنيا، أنا إذاً الكذاب كما سموني، وإني أستعين بالله عليهم فسموهم لي، ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم، فإني لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم. ثم تتبعهم واحداً واحداً. وكان من قوله لهم: يا قَتَلَة الصالحين وقَتَلَة سيد شباب أهل الجنّة، قد أقاد الله منكم اليوم.
ومما يذكر أنه أرسل إلى خَوَلي بن يزيد الأصبحي، وهو صاحب رأس الحسين، فاختفى في مخرجه، فدخل أصحاب المختار يفتشون عنه، فخرجت امرأته، واسمها العيوف بنت مالك، وكانت تعاديه منذ جاء برأس الحسين، فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه وعلى رأسه قَوصرة، فأخرجوه وقتلوه. والثلاثة الذين يتحملون المسؤولية الأولى المباشرة لما جرى في كربلاء وهم عبيدالله بن زياد وعمرو بن سعد وشمر بن ذي الجوشن، مضافاً إليهم عمرو بن الحجاج الذي كان من القياديين البارزين في الإجرام هؤلاء كلهم قتلوا في حركة المختار التي كان شعارها: (يا لثارات الحسين)، وطبق عليهم هذا الشعار وثئر للحسين منهم.
هذا من عدا من يليهم في المسؤولية الذين لم ينج منهم أحد إلا من استطاع الفرار إلى البصرة التي كانت تخضع لعبدالله بن الزبير.
جبع
جبع، ويقال جباع بالمد وتعرف بجبع الحلاوة تمييزاً لها عن جبع الشوف وجبع بنيامين في فلسطين.
هي قرية من أشهر قرى جبل عامل شهيرة داخل الجبل وبين أهليه وشهيرة خارج الجبل وبين الناس، أمَّا شهرتها في الجبل فلأن هذا الجبل خلا من الماء النابع فعاش بنوه على ماء المطر يجمعونه شتاءاً ليشربوه ربيعاً وصيفاً وخريفاً في حين أن جبع فاضت فيها ينابيع حتى لقد غالى العامليون في عدها فقالوا إنها تبلغ عدد أيام السنة، ولأنها في شاهق عال يطل على الأباطح والسفوح حتى ليداني في إطلاله شواطىء البحر، ولأنها كثيرة الشجر وفيرة الثمر، أمّا شهرتها خارج الجبل فلأنها أنجبت للعالم الإسلامي عدداً من العلماء، ولقد جاء حين كانت هي ومشغرة وجزين مجمع علماء جبل عامل وطلابه.
وفي الحكم الإقطاعي كانت جبع مقراً للحكام المنكريين الذين أنشؤوا فيها (سراي) لا تزال باقية إلى اليوم كما أنشؤوا إلى جانبها مسجداً كبيراً يعرف بجامع السراي خرب بعدهم ولم يبق منه غير جدرانه، كما أن فيها مسجداً بناه الشهيد الثاني زين الدين بيده ولا تزال جدرانه قائمة، كما أن مكان داره معروف إلى اليوم وكذلك كرم العنب الذي كان يبيت فيه.
وكانت جبع في العهود الآخرة مسكناً للعالم الكبير الشيخ عبدالله نعمة الذي انتهت إليه المرجعية الدينية في عصره بجبل عامل وفيها مدفنه في بستان كان أنشأه يسمى (الكسارة)، وفي جبع كذلك قبرا العالمين الجليلين الشيخ حسن صاحب المعالم والسيد محمد صاحب المدارك، كما أن فيها قبر الشيخ الظهيري وعدة من العلماء غيرهم.
ولقد أحصى من العلماء الذين أنجبتهم جبع ما يزيد على واحد وثلاثين عالماً ومعظم هؤلاء العلماء من أشهر العلماء وأكثرهم إنتاجاً وسنكتفي منهم ببعضهم: 1 ـ الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني وحسبك به، 2 ـ و3 ـ والده الشيخ علي وولده الشيخ حسن صاحب المعالم، 4 ـ السيد محمد صاحب المدارك. وبعد هؤلاء تأتي ذرية الشهيد الثاني المعروفة بسلسلة الذهب، 5 ـ الفيلسوف الرياضي الفقيه الشيخ البهائي توفي بأصفهان ودفن في مشهد الرضا، 6 ـ والده الشيخ حسين عبدالصمد شيخ الإسلام في هرات، 7 ـ السيد حسين ابن السيد محمد صاحب المدارك شيخ الإسلام في المشهد الرضوي والمدرس في الحضرة الشريفة في القبة الكبيرة الشرقية، 8 ـ السيد حيدر بن نور الدين الموسوي نزيل أصفهان. قال المؤرخ العاملي الشيخ علي السبيتي في بعض مجاميعه المخطوطة يصف جبع «في شمال بلاد جبل عامل إقليم التفاح وأكبر قراه جباع وهي بلد العلماء والزهاد والأبدال».
وحسبك بقرية يصفها مثل الشيخ علي السبيتي بأنها بلد العلماء والأبدال. ومن جبع خرج أيضاً الشاعر المبدع الشيخ محمد بن محمود المشغري المعدود من ألمع شعراء عصره وغير عصره.
وفي جبع آل الحر الأسرة العلمية التي خرج منها عدة علماء وأدباء ويكفي منهم الشيخ محمد بن الحسن نزيل المشهد الرضوي ودفينه صاحب «الوسائل» و«أمل الآمل».
وفي جبع يقول الشاعر الدمشقي أديب التقي:
البر منبسط ومتسع
واليم مصطخب ومندفع
حلقت يا جبع به فبدت
من تحتك الغيطان واليفع
عقباتك الكأداء ماثلة
هي سلم في الجو مرتفع
تبدو الجواري منك ماخرة
وتمرّقد نشرت لها الشرع
بحران من قمم ومن لجج
يتلاقيان لديك يا جبع
الموج أمواه بذاك وذا
من موجه الهضبات والضيع
حيتك من صيداء قلعتها
فتشرفت وبجيدها تلع
وعلى الجبال تطاولت قبب
ترنو إليك واتلعت بيع
للَّه من بقع خصصت بها
ما في الجنان كمثلها بقع
جز بـ(القبيّ) عشية وضحى
فعلى (القُبيّ) لذي الهوى متع
(صافي) مطل من سوامقه
بالسحب والأدغال ملتفع
والبحر رهو والربى بسطت
بسط الأكف كأنها ترع
وادٍ واطيار مهينمة
ورياض حسن كلها بدع
ومن مواقع جبع الجميلة (عين القبي) وفيها أقول من قصيدة:
عين القبي يشوقني مرآك
الروض والماء النمير حلاك
أضفى عليك الصيف من سحر الهوى
ألقاً وأبراد الجمال كساك
وحلاك في عرس الطبيعة غادة
زهراء للعينين حين جلاك
تزهو وهادك بالمروج نضيرة
وتميس بالشجر الغضيض رباك
وإذا تنفست الصبا وتأرجت
أعرافها فالمسك عرف صباك
يحلو على الحرجات صبحك مشرقاً
ويطيب يا عين القبي مساك
وتشوق أرضك في الأصائل والضحى
وتروق في الغلس البهيم سماك
ضاقت بي الدنيا على رحبائها
ورأيت فسحة خاطري بفضاك
ودجالي الدهر اللئيم فأشرقت
نفسي الكئيبة في ظلام دجاك
إني لتصبيني سفوحك غضة
وتثير فيّ الوجد خضر ذراك
«صافي» على التلعات أشرف طالعاً
وأطل مثل البدر في الأفلاك
وبدت حواليه الحراج كأنها
في الذروتين مواكب النساك
غنيتني شدو الرعاة فهاجني
لأحبتي النائين رجع غناك
ونشقت أعراف الصبابة والهوى
لما نشقت على التلال هواك
ومشت مهاك على الطريق فلم تكن
تسلي الفؤاد عن الحبيب مهاك
مثل الملائك قد خطون وراعني
أن لست أبصر بينهن ملاكي
* * *
عين القبي وفي الفؤاد من الهوى
برح يثير كمينها مرآك
في سفحك الزاهي تفور صبابتي
وتثور أشواقي على مغناك
خلفت آكام (الرويس) وحطني
بظلالك الغناء وجد ذاك
وتركت دنيا الناس تزخر بالأسى
ولجأت من همي إلى دنياك
وفي جبع يقول الشيخ حبيب الكاظمي:
أبا لفردوس وجدك أم جباع
وفي كلتيهما تهوى الخلودا
ولو كنت المخير في خلودي
فعن جبع وحقك لن أحيدا
أأعدل «بالمشارع» ما سواها
وقد أخذت على الصفو العهودا
بأشجار وأنهار وروض
تقيم لصادق الدعوى شهودا
وقد شهدت «برأس العين» عيني
غصوناً خلتها حملت عقودا
قطوف دانيات لو تراها
خضعت لها ركوعاً أو سجودا
على ماء تسيل به خدود
تذكرنا السوالف والخدودا
يردن مياهها آرام نجد
وفي غاباتها ضمت أسودا
جبل عامل
ـ 1 ـ
أصل اسم جبل عامل هو: (جبل بني عاملة ثم صار: جبال عاملة، ثم (جبل عاملة)، ثم جبل عامل.
وبنو عاملة الذين نسبت إليهم هذه الجبال هم: بنو عاملة بن سبأ القبيلة اليمانية التي هاجرت من اليمن ونزلت هذه الجبال([276]).
الهكسوس العماليق، أسلاف بني عاملة
قال الدكتور يوسف الحوراني:
الموضوع الذي أثارته «الحياة» في مقالتين منفصلتين حول العرب والهكسوس، هو في غاية الأهمية، مع أن كثرة من المثقفين العرب لا يقبلونه بين همومهم الحاضرة، كما لم يقبلوه في الماضي. وقد أدرك الأستاذ فاضل الربيعي «أصولية» هذا الرفض حين أرفق عنوان مقالته بكلمة جريح حي: «شرط الإقلاع عن الازدراء»! وذلك بتاريخ 28/4/2000.
وهذا الموضوع أثار موجة اندهاش عالمية قبل أكثر من سنة، عندما ادعى بعض المؤرخين الإسرائيليين أن أسلافهم في مصر هم الذين بنوا الأهرامات العظيمة، معجزة التاريخ الفرعوني القديم. وقد عقدت في حينه ندوات ومؤتمرات عدة لبحثه، ولكن أحداً من الباحثين لم يصل إلى حسم الموضوع أو حتى إضاءة جنباته الغامضة.
ولأوضح ما قصدته هنا بأن الموضوع «في غاية الأهمية» أشير إلى أن ادعاء بعض المؤرخين الإسرائيليين وراثتهم إنجازات الفراعنة ليس ابن زمننا الحاضر، بل هو برز قبل ألفي عام وفي بيئة حضارية تماثل أو تقارب البيئة الحضارية الحاضرة في الغياب العربي عن الثقافة الدولية، مع أن الأسباب مختلفة بين الحالين…
ونشأ هذا الادعاء بقلم المؤرخ اليهودي المعروف باسمه الروماني وهو فلافيوس جوزيفس بعد أن تردد العالم الروماني بشعوبه المختلفة، بالاعتراف باليهود كشعب مستقل وله حقوق وثقافة خاصة. وبدأ هذا المؤرخ في جمع الوثائق ونشر المستندات التي تدعم تاريخية شعبه، محافظاً على دوره السياسي القيادي في مجال الثقافة بعد أن فشل وانهزم مع أتباعه في مجال الحرب، وسقط أسيراً بيد فسباسيان الروماني الذي حرره وأكرمه بعد ذلك، بسبب نبوءته له بأن يصبح إمبراطوراً، كما يخبرنا هذا المؤلف في كتابه «حرب اليهود ضد الرومان» (38:4).
وكان في زمن جوزيفس كتاب باليونانية عن تاريخ مصر القديمة لكاهن مصري، كان يقرأ الهيروغليفية، وعاش في القرن الثالث قبل الميلاد. ونقل جوزيفس مقاطع من كتاب هذا المؤرخ المدعو ماثيو، مستعملاً إياها سنداً لآرائه. وأورد هذه المقاطع في كتابه «الرد على أبيون». وكان أبيون الإسكندراني هذا نشر كتابات له بروما نفى فيها تاريخية الشعب اليهودي. وقد اعتمد المؤرخ الروماني تاسيت، في كتابه «التواريخ»، على كتابات أبيون هذا (5: 2 ـ 10) عند كتابته عن اليهود، كما يرجح الباحثون.
وقدم جوزيفس لنص مانيتو عن الكهسوس وغزوهم لمصر بقوله: «… مانيتو هذا، في كتابه الثاني من تاريخ مصر، كتب عن موضوعنا. وأنا أنقل كلماته حرفياً وكأني استدعيه كشاهد». (1: 74). أمّا النص الذي نقله حرفياً، كما يقول، فهو: «في عهد توتيماس» ولا أعلم كيف أن الغضب الإلهي عصف ضدنا ففاجأنا من الشرق شعب من أصل غير معروف وسيطر بجرأة على بلدنا. ومن دون صعوبة أو قتال استولى عليه بقوة صارمة، قبض على رؤساء وأحرق المدن بهمجية، ودمر معابد الآلهة. وعامل الأهلين بقسوة بالغة، فذبح الأفراد وأخذ الأولاد ونساء الآخرين كعبيد. وفي النهاية نصبوا ملكاً منهم يدعى ساليتس. وأقام هذا الأمير في ممفيس فارضاً الضرائب على البلاد العليا والسفلى، جاعلاً حاميات في الأماكن الملائمة لذلك، وبوجه خاص حصّن المناطق الشرقية، حيث كان يظن أن الأشوريين عندما يصبحون أكثر قوة سيهاجمون مملكته.
وعندما وجد في منطقة ستروبيت مدينة موقعها متميّز، إلى الشرق من فرع بوباستك يدعى، وفق تقليد ديني قديم أفاريس، أعاد بناءه وحصّنه بأسوار عظيمة المتانة. وأقام هناك مجنداً جيشاً، كثير العدد مزوّداً أسلحة ثقيلة وعدده يناهز مئتين وأربعين ألفاً لحمايته.
وكان يأتيها في الصيف لكيل الحنطة ودفع الرواتب، ثم للقيام بمناورات منظمة بعناية لإرهاب الغرباء. وبعد حكم دام تسعة عشر عاماً توفي. وعقبه ملك ثان يدعى بنّون، شغل العرش طوال أربعة وأربعين عاماً. وبعده خلفه أبشناس، حكم ستة وثلاثين عاماً وسبعة أشهر، ثم أبوفيس واحداً وستين عاماً، وأنّاس خمسين عاماً وشهراً واحداً. وبعد هؤلاء جميعاً (حكم) أسيس تسعة وأربعين عاماً وشهرين. هكذا كان الأمراء الستة الأوائل منهم. وكانوا جميعهم شديدي الحرص على تدمير الشعب المصري حتى جذوره.
لقد سموا هذا الشعب هكسوس، بمعنى ملوك رعاة، لأن (هيك) في اللغة المقدسة معناها ملك، و(سوس) معناها راعٍ بالمفرد وبالجمع في لغة العامة. وباجتماع هاتين الكلمتين تكون كلمة هكسوس. والبعض يقول إنهم كانوا عرباً. وفي نسخة ثانية يقال أن التعبير (هيك) لا يعني الملوك وإنما العكس (الرعاة الأسرى)، لأن (هيك) و(هاك) باللفظ من اللهاة تعني أسرى. ويبدو لي هذا التفسير هو الأكثر إقناعاً والأكثر اتفاقاً مع التاريخ القديم.
هؤلاء الملوك الذين ذكرتهم، وهم من شعوب رعاة، ثم المتحدرون منهم سيطروا على مصر حسب مانيتو طوال خمسمائة وأحد عشر عاماً» (1: 74 ـ 84).
وجوزيفس هذا، في مكان آخر من كتابه يتحدث عن مانيتو بقوله: «بعد قوله أن أسلافنا جاؤوا بعشرات الألوف إلى مصر وفرضوا سلطتهم على المصريين، معترفاً هو ذاته بأنهم، بعد طردهم، احتلوا اليهودية الحالية، وأسسوا أورشليم، وبنوا الهيكل». (1: 228). أي أنه يحاول ربط الشعب اليهودي بالهكسوس الذين خرجوا من مصر، منع أنه كتب في النقل الحرفي عن مانيتو «والبعض يقول إنهم كانوا عرباً».
وما لا نستغربه من هذا المؤرخ هو تجاهله ما فعله مؤرخون آخرون عن مانيتو وهو القول: «إن الملوك الستة الذين استولوا على ممفيس باسم الهكسوس كانوا غرباء من فينيقيا». وقد نقل هذا النص أفريقانيوس الروماني، ومؤرخ الكنيسة الأول أوزابيوس، وذلك عن سسلُّوس (ونشرت مؤسسة «لوَب» البريطانية مجموعة الاقتباسات في كتاب باسم مانيتو سنة 1940).
ويبدو أن ما أهمله جوزيفس من أن الهكسوس جاؤوا من فينيقيا هو مفتاح لمعرفة هذه الجماعة الغامضة التي حكمت مصر في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، ولم تترك كتابة واضحة تكشف هويتها، منذ كان الهكسوس عرباً، وكانوا من فينيقيا، وهذا القول لمانيتو يتفق مع الروايات العربية التي تقول أنهم قبيلة العماليق العربية، أي أسلاف بني عاملة الذين تسمى الجنوب اللبناني باسمهم. وكانت زنوبيا التدمرية آخر شخصية ملكية بارزة من سلالتهم، بحسب المسعودي في «مروج الذهب» (2: 69). والدليل على مكانة القبيلة في التاريخ العربي نذكر أنها وحدها بقي ذكرها أكثر من ألفي عام، قبل أن تتوزع إلى قبائل بتسميات مختلفة. وهي من العرب العاربة كما يعرفها النسابون، ويعرف سفر التكوين العبري أن عمليق هو من نسل أدوم، أي عيسوا أخي يعقوب (36: 12).
ونقرأ في نصوص إيبلا الكنعانية اسماً لأحد مقدسات المدينة هو عماريق، ما يجعلنا نرجح أنه تحريف لاسم «عماليق». والنص يعود للألف الثالث قبل الميلاد. أمّا نسبة بني عاملة للعماليق فهي قناعة لم يشذ عنها أي من المؤرخين العرب المعروفين. وما نريد قوله عن هذه العلاقة هو أن آثارها بين الجنوب اللبناني ومصر الفرعونية تبرز بوضوح في الحقل الديني، إذ نجد أسماء الآلهة التي كانت تعبد، في ممفيس بوجه خاص، هي أسماء معابد وقرى قديمة كانت ذات أهمية في زمن الكنعانيين مثل: عناة، قدش، رشف، بعلة (بلاط)، صافي، صفد، وأمثالها، إلى ما يقارب عشرة مواقع باسم شيث، وهو الإله الرمز للهكسوس في مصر مثل: جبشيت، حدشيت، عدشيت، برعشيت، النبي شيث، وغيرها.
والروايات العربية تجعل من جبل حرمون، في الجنوب اللبناني، جبلاً مقدساً لشيث ونسله وأتباعه الذين أوصاهم ألا ينزلوا منه للاختلاط بأبناء قابيل، قاتل أخيه هابيل. وهذه الروايات تلتقي مع الروايات السريانية، كما نقلها مخايل السوري. وتلتقي مع الرواية العبرية الواردة في «سفر التكوين»، وإن لم تذكر هذه الرواية شيث بالاسم. (6: 2 ـ 4)، وقد سماهم النص «أبناء الآلهة».
وشيث هذا كان الإله الأعلى للهكسوس. ولكن يلاحظ أن أحداً من القراء لم يقرأه بالشين المثلثة، بل بالسين. ولهذا التبس على الكثيرين، واعتبروه إلهاً مصرياً قديماً توافقت طقوسه مع طقوس البعل الكنعاني.
وحيث نبحث عن أهمية هذه الشخصية التاريخية في التراث العربي نلتقي بالقيمة الحقيقية المناسبة له كرمز لسلطة تاريخية مقدسة لدى العرب. فيذكر الطبري: «هو بالعربية شث، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث… وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث فأنزل الله عليه، فيما روي عن رسول الله (ص)، خمسين صحيفة». (1: ص153 و312). وينسب له المسعودي أنه أساس مذهب الإمامية الإسلامية: «فكانت الوصية جارية، تنتقل من قرن إلى قرن إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبدالله أبي رسول الله (ص)».
ونقرأ في نص مكتوب بالفرعونية العامية عن الملك الهكسوس الأخير «أبو قيس» أنه ألغى جميع العبادات ما عدا عبادة الإله شيث الذي أقام له معبداً بجوار قصره الملكي (نصوص بريتشارد: 231).
ولم يكن الساميون، من عرب وكنعانيين، طارئين على مصر، بل من يدرس اللغة الفرعونية الأقدم يجد ما يقارب ثلاثين في المئة منها مفردات سامية عربية اللفظ. وهذا يعني أنهم كانوا طائفة كبيرة من المجتمع الفرعوني. بل إن تعبد السلالة الملكية الحاكمة لآلهة الكنعانيين، ومنهم شيث، تجعلنا نرجح أن هذه السلالة كانت من الساميين ومنهم الرعامسة بوجه خاص.
أمّا كيف سيطر الهكسوس على مصر فيأتينا التفسير من رواية سجلها ابن خلدون في «تاريخه»، وهي أن ملك مصر استنجد بالعماليق لإخماد ثورة على حكمه فأنجدوه واستولوا على السلطة. (2: 49). ويساند هذا القول ما كشفته نبشيات مدينة إيبلا السورية، حيث وجد فيها صولجان لفرعون من الأسرة الثالثة عشرة، هو حوتب إيبرع الذي كان، كما يبدو في زمنه تحت السيطرة على مصر حوالي سنة 1730ق.م. ويحمل هذا الصولجان رسم قردين يتسلقان حول اسم الملك، وتفسيرهما رمزياً هو أن الإفريقيين يهددون سلطة الملك. وكمقدمة لحركة الهكسوس نستعين بسجلات اللعان السحرية الفرعونية التي تعود للقرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد. فنقرأ في هذه السجلات أسماء ثلاث مدن كانت معادية لمصر باسم شوتو، وأسماء ملوكها هي: إيابم، وكوثر، ونربلونو، ولا نرى في هذه المدن إلاّ القرى المنتسبة لشيث في الجنوب اللبناني. وكما نرى الأسماء عربية النطق. وفي السياق ذاته يرد ذكر بلدتين باسم «سلم» وهما، كما نرى، «مجدل سلم» و«خربة سلم» في الجنوب اللبناني أيضاً؛ والمكان في هاتين البلدتين هما يقرعمو وسجعانو (نصوص بريشتارد، ص329).
وعندما حاول العالم الأميركي الكبير أولبرايت تعيين مواقع هذه المدن الثائرة لم يكن في ذهنه غير النصوص العبرية التي تذكر مرة واحدة «أبناء شيث»، كوصف للمؤابيين المعادين للإسرائيليين، في سفر العدد (24: 17). ولم يرَ في تسمية «سلم» غير أورشليم، على رغم أن هذه الأسماء سميت قبل ظهور هذه المدينة في زمن إبراهيم وملكي صادق. وافترض وجود ملكين معاً لمدينة واحدة. وما هذا إلاّ لغياب معرفة هذا العالم بقرى الجنوب ومواقعه التاريخية المستمرة بعمرانها منذ أقدم العصور.
ويرى الباحثان ستاندورف وسيل أن سجلات اللعان وما تحويه من أسماء مدن ثائرة على المصريين هي مفتاح سر سيادة الهكسوس على الحكم في مصر. (في كتابهما «لما حكمت مصر الشرق» ف3 ص25). وهذا يعني أن ملوك «الشيثيين» هم أنفسهم «الهيكشاسو»، أي أتباع الإله شيث، أو «شاث» يلفظه السريانيون على ما جاء في «تاريخ» الطبري. وهكذا تكون اجتهادات مانيتو أو جوزيفس في تفسير الاسم اجتهادات خاطئة. وتبقى كلمة «هيك» بمعنى ملوك. ولا نرى أن لمانيتو أو جوزيفس الحق أكثر ما في تفسير معنى الاسم، ما دام الأقدم منهما كتب اجتهاده بعد مرور ما يزيد على ألف ومئتي عام على زمن الهكسوس في مصر، وما دمنا نملك وثائق آثارية لم تكن في حوزته أو حوزة المؤرخين القدماء جميعاً.
وإذا قبلنا هذا التفسير للاسم يصبح أتباع شيث جميعاً متحالفين في سيطرتهم على السلطة في مصر، وتصبح المواقع الجغرافية المتعلقة بروايات هذه الشخصية هي الأمكنة التي جاءت منها الأحلاف. ولا يبقى الجنوب اللبناني وجبل حرمون وأرض فلسطين وجنوب سورية مصدراً لجيوش الهكسوس من العماليق فقط، بل تدخل بلاد الحجاز في مسرح هذه القبائل المتحالفة.
ونحن نقرأ في نص واضح كشفه لبيب حبشي سنة 1954 أن المصريين كانوا يحاربون الهكسوس بوصفهم «أمراء رطنو» أي آسياويين. فقد وجه كموس المصري رسالة تهديد لأبوفيس، بعد تدهور سلطة الهكسوس، يذكّره فيها أنه من منطقة رطنو، أي من أرض لبنان وفلسطين.
ولن نمر بصفة «أمير رطنو» في مصر من دون كشف أبعاد هذا الوصف. فقد وحد الهكسوس بلاد رطنو مع مصر منشئين بذلك إمبراطورية حدودها الفرات في الشرق، وأنشأوا تحصينات مهمة لحماية دولتهم في أرض فلسطين ولبنان. وتميزت أسوار حصونهم بأنها مستطيلة الشكل وهي ذات انحدار لمقاومة العربات وآلات الحصار. وقد عدد منها الأميركي أولبرايت: تل الفرعنة، لخيش، حازور، تل بيت مرسيم، قطنة، تل اليهودية، قادش، تل القاضي وغيرها.
ووفق هذه الفرضية نقرأ نص مانيتو عند ذكره تحصين البلاد من الشرق في وجه الأشوريين أن هذا التحصين كان في فلسطين ولبنان وليس في مصر. وعندما نقرأ عن طريق للعربات كانت تمر عبر جبال الجليل، وفي الشرق من بلدة يارون، ويسميها الأهلون «الطريق السلطاني»، فنفترض أن هذه الطريق أنشأها الهكسوس وبنوا حصوناً لحمايتها. وقد سلكها رعمسيس الثاني بعدهم، كما يرد ذلك في خطة سيره نحو عناتا (نصوص بريتشارد ـ ص256). هذا إلى وجود آثار مصرية، فنية ودينية، في مقام النبي شيث قرب حرمون وفي وادي قانا. وإلى وجود قرية سحماتا في الجليل، قرب الحدود اللبنانية، وهي باسم قرينة الإله بتاح، سنحمت (ولم يرد لها اسم لدى الكنعانيين). وكذلك بلدة مريمين (مرمي أمون)، في خراج بلدة يعثر بقضاء «صور». وهذه كان زارها رعمسيس الثاني.
وعلى هذا قد يكون المكان الأنسب للبحث عن هوية الهكسوس العماليق، بحسب الرواية العربية، هو جبل عامل، الذي حافظ على اسمه، وحافظ المؤرخون العرب على نسبة قبيلة عاملة للعماليق. ففي هذه الأرض توجد مزارات النبي شيث، الرمز الأعلى لهم. وفيها إثار مصرية كثيرة تبحث عن تفسير، ومجموعة من مقدسات الكنعانيين التي دخلت إلى معابد مصر ومدينة ممفيس بوجه خاص، ففي تاسوع هذه الحديثة: بتاح (بطاح)، بعلة (بلاط)، قدش (قدس)، بعل صافون (النبي صافي)، وصيدو (صفد) (نصوص بريتشارد ـ ص249). وهذه قرى ومزارات موجودة في أرض الجنوب اللبناني أي بلاد عاملة العماليق.
ويقع جبل عامل في جنوب الجمهورية اللبنانية على شاطىء البحر المتوسط ممتداً حتى حدود فلسطين الشمالية.
الدكتور يوسف حوراني
حدوده:
المستفاد من تحقيقات علماء هذه البلاد ومن توجيه نسبة العاملي عند متقدميهم لمن خرج من قرى هذه الناحية من العلماء أن حد هذه الجبال أو هذا الجبل يبتدىء من الشمال بمصب نهر الأولي شمالي صيدا فتدخل مدينة صيدا فيه ثم يذهب صعداً إلى الشرق شمالي قرية البرامية ويتجاوز في خطه قرية روم من جهة الشمال إلى أن يصل إلى جزين فيضم إليه واديها وشالوفها ويقطع جبل التومات منحدراً إلى مشغرة ويتصل بنهر الليطاني من شمالي سحمر ثم يذهب إلى أن ينحط على ينبوع نهر الحاصباني ويتجه عندئذٍ جنوباً على مجرى النهر المذكور فيدخل فيه جبل الظهر ومشغرة وعين التينة وميدون وسحمر ويحمر وقليه وزلايه ولوسه من قرى البقاع الجنوبي وتدخل فيه قرى كوكبا وبرغز وسوق الخان من ناحية حاصبيا ثم ينتهي هذا الخط على ضفة بحيرة الحولة الغربية وينعطف غرباً جنوبي مقام يوشع وشمالي الهراوي ويمتد غرباً فيتبع مجرى وادي فاره وينتهي عند مصب وادي القرن جنوبي قرية البصة فتدخل فيه قرية الخالصة من أرض الحولة وهونين وقدس ويوشع وصلحة والمالكية وتربيخا من القرى التي ألحقت بفلسطين وتدخل فيه قرية البصة التي كانت مثار نزاع بين العامليين وحكام عكا وصفد.
ولكن بعضاً آخر من العامليين لا يرون التوسع في حدود جبل عامل على هذه الصورة، بل يخرجون منه جبل الظهر وقرى مشغرة وعين التينة وميدون وسحمر ويحمر وقلية وزلاية ولوسة، كما ينفون أن تكون قرى كوكبا وبرغز وسوق الخان والخالصة ضمن حدود الجبل.
وإن ما حمل السابقين على التوسع في حدود جبل عامل أن عدداً من أعلام القرى التي ذكرناها ومنها مشغرة نسبوا إلى جبل عامل ولقب كل منهم بالعاملي، والظاهر أن هذه النسبة إنما هي من باب التغليب كنسبة عدد من أعلام قرية «كرك نوح» إلى جبل عامل وتلقيبهم بالعامليين، مع أن أحداً لم يقل أن كرك نوح هي من جبل عامل.
مساحته:
يبلغ متوسط طول هذا القطر من الجنوب إلى الشمال نحواً من ثمانين كيلومتر ومتوسط عرضه (إذا جعل منتهاه من الشرق الجنوبي ضفة بحيرة الحولة ومن الشرق الشمالي منتهي جبل الظهر إلى ساحل البحر نحواً من أربعين كيلو متر فيكون مربع المساحة نحواً من ثلاثة آلاف ومائتي كيلو متر مربع.
شكله:
هو جبل منبسط قليل السهول كثير الأودية والهضاب يمتد منه إلى البحر الرأس المعروف بالرأس الأبيض أو رأس البياضة أو بياضة الناقورة جنوبي صور ويمتد بعده إلى الشمال سهل صور وينتهي عند القاسمية ثم يبتدىء سهل عدلون حيث ينتهي عند رأس الصرفند ثم يبتدىء سهل الغازية وسهل صيدا إلى أن يجتاز الأولي إلى رأس الرميلة وراء حدود جبل عامل وفي نجود هذه الجبال سهول يرتفع موقعها عن سطح البحر أكثر من ستمائة متر كسهل مرجعيون المعروف بالمرج أو مرج الخيام وسهل الجرمق المعروف بسهل الميذنة في حضيض جبل الريحان وكسهل قدس في الجنوب وترتفع أعلى قنة فيه عن سطح البحر فوق مشغرة وهي قنة جبل التومات نحو ألف وثمانمائة متر وإلى جنوبي جبل التومات قنتا جبل الريحان وهما قنة سجد وقنة صافي ووراءهما إلى الشرق قنة أبي الركب وهذه القنن لا يتجاوز ارتفاعها ألفاً وستمائة متر عن سطح البحر وفي القسم الجنوبي قنة جبل المنارة وارتفاعها نحو ألف وأربعمائة متر، وهو يشرف من الشرق على سهول الجولان والحولة ومن الغرب على وهاد جبل عامل وسهوله وساحله.
تشيع جبل عامل:
يتساءل الكثيرون عن مبدأ تشيع جبل عامل وعن السر في بروز هذا الوسط الشيعي في هذا المكان بالذات.
وإذا كان العامليون يرجعون تشيع جبلهم إلى الصدر الأول من الإسلام ويروون أن أبا ذر الغفاري قد نزله منفياً من معاوية فبذر فيه بذرة التشيع حتى نمت وأثمرت واستمرت مستندين في ذلك إلى ما أورده المؤرخون من أن معاوية حين ضاق ذرعاً بأبي ذر نفاه إلى جبل من جبال الشام دون أن يسمي المؤرخون هذا الجبل ويستدل العامليون على أن الجبل كان جبلهم بوجود مسجدين ينسبان إلى أبي ذر في قريتين من قراه هما ميس والصرفند.
وإذا كان العامليون يتداولون هذا الأمر جيلاً عن جيل فإنه ليس بأيدينا مستند تاريخي يؤكده بل ليس لدينا إلاَّ هذه الشهرة الموروثة عن أسلاف العامليين سلفاً عن سلف دون الارتكاز على نص كتابي مدون.
وسواء صح هذا القول أم لم يصح فالذي لا ريب في صحته أن القرن الرابع الهجري قد شهد مداً شيعياً في العراق وإيران والشام وشمال أفريقيا ومصر. حيث كان البويهيون والحمدانيون والأدارسة والفاطميون وحيث وجد التشيع حريته فانتشر انتشاراً كبيراً، وليس كالحرية باعثاً على انتشار التشيع في كل زمان.
وكان جبل عامل واقعاً في حكم الفاطميين وظل تابعاً لهم حتى سقط كغيره من البلاد الإسلامية تحت سيطرة الصليبيين وخضع لهم.
وقد ورد في (كتاب الروضتين) لأبي شامة نص ثمين، فيه الدليل القوي على أن عهد الفاطميين هو عهد انتشار التشيع في جبل عامل، ونحن نأخذ هذا النص، تاركين للقارىء المصنف أن يحكم على أخلاق هؤلاء المؤرخين([277]) قال أبو شامة: (وفي أيامهم «الفاطميين» كثرت الرافضة وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال الساكنين بثغور الشام) وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ص497 ج18 وهو يتحدث عن الدولة الفاطمية: «قبح الله دولة أماتت السنة ورواية الآثار النبوية وأحيت الرفض والضلال، وبثت دعاتها في النواحي تغوي الناس». ثم يقول: «فبهم ضلت جبلية الشام وتعثروا».
ومن البديهي أن أهل جبل عامل هم من هذه الطوائف، وأن الوصف ينطبق عليهم، فهم من أهل الجبال التي في ثغور الشام.
ونحن نعلم أن التشيع كان منتشراً في ذلك الوقت لا في جبل عامل وحده بل في جميع بلاد الشام، والنصوص الواردة في رحلة ناصر خسرو حين مروره في طرابلس وغيرها من البلاد السورية واللبنانية والفلسطينية صريحة في الإشارة إلى ذلك([278]).
رأي لنا آخر في تشيع جبل عامل
بعد أن ارتأينا ما ارتأيناه فيما تقدم من القول، قرأنا في (معجم البلدان) ما يأتي:
«جبل الجليل في ساحل الشام… كان معاوية يحبس في موضع منه من يظفر به ممن ينبز بقتل عثمان بن عفان، فيهم: محمد بن أبي حذيفة وكريب بن أبرهة…» (انتهى).
وجاء في كتاب البلدان لليعقوبي: «من كور دمشق جبل الجليل وأهله قوم من عاملة». (انتهى).
وفي معجم البلدان عند ذكر لبنان: «جبل مطل على حمص يجيىء من العرج الذي بين مكة والمدينة حتى يتصل بالشام، فما كان بفلسطين فهو جبل الحَمَل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل». (انتهى).
والأردن هنا لا يقصد به ما يقصد اليوم من الدولة المعروفة. بل يقصد به ما كان مصطلحاً عليه في التقسيمات الإدارية في العهود الإسلامية كما حددها ابن شداد المتوفى سنة 684هـ في كتابه (الأعلاق الخطيرة). فقد كانت بلاد الشام مقسمة إلى خمسة أجناد، أي خمس مقاطعات، وهي: جند قنسرين، وجند حمص، وجند دمشق وجند الأردن، وجند فلسطين.
وعد ابن شداد جند الأردن كما يلي: طبرية، بيسان، صفد، هونين، تبنين، شقيف أرنون، شقيف تيرون، كوكب، قلعة سطور، صور، عكا، حيفا.
وحين تكون كل من هونين وتبنين وشقيف أرنون وصور ضمن الأردن، فإن ذلك يعني أن جبل عامل هو ضمن الأردن.
وحين يقول (معجم البلدان) في تقسيمه لجبل لبنان إن ما كان منه بالأردن فهو جبل الجليل، فهو يعني بذلك جبل عامل.
وجاء في ديوان (الرحيق المختوم) للسيد محسن الأمين عند ذكره لبلدة (قانا) هذا النص: «وكأنها هي التي تسمى (قانا الجليل) لأن الجليل اسم لجبل عامل». (انتهى).
على أن الذي حسم الأمر هو ما تقدم من قول اليعقوبي بأن من كور دمشق جبل الجليل وأهله قوم من عاملة.
إذن فإن جبل عامل هو المكان الذي اختاره معاوية ليحبس فيه من يتهمهم بقتل عثمان.
والاتهام بقتل عثمان وسيلة لمطاردة الشيعة والقبض عليهم، ولم يكن عددهم قليلاً، فلا شك أنهم شغلوا جزءاً كبيراً في المكان الذي اختاره معاوية في الجبل لحبسهم فيه.
بقي أن نعرف المقصود بكلمة الحبس هنا، فليس المقصود بها هو إيداعهم السجن، فما من سجن يمكن أن يتسع للألوف التي طاردها معاوية.
وإنما المقصود بحبسهم هو منعهم من مغادرة الأماكن التي أسكنهم فيها.
وإذا صح هذا الافتراض كان لنا أن نقول بأن هؤلاء المحبوسين ظلوا في الأرض التي حبسوا فيها إلى ما بعد معاوية، فكانوا أساس التشيع في جبل عامل.
ومن هنا فإننا يجب أن نتساءل لماذا احتفظ جبل عامل بتشيعه في حين أن التشيع زال من طرابلس وغير طرابلس، بدلاً من أن نتساءل متى بدأ التشيع في جبل عامل.
إن ما قضى على التشيع في المدن هو الاحتلال الصليبي الذي أدى إلى تهجير سكان المدن وإحلال الفرنج محلهم في حين أن التهجير لم يشمل سكان الأرياف وذلك لحاجة الفرنج لمن يزرع الأرض وينتج لهم حاصلاتها.
وقد أنبأنا الرحالة ابن جبير الذي اجتاز بجبل عامل وهو قادم من دمشق إلى صور سنة 580 عن كيفية التعامل بين المحتلين وأصحاب الأرض. قال ابن جبير: «ورحلنا عن تبنين… وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلهم مسلمون». ثم يقول أن السكان المسلمين يؤدون للفرنج نصف الغلة وجزية عن كل رأس دينار وخمسة قراريط، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة.
وكذلك كان حال القرى في غير جبل عامل في فلسطين وفي جميع بلاد الشام كما يذكر ابن جبير نفسه، إذ يقول بعد ذلك: «وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل: وسأبقيها كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع».
والصليبيون الذين عاملوا المدن بغير ما عاملوا به الأرياف والقرى أدت معاملتهم هذه إلى أن يزول الإسلام شيعياً وسنياً من المدن التي سقط بعضها حرباً كطرابلس وبيروت فاعمل فيها الصليبيون الإفناء والإجلاء وسقط بعضها تسليماً بشروط أدت في النهاية إلى نزوح أهلها، كما جرى لصيدا وصور. وبذلك حلت محل المسلمين جماعات الصليبيين وهام المسلمون شيعيين وسنيين على وجوههم في البلاد الإسلامية غير المحتلة فاقفرت طرابلس وغير طرابلس ثم خربت هذه المدن بفعل الحروب المتواصلة بعضها أخربه الصليبيون وبعضها أخربه المسلمون أنفسهم خوفاً من عودة الصليبيين وهكذا انقرض السكان الأولون وتفرقوا في كل مكان.
وعندما عادت تلك المدن إلى الحياة شيئاً فشيئاً بعد جلاء الفرنج قامت حياتها على سكان جدد نزلوها بعد عشرات السنين بحكم الظروف، وهكذا رأينا أن الذين أخذوا يتوافدون إلى طرابلس يوماً بعد يوم لم يكونوا من الشيعة، في حين أن الذين عادوا بعد ذلك إلى صور كانوا في أكثريتهم من الشيعة.
ولم يكن الأمر كذلك في القرى والأرياف ومنها جبل عامل ـ كما تقدم ـ أولاً: لأن هذه القرى لم تفتح كما فتحت المدن بل سقطت تبعاً لسقوط المدن. ثانياً: لأن الصليبيين كانوا بحاجة إلى سكان القرى فعملوا على تطمينهم وضمان سلامتهم. وذلك ليظلوا في أرضهم يزرعون ويفلحون فتظل الأقوات مؤمنة للحاكمين والمحكومين واكتفوا بمشاطرة السكان حاصلات الأرض وبضريبة فرضوها على الأثمار وأخرى على الرؤوس، كما قال ابن جبير.
وهكذا أتيحت الفرصة لسكان القرى أن يظلوا في قراهم فظل سكان جبل عامل كما ظل غيرهم، واحتفظوا بتشيعهم سليماً طيلة الاحتلال، ثم خرجوا به سليماً بعد الاحتلال وأورثوه للأجيال الآتية بعدهم حتى وصلنا في هذا العصر. وهكذا يمكن القول أن تشيع جبل عامل هو كتشيع غيره من البلاد كطرابلس وحلب وحمص وحتى دمشق([279])، وغيرها من البلاد الشامية. والفرق بينه وبين غيره أن العوامل التي أدت إلى زوال التشيع في غيره لم تصبه هو.
الحياة الفكرية:
ولو قدر لابن جبير أو لأي رحالة آخر أن يقيم فترة في هذه القرى فيحدثنا عن طراز حياة سكانها وألوان عيشهم في ظل الاحتلال، وفوق ذلك عن تفكيرهم وثقافتهم لأفدنا من ذلك فوائد عظيمة. ولكن ابن جبير كان مستطرقاً لم يقم في القرى ولا استبان له حالها في اللحظات التي اجتازها فيها.
ما شأن الشعر والأدب في جبل عامل خلال تلك الفترة؟ هل خبت جذوة الذهن العاملي فلم تشرق أبداً، أم أنها كانت تشرق ثم يلفها الدجى المطبق من كل صوب؟
والأرض التي أنبتت عدي بن الرقاع العاملي في مطلع القرن الأول الهجري، ثم أنبتت العشرات من الشعراء المبدعين بعد القرن السادس، ماذا كان شأنها منذ أوائل القرن الخامس حتى أوائل القرن السابع وهل يمكن أن تجدب الأرض المخصاب؟
ثم ماذا كان شأن العلم والفكر في تلك الحقبة الصليبية؟
من أقدم من وصلتنا أخباره من العامليين هو الشيخ جمال الدين إبراهيم بن الحسام أبي الغيث العاملي الذي كان حياً سنة 669هـ وهو الذي رثى أبا القاسم بن الحسين العود الأسدي المتوفى سنة 679هـ وأبو القاسم هذا عراقي حلي الأصل جاء إلى حلب في عهد النقيب عز الدين مرتضى فأسيء إليه إساءات مبعثها التعصب المذهبي مما اضطره للنزوح الى جزين حيث مات فيها سنة 679هـ ورثاه ابن الحسام بقصيدة مطلعها:
عرج بجزين يا مستبعد النجف
ففضل من حلها يا صاح غير خفي
ولكن نعلم ما كان عليه أمر جزين في ذلك الحين نضطر لنقل ما ذكره الذهبي في مختصر تاريخ الإسلام وهو يصف حادث حلب الفظيع واضطرار ابن العود للذهاب إلى جزين: «… وتسحب ابن العود من حلب ثم أنه أقام بقرية جزين مأوى الرافضة فأقبلوا عليه». ويمكن تحديد زمن انتقال ابن العود من حلب إلى جزين بما ذكره أبو ذر في كتابه كنوز الذهب في تاريخ حلب، الذي جاء فيه وهو يتحدث عن هذه القصة: «وقال القاضي شهاب الدين محمود أنا أذكر هذه الواقعة وأنا بحلب في الكتاب بعد 650».
إذن فإن جزين كانت حافلة بالعامليين بعد سنة 650 وهذا يدل على أنها كانت حافلة بهم قبل هذا التاريخ.
ونحن نعلم أن جلاء الصليبيين النهائي عن جبل عامل كان سنة 666هـ وكانوا قد جلوا قبل ذلك سنة 583هـ ثم عادوا. هذا باستثناء مدينة صور التي لم يجلوا عنها إلاّ سنة 690هـ.
ومن القدامى الذين وصلت إلينا أخبارهم من العلماء العامليين الشيخ نجم الدين طومان بن أحمد المناري، والأخبار الواصلة إلينا عن هذا العالم العاملي ليست كثيرة ولكنها ذات أهمية كبرى، فالذين ذكروه قالوا أنه توفي سنة 728هـ وأنه رحل إلى العراق لطلب العلم في مدينة الحلة وأنه من أساتذة الشيخ مكي والد الشهيد الأول محمد بن مكي.
وبين وفاة الشيخ طومان وبين جلاء الصليبيين اثنان وستون سنة، ولم يشر المؤرخون إلى سنة مولد طومان، ولكن مهما افترضنا قصر حياته (ولعلها لم تكن قصيرة بل طويلة) فإننا نستطيع أن نستنتج أن رحلة طومان إلى العراق كانت خلال الاحتلال الصليبي، وليس من المعقول أن يرحل أمياً أو جاهلاً، فلا بد من أنه كان على مقدار من التحصيل مهما كان شأنه فهو يدل على أن دراسته كانت قائمة في جبل عامل خلال الاحتلال، وأن هذه الدراسة أمكنها أن تعد طلاباً للذهاب إلى العراق كان طومان واحداً منهم.
يمكن أن نضيف إلى ذلك أن الذين ترجموا للشهيد الأول ذكروا أنه ابن الشيخ جمال الدين مكي ابن الشيخ شمس الدين محمد بن حامد. فقد وصف كل من أبيه وجده بالشيخ ولقب الأول بجمال الدين والثاني بشمس الدين ولم يوصف أبو جده ولم يلقب. ولنا أن نستدل بذلك على أنهما كانا من أهل العلم مما لم يكنه أبو جده، وإلاّ لما وصفا ولقبا على عادة أهل العلم، ولم يوصف ولم يلقب أبو الجد.
وقد رأينا أن والد الشيخ هو تلميذ الشيخ طومان الذي عاش في الاحتلال، فيكون جد الشهيد قد درس في جبل عامل خلال الاحتلال.
وهكذا نستطيع القول بأن العامليين تغلبوا على محنة الاحتلال وعلى ما حملتهم إياه تلك المحنة من ضيق وتضييق، وقدروا على أن يؤسسوا مدارسهم وأن يحتفظوا بوجودهم كاملاً لا ينقصه الجهل المؤدي إلى الذوبان والانحلال، وأن يظلوا أمناء على رسالتهم الفكرية الأصيلة، فحرسوا اللغة العربية وصانوا علومها في ذاك البحر الفرنجي الطامي وحرسوا علوم الشريعة وحفظوها وأورثوا ذلك للأجيال التالية أمانة خالدة.
العرب في جبل عامل
قلت في مطلع الكلام أن تسمية جبل عامل بهذا الاسم تعود إلى القبيلة العربية اليمانية «عاملة بن سبأ» فالجبل عربي أصيل في عروبته. ولكن إلى أي زمن يعود وجود العرب فيه؟
الذي لا ريب فيه أن وجود العرب في جبل عامل يعود إلى ما قبل سنة 332 قبل الميلاد أي إلى قبل حصار الإسكندر لمدينة صور. فعند حصار الإسكندر لها كانوا موجودين، لكن الذي لا نعرفه، هو إلى متى يمتد زمن وجودهم قبل الحصار.
ونكتفي هنا بإيراد بعض النصوص، جاء في الصفحة 541 من: «ريفيو بيبليك» في بحث عن الإسكندر في سوريا وفلسطين بقلم الأب ف.م. ابل: «خلال حصار الإسكندر لصور وبينما كان يسلح أسطوله ويصنع آلات القذف والهجوم، إذا به يعلم أن ثلاثين من رجاله قتلهم عرب من لبنان بغتة».
وذكر كنتوس كورثيوس المؤرخ الروماني الذي كتب في عهد الإمبراطور كلاوديس تاريخ الإسكندر (41 ـ 45ب.م) في عشرة كتب: «حدث أن هاجم المكدونيين بعض الفلاحين العرب على جبل لبنان فقتلوا حوالي ثلاثين منهم وأسروا بعضهم». ثم يقول: «وعهد ـ أي الإسكندر ـ في الإشراف على الأعمال إلى اثنين من قواده وزحف بقسم من الجيش إلى بلاد العرب» وهذه العبارة وردت في الفقرة 11 من الكتاب الرابع.
وقال الدكتور أسد رستم في مقال له: «والإسكندر الكبير إذا تحدته صور وصمدت في وجهه واضطر أن يحاصرها حصار طويلاً، أحب في يوم من أيام الحصار أن يروح عن النفس برحلة صيد قصيرة فقام من ضواحي صور ممتطياً جواده واتجه شرقاً متسلقاً جويا وتبنين، فوجد نفسه فجأة بين قوم من العرب هكذا يقول أريانوس أقدم من أرخ للإسكندر وأقربهم إليه زمناً».
ولكن كيف كانت الحياة العربية قبل وصول الإسكندر وبعد وصوله إلى أول الفتح الإسلامي؟ إن أحداً لا يستطيع الإجابة على هذا السؤال.
ويذكر الدكتور يوسف الحوراني في بحثه (المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني) ما يلي:
نقدر جيداً ما أورده سترابو الأغريقي حول وجود العرب في المنطقة (جبل عامل وما إليه) فهو كتب حول سكان (عوبوا) في بلاد الإغريق فقال: «وفي الأزمنة القديمة أقام فيها بعض العرب ممن اجتازوا البحر مع قدموس»([280]).
وهذا يعني أن العرب كانوا معروفين باسمهم خلال الألف الثاني قبل الميلاد على الشاطىء المتوسطي. ولا يمكن لهذه الملاحظة أن تكون من صنع سترابو أو أنها خطأ منه، لأنه ينتقد مثل هذه الأخطاء. ويناقش اسم العرب في مكان آخر من كتابه، فهو ينسب إلى (زينون) الرواقي تصحيح الاسم من (اليرامب) كما في الأوديسية لهو مريوس (84:4) إلى عرب، مع أن (بوزيدونيوس) السوري كتب اسم (آرامب) كما يقول سترابو([281]).
ووفق هذه النظرية، لنا أن نعتبر قبائل (شاسو) التي كانت تتآمر على سلطة (سيّ) الأول 1318 ـ 1301ق.م) في سلسلة جبال (خارو)([282]) من القبائل العربية.
وفي العام الثالث عشر للهجرة دخل المسلمون الفاتحون مدينة صيدا وصور وغيرها. وبذلك دخل جبل عامل فيما دخله غيره من البلاد المفتوحة، وصار جزءاً من ذلك المدى الواسع الذي ذابت فيه جميع الكيانات.
ومن هنا أننا لا نطمع في أن نجد لجبل عامل ملامح خاصة في تلك الفترة، ولا أن يكون له ما يميز تاريخه عن تاريخ غيره من الأقطار فيما عدا شيئاً واحداً ظل على طوال العصور ميزة جبل عامل وطابعه الفريد. وأعني به الفكر والشعر والأدب.
ففي العهد الأموي يبرز لنا من جبل عامل شاعر موهوب رفيع الصوت، يزاحم جريراً والفرزدق، ذاك هو عدي بن الرقاع العاملي الذي كان في الطليعة من شعراء ذلك العهد([283]).
وتمضي السنون خلال العهدين الأموي والعباسي، ولا شيء يميز جبل عامل عن غيره سوى الفكر والشعر والأدب. فنرى خلال مطالعتنا أسماء عاملية متفوقة في شتى ميادين الفقه والحديث واللغة والتفسير والتاريخ حتى الحرب والسياسة. فنسمع بأسماء بكار بن بلال العاملي وشهاب بن إبراهيم العاملي وهمام بن معقل العاملي وقبيس العاملي والحسن بن محمد العاملي وأبي سلمة الحكم العاملي وأبي عبدالله العاملي وثعلبة بن سلامة العاملي وسحيم بن وثيل العاملي. ومحمد بن محمد بن سماك العاملي ثم الغرناطي وعبدالمحسن الصوري والحسين بن أحمد بن عبدالأحد الصوري وأبو عبدالله محمد بن علي الصوري الرحالة الذي وصل إلى بيهق فأنشد رئيسها سعد بن منصور:
هل من قرى يا أبا سعد بن منصور
لخادم قادم وافاك من صور
وسليمان بن محمد الصيداوي وصالح الصيداوي ومحمد بن مكي الجزيني وأحمد بن الحسين العودي الجزيني وعلي الصائغ الجزيني. وأبو معن الصرفندي وإبراهيم الصرفندي وأبو عبدالله الصرفندي وغير هؤلاء ممن يعيا عنهم التعداد والإحصاء في كل عصر.
وأكثر من ذلك أن جبل عامل أصبح دار هجرة علمية يقصده الطلاب للدراسة في معاهده، وممن هاجر إليه لطلب العلم ناصر بن إبراهيم البويهي وعبدالله التستري وأحمد بن فهد الحلي وأبو مسلم وإبراهيم ابنا محمد شبانة وغيرهم.
وأول بحث منظم عن رجال الفكر والأدب والعلم في جبل عامل هو كتاب أمل الآمل. وكل الذين ذكرهم هذا الكتاب هم ممن ظهروا بعد القرن السادس الهجري.
وهكذا فإن تاريخ جبل عامل بعد الفتح العربي إنما هو قبل كل شيء تاريخ الفكر والقلم، وما عدا ذلك فتاريخ بسيط لا مأثرة تسمو به على غيره، ولا ظاهرة تميزه عما عداه من تاريخ البلاد العربية في شتى العهود، فقد كان يخضع لما تخضع له ويسير في الركب الذي تسير فيه.
لقد رأينا فيما تقدم أنه في مفتتح العهد الأموي يبرز شاعر يباري أكابر الشعراء، ويقتحم قصور الملوك والأمراء.
وهنا يبرز لنا تساؤل لا بد منه. كيف تأتي لهذه المنطقة أن تبرز مثل هذا الشاعر إذا لم تكن من قبل عريقة في الشعر؟ وما هي العوامل التي كونت شاعريته ومن هم الشعراء الذين سبقوه؟ والواقع أن الذي عرفنا بابن الرقاع هو اتصاله ببلاط دمشق ومزاحمته لجرير والفرزدق، ولولا ذلك لطمست أخباره. ومعنى هذا أنه لا بد أن يكون قد سبقه غيره من الشعراء الذين ضاعت أخبارهم.
ثم كيف كانت الحياة العربية قبل؟ وما هي العوامل التي كونت شاعرية عدي بن الرقاع العاملي؟ ومن هم الشعراء الذين سبقوه؟
كل ذلك طمسه التاريخ فلم يكشف لنا عنه. ولكن شيئاً واحداً يلفت النظر، هو أن مؤرخاً ذكر اسم «الظرب بن حسان بن أذينة بن هوين العاملي» وذكر أنه ملك العرب في الوقت الذي كان فيه ملك الفرس سابور.
فمن هو هذا الملك العاملي وما هو مدى استقلاله وما هي رقعة ملكه وما هي حقيقة عصره.
التفاصيل مجهولة والمصادر مفقودة ولكن في هذا القول الذي ذكره السمعاني في الأنساب ما يشعر أنه كان لبني عاملة ملك كالغساسنة والمناذرة، وأن ملكهم يسمى ملك العرب.
وإذا كنا قد عرفنا الكثير عن ملوك الغساسنة واللخميين عند الفتح العربي فإننا لا نعلم أي شيء عن ملوك العامليين، هذا إذا كان قد بقي لهم ملوك حتى أوائل الفتح، بل إننا لا نعرف أي شيء لا عن الملوك فحسب بل عن الشعب وحياته وعلاقاته الأولى مع بني قومه الفاتحين وموقفه منهم وموقفهم منه.
جبل عامل
ـ 2 ـ
كان جبل عامل يشكل القسم الثاني من ولاية صيدا وامتدت حدوده من نهر الأولي شمالاً حتى الرأس الأبيض جنوباً، ومن البحر المتوسط غرباً حتى بحيرة الحولة بعرض ثمانين كلم شرقاً. وهي منطقة منبسطة تشمل هضاباً وسهولاً داخلية وساحلية.
وفصل مجرى نهر الليطاني هذه البلاد إلى قسمين: جنوبي وشمالي، ضم القسم الأول منها مقاطعات تبنين وهونين وقانا ومعركة، أمّا المنطقة الشمالية فهي الشقيف والشومر والتفاح.
وقد كان لتكوين جبل عامل الطبيعي وموقعه، أثر هام في تطور حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فموقعه كحلقة اتصال بين جبل الدروز وفلسطين وسوريا، جعله يتأثر إلى حد كبير بتقلبات ميزان القوى في المناطق المجاورة له. فتوزعت قراه في الداخل وعلى هضاب هذا الجبل، بعيداً عن الساحل حيث الصراع على امتلاك مراكز التقاء المواصلات الداخلية. كما كان لهذا الموقع أثره على السكان، فكون هذه البلاد تشكل حلقة اتصال مع جيرانها، حتم عليها الاستفادة من النهضة الاقتصادية التي شهدتها قراهم في القرن الثامن عشر، فنتيجة لنجاح زراعة القطن والتبغ ومن ثم حصولهم على التزام مرفأ صور سنة 1759م، سعى زعماء تلك البلاد إلى مضاعفة قوتهم العسكرية وزيادة نفوذهم السياسي، فاهتموا بتحصين القلاع والحصون المنشرة في ربوع وشواطىء بلادهم، كقلعتي الشقيف وتبنين وغيرهما نظراً لما تتمتع به هذه القلاع من أهمية استراتيجية.
وكانت مدينة صور بمثابة سوق لجبل عامل، والمنفذ البحري الذي يصدر منه السكان منتجاتهم الزراعية إلى الخارج، ويستوردون عن طريقه ما يحتاجون من سلع. ويكتنف المدينة سهل خصيب مروي كان يزرع بالقطن والذرة والشعير والقمح والتبغ، ونظراً للرواج الذي كانت تلقاه السلعة الأخيرة في دمياط، اهتم السكان بزراعتها للغاية.
ومعظم سكان جبل عامل من الشيعة. وعرفت هذه البلاد في العصور الحديثة باسم بلاد بشارة، و«بلاد المتاولة» منذ أن أطلقت هذه التسمية على شيعة هذه البلاد، وقد راجت التسمية الأخيرة بين القناصل الأوروبيين، في التقارير التي كانوا يرسلونها إلى حكوماتهم (Pays dy Mutualis).
وكان يحكم هذه البلاد في القرن الثامن عشر مجموعة من المشايخ الإقطاعيين المتاولة، يتولى كل منهم إدارة إحدى مقاطعاتها. ويقيم فيها مع أتباعه المزارعين، الذين يتعهدون أرض المقاطعة لحسابه، في مأمن بعيداً عن أي تصد مفاجىء من قبل السلطات العثمانية. وينتمي هؤلاء المشايخ إلى ثلاث عائلات إقطاعية، كانت لها السيادة الأولى في جبل عامل، وهم بنو صعب في مقاطعة الشقيف وبنو منكر في الشومر والتفاح وبنو علي الصغير في بلاد بشارة، وكانت زعامة البلاد في البيت الأخير.
وكان بإمكان كل شيخ أن يجند عند الحاجة من مئتين وخمسين إلى ثمانمائة رجل، إذا اجتمعوا معاً يشكلون قوة قتالية قوامها ألفان وخمسمائة خيال. وثلاثة آلاف وخمسمائة مشاة تقريباً([284]). وقد اشتهروا بشجاعتهم في كل سوريا، وعند الحاجة تصدر الأوامر إلى جميع القرى بالاستعداد للمسير ضد الأعداء والوحدة الدينية تكاد تكون هي الرباط الوحيد لاتحادهم السياسي، وأشار الدبلوماسي الفرنسي (Paradis)([285]) بأنه شاهدهم يقاتلون بترتيب ونظام، مما جعلهم ينتصرون على أعدائهم الذين يفوقونهم عدداً. ويخضع هؤلاء المشايخ لسلطة شيخ أعلى يدعى «شيخ المشايخ»، يقيم في قلعة تبنين، أمنع مواقع هذه البلاد، يجمع الميري منهم ومقدارها مئتا كيس ويدفعها لوالي صيدا، وكان يأتي في الأهمية بعده الشيخ قبلان حاكم مدينة صور. وحين كانت تسوء علاقة هؤلاء المشايخ مع الباشا العثماني، كانوا يتمنعون عن دفع الضريبة ويهددون بالاصطدام مع قواته، وقد نقل إلينا القنصل الفرنسي في صيدا صورة لعصيانهم، ومدى ضعف سلطة الوالي عليهم.
«… طلبت من الباشا الحاكم أن ينصفني، لكنه أبدى لي استياءه من تصرف هذا الشيخ المتمرد (أي ناصيف النصّار) الذي يتمنع عن دفع الميري المتوجبة للسلطان…»([286]).
«… أرسل الشيخ (أي ناصيف النصّار) مائة وخمسون فارساً لمصادرة البضائع، وأمرهم بمصادمة قوات الباشا إذا حاولت منعهم…»([287]).
وتحالف زعماء هذه البلاد في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، مع قوى محلية تمردت على السلطة العثمانية في بلاد الشام الجنوبية ومصر (ظاهر العمر وعلي بك الكبير)، فأنزلوا معاً هزائم مذلة بقوات كل من والي دمشق وأمير جبل الدروز يوسف الشهابي، لكن ما لبث هؤلاء الزعماء أن سقطوا الواحد تلو الآخر.
أحمد باشا الجزار والي صيدا
وبنهاية الشيخ ظاهر العمر في أواخر آب (أغسطس) سنة 1775م استولى الأميرال العثماني حسن باشا على عكا وحكمها بنفسه، ومع اقتراب عواصف الخريف فكر الأخير في سلامة أسطوله الراسي في ميناء حيفا غير الأمين. وفي هذه الأثناء وصل إلى عكا محمد باشا العظم، واقترح على الأميرال جعل ميناء عكا تابعاً لإدارة والي صيدا، وكاد أن يتم ذلك لو لم يصل أحمد بك الجزار إلى عكا في التاسع عشر من أيلول (سبتمبر)، فسلمه القبطان بنفسه إدارة المرفأ وجعله محافظاً للمدينة، ولم يكن يحمل في ذلك الوقت رتبة الذيلين، وعين الأميرال والياً على صيدا محمد ملك باشا.
وعند استلام محمد ملك باشا مهام ولايته الجديدة، حاول أن يجمع الميري المفروض على جبل عامل، لكن مشايخ هذه البلاد امتنعوا عن إعطائه سوى ما كانوا يدفعونه سابقاً، وهو أقل بكثير مما طلب منهم، وظلت المنطقة الواقعة خلف عكا في الداخل، وأغلب الجليل تحت سلطة أبناء ظاهر، وخشي السلطان العثماني أن يبقى الميناء في عزلة عن المناطق الداخلية، فقرر توسيع وظيفة الجزار وترقيته إلى رتبة أعلى.
وفي الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1775م نقل محمد ملك باشا إلى ولاية مرعش، وحضر بعد ذلك بيومين فرمان بترقية الجزار إلى رتبة بيلر بك ولاية صيدا (أي باشا بذيلين)، وبدلاً من أن يحضر ليقيم في مدينة صيدا، أرسل إليها متسلماً من قبله، في حين بقي هو في عكا وجعلها مركزاً للولاية.
ما هي الأسباب التي دفعت الوالي الجديد إلى التخلي عن مدينة صيدا، التي تعاقب جميع الباشاوات الذين حكموا الولاية، على الإقامة فيها وإدارة الحكم منها منذ تاريخ إنشائها؟
الواقع أن أحمد باشا الجزار كان على معرفة تامة بما يصيب الولاة العثمانيين، حين تشعر الدولة بأنهم قد أثروا وأصبحوا يشكلون خطراً عليها. ونظراً لأنه كان قد قرر في قرارة نفسه، أن يحتفظ بمنصبه بإرادة الباب العالي أو رغماً عنه، وبما أن عكا كانت منيعة الجانب نظراً لما أقامه فيها ظاهر العمر من أسوار وتحصينات ومدفعية، في حين كانت صيدا مهددة من كل الجوانب وبدون تحصينات، فهي لا تناسب مخططات الباشا، فاختار الأولى لتكون لإدارة الولاية.
وما لبث أن رقي الجزار إلى رتبة الذيل الثالث، وامتلأت خزائنه بالمال وأمن القوة العسكرية اللازمة لفرض هيبته على رعاياه، فلم يبق أمامه سوى هم واحد وهو التخلص من أبناء الشيخ ظاهر العمر، فقد كان يشعر بأنه ما دام هؤلاء أحراراً فلن يجد الراحة. وكانوا قد حاولوا أن يفرضوا حصاراً اقتصادياً على عكا، فمنعوا وصول المؤن إليها من البر، لعل ذلك يدفع الجزار إلى التخلي عنها لكن الأخير صمد. وحين عين والياً على صيدا أصبح شرعياً سيد الجليل، وكان على يقين تام بأنه إذا لم يتخلص من أبناء ظاهر فستظل سلطته إسمية.
وبدلاً من أن يجهز حملة مباشرة لتصفية أخصامه هؤلاء، سعى إلى إضعافهم عن طريق التفرقة فيما بينهم، بالرغم من أن ذلك مخالف لأوامر الباب العالي، وحاول أن يكسب بعضهم إلى جانبه، عن طريق الخداع والمسالمة والصداقة والعروض السخية، وسمح لهم ولأنصارهم بدخول عكا والخروج منها ساعة يشاؤون، بل ذهب بعيداً إلى حد الاعتراف رسمياً بهم حكاماً على المناطق الخاضعة لهم.
وكان الشيخ علي ظاهر العمر هو العقبة الكؤود التي واجهت الجزار، فقد كان من أقدر المحاربين ويقود قوات كفوءة وتثق به، وقد انتصر بها في معارك عديدة. وتأكد للباشا بأنه لن يتمكن من أن يكون سيد ولايته ما لم يتخلص من هذا الشيخ، وتمكن بوسائل متعددة أن يجرد الأخير مساندة أخوته، وفي شهر حزيران (يونيه) سنة 1776م كتب الجزار إلى الباب العالي يبلغه بأن عثمان وأحمد وسعيد، قد استجابوا لنداء الأمان.
وبعد أن جرد الجزار الشيخ علي الظاهر من مساندة إخوته، سعى إلى كسب مشايخ جبل عامل نظراً لما يتمتع به هؤلاء من قدرة قتالية فانتقل إلى مدينة صور واجتمع إلى حاكمها حمد العباس، ثم حضر إليها ثانية واجتمع مع الشيخ ناصيف النصّار، ويبدو بأنه قد تصالح مع العامليين في هذه الاجتماعات، ودليلنا على ذلك مرافقة هؤلاء للباشا في حملته التي كان يستعد لها.
وبتخلص الجزار من خطر الشيخ المذكور، شعر بأنه لم يعد بحاجة إلى باقي إخوة الأخير الذين تعاونوا معه، فقبض عليهم وسجنهم مع أولادهم ونسائهم ثم تخلص منهم تباعاً. وحين رأى العامليون ما حلّ بأبناء ظاهر العمر، توقعوا أن تكون الحملة التالية على بلادهم، فانسحبوا إليها وحشدوا حصونهم بالمقاتلين والأسلحة واستعدوا للقتال. وبالفعل فقد صدق حدسهم فما لبث القبطان حسن باشا أن قرر الاستفادة من الرعب الذي ألقاه جنوده وبحارته في بلاد الشام، لتحصيل الأموال الأميرية المتأخرة المستحقة للدولة. فاتفق مع والي صيدا على تجهيز حملة على جبل عامل، لتهديم قلاعه وحصونه وجمع الميري من ملتزميه. لكن مشايخ الجبل اتفقوا على تجنب العاصفة القادمة، التي قد تسبب في تدمير ونهب بلادهم والقضاء عليهم، فقرروا مفاوضة الأميرال العثماني.
وخشية أن يصيبهم ما أصاب أبناء ظاهر العمر، إذا حضروا لعكا للتباحث حول شروط الصلح، تطوع الشيخ قبلان للقيام بهذه المهمة فقدم إلى عكا بالنيابة عن باقي المشايخ ونجح مسعاه في الوصول إلى الاتفاق التالي:
أولاً: أن يقف زعماء جبل عامل على الحياد بين المتنازعين على النفوذ في المنطقة.
ثانياً: أن يدفعوا الميري([288]) بصورة منتظمة وتقسيط المتأخر منها على الشكل التالي:
(أ) أن يفوا فوراً أي في شهر أيلول (سبتمبر) سنة 1776 مبلغ 150 كيساً.
(ب) أن يدفعوا 150 كيساً خلال سبعة أشهر و300 كيساً خلال سنة 1777م.
ورضي الأميرال عن هذه الاتفاقية، ووجدت هوى في نفسه وحفظت ماء وجهه، لأنه كان يخشى مهاجمة جبل عامل، نظراً لانتشار القلاع والحصون في ربوعه، وما عرف عن سكانه من شجاعة وفروسية ومهارة في القتال وتعلق بالحرية. وفكر بأنه قد يلاقي نجاحاً أكثر من أمراء ومشايخ جبل الدروز، وطلب من زعماء عاملة الاشتراك بقواتهم في تلك الحملة. لكن هؤلاء اعتذروا للأسباب التالية.
أولاً: وجدوا أن مصلحتهم تقضي بأن يبقى جبل الدروز متمرداً على الوالي، فخضوع وولاء هذه البلاد للسلطة، سوف تؤدي بهم إلى العودة لحياة الكر والفر، التي كانت سائدة قبلاً في النصف الأول من القرن الثامن عشر بين جبل الدروز وجبل عامل، حين كان ولاة صيدا يحرضون الأمير الشهابي الحاكم على الزحف على قرى جبل عامل، كلما امتنع سكانها عن تلبية طلبات الباشا الابتزازية. فإذا تمكن العامليون في ذلك الوقت من الصمود، ومنعوا أمراء ومشايخ جبل الدروز من تحقيق أي نصر نهائي، فمرده إلى عدم وجود أي خطر قائم على حدودهم الجنوبية، لأن ظاهر العمر كان في ذلك الوقت منهمكاً في إقامة دولة قوية في الجليل، ثم ما لبثوا أن تحالفوا معه.
ثانياً: تبدل الوضع على حدود جبل عامل الجنوبية، فقد أقام الجزار دولة قوية مرهوبة الجانب، تمكنت من تدمير دولة ظاهر العمر أعني أعتى قوة سياسية في بلاد الشام خلال الربع الثالث من القرن الثامن عشر.
ثالثاً: الاشتراك في الحملة المرتقبة على جبل الدروز يحتاج إلى مصاريف باهظة، هم في غنى عنها الآن لأنها لن تعود عليهم بالنفع، بل العكس سوف يؤدي إلى مضاعفة نفوذ والي صيدا.
رابعاً: كانوا على ثقة تامة أن نجاح حملة الباشاوات على جبل الدروز، وارتفاع هيبة والي صيدا سوف تدفعه إلى اجتياح جبل عامل، وفرض سيطرته على هذه المنطقة الفتية.
ويبدو أن الباشاوات قد قبلوا هذا الموقف السلبي من المشايخ العامليين، ولم يلحوا عليهم في طلب المساعدة، كما لم يحاولوا تأديبهم على تصرفهم هذا بانتظار فرصة أنسب. وذلك لاضطرارهما إلى نقل الجانب الأكبر من قواتهما الزاحفة على جبل الدروز عبر جبل عامل، ومن الضروري عدم عرقلة سيرها أو التصدي لها في تلك البلاد الوعرة. فقبلا اعتذار المشايخ العامليين، واكتفاؤهم بالوقوف على الحياد في الصراع المقبل، وعدم التصدي للقوات المتنقلة في بلادهم إلى جبل الدروز.
وبالفعل فقد احترم العامليون تعهدهم، وسمحوا للقوات الغازية بالانتقال من عكا عبر جبل عامل إلى صيدا، ولم يعترضها أحد من سكانه وأقام أحمد باشا الجزار معسكراً عند مدخل المدينة. ثم ما لبث أن حضر إليها القبطان بحراً في 3 آب (أغسطس) 1776م، وكتب إلى الأمير يوسف يطالبه بالميري، واستطاع الأخير بعد مصاعب شاقة أن يؤمن له المبلغ وانتظره في بيروت، لكن عساكر الجزار استولت على المال، ونهبت وذبحت عدداً من سكان المدينة، فأثار ذلك غضب القبطان حسن باشا ويؤكد الذين شاهدوه بأنهم لم يشاهدوا انفجار غضب يشبه ذلك الانفجار، ونظراً لأنه لم يعد بإمكانه العودة إلى عكا وإجبار الوالي تسليمه المبلغ، فقد استدعى الأمير يوسف وترك له الأخير حملاً من الحرير قدرت قيمته بحوالي المليون ليرة فرنسية.
نكبة جبل عامل
شكل مشايخ جبل عامل قوة مهيبة تطلعت إلى محالفتها قوى محلية في بلاد الشام الجنوبية ومصر، وكانت تمردت هي أيضاً على السلطات العثمانية، وتطلعت إلى استغلال موارد بلادها، والتخلص من عسف الولاة وظلمهم. وتمثلت هذه القوى في ظاهر العمر في الجليل وعلي بك الكبير في مصر، وأنزل المتحالفون هزائم مذلة بقوات كل من والي دمشق عثمان باشا الصادق، وأمير جبل الدروز يوسف الشهابي، في دمشق والحولة والنبطية وسهل الغازية وزحلة، لكن هؤلاء الزعماء المتمردين ما لبثوا أن سقطوا الواحد تلو الآخر([289]).
وبإسناد ولاية صيدا إلى أحمد باشا الجزار عام 1776([290]) تجنب في الفترات الأولى من حكمه الصدام مع العامليين، لما يعلمه عن شجاعتهم ووعورة بلادهم. وما أن ازدادت ثقته بنفسه وبقدرته على التعامل معهم بحزم حتى قرر عام 1781 الاستفادة من فرمان عثماني يأمره بالسير إلى بلاد عاملة وتدميرها([291]). فوجد فرصة لتحقيق مكاسب عديدة تتلخص في مضاعفة ثروته وتعزيز مكانته في الآستانة وإقامة حكم مركزي فعال. كما أن في نجاحه إرضاء السلطات العثمانية التي كانت تنظر شزراً إلى شيعة العراق ولبنان واليمن، لتجانسها الديني مع بلاد الفرس الشيعية، التي كانت في حالة حرب مع العثمانيين.
وفوجىء مشايخ جبل عامل باجتياح قوات الجزار لبلادهم، وجرى اقتتال في يارون الداخلة ضمن بلاد بشارة في 23 أيلول (سبتمبر) 1781 انتهى بهزيمة المشايخ([292])، الذين خشوا أن يتعرضوا للذبح والقتل والإهانة عند توغل القوات العدوة في بلادهم، ففروا بعيالهم وأنصارهم واختفى بعضهم في بلاد بعلبك لدى مشايخ آل حرفوش والبعض الآخر في بلاد عكار لدى محمد بك المرعبي (الأسعد)([293])، وتوجه العلماء إلى البلاد الإسلامية النائية كالهند وإيران وأفغانستان، فقدموا بتعاليمهم خدمات جلى إلى الإسلام والشيعة الإمامية([294]). وغادر صور جميع سكانها حين علموا بالنكبة التي حلت بالمشايخ، خشية أن تأتي قوات الباشا وتحتل المدينة ويصيبهم ما يصيب عادة البلاد التي تجتاحها قوات الجزار من قتل وذبح ومذلة([295]). وإذ ركز الجزار سلطته في مقاطعات جبل عامل عاد ووجه عساكره لتفرض حصاراً على قلعة الشقيف وكان معتصماً بها الشيخ حيدر الفارس مع أتباعه الذين أبدوا بسالة فائقة في الدفاع عن أنفسهم([296]). وحين فشلت خطة الباشا لاحتلال القلعة بالقوة، سعى بالوعود المغرية، فحضر إلى الشقيف في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1781، عندما قيل له بأن المحاصرين مستعدون أن يستسلموا له شخصياً، فأعطى بتعليمات صارمة بعدم أذية أي فرد منهم، وأقطع للشيخ وأتباعه الذين كانوا معه من سكان القرى المجاورة للشقيف، والتي كانت دمرت كلياً، إقطاعاً ليعيشوا فيه ويكون لهم كملك([297]) وهذه السياسة السلمية ليضمن تأهيل المنطقة بالسكان، وزراعة الأرض الخصبة التي تحولت إلى بور، من الهجرة الجماعية التي نفذها الأهالي بعد اقتتال يارون وتاليا سوف تعود عليه بفوائد اقتصادية عظمى.
لكن هذا الشعب الأبيّ الذي اعتاد أن يكون مستقلاً بعيداً عن تسلط ولاة صيدا وأمراء جبل الدروز، أبى أن يخضع لحكم الجزار وقواته. فما أن عاد الجزار إلى عكا، حتى هرب معظم السكان حاملين ما استطاعوا حمله، والتجأوا إلى والي دمشق عدو الجزار التقليدي فأقاموا في أمان وطمأنينة([298]).
واستبدل الباشا المنتصر بمشايخ مقاطعات جبل عامل ضباطاً عنده، ولهم فرق عسكرية قادرة على السيطرة بفاعلية على تلك المقاطعات([299])، لكن العامليين شكلوا فرقاً انتحارية للإغارة على معسكرات الجزار، وعقب كل غارة من الثوار على المعسكرات العثمانية في بلادهم، يوجه الباشا عساكره إلى القرى العاملية لمطاردتهم، فيعيثون في البلاد فساداً، ويصادرون الغلال ويضيقون على من تبقى من السكان، ويفرضون عليهم الغرامات النقدية والقيام بأعمال السخرة، وفي ظروف كثيرة يسترقون النساء والأطفال والرضع ليباعوا في أسواق النخاسة([300]).
وسرعان ما حانت الظروف للانتقام من الظلم والعذاب في جبل عامل من الجزار وجنده فاستجاب الأهالي للدعاية التي أطلقها بونابرت لكسب ولاء بلاد الشام، فجربوا أن يتعاملوا معه لعلهم يتخلصون من العذاب والآلام والاضطهاد، فأمد بونابرت مشايخ جبل عامل بقوات من عنده استعادوا بها مقاطعاتهم السابقة([301]).
لكن سيادة العامليين على بلادهم لم تستمر طويلاً فعادوا وفروا منها، مذ تجمعت مجموعة من العوامل أجبرت الفرنسيين على الانسحاب والعودة إلى مصر، وعلى الفور باشر الجزار انتقامه من خصومه الذين وقفوا إلى جانب الفرنسيين، أو أولئك الذين لم يبادروا إلى نجدته في محنته، فأنزل بمن أمسكه منهم العذاب الأليم، حتى أن الكثيرين منهم قضوا بين أيدي الجلادين([302]).
وبوفاة الجزار في الأسبوع الأول من شهر أيار (مايو) 1804([303]) تسلم معاونه إسماعيل باشا ولاية صيدا رغم إرادة السلطات العثمانية([304]). فتعاون العامليون وزعماء الشوف لاستعادة السيادة على المقاطعات العاملية، وأنزلوا معاً هزيمة قاسية بضباط الباشا عند مرجعيون. ففر من نجا من هؤلاء إلى صور، حيث كانت تجمعت نجدة أمدهم بها إسماعيل باشا، فتقدموا إلى جبل عامل، وهزموا العامليين ومقاتلي الشوف في صدام جرى عند أراضي قلعة هونين([305]).
وباقتراب الحملة العثمانية القادمة عبر جبل عامل من دمشق إلى صيدا لقمع تمرد إسماعيل باشا، فر ضباط الجزار([306])، واستعاد العامليون السيادة على مقاطعاتهم، وتطلعوا إلى استعادة ما كان لهم من نفوذ ومكانة بارزتين في بلاد الشام الجنوبية، وأن يكون لهم دور فعال في تطوراتها السياسية، والاستئثار بخيرات بلادهم الاقتصادية([307]).
وبسقوط عكا في أيار (مايو) 1805، لم يجد سليمان باشا، والي صيدا الجديد، شيئاً من كنز الجزار الذي كانت تنتظره الآستانة بفارغ الصبر([308]) فبادر واتخذ الإجراءات التي تؤمن له الموارد المالية اللازمة، لأن رضى الآستانة عليه واستمراره في منصبه يتوقفان على ذلك. وبعد أن جمع مبالغ باهظة من الأمير بشير الشهابي، وجه عساكره إلى جبل عامل، فاحتلت قلاع تلك البلاد ومقاطعاتها، للاستئثار بمواردها، والحيلولة دون قيام قوة مرهوبة على الحدود الشرقية الشمالية لولاية صيدا، وعاد مشايخ جبل عامل إلى التمرد، وشكلوا فرقاً انتحارية([309]).
وخشي سليمان باشا عودة جبل عامل إلى وضعه السابق، وما يتطلبه من عساكر كثيرة توزع في مقاطعات تلك البلاد، ومصاريف سوف تذهب بالجانب الأكبر من الأموال التي سيجمعها من الولاية، وتاليا سوف يضطر إلى الأخذ بسياسة سلفه الجزار، وما يلي ذلك من خراب اقتصادي وإقفار لتلك البلاد من سكانها. ووجد من الأفضل له، أن يتبع سياسة التهدئة والتقرب إليهم وطمأنتهم إلى مصيرهم، وأدرك أن نجاحه في هذه المهمة، يتطلب تكليف طرف ثالث مفاوضتهم، فارتأى أن يوسط الأمير بشير الشهابي في هذه القضية([310]).
وبعد مفاوضات طويلة تم التوصل إلى اتفاق يقضي بعودة العامليين إلى بلادهم، وأن يترأس عليهم بصفة شيخ مشايخ فارس ناصيف النصار([311])، وأعطاهم سليمان باشا إقليم الشومر عوضاً عن أملاكهم التي كان سلبهم إياها الجزار([312])، ولكنه لم يفرغ أقاليم جبل عامل من قواته، فاستبقى جزءاً منها تحت تصرف آغاوات عينهم كمتسلمين مسؤولين عن فرض سلطة سليمان باشا في مقاطعات جبل عامل([313]).
الدكتور حسين سلمان سليمان
الاقتتال في يارون
وشهدت الفترة الممتدة من (1776 ـ 1781م) سلسلة من الفتن الداخلية في جبل الدروز، استفاد منها مشايخ جبل عامل فامتنعوا عن دفع الميري المتوجبة على بلادهم وتعدوا على القوافل التجارية التي كانت تجتازها من صيدا في طريقها إلى فلسطين وبالعكس فصدر فرمان سلطاني إلى والي صيدا يأمره بالسير على جبل عامل وتدميره للأسباب التالية:
1 ـ تمردهم أيام ظاهر العمر (تعاونهم مع علي بك الكبير ومحمد بك أبو الذهب). ومشاركتهم في الحملات على والي دمشق (دورهم في هزيمة عثمان باشا الكرجي على جسر بنات يعقوب).
2 ـ غزواتهم على منطقة دمشق إذ هاجموها بقوة مؤلفة من 300 إلى 500 خيال.
3 ـ امتناعهم عن دفع الميري بالرغم من تعهدهم السابق بدفعها سنوياً.
4 ـ الاستيلاء سابقاً على أماكن متعددة من ولاية صيدا مثل شفا عمرو وحيفا وعكا.
وكان الجزار قد ازدادت ثقته بالتعامل معهم بحزم، فقرر الاستفادة من الفرمان المذكور لتحقيق عدد من المكاسب.
أولاً: تعزيز مركزه وزيادة قوته عما كانت في السنوات السابقة، وإقامة حكم مركزي فعال في الولاية.
ثانياً: عدم استمرار بقاء مراكز قوى مستقلة، وحكم ذاتي في المنطقة يعيق خططه تلك.
ثالثاً: تحقيق مكاسب مادية، بالسيطرة على بلاد جبل عامل الغنية بمواردها الزراعية واحتكار تجارتها والاستيلاء على ثروات وكنوز مشايخها.
ونظراً لما يعلمه عن مدى شجاعة وكفاءة السكان القتالية، ووعورة البلاد وما تتضمنه من حصون وقلاع، قرر تجهيز حملة قوية قادرة على تحقيق آماله. فجمع قوة تقدر بحوالي الثلاثة آلاف رجل، وجعلها بقيادة معاونه سليم نظراً لأن الباشا لا يعرض حياته في مغامرة خطرة غير مأمونة العواقب.
وفوجىء الشيخ ناصيف باجتياح قوات الجزار لبلاده، فخرج على رأس ألف فارس للتصدي للحملة، والتقى بالعساكر المهاجمة عند قرية يارون الداخلة ضمن بلاد بشارة، وجرى اقتتال بين الفريقين في 23 أيلول (سبتمبر) سنة 1781م انتهى بمقتل الشيخ العاملي وحوالي ثلاثمائة إلى أربعمائة من مقاتليه، من بينهم أخوة الفارس أحمد وعدد من القادة في حين خسر سليم باشا ثلث قواته، ثم تقدم الأخير بعساكره في بلاد بشارة لتحطيم القلاع السبع الرئيسية فيها (هونين وتبنين ويارون وميس وصربا وجباع وشمع). واستولت العساكر على ميناء صور.
وخشي مشايخ جبل عامل أن يتعرضوا للذبح والقتل والإهانة عند توغل قوات الجزار في بلادهم، ففروا بعيالهم وأنصارهم واختفى بعضهم في بلاد بعلبك لدى مشايخ آل الحرفوش، والبعض الآخر في بلاد عكار لدى محمد بيك المرعبي (الأسعد)، وقدم اثنان منهم الطاعة للجزار، في حين صمد الشيخ حيدر الفارس برجاله الستمائة في قلعة الشقيف، وفشلت جميع جهود الجند لاحتلال تلك القلعة.
وعادت قوات الباشا وهي تحمل معها ثروات هائلة، جمعوها من مقتنيات مشايخ وسكان جبل عامل التي خضعت لهم وسبى الجند النساء والأطفال وباعوهم في الأسواق للراغبين في الشراء كما نقلوا كميات كبيرة من مؤلفات ومخطوطات نادرة، كان قد وضعها علماء تلك البلاد، الذين غادروها عقب تعرضها للاحتلال، وتوجهوا إلى البلاد الإسلامية النائية كالهند وإيران وأفغانستان. فقدموا بتعاليمهم خدمات جلّى إلى الإسلام والشيعة بخاصة.
وكان فرح الجزار كبيراً بنجاح حملته، نظراً لأن هذه العملية سوف تكسبه مكانة ونفوذاً في الآستانة وفي ولايته، لأنه أخضع واستولى على منطقة استعصت على معظم ولاة صيدا، كما أصبح سيد بلاد مزدهرة وأراضي خصبة غنية. تضم مدينة ومرفأ صور التجاري التي غادرها جميع سكانها، حين علموا بالنكبة التي حلت بالشيخ ناصيف النصّار، خشية أن تأتي قوات الباشا وتحتل المدينة ويصيبهم ما يصيب عادة البلاد التي تجتاحها قوات الجزار، من قتل وذبح ومذلة ونهب.
وشعر والي صيدا أنه لن يستفيد من أهمية هذه البلاد الاقتصادية، ما لم يبادر إلى إعادة سكانها لكي يقوم بحمايتها واحتكارها، لأنها سوف تملأ خزائنه بما سيجمعه من ثرواتها. فحضر إلى صور لكي يؤكد بشخصه، بقاء كل ما يخص زعماءها، وتأمين ممتلكات السكان. وأشارت إلى ذلك الوثائق الفرنسية الصادرة عن صيدا بقولها.
«… أذاع هنا وفي كل الأمكنة التي لجؤوا إليها، أن بإمكان جميع الذين خرجوا العودة إلى صور دون خشية أو خوف، سواء منه أو من أي شخص آخر…» ([314]).
واستبدل الباشا مشايخ مقاطعات جبل عامل الذين فروا من البلاد متسلمين مؤقتين من قبله، لأن من سياسته عدم إبقاء أحد مدة طويلة في المراكز ذات الأهمية، وزودهم بوحدات عسكرية قادرة على السيطرة بفعالية على القرى، وعامل هؤلاء المتسلمين رعاياهم بقسوة لانتزاع الدراهم التي قد تكون معهم.
وأظهر السلطان العثماني رضاه الكامل عن عملية تدمير مشايخ جبل عامل، وأرسل للجزار أحد موظفيه ومعه هدية مكونة من سيف وخلعة ثمينة، لكن مظاهر الشرف هذه لم تجعله بعيداً عن مطالبة الباب العالي له، بتأدية الحساب عن الثروة التي استولى عليها في هذه الحملة.
وقد انعكس تأثير هذه الحملة على تجارة الفرنسيين في صيدا، وسببت في بروز عاملين متناقضين الواحد للآخر.
1 ـ تقلص حجم التجارة الفرنسية في تلك البلاد، ولم يعد يجني التجار الفائدة نفسها التي كانوا يحققونها، من استهلاك المشايخ لكميات كبيرة من الأقمشة والسلع الأخرى، ولم يعد بإمكان التجار أن يبيعوا شيئاً بعد هرب هؤلاء.
2 ـ زادت قيمة القطن المغزول المرسل إلى فرنسا، وصدّر التجار الفرنسيون في سنة 1782م خمسمائة بالة زيادة عن السنة التي قبلها، لأن أحداً ممن تبقى من السكان لم يعد يجرؤ أن يبدو عليه أي مظهر ثراء، كما غادر البلاد عدد كبير من المشايخ الأثرياء ورافقهم في هروبهم عائلاتهم وأتباعهم خوفاً من الإهانة.
حصار قلعة الشقيف
وبتركيز الجزار لسلطته في مقاطعات جبل عامل، عاد ووجه عساكره لتفرض حصاراً على قلعة الشقيف التي كان معتصماً بها الشيخ حيدر الفارس مع أتباعه، وبالرغم من القصف المدفعي الذي كانت تتعرض له القلعة، فقد صمد الشيخ شهراً كاملاً. ولم تستطع عساكر الباشا تحقيق أي كسب، بسبب رداءة القنابل المستعملة وجهل المدفعجية بأصول استخدام سلاحهم، وشجاعة المحاصرين الذين أبدوا بسالة فائقة في الدفاع عن أنفسهم، خشية أن يصيبهم ما أصاب أبناء ملتهم.
وحين فشلت خطة الباشا لاحتلال القلعة بالقوة، سعى إلى تحقيق ذلك بالوعود المغرية للأسباب التالية.
1 ـ خشي أن تطول فترة الحصار أكثر، وما يتطلبه ذلك من نفقات باهظة.
2 ـ صمود العامليين فترة أطول يؤدي إلى إزالة الهيبة والمكانة والخوف، التي كان يثيرها اسمه في ولاية صيدا، بعد احتلاله حصن دير حنا، وانتصاره على الشيخ ناصيف النصّار في معركة يارون.
3 ـ خطر بقاء قواته في هذه البلاد المعادية له، واقتراب فصل الشتاء وما يصحبه من برد قارس في هذه المنطقة الجبلية.
4 ـ من مصلحته أن يتم تسليم الحصن عن طريق المفاوضات، ليضمن سلامة محتوياته من نهب قواته فيما لو سقط عنوة، لأنه كان يعلم أن القلعة تحوي ثروات هائلة وضعها فيها العامليون، لإنقاذها من أعدائهم نظراً لمناعتها.
وقد أكد هذا الاعتقاد الأخير سلوك الباشا، الذي حضر شخصياً إلى الشقيف في الرابع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1781م، عندما أكدوا له بأن المحاصرين مستعدون أن يستسلموا له شخصياً، مما سبب في تذمر قواته التي كانت تمني النفس، بأنها كما اعتادت ستكون مكافأتها القيام بنهب ما تجده.
واستسلم الشيخ حيدر الفارس ورجاله وسلموا الحصن للباشا، وكان يقيم فيه ما يقارب ثلاثمائة عائلة أظهر الجميع لهم الاحترام عند خروجهم، وأعطى والي صيدا تعليمات صارمة بعدم أذية أي فرد من المستسلمين، بحيث أن أحداً منهم لم يتألم من أي شيء. وأقطع للشيخ وأتباعه الذين كانوا معه من سكان القرى المجاورة للشقيف والتي كانت قد تدمرت كلياً ـ إقطاعاً ليعيشوا فيه ويكون لهم كملك. وقد اتبع هذه السياسة السلمية ليضمن تأهيل المنطقة بالسكان، وزراعة الأرض الخصبة التي تحولت إلى بور، بسبب الهجرة الجماعية التي نفذها الأهالي بعد اقتتال يارون، وبالتالي ستعود عليه بفوائد اقتصادية عظمى.
الفرق الانتحارية
لكن هذا الشعب الذي اعتاد أن يعيش مستقلاً، بعيداً عن تسلط ولاة صيدا وأمراء جبل الدروز، أبى أن يخضع لحكم الجزار وقواته. فما إن عاد الآخر إلى عكا، حتى هرب معظم السكان حاملين معهم ما استطاعوا حمله، والتجؤوا لدى والي دمشق عدو أحمد باشا التقليدي، فأقاموا في أمان وطمأنينة، وقد تم هروب الشيخ حيدر الفارس وأتباعه، بتفاهم سري مع هذا الباشا.
وفي هذا الوقت كان الجزار قد ركز سلطته في مدينة صور، ووجد شيخ المدينة نفسه وحيداً بعد فراره منها، وانقطع كل اتصال بينه وبين عائلته وأتباعه، فاضطر أن يدخل في طاعة الجزار. فأمنه الأخير واستقبله بحفاوة لتشجيع باقي المشايخ وأتباعهم على العودة إلى مناطقهم، ومنحه التزام قرى بالقرب من صور مقابل رسم سنوي مقداره ألفي قرش، وكانت هذه القرى تدر على ملتزمها الجديد دخلاً يمكنه من العيش بيسر.
ومع ذلك فقد ظل هذا الشيخ مع سكان أقطاعه، يترقبون الفرصة المناسبة لنيل حريتهم والتخلص من الجزار، والعودة إلى حكم بلادهم بأنفسهم كما كانوا سابقاً. وظنوا أن حلمهم بات وشيك التنفيذ، حين بدأت تنتشر في جبل عامل إشاعات، بأن الباب العالي سوف يرسل حملة بحرية وبرية لتدمير الجزار، وصار السكان يتصورون أن عزل الباشا سيتم بين لحظة وأخرى.
وفي اليوم الثامن من أيار (مايو) 1782م مرّت من أعالي شاطىء مدينة صور، البارجة الفرنسية الملكية (Auror) يرافقها سبعة عشر مركباً تجارياً. فظن العامليون أنها حملة القبطان المزعومة، فأعلنوا عن فرحتهم بدون تحرز، واتفق الشيخ مع جميع أبناء ملته للانقضاض على قوات الجزار الموضوعة في جبل عامل، عند أول نبأ عن نزول الأميرال في عكا. ولكن وصلت أنباء هذه المؤامرة إلى مسامع الباشا. فعزل الشيخ واقتيد مع أعوانه مكبلاً بالحديد إلى عكا، ووضعهم على هذه الحالة في أحد سجونها.
ولما كان الجزار لا يسامح هكذا مؤامرة، أمر بطرد جميع المتاولة وعاملهم بوحشية متناهية أشار إليها المؤرخون المعاصرون.
«… ثم آل أمر حريمهم وبقية عيالهم وأولادهم إلى أن داروا في البلاد يشحذون…»([315]).
وامتد هذا التدبير بعد توقيف شيخ صور على متاولة صيدا التي كان يسكنها عدد كبير منهم، لكنه لم يلبث أن أعادهم خشية استنكار الباب العالي لهذا العنف نحو شعب لا حول له ولا قوة.
ورغم النكبات القاسية التي نزلت بأبناء جبل عامل، فقد أبى هؤلاء الاستكانة والاستسلام وتمكن الشيخ الفارس ناصيف النصّار وإخواته وباقي المشايخ الذين فروا إلى بعلبك وعكار، من تشكيل فرق انتحارية أخذت تتسلل إلى جبل عامل، وصاروا يكمنون لعمال الجزار وجنوده ويفتكون بهم ويغيرون على القوافل التجارية المارة.
وعرفت هذه الفرق الانتحارية لدى العامة باسم «طياح» أي قطاع الطرق، وكانوا يطلبون من البلاد مال الميري والذخائر والمؤن، فالقرية التي تدفع المطلوب فيها تسلم من أذيتهم وشرهم، والتي تتردد في ذلك أتوا إليها ليلاً ونهبوها وقتلوا مشايخها، ثم يختفون بسرعة قبل قدوم العساكر.
وفشلت جميع محاولات الجزار للإيقاع بهؤلاء الطياح، وأقام مراكز عسكرية كثيرة كانت تدعى «السردلة» أرسلها للبحث عنهم في جبل عامل لكنها كانت تعود خائبة. ثم عين عساكر من العامليين أنفسهم، ومع ذلك لم يجده ذلك نفعاً، لأنهم حين كانوا يحضرون للبحث عن المشايخ العصاة، يكون هؤلاء قد انتقلوا إلى مناطق أخرى وعرة أو إلى أطراف البلاد، في حين يكون جنود الجزار في أول البلاد. وأشار إلى ذلك المؤرخ إبراهيم العورة بقوله.
وقد عانت بلاد عاملة كثيراً من هجمات أولئك الطياح، لأنها وقعت بين نارين نار متسلمي الجزار وجنوده ونار الثوار. فكان الباشا يرسل متسلميه وجنوده السردلة لملاحقة العصاة، فيعيثون في البلاد فساداً ويضيقون على السكان، ويغير الثوار على القُرى فيسلبون وينهبون ويحرقون ما يصادفهم من أمتعة، ومن ثم يفرون في بطون الأودية أو يعتصمون في قمم الجبال.
وكان الأهالي يدفعون الميري والذخائر للمتسلمين والعساكر السردلة، الذين كانوا يدّعون بأنهم يحافظون عليهم من التعديات، هذا إلى جانب ما كانت تعانيه البلاد التي يمر بها هؤلاء من أعمال السخرة ومصادرة الغلال والمواشي والدواب. كما كانوا يدفعون الميري والذخائر للمشايخ المذكورين وأتباعهم بحجة أن البلاد بلادهم وأهاليها عبيد لهم.
وبعد أن أخضع الجزار جبل عامل، وأقام ضباطه حكاماً على مقاطعاته وحكم تلك البلاد حكماً مباشراً ازدادت مكانته في الآستانة فصدرت إليه أوامر سنة 1784م بتجهيز حملة لتدمير دولة المماليك في مصر، على اعتبار أنه الوحيد القادر على تنفيذ هذه المهمة، نظراً لثرائه الفاحش وكفاءة ووفرة قواته. وفي الوقت نفسه الذي تلقى فيه تلك الأوامر، وصلته رسائل من المماليك ينذرونه فيها، بتنفيذ تعهداته والتمرد معهم ضد السلطان العثماني. ولكن الجزار تمكن من التخلص من هذا المأزق، بإيهام كلا الطرفين بحدوث تطورات في ولايته تستدعي عدم مغادرته لها.
فسعى إلى إثارة حرب أهلية في جبل الدروز، عن طريق التفرقة بين ذوي النفوذ فيها، أو التلويح للطموحين في الأسرة الشهابية بمنصب الأمير الحاكم، أو عن طريق إثارة الكراهية والعداء فيا بينهم بمختلف السبل والوسائل. ووجد في ذلك فرصة لتحقيق عدة أهداف كان يتطلع إلى تنفيذ بعضها، منذ أن أوكلت إليه مسؤولية الولاية.
1 ـ خداع السلطان والحفاظ على صداقته مع مماليك مصر.
2 ـ التغلب على مشكلة وعورة الجبل وصعوبة اختراقه.
3 ـ تنفيذ حلمه القديم بالقضاء على نفوذ أمراء ومشايخ جبل الدروز، وجعل ضباطه متسلمين على مقاطعاته.
ونجح الجزار بإثارة العداء بين ملتزم جبل الدروز الأمير يوسف الشهابي وخاله الأمير إسماعيل الشهابي متسلم مقاطعتي مرجعيون وحاصبيا التابعتين لإدارة ولاية دمشق، وأمد الأمير الأخير بقوات من عنده، أقامت معسكراً لها في جزين لكنها هزمت في جباع. كان ذلك بمثابة الصدمة للباشا، الذي لم تهزم قواته في كل المعارك التي خاضها، ففرض حصاراً اقتصادياً على جبل الدروز الذي لا ينتج من الحبوب الغذائية ما يكفي حاجة سكانه، لعله يتمكن عن طريق التجويع تحقيق ما عجز عنه عسكرياً أي بتأليب جميع رعايا الجبل على أميرهم حين يشعرون بالجوع، وبالتالي الضغط عليه لقبول شروط الباشا.
ولم يكتب لهذه السياسة النجاح مما دفع الباشا في الأول من حزيران (يونيو) 1784م إلى تسيير قواته ورجال الأمير إسماعيل نحو جبل الدروز، وما كادت تلك العساكر تتوغل وتقيم لها معسكراً، حتى جاءها أمر بالانسحاب فوراً، وسيرها الباشا إلى جبل عامل الذي ازداد فيه نشاط الثوار.
فقد استغل الطياح انغماس الجزار في القتال الدائر بين أمراء آل شهاب في الشوف، وسحبه أعداداً كبيرة من قواته المتواجدة في بلاد عاملة لمساندة حليفيه الأميرين الشهابيين إسماعيل وسيد أحمد. فزادوا من غاراتهم وهجماتهم على القوات القليلة المتبقية في بلادهم، وتشجع فتيانهم الذين فروا إلى دمشق فحضر حوالي ستمائة فارس منهم، وشكلوا مع الطياح قوة مهاجمة انضم إليها حوالي ألف من فلاحي جبل عامل. وشجعهم الأمير يوسف الشهابي وتحالف معهم، وسهل إمدادهم بالسلاح والمؤن والمقاتلين.
وتقدم الشيخ عقيل ناصيف النصّار ومعاونه مرعي فدوني، بهذه القوة في الجبال المؤدية إلى قلعة تبنين، وكان هدفه استخراج الثروة التي كان قد تركها والده مطمورة تحت شجرة في الحصن، وكانت قد فشلت جميع جهود الجزار للعثور عليها.
وفوجىء الشيخ الشاب بوجود قوة مسلحة من المغاربة، كان قد تركها الباشا في القلعة لحفظ الأمن في البلاد المجاورة، فأفنى تلك القوة ونقل الكنز إلى مكان أمين. ولم يقتل من رجاله سوى أربعة، ثم غادر القلعة بعد أن ترك فيها حامية من رجاله، وأحرق ونهب عدة قُرى وتابع زحفه نحو عكا.
وأصيب الجزار بالذهول حين ترامى إليه، النصر الذي أحرزته قوات الطياح في تبنين، وخشي من انتفاضة سكان جبل عامل والتفافهم حول الشيخ الشاب. مما قد يؤدي إلى استقلالهم وتعرض قواته للفناء، نظراً للتحالف القائم بين العامليين وأمير جبل الدروز، وما يلي ذلك من قطع الإمدادات عن عساكره التي تقاتل في الشوف. فقرر إخماد الفتنة في مهدها، والحيلولة دون ازدياد نفوذ متمردي جبل عامل بين أبناء ملتهم، وبالتالي تدهور مكانته بين رعاياه.
أنكر أحمد باشا تعرض قواته للهزيمة في تبنين، وأطلق في الأول من حزيران (يونيه) 1784م مدافع قلعة صيدا، احتفاء بانتصار جنوده على عصاة جبل عامل. وأغلب الظن بأنه تصرف على هذا الشكل لتأكيد نفي الهزيمة، إذ لا يعقل أن تتحرك عساكره من معسكرها على بعد ساعة من صيدا، وتتوجه إلى بلاد عاملة وتحارب الطياح وتنتصر عليهم من خلال ساعتين قبل حلول الظلام.
وعند الساعة الرابعة من مساء الأول من حزيران (يونيه) 1784م، أصدر أمراً إلى القوات التي كان قد سيرها في ذلك اليوم لاجتياح جبل الدروز، بالانسحاب وأرسلها من جديد إلى جبل عامل واضطر الأمير إسماعيل الشهابي العودة بأتباعه إلى صيدا، وقصف الباشا أربعة قُرى عاملية ودمرها تدميراً كاملاً، كما تمكنت قواته من الانتصار على الطياح. وفي الثاني من حزيران (يونيه) عرض الباشا رؤوس القُرى المتمردين خارج أبواب المدينة، كما أمر بخوزقة أحد الزعماء العامليين. وقد تصرف بهذا الشكل لتحقيق هدفين مهمين في تثبيت سلطاته.
1 ـ إثارة الرعب والخوف لدى سكان الولاية، فلا يجرؤ أحد على مخالفة أوامره لأن ذلك سوف يكون مصير كل متمرد.
2 ـ ترهيب أنصار الأمير يوسف فيتخلون عن نصرته.
وبعد أن أعاد النظام في جبل عامل، ترك والي صيدا جانباً من القوات التي أرسلها إلى هناك للحفاظ على الأمن فيها وسحب ما تبقى لاستخدامه في حملة جديدة على جبل الدروز المتمرد عليه، وعزل الأمير يوسف الشهابي وأقام عمه الأمير سيد أحمد وخاله الأمير إسماعيل كحاكمين على تلك البلاد، رغم معارضة جميع السكان واعتبارهم الأميرين المذكورين كمغتصبين للسلطة، وتوقع القنصل الفرنسي في صيدا أن تفشل الحملة إذا استمر مشايخ الجبل متحدين.
«سوف يصدونه إذا استمروا متحدين…»([316]).
وشعر أحمد باشا الجزار بأنه لن يتمكن من تحقيق ما يصبو إليه، وإذا عاند واستمر عدوانه فسوف يواجه مخاطر ومضايقات كثيرة وذلك للأسباب التالية:
1 ـ ضآلة حجم قواته البالغ عددها أربعة آلاف جندي.
2 ـ ضخامة عدد مقاتلي الأمير يوسف البالغ عددهم عشرين ألف مقاتل.
3 ـ اتحاد أخصامه واندفاعهم للدفاع عن مقاطعاتهم بإخلاص وحُسن نيّة.
4 ـ صعوبة التوغل في تلك البلاد المغطاة بالجبال العالية، والتي تخترقها الأودية الوعرة.
فتخلى عن مشروع إخضاع جبل الدروز بالقوة، وسعى إلى استعمال الحيلة عن طريق استقطاب بعض الزعماء من ذوي النفوذ ونجحت خطته هذه واضطر الأمير الحاكم يوسف الشهابي إلى التخلي عن الالتزام لصالح خاله الأمير إسماعيل وعمه الأمير سيد أحمد على أن يحكما معاً، وتعهد الأميران المذكوران أن يدفعا بالتقسيط للجزار ألفاً وثلاثمائة كيس. وبالطبع فإن مبلغاً كهذا سوف يجبى من السكان عن طريق استحداث ضرائب جديدة، لكن أمراء ومشايخ الجبل رفضوا دفعها، وفشلت كل الجهود التي قام بها الحاكمان بالرغم من مساندة الجزار لهما.
فاستجاب الأخير لنصائح مستشاريه وأعاد في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1784م الأمير يوسف الشهابي، ملتزماً على جبل الدروز بالإضافة إلى مقاطعتي حاصبيا ومرجعيون وفقاً للشروط التالية:
1 ـ يتعهد الأمير بأن يدفع للباشا مقابل التزام البلاد المذكورة مبلغاً مقداره ألف كيس سنوياً.
2 ـ يتعهد الأمير بأن يدفع بدل الالتزام الذي كان في عهدة الأميرين إسماعيل وسيد أحمد والبالغ قيمته ألفاً وثلاثماية كيس.
3 ـ أن تقسط الأموال على دفعات مؤلفة من خمسمائة كيس كل ثلاثة أشهر.
4 ـ أن يسترهن الباشا لديه الشيخ سعد الخوري إلى حين تسديد كامل المبلغ المقرر.
وفي هذه الأثناء ساد اقتناع بالآستانة بقوة الجزار العسكرية والاقتصادية، وأنه أحد الولاة القلائل القادرين الاعتماد على أنفسهم لتمويل وقيادة قافلة الحج بفعالية. فصدر فرمان آخر يوم السبت في الأول من أيار (مايو) 1786 بجعل اثنين من مماليكه سليمان باشا والياً على طرابلس وسليم باشا والياً على صيدا. وأشارت التقارير الدبلوماسية الفرنسية الصادرة عن عكا إلى ذلك بقولها.
«…أصبح الجزار سيد سوريا الأوحد، تخضع لأمره البلاد الممتدة من اللاذقية شمالاً إلى غزة جنوباً ومن البحر المتوسط غرباً إلى بادية الشام شرقاً يحكم هذه البلاد الشاسعة بواسطة ضباط…»([317]).
وكان قد بدأ يسود التذمر والشكوى، لدى مشايخ وأعيان القُرى المجاورة لمدينة صور، والخاضعة لحكم ضباط الجزار. وصاروا ينتظرون الفرصة المناسبة للتخلص من حكامهم، والعودة إلى حياتهم السابقة للأسباب التالية:
* معاناتهم من ظلم هؤلاء المتسلمين، والضيق الواقع عليهم لاضطرارهم إلى دفع الميري والذخائر والمؤن مضاعفة للحكومة والطياح.
* لم يعد لهم أملاك شاسعة يعتاشون منها، ولا يجيدون مهناً للعمل بها، ولا تعودوا ممارسة التجارة، ولا يمكنهم التسول، بل يفضلون الموت على ذلك.
* يتحدّرون من طبقة اجتماعية اعتادت رفاهة العيش، وأن تكون حاكمة لا محكومة.
وشعر هؤلاء المشايخ أن انتقال الجزار من عكا إلى دمشق، ومن ثم توجهه بالدورة إلى منطقة نابلس، فرصتهم التي كانوا يتحينونها لاستعادة سيادتهم على قلاعهم ومقاطعاتهم السابقة. نظراً لتوزع قوات الجزار في ولايات صيدا وطرابلس ودمشق، لاضطراره لاصطحاب أعداد وافرة منهم في الدورة وأشار إلى ذلك القنصل الفرنسي في عكا Regnault بقوله:
«…الاستفادة من ابتعاد الوزير لاستعادة حريتهم…»([318]).
وعقدوا اجتماعات متعددة لهذا الغرض، تمّ فيها الاتفاق على الانقضاض على عمال وجنود الوالي في جبالهم، وقرروا أن يستهلوا مخططهم بالهجوم على صور وذبح عساكر ومتسلم الجزار فيها.
ولكن علم سليم باشا بالمؤامرة قبل تنفيذها، فأصدر أمراً إلى متسلم مدينة صور باعتقال المشايخ والأعيان المتآمرين وإرسالهم إلى عكا، وفي اليوم الرابع عشر من أيار (مايو) 1785م نفذ الباشا بهم عقوبة الإعدام، فخوزق أربعة وثلاثين منهم على أبواب المدينة، على مرأى من القنصل الفرنسي في عكا (Regnault)، الذي كتب إلى حكومته قائلاً:
«…لا يزالون حتى الآن ويُشاع بأنهم سوف يستبدلون بعدد من أبناء وطنهم، الموقوفين كذلك والمتهمين بالتحالف مع المتمردين…» ([319]).
وعلم سيد سوريا بما حدث في صور وجوارها، وكان يستعد للخروج بقافلة الحج من دمشق إلى مكة، وكانت جماعة من العامليين، من آل علي الصغير قد فرّت إلى مشغرة، وأقامت فيها بإذن وحماية الأمير يوسف الشهابي فخشي أن يستغل هؤلاء فرصة غيابه وتوزع قواته بين ولايات طرابلس وصيدا ودمشق، ومرافقة عدد من تلك العساكر لقافلة الحج الشامي، فيتوجه هؤلاء المشايخ إلى جبل عامل بمساعدة الأمير الشهابي الحاكم، للانتقام لما أصابهم على يد الباشا وقواته. فقرر أن يزيل مخاوفه بالقضاء عليهم عن طريق الأمير يوسف، والفرصة متاحة أمامه الآن نظراً لوجود الشيخ سعد الخوري مربي ومستشار الأمير يوسف ـ مرتهناً لديه، وبذلك سوف يجبر الأخير على تنفيذ ما يطلب منه، ولن يجرؤ مطلقاً على معارضته خشية تعرض الشيخ سعد لأي أذى، كما يتمكن من تحقيق هدفين مهمين في وقت واحد:
* ضرب التحالف العاملي الشهابي وزرع بذور الفتنة والانشقاق بينهما والحيلولة دون اتحادهما ثانية.
* القضاء على آل الصغير اللاجئين في مشغرة دون أن يتكلف شيئاً.
وقبل خروج الجزار بقافلة الحج أصدر أمراً إلى الشيخ سعد الخوري، أن يكتب إلى سيده أمير جبل الدروز بإلقاء القبض على مضيفيه العامليين، وإرسالهم إلى والي صيدا سليم باشا. واستجاب الأمير يوسف للأمر وسلّم العامليين إلى عدوهم، وقد أثار تصرفه هذا استنكار المعاصرين، لأنه يتنافى وتقاليد المنطقة التي تحث حماية اللاجىء والدفاع عنه، وأشار إلى ذلك المؤرخ حيدر الشهابي([320]) بقوله:
«…لم يحفظ الجوار ويرعى الذمام… ولام الناس الأمير يوسف على ذلك…».
وبوفاة الجزار في الأسبوع الأول من شهر أيار (مايو) 1804م، تسلم معاونه إسماعيل باشا مقادير الولاية رغماً عن إرادة السلطات العثمانية([321])، فتعاون العامليون مع زعماء الشوف لاستعادة السيادة على المقاطعات العاملية. وأنزلوا معاً هزيمة قاسيةً بضباطِ الباشا عند مرجعيون. ففر من نجا من هؤلاء إلى صور، حيث كانت قد تجمعت نجدة أمدهم بها إسماعيل باشا، فتقدموا إلى جبل عامل، وهزموا العامليين والدروز في صدام جرى عند أراضي قلعة هونين([322]).
وباقتراب الحملة العثمانية القادمة عبرَ جبل عامل من دمشق إلى صيدا لقمع تمرد إسماعيل باشا، فرَّ ضباط الباشا واستعاد العامليون السيادة على مقاطعاتهم، وتطلعوا إلى استعادة ما كان لهم من نفوذ ومكانة بارزتين في بلاد الشام الجنوبية، وأن يكون لهم دور فعالٌ في تطوراتها السياسية، والاستئثار بخيرات بلادهم الاقتصادية([323]).
وبسقوط عكا في أيار (مايو) 1805م، لم يجد سليمان باشا والي صيدا الجديد شيئاً من كنز الجزار الذي كانت تنتظره الآستانة بفارغ الصبر، فبادر باتخاذ الإجراءات التي تؤمن له الموارد المالية اللازمة، فَرِضى الآستانة عليه واستمراره في منصبه يتوقفان على ذلك. وبعد أن جمع مبالغ باهظة من الأمير بشير الشهابي، وجه عساكره إلى جبل عامل، فاحتلت قلاع تلك البلاد ومقاطعاتها، للاستئثار بمواردها، والحيلولة دون قيام قوة مرهوبة الجانب على الحدود الشرقية الشمالية لولاية صيدا([324]). فعاد مشايخ جبل عامل إلى التمرد من جديد، وشكلوا فرقاً انتحارية، وأشارت إلى ذلك مجموعة (BEI) من وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية بقولها:
تمرد المتاولة وأسرفوا في تجاوز السلطة، ولم يعودوا راغبين في أن يكونوا تابعين لحكومة عكا، ويرفضون استقبال المتسلمين المعينين في صور وباقي الأماكن([325]).
وخشي سليمان باشا من عودة جبل عامل إلى وضعه السابق، وما يتطلبه ذلك من عساكرَ كثيرةٍ تُوَزَّعُ في مقاطعاتِ تلك البلاد، ومصاريفَ سوف تذهبُ بالجانب الأكبر من الأموال التي سيجمعُها من الولاية، وبالتالي سوف يُضْطَرُّ إلى الأخذِ بسياسة سلفِه وما يلي ذلك من خرابٍ اقتصادي وإقفارٍ لتلك البلاد من سكانها. فوجد من الأفضل له، أن يتبعَ سياسةَ التهدئةِ والتقرب إليهم وطمأنتهم إلى مصيرهم، وأدرك أن نجاحه في هذه المهمة، يتطلب تكليفَ طرف ثالث لمفاوضتِهم، فارتأى أن يوسطَ الأمير بشير الشهابي في هذه القضية.
وبعد مفاوضاتٍ طويلةٍ تمَّ التوصل إلى اتفاق يقضي بـ:
1 ـ عودة العامليين إلى بلادهم، وأن يترأس عليهم، بصفة شيخ مشايخ، فارس ناصيف النصار، بحيث يكون من حقه الفصلُ في الدعاوَى البسيطَةِ، أما القضايا الكبيرةُ فيتمُّ الفصل فيها بالاتفاق مع الباشا.
2 ـ أن يُبقيَ جانبٌ من القوات العثمانية في المقاطعاتِ العاملية باستثناء إقليم الشومر، تكون مسؤولةً عن فرض سلطة الباشا فيها.
3 ـ أن يلبيَ العامليون نداء سليمان باشا حين يستدعيهم للقتال، دون أن يتكلفَ الأخيرُ شيئاً مقابلَ ذلك([326]).
ورغم أن هذه الاتفاقية حَرَمَتِ العامليين من الاستقلال التام الذي تمتعوا به في جبالِهم، فقد شجعتهم سياسةُ التسامح التي مارسَها سليمان باشا، على العودةِ سنة 1805م إلى بلادهم، دون أن يَتَخَلَّوا طوالَ حكم الأخير عن السعيِ لاستعادةِ السيادةِ التامةِ على مقاطعاتهم([327]).
وبالفعل فقد احترم العامليون تعهداتِهم، وانضموا بقيادة الشيخ فارس ناصيف إلى بقية عشائر ولاية صيدا سنة 1810م، حين استدعاهم سليمان باشا لقتال خصمِه والي دمشق([328])، وكان لمساهمتهم تلك، أثرٌ فعّالٌ في الهزيمة التي لحقت بالأخير، في الاقتتال الذي جرى في داريا الشام([329]). فوجدوا أن من حقهم الآن المطالبة باستعادة السيادة التامة على جميع مقاطعاتهم، كمكافأة لهم لما بذلوه من جهد. لكن سليمان باشا رفض الوساطة التي بذلها الأمير بشير الشهابي لهذه الغاية، وقرر الاحتفاظ لنفسهِ بالمقاطعات العاملية، لحرمان مشايخها الاستفادةَ من مداخيل بلادهِم الاقتصادية واستعادة مكانتهم السابقة. واعتبر مشاركتهم في اقتتال داريا، جزءاً من الالتزامات الملقاة على عاتقهم بموجب العقد الإقطاعي([330]).
وبوفاة سليمان باشا في سنة 1819م، خلفه زوج ابنته عبدالله باشا([331])، فتعاون مع الأمير بشير عام 1822م، ودخلا في صراع مكشوف تحول إلى اقتتال مع والي دمشق درويش باشا([332]). فأثار تصرفُ الحليفين استياءَ السلطاتِ العثمانية في الآستانة وأعدت خطة لضربهما معاً، فاضطُرَّ عبدالله باشا إلى الاستعانة بما يوجد في مقاطعات ولايته من قويّ محلية، مشهودٍ لها بكفاءتها القتالية. ونظراً لمعرفتِه التامةِ بما يتمتعُ به مقاتلو جبل عامل في هذا الميدان، سعى إلى ضم هذه القوةِ إلى صفوفه، عن طريق التلويح للشيخ فارس ومعاونيه، بأنه مستعد، مقابل مساعدتهم له، أن يعيد إليهم السيادة على بلادهم، كما كانت سابقاً في عهد آبائهم([333]).
وشارك العامليون الباشا وحليفَه الأمير بشير في الاقتتال الذي جرى عند جسر بنات يعقوب والمزّه، ولعبوا دوراً بارزاً في الانتصار الذي أحرزوه على والي دمشق. فوجـه السلطانُ العثماني حملةً للقبض على عبدالله باشا وإرسال رأسه إلى الآستانة([334]). ولم تمدّنا المصادر المحلية ولا الأوروبية عن اتخاذِ الحملةِ أيّ إجراءٍ بحق العامليين، وإنما علمنا بعودتهم إلى بلادهم، وبأنَّ عبدالله باشا تحصن في عكا، وبأن الأمير الشهابي فرّ إلى مصر، واستطاع توسيطَ محمد علي، الذي نجح في إصدار عفوٍ عن الباشا، مقابلَ مبالغَ ماليةٍ دُفِعَت فوراً وأخرى قُسِّطَت على دفعات([335]).
وانعكس أثر تكاليف هذا الرضى على سكان ولاية صيدا، الذين وقع عليهم عبءُ تسديد هذه المبالغ، والتعويض على الباشا نفقاتِ حصار استمرّ ثمانيةَ أشهر، عانَوْا من جَرّائِها([336]). وليس هنا من مجالٍ لذكرِ المظالمِ التي نزلت بهم، وإنما نكتفي باقتباس بعضِ ما جاء في التقارير الفرنسية المعاصرةِ، والتي تصوّر لنا حالةَ البؤسِ والشقاء.
«… يسود البؤس بين السكان من نصارى ودروز ومتاولة في جبل لبنان وجبال لبنان الشرقية…، امتنع السكان ليس فقط عن استهلاكِ أية سلعة أوروبية، ولكن أيضاً حُرموا من وسائل العيش للبقاءِ على قيد الحياة، ولاحظت على كل الوجوه وفي كل الأحاديث علاماتِ الذعرِ والخوف واليأس…»([337]).
ويبدو أن الشيخ فارس قد تَمنَّعَ عن تنفيذِ كل طلبات الباشا الابتزازية، فقرر الأخير التخلص منه بالحيلة، لعله بذلك يفرضُ إرادته على المقاطعات العاملية. فقد أشارت الوثائق الفرنسية من مجموعة (B.E.I) الصادرة عن حلب بتاريخ تشرين الأول (أكتوبر) عام 1824م استدعاء عبدالله باشا للشيخ إلى عكا، وبأنه اعتقله ولم يُفرج عنه إلاَّ مقابلَ مبلغ ضخم، وحين وصل الأخير إلى بلاده تُوفي من تأثير السمِّ الذي دسَّه له الباشا([338]).
وبنهاية الشيخ فارس ناصيف النصار، تنتهي مرحلةً هامةً من تاريخ جبل عامل، ليخضع سنة 1831م كباقي بلاد الشام للحكم المصري، وقد حاولنا تتبعَ مجرى التطورات السياسية في السنوات الخمس الفاصِلة ما بين الحدثين، فلم نعثر لا في المصادر المحلية ولا في الأجنبية على ما يشير إلى ذلك. تلك هي صفحةٌ مطوية من تاريخ جبل عامل النضالي، في مقاومة تعسف الولاة العثمانيين.
الدكتور حسين سلمان سليمان
تهجير الشيعة
والبحث التالي هو عن تهجير الشيعة من شمال لبنان، وإن كان الحديث فيه عن غير شيعة جبل عامل، إلاَّ أنه مرتبط بأمور الشيعة في لبنان ككل لذلك فإننا نلحقه بالبحث المتقدم:
من الأحداث البارزة في تاريخ لبنان الحديث، والتي تركت ذيولاً لا تزال بصماتها بارزة للعيان حتى يومنا هذا، سياسة تهجير العائلات الشيعية من مقاطعات جبة بشري وجبيل والبترون، وإحلال عائلات مارونية محلها. لا يزال عدد كبير من أفرادها يتوارث إلى جانب الملكيات الزراعية الواسعة الإقطاع السياسي والاقتصادي في تاريخنا المعاصر.
كانت هذه المقاطعات الثلاث جزءاً من ولاية طرابلس، التي اشتملت على البلاد الواقعة على طول البحر الأبيض المتوسط ما بين اللاذقية ونهر الكلب. ومعظم أراضي هذه الولاية جبلية، ولا يوجد فيها أراضي منبسطة، إلاَّ في المنطقة الممتدة ما بين اللاذقية وطرابلس([339]). واعتاد الباب العالي([340]) العثماني أن يعين عليها والياً يحكمها لمدة سنة مقابل مبلغ مقداره 750 كيساً([341]).
واعتاد هذا الوالي أن يفرض سلطته المباشرة على مدن الساحل وضواحيها، عن طريق إقامة متسلمين عليها من قبله. في حين كانت سلطته إسمية أو سطحية، في الأقاليم الجبلية الوعرة، أو البعيدة عن قلب ولايته. بمعنى أنه لم يكن يرسل إليها حكاماً عثمانيين، إنما كان يعترف بوجود زعيم عسكري أو إقطاعي، يحكم باسم السلطان ويحافظ على النظام بين الناس. ويدفع كل سنة قيمة الالتزام المقررة عليه للخزينة السلطانية، وهذا المبلغ ثابت لا يزيد ولا ينقص، ومن الواجب تسديده بالتمام سواء أصيبت البلاد الملزمة له بمحل على مدار سنتين أو ثلاثة على التوالي أو كانت المواسم وفيرة.
وإذا بلغ الزعيم درجة من النفوذ أو القوة قد تهدد المناطق المجاورة، أو بدت عليه تطلعات استقلالية، تذرع أولياء الأمر في الآستانة بالصبر. لأنهم كانوا على ثقة تامة، أن القضاء على جميع المتمردين في وقت واحد، عملية صعبة وتتطلب أموالاً وفيرة وقوات كبيرة. كما أن الإخفاق قد يؤدي إلى استمرار المتمردين في عصيانهم، وإلى زوال هيبة الدولة. فلذلك كان المسؤولون ينتظرون فرصة مناسبة للإيقاع بهؤلاء المتمردين، أو إثارة جيرانهم وأقربائهم أو أبنائهم أو أنفسهم، وجميع المتمردين يتبعون الأسلوب نفسه وتكون نهايتهم واحدة.
وقد اتبع العثمانيون هذه الخطة في إدارة مقاطعات جبة بشري وجبيل والبترون، فقد قضوا على مقدمي النصارى عن طريق آل حمادة الشيعة، حُكام إقليم الهرمل في أقصى شمال لبنان. ولكن موارنة الشمال لم يطب لهم، أن يكونوا خاضعين لحكامهم الجدد، فبدأوا منذ أواخر القرن التاسع عشر يسطرون إلى الملك الفرنسي([342]) بأنهم يتعرضون لظلم من قبل مشايخ آل حمادة. ويطلبون منه السعي لدى السلطان العثماني([343])، بأن يكونوا هم الملتزمين لهذه البلاد المذكورة.
جاء في إحدى الرسائل:
«… تكتبوا مكتوباً إلى سلطان ابن عثمان يطالع لنا أمر شريف في بلاد كسروان… جبيل… البترون… جبة بشري حتى نوردهم لباشة طرابلس في محل الشيء ونعمرهم…»([344]).
ونظراً لحرص العاهل المذكور على استمرار، ما لفرنسا من نفوذ بين موارنة لبنان. كلف قنصله([345]) الموجود في صيدا، أن يتحقق من صحة هذه الشكاوي. وبالفعل قام الأخير بجولة في تلك البلاد، ثم كتب تقريراً إلى وزير الدولة الفرنسي([346]) بتاريخ 25 تشرين الأول (أكتوبر) 1702م، تضمن انطباعاته وفيها بأن شكوى الموارنة لا أساس لها من الصحة.
«…Les Maronites du Mont Liban prétendent être tiranisés. C’est pour cette raison qu’ils leurs font payer les droits ordinaires que doivent led terres qu’ils leur arrentent et des maisons qu’ils ont en popriété.. Ils ont naissent avec les plaintes á leur bouches…».
لكن النقمة ما لبثت أن تفجرت تمرداً، بتأثير عاملين مهمين.
1 ـ تحريض والي طرابلس الذي كان يعاني، من استئثار مشايخ آل حمادة، بخيرات هذه المقاطعات الثلاث وامتناعهم، عن دفع العائدات المحصلة منها، كلما آنسوا من الباشا ضعفاً. وبما أنه كان عاجزاً عن التوغل في هذه البلاد الوعرة، فقد كان يحرض السكان على حكامهم. وتطلع إلى قوة جديدة تستطيع طردهم من المنطقة دون أن يتكلف شيئاً.
«…والي طرابلس كان يتمنى على فرد يضمن له بلاد جبيل أقله إذا راح شيء من الميري لا يكون بالقهر كما بيت حمادة…
2 ـ جهود المبشرين الأوروبيين وأنصارهم من الأحبار اللبنانيين، لتحويل لبنان إلى المسيحية ابتداء من إمرائه أعطت ثمارها. فقد اعتنقت النصرانية الأميرة سمر الندى زوجة الأمير بشير الشهابي الأول فضلاً عن أبناء الأمير ملحم الشهابي. كما نجحوا في تحريض نصارى بلاد جبيل والبترون وجبة بشري للتمرد على حكامهم مشايخ آل حمادة.
وشهدت السنوات العشر الأولى من النصف الثاني من القرن الثامن عشر سلسلة من الثورات المتتالية، قام بها موارنة الشمال ضد أسيادهم آل حمادة. وتمكنوا في سنة 1759م من تحقيق بعض النجاح وأمنوا السيادة على تلك البلاد، ثم ساروا جميعاً إلى والي طرابلس، والتمسوا منه أن يعهد إليهم بالتزام هذه المقاطعات عن تلك السنة، ودفعوا له الميري المستحقة عنها بتمامها سلفاً فاستجاب الأخير لطلبهم.
ولكن النزاع لم ينحصر في شمالي لبنان، إذ ما لبث أن انتقل إلى ميدان الصراع الحزبي في جبل الدروز([347]) فقد سعى كلا الفريقين للاستعانة بمساعدة الأمير الحاكم منصور الشهابي، ووسَّط زعماء موارنة الشمال أبناء مذهبهم آل الخازن إقطاعيي كسروان، في حين استعان مشايخ آل حمادة بزعيم الحزب اليزبكي الشيخ عبدالسلام العماد. لكن الأمير الشهابي الحاكم اتخذ حلاً وسطاً، فقد وافق زعماء الموارنة أن يلتزموا إقطاع منطقتهم بكفالته، لكنه لم يمدهم بالمساعدة العسكرية لتوقيف آل حمادة.
وفي هذا الوقت كان الأمير منصور قد بدأ يتنكر للحزب الجنبلاطي، أصحاب الفضل الأول في انفراده بالتزام جبل الدروز، فتزعموا حركة معارضة لعزله.
ولما كان من الضروري أن يكون خلفه، أميراً شهابياً من سلالة الأمير حيدر الشهابي وجدوا في الأمير يوسف ضالتهم المنشودة، فهو الوريث الشرعي لوالده الأمير ملحم، وماروني المذهب، ويحظى بتأييد الفاتيكان نظراً لما لمستشاره الشيخ سعد الخوري من صلات ومودة مع البابا، الذي كان يفتتح رسائله إلى الشيخ بعبارة:
«… إلى الابن الحبيب والرجل الشريف الحسيب السلام والبركة الرسولية…».
وهذه العناصر جميعها كانت كافية، لأن تجمع حول الأمير المرشح أكبر عدد من المؤيدين. وبإيعاز من الشيخ علي جنبلاط فرّ الأمير يوسف من بشامون ـ حيث كان قد احتجزه عمه الأمير منصور ـ وتوجه إلى دمشق يرافقه مستشاره سعد الخوري، ومعهما مبلغ من المال جمعاه من موارنة الشمال، لكسب واليها عثمان باشا الكرجي (الصادق) إلى جانبهما. وما دام الأمير ومستشاره قادرين على تأدية الضرائب المتوجبة إلى الباشا عند الطلب، حرر الأخير إلى ابنه محمد باشا والي طرابلس بجعل التزام بلاد جبة بشري وجبيل والبترون إلى الأمير يوسف.
وفي أواخر شباط (فبراير) 1764م قدم الأمير إلى طرابلس، وأنعم عليه الباشا بالتزام المقاطعات المذكورة. فانتقل إلى جبيل وجعلها مقراً له، وكان له من العمر آنذاك ستة عشر سنة. وقدّم إليه محاربوه وأصحابه المستاءين من حكم الأمير منصور الشهابي، كما أمده الوالي بقوات من عنده فعظم شأنه، ثم سعى إلى الانفراد بالسيادة في هذه البلاد.
أنهى الأمير ومستشاره حكم آل حمادة في بلاد جبيل، وقاما بإجراءات تأديبية ضدهم حين كانوا يظهرون أية معارضة. وشجع عودة الموارنة إلى أقاليمهم، وأعطى أملاك آل حمادة إلى أبناء الطائفة المارونية ورهبانها. وجعل آل الظاهر في جبة بشري وآل الدويهي في إهدن وبني عواد الشدياق وغيرهم في حصرون وعين طورين وآل الدحداح في بلاد جبيل والبترون.
وأمن هذا الالتزام للأمير الشاب المصادر اللازمة من مال ورجال لمعارضة عمه الأمير منصور، وأخذ يسعى إلى تشكيل قوة للمباشرة في إثارة المشاكل. كما أخذ مستشاره يدس الدسائس، ويحزب زعماء العائلات الأرستقراطية في جبل الدروز لصالح سيده، وتجول في طرابلس وصيدا والجبل يبث الدعاية، ويمهد السبل للوصول إلى منصب ملتزم جبل الدروز، الذي يعده من أجله منذ أن تولى وصايته بعد وفاة والده الأمير ملحم.
وبالطبع لم يكن بإمكان آل حمادة الاستسلام بسهولة، والتخلي عن السيادة في هذه البلاد التي حكموها لمدة قرن من الزمن، وأن يتحولوا فجأة من حياة العز إلى دافعي ضرائب، فبدأوا في مناوأة الأمير يوسف لإظهاره بمظهر العاجز عن إدارة الالتزام، وامتنعوا عن دفع الضرائب. ووقف إلى جانبهم من تبقى من شيعة المنطقة الذين شعروا أن خطر التهجير يتهددهم. واشتبك الفريقان في معركة انتهت لصالح الحُكام الجدد، واضطر آل حمادة ومن ناصرهم للهروب بعيالهم وأمتعتهم إلى الكورة.
وفي هذا الوقت انعكس الانقسام السائد في سوريا على أمراء آل شهاب، ففي حين اعتمد الشيخ سعد الخوري وسيده الأمير يوسف على حزب السلطان، المؤلف من والي دمشق وباشاوات حلب وطرابلس وصيدا والقدس وبغداد والموصل. اتبع الأمير منصور الأساليب المألوفة في هذا المجال، أي التظاهر بمظهر المخلص لهم، في حين كان يساعد في الخفاء حزب المتمردين المكون من ظاهر العمر وعشائر جبل عامل ويؤيده علي بك بمماليكه في مصر. وجاء احتلال الحزب الأخير لمدينة دمشق في 7 حزيران (يونيو) 1771م، ثم انسحابهم منها بعد ذلك بسبعة أيام، إلى حدوث انقلاب في جبل الدروز، فقد ارتفعت أسهم الأمير يوسف وتخلى عن عمه الأمير منصور جميع رعاياه، فاستقال الأخير من منصب الأمير الحاكم لصالح ابن أخيه الشاب الذي انتقل إلى دير القمر، وترك في مقاطعات جبة بشري وجبيل والبترون عمه الأمير بشير السمين، ليكون حاكماً عليها من قبله.
ودخل الأمير يوسف في صراع مع ظاهر العمر وحلفائه مشايخ جبل عامل، ولكنه هزم في كل المعارك التي خاضها معهم. وسببت الهزائم في فقدان ما كان له من نفوذ على رعاياه، وزعزعت سلطته وهيبته، وحمله سكان الجبل مسؤولية الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي نزلت بهم. وخشي أن يفقد مركزه وأن يلتف أعيان الجبل، حول الأمير منصور الطامع في العودة إلى منصبه السابق. وفي نفس الوقت كان الأمير يوسف يتطلع إلى نصر مدو يعيد له مكانته ونفوذه، ويحبط مساعي عمه ويؤلب حوله موارنة لبنان ومن ورائهم الفاتيكان وفرنسا، الذين كانوا يرغبون في تحويل لبنان إلى المسيحية وإعادة هذه المنطقة إلى النصارى بطرد آل حمادة منها.
أرسل الأمير يوسف مستشاره سعد الخوري على رأس قوة من عساكر المغاربة، كان قد أرسلها باشا دمشق بقيادة أحمد بك الجزار إلى بيروت، لحمايتها بعد ضربها من الأسطول الروسي. وانضم إلى هذه القوة مشايخ جبة بشري برجالهم، وطردوا آل حمادة وشيعة جبيل من الكورة إلى القلمون ثم إلى طرابلس بعد أن أوقعوا بالمطرودين خسائر في الأرواح.
وبذلك أنهى الأمير يوسف آخر خطوة في تبديل وجه لبنان الشمالي وجعله مسيحي الصورة، وظن أنه بذلك أمَّن موالاة هذه المنطقة، وأنه سيتمكن بعد ذلك من بيروت والجبل.
الدكتور حسين سلمان سليمان
جبل عامل والنجف (جريدتان)
صدرت في البلاد العربية عدة جرائد تحمل أسماء المدن وأحياناً صفات تلك المدن. فمن النوع الأول (بيروت) لمحيي الدين النصولي الذي أصدرها في منتصف ثلاثينات القرن العشرين و(دمشق) التي أصدرها أحمد عزت العابد سنة 1878 و(القاهرة) التي أصدرها سليم الشدياق سنة 1885 و(القدس الشريف) التي أصدرها حسن صدقي الدجاني سنة 1920. وتكرر هذا الاسم في عدة جرائد: مثل (بيت المقدس) التي أصدرها بنلدي مشحور سنة 1919 و(القدس الجديدة) التي أصدرها القس كاتلنغ سنة 1922 و(القدس) التي أصدرها جرجي حنانيا سنة 1908 ولا تزال حتى الآن تصدر في نجد جريدة (الرياض) إلى غير ذلك من الأسماء العديدة.
ومن النوع الثاني: جريدة الزوراء التي صدرت في بغداد، وجريدة الفيحاء التي صدرت في دمشق، وجريدة الشهباء التي صدرت في حلب.
وقد كان للشيعة دور في هذا المضمار، فأصدر الشيخ عارف الزين صاحب مجلة العرفان الشهرية في صيدا ـ أصدر قبل الحرب العالمية الأولى إلى جانب مجلة العرفان، جريدة (جبل عامل).
كذلك أصدر يوسف رجيب في النجف الأشرف سنة 1925 جريدة أسبوعية باسم (النجف). ويبدو أنها لم تعشَ أكثر من سنتين، فنحن نعرف أن يوسف رجيب كان سنة 1927 يتولى تحرير جريدة النهضة اليومية في بغداد.
ويوسف رجيب من مواليد النجف سنة 1900 توفي سنة 1947.
الجحفة
من معالم الحج والزيارة
اكتسبت الجحفة أهميتها كموضع جغرافي من العوامل التالية:
1 ـ وقوعها مرحلة من مراحل طريق الهجرة النبوية الشريفة.
2 ـ كونها مفترق طرق تؤدي إلى الحرمين الشريفين، وإلى ينبع حيث المرفأ البحري والطريق الشامي الساحلي.
3 ـ والعامل الثالث هو العامل الديني حيث اعتبرت الجحفة شرعاً من المواقيت الخمسة التي وقّتها رسول اللَّه (ص) للحجاج والمعتمرين من المسلمين.
4 ـ وقد يُضاف إلى هذه عامل آخر، هو العامل التاريخي إذ مرت على الجحفة عهود تقدم وازدهار، وعهود تأخر واندثار تسترعي انتباه الباحث وتستدعيه البحث فيها.
وبغية أن نتبيّن هذه لا بدّ من تصنيف البحث ـ وفي ضوئها ـ إلى النقاط التالية:
ـ اسمها.
ـ تاريخها الماضي.
ـ حاضرها.
ـ دليل شرعيتها كميقات ومشروعية الإحرام منها.
ـ الطرق المارة بها.
اسمها:
كانت تعرف قديماً باسم (مهيعة).
وضبط الاسم لدى المشهور بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة تحت، وفتح العين المهملة، فتاء مربوطة.
وذكر السياغي في (الروض النضير 3/142): أن القاضي عياضاً حكى عن بعضهم: كسر هائها، وعلّق عليه بأنه غير مشهور.
وهو مأخوذ من هاع هَيعاً ـ بفتح الهاء ـ وهيعاناً، بمعنى انبسط، أو من هاع هِيعاعاً ـ بكسر الهاء ـ بمعنى اتسع وانتشر.
قال الخليل في (العين ـ مادة هيع ـ): وطريق مهيع من التهيع، وهو الانبساط، وبلد مهيع أيضاً أي واسع، قال أبو ذؤيب:
فاحتثهن من السواء وماؤه
بئر وعانده طريق مهيع
وقد يرجع هذا إلى اتساع واديها وانتشاره وانبساطه حيث يبدأ بغدير خُم عند نهاية وادي الخراد واسعاً، ويستمر متسعاً ومنبسطاً حتى يصب في البحر.
ثم سُميت (الجحفة).
وضبط الاسم ـ من غير خلاف ـ بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وفتح الفاء، بعدها تاء مربوطة.
وذكر الاسم في (الصحاح) بغير أل، وفي كثير من الكتب سواه بالألف واللام من أولها.
وسُميت بهذا الاسم لأن السيل اجتحفها([348]) في قصة أخوة عاد، التي ينسبها اللغويون والمؤرخون إلى ابن الكلبي المؤرخ المتوفى سنة 204هـ، إذ زعم «أن العماليق (وهم ولد عمليق بن لاوذ بن أرم) أخرجوا بني عَبيل ـ وهم أخوة عاد (بن عوض بن أرام) ـ من يثرب فنزلوا الجحفة ـ وكان اسمها مهيعة ـ، فجاءهم سيل فاجتحفهم فسميت جحفة»([349]).
وقد جاء فيما روي عن رسول اللَّه (ص) أنه استخدم الإسمين معاً، حيث نقل عنه (ص) فيما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (رض) عنه (ص) أنه قال ـ عند دخوله المدينة المنورة وكانت يومها موبوءة ـ: «اللَّهُمَّ انقل وباء المدينة إلى مهيعة».
وفيما رواه البخاري من طريق هشام أيضاً عن أبيه عن عائشة في حديث هجرة النبي (ص)، قالت: لما قدم رسول اللَّه (ص) المدينة وُعِكَ أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبتِ كيف تجدك؟، ويا بلال كيف تجدك؟، قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرىء مصبّح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
أَلا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنّة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول اللَّه (ص) فأخبرته، فقال: (اللَّهُمَّ حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وانقل حماها إلى الحجفة).
وكذلك أُستخدم الإسمان في حديث أهل البيت (عليهم السلام)، ففي صحيح أبي أيوب الخزاز ـ الآتي فيما بعد ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال… (ووقّت لأهل المغرب الجحفة، وهي عندنا مكتوبة مهيعة)([350]).
ولا يزال الإسمان يستعملان في بعض الكتب الشرعية، إلاَّ أن اسم مهيعة انحسر من الاستعمال الاجتماعي، فلا يعرف المكان عند أبناء المجتمع سواء كانوا من أبناء المنطقة أو غيرها إلاَّ باسم الجحفة.
موقعها الجغرافي:
اتبع الجغرافيون القدامى لتحديد الموقع الجغرافي لأي موضع يقع على طريق معروف المقياسين التاليين:
1 ـ ذكر المدينتين الرئيستين اللتين يبدأ الطريق بإحداهما وينتهي بالأخرى، فيقولون ـ مثلاً ـ الموضع الفلاني يقع بين مكة والمدينة، أو بين البصرة والكوفة.
2 ـ تقدير الموضع بالمرحلة بالنسبة إلى إحدى المدينتين، فيقولون ـ مثلاً ـ هو على مرحلتين من مكة، أو على ثلاث مراحل من الكوفة.
وتابعهم على ذلك بعض الفقهاء كما سنرى في ذكر مصادر التحديد فيما يلي:
ففي صحاح الجوهري ولسان ابن منظور حددت بموضع بين مكة والمدينة([351]).
وكما ترى، أن مثل هذا التحديد لا يعين الموقع بالضبط والدقة، وذلك لكثرة المواضع الجغرافية بين مكة والمدينة، ولذا حاول بعضهم أن يكون أقرب إلى ضبط الموقع، فقال: هي منزل أو مكان بين مكة والمدينة، قريب من رابغ، بين بدر وخليص، كما فعل هذا الفيومي في (المصباح المنير)، والطريحي في (مجمع البحرين)([352]).
ومتى علمنا جغرافياً أن القُرى المشهورة التي تقع على هذا الطريق بين (بدر) و(خليص) هما (رابغ) و(مستورة)، وأضفنا إليه القرينة التي ذكراها، وهي أن الجحفة قريبة من رباغ، وليس من مستورة، يكون التحديد ـ هنا ـ أقرب إلى تعيين الموقع، إذ أننا وعلى مقياس آخر من المقاييس المستخدمة قديماً، وهو سؤال سكان المنطقة عن الموقع، يكون التحديد قد أوقفنا على الموقع الجغرافي لها.
أما تحديد الموقع بالمرحلة، فقد قدّر بالتالي:
ـ ثلاث مراحل من مكة([353]).
ـ أربع مراحل من مكة([354]).
ـ خمس مراحل من مكة([355]).
ـ ست مراحل من المدينة([356]).
ويرجع هذا الاختلاف في عدد المراحل بين ثلاث وأربع وخمس إلى الاختلاف في:
1 ـ المراد من المرحلة.
2 ـ الطريق.
فالقائلون بالثلاث أرادوا بالمرحلة المسافة بين المنزلين، وبالطريق طريق الهجرة.
فالمسافة بين مكة وعسفان مرحلة، وبين عسفان والخيمة مرحلة، وبين الخيمة والجحفة مرحلة.
والقائل بالخمس أراد بالمرحلة المنزل، وبالطريق الطريق السلطاني، ومنازله ـ بعد مكة ـ هي: 1 ـ الجموم، 2 ـ عسفان، 3 ـ الدف، 4 ـ الطارف، 5 ـ الجحفة.
وكذلك القائل بالأربع أراد بالمرحلة المنزل، وبالطريق الطريق السلطاني، إلاَّ أنه حذف (الطارف) لعدم ذكره في بعض الخرائط.
أما المعاصرون من الفقهاء فاتبع بعضهم في تحديد الموقع الجغرافي للجحفة مقياس المسافة المقدرة بالكيلومتر.
منهم: السيد الكلبايكاني في رسالته العملية (مناسك الحج) قال: «والمسافة بين جحفة ومكة المكرمة مائتين وعشرين كيلو متراً تقريباً»([357]).
ومنهم: الشيخ سيد سابق في كتابه (فقه السنة 1/652) قال: «ووقّت لأهل الشام الجحفة: موضع في الشمال الغربي من مكة، بينه وبينها 187 كيلومتر».
والمسافة: كما في خريطة وزارة المواصلات السعودية للطرق البرية في المملكة ـ من مكة إلى مطار رابغ 180 كيلومتر، ومن مطار رابغ إلى الجحفة 9 كيلومتر، فالمجموع 189كم.
والمواضيع التي يمر بها الطريق حالياً هي:
مكة.
الجموم.
عسفان.
خليص.
المفرق (مفرق الطريق إلى جدة والمدينة).
صعبر.
رابغ (مطار رابغ الواقع قبل مدينة رابغ من جهة مكة المكرمة، وبعدها من جهة المدينة المنورة).
الجحفة.
يسلك إليها الآتي من مكة يمنة الطريق، والآتي من المدينة يسرة الطريق ـ كما سأوضحه فيما بعد.
والذي حدد المسافة بست مراحل من المدينة المنورة أراد بالمرحلة المنزل وبالطريق الطريق السلطاني أيضاً.
ومنازله بعد المدينة ـ هي: 1 ـ الفريش، 2 ـ المسيجيد، 3 ـ السقيا، 4 ـ بئر مبيريك، 5 ـ الابواء، 6 ـ الجحفة.
ونخلص من جميع ما تقدم ـ وفي هدي ما ذكر على صفحات الخرائط ـ إلى النتيجة التالية:
1 ـ تقع الجحفة شرقي مدينة رابغ مع ميل إلى الجنوب.
2 ـ يوصل إليها بسلوك أحد طريقين يدلفان إليها من طريق المدينة مكة جدة العام:
أ ـ أحدهما من مركز مدينة رابغ، وطوله 22كم.
ب ـ وثانيهما من مطار رابغ وطوله 9كم.
تاريخها الماضي:
إن قصة نزول بني عَبيل الجحفة بعد أن أخرجهم العماليق من يثرب ـ التي تقدمت الإشارة إليها ـ تشير إلى قدم الجحفة، وإلى أن تاريخها يرجع إلى ما قبل الإسلام.
قال الزبيدي في (تاج العروس: مادة جحف): «وكانت تسمى مهيعة، فنزل بها بنو عَبيل ـ كأَمير باللام، وهو الصواب، وفي بعض بنو عُبيد كزبير بالدال، وهو غلط ـ وهم أخوة عاد بن عوص بن أرم، وكان أخرجهم العماليق، وهم من ولد عمليق بن أرم من يثرب، فجاءهم سيل الجحاف، فسميت جحفة، قال ابن دريد: هكذا ذكره ابن الكلبي».
والعمالقة ـ كما يعرفهم القلقشندي([358]): «قبيلة من العرب العاربة البائدة، وهم بنو عمليق ـ ويقال عملاق ـ بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح (عليه السلام)، وهم أمة عظيمة يضرب بهم المثل في الطول والجثان، قال الطبري: وتفرقت منهم أمم في البلاد، فكان منهم أهل المشرق، وأهل عُمان والبحرين والحجاز، وكان منهم ملوك العراق والجزيرة وجبابرة الشام وفراعنة مصر».
أما بنو عَبيل فذكرهم القلقشندي([359]) عن ابن الكلبي بالدال، فقال: «بنو عبيد: قبيلة من العرب البائدة، قال ابن الكلبي: وهم بنو عبيد بن أرم بن سام بن نوح (عليه السلام)، وقيل: عبيد بن صداد (شداد) بن عاد بن عوص بن سام، قال في العبر: وكانت منازلهم بالجحفة بين مكة والمدينة، وهو ميقات الأحرام لأهل مصر، فهلكوا بالسيل، ويقال: إن الجحفة بين مكة والمدينة، وأنها سميت الجحفة لأن السيل أجحف بها وخربها.
قال المسعودي: ومنهم الذي اختط مدينة يثرب، وهو يثرب بن باسة بن مهلهل بن أرم بن عبيل، والذي ذكره السهيلي: إن الذي اختط مدينة يثرب هو ابن عبيل هذا».
ويبدو أن الجحفة بقيت عامرة بعد سيل الجحاف حتى القرن الخامس الهجري، فقد ذكر البكري البلداني المتوفى سنة 487هـ الجحفة في كتابه (معجم ما استعجم 1/367) وعرّفها بقوله: «وهي قرية جامعة لها منبر». ووصفها بأن في أولها ـ أي من جهة المدينة ـ مسجد النبي (ص) بموضع يقال له (عزور)، وفي آخرها ـ أي من جهة مكة ـ عند العلمين مسجد الأئمة.
وربما كان خرابها في القرن السادس الهجري، ويفاد هذا مما جاء من تعريف لها في (معجم البلدان 2/111) فقد قال مؤلفه ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ: «الجحفة ـ بالضم ثم السكون فالفاء ـ كانت قرية كبيرة ذات منبر… وهي الآن خراب».
والذي يظهر أنها بقيت خراباً حتى عصرنا هذا.
وقد يرجع هذا إلى ما تمنى به المدن والقرى الواقعة على الطرق العامة عند عدول السابلة إلى طريق آخر فتهجر لانقطاع مورد المعيشة فيها، وهو تعامل أهلها مع السالكة والسابلة المارة بها.
حيث يفاد مما يذكره الرحالة من مصريين ومغاربة([360]) أن طريق الحاج من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة المار بـ(بدر) فـ(الجحفة) عدل عنه، فانحدر من (بدر) إلى (مستورة) فـ(رابغ).
هذا كل ما وقفت عليه من تاريخها الماضي، وبخاصة في العهد الإسلامي.
ونستطيع أن نخلص منه إلى النتائج التالية:
1 – أن الجحفة حتى القرن الخامس الهجري كانت قرية كبيرة جامعة ذات منبر.
2 – وكان يطلق على أولها ـ للداخل إليها من جهة المدينة المنورة ـ اسم (عزور)، وكان فيه مسجد يقال له (مسجد النبي)، وهو المسجد الجامع الذي فيه منبرها لإقامة صلاة الجمعة.
3 ـ وفي آخرها ـ للخارج منها إلى جهة مكة المكرمة ـ مسجد يقال له (مسجد الأئمة).
4 ـ وفي نهايتها ـ من جهة مكة المكرمة أيضاً ـ عَلَمان أي علامتان من البناء الثابت لبيان حدود الميقات أو نهاية الميقات.
حاضرها:
قمت بثلاث زيارات ميدانية أو رحلات استطلاعية لموقع الجحفة في التواريخ التالية:
1 ـ الرحلة الأولى في أوائل سنة 1402هـ.
2 ـ الرحلة الثانية في 7/5/1402هـ = 2/3/1982م.
3 ـ الرحلة الثالثة في 18/6/1409هـ = 25/1/1989م.
ففي الرحلة الأولى: ذهبت إليها من جدة بسيارة سوبربان شفرليت، وكان برفقتي ولدي إياد، وعندما وصلنا مطار رابغ نزلت يمنة الطريق إلى أرض رملية صخرية غير ممهدة، وليس فيها علامات واضحة يهتدي بها السائر إلى الجحفة، فتوقفنا خشية أن نضل الطريق ريثما نرى من نسير معه، فأقبلت علينا سيارة داتسون وانيت فاستوقفتها وسألت صاحبها عن الطريق، فقال: معي لأن طريقي يمر بالميقات.
وعندما بانت لنا منارة المسجد انطلق إلى جهته مسرعاً وتركنا نتخذ من المنارة مناراً نهتدي به.
وحين وصلنا عند باب المسجد ترجلنا ودخلنا المسجد، فرأيناه قد لعبت به سوافي الرمال وغطت فرشه، ورأينا فيه خزانات ماء للاستقاء منها للغسل في حماماته الملحقة به.
وبالتفاتة إلى إحدى زوايا المسجد رأينا بدوياً متوسداً يده وغاطاً بنوم عميق، وقدرنا أنه خادم المسجد فأيقظناه وسألناه بعض الأسئلة عن الموقع، فقال: إن هذا المسجد شيد قريباً من قبل الحكومة السعودية وملاصقاً لأسس المسجد القديم، وأرانا شيئاً منها، وهي آثار مسجد الأئمة الذي تقدم ذكره، ثم أرانا بجواره بئراً قديمة مطمورة.
ثم صعدنا على سطح المسجد ورأينا على بعد ستمائة متر شرقي هذا المسجد بئر ماء ليست بالقديم يستقي منها الرعاة وأعراب المنطقة.
ثم أشار إلى امتداد قرية الجحفة حتى قصر علياء، ولأن سيارتنا ليس فيها (الدبل) المساعد على السحب، لم نستطع الذهاب إليه لمعرفة مسافة القرية القديمة طولاً لوجود كثبان كثيرة من الرمال تجمعت بفعل السيول، فشكرناه، وعدنا أدراجنا إلى جدة.
وفي الرحلة الثانية: استعرت سيارة جيب تويوتا، وصحبت معي ولدي عماداً، وكان برفقتنا خاله المرحوم السيد ياسين البطاط، وابنه السيد فاضل.
وتجاوزنا المسجد المذكور إلى قصر علياء، ويبدو من أطلاله أنه أثر عباسي، وإلى جنبه آثار سوق قديمة وطريق صخري عفّى عليها الذاري.
والمسافة بين المسجد الماثل وأطلال القصر أربعة كيلوات أو تزيد قليلاً.
وفي الرحلة الثالثة كان موكبنا سيارة جيب تويوتا أيضاً، مستعارة، والرفقة: الخطيب الشيخ صالح العبيدي والشاب عابد العلاسي من جدة، وولداي معاد وفؤاد، وابنا عمتهما السبطان السيدان الحسن والحسين الخليفة.
ورأينا الطريق من مطار رابغ حتى المحرم قد عبدته الحكومة السعودية وزفتته، وذلك بطلب من الحكومة الإيرانية.
كما أننا رأينا مسجداً جديداً كبيراً شيد على موقع المسجد السابق بعد تهديمه، وفيه مرافق من مراحيض وحمامات للرجال وللنساء، عملته الحكومة السعودية بعد تزفيت الطريق المذكور.
وأيضاً رأينا إلى جانب قصر علياء ـ كما يسميه أعراب المنطقة، ولم أعرف وجه التسمية ـ قريباً منه، مسجداً آخر، غير مسقوف، قِيل إن الذي بناه رجل من شيعة حرب القاطنين بوادي الفرع.
«ويسكن أرض الجحفة اليوم قبائل من زبيد، منهم: الزنابقة والروايضة والعصلان، تخالطهم عناصر من عوف»([361]).
ونخلص مما تقدم إلى التالي:
1 ـ المسجد المحرم يقع في أرض تلاصق آثار مسجد الأئمة، قبيل نهاية القرية القديمة من جهة مكة.
2 ـ وفي نهاية القرية القديمة من جهة المدينة المنورة، أي في حي عزور تقوم أطلال قصر علياء.
3 ـ إلى جانب قصر علياء مسجد صغير غير مسقوف أنشىء حديثاً.
4 ـ والمسافة ما بين المسجدين لا تزال رمالاً وصخوراً، لا تسلك إلاَّ بسيارة جيب وأمثالها.
5 ـ الطريق من المسجد المَحْرَم إلى طريق المدينة ـ مكة العام مزفت، وبطول تسعة كيلومترات.
6 ـ ومن رؤيتنا لآثار القرية القديمة تحققنا أن المسجدين الحديثين المذكورين، وما بينهما، من الميقات، ذلك أن الميقات هو القرية الماثلة حال صدور النصوص الموقتة لها.
دليل شرعيتها:
ويتلخص الدليل الدال على اعتبار قرية الجحفة ميقاتاً بالتالي:
1 ـ السيرة العملية القطعية المتصلة بعصر التشريع، فالمسلمون يحرمون منها منذ عصر النبي (ص) حتى عصرنا هذا.
2 ـ اتفاق فتوى فقهاء المسلمين وتسالمهم على ذلك.
3 ـ النصوص الشرعية المعتبرة، وهي كثيرة، منها:
ـ صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبداللَّه (عليه السلام)، قال: من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقّتها رسول اللَّه (ص)، لا تجاوزها إلاَّ وأنت محرم، فإنه وقّت لأهل العراق ـ ولم يكن يومئذٍ عراق ـ بطن العقيق من قبل أهل العراق، ووقّت لأهل اليمن يلملم، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل المغرب الجحفة، وهي مهيعة، ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت من ما يلي مكة فوقته منزله([362]).
ـ صحيح أبو حسن الحلبي، قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول اللَّه (ص) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها، وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة يصلى فيه، ويفرض الحج، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل نجد العقيق، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل اليمن يلملم، ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللَّه (ص)([363]).
ـ صحيح أبي أيوب الخزاز، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): حدثني عن العقيق أوقت وقته رسول اللَّه (ص)، أو شيء صنعه الناس؟ فقال: إن رسول اللَّه (ص) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ووقّت لأهل المغرب الجحفة ـ وهي عندنا مكتوبة مهيعة ـ ووقّت لأهل اليمن يلملم، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل نجد العقيق وما أنجدت([364]).
ـ صحيح علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن الأوقات التي وقّتها رسول اللَّه (ص) للناس، فقال: إن رسول اللَّه (ص) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، وهي الشجرة، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل اليمن قرن المنازل، ووقّت لأهل نجد العقيق([365]).
ـ وعن ابن عباس: إن رسول اللَّه (ص) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهم، ولكل آتٍ أتى عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة([366]).
وقد أفاد فقهاؤنا الإماميون فتواهم من هذه ونصوا عليه:
ففي (فقه الرضا)([367]) و(المقنع)([368]): «وقّت لأهل الشام المهيعة وهي الجحفة».
وفي (الهداية)([369]) و(المقنعة)([370]): «وقّت لأهل الشام الجحفة»، وكذلك في (النهاية)([371]) و(الجمل والعقود)([372]) و(السرائر)([373]).
وفي (المراسم)([374]) و(الجامع)([375]): «وميقات أهل الشام الجحفة».
وفي (الاصباح)([376]) و(الغنية)([377]): «ولمن حج على طريق الشام الجحفة».
وفي (القواعد)([378]): «ولأهل المدينة مسجد الشجرة اختياراً، واضطراراً الجحفة، وهي المهيعة، وهي ميقات أهل الشام اختياراً».
وهذا المذكور في (القواعد) من أن الجحفة ميقات اضطراري لمن لم يحرم من ذي الحليفة عند مروره عليه، واختياري لمن لم يمر على ميقات قبله، هو رأي مشهور فقهاء المسلمين، ما عدا المالكية من المذاهب السنية فقد ذهبوا إلى أن الجحفة ميقات تخييري لمن مرّ على المدينة من أهل الشام خاصة، فيتخيّر الشامي المار بالمدينة بين الإحرام من ذي الحليفة والإحرام من الجحفة.
قال ابن حزم في (المحلى)([379]): «وفي بعض ما ذكرنا خلاف… ومنه: إن المالكيين قالوا: من مرّ على المدينة من أهل الشام خاصة، فلهم أن يدعوا الإحرام إلى الجحفة، لأنه ميقاتهم، وليس ذلك لغيرهم».
ولعلهم بهذا يأخذون بظاهر الأمر الوارد في بعض نصوص التوقيت من غير اعتبار لقرينة أن طريق الشاميين عصر التشريع (صدور النصوص) كان على الجحفة.
ومن هذه النصوص ما رواه الإمام مالك في (الموطأ)([380]) عن عبدالله بن عمر «ان رسول الله (ص) قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة… إلخ».
وعنه أيضاً أنه قال: «أمر رسول الله (ص) أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة.. إلخ».
وإليه ذهب بعض فقهائنا الشيعة ـ مع فارق عدم قصره على أهل الشام ـ استناداً إلى بعض النصوص الدالة بظاهرها على هذا، قال الشيخ المظفر في (كتاب الحج من شرح القواعد)([381]): «هذا كله في ميقات أهل المدينة اختياراً».
وأما اضطراراً فميقاتهم الجحفة ـ وهي المهيعة ـ بلا كلام في جواز الإحرام بها اضطراراً، بل قِيل بجوازه اختياراً لقوله في صحيح علي بن جعفر (عليه السلام): «وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة» فإنه ظاهر في التساوي بين الوقتين فيتخير بينهما اختياراً، ودعوى إجماله لاحتمال إرادة الجمع بينهما باطلة، لمعلومية عدم لزوم الجمع بين وقتين فلا بدّ أن يُراد التساوي بينهما.
وصحيح معاوية بن عمار: «عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة، فقال: لا بأس».
ونوقش فيه باحتمال مرور الرجل على طريق الشام فأحرم من الجحفة، وتخيل السائل لزوم إحرامه من الشجرة وإن مر على غيرها لكونه من أهل المدينة فأجابه الإمام بعدم البأس.
ويشكل بأن الاحتمال لو سلم لا يضر في العموم المستفاد من ترك الاستفصال الشامل لصورة الإحرام من الجحفة مع خروجه من المدينة.
وصحيح الحلبي: «من اين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ قال: من الجحفة، ولا يجاوز الجحفة إلاَّ محرماً»، فإنه أجاز الإحرام من الجحفة من دون تقييد بالاضطرار وعسر العود إلى الشجرة، بل هو ظاهر في الاختيار لقوله: «ولا يجاوز الجحفة إلاَّ محرماً».
وصحيح أبي بصير: «قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): خصال عابها عليك أهل مكة، قال: وما هي؟ قلت: قالوا: أحرم من الجحفة ورسول اللَّه (ص) أحرم من الشجرة، فقال؛ الجحفة: أحد الوقتين، فأخذت بأدناهما وكنت عليلاً» فإنه ظاهر بأنهما بمرتبة واحدة في الأجزاء اختياراً، فلا يضر الأخذ بأقربهما إلى مكة خصوصاً مع العلة.
وخبر معاوية أو صحيحه: «قلت لأبي عبد اللَّه (ص): إن معي والدتي، وهي وجعة، قال: قل لها فلتحرم من آخر الوقت، فإن رسول اللَّه (ص) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل المغرب الجحفة، قال: فأحرمت من الجحفة».
فإن تعليله (عليه السلام) للأمر بإحرامها من آخر الوقت بتوقيت رسول اللَّه (ص) للمواقيت ظاهر في كفاية الإحرام من أي وقت كان بلا دخل للوجع فيه.
ولعل الأصحاب إلاَّ النادر إنما خصوا إحرام أهل المدينة من الجحفة بحال الاضطرار لظهور المستفيضة في اختصاص كل مصر بميقات فتخص الأخبار السابقة بحال الاضطرار، كما يشهدك خبر الحضرمي الدال على أن الصادق (عليه السلام) أعتذر عن إحرامه من الجحفة، وهو شاكٍ، بقوله: «قد رخّص رسول اللَّه (ص) لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة» فإنه ظاهر في أنه رخصة للضرورة لا مطلقاً».
كما كان الأمر كذلك عند فقهاء إخواننا أهل السنة حيث أفتوا بذلك استناداً إلى ما تقدم من أدلة وأمثالها.
ففي (متن الخرقي)([382]): «وأهل الشام ومصر والمغرب من الجحفة».
وفي (الروض المربع)([383]): «وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة».
وفي (الفقه على المذاهب الأربعة)([384]): «فأهل مصر والشام والمغرب، ومن وراءهم من أهل الأندلس والروم والتكرور، ميقاتهم الجحفة».
وفي (فقه السنة)([385]): «ووقّت لأهل الشام الجحفة… وقد صارت رابغ ميقات أهل مصر والشام، ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم جحفة».
وفي (التحقيق والإيضاح)([386]): «الثاني: الجحفة: وهي ميقات أهل الشام، وهي قرية خراب تلي رابغ([387])، والناس اليوم يحرمون من رابغ، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم من الميقات لأن رابغ([388]) قبلها بيسير».
ويلاحظ على قول صاحب فقه السنة (وقد صارت رابغ ميقات أهل مصر والشام… إلخ): أن إندراس معالم الميقات لا يخرجه عن كونه ميقاتاً، والإحرام مما قبله من الأمكنة إحرام قبل الميقات يخضع لأحكام الإحرام قبل الميقات من حرمة بغير نذر، وجواز على كراهة أو بلا كراهة.
والصواب أن يعبّر عنه بـ(المحرم) بدلاً من الميقات.
قال ابن قدامة في (المغني)([389]): «وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر، فموضع الإحرام من الأولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية، لأن الحكم تعلق بذلك الموضع، فلا يزول بخرابه، وقد رأى سعيد بن جبير رجلاً يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت وقطع الوادي فأتى به المقابر، فقال: هذه ذات عرق».
وكذلك يلاحظ على قول صاحب التحقيق والإيضاح: «ومن أحرم من رابغ فقد أحرم من الميقات»، أن الإحرام قبل الميقات لا يجعل المكان الذي يحرم منه ميقاتاً، قريباً كان ذلك المحرم من الميقات أو بعيداً عنه.
ويرجع هذا إلى التوقيت حكم توقيفي ثبت بالنص الشرعي، فتجاوزه لا يعدو أن يكون اجتهاداً في مقابلة النص، وهو محظور عند جميع المسلمين.
وفي المناسك الحديثة لفقهائنا المعاصرين نقرأ أمثال العبارات التالية: «الثالث: الجحفة: وهي ميقات أهل الشام ومصر ومن عبر على طريقهم إلى مكة من أهل الآفاق الأُخَر، إذا لم يمر بميقات آخر، أو مرّ به وتجاوزه ولم يمكنه الرجوع إليه والإحرام منه»([390]).
«3 ـ الجحفة: وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، وكل من يمر عليها من غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها»([391]).
«ثالثاً: الجحفة: وهو لأهل الشام ومصر، ومن يمر على طريقهم إلى مكة من أهل الآفاق والأقطار والأمصار الأخرى إذا لم يمروا بميقات آخر أو مروا بميقات وتجاوزوه بدون إحرام ولم يمكنهم الرجوع إليه والإحرام منه فيتعين عليهم الإحرام من جحفة»([392]).
ويلاحظ على هذه التعبيرات وأمثالها أنها استخدمت مضامين النصوص الشرعية بقولها: (وهو ميقات أهل الشام ومصر والمغرب)، وأضافت عليها ما يعطي الشمولية للحكم بقولها: (وكل من يمر عليها).
واستخدام مضامين النصوص الشرعية كان قديماً من منهج التأليف الفقهي، وبخاصة في كتب الفتوى.
وله ـ فيما أرى ـ ما يبرره لأن الطرق في عهود التأليفات الفقهية المبكرة بعد لما تزل على ما هي عليه في عصر صدور النصوص.
أما الآن وقد تغيّرت الطرق واختلفت فلا بدَّ من مراعاة ذلك أثناء صياغة الفتوى لأنها تعطى لعمل العامي.
فأهل الشام ومصر والمغرب وغيرهم قد يسلكون طريق الجو فينزلون في مطار المدينة أو مطار جدة.
وقد يسلكون طريق البحر فينزلون في ميناء ينبع أو ميناء جدة.
وقد يسلكون طريق البر فيقصدون المدينة المنورة أو يقصدون مكة المكرمة عن طريق ساحل البحر الأحمر مروراً بينبع.
والمواقيت لهم تختلف باختلاف هذه الطرق المذكورة، وكذلك باختلاف الرأي الفقهي في الإحرام من غير المواقيت الخمسة.
فعليه لا بدَّ من التعبير بما يناسب الواقع الخارجي الماثل وقت تأليف المناسك ونشرها.
الطرق إلى الجحفة:
تعتبر الجحفة ميقاتاً اختيارياً لـ:
1 ـ من يؤم مكة المكرمة عن طريق جدة جواً أو بحراً على رأي من لا يجوّز الإحرام من جدة نذراً.
2 ـ من يؤم مكة عن طريق ينبع بحراً.
3 ـ من يؤم مكة من أبناء شمالي الجزيرة القاطنين في مدن وقُرى وبوادي ساحل البحر الأحمر، ومن يمر على طريقهم الساحلي البري من أبناء الأردن، ومن ينفذ إلى الطريق الساحلي المذكور عن طريق الأردن كأبناء العراق وسورية ولبنان وفلسطين وتركيا وإيران وغيرهم.
4 ـ القاطنين في ديار وبوادي الحجاز قبل الجحفة وبعد ذي الحليفة، كأهل المسيجيد وبدر ومستورة والأبواء وراب، ووادي الفرع، ومن إليهم.
وإليك المسالك البرية المؤدية أو المارة بالجحفة:
الطريق القديم إلى الجحفة:
(من المدينة إلى مكة)
الطرق الحديثة إلى الجحفة:
1 ـ من المدينة إلى مكة (طريق بري):
المدينة المنورة ـ المسيجيد ـ بدر ـ مستورة ـ رابغ (الجحفة) ـ القضيمة (المفرق).
القضيمة (المفرق): خليص ـ عسفان ـ الجموم ـ مكة المكرمة.
ثول ـ ذهبان ـ جدة.
2 ـ من وادي الفرع (أبو ضباع) (طريق بري):
أبو ضباع ـ عقبة هرشى ـ رابغ (الجحفة).
3 ـ من بدر (طريق بري):
بدر ـ مستورة ـ رابغ (الجحفة).
د. عبدالهادي الفضلي

الجدل
كتاب للفارابي
النسخ الخطية:
1 ـ المكتبة السليمانية (الحميدية) رقمها 9/812.
2 ـ مكتبة براتسلاوي، تشيكوسلوفاكي رقمها 231.
3 ـ المكتبة الوطنية الملكية ضمن المجموعة 1583.
هكذا بدأت هذه النسخة: «قال أبو نصر محمد بن محمد الفارابي في صناعة الجدل، هي الصناعة بها يحصل للإنسان القوة على أن يعمل من مقدمات مشهورة قياساً في إبطال كل (ما) وضع موضوعه كلي بتسلمه بالسؤال».
حسب زعم العديد من المحققين فإن كتاب الجدل للفارابي هو قسم مما أعدّه من فصول يحتاج إليها في صناعة المنطق، وإن المتن الكامل لهذا الكتاب لم تصل إليه يد حتى الآن، ولا يوجد منه سوى ترجمته العبرية ليعقوب بن أبي موري، التي يوجد منها نسخة خطية محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس تحت رقم FOL – 1008.
عماد الدين المغربي (المراكشي) كتب شرحاً على كتاب الجدل للفارابي، توجد نسخته الخطية في مكتبة أسكوريال رقمه COD.630-.
الجر
موضع بأحد، وهو ـ كما يقول ياقوت ـ موضع غزوة النبي (ص). قال الحجاج بن علاط السلمي يمدح علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين يوم أُحد:
للَّه أي مذبب عن حرمة
أعني ابن فاطمة المعم المخولا
سبقت يداك له بعاجل طعنة
تركت طليحة للجبين مجدلا
وشددت شدةِ باسل فكشفتهم
بالجر إذ يهوون أخول أخولا
جراوة
قبيلة ومدينة كانت تقع شرقي المغرب الأقصى بالقرب من تلمسان وقد وصفها البكري بأنها كانت مدينة عامرة أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس في حوالي منتصف القرن الثالث الهجري. وكانت تتاخمها عدة قُرى لقبائل من البربر مثل مطغرة وبني يفرن وبني راسبن. وينسب إليها علماء وأدباء منهم شاعر الموحدين أبو العباس بن عبدالسلام الجراوي صاحب المراثي في رثاء الحسين (عليه السلام). وهو القائل من شعره الشيعي:
لو أنها نصرت عليا لم ترد
خيل ابن حرب ساحة الأنبار
هم أظهروه مع النبي وواجب
أن يتبعوا الأظهار بالأظهار
ملئت به الدنيا صفاء بعدما
ملئت من الأقذاء والأقذار
ومن مراثيه في الحسين (عليه السلام):
أيا فاسقاً قاد الغرور شكائمه
فاورد في صدر الحسين صوارمه
تهيأ ليوم الخسر تجرع علاقمه
فمالك منجى من خصومة فاطمه
)وما أن أرى عنك العماية تنجلي)
جرجان
مدينة جرجان القائمة اليوم هي غير جرجان القديمة التي يحلو للبعض تسميتها بـ«گرگان».. لأنه لم يبقَ من تلك القديمة التي تبعد 3 كيلومترات عن مدينة گنبد قابوس سوى الأطلال التي تحكي عمّا أصابها من دمار وخراب، بفعل هجمات الأعداء الذين هاجموها مراراً في فترات تاريخية متعددة… ممّا دعا سكانها إلى النزوح بعيداً عن مدينتهم، ليتخذوا من مدينة مجاورة لهم تسمّى (أسترآباد) موطنا جديداً لهم، ليبدأوا حياة آمنة جديدة، حيث تُعرف هذه المدينة اليوم بـ(جرجان) (گرگان).
تبلغ مساحة المدينة 2880 كيلومتراً مربعاً، وتقع في الجانب الشرقي من محافظة (مازندران)، وإلى الشمال من سلسلة جبال ألبُرز، وهي مثلثة الشكل، رأسها في الشمال، وقاعدتها في الجنوب، وتبعد عن بحر الخزر بـ 36 كيلومتراً.
يتصل ضلعها الشرقي بمدينة (علي آباد كتول)، وضلعها الغربي بميناء تركمن على بحر الخزر و(كردكوي)، وضلعها الجنوبي بمرتفعات (شاهكوه) ومدينتي شاهرود ودامغان.
ترتبط مدينة جرجان بالعاصمة طهران عبر طريق (هزار) الجبلي الذي يبلغ طوله 386 كيلومتراً، حيث تقع على هذا الطريق مدن مهمة هي: آمُل، وبابُل، وقائم شهر، وساري، وبهشهر.
كما ترتبط المدينة بخط السكك الحديدي الرئيسي في إيران، وهناك طريق بري آخر يربطها بطهران، هو طريق (فيروز كوه).
الخصائص الطبيعية
تتكوَّن المدينة من منطقتين طبيعيتين مختلفتين، حيث يتميّز القسم الجنوبي منها بطابعه الجبلي، والشمالي بطابعه السهلي يحاذي المدينة من جهتها الجنوبية سلسلة جبال ألبُرز، وأهم قممها هي مرتفعات (شاهكوه)، حيث يبلغ ارتفاعها 3767 متراً، و(قلعة شاه) في (فاورتاش) بارتفاع 3940 متراً، و(جبال أبر) بارتفاع 2875 متراً.
أما قسمها السهلي فيقع إلى الشمال من المدينة، حيث يليه سهل گرگان الواسع.
تتميز أراضي المدينة بطبيعتها الزراعية الخصبة والدائمة الخضرة، حيث تُروى بمياه العديد من الأنهار، فضلاً عن مياه الأمطار التي تهطل بغزارة في هذه المنطقة.
من الأنهار التي تروي هذه المنطقة نذكر:
گرگان رود (نهر جرجان): يبلغ طول هذا النهر حوالي 350 كيلومتراً، وينبع من المنحدرات الشمالية لسلسلة جبال أَلْبرز الشرقية، ومن مرتفعات خُراسان الغربية وبعد أن يعبر من (آق قلا) في غرب قرية (خواجه نفس) يصب في بحر الخزر، بعد أن يشكّل دلتا صغيرة.
بهدف الاستفادة القصوى من مياه هذا النهر، أُقيم عليه سد كبير ولا يزال يلعب دوراً كبيراً في زيادة حجم الإنتاج الزراعي لهذه المنطقة.
أمَّا فيما يخص الأنهار الأخرى الجارية في المنطقة فهي أنهار: أونمان، وخِرخِر، وحاجى لُر، وقره سوه، واترك، وكفشگيري، وزيرين گل، ومايان، وزيلان، ونوجمن، وشوربان، وزيارت، ونهر خاصة.
الجو السائد في المدينة
يتميّز الجو الذي يسود المدينة بالاعتدال، وتهطل فيها أمطار غزيرة خلال السنة، إلاَّ أنها أقل مما يهطل في باقي نقاط محافظتي مازندران وجيلان.
تنخفض نسبة الرطوبة في المدينة مقارنة بالمناطق الأخرى، مما يسبب ارتفاع الحرارة، وبالأخص في الصيف، كما أن شتاء المدينة يشهد تساقط كميات من الثلوج تغطي سهل جرجان والأراضي الممتدة بين خُراسان وطبرستان القديمة التي تشمل جرجان وگنبد كاووس والمدن المحيطة.
واليوم فإنَّ (گرگان) تُعَدُّ إحدى مدن محافظة مازندران الكبيرة الجميلة وهي دائمة الخضرة على طول السنة.
نبذة تاريخية
يعود تاريخ المدينة إلى ما قبل الإسلام، حيث تميّزت بموقعها الخاص، وكانت تسمى آنذاك بـ(زدراكارتا)، ويُقال إن معناها (قرية النجوم)… كما ذكرت بعض الكتب التاريخية والجغرافية مثل: (مرآة البلدان)، ويقول البيهقي: إن اسمها كان (أسترآباد) أو (ستارآباد)؛ وذكرها الآخرون باسم (أستراك).. كما نسبها البعض مثل (ياقوت الحموي) إلى (أستر) «زوجة (خشايار شاه)، واعتبرها البعض مدينة قاطران (استران) نفسها، حيث أقام (گرگمين بن ميلاد)، وهو أحد الشخصيات التاريخية المجهولة، مدينة عند محل وجود البغال أسماها (استرآباد).. وقد ظلّت المدينة تحتفظ بهذا الاسم حتى عام 1937م، حيث صادق المجمع العلمي الثقافي في إيران على إعادة الاسم القديم للمدينة، لتصبح (جرجان) أو (گرگان).
ذكر بعض محققي (البارت) أن المدينة كانت تخضع لأقوام (الماديين) وكانت تعتبر منطقة عامرة في العهد الهاخامنشي، بحيث كان رجالها من أفضل أفراد قوات داريوش الأول وأقربهم إليه.
في عهد الساسانيين تمّ تشييد سور حصين عند حدود المدينة لصد هجمات القبائل الشمالية، كما تمّ ترميم جدران المدينة القديمة.
فتح المسلمون مدينة جرجان عام 22 للهجرة، على يد سويد بن مقرن (يذكر ابن الأثير أن گرگان فُتحت في خلافة عثمان على يد سعد بن العاص في عام 30 للهجرة).. وفي عامَي 211 و212 للهجرة حكم جرجان عبدالله بن طاهر.
أخضع (طغرل) في عام 433 للهجرة جرجان وطبرساتان لسيطرته، وفي عهد سلطان تكش حكمت (أسرة كبودجامه) هذه المنطقة من قبلهم.. كما أن هذه المدينة، كغيرها من المدن الإيرانية، دُمِّرت بشكل تام من قبل جيوش المغول الجرّارة، مما اضطرّ سكانها إلى النزوح إلى محل (استرآباد) الحالي.
كذلك فقد حكم (تركمان القره قويونلو) هذه المدينة لفترة من الزمن، حتى احتل الأوزبك في عام 912 للهجرة مدينة استرآباد، إلاَّ أنهم انهزموا عام 916 للهجرة على يد الشاه إسماعيل الصفوي.
في عام 1020 للهجرة، سافر الشاه عباس إلى مازندران واسترآباد، وشيّد قلعة مبارك آباد في جرجان، ونقل قبائل القاجار إلى هذه القلعة التي لم تستوعبهم جميعاً، مما اضطرهم إلى بناء بيوت سكنية في أطرافها.
ظلت استرآباد تخضع للدولة الصفوية في آخر حكمهم، وكانوا يسمونها بدار المؤمنين لكثرة عدد السادة الذين كانوا يسكنون فيها.
بعد طهماسب ميرزا الصفوي، خضعت جرجان لسلطة نادر شاه، ولكثرة ما كانت تتعرض له المدينة من هجمات متتالية من قبل التركمان، فقد أصدر نادر شاه ببناء سور حصين حول المدينة، لتبدو كقلعة منيعة ترهب المهاجمين، ووضع في عدة نقاط من السور عدداً من المدافع والعربات والأسلحة للدفاع عن المدينة، كما أقام عدة أبراج ترابية بين كل 500 متر من سور المدينة، وحفر خندقاً عميقاً من الجهة الأخرى من السور.
وكان محمد حسن خان القاجاري، الذي كان حاكماً على استرآباد في عهد نادر شاه، قد أقام قلعة وسط الجدار الشرقي، هدّمها نادر شاه بعد أن شكّ في نواياه ودوافعه من ذلك.
كانت استرآباد تُعرف بأنها مهد السلالة القاجارية، لأن محمد خان القاجاري مؤسس هذه السلالة كان قد وُلِدَ في منزل السيد رضا مفيدي في هذه المدينة؛ وقد اتخذ من جرجان ومازندران قاعدة لنضالاته بعد موت كريم خان.. ورغم كل ذلك فإن جرجان ظلت غير آمنة على الأغلب بعد إنقراض السلالة القاجارية.
كانت لمدينة گرگان قديماً خمس بوابات، الأولى في الشرق وتسمى ببوابة بسطام، والثانية في الجنوب، وتسمى بوابة جهل دختران، والثالثة في الغرب وتسمى بوابة مازندران، والرابعة في الشمال وتسمى بوابة (سبزمشهد) أو فوجرد، وبوابة خاصة باسم دنكودان.
كما أن منازل المدينة كانت ذات جدران عالية وحصينة، وأبواب مرتفعة، أشبه ما تكون بالقلعة، وبهذه الطريقة كان أهالي المدينة يحفظون أرواحهم أمام هجمات التركمان المفاجئة المستمرة، إلاَّ أنه بعد إسكان التركمان واستقرارهم في عام 1304 للهجرة هُدمت الأبراج والأسوار وأزيل الخندق المحيط بالمدينة.
واليوم فإن مدينة جرجان أزالت عنها شكلها القديم لتلبس حلّة جديدة مزينة بالخضرة الدائمة، وتخترقها الشوارع الحديثة العريضة، وتتوزع فيها الحدائق الغنَّاء والمباني الجديدة والساحات الكبيرة، وتكثر فيها المؤسسات والدوائر والشركات والأسواق التي تبعث الحياة والنشاط والحركة الدائمة في المدينة.
الآثار والمعالم التاريخية
يتميّز سهل گرگان ومدينة گرگان بوفرة الآثار والمعالم التاريخية الموجودة فيها، وهي تشمل بقايا القُرى والمباني التاريخية والتلال والأبراج القديمة التراثية التي تمّ اكتشافها، أو لا زال يبحث عنها علماء الآثار والتراث في هذه المنطقة.
مقام السيد نور
يقع هذا المقام الذي يُعرف أيضاً بمقام السيد إسحاق في محلة نبع جرجان حيث أُقيم بشكل برج ثماني الأضلاع، إن الأسلوب المعماري المتّبع في تشييده والزخارف المزينة لجدرانه الخارجية تعتبر من الروائع المعمارية للعهد السلجوقي، ويتميّز جانبه الداخلي بالبساطة وهو مقام على أعمدة مدوّرة من الآجر.
والملاحظة المهمة في البناء هي طريقة بناء المحراب المزيّن بالخطوط الكوفية والزخارف والزهور المنقوشة ببراعة.. كما أن البابين القديمين في المقام، والصندوق النفيس الخشبي الموضوع على المرقد هي من أثار القرن التاسع الهجري.
تلة تورنك
توجد في منطقة (تورنك تبه) التي تقع على بعد 17 كيلومتراً شرق جرجان تلة تاريخية ذات ارتفاع 30 متراً، قام بأعمال التنقيب فيها العالم الفرنسي (جان دهه) بين عامي 1967 ـ 1972م، حيث أزيلت 5 أمتار من محتوياتها الأثرية، وهي تعود إلى دورة تاريخية استمرت ألف عام منذ عهد الساسانيين حتى التيموريين.
أهم هذه الآثار تتمثل بالقلعة الساسانية التي تعود إلى القرون الثالثة والرابعة والخامسة الميلادية، ولا زال القلعة وسورها ماثلاً إلى الآن في الجانب الشمالي، فضلاً عن جدار بطول 50 متراً ذي أبراج بيضاوية الشكل.
مقام السيد روشن آباد
يقع هذا المقام على بعد 18 كيلومتراً إلى الغرب من جرجان، وعند حافة الشارع الذي يربط بـ(كرد كوي) وسط بستان كثيف الأشجار واسع جداً.
يبدو شكل هذا المقام كبرج مرتفع متعدد الأوجه، ويشتمل على رواق وحرم… كما أن الصندوق الموضوع على المرقد مصنوع من الخشب المرصع، ويعود تاريخه إلى عام 879 للهجرة، وقطعتا الباب النفيستين الموجودتين تعودان إلى عام 865 للهجرة.
مسجد سردار
يعتبر هذا المسجد من الآثار التي تعود إلى الحاج ملا رضا استرآبادي، وهو أحد أعيان مدينة جرجان في العهد القاجاري… وقد رمّمه وأعاد بناءه أمير خان سردار في عام 1314 للهجرة، ومن هنا نُسب اسمه إليه.
مسجد دار الشفاء
يقع هذا المسجد في إحدى محلات گرگان القديمة التي تسمى (نعلبندان) وهو من آثار خواجه مظفر بتكجي، وشيّد عام 935 للهجرة وأُعيد بناؤه في عام 1976م، ومن قبل منظمة الحفاظ على الآثار التاريخية في إيران.
جسر آق قلعه
يقع هذا الجسر على بعد 18 كيلومتراً إلى الشمال من گرگان في منطقة آق قلعه، وأُقيم على نهر گرگانرود المعروف.
يبلغ طول الجسر 74 متراً، وله أربعة ينابيع ومغطى بطاق مقوَّس، ويوجد في الجهة الشرقية منه حواجز لمقاومة أمواج المياه مقامة بشكل فني معماري رائع.
وهذا الجسر من آثار العهد الصفوي، ويشكل اليوم أحد نقاط الحدود مع جمهورية تركمنستان.
سد إسكندر
يعتبر هذا السد من أهم الآثار التاريخية في منطقة سهل گرگان، ويطلق عليه أيضاً الجدار الدفاعي لگرگان وسد أنوشيروان ويسميه سكان قزل آلان (الأفعى الحمراء).
يبلغ طول هذا الجدار 155 كيلومتراً، ويمتد من شرق بحر الخزر من منطقة تسمى (خواجه نفس) ويعبر شمال گنبد كاووس نحو الشمال الغربي، وينتهي إلى مرتفعات بيشكمي.
ذكرت النصوص التاريخية التي تعود للعهد الإسلامي أن أقدم ما في هذا الجدار يعود إلى العهد الساساني، وعلى التحديد إلى عهد فيروز الساساني أو خسرو الأول، إلاَّ أن علماء الآثار ينسبونه إلى عهد البارتيين، وتمّ ترميمه في العهد الساساني.
المسجد الجامع
يعود البناء الأول للمسجد إلى العهد السلجوقي، إلاَّ أنه لم يبق من آثار تلك الفترة سوى منارة قصيرة مع زخارف ونقوش على الآجر، ولوحة خطبة رائعة بالخط الكوفي.
للمسجد صحن كبير وإيوان مرتفع، ويلاحظ عند أطراف المسجد العديد من النصوص الصفوية والقاجارية المحفورة على قطع حجرية.. كما يوجد في المسجد منبر خشبي يعود تاريخ صنعه إلى عام 859 للهجرة.
برج رادكان
يقع هذا البرج الشهير التاريخي الذي يعود تاريخه إلى ألف عام بالقرب من قرية رادكان، على بعد 24 كيلومتراً من (كرد كوي) و54 كيلومتراً جنوب گرگان، ومقام عند قمة تل رائع الجمال.
يضم البرج قبر أحد زعماء آل باوند في طبرستان، واسمه أبو جعفر محمد بن وندرين الباوندي.
جاء على اللوحة الموجودة أسفل البرج أن البرج شرع بتشييده في ربيع الثاني عام 407 للهجرة، وأكمل عام 411 على يد أحمد بن عمر.
يبلغ ارتفاع برج راد كان 35 متراً، وشيّد على شكل أسطوانة تعلوها قبة مخروطية الشكل.
قصر آقا محمد خان
يعود البناء الأول لهذا القصر إلى العهد الصفوي، إلاَّ أن آقا محمد خان أعاد ترميمه، وأحدث تغييرات كاملة على بنائه.
يتكون القصر من عدة مبانٍ أثرية، وتحيط به مساحات مليئة بالأشجار العالية الرائعة الجمال.
ومن الآثار التاريخية الموجودة في گرگان نذكر: المدرسة العمادية، وسوق (نعلبندان)، والمدرسة الصالحية، وبقايا من مقام السيد عبدالله.
متحف جرجان
افتتح المبنى الجديد للمتحف في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية عام 1988م. ويتكون من طابقين وطابق آخر تحت الأرض، خصص للتعريف بالتركيب السكاني للمدينة.
الطابق الأرضي مخصص للأمور الإدارية، والطابق العلوي لعرض الآثار التاريخية المختصة بالمنطقة.
تتوزع في باحة المتحف المليئة بالأشجار الجملية الكبيرة الكثيفة قطع حجرية لقبور تعود إلى الفترة بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر مخطوط عليها نقوش وخطوط رائعة الجمال.
الأماكن السياحية الأخرى في جرجان
بالإضافة إلى الآثار التاريخية العريقة التي ذكرت آنفاً، فإن مدينة جرجان تزخر بالعشرات من المناطق الطبيعية الجميلة التي يجذب جمالها وروعتها سنوياً الآلاف من السواح والزائرين من داخل إيران وخارجها، وهي تتمثل بالمرتفعات والمنحدرات الجبلية، والوديان والسهول المغطاة بالأشجار والخضرة الدائمة، والأنهار والشلاّلات الطبيعية، والينابيع والغابات المتنوعة الرائعة، منها منطقة غابات تبعد عن المدينة سبعة كيلومترات، تزخر بالأشجار الكثيفة التي يخترقها نهر متدفق.. كما أن الجو السائد معتدل بشكل دائم، مما يجذب إلى المنطقة الآلاف من الزائرين.
كما أن هناك غابة أخرى جميلة رائعة، تبعد عن المدينة عشرة كيلومترات، تسمى غابة (غرق)، وهي تتميّز أيضاً بالطبيعة الساحرة الخلاّبة.
وهناك منطقة غابات أخرى تسمى (شيرآباد) تقع في وسط جبال وغابات گرگان، وتبعد عن المدينة ستين كيلومتراً ويوجد في هذه المنطقة عدد من الشلالات الطبيعية، حيث يبلغ ارتفاع أحدها حوالي 20 متراً، وتصب في بركة مياه طبيعية، تتفرع منها عدة فروع نحو أماكن مختلفة من الغابة.
وهناك مناطق سياحية جميلة أخرى في منطقة گرگان، منها (كبودوال) تبعد عن المدينة أربعين كيلومتراً، و(باب كولمه) تبعد عن المدينة ستة كيلومترات، و(شصت كلا) تبعد عنها بعشرة كيلومترات، وحديقة (جهان نما)، و(شاه كوه)، و(كوه گوسفند)، و(زيارت).
وأخيراً، فإن سد گرگان الكبير يعتبر من الأماكن السياحية الجميلة في المدينة، حيث أُقيم في عام 1964م على نهر گرگان، وتمّ تشغيله في عام 1970م، ويبلغ طوله 430 متراً، وارتفاعه 21 متراً، وتبلغ مساحة بحيرته 17,7 كيلومتراً مربعاً، تَسع 79 ميلون متر مكعب من الماء، وتروي مياه السد حوالي 25000 هكتار من الأراضي الزراعية. (راجع تفاصيل أخرى استرآباد).
الجزائر
منطقة تقع في جنوب العراق مما دون البصرة إلى أسفل ديار المنتفق اليوم على ضفتي الفرات وسميت (الجزائر) لأنها كانت محاطة بفيض عريض تدفع فيه مياه دجلة والفرات ويتصل بالبطائح وقد عمرت وانكشفت في القرون الوسطى ولم تكن شيئاً مذكوراً قبل ذلك حتى أنها في أوائل القرن السابع للهجرة لم تكن من اليابسة فلذلك لم يذكرها ياقوت ولا غيره، وإنما كانت مفازة طاعنة من الغرب والجنوب في بادية العرب ومتصلة من جهة الشرق ببطايح دجلة والحويزة.
وإذا تأخر بك الزمان عن أن تشاهد بأم رأسك هذه الجزائر فأطلق طائر خيالك في سمائه وتصور بحيرة ساجية شجراء متأجمة تكثر في مياهها الدعاميص ويغشى جوها البعوض وتشخص فيها لعينيك عيدان الأسل كأنها الرماح أشرعت في صدر الأعداء، يصعقك فيها زئير الأسد في الآجام وصئي الخنازير في الغياض من تحتها نقيق الضفادع، وفوقها في أعالي العيدان الخضر هديل الطيور. وإذا هبت الشرقية تكدر الجو وأدركك مد البحار وغمق الجزر في المستنقعات.
هنالك انحسر الماء عن قطع من الأرض متجاورات، فاستعمرها خلق ممن كان في حدودها من العرب كانت أكبر مادتهم السمك واللبن، مثل بني أسد وعبادة المواجد وآل غريق وبني حطيط وكثير غيرهم.
ثم أحكموا مواضع الفتوق من جهة الفرات وأتقنوها وفأروا إلى أرضهم الجديدة أنهاراً كثيرة من الفرات مثل نهر المدك ونهر صالح والتبل وشط بني أسد ونهر العشار وشط سحاب ونهر علي وغير ذلك فعمرت بهم واتصلت قراها وعظم سوادها حتى قيل أنها كانت 360 قرية كبيرة، وكانت عاصمتها (المدينة) وكذلك هي إلى اليوم. وقد ارتقت الزراعة فيها ارتقاء عظيماً وجاد فيها الخل وأنواع الفواكه من الليمون والنارنج والعنب وربي فيها دود الحرير والدجاج وهي بلاد السمك والطيور والخير العميم.
محمد رضا الشيبي
الجزائر([393]*)
الحكم الشيعي في شمال أفريقية شمل فيما شمل (الجزائر) التي كان يعبر عنها يومذاك بالمغرب الأوسط، وهذا الشمول كان متفاوتاً يختلف باختلاف الدول الشيعية المسيطرة، فهو مثلاً في عهد الأدارسة غيره في عهد الفاطميين، أو عهد الموحدين.
فعندما اطمأن إدريس الأول على الأحوال في المغرب الأقصى أخذ يخطط ليجعل منفذاً لدولته على المشرق، ومن هنا اتجه إلى تلمسان (في الجزائر) حيث بايعه في رجب (172هـ = 788م) عن طواعية واختيار أمير تلمسان أبو عبدالله محمد بن خرز بن صولات المغراوي.
وهنا وجد نفسه وجهاً لوجه مع دولة عبدالوهاب بن عبدالرحمان بن رستم وهي دولة الخوارج الأباضية ويظهر أن قبيلة زناتة التي كانت تتحكم في المغرب الأوسط (الجزائر) لم تجد ما يبرر بقاء الدولة الرستمية مع ظهور الدولة الإدريسية، لذلك نراها تعلن تمردها على تلك، باسطة يدها لهذه، الأمر الذي دفع الرستميين إلى مواجهة الزناتيين أصحاب السيادة في البلاد([394]) وبخاصة فهم بطنا مفراوة وبني يفرن بالرغم من الروابط العائلية التي كانت تشد بعضهم إلى البعض الآخر([395]) لقد أصرت القبيلتان على طلبهما إلى الرستميين أن يندمجوا في الأدارسة، كما ألحوا على الأدارسة لكي يشهروا الحرب على الرستميين.
وبالرغم من وجود هذا العنصر القوي إلى جانب الأدارسة فإنهم يحاولون حمل أنصارهم الزناتيين على تغيير موقفهم وأنه لم يكن هناك مصلحة في مناهضة جيرانهم الذين كانوا يهيمنون على جل المرافق الاقتصادية في البلاد، وكانوا من ناحية أخرى حاجزاً أميناً بين مملكتهم وبين إمارة الأغالبة عملاء خصومهم الطبيعيين (العباسيين)، فكانت لهم بمثابة ما يسمى اليوم بالمنطقة الفاصلة التي تحميهم وتوفر لهم الأمن والاستقرار بمنأى عن التهديدات. وهذا لا يمنع أن الأدارسة قضوا على عقيدة الخوارج فيما تحت أيديهم من بلاد.
ولتحديد موقعهم في الجزائر نأخذ عبارة أحد المؤرخين الذي قال: «كان عملهم في المغرب من السوس الأقصى إلى مدينة وهران». وقال مؤرخ آخر: «امتدت دولة إدريس الأول من المحيط إلى قلب القطر الجزائري».
وفي العهد الفاطمي كان للجزائر الشأن الأول في قيامه، وقبائل كتامة هي التي مكنت لهذا العهد، ووفودهم هي التي التقت في مكة بأبي عبدالله الشيعي، وتطوعت للقيام بدعوته وسارت به إلى بلادها. وعندما تظاهر أبو عبدالله عند وصوله معهم إلى مصر بأنه يريد البقاء فيها طلباً للعلم، قالوا له: «فأما أن كنت تقصد هذا فإن بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك ونحن أعرف بحقك».
«فأجابهم إلى السير معهم، واستأنفوا السير حتى أصبحوا على مقربة من بلاد كتامة، وقد خرج إلى لقائهم أصحابهم الذين كانت قد اتبعت فيهم التعاليم الفاطمية على يد الدعاة».
وفي عهد الموحدين الذي قام على أسس شيعية كانت الجزائر بعض ما اشتمل عليه هذا العهد.
ولسنا بسبيل ذكر التفاصيل فهي مذكورة في مواضعها من (دائرة المعارف) ونكتفي هنا بمجرد الإشارة إلى واقع الحال في تلك العهود المتتابعة.
أما اليوم فليس في الجزائر أحد من الشيعة.
ونترك الكلام بعد هذا للدكتور زيادة:
تمتد الجزائر ما يزيد عن ألف من الكيلومترات على شاطىء البحر المتوسط بين تونس شرقاً والمملكة المغربية غرباً. وتبعد أجزاؤها الجنوبية نحواً من ألفي كيلومتر عن شواطىء البحر المتوسط. وتقدر مساحتها بـ(2,382,000) من الكيلومترات المربعة (نحو 930,500 ميل مربع)، منها نحو 1,900,000 كم2 مناطق صحراوية أو شبيهة بذلك، أي ما يقرب من أربعة أخماس مساحتها كاملة.
وتقسم الجزائر، من حيث طبيعة السطح والمناخ، إلى منطقة التل التي تمتد موازية للبحر المتوسط، وتشمل السهول الساحلية الضيقة وسفوح الأطلس وسلسلتها الشمالية وبعض الهضبة الواقعة بين سلسلتي الأطلس. وتلي التل منطقة السهوب، وهي سفوح الأطلس الجنوبية وانحداراتها نحو الصحراء، ثم المنطقة الصحراوية بواحاتها. ومنطقة التل تتسع في الجهة الشرقية إلى الجنوب على حساب السهوب، كما أن السهوب تمتد في الجهة الغربية شمالاً، بحيث تعتدي على التل. وتقدر مساحة التل بنحو 134,000 كم2، بينما تبلغ مساحة السهوب نحو 172,000كم2. وبينما نجد أن معدل سقوط الأمطار في منطقة التل بأجملها لا تقل عن 400 ملمتر (ويصل إلى نحو 1,000 ملم)، فإن السهوب لا يسقط فيها أكثر من 400 ملم. والجنوب الصحراوي قلما يعرف الأمطار. وتقع على أطراف الهضاب المرتفعة، سلاسل من الجبال هي، من الغرب إلى الشرق، القصور والعمور وأولاد نايل والأوراس. وهذه هي أروع تكتل جبلي في جبال الأطلس الجزائرية وفيها أعلى قمة هي جبل شيليا (2,328 متراً).
وسكة الحديد التي تصل تونس بقسنطينة والجزائر وتلمسان تجتاز قلب المنطقة الشمالية. وسهول المنطقة التونسية تكون جرداء في الصيف، فإذا اجتاز القطار الحدود التونسية الجزائرية أخذ يسير في أودية متعرجة حتى سوق الخميس. عندها تبدو الجبال على جانبي الطريق، وهي جبال تكتسي بالأحراج الجميلة. ويصعد القطار إلى دوفيفية، ثم يعود إلى التصعيد إلى قسنطينة، التي تقع على مجموعة من القمم يتراوح ارتفاعها بين 760 – 800 متراً. ومن قسنطينة إلى مدينة الزائر تكون الطريق أكثر إمتاعاً. فمع أن القسم الأول منه عادي، يجتاز القطار فيه أرضاً سهلية تخترقها أودية أكثرها جاف، فإن المنطقة تظهر محاسنها تدريجاً، وبخاصة بعد اجتياز برج بوعريريج. عندها تتنوع الألوان على الجبال. وهذه الأشجار التي تبدأ زيتوناً وصنوبراً أفريقياً متفرقاً، لا تلبث أن تتزاحم في بقع كثيرة، وتتناكب في أخرى، بحيث أنها تتعانق صفصافاً وحوراً على عدوات الأودية. والطريق يدور ويلف في هذه الأودية التي تحرسها جبال منطقة القبائل الكبرى. وبين مدينة الجزائر والبليدة (على بعد خمسين كيلومتراً إلى الجنوب) يجتاز المسافر منطقة كروم غاية في الإتقان والترتيب، وفيها أشجار الزيتون. ويزين التلال الملاصقة لها شجر الصنوبر والأرز.
والطريق من مدينة الجزائر إلى تلمسان يجاري أطراف منطقة التل والسفوح الجنوبية للأطلس الشمالية، وقبل الوصول إلى تلمسان تدور الطريق وتلف، متجنبة الأودية السحيقة، محاذية الجبال السامقة، مستظلة بين الفينة والفينة الأشجار الباسقة، مشرفة، بين الحين والحين، على نهيرات عذب ماؤها وصاف لونها. ويقبل المسافر على تلمسان فإذا به في منبسط من الأرض جاد فيه التراب، فأينع الثمر وانتظم الشجر، وفاح من الزهور أريج وكسا الجبال غاب. والطريق من تلمسان إلى وهران ومنها إلى أن مستغانم على هذا النحو. إلاّ أن الخصب الذي يعطي الأرض قوتها للزرع والضرع، قد يعطله، في سنوات كثيرة، وقد تكون متلاحقة، جفاف يضرب الأجزاء الجنوبية من التل والسهوب، فيأتي على الحرث والسقي (الماشية).
وتمتد الجزائر نحواً من 1,500 كم إلى الجنوب من سلسلة الأطلس الصحراوية. وقاعدة المنطقة الصخور القديمة التي التوت جبال الأطلس (التي تشبه جبال الألب في كونها جبالاً التوائية) إلى جانبها الشمالي. والمنطقة سهلية، وإن كانت تنقطها بعض الهضاب، مثل إقلاب وتسيلي. وترتفع كتلة جبال الحجر (أغّار) إلى 2,918 متراً، وهذه تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد. ومن هذه الكتلة تمتد كتلتا إدرار وأير الجبليتان عبر الحدود الجزائرية إلى جارتي الجزائر الجنوبيتين مالي والنيجر. (وبهذه المناسبة فإن ليبيا هي جارة الجزائر الشرقية).
ومناخ الجزائر الصحراوي يتميز بالفروق الكبيرة بين نهايات الحرارة العظمى والصغرى (صيفاً وشتاء، ونهاراً وليلاً) وبالرياح والجفاف. فالحرارة اليومية تتراوح بين 32 درجة مئوية وما يزيد عن 55 درجة مئوية في الظل. وقد يصحب ارتفاع الحرارة عواصف رملية عنيفة. والمطر لا يتجاوز 130 ملمتراً، هذا إن سقط. وقد يهطل من المطر بضع سنتيمترات في يوم واحد، يعقبه سنوات من الجفاف التام. ومن ثم فالنباتات هنا قليلة، والسكان يتكتلون حول الواحات، أو يكونون بدوا رعاة ينقلون مواشيهم إلى حيث يوجد الكلأ.
التاريخ القديم والمتوسط
إن الصحراء الكبرى، التي تخترق أفريقية من حوض النيل إلى المحيط الأطلسي، حديثة العهد نسبياً، إذ إنها ترجع، في شكلها الحالي، إلى حوالي سبعة آلاف سنة. وقد كانت قبلاً، على ما يرى الباحثون، في بقايا البحيرات وقيعان الأنهار الجافة، مناطق صالحة للزراعة والرعي، وكانت فيها شبكات من الأنهار أهمها تلك التي كانت تصب في النيل شرقاً، وتلك التي كانت تغذي نهر النيجر غرباً. فلما قحلت الأرض، وجفت المياه، انكفأ سكان الصحراء أو المنطقة التي كانت قبل الصحراء، إلى الشمال والجنوب. وسكان الشمال هم الذين يسمون البربر. وعهدهم بالمنطقة يرجع إلى أزمان متوغلة في القدم، ولعلهم من سكان البحر المتوسط القدامى الذين تعود أصولهم إلى حول 12,000 سنة. وقد كان هؤلاء متوزعين قبائل على بلاد المغرب الكبير. وأول ما نعرف عن تنظيم دولي لهم، وإن كانت دولة عابرة، كان في أيام الحروب البونية، بين قرطاجة والرومان، وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد. وأهم دولة ظهرت هي نوميديا (208 ـ 148ق.م.) على يد الزعيم ماسنيّسا. وقد شملت دولته الجزء الأكبر من الجزائر الحالية إلى الشمال من الصحراء. ولما دمرت قرطاجة (146ق.م.) حُوِّلت نوميديا، بعد تقليص مساحتها، إلى ولاية رومانية. وفي أيام أغسطوس قيصر نجد نوميديا ولاية رومانية عادية، أما الأقسام الباقية، مما يكوّن الجزائر الحالية، فقد شغلتها قبائل مستقلة، يربط بينها تحالف قد يقوى ويضعف حسب الأحوال التي تقوم فيها. ومع أن المناطق الساحلية، حيث كانت تقوم مراكز التجارة والثقافة، قد تمثلت بعض الحضارة الرومانية، فإن المناطق الجبلية والمناطق الداخلية حافظ البربر فيها على استقلالهم، مجتمعين في اتحادات لا تلبث أن تُعقَد حتى تحل.
ولما انتشرت المسيحية في شمال أفريقية أخذ البربر بواحد من المذاهب التي لم تقبل بها الأمبراطورية الرومانية، واتخذوا من هذا الاختلاف المذهبي سبيلاً للثورة والعصيان على الدولة. وفي أواسط القرن الخامس للميلاد، وقبل أن تسقط الأمبراطورية الرومانية الغربية رسمياً (476م) كان الفندال، وهم من القبائل الجرمانية التي كانت قد هاجمت الأمبراطورية، قد احتلوا شمال أفريقية وأقاموا لهم دولة في شرق الجزائر الحالية (وبعض القطر التونسي) إلاّ أنهم لم يتمكنوا من السيطرة على بربر الداخل. وفي سنة 531م احتل البيزنطيون، في أيام جستنيان (بوستنيانوس) تونس والجزائر الحاليتين، وامتد سلطانهم إلى المغرب، إلاّ أن البربر في الداخل ظلت لهم اتحاداتهم القبلية، وقد تمركزوا بخاصة في أوراس وبلاد القبائل.
في أواسط القرن السابع للميلاد زحفت الجيوش العربية الإسلامية من مصر وأخذت تفتح المغرب العربي الكبير. ومع أن البربر قاوموا العمل العسكري العربي فترة من الزمن، فإن تكاثر العرب في المنطقة وبناء القيروان كمركز عسكري إداري للمغرب بكامله، أدى بالبربر إلى قبول الحكم العربي، واعتناق الإسلام. كان هذا في أواخر القرن السابع م، وقد اشترك البربر في مطلع القرن التالي في الزحف العربي على إسبانية. وهكذا أصبحت المنطقة المغربية بكاملها جزءاً من الدولة الإسلامية.
وكان القرن الثامن الميلادي فترة اضطراب في المغرب، وفي وسطه انتهى أمر الأمويين وقامت الدولة العباسية. وكان هذا، مع اعتناق كثير من البربر المذهب الخارجي، مناسبة للخروج من السلطة وإقامة دول مختلفة في نواحي المغرب كانت حصة الجزائر منها الدولة الرستمية (160 ـ 296هـ/777 ـ 909م) في تيهارت (تيارت الحديثة)، التي كانت عاصمة للدولة وموقعها في غرب الجزائر. وكانت أيام هذه الدولة فترة نشاط تجاري كبير مع أفريقية جنوبي الصحراء. كما أن العاصمة كانت مركزاً من مراكز الحياة العلمية.
في سنة 297/909 قامت الدولة الفاطمية في تونس (أسست المهديَّة عاصمة لها)، وهذه الدولة سيطرت على المغرب. لكن الدولة الفاطمية انتقلت إلى مصر. وكان أن استخلف الفاطميون الزيريين، وهم من صنهاجة، في المغرب، فأقام هؤلاء لهم دولة في الجزائر هي الدولة الزيرية (أو الحمَّادية) بين سنتي 361 و 547هـ/972 و 1152م.
في أواسط القرن الخامس (الحادي عشر) انتشر بنو هلال وبنو سليم من مصر إلى الغرب، فأحدثوا الكثير من الدمار، لكن من جهة أخرى كانت أعدادهم كبيرة بحيث أنهم كانوا في خاتمة المطاف، عوناً على تعريب المنطقة ثم جاء المرابطون. (448 ـ 541هـ/ 1056 ـ 1147م) ففرضوا سلطانهم على المنطقة المحيطة بمدينتي الجزائر ووهران (وكان بنو حماد قد استقروا في بجاية في شرق الجزائر). وخلف المرابطين، لما زالت دولتهم، الموحدون (524 ـ 667هـ/1130 ـ 1269م) الذين كانت لهم دولة ضمت المغرب والجزائر وتونس ومنطقة طرابلس وإسبانية المسلمة. ودولة الموحدين هي أكبر دولة قامت في المغرب الإسلامي في العصور الوسطى، وكانت أيامها فترة ازدهار اقتصادي وثقافي في تلك الجهات ولما ضعف شأن الموحدين، قامت في الجزائر دولة بني عبدالواد (633هـ/1236م) في تلمسان، وهي الدولة التي تعرضت لهجمات واحتلال من الدولة المرينية المغربية، ثم وقعت الجزائر تحت حكم الحفصيين بحيث كان بنو عبدالواد،.. الى أن ضعف حكم الحفصين، منذ حوالي سنة 837هـ (1434م) (وهي سنة وفاة المنتصر الحفصي) وتعرضت المنطقة للكثير من الفوضى واستبداد الحكام والزعماء، الأمر الذي دام نحواً من قرن ونصف القرن. وفي مطلع القرن السادس عشر استقر الأتراك العثمانيون في الجزائر.
في العصور الإسلامية (المتوسطة) كانت تلمسان مركزاً هاماً للحياة السياسية والعلمية والتجارية.
الجزائر في العصور الحديثة
لما احتل الإسبان غرناطة (1492) أخذوا يتطلعون نحو شمال أفريقية خلال السواحل أملاً في السيطرة على تجارة البلاد مع أواسط القارة الأفريقية. وقد نجحوا في احتلال المرسى الكبير ووهران وبجاية والجزائر (المدينة) بين 1505، 1510. وفي سنة 1516 (لما توفى فرديناند ملك قشتالة) استنجد سكان مدينة الجزائر وأحوازها بالقرصان التركي الكبير عروج، طالبين عونه ليخلصهم من الإسبان. وقد استولى عروج على مدينة الجزائر وغيرها بما في ذلك تلمسان غرباً وقسنطينة شرقاً، وعلى مناطق من الداخل. ويرى البعض أن هذا هو بدء ظهور الجزائر قوة سياسية في العصور الحديثة. ومع أن النزاع استمر بين العثمانيين والإسبان، فإن الأولين كانوا يستولون على المواقع تدريجاً تحت قيادة خير الدين بربروسَّا وخلفائه. فقد انتزع خير الدين البنون (1529) من الإسبان، فحرر مدينة الجزائر من الخطر الدائم. وقد قاد شارل الخامس بنفسه (1541) حملة كبيرة ضد الجزائر، باءت بالفشل الذريع، وأصبحت الجزائر منذ ذلك الوقت تابعة للدولة العثمانية. (كان العثمانيون قد احتلوا بلاد الشام ومصر 1516 ـ 1517، وفي سنة 1555 احتلوا طرابلس، ثم احتلوا تونس 1574، وبذلك أصبح المغرب، باستثناء المغرب الأقصى، تحت أمرتهم).
وإلى سنة 1587 كانت إيالة الجزائر يديرها بيلر بك نائباً عن السلطان العثماني. وتلا ذلك عصر الباشاوات حتى سنة 1659، إذ جاء دور آغات الإنكشارية (حتى سنة 1711) وأخيراً أصبحت إدارة البلاد بيد الداي، وهؤلاء استمروا إلى سنة 1830، وهي السنة التي احتلت فيها فرنسا الجزائر. على أن القوة الحقيقية، منذ أواسط القرن السادس عشر، كانت بيد الإنكشارية أو رؤساء الطوائف (وهم قادة المنظمات القرصانية). وكان الإنكشارية يأتون من الأناضول، أما الفريق الآخر فقد كان ممنوع الأصل، لكنهم كانوا دعامة الحياة المالية للإيالة.. فحكام الجزائر اهتموا بالبحر (قرصنة وإغارات) وتركوا البر ـ زراعة وتجارة.
وقد كان القرن السابع عشر فترة في غاية الازدهار الاقتصادي بالنسبة للإيالة. فقد كانت لحكامها علاقات دبلوماسية مع الدول البحرية الكبرى في أوروبا الغربية ـ إنكلترا وهولاندا وفرنسا، وكان لهذه الدول قناصل أو وكلاء في مدينة الجزائر. وقد ازدهرت صناعة القرصنة التي عادت على المدينة ثروة كبيرة بأسرها السفن واستيلائها على السلع والرجال. وكانت المدينة من مراكز تجارة الرقيق الكبرى. وكانت مدينة الجزائر تتطلع، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر نحو البحر. ومع أنه كان ثمة محاولات عثمانية للسيطرة على الداخل، فإن القبائل، وبخاصة في أوراس ومنطقة القبايل، حافظت على استقلالها خلال فترة الحكم العثماني. أما القبائل القريبة من المدينة فكانت ترغم على دفع الضرائب إلى الداي علي، أو أنها كانت تعترف بسلطته كارهة. وقد أخذت الفرص أمام قرصان الجزائر تتضاءل في القرن الثامن عشر بسبب نمو القوة البحرية الأوروبية في البحر المتوسط. وقد نقص عدد سكان المدينة من 100,000 نسمة إلى أقل من 30,000 في مطلع القرن التاسع عشر. أما في الداخل فقد وسع زعماء القبائل نطاق نفوذهم، بحيث أنهم تمتعوا ببعض الازدهار الاقتصادي.
وإذ شغل الأوروبيون بالحروب النابليونية، عاد إلى القرصان وإلى اقتصاد مدينة الجزائر بعض النشاط، إلاَّ أنه كان قصير الأمد. فلم يكد السلم يعود إلى القارة الأوروبية حتى قامت السفن البريطانية الحربية بضرب المدينة (1816م)، وذلك إنذاراً بضرورة وضع حد لأعمال القرصنة في البحر المتوسط. وبعد أربع عشرة سنة نزلت القوات الفرنسية في الجزائر وبدأت عملية الاحتلال.
فرنسا في الجزائر
في سنة 1830م هاجمت القوى الفرنسية الجزائر، واحتلت المدينة وجوارها. وفي سنة 1834م أقيمت «حكومة الممتلكات الفرنسية في شمال أفريقية». وكان من رأي بعض الفرنسيين (سنة 1840م) الاكتفاء باحتلال الأجزاء الشمالية من البلاد فقط، وذلك تحقيقاً للسيطرة الاقتصادية على منافذ تجارة أفريقيا الوسطى (عبر الصحراء) وللسيطرة الاستراتيجية على غرب حوض المتوسط. لكن المقاومة (في قسنطينة إلى 1837م) التي قادها الأمير عبدالقادر الجزائري ضد فرنسا أقنعت الكثيرين بأن الاحتلال يجب أن يكون كاملاً. لذلك لما قضي على مقاومة الأمير عبدالقادر (1847م) استمرت عملية الاحتلال. وكان الأمر صعباً بالنسبة إلى فرنسا بسبب تبدل حكوماتها وتغير أشكالها، ولكن لما قامت الجمهورية الثالثة (1871م) سارت فرنسا قدماً في الاحتلال ـ التل أولاً ثم الجنوب وأخيراً استطاعت أن تفرض نفسها على القطر بكامله في مطلع القرن العشرين.
وليس المهم فقط هو أن فرنسا احتلت الجزائر، ولكن الأكثر أهمية هو السياسة التي سارت عليها فرنسا في البلاد. فمرسوم سنة 1840م الصادر عن لويس فيليب، ملك فرنسا اعتبر الجزائر جزء من التراب الفرنسي، وفي سنة 1846م اعتُبر الجزائريون فرنسيين، ووضعت أسس الحكم المباشر مع البطش. صحيح أن الأمبراطور نابليون الثالث أعلن (1865م) مساواة الجزائريين بالفرنسيين، إلاّ أن هذا كان وعداً خالياً من المضمون العملي. فالمعمرون الذين كانوا قد تدفقوا إلى الجزائر لم يرضوا بذلك. وكل ما ترتب على المنشور هو أن ظل المسلمون يرجعون إلى أحكام الشريعة في قضايا الأحوال الشخصية. ولما قامت الجمهورية الثالثة، عادت فرنسا إلى الشدة والبطش، كما ذكرنا. ففي أول هذه الفترة صدر القانون المعروف بقانون كريمو، الذي منح بموجبه اليهود الجنسية الفرنسية. وفي مقابل ذلك وضِعَ الجزائريون تحت تصرف الحاكم العام المطلق، وأقصوا عن ممارسة الحقوق العامة، واعتبر كل من يناقض الحكومة الفرنسية عاصياً ثائراً يجوز معاقبته بالسجن أو النفي أو التجريد من الأملاك. ووضعت الحكومة الفرنسية نصب عينيها انتزاع الأراضي من الأهالي، وبخاصة أراضي التل، لتوزيعها على المعمرين، فأدى هذا إلى خروج مصدر الثروة الرئيس، وهو الزراعة، من أيدي أبناء البلاد، وتدهورت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية. وقد هبط عدد سكان القطر الجزائري من 2,650,000 نسمة سنة 1866م إلى 2,125,000 نسمة سنة 1871م.
وكان إن انكسرت فرنسا في الحرب الفرنسية ـ البروسية (1871م) وسلمت الألزاس واللورين لألمانية. وكان هذا الأمر بعيد الأثر بالنسبة إلى الجزائر. فمن الجهة الواحدة حاولت فرنسا أن تسترد المجد المحطم في فرنسا بانتصارات في الجزائر (ضد الثوار الجزائريين). ومن الجهة الثانية أرادت أن تعطي الفرنسيين الذين أجلوا أو جلوا عن الألزاس واللورين، والذين انتقلوا إلى الجزائر بأعداد لا يستهان بها، أراضي جديدة يقيمون عليها، ولم يكن انتزاع أراضي التل وغيرها يسير على غير هدى أو يقوم على المصادفة. لقد كان الاستعمار ـ أي الاستيطان في البلاد بعد الاستيلاء على الأراضي ـ يسير وفق سياسة مرسومة واضحة القواعد. كانت قد بدأت هذه السياسة من قبل، إذ إن لجنة خاصة كانت قد أنشئت لبحث مشكلة الأراضي في منطقة مِتِدجة (في التل)، وهي أراضي ـ كانت أصلاً لأهل البلاد، فأصدرت قرارها سنة 1850م سمحت فيه للجزائريين بـ11,000 هكتاراً وللفرنسيين بأن يتملكوا 36,000 هكتاراً. وكانت حصة الحكومة 96,000 هكتاراً. وهذه وضعت تحت تصرف المعمرين.
ولم يقف الجزائريون مكتوفي الأيدي أمام هذه التصرفات. فالثورات تعاقبت منذ الاحتلال الفرنسي. وما حركة الأمير عبدالقادر سوى أقوى الأمثلة للثورة. وفي سنة 1849 قام أبو زيان بثورة دامت ستة أشهر كاملة. ولما انتصر الجيش الفرنسي عليه بعد محاصرته في بسكرة، نكل الجيش بالسكان هناك، فدمر الواحة وقتل سكانها. وفي سنة 1871م قامت في الجزائر ثورة عمت بلاد زواوة ومقاطعة قسنطينة وأيالة الجزائر وكان على رأسها المقراني والشيخ محمد الحداد شيخ الطريقة الرحمانية. وبلغ عدد القتلى فيها نحو ستين ألفاً من الجزائريين وعشرين ألفاً من الفرنسيين. وبعد انتصار الجيش الفرنسي حكم على ستة آلاف جزائري بالإعدام، وغرمت البلاد ستة وثلاثين مليون فرنك. وبسبب عجز القبائل عن الدفع صودرت الأملاك، وأجلي السكان. فقامت على أثر ذلك ثورة أخرى بوهران استمرت خمس سنوات. وفي سنة 1882م قامت ثورة القبائل المهرانية.
على أن الجزائريين لجؤوا إلى غير سبيل الثورة في سبيل توضيح وجهة نظرهم والحصول على حقوقهم. ولكن الخلاف بين النظرة الجزائرية والنظرة الفرنسية كان كبيراً ـ كبيراً جداً. ففرنسا كانت تريد أن تصبح الجزائر فرنسية وأن يصبح الجزائريون فرنسيين، بحيث ينسون مقوماتهم الذاتية وشخصيتهم التي أكسبهم إياها تاريخهم ولغتهم ودينهم. وهذه السياسة كان يقرر قواعدها فئتان: المعمرون الفرنسيون في الجزائر الذين أصبحوا أصحاب القول الأول في شؤون القطر كله، والحكومة الفرنسية التي اتبعت هذه الخطة منذ الاحتلال. أما الجزائريون فكانوا يأبون هذه «الفرنسا». إنهم يريدون أن يظلوا جزائريين مسلمين، وأن يكونوا أحراراً في بلادهم. ومن ثم فلم يكن ثمة حل لهذه المشكلة إلاّ عن طريق الثورة، وقد قاومتها فرنسا بمنتهى الشدة، وقمعتها بمنتهى البطش. ومع ذلك فقد حاول الجزائريون، المرة بعد المرة، أن يتفاهموا مع فرنسا. وقد قبلوا، أول الأمر، درجة بسيطة ـ نسبياً ـ من حفظ كيانهم. لكن كلما اشتطت فرنسا في أعمال القمع، ازداد الجزائريون في مطاليبهم، ونشطت حركاتهم، وانتشرت فكرة الاستقلال بين أفراد الشعب.
كانت أولى المطالبات السلمية السياسية تلك التي بدأها أحمد دربة وصادق دندان والحاج عمار في حدود 1910م. فقد طالب هؤلاء بتطبيق قانون سنة 1865م (القائل بالمساواة بين الجزائريين والفرنسيين). وكانوا يرمون إلى تقوية الجامعة الإسلامية، والاستعانة بالدولة العثمانية. فقد كان البعض لا يزالون يعتقدون، ولو إلى درجة محدودة، بأن الدولة العثمانية. لا يزال باستطاعتها أن تنشط إلى تبوء دور القيادة في العالم الإسلامي.
في أثناء الحرب العالمية الأولى هاج الجزائريون على أثر اعتزام الحكومة الفرنسية تجنيد العدد الكبير من أبناء البلاد للقتال في صفوف الجيش الفرنسي. إلاَّ أن فرنسا وعدتهم بأن تمنحهم، بعد الحرب، سا ئر الحقوق المدنية. فقبلوا واشترك نحو ستين ألف جزائري في القتال. ولما انتهت الحرب تقدم وفد جزائري إلى ولسون، رئيس الولايات المتحدة، يطالب بحقوق أهل الجزائر على أساس بنوده الأربعة عشر، وبخاصة ما يتعلق منها بتقرير المصير. وهذه الجماعة هي التي أصبحت فيما بعد «كتلة الناخبين المسلمين الجزائريين». وقد تركزت أهدافها في أمرين: الحصول على الحقوق المدنية كاملة، وإصلاح أحوال الجزائريين الاقتصادية والاجتماعية. وكان على رأس هذه الجماعة الأمير خالد. ولم تلتفت فرنسا إلى أي من هذه المطالب، ونفي الأمير خالد مرتين بسبب انتشار فكرته بين أفراد الشعب. (وتوفي في سوريا منفياً سنة 1936م).
وفي سنة 1924م انعقد المؤتمر المغربي في باريس. وقد طالب بحرية القول والنشر وإلغاء قانون الأنديجينيا (أي قانون السكان الأصليين) الذي كان يحرم الجزائريين من حقوقهم المدنية، بل حقوقهم السياسية. وقد نشأ عن هذه الحركة وعن انتشار الروح القومية بين الأفارقة (الشماليين) المقيمين في فرنسا، قيام «جمعية نجم شمال أفريقيا» التي صارت لها صيغة سياسية (1926م). وفي عام 1933م انعقد اجتماع عام لهذه الجمعية اتخذت فيه المقررات التالية: 1 ـ إطلاق حرية الصحافة والاجتماعات. 2 ـ إقامة برلمان قومي في الجزائر يكون منتخباً على أساس التصويت العام. 3 ـ تمكين الجزائريين من الالتحاق بوظائف الدولة، التي كانت حكراً على الفرنسيين. 4 ـ جعل التعليم باللغة العربية إلزامياً في القطر كله. وبعد إدخال هذه الإصلاحات المستعجلة تأتي ثلاث خطوات أخرى ينظر فيها في المستقبل وهي: 1 ـ جلاء الجيوش الفرنسية عن البلاد وإنشاء جيش جزائري وطني. 2 ـ منح الجزائر الاستقلال التام واعتبار جميع المنشآت الاقتصادية ملكاً للدولة الجزائرية. 3 ـ إعادة الأراضي التي اغتصبتها فرنسا إلى أصحابها. وقد ظلت الجمعية قائمة إلى سنة 1937م إذ حلتها الحكومة الفرنسية.
وفي الوقت الذي كانت فيه جمعية النجم تعمل في فرنسا، كانت جمعية العلماء المسلمين تعمل في الجزائر. وكانت غاية الجمعية على ما أوضحها مؤسسها المغفور له عبدالحميد بن باديس في مجلة «الشهاب» في عام 1936م هي، على حد قوله: «إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة ومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض. وهي لا تزال حية ولم تزُل. ولهذه الأمة تاريخها اللامع ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها وتقاليدها الحسنة والقبيحة كمثل سائر أمم الدنيا. وهذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تصبح هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح فرنسا حتى ولو جَنّسوها».
وفي سنة 1937م انعقد في مدينة الجزائر مؤتمر جزائري برئاسة الدكتور بن جلول، تمثلت فيه النزعات السياسية المختلفة، وقرر المطالبة بما يلي: 1 ـ انتخاب الجزائريين في البرلمان. 2 ـ إلغاء قانون الأنديجينا، وإلغاء الأوامر التي من شأنها أن تعتبر مقاومي السيادة الفرنسية مجرمين يستحقون العقاب. 3 ـ الاعتراف باللغة العربية لغة قومية في البلاد. 4 ـ تطهير الإدارات الجزائرية من العناصر المناهضة لرغبات الشعب الجزائري ومطالبه. وذهب وفد جزائري لمفاوضة حكومة الجبهة الشعبية الفرنسية (حكوم بلوم). لكن الشعب الجزائري كان، في الواقع، يطلب أكثر مما قرر المؤتمر. فقامت في البلاد تظاهرات وإضرابات ووقعت مصادمات مع الجيش. تشددت الحكومة الفرنسية والمعمرون الفرنسيون في قمعها. وأهملت المطالب، خاصة وإن حكومة بلوم لم تعمر طويلاً.
وفي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية قامت في الجزائر أحزاب سياسية أهمها اثنان: 1 ـ حزب الشعب الجزائري (صار فيما بعد حزب انتصار الحريات الديمقراطية) ـ أنشأه مصالي الحاج سنة 1937م. وقد سجن زعيمه ونفي مرات. وكان الحزب يدعو إلى التحرر الكامل والاستقلال التام. 2 ـ حزب أصدقاء البيان (صار فيما بعد حزب الاتحاد الديمقراطي لمسلمي الجزائر) ـ أسسه عباس فرحات سنة 1943م. وقد دعا إلى تأسيس جمهورية جزائرية ذات برلمان جزائري منتخب انتخاباً حراً كاملاً. وقد قبل هذا الحزب أن تظل الجمهورية الجزائرية داخله في الاتحاد الفرنسي. لكن الكثير من رجاله تبنوا فيما بعد المطالبة بالاستقلال التام.
وبعد حوادث 8 أيار (مايو) 1945م الدامية التي أدت إلى مقتل عدد من الجزائريين يقدر بنحو 15,000 في سطيف وغيرها، اتضح أن فرنسا لا تنوي بالبلاد وأهلها خيراً. ولذلك فقد ازدادت المطالبة بالاستقلال حدة وشدة. إذ عرضت الحكومة الفرنسية سنة 1947م مشروعاً على مجلس النواب الفرنسي أقره، وقوامه ما يأتي: 1 ـ تعتبر الجزائر مجموعة من العمالات (الولايات) الفرنسية وتكون ذات شخصية مدنية واستقلال مالي وتنظيم خاص بها. 2 ـ يظل الوالي الحاكم العام (وهو فرنسي طبعاً) محتفظاً بالسلطة التنفيذية باستثناء شؤون العدل والمعارف، فإنها تتبع الوزيرين المختصين في باريس. 3 ـ تنحصر السلطة التشريعية في مجلس حكومي يتكون من ستة أعضاء ثلاثة منهم، وهم مقيمون في الجزائر، تعينهم الولاية العامة، يضاف إليهم رئيس ونائب رئيس ومدير المال. وهذا المجلس هو الذي يراقب المجلس النيابي الجزائري. 4 ـ والمجلس النيابي هذا يتكون من 120 عضواً، نصفهم فرنسيون ينتخبهم الفرنسيون المقيمون في الجزائر ونصفهم الثاني ينتخبهم الجزائريون. وتجتمع كل فئة على حدة. (يلاحظ أن 9 ملايين جزائري اعتبروا مساوين لنحو مليون وبعض المليون من المعمرين الفرنسيين). وينتخب الأعضاء بالاقتراع السري على درجتين، ويتولون النيابة لستة أعوام. وعمل هذا المجلس مناقشة الموازنة العامة والموافقة عليها. على أنه لا يجوز له أن يصوت ضد الحكومة.
أقرّت الحكومة الجزائرية هذا الذي سمته إصلاحاً (!) وسمحت لمن يريد من الجزائريين أن يتجنس بالجنسية الفرنسية على أن يحتفظوا بقوانين الأحوال الشخصية الإسلامية. لكن هذه الأعمال لم ترض الشعب الجزائري. فالتفريق في المعاملة ظل قائماً، والمساواة كانت معدومة، قولاً وفعلاً، وقد اعتبرت اللغة العربية لغة من لغات الاتحاد الفرنسي.
وفي سنة 1951 قام في الجزائر تكتل سياسي اسمه «الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحريات». وقد انضم إلى هذه الجبهة ممثلون عن الحزبين المذكورين آنفاً وعن جمعية العلماء المسلمين في الجزائر والحزب الشيوعي الجزائري وجماعة من السياسيين المستقلين.
الاستعمار الاقتصادي
أشرنا من قبل إلى اغتصاب الأراضي الجيدة في الجزائر على أيدي الإدارة الفرنسية وتوزيعها ـ بوسائل مختلفة ـ على المعمرين. وقد بلغ مجموع ما سلب من الأرض (قبيل الحرب العالمية الثانية) 2,250,000 هكتاراً. وقد انتزعت هذه على النحو التالي: بين سنتي 1880 و1900م انتزعت من الأرض ما مساحته 243,000 هكتاراً. وبين سنتي 1900 ـ 1920م كان المستولى عليه هو 1,327,000 هكتاراً.
وإذا نحن نظرنا إلى الملكية العقارية في الجزائر في أعقاب الحرب العالمية الثانية لوجدنا أن عدد الذين يملكون من الأرض ما تزيد مساحته عن 500 هكتار كان منهم 600 جزائري و900 أوروبي (الأغلبية الساحقة من الفرنسيين إذ كانوا نحو 95% من السكان الأوروبيين). وكانت مساحة ما يملكه الجزائريون هؤلاء 474,000 هكتاراً، أما ما كان بيد الفرنسيين (وغيرهم من الأوروبيين) 963,000 هكتاراً. أما مجموع الملاكين الجزائريين (ممن تعد عقاراتهم دون الهكتارات العشرة إلى ما يزيد عن الخمسمائة هكتار) فكان 532,000 يقابلهم 25,000 من الفرنسيين. والأولون لهم 7,670,000 هكتار، وللآخرين 2,720,000 هكتار (ذلك أن الفرنسيين استولوا، بعد سنة 1920م على 500,000 هكتار). وحري بالذكر أن الأرض التي استولى عليها الفرنسيون كانت الأكثر خصباً، كما أن الفلاح الفرنسي كان يعطي جميع المساعدات المالية والفنية والإدارية والتنظيمية لإنجاح أعماله. وهذه كلها كانت ممنوعة على الفلاح الجزائري إلاّ في حدود ضيقة ومناطق معينة ولأشخاص مقربين.
بالإضافة إلى ملكية الأرض ومعنى ذلك التفوق الزراعي والسيطرة على الثروة الزراعية، فإنه كان في الجزائر (1949م) 505 مؤسسات صناعية وتجارية، وهذه كادت أن تكون حكراً على الفرنسيين. وكانت الإدارة الجزائرية قد منحت (حتى سنة 1949م) 12 امتيازاً لشركات أوروبية لاستخراج الثروة المعدنية في الجزائر. وجميع الصناعات الثقيلة أو الصناعات الخفيفة ذات القيمة الاقتصادية والتجارة الخارجية تسيطر عليها المؤسسات الفرنسية.
ولعلّ التعليم (أو التجهيل إذا أردنا التسمية الصحيحة) تبدو فيه السياسة الفرنسية المتعنتة المستأثرة بالخير. ففي سنة 1900م كانت المدارس الرسمية تؤوي نحو 140,000 طالب وطالبة منهم 115,000 أوروبي (بما في ذلك الفرنسيون وكانوا 75,00) والباقون، وهم 25,000 جزائريون. هذا في الوقت الذي كان فيه الجزائريون بنسبة عشرة إلى واحد بالمقابلة مع الأوروبيين جميعاً.
فما الذي وصل إليه الحال سنة 1950م؟ الطلاب والطالبات الجزائريون أصبح عددهم 212,000 وصار الفرنسيون 138,000 (أما الأوروبيون فقد تناقص عددهم أما بسبب الهجرة أو بسبب التجنس بالجنسية الفرنسية كانوا 3,600 فقط). والمهم أن النسبة بين السكان الجزائريين في سن التعليم الابتدائي إلى … . أما الفرنسيون فقد كان لكل تلميذ أو تلميذة مكان في المدرسة الرسمية. هذه الأمثلة التي قدمنا هي من التعليم الابتدائي. أما في التعليم الثانوي فقد كان للجزائريين 9% من مجموع الطلاب في المدارس الثانوية (أي نحو 2,700 من أصل نحو 24,000 طالب) والمدارس المهنية كان فيها نحو 20% من الطلاب من الجزائريين أما الجامعة فقد كان فيها سنة 1948 ـ 1949 من الطلاب 4,639 منهم 282 جزائرياً (251 طالباً و31 طالبة).
وقد سيرت المدارس على المنهج الفرنسي، فقد حرمت اللغة العربية في المدارس الرسمية تعليماً وتعلماً، وأبعد التاريخ العربي والإسلامي عن المناهج وفرض تاريخ لغة فرنسا وأدبها وتاريخها على الجميع، وكان للحكومة الفرنسية في الجزائر ثلاث مدارس خاصة بالطلاب المسلمين في مدينة الجزائر وفي قسنطينة وفي تلمسان. وهذه تدرّس العربية والشرع والفقه إلى جانب الفرنسية وأدابها، وهذه كان عملها تخريج مترجمين للمحاكم الشرعية. ذلك أن المحاكم الشرعية كانت، في وقت من الأوقات، تحت أشراف مدير العدلية الفرنسي. وكان لا بد أن يصادق على الأحكام الشرعية قبل تنفيذها. فكان خريجو تلك المدارس يعملون تراجمة في هذه المراكز، كما أنهم كانوا يترجمون، عند الحاجة، أمام حاكم فرنسي عندما تعرض عليه قضية فيها ناحية شرعية.
ثورة المليون شهيد
ليس من اليسير الإلمام بكل ما قامت به فرنسا في الجزائر مما يمثل النهب العنيف لمقدرات الأمة. كما أنه ليس من اليسير التحدث عن المقاومة البطولية الجزائرية عبر عقود من السنين. وهي المقاومة التي توجت بحرب الاستقلال أو ثورة المليون شهيد (1954 ـ 1962م). ولذلك، فكما أننا اختصرنا فيما رويناه إلى الآن، فإننا مضطرون إلى الاقتضاب في اخبار هذه الثورة التي تكاد تكون فريدة في العالم العربي.
إن الحكومة الفرنسية ماطلت بما لا يتحمل في تنفيذ برامج الإصلاح في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات. وكان العامل الأول في تعثر جميع الخطى والحيلولة دون تنفيذ البرامج، هم المعمّرون. فتعطيل الانتخابات (1948 و1951م) وغير ذلك من المواقف المتعنتة حمل الجزائريين على التفكير بالثورة، والتنظيم للثورة، والبدء بالثورة، ثم بالسير بالثورة إلى النهاية المحتومة.
بدأت الثورة في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 1954م واتخذت جميع الأشكال القتالية والأساليب النضالية، وعملت التنظيمات الحزبية والفوق حزبية على القتال في الجبال والسهول والمراعي والقرى والدساكر والمدن. وعملت التنظيمات الثورية القيادية والميدانية بنوع من التنسيق غريب عن المنطقة، وقليل من الصراخ والدعاية، والعمل على الحصول على العون المادي والعسكري من كل مكان جاء.
واشتد تكالب المعمرين وحرصهم يؤيدهم نصف مليون من الجند الفرنسي في الجزائر، وقام تنظيمهم السري (منظمة الجيش السري) بمحاولات كبيرة للسيطرة على الموقف. لكن الأمر خرج من يد الفرنسيين، وأصبحت، حتى منذ سنة 1958م، كفة الثورة الاستقلالية هي المائلة نحو الربح. وحتى عودة ديغول إلى الحكم (1958م) لم تخفف الأزمة؛ ذلك بأن الرجل، مع إدراكه خطورة الوضع، لم يعلن تصريحه الرسمي (1960م) بأن يسمح للجزائريين بتقرير مصيرهم إلاّ بعد محاولة عسكرية أدرك فشلها وخطرها على الفريقين. وحتى بعد التوقيع على اتفاق أفيان (18 آذار مارس 1962م) حاول المعمرون العمل على تفشيله. وبعد مفاوضات حول التفاصيل ووضع حد لتصرف الضباط المتمردين (الفرنسيين)، انتهى الأمر بإجراء الاستفتاء في 1 تموز يوليو 1962م الذي كانت نتيجته أن 91% من الناخبين طالبوا بالاستقلال. وفي 3 تموز يوليو أعلن الجنرال ديغول «الجزائر دولة مستقلة».
وقد كان عدد كبير من السكان الأوروبيين ـ والفرنسيين بشكل خاص ـ قد غادروا البلاد لما وقعت اتفاقية أفيان. وكانت ثمة مشكلات كبيرة وكثيرة تواجه الدولة المستقلة. وقد سارت الحكومة على خطة اشتراكية قوية. فأممت المصالح النفطية الفرنسية ووضعت برنامجاً للإصلاح الزراعي. وفي عام 1976م (كانون الأول/ ديسمبر) خطط لانتخابات للرئاسة والمجلس الوطني. وكانت الشرعية الجزائرية الوطنية، قد وافقت عليها في استفتاء في حزيران يونيو من السنة نفسها، والأسس التي اعتمدت فيها هي: دولة اشتراكية واعتبار الإسلام دين الدولة. كما أن دستور الدولة قبل في استفتاء آخر. وفي شباط/ فبراير 1977م تمت انتخابات «المجلس الوطني» (261 عضواً).
نقولا زيادة
الأمر البربري في الجزائر
أكثر ما كان الانقسام القبلي سائداً بين قبائل منطقة القبائل وهي عرين البربر الجبلي المنيع. فلكل قبيلة أو عشيرة أو فخذ سلطته المحلية الخاصة. مثل بني واقنون وبني حبناء وبني زخفا وبني عيسى وبني راتن وبني بودرار وبني أوحوزون وبني يحيى وغيرهم. وبعد الاحتلال الفرنسي، واجه الفرنسيون هذه المشكلة بأشكال مختلفة. إذ بينما حاولوا توحيد الجزائر بكاملها تحت سلطتهم المركزية عملوا من ناحية أخرى على تدعيم الخصائص الجهوية والعنصرية واللغوية وتعميق الاختلافات. فقد طبقوا في بلاد القبائل سياسة مختلفة عن بقية المناطق تحاكي سياسة بريطانيا في جنوب السودان التي سميت بـ(العزل) فمنعوا استعمال العربية بين البربر وسمحوا بالبربرية وشجعوا الفرنسية. وفي أقصى الجنوب تقلص اهتمام الفرنسيين إلى الحد الأدنى بينما بلغ أوجه في الشمال. ونلاحظ أن نفس المظهر الجهوي والقبلي غلب على الثورات والانتفاضات ضد الاحتلال، مثل ثورة المقراني، وثورة بوعمامة وثورة لالا فاطمة انسومر، وثورة بومعزة، وفي معظم الحالات كانت هذه ثورات جهوية أو قبلية باستثناء ثورة الأمير عبدالقادر التي أقامت وحدها دولة امتد سلطانها على غالبية التراب الجزائري ووحدت الكثير من القبائل والفئات في أواسط القرن الماضي. وباءت جهود الفرنسيين لتمزيق وتشتيت الجزائريين بالفشل الذريع من البداية إلى النهاية. فرغم كل شيء كان معظم الثورات ضد الاحتلال في مناطق البربر الذين اعتبرتهم فرنسا الأقرب إليها وحاولت استمالتهم بدعوى أن أصولهم رومانية وأوروبية وأنها جاءت لتحريرهم من الاستعمار العربي والتركي. ورغم استراتيجية العزل ظلت بلاد القبائل تنافس المناطق الباقية في الإقبال على تشييد المساجد والزوايا والكتاتيب لتعليم القرآن والعربية. مما دفن الخطط الفرنسية لخلق طائفة جزائرية موالية لها تدعمها في فرنسة والبلاد.
وبلغ الرد الوطني أقصاه بانطلاقة ثورة التحرير التي اتفق جميع قادتها على اعتبار الجزائر ذات هوية عربية مسلمة تنتمي إلى المغرب العربي الكبير، والوطن العربي، نتيجة التشبع بأفكار علماء وشيوخ عصر النهصة وخاصة عبدالحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والعربي التبسي والشاعر منفدي زكريا ومصالي الحاج الذين رفضوا التمييز بين عربي وبربري، وأكدوا على أن «شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب» كما قال ابن باديس، مع العلم أن جميع هؤلاء ينتمون إلى الأمازيغ من حيث التقسيم الجهوي والفئوي.
دور الشاوية
رغم الإجماع الوطني على هوية الجزائر العربية والإصرار على الوحدة الوطنية شهدت الحقبة الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية نمواً ملحوظاً في الاتجاهات الانقسامية، أو الفئوية.
وفي عام 1949 اكتشف قادة حزب الشعب الجزائري أكبر الأحزاب الوطنية المناهضة للاستعمار مؤامرة حاكتها السلطات الفرنسية لشق الحزب إلى كتلتين عربية وبربرية بعدما يئست من إمكان القضاء عليه أو حظره. وإبان حرب التحرير، وكان كل حديث عن الجهوية أو التمييز بين أبناء الجزائر على أي أساس يواجه بالبتر والحزم الشديد إلاّ أنه بعد استشهاد أو اعتقال القيادة المؤسسة لجبهة التحرير استطاعت شخصيات ذات ميول بربرية معادية للعروبة التسلق إلى مراكز القيادة الأولى وفرضت توجهاتها الانعزالية في مؤتمر الصومال عام 1956، ولكن الأمور سرعان ما أعيدت إلى نصابها بعد الاستقلال بعودة القادة التاريخيين. وربما كانت أهم الملاحظات في هذا الصدد أن مواجهة التيارات الانعزالية بين البربر كانت تتم على أيدي تيارات من داخل البربر أنفسهم قبل أن تتم على أيدي غيرهم. وقد ظهر ذلك جلياً بالرفض القاطع لآخر محاولات فرنسا تمزيق الجزائر قبل الجلاء عنها والتي تمثلت بمشروع الرئيس ديغول عام 1959 لتقسيم الجزائر إلى دويلات منفصلة ومنحها الاستقلال على أساس عرقي بحجة تقرير المصير واحترام الخصوصيات، أحداها للمستوطنين الأوروبيين وثانية للبربر وثالثة للأباضيين ورابعة للعرب، إلخ… إلاّ أن جميع الجزائريين رفضوا المشروع وتصدوا له بحزم متمسكين بالاستقلال وبالوحدة الوطنية والترابية الكاملة في آن.
وبعد الاستقلال تجدد الصراع بسرعة حول المدى الذي يجب أن تذهب إليه الجزائر في انتمائها للعروبة وانخراطها بمشاكل العالم العربي، أو المدى الذي يجب أن تحتفظ فيه باستقلاليتها وتهتم بمشاغلها الخاصة. كان الرئيس الأول للدولة أحمد بن بلة عروبياً ومؤيداً لتعريب فوري وجذري وشامل بالاعتماد على دعم قومي مشرقي واسع وفرته مصر وسورية والعراق والأردن ولبنان إلخ… وكان بعض الزعماء البربر، وعلى رأسهم حسين آيت أحمد يعارضون ذلك الاتجاه بحجة أنه متطرف بالعروبية. ويطالبون بقدر أكبر من التوازن بين جزائر عربية وجزائر جزائرية. وبصيغة معتدلة من التعريب اللغوي والسياسي، وتطبيقها بصورة تدرجية بطيئة، واحترام الخصائص والخصوصيات البربرية المحلية، وكذلك المحافظة على اللغة الفرنسية باعتبارها (مكسباً حضارياً). في ظل هذا الصراع الذي أوشك أن يتطور إلى مجابهة مسلحة أو مشروع حرب أهلية، ربما أفضت إلى وأد الاستقلال في مهده، برز اتجاه ثالث عبر عنه الانقلاب العسكري الذي نفذه وزير الدفاع العقيد هواري بومدين. وفي الواقع كان هذا الرجل وبقية الانقلابيين يمثلون مركز قوة قبلياً وجهوياً محدداً هو الشاوية ـ هذه الجماعة التي تعتقد أنها تمثل اتجاهاً وسطياً بين العروبيين والبربر الانعزاليين.
وكانت الشاوية لعبت هذا الدور الوسطي منذ أواسط الخمسينات وعبرت عنه قبل ذلك من خلال انجابها لكبار مفكري عصر النهضة. فهي أمازيغية الأصول واللغة ولا أحد يمكنه اتهامها بالعداء العنصري للبربر. وهي في الوقت نفسه معربة وتؤمن بالعروبة كما تؤمن بالإسلام وترفض منطلقات الحركة البربرية المعادية للعروبة. كما ترفض الفكرة القومية العربية التي تنكر استقلالية الجزائر وتلغي خصوصياتها القطرية أو الجهوية.
(راجع: البربر، وراجع: تلمسان، وراجع: كتامة، وراجع: الموحدون).
الجزيرة
ـ 1 ـ
قسَّم الجغرافيون العرب بلاد ما بين النهرين، الفرات ودجلة، إلى إقليمين: الأسفل الجنوبي، والأعلى الشمالي، وسموا الإقليم الأعلى الجزيرة، وقسَّم هذا الإقليم بدوره إلى ثلاث ديارات هي: ديار ربيعة، وهي أول الإقليم من جهة العراق، وديار مضر، وديار بكر، وذلك نسبة إلى القبائل العربية، ربيعة ومضر وبكر، التي نزلت في هذا المكان قبل الإسلام.
كانت الموصل قصبة ديار ربيعة، وتقع على الضفة الغربية لنهر دجلة. وسميت بالموصل لأن العرب وصلوا بها عماراتهم ومصَّروها، أو لأنها وصلت الجزيرة والعراق، أو لأنها وصلت نهري دجلة والفرات، حيث تألف منهما مجرى واحد كبير. ومن أهم مدن ديار ربيعة: الحديثة، تل يعفر، سنجار، بَلَد، نصيبين، دارا، رأس العين، كفرتوثا وغيرها، وناحيتها جزيرة ابن عمر.
أما قصبة ديار بكر فهي آمد في أعالي دجلة. وأشهر مدنها: ميافارقين، حصن كيفا، تل فافان وغيرها.
ومن أكبر المدن الفراتية: الرحبة، قرقيساء، علنة، الحديثة وغيرها. وأما قصبة مدن الخابور فهي عرابان. وقد عيَّنت الفواصل المائية حدود هذه الأقسام الثلاثة.
فقد كانت يار بكر، وهي سقي دجلة من منبعه إلى منعطفه العظيم في الجنوب، أسفل تل فافان. وكانت ديار مضر، إلى الجنوب الغربي، وهي الأراضي المحاذية للفرات من سميساط حتى يغادر سلاسل الجبال منحدراً إلى عانة مع السهول التي يسقيها نهر البليخ، رافد الفرات الآتي من حرَّان.
أما ديار ربيعة، فتقع شرقي ديار مضر، وتتألف من الأراضي شرقي نهر الخابور المنحدر من رأس العين، والأراضي الواقعة شرقي نهر الهرماس.
ونترك الكلام للدكتور محمد حمادة:
الجزيرة وسورية الشمالية دهليز العراق
إذا كان بكجور قد كاتب الخليفة الفاطمي العزيز يذكر له جلالة حلب وكثرة ارتفاعها وإنها دهليز العراق([396])، فإن هذا القول يستحق أن يطلق على سورية الشمالية والجزيرة معاً المتأثرتان كثيراً بما كان يجري في العراق باعتباره نقطة ثقل رئيسية في التاريخ الإسلامي فهو منطلق فتوح الشرق، وهو مركز الخلافة الراشدية الرابعة، وهو مركز المعارضة الرئيسية للأمويين وهو مصهر الولاة الأمويين البارعين، وهو مصدر سكان الجزيرة وسورية الشمالية، ثم هو بلد الخلافة العباسية ومن لفّ حولها، وبتحديد أكثر فإن الجزيرة كانت تؤثر في سورية الشمالية أكثر من تأثرها بها.
عرفت الجزيرة إبان التجربة الفاطمية العريضة التي نستطيع اعتبارها الثانية على هذا المستوى بعد الأموية، والتي كانت تحاول تغطية سورية بكاملها بعد تمكنها من مصر، عرفت تشكيلين سياسيين تجاورا في المكان والزمان هما: الإمارة المروانية في ديار بكر والعقيلية في الموصل، ورب قائل أن هذين التشكيلين حالا دون امتداد محاولة التوحيد السياسي ـ الديني الفاطمية إلى بقية الأنحاء السورية وحتى العراق، ولكن بعد دراسة لأوضاع هاتين الإمارتين، فإننا لا نستطيع اتهام طرف بعرقلة مشروع الآخر نظراً للعلاقة الجدلية بين كل الأطراف معاً، وللأوضاع الداخلية والخارجية المؤثرة فيه والمحيطة به، فالمسؤولية تقع على عاتق كل الفرقاء ولا نستغرب إذا كان يجب البحث عن المسؤول هناك في العراق وراء الفرات حيث الجسور مؤمنة للعبور من وإلى الجزيرة.
ـــ قرن مع الإمارة المروانية في ديار بكر (380 ـ 479هـ/ 990 ـ 1087).
قامت هذه الإمارة في ديار بكر وهي منطقة كانت تحت السلطة الحمدانية طوال عهد سيف الدولة وحتى وفاته (356هـ/ 967م)([397])، فغدت لإمارة الموصل الحمدانية حتى استعادها البويهيون لبغداد بعدما ركّزوا أمورهم في عاصمة الخلافة العباسية. ولما بدأ تحرك الزعيم الكردي باهبن دوستك إليها (374هـ/ 984م) واستيلاؤه في مدة يسيرة على بلادها، تحرك البويهيون في العراق خوفاً على الجزيرة منه فقاتلوه ولما لم يتمكنوا منه عمدوا إلى مصالحته بالاتفاق مع صاحب الموصل من قبلهم وذلك سنة 377هـ/ 987، ثم طمع الحمدانيون ببلاده فقاتلوه في معركة انتهت بمقتله وبهزيمتهم وببروز ابن أخته أبي علي الحسن (380هـ/ 990)([398]).
ولم يكن قيام الإمارة المروانية في ديار بكر عائقاً مباشراً في توسيع السلطة الفاطمية في هذه المنطقة البعيدة من الجزيرة بقدر ما كان عليه بالنسبة للبويهيين، ويمكن اعتباره من عناصر التعقيد التي كانت تؤثر في الموقف الحمداني، في كل من حلب والموصل، من الوحدة الفاطمية ومن الوضع العراقي.
وكانت منطقة ديار بكر وما يليها شمالاً تحت سلطة حمدانيي حلب طوال عهد سيد الدولة([399]) وحتى وفاته (356هـ/ 967م) ثم انتقلت السيطرة عليها إلى حمداني الموصل. وكانت روابط الحمدانيين بديار بكر وثيقة وحميمة، فسيف الدولة ولد ودفن في ميافارقين، وإليها كان يلجأ الحمدانيون كلما تعرضوا للنوائب من الغرب (بيزنطة) أو من الشرق (بغداد).
وتبرز أهمية ديار بكر في كثرة حصونها([400]) وفي تنوع سكانها الاثني والمذهبي([401])؛ لقد كان الأثر الحمداني فيها عميقاً وأدخلها الخط الحمداني في المعادلة والموازنة بين القوى التي كانت تحاول تجاذب المنطقة (عراقية، مصرية، رومية)، فتعلق أهل ميافارقين ببني حمدان ورغبوا فيهم دون غيرهم وتحملوا من أجل ذلك مضايقات مروانية كثيرة من إيقاع وتهجير([402])، ولكن المروانيين فهموا بعد ذلك ضرورة الاستفادة من الأثر الحمداني وتجييره لمصلحتهم بدل الاصطدام به ومعاداته، فخطب أبو علي الحسن بن مروان (380 ـ 386هـ/ 990 ـ 996م) ست الناس بنت الأمير سعد الدولة شريف بن سيف الدولة بن حمدان ولكنه قتل قبل الزواج منها([403])، ونفذ أبو منصور سعيد (387 ـ 401هـ/ 996 ـ 1010م) خطة مصاهرة الحمدانيين فتزوج ست الناس (388هـ/ 998م) فاستقر في المملكة.. والدولة بأسرها والبلاد بأمره، وقصدته العشائر من سائر الأطراف، وحلفوا له وحصلوا تحت أمره وفي خدمته ولم ينفرد غير آمد([404]). وقد لازم الأثر الحمداني والتصق به جو شعبي معاد للإمارة المروانية، وهو جو ضاغط كان يضطر أي حاكم على الخضوع له أو على استغلاله وذلك عندما عمل حكام المدن لمصالحهم الشخصية بشكل سافر (ابن دمنة ـ شروة ـ ابن فيلوس)([405])، وقد حاول أحدهم، ابن دمنة، تعريض خطته في آمد «فكاتب جميع الملوك، ونفذ الهدايا إلى الخليفة القادر بالله وإلى الحاكم بمصر وإلى الظاهر والمستنصر بعده، وكاتب ملك الروم وحصل مثل الأمراء والكبار ونفذوا له الخلع والهدايا والتحف من كل النواحي وسائر الأطراف، وصار ملجأ كل خائف، ومألفاً لكل قاصد، واعطي الجزيل من الأموال، وامتدحه الشعراء من كل البلاد…»([406]).
ولكي نفهم الدور الذي قامت به الإمارة المروانية في هذا «الدهليز» لا بد من دراسة علاقاتها بمصر الفاطمية، ببغداد البويهية ثم السلجوقية وأخيراً بالدولة البيزنطية، وهي علاقات كانت تتحكم فيها أمور مختلفة واعتبارات كثيرة سنحاول تبيانها في هذا المجال.
مما لا شك فيه أن الدولة الفاطمية كانت صاحبة المشروع الوحدوي العريض في هذه الحقبة وهو مشروع قرشي عربي، وإسلامي عمل له الفاطميون طويلاً في سورية ثم في شمالي إفريقية، وكانت التطلعات الفاطمية طويلة المدى تنوي استيعاب الإرث الإسلامي بكامله، ولكن الظروف السورية الداخلية والتدخلات الخارجية فيها([407]) قطعت على الفاطميين خطتهم وجعلتهم يتعاملون مرغمين مع دول الأطراف التي قصرت في أن تكون صاحبة مشروع مركزي. ولم تكن إرادة التعامل بين الفاطميين والمروانيين فاطمية بحتة إنما حرص المروانيون قبل كل شيء على «مراسة» القوى المتواجدة على الساحة الدولية آنذاك والتي يمكن أن تؤثر على أوضاع دويلتهم: «راسل (ممهد الدولة أبو منصور) الملوك وخليفتي بغداد ومصر. وجاءته التوقيعات والتشاريف من الملوك…» و«راسل (أبو نصر أحمد) الملوك والخليفة وبهاء الدولة ابن بويه وقوي أمره ولم يبق من يناؤه».
أسفرت هذه المراسلات عن إقامة علاقات مع كل من بغداد والقاهرة بالدرجة الأولى حيث تتمثل أقوى قوتين حاكمتين في ذلك الوقت.. لقد كانت مهمة المروانيين سهلة بين الطرفين في الوقت الذي كانت فيه بغداد بويهية اثني عشرية، والقاهرة إسماعيلية سبعية، وهي سهولة تأمنت للمروانيين بحيث أن قيامهم بخطوات ذات مداليل دينية إسلامية شيعية لم يكن ليزعج أياً من الفريقين الشيعيين، من هذه الخطوات توزير أبي القاسم المغربي (415هـ/ 1024م) الشيعي الاثني عشري([408]) الذي لعب دوراً في بلاطات عديدة من مصر إلى العراق، وحظي بكامل ثقة الأمير المرواني أبي نصر أحمد، وتوفي المغربي (428هـ/ 1036م)([409]) ودفن في الكوفة بالقرب من ضريح الإمام علي بن أبي طالب، وبرزت دلالة شيعية أخرى في القيمة التي أعطيت لقرآن بخط الإمام علي حمله البويهي الملك العزيز إلى ديار بكر؛ ومما يشير إلى مراعاة الوضع الشيعي في تحركهم، علاقاتهم بمرداسيين وعقيليين؛ نشير بالنسبة إلى الأول الوساطة التي قام بها صالح بن مرداس في حسم الخلاف الذي قام بينهم وبين عُطير النميري حول الرها([410])، ثم تصاهر المرداسيين والمروانيين في عهد ثمال ونصر بن مروان؛ أمّا بالنسبة إلى العقيليين فنشير إلى المصاهرة بين الجماعتين في عهد قرواش المعروف بميوله الشيعية، ثم تلك التي تمت في عهد مسلم ابن قريش وذلك لمواجهة ابن جهير الذي استولى على الجزيرة من قبل السلاجقة([411]).
لقد سبقت العلاقات مع الفاطميين، تلك التي أقيمت مع البويهيين، وهو أمر يمكن أن يوضع في إطار قوة الفاطميين من جهة، وبعدهم عن ديار بكر من جهة أخرى، ويأتي بعد عملية سيطرة المروانيين على ديار بكر ومقاتلتهم للحمدانيين والبويهيين معاً، وعلى هذا الأساس بدأ أبو علي بن مروان حكمه من قبل الخليفة الفاطمي العزيز([412]). وقد أخذت العلاقات تتحسن مع بغداد في عهد أبي منصور سعيد، وكان توجههم بالدرجة الأولى دينياً وقصدوا به خليفتي بغداد ومصر، وقد يكون تهيبهم الأول من الخلافة الفاطمية ناجماً عن التلاحم والتطابق بين السلطة السياسية والدينية فيها. وقد تجلى عدم القدرة على الاقتحام المباشر لدى كل من بغداد والقاهرة في «توقيعات» و«تشاريف» و«هدايا» و«خلع» و«مناشير» و«الطاف»([413]). ومهما يكن من أمر، فإن حرص المروانيين على قيام إمارتهم واستمرارها تجلى في أضحى 403هـ/1012م وذلك بجلوس أبي نصر أحمد للاحتفال بالعيد «.. وحضر رسل الخليفة والسلطان فجلسوا على اليمين، وحضر رسول مصر ورسول ملك الروم فجلسا على الشمال وحضر الشعراء والقراء، وكان يوماً عظيماً وعيداً مشهوراً، وقرئت المناشير على الناس بحضور الرسل والأمراء. ولبس الأمير الخلع، وخلع الأمير على الرسل من الخلع ما لم يمكن أن يكون مثلها»([414])، أن تمثل قوى المنطقة الكبرى جميعاً في هذا العيد يمكن أن يفسر الدور الناجح الذي قام به المروانيون حفاظاً على إمارتهم وهو لم يكن لينجح لولا إخفاق القوى المحيطة في إنهاء هذه الأوضاع التمزقية([415])، ولم يكن الحذق في التعامل مع القوى المحيطة شرطاً كافياً لنجاح استمرار الكيان السياسي، فركز المروانيون على سكان ديارهم الذين تميزوا بدينامية ومشاركة في الأحداث جعلت الحاكمين يأخذونهم بعين الاعتبار في كل خطة وكل شأن([416]).
ولم تكن الإطلالة السلجوقية التركية التي طلعت على الجزيرة بجديدة، ذلك أن كل من استولى على السلطة في العراق عوّدنا الإطلالة على الجزيرة، هكذا فعل العباسيون وقوادهم، وهكذا فعل من قدم من وراء العراق كالبويهيين الفرس وكالسلاجقة الذين نحن بصددهم. وكان العراق يشهد في هذه الحقبة، ولسوف يكون الأمر كذلك لمدة طويلة وقعات متعددة تحت سلطة القادمين من الشرق في وقت وضح فيه أمر وترسخ، وهو خروج العراق عملياً من نطاق المشاريع الوحدوية العريضة التي غدت مصرية الانطلاق، وسورية المسرح، كما أنّا نشهد المشاريع المشرقية (بويهية ثم سلجوقية ثم صفوية فيما بعد) التي كان المشروع السلجوقي أكثرها حركة نحو الغرب والجنوب الغربي، وكل ذلك قبل أن يرث الأتراك العثمانيين أقاربهم السلاجقة ويحملون مشروعاً وحدوياً مركزياً شمالي المنطلق أنهى الدور التقليدي في هذا المجال لكل من سورية والعراق ومصر وأزال الدور البيزنطي باحتلال القسطنطينية مما أوجد علاقات مباشرة مع الغرب وذلك دون وساطة بيزنطية وما كانت تمثل هذه الأخيرة من إرث روماني. وإذا كان افتقار الفاطمية إلى المدى المطلوب للوصول إلى الجزيرة والعراق قد قطع عليها استكمال مشروعها في إقامة الوحدة العريضة، فإن قيام الدولة السلجوقية قد أوجد سلطة واسعة([417]) خاصة في عهد السلاجقة العظام (429 ـ 552هـ/ 1037 ـ 1157)، ولم يمض قرن على ظهور سلجوق (345هـ/ 956) حتى كان طغرل بك يقرع أبواب بغداد (447هـ/ 1055) ثم يدخلها. وذلك بعد التحول الذي أصاب دوره إذ غدا «رجل الخلافة العباسية الوحيد وصار عراقي السياسة ومسؤولاً دنيوياً عن الجماعة الإسلامية ورجل دولة عباسي»([418])، وكان لا بد من هبّة تعبر عن تبنّيه للسياسة الجديدة، فتابع غرباً باتجاه ديار بكر والشام وذلك رغم كل ما يمكن أن يشكل هذا التحرك من مصاعب لكل جماعة شرقية تتحرك باتجاه الغرب([419]).
لم يكن وضع المروانيين أمام الفاطميين والبيزنطيين كمثل وضعهم أمام السلاجقة الذين كانت فتوة دولتهم تحركهم باتجاه ضم الإرث الإسلامي وذلك خاصة بعد الاستيلاء على بغداد والتفاهم مع الخليفة فيها، فسيّر طغرل بك قواته إلى ديار بكر قيادة بوقا وناصغلي، ولكن المروانيين لم يستوعبوا في البدء معنى المحاولة السلجوقية مكتفين منها بمثل هذين القائدين السكيرين اللذين انتهى بهما الأمر إلى الخصام والتضارب والاقتتال([420])، عندئذٍ صادم المروانيون الجيش السلجوقي وهزموه واعتقدوا أن دفع المال وإقامة الخطبة للسلاجقة([421]) أو استضافة ابن خليفة بغداد قد تكفي لإنهاء الخلاف. لم يكن هذا الحل مقبولاً لدى طغرل بك الذي كان يريد إزالة الإمارة المروانية، فاستولى على نصيبين وديار بكر (448هـ/ 1056) وأخذ يضغط عسكرياً (455هـ/ 1063م محاصرة ميافارقين) للتدخل في شؤون الأسرة المروانية في وقت كان فيه أعضاء هذه الأسرة قد عرفوا أهمية هذه الدولة السلجوقية وتأثير قرارها على أوضاع الجزيرة([422])؛ ومما زاد اهتمام السلاجقة بالجزيرة، توزيرهم لابن جهير الوزير السابق للأمير المرواني نظام الدين نصر([423]). لقد كان هم الأمير المرواني الاحتفاظ بإمارته ولو أدى الأمر إلى التضحية بإخوته([424])، وكذلك فإن الب أرسلان بعد طغرل بك لم يشأ توتير الأمور مع ديار بكر في وقت كان فيه على عتبة منازجرد، فأرسل وزيره نظام الملك للتفاهم مع الأمير المرواني وذلك ريثما يطمئن إلى مسألة الحدود الشمالية([425]).
بعدما ثبت السلاجقة أقدامهم في بلاد الروم ووضعوا أسس تتريك آسية الصغرى، ودخلوا عهداً بلغت في نهايته حدود دولتهم أقصى اتساع([426])، بعد ذلك، لم يعد للمروانيين مفر من الوقوع تحت السلطة السلجوقية.
وإذا كانت التشكيلات التي ندرس من مروانية وعقيلية ثم عمَّارية تتمتع بحد أدنى من الكيانية وتحاول الحفاظ على هذا الكيان بأشكال شتى أمام التيار القادم من الشرق بعد أن قصر عن احتوائها تيار الجنوب التوحيدي، فإن سورية الوسطى والجنوبية كانت تعاني فراغاً مخيفاً بعد فشل المحاولة الفاطمية في جعلها ممتلكات فاطمية خالصة وصامدة ولهذا لا يثيرنا العجب إذا ما رأيناها تسقط بيد السلاجقة بعد إنهاء مسألة الحدود الشمالية البيزنطية، والانتقال إلى الحدود الجنوبية على أمل ترتيب أمور سورية الشمالية بشكل نهائي فيما بعد. وجه السلاجقة القائد اتسز بن ابق إلى سورية الوسطى والجنوبية([427]) فتمكن من أخذ الرملة والقدس ودمشق (468هـ/ 1076) ولكنه لم يأخذ عسقلان، واستطاع القائد الفاطمي بدر الجمالي رده عن مصر. وبعد عودة اتسز قامت عليه فلسطين من غزة (قتل جماعة من أعوانه) إلى الرملة (حمل الناس السلاح ضده) إلى القدس (سرقوا أمواله) فاضطر للعودة إلى دمشق وتهيئة حملة جديدة لاستعادة فلسطين مستعملاً العنف لأخذ القدس، الرملة وغزة؛ فأضحت سورية عشية العودة السلجوقية إليها أرض العنف والتدمير وهجرها الكثير من سكانها([428]). وقد اضطر اتسز إلى طلب نجدة الأمير تتش بن الب أرسلان لترسيخ السيطرة السلجوقية فغدت حلب ودمشق فيما بعد لأولاده (رضوان ودُقاق وارتاش) ولأحفاده (الب أرسلان بن رضوان وسلطان شاه بن رضوان) وذلك قبل أن تنتقل الأمور إلى أتابكة السلاجقة في الداخل وإلى الصليبيين على الساحل.
سقطت الإمارة المروانية في يد السلاجقة في حملة قادها ابن جهير([429]) (477 ـ 478هـ/1085 ـ 1086) ولكنها لم تقض تماماً على الوجود المرواني إذ تمكن الأمير أبو المظفر منصور، بعد سبع سنوات من سقوط الإمارة، من حكم ميافارقين لمدة خمسة أشهر مستفيداً من الفوضى التي نجمت عن مقتل السلطان السلجوقي ملكشاه، لكن البلاد عادت فوقعت في يد تتش عم السلطان بركياروق (486هـ/ 1094) وذلك قبل التوجه لقتال ابن أخيه([430])، وبذلك حسم الأمر في ديار بكر لمصلحة السلاجقة ونوابهم وسقط مشروع الحكم بالواسطة أمام القدرة على الحكم المباشر وذلك رغم كل ما أظهره المروانيون من قدرة في التعامل مع الدولة القوية حتى النفس الأخير، ورغم الجذور التي ضربوها في المنطقة بحيث استمروا يؤثرون فيها سنوات بعد نهاية حكمهم السياسي المباشر.
د. محمد حمادة
الجزيرة
ـ 2 ـ
سميت بذلك لوقوعها بين نهري دجلة والفرات حيث تشكل جزيرة يحوطها ماؤهما، وهي تشتمل على الجزء الشمالي من الأرض الواقعة بين هذين النهرين مضافاً إليها ما هو واقع عبر نهر دجلة الأعلى في الشمال إلى الشرق من الامتداد الأوسط من النهر.
وبهذا يمكن تحديدها على الشكل الآتي: من الشمال والشمال الشرقي أرمينية ومن الشمال الغربي ثغور الجزيرة([431]) ومن الجنوب العراق امتداداً من الأنبار إلى تكريت.
ويحدد الأصطخري في كتابه المسالك والممالك الجزيرة بما يلي:
«وأما الجزيرة فإنها ما بين دجلة والفرات وتشمل على ديار ربيعة ومضر ومخرج ماء الفرات من داخل بلد الروم من ملطية على يومين، ويجري بينها وبين سميساط، ويمر على سميساط وجسر منبج وبالس إلى الرقة وقرقيسيا والرحبة وهيت والأنبار وقد انقطع حد الفرات مما يلي الجزيرة. ثم يعدل حد الجزيرة في سمت الشمال إلى تكريت، وهي على دجلة حتى ينتهي عليها إلى السنّ مما يلي الجزيرة والحديثة والموصل وجزيرة ابن عمر، ثم يتجاوز آمد فينقطع حد دجلة على بعد حد أرمينيا، ثم يمتد مغرباً إلى مكحول جنوبي الموصل. وعلى شرقي سميساط ثم ينتهي إلى مخرج ماء الفرات في حد الإسلام من حيث ابتدأنا. ومخرج ماء دجلة فوق آمد من حد بلد الأرمن. وعلى شرقي دجلة وغربي الفرات مدن وقرى تنسب إلى الجزيرة ـ وإن كانت خارجة عنها ـ لقربها منها».
ويعدد ياقوت في معجم البلدان أهم مدنها بما يلي:
«ومن أمهات مدنها: حرّان والرقه ورأسعين ونصيبين وسنجار والخابور وماردين وآمد وميّافارقين والموصل وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه»([432]).
وفي الجزيرة عدة جبال هي: قرجاداغ بين آمد والفرات، وطور عابدين وجزيرة ابن عمر، وجبل عبدالعزيز بين بليخ والخابور، وجبل سنجار بين الخابور ودجلة، وجبل مكحول جنوبي الموصل. وعلى شرقي دجلة وغربي الفرات مدن وقرى تنسب إلى الجزيرة ـ وإن كانت خارجة عنها ـ لقربها منها.
ومن الجزيرة تنبع عدة روافد للفرات وهي: بليخ النابع من إقليم حران، والخابور النابع من رأس العين، وذلك عدا الثرثار الذي ينبع من جبل سنجار ثم ينتهي إلى الصحراء فيفيض فيها.
ولقد نزل العرب الجزيرة من قديم العصور، ولكنها اشتهرت في الجاهلية وفي صدر الإسلام بأسماء ثلاث قبائل كانت تحل فيها هي: ديار ربيعة في الشرق، وديار مضر في الغرب وديار بكر في الشمال.
كما عرفت من غير العرب: الأكراد في منطقة الموصل، والأرمن إلى الشمال من نهر دجلة الأعلى.
وبعد هذا الإجمال نعود إلى شيء من التفصيل:
كان العرب يسمون بلاد ما بين النهرين العليا بالجزيرة، لأن أعالي دجلة والفرات كانت تكتنف سهولها. وكان هذا الإقليم ينقسم إلى ثلاث وهي: ديار ربيعة وديار مضر وديار بكر، نسبة إلى القبائل العربية: ربيعة ومضر وبكر التي نزلت هذا الإقليم قبل الإسلام، وكان يحكمه الساسانيون، فعرف كل من هذه الديار بقبيلته. وكانت الموصل على دجلة أجل مدن ديار ربيعة. والرقة على الفرات قاعدة ديار مضر. وآمد في أعالي دجلة أكبر مدن ديار بكر، وديار بكر، هي أقصى هذه الديار الثلاث شمالاً. على أن المقدسي، وصف إقليم الجزيرة تحت اسم «إقليم أقور». واصل أقور غير واضح، ولكن ربما كان حيناً من الزمن اسم السهل العظيم في شمالي ما بين النهرين.
وإذا رجعنا إلى الخارطة، تبين لنا أن دجلة والفرات في بلاد ما بين النهرين العليا، يستقبلان روافدهما كلها من يسارهما. فقد كانت هذه الروافد، تنحدر إليها من شمالها الشرقي أو في الشمال. وقد شذّ عن هذه القاعدة في القرون الوسطى، انصراف ماء نهر الهرماس الآتي من نصيبين. والهرماس رافد الخابور (الكبير). فمياه الهرماس قد سُكرت فوق موضع اجتماعه بالخابور بُسكير العباس. فبينما كان قسم من مائه يجري فيلتقي هو والخابور الذي يصب في الفرات عند قرقيسياء، كانت مياه نهر الهرماس نفسه تنصب في يمين دجلة عند تكريت بعد أن يجري في واد يقال له الثرثار([433]). وإلى ذلك فحدود هذه الديار الثلاث قد عينتها الفواصل المائية. فقد كانت ديار بكر، وهي سقي دجلة من منبعه إلى منعطفه العظيم في الجنوب أسفل من تل فافان مع ما في شمالها من أرض، تستقيها روافد دجلة الكثيرة التي تصب في يساره غرب تل فافان. وكانت ديار مضر، إلى الجنوب الغربي، هي الأراضي المحاذية للفرات من سميساط حيث يغادر سلاسل الجبال منحدراً إلى عانة مع السهول التي يسقيها نهر البليخ رافد الفرات الآتي من حران. أما ديار ربيعة، فقد كانت في شرق ديار مضر، وتتألف من الأراضي التي في شرق الخابور (الكبير) المنحدر من رأس العين ومن الأراضي التي في شرق الهرماس وهو النهر المنساب في وادي الثرثار نحو الشرق إلى دجلة، على ما قد بينا. وكذلك مما على ضفتي دجلة من أراض تمتد بانحدار النهر من تل فافان إلى تكريت، أي الأراضي التي في غرب دجلة حتى نصيبين والتي في شرقه المشتملة على السهول التي يسقيها الزابان الأسفل والأعلى ونهر الخابور الصغير.
وكانت الموصل، قاعدة ديار ربيعة، على ضفة دجلة الغربية، حيث تتصل عواقيل النهر فتؤلف مجرى كبيراً واحداً. ويقال أن الموصل إنما جاء اسمها من هذا الاتصال. وكان يقوم في موضعها أيام الساسانيين مدينة يقال لها بوذ اردشير. وصارت الموصل في عهد مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية، قاعدة إقليم الجزيرة وبنى فيها أيضاً الجامع الذي عرف بعدئذٍ بالجامع العتيق([434]). ووصف ابن حوقل، وقد كان في الموصل سنة 358هـ (979م)، هذه المدينة بأنها بلدة طيبة عامرة الأسواق، نواحيها ورساتيقها كثيرة الخيرات. فمن ذلك رستاق نينوى وفيه قبر النبي يونس. وكان جل أهلها في المئة الرابعة (العاشرة) من الأكراد([435]). وقد عني ابن حوقل بسرد ما حول الموصل من كور ورساتيق كثيرة تؤلف ديار ربيعة. وأطرى المقدسي حسن فنادق الموصل الكثيرة. وكانت المدينة حسنة البناء ودورها بهية. والبلد نصف مستدير نحو ثلث البصرة([436]) كبرا وفيها حصن يسمى المربعة على حصن زبيدة، في داخله سوق تعرف بسوق الأربعاء، وكان يعرف الحصن باسم السوق أيضاً. والجامع على رمية سهم من الشط على نشزة يُصعد إليه بدرج كله آزاجات من الحجارة. ومداخله المؤدية من مصلى الجامع إلى صحنه لا أبواب لها. وأكثر الأسواق مغطاة. وذكر المقدسي أسماء ثمانية من دروبها الكبيرة([437]). وكانت دور المدينة تمتد بامتداد الشط مسافة كبيرة.
وقال إن اسم الموصل كان خولان، وأن قصر الخليفة في الجانب الآخر على نصف فرسخ من المدينة يشرف على نينوى القديمة. ولهذا القصر قديماً حصون قوية تحميه، ويشق خرائبها الآن نهر يقال له نهر الخوسر. وحين كتب المقدسي، كانت تلك الخرائب مزارع([438]).
وفي سنة 580هـ (1184م) زار ابن جبير مدينة الموصل ووصفها. وقبل هذا الزمن بيسير، كان نور الدين، قد بنى جامعاً جديداً في وسط السوق ولكن الجامع العتيق الذي بناه مروان الثاني كان ما زال قائماً بمنبره المزوّق الجميل وشبابيكه الجديدة «وفي أعلى البلد قلعة عظيمة ينتظمها سور مشيّد البروج وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متسع يمتد من أعلى البلد إلى أسفله. ودجلة شرقي البلد هي متصلة بالسور وأبراجه في مائها([439]) وللبلدة ربض كبير فيه المساجد والحمامات والخانات والأسواق وفيها مارستان حفيل»، وسوق يقال له القيسارية. وفي المدينة مدارس للعلم كثيرة. وسرد القزويني أسماء الديارات المختلفة المجاورة للموصل، وأشار بوجه خاص إلى خندق الموصل العميق وقلعتها العالية. وكان حواليها بساتين كثيرة تسقيها النواعير على ما قال.
أما تلول نينوى فقد كان يقال لها منذ أيام المقدسي تل توبة وهو الموضع الذي خرج إليه النبي يونس لدعوة أهل نينوى إلى التوبة وفي هذا الموضع جامع حوله دور للزوار بناها ناصر الدولة الحمداني. وعلى نصف فرسخ منه، عين يستشفى بمائها يقال لها عين يونس نسبة إلى النبي يونس، بجوارها جامع ويُرى هناك شجرة اليقطين التي غرسها هذا النبي. وذكر ياقوت أن معظم دور الموصل كان مبنياً بالرخام وكلها آزاج. وفي المدينة قبر النبي جرجيس. ومرّ ابن بطوطة بالموصل في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) فقال: على البلد سوران اثنان وثيقان أبراجهما كثيرة عالية «مثل السور الذي على مدينة دهلي».. وكانت قلعتها تعرف بالحدباء. وكان في جامعها الحديث (جامع نور الدين) «خصة رخام مثمنة يخرج منها الماء بقوة وانزعاج فترتفع مقدار القامة» وبها مسجد جامع ثالث على شط دجلة، ولعل هذا الجامع هو الذي نوه به المستوفي وقال أن منبره من حجارة محفورة حفراً جميلاً متقن الصنع كأنه حفر في الخشب. وكان دور الموصل في أيامه ألف خطوة. وأشار إلى «مشهد يونس»، في الجانب الآخر من دجلة، المشيد فوق خرائب نينوى.
والموصل اليوم من أجمل مدن العراق وأشهرها. وتلي بغداد سعة. كان لها فيما مضى سور مكين عال مبني بالحجر والجص، محيطه نحو عشرة آلاف متر، تتخلله عشرة أبواب. ولكن قسماً كبيراً من ذلك السور وأبوابه وأبراجه قد هدم سنة 1915م. وفي سنة 1934م هدم باقيه، إلاّ قطعة صغيرة منه في أعلى المدينة، فإنها ما زالت شاخصة تعرف بـ«باشطابية» وكان يحدق بهذا السور خندق عريض. وبعد أن زالت معالم السور ردم الخندق فجعلت الأرض التي كان فيها السور والخندق شوارع وحدائق.
وبين الموصل وتكريت، يستقبل دجلة في ضفته الشرقية مياه الزابين. ويصب أحدهما على نحو مئة ميل فوق الآخر. ومبدأ الزاب الأعلى، أي الكبير، في الجبال بين أرمينية وآذربيجان، ومصبه في دجلة عند الحديثة. أما الزاب الأسفل أي الصغير، ويسمى المجنون أيضاً لحدة جريه، فإنه ينحدر من بلاد شهرزور وينصب في دجلة عند السن. ويكون ماؤه في أوله شديد الحمرة، وكلما جرى صفاً قليلاً.
وفي جانب دجلة الغربي في سمت جزيرة ابن عمر، كورة طور عبدين الجبلية، وأهلها يعاقبه، وفيها مخرج نهري الهرماس وخابور نصيبين. وكانت نصيبين. تقوم في أعالي نهر الهرماس وما زالت نصيبين من أعظم مدن الجزيرة شأناً. وقد زار ابن جبير نصيبين في سنة 580هـ (1184م) وأطرى بساتينها. وذكر أن في جامعها صهريجين. وعلى نهر الهرماس جسر معقود من صم الحجارة. وفيها مارستان ومدارس وغير ذلك من العمارات الحسنة. ووصف ابن بطوطة نصيبين، وقد زارها في المئة الثامنة (الرابعة عشرة)، فقال أن أكثرها قد خرب أما جامعها فكان قائماً في أيامه وفيه صهريجاه الكبيران. وتحف بها البساتين الملتفة وبها يصنع ماء الورد الذي لا نظير له في العطارة والطيب.
وكانت رأس العين قرب منابع الخابور، مشهورة بكثرة عيونها البالغة 360 عيناً على ما يقال. وتجتمع هذه العيون فتسقي بساتينها وتجعلها كأنها بستان واحد. و.. الماء منها يصب في الخابور. ووصف ابن حوقل رأس العين، فقال أنها مدينة ذات سور من حجارة وكان داخل السور بساتين وطواحين، وكان لأهل المدينة نحو عشرين فرسخاً قرى ومزارع مما يلي دورها.
وعلى نحو نصف المسافة بين رأس العين ونصيبين، في شمالهما، القلعة الصخرية العظيمة: ماردين المشرفة على دنسير التي هي تحتها في السهل على نحو ثلاثة فراسخ جنوبها وكانت ماردين في المئة الرابعة (العاشرة) يقال لها الباز. وهي معقل أمراء بني حمدان. وهذه القلعة على قمة جبل وفي جانبها الجنوبي نشأ ربض عظيم كان آهلاً في المئة السادسة (الثانية عشرة). وقامت فيه «أسواق كثيرة وخانات ومدارس وربط ودور أهلها كالدرج كل دار فوق الأخرى وكل درب منها يشرف على ما تحته من الدور ليس دون سطوحهم مانع. وجل شربهم من صهاريج معدة في دورهم». ووصف ابن بطوطة ماردين وقد زارها في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) بأنها «مدينة عظيمة بها تصنع الثياب المنسوبة إليها من الصوف المعروف بالمرعز. ولها قلعة شماء تسمى الشهباء». ويقال لها أيضاً قلعة كوه «أي قلعة الجبل». ووصف المستوفي ماردين فقال: يسقيها نهر صور الآتي من جبل باسمه في طور عبدين ويصب هذا النهر في الخابور، وزاد على ذلك أن ناحيتها كثيرة الغلات والقطن والفواكه.
كان الخابور الكبير يستقبل في يساره مياه نهر ماردين الآتي من رأس العين ويصب فيه أسفل من ذلك نهر الهرماس الآتي من نصيبين. على أن أكثر مياه هذا النهر كانت تنساب من سُكير العباس وكان على شيء يسير فوق ملتقى الهرماس بالخابور إلى وادي الثرثار. فتجتمع من ذلك في الخابور مياه ثلاثة أنهار كبيرة، هذا إلى ما ينصب فيه من مياه ثلاثمائة جدول على ما ذكر المستوفي. ثم ينحدر الخابور جنوباً إلى قرقيسيا على الفرات وهي أكبر مدينة في ديار مضر.
كانت ديار مضر، تحف بضفات الفرات. وأجمل مدنها الرقة، وهي فوق مصب نهر البليخ المنحدر من الشمال إلى الفرات. وقامت في موضع المدينة اليونانية القديمة كلنيكس(Calinicus) وهي نقفور يوم (Nicephorium). وما اسم «الرقة» العربي إلاّ نعت لها «فالرقة كل أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء» وقت الفيضان. ومن ثمة فالرقة توجد في مواضع أخرى كتسمية لمكان وهذه الرقة التي على الفرات عرفت بالرقة السوداء تمييزاً لها عن غيرها.
وحين انتقلت الخلافة إلى بني العباس في المئة (الثامنة م)، كانت الرقة من أهم مدن ما بين النهرين الأعلى، وتسيطر على تخوم الشام. فكان عليهم الاحتفاظ بها فشرع الخليفة المنصور في سنة 155هـ (772م) ببناء مدينة الرافقة على نحو ثلاثمائة ذراع من الرقة ورتب بها جنداً من أهل خراسان الموالين للدولة الجديدة. ويقال أن الرافقة بنيت على غرار مدينة السلام. فكانت مدينة مدورة. ثم أن الرشيد بنى قصورها وبنى له فيها قصراً سماه قصر السلام، لأنه كان يقيم في الرقة أو الرافقة كلما اشتد الحر في بغداد. وسرعان ما خربت الرقة القديمة وشيدت أبنية جديدة في الأرض الفضاء بين الرقة والرافقة، وحول رقتها وكانت بحيرة ضحلة. وغلب اسم الرقة على الرافقة، وقد كانت الأخيرة حيناً من الزمن ربضاً لها، وبطل اسمها بمرور الأيام. على أن ابن حوقل تكلم في المئة الرابعة (العاشرة) على مدينتي الرقة والرافقة فقال هما «مدينتان كالمتلاصقتين وفي كل واحد منها مسجد جامع» وكانتا كثيرتي الأشجار، أمّا المقدسي فلم يصف إلاّ الرقة وقال «الرقة قصبة ديار مضر، بحصن عريض ولها بابان، حسنة الأسواق كثيرة القرى والبساتين والخيرات، ومعدن الصابون الجيد([440]) والزيتون. وجامع الرّقة في البزازين وبها حمامات طيبة». ثم قال: كان لكل بيت كبير في الرقة دكة. وبالقرب منها خرائب مدينة قديمة يقال لها الرقة المحترقة. على أن المستوفي تكلم على الرافقة وقال هي ربض الرقة، الجامع في الصاغة فيه شجر عناب وبالقرب منها مسجد يطل على الفرات([441]).
وفي جانب الفرات الأيمن، بإزاء الرقة فيما فوقها، أرض صفَّين المشهورة. ومقابل أرض وقعة صفين على ضفة الفرات الشمالية (اليسرى) قلعة يقال لها قلعة جعبر نسبة إلى مالكها الأول وكان عربياً من بني نمير وكانت هذه القلعة تعرف في بدء أمرها بدوسر وكثيراً ما تردد ذكرها في آخر أدوار تاريخ الخلافة. وفي سنة 497هـ (1104هـ) استولى الفرنج عليها من أدسّا في الحملة الصليبية الأولى ويستقبل الفرات من يساره أسفل الرقة نهر البليخ.
ويجري البليخ نحو الجنوب ثم يلتقي بالفرات تحت الرقة ويمر بمدن جليلة كان سقيها من هذا النهر وروافده. فقرب منبعه حران وكانت مدينة الصابئيين (وهم الصابئة الحرانية فينبغي ألا يخلط بينهم وبين صابئة العراق اليوم). وقال المقدسي في حران أنها «مدينة نزيهة عليها حصن من حجارة على عمل إيلياء([442]) في حسن البناء» وفيها جامع. وذكر ابن جبير، وقد مرَّ بحرّان سنة 580هـ (1184م)، أن لها سوراً مبنياً بالحجارة ووصف الجامع فقال: له صحن كبير ذو تسعة عشر باباً وفيه قبة قد قامت على سوار من الرخام. ولها أسواق مسقفة كلها بالخشب. ولهذه البلدة مدرسة ومارستان. وزاد المستوفي على ذلك أن محيط سور الصحن كان 1350 خطوة. وعلى ثلاثة فراسخ من جنوبها، مشهد إبراهيم، وما حوله من أراض تسقيه أنهار لا عدّ لها. وتقوم حران عند ملتقى الطرق التجارية في شرق الفرات ولا سيما طريق الشام وطريق الجزيرة. وكانت حران منذ الألف الثاني قبل الميلاد، قاعدة إقليم كبير وظلت عامرة حتى المئة السابعة (الثالثة عشرة). حكمها الآشوريون وحكمها اليونان والرومان والفرس قبل أن يأخذها العرب صلحاً سنة 18هـ (639م). ونزلها مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية.
تبلغ مساحة اطلالها نحو ميل مربع يحيط بها سور خرب. وقد نقب الأثريون حديثاً في بقايا مسجدها الجامع وقلعتها.
أما أدسّا وقد سماها العرب الرها، فهي عند منابع أحد روافد البليخ وأكثر ما اشتهرت به هذه المدينة كنائسها الكثيرة فقد ذكر ابن حوقل بها زيادة على ثلاثمائة بيعة ودير. وقال المقدسي في النصف الثاني من المئة الرابعة (العاشرة) بعد كلامه على جامعها أن «بها كنيسة عجيبة بآزاج ملبسة بالفسافساء هي إحدى عجائب الدنيا» الأربع. وقال أيضاً أن المسجد الأقصى في بيت المقدس قد بنى على غرارها.
وزاد على ذلك أنها كانت مدينة محصنة، ولم تثبت الحامية العربية بوجه الحملة الصليبية الأولى في سنة 492هـ (1098م). فاستولى بلدوين على أدسّا وبقيت نصف قرن ولاية لاتينية. ولكن في سنة 549هـ (1145م) استعادها عماد الدين زنكي من جوسلين الثاني (JocelinII). ومنذ هذا الزمن صارت الرها بأيدي المسلمين. وكانت خرائب كثير من مبانيها الجميلة شاخصة في المئة الثامنة (الرابعة عشرة). ووصف المستوفي قبة عظيمة حسنة البناء بالحجارة تقوم وراء صحن سعته مئة ذراع ونيف في مثلها. وذكر علي اليزدي مدينة الرها غير مرة في حديثه عن حروب تيمور. وظلت الرها تعرف بهذا الاسم حتى مطلع المئة التاسعة (الخامسة عشرة) فإنها بعد انتقالها إلى أيدي الترك العثمانيين عرفت باسم «أورفا» وقيل أن هذا الاسم تحريف «الرها» العربي، وما زالت تسمى بأورفا حتى اليوم.
وعلى نحو مئتي ميل أسفل من الرقة، قرقيسياء، وهي كركيسيوم (Circesium) القديمة على ضفة الفرات اليسرى حيث يصب الخابور فضلة مياهه فيه. ووصف ابن حوقل قرقيسياء بأنها «مدينة لها بساتين وأشجار كثيرة وهي في نفسها نزهة». أما ياقوت والمستوفي فقد ذكر أنها بلد أصغر من الرحبة المجاورة لها على ستة فراسخ منها في الجانب الغربي من الفرات. الرحبة هذه سميت برحبة مالك بن طوق مؤسسها، تمييزاً لها عن غيرها من الرحاب. وقد عاش مالك في خلافة المأمون. وقد وصف المقدسي مدينة الرحبة فقال هي أجل مدينة ناحية الفرات، في الجزيرة، وكانت دورها «من نحو البادية طيلسان» لها حصن منيع وربض كبير.
وفي البادية، بين الرحبة والرقة: الرصافة ـ وما زالت بقاياها على أربعة فراسخ جنوب الرقة، على نحو مئتي كيلومتر من شرق حلب، ولم يبق منها إلاّ أطلال في صحراء وكانت تسمى رصافة الشام أو رصافة هشام نسبة إلى بانيها. فقد بنى هشام بن عبدالملك هذا القصر له في البادية لما وقع الطاعون بالشام اتقاء شره. وكان يسكن في هذا الموضع ملوك غسان قبل الإسلام. وذكر ياقوت أن في الرصافة آبار طول رشاء كل بئر مئة وعشرون ذراعاً وأكثر. وذكرها ابن بطلان الطبيب في رسالة له كتبها سنة 443هـ (1051م) بقوله: فيها «بيعة عظيمة أنشأها قسطنطين الملك، ظاهرها بالفص المذهب. وتحت البيعة صهريج في الأرض على مثل بناء الكنيسة معقود على أساطين الرخام. وسكان هذا الحصن أكثرهم نصارى (في المئة الخامسة ـ الحادية عشرة) معاشهم تخفير القوافل وجلب المتاع والصعاليك مع اللصوص» فكانوا يرافقون القوافل في اجتيازها البادية إلى حلب.
ولم يكن في إقليم الجزيرة أسفل من قرقيسيا، مدينة ذات شأن غير عانة. وقد ذكرها ابن سرابيون فقال إن الفرات يدور بها وتصير جزيرة فيها مدينة. أما ابن حوقل فقال أن عانة «في وسط الفرات ويطوف بها خليج من الفرات». وزاد ياقوت على ذلك أن «بها قلعة حصينة مشرفة على الفرات». وقال المستوفي أن عانة كانت حتى المئة الثامنة (الرابعة عشرة) مدينة حسنة ذات نخيل وفرضتها تعرف بفرضة نُعم وهي إلى غرب عانة على الفرات في وسط المسافة بين عانة وقرقيسيا. وكانت هذه الفرضة محطة مهمة عند منقسم الطريق، فيقطع أيسره البادية ماراً بالرصافة ثم إلى الرقة رأساً ويصعد الطريق الأيمن مع النهر وما زالت عانة بلدة عامرة على الفرات وهي مركز قضاء عانة في محافظة الدليم على 212 كيلومتراً شمال الرمادي.
أما آمد فقد ذكرناها في بحث مستقل يُرجع إليه.
وفي شمال آمد على مقربة من أحد السواعد الشرقية في أعالي دجلة، مدينة حاني. ذكر ياقوت أن «فيها معدن الحديد ومنها يجلب إلى سائر البلاد». وذكر المستوفي مدينة حاني أيضاً وعلى بعد قليل من غربها «أصل دجلة العراق فإنها تخرج من تحت كهف الظلمات ماء أخضر» على حسب وصف المقدسي. وقال «أول مبداها ـ أي دجلة ـ لا تدير أكثر من رحى واحدة. أول ما يختلط بها نهر الذئب» وهو نهر الكلاب عند ياقوت على ما يظهر. وكان يخرج من الجبال قرب شمشاط شمالي حاني. وأول مخرج دجلة فيما قال ياقوت، على مسيرة يومين ونصف من آمد، من موضع يعرف بهلورس «وهو الموضع الذي استشهد فيه علي الأرمني». وتكلم أيضاً على الكهف المظلم الذي يخرج منه ماؤه. وذكر المقدسي وياقوت أسماء سواق ورواضع وأنهار كثيرة ليس من الهين التوفيق بين أسمائها التي سردها المقدسي وسردها ياقوت في كلاميهما عليها. ولعل هذه الأسماء تبدلت تبدلاً كبيراً فيما بين المئة الرابعة والمئة السابعة (العشرة والثالثة عشرة).
وعلى شيء يسير أسفل من آمد، يشرّق نهر دجلة فيكون على هيئة زاوية قائمة ثم ينصب فيه من شماله نهر يقال له نهر الرمس أو نهر الصلب. غير أن أعظم الأنهار المنصبة فيه: النهر المنحدر من شماله ميافارقين ويسمى اليوم باسم (بطمان صو) وأحد روافده ينحدر من ميافارقين.
وزار ناصر خسرو ميافارقين في سنة 438هـ (1046م) وتكلم على المدينة قائلاً أن عليها سوراً عظيماً من الحجر الأبيض الذي يزن الحجر منه خمسمائة منّ (نحو طن ونصف طن). وبينما كانت آمد مبنية بالحجر الأسود، كانت مباني ميافارقين كلها من الحجر الأبيض. وكان سورها في أيامه كأنه بني اليوم. وفي أعلاه شرفات. وعلى بعد كل خمسين ذراعاً منه برج عظيم من الحجر الأبيض نفسه. ولهذه المدينة باب من ناحية الغرب ركب فيه باب من حديد لا خشب فيه. وكان فيها على ما ذكر ناصر خسرو مسجد جامع حسن البناء ومسجد ثان في الربض ظاهر المدينة يقوم في وسط الأسواق ويليه بساتين كثيرة.
وأسهب ياقوت والقزويني في حديثهما عما كان في ميافارقين من مختلف البيع وعن أبراجها الثلاثة وأبوابها الثمانية. ولما انتقلت ميافارقين في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) إلى يد المغول كانت ما زالت موضعاً ذا شأن. وقد أطرى المستوفي طيب هوائها ووفرة فاكهتها.
وأرزن، على شيء يسير من ميافارقين، على الضفة الغربية لنهر أو واد يقال له سربط. ولأرزن حصن عظيم منيع. وقد زارها ناصر خسرو في سنة 438هـ (1046م) فقال أنها مدينة عامرة فيها أسواق حسنة وتحف بها بساتين يانعة كثيرة الماء. وذكر ياقوت مدينة أرزن (ولا يخلط بينها وبين أرزن الروم أو أرضروم). بقوله: «بلغني أن الخراب ظاهر فيها الآن» غير أن المستوفي في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) ـ وقد كتبها بصورة أرزنه ـ تكلم عليها بما يستدل منه أنها ما زالت بلداً مزدهراً عامراً.
وعلى ضفة الفرات الجنوبية، بين مصبي النهرين الآتيين من شمال ميافارقين وأرزن، حصن يعرف كيفا. وسماه الروم كيفس (Kiphas) أو كيفي (Cephe). ووصف المقدسي حصن كيفا بأنها «كثيرة الخير وبها قلعة حصينة وكنائس كثيرة». وذكر ياقوت حصن كيفا وقد زارها فقال: «بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة وهي كانت ذات جانبين، وعلى دجلة قنطرة لم أر في البلاد التي رأيتها أعظم منها» وهي طاق كبير فوقه طاقان صغيران، وعلى ما يظن أنهما كانا يقومان على دعامة في وسط النهر قسمت دجلة إلى قسمين. ووصف المستوفي حصن كيفا بعد ذلك بقرن بأنها مدينة عظيمة ولكن الخراب ظاهر فيها وإن كانت آهلة بالناس حينذاك.
الجزيرة في تاريخ الشيعة
وارتبطت الجزيرة بتاريخ الشيعة بأحداث ضخمة: فعدا معركة صفين، نشير إلى أحداث منها أن معاوية وجه برجل من أهل الشام إلى بلاد الجزيرة، وبالجزيرة يومئذٍ شبيب بن عامر ـ وهو جد الكرماني الذي كان بخراسان وكان بينه وبين نصر بن سيار ما كان ـ وكان شبيب مقيماً بنصيبين في ستمائة رجل من أصحاب علي، فكتب إلى كُميل بن زياد والي علي على هيت: أما بعد فإني أخبرك أن عبدالرحمن بن أشيم قد وصل إليّ من الشام في خيل عظيمة، ولست أدري أين يريد، فكن على حذر، والسلام.
فكتب إليه كُميل: أما بعد فقد فهمت كتابك وأنا سائر إليك بمن معي من الخيل والسلام ثم استخلف كميل بن زياد رجلاً يقال له عبداللَّه بن وهب الراسبي، وخرج من هيت في أربعمائة فارس كلهم أصحاب دروع وبيض حتى صار إلى شبيب بنصيبين، وخرج شبيب من نصيبين في ستمائة رجل. فساروا جميعاً في ألف فارس يريدون عبدالرحمن، وعبدالرحمن يومئذٍ بمدينة يقال لها كفرتوتا في جيش لجب من أهل الشام، فأشرفت خيل العراق على خيل أهل الشام، وجعل كُميل بن زياد يرتجز ويقول:
يا خير من جرّ له خير القدر
فاللَّه ذو الآلاء أعلى وأبر
يخذل من شاء ومن شاء نصر
وجعل شبيب يرتجز ويقول:
تجنبوا شدات ليث ضيغم
جهم محياً عقر بان شدقم
يغادر القرن سريعاً للفم
بكل عضب صارم مصمم
واختلط القوم فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل من أصحاب كُميل رجلان: عبداللَّه بن قيس القابسي ومدرك بن بشير الضنوي. ومن أصحاب شبيب أربعة، ووقعت الهزيمة على أهل الشام فقتل منهم بشر كثير، فولوا الأدبار منهزمين نحو الشام. فقال كميل لأصحابه: لا تتبعوهم فقد أنكينا فيهم وإن تبعناهم فلعلهم أن يرجعوا علينا ولا ندري كيف يكون الأمر.
ثم رجع شبيب بن عامر إلى نصيبين، ورجع كميل بن زياد إلى هيت. وبلغ علياً، فكتب كُميل بن زياد: أما بعد فالحمد للَّه الذي يصنع للمرء كيف يشاء إذا شاء وينزل النصر على من يشاء إذا شاء، فنعم المولى ربنا ونعم النصير، وقد أحسنت النظر للمسلمين ونصحت أمامك، وقدماً كان ظني بك ذلك فجزيت والعصابة التي نهضت إلى حرب عدوك خير ما جُزي الصابرون والمجاهدون، فانظر لا تغزون غزوة ولا تجلون إلى حرب عدوك خطوة بعد هذا حتى تستأذنني في ذلك، كفانا اللَّه وإياك تظاهر الظالمين إنه عزيز حكيم، والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته.
وفيها كانت معركة عين الوردة سنة 65هـ بين جيش التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، وبين الجيش الذي يقوده عبيداللَّه بن زياد الزاحف من الشام لإخضاع العراق.
والتوابون هم الذين كانوا ممن دعا الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة ثم عجزوا عن نصرته وقتل بين أظهرهم، لذلك عزموا على الاستماتة في الطلب بثأره والتكفير عن تقصيرهم، وبلغ عددهم ثلاثة آلاف ومائة زحف بهم سليمان متجهاً نحو الشام زحفاً يَائساً من النصر مستقتلاً في طلب الشهادة. وكان خط سيرهم على الصورة الآتية: الكوفة كربلاء ـ الأنبار ـ قرقيسيا ـ عين الوردة. وفيها عرفوا أن قد صار بينهم وبين جموع عبيد اللَّه بن زياد الكثيفة مسيرة يوم وليلة. ولم تلبث طلائع ابن زياد أن وصلت إليهم فاصطدموا بها، ثم تتابعت الطلائع فوصل الحصين بن نمير في اثني عشر ألفاً فاستطاع التوابون أن يهزموهم، ثم وصل ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف انضموا للحصين، فكان الجميع عشرين ألفاً، فصمد لهم التوابون وأوقفوهم، ولكن بعد أن استشهد من استشهد منهم وفشت فيهم الجراح.
ثم وصل أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف فصار أمام التوابين ثلاثون ألفاً، فاستطاعوا الإحاطة بالتوابين في اليوم الثالث من القتال. فلما رأى سليمان بن صرد ذلك نزل عن فرسه وكسر جفن سيفه ونادى: يا عباد اللَّه من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإليّ.
فلبى نداءه ناس كثير ونزلوا عن خيولهم وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه فقاتلوا فاكتنفتهم الخيل والرجال وأتتهم السهام كالشرر المتطاير، فقتل سليمان وكان عمره ثلاثاً وتسعين سنة، وتتابع استشهاد القادة واحداً بعد الآخر.
ولما آلت الراية إلى رفاعة بن شداد البجلي أشار بالانسحاب قائلاً: لعل اللَّه يجمعنا ليوم هو شر لهم.
وكان في هذه الوقعة مشاهد إنسانية لا مثيل لها: فمن ذلك أن عبداللَّه بن عزيز الكناني من التوابين كان قد اصطحب معه ولده محمد وهو صغير، فنادى بني كنانة من جماعة ابن زياد وسلم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الأمان فأبى، وأخذ ابنه يبكي في أثر أبيه، فبكى الكنانيون من جماعة ابن زياد رقة له ولابنه. فقال يا بني لو كان شيء آثر عندي من طاعة ربي لكنت أنت، ثم اقتحم القوم فقاتل حتى قتل.
ولما علم كريب بن زيد الحميري ما عزم عليه رفاعة من الانسحاب جمع إليه رجالاً من حمير وهمدان وقال: عباد اللَّه روحوا إلى ربكم، واللَّه ما في شيء من الدنيا خلف من رضا اللَّه، وقد بلغني أن طائفة منكم يريدون الرجوع، فأما أنا فواللَّه لا أولي هذا العدو ظهري حتى أرد مورد إخوتي. فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك، فتقدم عند المساء في مئة من أصحابه، فقاتلهم أشد القتال، فعرض ابن ذي الكلاع الحميري عليه وعلى أصحابه الأمان فقال: قد كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة، فقاتلوا حتى قتلوا. وتقدم صخر بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة، فقال لهم لا تهابوا الموت في اللَّه فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى اللَّه فإن ما عند اللَّه خير لكم، ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا.
على أن وقعة عين الوردة هذه إذا كانت قد انتهت بانسحاب المطالبين بثأر الحسين بعد أن استماتوا في القتال. فإن وقعة أخرى قد حدثت بعد ذلك في الجزيرة كانت أهدافها الأهداف نفسها التي قاتل من أجلها سليمان بن صرد وإخوته، انتهت بانتصار المطالبين بثأر الحسين ومقتل اثنين من عتاة السفاحين أحدهما المسبب الأول في مقتل الحسين والحامل نساءه، وأطفاله وابنه زين العابدين إليه سبايا أسارى والمتشفي في مجلسه بزينب (عليها السلام) والمخاطب لها بذلك الكلام اللئيم الوحشي، والذي كان قد قتل من قبل مسلم بن عقيل رسول الحسين إلى الكوفة، وهو عبيداللَّه بن زياد.
والثاني أحد من باشروا بأنفسهم تنفيذ أوامر ابن زياد في التضييق على الحسين ثم قتله، وهو الحصين بن نمير، وقتل معهما شر حبيل بن ذي الكلاع الحميري، وكان أبوه من أبرز البغاة في صفين، ثم كان هو خليفته في كل شيء.
وذلك أن المختار بعد أن سيطر على العراق بلغه أن جيشاً كثيفاً قد توجه إليه من دمشق فأرسل لملاقاة هذا الجيش إبراهيم بن مالك الأشتر أبرز قواده، فالتقى إبراهيم بالجيش المقبل بقيادة عبيداللَّه بن زياد على نهر الخازر([443]). وبالرغم من الفارق الكبير بين عدد أفراد كل من الجيشين إذ أن جيش إبراهيم لم يصل عدده إلى عشرين ألفاً في أكثر التقديرات، في حين أن جيش ابن زياد يوصل عدده بعض المؤرخين إلى حدود ثمانين ألفاً، فقد انتصر إبراهيم بن الأشتر انتصاراً حاسماً، وقتل بنفسه عبيداللَّه بن زياد.
وكانت الوقعة سنة 66هـ وقد تناشد الفريقان في هذه المعركة الشعر الحماسي فإن الحصين بن نمير أنشد ذلك اليوم:
يا قادة الكوفة أهل المنكر
وشيعة المختار وابن الأشتر
هل فيكم من كريم العنصر
مُهذب في قومه بمخفر
يبرز نحوي قاصداً لا يمتري
فخرم إليه شريك التغلبي وهو يقول:
يا قاتل الشيخ الكريم الأزهر
بكربلاء يوم التقاء العسكر
أعني حسيناً ذا الثنا والمفخر
وابن النبي الطاهر المطهر
وابن علي البطل المظفر
هذا فخذها من هزبر قسور
ضربة قرم ربعي مضرى
وقال سراقة بن مرداس البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر وأصحابه في قتلهم لعبيداللَّه بن زياد:
أتاكم غلام من عرانين مذحج
جري على الأعداء غير نكول
فيا ابن زياد بوء بأعظم هالك
وذق حد ماضي الشفرتين صقيل
ضربناك بالعضب الحسام بحدة
إذا ما أبأنا قاتلاً بقتيل
جزى اللَّه خيراً شرطة اللَّه إنهم
شفوا من عبيداللَّه كل غليل
وقال عبيداللَّه بن عمرو الساعدي يمدح إبراهيم ويذكر الوقعة:
اللَّه أعطاك المهاية والتقى
وأحل بيتك في العديد الأكثر
وأقر عينك يوم وقعة (خازار)
والخيل تعثر بالقنا المتكسر
من ظالمين كفتهم آثامهم
تركوا الحاجلة وطير حسر
ما كان أجرأهم جزاهم ربهم
شر الجزاء على ارتكاب المنكر
وقال يزيد بن المفرغ في قتل ابن زياد:
أقول بعداً وسحقاً عند مصرعه
لابن الخبيثة وابن الكودن([444]) الكابي
لا تقبل الأرض موتاهم إذا
قبروا وكيف تقبل رجساً بين أثواب
إن الذي عاش غدّاراً بذمته
ومات عبداً قتيل اللَّه بالزاب([445])
ماشق جيب ولا ناحتك نائحة
ولا بكتك جياد عند أسلاب
العبد للعبد لا أصل ولا ورق
ألوت به ذات أظفار وأنياب
إن المنايا إذا حاولن طاغية
ولَجْن من دون أستار وأواب
وقال عمير السلمي الذي كان قائد مسيرة جيش ابن زياد يذم الجيش الذي كان هو نفسه أحد قواده:
وما كان جيش يجمع الخمر والزنا
محلاً إذا لاقى العدو لينصرا
وعن جعفر الصادق (عليه السلام): إنه ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت، ولا رئي في دار هاشمي دخان خمس سنين حتى قتل عبيداللَّه بن زياد.
وعن فاطمة بنت علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أنها قالت: ما تحنأت امرأة منّا ولا أجالت في عينها مروداً ولا امتشطت حتى بعث المختار برأس عبيداللَّه بن زياد.
الجزيرة في العصر العباسي
إنّ عصر الرشيد بكل ما فيه من مظاهر القوة السياسية النسبية والمظاهر الحضارية. يمثّل بدايات التدهور الإداري والتفكك السياسي والتحلّل الحضاري. إنّ هذا العصر الذهبي كان يحمل في طياته أسباب قوّته وعوامل ضعفه في آن واحد، ويرجع بعض السبب في ذلك إلى شخصية الرشيد نفسه.
لقد جاء المهدي بعد المنصور فتنفس الناس الصعداء بعد قوة المنصور وحزمه وشدته. وقد «افتتح عهده بالنظر في المظالم والكف عن القتل وأمّنَ الخائف وأنصف المظلوم وبسط يده في الإعطاء»، إلاّ إنه لم يكن يمتاز بكفاءة الإداري ولا بدهاء السياسي. ولم تهدأ حركات المعارضة في عهده وعهد ابنيه الهادي والرشيد. فقد استمرت المعارضة الأموية في الشام وأقاليم أخرى، فثار دقية بن مصعب المرواني في صعيد مصر في عهد المهدي سنة 165هـ/781م واستمرت ثورته حتى سنة 169هـ/785م. وهاجت الاضطرابات في بلاد الشام في عهد الرشيد سنة 174هـ، فأرسل جعفر البرمكي ليعيد الأمن والطمأنينة. وفي سنة 194هـ، شهدت حمص ثورة سفيانية بقيادة القميطر.
وقد كان عهد المهدي فترة وفاق علوية ـ عباسية قصيرة انتهت في أواخر عهده، وعاد التأزم إلى وضعه في عهد الهادي حيث قوبلت ثورة الحسين بن علي الحسني بشدّة، وكانت «وقعة فخ» مجزرة يشبّهها بعض المؤرخين بوقعة كربلاء.
أمّا الرشيد فقد قتل يحيى بن عبداللَّه الحسني الذي حاول الثورة في الديلم. وسجن موسى الكاظم حتى مات في السجن سنة 183هـ، مسموماً كما يبدو.
أما ما يخصّ الثوار الخوارج فلم يكن نصيب هذا العهد بأقل من نصيب العهد الذي سبقه، فقد ثار يوسف البرم سنة 160هـ/776م في خُراسان. وفي العراق (الجزيرة) ثار عبدالسلام البشكري سنة 160هـ كذلك، واتخذ قصره في قنّسرين وحلب، وتحدى بغداد لمدة سنتين، وجرت مراسلات بينه وبين المهدي يشير إليها خليفة بن خياط في تاريخه وكذلك الأزدي، وخرج في الموصل ياسين الموصلي التميمي وهزم عسكر الموصل وشمل نفوذه الجزيرة، ولكنه سرعان ما قُتِلَ ثم أعقبه حمزة بن مالك الخزاعي فثار في الجزيرة سنة 169هـ/785م، وساعده أهل الموصل الذين سئموا سياسة بغداد الهادفة إلى ابتزاز الأموال وصرف رَيْعِ الإقليم على توافه البلاط دون النظر إلى المنطقة ومحاولة رفع مستواها. وفي عهد الرشيد شهدت منطقة الجزيرة حركة الوليد بن طريف الشاري 178هـ/794م، وكانت حركة خطرة على العباسيين ولم يستطع الرشيد القضاء عليها إلاّ بعد إرسال يزيد بن مزيد الشيباني الذي استطاع أن يكسب بعض أتباع الوليد فوهَنت حركته وانتهت بمقتله، ولذلك قال الشاعر:
وائل بعضها يقتّل بعضاً
لا يفل الحديدَ إلاّ الحديدُ
ولم تنته الحركات الخارجية في منطقة الجزيرة المضطربة، بل ثار عدد من الخوارج في عهد الرشيد منهم: الصحصح الخارجي والعطاف الأزدي وعبدالسلام الخارجي وحمزة بن عبداللَّه بن الأزدي.
وقامت في الجزيرة دولة بني عُقيل كانت قاعدتها الموصل. وهي دولة عربية شيعية امتد حكمها من سنة 386 إلى 489هـ (996 – 1096م).
وكان أميرها مسلم بن قريش يحلم بتحقيق دولة عربية كبرى تضم الجزيرة وبلاد الشام مع بعض أجزاء من العراق، وذلك في فترة تتابع غير العرب من السلاجقة والتركمان والخوارزمية على حكم بلاد الشام. وكان تطلع جنوبي بلاد الشام مثل تطلع شماليها إلى الأمير العربي مسلم بن قريش أمير الموصل.
جزيرة العرب
بلاد العرب شبه جزيرة في الجنوب الغربي من آسيا، وإنّما غلب عليها اسم الجزيرة لأن خطاً من المياه النهريّة يبدأ بشطّ العرب فالفرات فالعاصي فالشريعة فبحيرة لوط وينتهي بخليج العقبة، يؤلّف حدّها الشمالي ويكمل الإطار([446]) المائي الذي يحيط بها من جهاتها ـ الأخرى: خليج البصرة وعُمان من الشرق والبحر العربي وخليج عدن من الجنوب والبحر الأحمر من الغرب.
هذا على أنّ الهلال الخصيب ـ وهو القوس الممتد من رأس ـ الخليج الفارسي إلى زاوية البحر المتوسّط الشرقيّة الجنوبيّة ـ من كتلة الجزيرة العربيّة الأصليّة، فإذا اقتصر مدلول الجزيرة على كتلتها ـ الأصليّة دون احتساب منطقة ما بين النهرين والمنطقة المطلّة على البحر ـ المتوسّط منها، كان حد الجزيرة الرملي الرابع مكمّلاً لحدودها المائيّة الثلاثة([447]).
ففي الالتواء الألبي الهيمالائي انفصم الخليج البحري المتوسّط إلى الخليجين: الخليج الفارسي، والبحر المتوسط، وأخذت الجزيرة انحدارها العام نحو الشمال الشرقيّ، وانحسر الماء عن كثير من أجزائها إلى الخليجين المذكورين([448]).
ففي وسعنا القول بأنّ الانحدار العام لسطح الجزيرة هو من الغرب الجنوبي إلى الشرق الشمالي. ويتطابق مع هذا الانحدار العام لسطح الجزيرة ويجاريه انحدار الوِدْيَان المائيّة واتّجاهها. فهذه الوديان التي تخدّد أرض الجزيرة تتّجه كذلك نحو الخليج الفارسي ومنخفضات أرض الرافدين. فوادي حضرموت يسيل من جبال اليمن إلى البحر العربي([449]). «بحر عُمان»([450]) ويجرى واديا نجران والدواسر من اليمن نحو الربع الخالي وواديا الرمَّة([451]) والصهبا من الحجاز إلى الخليج الفارسي، كما ينتهي واديا المياه وصواب في سورية بنهر الفرات([452]).
الجزيرة العربيّة حلقة من سلسلة الصحارى الممتدّة بين المحيطين الأطلسي والكبير، وهي لذلك تتميّز بوجه عام، بإقليم جاف حار، قاري، قليل المطر.
وتطيف بها البحار من أطرافها الثلاثة، غير أن البحر من جهتين: البحر الأحمر من الغرب والخليج الفارسي من الشرق، لا يساعدان لضيقهما، على أن يحدّا من قوة الجفاف، لذلك لا يظهر أثرهما في تعديل جو ـ الجزيرة، أما المحيط الهندي في الجنوب فإنّ رطوبته تساعد على سقوط ـ المطر في الأطراف الّتي تليه من شبه الجزيرة، وإن كانت رياح السموم التي تنتاب الجزيرة في مواسم معروفة تفسد على رياح المحيط الهندي عملها وتمتص رطوبتها قبل أن تمضي داخل الجزيرة([453]).
… وإنّما نحن أمام حركات متداخلة متعقّدة تمت في حيّزها المكاني ما بين المدائن وحدود الصين وما بين الخزر وأورال إلى الخليج الفارسي والبحر العربي والمحيط الهندي، وتتطاول في حيّزها الزماني فتبدأ في خلافة عمر ولا تكاد تنتهي في خلافة عمر الثاني وتختلف منابعها بين البصرة والكوفة والبحرين، وتتعقّد حركاتها بين المدّ والجزر ويتعاقب عليها ولاة وتتداخل فيها جيوش لا سبيل إلى أن نفرّد بعضها عن بعض وأن نتبيّن بعضها عن بعض.
وإذن فنحن أمام مجموعة من القبائل متميّزة في بعض ملامحها: الأزد ـ وهي أزد الشرقيّة ـ وتميم وعبدالقيس. ولربمّا كانت هذه النواة الأولى ـ بما تعاقب بعد قفزات العرب على الشاطىء الآخر من الخليج الفارسي ـ هي التي جعلت كثرة من قبائل خراسان من بني تميم والقبائل الشرقيّة الأخرى التي تجاورها في الجزيرة.
شكري فيصل
ليس في خريطة العالم شبه جزيرة تضاهي شبه جزيرة العرب ضخامة واتّساعاً، فهي أكبر من شبه جزيرة الهند، ومساحتها ثمانية أضعاف الجزر البريطانيّة وأربعة أضعاف فرنسة. فلا عجب إذا عادلت ربع أوروبة أو ثلث الولايات المتّحدة.
وكان الفراعنة والأشوريّون والفينيقيون يُطلقون اسم العرب على أهل البادية في البقعة الممتدّة بين الفرات في الشرق والنيل في الغرب، ويدخلون فيها ـ عدا بادية العراق والشام وشبه جزيرة سيناء ـ صحراء مصر الشرقيّة ما بين وادي النيل والبحر الأحمر.
أمّا اليونان القدامى فكانوا يعدون بلاد العرب جنوبي جزيرة العرب بين خليج فارس والبحر الأحمر، فيجعلون الحبشة واليمن وضفاف خليج فارس إقليماً واحداً يسمّونه أثيوبيا ـ آسيا. ثمَّ انتهى اليونان في عهد البّطالسة إلى إطلاق اسم بلاد العرب على الجزيرة كلّها، واصطلحوا على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
الداية Arabia Deseita والحجريّة Arabia Petra والسعيدة .Arabia Felix
صبحي الصالح
جصّان
قرية (جصّان) هي عبارة عن منزلة نائية من منازل القوافل التي تتردد بين العراق وبين القسم الجبلي من بلاد إيران، أو بين كورة واسط وطسوجي (باداريا) و(باكسايا) كما يقول سلفنا من العلماء بتقويم البلدان، وبمصطلحات الإدارة وتخطيط الحدود، ثم هي بعد ذلك قرية محرومة من المناظر الجميلة وتحيط بها أكوام من التراب ولكنها امتازت بجلد أبنائها وخبرتهم بقطع الفيافي والدروب، وقد اشتهرت جصان بفراهة هجنها ومراكيبها وحسن دوابها لقطع المسافات البعيدة.
وقد جاء في مذكرة قديمة لي عن جصان ما هذا نصه: (في 15 صفر سنة 1333هـ 1914م) وصلنا جصان في الهزيع الأول من الليل بعد أن قطعنا بينها وبين الكوت في عشر ساعات، وقد سلكنا إليها وإلى كورة بادرايا، ذلك الطريق العريق بقدمه، وهو الطريق الذي كان يسلك من قبل البابليين والفرس والعباسيين بين كورة واسط وما إليها من أعمال دجلة وبين تخوم العراق الشرقية. قال ابن الفقيه (كتاب البلدان ص322) نهر سادس في الجانب الغربي من نهر دجلة، وهي بإزاء المبارك، لأن مدينة المبارك من الجانب الشرقي منها يسلك إلى طسوجي بادريا، فحاضرة الكوت في عصرنا هذا لا تبعد كثيراً عن موقع مدينة (المبارك) المشهورة في زمن العباسيين.
ولم نلق في الطريق إلى جصان نصباً يذكر لأن أكثره سهل منبسط، كنا نرى منه جبل (اللخف) أو جبل الأكراد (اللر) وقد كللت ذروته الثلوج، وهي ثلوج شاهدناها على ضوء القمر كالمرآة الصقيلة، أو كرضراض البلور، وقد كون انعكاس الضوء منها على السهل الذي كنا نسير فيه ليلاً مشهداً من أجمل مشاهد الطبيعة وخصوصاً مع ذلك الهدوء الشامل في تلك المفازة الموحشة.
ولما أصبحنا طفنا بعض نواحي القرية فرحب بنا أهلها وهم عرب مساميح لا يباع بين ظهرانيهم طعام، ولهم بيوت كثيرة يستقبلون فيها الأضياف ليلاً ونهاراً. والبليدة حقيرة البناء، تقع على مرتفع يزعمون أنه هضبة قديمة، وتاريخها القديم غامض وقد روى لنا مشايخها ووجوهها روايات لا يصح الاعتداد بها في هذا الشأن، فهم يزعمون أن موقع قريتهم كان معموراً بالمياه في القديم، وهي في هذا الوقت (1914) شعبة تابعة لقضاء (بدرة). ومن يشاهد جصان، وما هي عليه من التأخر والانحطاط الآن لا يكاد يصدق أنها كانت على عهد المماليك وما يليه من عصور الحكم التركي مركز لواء كبير تدار منه هذه الكورة العظيمة بما اشتملت عليه من أودية وأنهار وقرى وأرياف.
وقبائل هذه الكورة عرب من (بني لام) من بينهم قبيلة (الرحمة) و(نصار) و(الخميس) مهنتهم الزراعة وتربية المواشي، وأكثر أهل جصان نفسها زراع، وقد لاحظنا انتشار الأمراض وخصوصاً الأمراض الصدرية في هذه البلدة.
ويسقي مزارع جصان فرع من فروع الوادي الكبير وادي بدرايا، ومياه هذا الوادي، مياه ليست عذبة، وهي لا تكاد تشرب في الصيف، ولعل رداءة مياه الشرب في هذه الكورة من جملة بواعث انتشار الأمراض، هذا وتصب فضلات الوادي في بطيحة كبيرة لا تبعد كثيراً عن جنوب القرية وهم يسمون هذه البطيحة (هور جصان) وهو هور تكثر به الآجام وتنمو به الأشجار والأحطاب.
ويستعمل الجصانيون ألفاظاً عربية لا تمت بسبب إلى لغتنا الفصحى أو لغتنا المحكية فأبناء جصان يسمون (الخرقة: تلمولة) و(الروشن أو النافذة: شنبور) و(الرجل: راجر) إلى غير ذلك وهي على ما يؤكدون هم، بقايا لغة أو لهجة كانت شائعة في تلك الأنحاء قديماً، وقد سماها الجصانيون لنا (اللغة الحضارية) أي اللغة الفاسدة بسبب الانغماس بالحضارة. هذا بعض ما ورد في مذكرتنا القديمة عن جصان.
وقد نسب إلى جصان منذ ازدهارها في دولة المماليك والأتراك بعض الأعلام المعروفين في العلم والفقه والأدب نذكر من بينهم الأستاذ الشاعر الأديب الشيخ مسلم الجصاني النجفي وهو من معاصري آل النحوى والفحام والطباطبائي، ومنهم الأستاذ الفقيه الشيخ عباس الجصاني الكاظمي، ومن شعراء جصان وفقهائها السيد إبراهيم بن السيد علي الجصاني.
ومن جملة مخطوطات الخزانة القفطانية التي ظفرنا بها قبل ربع قرن أو أكثر من ذلك، نسخة من ديوان الشاعر الأديب الخطيب السيد إبراهيم الجصاني وهذه النسخة بخط صاحب الديوان، وهو خط جميل، وتعد صحائفها أكثر من ثلاثمائة صفحة كبيرة.
يشتمل الديوان على أنواع من الشعر في اللغتين الفصحى والمحكية، من ذلك القريض، و الركباني والموال والعتابا، وفي الديوان ألغاز وتواريخ كثيرة. وقد برع الشاعر في هذبن الفنين أعني الألغاز والتواريخ.
وهذه النسخة من الديوان وثيقة تاريخية ثمينة توقفنا على تاريخ كثير من الأحداث العراقية في دولة المماليك وخصوصاً في أيام داود باشا، وتسمي لنا كثيراً من إعلام ذلك العصر في العلم والأدب والإدارة.
محمد رضا الشبيبي
الجرعاء
مدينة كبيرة، كانت في غابر الأزمان مركزاً تجارياً مهماً في الأحساء، وقد اندثرت وعفيت منذ عدة قرون، ويعود تأسيسها إلى حوالي 700 قبل الميلاد، أن أول من سكنها مهاجرون كلدانيون من (بابل).
ويذكر المؤرخون أنها كانت مدينة واسعة كبيرة، مزدحمة بالسكان، وكان سكانها من أغنى شعوب العالم وأكثرهم بذخاً وترفاً. ومما جاء في وصف سكان هذه المدينة: «أن سكان (جرعاء) جمعوا ثروة طائلة عمادها الذهب والفضة والأحجار الكريمة، فاقتنوا الرياش الفاخرة، واتخذوا من الذهب والفضة كؤوساً وآنية وآثاراً… وزينوا منازلهم بالعاج والفضة، وطعَّموا سقوف أبنيتهم وأبواب غرفهم بالذهب والأحجار النفيسة الغالية».
وموقع هذه المدينة البائدة النخيل القائم بين قرية (البطَّاليَّة) ومدينة (المبرَّز).
الجعافرة
في مصر طوائف يسمون (الجعافرة)، اشتبه أمر حقيقتهم على الكثرين، وفي هذا المقال شيئان: أولهما: تبيان ذرية السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) وانتشار هذه الذرية، ثم تبيان حقيقة (الجعافرة) وأن نسبتهم هذه لا تتعدى انتساب بعضهم بالنسب فقط، لا بالمذهب إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وانتساب البعض الآخر إلى عبداللَّه بن جعفر: عقب السيدة زينب (عليها السلام) محصور في ولدها علي الأكبر وسنذكر هنا ما وقفنا عليه من أخباره قال الناصري: علي بن عبداللَّه بن جعفر هذا هو المعروف بالزينبي نسبة إلى أمه زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة الزهراء بنت الرسول (ص)، ولولد علي هذا مزيد شرف على سائر ولد عبدالله بن جعفر لمكان امهم زينب من رسول اللَّه (ص) وفي ذرية علي هذا ألف الحافظ السيوطي رسالته الزينبية قال ابن عنبة: كان علي الزينبي يكنى أبا الحسن وكان سيداً كريماً. ونقل الأزورقاني: من كتاب المصابيح تأليف أبي بكر الوراق قال كان ثلاثة في عصر واحد بني عم يرجعون إلى أصل قريب كلهم يسمى علياً وكلهم يصلح للخلافة وهم: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن عبداللَّه بن عباس بن عبدالمطلب، وعلي بن عبداللَّه بن جعفر الطيار. وناهيك بمن عده أهل زمانه من الأفراد الذين يصلحون للخلافة. قال مصعب: وكان علي الزينبي متزوجاً بلبابة بنت عبداللَّه بن عباس ترجمان القرآن فولدت له ولم يسم مصعب من ولدت. وقال ابن عنبة: كان لعلي الزينبي من الولد ابنتان وخمسة رجال وهم، إسحاق ومحمد وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب، أعقب منهم إسحاق ومحمد. وذكر في موضع آخر: أن من أولاده الحسين قال: وله بنت اسمها زينب تزوجها حمزة بن الحسن بن عبداللَّه بن العباس السقاء بن علي بن أبي طالب فولدت له القاسم. وقال الأزورقاني أعقب من ولد علي الزينبي رجلان إسحاق الأشرف وأبو جعفر محمد الجواد، فأما إسحاق بن علي الزينبي فقال ابن عنبة: أعقب من سبعة رجال. وقال الأزورقاني: انتشر عقبه من خمسة رجال فقط وهم الحسن وعبداللَّه ومحمد الأصغر وأبو الفضل جعفر وهو بطن وحمزة وهو بطن أيضاً. فأما الحسن بن الحسن المذكور يلقب زقاقاً، ويقال لعقبه بنو زقاق. وأما عبداللَّه بن إسحاق الأشرف فذكر الأزورقاني له أعقاباً كثيرة بفارس والدينور والري والمدينة ومصر ونصيبين من رجلين اسم كل واحد منهما عبداللَّه أحدهما الأكبر والآخر الأصغر، وقال ابن عنبة: منهم أبو جعفر محمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن عبداللَّه المذكور، ثمن قال: لا أدري أهو عبداللَّه الأكبر أم الأصغر.
وأما: محمد الأصغر بن إسحاق الأشرف فكان يلقب بالعنظواني قال ابن عنبة: أعقب من ولده رجلان، وهما الحسن وعلي ولعلي بنت اسمها فاطمة كانت متزوجة بإبراهيم بن علي بن عبداللَّه بن الحسين بن علي زين العابدين فولدت له الحسين بن إبراهيم، وقال الأزورقاني: عقب محمد العنظواني بمصر والرملة ودمياط([454]) والكوفة وهو فخذ كبير.
وأما أبو جعفر محمد الجواد بن علي الزينبي فقال ابن عنبة: كان جليلاً من أجل الناس قدراً وكان له عدة من الولد أعقب منهم أربعة وهم كما عند الأزورقاني يحيى وعيسى وعبداللَّه أبو الكرام وإبراهيم الأعرابي. أعقب يحيى سبعة عشر ولداً والعقب منهم في ثلاثة وعقب عيسى بالعراق وشيراز من محمد المطبقي وعقب عبداللَّه أبي الكرام من ثلاثة ومن أبنائه وهم إبراهيم ومحمد ويقال له أبو الكرام الأصغر ويلقب بأحمر عينيه وأبو الحسن داود وكان لإبراهيم الأعرابي خمسة عشر ابناً سمى منهم ابن عنبة ثمانية وهم الآتي ذكرهم فيما بعد ذلك.
وفيهم جعفر أمير الحجاز ولكل منهم ذيل طويل منتشر وإلى جعفر أمير الحجاز هذا ينتهي نسب نقيب الأشراف الزينبيين في مصر في القرن السابع الهجري وهو الأمير فخر الدين أبو نصر إسماعيل بن حصن الدولة فخر العرب ثعلب بن يعقوب بن مسلم بن أبي جميل دحية بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر الأمير المذكور بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبداللَّه بن جعفر الطيار ترجمه المقريزي في الخطط في الجزء 40 منها في الكلام على المدرسة الشريفية وإلى أبيه نسبت مدينة ديروط التي بصعيد مصر إذ كان بها استقراره فيقال ديروط الشريف. وكان المترجم مشهوراً بالخير والصلاح تولى إمارة مصر في أيام الدولة الأيوبية، ومن إنشائه المدرسة الشريفية المعروفة بجامع العربي لدفن العالم المشهور سيدي علي بن العربي السقاط الفاسي بها، وهي الواقعة بحارة الشرابية بشارع الجودرية الكبيرة بالقاهرة بينها وبين مدرسة الأمير بيبرس الخياط مسيرة بضع دقائق وتوفي الشريف ثعلب المذكور وهو أول من تولى نقابة الأشراف الزينبيين بالديار المصرية، وتربتهم بالقرب من مشهد الإمام الشافعي وتعرف بمشهد السادات([455]) الثعالبة وقد كتبنا عنها باستفاضة في كتابنا المزارات المصرية، ونذر في هذه العجالة فذلكة أنسابهم إلى منتهى جموعهم فنقول: إن هؤلاء السادة تفرعت شجرتهم الزكية من إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي. قال عنه ابن عنبة كان من جلة بني هاشم وأمه بنت عبداللَّه بن عباس. وذكر الأزورقاني أن أولاده خمسة عشر ابناً ولم يسمهم، وسمى منهم ابن عنبة ثمانية. قال وهم: عبداللَّه وهاشم وصالح ومحمد ويحيى وعبدالرحمن وعبيداللَّه وجعفر أمير الحجاز. قال الأزورقاني فأما عبداللَّه وصالح وهاشم فلا عقب لهم. وأما محمد ويحيى وعبدالرحمن فلهم عقب مقل. قال ابن عنبة: ووجدت لعبدالرحمن بن إبراهيم الأعرابي محمداً وأحمد وعليا. وأما عبيداللَّه فقال ابن عنبة: لا أعلم من ولده إلا الحسن بن علي بن عبيداللَّه وإبراهيم بن عبيداللَّه. قال الأزورقاني: ولإبراهيم بن عبيداللَّه ابنان وهما الحسين وعلي، ومن ولده أبو الحسن الجعفري الرئيس بدمشق وفيه البيت والعدد. وأما جعفر الأمير ـ وقيل له الأمير لأنه كان أميراً بالحجاز ـ وقد أخرج اللَّه تعالى من ظهره الكثير الطيب وهو الحد الأدنى للسادات الثعالبة. قال الناصري في الطلعة: كان له من الولد عشرة وهم، سليمان وداود وموسى الخفاجي وعبداللَّه الخليصي وعيسى الخليصي وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف ومحمد. زاد السيد مرتضى الحسن وهارون وأحمد والحسين. قال والثلاثة الأخيرون لم يعقبوا ولم يذكر يعقوب ولا عيسى. أعقب سليمان محمداً وأمه زينب بنت عيسى بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين مات محمد عن غير عقب. وأعقب داود أبا طالب كان ببغداد ومات عن غير عقب. وأما موسى الخفاجي وعبداللَّه الخليصي وباقي أخوتهما: لكل منهم عقب ذيول منتشرة.
موسى الخفاجي بن جعفر الأمير بن إبراهيم الأعرابي قال الأزورقاني كان لموسى الخفاجي سبعة أولاد وعقبهم بالمدينة ومصر والمغرب وقال ابن عنبة ومن ولده على الملقب بقطاة بن يوسف بن الحسن بن موسى.
قال الأزورقاني: عقب عبداللَّه الخليصي يقال لهم القرشيون وعقبه من خمسة رجال وهم، حمزة وأحمد ومحمد القرشي وإسحاق وعلي الشاعر. فأما حمزة وأحمد فلهما عقب مقل وأما محمد القرشي فعقبه بمصر. وأما إسحاق فعقبه بالموصل منهم نقيب الموصل الحسن بن محمد بن القاسم بن إسحاق ولا عقب للنقيب المذكور. وأما علي الشاعر فله ذيل طويل بمصر والمغرب وترجم لعلي الشاعر هذا أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني ترجمة حسنة وأثبت له نوادر وأشعاراً حساناً.
قال الأزورقاني: عقب عيسى من عبداللَّه بن عيسى نزيل طبرستان ولعبداللَّه محمد وفي عقبه العدد والكثرة له ثمانية معقبون أحدهم محمد الطويل الملقب بمزوار عقبه بالحجاز والموصل وبغداد والحسن وعيسى ويوسف وعلي وأحمد وموسى وداود ولجميعهم أعقاب.
أعقب يعقوب كما في أنساب الأزورقاني من ولده القاسم وحده ويقال لولده القاسمية وبنو القاسم، وللقاسم المذكور أولاد معقبون أكثرهم عقباً جعفر وموسى وعلي. فأما جعفر فله ذيل منتشر وأما موسى فعقبه من تسعة وهم إسحاق وسليمان وميمون وحمزة ومحمد وأبو عبداللَّه (المقتول في حرب بني الحسن وبني جعفر) وداود وعبداللَّه وعيسى والحسين ولهم أعقاب كثيرة بالحجاز وانتقلت طائفة منهم إلى صعيد مصر.
(قال) الأزورقاني: أعقب محمد بن جعفر الأمير من ستة رجال وهم عيسى وإبراهيم وداود وموسى الهراج. هؤلاء الأربعة أمهم زينب بنت موسى الجون بن عبداللَّه بن الحسن المثنى بن الحسن السبط وإدريس وصالح فأما عيسى فعقبه من خمسة رجال وإبراهيم من ثلاثة ولهم عقب كثير. قال ابن عنبة: منهم يحيى بن إبراهيم المعروف بالعقيقي. قال أبو الحسن العمري له بقية بأسوان ودمشق والعقيق. وأما داود وموسى فلكليهما عقب فلداود سبعة عشر ابناً أعقب منهم ثمانية ولجميعهم ذيل منتشر. قاله الأزورقاني. ولموسى عقب مقل. قال ابن عنبة والسمرقندي ويعرف عقبه: بني هراج بالراء المهملة بعدها ألف وجيم ومن عقبه الأمير أبو كلاب جد قبائل بني كلاب أهل درعة وسجلماسة وتافيلالت: وإلى الأمير أبي كلاب هذا ينتهي نسب العارف سيدي محمد بن ناصر الدرعي السجلماسي جد السادة بني ناصر كما في طلعة المشتري وقد رفع نسبه بأنه هو الشيخ أبو عبداللَّه محمد فتحا بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ناصر بن عمر بن عثمان بن ناصر بن أحمد بن علي بن سليم بن عمرو بن أبي بكر بن المقداد بن إبراهيم بن سليم بن حريز بن حبيش بن كلاب بن أبي كلاب بن إبراهيم بن أحمد بن حامد بن عقيل بن معقل بن موسى الهراج بن محمد بن جعفر بن الأمير بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبداللَّه بن جعفر الطيار بن أبي طالب. وأم موسى الهراج زينب بنت موسى الجون بن عبداللَّه المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. وأم عبداللَّه المحض فاطمة الكبرى بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وأم فاطمة أم إسحاق بنت طلحة بن عبيداللَّه التيمي فمن كان من هذا الفرع فعليه ولادة من ذكر.
قال السيد مرتضى في الروض: من ولد الحسن بن جعفر الأمير: سرور بن رافع بن الحسن له اثنان سلطان وعلي والأخير له عبدالواحد وعبدالواحد له اثنان إبراهيم وعبدالغني والأخير له الإمام الحافظ الجماعيلي أحد أئمة الحديث في القرن السادس ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام ولد سنة 540هـ بجماعيل إحدى قرى نابلس وتوفي بمصر سنة 600هـ ودفن بالقرافة عند أبي عمرو بن مرزوق وأما إبراهيم فله أبو بكر محمد.
وأما سلطان بن سرور فله جمال الدين أبو الفرج نعمة اللَّه وهو له اثنان فخر الدين عبدالمنعم وسعد والأخير له يوسف ويوسف له أبو عمر محمد نزل مع عشيرته من وادي القرى إلى السويط قرية بالشام ثم أوائل سنة 500هـ نزلوا إلى مصر وإليهم نسبت قرية الجعفرية وأعقب من ولده عبداللَّه وأعقب عبداللَّه يوسف ومحمداً والأخير من ولده الإمام المحدث ناصر الدين محمد الجعفري ولد بالجعفرية سنة 793هـ وسمع الحديث من الولي العراقي والحافظ ابن حجر وتوفي بمصر سنة 887 ترجمه السخاوي في الضوء اللامع وله أخوة أربعة.
وأما عبدالمنعم فأعقب من ولده شرف الدين عبدالرحمن كان إماماً محدثاً بنابلس وهو جد الجعافرة آل نابلس ولهم ألف السيد مرتضى رسالته الروض المعطار.
يوسف بن جعفر الأمير
ويوسف بن جعفر الأمير: أمه مخزومية وهو أبو الأمراء بأرض الحجاز قال الأزورقاني له أربعة عشر ابناً أعقب منهم اثنان وهما إبراهيم ومحمد ولكليهما عقب وامتد عقب محمد أكثر من أخيه وكانت الإمارة في أبنائه منهم أمراء خيبر ووادي القرى والجحفة ومن ولده إسحاق وجعفر ومحمد ويوسف وعبدالصمد ويحيى والعباس وصالح وحمزة وهارون ويعقوب وأحمد الشاعر وعبداللَّه وسليمان وعبدالملك وإدريس. هؤلاء كلهم أمراء والأخير في عقبه سيادة بني جعفر ببادية الحجاز.
إسماعيل بن جعفر الأمير
(قال) في طلعة المشتري عن إسماعيل بن جعفر الأمير: كان متزوجاً برقية بنت موسى الجون وكانت أختها زينب عند أخيه محمد بن جعفر وعقبه من خمسة رجال كما أفاده الأزورقاني وهم: محمد الأصغر وأحمد وعيسى صاحبا الجار وقيل الخان ومحمد الأكبر وإبراهيم. فأما محمد الأصغر فقيل له عقب وأحمد عقبه ببغداد ومصر والبصرة. وعيسى وعقبه بهمذان ومصر منهم أبو الحسن الصوفي الزاهد علي بن يعقوب بن عيسى الملقب بالجارح. قال الأزورقاني كان يختم القرآن ويطرح لكل ختمة نواة في سلة فلما مات لم يخلف غيرها وكانت ملأى من النوى مات بمصر وله ولد.
وأما محمد الأكبر بن إسماعيل فيعرف بالشعران روى عنه الزبير بن بكار وطبقته. وقال الأزورقاني: أولاده المعقبون لصلبه ستة أحدهم عبداللَّه بن محمد الشعران له أعقاب كثيرة ببغداد والموصل وإما إبراهيم المنتهي إليه نسب هؤلاء السادات فله ذيل طويل ومن ولده موسى الأكبر بن إبراهيم قال الأزورقاني: له أربعة عشر ابناً لكل منهم عقب مذيل، أحدهم داود الأوسط جد من بنيسابور وبيهق ومرو (قال) ابن عنبة ومن ولد إبراهيم بن إسماعيل هذا محمد المعروف بابن جدبة. ومنهم داود بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم المذكور مات بمصر (قال) العمري وله ولد يلقب برغوثاً مات بمصر أيضاً ومنهم موسى الأصغر بن إبراهيم جد بني ثعلب أمراء الحجاز أعقب من أبنائه ثلاثة وهم سليمان وداود وجعفر وعرف عقب سليمان بالسليمانية وداود وجعفر كلاهما جد بني ثعلب فلداود ثعلب الحجازي عرف بالكبير للتمييز. قال المقريزي في البيان والإعراب: منهم عشيرة نزلت بجرجا يعرفون ببني طلحة وبني مسلم وهو مسلم بن عبداللَّه بن الحسين بن ثعلب المذكور. وأما جعفر الذي ينتهي إليه سياق نسب هؤلاء السادات فلم يمتد له إلا من حفيده الشريف ثعلب بن يعقوب بن مسلم بن يعقوب بن أبي جميل دحية بن جعفر. والشريف ثعلب هذا خلف من الأولاد ستة وهم إسماعيل وعلي وعبدالملك وفارس وحسام ونصار ولكل منهم عقب فلإسماعيل جمال الدين مرا ومحمد وإبراهيم وعلي وأبو جميل حسان وعبداللَّه ولعلي قيصر ونصير وقيس وإبراهيم ولعبدالملك حامد وعيسى ولفارس مودود وصلاح وعبدالعزيز وكليب وأحمد وجمال الدين وجزى وإسماعيل وسخطة ولحسام ثعلب وحامد ومسلم ويعقوب ومحمد وأحمد. ولنصار ابنة واحدة.
ومن مشهوري أولاد جمال الدين مرا بن فخر الدين إسماعيل بن الشريف ثعلب، شرف الدين عيسى. ومن ولد محمد بن إسماعيل الشريف النعجردي. ومن أولاد الأمير نجم الدين علي بن إسماعيل أمير الجعافرة ورئيسهم في دولة المعز إيبك التركماني، ووقعت له حادثة امتحن فيها بالقبض عليه والسجن حتى آل الأمر إلى أن شنقه الظاهر بيبرس وشنق معه الأمير جمال الجعفري السليماني وقبلهما شنق الأمير سخطة بن فارس بن إسماعيل علي باب زويلة في حكاية مذكورة سنة 652هـ (انتهى بنوع تصرف).
طوائف الجعافرة ومساكنهم بالوجه القبلي
معظم ما بالوجه القبلي اليوم من الجعافرة يرجعون إلى هذا الفرع لاستقرار أسلافهم بها وقد ذكر([456]) المقريزي أن مساكنهم كانت من بحري منفلوط إلى سملوط غرباً وشرقاً ولهم بلاد أخرى يسيرة وثم طائفة منهم من غير هذا الفرع لكن معظمهم يجهلون رفع أنسابهم على الوجه الصحيح.
ولعبداللَّه بن جعفر جد هذه الشعبة أولاد آخرون من غير السيدة زينب وقد أنافوا على العشرين والعقب لأربعة منهم وهم: علي الزينبي ومعاوية وإسماعيل وإسحاق ولكل منهم ذيول منتشرة في سائر الأقطار والأمصار ومنهم طائفة نزلوا بصعيد مصر وامتدت جموعهم من أسوان إلى قوص وكان نزولهم إليها في أوائل القرن الخامس الهجري، وسبب نزولهم على ما حكاه المؤرخون تغلب بني الحسين عليهم بنواحي المدينة وإخراجهم منها فاستقر فريق منهم بالوجه القبلي وتناسلوا فيما بينهم وانتقل جماعة منهم إلى بلاد المغرب واستوطنوا درعة وسجلماسة ولهم ذيول منتشرة من أعيانهم الشرفاء الناصرية نسل سيدي محمد بن ناصر الدرعي العالم المشهور وقد تقدم رفع نسبه إلى علي الزينبي ومن ولد إسحاق بن عبيداللَّه بن جعفر المذكور طائفة قدمت مع من قدم واستقرت بقوص وتناسلوا فيما بينهم ثم انتقل أحد أفرادهم إلى أخميم وهو الولي المشهور كمال الدين بن عبدالظاهر دفينها وصاحب المقام الشهير بها ورفع نسبه على ما ذكره الأدفوي علي بن محمد بن جعفر بن علي بن محمد بن عبدالظاهر بن عبدالولي بن الحسين بن عبدالوهاب بن يوسف بن يعقوب بن محمد بن أبي هاشم بن داود بن القاسم بن إسحاق بن عبداللَّه بن جعفر بن أبي طالب توفي سنة 701هـ ودفن بأخميم وله بها عقب منتشر إلى الآن.
ومن الجعافرة الذين هم بالصعيد أيضاً فروع إسحاق وأخويه وهم طوائف كثيرة وجميعهم ينتمون إلى هذا النسب بالشهرة التي توارثوها عن أسلافهم وليس بأيديهم ظهائر أو مراسيم تدل على ذلك ولذلك وقع بينهم تخليط كثير ففريق منهم يرفع نسبه إلى جعفر الصادق بن محمد الباقر (عليه السلام) وأهل العلم منهم يرفعه إلى عبداللَّه بن جعفر وهذا هو المقطوع بصحته إذ لا يعرف لجعفر الصادق ذرية بالوجه القبلي لا بأسيوط ومنفلوط وطهطا من ولده محمد المأمون وقد تفرعت شجرتهم من الشريف قاسم الطهطاوي([457]) التلمساني الأصل دفين طهطا وصاحب المقام الشهير بها. ولجعفر فروع أخرى بالصعيد المهور منها فرعان الأول ينتهي في إسماعيل الإمام بن جعفر والجد الأدنى لهذا الفرع هو أبو الحجاج الأقصري دفين الأقصر بأعلى الصعيد وله ذرية منتشرة بأغلبها بالوجه القبلي، الفرع الثاني يلتقي مع فرع طهطا في محمد المأمون وانحصر هذا الفرع في أشراف قنا، ذرية الشريف عبدالرحيم بن أحمد السبتي الغماري دفين قنا الولي المشهور وقديماً كان يوجد بقنا فرع جعفري من نسل موسى الكاظم (عليه السلام) فصار إلى فوة لنقلة بعض أفراده إليها وانتشار ذريته بها السيد عبدالرحيم القنائي صاحب الضريح المزار بها ومن هذا الفرع تفرعت أشراف مطوبس والحدين وكفر ربيع وقد يزعم بعض من يمت إلى هذا النسب أن جدهم المذكور في جرائد نسبهم هو السيد عبدالرحيم القنائي المدفون بقنا وهو خطأ واضح نبهت عليه في كتابي تاريخ السيد أحمد البدوي في الكلام على إشراف فوة وقنا، فهذه هي الفروع الحسينية الجعفرية وباقي ما بالصعيد من الأشراف حسنية جدهم الأعلى الحسن المثنى بن الحسن السبط وهم فرعان، الفرع الأول الأدارسة أشراف فاووببلا ونواحيهما ينتهون في المولى إدريس الأزهر جد شرفاء بلاد المغرب من طريق حفيده المولى عبدالعزيز الميموني الغماري المهاجر من غمارة إلى مصر في سنة 708هـ في أيام الناصر محمد بن يعقوب الموحدي ـ وتدير مدينة فاو من عمل قوص وبها توفي وانتشر هذا الفرع من ولده الشريف إدريس فهو الجد الجامع لقبائل الأشراف الأدارسة الذين هم بالصعيد ومصر والفرع الثاني من ذرية الحسن المذكور أشراف سمهود والمنشأة وجرجا ودشنا عدا السادة الوفائية الحسنية فهم من فرع آخر، جدهم الأعلى داود بن الحسن المثنى الملقب دعلام ـ والأدنى جلال الدين أبي العلياء وهو القادم من هذا الفرع إلى مصر في القرن السابع الهجري قدم من البصرة هو وابن عمه جلال الدين النقيب فاستوطن مصر وسكن سمهود وانتشرت ذريته من ولده محمد الملقب بأبي عيسى.
حسن محمد قاسم
الجعفريات
لابن الأشعث
ابن الأشعث هو محمد بن محمد الكوفي المصري (أبو علي). محدث وفقيه في القرنين 3 و4هـ/ 9 و10م، لا تتوفر معلومات وافية عنه مع ماله من الشهرة في سلسلة الرواة، وكل ما نعرفه عنه أنه كوفي عاش في مصر، ولكن لا يعلم لماذا وفي أي تاريخ رحل إلى مصر ومتى توفي؟
وأشهر آثاره كتاب الجعفريات أو الأشعثيات. وقد روى هذه المجموعة التي تشتمل على 3000 حديث والمنسوبة إلى إسماعيل بن موسى بن جعفر (عليهم السلام) الذي كان يعيش في مصر عن طريق ابنه موسى بن إسماعيل. ورغم أنه لم يؤلف هذا الكتاب فقد عرف بالأشعثيات بسبب روايته وإشهاره له ورواية المحدثين لهذه المجموعة عن طريقه. كما اشتهر بالجعفريات، لأن أحاديثه مروية عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد شك الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر (تـ 1266هـ/ 1850م) في انتساب هذه المجموعة لابن الأشعث، ولكن الميرزا حسين النوري يقول إن المحدثين أمثال المجلسي (ت 1110 هـ/ 1700م) والملا محسن الفيض الكاشاني (1090هـ/1679م) والشيخ الحر العاملي (1104هـ/ 1693م) لم تصل أيديهم إلى نسخة الأشعثيات، ولكنه تمكن من الوصول إليها ولذلك استفاد منها في تدوين كتاب مستدرك الوسائل، ويستدل النوري في خاتمة كلامه بأن هذه المجموعة لابن الأشعث (3/290 ـ 296). وقد طبع هذا الكتاب عام 1370هـ/ 1951م مع قرب الأسناد في إيران.
وروى ابن الأشعث آثاراً أخرى في تفسير القرآن وأحكام الصلاة عن طريق موسى بن إسماعيل وكما يبدو من قول السيد ابن طاووس (تـ664هـ/ 1266م) في جمال الأسبوع، فإن روايات كتاب رواية الأبناء عن الآباء من آل رسول اللَّه لابن الأشعث أيضاً.
الجفر
من قرى (الأحساء) الكبيرة المعروفة، تبعد عن (الهُفّوف) إلى جهة الشرق (18كم)، وهي الآن بمنزلة المركز للقرى القريبة منها، وفيها مقر (مجمع الخدمات القروية)، كما يوجد فيها إمارة ومحكمة شرعية وكاتب عدل، وفيها معظم الخدمات والإمكانات الموجودة في المدن.
ويقام فيها أيضاً (سوق الإثنين)، وهو سوق شعبي كبير يقام مرة كل أسبوع.
الجماهر
في معرفة الجواهر
البيروني هو أحد العلماء المسلمين الذي كان له الأثر الأكبر في جمع العلوم، وهو أحد الثقات والنقادين والبحاثين في العلوم التاريخية والجغرافية والطبيعية والرياضية.
ولد أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في عام 362هـ أي 972م. في خوارزم وعاش ردحاً طويلاً من الزمن في بلاط ملوك غزنة السلطان مسعود وخليفته السلطان مودود، وتوفي في اليوم الثالث من رجب 440هـ. الموافق 13 كانون الأول (ديسمبر) 1048م.
أما الكتب التي ألفها فقد أدرجت بفهرست بروكلمن، تاريخ الأدب العربي([458])، ودائرة المعارف الإسلامية (ج1، ص757) وموسوعة أعيان الشيعة. وقد أشار هلموت ريتر في مجلة الشرق «Orientalia» (ج1، 1933 ص74) إلى المخطوطات الموجودة في الأستانة.
أما الكتاب الذي نحن بصدده (الجماهر في معرفة الجواهر) فيوجد منه عدة مخطوطات: في مكتبة الأسكوريال في إسبانيا، ومكتبة السراي في الأستانة، ومكتبة رشيد أفندي في مدينة قيصري في تركية، وقد كنت أشرت إلى هذه المخطوطات، في كتابي باللغة الألمانية عن مصادر البيروني في كتاب الأحجار الذي كنت نشرته في بون عام 1935م([459]).
أخيراً قام الأستاذ كرنكو ونشر هذا الكتاب في حيدر آباد الدكن في سنة 1355هـ. أما المصادر الفارسية فقد كنت أشرت إليها في كتابي المذكور([460]).
وأما أهم مصدر فارسي يذكره فهو نصر بن يعقوب الدينوري، فقد ذكر البيروني (ص31/32): «ولم يقع لي من هذا الفن غير كتاب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في الجواهر والأشباه، قد اقترع فيها عذرته وظهر دورته كاختراع البدائع في كل ما وصلت إليه يده من سائر الفنون، فهو إمام المجتهدين وأسوة الباقين. ثم مقالة لنصر بن يعقوب الدينوري الكاتب عملها بالفارسية لمن لم يهتد لغيرها وهو تابع للكندي في أكثرها».
إن هذه المخطوطة على ما يظهر قد فقدت، ويتكلم البيروني في كتاب الجماهر في معرفة الجواهر ثلاث مرات عن نصر:
1 ـ في ذكر الماس (ص97):
«وحكى نصر عن معز الدولة أحمد بن بويه أنه أهدى إلى أخيه الحسن ركن الدولة فص الماس وزنه ثلاثة مثاقيل ولم يسمع فيه مثل هذا الوزن».
وطبقاً لرأي ستانلي لان پول في كتابه ملوك الإسلام عاش هذا المذكور بين(922 ـ 967م).
2 ـ في ذكر أشباه الياقوت (ص66):
«قال نصر: كان للأمير الرضي نوح بن منصور الساماني زوج خاتم يسمى كل واحد منهما بطيخة، فص أحدهما ياقوت أحمر كحبة العنب، والآخر الماس مجانس له في القدر والشكل، فقيل أنه لم ير الناس أعظم حبة منه».
يذكر ستانلي لان پول وجود حاكمين بهذا الاسم، الأول حكم بين 961 ـ 967 والثاني بين 997 ـ. أما كرنكو فقد ذكر في ملاحظته على نصر أن هذا الأمير توفي سنة 387(ص172 ملاحظة 1).
أما المناسبة فهي ما يلي:
«وذكر نصر أنه كان للأمير الرضي نوح بين منصور خرداذية من فيروزج تسع من الشراب ثلاثة أرطال وأنها دفعت إلى خراط ورد من العراق ليخرطها فانكسرت في يده، وخاف الخراط على نفسه فمر بين سمع الأرض وبصرها. قال أبو بكر الخوارزمي:
ولقد ذكرتك والنجوم كأنها
در على أرض من الفيروزج
يلمعن من خلل السحاب كأنها
شرر تطاير من دخان العرفج
وقال منصور القاضي:
عبدك أهدى لك ديناراً
ودرهماً يرجح معياراً
فلو أطاق العبد ما يشتهي
لكان يهدي لك قنطاراً
وخاتماً فيروزجاً فصه
قدمه للفأل مختاراً
فانظر إلى ما جعل فألاً ولا
تنظر إلى ما قل مقداراً
3 ـ جاء في البذخشان (ص82):
«ونسب معدنه إلى بذخشان وقال أنه يشتري إلى أيام آل بويه بقيمة الياقوت، ثم عرفوه فتلف عن اتفاقه بتلك القيمة».
من هذه الاستشهادات أن كتاب نصر بن يعقوب الدينوري الذي يشبه كتاب يعقوب بن إسحاق الكندي قد استعان به البيروني. وقد عاش نصر إذن في القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي.
على كل فإن كتاب نصر لا يمكننا أن نعده من المصادر الفارسية، لأن البيروني نفسه يقول بأن نصراً ألف الكتاب بالفارسية لمن لا يعرف العربية وهو تابع للكندي في أكثر معلوماته. بيد أننا نجد في الكتاب مصادر فارسية محضة:
الغضائري: الذي عاصر محمود الغزنوي وقدم له شعراً، كما ذكر ذلك براون في كتابه باللغة الإنكليزية عن تاريخ الأدب الفارسي.
وقد ذكر البيروني عن تطور الأحجار حتى تبلغ ذروة الكمال في الياقوت (ص80):
«وعند العامة أن جرم الياقوت يتردد في ألوانه بين الأكهب والأبيض والأصفر إلى أن يبلغ الأحمر» ويستشهد البيروني بشعر للغضائري بالفارسية (ص80):
«ازبسي كشتن بحال ازحال شد ياقوت پاك
پيشتر أصفر بباشد آنكهي أحمر شود».
واستشهد البيروني بمنصور مورد شعره بالفارسية (ص81).
«كجاخاك در گاهش ازكيمياست
كه ياقوت كردد همي رومدر»
ولعل منصور هذا هو الشاعر منصور بن علي من الري المعروف بالمنطقي الذي أورده براون في كتابه المار الذكر عن تاريخ الأدب الفارسي (ص94). ذكر البيروني ابن مندويه في ثلاثة مواضع:
1 ـ في ذكر الحيات في بحث الماس (ص99): «وذكر جالينوس حية سماها ملكة الحيات إن من رآها أو سمع صفيرها يموت مكانه فليت شعري من أخبر بمكانها أو أخبر أمرها إذا كان المطلع عليها ميتاً. وقال ابن مندويه في باسيليقون وهو الملك أن هذه الحية سميت بهذا الاسم لإكليل على رأسها؛ ثم وصفوا من طولها: لا تجاوز الثلاثة أشبار، حادة الرأس، حمراء العينين، صفراء اللون إلى السواد، تحرق بأنيابها ما مرت عليه…».
2 ـ في ذكر البادزهر (ص200):
«وقال علي بن مندويه، وهو أصفر في بياض وخضرة».
3 ـ في بحث الزئبق (230/231).
«ولم يعرف جالينوس حقيقة حاله أهو معدني أم معمول عمل الأسفيداج والمرتك. وحكى ابن مندويه عن ماسر جويه أنه معمول».
وابن مندويه هذا استدعاه عضد الدولة مع عبدالرحيم بن المرزبان من أصفهان إلى بيمارستانه الذي أسسه في بغداد سنة 367هـ أي 978م. ومن القائمة التي أدرجها ماكس ماير هوف في كتابه «من الإسكندرية إلى بغداد» في أسماء الأطباء الذين اشتغلوا في هذا البيمارستان يتبين بوضوح مقدار عنايتهم في ذلك العصر بالمسائل العلمية. وكان البيمارستان العضدي لا يزال قائماً على قدم وساق حينما زار ابن جبير الرحالة المشهور بغداد سنة 580هـ و1184. ويعتقد ماير هوف أنه لم يقع طعمة للخراب إلا عند الغزو المغولي مدينة بغداد سنة 656هـ. أي 1258م.
أما ابن ماسر جويه المار الذكر فهو الذي ترجم كتاب أهرون الإسكندري في السريانية إلى اللغة العربية، وقد كان حياً في أوائل القرن الثامن الميلادي.
ينقل البيروني عن حمزة الأصفهاني الذي توفي عام 961 كما بينت ذلك دائرة المعارف الإسلامية الألمانية (ج2، ص271)، فيذكر البيروني عن حمزة الأصفهاني (ص33) أن اسمه بالفارسية ياكند والياقوت معربه، فإن الفرس كانوا يلقبونه بسبج أسمور أي دافع الطاعون وهو سبج بالفارسية، وقد وصف أحمره في الكتب المعمولة في خواص الأحجار بما ذكره حمزة في معنى لقبه.
وفي ألوان الياقوت يروي البيروني (ص35) عن حمزة: «وقال حمزة العصفر معرب وفارسيه هسكفر، فإن نباته هسك والقرطم هسك دانه، وماؤه آفة وهو العند وورده بهرامه ويعرب على البهرم والبهرمان والبهرامج وهو الذي يصبغ به الثياب»، ويعلق على ذلك البيروني قوله: «وأنا أظن كوكب المريخ سمى بالفارسية بهرام للونه الأحمر».
وينقل البيروني (ص36) عن حمزة أن العندم عند أصحاب اللغة نبت أحمر بالبادية. وفي هذه المناسبة يذكر البيروني كتاب ديوان الأدب؟: «أن العندم هو دم الأخوين ويسمى بالفارسية «خون سياوشان» لاعتقادهم فيه أنه ينبت من دم سياوش بن كيكاوس المسفوح على الأرض، وقريب منه تسمية الهند أياهما «پاندورت» يعنون دم پاندو، يذكر البيروني حمزة في صدد الجزع (ص175):
«قال حمزة اسم الجزع بالفارسية قلنج والبقراني بكري هلنج». ويعلق البيروني على ذلك بأن لفظة خلنج لا يختص بها الجزع بل يقع على كل مخطوط بألوان وأشكال فيوصف به السنانير والثعالب والزباد والزرافات وأمثالها، بل هو بالخشب التي تكون كذلك أخص ومنها تنحت الموائد والقعاب والمشارب وأمثالها بأرض الترك».
ويذكر أيضاً البيروني أن من الجزع نوعاً ينسب إلى فارس لميل أهلها إليه وهو مماثل البقراني إلا أنه على عكس ما حمد من البقراني.
ويذكر البيروني حمزة المذكور في مواقع عديدة كالدهنج والمومياء (شمع الماء) والخماهن وحجر البرد والزجاج.
ومن الجدير بالذكر اسم كثير من الأحجار ورد بالفارسية مثل دهنج وهو الحجر النحاسي الأخضر واللازورد والروسختج (أكسيد النحاس)، والمردسنج وهو مشتق من مرده سنگ ومعناه الحجر الميت، والأسفيداج وهو الأبيض، والكهرباء (جاذب التبن) والبيجادة والخماهن والزنجار وهو صدأ النحاس، وبالفارسية بمعنى الصدأ تماماً، فقد ورد في جلال الدين الرومي في المثنوي:
آينهف ات داني چراً غمّاز نيست
زانكه زنكار ازرخش ممتاز نيست
وقد ترجمها عبدالوهاب عزام شعراً:
إن مرآتك عامت دنسا
صدأ الطبع عليها طمسا
في أخبار البادزهر يذكر البيروني أخباراً طريفة مصدرها فارسي (ص201/202):
«الأجوف المشتمل على مخاط الشيطان يؤخذ من جوفه ما فيه ويعمل من غزله شستكات وهي التي كانت الأكاسرة تسميها آذر شست وبقي اسم شست على المعمول من غيره فإن النار تحرقها. وحمل إلى الأستاذ هرمز متولي حرب كرمان سنة تسعين وثلاثمائة من ناحية زرند والكبونات شستكه بيضاء كانت تلقى في النار إذا اتسخت حتى تأكل النار وسخها. وذكر من شاهدها أنها لوثت بالدهن للامتحان فاشتعلت النار فيها ساعة ثم خمدت وخرجت الشستكه بيضاء نقية. وشهد له الوزير أحمد بن عبدالصمد وكان يرى بتلك النواحي وقال إن هذه الأحجار تكثر بالكانونات، تكسر عن شيء له خمر يفتل منه غزل يلقى فيه يعسر التئامه ويعمل منه ما ذكر. وقال أبو الحسن الترنجي (؟): رأيت لبعض الملوك مشربة مرصعة شاهدت منها أعجوبة في لسع الزنابير إذا أريق فيها لبن حليب وسقي منه الملسوع وطلي به موضع اللسعة فإنه كان يقذف اللبن ويشري بدنه ثم يهدأ. ويسمي البيروني نوع البادزهر حجر التيس، وهو حجر الترياق الفارسي.
وإن مثل هذه الخيوط المذكورة التي كانت مخاط الشيطان وزل السعالى هي من أنواع الأسبست والأميافت والمعروفة الآن بحجر الفتيل. وقد ذكر هذا العمل الذي يقوم به بالتلويث بالدهن وتنظيفها بالحرق دون أن يعمل بها المؤرخ الطبيعي يلبنوس الشهير في كتابه التاريخ الطبيعي.
محمد يحيى الهاشمي
طبعة جديدة للجماهر
بعد مرور أكثر من ستين عاماً على صدور طبعته الأولى التي حققها المستشرق الألماني فيرتز كرنكو، اعتمد على ثلاث مخطوطات للكتاب أهمها مخطوطة اسطنبول المحفوظة في طوب قابو سراي برقم 2047، التي امتازت بوجود حواش عليها بقلم العالم والشاعر المعروف محمد بن أحمد الدمشقي خطيب داريا (745 ـ 810هـ). غير أن الهادي عثر على منتخب لكتاب الجماهر توجد مخطوطته في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في طهران، لخص كاتبه فيه المادة العلمية من الكتاب فحسب من دون سائر ما فيه من مواد أدبية ولغوية وتاريخية وفلسفية. فرغ كاتب المنتخب منه في 834هـ. وأعان هذا المنتخب محقق الكتاب على تلافي عشرات الأخطاء التي وقعت في طبعة المستشرق كرنكو، كما عثر فيه على الفصل الخاص بالرصاص وهو الفصل المفقود من مخطوطات الكتاب المعروفة، فسد بذلك خللاً كبيراً.
برر محقق الكتاب إعادة تحقيقه ـ فضلاً عما وجده في مخطوطة «نخب من كتاب الجماهر» ـ بما قد وقع في طبعته من غلط ونقص وتحريف زاد على 120 موضعاً وأدى إلى أن يشيع الغموض والخلط في نصوص الكتاب وأضاف تسرع كرنكو أحياناً وإصراره على قراءة معينة لبعض الكلمات في المخطوطات في أحيان أخرى مشكلات مختلفة. فالمستشرق هو المسؤول، كما يقول الهادي، عن الاضطراب الحاصل في بعض مواضع الكتاب كأن يظن أن يحيى النحوي هو يحيى بن أحمد الفارابي، بينما الصواب أنه القس المصري يحيى النحوي. وحين يذكر البيروني كتاب «السلاح» للباهلي يذكر كرنكو في الهامش أنه أبو يعلى ابن أبي زرعة، بينما الصواب أنه عبدالملك بن قريب الأصمعي الباهلي. كذلك إصرار كرنكو على كتابة «السويس» بدلاً من «السرين» الميناء القريب من مكة الواقع على بحر القلزم (البحر الأحمر)، على رغم قوله إن الكلمة وردت في مخطوطات الكتاب بشكل «السرين». ومرد هذا الوهم أن السرين واقعة على البحر الأحمر فتصورها السويس.
ومن نماذج أخطاء طبعة كرنكو التي أدت إلى غموض النص ما ورد في ص47: «والجزر: مصب الماء الجاري في البحر». والصواب ما في مخطوطة طوب قابو سراي: «والخور». وما ورد في ص57 عن استيلاء الدولة العباسية على ما ادخره الأمويون: «ثم فاجأتهم الدولة العباسية فكانت في مبدئها لما جمعوا كالذرذودا»، تمشت ما وجدت واسترطته، والصواب ما ورد في المخطوطة: «قمشت ما وجدت واسترطته»، أي أن الدولة العباسية أغارت على ما ادخره الأمويون فمقشته (أي جمعته) واسترطته (ابتلعته). وغير ذلك ما أورد الهادي نماذج منه في مقدمة الكتاب.
يقع الجماهر في مقدمة مزج فيها البيروني الفلسفة بالاقتصاد وثلاثة مقالات، خصص الأول منها للحديث عن الأحجار الكريمة مثل اللؤلؤ والياقوت والألماس وغيرها، والثاني للحديث عن المعادن كالذهب والفضة والزئبق والنحاس، والثالث مما مزج وركب بالعمليات الكيماوية مثل الشبه والإسفيذروي (هو القلعي، المادة التي تبيض بها أواني النحاس) والطاليقون وغيرها.
اعتمد البيروني في كتابه هذا على حشد من المصادر ذات العلاقة بالموضوع فضلاً عن كتب التاريخ والأدب ودواوين الشعر ذلك أنه كان يتوسع في الحديث عن كل مادة فيتحدث عن خصائصها وأماكن وجودها وما ورد عنها في كتب الأدب ويذكر بعض الوقائع المتعلقة بتلك المادة.
ومن مصادره ـ وكثير منها مفقود الآن ـ كتاب «الجواهر والأشباه» للفيلسوف الكندي و«رسالة في الجواهر» لنصر بن يعقوب الدينوري و«الجواهر» لحمزة الأصفهاني و«المعالجات البقراطية» للترنجي و«أخبار الصين» المنسوب لأبي زيد الحسن السيرافي وكتاب مقدس لدى المجوس يدعى «نوبوسته» و«اشكال الأقليم» للإصطخري وهو المطبوع بعنوان «مسالك الممالك» وكتاب «المشموم» للسري الرفاء وكتاب للكندي في وصف السيوف وكتاب «السلاح»، للأصمعي وغير ذلك.. فضلاً عن مصادر أخرى كان يشير إلى أسماء مؤلفيها مثل محمد بن يوسف الأسفزاري وأبي العباس العماني وجابر بن حيان وعطارد الحاسب وابن مندويه وأبي القاسم الكرماني وعشرات وغيرهم.
مجموع صفحات هذه الطبعة الجديدة من الجماهر 562 صفحة منها 70 صفحة للمقدمة و125 صفحة لاختلاف النسخ وللفهارس الوافية التي تضمنت كل ما يعين الباحث في هذا الكتاب الذي قال المستشرق الألماني إدوارد زاخاو عن مؤلفه أنه أعظم عقلية ظهرت في التاريخ. وقال عنه المؤرخ الأميركي آرثر. بوب: «في أية قائمة لأكابر علماء الدنيا يجب أن يكون للبيروني مكانه الرفيع. وغير ممكن أن يكتمل من دونه أي تاريخ للرياضيات أو الفلك أو مقارنة الديانات. ولقد كان من أبرز العقول المفكرة في جميع العصور. ويمكن تجميع ما كتبه منذ ألف سنة وهو يسق كثيراً من المناهج ومن المواقف العقلية التي يفترض أنها حديثة».
بشرى مشكور
الجمع بين رأيي أفلاطون وأرسطوطاليس
كتاب للفارابي
في هذا الكتاب يمكن لمس تأثير الأفلاطونيين الجديد في فكر الفارابي بوضوح، حيث أنه يشبّهه في سعيه بين آند والحكيم اليوناني، الذين ذهبوا إلى أنه في الواقع مجزأ إلى طريقين، ووفّق في موارد حدوث العالم وقدمه وإثبات الخالق وأنه هو علة كل شيء، وكذلك في مسائل العقل والنفس والجزاء والعقاب وكثير من أمور الأخلاق والسياسة والمنطق التي كانت في الغالب مورد اختلاف ونزاع مفكري العصر.
«ديتريشي» طبع هذا الكتاب ضمن «الثمرة المرضية» في ليدن عام 1890م.
«عبدالرحمن مكوي» طبع المتن العربي للكتاب في «المجموع للمعلم الثاني» بالقاهرة عام 1907م.
«محمود حجازي» طبع الكتاب هذا مستقلاً بالقاهرة عام 1907م.
وطبع بهامش «شرح حكمة الأشراق» بطهران عام 1315هـ.
وطبع مستقلاً بطهران عام 1315هـ.
«البير نادر» اعتنى بطبعه منقحاً مع مقدمة في بيروت عام 1960م.
«قوام الدين بورسلان» ترجم قسماً منه إلى التركية عام 1935م، وطبع في أسطنبول.
«الدكتور عبدالحسن مشكاة الدين» ترجمه إلى الفارسية من متون طبعات طهران وبيروت، والنسخة الخطية لمكتبة مجلس الشورى الوطني رقمها 117/4130، والنسخة الخطية لمكتبة الحضرة القدسية الرضوية ذات الرقم 126، وأرفقه بترجمة وشرح وحواشي، ليطبع وينشر من قبل المجلس الأعلى للثقافة والفن بطهران عام 1353هـ. ش تحت عنوان الترابط بين أفكار الفيلسوفين أفلاطون وأرسطو.
«ديتريشي» ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الألمانية، وطبع في ليدن عام 1892م.
جمعية النهضة الإسلامية
حسب الإنكليز عند احتلالهم للعراق في الحرب العالمية الأولى أنهم يستطيعون استمالة الشيعة بسبب ما عانوه من الحكم التركي، ولكن الشيعة خيبوا ظنهم فبادروهم بالعداء ثم بالثورات المسلحة. وأول صدام بين الفريقين كان في النجف الأشرف.
وذلك أنه كانت قد تألفت على أثر الاحتلال الإنكليزي جمعية سرية في النجف لمقاومة الإنكليز والعمل للوصول إلى الاستقلال باسم (جمعية النهضة الإسلامية) كان من أبرز أعضائها من الأسر العلمية كل من السيد محمد علي بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري ومن غير الأسر العلمية كل من كاظم الصبي وعباس الرماحي، وكان يمثل الشباب فيها عبدالرزاق عدوة وعباس الخليلي وغيرهما، وقد قر قرارها على أن تظل سرية وأن تعمل بحذر إلى أن يتم تسليح جميع أعضائها تسليحاً كاملاً إلى أن تنظم ماليتها، ثم تدعو القبائل المجاورة للنجف إلى الثورة على الإنكليز.
ولكن حدث أن بعض المتسرعين المتهورين أطلقوا النار على فرقة خيالة من الهنود دخلت الكوفة في الثاني عشر من شهر كانون الثاني سنة 1918 وكانت تقوم بتمرينات عسكرية خارج النجف فقتل جندي وجرح آخر. فقدم النجف ضابط الارتباط السياسي الإنكليزي المقيم في الشامية الكولونيل بلفور وفرض غرامة على النجف قدرها 50 ألف ليرة ذهبية وتسلم خمسمائة بندقية.
وكانت وجهة نظر (جمعية النهضة الإسلامية) تتلخص في أن الإنكليز أناطوا بأنفسهم حفظ النظام والقانون عاجزون عن قمع الفوضى التي أشاعها المتسرعون، وليس لهم أي حق في حكم النجف، أو في فرض غرامة فادحة على سكانها في مقابل موت جندي هندي هم المسؤولون عن موته.
وفي التاسع عشر من شهر آذار عقدت الجمعية اجتماعاً في أحد بيوت حي الحويش في النجف، أجمعت فيه غالبية الحضور على أن الظرف موات لقيام الثورة العامة، واتفقوا على أن اغتيال الضابط (مارشال) سيكون بمثابة إشارة تعطى للقبائل حول النجف ليبدأوا مناوشة المكاتب البريطانية التي استحدثت في تلك المنطقة، وعهد بتنفيذ ذلك إلى جماعة قوامها حوالي عشرين رجلاً منهم: كاظم الصبي والحاج نجم البقال ومحسن أبو غانم ومجيد دعيبل وحميد حبيبان وعابد صحيحة وعلوان البوضيغم وعبيد هماشة وسعد الأميري وأحمد ياسين والسيد جعفر الصائغ وحسن جوري وحبيب خضير وجاسم طيار الهوا وراجح الحسني.
وكان على هؤلاء أن يغتالوا مارشال ويخلقوا حالة من الاضطراب والفوضى في النجف اعتقاداً من الجمعية أن هذا سيعقبه قيام ثورة عامة في الفرات الأوسط. فخرجت الجماعة المنوط بها عملية الاغتيال من حي الحويش واتجهت نحو خان عطية مقر الإدارة المركزية البريطانية في النجف. وكان أفراد الجماعة قد تنكروا في ما اصطلح على تسميته باسم (الشبانا) وهو نوع من الشرطة المحلية وادعوا أن في يدهم رسالة مستعجلة مهمة يجب أن يسلموها إلى مارشال. فدخلوا مقر الإدارة وقتلوا مارشال وضابط العمل الذي معه، ثم انسحبوا بعد أن قتل واحد منهم وهو حسن جوري وذلك عندما أطلق الحراس الهنود النار بغزارة فجرحوا عدداً من الأبرياء نساء ورجالاً ممن كانوا يزورون النجف حينذاك.
صعق الكابت بلفور لمصرع زميله مارشال فأتى إلى النجف ليطلع على الحالة بنفسه ولكن أطلق عليه الرصاص فلجأ إلى بيت السيد مهدي سلمان، ولكن الجنرال مارشال (وهو غير الكابتن مارشال طبعاً) أمر بضرب الحصار على النجف وأعلن أن شروط فك الحصار هي:
1 ـ تسليم بعض الأشخاص الذين عرف عنهم أنهم يتزعمون الثورة دون قيد أو شرط.
2 ـ تسليم ألف بندقية حربية.
3 ـ دفع غرامة مالية قدرها خمسون ألف ليرة إنكليزية ذهباً.
4 ـ نفي ألف رجل إلى الهند كأسرى حرب.
5 ـ تبقى النجف محاصرة ويمنع عنها الماء والطعام إلى أن تنفذ الشروط المتقدمة وكانت محاولة النجفيين الأولى لفك طوق الحصار يوم الحادي والعشرين من شهر آذار عندما حاول عدد منهم أن يخرجوا من المدينة حاملين قرباً مليئة بالنفط قصد إحراق السرايا ولكنهم لم يفلحوا في محاولتهم.
وكان معظم جنود الحصار قد تمركزوا حول مقام كميل بن زياد بينما شدد الإنكليز الحصار، وفي 7 نيسان استطاعت فرقة الجنرال (سوندرز) أن تحتل مجموعة من التلال (ركامات من التراب حول سور المدينة) المحيطة بالمدينة بحيث أصبحت المواقع الستراتيجية الضرورية لأحكام طوق الحصار في قبضة الجيش الإنكليزي، الأمر الذي يمكنه من القضاء على كل مقاومة نجفية قد تقوم في وجه الجنود البريطانيين.
أما لماذا بقيت القبائل المجاورة محافظة على هدوئها وعلى عدم قيامها ضد ذلك بالثورة، فلأنها لم تكن قد أعدت لذلك، فالذين تسرعوا بإطلاق النار على الخيالة الهنود وقتلوا الجندي الهندي فعلوا ذلك قبل أن تكون الجمعية قد أكملت استعداداتها للقيام بالثورة، وقبل أن تكون قد قامت باتصالاتها بالعشائر لأعدادهم الإعداد الواجب.
ولكن بعد أن جرى كان لا بد لها من تبني المقاومة في النجف والبدء بالحركات الثورية مهما كانت النتائج. وهكذا كانت هذه الثورة ثورة النجف وحدها، وكانت كذلك تمهيداً للثورة الكبرى التي قامت بعد ذلك.
بعد احتلال التلال في 7 نيسان راح الجنرال سوندرز يشد الحصار بإحكام طوق ضيق حول النجف لكي يمنع النجفيين من القيام بأية مناورة، ثم احتل الجنود سور المدينة وجميع البيوت الملاصقة له وعددها خمسمائة بيت، كما احتلوا محلة عطية خارج السور، وهي محلة عدد بيوتها قرابة خمسمائة بيت أيضاً، وهكذا خلال يومين في الثامن والتاسع من شهر نيسان أخلت السلطات العسكرية البريطانية قرابة ألف بيت من سكانها وطردتهم منها فلجؤوا مشردين إلى داخل النجف لعدة أيام.
وبعد حصار استمر أربعين يوماً استطاعت القوات البريطانية أن تدخل النجف وتقبض على الثائرين وشكلت محكمة عسكرية قضت بإعدام اثني عشر رجلاً كان بينهم الشيخ محمد جواد الجزائري والسيد محمد علي بحر العلوم ولكن الحكم لم ينفذ بهما بل استبدل به السجن. واستطاع عباس الخليلي أحد المحكومين بالإعدام الفرار والوصول إلى إيران.
وقد نفذ حكم الإعدام بالآخرين صباح 30 أيار سنة 1918. كما حكم على آخرين بالنفي بعضهم مدى الحياة وبعضهم مدداً مختلفة وفي ذلك يقول الشيخ محمد جواد الجزائري وهو في السجن:
مددنا بصائرنا لا العيونا
وفزنا غداة عشقنا المنونا
عشقنا المنون وهمنا بها
وعفنا أباطحنا والحجونا
وقمنا بها عزمات مضاة
ابت أن نسيس الردى اونلينا
معي الهمم الغر لم ترهن بالسماكين
مهما استفزت قرينا
رعينا بها سنة الهاشمي
نبي الهدى والكتاب المبينا
وصنا كرامة شعب العراق
وكنا لعلياه حصنا مصونا
وخضنا المعامع وهي الحمام
ندافع عن حوزة المسلمينا
وجحفل أعدائنا الإنكليز
يملأ سهل الفلا والحزونا
يهاجم شعب بني يعرب
ليشفى أحقاده والضغونا
وسرب المناطيد ملء الفضاء
يصب القنابل غيثا هتونا
وقذف المدافع بين الجموع
يهد معالمها والحصونا
ورعد قذائف (مكسيمها(
يشيب بهول صداه الجنينا
ورمي البنادق رشاشة
يحطم مجتمع الدارعينا
ولما ادلهمت علينا الخطوب
وحققت الحادثات الظنونا
لقينا زعازع ريبب المنون
وهان على النفس ما قد لقينا
نعم خاننا الدهر في جريه
وهل يترك الدهر حراً ركينا
غداة أسرنا بأيدي العدو
ورحنا نكابد داء دفيا
وضيم (الغريان) غاب العراق
وفارق ليث العرين العرينا
وجزنا كما شاء تلك الحزون
ننتظر الفتك حينا فحينا
وأرجلنا طوع قيد الحديد
تسيل دماً يستفز الرصينا
ولم نلو للدهر جيد الذليل
وإن يكون الدهر حرباً زبونا
وما ضامنا الأسر في موقف
أطعنا عليه الرسول الأمينا
وما ضامنا ثقل ذاك الحديد
ونحن بحسن الثنا ظافرونا
ولم يزر بالحر غل اليدين
إذا ما قضى للعلاء الديونا
ولا غرو أن خان صرف الزمان
مثلي فمن طبعه أن يخونا
وقال عباس الخليلي وهو لاجىء إلى إيران من قصيدة:
رويداً رجال الإنكليز ورأفة
إن اليوم أسفرتم فإن لنا غدا
وإن قصرت أقدامنا عن خطاكم
مددنا إلى ما فوق هامكم يدا
ومنها يخاطب أهل العراق:
يحييكم أهل العراق على النوى
فتى في سبيل المجد أمسى مشردا
تحية عان كلما هبت الصبا
ينوح كما ناح الحمام مغردا
إن اليوم أطلقت اللسان بحبكم
فبالأمس عنكم قد سللت المهندا
عواطف لا تنفك تغلي بمهجتي
إلى أن أرى فوق الصعيد موسدا
جمعية العربية الفتاة
كان العرب في الدولة العثمانية يعيشون في ظل الرابطة الإسلامية، شركاء متساوين في دولة واحدة، يجمعهم الولاء للخلافة. فلما تولى حزب «الاتحاد والترقي» مقاليد الحكم، أخذ الاتحاديون يتحولون تدريجياً من تلك الرابطة التي انتظمت القوميات العديدة التي تتألف منها الدولة العثمانية، وخاصة القوميتين الرئيسيتين التركية والعربية، إلى فكرة التمييز بين العنصر التركي وغيره، وبذلك تغيرت الدولة من كيان إسلامي ذي قوميات متعددة، متساوية في الحقوق والواجبات، إلى دولة تركية تضم رعايا من قوميات أخرى:
وعندئذٍ تساءل العربي عن مكانه في هذه الدولة أين يكون، وعن حالته ما هي؟ أهو أشبه بالألماني أو الفرنسي أو الإيطالي في الدولة السويسرية، أم هي أقرب إلى حالة الهندي في الإمبراطورية البريطانية؟
ولم يقتصر هذا الشعور والتساؤل على العرب بين رعايا الدولة العثمانية وحدهم، بل ساد أبناء القوميات الأخرى التي كانت تضمها تلك الدولة، كالأكراد مثلاً. ويقول الوزير والمؤرخ الكردي محمد أمين زكي الذي كان ضابطاً لامعاً في الجيش العثماني:
«لما زالت كلمة (العثماني) من الوجود في تركية، وحلت محلها كلمتا التركي والطوراني، شعرت أنا أيضاً بطبيعة الحال ـ كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية ـ شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة عن الترك»([461]).
وكان في الدولة العثمانية، وبين رجال عبدالحميد المقربين شخصيات عربية ارتقت مراتب الدولة وتدرجت في مناصبها. بينها ـ مثلاً ـ عزت باشا العابد، وأبو الهدى الصيادي، وغيرهما. فلما خلع الاتحاديون عبدالحميد وأخذوا يهاجمون حكمه ويشهرون بمظالمه، كان من الطبيعي أن يتناول الهجوم رجال «عهده البائد» المقربين إليه، والذين كان يستعين بهم في تدوير أموره ويستخدمهم في توطيد حكمه، أو قمع معارضيه. ولما كان بعض رجال عبدالحميد المهمين من العرب، فقد أخذ غلاة الاتحاديين من قومية أولئك الرجال سبة، ومن عروبتهم مطعناً. ويروي الدكتور أحمد قدري مثلاً أنه سمع في اسطنبول، مع زميله عوني عبدالهادي، عقيب إعلان الدستور، ضابطاً تركياً يلقي في جمهور غفير من الناس خطاباً يتغنى فيه بالدستور وحسناته، ثم لا يلبث أن يتحامل على رجال عبدالحميد السابقين من العرب بقوله: «الخائن عرب عزت»، والخائن «عرب أبو الهدى»، بينما لم يندد بالأتراك الذين كانوا يخدمون عبدالحميد وهم، بطبيعة الحال، أكثر عدداً، وإذا فعل فلا يذكر قوميتهم أو يطعن فيها. وتساءل الشاب العثماني العربي السوري أحمد قدري: إذا كان الخطيب يندد بالرجلين لشخصهما فلماذا يذكر اسميهما مقروناً بقوميتهما([462]).
ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة من نوعها طبعاً، بل أنها كانت أنموذجاً لتفكير الاتحاديين في ذلك الوقت، وكان هذا الطراز من التفكير يظهر بوضوح في خطب رجال ذلك العهد، وأقوال صحافته، ولا شك أن تمسك الأتراك بقوميتهم وتعصبهم لها، وحصرهم سياستهم في إعلاء شأنها، وتفضيلها على غيرها، والاعتماد على أبنائهم وحدهم، كان سبباً طبيعياً لاستفزاز أبناء القوميات الأخرى التي كانت حتى ذلك الوقت تعيش متآخية مع الأتراك في ظل الخلافة العثمانية، تجمعهم الرابطة الإسلامية. وقد أدى ذلك إلى إذكاء الشعور القومي بين رعايا الدولة من غير الأتراك. ولما كان العرب يؤلفون أكبر نسبة بين رعايا الدولة العثمانية، كان من الطبيعي أن تكون ردود الفعل للنعرة التي أثارها الاتحاديون أقوى بينهم منها بين غيرهم من القوميات. وقد روى الشابان العربيان أحمد قدري وعوني عبدالهادي ما شاهداه لزميلهما الثالث رستم حيدر، وزادهم الحادث شعوراً بالمرارة نحو الاتحاديين وسياستهم العنصرية، وغيرة على أمتهم العربية وحالتها، وتحدثوا بما يمكنهم القيام به لإعطاء عنصرهم العربي شخصيته في هذا المعترك، فعقدوا العزم على العمل من أجل بعث روح النهوض القومي في أمتهم، وفكروا في تأليف جمعية عربية سياسية سرية يكون اسمها «جمعية العربية الفتاة» ـ مقابل جمعية «تركية الفتاة» ـ وكان ذلك بعد إعلان الدستور العثماني بأربعة أيام فقط، كما يروي أحدهم ـ أحمد قدري ـ في مذكراته([463]).
ولما عاد أحمد قدري إلى دمشق فاتح «عارف الشهابي» الذي كان معاوناً لوالي سورية، بفكرة الجمعية، فوافق عليها واستحسنها، وشجع على المضي في تحقيقها.
كانت «العربية الفتاة» من أوائل الجمعيات العربية السرية التي تألفت بعد إعلان الدستور العثماني، وكان رستم حيدر (الشيعي) أحد مؤسسيها الثلاثة الأوائل، وبذلك كان من رواد الحركة العربية في العصر الحديث.
وكان شعار الجمعية في بداية تأليفها «العمل للنهوض بالأمة العربية إلى مصاف الأمم الحية، واغتنام الفرص لتحقيق هذه الأمنية، وعدم الانفصال عن الترك». على أن هذا الشعار أو البرنامج تعدل بعد إعلان الحرب فاتجهت النية إلى العمل من أجل استقلال بلاد العرب وتحريرها من الحكم العثماني([464]).
وهنالك شيء من الاختلاف في تاريخ تأسيس «العربية الفتاة». فبينما يذكر أحمد قدري أنها تأسست في اسطنبول بعد إعلان الدستور العثماني بأربعة أيام فقط([465])، تروي الدكتورة خيرية قاسمية أن عوني عبدالهادي أكد لها في مقابلة خاصة أن فكرة الجمعية لم تتحقق إلا في باريس عام 1911،
ومن المحتمل أن تكون فكرة الجمعية ولدت في أسطنبول. ونواتها تكونت فيها، ولكنها «تحققت» بصورة رسمية في باريس. وقد ضمت الجمعية في البداية، إلى جانب مؤسسيها الثلاثة، كلا من رفيق التميمي، ومحمد المحمصاني، ومن بين هؤلاء تألفت أول هيئة إدارية للجمعية في باريس سنة1911م، انضم إليهم فيما بعد صبحي الحسيبي، ومصطفى الشهابي، وتوفيق فايد. ولم يزد عدد الأعضاء حتى نهاية الحرب عن 60 عضواً كان أكثرهم من أبناء سورية الطبيعية.
وفي رسالة بعث بها عبدالغني العريسي في باريس إلى محب الدين الخطيب مؤرخة في 2 كانون الثاني (يناير) 1913 وصف لمبادىء الجمعية بأنها «تحرير الأمة العربية حسب الأحوال والظروف خطوة فخطوة بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية»([466]).
وكان من الخطط الداخلية للجمعية أن لا يعرف الداخل فيها سوى الذي أدخله، كما كانت لها كلمات رمزية أصطلحت عليها للمكاتبات والاتصالات، وسجلات منظمة بإدارة سكرتيرها العام محمد محمصاني. وكانت تجتمع أسبوعياً بانتظام، وتدوّن قرارتها في سجل خاص.
وقد انتقل مركز الجمعية إلى سوريا بعد عودة مؤسسيها إلى بلادهم في سنة 1913 واتخذت بيروت مقراً رئيسياً لها. وتولى الدكتور أحمد قدري إدارة فرعها في دمشق، فاتسع نطاقها وكثر عدد أعضائها، وتضاعف نشاطها بعد إعلان الحرب العالية الأولى، وخصوصاً مع انتقال مقرها العام من بيروت إلى دمشق بسبب الهجرة، إذ انتقل معظم رجالها إلى دمشق.
ومن الذين دخلوا فيها بعد انتقالها إلى سورية قبل إعلان الحرب: نسيب البكري، عارف الشهابي، توفيق الناطور، محمد الشريقي، عمر حمد، توفيق البساط، رفيق رزق سلوم، سيف الدين الخطيب، صالح حيدر، الشيخ كامل القصاب. وانتمى إليها بعد إعلان الحرب الأمير فيصل بن الحسين، وعلي رضا الركابي، وياسين الهاشمي، كما انتمى إليها بعد انتهاء الحرب كثيرون غيرهم. وكان من جملة قواعدها أن توعز إلى أعضائها بالاتصال بالجمعيات العربية الأخرى والدخول فيها لتكون على معرفة بكل حركة تحدث.
وكانت الجمعية تدقق أشد التدقيق في اختيار أعضائها لكي يظل سرها مصوناً فلا يبلغ مسامع الحكومة. ومما يدل على حسن تنظيمها لأن الأتراك لم يعلموا بأمرها حتى نهاية الحرب، وقد حافظ أعضاؤها على السر فلم يبوحوا به، ولم يش أحد منهم برفيق له على الرغم من المحاكمات العسكرية، والإرهاب، والتعذيب، وأحكام الإعدام. وقد شنق جمال باشا من أعضائها: عبدالغني العريسي، ومحمد المحمصاني، وسيف الدين الخطيب، ورفيق رزق سلوم، وتوفيق البساط، وعارف الشهابي، وعمر حمد، وصالح حيدر.
وقد ساهمت «العربية الفتاة» في كثير من الحركات القومية والأعمال التي استهدفت نهضة الأمة العربية، وقام رستم حيدر وزملاؤه بأكبر نصيب في تحقيق هذه الغايات متصلين بالوطنيين في البلاد العربية والعواصم الأوروبية، والمهاجر الأمريكية، وكانوا بحق من رواد الفكرة العربية الأوائل.
ورستم حيدر ولد في بعلبك سنة 1889 وبدأ دراسته الأولى في بعلبك وأكمل الدراسة الثانوية في دمشق والدراسة العليا في اسطنبول بالمدرسة الملكية التي كانت تعد خريجيها للوظائف الإدارية وتخرج منها سنة 1910 فذهب في بعثة إلى باريس لمتابعة الدراسة فيها، فكان يتابع دراسة التاريخ في (السوربون)، ودراسة المالية والسياسة في معهد العلوم السياسية.
وهو شخصية فذة في تاريخ النهضة العربية وتاريخ العراق الحديث، اجتمعت فيه صفات جعلته نسيج وحده بين رجالات العرب وساسة العراق. فقد كان دوره المبكر في الحركة العربية بتأسيس جمعية (العربية الفتاة)، ثم التحاقه بفيصل الأول في حملته العسكرية على سورية، ودوره في مؤتمر الصلح في باريس، وخلال قيام الحكومة العربية السورية في عهد فيصل، ثم في دولة العراق الحديثة، دوراً أساسياً وإيجابياً في كل فترة من هذه الفترات الثلاث من تاريخ البلاد العربية القريب.
وعلى الرغم من أن حياة رستم حيدر انتهت بصورة مفاجئة ومؤلمة برصاصة مغتال أثيم وهو في منصب من أرفع مناصبه، فإنه لم يكن رجل الدولة الوحيد الذي لقي مثل هذه النهاية المحزنة وهو في أوج نشاطه وقمة نضجه.
كان رستم حيدر يوم مقتله في الحادية والخمسين من عمره، أعزب لا زوج له ولا ولد، يعيش بمفرده. وشيع جثمانه باحتفال مهيب ودفن في المقبرة الملكية إلى جانب فيصل الأول وغازي. وكان كل من تركه من مال داراً صغيرة مرهونة ومبلغ 320 ديناراً كانت كل ما يملك هذا الرجل الذي قضى ما يقرب من ربع قرن من الزمان في معية فيصل الأول، ثم ابنه غازي، وشغل طيلة تلك الفترة أعلى المناصب: رئيساً للديوان الملكي ووزيراً خطيراً في عدة وزارات، وعضواً في مجلس النواب، ثم في مجلس الأعيان. وكان من أهم موجهي سياسة الدولة العراقية منذ بداية نشوئها، والمستشار الرئيسي للملك فيصل الأول، وكاتب خطبه، وكاتم أسراره.
الجمل في النحو
كتاب للخليل بن أحمد الفراهيدي
يعود الدكتور فخر الدين قباوة في الطبعة الثانية من كتاب «الجمل في النحو» إلى تحقيق نسبة الكتاب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، بعدما كان في الطبعة الأولى، قبل عشر سنوات، تجنب الجزم في نسبته إلى أحد سواء الخليل بن أحمد أم أبو بكر بن شقير. وختم مقدمة تلك الطبعة الأولى، بالقول: «ما زال توثيق النص، أي تصحيح نسبه، في حاجة إلى نظر وتحرير، وما فتئت عدة ثغرات وعبارات تحمل طابع الأشكال، وينقصه التصويب والتحقيق. وها أنذا أضع ذلك بين أيدي المحققين وعلماء العربية، آملاً أن يشاركوا في تذليل العقبات، وإقالة العثرات، وتقويم ما ظهر من الخطل في الاختبار والاجتهاد. فلعل ما لديهم من المصادر المخطوطة والمطبوعة، وما يحيطون به من خبرة وعلم وإطلاع، يقدمان لي عوناً على ما أخفقت فيه، أو أعرضت عنه، أو نؤت به، أو تهيبته فتجاوزته، أو تحرجت منه وأشفقت أن أحمل تبعته».
غير أن من تناولوا مسألة توثيق كتاب «الجمل في النحو» بعد صدور طبعته الأولى، أغفلوا التحفظ الذي أورده الدكتور قباوة حول نسبة الكتاب، وانصب همهم على نقض نسبة الكتاب إلى الفراهيدي، وإثبات نسبته إلى ابن شقير. وساقوا لذلك أدلة تتلخص بالآتي:
ـ نص ابن مسعر المعري في كتابه «تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين» على نسبة الكتاب إلى ابن شقير، بقوله: «له كتاب لقبه «الجمل». وربما نسب هذا الكتاب إلى الخليل. وهو من عمله، يقول فيه: النصب على أربعين وجهاً، والرفع على كذا.
ـ إشارة المؤلف في خطبة الكتاب الموجود بين أيدينا على أن لهما كتاباً مختصراً في النحو، في قوله: «… فمن عرف هذه الوجوه، بعد نظره فيما صنفناه من مختصر النحو قبل هذا، استغنى عن كثير من كتب النحو». ومن الثابت أن لابن شقير كتاباً اسمه «المختصر في النحو».
ـ اشتمال «الجمل» على مصطلحات وأقوال وأسماء وأحكام لا يصح إسنادها إلى الخليل، لتأخرها عن وفاته، أو شهرتها الكوفية أو خلافها ما عرف عنه في المصادر المتداولة. أما ابن شقير فقد عرف بتلفيقه بين المذهبين البصري والكوفي.
ويعتبر الدكتور قباوة في مقدمته للطبعة الثانية هذه من الكتاب أو «هذه الأدلة وإن كان ظاهرها الصحة والسلامة، لا تخلو من الحاجة إلى النظر والاختبار». وتفحص هذه الأدلة والرد عليها هو ما يكرس المحقق مقدمته له، فيرى أن ابن مسعر هو الوحيد الذي انفرد بنسبة الكتاب إلى ابن شقير، وقد نقل عنه بعض من جاؤوا بعده إشارته هذه دون أن يثبتوا نسبة الكتاب إلى ابن شقير. بل إن ياقوت الحموي في (معجم الأدباء)، وجلال الدين السيوطي في (بغية الوعاة) يجعلان كتاب الجمل من ضمن مصنفات الخليل. بل إن الصفوي يتطرق في (الوافي) إلى إشارة ابن مسعر فيشكك فيها ويثبت نسبة الكتاب إلى الفراهيدي بقوله: «ويقال: إن الجمل الذي للخليل هو لابن شقير».
ويذهب الدكتور قباوة إلى أن ابن مسعر «لم يكن محققاً، عندما نسب كتاب «الجمل» إلى ابن شقير، بل أزعم أبعد من هذا، فأقول: إنه نقل هذه النسبة عن غيره، ولم يطلع هو على الكتاب بنفسه. والدليل أنه حين ادعى تلك النسبة ذكر أن مؤلفه «يقول: النصب على أربعين وجهاً، والرفع على كذا». والنصب فيما بين أيدينا واحد وخمسون وجهاً أو ثمانية وأربعون، والرفع واحد وعشرون وجهاً، فوهمه في عدد وجوه النصب، وكنايته لعدد وجوه الرفع، يثبتان أنه لم يكن بين يديه نسخة من «الجمل» حين تحدث عنه، وإنما سجل ما كان قد سمع أو قرأ من قبل. على غير تثبت أو تحقيق».
ويرى المحقق أن ليس ثمة ما ينفي أن للخليل بن أحمد مختصراً نحوياً، رافضاً في هذا السياق القول بأن الفراهيدي لم يضع مؤلفات في النحو. وهو القول الذي أورده السيوطي في «المزهر» نقلاً عن أبي بكر الزبيدي الذي قال عن الخليل «أنه لم يؤلف في النحو صرفاً، ولم يرسم فيه رسماً، نزاهة بنفسه وترفعاً بقدره، إذ كان قد تقدم إلى القول عليه والتأليف فيه…»، فالسيوطي نفسه ينص في كتابه «بغية الوعاة» على أن للخليل كتباً في النحو، وذلك في معرض إنكاره علي الرماني محاولته المزج بين النحو والمنطق، بقوله: «ومتى عهد الناس أن النحو يمزج بالمنطق؟ وهذه مؤلفات الخليل وسيبويه ومعاصريهما، ومن بعدهما بدهر، لم يعهد فيها شيء من ذلك».
أما اشتمال «الجمل» على مصطلحات وأحكام لا يصح إسنادها إلى الخليل، فيرى الدكتور قباوة أن أصحابه اعتمدوا «شأن جمهور معاصرينا من الدارسين، على المقولات الشائعة في تقسيم المصطلحات تقسيماً حاداً بين البصريين والكوفيين، وتوزيع الأحكام النحوية على العلماء توزيعاً جازماً، حتى كأن ما نسب إلى أحدهم قد انفرد به واختص، فلا ينازعه فيه أحد ولا يشارك». ويناقش هذا الأمر، فيقول: «فالواقع في تاريخ العلوم أن الاصطلاح، في مرحلتي النشوء والتأسيس، يكون رجراجاً متقلباً تتداوله الأل سن، دون نضج واستقرار واختصاص بمكان أو إنسان. وبعد مرور تينك المرحلتين تتوزع المصطلحات المختلفة، بشكل ما يناسب التوليد والاتجاه، ويختص كل منهما بمذهب أو منحى أو علم، مع احتمال التداخل والتبادل أيضاً. ولا يكون التوضع الحاد الجازم إلا في مراحل متأخرة من تاريخ العلم نفسه».
إلى ذلك كان المحقق اعتمد في طبعته الأولى على ثلاث نسخ خطية تثبت كلها نسبة الكتاب إلى الفراهيدي، غير أن في الورقة الأولى من إحداها ما يلي: «كتاب وجوه النصب. ألفه خليل بن أحمد البصري. وقيل: هو تصنيف أبي بكر عبداللَّه بن شقير، صاحب أبي العباس المبرد». وحصل المحقق، بعد صدور الطبعة الأولى من الكتاب الذي عرف بأسماء كثيرة، على نسختين خربين تؤكدان نسبة الكتاب إلى الفراهيدي. وهذا ما يعتبره الدكتور قباوة دليلاً قاطعاً على هوية صاحب الكتاب.
ويخلص المحقق بعد تدقيق الكتاب إلى القول: «والذي تبين لي، من خلال مصاحبتي لهذا الكتاب ومدارسته، ومتابعة الخلاف الحاد بين نسخه المخطوطة، واختلاف مستوياته المنهجية والمذهبية والتعبيرية والاصطلاحية والاستدلالية. أن ما يتضمنه الآن هو مجموعة جهود من النحاة، لها أصل قديم محكم مختصر، تداولته أقلام المطلعين من النحويين في القرنين الثالث والرابع، بإلحاق بعض الموضوعات الرئيسية والمسائل والأحكام والأدلة والشواهد والتعليقات، فأصبح على هذه الصورة من التداخل والاختلاف… ولذا فإن ما اتفقت فيه جميع النسخ من النص… يمثل أقرب مضمون للأصل الذي وضعه مؤلفه الأول. وهو الخليل بن أحمد الفراهيدي، بلا شك أو تردد».
ويرى الدكتور قباوة أن مصيراً مشتركاً جمع بين كتابي «الجمل» و«العين» للفراهيدي «فقد عاش كتاب «الجمل» كما عاش كتاب «العين»، يقحم فيه تلاميذ الخليل ومن خلف من النحاة ما عنّ لهم، ويزودونه بالمعلومات المتلاحقة في نسخه المختلفة المتكاثرة، حتى وصلت إلينا هذه النماذج المضطربة المتشابكة، لا يجمع بينها إلا اسم الخليل ونصوص متفرقة في طيات الزيادات المتواليات مع الأيام. وكذلك لبثا حقبة من الزمن مجهولين أو كالمجهولين، ثم تناولتهما الألسن والأقلام بالطعن في النسب، والانتحال والادعاء لمن قارب أو شابه أو أراد».
والواقع أن ما كتبه الدكتور قباوة في مقدمته للطبعتين الأولى والثانية من هذا الكتاب يعد نموذجاً يحتذى في أصول التحقيق العلمي لكتب التراث، ولا سيما الجهد الذي بذله في توثيق نسبة الكتاب، وفرز ما للخليل عما لغيره ممن زادوا في كتابه الأصلي. ولم تمكنا هذه المراجعة السريعة إلا من استعراض جوانب قليلة مختصرة من جهده، فلا بد لمن أراد التوسع والتعلم من العودة إلى المقدمتين في الكتاب.
سعادة سوداح
جنديشاپور (جامعة)
إن آثار الثقافة الإيرانية لم تندثر نهائياً بعد الفتح الإسلامي وإنما حدث هناك تحول في الموضوع فتغير طابع كثير من هذه الآثار الفارسية الإيرانية متمثلاً في الطابع العربي. وظهرت هذه الآثار بهذا المظهر الحديث. وبمرور الزمن انصهرت في هذه البوتقة الجديدة وهي الثقافة العربية والإسلامية وحضارتها وغدت عاملاً رئيسياً هاماً من عوامل تطور تلك الحضارة الرفيعة الشاملة. وهذه الظاهرة هي العامل الأساس في ضآلة معلوماتنا عن الآثار العلمية والأدبية لتلك الفترة الزمنية المعينة.
إن الثقافة العربية وآدابها في القرون الإسلامية الأولى ولا سيما العصر العباسي هي من المناهل الرئيسية في البحث عن الأدب الفارسي الساساني والثقافة الإيرانية في العصر الساساني. يستطيع الباحث في ظل دراساته التوصل إلى نتائج قيمة لبيان الحقائق العلمية والأدبية التي كانت شائعة رائجة في ذلك العصر، إن البحث في عدد من المنشآت التي استحدثت في العصر العباسي، دون أن يسبقها سابق في العالم العربي، قد يؤدي بنا إلى نتائج باهرة إذا ما تتبعنا دراسة أثر الثقافة الإيرانية الساسانية، ومن ذلك البحث في المارستانات التي استحدثت في عهد الرشيد وأخلافه ببغداد والذي لا ريب أنه يدلنا على أدق المعلومات وأوسعها مجالاً لدراسة مستشفى جنديشاپور ومدرستها أو قل جامعتها على نطاق واسع في العصر الساساني والقرون الإسلامية الأولى.
كانت مدينة جنديشاپور تقع في القسم الشمالي الغربي من خوزستان ما بين شوشتر الحالية وخرائب شوش وأنقاضها، زعموا أنها كانت في الموضع الذي تقوم عليه الآن مدينة شاه آباد.
ولم يكن ذيوع صيت هذه المدينة التاريخية، لأنها كانت عاصمة لبعض الملوك الساسانيين أو بسبب ما جاء لها ذكر في بعض أحداث التاريخ، بل جاءت شهرتها من ناحية لا تمت بالمحسوسات والعينيات، أو قل الماديات، بصلة بل هي ناحية معنوية ثقافية ولأنها ضمت بين ظهرانيها مستشفى كبيراً إلى جانب مدرسة عظيمة بلغت مكانة الجامعة في تعبيرنا الحديث فكانت تضم في مناهجها العلوم النظرية والعملية وذلك بتعليمها في المدرسة والجامعة وتطبيقها في المستشفى بمعالجة المرضى والمصابين من الناس وأهل البلد وحتى الوافدين إليها من قرب أو بعد. ومرت عليها قرون فصارت أكبر مركز ثقافي للعلم والفكر في ذلك العصر فقد وجدنا سارتن في أثره المدخل في تاريخ العلوم وغيره من الباحثين يطلقون اسم الجامعة على هذا المركز العلمي والصحي أو العلاجي. فلو تقرر تسمية المراكز العلمية القديمة بمثل هذه المصطلحات التي تبدو مستحدثة في وضعها، فإن مستشفى جنديشاپور ومدرستها أحق المراكز وأولاها بأن يطلق عليها هذا الاسم الحديث.
وأول ما نلتقي باسم هذه المدينة، على مسرح التاريخ، هو عصر الملك الساساني شاپور الأول وقد أسكنها أسرى الروم مما أدى إلى عمرانها وأسرع في توسعها وتنشيطها وتنميتها وازدهارها.
كانت أنطاكية أشهر مدن الروم وأكثرها نمواً وازدهاراً فلما انتصر شاپور على الروم وحمل أسراهم إلى إيران، أسكنهم في موضع عرف بـ(ونديو شاپور) (وه ـ أنديو ـ شاپور) وتعني: (مدينة شاپور) المتفوقة على أنطاكية؛ على حد قول حمزة الأصبهاني. وكانت أنطاكية تدعى (أنديو) أو (أنتيوس) قديماً فعربت إلى أنطاكية ويسميها الفرنسيون اليوم أنتيوش.
كما عربت گنديشاپور المتحولة من ونديشاپور إلى جنديشاپور على ما نقله حمزة الأصبهاني. ولما جاء كسرى أنوشروان، أمر ببناء مدينة عظيمة تفوق أنطاكية في الكبر والمساحة وسماها (ونديو خسرو) فارسيتها (شهر رومي مداين) أي (رومية المدائن) وهي واحدة من مدن طيسفون السبعة التي كانت تؤلف عاصمة الساسانيين بالمدائن.
وغدت جنديشاپور في الفترة الأولى من العصر الساساني عاصمة الدولة وزاد شأوها رقياً واتساعاً وفي الفترة ذاتها قتل ماني لادعائه بإتيان دين جديد فملىء جلده ـ على ما دون ـ بالتبن وعلق على باب من أبواب المدينة عرف فيما بعد بباب ماني وظل الباب معروفاً بهذا الاسم الجديد حتى مجيء الإسلام.
ويستفاد مما نقله القفطي أنه أصبحت هذه المدينة مركزاً للطب يدرس فيه منذ عهد شاپور الأول أما سارتن فإنه يذهب إلى أبعد من ذلك ويحتمل بأنها كانت تقوم بهذه المهمة قبل القرن الخامس أو قبل القرن الرابع الميلادي. ومنها قيل فلا ريب من وجود المدرسة الطبية بجنديشاپور أيام شاپور الثاني. وكانت مقراً للأطباء. وأسند شاپور الثاني رئاسة المدرسة إلى طبيبه الخاص (تيودوسيوس) وأسكنه بها على ما نقلته الأخبار.
ولا شك في تفوق عصر أنو شروان على العصور الأخرى ولا سيما بالنسبة لجنديشاپور لما عرف عنه حبه للعلم وتشجيعه له ونشره للثقافة، لذلك وجدنا عهده من أكثر العهود ازدهاراً وحيوية علمية ونشاطاً، ولذلك أيضاً عرف بعصر النهضة الثقافية في إيران (531م ـ 579م) فقد كانت هناك كتب إيرانية الأصل فهلوية اللغة في أيدي الشعب الإيراني، أضف إليها ما ترجم إلى الفهلوية عن اللغات الأجنبية ذلك العهد هندية ويونانية، فقد اهتم كسرى بهذه الناحية اهتماماً بليغاً، إذ أنه بعث الطبيب برزويه على رأس وفد علمي مؤلف من نخبة الخبراء ليحملوا إليه زبدة ما في الهند من كتب الطب، ولعلهم قاموا أيضاً بدراسات متقنة في الطب الهندي، وربما عادوا ومعهم لفيف من الأطباء الأخصائيين الهنود، وكان برزويه هذا يحمل لقب (إيران درستبد = إيران درست بد) أي الرئيس الأعلى لشؤون الطب في البلاد، وقد عربه ابن المقفع (رئيس أطباء فارس) (وإيران درستبد) هو الذي يدير مستشفى جنديشاپور وجامعتها معاً.
ويستفاد مما جاء في المدونات الإسلامية، أن نظام طبقات الأطباء وتنظيم مراتبهم ودرجاتهم يعود إلى عهد أنوشيروان الذي جمع أطباء جنديشاپور في ندوة تناول فيها المؤتمرون المسائل الطبية بالبحث والمداولة ودونت المباحثات والمناظرات بإشراف الطبيب جبرائيل وهو في يومه (إيران درستبد) قبل برزويه أو بعده واحتفظ بمثل هذه الأبحاث العلمية التي طرحت على بساط البحث والنقد في المجالس وظلت حية باقية حتى ظهور الإسلام وإلى ما بعده، دلت على دقة ملاحظة أولئك العلماء وتعمقهم في الدقائق العلمية وتأملاتهم في المسائل الهامة.
فتح المسلمون جنديشاپور في السنة السابعة عشرة أو التاسعة عشرة للهجرة النبوية وكانت المدينة شأن أخواتها من مدن خوزستان يومذاك، يحكمها القائد الساساني الهرمزان ويعرف بملك أهواز ونزحت جيوش المسلمين من جنوب العراق حتى سهل ميشان (دشت ميشان) فاشتبك معها في الحرب وانتهت بعقد الصلح على أن تبقى الأهواز ومهرجانقذق في يد الهرمزان. ولم يدم هذا الصلح إذ تجدد القتال بينهما لتعرض العرب، واستنجد العرب، لضعفهم مقابل الهرمزان، بعمر فأمدهم بجيش عظيم. وانتقل الهرمزان من الأهواز إلى رامهرمز وانعقد الصلح بينهما ثانية وكان أمده قصيراً أيضاً ونشبت الحرب ثالثة. وانتقل الهرمزان إلى شوشتر فحاصرها العرب وقاوم الهرمزان مقاومة شديدة ولكنهم دخلوا المدينة باجتياز الطريق الخاصة والممر السري وأسروا الهرمزان فبعثوه إلى عمر بالمدينة.
واستسلم أهل البلد بعد أسر الهرمزان لما لم يجدوا في أنفسهم الاستعداد التام للمقاومة، على أن لا تلحقهم الأضرار وهكذا سلمت جنديشاپور وما بها من آثار حضارية ومعالم علمية.
ولعل هذه المجموعة الصحية العلمية هي الوحيدة مما كان للساسانيين وسملت من أيدي الحدثان دون أن تمسها يد سوء فاستمرت في خدمتها للإنسانية الشاملة للمسلمين والعرب.
واستمرت في أداء رسالتها أيضاً بعد أن انقطعت عنها مساعدات ملوك إيران مالية ومعنوية بزوال ملكهم ولم يعرها العرب سواء أيام الفتوح أو عصر الأمويين اهتماماً، أما العباسيون فكانوا لا يفكرون فيها إلا إذا دعت حاجتهم إليها، ولذلك لم نعثر على أية مساعدات تقدم إليها من قبلهم أو التفاتة منبعثة عن الرغبة إليهما تتجه نحو هذه المجموعة ولكنها صمدت أمام الأحداث والعراقيل واللامبالاة.
وأول ما نسمع بطبيب من أطباء جنديشاپور يذهب إلى دار الخلافة أيام المنصور وذلك بعد ما بنى بغداد واستقر بها فمرض ثم بحث عن طبيب يداويه فاستدعى جورجيس ابن بختيشوع وهو أشهر أطباء جنديشاپور إلى بغداد لعلاجه. ومنذ ذلك الوقت، انضم إلى بلاط الخليفة طبيب واحد أو أكثر للمواظبة على حياته الصحية وهذا الطبيب الخاص يتعين من بين أطباء جنديشاپور.
وعزم الرشيد على إنشاء مستشفى ببغداد فأحال الأمر إلى بختيشوع من أطباء جنديشاپور وكان طبيبه الخاص أيضاً واستدعى هذا أيضاً من هو أعرف منه بهذه الأمور وأقدر عليها وهو دهشتك، رئيس المركز الصحي الطبي والثقافي العلمي بجنديشاپور، إلى بغداد ليقوم بهذه المهمة. ولعل دهشتك هذا انتبه إلى حقيقة لا بد منها وهي ضرورة الاحتفاظ بالمدرسة الأم والجامعة الأولى، ووجد نفسه المسؤول الأول للقيام بهذا الواجب وتحمل هذا العبء، فرفض مجاورة الرشيد ونعيم الدنيا ورخاء العيش ورئاسة مستشفى الخليفة وبحث عن السيادة في خدمة الناس، ولكنه أرسل أحد تلامذته ليقوم بهذه المهمة.
وظل المركز العلمي بجنديشاپور، وكذلك المستشفى عامرين لقرن واحد أو قرنين بعد تلك الفترة وآخر من عمل رئيساً لمستشفى جنديشاپور ـ على ما جاء في التاريخ ـ هو سابور بن سهل توفي سنة 255هـ.
ولا نعلم علم اليقين متى توقفت هذه المنشآت العلمية التي دامت زاهرة لقرون تخدم العلم عن عملها؟ ومتى ولأي الأسباب أخذت جنديشاپور، المدينة العامرة الآهلة بالسكان النشيطة الشهيرة بزراعتها للقصب السكر أيام الساسانيين، طريقها إلى الزوال؟ ولكن المفروض أن الخراب أصابها قبل سنة 620هـ وهي السنة التي أنهى ياقوت بلدانه فيها لأنه لم يجد فيها من الآثار الباقية سوى خرائب تنبىء عن مجد تليد لأمد مديد.
وآخر ما حدث بالمدينة هذه من الوقائع المذكورة هو أنه توجه يعقوب بن الليث الصفاري بعد فتحه خراسان وسيستان وفارس، إلى خوزستان لإخضاعها فجعل مقره بجنديشاپور وكانت قاعدته لتعرض عمال الخلفاء ومضايقتهم وذلك بين سنتي 262 ـ 265هـ.
ولدار العلم بجنديشاپور أهمية بليغة في تاريخ العلم بوجه عام ولا سيما في التاريخ الثقافي الحضاري الإيراني والإسلامي لا لأنها عاشت لقرون وقدمت كثيراً من الخدمات فحسب بل لما ميزتها عن سواهها فجعلتها منشأ لآثار إنسانية خالدة سواء في العصر الساساني أو الإسلامي. فكانت مركزاً علمياً شاملاً على الصعيد العالمي وبالمدلول العام وليس إقليمياً محدوداً بإطار موضعي معين، فتحت أبوابها، وهي تعيش في فترة تحكمها العصبيات الطائفية والعنصرية، أمام العلماء وحملة لواء العلم أساتذة وطلاباً على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وعناصرهم. يشتغل الأساتذة بالتعليم جنباً إلى جنب بعضهم وفيهم الزرادشتية، واليهود، والهنود وأتباع المسيح (عليه السلام) دون تمييز فلا يدع عامل الدين والعقيدة والمسلك مجالاً لتوقف العمل العلمي أو عرقلة سيره.
ملجأ اللاجئين
ولجأ النساطرة المسيحيون المشردون من الرها (أودسا) إلى جنديشاپور سنة 489م فاستقبلتهم بحرارة بالغة وترحيب وتكريم فجاءت العبارة في حقهم صادقة: لقد جئتم قوماً أهلاً ونزلتم منزلاً سهلاً. واضطر الحكماء من أتباع الفلسفة اليونانية على أثر الضغط المسلط عليهم، على الاختفاء والهرب ومغادرة بلادهم بعد إغلاق مدرستهم، فاتجه سبعة من أولئك الفلاسفة والحكماء إلى جنديشاپور ودخلوها بسلام آمنين وسكنوها ولم يشعروا إلا وكأنهم في بلدهم وبين ذويهم وذلك سنة 529م. وكان المركز الصحي والعلمي هذا قد اتسعت رقعته وتوسعت مناهجه وصار بها من العلوم والمناهج أكثر من ذي قبل ممتدة الآفاق مختلفة الأبعاد متشعبة.
وكان الأساتذة العلماء والطلاب النابهون من مختلف الأديان والأجناس يلتقون ويتلقون العلوم المختلفة جنباً إلى جنب بعضهم بمدرستها الطبية التي احتضنت مصحاً كبيراً راقياً، وكذلك الرياضيات والحساب والنجوم والفلك والأبحاث التي تتعلق بهذه العلوم وغيرها. وكان لهذا المركز العلمي مرصداً يتناسب والوضع الدراسي وحاجة البلاد. وعد البعض الحارث الثقفي بن كلده والنضر بن الحارث ـ وهما طبيبان عربيان ـ ممن تلقوا دراساتهم بهذه المدرسة أو الجامعة أو المركز العلمي الأصيل: وكان يدرس بهذا المركز الطب الإيراني والهندي فاليوناني وما أضاف إليه المسيحيون السريان. وقد أسلفنا أن أنوشيروان أوفد برزويه الطبيب إلى الهند ليأتي إليه بكتب الطب منها فلعله كان قد أوعز إليه البحث عن كتب النجوم أيضاً، وذلك لما نجده من ترجمة الكتب الهندية طبية ونجومية إلى الفهلوية في العهد نفسه وفي هذه المدرسة أيضاً تم اللقاء بين العلماء الإيرانيين واليونانيين والسريان والهنود وتم التبادل الثقافي والعلمي على مستوى راقٍ بين الفئات العلمية المختلفة، ولهذا أيضاً كان مركز جنديشاپور العلمي أكثر تقدماً مما كان بآسيا الصغرى التي جعلت المناهج العلمية الدينية إلى جانب غيرها ولكنها لم تتجاوز بعلومها الحدود الجغرافية إلى خارجها، فكانت إقليمية محضة. ولم تقتصر مدرسة جنديشاپور على التعليم النظري للطب فحسب، بل إن التدريب العملي والمنهج التطبيقي كان يسير بها جنباً إلى جنب النظري وذلك بالمستشفى الكبير الذي كان يليها وأسس بجوارها، فكانت الدراسة الكاملة فيهما قائمة على قدم وساق ودونما تأخير أو انقطاع، وهذه هي ميزتها الكبرى التي جعلتها فيما بعد ومكنتها من أن تكون نموذجاً مثالياً ونهجاً ممتازاً في العالم الإسلامي.
وسنأتي على عرض آخر لدور هذه المدرسة في تقديم الخدمات الإنسانية في الحقل العلمي خاصة والحضاري عامة في العصر العباسي أو العصر الإسلامي.
سلمت جنديشاپور وصانها اللَّه مما تعرضت له إيران من غارات واستطاعت بفضل أساتذتها وجهود علمائها أن تنبض بحياتها العلمية وتستمر في نشاطها وفعاليتها في فترة لم تكن أجهزة الخلافة، أموية وعباسية، تهتم أي اهتمام بالعلم أو المنشآت العلمية ودور العلم، ولما استقرت الخلافة العباسية ببغداد، وكان للخلفاء وزراء إيرانيون يوضحون لهم ما للعلوم من فوائد جمة تعود على الجميع ويحثونهم على القيام بتأسيس المراكز الثقافية وإنجاز المشاريع العلمية حتى أدركوا ذلك واستعدوا لذلك حينذاك أيضاً قدمت مدرسة جنديشاپور إلى جانب المستشفى الكبير، ما أمكنها ومدت يد العون وساعدت بسواعدها بغداد والعالم الإسلامي في توطيد العلم وتأسيس مراكزه ومعاهده ونقل العلوم من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية التي كانت لغة الإسلام والمسلمين بمجيء سيد المرسلين (ص) ونزول القرآن الكريم، ومعنى هذا أن مدرسة جنديشاپور وملحقاتها كوحدة شعبية شاملة احتفظت لعدة قرون بالتراث الإنساني وحرصت على هذا التراث الثقافي الحضاري العظيم كل الحرص لئلا تبيده أيدي الدهر الخئون، ثم قامت وهي أمينة في حفظ الودائع العلمية بدور النقل والتسليم إلى الوارث السليم وهو المجتمع الفتي الإسلامي الذي له قابلية القيام بكل ما من شأنه ترويج العلم ونشره أو الاسترسال في تنميته وتوسيعه وازدياد شعبه وفروعه. وعلى الأثر حصل تقدم كبير لعلوم الطب والتنجيم والعلوم العقلية عند المسلمين في القرون التي تلتها كما ظهر من بينهم أطباء حاذقون ونجوميون بارعون وأساتذة ماهرون في شتى المجالات العلمية كذلك الميادين المختلفة الثقافية فاستطاعوا أن يرفعوا صرح العلم عالياً وأن يحتفظوا بمكانتهم المرموقة أساتذة قديرين في أنحاء الأمبراطورية الإسلامية وذاع صيتهم وتجاوزت شهرتهم الحدود الإسلامية وثغورها وملأت الآفاق في الألسن والكتب. كل هذا وذاك ينبؤنا عن وجود الترابط المنسجم والانسجام الوثيق بين المصادر العلمية في المدرستين، المصادر الموجودة في مدرسة جنديشاپور وجامعتها والكتب القيمة والآثار الرائجة، وهي بعينها المنقولة إلى المدرسة الحديثة تعريباً بتعاون من الشعوب المختلفة إيرانية وهندية وسريانية، فتخرج على أثر النقل والترجمة التي حصلت على يدي خريجي مدرسة جنديشاپور، خريجون محدثون من مدارس بغداد وجامعتها أو إن شئت قل مدارس العالم الإسلامي وجامعتها. ونستنتج مما مر، أن علماء جنديشاپور ومن اتصل بهم كيفما كان وبأي شكل من أشكاله هم الذين ساهموا مساهمة فعالة بناءة في وضع أساس هذه العلوم في المجتمع الإسلامي وتدوينها باللغة العربية أو ترجمتها ونقلها إلى هذه اللغة أو إنشاء مراكزها العلمية وإحداث المستشفيات أو المرافق العلمية المختلفة كالمكتبات ودور الكتب والفنون كالخط والكتابة وما إلى ذلك.
ولقد مر بنا أن أول ما اتصل من أطباء جنديشاپور ببلاط الخلفاء كان في عهد أبي جعفر المنصور بعد أن مرض فاستقدم إلى بغداد جورجيس بن بخت يشوع وكان رئيساً لمصح جنديشاپور في يومه، فاحتفظ المنصور بالطبيب لنفسه بعد أن شفي من مرضه بالمعالجة. وكان جورجيس هذا قد أصحب معه طبيباً آخر سماه القفطي ابن شهلافا (ابن شهلا) ويبدو أن جورجيس لم يطب له طقس بغداد بعد أن أقام بها أربع سنوات ومرض بها فرحل عنها عائداً إلى جنديشاپور تاركاً ابن شهلا بها وأمد الخليفة بطبيب آخر أيضاً من تلاميذه يدعى إبراهيم ليقوم مقامه في خدمة الخليفة. وكان جورجيس قد أناب ولده بخت يشوع رئيساً لمستشفى جنديشاپور حينما توجه إلى المنصور، فظل بخت يشوع في منصبه حتى بعد ممات أبيه. ولما جاء المهدي استقدمه ليعالج ابنه الهادي فسار إلى بغداد وعالجه ومكث ببغداد والبلاط العباسي برهة من الزمن ثم عزم على العودة فأعاده الخليفة معززاً مكرماً. ومارس علمه في المستشفى حتى أعيد إلى بغداد سنة 177هـ ليعالج الرشيد وظل بها خصيصاً للخليفة إلى أن فارق الحياة.
وكان ابن بخت يشوع، الذي يحسن بنا أن نطلق عليه جبرائيل الثاني، طبيب البلاط العباسي وهو الذي لقى حظوة كبيرة فجمع أموالاً جمة وثروة طائلة وبلغ مكانة رفيعة فصار من مشاهير عصره وعظماء دهره في عهد الأمين فالمأمون. وفي سنة 213هـ أصيب الطبيب بمرض منعه عن مرافقة المأمون في حربه ضد الروم، فنابه ابنه بخت يشوع في مصاحبة المأمون وينبغي لنا أن نطلق عليه بخت يشوع الثالث، فلما عاد المأمون، وكان الأب الطبيب قد مات، جعل ابنه هذا طبيباً خاصاً بالبلاط فدام حتى عهد الواثق الذي غضب عليه وصادر أمواله وممتلكاته وطرده إلى جنديشاپور.
وعفى الواثق عن طبيبه فاستقدمه إلى بغداد ليعالج مرضه الذي أصابه فمات الخليفة المريض قبل وصول الطبيب وأصبح بخت يشوع طبيب المتوكل. وتدوولت رئاسة شؤون الطب ببغداد، مركز العالم الإسلامي، في أسرة بخت يشوع 250 سنة يتعاقبون حتى بلغ ستة منهم هذا المنصب وكلهم من أطباء وخريجي مدرسة جنديشاپور، دون أن يقطعوا صلتهم المباشرة عن المدرسة الأم، وآخر من ورد اسمه تاريخياً من هذه الأسرة هو جبرائيل بن عبيداللَّه، الجيل الخامس من أبناء آل بختيشوع وقد وجدنا أقدمهم في القدوم إلى بغداد، مقر العباسيين كان جورجيس الرئيس.
وكان جبرائيل بن عبيداللَّه هذا من حاشية عضد الدولة البويهي وكان قد ذهب إلى ميافارقين ليعالج أميرها عضد الدولة فتوفى هو بها يوم الجمعة الثامن من رجب سنة 397هـ 1006م، وهو آخر طبيب، من آل بخت يشوع.
وعدا أبناء أسرة بخت يشوع، كان هناك آخرون من أطباء جنديشاپور دخلوا البلاط ودار الخلافة ـ بغداد ـ فزاولوا عملهم في الطب ومعالجة المرضى وترجمة الكتب ونقلها إلى العربية أو تدوين ما يختص بالطب وغيره، ومنهم عيسى بن چهار بخت وتتلمذ على جورجيس بن بخت يشوع فدون في الصيدلة كتاباً بحث فيه عن الأدوية والعقاقير وكيفية التعرف عليها وخصائصها وميزاتها واشتهر اسمه كثيراً.
وهذا يوحنا بن ماسويه تلميذ ابن چهار بن ماسويه تلميذ ابن چهار بخت وقد توفي 243هـ ألف في الطب كما وترجم أيضاً للطب إلى العربية. قدم بغداد بدعوة من جبرائيل بن بخت يشوع وكذلك أخوه ميخائيل بن ماسويه طبيب البلاد العباسي في عهد المعتصم اللذان تليا سلمويه بن بنان. وآخر من ذكره التاريخ رئيساً لمدرسة جنديشاپور هو شاپور بن سهل الذي توفي أواسط القرن الثالث الهجري سنة 255هـ كان يرى للمتوكل ومن بعده من الخلفاء. وما عدا من ذكرناهم فقد كان أكثر العلماء الذين قاموا بتدوين الكتب العلمية أو ترجمتها إلى العربية في القرون الإسلامية الأولى ممن تعلموا بهذه المدرسة أو تثقفوا بها.
إذن يستفاد مما تقدم أن الخلافة العباسية منذ بدايتها والعالم الإسلامي منذ اهتمامه بالعلوم العقلية والطب تأثرا بمدرسة جنديشاپور ونفوذ أساتذتها وهو أكثر من مائتي سنة وتأثرا تأثراً عميقاً لمناهجها وعلومها العقلية ولا سيما الطب فكانت جنديشاپور معروفة إلى درجة كبيرة بحيث كان الانتساب والنسبة إليها دليلاً راجحاً على حذق المنتسب والمنسوب إليها في الطب ومدعاة للفخر والاعتزاز ولنقرأ ما نقله القفطي الجاحظ لنطلع على مكانة جنديشاپور وأثر مدرستها العظيم وصدى هذه المدرسة العظيمة الشهيرة.
أخبرنا القفطي عن مصير حنين بن إسحاق وهو أحد المشهورين من علماء العالم الإسلامي ومن تركوا من الآثار النفيسة ما ترجموا من الكتب ونقلوا إلى العربية فقال إنه كان من الحيرة، أحب العلم فدخل مجلس يوحنا وسأله ذات يوم حنين على عادته مستفهماً ورد يوحنا قائلاً: ما لأهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب! تجولوا في الأزقة واشتغلوا بالصيرفة. وأضاف القفطي: (إن الذي حمل يوحنا بن ماسويه على أن يسلك هذا السلوك هو أن أهل جنديشاپور وخاصة متطببيها كانوا يعدون أنفسهم أصحاب هذا العلم فلا يخرجونه عنهم وعن أولادهم وأبناء جلدتهم وليس لغيرهم أهلية لذلك فلا يجوز له أن يشترك معهم لأنه لا يصلح لذلك!
وتناول الجاحظ في كتابه (البخلاء) بأسلوبه الفكاهي الذي يتميز بطابع خاص يحمل التهكم والسخرية الموضوع الذي يبين موضع أهل جنديشاپور في المجتمع وتقدمهم على غيرهم في المكانة الاجتماعية سيما التطبب ومقام مدرسة جنديشاپور كمركز علمي ممتاز، فكتب: (كان أسد بن جاني طبيباً فأكسد مرة فقال قائل: السنة وبئة، والأمراض فاشية، وأنت عالم ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة. فمن أين تؤتى في هذا الكساد؟ قال: أما واحدة، فإني عندهم مسلم، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب، لا بل قبل أن أخلق، أن المسلمين لا يفلحون في الطب! واسمي أسد، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليبا، ومراويل ويوحنا وبيرا، وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى، وأبو زكريا، وأبو إبراهيم وعلي رداء قطن أبيض وكان ينبغي أن يكون رداء حرير أسود، ولفظي لفظ عربي، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديشاپور.
وما ذكره الجاحظ عن الاسم والشهرة والملبس واللهجة يختص بأطباء جنديشاپور وأكثرهم في تلك العصور من المسيحيين السريان، فتحدث الجاحظ في هذه الأسطر عن لسان طبيب عربي أنه لا يعترف الناس ببغداد لطبيب إلا إذا درس بمدرسة جنديشاپور وكان نصرانياً.
وكانت بغداد أيام الرشيد وابنه المأمون مركزاً هاماً لنقل المصنفات العلمية الفارسية واليونانية وترجمتها إلى العربية، فذكر الرواة أن عاملين كبيرين كان لهما أعظم الأثر في تمهيد هذه النهضة هما دار العلم بجنديشاپور قرب بغداد وعلماء مرو خراسان الذين رحلوا إلى بغداد بصحبة المأمون أو بعده… وفضلاً عما نقله خريجو مدرسة جنديشاپور إلى العربية من الفهلوية واليونانية والسريانية، فقد ألف هؤلاء أيضاً في الطب والصيدلة بالعربية مؤلفات يعتمد عليها الأطباء والصيادلة ويتدارسونها منها: (كتاب الكناس) ألفه جورجيس بن بخت يشوع، و(كتاب قوى الأدوية المفردة) ألفه عيسى بن چهاربخت، وكتاب اقرابادين (الذائع الصيت ألفه شاپور بن سهل، رئيس مصح جنديشاپور ظل لقرون موسوعة لمعارف الطب والصيدلة وعلومها شأن المصادر في الطب.
ومن آثار أساتذة جنديشاپور الهامة رسالتان ليوحنا بن ماسويه وكان من أطبائها وهذا هو الذي ذهب إلى بغداد في بداية القرن الثالث للهجرة وأشرف على بناء مستشفى بها وعينه المأمون رئيساً لبيت الحكمة سننة 215هـ، فتوفي سنة 243هـ وهاتان الرسالتان معروفتان إحداهما باسم (النوادر الطبية) أهداها إلى تلميذه حنين بن إسحاق، شاعت وراجت وترجمت إلى اللاتينية ولكنهم أخطأوا في انتسابها إلى القديس يوحنا الدمشقي. والرسالة الثانية عرفت بـ(دغل العين) أي (اختلالات العين) اعتمد عليها الأساتذة بعد يوحنا في اختبار الأطباء لحصولهم على الإجازات الطبية أيام القاهر باللَّه 320 ـ 322هـ. وهذه الثانية قيل عنها أنها أقدم ما وضع في طب العيون وأمراضها ولم يسبقه كتاب باليونانية أو السريانية. ولخص هذا الكتاب موسوماً بـ(إرشادات في امتحان أطباء العيون) فنسبت إلى يوحنا أيضاً.
وذهب الباحثون في تاريخ العلوم أن هناك حلقات مفقودة حدثت في مراحل انتقال العلوم من اليونانية إلى العربية يصعب الحصول عليها لسد الفجوات وملء الفراغ، والذي يبدو لنا أن هذه الصعوبة ناجمة عن عدم اهتمام الباحثين في تاريخ الطب إلى التطور الذي حصل في المراكز العلمية عن المسيحية السريانية أو اليونانية اهتماماً بليغاً ولم يبلغوا ذلك حتى اليوم.
ولا ريب من أن الطب والصيدلة (تحضير الأدوية) والنجوم والعلوم الأخرى التي وصلت إلى أيدي العلماء المسلمين فتعلموها ودونوها بأسلوبهم الخاص وفي مصنفات تختص بهم، كانت أرقى مما كان يدرس بمدارس نصيبين وحران والإسكندرية، فلو لم يمكن ربط هاتين المرحلتين دون افتراض حلقات مفقودة، فذاك يرجع إلى عدم التنبه لحلقة وصل هامة وواسطة عقد عظمى ذات الأثر البليغ بينهما، وهذه الرابطة هي أحد مراكز العلم بجنديشاپور التي عاشت أكثر من 400 سنة وهي أحد مراكز العلم الحقيقية البحتة ونقطة تلاق لآراء العلماء ونظريات أساطين البحث من مختلف أنحاء الشرق والغرب للعالم يومذاك. ونتيجة لهذا الترابط والتلاحق حدث تلاقح فتمازج بين الأفكار وتطور في العقول وتزكية وتنقية في الآراء وتجلية وتصفية حصلت في النظريات العلمية والنقدية فكانت دراسات وافية وبحوث شافية ونظريات متينة واستنتاجات موزونة ومصنفات عالية ومدونات راقية ودروس مختارة وطبابة ممتازة وذلك لأن عدداً من العلوم لا سيما الطب والنجوم عندما انتقلت إلى مدرسة جنديشاپور ربت وأنبتت من كل زوج بهيج أي أنها نشطت وتطورت ونالت رقياً لم يكن مثله في المدارس المسيحية بآسيا الصغرى الملحقة بالأديرة أو المراكز الدينية التي كان يديرها علماء اللاهوت.
ولقد أثنى المؤرخون الإسلاميون على إيران لتبنيها علمي الطب والنجوم مدعين بأن لهذين العلمين أصولاً رفيعة وجذوراً راسخة ودعائم ثابتة عند الإيرانيين. وأول ما نقل إلى العربية وترجم وبلغ العرب، كان من اللغة الفهلوية وسببه يعود إلى اشتهار دار العلم بجنديشاپور وتطورها ورقيها وذلك لوجود مرصد فلكي بها إلى جانب مدرستها ومستشفاها، واستمرار العمل العلمي في التنجيم والرصد حتى (في القرون الإسلامية الأولى ولم يتردد العلماء في أن رياضيي المسلمين الأوائل وخبرائهم بعلم الفلك كالخوارزمي، قد توصلوا إلى ما لم يتوصل إليه اليونانيون القدماء ليس في الرياضيات وحدها بل كان الأطباء الإسلاميون المتقدمون يدركون من دقائق الطب ورموزه ما لم يكن يعرفه قدماء الأطباء في اليونان لأنهم لم يرثوا العلوم اليونانية مباشرة بل ورثوها عن واسطة أخرى أخذت عن اليونان وقارنت بغيرها وقامت بالتمحيص والتدقيق والكشف والتحقيق وتوضيح المسائل العلمية وإخراجها بصورة أكمل وأوسع وأدق وأشمل مما كانت في سابق عهدها لدى اليونان ومعنى هذا أن علوم اليونان المتحولة إلى إيران قطعت شوطاً بعيداً من مراحل النمو والارتقاء والتكامل لدى الإيرانيين ومن ساهم معهم بجنديشاپور مدرستها ومستشفاها وظهرت بمظهر جديد أليق من الأصل اليوناني. ويجدر بنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن بعض ما دونه أطباء جنديشاپور كان مما لم يسبق له مثيل عند اليونان مثل (كتاب دغل العين) أو (اختلالات العيون) ليوحنا بن ماسويه الذي كان يبحث في أمراض العيون وهو أقدم ما تناول البحث في هذه الناحية كما أسلفنا، ويظهر جلياً من أسماء النباتات الطبية الكثيرة الموجودة بأصلها الفارسي أو الترجمة العربية أنها جادت من الفهلوية وأنها جاءت من النصوص الفهلوية التي كانت تدرس في مدرسة جنديشاپور، كما يستدل من أسماء بعض الأدوية والعقاقير والخمائر والمعاجين الفرنجية التي تحمل اسماً لاتينياً وفي ثناياه ما يبرز اسم (مرزويه) أو (الخوزي). إن الأدوية المستعملة بجنديشاپور ومن أطبائها كانت تستعمل بعدها بقرون عدة حاملة عليها أسماء بعض المشاهير من أطباء جنديشاپور.
وهكذا كلما توسع البحث عن جنديشاپور وعلمائها ومدرستها أمكن الحصول على معلومات أوسع وكشف حلقات مفقودة أكثر وخير وسيلة يمكن الاعتماد عليها هي كتب الطب والأدوية التي دونها أطباء جنديشاپور أو غيرهم في القرون الأولى بجنديشاپور أو ببغداد وكذلك أخبارهم وآثارهم الباقية، ومن هذه الوسائل أيضاً المنشآت الأولى من هذا النوع تأسست ببغداد كمستشفى الرشيد والمعتضدي أنشأهما أطباء جنديشاپور فكانتا حصيلة دار العلم بجنديشاپور، وقد طبقتا نفس النظام الذي كان قائماً بجنديشاپور، ومن أجل هذا فإننا وجدناها حملت التسمية الفارسية في لغة العرب أيضاً ودعيت بالبيمارستان.
ولقد قلنا فيما سبق أن الرشيد حينما عزم على تأسيس مستشفى ببغداد، عهد إلى طبيبه جبرائيل ابن بخت يشوع ليقوم بالأمر وطلب هذا أيضاً بدوره من دهشتك رئيس بيمارستان جنديشاپور أن يقوم بهذه المهمة ويشرف على تأسيس المستشفى ببغداد، أما دهشتك ـ وإن اعتذر عن ذلك ـ ولكنه وافق على أن يساهم في الموضوع فبعث بأحد من تلامذته القديرين لهذا الغرض، ونعود، فنقول إن دهشتك أرسل ماسويه من جنديشاپور إلى بغداد ليتعاون مع جبرائيل في تأسيس وإقامة مبنى مستشفى بغداد الذي عرف بمستشفى الرشيد وهو أول مستشفى بني في العصر الإسلامي، وماسويه هذا هو والد الطبيب المعروف في القرنين الثاني والثالث الهجري أي يوحنا الذي أتينا على بعض آثاره الطبية وكان قد تعلم بجنديشاپور ودرس بمدرستها أو جامعتها.
وأنشىء مستشفى الرشيد بهذه الصورة وصار يديره أطباء من جنديشاپور، وكان نموذجاً ومثالاً لذلك المستشفى، كما كان يسير على منهاج ذلك ويتبع خطى المستشفى هناك من حيث التنظيم والنظام الإداري والفني والتنظيم العلمي والعملي والنظام الطبي وطرق المعالجة، لأن المشرفين على إدارتها هم الذين كانوا يشتغلون قبله بجنديشاپور، ولا بد أنهم استفادوا من الكتب المقررة هناك في هذا المستشفى الجديد وهم من جنديشاپور، ولو أخذنا بعين الاعتبار أن هذين المستشفيين، الرشيد والمعتضدي صارا مثالين لما أنشىء بعدهما من هذه المشاريع ببغداد وغيرها من المدن الإسلامية وكانا قدوة للمستشفيات الأخرى، عرفنا كيف تفسح المجال لمركز جنديشاپور العلمي وكتب له أن يبقى حياً عبر القرون والدهور والأجيال، ينتقل نظامه العلمي والتقني متبعاً في المراكز الطبية والصحية في العالم كما اتبع أيضاً أساليبه التعليمية ومنها تلفيق العلوم النظرية والعملية في المنشآت العلمية الصحية والطبية التي جاءت بعده.
وقد زعم الباحثون أن الطب الإسلامي يرتكز على ركيزتين أساسيتين هما دار العلم بجنديشاپور وكتب جالينوس في الطب فيجدر بنا أن نشير إلى من ترجم كتب جالينوس وهو حنين بن إسحاق تلميذ يوحنا بن ماسويه، وكان من جنديشاپور أيضاً. وعليه فإن أثر جنديشاپور واضح تماماً في تاريخ العلوم العقلية والطبية للقرون الإسلامية الأولى ولذلك رأينا أن البحث في الآثار العلمية لهذا العصر وسيلة هامة للبحث في الوضع العلمي والمنهج الدراسي والعلاجي في العهد الساساني.
الدكتور محمد محمدي
جهان گشاي (كتاب)
لقي كتاب جهان گشاي شهرة واسعة منذ أيام تأليفه، لما ضم من موضوع مهم، وهو تاريخ المغول، والخوارزمشاهية، والإسماعيلية، وندرة الكتب، في هذه الموضوعات المعاصرة للمؤلف بالإضافة إلى ما اتصف به الكتاب من صفات علمية دقيقة. فالمؤلف من أبرز الشخصيات في عصر المغول، قضى شطراً من حياته في الأسفار، وكان شاهد عيان لأغلب الوقائع، أو مستمعاً استماعاً مباشراً من الثقات. وكان الرجل الوحيد الذي اطلع على مكتبة قلعة ألموت الإسماعيلية واستفاد منها. لهذا كله عد كتاب جهان گشاي أبرز كتاب في هذا الميدان. ولهذا أيضاً لقي الشهرة الواسعة منذ زمان تأليفه. وكان المعتمد الأكبر للباحثين قديماً وحديثاً. حتى إن عبداللَّه بن فضل اللَّه الشيرازي اعتمد عليه في تأليف كتابه «تاريخ وصَّاف» اعتماداً كلياً. ويعترف المؤلف بالاستفادة التامة منه فيقول متواضعاً.
وما أنا إلا قطرة من سحابه
ولو أنني صنَّفت ألف كتاب
ومن الذين نهلوا من معينه رشيد الدين فضل الله وزير غازان وأولجايتو، فقد ضم المؤلف تمام معلومات الكتاب في كتابه الكبير «جامع التواريخ». وابن العبري (من نصارى اليعقوبية، والمتوفي سنة 685). وابن الطقطقي صاحب كتاب الفخري الذي ألفه سنة 701. وابن فضل اللَّه الكاتب الدمشقي (ت749) صاحب كتاب المسالك والممالك. وكذلك مؤلفو: تاريخ بناكتي، وروضة الصفاء، وحبيب السير، وعدد آخر…
يتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء، ضم الأول مقدمة طويلة عن عادات المغول ورسومهم القديمة والقوانين التي وضعها جنكيز خان، وفتوحاته في ممالك الأويغور. وفصلاً عن تاريخ أقوام الأويغور وعاداتهم ومعتقداتهم ورسومهم تعد في غاية الأهمية. ثم بفصل في فتوحات جنكيز خان وغزو جيوشه في ما وراء النهر وإيران، وما سببوه من قتل ونهب وتخريب، وإطاحة بالحكومة الخوارزمشاهية، ويستمر في الحديث حتى وفاة جنكيز خان 624هـ وسلطته أو كتاي قاآن بن جنكيز خان (626 ـ 639هـ)، ومرحلة نيابة سلطنة «توراكينا خاتون» أم كيوك خان (639 ـ 643هـ)، وسلطنة كيوك خان بن أوكتاي قاآن (643 ـ 644هـ)، ويعقب ذلك فصل في غاية الاختصار عن تاريخ توشي (جوجي) وجغتاي ابني جنكيز خان.
ويشتمل الجزء الثاني على تاريخ الدولة الخوارزمشاهية وأحداثها، ولا سيما سلاطين المرحلة الأخيرة. وطيَّ حديثه هذا يتعرض لتاريخ الملوك الأتراك المعروفين بملوك قراختاي والكورخانية مدة خمس وتسعين سنة تقريباً (512 ـ 607هـ) في ما وراء النهر وتركستان الشرقية من جيحون إلى حدود كاشغر وختن وبلاساغون، وأغلب ملوك الأفراسيابية والخانية والإيلك خانية وآل خاقان (على حسب اختلاف تعبير المؤرخين) الذين دام سلطانهم قرنين وبضع سنوات، والذين جاؤوا بعد الدولة السامانية وقبل مجيء المغول إلى ما وراء النهر وتركستان. وهو فصل في غاية الأهمية. وجاء في أواخر هذا الجزء تاريخ الحكام والشحنة المغول الذين عرفوا من عهد أوكتاي قاآن إلى قدوم هولاكو إلى إيران، أي من (626 ـ 653هـ) أمثال جنتيمور ونوسال وكركوز وأمير أرغون.
ويشرع في الجزء الثالث بشرح وقائع تتويج منكو قاآن بن تولي واحتفاله بجلوسه على العرش سنة 659هـ وبعض أيام حكومته. ثم يفصل في حركة هولاكو نحو إيران سنة 653هـ وقمع الإسماعيلية وقلع قلاعهم بكثير من التفصيل حول تاريخ ملوك إسماعيلية ألموت، وشرح مذهب هذه الطائفة وتاريخ نشوئها حتى انقراض هذه السلسلة على يد هولاكو 655هـ. كما ضم الجزء الثالث (في بعض النسخ المخطوطة وليس كلها) وصفاً دقيقاً لأحداث فتح بغداد تأليف نصير الدين الطوسي، إلحاقاً بالكتاب، وليس أصلاً، مع الاحتفاظ باسم المؤلف الأصلي.
ومما يؤسف له أن المصنف عاش حتى 681هـ أي ما يقرب من سبع وعشرين سنة من انقراض الإسماعيلية، وشاهد بنفسه انقراض الخلافة العباسية، وأغلب وقائع سلطنة هولاكو وأباقا وتكودار، ومع ذلك نراه يهمل تسجيل ذلك كله عمداً. ولا نرى سبباً معقولاً لتجاهله غير انشغاله التام بحكم بغداد.
والواضح أن المؤلف لم يشغل نفسه تماماً في تأليف الكتاب، ولم تكفه سنة أو عدة سنوات لذلك. ونرجح ذلك بسبب انشغاله بالديوان والأسفار وعدم استقراره في مكان واحد مدة كافية للتأليف. لهذا فإننا نرى أنه كان يؤلف الكتاب فصلاً فصلاً أو قطعة قطعة من غير انتظام في الزمان. وهو نفسه يعترف بانشغاله كما نرى في تضاعيف الكتاب.
كما نلاحظ أن المؤلف لم يبدأ بالجزء الأول فالثاني فالثالث، بل كان ينظم الفصول ويضمها إلى أجزائها المناسبة، يدلنا على هذا ما جاء في مقدمة الجزء الأول ومقدمة الجزء الثالث ـ والثاني بلا مقدمة ـ فقد ألفتا في عهد منكو قاآن، في حين أننا سنعلم أن منكو قاآن توفي في أواخر سنة 656 وأوائل سنة 657هـ… وكثير غيرها من النقاط البارزة.
محمد القزويني
جواثى
بضم الجيم، وهي مدينة كبيرة كانت عامرة بالسكان قبل الإسلام وبعده، وكانت كثيرة الزرع والنخيل، وأول من سكنها وعمرها هم (بو عبدالقيس)، وكانت في ذلك الحين هي العاصمة ومقر الحكومة لمنطقة (هَجَر) و(البحرين)، وفي سنة 317هـ استبدلها القرامطة بمدينة (الأحساء) وجعلوها عاصمتهم.
وفي (جُوَاثي) أول مسجد أقيمت فيه الجمعة بعد مسجد النبي (ص) وهو (مسجد عبدالقيس).
وقد هجرت هذه المدينة واندثرت منذ زمن طويل، ولم يبق منها الآن إلا جزء من مسجدها وبعض آثارها.
الجوامع الثلاثة
1 ـ الوافي: تأليف الفيض (1091هـ) ([467])
كتاب كبير جامع في فنون علم الدين. يحتوي على جملة ما ورد منها في القرآن المبين وجميع ما تضمنته الأصول الأربعة: «الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار» من أحاديث الأئمة. جمعها ودوَّنها ونظَّمها وهذَّبها ورتَّبها وفصَّلها وبذل جهده في أن لا يشذ عنه حديث ولا إسناد. وشرح منها ما لعله يحتاج إلى بيان شرحاً مختصراً. وأورد أحاديث مهمة من غيرها من الكتب والأصول. ووفَّق بين أكثر ما يكاد يكون متنافياً، وأول بعضه إلى بعض.
ووضع لكل من الأصول الأربعة علامة؛ فعلامة الكافي (كا)، وعلامة من لا يحضره الفقيه (يه)، وعلامة التهذيب (يب)، وعلامة الاستبصار (صا). وجعل عنوان ما يتعلق بشرح الحديث كلمة (بيان). وعبَّر عن التهذيب والاستبصار بالتهذيبين. وربما فرق حديثاً واحداً يشتمل على حكمين في بابين، وكرر الإسناد، وربما أورد طائفة من الأخبار الواردة في حكم واحد في باب، وذكر سائرها في باب آخر مع الإشارة إلى ذلك في كل منهما. وكل حديث يحتاج إلى شرح فإنْ وجد شرحه من حديث آخر ولو من غير الكتب الأربعة شرحه به. وإن تعرض لشرحه أحد المشايخ الثلاثة «الكليني، والصدوق، والشيخ الطوسي»، أو ألفاه في كلام غيرهم من أهل العلم أو أئمة اللغة نقله عنهم، وإلاَّ شرحه بعقله بمقدار فهمه.
صنَّف الفيض كتاب الوافي في (15) مجلداً آخرها في مشيخة الكتب الأربعة والرجال. وأكمله في سنة 1068هـ. واصطفى كتاب (الشافي) من الوافي في سنة 1082هـ. وجعله جزأين؛ جزء هو من قبيل العقائد والأخلاق، وجزء هو من قبيل الشرائع والأحكام. ورتَّب كلاً من الجزأين على اثني عشر كتاباً يشتملان معاً على (335) باباً. وعدة سطور الأصل (150000).
2 ـ الوسائل: تأليف الحر العاملي (1104هـ).
كتاب كبير في الفقه والحديث والأصول والرجال مرتب على ترتيب كتب الفقه. يشتمل على جميع أحاديث المسائل الشرعية ونصوص الأحكام المروية في الكتب المعتمدة الصحيحة؛ وهي الكتب الأربعة الأصول: «الكافي، ومنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار» وسائر الكتب المعتمدة وهي (87) كتاباً غير ما نقل منه بالواسطة وهي (94) كتاباً.
صرف الحر في جمع كتاب الوسائل وتهذيبه وترتيبه وتحقيقه مدة مديدة تقارب عشرين سنة. وقد جمع الفتاوى والأحكام المنقولة عن الأئمة مستقصياً للفروع الفقهية والأحكام المروية، والسنن الشرعية، والأدعية الدينية والدنيوية، تاركاً للأحاديث التي لا تتضمن شيئاً من الأحكام وللأخبار المشتملة على الأدعية الطويلة والزيارات والخطب؛ مبتدءاً باسم من نقل الحديث عن كتابه ذاكراً للطرق والكتب، وما يتعلق بها في آخر الكتاب.
وتشتمل خاتمة الكتاب على اثنتي عشرة فائدة؛ في ذكر طرق الصدوق والشيخ الطوسي والكليني، والكتب المعتمدة التي نقل منها أحاديث الكتاب وشهد بصحتها مؤلفوها وغيرهم وقامت القرائن على ثبوتها وتواترها عن مؤلفيها، وطرق رواية تلك الكتب وشهادة العلماء بصحتها، وذكر أصحاب الإجماع وأصحاب الأصول والموثقين ونحوهم، وتفصيل قرائن الخبر والاستدلال على صحة أحاديث الكتب التي نقل منها، وجواب الاعتراض عليه، والأحاديث المضمرة، وأحوال الرجال.
ابتدأ الحر بالكتاب قبل سنة 1066هـ، وأتمه في سنة 1088هـ.
3 ـ البحار: تأليف المجلسي (1110هـ).
كتاب كبير واسع في الأخبار، متَّسق الفصول والأبواب، مضبوط المقاصد والمطالب. صدر المجلس كل باب بالآيات المتعلقة بالعنوان ثم أورد بعدها شيئاً مما ذكره بعض المفسرين فيها. وقد أوضح ما يحتاج إلى الكشف من الأخبار ببيان شاف على غاية الإيجاز.
يشتمل البحار على كتب وأبواب كثيرة الفوائد ككتاب العدل والمعاد، وتواريخ الأنبياء، والأئمة وكتاب السماء والعالم المشتمل على أحوال العناصر والمواليد.
أخذ المؤلف كتابه من أمهات الكتب والأصول والمصادر عدد منها فوق (416) وقد أشار في غير موضع إلى سائر كتب بعض مؤلفيها ورسائلهم وأجوبتهم، إضافة إلى (87) من كتب السنّة.
جزَّأ المجلسي البحار (26) مجلداً تحوي (2489) باباً في العلم والعقل والجهل والتوحيد والعدل والمعاد، والاحتجاجات والمناظرات، وجوامع العلوم، والنبوة وقصص الأنبياء وتاريخ النبي (ص)، والإمامة وأحوال الأئمة وتواريخهم وما جرى عليهم، والسماء والعالم، والإيمان ومكارم الأخلاق، والكفر ومساوىء الأخلاق، والعشرة والآداب والسنن والمواعظ والقرآن والدعاء والمزار والفقه والرجال والإجازات والفوائد والتواريخ.
ابتدأ المجلسي بتأليف البحار قبل سنة 1077هـ، وشغل به حتى مات في سنة 1110هـ، وهي مدة تزيد على ثلاثين سنة.
د. حسين علي محفوظ
جوامع الجامع
تأليف: أمين الإسلام الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفى سنة 548هـ.
تفسير للقرآن الكريم، هو الثالث للمصنَّف، متوسط في المقدار والحجم بين تفسيريه: الكبير المبسوط مجمع البيان، والصغير المختصر الكاف الشاف من كتاب الكشّاف، ألفه بعدهما وانتخبه منهما، شرع به في صفر سنة 542هـ وفرغ منه في محرم سنة 543هـ.
الجواهر
كتاب لابن البراج
ابن البراج هو أبو القاسم سعد الدين عبدالعزيز بن نحرير بن عبدالعزيز بن البراج القاضي والملقب بعز المؤمنين (ت شعبان 481هـ/ تشرين الأول 1088م). فقيه مشهور. لا تتوفر معلومات دقيقة عن تاريخ ولادته. ولكن ذكر أنه بلغ من العمر ثمانين ونيفاً، لذلك يمكن القول إنه ولد في حوالي 400هـ، ولد بمصر وبها نشأ وعرف في نفس الوقت بالطرابلسي لتوليه قضاء طرابلس الشام فترة طويلة وقد حضر في بغداد درس السيد المرتضى سنة 429هـ/ 1038م وأخذ عنه مدة 7 سنوات أي حتى وفاة السيد المرتضى. وبعد وفاة السيد المرتضى، حضر درس الشيخ الطوسي وأخذ عنه لعدة سنوات. وفي سنة 438هـ/ 1046م سافر إلى طرابلس ويبدو أن الشيخ الطوسي هو الذي أرسله وقد ولاه جلال الملك أبو الحسن بن عمار قضاء طرابلس بين سنوات 464 ـ 492هـ (1072 ـ 1099م).
وابن البراج من مشاهير علماء الشيعة وقد كانت آراؤه دائماً موضع اهتمام الفقهاء الكبار وغالباً ما يشار إليها ويعتمد عليها.
من مؤلفاته ـ المطبوعة: 1 ـ الجواهر، طبع في 1276هـ/ 1859م في طهران ويرى بعضهم أن هذا الكتاب أول ما كتب في القضايا الفقهية على شكل سؤال وجواب، 2 ـ شرح جمل العلم والعمل. 3 ـ المهذب. وهنا العديد من مؤلفاته التي فقدت.
جواهر الكلام
كتاب للشيخ محمد حسن النجفي
يمثل الإلمام بشخصية الشيخ محمد حسن النجفي مدخلاً مناسباً لدراسة كتابه «جواهر الكلام» ومنهجه الفقهي من خلال الكتاب نفسه. كما يمكن أن تقدم هذه الإطلالة على شخصية الشيخ النجفي، صورة واضحة للعصر العلمي يومذاك والحياة العلمية السائدة في تلك المرحلة.
عاش الشيخ النجفي في القرن الثالث عشر الهجري، وربما كانت ولادته في العام (1202هـ)، كما في بعض المصادر([468])، وتوفي في العام (1266هـ).
والظاهر أنه من مواليد مدينة النجف الأشرف في العراق، وفيها ترعرع ونشأ وأقام، وتوفي ودفن والمدينة ـ كما هو معروف ـ مركز إشعاع علمي على مدى عدة قرون، وبما يقرب من ألف عام منذ هجرة الشيخ الطوسي إليها. وعلاوة على هذا المناخ العلمي العام، فقد كانت أسرة الشيخ نفسه أسرة علمية معروفة، ولأبنائها بالمعرفة والعلم شغف واهتمام.
لكن، مع ذلك، لم يكن لهذه الأسرة من الاشتهار قبل الشيخ النجفي كما هو اشتهارهم بعده، إلى درجة أصبحت تعرف بكتابه «جواهر الكلام» فلقبوا بآل «الجواهري»، وهي نسبة تعبر عن قوة الشخصية وعمق تأثيرها على نطاق الأسرة نفسها وعلى النطاق الاجتماعي العام.
وقد تكون شهرة الشيخ هي التي أكسبت أبناء الأسرة العزيمة على مواصلة المسيرة العلمية وهيأت لهم المناخ المعرفي، فصار فيهم العشرات من الفقهاء والأدباء والشعراء.
ولا يتاح للباحث العثور على تاريخ واضح للأسرة، بشكل تفصيلي، قبل الشيخ النجفي، وإن كان ثمة عدة من الفقهاء ممن أشير لهم في نسب الشيخ، ولكن هذا التاريخ لا يكفي لإلقاء الضوء على تاريخ الأسرة، ومنه البلدة التي هاجر منها إلى مدينة النجف الأشرف، والتي ربما يدعي بعض الباحثين أنها من بلاد إيران، وكما قد يشير إليه تلقيبه بالأصفهاني في بعض المصادر([469]).
ونقد نفى الشيخ محمد رضا المظفر أن تكون أسرة الجواهري من أصول إيرانية، وسرد قصة تسجيل الأسرة بالتبعية الإيرانية وحصولها على الجنسية الإيرانية، وذلك رداً على التجاوزات العثمانية على المواطنين يومذاك وتجنيدهم إجبارياً في صفوف الجيش العثماني، وكان ذلك تحديداً في عصر الشيخ علي الجواهري المتوفى عام (1318هـ)([470]).
ومهما يكن من أمر، فلا يضر أن تكون هذه الأسرة إيرانية أو عراقية، ويكفيها أن تكون مسلمة في انتمائها وانتسابها، ويبقى من حق العراقي والإيراني أن يعتز كل منهما ـ ولغيرهما أيضاً ـ بأحد أبرز رجالاتها «الشيخ محمد حسن النجفي»؛ إذ ليس للفكر حدود، وليس له حواجز وسدود.
حياته العلمية
بدأ الشيخ دراساته كما يبدأ غيره من طلاب العلوم الدينية دراساتهم، في المقدمات ثم السطوح، ثم الدراسات المعمقة الاختصاصية التي عرفت بـ«البحث الخارجي». وفي قائمة أساتذته([471]) تبرز أسماء علماء النجف الأشرف اللامعة يومذاك، وفي مقدمتهم شيخ النجف ومرجعها يومذاك الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء»، والسيد محمد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة»، والشيخان موسى ومحمد نجلا الشيخ جعفر كاشف الغطاء.
وتتلمذه على هذا الرعيل العلمي المتميز، مع قدراته الذاتية، أهَّله لأن يحتل موقعاً علمياً استثنائياً على مدى الزمن، ولا يزال اسم الشيخ النجفي وآراؤه الفقهية تتردد في الأوساط العلمية على تنوعها واختلاف انتماءاتها.
وقد شغل الشيخ النجفي الموقع الأول في مدرسة النجف الأشرف، إن لم يكن في العالم الإسلامي كله، بعد غياب أستاذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء ونجله الشيخ موسى، وقد شغل هذا المنصب في الوقت الذي كانت فيه عدة أسماء بارزة لامعة تتزاحم عليه بقدراتها العلمية الخلاَّقة، وهي كلها أسماء تنتمي إلى مدرسة الشيخ جعفر آل كاشف العطاء.
وإن كانت مدرسة «كربلاء» قد احتفظت ببريقها ونشاطها العلمي المتميز بعد عهد الوحيد البهبهاني؛ وذلك بفضل جهود الشيخ المازندراني المعروف بشريف العلماء، المتوفى (1245هـ)، فإنها أخذت تتراجع لحساب النجف الأشرف، وكان ذلك في عهد الشيخ صاحب الجواهر تحديداً، الذي اتسع مجلس بحثه، وبدأت أنظار العلماء تتجه إليه، ويختلف إليه طلاب العلوم، إلى درجة قيل إنَّ مجلس بحثه كان يضم أكثر من ستين فقيهاً([472]).
ويكفي أن نشير إلى أشهر تلامذته، من أمثال: الميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ حسين الترك والشيخ حسن أسد الله والشيخ محمد حسن آل ياسين والشيخ راضي الجفي والشيخ عبدالله نعمة العاملي والشيخ عبدالحسين الطهراني شيخ العراقين والشيخ جعفر التستري والشيخ جعفر الأعسم، وغيرهم كثر من أعلام النجف الأشرف يومذاك.
والظاهر إنَّ عدداً منهم انتشر في أرجاء البلاد الإسلامية لغرض التعليم الديني وتمثيل المرجعية الدينية في هذه الأرجاء([473])، لكننا لا نعلم بالضبط ما إذا كان ذلك في عهد الشيخ صاحب الجواهر أم بعده، ولكن الباحث يعثر على إشارات تدل على اهتمام الشيخ النجفي بتوسيع عمل المرجعية في هذا الإطار، ومنه انتدابه الشيخ محمد حسن آل ياسين، أحد أبرز الفقهاء من تلامذته، لتمثيله في الكاظمية من بغداد([474]).
أما آثاره العلمية فيكفيه كتابه «جواهر الكلام» الذي سيكون الموضوع الرئيس في دراستنا هذه.
وله في الفقه رسائل فقهية أخرى، منها: رسالة في الخمس وأخرى في الزكاة والمواريث وفي الحج سماها «هداية الناسكين» ورسالة أخرى في «الدماء الثلاثة».
وله في الفقه، أيضاً، رسالة «نجاة العباد» وهي عبارة عن الفتاوى المجردة عن الدليل والمدرك الشرعي، وغالباً ما يكتبها الفقيه (المرجع) لمقلديه ومريديه للرجوع إليها لمعرفة فتاواه في المسائل محل الابتلاء على اختلافها وتنوعها، وهو ما يعرف بـ «الرسالة العملية».
وقد ذكر آغا بزرك الطهراني أن الشيخ صاحب الجواهر استلَّ كتابه «نجاة العباد» من كتابه الكبير «جواهر الكلام»([475]). وأن معظم الرسائل التي ذكرت بأسماء خاصة هي رسائل مستلَّة من كتابه «نجاة العباد في يوم المعاد»([476]).
وتميزت رسالته العملية: «نجاة العباد» بغموض عباراتها وانغلاقها على فهم العوام، كما أشار إليه بعض الباحثين، بل أنهم ذكروا أنه كان متعمداً لهذا الغموض، وذلك لغرض تأكيد الحضور العلمائي في الأوساط الشعبية ورجوع الناس إليهم وتفاعلهم في الحياة([477]).
وليس في الأمر من غرابة فإنَّ الأسلوب الفقهي، السائد يومذاك، كان يقضي بتعقيد العبارة وعدم بسطها، وإلا كان ذلك دليلاً على ضعف القدرات العلمية وعدم الدقة وغياب المهارة الفنية أيضاً. واستطراداً نشير إلى أن هذه الظاهرة بدأت تنحسر من الحياة العلمية على الأقل في حقل «الرسالة العملية»، إضافة إلى شيوع المسائل الشرعية التي يجيب عنها الفقهاء، والتي غالباً ما تجمع تحت عناوين مختلفة، وتطبع لتكون في متناول غير المختصين في الحقل الفقهي من المقلدين لتذليل الصعوبات في أخذ الفتاوى الفقهية والتعرف عليها.
وعوداً على بدء، كانت الرسالة العملية التي كتبها صاحب الجواهر (نجاة العباد) موضع اعتماد الفقهاء للتذييل عليها والتعليق، وأخذت تحتل مركزاً متميزاً في الأوساط العلمية، فإذا فكر أحد الفقهاء (المراجع) بتعريف مقلديه بفتاواه الفقهية عمد إلى التعليق عليها ووضع الهوامش شرحاً لمتنها الفقهي، وذلك لبيان وجه الاختلاف في الفتاوى.
وقد علق عليها جمع من أكابر الفقهاء، وذكر أنَّ أولهم كان الشيخ مرتضى الأنصاري الذي تزعم مدرسة النجف الأشرف بعد وفاة الشيخ صاحب الجواهر، ثم الميرزا الشيرازي قائد ثورة التنباك والشيخ راضي والمامقاني والشربياني، والآغا رضا الهمداني، والشيخ محمد طه نجف والسيد إسماعيل الصدر والسيد كاظم اليزدي وغيرهم، ولم تنسخ إلا بعد ظهور «العروة الوثقى» للسيد كاظم اليزدي([478])، التي أخذت موقعها في الأوساط العلمية بعد ذلك وإلى يومنا الحاضر.
أما في أصول الفقه فله كتاب مستقل ذكر بعض الباحثين([479]) أن نسخته الوحيدة التي هي بخط يده تلفت بوقوعها في البئر بعد أن ألقاها ولد له صغير. وقد أشار إليه الشيخ في كتابه «جواهر الكلام»، وأحال عليه في عدة مواضع([480]).
عصره ومرجعيَّته
عاش الشيخ النجفي في حقبة تميزت ببروز عدد من الجهابذة والفقهاء الكبار، سواء كان ذلك في كربلاء إبان الصراع بين الأصوليين والإخباريين أو في النجف الأشرف بعد عصر الوحيد البهبهاني وانتقال المرجعية والعلم إلى النجف الأشرف على حساب كربلاء.
وإن كان في الأسماء اللامعة، يومذاك، أمثال الشيخ أحمد الأحسائي والشيخ البحراني صاحب «الحدائق» فإن معظمها كانت تنتمي إلى مدرسة الوحيد البهبهاني (المتوفى عام 1206هـ) الذي أسهم بشكل أساسي في انتصار الحركة الأصولية، ثم تسارعت خطوات هذا الانتصار على يد تلامذته، من أمثال السيد محمد مهدي بحر العلوم (1212هـ) والشيخ جعفر كاشف الغطاء (1227هـ) والشيخ أبو القاسم القمي (1227هـ) والسيد علي الطباطبائي (1221هـ) والتستري (1234هـ)، لتتعمَّق هذه المدرسة على يد الجيل الذي تلاه، من أمثال السيد محمد المجاهد (1242هـ) والشيخ موسى كاشف الغطاء (1241هـ) والسيد أحمد النراقي (1245هـ) والشيخ علي كاشف الغطاء (1241هـ) والشيخ صاحب الجواهر الذي آلت إليه المرجعية، في وقت كانت فيه عدة أسماء لامعة ممن ذكرنا.
كانت شخصيته متميزة، اتسمت ـ كما تشير المصادر ـ بالقوة وأخلاق الرئاسة.
وقيل إنَّ حياته كانت تختلف إلى حد كبير، عن حياة غيره من الفقهاء، إنْ من حيث المظهر أو من حيث طريقة المعيشة وتعاطيه مع الناس، على اختلاف طبقاتهم بما في ذلك العلماء والأدباء والشعراء، بل وأركان الدولة والسلطان أيضاً([481]).
وربما يندرج في هذا الاتجاه ما يقال عنه: إنَّه كان متساهلاً في إجازة تلاميذه بالاجتهاد([482])، إلى درجة قيل معها: «إن صاحب الجواهر عنده مصبغة يخرج منها علماء، لأنه لم يبق بلد من بلدان إيران إلا وفيه من خريجي مدرسته»([483]).
وفي هذا القول دلالة، بل ومغزى كبير، يمكن أن يطل الباحث من خلاله على طبيعة العلاقة بين الدولة الإيرانية ـ يومذاك ـ والمرجعية المتمثلة بالشيخ صاحب الجواهر. ويبدو أنَّ مصدر هذه الإشاعة هو السلطات الإيرانية، وعلى رأسها الشاه محمد القاجاري، وقد بلغت درجة اضطر معها الشيخ صاحب الجواهر إلى الرد عليها من فوق منبره، حيث قال: «كتب إليَّ بعض إخواني من طهران يقول إن السلطان محمد شاه القاجاري قال: بأن عند الشيخ محمد حسن مصبغة اجتهاد يصبغ فيها الطلبة ويرسلهم إلى إيران، مع أنه يعلم بأني لم أشهد باجتهاد هؤلاء الذين كتبت بالرجوع إليهم في المسائل والقضاء، فإن مذهبي في المسألة معروف فإنني أجوز القضاء بالتقليد»([484]).
وهذا، بحد ذاته، يعكس الصراع القائم بين السلطان والفقيه، فقد كانت المرجعية قوية وفاعلة، وبخاصة مع أستاذ الشيخ صاحب الجواهر، أعني الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الذي ربما تكون المرجعية في طورها المركزي مدينة إليه، وهي من إبداعاته وإنجازاته.
وتكرَّست فاعلية المرجعية بعد الشيخ جعفر كاشف الغطاء مع نجله الشيخ موسى، وإن كان ذلك على درجة أقل، لكن يكفي حضوره في العلاقات العثمانية ـ الإيرانية وما آلت إليه من توتر إلى صلح تمَّ على يديه.
وهذه الإنجازات، وإن أعطت للمرجعية صورتها الحقيقية، فإنها قد تكون أسهمت في إضعافها؛ إذ إنَّ الهدوء الذي نعمت به السلطات الإيرانية يومذاك بعد تهدئة الوضع الخارجي مع الدولة العثمانية، هيأ لها أن تتفرغ للمرجعية، وتحاول أن تقلل من دورها وحضورها المتميز الذي لم يكن بالإمكان تحجيمه في ظرف عصيب.
لكن ذلك لا يعني أنَّ العلاقات بين السلطات الإيرانية والمرجعية ساءت وتدهورت، وإن كان نزوع السلطات إلى تحجيم المرجعية أمراً طبيعياً، لكن بقيت النجف الأشرف قوية وفاعلة، وربما أسهمت السلطات الإيرانية نفسها في تقديم الخدمات لها ما دامت هذه الخدمات لا تؤثر على نظامها، وهي بعيدة عنها.
وإن كانت المرجعية على عهد الشيخ صاحب الجواهر ليست كما كانت على عهد أستاذه الشيخ كاشف الغطاء، إلا أنها بالتأكيد ليست كما هي بعده.
ولعل ما يوحي بفاعلية مرجعيته أنه لم يشأ عدم التخطيط لما بعده، في محاولة قد تكون الأولى من نوعها، وهي دلالة من جهة أخرى، فالمرشح ليس من تلاميذه وليس من أسرته، وإن كان قريباً منه إلى حد ما، لكنه اقتنع أنه الأكفأ والأكثر جدارة بهذا المنصب، وكان المرشح هو الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام (1282هـ).
«جواهر الكلام» الوصف العام
ربما يحسن بنا التمهيد، لوصف كتابه «جواهر الكلام»، بمقدمة تاريخية ضرورية عن تطور الكتابة الفقهية وتبلور البحث الفقهي في هذا الحقل تحديداً، وذلك لوضع كتاب «جواهر الكلام» في سياقه الصحيح، وتقييمه من بين مجموعة كبيرة من أمهات المصادر الفقهية.
والظاهر أن هذه الدراسات قد اتخذت أشكالاً مختلفة، تبعاً لعوامل عديدة لسنا الآن بصدد الحديث عنها، إنما نحن، في صدد استعراض مراحل هذه الدراسات وسيرها فنياً ومنهجياً فحسب.
الشكل الأول: يلاحظ، في المراحل الأولى للكتابة الفقهية، اقتصار الفقهاء على نقل الحديث والرواية جواباً على الاستفتاء، دونما تعليق أو صناعة علمية، إلى درجة احتفظ معها بالسند أيضاً. ولذلك طغى شيوع كتب الحديث وغاب أي لون من ألوان الكتابة الفقهية الأخرى.
الشكل الثاني: ومع تقادم الزمن وتطور التفكير الفقهي، وعلى خلفية كثرة الأحاديث والروايات التي كانت موضوع بحث الفقيه سنداً ودلالة، أخذ الفقيه في تلك الحقبة يجيب على الاستفتاء بما ثبت عنده من الروايات والنصوص الشرعية وما صح منها، متخلياً عن السند وطريقة «العنعنة» تاركاً ذلك لمجاله الذي يناسبه، وهو حقل الحديث والرواية تحديداً.
الشكل الثالث: ثم تحلل الفقيه شيئاً فشيئاً من الالتزام بمتن الحديث، لأنه وجد نفسه في مقام الإفتاء وإعطاء الرأي، وليس في مقام نقل الرواية.
وفي هذه الآونة، ظهرت عدة كتب ومصنفات فقهية بوصفها «فتاوى مجرَّدة» عن الاستدلال من جهة ومتحررة من لفظ الحديث من جهة أخرى. إلا أنَّ هذا التغير لم يكن كبيراً، إذ يلاحظ الباحث على هذه الكتب والمصنَّفات أنها لا تبتعد عن لفظ الحديث كثيراً، وإن فعل مصنفوها ذلك فهو تعديل يسير.
الشكل الرابع: وقد تكون تلك المراحل السابقة بمثابة التأسيس للكتابة الفقهية، حيث استنفدت أغراضها، وأخذ بعض الفقهاء يفتشون عن لون جديد من الكتابة الفقهية، لغرضين: أولهما تعميقها وثانيهما الوفاء بمتطلبات الزمان التي تحتم إبداع مناهج للكتابة جديدة، فضلاً عن إبداع مناهج للتفكير جديدة أيضاً.
وفي هذه الآونة ظهرت «الشروح» التي غالباً ما يميل مؤلفوها من الفقهاء إلى شيء من الاستدلال، وسبر للأقوال في المسائل الفقهية موضوع البحث.
الشكل الخامس: إلا أنَّ هذه «الشروح» لم تف بالغرض؛ فهي، على مستوى الاستدلال، تأتي مقتضبة، وغالباً ما يقفز الفقيه إلى النتائج عبر عملية حرق واسعة، لمراحل الاستدلال. فانطلق عدد من المتأخرين إلى التوسع في الشروح وتطويرها منهجاً ومضموناً.
وفي هذا الإطار يندرج كتاب «جواهر الكلام»؛ وإن عُدَّ في كتب الشروح ومصنَّفاتها، والشروح المزجية تحديداً، فإنه يختلف عنها ويمتاز، وينأى بنفسه بعيداً بخصوصياته الفريدة والنادرة أيضاً.
والكتاب ـ كما هو معروف ـ شرح لكتاب «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» للمحقق الحلي، من فقهاء القرن السابع وأحد أشهر علماء الشيعة، وقد تصدى لشرحه عدد كبير من الفقهاء، وفيهم من يشار إليه بالبنان من أمثال الشهيد الثاني والسيد محمد صاحب المدارك وغيرهما، لكن لم يُوَفَّق أحد من هؤلاء كما وفق الشيخ النجفي، إن من حيث إكماله الشرح أو من حيث خصوصيات الكتاب التي سنشير إلى بعضها.
وقد جاء «جواهر الكلام» شرحاً وتفسيراً لعبارة المحقق الحلي، من حيث توضيح المراد والإشارة إلى موارد الاتفاق والإجماع والشهرة، الى الاختلاف وغير ذلك، بل ومحاكمة هذه الأقوال وترجيح بعضها ورد بعضها الآخر، من خلال قراءة النصوص الشرعية والتعاطي منها.
ولئن تقيَّد الشيخ النجفي بمنهج المحقق الحلي، من حيث السير معه فقرة فقرة وعبارة بعد عبارة، ومن حيث المنهج الشكلي الذي رسمه المحقق الحلي لنفسه في كتاب «شرائع الإسلام»، والذي يحسن تسميته التقسيم الرباعي لمسائل الفقه (عبادات، وعقود، وإيقاعات وأحكام). فإنه مع ذلك لم يكن أسيراً لذلك كله، فالباحث، وهو يتصفح كتاب «جواهر الكلام» يقرأ كتاباً مستقلاً من دون أن يشعر بتجاذب الكتاب الآخر، فها هو «جواهر الكلام» يبتلع كتاب «شرائع الإسلام» ليذوب فيه ويمتزج به. ولولا عناية الشارح والناسخ معاً بعبارة المحقق الحلي ومحاولة إبرازها بوضوح، لتمييز المتن من الشرح، لما كان لأحد أن يميز المتن من شرحه، وعبارة المحقق من عبارة الشيخ الجعفي في شرحه.
منهج الشيخ النجفي في «جواهر الكلام»
على الرغم من مضي أكثر من قرن ونصف على تأليف الكتاب، فإنه لا يزال أحد أبرز المصنفات الفقهية في المكتبة الإسلامية الشيعية، بل إنه يحتل الصدارة من بينها على الإطلاق، ولم يتسن لأي مصدر من المصار الفقهية ـ إلى الآن ـ أن يصادر بريق كتاب «جواهر الكلام» وتوهجه، فإنه لا يزال الأول ـ من مصادر الفقه ـ عند الفقهي بلا منازع، إلى درجة قال معها الشيخ الأنصاري: «يكفي للمجتهد في أهمية وعدة تحصيله نسخة من الجواهر وأخرى من الوسائل مع ما قد يحتاج إليه أحياناً من النظر في كتب الأوائل([485]).
ويلاحظ الباحث على «جواهر الكلام» أنه توفر على عدد من الخصوصيات لم يتوفر عليها مرجع من مراجع الفقه ومصادره الأساسية، نحاول أن نجملها في ما يأتي:
أولاً: وفرة مصادر الكتاب ومراجعه
لعلَّ أبرز ما يلاحظه الباحث هو وفرة مصادر الكتاب ومراجعه. ويبدو أنَّ الشيخ النجفي، بتتبعه وملاحقته لهذه المصادر، توفر على أهمها وأكثرها قيمة في حركة الفقه، فقدَّم ما يستعين به الفقيه ويستغني به عن نفسه.
ويجد الباحث عدداً كبيراً وهائلاً من أسماء هذه المصادر، على اختلاف أزمنة تأليفها وتصنيفها، وعلى تنوع مؤلفيها ومدارسهم وانتماءاتهم الفكرية الفقهية. ابتداءً بإبن أبي عقيل وابن الجنيد والصدوقين والمفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي، مروراً بسلار وابن حمزة وابن زهرة والحلي والمحقق الحلي والعلامة وفخر المحققين والشهيد الأول والثاني والسيد العاملي والمقدس الأردبيلي والمجلسيين، وانتهاء بالطباطبائي بحر العلوم والوحيد البهبهاني والشيخ جعفر كاشف الغطاء…
ولم يقتصر التنوع في مصادره على لكتب الفقهية، فقد تعدى ذلك إلى كتب الرجال وكتب اللغة وكل ما يسهم في الإضاءة للتوصل إلى الحقيقة.
ولا نعرف ما إذا كان الشيخ النجفي قد اعتمد على هذه المصادر بشكل مباشر ودونما وساطة، لكن هناك عدة إشارات كافية لاستبعاد فرض اعتماده عليها بشكل مباشر ودونما وساطة دائماً، فقد كان يعتمد على كتب مشهورة ومتداولة ويفترض أن تكون في حوزته، لكن رغم ذلك نقل عنها بالواسطة كما يعبر عنه بقوله: «محكي المبسوط والاقتصاد وغير ذلك»([486])، وهذه عبارة ذات دلالة علمية ومنهجية عند الفقهاء تعني أن الفقيه لم يرجع إلى المصدر بشكل مباشر وإنما حكى عنه ونقل.
ويلاحظ الباحث على شيخ الجواهر أنه نقل نصوصاً عديدة من بعض المصادر من دون الإشارة إليها أو التنويه بمصادرها»([487]).
لكن هذه الملاحظة لا تقلَّل من قيمة الكتاب، ولا تصلح لأن تكون مطعناً فيه، ذلك لأن عادة الفقهاء جرت على الاقتباس من المراجع الأخرى، وهو اقتباس لا يتعدى العبارة إذا كانت العبارة وافية سالمة من الاعتراضات إلى حد ما.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشيخ النجفي، كما هو معروف في مصادر التاريخ والتراجم، لم يكتب «الجواهر» ليكون مرجعاً ومصدراً من مراجع الفقه ومصادره، بل أراد له أن يكون «مذكرة» له تعينه في الحالات التي ينأى فيها عن إقامته ومكتبته([488]).
ثانياً: تَضَمُّن الكتاب أكثر الأقوال في المسألة الفقهية الواحدة
يشتمل الكتاب على أكثر الأقوال في المسألة الفقهية الواحدة، من خلال تتبع هذه الأقوال وملاحقتها وتصنيفها في اتجاهات وتيارات. وهذه الخصوصية هي التي دعت الشيخ الأنصاري لأن يعدَّه المرجع الفقهي الرئيس الذي يستغني به الفقيه عما سواه من المراجع الفقهية الأخرى.
وإذا كان ثمة عدد من المراجع الفقهية يتوفر على هذه الخصيصة، مثل كتاب «مفتاح الكرامة» للسيد جواد العاملي، فإنه لم يبلغ ما بلغه. «الجواهر»، نظراً إلى الطابع التحقيقي الذي اتصف به الكتاب، ابتداءً من تحرير موضع النزاع وانتهاء بإعطاء النتائج الفقهية.
بل أنه اشتمل على فروض جديدة ومسائل غير محررة في كتب الأقدمين من الفقهاء، ومعاصريه أيضاً([489]). ولو أتيح للباحث متابعة الفروع الفقهية والمسائل والفروض على اختلافها تاريخياً لعثر على الكثير من النتائج في هذا الحقل البكر الذي لم يشأ الباحثون الاهتمام به إلى الآن بشكل جاد.
ثالثاً: تمرير دعاوى الإجماع والشهرة… أحياناً، وتحقيقها أحياناً أخرى.
وإذا كان «جواهر الكلام» قد اشتمل على تحقيقات علمية ربما لم يشتمل عليها مرجع فقهي آخر، فإنه يلاحظ عليه طغيان لغة الإجماع والشهرة، والمعروفية، وضرورات الدين، وضرورات المذهب..
لكن للإنصاف ينبغي القول: إن الشيخ النجفي لم يشأ تمرير هذه المصطلحات جميعها وإن طغت على الكتاب، في أحيان كثيرة، فإنه حقق عدداً من دعاوى الإجماع وناقش بها، بل ونفاها أحياناً أخرى([490]).
وكان له، كذلك، موقف من الشهرة، وهنا ينبغي التنويه بحقيقة علمية، وهي أنَّ احترام الفقيه للشهرة أو الإجماع أو الاتفاق ـ وإن كان في بعض الحالات يعبر عن ضعف شخصيته ـ ينطلق، وفي الموقف العام من موقف «مبنائي» يعتبر الفقيه في ضوئه أن الشهرة كافية والاتفاق كاف للمنع من الإفتاء على خلافه، وهو موقف إن نوقش فإنه يناقش علمياً فقط ولا يتم تجاوزره إلى غير ذلك.
وسيأتي الحديث عن آرائه الفقهية ـ أو بعضها بعبارة أصح ـ ومدى قوة شخصيته الفقهية وتأثيره في حركة الفقه والاجتهاد.
رابعاً: عدم الإطالة في التعاريف
وإذا كان الكتاب قد اشتمل على ما أشرنا إليه من التحقيقات الفريدة، بما قلَّ نظيره في الموسوعات الفقهية يومذاك، فإنه من جهة أخرى تجاوز الأسلوب العلمي الذي دأب عليه عدد جم من الفقهاء، وهو عنايتهم بالاصطلاحات والتعريفات ومناقشاتهم الحادة والمطولة حولها، للتأكد مما إذا كانت دقيقة «وجامعة مانعة بالتعريف المنطقي» أو لم تكن كذلك.
هذا الاهتمام تجاوزه الشيخ النجفي إلى حد ما، بل وعبَّر عن امتعاضه منه في عدد من المواضع، ابتداءً من الجزء الأول وانتهاء بالجزء الأخير من كتابه.
وقد ذكر في هامش «تعاريف» أنَّ النقض والإيراد على التعاريف قد لا يكون ذا ثمرة، وعليه فلا حاجة للفقيه بالإطالة فيه وقضاء وقته به([491]).
بل إنه لاحظ، على عدد كبير من المراجع الفقهية، استغراقها في التفسير والشرح بما لا ثمرة فيه، بل بما يؤدي إلى الابتعاد عن النتائج الفقهية الصحيحة والسليمة.
قال على هامش ما يعرف بأحاديث التحليل من كتاب الخمس: «… ومن ذلك كله يظهر لك المناقشة أيضاً في التفاسير الأخر للقسمين الآخيرين، فلا ريب في إجمال عبارات الأصحاب في هذا المقام وسماجتها وعدم وضوح المراد منها أو عدم صحته، بل يخشى على من أمعن النظر فيها، مريداً إرجاعها إلى مقصد صحيح من بعض الأمراض العظيمة قبل أن يأتي بشيء، وظني أنها كذلك مجملة عند كثير من أصحابها، وإن تبعوا في هذه الألفاظ بعض من تقدمهم ممن لا يعلمون مراده، وليتهم تركونا والأخبار فإن المحصل من المعتبر منها أوضح من عباراتهم…»([492]).
ويمكن أن نشير إلى ما يسميه الشيخ النجفي بالتكلف في الاستدلال الذي ربما خالف القواعد الفقهية([493])، أو سهولة الدين وإرادة التخفيف ونفي الحرج([494])، أو الفهم العرفي([495]).
خامساً: كثرة الموارد وتنوعها
وقد لا يتاح للباحث متابعة «موارد» الجواهر لأنَّها كثيرة جداً، وهي متنوَّعة بين مورد فقهي وآخر أصولي ـ كما سيأتي ـ وثالث رجالي، ورابع في الحديث والرواية، وخامس في غير ذلك من القضايا الأخلاقية والوصايا والوعظ.
ويعثر الباحث على آراء الشيخ النجفي وتحقيقاته في علم الرجال هنا وهناك في مطاوي موسوعته الكبيرة (جواهر الكلام)، كما في مناقشاته للعلاَّمة الحلي في أسانيد بعض الروايات وتوثيق علي بن الحسن بن فضال الواقع في طرقها([496]). ويظهر ذلك في مناقشته للشهيد الثاني في توثيق معاوية بن حكيم وفي أنه فطحي أو لا([497])، وإشارات أخرى هنا وهناك.
ويجد الباحث، في مطاوي موسوعته، أيضاً، تحقيقات وتعليقات في الحديث والرواية بثها في ثنايا الكتاب، مستقياً الروايات والأخبار وما ورد منها وما سجل في هذه المسألة أو تلك، كما في تعليقه على رأي العلاَّمة الحلي في أخبار صوم الأيام البيض([498])، وكذلك تعليقه على دعاوى ابن أبي عقيل في تواتر الروايات في خصوص الماء القليل وعدم تنجسه([499]).
وله رأي في الأخبار الضعيفة سنداً وأنها تنجبر بقبول الأصحاب([500])، وكذلك في حالات إهمال الأصحاب للأخبار الصحيحة من جانب التضعيف([501]).
وإن كان كتابه (الجواهر) محشوَّاً بالملاحظات الفقهية والرجالية والأصولية فإنه لا يخلو من تحقيق مسائل تاريخية ـ استطراداً ـ كما في ولادة النبي (ص) وإن الثابت الصحيح هو من السابع عشر من ربيع الأول على خلاف ما اختاره ثقة الإسلام والطائفة الشيخ الكليني([502])، وعلاوة على ذلك يجد الباحث، في أحيان كثيرة، موعظة هنا وأخرى هناك، كما في حديثه عن الحج ووجوب تنزيه النفس عن الدواعي غير العبادية، فيتحدث عن تلك الدواعي وشيوعها في حياة الناس وتأثيرها على عبادة الحج([503]).
سادساً: تمثيله عصره من حيث اللغة والمنهج والأسلوب
وإذا كان قد توفر للكتاب ما يميزه من غيره، لجهة عدم الاستغراق في مما اعتاده بعض الفقهاء من شروح وتعليقات وتفريعات لا ثمرة لها فقهياً، أو لجهة النأي عن التكلف في الاستدلال بما ينسجم مع الذوق العرفي([504])، فأنَّ ذلك لا يعني أنه خرج كليَّةً عن منهج القدماء من الفقهاء والمجتهدين وأسلوبهم، فهو ينتمي إلى عصر كانت له لغته ومنهجه وأسلوبه، ولذلك قد يكون عسير الفهم بما فيه من إطالة وتتابع للموارد والفروع، أو نقض وإبرام وغير ذلك، وهو أمر طبيعي بمقاييس تلك العصور، وإن لم تكن كذلك في العصر الحاضر.
وعلى هامش ذلك، قد نسوّغ له لغته الشديدة وربما القاسية أحياناً مع خصومه فإنها تندرج في هذا السياق، وهذا ما يظهر في مناقشاته مع الشيخ البحراني، صاحب الحدائق، وهو يصفه باختلال الطريقة([505]). وكذلك مناقشاته مع الشهيد الثاني([506])، وإن كانت بلغة أقل قسوة مما هي عليه مع الأول، وكذلك تعليقه على بعض آراء السيد الداماد([507]).
آراؤه الأصولية
عاش الشيخ محمد حسن النجفي عصر إنجازات الانتصار الأصولي، وتصفية الحركة الإخبارية على يد الشيخ الوحيد البهبهاني وتلامذته، من أمثال المحقق القمي (أبو القاسم بن محمد حسن المتوفى 1231هـ) صاحب «القوانين»، والشيخ الكاظمي (أسد الله بن إسماعيل 1234هـ) مؤلف كتاب «كشف القناع عن حجية الإجماع»، والشيخ الأصفهاني (محمد تقي بن محمد رحيم 1248هـ) مؤلف «هداية المسترشدين في شرح معالم الدين»، والشيخ الأصفهاني (محمد حسين 1250هـ) مؤلف «الفصول»، والأعرجي (محسن الكاظمي 1227هـ) مؤلف «المحصول في الأصول».
ومع انتصار الحركة الأصولية (نسبة إلى أصول الفقه) وتأصيل المرتكزات الفكرية لهذه الحركة العلمية، أخذت تتعمق المباحث الأصولية وتتسع شيئاً فشيئاً، كلما بزغ نجم فقيه وطلع نجم فقيه آخر.
وقد تمَّ تحديد عدد من المقولات الأصولية على يد الوحيد البهبهاني وتلامذة مدرسته، ومن ذلك تحديد مفهوم الأصل العملي وتميزه من الأدلة الشرعية على الحكم، والتمييز بين الأصول العلمية المسماة بالأدلة «الفقاهتية» (الفقهيَّة) وبين الأمارات المسماة بالأدلة الاجتهادية([508]).
وبشكل عام يدين علم أصول الفقه، في مرحلته الأخيرة وما رافقها من تطور كبير، إلى هذه الحقبة المهمة من تاريخ علم الأصول، التي تم فيها التأسيس لعدد من المفاهيم والمنقولات الأصولية على خلفية الصراع بين الحركتين: الأصولية والإخبارية. هذا ما يفسر ظهور عدد من أهم الكتب والمصنفات الأصولية يومذاك والمستمر إلى يومنا الحاضر إلى حد ما، كما في كتاب «القوانين» و«الفصول» و«المحصول» و«هداية المسترشدين».
ثم تطور علم أصول الفقه، بامتداد هذه الحقبة نفسها، على يد الشيخ الأنصاري خليفة الشيخ صاحب الجواهر، والذي حاول تأصيل عدد من المنقولات الأصولية ومفاهيم علم الأصول، والدفع به إلى الأمام، سواء عن طريق تأصيلها من جهة التأسيس لمقولات جديدة كما في بعض التكييفات من قبيل «المصلحة السلوكية»، أم من قبيل ما يعرف بـ«الحكومة» أو «الورود» وغير ذلك من المفاهيم الأصولية.
هذا على المستوى العام لحركة علم الأصول وتطوره، أما على المستوى الخاص، وهو مدى إسهام الشيخ صاحب الجواهر في تدعيم هذه الحركة، فإننا لا نعرف عنه الكثير. ومن الأسف أن يضيع كتابه في الأصول الذي تقدم الحديث عنه، بل والذي أشار إليه الشيخ نفسه في عدد من المواضع في كتابه «جواهر الكلام»، كما في حديثه عن حجية خبر الواحد، وحجية الخبر الصحيح وغيره، وتخصيص الكتاب بالخبر وإفادة المفهوم للعموم وغير ذلك.
وربما يكون الإسهام الكبير الذي تحقق على يد الشيخ الأنصاري قد أسدل الستار على إسهام الشيخ صاحب الجواهر وإنجازاته في هذا الحقل. وربما لا يكون له إسهام بارز وفريد لتسجله كتب «الأصول» وتعنى به، وبخاصة أنه عرف فقيهاً أكثر منه أصولياً، إذ إنه وفق في الفقه إلى ما لم يوفق إليه غيره من الفقهاء، وأتيح له ما لم يتح لغيره منهم.
وربما يكون الإسهام الأصولي على حساب الفقه، والعكس صحيح أيضاً، ولا نعدم الأمثلة، فثمة عدد من الفقهاء برعوا في الأصول بما لم يبرعوا فيه في الفقه، وعدد منهم برع في الفقه بما لم يبرع فيه في الأصول.
لكن تجد، في «جواهر الكلام»، من التطبيقات الأصولية، ما يلقي الضوء كافياً على طبيعة تعاطيه مع هذا الحقل المعرفي الخاص. فثمة عدد هائل من المصطلحات الأصولية، من قبيل التخيير بين الأقل والأكثر، والشرط المتأخر، ومفهوم اللقب، ومفهوم المكان، ومفهوم الشرط، وأصالة الاشتراك وجريانها في التكليف والوضع، وجريان البراءة في الشك بالتكليف…
لكن ما يستوقف الباحث هو بعض التطبيقات في معالجته لعدد من المسائل الفقهية، في ضوء بعض القواعد والمقولات الأصولية.
ففي الوقت الذي يتكرر فيه ذكر قاعدة «التسامح بأدلة السنن»، ومن خلالها تمر عدة فتاوى بالكراهة تارة والاستحباب تارة أخرى، فإنه يناقش في مواطن منها، ولا يسمح (صاحب الجواهر) بتمريرها لأنها من الأخبار الضعيفة المتناقضة التي يشكل إثبات الأحكام بها، وإن كانت مشهورة «فربَّ مشهور لا أصل له». ويمكن مراجعة تعليقه على استحباب صوم يوم دحو الأرض وتفسير دحوها([509]).
وإذا كان الموقف من القياس في المدرسة الإسلامية الشيعية معروفاً بلحاظ عدم حجيته وجواز العمل به والتعويل عليه، فإننا لا نجد في المدرسة من يناقش في ذلك، أو يتوقف فيه، إلا أنَّ في التطبيقات ما ربما يكتشف صدق عنوان القياس عليه فيضبط على هذا الفقيه أو ذاك أنه ارتكب هذا اللون من التفكير، وقد نبه الشيخ صاحب الجواهر إلى عدد من تلك المظاهر والنماذج. وربما كان أكثر تفصيلاً وتدقيقاً ما لاحظه على المحقق الكركي، الذي نقل عنه أنه يبالغ في محافظته عن الوقوع في القياس، فناقشه على مستوى التطبيق لا على مستوى النظرية أو القاعدة([510]).
يبقى أن نشير إلى ما أسماه الشيخ صاحب الجواهر بيسر الدين وسهولة الملة في عدد من مواضع كتابه، لعل أوضحها في مناقشته مع الشيخ صاحب الحدائق، وبالتحديد في مسألة «جواز خروج المعتكف للأمور الضرورية» وما جرى من خلاف في بعض مصاديق هذه الضرورات التي ربما لا تصلح لتقييد إطلاق الأدلة بخصوص المسألة، كما يراه الشيخ البحراني فردَّه صاحب الجواهر بما علم من نفي الحرج في الدين، وسهولة الملة وسماحتها([511]).
وربما يكون أكثر منه جدارة بالتفكير ما أسميته روح التشريع وأهدافه، والذي أسماه في بعض المسائل (وخصوصاً في مسألة جواز صرف حصة الإمام من الخمس) بـ«حسن الظن برأفة إمام الزمان»([512]).
آراؤه الفقهية
قد لا يتاح للباحث استقصاء آراء الشيخ صاحب الجوهر نظراً لسعة موسوعته الفقهية، وما أتيح له من قدرة على التعليق على أمهات المسائل والفروع بل والفروع النادرة أيضاً. وبعض هذه الآراء محل وفاق واتفاق وبعضها موضع جدل وخلاف.
وإذا كنَّا نوَّهنا، في ما سبق، بدفاعه المستميت عن المشهور والمجمع عليه وما هو محل وفاق، وما هو موضع اتفاق، وحشده الأدلة بعد الأدلة له، وانتقاده بسببه أساطين الفقهاء من أمثال الشهيد الثاني والمقدس الأردبيلي والكاشاني… فإننا نلاحظ كذلك، ونحن نسجل لشيخ الجواهر شخصيته المستقلة، أنَّه لم ينطلق في موقفه المشار إليه من انسحاق أمام المشهور، وإنما كان ذلك انسجاماً مع موقف فقهي ومبنى صناعي يضطره إلى الدفاع عن الرأي الفقهي ما دام يعتقد صلاحه ويطمئن إلى نتائجه بعد أن كان ذلك شرعياً ومشروعاً.
وإلاَّ فقد خالف الشيخ صاحب الجواهر، وطار خارج سربه دونما أن يشعر بحراجة الموقف، ما دام رأيه سالماً مما يشوبه وفقاً للمقاييس الاجتهادية.
وكما ذكرنا فقد لا يتاح للبحث استقصاء آرائه وملاحقتها، وبخاصة في مثل هذا المقام، إنما تجدر الإشارة إلى أكثرها حيوية على المستوى العلمي أو على المستوى العملي الحياتي. وسنتعرض إلى مسألتين فقط هما:
1 ـ ولاية الفقيه
تعدُّ هذه المسألة من أهم المسائل التي وقع فيها الجدل والبحث، على الأقل في بعض الأزمنة، وإلاّ فليس لها تاريخ واضح، فهي لم تطرح بهذا العنوان بشكل مطلق، وإنما طرحت في عدة أبواب من قبيل حق الفقيه وولايته في القضاء وتولي الحكم وتنفيذه، وقبض الحقوق الشرعية، وولايته على القاصرين وما أشبه، وولايته في الجهاد، وغير ذلك…
ومن خلال هذه المفردات يمكن القطع أو الاطمئنان بدوره الكبير في المجتمع الإسلامي المعبر عنه بولاية الفقيه. ولذلك فلا إشكال عند الفقهاء بأصل ولايته في الجملة، وبتعبير آخر، من حيث المبدأ، إنما الخلاف في التفاصيل، وفي المفردات هنا وهناك.
وما نحن بصدده ليس البحث في تاريخ ولاية الفقيه وتتبع أقوال الفقهاء وتطور هذه المسألة، فهذا خارج عن دائرة البحث، وإنما نريد معرفة رأي شيخ الجواهر تحديداً.
والملاحظ أنه يدعم القول بولاية الفقيه، ويعدّها من المسائل الواضحة، وربما ردَّ على بعض خصومه بالخروج عن دائرة المعلوم بالضرورة كما في كلماته النقدية لصاحب الحدائق([513])، ويرى أن احتمال قصر ولايته ووكالته ـ أي الفقيه ـ على خصوص القضاء والفتوى ضعيف جداً.
وقد تعرض، على هامش الحديث عن «وجوب دفع الزكاة إلى الإمام أو نائبه لو طلبها»، بوضوح إلى ولاية الفقيه وكونها شاملة وعامة على حد ما للإمام المعصوم (عليه السلام) إلاَّ بما كان من مختصات المعصوم.
قال شيخ الجواهر: «… قلت: إطلاق أدلة حكومته خصوصاً رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (عليه السلام)، روحي له الفداء، يصيره من أولي الأمر الذين أوجب اللَّه علينا طاعتهم. نعم من المعلوم اختصاصه في كل ماله في الشرع مدخلية حكماً أو موضوعاً. ودعوى: اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعها معلومية توليه كثيراً من الأمور التي لا ترجع للأحكام، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين وغير ذلك هو محرر في محله. ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء، فإنهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المؤيد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشد من مسيسها في الأحكام الشرعية»([514]).
ومثله ما في كتاب «القضاء»، فقد قال: «… ويمكن بناء على ذلك ـ بل لعله الظاهر ـ على إرادة النصب العام في كل شيء على وجه يكون له ما للإمام (عليه السلام) كما هو مقتضى قوله (عليه السلام): «فإني جعلته حاكماً، أي ولياً متصرفاً في القضاء وغيره من الولايات ونحوها». بل هو مقتضى قول صاحب الزمان، روحي له الفداء: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»، ضرورة كون المراد منه أنهم حجتي عليكم في جميع ما أنا فيه حجة الله عليكم إلا ما خرج…» ([515]).
وأصرح منه قوله: «… أو لظهور قوله(عليه السلام): فإني قد جعلته عليكم حاكماً»، في إرادة الولاية العامة نحو المنصوب الخاص كذلك إلى أهل الأطراف الذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أمور المنصوب عليهم فيه، بل قوله (عليه السلام): «فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله أشد ظهوراً، في إرادة كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكم»، ومنها إقامة الحدود، بل ما عن بعض الكتب خليفتي عليكم أشد ظهوراً، ضرورة معلومية كون المراد من الخليفة عموم الولاية عرفاً نحو قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةَ فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ…}([516]).
ولذلك استغرب الشيخ النجفي مما أسماه بوسوسة بعض الفقهاء، وكأنهم لم يذوقوا من طعم الفقه شيئاً، ولا فهموا من لحن قولهم ورموزهم أمراً على حد تعبيرهم([517]).
ولأجل ذلك ناقش شيخ الجواهر، فيعدد من المسائل المبنيَّة على القول بولاية الفقيه، ومنها مسألة اشتراط وجوب الجهاد بوجود الإمام المعصوم، واعتبر أن القول المرجح ـ لولا الإجماع إنْ تم ـ هو عدم اشتراطه بوجود الإمام؛ وذلك لعموم ولاية الفقيه في زمن الغيبة الشاملة للموردة والمعتضدة بعموم أدلة الجهاد([518]).
2 ـ اشتراط الفقاهة والاجتهاد في القاضي
ومن المسائل المهمة التي كثر حولها أيضاً، والتي ربما يكون للجدل فيها أثر كبير في حياة الناس، مسألة: هل تشترط الفقاهة والاجتهاد في القاضي أو لا؟. وقد نقل الإجماع على القول بالاشتراط، وإن اشتراطهم الفقاهة محل اتفاق ووفاق بين الفقهاء. لكنّ للشيخ النجفي في جواهره رأياً آخر، وهو عدم اشتراط الفقاهة، وعليه يكفي في القاضي أن يكون عالماً على نحو يتيح له الحكم بفتوى فقيه آخر، وإن لم يكن هو ـ أي القاضي ـ فقيهاً مستقلاً بالفتوى.
وقد اعتبر شيخ الجواهر أنَّ الأخبار دالة على ذلك، وأنَّ غير الفقيه ممن يحكم بالعدل والقسط يندرج في القاضي والحاكم بحكمهم([519]) وليس ثمة ما يشير إلى المنع من ذلك في الأخبار، لأن المنع إنما بخصوص الحكم والقضاء بالرأي ووفقاً للمعايير غير الشرعية من قبيل الاستحسان والقياس([520]).
وما يقال من قصور الأدلة لشمول غير الفقيه دعوى خالية عن الدليل من وجهة نظر شيخ الجواهر، بل الدليل على خلافها بناء على ما استظهره من النصوص في نصب القاضي([521]).
وحينئذٍ فللفقيه أن يعيَّن للقضاء بين الناس بفتاويه، فيكون حكمه حكم مجتهده([522]).
محمد الحسيني
الجولان
الجولان هضبة جبلية معدّل ارتفاعها 1000 متر، يغطي مساحة 1750 كيلومتراً مربعاً في جنوب سوريا، ويبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب 65 كيلومتراً، وتراوح أبعاده من الشرق إلى الغرب ما بين 12 و25 كيلومتراً. وقد احتلت إسرائيل نحو 1250 كيلومتراً من هذه المساحة بتاريخ 9 ـ 10 حزيران 1967. ونتيجة حرب 1973 واتفاق فصل القوات السوري ـ الإسرائيلي في السنة التالية، أعادت إسرائيل إلى سوريا نحو 100 كيلومتر مربع.
تعتبر قمة جبل الشيخ (2224 متراً فوق سطح البحر) في الشمال ذات قيم جغرافية ـ استراتيجية استثنائية لأنها تمنح موقعاً مسيطراً، يطل على الجنوب اللبناني وعلى هضبة الجولان وعلى جزء كبير من جنوب سوريا وشمال إسرائيل. وعلى العكس، فجنوب الجولان يشكو جرّاء ضعف رئيسي لأنه يفتقر إلى سمات التضاريس المسيطرة. فإلى الشرق، هناك سلسلة من التلال البركانية التي توفر مدخلاً منحدراً إلى الجليل في الغرب، وإلى دمشق في الشرق؛ وإلى الغرب، تطل هضبة الجولان على مناطق إسرائيلية آهلة. ومنذ عام 1974، كان الجيش الإسرائيلي متمركزاً على بعد نحو 35 كيلومتراً من دمشق، بينما الجيش السوري يرابط على بعد نحو 250 كيلومتراً من تل أبيب.
وللجولان أهمية أيضاً بسبب موارده المائية الإقليمية. وهذا صحيح بصورة خاصة بالنسبة إلى منطقة جبل الشيخ. ومصادر نهر الأردن التي تغذيها الينابيع، تتفجر منفصلة هي: نهر الدان، ونهر الحاصباني، ونهر بانياس. والدان هو الأكبر بين الثلاثة، ويقع كلياً داخل إسرائيل أما الحاصباني فتكوّنه ينابيع في سفح جبل الشيخ في لبنان، على بعد نحو خمسين كيلومتراً في الأراضي من الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. وهو يجتاز نحو كيلومترين في الأراضي السورية قبل دخوله إسرائيل. وأما بانياس فهو الأصغر بين الروافد الأساسية. وقبل دخوله إسرائيل، يجتاز أقل من كيلومترين من الأراضي السورية. ويصل مجموع المياه التي تصبها الأنهار الثلاثة في مستجمع المياه السطحي لنهر الأردن الأعلى إلى 500 مليون متر مكعب سنوياً، في المعدل. وإلى الجنوب من جبل الشيخ، تشكل بحيرة طبريا (المعروفة أيضاً باسم بحر الجليل لأنها تقع في الجزء الشرقي من منطقة الجليل) ونهر اليرموك مصدري مياه إقليميين إضافيين مهمين.
الجولان
ـ 1 ـ
المرتفعات السورية المحتلة عام 1967، والمسماة حالياً هضبة الجولان، يبلغ طولها حوالي أربعين ميلاً وعرضها الأقصى حوالي 16 ميلاً. وهي تعرف في الخريطة الإدارية السورية بمحافظة القنيطرة الواقعة في أقصى الجنوب الغربي من أراضي الجمهورية العربية السورية، على نقطة التقاء الحدود الأردنية ـ السورية ـ اللبنانية ـ الفلسطينية.
ومن أهم مميزات هذه المنطقة، وعورة أراضيها وصعوبة مسالكها الجبلية. فهي تمتد شمالاً من سفوح جبل الشيخ الذي يعلو سطح البحر 9232 قدماً، إلى نهر اليرموك ـ الذي يعتبر حاجزاً مائياً طبيعياً أمام المركبات يفصلها عن الأراضي الأردنية ـ جنوباً. ومن سهل الحولة تبدأ المرتفعات بحائط صخري هائل يتكون من تلال صخرية بالغة الوعورة تتماسك في ما بينها مشكلة حصناً منيعاً.
من هنا تأخذ هضبة الجولان أهميتها العسكرية بالنسبة إلى كل من سوريا واليهود. فبالنسبة إلى سوريا تعتبر موقعاً استراتيجياً يغلق الباب أمام التوسع اليهودي كما تساعد على حماية جنوب لبنان ـ ميمنة الجيش السوري ـ إضافة إلى حمايتها لجنوب سوريا وأعالي الأغوار الشمالية الأردنية.
أما بالنسبة إلى اليهود، فهي فضلاً عن كونها محل أطماع دينية واستراتيجية، تحتوي على منابع نهري بانياس واليرموك. ولا يمكن إدراك أهمية هذين النهرين بالنسبة إلى العدو إلا بمقدار فهم أزمة المياه التي تهدد مشاريعه الزراعية، والتي من أجلها حول جزءاً كبيراً من مياه نهر الأردن منذ أوائل الستينات.
يمكن تقسيم الطرف الغربي من الهضبة المطل على شمال فلسطين المحتلة ثلاثة أقسام طبيعية، هي في حد ذاتها ثلاثة قطاعات من الناحية العسكرية:
ـ القطاع الشمالي الممتد من تل العزيزيات حتى جسر بنات يعقوب، وفيه تصعد المرتفعات الصخرية فجأة من سهل الحولة حوالي ألفي قدم مشكلة حائطاً لا يمكن عبوره إلا من خلال فتحات قليلة، هي عبارة عن فجوات ضيقة تخترق واجهة المرتفعات.
ـ القطاع الأوسط يمتد من جسر بنات يعقوب إلى جنوب بحيرة طبريا وعلى امتداد شاطئها الشرقي حتى وادي سمخ. وعلى رغم أن السفوح الصخرية في هذا القطاع ترتفع إلى حوالي ثلاثة آلاف قدم إلا أنها أقل حدة في ارتفاعها من القطاع الشمالي. إذ ترتفع السفوح هنا على شكل متدرج خصوصاً في الشمال الشرقي وتتصل بالهضبة.
ـ القطاع الجنوبي يمتد من وادي سمخ جنوب بحيرة طبريا حتى نهر اليرموك. وعلى رغم أن هذا القطاع أصغر القطاعات إلا أنه أشدها انحداراً. إذ تتميز سفوح الهضبة هنا بانحدار ساحق تصل فيه ارتفاعات الرؤوس الجبلية إلى حوالي 1400 قدم فوق سطح بحيرة طبريا.
جغرافية الجولان
تقع منطقة الجولان في الزاوية الجنوبية الغربية لسورية، والزاوية الجنوبية الشرقية للبنان، والشمالية الشرقية لفلسطين، والشمالية الغربية للأردن. ويبلغ طول جبهتها مع فلسطين 100 كيلومتر، وعمقها بين 20 و30 كيلومتراً تحميها من الشمال جبل الشيخ وسلاسل فروعه وهضابه التي تشكل جداراً منيعاً، وتحميها من الغرب الأغوار العميقة التي تشكل خندقاً طبيعياً ضخماً، ويبلغ ارتفاع الجولان عن سطح البحر بين 350 و650 متراً (الهضاب)، وتشرف على سهل الحولة الخصب وبحيرة طبرية. وبسبب هذه الهيمنة الطبيعية على الغور وسهوله شبهت الجولان بالهضبة. ورددت التسمية عن عمد، للإيحاء أن المنطقة مجرد مرتفعات قليلة السكان. ويذكر أن هذه التسمية غير موجودة في المصطلحات الجغرافية في سورية.
أ ـ الحدود مع فلسطين:
تبدأ حدود منطقة الجولان مع فلسطين في الجنوب عند التقاء الحدود السورية ـ الفلسطينية ـ الأردنية غرب منطقة الحمة؛ ويمضي خط الحدود شمالاً بموازاة الضفة الشرقية لبحيرة طبرية ويبعد 1 ـ 2 كيلومتر، ثم مزرعة عز الدين فالنقطة 66 فكفر حارب فالنقاط 64 ـ 63 ـ 62، وعند النقطة الأخيرة يتجه خط الحدود إلى المسافة بين النقب في الجنوب وبلدة الكرسي في الشمال، ويتابع سره مع تعرجات نهر الأردن حتى منطقة البطيحة، وتستقيم الحدود بعدها باتجاه الشمال، ثم تتعرج باتجاه الحافة الجوفية لمنطقة جسر بنات يعقوب، ثم تتجه نحو الشمال الشرقي وتشكل لساناً يقع عند نهاية بلدة بانياس، ثم تتجه الحدود نحو الغرب مارة بتل القاضي ونهر الحاصباني حين تنتهي الحدود السورية ـ الفلسطينية.
ب ـ الحدود مع لبنان:
تبدأ حدود منطقة الجولان مع لبنان في نقطة دخول نهر الحاصباني إلى فلسطين، وتتجه منها نحو الشمال فالشمال الشرقي فالشرق حيث تدخل كتلة جبل الشيخ مارة بجبل السماق وجبل الروس ثم كتلة جبل الشيخ الرئيسية، وبعد تجويف بسيط تتجه الحدود غرباً حيث تشكل لساناً ضيقاً ممتداً في الأراضي السورية تاركة حفرة دير العشائر للبنان.
المياه
يعد جبل الشيخ الذي تتربع منطقة الجولان على سفوحه خزان المياه الأساسي لجنوب سورية ولبنان وشمال فلسطين، وتشكل المياه ـ كما هو معروف ـ بنداً أساسياً في جدول أعمال مباحثات الحل السياسي. وتتجلى أهمية الجولان، ليس في انحدار أهم روافد نهر الأردن من أراضيها وحسب، بل وفي هيمنتها الاستراتيجية على منحدرات جنوب لبنان التي ينبع ويجري فيها نهر الحاصباني والينابيع الأخرى التي تغذي شمال فلسطين.
أ ـ نهر اليرموك: ينبع من الجولان ويصب في نهر الأردن على بعد 9 كلم جنوب بحيرة طبرية، وتنتهي مياهه إلى حوض البحر الميت، تبلغ مساحة حوضه 7584 كيلومتراً مربعاً، منها 5500 كلم2 في الأراضي السورية، طول النهر الإجمالي 57 كيلومتراً، منها 47 في سورية، وتبلغ غزارته 7 أمتار مكعبة في الثانية.
يغذي نهر اليرموك عدة ينابيع ومسيلات تصرف مياه حوران والسفوح الغربية لجبل العرب ويبلغ عددها 172 نبعاً، ويبلغ بذلك تصريف حوض اليرموك السنوي 500 مليون متر مكعب، ويتخذ النهر اسم اليرموك عند شلالات تل شهاب قرب درعا. ويظل مجراه منحدراً في وادٍ عميق وضيق إلى ما قبل التقائه بنهر الأردن بقليل، حيث ينفرج الوادي ويتسع بعد منطقة الحمة، (وهي المنطقة الشهيرة بمياهها المعدنية الساخنة الغنية بالمعادن المشعة).
ب ـ نهر بانياس: ينبع النهر من المنحدرات الشمالية الغربية للجولان وينحدر في منطقة صخرية منعطفاً حول مدينة بانياس مشكلاً سور حماية، كان سبباً في بناء قلعتها التاريخية، يسير النهر مسافة كيلومتر بغزارة مياه تبلغ 1,7 متر مكعب في الثانية قبل أن يصب في نهر الأردن.
وتشكل ينابيع منطقة الجولان الشمالية أنهار: البحيراني والجناني والأعوج الذي يبدأ تدفقه من قلب جبل الشيخ في بلدة بيت جن.
وتقدم غزارة الأمطار مؤشراً واضحاً عن الثروة المائية في منطقة الجولان: القنيطرة (800 ـ 1000مم)، الخشنية (600 ـ 800مم)، وفيق (330 ـ 450).
ج ـ الينابيع: وهي بيت جن (كمية التصريف 1900 لتر في الثانية)، اللويزاني (1400ل/ثا)، الغوار (53ل/ثا)، الصععار (127/ل/ثا)، الصيادة (257ل/ثا)، البرجيات (150ل/ثا)، جليبينة الكبيرة (100ل/ ثا)، بلسم الحمة (190ل/ثا)، الريح الخمة (220ل/ثا)، الحمة الباردة (300ل/ثا)، الدب (90ل/ثا)، النخيلة (260ل/ثا)، الدردارة (60ل/ثا) الفاجرة (50ل/ثا) البالوع (100ل/ثا).
د ـ سهول الجولان: سهل المنصورة، سهل عين زيوان، سهل الدلوة، سهل عين عيشة، سهل الخشنية، سهل الرفيد ـ الجوخدار، سهل تاعال ـ فيق، سهل البطيحة (وهو أغنى سهل في الجولان وربما في سوريا كلها) وسهل كفر نفاخ.
هـ المنحدرات: تتجه انحدارات الجولان الطبوغرافية من الشرق إلى الغرب عموماً، وتتدرج ارتفاعاتها من 1000 متر في سلسلة جبال الجولان الشرقية إلى حوالي 200 ـ 400م في الحافة الغربية المطلة على بحيرة طبرية (مستوى سطح البحيرة 212م) والحافة الجنوبية المطلة على نهر اليرموك، وتتجه الانحدارات على مستوى خطوط الطول من الشمال عند سفوح جبل الشيخ إلى الجنوب على طول وادي اليرموك وروافده المختلفة من ارتفاع 2000م إلى 200 ـ 100م، وتنخفض في وادي اليرموك ومنطقة الحمة إلى 126م تحت سطح البحر.
المرتفعات
جبل الشيخ: وهو جبل شامخ الذرى مكسو بالثلج معظم الايام واسمه أيضاً جبل حرمون، من الحرم والحرام، ولدى العموريين كان اسمه سنير (شنير)، ولدى الفينيقيين حرمون (سيربون) ولدى العبريانيين سيئون وسريون، وبعل حرمون كما ورد في التوراة.
يشرف في شماله على وادي القرن الذي تمر عبره طريق دمشق ـ بيروت، وفي جنوبه على بحيرتي الحوله وطبرية، وفي شرقه على سهل ووادي الأعوج وحوران، وفي غربه على وادي التيم في لبنان، وهو يرى من جبال عجلون ومرج بن عامر وغور الأردن، وقد سماه الملك المؤيد «أبو الفدا» جبل الثلج.
ذكرته الكتب العربية باسم جبل الثلج، ثم نسي الاسم في وقت مجهول واستبدل باسم جبل الشيخ. كان مقدساً لدى الوثنيين، حيث كان مكاناً للعبادة يسمى بـ«عرض الآلهة» كعادة الشعوب البدائية التي تقدس الجبال الشاهقة التي تقربها من معبودتها الشمس الساطعة وذكر الجبل في الكتاب المقدس (سفر القضاة 3/3 وأخبار الأيام الأول 5/23 وقال القديس إيونيس (أبو الكنيسة اللاتينية ومترجم الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية) إلى القرن الخامس للميلاد «إن أهل البلاد كانوا في عصره يصعدون جبل الشيخ ويقدمون القرابين في قمته، وذلك تمشياً مع معتقدات الوثنيين في عهود الآراميين واليونان والرومان الذين يقدسون الجبال الشاهقة، وكان أبرزها جبل حرمون، حيث شيدوا في سفوحه عدة معابد منها: قلعة بصرى، شمال عين الخرويعة على بعد خمسة كيلومترات شمال غرب بانياس، ومعبد الهبارية في قضاء راشيا اللبناني، ومعبد باخوس في حرشة، وفي سفحه الشمالي عبيا وحينة. وفي تلك الأماكن هياكل جدران من حجارة ضخمة منحوتة وكتابات يونانية ما يزال بعضها سالماً».
طول جبل الشيخ 45 كيلومتراً، يمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، يتجه منحدره، الشرقي إلى سورية ويدعى وادي البلان، ومنحدره الغربي إلى لبنان ويدعى وادي التيم، ويلاحظ أن الينابيع تكثر في شرقه مثل نهر الأعوج وفي جنوبه مثل نهر الأردن وبانياس والحاصباني، بينما هي قليلة في سفوحه الغربية والشمالية.
وفي الجبل ثلاث قمم، الأولى في الشرق وتعلو عن سطح البحر 2145م، ومنها يرى البحر الأبيض المتوسط من رأس الكرمل حتى صور، وخلف ذلك يبرز جبل الجرمق وجبل الباروك ثم جبل الكنيسة. والقبة الثانية الوسطى غرب الأولى تبعد عنها حوالي ثلاثة كيلومترات، وعلوها 2294م، ويمتد النظر منها شرقاً نحو بادية الشام ونحو جبل العرب وسهول حوران وأوعار اللجاة والجيدور والجولان وغوطة دمشق والجبل المانع والمنحدرات الهابطة نحو نواحي قطنا وبيت جن والكسوة. وتقع القمة الثالثة غرب المنشية على بعد سبعة كيلومترات تقريباً، وهي الأعلى، يمتد النظر منها جنوباً نحو فلسطين وشرق الأردن حتى جبال عجلون وغور الأردن وبحيرتي طبريا والحولة وجبال الجليل ونابلس والكرمل. وفي هذه القمة أطلال تسمى «قصر عنتر» أو قصر شبيب، وهي عبارة عن بناء يعود للعهود الوثنية.
أعلى قمة في جبل الشيخ تصل إلى 2814 متراً فوق سطح البحر وتسمى هذه النقطة «شارة الحرمون»، وفيها بقايا قصر شبيب، حيث دارت معارك ضارية لمدة 83 يوماً في تشرين الأول سنة 1973. وفي الجولان سلسلتان جبليتان، تمتد الأول من الشمال الغربي لمدينة القنيطرة إلى الجنوب الشرقي، وتشمل عدداً من التلال المتقاربة الارتفاعات أهمها تل الأحمر (1187م) ويقع جنوب قرية مسعدة، وتل الشيخة (1211م) وتل برعم (1053م) وتل العرام غرب القنيطرة قرب المنصورة وتل «أبو الندى» وهو أكبر وأضخم وأعلى التلال (1294) ويشرف على مدينة القنيطرة وسهل عين زيوان، وفيه جرت مواقع ضارية في معارك 1973، لذلك تشبثت به إسرائيل أثناء مفاوضات فصل القوات بسبب موقعه المتحكم بمنطقة القنيطرة.
وتبدأ السلسلة الجبلية الثانية من جنوب القنيطرة وتمتد حتى قرية الرفيد باتجاه من الشمال الغربي إلى الجنوب فالجنوب الشرقي، وأعلى تلالها: تل بير عجم (1158م) وتل أبو خنزير (977م) وتل الفرس قرب قرية الرفيد وتل يوسف (981م).
ويرسم هذا الشريط من التضاريس حاجزاً طبيعياً بين الجولان في الغرب وحوران في الشرق يجعل محاولة اختراقه صعبة جداً من الجهة الشرقية.
المناخ
تتميز منطقة الجولان بتنوع مناخي، من الجبلي الثلجي في مناطق مجدل شمس ومسعدة والقنيطرة، إلى المناخ البارد الممطر في مناطق واسط وكفر نفاخ والخشنية، إلى المناخ الرطب الممطر المعتدل في منطقة البطيحة والحمة، والمناخ الحار شبه الجاف في مناطق خسفين والعال، ويسمي الجغرافيون هذا المناخ بالرومي (المتوسطي).
وتزداد الظواهر المناخية في الجولان تطرفاً بسبب فروق الارتفاعات. فمتوسط الحرارة في الصيف يتراوح بين 23 و25 درجة مئوية، ومتوسط البرودة في الشتاء بي 3 و7 درجات مئوية، وتتراوح الأمطار بين 350 و650 مل وسطياً.
الثروة النباتية
نتج من تنوع التضاريس والمناخ في الجولان تنوعاً في الإنتاج الزراعي يتراوح بين النباتات الإستوائية كما في منطقة الحمة التي تنخفض 126 متراً تحت سطح البحر، ونباتات المناطق المعتدلة وحوض البحر الأبيض المتوسط كما في غالبية مناطق الجولان السهلية والهضبة، ونباتات المناطق الباردة كما في نبات سفوح جبل الشيخ شمال الجولان.
أكبر محاصيل الجولان هو القمح، وتزيد المساحة التي يزرع فيها على ربع الأراضي المستثمرة، وتتركز في الشمال والوسط وهو متميز ويعرف بالقمح الجولاني، أما القمح الحوراني فيزرع في الجنوب حول الزوية. تلي ذلك زراعة الشعير في المناطق الفقيرة التربة والقليلة المطر، ثم الزراعات الثانوية كالحمص والعدس والبازلا والترمس والبقيقة، ثم الزراعات الصيفية كالذرة بنوعيها البيضاء والصفراء، وهناك زراعات تناقصت مثل الرز الذي كان يزرع بكثرة في الجنوب قرب مناطق الينابيع الغزيرة، وكان يصل إنتاجه إلى 700 طن سنوياً (يعزى ذلك التناقص إلى نشره الملاريا) وحلت محله زراعة التبغ الحديثة.
وهنا جدول بأنواع المحاصيل وكميتها بالأطنان قمح (1600)، وشعير (3000)، ذرة بيضاء (9000)، عدس (7400)، حمص (2900)، بازلا (280)، فول (1000)، فاصوليا (170)، كرسنّة (2100)، بطاطا (600)، ثوم (200) بندورة (6200)، بصل (200) سمسم (200)، ترمس (1000)، وبطيخ (3850).
الكرمة والزيتون من أقدم الأشجار المثمرة في المنطقة يليهما التفاح الذي شجعت الدولة زراعته، فتطور كما ونوعاً إلى درجة أصبحت فيه القنيطرة مركز المعرض السنوي للتفاح، وتنتشر زراعته في المنطقة الشمالية المرتفعة في سهل المرج التابع لقرى مجدل شمس ومسعدة وبقعاتا، وفيها أيضاً أشجار اللوز والرمان، تلي ذلك أشجار الكرز والبرتقال في المناطق المنخفضة في البطيحة وبانياس، والموز في منطقة الحمة والبطيحة.
وتمثل الأرقام الآتية مستوى الإنتاج الزراعي (النوع، وعدد الأشجار وكمية الإنتاج) قبل احتلال الجولان سنة 1967، برتقال 40000 شجرة و1800 طن، ليمون 100000 و4500، إجاض 29000، و4000، خوخ 8000 و1000، دراق 7000 و200000، جوز 7000 و1000، رمان 34000 و1000، تين 60000 و2000، لوز 23000 و1000، كرز 32000 و1000، سفرجل 5000 و100، فستق حلبي 15000 و1200، موز 15000 و80.
الأحراج
تغطي الاحراج مساحات واسعة في الجولان تزيد عن 18128 هكتاراً وتغلب فيها أشجار السنديان واللزاب والزعرور والبلوط والدلب واللوز وكلها أشجار برية تتجمع في «أحراش» صغيرة كحرش مسعدة وعين زيوان والريقة وبير عجم.
وفي الجولان أضخم غطاء عشبي في سورية تغلب فيه نباتات القبا والركيجة والتينة والروتة ـ الحمض والشيخ والدم والشنان و(البلان) ولهذا سميت منطقة الجولان في فترات سابقة بإقليم البلان. وتنبت أعشاب صالحة كغذاء للإنسان مثل الهندبة والرشاد واللسان والحرتنة والخبيزة والحميضة والسليق والفجلون والخسيسة والرياس والمرارة والكزبرة، وتنبت طوال الربيع والصيف بسبب الرطوبة العالية والندى. وقد كان هذا الغطاء العشبي الكبير سبب توسع تربية الأبقار التي اشتهر منها النوع الجولاني الذي كان يصدر إلى فلسطين والمناطق المجاورة.
المعادن
مع أن التنقيب عن المعادن في الجولان حديث العهد، بسبب وضع المنطقة العسكري، فقد اكتشف الرصاص في كتلة جبل الشيخ (منطقة جباتا الزيت)، والنحاس في حوض عرنة، والرمل الكوارتزي المستغل في صناعة الزجاج ويكثر في منطقة جبل الشيخ، وأضخم ثروة معدنية في الجولان هي المارن وهو موجود بكميات كبيرة في سلسلة جبل الشيخ، الذي يشكل الأساس لصناعة الإسمنت، وأخيراً تعد المياه الكبريتية في منطقة الحمة من الثروة المعدنية المهمة في المنطقة.
الثروة الحيوانية
تشتهر منطقة الجولان بتربية الماشية (الأبقار والجواميس) التي أدخلها الشركس إلى المنطقة، ومن أنواعها الشهيرة البقر الجولاني، ثم الأغنام والماعز والخيول والدواجن. ووزعت الدولة قبل الاحتلال بسنوات خلايا النحل التي ساعدت على الاستثمار الفني الذي جعل المنطقة ذات شهرة في تربية النحل وإنتاج العسل. وشجعت على تربية الأسماك في بحيرتي طبرية والحولة التي جففت وحولت إلى أحواض لتربية الأسماك. واشتهرت بمناطق الصيد على طبرية: الحاصل والكرسي والدوكة وبركة (ران) في بحيرة مسعدة. وهنا لائحة بأنواع وأعداد الماشية قبل الاحتلال 1967: غنم (147000)، ماعز (8000)، إبل (500)، جاموس (500) أبقار (17000)، ثيران (7000)، خيل (1000) دواجن (122000). ووصلت المنتجات الحيوانية قبل الاحتلال إلى كميات مرتفعة. فقدر إنتاج الحليب بـ16000 طن، والسمن بـ286 طناً، والجبن بـ257 طناً، والزبدة بـ89 طناً، والعسل بـ17 طناً، وشعر الماعز بـ17 طناً، و1045000 بيضة.
التقسيمات الإدارية في الجولان
كانت الجولان منطقة تابعة لدمشق. وبعد أن صار وضعها الإداري أكبر من منطقة خصوصاً مع نمو التكامل الاقتصادي بين القنيطرة ومنطقة فيق التي كانت تابعة لمحافظة درعا، تحولت إلى محافظة باسم محافظة القنيطرة سنة 1966 ومركزها الإداري مدينة القنيطرة، وقسمت المحافظة إلى منطقتين هما:
1 ـ منطقة القنيطرة، تتبعها ثلاثة نواح هي: ناحية الخشنية، ناحية خان أرنبة، ناحية مسعدة. وفيها 113 قرية من أصل 171 قرية الموجودة في الجولان. و87 مزرعة من أصل 147 مزرعة. وما تبقى من القرى والمزارع يتبع المنطقة الثانية.
2 ـ منطقة الزوية، مركزها فيق، وتتبعها ناحية البطيحة. واحتلت إسرائيل قرى بلغ عددها 147 قرية تقدر مساحتها بحوالي 1500 كيلومتر مربع موزعة على المناطق والنواحي الآتية: القنيطرة، مركز خان أرنبة، مركز ناحية الخشنية، مركز ناحية مسعدة، مركز ناحية فيق، مركز ناحية البطيحة. وبعد معارك سنة 1973 ومفاوضات فصل القوات انسحبت قوات إسرائيل من مدينتي القنيطرة والرفيد.
مدينة القنيطرة
تقع القنيطرة مركز المحافظة الإداري وسط الجولان، وتبعد 67 كيلومتراً عن دمشق، ترتفع عن سطح البحر 1005 أمتار، يشرف عليها مباشرة تل «أبو الندى» الذي يرتفع 1200 متر وينتصب قلعة طبيعية ضخمة غرب المدينة، وهو ما يزال محتلاً يليه تل عرم، وتلال متوسطة وصغيرة تقبع وسط سهول تعد من أخصب المراعي في سورية بسبب غزارة أمطارها لانفتاحها على الغرب واستقبالها رياح البحر المتوسط الماطرة.
تحولت القنيطرة سنة 1938 من قرية صغيرة إلى قضاء وأصبحت تابعة لمدشق، ووصل عدد سكانها سنة 1960 إلى 17 ألف نسمة، وصار عدد السكان قبل احتلاها أكثر من 37 ألف نسمة أي ما يعادل 27 في المئة من مجموع سكان المحافظة آنذاك.
بانياس
تقع على بعد عشرين كيلومتراً شمال القنيطرة على الطريق المتجهة منها إلى فلسطين غرباً، ومرجعيون وصيدا شمالاً، ترتفع 329 متراً عن سطح البحر، وهي بلدة ذات مزايا عسكرية وتاريخية وسياحية، واقتصادية، تقع في نهاية السفوح الغربية لجبل الشيخ التي تنحدر بقوة مشكلة ودياناً وتلالاً حصينة ينفجر عند أقدامها أحد الروافد المهمة لنهر اليرموك وهو نهر بانياس ذو الغزارة العالية، إضافة إلى مجموعة من الينابيع والأقنية تدير الطواحين المائية وتروي الأراضي الخصبة التي نمت فيها الغياض والكروم وأشجار الفاكهة والحراج وشكلت رياضاً غناء تطل على غور الحولة في الغرب، في الوقت الذي يحمي تلال جبل الشيخ ظهرها الشرقي من الرياح الشمالية الباردة.
قلعة الصبيبة
تقع شرق بانياس على جبل شاهق ينحدر عمودياً ليصل بانياس من شرقها على علو 300 متر، ويستند على نهايات جبل الشيخ الغربية، وتشاهد قلعة الصبيبة (النمرود) على قمة الجبل الذي عرف قديماً باسم «دان» وبنيت القلعة لحماية الطرق المهمة التي تشرف بانياس عليها، والتي تتحكم بالمعبر الإجباري إلى فلسطين في الشمال، ويرجح بأنها تعود إلى العهود الإسلامية (القرن الثاني عشر الميلادي).
مشتى الحمة
تنفرد الحمة بين مناطق العالم السياحية بميزات قلما توافرت لأي مشتى آخر، فهي تقع على عمق 126 متراً تحت سطح البحر وسط مجموعة من التلال والهضاب الحراجية، وفي بقعة تتدفق فيها ثلاثة ينابيع مياه معدنية مختلفة الحرارة والتركيب هي: نبع الريح ودرجة حرارة مياهه 26 درجة مئوية، نبع البلسم، ودرجة حرارة مياهه 40 درجة مئوية، ونبع المقلى ودرجة حرارة مياهه 49 درجة مئوية.
وتحولت تلك الينابيع إلى حمامات ومسابح للاستشفاء، وهي تنبع من جوف براكين خامدة منذ ثمانية آلاف سنة، انغلقت على نفسها تحت القشرة الأرضية. لمياهها فعالية إشعاعية كبيرة. إذ تستطيع موادها اختراق الأجسام وتنشيط الخلايا الحية، ولذلك هي فريدة بين الينابيع المعدنية في العالم، ولا تهبط درجة الحرارة في الشتاء عن عشر درجات مئوية وتصب عشرين مليون غالون من الماء في اليوم في نهر اليرموك ثم تختلط مع مياه نهر الأردن عند جسر المجامع.
مجدل شمس
قرية جبلية في أقصى الجولان شمالاً، تحدها الحدود اللبنانية شمالاً وأراضي قريتي سحيتا وحضر شرقاً وقرى بقعاتا ومسعدة جنوباً. وجباتا الزيت وعين قنية غرباً.
تبعد عن مركز المحافظة (القنيطرة) 17 كيلومتراً، وعن مسعدة مركز الناحية ثلاثة كيلومترات، وتقع على منحدر عال ارتفاعه 1300م فوق سطح البحر في سفح جبل الشيخ الجنوبي الغربي، وتتدرج منحدراتها فتصل غرب الجولان وفلسطين، يقع جنوبها تل الريحان وتل البياضي ووادي «ربة» الممتد من جبل الشيخ غربي المجدل، ووادي (سعار) الذي ينحدر نحو الجنوب الغربي مشكلاً مرجاً يعرف باسم مرج سعار، ثم ينحدر الوادي بعد قرية مسعدة في مجرى عميق وسط الصخور ماراً جنوبي قرية عين قنية وقلعة الصبيبة وينحدر نحو بلدة بانياس ليلاقي شرقي نهر بانياس ويرفده بمياه ينابيعه وسيوله.
مسعدة
قرية تعيش على الزراعة وخصوصاً أشجار الفاكهة، نشأ فيها بحكم موقعها مجموعة حرف يدوية أهمها معاصر العنب، استخدمت فيها وسائل الزراعة الحديثة، منارة بالكهرباء قبل الاحتلال بسنوات، وفيها عدة مدارس ومستوصف، يتفرع منها طريق يتجه نحو التلال الغربية التي تنتشر على سفوحها قرى زعورة وعين فيت ثم تل العزيزيات وحصنها الشهير، تقع في أرض بركانية منخفضة فيها تلال يحيط بها جبل الشيخ من الشمال، وحولها تلال جبال القاطع وتل الأحمر وتل العمورية، وحولها سهل كرم الغربي وسهل المرج ووادي سعار ووادي «أبو سعيد». وفيها ينابيع عين الصباح وعين التينة وعين شرف الدين ونبع المشارقة، وتزيد ينابيعها باتجاه الشرق والشمال الشرقي حيث ترفدها ينابيع قرية مجدل شمس وتروي بساتين الفاكهة. وفيها حرج نموذجي بدأ بـ100 دونم أنشأته مصلحة الاحراج في سورية، يهب عليها هواء نقي من جبل الشيخ، ورياح ماطرة من الغرب، بيوتها مبنية من الحجر الأسود ذات واجهات مطلية بألوان متعددة، محاطة بحدائق، بنيت في جنوبها مساكن حديثة لعائلات الضباط، وفي وسطها مستوصف القوات المسلحة الذي يقدم خدماته لسائر أبناء المنطقة.
حَضر
قرية جبلية مرتفعة على السفوح الجنوبية لجبل الشيخ المطلة على الجولان، تجاورها عرنة من الشمال ومزرعة بيت جن من الشرق وجباتا الخشب وطرنجة من الجنوب، وسحيتا ومجدل شمس من الغرب. تبعد 11 كيلومتراً عن مركز ناحية الحرمون (مزرعة بيت جن). وتمتاز عن مجدل شمس، المصيف المجاور بإشرافها الكامل على الهضاب والسهول، في شمالها مرج يعرف باسمها، في شرق القرية مغارة عميقة لا يعرف لها قراراً، وفي غربها مغارة أخرى تشكل بئراً إضافة إلى نبع صغير، لكن يعوض نقص ينابيع المياه فيها، مرور أنابيب مشروع مياه بيت جن قربها، في طريقها إلى القنيطرة وعدد من قرى الجولان، يحيط بالقرية كروم وأشجار الفاكهة، وتعيش على مواسم العنب والتين وزراعة القمح. مبانيها من الحجر الأبيض مشادة بشكل متدرج، وهي تصلح لأن تكون مصيفاً ممتازاً. عدد سكانها 1212 (سنة 1975)، فيها وحدة إرشادية لصناعة السجاد ومشروع كهرباء.
حَرْقا
قرية صغيرة جنوب مزرعة بيت جن، شرقها قرية دورين وجنوبها قرية خلس وغربها قرية طرنجة، تبعد ست كيلومترات عن حضر مركز الناحية، تقع وسط أراض وعرة بركانية على هضبة مشرفة من الجنوب على سهول الجولان، ومن الشمال الشرقي على وادي نهر الأعوج، كثيرة الحجارة البركانية قليلة المردود الزراعي، فيها بعض الأشجار المثمرة، محاصيلها الأساسية الحبوب والقطاني والعنب والتين، أهم المواشي الماعز، تصلح للرعي وتربية الماشية. فيها آثار لمعبد وثني قديم. وبقايا آثار رومانية، وورد في كتاب سدسو «الطبوغرافية التاريخية»، إنه كان فيها دير سرياني ومعبد ما تزال بعض آثاره بارزة، ربما كان مكرساً لعشتروت.
تتمتع الجولان بميزات طبيعية وتاريخية تجعلها في طليعة المناطق السياحية في سورية والمنطقة، وإلى تنوع التضاريس والمناخ يتفرد موقعها بتوسطه بين سورية ولبنان وفلسطين، والقرب من البحر الأبيض المتوسط غرباً، ومن دمشق شرقاً (تبعد 60 كيلومتراً عنها). ومناخها متوسطي معتدل عموماً ويعدل من درجات الحرارة في الصيف وجود الجبال المرتفعة في الشمال، وفي الشتاء وجود الأغوار المنخفضة الدافئة. وتتوافر فيها المصائف والمشاتي ضمن مسافات قصيرة تجعلها منطقة سياحية من الدرجة الأولى، فضلاً عن جمال الطبيعة بوجود الاحراج والغابات والمروج والبحيرات، وأخيراً وجود الآثار التي يرجع بعضها إلى ما قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة.
هشام الشيشكلي
الجولان
ـ 2 ـ
في أقصى الجنوب الغربي من سورية تنتشر رقعة طويلة من الأرض، تشرف على فلسطين غرباً وعلى أراضي المملكة الأردنية جنوباً، وهي محافظة القنيطرة، أو هضبة الجولان. وتكاد الحدود الإدارية لمحافظة القنيطرة تنطبق على الحدود الجغرافية الطبيعية لما نسميه بمنطقة الجولان أو هضبتها. فتحدها السفوح الجنوبية الشرقية لكتلة «جبل الشيخ»، أو «جبل الثلج» عند الجغرافيين العرب القداء، وينهض هذا الجبل شامخاً شمالي منطقة الجولان إلى أكثر من 1500م فوق مستوى سطح البحر، حيث تسد الأفق قمم وصفحات بيضاء مكللة بالثلوج في فصل الشتاء، وسطوح جرداء رمادية تحزِّزها الأودية التي رسمتها السيول بعد ذوبان الثلوج. أما من جهة الغرب حيث الأراضي الفلسطينية فإن هضبة الجولان تشرف من عَلٍ على منبسط متطاول من الأرض ممتد من الشمال باتجاه الجنوب هو سهل الحولة في الشمال، وبحيرة طبرية في الجنوب. ويقع كل من السهل والبحيرة دون حافات هضبة الجولان وعند أقدامها بفارق ارتفاعات يتراوح بين (350 ـ 650م) مما دعا بعض المصادر وخاصة الغربية تسميتها بالمرتفعات السورية لارتفاعها فوق الحولة وطبريَّة. علماً بأن هذه التسمية غير معروفة في جغرافية القطر السوري. لذا فإن تسميتها بمرتفعات الجولان أو هضبة الجولان أمر أقرب للواقع الجغرافي.
وتستمر الحافات الغربية للهضبة باتجاه الجنوب، حتى مجرى نهر اليرموك الذي يمر واديه ومسيله ضمن الصخور البركانية ـ الاندفاعية السوداء القاسية ليرسم لنا الحد الفاصل بين الجولان في الشمال، وهضبة وجبال عجلون الأردنية في الجنوب. ووادي اليرموك خندق طبيعي سحيق، جوانبه شديدة الانحدار، أو قائمة بعمق قد يتجاوز 300 متر أحياناً. أما من جهة الشرق فيسير وادي الرقَّاد (القاف تلفظ كالجيم المصرية) ملتوياً ليفصل بين منطقة الجولان في الغرب، ومنطقة حوران في الشرق.
وهكذا تتخذ هضبة الجولان شكلاً طولياً ممتداً من الشمال نحو الجنوب على مسافة تقدر بحوالي 75 ـ 80 كلم خط طيران، وحوالي 100 كم على الأض. أما عرض الجولان فيتراوح بين 31 كلم في شمال المنطقة و11 كلم في جنوبها. أي بوسطي عرض قدره (18 ـ 20 كلم) بصورة عامة. وتقدر مساحة الجولان بهذا الشكل بحوالي 1800 كلم2 معظمها وقع عام 1967 تحت الاحتلال الإسرائيلي.
والجولان هضبة طبيعية أرضها مؤلفة من سطوح تتجه انحداراتها الطبوغرافية من الشرق نحو الغرب بصورة عامة، حيث تتدرَّج الارتفاعات من علو يتجاوز الـ1000م في سلسلة جبال الجولان الشرقية، إلى حوالي 200 ـ 400 متر على الحافة الغربية للهضبة المطلة على بحيرة طبرية، وعلى الحافة الجنوبية المشرفة على نهر اليرموك. لكن أرض الجولان في أقسامها الجنوبية الغربية تنخفض إلى ما دون ذلك على ضفاف بحيرة طبرية حيث تقع الأرض دون مستوى سطح البحر (مستوى سطح البحيرة هو 212م). وهذا معناه أن حافة مرتفعات الجولان في الجزء الجنوبي الغربي منها ترتفع إلى علو قدره (500 ـ 650متر): أما بالنسبة لانحدارات الأرض على امتداد خطوط الطول، فإنها تتجه في الشمال من سفوح جبل الشيخ باتجاه الجنوب على طول وادي نهر اليرموك وروافده المختلفة. ومن ارتفاع 2000م إلى (100 ـ ……..م) أو دون ذلك في وادي اليرموك ومنطقة الحمة. فشرقي الجولان وشماله مرتفع وجبلي، وغربيه وجنوبيه منبسط هضبي منخفض نسبياً.
وتل (أبو الندا) هو أكبر وأضخم وأعلى التلال، إذ تصل قمته إلى (1204م) فوق سطح البحر، وإلى أكثر من 2590م فوق الأراضي المحيطة به. وهو يشرف على مدينة القنيطرة وسهل عين زيوان من جهة الغرب. وإذا استثنينا الأجزاء الشمالية المؤلفة من أراض جبلية وعرة صخورها من الحجر الكلسي فإن بقية الأراضي مركبة من صخور قاسية سوداء رمادية اللون ذات أحجام متباينة تتراوح بين حجم قبضة اليد والمتر المكعب الواحد، كلها نتاج الاندفاعات والثورات البركانية التي خمدت منذ آلاف السنين في منطقة الجولان. وما التلال المذكورة إلا المخاريط البركانية التي قذفت فوهاتها المهل الباطني الذي انساح منها، ليغطي أرض الجولان كلها تقريباً، ثم تصلب وتبرد على سطح الأرض، وقدم لنا أرضاً وعرة وقاسية جداً مغطاة بالأحجار الكبيرة. ويصعب السير عليها إلا على امتداد الطرقات المتفرقة فيها.
وهذا الشريط التضريسي يرسم لنا حاجزاً طبيعياً بين الجولان في الغرب وحوران في الشرق، مما يعطيه أهمية استراتيجية كبرى في القتال، ويخلق مصاعب جمة أمام محاولة اختراقه من الجهة الشرقية، مما يجعلنا نقدر عملية عبوره من قبل القوات السورية في المعارك التي دارت في المنطقة، وخاصة إذا أضفنا صعوبة الأرض وارتفاعها ووعورتها كون مساحات منها مغطاة بأحراج وأشجار غابية تعرقل التقدم والمرور. أضف إلى ذلك الخطوط الدفاعية والتحصينات التي أنشأها الإسرائيليون على طول خط الجبهة السورية منذ عام 1967 حتى 1973.
أما الجزء الغربي فهو أقل ارتفاعاً، وتكاد تكون الأرض فيه خالية من فروق الارتفاعات الكبيرة. فالسطح يكاد يكون منبسطاً تعلوه بعض التلال الصغيرة القليلة العدد والارتفاع فوق السطح العام. لكن الأرض ما زالت مغطاة ببساط من الأحجار الكبيرة والصخور السوداء كما في المنطقة الشرقية. وهنا كلما تقدمنا غرباً باتجاه حافات الهضبة تأخذ أشكال تضريسية جديدة في الظهور حتى تصبح مظهراً غالباً على الطبيعة، وهي الأودية التي حفرتها السيول والأمطار الشتوية، وعدد هذه الأودية كبير وتتجه من الشرق نحو الغرب والجنوب الغربي، وهي تقسم الشريط إلى ألسنة متطاولة من الرؤوس المتقدمة غرباً والخلجان المتوغلة في جسم الهضبة شرقاً. إن الأودية المذكورة تشكل عقبات طبيعية قاسية لمن يريد قطعها طولياً، بمحاذاة حافات الهضبة، لكونها عميقة، عميقة جداً (بين 100 ـ 350م) وضيقة (25 ـ 75م) وتزداد صعوبة قطع هذه الأودية لكونها ذات جوانب شديدة الانحدار، بل قائمة كالجدار تماماً، وبعلو لا يقل عن 10 ـ 20 ـ 30، ومن أهم هذه الأودية وادي (الفاجر) ووادي (حوار) ووادي (اليعربية) ووادي (السمك). وتكثر الأودية وتكبر أبعادها في الزاوية الجنوبية الغربية من الجولان وعلى ضفاف بحيرة طبرية الشرقية وعلى الجانب الأيمن لنهر اليرموك حيث تنتهي مياه وسيول الأودية.
ومنطقة الجولان مشوشة طبوغرافيا، مؤلفة من مرتفعات ووهاد وأودية، وسطحها وعر مغطى بالأحجار والصخور والحفر الصغيرة والكبيرة، وكأنه وجه مصاب بالجدري، وكل ذلك من المظاهر المميزة للأراضي البركانية عادة. لكنها، وبالرغم من ذلك، لا تخلو من بعض المساحات الصغيرة المنبسطة السهلية والتي استغلها الإنسان لسكناه وممارسة الزراعة فيها: كسهل المنصورة، وسهل عين زيوان، وسهل الدلوة، وسهل الخويجة، وعين عيشة في الشرق، وسهل الخشنية وسهل الرفيد ـ الجو خدار، وسهل القال ـ فيق، وسهل البطيحة (وهو أغنى سهل في الجولان) وسهل كفر نفاخ وغيره من سهول صغيرة أخرى.
الأوضاع المناخية في الجولان
تتنوع المظاهر المناخية في الجولان على مسافات قصيرة جداً، مثلها في ذلك مثل تبدل المظاهر التضريسية على طول أقل من 30 كلم، فمن ينتقل من جبل الشيخ أو جبال الجولان إلى منطقة الحمة وضفاف طبريه يجد نفسه في مناخ جبلي بارد ثلجي في مناطق مجدل شمس ومسعدة والقنيطرة، ثم في مناخ بارد ممطر في مناطق واسط، وكفر نفاخ، والخشنية، ثم في مناخ رطب ممطر معتد في البطيحة والحمة، كما يعاني من مناخ حار شبه جاف في مناطق حشفين، والعال. وإذا أردنا التعبير عن الأوضاع المناخية السائدة في الجولان بالأرقام وجدنا أن المناخ السائد وهو الرومي (المتوسطي) الذي يتميز بشتاء ماطر وبارد نسبياً وبصيف حار وجاف. وتزداد الحدود المناخية في الجولان تطرفاً، بالنظر إلى فروق الارتفاعات فيها. فالحرارات السنوية المتوسطة لمدينة القنيطرة تفع بين 14 ـ 16 درجة مئوية. وأبرد الأشهر فيها هي أشهر كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير)، إذ كان معدل هذه الأشهر في سنوات متفرقة (4 ـ 5) درجات. أما أشد الأشهر حرارة فهو شهر آب (أغسطس) أو تموز (يوليو) حيث يصل المعدل الوسطي إلى 23 ـ 24 درجة. وترتفع الحرارات القصوى إلى أكثر من 35 درجة كما تنخفض الدنيا منها إلى أقل من ـ 5 درجات. ومدينة القنيطرة والقرى القائمة عند أقدام جبال الجولان وجبل الشيخ معروفة ببردها الشديد القارس في الشتاء.
أما بلدة الحمة وحماتاتها فتعتبر مشتى لسكان الجولان، ومدينة دمشق يندر أن تنخفض فيها الحرارة الشتوية عن 10 درجات.
ومع تزايد الارتفاع والبرد باتجاه الشرق والشمال تتزايد كميات الأمطار السنوية الهاطلة فتصل في مدينة القنيطرة الواقعة على ارتفاع 953م، إلى 800 ـ 1000ملم، وفي بلدة الخشنية الواقعة على ارتفاع 760م إلى 600 ـ 800 ملم وفي فيق الواقعة على ارتفاع 330م إلى 330 ـ 450ملم. وتهطل الأمطار في فصل الشتاء عادة بعنف وغزارة كبيرتين تعيقان التحرك والانتقال في المنطقة. ومما يميز الأجزاء المرتفعة التي تقع فوق ارتفاع (500م) فوق مستوى البحر أنها تتغطى في الشتاء ببساط من الثلوج التي تسقط عدة مرات في السنة وتدوم في كل مرة عدة أيام يتزايد عددها كلما ازداد الارتفاع. وهذه الثلوج من المناظر المألوفة لسكان قرى الجولان الشرقي والشمالي. ولقد استفاد الإسرائيليون من هذه الثلوج فأنشأوا مركزاً لممارسة رياضة التزحلق على الثلج في سفوح جبل الشيخ أثناء احتلاهم للمنطقة ويرافق ذلك كله حادث تشكل الضباب والندى لارتفاع نسبة الرطوبة الجوية في المنطقة لانفتاحها أمام الرياح البحرية القادمة من الغرب والجنوب الغربي في البحر المتوسط عبر فلسطين. إن الضباب وإن كان حادثاً معروفاً في أواخر الخريف وطوال الشتاء وأوائل الربيع، فإن الندى معروف في جميع فصول السنة تقريباً، وله أثره الكبير على الزراعة وعلى المراعي التي تربى فيها قطعان الماشية والأغنام.
المصادر المائية في الجولان
تغذي مياه الأمطار والثلوج الذائبة مصادر المياه المختلفة في الجولان. وتتمثل هذه المصادر في الينابيع والأنهار والسيول والبحيرات أو الرامات (وهي البرك المائية التي تتشكل في الحفر الأرضية إثر هطول الأمطار)، وتكثر الينابيع في الشريط الغربي من المنطقة، حيث تنبثق المياه المترشحة في صخور الهضبة وجبالها الشرقية على شكل ينابيع كبيرة وغزيرة جداً كينابيع نهر بانياس في شمال غربي المنطقة وينابيع الحمة في أقصى جنوب غربي الجولان. كما تظهر على شكل ينابيع صغيرة وعيون مائية على جوانب وبطون الأودية المختلفة عند أقدام حافات الهضبة وتماسها مع سهل الحولة وأطراف بحيرة طبرية. وجميع مياه هذه الينابيع التي تتغذى بالمياه الباطنية لهضبة الجولان تتجه نحو الحولة وطبرية، أي إلى فلسطين المحتلة مباشرة، عن طريق نهر الأردن وبحيرة طبرية، أو بصورة غير مباشرة عن طريق نهر اليرموك. وبالتالي فإن القسم الأكبر إن لم نقل معظم المياه التي يعتمد عليها الإسرائيليون في حياتهم مصدرها المياه الآتية من الجولان وينابيعه، فهو، أي الجولان، حوضة تجمع عليا لوادي نهر الأردن. ومن أهم هذه المصادر نبع بانياس الذي يقذف بحوالي 160 مليون م3 من الماء سنوياً. ثم نبع البرجيات وعين الكبش، ونبع السنابر والدورة وغير ذلك من ينابيع أخرى. أما ينابيع الحمة فهي من أشهر ينابيع الجولان للفوائد الصحية ـ الطبية التي تقدمها مياهها، وتقع على يمين نهر اليرموك في الأراضي السورية. وهي عبارة عن مجموعة مؤلفة من خمسة ينابيع مبعثرة على مساحة قدرها كيلومتر مربع تقذف بمياه معدنية دافئة حارة تتراوح حرارتها بين 26 و49 درجة مئوية.
وأخيراً هناك بحيرة طبيعية صغيرة وجميلة جداً في شمال الجولان هي بحيرة مسعدة التي تشكلت في قلب فوهة بركانية ذات شكل بيضوي، ومساحتها كيلومتر مربع، هذا إلى جانب مساحات عديدة متفرقة من المياه الراكدة التي تتجمع في المنخفضات المغلقة تشكل بركاً ورامات تظل فيها المياه فترة طويلة من الزمن قبل تبخرها تحت شمس الربيع.
أما النباتات الطبيعية في الجولان فمتنوعة وكثيرة تشمل الأشجار الغابية في المرتفعات الشمالية والشرقية كما تشمل الأعشاب والحشائش المختلفة التي تغطي معظم أراضي الجولان في فصل الربيع ومعظم فصل الصيف بشكل كثيف من جراء الرطوبة العالية والندى الليلي. ولقد كان هذا الغطاء العشبي الدافع لتربية الأبقار المعروفة بالأبقار الجولانية في سورية، ولانتشار تربية الحيوانات الأخرى كالأغنام في الجولان. ومن أكثر الأشجار انتشاراً في الجولان نجد السنديان والبلوط والزعرور والإجاص البري والخوخ البري، ومن أهم الأحراش حرش مسعدة، وحرش عين زيوان، وحرش المومسيَّة (الغسانية) وحرش الجويزة، وحرش البريقة، وحرش بير عجم، ومساحات صغيرة أخرى متفرقة في أنحاء الجولان.
الأهمية الاستراتيجية للجولان
هذه الشروط الطبيعية الآنفة الذكر، والطبيعة الأرضية بشكل خاص قد أعطت الجولان أهمية استراتيجية كبرى تمنح القوة المسيطرة عليها أفضليات عسكرية عديدة بالقياس إلى من يسيطر على سهل الحولة وطبرية في الغرب، أو على حوران في الشرق. ولقد أدرك الصهاينة هذه الأهمية وعملوا جهدهم وما زالوا يحاولون التمسك بالجولان.
فمن بيده الجولان يهدد شمال فلسطين الممتدة أسفل جروف الهضبة، وتكون جميع الأراضي الفلسطينية هنا تحت رحمة نيران مدفعيته. وليس هذا فحسب، بل يمكن للمدفعية الحديثة والبعيدة المدى وكذلك الصواريخ الصغيرة أن تصل من الهضبة إلى أعماق فلسطين المحتلة. وأهم من ذا وذاك وقوع منابع مياه نهر الأردن في منطقة بانياس ونهايات جبل الشيخ الجنبية تحت رحمة المسيطر على هضبة الجولان، وبالتالي تهديد الحياة في فلسطين المحتلة بإمكانية قطع أو تحويل مياه الأردن الأعلى عن الصهاينة. أما من ناحية الشرق فإن للجولان أهمية استراتيجية لا تقل عن أهمية القسم الغربي. إذ أن سلاسل جبال الجولان وتلاله البركانية وكتلة جبل الشيخ ـ تمنح القوات المرابطة فيها قدرة وإمكانية السيطرة على سهول حوران وهضاب أقدام جبل الشيخ، وتهديد حوض دمشق والتلال المحيطة بها. أي تهديد جنوبي سورية بصورة عامة. إن الروابط الجغرافية الطبيعية التي منحت الجولان هذه الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمسيطر على المنطقة لم تكتف بذلك، بل منحته ميزة أخرى، ألا وهي ميزة الدفاع الجيدة عنها من جميع الجهات. فالجولان هي عبارة عن قلعة طبيعية كبيرة يسهل الدفاع عنها ويصعب القتال فيها. لذا فإن دخول القوات السورية والعربية الأخرى إليها بعد اختراق الجبال الشرقية، يعتبر عملاً عسكرياً ناجحاً.
إعمار الجولان وسكانها
تشير الآثار المعروفة في الجولان التي اكتشفت فيها أثناء الاحتلال الصهيوني لها إلى إعمارها القديم وسكنى الإنسان فيها، فقلعة نُمْرود قرب بانياس (وهي غير بانياس الساحل) ومغاور عكاش وآثار قرية الصرمان (العدنانية) تشير إلى أن الجولان كانت تحت حكم الرومان. ثم دخلتها الجيوش العربية الإسلامية بعد معركة اليرموك في مطلع القرن السابع الميلادي. ومع وصول العرب المسلمين استوطنت بعض القبائل العربية المنطقة، ومارست مهنة رعي الأغنام. ومن أشهر القبائل العربية التي لا زالت تعيش في الجولان نجد قبيلتي الفضل والنعيم، ومركز الأولى قرية (واسط)، ومقر الثانية قرية كودنة (النُعَيْمية). وبالرغم من اهتمام هؤلاء السكان بتربية الحيوانات فإنهم يهتمون بالزراعة ومشتقاتها أيضاً. ولقد ازداد عدد سكان الجولان بعد سنة (1878) للميلاد بوصول أفواج من المشركين إلى منطقة الجولان قادمين من أوروبا الشرقية ومن جبال القوقاز حيث مواطنهم الأصلية. وكذلك دخول بعض العناصر التركمانية وسكناها الجولان أيام العثمانيين وحكمهم لسورية.
أما بالنسبة لسكان الجولان وأعدادهم بعد استقلال سورية وحتى عام 1967 فيمكن القول بأنهم قد تزايدوا بشكل كبير، ففي خلال أقل من ربع قرن 1946 ـ 1967 تزايدت أعدادهم مرة ونصف المرة. ووصل عددهم عام 1967 إلى حوالي 140 ألف نسمة، أي الكثافة السكانية كانت قريبة من 90 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد. وهي كثافة عالية في المفاهيم الجغرافية. تزداد في منطقة القنيطرة وتقل باتجاه الغرب، وإذا أردنا معرفة توزع العناصر البشرية عددياً وجغرافياً، وجدنا أن السكان العرب هم الغالبية المسيطرة، إذ يبلغ عددهم حوالي 100 ألف نسمة، وينتشرون في جميع أنحاء الجولان في مدنه وقراه ومزارعه. وهم يدينون بالإسلام عدا أقلية صغيرة من المسيحيين كانت تعيش في مدينة القنيطرة. وتأتي الأقلية الشركسية في الدرجة الثانية من حيث الأهمية بعد السكان العرب. ويقدر عددهم عام 1967 بحوالي 33 ألف إلى 34 ألف نسمة، ويعيشون في مدينة القنيطرة الغربية لجبال الجولان الشرقية وبراكينها. والشركس أو (الشراكسة) كلهم من المسلمين الذين جاؤوا إلى سورية والأردن وتركيا بعد حرب قامت بينهم وبين القياصرة الروس دامت قرابة قرن من الزمن.
أما الأقلية التركمانية فقليلة الأهمية ولا يتجاوز عددها بضعة آلاف وأفرادها كلهم مسلمون ويعيشون في قرى صغيرة وتنتشر على طريق القنيطرة ـ جسر بنات يعقوب، وخاصة في منطقة كفر نفاخ.
مراكز التجمعات البشرية في الجولان
بالرغم من ادعاء الصهاينة بأن منطقة الجولان كانت قبل احتلالهم لها عام 1967 خالية من السكان وعبارة عن صحراء صخرية حجرية سوداء، فإن عدد التجمعات البشرية فيها كانت حوالي 190 تجمعاً بين مدينة، وقرية ومزرعة، وقد أكره الإسرائيليون سكانها على مغادرتها بقوة السلاح بعد دخولهم إليها. فنزح جميع السكان عدا القليل منهم من أهالي بلدة ومنطقة مجدل شمس في سفوح جبل الشيخ ويقدر عددهم بحوالي 7 آلاف نسمة فقط. أما أكبر مركز سكاني فهو مدينة القنيطرة التي ارتبط نموها بوصول المهاجرين الشراكسة ومجيء التجار الدمشقيين إليها. وأخذت بالتوسع والازدهار في الخمسينات والستينات من هذا القرن، ونشطت فيها الحركة التجارية والعمرانية والإنشائية بشكل غير معهود من قبل، وخاصة بعد أن أصبحت مركزاً لمحافظة القنيطرة في مطلع الستينات. ولقد وصل عدد سكانها قبل الاحتلال الصهيوني إلى 29 ألف نسمة يعيشون في أحياء المدينة المختلفة، مثل (حارة الشوام، وحارة الشركس، وحارة المسيحيين) وغيرها من أحياء أحدث منها، وكان عدد محال البيع والتجارة والحوانيت المختلفة في مدينة القنيطرة قد وصل إلى ما يقارب (450) محلاً. كما كانت قد أضحت أهم مدينة سورية من الناحية العسكرية والاستراتيجية. وترتبط بدمشق وجميع الأراضي المحيطة بها بطرق سيارات جيدة. وتبعد عن دمشق مقدار (70 كلم) فقط.
ويلي مدينة القنيطرة، مدينة فَيْق (وتسمى «الزوبة» أيضاً) وهي مركز منطقة فَيْق وهي بلدة صغيرة لم يتجاوز عدد سكانها الـ(6000) نسمة، وتقع في الزاوية الجنوبية الغربية من الجولان. ثم تأتي قائمة تضم عدداً من القرى الكبيرة كمجدل شمس، والخشنية، والجويزة، والبريقة، والصرمان، وعين زيوان، والمنصورة، وكفر نفاخ، وبقعاتا، وجباتا الزيت، وجباتا الخشب، وغيرها من قرى أخرى منتشرة على أنحاء أرض الهضبة، وبيوت هذه التجمعات السكانية مبنية من المادة الأولية الطبيعية المتوفرة في المنطقة، وهي الصخر والحجر البركاني ـ البازلتي. ولقد دخل الإسمنت المسلح في مادة البناء في السنوات العشر التي سبقت الاحتلال. ولقد كان في الجولان عدد من القرى ذات المساكن المقاومة للعمليات العسكرية، وهي القرى الدفاعية التي أقيمت في الأقسام الغربية من الجولان.
أما توزع التجمعات السكانية وبالتالي توزع السكان فيتبع محاور واضحة، أهمها المحور الجبلي لسلاسل الجولان الشرقية ثم محور أقدام جبل الشيخ، ثم محور طريق دمشق ـ القنيطرة ـ كفر نفاخ فجسر بنات يعقوب على حافة الحولة. وأخيراً محور الرفيد ـ الحمة. ويرتبط كل مركز ببقية المراكز وبالعاصمة القنيطرة بطريق مواصلات للسيارات مفروشة كلها بالأسفلت، وصالحة للسير في جميع الفصول، عدا الطرقات المشقوقة في الجبال حيث يسقط الثلج في الشتاء ويمكن أن يسد الطريق لبضع ساعات.
الفعاليات البشرية واقتصاديات الجولان
الزراعة وتربية الحيوانات هما الوسيلتان المعيشيتان الرئيسيتان لسكان الجولان. وهما المهنتان الملائمتان للشروط والأوضاع الطبيعية السائدة في المنطقة. فالزراعة تعتمد في انتشارها على بعض المساحات السهلية الصغيرة والخالية من الأحجار والصخور، وعلى رقع صغيرة جداً من الأراضي التي قام الإنسان بتنظيفها من الكتل الحجرية للحصول على تربة صالحة للزراعة. خاصة على السفوح الجبلية في الشريط الشرقي والشمالي للجولان.
وتشتهر الجولان بإنتاج أنواع جيدة من فواكه المناطق الباردة كالتفاح والكرز التي قام فلاح جبل الشيخ بغرس أشجارها على سفوحه الجنوبية حول قرية مجدل شمس ومسعدة، وبقية قرى الشمال الجولاني. أما في سلسلة الجولان الشرقية فتزدهر زراعة أشجار الكرمة على المساحات التي نظفها الفلاح من الأحجار، وأقام منها جدراناً تفصل بين الحقول.
وتنتج أراضي الجولان المنبسطة في الأماكن التي تتوفر فيها التربة الزراعية، كميات جيدة من القمح والشعير والذرة الصفراء، وهي المحاصيل التي تشكل المادة الغذائية الأساسية للسكان.
أما في الأودية الغربية والجنوبية فتنمو أشجار اللوز والزيتون والرمان، كما تنمو في الأراضي الواقعة على مستوى سهل الحولة وضفاف بحيرة طبرية أنواع من الزراعات تلائم المناخ الدافىء والرطب: كالموز والحمضيات والخضراوات كما في منطقة البطيحة.
وتتمم تربية الحيوانات والنحل وصيد الأسماك ـ قائمة ـ الفعاليات الاقتصادية في الجولان، حيث ساعد مناخ المنطقة على نمو الأعشاب بشكل واسع وكثيف. ولقد استفاد الإنسان من هذه الثروة الطبيعية فقام بتربية المواشي، وخاصة الأبقار التي تنتشر تربيتها في جميع أنحاء الجولان تقريباً، أما الأغنام فعددها قليل بصورة عامة. كما تربى الخيول العربية في معظم القرى رغم دخول السيارة إلى جميع المراكز البشرية. ويستفيد سكان الجولان من منتجات الأبقار من الألبان والسمن والجبن واللحوم. كما يستفيدون من تربية الدواجن من أجل لحمها وبيضها.
وأخيراً فإن منطقة القنيطرة وقراها تنتج العسل من المناحل الغنية الحديثة والقديمة، بكميات تكفي الاستهلاك المحلي، والتصدير إلى مدينة دمشق. كما تشتهر منطقة البطيحة بصيد الأسماك في بحيرة طبرية.
أما الصناعات فمحدودة في الجولان، وتقتصر على الصناعات اليدوية البسيطة التي تؤمن حاجة الفلاحين، وهي صناعات محلية في القرى وفي مدينة القنيطرة بالذات. ومن الصناعات التي ازدهرت في منطقة القنيطرة ـ قبل الاحتلال ـ صناعة المواد البنائية لتأمين متطلبات العمران المتزايد في الجولان بأسرها.
ولقد كان لازدياد أهمية المنطقة من الناحية العسكرية أكبر الأثر في ازدهار ونمو الحركة التجارية والاقتصادية عامة، دفعت الكثيرين من سكان سورية للهجرة إليها والعمل فيها بغية الكسب والربح، لدرجة كان يقال فيها عن الجولان بأنها تكاد تصبح (كويت سورية).
وسكنت الجولان جاليات شيعية قليلة نزحت من جبل عامل وأقامت أكثر ما أقامت في القنيطرة. وكانت تقوم بين جبل عامل والقنيطرة صلات تجارية فكان كثير من العامليين يقصدون سوق الجمعة الأسبوعية التي كانت تقام في القينطرة فيحملون إليها ما يرغبون بيعه لا سيما المواشي ويعودون منها بما يبتاعونه.
الدكتور عادل عبدالسلام
الجولان
ـ 3 ـ
كانت فلسطين سابقاً تشكل الإقليم الجنوبي والحيوي لبلاد الشام أو ما يسمى بسورية الطبيعية، وبعد جلاء العثمانيين من بلاد الشام، أكد «المؤتمر السوري العام» الذي عقد في دمشق بتاريخ 7/3/1920، الذي ضم ممثلين عن مناطق بلاد الشام، أعلن القرار الآتي: «بإجماع الرأي، نعلن استقلال بلادنا السورية بحدودها الطبيعية استقلالاً تاماً لا شائبة فيه».
إلا أن التجزئة اللاحقة بفعل اتفاق سايسك بيكو وتعديلاته، أوصلت فلسطين (الإقليم الجنوبي) إلى إدارة دولية (منطقة القدس) وإدارة الانتداب البريطاني، وأصبح خط الحدود الفلسطينية ـ السورية يبدأ من شرق وشمال بلدة الحمة، مسايراً للحافات السفلى لوادي اليرموك. ونجود الزوية والجولان المطلة على الحفرة الانهدامية التي تتوسطها بحيرة طبريا ونهر الأردن، فتأخذ اتجاهاً شمالياً تماماً حتى جنوب بلدة بانياس عند سفوح جبل الشيخ، ومن الغرب حتى مجرى نهر الحاصباني الذي يمثل أعلى نهر الأردن، ويبلغ طول هذه الحدود 74 كلم.
تعرضت هذه الحدود إلى تعديلات كثيرة، كان أولها في 22/11/1920 بين بريطانيا وفرنسا، فبعد أن كانت الحدود تقطع بحيرة طبريا على خط اتجاه: جنوبي ـ شرقي ـ شمالي ـ غربي، ماراً من جنوب صفد وغربها حتى رأس الناقورة تاركة منطقة الحولة بكاملها داخل الأراضي السورية، أصبحت تقطع البحيرة في منتصفها باتجاه جنوبي ـ شمالي تدخل قسم من الجولان حتى غرب القنيطرة وجنوب بانياس، إضافة إلى كامل سهل الحولة ضمن الأراضي الواقعة تحت الانتداب البريطاني. وفي آذار 1923 جرى تعديل آخر عرف باسم تعديل «نيو كمبوليه»، لمصالح متبادلة بين الانتدابين البريطاني والفرنسي مس الحدود المشتركة بين كل من سورية ولبنان وفلسطين الانتدابية، وتم بموجبه إلحاق الشريط المحاذي للنصف الجنوبي من ساحل طبريا الشرقي بفلسطين، وتركت عشرة أمتار لتفصل بين الحدود السورية ومياه بحيرة طبريا، ثم تساير الحافة المحاذية لسهل الحولة بعيداً عن النهر حتى جنوب بانياس، ومن ثم غرباً حتى تقطع وادي الحاصباني حيث تنتهي مع فلسطين لتبدأ مع لبنان.
ولاحقاً وبفعل حرب 1948، نشأ خط جديد هو خط الهدنة، وفق اتفاق الهدنة، إذ أصبح قطاع الحمة وجنوب شرقي بحيرة طبريا، ومثلثان صغيران: الأول إلى الغرب من نهر الأردن جنوب بحيرة طبريا عند جسر بنات يعقوب، والثاني إلى الغرب من بانياس في الجبهة السورية من خط الهدنة مناطق مجردة من السلاح مساحتها 100 كيلومتر مربع.
والحقيقة أنه خلال حرب 1948، لم تتوقف الأعمال الحربية على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية حتى توقيع اتفاق الهدنة في 22 نيسان (أبريل) 1949 في جزيرة رودس. وتبع هذه الفترة عمليات كر وفر متبادلة ثم التموضع بموجبها على خط الرابع من حزيران لعام 1967 مع السيادة السورية الكاملة على الشاطىء الشرقي لبحيرة طبريا، وعلى شريط من الأرض أضيفت إلى فلسطين إبان عهد الانتداب البريطاني.
وبعد عدوان حزيران 1967، أقامت إسرائيل في هذه المنطقة العديد من المنشآت الزراعية والصناعية، منها كيبوتس دان الزراعي، كيبوتس شنير، كيبوتس عين جاب، موقع نقيب وتبع احتلال اليهود لمناطق الجولان التمدد واحتلال مواقع أقصى الشريط المائي للهضبة عند تخوم جبل الشيخ في الأراضي اللبنانية، وضم مناطق مزارع بلدة شبعا اللبنانية بمساحة تساوي تقريباً 200 كيلومتر مربع، (هذه المساحة تمثل أكثر من نصف قطاع غزة). وتقع مزارع شبعا في المنطقة التي يسميها اليهود الجولان النافع الزراعي والمائي، وتتحدد على الخريطة من قمة الزلقا، وهي ثاني أعلى قمة في جبل الشيخ، وبانحدارها إلى تل القاضي في سهل الحولة بطول يبلغ 25 كيلومتراً ومعدل عرضي 8 كيلومترات من بلدة كفرشوبا شمالاً في الأراضي اللبنانية إلى بلدة جباتا الزيت في الأراضي السورية. وتنتشر مزارع شبعا في موقع جغرافي ذي أهمية استراتيجية بالغة على ملتقى الحدود بين لبنان وسورية وفلسطين. وتتميز بقممها الجبلية العالية التي تصل إلى حوالي 2600 متر عن سطح البحر وتشرف على هضبة الجولان وسهل الحولة والجليل وجبل عامل وسهل البقاع. وتنبع من هذه المزارع معظم روافد نهر الأردن، كما تختزن في باطنها كميات هائلة من مياه ثلوج حرمون والجولان.
ومنطقة الحمة تقع في إطار الجولان المفيد وفق المصطلح اليهودي، وتتألف من مدينة سياحية صغيرة ومنتجع صحي إضافة إلى الأراضي الزراعية التي تتبع لها فضلاً عن بعض القرى مثل: التوافيق، الحاوي، الروض الأحمر، روض القطف، البرج. وأصبحت الحمة تحت السيادة السورية الكاملة قبل عام 1967 إضافة إلى الممر المؤدي إلى وادي اليرموك من منطقة الحمة، وكانت أضيفت إلى فلسطين الانتدابية عام 1923م وفق تعديل نيو كمبوليه.
وكانت قوات الانتداب البريطاني في فلسطين انسحبت من منطقة الحمة في كانون الثاني (يناير) 1948، وحاولت قوات الهاغاناه التسلل إليها من منطقة سمخ وبيسان حين تم ردها ومنعها من قبل سكان المنطقة. وفي 15 أيار (مايو) 1948 دخلت القوات السورية منطقة الحمة والمواقع المحيطة بها خصوصاً في كفر حارب، بينما سيطرت القوات اليهودية على الأجزاء والمناطق المجردة من السلاح، بلغت ضعف ما سيطرت عليه القوات السورية. وتعتبر الحمة من المناطق الواقعة بين الخط الفاصل بين سورية وفلسطين الانتدابية في الطرف الفلسطيني ومن المناطق الواقعة إلى يمين خط 4 حزيران 67 في الجانب السوري، وتقع إلى الجنوب الغربي بشكل يحاذي طولانيا الشاطىء الجنوبي الشرقي لبحيرة طبريا، وهي تمتد شرقاً على شكل بيضوي مسطح ذروته عند مثلث الحدود السورية ـ الأردنية ـ الفلسطينية، ويقع القسم الثاني منها ضمن الحدود الأردنية ملاصقاً لبلدتي سمخ الفلسطينية والعدسية الأردنية. وتنخفض الحمة عن سطح البحر 170 متراً، كما تبلغ مساحتها 5400 دونم. ويستثمر اليهود منطقة الحمة في مجال الصناعة السياحية، إذ تضم بلدة الحمة ينابيع المياه المعدنية والآثار السياحية، وكانت في فترة سابقة محطة للسكك الحديد التي تربط دمشق عن طريق درعا بكل من حيفا، سمخ، طبريا، يافا، غزة ومن ثم إلى العريش.
وفي إطار الجولان النافع الذي تريد سلطات الاحتلال اليهودية الاحتفاظ به، يقطع الشاطىء الشرقي لبحيرة طبريا بطوله الذي يقارب 20 كيلومتراً مع خط الرابع من حزيران لعام 67. وتأتي بحيرة طبريا في المرتبة الثانية بعد البحر الميت وتلعب دور الخزان الرئيسي للمياه في فلسطين.
وتقع على بعد 43 كيلومتراً من شاطىء البحر المتوسط، كمثرية الشكل، أقصى طول لها 21 كيلومتراً وأعمق نقطة فيها حوالي 45 متراً، ومساحتها الإجمالية 165 كيلومتراً مربعاً، وتنخفض عن سطح البحر 212 متراً وسعة البحيرة من المياه تقارب 4 بلايين متر مكعب، ويتأثر مستوى ارتفاع المياه فيها بالأمطار السنوية وبارتفاع درجة الحرارة، وتغذيها بشكل رئيسي مياه هضبة الجولان، إذ يصلها خلال جريان نهر الأردن 640 مليون متر مكعب. سنوياً.
أيضاً يتمسك اليهود بالسيادة على مناطق واسعة من جبل حرمون (جبل الشيخ)، باعتباره خزاناً مائياً مهماً يغذي جوف منطقة الجولان وأجزاء من القطاع الشرقي لجنوب لبنان وسهل الحولة في فلسطين، وتقع المنطقة الشمالية الغربية منه في إطار الجولان النافع بين خط 4 حزيران والخط الدولي.
تبلغ مساحة المرتسم الأفقي للجبل على مستوى الأرض نحو 600 كيلومتر مربع، نصفها تقريباً في الأراضي اللبنانية، ويطل على القطاع الشرقي (قطاع العرقوب)، وتشكل مساحته الواقعة في الأراضي السورية نحو 12 في المئة من مساحة الجزء المحتل من هضبة الجولان. وجبل حرمون مجموعة من الارتفاعات المتتالية إذ يتشكل من عدد كبير من الذرى والشارات المتباينة الارتفاع عن بعضها بعضاً، ويرتفع في أعلى نقطة بمقدار 2814 متراً عن سطح البحر. وتعرف هذه المنطقة باسم قصر شبيب نظراً إلى وقوع الأمير العربي شبيب التبعي فيها.
الأهمية الأولى لجبل حرمون تنبع من كونه المغذي الرئيسي للمياه في المنطقة الواقعة في حوضه في الجولان ومناطق القطع الشرقي لجنوب لبنان إضافة إلى مناطق ريف دمشق في وادي الحرير ووادي العجم. وتهطل الأمطار على جبل حرمون سنوياً بمعدل وسطي في مختلف مناطقه المتباينة الارتفاع بمعدل 1400ملم، بمعنى أن المخزون المائي السنوي فيه يقارب 840 مليون متر مكعب من المياه، وينبع منه أنهار، نهر الحاصباني الذي يعطي مردوداً مائياً سنوياً يبلغ 155 مليون متر مكعب، نهر بانياس بمردود مائي سنوي يبلغ 157 مليون متر مكعب، مجرى نهر الأردن، ونهر الأعوج الذي ينبع من الجهة الأخرى المقابلة ويذهب إلى مصبه في الجنوب الشرقي لدمشق في منطقة الهيجانة، إلى مئات الينابيع المنتشرة على جنبات سفوح جبل حرمون من مختلف الجهات. كما تتجمع كميات كبيرة من المياه في فصل الربيع على شكل بحيرات خصوصاً في انحدار قلعة جندل.
ويتمتع جبل حرمون بأهمية عسكرية تعود الى ما يوفره من بعد حداثي ثالثي (شاقولي)، يسمح بمراقبة مواقع الطرف الآخر بصورة جيدة نسبياً، وفي الواقع يطل جبل الشيخ على الاتجاهات العملياتية على الجبهة السورية ـ الفلسطينية إذ يشرف موضعياً على الأراضي المحيطة به حتى الأفق. وضمن ذلك يمكن القيام بأعمال المراقبة بالنظر، بواسطة أجهزة المراقبة البصرية لمسافات طويلة، ورصد كامل لاتجاه العمليات في الجانبين، وتالياً يمكن متابعة كل التحركات العسكرية وتصحيح رمايات المدفعية وضربات الطيران، إضافة إلى أنه يمكن أن يشكل ستاراً وعامل إضفاء للحشود العسكرية للطرف المسيطر عليه، ويقدم شروطاً ملائمة لحجب الرؤية الرادارية وحماية الطائرات ذات الطيران المنخفض من الاكتشاف حتى تصل إلى أغراضها بصورة مفاجئة. إلى ذلك يصعب على نيران المدفعية أن تطاول مرتفعاته بسبب طبيعة تضاريسه، فزيادة المدى الشاقولي للقصف المدفعي يكون دوماً على حساب النقصان في المدى الأفقي.
بعد الاحتلال أقامت القوات اليهودية مرصداً عسكرياً متطوراً على المرتفع 2224 متراً المطل على بلدة عرنة السورية في الزاوية الجنوبية الشرقية للجبل، وحاولت خلال حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وحرب الاستنزاف عام 74 إقامة مرصد آخر في المرتفع 2814 متراً وتمكنت من إيصال فصيلة دبابات ومجموعة مشاة ميكانيكية إلى السفح المؤدي إلى القمة المذكورة وذلك في المرتفع 2500 متر في جبل حرمون. إلا أن هجوماً مباغتاً شنته وحدة مختارة من القوات الخاصة السورية، أفشلت محاولات الوصول اليهودية إلى قمة الجبل وتمكنت من قتل 23 جندياً وأسر ثلاثة.
بقي المرصد اليهودي في مكانه الحالي في المرتفع الاستراتيجي 2224 متراً. ويذكر أن هذا المرتفع وقع بيد القوات السورية في الإنزال الأول الذي قامت به القوات الخاصة السورية ليلة اليوم الأول من حرب تشرين الأول 73، وحدثت فيه عمليات سيطرة متبادلة حتى استقر في الوضع الحالي، وتكبدت القوات الإسرائيلية من أجل التمسك بالموقع خسائر فادحة، أبرزها تحطم مروحية (سكورسكي) تقل قوات إنزال (30 جندياً) بنيران قذيفة سورية مباشرة فدمرت المروحية وقتل جميع من كان فيها.
تضم مرتفعات جل الشيخ في السفوح الجنوبية الغربية ثلاث مستوطنات سنير (عام 1968) قرب بانياس بمساحة 2000 دونم وهي مستوطنة زراعية وتوجد فيها مصانع للأدوات الكهربائية، هارادوم أقيمت عام 1975 على أراضي بقعاتا السورية وهي مستوطنة زراعية سياحية، ومستوطنة نفي أطيف أقيمت عام 1968 على أراضي قرية جباتا الزيت السورية المحتلة، وهي مجمع سياحي حديث التلفريك الكهربائي) مساحتها 3000 دونم، يمارس فيها المصطافون رياضة التزلج على الجليد. وتدير هذه المستوطنة الوكالة اليهودية التي شكلت بداية الاحتلال شركة حرمون للأعمال السياحية.
بكل الحالات يعتبر الموقف السوري أكثر تماسكاً وإسناداً من ناحية القانون الدولي منه إلى الموقف اليهودي فاليهود يفاوضون على مسألة الحدود معتبرين أنفسهم الوريث الشرعي لفلسطين الانتدابية. وفي هذا مخالفة واضحة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية فالدولة العبرية هي الوحيدة في العالم التي قامت بقرار، وهو قرار التقسيم 181 لعام 1947، وهذا القرار التشريعي الدولي وحده رسم الحدود لكن الدولة العبرية تجاوزته وزحفت قواتها من المناطق المخصصة لها على مساحة 52 في المئة من أراضي الضفة والقطاع والقدس كاملة وطردت مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من المناطق المخصصة للدولة العربية خلافاً للقرار 181. وبالمحصلة تم تعطيل الشق الآخر من القرار الدولي، وهو الشق الذي يدعو لقيام دولة عربية فلسطينية على الجزء الآخر من أرض فلسطين التاريخية.
خصائص موقع وجغرافية الجولان
تبلغ مساحة هضبة الجولان 1860 كيلومتر مربعاً، أي ما يعادل 500 ميل مربع يسيطر اليهود حالياً على ما مجموعه 1250 كيلومتر مربعاً منها أي ما نسبته 69,4 في المئة من مساحة الهضبة والباقي تحت السيادة السورية.
يبلغ الحد الأقصى لطول الهضبة 80 كيلومتراً، والحد الأقصى لعرضها 25 كيلومتراً، والجولان هي المنطقة التي تقع في أقصى الغرب والشمال الغربي من هضبة حوران، وهي هضبة تتألف من بقاع تنحدر تدريجياً شمالاً من وادي العجم وجبل الشيخ إلى ضفاف وادي اليرموك جنوباً ومن ارتفاع يتجاوز 1200 متر فوق سطح البحر إلى ارتفاع يقترب من 200 دون مستوى سطح البحر في منطقة الحمة التي تعتبر أخفض مناطق الجولان بل وسورية عن سطح البحر. ويحد الهضبة من الغرب نهر الأردن وفي الجنوب الغربي بحيرة طبريا وفي الشرق وجزء من الجنوب حوران (والجنوب) ونهر اليرموك.
هضبة الجولان، هضبة متموجة وسطحها مفروش بكميات كبيرة من الأحجار والمواد المفتتة، أما في المنخفضات فتتراكم المواد الناعمة والدقيقة، وهي عموماً تنحدر نحو الاتجاهات الثلاثة (الشرق والغرب الجنوب) وأكثر باتجاه الغرب، ويصل ارتفاعها في الوسط أكثر من 1000 متر فوق مستوى سطح البحر، ومتوسط ارتفاعها زهاء 700 متر عن مستوى سطح البحر، تغطيها الصخور البازلتية التي أعطتها شكلاً متموجاً وعراً. إلى ذلك تنهض على سطح الهضبة بعض المرتفعات التي تشكل تلالاً على شكل مخاريط بركانية وتظهر بعض المساحات على شكل سهول منبسطة. وتتسم الجولان ببنية معقدة على الصعيد الهيدرولوجي سيما أنها تعود في تشكلها لفترات متباينة من العصور الجيولوجية. وتربتها ذات منشأ بركاني ألوانها قاتمة إلى لون أحمر أجري يناسب زراعة الحبوب ذلك كانت الجولان إحدى عنابر الغذاء الرئيسية في بلاد الشام.
المواقع والتلال
انتشار التلال والمرتفعات البركانية فوق هضبة الجولان يعطيها ميزة كمواقع تحكم وخطوط دفاع طبيعية تؤمن مساحة من رؤية رصد كبيرة، فهي تشكل حاجزاً طبيعياً بين الجولان في الغرب وحوران في الشرق، ويرتفع في وسطها تل أبو الندى (1204 أمتار عن سطح البحر). وتمكن ملاحظة سلسلتان جبليتان الأولى تمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي للقنيطرة وتشمل مرتفعات متقاربة الارتفاع وأهمها:
ـ تل الأحمر (1187 متراً عن سطح البحر) ويقع قرب قرية مسعدة.
ـ تل عريم (1053 متراً).
ـ تل الشيخة (1211 متراً).
ـ تل العرام غرب القنيطرة.
وتبدأ السلسلة الجبلية الثانية من جنوب القنيطرة حتى قرية الرفيد باتجاه من الشمال الغربي إلى الجنوب فالجنوب الشرقي، وأعلى تلالها: بير عجم (1158 متراً) وتل أبو خنزير (977 متراً) وتل الفرس، وتل يوسف.
كما يتناثر في مواضع أخرى عدد من التلال المهمة مثل تل العزيزات. تل الفخار. تل شيبان، تل هلال، تل جليبنة، تل العور، تل العلمين، تل شعاف السنديان، مرتفعات التوافيق.
وتقع بين التلال والمرتفعات السابقة السهول الحمراء ذات التربة الخصبة الغنية بالأكسيد المعدني المفيد للزراعة، وأهم هذه السهول: سهل عين زيوان، سهل الدلوة، سهل عين عيشة، سهل المنصورة، سهل الخشنية، سهل الرفيد، سهل الجوخدار، سهل كفر نفاح، سهل العال، سهل فيق، سهل البطيحة.
وتتمتع تلال الجولان بأهمية عسكرية، كما ذكرنا، نظراً إلى ما توفره من خطوط دفاع طبيعية، يمكن إنشاء تحصين دشم ومواقع قوية داخلها، كما حصل فعلاً منذ احتلال الهضبة حين بنت القوات اليهودية تحصينات جبل حرمون وتل أبو الندا، وتل الفرس، وغيرها من المواقع، عدا عن الخط المحصن على طول الجبهة (خط الون: ويسمى الخط البنفسجي حيث يتشابه انحنائه على طول الجبهة السورية ـ الفلسطينية مع قوس مغيب الشمس).
وتوفر المرتفعات مساحة رؤية نحو بادية الشام وجبل العرب وسهول حوران واللجاه وغوطة دمشق، ونحو فلسطين وشرق الأردن حتى جبال عجلون، وبحيرة طبريا والحولة وجبال الجليل والكرمل، ويرى من قمة جبل حرمون (المرتفع 2814م) البحر الأبيض المتوسط من رأس الكرمل حتى مدينة صور، كما جبل الجرمق والباروك.
الأهمية المائية
تنتسب هضبة الجولان، وهضبة جبل العرب وهضبة حوران إلى حوض هيدرولوجي واحد. وتعتبر أمطار الجولان غزيرة وتزيد عن 1000 ملم في السنة، وعدد الأيام الممطرة 68 يوماً على المتوسط في العام الواحد، وتقدر بـ1,2 بليون متر مكعب سنوياً، عدا ما يسقط منها على جبل الشيخ بينما لا تتجاوز كمية الأمطار في فلسطين الكاملة بليوني متر مكعب سنوياً، وتعادل الهضبة 1 في المئة من مساحة سورية الإجمالية، وتتمتع بمردود مائي يعادل 3 في المئة من المياه التي تسقط فوق سورية، و14 في المئة من المخزون المائي السوري. ومع ذلك لا يعثر في الهضبة على أنهار دائمة بسبب شدة الانحدار العام نحو الغرب الأمر الذي يؤدي إلى صرف مياه الأمطار والسيول بسرعة نحو انهدام نهر الأردن الذي يلعب دور مصرف لمياه الجولان السطحية والجوفية.
ويقع الخزان الرئيسي المائي للهضبة في جبل حرمون ومنه تنبع الأنهار الرئيسية التي تشكل المجرى العام لنهر الأردن إضافة إلى نهر الأعوج الذي ينبع من الجبهة المقابلة ويذهب لمصبه في جنوب شرقي دمشق.
وتعتبر الهضبة من المناطق الغنية بالمياه الجوفية، فتكثر الينابيع الدائمة وتكثر الوديان وأشهرها: وادي الريح، وادي دبورة، وادي حوا، وادي جرمايا، وادي السمك، والدي الزيتون، وادي مسعود، وتعتبر مياه الهضبة مياهاً عذبة ونسبة المواد الصلبة فيها قليلة جداً وتختلف إنتاجية الآبار في الهضبة بين 5 إلى 15 لتراً في الثانية.
وتنفجر مئات الينابيع في مناطق مختلفة وأهمها: نبع البارد 328 ليتراً في الثانية، نبع البجيات 150 ليتراً في الثانية، نبع الجليبنة 100 ليتر في الثانية، نبع حلس الفوال 60 ليتراً في الثانية، نبع الدروان 55 ليتراً في الثانية، نبع السعار 130 ليتراً في الثانية، نبع السنابر 75 ليتراً في الثانية، ونبع الشلالة 65 ليتراً في الثانية. نبع الفاجر 300 ليتر في الثانية، نبع القصيبة 110 ليترات في الثانية، نبع البرجيات 150 ليتراً في الثانية، نبع بيت جن 1900 ليتر في الثانية، نبع اللويزاني 400 ليتر في الثانية إضافة لينابيع الحمة الكبريتية 850 ليتراً في الثانية. وتتشكل بحيرة مسعدة على أحد سفوح جبل الشيخ في موضع فوهة بركانية ويبلغ طولها 628 متراً وعرضها 476 متراً وعمقها 45 إلى 60 متراً وارتفاعها عن سطح البحر 1024 متراً.
المصرف المائي للجولان
ووفق ما تم ذكره فإن الانحدار العام للهضبة باتجاه الغرب يجعل مياه الجولان تصب في هذا الاتجاه الذي يعتبر المصرف المائي لهضبة الجولان وفيه يتشكل نهر الأردن وفق الخريطة الآتية.
نهر بانياس ينبع من جانب بلدة بانياس من جرف جبلي تحت كهف كلسي قديم في أحد سفوح جبل الشيخ وعلى ارتفاع 914 متراً عن سطح البحر عند قاعدة الجبل وعلى مسافة 19 كيلومتراً من الحولة، وترفده المياه الآتية من وادي السعار ووادي الخشبة ووادي العسل ويبلغ طوله 9 كيلومترات ومردوده السنوي 170 مليون متر مكعب، ويزود بانياس بحوالي 157 مليون متر مكعب، تأتيه من المياه المتجمعة من مساحة تقدر بـ 175 كيلومتراً مربعاً.
نهر الدان (تل القاضي): ينبع من تل القاضي الواقع غرب بانياس ويبدأ بينبوعين، أحدهما على السفح الغربي والثاني على السفح الشرقي ثم يجتمعان ليؤلفان معاً مجرى النهر ومردوده السنوي 258 مليون متر مكعب. نهر الحاصباني: أطول روافد نهر الأردن وينبع من بلدة حاصبيا من بركة قليلة الانخفاض تسمى نبع عين الفوار وعلى ارتفاع 660 متراً فوق سطح البحر، ويرفده نهر بريغيث الآتي من مرجعيون ومتوسط مردوده السنوي 155 مليون متر مكعب، يبلغ طوله 38 كيلومتراً، يجري منه نحو 14 كيلومتراً في لبنان.
وتلتقي الأنهار الثلاثة عند نهر الأردن أو نهر الشريعة الذي يؤلف حدود سورية مع فلسطين. ويعتبر نهر اليرموك أحد أهم روافد نهر الأردن إذ يرفده بعد خروجه من بحيرة طبريا ويشكل للغرب من مدينة درعا الحد الفاصل للحدود السورية ـ الأردنية ويبدأ انحداره من السفح الغربي لجبل العرب إذ يتألف من وادي البطوم في الجنوب والزيدي في الشمال ثم يرفده وادي الذهب الذي ينتهي عن شلالات تل شهاب. ومن روافده مياه وادي هدير، ومياه وادي الخنافس ووادي العرام ووادي أبو يابس ووادي العلان ثم مياه وادي الرقاد، وتبلغ حصة حوض اليرموك 7584 كيلومتراً مربعاً منها 5500 كيلومتر مربع داخل سورية. وتتفجر على أطرافه الينابيع مثل: نبع الثريا، أم الدنانير، الغزولي، الأشعري وينابيع الحمة. ويرفد نهر الأردن أيضاً من الجهة الشرقية وادي الزرقا، وطاقته حوالي 93 مليون متر مكعب ومجموعة الأودية الأخرى: وادي العرب، وادي حرم، وادي اليابس، وادي كفرنجة. أما الجانب الغربي لنهر الأردن فترفده وديان: فيحاس، البيرة، جالود، المالح، الفارعة والعوجا.
علي سعيد بدوان
جورجيا
ـ 1 ـ
تبلغ مساحتها 69 ألفاً و700 كيلومتر مربع وعدد سكانها حوالي الستة الملايين، وهم موزعون عرقياً هكذا: 68,8 في المئة جورجيون و9 في المئة أرمن و5,1 في المئة آذربايجانيون 7,4 في المئة روس ويهود وأبخاز ويونان. وثروتها الأولى هي الفحم الحجري.
المنطقة التي تعرف اليوم باسم (جورجيا) عرفها العرب في الماضي باسم جبال (القبق) وعرفوا سكانها باسم (الكرج).
قال ياقوت في معجم البلدان: الكرج بالضم ثم السكون وآخره جيم: هو جيل من الناس نصارى كانوا يسكنون في جبال القبق وبلد السرير فقويت شوكتهم حتى ملكوا مدينة تفليس، ولهم ولاية تنسب إليهم وملك ولغة برأسها وشوكة وقوة وكثرة عدد.
وقال عن القبق: هو جبل متصل بباب الأبواب وبلاد اللان، وهو آخر حدود أرمينيا، قال ابن الفقيه: جبل القبق فيه إثنان وسبعون لساناً لا يعرف كل إنسان لغة صاحبه إلا بترجمان، ويقال أن طوله خمسمائة فرسخ وهو متصل ببلاد الروم إلى حد الخزر واللان… قال البحتري ذاكراً جبل القبق:
أتسلى عن الحظوظ وآسى
لمحل من آل ساسان درس
ذكر تنيهم الخطوب التوالي
ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عال
مشرف يحسر العيون ويخسي
مغلق بابه على جبل القبق
إلى دارتي خلاط ومكس
و(باب الأبواب) التي قال ياقوت أن جبل القبق يتصل بها هي مدينة (دربند)، سماها العرب (باب الأبواب).
ووصل الإسلام إلى بلاد الكرج (جورجيا) سنة 25 هجرية بعد فتح أرمينية. وشهدت تلك البلاد على مر العصور جمهرة من الفقهاء والشعراء والمحدثين، ابتداء من (باب الأبواب) حتى آخر نقطة فيها. وترددت في جوانبها أصداء الشعر العربي الرقيق فمن ذلك ما قاله سراقة بن عمرو، مصحفاً (القبق) بكلمة (القبج) وربما كان التصحيف من الرواة لا من الشاعر:
ومن يك سائلاً عني فإني
بأرض لا يؤاتيها القرار
بباب الترك ذي الأبواب دار
لها في كل ناحية مغار
نذود جموعهم عما حوينا
ونقتلهم إذا باح السرار
سددنا كل فرج كان فيها
مكابرة إذا سطح الغبار
وألحمنا الجبال جبال قبج
وجاور دورهم منا ديار
وبادرنا العدو بكل فج
نناهبهم وقد طار الشرار
على خيل تعادى كل يوم
عناداً ليس يتبعها المهار
وإذا كان هذا الشاعر شاعر حرب وقتل وضرب، عانى هناك هناك تقلد السيوف وحمل الرماح، يغير بها في كل ناحية مغ غيره من المغيرين على خيولهم المتعادية، فلدينا شاعراً آخر كان شاعر حب وغرام، لم يعنه هناك إلا حبيبته التي يبدو أنه ظفر بها مرة. ثم لم يعد يظفر بها، ذاك هو الشاعر نصيب الذي قال:
ذكرت مقامي ليلة (الباب) قابضاً
على كف حوراء المدامع كالبدر
فكدت ولم أملك إليك صبابة
أطير وفاض الدمع مني على نحري
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
كليلتنا حتى أرى وضح الفجر
أجود عليها بالحديث وتارة
تجود علينا بالرضاب من الثغر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة
فيعلم ربي عند ذلك ما شكري
وظل مصير بلاد الكرج مصير غيرها من البلاد الإسلامية، وظل يتعاورها ما يتعاور غيرها من فتن وتغلب فريق على فرق حتى فاجأت العالم الإسلامي غارات جنكيز خان عليه، وكانت بلاد الكرج لا تزال ذات طابع نصراني، فاكتسح جنكيز البلاد واصلاً إلى مدينة تبريز، ثم تجاوزها محاولاً الوصول إلى ساحل البحر والتخلص من البرد الشديد وامتلاك المراعي الواسعة، فأدرك موقان، وفي طريقه احتك ببلاد الكرج، فحشد له الكرج نحو عشرة آلاف فارس واصطدموا بجيوشه، فتغلب عليهم وقتل أكثرهم.
وهنا بانت للجميع حقيقة المغول، وأنهم يستهدفون لا المسلمين وحدهم، بل من يقع في طريقهم مسلمين كانوا أم نصارى، فانبثقت فكرة قيام تحالف إسلامي نصراني في وجه الوثنية المغولية الزاحفة. ونستطيع أن نقول أن هذه الفكرة فكرة تحالف الديانتين لصد خطر يتهددهما معاً برزت في هذه الأحداث لأول مرة في التاريخ، وكذلك لآخر مرة ولا نعلم لها نظيراً منذ ذلك حتى هذا اليوم.
وكان أصحاب الفكرة هم الكرج النصارى، فدعوا أوزبك بن البهلوان صاحب آذربيجان الذي كانت علاقتهم به سيئة، وكانوا معه على خصام مستمر ـ دعوه إلى الصلح وتناسي الماضي والعمل يداً واحدة على دفع ما ينتظرهم من توغل المغول. فاستجاب أوزبك لذلك، وتقرر توسيع الحلف والاتصال بآخرين، فاتصلوا بالملك الأشرف صاحب خلاط والجزيرة فوافق.
وهكذا بدا أن الأمور تسير إلى توحيد الكلمة وجمع القوى وإيجاد القيادة الواحدة ولكن الذي أفسد الأمر هو سوء التقدير. إذ أن الحلفاء قدروا أن المغول لن يتحركوا في الشتاء لقساوة البرد، وأن تحركهم لا يكون قبل دخول فصل الربيع، لذلك لم يحزم المتحالفون أمرهم ويجمعوا شملهم منذ اللحظات الأولى، بل أهملوا ذلك إلى ما بعد انقضاء فصل الشتاء.
ويبدو أن المغول لم يكونوا غافلين عما يجري، وإن عيونهم كانت حسنة الاطلاع فأدركوا حقيقة المحاولات فقرروا الانقضاض على الكرج قبل توحيد الجيوش ووطنوا النفس على تحمل البرد وقساوته وعدم الانتظار إلى الربيع.
وليس المجال هنا مجال تفصيل الأحداث، بل اكتفينا منها بما له علاقة بالكرج أسلاف (الجورجيين).
وظلت الأحداث تتقاذف الكرج حتى قيام الدولة الصفوية في إيران سنة 907هـ (1501م) فأرسل الشاه إسماعيل الصفوي أول حملة على بلاد الكرج. وفي سنة 920هـ (1514 ـ 1515م) استولى الصفويون على قلعة (آفجة) وسلمت إليهم قلعة تفليس عاصمة الكرج وفي سنة 947هـ (1540م) استولى الشاه طهماسب الصفوي على تفليس بعد أن أنفذ أربع حملات كبيرة على بلاد الكرج.
وفي سنة 1578م توغل العثمانيون في بلاد الكرج واستلوا على تفليس ولكن لم تصفُ لهم الأمور وظلت الأحداث تتوالى، واستمر الحكم العثماني بين الهدوء والاضطراب بعد ذلك من سنة 1591 إلى 1603م حين استعاد الشاه عباس الأول الصفوي مدينة تفليس. وبعد تضعضع الدولة الصفوية وغزو الأفغانيين لإيران وانتصارهم الحاسم في (كون آباد) بالقرب من أصفهان سنة 1722م وقيام الاضطرابات في إيران اغتنم العثمانيون الفرصة وتقدموا سنة 1723م إلى تفليس.
وفي ذلك الوقت تم توقيع المعاهدة الروسية الإيرانية وبمقتضاها ألحقت الأقاليم التي على بحر الخزر بروسيا، كما أبرمت معاهدة بين الروس والعثمانيين سنة 1724م وبمقتضاها احتفظت روسيا بداغستان والشريط الضيق من الأرض الساحلية، بينما استولى العثمانيون على بلاد ما وراء القوقاز بأسره حتى شماخي وفي ذلك بلاد الكرج.
ولكن قيام نادر شاه في إيران واستعادته لقوة إيران بدلا الأمور. فعاود غزو ما وراء القوقاز واستطاع الوصول إلى تفليس عاصمة بلاد الكرج. ولم تستقر الأمور بعد وفاة نادر شاه وحكم الأسرة الزندية. وفي 1785 وكان القاجاريون حلوا قبل ذلك محل الزنديين في حكم إيران اتجه آغا محمد خان أول ملوكهم إلى تفليس واستولى عليها. وفي عهد خليفته (فتح علي شاه) قامت الحرب بين روسيا وإيران فكان النصر حليف روسيا وتنازلت إيران بموجب معاهدة 1812م عن مطالبها في بلاد الكرج.
وبعد هذا الإجمال نترك الكلام للدكتور سعيد نفيسي:
الإقليم الذي سماه الإيرانيون من زمن قديم «گرجستان» (تلفظ كافها كالجيم المصرية) هو، بالنسبة، إقليم واسع. شماله ومغربه جبال وجنوبه ومشرقه سهل زراعي. في شماله جبال القفقاس وفي جنوبه أرمينيا وفي شرقه الإقليم الذي سماه قدماء الإيرانيين «أران» وهو اليوم جمهورية آذربيجان وجمهورية «نخجوان» وفي الغرب تمتد أرض «كرجستان» إلى البحر المركزي من إقليم ما وراء القفقاس أيام كان حكم ملوكها أوسع مجالاً.
وسبق أن سمى الإيرانيون القدماء هذا الإقليم «گجردستان» (بالجيم المصرية)، ثم دعوه «گرجستان» چ وكتب العرب اسمه أحياناً «جرزان» كما كتبوا كلمة «كرج» و«كرجي» بلفظ «جرز».
يسكن في هذا الإقليم، من زمن قديم أقوام ينتمون إلى عرق واحد وألسنتهم متقاربة بينها اختلاف قليل. وهي، في حكم علم اللغات، بعض مجموعة الألسنة المسماة «خارتولي». وقلمهم مقتبس من القلم اليوناني مع تصرف كثير. وقد دخل اللسان الكرجي كثير من الكلمات الفارسية بسبب الجوار والتعامل. وقد ترجموا إلى لسانهم هذا بعض روائع الأدب الإيراني منها الشاهنامه للفردوسي.
وأكثرية الكرج اليوم على المذهب الأرثوذكسي المسيحي اليوناني. وبعضهم على دين الإسلام منهم «اللزجيون» و«الآجاريون» وبعض «الأبخازيين».
وفي عهد الهخمانشيين كان إقليم «گرجستان» جزءاً من أرض إيران. وبعدهم أنشئت في ناحية منه اسمها «كارتيل» وناحية أخرى اسمها «كاخت» دولتان مستقلتان بعض الاستقلال. وفي عهد الساسانيين ظل هذا الإقليم مدة طويلة يتداوله البيزنطيون والإيرانيون. فهو في حكم هؤلاء تارة وفي حكم هؤلاء تارة أخرى.
ويدعي الكرج أن امرأة اسمها «نينو» أدخلت النصرانية إلى بلادهم فتنصروا في مطلع القرن الرابع الميلادي، إذ تنصر «ميريان» ملك «گرجستان» ودعا الناس إلى الدخول في هذا الدين. واعترف المجمع المسكوني الذي انعقد سنة 780م باستقلال الكنيسة الكرجية.
ومع أن الساسانيين، لما كانوا يحتلون أرمينيا، كانوا أحياناً يقسون كل القسوة في معاملة نصاراها للقضاء على دينهم. فإنهم تجنبوا الإقدام على مثل هذه المعاملة في «گرجستان». وهذا دليل على أن نصارى «گرجستان» كانوا أكثر موافقة للزرادشتيين والبلاط الساساني من الأرامنة.
ومن حين إنشاء الإمبراطورية البيزنطية، أو الإمبراطورية الرومانية الشرقية، كان النزاع لا ينفك قائماً على «گرجستان» بين بيزنطية ودولة الساسانيين. واشتبك الطرفان مراراً بالحرب من أجلها. واستمر هذا النزاع إلى آخر العهد الساساني. وانتهى الأمر إلى أن استخلص «هراكليوس» (هرقل) إمبراطور بيزنطية «گرجستان» من يد إيران من سنة 627م. ولكن العرب، وقد غزوا إيران، لم يلبثوا أن ضموا ذلك الإقليم إلى مجال حكمهم، واكتفوا بأخذ الجزية من نصاراه وتركوهم على دينهم.
وفي العهد الإسلامي كانت «تفليس» وهي تقع في المركز من «گرجستان»، أهم مدن هذا الإقليم. ويعيش فيها النصارى والمسلمون على أتم ما يكون من الوفاق.
وفي نهاية القرن الهجري الثاني كانت سلسلة «الباگراتيين» (بالجيم المصرية) تحكم «گرجستان». وهم الذين سماهم العرب «البقراطيون». وكانوا تابعين للخلفاء. وقد استطاع «البقراطيون» هؤلاء أن يوسعوا مجال حكمهم في الجنوب. وكثيراً ما كانت ناحية «كنجة» تعد من «گرجستان». وفي القرن الهجري السادس استولى الكرج على أهم جزء من إقليم «أران» وتقدموا حتى آذربيجان الإيرانية وظلت مدينة تبريز في يدهم مدة طويلة.
وقبل ذلك استولى السلاجقة في القرن الهجري الخامس على «گرجستان» إلى سنة 493هـ إذ احتل الصليبيون مدينة القدس. ويومئذٍ طرد «داود» ملك «گرجستان» عمال السلاجقة منها.
وبلغت «گرجستان» غاية الترقي في عهد الملكة «تامار»، من سنة 580هـ. إلى سنة 609هـ. وبعدها بدأ عهد الانحطاط، إذ استولى عليها ملوك المغول. وبعدهم غزاها «تيمور غوركان» (تيمورلنك) ست مرات، في سنة 789هـ. وسنة …
وفي القرن الهجري التاسع، وكان «البقراطيون» لا يزالون يحكمون «گرجستان» انقسم هذا الإقليم إلى ثلاثة أقسام يستقل كل منها عن الآخر، وهي «كرتيل» و«كاخت» و«إيمرت». وانقسم أيضاً إلى خمسة أقسام صغيرة مستقلة. ومن ذلك الحين لم تقم في «گرجستان» دولة موحدة.
وبعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية، انقطع عن «گرجستان» كل عون خارجي. فاستولى كل من الأتراك العثمانيين وإيران و«اللجزيين» على قسم منها، إلى أن حل القرن الهجري الحادي عشر. ويومئذٍ أصبح «كرتيل» و«كاخت» أتباعاً للملوك الصفويين.
وكان الروس قد وصلوا من جهة الشمال إلى حدود «گرجستان». وإذ كانوا تجمعهم والگرج جامعة الدين، وكان الگرج يرجعون أن يكونوا سنداً لهم، فقد مال هؤلاء إلى الروس وتطلعوا بالرجاء إلى البلاط الروسي. ومن ثم طلب «لفان الثاني» ملك «كاخت» من قيصر روسيا «إيفان الرابع فاسيليوفتش» أن يكون عوناً على الصفويين. وفي زمن الشاه «عباس» الأول الصفوي استنجد «الكساندر» ملك «گرجستان» بقيصر روسيا «باريسن فيودروفيتش غادونوف». وفي سنة 1028هـ أرسل «تيموراز» ملك «گرجستان» سفيراً من قبله إلى بلاط القيصر الروسي «ميخائيل فيودوروفيتش رومانوف» أول ملوك أسرة «رومانوف» يطلب منه المعونة. ولكن القياصرة الروس لم يكونوا يومئذ قد بلغوا من القوة ما يمكنهم من إنجاد «گرجستان» بمعونة فعالة. ولذلك ظل الوضع في هذا الإقليم على ما هو عليه لا يتغير. وحصل ملوك «گرجستان» على شيء من القوة في عهد الملك «فاختانغ» السادس فقط.
وكان الملك «هراكليوس الثاني عشر» وقد ملك من سنة 1175هـ. إلى سنة 1213هـ. يستطيع أحياناً أن يثبت للعثمانيين و«اللجزيين» والجيوش الإيرانية. ولكن وقعت في عهده حوادث سيئة في «گرجستان». منها طاعون عظيم وقع في سنة 1184هـ ومنها ما أوقعه فيها «آقا محمد خان» سنة 1210هـ. من قتل عام. ولذلك أوكل «جرجي» خليفة «هراكليوس» في سنة 1215هـ أمر بلاده إلى روسيا. وفي سنة 1219ـ أصبحت ناحية «ايمرت» إحدى الولايات الروسية.
ومن سنة 1024هـ إلى سنة 1115هـ بلغت سيطرة الملوك الصفويين على «گرجستان» أبعد الغايات من القوة. وفي هذه المدة توالى على حكمها من قبلهم تسعة حكام.
وفي سنة 1209هـ كان «إبراهيم خليل خان» حاكماً على «قراباغ» من قبل إيران. وكان «آقا محمد خان» يومئذٍ قد قضى على حكم الزنديين وقتل آخر ملوكهم «لطف علي خان»، واستولى على كرمان ثم عاد إلى طهران.
وكان «إبراهيم خليل خان» هذا قد سبقت منه أمور تدل على التمرد. وفي تلك السنة واطأ حاكم «تفليس» وأعيان «شروان» فلما بلغ الخبر إلى هذا جهز جيشاً وسار به إلى أذربيجان لإخضاعهم.
وكان مقر حكومة «إبراهيم خليل خان» في مدينة «شيسه»، وتسمى أيضاً «شوشي» و«فناه آباد» فهاجمهما «آقا محمد خان»، وأقام جنداً في النواحي المتصلة بها ليقطع الطريق على الفارين منها. وتحصن «إبراهيم خليل خان» في قلعتها. فحاصر «آقا محمد خان» القلعة حصاراً شديداً وضربها بالمدافع وقتل جمعاً من جندها.
وهاجم جند «آقا محمد خان» نواحي أخرى من الإقليم وأوقعوا بالأهالي أذى كثيراً من قتل وأسر. منها غارة شنها أحد قواده «مصطفى خان قاجار» على أرامنة «قفان» فشردهم وأسر منهم جمعاً كبيراً وأرسلهم إلى «آقا محمد خان».
ولما اشتد الحصار على «إبراهيم خليل» خرج من القلعة بعشرة آلاف مقاتل، ودارت معركة هائلة قتل فيها من رجاله ألف جندي وأسر جماعة منهم. فانهزم وعاد إلى القلعة.
وكان فتح القلعة أمراً صعباً على «آقا محمد خان». فرأى أن يلتمس إلى غايته طريق الصلح. فأرسل إلى «إبراهيم خليل خان» رسالة يدعوه فيها إلى الدخول في طاعته. وقيل إن الكاتب ضمن الرسالة هذا البيت من الشعر، تعريبه:
حجارة الفتنة تنهل من منجنيق الفلك
فمن البله أن تحتمي بسور من الزجاج
فأجابه «إبراهيم خليل خان» برسالة ضمنها هذا البيت، وتعريبه:
إذا كان حافظي هو ذاك الذي أعرف
فهو بالحجر يقي الزجاجة
عندئذٍ أمر «آقا محمد خان» باعتقال ابني أخي «إبراهيم خليل خان» وكانا يقيمان في منزل خارج القلعة، وهما «محمد بيك» و«أسد بيك». فأهم ذلك «إبراهيم خليل خان» واضطر إلى طلب الصلح حفظاً لحياة ابني أخيه. وأرسل أحد أقربائه إلى «آقا محمد خان» يعرض عليه أن يرسل أحد أقربائه إلى معسكر «آقا محمد خان» ليكون رهينة عنده، وأن يؤدي إليه ضريبة سنوية، وأن يمهله إلى وقت آخر يحضر فيه إليه. وقبل «آقا محمد خان» بذلك، واكتفى به وترك الحرب.
وبادر ولاة الإقليم وأعيانه أيضاً إلى «آقا محمد خان» يحملون معهم هدايا كثيرة غالية. وأرسل إليه حاكم «باد كوبا» رسالة أو هدية. وأرسل إليه أيضاً والي بغداد «سليمان باشا» هدية خيولاً عربية وبغالاً.
وبعد أن قضى «آقا محمد خان» ثلاثة وثلاثين يوماً معسكراً خارج مدينة «فناه آباد» جمع يوماً رؤساء عسكره وأمرهم بأن يوقفوا شبان القاجاريين وشبان غيرهم من الطوائف الأخرى الذين يرافقونه ممن هم في الثلاثين فما دونها إلى جانب، ويوقفوا الكهول والشيوخ ممن هم فوق هذه السن إلى جانب آخر. ففعلوا.
وتقدم أولاً إلى الشبان فوقف بينهم وقال لهم: لقد جئنا من طهران لنستولي على قلعة «فناه آباد» وقد حاصرناها فلن نصنع شيئاً. والشتاء الآن أمامنا. وسيقل العلف. فماذا ترون؟ هل الصلاح في أن نبقى هنا ونواصل الحرب أم الصلاح في أن نعود إلى حيث جئنا؟
فأجابه الشبان نحن طوع أمرك. نفعل ما تأمرنا به. فسر من هذا الجواب وقال: هؤلاء الشبان العقلاء جعلوني وكيلاً عنهم! ثم تقدم إلى الكهول والشيوخ، وسألهم: ماذا علينا أن نفعل؟ فأجابه القاجاريون منهم بقولهم: الشتاء أمامنا وسيصعب الحصول على المؤونة والعلوفة. فالصلاح في أن نعود إلى طهران نقضي فيها فصل الشتاء، وفي الربيع نعود إلى هنا.
فقال «آقا محمد خان» ليس رأيكم بالرأي الصواب! رؤساء القاجار يريدون العودة إلى طهران إلى نسائهم. ومثلهم في هذا الهوى أعيان آذربيجان. ولكن ماذا تقولون لنسائكم إن قلن إن كل أعيان إيران ارتدوا في سفرهم هذا عاجزين عن مناد؟!
عندئذٍ أجاب الكهول والشيوخ بقولهم: لن نبرح من هنا حتى نجعل عالي هذه القلعة سافلها ونعتقل إبراهيم خليل خان. فقال «آقا محمد خان»: أحسنتم الجواب. ولكني، إذ كنت وكيلاً عن الشبان، فأنا أعمل بمشورتهم. في صباح الغد على كل جندي أن يحزم أمتعته ويمتطي دابته وينتظر أوامري.
وفي صباح الغد، وكانوا كلهم متهيئين كما أمر، انطلق في طريق «تفليس»، وسار جنده على أثره حتى بلغوا منزلاً يسمى «قراشاي»، فحطوا رحالهم. ومن هناك أرسل رسالة إلى «هراكليوس» الثاني عشر ملك «گرجستان» (كان الإيرانيون يسمونه «أركلي خان») قال له فيها: لقد قبلت بما طلبه «إبراهيم خليل خان» وأمهلته بضعة أيام. وأنا الآن قاصد إلى تفليس لأن هذا الإقليم ما زال، من زمان الشاه إسماعيل الصفوي حتى اليوم جزءاً من إيران. وعليك أن تدخل في طاعتنا.
إلا أن «هراكليوس» لم يعتن برسالته وهب يتأهب للحرب، وخرج بجيشه من «تفليس» يلاقي جيش «آقا محمد خان». وكان جيش «هراكليوس» يتألف من الكرج والأرامنة. ودارت رحى حرب شديدة. وفيما هم هبت رياح عاصفة أعاقت جيش «هراكليوس» فلم يتمكن من متابعة الحرب فولى الأدبار وتعقبه الإيرانيون إلى بوابة المدينة.
وفي أثناء ذلك خرج من المدينة أربعمائة جندي من الشراكسة كانوا عازمين على قتل «آقا محمد خان». فانطلقوا إلى فسطاطه فأحاطوا به وقطعوا بعض أطنابه بالسكاكين. فلم يخف ولا تحرك من مجلسه، وأمر البندقيين، المازندرانيين الذين كانوا يرافقونه بإطلاق الرصاص على الشراكسة، فقتلوا فريقاً منهم وفر الباقون.
وأما «هراكليوس»، أو «أركلي خان»، فقد حمل نساءه، وهن زوجته (ذكرها المؤرخون الإيرانيون باسم «ده فال») وأخته وابنته، وفر بهن من «تفليس» إلى ناحيتي «كاخت» و«كرتيل»، واعتصم بالجبال.
وقتل «آقا محمد خان» سبعين رجلاً من سراة الكرج كانوا قد أسروا. ثم دخل المدينة ونهب جنده كل ما فيها من ذهب وفضة ونفائس، وسبوا وأحرقوا وخربوا، وبعد تسعة أيام غادروا «تفليس».
وانطلق «آقا محمد خان» من «تفليس» إلى «كنجة». ومنها إلى «دشت مقان». ثم عاد إلى طهران.
وينقل «سعيد نفيسي» عن «السرجان ملكلم» وقائع الخلاف بين إيران و«گرجستان» على هذا النحو ملخصاً:
إن الفتن التي كان تقع في گرجستان قد ضربت أهلها بالاختلاف والتنابذ والفساد والانحلال حتى بلغ الأمر إلى أن كانوا يبيعون أبناءهم وبناتهم للإيرانيين والعثمانيين. ونهض من بينهم أرمني شجاع مهيج اسمه «يوسف أمين»، فدعا الأرمن والكرج إلى الثورة على الدول الإسلامية. وطلب «كريم خان زند» مرة من «هراكليوس» أن يرسل إليه ولي عهده مع اثني عشر من أبناء أعيان الكرج واثنتي عشرة صبية من حسان الكرج لا تتجاوز أعمارهن الثانية عشرة، ليستبقيهم عنده رهائن، وإلا ساق جيشاً إلى بلاده يحتلها. وقد أصر الكبار في بلاط «هراكليوس» على إجابة «كريم خان زند» إلى طلبه، ولكن «هراكليوس» أصر على الرفض. ثم صرفت مشاغل أخرى «كريم خان زند» عن إنفاذ تهديده، وذكر «السرجان ملكلم» تفاصيل أخرى من وقائع الفساد والاختلاف بين أهل «گرجستان»، حتى أن رؤساء عسكرها كانوا يفرون في الحرب ويستسلمون إلى عدوهم.
وذكر «السرجان ملكلم» أيضاً أن «هراكليوس» أراد أن يحصل لشعبه على الحماية من أباطرة روسيا، إذ كان الروس والكرج كلاهما على دين النصرانية، ويجعل منهم سنداً قوياً، له، ولذلك سار إليه «آقا محمد خان» ليردعه.
وقال إن «بطرس الأكبر» والبلاط العثماني قررا، أيام فتنة الأفاغنة، أن يتقاسما شمال إيران وشمالها الغربي. وأن «نادر شاه» حال دون ذلك، وبعد مقتل «نادر شاه» اختلت أوضاع إيران. وقبلت «كاترين الثانية» إمبراطورة روسيا أن تجعل «گرجستان» في حمايتها. وعقدت معاهدة بذلك.
وكانت «كاترين» تنوي أن تحصل على نواحي أخرى من إيران. فأرسلت في سنة 1198هـ الموافقة سنة 1783م أحد الأمراء الروس مع بضع سفن حربية إلى «أشرف» في ولاية مازندران، وطلبت إجازة بإقامة مركز تجاري هناك فحصلت عليها. ولكن تبين بعد ذلك أن هذا المركز يبيع السلع أرخص بكثير من الثمن الذي يشتريها به، فهؤلاء التجار يبتغون شيئاً آخر غير الربح. فساء «آقا محمد خان» بهم ظناً. فأمر بدعوتهم إلى مأدبة. وسقوهم شراباً كثيراً. فلما سكروا اعتقلوهم وحملوهم إليه. وفي حضرته أظهروا الندم على ما كان منهم واعتذروا إليه. فعفا عنهم وخلع عليهم وأمرهم بأن لا يعودوا إلى هذا العمل. وبهذا انقطع عملهم.
وبعد أن فتح «آقا محمد خان» كرمان أمر بأن يعسكر جنده في أطراف طهران. فاجتمع منهم ستون ألفاً تقريباً. وقسمهم ثلاثة أقسام. فأرسل قسماً إلى «مقان» و«شروان» و«داغستان»، وقسماً إلى «إيروان» عاصمة أرمينيا، وقسماً قاده بنفسه إلى قلعة «شوشي».
وقد كفي أمر الرؤساء المتمردين في «مقان» و«شروان» و«داغستان» إذ سالمه فريق منهم وانكسر فريق آخر. وأما سراة «إيروان» و«شوشي» فقد اقتدوا بالملك «هراكليوس» وعزموا على المقاومة. ودعا «آقا محمد خان» الملك «هراكليوس» أن يحضر إليه فأبى وقال: أنا لا أطيع أمر أحد غير إمبراطورة روسيا. ورأى «آقا محمد خان» أن لا مصلحة له في فتح «إيروان» و«شوشي» وذلك لأسباب عسكرية. فاكتفى بإذعان رؤسائهما له وإظهارهم طاعته.
وانطلق بأربعين ألفاً من جنده إلى «تفليس». وكان «هراكليوس» آيساً من إنجاد البلاط الروسي له بسبب سرعة «آقا محمد خان» في زحفه إليه. فخرج إلى ملاقاته على بعد خمسة عشر ميلاً من «تفليس» وعسكره لا يبلغ مقدار الربع من عسكر «آقا محمد خان». وهناك التقى الجمعان. ومع كل ما أظهره الكرج من، شجاعة فائقة فقد انكسروا وفر «هراكليوس» إلى الجبال. ودخل «آقا محمد خان» إلى «تفليس».
وقال «السرجان ملكلم»: إن من قتلهم «آقا محمد خان» من التفليسيين يومئذ لا يمكن تقدير عددهم. أما الأسرى فذكروا أن عددهم بلغ خمسة عشر ألفاً. وقيل خمسة وعشرين ألفاً.
وفي سفر «آقا محمد خان» هذا إلى «گرجستان» حدثته نفسه بالملك والتاج. وكان رؤساء «قوانلو» أكثر الناس تحريضاً له على ذلك.
لقد بدأ أكثر تدخل الروس في شؤون القفقاس من زمن «بطرس الأكبر». وفي سنة 1134هـ. الموافقة سنة 1722م عبر هذا مضيق «دربند» وحاصر مدينة «شماخي» واحتل سواحل بحر الخزر بمقتضى معاهدة، متعللاً بحجة أن العمال الإيرانيين قتلوا أناساً من الروس. ولكن «نادر شاه أفشار» استعادها إلى إيران بعد بضع سنوات.
وفي 24 حزيران سنة 1783م الموافق 23 شعبان سنة 1197هـ عقد «هراكليوس» ملك «گرجستان» معاهدة بينه وبين البلاط الروسي في «غيورغيفسك» وأصبح بمقتضاها تابعاً لروسيا. وبعد اثنتي عشرة سنة ساق إليه «آقا محمد خان» ذلك الجيش لردعه. ولم يلق «هراكليوس» من الروس غير شيء يسير من العون ومات سنة 1798م الموافقة سنة 1213هـ.
وخلفه ابنه «جورج» أو «جرجي» أو «جرجين» وكان عهده أيضاً عرضة للانقلابات والحواث المشؤومة. وقضى أيامه يحارب «اللزجيين» والجيوش الإيرانية، ولا ينفك يستنجد بالقيصر الروسي «بول الأول»، وقضى وهو على هذه الحال.
وخلفته أرملته «ماري». وقد أرادت في بادىء أمرها أن تتخلص من السيطرة الروسية، حتى قالوا إنها قتلت القائد الروسي الشهير «تسيتسيانوف» وقد جاء مأموراً بحملها إلى «موسكو». قتلته طعناً بالسكين. ثم انتهى أمرها إلى الاستسلام. وبعد مدة قليلة من هذه الواقعة سلم ابنها «داود» في سنة 1800م الموافقة سنة 1215هـ بلاده تسليماً كاملاً إلى الإمبراطور الروسي «الإسكندر الأول» ورحل مع أمه إلى «بطرسبورغ» وماتا فيها. ومن ذلك اليوم عادت «گرجستان» إحدى الولايات الروسية (انتهى).
وظلت في قبضة الروس حتى قيام الثورة الشيوعية سنة 1917 وانفصل إقليم ما وراء القوفاز عن روسيا وأعلن استقلاله في 12 نيسان 1918م. وفي 26 أيار وافق مجلس النواب الروسي على تقسيم ما وراء القوفاز فتأسست ثلاث جمهوريات هي الكرج وأرمينيا وآذربيجان وأصبحت تفليس عاصمة الكرج من جديد وفي 28 أيار سنة 1918م وقع الاتفاق الموقت بين الكرج وألمانيا وظهر الجنود الألمان في تفليس، ثم حل محلهم الجنود الإنكليز بعد الهدنة.
وفي 26 كانون الثاني 1921م اعترف الحلفاء بالكرج إلا أن السلطة فيها انتقلت إلى أتباع الاتحاد السوفياتي، ولم يخل ذلك من قتال. ونظمت ما وراء القوقاز فاعتبرت جمهورية. من جمهوريات الاتحاد السوفياتي.
ومن ثم غدت تفليس مقر الحكومة المركزية لما وراء القوقاز، كما غدت في الوقت نفسه عاصمة جمهورية جورجيا السوفياتية الاشتراكية.
وها هي جورجيا تعلن اليوم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تفضيلها الاستقلال.
جورجيا (گرجستان)
ـ 2 ـ
جورجيا: هو الاسم الذي عرفت به في تاريخها الحديث. وگرجستان: هو الاسم الذي اشتهرت به في الماضي. وعلى ذلك فالاسمان هما لمسمى واحد.
تحاط گرجستان بجبال القفقاز، ولها حدود مع تركيا. وتحد من الشرق بالبحر الأسود. وكانت في العصور الماضية لا سيما في العصر الصفوي تؤدي خراجاً لإيران، وكان حكامها على شيء من الاستقلال الداخلي.
وقد تأسست من إمارتين هما: (كارتلي Karteli) في الشمال الغربي، والأخرى (كاختي Kacheti) في الجنوب الشرقي فكان ينتخب والي گرجستان في بعض الأحيان من أبناء كارتلي وأحياناً من أبناء كاختي.
وقد حكمها فيمن حكمها أسرة باگراتيان Bagrati البغراط) لمدة غير قصيرة فكان الملك فيهم وراثياً، وكانت عاصمتها تفليس([523]).
أكثرية سكان گرجستان من المسيحيين، وكان المقر الرئاسي الديني مدينة (متسختا Matskheta) التي تقع على عشرين ميلاً من تفليس، وكانت كنيسة گرجستان مرتبطة بكنيسة الأرثوذكس اليونانية، ولكن تغير وضعها بعد فتح القسطنطينية، فانفكت عنها وفي طي تاريخ گرجستان كان أغلب قواد هذه المقاطعة يستسلمون لمصالح سياسية لأن ملوك إيران كانوا يأخذون حكام هذه الولاية من المسلمين. وقد ذكر (تورنفو j.p.de Tournfort في المجلد الثالث من تأليفه يقول:
وعندما كنا هناك كان أمير تفليس شخص يدعى هراكليوس، وكان من أتباع الكنيسة اليونانية ولكنهم كانوا قد ختنوه، وبذلك يكون قد قبل الديانتين، فكان يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، ويحضر أيضاً في العشاء الرباني في الكنيسية والجورجيون ذوو حضارة عريقة تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، فالبالئوليتيك أبناء العرق القفقازي هم الذين سكنوا هذا المكان، وهم يعتبرون أجداداً للگرجيين.
والمهد الأصلي لهم وللشعوب المجاورة لهم يعني إيبرو القفقاز (Ibreo-caucasian) هو الأراضي التي تقع شرق البحر الأسود والتي تحد من الشمال بمقاطعة القفقاز ومن الجنوب بأرمينيا ومن الشرق بآذربيجان.
وقد تحدث (دافيد مارشال لانك) في كتابه: إمبراطورية گرجستان وتاريخها، من الألف السادس قبل الميلاد حتى حدود سنة 1236م.
على أننا هنا سنبدأ حديثنا منذ العهد الساساني:
سيطر الشعب الخزري على أران وگرجستان في أواخر سلطة قباد، ولكن غلب عليهم خسرو أنوشيروان بسرعة وذلك سنة 531م فانكسروا أمامه وتواروا من هناك([524]).
وگرجستان بسبب بعدها عن عاصمة الإمبراطورية الساسانية قد كانت مقراً للثورات، وكانت هذه الثورات تهدأ عند تجهيز الجيوش عليها وتغيير الحاكم لها.
وقد انتشرت التقاليد المسيحية في گرجستان شيئاً فشيئاً منذ سنة 330 ميلادية أي من زمن سلطنة قسطنطين الكبير وأثرت على أفكار الناس وأخلاقهم، حتى طغت على رسوماتهم وآثارهم الأدبية وفنونهم وحضارتهم بصورة بينة.
وينسب ما طرأ على الجورجيين من ذلك لامرأة تسمى سنت نينو St.Nino من أسرى (الكابادوكيه) التي كانت تملك قوة خارقة فاستطاعت السيطرة على (نانا) ملكة ايبري حتى أصبحت أمينة لأسرارها.
وميريان Mirian هو أول ملك جورجي أو ما يسمى بالحاكم للمقاطعة، اعتنق الديانة المسيحية، وهو الذي أمر ببناء كنيسة في متسختا .Matskheta
وبعد انتشار المسيحية في گرجستان، تآلف الشعب الجورجي مع الحضارة المسيحية والغرب، فصاروا بعد ذلك أحد الحصون المدافعة عن المسيحية في الشرق، ولذلك فقد فترت العلاقات بين هذا الشعب والشعب الزرادشتي أخلاقياً وسياسياً.
وفي أواخر عهد الساسانيين، ضعفت سلطة الإيبريين، وذلك بسبب النزاعات الداخلية من جهة والحروب الطاحنة التي قامت بين إيران والبيزنطيين بصورة متتالية من جهة أخرى وقد ظهر ضعف الدولة الجورجية بعد وفاة (واختانگ گرگ أصلان) Wakhtan G-Aslan لا سيما في سنة 510م حيث نجح خسرو أنوشيروان في(531- 579م) بإبادة البقية الباقية من هذه السلالة وتدخل في أمور گرجستان بصورة مباشرة([525]).
فحدث خلل وفراغ في گرجستان بإبادة هذه السلالة ودام ذلك فترة، على أن الأمر تبدل بمجيء حكومة لازيكا Lazica من قبيلة لاز التي كانت تقطن شواطىء البحر الأسود.
وحدثت حروب مدمرة بين الدولتين الإيرانية والبيزنطية في المائة السادسة وذلك في عهد سلطة لازيكا، وسعى ملك لازيكا لتأجيج هذه الاختلافات بين الدولتين ليستغلها لصالحه.
وبعد سقوط الدولة الإيرانية الإيبرية في جميع نواحي جورجيا، وقعت إدارة أمورها الاجتماعية بأيدي أبناء ملوك گرجستان بصورة كاملة وقد سعى هؤلاء للوقوف أمام التيار الإيراني وعملوا على ترويج التقاليد المسيحية وتوسيعها وبالأخص في الأراضي التي كانت تحت سيطرة كاختي وكارتلي.
وبعد سقوط الدولة الساسانية وحملة المسلمين على إيران، طرأ موقف جديد على وضعية گرجستان، حيث وصل المسلمون في 642 و643م إلى مواضع من أرمينيا، وكارتلي، فاستسلم الجورجيون لعدم استطاعتهم مقاومة عدوهم القوي، فقالوا بالصلح وفتحوا له أبواب القلاع والمدن فعين حكام من قبل الخليفة في تفليس وكارتلي وگرجستان الشرقية.
ونترك فترة العهدين الأموي والعباسي لنصل إلى القرن الحادي عشر الميلادي، ففي سنة 1060 ميلادية (452 ـ هجرية) سيطر السلاجقة بصورة كاملة على إيران وبسطوا نفوذهم على غرب إيران بسرعة وأخيراً أخضعوا قسماً من مقاطعة جورجيا في (1066) وتصرفوا بعد سنتين من ذلك بقسم من كارتلي، وكان الحاكم على گرجستان هو باغراب الرابع ووصل إلى السلطة بعد وفاته من (1072م) (465هـ) ابنه جيورجي الثاني، وقد ظهر عدم أهليته للسلطة فور وصوله إليها حيث سيطر الشغب والاختلافات بين الطوائف، وبالنهاية سلموا گرجستان للأتراك السلجوقيين وقبل الحاكم الجيورجي ما شرط عليه الهاجمون على بلاده.
وعندما خرجت أزمّة الأمور من يديه وفقد كل شيء اضطر أن يفوض السلطة إلى ابنه الشاب البالغ من العمر ستة عشر عاماً.
وأثبت هذا الملك الشاب كفاءته العسكرية حيث غدا قائداً عسكرياً محنكاً فأعد لنفسه فرقة من العسكريين المدربين وأدار عملياتهم العسكرية بنفسه وأبعد المخالفين له كالدوك ليباريت بكراش Duke Liparit Bagrash وامتنع عن دفع الخراج اعتباراً من سنة 1099م للسلطان السلجوقي وتمكن في السنين 1110 و1112م من تحقيق انتصارات في حربه مع السلاجقة، وكان أكبرها فتح تفليس وذلك سنة 1122 وكانت قوته العسكرية يومئذٍ تتكون من أربعين ألف من الجنود الأقوياء القشقانيين واستمرت الإصلاحات العسكرية والمدنية بعده على يد إحدى حفيداته الملكة تامار وذلك من (1184 ـ 1213م) حيث نصبت من سنة 1178 في منصب نائب السلطنة بأمر أبيها الجيورجي الثالث لگرجستان.
وتزوجت تامار([526]) في سنة 1189 مع أحد أبناء الملوك الأستينيين دافيد سوسلان (D.Soslan) وكان ثمرة هذا الزواج هو ميلاد گيوكي لاشا Giorgi Lasha وذلك من (1213 ـ 1223م) ووصلت السلطة بمرِّ الزمان إلى روسو داك من (1233 ـ 1245م).
وفي سنة 1208 أرسلت الملكة تامار جيشاً إلى آذربيجان وتصرفت بالمدن أردبيل وتبريز وقزوين، حتى كان يحكم هذه المدن مدة من الزمن أحد أفراد السلالة الگرجية بشكندي Beshkendi وكانت هذه الفترة متزامنة مع الحروب الداخلية في إيران. وكان جنگيز خان قد بدأ حملته الوحشية على مدن إيران حيث دمرها الواحدة تلو الأخرى ووصل في 617 هجرية (1220م) والجنود المغول إلى آذربيجان والقفقاز وسرعان ما واصلوا حملتهم على گرجستان، فانكسر أمامهم الجيورج الرابع George IV وجنود الأتابك أيوان Ivane انكساراً فظيعاً([527]).
وفي هذه الآونة كان جلال الدين خوارزم شاه الوحيد الذي بقي مدافعاً أمام المغول، حيث كان يجمع فلوله من هنا وهناك بعد انكساره أمام هجمة المغول وكان يخوض معهم المعارك وعندما رأى عدم قدرته أمامهم فرّ نحو الهند، فجمع هناك عدته وأنصاره، وفتح كرمان والعراق العجمي وخوزستان وتوجه مع جنده نحو الشمال وسيطر على تبريز وبعد ذلك عزم على المسير نحو گرجستان وكانت سلطنتهم يومئذ بيد روسودان Rusudan فأرسل جيشه لمقابلة جلال الدين ولكنه اندحر أمام جلال الدين، وأراد جلال الدين أن يكمل مسيرته نحو تفليس، لكن التمرد الذي حدث في تبريز منعه من الاستمرار نحوها، فعدل عن ذلك وعزم على الرجوع إلى تبريز لتأديب المتمردين فيها.
وبعد عدة أشهر من مكوث جلال الدين في تبريز أي في سنة (623 هجرية) جمع الجورجيون جيشاً كثيفاً من الطوائف اللزجية واللاك والقپچان وحملوا على المناطق التي كان قد احتلها جلال الدين آنئذ فلم يمهلهم جلال الدين وتوجه فوراً مع جيشه نحو تفليس عاصمة جورجيا، فهربت الملكة مسلمة أمر الدفاع عن المدينة إلى اثنين من قوادها هم بوتزو Botzo وممنا، ولكن جلال الدين سرعان ما وصل إلى تفليس وبدأ حملته السريعة ودخل تفليس وأخذ جنوده النساء والأطفال الجورجيين أسرى وباعوهم مضافاً إلى المذبحة التي أوقعوها في المدينة. وقد قرن الجورجيون هذه الواقعة بإبادة اليهود في أورشليم على يد تيتوس إمبراطور روما وعدوها من أعظم الجنايات التي ارتكبت في التاريخ المسيحي، وتوقف جلال الدين بعد ذلك بمدة قصيرة في گرجستان حيث سمع بتمرد براق الحاجب في كرمان فمضى بأقصى سرعة أي بظرف سبعة عشر يوماً إلى المنطقة مع ثلاثمائة فارس.
وعند غياب جلال الدين عزمت الملكة وسودان وللمرة الثانية على جمع الجيش ولكن سرعان ما رجع جلال الدين إلى تفليس بمجرد علمه بذلك فدحر جيش الملكة دحراً تاماً وعلى حسب العادة فقد أوقع القتلى فيهم ونهب أموالهم وبعد توطيد الأمور في تفليس توجه نحو مدينة نخجوان ثم سار إلى قلعة آخلاط ففتحها من 28 جمادى الأولى سنة 627هـ (1229م).
وبعد مقتل جلال الدين في النصف من شوال سنة(628هـ) لم يبق مانع لتقدم المغول، فتجهزوا بقيادة جورماغون وقواد آخرين في أواخر سنة 628هـ متوجهين نحو آذربيجان فوصلوا مراغة ومدن أخرى من آذربيجان وگرجستان، وعندما كان جورماغون منهمكاً في الحملة نحو گرجستان، هربت الملكة رسودان وتمرد آفاك وبهرام أبناء إيفان Evane وخنع آفاك بعد مدة، وصار في خدمة أوكتاي قاآن وبقبوله الطاعة والخضوع اختير من أوكتاي إلى حكومة گرجستان وأرمينيا فصارت گرجستان بعد ذلك أي في أواخر سنة 634 هجرية (1236م) من جملة الدول المؤدية للخراج إلى المغول، وقد عد فاهرام Vahram الحاكم الثاني (في سنة 1239) لگرجستان نفسه أيضاً من التابعين لحكومة المغول([528]).
ولم تذهب الخواطر المرة وآثار الدمار والقتل الذي سببه جنگيز خان وأعوانه من أذهان الناس حتى ظهر طاغية آخر هو تيمور فبدأ بحملته على إيران وضواحيها حيث أغار عليها وضرب مدنها وذلك في 783 هجرية (1380) وتوجه نحو گرجستان حيث حمل عليها وقتل المسيحيين هناك على أيدي أعوانه القساة، ونهب أموالهم وهدم الكنائس وأباد البساتين الخضراء وجعل ما هناك هباء منثوراً.
وقد تعددت حملات تيمور على إيران، والمسيحيون لم يستثنوا من ذلك حيث توجهت عليهم الضربات وقتلوا فيها قتلاً ذريعاً، وآخر حملة قادها تيمور إلى گرجستان كانت في 806 هجرية أي بعد فتح بغداد وإباحة المدينة([529]).
وبعد وفاة تيمور في (807) هجرية وظهور دولة التركمان قره قويونلو وآق قوينلو يبدو أن الأوضاع كانت مستقرة نوعاً ما في گرجستان.
ولكن بعد ظهور الصفويين على الساحة واستقرارهم في إيران توجهت أنظار ملوك إيران مرة ثانية نحو گرجستان، فنشاهد هناك نشوب حروب كثيرة في هذه الأراضي.
وكانت الدولة العثمانية هي الأخرى قد تقوت وأصبحت ذات نفوذ وسيطرة وكانت تطمع بالأراضي الغربية والشمالي الغربية من إيران وأن تضمها إلى مقاطعاتها فاضطر الشاه إسماعيل الصفوي بسبب ذلك أن يتجه إلى گرجستان وذلك في سنة 927 هجرية.
ولكن حاكم گرجستان لم يسكت على ذلك حيث تحرك بعد مدة طويلة لطلب الاستقلال وتشبث بالتمرد وعدم الانصياع عدة مرات، فكان الشاه طهماسب يجرد على الگرجيين حملات لاستتباب الأمن والاستقرار وفي سنة (960هجرية) (1552م) جهز وللمرة الثالثة على گرجستان حملة ولاحق المتمردين هناك وهدم كنيسة فاردزيا VARDEZIA ([530]).
وبعد هذه الحملة استقرت الأوضاع في گرجستان لمدة طويلة نسبياً ولكنها اختلت بسبب هجمات الأجانب عليها مرة أخرى.
فقد جهز السلطان مراد خان الملك العثماني في 26 صفر سنة 986 هجرية (الخامس من شهر مارس 1578م) بقيادة مصطفى باشا جيشاً على إيران، وبعد انتصاره على القزلباش توجه إلى گرجستان وتصرف بقلعة تفليس وكذلك بمدينة گوري Gori عاصمة سلاطينهم، وسببُ انكسار القزلباش أمامه هو وجود الاختلاف بينهم وبين قوادهم، حيث إن عليا (خير النسا بيگم) زوجة الشاه محمد خدابنده، على عكس زوجها كانت من النساء اللواتي يملكن الشجاعة والشهامنة. فبذلت جل مساعيها لطرد العثمانيين واندحارهم، ولكن لامتناع القزلباش ولوجود الاختلافات بينهم وبين القواد لم تتوفق بذلك.
واشتدت الاختلافات بين مهد عليا وقواد القزلباش وأدت إلى تمردهم وانتهت إلى قتل مهد عليا.
وفي سنة 987 هجرية (1579 ميلادية) وجه مصطفى باشا الذي كان يقيم في أرضروم لإخماد الفتنة هناك أحد قواده وهو بهرام باشا وفوض إليه أمر حفظ گرجستان([531]) وحراستها.
وكان الصراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية قائماً على گرجستان وكان يشتد يوماً فيوماً، وكان الطرفان يتشبثان بكل ما لديهم من الوسع، فمن ذلك أن القواد الصفويين كانوا يقيمون علاقات حسنة مع الأسرة المالكة في گرجستان، فقد زوجوا بنت الكساندر حاكم كاختي وسيمون خان حاكم كارتلي من حمزة ميرزا، وكذلك تزوج عباس ميرزا أحد بناء الشاه محمد خدابنده في أيام شبابه بنت حاكم تفليس([532]).
ولكن لم تثمر هذه البوادر عن نتيجة تذكر حيث كان حكام گرجستان يتحينون الفرصة والتمرد للحصول على الاستقلال.
وبدأ تجهيز الجيوش مرة أخرى إلى گرجستان من قبل الدولة المركزية في إيران في سنة 990 هجرية (1582م) أي في أواخر سلطنة الشاه محمد خدا بنده، ولكنها كانت هذه المرة لطرد العثمانيين، وعندما وصل الإيرانيون استقبلهم الگرجيون بحفاوة وساندوهم في دفع عدوهم([533]).
ولما وصل الشاه عباس إلى السلطة لم يتمكن من التفرغ لخوض الحرب مع العثمانيين وذلك بسبب وجود الاختلافات والثورات الداخلية لقد كان ذا أفق واسع على عكس الشاه طهماسب ولذلك تعامل بلطف مع سائر الأقليات الدينية والمذهبية([534]) فهو إلى جانب تفتحه الفكري كان يحاول تحسين سمعته في أوروبا.
وحيث كان الشاه عباس يطمح إلى اقتطاع گرجستان وأرمينيا وآذربيجان وإضافتها إلى إمبراطوريته، فكان يتعامل مع الأرمن والجورجيين وسائر المسيحيين بإحسان، ولكن الثورات المتتالية في گرجستان وسببها الأطماع الروسية من جهة والتحريضات العثمانية من جهة أخرى، أجبرت الشاه عباس على التوجه نحوها وأجبرته في بعض المرات على التعامل بقسوة مع الگرجيين، وإلى جانب هذا كانت هناك اختلافات قديمة وطويلة بين الطوائف المسيحية والمسلمين مما كان يسبب نوعاً من عدم الارتياح ووصلت الحالة في سنة 1586م إلى حد احتماء ملك گرجستان بالروس وطلب المساعدة منهم ووضع نفسه تحت حمايتهم([535]).
وقد جهز الشاه عباس سنة 1023 هجرية (1613م) حملة أخرى إلى گرجستان فعاقب المتمردين هناك، والجدير بالذكر أن اثنين من شبان الأسرة المالكة الجورجية وهم تيموراز Taimuraz ولوخراسب Lukhrasp سعياً إلى الاستقلال وبسبب تحريض القنصل العثماني هناك الذي كان السبب الرئيسي لكل هذا الشغب والتمرد، أمر الشاه عباس بإحضار عدد من شبان الأسرة المالكة وزجهم في سجون شيراز مع أمهاتهم([536]) وقد فرق الشاه كثيراً من الجورجيين من أهل شيروان في مدن مختلفة من إيران مثل خراسان ومازندران وگيلان وأجبرهم على الإقامة فيها([537])، حتى جاء في التقرير الذي نشره آدام أولضاريوس، أن الشاه عباس توقف في گرجستان مدة تسعة أشهر.
وقد اتفق أنه قد قتل صفي ميرزا الذي كانت أمه گرجية في هذه الرحلة بأمره([538]) وقد اضطر الشاه عباس مرة أخرى إلى التجهيز لمعاقبة المتمردين الگرجيين من 1615م واللجوء إلى الخشونة في معاملتهم أكثر مما فعل من قبل، حيث أورد بيترو دولا واله Piterodella Valle شرحاً مبسوطاً لما عمل الشاه عباس هناك في رحلته([539]) لا سيما عدم اعتنائه بالملكة «كتوان» Ketevan أم تيموراز ملك كاختي([540]).
ولم تمض مدة من الزمن حتى قامت ثورة أخرى في گرجستان أي في الفترة التي كان السفير الإسباني جان تادويس John Thaddeus قد جاء في شهر حزيران من سنة 1618م (1028) هجرية لتقديم مجلدين من مزامير داود وكتاب الإنجيل مترجمين إلى اللغة الفارسية للشاه في قزوين. ولأن الشاه كان منهمكاً بالتجهيز إلى گرجستان([541])، فقد أمر بأن يذهب إلى أصفهان وينتظره هناك وقد طالت فترة الانتظار أربعة أشهر.
وقد اصطحب الشاه عباس معه في هذه الحملة أكثر من مئة ألف فارس، وراجل ورجع إلى أصفهان في المدة نفسها التي كان قد قدرها، بعد معاقبة المتمردين هناك.
أما التمرد الآخر الذي حدث في گرجستان فكان في سنة 1624م أو بالأصح في بداية سنة 1625م (1035 هجرية)، والذي يظهر من الرسالة المؤرخة من 27 مارس لجان تادويس والرسالة المؤرخة في 18 حزيران التي هي لأحد القساوسة الكرمليين الذي يدعى Fr. Dominic of St Mary بأن هذا التمرد كان شديداً أكثر من أي تمرد آخر حيث طلب الشاه عباس من حاكم فارس اللحاق به بأقصى سرعة ممكنة مع ما يتمكن من جمعه مما تبقى من العسكر في الثغور([542]).
وخلاصة القول أنه حدثت ثورات عنيفة في گرجستان في عهد الشاه عباس كانت تخمد بسرعة ويعود الأمن والاستقرار.
وبعد وفاة الشاه عباس ووصول الشاه صفي إلى الحكم استمرت هذه الثورات.
فمن ذلك ما حدث سنة 1044هـ (1632م) ويظهر من رسالة أحد القساوسة في المقاطعة إلى بيترو دولا واله بأن العامل الأساسي لهذه الاضطرابات كان (تيموراز) الحاكم لگرجستان، ويظهر أيضاً عن نفس المصدر المذكور بأنه فر على أثر تقدم الشاه بنفسه فترك تيموراز گرجستان هارباً منها([543]).
وبعد وفاة الشاه سليمان، تسلم الشاه حسين زمام الأمور في إيران ولم تمض عدة أشهر من جلوسه على منصة الحكم حتى حدثت انتفاضة أخرى في گرجستان.
وفي أواخر عهد الشاه سلطان حسين أي في الفترة التي هجم الأفغان فيها على أصفهان وتحولت أوضاع إيران إلى الشغب وإثارة الفتن والتشتت فيها، استغلت الدولة العثمانية تلك الظروف لصالحها، فجهزت جيشاً كثيفاً وفي سنة 1138 هجرية (1724)م بقيادة علي سركش باشا وأرسلته إلى گرجستان فبادر في هذه الفتن مجموعة من الانتهازيين الداغستانيين إلى نهب تفليس والإغارة عليها([544])، وفي هذه الآونة أظهر محمود الأفغاني الذي كان يعتبر نفسه ملكاً لإيران، ودّه للگرجيين خوفاً منهم فلاطف الگرجيين في أصفهان ممن كانوا في خدمته، وأمرهم بأن يكتبوا إلى أبناء وطنهم في گرجستان بأن يمتنعوا عن العداء وأن يظهروا الود والمحبة له.
وانتهت حكومة الاغتيالات والفوضى والخوف الأفغانية بظهور نادر شاه حيث استطاع هذا القائد العظيم تنظيم الإدارات والدوائر بعد دحره للأعداء الداخليين والخارجيين.
وعندما كان نادر منهمكاً بإخماد الفتن الداخلية حسده الشاه طهماسب لانتصاراته فجهز جيشاً ـ لإثبات وجوده ـ وحمل على العثمانيين ولكنه بعد اندحاره أمامهم مرتين وذلك في رجب 1144هـ (1732م) عقد معهم الصلح المخزي حيث سلم لهم مدن تفليس وإيروان وشماخي وداغستان وأخيراً كل گرجستان إلى حدود نهر أرس، ولكن سرعان ما خلع نادر شاه طهماسب وولى طفله الرضيع مكانه وأسماه بالشاه عباس الثالث وأقر نفسه نائباً عنه، ثم أرسل مذكرة شديدة اللهجة إلى الدولة العثمانية صرح فيها بأن هذه الولايات مرتبطة بإيران طالباً خروج العثمانيين منها وأخيراً دارت الحرب بينهما وانتصر عليهم نادر في آرياجي وانكسر العثمانيون في 21 محرم 1148هـ (1725م) واسترجع نادر من العثمانيين الولايات الغربية والشمالية الغربية ومن جملتها گرجستان.
وعندما كان الجنود الإيرانيون يتقدمون نحو تفليس استقبلهم القواد والأمراء من كارتلي وكاختي واعتبروا نادر المنفذ لهم، ومن جملة القواد من گرجستان كان تيموراز وعلي ميرزا الداماد، فنصب نادر علي ميرزا الذي كان قد اعتنق الإسلام على كارتلي وكاختي وأعطاه اللقب الفخري خاني، وأما تيموراز، الذي أعرض عن قبول الإسلام فقد هرب إلى روسيا.
وبعد ذلك التحقت گرجستان (كاختي وكارتلي) بإيران.
وعندما كان نادر شاه منهمكاً في إخماد التمرد في القاطع الشمالي الغربي لإيران، تمرد گيواميلاخور (ميلكخور؟) أحد القاد الجورجيين حيث جمع عدة من فلوله والمناوئين وتقدم إلى تفليس، فتصدى له تيموراز وابنه هراكليوس، والتحق في الفترة ذاتها بالتمردين سام ميرزا الذي كان يدعي أنه أحد أولاد الشاه سلطان حسين وذلك لفتح تفليس ولكن دحرهم تيموراز في شمال كارتلي في 14 ذو الحجة 1156هـ وعندما أراد سام ميرزا الهروب إلى الأراضي العثمانية، قبض عليه جنود تيموراز، وظلت گرجستان آمنة بدون أي شغب وظل تيموراز وابنه هراكليوس يشغلان منصبيهما في كارتلي وكاختي إلى أن مات نادر شاه.
ويظهر من مضمون الفرامين في هذه العهود بأنه كان لرجال الدين المسيحي في گرجستان رواتب معينة من الدولة المركزية، فحين توفي أسقف گرجستان في 1157 هجرية رشح (تيموراز) ابن أخته أنطوان خلفاً له واستجاز من نادر شاه إقرار ذلك فأرسل نادر شاه فرماناً مما جاء فيه:
«بعون الله تعالى صدر فرمان الهمايون بأنه في هذا الوقت الذي عرض والي گرجستان بأنه قد توفي كاتوليكوز([545]) الطائفة الگرجية وأجمعت هذه الطائفة على تنصيب عمدة الرهبان وأسوة القسيسين (أنطوان) الذي هو ابن أخت قداسته وهو مفضل على أقرانه من معرفة مذهب ومسلك نبينا عيسى على نبينا وعليه السلام وقد اتفقت الكلمة عليه وأرسلوا ضبطاً بذلك بالخط الگرجي الذي يعبر عن رضاهم بأنطوان المذكور، وعليه فقد عرضنا ذلك على حضرته العالية ونلنا منه الإجازة والرضى، بأن يكون كاتوليكوز للطائفة المذكورة وسطر هذا مع ألف سكة نادرية مرتباً له وهو ما كان يتقاضاه الكاتوليكوز السابق كعادتهم في كل سنة، وعليه أن يعمل بفطنة وذكاء لصرفه في أمور معاشه ويعمل بطريقته ويكسب رضا الخالق والمخلوقين ويدعو لنا ولجلالة الأقدس الأعلى وعلى جميع القساوسة والرهبان ورؤساء المذهب والرعايا والقاطنين الگرجيين في گرجستان أن يعتمدوا عمدة القسيسين المذكور كاتوليكوزاً بالاستقلال وبلا منافس، وعلى المستوفين للديوان الكرام أن يسجلوا ويثبتوا هذه المرفوعة المطاعة في عهودهم وديوانهم تحريراً في شهر رجب المرجب سنة 1157([546]).
وبعد وفاة نادر شاه سرعان ما وصل ابن أخيه علي قلي ميرزا الذي كان له يد في قتل عمه إلى مشهد وتوج نفسه باسم عادل شاه وذلك في 27 جمادى الثاني 1160هـ، وقد كان تزوج بـ كتوان Ketvan ابنة تيموراز حاكم كارتلي([547]) ولذلك كانت العلاقة بين الإثنين علاقة ودية وكان في عسكر عادل شاه ألف فارس من نخبة الگرجيين وكان يعتمد عليهم، فكان أقرب الناس إليه سهراب خان الگرجي أخو زوجته الذي كان يفوض إليه الأمور المهمة([548]).
وعندما ظهر الخلاف بين عادل شاه وأخيه إبراهيم ميرزا ووصل الأمر بينهما إلى نشوب الحرب وانكسر عادل شاه، تجددت الفتن في گرجستان مرة أخرى، وتمردت فئة بتحريض من إبراهيم ميرزا على تيموراز وابنه هراكليوس([549])، وعندما نشبت الحرب بين هذين الأخوين، استعان إبراهيم ميرزا لإخماد حركة أخيه بالأمير أصلان خان أحد القواد ذوي النفوذ في آذربيجان.
ولم تمض فترة بعد اندحار عادل شاه أمام أخيه إبراهيم ميرزا حتى أظهر هذا عداءه للأمير أصلان خان وأخذ كل واحد يدعي السلطنة في إيران وما تحوزه من الولايات ومن جملتها گرجستان فضربوا السكة والنقود كل واحد باسمه.
واجتمع الخراسانيون قبل تتويج إبراهيم شاه فتوجوا في 8 شوال 1161 هجرية (أول أكتوبر 1748 ميلادية) شاهرخ حفيد نادر شاه في مشهد ولم تمض فترة حتى وصلت الحالة إلى نشوب حرب بينه وبين إبراهيم شاه فاندحر إبراهيم شاه وقتل بأمر شاهرخ في (جمادى الثانية 1162هـ).
وكانت المنطقة التي يسيطر عليها شاهرخ هي خراسان لا غير. وابتليت سائر المحافظات بعد موت نادر شاه بالشغب والثورات فرفع في كل زاوية خان رأسه كل يطمح إلى الوصول إلى السلطة في إيران على كاهل الشعب المظلوم.
وفي سنة 1162هـ حمل محمد حسن خان القاجار على إيروان، فتحالف تيموراز مع حاكم إيروان وتوجه مع ابنه هراكليوس إلى إنقاذ إيروان([550])، حيث يقول دافيد مارشال لانك David Marshall Lang([551]).
لقد قبل حاكم إيروان بعد هذا الانتصار الساحق بأن يدفع الجزية إلى تيموراز حتى سنة 1785 ميلادية.
وقد كان من تيموراز وهراكليوس أن فكرا في السيطرة على الأراضي المجاورة وراء القفقاز بعد أن قوي أمرهما في گرجستان ووصل بهما الأمر إلى الطمع بالتدخل في الأمور السياسية في إيران والوصول إلى السلطة فيها.
وفي أثناء هذه المنافسات الشديدة بين الثائرين ومن جملتهم كريم خان زند، استغل هراكليوس الفرصة وحمل على آذربيجان فتصدى له آزادخان الأفغاني أحد المتمردين البارزين في آذربيجان ولكنه انكسر أمامه، فذهب هراكليوس ينظم أمر آذربايجان ولكن سرعان ما حدث اختلاف بينه وبين أحد قواده حاجي جلال خان اللزگي، فاستغل آزادخان هذه الاختلافات وتعاطى مع الحاج جلال، فبرزا أمام هراكليوس.
وعندما رأى هراكليوس نفسه أمام منافسين قويين، سعى للتقرب من الحاج جلال مرة ثانية، فقبل هذا القائد شروط هراكليوس والتحق به، وحملوا على آزاد خان في 1166 وكسروه كسراً شديداً([552]).
وبعد هذه الحرب انعقد صلح بين آزاد خان وهراكليوس وصارت المقاطعات التي تقع شمال نهر أرس بأجمعها تحت سلطة هراكليوس.
وبعد ذلك استمرت المنافسات بين هراكليوس وحاجي جلال حيث أشغلته عن الطموحات الأخرى فكان يصرف كل همه بالمناوشات مع الحاج جلال واللزجيين([553]).
ولقد ذكرنا بأن القواد والأسرة المالكة في گرجستان كانوا دائماً ومنذ أمد بعيد يفكرون بالاستقلال، ولذلك كثفوا نشاطهم في سنة 1750 ميلادية (1164 هجرية) لبلوغ طموحاتهم فطلبوا المساعدة من الحكومة الروسية فسافر رئيس أساقفة گرجستان أتاناسيوس Athanasius في 1752م إلى بطرسبورغ وفي سنة 1760 سافر تيموراز بنفسه إلى روسيا إلى بلاط الملكة إليزابيت (1741 ـ 1762م) ولكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة لانشغال الجيش الروسي في حروب أخرى.
وبعد رجوع تيموراز بعد الإقامة الطويلة في روسيا توفي في حاجي طرخان صيف (1762) ([554]).
وكان من أهداف تيموراز قبل سفره إلى روسيا مع آزاد خان الذي كان متزوجاً من إحدى حفيداته أن يتدخل في الأمور السياسية في إيران طمعاً بالسلطة فيها، لذلك كان قد وضع قرابة أربعة آلاف فارس من نخبة فرسان الجيورجيين بقيادة أحد أفراد الأسرة المالكة (أوبلياني Obeliani بإشراف آزاد خان، ولكن هذا القائد الگرجي، قد فر مع فرسانه إلى بغداد بعدما انكسر آزاد خان سنة 1170هـ أمام محمد حسن خان القاجار([555]).
وبعد فترة اضطر آزادخان للرجوع إلى گرجستان وذلك في سنة 1761م([556]). لتضايق الأحوال عليه هناك فاستقبله هراكليوس بكل حرارة هو وعائلته، وأجرى له راتباً شهرياً وأعطاه منزلاً ليستقر فيه، وبعد مدة أي بعد ما حقق كريم خان زند انتصارات في آذربايجان طلب من هراكليوس آزاد خان فأرسله هراكليوس مع خدمه وحشمه إلى كريم خان([557]).
ويقول مارشال لانك Marshall Lang بأن هراكليوس بعمله هذا أي بتسليمه لأزاد خان قد تسلم حكم جميع المقاطعات والقلاع التي في شمال نهر أرس من كريم خان([558]).
وفي سنة 1769م حيث اندلعت الحرب بين الروس والعثمانيين ووصلت إلى أوج شدتها، أرسلت الحكومة الروسية فرقة من جنودها إلى گرجستان وذلك لتتجه على العثمانيين من هناك.
وفي هذه الآونة، أصبح كريم خان الحاكم المطلق في إيران عدا مقاطعة خراسان وذلك بعد إخماد منافسيه، فكتب في هذا الحين رسالة شديدة اللهجة إلى هراكليوس وحذره من تعاونه وتعاطيه مع الروس، ولكن هراكليوس كتب رسالة بالمقابل إلى كريم خان وذلك بتوصية من الروس يذكره فيها بعداء العثمانيين الأتراك لإيران وذكره بالحملات المتعددة التي شنوها على المقاطعات الغربية الإيرانية وما سببوه من الخسارة على أن العلاقات بين هراكليوس والدولة الروسية لم تثمر شيئاً حيث سرعان ما انتهت الحرب بين الروس والعثمانيين سنة 1774م وعقدت معاهدة الصلح بينهما([559])، وبعد هذه المعاهدة لم يعتن الروس كثيراً بهراكليوس كما كان يتوقعه فكتب إلى البلاط الروسي رسالة يشرح فيها أحوال گرجستان قائلاً:
لقد فتح الأتراج أفواههم كالأفعى، والإيرانيون يترصدوننا مثل الأسد واللزج قد حدوا أسنانهم كالذئاب علينا»([560]).
أما بالنسبة إلى العلاقات بين كريم خان زند والحكام الجورجيين فلم نعثر على شيء في المصادر الإيرانية، ولكن يظهر من المسكوكات في ذلك العصر بأن الحكام والقواد في گرجستان كانوا تابعين لإيران وكانوا يدفعون الجزية لها وكانوا يضربون المسكوكات باسم كريم خان زند فالمسكوكات الموجودة التي عثر عليها في گنجة، ونخجوان، وشماخي وأخيراً في تفليس عاصمة گرجستان إلى سنة 1193 هجرية أي سنة وفاة كريم خان كلها قد ضربت باسمه.
ولكن هذه الطاعة كانت شكلية لأن حكام گرجستان كانوا يتحينون الفرص كالسابق بنشوب الفتن في إيران كي يحظوا بمساندة الروس في تحقيق أحلامهم في الاستقلال، من جهة أخرى فإن كريم خان زند كان قلقاً دائماً من العلاقات الودية بين الروس وهراكليوس حيث كان يتيقن بأن يترصد الفرصة المناسبة، ولذلك كان قد حجز عنده أحد الرهائن من الأسرة المالكة في كارتلي المدعو الكساندر حفيد واختانگ السادس Wakhtang VI من شيراز. وكان هو أيضاً يتحين الفرص ليجعله منافساً لهراكليوس في حكم گرجستان، لأن أسرة واختانگ كانت ذات نفوذ في گرجستان فترة طويلة وفي المعاهدة التي عقدت بين الروس وإيران أقر لهم حق السلطة من گرجستان ولأن الكساندر قد وعد كريم خان بالوفاء له إن وصل إلى حكومة گرجستان.
وبعد موت كريم خان زند في (13 صفر 1193 هجرية ـ الثامن من مارس 1779 ميلادية) استغل هراكليوس الأوضاع المتأزمة في إيران فحمل على إيروان وگنجة فأذعن له حكم خوي ونخجوان وتبريز وأرومية وأرسلو له الهدايا وأظهروا الخضوع([561])، فأراد أن يعجل في استغلال الأزمة وأن يتدخل بسرعة في الأمور الداخلية في إيران، فأشاع ـ كاذباً ـ بأن شاباً من أحفاد نادر شاه موجود عنده وأنه يسانده، ولكن سرعان ما انكشفت الأكذوبة.
وبعد وفاة كريم خان زند كان هناك صراع بين أخوته وقواده على السلطة، وأخيراً جلس علي مراد خان زند على كرسي السلطة في 7 رمضان 1196هـ، فأراد أن يخضع هراكليوس مرة ثانية لحكومة إيران ولكنه لم يكن يملك القدرة الكافية لإخضاعه لأن قدرته كانت قد استنزفت في حربه مع آقا محمد خان القاجار فسلك الطرق الدبلوماسية فأرسل إليه الهدايا والخلع وطلب إليه أن يؤدي الضرائب التي تأخرت لثلاث سنين([562]).
في هذه الأثناء جاء سفير النمسا إلى إيران واقترح على إيران التعاون مع روسيا والنمسا بالدخول في الحرب على الدولة العثمانية وأن يقتسموها بينهم.
وطلب من علي مراد خان أن يضمن استقلال گرجستان وأن تغض الدولة الإيرانية النظر عن تلك المقاطعة وأن تسمح بمرور الجيش الروسي عن طريق آذربايجان وأرمينيا للحملة على العثمانيين. ولكن هذه المساعي لم تنتج أي شيء.
ومن جهة أخرى فقد أصدر علي مراد خان نداء للمسلمين في القفقاز طالباً منهم أن يمتنعوا عن الاحتكاك بالروس وأن يتوجهوا بنقمتهم إلى هراكليوس الذي أذعن للروس.
ولا شك أن هذه الرسالة كانت بداية المناوشات التي حدثت بعد ذلك بين مسلمي القفقاز وبين حاكم گرجستان في وقته([563]).
بعد معاناة علي مراد خان في أول ربيع الأول سنة 1199هـ تولى السلطة جعفر خان الزندي، ثم جاء بعده ابنه الشجاع المتهور لطف علي خان وتسلم السلطة في إيران، ولكنه انكسر بعد مدة في حروبه مع آقا محمد خان القاجاري وأخيراً قتل أبشع قتلة.
واستغل هراكليوس هذه الأوضاع المتردية في إيران وأخذ يتقرب للروس، ففي 23 شعبان 1197هـ (1783م) عقد مع الروس معاهدة جديدة وضع نفسه فيها بحماية كاترين الثانية (1762 ـ 1796م) واستناداً إلى هذه المعاهدة استقرت فرقة روسية في گرجستان لحمايتها.
وبعد ذلك دخلت العلاقة الإيرانية بگرجستان في مرحلة جديدة بعد تولي آقا محمد خان القاجاري السلطة فلما خرج آقا محمد خان على الأسرة الزندية اغتنم هراكليوس فرصة تصحيح الأوضاع في إيران فانحاز إلى روسيا واستظل بحمايتها. ولما ارتفع شأن آقا محمد خان وانتصر سنة 1209هـ أخذ يعد العدة لغزو گرجستان وإخضاع ملكها.
ثم سار بجيشه من طهران بمنتهى السرعة قاصداً تفليس عاصمة گرجستان. ولما بلغ نبأ هذا الغزو إلى هراكليوس كان الأمر قد سبقه فلم يجد وقتاً يستطيع به الاستنجاد بروسيا، ودهمه آقا محمد خان فلم يستطيع دفاعاً مع ما ابداه جنده من شجاعة فائقة فانهزموا من وجه الغازي وفر هراكليوس إلى الجبال القائمة في نواحي تفليس.
ولما احتل آقا محمد خان المدينة أعمل السيف في أهلها وقتل منهم خلقاً كثيراً وأسر ستة عشر ألفاً من أطفالها وبناتها وحملهم معه إلى إيران.
وقد ألحقت هذه الفظاظة بإيران ضرراً كبيراً. إذ أنها ملأت قلوب الگرجيين حقداً على إيران، فأبعدتهم عنها، وانفصلت گرجستان بعد ذلك عن إيران فلم تعد إليها.
وفي أواخر سنة 1210هـ سافر آقا محمد خان إلى خراسان لزيارة ضريح الإمام الرضا (عليه السلام) في الظاهر، وضم خراسان إلى سائر النواحي التي يحكمها في الواقع، إذ كانت خراسان لا تزال في حكم شاه رخ حفيد نادر شاه.
وبعد أن ضم خراسان إلى ملكه أرسل بعض رؤساء عسكره المعتمدين إلى الملوك الذين يحكمون في أفغانستان وبخارى ينذرهم بإعادة المدن الإيرانية التي فصلت عن خراسان وألحقت بمجال حكمهم، فأجابوه كلهم بالموافقة على طلبه.
وأراد المضي إلى بلاد ما وراء النهر لإخضاع خان بخارى الذي استقل عن إيران بعد مقتل نادر شاه، ولكن وصله خبر بأن روسيا أرسلت نجدة إلى ملك گرجستان وأن الگرج عادوا فاستولوا على النواحي التي كان قد احتلها وأن العسكر الروسي دخل القفقاز واجتاز نهر أرس ووصل إلى آذربيجان وبذلك انتقضت خطة آقا محمد خان كلياً وعزم على معاودة غزو القفقاز. فسار في أواسط ذي القعدة سنة 1211 إلى آذربيجان ومنها سار إلى قراباغ. ثم عبر نهر أرس واصلاً إلى (شيشه). وبعد أربعة أيام من دخوله إلى (شيشه) قتل، قتله ثلاثة من خدمه وبعد قتله على هذا النحو الفجائي تفرق جنده.
الدكتور مهدي روشن ضمير
الجوشن
الجوشن الصدر والدرع، واسم جبل مطل على حلب في غربيها في سفحه مقابر ومشاهد للشيعة ـ كما يقول ياقوت ـ وهي حتى الآن لا تزال موجودة معروفة وهو متنزه أهالي حلب في أيام الربيع عليه يضربون المضارب ويغشونه صباح مساء وفي سفحه يمر الخط الحديدي وفي قبلي الجبل مشهد لا يزال معروفاً بمشهد السقط وهو محسن بن الحسين فيما يرى الحلبيون الذين يرون أنه قد اجتاز بالجوشن سبي الحسين بن علي ونساؤه في طريقهم من العراق إلى الشام وأن زوج الحسين (عليه السلام) كانت حاملاً فأسقطت هناك.
وكثيراً ما تشبب الشعراء الحلبيون بالجوشن وأكثروا من ذكره فقد تشوق إليه منصور بن المسلم بن أبي الخرجين النحوي الحلبي حين شطت به الدار ومني بالاغتراب قال من قصيدة:
عسى مورد من سفح جوشن ناقع
فإني إلي تلك الموارد ظمآن
وما كل ظن ظنه المرء كائن
يحوم عليه للحقيقة برهان
ولعبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي:
يا برق طالع من ثنية جوشن
حلبا وحي كريمة من أهلها
واسأله هل حمل النسيم تحية
منها فإن هبوبها من رسلها
ولقد رأيت فهل رأيت كوقفة
للبين يشفع هجرها في وصلها
ولعيسى بن سعدان وهو من شعراء القرن السادس:
يا حبذا التلعات الخضر من حلب
وحبذا طلل بالسفح من طلل
يا ساكني البلد الأقصى عسى نفس
من سفح (جوشن) يطفي لاعج الغلل
طال المقام فواشوقا إلى وطن
بين الأحص وبين الصحصح الرمل
وله:
ناجوك من أقصى الحجاز وليتهم
ناجوك ما بين الأحص وبارق
أمفارقي حلب وطيب نسيمها
يهنيكم أن الرقاد مفارقي
والله ما خفق النسيم بأرضكم
إلا طربت إلى النسيم الخافق
وإذا الجنوب تخطرت أنفاسها
من سفح جوشن كنت أول ناشق
الجوهرتين
أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني لسان اليمن([564])، كما أختار أن يلقب نفسه، طود من أطواد الثقافة العربية، ومع شهرته لدى المستشرقين فإنه يكاد يكون مغموراً بين بني قومه من العرب، إلا منذ عهد قريب حيث تصدى لنشر بعض مؤلفاته أحد أبناء اليمن وعلمائها: الأستاذ المحقق محمد بن علي الأكوع الحوالي الحميري، فنشر الجزأين الأولين من «الإكليل» وقام بتحقيق «صفة جزيرة العرب»، فأعدَّه للنشر، ومن قبل طبع هذا الكتاب طبعتين، وطبع الجزآن: الثامن والعاشر من كتاب الإكليل.
والهمداني واسع جوانب المعرفة، وهو مع ما قاساه في حياته من ضيق وحبس وتعذيب، لم يترك مجالاً من مجالات العلم المعروفة في عهده إلاَّ لف فيه، فقد ألف في الفلسفة «سرائر الحكمة» وصل إلينا منه الباب العاشر في التنجيم، ويصف صاعد الأندلسي وابن القفطي الهمداني بأنه فيسلوف، ويقول صاعد في «طبقات الأمم» ما معناه: إنه لم ينبغ في الفلسفة من العرب سوى اثنين: أبي إسحاق الكندي، وأبي محمد الهمداني، وقد عرفه علماء الأندلس قبل أن يعرفه المشارقة، فوصلت إليهم كتبه، واستفادوا منها قبل أن تصل إلى المشارقة.
من مؤلفات الهمداني غير «الإكليل» كتاب «الحرث والحيلة» وكتاب «الإبل» وكتاب «القسي والنبال» وكتاب «القوى» وكنت ظننت أن هذه الكلمة محرفة عن القوس، غير أنني رأيته يذكر هذا الكتاب في مؤلفاته.
ومن أهم كتبه: كتاب «الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء، ولعل هذا الاسم المسجوع الطويل مما نفر الباحثين عن العناية به، وقد سبق أن تحدثت عنه في [مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق]، وتحدثت عنه في مجلات أخرى، وقمت بنسخه، وهيأته للنشر، غير أن ذلك لم يتهيأ لي، بل تهيأ لأستاذ غربي جليل هو (كريستوفر تول).
قد قام بترجمة الكتاب إلى الألمانية ونشر الترجمة مع النص العربي، في منشورات (جامعة إبسالة سنة 1968) بعد أن وضع للكتاب مقدمة باللغة الألمانية، تحوي موجزاً عن تحصيل الناشر ثم ترجمة موجزة للهمداني فوصفاً للمخطوطات الثلاث المعروفة من الكتاب، مخطوطة جامعة أبسالة ومخطوطة مكتبة المستشرق الألماني (جلازر) في مكتبة ميونخ ومخطوطة مكتبة امبروزيانا في ميلانو في إيطاليا والأول أوفى النسخ، ثم دراسة مفصلة عن موضوع الكتاب.
وقد بذل المحقق الناشر جهداً كبيراً في إبراز الكتاب بأوضح صورة استطاعها.
ولا يدرك ذلك الجهد إلا من اطلع على النسخ المخطوطة، فرأى رداءتها، وكثرة التحريف فيها وإيراد كثير من الكلمات غير معجمة، ومنها كلمات لأسماء آلات في التعدين، لا تحوي كتب اللغة التي وصلت إلينا وصفها، وأخرى كلمات أعجمية كان الهمداني يتلقاها مشافهة من المعدنين في اليمن، وكانوا من الفرس، وكلمات عربية فصيحة يوردها الهمداني، ولكنها مما تضن معجمات اللغة بإيضاحه، والهمداني لغوي كبير مترجم في كتب اللغويين، وشاعر تصدى العالم النحوي ابن خالويه، لجمع ديوانه في ثلاثة أجزاء وشرحه.
ولقد بلغ من حرص الناشر الكريم أنه عمد إلى الكتاب، فنسخه بخط يده، ثم صور ما نسخ، لكي يسلم من هفوات الطبع، وأشار في ذيل الصفحات إلى اختلاف النسخ، وخرج بعض الأشعار، ورجع إلى مصادر كثيرة عربية وأعجمية، فاستحق بعمله التقدير، كل التقدير، من كل ذي غيرة على التراث العربي. ولعل من مظاهر التقدير لعمل هذا الأستاذ الكريم أن نشير إلى بعض ملاحظات قد تفيده أو يستفيد بها من يقتني مطبوعته، مؤازره في إخراج هذا الكتاب بأقرب صورة إلى الأصل.
أ ـ لقد استعصى على الناشر الفاضل فهم كلمات كثيرة من هذا المخطوط فاكتفى بأن وضع في أمكنتها نقطاً، وأشار إلى صورها في الهوامش، وكنا نرى إبقاء الصورة بموضعها من الكتاب ليكون سهل للقارىء، خاصة وأن الناشر الكريم صور ما كتب تصويراً، ولهذا لا يستعصي عليه أن يصور الكلمة الغامضة نفسها.
ب ـ ظهر لي عند مطالعة الكتاب أن الناشر الفاضل أورد كلمات على غير وجهها الصحيح، فرأيت ذكر بعضها مما أميل إلى صحته، أما الكلمات التي أخالف الناشر الفاضل في كيفية نطقها، مما عول فيه على إحدى النسخ، فإنني أترك ذكرها لوقت آخر([565]).
جوين خراسان، وجوين سيستان
جوين، منطقة تقع بين أسفراين وسبزوار، وهي مسقط رأس، وموطن شمس الدين محمد صاحب الديوان الجويني، وعطاء الملك الجويني صاحب التاريخ المعروف، وجوين هو الاسم القديم للبلدة المعروفة اليهم بـ (گويان).
أما گويان، والمعبر عنها بجوين أيضاً، فهي غير تلك التي مر ذكرها آنفاً، والتي تقع في خراسان، فگويان هي جوي الواقعة في مقاطعة سيستان، وتعرف كلا البلدتين بنفس الاسم (جوين)، إلا أن الأولى تعرف بـ(گوبان)، فيما تعرف الثانية بـ(گويان)، وتقع في سيستان.
وقد عدّت أقدم المصادر الجغرافية العربية جوين من مدن نيسابور، فذكروا من مدن نيسابور زام، وباخرز، وجوين، وبيهق.
وصرح ياقوت الحموي وابن الأثير ان جوين تقع بين بسطام ونيسابور، في خراسان، وتعرف بـ(گويان)، وجوين هو الاسم المعرّب لها.
ويقول حمد الله المستوفي أن مركز گويان (معربها جوين) كان في آزادوار، ولكن انتقل إلى فريومد في القرن الرابع عشر الميلادي.
ووصفها محمد بن أحمد المقدسي أنها قرية واسعة، وافرة النعم، كثيرة الخيرات، وضبط اسمها بـ(گويان).
أما كوين التي يذكرها زين الأخبار فهي جوين الواقعة في ولاية فراه الإفغانية، وهي ضمن مقاطعة سيستان، وهي معروفة بهذا الاسم منذ القديم، وذكرها اليعقوبي في أعمال سيستان، وكذلك ابن رستة، وذكرها المقدسي عندما شمل فره ضمن نواحي زرنج، وقال بأنها مدينة مشتملة على حصن كبير منيع.
ويبدو أن ابن الأثير يذكر جوين أخرى تقع في سرخس وأشار إليها صاحب الأنساب عندما قال: إن هناك مدينتين باسم جوين، أما جوين الثالثة فهي قرية من قرى سرخس. وينسب إلى هذه القرية أبو المعالي محمد بن الحسن الجويني السرخسي، الإمام الفاضل والفقيه الذي تتلمذ على يد أبي الحسن الشرمقاني.
جيبوتي
راجع: الصومال.
الحاجر
قال صاحب القاموس منزل للحاج بالبادية، قال البكري هو موضع في ديار بني تميم وأنشد ابن ميادة.
إني حلفت برب مكة صادقاً
لولا الحياء ونسوة بالحاجر
نزله الحسين (عليه السلام) في 15 ذي الحجة سنة 60 يوم الثلاثاء.
قال الشيخ المفيد في الإرشاد ص202 والسيد ابن طاووس في اللهوف ص32 والمجلسي في البحار ج 44 ص369 وغيرهم: (إن الإمام الحسين (عليه السلام) لما بلغ الحاجر بعث أخاه عن الرضاعة عبدالله بن يقطر وقيس بن مسهر الصيداوي بكتاب له إلى مسلم بن عقيل وإلى أهل الكوفة فأخذهما حصين بن نمير في القادسية فأخرج قيس الكتاب ومزقه فحمله الحصين بن نمير إلى عبيدالله بن زياد فلما مثل بين يديه قال له من أنت قال أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وابنه قال فلماذا خرقت الكتاب؟ قال: لئلا تعلم ما فيه قال وممن الكتاب وإلى من؟ قال من الحسين (عليه السلام) إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني أسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر فتلعن الحسين وأباه وأخاه وإلا قطعتك إرباً إرباً فقال قيس: أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم وأما لعن الحسين (عليه السلام) وأبيه وأخيه فأفعل فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (ص) وأكثر من الترحم على علي والحسن والحسين (عليهم السلام) ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم ثم قال: أيها الناس أنا رسول الحسين (عليه السلام) إليكم وقد خلفته بموضوع كذا فأجيبوه. فأخبر ابن زياد بذلك فأمر بإلقائه من أعالي القصر فألقي من هناك فمات فبلغ الحسين (عليه السلام) موته فاستعبر بالبكاء ثم قال: اللَّهم اجعل لنا وشيعتنا منزلاً كريماً وأجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شيء قدير…) وروى الطبري بسنده في حوادث سنة 60 هجرية قائلاً (… إن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة وكتب معه إليهم…) ([566]) ثم أورد نص كتاب الإمام الحسين (عليه السلام) وحوادث الكوفة واعتقال قيس كما مر ذكره.
عبد الحسين الصالحي
حاشية كتاب المكاسب
تأليف: الشيخ آقا رضا الهمداني، المتوفى سنة 1322هـ:
كتاب يشتمل على شرح وتعليقات المصنّف على كتاب المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري، المتوفى سنة 1281هـ، الذي يعد من أفضل ما كتب في فقه المعاملات؛ إذ يعنى ببيان المسائل الفقهية المتعلقة بأحكام الكسب وما يكتسب به، مطبوع مراراً وعليه شروح وحواش كثيرة لأهمية موضوعه، وهو مدار التدريس والبحث في الحوزات العلمية إلى الآن.
تبدأ التعليقات هذه من كتاب البيع وتنتهي في آخر مباحث كتاب الخيارات، وهي مشحونة بالتحقيقات الفقهية والتطبيقات الأصولية.
الحاشية على مدارك الأحكام
تأليف: الشيخ محمد باقر الوحيد الهبهاني (1117 ـ 1205هـ).
حاشية على كتاب مدارك الأحكام للسيد محمد بن علي العاملي، سبط الشهيد الثاني (946 ـ 1009هـ)، من كتب الفقه الاستدلالي، ويعد من أبرز وأقدم الشروح على كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي (602 ـ 676هـ)، الذي هو من أجود المتون الفقهية، وعليه شروح وحواش كثيرة.
والمدارك لم يخرج منه إلا باب العبادات إلى آخر كتاب الحج في ثلاث مجلدات، وعليه حواش متعددة أيضاً، طبع على الحجر في إيران عدّة مرات، آخرها سنة 1322هـ، وقد حققته ونشرته مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث سنة 1410هـ في 8 أجزاء.
والحاشية هذه اقتصرت على كتابي الطهارة والصلاة فقط، وتشتمل على فوائد جليلة ومزايا علمية فريدة: التحقيقات الرجالية واللغوية، تحديد مباني الشراح الفقهية والأصولية ومناقشتها، استدراكات لما غفل عنه أو تركه من فروع فقهية، كثرة التفريعات، استقصاء للروايات، جمع وجوه الاستدلال، وغيرها.
حبل المتين
جريدة إيرانية صدرت سنة 1311هـ (1893م) في كلكتا بالهند وبلغت شهرة كبيرة في مهاجمتها للظلم والتعسف والاستبداد، وساعدت على قيام ثورة الدستوريين والدفاع عنهم وعن مكاسبهم، ولم تتوقف عن الدعوة إلى الحرية والقانون كما فعلت بقية الصحف بعد أن دك الحكام مبنى المجلس النيابي، وإعادة سيطرتهم على الأوضاع وتابعت حملتها عليهم، وحث الشعب وخاصة رجال الدين منهم على الثورة.
الحبشة
ـ 1 ـ
الاسم الذي أطلقه العرب على الإقليم الذي يطل على البحر الأحمر ويواجه اليمن واختلفت حدوده باختلاف العصور. وهو ما يعرف بـ«أثيوبيا». قام فيها انقلاب عسكري يساري على الإمبراطور هيلاسلاسي ظل حكمه سائداً حتى اليوم. وكان قد قام بينها وبين أريتيريا اتحاد فدرالي سنة 1952 ولكن لم يلبث هيلاسلاسي أن ألغى الاتحاد وأعلن ضم أريتيريا إلى الحبشة، فقامت في أريتريا ثورة مسلحة للانفصال لا تزال مشjعلة حتى الآن. وعن انتشار الإسلام في الحبشة نذكر ما يلي:
أخذ الإسلام ينتشر في المناطr الشرقية للحبشة ولكن ببطء ثم أخذ يشق طريقه إلى داخل البلاد بواسطة المسلمين من الأحباش الذين أسلموا على أيدي العرب.
ويقول أرنولد Arnold أن أربعة وأربعين عربياً من حضرموت وفدوا إلى الحبشة وقاموا بالدعوة الإسلامية في بلاد الصومال وأن أحدهم ويدعى الشيخ أبو زرباي سار إلى مدينة هرر سنة 1430 ميلادية ودعا الناس إلى الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير.
وازداد عدد المسلمين فكونوا جبهة وزحفوا على هرر سنة 1521 ميلادية بقيادة أبي بكر بن محمد سلطان عدول واستولوا عليها ونشروا الإسلام فيها.
ونهض أحمد بن إبراهيم من أبناء مدينة هرر وغزا الجلا وسائر القبائل التي تجاور مدينة هرر. ومنها زحف إلى عند فالكسوم ولقد حالفه النصر في جميع غزواته وانضم تحت لوائه عدد كبير من زعماء الأحباش واعتنقوا الإسلام. وقد قتل في ميدان الحرب عام 950هـ.
وتمكنت طائفة من التجار المسلمين من أهالي تكررو بالسودان من الانتشار في شتى بقاع الحبشة وهؤلاء ساعدوا إلى حد ما في نشر الإسلام.
وليس من شك أن اشتغال المسيحيين في الحبشة بالخلافات المذهبية ساعد الإسلام على التوسع والانتشار في الأراضي الحبشية.
ولما قام محمد أحمد المهدي بحركته وغزا كردفان ودارفور وبحر الغزال وسنار والخرطوم أرسل أحد أتباعه ويدعى محمد جبريل في الحبشة لنشر الإسلام ولقد نجح في دعوته إذ أسلم على يديه خلق كثير منهم شقيقة الملك يوحنس وقد تزوجت أحد الأمراء المسلمين الأمر الذي أغضب الملك فأخذ يضطهد المسلمين ويذيقهم ضروباً من الأذى حتى اضطر كثير منهم للهجرة إلى السودان، «كما ورد في مجلة رابطة العالم الإسلامي».
هكذا بدأ الإسلام يخطو في الحبشة خطوات واسعة نحو الأمام ثم انكمش وتقلص في عهد الملك يوحنس وفي عهد خلفه منليك واستمرت تلك الاضطهادات زمناً طويلاً حتى عام 1913م حين قام بالأمر الملك ليج أياسو فناصر الإسلام بكل قوته وزعم أنه من سلالة الرسول (ص) وليس من سلالة سليمان، وتزوج من النساء المسلمات وانتظم في سلك المسلمين وتزيّى بزيهم وتقلد السيف العربي وكتب على العلم بالحروف الحبشية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) «كما ورد كذلك في المجلة المتقدم ذكرها».
وفي أواخر عهد هذا الملك ظهرت فكرة إيجاد رابطة بين الأحباش والعرب وكانت فكرة هذا التقرب أقوى وأبرز وضوحاً بين أهالي الصومال منها بين سائر القبائل الحبشية فالصوماليون يقولون أنهم من سلالة عقيل بن أبي طالب كما تقول القبائل البشارية أنها من سلالة عربية ولقد أخذ كثير من الأحباش يقبلون على دراسة اللغة العربية وهم يعتبرونها لغة مقدسة.
ومن المؤسف أن كثيراً من مسلمي الجلاء والساهو والبجة وغيرهم من الكوشيين وغير الكوشيين لا يفهمون الإسلام على حقيقته وليس من شك أن ذلك يرجع إلى قلة المدارس الدينية وعدم وجود دعاة مثقفين يعلمون الناس حقائق الإسلام. وهناك عادات قديمة سيئة عاشوا عليها فترة من الزمن لذلك كان من الصعب أن يقتلعها الإسلام من نفوسهم.
وللطرق الصوفية في الحبشة مكانة خاصة في نفوس المسلمين، منها:
1 ـ الطريقة القادرية ـ نسبة إلى عبدالقادر الجيلاني ـ وهي أكثر الطرق انتشاراً وأتباعها يقومون بمهنة التعليم ولا يميلون إلى احتراف الزراعة والصناعة.
2 ـ الأحمدية وهم أتباع أحمد بن إدريس المتوفى في عسير في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
3 ـ الصالحية وهم فرع من الأحمدية أنشأها محمد صالح. وقد استطاع أتباع هذه الطريقة تحت زعامة محمد بن عبدالله حسان أن يكونوا نفوذاً واسع النطاق وأن يوحدوا القبائل تحت لواء الإسلام.
على أن هناك طائفة مثقفة من مسلمي الحبشة تلقوا العلم في الأزهر وفي الحجاز. كما أن هناك طائفة من علماء الحبشة المسلمين ظهرت آثارهم في العالم الإسلامي بعيداً عن وطنهم.
ويرى بعضهم أن عدد المسلمين في الحبشة لا يقل عن ستين في المائة، وهو دون شك لا يقل عن خمسين.
جعفر بن أبي طالب في الحبشة
الرواد المسلمون الأوائل الذين أقبلوا على الإسلام في ضعفه، موطنين نفوسهم على البلاء والمحنة، فكابدوا الشدائد والأهوال، وتحملوا التشريد والترويع، ثم وقفوا نفوسهم على حمايته، ونشره، ولم يطمعوا بمغنم ولا فازوا بسلطان، بل كان نصيبهم الاستشهاد، أو الكفاح من جديد لحماية الإسلام من بعض المسلمين… هؤلاء الرواد الأوائل جديرون بالعناية والدرس، ليكونوا القدوة والمثل، لتظل سيرهم أمام العيون وملء القلوب، تلهم الناس الإيمان والصبر والتجرد والتضحية، ومغالبة الظلم ومصارعة الباطل.
ومن أوائل هؤلاء الرواد، الشهيد جعفر بن أبي طالب…
كان لأبي طالب ستة أولاد: أربعة ذكور وابنتان. والذكور أكبرهم طالب وأصغرهم علي، وبينهما عقيل وجعفر، وكان كل واحد من هؤلاء يكبر أخاه بعشر سنين، والبنتان هما جمانة وأم هاني، أمهم جميعاً فاطمة بنت أسد. وكانت هذه السيدة للنبي (ص) بمنزلة الأم، حين كفل زوجها أبو طالب ابن أخيه محمداً بعد وفاة جده عبدالمطلب، فاحتضنت محمداً (ص) وعنيت به عنايتها بأولادها. وقد حفظ النبي (ص) لها هذا الجميل فكان يجلها إجلال الولد لأمه، ولما ماتت كفنها في قميصه وصلى عليها ونزل في قبرها، ثم خرج وعيناه تذرفان، وحثا في قبرها. فقيل له: «رأيناك يا رسول الله فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد». فقال: «إن هذه المرأة كانت بمنزلة أمي التي ولدتني»([567]) وكانت قد أسلمت وهاجرت إلى المدينة وفيها توفيت.
وطالب الولد الأكبر لأبي طالب كان ممن أكرهتهم قريش من الهاشميين على الخروج إلى بدر، هو وعمه العباس وغيرهما. وبعد بدر اختفى خبره فلم يعلم مصيره. ويبدو أن قريشاً لما قتل زعماؤها الثلاثة: عتبة وشيبة والوليد بأيدي الهاشميين، حاولت الفتك بمن أخرجتهم معها من الهاشميين فاغتالت طالباً. فلما أحس العباس وغيره، بما يجري لجأوا إلى صفوف المسلمين، فاعتبرهم المسلمون أسرى واعتبرهم النبي (ص) كذلك، وأجبرهم على دفع الفداء.
أسلم جعفر بعد إسلام أخيه بقليل، بيوم أو نحوه، وذلك أن أبا طالب، وكان معه ولده جعفر، رأى النبي (ص) وعلياً يصليان، وعلي قائم على يمين النبي (ص) فقال لابنه جعفر: «صل جناح ابن عمك وصل على يساره»([568]) فكانت هذه الجماعة أول جماعة أقيمت في الإسلام([569]).
ومنذ أسلم جعفر حمل عبء الدعوة مع غيره من الأبطال ولما اشتد الأذى بالمسلمين ورأى النبي أن يهاجروا من ديارهم، اختار جعفراً لقيادة قافلة المهاجرين، وكانوا خمسة وسبعين رجلاً واثني عشر امرأة، وذلك في السنة الرابعة أو الخامسة من النبوة، وقد خرج جعفر ومعه امرأته أسماء بنت عميس، فولدت له هناك أولاده عبدالله وعونا ومحمد. وكانت هذه الهجرة في حياة أبي طالب، فنظم أبو طالب أبياتاً من الشعر أرسلها إلى النجاشي قال فيها:
ليعلم خيار الناس أن محمداً
نظير لموسى والمسيح بن مريم
وإنك ما تأتيك منا عصابة
بفضلك الا ارجعوا بالتكرم([570])
ورأت قريش في هذه الهجرة حماية للمسلمين فعملت على استرداد المهاجرين، وأرسلت لذلك وفداً مؤلفاً من عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة (أخي خالد بن الوليد) ليفاوضا النجاشي في تسليم جعفر وجماعته.
فجرت في مجلس النجاشي مناظرة طريفة بين زعيمي الفريقين اللذين جمع بينهما النجاشي ليسمع من كل منهما ما يقول قبل أن يقرر أمراً بشأنهما. وفيما يروي ابن عساكر كما يقول ابن كثير، إن وفد قريش كان يتكلم باسم زعيمها أبي سفيان، وأن أبا سفيان أرسل مع الوفد هدية للنجاشي وبطارقته.
وسأل النجاشي عمراً عما يقول، فأجاب عمرو: إنه قد صار إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه، فادفعهم إلينا…
ويبدو النجاشي في هذا الموقف دقيقاً وحكيماً، ويظهر وكأنه حاكم من حكام هذا العصر يدقق في طلب تسليم لاجىء من اللاجئين، فهو لم يرفض رأساً، ولم يوافق رأساً. بل درس الطلب ثم استجوب زعيم المطلوبين، ثم أصدر قراره برد طلب التسليم. فكان بذلك سباقاً لمن وضعوا في عهودنا الحديثة أصول تسليم اللاجئين بين بلدين مختلفين. بل يمكن أن نقول أنه أول من ميز بين المجرم العادي الذي يجوز تسليمه، وبين المجرم السياسي ـ كما نقول في اصطلاحنا اليوم ـ الذي لا يجوز تسليمه، كما سنرى بعد قليل.
وقد كان عمرو بن العاص بارعاً حين أثار أمام النجاشي وبطارقته أمر اعتناق دين جديد. وأدرك جعفر ما رمى إليه عمرو، فركز جوابه على تفصيل أمر الدين الجديد وما يدعو إليه من خير وما ينهي عنه من شر، فقال ما خلاصته: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف صدقه وأمانته وعفافه، دعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وكل ما يعرف من السيئات. وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والصدقة وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة. فصدقناه وآمنا به واتبعناه. فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك.
وكان هذا الدفاع الذي ألقاه جعفر عرضاً موجزاً لأهم مبادىء الإسلام. وقبل ذلك سأل النجاشي عمرا: أهؤلاء عبيد لكم؟ فقال عمرو: لا، فقال النجاشي: فلكم عليهم دين؟ قال عمرو: لا.
إذن فاللاجئون ليسوا مجرمين عاديين: فلا هم عبيد آبقون ولا هم مدينون فارون بحقوق الناس، بل هم (لاجئون سياسيون) ذوو مبادىء معينة أوضحها قائدهم، هي مبادىء لا يستطيع أي منصف أن يجعلها سبباً في تسليم أصحابها لمن يناقضونها بوثنيتهم. وإذا كانت ديناً جديداً فليس فيه ما يؤخذ على أصحابه.
وهكذا صدر قرار النجاشي برد طلب الاسترداد. فبرهن بذلك على أنه على أعلى مستويات الإنسانية.
ولم يكن عمرو بن العاص ممن يهزمون بسهولة، فتفتق ذهنه عن داهية رأى أنها خير ما يرمي به جعفر وأصحابه. فعاد يقول للنجاشي: «إن لهؤلاء رأياً في عيسى يخالف ما أنت عليه»، فدعاهم النجاشي من جديد، فكان وقع هذه الدعوة اليما في نفوسهم، إذ حسبوا أنه قد بدا للنجاشي ما غير رأيه فيهم. وكان جعفر حين تلقى الدعوة الأولى قد عقد مؤتمراً من أصحابه ذاكرهم فيه بما يجب أن يكون عليه جوابهم للنجاشي. وبعد المداولة أقروا كلهم رأي جعفر حين قال لهم: «يجب أن نقول ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن…» لذلك رأيناه حين دخل على النجاشي يسلم عليه تسليماً بسيطاً ويأبى السجود بين يديه على عادة جميع الداخلين عليه، مع أنه كان من المحتمل أن يثيره هذا التصرف ويغضبه ويسيء لمصلحتهم. ولكن جعفرا أبى أن يتصرف إلا على أساس إسلامي بحت، وأن لا يتنازل قيد شعرة من مبادئه التي لا تجيز السجود لغير الله. ولم يمض هذا التصرف بلا مناقشة، فقد تساءل النجاشي عن تصرفهم الذي خالفوا فيه قواعد الدخول على الملوك. فقال جعفر ما مفهومه أن نبينا حدد لنا قواعد السلام بين الناس دون تمييز بينهم وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي به بعضنا بعضاً… وكذلك رأيناه أيضاً في جوابه الأول غير مجمجم ولا موارب، كما كان حين أجاب عن رأي نبيهم في عيسى: هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول العذراء…
فلم يجد النجاشي في هذا الرأي ما يمكن أن يؤاخذ به اللاجئون، فإنهم إذا كانوا لا يرون رأي النجاشي في عيسى فأنهم لا يقلون عنه احتراماً له ولأمه، لذلك أيد قراره الأول بقرار جديد، ورفض تسليم اللاجئين.
ويظهر مما قاله ابن إسحاق فيما حكاه ابن هشام في سيرته، أن الأمر في مكة كان يدل على أن سلطتين تتنازعان أمر مكة، وأن اللاجئين كانوا يمثلون سلطة، وعمرو بن العاص كان يمثل أخرى، وأن الطلب لم يكن فردياً أو شخصياً. فعمرو بن العاص حمل معه هدايا للنجاشي وبطارقته وقدمها باسم أبي سفيان ممثل السلطة الفعلية. ورأينا أن أبا طالب أرسل للنجاشي شعراً يشرح له وجهة نظر الفريق الآخر في طلب الحماية للاجئين.
وهنا أيضاً عندما علم أبو طالب بما كان من أمر إرسال الوفد إلى النجاشي عاد فأرسل إليه شعراً جديداً ضمنه الحنين إلى ولده جعفر، ثم الثناء على النجاشي والاعتماد عليه في حفظ حق اللاجئين في «لجوئهم السياسي»… ولعل في كل هذا ما يدلنا على طبيعة العلاقات بين مكة وغيرها من العواصم قبل الإسلام وخلال الدعوة الإسلامية، وعلى أن مكة كان معترفاً بها كعاصمة تفاوض وتطالب، وإن قريشاً كان مسلماً لها بالسلطة في مكة، وأن وفدها كان وفداً (رسمياً) معترفاً به.
كما قد يدلنا الشعر الذي أرسله أبو طالب مرتين على أنه كان للغة العربية ولشعرها وأدبها جذور خارج الجزيرة العربية وبالحبشة بالذات، وإلا فلماذا استعمل أبو طالب الشعر، وكذلك فإن ابن إسحاق وغيره يرون أن النجاشي طلب من جعفر أن يقرأ له شيئاً مما جاء به النبي (ص) فقرأ له صدراً من (كهيعص) وأن النجاشي ومن في مجلسه تأثروا بما سمعوا من القرآن.
ويروي ابن إسحاق عن بعض المسلمين اللاجئين أن محاولة انقلاب جرت بعد هذه الأحداث كانت تستهدف النجاشي نفسه، ولا يحدثنا الراوي عن أسباب هذه المحاولة وعما تذرع به الانقلابيون، بل يكتفي بأن يصف شعور اللاجئين حين سمعوا بالأخبار، فيقول بهذا النص وهو يتحدث عن حسن صنيع النجاشي: «فوالله أنا لعلى ذلك إذ نزل به ـ أي النجاشي. رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما حزنا قط حزنا كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفاً من أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي».
وبالرغم من أن هذا الراوي لا يتحدث عن التفاصيل والأسباب، فإن من غير البعيد أن يكون المنازع للنجاشي قد استغل حماية النجاشي لأصحاب الدين الجديد وجعلها من عوامل ثورته وتحريض الناس عليه. لذلك حزن اللاجئون أولاً ثم فرحوا ثانياً. ويدل على ذلك أن بعض أعوان النجاشي ممن حضر مجلس المناظرة لم يكونوا راضين عن الرعاية التي ظفر بها اللاجئون من النجاشي.
ثم مضت الحياة سليمة على جعفر وأصحابه وكانوا يتنسمون أخبار الحجاز، فعلموا بهجرة النبي (ص) وصحبه إلى المدينة، ثم تتابعت أنباء الانتصارات الإسلامية فمضت أيام بدر واحد وبني النضير والخندق وبني قريضة واستقر أمر الإسلام وأصبح قوة تحمي نفسها وأصحابها ثم جاء يوم خيبر، فإذا بجعفر وأصحابه يصلون المدينة يوم النصر، فيقول النبي: «لا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً: يفتح خيبر، أم بقدوم جعفر».
قتل رسول النبي (ص)
الخطة التي أرادها النبي (ص) لنشر الإسلام لم تكن خطة الفتح والغزو على عكس ما يعتقد الناس وما جرى عليه الحال بعد النبي (ص). بل كانت الخطة إرسال الرسل والدعاة مزودين بالإسلام بكل ما في مبادئه من حرية وعدالة اجتماعية وأخوة ومحبة. وقد رأينا نجاح هذه الخطة في البحرين واليمن مثلاً. وفي يقيني أنه لو امتدت الحياة بالنبي (ص) لما سلك غير هذا السبيل ولما لجأ إلى القتال إلا إذا ألجىء إليه كما حدث حين أرسل في السنة الثامنة للهجرة رسوله الحارث ابن عمير الإزدي داعية إلى بلاد الشام فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني أحد حكام العرب العاملين تحت سلطة الروم في بلاد الشام. ومن الطبيعي أن لا يسكت النبي لقتل رسوله المسالم.
لذلك أعد جيشاً عدته ثلاثة آلاف لتأديب المجرمين، ووجهه إلى البلقاء حيث كان قد وقع الاعتداء، وجعل للجيش ثلاث قواد يتناوبون القيادة في حال استشهاد أحدهم، هم جعفر ابن أبي طالب، وزيد من حارثة، وعبدالله بن رواحة. فاجتمع لحربهم جيش مكون من مائتي ألف نصفهم من العرب ونصفهم من الروم، فأبوا أن يرتدوا وفي ذلك يقول عبدالله بن رواحة:
فرحنا والجياد مسومات
تنفس في مناخرها السموم
أقامت ليلتين على (معان)
فاعقب بعد فرقتها جموم
فلا وأبي مآب لنأتينها
ولو كانت بها عرب وروم
بذي لجب كأن البيض فيه
إذا برزت قوانسها النجوم
والتقت القوتان غير المتكافئتين واستشهد القواد الثلاثة. وعرف عن جعفر أنه أخذ الراية بيمينه فقطعت يمينه فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره، وحاول أن يضم الراية إلى صدره بساعديه المبتورين حتى قتل. وأجمع المؤرخون على أنه وجد في جسده عشرات الجروح ما بين ضربة بالسيف وطعنه بالرمح. وانتهت الحرب بانسحاب المسلمين.
وبلغ النبي الخبر فمضى إلى منزل جعفر وسأل زوجته أسماء: أين بنو جعفر، فجاءته بهم ـ وهم أطفال ـ فضمهم وقبلهم ثم ذرفت عيناه فبكى، فقالت أسماء: يا رسول الله لعله بلغك عن جعفر شيء. قال: نعم إنه قتل. ثم قال على مثل جعفر فلتبك البواكي.
قال كعب بن مالك الأنصاري يرثيه من قصيدة:
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
عند الحمام حفيظة أن ينكلوا
ساروا أمام المسلمين كأنهم
طود يقودهم الهزبر المشبل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه
قدام أولهم ونعم الأول
حتى تقوضت الصفوف وجعفر
حيث التقى جمع الغواة مجدل
وقال حسان بن ثابت من قصيدة:
غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم
أبي إذا سيم الظلامة أصعر
فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه القنا متكسر
وعمرو بن العاص موفد أبي سفيان إلى الحبشة للكيد لجعفر بن أبي طالب عند النجاشي ومحاربة الإسلام في كل مكان، عمرو بن العاص هذا الذي لم يسلم إلا بعد أن أيقن بانتصار الإسلام. فقد جاء إلى المدينة معلناً إسلامه في اليوم الذي كان فيه النبي يتهيأ للسير لفتح مكة.عمرو بن العاص هذا أعاد من جديد لمحاربة الإسلام والكيد لأبناء أبي طالب حماة الإسلام. فكما كان في المرة الأولى موفد أبي سفيان لمقاتلة جعفر بن أبي طالب عند النجاشي في الحبشة، عاد في الإسلام وباسم الإسلام نصيراً لابن أبي سفيان معاوية لمقاتلة علي بن أبي طالب. وهكذا قاتل آل أبي طالب عم محمد (ص) وحاميه، قاتلهم مرة بلسانه ومرة بسيفه. وسواء كان قتاله باللسان أو السيف فإنه كان يستهدف الإسلام في المرتين.
الحبشة
ـ 2 ـ
تشكل أثيوبيا الجزء الأكبر من منطقة القرن الأفريقي التي كانت تعرف ببلاد الحبشة، وتضم إلى جانب أثيوبيا دول: الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وهذه كلها انفصلت عنها بعد المرحلة الاستعمارية، وآخرها كان انفصال أريتريا واستقلالها عام 1993. أما اسم الحبشة فما يزال يطلق اليوم على دولة أثيوبيا وتعرف به وحدها.
تؤكد معظم الدراسات والأبحاث المتعلقة بالشؤون الإسلامية في منطقة شرق أفريقيا أن الإسلام دخل إلى تلك المنطقة في القرون الأولى للهجرة عن طريق الحبشة.
يحد أثيوبيا السودان من الشمال والغرب (1900 كلم)، كينيا من الجنوب (820 كلم)، الصومال من الجنوب الشرقي (1700 كلم)، جيبوتي من الشرق (220 كلم) أريتريا من الشمال (850 كلم).
وليس لأثيوبيا أي منفذ على البحر، ولكنها تستفيد باتفاقات خاصة في مجال النقل والتجارة من ميناءي مصوع وعصب الواقعين على البحر الأحمر في أريتريا، وميناء جيبوتي الواقع في خليج عدن.
سطح أثيوبيا التي تبلغ مساحتها 101000 كلم2 عبارة عن هضبة كبيرة (ثلثي مساحة البلاد) تتخللها جبال وعرة يصل علوها إلى 3000 متراً مع سهول تزرع بمختلف أنواع المزروعات وخاصة البن. لكن أثيوبيا كالعديد من المناطق الأفريقية تتعرض بين فترة وأخرى لجفاف قاس، كالذي حدث بين 1970 و1980 وآخره ما حدث سنة 1990 وسبب مجاعة وكوارث وخسائر بشرية واقتصادية كبيرة، رغم أن أنهاراً كثيرة تجري في أراضيها وأهمها النيل الأزرق الذي يتدفق من بحيرة «تانا» الواقعة في شمالي غرب أثيوبيا، ومن ثم يتجه غرباً نحو السودان لينضم إلى النيل الأبيض.
إن الزراعة هي عماد الاقتصاد الأثيوبي، حيث يشتغل بها الغالبية العظمى من السكان المنتشرين في الأرياف (89%) ويقدر ما تملكه أثيوبيا من ثروة حيوانية بحوالي 30 مليون رأس بقر، وهي تصدر للخارج البن والمواشي والجلود.
أثيوبيا هي ثالث دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان الذين يبلغون حوالي 58 مليون نسمة. وينقسم الأثيوبيون إلى مجموعتين كبيرتين هما الساميون، ويعيشون في الشمال والوسط، والحاميون ويعيشون في الجنوب والشرق. وتعتبر أثيوبيا من البلدان التي تتعدد فيها القوميات والأعراق، فهناك نحو 85 قومية وعرقا، تأتي في المقدمة القومية الأورومية، ثم تليها القومية الأمهرية، والتجرانية، والسيدامو والشانكيلا والصومالية، والعفر والجاراج، والعنصر العربي له جذور بين بعض هذه القوميات حيث امتزج بها بفضل الهجرات العربية القديمة والمتتالية.
واللغة الرسمية لأثيوبيا هي الأمهرية، ولها جذور عميقة في اللغة الحميرية، والأمهرية تمتاز بأنها تحوي الكثير من المفردات العربية.
أما اللغة الثانية فهي الأرومية، وهي لغة شعب الأورومو المسلم، ومع أن هؤلاء يشكلون الأغلبية في أثيوبيا من حيث العدد (حوالي 65%) ومن حيث الانتشار في المساحة، حيث تضم أوروميا إحدى عشرة مقاطعة من مجموع أربع عشرة مقاطعة تتشكل منها أثيوبيا، إلا أن لغتها لم تنل شهرة الأمهرية وانتشارها. أما اللغة التجرينية فتأتي في المرتبة الثالثة، وهي لغة أهل شمال أثيوبيا في منطقة أكسوم. وهناك العديد من اللغات واللهجات التي يتحدث بها الأثيوبيون، إلا أنهم جميعاً يتفاهمون باللغة الأمهرية.
العاصمة وأهم المدن
مدينة «أديس أبابا» التي تعني باللغة الأمهرية «الزهرة الجديدة» هي عاصمة أثيوبيا، وهي مدينة حديثة بدأ ببنائها الأمبراطور منيليك الثاني سنة 1889م، لتصبح عاصمة لدولته، ومقراً لحكومته، وقد أصبحت أديس أبابا اليوم مدينة عصرية من أكبر المدن الأفريقية حيث يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة. وهي تقع على ارتفاع 2400م عن سطح البحر، وتتمتع بجو يعد من أجمل الأجواء في العالم، إذ لا ترتفع درجة الحرارة فيها صيفاً عن 27 درجة مئوية، ولا تنخفض شتاءً عن 7 درجات، والمدينة تحيط بها التلال من جميع جهاتها.
أما أهم المدن الأثيوبية فهي: جاندر، دير دواه، هرر، نازريت، قندر، مغلي، جمبا.
نظام الحكم في أثيوبيا جمهوري، ديمقراطي، فيدرالي، حيث تنقسم البلاد إلى تسع ولايات ينتخب كل منها برلمانه الخاص.
من تاريخ أثيوبيا
برزت أثيوبيا على صفحات التاريخ منذ الألف الأول قبل الميلاد، عندما نزح إليها الكوشيون من وادي النيل، وأقاموا في منطقة «أكسوم» مملكة ورد ذكرها في مؤلفات الشاعر هوميروس والمؤرخ هيرودوت الإغريقيين. وأشهر من حكمها منذ ألفي سنة من ملوك أكسوم الملك منيليك الأول، وقد استمرت سلالته في الحكم حتى عام 928م، حيث انتقل الحكم إلى أسرة زاقوي. ومنذ عام 1260م أعيد الحكم إلى الأسرة الأولى التي نقلت عرشها إلى منطقة «شوا» وبسطت نفوذها إلى مناطق السلطنات الإسلامية التسع التي كانت قائمة في المنطقة الجنوبية والشرقية. واستمر حكم الأباطرة المسيحيين قائماً على معظم أراضي الحبشة حتى القرن السادس عشر، حينما ثار الأمير المسلم أحمد بن إبراهيم القرين سنة 1537، واستولى على جميع أراضي الإمبراطورية التي كانت عاصمتها «الشوا»، ثم استولى على منطقة «هرر»، حتى استعان عليه الأثيوبيون بالجيوش البرتغالية وهزموه عام 1543م لتستمر بعد ذلك سيطرة الأباطرة المسيحيين على جميع أثيوبيا.
وفي عام 1889 أصبح منيليك الثاني إمبراطوراً، فوحد المملكة وسيطر على العديد من الممالك الصغيرة، وفي سنة 1896 هزم الجيش الإيطالي الذي احتل جزءاً من أثيوبيا في معركة «أدوا»، ما أكسبه احتراماً كبيراً وساعد في امتداد نفوذه. وفي سنة 1913م أصبح حفيده «ليج أباسوا» إمبراطوراً، وقد أكد الشيخ محمد أحمد سعيد، رئيس المجلس الإسلامي في أثيوبيا أن هذا الملك كان متعاطفاً مع المسلمين، حيث أعلن عام 1916 انضمام الحبشة إلى دولة «الخلافة الإسلامية»، وقد اهتزت أوروبا لذلك، فأرغمه الأثيوبيون المسيحيون على التنازل عن العرش بمساعدة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا.
سنة 1931 تولى هيلا سيلاسي الحكم، وعندما احتلت إيطاليا أثيوبيا سنة 1935 هرب إلى بريطانيا ثم عاد إلى عرشه بمساعدة الإنكليز خلال الحرب العالمية الثانية.
سنة 1974 خلع الإمبراطور سيلاسي بانقلاب عسكري أقام حكماً ماركسياً بقيادة الجنرال منغستو هايلي مريام.
وفي سنة 1991 نجح انقلاب الثوار بزعامة ملس زيناوي بإطاحة حكم الشيوعيين، ليقيم حكومة ذات طابع ديمقراطي ليبرالي.
من تاريخ المسيحية في أثيوبيا
تذكر بعض المعلومات التاريخية أن أول دخول المسيحية إلى بلاد الحبشة بدأ مع إرسال النبي عيسى (عليه السلام) اثنين من حوارييه إليها لتبليغ دعوته، وأن قبريهما ما زالا موجودين، لكن الانتشار الفعلي للمسيحية في بلاد الحبشة بدأ في القرن الرابع الميلادي، عندما تنصر النجاشي (ملك الحبشة آنذاك) مع جمع من حاشيته على يد بعض المسيحيين المصريين سنة 320م، بعدها عمد بطريرك الإسكندرية القبطي الأرثوذكسي إلى تنصير تلك البلاد. ومنذ ذلك الوقت أصبح تعيين أسقف مصري مطراناً على الحبشة تقليداً دينياً وعرفاً متبعاً يحافظ عليه الأحباش، وهؤلاء أصبحوا يتوجون أباطرة الحبشة ويحلون الناس من بيعتهم إذا دعى الأمر.
وما زال المسيحيون الأحباش يتمسكون بكثير من عادات اليهود وشعائرهم تأثراً بماضيهم اليهودي القديم قبل اعتناقهم المسيحية، وتشبه كنائسهم بيع اليهود في شكلها الخارجي وفي نظامها الداخلي. ويكثر القسيسون والرهبان والشماسون في الحبشة كثرة عظيمة، ويقدّرهم البعض بخمس سكانها المسيحيين، وهم معفون من الجندية ولا يعملون عملاً منتجاً، كما تكثر الكنائس في الحبشة حيث تقدّر بأكثر من 30 ألف كنيسة، أشهرها كنيسة القديس جورج في أديس أبابا وكنائس لاليبالا المسماة بيت مقدس الحبشة، وهي كنائس فريدة من نوعها، إذ أنها محفورة في الصخر ويحج إليها المسيحيون الأثيوبيون ويعظمونها.
من تاريخ الإسلام والمسلمين في أثيوبيا
احتضنت بلاد الحبشة الإسلام قبل أي بلد آخر، وقصة ذلك الدخول بدأت في عنفوان الدعوة، عندما أمر النبي (ص) بعض الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، إتقاء لأذى المشركين في مكة، قائلاً لهم: «إن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد»، وكان ذلك في السنة السابعة للبعثة النبوية. فهاجر في المرة الأولى ستة عشر رجلاً وأربع نساء، وفي المرة الثانية هاجر ثمانون مسلماً بقيادة جعفر بن أبي طالب (رض). رحب بهم النجاشي وأحسن وفادتهم، وما زال المسلمون في الحبشة يزورون قبر هذا النجاشي، المدفون في مسجد في منطقة «ويركو» الجبلية.
ويذكر المؤرخون أنه حتى القرن العاشر الميلادي لم يوجد في الحبشة إلا أسر قليلة مسلمة كانت تقيم في المدن الساحلية، إلا أنه مع نهاية القرن الثاني عشر، أدى تنامي الوجود الإسلامي بفعل نشاط التجار العرب والمسلمين والفتوحات التي قام بها بعض أمراء القبائل العربية المسلمة، إلى تأسيس دولة إسلامية، فصلت بعض الأراضي الساحلية عن المملكة الحبشية، وفي عام 1300م شق أحد الدعاة العرب، ويدعى «أبات عبدالله محمد» طريقه إلى بلاد الحبشة داعياً أهلها إلى الإسلام، وتمكن من أن يجمع حوله 200 ألف شخص، ويهاجم حاكم أمهرة «سيف أرعد» ويشتبك معه في معارك عدة، وكان هذا قد اتخذ تدابير صارمة ضد المسلمين في مملكته تقضي بإعدام كل من أبى الدخول في المسيحية أو نفيه من البلاد. ومهدت تلك الحالة السبيل للقبائل العربية المستقرة على طول المنطقة الساحلية، إلى طرد الأحباش المسيحيين إلى المناطق الداخلية. وقد قامت في هذه الفترة سبع إمارات إسلامية في بلاد الحبشة، منها إمارات: شوا، هرر، ارادين، العروسة.. ومن الأحداث البارزة في تاريخ أثيوبيا في القرن السادس عشر الميلادي، قيام أمير مملكة «عدل» الواقعة على الأطراف الجنوبية للبحر الأحمر، الأمير «أحمد بن محمد الأجراني أو القرين» بغزوات متتابعة على أثيوبيا، (بدأها سنة 1528م)، فاخترقها من جنوبها حتى حدودها الشمالية، وكان هذا الأمير في الأصل ابناً لأحد القساوسة المسيحيين دخل في الإسلام واستطاع أن يستميل كثيراً من زعماء القبائل وقادة الجيش المسيحيين، ما مكنه من السيطرة على أكثر الأراضي الأثيوبية، حتى استعان عليه المسيحيون أخيراً بالبرتغاليين، فهزم الأمير أحمد وقتل سنة 1543م، ولكن سرعان ما ثأر له أحد الأمراء المسلمين، ويدعى «نور الدين» الذي بسط نفوذه وحكم البلاد مدة عشرين عاماً، ولكن بوفاته انقسمت دولته إلى دويلات ضعيفة، ما مكن قبيلة «محرى» المسيحية من غزو الإمارات الإسلامية بمساعدة الأوروبيين وضمها إليها وإقامة حكومة ذات طابع مسيحي استمرت على هذا النحو حتى العصر الحاضر.
ومع مطلع القرن الثامن عشر، أصبح المسلمون يؤلفون ثلث سكان البلاد، وذلك عائد كما يقول «السير توماس أرنولد»، صاحب كتاب «الدعوة إلى الإسلام»، إلى تفوق المسلمين الأدبي إذ ما قورنوا بالمسيحيين الأحباش، نظراً لحيوية المسلمين ونشاطهم، مقارنة بحالة الجهل التي كانت سائدة بين المسيحيين، الذين ما كانوا ليعلموا أولادهم إلا عندما يدخلونهم في سلك الكهنوت. وعلى هذا فقد أحرز المسلمون في القرن التاسع عشر تقدماً في العدد والمكانة، وكان التجار هم أصحاب التأثير الأهم في انتشار الإسلام بعيداً في أرض الحبشة، ما مكن أتباعه من امتلاك ناصية التجارة كلها، كما ملكوا المهن الصغيرة ونعموا بأملاك واسعة وسيطروا على مدن كثيرة، ودخل في الإسلام قبائل بأجمعها كانت تدين بالمسيحية، وهي ما تزال تحمل أسماء مسيحية مثل قبائل تاكلية (بنات يسوع)، وهبثية (عطية يسوع)، وتيماريام (عطية مريم). وقد أدّت الحرب التي حدثت بين الحكومتين المصرية والحبشية من سنة 1875 حتى سنة 1882، إلى شعور عدائي تجاه المسلمين من قبل الملك «جون» الذي فرض على مئات الآلاف من المسلمين التعميد ودفع العشور للكنائس أو الطرد. ولكن هذا الأمر كان عديم الأثر على تقدم الانتشار الإسلامي في أثيوبيا. حيث إنه مع مستهل القرن العشرين، كان السواد الأعظم من الأحباش قد دخلوا في الإسلام، وبلغت سرعة انتشار الإسلام في مختلف الأقاليم درجة أقضت مضاجع المبشرين المسيحيين الغربيين، الذين أوجسوا خيفة من أن يصبح الإسلام دين الأكثرية في بلاد الحبشة.
وعلى امتداد عهود أثيوبيا الأمهرية، حرص «أباطرة الأمهرا» حكام أثيوبيا على ضرب الإسلام وظلم المسلمين وطمس الهوية الإسلامية لفئة تمثل نسبة تزيد على 60% من بلادها، حتى كاد العالم أن يربط أثيوبيا بالمسيحية بشكل كامل، وكان ذلك نوعاً من إخفاء الحقائق الثقافية والعقائدية الواضحة. فقبل قيام حكم «منغستو» الشيوعي، كان الدين المسيحي هو دين الدولة الرسمي، وكانت السلطة متركزة بأيدي المسيحيين فقط، وكان يعبر عن المسلمين بالأقلية، كما جاء في تقرير السكرتير العام لمجلس الكنائس الأثيوبية، القس «جرايما»، الذي قدر عدد المسيحيين بـ40 مليوناً من أصل 60 مليوناً، والبقية 20 مليوناً هم من أديان مختلفة، في طليعتهم المسلمون، وعبر عن أثيوبيا بأنها جزيرة نصرانية، ولا بد أن تبقى كذلك! بينما يؤكد زعماء المسلمين أمثال الشيخ محمد ولي أحمد، من كبار العلماء، أن العدد الحقيقي للمسلمين قد يصل إلى ما نسبته 60% إلى 70% من السكان. هذا كله في غياب إحصاء رسمي متعمد من قبل الدولة، وقد قام العهد الحالي منذ سنوات بالبدء بعملية إحصاء للسكان، ولكن الأمر توقف فجأة!
ومع تزايد نسبة أعداد المسلمين في البلاد، كانت تزيد المخاوف والضغوطات عليهم من قبل الحكام النصارى، كإجبارهم على اعتناق النصرانية، وإحراق المساجد والمصاحف، وإرغامهم على الهجرة إلى الأرياف، حتى كادت تخلو منهم المدن الأثيوبية.
هذا ما فعله في الماضي الأباطرة، «يوهنس» و«ثيدورس» و«مليك» الثاني.
وقد استمرت هذه الحالة حتى جاء عهد الإمبراطور البائد هيلا سيلاسي، الذي استلم الحكم سنة 1931، والذي اشتهر بالمهارة الفائقة والخداع والحيل، فقد كان راعي الكنيسة ورئيسها، وكان يقدسه قطاع واسع من الأثيوبيين المسيحيين، وقد اختار أساليب أخرى في التعامل مع المسلمين، فأوقف المذابح، واعتمد أسلوب تنصير الأطفال بالدرجة الأولى، كما سمح للمسلمين بالالتحاق بوظائف الدولة، ولكن من دون الترقي في الوظائف العليا، كما سمح لهم بدخول الجيش ولكن في الرتب العسكرية الدنيا فقط، وبالنسبة إلى الأراضي فقد كان الفلاحون يزرعونها لمصلحة الكنيسة والإقطاعيين المسيحيين، وعلى صعيد التعليم كان الدين المسيحي في عهده يدرّس في جميع المدارس النظامية إجبارياً، حتى للطلاب المسلمين الذين كان عليهم أن يتخطوا بنجاح المواد الدينية المسيحية كي يترفعوا إلى صفوف أعلى، كما عمل على بناء الكنائس في جميع الأقاليم، لا سيما في مناطق المسلمين، بينما أعاق إقامة المساجد والمدارس والمقابر الإسلامية.
ويذكر الداعية الإسلامي الأثيوبي الشيخ أحمد العبيد بصدد العهد الشيوعي: «من غرائب الأمور أن أكبر فتح تم لمسلمي أثيوبيا حدث في عهد النظام الشيوعي الذي أطاح بحكم الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974، وقاده الجنرال منغستو هايلي مريام عام 1975»، ويتابع قوله: «وإذا نظرنا إلى هذا النظام بتمعن وجدناه ثورة شبه خالصة لمصلحة المسلمين!، ولكي تتضح الصورة يجب أن نقارن ما حدث في عهد هذا النظام بما كان عليه وضع المسلمين في عهود الاضطهاد الماضية. فقد أصبح للمسلم الحق في الانخراط في الخدمة العسكرية؛ وتقلد المناصب العليا في الخدمة المدنية، وصودرت جميع الأراضي من الكنيسة والإقطاعيين وأصبحت ملكاً لمن يفلحها، كما ألغى النظام الشيوعي تدريس الدين المسيحي في المدارس..»، ويوضح الشيخ العبيد أن الجنرال منغستو لم يفعل ذلك حباً بالمسلمين وبإنصافهم، ولكن لأن المعارضة الأساسية لمخططاته كانت تأتي من الكنيسة، فكان يواجهها بمنح المسلمين بعض المطالب، فاستفاد المسلمون من ذلك كثيراً.
والواقع أنه في بداية عهد الحركة الشيوعية في أثيوبيا وجد زعيمها «منغستو ماريام» في الكنيسة ورجالها سداً أمام رغباته الشيوعية، ولهذا نادى بإنهاء دور الكنيسة والإقطاعيين، فأعدم من أعدم وسجن من سجن، وصدر تعميماً بضم جميع أملاكهم ومواردهم إلى ممتلكات الدولة، وعندما وجد أن المسلمين هم من الفئات المظلومة، ومن أجل أن يكسب ودهم، عمل في البداية على تلبية بعض مطالبهم، مثل السماح لهم بإنشاء المساجد في الأماكن التي كان يمنع فيها ذلك، ودفن موتاهم في الأماكن التي لم يكن يسمح بدفنهم فيها، وتمكينهم من الحصول على قطع من الأراضي لإقامة المدارس الإسلامية، واعتماد أعياد المسلمين أعياداً رسمية يستطيع المسلمون الاحتفال (الفطر والأضحى).
ولكن في الحقيقة، لم يساعد منغستو ونظامه الشيوعي على حل أهم المشاكل التي كان يعانيها المسلمون، فهو كسلفه هيلا سلاسي، كان يكرر أن المسلمين هم أقلية في البلاد، وهو قد أغرق البلاد بالمبادىء الإلحادية والشيوعية، وفتح المجال أمام الفساد والانحلال والخلاعة، فهدم وحدة الأسرة وعلاقاتها، ونادى علناً بإلغاء دور الدين، ووضع دستوراً للبلاد يحارب مبادىء الإسلام، كما حجر على المسلمين ومنعهم من الاتصال بالدول الإسلامية، للحصول على منح ومساعدات علمية ومادية منها، وربط البلاد ومصالحها بالعالم الشيوعي القائم آنذاك.
إن مظالم المسلمين في أثيوبيا لا تتمثل فقط في النكران التاريخي لوجودهم في بلادهم، وإيهام العالم بأن أثيوبيا خالية من المسلمين، ولا من نكران وجود الإسلام نفسه كدين تدين به غالبية الشعب الأثيوبي، وذلك قمة الظلم، إذ إنه بجانب ذلك حاق بالمسلمين حرمان آخر تمثل في الأمور التالية:
أ ـ مسألة اقتسام السلطة:
درج أباطرة «أثيوبيا الأمهرية» على احتكار السلطة، خاصين بها الأقلية المسيحية من أبناء الأمهرا، وحارمين الأغلبية المسلمة من أي نوع من أنواع المشاركة في السلطة السياسية. فعلى امتداد عهد هيلا سيلاسي خليت مجالس وزرائه تماماً من أي وزير مسلم، بل إن المسلمين اعتبروا تولي أحدهم وظيفة وكيل وزارة أو رئاسة مؤسسة عامة ضرباً من الخيال، فالحكم كان حكماً كنسياً، راعى إبعاد المسلمين عن السلطة السياسية بعد أن منعهم من فرص العلم والمعرفة، ضارباً عليهم حصاراً من الجهل والأميّة والتخلف المقصود، فكيف لهم باقتسام السلطة وهم لا يحملون أدواتها، العلم والمعرفة! وهذا الوضع ظل مستمراً مع نظام منغستو الشيوعي، حيث خلا، كل من مجلسيه العسكري والوزاري من أي مسلم… فظلت السلطة محصورة بين أبناء الأمهرا والأقليات المسيحية الأخرى.
ب ـ مسألة اقتسام الثروة:
ومع أن المسلمين هم غالبية الشعب في أثيوبيا، إلا أن حظهم من الثروة لا يتماشى أبداً مع حجمهم السكاني… فهم أكثر الفئات فقراً وأشدّها ضنكاً في العيش. فإذا كانت نسبة 5% من عليّة القوم تملك 85% من الثروة، فإن نسبة المسلمين التي تزيد عن 65% من شعب أثيوبيا تشارك الآخرين في أقل من 15% من ثروة أثيوبيا.
وقد اعترف الرئيس الحالي «زيناوي» بهذا الظلم عندما قال عن المسلمين: أنهم أكثر الناس تعرضاً للظلم في أثيوبيا الأمهرية… إن المجاعات التي اجتاحت أثيوبيا قبل سنوات كانت غالبية ضحاياها من المسلمين… وبقدوم حكم «الدرك» الماركسي، زاد فقر المسلمين…
ج ـ المشاركة في اكتساب العلم والمعرفة:
يعتبر المسلمون أكثر الفئات في أثيوبيا جهلاً… ففي تاريخ أثيوبيا قاطبة لم يتقلد رجل مسلم منصب مدير جامعة… أو معهد علمي أو تكنولوجي… بل إن الجامعات الأثيوبية ومعاهدها العلمية تكاد تخلو من المسلمين (4% فقط من المسلمين)، فالعلم هنا مقصور على الأقلية الأمهرية والأقليات الأُخَر المسيحية… أما أبناء المسلمين، فيعيشون في دوائر الجهل… أما التدريب التقني والفني فلم يسمعوا به، ناهيك عن اكتسابه، فكيف يسمح للمسلمين بتلقي العلم… وهو الطريق لامتلاك القوة والتفكير في السلطة؟…
د ـ حرمان المسلمين من مشاركة مسلمي الخارج في النشاطات الإسلامية
من نتائج الحرمان الذي عانى منه شعب أثيوبيا المسلم، هو الغياب الكامل عن المنتديات والمنظمات الإسلامية.
فالعالم اليوم تنتابه صحوة إسلامية واسعة، ولكن شعب أثيوبيا المسلم حرم من هذا الفيض من العلم والوعي. بينما يسمح في المقابل للمسيحيين بالمشاركة في الأنشطة المسيحية العالمية. لذلك لم يعرف العالم الإسلامي الحديث اسم عالم أثيوبي مسلم… ولم يعرف لهم حضور في الحج والعمرة وغيرها.
ولم يسكت المسلمون في أثيوبيا في تاريخهم الحديث عن هذه المظالم، بل كانوا دائماً يحاولون إثبات وجودهم والمطالبة بحقوقهم الدينية والإنسانية، وكثيرة هي الانتفاضات التي قاموا بها لتحسين أوضاعهم، كالانتفاضة التي حدثت منذ أربعين سنة في مدينة هرر، والتي نتج عنها قيام جمعية تمثل المسلمين وتحمل مطالبهم، وفي العهد الشيوعي، وعلى أثر تشكيل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي أسسه قادة الحركة الإسلامية في أثيوبيا، خرجت مظاهرة ضخمة في أديس أبابا ضمت أكثر من 350 ألف شخص، كان لها وقع كبير في البلاد ولدى السلطة، ما دفعها للاستجابة إلى بعض مطالب هذه المظاهرة، والتي شملت 13 مطلباً لتحقيق المساواة في الوظائف والحقوق الاجتماعية والتربوية والدينية وغيرها… وما زالت الحركة المطلبية لقادة المسلمين قائمة ومستمرة بقوة على الرغم من الخلافات المؤسفة المريرة التي حدثت بين أعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في سنة 1995، فقد خرجت أيضاً في تلك السنة مظاهرة ضخمة في العاصمة تأييداً لتحقيق المطالب المزمنة، قدرت بأكثر من نصف مليون شخص، كان لها أثر كبير في إرغام السلطات على الاهتمام بهذه المطالب.
ومع انتهاء حكم الشيوعيين ومجيء السلطة الحالية برئاسة «ميلس زيناوي» سنة 1991، تفاءل المسلمون الأثيوبيون، في أن يعمل هذا الحكم الجديد على تحقيق مطالبهم المزمنة، فقد جاء هذا العهد بشعارات الحرية والديمقراطية وتقرير المصير وحرية التعبير والصحافة، وكان قادة هذا النظام الجديد قد أمضوا فترة طويلة في الدول العربية، ويحسون أكثر من غيرهم بمظالم المسلمين، وبالفعل فإن الرئيس «زيناوي» قد أعطى صورة مبشرة عنه من خلال اعترافه وتصريحه بهذه المظالم، عندما صرح لإحدى الصحف بقوله: «أعتقد أن مظالم المسلمين في أثيوبيا كانت أكثر من حيث الاضطهاد، لأن السلطة كانت ظالمة، ولا بد من مظلومين… ولأنها سلطة، كانت تظلم باسم الدين، فإن ضحاياها كانوا الذين لا يشاركونها اعتقادها الديني… إن مشكلة أثيوبيا اليوم ليست نقصاً في العقيدة، فأثيوبيا عريقة في إسلامها مثلما هي عريقة في مسيحيتها.
وقد تدفق في البداية العديد من المؤسسات والهيئات الإسلامية التي عملت على تقديم العون والإغاثة إلى جانب فتح مجالات استثمارية وإنمائية. وبدأ المسلمون الأثيوبيون لأول مرة يشعرون بوجود العديد من أبناء البلاد العربية والإسلامية بينهم يفتحون المؤسسات، وهذا الأمر كان محظوراً في السابق، ولأول مرة أصبح الأثيوبي يسافر إلى الدول العربية والإسلامية دون قيود، ولأول مرة تبدأ كتابة اللغة العربية ويشيع استخدامها في طول البلاد وعرضها، ولأول مرة يسمح في وسائل الإعلام الأثيوبية ببث برامج دينية إسلامية، وإن كانت ما زالت محصورة في الأعياد والمناسبات، كمناسبة شهر رمضان، كما بدأ السماح للمسلمين بإصدار المجلات والصحف الإسلامية، وإن كانت هذه قليلة جداً بالنسبة إلى الصحف المسيحية، حيث هناك 6 مجلات وصحف إسلامية مبتدئة، منها (الفرقان، والرسالة والدعوة) مقابل 96 مجلة وصحيفة مسيحية مدعومة من الهيئات التبشيرية، كما سمح للمسلمين بإنشاء المكاتب ودور النشر والمنظمات الإسلامية، مثل «منظمة الشباب المسلم» و«هيئة العلماء»، و«منظمة الدعوة والثقافة»، و«منظمة أنصار السنّة والجماعة».
غير أن الانفتاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في ظل العهد الجدد، حمل معه تحدّيات عديدة للمسلمين الأثيوبيين، فمن جهة هناك ضعف وقلة إمكانات وخبرة إدارية لدى الذين يتولون أمر المسلمين، خصوصاً، أعضاء الهيئة التمثيلية لديهم، وهي المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إضافة إلى تفضيل بعض هؤلاء لمصالحهم الخاصة على مصالح المسلمين العامة، ما أوجد الخلاف والفرقة التي تعاني منها الساحة الإسلامية الأثيوبية، وتعيق حركة تحقيق المطالب لديها. ومن جهة ثانية هناك تدفق للمنظمات التبشيرية المسيحية بدعم من الكنيسة، وهي تملك إمكانات مادية وإدارية ضخمة. وقد بلغ عدد المنظمات والهيئات التنصيرية التي دخلت البلاد بحجة تقديم العون والإغاثة 252 منظمة وهيئة نصرانية، وهي تعمل في الأرياف ووسط مناطق المسلمين للتأثير عليهم، في مقابل 8 منظمات إسلامية عالمية خيرية فقط تعمل هناك.
وهذه المنظمات المسيحية تقف إلى جانب الطبقة المسيحية المحلية التي كانت تستأثر بالحكم، والتي تحارب من أجل إبقاء وجه أثيوبيا مسيحياً فقط. وعلى الرغم من أن النظام الحالي يدعي بأنه لا يتدخل في أمور الدين، فإن حركة الضغط المسيحي المدعومة غربياً استطاعت أن تجره إلى مواقف في مواجهة المطالب والحقوق الإسلامية، عن طريق إعلامها القوي ومحاولة رميها بتهم التطرف والارتباط الخارجي بالمسلمين حينما يتحركون لأجل هذه المطالب.
مساجد ومدارس
إن المسلمين الأثيوبين يطغى عليهم طابع الفقر، ولكنهم حريصون على التمسك بأهداب دينهم، والحفاظ على هويتهم الإسلامية، ولذا فإنهم يكثرون من بناء المساجد والمدارس والكتاتيب، فهم يبنونها في كل قرية وحي ومدينة، كيفما استطاعوا وحسب إمكاناتهم المادية، وقد ناضلوا طويلاً من أجل إقامتها في الأماكن التي منعوا سابقاً من بنائها فيها… فهناك اليوم أكثر من 25 ألف مسجد في البلاد، القليل منها مبني بشكل لائق، وأكثرها عبارة عن أبنية متواضعة من الخشب والصفيح والطين، وحتى الخوص والحشيش… من هذه المساجد المعروفة في العاصمة.
المسجد الأنور: وهو المسجد الرئيسي في العاصمة، وقد بدأ ببنائه في عهد الاحتلال الإيطالي عام 1936، ويقع في وسط العاصمة، تبلغ مساحته الكلية 20 ألف م2، وهو مبني على الطراز الحديث، وللمسجد منارة واحدة وقبة خضراء، وهو يتسع مع ساحاته لـ40 ألف مصل أيام الجمع، ويضم المسجد مكاتب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
مسجد النور: ويقع جنوبي غربي العاصمة، تقدّر مساحته بـ2000م2، وتلحق به مدرسة ومحلات تجارية، وقد بني سنة 1911، لذلك فإن حالة بنائه غير مرضية، وهو يتسع لـ4000 مصل، يرتفع عددهم أيام الجمع إلى 10000 عبر الشارع المجاور.
مسجد شاه خوجة علي: وهو مسجد حديث العمارة جميل الطراز، بني سنة 1991 بجوار كنيسة روفائيل، وهي أكبر كنيسة في العاصمة والشارع مسمى باسمها، وقد انتظر المسلمون 16 سنة حتى سمح لهم ببنائه. مساحة المسجد تبلغ 671م2، ويتسع لعشرة آلاف مصلٍ، وله منارة عالية، وهناك خطة لبناء مدرسة داخل ساحته.
مسجد بلال: ويقع بمنطقة كولفي سفر، تبلغ مساحته 1500م2، ويتسع لألف مصلٍ ما عدا قسم النساء، وقد بني من طبقتين، وهو من أجمل مساجد العاصمة.
مسجد النصر: أنشىء سنة 1984، وعمارته ما زالت متواضعة البناء، ويصل عدد المصلين فيه إلى 3 آلاف مصل يوم الجمعة. وتوجد بجوار المسجد مدرسة إسلامية تسمى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتتكون من 11 فصلاً. وبدعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجري إقامة بناء جديد للمسجد ومعهد للأطفال، وورشة فنية للإنتاج.
مسجد «أبي ذر»: أسس عام 1972، ويقع بمنطقة مكنيسة جنوب أديس أبابا، مساحته مع الأراضي المحيطة به حوالي 21 ألف م2. وهو مؤلف من دورين تعلوه منارة عالية، ويحتوي على مدرسة للأطفال، كما تقوم في ساحته مدرسة ثانوية، ويؤم هذا المسجد الديبلوماسيون والعاملون في المنظمات الأجنبية.
مسجد الحسين بن علي (عليه السلام): وهو مسجد صغير أسس سنة 1955، مساحته 300 م2.
مسجد فاطمة الزهراء (عليها السلام): أسسه السيد محمد علي مجاهد، صاحب مطعم سبا الإسلامي داخل ساحة المطعم، وهو مسجد صغير، ولكنه حسن البناء، جميل الطراز.
مدارس
وفي أثيوبيا مجموعة من المدارس الإسلامية يطلق عليها اسم مدارس «أبي ذر الإسلامية» وهي منتشرة في العاصمة وفي مدينتي هرر ودردوا، تهدف هذه المدارس إلى تدريب الطلبة المسلمين وتعليمهم مادة التربية الإسلامية واللغة العربية كمادة أساسية، بالإضافة إلى المواد العلمية الأخرى. وفي العاصمة يوجد أربع من هذه المدارس.
مناطق توزيع المسلمين
1 ـ ولاية هرر: هي أكبر ولايات أثيوبيا مساحة، ويبلغ تعداد سكانها 7 ملايين نسمة، يمثل المسلمون منهم نسبة 95%، وهي أعرق بلاد أثيوبيا من حيث دخول الإسلام، وتطور علومه ومعارفه، توجد فيها مساجد عمرها أكثر من ألف عام، وقد برز فيها علماء كثيرون برعوا في علوم اللغة العربية والحديث والعلوم الإسلامية، وتوجد فيها أقدم مخطوطات في اللغة العربية والإسلامية، ويوجد بها الآن معهد إسلامي ضخم يضم نحو 4000 طالب يتعلمون العلوم الدينية والعصرية، وفيها مدارس ابتدائية عربية يدرّس فيها القرآن واللغة العربية.
2 ـ ولاية وللو: وتبلغ نسبة المسلمين فيها 90% من السكان، وفيها مدارس ابتدائية عربية.
3 ـ ولاية كندا: وتبلغ نسبة المسلمين فيها 90% وهي منطقة زراعية خصبة جداً، وهي مركز إنتاج البن في أثيوبيا.
4 ـ مقاطعة شوا: هي المقاطعة التي تضم العاصمة أديس أبابا، وهي واسعة المساحة، وكانت قد نشأت فيها سلطنة شوا الإسلامية عام 896م، ولكن اليوم أكثر سكانها من المسيحيين، انتقلت إليها عاصمة الإمبراطورية المسيحية عام 360م، وتبلغ نسبة المسلمين فيها 45%، وفيها مدارس ابتدائية تدرس القرآن الكريم والعلوم الإسلامية.
5 ـ مقاطعة عروس: هي بلدة إسلامية عريقة، تبلغ نسبة المسلمين فيها 90%، وبها مساجد كثيرة ومدارس ابتدائية.
6 ـ ولاية بالي: وتبلغ نسبة المسلمين فيها نحو 80%، وهي مقاطعة زراعية هامة، إذ تتوافر فيها مساحات شاسعة لرعي الماشية.
7 ـ ولاية جوما جوفا: هذه ولاية يغلب عليها المسيحيون والوثنيون، وتبلغ نسبة المسلمين فيها 30%، وقد كان محرّماً عليهم في العهد السابق إقامة مساجد لأداء شعائرهم الدينية، أو مدارس لتعليم أبنائهم.
8 ـ مقاطعة ابليانور: وكانت ضمن أراضي مقاطعة «كفا»، وتعتبر أحد مراكز زراعة البن، وتبلغ نسبة المسلمين فيها 90%، ولكن لا توجد فيها مدارس إسلامية، وفيها بعض المساجد، ومن اسم مقاطعة «كفا» جاءت تسمية القهوة (Cofee)..
9 ـ مقاطعة ولجا: وهي ولاية مسيحية تبلغ نسبة المسلمين فيها 30%، لأن المبشرين المسيحيين ركزوا جهودهم في هذه المنطقة، وتوجد فيها إرساليات ومدارس مسيحية وأكثر سكانها متعلمون.
10 ـ مقاطعة سوامو: وهي ذات أرض زراعية خصبة، أكثرية سكانها مسلمون، إذ تبلغ نسبتهم 60%، فيها مدارس ومساجد كثيرة.
11 ـ مقاطعة تندور: وتبلغ نسبة المسلمين فيها 10%، وهي جزيرة مسيحية وسط المسلمين.
12 ـ مقاطعة جوجام: هي إحدى المقاطعات الزراعية الهامة، وأكثر سكانها من الأمهرة، ويحرم على المسلمين امتلاك أي قطعة أرض في هذه المقاطعة، وقد سمح لهم مؤخراً ببناء عدد من المساجد.
13 ـ مقاطعة تجاري: هي مقاطعة مسيحية عريقة، نسبة المسلمين فيها 15%، لم يكن فيها مساجد ولا مدارس إلى وقت قريب، بينما تكثر فيها المدارس الحكومية.
وفي أثيوبيا عمل إسلامي كبير، يتمثل بـ«جمعية تحفيظ القرآن الكريم»، التي يرعاها «الشيخ محمد أول رجا» وهي تدير مئات المدارس القرآنية العربية في مختلف أنحاء أثيوبيا، وهذه تحتضن وتربي عشرات الألوف من الطلبة، ويقول الشيخ رجا: «إن هدف الجمعية هو ربط المسلمين الأثيوبيين بكتاب الله تعالى علماً وعملاً، وإحياء دور المساجد، وتشجيع أبناء المسلمين على تعلم كتاب الله، واتقان تلاوته وتجويده».
في نهاية المطاف، كان لنا وقفة مع «الشيخ محمد إبراهيم» العالم الأثيوبي الذي ينشط في التبليغ والتثقيف والتربية الإسلامية وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في العاصمة وفي مدن وقرى أثيوبية أخرى. وقد حدّثنا عن المدرسة الإسلامية التي يديرها، وعن أسلوبه في التبليغ في المساجد والمنتديات، وعن قِدَميّة التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) في بلاد الحبشة، حيث اعتبر أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو أول المذاهب التي دخلت الحبشة، وقد ذكر ابن بطوطة عندما زار الحبشة، أنه وجد في مدينة زيلع جماعة من أتباع هذا المذهب. والحبشة كانت تحتضن أتباع علي (عليه السلام) الفارين من الظلم، كما آوت الذين فروا من ظلم المشركين في عهد الرسول (ص). وقال: «إن حب آل البيت (عليهم السلام) متأصل في نفوس أهل هذه المنطقة، فتراهم يسمون أولادهم محمداً وعلياً وحسناً، وحسيناً، ويمدحون السيدة الزهراء (عليها السلام)، ولا يتوسلون إلى لله تعالى بغيرهم، أما الصوفيون فهم يلهجون ويتوسلون بالأئمة الاثني عشر كلهم.
وقد وجه الشيخ إبراهيم نداءً إلى أهل البر لمساعدته في إعادة بناء المدرسة التي أنشأها، وهي ذات بناء متواضع ومتصدّع، مع العلم أنها تضم مئات التلامذة الفقراء، وكذلك لتمكينه من بناء المسجد والمكتبة العامة الضروريين للمنطقة التي يشرف عليها.
الحجاز
فيه قبائل شيعية من حرب في الفرع في أم ضباع وغيرها وكذلك فيه قبائل شيعية في العوالي وغيرها وفيه شيعة في المدينة المنورة ومكة المكرمة والقرى المحيطة بهما وفي الطائف وفي جدة التي يوجد في حي كبير من الشيعة، وقد حكم المدينة المنورة الأمراء الحسينيون أحقاباً متطاولة وهم شيعة ولا يزال إلى اليوم من أنسالهم في المدينة منهم وخارجها في العوالي وغيرها عدد كثير.
وينتشر الإسماعيليون في المناطق الجنوبية من المملكة، وبالخصوص في نجران وتوابعها، ويسمون (المكارمة)، نسبة إلى العائلة المكرمية التي كانت تحكم نجران، والتي اشتهر منها حسن بن هبة الله المكرمي، الذي هزم السعوديين في الدرعية في بداية تسيس دولتهم الأولى. وينتسب هؤلاء إلى قبائل يام الشهيرة، والزعامة منحصرة في فرع «أبو ساق». ويقدّر عدد الإسماعيليين اليوم في جنوب المملكة بين 250 ـ 300 ألف نسمة.
وهناك عدد كبير من الزيود في نجران([571]) من قبيلة وائلة، ويسكنون زور آل حارث نجران، وهناك عدد قليل من الشيعة الاثني عشرية في منطقة نجران.
وعدا هذا فقد كان في حائل نجد عدد كبير من الشيعة طردوا منها إلى العراق وهاجروا منها إلى المدينة المنورة والحجاز بصفة عامة.
ورغم هذا بقي أعداد من الشيعة في حائل، رغم كل المصاعب، دون إعلان هوية، شأنهم شأن شيعة مدن وقرى نجد الأخرى… فهناك شيعة في الرياض وفي القصيم وفي الأفلاج والحريق، ولهم أحياء معروفة، على الأقل لدى الحكومة.
ويصعب تقديم تقديرات لعدد الشيعة اليوم في حائل ومناطق نجد الوسطى والجنوبية، ولكن ـ وقياساً لعددهم في الرياض ـ يمكن إعطاء رقم عشرة آلاف نسمة.
حجر النسر
وهو الحصن الذي أقام به الأدارسة بعد انحلال دولتهم في أوائل القرن الرابع ودافعوا عنه دفاعاً مستميتاً ضد ابن أبي العافية وأنصاره من الفاطميين ثم الأمويين ولم يبق منه اليوم سوى أطلال متلاشية.
يقع وسط قبيلة سوماته بالريف.
حجية المفاهيم
عند المذاهب الإسلامية
لا شك أنّ للفظة «المفهوم» وجوداً بارزاً في عالم الإنسان، إذ كثيراً ما يسترسل الناس في أحاديثهم ومسامراتهم فيتخلل من بين عبائرهم هذه اللفظة. كما وأنّ لها وجوداً في أذهان البشر، فتراهم يكتبون عن «المفاهيم» والقيم تارةً، ويتحدثون في خطبهم عن «مفهوم» الأشياء المألوفة وغير المألوفة تارةً أخرى، ويتخاطبون بالمفهوم من النظريات والدراسات الحديثة والقديمة تارةً ثالثة… ومن هنا أصبحت لهذه اللفظة معانٍ عديدة ينبغي الوقوف عليها والإشارة إليها ولو اختصاراً.
والحقيقة أنّ كلمة «المفهوم» تطلق على ثلاثة معانٍ بلحاظها العام:
1 ـ المعنى المدلول للفظ الذي يفهم منه أي أنه يساوي ويرادف كلمة «المدلول» سواء كان ذلك مدلولاً لمفرد أو لجملة، حقيقياً مجازياً، ظاهراً أو نصّاً محكماً أو غير محكم.
2 ـ كل معنى يفهم وإن لم يكن مدلولاً للفظ، أي ما يقابل المصداق في الواقع، وبهذا فهو يعم المعنى الأول.
3 ـ وهو ما يقابل المنطوق، وبهذا يكون أخص من الأولين. وهو المقصود بالبحث هنا. إذ لا يعنينا المعنيان الأوليان بقدر ما يعنينا الثالث، لكونه مصطلحاً تعارف عليه الأصوليون، وبنوا عليه أساسهم في مباحثهم ودراساتهم في هذا المجال([572]).
دلالة المنطوق
وقبل الخوض في دلالة المفهوم وتعريفه، لنعرج قليلاً على دلالة المنطوق نفسه، وما المقصود عند الأصوليين منه، لتتضح لنا الرؤية الكاملة لدلالة المفهوم ومقصوده عندهم.
فالمراد من دلالة المنطوق هنا هو دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم مذكور في الكلام، سواء كانت دلالة اللفظ على الحكم الملفوظ به بنحو الحقيقة أو المجاز: فمثال الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوا}([573]). حيث دل الكلام المركب بمنظومه على جواز البيع وتحريم الربا بنحو الحقيقة، ومثال الثاني قوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}([574]) فدل على وجوب التيمم عند عدم الماء ووجود الجنابة المعبر عنها باللمس مجازاً.
وهذا هو ما أراده الأصوليون من تعريف المنطوق بأنه حكم دلَّ عليه اللفظ في محل النطق([575]). وهو المشهور.
وقد أشكل عليه الآمدي فقال: «أما المنطوق فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ في محل النطق، وليس بصحيح، فإنَّ الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولا يقال لشيء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق ما فهم من دلالة اللفظ قطعاً في محل النطق، وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله (ص): «في الغنم السائمة «زكاة» وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ}([576]) إلى نظائرها»([577]).
وربما صح ما قبل في تعريفه: هو ما يدل على اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق حاملاً لذلك المعنى وقالباً له، فيسمى المعنى منطوقاً تسمية للمدلول باسم الدال([578]).
وعليه؛ فيمكن القول بأنّ المنطوق يختص بالمدلول المطابقي وإن كان المعنى المنطوق بنحو المجاز قد استعمل بقرينة.
ولعل سؤالاً يبرز هنا وهو: هل يختص المنطوق بدلالة المطابقة، أو يعم دلالة التضمن أو الالتزام؟
والجواب: أنَّه تقدم في تعريفه بأنَّه تخصيص الحكم بالذكر حيث يفهم من لفظ الجملة مباشرة وبلا قرينة مساعدة أو إشارة مقارنة له. ومعنى هذا أنَّ المنطوق يختص بما دلت عليه الجملة بالمطابقة لا بالتضمن ولا بالالتزام.
لكن من الجمهور من عمَّم دلالة التضمن في اختصاص المنطوق به، أي أنّ دلالة المنطوق ـ ويعرف بدلالة اللفظ ـ تشمل نوعين من الدلالة: أحدهما: المطابقية، وهي دلالة اللفظ على تمام معناه، وثانيهما: الدلالة التضمنية، وهي دلالة اللفظ على جزءِ معناه، ذلك لأنَّ الدلالتين أساسهما اللفظ، يؤخذ من عبارته معناه، لكن تارةً تمام معناه كدلالة لفظ «إنسان» على حيوان ناطق، ودلالة لفظ «بيت» على مجموعة من أبواب وشبابيك وجدران وسقف و… و…، وتارةً جزء معناه كدلالة لفظ «إنسان» على حيوان فقط أو ناطق فقط، ودلالة لفظ «بيت» على جزء منه كالسقف مثلاً([579]).
ثم إنّ اللفظ إذا دلّ على المعنى بمنطوقه فتارةً يكون المنطوق واحداً، بمعنى أنَّ اللفظ لم يستعمل إلا في معنى واحد، وحينئذٍ لا خلاف بين العلماء في أنّ اللفظ يحمل على هذا المعنى عند الإطلاق ما دام لم يوجد في القرائن ما يمنع من حمله عليه، سواء كان المعنى شرعياً أو عرفياً ولغوياً.
وتارة يكون المنطوق متعدداً، بمعنى أنّ اللفظ قد استعمل في معانٍ عدَّة بعضها شرعي، وبعضها عرفي، وآخر لغوي وشاع استعماله فيها، وقد اختلف العلماء فيما يحمل عليه اللفظ على أقوال:
الأول: أن يحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم المعنى اللغوي. وبه قال العلاَّمة البيضاوي([580]) ووجهة قوله أنّ مقصود الشارع هو بيان الشرعيات دون العرفيات واللغويات، فيحمل اللفظ على ما يقصده الشارع منه، ومثاله: قوله (ص): «في الغنم السائمة زكاة»([581]) فيحمل على الزكاة الشرعية دون الزكاة اللغوية.
الثاني: أنَّه لا يحمل على أي واحد من هذه المعاني، بل يكون مجملاً ويتوقف حمله على أحدها بالخصوص حتى تقوم القرينة عليه. ووجهة هذا القول: أنَّ اللفظ قد استعمل في كل منها ولا قرينة ترجح أحدها بالخصوص، فحمله على أحدها إنّما هو ترجيح بلا مرجح وهو باطل. حكاه الآمدي([582]).
الثالث: أنّ اللفظ إذا وقع في الإثبات حمل على المعنى الشرعي، وأما إذا وقع في النفي أو النهي فإنّه يكون مجملاً. مثال الأول: قوله (ص) لإحدى أزواجه وقد دخل عليها نهاراً: «هل عندكم طعام؟ قالت: لا، فقال: إني إذاً أصوم»([583]). ومثال الثاني: قوله أيضاً (ص): «لا تصوموا يوم الفطر»([584]). وبه قال الغزالي([585]).
ووجهته في هذا التفصيل أن اللفظ في جانب الإثبات قد وجد المقتضى لحمله على المعنى الشرعي وهو أنّ مقصود الشارع المقدس بيان الشرعيات دون اللغويات، ولذلك حمل لفظ «الصوم» في الحديث المتقدم على الصوم الشرعي الذي هو الإمساك عن المفطرات. وأمّا في جانب النهي فإنّ المقتضي موجود إلا أنّ من حمل اللفظ على المعنى الشرعي قد وجد أيضاً وهو أنّ حمل اللفظ على المعنى الشرعي يقضي بأن يكون المنهي عنه صحيحاً؛ لأنَّ النهي عن الشيء فرع تصور وقوعه، ولا يتصور وقوع المعنى الشرعي إلا صحيحاً، ومتى كان الشيء صحيحاً لم يصح النهي عنه، فكان النهي مانعاً من حمل اللفظ على المعنى الشرعي لوجود التنافي بين الصحة والنهي([586]).
الرابع: أنّ اللفظ إذا وقع في الإثبات حمل على المعنى الشرعي كما قاله الغزالي، لكن إن وقع في جانب النهي حمل على المعنى اللغوي، لأنّ حمله على المعنى الشرعي باطل بتعليل الغزالي السابق. ومن هنا يجب أن يحمل حينئذٍ على المعنى اللغوي، لأنّ عدم حمل اللفظ عليه يجعل التكلّم به لغواً، وبذلك تكون القرينة المرجحة لحمله على المعنى اللغوي موجود وهو صحة التكلم به. وبه قال الآمدي([587]).
قال الأستاذ محمد أبو النور زهير([588]): ما قاله كل من الآمدي والغزالي من أنَّ المانع من حمل اللفظ على المعنى الشرعي في النهي هو كون النهي يقتضي صحة المنهي عنه، غير صحيح؛ لأنه مبني على أنَّ النهي يقتضي صحة المنهي عنه، وهو مرجوح لم يقل به الجمهور، بل إنّ الغزالي والآمدي لم يقولا به، فكيف يبني كلُّ منهما قوله على شيء لم يقل به؟!([589]).
دلالة المفهوم
وبعد أن تمَّ الكلام في بيان المنطوق وتعريفه اتضح معنى المفهوم، وهو الذي يقابله كما تقدم([590]). أنَّ المنطوق ـ كما تقدم ـ هو حكم دلَّ عليه اللفظ في محل النطق، فالمفهوم الذي يقابله: هو حكم دل عليه اللفظ لا في محل النطق، بل في محل السكوت.
ولا خلاف بين الأصوليين المسلمين في تعريفه وإن اختلفت تعبيراتهم له، لكن منهم من اعتمد الدقّة في بيانه، ومنهم من حرص على البيان العام له من غير مداخلات فيه، وقد أخذ به علماء المسلمين كلهم إلا الظاهرية([591]).
فعن ابن الحاجب المالكي في المنتهى قال: المفهوم ما دل على اللفظ في غير محل النطق([592]). وزاد القاضي في شرحه على مختصر المنتهى على هذا التعريف: بأن يكون حكماً لغير المذكور، وحالاً من أحواله([593]).
وعن الآمدي الشافعي قال: المفهوم ما فهم من اللفظ في غير محل النطق والمنطوق وإن كان مفهوماً من اللفظ، أنَّه لما كان مفهوماً من دلالة اللفظ نطقاً خص اسم المنطوق وبقي ما عداه معرفاً بالمعنى العام المشترك تمييزاً بين الأمرين([594]).
وعن صفي الدين الحنبلي في تعريفه للمفهوم قال: هو المستفاد من فحوى الألفاظ وإشاراتها([595]). لكن عند أبي البقاء في شرحه: هو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ([596]). وفي المدخل مذهب أحمد: هو ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق([597]).
وعن الشيعة فيما أورده الشيخ مغنية: المراد بالمفهوم هنا هو دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم غير مذكور في الكلام؛ لوجود الملازمة البينة الواضحة بين هذا الحكم المفهوم وبين الجملة الملفوظ بها بحيث يستدل بوجودها على وجوده عند الإطلاق وتجرّد الكلام من كل القرائن([598]).
ثم قال: وهذا هو المراد من تعريف المفهوم بأنَّه حكم دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق([599]). وهو التعريف الذي ذكره الشيخ المظفر في كتابه([600]).
سؤال يطرح نفسه: قد مرَّ أن المنطوق مختص بدلالة المطابقة، لكن حين الكلام بالمفهوم، فهل يختص هو أيضاً بالدلالة المطابقية أم لا؟
الجواب: أنَّه ذكرنا عند الكلام في المنطوق ومقصودهم منه: أنَّه ما يدلّ عليه اللفظ في حدّ ذاته على وجهٍ يكون اللفظ المنطوق به حاملاً لذلك المعنى وقالباً له. وعندئذٍ يسمى المعنى منطوقاً تسميةً للمدلول باسم الدالّ. ولذلك كان اختصاص المنطوق بالمدلول المطابقي فقط، وعليه فالمفهوم الذي يقابله هو ما لم يكن اللفظ حاملاً له، دالاً عليه بالمطابقة، بل يدلّ عليه باعتباره لازماً لمفاد الجملة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص، ولذلك كان اختصاص المفهوم بالمدلول الإلتزامي.
يقول الدكتور عبد الهادي الفضلي: المفهوم هو المدلول الالتزامي للجملة، وشرحه: أنّه يراد من المدلول الالتزامي هنا المعنى الذي يدل عليه بالدلالة الالتزامية التي هي نوع من أنواع الدلالة الوضعية اللفظية، كقولنا: «إذا نمت فقد انتقض وضوؤك» فإن المدلول الالتزامي لهذه الجملة هو: إذا لم تنم فلا ينتقض وضوؤك([601]).
ومثاله أيضاً قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنَهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}([602]) إنّه يدل بالدلالة الالتزامية أنّه حينما تأمنه على الدينار والدرهم فإنّه يؤده إليك أيضاً.
وهذا أيضاً لا نزاع فيه بين الأصوليين في كون المفهوم يختص بالمدلول الالتزامي.
فعن أبي البقاء الفتوحي الحنبلي قال في شرحه: دلالة المفهوم كلها بالالتزام، بمعنى أنّ النفي في المسكوت لازم للثبوت في المنطوق ملازمة ظنية لا قطعية([603]).
وقال الأستاذ محمد أبو النور زهير الشافعي: دلالة المفهوم هي دلالة اللفظ على المعنى لا في محل النطق بل في محل السكوت، وتعرف بالدلالة المعنوية كما تعرف بالدلالة الالتزامية، وهي دلالة اللفظ على لازم المعنى، كدلالة لفظ «إنسان» على الكتابة أو الضحك([604]).
استفادة الحكم من المفهوم مطلقاً
لا شك أنّ الكلام إذا كان له مفهوم يدل عليه فهو ظاهر فيه، فيكون حجّةً من المتكلم على السامع وبالعكس، كسائر الظواهر الأخرى. ومنه يظهر جهة استفادة الحكم من المفهوم مطلقاً، وهذا لا خلاف فيه، وإنّما الخلاف في مبنى استفادة هذا الحكم من المفهوم مطلقاً، أي أن الأصوليين اختلفوا في مآخذهم بحجية المفهوم على أقوال:
الأول: اللغة (اللفظ)، قال القرافي: هو المشهور، والنقل بذلك ثابت عن بعض أئمة اللغة([605])، ونحوه الأبياري([606])، وبه قطع أبو المعالي الشافعي إمام الحرمين في البرهان وقال: فإنّ اللفظ لا يشعر بذاته دائماً، وإنّما دلالته. ولا شك أن العرب لم تضع اللفظ ليدل على شيء مسكوت عنه، لأنه إنّما يشعر به بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز([607]). بل إنّ ابن الحاجب ادعى القطع بصحة قبول الآحاد في ذلك([608]).
الثاني: الشرع، والقائلون بذلك تمسكوا بظواهر وأخبار وردت عن الصحابة في فهم آي وأخبار تقتضي اعمال المفهوم، كما فهم بعضهم ذلك من قوله (ص): «إنّما الماء من الماء» و«إنّما الربا في النسيئة»([609]).
الثالث: العقل، وهو النظر إلى فوائد التخصيص، وأنّه لا فائدة في مخالفة المسكوت عنه للمنطوق به([610]).
أقسام المفهوم
المفهوم ضربان: أحدهما مفهوم الموافقة، والآخر مفهوم المخالفة.
مفهوم الموافقة: وهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقاً لمدلوله في محل النطق نفياً أو إثباتاً. أي إنّ حكم غير المذكور يوافق الحكم المذكور، بأن كان الحكم المذكور الوجوب ـ مثلاً ـ كان حكم غير المذكور ـ حكم المفهوم ـ الوجوب أيضاً، وهكذا. وقد يسمى بلحن الخطاب وفحوى الخطاب كما عند المالكية([611])، ودلالة النص عند الحنفية([612])، ودلالة الاقتضاء والقياس الجلي([613]).
وهو حجة، بلا خلاف عند جميع المذاهب، وبه أخذ علماء المسلمين، إلا الظاهرية فقد أنكرته([614]).
في شرح التنقيح للقرافي: لحن الخطاب هو دلالة الاقتضاء، وهو دلالة اللفظ التزاماً على ما لا يستقل الحكم إلا به وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعاً، نحو قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ}([615]) تقديره: فضرب فانفلق، وقيل: هو فحوى الخطاب، والخلاف لفظي([616]).
ثم قال: تنبيه الخطاب هو مفهوم الموافقة عند القاضي عبدالوهاب ـ من المالكية ـ أو المخالفة عند غيره، وكلاهما فحوى الخطاب عند الباجي، فترادف تنبيه الخطاب وفحوى الخطاب ومفهوم الموافقة لمعنى واحد، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق أولى([617]).
وعن ابن عابدين الحنفي قال: اعلم أنّ المفهوم قسمان: مفهوم موافقة هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق لمسكوت عنه بمجرد فهم اللغة، أي بلا توقف على رأي أو اجتهاد، كدلالة: {فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ} على التحريم والضرب و… و… ([618]).
وفي حاشية مختصر الحسامي: ينقسم المفهوم عند الشافعية إلى قسمين: الأول: مفهوم موافقة وهو أن يفهم من اللفظ حال المسكوت عنه على وفق المنطوق، وهذا ما سميناه: دلالة النصّ([619]).
وعن الآمدي الشافعي في كتابه: المفهوم ما يسمى مفهوم الموافقة وما يسمى مفهوم المخالفة. أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقاً لمدلوله في محل النطق، ويسمى أيضاً فحوى الخطاب ولحن الخطاب، ومنه قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}([620]) أي في معناه([621]).
وفي أدب القاضي: المفهوم ضربان: أحدهما ما فهم صريح لفظه كقوله تعالى في تحريم المناكح: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}([622]) الآية، والثاني ما فهم بمخرج خطابه مثل قوله تعالى في تحريم الخمر والقمار: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}([623]) فدل وضع الخطاب على تحريمه([624]).
وعن ابن اللحام الحنبلي قال: المفهوم على قسمين: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، فأمّا مفهوم الموافقة فهو أن يكون المسكوت عنه موافقاً في الحكم للمنطوق وأولى منه، واختلف في دلالته، فقال القاضي ـ الحنبلي ـ والحنفية والمالكية وجماعة من المتكلمين، واختاره ابن عقيل وذكره عن أصحابنا([625]).
وعن الشيخ المظفر في كتابه قال: مفهوم الموافقة: ما كان الحكم في المفهوم موافقاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، فإن كان الحكم المنطوق الوجوب كان في المفهوم الوجوب أيضاً، وهكذا، كدلالة الأولوية في مثل قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ} على النهي عن الضرب والشتم للأبوين، ونحو ذلك مما هو أشد إهانةً وإيلاماً من التأفيف المحرَّم بحكم الآية([626]).
أنواع مفهوم الموافقة
ثم إنَّ لهذا المفهوم ثلاثة أنواع ذكرها الأصوليون، واختلفوا في اعتبارها وهي:
1 ـ التنبيه بالأقل على الأكثر، كدلالة قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}([627]) على حكم ما وراء الذرة، وقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ} دل على حرمة الضرب والشتم ونحوهما لأنهما أولى بالتحريم من التأفيف، لأنَّ الإيذاء فيهما أشد من الإيذاء بالتأفيف، وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنَهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}([628]) فإنّه نبّه على النهي عن الائتمان بأكثر من دينار، ولا خلاف فيه.
2 ـ التنبيه المساوي، وهو كون العلة في المنطوق والمفهوم بمنزلة سواء، كدلالة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً}([629]) على حرمة إحراقها ـ مثلاً ـ أو إتلافها. وهو خلاف ابن الحاجب، حيث اعتبر المفهوم الموافق هو الأول فقط([630]).
3 ـ التنبيه بالأكثر على الأقل كدلالة قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} على حكم ما تحت القنطار.
قال القاضي الباجي المالكي: القسم الثاني من معقول الخطاب، فحوى الخطاب ـ أي مفهوم الموافقة ـ وهو ما يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلمين بعرف اللغة، نحو قوله تعالى: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} فهذا يفهم منه من جهة اللغة: المنع من الضرب والشتم، ومنه قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ فَآئِمَّا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا في الأُمِيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فنص على القنطار ونبّه على ما دونه، ونص على الدينار ونبه على ما فوقه، وهذا الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء من أصحابنا، وبه قال القاضي أبو محمد([631]).
وقال الإمام أبو زهرة: لحن الخطاب وهو ما يسمى دلالة النص أو دلالة الأولى أو مفهوم الموافقة أو القياس الجلي على حد تبير بعض الفقهاء، هي إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق أولى، وهي قسمان: أحدهما إثباته في الأكثر، إذ يثبت لأن الكثرة تزيد الحكم قوةً مثل: {فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ} فإنّ ذلك يشمل الضرب، وثانيهما إثبات الحكم في الأقل مثل: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}([632]).
وفي الجواهر الثمينة: إنّ المفهوم إمّا مساوٍ لحكم المنطوق أو أولى منه، وليس لهم مفهوم أدون([633]).
وعند الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي: إنَّ الحكم في المسكوت عنه أولى به في المنطوق، ومن ثم نرده لو كان مساوياً([634]).
مفهوم المخالفة: وهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفاً لمدلوله في محل النطق المذكور في السلب والإيجاب لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في المنطوق، أي إنَّ حكم هذا مخالف لحكم ذاك، ومثاله: قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً}([635]). فإنَّ تخصيص الحكم بالمتعمّد يدل على نفي الحكم عن غير المتعمد. وقد يسمى بدليل الخطاب، وهو الذي يطلق الفقهاء عليه اسم «المفهوم» في الأكثر([636]).
وهو حجة عند مالك والشافعي وأحمد وأكثر الحنابلة([637]). خلافاً لأبي حنيفة وبعض الحنابلة([638]).
ثم إنّ المفهوم المخالف ينقسم بلحاظ القيود المأخوذة في المنطوق إلى أقسام، أنهاها بعضهم إلى عشرة، لكن المشهور عند الأصوليين ستة:
1 ـ مفهوم الشرط: وهو ثبوت نقيض الحكم المنطوق المعلق على شرط أو المقترن بشرط عند عدم وجود الشرط، مثل: «من تطهر صحت صلاته» فدل بالمفهوم المخالف على عدم صحة صلاة من لم يتطهر، ومثل قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}([639]) فالنص يستفاد منه الإنفاق على المطلقة المعتدة، فقيّد بما إذا كانت حاملاً، وبدلالة مفهوم المخالفة أنها إذا لم تكن حاملاً فإنه لا نفقة لها، وبذلك نأخذ بمفهوم الشرط، فلا تجب عنده نفقة المعتدة إلا إذا كان الطلاق رجعياً أو إذا كانت المعتدة حاملاً إلا الحنفية إذ لم يأخذوا بالمفهوم المخالف مطلقاً، وأوجبوا النفقة لكل معتدة من طلاق، إلا إذا أسقطتها الزوجة بإبرائها له من حق المطالبة.
سؤال يطرح نفسه: إنّ في بعض الموارد يكون مفهوم الشرط لا معنى له، بنحو قولهم: «إن رزقت ولداً فاختنه» فإنّ دلالة مفهوم المخالفة أنّه لو لم ترزق ولداً فلا تختنه! وهو قول لا معنى له ولا يمكن تصوره بحال. وكما في قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}([640]) فبناء على القول بأنّ للشرط مفهوماً ما لزم جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، واللازم باطل كما هو واضح!
الجواب: إنَّ الجملة الشرطية على نحوين:
أ ـ أن تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، أي أنَّ المقدم من الجملة هو نفس موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطاً بالشرط في المقدم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه. وقد اتفق الأصوليون على أنَّه لا مفهوم لهذا النحو من الجمل الشرطية.
ب ـ أن لا تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطاً بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه. وهذا النحو هو موضوع ادعاء بعض جمهور الأصوليين بأن لها مفهوماً كالشيعة والشافعية وإمام الحرمين وأبي بكر الرازي وإليه ذهب البيضاوي([641])، ونفاه آخر كأبي حنيفة والمحكي عن مالك واختاره أبو بكر الباقلاني والغزالي من الشافعية([642]).
فاتفاق الأصوليين على أنه لا مفهوم للنحو الأول من الجملة الشرطية «لأن انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدم إلا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، ولا حكم حينئذٍ بالانتفاء، بل هو انتفاء الحكم»([643]) وعليه فلا مفهوم للشرطية في المثالين الواردين في السؤال.
وبالجملة: إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم إنّما يتوقف على أمرين:
الأول: دلالتها على الارتباط والملازمة بين المقدّم والتالي، على أنّ التالي معلّق على المقدّم وتابع له، فيكون المقدّم سبباً للتالي.
الثاني: دلالتها على انحصار السببية في المقدّم، بمعنى أنَّه لا سبب بديل له يترتب عليه التالي.
2 ـ مفهوم الوصف: هو دلالة لفظ ما مقيّد بصفة على انتفاء الحكم عن غير الموصوف بتلك الصفة. فوجود الصفة المقيّدة للمنطوق يثبت الحكم بما جاء به لفظ المنطوق، فإذا تخلّف هذا الوصف يثبت نقيض الحكم. مثاله: قوله تعالى: {وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}([644]) فقد أفاد المنطوق بحلية نكاح الإماء بأن تكون مؤمنات، وبمفهومه ـ على القول به ـ على حرمة نكاح الإماء غير المؤمنات.
لكن السؤال هنا: ما المقصود بالوصف هنا؟
إنّ المقصود بالوصوف هنا هو ما يعم النعت وغيره، فيشمل الحال والتمييز والمضاف والظرف والجار والمجرور ونحوها مما يصلح أن يكون قيداً لموضوع التكليف.
ثم إنّ المراد بالوصف إذا اشتمل على شرطين:
الأول: أن يكون أخص من الموصوف، نحو: «في سائمة الغنم «زكاة» و«أكرم رجلاً عالماً» فإنّ كلاً من «الغنم» و«الرجل» له أكثر من وصف، وذكر الوصف الواحد بالخصوص إنّما هو تضييق من مدلول الموصوف وتحديد في دائرته العامة.
فلو كان الوصف مساوياً للموصوف أو أعم مطلقاً فسيكون خارجاً عن محل الكلام هنا. حيث فيهما ينتفي الموصوف بانتفاء الوصف، ومن ثم لا يبقى للمفهوم مكان.
فمثال الأول: أكرم زيداً أخاك، ومثال الثاني: أرفق بزيد لأن له كبداً رطبة.
الثاني: أن يعتمد الوصف على موصوف، مثاله: قوله تعالى: {إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}([645]) فلا يشتمل ما إذا كان الوصف نفسه موضوعاً للحكم، إذ أنّه سيخرج عن مفهوم الوصف ويدخل في مفهوم اللقب، نحو قوله عزّ وجلّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا}([646]). هذا وزاد البيضاوي شرطاً ثالثاً في الوصف، هو: كون اتصاله بالموصوف، فلا يصح الفصل بينهما في الزمن([647]).
ثم إن مما لا شك فيه ولا خلاف: أن الوصف يستعمل مع القرينة في الكثير من المعاني المتداولة عند الناس عامةً، من ذلك الذم والهجاء، نحو: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أو المدح والثناء نحو: «بسم الله الرحمن الرحيم» وتتمثل القرينة هنا بعلم المخاطب بحال الموصوف، أو التوكيد نحو: «لا تتخذوا إلهين اثنين» وغيرها من الاستعمالات التي لا عد لها ولا حصر مثل: «أمس مات رجل عالم» و«رأيت اليوم رجلاً قصيراً»… فلا شك عند وجود القرائن الخاصة يدل التقييد بالوصف على المفهوم.
لكن اختلف الأصوليون في حالة تجرد القضية عن القرائن الخاصة، فإن مجرد التقييد بالوصف هل يدل على المفهوم؟
وبعبارة أخرى: في الجملة المقيدة بالوصف بلا قرينة خاصة، هل ينتفي حكم الموصوف عند انتفاء الوصف، أو لا؟ وأن هذا الانتفاء يفتقر إلى دليل مستقل؟
ذهب إلى الأول الشافعي وأحمد ومالك والأشعري وإمام الحرمين أبو المعالي([648])، واختاره البيضاوي([649]).
وقال بالثاني جمهور الحنفية وبعض الشافعية كالغزالي وابن سريج والقاضي أبي بكر بن الطيب وجماهير المعتزلة واختاره الآمدي([650]). وهو المشهور بين الأصوليين من الشيعة، إذ «أن الوصف بما هو لا مفهوم له ولا يحتج به إلا بقرينة تدل عليه، لأن الوصف ظاهر كالشمس في أنّه قيد للموضوع لا للحكم، فقول الشارع مثلاً: المرأة المدخول بها أو الحائض أو اليائس حكمها كذا وكيت، وقوله: الرجل الغني أو الفقير يفعل ذا ويترك ذاك… كل هذه الصفات وما إليها قيود لموضوعات الأحكام»([651]).
فإذا انتفى الوصف انتفى موضوع الحكم المختص بالموصوف تبعاً له، أما نفي نوع الحكم عن غير هذا الوصف فسوف يحتاج إلى دليل، كما هو الشأن في مفهوم اللقب، كما سيأتي.
مثاله: رجل له ثلاثة أولاد: زيد وعمر وبكر، ثم قال: أكرموا زيداً، فإن وجوب هذا الإكرام المخصص لزيد إنما ينتفي بموت زيد مثلاً، أمّا نفي الإكرام عن عمرو أو بكر فلا يستفاد من قوله: «أكرموا زيداً»، بل يستفاد من دليل آخر مستقل، إذ لو دلّ على ذلك للزم أن يكون قول القائل: «محمد رسول الله» كفراً! ذلك لأن يدل على نفي رسالة غيره من الرسل، وهو كفر كما هو واضح.
ولقد استدل المثبتون لمفهوم الوصف بأدلة عديدة، وقام النافون له بالرد عليها، ردّاً مسهباً في بعضها ومقتضباً في آخر، نتركه لمظانه([652]).
3 ـ مفهوم الغاية: اعتاد الأصوليون في بحثهم عن الغاية أن يبحثوا عن جهتين اثنتين.
الأولى: تتناول المنطوق دون المفهوم.
الثانية: في دلالة المنطوق على المفهوم، وهو موضوع بحثنا هنا، لكن لا بأس بالتعرض للأول للفائدة.
وقبل الكلام في البحث ثمة سؤال يطرح نفسه قبل كل شيء: ما معنى الغاية؟
الجواب: إنّ لكلمة «الغاية» عدّة معانٍ: منها: المسافة، تقول: «سافرت من البصرة إلى بغداد» فيستفاد منه أن مسافة السفر تبتدىء من البصرة لغاية بغداد، ومنها: الفائدة كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}([653]) فيستفاد أن القتال إنّما أبيح لفائدة وهي منع الفتنة في الدين، ومنها: الانتهاء مقابل الابتداء نحو قوله تعالى: {أَتِمُّواْ الْصِّيَامَ إِلَى أللَّيْلِ}([654]). وهو المعنى المراد بالبحث هنا.
ومن الأدوات الدالة عليه: إلى، حتى.
الجهة الأولى: تتناول دخول الغاية في المنطوق، أو في تعبير الأصوليين: دخولها في حكم المغيّى، وخلاصته: أنّ التقييد بالغاية إذا تجرد عن القرينة، هل يدل على أنّ حدّ الانتهاء الذي دخلت عليه الأداة هو جزء من المحدود المذكور وداخل فيه، أو يدل على خروجه منه، أو لا دلالة في القيد بالغاية أصلاً؟
وقد اختلفت أجوبة الأصوليين على ذلك، فمنهم من قال بوجود هذه الدلالة مطلقاً، سواء كان ما بعد الأداة من جنس ما قبلها أو لم يكن، مثال الأول: «أكلت السمكة حتى رأسها» ومثال الثاني: قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}([655])، ومنهم من نفى هذه الدلالة مطلقاً من غير فرق بين كون الأداة «إلى» أو «حتى»، وآخر من ذهب إلى التفصيل بين كون الأداة «حتى» فيدخل في حكم المغيّى وبين كونها «إلى» فلا يدخل فيه، ورابع من فصل الجنس الواحد والجنسين.
لكن الظاهر من كلمات بعض الأصوليين وإليه ذهب الشيعة في أنَّه «لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيى ولا في عدمه، بل يتبع ذلك الموارد والقرائن الخاصة الحافة بالكلام»([656]).
فإذا وجدت القرينة على الدخول أو الخروج يعمل بها، فمثال الدخول قولك: «قرأت القرآن من أوله إلى آخره» والقرينة هنا كما هو ظاهر سياق الكلام المتعارف، ومثال الخروج قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فالقرينة هو الإجماع في أن الصيام في النهار دون الليل.
السؤال هنا: لو تجرّد الكلام بنحوٍ يستوي في الاحتمالات، مثل قولك: «نمت البارحة إلى الصباح» فما العمل؟
الجواب: في هذه الحالة يجب التوقف؛ لأنّ التعيين هنا ترجيح بلا مرجّح.
الجهة الثانية: وهو موضوع البحث هنا في دلالة المنطوق على المفهوم، فهل يدل التقييد بالغاية في حالة تجرّدها عن القرينة على انتفاء سنخ الحكم عما وراء الغاية ومن الغاية نفسها أيضاً إذا لم تكن داخلة في المغيى أم لا؟ كما في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ}([657]) فقد حدّدت الآية الشريفة حكم ما قبل الكعبين بأن أوجبت مسحه، ولكن لم تذكر صراحة حكم ما بعد الكعبين.
وقد اختلفت الأصوليون على قولين: فعلى فرض وجود هذه الدلالة ينتفي الحكم عما عدا المذكور بنص الشارع مفهوماً، وعلى فرض عدمها لا ينتفي الحكم، ولا يثبت إلا بدليل خاص يدل عليه.
وإلى القول الأول ذهب جمهور المسلمين من الأصوليين، بل وقال به من لم يقل بمفهوم الوصف والشرط([658])، إلا الحنفية ومعهم بعض الفقهاء فإنّهم لم يأخذوا به وذهبوا إلى القول الثاني([659]).
4 ـ مفهوم الحصر: «الحصر» لغةً يأتي على معانٍ عديدة، منها: الضيق يقال: حصره فلان أي: ضيق عليه وأحاط به، ومنها: الانقباض يقال: حصر الرجل إذا ضاق صدره وانقبض، ومنه قوله تعالى: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}([660]). أي ضاقت وانقبضت، ومنها: الاحتباس قال تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينِ حَصِيراً}([661]) أي: حابساً([662]).
وعند الأصوليين هو قصر الشيء واختصاصه بالمذكور، وإثبات نقيضه لسواه. وله أدوات وهيئات كثيرة، أهمها:
أ ـ إلاّ، وتأتي لثلاث وجوه: تارة صفة بمعنى «غير»، وتارة استثنائية، وثالثة ملغاة عندما يسبقها نفي. فأما الوصفية فهي تقع وصفاً لما قبلها كسائر الأوصاف، ومن هنا فهي تدخل في مفهوم الوصف قلنا: أن للوصف مفهوماً، وإلا فلا. وأما الاستثنائية فلا شك في دلالتها على المفهوم، وعليه الجمهور، وأما الحصر بعد النفي نحو: «لا صلاة إلا بطهور» فهي في الحقيقة أحد أنواع الاستثنائية.
وبالجملة، فإنّ «إلا» الاستثنائية تدل بالوضع اللغوي أو الظهور العرفي على أن حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه في الإيجاب والسلب.
ب ـ إنّما، وهي أقوى في الدلالة من «إلاّ» على اختصاص الشيء وحصره، فإذا استعملت في حصر الحكم في موضوع ما دلّت بالملازمة على انتفائه عن غير ذلك الموضوع، وعليه جمهور النحاة والفقهاء، إلا الحنفية فقالوا: إنّه إثبات فقط ولا يدلّ على الحصر، فمعنى «إنّما زيد قائم» لـ«إن زيداً قائم»([663]).
ج ـ بل، وتستعمل في وجوه ثلاثة:
الأول: للدلالة على أنّ المضروب عنه وقع على نحو الغلط، مثل قولك: «جاء زيد بل عمرو»، ولا دلالة لها حينئذٍ على الحصر.
الثاني: للدلالة على تأكيد المضروب عنه وتقريره، نحو قولك: «زيد عالم بل شاعر» ولا دلالة لها أيضاً على الحصر.
الثالث: للدلالة على الردع وإبطال ما ثبت قبلاً مثل قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ}([664]). وهي تدل على الحصر حينئذٍ فيكون لها مفهوماً.
د ـ الحصر باللام الاستغراقية، فقد قيل: إنّ الحصر بها تماماً كالحصر بـ«إنّما» فلا فرق بينهما إطلاقاً، كما تقول: «إنّما الأعمال بالنيات» تقول: «الأعمال بالنيات»([665]).
هـ وهناك هيئات غير الأدوات تدل أيضاً على الحصر، مثل: تقدم المفعول نحو قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}([666]).
5 ـ مفهوم العدد: وقد اختلف الأصوليون في مفهوم العدد، فإذا خصص الحكم بعدد معين وقيّد به، مثل قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}([667])، فهل يدل اللفظ على نفي الحكم عن غير هذا العدد المقيّد به أو لا يدل على ذلك؟ على ثلاثة أقوال.
الأول: بالإيجاب بأن تخصيص الحكم بعدد معين يدل على نفيه عن غيره من الأعداد مطلقاً، وإليه ذهب الشافعي كما نسب إليه([668]).
الثاني: بالنفي مطلقاً، واختاره البيضاوي وإمام الحرمين وأبو بكر الباقلاني([669]).
الثالث: وذهب المحققون إلى أنّه ليس بحجة مطلقاً إلا بدليل منفصل، فإن تخصيص الحكم بعدد معين لا يدل باعتبار ذاته ـ بقطع النظر عن القرائن الخارجية ـ على حكم في العدد الزائد عن العدد الذي قيّد به الحكم، وكذا الناقص، ولكنه قد يدل بواسطة القرائن الخارجية عليه.
وبعبارة أخرى: أنّ العدد باعتبار ذاته لا يدل على حكم في الزائد ولا في الناقص، وإنّما الدلالة جاءت من القرائن الخارجية، فمثال وجود القرينة على جواز الزيادة على العدد المقيد للحكم قول الشارع: «اغسل الإناء من سؤر الخنزير سبع مرات» فالغاية من التكرار هنا إزالة القذارة والخبث، وزيادة الغسل تحقق هذا الغرض وتؤكد عليه.
ومثال عدم جواز الزيادة عليه قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لأن الزيادة هنا تصبح ظلماً وعدواناً.
ومثال جواز النقصان قول الشارع: «أكثر الحيض عشرة أيام»، ومثال عدم جواز النقصان قوله (ص): «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً»([670]).
وإليه ذهب الشيعة وبعض الشافعية والحنفية([671])، وهو اختيار الرازي([672]).
6 ـ مفهوم اللقب: ليس المراد من اللقب خصوص ما اصطلح عليه النحويون بأنه ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بـ«أب» أو «أم»، وإنما المراد به أعم من ذلك، وهو كل ما يدل على الذات، سواء كان علماً أو كنية أو لقباً، مشتقاً كان أم جامداً.
وقد اختلف الأصوليون في تعليق الحكم بما يدل على الذات، هل يدل ذلك على نفي الحكم عن غير هذه الذات، أو لا يدل على ذلك وإنما يدل على ثبوت الحكم للذات فقط؟
فمثلاً إذا قيل: «زيد عالم»، فهل يدل ذلك على نفي العلم عن غير زيد ـ كبكر وعمرو ـ أو لا يدل على ثبوته لزيد فقط؟
اختلف الأصوليون في ذلك على قولين:
الأول: وذهب إليه من الشافعية أبو بكر الدقاق والصيرفي، ومن المالكية ابن خويز منداد([673])، وأصحاب الإمام أحمد بن حنبل([674])، فقالوا بمفهوم اللقب وحجيته، لأن التخصيص لا بد له من فائدة وإلا كان لغواً.
والثاني: وهو ما أجمع جمهور المسلمين من الأصوليين الشيعة وأكثر الشافعية والمالكية وبعض الحنابلة([675]) على حجيته؛ لأنّه لو دلّ على نفي الحكم عن غير الذات المذكور للزم أن يكون قول القائل: «محمد رسول الله» دالاً على نفي رسالة غيره من الرسل، وهو كفر.
ماجد سعيد
حدائق الحقائق
في تفسير دقائق أفصح الخلائق
شرح على كتاب نهج البلاغة لقطب الدين الكيدري فرغ منه عام 576هـ، ذكر صاحب الروضات أنه وجد في آخر نسخة عتيقة من الشرح المذكور صورة خط لبعض أعاظم فضلاء عصر الشارح بهذه الصورة: وافق الفراغ من تصنيف الإمام العالم الكامل المتبحر الفاضل قطب الدين نصير الإسلام مفخر العلماء مرجع الأفاضل محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي تغمده الله تعالى برضوانه في أواخر الشهر الشريف شعبان سنة ستة وسبعين وخمسمائة وقد ألفه بعد شرح ظهير الدين البيهقي المعروف بن فندق (493 ـ 565هـ) وقد أسماه معارج نهج البلاغة طبع عام 1409هـ، بتحقيق «محمد تقي دانش بژوه» ونشرته مكتبة السيد المرعشي في قم، وشرح شيخه قطب الدين الراوندي، وقد أسمى شرحه بمنهاج البراعة، وطبع بتحقيق المحقق العطاردي عام 1403هـ، ثم أعيدت طبعته في ثلاثة أجزاء عام 1406هـ، بتحقيق السيد عبداللطيف القرشي.
وقد ذكر صاحب الروضات ملامح الكتاب ونقل شيئاً من مقدمة الكتاب وأنه قال في ديباجته:
«إنّه كامل بإيراد فوائد على ما فيهما (يريد كتابي المنهاج لابن فندق والمعارج لأستاذه قطب الدين الراوندي) زوائد، لا كزيادة الأديم، بل كما زيد في العقل من الدر اليتيم، ومتمم ما تضمناه بتتمة لا تقصر في الفضل دونهما إن لم ترب عليهما، وأنه قد اندرج فيه من علوم نوادر اللغة والأمثال، ودقائق النحو وعلم البلاغة، وملح التواريخ والوقائع، ومن غوامض الكلام لمتكلمي الإسلام، وعلوم الأوائل، وأصول الفقه والأخبار، وآداب الشريعة وعلم الأخلاق ومقامات الأولياء، ومن علم الطب والهيئة والحساب، على ما اشتمل عليه المعارج، كل ذلك لا على وجه التقليد والتلقين، بل على وجه يجدي بلجَّ اليقين.
وقد نقل عنه ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة في تفسير الخطبة الشقشقية.
كما قد نقل عنه المجلسي في بحاره في أجزاء السماء والعالم.
الحدث
قلعة الحدث وهي أداتا (Adata) عند الروم، استولى عليها المسلمون في أيام الخليفة عمر ولها ذكر كثير في الأخبار. ومعنى «الحدث» في العربية «الخبر» ولا سيما «الخبر المحزن». وقال البلاذري أن الدرب، وكان يقال له درب الحدث، وقد سمي بدرب السلامة بعد استيلاء المسلمين على هذا الحصن. وعلى كل فإن اسم درب السلامة يطلق في الغالب على طريق القسطنطينية الذي يجتاز الأبواب القليقية. وقد جدد الخليفة المهدي عمارة الحدث في سنة 162هـ (779م) ثم أعاد هادون الرشيد عمارتها وأسكنها الفي مقاتل من جنده. ونوه الأصطخري بكثرة خيراتها. وروي أن الروم والمسلمين قد تناوبوا الاستيلاء عليها غير مرة. وعلى ما ذكر ياقوت وغيره كان يقال للحدث: الحمراء، لاحمرار تربتها وقلعتها على جبل يقال له الأحيدب. وفي سنة 343هـ (954م) بعد أن تعاورتها أيدي المسلمين والروم، استعادها سيف الدولة الحمداني نهائياً فجدد عمارتها، ثم انتقلت إلى يد مسعود بن قلج إرسلان السلجوقي في سنة 545هـ (1150م).
وكان النهر الذي تقوم الحدث بالقرب منه يسمى جوريث أو حوريث، وهو النهر الذي جعله ابن سرابيون وهماً رافداً من روافد القباقب (نهر ملطية). ولكن ياقوتاً الحموي وقد كتب اسمه بصورة حوريث أصاب في قوله أنه «يصب في نهر جيحان» وهو بيرامس. وأفاد ابن سرابيون أن أول نهر الحدث عين يقال لها عين زنيثا، يصب إلى بحيرات. ويمر بالقرب من مدينة الحدث. وقال أيضاً «إنه يصب إلى حوريث نهر يقال له نهر العرجان أوله من جبل الرمش ومن العرجان قناة الحدث وإليه تصب». ونكمل هذا الكلام بقول أبي الفداء: «بين الحدث وبين مخابط العلوي على نهر جيحان اثنا عشر ميلاً، ولسنا على يقين من موضع الحدث ولعلها كانت تحمي الدرب من مرعش إلى البستان وهي على ضفاف آق صو الحالي قرب أنكلي. وآق صو أحد منابع جيحان.
الحدث في شعر المتنبي
استنشد سيف الدولة أبا الطيب يوماً قصيدته التي مدحه فيها وقد سار لبناء الحدث، وذكر إيقاعه بالدمستق عليها وكشفه وقتله خلقاً من أصحابه وأسره صهره وابن بنته وإقامته على الحدث إلى أن بناها، وذلك في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة 343هـ، وهذا أكثرها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همه
وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه
وذلك ما لا تدعيه الضراغم
هل الحدث الحمراء تعرف لونها
وتعلم أي الساقيين الغمائم
سقتها الغمام الغر قبل نزوله
فلما دنا منها سقتها الجماجم
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا
وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت
ومن جثث القتلى عليها تمائم
طريدة دهر ساقها فرددتها
على الدين بالخطى والدهر راغم
تفيت الليالي كل شيء أخذته
وهن لما يأخذن منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً
مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
أتوك يجرون الحديد كأنما
أتوا بجياد ما لهن قوائم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه
وفي إذن الجوزاء منه زمازم
تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا
وفر من الفرسان من لا يصادم
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
ضممت جناحيهم على القلب ضمة
تموت الخوافي تحتها والقوادم
بضرب أتى الهامات والنصر غائب
وصار إلى اللبات والنصر قادم
ومن طلب الفتح الجليل فإنما
مفاتحيه البيض الخفاف الصوارم
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة
كما نثرت فوق العروس الدراهم
أفي كل يوم ذا الدمسنتق مقدم
قفاه على الأقدام للوجه لائم
وقد فجعته بابنه وابن صهره
وبالصهر حملات الأمير الغواشم
ولست مليكاً هازماً لنطيره
ولكنك التوحيد للشرك هازم
تشرف عدنان به لا ربيعة
وتفتخر الدنيا به لا العواصم
ألا أيها السيف الذي ليس مغمداً
ولا فيه مرتاب ولا منه عاصم
هنيئاً لضرب الهام والمجد والعلى
وراجيك والإسلام إنك سالم
ولما بلغ المتنبي إلى قوله فيها: «وقفت وما في الموت» والبيت الذي بعده قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك ما انتقد على امرىء القيس قوله:
كأني لم أركب جواداً لغارة
ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل
لخيلي كري كرة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرىء القيس وكان ينبغي له أن يقول:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل
لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة
ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
وكان ينبغي لك أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا وهو أعلم بالشعر منه قد أصاب، فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعرفه الحائك، فإن البزاز يعلم جملته والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء للذة الركوب للصيد والشجاعة في منازلة الأعداء بالسماحة في شرائه الخمر للأضياف. وأنا كذلك: لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤماً، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوساً وعينه باكية قلت (ووجهك وضاح وثغرك باسم) لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله بخمسين ديناراً من دنانير الصلات وفيها خمسماية دينار.
أبو الطيب (المتنبي)
ـ أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي ولد بالكوفة في محلة كندة سنة 303 وقتل سنة 354 بضيعة قرب دير العاقول قرب النعمانية آيباً من فارس إلى بغداد ودفن هناك.
و(الجُعْفي): هذه النسبة إلى القبيلة وأبو القبيلة المنسوب إليه يسمى جعفي أيضاً وهو جعفي بن سعد العشيرة بن مذحج واسمه مالك بن أدد، (والكندي) قال ابن خلكان نسبة إلى محلة بالكوفة تسمى كندة نسب إليها لأنه ولد بها وليس هو من كندة التي هي قبيلة بل هو جعفي القبيلة.
في أنساب السمعاني: كان والد المتنبي جعفياً وأمه همدانية صحيحة النسب وكانت من صلحاء الناس الكوفيات: وقال كان السيد أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي الزيدي يقول: كان المتنبي وهو صبي ينزل في جواري بالكوفة وكان أبوه يعرف بعيدان السقا يسقي لنا ولأهل المحلة واسمه الحسين وعيدان لقب لقب به وإلى كون أبيه سقاء أشار بعض الشعراء في هجو المتنبي بقوله:
أي فضل لشاعر يطلب الفضل
من الناس بكرة وعشيا
عاش حيناً يبيع في الكوفة الماء
وحيناً يبيع ماء المحيا
فنسب إليه بيع الماء باعتبار أبيه وقال السمعاني: سئل المتنبي عن نسبه قال: أنا رجل أحفظ القبائل وأطوي البوادي وحدي ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بمطالبة بينها وبين القبيلة التي انتسبت إليها وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني.
قال ابن خلكان: هو من أهل الكوفة وقدم الشام في صباه وجال في أقطاره واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين في نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحواشيها، ولا يسأل عن شيء إلا استشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب الإيضاح والتكملة قال له يوماً كم لنا من الجموع على وزن فعلى (يعني بكسر الفاء وسكون العين) فقال المتنبي في الحال: حجلى وظربى، قال الشيخ أبو علي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً فلم أجد، وحسبك من يقول أبو علي في حقه هذه المقالة، وحجلى جمع حجل وهو الطائر الذي يسمى القبج، والظربى جمع ظربان على مثال قطران وهي دويبة منتنة الرائحة.
وقال الثعالبي في اليتيمة: وهو وإن كان كوفي المولد فهو شامي المنشأ وبها تخرج ومنها خرج نادرة الفلك وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه المشهور به، إذ هو الذي جذب بضبعه ورفع من قدره ونفق سعر شعره وألقى عليها شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر وسافر كلامه في البدو والحضر، إلى آخر ما قال…
سبب تلقيبه بالمتنبي
قال الثعالبي في اليتيمة: يحكى أنه تنبأ في صباه وفتن شرذمة بقوة أدبه وحسن كلامه وفي الصبح المنبي عن حيثية المتنبي للشيخ يوسف البديعي المتوفى سنة 1073 عن أبي عبداللَّه معاذ بن إسماعيل اللاذقي ما محصله: أن أبا الطيب قدم اللاذقية سنة 320 ونيف وأظهر له دعوى النبوة فقال له: إن هذا أمر عظيم أخاف عليك منه.
وقال ابن خلكان: إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلاً ثم استتابه وأطلقه، وقيل غير ذلك وهذا أصح.
وذكر السمعاني في الأنساب نحواً مما ذكره ابن خلكان. والثعالبي لم يحقق دعواه النبوة بل اقتصر على نسبتها إلى الحكاية، ثم ذكر الثعالبي كما يأتي أنه هم بالخروج على السلطان ودعا قوماً إلى بيعته فبلغ خبره إلى والي البلدة بحبسه وقيده ولم يقل أن ذلك من أجل دعوى النبوة بل كلامه دال على أنه من أجل إرادته الخروج على السلطان، وأما ما ذكره صاحب الصبح من أن تنبأه كان بالاذقية فينافيه ما ذكره غيره كابن خلكان والسمعاني من أن تنبأه كان ببادية السماوة عند بني كلب، وكلاب، ومن ذلك يتطرق الشك إلى أصل دعواه النبوة خصوصاً أنه كان ينكر ذلك ويقول إنه سمي بالمتنبي لشعر قاله ففي اليتيمة حكى أبو الفتح عثمان بن جني قال سمعت أبا الطيب يقول إنما لقبت بالمتنبي لقولي:
أنا ترب الندى ورب القوافي
وسمام العدى وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها اللَّه
غريب كصالح في ثمود
ما مقامي بأرض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود
ونخلة توجد في كثير من النسخ بالخاء المعجمة والظاهر أن الصواب كونها نحلة بالحاء المهملة وهي القرية التي بقرب بعلبك فإنه كان يتردد كثيراً إلى تلك البلاد فلعله أقام بها مدة وقد نزل على علي بن عسكر ببعلبك فخلع عليه وحمله ومدحه المتنبي كما في ديوانه وفي معجم البلدان نحلة قرية بينها وبين بعلبك ثلاثة أميال إياها عنى أبو الطيب فيما أحب بقوله:
ما مقامي بدار نحلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود
وفي الصبح المنبي قال أبو علي (يعني الفارسي) قيل للمتنبي على من تنبأت قال على الشعراء فقال لكل نبي معجزة فما معجزتك قال هذا البيت:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بد
تشيعه
قال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ذكره ابن الطحان في ذيل الغرباء وقال: كان يتشيع وقيل كان ملحداً «اهـ» أقول المسارعة إلى نسبة الإلحاد والتكفير يجرؤ عليها الكثير فباؤوا بسخطه تعالى وما في بعض أشعاره مما يشف عن قلة المبالاة بالدين لا يوجب الإلحاد واستظهر تشعيه القاضي نور الله في مجالس المؤمنين. وذكره السيد يوسف بن يحيى الحسني اليماني في كتابه نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر وحكى فيه الجزم بتشيعه عن والده السيد يحيى، فقال أخبرني القاضي العلامة أبو محمد أحمد بن ناصر بن محمد بن عبدالحق عن والدي رحمه الله أن أبا الطيب كان يتحقق بولاء أمير المؤمنين علي (عليه السلام) تحققاً شديداً وأن له فيه عدة قصائد سماها العلويات وإنما حذفت من أكثر نسخ ديوانه لشدة التعصبات في المذاهب فلذا ذكرته.
وجزم بتشيعه الأستاذ ماسينيون المستشرق الإفرنسي مستدلاً ببعض ما يأتي وهو رجل متتبع جداً.
ويمكن أن يستفاد تشعيه من أمور:
(1) أنه من أهل الكوفة الذين عرفوا بالتشيع وغلب عليهم كما عرف أهل البصرة بضده وغلب عليهم، قال أبو تمام:
وكوفني ديني على أن منصبي
شآم ونجري أية ذكر النجر
وحكى الذهبي في ميزان الميل عن الاعتدال عن يحيى ابن معين أن حفص بن غياث اجتمع إليه البصريون فقالوا لا تحدثنا عن ثلاثة: أشعث بن الملك وعمرو بن عبيد وجعفر بن محمد (الصادق). فقال أما أشعث فهو لكم وأنا أتركه لكم وأما عمرو فأنتم أعلم به وأما جعفر فلو كنتم بالكوفة لأخذتكم النعال المطرقة وفي نسمة السحر يقوي تشيعه أنه كوفي والكوفة أحد معادن الشيعة.
(2) إن قبيلة جعفي التي ينتسب إليها المتنبي وأبوه معروفة بالتشيع، ففيها من رجال الشيعة جابر الجعفي من أصحاب الباقر والصادق (عليهم السلام) والمفضل بن عمر الجعفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) وولده محمد بن المفضل ابن عمر من أصحاب الكاظم (عليه السلام) وعمرو بن شمر الجعفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ونقلت جريدة القبس في عدد 1108 عن ماسينيون المستشرق الإفرنسي المقدم ذكره أنه جعل من جملة الأدلة على تشيع المتنبي أن قبيلة جعفي التي ينتسب إليها عيدان السقا والد المتنبي عرفت بصبغتها الشيعية وعدا ذلك فقد أنجبت هذه القبيلة أربعة من رؤساء الشيعة الغلاة وهم جابر ومفضل وولده محمد وعمر بن الفرات، أقول عمر بن الفرات من أصحاب الرضا (عليه السلام) ونسب إلى الغلو لكن لم أجد من وصفه بالجعفي.
(3) إن محلة كندة التي ولد فيها أبو الطيب هي محلة عرف أهلها بالتشيع وهذا أيضاً مما جعله الأستاذ ماسينيون من أدلة تشيعه وقد عرفت في صدر الترجمة قول ابن خلكان أنه منسوب إلى المحلة لا إلى القبيلة لكن الظاهر أن تسمية تلك المحلة بكندة لسكنى قبيلة كندة بها وكندة أيضاً معروفة بالتشيع ومنها حجر بن عدي الكندي الصحابي شهيد مرج عذرا وقيس بن فهدان الكندي الشاعر الشيعي المشهور وغيرهما ولا تنافي غلبة التشيع في كندة شذوذ الأشعث ابن قيس وأولاده.
(4) إن والدة المتنبي همدانية صحيحة النسب من صلحاء النساء الكوفيات كما مر عن السمعاني وتشيع قبيلة همدان أشهر من نار على علم حتى قال فيها أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
فلو كنت بواباً على باب جنة
لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
فقد رضع المتنبي التشيع مع اللبن كما قال الشاعر:
لا عذب الله أمي إنها شربت
حب الوصي وغذتنيه باللبن
وهذا أيضاً مما جعله الأستاذ ماسينيون من أدلة تشيع المتنبي وهو ثالث الأمور التي ذكرها.
(5) ما جاء في أشعاره فقد سمعت ما رواه صاحب نسمة السحر عن والده أن للمتنبي عدة قصائد في مدح أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أسماها العلويات حذفت من ديوانه وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح ففيما نقل من شعره في هذا المعنى كفاية. فمنه قوله وقد عوتب على تركه مدح أمير المؤمنين(عليه السلام) نقله أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد وذكره البرقوقي في شرح ديوان المتنبي مما تدركه من ذيل لشرح الواحدي المطبوع في أوروبا وفي رسالة جمعها الأستاذ عبدالعزيز الراجكوتي الهندي جمعها من أربع نسخ خطية. وذكره صاحب نسمة السحر قائلاً إنه رأى في بعض أخباره أن آخر شعر قاله وقد عوتب في ترك مديح أهل البيت لا سيما أمر المؤمنين علي (عليه السلام) قالوا جميعاً إنه قال حين عوتب على ذلك وليست في ديوانه:
وتركت مدحي للوصي تعمداً
إذ كان نوراً مستطيلاً شاملاً
وإذا استطال الشيء قام بنفسه
وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا
وقوله لما كانت الشام بيد الإخشيد محمد بن طغج فسار إليها سيف الدولة فافتتحها وهزم عساكر الإخشيد في صفين أورده البرقوقي في شرح ديوان المتنبي فيما استدركه من ذيل لشرح الواحدي المطبوع في أوروبا وفي رسالة جمعها الأستاذ عبدالعزيز الراجكوتي الهندي جمعها من أربع نسخ خطية وأورده صاحب نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر فقالوا قال المتنبي وليست في ديوانه:
يا سيف الدولة ذي الجلال ومن له
خير الخلائف والأنام سمي
أنظر إلى صفين حين أتيتها
فانجاب عنها العسكر الغربي
فكأنه جيش ابن حرب رعته
حتى كأنك يا علي علي
وقوله في القصيدة التي يمدح بها أبا القاسم طاهر بن حسين بن طاهر العلوي:
فتى علمته نفسه وجدوده
قراع العوالي وابتذال الرغائب
كذا الفاطميون الندى في أكفهم
أعز انمحاء من خطوط الرواجب([676])
أناس إذا لاقوا عدى فكأنما
سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
نصرت عليا يا ابنه ببواتر
من الفعل لا فل لها في المضارب
إذا علوي لم يكن مثل طاهر
فما هو إلا حجة للنواصب
هو ابن رسول الله وابن وصيه
وشبههما شبهت بعد التجارب
حملت إليه من لساني حديقة
سقاها الحيا سقي الرياض السحائب
فحييت خير ابن لخير أب بها
لأشرف بيت في لؤي بن غالب
فقوله هو ابن رسول الله وابن وصيه، وقوله خير ابن لخير أب كالصريح في التشيع وباقي الأبيات عليها مسحة حب وولاء. وقوله في القصيدة التي يمدح بها محمد ابن عبيدالله العلوي المشطب التي أولها:
أهلاً بدار سباك أغيدها
أبعد ما بان عنك خردها
ويقول فيها:
خير قريش أباً وأمجدها
أكثرها نائلاً وأجودها
ولا أدل على التشيع من قوله خير قريش أبا.
وفي نسمة السحر: في شعره إشارات إلى تشيعه فمنه ما قاله في قصيدة كتب بها إلى سيف الدولة وهو بفارس بحضرة عضد الدولة يجيبه عن كتاب:
فهمت الكتاب أبر الكتب
فسمعا لأمر أمير العرب
مبارك الاسم أغر اللقب
كريم الجرش شريف النسب
وبركة اسمه لموافقته اسم علي (عليه السلام). وهو أبو الحسن علي.
وقوله كما في مجالس المؤمنين عن الشيخ عبدالجليل الرازي في كتاب نقض الفضائح أنه نقل عنه قال في مدحه (عليه السلام) (وليست بديوانه):
أبا حسن لو كان حبك مدخلي
جهنم كان الفوز عندي جحيمها
وكيف يخاف النار من كان موقناً
بأن أمير المؤمنين قسيمها
وقال وأوردهما علي بن عيسى الإربلي في كشف الغمة بزيادة بيت في أولهما وتغيير يسير هكذا:
رضيت بأن ألقى القيامة قانصاً
دماء نفوس حاربتك جسومها
أبا حسن إن كان حبك مدخلي
جحيماً فإن الفوز عندي جحيمها
وكيف يخاف النار من بات مؤمناً
بأنك مولاه وأنت قسيمها
وأما عدم وجود أكثر هذه الأشعار في ديوانه فغير غريب بعد ما رأينا أنه أسقط من كشكول البهائي لما طبع جملة من الشعر الذي في أهل البيت وبعدما حرف كتاب مكارم الأخلاق عند طبعه.
ابتداء أمره
قال الثعالبي في اليتيمة: ذكرت الرواة أن أباه سافر به من الكوفة إلى بلاد الشام فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها ومن مدرها إلى وبرها ويسلمه إلى المكاتب ويردده في القبائل ومخايله نواطق الحسنى عنه وضوامن النجح فيه حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع.
طلبه إمارة
قال وبلغ من كبر نفسه وبعد همته أن دعا إلى بيعته قوماً من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والي البلدة ورفع إليه ما هم به من الخروج فأمر بحبسه وتقييده.
وفي الصبح المنبي لما اشتهر أمره وشاع ذكره وخرج بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي قبض عليه ابن علي الهاشمي في قرية يقال لها كوتكين وأمر النجار بأن يجعل في رجله وعنقه قرميتين من خشب الصفصاف فقال (وليست في ديوانه):
زعم المقيم بكوتكين بأنه
من آل هاشم بن عبد مناف
فأجبته مذ صرت من أبنائهم
صارت قيودهم من الصفصاف
قال ولما اعتقل كتب إلى الوالي من الحبس:
بيدي أيها الأمير الأريب
لا لشيء إلا لأني غريب
أو لأم لها إذ ذكرتني
دم قلب بدمع عين يذوب
إن أكن قبل أن رأيتك أخطأت
فإني على يديك أتوب
عائب عابني لديك ومنه
خلفت في ذيو العيوب العيوب
وكتب إليه من الحبس كما في اليتيمة والصبح قصيدته التي أولها:
أيا خدّ والله ورد الخدود
وقد قدود الحسان القدود
ما كان فيه من الضيق قبل اتصاله بسيف الدولة
وكان في أول أمره في ضنك وشدة قبل اتصاله بسيف الدولة، قال الثعالبي في اليتيمة: وكان كثيراً ما يتجشم أسفاراً بعيدة أبعد من آماله ويمشي في مناكب الأرض ويطوي المناهل والمراحل ولا زاد إلا من ضرب الحراب على صفحة المحراب([677]) ولا مطية إلا الخف أو النعل كما قال:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا
بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها ومشفرها
زمامها والشسوع مقودها
وكما قال في شكوى الدهر ووصف الخف:
أظمتني الدنيا فلما جئتها
مستقياً مطرت علي مصائبا
وحببت من خوص الركاب بأسود
من دارس فغدوت أمشي راكبا
وكما قال يصف قدرته على المشي:
ومهمه جبته على قدمي
تعجز عنه العرامس الذلل
إذا صديق نكرت جانبه
لم تعيني في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطرب
وفي بلاد من أختها بدل
وشتان ما بين حاله هذه والحال التي قال فيها:
وعرفاهم بأني من مكارمه
أقلب الطرف بين الخيل والخول
قال: وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح القريب والغريب ويصطاد الكركي والعندليب، قال ويحكى أن علي ابن منصور الحاجب لم يعطه على قصيدته فيه إلا ديناراً واحداً، فسميت الدينارية وهي التي أولها:
لمن الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا
يقول فيها:
حال متى علم ابن منصور بها
رجع الزمان إليّ منها تائبا
فقد كان قبل اتصاله بسيف الدولة في حال سيئة، وسيف الدولة هو الذي أعلى شأنه وشهر أمره وأظهر محاسن شعره.
طموح المتنبي إلى معالي الأمور والرياسة والولاية، كان هذا الطموح فيه في كل حالاته وفي جميع أدوار حياته من صغره إلى كبره بالغاً إلى الغاية، فكان معجباً بنفسه ويلهج دائماً في أشعاره بالحرب والقتال ولا يرى أن أحداً يشبهه في هذا الكون، ففي ديوانه أنه قيل له وهو في المكتب: ما أحسن هذه الوفرة فقال:
لا تحسن الوفرة حتى ترى
منشورة الظفرين يوم القتال
على فتى معتقل صعدةً
يعلها من كل وافي السبالِ
وقال أيضاً في صباه من أبيات:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنما
فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
وقال أيضاً في صباه:
إلى أي حين أنت في زي محرم
وحتى متى في شقوة وإلى كم
فإلا تمت تحت السيوف مكرما
تمت وتقاسي الذل غير مكرم
فثب واثقاً بالله وثبة ماجد
يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم
وقال أيضاً في صباه من قصيدة:
مفرشي صهوة الحصان ولكن
قميصي مسرودة من حديد
أين فضلي إذا اقتنعت من الدهر
بعيش معجل التنكيد
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود
لا كما قد حييت غير حميد
وإذا مت مت غير فقيد
فاطلب العز في لظى ودع الذل
ولو كان في جنان الخلود
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضاد
وعوذ الجاني وغوث الطريد
إن أكن معجباً فعجب عجيب
لم يجد فوق رأسه من مزيد
وفي اليتيمة: ما زال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه وتضاعفت عقود عمره يدور حب الولاية والرياسة في رأسه ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه في الخروج على السلطان والاستظهار بالشجعان والاستيلاء على بعض الأطراف ويستكثر من التصريح بذلك في مثل قوله:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر
فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة
والحرب أقوم من ساق على قدم
بكل منصلت ما زال منتظري
حتى أدلت به من دولة الخدم
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة
ويستحل دم الحجاج في الحرم
وقوله:
سأطلب حقي بالقنا ومشائخ
كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذ لاقوا خفاف إذا دعوا
كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
وطعن كأن الطعن لا طعن بعده
وضرب كأن النار من حره برد
إذا شئت حفت بي على كل سابح
رجال كأن الموت في فمها شهد
وقوله:
ولا تحسبن المجد زقا وقينة
فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك وإن ترى
لك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
وقوله:
وإن عمرت جعلت الحرب والدة
والمسهري أخاً والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقى الموت مبتسماً
حتى كأن له في موته إربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفه
من سرجه مرحاً للعز أو طربا
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي
والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
وقوله وهو يرثي جدته أم أمه التي ماتت فرحاً بوصول كتابه إليها وكانت يئست منه فلما وردها كتابه قبلته وحمت لوقته وغلب الفرح على قلبها فقتلها وليست هذه الحال حال حماسة وفخر بل حال حزن وانكسار وهو مع ذلك يقول:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد
لكان أباك الضخم كونك لي أما
لئن لذ يوم الشامتين بيومها
لقد ولدت مني لأنفهم رغما
تغرب لا مستعظماً غير نفسه
ولا قابلاً إلا لخالقه حكما
ولا سالكاً إلا فؤاد عجاجة
ولا واجداً إلا لمكرمة طعما
ولكنني مستنصر بذبابه
ومرتكب في كل حال به الغشما
وجاعله يوم اللقاء تحيتي
وإلا فلست السيد البطل القرما
وإني من قوم كأن نفوسهم
بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزني
ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
وقد تكرر حماسه وإعجابه بنفسه واستحقاره عظيم الأمور في شعره بحيث لا تكاد تخلو قصيدة له من أي نوع كانت من ذلك قوله:
أريد من زمني ذا أن يبلغني
ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
وقوله:
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام
وقوله:
تحفر عندي همتي كل مطلب
ويقصر في عيني المدى المتطاول
وقوله:
وإني إذا باشرت أمراً أريده
تدانت أقاصيه وهان أشده
وقوله:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت
فإذا نطقت فإنني الجوزاء
وقوله:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وقوله:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً
واستقصاء ذلك يطول به الكلام.
وتظهر في شعر المتنبي القسوة والغطرسة وقلة الرحمة حيث يقول:
ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به
ولا في الردى الجاري عليهم باثم
اتصاله ببني حمدان وأوله بأبي العشائر.
في الصبح المنبي عن ياقوت الرومي أنه قال لم يزل المتنبي بعد خروجه من الاعتقال في خمول وضعف حال في بلاد الشام حتى اتصل بأبي العشائر (وهو الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن حمدان) وكأنه ابن ابن أخي سيد الدولة وكان والي أنطاكية من قبل سيف الدولة ومدحه بعدة قصائد أولها التي يقول فيها:
أتراها لكثرة العشاق
تحسب الدمع خلقة في المآقي
حلت دون المزار فاليوم لو زرت
لحال النحول دون العناق
يقول فيها:
ليس إلا أبا العشائر خلق
ساد هذا الأنام باستحقاق
فوق شقاء للأشق([678]) مجال
بين أرساغها وبين الصفاق
ما رآها مكذب الرسل إلا
صدق القول في صفات البراق
يا بني الحارث بن لقمن لا
تعدمكم في الوغى متون العتاق
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي
فكان القتال قبل التلاقي
وتكاد الظبا لما عودوها
تنتضي نفسها إلى الأعناق
وإذا أشفق الفوارس من وقع
القنا أشفقوا من الإشفاق
وله فيه مدائح كثيرة منها قوله لما أوقع بأصحاب باقيس من قصيدة:
كأن على الجماجم منه ناراً
وأيدي الناس أجنحة الفراش
فولوا بين ذي روح مفات
وذي رمق وذي عقل مطاش
فيا بحر البحور ولا أوري
ويا ملك الملوك ولا أحاشي
كأنك ناظر في كل قلب
فما يخفى عليك محل غاشي
أأصبر عنك لم تبخل بشيء
ولم تقبل علي كلام واشي
فما خاشيك للتكذيب راج
ولا راجيك للتخيب خاشي
فسرت إليك في طلب المعالي
وسار سواي في طلب المعاش
ومما يدلنا على شراسة خلق أبي الطيب واستخفافه بالناس حتى الأمراء ومن يغدق عطاءه عليه أنه أغضب أبا العشائر حتى أرسل غلمانه ليوقعوا بالمتنبي، فلحقوه بظاهر حلب ليلاً، فرماه أحدهم بسهم فقال: خذه وأنا غلام أبي العشائر فقال المتنبي:
ومنتسب عندي إلى من أحبه
وللنبل عندي من يديه حفيف
فهيج شوقي وما من مذلة
حننت ولكن الكريم ألوف
وكل وداد لا يدوم على الأذى
دوام ودادي للحسين ضعيف
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً
فأفعاله اللائي سررن ألوف
ونفسي له نفسي الفداء لنفسه
ولكن بعض المالكين عنيف
فإن كان يبغي قتلها بك قاتلاً
بكفيه فالقتل الشريف شريف
اتصاله بسيف الدولة
المتنبي قبل اتصاله بسيف الدولة كما أخبر هو عن نفسه كان يقطع المسافات البعيدة على رجليه لا راحلة له ولا فرس غير نعله وخفه ولا خادم غير كفه يرى نفسه سعيداً أجازه علي بن منصور الحاجب على قصيدة بدينار ويبذل شعره لكل طالب من أمير وصعلوك فلا يجد له مشترياً.
وفي الصبح المنبي أن سيف الدولة لما قدم أنطاكية قدم أبو العشائر المتنبي إليه وأثنى عليه وعرفه منزلته من الشعر والأدب.
المتنبي وسيف الدولة
في يوم من الأيام الضاحكة من سنة 337 للهجرة، وفي دار من أعز دور أنطاكية أملاً ورحاباً، وأعلاها في المكارم والمحامد باباً، احتشد حفل من علية الناس، وكبراء القوم. وتلاقى في هذا الحفل على بساط واحد عمائم الفقهاء والعلماء، وقلانس البطاركة والمطارنة وخوذ الشجعان والفرسان… وزخرت الردهة الكبرى في الدار بمختلف أصحاب المقامات الضخمة من رجال السياسة والزعامة وأكابر القادة وذوي الوجاهة والنباهة.
هذه الدار هي دار الأمير أبي العشائر الحمداني الأمير الشاب الذي كان كغيره من أمراء البيت الحمداني علماً من أعلام الفروسية والأدب، وبطلاً من أبطال السيف والقلم. وكانت ضفاف العاصي في أنطاكية، والطرق المؤدية إلى الدار تنتعش بالمارة والنظارة الذين سدوا المنافذ ليشرفوا على الغادي والرائح بين الجماعات التي تغشى الدار والوفود التي تقصد إليها.
ويظهر أن أنطاكية التي تعودت أن تشهد بين حين وآخر أمثال هذه الاحتشادات والتجمعات وألفت تلك الدار أن تضم ردهتها هؤلاء الأجلاء من الناس للاحتفاء برجل الدولة الحمدانية الكبير وبطل العروبة الفذ (الأمير سيف الدولة).
وكان يعمل النظر في هذا المجتمع شاب حذر اللفتات، حاد النظرات، ما تكاد تستقر حدقة عينية، ولا تقف تأملاته. هذا الشاب كان غريباً عن أنطاكية وأهليها، غريباً عن كل شيء فيها، هو أحمد بن الحسين أبو الطيب المتنبي. وربما كان مجلسه القريب من الأمير أبي العشائر والي أنطاكية، والأمير الكبير سيف الدولة هو تعزيته عن وحدته وتسليته عن كربته، فيبدد من كآبة غربته وكمدة وحشته فتبدو بين فترة وأخرى على وجهه ابتسامات الجذل وإمارات الاغتباط وكان الأمير الكبير يبادله نظرات الإعجاب والإكبار، ويلحظ كل منهما الآخر لحظات تستثير الذكريات تعود بهما إلى الماضي غير البعيد عندما تعارف الوجهان لأول مرة وتمازج القلبان للنظرة الأولى. لقد كانت أنطاكية سنة 337 للهجرة موثقة بين هذين القلبين، علائق (رأس عين) سنة 321 وكان هذا الاجتماع محققاً للأهداف والآمال التي جاءت وليدة ذلك التلاقي ونتيجة هذا الاتصال نعم لقد التقى المتنبي بسيف الدولة سنة 321 في (رأس عين) وكان من ثمرات هذا الالتقاء أول قصيدة مدح فيها المتنبي سيف الدولة وهي القصيدة التي أولها:
سلكت صروف الدهر حتى لقيته
على ظهر عزم مؤيدات قوائمه
فأبصرت بدراً لا يرى البدر مثله
وخاطبت بحراً لا يرى العبر عائمه
غضبت له لما رأيت صفاته
بلا واصف والشعر تهذي طماطمه
أما الرواية التي يؤخذ منها أن المتنبي اشترط على سيف الدولة حينما لقيه في أنطاكية أن لا ينشده إلا وهو قاعد، وأن لا يكلف تقبيل الأرض بين يديه فهي رواية لا يرتاح إليها الباحثون، ولا يطمئن لها العارفون حقيقة سيف الدولة، والمتنبي يومئذٍ لم يكن مشهوراً شهرته بعد اتصاله بسيف الدولة ولم يكن نفخ في أنفه بعد كبر العظمة والغرور.
وإذا كان من المقرر أن البيئة شديدة التأثير في الشاعر وأن الشاعر متأثر ببيئته لا محالة فإن البيئة الجديدة التي صار إليها المتنبي في ظلال سيف الدولة كانت خصيبة وجد خصيبة على أدب أبي الطيب وشعره، وقد ظهرت آثارها في جميع أنماط شعره الذي قاله مدة ملازمته سيف الدولة وبعد مفارقته إياه.
وخصائص سيف الدولة الأدبية العظيمة، من عمق المعرفة، وطول الباع في الأدب ونقده، وسمو المنزلة مع نفاذ النظر، كل ذلك كان حافزاً للمتنبي أن يجوّد فيما يقول لعلمه إنه سيعرضه على الصيقل. وكان من ذلك أيضاً الحياة الوارفة الظلال، الرافهة، الهانئة التي اتصل بها أبو الطيب بعد ذلك القلق المساور وضربه في أجواز الفلوات ومغامرته في البلدان:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي، ما أبتغي جل أن يسمى
لقد وصل المتنبي أو كاد إلى هذا الذي قال إنه (جل أن يسمى) وبلغ أن يتعاظم على الكبراء والأمراء في مجالس الملوك.
وإذا أضيف إلى هذا علو ثقافة سيف الدولة وأن حلب كانت في عصر سيف الدولة عاصمة للعلم والأدب ومركزاً لأثرى المكاتب لا سيما مكتبة الأمير سيف الدولة العظيمة التي كان الأخوان الخالديان قيمين عليها نعلم مقدار ما استطاعت اقتباسه ثقافة المتنبي البدوية الجافة من ثقافة سيف الدولة العلمية الأدبية الناضرة.
ويلاحظ بعض الذين كتبوا في المتنبي من المتأخرين أن وشائج المحبة والولاء بين هذين الرجلين الفذين سيف الدولة والمتنبي لم تكن قائمة على الروابط الأدبية فقط بل إن هذه الوشائج كانت تتصل بالنواحي السياسية ووحدة الاتجاه فيها، فكلا الرجلين كانا يتعاونان على إنفاذ برنامج واحد هو إعلاء شأن العروبة والعمل للمجد العربي في عصر سيطرت فيه الأعاجم وكاد يذوب العربي في السلطات الغريبة عنه… وكانت هذه الناحية من أدق البواعث لسيف الدولة في تقريب المتنبي وتفضيله على غيره ممن يمت إليه من أركان الدولة ورجالات العلم والأدب حتى أسمى الناس قربى لديه. وهو القائل يوم اتصاله بأبي العشائر تحقيقاً لغرضه:
فسرت إليه في طلب المعالي
وسار سواي في طلب المعاش
هذه الادعاءات التي ادعيناها نحن وغيرنا للمتنبي وادعاها هو لنفسه من بغضه الأعاجم وحبه توحيد المساعي مع الأمراء العرب لجعل كلمة العرب العليا وتخليصهم من المتسلطين عليهم وليسوا منهم ربما نقضها ما شهدناه من المتنبي بعد خروجه من حلب وقصده كافوراً في مصر ومدحه إياه أجل المديح وهو غير عربي ثم قصده إلى ابن العميد في أرجان، ثم عضد الدولة البويهي في شيراز وكلاهما من الأعاجم الذين زخر شعر المتنبي في النقمة عليهم والغض منهم. ولعل كل هذا صورة عن حيرة المتنبي وقلقه النفساني، ثم لعله تأييد لما ذهب إليه آخرون من أن المتنبي كغيره من شعراء عصره لم يكن يبالي بغير جمع المال والحصول عليه من أي طريق جاء وبأية وسيلة حصل. وربما يعتذر المتنبي عن ذلك بأنه لم يكن مخلصاً في مدحه لهؤلاء وإنما تكلف ذلك تكلفاً، وإنه لم يقصد شيراز إلى عضد الدولة إلا بعد تلكؤ وتثاقل وبعد إلحاح ابن العميد عليه ولما استنشد الشعر في أول ملاقاته تعاظم وأنشد من قصيدته التي قالها بعد خروجه من مصر:
فلما أنخنا ركزنا الرماح
بين مكارمنا والعلى
وبتنا نقبل أسيافنا
ونمسحها من دماء العدى
لتعلم مصر ومن بالعرق
ومن بالعواصم أني الفتى
وأني وفيت وأني أبيت
وأني عتوت على من عتا
حتى قال عضد الدولة (هونا. يتهددنا المتنبي) ثم هو لما أنشده قصيدته قال في مستهلها:
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان سار بترجمانا
ومن بالشعب أحوج من حمام
إذا غنى وناح إلى البيان
وقد أشار عضد الدولة إلى موقف المتنبي هذا فقال: (إن المتنبي كان جيد شعره بالغرب) يريد سيف الدولة. ولما وصل هذا إلى المتنبي قال (الشعر على قدر البقاع). وإذا مدح المتنبي كافوراً أو ابن بويه بعد مدحه ابن حمدان فليس إنصافاً أن يتخذ ذلك طريقاً إلى الشك في إخلاص المتنبي لسيف الدولة وشدة ولائه ومحبته له، فكذب الشاعر في شيء لا يستلزم كذبه في غيره وخاصة إذا راعينا ظروف المتنبي ولاءمنا بينها وبين نفسه وغرائزه.
وكانت عطايا سيف الدولة للمتنبي عظيمة، ذكر صاحب (خزانة الأدب) إن ما ناله المتنبي من سيف الدولة في أربع سنين بلغ (خمسة وثلاثين ألف دينار)، وكان يعطيه في كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد ما عدا العطايا الخاصة. أفلا يحق للمتنبي بعد هذا أن يقول في سيف الدولة:
أسير إلى إقطاعه في ثيابه
على طرفه من داره بحسامه
وهو الذي كان قبل اتصاله به يتعثر بأذيال الفقر والخساسة ويضرب في الآفاق من أجل دينار راكباً نعليه وممتطياً قدميه. وبنو حمدان كما قال الثعالبي في اليتيمة (كانوا ملوكاً وجوههم للصباحة وعقولهم للرجاحة وأيديهم للسماحة وألسنتهم للفصاحة). وغير مستنكر أن يجد المتنبي في هذه الوجوه الصبيحة ما يصرفه عن وجوه الغيد، وفي تلك الألسنة الفصيحة ما يكسو به شعره من وشي وإنماط، وفي تلك العقول الرجيحة ما يقبس منه مصباحه العقلي الذي أضاء له السبيل إلى رائع حكمته وبليغ فلسفته. أما السماحة التي وجدها بقربهم فهي التي صيرته يقول من بعد:
تركت السرى خلفي لمن قل ماله
وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
لازم المتنبي سيف الدولة تسع سنوات أتحفت الأدب العربي بأروع ما يتحف به شاعر، وضمت إلى قائمة فحول شعراء العربية شاعراً عقمت العربية إلى اليوم أن تلد مثله، وعطف الأمير العربي الكبير على الشاعر العربي الكبير، وأعجب بمزاياه وبشعره أيما إعجاب وأدناه وقربه إليه وأغدق عليه فأجاد هذا الهدايا والمواهب وأجاد ذلك صوغ الفرائد والقلائد. وكان بلاط سيف الدولة كبلاط لويس الرابع عشر في فرنسا أشبه بمجمع علمي يضم الشاعر والناثر واللغوي والفقيه والعالم والأديب والفيلسوف والطبيب حتى كان يلتقي على مائدته أربعة وعشرون طبيباً، وفيه خيرة من أنبتته العروبة والإسلام من رجالات العلم وأعلام الأدب كالفارابي والصنوبري، وأبي علي الفارسي وابن نباته السعدي وأبي الفرج الأصفهاني وابن خالويه والأمير أبي فراس والرفاء والنامي وكثير غير هؤلاء. فلا غرابة إذا كثر حساد المتنبي ومناوئوه في البلاط وخاصة إذا لوحظ ما كان عليه المتنبي من الطبع القوي وخلق التعاظم والعجرفة. وليس من الأنصاف أن نقول من غلظة الطبع والتعرض لعداوة الناس وقد اتصلت غلظة طبعه هذه بتعاظمه وترفعه على الناس بتآزر الخلقان على خلق الكراهية له في نفوس عارفيه ومعاشريه، ألم يقل:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنما
فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم
* * *
وكيف لا يحسد امرؤ علم
له على كل هامة قدم
وهذا الطبع صحبه في جميع المواطن فأوجد له من الخصوم أمثال (ابن كروس) عند (بدر بن عمار) والأمير (أبي فراس الحمداني) و(ابن خالويه) وغيرهما عند سيف الدولة والوزير (ابن حنزابة) عند (كافور) و(الحاتمي) وإضرابهما في بغداد.
وقد ضايق هؤلاء الخصوم والحساد المتنبي في البلاط الحمداني واستطاعوا أن يوغروا صدر الأمير الكبير عليه وتبرم المتنبي بهؤلاء الخصوم والحساد وهدد وعرض:
أبا الجود اعط الناس ما أنت مالك
ولا تعطين الناس ما أنا قائل
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر
ضعيف يقاويني قصير يطاول
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة
تجوز عندك لا عرب ولا عجم
وليس من السهل أن يحف الشاعر في حضرة من ينشده بفئة كبيرة من حاسديه. وماقتيه يرمقونه شزراً ويعيبونه كيف قال وكيف نطق. إن صمود المتنبي لخصومه هؤلاء في مجلس سيف الدولة عند إنشاده إياه قصيدته (واحر قلباه ممن قلبه شبم) وشدة معارضة أبي فراس له وتعييبه ونقده وتوجيه الإهانات له كل ذلك لما يصدع قلب الأسد ويفت في العزيمة ويفلج المقاومة والمغالبة وإذا ضيف إلى ذلك انقلاب سيف الدولة أيضاً على الشاعر ومجاراته للخصوم في ذلك المجلس حتى ضرب الشاعر بالدواة التي بين يديه على مرأى ومسمع من هؤلاء الخصوم، عرفنا قوة ذلك القلب الذي يحمله المتنبي وشدة جلادته على الصدمة ومثل هذه الصدمات تحل العزائم وتخرس الألسنة وتفقد الرشد. ولم يبق أمام المتنبي بعد هذا غير الخروج من حلب ومفارقة سيف الدولة فراق الوامق المغلوب المخذول.
وقد يظن أن الأمير أبا فراس حين كان يوغر صدر سيف الدولة على المتنبي ويغريه بقطع عطاياه عنه وتوزيعها على غيره من الشعراء يعد ذلك حسداً من الأمير أبي فراس. والواقع أن أبا فراس في منزلة من الشعر والأدب والقربى من سيف الدولة لا يدانيه فيها المتنبي ولا غيره، حتى قالوا إن المتنبي كان يتهيب إنشاد الشعر في حضرة أبي فراس وما كان سيف الدولة يدعوه في أكثر الأحيان إلا (سيدي)، ولم يكن البلاط الحمداني وغيره ينظر إلى شعر أبي فراس بأقل من نظره إلى شعر أبي الطيب. وأبو فراس من رجال الحمدانيين المغاوير ومن أبطال سيف الدولة الأقذاذ، بل هو دعامة عظيمة من دعائم الدولة الحمدانية ولم يقرب من سيف الدولة قربه أحد، ورجل مثل هذا لا يكون حاسداً وإنما يكون محسداً. وإنما كان ذلك حملة موجهة إلى شخصية المتنبي وما يلازم هذه الشخصية من عجرفة وكبرياء وتعاظم حتى في مجلس سيف الدولة وحتى على سيف الدولة نفسه وبني أعمامه وأبو فراس في موقفه ذلك ماقت ناقد وليس بحاسد.
فارق المتنبي سيف الدولة أسفاً نادماً يلتفت إلى أمامه لفتة وإلى خلفه لفتات وهو الذي يقول في هذا الفراق:
وللَّه سيرى ما أقل تئية
عشية شرقيى الحدالى وغرب
عشية أحفى الناس بي من جفوته
وأهدى الطريقين التي أتجنب
أليس في قوله (من جفوته) اعتراف بأنه البادىء في الجفاء وأنه هو مصدر هذا التباعد لسيف الدولة ثم أليس فيه الصراحة الكافية الدالة على أنه خلف الأمل والرجاء وراءه واستقبل الخيبة واليأس أمامه:
يا من يعز علينا أن نفارقهم
وجداننا كل شيء بعدكم عدم
نعم لقد كان وجدانه كل شيء عدماً بعد سيف الدولة، فارقه وهو لا يريد فراقه ونزح وهو لا يرغب في هذا النزوح. وقد ذكر أحد الفضلاء من الأدباء المعاصرين أن فراق المتنبي لسيف الدولة لم يكن منشؤه ما وقع للمتنبي من كيد حساده له وتغير قلب سيف الدولة عليه، وإنما كان ذلك منبعثاً عن حبه (خولة) أخت سيف الدولة ومعرفة بعض أمراء البيت الحمداني بذلك حتى قاموا يناوئونه تلك المناوءة ويستثيرون عليه سيف الدولة. وهذا خلاف ما ذهب إليه جميع الذين ترجموا للمتنبي وهي دعوى ما تزال تفتقر إلى عناصر تحقيقية وأدلة أقوى من الأدلة التي اعتمدها الكاتب، والبت فيها على هذا النحو، والحال كما ذكرنا، مجازفة قولية لا تقوم على أساس. والمتنبي من أصلب الناس عوداً وأغلظهم كبداً في قضايا الحب ومشاكل الغرام.
وقد انبترت الصلات بين المتنبي وسيف الدولة بعد حلب سوى ما كان من إنفاذ سيف الدولة ابنه من حلب إلى المتنبي في الكوفة، بعد خروجه من مصر يدعوه إلى حلب وإنفاذ المتنبي قصيدته (مالنا كلنا جو يا رسول) إليه سنة (352)، ثم إنفاذه إليه قصيدته (يا أخت خير أخ يا بنت خير أب) يعزيه بخولة أخته، ثم كتابة سيف الدولة إليه وجواب المتنبي على هذا الكتاب أواخر سنة (353) بقصيدته (فهمت الكتاب أبر الكتب). والقصائد الثلاثة هذه تكشف عن عاطفة متأججة في المتنبي نحو سيف الدولة لم تقو عوامل التشرد الشديدة وقسوة الظروف التي مرت على المتنبي أن تطفىء من جمرتها أو تخمد من جذوتها. وقد جاء في الأولى:
كلما رحبت بنا الروض قلنا
حلب قصدنا وأنت السبيل
فيك مرعى جيادنا والمطايا
وإليها وجيفنا والذميل
والمسمون بالأمير كثير
والأمير الذي بها المأمول
الذي زلت عنه شرقاً وغرباً
ونداه مقابلي ما يزول
ومعي أينما سلكت كأني
كل وجه له بوجهي كفيل
ومما جاء في الثالثة:
وما لاقني بلد بعدكم
ولا اعتضت من رب نعماي رب
ومن ركب الثور بعد الجواد
أنكر أظلافه والغبب
وما قست كل ملوك البلاد
فدع ذكر بعض بمن في حلب
ولو كنت سميتهم باسمه
لكان الحديد وكانوا الخشب
أفي الرأي يشبه أم في السخاء
أم في الشجاعة أم في الأدب
ليلاحظ قوله: (والمسمون بالأمير كثير والأمير الذي بها المأمول) وقوله: (ونداه مقابلي ما يزول) وقوله: (وما اعتضت عن رب نعماي رب) كيف جعله المأمول دون كل من تسمى أميراً، وعده رب نعماه، وكيف جعل الملوك من الخشب وجعله من الحديد وهم لا يشبهونه سخاء ولا شجاعة ولا أدباً، ثم اعتذاره عما خدعه على غيره من الملوك والألقاب والنعوت وقوله: (ولو كنت سميتهم باسمه لكان الحديد وكانوا الخشب) كل هذا يؤيد ما قاله، حينما سئل عن تراجع شعره بعد مفارقته سيد الدولة: (قد تجوزت في قولي وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة منذ فارقت حمدان).
وكان شعر المتنبي قد لازم سيف الدولة مدة من (337 ـ 346) ممثلاً عظمة الأمير الحمداني الكبير وحروبه ووقائعه. وقد تعمد المتنبي أن يضع الأمير في أعلى منزلة يستطيع التحليق فيها الشعر وخياله، وبلغ ما قاله ثلث شعره، ولم يجيء شعره فيه من نوع ذلك الشعر الذي تلوكه ألسنة الشعراء في الممدوحين ولا صلة له بقلوبهم وعواطفهم فأبو الطيب نظم ما نظم في سيف الدولة وهو في ذلك إنما يترجم عن قلبه وينحت من عاطفته وصدق إيمانه فيه. وقد دام هذا الإخلاص حتى في أيام التشرد التي قضاها المتنبي في مصر والعراق ألم يقل في مصر:
فارقتكم فإذا ما كان عندكم
قبل الفراق أذى بعد الفراق يد
إذا تذكرت ما بيني وبينكم
أعان قلبي على الشوق الذي أجد
وقال في القصيدة التي أنفذها إليه من الكوفة:
لست أرضى بأن تكون جوادا
وزماني بأن أراك بخيل
نغص البعد عنك قرب العطايا
مرتعي مخصب وجسمي هزيل
إن تبوأت غير دنياي دارا
وأتاني نيل فأنت المنيل
وقال في قصيدته الثانية التي أنفذها من الكوفة أيضاً:
وإني لأتبع تذكاره
صلاة الإله وسقي السحب
وأثني عليه بآلائه
وأقرب منه نأى أو قرب
وإن فارقتني أمطاره
فأكثر غدرانها ما نضب
وربما كان موضع ملاحظة ترك المتنبي خلفاء بني العباس ومدحهم والانصراف منهم إلى الحمدانيين. والحق أن المتنبي لم يجد في البلاط العباسي يومئذٍ ما يحقق أهدافه ومن هذه الأهداف رؤيته العنصر العربي مسيطراً عزيز الوجه والنفس واللسان. وهذا الهدف تحقق في البلاط الحمداني في قرب أعز العرب داراً وزماناً وسلطاناً الأمير سيف الدولة. وقد روي أن أبا سعيد المجيمري عذله على تركه لقاء الملوك وامتداحهم فقال له:
أبا سعيد جنب العتابا
فرب رأي أخطأ الصوابا
فإنهم قد أكثروا الحجابا
واستوقفوا لردنا البوابا
وإن حد الصارم القرضابا
والذابلات السمر والعرابا
ترفع فيما بيننا الحجابا
وقال في قصيدة له أيضاً يعرض بهؤلاء الملوك المستضعفين:
أيملك الملك والأسياف ظامئة
والطير جائعة، لحم على وضم
من لو رآني مات من ظمأ
ولو عرضت له في النوم لم ينم
وقد شغف المتنبي كل الشغف بتصوير وقائع سيف الدولة وألهاه ذلك لا بل صرفه عن الفن الحضري الذي يتناول الحياة الاجتماعية من شتى وجوهها فيصفها أدق وصف. ومثل هذا النمط من الوصف تجده في شعر شعراء الحضر مثل البحتري وابن الرومي وغيرهما من وصف القصور والبرك ومجالس اللهو والقيان وشبيهه. أما المتنبي فيتعذر وجود شيء من ذلك في شعره كأن لم يكن في عهد سيف الدولة صور اجتماعية جديرة بقلم المتنبي الشعري وأن يتناولها بوصف أو ذكر. والحقيقة أن الرجل انصرف إلى ما تتوق إليه نفسه من الشعر وما يلائم طبعه من وصف المعارك والجيش ووصف القتال وساحات القتال، وغير هذا الوصف إنما جاء في شعر المتنبي عرضاً وعلى وجه الأقلال.
وقد نشأ المتنبي في عصر يشبه عصر الفتوة في أوروبا فلا غرابة إذا رأيناه ينشط لأعمال الفروسية ويرتاح لمغامرات الشباب ويقبل على الأخذ بأساليب الترويض الذي أراده عليه سيف الدولة وهو لم يكن في أول اتصاله بسيف الدولة من الشجاعة في المكان الذي وضعه فيه المغالون وإنما قويت فيه ملكات هذه الشجاعة بعد اتصاله بسيف الدولة وما روضه عليه من أفانينه حتى قطع من بعد صحراء التيه وفدافد البادية وحده، وأبى أن يسير بغير خفارة سيفه من واسط إلى بغداد، وإذا أكسبته صحبة سيف الدولة العز والمال وقوة الشعر فهي أيضاً قد أكسبته هذه الشجاعة وعلمته الجرأة وحببت إليه مواقف البطولة.
وقد حققت له صحبة سيف الدولة فكرته حينما قيل له وهو في المكتب ما أحسن وفرتك فقال:
لا تحسن الوفرة حتى ترى
منشورة الضفرين يوم القتال
على فتى معتقل صعدة
يعلها من كل وافي السبال
فقد رافق سيف الدولة في كثير من حروبه وغزواته، وانتشر ضفر الوفرة كما نعلم، واعتقل الصعدة… وأعلها كما يشاء من كل وافي السبال.
وكان يقال إن المتنبي خلق سيف الدولة بمدائحه كما خلق كافور بهجائه، وقد وهم هؤلاء القائلون… ولو شاؤوا لعرفوا أن سيف الدولة هو الذي خلق المتنبي ولولاه لكان كغيره من شعراء عصره، ولما كان تغذى شعره وعبقريته بتلك الروائع من مقلدات المعاني التي خلعتها عليه نفس سيف الدولة، ووقائعه وأهدافه. وهذا ليس بضائر أن تكون قصائد المتنبي في سيف الدولة هي التي خلدت وقائعه ونقلتها إلى الأجيال صوراً ومرائي تعكس إلى الأحفاد عظمة الأجداد وتصور لهم طموحهم وشممهم وما بلغوه من عز وكرامة ورفعة واستعلاء. وهذه القصائد كانت وما زالت من عهد سيف الدولة إلى اليوم من أقوى العناصر التي غذت أدبنا العربي. ومن أروع الألواح الشعرية التي تباهي بها العربية والعروبة. وهي أيضاً من أجل الوثائق وأصدقها على نهضة العلم والأدب العظمى التي قامت على مزايا سيف الدولة وأياديه، فبينما كان يدفع عادية الروم عن بلاد الشام بيد كان يرفع لواء النهضة العلمية والأدبية فيها بيد أخرى. وبلغ خلق التضحية الحربية فيه إن قال فيه المتنبي:
الجيش جيشك غير أنك جيشه
في قلبه ويمينه وشماله
كل يريد رجاله لحياته
يا من يريد حياته لرجاله
أديب التقي
المرحلة المأساة في حياة المتنبي
المرحلة التي انفصل فيها أبو الطيب عن صديقه المفضل، الأمير الحمداني سيف الدولة، واتصل فيها بأمير مصر كافور الأخشيدي (عام 345هـ)، هي المرحلة المأساة في حياته.
لقد فجع المتنبي، يومئذٍ بأعز علاقاته الإنسانية، وأسمى تجربات حياته، وأنبل قرابة وجدانية بينه وبين الناس، فضلاً عن فجعته ـ حينذاك ـ بتلك الطمأنينة الروحية والمادية التي لم يتذوق مثلها في مراحل عمره جمعاء…
وفي الحقيقة أن انفصاله عن سيف الدولة لم يكن يعني انتهاء مرحلة وابتداء مرحلة، بل كان يعني ـ في نفس الشاعر ـ تحول معنى المرحلة نفسها من الطمأنينة إلى القلق العارم، ومن الغبطة والسعادة إلى الكدر والألم والتمزق النفسي…
ومعنى ذلك أن المرحلة الأخيرة لم تكن مرحلة مستقلة عن سابقتها. بل هي امتداد لها، ولكن بوجه جديد عابس قاتم مثخن بالجراح.
فالمتنبي لم ينفصل عن سيف الدولة روحياً ووجدانياً حين غادر بلاطه وغادر صحبته في دولته ومعارك جهاده، وإن انفصل عنه مادياً وجسدياً… لقد ظل مرتبطاً بمرحلته السابقة وبأميره المفضل، ولكن ارتباط ألم وعتب وحنين وتفجع… فقد راح إلى دمشق، ثم إلى الرملة، وهو ينظر بقلبه ووجدانه وقضيته الكبرى إلى الوراء… إلى حلب… إلى رحاب سيف الدولة… إلى معارك الحدود والثغور… إلى هزج الفرسان وصليل السيوف وهدير القتال وعظائم الانتصارات وتدارك الهزائم… بينما ينظر بعينه وبحاجته ومطامحه المحرجة، إلى إمام… ولكن أين؟
لقد كان في نفسه، وهو يغيب عن وجه الأمير الحمداني الذي خذله واستمع إلى أقاويل حساده وخصومه… لقد كان في نفسه حينذاك أمران اثنان:
الأول: أن يجد المكان الذي يسع مطمعه كطالب «ضيعة أو ولاية» يستريح إليها بعد كفاح طويل، وتغنيه عن «بيع شعره في سوق الكساد» من جديد…
الثاني: أن يجد وجوده كشاعر يملأ الدنيا ويشغل الناس، بعد أن رأى وجوده هذا قد فقد مكانه المطمئن المفضل الذي وجده في ظل الأمير الحمداني، وهو يطوي في ضميره رغبة جارفة في أن يغيظ سيف الدولة، ويثير غيرته وحميته وندمه إذا وجد المكان الجديد الذي يرجو في ظل أمير جديد ينافس سيف الدولة…
وكان كافور الأخشيدي، حاكم مصر يومئذٍ وخصم أمير حلب، هو الأمير الذي تطلع إليه المتنبي، أول ما تطلع، حين أرغمه كيد الكائدين على أن يولي ظهره لسيف الدولة.
كان يتطلع إلى مصر وكافورها، وهو يرجو أن يحقق بذلك كلا الأمرين معاً: مكان مطمعه، ومكان شاعريته، ليستريح، وليغيظ أميره الذي فارقه مرغماً وظل متصلاً به روحاً ووجداناً.
وفي الوقت نفسه كان الأخشيدي كافور هو أيضاً يرقب هذه الفرصة ليضع يده على الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، لكي يملأ به دنياه ويشغل به أعداءه… وكان سيف الدولة هو الشبح الذي يتجسد فيه كل عداوات كافور، وكان القبض على يد المتنبي يعني، في نفس كافور، القبض على سنان الرمح الذي يطعن به كبرياء سيف الدولة، ويثير حنقه، ويهيج أعمق مشاعر المنافسة في سويداء قلبه…
هكذا تلاقت الرغبتان: رغبة المتنبي، ورغبة كافور، وإن اختلفت أسبابهما وأهدافهما.
وفي حين كان المتنبي ينتظر الفرصة لبلوغ مأربه، وهو عند أمير الرملة بفلسطين جاءته الدعوة من كافور إلى مصر… فخف إليه مستجيباً لدعوته، وفي قلبه هزة فرح وأمل تقابلها رعدة حنق وعتب وحنين تتجه به إلى حلب، إلى سيف الدولة…
ويتلاقى الشاعر وحاكم مصر، وتتلاقى رغبتاهما، ولكن كافور رجل عصامي ماكر حاذق، فلم يعط الشاعر كل ما في نفسه من مشاعر النصر… وكان النصر يعني عند كافور نصراً على المتنبي ونصراً على سيف الدولة معاً…
لقد كبح الأمير الماكر الحاذق عواطفه، فما قابل الشاعر بما ينبغي أن يقابله به من فرح بلقائه بعد انتظار طويل صابر، بل واجهه ببرودة ماكرة، بالرغم مما هيأ له من أسباب الراحة والسكن، ليستدر مدائحه، مستعجلاً إياه بهذه المدائح…
وما خفي على فطنة الشاعر هذا المظهر البارد الماكر من كافور، فاغتم لذلك وأحس لوعة الجرح من جديد، وأحس الطعنة في كبريائه تمزق وجدانه… ولكنه أضمرها في طيات نفسه إلى حين، وشاء أن يقابل المكر بمكر مثله بعض الوقت… فتأخر عن كافور بالمديح، حتى ينتزع منه المكان الذي جاء مصر من أجله…
ولم يطل الوقت… فإذا الشاعر يفتح مدائحه لكافور بأولى قصائده فيه (جمادى الثانية سنة 346هـ 957م)، وهي القصيدة التي مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
وننظر في هذه القصيدة لا لنرى كيف حال أبي الطيب وهو يقول أول قصيدة بعد انقطاعه عن سيف الدولة يمدح بها غيره أول مرة… فنرى تلك الحال نفسها التي وصفناها، أي أنه ما يزال يتلفت بقلبه إلى صديقه الذي فجع بصداقته، ولا يزال يرتبط به ارتباط روح ووجدان، رغم القطيعة، ورغم الجرح، ورغم الفجيعة.
فقد وقف نحو اثني عشر بيتاً من أبيات هذه القصيدة على التغني بتلك العلاقة المقطوعة الموصولة معاً معبراً عن غيظه، ولكن أي غيظ؟… إنه غيظ المحب الذي فارق من أحبه مرغماً جريحاً، دون أن تنقطع في نفسه وشائج الحب…
لقد انتظر كافور طويلاً، وهو يتحرق، حتى يرى شاعر سيف الدولة يقف بين يديه منشداً فيه المدائح فلما وقف فعلاً، وتحقق حلم كافور، فوجىء بأولى قصائده تتحدث في مطلعها حديث شاعر يرى الموت خير دواء يشفيه من دائه، ويرى المنية أحلى أمانيه.
فهل انتظر كافور كل ذلك الانتظار ليسمع مثل هذه اللهجة من شاعره عند أول موقف بين يديه منشداً؟…
ولا يكتفي الشاعر بهذا الاستهلال يجبَه به ممدوحه الجديد، بل يزيد في تحديه للموقف، حين يعلن استكباره عن تحمل عيش الذل. وإيثاره الدفاع عن عزَّته وكرامته بحد السيف وسنان الرمح واختيار كرائم الخيل، كشأن الأسود لا يغنيها الحياء في دفع غائلة الجوع، ولا تهاب إلا حين تكون ضارية…
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة
فلا تستعدنَّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلنَّ الرماح لغارة
ولا تستجيدنَّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى
ولا تتقَّى حتى تكون ضواريا
ماذا يعني المتنبي بهذه اللهجة يفتتح بها عهده مع كافور؟
لقد أراد أن يحذره منذ البدء… أراد أن يقول له: إياك أن تسومني المذلَّة، فلقد فارقت سيف الدولة مذ رأيته يريدني أن أرضي عيش الذُّلِّ، ولن أرضى أبداً هذا العيش، فكن على حذر…
ثم أراد أن يوحي لكافور أنه لم يفارق سيف الدولة كارهاً له، بل لا يزال يضمر له الحب… وإن كان يعبر عن هذا الحب بصورة عتاب وتحذير لقلبه:
حببتك قلبي قبل حبك من نأى
وقد كان غدّاراً، فكن أنت وافيا
واعلم أن البين يشكيك بعده
فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
فإن دموع العين غدر بربها
إذا كنَّ أثر الغادرين جواريا
فهل نرى إلى قوله: «واعلم أن البين يشكيك بعده». أليس هذا أصرح تعبير عما يهيج في قلبه من مشاعر الحنين إلى سيف الدولة؟… بل، هل أبلغ صراحة في ذلك من قوله:
أقل اشتياقاً أيها القلب ربما
رأيتك تصفي الودَّ من ليس صافيا
خلقت ألوفاً، لو رجعت إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
إنه يريد أن يقول لكافور: أنا لست لك.. إن قلبي لا يزال يصفي غيرك ودّه، وإن لم يكن ذلك «الغير» صافياً…
ولنتأمل في قوله «خلقت ألوفاً»… فهو يريد أن يوحي لكافور أن المسألة بيني وبين سيف الدولة مسألة ألفة، والألفة خليقة أصيلة بي… ولذا أراني «موجع القلب باكياً لفراقه».
هكذا تبين، منذ القصيدة الأولى، بل منذ اللقاء الأول، أن كافور والمتنبي لن يكون أحدهما للآخر مثلما كان الحال بين سيف الدولة والمتنبي.
ولعلَّ كلاًّ من المتنبي وكافور قد أضمر لصاحبه، منذ ذلك الوقت، أن يكون منه على حذر، وأن يستفيد من صحبته قدر ما يستطيع دون أن يعطيه كل ما يستطيع. فالمتنبي قد عقد النية على أن يرتضي المصير الذي انتهى به إلى صحبة كافور رغم إرادته، ولكن شرط أن ينال منه مطلباً مادياً يغنيه عن التشرد في الآفاق، ويسكن إليه من متاعب التطواف ومتاعب التقلب بين ذوي الجاه والسلطان…
لقد أصبح المتنبي، إذن، عالق النظر والرجاء في أمر واحد سيصبر من أجله على المكاره كلها عند كافور… وهذا الأمر هو الحصول على المال، فلقد صار إلى حال لا يرى معها المجد كله شيئاً إذا لم يدعمه المال، أو لم يكن هو المنال…
وذلك ما قد كان يعلنه بأشكال مختلفة في مدائحه بكافور، ففي القصيدة التي مطلعها:
أود من الأيام ما تودّه
وأشكو إليها بيننا وهي جنده
في هذه القصيدة قال:
فلا ينحلل في المجد مالك كله
فينحل مجد كل بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه
إذا حارب الأعداء، والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجده
إنها مأساة المتنبي… فقد حرمته القطيعة مع سيف الدولة مجداً يحرك في ذاته كل طاقات الخلق والإبداع، هو مجد الصداقة أولاً، ومجد الإيمان بالبطولة ثانياً، ومجد القضية التي كان يرى في سيف الدولة بطلها… ثالثاً… لقد حرمته القطيعة هذا المجد، فلم يبق له الدافع العظيم الذي ينشد المطلب العظيم ويفجر الشعر العظيم، كما كان يوم كان في صحبة سيف الدولة.
من هنا نراه ينحدر في مدح رخيص، وفي شعر خمد لهيبه الذي نعرفه يتوقد في القصائد الحمدانية، ونرى الصور الملحمية تختفي كلياً من القصائد الكافورية.
ومن هنا أيضاً لم يطل عهده بكافور، لأن حاكم مصر كان ينوي منذ البدء أن لا يعطي المتنبي ما يرجوه، بل يماطله بالوعيد حتى يستفد من مدحه قدر ما يمكن.
فلما أيقن الشاعر أن أمواله التي يرجوها من كافور لن تكن سوى «المواعيد» تنكر له، وعزف عن مدحه إلى هجائه، ورأينا لهب الشعر يتسعر من جديد في أهاجيه اللاذعة بكافور… ويترقب الفرص للفرار من قبضة حاكم مصر على حال سيئة تقتضيه المسير على قدميه تحت أستار الظلام، ويعود إلى موطنه العراق يائساً تشتعل نار المأساة في جوانحه، لا يدري ـ بعد ـ أين المصير؟.
ولكن تحدث له أحداث، وهو في العراق، إذ تموت جدته، وتأتيه الأنباء والوفود من سيف الدولة فتتحرك شاعريته بأمر جديد، ويتأجج وجدانه بلهب جديد، فإذا مرثيته لجدَّته، ومرثيته لأخت سيف الدولة، ترجعان إلى شعره روعة النغم النابع من مصادره الوجدانية العميقة الصادقة الدافقة.
ثم يختم حياته القلقة ببضع مدائح ليست في مستوى شعره العظيم، يقولها بابن العميد وعضد الدولة عند تلبية دعوتهما في فارس… ويسدل الستار بمصرعه الفاجع عند عودته إلى موطنه الأول، الكوفة… يسدل الستار على تلك الحياة المتعبة المتناقضة، ويبقى شعره مجداً باقياً له وللأدب العربي لن ينطفىء وهجه أبداً…
حسين مروة
الحدود والحقائق
في شرح الألفاظ المصطلحة
بين المتكلمين من الإمامية
رسالة تأليف القاضي أشرف الدين صاعد البريدي الآبي، وهي مما يحتاج إليها اللغويون والمتكلمون والمتفقهون. وكان قد سبق الشيخ الطوسي أن تعرض في كتابه (المقدمة) للألفاظ المتداولة بين المتكلمين وذكر أغراضهم منهم، وفسّر مواضعاتهم المخصوصة التي ليست على موجب اللغة.
أمّا القاضي الآبي فقد بوّب رسالته على الحروف ولكنه لم يلتزم ترتيب الألفاظ.
وقد نشر هذه الرسالة الدكتور حسين على محفوظ سنة 1970م. ونأخذ هنا نموذجاً كما في الرسالة:
الاعتقاد: ارتباط الشيء بالقلب أما عن دليل فيسمى ذلك الاعتقاد علماً، وأما عن شبهة فيسمى جهلاً، وأما عن قول الغير بلا حجة فيسمى تقليداً، وأما خطورة من غير سبب فيسمى تنحياً.
الإمارة: ما يكون النظر فيه مفضياً إلى غلبة الظن.
البدعة: كل مستحدث غير مأثور عن السلف.
النظر: لفظة مشتركة بين معان كثيرة والمراد به عند المتكلمين: هو الفكر والبحث عن الدلائل العقلية.
الحديث
الحديث: هو ما دون من أقوال النبي وأفعاله وتقاريره وصفاته، والمراد من التقرير: ما فعله أحد بمحضر من النبي (ص) فأقره ولم ينه عنه.
وعليه فإنه يرادف السنة بهذا التعريف، إذ جاء في تعريف (السنة): «ما صدر عن النبي (ص) من قول أو فعل أو تقرير»، بينما نجد الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في كتابه (في الحديث النبوي) يفرق بين الحديث والسنة فيقول: «إن الحديث يطلق على ما ينقل من قول النبي وقوله وتقريره وصفاته وتطبق السنة على معنى الواقع العملي في تطبيقات الشريعة منذ عصر الرسول إلى آخر عهد الصحابة».
والظاهر أن الأستاذ الزرقاء قد خلط بين تعريف السنة في اصطلاح علماء أصول الفقه وبينها في اصطلاح علماء الفقه. ذلك أن اصطلاح علماء الحديث يوافق اصطلاح الأصوليين في اعتبار الحديث والسنة لفظين مترادفين.
إذن، فالتحديد الجامع لعلم الحديث: هو العلم الذي يتضمن تدوين ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير.
هذا وإن الشيعة يوسعون هذا التعريف إلى ما يصدر عن الأئمة، فهو عندهم من دون فرق بين أن يكون النبي (ص) أو علي بن أبي طالب أو الأئمة الأحد عشر بعده.
إن الأحاديث المتداولة بين المسلمين والتي تنقلها كتب الحديث تتألف من عنصرين فقط هما: المتن والسند.
أمّا المتن: فهو نص الحديث المروي، والذي يعتمد عليه كأصل من مصادر التشريع الإسلامي.
وأمّا السند، فهو سلسلة رواة الحديث، وتبدأ السلسلة بآخر رواية وتتدرج إلى من صدر عنه الحديث: النبي أو الإمام، ويسمى (سنداً) لأنه يثبت صحة الخبر.
- كتب الحديث عند الشيعة.
وللشيعة كتب حديث خاصة بهم، وينتهي سند الروايات فيها إلى الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) في الغالب. وكذلك عند أهل السنة لا ينتهي سند الحديث دائماً إلى النبي. بل قد ينتهي السند إلى الصحابي.
وتقسم كتب الحديث المشهورة عند الشيعة إلى مجموعتين: أولهما كتب الحديث الأربعة: وهي:
1 ـ كتاب «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (ت328/329هـ)، ويتكون الكافي من الأصول، والفروع، والروضة.
وقد جمع الكليني في كتابه المذكور ستة عشر ألف وتسع وتسعين حديثاً، مسنده فيها عن طريق أهل البيت (عليهم السلام). وتزيد أحاديثه على ما في الصحاح الستة.
2 ـ كتاب «من لا يحضره الفقيه» لمحمد بن علي بن بابويه القمي (ت381هـ).
وقد أحصى بعض العلماء أحاديث الكتاب المذكور فكانت خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستين حديثاً منها ألفان وخمسون حديثاً مرسلاً.
3 ـ كتاب «التهذيب» لمحمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ). ويبلغ عدد أحاديث التهذيب ثلاثة عشر ألف وخمسمائة وتسعين حديثاً.
4 ـ كتاب «الاستبصار» لمحمد بن الحسن الطوسي أيضاً. ويبلغ عدد أحاديثه ستة آلاف وخمسمائة وإحدى وثلاثين حديثاً.
ثانيهما ـ الكتب الثلاثة الجامعة لتفاريق الأخبار وهي:
1 ـ «الوافي» لمحمد بن مرتضى بن محمود المدعو بمحسن الكاشاني، الملقب بالفيض (ت1091هـ). والوافي في أربعة عشر جزءاً كل جزء كتاب على حدة يجمع الأصول، والفروع، والسنن، والأحكام.
2 ـ «الوسائل» أو «وسائل الشيعة» لمحمد بن الحسن الحر العاملي (ت1004هـ) يشتمل على طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة المعمول بها عند الشيعة. وقد قسمه المؤلف إلى عدة كتب حسب ترتيب الكتب الفقهية، من الطهارة إلى الديات.
واستدرك الحاج ميرزا حسين النوري الأحاديث التي فاتت مؤلف الكتاب وجمعها في كتاب سماه «مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل» وطبع في ثلاث مجلدات.
3 ـ «بحار الأنوار» لمحمد باقر المجلسي (ت1111هـ). وجمع فيه مؤلفه الأحاديث المروية عن النبي والأئمة (عليهم السلام). ويقع الكتاب في ستة وعشرين مجلداً ضخماً.
وتؤلف المجموعات الحديثية آنفة الذكر، أهم جوامع الحديث عند الشيعة.
وعلماء الشيعة لا يعترفون بحجية الأحاديث التي تضمنتها المجموعات المذكورة دون بحث في وثاقة رواتها، وفحص دقيق لمتونها. ولا يتمتع بالحجية المطلقة من بين الأدلة الشرعية الأصلية عند الشيعة إلاَّ القرآن الكريم. فعلماء الشيعة والحالة هذه يخضعون للمناقشة والبحث كل حديث يريدون الاحتجاج به، خاصة تلك التي يبنون عليها حكماً شرعياً. ويختلفون في ذلك عن علماء السنة الذين نظروا إلى الصحاح الستة، وبعض كتب حديثهم الأخرى مع الزمن نظرة توثيق عصمت محتوياتها من الأحاديث، إلى حد كبير، عن احتمال الشك في متونها، أو تجريح وتعديل رواتها. ويقول ابن الصلاح عند الكلام عن مسلم والبخاري: «وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز». ويذهب ابن الصلاح أيضاً إلى القول بأن أعلا أقسام الحديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وأن «اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول».
وينتهي ابن الصلاح إلى القول «أن الأمة في إجماعها معصومة من الخطأ». ويفهم من قول ابن الصلاح هذا أن ما اتفق عليه البخاري ومسلم من الأحاديث صالح لبناء الأحكام عليه دون تردد.
ولم ينزل علماء الشيعة ـ كما أسلفت ـ مجموعات حديثهم المنزلة العليا التي منحها ابن الصلاح، وهو من (أهل السّنة) لصحيحي البخاري ومسلم، وأبقوا للعقل والاجتهاد مجالاً كبيراً لانتقاء الموثوق منها عند بناء الأحكام الشرعية.
وقد أسهمت كتب الدراية عند الشيعة في تقليل الأضرار الناجمة عن وجود أحاديث ضعيفة بجنب الموثقة في مجموعات الحديث عندهم.
ومن أشهر كتب دراية الحديث عند الشيعة كتاب «دراية الحديث» للشهيد الثاني، و«دراية الحديث» لتلميذه الشيخ حسن ابن الشيخ عبدالصمد العاملي، والد الشيخ بهاء الدين العاملي. ودراية الحديث ـ الوجيزة ـ للشيخ بهاء الدين العاملي يضاف إلى ما سبق المعلومات العابرة التي وردت في مؤلفات الشيخ يوسف البحراني، وخاصة كتابه الموسوم بـ«لؤلؤة البحرين» المطبوع في النجف بدون تاريخ للطبع. وما ورد في كتاب «الفوائد الرجالية» للسيد محمد مهدي بحر العلوم.
تنويع الحديث
اشتهر تنويع الحديث وتقسيمه إلى الصحيح والحسن والموثق والضعيف وهذه الأنواع الأربعة تسمى بأصول علم الحديث، وهناك فروع لها، واعتبارات لمعان شتى تبلغ ستة وعشرين نوعاً. بعضها يختص بالضعيف، وهي ثمانية كالمرسل. والباقي يشمل غيره، وهي ثمانية عشر كالمسند. فبالإضافة إلى الأصول تبلغ أنواع الحديث ثلاثين نوعاً، قال الشهيد الثاني ـ عند عده لهذه الأنواع ـ: «وذلك على وجه الحصر الجعلي أو الاستقرائي لإمكان إبداء أقسام آخر»([679]).
ويرى جماعة من الفقهاء: أن تنويع الحديث اصطلاح حادث لم يك معروفاً لدى قدماء فقهاء الشيعة، وعلماء الحديث منهم، فإن الخبر لديهم إما صحيح، وهو الذي احتف بقرائن تفيد القطع، أو الوثوق بصدوره عن المعصوم (عليه السلام)، وإما ضعيف، وهو الذي لم يحتف بتلك القرائن، قال الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني: «فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعاً، لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر… وإذا أطلقت الصحة في كلام من تقدم فمرادهم منها الثبوت أو الصدق».
وقال: «وتوسعوا في طرق الروايات، وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه… اعتماداً منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه. إلخ([680]) وبهذا صرح الشيخ يوسف البحراني([681])، والفيض الكاشاني([682]).
ثم بحثوا عن محدث هذا الاصطلاح. فاختار الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني: أن محدثه السيد جمال الدين أحمد بن طاووس، فإنه أول منوع للحديث، وتبعه تلميذه العلامة الحلي. وهو ظاهر كلام الشيخ محمد بن الحسن الحر([683]).
واختار الفيض الكاشاني: أن «أول من اصطلح على ذلك… العلامة الحلي»([684]). أمّا الشيخ يوسف البحراني فقد ردد في كلامه بين العلامة، وشيخه ابن طاووس، ونقله عن جملة من أصحابنا المتأخرين([685]).
والأول أصح، لتصريح الشيخ حسن وغيره بوجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلامة الحلي، ونسبه إلى أستاذه ابن طاووس شيخ الفن، الذي جمع الأصول الرجالية الخمسة في كتابه (حل الإشكال في معرفة الرجال)، وتبعه تلميذه العلامة الحلي، فاشتهر وشاع في عصره، كما هو شأن كل جديد أن يشتهر بعد مرور زمن على حدوثه.
الرحلة في طلب الحديث
لقد عد كثير من علماء الحديث السماع من الشيخ أرفع مرتبة من القراءة عليه، وقالوا أن تشييخ الصحيفة يعد من البلية([686]). وقد دفعت أولئك العلماء رغبتهم في حفظ سلسلة الإسناد، إلى إباحة سماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه([687]). وكانت رغبة الطالب في سماع الحديث مباشرة من الشيخ، من الدوافع التي دفعته للقيام بالرحلة في طلب العلم.
وكان لتحصيل الحديث عن طريق الاتصال الشخصي بالمعلم، فضلاً عما ذكر، مبررات أخرى عند الشيعة وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الحديث الذي يسمع من الإمام (عليه السلام) لا يمكن أن يرتقي الشك إلى وثاقته في نظر الشيعة كأنه مروي عن النبي (ص).
وروى الكشي أن أقواماً كانوا يأتون من الأمصار ليسألوا أبا عبداللَّه (جعفر الصادق) الحديث([688]).
ولما كان أئمة الشيعة قد قضوا معظم حياتهم إلى ما بعد منتصف القرن الثالث للهجرة في الحجاز حيث الأماكن المقدسة، وحيث وفرة الحديث والمشتغلين فيه، فكان أصحابهم وتلامذتهم يفدون عليهم لطلب الحديث في أوقات الحج في الغالب فأتحد بذلك الواجب الديني، والرغبة في التعليم معاً، في رحلة كثير من الطلبة الشيعة خلال قرنين من الزمن. وعندما تولى الإمام الجواد الإمامة بعد أبيه وكان ذلك قبيل موسم الحج فلما «قرب وقت الموسم اجتمع فقهاء بغداد والأمصار وعلماؤهم ثمانون رجلاً، وقصدوا الحج والمدينة ليشاهدوا أبا جعفر…».
وقد وردت إشارة إلى أن طائفة من تلامذة الأئمة كانوا يفدون على أئمتهم في كل سنة للتعلم منهم. روى الحلي أن عمر بن محمد بن بريد بياع السابري كان «أحد من يفد في كل سنة». وقد روى بياع السابري المذكور عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهم السلام) وأثنى عليه الصادق شفاهاً.
أمّا الغرض العلمي الذي عمل الطلبة الشيعة على تحقيقه من الرحلة فضلاً عما سبق، فهو أنهم كانوا يرون أن العلم الذي يكتسبه الطالب مشافهة من الشيوخ أجدر بالاعتماد من العلم الذي يؤخذ من الدفاتر والكتب.
ونود أن نقرر هنا أن الرحلة المذكورة كانت من التقاليد العلمية والتعليمية الشائعة عند الطلبة المسلمين كافة.
ونعود فنقول: إن الشيعة لا تلتزم بصحة كتاب ما من أوله إلى آخره عدا كتاب الله المجيد، ولا تلتزم بآراء سابقة في تصحيح الأحاديث وإنما تضعها دائمة موضع الدرس والتمحيص وتخضع أسانيد جميع الأحاديث لقواعد الجرح والتعديل ومتونها لقواعد الدراية. أما عند أهل السُنة فقد اعتبرت كتب الحديث المشهورة بالصحاح في العصور المتأخرة صحيحة أي أن مجموع أحاديثها صحيحة مع القول باختلاف تلك الكتب في درجة صحة الحديث، ومغزى ذلك: أولاً: سد باب البحث والتحقيق في أحاديث تلك الكتب. وثانياً: التوقف عن توثيق الأحاديث التي لم ترد في تلك الكتب أي البقاء على تقليد أولئك العلماء في تصحيحهم الأحاديث وتضعيفها، وهذا يشبه سد باب الاجتهاد والبقاء على تقليد أئمة المذاهب الأربعة.
تدوين الحديث
ونترك الكلام هنا للسيد هاشم معروف الحسني.
نستطيع أن نؤكد أن تأخر المسلمين عن تدوين الحديث والآثار الإسلامية لا يعود بالدرجة الأولى إلى ندرة وسائل التدوين وتفشي الأمية، كما يدعي بعض المؤلفين من العرب والمستشرقين ذلك لأن وسائل التدوين لم تكن بتلك الندرة حتى قبل ظهور الإسلام كما ذكرنا، ولو تنازلنا عن جميع الشواهد والأدلة التي ذكرناها وقلنا أن العرب قبل الإسلام على اختلاف مناطقهم لا يحسنون الكتابة، لو افترضنا ذلك بالنسبة للعرب قبل الإسلام، فلا يصح هذا الافتراض بعد ظهور الإسلام وبعد تلك الجهود التي بذلها الرسول الأعظم (ص) لمحاربة الجهل والأمية، فلا بد لنا والحال هذه من تلمس الأسباب التي صرفت المسلمين عن تدوين أحاديث الرسول خلال القرن الأول من الهجرة، ومن خلال المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع قديماً وحديثاً نجد أن أكثرها تعزو ذلك إلى الرسول نفسه، اعتماداً على المرويات عنه، وإلى الخليفة الثاني الذي اشتهر بمعارضة فكرة التدوين وتوعد الناس بالعقاب عليها، فرووا عن الرسول (ص) أنه قال: لا تكتبوا عني شيئاً، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وقد أخذ الخليفة الثاني بهذا النص حينما راجت فكرة التدوين بين المسلمين كما يدعي بعض المؤلفين وعلله بأن التدوين قد يؤدي إلى التباس القرآن بالحديث وانصراف المسلمين عن كتاب الله إلى أقواله وأحاديثه كما جرى ذلك بالنسبة إلى الأمم السابقة.
وفي مقابل الرواية التي تنص على أن الرسول نهاهم عن تدوين أقواله وأفعاله روواً عنه أنه رخص لعبدالله بن عمرو بن العاص أن يكتب عنه ما يشاء فجمع من أحاديثه الصحيفة المسماة بالصادقة، وأنه قال لرجل من الأنصار: استعن على حفظك بيمينك، وقال لأنس بن مالك: قيدوا العلم بالكتابة، إلى غير ذلك من المرويات ونظراً لتعارض هذه الطائفة من المرويات عنه للروايات المانعة، رجح أكثر المحدثين بأنه نهى عنه أولاً مخافة أن يختلط حديثه بالقرآن الكريم ولما تركز القرآن في نفوسهم واحتل منها المكان اللائق به، وأصبحوا يميزونه عن غيره أباح لهم أن يكتبوا عنه ما يشاؤون. ونتيجة هذا الجمع بين هاتين الطائفتين من المرويات عنه (ص) فقد توفي والتدوين مباح للجميع، وأمر عبدالله بن عمرو بن العاص أن يكتب عنه في حالتي الرضا والغضب، كما يدعون، أنه دون صحيفته المسماة بالصادقة من أقواله وأفعاله مباشرة([689]) ومن البعيد أن تخفى هذه النصوص على الخليفة وإذا افترضنا بأنه كان على علم بها، فلماذا منع من التدوين في حين أنه لم يرد عن الخليفة الأول ما يشير إلى أنه نهى عن ذلك.
وجاء في بعض المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع أنه منعهم عن تدوين الأحاديث حرصاً على كتاب الله، وأنه أحرق كتباً كانت لبعض الصحابة لهذه الغاية.
فقد روى عنه عروة بن الزبير، أنه أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله (ص)، فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السُنن، وأني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فانكبوا عليها وتركوا كتابه الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء.
وجاء عنه: أنه لما حدث أبيّ بن كعب عن بيت المقدس وأخباره انتهره عمر بن الخطاب، وهم بضربه، فاستشهد أبيّ بجماعة من الأنصار ولما شهدوا بأنهم سمعوا الحديث من رسول الله (ص) تركه فقال له أبيّ بن كعب: اتهمتني على حديث رسول الله، فقال: يا أبا المنذر والله ما اتهمتك، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد أن الخليفة لم يعتمد على الرسول في منعه عن التدوين، وأنه قد تفرد بهذا التصرف حرصاً على كتاب الله، ولكن الرواية التي تنص على أنه قد انتهر أبيّ بن كعب لما حدث عن بيت المقدس، وقوله فيها: إني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً، هذه الرواية تدل على أنه كان حريصاً على أن لا ينتشر الحديث عن رسول الله (ص)، مع العلم بأن حديث الرسول مكمل للتشريع، ومبين لمجملات القرآن ومخصص لعموماته ومطلقاته، وقد تكفل لكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، ولو تقصينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحة في بقاء السُنة في طي الكتمان لم نجد سبباً يخوله هذا التصرف، فقد كان من نتائجه، إن اتسع المجال للكذابين والمنحرفين عن المخطط الإسلامي، والمرتزقة أن يضعوا من الأحاديث ما توحيه إليهم الأهواء والمطامع، بالإضافة إلى ما ضاع منها بسبب الحروب والغزوات التي فتكت بالصحابة بعد وفاة الرسول (ص)..
على أن الذين يحاولون أن يعتذروا عنه، ويقرون المرويات التي تنص على أنه خاف أن يختلط الحديث بالقرآن، هؤلاء يسيئون إليه من حيث لا يقصدون، لأنه لم يكن قصير النظر ولا محدود التفكير ولا جاهلاً بأساليب البيان وبلاغة القول، ويعلم جيداً أن القرآن قد استولى على النفوس وتحكم بمشاعرهم وأحاسيسهم، وكان له الأثر البالغ في سير الدعوة وانتشارها، هذا بالإضافة إلى وجود الفوارق الكثيرة بين الأسلوبين التي لا تخفى على أحد منهم.
ومع التغاضي عن جميع ذلك، فقد كان بالإمكان التفرغ إلى جمع الحديث وتدوينه بعد تدوين القرآن الكريم والتثبت من إحصائه في مجموعة واحدة بواسطة لجنة مختارة من الأمناء المعروفين بالوثاقة والاستقامة، ولو فعلوا ذلك لقطعوا الطريق على (كل) أفاك أثيم، وعلى المرتزقة الذين شوهوا معالم السُنة وطمسوا من أضوائها النيرة وألصقوا فيها من الموضوعات التي جرت على المسلمين أسوأ أنواع البلاء وفرقتهم شيعاً وأحزاباً.
ومهما كانت الأسباب التي فرضت على الخليفة أن يقف من السُنة هذا الموقف، فالنصوص التاريخية تؤكد بأنه لم يكن موفقاً فيه ولم ينجح كل النجاح في هذا التدبير، فقد ظهرت بعض المدونات الإسلامية في فترات متعاقبة من عصر الصحابة وبعده للشيعة وغيرهم، ومن ذلك الجامعة التي ألفها علي (عليه السلام) وقد تناول فيها جميع أبواب الفقه، وإليها كان يرجع الأئمة (عليهم السلام) في أحكامهم وأقضيتهم في كثير من المناسبات، ما دوّن عبدالله بن العباس في الفقه والتفسير وغير ذلك من العلوم، وكان يحمل قسماً منها إلى مجالسه وحلقات التدريس وكتب سعيد بن جبير أحد تلاميذه كل ما أملاه عليه. ومجمل القول أن حركة التدوين بدأت تتسع في الشطر الأخير من عصر الصحابة ولكنها لم تنشر بين المسلمين إلاّ في أوائل القرن الثاني حينما أمر عمر بن عبدالعزيز أبا بكر محمد بن حزم بجمع الحديث وتدوينه، وجاء في المذكرة التي وجهها إليه([690]). انظر ما كان من حديث رسول الله (ص) أو سُنة ماضية فاكتبه فإني خفت، دروس العلم وضياعه، وأكد عليه كما تنص بعض المرويات أن يدوّن ما روته عمرة بنت عبدالرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر([691]) فهب الناس إلى التدوين وأحسوا بخطر الركود الذي مرّ عليه في القرن الأول وأصبح من الضرورات الملحة بنظر الجميع، لا سيما وقد ندب إليه عمر بن عبدالعزيز المعروف بالاعتدال والحرص على الآثار الإسلامية ولكن التدوين الذي كان يوم ذاك لم يكن مرتباً على أبواب الفقه وفصوله ولم يقتصر الكتاب على موضوع واحد، بل كان المؤلف يحشد في كتابه من جميع المواضيع والأصناف، بما في ذلك التفسير واللغة والأدب ونحو ذلك من المواضيع أمّا التدوين المرتب على الأبواب الفقهية فلم يكن قبل أواخر النصف الأول من القرن الثاني، ويدل على ذلك ما أورده الحافظ الذهبي في حوادث 143 قال: وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك من المواضيع، فصنف ابن جريح المتوفى 150 تصانيفه الكثيرة في مكة، وصنف ابن أبي عروبة المكنى بأبي النظر العدوي، وفي خلال ذلك صنف أبو حنيفة في الفقه والرأي، كما صنف حماد بن سلمة وسفيان الثوري والأوزاعي، وعبدالله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وغيرهم في فترات متعاقبة تتراوح بين سنة 150 و175 عشرات الكتب في مختلف المواضيع وإذا لاحظنا ما أنتجت مدرسة الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في هذه الفترة من القرن الثاني تقريباً من المدونات التي بلغت ستة آلاف كما أحصاها أكثر المؤلفين في هذا الموضوع من الشيعة وأشرنا إلى مصادرها في كتابنا (المبادىء العامة في الفقه الجعفري) إذا لاحظنا ذلك ندرك أهمية هذا الدور من ناحية اتساع حركة التأليف وتدوين الآثار الإسلامية وغيرها من آثار الفرس واليونان في مختلف المواضيع، وقد أحصى المؤلفون في أحوال الرجال والتراجم عدداً كبيراً لجماعة من أصحاب الأئمة كصفوان بن يحيى، وشعيب بن أعين الحداد، وهشام بن الحكم، وإسماعيل بن موسى بن جعفر (عليهم السلام) وعبداللَّه بن المغيرة البجلي الكوفي، وعبدالله بن سنان مولى بني هاشم، ومحمد بن عمير ويونس بن عبدالرحمن، وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، والفضل بن شاذان النيسابوري إلى غير ذلك ممن تتراوح مؤلفاتهم بين العشرين والثلاثين كتاباً.
وجاء عن محمد بن مسعود العياشي أنه أنفق على تدوين العلم ثلاثمائة ألف دينار، وأن داره كانت تعج بالناس، وهم بين ناسخ وقارىء ومقارن ولو كتب البقاء لمؤلفات الشيعة في القرنين الثاني والثالث، لكانت دور الكتب أغنى ما تكون بالآثار الشيعية، ولكن الظروف التي أحاطت بهم، والحروب الدامية التي كانت في الغالب تستهدف دماءهم وآثارهم كل ذلك قد ساهم في تبديد تلك الثروة الغنية بالكنوز والنفائس، وليس أدل على ذلك من إقدام الحكام والغزاة، وبخاصة الأيوبيين منهم على حرق المكتبات الشيعية مباشرة، كمكتبة الطوسي، والوزير (نصر سابور بن أردشير) وزير بهاء الدولة، ومكتبة الأزهر التي أسسها الفاطميون في مصر وحشدوا فيها مئات الألوف من المجلدات في مختلف المواضيع وبقيت أكثر من قرنين من الزمن منهلاً كريماً لرواد العلم من مختلف الأقطار إلى أن جاء عهد الأيوبيين الذي استهدف الشيعة وآثارهم أكثر من أي شيء آخر إلى غير ذلك من دور الكتب التي كانت أكثر محتوياتها من كتب الشيعة وآثارهم.
ومهما كان الحال فلم يطرأ على التدوين تطور قبل نهاية القرن الثاني، وبنهايته شرع فريق من العلماء بتطويره فأفردوا أحاديث الرسول عن آراء الصحابة وأقضيتهم ووزعوا الأحاديث على أبواب الفقه وفصوله حسب المناسبات ومضى العلماء على ذلك، فألف أحمد بن حنبل جامعه، وإسحاق بن راهويه وغيرهما عشرات الكتب وظلت حركة التدوين تتسع إلى أن دخلت طوراً جديداً، هو طور الاختيار والتنقيح وكان أول من اتجه إلى هذه الناحية من السنة محمد بن إسماعيل البخاري (رحمهُ الله).
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الباري على صحيح البخاري، ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح وغيره الكثير منها يشمله التضعيف، حرك همته لجمع الحديث الصحيح، فألف كتابه المعروف بصحيح البخاري، كما ألف كل من مسلم، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، والترمذي والنسائي وابن ماجة، ومحمد بن يزيد كتبهم الستة المعروفة بين أعلام السنة بالصحاح خلال القرنين الثالث و(أوائل) القرن الرابع وكان لمحمد بن إسماعيل البخاري الفضل الأكبر في هذا الاتجاه من التأليف، لأنه أول من حرك همته لتحري الأحاديث الصحيحة ودونها في صحيحه سنة 250هـ تقريباً، وآخرهم النسائي أحمد بن شعيب المتوفى سنة 303هـ شهيداً في مكة كما في رواية الذهبي وغيره.
وجاء في سبب وفاته، أنه خرج من مصر وافداً على دمشق فاجتمع عليه المحدثون والقراء وغيرهم، وفي بعض مجالسه سأله بعضهم أيهما أفضل علي أم معاوية؟ فقال على الفور: أما رضي معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل، وجاء عنه أنه قال: والله لا أعرف له فضيلة إلا قول النبي (ص) له: (لا أشبع الله له بطناً) فداسوه بأرجلهم وأخرجوه من الشام مضروراً، فتوجه نحو مكة المكرمة وتوفي بها متأثراً بما أصابه، وجاء في ترجمته أنه قال: دخل الشام، والمنحرف عن علي (عليه السلام) بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت بذلك أن يهديهم الله([692]).
وفي هذا الدور الذي ظهر فيه أصحاب الصحاح ودونوا صحاحهم، نجد بين المؤلفين من الشيعة من هو أكثر إنتاجاً وأحسن تنظيماً من غيرهم، كما تؤكد ذلك كتب الرجال والحديث التي تعرضت لمؤلفات الشيعة في الفترة الواقعة بين عصر البخاري والنسائي، وبخاصة المؤلفات الفقهية الموزعة على أبواب الفقه وفصوله، واشتهر من بينهم القميون بتصلبهم وتشددهم على كل متهم بالانحراف عن العقيدة، كمحمد بن عيسى بن عبدالله الأشعري شيخ القميين في القرن الثالث على حد تعبير علماء الرجال ومحمد بن أحمد بن أبي قولويه، ومحمد بن إسماعيل بن بشير البرمكي، ومحمد بن خالد الأشعري القمي، ومحمد بن علي بن محبوب أحد الشيوخ الأجلاء في قم، وصاحب المؤلفات الكثيرة في مختلف المواضيع وقد أحصى له النجاشي والمامقاني في تنقيح المقال نحواً من ثلاثين مؤلفاً وفي كتابه من الطهارة إلى الديات والحدود، ومن هذه الطبقة محمد بن الحسن بن فروخ الصفار المعروف بالوثاقة وحسن السيرة وسلامة العقيدة، والمعاصر للإمامين الهادي والعسكري (عليهم السلام)، كما عاصر البخاري وغيره من أصحاب الصحاح، إلى غير ذلك من العشرات الذين اتجهوا إلى تصفية الحديث وتصنيفه على أبواب الفقه وفصوله، وقد أحصى النجاشي لبعضهم أكثر من تسعين كتاباً.
وجاء في الفهرست لابن النديم. أن الفضل بن شاذان النيسابوري ترك نحواً من 180 كتاباً من مؤلفاته في مختلف المواضيع، وبلغ الحال بالقميين وغيرهم أنهم كانوا يخرجون من قم كل متهم بالغلو والانحراف عن التشيع السليم ويرفضون مروياتهم مهما كان نوعها. وبالتالي فقد اتجهوا إلى التأليف في أحوال الرواة، ووضعوا أصول علم الرجال الرواة، ووضعوا أصول علم الرجال والدراية حتى لا تختلط مرويات المنحرفين والمتهمين بمرويات الموثوقين من الشيعة المعتدلين في تشيعهم وعقائدهم، ومن هؤلاء علي بن الحسين بن علي بن فضال. فقد جاء في الفهرست للشيخ الطوسي. أنه ممن يعتمد على قوله في الرجال، ويستند إليه في الجرح والتعديل، وأكد هذه الحقيقة في منتهى المقال، واستنتج بعضهم أنه من المؤلفين في الرجال.
ومنهم الفضل بن شاذان، فقد نص جماعة أن له كتباً في الرجال وأحوال الرواة، ومنهم محمد بن أحمد بن داود بن علي شيخ القميين في زمانه كما نص على ذلك النجاشي والعلامة في الخلاصة.
وجاء في الفهرست، أنه ألف كتاباً في الممدوحين، والمذمومين في رجال الحديث.
ومنهم محمد بن الحسن أبو عبدالله المحاربي، قال النجاشي، والعلامة في الخلاصة. أنه كان خبير بأحوال الرواة وألف في هذا الموضوع كتاباً عرض فيه أحوالهم ومراحل حياتهم.
ومنهم نصر بن الصباح المكنى بأبي قاسم من أهالي بلخ فقد ألف كتاباً في أحوال الرواة والناقلين للحديث كما ألف في العقائد وغيرها.
ومنهم محمد بن خالد البرقي ومحمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي وغيرهم ممن نص أصحاب الفهارس على أنهم قد ألفوا في أحوال الرجال ووضعوا أصول علم الدراية في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، وقد أكد ذلك الشيخ الطوسي في العدة، وجاء فيها أن الطائفة ميزت الرجال الناقلين لهذه الأخبار فوثقوا الثقاة منهم، وضعفوا الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد عليه، ومدحوا الممدوحين، وذموا المذمومين، وقالوا فلان متهم في حديثه: وفلان كذاب وفلان مخلط ومخالف في المذهب والاعتقاد إلى غير ذلك من الطعون التي وصفوا بها الرواة والمحدثين، وأضاف إلى ذلك أنهم صنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده وضعفه بروايته وأصبحت هذه الطريقة عادة لهم لا تنخرم ولولا أن العمل بما يسلم من الطعون جائز، لا يكون فائدة لما شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق([693]). هؤلاء وغيرهم من المؤلفين في الحديث وأحوال الرجال وشروط الرواية وأقسامها الذين بذلوا كل ما لديهم من الإمكانيات لتصفية الحديث من الموضوعات ومن المشتبهات هؤلاء وضعوا الأساس للمتأخرين وكانوا الركيزة التي اعتمدها المحمدون الثلاثة، محمد بن يعقوب الكليني، ومحمد بن بابويه الصدوق، ومحمد بن الحسن الطوسي في اختيار مجاميعهم([694]). تلك المؤلفات التي اعتمد مؤلفوها على كتب القميين وغيرهم من أصحاب الأئمة وتلاميذهم كالأصول الأربعة التي كانت بمجموعها محلاً لثقة الرواة والمحدثين، من حيث معرفتهم بمؤلفيها ووثوقهم بصحة ما فيها من المرويات، هذا بالإضافة إلى القرائن الأخرى التي اعتمد عليها المحمدون الثلاثة بالنسبة لبعض المرويات، وإن لم تكن من حيث أسانيدها مستوفية لشروط العمل بالرواية، ومن جملتها مطابقة مضمون الرواية للنص القرآني، أو للسنة الصحيحة، أو لما أجمعت الطائفة عليه: أو لموافقته لحكم العقل، أو لغير ذلك من القرائن التي تؤكد مضمون الخبر وإن رواه من لا يصح الاعتماد على مروياته([695]).
ومجمل القول أن المحدثين من الشيعة نشطوا في تصفية الحديث من الموضوعات ومن مرويات المنحرفين في عقائدهم والمندسين بين صفوف الشيعة ووضعوا النواة الأولى لعلمي الرجال والدراية وألفوا فيهما، قبل أن يقوم البخاري ورفاقه من أصحاب الصحاح بمهمة تصفية الحديث وتصنيفه، وأصبح علم الرجال والدراية من العلوم التي يتوقف عليها استنباط الأحكام من الأدلة، لأن الحديث هو المصدر الثاني للأحكام بعد كتاب الله، ولولاه لم يتم التشريع ولم يبلغ المرتبة العالية من الإحاطة والشمول التي تناولت جميع المواضيع ووضعت الحلول لجميع مشاكل الحياة على اختلاف تطورها ومراحلها.
شروط العمل بالحديث
ونترك الكلام هنا للشيخ محمد جواد مغنية: إنما تثبت السُنة بخبرين لا غير: الخبر المتواتر، والخبر الواحد.
الخبر المتواتر
وعرفوا الخبر المتواتر بأنه خبر جماعة بلغوا من الكثرة مبلغاً أحالت العادة اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب على شريطة أن يستوي التواتر في جميع الطبقات، بحيث تكون الطبقة الأولى التي أخذت عن صاحب السُنة مباشرة متواترة، وكذا الطبقة الثانية والثالثة، ولا تشترط العدالة في رواة الخبر المتواتر بالإتفاق، أما عددهم فلا يتعين بحد، والمهم أن نعلم بامتناع التواطؤ على الكذب، وأن يكون الخبر من شأنه وطبعه مفيداً للعلم، بحيث لو اطلع عليه ذو الفطرة السليمة لعلم بوجود السُنة: فلو افترض أن شخصاً اطلع عليه، ولم يحصل له العلم، لسبب من الأسباب يكون ـ مع ذلك ـ حجة عليه، ويلزمه العمل به([696]).
الخبر الواحد
والخبر الواحد في اصطلاح العلماء هو الذي لا يبلغ حد التواتر، سواء أكان الراوي له واحداً: أو أكثر: فوصف الوحدة هنا يراد به عدم التعدد، وبتعبير ثان أن المتواتر أخذ «بشرط شيء» أي بشرط التواتر، والواحد أخذ «بشرط لا» أي بشرط عدم التواتر والخبر الشامل لهما معاً «لا بشرط» أي لا يشترط فيه التواتر ولا عدمه ومن هنا قالوا: «أن كلاًّ من الخبر المستفيض والخبر المشهور نوع من الخبر الواحد».
والمستفيض في اصطلاحهم ما رواه أكثر من اثنين، ولم يبلغ مبلغ المتواتر، والمشهور ما اشتهر على الألسن، وفي الكتب، وإن كان راويه واحداً، وعليه تكون الاستفاضة وصفاً لراوي الخبر لا للخبر، والشهرة وصفاً للخبر لا للراوي.
أما الخبر الذي حصل العلم بصدوره من القرائن الداخلية أو الخارجية: كخبر «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى» أما هذا، وما إليه فلا جدال ولا نقاش بين العلماء في أنه حجة معتبرة، لا للشهرة أو الاستفاضة، ولا للتواتر أو أي شيء آخر، بل لمجرد العلم بالصدور الذي هو حجة بنفسه، وبدون جعل جاعل.
وبهذا يتبين معنا أن كلاًّ من الخبر المتواتر، والمحفوف بالقرائن المفيدة للقطع يجب الأخذ به، والاعتماد عليه بالاتفاق. أما الخبر الذي لم يبلغ حد التواتر، ولم يعلم بصدوره من القرائن فهو محل الكلام والبحث سواء أكان مستفيضاً، أو مشهوراً، أو غريباً، لم يروه إلاّ فرد، ولم يشتهر على الألسن، ولا في الكتب.
وتكلم الفقهاء عن هذا الخبر من جهات شتى: تكلموا في أصل صدوره عن صاحب السُنة، وقسموه من هذه الجهة إلى أقسام: صحيح وضعيف وحسن وموثق، وتكلموا في جهة الصدور، وأيها لبيان الواقع أو غيره، وأيضاً تكلموا في متنه، والمعنى الظاهر من لفظه، وفي إرادة هذا الظهور، وفي الدليل على اعتباره ووجوب العمل به. أما نحن فينحصر كلامنا في أصل الصدور، وبالأصح في ذكر شروط السند التي تسوغ نسبة الخبر إلى صاحب السُنة في حال عدم العلم والقطع بصدوره عنه، وبديهة أن أهم شيء في الحديث هو الإسناد، لأنه كالأساس للبناء.
الشروط
اتفق الشيعة إلاّ من شذ([697]) ـ على أن السُنة تثبت برواية الراوي، ثم اختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم أن كل خبر يحصل منه الظن بالحكم الشرعي، أو بحجية الخبر فهو حجة متبعة، سواء أكان الراوي ثقة، أم غير ثقة، واستدل هؤلاء «بأنا نعلم بوجوب الرجوع إلى السُنة والعمل بها تماماً كما يجب الرجوع إلى القرآن الكريم، فإن أحرزنا السُنة بالعلم فذاك، وإلاَّ فلا بد من الرجوع إلى الظن لتعيينها». ومعنى هذا أن علينا أن نطيع أوامر الله بطريق العلم، فإن تعذر العلم وانسد بابه وجب الامتثال بأقرب الطرق إلى العلم، وليس من أقرب الطرق إليه الظن. وهذا في حقيقته عمل بالظن لا بالخبر الواحد، والعمل به عمل بلا دليل، بل قام الدليل على تحريم العمل بالظن، لأن مجرد الشك في حجية الشيء، أي شيء، دليل على عدم حجيته، هذا، إلى نص القرآن الكريم على أن الظن لا يغني من الحق شيئاً.
ومهما يكن، فقد استثنى علماء الشيعة من تحريم العمل بالظن موارد قام الدليل القطعي عندهم على اعتبارها، وأنها تماماً كالعلم، منها الظن الحاصل من الخبر الواحد إذا كان راويه مسلماً عاقلاً بالغاً موثوقاً ضابطاً.
اشترطوا الإسلام في الراوي، مع أن غير المسلم قد يكون صادقاً في النقل، وربما أصدق من بعض المسلمين، اشترطوا الإسلام تعظيماً لنبوة محمد والإيمان بها، وبديهة أن المجنون لا يعتمد عليه في شيء، والصبي ملحق به، واشترطوا الوثوق والأمانة في النقل للاحتراز من الكذب، أما بالضبط فلان المغفل قد يزيد أو ينقص، ويغير ويبدل فيما يسمع.
القوي والضعيف
يعتقد كل من السُنة والشيعة أن في أحاديثهم القوي والضعيف، والصحيح والسقيم، ومن هنا وضعوا علم الرجال، وألفوا فيه العشرات من الكتب للغربلة والتصفية، قال المحقق القمي في الجزء الثاني من كتاب القوانين ص222 طبعة سنة 1319هـ: «أن دعوى قطعية أخبارنا ـ أي العلم بصحتها جميعاً ـ من أغرب الدعاوي.. مع أن في الأخبار الموجودة في كتبنا ما يدل على أن الكذابة والقالة قد لعبت أيديهم بكتب أصحابنا، وأنهم كانوا يدسون فيها».
وروى الشيخ الأنصاري في كتاب (الرسائل) الذي هو عمدة التدريس في النجف أن الإمام الصادق قال: إنا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا. إن الناس أولعوا بالكذب علينا، كأن الله افترضه عليهم، ولا يريد منهم… إن لكل منا من يكذب عليه».
ونقل صاحب سفينة البحار في الجزء الأول مادة «حدث»: أن بعض أهل البصرة جمع الأحاديث الموضوعة وعرضها على الإمام الصادق.
وفي إحدى خطب نهج البلاغة ذكر الإمام رواة الحديث، وفي طليعتهم «المنافق الذي لا يتأثم ولا يتحرج من الكذب على رسول الله متعمداً».
وأفضل كتب الحديث عند الشيعة كتاب (الكافي) للكليني، ومع هذا ضعف علماؤهم الكثير من أحاديثه، وأحصى بعض الفضلاء الأحاديث التي ضعفها ووهنها العلامة المجلسي في شرحه للكافي، فبلغت الألوف.
والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات تركت القلم، ورجعت إلى أصول الكافي، وعددت ثلاثين حديثاً من أوله، فوجدت منها ثلاثة عشر حديثاً ضعيفاً، وثمانية أحاديث مرسلة، وحديثين راويهما مجهول، والسبعة الباقية من الثلاثين بين صحيح وموثق بشهادة الشارح المتتبع العلامة المجلسي الذي وصف الكافي بأنه «أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن المؤلفات وأعظمها عند الإمامية».
فهل بعد هذا يقال: أن لدى الشيعة صحاحاً في الحديث، أو صحيحاً واحداً من أوله إلى آخره؟
ولو صدق هذا القيل لكان احتجاج مجتهد على مجتهد شيعي بحديث من الكافي تماماً كالاحتجاج بآية من الذكر الحكيم، مع أن لكل مجتهد شيعي أن يرفض أي حديث لا يرتضيه في الكافي وغيره، ويأخذ بحديث موجود في البخاري أو مسلم، ولا يحق لأحد أن يحتج عليه من جهة دينية أو مذهبية.
من هو الثقة عند السُنة؟
سألني أحد الإخوان: أصحيح أن السُنة يشترطون في الراوي أن لا تكون فيه رائحة التشيع؟ وهل وجدت في كتبهم مصدراً لهذا القول؟
قلت له: هذا قول المتعصبين منهم([698]) وليس مبدأ عاماً عند علمائهم، فقد نقل الغزالي عن الشافعي في كتاب المستصفى أنه قال: «تقبل شهادة أهل الأهواء إلاَّ الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لمن وافقهم بالمذهب».
وقال الخضري في كتاب أصول الفقه: «أمَّا المبتدعون ببدع غير مكفرة فأكثرهم ـ أي أكثر علماء السُنة ـ على القول بقبول رواياتهم، وهو المعقول ما داموا لا يدينون بالكذب، ولا نظن هذا معتقداً لأي طائفة من المسلمين، وأن نسب إلى الخطابية لأنهم يدينون بالشهادة لمن يوافقهم في الاعتقاد»([699]).
وروى أصحاب الصحاح السنة عن رجال الشيعة، كأبان بن تغلب، وجابر الجعفي، ومحمد بن حازم، وعبيدالله بن موسى، وغيرهم.
من هو الثقة عند الشيعة؟
والذي جرى بين علماء السُنة جرى أيضاً بين علماء الشيعة، حيث اشترط البعض أن يكون الراوي شيعياً، وذهب المحققون منهم إلى الاكتفاء بمجرد الوثوق بصدق الراوي شيعياً كان أو غير شيعي، من هؤلاء العلامة الحلي في كتاب (الخلاصة) ومنهم صاحب القوانين، قال في الجزء الأول من نصه بالحرف: «الأظهر قبول أخبار غير الموثقين منهم ـ أي غير الشيعة ـ فإن التثبت يحصل بتفحص حال الرجل في خبره، فإذا حصل التثبت في حاله، وظهر أنه لا يكذب في خبره فهذا تثبت».
وقال السيد القزويني في حاشيته على الجزء الثاني من القوانين: «ان المعتبر تحصيل ما يوجب الوثوق بصدق الرواية».
وجاء في كتاب (تنقيح المقال) ج1 ص206: «ورد النص عن الإمام أن نأخذ برواية من خالفنا دون ما رآه، وقد لزمنا بذلك العمل بالخبر الموثوق الذي هو في اصطلاح العلماء من كان ثقة غير إمامي».
وقال الشيخ الأنصاري في (الرسائل) عند كلامه في الخبر الواحد «أن الإمام الصادق قال: «خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا». ثم قال الأنصاري: «والأخبار متواترة بالأخذ بخبر الثقة والمأمون».
وقال السيد محمد تقي الحكيم في (الأصول العامة) ص219 طبعة أولى: «اعتبر الشيعة أخبار مخالفيهم في العقيدة حجة إذا ثبت أنهم من الثقاة، وأسموا أخبارهم بالموثقات، وهي في الحجية كسائر الأخبار، وقد طفحت بذلك جل كتب الدراية لديهم»([700]).
هاشم معروف الحسني
حجّية الحديث المعَنْعَن
إنّ أهمية الحديث الشريف في الدين غير خافيةٍ على أحدٍ من المسلمين، إذ هو طريق رَحْبٌ من طرق الشريعة المطهّرة والسُنّة الشريفة، بل هو لسانها الناطق، ومصدرها الصادق، ومنبعها المعين من مبلّغها الأمين (ص)، وعليه بعد الكتاب الحكيم اعتماد الدين.
ولذلك تكاثفت الجهود الكريمة والحميدة على العناية به، سواء من مصادره الرئيسيّة وهم النبي والأئمة (عليهم السلام)، الذين لم يألوا جهداً في بثه ونشره والتأكيد على روايته وحمايته، وحفظه على صفحات القلوب وفي أعماق النفوس، وصفحات الأوراق والطروس.
أم من العلماء الأمناء على هذا الدين ومصادره وأحكامه، الذين تناقلوه ورووه بتمام الدقة والرعاية في الضبط والاتقان، وبتمام الذوق والدراية في التصنيف والتبويب، حتى تألفت من ذلك هذه الكنوز الحديثية المتوفرة للأمة للاهتداء بهدي محتواها، والاستضاءة بنور هداها.
وبموازاة ذلك بذل أعداء الدين جهوداً مضنيَةً، مستميتةً، للحيلولة دون تدفق هذه المادة الحيوية، فسعوا بشتى السبل في الصد عنه، والتشكيك فيه، مشددين عليه بالتقليل من أهميته، وإلقاء الشُبه في الموروث والمتناقل منه بوضع الأحاديث المزيفة وخلطها به.
ولم تنقطع هذه المحاولات، منذ عصر الرسالة حتى العصر الحاضر، إذ نشهد حملاتٍ وقحةً شرسةً من خارج البلاد الإسلامية، ويرقص على نعيقهم حثالات في الداخل، فيثيرون بها الغبار في وجه الحديث الشريف، بلسان البحث العلمي، والنقد العقلي، والدراسة التاريخية، من ناشئة الحوزات والجامعات، غير المطلعين على وجهات النظر الصحيحة للبحوث التخصصية الدائرة حول الحديث، واكتفائهم بالمطالعات السطحية أو المعلومات الساذجة مع أن الحديث وشؤونه، قد أصبح بعد تلك المدة المديدة والجهود العديدة «علماً» مستقلاً له، أصوله وقواعده ومصطلحاته وقوانينه وأسراره، لا يمكن الاطلاع عليه ولا استيعابه بدونها، وبدون التمكن منها، كما هو شأن كل علمٍ.
فبدلاً من أن يحاولوا رفع مستوياتهم العلمية في معرفة العربية وآدابها، كي يفهوا ما ورد في نصوص الحديث الشريف، لجّوا في تزييف أسانيد النصوص، ولجأوا إلى إيراد الاحتمالات البعيدة، في الأحكام الشرعية! وعمدوا إلى التشبث بأدنى شبهة تضعف الحديث وتوهنه، وتخلص من الحوم حول فقهه ودلالته ولغته ونحوه وأدبه وبيانه وبلاغته.
ومما أثير هو عدم حجية الحديث المعنعن لشبهة مطروحة ملخصها: أن «عن» تختص بأداء الإجازة، والإجازة لا اعتبار لها…؟!!
فمضافاً إلى ضعف المقدمات والأسس التي بُنيت عليها تلك الشبهة من حيث مدلول «عن» لغةً واصطلاحاً، ومعنى «الإجازة» ودورها العلمي، وتاريخ العنعنة والبحث حولها.
فهي شبهة في مقابل البديهة، لأدائها إلى إسقاط التراث الحديث كافةً عن الحجية والاعتبار!!
وقد رأيت من الضروري عرض هذا البحث لتنكشف جوانبه كلها لأهل العلم، وتفند تلك المزعومة الزائفة، لكل منصف أمين.
مع اللغة
1 ـ العنعنة لغةً:
قال الخليل: يقال «من ترك عنعنة تميمٍ وكشكشة ربيعة، فهم الفصحاء». أمّا تميم فإنهم يجعلون بدل الهمزة العين، قال شاعرهم:
إنّ الفؤاد على الذلفاء قد كمدوا
وحبُّها موشكٌ عن يصدعَ الكَبِدا
وربيعة تجعل مكان الكاف المكسورة شِيناً([701]).
وقال ابن منظور: عنعنة تميم: إبدالهم العين من الهمزة، كقولهم: «عَنْ» يريدون: (أنْ)([702]).
وقال ابن هشام: وكذا يفعلون في (أنّ) المشددة([703]).
قال الفرّاء: لغة قريش ومن جاورهم: (أنّ)، وتميم وقيس وأسد ومن جاورهم يجعلون ألف (أنّ) إذا كانت مفتوحةً «عيناً» يقولون: «أشهد عنَّك رسولُ الله»([704]).
قال ابن الأثير: كأنهم يفعلونه لبححٍ في أصواتهم([705]).
وقال الفيروزآبادي في معاني (عَنْ) المخفّفة… وتكون مصدريَّةً، وذلك في عنعنة تميم: أعجبني عن تفعل([706])؛ فهي بمعنى (أنّ) الناصبة للفعل المضارع.
وقال الزبيدي: وعنعنة المحدثين مأخوذةٌ من عنعنة تميم، قيل: إنها مولدة([707]).
أقول:
عنعنة المحدثين مصدر جعليّ أي مولد يقيناً، إذ هي مأخوذة من (عَنْ) التي هي حرف جرٍّ موضوعٌ في اللغة العربية للدلالة على المجاوزة كما سيأتي ومعنى العنعنة عندهم هو كون السند محتوياً على كلمة (عَنْ) بدلاً عن ألفاظ الأداء الأخرى، ويأتي تفصيل ذلك، فلا ربط لعنعنة المحدّثين بعنعنة تميم، ولم يقصد المحدثون هذا أصلاً.
ومن طرائف الإسناد ما رواه الخطيب البغدادي في «الكفاية» باب: اتّباع المحدث على لفظه وإن خالف اللغة الفصيحة»..
في حديث عبدالعزيز، قال حدثنا محرز بن وزر (عَنَّ) أباه وزراً حدثه (عَنَّ) أباه عمران حدثه (عَنْ) أباه شعيثاً حدثه (عَنْ) أباه عاصماً حدثه (عَنْ) أباه حصين بن مشمت حدثه… الحديث.
قال الخطيب: رواه أحمد بن عبدة الضبي، عن محرز بن وزر، فقال: (أنّ.. أنّ) بدل (عَنَّ) في كل المواضع، وعبدالعزيز أبدل في روايته من الهمزة عيناً، وهي التي يقال لها: «عنعنة قيس» على وجه الذم، وهم معروفون بها([708]).
2 ـ بين «عَنْ» و«مِنْ»:
أمّا لفظة (عَنْ) فهي حرف جرٍّ.
قال ابن هشام في (عن) إذا كانت حرفاً جارّاً أنَّ لها معاني أحدها: المجاوزة، ولم يذكر البصريون سواء، نحو «سافرتُ عن البلد» و«رغبتُ عن كذا»([709]).
وقال الإربلي في معاني «عن» الواقعة حرفاً: للمجاوزة، وهي الأصل في معانيها، إمَّا حقيقةً، نحو: رحلتُ عن زيدٍ»، أو مجازاً، كأخذتُ العلم عن والدي، كأنه لما اتصف به وصار علماً، قد جاوز المعلم([710]).
أقول:
مراده بالأصل: وضع اللغة، فقد صرح أهلها بذلك:
قال ابن منظور: «عَنْ» معناها ما عدا الشيء، تقول: «رميتُ عن القوس» لأنه بها قذف سهمهُ عنها، وعداها، و«أطعمتُه عن جوعٍ» جعل الجوع منصرفاً عنه تاركاً له، وقد جاوزه([711]).
تدل هذه النقول على أن «عن» تدل على مجرد انفصال الشيء عن الشيء وابتعاده عنه، فقولنا «سافرت عن البلد» بمعنى خرجت عنه وابتعدت عنه، وانفصلت عنه، يعني تجاوز سفري البلد.
ومن هنا يُعرف الفرق بين التجاوز في «عن» والابتداء في «من» في قولنا «سافرت من البلد إلى الضيعة» فإنه يدل على أن شروع السفر كان من البلد منتهياً إلى غاية.
فالغرض من «سافرت من» هو بيان محل الشروع في السفر، الذي يقتضي نهاية، وإن اقتضى انفصالاً وخروجاً من البلد، إلاَّ أن الغرض الإفصاح عن الابتداء دون مجرد الانفصال.
وإنّ الغرض من «سافرت عن» هو محل الانفصال بالسفر والخروج، وهو البلد، وإن كان هو المبدأ أيضاً، إلاّ أن الغرض هو التعبير عن مجرد الانفصال، دون أن يذكر له منتهىً وغاية.
وقد استُعملت (عن) بمعنى (مِنْ) ومرادفةً لها، وهذا هو المعنى السابع مما ذكره لها في القاموس([712]).
قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [سورة الشورى 42: 25]: أي من عباده.
وقال الأصمعي: حدثني فلان من فلان، يريد (عنه)، ولهيتُ من فلانٍ وعنه.
وقال الكسائي: عنك جاء هذا، يريد (منك).
روى جميع ذلك أبو عبيد عنهم([713]).
كما صرّح النحاة في معاني (عَنْ) أنها تأتي بمعنى (مِنْ).
قال ابن هشام في معانيها: السابع: مرادفه (مِنْ) نحو {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [سورة الشورى 42: 25] و{أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} [سورة الأحقاف 46: 16] بدليل: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلُ مِنَ الأَخَرِ} [سورة المائدة 5: 27]([714]).
وذكر النحويون أيضاً في معاني (مِنْ) أنها تأتي لمعنى (عَنْ):
قال الإربليّ في معاني (من): العاشر: النائبة عن بعض حروف الجر المؤديّة معناها: أحدها (عن)، فإن (مِنْ) تنوب عنها في تأدية معنى المجاوزة، نحو (انفصلتْ من زيدٍ) و(نُهيتُ من شتم بكر)([715]).
وجعل ابن هشام المجاوزة، السادس من معاني (من)([716]).
واعترض الإربلي على من مثل له بنحو «بعدتُ منه» و«أنفقتُ منه» بقوله: لم يتبيّن لي فيهما معنى المجاوزة([717]).
أقول:
الوجه في الاعتراض هو أن حقيقة المجاوزة هي التعدي بحيث يكون المجرور بعَنْ متجاوزاً عنه، ويكون فاعلُ الفعل هو المتجاوزُ المنفصل عن المجرور، فهذا هو الأصل في معنى (عنْ) وما هو بحكمه، سواء كان تجاوزاً حسياً، فيكون حقيقيّاً، أو تجاوزاً تقديريّاً، فيكونُ معنوياً، نحو «فات عنّي الدرسُ» بمعنى تعدى عني، فلم أدركه، وانفصل عني، وفاتني وقتُه، وبَعُد عنّي.
قال ابن منظور: قال النحويون: (عَنْ) ساكنة النون حرفٌ وُضع لمعنى ما عداك وتراخى عنك، يقال: «انصرف عنّي وتنحّ عنّي»([718]) والمعنى: ابتعد عنّي وانفصل عنّي.
وأمّا (مِنْ) فالأصل فيها هو ابتداء الغاية مكاناً أو زماناً كما هو المعروف في كتب النحو واللغة، وهو كذلك حقيقي معنوي، فالمجرور بـ(مِنْ) مبدأٌ لمصدر الفعل المتعلق لها، ولا بد له من منتهىً يعادله. بخلاف «عن» حيث يقصد الانقطاع والابتعاد فقط.
ففي الأفعال التي تدل على الحركة والانتقال، مثل: «بَعُدَ» و«ذهبَ» و«غابَ» فإن الأمرين معاً محتملان: التجاوز والابتداء، فاستعمال كلٍّ من الحرفين «عَنْ» و«مِنْ» يجوز تبعاً للمراد، فلو صرح، بكون الحرف المستعمل بمعنى الآخر، كان هو المراد، وإلاّ حصل اللبسُ، واحتاج إلى القرينة الموضحة والمشخصة، كما في «بعدتُ منه» فلو أُريد البعد المكاني كانت (مِنْ) لابتداء المكان، والمعنى: أنه (مبدأ البُعْد) الذي قمت به، وقد بلغت موضعاً آخر.
ولو قيل: إن «مِنْ» هي بمعنى «عَنْ» كان المعنى: تجاوزته، وانفصلت عنه وفارقته، من دون غرض في كونه مبدأ للفعل كي يحتاج إلى منتهىً.
وكذا لو قيل: «بعدتُ عنه» فلو أُريد المجاوزة صحَّ، ولو قيل إن «عَنْ» بمعنى «مِنْ» كانت بمعنى الابتداء في المكان كما شرحنا، وكان بحاجة إلى منتهىً ولو لم يذكر في الكلام.
والظاهر أن الالتزام بمعنى ذلك الحرف المستعمل في الكلام وإرادة معناه الأصلي هو المتعين، إلاّ أن يصرح من يعتمد عليه من أهل اللغة بإرادة معنى الحرف الآخر، فيكون هو المتبع.
3 ـ فلنعد إلى محط البحث:
فنقول: إن أفعال نقل القول والكلام وحكايتهما مثل «حدث» و«أخبر» و«أنبأ» و«روى» تُعدّى بحرف الجر «عَنْ» عادةً، يقال: «نقل فلانٌ عن فلانٍ» و«حدّث عنه» و«أخبر عنه» و«أنبأ عنه» و«روى عنه».
والتجاوز المفروض في (عن) ليس متصوراً بمعناه الحسي الحقيقي في هذه الموارد: لأن الفعل وهو من جنس الكلام لا استقرار له حتى يُعقل تجاوزه، بل لا بدّ أن يكون التجاوز معنوياً.
لكن المتجاوز والمتجاوز عنه في هذا المقام يختلفان عما سبق، فليس المتجاوز هو فاعل الفعل، بل هو الحديث نفسه لو فرض فقول زيد: «حدّثَ عمرو عن بكر» معناه على التجاوز: تجاوز الحديث بكراً إلى عمرو، وليس هذا موافقاً لواقع التجاوز الذي عرفناه في «انصرف عمرو عن بكر»، و«رميت السهم عن القوس» حيث إن التجاوز فيهما معناه مجرد ابتعاد عمرو عن زيد أو السهم عن القوس، وانفصاله عنه، بينما في «حدّث عمر عن بكر» ليس مجرد ذلك، بل فيه الانفصال والوصول إلى غاية، ولذا لو قال زيدٌ: أوصل عمرو حديثاً من بكرٍ، أو: «وصل من عمرو حديثُ بكر» صح، وأدّى ذلك معنى «حدّث عمرو عن بكر» بلا تفاوت.
فالتجاوز المراد من «عن» لا يمكن إرادته في مثل «حدّث عمرو عن بكر» لأن واقع التجاوز هو الابتعاد والتعدي والانفصال، عن المجرور، من دون ملاحظة بلوغه إلى الآخر، والمفروض أن الحديث لم ينفصل فقط عن بكرٍ، وإنما بلغ عمراً فيكون منتهياً إلى غاية، وهو معنى «من» فقط كما شرحنا.
وهذا المعنى هو الواقع في الأسانيد، ولذا لا بدّ من تقدير أفعالٍ من مثل «قال» و«أخبر» و«حدّث» وغيرها، مع كل حرف جرّ (عن) في السند ليتعلق به ولا يحتاج إلى واسطة.
وبما أن معنى التجاوز غير جارٍ في هذا، فلا بدّ أن تكون «عَنْ» بمعنى «مِنْ» التي يُراد بها الابتداء وإن كان معنوياً، كما ورد عند أئمة اللغة والنحو.
والحاصل: أن معنى قوله: «حدّث زيدٌ عن عمرو» أنه وصل إلى زيدٍ حديثٌ من عمرو.
وأمّا قول الأصمعي: «حدّثني فلان من فلان» يريد عنه. فهذا دليل على استعمال (من) بعد حدثني بمعناها الحقيقي وهو الابتداء لوجود غاية ينتهي إليها كما فسرناه، إلاّ أن (حدّث) تتعدى بـ(عن) في لسان العرب، فلا بدّ أن تكون (عن) بمعنى (من)، فمراد الأصمعي التعبير عن مقتضى اللفظ.
نقول:
ولما يُرى من اشتراك «من» و«عن» في كون المجرور بهما منطلقاً إمّا للابتعاد بلا غاية، أو للابتداء إلى غاية، فإن ذلك موجبٌ للتسامح في جواز استعمال أحدهما بدل الآخر وبمعناه، فلاحظ!
ونقول أيضاً: ولو فرضنا صحة استعمال «عن» في مثل «حدّث زيدٌ عن عمرو» بمعنى التجاوز، وهو مجرد الانفصال من دون غاية، فلا ريب أن ذلك مجازٌ وخلاف الشائع، لوضوح صحة استعماله في المتصل المباشر، بكثرة وشيوع، من دون حاجة إلى قرينة مع العلم بالاتصال، بل هو الظاهر من الإطلاق، فلاحظ.
وممّا يقرب ما ذكرناه استعمال (عن) مع فعل الأخذ في موضع (من). قال أبو حمزة الثمالي: أخذت هذا الدعاء (من) أبي جعفر (عليه السلام)([719]) وفي الكافي: (عن) أبي جعفر (عليه السلام)([720]).
وهما بمنزلة ما ورد من قول الراوي: أعطاني أبو عبدالله (عليه السلام) هذا الدعاء([721]).
ومعنى هذه الموارد: صدر الدعاء من الإمام إلى الراوي، وليس مجرد تجاوزه عن الإمام بلا غاية، فلاحظ.
نعم، لو كان فاعل الحديث مجهولاً، كما في «حُدِّثْنا عن عمرو» أمكن تصوّر معنى المجاوزة المعنوية؛ لأن الكلام المنقول عن بكر قد تجاوزه وابتعد عنه، لكنه لم يبلغ غاية معينة، لفرض أن الناقل له هو الفاعل المجهول.
نعم، قد بلغ المتكلم بالفعل، لكنه لا بصدوره من عمرو، فأمره يدور بين ابتداء بلا غاية، وهو التجاوز المراد من «عن» وبين انتهاء بلا بداية، وهو ليس مؤدّى «من»، فلاحظ.
ولذا، فقد حُمِل ما ورد بلفظ «يُذْكَر عن فلان» على الانقطاع والإرسال، وأُعِلّ الحديث بذلك حتى ما ورد منه في مثل كتاب البخاري، على مبالغاتهم فيه.
قال ابن حجر في هدي الساري مقدّمة فتح الباري في الفصل الرابع الذي عقده لبيان سبب التعليق للأسانيد عند البخاري ما نصّه: فأما المعلَّق من المرفوعات، فعلى قسمين: … ثانيهما: ما لا يوجد فيه إلاّ معلَّقاً…، فإنه على صورتين: إما أن يورده بصيغة الجزم، وإما أن يورده بصيغة التمريض.
وقال: والصيغة الثانية، وهي صيغة التمريض، لا تستفاد منها الصحة إلى من علّق عنه، لكن فيه ما هو صحيح، وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبيّنه.
أمّا ما هو صحيح، فلم نجد فيه ما هو على شرطه إلاّ مواضع يسيرة جداً، كقوله في (الطبّ): ويُذكر عن ابن عباس([722]).
وقال: وأمّا ما لم يورده في موضع آخر بهذه الصيغة، فمنه ما هو صحيح إلاّ أنه ليس على شرطه ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيفٌ فردٌ إلاّ أن العمل على موافقته! ومنه ما هو ضعيفٌ فردٌ لا جابر له.
فمثال الأول: في (الصلاة):… ويُذكر عن عبدالله بن السائب، وفي (الصيام): ويُذكر عن أبي خالد.
ومثال الثاني: في (البيوع): ويُذكر عن عثمان بن عفان.
ومثال الثالث: … قوله في (الوصايا): ويُذكر عن النبي (ص)، ورواه الترمذي موصولاً من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن عليّ (عليه السلام) والحارث ضعيف، وقد استغربه الترمذي! ثم حكى إجماع أهل العلم على القول به؟!
ومثال الرابع: وهو الضعيف الذي لا عاضد له وهو في الكتاب قليل جداً… فمن أمثلته: في كتاب الصرة: ويُذكر عن أبي هريرة([723]).
أقول:
وموارد أخرى في البخاري بصيغة «يُذكر عن» بالمجهول، المقتضية للانقطاع، والضعف، منها:
يُذكر عن ابن مسعود، وابن عباس([724]).. و: يُذكر عن هشام بن عروة، عن رجل([725]).
بينما لم يجىء هذا الاحتمال في صيغة «يَذْكُر عن» بالمعلوم، كقوله: حدثنا معتمر: سمعت أبي يَذْكُر عن أبي مجلز([726]).. وقوله: سمعت أبا عاصم يذكُر عن سفيان([727])… و: سمعت أبا صالح يذكُر أراه (رواه؟) عن جابِر([728]).
فلتُلاحظ الموارد.
فقول الأزهري: ومما يقع الفرق فيه بين «مِنْ» و«عَنْ» أن «مِنْ» يضاف بها ما قرب من الأسماء، و«عَنْ» يوصل بها ما تراخى، كقولك: «سمعت من فلان حديثاً» و«حُدّثنا عن فلان حديثاً»([729])..
ليس منشأه إلاّ كون الفعل «سَمِعتُ» معلوماً و«حُدّثنا» مجهولاً، إذ يقتضي الفعل المعلوم المباشرة بين السامع والمتكلم، فكأن الحديث تجاوز المتكلم وانتهى إلى السامع، فكان بمعنى «من».
بينما الفعل المجهول يقتضي وجود الواسطة بينهما، فكأنما الحديث قد تجاوز المتكلم ولم يصل إلى السامع، لوجود واسطة مجهولة هو الفاعل المجهول.
فهذا يؤكد أن الفعل «حَدَّث عنه» بالمعلوم، هو يقتضي أن تكون «عن» معه بمعنى «من» كما في «سمعتُ منه» ومثله «رويت عنه» و«أنبأتُ عنه» وأمثالها.
فإن كل هذه الأفعال تدل بملاكٍ واحد على النقل للكلام عن مصدره إلى الناقل.
والحاصل: أن تكون «عن» في هذه الأفعال بمعنى «من» هو مقتضى واقع العمل الذي تدل عليه الأفعال، وهو «النَقْلُ» الصالح للابتداء والانتهاء إلى نهاية مشخصة، ولو معنوياً، وهذا مفاد «مِن»، لا مجرد المجاورة الموضوع لها «عن».
مع الاصطلاح
1 ـ تعريف العنعنة:
عنعنة المحدّث هي قوله في الإسناد: «… فلان عن فلان…» مرة أو مرات، ويوصف الحديث حينئذٍ بأنه «مُعَنْعَنٌ»([730]).
فالعنعنة مصدرٌ جعليّ مأخوذٌ من ذكر لفظ «عَنْ» في السند ولو مرة واحدة من دون حاجة إلى تكرير «عَنْ» كما سيأتي.
وقد عرفت عدم كون هذا المعنى عربياً في الأصل، وإن استعملت في «عنعنة تميم» لعدم ارتباط هذا بتلك.
2 ـ تعريف الحديث «المُعَنْعَن»:
قال الشهيد الثاني: المعنعنُ: وهو ما يقال في سنده: «فلان عن فلان» من غير بيان للتحديث والإخبار والسماع([731]) ووافقه والد البهائي([732]) والسيد الداماد([733]) والمحقق القمّي([734]).
واقتصارهم على ذكر «عن» مرة واحدة في التعريف يعطي صدق «المعنعن» في ما ورد فيه قول «عن» ولو مرةً واحدة.
وهو الصواب؛ لأن الأبحاث التي تترتب على «المعنعن» جارية في السند الذي وردت فيه كلمة «عن» كذلك.
لكن الظاهر من الشيخ البهائي في «الوجيزة» حيث عرّف المعنعن بقوله: «والمروي بتكرير لفظة (عن) معنعَنٌ»([735]) ووافقه غيره([736]) هو لزوم التكرار لكلمة «عن» أكثر من مرة. ولا اقتضاء للفظ «العنعنة» لذلك خصوصاً على ما عرفت من تعريفه، فهو اصطلاح يتبع مراد المصطلحين، وقد عرفت تعريفهم له بمجرد قول «عَنْ» فلا ملزم لقيد «التكرير» في تعريفه.
3 ـ المعنعن بين الإرسال والتعليق:
ويظهر من التعريف أن الحديث المعنعن إنما يُطلق على ما ذكر سنده، ولكن استعمل فيه «عن» بدل لفظ التحمل والأداء مثل «حدّثنا» و«أخبرنا» فهو إذن «مُسْنَدٌ» وليس «مُرْسَلاً» بمعنى أنه مما ذُكر سنده، وليس مما لا سند له.
وقد أحسن المحدث الجزائري حيث قال: «المعنعَن المسمّى بالمسنَد»([737]) وقال: المسند ما اتصلت روايته بذكر الراوي حتى يتصل بالمروي عنه، ويسمى المعنعن والمتصل([738]).
وقد صرح الحاكم: أنه لا يسمى مرسلاً([739]) وإن نقل عن بعض المصنفات في أصول الفقه عدّهُ من أنواع المرسل([740]).
نعم، يُطلق عليه المنقطع بناءً على رأيٍ في العنعنة، كما سيأتي.
وبحكم المسند، ما حُذف سنده مصرّحاً بكونه «معنعَناً» كما فعله الناسخ لكتاب «تفسير فرات الكوفي» حيث عمد إلى حذف أكثر الأسانيد مكتفياً بقوله: «فلان معنعناً عن فلان»([741]) فإنه يدل على كون الحديث في الأصل مذكور السند، إلاّ أنه كان بالعنعنة، ولكن الناسخ حذفه، مصرّحاً بذلك، فهو أشبه شيء بالتعليق عند المصنّفين([742]).
ويدل على ذلك أن أحاديث ذلك الكتاب إنما هي مسندة، وقد ثبت وجود ثلة منها مع الأسانيد المتصلة في مصدرها، ومن الطرق التي روى بها فراتٌ نفسه.
وقد تأكدنا من هذه الحقيقة، عندما عثرنا على «تفسير الْحِبريّ» شيخ فرات الكوفي، الذي هو من مصادره المباشرة، فوجدنا جميع ما رواه فرات عنه، في الكتاب بلفظ «معنعناً» قد ثبت في كتاب الحبريّ مسنداً متصلاً([743]).
فجميع ما قيل فيه: «معنعناً» لا بدّ أن يعدّ من المسند، لا المرسل على المشهور بين أهل الفنّ.
نعم، هو من قبيل «المعلّق» في ابتناء حكمه على مراجعة محل آخر لمعرفته، وهذا غير مصطلح الإرسال، كما لا يخفى.
4 ـ المعنْعَنُ بينَ الاتّصال والانقطاع:
قال الشهيد الثاني في المعنعن: والصحيح، الذي عليه جمهور المحدّثين، بل كاد يكون إجماعاً، أنه متّصل([744]).
وقال السيد الداماد: عندنا، وفي أعصارنا، واستعمالات أصحابنا، فأكثر ما يراد بالعنعنة: الاتصال([745]).
وقال ابن حجر: إنّ «عن» في عرف المتقدمين محمولة على السماع قبل ظهور المدلّسين([746]).
وقال ابن الصلاح: والصحيح، والذي عليه العمل، أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه، وقبلوه، وكان أبو عمر بن عبد البرّ الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك([747]).
وادعى أبو عمرو الداني المقرىء الحافظ: إجماع أهل النقل على ذلك.
وإن خالفها بعض الحنفية فقال: اعلم أن (عن) مقتضية للانقطاع عند أهل الحديث، ووقع في مسلم والبخاري من هذا النوع شيء كثير، فيقولون على سبيل التجوّه: ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع، وما كان في الصحيحين فمحمول على الاتصال (انتهى)([748]).
ومن أصحاب التجوّه هؤلاء من صرح بأن إخراج مسلم في صحيحه لحديث من كان من المدلّسين دليل على أنه ثبت عنده أنه متصل وأنه لم يدلّس فيه.
وأضاف: وفي الصحيحين من العنعنة شيء كثير، وذلك دليل على أنه ليس بمدلّس، أو أنه ثبت من خارج أن تلك الأحاديث متصلة، مع أنه قال في مورد: إنّ عنعنة المدلّس قادحة في الصحة([749]).
أقول:
وهذا الإجماع دعويّ ومخالفةٌ إنما يرد على المتشددين في أمر الإسناد إلى حد التفريط والإفراط، وهو دليل على تجاوزهم للحدود اللازمة في ضبط الحديث وطرقه.
وأضاف ابن الصلاح: وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنةُ إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً، مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذٍ يُحمل على ظاهر الاتصال، إلاّ أن يظهر فيهم خلاف ذلك([750]).
أقول:
قوله: «ثبتتْ ملاقاة…».
يمكن أن يقال: إن ظهوره في الاتصال ما لم يثبت الخلاف يقتضي كون الأصل فيه هو الاتصال، وحينئذٍ فلا لزوم لثبوت اللقاء، بل يكفي إمكانُه، وعدم ثبوت خلافه، فيكون واقع هذا الشرط هو قابليّة اللقاء، و«إمكانه» كما عبّر به بعض علمائنا([751]).
وعلى هذا فليس «اللقاء» شرطاً إضافياً، بل هو بيان لواقع «الاتّصال» الذي هو الأصل.
ويظهر هذا من مخالفة المتشدّدين من العامة الذين اشترطوا العلم الخاص باللقاء، وعبّروا عنه بطول الصحبة، كما سيأتي([752]).
وقوله: «مع براءتهم من وصمة التدليس».
فالمراد أن ثبوت وصمة التدليس في حقهم مانع من الاعتماد على ظاهر «العنعنة» في الاتصال؛ فالمانع من الحكم باتصال المعنعن هو ظهور قرينة تدل على عدم اللقاء، وثبوت التدليس في مورده، كما صرّح بذلك صاحب «القوانين»([753]).
وقد أعلوا أحاديث كثيرة بقولهم « فلان مدلّسٌ وقد عنعنهُ» أو «رواه بالعنعنة» حتى لو كان الراوي ثقةً!([754])
وصرّحوا بأن عنعنة المدلّس قادحة في الصحة([755]) حتى من مثل الأوزاعي، فقد قال ابن حجر في حديث أعله: العلة فيه عنعنة الأوزاعي([756]).
وقال النووي: الحسن بن عرفة روى بعنعنته إلى أنس([757]).
لا مجرد احتمال التدليس، فإنه مَنْفيٌّ بالأصل؛ لأن الأصل عدمه، وهو كذلك منفيٌّ بأصالة الصحة في فعل المسلم.
وقد اعتمد على هذا الأصل الثاني في المقام، الشافعيُّ في الرسالة، حيث قال: المسلمون العدول عدولٌ أصحاء الأمر في أنفسهم… وقولهم عن خبر أنفسهم وتسميتهم على الصحة، حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك فنحترس منهم في الموضع الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم([758]).
واعتمده من علمائنا الإمام العاملي حيث قال: والأصح عدم اشتراط شيء من ذلك لحمل المسلم على الصحة([759]).
أقول:
ما ذُكر من الشرطين، متحققان: أحدهما بظهور الكلمة في الاتصال، والثاني بأصالة عدم التدليس، وكلاهما بأصالة الصحة في فعل المسلم.
فاللازم اشتراط عدم ثبوت التدليس، لا اشتراط ثبوت عدمه.
نعم، لو عُلم عدم اللقاء، أو عُلم التدليس، في استعمال (عن) في معنى الرواية غير المتصلة، فالسند معلّل بذلك.
كما قال ابن حجر في ترجمة «إبراهيم بن جرير بن عبدالله البجلي»: صدوق، إلاَّ أنه لم يسمع من أبيه، وقد روى عنه بالعنعنة، وجاءت رواية بصريح التحديث، لكن الذنب لغيره([760]).
وقال في التهذيب: قال ابن معين: لم يسمع من أبيه شيئاً، وقال ابن عديّ: يقول في بعض رواياته: «حدّثني أبي» ولم يضعف في نفسه… وأحاديثه مستقيمة تُكتب… مات أبوه وهو حَمْلٌ.
قال ابن حجر: إنما جاءت روايته عن أبيه بتصريح التحديث منه من طريق… ضعيف، ونسبه بعضهم إلى الكذب، وقد روى عن أبيه بالعنعنة أحاديث([761]).
ومضى تعليلهم لحديث المدلّس بأنه رواه بالعنعنة، أو عَنْعَنَةٌ.
وقد عرفنا في تحقيقنا لمدلول «عَنْ» لغةً أنها وفي الأسانيد خاصة بمعنى «مِنْ» الدالة على النقل المباشر، ولا تستعمل في غيره إلاّ مع التصريح أو القرينة.
وعلى هذا يجب أن نحمل كلام المحقق الداماد حيث قال: والعنعنة بحسب مفاد اللفظ أعمّ من الاتصال، فإذا أمكن اللقاء وصحّت البراءة من التدليس تعين أنه متصل، ولا يفتقر إلى كون الراوي معروفاً بالرواية من المرويّ عنه، على الأصح([762]).
فقوله: «إذا أمكن اللقاء» يقتضي الاكتفاء بما يعطيه ظاهر النقل، وقوله: «صحّت البراءة من التدليس» يمكن الاعتماد فيها على الأصل المذكور.
ويدل على إرادته لهذا المعنى تقييده العنعنة المفيدة لعدم الاتصال بكونها «بحسب مفاد اللفظ» مع أن المبحوث عنها هي العنعنة المصطلحة.
وأمّا قوله: «ولا يفقتر… على الأصحّ» فهو صريح في نفي ما يقوله المتشددون من اشتراط اللقاء والتأكد من عدم التدليس؛ فلاحظ.
فما عن الخطيب البغدادي من قوله: «إن «عَنْ» مستعملةٌ كثيراً في تدليس ما ليس بسماعٍ»([763]).
وكذلك ما فُرع عليه من أن: قول المحدث: «حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان» أعلى منزلةً من قوله: «حدثنا فلان، عن فلان»([764]).
كلاهما باطلان:
أولاً: لو فرض صحّة ما نقله من كثرة الاستعمال في التدليس في تراث الخطيب ومن على شاكلته، فإنها لم تبلغ مبلغاً يُرفع بها اليد عن ظاهر اللغة وعن الأصلين اللذين ذكرناهما، خصوصاً في تراثنا الإماميّ الذي ثبت فيه كثرة الاستعمال للاتصال، بل نَدرَ خلافه، كما سيأتي مفصلاً.
وثانياً: إنّ قوله: «ما ليس بسُماعٍ» أعمُّ من المدعى وهو عدم الاتصال لأن ما ليس بسماع يشمل ما كان بالقراءة وسائر الطرق المعتبرة التي لا ريب في كون الرواية بها متصلة ومسندةً، وإنما البحث في العنعنة في أدائها إلى الانقطاع أو الإرسال.
مضافاً إلى منافاة دعوى الخطيب لكثرة استعمال «عن» في التدليس، مع دعوى الإجماع المتأخر عن الخطيب على الاتصال في الحديث المعنعن كما عرفت.
فلو كان منعقداً في عصره لم ينعقد في ما بعده على خلافه.
وأمّا التفريع عليه فهو باطل:
لأن الراوي لو كان مدلّساً لم يفرق في عدم اعتبار قوله بين ما صرح بألفاظٍ مثل «حدّثنا فلان، قال: حدّثنا» وبين قوله: «حدّثنا فلان، عن فلان» لأن المدلِّس لا يؤمن على قوله، فإنه يُخفي كذبه في الثاني، فكيف يصدق على الأول؟!
فما وجه عُلُوّ الأول على الثاني، مع فرض العلم بكونه مدلّساً؟!
وإنْ لم يكن مدلّساً، فلا فرق بين قوليه؛ لأن «عَنْ» على ظاهر الاتصال، ومحكوم به، ما لم يعلم الخلاف كما مرّ في حق «إبراهيم بن جرير بن عبدالله البجلي».
مضافاً إلى أن هذا التفريق مبتنٍ على التشديد في مسألة ألفاظ التحمل والأداء وصيغه، والتفرقة بينها في الطرق، وقد أثبتنا في بحث مستقلٍّ خاص بذلك: عدم صحة التشدد المذكور([765]) كما ستأتي الإشارة إليه، أيضاً.
فما التزم به جمع من العامة من تعليل الأحاديث بمجرد كونها «معنعنةً»:
مثل قول ابن حجر: «العلة فيه عنعنة الأوزاعي»([766]). وقول كثير منهم في تعليلها: «فلان مدلّس وقد عنعنه» أو «… رواه بالعنعنة»([767]) مع كون الراوي ثقة!
كلّ ذلك مبنيّ على ذلك الالتزام الفاسد، والتشدد الكاسد.
على أن التشكيك في اتصال المعنعن، قد حكم ببطلانه القدماء السابقون على الخطيب:
مثل مسلم بن الحجاج القشيري (ت261هـ) الذي نقل في مقدمة كتابه عمن نسب إليه «سوء الروية» قوله: إن كل إسناد لحديث فيه «فلان عن فلان» وقد أحاط [أهل] العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم له منه سماعاً، ولم نجد في شيءٍ من الروايات أنهما التقيا قطُّ أو تشافها بحديث: أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبرٍ جاء هذا المجيء([768]).
ثم ترجم مسلم في كتابه لبابٍ بـ: «صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن» قال فيه: هذا القول في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوقٍ صاحبه إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً: أن كل رجلٍ ثقةٍ روى عن مثله حديثاً، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعاً كانا في عصرٍ واحدٍ، وإن لم يأت في خبر قطُّ أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحجة بها لازمةٌ، إلاّ أن يكون هناك دلالةٌ بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئاً.
فأما، والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرناه، فالرواية على السماع أبداً([769]).
وقال الحاكم (ت405هـ): الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل، على تورُّع رواتها من أنواع التدليس([770]).
وكذا استظهر بعض الأصوليين الاتصال في المعنعن:
قال الشيرازي: «إذا قال: حدثني فلان عن فلان» فالظاهر أنه متصل.
واستدل على ذلك بأنه لو كان بينهما واسطة لبين ذلك.
وردّ حجة القول بالإرسال استناداً إلى استعمال الرواية عن المتصل وغيره بأن الأصل عدم الوسائط، فوجب أن يُحمل الأمر عليه([771]).
والظاهر أنه استدل بالأصلين المذكورين:
فالأول: حمل فعل الراوي على الصحة.
والثاني: أصالة عدم الواسطة.
فقد ظهر حصول الإجماع قبل الخطيب وبعده، على الحكم باتصال المعنعن، وهذا مما يوهن دعواه كثرة استعمال «عن» في التدليس، كما لا يخفى.
وبالرغم من هذا كله، أصبح احتمال الانقطاع في المعنعن من أهم العقبات المطروحة فيه، كما سيأتي في فصل الإشكالات عليه.
5 ـ العنعنةُ وطرق التحمّل والأداء:
قال ابن الصلاح: وكثر في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال «عَنْ» في الإجازة، فإذا قال أحدهم: «قرأتُ على فلان عن فلان» أو نحو ذلك، فظُن به أنه رواه عنه بالإجازة، ولا يخرجه ذلك عن قبيل الاتصال، على ما لا يخفى([772]).
وهذا صريح في أن ارتباط «عن» بالإجازة من الطرق، إنما هو اصطلاح خاص بالمتأخرين عن القرن السابع؛ لأن ولادة ابن الصلاح كانت سنة 577، وألف كتابه سنة 634، وتوفي سنة 643، فقوله: «في عصرنا وما قاربه» لا يتقدم على القرن السابع كثيراً.
ومع هذا، فإن العبارة المذكورة تدل على حكمه بالاتصال، مع حكمه بكون الطريق هي الإجازة، والوجه فيه: أن الإجازة في عصره كانت قد استقرت بشكلٍ نهائي، واتخذت مقامها السامي بين المحدثين، وهي على ما قررنا في كتابنا «إجازة الحديث» من أوثق طرق التحمل في أداء مهمتها، وهي تصحيح نسبة كتب الحديث وغيره مع الضبط التام، وقد وُضعت ثالثة الطرق بعد السماع والقراءة، بل في المحدثين من قارنها بالسماع، كما فُصل في محله.
بل إن ابن الصلاح جعل الحكم بالاتصال دائراً مدار وجود الإجازة، في ما نقله عنه جلال الدين السيوطي أنه قال وهو يتحدث عن اتصال المعنعن: ولا أرى هذا الحاكم يستمر بعد المتقدمين، في ما وجد من المصنّفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه: «ذكر فلان» أو «قال فلان» أي فليس له حكم الاتصال ما لم يكن له من شيخه إجازة([773]).
هذا، وأما ما يرتبط بتراثنا الشيعي:
فقد ذكر الإمام عز الدين والد البهائي معقباً كلام ابن الصلاح: وأمّا عندنا: فالذي يظهر أنه يُستعمل في الأعم منها ومن القراء والسماع([774]).
وقال الداماد معقباً ابن الصلاح، كذلك: ولعل ذلك في عصره، وفي اصطلاحات أصحابه واستعمالاتهم، وأمّا عندنا، وفي أعصارنا، وفي استعمالات أصحابنا، فأكثر ما يُراد بالعنعنة: الاتصال([775]).
أقول:
وأمّا بالنسبة إلى المتقدمين وهم من قبل الخمسمائة([776]) فقد عرفت إجماعهم على أن «عَنْ» إنما يُراد بها الاتصال، قطعاً، من دون تفريق فيه بين الطرق.
ولو ثبت تخصيص القدماء لفظة «عَنْ» بالإجازة، فحكمهم بإرادة الاتصال منها، دليل على اعتبارهم للإجازة طريقاً صحيحة مؤدية مثل ما يُراد من السماع وغيره من الطرق المعتبرة في النقل والرواية.
كما إن كون «عَنْ» خاصةً بالإجازة، يقتضي كون الإجازة من أقدم الطرق وأهمها، حيث إن العنعنة مستعملة حتى في نهايات الأسانيد، ومع أسماء المعصومين: وأصحابهم الكرام، ولا ريب أن استعمالهم لها دليل على اعتمادهم عليها واعتبارهم لها من الطرق الوافية بغرض الرواية لا العكس، كما يحاول أن يوهمه الكاتب المتدخّل فيما لا يعنيه من الفقه والحديث، وسيأتي ذكر شُبهته في فصل «الإشكالات على العنعنة».
6 ـ متعلق العنعنة وفعلها:
ثم إن لفظة «عَنْ» وهي حرف جرّ، لا بدّ أن تتعلق نحوياً بفعل أو شبهه، في الكلام، مذكور أو مقدر، وبما أن الظاهر في الأحاديث المعنعنة خلوّها من متعلق ظاهر، فلا بُدّ من تقديره.
وقد قال العلائي: وإذا ظهر الفعل في أول الكلام كان قرينةً في حمل جميع المحذوفات المقدرة في السند عليه، فإذا قال الراوي في أول السند: «حدّثنا» أو «أخبرنا فلان» حُمِلَ جميع ما بعده من «العنعنة» على ذلك، لأن المحذوف يتقدر منه أقل ممكن بحسب الضرورة الداعية إليه، ويكتفى بالقرينة المشعرة به([777]).
وهذا كلام متينٌ، وهو مقتضى الحكمة في كلام الراوي، يقتضيه أيضاً أمرُ حمل فعل المسلم على الصحة الذي استند إليه العلماء في الحكم باتصال المعنعن كما سبق.
7 ـ موقع العنعنة بين صيغ الأداء وألفاظه:
يظهر من تتبع كلماتهم أن موقع «عَنْ» قد اختلف مع مرور الأزمان.
1 ـ فالشافعي (ت204هـ) يقول: كان قول الرجل: «سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً» وقوله: «حدّثني فلانٌ عن فلان» سواءً عندهم، لا يحدّث واحدٌ منهم عمن لقي إلاّ ما سمع منه، ممن عناه بهذه الطريق قبلنا منه: «حدّثني فلان عن فلان»([778]) فلم يفرّق بين «سمعت» و«عن» في الأداء.
2 ـ قال أبو زُرعة: سألت أحمد بن حنبل (ت261هـ) عن حديث أسباط الشيباني، عن إبراهيم، قال: «سمعت ابن عباس»؟
قال أحمد: «عن ابن عباس».
فقلت: إن أسباطاً هكذا يقول: «سمعت»؟!
فقال: قد علمتُ، لكن إذا قلتُ: «عن» فقد خلصتهُ وخلصتُ نفسي؛ أو نحو هذا المعنى([779]).
فقد أبدل أحمد «سمعت» بـ«عن» بل يظهر منه أن «عن» أحوط. ومن الواضح أن ما ذكره لا يتم إلاّ إذا كانت «عن» تؤدّي مؤدّى «سمعتُ» عنده.
3 ـ وقد مرّ في كلام مسلم في مقدمة صحيحه أنه حمل رواية العنعنة على السماع أبداً([780]).
4 ـ وقال الدربنديّ: عنعنة المعاصر محمولةٌ على السماع([781]).
5 ـ وحملها بعضهم على السماع بشرطين([782]).
فلو تحقّق الشرطان ولو بالأصل كان سماعاً.
6 ـ وجعلها العلائي من الألفاظ المحتملة للسماع، وتطلق في التدليس([783]).
فإذا انتفى التدليس ولو بالأصل، كان سماعاً.
7 ـ وصرّح الشهيد الثاني (ت965هـ) بأن «عن» مشترك بين السماع والإجازة([784]).
وغرضه بلا ريب ما هو المتعارف عند المتأخرين، لما عرفت في الفقرة الخامسة من هذا البحث.
8 ـ ونقل الشهيد الثاني عن بعضهم أنه استعمل في الإجازة الواقعة في رواية مَنْ فوق الشيخ المُسمِع بكلمة «عنْ» فيقول أحدهم إذا سمع على شيخ بإجازته عن شيخه: «قرأت على فلان عن فلان» ليتميّز عن السماع الصريح، وإن كان «عن» مشتركاً بين السماع والإجازة([785]).
وهذا جارٍ على عرف المتأخرين، كما سبق.
9 ـ وقال والد البهائي (ت984هـ): إنّ «عن» يُستعمل في الأعم من الإجازة ومن القراءة والسماع([786]).
وإطلاق هذا الكلام يقتضي كونه نقلاً عن ما تعارف بين المتأخرين.
ويلاحظ أن «عَنْ» في القديم كانت تُقرن بـ«سمعتُ» التي هي صيغة الأداء عن «السماع» وهو أقوى الطرق وأعلاها بالإجماع، وهذا يدل على مكانة «عَنْ» ودلالتها اللغوية والاصطلاحية بوضوح.
وأمّا ما آل إليه أمر «عَنْ» فهو مجرد اصطلاح متأخر، مع أنه لا أثر له على الأسانيد «المعنعنة» لثبوت الحكم بالاتصال فيها بإجماع المتقدمين والمتأخرين، كما صرّح ابن الصلاح بذلك، وعبارة الشهيد الثاني ووالد البهائي ناظرتان إلى تعقب ابن الصلاح، كما عرفنا في الفقرة السابقة.
ومن هنا نعرف أن من أفحش الأغلاط التشكيك في الأحاديث المعنعة، لافتراض احتمال أداء «عَنْ» فيها لخصوص طريقة «الإجازة»، كما سيجىء في فصل «الإشكالات على العنعنة».
8ـ أحوال «عَنْ» في الأسانيد:
قال الصنعاني: إنّ للفظ «عن» ثلاثة أحوال:
الأول: أنها بمنزلة «حدّثنا» و«أخبرنا».
الثاني: أنها بتلك المنزلة، إذا صدرت من مدلّسٍ.
وهاتان الحالتان، مختصتان بالمتقدمين.
وأمّا المتأخرون وهم من بعد الخمسمائة وهلُمَّ جرّاً فاصطلحوا عليها للإجازة، وهذه هي الحالة الثالثة.
إلاّ أن الفرق بينها وبين الحالة الأولى مبنيٌّ على الفرق في ما بين السماع والإجازة، لكون السماع أرجح.
وبقي حالة أخرى لهذه اللفظة، وهي خفيّة جداً، لم يُنبّه أحدٌ عليها في علوم الحديث، مع شدّة الحاجة إليها، وهي: أنها ترد، ولا يتعلق بهل حكم باتصال ولا انقطاع، بل يكون المراد بها سياق قصة، سواء أدركها الناقل أم لم يدركها! ويكون هناك شيء محذوف، فيُقدّر([787]).
أقول:
وقد صرّح بهذه الحالة أيضاً ابن عبدالبرّ في (التمهيد) والسخاوي في (الفتح)([788]).
فلو كان ذلك مذكوراً في أثناء الإسناد فإن في عدّها حالةً مستقلةً تأمُّلاً، وذلك لأن كلام الناقل المذكور لا يخلو:
إمّا أن يكون نقلاً مباشراً عمن قاله، فهو متصلٌ.
وإمّا أن يكون بواسطة غير مذكورة، فهو منقطعٌ، والناقل مدلّسٌ.
وإمّا أن يكون السند مذكوراً في محل آخر، فهو معلَّقٌ.
وإنْ لم يُذكر أصلاً، فهو مُرسلٌ.
فليس ما ذكره خارجاً عن هذه الحالات.
وإنْ لم يكن في الإسناد، فلا ربط له بمباحث علوم الحديث.
فاستشهاد المشكّكين في الحديث المعنعن بمثل هذه الحالة، وهي من أهم أدلتهم، غير صحيح على قول العلائي؛ لأن المفروض عدم تعلق حكم الاتصال ولا حكم الانقطاع بمثل سياق القصّة؛ لأن الاتصال والانقطاع من أحكام الإسناد، وعلى فرضه لا إسناد هنا.
وحالة أخرى لاستعمال «عن» هي الرابعة، لم يذكرها العلائي ولا غيره، وهي المستعملة مع قول الراوي: «بلغني عن فلان».
وبما أن الكلام حولها طويل الذيل فقد آثرنا تأجيل التفصيل عنها إلى مجال آخر، نستوفيه فيه إن شاء الله تعالى.
تاريخ العنعنة
الملاحظ في كتب الحديث الأساسية، وجود العنعنة في أسانيدها بشكل كثير ومطّرد، ومع أسماء المعصومين: النبيّ الأكرم (ص) والأئمة الكرام: وحتى مع أسماء الملائكة: ومع اسم ربّ العزّة تبارك وتعالى.
وأمّا مع أسماء الصحابة والتابعين في القرون الأولى فكثير شائع.
وقد يعتقد أن استعمال ألفاظ الأداء الأخرى كـ«سمعتُ» و«حدّثنا» و«أخبرنا» وأمثالها، توجد بقِلّةٍ ملحوظة في تلك الطبقات، بينما هي مستعملةً في الطبقات اللاحقة بكثرة ووفرة.
1 ـ الموارد عند القدماء:
ومهما يكن فإن التركيز على لفظة «عَن» في مقابل الألفاظ الأخرى، موجود في نصوص عريقة في القِدَم، سواء في الأسانيد، أم في المناقشات حولها بين المحدثين أو الأصوليين، إليك منها:
1 ـ قيل لحفص بن غياث بن طلق القاضي (ت194هـ) الراوي المعروف: ما لكم حديثكم عن الأعمش، إنما هو «عن فلان» ليس فيه «حدّثنا» ولا «سمعتُ»؟!
فقال: حدّثنا الأعمش، قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول لنا: يكون أقوامٌ يقرأون القرآن يقيمونه إقامة القِدْح، لا يدعون منه ألفاً، ولا واواً، ولا يُجاوز إيمانُهم حناجرهم([789]).
وهذا النص يدل على أمور:
أولاً: على التفات المعترضين إلى استعمال العنعنة، ووضعهم لها في مقابل «حدّثنا» و«سمعت» وهي العناية بالألفاظ في مراحلها الأولى.
ثانياً: على أن حفصاً استنكر تلك العناية بشدة، حتى طبق عليهم حديث حذيفة، الشديد اللهجة، مما يدل على أن الالتزام بالألفاظ، والتشديد عليها، ومحاسبة الراوي من أجلها لم يكن أمراً مستقراً حتى ذلك العصر، بالرغم من أن وضعها قد سبق تلك المرحلة، ما أثبتنا ذلك في البحث عن الصيغ([790]).
2 ـ ولأبي عمرو الأوزاعي (ت157هـ) رأي في استعمال «عَنْ» حيث سئل عن «المناولة» والقول فيها بـ«حدّثنا» أو «أخبرنا»؟
فقال: إنْ كنتُ حدثتك فقل «حدّثنا».
قيل: فأقول: «أخبرنا»؟
قال: لا.
قيل: فكيف أقول؟
قال: قل «عن أبي عمرو» أو «قال أبو عمرو»([791]).
فالأوزاعي وهو من المتشددين في الالتزام بصيغ الأداء المعينة يؤكّد على استعمال «العنعنة» في طريقة «المناولة» وهي أن يعطي الشيخ لتلميذه كتاباً معيّناً قد عرف صحة نسبته وصحة ضبطه، وقد تُقْرَنُ بالإجازة، فتكون من أخص أنواع الإجازة، وأقواها، بل لم يعتبر بعض المحدثين الإجازة إلاّ إذا كانت مقرونةً بالمناولة([792]).
إلاّ أن الأوزاعي ليس ممن يُتّبع رأيُه في باب الحديث، لكونه فقيهاً وليس محدثاً([793]).
3 ـ إنّ المفهوم من ترجمة البخاري (ت256هـ) في كتابه الجامع، في كتاب العلم لباب «قول المحدّث: حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وقال لنا» وإيراده تحته استعمال العلماء لمختلف ألفاظ الأداء، ومما جاء فيه:
قال أبو العالية، عن ابن عباس، عن النبيّ (ص) في ما يروي عن ربّه.
وقال أبو هريرة عن النبيّ (ص) يرويه عن ربّكم([794]).
فالمفهوم من صنيع البخاري بإيراده هذه الأمثلة هو التزامه بالأداء بالعنعنة في جميع الطرق وعدم اختصاصها عنده بالإجازة بقرينة استعماله لكلمة «عَنْ» مع اسم النبيّ (ص) ومع اسم الربّ جلّ وعلا.
مع أن البخاري إنما التزم في صدر الباب بالتسوية بين الألفاظ مما يدل على تسامحه في الأداء بها من دون تفرقة بين الطرق المختلفة، وقد نقل عن ابن عيينة أنه كان «حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعتُ» عنده واحداً([795]) وإن كان البخاري قد اشترط في استعمال «عن» العلم باللقاء وعدم التدليس، كما مرّ.
4 ـ وأمّا مسلم بن الحجّاج القشيري (ت261هـ) فقد بحث مفصلاً عن «الحديث المعنعن» ودافع عن الاحتجاج به بقوة، وردّ على المتشددين المانعين عن العمل به إلاّ بشروط، واعتبرهم أناساً «سيّئي الرويّة» وجعل قولهم «مخترعاً مستحدثاً غير مسبوق، ولا مساعداً عليه»([796]).
وقد ذكروا أن المشترط المتشدد الذي عناه مسلم، ورد عليه، هو البخاري وعليّ بن المديني، وقد نقل الصنعاني إجماع الناظرين على أن مسلماً أراد البخاري بذلك([797]).
وصرّح الذهبي بذلك فقال: إن مسلماً لحدّةٍ في خُلُقه، انحرف أيضاً عن البخاري، ولم يذكر له حديثاً، ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحطّ على من اشترط اللُقي لمن روى عنه بصيغة «عن»، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبّخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبدالله البخاري وشيخه عليُّ بن المديني([798]).
2 ـ وعند المتأخرين:
وقد مضى المحدثون على هذه السيرة، باستعمال العنعنة من دون تحرُّج، ومن دون التخصيص بطريقة معينة من طرق التحمل، مساوية لبقية الألفاظ، لأدائها نفس الهدف لغة واصطلاحاً مع الاختصار الملحوظ، حتى أحدث المتأخرون وهم مَنْ بعد الخمسمائة التفريق بينها، فالتُزم لكل واحد من الطرق بلفظٍ أو أكثر محدد من ألفاظ الأداء، لأداء أدوار معينة وبأغراض خاصة، منها رعاية الحديث بمزيد من الدقة والضبط والمحافظة، ومعرفة أحوال الرواة مع المراقبة الأتم، خصوصاً بعد الكشف عن عنصر الوضع والدس والتزوير، بعد أن كثرت طرق الأحاديث واختلطت واختلفت.
ولقد بقيت الحاجة إلى ألفاظ الأداء ماسةً، لأداء الأغراض الثانية التي وضعت لأجلها([799]).
إلاَّ أن الحاجة الأساسية والغرض الأول من الألفاظ وهو التوصل إلى المراد من المتون، وفقه الحديث، والاستناد إليه للعمل وتحديد الأحكام، كان هو الأهم دائماً، فلذا لجأوا إلى اختزال طرق الإسناد، بالاختصارات لألفاظ الأداء تارةً، وبالتعليق للأسانيد على غيرها أخرى، وباستعمال «العنعنة» بدل الألفاظ الصريحة، ثالثةً.
ومن أجل هذا اكتفوا بالعنعنة، كما هي سيرة القدماء، ولم يتقيدوا باصطلاح متأخر محدث، بل كما قال أحمد بن حنبل: «إذا قلتُ «عن» فقد خلّصتُه وخلّصتُ نفسي»([800]) فقد جعلها أحوط.
فلنستعرض التراث الإسلامي، فنقف على هذه الحقيقة:
3 ـ تراثنا الحديثي ودور العنعنة فيه:
فإن ما بأيدينا من التراث الحديثي الضخم نتخذه محوراً للعمل، ومجالاً للبحث عن تاريخ العنعنة، فلنحاول متابعة عينات من هذا التراث حسب تسلسلها التاريخي:
1 ـ الجعفريَّات:
وهو مجموع من «ألف حديث» بسند واحد، وأحاديثه مسندة بطريق أهل البيت([801]): سُمّي بذلك لكونه من رواية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).
وعُرف بعنوان «كتابٌ لأهل البيت»: لكونه بسندهم أبٍ عن جدّ حتى يُرفع إلى جدّهم رسول الله (ص).
واشتهر باسم «الأشعثيات» باعتبار تمحور روايته عن المحدث محمد بن محمد بن الأشعث المصري أبي علي الكوفي، الذي رواه سنة 313 و314، ورواه عنه مجموعة من الرواة، منهم:
أبو محمد، سهل بن أحمد بن سهل الديباجي.
وهارون بن موسى التلّعُكبري البغدادي.
وعبدالله بن محمد بن عبدالله بن عثمان أبو محمد ابن السقاء، وهو راوي النسخة المتداولة منه.
وعبدالله بن أحمد بن عدي.
وأبو الحسن علي بن جعفر بن حماد بن رزين الصياد، بالبحرين([802]).
وابن الأشعث روى الكتاب عن: موسى بن إسماعيل بن الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليهم السلام). ولابن الأشعث متابع وهو في ما رواه الصدوق القمي بسنده عن محمد بن يحيى الخزار، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل.
وموسى هذا يروي عن أبيه إسماعيل، عن أبيه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، عن أبيه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)([803]).
وعُني الخاصة برواية هذا الكتاب، وتداولوا نسخه، وجاء ذكره في الفهارس والمشيخات والإجازات، وسماه كثير منهم بـ«الجعفريات» كما مرّ.
وبهذا الاسم أيضاً عُرف عند الطائفة الإسماعيلية، كما رأيت في بعض مؤلفات القاضي النعمان المصري صاحب «دعائم الإسلام».
كما أسند غير الشيعة في مؤلفاتهم إلى بعض أحاديثه([804]) وسُمّي عندهم باسم «كتابٌ لأهل البيت».
تبدأ النسخة المطبوعة بالسند التالي:
أخبرنا القاضي أمين القضاء أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد «قراءةً عليه، وأنا حاضرٌ أسمع» قيل له: حدّثكم والدكم أبو الحسن علي بن محمد بن محمد، والشيخ أبو نعيم محمد بن إبراهيم بن محمد ابن خلف الحجازي، قالا:
أخبرنا الشيخ أبو الحسن، أحمد بن المظفر العطار، قال:
أخبرنا أبو محمد، عبدالله بن عبدالله بن عثمان المعروف بابن السقاء، قال:
أخبرنا أبو عليّ محمد بن الأشعث الكوفي، من كتابه سنة أربع عشرة وثلاثمائة، قال:
حدّثني أبو الحسن، موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال:
حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه عليّ ابن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (ص): «الماءُ يُطهّرُ ولا يُطهَّر»([805]).
واختصر هذا السند في ما تلاه من الكتب الفقهية المتتالية، في أبوابها المختلفة المعنونة في الكتب:
ففي أول باب بعنوان «باب طهارة الماء الجاري» جاء السند هكذا: أخبرنا محمد، قال حدّثني موسى: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام).
وأضاف في بعض المواضع في بداية هذا السند: «أخبرنا عبدالله»([806]) وهو ابن السقاء الذي روى في البداية عن «محمد» وهو ابن الأشعث.
وفي باب «السُنّة» في حلق الشعر يوم السابع للمولود» ذكر السند السابق، ثم أتبعه بقوله: «وبإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه…» إلى آخره([807]).
وعندما يروي في بعض المواضع النادرة عن غير أهل البيت، لا يستعمل معهم العنعنة غالباً، بل يستعمل ألفاظ الأداء الأخرى([808]) وقد روى الخطيب البغدادي واحداً من أحاديث الكتاب بالسند التالي: أنا عبيدالله بن أبي الفتح، أنا سهل بن أحمد الديباجي، نا محمد بن محمد ابن الأشعث الكوفي بمصر، نا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، نا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ، قال:… ([809]).
وقد ورد هذا الحديث بعينه في الجعفريات بقوله: وبإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: «ليس من أخلاق المؤمن التملُّق، ولا الحسد، إلاَّ في طلب العلم»([810]).
والإسناد السابق عليه هو: أخبرنا عبدالله، قال: أخبرنا محمد، قال: حدّثنا موسى، حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد…
فيلاحظ: اقتصار ما في كتابنا على كلمة «بإسناده» بدلاً عن قطعة من السند، واختصار الخطيب ألفاظ الأداء، واكتفاؤه بـ«أنا» التي هي عبارة عن «أخبرنا» و«نا» التي هي اختصار «حدّثنا»([811]).
كما يلاحظ في جميع ما ورد في الكتاب وما نقل عنه استعمال العنعنة مع أسماء الأئمة: واستعمال الألفاظ صريحها أو مختصرها مع أسماء المتأخرين عنهم، سوى بعض الموارد، حيث جاء فيها: «عن جعفر، قال: أخبرني أبي، قال:» ([812]).
ومورد آخر: «عن عليّ (عليه السلام)، خُبِّرنا عن رسول الله (ص)»([813]).
واتفاق ما نقله الخطيب مع ما في النسخة المتداولة في هذه الجهة دليل على ثبوت ذلك في أصل الكتاب.
ثم إن الصدوق قد أسند إلى موسى بن إسماعيل بن الكاظم (عليه السلام)، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر (عليه السلام).
وسند الصدوق هو: الحسن بن عبدالله العسكري، ثنا محمد بن أحمد بن حمدان القشيري، ثنا أحمد بن عيسى الكلابي، ثنا موسى، عن إسماعيل…([814]).
وقد ورد كثير من أحاديث هذا الكتاب «الجعفريات» برواية سهلٍ عند المحدّث الأقدم الإمام جعفر بن أحمد القمّي الرازي في كتابه القيم «جامع الأحاديث» بصورة العنعنة([815])، وبطريق محمد بن عبدالله([816]) وبطريق هارون بن موسى([817]).
2 ـ مسند الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام):
هو كتاب رواه أبو عمران، موسى بن إبراهيم المروزي، البغدادي، يحتوي على مجموعة أحاديث، مرفوعة مسندة، سمعها الراوي من الإمام (عليه السلام)، عندما كان الإمام (عليه السلام) في السجن في بغداد.
وتوجد نسخة منه([818]) تحتوي على 59 حديثاً، تبدأ بالسند التالي:
حدثكم أبو عبدالله محمد بن خلف بن إبراهيم بن عبدالسلام المروزي، قال: أنا موسى بن إبراهيم المروزي، قال: أنا موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال:
حدّثنا رسول الله (ص)([819]).
ولكن السند قد ورد مختصراً في ما تلا الحديث الأول من الروايات، هكذا: «حدثنا محمد بن خلف، حدّثنا موسى بن إبراهيم، حدّثنا موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله (ص)…».
ويلاحظ أن العنعنة بدأت مع أسماء الأئمة:!
وكذلك روى الخطيب البغدادي بعض روايات المروزي موسى بن إبراهيم عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، وجاء اللفظ عنده هكذا:
«حدثنا محمد بن خلف بن عبدالسلام المروزي، حدّثنا موسى بن إبراهيم المروزي، حدّثنا موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله (ص): «مَنْ قال حين يسمع المؤذّن يؤذّنُ: مَرْحباً بالقائلين عدلاً…» الحديث([820]).
وكذلك روى ابن حجر العسقلاني منه حديثاً، والسند فيه مثل ما أورده الخطيب([821]).
أمّا المحدثون الشيعة فقد نقلوا أحاديث هذا المسند: كالمحدث الأقدم الحافظ الشيخ جعفر بن أحمد القمي، المعروف بابن الرازي، فقد أورد مجموعة كبيرة من رواياته في كتابه «جامع الأحاديث»، والسند إليه:
«حدثنا عبدالعزيز بن محمد، قال: حدّثني عبدالعزيز بن يونس الموصلي، عن إبراهيم بن الحسين، عن محمد بن خلف، عن موسى بن إبراهيم، عن الكاظم، عن أبيه، عن آبائه، قال: قال رسول الله (ص)…»([822]).
وأيضاً بهذا السند: «حدثنا محمد بن عبدالله، قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن الأزهر، عن محمد بن خلف، عن موسى بن إبراهيم، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه، قال: قال رسول الله (ص)…»([823]).
وبأسانيد أخرى([824]).
فنجد في هذه النقول: سريان «العنعنة» إلى الجامع للمسند موسى المروزي، بل إلى رواية محمد بن خلف أحياناً، وحتى مَنْ بعده!
وحذف بعض العنعنات المتوسطة في بعض النقول، والاكتفاء بلفظ «عن آبائه».
وكل ذلك دليلٌ على تصرف الرواة في الألفاظ، حسب القناعة في ما لا يضرّ مثل ذلك التصرف.
وجواز ذلك واضحٌ، خصوصاً مع الاحتفاظ بأصل الكتاب المرويّ، كما في المسند الذي نبحث عنه، ومثله سائر الكتب والأصول والمؤلفات.
واعلم أن النسخة المحفوظة، والتي طُبعت باسم «مسند الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)» إنما تحتوي على بعض ما كان يحتوي أصلها، بقرينة وجود روايات كثيرة بنفس السند في التراث عند الخاصة والعامة، وقد استدرك محقق الكتاب السيد الجلالي، بعض ذلك في المطبوعة.
وأشرت أنا في بحث «المصطلح الرجالي: أسند عنه»([825]) إلى مجموعة أخرى، كما أن التتبع الجاد سيوقفنا على مجموعة أكبر.
3 ـ مسائل علي بن جعفر عن أخيه الإمام الكاظم (عليه السلام):
هو من الكتب المعروفة لدى الشيعة، وهو معتمدٌ عليه عندهم، حكموا بصحته، وطرُقُ مشايخهم إليه كثيرة جداً.
وقد رواه من أصحاب الفهارس الشيخ النجاشي بقوله: أخبرنا القاضي أبو عبدالله، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا جعفر بن عبدالله المحمدي، قال: حدّثنا علي بن أسباط بن سالم، قال: حدّثنا علي بن جعفر بن محمد، قال: سألت أبا الحسن موسى.
وقال النجاشي أيضاً: وأخبرنا أبو عبدالله بن شاذان، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر، قال: حدّثنا عبدالله بن الحسن بن علي بن جعفر، قال: حدّثنا علي بن جعفر([826]).
وقد روى الحميري وهو عبدالله بن جعفر، المذكور في السند الثاني هذا الكتاب بكامله في كتابه العظيم «قرب الإسناد» وسنده إليه هكذا: «حدثنا عبدالله ابن الحسن العلوي، عن جدّه علي بن جعفر»([827]).
كما إن المحدثين قاطبة نقلوا ما يهمهم من هذا الكتاب، فهذا المحدث الحافظ الإمام الكليني، روى في كتاب الحج من «الكافي» العظيم، حديثاً من المسائل، بهذا السند: «محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن العَمْركي، عن عليّ بن جعفر…»([828]).
والصدوق أيضاً يروي بهذا السند: أبي؛ قال: حدّثنا محمد بن يحيى العطار، عن العَمْركي([829]).
وروى الكليني أيضاً، بسند النجاشي الأول، إلى علي بن أسباط إلى آخر السند، لكن لا بالألفاظ، بل بالعنعنة، فقال: «عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)([830]).
وكذلك ذكر الشيخ الطوسي، فقال: «سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن علي بن جعفر، قال: أخبرني أخي موسى (عليه السلام)، قال:…([831]).
وبالعنعنة جاء السند إلى علي بن جعفر في مشيخة الصدوق([832]) وفهرست الطوسي([833]).
أمّا سندُ المطبوعة فهو كما جاء في بدايتها: «حدثنا أبو جعفر بن يزيد بن النضر الخراساني من كتابه في جمادى الآخرة، سنة إحدى وثمانين ومائتين، قال: حدّثنا علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب: عن عليّ بن جعفر بن محمد، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)([834]).
فالملاحظ وجود الألفاظ في بعض طرق الكتاب، ومع هذا فإن الطرق الأخرى تختلف بين ما وردت فيها الألفاظ في جميع الطبقات أو بعضها، وبين ما اقتصر فيه على العنعنة.
أمّا المصادر المتأخرة الناقلة، فقد اقتصرت على العنعنة غالباً.
وقد اشترك غير الشيعة في مثل هذا التصرف، وإليك مثالاً من رواياتهم عن عليّ بن جعفر مما وقع فيه ذلك:
قالوا: «حدثنا نصر بن علي، أخبرنا علي بن جعفر بن محمد، حدّثنا أخي، موسى بن جعفر، حدّثني أبي، جعفر، حدّثني أبي، محمد، حدّثني أبي، علي بن الحسين، حدّثني أبي، الحسين بن علي، حدّثني أبي، علي بن أبي طالب، قال: أخذ النبيّ (ص) بيد الحسن والحسين فقال: «مَنْ أحبّني وأحبّ هذين، وأباهما، وأمّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة»([835]).
ولكن رواه الترمذي (ت297هـ) في سننه المعروف بالجامع الصحيح، قال: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي، حدّثنا علي بن جعفر بن محمد بن علي، أخبرني أخي موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن أبي طالب…([836]).
وهكذا رواه الدولابي معنعناً([837]).
ورواه الشيخ الصدوق بلفظ: «… حدّثنا نصر بن علي الجهضمي، قال حدّثنا علي بن جعفر بن محمد، قال: حدّثني أخي موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن أبي طالب…([838]).
أمّا ابن قولويه (ت367هـ) فقد رواه بعنعنةٍ أكثر واختصار في السند، فقال: حدّثنا نصر بن علي، قال: حدّثنا علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: أخذ رسول الله (ص) بيد…([839]).
إنّ اعتماد الألفاظ للأداء تارة، وفي بيان الطرق والأسانيد وكتب الفهارس والمشيخات، المعتمدة لهذا الغرض، وتركها في المجامع الحديثية الموضوعة لِذكر المتون، والاكتفاء في أسانيدها بالعنعنة، يدل هذا التصرف من هؤلاء الأعلام، على أن العنعنة عندهم بديلٌ عن الألفاظ، وأنها تعبير وافٍ بقوة عما تؤديه سائرُ ألفاظ الأداء، بلا ريب.
4 ـ صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام):
من مسانيد أهل البيت: المشهورة، والتي رواها الخاصة والعامة بأسانيد متضافرة وفيرة كثيرة جداً، وقع في طريقها المئات من أعلام المسلمين من الفريقين.
والسند إلى الكتاب في النسخة المطبوعة هو:
أخبرنا أبو بكر، محمد بن عبدالله بن محمد: حَفَدَة العباس بن حمزة النيسابوري، سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال:
حدثنا أبو القاسم، عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي، بالبصرة، قال:
حدثني أبي، سنة ستين ومائتين، قال:…
ومن هذا يبدأ السند بسلسلة الذهب، المحتوي على أسماء الأئمة الأطهار: وهو:
حدّثني عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة أربع وتسعين ومائة، قال:
حدّثني أبي، موسى بن جعفر، قال:
حدّثني أبي، جعفر بن محمد، قال:
حدّثني أبي، علي بن الحسين، قال:
حدّثني أبي، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال:
قال رسول الله (ص): يقول الله عزّ وجلّ: «لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخل حصني أمِنَ مِنْ عذابي»([840]).
وعن هذا الكتاب وهذا السند، قال موفق الدين بن قدامة المقدسي (ت620هـ) بعد ذِكر الأئمة: الباقر إلى الرضا (عليه السلام) ما نصه: كلّهم أئمّة مرضيّون، وفضائلهم كثيرة مشهورة، وفي بعض رواياتهم عن آبائهم نسخة يرويها عليّ بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد بن علي، عن الحسين بن علي، عن أبيه، عن النبيّ (ص) قال بعض أهل العلم: «لو قرىء هذا الإسناد على مجنونٍ لبرىء»([841]).
أقول: نُسب هذا القول إلى أحمد بن حنبل([842])، ونُسب إليه قوله لأبي الصلت الهروي أحد رواة الصحيفة: «يا أبا الصلت، لو قرىء هذا الإسناد على المجانين لأفاقوا»([843]) ونسب إلى أبي الصلت قوله: هذا سعوط المجانين! هذا عطر الرجال ذوي الألباب([844]).
وقد روى الحديث السيد الشجري في أماليه، فقال: وبه، قال: أخبرنا أبو يعلى، الخليل بن عبدالله بن أحمد، الحافظ، إملاءً من حفظه، ولفظه، قال:
حدّثنا أبو الحسن، أحمد بن محمد بن عمر الزاهد، ومحمد بن عبدالله بن محمد الحافظ، جميعاً، بنيسابور، قالا:
حدّثنا أحمد بن محمد بن هاشم البلاذري الحافظ، قال:
حدّثني الحسن بن علي بن محمد، إمام عصره عند الشيعة، بمكة، قال:
حدّثني أبي، علي بن محمد، المفتي، قال:
حدّثني أبي، محمد بن علي، السيد المحجوب، قال:
حدّثني أبي، علي بن موسى، الرضا([845])، قال:
حدّثني أبي، موسى بن جعفر الكاظم، قال:
حدّثني أبي، جعفر بن محمد، الصادق، قال:
حدّثني أبي، محمد بن علي، الباقر، قال:
حدّثني أبي، علي بن الحسين، زين العابدين، قال:
حدّثني أبي، الحسين بن علي، سيد الشهداء، قال:
حدّثني أبي، عليّ بن أبي طالب، سيد الأوصياء، قال:
حدّثني محمد (ص)، قال:
حدّثني جبرئيل، سيد الملائكة:
عن الله ربّ الأرباب تعالى، قال: «إني أنا الله لا إله إلاَّ أنا، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمِنَ من عذابي»([846]).
وقد روى الصدوق هذا الحديث في (العيون) عن عبدالسلام أبي الصلت الهروي، وبلفظ «حدّثني» إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال:
سمعتُ النبيّ (ص)، يقول:
سمعتُ جبرئيل، يقول:
قال الله جلّ جلاله: … الحديث([847]).
ورواه ثالثاً، بلفظ حديث البلاذري السابق.
ورواه رابعاً، بسنده عن إسحاق بن راهويه، قال: لما وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور، وأراد أن يخرج منها إلى المأمون، اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يابن رسول الله، ترحلُ عنا ولا تحدّثنا بحديثٍ فنستفيده منك؟! وكان قد قعدَ في العمارية، فأطلعَ رأسه، وقال:
سمعتُ أبي، موسى بن جعفر، يقول:
سمعتُ أبي، جعفر بن محمد، يقول:
سمعتُ أبي، محمد بن علي، يقول:
سمعتُ أبي، علي بن الحسين، يقول:
سمعتُ أبي، الحسين بن علي، يقول:
سمعتُ أبي، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول:
سمعتُ النبيّ (ص) يقول:
[سمعتُ جبرئيل، يقول:] ([848]).
سمعتُ الله عزّ وجلّ، يقول:…([849]).
وروى مثله نسقاً: الطبري (الشيعي)([850]).
وبسند الصحيفة، نقل الخطيب البغدادي بعض أحاديث الصحيفة، مع لفظ الأداء «حدّثني» في جميع الوسائط([851]).
ومع اتفاق الناقلين لهذا الحديث على إيراده بألفاظ الأداء «حدّثني» أو «سمعتُ» في طول السند، إلاّ أن المنقول عن الحاكم النيسابوري في «تاريخ نيسابور» أنه رواه بالعنعنة، وأن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: حدّثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه شهيد كربلاء، عن أبيه عليّ المرتضى، قال: حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله (ص)، قال: حدّثني جبرئيل (عليه السلام)، قال: حدّثني ربّ العزّة سبحانه وتعالى، قال: لا إله إلاّ الله حصني…» الحديث([852]).
ثم إن الموجود في الصحيفة، بعد الحديث الأول هو قوله: «وبإسناده» وأورد باقي أحاديث الصحيفة وهي 204 حديثاً مكتفياً في أدائها بهذا اللفظ، وهذا يدل على أن جميع أسانيد الصحيفة واردة بهذا السند المحتوي على ألفاظ الأداء «حدّثني» أو «سمعتُ».
إلاّ أن المؤلفين الذين نقلوا كثيراً من أحاديث الصحيفة في كتبهم أبدلوا ألفاظ الأداء بـ«العنعنة»:
فالحديث الثالث في الصحيفة: وهو: «الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالأركان» ورد كذلك بالألفاظ فيها([853]) وفي غيرها([854]).
إلاّ أن الصدوق أورده بالعنعنة([855]).
5 ـ الأصول الأربعمائة:
هي الصحف، والأجزاء، والرسائل، والكتب التي ألّفها المحدّثون القدماء، من رواة عصر الحضور، فجمعوا فيها «النصوص المأثورة عن المعصومين»: فحسب، كلٌّ كما بلغه كمّاً وكيفاً، وقد اعتمدتها الطائفة بعد التحرير والتمييز والتحديد، مصادر حديثية موثوقة للمعرفة الدينية في مجالات العقيدة والأخلاق والشريعة، وسمّوها: «الأصول الأربعمائة».
وعدَدُها كما يبدو من العنوان أربعمائة مؤلَّف لأربعمائة مؤلِّف([856]).
وقد أصبحت هي الأساس لمؤلفي الجوامع والكتب المتأخرة، والتي بُنيت على التصنيف العلمي للأحاديث وترتيبها حسب الكتب والأبواب، وبالخصوص الكتب الأربعة التي هي أمهات كتب الحديث عند الشيعة، كما سيأتي الحديث عنها.
وقد استُغني على أثر ذلك الدرج عن أعيان هذه الأصول، فتُركتْ، وقلت العناية بها، أو هي أتلفت على أثر الطغيان والتعدي المستمر على التراث الإسلامي بالإماثة والإحراق والدفن!! فلم يبق لأكثرها عينٌ، سوى القلة.
وقد طبع الشيخ حسن المصطفوي مجموعة منها باسم «الأصول الستّة عشر» في طهران عام 1371 وعليها اعتمدنا في هذه الدراسة.
فالصفة العامة في أسانيد هذه الأصول أنها مؤدّاة بالعنعنة، وهذا هو دليلٌ واضح على شيوع استعمال العنعنة عند القدماء، وعدم التحسُّس منها، أو تخصيصها بموارد وقيود خاصة.
ومع ذلك فقد وقفنا خلالها على موارد جاءت فيها ألفاظ الأداء الأخرى، بدلاً عن العنعنة، نذكر منها:
1 ـ ففي «أصل زيد النرسي» نجد:
زيد، قال: سمعت أبا عبدالله يقول([857]).
زيد: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)([858]).
و: زيد، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يحدّث عن آبائه([859])، أو: يقول([860])، أو: يحدّث عن أبيه([861]).
لكنه يقول أيضاً كثيراً: زيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)([862]).
و: زيد، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)([863]).
وكذلك يستعمل الأسلوبين مع الرواة، ففيه:
زيد، قال: حدّثني علي بن مزيد بياع السابري، قال: رأيت أبا عبدالله (عليه السلام)([864]).
وقال: سمعتُ علي بن مزيد، قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول([865]).
وفيه: زيد، عن علي بن مزيد صاحب السابري([866]).
وفيه: زيد، قال: حدّثني عُبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول([867]).
بينما روى هذا الحديث نفسه الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد النرسي، عن عُبيد بن زُرارة، قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام)([868]).
بل في كتاب زيد نفسه في موضع آخر: زيد، عن عُبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)([869]).
6 ـ كتب أخرى:
ومن تلك الأصول والكتب القديمة ما احتفظ بنماذجه الشيخ ابن إدريس العجلي الحلّي (ت598هـ) في آخر كتابه «السرائر الحاوي للفتاوى» باسم «المستطرفات»([870]) وهي تمثّل نماذج رائعة من تراثنا الحديثي الغالي، عندما كان منثوراً في الأجزاء:
منها نوادر البزنطي، وهو أحمد بن محمد بن أبي نصر، أبو جعفر، صاحب الإمام الرضا (عليه السلام) والإمام الجواد (عليه السلام)، وكان عظيم المنزلة عندهما، مات؛ عام 231هـ، وقد جاء في كتابه:
قال أحمد: حدّثني عبدالكريم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال([871]).
وقال أحمد: وحدّثني به عبدالكريم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)([872]).
وجاء فيه أيضاً: وعنه، عن عبدالكريم، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)([873]).
وعنه، عن عبدالكريم، عن محمد بن ميسر([874]).
بل وردت الرواية مبدوءةً باسم «عبدالكريم» بلا لفظٍ([875]).
ويلاحظ أن الراوي العظيم أبان بن تغلب بن رباح، أبا سعيد الحريري البكري، اللغوي المقرىء، وهو من أصحاب الأئمة السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام)، الثقة الفقيه الجليل، الذي قال له الباقر (عليه السلام): «اجلس في مسجد المدينة وأفْتِ الناس، فإني أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك»([876]) هو ممن أبدى المحافظة على ذكر «ألفاظ الأداء وصيغه» من قبيل «حدّثني وحدّثنا وأخبرني وأخبرنا» كما يبدو من أوائل ما رواه، في المتبقّى من كتابه الذي هو «أصل» من الأصول الأربعمائة([877]).
ومن هنا يُمكن أن نقدر أن الأصول وهي أوثق ما أثر من التراث الحديثي قد بُنيت على التسوية بين «العنعنة» والألفاظ الأخرى.
7 ـ الكتب الأربعة:
هي الجوامع الحديثية الكبرى، الخالدة من بين العشرات من أخواتها، والسرّ في خلودها: اعتماد الطائفة بالإجماع على مؤلفيها أولاً، وعلى أعمالهم العظيمة هذه من حيث التصنيف والتبويب والجمع والاستيعاب ثانياً.
فقد بذلوا عناية فائقة في جمع ما حوته «الأصول الأربعمائة» جمعاء من الروايات والأحاديث المرتبطة بمجالات العقائد والأخلاق والشريعة، مما وقع الاتفاق عليه بين الطائفة الحقة، والتزموا بالإجماع العملي بها، فلم يُعهد شيءٌ عنهم، إلاّ أودعوه في هذه الكتب الأربعة الشريفة.
وقد أبدعوا تفنّناً وفقهاً وعلماً، في تصنيف تلك الروايات على ترتيب الكتب، ثم على الأبواب التي حافظوا عليها كما هي في الأصول، فصانوها من الضياع والتشتت والتفرّق، كما راقبوا في نقلها كل أدوات الحيطة، والضبط والإتقان، وأثبتوا كل ما له دخلٌ في المعنى من الاختلافات حسبما تلقّوه من المشايخ، بالطرق الأمينة للرواية والنقل.
وبذلك عملوا هذه الكتب الأربعة التي أصبحت بحقّ مراجع أمينةٌ للمعرفة الإسلامية بكل فروعها كما سهّلوا على المراجعين العثور على مقاصدهم في مظانها، ووفّروا الوقت على الطالبين لحديثٍ منها.
وقبل أن ندخل في البحث الذي نتابعه في هذه الكتب، لا بُدّ من حديث موجز عن هذه الكتب العظيمة ومؤلفيها العظماء:
فأولها تأليفاً هو كتاب «الكافي» لأبي جعفر، محمد بن يعقوب الكليني الرازي البغدادي (ت329هـ).
ثم «كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه للشيخ أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، القمي، الشهير بالصدوق (ت381هـ).
ثم كتاب «تهذيب الأحكام» للشيخ أبي جعفر، محمد بن الحسن بن علي، الطوسي البغدادي (ت460هـ).
وهو أعظم كتب الشيعة في مجال أحاديث الأحكام، وثالث الأصول الأربعة تأليفاً وجمعاً.
وقد جمع محاولاته العظيمة في باب الجمع بين الأخبار في كتاب مستقلّ باسم «الاستبصار لما اختلف من الأخبار» استخرجه من كتابه الكبير «تهذيب الأحكام» وأضاف عليه فوائد قيّمة مما جعله رابعاً للكتب الحديثية الأصول.
أجمع الأصحاب على نقل أقواله، واعتبار مذاهبه في الإجماع والنزاع، وقبول قوله في التوثيق والتعديل، والتعويل على كتبه خصوصاً «كتاب من لا يحضره الفقيه» فإنه أحد الكتب الأربعة، وأحاديثه معدودة في الصحاح من غير خلاف ولا توقُّفٍ من أحد.
منهاج المشايخ الثلاثة في كتبهم الأربعة في مجال الألفاظ:
أمّا الشيخ الكليني: فقد استخدم ألفاظ التحمل والأداء، كقوله: «حدّثني» و«حدّثنا» و«أخبرني» و«أخبرنا» في بداية الكتب التي عنون لها في «الكافي».
ففي أول حديث من كتاب العقل والجهل وهو أول كتبه قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب، قال: حدّثني عدة من أصحابنا…([878]).
وفي كتاب التوحيد في أول باب منه، وأول حديث من الباب، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب، قال: حدّثني علي بن إبراهيم بن هاشم…([879]).
وفي أول حديث من أول باب من كتاب الحُجّة: قال أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني مصنّف هذا الكتاب: حدّثنا علي بن إبراهيم([880]).
وفي بداية كتاب الطهارة، في أول باب منه: قال أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني: حدّثني علي بن إبراهيم بن هاشم([881]).
وفي بداية كتاب الصلاة، في أول باب منه: قال محمد بن يعقوب الكليني مصنّف هذا الكتاب: حدّثني محمد بن يحيى([882]).
وهكذا يصنع في بدايات كتب أخرى([883]).
وهذا يدل على تنبُّه الكليني؛ إلى هذه الألفاظ ودلالتها واختلاف مواردها حيث استعملها باختلافها.
ولكنه مع ذلك استعمل «العنعنة» في غير هذه البدايات، ومن دون استثناء، مع أن العنعنة موجودة في مصادر الكليني التي استقى منها علمه وحديثه:
مثلاً: روى الكليني حديثاً بهذه الألفاظ: علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعبدالله بن الصلت، جميعاً عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبدالله، عن زرارة…([884]).
والحديث مذكور بعين السند، نقله البرقي في «المحاسن» عن أبيه، عن أبي طالب عبدالله بن الصلت، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبدالله، عن زرارة([885]). هكذا معنعناً.
لكن الكليني روى حديثاً بسنده المعنعن إلى إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن مروان، عن أبان بن عثمان([886]).
ورواه البرقي: عن أبيه، عن أبي إسحاق الثقفي وهو إبراهيم بن محمد قال: حدّثنا محمّد بن مروان، عن أبان([887]).
وروى الكليني: عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري([888]).
وروى الصدوق ذاك الحديث: عن أبيه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا القاسم بن محمد([889]).
فالقاسم بن محمد نقل الحديث إلى إبراهيم بن هاشم بالعنعنة، ونقله إلى سعد بن عبدالله باللفظ.
وروى الكليني بسنده المعنعن إلى علي بن مرداس، عن صفوان بن يحيى، والحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم([890]).
ورواه الصدوق بسنده بالألفاظ قال: حدّثنا القاسم بن هشام اللؤلؤي، قال: حدّثنا الحسن بن محبوب([891]).
إلى غير ذلك من الموارد التي استعمل فيها الكليني العنعنة بينما وردت الرواية بعينها بالألفاظ.
فإذا جمعنا بين هذه الحقائق: نعلم أن الكليني إنما قصد اعتماد العنعنة في الأسانيد، مشياً على القاعدة المتبعة التي سنكشف عنها.
وأمّا الصدوق:
فالمقارنة بين أعماله الحديثية متيسرة، لوجود جملة من مؤلفاته، بحمد الله:
فنراه يعتمد العنعنة بكثرة في كتابه الكبير، الذي هو من الأصول الأربعة، أعني «كتاب من لا يحضرهُ الفقيه».
ونجده يورد نفس الأحاديث بالألفاظ في سائر كتبه، وإليك مقارنة سريعة بين أعماله:
فهو في «الفقيه» اعتمد العنعنة مطلقاً، مع أنه اقتصر من الأسانيد على أسماء أصحاب الكتب والمؤلفات، أو الرواة الناقلين مباشرة عن المعصومين:
لكنه أورد الأسانيد إليهم في مكان واحدٍ، في آخر الكتاب، وهي «المشيخة» التي خصصها لذكر أسانيده إلى أصحاب الكتب والمؤلفات التي نقل عنها، أو الرواة الذين روى عنهم، وبذلك لا تكون أحاديثه في متن الكتاب مرسلة مطلقاً، بل هي مسندةً، للعلم بأسانيدها المودعة في المشيخة أو الفهارس الأخرى التي أعدها الصدوق.
ولا بُدّ أن نضيف على هذا: أن للصدوق أسانيد إلى جميع ما أورده في «الفقيه» وإن لم يذكرها في المشيخة، فإن طرقه في كتبه إلى الرواة والمؤلفين هي بعينها الطرق إلى ما أورده في «الفقيه».
وللصدوق في المشيخة أساليب عديدة في إيراد الألفاظ أو الاعتماد على العنعنة.
فقد يورد في البداية قوله: «رويته» عند ذكر شيخه الأول، ويأتي بالعنعنة في آخر السند، لكنه في الوسط يأتي بالألفاظ، وهذا أكثر ما يستعمله:
فقد قال: ما كان في ما كتبه الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن سنان من جواب مسائله في العلل: فقد رويته عن علي بن أحمد بن موسى الدقّاق، ومحمد بن أحمد السناني، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، رضي الله عنهم، قالوا حدّثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، قال: حدّثنا القاسم بن الربيع الصحّاف، عن محمد بن سنان، عن الرضا (عليه السلام)([892]).
وقال الصدوق: وما كان فيه عن أبي سعيد الخُدري في «وصية النبي (ص) لعليٍّ (عليه السلام) التي أولها: «يا عليّ! إذا دخلت العروس بيتك» فقد رويته عن محمد بن إبراهيم أبي إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه)، عن أبي سعيد الحسن بن علي العدوي، عن يوسف بن يحيى الأصبهاني أبي يعقوب، عن أبي علي إسماعيل بن حاتم، قال: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن زكريا بن سعيد المكي، قال: حدّثنا عمر ابن حفص، عن إسحاق بن نجيح، عن خصيف، عن مجاهد، عن أبي سعيد الخدري([893]).
قال الصدوق: وما كان فيه عن حماد بن عمرو، وأنس بن محمد، من «وصيّة النبيّ (ص) لأمير المؤمنين (عليه السلام»، فقد رويته عن محمد بن علي الشاه، بمرو الروذ، قال حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين، قال: حدّثنا أبو يزيد أحمد بن خالد الخالدي، قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن صالح التميمي، قال: حدّثنا أبي أحمد بن صالح التميمي، قال: حدّثنا محمد بن حاتم القطان، عن حماد بن عمرو، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن أبي طالب.
ثم رواه بالسند نفسه إلى أحمد بن صالح التميمي، قال: حدّثنا أنس بن محمد أبو مالك، عن أبيه، عن جعفر…([894]).
وقال الصدوق: وما كان فيه عن إسماعيل بن الفضل من ذكر «الحقوق» عن علي بن الحسين سيد العابدين (عليه السلام)، فقد رويته عن علي بن أحمد بن موسى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد، قال: حدّثنا إسماعيل بن الفضل، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)([895]).
وهكذا في أكثر الطرق.
لكنه في بعض الموارد يبدأ بالألفاظ، مثل قوله: حدّثنا محمد بن الحسن([896]) وفي آخر: حدّثني به محمد بن موسى المتوكل([897]).
وأمّا في سائر كتبه ومؤلفاته:
فقد التزم بالألفاظ في بدايات السند غالباً، وبالعنعنة في أواخرها، شأنه في ذلك شأن المحدّثين القدماء من الفريقين الخاصة والعامة، كما ستعرف.
فهو في أول حديث من أماليه، يقول: حدّثنا يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد بالكوفة، قال: حدّثني عمّي علي بن العباس، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشر بن خالد العبدي، قال: حدّثنا عمرو بن خالد، [ثنا]([898]) أبو حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليه السلام)([899]).
ويقول الصدوق في أول حديث من كتاب الخصال: حدّثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدّثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري، قال: حدّثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال: حدّثنا أبي، عن المعافى ابن عمران([900])، ثم عنعن.
وربما يجيء بالألفاظ في أغلب السند، كما في قوله: حدَّثنا أبي؛ قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدّثنا جعفر بن سلمة، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدّثنا عبيدالله بن موسى العبسي، قال: حدّثنا مهلهل العبدي، قال: حدّثنا كُديرة بن صالح الهجري، عن أبي ذرّ جندب بن جنادة، قال: سمعتُ رسول الله (ص)…([901]).
بل قد يأتي بالألفاظ في جميع السند، مثل قوله: حدّثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي، قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن عبدالله بن محمد بن علي بن العباس الرازي، قال: حدّثني أبي، عبدالله بن محمد بن علي بن العباس بن هارون التميمي، قال: حدّثني سيدي علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال: حدّثني أبي، موسى ابن جعفر، قال: حدّثني أبي، جعفر بن محمد، قال: حدّثني أبي، محمد بن علي، قال: حدّثني أبي، علي بن الحسين، قال: حدّثني أبي، الحسين بن علي، قال: حدّثني أخي، الحسن بن علي، قال: حدّثني أبي، علي بن أبي طالب، قال: قال لي النبيّ (ص): «أنت خير البشر، ولا يشك فيك إلاّ كافر»([902]).
ومثله قوله: أخبرني أبو الحسن طاهر بن محمد بن يونس، قال: حدّثنا محمد بن عثمان الهروي، قال: حدّثنا أحمد بن نجدة، قال: حدّثنا أبو بشر ختن المقرىء، قال: حدّثنا معمر بن سليمان، قال: إنّي سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله (ص)([903]).
وفي أسانيد كتابه «الأمالي»: ثنا سعد بن عبدالله، ثنا عبدالصمد بن محمد، ثنا حنان بن سدير، ثنا سديف المكي، ثني محمد بن علي الباقر (عليه السلام)([904]).
وفي نفس الوقت نجد في أماليه أحاديث رواها بالألفاظ تارة وبالعنعنة أخرى:
ففي أسانيده: أحمد بن محمد السناني المكتب، ثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي، ثنا سهل بن زياد الآدمي، حدّثنا عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن الإمام علي بن محمد (عليه السلام)([905]).
بينما فيها أيضاً بنفس السند إلى عبد العظيم الحسني، حدّثنا علي بن محمد (عليه السلام) ([906]).
وأيضاً: أحمد بن هارون الفامي، حدّثنا محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري، ثنا أبي، ثنا هارون بن مسلم، حدّثنا مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام).
و… حدّثنا محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)([907]).
ثم نجد ما رواه الصدوق في الفقيه، بإسناده عن معاوية بن عمار، عن الصادق (عليه السلام) هكذا معنعناً([908]).
ورواه الكليني هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، وصفوان، عن معاوية بن عمار([909]).
بينما رواه الصدوق في «معاني الأخبار» باللفظ، قال: أبي، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا أيوب بن نوح، قال: حدّثنا محمد بن أبي عمير، وصفوان جميعاً، رفعاه إلى أبي عبدالله (عليه السلام)([910]).
وقول الصدوق (رَفعاه) بمعنى (أسنداه) بواسطةٍ معلومة وهي معاوية ابن عمار، بقرينة «الكافي» و«الفقيه».
ومن مجموع تصرفات الصدوق في كتبه، نعلم أنه قصد إلى إيراد العنعنة، توصلاً إلى الهدف الذي سنُعلن عنه.
وأمّا الشيخ الطوسي:
فقد اعتمد على العنعنة في كتابه الكبير «تهذيب الأحكام» ثالث الكتب الأربعة، وكذلك «الاستبصار» رابعها، بصورة مطلقةٍ تقريباً، فلم نجد فيها «ألفاظ الأداء» إلاّ نادراً، مثل ما رواه بقوله:
علي بن الحكم، عن سليم الفراء، عن الحسن بن مسلم، قال: حدّثتني عمتي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)([911]).
وهذا الحكم يشمل جميع ما في الكتاب بما في ذلك المشيخة عدا ما ذكره فيها بلفظ «فقد أخبرني» أو «فقد رويته عن» وهو المذكور في بدايات السند إلى كل راوٍ وإلى ما له من المصنّفات المعتمدة في الكتاب.
لكن الشيخ قد أكد على وحدة عمله مع ما أثبته في كتابه «الفهرست» فقال في نهاية المشيخة ما نصه: قد وردت جملة من الطرق إلى هذه المصنّفات والأصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول هو مذكور في الفهارس المصنّفة في هذا الباب للشيوخ مَنْ أراده أخذه من هناك إن شاء الله، وقد ذكرنا نحن مستوفىً في كتاب «فهرست الشيعة»([912]).
وهذا النص يدل بوضوح على اتحاد الطرق المذكورة في كتب الشيخ في الحديث مع المذكورة في «الفهرست» له، بل مع ما ذكره المشايخ الآخرون في فهارسهم أيضاً، فيما لو اجتمعت الطرق، وهذا يعني اتحاد جميع الطرق في الخصوصيات الحاوية عليها، ومن ذلك شكل أدائها بالأفاظ أو بالعنعنة.
وعلى هذا الأساس قُمنا بالمقارنة بين الطرق عند المؤلفين المتعددين إذا كانت إلى حديث واحد، مع اتحاد الطريق أو بعضه، واستشهدنا بذلك في هذه الدراسة.
وأمّا عمل الشيخ في «الفهرست» فقد تنوع:
فاستعمل العنعنة كثيراً في غير مشايخه المباشرين الذين استخدم معهم الألفاظ، مثل (أخبرنا) غالباً.
واستعمل الألفاظ أحياناً في جميع السند أو أكثره، مثل قوله في ترجمة «إسماعيل بن مهران السكوني»:
وكتاب «ثواب القرآن»: أخبرنا به الحسين بن عبيدالله، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سفيان، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن سلمة بن الخطاب، عنه.
وكتاب «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)» وكتاب «النوادر»: أخبرنا بهما أحمد بن عبدوس، قال: حدّثنا علي بن محمد بن الزبير، قال: حدّثنا علي بن الحسن بن فضال، عنه.
وكتاب «العلل»: أخبرنا به عدة من أصحابنا، عن أبي محمد هارون بن موسى، قال: حدّثنا علي بن يعقوب الكسائي، قال: حدّثنا علي بن الحسن بن فضال، عنه([913]).
وقال في ترجمة «إسماعيل المخزومي أبي محمد»: أخبرنا أحمد بن عبدوس، قال: حدّثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد العاصمي، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل، عن أبيه([914]).
وكذلك فعل في ترجمة «أبان بن تغلب» حيث أسند إلى كتبه بالألفاظ، إلاّ كتابيه «المفرد» و«الفضائل» فقد جمع في طريقهما بين الألفاظ وبين العنعنة، فلاحظ([915]).
وفي بعض الموارد استعمل العنعنة في بداية السند، والألفاظ في نهايته، مثل ما في ترجمة «أحمد بن عبدوس الخلنجي» قال: أخبرنا به ابن أبي جيّد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدّثنا الحسن بن متّويه بن السندي، قال: حدّثنا أحمد بن عبدوس([916]).
وأوضح ما أثبته دلالة على ما نريد هو قوله في ترجمة «أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان، أبي غالب الزراري»: أخبرنا بكتبه ورواياته أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله، عنه.
وأضاف: قال الحسين بن عبيدالله: قرأتُ سائرها عليه عدة دفعاتٍ([917]).
فمع أن الحسين قد قرأ كتب الزراري عدة دفعات فإنه عَبّر في السند بكلمة «عنه».
وقد يأتي بالألفاظ في وسط السند، محفوفة بالعنعنة مثل ما في ترجمة «عمرو بن ميمون» قال: له كتاب «حديث الشورى»… أخبرنا به أحمد بن محمد بن موسى، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن جعفر وإسحاق ابني محمد بن مروان، قالا: حدّثنا أبونا، قال: حدّثنا عبيدالله المسعودي، عن عمرو بن ميمون، عن جابر، عن الباقر (عليه السلام).
وله كتاب «المسائل التي أخبر بها أمير المؤمنين (عليه السلام) اليهودي» أخبرنا بها أحمد بن عبدوس، عن أبي بكر الدوري، عن محمد بن جعفر العلوي الحسني، قال: حدّثنا علي بن يسار، عن عمرو، عن ابن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الهمداني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)([918]).
وللشيخ الطوسي كتب أخرى اعتمد فيها طريقة المحدثين، إذ تشتمل على الألفاظ في البدايات، وعلى العنعنة في النهايات، مثل كتاب «الأمالي» وهو أوسع كتبه الحديثية بعد الأصلين: التهذيب والاستبصار.
وتجدر الإشارة إلى أن من محدّثينا المتأخرين من التزم الألفاظ، وركز على إيرادها بشدة، وهو الشيخ أبو جعفر، محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري (ق6هـ) في كتابه «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» وهو يروي مباشرة عن أبي علي الحسن ابن شيخ الطائفة الطوسي، الشهير بالمفيد الثاني، بالقراءة عليه في جمادى الأولى سنة 511هـ في مشهد النجف، كما في أول حديث من الكتاب([919]).
فهو يجري علي دَيْدَن القدماء، في الالتزام بالألفاظ في بدايات الأسانيد، وبالعنعنة في نهاياتها.
إلاّ أنه يستعمل الألفاظ أحياناً في جميع السند، كما في الحديث 11، قال: أخبرنا الشيخ المفيد أبو علي الحسن بن محمد الطوسي (رضي الله عنهما)، قال: حدّثنا السعيد الوالد، قال: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان؛ قال: حدّثني أبو بكر محمد بن عمر الجعابي، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: أخبرنا جعفر بن عبدالله، قال: حدّثنا سعدان بن سعيد، قال: حدّثنا سفيان بن إبراهيم الفايدي الفامي، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: «بنّا يبدأُ البلاءُ ثمّ بكم، وبنا يبدأُ الرخاءُ ثمَّ بكم، والذي يُحلَف به ليَنْتَصرنّ الله بكم كما انتصر بالحجارة»([920]).
وكذلك الحديث 21، قال: أخبرنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن شهريار الخازن، بمشهد الكوفة على ساكنه السلام، في ربيع الأول سنة ستّ عشرة وخمسمائة بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو منصور، محمد بن محمد بن عبدالعزيز المعدل من لفظه وكتابه، بمدينة السلام، في ذي القعدة سنة سبعين وأربعمائة، قال: حدّثنا العكبري أبو الحسن بن رزقويْه، قال: حدّثنا أبو عمرو([921]) ابن السمّاك، قال: حدّثنا([922]) علي بن محمّد القزويني، قال: حدّثنا داود بن سليمان بن وهب بن أحمد القزويني الثغريّ، سنة ست وستين ومائتين، قال: حدّثنا علي بن موسى الرضا، قال: حدّثنا أبي، موسى بن جعفر (عليه السلام)([923])، ثم عَنْعَن.
وهذا من أسانيد الصحيفة الرضوية المحتوية على سلسلة الذهب.
وفيه أيضاً… علي بن الحسين بن علي الرازي، في درب مسلخگاه بالريّ، في ذي القعدة سنة ثمان عشرة وخمسمائة، إملاءً من لفظه، قال: حدّثنا أبو عبدالله الحسين بن محمد بن نصر الحلواني، في داره، غُرّة ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثمانين وأربعمائة بكرخ بغداد، إملاءً من حفظه، قال: حدّثني الشريف الأجلّ المرتضى علم الهدى ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي (رضي الله عنه)، في داره ببغداد في بركة زلزل، في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، قال: حدّثني أبي، الحسين بن موسى، قال: حدّثني أبي، موسى، قال حدّثني أبي، محمد بن موسى، قال: حدّثني أبي، موسى بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي، إبراهيم بن موسى، قال: حدّثني أبي، موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي، جعفر بن محمد، قال: حدّثني أبي، محمد بن علي بن الحسين، قال: حدّثني أبي [علي بن الحسين، قال: حدّثني أبي] الحسين بن علي، قال: حدّثني جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رسول الله (ص): «زيّنوا مجالسكم بِذكر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)»([924]).
كما يختص هذا الكتاب، بمزية المحافظة على خصوصيات الرواة بشكلٍ كاملٍ، من الاسم الثلاثي الكامل مع الكنى والألقاب، وخصوصيات الرواية: مكاناً وزماناً، وما أشبه في طبقة مشايخه، وكثير ممن بعدهم.
8 ـ نتيجة هذا الاستعراض:
بهذا العرض المفصّل تمكنا من العلم بأن محدّثينا الأعلام إنما قصدوا إلى استعمال العنعنة، مع العلم بمداليل الألفاظ واختلافاتها، ومع وجودها في الأسانيد في مواضع أخرى، إلاّ أنهم وجدوا العنعنة وافية بأغراضها بأكمل شكل وأحسنه، ولذلك لم يجدوا في الإعراض عنها، وفي الاكتفاء بالعنعنة حزازةً توجب منع ذلك، بل قد يوجد في الالتزام بها مطلقاً، ودائماً، مزيد مؤونةٍ لا ملزم لها.
وإذا لاحظنا أن هؤلاء الأعلام، وهذه الأعمال، تُعدّ أهم مصادر الحديث ومنابعه، وأسسه وأركانه. فإن تصرفاتهم باستعمال العنعنة بدل الألفاظ يكون دليله «لِمِّيّاً» على اعتبارها، وصحة الاكتفاء لها، وبطلان ما يوجه إليها من الشُبَه!
ثم إن من المعلوم للمسلمين كافة اعتبار الحديث الشريف كمصدر معتمد للدين والشريعة، وعلى ذلك تم اتفاق المذاهب الإسلامية جمعاء، وها نحن نجد أسانيدها كلها محتوية على العنعنة مع بعض الرواة أو كلهم، فلو كانت الشبهة تحصل من العنعنة في هذا التراث الحديثي كله، فإن مثل هذه الشبهة سوف تكون في مقابلة البديهة الحاصلة لأهمية هذا التراث واعتباره وحجيته، في حالته تلك، وهو الواضح من عناية الأعلام به وحرصهم على صيانته وتناقله وحفظه وتوارثه.
فالشبهة مرفوضة لأنها في مقابلة البديهة.
9 ـ مع تراث غير الشيعة:
وليُعلم أخيراً: إن ما ذكرناه من العرض لا يختص بالتراث الشيعي خاصة، بل التراث الحديثي عند غير الشيعة كذلك يحتوي على العنعنة بشكل شائع، كما نجد في كتبهم المهمة:
فهذا موطأ مالك: يبدأ كتاب الصلاة فيه بباب وقوت الصلاة، وفيه: قال: حدّثني يحيى، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبدالعزيز([925]).
وفي الحديث الثالث: وحدّثني يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أنه قال: جاء رجل([926]).
والحديث الرابع: وحدّثني يحيى، عن مالك، عن الحسن بن سعيد، عن عمرو بن عبدالرحمن، عن عائشة([927]).
بل لا يستعمل مالك غير العنعنة إلاّ قليلاً.
والبخاري يبدأ صحيحه في أول أبواب كتابه بباب «كيف كان بَدْء الوحي» والحديث الثاني منه: حدّثنا عبدالله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة([928]).
وقال في باب قول النبيّ (ص): «أنا أعلمكم بالله: حدّثنا محمد ابن سلام البيكندي، قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت:…([929]).
وهكذا سائر الأحاديث.
وأمّا مسلم: فقد عرفنا دفاعه عن العنعنة، وأول حديث فيه: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب؛ وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة أيضاً، حدّثنا وكيع، عن شعبة وسفيان، عن حبيب، عن ميمون ابن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة:…([930]).
وأبو داود بدأ كتابه «السنن» بباب التخلّي عند قضاء الحاجة من الطهارة، وأول حديث فيه، قال: حدّثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، حدّثنا عبدالعزيز يعني ابن محمد، عن محمد يعني ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة بن شعبة، أن النبيّ (ص)([931]).
وبدأ ابن ماجة كتابه «السنن» بباب اتباع سُنّة رسول الله (ص) وأول حديث فيه، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:…([932]).
وبدأ الترمذي جامعه بأبواب الطهارة، باب ما جاء «لا تُقبل صلاة بغير طهور» والحديث الأول فيه: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب؛ وحدّثنا هناد، حدّثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر([933]).
وبدأ النسائي سننه بـ«تأويل قوله عزّ وجلّ: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلواةِ} والحديث الأول فيه: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة([934]).
وهكذا يجرون على هذا النسق في الأسانيد، في بداياتها بالألفاظ، وفي نهاياتها بالعنعنة.
فلا فرق إذن في ما استنتجناه من الاستعراض المذكور بين التراث الشيعي، وبين التراث عند السُنة، بل يمكن القول بأنا لا نجد في تراث المسلمين قاطبة من أهل القرون الأربعة الأولى ما يخلو عن العنعنة شكل شائع وذائع وفي طبقات الرواة الأولى بالذات.
وبعد عهد المتشددين من بعض علماء الحديث في الالتزام بالألفاظ في القرن الخامس وحتى السابع، عاد العلماء إلى التزام العنعنة بشكل شائع من دون نكير.
ومع العلم ببطلان التشدد، وعدم كونه أصيلاً ولا مستنداً إلى دليل ملزم من الشرع، بل كونه مجرد اصطلاح قد زال بزوال أهله في تلك القرون، فإن إجماع المحدّثين متحقق من القدماء والمتأخرين على الاكتفاء بالعنعنة، ووفائها بالمراد من الألفاظ بشكل تامٍ.
* * *
مشاكل العنعنة وحلولها
ومع أن العنعنة تدل على الاتصال لغة، واصطلاحاً، وعلى هذا جرى عمل أعلام المسلمين من المحدّثين، وعليه بُنيت أعمالهم العلمية، كما أثبتنا ذلك في الفصول الماضية، فإن العنعنة قد تعرضت لإشكالات وجهها إليها بعض المعاصرين تبعاً لبعض الآراء والنظريات البائدة المخالفة لإجماع أهل الحديث في المذاهب الإسلامية كافة، وهي محكومة بالشذوذ قطعاً.
ولا بُدّ لاستكمال البحث من ذكر ما أورده أولئك وهؤلاء، لمعرفة أوجه الخلل فيه، والخروج عن عهدة البحث، فنقول:
جُوبه الحديث المعنعن بأنه لا يقتضي الاتصال بين الرواة الذين نقلوا كلام الآخرين بلفظة «عن»، باعتبار كون لفظة «عن» تستعمل في الكلام المنقول، أعمّ من كونه بلغ الراوي عن القائل بلا واسطة أحد، كما لو سمعه منه مباشرةً، أو بلغه بواسطة آخر، ولم يذكر اسم الواسطة، حيث يصح للراوي أن يقول: «هذا الكلام عن زيد» ويقصد بذلك أن قائله زيد وهو منقول عنه، من دون أن يكون الراوي قد سمعه منه.
وقد استعمل بعض الرواة كلمة «عن» في الإسناد، قاصداً هذا المعنى الثاني، فكان ذلك منهم تمويهاً عُرف اصطلاحاً بـ«التدليس» لإيهامه السماع المباشر من القائل، بينما هو بنقله عنه مع الواسطة.
ومن أجل تردد «عن» بين الأمرين، فقد عدّوا في المرجحات بين الأحاديث المختلفة: كون الراوي مصرّحاً في السند بالألفاظ، فيكون حديثه راجحاً على حديث من جاء في سنده بالعنعنة.
قال الحازمي في وجوه الترجيح بين الأحاديث:
الوجه السادس عشر: أن يكون كلا الحديثين عراقيّ الإسناد، غير أن أحدهما معنعن، والثاني مصرّحٌ فيه بالألفاظ التي تدل على الاتصال نحو سمعت وحدّثنا.
فيرجح القسم الثاني، لاحتمال التدليس في العنعنة، إذ هو عندهم غير مستنكر([935]).
وجاء في بعض فوائد الشيخ البهائي أن: من المشكلات لفظة «عن» في الحديث، وقد حملوها على الرواية بغير واسطة، وظن ذلك مشكل([936]).
وقد أفصح عن وجه الإشكال في ما أورده بقوله:
فإن قلت: ينبغي حمل هذا الرواية وأمثالها على الإرسال، إذ ليس فيها تصريح بعدم الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام)، ولفظة « عن » تحتمل وجو الواسطة وعدمها.
قلت: فتح هذا الباب يؤدي إلى تجويز الإرسال في أكثر الأحاديث وارتفاع الوثوق باتصالها.
والحقّ أن لفظة «عن» في الأحاديث المعنعنة تُشعرُ بعدم الواسطة بين الراوي والمروي عنه([937]).
أقول: وعلّق على قوله «تُشْعِرُ» بقوله: إذا علم عدم اجتماع الراوي والمروي عنه في عصر واحد.
وأقول: إن قوله «تُشْعِرُ» مسندٌ إلى لفظة «عن» دون معناها المصطلح، وهذا خارج عما نحن بصدده، كما لا يخفى.
وهذا قريب مما صنعه السيد الداماد في قوله: «والعنعنة بحسب مفاد اللفظ أعمّ من الاتصال»([938]).
وقال السيد أيضاً: إن العنعنة تقتضي عدم اتصال السند بين الراوي والمرويّ عنه، لما في دلالة لفظة «عن» من المجاوزة، فمعنى «فلانٌ عن فلان»: أنّ الكلام قد تجاوز الثاني إلى الأول، ولم يثبت اتصاله بالثاني، فقد يكون متصلاً إذا ثبت من غير طريق هذا اللفظ، مثل قوله: «أخبرني» أو «حدّثني» أو «أنبأني» أو «قال لي» ومع عدم هذه فكلمة «عن» أعمّ من الاتصال وعدمه([939]).
وقال العلائي: اختلف فيها المتقدمون:
فذهب بعض الأئمة إلى أن ما كان فيه لفظة «عن» فهو من قبيل المرسل المنقطع حتى يثبت اتصاله من جهة أخرى، حكاه ابن الصلاح، ولم يُسمّ قائله! ونقله الرامهرمزيّ في «المحدّث الفاصل» عن بعض المتأخرين من الفقهاء.
ووجّه بعضهم هذا القول بأن هذه اللفظة «عن» لا إشعار لها بشيء من أنواع التحمل، وبصحة وقوعها في ما هو منقطع([940]).
وقالوا: لو لم يكن المرسل حُجَّةً لم يكن الخبر المعنعن حُجّةً: لأن الراوي أيضاً أرسله بالعنعنة ولم يصرّح بالسماع عمن فوقه، والاحتمال المذكور في المرسل قائمٌ في المعنعن، واحتمال لقاء المعنعن شيخَهُ وسماعه منه ليس بدون احتمال ثقة الواسطة المحذوفة في المرسل وعدالته([941]).
وهذا أهمّ ما قيل في باب الإشكال على العنعنة، ويتحدد الإشكال بالأمور التالية:
الأول: أنّ «عن» تقتضي لغةً تجاوز الكلام عن المتكلم، سواء بلغ الناقل مباشرةً أو بلغه مع الواسطة، فلا يكون صريحاً في الاتصال من المتكلم إلى الراوي الناقل.
ذكر هذا كلّ من الحازمي والداماد.
الثاني: أنه لا إشعار فيها بنحو خاص من أنحاء التحمل وطرقه المعتبرة، وصحة وقوعها في المنقطع، فلا يثبت بها التحمل المعتبر في السند.
الثالث: كون المعنعن بحكم المرسل، لتوقفه على اللقاء، وثبوته، وعلى نفي الواسطة، وهذا غير محرز، فإن المفروض فيها احتمال وجود واسطة وهي مجهولة الوثاقة، فلا يمكن الاعتماد على الحديث المعنعن؛ كالمرسل.
الرابع: استعمال «عن» في التدليس، فيكون الحديث من نوع المدلَّس، وهو ضعيف.
والجواب عن هذه الإشكالات على العنعنة ودفعها، هو:
أمّا عن الأول: أعني دلالة «عن» على التجاوز من المتكلم فيكون الوصول إلى الراوي محتملاً للمباشرة وغيرها.
فبما قد أثبتنا في الفصل الأول في البحث عن العنعنة لغة من أن «عن» في الأسانيد، إنما هي بمعنى «من» وليست للمجاوزة، وقد مرّ مفصلاً.
وعلى هذا فلا تحتمل غير الاتصال، وهذا هو المفهوم من عمل المحدّثين كافةً.
ولذا قيّد السيد الداماد حكمه بكون العنعنة أعمّ من الاتصال بقوله: «بحسب مفاد اللفظ»([942]) ويعني ذلك أن هذه الاستفادة مبتنية على الفهم من ظاهر كلمة «عن»، دون أصل اللغة، ولا المعنى العرفي المصطلح. فليلاحظ.
ثمّ على فرض كونها لغةً للمجاوزة، إلاّ أنها مستعملة في اصطلاح علماء الحديث للاتصال، وهم المعنيون بالبحث.
قال العلائي: وقد جعله أي: قبول المعنعن والحكم باتصاله مسلم: «قولَ كافّة أهل الحديث» وأن القول باشتراط ثبوت اللقاء «قولٌ مخترع» وطول الاحتجاج لذلك في مقدمة صحيحه… وأن «عن» لا تُحمل على الانقطاع.
وهو الذي عليه دهماء أهل الحديث، قديماً وحديثاً([943]).
أقول: وحتى الذين اشترطوا في الحكم بالاتصال في العنعنة شروطاً، فهم كلهم يعترفون بعد إحراز الشروط بدلالة «عن» على الاتصال لغةً، من دون فرض كونه استعمالاً مجازياً، فهذا دليل على وضع «عن» لغة، للاتصال، ولو بنحو الاشتراك اللفظي، فلاحظ.
فما حكاه ابن الصلاح عمن «لم يسمّ قائله» من الحكم بالانقطاع حتى يتبيّن الاتصال من جهة أخرى، قولٌ شاذٌّ مرفوض لغةً واصطلاحاً.
وأمّا الذين اشترطوا للحكم بالاتصال شروطاً إضافية، فهو منهم مجرد اصطلاحٍ متأخِّرٍ، لا وقع له على الحديث عند الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل القرنين الأول والثاني، وهم أسس الحديث ومصادره وموارده، فكيف يكون مؤثراً في اللغة التي عليها الاعتماد في مثل هذه الدلالات؟! فإن مثل هذه الشروط تحميل على اللغة من غير أهلها، كما يظهر من نوعية الشروط.
فقد اشترط البخاري وابن عدي الجرجاني: ثبوت اللقاء بين المعنعِن والمعنعَن عنه، ولو مرة واحدة، وكون الراوي بريئاً من التدليس([944]).
واشترط السمعاني: طول الصحبة بينهما، وعدم التدليس([945]).
ونقل ابن عبدالبر اشتراط: العدالة، ونقل إجماع أئمة الحديث عليه([946]).
وكلّ هذا تحكّم على اللغة، وعلى قدماء علماء الإسلام الرواة للحديث.
بل المفهوم ابتداءً من «عن» هو الاتصال، والنقل المباشر، وهذا حقيقتها.
وإذا استُعملت في غير ذلك فلا بُدّ من القرينة الصارفة عن تلك الحقيقة، مثل بُعد زمان الناقل عن المنقول عنه كقول واحد في عصرنا «رويتُ عن رسول الله (ص)» أو عدم ذِكر الفاعل مع كون الفعل ماضياً كقول القائل: «جاء عن رسول الله (ص) أنه قال» أو حذف الفاعل وبناء الفعل للمجهول كقول الراوي: «رُوي عن رسول الله (ص)».
كما جاء في الحديث عن الصدوق: حدّثنا الحسن بن إبراهيم بن ناتانه؛ قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن جعفر بن سلمة الأهوازي، عن إبراهيم بن محمد، قال: حدّثنا أبو الحسين علي بن المعلّى الأسدي، قال: أنبئت عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)([947]).
ثم لو فُرض كون وضع «عن» للأعمّ لغةً، وكونها مشتركة بين المتصل والمنقطع، إلاّ أن الثابت عند الجمهور، والمصطلح الواقع بينهم، والمصرّح به للأكثرين، والمستعمل عندهم في غالب الأسانيد هو الاتصال، كما أثبتنا في الفصل الماضي بعنوان «تراثنا والعنعنة» وهو كافٍ قطعاً للحكم بصرف المعنى عن الاشتراك إلى الاتصال في عُرف أهل الحديث.
وأمّا الجواب عن الإشكال الثاني فقد عقدنا له الفصل الرابع، لما فيه من التفصيل.
والجواب عن الإشكال الثالث، وهو: كون المعنعَن بحكم المرسَل، في جهالة الواسطة، إذا لم يثبت الاتصال، لتوقف عدم الإرسال على ثبوت اللقاء، ولفظُه «عن» المجردة لا تُثبته.
بأن المرسَل هو الحديث الذي عُلم سقوط الواسطة من سنده، وأمّا المحكوم بالاتصال فليس كذلك، خصوصاً إذا قام الاصطلاح على ذلك.
وبعبارة أخرى: الحكم بالإرسال، متوقف على إحراز عدم الاتصال، وليست «عن» مقطوعة الانفصال، بل غاية ما يُدّعى تردّدها بين الاتصال والانقطاع، والمفروض أنهم اصطلحوا عليها كلفظ مفيد للاتصال، فينتفي عنها حكم الإرسال، ولو على الظاهر منهم.
ويؤيد ذلك أن الشيخ الطوسي إنما قال في توجيه وضعه للمشيخة في آخر كتاب «تهذيب الأحكام» ما نصه: ونحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنّفات، ونذكرها على غاية ما أمكن من الاختصار، لتخرج الأخبار بذلك عن حد المراسيل، وتلحق بباب المسندات([948]).
ومن الواضح أن الأسانيد المثبتة في المشيخة كلها معنعنة، كما أوضحناه سابقاً.
ومثل هذا إرجاعه إلى ما أثبته من الطرق في كتابه «الفهرست» الذي لا يخلو من العنعنة في أسانيده، كما شرحناه أيضاً.
ومثل هذا يرد على الصدوق، الذي حذف الأسانيد من متن كتاب «الفقيه» وأثبتها في المشيخة، وهي أيضاً معنعنة، فلو كانت العنعنة لا تعطي معنى الاتصال، لما أفاد وضع المشيخة شيئاً من الأغراض التي أعلنّا عنها.
والحاصل: إن هذا الإشكال مبنيّ على الخلط بين مصطلحي المرسَل والمعنعَن.
وقد أجاب العلائيّ عن هذا الإشكال بقوله: إن الراوي الذي يُطلق لفظة «عن» إمّا أن يكون لم يُعرف بتدليس، أو عُرف به:
فإن لم يعُرف بتدليسٍ، وكان لقاؤه لشيخه ممكناً، أو ثبت لقاؤه على اختلاف القولين لمسلم والبخاري فلفظة «عن» محمولة على الاتصال، وليس للانقطاع وجهٌ ولا للواسطة احتمالٌ؛ لأن الظاهر سماعه لذلك من شيخه، والأصل السلامة من وصمة التدليس، فلا يُقاس المرسَل على هذا، مع ظهور الفرق بينهما.
وإن كان الراوي معروفاً بالتدليس، فما رواه عن شيخه بلفظ «عن» أو غيرها، مما يُصرّح فيه بالسماع منه، حكمه حكم المرسَل، فمن قبل المرسَل مطلقاً يقبله، ومن ردّه يردّ هذا أيضاً، ولا فرق([949]).
وقال العلائي أيضاً: إذا شاع استعمالها [أي: عن] في الاتصال وحملها عليه وهو الذي نقله جماعة من الأئمة عن كافة العلماء كانت حقيقتها الاتصال، وإذا وردت في المرسَل كانت مجازاً؛ لأن المجاز خير من الاشتراك عند تعذر الحقيقة([950]).
وأمّا الجواب عن الإشكال الرابع وهو الحكم على المعنعن بالتدليس:
فبأن الحكم بالتدليس فرع ثبوت عدم اتصال السند المعنعَن، فلو حكم بالاتصال ولو اعتماداً على الأصل أو الظاهر من الاصطلاح كفى في نفي التدليس عن الراوي.
والحاصل: أنّا إذا دفعنا الإشكالات السابقة، وتوصلنا إلى أن المعنعَن متصل، لغةً وعرفاً واصطلاحاً، لم يكن مستعمله محكوماً بالتدليس بمجرد استعماله لفظة «عن» إلاَّ إذا ثبت كونه مدلّساً من جهة أخرى، غير هذه، وحينئذٍ يُحكم عليه بالتدليس، حتى لو استعمل الألفاظ الصريحة، ولم يستعمل «عن» كما أشار إليه العلائي في آخر ما نقلناه عنه.
العنعنة والطُرُق
يبتني الثاني من وجوه الإشكال على العنعنة، على أن لفظة «عن» لا تختص بأداء طريق معينةً، فهي تستعمل مع كل الطرق، أو أكثرها ومنها الإجازة، بل قد خصّها بعض المحدثين بالإجازة.
وبما أن الإجازة من الطرق غير معتبرة، فهي لا تصلح لإيصال الحديث من الشيخ إلى الراوي، فالطرق المعنعنة غير مؤدّيةٍ للمتون إلى الرواة، لاحتمال الإجازة فيها، وهي غير معتبرة.
ومما قيل في هذا: إن العنعنة إذا كانت أعمّ من الطرق وتحتمل أن تكون للإجازة، التي هي مجرد قول الشيخ: «أجزتُ لك أن تروي جميع كتب الأصحاب، من دون أن تكون هذه الكتب مقروءةً علَيَّ، أو مسموعةً منّي» أي من دون أن تكون هذه المتون واصلةً إليّ، فالطرق المعنعنة لا تُفيد! لأنه لم يحرز لنا أن المتون واصلة إلى الرواة.
ولا بدّ أن نحدد النقاط التي يبتني عليها هذا الإشكال، وهي:
1 ـ دعوى أن لفظة «عن» عامّة للطرق، فلا تدل على شيء معين، ويشمل ذلك الإجازة غير المعتبرة، عنده.
2 ـ دعوى أن الإجازة لا تدل على الاتصال، ولا يُحرز بها وصول الحديث من الشيخ إلى الراوي.
فالنتيجة أن الحديث المعنعن لا يحرز معه الوصول، فلا يمكن الاعتماد عليه.
وللإجابة عن ذلك، نقول:
أولاً: إن البحث عن العنعنة، والإشكال فيها إنما هو أمر قديم وليس لأمر الطرق فيه دخلٌ أصلاً، وإنما الإشكال من جهة دلالتها على «التجاوز» وكونه أعمّ من المباشر وغيره كما فصلنا في البحوث السابقة.
وعرفت في الفصل الأول: أن «عن» لغةً وعُرفاً، إنما هي دالة على السماع المباشر، في الأسانيد.
وثانياً: قد عرفت أن كلمة الجرّ «عن» متعلقة في ظاهر الكلام بالفعل المحذوف من جنس المذكور قبلها، فالكلام إذن على نسق واحد، وهو كما يفهمه العُرف العام، من الاتصال، وقد مضى هذا أيضاً.
وعلى هذا الأساس جرى جمهور علماء الإسلام من الحكم باتصال المعنعَن، بما عرفت أن إثارة الإشكال عليه، إنما هو من قبيل «الشبهة في مقابل البديهة».
وثالثاً: إن الالتزام بتوزيع الألفاظ على الطرق، وتخصيص كل لفظ بطريق، حتى تكون «عن» للإجازة، إنما هو اصطلاح متأخر، ولا دليل على كونه ملزماً من أصل عقلي أو فرع شرعي، كما فصلنا ذلك في بحثنا الموسّع عن صيغ التحمل والأداء، وقد مرّ شيء من ذلك في فصل «تاريخ العنعنة» هنا.
ولا بأس بإيراد بعض الكلمات الصريحة في هذا المعنى:
قال ابن عبدالبرّ: لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة…، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي، سواء أتى فيه بـ«عن»، أم بـ«قال: أم «سمعت»، فكله متصل([951]).
وقال: إن الألفاظ بعد تحقق اللقاء لا عبرة بها([952]).
وقال الخطيب البغدادي: الألفاظ ليست إلاّ عبارة عن التحديث، فهي سواء في الدلالة([953]).
وقال الدكتور عتر في أداء السماع: يسوغ فيه كل ألفاظ الأداء مثل «حدّثنا» و«أخبرنا» و«أنبأنا» و«عن» و«قال» و«حكى» و«أن فلاناً قال» فإنها تُطلق على أمارة السماع من المحدث، كما صرح به القاضي عياض وغيره([954]) ثم درج على هذا الإطلاق أكثر رواة الحديث المتقدمين، ثم وجد النقاد (!) بعد انتشار التدوين والتلقّي بالإجازة ونحوها وجدوا فيها توسعاً (!) يؤدي إلى اشتباه السماع بغيره، لذلك رجحوا (!) الأداء بلفظ يدل على السماع([955]).
وقوله: «وجد النقّاد توسعاً» و«رجحوا» يدل على أن هذه التفرقة بين الألفاظ أمر مستحدث لا أصل له في الشرع ولا في عُرف قدماء المحدثين، فلا ملزم له أصلاً، فضلاً عن أن يُبنى عليه ردّ كتب الحديث الشريف!
بل هو أمر استحساني وليس بواجب حتى عندهم([956]).
فكيف يُبنى على مثل هذا الالتزام الذي لا مُلزم له من عقل أو شرع أو عُرف في نفي الحديث المعنعن، وإسقاط اعتبار كتب الحديث الشريف؟!
إنه عمل مخالف لأبسط قواعد العلم والوجدان.
ورابعاً: إن الطرق الثمان لتحمل الحديث وأدائه التي منها الإجازة إنما هي معتبرةٌ عند المحدثين بملاك واحد، وهو «البلوغ» من الشيخ إلى الراوي، كما أثبتنا ذلك مفصلاً في كتابنا عن «الطرق الثمان».
والإجازة، بالإجماع، واحدة من تلك الطرق، فلا بُدّ أن تكون محرزة للبلوغ المذكور، وإلاَّ كيف أدخلوها فيها؟!
بل جعلها الأكثرون: ثالثة بعد السماع والقراءة مما يدل على أهميتها في أداء البلوغ المذكور، بشكل أقوى من سائرها، وهي: المناولة والكتابة والإعلام والوصية والوجادة.
وإذا اشتركت الطرق في أداء الهدف المنشود، لم يفرق بينها في الألفاظ.
قال القاضي عياض: إذا روى معنى النقل والإذن فيه، وأنه لا فرق بين القراءة والسماع والعرض والمناولة للحديث في جهة الإقرار والاعتراف بصحته وفهم الحديث به، وجب استواء العبارة عنه بما شاء([957]).
وإذا كانت الإجازة في القوة والاعتبار، والدلالة على ضبط الحديث، بأفضل شكل بمنزلة واحدة مع سائر الطرق، فهي إذن مساوية لها في أدائها دور بلوغ المتن ووصوله عن الشيخ المحدّث إلى الراوي.
وخامساً: إن ما ذكره عن الإجازة، يدل على جهل بواقعها وأمرها في الحديث، وذلك لأن كبار أهل الدراية، والعلم بالحديث وعلومه، قد جعلوا الإجازة من أهم الطرق، وبمنزلة السماع.
قال الخطيب: إنَّ الإجازة بمنزلة السماع وتاليته، يعدّ هو الأول وهي الثانية([958]).
وهذا يدل على تقدم الإجازة على «القراءة» في الاعتبار.
وقال الفقيه أبو محمد بن عتاب الأندلسي، عن أبيه: لا غنىً في السماع عن الإجازة؛ لأنه قد يغلط القارىء، فيجيز له ما فاته.
نقله ابن الصلاح، وجعل الإجازة لذلك مع السماع مستحبّةً([959]).
وقال الدربندي: ولا غنىً في كل سماع عن الإجازة([960]).
وقال العراقي في الألفية:
وينبغي للشيخ أنْ يُجيزَ مَعْ
إسماعِه جَبْراً لنقصٍ إنْ وقَعْ
قال ابنُ عتّابٍ: ولا غناءَ عَنْ
إجازةٍ مع السماعِ تُقْتَرَنْ([961])
بل سمى مالكٌ الإجازة سماعاً، حيث قال: السماع عندنا على ثلاثة أضرُبٍ: الأول: قراءتك على الشيخ، الثاني: قراءته عليك، الثالث: أن يدفع إليك كتاباً قد عرفه فيقول: «إروه عنّي»([962]).
وقال السلفي: إنه قد سمع في بغداد أبا جعفر بن يحيى الحكاك التميمي (ت485هـ) وهو ثقة حافظ يروي عن أبي نصر الوائلي (ت444هـ) حكماً له «يضع المناولة بمنزلة السماع»([963]).
وحدّث الخطيب قال: حدّث أبو علي الهروي، عن عمرو بن الحسن الشيباني القاضي، فسُئل عنه؟ فقال: صدوق؛ قيل: إن أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه؟! فقال: ما سمعنا أحداً يقول فيه أكثر من أنه «يرى الإجازة سماعاً» وكان لا يُحدّث إلاّ من أصوله، والشيباني توفي سنة 339هـ([964]).
وقال الشيخ الطوسي: إذا كان أحد الراويين يروي سماعاً وقراءة، والآخر يروي إجازةً: فينبغي أن يقدم رواية السامع، على رواية المستجيز، اللَّهم إلاّ أن يروي المستجيز بإجازته أصلاً معروفاً أو مصنّفاً مشهوراً، فيسقط حينئذٍ الترجيح([965]).
وقد عرفت أن الشيخ الطوسي صرح في مشيخة كتاب «تهذيب الأحكام» أنه يذكر الطرق إلى رواية الأصول والمصنّفات التي استخرج منها أحاديث الكتاب مع كون الطرق كلها معنعنة، وقد سبق توضيحنا لهذا.
بل جعل بعضهم «الإجازة» أفضل من «السماع» فقال: الإجازة على الوجه الصحيح خيرٌ وأقوى بكثير من السماع الرديء([966]).
وقال أحمد بن حنبل: إذا أعطيتُك كتابي وقلت لك «إروه عنّي» وهو من حديثي، فما تُبالي سمعته أو لم تسمعه([967]).
فالإجازة إذن ليست كما ذكرها ذلك الكاتب المشتغل بما لا يعينه في كلامه الزائف!
نعم، بهذا تهاوت الإجازة عن مقامها السامي الذي كان لها عند القدماء العلماء، وأخذ ينظر إليها المتأخرون بنظر الازدراء، فأصبحت في رؤاهم خاويةً على عروشها، وفاقدة لعناصر قوتها واعتبارها، بل أصبحت مهزلةً للكثيرين من أهل العصر الذين تنزلوا بالعلوم إلى مستويات هابطة. وسادساً: إن المتداول في كتب الحديث، وكتب المصطلح، والمُشاهد في الأسانيد، هو أن بين الإجازة وبين «عن» عموماً من وجه، فقد يجتمعان، وقد تنفرد الإجازة عنها فتستعمل فيها ألفاظ الأداء الأخرى، وقد تنفرد «عن» فتستعمل في غير الإجازة من الطرق.
فإذا استعملت الإجازة مع الألفاظ الأخرى، فهل يمكن القول بضعفها أيضاً؟
وهذا ما لا يلتزم به أحد.
وإذا استعملت العنعنة في غير الإجازة من الطرق، فكذلك لم يقُل أحدٌ بضعف الحديث.
وهذا يدل على أن الضعف ليس في الإجازة وحدها، ولا في العنعنة وحدها.
وأمّا دعوى أن الضعف يختص بمورد الاجتماع، وهو أداء الإجازة بالعنعنة فقط؟
فهذه دعوى جُزافية لم يقُلْ بها أحد من علماء الحديث، لا قديماً ولا حديثاً، ولم نرَ له موجباً ولا منشأً، فإن الأمرين اللذين لا ضعف فيهما لا يوجب اجتماعهما ضعفاً.
ويدل على ذلك أن العنعنة التي أصبحت خاصة بالإجازة في عُرف المتأخرين، قد حكموا عليها بالاتصال:
قال العراقي في ألفيّته:
وكثُرَ استعمالُ «عن» في ذا الزمَنْ
إجازةً وهو بوصَلٍ ما قَمِنْ([968])
أقول:
وهذا الاحتمال، قد ذكرناه نحن، مقدمةً للرد عليه، وهو مما لم يرد في كلام ذلك القائل.
أمّا استعمال الألفاظ غير العنعنة مع الإجازة:
فقد قال ابن الأثير: أمّا «أنبأنا» فإن أصحاب الحديث يُطلقونها على الإجازة والمناولة، دون القراءة والسماع اصطلاحاً، وإلاّ فلا فرق بين الإنباء والإخبار، لأنهما بمعنىً واحد.
وقال الحاكم: «أنبأنا» إنما يكون في ما يجيزه المحدث للراوي شفاهاً، دون المكاتبة.
وجوّز قوم «حدّثنا» و«أخبرنا» في الإجازة([969]).
وقال العلائي في الألفاظ الدالة على السماع: ويلحق بها «أنبأنا» و«نبّأنا» وإن كان غلب استعمالها عند المتأخرين في الإجازة([970]).
وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله: «خبّرنا» بالتشديد([971]).
وقال الدربندي: إن جمعاً قد جوّزوا إطلاق «حدّثنا» و«أخبرنا» في الرواية بالمناولة، وهو مقتضى قول من جعلها سماعاً، وقد حكي عن جمع جوازه في الإجازة المجردة…، وعن بعضهم تخصيصها بـ«خبّرنا» والقراءة بـ«أخبرنا» وقيل: إنه اصطلح قومٌ من المتأخرين على إطلاق «أنبأنا» في الإجازة([972]).
وقال العاملي: يجوز للسامع أن يقول: «حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا ونبّأنا» هذا في الصدر الأول، ثم شاع تخصيص «أخبرنا» بالقراءة، و«أنبأنا ونبّأنا» بالإجازة([973]).
وحكي عن جمع من أعلام المحدّثين: إطلاقُ «حدّثنا» و«أخبرنا» في الإجازة:
قال ابن الصلاح عن الحافظ أبي نُعيم الأصفهاني، صاحب التصانيف الكثيرة في الحديث، وكان يطلق «أخبرنا» في ما يرويه إجازةً: أنه قال: إذا قلت «حدّثنا» فهو سماعي، وإذا قلت «أخبرنا» على الإطلاق، فهو إجازةٌ، من غير أن أذكر فيه: «إجازةً أو كتابةً أو كتب إليَّ أو أذِن لي في الرواية عنه».
وقال: كان أبو عبدالله المرزباني الأخباري صاحب التصانيف في علم الخبر يروي أكثر ما في كتبه إجازةً من غير سماع، ويقول في الإجازة: «أخبرنا» ولا يُبيّنها([974]).
وقال أيضاً: ورد عن قوم من الرواة التعبير عن الإجازة بقول: «أخبرنا فلان أن فلاناً حدّثه أو أخبره» بلغنا ذلك عن الإمام أبي سليمان الخطابي أنه اختاره أو حكاه([975]).
وقال القاضي عياض: وذهب جماعة إلى إطلاق «حدّثنا» و«أخبرنا» في الإجازة، وحكي ذلك عن ابن جُريج وجماعة من المتقدمين، وقد أشرنا إلى من سوّى بينها [أي الإجازة] وبين القراءة والسماع، على ما تقدم، وحكى أبو العباس ابن بكر المالكي في كتاب «الوِجازة» أنه مذهب مالك وأهل المدينة، وقد ذهب إلى تجويز ذلك من أرباب الأصول: الجويني([976]).
وقال عيسى بن مسكين قاضي القيروان وفقيه المغرب (214 – 295هـ): الإجازة رأس مالٍ كبير، وجاز أن تقول: «حدّثني فلان» و«أخبرني فلان»([977]).
وقيل لمالك بعد أن استجيز في موطئه فأجاز: كيف أقول «حدّثنا مالك» أو «أخبرنا مالك»؟ فقال: قُلْ أيهما شئت([978]).
وقال الحكم بن نافع أبو اليمان: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأتُ عليه بعضه، وبعضه قرأه عليَّ، وبعضه إجازة، وبعضه مناولةً. قال: قُلْ في كله: «أخبرنا شعيب»([979]).
فظهر أن اطلاق الألفاظ، حتى «حدّثنا» و«أخبرنا» في الإجازة، أمرٌ جوزه القدماء، وجرى كثير من كبارهم عليه من دون حرج، وإنما تحرج من ذلك بعض المتأخرين على أثر اصطلاح أحدثوه، لكنه لم يكن ملزماً لغيرهم، فلذا خالفه كبار المحدثين والرواة، كأبي نُعيم الأصفهاني، والمرزباني، كما مرّ، ومن غير المعروفين كالسمرقندي أحمد بن محمد بن إبراهيم، والجيزي إسحاق بن راشد([980]).
فظهر أن ما صنعه بعض الرجاليين من عيب من فعل ذلك من المحدثين، كالمرزباني وأبي نُعيم، وكذلك ابن بُطّة المؤدب، الذي قال فيه النجاشي: يتساهل في الحديث ويعلق الأسانيد بالإجازات([981]) بناءً على إرادة هذا المعنى..
ليس عيباً في الحقيقة، وإنما هو إشكال مبنيٌّ على التشديد في الالتزام بالألفاظ حسب المصطلح المتأخِّر الحدوث، وقد عرفت أنه لا ملزم له حتى تكون مخالفته عيباً.
وقد ذكرنا الجواب عن مثل هذا الإشكال في بحث «صيغ التحمل والأداء» بتفصيلٍ أكثر.
وأمّا استعمال «عن» في سائر الطرق غير الإجازة:
فقد عرفنا في الفصل الثاني أن العنعنة مستعملة في التراث الإسلامي كله، وفي مصادر الحديث الأولى ومؤلفاته المبكرة، وبشكل واسع وشائع، ومن المعلوم أن أمر الإجازة لم يكن بتلك السعة وذلك الشيوع؛ فلا بدّ أن تكون «عن» مستعملةً مع الطرق الأخرى، حيث كانت أكثر الطرق شيوعاً هي السماع والقراءة، خصوصاً إذا لاحظنا أن العنعنة تكثر مع أسماء الرواة في نهايات الأسانيد، حيث تتصل بالصحابة والتابعين وتابعيهم، بشكل واضح.
فالإجازة، وإن كانت عريقةً في القِدَم على ما أثبتناه في دراستنا الموسعة عنها، إلاّ أنها وبالقطع واليقين لم تكن الغالبة ولا الشائعة، بحيث تُحمل عليها العنعنة في أكثر الأسانيد الموجودة في التراث الحديثي.
مع أن من المسلم به عند علماء الدراية، ومؤرخي علوم الحديث أن تخصيص «عن» بالإجازة على القول بالتشدد في الألفاظ إنما هو اصطلاح متأخر، كما عرفنا.
والحاصل: أن العنعنة المستعملة في عامة كتب الحديث لم تكن إلاّ مع غير الإجازة من طرق الحديث والرواية.
مضافاً إلى ما يوجد من التصريح باستعمال «عن» بدل «سمعت» التي هي خاصة بطريقة السماع، في ما رواه أبو زُرْعة، قال: سألتُ أحمد عن حديث «أسباط الشيباني، عن إبراهيم، قال: سمعتُ ابن عباس»؟ قال أحمد: «عن ابن عباس».
فقلت: إن أسباطاً هكذا يقول: «سمعتُ» فقال أحمد: قد علمتُ، ولكن إذا قلت «عن» فقد خلصته وخلصت نفسي؛ أو نحو هذا المعنى([982]).
كما إن الشافعي ساوى بين «عن» و«سمعت» في رسالته([983]).
وقد مرّ بنا ما ذكره الشيخ الطوسي في ترجمة «أبي غالب الزراري» من قوله: أخبرنا بكتبه ورواياته أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله، عنه».
وأضاف: وقال الحسين: قرأت سائرها عليه عدة دفعات([984]).
فمع التصريح بكون روايات الحسين عن أبي غالب الزراري بطريقة القراءة لجميع الكتب والروايات، ولعدة دفعات، فإن الشيخ الطوسي عبّر في طريقه بكلمة: «عنه» مطلقاً، ولم يقيدها بقوله: «قراءةً عليه».
ولا ريب أن هذا يدل على استعمال «عن» مع التحمل بطريقة القراءة على الشيخ.
وقد ساوى الأوزاعي بين «عن» و«قال»([985]).
مع أن «قال» لا تُستعمل في الإجازة، ولا يجري فيها ما ذكره المستشكِل.
ونعود فنقول في تلخيص هذا الرد: إن العنعنة لم تختص بالإجازة، ولا الإجازة تختص بالعنعنة.
فإذا كانت العنعنة صحيحة في غير الإجازة من طرق التحمل، ولا إشكال في السند من حيث كونه معنعناً؛ فهي كذلك مع الإجازة.
وإذا كانت الإجازة معتبرة إذا لم تكن معنعنة، فلا إشكال فيها لو اقترنت بالعنعنة.
فإن كلاًّ منهما لوحده لا إشكال فيه، فاجتماعهما لا يولد إشكالاً، كما مرّ.
ونقول أخيراً: إنّا نجد «العنعنة» مستعملة حتى مع أسماء المعصومين: كلاًّ عن الآخر، عن النبيّ (ص)، عن الملائكة؛ وأحياناً: عن اللوح، عن القلم، وفي كثير من الروايات «عن الله جلّ وعلا».
ومن الواضح لكل ذي عينين أن العنعنة حينئذٍ لا يمكن حملها على الإجازة أصلاً، فضلاً عن الإجازة الباطلة، بل لا بدّ من حملها على الطرق المعتبرة الأخرى، وبوحدة السياق والنسق يُحكم على العنعنات المتأخرة، بمثل ذلك.
ولو فرض أن أحداً حاول حملها على الإجازة مع الأسماء الكريمة، فهذا أدلّ دليلٍ على اعتبار الإجازة وكونها من الطرق المقدسة، وبوحدة النسق يُحكم بحكمها هذا على العنعنات الأخرى.
هذا إذا كانت العنعنات المذكورة من استعمال المعصومين: أنفسهم.
وأمّا إذا كانت العنعنات من استعمال الرواة، فنفس هذا دليل على شيوع تداولها واعتبارها منذ الصدر الأول، ومن دون مُعارض، وبوحدة النسق تثبت حجيّتها فيما بعد ذلك أيضاً.
فكيف يجرؤ أحد على تصور مثل تلك الشبهة في العنعنات المنتثرة في التراث الحديثي؟! ومع الأسماء الكريمة؟!!
* * *
ملاحظات حول العنعنة
الملاحظة الأولى:
قال السيوطي: وجدتُ في بعض الأخبار ورود «عن» في ما لم يمكن سماعه عن الشيخ وإن كان الراوي سمع منه الكثير، كما رواه أبو إسحاق السبيعي عن عبدالله بن خبّاب بن الأرت: أنه خرج عليه الحرورية فقتلوه حتى جرى دمه في النهر.
فهذا لا يمكن أن يكون أبو إسحاق سمعه من ابن خباب كما هو ظاهر العبارة لأنه هو المقتول.
قال السيوطي: قلتُ: السماع إنما يكون معتبراً في القول، وأمّا الفعل فالمعتبر فيه المشاهدة، وهذا واضح([986]).
أقول:
أبو إسحاق السبيعي هو عمرو بن عبدالله، قيل: وُلد عام 39هـ، وقيل بعد ذلك، فمشاهدة القضية المنقولة منتفية في حقّه، قطعاً.
مع أنه اتهموه بالتدليس وأنه معروف به([987]).
وقد صرّح علماء الفن بأن عنعنة المدلّس لا تدل على الاتصال، فلا يعتبر ذلك حتى لو أمكن اللقاء! فكيف لو لم يمكن؟!
الملاحظة الثانية:
قال الدكتور عتر: قد يُستشكل بما وقع في الحديث على شرط الاتصال ثم تبين أنه ليس بمتصل، كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله (ص) أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركبٍ، يحلف بأبيه، فقال: «ألا إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت».
وفي رواية أخرى: عن سالم، قال: قال ابن عمر: سمعتُ عمر يقول: قال لي رسول الله (ص): «إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم…»([988]).
قال عتر: ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند ابن عمر، فهذا الحديث مشترك متردد لتعلقه بالنبيّ (ص)، وبعمر، فقد أدركهما ابن عمر وصحبهما، فصلحت «أنّ» للرواية عنهما. ولو كان الإدراك قاصراً على أحدهما لتعين الاتصال عن طريقه.
وهذا ملحظ دقيق جداً ينبغي التنبه له، والحذر من الغلط بسببه([989]).
أقول:
ومثله يجري في العنعنة لو عُلم توسّطُ راوٍ بين الشيخ والراوي المتحمل عنه، كما في المثال التالي: «روى أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبدالله بن المغيرة» في الموارد التالية من «التهذيب»:
1 ـ كتاب الديات، باب القود بين الرجال والنساء.
2 ـ كتاب النكاح، باب المهور والأجور.
3 ـ كتاب الصلاة، باب أحكام الجماعة 3/47 رقم 164.
4 ـ كتاب الصلاة، باب أوقات الصلاة 2/36 رقم 114.
5 ـ كتاب الصيد، باب الصيد والذكاة.
(وروى المورد الأول في «الاستبصار» إلاّ أن فيه: أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة([990]).
وقد روى أحمد، عن ابن المغيرة، بواسطة الرجال الآتية أسماؤهم.
بواسطة الحسن بن علي، في التهذيب، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الزيادات.
وبواسطة ابن أبي عمير، في التهذيب، كتاب المكاسب، باب المكاسب، وكتاب الطلاق، باب حكم الظهار، وفي الكافي، كتاب المعيشة، باب الحثّ على الطلب.
وبواسطة محمد بن الحسن بن علان، في التهذيب، كتاب الحج، باب الزيادات.
وبواسطة البرقي، وأبيه، في التهذيب، كتاب الطلاق، باب أحكام الطلاق، وكذا في مواضع عديدة أخرى([991]).
وبواسطة محمد بن يحيى، في التهذيب، كتاب الجهاد، باب من يجب معه الجهاد كيفية جهاد المشركين([992]).
فهو يروي عن ابن المغيرة مباشرة، ومع الواسطة.
لكن الكشي صرّح بقوله: قال نصر بن الصباح: وما روى أحمد قطُّ ـ عن عبدالله بن المغيرة، ولا عن الحسن بن خرذاد([993]).
وقال النجاشي في ترجمته: قال ابن نوح: وما روى أحمد عن ابن المغيرة، ولا عن الحسن بن خرذاد([994]).
ومع تصريح أعلام الفن بعدم روايته المباشرة عن ابن المغيرة، وقرينيّة قلّة رواياته عنه بلا واسطة، فالأمر في «إعلال» أسانيد تلك الروايات واضح.
فلا وجه لمحاولة التستر من جعل ذلك دليلاً على الفرق بين قولهم: «فلانٌ عن فلان» وقولهم: «روى فلان عن فلان» وأن الأول يستلزم الرواية بلا واسطة، والثاني: فأعمّ([995]).
فإن ظاهر العبارتين هو الرواية بلا واسطة، والثاني أصرح في ذلك من الأول لوجود الفعل «روى».
وإنما عرف عدم الاتصال في روايات أحمد بن ابن المغيرة، في تلك الموارد القليلة، من أمر خارج، وهو تصريحهم بذلك من جهة، ووجود الواسطة في أكثر الطرق من جهة أخرى، لا من مجرد عبارة «العنعنة» سواء مع الفعل «روى» أم بدونه.
والحاصل: أن ظهور كلمة «عن» في الاتصال مما لا ينبغي الشك فيه، وإنما تصرف إلى غيره عند وجود ما يدل على عدم الاتصال، فيكون مجازاً.
قال العلائي: إذا ساغ استعمال «عن» في الاتصال وحملها عليه وهو الذي نقله جماعة من الأئمة عن كافة العلماء، كانت حقيقتها الاتصال، وإذا وردت في المرسَل وفي الانقطاع كانت مجازاً([996]).
وتخرج الموارد القليلة من التعليل بالالتزام بأن كلمة «بن» في الموارد الأولى «أحمد بن محمد بن عيسى» هي مصحفة كلمة «عن» فالصواب: «أحمد، عن محمد بن عيسى، عن عبدالله بن المغيرة».
الملاحظة الثالثة:
ما هو السر في اعتماد القدماء من مشايخ الحديث على «العنعنة» بصورة واسعة، وإهمالهم للألفاظ الأخرى؟
لا ريب أن واضعي الألفاظ، لم يلتزموا بحرفيتها، حتى المتشدد منهم، بل عمدوا إلى اختصارها، لثقلها بالتكرر، خصوصاً مع التنوع، وقد شرحنا ذلك في بحث «الصِيَغ».
وأمّا أعلام المحدثين عندنا فقد عمدوا إلى استبدالها كلها بكلمة «عن» التي هي كاملة الدلالة وبالاستقلال على تمام المقصود من تلك الألفاظ، مع وجازة لفظها، فاكتفوا بها، من دون إشعار بالاختصار، ولا ريب أن هذا أولى مما عمله غيرهم من الحذف تارة، أو اختصارها بالرموز. فإذا كان الهدف الأساسي من الألفاظ هو التعبير عن اللقاء وتحمل الحديث ووصول الرواية من الشيخ إلى الراوي، وبلوغ الحديث، وكان كل هذا يتأدى بكلمة «عن» من دون اختصار، فهو أولى بلا ريب من حذف اللفظ مطلقاً من دون رمز، أو تبديله برمز.
مع أن الغرض من إيراد الطرق في كتب الحديث وكتب الاستدلال هو الاعتماد على ما تُوصله من المتون وتؤديه من المعاني، فالانشغال بالمصطلحات المستجدة يبعد المسافة على طلاب العلم، الذين يريدون فقه الحديث للتوصل إلى العمل به.
وأمّا خصوصيات الألفاظ وفوائدها، فقد قدروا لها مجالاً للاستعمال بقدرها، وفي مواضع خاصة، كما في الكتب الموضوعة لبيان الطرق فقط، كالفهارس والمعاجم، حيث التزموا فيها بالألفاظ بمزيد من العناية؛ لأن الغرض استيفاؤها من دون ذكر المتون، كما هو واضح.
وأخيراً:
فإن الصدر الأول من المحدثين والرواة وكذلك القدماء لم يلتزموا بهذه الألفاظ المصطلحة، ولم يستعملوا في القرنين الأولين سوى لفظة «عن» كما عرفنا.
فالأمانة العلمية تقتضي الاحتفاظ بما جاء في نصوصهم، والتبعية لهم في ذلك.
وأمّا ما أُحدث في النصف الثاني من القرن الثاني، من وضع هذه الألفاظ لمقاصد معينة، فهو وإن كان حسناً، إلاّ أنه ليس واجب الالتزام، كما عرفت.
ولا يوجب حزازة على ما سبق وروده في الأحاديث من استعمال العنعنة.
كما إن في كثير من تطبيقاته تكلفاً واضحاً، مثل ما ورد عن سفيان بن عُيَيْنة، قال: «نا عمرو بن دينار» يريد «حدّثنا» فلما قيل له: قل «حدّثنا عمرو»! قال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله «حدّثنا» ثلاثة أحرف وهي: «ح د ث» لكثرة الزحام، فاقتصر على «نا» النون والألف([997]).
فهو يصرح بعدم إرادته الاختصار، وإنما يتقيد بلفظ ما سمع، مع علمه بأن المراد هو «حدّثنا» وأنه هو الواقع من الشيخ.
فهذا بلا ريب وَرَعٌ مُظْلِمٌ، لا يطلبه أهل الفضل والعلم والفقه، وليس يليق إلاّ بمن يتمشدق بهذه الزخارف.
ولو كان أهل التشدد في الاصطلاح يستحسنون هذا ويجوزونه باعتباره اختصاراً غير مضرٍّ، فأولى لهم أن يجوزوا التلفظ بكلمة «عن» التي تؤدي الرواية بكامل معناها، من دون اختصار مع ما فيه من الأتباع للصدر الأول.
ولنختم هذا البحث، بكلامٍ فَصلٍ من الخطيب البغدادي، حيث قال: «أهل العلم مُجمعون على أن قول المحدث: «حدّثنا فلان، عن فلان» صحيح معمول به، إذا كان شيخه يعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدّث ممن يدلّس، ولا يستجيز أن يُسقط [اسماً] ويروي الحديث عالياً.
لأن الظاهر من الحديث السالم راويه مما وصفنا الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده([998]).
خلاصة البحث
1 ـ «العنعنة» مصدرٌ جَعْليٌّ مأخوذٌ من استعمال كلمة «عَنْ» في الإسناد، وهي في اللغة تأتي بمعانٍ عديدة، أشهرها المجاوزة، ولكنها إذا وقعت في الأسانيد وما هو بمعنى النقل المعلوم فاعله، فإنها لا بدّ أن تكون بمعنى «مِنْ» اصطلح أهل الحديث على ذلك.
كما قد دارت حولها بحوث اصطلاحية أخرى.
وقد جمعنا كل ما يرتبط بها لغةً واصطلاحاً، في الفصل الأول.
2 ـ وتتبعنا في الفصل الثاني «تاريخ العنعنة» فوجدنا أنها متوغلة في القِدَم، فالتراث الحديثي، والشيعي منه بخاصة، يدور على استعمالها بما لها من المعنى اللغوي أعني «مِنْ» وقد وقع الاصطلاح على ذلك أيضاً عند المحدّثين شيعة وعامة.
وبما أن الأصل في معاني «عن» المجاوزة، فقد استعملت لغةً في معنى صدور الكلام من قائله، ولو كان بعيداً زماناً عن الناقل له، كما يُفهم من قولهم «رُوي عن الصادق (عليه السلام)» عندما يكون فاعل الرواية المباشرة مجهولاً مثلاً فهذا لا يعني الاتصال بين الناقل والقائل.
وكذا بما أن المتأخرين من المحدّثين خصصوا لكل طريق من طرق التحمل والأداء لفظاً من الصيغ الموضوعة لذلك، فخصصوا لفظة «عن» لما يُنقل بطريقة الإجازة.
وبما أن طريقة الإجازة تحورت على أثر الإهمال والتماهل والتساهل كما هو الحال في سائر أدوات المعرفة الإسلامية فإن الإجازة مُنيت بهجوم عنيف من قبل بعضهم، وبالتزييف والتسخيف من بعضٍ آخر.
من كل هذه الأمور، واجتماعها في الحديث «المعنعن» صدرت نغمات الهجوم على العنعنة وحديثها.
وأعلام المحدّثين ضمن جمهورهم تصدوا لما قيل فيها من الإشكالات منذ القدم، حيث تصدى مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح للرد على من شكك في حجيتها في مقدمة كتابه المعروف بالصحيح.
3 ـ ولكن متّبعي الشُبهات أثاروا بعض ذلك في الآونة الأخيرة تبعاً لأعداء الإسلام من أمثال المستشرق: فرنز روزنتال إذ قال: ولأسباب عملية مهمة كان الوضع أرحب مجالاً في الحديث، إذ وجد الواضعون عملهم سهلاً ميسوراً؛ لأن فكرة «العنعنة» أو الرواية الشفوية، تفتح الباب على مصراعيه لكل نوعٍ من التزوير([999]).
فمع أنه لم يفهم فكرة العنعنة بالضبط، ففسرها بالرواية الشفوية، فهو لا يُريد إلاّ الهجوم على جميع الحديث المرويّ بطريقة شفوية سواء بالعنعنة أو باللفظ الصريح مثل «حدَّثنا» و«أخبرنا».
ومع أنه يُوحي من طرفٍ خفي إلى أن الحديث الشريف لم يعتمد الكتابة والتدوين، وإنما ظل مستنداً إلى الرواية الشفوية([1000]).
إلاّ أنه أخفق في ربط العنعنة بمسألة الوضع في الحديث، إذ غاية ما يرد على العنعنة إنما هو «التدليس» الذي قد تُصدّي له بكل قوة، وكُشف عن عواره بكل شدة، ومُحِّص عن الحق ضده بكل صلابة، حتى عُرف المدلّسون وكيفية عملهم.
بل إن الإشكال على العنعنة مبني على الاحتياط من فعل المدلّسين.
لكن هذا المستشرق يثيرها في اتجاهٍ معاكس للغرض، وهذا إن أحسنا الظن بالمستشرقين ناشىء عن عدم فهمهم للغة العلم عند المسلمين.
وقد عقدنا الفصل الثالث بطوله، للإجابة عن تلك السفسطات المزخرفة.
وقد انكشف من خلال ما قدمنا أمران:
الأول: جهلهم بالمصطلحات ودورها في العلوم، وذلك لقصور جهودهم عن التوصل إلى معانيها.
الثاني: عجزهم عن مدارسة الحديث الشريف ومعرفة فقهه.
فوجدوا أن من الخير لهم أن يتجاوزوه بالإسقاط والتزييف!
4 ـ وفي الخاتمة عرضنا بعض المشاكل الناتجة من العنعنة بما له أثر تطبيقي لبعض ما سبق من فصول البحث.
5 ـ والحاصل: أن الحديث المعنعن، هو كسائر الأحاديث المروية بالألفاظ، واعتباره كاعتبارها، من دون فرقٍ بينها من جهة العنعنة، التي أُثيرت حولها شبهات باطلة، منشؤها:
إمّا الجهل باللغة العربية، والقصور عن فهم المصطلحات وأغراضها، وسوء استخدامها ووضعها في غير مواضعها.
أو العداء الصارخ والمخفي لهذا الدين من خلال ضرب أهمّ مصادر المعرفة فيه، وهو التراث الحديثي المجيد.
محمد رضا الحسيني الجلالي
أزمة المحدثين في الأسانيد
بين
الإفراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
لم يختلف ذوو الكلمة من المسلمين، في أهمية الحديث الشريف ولا في حجيته، لما يحس بالبداهة من مصدريته للدين، وأثره في تكوين المعرفة الإسلامية.
إلاّ أنه لا يغيب ما مُني به في فترات من تفريطٍ به، أو إفراطٍ فيه، لكن الحقيقة تلك تجاوزت كل العقبات والتحديات، وجرت المياه في مجاريها الطبيعية، ولو بعد حين.
ففي الصدر الأول ـ من تاريخ المسلمين ـ رفعت مقولة «حسبنا كتاب الله» كشعار في وجه الحديث الشريف، بشكل صريح ومباشر، وفي محضر صاحب الرسالة، ومصدر الحديث الأول، النبيّ الأعظم (ص)، فكانت بداية «القرآنيين» الذين لا نزال نسمع لهم همسات في أطراف الأرض.
وكان الأثر السلبي لتلك المواجهة الجريئة: أن منع الحديث الشريف من النقل والإذاعة، كما منع بشدة عن تدوينه وكتابته وضبطه، مما فسح المجال لتشويه صورته تارةً والتشكيك فيه أخرى، وقد فصّل الحديث عن ذلك في كتب خاصة بتاريخ الحديث([1001]).
وبما أنه كان للحديث ـ على أثر الدعم الكامل له، من نصوص القرآن الكريم، وبإشراف مباشر من النبيّ الأكرم (ص)، وبجهود الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وفي مقدمتهم أهل بيت النبيّ (ص) ـ حصانة قوية ضد كل أنواع المواجهة المضادة والتصدي المعلن وغير المعلن.
فقد تكاثفت جهود المخلصين للإسلام، بكل الأشكال وشتى التصرفات قولاً، وعملاً، من أجل إحباط تلك المواجهة، فقاموا بتدوين الحديث وضبطه ونشره، ولو وضعت الصمصامة على رقابهم([1002]).
وقد أثمرت تلك الجهود المخلصة ـ ولو مع تأخير قرنٍ كاملٍ من الزمان ـ بالعودة الحميدة إلى الحديث الشريف.
وهذا التأخير سبّب حدوث فجوات وثغور في هذا الكنز، مثل الحاجة إلى الوسائط المبلغة، الموصلة إلى المصدر الأول بمتن الحديث، وقد سميت بالأسانيد.
ثم الإثارات التي كان «القرآنيون» يُثيرونها، والدسّ والتزوير الذي يصنعونه، بغرض التشكيك في الحديث، وسلب الثقة من نصوصه، وإخراج الموروث منه عن حيز الاعتماد والاستفادة.
وفي مقابل هذا ـ أيضاً ـ وقف الأيقاظ من علماء المسلمين بقوّة، فأبدعوا في تأسيس «علم الحديث» فنظموه، ورتبوه، وفنّنوه، بشكلٍ لم يسبق له نظير في أية حضارةٍ إنسانية سابقةٍ، سواء في الأديان الإلهية، أم غيرها، بما يُعتبر مكرمةً إسلامية يعتز بها المسلمون.
ومما قاموا به: وضع قوانين مستلهمة من الأعراف الطيبة العامة، معتمدة على موازين المنطق، والاستقراء، فقرروا لنقل الحديث طرقاً، وحدّدوا لها شروطاً، واصطلحوا مصطلحاتٍ خاصة، كي لا تتزيف الأمور، ولا تختل الموازين، ولا يُستغل الحديث من قبل المفرطين، أو المفرّطين.
وكلما تكاثفت الأيام والسنوات وتتابعت القرون، واستقرت قواعد العلوم والفنون، تحددت موازين «علم الحديث» بشكل أوضح، وتبلورت موازينه وأعرافه بصيغها وصورها، كلما توسّعت شعبها، حتى كانت «علوم الحديث» من أهمّ أقسام الدراسات الإسلامية.
ومما مُني به الحديث الشريف، فكرة الإفراط فيه، على حساب غيره من مصادر المعرفة الإسلامية، كالقرآن الكريم، والعقل السليم، والسيرة والإجماع، وغيرها مما هو مقرر في محله.
وقد تبنّت جماعات فكرة الإفراط في اللجوء إلى الحديث والأخبار، فدعوا أنفسهم «أهل الحديث» أو «الأخبارية»([1003]).
وتبتني الفكرة على: الالتزام بما جاء في الأحاديث، بشكلٍ مطلق، ورفع مكانته على سائر الأدلة، بل على حساب سائر الأدلة، بدعاوى لا تقاوم البحث والمعارضة.
والمهم أن هؤلاء استهانوا بأمر الأدلة الأخرى، واعتبروها إمّا غير مفهومة، أو مفتعلة ومبتدعة، وغير حجة شرعية، ما اعتبروا صناعة أصول الفقه، من البدع المنافية للنصوص؛ فابتعدوا عن كل ملازماتها، كما ابتعدوا عن كل مصطلح، حتى لو كان مستلهماً من الأعراف الطيبة، ما لم يرد به «نصّ في حديثٍ».
بينما لم تكن تلك الصناعة، أو تلك المصطلحات، إلاّ مأخوذة من الأعراف، التي قرّرها الشارع، وأمر بالأخذ بأحسنها، بل هي مستخرجة من قواعد شرعية مقررة، ومستلهمة من تصرفات الشارع الكريم نفسه، فليست إلاّ جرياً على دِيْدَنِه وعمله، فهي بالتالي ترجع إلى «النصوص» وتعتمد عليها، ولو بالتأمل والتدبر الذي لا بدّ من استخدامه في تمشية الحياة، وقد دعا إلى ذلك الشارع الكريم، في مواضع عديدة.
وكان موقف الأخباريين من أصول الفقه، متشدداً إفراطيّاً بحيث أنتج ردّة فعلٍ عنيفة لدى معارضيهم، أدت بهم إلى اتخاذ موقف تفريطيّ من الحديث الشريف.
لكن الواقع الحقّ كان يبرز بين هؤلاء وأولئك، لمن يتعقّل أمر الأصول وقواعده، فيجد أنها مستلهمة من نصوص الأحاديث، ولا تتعداها، ومرويّة عن الأئمة (عليهم السلام) وقد عمل بها أصحابهم في عصورهم، وبمرأى منهم ومسمع، من دون نكير([1004]).
وكان فقهاء الأخباريّة يعترفون بمثل هذا، ويعتقدونه، مما دعا بعض المفرّطين أن يقول له: «أنت أصوليّ من حيث لا تشعر»!
لكن هذه الكلمة لا تناسب العلماء، وغير لائقة، لأن الأصولي إذا اعترف بأن قواعده مستلهمة من النصوص «فهو ـ إذن ـ أخباري من حيث لا يشعر»، أيضاً.
ولقد خمدت فورة ذلك الإفراط، وذلك التفريط، وعلم الجميع بأن النزاع عاد «لفظيّاً»، وأن المعتمد لكلا الفريقين، هي نصوص، وأصبحت تلك العقليّة منزويةً وضيئلة وفكرتُها باهتةً.
وعادت المياه إلى مجاريها، وتقدمت عملية الاستناد إلى الحديث، مع الاستفادة من القواعد، تسير بخطوات رائعة، وبمناهج محكمة.
ونرى في تاريخ الاستنباط: كلما كان الفقيه، أعمق فكراً وأكثر تحقيقاً، وأبرز تدقيقاً، فإنه ألجأ إلى النصوص، وأكثر اعتماداً عليها، في الاستنباط الفقهي.
فنرى في عمالقة الفكر الأصولي من يستند إلى الأحاديث بشكل أساسي، متجاوزاً كل الإشكاليّات التي تعرض، حتى من قبل كبار الأخباريين في عهدهم الذهبي، من العنايات الرجالية والإشكاليات السندية.
ونرى في تاريخ علم الرجال: أن من كبار الأخباريين من ألّفوا في علم الرجال، وبحثوا عن أمر الأسانيد وتصحيح الطرق وإقامة القرائن الداخلية والخارجية على صحة الأحاديث([1005]) بينما نجد كبار الأصوليين المعاصرين لهم لا يتعدّون الحديث الشريف في الاستدلال الفقهي، ويتغافلون عن تلك البحوث السندية.
ومن الواضح أن ذلك ليس منهم عن قصور أو تقصير ـ حاشاهم ـ بل إنما هو من أجل الوثوق التام بما أودع في مصادر الحديث من النصوص التي توارثها العلماء بكل دقة، وبكل أمانةٍ، وحفظوها لنا، باعتبار أنها «الدين» الذي يجب أداؤه، و«الرسالة» التي يجب تبليغها.
ولم يكن حَمَلة الإسلام: من عقيدته وفقهه وأصوله، وحديثه، ينظرون إلى «الأحاديث» الموروثة، على أساس أنها «أخبار أحاد»، حتى يبحثوا عن أسانيدها، فإنهم كانوا يلتزمون ـ بالإجماع ـ: «أن خبر الواحد لا يفيد علماً ولا عملاً»([1006]).
بل، كانوا يعتقدون بأن المودع منه في الجوامع العظام، إنما هو متواتر، وفي كثير من أحكام الشرع.
ولو دقّقنا في مزاولات الفقهاء من الأصوليين، نجد رفضهم بقوة لفكرة انسداد باب العلم ورفضهم لمحاولات اللجوء إلى الظنون، معتمدين على أن المخزون الحديثي الموجود، يغني عن الظن في الأكثر من أبواب الفقه.
كما أنّا نجد عمالقةً من الفقهاء الأصولين، ينتهجون مناهج رجالية، ويتعاملون مع الأسانيد، بشكلٍ يقرب من الأخباريين، إن لم يَطْغَ عليهم أحياناً([1007]).
وفي العصر الأخير:
نجد الأصوليّ العملاق، محرر علم الأصول مما فيه من الفضول، الآخوند محمد كاظم الخراساني صاحب «كفاية الأصول».
نجده على ما هو المعهود منه من الدقّة والبحث والتحقيق ـ لم يخالف السلف في المعالجة الرجالية، بل ما نقله الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ الذي حضر دروسه، واشترك في مجلس الاستفتاء الذي كان يعقده في منزله ـ يدل على اعتماده على النصوص المنقولة مهما كانت درجتها في النقد السنديّ.
قال الشيخ الطهراني: سمعتُ شيخنا آية الله الخراساني على المنبر، بالمسجد الهندي، في درس الفقه، صبحاً، عند البحث في «أن العمل بالعام إنما يجوز بعد الفحص عن المخصّص» وكان يحثّ عامة التلاميذ على الجد والاجتهاد والفحص التام إلى حصول اليأس، إلى أن قال:
«ولا يتمّ الاجتهاد والفحص عن المقيد والمخصّص وسائر القرائن في عصرنا هذا، إلاّ بالرجوع إلى كتاب «مستدرك الوسائل» أيضاً، فإنه يوجد فيه مزايا وخصوصيات خلت عنها سائر المجاميع الحديثية، كالوافي والبحار والوسائل، وغيرها.
فلا بدّ من الرجوع إليه في مظانّها، حتى يحصل الاطمئنان بالعدم، واليأس عن الظفر بالمخصّص وغيره.
هذا قوله على «رؤوس الأشهاد».
وكان عمله على ذلك، أيضاً، كما شاهدتُ عدة ليالٍ، بعد درس الليل.
كنت أحضر داره في مجلس بحثه مع بعض خواصّ تلاميذه المجتهدين، لتمرينهم على الاستنباط، وتعليمهم الجواب عن الاستفتاءات، وقد أحضرت الكتب الفقهيّة، والحديثية في المجلس، يرجعون إليها، فما مضت ليلةٌ لم يراجع فيها «المستدرك»([1008]).
هذا ما نقله الثقة الشيخ الطهراني، سماعاً وحضوراً، عن علم الأصول ومجدّده في القرن الماضي.
مع العلم بأن المستدرك إنما احتوى ـ في معظم ما استدركه ـ على أحاديث مجموعة من كتب، لم يتركها صاحب الوسائل لعدم اطّلاعه عليها، وإنما تركها «لعدم ثبوت كونها معتمداً، عنده» كما صرّح به في خاتمة الوسائل، وذكر أسماءها في تعليقةٍ له على ذلك الموضع، مثبتة في هامش الطبعة الحديثة منه([1009]).
وأمّا الإمام المجدّد لعلوم الشريعة والدين، والمحقّق المبدع فيها، السيد حسين البروجردي (1392 ـ 1380هـ) فقد أحيى مناهج القدماء في العلوم، ووقف من التوغّل في الصناعة موقفاً حازماً، وأرجع مسيرة الاستنباط إلى منابعه الثرّة الصافية، فقد قال ـ بالحرف الواحد ـ عن الخبر المخالف لمشهور الطائفة ـ: «كلّما ازداد صحّةً، ازداد ضعفاً»([1010])،
هذان نموذجان من قمم الفكر الأصولي، والعمالقة الصناعيين، يتَّخذون من الحديث الموروث، مواقف التكريم والتعبّد، ولم يفرّطوا فيه.
وليس ما وقع فيه المفرطون إلاّ نتيجةً واضحة للانفلات عن الموازين، وتحوّل الصناعة الأصوليّة، إلى تصنّعٍ، وضعف الهمم عن احتواء علوم الأدب الآليّة، للتَّوصل إلى فهم النصوص، وغياب المناهج العلميّة، وعدم معرفة ما كان أقطاب العلم وإساطين الفكر عليه من المناهج، وأخيراً غياب المصطلح، وضياع أوضح المعاني على أثر البعد عن مجالس العلم ومحاضر العلماء([1011]).
حرب إيران وبريطانيا
سنة 1856
كانت تحس بريطانيا بخطر احتلال إيران لهرات سنة 1856م لذلك أعلنت الحرب فكانت حوادث بوشهر وسواحل كارون التي انتهت إلى هزيمة إيران في تلك المعارك. وكانت الفوضى السائدة في الجيش الإيراني وعدم جدارة وجهل قادة هذا الجيش وخصوصاً الميرزا محمد خان القاجاري القائد العام للقوات الإيرانية أكبر السبب في هزيمة إيران بصورة مؤلمة.
وقد كان يمكن الحصول على شروط أفضل باستغلال بعض المواضع السياسية لو كان الشاه ناصر الدين ورئيس وزرائه على غير ما كانا عليه من الجهل وعدم الجدارة.
ولكنهما لم يفعلا شيئاً للضغط على بريطانيا وعلى مستعمراتها في الهند التي كانت إلى ذلك الوقت تدار بيد (الشركة الهندية)». ([1012])
ونحاول في هذه المقالة أن نبيّن الأسباب الأساسية للحرب بين إيران وإنكلترا والتدخلات اللامسؤولة التي أدت إليها، بالاستناد إلى المصادر البريطانية والفرنسية.
كانت هناك محادثات ومناقشات في مجلس الوزراء والمجلسين البريطانيين بخصوص العلاقات الإيرانية البريطانية. ففي الاجتماع الذي عقد في الثالث من آذار عام 1856م قال المستر لايارد العضو المعارض للحكومة في مجلس العموم ضمن حديث مفصل ما مؤداه:
«إن الميرزا هاشم أحد موظفي النظام الإيراني كان في خلاف طويل مع رؤسائه حتى انتهى به الأمر إلى اللجوء إلى السفارة البريطانية في طهران فحاول وزيرنا المفوض في إيران المستر موري نقله وزوجه إلى شيراز.
وكانت زوج الميرزا هاشم المذكور إحدى أقارب الشاه وغالباً ما يؤدي تدخل النساء في السياسة في البلدان الشرقية إلى أخطار عظيمة كما في مثل هذه القصة ـ وخلافاً للشائعات ـ في أفغانستان أودت بنا إلى الدخول في حرب مع تلك البلاد، وتحملنا إثرها الكثير من المتاعب والآلام، كذلك فإن الحكومة الإيرانية حالما علمت بأن الميرزا هاشم يقصد نقل زوجه إلى شيراز بذريعة الحماية البريطانية والتبعية بادرت إلى خطفها وإرجاعها إلى طهران، ومن هنا نشأت الاعتراضات الشديدة للمستر موري والأجوبة المتبادلة مع الصدر الأعظم الإيراني التي كانت تحمل في طياتها شيئاً من الخشونة والشدة. ووصل الحال إلى نزول الملك من مقام سلطته الشامخ وتدخله بكل ما أوتي من قوة في المعركة.
ويكتب أحد المحللين السياسيين في باريس في ذلك الوقت قائلاً: «ويفهم من المعلومات التي ذكرها المستر لايارد والتي قال عنها إنه استقاها من مصادر السفارة البريطانية في طهران، إن الوزير البريطاني المفوض لم يكتفِ باعتذار الحكومة الإيرانية، بل طالب باعتذار الملك نفسه ـ حسب نفس المعلومات ـ ولما كان ذلك غير ممكن فإنه ترك طهران ناقماً، وطلب مباشرة إلى حكومة بومبي المساعدة وإرسال عدة سفن حربية إلى ميناء بوشهر».
وأعلنت الحكومة الإيرانية أن إرجاع زوج الميرزا هاشم منوط بتسليم الميرزا هاشم وجاء ذلك إثر الاعتراض الشديد للسفير البريطاني. ولم يرضخ هذا السفير لمثل هذا الطلب مطلقاً بل ظل مصرّاً على إطلاق سراحها. وفي هذه الأثناء راجت شائعة تفيد بأن زوج الميرزا هاشم تربطها علاقات وثيقة مع السفير البريطاني وكانت الحكومة الإيرانية تؤيد هذه الدعايات، وكان ذلك ذريعة للمستر موري ليقوم بالأعمال التي ذكرناها ومن ثم ترك طهران في السادس من ديسمبر سنة 1855م واتجه ساخطاً مع أعضاء سفارته إلى الحدود العثمانية.
وخلقت هذه الحادثة القلق في العواصم الأوروبية وخصوصاً في إسطانبول التي كانت تترصد دائماً قطع العلاقات مع إيران. وطفقت صحف البلاد تتحدث عن هذا الأمر وتتوقع بداية عهد جديد بين إيران وروسيا، ولكن الأحداث التالية أثبتت خطأ هذا التوقع، إذ كانت هزيمة روسيا بوجه الاتحاد الفرنسي ـ البريطاني سبباً لامتناع إيران من إلقاء نفسها في أحضان روسيا، واستمرت في سياستها الحيادية تجاه الدول الأوروبية الاستعمارية.
وليس بخاف أن التاج الإيراني رغم سعيه المتواصل لطمأنة بريطانيا إلى عدم الوقوف مع روسيا بوجهها وبوجه مستعمراتها في الهند، إلاَّ أن بريطانيا كانت مدركة لمدى الضعف والوهن الذي يعتري هذا التاج والذي ربما يلقي به في أحضان عدوه السياسي اللدود. ومن ثم نرى بريطانيا قد أصيبت بالهلع إزاء احتلال جيوش ناصر الدين شاه لهرات، لأن الأخيرة كانت دائماً مع معبر خيبر يمثلان المنافذ الرئيسية.
وأكد اللورد بالمرستون الذي يمثل محور المعركة السياسية الداخلية والخارجية في بريطانيا صحة الأقوال هذه، وما ورد فيها من ذكر لحماية المستر موري للميرزا هاشم وزوجه، ووجود الرسائل المتبادلة الشديدة اللهجة، إلاَّ أنه نفى بشدة ما ورد من شائعات حول طلب المستر موري الاعتذار الرسمي للشاه وقال «إن المستر موري طلب إلى الشاه استرجاع الرسالة التي وجهها بخصوصه إلى الصدر الأعظم وحسب» لأن تلك الرسالة حسب تعبير اللورد بالمرستون تثبت أن «صاحب الجلالة ليس له أدنى أصول تربوية ولا مبادىء خلقية».
وخلص اللورد بالمرستون إلى القول بأن المستر موري ترك طهران لهذه الأسباب، وما كان ذهابه إلى بومبي إلاَّ لطلب سفينتين صغيرتين لحماية الرعايا الإنكليز في إيران، وقال بأن تحضير المستر موري لمقدمات الحرب إنما هي محض افتراء. ولكن الحوادث التي أعقبت كلمة اللورد أثبتت أنه إما أن يكون قد وقع في خطأ وإما أن يكون كاتماً للحقيقة.
ونورد هنا ما كتبه الشاه إلى صدره الأعظم الميرزا آقاخان النوري «قرأنا ليلة البارحة رسالة الوزير البريطاني المفوض، وتعجبنا لمفادها المستهجن الذي كان دائماً مدعاة للنفور، وقد كانت رسائله السابقة تحمل في طياتها مثل هذا الأسلوب الوقح، وكنا نسمع أنه في إقامته يستغيبني وإياك ويذكرنا بما يسيء، إلاَّ أني لم أكن أتصور ذلك حتى وصلت رسالته التي تثبت ذلك. وإذن فقد بدا لنا واضحاً أشد الوضوح أن هذا الشخص جاهل وعديم الإحساس، وكما يبدو فإنه يرغب في توجيه الإهانات حتى إلى السلاطين، دونما حياء أو خجل. ولم يسبق أن حصلت أقل إهانة من قبل أي من البلدان الأجنبية أو ممثليهم إلى سلاطين إيران منذ زمن الملك سلطان حسين إلى اليوم. فماذا حصل اليوم ليبادر هذا الوزير المفوض السفيه إلى توجيه الإهانات والتجرؤ علينا. ويفهم من محتويات هذه الوثيقة أن الممثلين الأجانب الذين تربطنا ببلدانهم الصداقة، ليسوا مطلعين على محتوى هذه الرسائل ويجهلونها جهلاً تامّاً. لذلك أرى لزاماً أن يطلع الميرزا عباس([1013]) والميرزا ملكم([1014]) عليها، ومن ثم يطلعون كلاً من الوزير الفرنسي المفوض وحيدر أفندي ويشرحان لهما الأمر، ليقضوا في أمر هذه الرسالة الوقحة والسيئة الأدب. ولقد أمضيت وقتي من البارحة إلى الآن في حزن وغم. وأطلعكم الآن وقبل سفركم أنه ما لم تعتذر الملكة البريطانية عن سلوك رسولها المشين والمسيىء الأدب فإنا لن نقبل هذا الوزير المفوض الأبله الغبي ولا وزيراً مفوضاً آخر من دولتها».
ومن ثم نشأت خلافات سياسية إثر قضية الميرزا هاشم خان([1015]) والرسائل المتبادلة بين إيران وبريطانيا في سنة 1855م. وانتهت بعزم المستر موري على السفر من إيران وغادر طهران في السادس من ديسمبر.
وتفاقمت الأوضاع بين البلدين بعد عام أي في 1856م، واحتلت إيران هرات، ولما كانت بريطانيا ترى في هذا العمل نقضاً لمعاهدة عام 1853م([1016])، فقد أوعزت لقائمقامها في الهند للاعتراض لدى الحكومة الإيرانية، وبعدها أعلنت الحرب. ونعرض هنا تفصيلاً للحوادث المذكورة لاطلاع القُراء عليها من خلال البيان التالي:
«رأى القائد العام للهند طبقاً للأوامر الملكية البريطانية وبعد استشارة المستشارين، أن يمركز القوات البريطانية في بومبي للتحضير للعمليات العسكرية في الخليج الفارسي. ومن ثم رأى لزاماً عليه أن يتبين السبل التي تعينه على تنفيذ ذلك. وكانت قد عقدت اتفاقية في كانون الثاني عام 1853م بين المقدم شيل المندوب السامي والوزير المفوض البريطاني في قصر الملك الإيراني وإشراف الصدر الأعظم الإيراني، وبموجب هذه الاتفاقية فإن إيران تعهدت بعدم إرسال القوات إلى هرات ما لم تهاجمها قوات أجنبية مثلاً من كابل أو قندهار أو البلدان الأجنبية الأخرى، ومن ضمن ذلك تعهدت أيضاً بسحب قواتها مباشرة إلى إيران عندما انتفت الضرورة من بقائها وفور انسحاب الجيوش الأجنبية منها. وتعهدت أيضاً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهرات وأن تمتنع عن أي نوع من الاحتلال العسكري لأرضها أو اغتصاب السلطة فيها أو تمشية أمورها، ما لم تقتضِ الضرورة ذلك، كأن تتدخل كحكم وواسطة لحل الخلافات التي ظلت قائمة منذ زمن محمد خان. ومن ثم التزمت إيران بغض النظر عن كل مطاليبها السابقة واللاحقة مثل ضرب العملة، والخطبة باسم ملك إيران، وهكذا تحرر أهالي هرات من أي قيود لإطاعة الحكومة الإيرانية. وكذلك كان من ضمن هذه المعاهدة أن التزام إيران بها يكون قائماً ما زالت بريطانيا لا تتدخل في هرات. ومن جانب آخر فإن بريطانيا لن تمتنع عن الإدلاء بأي نصيحة أو مشورة مع إيران في حال رغبت الأخيرة بذلك، إذا ما تدخل الأجانب في هرات مثل الأفغانيين وغيرهم. وذلك من أجل صيانة استقلالها.
وهكذا في نفس الوقت الذي تحافظ بريطانيا فيه على الوفاء بكل صدق ببنود الاتفاقية، فإن إيران تسعى من جانبها جاهدة لإظهار نقضها لهذه الاتفاقية. فأعلنت في صحفها في شهر كانون الأول عام 1855م عزمها على إرسال قواتها إلى هرات. وذكرت في بيانها الذي نشرته في صحيفتها الرسمية، أنه استناداً لاحتلال الأمير دوست محمد خان أمير أفغانستان لمدينة قندهار بتحريك من جيرانه ولأن هؤلاء راحوا يغذون فكره بالهجوم على هرات، فإن دولة إيران ترى نفسها مرغمة على احتلال هرات من أجل الحفاظ على خُراسان والأمن فيها. وإذا كان المقصود من كلمة (جيرانه) هو بريطانيا فإن هذا الادعاء يصبح كلاماً سخيفاً لأن بريطانيا لم تحاول تحريكه ولم تتدخل مطلقاً في الأمر، إضافة إلى ذلك أن الأمير دوست محمد خان لم يكن يقصد احتلال هرات حين نشر الخبر المعادي ولكننا ـ للأسف ـ لا نرى من إيران أية بادرة طيبة للامتناع عن إجراء مقاصدها برغم عدم وجود أي مبرر للهجوم على هرات في حينه. ولكنها لم تكتفِ بإرسال جيوشها لاحتلال هرات بل حاصرتها لفترة معينة، وبعد فتحها، عيّنت حاكماً ممثلاً عنها في الولاية وإضافة إلى ذلك كله فإنها أعلنت ضمها إلى البلاد.
وكانت مشاعر العداء والحقد لإيران تجاه بريطانية ظاهرة واضحة، طوال فترة المحاصرة التي استغرقت أشهر والتي سبقت العمليات العسكرية وحتى التغييرات والتعديلات والتنقلات التي كانت تجريها الحكومة الإيرانية لقواتها العسكرية كانت تشير كلها إلى أن أولياء الأمور في إيران لا يزالون يصرون على أعمالهم المعادية غير المحقة. لذا تلقت الحكومة البريطانية هذه التصرفات على أنها أعمال معادية.
ولما كانت جميع مذكراتنا في هذا الخصوص لا تلقى إذناً صاغية، فإنّا نرى أن إخلاء الإيرانيين لهرات يأتي بالدرجة الأولى لإعادة الصلح والسلام اللذين بدلتهما إيران إلى أوضاع متشنجة. وننبه بأن كل الاعتراضات والمطالبات المذكورة أجيب عنها بأجوبة مبهمة وغير محدودة، إضافة إلى أن الأخبار التي وصلت أخيراً إلى أنه لا تزال بعض القوات الإيرانية في هرات، وبغض النظر عن أن جميع الاعتراضات الصادقة لحكومة بريطانيا لم تواجه بغير الفشل وكذلك فإن كل مطالبنا المشروعة والمحقة لم تواجهها أيضاً سوى الأجوبة الملتوية أو الأجوبة غير المقنعة، لذلك فإن الحكومة البريطانية ترى نفسها مضطرة إلى إجراء جميع الأعمال واتخاذ كل الاحتياطات الكفيلة بردع إيران وإشعارها بأن نقضها لمعاهداتها الرسمية مع بريطانيا لا تمضي دون مصاعب ومتاعب.
ومن ثم صدرت الأوامر للقطعات العسكرية المختلفة في التجمع في بومبي لتكون جاهزة للمسير إلى هدفها بعد استكمال الوسائل اللازمة وتهيئة الأسباب لذلك. ونُذكِّر بأن العمليات التي سوف تنفذ بعد دخول هذه القوات إلى الخليج الفارسي منوطة بمقتضيات الوقت ومرتبطة بالسياسة البريطانية» عن القائد العام للهند، أدمونستن Admonstone ممثل الحكومة.
ومع وصول هذا البيان، رأت الحكومة الإيرانية نفسها مضطرة للرد على المطالبات الصريحة التي وردت في البيان المذكور. فأسرعت لنشر مقالة في صحيفتها الرسمية بتاريخ 24 ديسمبر عام 1856م للرد على الأدلة المذكورة في البيان واتهمت بريطانيا بأنها تحاول إضعاف الروابط والعلاقات المشتركة ووصفتها بأنها ناكثة العهود، وأظهرت بأن الاتفاقية التي حصلت في 1853م يجب أن تكون مطابقة للقوانين الدولية، بينما هي لم تكن كذلك، إضافة إلى أن هذه الاتفاقية لم توقع بعد، وبالتالي فإن إيران تعتبرها لاغية وكأنها لم تكن. وأضافت بأن هذه الاتفاقية في الوقت الذي كانت فيه بحكم المعترف بها رسمياً ـ حسب الظاهر ـ فإن ممثلي بريطانيا لم يعترفوا بها مطلقاً، وخصوصاً شخص المقدم شيل الذي تدخل بصورة فاضحة لعدة مرات في هرات، وكان في صدد الحصول على الأكثرية الساحقة من مؤيدي بريطانيا في الولاية. وإضافة إلى ذلك فإن مجلس الوزراء أيد بأن مقاصد الأمير دوست محمد خان حاكم كابل في احتلال هرات كانت على الدوام علنية وواضحة. وكانت أعماله تلك مؤيدة تأييداً تامّاً من قبل بريطانيا. ومن ثم رأت إيران أن من حقها الكامل قطع دابر الفتنة قبل وقوعها، وبالتالي احتلال هرات التي كانت دائماً بعظمائها وأقطابها وفية للحكومة القانونية، وتطالبها باستمرار ببذل يد العون. وندرج فيما يلي مقالة الصحيفة الرسمية لإيران:
«بالرغم من أن الحكومة الإمبراطورية لإيران كانت عازمة على حفظ الصداقة ودعم العلاقات الثنائية مع الحكومة البريطانية وسعت بعد احتلال هرات في عام 1853م لإقامة حكومة أفغانية هناك. وإضافة إلى ذلك كله بذلت كل ما بوسعها ضمن ما تسمح به شؤون الحكومة الإيرانية لإرضاء المستر موري. ولكن الحكومة البريطانية لم تكتفِ بكل ذلك ـ مع الأسف ـ وطالبت بالإضافة إليه بأمور أخرى. وكان اقتراح الموضوعين المذكورين أعلاه من قبل شخص اللورد كلارندون (Clarendon) ووزير الخارجية البريطاني واللورد ريد كليف (Redcliffe) السفير البريطاني في إسلامبول. وكذلك جرت محادثات أخرى مع القائم بالأعمال الإيراني في الإمبراطورية العثمانية حيث عيّن فرخ خان سفيراً تام الصلاحيات في القصر العثماني إثر الدعاوى والطلبات المتعددة، واطلع السفير البريطاني في طهران بموضوع تعيينه. ومع ذلك فقد أعلنت الحرب بعد دخول فرخ خان إلى إسلامبول فباشر فور وصوله في مساعيه وحاول عقد محادثات ثنائية، ولكنهم أخبروه بأن طرق التسوية مغلقة تماماً، ولا مبرر للمحادثات، وبعد الكثير من المصاعب والمساعي الحثيثة ومع تكرر إثارة السفير البريطاني للعقبات دخلوا المحادثات، ولعدم امتلاك فرخ خان الصلاحيات التامة لعقد اتفاقية فإنه طلب إلى السفير البريطاني مهلة قدرها أربعين يوماً لاطلاع حكومته على مضامينها.
وعلى أي حال فإن هذه المضامين وخطوات التسوية قد تمت في 26 نومفبر مع الرضا التام للورد ريد كليف بها. ومع ذلك فإن السفن البريطانية اتجهت إلى ميناء بوشهر وأمطرته بوابل من قذائفها ثم أنزلت قواتها فيه، ومما سبق يمكن لكل شخص أن يحكم بأن الإيرانيين أم البريطانيين هم الذين يتملصون من عهودهم وينقضون اتفاقياتهم.
ويذكر هنا أحد المحللين السياسيين الفرنسيين قائلاً: «من الواضح جداً أن الحكومة الإنكليزية قد أقدمت على التعرض بقطعاتها لإيران دون انتظار جوابها، وكانت قد هيأت مقدمات حملاتها العسكرية على الخليج الفارسي منذ بداية شهر سبتمبر.
وعيّن الجنرال أوترم (Outram) وهو من أبرز القادة العسكريين في الهند قائداً أعلى لتلك القطعات، وحتى وصوله من بريطانيا عيّن محله قائداً لهذه الجيوش الجنرال ستلكر (Stalker)، وبدأ هذا الجنرال بمقدمات حملاته، وعيّن السير هانري ليك قائداً للأجهزة الحربية ولم يكن عدد هذه القوات يتجاوز في البداية الثمانية الآلاف رجل ولكن حكومة بومبي كانت مستعدة لترتقي بالعدد إلى ثلاثين ألف مقاتل في حال اقتضت الضرورة ذلك.
واستطاع البريطانيون احتلال جزيرة خَارْجْ التي تبعد عن شمال غرب بوشهر بحوالي ثلاثين ميلاً في الرابع من ديسمبر عام 1856م دون أي جهد يذكر. ثم توجهوا بقواتهم صوب خليج هليلة الذي يقع على بعد اثني عشر ميلاً جنوب شرقي الميناء. وأنزلوا قواتهم على السواحل في السابع والثامن من ديسمبر وجعلوا تقدمهم محاذياً للسواحل بحيث تتحرك السفن بخط موازٍ لتحركهم، ليسهل عليها إسنادهم إذا اقتضت الضرورة. واصطدم البريطانيون بعد أربعة أميال ونصف بقلعة ريشهر التي أحكم الإيرانيون بناءها وتحصينها في تلك الفترة، وجهزوها باثني عشر ألف مقاتل وتوقفوا عندها. ثم هاجموها واستطاعوا احتلالها بعد قتال بسيط، ولم يفقدوا من قواتهم شيئاً يذكر. وتحركت القوات البريطانية بعدها بيوم واحد أي في العاشر من ديسمبر باتجاه مدينة بوشهر، واستطاعوا دخولها بعد أربع ساعات متواصلة من القصف الكثيف، ولم ينجُ من المدينة إلاَّ جزء تمركزت فيه فلول الإيرانيين الذين استطاعوا أن ينجوا بأنفسهم ويلتحقوا بالمعسكرات الخلفية، وترجل الجنرال أوترم في السابع والعشرين من كانون الثاني في بوشهر، وباشر فور وصوله في سلسلة من العمليات العسكرية ويقول هنا المحلل العسكري ما يلي:
«يجب الإذعان إلى أن تلك الحرب لم تكن خالية من المصاعب بالنسبة إلى البريطانيين، رغم تفوقهم الواضح على الإيرانيين، ومن البديهي أنهم كانوا قادرين على احتلال جميع سواحل الخليج الفارسي، ولكن يبدو نفوذهم إلى داخل إيران أمراً مستبعداً، وأن قتالاً من هذا النوع يتطلب قوى عظيمة وتكاليف باهظة ومن جانب آخر فإن إنزال القوات إلى الجبال والمضائق التي تملأ أرض إيران مثير للمتاعب الجمة خصوصاً في فصل الصيف القائظ. ومن ثم كانت ترى المصادر المسؤولة في بريطانيا والهند بأن احتلال الميناء كاف لإظهار هيبة القوة العسكرية لبريطانيا، ويكفي أن يظل هذا الميناء الاستراتيجي في قبضة البريطانيين لإرغام الحكومة الإيرانية على الدخول في مفاوضات لطلب إخلاء أرضها من القوات العسكرية، ويمكن بعد ذلك النفوذ إلى هذه البلاد الواسعة دون تهيب أو تردد، ولكن الجنرال أوترم كان يعتقد بأن احتلال بوشهر ليس كافياً لإرغام إيران على الرضوخ لمطالب بريطانيا، لذلك عزم على المضي قدماً في حملاته».
وبدأ الجنرال أوترم بحملاته التعرضية في الثالث من شباط بقوات كبيرة، وكانت القوات الإيرانية معسكرة في برازجان على بعد ستة وأربعين ميلاً من بوشهر، فاضطرت بعد الهجوم إلى الانسحاب وترك جميع عدتها ومؤونتها. وفي الثامن من الشهر نفسه، وحين عودة القوات البريطانية إلى بوشهر ظافرة، اصطدمت بجيش من سبعة آلاف أو ثمانية آلاف شخص في قرية (خوشاب)، وهوجمت من قبله بصورة مفاجئة ولكن ـ لسوء الحظ ـ لم يكن قادة الجيش في المستوى المطلوب، ولم تكن القوات متدربة بما فيه الكفاية، لذلك توارت في الأطراف بعد تكبدها لخسائر فادحة. وعاد الجيش البريطاني بقيادة الجنرال أوترم إلى ميناء بوشهر في العاشر من شباط، وباشر فور وصوله في إعداد قواته بمساعدة القوات التي أرسلت إليه حديثاً من حكومة بومبي وتهيئتها للهجوم مرة أخرى.
وتحرك في التاسع عشر من آذار في سفينة (فروز) ضمن قافلة من السفن الخفيفة، والأجهزة العسكرية المتجهة الى مصب شط العرب، ووصله في الثاني والعشرين من آذار (عيد نوروز)، واستعرض قواته هناك، ثم قادها للتعرض لمدينة المحمرة في الرابع والعشرين منه. وكانت المحمرة مدينة وميناء محصناً ويدافع عنها حوالي ثلاثة عشر ألف مقاتل في قلعة عظيمة، حشدت فيها أعداد كبيرة من المدافع والوسائل الحربية الأخرى، وأحضر الإنكليز ما يقارب الخمسة آلاف مقاتل. وبدأوا قصفهم لقلاع المحمرة في السادس والعشرين من آذار، وردت عليها مدفعية الساحل لمدة ساعتين بقصف متواصل، فأصدر الجنرال أوترم أوامره بإنزال رتلاً من المشاة وقسم من الخيالة إلى الشاطىء ليحملوا على القلاع، ولكن لسوء الحظ فإن القوات الإيرانية التي كانت فاقدة لكل معنوياتها، لم تنتظر هجوم الإنكليز، فتركت مواضعها القتالية مضطربة مبعثرة، وانهزمت إلى كل صوب في حين تركت خلفها أكثر من مائتي جريح وقتيل. بينما لم تفقد القوات البريطانية سوى 6 قتلى، وعشرين جريحاً وغنمت هذه القوات مقادير كثيرة من الذخيرة والمؤونة، وسبعة عشر مدفعاً. وفي التاسع والعشرين من آذار أمر الجنرال أوترم الكابتن رني بقيادة مجموعة من السفن الخفيفة السريعة السير وتسييرها في شط العرب إلى الأهواز، ظناً منه أن بعض القوات التي انسحبت قد لجأت إلى الأهواز في أول نيسان وعلم بعد التحقيق أن جيشاً مكوناً من ثمانية آلاف مقاتل يغذِ السير داخل البلاد هارباً في حالة من الفوضى الشديدة. وتوقف الكابتن المذكور إزاء المدينة يومين حتى اطمأن إلى عدم بقاء أي قوة إيرانية في تلك المناطق فرجع أدراجه في الرابع من نيسان إلى مدينة المحمرة. وفي هذه الأثناء وصل الجنرال أوترم نبأ الصلح بين إيران وبريطانيا، فكف عن أي حملة جديدة حال سماعه الخبر، وعاد إلى بومبي بعد إقامته للتحصينات الكافية في المحمرة وبوشهر.
وهكذا انتهت الحرب بين إيران وبريطانيا بهزيمة إيران وانتصار الثانية، ونذكر فيما يلي نص ما ذكره أحد السياسيين الفرنسيين في ذلك العصر من أجل الإحاطة بالموضوع:
«كانت الحرب بين إيران وبريطانيا من الممكن أن تخلق المشاكل الجمة للأخيرة وللشركة الهندية من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. ولكن مع الأسف فإن إيران لم تستفد من موقعها للاستمرار في الحرب، لأن استمرار بريطانيا والشركة الهندية في الحرب كان يستلزم منهما جهوداً كبيرة وحشوداً عسكرية ضخمة في الخليج الفارسي، ولكن الأوضاع التي كانت تواجهها بريطانيا ومن ناحية أخرى آثار التمرد والعصيان اللذين تقوم بهما بعض الأفواج البنغالية، خلقت أزمات اقتصادية كبيرة للشركة الهندية ومن ثم لا يتسنى لبريطانيا أن تلقى بقواتها في أرض شاسعة بعد أن تسحبها من نقاط أهم، إذ كانت بعض الأماكن الأخرى تشكل بالنسبة إلى بريطانيا مواقع أكثر أهمية من إيران. وإذن فقد كان نبأ الصلح بشرى بالنسبة للشركة الهندية خصوصاً وقد أصبحت القوات البريطانية فاتحة في كل أنحاء سواحل إيران، وأضفيت عليها أمام أهل الشرق هيبة وأبهة. وقد كان نصر بريطانيا سهلاً، لأن القوات الإيرانية لم تبدِ سوى مقاومة ضعيفة، ودونما ريب فإن البريطانيين لو استمروا في حربهم وأنزلوا قواتهم في البلاد الإيرانية لواجههم عدو أقوى وأخطر من القوات الإيرانية المتهرئة فاقدة الانضباط والتي كانت تُقاد من قبل قادة غير جديرين وغير كفوئين وذلك العدو هو الحرارة التي لا تُطاق وطرق إيران الغاية في الوعورة».
وكما أشرنا فيما مضى فإن الحكومة الإيرانية أوفدت فرخ خان أمين الملك الكاثر (الذي لقب فيما بعد بأمين الدولة) إلى أوروبا في بداية الخصومة، عسى أن يلتقي بسفراء بريطانيا في إسلامبول أو لندن ومن ثم يعقد معهم معاهدة صلح لا تكون مذلة كثيراً، ولكن فرخ خان لم يستطع أن يتوافق مع الممثلين الإنكليز في هذه الأماكن فاضطر إلى الذهاب إلى باريس لتوسيط نابليون الثالث إمبراطور فرنسا، فاستطاع بواسطته أن يعقد معاهدة من خمس عشرة مادة وهي التي عرفت بمعاهدة باريس في الرابع من نيسان سنة 1857م مع اللورد كولي (Lord Couley)، وخلاصة الأمر: فإن بريطانيا اضطرت إيران إلى القبول بكل شروطها الرئيسية، ثم جرى تبادل المعاهدة وفقاً للمادة 15 بعد ثلاثة أشهر في بغداد بين ممثلي البلدين، وعاد الوزير البريطاني المفوض نفسه أي المستر موري إلى إيران بكل احترام وتقدير.
ومن المفيد أن نذكر أن سفر فرخ خان سفير إيران إلى أوروبا وإقامته الطويلة في باريس ولندن، دعت إلى لفت أنظار الكثير من السياسيين الأوروبيين إلى إيران بحيث استفاد الكثير منهم من فرصة وجوده وعقدوا معاهدات مع إيران، كما حصل في معاهدة إيران وفرنسا في عام 1855م التي عقدت في طهران. ولأن فرخ خان كان مفوضاً بشكل مطلق من قبل ناصر الدين شاه فإنه عقد عدة معاهدات ودية وتجارية مع الدول الأوروبية.
حسين ثقفي أعزاز
- () مدلولها اللغوي هو: الوقاية والتحفظ عن المكروه، والابتعاد عن الخطر والضرر، والحذر عما يسيء إلى الشخص أو الشخصية، ولو معنوياً، كالإهانة والذلة، أو ما يؤثر على المجتمع بالتوتر، أو التخاصم والنزاع، أو الفرقة والشقاق، وقد عرّفها فقهاء المسلمين بتعاريف تتفق على الجوهر والأركان الأساسية المطلوبة للتعريف حسب علماء المنطق والفلسفة، لكونها تعنى بشرح مدلول اللفظ وتحديد المراد فقهياً فقط، فعرّفها الشيخ المفيد (المتوفى 413هـ) بـ«كتمان الحق، وستر الاعتقاد، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا».وقال السرخسي الحنفي (المتوفى 490هـ): «التقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه».
وقال الشهيد الأول (المقتول 786هـ): «التقية مجاملة الناس بما يعرفون، وترك ما ينكرون، حذراً من غوائلهم».
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي (المتوفى 852هـ): «التقية الحذر من إظهار ما في النفس ـ من معتقد وغيره ـ للغير».
وقال الشيخ الأنصاري (المتوفى 1281هـ): «التحفظ عن ضرر الغير بموافقته، في قول أو فعل مخالف للحق».
وقال رشيد رضا (المتوفى 1354): «ما يقال أو يفعل مخالفاً للحق، لأجل توقي الضرر». ↑
- () العقيدة والشريعة في الإسلام ترجمة محمد يوسف وعبدالعزيز عبدالحق وعلي حسن عبدالقادر (القاهرة 1946) 181. ↑
- () سورة آل عمران: الآية: 27. ↑
- (**) ان التاريخ المدرج بهذا (الشكل في هذه المقالة) يشير بالتتالي الى: هجري/ميلادي.() حقائق التأويل في متشابه التنزيل الشريف الرضي (النجف 355 ـ 1936) ص74. ↑
- () الكشاف (بولاق 1318) 1 ـ 300. ↑
- () الآداب السامية محمد عطية الأبراشي ص129. ↑
- () عن إسلامية (السلام عليكم) انظر الطبري طبع أوروبا ـ 1: 1353 وقد ذكر هذا أن تحية الجاهلية كانت «انعموا صباحاً». ↑
- () حلية الأولياء 1 ـ 140 تفسير الطبري: 4 ـ 112 غرائب القرآن لنظام الدين النيسابوري على هامش الطبري 143 ـ 118 تفسير القرطبي 19 ـ 180. ↑
- () سورة النحل، الآية: 106. ↑
- () ومن هؤلاء الشهداء حبيب بن عاصم وأمه أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية. وقد أخذه مسيلمة… فجعل يقول له: أتشهد أن محمداً رسول الله فيقول: نعم فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فجعل يقطعه عضواً عضواً حتى مات في يده لا يزيد على ذلك… سيرة ابن هشام 2 ـ 74. ↑
- () انظر إلى ما يقول ابن حزم في الفصل 3 ـ 111، «وقد أباح الله عز وجل كلمة الكفر عند التقية وأباح بها الدم في غير التقية». ↑
- () سورة البقرة 2، الآية: 173. ↑
- () سورة النساء 4، الآية: 79. ↑
- () سورة القصص 38، الآية: 4. ↑
- () رسالة البلغاء «تحقيق كرد علي، مصر 1360 ـ 1346» رسالة ابن القارح ص267. ↑
- () مما ينبغي أن يبين هنا أن الجزية رفعت عن النساء والمقعد والأعمى والشيخ الفاني والولدان وذلك أن ابن بابويه القمي ذكر في تعليل ذلك أن النبي (ص) نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب إلا أن تقاتل، وإن قاتلت فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللاً فلما نهى عن قتلهن في دار الحرب، كان ذلك في دار الإسلام أولى، ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها، ولو منع الرجال وأبوا أن يؤدوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحلت دماؤهم وقتلهم لأن قتل الرجال مباح في دار الشرك وكذلك المقعد عن أهل الشرك والذمة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في دار الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية… (علل الشرائع تحقيق فضل الله الطباطبائي اليزدي، طهران 1378، بات 2104 ـ 64). ↑
- () سورة التوبة 9، الآية: 60، وعن أسماء المؤلفة قلوبهم انظر سيرة ابن هشام، مصر 1937، 4 ـ 139 وما بعدها، كتاب المعارف لابن قتيبة «ت276 ـ 889» مطبعة دار الكتب 1960، 342 وانظر كذلك القاموس المحيط «1 ـ 118» حديث نصر الفيروز أبادي «ت816 ـ 1412» على أنهم كانوا من سادة العرب أمر النبي (ص) بتألفهم وإعطائهم ليرغبوا من وراءهم في الإسلام «وانظر أيضاً النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مصر 1318، 1 ـ 48 وقد نص المسعوي في مروج الذهب، 1 ـ 408 على أن في سنة الفتح كان من النبي (ص) «إعطاؤه المؤلفة قلوبهم وفيهم أبو سفيان صخر بن حرب وابنه معاوية». ↑
- () العقيدة والشريعة في الإسلام 180. ↑
- () الملل والنحل 1 ـ 192. ↑
- () المصدر نفسه 195. ↑
- () المصدر نفسه 1 ـ 186. ↑
- () المصدر نفسه 1 ـ 216. ↑
- () المصدر نفسه 1 ـ 187. ↑
- () الفرق. والنحل 1 ـ 191-216، الملل والنحل 216. ↑
- () الطبري 6 ـ 642. ↑
- () نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 ـ 16. ↑
- () مروج الذهب 2 ـ 67. ↑
- () ابن أبي الحديد 1 ـ 356. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 51. ↑
- () مروج الذهب 2 ـ 110. ↑
- () مروج الذهب 3 ـ 110، وابن الأثير 4، 68 ـ 74. ↑
- () الطبري (ليدن) 1- 97- 1096 . ↑
- () 3 ـ وللشعبي موقف آخر موقف مع أبي حازم سلمة بن دينار (ت140 ـ 757) في حضرة سليمان بن عبدالملك ناله ما ناله مع الحسن البصري. وقد علل أبو حازم إسراع بعض الفقهاء والمحدثين إلى نصرة السلطان دونما وازع أخلاقي بقوله: «إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كان الأمراء تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الإغراء. فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا. ولو أن علماءنا يصدقون علمهم لم تزل الأمراء بهم» ومنهم «الزهري إنه هو المعني بهذا الكلام. ولم ينكر أبو حازم ذلك «انظر صفوة الصفوة لابن الجوزي 3: 90، 2/91» (2 ـ 3) إحياء علوم الدين 2: 204. أصول الكافي ص206 (2) أصول الكافي 205. ↑
- () مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص389. ↑
- () مقاتل الطالبيين 369، الطبري «أوروبا» 3، 200 وفيما يتصل بالتقية روى الحسن الأشعري فيلسوف أهل السنّة (ت324، 935؟) أن أبا حنيفة كان يقول: «إن القرآن مخلوق» وإنه تعرض للأذى من زملائه من أصحاب الحديث وخاف على نفسه وذكر الأشعري لهذه المناسبة خبراً عن عمر بن عبدالرحمن المعروف بابن أبي ليلى أعلن توبته عن قوله بذلك وأن المتولي لاستتابته كان محمد بن عبدالرحمن المعروف بابن أبي ليلى قاضي الكوفة (ت148: 765) «فتاب عنه وطاف به على الخلق» وعلل أبو حنيفة توبته تلك بقوله «خفت» والله، أن يقوم عليَّ فأعطيته التقية»: الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري طبعة المطبعة المنيرية بمصر بلا تاريخ، ص28» وعن سبق أبي حنيفة إلى القول بخلق القرآن انظر الروايات العديدة في ص27، 28 رواية عن سفيان الثوري وحماد بن أبي سليمان وغيرهما. وهذا المأزق الذي نجا منه أبو حنيفة بالتوبة تقية انقلب أيام المأمون إلى عقيدة رسمية للدولة جعل القائلون بضدها ينجون بأنفسهم منه بالتقية، وسنعرض لهذه المسألة بعد أسطر. ↑
- () الطبري «أوروبا» 3، 200 مقاتل الطالبيين 283. ↑
- () العبر 180. ↑
- () تفسير القرطبي 181:10. ↑
- () البداية والنهاية 10 ـ 386. ↑
- () البروج 84:4 ومن أصرح النصوص دلالة على هذا المعنى أن زهير بن حرب كان في من أجاب المأمون إلى خلق القرآن، وقد خرج من المحنة خجلاً يصف نفسه بالردة، غير أن أصحابه لم يقبلوا له هذا الندم ولا ذلك الخجل وإنما قالوا له، على لسان الحسين بن الفضل البجلي: «معاذ الله ما أنت بمرتد. وقد قال الله تبارك وتعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ، إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيْمَانِ}، فوضع الله عن المكره ما يسمعه في القرآن «تبيين كذب المفتري لابن عساكر (571 ـ 1176) دمشق 1347، ص3-352. ↑
- () ومما يحسن أن يقرن بهذا كله أن أبا الحسن الأشعري أفهم المعتزلة، الذين اضطروا الناس إلى التمسك بالتقية، إلى الديانة بها أيضاً وأنهم كانوا يزعمون «إن الله عز وجل، لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من أظهارهم تقية ذلك فأتوا بمعناه…» الإبانة عن أصول الديانة ص39 ـ 40» وهذا يعني أنهم كانوا يدينون بالتقية. ↑
- () حقائق التأويل. ↑
- () حقائق التأويل. ↑
- () المرجع نفسه ص74. ↑
- () حقائق التأويل ص745. ↑
- () تاريخ أبي الفداء طبع أوروبا 2 ـ 308. وانظر ديوان الشريف الرضي، مصر 1306، ص456 لقد كثر الأخذ والرد في نسب الفاطميين في مصر ودخل في تغليب رأي على آخر عامل عاطفي لا شك فيه ولعل من أهم مما يصحح للخلفاء الفاطميين نسبهم رأي الحاكم المستنصر الخليفة الأندلسي المعاصر لدولة الفاطميين (ح250 ـ 336 ـ 961 ـ 976) الذي كان يرى صحة انتسابهم إلى النبي (ص) (انظر صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد مقال للأستاذ محمد علي مكي عن التشيع في الأندلس العدد 1 ـ 2 سنة 1954 ص125 نقلاً عن البيان المغرب لابن عذارى). ↑
- () اعتقادات الصدوق ص44. ↑
- () صحيح الاعتقاد ص229. ↑
- () فضائح الباطنية للغزالي تحقيق كولد تسيهر (ليدن 1916) ص1. ↑
- () المرجع نفسه ص2. ↑
- () المرجع نفسه ص3. ↑
- () المرجع نفسه ص51. ↑
- () المرجع نفسه ص49. ↑
- () المرجع نفسه ص9. ↑
- () المرجع نفسه ص53. ↑
- () العلم الشامخ ص352. ↑
- () البداية والنهاية 14/77. ↑
- () روضات الجنات 3، 181 وانظر ترجمة قطب الدين في البدر الطالع للشوكاني (ت1250/1834) 28/299. ↑
- () روضات الجنات 3، 181 وانظر ترجمة قطب الدين في البدر الطالع للشوكاني (ت1250/1834) 28/299. ↑
- () المنهج السديد، تحقيق أوسكار بلوشيه ضمن مجلة باريس 1920 الجزء 14 القسم الثاني ص667. ↑
- () الإعلام بتاريخ الإسلام لابن قاضي شهبه مخطوط في مكتبة البودليان في أوكسفورد رقم الجزء الثاني ورقة 305. ↑
- () الإعلام بتاريخ الإسلام الجزء الثاني ورقة 205ب. ↑
- () في غير مسألة تفضيل علي كان مذهب تيمورلنك الفقهي حنفياً راجع ملفوظات تيمورلنك مخطوط في جامعة كمبردج. ↑
- () في غير مسألة تفضيل علي كان مذهب تيمورلنك الفقهي حنفياً راجع ملفوظات تيمورلنك مخطوط في جامعة كمبردج. ↑
- () روضة المناظر لابن الشحنة، مخطوط في مكتبة جامعة أوكسفورد، ص238، وكذا عجائب المقدور في أخبار تيمور. ↑
- () روضة المناظر لابن الشحنة، مخطوط في مكتبة جامعة أوكسفورد، ص238، وكذا عجائب المقدور في أخبار تيمور. ↑
- () انظر لؤلؤة البحرين ص245. ↑
- () الطريقة البكتاشية لبيرج ص66 عن فون هامر. ↑
- () يقول علي ظريف الأعظمي في تاريخ الدولة الفارسية في العراق، بغداد 1927 ص101 أن إسماعيل الصفوي اضطهد أهل السنّة 914/9-1508 وسنة 916/11-1510 وقد اعتمدنا هذا الكتاب وموجز تاريخ البلدان العراقية الآتي بعرض صور الاضطهاد الديني الذي نال الشيعة وأهل السنّة بدلاً من مصادرها الأصلية المعروفة، وذلك لإبراز الأثر الذي تركه هذا الاضطهاد في نفوس الباحثين من الفريقين اللذين مثلهما مؤلفا هذين الكتابين. ↑
- () موجز تاريخ البلدان العراقية لعبدالرزاق الحسني (ص24). ↑
- () روضات الجنات 4/96. ↑
- () الرسالة مطبوعة مع رسائل أخرى صوفية «مجموعة الرسائل» مطبعة الكردي، مصر بلا تاريخ، ومخطوطها في دار الكتب المصرية رقم 16472 في الفهرست 2/85. ↑
- () مجالس المؤمنين ص241. ↑
- () طرائق الحقائق 1/132. ↑
- () أصل الشيعة وأصولها 193. ↑
- () التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق (ص24 وتلاحظ الركة الظاهرة في الأسلوب). ↑
- () نهاية الأندلس لمحمد عبدالله عنان. ↑
- () يقول حسن الأمين: زرت تلاتر بصحبة الأستاذ الصالحي. ↑
- () المقصود بهذا القول مؤلف التنزيه إذ كانت صحف بيروت قد نشرت له حديثاً يحرم فيه ما يجري من البدع يوم عاشوراء كما كان قد أعلن ذلك في مقدمة أحد كتبه. ↑
- () الصواب مختلق. ↑
- () وكان الشيخ كلو في طليعة الأشخاص الذين نالوا من السيد محسن رحمه الله بشتائمهم متأثراً بالدعاية التي شنها يومذاك خصوم الحركة الإصلاحية، ولم يكن الشيخ كلو وحده الذي ترامى على قدميه تائباً إلى الله وإليه. ↑
- () دخل الشعر أيضاً ميدان المعركة بين مخاصم ومناصر فمما جاء في قصيدة الشيخ مهدي الحجار المناصرة:يا حر رأيك لا تحفل بمنتقد
إن الحقيقة لا تخفى على أحد
فهل على الشمس بأس حيث لم ترها
عين أصيبت بداء الجهل لا الرمد
ومصلح فاه «بالتنزيه» ليس له
غير الحقيقة أي والعدل من صدد
إنّا على «عامل» نأسى لأن بها
من لا يفرق بين الزبد والزبد
تأس يا «محسن» فيما لقيت بما
لاقاه جدك من بغي ومن حسد
↑ - () انظر مراصد الاطلاع ج1 ص277 دار إحياء 373 (هـ954م). ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج2 ص416 القاهرة 323 (هـ 1906م). ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج5 ص385 مصر دار المعارف. ↑
- () سورة يونس، الآية: 41. ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري ج5 ص385 ـ 386 مصر دار المعارف. ↑
- () تهامة بالكسر والنسبة إليها تهامي وتهام بالفتح مأخوذة من التهم هو شدة الحر وركوده وتهامة اليمن الأراضي الواطئة السهلة الممتدة على ضفاف البحر الأحمر مبتدأ من تيه عدن وأبين جنوباً إلى حلي بن يعقوب شمالاً وتقدر مسافة ذلك بعشرين مرحلة وزيادة وعرضاً من البحر إلى حزاز الجبال مسافة يومين فصاعداً وهو إقليم عظيم خصب فيه من أمهات المدن عدن وزبيد والحديدة وغيرها ويشتمل على مخاليف عديدة. ↑
- () وقد يسميها البعض الصليف باللام. ↑
- () رجال النجاشي 2 :332 ـ 333. ↑
- () المنظم 8: 173. ↑
- () الخلاصة: للعلاّمة: 148. ↑
- () كتاب الغيبة: 217. طـ/النجف 1385. ↑
- () راجع مقدمة السيد البروجردي لكتاب الخلاف. ↑
- () له ترجمة مفصلة في (160 موسوعة أعيان الشيعة). ↑
- () الذريعة: 4: 504. ↑
- () الذريعة: 4: 504. ↑
- () نهاية الدراية: 238. ↑
- () تهذيب الأحكام: 1: 2 ـ 4، طـ/1383. ↑
- () تهذيب الأحكام: 10: 4 ـ 5، طـ/1383. ↑
- () التهذيب: 1: 4. ↑
- () التهذيب: 1: 6. ↑
- () التهذيب: 1: 7. ↑
- () التهذيب: (63 ـ 177). ↑
- () التهذيب: 6: 177. ↑
- () مشيخة التهذيب (ملحق بالمجلد العاشر من التهذيب) ص4. ↑
- () وصول الأخبار: 159. ↑
- () من لا يحضره الفقيه 2: 470. ↑
- () من لا يحضره الفقيه 2: 171، ذلك الحديث 2044. ↑
- () (ضمن مصنفات الشيخ المفيد، المجلد 9) رسالة الرد على أهل العدد والرؤية: 19. ↑
- () معجم رجال الحديث 1: 30 وما بعدها. ↑
- () التهذيب: 4: 477. ↑
- () منتقى الجمان: 1: 22. ↑
- () التهذيب: 5: 6. ↑
- () الكافي: 4: 276. ↑
- () وصول الأخبار: 93. ↑
- () نهاية الدراية: 514. ↑
- () منتقى الجمان: 1: 35 (الهامش). ↑
- () السرائر: 3: 289 (فصل ميراث المجوس). ↑
- () الوافي: 1: 32. ↑
- () الوافي: 1: 5 ـ 6. ↑
- () الوافي: 1: 6. ↑
- () لؤلؤة البحرين: 297. ↑
- () لؤلؤة البحرين: 297. ↑
- () لؤلؤلة البحرين: 298. ↑
- () الروضة البهية في الإجازة الشفيعية: 186 ↑
- () وصول الأخبار: 115. ↑
- () منتقى الجمان 1: 26. ↑
- () الحدائق الناضرة 4: 209. ↑
- () معجم رجال الحديث 1: 50. ↑
- () منتقى الجمان 1: 11. ↑
- () خاتمة وسائل الشيعة 20: 3، طـ/ طهران 1389. ↑
- () (راجع رجال المجلسي الوجيزة في الرجال)، تحقيق الحاج عبدالله السيرالي، طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت سنة 1415. ↑
- () كذا في التهذيب 10: 73. ↑
- () له غير هذا الكتاب: كتاب (جاويدان خرد) ـ أي العقل الأزلي ـ جمع فيه آداب العرب والفرس والهند وجعله مصداقاً للقوانين الخلقية التي ذكرها في (التهذيب). وله كذلك رسالة صغيرة في السعادة سماها وكتبها لصديقه ابن العميد لا تخرف[(هكذا وردت)] في معناها عما في (التهذيب)، وكتاب ثالث يسمى (بالفوز الأصغر) ويعتبر أساساً لفلسفته الخلقية وإيمانه الديني الفلسفي. ↑
- () سماه الطوسي في ترجمته: (أخلاق ناصري)، كما ترجمه إلى الفارسية أيضاً أبو طالب الزنجاني، ونقله زريق إلى الإنكليزية، وأركون M.Arakoun إلى الفرنسية. ↑
- () انظر على الخصوص كلامه في دفع الغم والحزن ووجوب عدم الخوف من الموت، أو كلامه في خلود النفس أو رأيه في اختيار الصديق والاحتفاظ به. ↑
- () حبلرود: من قرى الري في شرقيها في طريق مازندان (طبرستان). ↑
- () منه نسخة كتبت سنة 1001هـ، في مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الأشرف ونسخة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، رقم 398. ↑
- () منه نسخة في مكتبة السيد الحكيم العامة في النجف الأشرف، رقم 197. ↑
- () ابتدأ تأسيس الكتاتيب منذ أنشئت مدينة القيروان. ↑
- () يقول الكاتب التونسي محمد المرزوقي فيما يقول بمقال له: وليست للجوائز السنية وحدها التي كان يتلقاها الشعراء من الأمراء الفاطميين التأثير الفعال في ازدهار سوق الشعر في ذلك العصر بل أن معرفة الأمراء أنفسهم بأساليب الشعر وقواعد نقده وقدرتهم على مجاراة الشعراء في نظمه قد أعان الشعراء على نظم الجيد منه واقتناص المعاني الشاردة وابتكار الجديد.فعبيد الله المهدي رأس الدولة الفاطمية كان شاعراً مجيداً وإن لم يحتفظ لنا التاريخ إلا بقليل من نظمه من ذلك قوله متحمساً:
من كان مُغْتَبِطاً بلين حشيَّة
فحشِيَّتي وأريكتي سَرْجي
من كان يُعْجِبُهُ وَيُبْهِجُهُ
نَقْرُ الدّفُوفِ وَرَنَّةُ الصَّنْج
فأنا الذي لا شَيْءَ يُعْجِبُنيِ
إلا اقتحامِي لجةُ الوَهْجِ
ومن شعر ابنه القائم بأمر الله يخاطب العباسيين خلفاء بغداد:
ألا إنّ حد السيفِ أشْفَى لذي الوَصَبْ
وأحرى بنيل الحقّ يوماً إذا طُلِبْ
وألمْ ترَني بعتُ الرّفَاهَةَ بالسرى
وقمت بأمر الله حقّاً كما وجب
ومنها:
ونَاديْتُ أهلَ الغَرْبِ دَعْوَةَ واثقِ
برب كريم من تولاهُ لم يَخِبْ
فجاؤوا سراعاً نحو أصيَدَ ماجِدِ
يبادونه بالطوع من جُمْلَةِ العَرَبْ
وسِرْتُ بخيل الله تلقاءَ أرْضِكُمْ
وقد لاحَ وجهُ الموت من خلل الحجبْ إلخ
وقد برزت في الشعر الفاطمي ظاهرة الوصف بروزاً واضحاً جلياً ولعلها من تأثير ابن هانىء في الوسط الشعري وابن هانىء نشأ بالأندلس مهد الوصف الشعري ونبغ من الوصافين ابن هانىء وابن الأيادي فكلاهما ترك لنا قصائد رائعة في وصف المعارك الحربية البرية والبحرية ووصف الجيوش والأساطيل والقصور والأثاث والبساتين بما يعجز الناثر عنه كوصف ابن هانىء لأسطول المعز بالمهدية، ولجيشه المرتحل لفتح مصر، وأوصاف ابن الأيادي لقصر المنصور بصبرة، أو لفرس الأمير جعفر بن القائم، ولأسطول القائم بالمهدية. ↑
- () أفريقيا: اسم أطلقه العرب الأقدمون في الأصل على القسم الشرقي من بلاد البربر ولم يتفق جغرافيوهم على تحديدها. يذكر صاحب الاستبصار ـ وهو ما يقوله البكري الأندلسي ـ إن حد أفريقيا طولاً من برقة شرقاً إلى مدينة طنجة غرباً، وإن عرضها من البحر إلى الرمال التي هي حاجز بين بلاد أفريقيا وبلاد السودان، ولكن ياقوت في معجمه يحدد أفريقيا من طرابلس الغرب إلى بجاية. ويؤخذ من ابن صاحب الصلاة إن أفريقيا تشمل طرابلس ولكنها لا تصل إلى منطقة الزاب. والظاهر أن كل تحديد لأفريقيا كان مرتبطاً بزمن معين ودولة معينة في سعتها وضيقها، والمقصود بأفريقيا في كلام ابن الأثير، كما في كلام غيره: هو تونس. ↑
- () دولة الموحدين قامت على أسس شيعية «راجع: الموحدون «ح»». ↑
- () أحمد بن علي النجاشي، رجال النجاشي، تحقيق: السيد موسى الشبيري الزنجاني. قم: جماعة المدرسين في الحوزة 1407هـ، ص88. ↑
- () المصدر السابق، ص396. ↑
- () د. عبدالله الفياض. الإجازات العلمية عند المسلمين، بغداد: مطبعة الإرشاد: 1967م، ص108. ↑
- () الكشي. الرجال. كربلاء: 1383هـ، ص249. ↑
- () السبكي. طبقات الشافعية. القاهرة 1/260. ↑
- () ابن الصلاح، علوم الحديث، تحقيق: نور الدين عتر. بيروت. دار الفكر المعاصر 1406هـ 1986م، ص132. ↑
- () المصدر السابق، ص137. ↑
- () المصدر السابق، ص151 ـ 162. ↑
- () المصدر السابق، ص165 ـ 166. ↑
- () المصدر السابق، ص169. ↑
- () المصدر السابق، ص173. ↑
- () المصدر السابق، ص175. ↑
- () المصدر السابق، ص177. ↑
- () المصدر السابق، ص178. ↑
- () المصدر السابق، ص137. ↑
- () المصدر السابق، ص152. ↑
- () السيد حسن الصدر، نهاية الدراية، تحقيق: الشيخ ماجد الغرباوي، ص453. ↑
- () د. عبدالله الفياض، مصدر سابق، ص46 ـ 47. ↑
- () جولد سيهر، إجازة، في: دائرة المعارف الإسلامية، ترجمة: أحمد الشنتناوي وزميليه. ↑
- () المصدر السابق، 1/433. ↑
- () د. عبدالله الفياض. مصدر سابق، ص21. ↑
- () الخطيب البغدادي: تقييد العلم. دمشق: 1949م، ص101. ↑
- () رجال النجاشي، ص13. ↑
- () المصدر السابق، ص12. ↑
- () جمال الدين القاسمي: قواعد التحديث. دمشق: 1925م، ص190 ـ 191. ↑
- () رجال النجاشي، ص85. ↑
- () السيد إعجاز حسين الكنتوري: كشف الحجب والأستار، قم: مكتبة السيد المرعشي، 1409هـ، ص6، الشيخ آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، 1/123، بيروت: دار الأضواء، 1403هـ. ↑
- () الكنتوري، المصدر السابق ص6 ـ 24. والطهراني، المصدر السابق 1/123 ـ 266، 11/13 ـ 29. ↑
- () ديوان الإجازات المنظومة للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي مجلة تراثنا (قم) ص270 ـ 374ع 35 ـ 36، (1414هـ). ↑
- () السيد محمد رضا الحسيني الجلالي: ثبت الأسانيد العوالي إلى مرويات السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر بيروت، 1417هـ، ص7. ↑
- () المصدر السابق، ص10. ↑
- () المصدر السابق، ص11. ↑
- () المصدر السابق، ص15. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج3 ص14 القاهرة 1324هـ 1906م. ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج5 ص397 القاهرة دار المعارف. ↑
- () علي بن إبراهيم القمي: تفسير القمي ج2 ص329 النجف الأشرف 387 (هـ معجم رجال الحديث ج9 ص256 بيروت 1409هـ 1989م. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج3 ص15 القاهرة 324هـ 1906م. ↑
- () لسان العرب. ↑
- () ابن خرداذبة. وإنما سميت: (جزرية) لأن أهل الجزيرة كانوا يرابطون بها ويغزون. لا لأنها من الجزيرة. ↑
- () ابن رسته. ↑
- () البلاذري. ↑
- () قدامة بن جعفر. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () يتيمة الدهر. ↑
- () جاء اسما هذين النهرين في بعض الأوقات خطأ بصورة سيحون وجيحون، على نحو ما يسمى به نهرا آسيا الوسطى. أما فيما يتصل بالفم القديم لنهر سارس، فيحسن بنا أن نلاحظ أن سرابيون (المخطوطة: الورقة 44أ) ذكر أن نهر سيحان (سارس) كان في أيامه (أي في بداية المئة الرابعة ـ العاشرة) يصب في جيحان (بيرامس) على خمسة فراسخ فوق المصيصة وبهذا يشترك هو وجيحان في مصب واحد في البحر أما اليوم فلنهر سيحان فم في الجهة الغربية قرب مرسينة. ومن الممكن تتبع معالم المجرى القديم انظر: المجلة الجغرافية Goog Jour لشهر تشرين الأول 1903 ص410. ↑
- () راجع ذلك في هذه الرسالة، ص 5 وما بعدها، مطبعة مخيمر مصر. ↑
- () الصواعق المحرقة، ص148. ↑
- () الإمام الصادق، ص199. ↑
- () الصواعق المحرقة، ص148. ↑
- () السقيفة للمظفر، ص49، عن كنز العمال (5: 41). ↑
- () الموطأ، ح2، ص208، طبعة مصطفى البابي الحلبي. ↑
- () حديث الثقلين، ص18، دار التقريب. ↑
- () تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص123 نقلاً عنه. ↑
- () يقول مسلم في صحيحه، ح7 ص21: «ولما نزلت هذه الآية {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ} دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: (اللَّهم هؤلاء أهلي) وقد رواها بالإضافة إلى صحيح مسلم كل من الترمذي، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، انظر دلائل الصدق، ح2 ص86. ↑
- () مستدرك الحاكم وتلخيصه، ح3، ص109، وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. ↑
- () ابن حجر في الصواعق، ص24. ↑
- () دلائل الصدق، ج2، ص303، وفيه عشرات من أمثالها اقرأ مصادرها من كتب أهل السنّة في الجزء نفسه. ↑
- () دلائل الصدق، ج2، ص303، وفيه عشرات من أمثالها اقرأ مصادرها من كتب أهل السنّة في الجزء نفسه. ↑
- () المستصفى، ح2 ص136. ↑
- () ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، ج1 ص212. ↑
- () قال جمال الدين الإفريقي المصري في لسان العرب: وفي حديث النبي (ص) أوصيكم بكتاب الله وعترتي أحدهما أعظم من الآخر وهو حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وفي بعضها: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فجعل العترة أهل البيت. وقال علي ابن أحمد العزيزي البولاقي الشافعي: «أهل بيتي» يحتمل رفعه ونصبه، أي أعني، أوهم، والمراد العلماء منهم أي أحثكم على اتباعهما لا تخالفوهما وإنهما أي الكتاب والعترة لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، يحتمل أن المراد العلماء منهم يستمرون آمرين بما في الكتاب إلى قيام الساعة والله أعلم بمراد نبيه (ص) (العبقات). ↑
- () سورة الرحمن، الآية: 31. ↑
- () قال الشيخ عبدالحق الدهلوي في اللمعات في شرح المشكاة: سمى (ص) الكتاب والعترة الثقلين، لأنه يستصلح الدين بهما ويعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين، إلى أن قال: والظاهر أن المراد بأهل البيت ههنا أخص من أولاد الجد القريب وهم بنو هاشم، بل أولاده وذريته، والعترة أعم من ذلك فافهم (العبقات).وقال شيرويه الديلمي في كتاب فردوس الأخبار: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فيكم حبل من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة وأهل بيتي أذكركم في أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض؛ يعني الأخذ بهما ثقيل. وقال مجد الدين بن الأثير الجرزي في جامع الأصول سمى النبي (ص) القرآن العزيز وأهل بيته ثقلين لأن الأخذ بهما والعمل بما يجب لهما ثقيل. وقال مسعود بن عمر التفتازاني في شرح المقاصد: ألا ترى أنه (ص) قد قرنهم بكتاب الله تعالى في كون التمسك بهما منقذاً من الضلالة ولا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية فكذا في العترة. وقال السيوطي في الدر النثير في لغة الثقل: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي سماهما ثقلين لعظم قدرهما ويقال لكل نفيس خطير: ثقل، أو لأن الأخذ بهما والعمل ثقيل (العبقات). ↑
- () رواه الدارقطني ومحمد بن جعفر البزار، وابن عقدة والشريف السمهودي، وأحمد بن الفضل باكثير المكي ومحمود الشيخاني وشيخ بن عبدالله العيدروس اليمني، حكاه عنهم صاحب العبقات، ورواه أيضاً ابن حجر في الصواعق: 75، وسليمان بن إبراهيم الحنفي في ينابيع المودة: 33. ↑
- () وقال السخاوي بعد نقل الحديث عن الترمذي وأحمد والطبراني وأبي يعلى الموصلي: أخرجه مسلم أيضاً وكذا النسائي باللفظ الأول وأحمد والدارمي في مسنديهما وابن خزيمة في صحيحة وآخرون كلهم من حديث أبي حيان التيمي يحيى بن سعيد بن حيان بن يزيد بن حيان، وأخرجه الحاكم من حديث الأعمش (العبقات). ↑
- () قال محمد بن عبدالباقي الأزهري الزرقاني المالكي في السراج المنير في شرح الجامع الصغير: أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً قال الحكيم الترمذي: حض على التمسك بهم لأن الأمر بهم معاينة فهم أبعد عن المحنة، وهذا عام أريد به الخاص وهم العلماء العاملون منهم فخرج الجاهل والفاسق إلى أن قال: «قال فخر الدين الرازي جعل الله أهل بيته مشاركين له (ص) في خمسة أشياء: في المحبة وتحريم الصدقة والطهارة والسلام والصلاة لم يقع ذلك لغيرهم، وقال أيضاً في الكتاب المذكور: زاد في رواية كهاتين وأشار بأصبعيه. وفي هذا مع قوله أولاً إني تارك فيكم تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما…وقد مر نظير هذا الكلام قبل ذلك رويناه عن المناوي في فيض القدير فراجع. وقال محمد بن إسماعيل الأمير اليماني في الروضة في شرح التحفة: وحديث الثقلين قد أخرجه أئمة المسانيد عن أكثر من عشرة أو عشرين من الصحابة. ↑
- () السنة الثالثة في العدد الأول من رسالة الإسلام. ↑
- () الموطأ في هامش مصابيح السنة في الجزء الثاني: 197 حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله (ص) قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنّة نبيه. ↑
- () وقال بدر الدين الرومي في تاج الدرة في شرح قصيدة «البردة» عند قول البوصيري:دعا إلى الله فالمستمسكون به
مستمسكون بحبل غير منفصم
قال: فالمعتصمون بدينه والمجيبون لدعوته اعتصام حق وإجابة صدق، معتصمون بسبب من الله متصل إلى رضوانه الأكبر من غير أن يطرأ عليه انفصام أصلاً، وذلك السبب ليس إلا كتاب الله تعالى وعترة نبيه (ص) من أهل العفة والطهارة الواجب على غيرهم مودتهم بعد معرفتهم إيماناً لقوله تعالى: {… قُل لاَ أَسْئَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً…} [الشورى: 23]. وتصديقاً لقوله (ص) تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي. وفي رواية تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض؛ وهذا نص في المقصود فمن تمسك بكتاب الله تمسك بهم ومن عدل عنهم عدل عن كتاب الله من حيث لا يدري وهو يقول آمنت بكل ما ثبت مجيء رسول الله (ص) به من عند الله {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ…} [النساء: 65] وهذا هو الإيمان الكامل. ↑
- () سورة الحشر، الآية: 7. ↑
- () سورة الجمعة، الآية: 2. ↑
- () وقال أبو نصر العتبي في تاريخه المعروف بتاريخ اليمني: فاستخلف في أمته الثقلين اللذين يحميان الأقدام أن تزل، والأحلام أن تضل، والقلوب أن تمرض، والشكوك أن تعرض فمن تسمك بهما فقد سلك الخيار وأمن العثار وربح اليسار، ومن صدف عنهما فقد أساء الاختيار وركب الخسار وارتدف الأدبار {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16]… (العبقات). ↑
- () قال الشيخاني القادري في الصراط السوي: وفي الحديث المرفوع الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت. أخرجه أحمد في المناقب إلى أن قال: ولا خفاء في أن أهل البيت النبوي (ص) الأمي الذي ذكر أولاده لعلوهم في الشأن مساوياً إياهم بالقرآن حيث قال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي (العبقات). ↑
- () وقال المقبلي الصنعاني إنما أراد أن يجيبوه (ص) حين قال «إني تارك فيكم الثقلين» ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً أن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما، ورواياته منع شواهده متواترة معنى، فأجاب هؤلاء نخلفك فيهما شر خلافة، من قدر على السيف فيستقيد، ومن لم يقدر فبلسانه وقلبه، ومن تأخر زمانه كتاريخنا تناول بعداوته الأولين والآخرين فكان أعمهم جناية والله المستعان. ↑
- () قال أحمد بن عبدالقادر العجيلي الشافعي في ذخيرة المال: تعلموا منهم وقدموهم، تجاوزوا عنهم وعظموهم، أما التعلم منهم فقد صح أنهم معادن الحكمة وصح في حديث الثقلين فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم، وأما التقديم فهم أولى بذلك وأحق في مواضع كثيرة منها الإمامة الكبرى وتقديمهم في الدخول والخروج والمشي والكلام وغير ذلك من أمور العادات؛ وقال أيضاً وإن حملت مصحفاً فلا تقم لأحد من الورى إلا لهم، ومن الآداب المستحسنة الشرعية أن من كان المصحف الكريم بين يديه وفي حجره لا يقوم لأحد ولو كان والداً أو عالماً لشرف المصحف، أما أولاد النبي (ص) فإنه يقوم لهم والمصحف بين يديه، حالة القيام أدباً للثقلين معاً لأنهما لا يفترقان إلى ورود الحوض؛ فمن فرق بينهما بهواه وغفلته فرق الله شمله في الدنيا والآخرة.وقال الخمراوي في مشارق الأنوار وفي رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس (العبقات). ↑
- () أعني السيد شهاب الدين النجفي المرعشي. ↑
- () حيث إن الدين الإلهي هو دين الفطرة التي صاحبت الإنسان منذ بدء الخليفة على الأرض، وإنما جاء الإسلام تتميماً وتكميلاً لما جاء به الأنبياء السابقون على نبي الإسلام (ص) ولهذا تصبح ثقافة الإسلام ثقافة تمتد لآلاف السنين. ↑
- () نهج البلاغة، ص78. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 16. ↑
- () نهج البلاغة، خطبة 129. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 13. ↑
- () {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء. ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. ولكن أكثر الناس لا يشكرون}، [يوسف: 38]. ↑
- () من بعض خطب الإمام الخميني في فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية (المترجم). ↑
- () سورة يونس، الآية: 4. ↑
- () تقصر فلسفة كونت عنايتها على الظواهر والوقائع اليقينية، دون الاهتمام بالأفكار التجريدية البحتة. (المترجم). ↑
- () سورة البقرة، الآية: 213. ↑
- () هو الذي أصبح بعد ذلك رئيساً لأركان الجيش الفرنسي في فرنسا وقاد هذا الجيش في أوائل شهور الحرب العالمية الثانية إلى الهزيمة العامة الشاملة، وناله من الذل والهوان ما ناله. وفيه يقول الشاعر السوري خلال الثورة السورية:ألا ليست شعري هل أبيتن ليلة
وليس بسوريا مقر لغملان
وقد تم إخماد الثورة السورية بقيادته، وسفكت دماء السوريين على يديه، فأذاقه اللَّه شراً مما أذاقه للسوريين.. ↑
- () الزور: مكان في الغوطة. ↑
- () كافأ الأرمن والشركس البلاد التي استضافتهم بأن تطوعوا لقتالها في ثورتها على الفرنسيين بأعداد كثيرة. وفي ذلك يقول الشاعر القروي إبان الثورة من قصيدة:زعموا الشآم بحاجة لمجدد
نعم المجدد مدفع ومسدس
وابن الشآم بحاجة لممدن
نعم الممدن للشعوب الشركس
ويقول الشاعر الدمشقي أديب التقي:
جنات الشام وغوطتها
نهب للأرمن والشركس
وبرصاص الشركس قتل أحمد مُرَيْود حين اعتصم مع ثواره بقريته (جُبَاثا الخشب) خلال الثورة، فهاجمتهم جماعة الشركس بقيادة قائدها الفرنسي. ↑
- () لطفي الحفار ـ مذكراته، حياته وعصره ص141. ↑
- () الشامية: منطقة عراقية متصلة بالنجف. ↑
- () الحقائق الناصحة . ↑
- () المقصود بتعبير (القراتيين) هو الشيعة . ↑
- () الشريف ناصر بن علي هو من شرفاء المدينة الحسينيين الذين تقاسموا حكم الحجاز مع بني عمومتهم الحسنيين فاستقل الحسينيون بحكم المدينة واستقل الحسنيون بحكم مكة، ولعوامل ليس هنا مجال ذكرها تمسك الحسينيون بتشيعهم فلم يدم حكمهم، ودام حكم الحسنيين.والشريف ناصر (1890 ـ 1934) زار دمشق مع فيصل سنة 1916 أيام الحكم العثماني وتعرف سراً على رجال الحركة العربية التي بدأت تتفاعل في بلاد الشام. ولما أعلن الشريف حسين الثورة في مكة كان الشريف ناصر في أول من استجابوا لها، ثم التحق بفيصل فكان نائبه في قيادة الجيش الزاحف إلى الشمال وخاض جميع معاركه، ودخل دمشق قبل فيصل وطارد بقايا الجيش العثماني حتى حلب. ثم أقام بدمشق حتى احتلال الفرنسيين لها، وبعد الاحتلال غادرها إلى مكة ثم إلى بغداد فأقام بها حتى وفاته سنة 1934 عن 44 سنة من العمر بعد وفاة فيصل بسنة. وقد قال عنه لورانس في كتابه «الثورة والصحراء» الصفحة 393 حول الزحف العربي نحو الأزرق وعمان ودرعا ودمشق:
«أما ناصر الذي ظهرت مواهبه أيام المدينة فكان دائماً في المقدمة من الجيش العربي واختير عدة مرات لقيادة الحملات وتنظيم الحركات وكان جديراً أن يكون أول الداخلين إلى دمشق ليضيف إكليلاً من أكاليل الغار العديدة التي ظفرها لنفسه في المدينة والوجه والعقبة وغيرها». ↑
- () الشريف شحاد كبير أشراف المدينة وصاحب النفوذ على العشائر التي في أطرافها، خصوصاً عشائر حرب، وأخوه الشريف ناصر متزوج من هذه العشيرة. ↑
- () ابن مبيريك هو من كبار مشايخ حرب تقع منطقته في أطراف رابغ وهو ضالع مع الأتراك ولم يشترك في الثورة إلا بعد أن قويت وقطع أمله من الأتراك. ↑
- () نسبة إلى طوران، وهي البلاد الواقعة شمال شرقي إيران، ويقصد بها موطن الترك القدامى، ومنها أخذ ما عرف باسم (الحركة الطورانية) التي نادى بها في العصر المتأخر غلاة الترك داعين إلى الرابطة الطورانية وسيادة العنصر التركي. ↑
- () جمعية الاتحاد والترقي حزب سياسي تركي نشأ أول ما نشأ في سلانيك في شكل سري وراح يعمل لإقامة الحكم الدستوري وبلغ ذروة نشاطه سنة 1907 إلى أن استطاع حمل السلطان عبدالحميد على إعلان الدستور الجديد في 24 تموز سنة 1908 ولما قامت الحركة الرجعية في استنبول في 13 نيسان 1909 بتشجيع من السلطان وكان يقصد بها تعطيل الدستور. قام «الاتحاد والترقي» بحركة عسكرية من سلانيك إذ توجهت قطعات من الجيش بقيادة محمود شوكت باشا إلى استنبول في 24 نيسان مما أدى إلى قمع الحركة الرجعية وخلع عبدالحميد وتنصيب أخيه محمد رشاد باسم محمد الخامس في 27 نيسان واستيلاء الاتحاديين على الحكم وتسلطهم على الدولة تسلطاً تاماً، وكان الاتحاد والترقي في جوهره وجهاً لجمعية تركيا الفتاة المتبنية للحركة الطورانية المتعصبة لتركيتها والعاملة على تتريك العناصر غير التركية لا سيما العرب في الدولة العثمانية. ومعارضةً للاتحاديين المتسلطين تألف حزب الحرية والائتلاف سنة 1912 فانضم إليه جمهور النواب غير الأتراك إلى جانب نخبة من الأتراك النافرين من تحكم الاتحاديين واستبدادهم.ولما اغتيل محمود شوكت باشا الصدر الأعظم الاتحادي في حزيران 1913 اغتنمها الاتحاديون فرصة لتصفية خصومهم الأشداء من الأتراك فاتهموهم بتدبير اغتياله وساقوهم إلى الموت وفيهم صهر السلطان نفسه. واستضرى الاتحاديون أعظم الضراوة وساعدهم في ذلك ضآلة شخصية السلطان. وفي ذلك يقول الشاعر الشبيبي:
الصدر في دار الإمارة طلعة
وممالؤه والإمام رشاد
واستبد ثالوثهم المخيف: أنور وطلعت وجمال بالدولة ورجالها إلى أن أدخلوها الحرب العالمية الأولى إلى جانب المانيا. وسلطوا أحدهم جمال باشا على العرب فأوسعهم شنقاً ونفياً وتشريداً خلال الحرب لا سيما ما بين السنتين 1915 و1916 كما أمروا بالمذابح الأرمنية سنة 1915. ولما أوشكت الحرب على الانتهاء وبانَ سقوط الدولة العثمانية عزم الثلاثة أنور وطلعت وجمال على الفرار فتركوا استنبول ثم تفرقت بهم الدار فقصد طلعت إلى برلين وانتهى جمال إلى أفغانستان عاملاً في جيشها ومضى أنور إلى تركستان حيث أوقد ثورة فيها على الروس بقيادته. ولم يطل الأمر فإن الأرمن اغتالوا طلعت في برلين ولاحقوا جمال من مكان إلى مكان حتى اغتالوه سنة 1922 في تقليس أما أنور فقد ظل يصارع الروس بين كر وفر حتى سقط صريعاً في 4 آب سنة 1922 في الموقعة التي دارت شرقي بخارى. ↑
- () راجع ترجمة عبدالكريم الخليل في (أعيان الشيعة). وراجع في (الدائرة): المنتدى الأدبي. ↑
- () ولد سنة 1270هـ (1854م) في استنبول وكان أبوه منفياً إليها، ثم انتقل معه إلى مكة وكان عمره ثلاث سنوات، وفيها نشأ وتثقف، وكان عمه عبدالله باشا أميراً لمكة فعهد إليه بالمهمات، ثم مات أبوه وعمه فآلت الإمارة إلى عمه الثاني (عون الرفيق). سنة 1299هـ (1881م) وفي عهده نفي الحسين الى استنبول سنة 1309هـ وجعل فيها من أعضاء مجلس «شورى الدولة» وأقام إلى أن توفي عون الرفيق ثم عمه الثالث عبدالإله، فعين أميراً لمكة سنة 1326هـ فعاد إليها حتى إذا قامت الحرب العالمية الأولى سنة 1332هـ (1914م).وبدت نوايا جماعة «تركيا الفتاة» التي كان وجهها العلني حزب «الاتحاد والترقي» وكشفوا عما بيتوه من عزمهم على تتريك العناصر غير التركية في الدولة العثمانية، واتخذوا من إعلان الحرب وسيلة لتحقيق أهدافهم. فكر العرب بوجوب الوثوب قبل الاسترسال في تحطيم بلادهم ورجالها. واتجهت أنظارهم إلى زعيم عربي يمكن أن يلتفوا حوله فكان أبرز الزعماء الحسين بن علي أمير مكة، وشنقت القافلة الأولى من رجال العرب في بيروت (14 آب سنة 1915) وقبض على فريق آخر واعد للموت، فأبرق الحسين إلى أنور باشا الرجل الأول في الاتحاديين يطلب فيه العفو عن المقبوض عليهم، كما أرسل ولده فيصل إلى دمشق محاولاً التوسط لدى جمال باشا، فتلقى الحسين برقية قاسية ملؤها التهديد والوعيد. وكان الحسين يعلم أنه لا يمكن الانتفاض على الأتراك بدون معونة دولة كبرى فجرت بينه وبين الإنكليز مفاوضات اشترط فيها اعترافهم باستقلال البلاد العربية فعاهدوه على ذلك. وظل يحاول ردع الاتحاديين عن التمادي في اضطهاد العرب وظلوا لا يرتدعون، إلى أن شنقوا القافلة الثانية من كبار رجالات العرب في دمشق وبيروت بوقت واحد في 6 أيار سنة 1916 وأعدوا القافلة الثالثة وكانوا قد بدأوا بتهجير العائلات العربية إلى الأناضول فبلغ الأمر مداه، وأصبح لا بد من الثورة. وفي التاسع من شعبان سنة 1334هـ (10 حزيران ـ يونيو 1916) أي بعد شنق شهداء 6 أيار بثلاثة وثلاثين يوماً أطلق الحسين رصاصته الأولى معلناً بدء الانقضاض على الأتراك بدون معونة دولة كبرى وقامت الثورة وأمكن أسر العديد من كبار الضباط الأتراك. وأول ما فعله الحسين أن أنذر الاتحاديين وجمال باشا على الأخص بأنه في حالة الاستمرار في قتل رجال العرب سينتقم لهم ممن لديه من أسرى الأتراك، فكان ذلك كافياً لإيقاف المجازر في البلاد العربية وتقدم أنجال الحسين المحاصرة المدن الحجازية، وتقدم فيصل صوب دمشق حتى دخلها فاتحاً.
وبانتهاء الحرب كشر الإنكليز وحلفاؤهم الفرنسيون عن أنيابهم وظهر ما كانوا قد أخفوه من العزم على اقتسام البلاد بينهم بنص معاهدة (سيكس ـ بيكو) وما كان الإنكليز قد وعدوا به الصهاينة من وطن قومي في فلسطين بنص وعد بلفور. وتنكروا لوعودهم العربية وأخذوا يطاولون ويجاولون. وعبثاً حاولت بريطانيا الوصول إلى تسوية مع الحسين تحظى برضاه وتحقق مطامعها في آن واحد، وجربت شتى طرق الضغط دون أن يلين وكان أهم ما يتشبث به نقض وعد بلفور والإصرار على عروبة فلسطين. والحسين كان منذ إعلان الثورة قد أصبح ملكاً للحجاز، وكان ولده فيصل قد غدا بعد ذلك ملكاً للعراق، وولده الآخر عبدالله قد أصبح أميراً للأردن. وفي سنة 1924 زار الملك حسين عمان عاصمة الأردن فالتفت حوله الوفود العربية. وفي خلال الزيارة أعلن الأتراك إلغاء الخلافة، فارتأى العرب في الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق مبايعة الحسين بأمارة المؤمنين وتمت البيعة في عمان. ثم عاد الحسين إلى الحجاز. واشتد الضغط عليه من الإنكليز ليصفي علاقته معهم بمعاهدة يعقدونها بينهم وبينه، فكان يصر على إلغاء وعد بلفور والاعتراف بعروبة فلسطين. وفي هذه المرحلة أبلغه مندوبه في لندن الدكتور ناجي الأصيل بأن الإنكليز كانوا يلوحون بالتهديد ثم صاروا يصرحون به، وأنه إن لم يستجب لهم فإن المستقبل سيىء، وسينتهي الأمر بشر النتائج، فلم يبال بذلك وأبى أن يفرط بذرة من تراب فلسطين وأعلن استعداده لتلقي النتائج السيئة.
ولم يلبث إلا قليلاً حتى هاجمه النجديون في الحجاز سنة 1343 هـ (1924م) واحتلوا الطائف وتقدموا نحو مكة فارتأى فريق من الحجازيين أن يتنازل الحسين لولده علي لعل في ذلك ما يحمل النجديين على التراجع فمضى الحسين إلى مدينة العقبة على البحر الأحمر فلاحقه الإنكليز إليها وأنذروه بوجوب الرحيل عنها وأرسلوا إليها مدرعة حملته منفياً إلى جزيرة قبرص فظل فيها ست سنين حتى سنة 1931 إلى أن اشتد عليه المرض فأذن الإنكليز بسفره إلى عمان وجاءه ابناه فيصل وعبدالله فصحباه إليها، فمكث معتلاً ستة أشهر وأياماً، ثم قضى نحبه في 4 حزيران من تلك السنة ودفن في المسجد الأقصى. ومضى الحسين شهيد فلسطين الأكبر.
ومما قيل في رثائه قول شوقي:
حبذا موقف غلبت عليه
لم يقفه للعرب قبلك خادم
↑ - () كان القائد الفعلي للجيش التركي هو (ليمان فون ساندرس). ↑
- () أعلنت الثورة في شهر شعبان. ↑
- () كان القائد الفعلي للجيش التركي هو (ليمان فون ساندرس (1855 ـ 1929) وهو قائد الماني انتدب للخدمة في الجيش العثماني وكان خلال الحرب قائداً للجيش الأول في (جناق قلعة)، وفي أواخر الحرب أصبح قائداً لقوات الصاعقة خلفاً للجنرال الألماني (فالكنهاين) وهي القوات التي كانت تدافع في جبهة فلسطين. وكان في هذه القيادة مصطفى كمال (أتاتورك) الذي تولى القيادة العامة بعد انسحاب ليمان فون ساندرس منهزماً.). ↑
- () وكان هذا التسابق لأن كل واحد من الفريقين قادم من جهة غير القادم منها الفريق الآخر. فالإنكليز بعد سقوط حيفا وصلوا إلى (سمخ) ومنها يريدون التوجه إلى درعا. والعرب بعد سقوط (معان) توجهوا إليها.وكان الأمير فيصل يزحف على ساحل البحر الأحمر متقدماً إلى الشمال حتى احتل الوجه في 24 كانون الثاني/ يناير سنة 1917 واتخذها قاعدة للأعمال العسكرية في الشمال. وفي تموز/ يوليو 1917 فتحت قوات الأمير فيصل العقبة بقيادة الشريف ناصر. ثم اتجهت إلى معان فدخلتها ومضت حتى درعا.
في حين كان الإنكليز يهاجمون غزة وبئر السبع، ثم اخترقوا جبهة الجيش التركي الممتدة من شمالي يافا إلى أريحا على البحر الميت ثم أخذوا يتقدمون في فلسطين وقد دخلوا دمشق عن طريق جسر بنات يعقوب ـ القنيطرة. يقول رستم حيدر عن يوم الخميس 3/10/1918: سرنا من (المسمية) ولما وصلنا (دير علي) صادفنا نفس الدروز فسألتهم فبشروني بدخول الجيش العربي (دمشق) قبل الإنكليز وتفاخروا بدخول الدروز قبل الكل فذهبت إلى سيدنا (الأمير فيصل) وبشرته أمام حلمي بك وغيره فرأى من السياسة أن يقول لي: لا فرق بيننا وإنما المهم أن ندخل دمشق. حصافة حفظتها له. ↑
- () سلطان الأطرش (1891 ـ 1982) ولد في بلدة القرية بجبل الدروز وهي تبعد عن السويداء 18 كلم، وقد أعدم الأتراك والده ذوقان أثناء حملة سامي باشا الفاروقي سنة 1910. قام بثورته الأولى على الفرنسيين سنة 1922 من أجل الثائر العاملي أدهم خنجر، بعد أن انتهك الفرنسيون حرمة داره وألقوا القبض على ضيفه المستجير به فيها. صدر العفو عنه سنة 1923، فقام بثورته الثانية على الفرنسيين سنة 1925 وقد عمت هذه الثورة معظم أرجاء سوريا. ↑
- () يقول رستم حيدر عن يوم الخميس 3/10/1918: ثم سرنا حتى الكسوة ومنها إلى القدم فوقف الترين (القطار) فأمرني سيدنا أن أسير لأخبر الشريف ناصر بمجيئه وكان ذلك.. إلى أن يقول: فأخبرته بلزوم ذهابه… إلى أن يقول: وبعدها ركبنا طراداً… ولما وصلنا كان لم يصل إليه أحد، وبعد قليل تواردت الخيل والهجن والعربات… ثم يقول: ثم ركب على فرسه وأركب الثانية الشريف ناصر وسارت الخيل وراءهما. ↑
- () كان العرب يعيشون تلك الأيام التي بدأت عام 1918 ثم انتهت يوم الرابع والعشرين من تموز 1920 أزهى أيامهم وأعذب أحلامهم. وكانوا في غمرة هذا الفرح لا ينظرون إلى البعيد ولا يحسبون حساباً للغدر والختل.ثم بدأت الحقائق تتجلى قليلاً، فالحاكم العربي الذي ذهب إلى بيروت ورفع علمه على صروحها عاد مطروداً من الفرنسيين. وأنزل العلم ذليلاً!
والحكّام الوطنيون الذين عينوا أنفسهم في مناطقهم الساحلية معلنين الاستقلال لم يلبثوا أياماً بل ولا ساعات، بل دحرجوا عن كراسيهم.
وتقلص حجم الرقعة المستقلة حتى انحصر فيما عرف باسم المنطقة الشرقية، وهي لا تعدو دمشق وحمص وحماه وحلب وما يتبعها وينضوي إليها!
فور انسحاب الأتراك ودخول الجيش العربي بقيادة فيصل إلى دمشق تألفت أول حكومة عربية لم يسم أعضاؤها بالوزراء بل بالرؤساء. وبعد تتويج فيصل تألفت الحكومة الدستورية وأطلق على أعضائها اسم الوزراء.. وكان وزير العدلية فيها مسيحياً تتبعه المحاكم الشرعية الإسلامية. ↑
- () كان الحديث يومذاك عن العرب وعن القضية العربية، والتوق كله إلى الوحدة الشاملة، ولم يكن للإقليمية مكان!فهذه بقعة صغيرة من بلاد الشام أميرها ثم ملكها حجازي ورئيس برلمانها لبناني متمصر وقائد جيشها عراقي ووزير داخليتها لبناني ووزير خارجيتها فلسطيني وحكّام مناطقها وضباط جيشها مزيج من كل أرض عربية، لا يدور بخلد أحد أن يسأل أحداً عن بلده أو أن يجد في ذلك موضعاً لاستغراب ومكاناً لتساؤل! أليس الجميع عرباً؟ أليسوا كلهم رجال قضية واحدة، فهم جميعاً في أرضهم وجزء من وطنهم.
ثم هذا الترفع عن الطائفيات وعدم النظر إلى دين الشخص ومذهبه. فهذه أول حكومة عربية تقوم في البلد الإسلامي العريق دمشق وتشمل سيادتها الأرض السورية الداخلية التي لا يبلغ فيها المسيحيون (1) من (12) فتتكون من حاكم عسكري مسلم دمشقي هو رضا الركابي ورئيس للشورى الحربية مسلم بغدادي هو ياسين الهاشمي، ورئيس للعدلية مسيحي لبناني من دير القمر هو إسكندر عمون، ورئيس للمالية مسيحي لبناني من الشويفات هو سعيد شقير، ورئيس للأمن العام مسيحي من طرابلس هو جبرائيل حداد، ورئيس للخارجية مسيحي دمشقي هو توفيق شامية، ورئيس للصحة مسيحي لبناني من مواليد عبيه هو موصلي باشا.
خمس رئاسات أو بالأحرى خمس وزارات من سبع يشغلها مسيحيون، أربعة منهم من لبنان وواحد من دمشق.
ومحكمة الاستئناف المدنية التي تطبق مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الشريعة الإسلامية، محكمة الاستئناف هذه تتألف من ثلاثة قضاة كلهم مسيحيون بينهم اثنان من لبنان هم: نجيب الأميوني من حاصبيا رئيساً وأسعد أبو شعر من دمشق عضواً وفايز الخوري من الكثير (لبنان) عضواً. ↑
- () نسبة إلى حزب الاتحاد والترقي الذي كان مسيطراً على الدولة بأقطابه الثلاثة أنور وطلعت وجمال. ↑
- () منشآت فريدون بيك ج1 ص377 ـ 379. ↑
- () منشآت فريدون بيك ج1. ↑
- () فريدون بيك ـ منشأ السلاطين ص379 ـ 381. ↑
- () منشأ السلاطين ص381. ↑
- () عالم آراي عباسي، إسكندر بيك/ النسخة الخطية في المكتبة الوطنية في باريس. ↑
- () نقي بيك ـ «الشكركشي به إيران» ص54 ـ 59. ↑
- () «منشآت فريدون بيك» ص382. ↑
- () «منشآت سلاطين» ج1 ص383. ↑
- () هامر (تاريخ يمنى) ص116. ↑
- () البايزي هو اسم العملة العثمانية المتداولة في زمن السلطان بايزيد الثاني وأصلها (بايزيدي) إلا أن البعض يختصرها إلى (بايزي). ↑
- () توفي نوح أفندي الحنفي في عام 1070هـ ولم يؤرخوا ولادته. ↑
- () توفي نوح أفندي الحنفي في عام 1070هـ ولم يؤرخوا ولادته فلو قُدّر أنه عاش سبعين سنة فعند الفتوى في سنة 1048هـ يكون ابن 48 سنة ولو كان عُمره ثمانين سنة يكون عندها ابن 58 سنة، ولا شك أنه كان يتواجد عند ذاك من شيوخ الإسلام ومشيخة الدولة عشرات العلماء ممن هو مقدم على نوح في سنه وعلمه وفقهه وشعبيته، ولكنهم صمدوا أمام ضغط البلاط ولم يقدم أحد منهم على إصدار كلمة واحدة تتخذ ذريعة لسفك الدماء وسبي النساء وذبح الأبرياء وهتك الأعراض ونهب الأموال. ↑
- () ونسخة الأصل من نص الفتوى الصادرة بالتركية لا زالت محفوظة في خزائن البلاط ونشرت في الفترة الأخيرة في الجزء الثاني من كتاب «لا مذهب لرى» وقد طبع في إسلامبول باللغة التركية وطبعت فيه الفتوى عن النسخة الأصلية المحفوظة في مركز الوثائق في مكتبة طوپ قپوسراي، وهي مكتبة البلاط. ↑
- () من «الجامع الصفوي» نسختان في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، في مشهد برقم 127 ورقم 9773 ذكرنا في فهرسها 11: 117. وفي مكتبة السيد المرعشي العامة، في قم، ثلاث نسخ بالأرقام 290 و3654 و4046، مذكورة في فهرسها 1: 335 و10: 49 و11: 46. ↑
- () الأول والي عبدالله بن الزبير على الكوفة والثاني على الخراج.الوحدة: جبّانة. ↑
- () لسان العرب لابن منظور. ↑
- () أبو إسحاق: كنية المختار. ↑
- () أبو إسحاق: كنية المختار. ↑
- () راجع: جبّابين الكوفة. ↑
- () كانت البصرة تابعة لعبدالله بن الزبير. ↑
- () يعني بالكذاب: المختار. ↑
- () الدّبا: نوع من الجراد. ↑
- () استقر الرأي العلمي عند مؤرخي الأجناس على أن العرب من «العرق السامي»، واتفق بعض منهم على أن الجزيرة العربية (مهدهم)، وجاء القول على أنهم آخر من بقي من الساميين في الجزيرة العربية، بعد أن هاجر عنها الآخرون من ذرية «سام بن نوح» بحيث انفرد العرب بالإقامة بالجزيرة وزاد عددهم بها وتفوقوا بكثرتهم على من بقي فيها من أقليات لتنصهر في بوتقتهم وتضاف إليهم لتعد منهم.وبسبب ذلك صعدت قوة العرب بالجزيرة وخلصت لسلطانهم دون سواهم، بعد أن غطوا بتواجدهم فيها مختلف الأقاليم وتوزعت قبائلهم بينها لتعرف بهم وتسمى (جزيرة العرب) نسبة لهم.
وقد عاش العرب بالجزيرة بعد ذلك لفترة مجتمعين على ما يتوفر فيها من مصادر الرزق، ومع مرور الزمن زادت جموعهم وكبرت قبائلهم وتعددت، إلاَّ أنهم رغم ذلك ظلوا على حالهم، مع نموهم المستمر يقيمون في جزيرتهم ويشتركون بما يتوفر فيها من مقومات حياتية، ولم يمنع التنافس الذي يشتغل أحياناً على المواقع الأكثر براءً بينهم الضعيف منهم على الاستمرار في البقاء بالجزيرة ولو تحول عن موقعه إلى آخر فيها، وقد بقوا كذلك، إلى أن تعرضت الجزيرة العربية لبعض الكوارث الإلهية، والتي بسببها امتد لها الجفاف وعمل بها ليكون سبباً في تصحر بعض من أقاليمها المورقة، وبداية لحروب بين جموع العرب على ما بقي بها من مواقع ظلت رغم ما تعرض لها البعض من أجزائها تحتفظ بمقومات الحياة، لتضيق بما يوجد بها بعيش جميع العرب لتشتعل الحروب بين جموعهم وتأخذ الصراعات دورها وتتعاضد قبائلهم فيما بينها على مواطن العيش لينهار من ذلك الضعيف أمام القوي وعنه تنتقل قبيلة عن موقعها وتحل به أخرى، وأخذ الوضع هذا السلوك بين قبائل العرب في الجزيرة أبعد كارثة الجفاف وما تلاها من قلة في العيش حتى دفع بالبعض منهم على الأخذ بالهجرة والعمل على الرحيل عن الجزيرة والخروج عن موقعه فيها إلى مواطن أخر بعيداً عنها، ليكون من هذا الفعل بداية لهجرة قبائل عربية عن مواطنها في الجزيرة والانتقال عنها لمواطن أخرى خارج حدودها. وقد بدأت الهجرة العربية من الجزيرة منذ القدم وأخذت طريقها في أولها باتجاه الشمال ووصلت طلائعها الأولى إلى بادية الشام ومنها تحول البعض ونزل الهلال الخصيب، وعن من أقام في الهلال الخصيب انتقلت مجموعة عربية ونزلت سواحل شرق الخليج وساحت فيها إلى أبعد من ذلك ونزلت سواحل خليج عمان وبحر العرب، بينما تحول الآخر منهم مع البداية من بادية الشام أيضاً إلى شرق مصر ونزلوا وادي النيل.
ويقول أحد المؤرخين: إن العرب في هجرتهم القديمة وصلوا إلى الشمال الإفريقي والبلقان وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبلاد الشمال.
وعن هذه الهجرات التي جاءت في أوائلها من جزيرة العرب نشأت بعض حضارات ما قبل التاريخ في العراق وسوريا ومصر.
ويقال: إنهم جاؤوا إلى تلك البلدان أفواجاً وعلى موجات متتابعة، ودار الفلك دروته فإذا بأوطانهم الجديدة تمنحهم أسماء جديدة، فهم في العراق أولاً «أراميون» ثم «بابليون» و«أشوريون» و«كلدانيون» و«حمورابيون» وأخيراً «لخميون» و«مناذرة» وهم في مصر «الرعاة» و«الهيكسوس» بينما هم في سورية «أراميون» و«كنعانيون» ثم «فينيقيين» و«أدومينيون» و«أنباط» وأخيراً «غساسنة».
وقد أكدت الدراسات الأثرية الهجرات العربية التي خرجت عن جزيرة العرب وحددت عدد موجاتها، وقد دللت على أنها خرجت متتابعة وعلى فترات زمنية متباينة ومتباعدة وقد يكون إحداها التي تعقبها ما دون ألف سنة أو ربما أكثر من ذلك وقد ظلت الهجرات العربية في الماضي البعيد على حال مسبباتها القديمة التي بدوافعها تخرج قبائل عربية عن الجزيرة، إلى أن انتهت بموجة الإسلام وما تلاها.
ورغم قدم وجود العنصر العربي في الجزيرة وخارج حدودها إلاّ أن ذكرهم كأمة تعرف باسم «العرب» ظهر من خلال كتابات الآخرين في القرن التاسع قبل الميلاد. ↑
- () الإعلان بالتوبيخ عن ذم التاريخ: وممن امتحن بسبب إطلاق لسانه بغير مستند ولا شبهة الإمام أبو شامة… وكان كثير الوقيعة في العلماء الصلحاء وأكابر الناس والطعن عليهم والتنقيص لهم… وكان السبب في اغتياله هو بذاءة لسانه.كذلك الوارد في رحلة ابن جبير. ↑
- () قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: (في سنة 360هـ أعلن … ). ↑
- () قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: (في سنة 360هـ أعلن المؤذن بالأذان بحي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز. وفي سنة 364هـ غلا الرفض وفار بمصر والشام والمغرب والمشرق) «انتهى». وقال الذهبي: (كان النصب مذهباً لأهل دمشق في وقت كما كان الرفض مذهباً لهم في وقت) «انتهى». وقال ابن جبير الذي كانت رحلته إلى بلاد الشام سنة 580: (وللشيعة في هذه البلاد «بلاد الشام» أمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها، وقد غمروا البلاد بمذاهبهم) «انتهى».أما الأمور الغريبة وأما المذاهب، فقد اتبع ابن جبير غيره من المختلقين المفترين في تعدادها. ↑
- () Straleo, 10: 1,8, Loele, Classical Library 1961. ↑
- () Straleo, 16: 4«27, Loele, Classical Library 1961. ↑
- () Ritchard O,n,E,T, 154. ↑
- () يرى بعضهم أن عدياً هذا هو من بلدة شقرا. واستندوا بذلك إلى ما ورد في معجم البلدان بهذا النص: «الشقراء قرية لعدي وإنما سميت الشقراء لاكمة فيها». فاستنتجوا أن عدياً المقصود بهذا الكلام هو عدي بن الرقاع، وأن المقصود بالأكمة: هو المكان المعروف في شقراء باسم «الشقارة». ↑
- () تباينت الأرقام لدى مؤرخي هذه الفترة. راجع فرنسوا فولني. سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر. ترجمة حبيب السيوفي. انظر ج1 ص63 عبود الصباغ. الروض الزاهر في تاريخ ظاهر. مخ. مسجل في مكتبة يافت في الجامعة الأميركية في بيروت، تحت رقم (M.S/956/Z/7mA) انظر ص 11. MARITY, Giovani Abbé. Voyage dans L’isle de Cypreo, Le Syrie et la Palestine avec L’Histoire Général du Levant, Traduit de l’Italien voir V.2P. 26.اعتمدنا على تقرير نائب القنصل الفرنسي في صيدا مجموعة (AEBI) سجل رقم 1035 تاريخ 28/6/1772. ↑
- () PARADIS, Jean Michel. Venture de Mémoires sur les Druses Peuples du Liban MS. Publié dans (Les Annales de Voyage), T.IV p.334. ↑
- () مترجم من الباحث عن تقرير القنصل الفرنسي في صيدا مجموعة (AEBI) سجل رقم 1030 تاريخ 4/11/1755. ↑
- () مترجم من الباحث عن تقرير القنصل الفرنسي في صيدا. ↑
- () الميري: الضريبة المفروضة على الأشجار أو الأرض المزروعة وتدعى كذلك الأموال الأميرية. ↑
- () حسين سليمان، المقاومة العاملية لسياسة القمع العثمانية (1750 ـ 1835)، مجلة الفكر العربي، عدد 58، السنة العاشرة، 1989، ص114. ↑
- () حيدر الشهابي. الغرر، مصدر سابق ص71. ↑
- () COHEN, AMNON «Palestine in the 18th Centry», Jérusalem 1973, p.101. ↑
- () Lo.cit A.E.B 1039 Seyde le 24/10/1781 et 22/6/1782.ملاحظة تباين تاريخ الحملة في الحوليات اللبنانية، يراجع: حيدر الشهابي. تاريخ أحمد باشا الجزار، نشره أنطونيوس شبلي وأغناطيوس خليفة، بيروت 1955. ص82، حنانيا المنير. الدر المرصوف في تاريخ الشوف (1657 ـ 1807)، نشره أغناطيوس سركيس في مجلة المشرق مجلد رقم 48 ـ 51، أعوام 1954 ـ 1957. يراجع: م50 ص307 ـ 308 اعتمد على التقارير الفرنسية المعاصرة لهذه الفترة التاريخية. ↑
- () حيدر الشهابي: نزهة الزمان في حوادث عربستان، مخطوط في مكتبة يافت في الجامعة الأميركية، ورقة 157، حنانيا المنير. مصدر سابق، المشرق م50 ص308.Lo.cit A.F.B 1839 Seyde le 2/10/1781. ↑
- () محمد جابر صفا، تاريخ جبل عامل، بيروت، (لا تاريخ). ص136 ـ 137، محسن الأمين. خطط جبل عامل، ص158. ↑
- () Op.Cit. A.E.B. 1039 Seyde le 2/10/1781. ↑
- () A.E.B. 1039, Seyde le 22/6/1782. ↑
- () Ibid. ↑
- () A.E.B 1040, Seyde le 2/6/1784. ↑
- () A.E.B 1039 Seyde le 2/10/1781, 1040 Seyde le 12/8/1783. ↑
- () إبراهيم العورة، تاريخ سليمان باشا العادل، نشرة قسطنطين الباشا، صيدا، 1936. ص34 ـ 35. ↑
- () BERTHIER, A, {Relation des Compagnes du Général Bocaparte}, Paris, an 8, p.62-63. ↑
- () حنانيا المنير. الدر، المشرق، م51 ص445. ↑
- () مجموعة أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية (الكي دورسيه)، من وثائق قنصلية فرنسا العامة في بيروت مسجلة تحت الرمز (BEI) والرقم هو رقم المحفظة ويليه المركز القنصلي ثم المكان الذي كتبت فيه الوثيقة ويلي ذلك تاريخها في اليوم والشهر والسنة. ملاحظة تباين تاريخ وفاة الجزار في الدوليات اللبنانية يراجع: حيدر الشهابي. الغرر، مصدر سباق، ج3 ص2408. ↑
- () إبراهيم العورة. مصدر سابق، ص18 ـ 30C.C.C.23.Alep le 16 Prairial an 12 (5/6/1804).
ترمز الأحرف الثلاث الأولى إلى وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة المراسلات الديبلوماسية والقنصلية، ويلي الأحرف رقم المجلد ثم المركز القنصلي الصادرة عنه الوثيقة ثم التاريخ في اليوم والشهر والسنة. ↑
- () حيدر الشهابي. الغرر، مصدر سابق، ج3 ص412. ↑
- () المصدر نفسه، ص430. ↑
- () المصدر نفسه، ص432 ـ 433. ↑
- () مخايل الدمشقي، تاريخ حوادث الشام ولبنان، نشره الأب يوسف المعلوف، بيروت، 1912. ص103. ↑
- () حيدر الشهابي. الغرر، مصدر سابق، ج3 ص432 ـ 433. ↑
- () إبراهيم العورة. مصدر سابق، ص (37 ـ 38)، B.F.I 6 Beyrouth le 7 Prairial an 13 (27/5/1805). ↑
- () عبدالمحسن الظاهر. (حول وثائق لها صلة بتاريخ جبل عامل) العرفان م27 ص511 ـ 513، 1356هـ/1937 ـ 1938م، إبراهيم العورة. مصدر سابق، ص(43 ـ 44). ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () F.12 1850 A seyde le 12/7/1812, 12/9/1812. يرمز الحرف الأول إلى وثائق أرشيف دار الوثائق القومية في باريس. ↑
- () مترجم من الباحث عن تقرير القنصل الفرنسي في صيدا مجموعة (AEBI) سجل رقم 1040 تاريخ 2/6/1784. ↑
- () حيدر رضا الركيني. جبل عامل في قرن. مخطوط. نشرته مجلة العرفان. انظر م28 ص952 سنة 1939. ↑
- () مترجم من الباحث عن تقرير نائب القنصل الفرنسي في صيدا مجموعة (AEBI) سجل رقم 1040 تاريخ 2/6/1784. ↑
- () مترجم من الباحث عن تقرير القنصل الفرنسي في عكا مجموعة (AEBI) سجل 979 حالة القنصلية العامة في سوريا وفلسطين خلال عام 1786. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () مترجم من الباحث عن تقرير القنصل الفرنسي في عكا مجموعة (AEBI) سجل 979 تاريخ 6/5/1785. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء الشهابيين. ج1 ص141. ↑
- () المصدر نفسه ص(471 ـ 472)، إبراهيم العورة، تاريخ ولاية سليمان باشا العادل يشتمل على تاريخ فلسطين ولبنان ومدنه وبلاد العلويين والشام. مخطوط. نشره الأب قستنطين الباشا، صيدا 1936م، انظر ص (18 ـ 20). ↑
- () المصدر نفسه، ص470. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () حيدر الشهابي. لبنان في عهد الأمراء (الشهابيون)، نشره فؤاد إفرام البستاني وأسد رستم 3 أجزاء، بيروت، 1949م، انظر ج2 ص(432 ـ 433)، أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة (B.E.I) الصادرة عن بيروت محفظة رقم 6 تقرير تاريخه Prairialan 77 الموافق 27/5/1805. ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة (B.E.I) الصادرة عن بيروت محفظة رقم 6 تقرير تاريخه 7 Paririalan 7 الموافق 27/5/1805. ↑
- () راجع النص الكامل للوثيقة في عبدالمحسن الظاهر (حول وثائق لها صلة بتاريخ جبل عامل) العرفان م27 ص(511 ـ 512)؛ إبراهيم العورة، مصدر سابق، ص(34 ـ 44). ↑
- () إبراهيم العورة. مصدر سابق، ص(50 ـ 51). ↑
- () حيدر رضا الركيني. جبل عامل في قرن. مخطوط. نشر في مجلة العرفان، انظر م29، ص981 سنة 1940. ↑
- () إبراهيم العورة. مصدر سابق، ص(128 ـ 130). ↑
- () المصدر نفسه، ص (10 ـ 141). ↑
- () المصدر نفسه، ص (460 ـ 464). ↑
- () حيدر الشهابي. مصدر سابق، ج3، ص (697 ـ 713). ↑
- () المصدر نفسه، ص (712 ـ 713)، علي السبيتي، جبل عامل في قرنين، مخطوط، نشرته مجلة العرفان م5 سنة 1912م، انظر ص24. ↑
- () حيدر الشهابي، مصدر سابق، ج3، ص (712 ـ 717). ↑
- () دار الوثائق القومية في القلعة (القاهرة)، مجموعة معية تركي محفظة رقم4 دفتر رقم 79 تاريخ 15 شعبان 1223 (2/4/1823م)، انظر أيضاً الوثائق رقم 174 و194 و200 من المحفظة والدفتر نفسيهما. ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة المراسلات التجارية والقنصلية الصادرة عن بيروت سجل رقم 1 تاريخ 23/7/1823م، والمراسلات (2,2,2) الصادرة عن حلب سجل رقم 28 تاريخ 25/2/1825م. ↑
- () المصدر نفسه، سجل رقم 27 حلب (من اللاذقية)، تاريخ 24/1/1824م. ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، قنصلية فرنسا العامة في بيروت (B.E.I) محفظة رقم 8 تاريخ 6 تشرين الأول 1824م. ↑
- () كانت هذه الولاية تضم كل أراضي لبنان الشمالي حتى كسروان. كما كان يدخل في نطاقها من الأراضي السورية الجنوبية الجبلية، صافيتا المعروفة باسم بلاد النصيرية. ↑
- () من الممكن أن يكون اسم «باب عالي» استعمل سابقاً للإشارة إلى قصر السلطان ثم أصبح يستعمل للإشارة إلى قصر رئيس الوزراء (الصدر الأعظم). ↑
- () يساوي الكيس 500 قرش عثماني، وبدأت عادة بيع المناصب في عهد السلطان سليمان القانوني (1520 ـ 1566). ↑
- () لويس الرابع عشر (1643 ـ 1715). ↑
- () السلطان مصطفى الثاني (1695 ـ 1703). ↑
- () بطرس غالب: صديقة ومحامية بيروت، 1923، انظر ص (262 ـ 263). ↑
- () القنصل الفرنسي في صيدا .ESTELLE ↑
- () وزير الدولة الفرنسي أي وزير البحرية Jeron Phélypeau. ↑
- () كان يطلق اسم جبل الدروز على المقاطعات الجبلية المشرفة على البحر من نهر الكلب إلى جزين وتضم ست عشرة مقاطعة. ↑
- () قال ابن سيده: سيل جُحاف ـ بالضم ـ يذهب بكل شيء ويجحفه أي يقشره. انظر: اللسان ـ مادة جحف. ↑
- () انظر: اللسان والتاج ـ مادة جحف. ↑
- () معجم ما استعجم 1/367 ـ 370. ↑
- () وانظر: مادة جحف فيها. ↑
- () وانظر: مادة جحف فيها. ↑
- () الروض النضير 3/142، والروض المربع 1/135، ولسان العرب ـ مادة جحف: حكاه عن البكري. ↑
- () معجم البلدان 2/111. ↑
- () معجم معالم الحجاز 2/122. ↑
- () معجم البلدان 2/111. ↑
- () صواب نحوياً: (مائتان وعشرون)، ومن غير شك أنه جاء من خطأ المترجم عن الأصل الفارسي أو من الناشر. ↑
- () نهاية الأرب 142. ↑
- () م.س.، 321. ↑
- () انظر: على طريق الهجرة، للبلادي ص60. ↑
- () على طريق الهجرة 57. ↑
- () الوسائل: الباب 1 من المواقيت. ↑
- () الوسائل: الباب 1 و11 من المواقيت. ↑
- () الوسائل: الباب 1 من المواقيت. ↑
- () الوسائل: الباب 1 من المواقيت. ↑
- () المحلى 7/71 عن صحيح مسلم 1/328. ↑
- () الينابيع الفقهية 4. ↑
- () م.س، 20. ↑
- () م.س، 48. ↑
- () م.س، 69. ↑
- () م.س، 174. ↑
- () م.س، 227. ↑
- () م.س، 467. ↑
- () م.س،239. ↑
- () م.س، 697. ↑
- () م.س، 256. ↑
- () م.س، 417. ↑
- () 7/72. ↑
- () 7/72. ↑
- () 1/306 ـ 307. ↑
- () 117 ـ 118. ↑
- () المغني 3/110. ↑
- () 1/135. ↑
- () 1/139. ↑
- () 1/652. ↑
- () 18. ↑
- () الصواب: رابغاً. ↑
- () الصواب: رابغاً. ↑
- () 3/111. ↑
- () منهاج الناسكين للسيد الحكيم ط 6 ص30. ↑
- () مناسك الحج للسيد الخوئي طـ 9 ص66. ↑
- () ص41. ↑
- (*) تمَّ الأمر للفاطميين في جميع أنحاء المغرب بما في ذلك الجزائر، فأصبحت بلاد أفريقيا الشمالية كلها تحت حكم واحد، وإدارة واحدة. واتخذ عبيدالله عاصمة ملكه مدينة المهدية، ونالت البلاد في أيامهم كثيراً من الرفاهية والازدهار، وشيدت الجزائر الفاطمية أسطولاً كان ذا أهمية كبرى في البحر المتوسط، كما أن الجزائريين كانوا واسطة نقل التجارة والحضارة إلى السودان بواسطة الصحراء، أراد الخليفة الفاطمي أن ينتقم من الصنهاجيين، لخلعهم سلطانه، وانتمائهم للعباسيين، فأرسل عليهم وعلى بلادهم القبائل الأعرابية من بني هلال، وبني سليم التي كانت يومئذٍ نازلة بالصعيد، فأقبلوا بخيلهم ورجلهم. وطغت موجتهم الأولى على دولة صنهاجة بالبلاد التونسية، ثم اجتاحوا دولة الحماديين بالجزائر. وبعض المؤرخين يقدرون عددهم 500.000 بخمسمائة ألف، ورغم ما ترتب على هذه الحملة من الاضطراب فلقد كانت نعمة كبرى على بلاد المغرب عامة، وبلاد الجزائر بصفة خاصة، إذ هي التي طبعت هذه البلاد نهائياً بالطابع العربي، وركزت فيها اللغة العربية، والدم العربي، على أساس متين. ↑
- () كانت زنانة كل شيء في المغرب الأوسط حتى ليعرف بوطن زنانة، ومنها أيضاً مغراوة وجراوة قوم الكاهنة. ↑
- () كانت والدة عبدالوهاب بن رستم الذي كان يقوم بمواجهة الزنانيين هي من زناتة من بطن بني يفرن، كما أن زوجته كانت كذلك لواتية. ↑
- () ابن القلانسي، الذيل، 33 ـ 34. ↑
- () ولد سيف الدولة ودفن في هذه المنطقة (ميافارقين) وكانت هذه المدينة ملجأ حمدانيي حلب والموصل في طست. ↑
- () الفارقي، تاريخ ميافارقين وآمد. ص53 ـ 60. ↑
- () راجع بالنسبة لديار بكر وبني حمدان: ابن شداد، الجزيرة، ج3، ق2، ص269 ـ 271، 298 ـ 301، 313 ـ 315. ↑
- () نجد فيها 59 حصناً و4 أمصار فقط: المصدر السابق ص246 ـ 251. ↑
- () اتصل نصارى ديار بكر بالروم ودعوهم إلى أخذ البلد أثناء الحكم الحمداني فيها، وهذا ما جعل الروم يقصدونها أكثر من مرة في منتصف القرن الرابع الهجري: المصدر السابق ص303 ـ 306. ↑
- () الفارقي، ص66 ـ 69. ↑
- () ابن الأثير، الكامل (ب) ج9، ص72، الفارقي، ص72 ـ 74. ↑
- () المصدر السابق ص80. ↑
- () المصدر السابق، ص75 ـ 76، 81 ـ 82: توجه عبدالبر قبل اغتيال الأمير أبي علي بن مروان إلى الناس «… فلما دخل إلى البلد جمع الناس وتحدث معهم… فقالوا له، الأمر إليك (ونحن سماعون لك) مطيعون لأمرك وما شئت فاصنع…» وكذلك دعوة ابن دمنة الناس إلى طعام والتوجه إليهم بعد مقتل عبدالبر «… علمتم ما أنا عليه من الاحتياط في حقكم وحفظ روحي وأنا من تحت أمركم، وإنني أشفق الناس عليكم.. وليس المطلوب غيري، وقد قتلته وبطشت به من قبل أن يفتك بي وبكم». ↑
- () الفارقي، ص82. ↑
- () لعب القرامطة دوراً خطيراً في هذا المجال وذلك بزعزعة الأوضاع في سورية في الحيز الواقع إلى جنوبي «دهيلز العراق». ↑
- () ابن الأثير، الكامل (ب). ج9، ص525، الفارقي، ص102. ↑
- () المصدر السابق ص 362 يجعل سنة وفاته 417هـ/ 1026. ↑
- () ابن الأثير، ج9، ص347 ـ 348. ↑
- () ابن الأثير، ج10، ص134، ابن العديم، ج2 ص84، الفارقي، ص121. ↑
- () أبو الفدا، مختصر، ج2، ص126. ↑
- () الفارقي، ص86، 92 ـ 93، 108 ـ 110، 116 ـ 117، ابن شداد، الجزيرة ج3، ق1، ص334. ↑
- () الفارقي، ص110. ↑
- () إن تعاظم القوة السلجوقية القادمة من العراق قضى فيما بعد على هذه الإمارة. ↑
- () راجع بخصوص معاملة أبي نصر أحمد للناس. الفارقي، ص110 ـ 114. ↑
- () Art. Seldjukides. E.I. T4. p.216-222. ↑
- () مصطفى، شاكر، دخول الترك، ص59. ↑
- () رفضت عساكر طغرل أوامره واحتجت على المقام في العراق حيث لا أقوات ولا علوفات وطالبت بالعودة إلى بلادها: المرجع السابق. نفس الصفحة. ↑
- () الفارقي، ص160. ↑
- () أقيمت الخطبة لطغرل بك في ديار بكر 441هـ/ 1049م كما جرى تبادل هدايا بين الطرفين. ↑
- () راجع بشأن خلاف الأخوين المروانيين سعيد ونظام الدين نصر 455هـ/1063م: الفارقي، ص180 ـ 181. ↑
- () قاد ابن جهير أول حملة سلجوقية ناجحة إلى ديار بكر: الفارقي، ص181 ـ 182، 208 ـ 209. ↑
- () المصدر السابق، ص183. إن ما كان يحصل بين الأمير المرواني وإخوته كان يشكل وهناً في جسم الإمارة المروانية في كلا الحالتين، اللجوء إلى بغداد أو الحصول على حكم مدينة ديار بكرية (آمد). ↑
- () المصدر السابق، ص186 ـ 188. ↑
- () حتي، عرب، ج2، ص571؛ حسن، تاريخ الإسلام، ج4، ص25- 33. ↑
- () راجع عنه: ابن الأثير، الكامل (ب) ج10، ص68، 99، 100، 111؛ ابن القلانسي، ص98 ـ 99، 109 ـ 111؛ الفارقي، ص192. أيضاً. ↑
- () بقي في دمشق من أصل نصف مليون من سكانها حوالي ثلاثة آلاف ومن أربعين قرناً لم يبق سوى قرنين. ↑
- () الفارقي، ص212 ـ 213. وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن ابن جهير قطع على الأمير المرواني الأخير إمكانية التفاهم مع السلاجقة والاحتفاظ بأجزاء من ديار بكر في وقت كانت فيه أصوات كثيرة تطالب في البلاط السلجوقي باستمرار التعاون مع المروانيين. ↑
- () المصدر السابق، ص235 ـ 237. ↑
- () ثغور الجزيرة كما يحددها الاصطخري هي من ملطية إلى مرعش. وإنما سميت بهذا الاسم لأن أهل الجزيرة بها يرابطون وبها يغزون لا لأنها من الجزيرة. ↑
- () في سياق الحوادث التاريخية في العصور. ↑
- () وفي ابن سرابيون (ص12): «ويخرج من الهرماس أيضاً نهر يقال له الثرثار أوله من عند سكر العباس، يمر في وسط البرية ويصب في دجلة أسفل من تكريت بعد أن يمر بالحضر ويقطع جبل بارما». ↑
- () المقدسي 136 ـ 138: ابن خرداذبة 17: ياقوت 4:(682 ـ 584 ؟)المراصد1 :84. وجاء في ياقوت الاسم الفارسي للموصل بصورة بواردشير أو نواردشير ولا شك أن الصيغة الأخيرة تصحيف النساخ ↑
- () ما في ابن حوقل (215:1): «وللموصل بواد وأحياء كثيرة تصيف في مصايفها وتشتو في مشاتيها من أحياء العرب وقبائل ربيعة ومضر واليمن وأحياء الأكراد كالهذبانية والحمدية واللارية». ↑
- () جاء في المقدسي بهذا الصدد ما يأتي «والبلد شبه طيلسان مثل البصرة ليس بالكبير في ثلثه شبه حصن يسمى المربعة».أسماء هذه الدروب على ما في المقدسي (ص 138) هي درب الدير الأعلى ودرب باصلوب درب الجصاصين درب بني ميدة درب الجصاصة درب ري أمير المؤمنين درب الدباغين درب جميل. (م). ↑
- () ترى أطلال نينوى بإزاء الموصل في الجانب الشرقي من دجلة على نحو كيلومترين من ضفته، وقد كان هذا النهر يحاذي سورها الغربي في أيام عمرانها ويشق نهر الخوسر بقاياها فما كان في يمينه سمي «تل قوينجق» وما كان في يساره «تل النبي يونس».كانت نينوى من عواصم الآشوريين وفيها كان معبد الآله عشتار وعظم شأنها في زمن الملك الآشوري سنحاريب (705 ـ 681ق. م) إذ وسعها وشيد فيها قصوراً ومعابد وثكنات وحوطها بسورة وخندق وظلت عاصمة للآشوريين إلى زوال ملكهم بيد الكلدانيين والماذيين عام 612 ق.م.
وقد نقب في تل قوينجق، وهو من أقسام هذه المدينة منقبو انكلترا منذ أواسط القرن التاسع عشر، وعثر فيه على بقايا قصورها ومعابدها وكثير من آثارها منها مكتبة آشور بانيبال التي استخرج منها نحو 30,000 رقيم طين نقلت إلى المتحف البريطاني. وآخر حفر جرى في التل كان سنة 1931.
وقد عرفت نينوى بهذا الاسم لأنها كانت موضع عبادة الآلهة «نينا» منذ أقدم الأزمنة. وكانت السمكة تعد من الحيوانات المقربة لهذه الآلهة. ويحتمل أن للفظة (نون) التي كانت تعني في الآشورية «سمكة» صلة بهذا الإسم على نحو ما في العربية واللغات السامية الأخرى. وقد اشتق من لفظة نون الاسم العلم بأِشكاله: يونان ويونس وذو النون. ولقصة يونان والحوت على ما يبدو جذور في العقيدة الخاصة بعبادة الآلهة «نينا» التي صارت أيضاً لدى الآشوريين الآلهة عشتار وعبدت في غير نينوى من المدن الآشورية. ↑
- () وهو الجامع المعروف بالجامع الكبير أو الجامع النوري نسبة إلى بانيه نور الدين محمود زنكي المتوفى سنة 569هـ (1173م). ↑
- () ما زالت قطعة من هذا السور ترى على النهر اليوم بين «قره سراي» بقايا قصر بدر الدين لؤلؤ وباشطابيه وهو البرج الكبير المطل على النهر جنوب عين كبريت. ↑
- () أشار المقدسي (أحسن التقاسيم ص145) إلى اشتهار الرقة بعمل الصابون. وللصابون الرقي وهو منسوب إلى مدينة الرقة شهرة بعيدة، وقد نوه به بعض الكتبة الأقدس (انظر شرح أسماء العقار لموسى بن ميمون ص25، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء 264:1 ونخبة الدهر في عجائب البر والبحر لشمس الدين الدمشقي ص200) (م). ↑
- () عرفت الرقة باسم نقفوريوم. بناها الإسكندر الكبير في زحفه على دجلة. وقد نالها الأذى أثناء الحروب الفارسية الرومانية والفارسية البيزنطية لوقوعها على ممر الجيوش حتى كان الفتح العربي لها سنة 638م (م). ↑
- () قال ياقوت (423:1) إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس (م). وتقوم حران عند ملتقى الطرق التجارية في شرق الفرات ولا سيما طريق الشام وطريق الجزيرة وكانت حران منذ الألف الثاني قبل الميلاد قاعدة إقليم كبير وظلت عامرة حتى المئة السابعة (الثالثة عشرة). حكمها اليونان والرومان والفرس قبل أن يأخذها العرب صلحاً سنة 18هـ (639م). ونزلها مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية.تبلغ مساحة أطلالها نحو ميل مربع يحيط بها سور خرب. وقد نقب الأثريون حديثاً في بقايا مسجدها الجامع وقلعتها. ↑
- () الخازر: نهر بين أربيل والموصل بين الزاب الأعلى والموصل يصب في دجلة. ↑
- () الكودن: الفرس الهجين. ↑
- () الزاب: اسم لنهرين: الزاب الأعلى وهو بين الموصل وأربيل والزاب الأسفل: بين دقوقا وأربيل. ومر أن مقتل عبيدالله بن زياد كان على نهر الخازر وهنا يقول الشاعر أنه كان على الزاب.وياقوت في معجم البلدان حين يذكر نهر الخازر يقول أن عليه كانت الوقعة ثم حين يذكر الزاب الأعلى يقول أن عليه كانت الوقعة.
وكما رأينا فإن كلاًّ من النهرين يقع بين الموصل وأربيل ومن هنا جاء التداخل على ما يبدو. ↑
- () الإطار ما أحاط بالشيء. ↑
- () ص1. ↑
- () ص3. ↑
- () ويقال له أيضاً «البحر الأحمر» (انظر التعريبات الشافية ـ رافع الطهطاوي: ص21، 175). ↑
- () وهو شعبة من بحر فارس (وقد ذكره ابن الوردي في كتابه خريدة العجائب، ص4، 6). ↑
- () وادي الرمة أطول الوديان (1355كم) لأنه يبدأ تقريباً من المدينة ويمر في القصيم وينتهي في شط العرب (انظر جزيرة العرب، لحافظ وهبة، ص2). ↑
- () ص4، 5. ↑
- () ص12، 13. ↑
- () في دمياط أسرة كبيرة من الأشراف وهي أسرة آل زين الدين يرفع نسبهم إلى السيد زين الدين أحمد المعروف بالنحاس وهو أول قادم من آبائهم من حلب إلى دمياط في القرن التاسع. ↑
- () أنشىء في سنة 613 ـ 1216م. ↑
- () البيان والإعراف عما بأرض مصر من الأعراب طبع مصر. ↑
- () تفرقت فروعه إلى عدة فرق كثيرة، من مشاهيرهم رافع بطهطا ومنهم خاتمة المسندين بمصر السيد أحمد رافع ومنهم بنو المناديلي بالقاهرة وطائفة بالوجه البحري. ↑
- () BROCKELMANN, Geschichte der arab. Literatur, Leiden 1935 انظر أيضاً كتابي عن مصادر كتاب الأحجار للبيروني. ↑
- () M.Y. Haschmi, Die Quelle des Steinbuches des Beruni, Bonn 1935 p.13- ـ 2 ـ الكتاب المتقدم ص30/31. ↑
- () STANLEYLANE POOLE, theMohammadan Dynasties, Paris 1925 p.141. ↑
- () محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، تعريب محمد علي عوني، القاهرة، 1936 (المقدمة). ↑
- () الدكتور أحمد قدري، مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى، دمشق، 1956، ص6. ↑
- () أحمد قدري ، المرجع السابق، ص6 ـ 7. ↑
- () أحمد قدري، المرجع سالف الذكر، ص6 ـ 7. ↑
- () خيرية قاسمية، الحكومة العربية في دمشق، القاهرة، 1971، ص20. ↑
- () نقلاً عن سليمان موسى، الحركة العربية، بيروت، 1970، ص33. ↑
- () للتعرف على المؤلفين الثلاثة، راجع: المحمدون الثلاثة (الأواخر). ↑
- () د. محمد هادي الأميني، معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام، طـ2، بدون مكان الطبع والدار، 1992، 1/371. ↑
- () نفسه، 1/371؛ آغابزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، 1978، 24/59. ↑
- () الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1367هـ. ش (فارسي)؛ من مقدمة الشيخ محمد رضا المظفر، 1/6. ↑
- () السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، دار التعارف، بيروت، 1983، 9/149، الشيخ جعفر آل محبوبة، ماضي النجف وحاضرها، دار الأضواء، طـ2، 1986، 2/129 و130. ↑
- () الجواهر، 1/13، مقدمة المظفر. ↑
- () أعيان الشيعة، 9/149 و150. ↑
- () ماضي النجف، 2/132. ↑
- () الذريعة، 24/59. ↑
- () نفسه، 24/59. ↑
- () ماضي النجف 2/133. ↑
- () أعيان الشيعة، 9/149. ↑
- () الجواهر، المقدمة، 1/8. ↑
- () نفسه، 17/60، وراجع: الجزء نفسه، ص307. ↑
- () ماضي النجف، 2/131 ومقدمة الجواهر، ص21. ↑
- () أعيان الشيعة، 9/149. ↑
- () ماضي النجف، 2/129. ↑
- () الدكتور علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، دار كوفان، لندن، 1992، 3/85. ↑
- () أعيان الشيعة، 9/149. ↑
- () الجواهر، 17/85 و17/94 ـ 96. ↑
- () المصدر نفسه، 17/121 من قوله: «ثم إن الحكمة في الإفطار…». إلى آخر الفقرة، منقولة عن روضة الشهيد الثاني، 2/103 طـ كلانتر، مجلد مزدوج. ↑
- () الجواهر، المقدمة، 1/16. ↑
- () نفسه، 16/180. ↑
- () نفسه، 17/173 و141 و87. ↑
- () نفسه، 1/7 و8 و17/159 و16/184. ↑
- () نفسه، 16/152. ↑
- () نسه، 16/143. ↑
- () نفسه، 17/79. ↑
- () نفسه، 17/200. ↑
- () نفسه، 17/191. ↑
- () نفسه، 29/108. ↑
- () نفسه، 17/96. ↑
- () نفسه، 1/126. ↑
- () نفسه، 17/152 و17/49. ↑
- () نفسه، 17/39 و33. ↑
- () نفسه، 17/99. ↑
- () نفسه، 17/217. ↑
- () نفسه، 17/179 و200. ↑
- () نفسه، 16/101. ↑
- () نفسه، 36/86. ↑
- () نفسه، 29/324. ↑
- () السيد كاظم الحائري مباحث الأصول تقريرات بحث أستاذه السيّد الشهيد الصدر، طـ1، قم 1415، جظ من القسم الثاني، ص21 وما بعدها. ↑
- () الجواهر، 17/102. ↑
- () نفسه، 29/320 و321. ↑
- () نفسه، 17/180 وكذلك ص151. ↑
- () نفسه، 16/177. ↑
- () نفسه، 16/167. ↑
- () نفسه، 15/422. ↑
- () نفسه، 40/18. ↑
- () نفسه، 21/395. ↑
- () نفسه، 21/397. ↑
- () نفسه، 21/14. ↑
- () نفسه، 40/16. ↑
- () نفسه، 40/18. ↑
- () نفسه، 40/18. ↑
- () نفسه، 40/19 و20. ↑
- () تفليس معرب تبيلي Tbili يعني «الساخن» هي لغة الگرجيين. ↑
- () تاريخ الطبري الرسل والملوك ج2 ص6 ـ 895. ↑
- () Ibid p.99 F. ↑
- () إن تامار تزوجت قبل هذا بأحد العظماء الروس وطلقت منه بعد ذلك. ↑
- () Die Mongolen Iran S- 301 A History of Russia p.76. ↑
- () Die Mongolen… S.37. ↑
- () للمزيد من المعلومات يرجع إلى كتب سفرنامه كلاويخو، وتاريخ مفصل إيران تأليف عماد الدين حسين الأصفهاني، روضة الصفاج 6، فارسنامه الناصري وA History of Persia. ↑
- () للاطلاع يرجع إلى أحسن التواريخ حسن روملو ص351 ـ 354 وتاريخ منتظم الناصري وكذلك A Literary History of Persia Vol- IV p.95 وكذلك The Georgians p.125-6 والصورة رقم 4 و5. ↑
- () يراجع زندگي شاه عباس الأول ج1 ص58 للمزيد من المعلومات. ↑
- () عندما وصل عباس ميرزا (الشاه عباس الأول) إلى السلطة تزوج بعدة نساء گرجيات وأسكنهن في حرمه فمن جملة هذه النساء كانت أخت تيمور والي گرجستان. ↑
- () تاريخ منتظم ناصري ج2 ص122 وأيضاً A Chronical of the Carmelites in Persia I p.26 and 181. ↑
- () يراجع حياة الشاه عباس ج3 ص72 ـ 79 ويراجع: A Literary History of Persia p.104. ↑
- () A History of Russia p.171. ↑
- () وأيضاً من فارسنامه ناصري ص139 A Chronicle of the Carmelites, p.211. ↑
- () عالم آراء عباسي ص622 بيترو دولا واله حيث طلب رؤية عدة أسر گرجية في يزد والتقى معهم (سفرنامه بيرو دولا واله ج5 ص305). ↑
- () فارسنامه ناصري ص139 وأيضاً Olearius. S6451 A Chronicle… p.211. ↑
- () طبعة برايتون ج2 ص148. ↑
- () إن مأساة هذه المرأة كانت منبعاً لإلهامات آندره آس گريفيوس Andreas Gryphius الكاتب المسرحي الألماني، حيث ألف مسرحيته في 1658م ملحمة كاترين الجورجية Catharins Von Georgien. ↑
- () الرسالة المؤرخة في الثالث من جنوري جان تادويس (نقل من A Chronicle… p.241.. ↑
- () A Chronicle… p.241. ↑
- () فارسنامه ناصري ص145 وA Chronicle… p.314.. ↑
- () A Chronicle… p.58. ↑
- ()Catholicus وهو ما يمكن أن يقابله بالعربية كلمة (جاثليق). ↑
- () نقل عن منتظم ناصري ج2 ص289. ↑
- () The Last Years of Georgian Monarchy 1658 – 1832, p.147. ↑
- () آتشكده آذر ص366/ تاريخ جهانكشاي نادري ص464/ مجمل التواريخ خگستان ص24. ↑
- () The Last Years of The Georgian Monarchy. p.147. ↑
- () The Last Years of Georgian Monarchy p.148. ↑
- () Ibid p.149. ↑
- () مجمل التواريخ خگستان ص186 وما بعدها وGeorgian Oder Historche Gemae lde ron Grusien… S 61/A Chronicle.. I p.657, Historie de Georgie… p.322. ↑
- () The Last Years of… 322. ↑
- () The Last Years of… p.155/ Georgien Order Historische…, S.61. F./Historie de Georgie… p.322 دخلت الحكومات الروسية في سنة 1756 في التحالفات الجديدة مع الحكومة الفرنسية والمجر والسويد ضد فريدريك الثاني وابتدأت الحرب بعد ذلك (يرجع A History of Russia. p.280. ↑
- () The Last Years of… p.153. ↑
- () Georgien Oder Historische Ge Maelde. S. 62. ↑
- () اتشكدة آذر ص372 گلش مراد النسخة الخطية للمكتبة الوطنية الورقة 62 ألف وباء تاريخ گيتي گشا ص14 ـ 113/ فارسنامه ناصري ص214. ↑
- () The Last Years of… p.153. وقد طبعت الترجمة الروسية لهذه الرسائل وأجوبتها على يد Tsntadze A o Íäè Materialy po Istorii Gruzuii i Kavkaza XXXII نقلاً عن نفس المصدر Dei zand-.Dynastie, S.12 ↑
- () Koukasian, S.234, Historie de Georgie p.330. ↑
- () المذكرة المؤرخة 28 فبراير 1774 للقبطان Livoos في المنشور AA, Tasagareli Gramoly I, 408. )نقلاً عن … p.175 The Last Years of … ↑
- () The Last Years of… 175U. ↑
- () Memoires Historiques.. p.204. ↑
- () Die Zand-Dynastie, & 129-30. ↑
- () له ترجمة مفصلة من (مستدركات أعيان الشيعة). وهذه الكلمة مأخوذة عن مجلة (العرب). ↑
- () بلغ ما ذكره الكاتب من الكلمات التي صححها ـ بلغ العديد من الصفحات من هنا نكتفي بالإشارة إليها. ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج5 ص394 ـ 395 الظاهرة والمعارف. ↑
- () الحاكم في المستدرك. ↑
- () أسد الغابة. ↑
- () آمالي محمد بن بابويه. ↑
- () الحاكم في المستدرك. ↑
- () نجران: تقع بالجهة الشمالية الشرقية من صعدة على بعد مائة كيلومتر تقريباً، وهي من بلاد يام يحدها جنوباً رملة همدان بن زيد ودهم، وشمالاً رمال قحطان، وشرقاً الربع الخالي، وغرباً صعدة وعسير. ↑
- () انظر أصول الفقه لمحمد رضا المظفر 1/101. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 275. ↑
- () سورة النساء، الآية: 43. ↑
- () انظر علم أصول الفقه في ثوبه الجديد لمحمد جواد مغنية: 142. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 23. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام للآمدي الشافعي 3/63. ↑
- () أصول الفقه للمظفر 1/101. ↑
- () انظر شرح اللمع 1/426، وحاشية العطّار 1/317، وأصول الفقه لمحمد أبو النور 2/285. ↑
- () منهاج الوصول: 335. ↑
- () تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: 4/115. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام: 3/64. ↑
- () سنن أبي داود 2/329 ح2455، سنن ابن ماجة 1/543ح 1701. ↑
- () مسند أحمدبن حنبل 3/53. ↑
- () المستصفى 2/190. ↑
- () انظر المستصفى 2/190 ـ 191، وأصول الفقه لمحمد أبو النور 2/287. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام 3/65. ↑
- () محمد أبو النور زهير الأستاذ بكلية الشريعة ووكيل جامعة الأزهر. ↑
- () أصول الفقه 2/288 ↑
- () تقدم في ص2 في النقطة الثالثة من معاني “مفهوم” عند العرف. ↑
- () انظر الإحكام لابن حزم 7/153 وما بعدها، والإحكام للآمدي 2/210، والمستصفى للغزالي 2/190، وتقريب الوصول إلى علم الأصول للغرناطي: 87، وشرح الكوكب المنير لأبي البقاء الفتوحي/448. ↑
- () منتهى الأصول والأمل: 147. ↑
- () شرح القاضي على المختصر/ 306. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام 3/63. ↑
- () قواعد الأصول: 27. ↑
- () شرح الكوكب المنير: 238. ↑
- () المدخل إلى مذهب أحمد لابن بدران: 124. ↑
- () علم أصول الفقه: 143. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () أصول الفقه لمحمد رضا المظفر 1/102. ↑
- () مبادىء أصول الفقه: 49. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 75. ↑
- () شرح الكوكب المنير: 250. ↑
- () أصول الفقه: 2/288. ↑
- () حكاه عنه حلولو في شرح التنقيح: 157. ↑
- () ذكره المشاط في الجواهر الثمينة: 178. ↑
- () حكاه عنه أبو البقاء الفتوحي في شرح الكوكب: 240. ↑
- () الجواهر الثمينة: 179، الضياء اللامع: 1/156. ↑
- () حكاه حلولو في شرح التنقيح: 157. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () انظر أحكام الفصول للباجي: 507، وشرح تنقيح الفصول: 54. ↑
- () انظر حاشية مختصر الحسامي: 25. ↑
- () انظر كتاب مالك لأبي زهرة: 298. ↑
- () الأحكام لابن حزم 7/153 وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2/210، حاشية العطّار 1/317، المستصفى للغزالي 2/190، تقريب الوصول إلى علم الأصول للغرناطي 87، شرح تنقيح الفصول: 53. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 63. ↑
- () شرح تنقيح الفصول: 53. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () مجموعة رسائل ابن عابدين: 41. ↑
- () حاشية مختصر الحسامي: 25. ↑
- () محمد (ص) 30. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام 3/63 و67. ↑
- () سورة النساء، الآية: 23. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 90. ↑
- () أدب القاضي 1/330. ↑
- () القواعد والفوائد: 286 قاعدة (65). ↑
- () أصول الفقه: 1/103. ↑
- () سورة الزلزلة، الآية: 7. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 75. ↑
- () سورة النساء، الآية: 10. ↑
- () انظر أصول الفقه لمحمد أبي النور 2/291. ↑
- () أحكام الفصول: 508. ↑
- () الإمام مالك، حياته وعصره: 3000. ↑
- () الجواهر الثمينة لمحمد المشّاط: 143. ↑
- () تمهيد القواعد: 108. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 95. ↑
- () انظر تقريب الوصول إلى علم الأصول للغرناطي: 88. ↑
- () روضة الناظر وجنّة المناظر ـ 139، الإحكام في أصول الأحكام للأمدي 2 ـ 214، تقريب الوصول إلى علم الأصول للغرناطي ـ 88، إرشاد الفحول ـ 179، تمهيد الأسنوي ـ 245. ↑
- () رسال ابن عابدين ـ 41، روضة الناظر وجنّة المناظر ـ 139، أصول الفقه للبرديسي ـ 356. ↑
- () سورة الطلاق، الآية: 6. ↑
- () سورة النور، الآية: 33. ↑
- () انظر الإبهاج لابن سريج 1 ـ 240، وأصول الفقه لمحمد أبو النور 2 ـ 301، وعلم أصول الفقه لمغنية ـ 146. ↑
- () انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 ـ 80 و96، وأصول الفقه لمحمد أبو النور 2 ـ 301. ↑
- () أصول الفقه للمظفر 1 ـ 105. ↑
- () سورة النساء، الآية: 25. ↑
- () سورة البلد، الآية: 14. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 38. ↑
- () انظر أصول الفقه لمحمد أبو النور: 2 ـ 474. ↑
- () الأم 2 ـ 5، المحصول 1 ـ 216 و2 ـ 239، روضة الناظر وجنّة المناظر ـ 144، التمهيد للأسنوي ـ245، شرح تنقيح الفصول ـ 53 و270، منتهى الأصول والأمل ـ 149، حاشية العطّار 1 ـ 326 و341، منتهى السؤل والأمل ـ 147 و153، أصول الفقه لمحمد أبو النور 2 ـ 296. ↑
- () انظر منهاج الوصول ـ 241. ↑
- () المحصول 1 ـ 216 و2 ـ 240، حاشية العطار 1 ـ 326 و341، منتهى الأصول والأمل ـ 149، التمهيد للأسنوي ـ 245، الإبهاج 1 ـ 240، الإحكام للآمدي 3 ـ 80 و96 ونقله عن القاضي. ↑
- () علم أصول الفقه في ثوبه الجديد لمغنية ـ 156 ـ 157. ↑
- () انظر على سبيل المثال: أصول الفقه للأستاذ محمد أبو النور 2 ـ 297 ـ 300، وأصول الفقه للشيخ الأستاذ محمد رضا المظفر 1 ـ 114 ـ 115. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 193. ↑
- () سورة البقرة، الآية : 187. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 280. ↑
- () أصول الفقه للمظفر: 1 ـ 116. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 6. ↑
- () أصول الفقه للإمام محمد أبو زهرة ـ 143، علم أصول الفقه لمغنية ـ 162. ↑
- () انظر المصدرين السابقين. ↑
- () سورة النساء، الآية: 90. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 8. ↑
- () انظر مفردات الراغب الإصفهاني ـ 120 مادة «حصر». ↑
- () انظر علم أصول الفقه لمغنية ـ 163، وأصول الفقه لمحمد الخضري بك ـ 128. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 70. ↑
- () انظر علم أصول الفقه لمغنية ـ 163. ↑
- () سورة الفاتحة، الآية: 5. ↑
- () سورة النور، الآية: 4. ↑
- () نقله عنه في المنخول ـ 209. ↑
- () انظر أصول الفقه لمحمد بو النور 2 ـ 204. ↑
- () سنن الدارقطني 1 ـ 21 و2 ـ 503. ↑
- () تمهيد القواعد للشهيد الثاني العاملي: 114 قاعدة (27)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 ـ 88، المستصفى للغزالي 2 ـ 191 و195، نهاية السؤل للبيضاوي 2 ـ 221، أصول الفقه للمظفر 1 ـ 119. ↑
- () حكاه محمد أبو النور زهير في أصول الفقه 2 ـ 306. ↑
- () تمهيد القواعد للشهيد الثاني العاملي: 117 قاعدة (29)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 ـ 90، تقريب الوصول إلى علم الأصول للغرناطي ـ 89، علم أصول الفقه لمغنية ـ 164، أصول الفقه لمحمد أبو النور 3 ـ 293. ↑
- () انظر الإحكام للآمدي 3 ـ 90. ↑
- () تمهيد القواعد للشهيد الثاني العاملي: 117 قاعدة (29)، الإمام مالك لأبي زهرة ـ 224، أصول الفقه لمحمد الخضري بك ـ 127. ↑
- () الرواجب: مفاصل الأصابع. ↑
- () الحراب جمع حربة والمحراب عنق الدابة أي لا زاد إلا من الصيد. ↑
- () الشقاء الفرس الطويلة والأشق الحصان الطويل ـ المؤلف ـ. ↑
- () الدراية للشهيد الثاني ص29. ↑
- () منتقي الجمان ج1، ص3 ـ 13. ↑
- () الحدائق ج1، ص14. ↑
- () الوافي ج1، ص11. ↑
- () منتقي الجمان ج1، ص13 ـ وسائل الشيعة ج1 ـ الفائدة 9. ↑
- () الوافي ج1، ص11. ↑
- () الحدائق ج1، ص14. ↑
- () ابن جماعة، محمد بن إبراهيم، التذكرة (حيدر آباد، 1353) ص87. ↑
- () ابن الصلاح، المقدمة، ص61. ↑
- () الرجال (كربلاء، 1383) ص249. ↑
- () لقد تحدثنا عن هذه الصحيفة المزعومة مفصلاً في كتابنا تاريخ الفقه الجعفري، وأثبتنا بالأرقام أنها ليست من أحاديث الرسول، بل هي من الكتب التي استولى عليها المسلمون في معركة اليرموك، وكان هو يحدث عن تلك الكتب وينسبها إلى الرسول (ص) وقد جمع منها طائفة من الأحاديث وادعى بأنه أخذها من الرسول. ↑
- () الواقع أن أول من دعا إلى التأليف والتدوين فلبى العلماء دعوته، كان جعفر الصادق (عليه السلام) «راجع سيرة الصادق» (ح). ↑
- () انظر تاريخ الفقه الجعفري، ص176 والأضواء، ص224. ↑
- () انظر شذرات الذهب لابن العماد ج ـ2، ص240. ↑
- () ص 53، من العدة. ↑
- () الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسي. ↑
- () العدة للشيخ الطوسي، ص53. ↑
- () وبهذا يتبين ما في قول صاحب (الأصول العامة للفقه المقارن) فقد جاء في صفحة 196 طبعة أولى: «أن المدار على العلم، فإن حصل فهو الحجة». ويلاحظ بأن المدار على صفة التواتر الذي من شأنه أن يفيد العلم نوعاً، وإن لم يحصل للفرد… هذا، إلى أن الخبر المتواتر ليس بأسوأ حالاً من الخبر الواحد، اللهم ألا أن يدعي بأن الخبر المتواتر هو الذي يحصل منه العلم الشخصي… وهذا مجرد دعوى. ↑
- () ذهب ابن قبة ومن تبعه إلى وجوب الاختصار على الخبر المتواتر، والمحفوف بالقرائن القطعية، وعدم العمل بالخبر الواحد إطلاقاً، وحاول بعض العلماء أن يوجه ذلك بما يرجع إلى قول الأكثرية الغالبة، فقال: أن مراد ابن قبة ومن إليه عدم العمل بالخبر الواحد الذي لم يجمع الشروط، ومهما يكن فإن هذا القول متروك. ↑
- () راجع كتاب (فواتح الرحموت) المطبوع من المستصفى، ص140 ج2، لتعرف من هؤلاء المتعصبون… إن أحببت أن تعرفهم. ↑
- () جاء في أحاديث أهل البيت: أن الخطابية يشهد بعضهم لبعض بالزور، والخطابية نسبة لأبي الخطاب محمد بن مقلاص، وكان في عهد الإمام جعفر الصادق، وقد تبرأ منه الإمام ولعنه. ↑
- () اهتم الشيعة بذلك اهتماماً بالغاً، وألفوا فيه كتباً متنوعة: النوع الأول: أدرجوا فيه الأحاديث بألفاظها، والثاني: تكلموا فيه عن أحوال الراوي، وهل هو ثقة أمين أم لا؟ وهذا هو علم الرجال، والثالث: تكلموا فيه عن حكم الحديث بمجموعه، وقالوا: إن كان الحديث كذا فحكمه كذا، وأسموه علم الدراية. ↑
- () العين للخليل بن الفراهيدي 1/91 مادة «عنن»، وانظر: فقه اللغة للثعالبي: 129 باب 15 فصل 29. ↑
- () لسان العرب 4/3143 مادة «عنن». ↑
- () مغني اللبيب 1/198 ـ 199. ↑
- () لسان العرب 4/3143 مادة «عنن». ↑
- () لسان العرب 4/3143 مادة «عنن». ↑
- () القاموس المحيط 4/252 مادة «عنن». ↑
- () تاج العروس 9/385 آخر مادة «عنن». ↑
- () الكفاية في علوم الرواية: 282 ـ 283. ↑
- () مغن اللبيب 1/196. ↑
- () جواهر الأدب في معرفة كلام العرب: 194، ولاحظ عبارته. ↑
- () لسان العرب 4/3143 مادة «عنن». ↑
- () القاموس المحيط 4/250، وانظر شرحه تاج العروس 9/383 مادة «عنن». ↑
- () لسان العرب 4/3143 مادة «عنن». ↑
- () مغني اللبيب 1/198، وانظر: جواهر الأدب: 195. ↑
- () جواهر الأدب: 161. ↑
- () مغني اللبيب 1/423. ↑
- () جواهر الأدب: 161. ↑
- () لسان العرب 4/3143 مادة «عنن». ↑
- () تهذيب الأحكام للطوسي 3/76، ح3. ↑
- () الكافي 2/587، ح26. ↑
- () الكافي 2/590، ح31. ↑
- () هدي الساري 1/27 ـ 28. ↑
- () هدي الساري 1/29، وحكم بضعف الحديث في موارد في الفصل السابع 2/205. ↑
- () صحيح البخاري 4/106، طبعة دار الفكر 1401هـ. ↑
- () صحيح البخاري 3/133. ↑
- () صحيح البخاري 7/138. ↑
- () صحيح البخاري 1/22. ↑
- () صحيح البخاري 6/246. ↑
- () لسان العرب 4/3143، وتاج العروس 9/383 ـ 384. ↑
- () لاحظ: علوم الحديث لابن الصلاح: 61، مقدمة ابن الصلاح: 152. ↑
- () شرح البداية: 33، وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح: 61. ↑
- () وصول الأخيار: 100. ↑
- () الرواشح السماوية: 127. ↑
- () قوانين الأصول 1/486. ↑
- () الوجيزة: 418. ↑
- () لاحظ: نهاية الدراية: 205، ومقباس الهداية 1/209. ↑
- () عوالي اللآلي 1/1. ↑
- () عوالي اللآلي 4/137. ↑
- () معرفة علوم الحديث: 28. ↑
- () علوم الحديث لابن الصلاح: 53. ↑
- () لاحظ تفسير فرات الكوفي، طبع النجف. ↑
- () بل عرفت أن ابن حجر عدّ بعض عنعنات البخاري من المعلَّق. ↑
- () لاحظ: تفسير الحبري، هوامش المتن. ↑
- () شرح البداية: 33. ↑
- () الرواشح السماوية: 128. ↑
- () نقله السيد أحمد صقر في تقديمه لفتح الباري 1/42، عن كتاب «تغليق التعليق» لابن حجر ↑
- () نقله المحقق للمصدر التالي عن التمهيد مبحث الإسناد المعنعن 1/26. ↑
- () الجواهر المضيّة 2/428 ـ 429. ↑
- () الجوهر النقي 3/327 و7/377. ↑
- () علوم الحديث لابن الصلاح: 61. ↑
- () الرواشح السماوية: 128. ↑
- () لاحظ: مقباس الهداية 1/210. ↑
- () القوانين المحكمة 1/486 . ↑
- () لاحظ سنن ابن ماجة 1/290 و365 و366 و621 و641 و663 وج2/789 و803 و889 و902 و925 و1134 و1178 و1405 و1420.ومجمع الزوائد 1/42 و103 و212 و245 و252 و268.
والمجموع شرح «المهذّب» للنووي 12/131 وج19/ 435. ↑
- () الجوهر النقي 7/377. ↑
- () تلخيص الخبير 5/223. ↑
- () المجموع شرح المهذّب 20/34. ↑
- () الرسالة: 378، وانظر: توثيق السُنة: 196 رقم 362. ↑
- () وصول الأخبار: 100. ↑
- () تقريب التهذيب 1/33 رقم 180 ↑
- () تهذيب التهذيب 1/112 رقم 195. ↑
- () الرواشح السماوية: 127. ↑
- () الكفاية في علوم الرواية: 418. ↑
- () مستدركات مقباس الهداية 6/285 رقم 444. ↑
- () لاحظ بحثنا: «صيغ التحمل والأداء للحديث الشريف» المنشور في مجلة «علوم الحديث» العدد الأول، السنة الأولى 1418هـ، ولاحظ: علوم الحديث لابن الصلاح: 62. ↑
- () تلخيص الحبير 5/223. ↑
- () المجموع للنووي، شرح التهذيب 12/131 وج19/435، وسنن ابن ماجة القزويني 1/290 وج2/789 وغيرهما، ومجمع الزوائد 1/42 و103 و212 وغيرها. ↑
- () صحيح مسلم 1/22. ↑
- () صحيح مسلم 1/23. ↑
- () معرفة علوم الحديث: 34 النوع 11. ↑
- () التبصرة في أصول الفقه للفيروزآبادي الشيرازي: 336. ↑
- () علوم الحديث: 62. ↑
- () تدريب الراوي 1/215. ↑
- () وصول الأخبار: 101. ↑
- () الرواشح السماوية: 128. ↑
- () كما سيأتي عن الصنعاني في توضيح الأفكار 1/336. ↑
- () جامع التحصيل: 117. ↑
- () الرسالة: 379. ↑
- () طبقات الحنابلة 1/203. ↑
- () صحيح مسلم 231. ↑
- () القواميس: ورقة 26. ↑
- () توثيق السُنَّة: 196 رقم 362. ↑
- () جامع التحصيل: 116. ↑
- () شرح البداية: 107. ↑
- () شرح البداية: 107، وقد صوبنا من النص كلمة «المستمع» إلى «المُسْمِع» إذ المفروض أن الشيخ قد أسمع في المقام وليس مستمعاً، فلاحظ. ↑
- () وصول الأخيار: 101. ↑
- () توضيح الأفكار 1/336. ↑
- () فتح المغيث 1/159. ↑
- () تاريخ بغداد 8/199، وانظر: فتح المغيث 2/118. ↑
- () لاحظ مجلّة «علوم الحديث» العدد الأول، ص93. ↑
- () جامع بيان العلم 2/179. ↑
- () لاحظ قسم المناولة من «الطرق الثمان لتحمّل الحديث وأدائه». ↑
- () لاحظ: تنوير الحوالك 1/3، ومختصر تاريخ دمشق 14/32. ↑
- () صحيح البخاري 1/32 باب 4 من كتاب العلم. ↑
- () صحيح البخاري 1/23. ↑
- () صحيح مسلم 1/23 وقد سبق نص كلامه. ↑
- () توضيح الأفكار 1/44. ↑
- () سير أعلام النبلاء 12/573. ↑
- () ولقد تحدّثنا عن كل ذلك في بحثنا المشار إليه «صيغ التحمل والأداء» فلاحظ. ↑
- () طبقات الحنابلة 1/203 وقد نقلناه. ↑
- () عدا بعض الأحاديث، وسنذكر مواضعها. ↑
- () لاحظ: بحار الأنوار 107/132 في الإجازة الكبيرة لبني زهرة التي أصدرها لهم العلامة الحلي؛ ولاحظ: نوابغ الرواة من طبقات أعلام الشيعة: 137 و152 و157 و176 و328 وترجمة ابن الأشعث في ص 302. ↑
- () جاء السند عن غير أهل البيت: في ص101 و102، وص116 من المطبوعة، حديث المفقود، وص146 باب حد اللوطي أحاديث عديدة، وص206 باب نقل الموتى عن مصارعهم، عدة أحاديث، وص211 و213 و214، فلاحظ. ↑
- () لاحظ: الجامع لأخلاق الراوي 1/320 ح391، و2/394، وأدب الإملاء للسمعاني: 41 – 42، والطب النبوي: 363، والفقيه والمتفقه للخطيب 2/194، ونقل عن الدارقطني باسم «العلويات» في سؤالات السهمي للدارقطني: 52، وقال ابن حجر: «وقفتُ على بعض الكتاب المذكور وسماه «السنن» ورتبه على الأبواب، وكله بسند واحد، وأورد الدارقطني في «غرائب مالك» من روايته – يعني ابن الأشعث – حديثاً، وقال: كان ضعيفاً» ونقل عدّة من رواياته. لسان الميزان 5/362. ↑
- () الجعفريات المطبوع مع «قرب الإسناد»: 11. ↑
- () لاحظ ص66 من «الجعفريات» بداية باب «الرجل يموت ولم يحجّ…». ↑
- () الجعفريات: 156 و229. ↑
- () لاحظ الجعفريات: 211. ↑
- () الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/320 ح391. ↑
- () الجعفريات: 235 باب «البرّ وسخاء النفس وطيب الكلام والصبر على الأذى» من كتاب جاء في أوله: «كتاب غير مترجم». ↑
- () لاحظ اختصارات ألفاظ الأداء في بحث، «صيغ التحمّل والأداء»: 166. ↑
- () الجعفريات: 113. ↑
- () الجعفريات: 63 كتاب المناسك، باب التلبية. ↑
- () الموسوعة الرجالية للبروجردي 5/374. ↑
- () جامع الأحاديث: 61 و73 و99 و123. ↑
- () جامع الأحاديث: 79 و99 و104. ↑
- () جامع الأحاديث: 78. ↑
- () وقد عثر عليه لأول مرة أخي السيد محمد حسين الحسيني الجلالي، ونسخته الفريدة محفوظة في المكتبة الظاهرية برقم 34، وطبعه في النجف، وطهران، وأمريكا، وبيروت. ↑
- () مسند الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، الحديث الأول. ↑
- () تاريخ بغداد 13/38. ↑
- () لسان الميزان 5/157. ↑
- () جامع الأحاديث: 165. ↑
- () جامع الأحاديث: 69 و127. ↑
- () جامع الأحاديث: 71 و98 و116. ↑
- () المصطلح الرجالي أسند عنه: 130. ↑
- () رجال النجاشي: 252 رقم 962. ↑
- () قرب الإسناد: 176. ↑
- () الكافي 4/367 ح10، وقد أشكل في سنده بوجود «أحمد بن محمد» فلاحظ. منتقى الجمان 3/193 فلاحظ السند التالي الذي نقله الصدوق. ↑
- () علل الشرائع: 445 باب 195. ↑
- () الكافي 5/135 ح2، وانظر 7/226 ح32، وأبو إبراهيم هو الإمام الكاظم (عليه السلام). ↑
- () تهذيب الأحكام 10/84 ح331. ↑
- () المشيخة: 4. ↑
- () الفهرست: 87 رقم 367. ↑
- () مسائل علي بن جعفر: 103، ولاحظ: أبو الحسن العريضي: 78 79 حيث نقلنا مثل هذا السند عن نسخة بحار الأنوار 10/249. ↑
- () مناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لابن المغازلي: 37 رقم 417. ↑
- () الجامع الصحيح 5/641 رقم 2733. ↑
- () الذرية الظاهرة: 167 رقم 225. ↑
- () أمالي الصدوق: 190 رقم 11. ↑
- () كامل الزيارات: 52 الباب 14 ح13. ↑
- () صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): 78 ـ 79 رقم 1. ↑
- () التبيين في أنساب القرشيين: 133، ولاحظ: تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي. ↑
- () لاحظ: الصواعق المحرقة: 122، ونور الأبصار: 143. ↑
- () أمالي الشيخ المفيد: 275، وأمالي الشيخ الطوسي: 25.ونُسب الكلام إلى أبي الصلت نفسه في سنن ابن ماجة 1/26 ح25، وإلى بعض السلف في حلية الأولياء لأبي نُعيم 3/192. ↑
- () أمالي الطوسي: 449. ↑
- () في المصدر: «الرضى» وهذا إملاء علماء اليمن، يكتبون الكلمة بألف مقصورة. ↑
- () الأمالي الخميسية 1/41، ولاحظ: عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/135 ح3، ورواه الحموي في فرائد السمطين 2/189 ح466. ↑
- () عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/134 ح1 ب37. ↑
- () ما بين المعقوفتين ليس في رواية الصدوق. ↑
- () عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/135 ح4. ↑
- () بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: 269. ↑
- () الفقيه والمتفقه 2/32 و155، وهذا المورد الثاني هو الحديث السابع من أحاديث الصحيفة. ↑
- () نقله الرافعي في: التدوين في تاريخ قزوين 2/214 ترجمة أحمد بن علي بن عبدالرحيم الرازي. ↑
- () صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): 81 ح3. ↑
- () عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/226 ح1 و2 و3 و6. ↑
- () عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/226 228 ح1 و2 و3 و6، ولاحظ: أمالي الطوسي: 148،149 ح1991، 1004. ↑
- () راجع: الأصول الأربعمائة اقرأ بحثاً مستوعباً عن «الأصول الأربعمائة» الجلالي، في دائرة المعارف. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 53 و55 و58. ↑
- () الأصول الستَّة عشر: 55 و57. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 46. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 50 و53 و55. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 55. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 45 و49 و50 و51 و56. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 52 و54 و56. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 48. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 49. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 48 و55. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 47. ↑
- () الزهد للأهوازي: 90 ح242. ↑
- () الأصول الستّة عشر: 52. ↑
- () طبعت المستطرفات مع كتاب السرائر، في آخره في جميع طبعاته، وطبعت مستقلة مع التخريج في مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، في قم وعلى هذه اعتمدنا في عملنا. ↑
- () مستطرفات السرائر: 25 ح1. ↑
- () مستطرفات السرائر: 25 ح3. ↑
- () مستطرفات السرائر: 27 ح9. ↑
- () مستطرفات السرائر: 27 ح10. ↑
- () مستطرفات السرائر: 31 ح29. ↑
- () الفهرست للطوسي: 40 رقم 51. ↑
- () مستطرفات السرائر: 39 42. ↑
- () الكافي الأصول 1/10 ح1. ↑
- () الكافي الأصول 1/72 ح1. ↑
- () الكافي الأصول 1/168 ح1. ↑
- () الكافي الفروع 3/1 ح1. ↑
- () الكافي الفروع ؟/264 ح1. ↑
- () لاحظ: الشيخ الكليني البغدادي للسيد العميدي: 191 و192. ↑
- () الكافي الأصول 2/18 ح5 باب دعائم الإسلام من كتاب الإيمان والكفر. وبخصوص علي بن إبراهيم يروي عنه الكليني بالألفاظ في الغيبة للنعماني فلاحظ. ↑
- () المحاسن: 286 ح430، باب الشرائع، كتاب مصابيح الظلم. ↑
- () الكافي الأصول 2/17 ح1 باب الشرائع، كتاب الإيمان والكفر. ↑
- () المحاسن: 287 ح431، باب الشرائع، كتاب مصابيح الظلم. ↑
- () الكافي الأصول 2/85 ح5 باب النيّة، كتاب الإيمان والكفر. ↑
- () علل الشرائع: 523 ح1. ↑
- () الكافي الفروع 4/8 ح2. ↑
- () إكمال الدين: 645 ح7. ↑
- () المشيخة: 16. ↑
- () المشيخة: 113. ↑
- () المشيخة: 125. ↑
- () المشيخة: 134. ↑
- () المشيخة: 86. ↑
- () المشيخة: 124. ↑
- () كذا في ترتيب أسانيد كتاب الأمالي، للسيد البروجردي، الموسوعة الرجالية 5/466، ولاحظ «الأمالي» المطبوعة. ↑
- () أمالي الصدوق: 12. ↑
- () الخصال: 2 ح1. ↑
- () الأمالي للصدوق: 107 ح80، ح3 من المجلس 12. ↑
- () أمالي الصدوق: 136 ح134، وهو في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/59 ح225. ↑
- () الخصال للصدوق: 29 ح103. ↑
- () ترتيب أسانيد الأمالي للبروجردي الموسوعة الرجالية 5/359، وانظر: الأمالي: 412 ح535. ↑
- () ترتيب أسانيد الأمالي، الموسوعة 5/356. ↑
- () ترتيب أسانيد الأمالي، الموسوعة 5/397. ↑
- () ترتيب أسانيد الأمالي، الموسوعة 5/365. ↑
- () من لا يحضره الفقيه 2/304. ↑
- () الكافي 4/369. ↑
- () معاني الأخبار: 222 باب معنى المحصور والمصدود. ↑
- () لاحظ الموسوعة الرجالية للبروجردي 2/28 في ترتيب أسانيد التهذيب، ومثله في الاستبصار. ↑
- () تهذيب الأحكام 10/88 نهاية المشيخة. ↑
- () الفهرست للطوسي: 34 رقم 32. ↑
- () الفهرست للطوسي: 35 رقم 35. ↑
- () الفهرست للطوسي: 141 و142 رقم 61. ↑
- () الفهرست للطوسي: 48 رقم 74. ↑
- () الفهرست للطوسي: 56 رقم 94. ↑
- () الفهرست للطوسي: 137 رقم 493. ↑
- () بشارة المصطفى: 2. ↑
- () بشارة المصطفى 8. ↑
- () في المطبوعة: «أبو عُمير» وفي نسخة: «أبو عمر» وسيأتي في الحديث 32 أنه «عمر». ↑
- () في المطبوعة: حدّثني. ↑
- () بشارة المصطفى: 15. ↑
- () بشارة المصطفى: 60 ـ 61. ↑
- () الموطأ: 1/3 ح1. ↑
- () الموطأ: 1/4 ح3. ↑
- () الموطأ: 1/5 ح4. ↑
- () صحيح البخاري: 1/2. ↑
- () صحيح البخاري: 1/11. ↑
- () صحيح مسلم: 1/7. ↑
- () سنن أبي داود: 1/1. ↑
- () سنن ابن ماجة: 1/3. ↑
- () سنن الترمذي «الجامع الصحيح»: 1/5. ↑
- () سنن النسائي بشرح السيوطي: 1/6. ↑
- () الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي: 15. ↑
- () الوجيزة: 439. ↑
- () الحبل المتين: 35. ↑
- () الرواشح السماوية: 127. ↑
- () الرواشح السماوية: 128. ↑
- () جامع التحصيل: 116. ↑
- () جامع التحصيل: 73. ↑
- () الرواشح السماوية: 127. ↑
- () جامع التحصيل: 117. ↑
- () جامع التحصيل: 116. ↑
- () جامع التحصيل: 116. ↑
- () التمهيد ـ لابن عبدالبرّ ـ 1/12، وجامع التحصيل: 116. ↑
- () أمالي الصدوق: 87 ح57 المجلس 9. ↑
- () تهذيب الأحكام: ج10، المشيخة: 5. ↑
- () جامع التحصيل: 80. ↑
- () جامع التحصيل: 117 و118. ↑
- () مقباس الهداية: 5/186. ↑
- () علوم الحديث لابن الصلاح: 62، ومنهج النقد: 353. ↑
- () الكفاية: 288. ↑
- () الإلماع: 135، الاعتبار للحازمي: 15. ↑
- () منهج النقد: 224. ↑
- () لاحظ: قواعد التحديث للقاسمي: 208. ↑
- () الإلماع: 128. ↑
- () الجامع لأخلاق الراوي 2/198 رقم 1466. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 258، علوم الحديث له: 146 و147. ونقله القاضي في الإلماع: 92. ↑
- () القواميس: قسم الدراية: 34. ↑
- () لاحظ: فهرس الفهارس للكتاني: 765، ولاحظ مقال صيغ التحمل والأداء: 137. ↑
- () الإلماع: 72. ↑
- () كتيّب مخطوط للسلفي: 290. ↑
- () تاريخ بغداد: 11/238. ↑
- () العدّة للشيخ الطوسي: 34. ↑
- () الإلماع: 92. ↑
- () طبقات الحنابلة لأبي يعلى: 1/57. ↑
- () ألفيّة الحديث: 13 رقم 146. ↑
- () جامع الأصول: 1/439. ↑
- () جامع التحصيل: 114. ↑
- () الإلماع: 128 ـ 132، علوم الحديث لابن الصلاح: 171، الباعث الحثيث لابن كثير: 119، منهج النقد: 225، توثيق السُنَّة: رقم 38. ↑
- () القواميس: 29، ونقله بلفظه الصدرُ في نهاية الدراية: 179. ↑
- () وصول الأخيار: 132. ↑
- () مقدّمة ابن الصلاح: 284 و285، علوم الحديث: 170. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 286، علوم الحديث: 172، والإلماع: 129.الإلماع: 128. ↑
- () الإلماع: 91، والفهرسة لابن خير: 16. ↑
- () الإلماع: 90. ↑
- () طبقات الحنابلة: 1/49. ↑
- () لاحظ: الإلماع: 119، ومنهج النقد: 226 نقلاً عن تعريف أهل التقديس: 4. ↑
- () رجال النجاشي: 263. ↑
- () طبقات الحنابلة: 1/203. ↑
- () الرسالة للشافعي: 378 و379. ↑
- () الفهرست للطوسي: 56 رقم 594. ↑
- () جامع بيان العلم: 2/179. ↑
- () تدريب الراوي: 1/133 134. ↑
- () لاحظ: تهذيب التهذيب 8/66 و67 ، والاختصاص للمفيد: 83. ↑
- () منهج النقد: 353 عن صحيح البخاري 8/132 واللفظ له، وصحيح مسلم: 8005. ↑
- () منهج النقد: 352 و353. ↑
- () الموسوعة الرجالية للسيد البروجردي 2/59. ↑
- () الموسوعة الرجالية: 2/68. ↑
- () الموسوعة الرجالية: 2/72. ↑
- () اختيار معرفة الناقلين: 512 رقم 989. ↑
- () رجال النجاشي: 82 رقم 198. ↑
- () قاموس الرجال: 1/14 الفصل 5. ↑
- () جامع التحصيل: 117 و118. ↑
- () علوم الحديث لابن الصلاح: 147، المقدمة: 259. ↑
- () الكفاية للخطيب: 421. ↑
- () مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ترجمة د. أنيس فريحة: 130. ↑
- () وقد فنّدنا هذه المزعومة بتفصيل في كتابنا: تدوين السُنَّة الشريفة. ↑
- () لاحظ كتاب «تدوين السُنة الشريفة» للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي فإنه أحدث كتاب جامع لشتات هذا البحث. وقد طبع في قم عام 1413 و1417هـ. ↑
- () ذكر الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري هذه الكلمة، لاحظ صحيح البخاري (1/27). ↑
- () لاحظ للتمييز بين هذه الأسماء، مقدّمة (الحكايات) للشيخ المفيد. المنشور في مصنّفات الشيخ المفيد رقم (9). ↑
- () لاحظ رسالة الاجتهاد والأخبار، للوحيد البهبهاني، والفوائد الحائرية له، ولاحظ كتاب: الاجتهاد والأخبار، للسيد عبدالرسول الجهرمي شريعت مدار. المطبوع في المقالات والرسالات برقم (23). ↑
- () مثل الميرزا محمد الأخباري صاحب الكتب الثلاث، لاحظ: مصفى المقال، لآقا بزرك الطهراني، (عمود: 430). ↑
- () لاحظ مقال: الثقلان، مجلة علوم الحديث (العدد الأول)، السنة الأولى، ص41. ↑
- () لاحظ: مختصر رسالة في أحوال الأخبار، للقطب الراوندي، علوم الحديث (1/321). ↑
- () لاحظ كتابه الفوائد الحائرية، وكذلك الفوائد الرجالية والتعليقة على منهج المقال، تجد هذا الأمر بوضوح. ↑
- () جاء هذا النص في (إجازة) الشيخ الطهراني، للسيد جعفر بن السيد عبدالرضا الموسوي المهري، المؤرخة بسنة (1352هـ). ↑
- () خاتمة وسائل الشيعة، تحقيق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، (ص159 وما بعدها)، المطبوع بعنوان الجزء الثلاثين، من طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) في قم 1412هـ. ↑
- () لاحظ: المنهج الرجالي، للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي. ↑
- () مجلة علوم الحديث. ↑
- () الشركة الهندية: شركة بريطانية أسسها بعض التُجار الإنكليز في لندن في سنة 1560. ولم يكن لهذه الشركة في جميع أنحاء الهند أكثر من أربعة فروع إلى عام 1634 ولكنها بدأت بنشاطها الجدي حالما حصلت على إذن من البرلمان الإنكليزي في السيطرة على تجارة الهند.وأصبح هذا الأمر قانونياً في سنة 1773م ثم اقتصر في سنة 1814م على التجارة بين الهند والصين حتى انتهى أمر التجارة في سنة 1833م وتحولت هذه الشركة التي كانت شركة حربية تجارية في سنة 1850م إلى شركة سياسية وأخذت تباشر إدارة شؤون الهند بالإشراف المباشر البريطاني. من ثم عيّن شخص على رأس السلطة في الهند واتخذ كلكتا مقراً له ليصبح القوة التنفيذية في البلاد وشكلت لجنة من اثني عشر شخصاً في لندن لإدارة أمور الهند وينبغي أن تصوت على قرارات هذه اللجنة لتصبح قانونية لجنة أخرى هي (إدارة التفتيش) الممثلة للتاج والبرلمان البريطانيين. ورغم ذلك فقد كان للشركة الهندية النفوذ المطلق في إدارة شؤون الهند بحيث استطاعت في فترة وجيزة أن تبسط نفوذها الواسع في البلاد. واستطاعت من خلال الترغيب والترهيب أن تسيطر على مناطق واسعة من الهند والصين، ولكنها حُلَّت عام 1858م بعد تمرد الجيش (المشاة الهنود العاملين تحت إدارة الشركة) الذي حدث عام 1857م، وارتبطت الهند مباشرة بالتاج. ↑
- () الميرزا عباس: أي الميرزا عباس خان التفرشي كاتب وزارة الخارجية الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية ولقب بقوام الدولة. ↑
- () هو الميرزا ملكم خان المعروف والذي كان مترجماً في وزارة الخارجية. ↑
- () هذا الميرزا هو هاشم خان النوري ابن محمد رحيم خان حاكم مشكين وسراب في عهد الملك (محمد شاه)، الذي كان في البداية خادماً في نظام ناصر الدين شاه ثم تدرج حتى أصبح بعدها مسؤول الخدم يتقاضى سنوياً مئتي تومان من القصر. وزوجته ابنة الميرزا أحمد علي وأخت شمس الدولة زوج ناصر الدين شاه. وشمل بالعناية في أيام صدارة الأمير.وكانت للميرزا هاشم خان علاقات وطيدة بالسفارة البريطانية وتومسن القائم بالأعمال في تلك السفارة، وحاول إرسال الميرزا هاشم خان إلى شيراز كصحفي تابع للسفارة البريطانية، ولكن الحكومة الإيرانية رفضت ذلك، فشملت السفارة هاشماً وزوجه بحمايتها واصطحبوها معهم في نزهاتهم إلى قلهك ورغم الاعتراضات الشديدة من قبل الحكومة الإيرانية فإن المستر موري اتخذ لها مبنى مجاوراً للسفارة، وفي غضون ذلك استطاع المأمورون إلقاء القبض على الزوجة ولكن الميرزا لجأ إلى التحصن بالسفارة. وتبودلت بين الدولتين عدة رسائل شديدة اللهجة حتى وصل الأمر إلى مغادرة المستر موري لطهران في 26/ ربيع الأول/ 1272هـ وانتهى الأمر بقطع العلاقات بين البلدين. ↑
- () أي المعاهدة المشؤومة التي عقدها الميرزا آقاخان الصدر الأعظم في 15/ربيع الثاني سنة 1269هـ. مع ممثل الدولة البريطانية وتعهد فيها بعدم احتلال هرات، وكان الممثل البريطاني هو المقدم جوستين Justin Sheill. ↑