لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السابع
بسم الله الرحمن الرحيم
إيران([1])
تطلق كلمة إيران في اصطلاح الجغرافيين على الهضبة التي يحدها من الشمال جبال القوقاز وبحر الخزر ونهر جيحون ومن الشرق مرتفعات التيبت ونهر السند ومن الجنوب بحر عمان وخليج فارس ومن الغرب جبال زاغروس والفرات الأعلى. والإمبراطورية القديمة أوسع بكثير من التحديد الجغرافي لهضبة إيران. وكانت الزرادشتية ديانة إيران القديمة ويوجد بقايا من معتنقي هذه الديانة حتى الآن في إيران والهند والباكستان.
وتوالى على حكم إيران القديمة أولاً (الميديون) وهم أسرة قديمة كانت تحكم شمال إيران وغربها منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وهي التي استخلصت البلاد من حكم الآشوريين وأقامت لإيران حضارة واسعة كانت مقدمة لظهور الأسرة الأكمانية أو الكيانية التي تعرف بالهخمانشية أيضاً.
ثانياً: الدولة الهخمانشية وهي أول دولة تاريخية وردت في مراجع القدامى كاليونان والرومان وأفردت لها التوراة فصولاً خاصة ولا سيما عند الكلام عن (كورش) المعروف عند اليونانيين بسيروس وهو الذي وحد إيران بعد أن كانت أقاليم شمالية وجنوبية فكوّن منها دولة قوية، ثم اتجه إلى فتح البلاد المجاورة ففتح بلاد ما بين النهرين (بابل وأشور وليديا) ثم توجه نحو الشرق وامتدت فتوحاته إلى تخوم الصين وما وراء نهر سيحون، وهو الذي يرى بعضهم أنه هو ذو القرنين كما سيأتي وبعد كورش تولى الملك ابنه (كامبوزيا أو قمبيز) الذي اشتهر بفتوحاته في مصر ومحاولته فتح السودان والحبشة. وبعد موت قمبيز أختير للملك أحد أفراد أسرته (دارا) المعروف بداريوس الكبير الذي يعتبر أعظم ملوك هذه الأسرة. ثم ضعف شأن الدولة في عهد دارا الثالث الذي انهزمت جيوشه أمام غزو الإسكندر في معركتي أبسوس وأربلا. وقتل دارا الثالث نفسه في سنة 303 قبل الميلاد فكان آخر ملوك الأسرة الهخمانشية التي استطاعت أن تحكم الشرق والغرب وتسيطر على العالم زهاء ثلاثة قرون من الزمان من سنة 546 إلى 330 قبل الميلاد مما لم يتيسر لدولة أخرى قبلها ولا بعدها.
ثالثاً: السلوقيون: بعد موت الإسكندر في مدينة بابل في طريق عودته إلى مصر سنة 323 قبل الميلاد اقتسم قواده البلاد التي فتحها فكانت إيران والشام من نصيب أحد قواده المعروف باسم (سلوكوس) وهو مؤسس الأسرة السلوقية وأشهر ملوكها وقد استمرت هذه الأسرة من 320 إلى سنة 261 قبل الميلاد.
رابعاً: الأشكانيون أو البارثيون: ثارت القبائل في شمال إيران على حكم السلوقيين وأقامت على أنقاضهم الدولة البارثية أو الأشكانية سنة 250 قبل الميلاد. وقد امتد حكم هذه الأسرة ما يقارب من الخمسة القرون وكانت فترة حكمها مليئة بالأحداث التاريخية والحروب الكثيرة بين الفرس والروم وقد امتد حكمها من سنة 250 قبل الميلاد إلى سنة 226 ق.م.
خامساً: الساسانيون: في أيام (أردوان الرابع) آخر ملك أشكاني دار قتال بينه وبين أردشير بابا كان في إقليم خوزستان وانتصر أردشير عليه وبذلك قضى على الدولة الأشكانية وقامت الأسرة الساسانية التي أعادت مجد إيران إلى ما كان عليه في عهد الإمبراطورية الهخمانشية. ولقد ظلت هذه الأسرة تحكم الإمبراطورية الإيرانية إلى أن جاء الفتح الإسلامي في عهد يزدجرد الثالث سنة 651م. فتكون هذه الأسرة قد حكمت من سنة 226 قبل الميلاد إلى سنة 651 ميلادية. وبانتشار الإسلام انتهت الدولة الساسانية.
وكانت إيران تعرف قديماً باسم (برشيا).
ويعود تاريخ الحضارة الإيرانية وثقافتها، إلى أكثر من ألفَي سنة قبل الوقت الذي دخلت فيه جماعات مختلفة من الأصل الآري ـ مثل المادِيّين (الميديين)، والبارسيين (الفرس)، والفريتيين (الأشكانيين) ـ الأرض التي عُرفت فيما بعد باسم «إيران»، أو «أرض الآريين». وإذا لاحظنا أن الحكومات التي كانت قبل البارسيين لم تعرف الوحدة المتكاملة والاستقرار، بل كانت دائماً مستغرقة في حروب قبلية، فإننا يمكننا أن نعد قيام الدولة الإخيمنية، وبعبارة أدق حكم «كورش» (في السنة 550 قبل الميلاد)، بداية لتاريخ الحكم الإمبراطوري، الذي يقوم على أساس توارث الحكم في الأسرة الملكية.
إن هذا النوع من الحكم، استمر في السلالات الملكية التي تلت السلالة الأخيمنية، نعني السلالات الأشكانية والساسانية. أما عقيدة الشعب في تلك الحقبة، فكانت غالباً: الزرادشتية.
وخلال بضعة قرون تلت ظهور الإسلام، ذاب تاريخ إيران في حضارة الإسلام، واعتنق معظم الشعب الإيراني الدين الإسلامي.
ولقد بقيت إيران قروناً، أي حتى قيام السلالة الملكية الصفوية، تفتقد حكومة مركزية موحدة منسجمة، إذ كان يحكم في النقاط المختلفة من البلاد، حكومات إقليمية محلية. وبما أن مدينة أصفهان كانت في العهد الصفوي قد اختيرت عاصمة للبلاد، لذا فإن الآثار التاريخية، والأبنية الدينية، والجسور المنشأة في عهد الصوفيين، يقوم معظمها في أصفهان.
وقد حكمت السلالة الملكية «الأفشارية» أيضاً، وبعدها «الزِّنْدِية»، ثم «القاجارية» كذلك، بالنهج الإمبراطوري نفسه، واستمر هذا النوع من الحكم سائداً في إيران، حتى انقراض السلالة «البهلوية» التي تلت القاجارية، والتي كانت آخر نظام ملكي إمبراطوري في تاريخ إيران…
حركة الدستور
شهدت إيران في العهد القاجاري حدثين مهمين، أولهما: إلغاء امتياز التنباك، والثاني: حركة الدستور التي عرفت باسم حركة (المشروطة).
ففي عهد ناصر الدين شاه القاجاري (حكم 1847 ـ 1896م)، مُنِحَت شركة إنكليزية امتيازاً لحصر التنباك في إيران، فلقي هذا الأمر، الذي كان مناقضاً لاستقلال البلاد، معارضة شديدة من الجماهير. ولكنها معارضة لم تؤدِ إلى إلغاء الامتياز، رغم سقوط عدد من المواطنين قتلى في سبيل إلغائه، فأصدر الميرزا الشيرازي ـ الذي كان يُعَد من علماء الإسلام الكبار في ذلك العهد ـ فتوى امتنع على أثرها الناس، بِمَنْ فيهم نساء بلاط الشاه نفسه، عن استعمال التنباك، مما أدَّى بصورة عملية إلى إلغاء الامتياز المعقود بين الدولة والشركة الإنكليزية.
الحدث الثاني الذي أشرنا إليه، والذي يجب التوقف عنده، كان ـ كما ذكرنا ـ حركة الدستور. إن هذه الحركة التي حدثت في عهد السلالة القاجارية بهدف الحد من سلطة الملوك، ومنعهم من التحكم وفق أهوائهم، وإشراك الجماهير في مقررات الدولة…. هذه الحركة أدت إلى إنشاء مجلس الشورى الوطني (المجلس النيابي). ولئن كان المجلس قد تألف في بداية الأمر من تشكيلة متنوعة من ممثلي الأمة، كان رجال الدين يشكلون منها نسبة يُعتد بها، إلاّ أن نظام الملكية الدستورية، انحرف عن مسيرته الأولى، حتى لم يبق من الدستور لا سيما في عهد السلالة البهلوية أكثر من الاسم، وتبدلت انتخابات المجلس أيضاً من الحالة الشعبية والجماهيرية، إلى الحالة التعيينية.
عوامل ثورة (المشروطة)([2])
يجب أن نبحث مسألة تغلغل جذور الأفكار والقيم الأوروبية في إيران، من خلال حوادث السنين الأخيرة للقرن التاسع عشر الميلادي. فقد كانت الحكومات الإيرانية منذ عهد الصفويين ترتبط بعلاقات مع الدول الأوروبية، ولكن لم تكن هذه العلاقات لتجلب لإيران أفكاراً جديدة وقيماً جديدة، ولكن في أواخر القرن التاسع عشر عكف بعض الأفراد المثقفين على الاهتمام بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية في أوروبا. ويبدو أن أول تقرير فارسي يتعرض فيه أحد المسافرين لذكر المجتمع الأوروبي هو كتاب «مسير طالبي» تأليف أبو طالب خان الأصفهاني وهو من المهاجرين الإيرانيين في الهند([3]).
وكذلك من التقارير الأولى التي كتبت حول المؤسسات الاجتماعية والسياسية الحديثة في أوروبا، المواضيع التي كتبها «عبد اللطيف بن أبي طالب الموسوي الشوشتري الجزائري»، وكان هذا الشخص قد سافر إلى الهند وله من العمر 30 سنة، وألف هناك كتابه «تحفة العالم» في سنة 1801م (1216هـ). ويستند المؤلف في كتابه إلى المصادر والوثائق التي أُتيح له الاطلاع عليها في الهند([4]).
ويبدو أن هذه المواضيع والمعلومات برغم كل ما تتضمنه من أهمية وقيمة لم تستطع أن تحدث أدنى تأثير في الأنظمة الحاكمة في إيران. وقد برزت الرغبة في الاقتداء بأوروبا بالتحديث والتجديد كأمر حياتي ومصيري في بادئ الأمر، وكان لاحتلال نابليون بونابرت العسكري لمصر عام 1798م وتخطيطه للاستيلاء على الهند بالتنسيق مع روسيا دور كبير في لفت انتباه الدول الكبرى آنذاك إلى أهمية إيران، وقد أدرك ولي العهد القاجاري البارز عباس ميرزا ورفيقه الميرزا أبو القاسم قائمقام بأن نمو وتطور التكنولوجيا العسكرية الحديثة وكذلك التطور في سائر الجوانب الحياتية الأخرى في أوروبا قد جعلت الأخيرة تفرض نفسها على إيران، فإذا كانت إيران تريد الاحتفاظ باستقلالها وحياتها فلا بد لها من إقدامات وخطوات على سبيل التحديث([5]).
وبناء على ذلك فقد كانت الخطوات نحو التحديث والتجديد تعني تعريف إيران بالأسس الإدارية الحديثة، والجيش الحديث، والحكومة المركزية، والنظام المالي العصري، والتربية والتعليم الحديثين، والوسائل العصرية للحمل والنقل، وبعبارة أخرى تعريف إيران بالقيم الحديثة.
وقد استعملنا عبارتي التغريب «Westernization»، والتحديث «Modernization» بمعنى واحد، لأن قادة التحديث في إيران سعوا إلى استحداث المؤسسات والأساليب الحديثة عن طريق الاقتداء بالغرب اي أوروبا الغربية([6]).
وقد اتخذت بعض الخطوات على هذا السبيل، إذ استقدم مستشارون عسكريون من فرنسا وإنكلترا، وأرسل عدد من الطلاب إلى الأخيرة في السنوات 1811م (1226هـ) و1815م (1231هـ) للدراسة فيها، وأسس (نظام جديد) أي جيش حديث ونظام الخدمة الإلزامية، ونصبت لأول مرة مطبعة في تبريز عام 1812م (1227هـ) وغير ذلك من الأعمال. وكان الميرزا صالح الشيرازي والميرزا جعفر خان مشير الدولة التبريزي اللذين تخرجا من الجامعات البريطانية قد أديا دوراً كبيراً في المراحل المختلفة للتطور والإصلاحات والتحديث التي جرت في البلاد.
وعلى سبيل المثال فإن الميرزا صالح أسس مطبعة في عام 1819م (1235هـ) وأصدر أول جريدة فارسية في طهران عام 1836م (1252هـ)، وإضافة إلى ذلك فقد مثل إيران في مهام دبلوماسية مختلفة([7]).
وقد أشار الميرزا صالح في كتاب مذكراته إلى مواضيع مهمة آنذاك، ومن ضمنها المسائل المتعلقة ببريطانيا. وشرح النظام السياسي وجهاز العدل في لندن والمكتبات ودور الأيتام وكليات الطب والتلقيح، وغيرها من الأمور، وكتب كذلك موضوعاً عن حرب الاستقلال في أميركا وثورة فرنسا عام 1789م وغيرا من الأحداث المهمة.
وكان يسمي بريطانيا بـ (ولاية الحرية)، ومجلس العموم بـ (دار الشورى) ونواب المجلس بـ (وكلاء الرعايا)، وأبدى اهتماماً كبيراً بمجلس العموم، حيث يقول: «… وللناس مطلق الحرية في انتخاب ممثليهم في هذا المجلس، ويتمتع النواب بكامل الحرية في إبداء الرأي في المجلس، ويشكل الملك والمجلسان القوى الثلاثة الحاكمة في بريطانيا»([8]).
وقد كتب الميرزا صالح مذكراته في السنوات 1815 ـ 1819م (1231 ـ 1235هـ) بعد أن درس في بريطانيا اللغة الفرنسية، واللاتينية، والفلسفة الطبيعية، وفن الطباعة. وبناء على ذلك فإن هذا الشاب الإيراني كان قد جلب معه إلى إيران أفكار المشروطة من مهدها بريطانيا. ولم يكن لكتاباته المفصلة عن الأصول والأسس المختلفة للمشروطة؛ من قبيل حرية إبداء الرأي وحرية الانتخابات وسلطة البرلمان وسائر الجوانب الأخرى لنظام المشروطة في إنكلترا ـ أقول لم يكن لها نظير في الأدب الفارسي في إيران آنذاك.
ويبدو أن ما كتبه كان أول وأقدم الآثار التي كتبت حول نظام المشروطة في إنكلترا بواسطة كاتب مسلم.
وتشبه مذكرات ميرزا صالح عن سفره إلى لندن إلى حد بعيد مذكرات (الطهطاوي) المصري التي كتبها عن سفره إلى فرنسا بعد عودة الميرزا صالح بعدة سنوات أي في سنوات 1826 ـ 1831م([9]).
وكان سير الإصلاحات والتحديث في غاية البطء، لعدم وجود الظروف الملائمة الكافية آنذاك. ويذكر ماكس وبر (Max Weber) المفكر الألماني شروطاً، لا بد أن يستند إليها النظام الجديد:
«الظروف الأولية عبارة عن:
(1) مركزية وسائل التسلط والتحكم والإدارة ويكون ذلك كما يلي:
(أ ) بإيجاد نظام ضرائبي دائم، يخضع بصورة مركزية للرقابة.
(ب ) بإيجاد قوة عسكرية قوية تخضع بصورة مركزية ومباشرة أيضاً للحكومة المركزية.
(2) إضفاء المركزية على وضع الإجراءات الحقوقية وتنفيذها واستعمال القوة بصورة قانونية بواسطة الحكومة المركزية.
(3) تنظيم جهاز إداري منظم ومعقول يكون خاضعاً للحكومة المركزية في أعماله الإدارية([10]).
ويعتقد (ماكس وبر) بضرورة توفر مثل هذه الظروف قبل المباشرة بمرحلة التحديث والإعمار في بلد ما، ولكن لم تكن مثل هذه الظروف متوفرة في إيران، إذ كان الملك القاجاري هو الحاكم المطلق في البلاد، وكانت حياة الموظفين وسائر الناس عرضة لبطشه وكان بعض الموظفين، وبمختلف أصحاب الرتب والمناصب يتصفون بالفساد والارتشاء، ولم تكن الأمور الإدارية في البلاد بأفضل حالاً مما كانت عليه في القرون الوسطى، ولم تكن تخضع لإدارة مركزية. وفي الحقيقة فإن الولايات كانت بمثابة دول مستقلة، إذ كان ولاتها يرشون الملك القاجاري والمقربين إليه ويحتفظون لأنفسهم باستقلال كبير. ولم يكن الخانات ورؤساء القبائل يُعنون كثيراً بمسؤولي الدولة، بل كانوا جهازاً قائماً بذاته، ووصل بهم الأمر إلى إقامة محاكم خاصة بهم، وكانت تنقسم المحاكم آنذاك إلى نوعين: الأول هو المحاكم الشرعية التي يتصدر لها العلماء، والآخر: المحاكم العرفية، ويعمل الإثنان إلى جانب بعض، وأحياناً يحدث أن تتعارض الأحكام الصادرة من المحكمتين في شأن أمر واحد. ولم يكن للدولة جيش مركزي قوي دائم، يخضع لأمر الحكومة. بل كان زعماء القبائل هم المسؤولون بصورة مباشرة عن تجميع القوات، في أوقات الأزمات. وأما الضرائب والجمارك فيتحدث عنها (أنت دستره ـ Annite Destrée) بقوله:
«… وتخضع كغيرها من الأمور لسيطرة زعماء المقاطعات الكبار حيث يشترون هذا العمل من الملك، ثم يحاولون بمختلف الوسائل تعويض ما بذلوه من خلال جني الضرائب، ويحصلون على أرباح طائلة من خلال ذلك. ولا يذهب إلى خزينة الدولة إلاّ مقدار ضئيل من هذه الضرائب، بينما يحتفظون بجميع المبالغ الأخرى التي يحصلون عليها من ذلك لأنفسهم»([11]).
ولقد واجه عباس ميرزا مشاكل جمة في طريقه لإعمار البلاد لعدم وجود الظروف الملائمة لمساعيه.
وعلى الرغم من بطء حركة هذا التطور، إلاّ أنه ظل مستمراً على يد بعض الشخصيات المؤيدة للإصلاحات مثل (أمير كبير) إذ ابتدأ هذا الرجل الإيراني المصلح والسياسي الفذ بنشاطات واسعة شاملة على سبيل تطوير البلاد والارتقاء بموقعها، في زمن صدارته للملك ناصر الدين شاه([12]).
ومن الأشخاص الآخرين الذين كان لهم دور في عمليات الإصلاح هو الميرزا جعفر خان مشير الدولة التبريزي الذي شغل عدة مناصب حكومية في مراحل مختلفة من حياته، وقد شكل أول وزارة على النمط الأوروبي في عام 1858م (1275هـ) تحت عنوان شورى الحكومة، وضمت هذه الوزارة 6 حقائب وزارية([13]).
وفي زمن حكومة مشير الدولة هذه، كتب ملكم خان، الرجل السياسي المثقف، ودبلوماسي القرن التاسع عشر رسالة ضمَّنها اقتراحات بتشكيل حكومة قانونية وتجزئة القوى الحكومية، ولكن لم يدم عمر شورى الحكومة طويلاً، إذ شلته مساعي رجال البلاط الملكي المتحجرين([14]).
ورغم أن الملك ناصر الدين أثبت أنه ملك مستبد وعدو للإصلاحات، إلاّ أنه كان يهتم بهذه الإصلاحات أحياناً تحت تأثير صدره الأعظم الميرزا حسين خان سپهسالار. وإثر تشجيع هذا الصدر الأعظم قرر الملك السفر إلى أوروبا ليشاهد عن كثب مدى التطور الذي بلغته هذه الدول، وقد اعترف ناصر الدين شاه بهذا الموضوع في رسالة له إلى ظل السلطان عام 1872م (1289هـ)، حيث كتب فيها «نرغب بمشاهدة أوروبا، وهدفنا الأصلي في سفرنا هو التعرف على الأسس والقواعد التي قامت عليها الإصلاحات وأسباب التطور في هذه البلدان، ونحن نحب أن نشاهد بأنفسنا الامور التي كانت سبب سعادة وتطور شعوب البلدان الأخرى وأن نقوم بانتقاء ما يلزمنا منها»([15])، ولكن عجلة التطور لم تتحرك إلاّ ببطء لكون الملك محاطاً بالمتحجرين من رجال البلاط.
ومن جانب آخر لم يكن سير الإصلاح والتطور ليتوقف بصورة كاملة، لأن الحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت قد بدأت آنذاك في العديد من بلدان العالم، فلا يمكن لإيران وهي تحتل موقعاً استراتيجياً مهماً أن تنزوي عن هذه الحركات. ومن ضمن هذه التغيرات، كان بلوغ الحركات المطالبة بالمشروطة والحركات القومية والحركات المطالبة بالاستقلال أوجها في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستوعبت بنشاطاتها العديد من شعوب العالم.
وقد نظمت سلسلة من (قوانين الإصلاحات) في بريطانيا مثل «القانون الثاني لحرية الإدلاء بالرأي في الانتخابات» (Second Suffrage Act) في عام 1867م و«حق الرأي الإنساني لبريطانيا» (Manhood Suffrage for Britain) في عام 1884م، وغير هذه القوانين التي سنت لأجل الحفاظ على حق حرية الاشتراك في الانتخابات والإدلاء بالرأي وتقسيم مقاعد البرلمان([16]).
وبعد أن اتحدت المقاطعات الإيطالية السبعة، بعد سلسلة من الانتفاضات، جرت بين الأعوام 1859 ـ 1870م، وتحولت إلى دولة واحدة؛ أقامت لنفسها دستوراً أساسياً وبذلك وجدت دولة إيطاليا الملكية.
وفرضت (المشروطة) في عدد من الدول الأوروبية هي: ألمانيا والدانمارك، وفرنسا والنمسا إثر سلسلة من المعارك الدموية ما بين سنتي 1864 و1871م وفي النمسا والمجر عام 1869م وألمانيا عام 1871م والجمهورية الثالثة في فرنسا عام 1875م. وفي السنوات التالية ظهرت الحركات الوطنية في بلدان البلقان، وتمخضت الحرب التي دارت بين روسيا والدولة العثمانية عام 1878م عن وجود دولة رومانيا([17]). وفي عام 1876م نظم داعية الحرية التركي المشهور، مدحت باشا دستوراً أساسياً ثم أقره السلطان عبد المجيد الثاني، وعلى الرغم من أن هذا الدستور ظل معلقاً إلى حين، إلاّ أنه فرض مرة أخرى في عام 1908م.
وفي غضون الربع الأخير من القرن التاسع عشر، هاجر العديد من المثقفين والتجار الإيرانيين إلى الدولة العثمانية وتعرفوا هناك على الأفكار العصرية التي كان يحملها بعض المثقفين الأتراك فمثلاً عاش ميرزا حسين خان سپهسالار في إسطنبول بين عام 1858 و1870م (1275 ـ 1287هـ) بصفة وزير مفوض في بادئ الأمر ثم بعنوان السفير الأول لإيران. ومن خلال رسائل سپهسالار إلى البلاط ووزارة الخارجية الإيرانية يمكننا معرفة مدى حماسته في تأييده للإصلاحات العثمانية التي شاهدها خلال الفترة التي أمضاها في إسطنبول. ونراه يتحدث عن أهمية الرسالة الشهيرة لمصطفى فاضل باشا بشان تأسيس البرلمان([18])، ونراه أيضاً مأخوذاً بالإصلاحات العثمانية في مجال سن القوانين، إلى أبعد الحدود، ويمتدح في موضع آخر القانون العثماني الحديث الذي يساوي بين جميع رعايا هذه الإمبراطورية([19]). كما يتعرض في رسائله لذكر الحركات الوطنية في بلدان البلقان.
وكانت تربط سپهسالار علاقات ودية مع دعاة التجديد الأتراك مثل فؤاد باشا ومدحت باشا،وتأثر بنشاطاتهم الداعية إلى التحرر إلى أبعد الحدود. وكانت رسائل سپهسالار مفعمة بالحديث والبحوث حول الأحداث السياسية في أوروبا، وتشكيل مجلس الشورى الوطني وإعداد الدستور الأساسي في الدولة العثمانية، وكان يشجع الحكومة الإيرانية على الاقتداء بهذه الدولة.
ويمكن الحصول على نموذج آخر لكيفية تعرف الإيرانيين على الأفكار الحديثة والنشاطات التجديدية في الدولة العثمانية من خلال ملاحظة حياة وأفكار الميرزا ملكم خان. وعلى الرغم من أن هذا الرجل كان مؤيداً لتوظيف رؤوس الأموال في إيران، إلاّ أنه تحمل مصاعب جمة في سبيل الترويج لأفكار (المشروطة) في إيران. وقد أمضى أغلب حياته في خارج البلاد وأنيطت به عدة مهام ونشاطات دبلوماسية، ومن ثم فقد وقف بنفسه على مسيرة الأفكار والنشاطات التجديدية في مختلف البلدان. واضطر إلى البقاء في إسطنبول في الأعوام (1863 ـ 1871م) بعد تعرضه لغضب الملك ناصر الدين بسبب ما قام به في مسالة لاتار. وصادفت هذه السنون المرحلة الثانية لحركة أنصار المشروطة في الدولة العثمانية (في عام 1865م أي بعد المرحلة الأولى التي كانت في عام 1859م بست سنوات). وفي عام 1867م قام مصطفى فاضل باشا بتشكيل مجموعته التي أسماها (الشبيبة التركية) (Jeunes Turcs) في باريس.
وفي نفس هذه السنة، وجه فاضل باشا رسالة مفتوحة إلى السلطان عبد العزيز طالبه فيها بإيجاد نظام (المشروطة)، وأكد على أن هذا النظام هو الأسلوب القانوني الوحيد للحكومة في تركيا. وأفلحت هذه الحركة في الحصول على (المشروطة) عام 1876م. وكان ملكم خان يراقب كل هذه التحركات عن كثب، وإضافة إلى ذلك فقد كانت تربطه علاقات ودية مع قادة الإصلاح والتجديد في تركيا مثل كامل باشا وعالي باشا. وفؤاد باشا([20]).
ومن الدول التي سبقت إيران في مجال الحركات الداعية إلى إقرار (المشروطة): مصر، ولا نرى بأساً في الإشارة إلى هذا الموضوع. فقد حصلت في مصر تغييرات عديدة في الدستور الأساسي لمصر بعد احتلال نابليون وطوال القرن التاسع عشر، ويمكن ذكر بعضها كما يلي:
(1 ) تأسيس الديوان الخاضع لإدارة نابليون عام 1798م.
(2 ) مجلس الشورى الذي أسسه محمد علي خديوي مصر عام 1829م.
(3 ) مجلس شورى النواب الذي أُقيمت دعائمه على يد الخديوي إسماعيل في عام 1860م ومرة أخرى عام 1866م.
(4 ) مجلس النظار الذي شكله الخديوي إسماعيل عام 1878م.
وبعد ثورة عرابي باشا في عام 1882م كتب دستور أساسي ثم علق العمل به في السنة التالية، إذ كتب الإنكليز بديلاً له. وأخذت الحكومة المصرية تعمل بموجبه، وقد ظل ساري المفعول حتى الحرب العالمية الأولى([21]).
وكان العديد من الإيرانيين يعيشون في مصر خلال القرن التاسع عشر وخصوصاً النصف الثاني منه، وشاهد هؤلاء التغييرات التي تحصل في مصر آنذاك عن كثب. وخلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان في القاهرة عدد من المثقفين الإيرانيين، فباشروا بإصدار بعض الصحف باللغة الفارسية مثل حكمت (1892م)، ثريا (1898م) وبرورش (1900م)، وكان لهذه الصحف شعبية كبيرة في أوساط المتعلمين الإيرانيين، وقد منعت من الدخول إلى إيران بأمر من الملك والحكومة([22]).
وفي الهند نظمت أيضاً عدة من القوانين الأساسية منذ عقد 1850م، وقد فرضت هذه القوانين أثر ثورة 1857م في الهند، وبدأ العمل بقانون 1858م. ويقضي هذا القانون بحل شركة الهند الشرقية وإخضاع الحكومة الإنجليزية في الهند بصورة رسمية لوزارة خارجية وبرلمان مستقل. وفي عام 1861م كتب (قانون شورى الهند) الذي يقضي بإقامة علاقات بين الشعب والحكومة.
وأسس (المؤتمر الوطني في الهند) عام 1885م، واشترك في اجتماعه الأول الذي عقد في بومباي 72 شخصاً، يمثلون سائر الأقاليم الهندية. وفي الحقيقة كانت هذه الحادثة منطلقاً لتاريخ القومية في الهند. وقد وضع هذا المؤتمر الحجر الأساس لمجلس شعبي في الهند، وكانت الخطوة التالية في هذا السبيل إيجاد قانون الشورى عام 1892م([23]).
وكان الإيرانيون المقيمون في الهند يشاهدون سير هذه الأحداث المتعلقة بالقانون والمطالبة بالمشروطة.
وكان نصر الله ملك المتكلمين وهو أحد الزعماء النشيطين لحركة المشروطة في إيران قد سافر إلى الهند عام 1881م، وقام بنفسه بتأليف كتاب نقدي في السياسة والمجتمع خلال فترة إقامته في الهند، وأسماه «من الخلق إلى الحق»([24]).
ومن الزعماء الفكريين الآخرين لثورة (المشروطة) في إيران: السيد جلال الدين مؤيد الإسلام، الذي كان ساكناً في الهند، وقد أصدر صحيفته المعروفة بالحبل المتين في كلكتا وفي طهران أيضاً.
ومما يجدر ذكره مسير حركة المطالبة بالمشروطة في اليابان، إذ كانت سلمية ودية واستغرقت مراحل نموها 9 سنوات فقد أعلن إمبراطور اليابان بدء الحركة في عام 1881م ثم أقر بعد ذلك الدسستور الأساسي لبلاده في 11 شباط 1889م([25]).
وحسب تعبير أحد العلماء اليابانيين كان هذا القرار «… هدية من الملك». وعلى الرغم من أن هذا الدستور قسم القوى في البلاد إلى ثلاثة هي: التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلاّ أنه على حد قول الدكتور هوزمند (Hozmund): كان يرتكز على محور الحكومة الإلهية ـ الأبوية للملك([26]).
ولا يبدو إن كان هناك علاقات رسمية بين إيران واليابان، ولكن ثمة وثائق عديدة تثبت وجود علاقات محدودة بين البلدين. وقد ترك لنا الحاج محمد علي السياح المعروف بالحاج السياح ـ وهو من المعارضين الأشداء لحكومة ناصر الدين شاه ـ مواضيع عديدة حول سفره إلى الصين واليابان في السنوات التي سبقت عام 1877م (1294هـ)([27]). ويذكر الحاج السياح بأنه اضطر للحصول على جواز سفر أمريكي لأجل السفر إلى الصين واليابان لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين إيران وهذه البلدان، حيث يقول:
«وبعد ذلك التاريخ …. حاولت الحصول على بطاقة أمريكية لغرض السفر إلى اليابان والصين، واستطعت الحصول على هذه البطاقة ومعها توصية إلى الوزير الصيني المفوض، بتأثير الخدمات التي أديتها في أميركا والتي ذكرتها بالتفصيل في مذكرات سفري إلى الخارج، وبمساعدة بعض الأصدقاء»([28]).
ومن الطبيعي أن يكون هذا الرجل الإيراني، بما يتمتع به من قدرة بحث وتمحيص، قد شاهد سير التطور والإصلاحات التي حصلت في اليابان منذ عام 1850م.
وقد كتب الحاج سياح مذكرات أخرى حول مشاهداته في أسفاره إلى الخارج وربما يكون قد كتب بالتفصيل أكثر من سير التجديد في اليابان والصين خلال القرن التاسع عشر، ولكن مع الأسف ليس لدينا الآن أي معلومات حولها، ولم يذكر مصحح القسم المطبوع من مذكرات حاج سياح شيئاً حول هذه المواضيع.
وهناك وثيقة إيرانية تظهر بأن وفداً يابانياً قد زار ناصر الدين شاه موفداً من الإمبراطور الياباني، وقدم له 24 صندوقاً من الهدايا، وقد دخل هذا الوفد مدينة قمن وأمر ناصر الدين شاه بإكرام الوافدين، لكونهم مندوبين رسميين عن بلادهم([29]). وتظهر هذه الحادثة أول الخطوات اليابانية للتقرب من إيران.
وكذلك نعلم بأن أمين السلطان وميرزا أحمد خان ومهدي قلي هدايت ومعهم أربعة إيرانيون آخرون كانوا قد سافروا إلى اليابان في عام 1903 و1904م (1321 ـ 1322هـ) بعد سفرهم إلى مكة، ولقوا في اليابان استقبالاً وترحيباً من قبيل الحكومة اليابانية والإمبراطور الياباني([30]). ويذكر هدايت في كتاباته أن ثمة شخصاً يدعى (صحاف باشي) كان يتردد على اليابان قبل سفر أمين السلطان إليها، وحين عودته إلى إيران كان يجلب معه في كل مرة آيات من الفن الياباني([31]). ويذكر ناظم الإسلام الكرماني في كتابه برقية كان السيد محمد الطباطبائي قد بعث بها إلى الإمبراطور الياباني أثناء ثورة المشروطة في إيران يتحدث فيها عن المسلمين الساكنين في اليابان([32]). وفي موضع آخر يبدي السيد الطباطبائي أسفه لأن جميع البلدان قد أرسلت ممثلين عنها إلى اليابان ما عدا إيران([33]).
وعلى الرغم من عدم وجود علاقات وثيقة بين دولتي إيران واليابان، إلاّ أن الإيرانيين كانوا يمتلكون معلومات كبيرة نسبياً بشأن اليابان، وعلى غرار أكثر البلدان الآسيوية كانوا يرغبون بانتصار اليابان على الروس في حرب عام 1904م. وكانت تنشر آنذاك كتب ومقالات باللغة الفارسية، تبحث البرامج اليابانية الناجحة في تجديد وتحديث اليابان والارتقاء بمستوى الصناعة فيها([34])، وينبغي أن نشير إلى الكتب والمنشورات التي كانت تطبع وتوزع من قبل الروس في عشق آباد، لغرض الإعلام الكاذب والمزيف الذي يتحدث عن انتصارهم على اليابانيين. ويصف إدوارد براون هذ المنشورات بأنها آلة سياسية ووسيلة لتحقيق الأهداف الروسية في إيران، وقد أسست في زمن حرب الروس مع اليابان لتظهر «التقدم» والانتصارات الروسية في هذ الحرب. وكانت هذه المنشورات توزع في جميع أنحاء إيران مجاناً بواسطة القنصليات الروسية([35]). وعلى الرغم من كل هذه الدعايات والإشاعات الكاذبة، كان الإيرانيون يتمنون من صميم قلوبهم انتصار اليابان وهزيمة الروس في هذه الحرب، ولم يكن شعورهم هذا ناتجاً عن حبهم لليابانيين الذين كانوا يسعون آنذاك ليصبحوا بدورهم قوة استعمارية جديدة في العالم، إنما كان ناتجاً عن بغضهم للروس الذين تكبد الإيرانيون المصاعب والمآسي منهم.
وقد تأثر أحد الإيرانيين المقيمين في روسيا ويدعى عبد الرحيم طالب أوف كثيراً بأحداث المشروطة في اليابان وما تلتها من أمور أخرى على نفس السبيل، مما حدا به للحديث عن هذه التغييرات والإصلاحات اليابانية في كتبه، ولم يكتف بذلك بل ترجم الدستور الياباني إلى الفارسية وأثبته في آخر كتابه «مسائل الحياة».
ومن ثورات المشروطة الأخرى التي حصلت في أماكن أخرى من العالم ويجدر بنا ذكرها في بحثنا هذا؛ هي ثورة المشروطة في روسيا التي وقعت في عام 1905م، وقد كان لهذه الثورة أبلغ الأثر على البلدان الآسيوية([36]).
وترجع بدايات هذه الثورة إلى عقد الستينات من القرن التاسع عشر، وفي عام 1903م حصل انشقاق بين زعيمي هذه الثورة. وهما لينين ويلخانوف، فالأول كان يؤيد فكرة الثورة الماركسية، بينما يطالب الثاني بإحداث ثورة ديموقراطية في البلاد. وبعد هزيمة روسيا في حربها مع اليابان في حرب 1904 ـ 1905م وانتشار الفوضى في البلاد، اضطر الإمبراطور الروسي نيقولا الثاني للوقوف إلى جانب (المناشفة)، ليقضي بذلك على حركة (البلاشفة) بزعامة لينين. ومن ثم فقد أصدر بياناً ـ أعده ويت (Witte) ـ إلى الأمة الروسية أعلن فيه إقامته للقواعد الأساسية للحرية مثل صيانة الأفراد وحرية الأفكار والتعبير والتجمعات الشعبية، وإضافة إلى ذلك فقد أعلن عن اقتدائه بالطريقة الغربية في الانتخابات والاقتراع وصرح بأنه لن تكون هناك أية قيمة قانونية لأي قرار يصدر دون إقراره من قبل مجلس الشورى (دوما) ([37]).
وقد أدرك اسبكتور (Spector) تأثير الثورة الروسية على الأوضاع في إيران، ونبه إلى اقتداء ثورة المشروطة في إيران بهذه الثورة([38]).
ويجدر بنا أن ننبه إلى أن دور الثوار الروس لم يكن كبيراً في إيران، إنما كان الدور الأكبر في ذلك للإيرانيين الاشتراكيين الديموقراطيين الساكنين في القفقاز. فقد بذلك هؤلاء جهوداً مضنية في سبيل إنجاح الثورة، ولم يتعرض أحد إلى الآن للبحث عن دورهم كما هو حقه، ولا نرى للبحث في هذا المجال وجوداً إلاّ على شكل مواضيع مبعثرة في بعض الصحف الفارسية وغير الفارسية، وهي لا تفي بشكل من الأشكال بالغرض المطلوب. وأكثر هذه التحقيقات والبحوث التي كتبت في هذا المجال أهمية وتفصيلاً هي ما كتبه العلماء الروس، ولا مندوحة لكل باحث في هذه الفترة من تاريخ إيران من الاطلاع عليها، ولكن ينبغي مراعاة الدقة والحذر في ذلك، إذ لا يبدو أن هذه البحوث والتحقيقات تتمتع بالحيادية والموضوعية التاريخية([39]).
وقد كانت تربط إيران وروسيا سلسلة من العلاقات الثقافية والاقتصادية لفترات طويلة من الزمن، وهاجر العديد من التجار والعمال الإيرانيين إلى روسيا لغرض الاشتغال في المراكز النفطية في باكو، بحيث بلغ عدد العمال الإيرانيين المهاجرين إلى روسيا حتى عام 1910م ما يقارب 200 ألف شخص سنوياً([40]).
ويكتب اسبكتور في هذا الموضوع ما يلي:
«شكل الإيرانيون المقيمون في تفليس في عام 1905م تجمعاً، والغرض من هذا التجمع هو تزويد العمال الإيرانيين المهاجرين، حين عودتهم إلى بلادهم بالأفكار الثورية والمنشورات المعادية للسلطة وبالأسلحة، في سبيل توسيع حركة المتمردين (التي حدثت قبل ثورة المشوطة لمواجهة نظام الاستبداد»([41]).
ويجدر التذكير بأن ثورة المشروطة في إيران قد حظيت بأهمية خاصة من الناحية العالمية، إذ كانت أول ثورة تحرر في آسيا بعد ثورة 1905م في روسيا، وكانت بدورها حافزاً قوياً لسائر الثورات الآسيوية الأخرى ومنها ثورة تركيا عام 1908م، وقد لفتت أهمية هذا الدور نظر الثوار الروس آنذاك، بحيث كان بقراط يثني دائماً على دعاة التحرر الإيرانيين في خطبه.
ولا نرى بأساً هنا أن نذكر بحثاً موجزاً عن نشاطات دعاة المشروطة في الصين، التي حصلت في وقت سابق لحركة المشروطة في إيران.
سعى عدد من العلماء والمثقفين وكبار المسؤولين الصينيين لإيجاد سلسلة من الإصلاحات الداخلية في بلادهم، لإدراكهم حاجة الدولة والمجتمع لتغييرات جذرية، بعد حرب الفيون في 1839 ـ 1862م مع إنكلترا وبعد ما رأوه من تدخلات متزايدة من قبل إنكلترا وفرنسا واليابان في الشؤون الداخلية للصين. ومن المصلحين الصينيين المعروفين (سون يات سن Sun – Yat – Sen) الذي أسس «جمعية توسعة وعمران الصين» عام 1894م. وكان اول هدف لهذه الجمعية هو إقامة حكومة ملكية مشروطة في البلاد، وفي عام 1905م ترأس سون يات سن «الاتحاد الثوري» الهادف إلى إقامة النظام الجمهوري، وقد اقترح خمسة اقتراحات، من ضمنها: «يجب أن يتمتع جميع الشعب الصيني بالمساواة ووحدة الحقوق السياسية، ويجب أن ينتخب رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان من قبل الشعب»([42]).
ونشرت بعض الصحف مثل مين باأو (Min – Pao) مقالات عديدة، حول حاجة الصين إلى الإصلاحات([43]).
وقد ساهمت هزيمة الصين في حربها مع اليابان في الأعوام 1894 ـ 1895م في التسريع في سير الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذه البلاد، لأن هذه الهزيمة قد جرحت كبرياء الصينيين إلى أبعد الحدود، إذ كانت اليابان على الدوام تقتدي بالصين في ثقافتها وتحضرها، وما قوتها وتسلطها على الصين ىنذاك إلاّ حصيلة الخطوات العملية التي خطاها اليابانيون على سبيل التطور والتجديد وامتلاك التكنولوجيا.
وكانت بداية القرن العشرين متزامنة مع مرحلة سقوط النظام القديم في الصين، وعلى الرغم من أن تزوهسي (Tzuhsi) الإمبراطور الصيني ظل متربعاً على عرشه لبعض الوقت ولكنه «رضخ للأمر في عدم إمكان تجنب الإصلاحات والتحديث في البلاد، ومن ثم فقد أوكل أمر تنفيذ هذه الإصلاحات إلى نصيره وحليفه السياسي (يوان شيه كاي (Yuan Shihkai ….»، وقد بلغت أفكار أنصار الجمهورية ثمرتها: فقد أعلن عن تشكيل النظام الجمهوري في الصين عام 1911م([44]).
وحسب علم الكاتب فإنه ليس ثمة دليل متوفر، يثبت تأثير ونفوذ الإصلاحات الحديثة في الصين في أوساط دعاة التجديد في إيران، ولكن المعلومات التي تتوفر من هنا وهناك لا تسلب إمكان اطلاع الإيرانيين على مسيرة التجديد في الصين، وكما ذكرنا سابقاً فإن الحاج سياح كان قد سافر إلى الصين قبل عام 1877م، ولكن لا ندري مدى ما حصل عليه من معلومات في هذه البلاد، خصوصاً وقد كان سفره في فترة من القرن التاسع عشر لم تكن فيها خطوات كبيرة على سبيل التجديد في الصين.
وفي عام 1903م زار أمين السلطان ومعه 6 إيرانيين آخرين الصين، ويذكر قلي مهدي قلي هدايت وهو أحد مرافقي أمين السلطانفي سفرته، تعرفه على أحد رجال الدين المسلمين من أهل بخارى ويدعى سيد ملا نور الدين، وقد ألف هذا كتاباً في قواعد اللغة الفارسية([45]). ويمكن أن يعد رجل الدين هذا كنموذج لرابطة ثقافية حية بين إيران والصين في السنين الولى من القرن العشرين، وكذلك يتحدث هدايت عن وجود تجار إيرانيين في شانگهاي (Chang – hi) يشتغلون في تجارة الشاي([46]).
وكان الإيرانيون المقيمون في الصين يتمتعون بالثقافة والقدرة على مطالعة الصحف الصينية، وقد علموا بخبر قدوم أمين السلطان إلى الصين عن طريق هذه الصحف([47]). ونستنتج من قراءة التجار الإيرانيين للصحف الصينية، أنهم كانوا يتابعون الأحداث الجارية في تلك البلاد. ولا شك أن التجار الإيرانيي الأصل كانوا على اتصال مستمر مع إيران، ويحيطون مواطنيهم بنشاطات دعاة التجديد والنضال السياسي في الصين، وثمة وثيقة بريطانية تظهر بوضوح وجود علاقة تجارية بين الصين وإيران، ويذكر اسبرنيك رايس أن مجموع الأرباح الحاصلة من جمارك جنوب إيران لصادرات الترياك من إيران إلى الصين قد بلغت في سنتي 1905 ـ 1906م حوالي 125,000 جنيه استرليني، ويضيف اسبرنيك رايس أنه في حال توقف صادرات الترياك إلى الصين فستلحق جمارك بوشهر خسارة سنوية قدرها 12,000 جنيه استرليني([48]).
وإضافة إلى العلاقات التجارية هذه، حري بنا أن نذكر بأن أمين السلطان وأعضاء وفده قد عادوا إلى إيران بأخبار جديدة عن حركة التحديث والتجديد في الصين التي كانت تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية وكذلك الجوانب الاجتماعية. فعلى سبيل المثال كتب هدايت عدة صفحات من مذكراته حول الجمعيات السرية في الصين([49]).
ولم يؤد هدايت هذا الموضوع حقه، فبالإضافة إلى الحركات الداعية إلى الإصلاح في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، والتي تحدثنا عنها باختصار آنفاً كان هناك حركات سرية نشطة وواسعة في الصين، ومنها جمعية ين ـ هسوه هوي أي جمعية البشرية (Hesueh Hui Jen)، والتي كان لها الدور الأكبر في تهيئة الأرضية لنشاطات أوسع في الصين خلال السنين الأولى من القرن العشرين([50]).
وحول الجمعيات السرية في الصين كتب جان جسنو (Jean Chesneaux) بحوثاً دقيقة، وعرض في أحد آثاره بحثاً في غاية الدقة والتفصيل عن تقاليد وخصائص ومميزات هذه الجمعيات والاتفاقيات التي تعقد فيما بينها مع ذكر الأسماء الخاصة بها ولنشاطاتها. ويذكر جسنو في معرض حديثه عن جمعية (نيلوفر سفيد) اعتقاد بعض العلماء بوجود بعض النفوذ لأفكار ومعتقدات الدين الماني الذي كان متداولاً في الصين خلال القرون الوسطى في أوساط هذه الجمعية([51]).
ويبدو من الطبيعي جداً أن يكون التجار والأفراد الإيرانيون المقيمون في الصين يترددون على إيران ويحملون معهم أفكاراً ونشاطات سياسية وسرية من الصين إلى إيران، ومن ثم كانت هذه المعلومات إحدى العوامل التي أثرت في الجمعيات الإيرانية السرية خلال فترة ثورة المشروطة.
وثمة سبل أخرى كانت تساهم في إيصال أحداث الصين إلى الإيرانيين، فعلى سبيل المثال كان الإيرانيون وسائر الشعوب الآسيوية تتابع بدقة الأخبار المتعلقة بحرب اليابان مع الصين في 1894 ـ 1895م وحربها مع روسيا عام 1905م والتي دارت رحاها في الأراضي الصينية([52])، وإضافة إلى أخبار الحرب كانت هذه الشعوب تحاول معرفة بعض الأمور عن الدول المتحاربة.
لقد سعينا من خلال ذكرنا لخلاصة ثورات المشروطة في مختلف بلدان العالم لإظهار أن ثورة المشروطة في إيران كانت استمراراً لهذه الثورات التي كانت آخذة في التوسع على مختلف الأصعدة والمجالات. ويبدو واضحاً أن محاولات الإيرانيين المستمرة لإرساء قواعد نظام المشروطة كانت منطقية آنذاك، بسبب مجاورة إيران لبلدين كانا في حال الثورة هما روسيا وتركيا العثمانية، وعلاقاتها بمصر والهند واطلاع الناس على الأحداث السياسية والاجتماعية المختلفة في الصين واليابان ـ إضافة إلى هذه الأسباب فثمة سبب آخر، وهو إحساس المثقفين الإيرانيين الذين كانوا في مراقبة مستمرة لنشاطات دعاة المشروطة في أوروبا بأن الأسلوب السياسي للحكم في إيران آنذاك، لم يعد مطاقاً ولا يمكن الصبر عليه. وهكذا أصبح هؤلاء على اختلاف مذاهبهم السياسية ورؤاهم الفكرية يرون أن السبيل الوحيد للوصول إلى الأمن والاستقرار في إيران وحفظ كرامة البلاد بين دول العالم وإبقاء دور وأهمية وحفظ كرامة البلاد بين دول العالم وإبقاء دور وأهمية إيران في الأوساط العالمية كامن في إنهاء نظام الاستبداد فيها وإقرار نظام المشروطة والديمقراطية بدلاً عنه.
وأدرك المثقفون الذين ذكرنا أسماءهم آنفاً، وغيرهم مثل آخوند زاه والسيد آمّا خان كرماني ومستشار الدولة التبريزي والسيد جمال الدين الأسد آبادي (الأفغاني) ومجد الملك وزين العابدين المراغه اي([53])، بأن أكثر القيم الحديثة وثيقة الصلة بالواقع.
وكان هؤلاء المثقفون على اطلاع واسع بالظروف التي يعيشها العالم ومدى الفساد الذي ينخر إيران من الداخل، وكانوا على يقين بأن فساد الحكومة سيقوض دعائم النظام من الداخل، وعمليات الإشراف والوصاية الامبريالية ستلحق بهذا النظام وبالبلد خسائر وأضراراً فادحة. وقد أدرك هؤلاء بأن الشعب الإيراني قد تعب من الفوضى التي تسود البلاد، وهو سيئ الظن كثيراً بمسؤوليه، ومن ثم فقد باشر هؤلاء المثقفون بنشاطاتهم ونضالهم الفكري والصحفي من الداخل والخارج. وطبعاً لم تكن هذه النشاطات الفكرية كافية لإحداث ثورة (المشروطة) في البلاد.
وقد ذكر مورخاي العوامل الخارجية التي أحدثت ثورة المشروطة في إيران وهي كما يلي:
1 ـ هزيمة بلد أوروبي يفتقر إلى نظام (المشروطة) وهو روسيا من قبل بلد آسيوي يتمتع بحكم المشروطة وهو اليابان.
2 ـ المقاومة البطولية للبويريين في إفريقيا الجنوبية ضد الإنكليز في حروب 1899 ـ 1902م.
3 ـ تنافس القوى الكبرى آنذاك وهي روسيا وبريطانيا وتعارض مصالحها في إيران. وكان الإنكليز في بادئ الأمر يؤيدون فكرة تغيير النظام القديم، ليحدوا من الاستثمارات والتدخلات الروسية المباشرة في إيران، ولكنهم عادوا وغيروا رأيهم فوقفوا إلى جانب الروس في مساعيهم للقضاء على ثورة المشروطة بعد اتفاقية عام 1907م.
ويلخص مورخاي العوامل الداخلية التي ساهمت في إيقاظ وتوعية الشعب وإحداث ثورة المشروطة كما يلي:
تأسيس المدارس بواسطة المؤسسات الأجنبية، وإلغاء امتياز التنباك في عام 1891م (1303هـ)، قتل ناصر الدين شاه على يد الميرزا رضا الكرماني، انتشار النشرات والصحف المعادية للدولة واتساع نطاق عدم الرضا من الحكومة في أوساط عموم الشعب والعلماء. وإضافة إلى كل هذه العوامل ينبغي إضافة العامل الاقتصادي المخيم على البلاد آنذاك.
وقد أصبح ـ في ذلك الوقت ـ وضع التجار عرضة للخطر، بسبب وجود الامتيازات وتوظيف رؤوس الأموال الأجنبية في البلاد، ومن ثم أخذ التجار يسعون بكل قواهم لأجل إقرار حكومة تحافظ على مصالحهم، وازداد سخط الناس من حكومتهم فلجؤوا إلى الوقوف إلى جانب العلماء أكثر، ليتسنى لهم النضال بوجه هذه الحكومة المدافعة عن مصالح الأجانب([54]).
كل هذه الأسباب ومعها عوامل وأسباب أخرى، تضافرت في سبيل إحداث ثورة المشروطة في إيران، وقد حدثت بعض الأمور آنذاك كان لها أثر في زيادة عداء العلماء والوطنيين والمثقفين للحكومة. وأخيراً توجت هذه الأحداث والمساعي الحثيثة لهؤلاء بإعلان المشروطة في عام 1324هـ.
عبد الهادي الحائري
الجمهورية الإسلامية
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وبناء على استفتاء عام تقرب نتيجته من الإجماع (98,2 ٪) أعلنت الجمهورية الإسلامية.
وفي دستور الجمهورية الإسلامية هذه، يُنتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري من قبل الشعب لمدة أربع سنوات. وبما أن الثورة الإيرانية هي إسلامية تماماً، فإن قوانين البلاد ومقرراتها قد نظمت على أساس الدين الإسلامي، وعهد إلى لجنة من اثني عشر عضواً نصفهم من الحقوقيين البارزين والنصف الآخر من الفقهاءمن علماء الشريعة تدعى «شوراي نگهبان» (لجنة المحافظة على الدستور) بالإشراف على سَنّ قوانين الدولة وفق أحكام الدين الإسلامي وَوُفْقَ الدستور المستقاة بنوده ـ بدوره ـ من الإسلام.

الدكتور كمال خرازي
وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي لمع في المحافل الدولية محافظاً ومفاوضاً ومناضلاً عن فلسطين
المعالم العامة
وإيران دولة جبلية تقع في الشرق الأوسط، في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، بين الدرجتين 25 ْ، و40 ْ من خط العرض الشمالي، والدرجتين 44 ْ و63 ْ من خط الطول الشرقي من منتصف النهار بتوقيت غرينتش، وتبلغ مساحتها 1,648,195 كيلومتراً مربعاً، وهي بذلك تُعَدُّ من حيث المساحة الدولة السادسة عشرة في العالم.
الطقس
إن الموقع الطبيعي لدولة إيران قد جعل في النقاط المختلفة منها كلاًّ من أنواع الطقس الثلاثة: فالطقس الخزري في محيط بحر الخزر المعروف في العربية باسم بحر قزوين (رطب). والطقس الجبلي (نصف جاف). والطقس الصحراوي (جاف).
والمعدل السنوي للأمطار على طول سواحل بحر الخزر (بحر قزوين) في شمالي البلاد، يبلغ نسبة مرتفعة تسبَّبت في إيجاد غابات خضراء شاملة، وجعلت الطقس رطباً في تلك النواحي، بينما يتدنى المعدل السنوي للأمطار في المناطق المركزية الوسطى والصحراوية إلى الحد الأدنى. أما المعدل السنوي للأمطار في البلاد فهو بين 25 و30 سنتيمتراً.
الجبال
إن حوالي 90 % من مساحة الجمهورية الإسلامية ـ الإيرانية أرض صحراوية، وإن أكثر من نصف مساحة البلاد مغطاة بالجبال، ولذا تعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة جبلية. وتقسم هذه الجبال إلى أربع سلاسل: سلسلة شمالية، وسلسلة جنوبية غربية، وسلسلة مركزية، وسلسلة شرقية. وإن أعلى نقطة في إيران هي قمة جبل «دَماوَنْد» المشهور البالغ ارتفاعه 5671 متراً والذي تغطي الثلوج غالباً قمته الجميلة في كل الفصول؛ ويلي دماوند جبل «سَبَلان» في «أردبيل» بارتفاع 4811 متراً. وجبل «تخت سليمان» في «كلاردشت» بارتفاع 4643 متراً.
الأنهار
عدا نهر «كارون» في الجنوب الذي تمكن ملاحة السفن فيه، فإن أنهار إيران هي في معظمها قليلة المياه وتنتهي غالباً إلى ثلاثة مصبات هي: بحر الخزر (بحر قزوين) في الشمال، بحر عمان والخليج الفارسي في الجنوب، والمصبات الداخلية التي تشمل بحيرة قم، وبحيرة أرومية، والمستنقعات الداخلية. أما أكبر نهر في إيران فهو نهر «كارون» الذي يبلغ طوله 890 كيلومتراً، يليه نهر «أرس» الواقع في شمالي البلاد على الحدود بين إيران والاتحاد السوفياتي وطوله 800 كيلومتر، ثم نهر «سفيدرود» البالغ طوله 765 كيلومتراً.
البحار والبحيرات
إن بحر الخزر (بحر قزوين) الواقع في شمالي البلاد والذي تبلغ مساحته 1,424,200 كلم مربع، هو أكبر بحيرة في العالم.
والقسم الشمالي من هذه البحيرة الكبيرة ـ التي تسمى غالباً «بحراً» بسبب اتساعها ـ يقع فيما كان يسمى الاتحاد السوفياتي، والقسم الجنوبي منه الذي يحوي مياهاً أعمق وثروة سمكية أكثر يقع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وإن أفضل أنواع الكافيار المرغوب عالمياً يُستخرج من هذا القسم الجنوبي من بحر الخزر بواسطة شركة «شيلات».
إن اتصال إيران بحرياً بأوروبا، يتم عن طريق الممرات البحرية الروسية، وعن طريق بحر الخزر، الذي يبلغ طوله حوالي 1260 كيلومتراً، ومتوسط عرضه أكثر من 30 كيلومتر، أما الخليج الفارسي الذي يقع في جنوبي إيران، فتبلغ مساحته حوالي 240,000 كيلومتر مربع، ويصل طوله إلى 900 كيلومتر، أما عرضه فيتفاوت بين 180 و300 كيلومتر، وهو يرتبط ببحر عمان، والمحيط الهندي بواسطة مضيق هرمز الاستراتيجي ذي الموقع الجيوبوليتيك (الجغرافي السياسي) والذي يبلغ عرضه من رأس «مسندم» في دولة عمان حتى جزيرة «هنگام» الإيرانية 50 كيلومتراً.
ولأن أرض الخليج الفارسي تحوي كنوزاً عظيمة من ذخائر النفط، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول المحيطة بالخليج، تقيم جزراً صناعية عائمة تستخرج فيها النفط من أعماقه.
أما بحيرات إيران فهي غالباً ذات مياه مالحة، وأكبر بحيرة داخلية في إيران هي «أرومية» الواقعة في الشمال الغربي من البلاد، والتي هي صالحة لملاحة السفن البحرية.
وثمة بحيرات أخرى ذات مساحة وأهمية أقل من أرومية، يمكن أن نشير منها إلى بحيرات «قم» و«بريشان» و«هامون» و«بختگان».
الجزر
إن معظم جزر إيران تقع في الخليج الفارسي وفي منطقة مضيق هرمز، والكثير منها مأهول بالسكان، وهي غالباً ذات أهمية استراتيجية؛ فعلى سبيل المثال إن مواقع جزر «هنگام» و«قِشم» وغيرها في منطقة مضيق هرمز هي بحيث تتم بمحاذاتها تحركات السفن الكبرى التجارية وحاملات النفط التابعة لجميع الدول القائمة على حوض الخليج الفارسي؛ فيما تتمتع كل من الجزر الإيرانية الأخرى في الخليج الفارسي أيضاً بأهمية خاصة بها؛ فجزيرة «هرمز»، علاوة على موقعها الاستراتيجي، هي ذات معادن مهمة من التراب الأحمر، كما أن جزيرة «خارك» (خَرْج) تتمتع بسبب إمكاناتها الواسعة في تصدير النفط بشهرة عالمية. ويمكن الإشارة بين الجزر الإيرانية الأشهر في الخليج الفارسي إلى جزائر «سيري» و«لاوان» و«لارك» و«كيش»؛ وتتضمن جزيرة «قشم» الإيرانية التي هي كبرى جزر الخليج الفارسي عدة مرافئ للسفر ولصيد الأسماك.
الجغرافيا الاقتصادية
إن المصادر الاقتصادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية متنوعة وكثيرة، لذا سنشير إلى أهمها بصورة مختصرة.
الزراعة
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة زراعية، يعود تاريخ زراعة بعض محصولاتها إلى ألوف السنين. واليوم يحتل القمح والشعير فيها كل الزراعة التي تعتمد على مياه الأمطار، و80 % من الزراعة التي تعتمد على السقي والري، ولقد جرت بعد الثورة الإسلامية محاولات وفعاليات واسعة في المجتمعات الزراعية ومراكز الأبحاث المختلفة في الوطن، لتأمين المحاصيل الزراعية الاستراتيجية والتي تؤمن الاكتفاء الذاتي، كان من نتيجتها الحصول على أنواع جديدة من هذه المحاصيل، تؤمن أكبر كمية في الأوضاع الطقسية والجغرافية للتربة الإيرانية. وقد اقتربت الجمهورية الإسلامية، في كثير من أنواع هذه المحصولات من حد الاكتفاء الذاتي، بفضل الاستفادة من أساليب «الزراعة الأفضل» وتعليم المزارعين، وتوزيع الآلات والمعدات الزراعية المصنوعة في الغالب داخل الوطن توزيعاً واسعاً، بينما كان حوالي النصف من هذه الأنواع من المحصولات قبل الثورة يستورد من الخارج.
إن المحصولات الزراعية الأساسية في إيران هي القمح، والشعير، والأرز الذي يُنتَج منه سنوياً أكثر من مليون ونصف مليون طن، والبطاطا، والقطن، والشاي، والحمضيات، والثمار الصيفية، والتمر، والذرة، والشمندر السكري، والخضار، والقِنْب، والفستق، والبندق، واللوز والفاكهة بمقادير مهمة.
الغابات والمراعي
تغطي الغابات حوالي 180,220 كيلومتر مربع من التربة الإيرانية، وهي غالباً ما تكون غابات بلوط في الشمال وفي الساحل الجنوبي لبحر الخزر (بحر قزوين) وفي غربي البلاد، أو غابات فستق (حلبي) متفرقة في الجنوب وفي الشرق، وغابات جبلية في أرس (في الحدود الشمالية الغربية)، وغابات قارية صحراوية. ولهذه الغابات دور قيم في اقتصاد البلاد، فهي لا يستفاد منها لإنتاج الأخشاب فقط، بل إنها تؤمن المواد الخام لصناعات الورق. ويشكل الصفصاف والقبقبيات والبلوط والمغث والحور أهم الأشجار الصناعية في غابات إيران.
وبعد الأضرار الفادحة التي حلت في السنوات السابقة بمراعي إيران، بسبب فقدان التخطيط الصحيح، وبسبب استغلالها دونما منهجية في العمل، تقلصت الآن بعد غرس الشجيرات المتناسبة مع كل تربة، وبعد زراعة شتلات المراعي، وتنظيم الرعي والإشراف عليه، وأُحيِيَت مساحات واسعة من الأراضي وزرعت بالأعشاب والنبات، وشمل التخطيط إنشاء غابات مزروعة إلى جوار كثير من مدن الوطن، وفي الأراضي الصالحة للتحريج، وهذه الغابات تشكل اليوم نسبة مهمة من مساحة أراضي الغابات في البلاد.
الطرق والمواصلات
إن جميع مدن الفئة الأولى في إيران تقريباً، متصلة بعضها ببعض بالطرق المغطاة بالقار (الإسفلت)، أو بالطرق الترابية المعبدة. وتتم المواصلات والارتباط بين مدن الوطن، بواسطة الطرق البرية بالدرجة الأولى، ثم بواسطة السكك الحديدية أو الخطوط الجوية الداخلية. وللسكك الحديدية في إيران أهمية كبيرة، وقد مُدَّ خط عام شامل من «جُلفا» في شمالي البلاد إلى «خُرَّمْشهر» في الجنوب، يمتد فرع منه في الشمال إلى «كركان» و«مشهد»، وفرع آخر في الوسط أيضاً يصل إلى «أصفهان» و«يزد» و«كرمان»، ويستمر العمل فيه حتى يصل إلى «بندر عباس».
وتتصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن طريق السكة الحديدية في جلفا، بسكة الحديد فيما كان يسمى الاتحاد السوفياتي التي تتابع بدورها إلى أوروبا، إلاّ أن الحافلات تستبدل في الحدود بسبب اختلاف العرض بين السكتين.
إن طول السكك الحديدية في إيران يزيد في الوقت الحاضر عن 5000 كيلومتر.
أما المواصلات الجوية في الجمهورية الإسلامية، فتتم عن طريق ثلاثين مطاراً في البلاد، بعضها ـ مثل مطارات طهران وعبادان وشيراز وزاهدان ـ هي مطارات دولية.
الصادرات والواردات
يشكِّل النفط أهم مادة في صادرات إيران، وهو يُصدَّر في الغالب عن طريق المصبات النفطية في الخليج الفارسي، وتشكّل الأحجار المعدنية، وسبائك النحاس، والكافيار، والسمك المجفف، والبزورات والنقل، والسجاد، بقية الأنواع المهمة في الصادرات الإيرانية.
وقد صُدّرت إلى الخارج في السنوات الأخيرة الخضروات، ومختلف أنواع الفاكهة، والكمبوت، وبعض البضائع الصناعية أيضاً.
أما أهم واردات البلاد فهي في الوقت الحاضر المصنوعات المعدنية، قطع التبديل لوسائل النقل، الأدوات الكهربائية، الآلات الصناعية المختلفة، وبعض المواد الغذائية.
الثروات المعدنية
إن من أهم الثروات المعدنية التي يمكن الإشارة إليها في إيران: النفط، والغاز، والأورانيوم، والفحم الحجري، وحجر الحديد، وحجر النحاس، والرصاص، والذهب، والفضة، والفيروز، والتراب غير القابل للاحتراق …. إن تعدد أنواع المعادن الإيرانية وكيفياتها يجعل تصدير الكثير منها ممكناً.
والأرجح، بناء على المكتشفات الجديدة، والدراسات التحقيقية الإحصائية التي تمت، أن إيران هي الدولة الثانية في الدول ذات الغاز الطبيعي، كما أنها في ميدان النحاس ـ الذي يوجد أهمه في قصبة «سرجشمه» التابعة لمحافظة «كرمان» ـ أصبحت إيران واحدة من الدول الرئيسية القليلة المنتجة للنحاس في العالم، وقد بدأ بعد الثورة الإسلامية تصدير سبائك النحاس.
إن المؤسسات الضخمة لاستخراج النحاس في سرجشمه، كانت قبل الثورة الإسلامية تدار وتُسيَّر بواسطة الخبراء الأجانب، ولكنها بعد الثورة غدت كل مراحل الاستخراج فيها وتدار وتسير بواسطة الاختصاصيين الإيرانيين، وزادت عائداتها. ويجري الآن، بهدف الاستفادة إلى الحد الأقصى من العائدات الاقتصادية لمعدن النحاس في الوطن، تنفيذ برامج إيجاد صناعات جانبية تعتمد على محصولات معادن النحاس.
ولقد قلَّ بعد الثورة الإسلامية إنتاج النفط الإيراني وتصديره، وذلك بهدف منع هدر هذه الثورة الوطنية، وهو يُصَدَّر في الوقت الحاضر بدرجة معتدلة. أما أهم مراكز استخراج النفط في إيران فهي آغاجاري، ومسجد سليمان، وكجساران وقم، وصحراء الخليج الفارسي القارية.
الصناعات اليدوية
إن لصناعة السجاد تاريخاً عريقاً في إيران؛ والسجاد الإيراني يحظى بسبب ثبات لونه وجمال تصاميمه الفريدة وتنوعها بشهرة عالمية، ويعد منه سنوياً مقادير تلفت النظر في أسواق العالم. وأهم مراكز صنع السجاد في إيران هي في كرمان وكاشان وقم وخراسان.
ولصناعات أصفهان أيضاً من «الخاتم» (الخشب المطعم)، و«المينا» (النحاس المطلي بالرسوم الملونة، المثبتة بالنار)، و«المنبَّت» (الرسوم المشجرة)، عشاق كثيرون في العالم. وثمة صناعات يدوية أخرى كثيرة في إيران مثل صناعة «الكِليم» (الجليم، البُسُط القماشية)، وأدوات النيكل، والتماثيل، والرسوم، والحفر على الخشب، وصناعات الخزف، والسيراميك، والموزاييك.
الحدود
للجمهورية الإسلامية الإيرانية 5170 كيلومتراً من الحدود البرية، و2510 كيلومترات من الحدود المائية مع جيرانها، ويُشكل حدُّها مع ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي في شمالي البلاد ـ البالغ 1740 كيلومتراً (منها 630 كيلومتراً كحد مائي) ـ أطول حد مشترك لها مع دولة مجاورة. أما حدها المشترك مع العراق ـ في الجنوب الغربي من البلاد ـ فيبلغ 1280 كيلومتراً، وحدُّها مع تركيا ـ في الشمال الغربي منها ـ 470 كيلومتراً. وتشترك الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع دولة أفغانستان ـ في الشمال الشرقي ـ بحد طوله 850 كيلومتراً، ومع باكستان ـ في الجنوب الشرقي منها ـ بـ 830 كيلومتراً. ويقع الخليج الفارسي وبحر عمان في الجنوب الغربي من البلاد، ويبلغ حدها المائي معهما 1880 كيلومتراً.
التقسيمات الإداية
تتشكل دولة إيران من 24 محافظة، و295 قائمقامية، و498 ناحية، يديرها محافظون وقائمقامون وآمرو نواحٍ تعينهم حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وطهران عاصمة إيران ـ التي كانت تضم حسب إحصاء 1982م، قريباً من 5,800,000 نسمة ـ هي مركز محافظة تحمل اسمها، وفيها جميع وزارات الدولة، ومجلس الشورى الإسلامي (مجلس النواب).
تفاصيل أخرى
في إيران تغطي الغابات حوالي 11 % منها، وبخاصة في منطقة بحر الخزر، حيث توجد الأشجار النفضية ذات الأوراق العريضة، مثل أشجار السنديان والزان، والزيزفون، والدردار، والجوز، وشجرة النبق، وغيرها. كما توجد بعض الأشجار، الدائمة الخضرة، والكثير من الشجيرات الشوكية والسرخس. وتغطي جبال زاغروس غابات السنديان التي تحتاج إلى رطوبة متوسطة، بالإضافة إلى الحور والميس، والجوز، والكمثري، والفستق.
وفي الوديان الضيقة، ينمو الصفصاف والحور والدلب وكثير من المتسلقات. وعلى الهضبة شبه الجافة تنمو أشجار العرعر والجوز والبربري والسفرجليات من الفصيلة الوردية، وأشجار الفواكه البرية. والشجيرات الشوكية التي تتميز بها مناطق السهوب، والنباتات اللاورقية تنمو على مرتفعات السهول الصحراوية. وهناك الأكاسيا والنخل القزم والكاد الهندي وغيرها من الشجيرات التي تنمو على هضاب، يقل ارتفاعها عن 3000 قدم. إن كثبان الرمل التي تختزن المياه تروي الأدغال والآجام. والغابات تتبع المياه السطحية أو الجوفية. وهناك واحات تنمو عندها شجيرات الطرفاء، والحور، والنخيل، والآس،والدفلة، والأكاسيا، والصفصاف، والدردار، والخوخ، والتوت، والأعناب، وفي مناطق الأهوار، ينمو القصب والأعشاب الأخرى التي تعتبر علفاً جيداً للحيوانات.
اشتهرت إيران منذ القديم بفواكهها. فمنطقة الخزر تشتهر بإنتاج الحمضيات، بينما تنتج سواحل الخليج الفارسي التمر والموز، وفي الهضبة الوسطى تزرع فواكه مثل المشمش، والكمثري، والخوخ، والأعناب، والكرز، كما تزرع في كل منطقة أنواع من البطيخ.
وفي مجاهل إيران يمكن العثور على عدد من الأسود والنمور، وعلى الكثير من الذئاب والثعالب والفهود والوَشَق([55]). وفي بحر الخزر يوجد حيوان الفقمة. وهناك الكثير من أنواع الغزلان والأغنام الوحشية والخنازير. أما القوارض فلا يخلو منها مكان. وهناك (98) نوعاً من السحليات. أما الحيوانات الأهلية فتشمل الخيول والحمير والأنعام والجواميس والأغنام والماعز والإبل والكلاب والقطط.
الريف الإيراني
إنشاء القرى البسيطة يتخذ شكلاً مستطيلاً منذ القديم: جدران مرتفعة من الطين ذات أبراج في الزوايا، والسطوح مسطحة مبنية من الطين والقش والعوارض الخشبية. وفي وسط القرية مسجد يستفاد منه كمدرسة أيضاً. والماشية يحتفظ بها في الخارج. أما القرى الجبلية فتشاد على السفوح الصخرية المرتفعة فوق الوادي، تحيط بها مساحات مزروعة غالباً بالحبوب والعلف. البيوت مربعة الشكل، مبنية من قوالب الطين، لا نوافذ فيها، سطوحها مسطحة أو مقببة، والإسطبل يكون عادة تحت البيت.
أما القرى في منطقة بحر الخزر فتختلف كل الاختلاف. فهنا حيث يغزر الماء، تنتشر قرى صغيرة ذات بيوت خشبية بطابقين، يقفان على دعامات، ولمعظم البيوت شرفات تحيط بالطابق العلوي. وهناك بنايات منفصلة خارجية، تتخذ مخازن وبيوت للدجاج ولتربية دودة القز.
الحياة المدنية
العاصمة طهران (وهي أكبر مدن إيران، ويبلغ عدد نفوسها 7,000,000 نسمة) مفصولة عن منطقة بحر الخزر بسلسلة جبال البُرز. وأصفهان التي تبعد عن العاصمة بنحو (400) كلم إلى الجنوب، يبلغ تعداد سكانها 922,973 نسمة، وهي مشهورة بطراز مبانيها القديمة.
المدن التي تشكو من قلة المياه في وسط إيران وشرقها قليلة العدد، وإن كانت هناك سلسلة من الواحات تنتظم الصحراء.
معظم المدن تشرب من مياه القنوات لقربها من سفوح الجبال.
التقسيمات الإدارية
| المحافظة | المساحة (كم)2 | عدد الأقضية | عدد النواحي | عدد المدن التابعة | مركز المحافظة |
| طهران | 19118,4 | 6 | 19 | 21 | طهران |
| المركزية | 39895 | 9 | 17 | 13 | أراك |
| كيلان (جيلان) | 14709 | 11 | 22 | 30 | رشت |
| مازندران | 47375 | 15 | 36 | 48 | ساري |
| آذربايجان الشرقية | 67102,4 | 11 | 34 | 40 | تبريز |
| آذربايجان الغربية | 38850 | 9 | 19 | 20 | أروميه |
| باختران | 23666,5 | 8 | 17 | 14 | باختران |
| خوزستان | 67282 | 13 | 30 | 22 | أهواز |
| فارس | 133298 | 14 | 38 | 33 | شيراز |
| كرمان | 179916 | 10 | 23 | 22 | كرمان |
| خراسان | 313337,2 | 17 | 53 | 44 | مشهد |
| أصفهان | 104650 | 15 | 27 | 46 | أصفهان |
| سيستان وبلوجستان | 181578 | 6 | 23 | 11 | زاهدان |
| لرستان | 28803,2 | 3 | 16 | 10 | خرّم آباد |
| إيلام | 19044 | 5 | 13 | 13 | إيلام كهكيلوية |
| وبوبر أحمد | 14361 | 3 | 8 | 4 | ياسوج |
| بوشهر | 37653 | 7 | 16 | 11 | بوشهر |
| زنجان | 36398,2 | 5 | 14 | 13 | زنجان |
| سمنان | 90039 | 4 | 10 | 10 | سمنان |
| يزد | 70011 | 5 | 11 | 8 | يزد |
| هرمزكان | 66870,4 | 5 | 18 | 11 | بندر عباس |
مميزات مراكز المحافظات الجغرافية
وبعدها عن العاصمة طهران
| مركز | خط الطول دقيقة/درجة | خط العرض دقيقة/درجة | بعده عن طهران بالكيلومترات |
| طهران | 5119 | 3541 | – |
| أراك | 4942 | 3406 | 302 |
| رشت | 4936 | 3719 | 325 |
| ساري | 5259 | 3632 | 270 |
| تبريز | 4617 | 3805 | 597 |
| أرومية (رضائية) | 4505 | 3732 | 894 |
| باختران | 4707 | 3419 | 520 |
| الأهواز | 4840 | 3120 | 881 |
| شيراز | 5235 | 2932 | 1288 |
| كرمان | 5658 | 3015 | 1064 |
| مشهد | 5938 | 3616 | 924 |
| أصفهان | 5140 | 3237 | 414 |
| زاهدان | 6053 | 2928 | 1605 |
| سنندج | 4700 | 3514 | 512 |
| همدان | 4831 | 3448 | 340 |
| شهر كرد | 5051 | 3219 | 521 |
| خرّم آباد | 4814 | 3330 | 506 |
| إيلام | 4626 | 3338 | 733 |
| باسوج | 5141 | 3050 | 1153 |
| بوشهر | 5050 | 2859 | 1217 |
| زنجان | 4829 | 3641 | 330 |
| سمنان | 5323 | 3533 | 228 |
| يزد | 5424 | 3154 | 677 |
| بندر عباس | 5622 | 2713 | 1443 |
التقسيم العرقي واللغوي
المجتمع الإيراني يتميز بتعدد لغاته وثقافاته. اللغة الرسمية هي اللغة الفارسية، غير أن هناك عدداً من اللغات المحلية التي يتكلم بها الناس في مناطقهم، مثل التركية، والكردية، واللريّة، والعربية، والكيلانية، والبلوجية. إن 45 % من سكان إيران يتكلمون الفارسية، ونحو 23 % يتكلمون اللغات (الهندية الأوروبية) الأخرى، وهؤلاء يتحدّرون من القبائل الآرية التي ضاعت أصولها في التاريخ.
الأكراد يقطنون الجبال الغربية، ولغتهم هي الكردية التي لم يطرأ عليها الكثير من التطور خلال قرون. وفي تلك الجبال الغربية يعيش أيضاً نحو 350,000 من اللر في مجتمعات شبه بدوية، ويعتقد أنهم من أصول فارسية. وهناك قبائل البختيارية الذين هم شديدو القرب من اللر، والذين كانوا يعرفون باسم (اللر العظام) حتى القرن الخامس عشر، يعيشون في جبال زاغروس إلى الغرب من أصفهان. وكلاهما يتكلمان اللرية وهي متفرعة من الفارسية، كالبلوج، وهم مزارعون شبه رحّل، مشهورون بالفروسية، ويقطنون بلوجستان، على التخوم الباكستانية في الشرق.
والعرب يقطنون عموماً في جزر الخليج الفارسي في خوزستان.
أما الأرمن، وهم من أصل مختلف، فقد حافظوا على لغتهم الخاصة، وهم يتركزون في طهران وأصفهان وآذربايجان، ويمتهنون التجارة في غالبيتهم، وهناك أعداد قليلة من (الدراويديين) يعيشون في عزلة بمنطقة سيستان على الحدود الشرقية ويتكلمون الأرمنية.
على الرغم من أن العنصر التركي قليل عدده، إلاَّ أن هناك نسبة لا بأس بها من الإيرانيين يتكلمون اللغة التركية. وهم ـ أي الترك ـ يتألفون من القبائل القشقائية في منطقة شيراز، إلى الشرق من الخليج الفارسي، وقبائل التركمان الذين يقطنون خراسان في الشمال الشرقي من إيران.
اليهود والآشوريون يؤلفون نسبة ضئيلة من السكان. فاليهود كالأرامنة، ظلوا محافظين على أصولهم العرقية ولغتهم ودينهم، وتركزوا في المدن الكبيرة. والآشوريون يتركزون في الشمال الغربي.
الدين
تدين الغالبية العظمى من الإيرانيين بالإسلام، ومعظمهم من الشيعة، ويقدرون بنحو 91 %. معظم الأكراد والتركمان من أهل السنة. أما الأديان المهمة الأخرى فهي: المسيحية، واليهودية، والزرادشتية.
ويمثل المسيحيون أكبر هذه الأقليات أكثريتهم من الأرمن الأرثوذكس. والآشوريون هم من النسطوريين، والبروتستانت والكاثوليك، كما أن هناك القليل من الأصول الأخرى. أما اليهود فقد كانوا يبلغون 68,000 (إحصاء 1971م). والزرادشتيون يقطن أكثرهم يزد في الوسط، وكرمان في الشرق، وطهران في الشمال.
الدراسات السكانية
الشعب الإيراني فتيّ في غالبيته العظمى، ففي إحصاء سنة 1966م تبين أن 6 % (15,400,000 من أصل 25,789,000 نسمة) هم دون الخامسة والعشرين، وإن 35 % (نحو 8,750,000 نسمة) هم فوق الخامسة والستين. وكانت نسبة الولادات 43 بالألف، بيما كانت نسبة الوفيت 14 بالألف.
في إحصاء سنة 1956م، كانت نفوس إيران 18,954,000 نسمة، وفي إحصاء 1966م، بلغت نفوس إيران 25,789,000 نسمة، وفي إحصاء 1978م قدر مجموع نفوس إيران بنحو 35,500,000 نسمة، أما في إحصاء سنة 1986م فقد بلغ عددهم 48,181,463 نسمة. وهذا يعني أن الكثافة السكانية تبلغ 28 نسمة في كل كيلومتر مربع. ويعيش من هؤلاء 51,8 % في المدن. وقد اجتذبت العاصمة طهران أعداداً كبيرة من النازحين إليها، بحيث إنها تضم أكثر من 13 % من مجموع السكان، وقد ارتفع هذا العدد الآن، إذ إن النسبة السنوية لزيادة السكان تبلغ 2,97 %.
ويرى علماء الديموغرافيا الإيرانيون أن عدد سكان إيران سيصل إلى أكثر من مائة مليون نسمة في العام 2007م إذا استمرت وتيرة الزيادة هذه وقد يرتفع إلى 140 مليوناً في العام 2021م.
الشعب الإيراني
إن ما يقرب من 66 % من الشعب الإيراني هم من الجنس الفارسي، و25 % من الترك، و5 % من الأكراد، و4 % من العرب. والكثافة السكنية 27,2 شخصاً في الكيلومتر المربع. ويعيش 51,8 % من الشعب في المدن، والباقون في النواحي الريفية.
أما من ناحية توزيع الأعمار، فإن 43,6 % من الإيرانيين هم في أقل من الرابعة عشرة من العمر، و52 % منهم بين الـ 15 والـ 59، ويشكل الذين هم فوق الستين من العمر 4,4 % من مجموع المواطنين، وهذا التحديد يظهر ارتفع النسبة المئوية لشبان إيران.
عشائر إيران
إن عشائر إيران، هي في معظمها رحَّالة تسكن الخيام، وتنتقل كل سنة إلى المناطق ذات الطقس المعتدل والخصب طلباً لمراعٍ جديدة، وهي بصورة عامة تؤمن معيشتها عن طريق تملك المواشي وتربية الأغنام والماعز.
وأفراد العشائر ـ بسبب عيشهم في أحضان الطبيعة ـ هم بصورة عامة شجعان ومضيافون، بل وهم ـ بسبب تمركزهم في المناطق الحدودية ـ يشكلون الحرس والحماة لثغور الدولة. ولقد عملت الدولة كثيراً على تأمين حاجاتهم الأساسية، بل أنها، بتأسيس المدارس بين ظهرانيهم، قد عملت على تعميم التعليم والتربية في أوساط أطفال العشائر.
إن العشائر المعروفة في إيران، هي عبارة عن العشائر «البختيارية»، و«القشقائية»، وقبائل «قاجار» و«شاهسون» والقبائل «التركمانية»، و«الكردية»، وقبائل «أفشار»، و«كليك»، والقبائل «السنجابية»، و«البلوشية»، و«البوير أحمدية»، و«الآقائية»، و«آل كثير»، و«الطوائل الممسنية».
نوع الحكومة والسلطات الحاكمة
إن حكومة جمهورية إيران جمهورية إسلامية، والشعب الإيراني، بعد ثورته، صوَّت في الاستفتاء الذي جرى في 1 نيسان 1979م بأكثرية 98,2 % من الذين كان لهم حق التصويت، مؤيداً قيام الجمهورية الإسلامية، فتبدلت منذ ذلك التاريخ، دولة إيران التي كانت أمبراطورية، إلى جمهورية إسلامية.
إن السلطات الحاكمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هي ثلاث سلطات: تشريعية وقضائية وتنفيذية:
تتألف السلطة التشريعية من مجلس باسم «مجلس الشورى الإسلامي»، يضم 270 نائباً ينتخبهم الشعب مباشرة وبصورة سرية لمدة أربع سنوات، إن مقررات مجلس الشورى الإسلامي تُعد صالحة للتنفيذ، بعد أن تؤيدها «هيئة المحافظة على الدستور»، إن هذه المقررات غير مخالفة للدستور وللدين الإسلامي. إن عدد الحقوقيين والفقهاء في هذه «الهيئة» 12 شخصاً (ستة حقوقيين وستة فقهاء)؛ ومن الأعمال الاخرى لهيئة المحافظة على الدستور، تعديل مواد من الدستور عند الحاجة، والإشراف على الانتخابات في الوطن. وللأقليات الدينية الإيرانية: الزرادشتيين واليهود والمسيحيين الأرمن، والآشوريين، والكلدانيين، نواب في مجلس الشورى الإسلامي.
أما السلطة القضائية ـ التي تشكل «الهيئة العليا للقضاء» فيها أعلى مقام قضائي ـ فهي كسائر السلطات في البلاد، تعمل وفقاً للتعاليم والموازين الإسلامية؛ وتتألف الهيئة المشار إليها من خمسة أشخاص هم: رئيس الديوان الأعلى للقضاء، ورئيس النيابة العامة في البلاد، وثلاثة قضاة مجتهدين عادلين. ولقد أنشئ من أجل تنفيذ القوانين في الأجهزة الإدارية تنفيذاً صالحاً، مجلس تشرف عليه الهيئة العليا للقضاء باسم: «مجلس التفتيش العام».
رئاسة الجمهورية
إن منصب رئيس الجمهورية، هو أعلى منصب رسمي في البلاد بعد منصب «قيادة الأمة»، فهو المسؤول عن تنفيذ الدستور، وتنظيم الروابط بين السلطات الثلاث؛ وهو يتولى رئاسة القوة التنفيذية إلا في الأمور المرتبطة مباشرة بالقيادة، ورئيس الجمهورية ينتخب من الشعب مباشرة بالتصويت السري لمدة أربع سنوات، ولا يمكن انتخابه لأكثر من دورتين.
اللغة والخط
إن لغة إيران الرسمية هي اللغة الفارسية، ويروج فيها الخطان الفارسي والعربي، ويُتحدَّث أيضاً في النواحي المختلفة من البلاد بالتركية، والكردية، والعربية، واللُّرِية، والگيلكية، والمازندرانية، والبلوشية، كلغات أو لهجات محلية ـ كما تقدم ـ .
الأديان والمذاهب
يشكل المسلمون 98,8 % من الشعب الإيراني. ويعتنق 91 % من الشعب المذهب الشيعي الجعفري الاثني عشري، و0,7 % الديانة المسيحية، و0,3 اليهودية، و0,1 % الزرادشتية، و0,1 % يتبعون أدياناً في مذاهب أخرى([56]).
دراسة عامة([57])
يختلف معدل النمو السكاني في إيران من محافظة لأخرى وإن محافظة طهران تحتل المرتبة الأولى في النمو السكاني «باستثناء المدينة» حيث تبلغ نسبة النمو 8,7 % بعدها تأتي محافظات سيستان وبلوشستان، بوشهر، كهكيلوية وبوير أحمد، خراسان وإيلام. و…. والملفت للنظر في هذه الإحصائيات ان المحافظات التي شهدت نمواً سكانياً أكبر من غيرها من المحافظات كانت ـ بعد محافظة طهران ـ المحافظات المصنفة على أنها من المحافظات المحرومة باستثناء «محافظة خراسان»، والجدول رقم «1» المرفق يبين لنا أن النمو في المحافظات الأخيرة هو أكثر من مستوى النمو الطبيعي وذلك يعود إلى زيادة الهجرة إليها. وهذه نقطة تثير الانتباه نظراً لأن زيادة الهجرة إلى هذه المحافظات هي دليل على نجاح الخطط والبرامج التي وضعت في هذه المحافظات التي أدت بدورها إلى زيادة الهجرة إليها. أو بتعبير آخر يمكن الاستنتاج أن البرامج والإنجازات العمرانية لم تؤد إلى الحد من الهجرة من هذه المحافظات إلى غيرها فحسب بل إنها على العكس من ذلك أدت إلى دفع سكان باقي المحافظات للهجرة إليها.
أما الموضوع الآخر الملفت للنظر فهو النمو السكاني الذي شهدته مدينة طهران خلال الأعوام العشرة الماضية. فقد كان معدل النمو السنوي لمدينة طهران خلال الفترة الواقعة بين 1966 ـ 1976م، 5,2 % وهذا النمو يعكس تزايد الهجرة إلى العاصمة في تلك الفترة بينما نرى أن معدل النمو السكاني في طهران خلال السنوات العشر التي أعقبتها أي خلال 1976 ـ 1986م قد انخفضت لتصل إلى 2,38، وبتعبير آخر فإن النمو السكاني في هذه المدينة قد وصل إلى النصف وهذه أيضاً مسألة لها أهميتها الخاصة حيث إنه في الوقت الذي تعاني فيه أغلب المدن الكبرى في العالم من مشاكل عديدة متزايدة بسبب الضغط السكاني، تتمتع طهران خلافاً للتوقعات الداخلية والخارجية بنمو سكاني معقول.
لقد ارتفعت زيادة الكثافة السكانية في عواصم بعض البلدان بشكل كبير أثارت نقاشات عديدة في الأوساط الدولية، فمثلاً ذكر تقرير يفيد أن سكان كلكتا الهندية لا يحصلون على مياه الشرب سوى لساعة واحدة يومياً بسبب الضغط السكاني وإن نظام وشبكة الاتصالات الهاتفية في هذه المدينة في طريقها إلى الدمار وإن منظر بيوت الصفيح قد أصبحت طبيعية في قواميس الإحصائيات والاقتصاد في عدد كبير من البلدان.
كما أن الحد من الضغط السكاني وخفض نموه بالنسبة لطهران يعتبر نجاحاً كبيراً في هذه الظروف، وخاصة أننا في المقابل نرى ارتفاع نسبة النمو السكاني في المحافظات المصنفة على أنها فقيرة.
وتشير نتائج الإحصاء العام الذي جرى أواخر العام (1987م) إلى أن محافظة خوزستان هي أقل المحافظات من ناحية النمو السكاني. والسبب الرئيسي لذلك يعود إلى الهجرة الناجمة عن الحرب. ثم تأتي محافظتي كيلان وآذربيجان الشرقية والمحافظة المركزية حيث بلغت نسبة النمو 37، 2، 39، 2، 86، 2 بالترتيب.
ونظراً إلى أنه تم إحصاء 9587759 عائلة في كل أنحاء البلاد، ولذا فإن متوسط عدد أفراد العائلة الواحدة هو خمسة أشخاص تقريباً، وهذا الرقم لم يتغير عما كان عليه عام 1976. كما أن عدد أعضاء العوائل يختلف من محافظة لأخرى حيث إن أعضاء العائلة في محافظة إيلام يفوق بقية المحافظات فيصل إلى 98/5، ثم تأتي محافظات خوزستان كهكيلوية وبوير احمد، بوشهر ثم آذربيجان الغربية لتكون 87، 5، 82، 5، 85 ،5، 49، 5 أمّا أقل عدد لأفراد العائلة فهو في مدينتي طهران ويزد. وقد كان معدل النمو العائلي في إيران خلال الأعوام العشرة الماضية حوالي 3,58 % هذه النسبة تتناسب مع حجم النمو السكاني خلال نفس الفترة، اي أن النمو السكاني كان متزامناً وموازياً للنمو العائلي، وبصورة أوضح نقول إن عوائل جديدة قد تشكلت بصورة تتناسب مع عدد السكان. بينما يواجه عدد كبير من البلدان الصناعية مشكلة اجتماعية كبيرة ألا وهي رفض تشكيل عوائل جديدة من قبل الشباب وهذا الموضوع يعتبر من الأمراض الاجتماعية الكبيرة في القرن الحالي ويؤدي إلى كثير من الفواصل والمشاكل الاجتماعية.
إن التغيير في عدد أفراد العائلة يمكنه أن يرتبط مع الوضع الثقافي للأفراد حتى أن مستوى التعليم والتأثير بالمدينة يمكنه أن يؤدي إلى التقليل من أفراد العائلة، وأن معدل عدد أفراد العائلة في طهران يدعم قولنا هذا، كما أن النمو السكاني بالنسبة لمن تقل أعمارهم عن الستة أعوام ملفت للنظر، فالإحصائيات الموجودة تشير إلى أن عدد السكان الذين تقل أعمارهم عن الستة أعوام في إيران خلال السوات العشر الماضية قد شهد ارتفعاً بنسبة 60 % حيث ارتفع من ستة ملايين وستمائة ألف إلى 10 ملايين و516 ألف نسمة. وبناءً على هذا فإن معدل النمو السنوي للأطفال الذين تقل أعمارهم عن ستة أعوام قد بلغ 4,7 %، وإن هذا الارتفاع في مستوى النمو دليل على ارتفاع عدد الولادات وانخفاض نسبة الوفيات بين الأطفال. كما أن انخفاض نسبة الوفيات هذه تعكس لنا مدى التطور الذي شهدته المجالات الصحية والسيطرة على الأمراض المعدية والسارية.
أما نسبة النمو السكاني لمن تزيد أعمارهم عن ستة أعوام، فقد شهدت ارتفاعاً سنوياً بمقدار 3,28 %، حيث ارتفع عددهم من 27 مليون و110 آلاف شخص في عام 1976م ليصل إلى 37 مليون و574 الف شخص خلال عام1986م. لذا فإن عدد السكان الذين تزيد أعمارهم عن ستة أعوام قد شهد ارتفاعاً بنسبة 40 % خلال الأعوام العشرة الماضية.
وعند إجراء مقارنة بين متوسط النمو السكاني لمن تقل أعمارهم عن ستة أعوام وبين من تزيد أعمارهم عن ذلك يتبين لنا ارتفاع نسبة الشباب في المجتمع يوماً بعد آخر. وهذا الأمر سيؤدي بالنتيجة إلى زيادة عدد السكان خلال الأعوام القادمة.
الكثافة السكانية
إن ارتفاع حجم الكثافة السكانية في البلاد هو نتيجة طبيعية لزيادة عدد السكان، فبينما كانت هذه الكثافة لا تتجاوز العشرين شخصاً في الكيلومتر المربع الواحد خلال عام 1976م. ارتفعت هذه النسبة في عام 1986م لتصل إلى حوالي 30 شخصاً في الكيلومتر المربع الواحد، وتختلف هذه النسبة من محافظة لأخرى حيث تزداد هذه الكثافة في محافظة طهران التي كانت الكثافة السكانية فيها 194 شخصاً في الكيلومتر المربع عام 1976م وارتفعت في عام 1986م لتصبح 288 شخصاً. وسبب ذلك واضح وهو كون هذه المحافظة هي مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في البلاد. ثم تلي طهران من ناحية الكثافة السكانية كل من محافظة كيلان، وهمدان، ومازندران، وباختران وآذربيجان الشرقية. وهذا الترتيب في الكثافة السكانية لم يكن خارج التوقعات،وما ذكرناه بشان النمو السكاني وقضية الهجرة إلى مختلف المحافظات ينطبق ـ على قضية الكثافة السكانية. وهنا لا بأس من الإشارة إلى أن الكثافة السكانية في إيران هي أقل منها في باقي البلدان نظراً لاتساع مساحة البلاد. فمثلاً تبلغ الكثافة السكانية في باكستان 125 شخصاً وماليزيا 47 شخصاً واليابان 324 شخصاً وكوريا الجنوبية 416 شخصاً وأندونيسيا 87 شخصاً والصين 110 أشخاص في الكيلومتر المربع الواحد.
مستوى التعليم
تفيد نتائج الإحصاء السكاني العام الذي أُجري أواخر عام 1986م بتحسّن لا بأس به في عدد المتعلمين والتغيرات الحاصلة في هذا المجال. فقد أفادت هذه النتائج أن 82 % قد أُضيفوا إلى قائمة المتعلمين في البلاد وخلال العوام العشرة الماضية حيث ارتفع عدد المتعلمين من 12 مليون و580 ألف متعلم في عام 1976م ليصل إلى 23 مليون و181 ألف شخص في عام 1986م وهذه الزيادة تبعث على الأمل والارتياح. وبهذا فإن متوسط نسبة النمو السنوي في عدد المتعلمين خلال الأعوام العشرة الماضية بلغت 92/5 % وهذه النسبة هي من مفاخر الثورة.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة المتعلمين في البلاد هي 62 % أي أن 62 شخصاً من كل مائة شخص تفوق أعمارهم الستة أعوام هم من المتعلمين وتختلف هذه النسبة من محافظة لأخرى فنسبة المتعلمين في مدينة طهران تصل إلى 82 % وأصفهان 70,7 % وسمنان 70,4 % ومحافظة طهران «باستثناء مركز المدينة» 69,8 % ويزد 78,9 % وفارس 66 % تليها محافظات آذربيجان الغربية وكردستان وسيستان وبلوشستان حيث تتراوح نسبة المتعلمين بين 36,7 % 47,1 وفيما إذا استمر النمو السكاني في الزيادة كالسابق واستمرت نسبة ازدياد عدد المتعلمين على هذا المنوال فإن عدد سكان البلاد سيصل إلى 85 مليون شخص وعدد الذين تزيد أعمارهم عن الستة أعوام إلى 65 مليون شخص بعد خمسة عشر عاماً كلهم من المتعلمين. أي إن الوضع إذا استمر على هذا المنوال فإن الأمية في البلاد سيُقضى عليها في المستقبل القريب. وبديهي إذا انخفض النمو السكاني وازدادت نسبة النمو في عدد المتعلمين فإن هذا الهدف سيتحقق في فترة زمنية أقصر. وبالأخذ بنظر الاعتبار الجهود المبذولة للقضاء على الأمية في البلاد والمساعي الحثيثة التي يبذلها ذوي العلاقة في هذا المجال فإن القضاء على الأمية بشكل كامل وخلال مدة أقل من خمسة عشر عاماً يصبح أمراً ممكناً.
الجدول (1) يبين عدد السكان ومعدل النمو السكاني في الفترة من 1976 ـ 1986م
| اسم المحافظة | عدد السكان عام 1976 | معدل النمو السنوي خلال 1976ـ 1986 | |||
| عدد السكان | نسبة إلى المجموع | عدد السكان | نسبة إلى المجموع | ||
| كل البلاد | 33708744 | 00/100 | 49764874 | 00/100 | 55/3 |
| أذربيجان الشرقية | 3197685 | 49/9 | 4060793 | 44/8 | 39/2 |
| أذربيجان الغربية | 1407604 | 18/4 | 1902043 | 96/3 | 301 |
| أصفهان | 2176694 | 646 | 3222275 | 70/6 | 92/3 |
| إيلام | 246024 | 73/0 | 378501 | 79/0 | 31/4 |
| باختران | 1030714 | 306 | 1437575 | 99/2 | 33/3 |
| بوشهر | 347863 | 103 | 605118 | 26/1 | 54/5 |
| طهران (باستثناء مدينة طهران) | 1094563 | 325 | 2612572 | 43/5 | 70/8 |
| جهار محال وبختياري | 394357 | 117 | 625192 | 30/1 | 61/4 |
| خراسان | 3264398 | 968 | 5155641 | 72/10 | 57/4 |
| خوزستان | 2187118 | 650 | 2611484 | 43/5 | 77/1 |
| زنجان | 1117157 | 31/3 | 1549189 | 22/3 | 27/3 |
| سيستان وبلوجستان | 664293 | 97/1 | 1128096 | 35/2 | 1/6 |
| سمنان | 289463 | 86/0 | 407918 | 85/0 | 43/3 |
| كردستان | 782440 | 32/2 | 1058286 | 20/2 | 02/2 |
| كرمان | 1091148 | 24/3 | 1676292 | 49/3 | 29/4 |
| كهكيلويه وبوير أحمد | 244370 | 73/0 | 412267 | 86/0 | 23/5 |
| كيلان | 1581872 | 70/4 | 2005006 | 17/4 | 37/2 |
| فارس | 2035582 | 04/6 | 3032153 | 31/6 | 98/3 |
| لرستان | 233939 | 77/2 | 1290903 | 68/2 | 24/3 |
| مازندران | 2387171 | 08/7 | 3366417 | 00/7 | 44/3 |
| المحافظة المركزية | 796754 | 08/2 | 1060702 | 21/2 | 86/2 |
| هرمزكان | 462440 | 37/1 | 704043 | 46/1 | 20/4 |
| همذان | 1088024 | 23/3 | 1488746 | 09/3 | 14/3 |
| يزد | 356849 | 06/1 | 550645 | 14/1 | 34/4 |
| مدينة طهران | 4530223 | 44/13 | 6022029 | 95/11 | 38/2 |
الجدول رقم (2): ويبين المساحة الكلية ومساحة المحافظات والكثافة السكانية فيها
| المحافظة | عاصمتها عام 76 | المساحة بالكيلو مترات المربعة | عدد السكان عام 76 | الكثافة السكانية عام 86 | عدد السكان عام 86 | الكثافة السكانية |
| جميع أنحاء البلاد | 7/ 1643509 | 33708744 | 5/20 | 49764874 | 3/30 | |
| أذربيجان الشرقية | تبريز | 4/67102 | 3197685 | 7/47 | 4060793 | 5/60 |
| أذربيجان الغربية | أرومية | 0/38850 | 1407604 | 2/36 | 1902043 | 0/49 |
| أصفهان | أصفهان | 0/104650 | 2176694 | 8/20 | 3222275 | 8/30 |
| إيلام | إيلام | 0/19044 | 246024 | 9/12 | 378501 | 9/19 |
| باختران | باختران | 5/23666 | 1030714 | 6/43 | 1437575 | 7/60 |
| بوشهر | بوشهر | 0/27653 | 347863 | 6/12 | 605118 | 9/12 |
| طهران | طهران | 4/28993 | 5624786 | 0/194 | 8360313 | 4/288 |
| جهار محال وبختياري | شهركرد | 3/14870 | 394357 | 5/26 | 625192 | 0/42 |
| خراسان | مشهد | 2/313337 | 3264398 | 4/10 | 5155641 | 5/16 |
| خوزستان | أهواز | 0/67282 | 2187118 | 5/32 | 2611484 | 8/38 |
| زنجان | زنجان | 3/26398 | 1117157 | 7/30 | 1549189 | 6/42 |
| سيستانوبلوجستان | زاهدان | 0/181578 | 664293 | 7/3 | 1128096 | 2/6 |
| سمنان | سمنان | 0/90039 | 289463 | 2/3 | 407918 | 5/4 |
| كردستان | سنندج | 0/24998 | 782440 | 3/31 | 1058286 | 3/43 |
| كرمان | كرمان | 0/179916 | 1091148 | 1/6 | 1676292 | 3/9 |
| كهكيلويه وبوير أحمد | ياسوج | 0/14261 | 244370 | 1/17 | 412267 | 9/28 |
| كيلان | رشت | 0/14709 | 1581872 | 5/107 | 2005006 | 3/136 |
| فارس | شيراز | 0/133298 | 2035582 | 3/15 | 3032153 | 7/22 |
| لرستان | خرم آباد | 2/28803 | 933939 | 4/32 | 1290903 | 8/44 |
| مازندران | سارى | 0/47375 | 2387171 | 4/50 | 3366417 | 1/71 |
| المحافظة المركزية | أراك | 0/33020 | 796754 | 5/26 | 1060703 | 3/35 |
| هرمزكان | بندر عباس | 4/66870 | 462440 | 9/6 | 704042 | 5/10 |
| همذان | همذان | 0/19784 | 1088024 | 0/55 | 1488746 | 3/75 |
| يزد | يزد | 0/70011 | 356849 | 1/5 | 550645 | 9/7 |
* يجب ملاحظة الفارق بين المساحة الكلية للبلاد البالغة 1648000 كم2، وبين مساحة اليابسة، حيث إن 4868 كم2 تشغلها بحيرة أرومية من المساحة الكلية.
فرص العمل
تشير نتائج الإحصاء العام أن معدل الأشخاص العاملين من مجموع السكان يبلغ 22 % وان هذه النسبة ترتفع لتصل إلى 28,5 % فيما إذا استثنينا من تقل أعمارهم عن الستة أعوام. أو بتعبير آخر فإن شخصاً من كل ثلاثة تزيد أعمارهم عن الستة أعوام هم من المشتغلين، ولمعرفة عدد الأشخاص الذين تقع مسؤولية إعالتهم على الأشخاص المشتغلين يجب أخذ نسبة الـ 22 % بنظر الاعتبار. وبذا يبلغ معدل عدد الأشخاص الذين يقوم كل فرد عامل بإعالتهم أربعة أشخاص ونظراً إلى أن متوسط عدد أفراد العائلة الواحدة يبلغ خمسة أشخاص، لذا يمكن الاستنتاج أن كل عائلة فيها شخص واحد على الأقل يعمل ويقوم بإعالة تلك العائلة، كما ويختلف عدد أفراد العائلة الواحدة من محافظة لأخرى ويرتفع هذا العدد في محافظات سيستان وبلوشستان وبوشهر وإيلام وخوزستان ليصل وبالترتيب لكل منها 5,22، 5,58، 5,87، 5,98، وتنخفض هذه النسبة إلى أقل مستوى لها في كل من محافظتي كيلان ويزد حيث تصل إلى 4،3 ، 9،3.
المعامل
تشير الإحصائيات إلى أن عدد المعامل في كل البلاد يصل إلى حوالي مليون وتسعمائة وثلاثة وثمانين ألف معمل تم إحصاؤها وإن نسبة توزيعها غير متساوية في المحافظات. فطهران «المدينة» لوحدها استحوذت على 14 % من مجموع هذه المعامل. بينما تبلغ حصة محافظة طهران «باستثناء مدينة طهران» 5,65 % من مجموع المعامل الموجودة في البلاد. ثم تليها محافظة خراسان حيث تبلغ نسبة المصانع الموجودة فيها 11,02 % وآذربيجان الشرقية9,12 % وأصفهان 8,68 % ومازندران7,90 % وفارس 5,44 % من مجموع المعامل التي تم إحصاؤها في كافة أنحاء البلاد. أما حصة كل من محافظات هرمزكان وبوشهر وغيلام وكهكيلويه وبوير أحمد من هذه المعامل فهي الأقل نسبة لمثيلاتها حيث لا تتجاوز وبالترتيب الـ 1,00%، 0,63 %، 0,53 %، 0,44 %.
الحياة السياسية والاجتماعية لإيران
عند الفتح الإسلامي
كان الفرس والعرب قبل الإسلام أمتين متجاورتين تعرف إحداهما الأخرى معرفة بسيطة قاصرة على الصلات المحدودة التي كانت توجد بينهما حينذاك.
وكانت مملكة فارس عندما غزاها المسلمون تعيش في حضارة متأصلة في القدم مؤسسة على نظام اجتماعي حافل بتقاليد وعادات كونتها تطورات تاريخية حصلت طيلة قرون وأجيال كثيرة من عهد الرعاة الآريين الأولين إلى زمن الامبراطوريات الإيرانية العظيمة التي قامت بدور هام في تاريخ العالم القديم.
وكان هذا النظام الاجتماعي نظاماً أريستقراطياً إلى أبعد حد بعيداً كل البعد عن ذاك النظام الاجتماعي البسيط الذي كان يعيش عليه العرب حينذاك. وحسبنا مثالاً لذلك أن الفرس كانوا يعظمون ملوكهم إلى درجة أنهم كانوا يعتبرونهم عناصر إلهية يحرم على الناس التفوه بأسمائهم وألقابهم ولا يسمح بمقابلتهم ورؤيتهم والتكلم معهم إلا القليل من الخواص والأشراف، وكان فرضاً على هذا القليل من الخواص ألا يقابلوهم إلا متلثمين بلثام يجعلونه على أفواههم كما كان الرسم عند الحضور في المعابد. وقد كان هذا هو الحال عند الفرس، بينما كان الخليفة عند المسلمين يجلس للناس في المسجد ويخطبهم من على المنبر ويشاورهم في الأمر وقد ينقدون أعماله ويعترضون على كلامه.
ولقد كان هذا التباين مثاراً لتعجب الطرفين أحدهما من الآخر عندما سنحت الفرصة لتلاقيهما من قريب وهناك روايات تصور ذلك، منها خبر ورود المغيرة بن شعبة على رستم قائد الجيش الإيراني رواه الطبري وغيره والخبر يقول: «فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم في زيهم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها غلوة. وأقبل المغيرة، وله أربع ضفائر يمشي حتى جلس معه على سريره ووسادته، فوثبوا عليه وترتروه وأنزلوه ومغثوه. فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم. إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضاً إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض. وإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموني. اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول».
وفي رواية أخرى يذكر فيها ورود سفير من العرب اسمه ربعي بن عامر على رستم ويروى عن ربعي هذا أنه قال: «يا أهل فارس إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب وإنا صغرناهن».
هذا وقد عقب المؤرخون على واقعة ورود ربعي بكلمة لرستم يظهر منها أن القائد الفارسي نفسه كان مستشعراً بهذا الضعف المعنوي الكامن من قرارة دولة الفرس وهذا الفساد الفاشي في المجتمع الفارسي حينذاك. فقد روى المؤرخون أنه كان يتحاشى أولاً التمسك بإظهار زينته لوفود العرب حتى لا يظهر أمامهم متعاظماً عليهم ولكن قواد جيشه خالفوه في ذلك فاخذ برأيهم ويقول التاريخ إنه بعدما رجع سفراء العرب خلا برؤساء فارس فقال: «ما ترون؟ هل رأيتم كلاماً قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل (أي ربعي)؟قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب أما ترى إلى ثيابه؟ فقال ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب ولكن أنظروا إلى الرأي والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون».
ويروون عن رستم أيضاً أنه بعد ما وفد إليه المغيرة بن شعبة وأسمعه كلامه خلا برؤساء قومه مرة ثانية وقال لهم: «أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا؟ ألم يأتكم الأولان فخبراكم واستخرجاكم ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا وسلكوا طريقاً واحداً ولزموا أمراً واحداً. هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين. والله لئن كان بلغ من إربهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم. لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء».
ويظهر من التاريخ أن قواد الجيش وروؤساء الفرس أصروا على مجابهة رستم بالرد والتمسك بتجلدهم، فقال لهم رستم: «والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم إن هذا منكم رياء».
وفي إحدى الروايات إن رستم كان ينظر إلى هذا الاضطراب السائد في بلاده والذي بدأ يفشو بعد موت الملك كسرى. وقد كان من جراء هذا الاضطراب أن جلس على سرير الملك في مدى أربع سنين عشرة ملوك رجالاً ونساء. ويجدر بالذكر أن هؤلاء الرؤساء والأمراء الذين نراهم متشاورين هنا كانوا أنفسهم من أقوى العوامل بل العامل الوحيد في إثارة هذه الاضطرابات وإضعاف دعائم الدولة الساسانية. وقد كان رستم شهماً شجاعاً كما يشهد به التاريخ ولكن الأحوال كانت أسوأ من أن يستطيع هو تداركها بشهامته وشجاعته.
وأما عامة الإيرانيين فقد كانوا إذ ذاك يشاهدون بأعينهم انهيار هذا البناء الشامخ أمام قوم من البدو. ولم يكن عندهم تعليل لهذا الحادث الجلل سوى أنه من حكم الأقدار أو مشيئة الأفلاك كما كانوا يقولون. وقد ورد في اخبار الفتوح كثير مما يصرح بذلك منها خبر البلاذري في فتح رامشهر يقول فيه: «كان هناك واد قد وكل به شهرزاد رجلاً من نقابه في جماعة وأمره أن لا يجتازه هارب من أصحابه إلا قتله فأقبل رجل من شجعان الأساورة مولياً من المعركة فأراد الرجل قتله فقال له: لا تقتلني فإنما نقاتل قوماً منصورين الله معهم ووضع حجراً فرماه ففلقه ثم قال له: أترى هذا السهم الذي فلق الحجر والله ما كان ليخدش بعضهم لو رمي به».
وهذه الرواية تمثل عقيدة شائعة عند الفرس القدامى بشأن بعض أبطالهم الأسطوريين فقد كانوا يعتقدون أنهم كانوا مزودين من الآلهة بمناعة بدنية فلا تؤثر فيهم الحراب وكانوا يسمونهم روئين تنان. وكان الفرس يرون العرب من هؤلاء المنصورين من السماء. وقد نسب الفردوسي نفس هذه الفكرة إلى رستم فيما ينقله في الشاهنامه.
قضى الفتح الإسلامي على هذا البناء العظيم ونظامه الاجتماعي العريض. فزال نظام الطبقات الذي كان تراثاً آرياً قديماً. واختفى أشراف البلاد وذوو بيوتها، قتل منهم الكثيرون في الحروب واندمج الباقون في الشعب. ويقول البلاذري: «إن ابن عامر قتل في فتح فارس من الأعاجم أربعين ألفاً وأفنى أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساورة وكانوا قد لجؤوا إليها». هذا وقد بقي من ذوي الشرف طبقة واحدة كانت تعد في الدرجة الثانية من الأشراف وفي الدرجة الأولى من الرعية وهي طبقة الدهاقين.
وقد كان لهؤلاء الدهاقين مركز هام في المجتمع الإيراني القديم فقد كانوا القائمين بأمر خراج الأرض وكانوا الوسطاء بين الرعية والملك. فجاء الإسلام فأقرهم في مناصبهم وعهد إليهم بما كان معهوداً إليهم قبل مجيئه من أمر الخراج والإشراف على الرعايا.
وأبقى المسلمون قوانين الأموال والضرائب على ما كانت عليها قبل الإسلام وجبيت الضرائب الثلاث الخراج والجزية وآيين على ما كانت تجبى عليه في أواخر عهد الساسانيين، وكان يقال للخراج والجزية في اللغة البهلوية «خراك وكزيت» ويظن أن تكونا مأخوذتين من اللغة الآرامية. ومع أنهما قد تستعملان مترادفتين إلا أن الغالب في الاستعمال أن الخراج يعني ضريبة الأرض والجزية ضريبة الرأس. وصارت الجزية في الإسلام مخصوصة بالذميين وإن كنا لا ندري هل كانت فيما قبل الإسلام مفروضة على الرعية كافة أو كانت مخصوصة بأهل الحرف والمهن اليدوية.
ومن البين ان الفتح الإسلامي كان نكبة على الطبقة التي كانت تفيد من جمع الخراج. ولكن هل كان كذلك بالنسبة للطائفة المؤدية للخراج؟ يرى المؤرخ افنكليزي ميور ـ وهو من أحسن من كتب في تاريخ الإسلام ـ إن الرعايا في إيران لم يكن عندهم إلا الارتياح إلى هذا التحول العظيم الذي أراحهم من أيدي جبابرتهم. وهناك خبر للطبري يستفاد منه شيء بشان موقف العامة حيال الإسلام وعدم رضاهم بحالتهم السابقة فقد روى الطبري أن المغيرة بن شعبة لما قال لرستم وأصحابه: إن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة قالت السفلة: «صدق والله العربي. وقالت الدهاقين: والله رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه».
وكان وضع الإيرانيين حيال الفاتحين وفي إبان الفتح الإسلامي على صور مختلفة. فالذين أسروا في الحروب جرى عليهم حكم الرق إلى أن يجنحوا للإسلام فيجري عليهم حكم المولى، وفريق آخر قبلوا الجزية تمسكاً بدينهم القديم فصاروا من أهل الذمة، وفريق دخل في الإسلام لأنهم لم يقبلوا دفع الجزية لعدم استطاعتهم أو لاستنكافهم من تحمل الصغار الملازم للجزية. كما دخل في الإسلام جماعة ممن كان همهم التشبث بأهداب الحكومة الفاتحة ومشاركتها في التمتع بغنائم الفتوح. فحدث بذلك اختلاط بين الفئتين الغالبة والمغلوبة واشتد هذا الاختلاط بمرور الزمان وقويت الصلة بينهما آخذة في العمق والمعنوية مما أثر في تشكيل حضارة مزدهرة هي الحضارة الإسلامية.
ولكن مر زمن طويل قبل الوصول إلى هذه النتيجة وقد حالت دونها سياسة الأمويين في تعصبهم القومي وإقصائهم للأمم المغلوبة وبخاصة للإيرانيين فقد كانوا يرون فيهم كما يقول ميتز: «بقية عدو باسل مستقل لم يتم التغلب عليه في مواطنه البعيدة المنال» وطالما اختلف الفقهاء في أمر المجوسي: أتشمله أحكام الذميين أم لا؟ حتى رأوا أخيراً أن تكون ديته أقل من دية النصراني واليهودي. والذين أسلموا من المجوس دخلوا في جماعة المسلمين ومنهم من شاركوا العرب في الحروب ففرض لهم، ومنهم من اشتغلوا بالمهن والمتاجر في البلاد على ما كانوا عليه في حياتهم السابقة على الإسلام.
يقول الطبري: «كان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزاء عن أيديهم (أي عن مهنهم ومكاسبهم) على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين. وكانت الضيافة لمن أفاءها الله خاصة ميراثاً».
واستخدم الإيرانيون لمناصب الحكومة منذ أوائل عصر الفتوح، فقد استخدم قباد رئيس الأساورة الديليين لحكومة حلوان. وهؤلاء الأساورة كانوا فرقة من الجيش الإيراني شهدوا القادسية مع رستم فلما قتل وانهزم الفرس اتصل هؤلاء بالعرب وأسلموا ودخلوا في الجيش الإسلامي وشهدوا مواقع كثيرة مع المسلمين. وقد روى البلاذري والطبري من أخبارهم ما يمثل صورة من إسلام الإيرانيين الأولين.
وذكر الطبري أن زياد ابن أبيه لما أراد بناء مسجد الكوفة دعا ببنائين من بنائي الجاهلية «وفيهم بناء قد كان بناء لكسرى» وفي خبر آخر للطبري أن رجلاً اسمه روزبه بن بزرجمهر بن ساسان من أهل همذان بنى في الكوفة لسعد بن مالك قصراً ومسجداً ووفد بعد ذلك على الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة وأسلم على يديه فأعطاه الخليفة وفرض له.
وفي الأغاني أن الحجاج بن يوسف استخدم لبناء الكعبة بعد خرابها في حروب ابن الزبير بنائين من الفرس كانوا يتغنون عند اشتغالهم بأغنية أخذها منهم سريج المغني فجعل منها ألحاناً. وهناك من خبر أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة أنه كان نقاشاً ونجاراً وحداداً وكان يصنع طواحين تدور بالريح وكان مشتغلاً بحرفه تلك ومتكسباً بها.
وكان في زمن الساسانيين عدد كبير من المعامل والمصانع اليدوية في أنحاء البلاد لإنتاج الأقمشة والمنسوجات. وكانت موانئ الخليج الفارسي مراكز تجارية هامة احتفظت بنشاطها زمن الحضارة الإسلامية أيضاً فكان من الطبيعي أن تحصل وقفة في هذه الأعمال في دور الحروب والخسائر التابعة لها كما أنه من الطبيعي أن تكون قد استأنفت حياتها بعد هدوء الأحوال. ولكن طيسفون عاصمة الساسانيين التي تسمى بالمدائن خربت إبان الفتح خراباً نهائياً ولم ترجع إلى الحياة بسبب ان الحكومة العربية اتخذت الكوفة والبصرة مركزاً لها وانتقل النشاط إليهما بطبيعة الحال. وقد ورد في التاريخ ذكر جماعة من الإيرانيين في المصرين كانوا من رجال المال والقائمين بالأعمال منذ أوائل الإسلام.
ويظهر أن المناطق الشرقية والبلاد الجبلية الشمالية في إيران احتفظت باستقلالها أكثر من المناطق الغربية لبعدها عن مقر الحكومة العربية واعتصامها بموقعها المنيع. وكان أمراء هذه البلاد يجاملون الفاتحين بالأموال ويعاملونهم بالصلح والمسالمة. ويرى الباحثون في تاريخ الساسانيين أن الممالك الواقعة وراء مرو الروذ شرقاً كانت في زمن الساسانيين خارجة عن سيطرتهم. ويرى الأستاذ كريستنسن أن هراة نفسها لم تخضع لحكم الساسانيين. والواقع أن هذه المناطق كانت منذ أقدم الأزمان في أيدي أسرات مالكة من ملوك الطوائف الإيرانية يتوارثونها خلفاً عن سلف طبقاً للنظام الاجتماعي القديم وقد ورد ذكر لفيف من هؤلاء الأمراء أو بالأصح الملوك الصغار في اخبار الفتوح مثل رتبيل في سجستان، وأخشيد في فرغانة، وبخارا خداي في بخارى، ومازيار في مازندران، ومصمغان في الري وغيرهم ممن حاربوا العرب أو عاشوا معهم بمهادنة وصلح. وقد ضعفت شوكتهم بعد استقرار الإسلام وانتشاره في طبقات الشعب، وفُنِيَ كثير منهم في فتوح الأمويين في خراسان وبخاصة في حروب قتيبة بن مسلم. ولكن الحوادث لم تستطع استئصال شافتهم وهم الذين نهضوا بالحركة القومية في إيران وأسسوا الدول الإيرانية الأولى كدولة آل سامان أسسها أولاد سامان خداي وكانوا يمتون بنسبهم إلى بهرام جوبينة وحتى زمن محمود الغزنوي كانت في أرجاء خراسان أسرات ملكية من الإيرانيين انقرضت على يد محمود منها أسرة «شار» المالكة على غرجستان وأسرة آل فريغرن ملوك جوزجان.
ولقد تعود المؤرخون أن يعدوا حركة أبي مسلم وما يضاهيها من الحركات التي قام بها الإيرانيون بعد الإسلام حركات قومية ووطنية ترمي إلى إحياء مجد إيران القديمة وعظمتها. ولكن هذه دعوى تحتاج إلى بينة غير ما نراه في ظواهر الأمر. فهذه الظواهر لا تدل على أكثر من أن هذ الحركات كانت مؤسسة على أساس نزعات دينية إسلامية وليست وطنية أو قومية وقامت بها طوائف من المسلمين كانوا يرون في مسألة الخلافة رأياً من الآراء التي كانت شائعة حينذاك في المجتمع الإسلامي.
الدكتور علي أكبر فياض.
أسر إيرانية في الإسلام
الصفاريون والسامانيون: لما أسس يعقوب بن الليث الأسرة الصفارية سنة 253هـ في خراسان عني كل العناية بإحياء الآداب الفارسية، وكان محمد بن وصيف السجزي أول من نظم شعراً بالفارسية بعد الإسلام يمدح به يعقوب بن الليث مؤسس هذه الأسرة وقد زحف يعقوب هذا إلى بغداد ولكنه فشل في احتلالها ثم مات فتلاه أخوه عمرو بن الليث. وفي نفس الوقت كانت تقوم الدولة السامانية في ما وراء النهر كان يقودها نصر بن أحمد بن أسد المعاصر للخليفة العباسي المعتضد فنال منه إمارة ما وراء النهر بأسرها وبذلك تهيأ للسامانيين وسائل تأسيس دولتهم التي تحقق لها الاستقلال بعد فترة وجيزة على يد إسماعيل بن أحمد بن أسد الذي كان والياً على بخارى. وبعد صراع بين الأخوين نصر وإسماعيل انتهى بتغلب اسماعيل ثم تصالح الأخوان ولم يلبث نصر أن مات فاستقل اسماعيل بملك في ما وراء النهر.
وكان الاصطدام بين هاتين الدولتين (الصفارية والسامانية) أمراً حتمياً يتوقع حدوثه من يوم إلى آخر، وهكذا زحف عمرو بن الليث إلى الأمير الساماني بجيوشه العظيمة والتقى به في بلخ سنة سبع وثمانين ومائتين، وانكسر في الحرب وأخذ اسيراً وأرسل إلى بغداد فسجن؛ هناك لأن بغداد كانت ساخطة عليه وعلى الدولة الصفارية وكانت تشجع الساماني وتؤيده.
صفا الملك بعد عمرو للأمير الساماني وانفسح المجال أمامه لتوسيع نطاق سلطنته فاستولى على أرجاء إيران وامتدت مملكته من بلاد ما وراء النهر إلى عقبة حلواء.
على هذا الملك الواسع والسلطان البعيد حكم السامانيون قريباً من قرن كامل وساسوا الناس بحسن سيرة وإحكام وتدبير. وكانت سياسة السامانيين سياسة معتدلة مقتصدة تجمع بين النزعة القومية الإيرانية والاحتفاظ بالإسلام واحترام مبادئه المقدسة التي كان الشعب ينظر إليها بعين الاحترام أيضاً فنتج عن ذلك ثقافة خاصة يسميها الإيرانيون الثقافة الإسلامية الإيرانية. وكانت اللغة العربية في بلاد الساسانيين لغة رسمية وكان عندهم عدد كبير من الشعراء والأدباء المتكلمين بهذه اللغة عقد لهم الثعالبي في اليتيمة فصلاً خاصاً. وكان الشعراء يفدون عليه من سائر الأقطار الإسلامية بأشعارهم العربية.
وكان في الأسرة المالكة أيضاً من يقول الشعر بالعربية. وفي عهدهم ترجم كتابا الطبري في التايخ والتفسير إلى الفارسية.
وفي عهد نصر بن أحمد (301 ـ 332هـ) نشطت مراكز الثقافة والعلم فكانت بخارى عامرة بالعلماء والشعر وذوي الفضل من أمثالك ابن سينا والرودكي والدقيقي وأبي الريحان البيروني والبخاري وأبو بكر الرازي. ويذكر تاريخ الأدب الفارسي ان الرودكي والدقيقي من شعراء هذه الفترة هما اللذان أرسيا قواعد الشعر الفارسي في نهضته بعد الفتح الإسلامي والسامانيون أسرة سنية وكانوا يؤكدون أنهم من سلالة البطل الساساني (بهران).
البويهيون: حكم البويهيون غرب إيران ومهدوا للمذهب الشيعي واعظم ملوكهم عضد الدولة ممدوح المتنبي الذي حكم ما بين سنة 338 وسنة 373هـ سنة 949 و983م وكان عهد البويهيين من خير العهود على العمران والثقافة والعلم والأدب والفنون وكانوا هم ووزراؤهم من كبار الأدباء باللغة العربية.
وعدا هذه الأسر الإيرانية فقد توالى على حكم إيران من غير الإيرانيين.
الغزنويون: اشتهرت هذه الأسرة بشخصية محمود الغزنوي الذي استطاع في أواخر القرن الرابع الهجري القضاء على السامانيين وبسط نفوذه على إيران الحاضرة وأفغانستان وجزء من بلاد الهند وفي عهده ظهر العنصري الشاعر والبيروني العالم والمؤرخ والفردوسي صاحب الشاهنامه. والغزنويون كالسامانيين المتقدمين وكالسلجوقيين والخوارزميين الآتين كانوا من أتباع المذهب السني. وكان محمود الغزنوي ودولته من أشد الناس عصبية على الشيعة إلى حد المذابح.
السلجوقيون: في عهدهم تضامنت الدويلات المحلية التي كانت قائمة في وسط إيران وغربها وتوحدت تحت حكم (طغرل بك) مؤسس هذه الدولة الذي قضى على الدولة الغزنوية. وقد عمل السلاجقة على تأييد المذاهب السنية بقوة واضطهدوا الشيعة.
الخوارزميون: ينسبون إلى جدهم خوارزمشاه. وكان ظهورهم بإقليم خوارزم، ثم أتيحت لهم فرصة التوسع نتيجة انقسام أمراء البيت السلجوقي على أنفسهم. فقامت دولتهم على أنقاض الدولة السلجوقية ومن أشهر ملوك الخوارزميين السلطان محمد خوارزمشاه الذي استقل بالدولة بعد انتهاء السلاجقة واتسعت دولته وبلغت أوج عظمتها ثم فاجأه المغول بغاراتهم المشؤومة على العالم الإسلامي.
الاختلافات المذهبية
وحتى هذا الوقت كان المذهب السني شافعياً وحنفياً هو السائد في إيران. فأصفهان مثلاً كان يتقاسمها الحنفيون والشافعيون فصمدت المدينة للمغول ولكن خلافاً تجدد بين الطائفتين الحنفية والشافعية وكانوا قبل ذلك (في حروب متصلة بينهم وعصبية ظاهرة) على حد تعبير المؤرخين، فخرج قوم من الشافعية إلى من يجاورهم من المغول فقالوا لهم اقصدوا البلد حتى نسلمه لكم فنقل ذلك إلى قاآن بن جنكيز خان الذي خلف أباه على المغول فأرسل الجيوش إلى أصفهان فحاصروها ومع ذلك ظل الشافعية والحنفية يقتتلون حتى قتل كثير منهم. ثم فتح الشافعية أبواب المدينة للمغول على عهد بينهم وبين المغول أن يقتلوا الحنفية ويتركوا الشافعية، فلما دخلوا البلد بدؤوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ثم قتلوا الحنفية([58]).
العصر المغولي
انقرضت الأسرة الخوارزمشاهية على يد المغول بعد قتال دار بين آخر ملوك هذه الأسرة وجنود المغول. ثم اكتسح هولاكو المدن الإيرانية ثم اقتحم العراق ودخل بغداد سنة 656هـ.
ولما أسلم المغول بعد ذلك اعتنقوا المذهب السني فكان هذا المذهب بطريقته الحنفية والشافعية المذهب الرسمي العام للبلاد ولكن الملك المغولي (محمد خدابنده) اعتنق بعد ذلك مذهب الشيعة في حادثة معروفة([59]).
العصر التيموري
وجاء تيمورلنك فأعاد صورة التدمير المغولي مرة أخرى إلى الأذهان. وكانت أيام (شاهرخ) بن تيمور الذي حكم شرقي إيران من هراة أزهى أيام العصر التيموري ففي عهده أصبحت هراة منبع الثقافة لوسط آسيا.
العصر الصفوي
ثم جاء الصفويون الإيرانيون
مؤسس هذه الأسرة هو الشاه إسماعيل (1501 ـ 1524م) ولم يكن المذهب الشيعي سائداً في إيران قبل هذه الأسرة بل كان انتشاره محدوداً فعمل الصفويون على نشره بكل وسيلة. ونشبت الحروب بين الصفويين والعثمانيين، فضلاً عن حروب الأوزبك الذين كانوا يهددون الحكم الصفوي من الشرق ولكن الشاه إسماعيل استطاع أن يوطد للأسرة الصفوية في البلاد. وأعظم ملوك هذه الأسرة هو عباس الكبير (996 هـ ـ 1587م) الذي تمكن من هزيمة الأوزبكيين ثم يمم وجهه شطر الغرب فاستعاد آذربيجان وجورجيا وأرمينيا. وكنت العاصمة قبله مدينة تبريز ثم قزوين فجعل عاصمته أصفهان. وقد نشط الشاه عباس الكبير في إقامة علاقات سياسية مع دول أوروبا مما ساعد على تبادل المعلومات الصحيحة بين كل من إيران وأوروبا. كما كان يهتم بترقية إيران صناعياً وقد أحضر ثلاثمائة من الصناع الصينيين المهرة في صناعة الخزف مع عائلاتهم ليعلموا الصناع الإيرانيين الجودة في هذ الصنعة أو يدربوهم على إتقانها، وأخذت إيران تنتج الخزف بكميات كبيرة. وبلغت صناعة السجاد في هذا العهد حداً من الروعة والإتقان كان أساساً لتفوقها الكبير.
ولما وجد التشيع في ظلال الحكم الصفوي من يحميه ويرد عنه الاضطهاد أخذ بالانتشار والتوسع حتى عم إيران كلها وكان الملوك الصفويون يؤيدون علماءه ويسبغون عليهم أنواع التكريم. وظل المذهب الشيعي الجعفري سائداً في إيران من عهدهم حتى اليوم. وفي عهد الصفويين هاجر بعض علماء جبل عامل إلى إيران حيث كان لهم فيها الشان الجليل وتولوا فيها أرفع المناصب كمشيخة الإسلام وغيرها. ومن أشهر من هاجر الشيخ حسين عبد الصمد والد الشيخ البهائي المعروف ببهاء الدين العاملي وكذلك المحقق الكركي والشيخ محمد بن الحسن الحر وغيرهم. والصفويون عَلَوِيّو النسب من سلالة الرسول.
وانتهت الدولة الصفوية سنة 1149 هـ ـ 1736م بوفاة عباس بن طهماسب وتولي نادر شاه عرش إيران.
بعد الصفويين: استمر حكم (نادر شاه) مؤسس الدولة الأفشارية إحدى عشرة سنة كانت مليئة بالمعارك والانتصارات التي وطدت للإيرانيين كيانهم في الشرق والغرب. فاستطاع نادر شاه أن يهزم الأوزبك ويستولي على بخارى وخيوه وما يحيط بهما كما انتصر على الأفغانيين وردهم عن خراسان وهراة كما رد الأتراك الذين طمعوا في الاستيلاء على غربي البلاد. وفتح نادر شاه غزنة وكابل ودخل دلهي في الهند واستولى على كنوزها وكان من مغانمه عرش الطاووس المشهور كما فتح الموصل والبصرة ووصل إلى بغداد.
ومن مآثره الطيبة أنه أول من فكر في التوفيق بين المذاهب الإسلامية، وقد بذل جهوداً جبارة في سبيل هذه الغاية ولكن الدولة العثمانية لم تبذل مساعدتها لإنجاح هذا المسعى ففشل.
وبعد الأفشاريين جاء الزنديون (1162 ـ 1205هـ ـ 1750 ـ 1794م) وتلاهم القاجاريون الذين انتهى ملكهم على يد رضا شاه فانتقلت إيران إلى عهد جديد.
الحالة الدينية في إيران([60])
أخذ الإسلام ينتشر في إيران بعد الفتح الإسلامي على شكل حركة متدرجة مستمرة تنمو سرعتها وتزداد كلما ترقت في مدارج الزمان. وقد كان لهذا التحول الروحي العظيم علل وأسباب صورية نعثر عليها في ظواهر التاريخ. وعلل وأسباب معنوية يجب أن نبحث عنها في الحالة الدينية التي كان الإيرانيون يعيشون فيها عندما دهمهم الفتح الإسلامي.
كانت الزردشتية ديانة رسمية لإيران في عهد الساسانيين وهي ديانة قديمة آرية الأصل وكانت لها بالرغم من كل التغييرات التي طرأت عليها زيادة ونقصاً أصول راسخة في قرارة المجتمع الإيراني مرتبطة بخصائصه القومية والمحلية. ولقد مر على هذا الدين أزمان في عهد الإيرانيين القدامى من الهخمانشيين والأشكانيين لا يعلم التاريخ منها شيئاً واضحاً. وكان أول ظهور هذا الدين بصورة جلية في التاريخ زمن الساسانيين حيث نراه مذهباً رسمياً تعضده الدولة المركزية والأمراء الصغار ونرى له طقوساً وكتباً مدونة ورجال دين ومعابد منتشرة في أنحاء البلاد.
ولكن بالرغم من هذا المركز القويم الذي كان يتمتع به ذلك الدين، وبالرغم مما يبدو لأول وهلة من استقراره فقد مرت عليه أدوار من الأزمات بسبب عوامل داخلية وخارجية لا يمكن لنا الآن تقدير تأثيرها لفقد النصوص وقلة المعلومات.
في عصر الساسانيين أنفسهم نشات ـ أو بالأصح ظهرت على سطح المجتمع ـ فرقة مذهبية تسمى الزورانية أخذت أصولها من قرارة المذهب الزرداشتي وبنت على أساس المثنوية القديمة ديناً جديداً. يرمي إلى الاعتقاد بالجبر وإنكار الثواب والعقاب وتبعاً لذلك إلى إلغاء فلسفة التكليف. وكان الدين الجديد يعزز جانب أهريمن إزاء أهورا مخالفاً في ذلك الزرادشتية الرسمية وكان لانتشار هذا المذهب المتشائم أثره السيئ في تقويض دعائم المجتمع الإيراني حينذاك كما نوه به نيبرج وكريستنسن.
وقبل ورود الإسلام إلى إيران بخمسمائة عام احتك في غرب المملكة مذهب سامي آخر بالمجتمع الإيراني ألا وهو المسيحية التي تغلبت على مملكة أرمنستان التي كانت في حوزة الامبراطورية الإيرانية حينذاك ثم دخلت إيران من غربها وانتشرت في البلدان الآهلة بالعناصر الأرامية وازداد انتشارها ازدياداً عظيماً فقد كان لها عندما قام الساسانيون بالملك مركز ديني عظيم في بلدة أدسا في حران. وساعد على نشرها أن ملوك إيران في جولاتهم الحربية في سوريا كانوا يحملون أهالي بلدة أو ناحية بتمامها إلى إيران ويسكنونهم في داخل البلاد الإيرانية وبما أن أغلب هؤلاء المهاجرين كانوا مسيحيين فقد ظهرت المسيحية في كل ناحية من نواحي إيران وبعد أن اتخذت الدولة البيزنطية المسيحية ديناً لها ونشطت لتعضيدها ونشرها قام دعاتها في إيران بنشرها ومكافحة الزردشتية بمنتهى الجرأة والتعصب وبلغ بهم الأمر إلى أن دمروا معبداً زرادشتياً في خوزستان كان واقعاً بقرب كنيسة مسيحية.
ومن ذلك الحين صارت المسيحية مشكلة للدولة الساسانية من الناحيتين الدينية والسياسية. كانت حماية الدين الرسمي للبلاد وإرضاء رجال السلك المذهبي ـ وهم من أصحاب النفوذ العظيم والطبقة المسيطرة على الحكم يحتم على الدولة القيام بقمع المسيحيين والقضاء عليهم وبخاصة عندما ظهر وثبت تحيز هؤلاء للدولة البيزنطية ولسياستها في إيران. ومن جانب آخر كانت الصلات الديبلوماسية بين إيران وبيزنطة تتطلب من الدولة أن تعامل المسيحيين برفق وسلم.
إلى هذا يرجع ذلك الاختلاف الذي نلحظه في سياسة الساسانيين حيال المسيحية الطارئة وموقفهم منها. من الاضطهاد والتضييق تارة والترفق والمهادنة أخرى بحسب ما كانت تسمح به الظروف والأحوال.
وفي الدور الأخير من أدوار الحكومة الساسانية، وكان دور الضعف والانحطاط، تقدمت المسيحية في إيران بخطى واسعة وشقت لها طريقاً في الطبقات العليا أداة الحكم أيضاً وفتحت لها الأبواب هناك بعد ما كانت موصدة دونها طيلة أزمان. وفوق ذلك فقد كان وزير المالية في عهد خسرو برويز رجلاً مسيحياً. وكانت في حرم الملك نسوة مسيحيات مستمسكات بمذهبهن وكان لهؤلاء المسيحيين المتمكنين في البلاط نفوذ وتأثير في المجادلات الدينية التي كانت جارية حينذاك بين الفرقتين النسطورية واليعقوبية في إيران. وكان رجال الدين الزردشتي في ذلك الوقت على جانب عظيم من الانحطاط الخلقي ولذلك لم يتيسر لهم الاستفادة من هذا الخلاف والشقاق الذي كانت المسيحية تعانيه آنذاك. وكان ذلك فرصة سانحة لمخالفيها.
وكانت مدينة وه أردشير وهي إحدى مدائن تسيفون السبعة مركز المسيحية الإيرانية، فيها كنائسها ومدارسها وجاثليقها. وقد ورد في أخبار الفتوح الإسلامية كثيراً ذكر النصارى في أنحاء البلاد الإيرانية منها خبر الطبري في فتح شوش (الطبري ج 4 ص 220 ط الحسينية) ورد في كتاب أعمال الشهداء لمؤلف مسيحي ذكر لفيف من أشراف الإيرانيين اعتنقوا المسيحية في زمن الساسانيين([61]).
وبعد دخول المسيحية بزمن جاء دين آخر لغزو الزرادشتية في إيران وهو المانوية. وكانت المانوية مزيجاً من المذاهب الآرية والسامية روعي فيها ملاءمتها للجو الديني السائد في ذلك العصر وجعلت فيها قصة النزاع بين أهورا وأهريمن نزاعاً بين العنصرين النور والظلمة يحكونها في قالب قصصي رائع وأتبعت القصة بتشريع مفصل يتعلق بالأخلاق والعبادات يمكنه أن يعيش في البيئات الروحية المختلفة ويعاشر الأديان المختلفة.
وكان ماني نفسه من ذوي البيوت الإيرانية ومن طبقة النجباء. ولقي الدين الجديد في إيران إبان ظهوره مساعدة في بلاط الساسانيين ولكن لم يطل دور نجاحه فقد قام رجال الدين الزرادشتي بمكافحته واضطهاده واضطرت الحكومة إلى مسايرتهم وانتهى الأمر بقتل المانويين قتلاً عاماً. وكانت المسيحية أيضاً خصماً لدوداً للمانوية قام في مكافحتها بدور هام. وكانت نتيجة ذلك أن المانوية اختفت من إيران وتحول مركزها إلى سغد ومن هنا دخلت الصين ووصلت إلى أوروبا وكانت تعيش في إيران وبخاصة فيما بين النهرين مختفية منتشرة حتى زمن الإسلام وكان في العصر العباسي من تعقب الزنادقة أي المانويين ما هو معروف في التاريخ.
وفي عصر الحكومات اليونانية في إيران تسربت البوذية من الهند إلى بلاد إيران الشرقية وكانت البوذية في القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد ديناً شائعاً في حوزة كابل يدل على ذلك الآثار والرسوم الباقية حتى الآن ويستخلص من كتاب الزائر الصيني هيونن تسيانك أن المعابد البوذية كانت لا تزال قائمة في إيران حتى القرن السابع للميلاد أي زمن الإسلام.
وبجانب هذه القلاقل الدينية كانت هناك نهضة فلسفية يونانية ازدهرت في عصر كسرى أنوشروان فكان لها تأثيرها في تكوين العقلية الإيرانية وبالتالي في الحالة الدينية حينذاك. وقد اتسع نطاق الفلسفة اليونانية في إيران عندما ورد هذه البلاد لفيف من الحكماء البيزنطيين وتركوا بلادهم بسبب اضطهاد المسيحية لهم. فانتشرت أفكارهم في الطبقات الراقية المثقفة وكان للملك أنوشروان مجالس مع الحكماء يتذاكرون فيها مسائل فلسفية ودينية مما يذكرنا بمجالس الخليفة المأمون مع علماء عصره.
وهناك مقدمة كتاب كليلة ودمنة المنسوبة إلى برزويه الحكيم المعاصر لأنوشروان هذه المقدمة ـ إن صحت نسبتها ـ تعد مرآة للحالة الدينية أو العقلية الإيرانية في ذلك العصر، نرى فيها رجلاً من الطبقة المثقفة أثر فيه تضارب الآراء وتضاد العقائد والأديان التي أحاطت به من كل جانب فوقف حائراً. وقد وصل في النهاية إلى أن يستخرج من الأديان خلاصة يخذها ديناً له وهو ملازمة أعمال الخير والتجنب عن الشر فحسب.
وماذا كان وقف الديانة الزرادشتية من هذا الهجوم العام الموجه إليها؟ وهل كان في استطاعتها أن تقوم بدفعه مع ما كان يلوح عليها من دلائل الضعف والانحطاط؟ فقد كانت تئن منذ زمن طويل تحت أعباء الخرافات التي كانت تعمل على تشويهها وتحريفها عن بساطتها الأصلية. والمراسم المعقدة التي كان رجال المعبد قد أثقلوها بها. لا يغالي كرستنسن إذ يقول إن الأصول التي كانت الديانة الزرادشتية مبنية عليها عادت في أواخر الساسانيين زخرفة من القول خالية عن أي معنى. نرى من ذلك أن الجو الديني في ذاك العصر كان مساعداً لتحول ديني وهذا ما كانت المسيحية تطمح إليه، ولكن لم يقدر لها النهوض بما طمحت إليه فنهض به الإسلام.
ولكن هذا التحول أخذ يتقدم بتريث وتدرج ولعل من أول الإيرانيين إسلاماً هؤلاء الأساورة الديلميين وقد ذكر الطبري والبلاذري أنهم شهدوا مع أبي موسى الأشعي حصار تستر فلم تظهر منهم نكاية (كافية) فقال أبو موسى لرئيسهم سياه: ياعون ما أنت وأصحابك كما نظن. فقال له: أخبرك أنه ليست بصائرنا كبصائركم ولا لنا فيكم حرم نخاف عليها ونقاتل، وإنما دخلنا في هذا الدين في بدء أمرنا تعوذاً وإن كان الله قد رزق خيراً كثيراً.
وفي أوائل الفتوح أي في زمن الخلفاء الراشدين كانت البلاد المصالحة إذ تخير بين الجزية والإسلام تختار في الغالب الجزية. وكان من أهم المواد في اتفاقيات الصلح المادة الخاصة بصون دين البلد. من الأمثلة على ذلك كتاب تفليس الذي ورد في أوله: «هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تفليس بالأمان على أنفسكم وأموالكم وصوامعكم وبيعكم» ورد في آخره: «فإن أسلمتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة فإخواننا في الدين وموالينا» وفي كتاب صلح جرجان: لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم ولا يغير شيء من ذلك. وهذه العبارة نجدها في كثير من كتب الصلح ونجد في كتاب صلح شيز تصريحاً بأن لا يهدم بيت نار ولا يمنع أهل الشيز خاصة من الخروج في أعيادهم وإظهار ما كانوا يظهرونه وهذه الخصوصية لشيز تجيء من أن هذه البلدة كانت لها قداسة عند الزردشتيين لأنهم كانوا يزعمونها مولد زردشت وكان لهم هناك بيت نار مشهور يحج إليه من أرجاء البلاد. وقد ذكر البلاذري أن الأشعري نزل بأصبهان فعرض عليهم الإسلام فأبوا فعرض عليهم الجزية فصالحوه عليها.
وكان أداء الجزية والقيام بالشروط المقررة أمراً شاقاً كتغيير الدين وقد حدث كثيراً أن البلاد نقضت عهود الصلح وثارت على الفاتحين وعادت مغلوبة مرة أخرى وانتهى الأمر إلى قبول الناس للإسلام، منهم من تقدم ومنهم من تأخر، ومثال ذلك آذربيجان وهي مهد زردشت المتمسكة بدينه والتي صالحت المسلمين على التمسك بدينها بعد ذلك. نراها في زمن علي بن أبي طالب وقد أسلم أكثر أهلها وقرؤوا القرآن.
وهناك خبر طريف بشان مشكلة اللغة التي كان المسلمون الأولون في إيران يعانونها بسبب عدم معرفتهم اللغة العربية. يقول المؤرخ: إن أحد القادة جعل من بيت أصنام كان ببخارى مسجداً جامعاً وأمر الناس بأداء صلاة الجمعة وكان يعطي كل من حضر الجمعة من الناس درهمين وكان ينادي بذلك كل جمعة. وكان الناس يقرؤون القرآن في صلواتهم بالفارسية لكونهم لا يقدرون على العربية. وفي مواقع الصلاة كان يقف خلفهم رجل يخبرهم بحركات الصلات منادياً فيهم فكان يناديهم عند السجود «نكوينا نكوني» أي «ركوعاً ركوعاً».
ويحدثنا المؤرخ أيضاً أن أغنياء البلد كانوا لا يحضرون صلاة الجمعة وكان الذين يحضرونها من الفقراء، فحدث يوم جمعة أن ذهب هؤلاء الفقراء إلى الأغنياء وكانوا يسكنون في قصور لهم خارج البلد فدعوهم إلى الصلاة وألحوا عليهم فأبوا أن يحضروا ورموا الناس بالحجارة فانتشبت الحرب وغلب المسلمون فقلعوا أبواب القصور وجاؤوا بها إلى المسجد وكانت عليها صور وثنية فمسحوها واتخذوا منها أبواباً للمسجد عندما زيد في بنائه. ويأخذ المؤرخ بعد ذلك في ذكر أخبار انتشار الإسلام وكيف كان يزداد من يوم ليوم حتى بنيت المساجد الكثيرة وقام الناس كافة حتى الأغنياء والأمراء بنشره وإقامة دعائمه.
وكان مما يباعد بين الذميين والإسلام تشديد عمال الخراج في أخذ الجزية فلم يكونوا يضعونه عن الذمي ولو دخل في الإسلام وكان ذلك مما يؤذي المسلمين الأخيار الذين كانوا يرون نشر الإسلام في القلوب أهم من جمع الأموال في بيوت المال فقام عمر بن عبد العزيز بإسقاط الجزية عن الذمي بعد إسلامه فسارع الناس إلى الإسلام ولكن الأمر عاد إلى قراره الأول بعد عمر وأخذت الجزية من المسلم والذمي على حد سواء. ثم توالت العهود وتبدلت الأمور وسارع الناس إلى الإسلام.
وفي الأوقات التي كانت الديانة القديمة ما تزال تزعم لنفسها شيئاً من القدرة حدثت ثورات على (الدين) الجديد قام بها رجال من ذوي البيوت الإيرانية القديمة والمتمسكين بأهداب ماضيهم. منها قيام المقنع والمبيضة فيها وراء النهر وقيام بابك والخرمية في أذربيجان ومازيار في طبرستان ومهما كان الأمر في صحة الأخبار التي يذكرها المؤرخون بشأن هؤلاء الثائرين فمن الملاحظ أن مسلمي إيران كانوا هم أنفسهم في مقدمة المعارضين لهم والناهضين لحربهم كما يشهد به التاريخ.
وكانت هناك معارضات أخرى أيضاً في إيران ضد الخلافة ولكنها كانت في جوهرها حركات حزبية إسلامية فحسب منها حركات الخوارج في سجستان وقد تسربت الآراء الخارجية من مهدها في العراق إلى سجستان منذ أوائل ظهور الخارجين ويرى صاحب كتاب «تاريخ سيستان» أن قطري بن الفجاءة جاء بها إلى هذا البلد ونشرها هناك. وقد ألم المؤرخون بأخبار خوارج سجستان في كتبهم وهناك أخبار طريفة في كتاب تاريخ سيستان لا توجد في غيره. منها أخبار حمزة بن أدرك وملاحمه.
وقد كانت الحكومات الإيرانية التي قامت بالملك في هذه البلاد متمسكة بالإسلام معلنة لشعاره حتى مع المعارضات التي كانت تحدث أحياناً بينها وبين مركز الخلافة إلى جانب الاهتمام الذي كانت تبديه تلك الحكومات في إحياء الرسوم والآداب الإيرانية.
في دولة آل سامان نفذت دعوة الفاطميين إلى خراسان واستهوت الملك الساماني نصر بن أحمد وكادت أن تعلن مذهباً رسمياً للبلاد إلا أن المشايعين للخلافة العباسية في البلاط الساماني أدركوا الأمر قبل استفحاله فقضوا عليه قضاء باتاً حاسماً.
وكان ملوك آل بويه وقد حكموا على قسم عظيم من بلاد إيران في القرن الرابع للهجرة على مذهب الشيعة أخذوه من أمراء مازندران العلويين.
ولم يكن التشيع في مبدأ أمره وعند ظهوره في إيران نزعة إيرانية قومية كما يزعم ذلك فريق من المؤرخين المحدثين بل كان حركة إسلامية النزعة عربية المولد والمنشأ. كان التشيع نحلة من هذه النحل الإسلامية التي أوجدتها مسألة الخلافة والإمامة. وكان التشيع في الأصل دعاية لأهل بيت الرسول وأوليتهم بالخلافة وهذا كما نرى دعاية إسلامية تحمس لها الناس بداعي الإسلام وبداعي تحمسهم له. وكان الشعب الإيراني ولم يزل ينظر إلى التشيع باعتباره عقيدة دينية إسلامية.
ووفقت الدولة العباسية للقضاء على القرامطة في جنوب إيران وقامت الدولة التركية والتركمانية في شرقيها باضطهاد الشيعة تحمساً للخلافة العباسية ولكن التشيع لم يزل موجوداً في إيران حتى في العصيرن الغزنوي والسلجوقي. واستفحل الأمر على يد الإسماعيليين برهة من الزمن كما هو مذكور في كتب التاريخ. وقام آخر ملوك الخوارزمشاهية معلناً مخالفته للخلافة العباسية وأخذ يعد العدة للقضاء عليها لولا أن دهمته حملة المغول.
وفي عصر المغول ظهر كثير من كبار الشيعة دعموا أسس هذا المذهب ومهدوا الطرق لها كنصير الدين الطوسي والحسن بن مطهر الحلي المعروف بالعلامة الحلي وآل طاوس. وبلغ الأمر إلى حد أن اعتنق الملك المغولي أولجايتو مذهب الشيعة وجمع بينهم وبين علماء السنة في مجالس البحث والمناظرة([62]) مع تجنب التعصب في كل ذلك، فلقد كان مذهب السنة بطريقتيه الحنفية والشافعية في نفس الوقت المذهب الرسمي العام للبلاد، وهذه كانت الحال في زمن التيموريين، حتى جاء الصفويون فجعلوا التشيع مذهباً رسمياً للدولة وبالغوا في نشره وإشاعته. ولكن الملك نادر شاه إفشار القائم بعد الصفويين عمد إلى تخفيف الوطأة وإيجاد مهادنة بين الفريقين وفكر في مشروع يجعل التشيع مذهباً خامساً للمذاهب الأربعة الإسلامية ولكنه لم ينجح في ذلك وبقي التشيع مذهباً للدولة. وهناك أقليات مذهبية تعيش بجانب المذهب الرسمي في أرجاء البلاد.
الدكتور علي أكبر فياض
المسيحية في إيران
إن بداية تاسيس الكنيسة المسيحية في إيران([63]) يختفي تاريخها في ظلمات العهد الأشكاني (يمتد هذا العهد من 150 ق.م. إلى 226م)، والقرائن الموجودة تدل على أن الديانة المسيحية كانت قد بدأت في القرن الميلادي الأول في بلاد الجزيرة كذلك وبلاد ما بين النهرين ثم في كردستان وغربي إيران.
وتشعر الروايات المسيحية أن اثنين من الرسل (الحواريين) هما شمعون ويهوذا يمما المشرق بعد صعود المسيح للدعوة والتبشير (لوقا 6: 15)، ومعروف أن حوارياً آخر هو يهوذا الذي اشتهر باسم توما ذهب إلى جنوبي الهند داعياً إلى الدين الجديد، والمسيحيون الذين يقطنون بالقرب من مدينة مدارس في الهند يرجعون إليه تاريخ كنيستهم، وفي منطقتهم تلك لا يزال يوجد في عهد سحيق صليب مع كتيبة (كتابة حجرية) بخط بهلوي. ولكن يظهر أن انتشار المسيحية كان أبطأ وأضعف كلما بعدت عن دجلة شرقاً لأن فهم الناس للغة اليونانية كان أقل.
ولكن من المحقق أن أول كنيسة تأسست كانت في مدينة أورفا التي كانت في القرن الأول للميلاد بلدة عامرة في شمالي ما بين النهرين، ثم انبسطت الكنيسة منها بالتدريج إلى آذربيجان والعراق حتى حازت بعدها المركزية الدينية الإنجيلية مدينة إربل.
وبسبب فقدان المركزية السياسية في العهد الأشكاني ولعدم وجود وحدة قومية فإن سلاطين «بارت» قلما كانوا يأبهون أو يتعرضون بضغط أو أذى للنصارى أو اليهود.
ومنذ ذلك التاريخ أي بعد حكم الهخمنشيين والتطورات التي حدثت بعد غزو الاسكندر بلادهم أفاد الإيرنيون إجمالاً بسبب اتصالهم بأهل كتاب «يهوذا» نضجاً عقلياً ونوعاً من التكامل الفكري فتخطوا بالتدريج مرحلة المعتقدات البدوية، توتيميسم، وأنيميسم، ثم زادت تعاليم العبادة المثنوية وأقوال الزرادشتية أفقهم الروحي نوراً وصفاء وقربتهم شيئاً فشيئاً من مرحلة التوحيد وعبادة الأحد، لذا ما إن كرز لهم المبشرون المسيحيون بمبادئ النصرانية حتى وجدوها متناسبة مع فكرهم وموافقة لاستعدادهم.
وفي تلك الفترة كانت صنوف النكال بالمسيحيين وتعذيبهم في دولة روما سبباً لأن يفر منها في القرون الأولى للميلاد مئات النصارى ليجدوا لهم في أرض إيران مأمناً ومستقراً، وبالطبع كان هؤلاء أنفسهم يصبحون فيما بعد دعاة لرسالة السيد المسيح.
المسيحية
في العهد الساساني
هذه السياسة تبدلت في العصر الساساني 226 ـ 650م فقد كانت سياسة أردشير بابكان والذين خلفوه التعصب لديانة مزدا والانتصار الشديد لها، وكان الملوك الساسانيون يعملون على توطيد الوحدة الوطنية في إيران تحت ظل الصمود أمام أعدائهم الأقوياء، الروم، لذا كانوا يبسطون على الموابذة الزرادشتيين حماية تامة، وكانوا يعملون على حفظ بيوت النار في جميع أطراف البلاد متقدة مضيئة متصلة الاشتعال.
وفي عهد بهرام الأول 275م حين ظهرت عقيدة ماني، قتلوه بنحو مفجع، وبددوا وأبادوا أتباعه وأنصاره، وفي هذه الفترة شدد أيضاً على المسيحيين ولحقهم ضغط وشدة.
وعلى صخرة الأساس للطرف الشمالي من البناء المسمى «كعبة زردشت» في نقش رستم (قرب تخت جمشيد، على أحد عشر فرسخاً. أي حوالي 66 كيلومتراً، من شيراز) توجد كتيبة حجرية بالخط البهلوي نقش فيها:
«النصارى والمسيحيون في المملكة سحقوا».
ويقول المحققون إن هذه الكتيبة نقشت حوالي سنة 290م بأمر من رئيس المغات (مغ، رتبة دينية)، وهي دليل على أنه أنزل بمسيحيي إيران كثير من الضغط والأذى.
أرمينيا: ومع ذلك كانت المسيحية تنتشر في إيران باتصال وتتسع يوماً بعد يوم، حتى ثارت أرمينيا سنة 286م على امبراطور إيران بمساندة الروم وأذعنت رسمياً للسلطة الرومانية ثم اعتنق ملك أرمينيا تبرداد الأول المسيحية. يقال إن مبشراً رومياً يسمى كريكوريوس هو الذي رغبه في الدين الجديد وأدخله فيه ثم عمده، وقد أجبر هذا الملك جميع شعبه بالقوة على اعتناق المسيحية، وأحدث كثيراً من القتل حتى منع ديانة النار وعبادات الأوثان التي كانت تعيش في تلك الديار عهوداً مديدة قبله.
في تلك الأيام ترجمت أقسام من التوراة والإنجيل إلى اللغة الأرمنية وكتبت بالخط البهلوي، وهذه المترجمات لا تزال باقية حتى العصر الحاضر، كما أن الديانة المسيحية استقرت في أرمينيا منذ ذلك العهد، ولا تزال هي الديانة السائدة في الشعب الأرمني حتى اليوم.
وحين أعلن الامبراطور قسطنطين في مطلع القرن الرابع إيمانه بالمسيحية وجعلها المذهب الرسمي لدولته كان الملك في إيران ينتقل إلى شابور ـ سابور ـ الثاني. وقد كان شابور هذا ملكاً شجاعاً حازماً ملك البلاد بعظمة وتدبير طوال سبعين سنة 309 ـ 379م، ولكنه بسبب ما كان بينه وبين الروم من حرب وصراع صار سيئ الظن بالنصارى من رعاياه، ورأى فيهم أعداء لوطنهم وأنصاراً للعدو، فعزم على خضد شوكتهم حتى لا يبقى في داخل إيران أنصار أو مؤيدون للقيصر وهذا هو السبب في اضطهاده للمسيحيين في مملكته.
ومع أن الدين المسيحي لم يكن قد وصل إلى مرتبة رفيعة في العاصمة «المدائن» فقد كانت تلك المدينة مركزاً لسكوبا (أسقف) إيراني يسمى «بابا» يدير منها الكنيسة الإيرانية. وفي تلك المدينة العظمى انعقد أول مؤتمر مسيحي سنة 315م لقب بعدها أسقف «جاثليق» ورسم رئيساً لمسيحيي المشرق ورأساً للكنيسة الإيرانية.
وبعد خمس وعشرين سنة أي عام 338م بدأت بين إيران والروم سلسلة حروب دموية انتهت بانتصار الجيوش الإيرانية وصارت بعدها مدينة نصيبين من نصيب الإيرانيين. هنا بلغت قدرة شابور الثاني في غربي آسيا أوج الكمال، وصمم آنئذ على أن يفرغ باله من المسيحيين وهمهم، فجرد حملة عنيفة طالت حتى سنة 379م سنة وفاته، وكان من نتيجتها مقتل الجاثليق شمعون وخمسة أساقفة وقساوسة كثيرين.
وفي المجتمع البشري تسود قاعدة عامة هي أن التنكيل والتعذيب وصنوف القسوة في محاربة العقائد الدينية والآراء الفكرية لا تقضي على تلك العقائد والآراء بل تزيد استحكامها الداخلي وتوسعها السري، وهذا ما حدث في إيران، فإن الكنيسة بقيت في إيران بعد وفاة شابور بل وبقوة وعلى أساس أحكم وأوطد.
وفي أواخر ذلك القرن رقي العرش في إيران ملك يدعى يزد كرد الأول 399م، وكان هذا عدواً للموابذة المغات، فتسبب من ذلك عطف على المسيحيين ورأفة بهم، وكان السفراء الذين يردون عاصمته من قبل بلاط بيزنطة (الروم الشرقيين) يشفعون لديه لنصارى إيران، واتفق ان طبيباً نصرانياً ماهراً يدعى ماروتا كان يعالج الشاه سعى كثيراً ليكسب عطف الملك على أبناء دينه، إلى أن أصدر الشاه أخيراً سنة 409م. مرسوم حرية المسيحية في مملكته، فعقدت هذه الطائفة في المدائن على أثر ذلك مرة ثانية مؤتمراً لتنظيم كنيستها وإنقاذها من الفوضى وشرعت تعمر الخرائب وترمم المعابد.
وابتداء من هذا التاريخ اعترف بالديانة المسيحية رسمياً في إيران. وقد ذكروا أنه تأسست ما بين نصيبين وتركستان ست وستون أسقفية، كان أهمها في كردستان والري وأصفهان وسيستان ونيشابور واردشير خوره (بمنطقة فارس في جنوبي إيران اليوم) وهراة ومرو.
وفي هذه المجامع كان الإنجيل يعلم باللغة السريانية التي كانت اللغة السائدة في مدينتي أورفا وإربل، وبالإضافة إليها كتب كثير من الأناشيد والرسالات باللغة البهلوية، وامتد بعد هذا بساط البحث والنقاش والجدل الديني بين موابذة الزرادشتيين وأحبار اليهود وقسس النصارى، وغرق الكل في دنيا الاحتجاج والمناظرة التي شغلتهم واستحوذت عليهم.
انفصال الكنيسة الإيرانية عن الكنيسة الرومية: في سنة 420م في عهد بهرام الخامس (بهرام كور ـ بهرام جور) نشبت مرة أخرى حروب بين إيران والروم فعادت أوضاع المسيحيين إلى الاضطراب والتزعزع ووقعوا من جديد تحت طائلة الضغط والتضييق، وتهدمت معابدهم وقتل كثير منهم وفي 422م انتهت هذه الحروب بانتصار الروم وانتهت إلى الصلح. وفي وثيقة الصلح جعلت حرية النصارى واحداً من الشروط المفروضة.
وفي 421م احتل كاهن يدعى داد يشوع مركز جاثليق المدائن، وبعد انتهاء الحرب وإعلان حرية المسيحيين عقد هذا الجاثليق في أحد بلاد ما بين النهرين مؤتمراً ضم سكوباءات (أساقفة) من الولايات الإيرانية كمرو وهراة وأصفهان وغيرها، وفي هذا المؤتمر الذي عرف في تاريخ المسيحية باسم مؤتمر داد يشوع تقرر أمر هام هو إعلان الحرية منذ ذلك التاريخ لكنيسة إيران واستقلالها استقلالاً تاماً عن الكنيسة الرومانية. ويظهر أن مسيحيي إيران وقد رأوا أنهم ما ظلوا تابعين للكنيسة الرومانية فإنهم سيظلون موضع شك وسوء ظن من ملوك إيران وعرضة لأذى الموابذة وكهنة مغ. ومنذ ذلك التاريخ قطعوا صلتهم بمدينة بيزنطة، وتبدل لقب داد يشوع ـ الذي كان موسوماً حتى ذلك اليوم باسم جاثليق (كاثوليكس) ـ فصار يلقب بطريق (بطريرك) إيران.
ظهور نسطوريوس: وفي هذا القرن أيضاً حدث أمر آخر فصل الكنيسة الإيرانية دفعة واحدة عن كنيسة روما الكاثوليكية، ففي مدرسة أورفا التي كانت مركزاً للتعاليم الإنجيلية والتي كانت تقع على الحدود التي تفصل بين امبراطوريتي روما وإيران حيث كان القسس الشبان يلقنون مبادئ علم اللهوت طبقاً لمعتقدات نيقية، كانت تسود النظرية القائلة إن الناحية البشرية في عيسى ابن مريم غير منفصلة عن الناحية الإلهية، وإن هذين الأقنومين ـ أي الأب والابن ـ غير مستقلين.
وفي عام 424م ظهر في تلك المدرسة شخص من أهالي القسطنطينية يدعى نسطوريوس فناس بنظرية جديدة يولي فيها الناحية البشرية في السيد المسيح أهمية أكثر، قائلاً: «إن هويتين متمايزتين ظهرتا في وجود واحد، إحداهما إلهية (الأب) والأخرى بشرية (الابن)»، وبعبارة أخرى ظهرت «كلمة الله» مستقلة في القالب الجسماني لإنسان اسمه عيسى ابن مريم الناصري. وقد حكم الأساقفة الذين كانوا مجتمعين آنئذ في مدينة أقسوس ببطلان هذه النظرية، ومع ذلك فإن هذه العقيدة التي اشتهرت باسم «النسطورية» لقيت رواجاً كثيراً في مدينة أورفا.
وفي عام 457م هاجر جمع كثير من سكان أورفا هذه إلى غربي إيران ونشروا هناك هذه العقيدة، ثم كثروا مع الزمن وأنشؤوا لهم كنيسة لا تزال باقية في تلك البلاد حتى عصرنا الحاضر باسم الكنيسة النسطورية.
ولما انتقل الملك إلى فيروز حظي عنده سكوبا نصيبين ـ الذي كان رجلاً نشيطاً فعالاً ويدعى «بارسيما» ـ بعطف خاص وحب شخصي، وقد عمل هذا السكوبا أيضاً ـ في سبيل فصل نصارى إيران تماماً عن الكنيسة الرومانية على ترويج النظرية النسطورية ونشرها وتقويتها، وقد سانده الشاه في ذلك بالقوة القاهرة، فبلغت كنيسة النساطرة بذلك مكاناً رفيعاً من القدرة والشهرة فلما أغلق الروم مدرسة أورفا سنة 489م وسقطت هذه المدينة من مركزيتها الإنجيلية، اغتنم بارسيما ذلك فرصة وأسس في مدينة نصيبين مدرسة أخرى قامت مقام مدرسة أورفا التاريخية، وصار الشبان المسيحيون الإيرانيون يؤمونها من مختلف اطراف المملكة، يقفون في مجالس من فيها من علماء اللاهوت على التعاليم الإنجيلية، ثم يعودون إلى أوطانهم، حتى غدا أكثر سكوباءات النصارى وقسيسيهم في إيران بعد فترة من الزمن جميعهم من خريجي مدرسة نصيبين، وأخيراً نتج عن ذلك ما بين أواخر القرن الخامس وأواسط القرن السادس أن استقلت التعاليم المسيحية واستقرت في فلاة إيران وجبال كردستان عن طريق المدرسة النسطورية، وتوجد اليوم في آذربيجان الغرب قبائل تحمل اسم «القبائل الآشورية» تتبع هذه المدرسة.
مسيحيو إيران في عهد أنوشروان
ولم يمض وقت طويل حتى تتالى على عرش إيران قباد وبعده ولده أنوشروان، وظهر للمغ والموابذة عدو آخر هو المزدكيون. هنا حرر أئمة عقيدة مزديسني المسيحيين بل عملوا على أن يجعلوهم شركاء لهم في محاربة أتباع مزدك، كما أن الشاه خصهم بالعطف والبر، ولكن لم يمض زمن حتى نشبت ثانية بين إيران والروم حروب عنيفة رمى فيها كل من خسرو (كسرى) وجوستنيان 565م بثقله، إلا أن جيش الروم هزم وتقدمت جيوش إيران حتى مدينة أنطاكية على ساحل المتوسط. وطبعاً ما إن بدأت هذه الحروب حتى عاد المسيحيون محلاًّ للشك والاتهام وسوء الظن، فقتل بعض من أساقفتهم، إلا أن أنوشروان لم يقم بمذبحة عامة كما حدث من قبل، كما أن الكثرة التي كان قد بلغها عدد المسيحيين في المملكة، وما كانوا قد توصلوا إليه من منزلة ورتبة رفيعة منعا مثل هذا العمل.
ولئن كان (مار أبا) بطريرك المدائن قد سجن، إلا أنه ظل مع ذلك محترماً عند خسرو وموضوع عطف منه وبر، وقد كان مار أبا رجلاً قديراً لائقاً ومؤمناً بلغ المجتمع المسيحي الإيراني في عهده درجة رفيعة من التنظيم والرقي، وقد كان معظم سكان المدن في البلاد الكبرى من فنانين وصناع وأصحاب حرف وتجار وكسبة من أتباع الديانة المسيحية، وكان دين الدولة الرسمي (الزرادشتي) محدوداً بطبقة العامة والفلاحين والقرويين في الأرياف والقرى والقصبات. ومما يذكر أن أنوشروان وحفيده خسرو برويز (كسرى أبرويز) كان كل منهما متزوجاً من مسيحية ومن أولاهما ولد الأمير «انوشة زاد» بن أنوشروان الذي اعتنق دين أمه وعمد طبقاً للطقوس النصرانية (ولكن هذا الأمير حارب أباه أخيراً وقتل).
وقد كان السكوباءات (الأساقفة الكبار) في المدن الكثيفة كنصيبين وجنديشابور وفرات ميشان وإربل وكركوك وأردشير خوره (بمنطقة فارس في إيران) ومرو وما وراء النهر ونيشابور (بخراسان) وأصفهان جميعهم ذوي إدارات وأجهزة منظمة، وكانوا جميعاً تحت رئاسة بطريرك المدائن. كما كانوا هم أنفسهم يترأسون بدورهم مئات من القسس والشمامسة ويعلمون الناس الإنجيل، وكان الخطأة يأتونهم فيعترفون لديهم بخطاياهم ويتوبون عنها طبقاً للرسوم المسيحية، وكانوا يعقدون كل سنة مؤتمراً أو اثنين في مدينة من المدن للتداول في شؤون الكنيسة، كما كانوا يعقدون كل اربع سنوات مؤتمراً عامّاً أكبر في «المدن»، لذا قويت المسيحية وانتشرت في أواخر القرن السادس لا في إيران وحدها بل نفذت كذلك إلى خارجها، إلى تركستان وكاشغر والصين([64]) من ناحية، وإلى البلاد العربية ـ الحيرة وبلاد الغساسنة وتغلب إلى نجران (في اليمن) ـ من ناحية أخرى.
وحوالي سنة 550م هاجمت قبائل الهون البيض (الهياطلة) إيران وحاربها الملك الساساني فيروز. وفي ذلك الوقت بعث مار أبا بطريرك المدائن إلى تلك القبائل بمبشرين يكرزون بمبادئ السيد المسيح ويدعون لديانته وفي أواخر القرن السادس صارت النصرانية من السعة والنفوذ بحيث كان بطريرك المدائن يوازي موبد موبدان (مؤبذ المؤابذة) ويعد مثيلاً له في الشأن والقوة، وصارت المسيحية تنافس الزرداشتية منافسة الند المساوي للند، ولعل هذا الانقسام الاجتماعي هو الذي شعب الوحدة الوطنية في إيران فكان السبب في أن الأمبراطورية لم تستطع الصمود في أوائل القرن السابع (636م) أمام هجمات العرب الحديثي الإسلام، وفي أن تنهار السلطة الساسانية بالرغم من جميع مظاهرها الحضارية.
الكنيسة الإيرانية
في العهود الإسلامية
حين فتح المسلمون إيران في النصف الأول من القرن السابع عاملوا النصارى بإحسان ورقة على كره من كهنة «مغ» الزرداشتيين ومؤابذة المجوس، وتركوا لهم الحرية بين اختيار الإسلام أو أداء «الجزية» فقد سماهم الرسول «أهل الكتاب» وجعل لهم ميزات وحقوقاً اجتماعية ترفعهم فوق «المشركين». وكان طبيعياً أن تنتهي المسيحية في جزيرة العرب بظهور الإسلام، ولكنها بقيت في العراق وكردستان وآذربيجان. وحين استقرت خلافة بني العباس في بغداد وانتهى عهد التنافس والنزاعات الداخلية بين الخلفاء وساد الممالك الإسلامية الأمن والاستقرار بصورة عامة، أفاد النصارى النساطرة بدورهم من السلام الراهن فشرعوا ينظمون الكنائس وينشرون تعاليمهم، ونقل البطريق مقره من المدائن إلى بغداد. وصحيح أن بعض الخلفاء المتعصبين ـ كالمتوكل 822 ـ 861م ـ كانوا يتعرضون لهم ببعض الأذى أو الشدة ولكن هذه الطائفة عاشت بصورة إجمالية عهداً هنيئاً تحت ذمة الإسلام، خاصة في عهد الخليفتين هارون الرشيد 766 ـ 806م وولده المأمون 786 ـ 833م ووزرائهما المتحررين ذوي الفكر النير إذ نال العلماء النصارى ما بين كاتب أو طبيب أو مترجم، شأناً رفيعاً ومكانة محترمة. وفي هذا العصر انتقلت الفلسفة والطب والرياضة وسواها من العلوم من اليونانية لترتدي على أيدي هؤلاء العلماء المسيحيين ثوباً عربياً، وترجمت كتب أرسطو وإقليدس وبطليموس وجالينوس وسواهم من حكماء اليونان إلى العربية، فدرست وحققت ونوقشت لا في حاضرة الخلافة وحدها، بل تجاوزت ثغور الأمصار الإسلامية إلى خارج الامبراطورية فانتشرت في الأندلس وأوروبا وظلت حتى القرن الثالث عشر مادة للدرس والتمحيص والاستفادة والنقاش في مدارس الغرب العليا.
من بين مجموعة المترجمين والأطباء النصارى هؤلاء ـ وهي مجموعة ضخمة ـ تشتهر أسماء ثلاثة علماء:
1 ـ جبرائيل بن بختيشوع (أي «محرر يسوع» بالسريانية، من بيوتات النصارى السريان، توفي 830م).
2 ـ جورجيوس بن بختيشوع (توفي 780م).
3 ـ حنين بن إسحاق (المولود في الحيرة)، (توفي 873م).
فهؤلاء العلماء الثلاثة الذين كانوا ينتسبون للكنيسة النسطورية تعد خدماتهم التي أدوها لدنيا العلم والفلسفة في العالم مما يحمد ويقدر.
وفي القرون الهجرية الأولى التي ازدهر فيها الإسلام، وبتوضيح أكثر منذ القرن الثاني حتى القرن السابع للهجرة (التاسع حتى الثالث عشر للميلاد) كان القسس الإيرانيون دائبين في آذربيجان (مدينة أرومية) وخراسان (طوس) وتركستان (مرو) على نشر التعاليم المسيحية بين الترك والمغول والتتار وسواهم من القبائل البدائية الشمالية، بل تقدموا حتى إلى ثغور الصين.
يقال إن أول مبشر مسيحي في الصين كان قسيساً غيرانياً من بلخ يدعى أولوبن أسس في تلك الديار أول كنيسة للسيد المسيح، واستصدر سنة 745م من الخاقان «يوين تسانك» أمراً ملكياً (مرسوماً) يمنح المسيحيين في مملكته الحرية الدينية ويجيز لهم بناء المعابد، ويروى كذلك أن طبيباً نصرانياً من إيران ارتحل في القرن الميلادي الثامن حتى مدينة «ماجين» في اليابان، ودعا ملكة اليابان إلى اعتناق ديانته([65]).
ضعف الكنيسة الإيرانية: يبدأ عهد ضعف المسيحية في إيران من القرن الثالث عشر للميلاد الموازي للقرن الهجري السابع، ولا يزال هذا الضعف مستمراً حتى اليوم، ففيما عداد الآشوريين النساطرة في آذربيجان الغربية ينخفض فإن تعداد المسيحيين في المناطق الأخرى من المملكة حتى ليعد بالأصابع، وقد كان لهذا التدهور وهذا الضعف عدة أسباب وعلل:
أولاً: إن اللغة التي مارستها المسيحية في بلاد الشرق كانت اللغة السريانية التي راج تداولها بين نصارى الشام منذ القرن الثالث للميلاد، والتي هي من شعب اللغة الآرامية. كان الإنجيل والكتب الدينية المقدسة تعلم بهذه اللغة، وبديهي أن الناس في إيران والأمم الأخرى لم يكونوا يعرفون هذه اللغة فلم يكونوا بالتالي يفهمونها، لذا ما إن ماتت هذه اللغة تماماً في القرن الثالث عشر حتى انمحت التعاليم المسيحية وأهملت.
ثانياً: إن سعة بطاح آسيا وصحاراها وفلواتها التي تكاد لا تعرف حداً أو نهاية كانت مانعاً ـ لأولياء الكنيسة في بغداد ـ من أن يستطيعوا الإشراف على الأسقفيات العديدة التي كانت موجودة في تلك الأصقاع المتمادية الرحبات وأن يديروها الإدارة الوافية المشبعة، فكان طبيعياً أن يلحق كنائس خراسان وما وراء النهر وكاشغر وممالك الهند والصين خلل وتفريط، إذ لم يكن هناك رئيس أو حاكم يديرها، بل إن مركز الأسقفية أو الجاثيليقية كان في بعض البلاد يظل سنوات عديدة دون راع أو مسؤول فكان جهاز الكنيسة وشؤونها بالتالي بحالة فوضى ومختلة.
ثالثاً: إن سلاطين الترك والمغول والتتار الذين أخذوا مكان الخلفاء العرب والأمراء الإيرانيين كانوا يعاملون غير المسلمين بتعصب شديد وتحامل جائر، حتى كانوا يرون في إسالة دماء الخارجين عن حياض الإسلام ثواباً. إلا أن هناك فترة وجيزة في أواخر القرن السابع (للهجرة) في أعقاب حملة جنكيز خان كانت فترة خير لمسيحيي إيران تلك كانت حين تنصر بعض اخلافه كالملوك الوثنيين أو الفيتشيت المغول، مثل أباقاخان (1265م) وابنه أرغون خان (1291م)، فهؤلاء «الخانات» (الحكام) كانوا حسني السلوك إجمالاً مع مسيحيي إيران. ولكن بعد أن أسلم غازان خان (1295م) حكم بتعصب مفرط أن تهدم كل معابد النصارى وأوقف اجتماعاتهم وأمر بمنعها. فلما انتهى الحكم في القرن الخامس عشر للميلاد (التاسع الهجري) إلى يورشهاي تيمورلنك الذي امتزج التعصب عنده بأعنف ما يمكن من القسوة وشرب الدماء أحدث في المدن الكبرى من إيران وما بين النهرين والشام مجازر مهولة مفجعة.
في هذه المذابح اعمل تيمور السيف في النصارى حتى لم يبق بعده أثر للنصرانية في ممالك تركستان وما وراء النهر وخراسان وأفغانستان، واستطاع المسيحيون أن يحافظوا على وجودهم في النواحي الجبلية فقط من أرمينيا وكردستان وآذربيجان وكرجستان، والظاهر أن كنيسة الهند الشمالية وكنيسة الصين زالتا أيضاً وانمحتا بصورة نهائية في هذه الفترة.
بعد هذه الضربات القاصمة التي نزلت بالكنيسة النسطورية في عهد المغول والتتار، عاد الكثيرون من قسس هذه الطائفة يتبعون من جديد كنيسة الروم الكاثوليك، وظهر أنصار الكثلكة وأتباعها مرة أخرى في إيران، إلى درجة أن عيّن البابا جول الثالث (1555م) أسقفاً من قبله للكنيسة المعروفة باسم «الكنيسة الكلدانية»، وقد ألف أبناء هذه الجماعة في نواحي الموصل طائفة مستقلة منذ ذلك التاريخ، وهم لا يزالون موجودين حتى اليوم.
مسيحيو إيران في العصر الحاضر
في أوائل القرن العشرين، وقبل الحرب العالمية الأولى، كان يوجد في جبال كردستان ما بين بحيرة وان ونهر الزاب الكبير حوالي سبعين ألف نسمة من المسيحيين النساطرة الذين ظلوا متمسكين بدين أجدادهم بكثير من الحماس والإخلاص وكانوا يحافظون على تقاليدهم وثقافتهم الشعبية الوطنية، وهؤلاء يدعون ـ كما أسلفنا ـ «الآشوريين» وفي الحرب الأولى أنزلت بهم الدولة العثمانية خسائر كثيرة في الأموال والأنفس، وقد تفرقوا اليوم وتبعثروا ومعظمهم هاجر إلى أميركا.
ومن جهة ثانية عاد في القرن التاسع عشر المبشرون والدعاة الكاثوليك (اليسوعيون واللعازاريون) وبعدهم المبشرون البروتستانت الأميركيون (في شمالي إيران وغربها) والإنكليز (في وسط إيران وجنوبها) يعملون من جديد على نشر الديانة المسيحية والدعوة لها كل على طريقته، وترجمت الأناجيل الأربعة إلى الفارسية لأول مرة عام 1811م. في شيراز وطبعت في الهند وصارت في متناول الخاصة والعامة.
تأسست أقدم بعثة بروتستانتية أميركية في أرومية([66]) سنة 1830م، وأنشئت كنائس بروتستانتية إنكليزية كذلك في مدن أصفهان وطهران ويزد وشيراز وكرمان، ولكن المسيحية لم تنتشر رغم كل جهود المبشرين.
الدكتور علي أصغر حكمت
الحياة العلمية في إيران
كان الفرس في القرون الإسلامية الأولى يعبرون عن علم الدين بلفظة، «العلم» مجردة عن كل إضافة أو تقييد وكذلك لفظة دانشمند (العالم) كانوا لا يفهمون منها عند إطلاقها إلاّ العالم بعلوم الدين، ولم يكن ذلك إلا لأن علم الدين كان أول علم اهتم به الإيرانيون في حياتهم الإسلامية.
وكانت عادة الدولة العربية في أوائل الفتوح أن تقيم رجالاً من علمائها في البلاد المفتوحة لتعليم الناس القرآن وتفقيههم في الدين. على يد هؤلاء المعلمين الأوائل انتشرت علوم الدين في إيران وأخذ الإيرانيون يهرعون إليهم للاستفادة منهم والأخذ عنهم وذلك إجابة لدواع لهم دينية ودنيوية، فلقد كان علم الدين يؤهلهم للقيام بأداء فرائضهم الدينية كما كان يؤهلهم للاندماج في المجتمع الجديد وفي أرقى طبقة منه، أي طبقة العلماء المرموقين بعين الاحترام. والعلم اول وسيلة استخدمها الإيرانيون للمشاركة في الحكومة الإسلامية، استخدموه قبل أن يستخدموا السياسة في ذلك. وكان العلم شرعة مباحة لكل وارد وكانت الحكومة الإسلامية تحتفل بالعالم اياً ما كان. وكان الفرس أصحاب الثقافة في حضارتهم القديمة كما يشهد به التاريخ أهلاً لأن يشاركوا في هذا النشاط الثقافي الذي نراه في تاريخ الحضارة الإسلامية.
ولكن مؤرخي الحضارات الإسلامية من الأوروبيين وغيرهم قصروا في الغالب عملهم زمانياً على القرنين الثالث والرابع للهجرة ومكانياً على حضارة بغداد ومصر بسبب توفر المنابع والمصادر لهذه الموضوعات وسهولة الحصول عليها وبقي موضوع الحضارة الإسلامية في إيران موضوعاً كاد أن يكون غير مطروق.
وفي دور الفتوح الإسلامية حدث لكثير من فقهاء العرب ورواة الحديث أن أقاموا في البلاد الإيرانية وسكنوا بها، وفيها لفيف من الصحابة قضوا حياتهم في تلك البلاد منهم بريدة بن الخصيب الأسلمي، المدفون بمرو. وأبو برزة الأسلمي، والحكم بن عمرو الغفاري وعبد الله بن خازم الأسلمي المدفون بجوين، وقثم بن العباس المدفون بسمرقند، وكذلك جمع غفير من التابعين فكان هؤلاء الرواد أول من قام بتعليم الناس ونشر علوم الدين في البلاد.
وبعد أن هدأت الأحوال واستقر الناس وانتشر السلام تكونت للعلم مدارس وحواضر متعددة في أنحاء البلاد الإسلامية وتحتم على طلاب العلم أن يرحلوا إلى هذه المدارس المتفرقة لتلقي العلم وكان الطلبة الإيرانيون في الصف الأول فقد جابوا الأقطار شرقاً وغرباً في طلب الحديث وتدوينه وقد خلفوا من إنتاج مجهوداتهم تلك الآثار الخالدة العظيمة المعروفة بكتب الصحاح.
وقد دونت خمسة منها في إيران. وكانت رواية الحديث مفخرة في إيران وزينة حتى للملوك وهناك خلف بن أحمد أمير سجستان وإسماعيل الساماني أمير بخارى اللذان كانا يرويان الحديث تبركاً واعتزازاً به كما ذكره الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث».
واهتدى علماء الحديث في إيران إلى استنباط أصول وقواعد ومقاييس وموازين لهذا العلم سموها علوم الحديث ودرسوها في مدارسهم ودونوها في كتبهم، وكان هذا الكشف خطوة هامة في تاريخ هذا العلم، فقد انتقل من دور الرواية إلى دور الدراية. ويعد أول كتاب ظهر في هذا العلم كتاب ابن محمد الرامهرمزي (نسبة إلى بلدة في خوزستان) يتلوه كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم أبي عبد الله (النيسابوري المعروف أحد أقطاب علم الحديث في الإسلام).
وكذلك علم الفقه نهض به الإمام أبو حنيفة وهو من أصل فارسي فأدخل فيه الرأي والقياس واستطاع بذلك أن يجعله علماً له أسس وقواعد كسائر العلوم.
وكذلك راج في إيران من المذاهب الأربعة الفقهية مذهبان هما الحنفي والشافعي. وكان المذهب الحنفي شائعاً في خراسان وما وراءها من تركستان وما وراء النهر واتساع نطاقه في عصر الحكومات التركية والتركمانية في إيران بفضل تعضيد هذه الحكومات له. وكان السلطان محمود الغزنوي حنفياً في الفروع كرامياً في الأصول. وفي عصره وعلى يده قويت شوكة الكراميين وأطلق السلطان يدهم في اضطهاد سائر المذاهب مما هو مذكور في تاريخ العتبي ويقول أبو الفتح البستي أحد شعراء هذا العصر:
الفقه فقه أبي حنيفة وحده
والدين دين محمد بن كرام
ويحدثنا الكرديزي مؤلف التاريخ الفارسي القديم المسمى «زين الأخبار» عن أقدم كتاب فقهي ألف في خراسان يقول: كان أهل نيسابور وخراسان يردون دائماً على عبد الله بن طاهر لخصومات كانت بينهم بشأن القنى ولم يكن في كتب الفقه والحديث الموجودة شيء من أحكام هذا الباب فجمع عبد الله الفقهاء في العراق فألفوا كتاباً في هذا الموضوع وسموه كتاب القنى ليكون أصلاً يرجع إليه الحكام في هذا الباب. ويصرح المؤرخ بأن الكتاب كان موجوداً في زمانه هو.
وكانت نيسابور أول مركز علمي في خراسان ظل محتفظاً بمكانته حتى زمن السلجوقيين الذين اتخذوا مرو عاصمة لهم وانتقلوا بعد ذلك إلى أصفهان. ويروى عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري أن أول مدرسة بنيت في الإسلام كانت هي التي بنيت في نيسابور للإمام أبي إسحاق الأسفراييني المتوفى سنة أربعمائة وثمانية عشر. وتقاربها في التاريخ مدرسة أخرى في نيسابور أيضاً بنيت لابن فورك وقبل بناء هذه المدارس كانت الدروس تلقى في المساجد على الرسم المعمول به في سائر بلاد الإسلام والأخبار الواصلة إلينا تعطينا صورة واضحة عما كانت (عليه) نيسابور في القرن الرابع الهجري.
نرى نيسابور على ضوء هذه الأخبار بلدة متدفقة بالحياة والنشاط. زاخرة بمجالس العلم على اختلاف أنواعه من الفقه والحديث والكلام والأدب يتصدرها مدرسون من كبار شخصيات الإسلام. ويزدحم فيها الطلبة الوافدون إليها من أنحاء البلاد، ونرى بجانب ذلك مجالس كثيرة للوعظ والتذكير تضم من عظماء المشايخ رجالاً كالقشيري وأبي سعيد بن أبي الخير. وقد روي أن مجلس الفقيه أبي الطيب الصعلوكي قدر عدد الحضور فيه يوماً من سنة ثلاثمائة وسبع وثمانين فجاوز خمسمائة من الطلاب. ويروي السبكي في طبقاته أن مجلس أحد خلفاء إمام الحرمين كان يحضره في كل يوم ثلاثمائة طالب.
وكان فقهاء إيران في الغالب يسافرون بعد إكمال دراساتهم إلى سائر الأقطار الإسلامية للإفادة والاستفادة وبخاصة إلى بغداد التي كانت مقر الخلافة ومركز الحضارة الإسلامية العظيم. وهناك لفيف من فقهاء إيران اشتهروا في بغداد وتصدروا في مدارسها ونالوا أسمى المراتب العلمية في الإسلام كأبي إسحاق المروزي وسميه أبي إسحاق الشيرازي.
وكانت لفقهاء خراسان طريقة خاصة في الفقه تعرف بهم وكان يقابلها الطريقة العراقية. ويرى ابن خلكان أن أول من جمع بين الطريقتين هو أبو علي الحسين السبخي من كبار تلامذة أبي بكر القفال المروزي. وكان القفال هذا من أكابر الفقهاء الشافعيين في خراسان وصاحب مؤلفات قيمة في الفقه. وتخرج عليه خلق كثير.
ويرى ابن خلكان أيضاً ان أول من وضع علم الخلاف الفقيه الحنفي أبو زيد عبد الله الدبوسي الذي كان يقيم ببخارى وتوفي هناك سنة أربعمائة وثلاثين.
ويقول المقدسي وقد زار خراسان في القرن الرابع: إن علماء خراسان كانوا يلبسون الطيلسان وكانوا يظهرون متطلسين متحنكين. ويخبرنا السبكي عن مركز علماء الدين في خراسان في حكاية يرويها في كتابه: «دخل أحد العلماء الزهاد خراسان فخرج أهلها بنسائهم وأولادهم يمسحون أردانه، ويأخذون تراب نعليه ويستشفون به، وكان يخرج من كل بلد أصحاب البضائع بضائعهم وينثرونها ما بين حلوى وفاكهة وثياب وفراء وغير ذلك وهو ينهاهم حتى وصلوا إلى الأساكفة فجعلوا ينثرون المتاعب وهي تقع على رؤوس الناس وخرج إليه صوفيات البلد بمسابحهن وألقينها إليه وكان قصدهن أن يلبسها فتحصل البركة فكان يتبرك بهن ويقصد في حقهن ما قصدن في حقه».
وفي ترجمة إمام الحرمين الفقيه النيسابوري الكبير في القرن الخامس ـ وقد ترجم له ابن خلكان وغيره ـ يجد الباحث صورة مختصرة إلا أنها حافلة عن الحياة العلمية في خراسان حينذاك ولست بصدد ذكر هذه الترجمة هنا خشية الإطناب. وقد ورد فيها ذكر مدرستين كانتا إذ ذاك في نيسابور وهما البيهقية والنظامية ببغداد وكانت فيهما مساكن للطلبة ولهما أوقاف تنفق عليهما.
وقد كان لدراسة اللغة العربية وأدبها شأن عظيم في إيران منذ العصور الأولى للإسلام لكونها لغة الدين ولغة الدولة. وكانت اللغة العربية تدرس في مختلف درجات الدرس من الكتاب إلى المدارس العليا وكان يهتم بها طلبة علوم الدين كما كان يهتم بها المرشحون للمناصب الحكومية من الكتاب والعمال. وكان الكتاب في الغالب على جانب كبير من الثقافة الأدبية العربية بمقتضى مهنتهم.
وكان لدراسة الأدب العربي مركزان هامان في إيران وهما نيسابور والري. وكانت الري مقر آل بويه ووزرائهم المشهود لهم بالبراعة في الأدب العربي. وقد نشا في عصر الصاحب ابن عباد، المعروف بولائه للعرب والأدب العربي، جمع كبير من الشعراء عقد لهم الثعالبي فصلاً خاصاً في يتيمته. وكذلك نيسابور أنجبت كثيراً من الشعراء والأدباء ربما يفوق عددهم عدد شعراء الري وأدبائها وفيهم شخصيات ذوو شهرة عالمية في الأدب العربي كأبي بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني. ولم يكن إنتاج الأدب في نيسابور مقصوراً على أهل البلد فقد كانت للقرى التابعة لها أدباؤها وشعراؤها ممن ذكرهم الثعالبي في كتابيه اليتيمة والتتمة. ويقول ابن فندق البيهقي في كتابه «تاريخ بيهق» معتزاً بأدباء بلده. لكل بلدة شيء تنفرد به وبيهق تنفرد بأدبائها.
ومن الملحوظ أن كثيراً من الكتاب والعمال في العصرين الغزنوي والسلجوقي الذين ورد ذكرهم في التاريخ كانوا في الواقع من أهل بيهق ومن متخرجي مدارس نيسابور وتوابعها. وعاش في نيسابور رجال من ذوي البيوت والشرف يعنون بتشجيع الأدب العربي منهم بنو ميكال وكانوا ينتمون إلى ملوك إيران القدامى وتقلدوا في العصور الإسلامية الأولى مناصب عالية في الحكومة وكانت لهم مآثر في تشجيع الأدب واصطناع الأدباء مما نجد صداه مردداً في التاريخ وبخاصة في كتب الثعالبي فقد كان ربيب نعمتهم وغرس دولتهم.
وهناك بلاد أخرى في خراسان وما وراء النهر اضطلعت بجانب كبير من نشر الثقافة الإسلامية منها بخارى عاصمة السامانيين، وكركانج عاصمة خوارزم، وبلخ، وهراة، ومرو. ومرو هذه كانت في زمن الساسانيين عاصمة خراسان، يقول طيفور مؤلف كتاب بغداد إن كتب الملك يزدجرد كانت مودعة في مكتبة بمرو. واتخذ السلجوقيون مرو عاصمة ملكهم مدة من الزمان وبلغت الحضارة فيها كل مبلغ وقد زارها ياقوت في تلك الآونة فأحبها لكثرة المكتبات والمعاهد الثقافية التي كانت بها وأقام فيها واضطر للخروج منها عند مهاجمة المغول فخرج مرغماً متأسفاً وقد وصف ياقوت مكتبتها قائلاً:
«فارقتها وفيها عشر خزائن الوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة». ثم يأخذ في تعدادها ويذكر مكتبة كانت تسمى بالعزيزية تحتوي على ما يقرب من اثني عشر ألف مجلد ويقول عنها: «كانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثره بغير رهن فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها. وأكثر فوائد هذا الكتاب (يريد معجم البلدان) وغيره مما جمعته من تلك الخزائن» وكان في مرو جامع للشافعية وآخر للحنفية. وعاش في هذا البلد كثير من علماء الدين أشهرهم القفال المذكور قبل هذا. وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه المحدث كان أصلهما من مرو.
وكان في بخارى عاصمة السامانيين مكتبة ملكية هامة ورد ذكرها في أخبار ابن سينا ومن الجدير بالملاحظة أن ابن سينا حصل علومه كلها في بخارى وحدها ومنها أخذ هذه الثروة الفلسفية العظيمة التي توارثها عنه الناس طيلة القرون الوسطى بأجمعها وهذا يعطينا فكرة عما كانت عليه بخارى من الحالة الثقافية إذ ذاك.
ومما يلفت النظر بوجه خاص في تاريخ الثقافة الإيرانية نزوعهم إلى الفلسفة وعنايتهم بدراستها. عرفوا الفلسفة اليونانية. واتصلوا بها قبل الإسلام وكانت لهم كتب في الفلسفة باللغة البهلوية يذكرها التاريخ. ولا ندري هل كانت مترجمة عن اليونانية رأساً أو عن السريانية كما حدث في الترجمات الفلسفية في عهد الإسلام. وهناك كتاب المنطق المنسوب إلى عبد الله بن المقفع وهو مترجم من البهلوية إلى العربية كما نص عليه صاحب الفهرست. نرى من ذلك ان دراسة الفلسفة كانت متأصلة في إيران قبل الإسلام.
وفي العصر الإسلامي عندما توجه المسلمون إلى الفلسفة اليونانية ونقلها، كان الإيرانيون في جملة القائمين بهذا الأمر، وكان طلبتهم يفدون من إيران إلى بغداد لإكمال دراساتهم وقد نبغ منهم الكثيرون في مدارس بغداد كأبي معشر البلخي وأبي نصر الفارابي وبني موسى الخوارزميين.
ولم يطل دور ازدهار الفلسفة في بغداد بسبب الاضطهاد الذي قام به المعارضون للفلسفة ولكنها ظلت في إيران تعيش في كنف هذه الرعاية التي كان الإيرانيون يبذلوها لها. وهناك فلاسفة من العصر الساماني ورد ذكرهم في كتاب الفهرست لابن النديم كالشهيد البلخي وحمد بن زكريا الرازي وليس عندنا من المؤلفات الفلسفية لهذه الطبقة شيء سوى بعض كتب طبية للرازي.
وانتابت الفلسفة في زمن محمود الغزنوي أزمة خطرة أوشكت أن تقضي على حياتها فقد قام محمود باضطهاد الفلسفة والفلاسفة في أنحاء المملكة وجد في تعقبهم وإبادتهم وامتد نطاق الاضطهاد من خراسان إلى الري عندما تغلب عليه محمود وشنق بأمره في يوم واحد مائتان بتهمة الاعتزال وسوء المذهب كما ورد ذكره في شعر فرخي.
ولا ننسى أن ملوك آل بويه كانوا من المهتمين بالعلوم العقلية وكان بلاطهم مقصداً للمشتغلين بهذه الدراسات وقد أوى إليهم ابن سينا بعد فراره من سطوة محمود، وعندهم وجد الراحة والفرصة لتأليف كثير من مؤلفاته القيمة الموجودة الآن. وقد ذكر المقدسي أن عضد الدولة كانت له مكتبة في بغداد لم يبق كتاب إلى وقته من أنواع العلوم إلا حصله فيها. ويذكر أبو علي مكسويه أن مكتبة حبشي بن معز الدولة في بغداد كانت تحتوي على خمسة عشر ألف مجلد.
وقد كان في وزراء الديلميين ورجال حاشيتهم كثير من هواة العلم والفلسفة، منهم أبو علي بن سوار كاتب عضد الدولة الذي أنشأ في رامهرمز مكتبة وكذلك في البصرة مكتبة ومدرسة للمعتزلة، ومنهم أيضاً أبو نصر سابور بن أردشير الذي أنشأ في كرخ بغداد مكتبة فاخرة ورد ذكرها في كتاب المنتظم لابن الجوزي وفي رسائل أبي العلاء وكانت تحتوي على ما يجاوز عشرة آلاف مجلد فيها كثير من المخطوطات الثمينة والمصاحف المكتوبة بأيدي أحسن النساخ.
وكان ابن العميد وزير آل بويه في الري صاحب مقدرة عظيمة في الفلسفة وعلوم الأوائل مضافاً إلى ذلك براعته في الأدب والإنشاء مما هو معروف به وكان له مكتبة فيها كل علم، وكل نوع من أنواع الحكم والآداب تحمل على مائة وقر كما ذكره أبو علي بن مسكويه خازن مكتبته.
ويذكر ياقوت عن الصاحب ابن عباد أن نوح بن منصور الساماني استدعاه ليوليه وزارته فكان مما اعتذر به أنه لا يستطيع حمل أمواله وأن عنده من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر وكان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات. ولما ورد السلطان محمود الري استخرج من بين كتب الصاحب كل ما كان في علم الكلام وأمر بإحراقه.
وخرب على يد محمود مركز علمي هام آخر كان يعد من أجمل المراكز العلمية الإيرانية وأرقاها وهو كركانج عاصمة خوارزم. وكان لخوارزم منذ قديم الزمن حضارة راقية وكان الملوك آل مأمون الذين حكموا خوارزم في العصور الإسلامية الأولى نسب عريق وتاريخ قديم. وظهر فيهم في القرنين الثالث والرابع للهجرة رجال شجعوا الأدب والعلم كما يسجله التاريخ لهم. وقد أنجبت خوارزم شخصيتين من أعظم الشخصيات العلمية في الإسلام هما الزمخشري في العلوم النقلية، وأبو ريحان البيروني أستاذ العلوم العقلية وأول من أدخل منهج المقارنة في العلم. وقد ورد ذكر جماعة من علماء خوارزم وفلاسفتها في كتب تراجم الحكماء ككتاب القفطي، وصوان الحكمة وفي أخبار أبي علي بن سينا وفي غيرها مما لا يتسع المجال للإفاضة فيه.
ومنذ أواسط عصر السلجوقيين نشطت الدراست العقلية في خراسان وخوارزم مرة أخرى وكان للسلجوقيين وملوك خوارزم الأتراك عناية بعلم الفلك والطب. وقام في هذا العصر العالم الرياضي الكبير عمر الخيام فبنى لهم الزيج المعروف بالزيج الملكشاهي وقد أدخل إصلاحاً جديداً في التقويم الفارسي وهو الإصلاح المعروف عند الإيرانيين بالتقويم الجلالي. وللخيام مطالعات وتحقيقات في علم الجبر معروفة عند الرياضيين. وكان في عصر السلجوقيين أيضاً السيد اسماعيل الجرجاني وهو مؤلف كتب هامة في الطب معروفة باسمه ومن النابغين في هذه العصور الإمام فخر الدين بن الخطيب المعروف بالفخر الرازي وكان علماً في العلوم الدينية والفلسفية يفد إليه الطلاب من أنحاء البلاد الإسلامية وقد خلف مؤلفات هامة في فنون شتى من العلم كالفقه والتفسير والكلام والفلسفة تنم عن قريحة جبارة في النقد قلما يدانيه فيها أحد. ومن مفاخر هذا العصر الإمام الغزالي الذي يعد من أكبر المفكرين الإسلاميين ومؤلفاته صورة كاملة للحالة العلمية الموجودة حينذاك في إيران .
وكانت النهضة الإسماعيلية في قمة نشاطها في ذلك العصر وكانت لها مشاركة تامة في دراسة الفلسفة والنهوض بها للاستفادة منها في تقرير أصولهم وإثبات دعاويهم. وقد أسسوا لهم في قلعة الموت في جبال قزوين مكتبة عظيمة بادت على أيدي المغول نرى لها وصفاً في كتاب جهانكشاي لعطا ملك المؤرخ المعاصر للواقعة الذي قام بإبادة المكتبة بأمر الأمير المغولي.
وكان يعيش في رعاية الإسماعيليين رجل يعد من أكبر المشتغلين بالعلوم العقلية بعد ابن سينا ألا وهو نصير الدين الطوسي صاحب المؤلفات القيمة المعروفة باسمه وقد قدر لهذا الرجل العظيم أن يقوم بإنقاذ التراث الإسلامي من أيدي المغول فقد التحق بخدمة أمراء المغول في إيران والعراق، واختص بهم. وصار موضع اعتمادهم، وفوض إليه أمر أوقاف البلاد، فقام بضبطها وعرفها على إقامة المدارس والمعاهد العلمية. وجمع شمل العلماء والحكماء وتعاون معهم في إقامة رصيد كبير في مراغة بآذربيجان ومكتبة بجانبه يقال إنها كانت تحتوي أربعمائة ألف من المجلدات.
ولقد كانت حملة المغول كارثة على إيران فادحة. ولكن بعدما هدأت الأحوال أخذت الحركة العلمية تستمر في نشاطها وقام الوزراء الإيرانيون بتنشيط أهل العلم وجمع شملهم، فحصل من ذلك إنتاج علمي قوي من ناحية الكمية وإن كان ضعيفاً من ناحية الكيفية، فقد صار العلم في هذا العصر عبارة عن متون معدودة وأصول محدودة، وكان العلماء يقصرون أنفسهم على شرحها وتلخيصها والتعليق عليها وتكريرها ومناقشة ألفاظها. وراج في عصر المغول في التاريخ، وظهرت مؤلفات تاريخية هامة في اللغة الفارسية كتاريخ جهانكشاي المذكور سابقاً وجامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله. وكذلك راج في عصرهم التصوف العلمي.
ولم يتميز العصر التيموري عن العصر المغولي بشيء يعتد به من الناحية العلمية ولكنه تميز عنه بهذا النشاط الأدبي والفني اللذين جعلا هذا العصر من أنشط عصور الأدب والفن في إيران.
وفي عصر الصفويين اتسع نطاق العلوم الدينية بسبب اهتمام الدولة بنشر المذهب الشيعي وتدعيم قوائمه فنهض علماء الشيعة بتأليف الكتب على مذهبهم في الفقه والتفسير والحديث وتاريخ الشيعة، وظهرت مؤلفات كثيرة فارسية وعربية من أهمها كتاب بحار الأنوار الجامع لأحاديث الشيعة وهو كتاب كبير يقع في خمسة وعشرين مجلداً.(الطبعة القديمة)
ولهذا العصر أدبه وعلمه وفلسفته مع أن الجو لم يكن صالحاً لنشوء الفلسفة وازدهارها ولكن نبغ في هذا العصر فيلسوفان يجب أن يفسح لهما تاريخ الفلسفة الإسلامية مكاناً عالياً وهما صدر الدين إبراهيم الشيرازي مؤلف فرضية الحركة الجوهرية، والآخر مير محمد باقر الشهير بميرداماد صاحب فرضية الحدوث الدهري. وللعصر الصفوي فنه الذي يمتاز به.
ويعد العصر الصفوي هذا من أرقى عصور الفن الإيراني بل أرقاها على الإطلاق، فقد التفت الإيرانيون فيه إلى تقاليدهم الفنية القديمة فبعثوا في البلاد نهضة إيرانية حقة وصلت إلى الذروة العليا ولا سيما في عصر الشاه عباس الأول.
ويمتاز طراز هذا العصر بأن كل الأساليب الفنية التي كانت إيران أخذتها عن الشرق الأقصى في العصرين المغولي، والتيموري، تطورت وهضمها الذوق الإيراني فبعدت الشقة بينها وبين أصولها الصينية، كما يمتاز هذا العصر بزيادة الميل إلى قصص الأبطال الإيرانيين القدماء وبالإقبال على تصوير هذه القصص في المخطوطات وفي التحف، وقد عني الفنانون فضلاً عن ذلك بدراسة بعض نواحي الطبيعة والحياة اليومية، كما حصل في العصر الصفوي أول اتصال بين الفن الإيراني والأوروبي مما يظهر أثره في بعض تصاوير هذا العصر.
وقد زاد عدد المراكز الفنية في إيران. كانت تبريز عاصمة الصفويين في البداية فعمل فيها أعلام الخطاطين والمذهّبين والمصورين والمجلدين وأثر نشاطهم في ميادين فنية أخرى فامتد نفوذهم إلى تصميم النقوش الخزفية التي كانت تزين جدران العمائر وقبابها، كما ظهر أيضاً في نقوش وزخارف المنسوجات بأنواعها المختلفة. ثم نقل الشاه عباس مقر الحكم إلى أصفهان في نهاية القرن العاشر الهجري وعني بتجميلها وبنى فيها المساجد والقصور وعبّد الشوارع وغرس الحدائق فأصبحت هذه المدينة من أزهر مدن الشرق وصارت في القرن الحادي عشر الهجري المحور الذي تدور حوله الحياة الفنية الإيرانية.
ولم يكن العمل مقصوراً على أصفهان بل عنوا أيضاً بتعمير المدن في أنحاء البلاد وتشييد الأسواق والخانات والمساجد والمدارس فيها وتخطيط الطرقات الرئيسية وقد أقاموا أضرحة عظيمة لأئمة الشيعة وكبار رجالاتهم في إيران والعراق كأضرحة مشهد وكربلاء وسامراء والنجف التي تمتاز بقبابها البصلية الشكل، ومناراتها الأسطوانية المرتفعة، وزخارفها الخزفية والذهبية مما أكسبها طابعاً خاصاً تجلى فيه ما للإيرانيين من ذوق جميل وغرام بالفن ودراية بما للألوان الهادئة المنسجمة من سحر وجاذبية.
وفي عصر الصفويين ذاع صيت تبريز وأصفهان في إنتاج المصاحف الفنية الفاخرة المذهبة، وزاد إنتاج المخطوطات الجميلة للشاهنامة ودواوين الشعراء ولا سيما نظامي وجامي وسعدي، وأصاب المذهبون أبعد حدود التوفيق في دقة مزج الألوان وإتقان الرسوم الهندسية والفروع النباتية كما أصابه المجلدون في فن التجليد.
وكان المصور العظيم بهزاد حلقة الانتقال من الأسلوب التيموري إلى الأسلوب الإيراني البحت في عصر الدولة الصفوية، ونبغ كثير من تلاميذه وبدأت عادة تأليف المرقعات لجمع الصور المستقلة ونماذج الخطوط المنسوبة إلى أعلام الخطاطين والمصورين. ثم ظهر المصور الكبير رضا عباسي وتبعه كثيرون من الفنانين بأصفهان وغيرها من البلدان. وكان لازدهار فن النقش والتصوير صداه في سائر ميادين الطراز الصفوي فامتد نفوذ المصورين إلى رسوم السجاد والمنسوجات والخزف والادوات العلمية والمنزلية والأسلحة كما نراه في الأسطرلابات والخناجر الصفوية التي ذاع صيتها بإتقان صنعها وجمال زخارفها.
وقد بقي من آثار هذا العصر الشيء الكثير من المنسوجات والسجاجيد والمخطوطات المحفوظة في المتاحف والعمائر الفخمة الرائعة كمسجد الشاه، ومسجد الشيخ لطف الله العاملي، وعمارة عالي قابو بأصفهان، وقبة ضريح الإمام الرضا عليه السلام بمشهد، وضريح وجامع الشيخ صفي الدين باردبيل إلى غير ذلك مما يصعب علينا تعداده ولو بالإجمال. وقد تدهور الفن الصفوي منذ أواخر عصر الصفويين وأخذ في الانحطاط بانحطاط دولتهم، ولكنه خلف للفن الإيراني تقاليد جميلة ما زال الفنان الإيراني يتمسك بها في جوانب مختلفة من نشاطه.
الدكتور علي أكبر فياض
عرض موجز لتاريخ اللغات
واللهجات الإيرانية وتطورها
اللغات الإيرانية مجموعة من اللغات الهندو أوروبية التي تتصل فيما بينها بصلة القرابة وتنتمي كلها إلى أصل واحد، هو اللغة الفارسية القديمة التي تقرب كثيراً من اللغة القديمة للهنود الآريين.
يطلق اسم (الهندو أوروبية) على مجموعة لغات ذات جذر واحد، ويتكلم بها أوستراليا وقسم من إفريقيا، وهي من حيث السمعة ووفرة النتاج ومن حيث الأهمية التاريخية تعد اهم المجموعات اللغوية في العالم.
تشمل اللغات الهند أوروبية اللغات الرئيسية التالية: الهيتية (الختينة) واللغات الملحقة بها ـ الهندو إيرانية ـ الأرمنية ـ البالتية ـ والسلافية ـ الألبانية والبندقية والإيليرية ـ اليونانية ـ التراكية ـ والفريجية ـ الكلتية ـ اللاتينية ـ التخارية (الأكنية والكوتشية) ـ الجرمانية.
إن هذه اللغات المتعددة الفروع تطور كل منها على حدة، وتباعدت عن بعضها مع الزمن، ولكن يظن أن أصلها جميعاً لغة واحدة كان يتخاطب بها الشعب الأم (الهند أوروبي).
ويعتقد أن هذا الشعب كان يعيش في الفلوات الواقعة بين روسيا وآسيا الوسطى وحول بحر قزوين، ومن هناك انطلق إلى مختلف الجهات. إن شيئاً من اللغة الأصلية الهندو أوروبية لم يتبق حتى اليوم، ومعلوماتنا عن هذه اللغة مستمدة من المقارنة بين اللغات الهندو أوروبية بعضها مع بعض، وإرجاعها إلى أصولها طبقاً لقواعد علم اللغات. واللغة الهندو إيرانية التي يطلق عليها أيضاً اللغة الآرية، كانت مشتركة بين الأجداد الإيرانيين والهنود الآريين، وهي كما يتضح من اسمها ذات فرعين رئيسيين: اللغات الهندية واللغات الإيرانية.
وقد انتشرت اللغات الإيرانية في رقعة واسعة من الأرض يحدها من الجنوب الخليج الفارسي وبحر عمان، ومن المغرب بلاد ما بين النهرين وأرمينيا، ومن الشمال جبال القفقاز وصحراء آسيا الوسطى، أما في المشرق فقد سيطرت هذه اللغات على أفغانستان كلها وقسم من فلاة بامير حتى مصب نهر السند، بل إن المهاجرين الإيرانيين استطاعوا في فترة ما أن ينقلوا لغتهم حتى بلاد مغولستان الشمالية شرقاً، وحتى الضفاف الغربية من البحر الأسود غرباً، ولا تزال اللغة الإيرانية شائعة في قسم هام من هذه البلاد.
تعد اللغات واللهجات الإيرانية من اللغات الهندو أوروبية الوفيرة التنوع، ولم تكتمل بعد دراسة انواعها المختلفة، ومع أن التاريخ العام لهذه اللغات واضح إجمالاً، إلا أنه لا يخلو من نقاط مبهمة.
ويمكن تقسيم اللغات واللهجات الإيرانية حسب مراحل تطورها إلى ثلاث مجموعات: اللغات الإيرانية القديمة واللغات الإيرانية الوسطى واللغات الإيرانية الحديثة، ولم تعد اليوم اللغات الإيرانية القديمة والوسطى لغات حية، ودراستنا عنها إنما هي مبنية على الآثار المتبقية منها([67]).
اللغات الإيرانية القديمة
من اللغات الإيرانية القديمة نعرف اثنتين فقط عن طريق المستندات الكتابية الباقية: الفارسية القديمة والأفستائية.
الفارسية القديمة: لغة استعملت في كتابات الملوك الهخمنشيين الحجرية (559 ـ 331ق.م). وقد بقيت من هؤلاء الملوك كتيبات (كتابات حجرية) وفيرة، أقدمها عن أريار منه والد جد داريوس الكبير (حوالي 610 ـ 580ق.م.)، وأحدثها من عهد أردشير الثالث (358 ـ 338ق.م.).
وأهم الآثار الباقية من هذه اللغة كتابات داريوس الكبير الحجرية الهامة على صخرة بيستون (بين همذان وكرمانشاه) والتي يشرح فيها سلسلة نسبه وكيفية وصوله إلى الملك وحروبه وانتصاراته وأسماء البلاد التي حكمها. وكل الآثار الباقية من اللغة الفارسية القديمة مكتوبة بالخط المسماري.
اللغة الأفستائية: كانت هذه اللغة متداولة في ناحية من نواحي إيران الشرقية، ولكن لا يعرف اليوم بالضبط أية ناحية هي، كما أننا نجهل العصر الذي دالت فيه دولة هذه اللغة، فالأثر الوحيد المتبقي منها هو (أفستا) الكتاب المقدس عند الزردشتيين. وتتحدث أناشيد زردشت نفسه (كاتها) أو (كاهان) التي هي أقدم أجزاء أفستا، عن لهجة أقدم من لهجات هذه اللغة. أما أحدث تاريخ يمكن أن يفرض لعصر زردشت، فهو القرن السادس قبل الميلاد. وعلى ذلك فزمن انتشار اللغة التي نظمت بها (كاتها) يكون منذ القرن السادس الميلادي أو قبله.
كتب أفستا بخط خاص يعرف بالخط الأفستائي، ويظهر أنه اقتبس في أواخر العهد الساساني (أي حوالي القرن السادس الميلادي على الأرجح) عن الخط البهلوي خصيصاً لهذه الغاية، وهو خط أوضح وأبسط وأوفى بالمرام من الخط البهلوي.
لم يكتب أفستا في زمن واحد، بل الراجح استناداً إلى الكيفية التي هي عليها لغته، وإلى مضامين الكتاب، أنه أنشئ في أدوار مختلفة.
ولم يعثر بعد من اللغات الإيرانية القديمة الأخرى على أي أثر آخر مستقل، ولكننا نعرف شيئاً عن تلك اللغات إما بواسطة ما ذكره المؤرخون في تلك اللغات، أو بواسطة صورها الحديثة.
من هذه اللغات اللغة المادية التي كانت لغة ملوك أسرة مادة وشعوب إيران الغربية والوسطى. وقد ورد ذكر قوم ماد منذ سنة 835ق.م. وما بعدها في كتابات ملوك أشور الحجرية، كما أنه لا تزال هناك كلمات منها في اللغة اليونانية. على أن المصدر الأهم الذي تستمد منه معلوماتنا عن هذه اللغة، هو الكلمات والعبارات الباقية منها في الكتابات الحجرية للملوك الهخمانشيين خلفاء الملوك الماديين.
ومنها اللغات السغدية والخوارزمية والسكائية والبارتية التي توجد آثار منها في عهدها الوسط، وكلّها تتعلق بالجهات الشرقية لفلاة إيران([68]).
وقد ذكرت في كتابات داريوس الكبير الحجرية أسماء البلاد التي كانت هذه اللغات شائعة فيها: سغد وخوارزم وسكاوبارت، وكذلك ذكرت بلاد أخرى مثل هراة ورخج وبلخ التي كانت لها لغة مستقلة أخرى، ونعثر في مصادر أخرى على أسماء اللهجات البلخية والرخجية والهروية والمرزوية والسكزية والكرمانية التي اندثرت مع الزمن.
تشبه اللغات الإيرانية القديمة كثيراً اللغات الهندية القديمة، وخاصة اللغة المستعملة في أناشيد فدا التي هي أقدم أثر للغات الهنود الآريين. فأغلبية الأفعال وسوابق الكلمات ولواحقها والكلمات نفسها متشابهة في الأصل، ولكن هناك أيضاً أفعالاً وكلمات تختص بواحدة من المجموعتين فقط.
وتشترك اللغات القديمة الهندية والإيرانية أيضاً في كيفية التلفظ وفي القواعد الصرفية، إلا أن بين المجموعتين من حيث الأصوات بعض الفروق التي يمكن أن نعدها مقياس التمييز بينهما.
وتقرب قواعد اللغات القديمة من قواعد باقي اللغات الهندو أوروبية وتختلف عن قواعد اللغة الفارسية اختلافاً محسوساً، إذ نرى في اللغات الإيرانية القديمة تبسيطاً وتقسيماً وتوسيعاً ـ أكثر مما نرى في الفارسية الحديثة ـ في تصريف الأفعال والأسماء والضمائر.
وجهاز الأفعال في هذه اللغات أكثر توسعاً وتفصيلاً. ونجد مجموعتين من اللواحق للأفعال: المجموعة الأولى نجدها في أزمنة الحال والمستقبل الإخباري، والحال الشرطي، والمجموعة الثانية نجدها في زمني الماضي الإخباري والشرطي وفي الماضي المطلق وأفعال الطلب. وللواحق الأفعال التامة وأفعال الأمر خصائص تفصلها عن كلا المجموعتين.
ويمكن في اشتقاق الأفعال والأسماء وتركيب الكلمات الجديدة، فضلاً عن شدة الحركات وضعفها، الاعتماد على كثير من السوابق واللواحق التي قلّت اليوم في لغات إيران ولهجاتها الحالية، والتي هي جد محدودة في اللغة الفارسية المعاصرة. ولكن يمكننا العثور على بعض الآثار الباقية من السوابق واللواحق القديمة في الكلمات المتداولة اليوم.
اللغات الإيرانية الوسطى
تقع اللغات الوسطى بين اللغات الإيرانية القديمة والحديثة، ومن الصعب تحديد زمن نشوئها بالضبط. وإذا قدرنا أن تطور اللغة يتم بصورة تدريجية، تتضح صعوبة فرض حد فاصل بين اللغات القديمة والوسطى والحديثة.
أما ما تتميز به اللغات الوسطى فاختلافها أولاً من حيث البساطة عن صورها القديمة، ثم عدم استعمال تلك الصور، وإن كان بعض اللغات المتداولة أقل قابلية للتطور من بعض اللغات المهجورة كاللغتين البشتوية والآسية اللتين هما أقل تطوراً من البارتية والبهلوية واللتين حفظتا أكثر مما حفظت هاتان من صور اللغة القديمة.
ويتضح من الكتابات الحجرية لملوك الهخمانشيين المتأخرين أن اللغة الفارسية القديمة كانت منذ أيامهم تتجه نحو السهولة والبساطة. وتدل بعض الأخطاء النحوية التي تشاهد في هذه الكتيبات الباقية من ذلك العصر على أن التمسك بالقواعد اللغوية المعقدة كان لم يعد هاماً ومرعياً. واستناداً إلى ذلك يمكن أن نرجع بدء ظهور اللغة الفارسية الوسطى (البهلوية) إلى أواخر العهد الهخمانشي (حوالي القرن الرابع قبل الميلاد).
وقد زادت معلوماتنا عن اللغات الأثرية التي وقع عليها علماء الآثار في أوائل هذا القرن في آسيا الوسطى والصين، وتعرفنا إلى عدد من اللغات الوسطى التي كنا نجهلها من قبل.
وأما اللغات الإيرانية الوسطى التي تمت معرفتها حتى الآن فهي الفارسية الوسطى (البهلوية، لغة الساسانيين) والبارتية (لغة الأشكانيين) والسغدية والسكائية (الختنية) والخوارزمية. وقد اكتشفت أيضاً مقطعات صغيرة مكتوبة بخط مشتق من الخط اليوناني، ويظهر أنها باللغة الهبتالية([69]) التي هي إحدى اللغات الإيرانية([70]).
يمكن تقسيم اللغات الإيرانية تبعاً لتقاربها أو تباعدها في الأصوات والقواعد والكلمات إلى مجموعتين رئيسيتين: المجموعة الغربية والمجموعة الشرقية.
فاللغات الفارسية القديمة والمادية والفارسية الوسطى (البهلوية) والبارتية والفارسية الحديثة هي من المجموعات الغربية، واللغات السغدية والسكائية والخوارزمية والآسية من المجموعة الشرقية. أما اللغة الأفستائية، فيما أنها تشبه لغات المجموعة الغربية في وجوه، وتشبه لغات المجموعة الشرقية في وجوه أخرى، كان من الصعب نسبتها إلى أي من المجموعتين، وإن تكون من حيث الموطن تعد من لغات إيران الشرقية.
وينطبق التقسيم نفسه على لغات إيران ولهجاتها المعاصرة، فالفارسية والكردية واللرية والبلوجية ولهجات الساحل الجنوبي من بحر قزوين ولهجات وسط إيران وجنوبيها كلها من المجموعة الغربية، كما أن البشتوية (لهجة أفغانستان المحلية واليغنابية) (المتبقية من السغدية) واللهجات الفارسية في فلاة بامير والآسية (التي هاجر المتكلمون بها من المشرق إلى القفقاز) كلها من المجموعة الشرقية.
أما لهجات اللغة الكافرية في أفغانستان فهي بقية لغة يمكن أن تكون الحد الفاصل بين اللغات الهندية واللغات الإيرانية، لذا توجد بها وجوه مشتركة بين المجموعتين الأخيرتين، إلا أنها في الواقع أكثر شبهاً باللغات الهندية.
ويمكن القول بصورة عامة إن قواعد اللغة في اللغات الوسطى أصبحت أكثر بساطة وإن تصريفات الأسماء والصفات والضمائر إذا لم تكن قد أهملت وطرحت فقد اختصرت، والأفعال مالت إلى البساطة في وجوهها وحالاتها وأزمنتها المختلفة، كما أن استعمال حروف الإضافة لتعيين حالات الاسم المتعددة قد زاد عنه في اللغات القديمة وكثر الأخذ بالأفعال المركبة.
ومن بين هذه اللغات تقدمت المجموعة الغربية في سيرها نحو البساطة والسهولة أكثر من غيرها.
أما اللغات الوسطى التي تركت آثاراً فهي التالي:
اللغة البارتية: البارتية هي لغة قوم بارت من شعوب شمالي شرقي إيران، وقد كانت لغة الأشكانيين المتداولة، وترجع الكتابات الأثرية الباقية من هذه اللغة إلى قسمين متمايزين: أحدهما الآثار المكتوبة بالخط البارتي وهو خط مقتبس من الخط الآرامي، والقسم الثاني هو الآثار المكتوبة بالخط المانوي المقتبس من الخط السرياني.
أهم ما في القسم الأول الكتابات الحجرية لملوك الساسانيين القدامى التي كتبت أيضاً بالإضافة إلى الفارسية الوسطى باللغة البارتية وأحياناً أيضاً باليونانية. أما أقدم آثار هذا القسم، فالكتيبات (الكتابات الحجرية الأثرية) التي اكتشفت في أورمان بكردستان([71]) (يرجح كثيراً أن كتابات «كال جنكال» الحجرية قرب بيرجند هي أيضاً من العهد الساساني)([72]).
ومن أهم هذه الآثار الرواية البارتية في كتيبات سابور الأول على حائط «كعبة زردشت» في «نقش رستم»([73]) وكتيبات الملك نرسي في (بايكولي) وكتيبات سابور الأول في حاجي آباد بولاية فارس.
ونجد في هذه الكتابات كما نجد في الكتابات البهلوية كثيراً من الكلمات الأرامية (هزوارش)([74]) إلا أن هذه الكلمات تختلف في كل منهما.
وفي الاكتشافات الأخيرة في (نسا) البلدة البارتية القديمة التي يحتمل أنها مقبرة الملوك الأشكانيين، عثر على آثار خزفية بكتابات بالخط الآرامي (قريب من خط نسخة أورامان)، وقد كان يظن أنها باللغة الآرامية، إلا أنه قد تحقق اليوم أنها باللغة البارتية، لا الآرامية([75]).
ومن الآثار التي اكتشفت أخيراً في آسيا الوسطى (تورفان) نذكر الآثار المانوية البارتية. وهذه الآثار مكتوبة كلها بالخط الذي كان المانويون يستعملون والذي هو مقتبس من الخط السرياني، وهو ـ بعكس الخط البارتي ـ خلو من الهزوارش (الكلمات الآرامية). ويظهر الخط المانوي البارتي صورة التلفظ في زمن التحرير نفسه، خلافاً لخط الكتابات الحجرية البارتية التي احتفظت بصورتها التاريخية القديمة لأن خط هذه الكتابات يظهر تلفظاً أقدم من التلفظ السائد وقت تحريرها.
يمكن أن نقسم هذه الآثار الكتابية إلى قسمين: الأول تلك التي كتبت في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، والتي هي في اللغة البارتية الأصلية، والثاني تلك التي كتبت من القرن السادس فيما بعد، ويحتمل أنها استعملت تيمناً ورعاية للسنن الدينية المذهبية بعد ترك اللغة البارتية. (لم يمكن الحصول حتى الآن على أثر تمكن نسبته بصورة حتمية إلى الفترة الواقعة بين القرن الرابع والقرن السادس).
والآثار المانوية التي عثر عليها حتى الآن هي من عهود متأخرة عن زمن تأليفها. ونرجع كتابتها للقرنين الثامن والتاسع (الميلاديين). ويلاحظ في الخط المانوي أن الحركات والحروف المصورة تؤدى بصورة ناقصة.
وفضلاً عن الآثار التي جرفت، فإن للكلمات البارتية في اللغة الأرمنية أهمية كبرى في دراسة هذه اللغة (البارتية) وخاصة من حيث إنها مضبوطة بالحركات.
يمكن إرجاع انحطاط اللغة البارتية إلى ما بعد القرن الرابع الميلادي، أي بعض أن استقر الجنود الساسانيون في شرقي إيران لصد هجمات الأقوام الشمالية.
وليست أية لهجة من اللهجات المتداولة في إيران اليوم منحدرة من اللغة البارتية مباشرة، فلهجات خراسان الحالية لهجات اللغة الفارسية بصورة عامة، وقد زالت اللغة الأصلية لهذه المقاطعات تحت ضغط المهاجمين وبسبب سيطرة اللغة الرسمية للعهد الساساني. على أن اللغة البارتية خلال حكم الأشكانيين، بل وبعد ذلك، أثرت بدورها في اللغة الفارسية الوسطى (البهلوية) ويمكن أن نرى هذا الأثر أيضاً في اللغة الفارسية الحديثة.
الفارسية الوسطى([76]): توجد من هذه اللغة التي هي بمثابة جسر بين الفارسية القديمة والفارسية الحديثة والتي كانت لغة إيران في العهد الساساني آثار عديدة يمكن أن نقسمها إلى عدة فئات : 1 ـ كتابات العهد الساساني الحجرية والمكتوبة بخط مقتبس عن الخط الآرامي، ولكنه غير الخط البارتي. 2 ـ الكتب البهلوية ومعظمها آثار زردشتية. إن خط هذه الآثار منحدر من خط الكتابات الحجرية البهلوية، ويشبه تحريرها تحرير تلك الكتابات. 3 ـ الكتابات الباقية على النقود والأختام والأواني والخزفيات وما إلى ذلك. 4 ـ الآثار المانوية المكتوبة بالخط المانوي، وكلها من المكتشفات الأخيرة في آسيا الوسطى كذلك يجب أن نعد الكتابات المنقوشة التي وجدت في كنيسة دورا والمخطوطات البهلوية المكتوبة بالخط التحريري «المكسر» على أوراق البردي.
في كل هذه الآثار ـ عدا المناوية منها ـ نجد كلمات آرامية (هزوارش)، وإن خطوط الكتابات الحجرية والكتب، وكذلك خطوط النقود المسكوكة والأختام والأواني هي في مجملها خطوط تاريخية، أي أنها تصور تلفظ اللغة في زمن أقدم من زمن كتاباتها، أما الخط المانوي، فيصور اللفظ المتداول في عهد كتابته.
إن الآثار الموجودة في اللغة البهلوية هي أوفر الآثار الأدبية في ما قبل الإسلام وأوسعها، ويختص القسم الرئيسي منها بالآثار الزرادشتية، وجل الكتب البهلوية آثار زرادشتية يرجع تأليفها غالباً إلى القرن الثالث الهجري، وإن كان بعضها ينتمي في أصوله إلى العهد الساساني.
أهم الكتابات الحجرية في اللغة البهلوية، كتابة سابور الأول في كعبة زردشت (في نقش رستم). ومن (الكتيبات الحجرية) الأخرى يمكن أن نذكر «كركتير» الموبذ الساساني في «كعبة زرادشت» و«نقش رستم، وسرمشهد، ونقش رجب» وكتيبة الملك نرسي في «بايكولي».
ومما يذكر من الكتب البهلوية في الأدب الزردشتي كتب دينكرد وبندهشن ودادستان دينيك وماديكان هزار دادستان وأرداويراف نامه ومينوك خرد ونامه هاي منوجهر وبندنامه أذرباد مارسبندان، وكذلك تفسير بعض أجزاء (أفستا) باللغة البهلوية وهو الجزء المسمى زند. ومن الآثار التي لا تغلب عليها الصفة الدينية يمكن أن نذكر يادكار زيران وكارنامه أردشير بابكان ودرخت أسوريك وخسرو كواتان وريذك وماديكان شترنك.
إن اللغة الفارسية الحالية امتداد للغة البهلوية، ولكن فيها مجموعة كبيرة من الكلمات البارتية وجدت طريقها إلى البهلوية (الفارسية الوسطى) خلال حكم الأشكانيين، كما يوجد في الفارسية الدرية (الحالية) أيضاً كثير من الكلمات البارتية.
اللغة السغدية: كانت هذه اللغة منتشرة في بلاد سغد التي كانت سمرقند وبخارى من مراكزها. لقد أصبحت هذه اللغة حيناً اللغة المشتركة بين شعوب آسيا الوسطى، وامتد نفوذها حتى الصين. والآثار السغدية كلها من المكتشفات الأخيرة التي عثر عليها في آسيا الوسطى.
يمكن أن نعد من الآثار السغدية أربعة أنواع: الآثار البوذية، والآثار المانوية، والآثار المسيحية، والآثار غير الدينية، وأكثر هذه الآثار، الآثار البوذية.
أما الخط السغدي فمقتبس من الخط الآرامي، وبه كثير من الهزوارش (أي الكلمات الآرامية)، ولكن هذه الهزوارش في السغدية قليلة. وقد كتبت بهذا الخط كل الآثار البوذية والآثار غير الدينية وكذا الرواية السغدية لكتيبة «قربلكسون» في مغولستان. (يعود تاريخ هذه الكتيبة إلى القرن الثالث الهجري، وهي مكتوبة بثلاث خطوط: صيني وإيغوري وسغدي).
أما الآثار المسيحية فقد كتبت بالخط السرياني، كما أن الآثار المانوية كتبت بخط المانويين الخاص.
ويرى بين الآثار البوذية والمسيحية والمانوية بعض التفاوت في اللغة، ويحتمل أن يكون هذا التفاوت عائداً لتفاوت اللهجة أو لاختلاف زمن كل من هذه الآثار. ويظهر أن الآثار المسيحية المكتوبة باللغة السغدية تمثل صورة لهذه اللغة أحدث من غيرها من حيث التلفظ، أما الخط السغدي الأصلي الذي كتبت به الآثار المانوية فهو تاريخي كالخط البهلوي، أي يصور تلفظاً سابقاً لزمن تحريره.
وقد تلاشت اللغة السغدية مع الزمن أمام ضغط اللغة الفارسية واللغة التركية. ويرجح أن هذه اللغة كانت لا تزال باقية حتى القرن السادس الهجري. أما الأثر الوحيد المتداول حتى اليوم من اللغة السغدية، فلهجة أهالي يغناب في أحد أودية نهر زرفشان التي يتخاطبون بها، والتي هي من مخلفات إحدى اللهجات السغدية.
اللغة السكانية (الختنية): كانت هذه لغة أحد الشعوب السكائية في الشرق، وقد استولى هذا الشعب فترة من الزمن على ختن في جنوبي شرقي كاشغر، ونشر هناك لغته (ومن هنا أطلق على هذه اللغة أيضاً اسم الختنية).
تعود آثار اللغة السكائية بصورة عامة إلى الفترة الواقعة بين القرن السابع والقرن العاشر الميلاديين، وهي عبارة عن آثار بوذية، ومتون طبية، وروايات وقصص، ورسائل تجارية، ومستندات رسمية وما إلى ذلك. أهم هذه الآثار مترجم عن اللغة السانسكريتية، ولكن قسماً منها مترجم عن اللغة التبتية، أو هي إنشاء أصيل غير مترجم.
اللغة الخوارزمية: كانت هذه لغة التخاطب في خوارزم، والراجح أنها ظلت حية حتى القرن الثامن الهجري، ثم تخلت عن مكانها للغة الفارسية واللغة التركية.
إن معلوماتنا عن اللغة الخوارزمية ـ عدا الكلمات التي ذكرها أبو ريحان البيروني في (الآثار الباقية) ـ حديثة جداً لا تعود إلى أكثر من سنة 1927 ميلادية حين عثر على آثار جديدة منها، وهذه الآثار هي نسختان في الفقه باللغة العربية نقلت فيهما عبارات باللغة الخوارزمية، ثم فهرست موضوع لشرح تلك العبارات في إحدى هاتين النسختين: على أن أهم أثر من اللغة الخوارزمية هو (مقدمة الأدب) للزمخشري الذي اكتشف عام 1948م وهو يحوي كلمات عربية مع ترجمتها الخوارزمية.
والآثار الخوارزمية مكتوبة كلها بالخط العربي، ولكن قراءتها وشرحها لم يكتملا حتى الآن. والصعوبة الرئيسية في قراءة العبارات الخوارزمية في (مقدمة الأدب) تتمثل في أن الكلمات غير معربة عادة، كما أن التنقيط فيها ناقص كذلك.
واللغة الخوارزمية قريبة من لغات المناطق المجاورة لها كاللغات السغدية والسكائية والآسية. ونستدل من (مقدمة الأدب) ومن النسختين الفقهيتين المذكورتين على أن كثيراً من الكلمات الفارسية والعربية قد تخللت اللغة الخوارزمية، مما يدل على تأثير هاتين اللغتين فيها.
اللغة واللهجات الإيرانية الحديثة
إن اللغات واللهجات المتداولة اليوم، والتي يتكلم بها من القفقاز حتى فلاة بامير، ومن عمان حتى آسيا الوسطى عديدة ومتنوعة. وتحظى اللغة الفارسية بين هذه جميعاً بأهمية خاصة نظراً لآدابها وتأثيرها في اللغة واللهجات الإيرانية ولتأثيرها ايضاً في عدة لغات غير إيرانية (التركية والأوردية).
يمكن تقسيم اللغات واللهجات الإيرانية الحديثة إلى عدة فئات. أولاً تقسيم هذ اللغات إلى مجموعتين شرقية وغربية، وهذا التقسيم الذي ورد أيضاً في اللغة الإيرانية الوسطى يرتكز على ما يشترك بينها من خصائص صوتية ولغويّة وقواعدية.
أما اللغات الإيرانية الشرقية الرائجة اليوم فهي التالية:
1 ـ الآسية([77]) المنتشرة في قسم من بلاد القفقاز الوسطى الجبلية، وتميز فيها لهجتان هامتان: أولاهما لهجة أيرون والثانية لهجة ديكورون. والآسيون أو الآلانيون الذين نرى ذكرهم كثيراً في التاريخ هاجروا في الأصل من شرقي بحر قزوين لتلك النواحي، ولذا يوجد بين لغتهم واللغتين السغدية والخوارزمية تقارب كثير.
2 ـ اليغنابية: هذه اللغة من مخلفات إحدى لهجات اللغة السغدية، وقد كانوا يتخاطبون بها في وادي يغناب، بين جبال زرفشان وحصار، وهي الأثر الوحيد الذي لا يزال متداولاً من اللغة السغدية. وقد دخل اليغنابية كما دخل باقي اللهجات الإيرانية كثير من الكلمات الفارسية والعربية.
3 ـ البشتوية (لغة بشتو): هذه اللغة هي اللغة المحلية في شرقي أفغانستان وعند بعض سكان الثغور الشمالية الغربية في شبه القارة الهندية. ومع أن اللغتين الفارسية والعربية قد أثرتا في لغة بشتو، فإن هذه اللغة ـ التي يزداد الاهتمام بها اليوم في أفغانستان ـ استطاعت أن تحتفظ بكثير من خصائص اللغات الإيرانية الأصلية، ولها هي نفسها لهجات مختلفة (الوزيرية والأفريدية البيشاورية القندهارية والقلزية والبلوجية وغيرها. أما لهجة فنتسي فيجب أن نعدها لهجة مستقلة ولكنها مرتبطة مع البشتوية برباط قوي). ولا تزال قاعدة التمييز بين الجنسين (المذكر والمؤنث) معمولاً بها في لغة بشتو حتى الآن كما أن الأسماء لا تزال تصرف فيها.
ولهذه اللغة آثار أدبية يمكن أن نذكر منها قصائد الشاعر المعروف (خوشحال خان). وكذلك توجد بهذه اللغة كمية وافرة من الأشعار المحلية والروايات والأساطير. وقد زادت صنوف الإنتاج بهذه اللغة خلال السنوات الأخيرة بسبب اهتمام الحكومة الأفغانية بها أكثر من ذي قبل.
4 ـ لهجات فلاة بامير: لا يزال في فلاة بامير بين أفغانستان والهند والصين وتركستان كثير من اللغات واللهجات الإيرانية. ولكن عدد الجماعات التي تتكلم بكل من هذه اللغات قليل، وبعض هذه اللهجات في طريقه إلى الزوال، بل إن بعضها قد زال فعلاً. وقد استطاعت هذه اللغات المحلية بسبب بعدها عن المراكز السياسية والتطورات الاجتماعية أن تحتفظ بالكثير من الخصائص الصوتية للغات الإيرانية القديمة. وإن للاطلاع على هذه اللهجات أهمية خاصة لمن يهتم بدراسة لغات إيران القديمة، فقد احتفظت هذه اللهجات من اللغة الهندو أوروبية بكثير من الكلمات الأصلية التي لم تحتفظ بمثلها باقي اللغات الإيرانية أو الهندية.
وأما اللغات واللهجات الغربية فهي أكثر تنوعاً وأوفر عدداً وأهمها ما يلي:
1 ـ البلوجية: ووتستعمل هذه اللغة في قسم من مقاطعة بلوجستان الإيرانية وفي بعض نواحي تركمنستان التابعة اليوم لحكومة الاتحاد السوفياتي. وعلاوة على اللغة البلوجية تتداول اليوم في بلوجستان لغة أخرى باسم لغة براهنوي وهي إحدى لغات «دراويد» أي لغة سكان الهند الأصليين (قبل تسلل العناصر الآرية إلى هذه المنطقة).
2 ـ الكردية اسم شامل لمجموعة اللغات واللهجات السائدة في المناطق الكردية من تركيا وإيران والعراق. على أن من الواجب أن نعد بعضاً من هذه اللغات مستقلاً، ذلك لأن اختلافاً مع الكردية (الكرمانجية) أكثر من أن يسمح بأن نربطها بها، وهناك لغتان مستقلتان من هذا النوع، أحدهما لغة زازا أو الدملية التي تسعمل في المناطق الكردية الغربية؛ والتالية: الكورانية الرائجة في المناطق الكردية الجنوبية والتي لها هي نفسها لهجات مختلفة. وقد كتبت كتب (أهل الحق)([78]) الدينية باللغة الكورانية هذه، وهي لغة زازا تنتسبان للفرع الشمالي من المجوعة الغربية.
وتسمى اللغة الكردية بصورة أخص اللغة الكرمانجية، ولهذه اللغة لهجات متعددة كالمركزية والسيمانية والسنندجية والكرمانشاهية والبايزيدية والعبدوئية والزندية.
تشابه اللغة الكردية في بعض الوجوه المجموعة الشمالية من اللهجات الإيرانية الغربية وتعد من اللغات المهمة في المجموعة الغربية، وهي غنية بالأشعار والمصنفات والقصص والتقاليد الأدبية. ومع أن اللغة الكردية مستقلة في بنائها، فإن اللغات المجاورة لها أي الفارسية والعربية والتركية والأرمنية قد أثرت فيها، وكثير من كلماتها مقتبس من هذه اللغات.
وقد حذت اللغة الكردية حذو اللغة الفارسية في تقبلها للتطورات الصوتية الهامة، خلافاً للغتين البلوجية والبشتوية.
3 ـ لهجات سواحل بحر قزوين: تشمل هذه اللغات اللغة الكيليكية والمازندرانية (الطبرية) والطالشية والتاتية وفروعها، وهي متداولة في السواحل الجنوبية والجنوبية الغربية من بحر قزوين. أما الكركانية التي كانت اللغة الخاصة بالفرقة الحروفية فقد اندثرت اليوم. ويوجد في المازندرانية والكيليكية أدب محلي يستوقف النظر، كما عرفت المازندرانية خاصة آثاراً أدبية هامة ضاع أكثرها.
4 ـ اللهجات المركزية: تعد اللهجات المركزية الإيرانية من بعض الوجوه حداً فاصلاً بين اللهجات الشمالية واللهجات الجنوبية من مجموعة اللغات الإيرانية الغربية، وهذه اللهجات متعددة وتستعمل في رقعة تمتد من قم حتى نواحي يزد وكرمان وشيراز.
5 ـ الفارسية الدرية: لغة إيران الرسمية اليوم وأهم اللغات واللهجات الإيرانية، وهي امتداد للفارسية الوسطى (البهلوية) والفارسية القديمة، وتنتمي بأصلها إلى لغة البارسيين.
أما مبدأ اللغة الفارسية الدرية فيجب أن نعيده إلى الآثار الأولى التي ظهرت بعد الإسلام بهذه اللغة. فقد تأثرت اللغة الإيرانية الرسمية بالتطورات الاجتماعية والسياسية والدينية التي حدثت بعد اعتناق الإيرانيين للإسلام … وهكذا فإن اللغة التي كتبت بعد الإسلام بالخط العربي (بدلاً من البهلوي) والتي نجد أقدم نماذجها منذ القرن الثاني للهجرة في أشعار الشعراء الإيرانيين الذين ظهروا بعد الإسلام كحنظلة الباذغيسي ومحمد وصيف السيستاني والشهيد والرودكي، هذه اللغة لم تعرف حتى اليوم تغييراً هاماً يذكر([79]).
واللغة الفارسية الحديثة امتداد للفارسية الوسطى من حيث قواعد اللغة، إذ ليس بينهما تفاوت هام. أما من حيث الكلمات وكيفية الاصوات فيمكن أن نعدهما متمايزتين.
وقد أخذت الفارسية الدرية كلمات كثيرة من اللغات الإيرانية وغير الإيرانية، إلا أن اللغة العربية أهم هذه اللغات التي أخذت منها الفارسية الحديثة لأن القسم الأكبر من الكلمات المتداولة في الإدارة والسياسة والعلوم والثقافة الفارسية كلمات عربية، ولو أن كلمات كثيرة منها قد اختلفت في الفارسية صورة ومعنى وتلفظاً عن الأصل العربي ولبست ثوباً فارسياً.
والفارسية هي الوحيدة بين اللغات الإيرانية الحديثة التي أنتجت آداباً غنية وقيمة من الطراز الأول وقد أثرت تأثيراً عميقاً في كل اللهجات الإيرانية (باستثناء الآسية والكومزارية)، بل إنها في كثير من المناطق، وخاصة في مناطق إيران الشرقية، خلفت كثيراً من اللغات واللهجات المحلية.
6 ـ الفارسية التاجيكية: السائدة في تاجيكستان (طادجكستان)، وكذا الفارسية الأفغانية السائدة اليوم في بلاد أفغانستان، تعدان من الفارسية الدرية، وليس بينهما وبينها كبير تفاوت …. إلا أن لهجات التاجيكية ولهجات الفارسية الأفغانية كما تستعمل في المحاورات والتخاطب تختلف كثيراً عن فارسية إيران الحالية، وخاصة في القواعد الصوتية، ومن الحق أن نعدهما من لهجات اللغة الفارسية. وقد اختير الخط اللاتيني أولاً ثم الخط الروسي فيمابعد لكتابة التاجيكية ويسعمل الخط العربي أحياناً.
وبما أن اللغة الأدبية في تاجيكستان والتي تستعمل في الكتابة هي نفسها اللغة المتداولة في التحاور والتخاطب، فقد بعدت الفارسية التاجيكية بالتدرج عن الفارسية الدرية في حين أن الفارسية الأفغانية قد احتفظت في الكتابة والأدب بصورتها الأصلية، وهذا ما يجعل القارئ لا يشعر باختلاف يذكربينها وبين الفارسية الدرية.
وتعد لهجات يهود إيران ويهود سمرقند وبخارى من متفرعات الفارسية ممزوجة بعدة كلمات عبرية، إلا أن بعض الاختلافات بينها وبين الفارسية، وخاصة اختلاف الأصوات وحفظها لبعض الصور القديمة يجعل منها لهجة من اللهجات الفرعية.
ليست اللهجات الإيرانية الحالية على درجة واحدة من التطور، فبعضها كالفارسية واللرية والكردية والتاكستانية تهذبت بعامل التطور وصارت أبسط من صورها القديمة. فمثلاً لم يعد رائجاً في الفارسية تصريف الأسماء والتمييز بين الجنسين واستعمال المثنى، كما لم يبق إلا صور قليلة من جهاز الأفعال القديمة المفصل، كذلك قلّت السوابق واللواحق القديمة في اللغة الحالية، واسعملت أساليب جديدة لتأدية مثل تلك المعاني كاستعمال حروف الإضافة ووضع الأفعال المركبة.
وبعضها الآخر ـ كالآسية والبشتوية (لغة بشتو) والبلوجية ـ على العكس أكثر محافظة وأقرب إلى الصور القديمة من اللغات الإيرانية.
الدكتور إحسان يار شاطر
بدء الشعر الفارسي
كان من عادة مؤلفي كتب «التذكرة» أي كتب طبقات شعراء فارس أن يصدروا كتبهم ببحث عن بدء الشعر الفارسي يحاولون فيه تعيين أول شعر قيل بالفارسية وتحديد قائله.
وكانوا يفيضون في نقل أقوال لا تعتمد على أصل وثيق وليس إلى تحقيقها من سبيل كما هو الشأن في بحث مسألة كهذه، فإن الشعر يظهر أول أمره مع ظهور الأنغام والحركات المتزنة، وهل في وسع التاريخ أن يعين وقتاً لبدء هذه الظواهر في المجتمع الإنساني أو على الأقل في جزء منه أي مجمع المتكلمين بلغة معينة.
على أن مسألة الشعر الفارسي تلازم مسألة أخرى، مسألة بدء اللغة الفارسية نفسها: متى وجدت؟ وأين وجدت؟ وهل كان بهرام جور الذي ينسبون إليه أول شعر فارسي يتكلم باللغة «الفارسية» أو بلغة إيرانية أخرى كاللغة البهلوية؟ الواقع أن هذه مسالة لم يتيسر لنا حتى الآن الإجابة عنها إجابة صحيحة، فإن اللغة الفارسية، كما هي الحال في اللغات كلها، محصول تطورات لغوية طرأت على لغة أصلية، وتلك التطورات حصلت بالتدريج طوال عصور غير قليلة، واللغة الفارسية الحاضرة هي حلقة في تلك السلسلة ظهرت بعد الإسلام في إيران. وأقدم نص بهذه اللغة هو المؤلفات الإسلامية.
لكن لنا أن نترك مسألة ظهور الشعر الفارسي إلى مسألة أخرى يمكن إخضاعها للبحث التاريخي وهي: ما أول شعر فارسي عثرنا عليه؟ وقد قام بالبحث في هذه المسألة الأستاذ الدانمركي كيستنسن فوجد في تاريخ الطبري ثم في كتب أخرى كلاماً بالفارسية ينسب إلى يزيد بن مفرغ الحميري يرجع تاريخه إلى أواسط المائة الأولى للهجرة حين كان عباد بن زياد والياً لخراسان. والقصة معروفة جاء فيها أن الناس كانوا يسألون يزيد: «أين جيست؟» أي «ما هذا؟» وكان هو يجيبهم بقوله:
آب آست ونبيذ أست
عصارات زبيب أست
سميه روسبيذ است
أي: هذا ماء ونبيذ وعصارات الزبيب وسمية وجهها أبيض([80]).
وقد رأى كريستنسن أن هذا أقدم شعر فارسي عثر عليه. ومهما يكن من أمر فقد كان لكشفه هذا اثر جيد في نفوس المشتغلين بالأدب الفارسي فساروا على منهجه في البحث والتنقيب وعثروا في بطون المؤلفات القديمة على قطع أخرى من الشعر الفارسي القديم جاءت في عرض كلام في خلال ذكر بعض الحوادث التاريخية. وفي هذه الأشعار نرى من خفة الوزن والتجاوز في القوافي وسذاجة التركيب ما يسوغ لنا الظن بأنها كانت أشعاراً عامية أو منسوجة على مثال الشعر العامي الخفيف الذي يكون في الغالب وحي ارتجال لم تمسه يد صناعة أو فن.
وأقدم أثر للشعر الصناعي الفارسي هو ما نجده في كتاب «تاريخ سيستان» لمؤلف مجهول كان يعيش في المائة الرابعة للهجرة كما يستفاد من إشارات تاريخية توجد في الكتاب نفسه. هذا الكتاب لم يكن موجوداً في مكتبات أوروبا، ولذلك خفي أمره على المستشرقين. وقد عثر عليه الباحثون في إيران منذ زمن ليس ببعيد.
ذكر المؤلف في عرض كلامه عن يعقوب بن الليث امير سيستان كلاماً عن الشعر الفارسي مفاده أن الشعراء في زمن الأمير كانوا يمدحونه بأشعار عربية وكان الأمير لا يعرف اللغة العربية فقال يوماً: «جرا جيزي كويندكه من ندانم» يعني «لم يقولون ما لا أفهمه أنا» فاخذ الشعراء من ذلك اليوم يقولون الشعر بالفارسية. ثم يستطرد المؤلف في نقل أشعار فارسية في مدح الأمير يعقوب لمحمد بن وصيف كاتب الأمير، ولشاعر آخر يسميه المؤلف بسام كرد. ويظن المؤلف أن هذا أول شعر ظهر باللغة الفارسية.
هذا كلام مؤلف تاريخ سيستان وأما نحن فلا نستطيع أن نوافقه على حكمه هذا، وربما لا نخول له أيضاً حق هذا الحكم لما أسلفنا ذكره في صدر هذا الكلام. غاية ما في الباب أن هذه الأشعار المتقدمة التي سميناها أشعاراً عامية، تتميز بأوزانها الطويلة، التي تختلف كثيراً من الشعر العامي الخفيف الوزن، وتتميز بعناية وضبط في القوافي مما ينم عن إلمام الشاعر بقواعد، الصناعة، وتتميز بكثرة استعمال الألفاظ العربية وتأنق في التركيب تأنق فارسي عارف باللغة العربية وشعرها. وتلك الميزات هي التي أتاحت لنا أن نسمي هذا الشعر شعراً صناعياً في قبالة الشعر العامي، ولعل ذلك نفسه هو الذي سوغ لمؤلف تاريخ سيستان أن يسمي هذه الأشعار أول شعر فارسي أي أول شعر فارسي صناعي. وهذا ما لا مشاحة فيه.
على أن أصحاب التذاكير يرجعون بالشعر الصناعي هذا أيضاً إلى عصر الصفار، إلى عصر الطاهريين الذين كانوا ولاة خراسان قبل الصفاريين، وحكموا تلك البلاد مدة نصف قرن من أول المائة الثالثة حتى ظهر الصفار فأباد دولتهم واستأصل شأفتهم من خراسان.
أصحاب التذاكر يسمون لنا من شعراء هذا العصر حنظلة الباذغيسي نسبة إلى بادغيس إحدى نواحي هراة، يقولون عنه إنه كان شاعراً مشهوراً في عصره مجيداً في شعره، ويروون عنه قليلاً من المقطوعات لا يتجاوز عدد الأبيات في المقطوعة بيتين.
وكان يحق لنا أن نشك في ما يرويه أصحاب التذاكر بشأن حنظلة وأمثال حنظلة من الشعراء الذين تقدم عهدهم وانمحت آثارهم ولم يصل إلى المتأخرين سند موثوق يمت إلى عصرهم بصلة مضمونة على صحتها رواية كان أو كتابة. كان يحق لنا هذا الشك فيما يقولونه عن حنظلة لولا أن لدينا الآن مصدراً أوثق من كتب التذاكر جاء فيه خبر عن حنظلة وشعره. وهذا المصدر هو كتاب «جهار مقالة» لأبي الحسن أحمد السمرقندي الملقب بالنظامي العروضي من مؤلفي أواسط القرن السادس للهجرة.
وهذا الكتاب من أوثق المصادر في تاريخ الأدب الفارسي فهو من الكتب المعدودة التي بقيت لنا من العصر المتقدم عن فتنة المغول، وله من مزية التقدم وقرب العهد ما ليس لكتب التذاكر التي ألفت بعد هذا العصر. والمؤلف بنفسه يظهر لنا من خلال كتابه رجلاً فاضلاً محققاً للأخبار مطالعاً في الكتب متصلاً بمحافل العلم والأدب في عصره سالكاً منهج الاعتدال في أفكاره ومتجنباً للمبالغة والإغراق فيما يرويه.
هذا المؤلف يخبرنا عن حنظلة وشعره في عرض كلام له عن أحمد بن عبد الله الخجستاني (نسبة إلى ناحية بقرب هراة) الذي تغلب على قسم كبير من خراسان في عهد الصفاريين بعد أن كان صعلوكاً. يقول النظامي عنه: سئل أحمد بن عبد الله «بم صرت إلى ما صرت إليه؟» فقال: كنت يوماً في باذعيس أطالع في ديوان حنظلة الباذغيسي فمررت بهذين البيتين:
مهترى كربكام شير دراست
شو خطركن زكام شير بجوى
يا بزركي وعز ونعمت وجاه
يا جو مردانت مرك روينا روى
(يعني لمن كانت السيادة كامنة بين فكي الأسد فاذهب واطلبها في مكمنها المخيف. هما خطتان: إما العظمة والنعمة والجاه، وإما الموت تواجهه كما يواجهه الأبطال).
يقول النظامي: فأثار البيتان حميته وكانت دولة الصفاريين حينذاك في ذروة مجدها. فقام أحمد وباع حميراً كان يكاري بها واشترى فرساً ودخل في خدمة الأمير عمرو بن الليث الصفاري، وبعد برهة خرج على طاعته وقام يطلب الأمر لنفسه حتى تغلب على كثير من بلاد خراسان يعددها المؤلف هناك. ثم يقول حكاية عن أحمد: «كل ذلك كان بسبب بيتي حنظلة هذين».
هذا هو الخبر كله. ولكن ماذا نستفيد منه تاريخياً، بعد ما عولنا على صحته، نستفيد منه أن حنظلة كان شاعراً من القدماء دونت أشعاره في ديوان وبلغت شهرته فيجعلونه معاصراً لعبد الله بن طاهر وينصون على تاريخ وفاته في سنة 220هـ ولا يقولون من أين جاءهم ذلك.
ويجب أن يذكر أن هذه وأمثال هذه من المؤاخذات التي يتحتم على كل طالب بحث أن يجري عليها في طلب حقيقته المنشودة. وليس هذا من هضم حق هؤلاء المؤلفين في شيء، فلسنا ننكر ما لهم من الفضل العظيم على الأدب الفارسي وتاريخه فهم الذين دونوا لنا ما وصل إليهم من العلم والأدب القديم وأودعوه بطون تلك الآثار الخالدة حرصاً عليها من الضياع وحباً في أن يتمتع بها أبناء أمتهم جيلاً بعد جيل فكان هذا التراث القيم حجر أساس بنينا عليه ثقافتنا ودراساتنا الأدبية. هذا حقهم الذي يجب الاعتراف به، ولكن هناك حقاً آخر يجب الإذعان له أيضاً وهو حق النقد، حق البحث والمقارنة وانتقاد الأخبار في إسنادها ومتونها، مما تمتاز به الدراسة الجديدة للتاريخ والأدب. وهذا هو الذي يجب أن ننتهجه في دروس آثار القدماء للحصول على أكبر فائدة ممكنة.
وليس يخفى ما في قراءة كتب القدماء والاستفادة منها من صعوبة بسبب ما جرته إليها يد التصحيف والتحوير وقلة مبالاة الناسخين أو عدم معرفتهم بما ينسخونه وأمثال ذلك مما يجعلنا دائماً آخذين بالحذر متمسكين بالنقد احتراساً من التورط في شبهة ربما تعود على العلم بضرر كبير. أذكر لكم مثالاً من كتب التذكرة أيضاً «كتاب مجمع الفصحاء» وهو كتاب كبير في قيمته كما هو كبير في حجمه جمع فيه المؤلف عدداً كبيراً من الشعراء المتقدمين والمحدثين من أقدم عهد إلى زمان المؤلف نفسه. وذكر لكل شاعر بجانب ترجمته شيئاً من شعره قليلاً أو كثيراً. ولهذه النقول قيمة تزداد كلما كان الشاعر ممن تقدم زمنهم وضاعت آثارهم بحيث يكاد يكون هذا الكتاب المصدر الوحيد لشعرهم بل لأخبارهم أيضاً. ومن هذا الإجمال ترون ما للكتاب من القيمة والأهمية لطلاب الأدب الفارسي ولذلك كان منذ ظهوره مرجع كل طالب وباحث، ومصدر كل من يريد أن يترجم لشاعر فارسي. ومع كل ذلك ففيه من الأخطاء شيء ليس بقليل وبخاصة في أرقام سني التاريخ إذ اكتفى المؤلف فيها بكتابة الأرقام وحدها مما سهل تلاعب النساخ بها.
ولنرجع الآن إلى ما كنا في ذكره. هناك شاعران آخران يذكرهما أصحاب التذاكر من شعراء العصر الصفاري، أحدهما فيروز المشرقي والآخر أبو سليك الجرجاني، وينقلون لكل منهما مقطوعة من الشعر ويذكرون عن فيروز أنه كان بعيداً عن الخطأ في اللغة الفارسية وأنه توفي سنة 282 للهجرة. هذا كل ما لدينا من أمر هذين. أما أمر المستند الذي عولوا عليه في ذكرهما فلم نعرف عنه شيئاً.
اما الأشعار المروية لهؤلاء الشعراء فتعلوها من ملامح البداءة ما يقنعنا بأن نعتبرها شعراً قديماً أو من طراز القديم. ومما يلفت النظر تنوع أوزانها العروضية إذ نجد فيها سبعة أوزان مختلفة من البحور الفارسية. ولنا أن نعد هذه الأشعار بطبيعة الحال أقدم ما قيل في هذه البحور. وهذه مسألة تهم الباحث عن تطور الأوزان الشعرية وتاريخها.
وبمناسبة ذكر الشعر الفارسي أرى من المفيد أن أذكر تعليقاً على ذلك وهو أن الشعر الفارسي منذ أقدم أزمانه قد نهج منهج الشعر العربي في أصول الوزن العروضي وإنما اختلف عنه في الفروع. ولنزد ذلك بياناً: كان الشعر في إيران قبل زمن الإسلام مقطعياً ساذجاً أي منظوماً على حساب المقاطع تراعى في ترتيبها كيفية المقطع من المد والقصر كما هي الحال في شعر غالب اللغات الأفرنكية اليوم. وأقدم نموذج لهذا الشعر في إيران كتاب «جاثا» المنسوب إلى زردشت وهو باللغة الأفستائية. وهناك لغتان أخريان متوسطتان بين الأفستائية والفارسية وهما لغة الفرس القديمة واللغة البهلوية ولم نعثر فيهما حتى الآن على شيء نقطع بكونه شعراً وإن حاول بعض الباحثين إثبات ذلك. ولا يستبعد أن يحقق ذلك يوماً فالبحث في ذلك لم يبلغ مداه ولا يزال جارياً.
أما الشعر الفارسي فنظام الوزن فيه لا يعتمد فقط على كيفية المقاطع مداً وقصراً بل على كمية الحروف الموجودة في المقاطع كما هي الحال في الشعر العربي. وهذا التوازن الحرفي ـ كما أسميه أنا ـ هو حجر الزاوية في العروض العربي والفارسي وهو في نفس الحال الفارق الذي يميز في السمع الشعر الفارسي أو العربي عن الشعر الإفرنكي.
أما الاختلافات العروضية الفرعية بين الشعرين العربي والفارسي فقد بحث فيها مؤلفو الكتب العروضية الفارسية. ومن أقدم ما يوجد عندنا من تلك الكتب كتابان من مؤلفات أوائل المائة السادسة للهجرة أحدهما الكتاب الموسوم بالمعجم في معايير أشعار العجم تأليف شمس الدين محمد بن قيس الرازي، وهو كتاب فارسي ـ بالرغم مما يبدو من اسمه وعنوانه العربي ـ كتبه المؤلف في علم الشعر الفارسي قبالة كتاب له آخر في علم الشعر العربي يسميه «المعرب في معايير أشعار العرب» ولم يصل إلينا. والمعجم هذا كتاب كبير بحث فيه المؤلف عروض الشعر الفارسي وقافيته وبحث في صناعة قرض الشعر أي فن الصناعات البديعية وتتخلل الكتاب أبحاث قيمة عن نحو اللغة الفارسية ومتفرقات من الشعر الفارسي القديم وقد طبع هذا الكتاب لأول مرة في بيروت باهتمام لجنة جيب ثم أُعيد طبعه في إيران بزيادات وتصحيحات جديدة.
والكتاب الآخر هو «معيار الأشعار» لنصير الدين الطوسي الفيلسوف الإسلامي المعروف وهو كتاب صغير الحجم يبحث فيه المؤلف عن علمي الوزن والقافية بحثاً تحليلياً ينم عن نزعة المؤلف الفلسفية. والكتاب طبع في الهند وفي إيران وله شرح لواحد من علماء الهند.
وملخص ما ذكره هؤلاء العروضيون هو أن العروض الفارسي أخذ من أصول الأوزان العربية العشرة سبعة أصول فحسب ورفض الثلاثة الأخرى ولم يستعملها في شعره وكذلك في البحور العربية الستة عشر اقتصر الفارسيون على أحد عشر بحراً منها وتركوا خمسة لا يستعملونها. وفي انتخاب شكل البحر أيضاً اختلاف بين الشعرين فنرى الفارسي لا يستعمل الرمل مثلاً إلا مثمناً بينما لا يستعمله العرب إلا مسدساً. وهناك اختلاف أيضاً في الزحافات والعلل فقد زاد الفرس أنواعاً من الزحاف لا توجد في الشعر العربي وتركوا زحافات عربية لا يستعملونها في شعرهم كما هو مشروح في كتب العروض.
هذه صورة إجمالية عن أصل هذا التطابق. والمشهور أن الشعر الفارسي بعد الإسلام اخذ أصول أوزانه من الشعر العربي بينما يرى البعث أن أوزان الشعر منها ما هو نتيجة تطورات داخلية لشعر الفرس قبل الإسلام ومنها ما هو مأخوذ من الشعر العربي. وهناك نظرية أخرى ترى أن التأثير كان للشعر الفارسي على الشعر العربي بعكس المشهور. ونحن نرى ان الحكم النهائي أو ما يقرب من النهائي في هذا الباب لا يتأتى لنا إلا بعد الفراغ من البحث والدراسة العميقة لأصول الشعر الفارسي من جهة والشعر العربي من جهة أخرى وتحقيق علاقاتهما بسائر اللغات الآرية والسامية التي كانت لها صلة بهاتين اللغتين طيلة قرون وأجيال. أذكر منها مثالاً اللغة السغدية وقد عثروا عليها من زمن ليس ببعيد ولم تكتمل دراستها بعد وفيها نجد صلة قريبة باللغة الفارسية تخول لنا حق الظن بأنها كانت مؤثرة في تشكيل اللغة الفارسية تأثيراً ربما كان أكبر من تأثير اللغة البهلوية أو معادلاً له.
وكيفما كان الأصل، فالشعر الفارسي قد استغل هذا العروض أكثر من الشعر العربي واستفاد الشاعر الفارسي من إمكانيات التركيب التي توجد في نظام التفاعيل فتفنن في إبداع تراكيب واختراع قوالب متنوعة مختلفة أخذ بعضها الشعر العربي. ممن ذلك وزن الرباعي المعروف الذي يزعم صاحب المعجم أن اختراعه كان في زمن الرودكي إثر صدفة طريفة ينقلها المؤلف في كتابه. ومن ذلك التركيب الموسوم بالمسمط إذ نجد أقدم نموذج منه عند الشاعر منوجهري من شعراء العصر الغزنوي في أوائل المائة الخامسة. وهناك تركيب آخر يسمى بالفارسية «تركيب بند» وآخر من نوعه يسمى «ترجيع بند» يأتي الشاعر فيهما بقطع من الشعر متحدة الوزن تتميز كل قطعة عن الأخرى بقافيتها، وكل قطعة بيتاً منفرداً يتكرر في الترجيع بند ويتغير في التركيب بند. ومن شرط هذين التركيبين وحدة الموضوع بحيث تعد المنظومة مجموعة مقطعات ترمي كلها إلى غرض واحد نظمت من أجله المنظمومة.
وهناك أيضاً شكل المثنوي المعروف وهذا اصطلاح عروض يراد به القطعة من الشعر يراعى في كل بيت منها التصريع ويستقل كل بيت بقافيته. واختراع هذا الشكل يعد خطوة هامة في تايخ الشعر الفارسي أثرت في تقدمه ورقيه كثيراً فكان شكل المثنوي بفضل ما له من تنوع القوافي.
واتساع مجال القول فيه، هو الذي مهد السبيل للشاعر الفارسي إلى تناول الموضوعات الطويلة كالموضوعات القصصية والتعليمية التي لا يمكن أن تحويها إلا رسالة أو كتاب. ويرى الأستاذ نيكلسون أن فقدان هذا الشكل في الشعر العربي القديم هو الذي جعله خالياً من الشعر القصصي الذي يوجد في لغات الأمم الأخرى، فالقصيدة العربية أو الأرجوزة المزدوجة لا تقوم بهذه الحاجة. ولا ننسى أن المحدثين من شعراء العرب حاولوا إدخال هذا الشكل في الشعر العربي كما فعله ابن الهبارية في كتاب «الصادح والباغم» وكما فعله أصحاب الأراجيز العلمية الشائعة في الأدب العربي، ولكن المثنوي العربي اقتصر في وزنه على بحر واحد هو الرجز المسدس، بينما تفنن المثنوي الفارسي في استعمال بحور متعددة تجمعها صفة واحدة هي خفة الوزن وسهولته.
نشأ الشعر الفارسي كما رأينا في بلاط ملوك إيران وظل يعيش هناك في رعايتهم وتأييدهم يخطو إلى الأمام ويترقى برقيّ تلك المملكة الشابة التي كانت تسير إلى ما أُتيح لها من تقدم وارتقاء. فلم يمض على الشعر الفارسي أكثر من نصف قرن حتى بلغ أشده وصار شعراً ناضجاً كاملاً، متنوعاً في أساليبه آخذاً بناصية المعاني والألفاظ، قادراً على استخدامها في مذاهبه بعدما كان ضئيلاً ضعيفاً تغلب عليه ملامح الطفولة والبداءة.
يمثل هذا الدور الجديد الشاعر أبو جعفر الرودكي البخاري من شعراء العصر الساماني الملقب بأبي الشعر الفارسي. لم يصل إلينا من شعر هذا الشاعر الكبير إلا جزء ضئيل يشمل قصائد وقطعاً وأبياتاً متفرقة مبعثرة في الكتب، وبخاصة في كتب اللغة جيء بها على سبيل الاستشهاد، رغم ما لدينا من روايات تبالغ في تقدير شعره. وقد أكثر الشعراء الذين عاشوا في العصر التالي لعصر الرودكي من ذكر هذا الشاعر العظيم وإجلاله كمثال أعلى للشعر وأحياناً «كشاعر منقطع في العرب والعجم» كما يروى عن الوزير البلعمي، وقد كان لهؤلا، بفضل قرب عهدهم بالشاعر والاطلاع على آثاره، ما يخول لهم الحق في الإعجاب الكبير كما خول لنا ايضاً هذا النزر القليل الذي بقي لنا من شعره أن نعجب به.
ومن الرودكي يبدأ تاريخ القصيدة في الشعر الفارسي ففي شعره نجد لأول مرة النموذج الكامل من هذا الشكل الشعري الذي لا نجد له أثراً في أشعار من تقدمه من شعراء الفرس فإنها لم تكن سوى مقطوعات كما ذكرنا. والصورة التي اتخذها الرودكي للقصيدة تلقاها الخلف كمثال كامل لهذا النوع الشعري فساروا على طريقته ونسجوا على منواله في أدوار الأدب الفارسي كلها.
والقصيدة عند الرودكي تتألف في الغالب من مقدمة، وموضوع، مدحاً كان أو رثاء، وخاتمة تشتمل على تهنئة ودعاء وأحياناً على عرض حاجة أيضاً. ومقدمة القصائد المدحية تشبيب وتغزل يمازجه شيء من الخمريات وذلك لأن هذه القصائد كانت تنشد في حفلات السرور والأفراح. وكان إنشاد الشعر جزءاً مقرراً من برنامج الاحتفال. والرودكي كان مغنياً حاذقاً في الصنعة يتغنى بأشعاره ويوقعها على العود كما يؤكده لنا أصحاب التذاكر وتؤيده أدلة أخرى. لعل هذا هو السبب فيما نراه في شعره من التفنن في الوزن ففي شعره مجموعة كبيرة من الأوزان تتراوح بين الخفيف والثقيل وفيها شيء كثير من الأوزان الغريبة التي يقال لها بالفارسية «بحرنا مطبوع» أي (بحر غريب). وراج في عصر الرودكي شكل المثنوي وقد نظم هو كتاب كليلة ودمنة فمهد بذلك السبيل للشعر القصصي والحماسي فتهيأت للظهور الحماسة الفارسية، تلك المنظومة الخالدة التي بدأ بها الدقيقي وأكملها الفردوسي كما سأذكره في محاضرة خاصة.
الشعر الحماسي الفارسي
الأدب الفارسي من أغنى الآداب بالشعر الحماسي، فقد اهتم به شعراء الفرس منذ نشأة الشعر الفارسي إلى هذه الأزمنة الأخيرة فاجتمع للغة الفارسية كمية ضخمة من هذا النوع الشعري منها ما يخلو من كل قيمة فنية، ومنها ما يباري أعظم الأشعار الحماسية في العالم بأسره، ونعني به كتاب الشاهنامه للفردوسي أكبر شعراء الحماسة في إيران وقدوتهم.
وقد جرى الناس منذ زمن بعيد ـ وما زالوا يجرون ـ على أن يعدوا الفردوسي من شعراء عصر الغزنويين وأن يعدوا شاهنامته من آثار ذلك العصر. بينما الحق أنه شاعر ساماني. فقد نشأ في عصر السامانيين ونظم كتابه في زمانهم وفي بيئتهم التي كانت تختلف اختلافاً كبيراً عن بيئة الغزنويين.
كانت دولة السامانيين دولة فارسية خالصة قامت على نظام الدولة الساسانية التي قضي عليها بظهور الإسلام. وكان السامانيون ينتهون بنسبهم إلى «بهرام جوبينه» من عظماء عصر الساسانيين وأبطالهم. وقد كان بهرام هذا هو الذي قام بخلع الملك كسرى برويز وادعى السلطنة لنفسه وكاد أن يستولي على الملك لولا مساعدة الروم لكسرى مساعدة أدت إلى انكسار بهرام في الحرب وقتله. ولذكره فصل في كتاب الشاهنامه يتحدث فيه الشاعر عن وقائعه وحروبه ويعرض صوراً شيقة من بطولته ونجدته.
إلى بهرام هذا كان السامانيون يمتون بنسبهم. وقد أجمع المؤرخون على تصديقهم في هذه الدعوى. وكان يحق لنا أن نناقشهم في ذلك فقد كان من عادتهم أن يجعلوا لكل ظافر بالحكم أو الملك نسباً ملكياً كما جعلوا لمحمود الغزنوي مثلاً. إلا أننا نجد بين المؤرخين الذين يؤمنون بصحة نسبهم رجلاً كأبي ريحان البيروني وهو المشهور بغزارة فضله وسعة اطلاعه واستقامة منهجه في النقد والذي لا يعتمد إلا على ما يثبت عنده ببينة ودليل ولا يحجم عن إبداء الشك فيما يريبه كما فعل في نسب آل بويه قد شك في انتسابهم إلى ملوك إيران بالرغم من إجماع المؤرخين عليه.
وكان جد هذه العائلة من أهل قرية في نواحي بلخ تسمى سامان وكان يلقب «سامان خدا» اي ملك سامان كما كانوا يسمون ملك بخارى «بخارى خدا» فلفظة «خدا» في الفارسية من الكلمة البهلوية «خوتاي» بمعنى الرب والمالك. وكان سامان خدا معاصراً لأسد بن عبد الله القسري حين كان والياً لخراسان في عصر الأمويين. فحظي سامان خدا بعطف أسد فولاه إمارة بلخ وهي من أهم الإمارات التابعة لولاية خراسان حينذاك. ويقول صاحب كتاب زين الأخبار:
«إن سامان خدا كان محافظاً على دينه القديم إلى زمن ولاية المأمون في خراسان ثم أسلم على يديه فكان هذا أول عهده بالإسلام».
وكان لسامان خدا ابن سماه أسداً إحياء لذكرى صديقه وولي نعمته أسد بن عبد الله القسري. وأعقب أسد أنجالاً اربعة نالوا الحظوة عند المأمون حين كان بخراسان إذ ساعدوه في القضاء على فتنة رافع بن الليث الخارج بخراسان حينذاك. فلما تولى المأمون الخلافة ولى كل واحد منهم مقاطعة في خراسان وما وراء النهر. وكان أحمد بن أسد أنجب الإخوة وأرشدهم وكان له ابنان نصر وإسماعيل. كان نصر معاصراً للخليفة المعتضد بالله ونال منه إمارة ما وراء النهر بأسرها وبذلك تهيأ للسامانيين وسائل تأسيس دولتهم التي تحقق لها الاستقلال بالملك بعد فترة وجيزة على يد اسماعيل. وكان اسماعيل في زمن أخيه نصر والياً له على بخارى وكان يعيش معه في جو يضطرب بين الصلح والحرب، والمجاملة والخصومة. وكان متمكناً في بخارى بفضل كياسته وتدبيره بالرغم من الجهود التي كان أخوه يبذلها لإبعاده. ومع أن اسماعيل انتصر في بعض الحروب على أخيه إلا أنه أرجعه إلى مستقره محفوفاً بالترحيب والإكرام. ولم يمض على نصر زمان طويل حتى مات في سنة 279هـ واستقل اسماعيل بالملك في ما وراء النهر ونال من الخليفة المعتضد الموافقة والتأييد.
ولكن كانت في خراسان حينذاك دولة أخرى جديدة النشأة نشيطة في التوسع، طامحة إلى التغلب، وهي دولة الصفاريين. وكان الاصطدام بين هاتين الدولتين أمراً حتمياً يتوقع حدوثه من يوم إلى آخر. وكان على عرش الدولة الصفارية في ذلك الوقت عمرو بن الليث ـ وارث أخيه يعقوب ـ الذي مات بعد فشله في مهاجمة بغداد ـ فزحف إلى الأمير الساماني بجيوشه العظيمة والتقى به في بلخ سنة سبع وثمانين ومائتين، وانكسر في الحرب وأخذ أسيراً وأرسل إلى بغداد فسجن هناك لأن بغداد كانت ساخطة عليه وعلى الدولة الصفارية وكانت تشجع الساماني وتؤيده في إبادة هذا الخصم اللدود.
صفا الملك بعد عمرو للأمير الساماني وانفسح المجال أمامه لتوسيع نطاق سلطنته فاستولى على أرجاء إيران وامتدت مملكته من بلاد ما وراء النهر إلى عقبة حلوان. على هذا الملك الواسع والسلطان البعيد حكم السامانيون قريباً من قرن كامل وساسوا الناس بحسن سيرة وإحكام وتدبير سجلها لهم التاريخ، واتخذها أصحاب القصص موضوعات لأقاصيصهم، وأصحاب كتب الأخلاق أمثلة لتعاليمهم. وأياً ما كان الأمر فلا شك في تعلق الأمة الإيرانية بهم، واهتمامها بشأنهم وإحياء ذكراهم طوال أزمان كثيرة. وقد لا نعجب من ذلك إذ لاحظنا أن الشعب الفارسي كان حينذاك قريب عهد بحياة استقلاله الغابرة ومجده الماضي وإن ذكرى هذا الماضي المجيد كانت لا تزال مرتسمة في نفسه. وقد رأينا أن السامانيين كانوا يمتون إلى أبطال التاريخ القومي بصلة النسب وكان الشعب يرى فيهم ذلك الجلال الملكي الذي كان الإيرانيون القدامى يسمونه «فركياني» ويرونه فيضاً إلهياً ينزل على ملوكهم من السماء.
وكانت سياسة السامانيين سياسة معتدلة مقتصدة تجمع بين النزعة القومية الإيرانية والاحتفاظ بالإسلام واحترام مبادئه المقدسة التي كان الشعب أيضاً ينظر إليها بعين الاحترام. فنتجت عن ذلك ثقافة خاصة نسميها نحن الثقافة الإسلامية الإيرانية. كانت اللغة العربية في بلاط السامانيين لغة رسمية وكان عندهم عدد كبير من الشعراء والأدباء المتكلمين بهذه اللغة عقد لهم الثعالبي في اليتيمية فصلاً خاصاً. وكان الشعراء يفدون عليهم من سائر الأقطار الإسلامية بأشعارهم العربية يرجون منهم النوال. وكان في الأسرة الملكية أيضاً من يقول الشعر بالعربية. وفي عصرهم ترجم كتابا الطبري في التاريخ والتفسير إلى الفارسية بعدما أفتى الفقهاء بجواز هذا العمل شرعاً. وعندنا تفسير آخر للقرآن بالفارسية يرجعه العلماء إلى ذلك العهد، وهو مخطوط لم يطبع بعد.
قامت إيران بنهضتها القومية مستلهمة تاريخها القديم، ونشط القوم إلى تجديد ما كان لأسلافهم من النظم الملكية والإدارية، وإلى إحياء ذكرى تلك «العصور الذهبية» وأبطالها.
وإلى جانب البلاط الملكي ووزرائه كان هناك رجال من ذوي النعمة والجاه ينتسبون إلى الأسرات القديمة الإيرانية ويحكمون نواحي من المملكة تحت رعاية البلاط جرياً على نظام الحكم القديم الموروث في إيران.
وكان هناك أيضاً رجال من الموابذة والدساترة، أي رجال العلم والدين الإيراني القديم، لهم معرفة بالكتب البهلوية ومقدرة على قراءتها فاستعان القوم بهم واستفادوا مما كان عندهم من علم وأخبار في تدوين تاريخ ملوك إيران القدماء. وأدى ذلك إلى تأليف كتاب «الشاهنامه» في خراسان وهو الكتاب الذي عنى الدقيقي بنظمه أولاً والفردوسي آخراً كما سنرى.
وليس هذا أول عهدنا بكتاب الشاهنامه أو أخبار ملوك الفرس فإن صاحب الفهرست يذكر من مؤلفات عبد الله بن المقفع كتاباً ترجمه من البهلوية أو الفارسية إلى العربية واسمه «خداي نامه» وكلمة «خداي» ترادف الشاه في الفارسية. ويذكر غيره عدداً من الكتاب ألفوا في أخبار ملوك الفرس كالمسعودي والمروزي، وأبي المؤيد البلخي وأبي علي محمد بن أحمد البلخي. ويظهر أن شاهنامه المسعودي هذا كانت منظومة كما يدل عليه البيتان اللذان نقلهما المقدسي عنها في كتاب البدء والتاريخ.
وأما الشاهنامه([81]) التي أخذها الفردوسي مصدراً أو واحداً من المصادر فهي الشاهنامه التي دونت في خراسان ويقال لها بالفارسية «شاهنامه أبو منصوري» أي شاهنامه أبي منصور. وكان أبو منصور محمد بن عبد الرزاق من أشراف خراسان ومن ذوي الأسرات القديمة الإيرانية ويمت بنسبه إلى منوجهر أحد ملوك إيران القدامى كما ورد في مقدمة شاهنامته. وقد زيف ذلك النسب أبو ريحان وأبدى الشك في صحته. وقد عاش أبو منصور هذا في النصف الأول من المائة الرابعة الهجرية في زمن السامانيين وولي لهم مناصب جليلة منها أسفهسالارية خراسان (أي إمارة الجيش) وهي من أعظم المناصب في ذلك العصر. وقد اهتم بأمر الشاهنامه وعهد بجمعها وتدوينها إلى لجنة من الخبراء والعلماء بإشراف رجل يسمى أبا منصور مسعود بن منصور المعمري فنسبت هذه الشاهنامه إلى أبي منصور.وتوجد ديباجة هذه الشاهنامه في بعض النسخ المخطوطة القديمة، وتعد هذه الديباجة أقدم نموذج للنثر الفارسي المكتوب. وإلى هذه الشاهنامه أشار الفردوسي في ديباجة شاهنامته.
هذا مختصر من تاريخ تدوين الشاهنامه بمعناها العام أي كتاب سير ملوك الفرس. وأما الشاهنامه بمعناه الخاص أي الشعر الحماسي الفارسي فيبتدئ تاريخها بالدقيقي أبي منصور بن أحمد شاعر العصر الساماني.
لم يذكر لنا أصحاب التذكرة من أخبار هذا الشاعر شيئاً يؤبه له، بالرغم من شهرته الواسعة في الأدب الفارسي، اللهم إلا كلمات قليلة عن اسمه واسم أبيه مع الاختلاف فيهما، وعن مولده مع الاختلاف فيه أيضاً. فيراه عوفي صاحب لباب الألباب طوسياً أي مواطناً للفردوسي ويراه غيره بلخياً أو سمرقندياً أو بخارياً. ويعده أصحاب التذاكر من شعراء زمان منصور بن نوح وابنه نوح بن منصور.
ولكن عندنا شيء من بقايا شعره يخبرنا عن الشاعر بما لم يخبرنا به أصحاب التذاكر، ومن هذا الشعر يبدو لنا أنه كان شاعراً مداحاً مكتسباً بشعره يعيش كسائر شعراء عصره في رعاية رجال يحسنون إليه، وقد وردت أسماء بعضهم في أشعاره. وكان مجوسي المذهب يصرح بذلك في مقطوعة من هذه الأشعار، وكان شاعراً قوي الطبع، قوي الشعور، عالماً بألوان الكلام، جامعاً بين جودة اللفظ وبراعة المعنى. وفي هذا القليل الباقي من شعره الوصفي والغزلي نماذج تعد من أحسن الشعر الفارسي القديم. وهناك قرائن وأمارات نستفيد منها أن شهرته أيضاً كانت تكافئ براعته فقد ذكره من تلاه من الشعراء والكتاب بالثناء والإعجاب.
ومن شعره تلك القطعة المشهورة التي أدرجها الفردوسي في الشاهنامه باسم الشاعر مستدلاً في ذلك بقصة رؤيا له طريفة يذكرها هو هناك.
يقول لنا المؤرخون إن الدقيقي اشتغل بنظم الشاهنامه في زمن نوح بن منصور الساماني وبأمره. وقد ملك نوح من سنة 345 إلى سنة 387هـ كما يقول التاريخ. والدقيقي لم يوفق لإتمام عمله فقد قتل في ريعان شبابه ووفرة نشاطه على يد عبده.
وفي نفس تلك الزمان كان هناك شاعر شاب آخر في طوس يشتغل هو أيضاً بنظم أخبار ملوك الفرس أو يعتزم ذلك. وذلك الشاعر هو الفردوسي المشهور.
وقد كونت شهرة هذا الشاعر العظيم في الأجيال المتعاقبة هالة حول شخصيته وحياته من القصص والأساطير مما يجعل أمر البحث فيه صعباً لكثرة ما في هذه الأخبار من التناقض والتضاد. وكنا في البحث عن الشعراء المتقدمين نعاني قلة المصادر والأخبار، ولكن كثرة الأخبار هنا هي المشكلة التي نعانيها حيال تاريخ الشاعر. والتحوط العلمي يقضي علينا بالتعويل على أقدم تلك المصادر وأوثقها كتاب جهار مقالة للنظامي العروضي.
يقول النظامي «كان الأستاذ أبو القاسم الفردوسي من دهاقين طوس من قرية يدعونها باز وهي قرية كبيرة من نواحي طبران يخرج منها ألف رجل (أي جندي) وكان للفردوسي في هذه القرية جاه ونعمة وكان يعيش بدخل ضياعه مستغنياً عن أمثاله. وكانت له بنت وحيدة. وكان مشتغلاً بنظم الشاهنامه راجياً أن يحصل له من صلة هذا الكتاب شيء يجعله لابنته. فقضي خمسة وعشرين عاماً في نظم الكتاب حتى أتمه وأكمله حق الإكمال ودفع بالكلام إلى أعلى عليين وجعله في العذوبة كالماء المعين. ومن يقدر أن يأتي بمثل ما أتى به هو عندما يذكر خطاب زال إلى سام بن نريمان «وهنا يورد النظامي نص الفردوسي ثم يقول»: وأنا لا أرى عند العجم كلاماً بهذه الفصاحة ولا عند كثير من العرب أيضاً. فأتم الشاهنامه وكان كاتبه علي ديلم وراويه أبو دلف وكان عامل طوس حي بن قتيبة يشجع الفردوسي ويحسن إليه ويعفيه من الخراج وقد ذكر الفردوسي أسماء هؤلاء الثلاثة في كتابه فخلد بذلك اسم عامل طوس وأتاح له أن يقرأه الملوك في الشاهنامه على مدى الأيام.
«ودوّن علي ديلم هذ الشاهنامه في سبعة مجلدات، ودخل الفردوسي بها إلى غزنة عاصمة الملك مصطحباً راويه أبا دلف، وفي غزنة توصل إلى مقابلة السلطان محمود بمساعدة كاتبه الشيخ الكبير أحمد بن الحسن وعرض الكتاب عليه فتقبله السلطان بقبول حسن شاكراً للشيخ الكبير هذه المنة ولكن الشيخ كان له منازعون في البلاط ينقصون من جاهه بالتخليط. واستشار الملك هذه الجماعة فيما يدفعه إلى الفردوسي من الجائزة فاشاروا عليه بإعطائه خمسين ألف درهم وأكدوا للملك أن هذا العطاء كثير لرجل سيئ المذهب كالفردوسي فهو رافضي ومعتزلي واستدلوا على رفضه واعتزاله بأبيات من الشاهنامه يثبتها المؤرخ هنالك ثم يقول: «وكان السلطان محمود رجلاً متعصباً فأثر فيه هذا التخليط ولم يصل آخر الأمر إلى الفردوسي سوى عشرين ألف درهم. فاستاء الشاعر من ذلك كثيراً ودخل حماماً وشرب هناك شيئاً من الفقاع وفرق تلك الدراهم على الحمامي وبائع الفقاع.
«وكان الفردوسي يعلم ما لمحمود من التصلب والبطش الشديد ففر في ليلته من غزنة إلى هراة ونزل هناك في دكان اسماعيل الوراق أبي الأزرقي الشاعر ومكث في بيته ستة أشهر حتى رجع من طوس رجال محمود الذين كانوا قد أرسلوا للبحث عن الفردوسي وإلقاء القبض عليه، وعند ذاك أمن الفردوسي وسار من هراة إلى طوس وأخذ الشاهنامه وراح إلى طبرستان قاصداً الاسفهبذ شريار ملك طبرستان. وكان شهريار من أسرة عظيمة يقال لها آل باوند، ينتهي نسبها إلى الملك يزدجرد.
وهناك هجا الفردوسي محموداً في مائة بيت أثبتها في ديباجة الشاهنامه وقرأها على شهريار وقال له أنا أرفع من هذا الكتاب اسم محمود لأجعله باسمك فإنه أخبار آبائك. وأكرم شهريار الفردوسي وتلقاه بالإحسان ثم قال إن تصرف محمود كان من أثر سعاية المعادين الذين لم يعرضوا كتابك عليه كما يجب أن يعرض وحملوا الملك على هذه الخطة. يضاف إلى ذلك أنك رجل شيعي لن يصلح لك شيء من الأمور الدنيوية كما لم يصلح لأهل البيت، ومحمود أميري وسيدي فدع الشاهنامه باسمه، وأعطني هذا الهجاء أغسله وأمحوه، وأعطيك شيئاً قليلاً مما يتيسر لي، وأنا واثق أن الملك محموداً سيستدعيك ويرضيك فلا يذهب جهدك في هذا الكتاب سدى. ثم أرسل إليه في اليوم التالي مائة ألف درهم فاشترى كل بيت من أبيات الهجاء بألف درهم وأخذ هذه الأشعار من الفردوسي وأمر بمحوها بالماء. ويقول المؤرخ إن الفردوسي أيضاً غسل النسخة التي كانت عنده من هذه الأشعار فاندرست ولم يبق منها إلا ستة أبيات يذكرها المؤرخ في كتابه، ويعد المؤرخ عمل شهريار «خدمة جليلة أداها إلى محمود مما جعل محموداً مديناً له بها».
ثم يسترسل المؤرخ في حديث سمعه بنيشابور في سنة أربع عشرة وخمسمائة من المعزي الشعر الذي يرويه عن رجل آخر يسميه المؤرخ بالأمير عبد الرزاق قال: «كان محمود في طريقه إلى غزنة راجعاً من غزوة له في الهند. وكان في الطريق متمرد قد احتمى في حصن فأرسل إليه محمود يطلب منه التسليم والحضور إليه غداً للثم البساط ولبس الخلعة. وبينما كان محمود ينتظر رجوع الرسول سأل الشيخ الكبير (يعني الوزير أحمد) عما يمكن أن يكون جواب المتمرد فأجابه الشيخ في الحال ببيت للفردوسي:
أكر جز بكام من آيد جواب
من وكرز وميدان أسياب
وترجمته: «إن الجواب إن جاء مخالفاً لرغبتي فالميدان باق، وأنا حاضر، والسلاح موجود» فطرب محمود لهذه الشجاعة التي تبدو في البيت وسأل الشيخ عن قائله فقال: «هو الفردوسي الذي أجهد نفسه خمساً وعشرين سنة في عمل كتاب كهذا ولم يحصل منه على ثمرة، فأمن الملك على قوله وأبدى ندامته مما فعله بالشاعر ووعد الوزير أن يرسل إليه شيئاً عندما يعود إلى غزنة. وفي غزنة ذكره الوزير بالوعد فأمره الملك أن يرسل إلى الشاعر بطوس جائزة مقدارها ستون ألف دينار نقداً أو متاعاً (على اختلاف في قراءة اللفظ الوارد هنا). ولكن لم يقدر لهذه الجائزة أن تصل إلى الشاعر فقد دخلت هي بلدة طوس من بوابة بينما كانوا يخرجون جثمان الشاعر من بوابة أخرى إلى القبر.
وجاء في ختام الحديث كلمة لها قيمتها الخاصة بشأن مركز الشاعر في مجتمعه وبشأن تعيين مدفنه، يقول الحديث «عندما مات الفردوسي كان في طبران واعظ تعصب على الفردوسي ومنع دفنه في مقابر المسلمين هناك بحجة أنه كان رافضياً. وألح الناس فلم يقتنع فذهبوا بجثمان الشاعر إلى حديقة كانت له عند بوابة البلد فدفنوه هناك. ويؤكد المؤرخ أنه زار تربته هناك في سنة عشر وخمسمائة. ويقول المؤرخ إن بنت الفردوسي وكانت سيدة كريمة امتنعت عن قبول جائزة الملك فسلمت بأمر منه إلى الشيخ أبي بكر الكرامي فصرفها في بناء رباط جاهه على الطريق بين مرو ونيشابور.
هذه هي الرواية الأساسية لحياة الفردوسي مع ما فيها من الأخبار التي هي بالقصص أشبه منها بالتاريخ. وهناك روايات أخرى مثبتة في كتب التذاكر وبخاصة في تذكرة دولتشاه، منها سيرة الفردوسي التي ألفت في القرن التاسع الهجري بأمر الأمير التيموري بايسنقر وأدرجت في ديباجة الشاهنامه وهي الديباجة المعروفة الموجودة في نسخ الشاهنامه اليوم وتعرف بالديباجة البايسنقرية تمييزاً لها عن الديباجة القديمة. وهذه الروايات تصور لنا الفردوسي شاعراً فقيراً ساكناً في قرية بطوس وقد سار إلى غزنة هارباً من عامل طوس الذي قد ضيق عليه في الخراج. والتقى هناك بالعنصري الشاعر فأعجبت العنصري قوة طبعه في الشعر فأخذ يناصره وأدخله على السلطان محمود الذي أمره بنظم الشاهنامه وهيأ له في قصره بيتاً مزيناً بأنواع السلاح والآلات الحربية ليستعين برؤيتها على تصوير مناظر الحرب في شعره. ولكن بعدما تمت الشاهنامه سعى المعاندون به عند السلطان واتهموه بالرفض والقرمطية فهرب الفردوسي من غزنة مصطحباً معه كتابه وتوافق هذه الروايات في خاتمتها رواية النظامي بعض التوافق.
ولا يتسع المجال للوقوف عند هذه الروايات والخوض فيها ولذا نقتصر على القول بأن تلك الروايات مع ما فيها من المخالفة لرواية النظامي وما يؤيده التاريخ قد تعارض الأخبار المسلم بها المستخلصة من الشاهنامه نفسها، فلم يكن عصر محمود عصر ظهور للحماسة الإيرانية ولم يكن محمود وهو من عنصر غير إيراني يهش لسماع مفاخر ملوك إيران القدامى ومدائحهم.
وقد روى لنا التاريخ أن محموداً كان لا يحسن اللغة الفارسية ولا يعرف منها إلا القليل ولذلك لم يشتغل الشعراء في عصره إلا بالمديح ولم يكن استماع السلطان للشعر إلا عادة موروثة من السلف. فكان طبيعياً أن لا ينجح للفردوسي أمر عند محمود وأن تخيب آماله.
والواقع أن الفردوسي بدأ نظم الشاهنامه قبل زمن محمود أي في زمن السامانيين ولعله أتمها في هذا الزمان. ولما زالت دولة السامانيين قبل أن يتيسر للشاعر إهداؤها إليهم، تطلع إلى من يقوم بعدهم بالملك. وصادف في أثناء ذلك ـ كما تقول الرواية ـ أميراً بأصفهان يدعى أحمد بن محمد الخالنجاني فاهداها إليه، ثم قام بالملك السلطان محمود فتوسم الفردوسي فيه ما كان يرجوه فرجع إلى الشاهنامه ودونها من جديد باسم محمود. وانتشرت هذه النسخة وفيها اسم الملك محمود. والواقع أنه لم يكن للأمير الغزنوي صلة بهذا المجهود إلا هذا المديح الذي يفسده ما جاوره من هجاء وإلا هذا اللوم الذي وجهه إليه الخلف كما يقول الشاعر الفارسي جامي:
برفت شوكت محمود ودر زمانة نماند جزاين فسانه كه نشناخت قدر فردوسي.
أي: مضت عظمة محمود ولم يبق على وجه الزمان سوى قصة جهله بمقدار الفردوسي.
لم يرحب محمود بالفردوسي ولكن الزمان رحب به واقبلت عليه الحياة بعد موته حياة أبدية لا يشوبها زوال ولا فناء. أصبح الفردوسي يعد في الأوساط الأدبية في الشرق والغرب أكبر شعراء الفرس وأصبح كتاب الشاهنامه يعد حماسة لا يجاريها إلا حماسة اليونان وسرعان ما ذاعت شهرته فمنذ أن انتصف القرن الخامس نرى الشاهنامه كتاباً معروفاً يقوم بدراسته أحد أدباء هذا القرن هو أحمد بن علي الأسدي الطوسي ومن بعده مسعود سعد سلمان الشاعر الفارسي المعروف.
وقد يُخيل إلى النقاد أن شهرة الشاهنامه ترجع إلى قصصها وأساطيرها مما يلذ للناس قراءته. ويرى الأستاذ الإنكليزي إدوار براون «أن النزعات القومية كانت هي العامل الوحيد لإقبال الإيرانيين وتهافتهم عليها. وقد أثرت هذه الشهرة في نفوس المستشرقين مضافاً إليها نزعاتهم الأدبية وحب اطلاعهم على كتاب فارسي يخلو من الألفاظ العربية كالشاهنامه».
ولسنا ننكر ما للقصص من التأثير في النفوس ولكن هناك فرق بين التأثيرين تأثير القصة وتأثير البيان، بين الدهشة الساذجة الحاصلة من سماع قصة عجيبة وبين الشعور الجمالي الذي يثيره سحر البيان وروعته. ولعل هذا هو السر الذي يجعل ترجمة الأشعار إلى اللغات الأجنبية لا تكافئ الأصل مهما بلغت دقة المترجم في نقل المعنى. وللفارسيين كتب نثرية تشتمل على ما تشتمل عليه الشاهنامه من القصص ولكن لا يقرؤها الناس ولو قرؤوها لم يتأثروا بها تأثرهم بهذا الشعر.
ثم إن قراءة الشاهنامه ليست موقوفة على العامة الذين يطلبون القصص والأساطير، بل يقرؤها المثقفون أيضاً متأثرين بجمالها وبلاغتها.
أما قصة خلو الشاهنامه عن الألفاظ العربية فليست كما ظنوا، ففيها من هذه الألفاظ شيء كثير وقد ثبت بالبحث أن الفردوسي كانت له ثقافة عربية كسائر شعراء عصره، وقد أخذ من الشعر العربي بل من القرآن فنوناً من التعبير نجدها في شعره.
والحق أن شهرة الشاهنامه لا تقوم على ناحيته القصصية فحسب بل على هذه الكسوة الفنية الجميلة التي كسا الشعر بها هذه القصص العجيبة. كان الفردوسي حائزاً لجميع الشرائط اللازمة لشاعر حماسي من قوة الخيال والمقدرة على اختيار الألفاظ والأساليب المناسبة لمعانيه والبراعة في وصف المناظر وإبراز شخصيات أبطاله وتصويرهم تصويراً فنياً لا يدانيه فيه إلاّ شكسبير في تراجيدياته العظيمة. أضف إلى ذلك نظراته الفلسفية والأخلاقية التي يجيء بها في الفرص التي يهيئها له مجرى الحوادث فيجعل هذه النظرات كمتمم لتلك الحوادث. وللفردوسي ـ بخلاف ما يبدو لأول وهلة ـ شعره الغزلي الرقيق الذي نجد فيه نموذجاً رائعاً منه في قصة «روادابه وزال» وقصص «بهرام جور». وللفردوسي هذه النغمات المطربة التي يصف بها أيام شبابه ثم هذه النغمات القوية المشجية التي يرثي بها ربيع عمره.
ولسنا ننكر أيضاً في الشاهنامه من تكرار الصور الشعرية وحتى تكرار الأبيات مما يأخذه النقاد ـ ومن جملتهم الأستاذ براون ـ على الكتاب. وهذا عيب لم يتخلص منه هوميروس قدوة شعراء الحماسة القدامى وهو عيب ربما لا يمكن التخلص منه لكل من ينظم ستين ألف بيت في موضوع واحد كما فعل الفردوسي.
وإنما على الناقد أن يوازن هذا بما في الكتاب من الشعر الجيد الذي لا يشق له غبار. والأستاذ براون يعترف هو نفسه بعدم خبرته في تقدير الشعر الحماسي على العموم وهو يجعل الأمر في هذه المسائل أمراً ذوقياً يمتنع التدليل عليه بعد هذا ما يحملنا على نقاشه؟
وللفردوسي سوى الشاهنامه مقطوعات جيدة من الشعر متفرقة في التذاكر. وينسب إليه كتاب منظوم آخر يسمى «يوسف وزليخا» يقول أصحاب التذاكر إنه نظم هذا الكتاب بعد الشاهنامه لأبي علي حسن بن محمد الأسكافي الملقب بالموفق وزير بهاء الدولة الملك الديلمي في العراق. ويرد ذكر هذا في ديباجة الكتاب. وللكتاب طبعة إيرانية وطبعات هندية وطبعة في أوروبا على يد المستشرق الألماني «أتيه» وترجم إلى اللغة الألمانية. وهناك أبحاث جديدة في إيران ترمي إلى إنكار نسبة الكتاب إلى الفردوسي يؤيد ذلك سخافة أشعار الكتاب وضعفها فهو والشاهنامه على طرفي نقيض.
وجاء الشعراء بعد الفردوسي ينسجون على منواله وفيهم جماعة اتخذوا من ملوك عصرهم أبطالاً نظموا لهم شاهنامات. وخفي عليهم أن الشعر الحماسي يجب أن يكون له مادة من الأساطير تجعل جوه مليئاً بآثار القدم تجول فيه الآلهة والأبطال بعواطفهم الكبيرة وأعمالهم العظيمة محاطين بهالة من الخيال. خفي ذلك عليهم بين الشعر الحماسي والمنظومة التاريخية فلم يأتوا بشيء.
وأحسن حماسة شعرية بعد الشاهنامه كتاب كرشاسب نامه للأسدي (نظم في سنة أربعمائة وثمان وخمسين)(458)هـ. ينشد فيه الشاعر أخبار بطولة كرشاسب احد أبطال العهد القديم وحفيد جمشيد الملك الأسطوري المذكور في الشاهنامه ويذكر وقائعه الخارقة وأسفاره إلى البلاد الشاسعة وحروبه هناك مع الأبطال والحيوانات الخيالية وغير ذلك مما يجعلنا نسميه طرزان العهد القديم ويتخلل تلك المناظر الرهيبة والحوادث العنيفة فصول في الحكمة والموعظة يستخلصها الشاعر من تلك الحوادث.
وقد حذا الأسدي حذو الفردوسي كما صرح هو نفسه في ديباجة كتابه وقد رأى أن هذا جزء من أجزاء الحماسة الإيرانية فات الفردوسي أن ينظمه فقام هو بنظمه بأمر أبي دلف أمير أران ونخجوان. وقلد الأسدي الفردوسي في وزن شعره كما قلده في أساليب تعبيره وبيانه وكاد ينجح لولا ما في شعره من الألفاظ الغريبة الوحشية والكنايات البعيدة والاستعارات المعقدة التي يمجها الطبع. ولكن في الكتاب أشياء من الشعر تعد من أحسن ما قيل وأجوده.
الشعر القصصي الفارسي
بعدما أفردنا للشعر الحماسي فصلاً خاصاً به بقي أن نتحدث عن سائر أنواع الشعر القصصي الفارسي التي تختلف عن الشعر الحماسي موضوعاً ومنهجاً، فهي منظومات لها أهداف خلقية أو غرامية ينهج الشاعر في نظمها منهجاً فنياً بهذه الموضوعات وملائماً لها. فبينما كان البحر المتقارب مثلاً الوزن المقرر للشعر الحماسي لا يحيد عنه شاعر الحماسة نرى في هذه الأنواع القصصية شتاتاً من الأوزان الأخرى يتناولها الشاعر كيفما يشاء ويختار منها ما يريد لا يقيده في ذلك سوى خفة الوزن وملاءمته للموضوع وكأنهم كانوا يرون خفة الوزن شرطاً أساسياً للشعر المثنوي. وقد أعرض القدماء إعراضاً تاماً عن استعمال البحور الطويلة الكثيرة الأجزاء في هذا الشكل من الشعر. وإن كان قد عدل البعض في العصور المتأخرة عن هذا الأصل فقد نظمت قطع مثنوية في الأوزان الطويلة ولكنها لا تعدو حدود الشعر العامي ولا يعترف بها المحافظون على المبادئ الموروثة.
وتختلف الأشعار القصصية غير الحماسية عن الشعر الحماسي من جهة اللفظ والتعبير أيضاً. فبينما كان الشاعر الحماسي في كل عهد يتطلع دائماً إلى الألفاظ القديمة والتراكيب الموروثة عن أساتذة الشعر الحماسي القدماء ليوردها في شعره نرى أصحاب الشعر القصصي غير الحماسي متحررين لا يكلفون أنفسهم هذه المشقات الفكرية فنراهم يستعملون لغة الأدب في عصرهم ويستغلونها لحاجتهم ويطلقون العنان لقريحتهم في ابتداع التراكيب واختراع قوالب للتعبير جديدة. وكثيراً ما كان ذلك جهداً غير مكلل بالنجاح وسعياً غير مضمون له التقدير. ولكن مما لا شك فيه أن اللغة الفارسية ازدادت بفضل هذه الجهود ثراء لم يكن لها من قبل. وأقل ما يمكن أن يقال هو أن هذه المحاولات فتحت الباب أمام القرائح المستعدة لتهب من جمودها وتظهر ما كان كامناً فيها من مقدرة واستعداد.
وكذلك الشعر الفارسي ازداد بفضل ظهور هذه القصص توسعاً وتنوعاً. فبعد ما كان مقصوراً على قصيدة يمدح بها أو يهجو، ومقطوعة يشار فيها إلى نكتة، أو حماسة يشاد فيها بالأبطال وحروبهم، ظهرت هناك أنواع أخرى من الشعر يشاد فيها ببطولة العشاق وآلامهم، أو تصور فيها المثل الخلقية العليا التي يرتاح إليها الناس وكل ذلك من حاجات النفس الإنسانية التي لا غنى عنها، فكان طبيعياً أن يقوم الشعر بتحقيق ما تطلبه النفوس منه.
ويعد أول شعر قصصي ظهر في الفارسية كتاب كليلة ودمنة للرودكي. ضاع هذا الكتاب، ولم يبق منه سوى أبيات معدودة متفرقة نمر بها عرضاً في كتاب من كتب الأخلاق أو اللغة يستشهد بها المؤلف على تحديد معنى كلمة.
وقد ذكر هذا الكتاب للرودكي أصحاب التذاكر بلا خلاف بينهم في ذلك. وهناك مستند آخر أقوى من التذاكر وهو نص الفردوسي في شاهنامته حيث يقول: «إن كتاب كليلة ودمنة كان باللغة العربية إلى زمان الأمير نصر (يريد به نصر بن أحمد الساماني) الذي أمر وزيره الجليل أبا الفضل بترجمة الكتاب إلى الفارسية الدرية. ثم بدا له بهداية العقل وإرشاده أن يكون له تذكار في العالم فعين من يقرأ الكتاب على الرودكي من أوله إلى آخره حتى استطاع الشاعر أن ينظمه ويجعل هذا الدر الثمين منظوماً في هذا السلك القويم» هذا نص الفردوسي وهو يؤكد هنا ما يرويه لنا التاريخ من أن الرودكي كان ضريراً فنصبوا له من يقرأ الكتاب عليه.
ويتبين مما تبقى لنا من كتاب الرودكي أنه كان من الرمل المسدس على وزن مثنوي الرومي، وأن أسلوبه كان سهلاً ساذجاً تقل فيه الألفاظ العربية وتكثر فيه الألفاظ الفارسية مما يعد اليوم مهجوراً.
هذا كل ما نعلمه عن كتاب الرودكي. والتاريخ ينتقل بنا من الرودكي إلى شاعر قصصي آخر لا نعلم من قصصه أكثر مما نعلمه عن الأول وهذا الشاعر هو العنصري شاعر عصر محمود لا بل امير شعرائه.
لا يذكر أصحاب التذاكر من حياة هذ الشاعر المعروف شيئاً نستطيع أن نعول عليه كما هو الشأن في تراجم غالبية الشعراء القدماء. يذكرون عنه أنه كان في بداية حاله تاجراً، متابعاً في ذلك مهنة أبيه، فهجم عليه اللصوص في أحد أسفاره التجارية فترك المهنة واشتغل بالشعر واتصل بالأمير نصر بن سبكتكين أسفهسالار خراسان ثم وصل إلى السلطان محمود. فنال الحظوة عنده وحصل هناك على جاه عريض وثراء ضخم، وعاش بعد محمود حتى مات في سنة أربعمائة وإحدى وثلاثين(431)هـ. وقد نوه بذكره شعراء من معاصريه كالشاعر منوجهري أو من التالين لعصره كالشاعر خاقاني. وذكره كذلك البيهقي المؤرخ في تاريخه. وهذه النصوص تؤيد خبر جاهه وثرائه وما كان له من الحظوة عند السلطان.
وله ديوان شعر يشتمل على زهاء أربعة آلاف بيت على الأكثر بينما يروي أصحاب التذاكر أن شعره كان يبلغ ثلاثين ألف بيت. ويعدون من شعره الضائع متنوعات قصصية ثلاثاً منها «قصة وامق وعذراء» بقيت منها عدة أبيات متفرقة في كتاب لغة الفرس للأسدي. ثم قصة «شادبهر وعين الحياة» وليس عندنا من هذه المنظومة شيء ولكن عندنا خلاصة القصة نقلها أبو ريحان البيروني من الفارسية إلى العربية وسماها «قسيم السرور وعين الحياة». والمثنوي الآخر يعرف باسم «سرخ بت وخنك بت» أي الصنم الأحمر والصنم السعيد (على شك في قراءة كلمة خنك) وكانا صنمين في معبد للبوذيين بقرب الباميان من نواحي بلخ. وهذه القصة عربها أبو ريحان أيضاً وسماها حديث صنمي الباميان. هذا كل ما نعلمه عن هذه القصة ويظهر أنها كانت قصة بوذية شائعة في تلك الناحية فأخذها العنصري ـ ولا ننسى أنه كان بلخي الأصل ـ وسبكها في قالب شعري.
ويجدر بي أن أذكر هنا أن ناحية بلخ والباميان كانت تدين بالمذهب البوذي قبل ظهور الإسلام في إيران وكان معبد نوبهار في بلخ يعد أعظم معابد البوذيين وقد ورد هذا المذهب من الهند إلى هذا الإقليم وتسرب منه إلى النواحي المجاورة له من شرقي إيران. وكلمة بت ومعناها بالفارسية «الصنم» يراها اللغويون صورة محرفة لكلمة بوذا نقلت من ذلك المعنى الخاص إلى هذا المعنى العام.
وفي كتب اللغة أبيات متفرقة منسوبة إلى العنصري يلوح عليها شكل الشعر المزدوج الموسوم بالمثنوي. والوزن في قسم من هذه الأبيات هو البحر المتقارب وفي قسم آخر البحر المسمى بالخفيف. فهل هذه الأبيات بقايا من تلك المنظومات الضائعة لهذا الشاعر؟ لا يبعد ذلك. ولا يبعد أن تكون الأبيات المنظومة على البحر المتقارب من كتاب «وامق وعذراء» ويؤيد هذا الاحتمال أن الشاعر الفصيحي الجرجاني الذي جاء بعد العنصري بزمن قليل وقاده في نظم «وامق وعذراء» أخذ هو أيضاً هذا البحر المتقارب لوزن منظومته. والقصة قد أخذها شعراء آخرون موضوعاً لمنظوماتهم وقد أحصى المستشرق أتيه» ست منظومات بهذا الاسم ورد ذكرها في كتب المؤرخين، وليس لها اليوم من أثر. وهناك منظومة تركية بهذا الاسم للشاعر لامعي يظن أنها ترجمة لمنظومة العنصري ومنقولة منها. ويذكر دولتشاه في تذكرته أن قصة «وامق وعذراء» كانت قصة فارسية الأصل ألفها الحكماء الأقدمون للملك أنوشيروان وظهرت لأول مرة في الإسلام في زمن عبد الله بن طاهر والي خراسان للعباسيين جاء يهديها إلى الوالي رجل من خراسان ولكن الوالي رفض الهدية بحجة أنها من كتب الفرس المجوس وأمر بإحراق كل ما يعثر عليه من هذه الكتب في مملكته.
هذه هي الأشعار القصصية التي ظهرت في عصر الغزنويين وضاعت بعدهم على مر الأزمان. ولكن هنالك منظومة أخرى من هذا أفلتت من يد الحوادث المدمرة. وهي كتاب يوسف وزليخا المنسوب إلى الفردوسي كما ذكرت في المقالة السابقة، وأردف ذلك بملاحظة: وهي أن قصة يوسف وزليخا من أقدم القصص التي ظهرت في الشعر الفارسي ومن أكثرها تداولاً بين شعراء هذه اللغة فقد تناولها بالنظم قبل ناظمها هذا شاعر معروف في كتب التذاكر يسمى أبا المؤيد البلخي وشاعر آخر مجهول يسمى بختياري ورد ذكره في هذا الكتاب الذي تدعى نسبته إلى الفردوسي. ويظن أن يكون بختياري هذا من شعراء عز الدولة بختيار الديلمي استناداً إلى صورة النسبة. وفي المتأخرين أيضاً كثيرون من الذين قاموا بنظم هذه القصة وأشهر هذه المنظومات وأكثرها تداولاً منظومة الجامي ومنظومة الهروي.
ولعل السبب الأقوى في شهرة هذه القصة اتصالها بالقرآن وورودها فيه وقد عول الشعراء على هذا الأصل وأخذوا القصة كما هي في القرآن وسبكوها في قالب الشعر وربما زادوا فيها أشياء أخذوها من أقوال أصحاب التفاسير وأهل الحديث.
هذا ما كان من خبر عصر الغزنويين ومن سبقهم في الشعر القصصي. وننتقل منه إلى عصر السلجوقيين. نرى في أول هذا العصر منظومة من أشهر المنظومات القصصية القديمة وهي قصة «ويس ورامين» لفخر الدين أسعد الجرجاني. كان فخر الدين هذا شاعراً مداحاً يعيش في كنف الملوك السلجوقيين وكانت أشعاره في المديح قد ضاعت قديماً. وعوفي، صاحب لباب الألباب وهو من أقدم مؤلفي التذاكر، لم يعثر من شعر هذا الشاعر ـ فيما عدا منظومته القصصية ـ إلاّ على ستة أبيات أوردها في تذكرته، وفي هذه الأبيات شكوى للشاعر من قلة عناية ممدوحه به مع كثرة ما أنشده هو من الشعر في مدحه.
ولكن منظومته القصصية بقيت وكانت وحدها كافية لتخليد ذكره. نظم الشاعر هذا كتاب لأبي الفتح المظفر والي أصبهان في زمن الملك السلجوقي طغرل ويحدد تاريخ تأليفه في حوالي منتصف القرن الخامس للهجرة. ويذكر الشاعر في ديباجة كتابه أن القصة كانت مكتوبة باللغة البهلوية وكان والي أصفهان قد سمع شيئاً عنها فاشتاق إلى قراءتها وكانت معرفتة باللغة البهلوية قليلة حينذاك فأمر الشاعر بنقلها إلى الفارسية نظماً.
والقصة غرامية يقوم بدور بطولتها شابان من الأسرات الملكية قضت عليهما الحوادث بالفراق والهجران ومقاساة آلام الحب وأحزانه رغم جهاد مستمر يقوم به البطل رامين في التغلب على الصعوبات التي تقوم دائماً في وجهه إلى أن يأتي دور النجاح وبه تنتهي القصة. والقصة تعلوها من ملامح الحياة القديمة ما يجعلنا واثقين بكونها تراثاً قديماً وربما نجد فيها عناصر من الحياة الهندية وأدبها. والكتاب على جانب كبير من القيمة الفنية وبخاصة في هذه النغمات الغزلية التي أجاد فيها الشاعر كل الإجادة ومما يذكر أن الشاعر نفسه كانت حياته مليئة بحوادث غرامية يذكر لنا التاريخ طرفاً منها. ولا يخلو الكتاب من هنات قليلة في شعره يحق للنقاد أن ياخذوها عليه كبعض التشبيهات الباردة والاستعارات الخارجة عن المعتاد. وقد طبع هذا الكتاب ناقصاً لأول مرة في بومباي بعناية المستشرق ناسوليس وله طبعة كاملة في طهران ظهرت أخيراً. ويعد المستشرق «أتيه» كتاب «ويس ورامين» هذا أول كتاب اختار وزن الهزج للشعر الرومانتيكي وترك البحر المتقارب للشعر الحماسي.
وازدهر العصر السلجوقي بشاعر قصصي عظيم يعد أكبر شعراء هذا النوع وهو النظامي الكنجوي صاحب القصص الخمس المعروقة بـ (خمسهء نظامي).
كان النظامي عجيباً في حياته كما هو عجيب في شعره. كان رجلاً نزيهاً عفيفاً مؤمناً بالمبادئ الخلقية متمسكاً بها إلى حد كبير. وقد قضت عليه تلك العواطف السامية بالانقطاع عن الناس منذ أوائل عمره فلزم مشغولاً بنفسه وبشعره حتى أقبل عليه ملوك عصره وأمراء بلاده بجوائزهم متلمسين من شعره ما يتمتعون بقراءته ويكون ذكرى لهم خالدة على وجه الزمان.
وهو عجيب في شعره كما قلت متفرد بأسلوبه الخاص الحافل بالألفاظ الجديدة التي لم يعرفها الشعر الفارسي قبله، والتراكيب التي ابتدعها هو بذوقه الشخصي والكنايات والاستعارات التي أخذ مادتها من الأمثال السائرة في أدب عصره والأقاويل الشائعة على ألسن المتكلمين باللغة الفارسية في ذلك الوقت. وقد حصل من جراء ذلك تعقيد يعد صفة بارزة لشعر النظامي مما يجعل تفهمه أمراً صعباً محوجاً في الغالب إلى شروح وإيضاحات. ولم تصرف هذه الصعوبات الناس عن الإقبال على هذا الشعر البديع فاهتموا به وكتبوا له شروحاً وقواميس يحاولون فيها الوصول إلى المعاني العجيبة التي تختبئ وراء هذه الألفاظ المستغلة. وقد ألف أكثر هذه الشروح في الهند حيث كانت دراسة الأدب الفارسي شائعة.
والنظامي مولع باللعب بالألفاظ، يمر به لفظ فيستعمله استعمالات متنوعة اللفظ وتسيغها معانيه الحقيقية والمجازية. وانه وإن كانت هذه الطريقة رسماً متبعاً عند شعراء العصر السلجوقي وميزة من ميزات الأسلوب الفارسي حينذاك إلاّ أن النظامي أربى على كل شعراء عصره في اصطناعها.
والصبغة السائدة في شعره دقته الغزلية المنبعثة من هذه الإحساسات والعواطف الرقيقة التي كانت نفس الشاعر مفعمة بها مع الدقة في وصف المناظر وتصوير نفسيات أبطاله وقد لا يخلو من مبالغة في ذلك.
وللنظامي أيضاً تفكيره وفلسفته. كان الشاعر ملماً بفلسفة عصره وعلومه وبخاصة علم الفلك كما يصرح هو في شعره:
هرجه هست از دقيقه هاي نجوم
بايكايك نهفته هاي علوم
خواندم وهر ورق كه ميجستم
جون ترايا فتم ورق شستم
ومعنى هذا: قرأت كل دقائق النجوم وخافيات العلوم ولكني تركت ذلك كله عندما وجدتك. وتلوح آثار هذه الثقافة على شعره، فقد اكثر من ذكر هذه المسائل في تضاعيف قصصه إكثار عارف بها محب للخوض فيها. ومن المناظر التي يجيد النظامي وصفها منظر السماء في الليل وكواكبها. وهو ينظر دائماً إلى الكون كمخلوق عظيم حافل بالأسرار التي لا يهتدي العقل البشري إلى الاطلاع عليها، وينظر إلى الحياة نظرة فيلسوف متشائم لا يرى فيها سعادة إلاّ وبجانبها شقاء ولا لذة إلاّ ويعقبها ألم. ومن ثم فهو لا يرى للإنسان سبيلاً إلاّ الاستسلام والقناعة وحب السلامة. وقد ترجع فلسفة الشاعر المتشائمة إلى شيوع هذه الفلسفة في الأوساط الأدبية في عصره ـ ولعل حياة ذلك العصر كانت تقتضي وجودها ـ وإلى صفات الشاعر الشخصية وظروفه الفردية من رقة في العواطف فطرية، ومن عزلة فرضها على نفسه، وحوادث مفجعة. كفقدان الأهل والولد وموت الأحبة. وفي ذلك من الشبه بشاعر المعرة ما لا يخفى. ومن عجب أن هذا الشاعر الحزين الشجي هو بعينه صاحب هذه النغمات المطربة التي تفوق في إطرابها كل حد عندما يريد أن يكون مطرباً. وهذا الشاعر الذي لم يذق الخمر مرة واحدة في حياته هو الذي أبدع هذه الخمريات الرائعة التي نراها في كتابه والتي تعد بحق فناً جديداً من الشعر.
والمجموعة المسماة بـ «خمسهء نظامي» أو «بنج كنج» تشمل خمسة كتب كما يبدو من اسمها مرتبة حسب أزمان تأليفها: أولها المسمى مخزن الأسرار جمع فيه حكايات قصيرة في موضوعات أخلاقية وصوفية ورتبها على مقالات، ووزن الشعر فيها من البحر السريع ولعله أول مثنوي نظم في هذا البحر.
وثانيها كتاب خسرو وشيرين ويسرد فيه الشاعر حوادث الملك الساساني خسرو برويز، وبخاصة قصة غرامه بالحسناء الأرمنية شيرين ومأساة فرهاد غريمه في عشقها. وقد أخذ الشاعر هذه القصة من مصادر الفردوسي أو مما كان يقاربها من المصادر. وعلى أية حال فالقصة مروية هنا على صورة تلائم جو الكتاب القصصي أكثر مما تلائم التاريخ. وهذه القصة منظومة على بحر الهزج، وهو وزن كتاب “ويس ورامين” الذي قدمت ذكره. ويعد كتاب خسرو وشيرين من أحسن كتب هذه المجموعة من الناحية الفنية وثالثها كتاب «ليلى ومجنون» يذكر فيه الشاعر قصة غرام قيس العامري المعروف بالمجنون بليلى العامرية.
والقصة عربية الأصل وقد ورد ذكر مجنون ليلى هذا في الأدب العربي والفارسي المتقدم على النظامي. وللمجنون ديوان شعر ينسب إليه من جمع أبي بكر الوالبي. ولكن النظامي هو الذي أشهر القصة في أقطار اللغة الفارسية. وقد قام النظامي بنظم هذه القصة بعد نظم خسرو وشيرين باقتراح ورد عليه من ملك شروان أخستان بن منوجهر وكان النظامي يحجم أولاً عن نظم هذه القصة كما يصرح هو في ديباجة الكتاب لما فيها من السذاجة البدوية ولخلو الموضوع من المادة اللازمة لإنشاء بناء شعري فخم كبناء قصة خسرو وشيرين. ولكن قريحة الشاعر كفلت له النجاح هنا كما كفلته هناك فخرجت القصة آية من آيات الشاعر.
ورابعها كتاب بهرام نامه ويسمى أيضاً قصة «هفت بيكر» أي التماثيل السبعة يشيد فيه الشاعر بذكر الملك الساساني بهرام جور ووقائعه. وكان عصر هذا الملك يعتبر عند الفارسيين عصر الأفراح والمسرات. وكانت المملكة حينذاك في فراغ من الحروب والاضطرابات وكان الملك وشعبه يعيشون في دعة وهناء متمتعين بثمرات السلام والحياة الخالية من الهموم والأحزان. وبهرام جور كان مشهوراً بحبه للصيد والقنص وقد ذكر في تاريخ الطبري أيضاً ومن المحتمل أن النظامي عول بعض التعويل على هذا التاريخ بجانب مصادر له أخرى، وأهم ما في هذه المنظومة قصة التماثيل السبعة التي سمي الكتاب بها. جاء فيها أن بهرام رأى في أحد مخازن قصره «الخورنق» صوراً سبعاً لسبع بنات من الأسرات الملكية في مختلف الممالك فخطبهن وتزوج بهن وبنى لكل منهن قصراً خاصاً ملوناً بلون مناسب لإقليمها، وكان يقيم عند كل واحدة منهن في يوم من الأسبوع ويسمع منها قصة.
وهذه القصص يرويها الشاعر في كتابه ولها شبه بقصص ألف ليلة وليلة تصور فيها ببراعة فائقة مناظر خيالية يتخللها ملاحظات خلقية وفلسفية للشاعر.
وتنتهي المجموعة النظامية بكتاب «اسكندر نامه» يسرد الشاعر فيه حوادث الإسكندر الأكبر وأسفاره في العالم وحروبه مع الملوك وبخاصة موقعته مع دارا ملك إيران، وقد اصطنع الشاعر البحر المتقارب لوزن شعر كتابه هذا ويتخلل الحوادث التاريخية أقاصيص طريفة خيالية أخذها الشاعر من سيرة الإسكندر التي كانت مشتهرة في عصره فجعل من التاريخ والقصة مزيجاً تقتضيه مطالب الشعر القصصي. ومما يذكر أن سيرة الإسكندر في أوروبا أيضاً كانت على هذا المنوال عند أهل القرون الوسطى. والكتاب ينقسم جزأين أولهما يسمى إقبال نامه، والثاني شرفنامه أو خردنامه أي كتاب الحكمة والعقل. يهيم الشاعر في القسم الأول بذكر أخبار الفتوح وفي الثاني بذكر حكم الإسكندر وسيرته في المملكة. ومن الجدير بالذكر أن الشاعر يرى أن الإسكندر والنبي ذا القرنين المذكور في القرآن شخص واحد فيثبت له الملك والحكومة والنبوة معاً. وينتهي الكتاب بموت الإسكندر، ويستغل الشاعر هذه الفرصة لبث أشجانه وأحزانه الشخصية وبسط فلسفته المتشائمة على لسان الحكماء السبعة عندما يقيمهم حول جثمان الإسكندر مؤبنين وراثين له. ويمتاز اسكندر نامه بهذه الفلسفة التي كانت حينذاك قد بلغت أوجها وكمالها عند الشاعر، فقد كان الشاعر حينذاك في عهد كهولته وأواخر عمره. والكتاب، مع هذا، حافل بالأناشيد الغزلية التي داب النظامي على التغني بها في شعره.
والنظامي يعد من الأربعة الذين لا يدانيهم أحد في الشهرة وهم الفردوسي والحافظ والسعدي والنظامي. وقد عنى الفنانون بخمسته منذ أقدم الأزمنة وبالغوا في تجويد الخط والتصوير فيها. وللخمسة طبعات كثيرة في إيران ومن أحسنها طبعة جديدة طبعتها إدارة مجلة أرمغان وقد عني المستشرقون ـ وما زالوا يعنون ـ بطبعها وترجمتها. وله ديوان شعر جمع من متفرقاته وطبع في إيران أخيراً.
وأثارت شهرة النظامي وانتشار كتبه أجيالاً من الشعراء اقتفوا أثره في نظم منظومات قصصية على شاكلته وفي نفس الموضوعات التي نظم فيها لا يختلفون عنه إلاّ في أشياء طفيفة وتفصيلات فرعية. وفيهم من عارض خمسة النظامي بخمسة كاملة ومن عارض واحدة بواحدة معترفين في كل حال ببراعة الرائد وتقدمه.
وفي الصف الأول من هؤلاء المقتفين شاعر هندي المولد والنشأة لكنه إيراني الأصل والنجار وهو الأمير خسرو الدهلوي صاحب الخمسة المعروفة باسمه. عاش هذا الشاعر في النصف الأخير من القرن السابع للهجرة في دلهي مادحاً لسلاطينها وكان هؤلاء من أسرة إيرانية استقرت في الهند وأسست هناك دولة سيطرت على قسم كبير من البلاد وانتشرت على يدهم اللغة الفارسية هناك. وكانت هذه اللغة قد دخلت قبلهم إلى الهند من زمن فتوح محمود الغزنوي وزاد انتشارها في عهد هؤلاء الملوك والأسرات المغولية والتيمورية التي تغلبت بعدهم على الهند. وللأدب الفارسي في الهند تاريخ حافل بأسماء شعراء وكتاب كثيرين. وخمسة خسرو تشتمل على مطلع الأنوار قابل بها مخزن الأسرار للنظامي، وعلى شيرين وخسرو وليلى ومجنون وقد قابل بهما مثيلتيهما عند النظامي، وعلى آينهء اسكندري (أي المرآة الإسكندرية) قابل بها اسكندر نامه وعلى هشت بهشت (أي الجنات الثمان) قابل بها هفت بيكر للنظامي.
وللأمير خسرو مؤلفات ومنظومات أخرى كثيرة ودواوين شعر رتبها هو حسب أدوار عمره وسمى كل واحدة منها باسم يناسب دوره مثل «تحفة الصغر» «وسط الحياة» «غرة الكمال» وغيرها. وقد طبعت مؤلفاته في الهند وطبع بعضها في إيران ولها مخطوطات نفيسة في المكتبات الخاصة تنم عن اهتمام الناس بكتبه وإقبالهم عليها.
ويعد الأمير خسرو أكبر شعراء اللغة الفارسية في الهند أو على الأقل أكبر متقدميهم ويمتاز شعره بالصبغة الصوفية. وهو شاعر سلس الطبع رقيق الإحساس بليغ في ألفاظه ومعانيه.
ومن الشعراء القصصين خواجو الكرماني أحد مشاهير شعراء الفرس في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة وهو معاصر للشاعر الغزلي المعروف حافظ. وكان خواجو هذا شاعراً غزلياً أيضاً كما سنذكر عند البحث في الشعر الغزلي وكان أيضاً شاعراً مادحاً جاب البلاد ومدح الملوك والأعيان بشعره. وإنما يهمنا هنا مثنوياته القصصية.
وقد استقل الشاعر بموضوعات قصصية فلم يأخذ موضوعات النظامي بأعيانها كما فعل الأمير خسرو ولكنه مع ذلك لم يتخلص من التأثر بالنظامي في أسلوب شعره ومنهجه وأوزانه. ولخواجو خمسة مثنويات منها روضة الأنوار نظمها على نسق مخزن الأسرار للنظامي وهي مجموعة حكايات صوفية خلقية مبوبة على عشرين باباً كما هي الحال في كتاب النظامي.
ومن مثنوياته هماي وهمايون وهي قصة عشقية في البحر المتقارب ومنها كمال نامه على وزن هفت بيكر ومنها كل ونوروز (الورد والربيع) وهي أيضاً قصة عشقية على وزن خسرو وشيرين للنظامي وتعد أحسن مثنوياته. ومنها كوهرنامه على وزن خسرو وشيرين أيضاً وهي خلقية صوفية والتصوف هو الصفة الغالبة في شعر خواجو سواء في مثنوياته أو غزلياته. وقد طبعت مؤلفات خواجو في الهند وطبع بعضها في إيران.
وهناك شاعر آخر يمكن أن يعد في الشعراء القصصيين كما يعد في شعراء الغزل والتصوف وهو الجامي أكبر شعراء القرن التاسع وأشهرهم على الإطلاق وصاحب المجموعة المسماة بـ «هفت أورنك» (الأسرة السبعة أي السماوات السبع) منها سلسلة الذهب في الحكايات والقصص الصغيرة على وزن هفت بيكر، وتحفة الأحرار على وزن مخزن الأسرار وشاكلتها، ويوسف وزليخا على وزن خسرو وشيرين، وهو أشهر مثنويات الجامي، وليلى ومجنون، وإسكندر نامه وهما على شاكلة النظامي أيضاً، وسبحة الأبرار وهي مجموعة حكايات صوفية، وقد طبعت «هفت أورنك» في الهند وغيرها، وطبع بعض أجزائها مستقلاً، وللمجموعة مخطوطات نفيسة. وسنعود إلى ذكر الجامي في بحثنا عن الشعراء المتصوفين. ومن البارعين في الشعر القصصي شاعران متأخران، مكتبي شيرازي ووحشي بافقي. كان الأول من شعراء العصر التيموري ولا نعرف من أخباره سوى أنه كان معلم كتاب في شيراز وأنه توفي في سنة تسعمائة وقد خلف هذا الشاعر كتاباً أبقى اسمه على وجه الزمان وهو منظومة ليلى ومجنون فقد أجاد فيها كل الإجادة وتعد أشهر ما نظم في هذا الموضوع بعد منظومة النظامي. وله كتاب آخر منظوم في الكلم الحكمية القصيرة.
وأما وحشي البافقي فهو من شعراء عصر الصفويين وصاحب منظومة مشهورة تسمى «شيرين وفرهاد» يشيد فيها ببطولة فرهاد غريم خسرو في عشق شيرين ويلاحظ أن الشعراء قبله كانوا يجعلون خسرو بطل القصة، أما هو فقد جعل فرهاد بطلها. ونعلم من حياة الشاعر أنه كان هو نفسه من أبطال قصص الغرام فكأنما كان يصور آلام روحه حين كان يصور فرهاد وآلامه. ولوحشي براعة في التعبير فائقة ومقدرة على البيان تفوق كثيراً مستوى الشعر في عصره. ولم يوفق الشاعر إلى إتمام منظومته فظلت ناقصة حتى عصر القاجاريين حين قام واحد من شعراء هذا العصر هو وصال الشيرازي فأكملها. ولوحشي منظومات عشقية أخرى وديوان شعر وقصيدة مسمطة مشهورة وكلها مطبوع في إيران.
وللفرس نوع من الشعر يمكن أن نلحقه بالشعر القصصي وهو الشعر التمثيلي أو الدرامي، المستعمل في التمثيليات الدينية التي تقيمها العامة في مآتمها الدينية إحياء لذكرى شهداء الدين. وموضوعات هذه التمثيليات مأخوذة من وقائع الشهداء وأحوالهم تمثل على المسرح بالشعر والموسيقى. وهذه المنظومات تراث قديم لا يعرف عن منشئيها وناظميها سوى أن شاعراً في عصر القاجاريين يسمى شهاب أصفهاني قام بإصلاحها وسبكها من جديد في قالب صناعي إلاّ أن التحريف غلب عليها بعد ذلك وأكسبها صورة مشوهة هي التي نجدها عليها الآن.
والأدب الكلاسيكي يعد هذه الأشعار من جهة الصناعة الشعرية أشعاراً عامية ولأجل ذلك لم يعن ببحثها ودراستها. ولكن هناك لفيفاً من المستشرقين وطلاب الفلكلور اهتموا بها ودونوا شيئاً منها وترجموها إلى لغاتهم نذكر منهم الكونت جوبينو وشدزكو الفرنسيين. وهذه التمثيليات الدينية موضوع جدير بالبحث سواء من الناحية الأدبية أو الفلكلورية. والمأمول أن ينهض به قريباً جماعة من طلاب البحث ليضيفوا إلى تاريخ الأدب الفارسي فصلاً ممتعاً جديداً.
الشعر الغزلي الفارسي
كان الشعر الغزلي في العصور الأولى للشعر الفارسي يعيش في كنف شعر المديح، عيش اللبلاب الضعيف على الأشجار القوية يتغذى من غذائها ويحيا بحياتها. فكانت قصائد المدح تبدأ بقطعة من الشعر الغزلي يذكر فيها الشاعر طرفاً من العشق وآلامه أو وصفاً للربيع ومسراته، أو نكتة، أو شيئاً عن الكأس ولذاتها.
وكان يختم هذا الغزل أو التغزل ـ كما يسميه رجال الأدب ـ بنكتة طريفة تمكنه من أن يتخلص بها إلى مقصوده الأصلي أي المدح. وكانوا يسمون هذا تخلصاً، والإجادة فيه حسن تخلص. وكانوا يرونه من أهم المطالب في صناعة القصيدة ومقياساً هاماً للمفاضلة بين الشعراء. فكانوا مثلاً يعدون عنصري من أعظم الشعراء حسن تخلص وكانوا يعادلونه في هذا بالمتنبي في الشعر العربي (ويجب ألا ننسى أن للفظة التخلص في الأدب الفارسي معنى آخر سوى هذا المعنى المقابل للاقتضاب وذلك المعنى الآخر يراد به الاسم المستعار الذي كان الشعراء يتخذونه لأنفسهم ويوقعون به في أواخر أشعارهم).
ثم تطور الأدب الفارسي فصار الغزل نوعاً من الشعر قائماً بذاته يستطيع أن يعيش مستقلاً عن القصيدة. وتكونت طبقة من الشعراء يقال لهم الشعراء الغزليون أو المتغزلون جعلوا هذا الفن حرفتهم ومهنتهم الخاصة فعنوا بها أكثر مما عنوا بسائر فنون الشعر مع ما كان لغالبهم من الإلمام بالفنون الأخرى. ولكنهم قبل كل اعتبار شعراء الغزل والنشيد.
ويحسن أن أُشير إلى أن ما ذكرته من ارتباط الشعر الغزلي بالشعر المدحي واستغلال هذا لذاك، لا يعني أن العصور الأولى كانت تخلو من شعر غزلي مستقل عن القصيدة والمدح. لن نذهب هذا المذهب لأن فلسفة الأدب تقضي بوجود شعر غنائي لكل عصر، ونشيد روحي لكل جيل يتغنى به الناس لا في مدائحهم فحسب بل لحاجاتهم الروحية الشخصية، ولأن هناك قرائن وأمارات يستدل الباحثون منها على وجود شعر غزلي مستقل في الأدب الفارسي القديم، ولأن هناك شعراء من القدامى كانوا مشهورين بهذا الفن الشعري، منهم الرودكي الذي يذكره العنصري مشيداً بحذقه في الغزل حيث يقول:
غزل رودكي وأرنيكوبود
غزلهاي من رودكي وأرنيست
أكرجه ببيجم بباريك وهم
بدين برده أندر مرا بارنيست
وهذا معناه: إنما يعذب الغزل إذا أشبه غزل الرودكي. ولا يشبه غزلي غزله ومهما أمعنت الفكر فلن أبلغ مبلغه. ومنهم الشاعر أبو الحسن البلخي الملقب بالشهيد الذي يشير فرخي من شعراء العصر الغزنوي إلى غزله قائلاً:
ازدلا ويزى ونغزى جون غزلهاي شهيد
وزدل انكليزي وخوبي جون ترانهء بولهب
وترجمته: هي في الفتنة والرشاقة كغزل شهيد وفي الإثارة والحسن كلحن «بو لهب».
ولفظة «ترانه» الواردة في هذا البيت مما يلفت النظر ويدعو إلى البحث هذه الكلمة تطلق في اللغة على معنى عام يرادف النشيد أو النغمة وتطلق اصطلاحياً على هذا الشكل الشعري المعروف بالرباعي عند الفارسيين والدوبيت عند العرب ونرى هذا الاصطلاح شائعاً في كتاب «المعجم في معايير أشعار العجم» فهل كان يشار بهذه اللفظة في القديم إلى نوع خاص من الشعر الغزلي من جنس الألحان العامية التي يقال لها اليوم في الفارسية «تصنيف»؟ هذا ما يراه جماعة من الباحثين ولسنا نخالفهم في ذلك إجمالاً. فوجود هذا النوع من الشعر قديماً أمر لا نستبعده بل لا نشك فيه. ولكنهم يستشهدون على ذلك أحياناً بما ورد في كتب العروض وخاصة بما في كتاب المعجم المذكور آنفاً من الأشعار الواردة على أوزان غير مألوفة أوردها العروضيون كأمثلة للزحافات اي التراكيب المحتملة في الأوزان. يستشهدون بهذه الأشعار إذ يجسبونها بقايا من هذه الأغاني العامية التي كانت جارية على ألسن الناس في قديم الزمن. بينما ان ظاهر الحال في كتب العروضيين يدل على أن هذه الأشعار من وضع العروضيين وضعوها خصيصاً للتمثل بها في كتبهم، وإفهام مطالعيهم قواعد الأوزان في مختلف تراكيبها. ومن البعيد أن تكون للأغنية العامية في ذاك الزمان وفرة في أوزان الشعر بهذا الحد.
وقد سنح للفيف من نقاد الأدب الفارسي في إيران التفريق بين لفظي الغزل والتغزل تفريقاً اصطلاحياً فجعلوا الغزل اسماً لهذا النوع الشعري المستقل بينما أطلقوا التغزل على هذه الأشعار الغزلية التي كان الشعراء يحلون بها صدور قصائدهم. وهذا اصطلاح ـ ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقال ـ إلا أن هذا التخصيص يجعلنا في حرج من التعبير أحياناً وكان من الممكن أن نعمد إلى اصطلاح آخر أسهل من هذا وأقرب.
وهناك أشعار غزلية منسوبة إلى الشعراء الأقدمين يدرسها أصحاب الاصطلاح للوقوف على ما إذا كانت في الأصل «غزلاً» أو «تغزلاً» أي شعراً غزلياً مستقلاً أو جزءاً من قصيدة. وذلك لأن رواة هذه الأشعار لم يصرحوا بشيء من ذلك.
ولكن التاريخ يثبت لنا أسماء شعراء من القدماء لا نرى في أخبارهم ما يدل على أنهم كانوا شعراء مادحين، وقد نقل من شعرهم شيء مقصور على الغزل خال من المدح. أفليس طبيعياً أن نسمي هؤلاء الشعراء الطبقة الأولى من أصحاب الشعر الغزلي الفارسي؟.
من هذه الطبقة أبو الحسن شهيد البلخي الذي أسلفنا ذكره، وكان من شعراء عصر السامانيين ومن علمائه وفلاسفته، كما يظهر من نص ابن النديم في فهرسته. وقد ورد شيء من شعره الغزلي في كتب التذاكر بجانب قطع له أخرى في الحكمة والأخلاق.
وهناك من شعراء عصر السامانيين كذلك شاعرة عربية الأصل تدعى رابعة القزدارية نسبة إلى قزدار (أو قصدار) وهي ناحية بجانب سجستان مما يتاخم السند. وهذه الشاعرة التي يعدها الأدب الفارسي من أعظم شعرائه ولدت، كما يقول التاريخ، من أسرة عربية ونشأت في بيت عربي من الأعراب الذين سكنوا في هذه البلاد بعد الفتح الإسلامي.
وقد تكلم أصحاب التذاكر عن حياة هذه الشاعرة وأخبارها وفي هذه الأخبار ما يغلب على الظن أنه أدخل في ترجمتها من جراء الخلط بينها وبين رابعة العدوية الصوفية المشهورة «شهيدة العشق الإلهي» التي يذكرها الجامي في كتابه نفحات الأنس (وهو معجم العرفاء والصوفيين) عاداً إياهاً من النساء العارفات. ويصف مؤلف مجمع الفصحاء الشاعرة القزدارية بكونها «صاحبة العشق الحقيقي والمجازي وفارسة ميدان الفارسية والعربية» ويذكر …. أنها كانت من أولاد الملوك وكان أبوها يسمى كعباً وكان كعب يعيش متنعماً في بلخ وقزدار وبست وكان له من الأولاد ولد يسمى حارثاً وبنت هي رابعة التي كانت تلقب بـ «زين العرب» وكانت معاصرة للرودكي والسامانيين …. ثم يشير إلى قصة غرام للشاعرة بعبد لأخيها غراماً أدى بها إلى العشق الحقيقي (يريد به العشق الصوفي) ولكن أخاها أساء الظن بها فقتلها.
وقد استغل هذه القصة مؤلف مجمع الفصحاء كما يقول هو وجعلها موضوعاً لمنظومة له سماها «كلستان ارم» ولا يذكر لنا مؤلف الكتاب، جرياً على عادته، المصدر الذي عول عليه في أخذ هذه القصة. وهي والحالة هذه لا تفيد التاريخ شيئاً يعتمد عليه وإن أفادت مؤلف مجمع الفصحاء في كتابه «كلستان ارم».
وقد وردت في كتب التذاكر قطع من الشعر منسوبة إلى رابعة تعد من أجود الشعر الغزلي وأحسنه.
وفيها قطعة من النوع المسمى بالملمع أي المنظوم بلغتين نرى فيها أثر الشعر العربي جلياً واضحاً سواء في وزن الشعر أو في معناه، فإن وزنها من الأوزان التي يكثر استعمالها في الشعر العربي، معناها هو المعنى المطروق الشائع عند شعراء العرب من مخاطبة الطير النائح على الأغصان ومشاطرتها البكاء على الأهل والديار.
ولكن يجب ألا ننسى أن أخذ المعاني العربية وإدراجها بمفادها بل وبعبارتها في الشعر الفارسي كان أمراً شائعاً عند شعراء الفرس وبخاصة في عصر السلجوقيين حين كانت دراسة الأدب العربي شائعة وكان الإقبال عليها متوفراً يشهد به ما نجده في شعر المعزي أكبر شعراء ذلك العصر وفي شعر اللامعي من شعراء العصر نفسه أيضاً، فقد بلغ بهما الشغف بالمعاني العربية إلى درجة أنهما أدخلا في الشعر الفارسي من المعاني العربية أبعدها عن الحياة الإيرانية نعني بها البكاء على الأطلال والدمن والوقوف عندها كما كان يقف الشعراء الجاهليون.
ولكن شعر رابعة الذي أشرنا إليه يعد أقدم نموذج من هذا الشعر العربي الفارسي ـ إن صح هذا التعبير ـ كما تعد هي من أقدم من أشاد بغرام ليلى والمجنون في الشعر الفارسي.
ويبتدئ عصر استقلال الغزل واقعياً من زمن السلجوقيين أي منذ ظهور التصوف وتغلبه على الأفكار. ولا ننسى أن هذه النهضة الروحية كانت حينذاك نهضة سائدة في المجتمع الإسلامي قوية النشاط في التوسع والانتشار في جميع الأقطار الإسلامية ومنها إيران. وكان من الطبيعي أن تؤثر في الشؤون الأدبية وتتحكم في اتجاهاتها هذا التأثير والتحكم اللذين حدثا فعلاً.
امتلأت أرجاء المملكة بالخوانق والرباطات لإيواء اللاجئين الهاربين من مشقات الحياة المادية وأعبائها وقام المشايخ بإقامة حفلات الوعظ والتذكير وتلك الرياضة الصوفية التي يسمونها بالرقص والتواجد. وكانت الاستعانة بالشعر الغزلي لازمة لتلك الأعمال الروحية كلها. والتصوف نفسه أليس نوعاً من التغزل والحنين إلى الأوطان؟ في هذا الجو الروحي الصالح نشا الشعر الغزلي الصوفي لسد حاجة في النفوس كانت ظاهرة حينذاك. وظهر في هذا العصر لفيف من الشعراء نبغوا في هذا النوع الشعري كسنائي وعطار وغيرهما ممن سيأتي ذكرهم في كلمة خاصة.
ثم كانت حملة المغول وكانت ضربة قاسية جرت على البلاد دماراً فادحاً يفوق كل تقدير ولكنها لم تكن ضربة قاضية على حياة البلاد، فقد أخذ الناس حين هدأت الأحوال ينشطون وأخذت الحياة تجري بهم في مجاريها.
وكان إقليم فارس أي بلدة شيراز وتوابعها من جنوب إيران في أمن وسلام طيلة هذه الحوادث المدمرة وذلك بفضل حسن سياسة الأسرة المالكة على فارس ومجاملتها للمغول. وكان يعيش في هذه البلدة الآمنة كوكب الغزل الفارسي سعدي الشيرازي وقد ألف فيها آثاره الخالدة.
يروي سعدي حياة مليئة بمظاهر النشاط حافلة بالأسفار والتنقلات والحوادث. وتبدأ الرواية بعصر طفولته حين مات أبوه وبقي الطفل في رعاية ملك شيراز سعد بن زنكي. وحين شب الطفل أوفده الملك سعد إلى بغداد لدراسة العلم في المدرسة النظامية هناك ولا ينسى أن «سعدي» كان مولوداً في بيت علمي في شيراز كما يصرح هو في بعض أشعاره.
وفي هذا الدور من حياته، أي دور الدراسة في بغداد، سافر الشاعر إلى كاشغر وقد ورد عن هذا السفر في كلستانه. وفي هذا الخبر ما يدل على شهرة الشاعر في ذلك الزمان. وفي هذا الدور أيضاً التقى الشاعر في بغداد بالشيخ الصوفي شهاب الدين السهروردي المعروف وتلقى منه مبادئ التصوف، والتقى كذلك بالشيخ شمس الدين أبي الفرج بن الجوزي وكان متصلاً به معاشراً له. ثم رجع إلى شيراز.
وهنا يبدأ الدور الثاني من أدوار حياته، دور التنقلات والأسفار. خرج الشاعر من شيراز للتجول في البلاد وبلغ شرقاً إلى الهند وغرباً إلى سوريا والحجاز كما يتحدث هو عن ذلك في كتابه كلستان. وكان الداعي إلى خروجه من شيراز الاضطربات التي كانت سائدة حينذاك في البلاد كما يقول هو في تصريح له.
ولعله يشير بذلك إلى المعارضات التي كانت جارية في ذلك الوقت بين الأسرة الخوارزمشاهية المالكة على إيران وبين آل زنكي ملوك فارس.
وقضى في هذه الأسفار ما يقرب من ثلاثين عاماً رجع بعدها إلى شيراز نهائياً. ومن هنا يبدأ الدور الثالث وهو دور الكتابة والتأليف. وكان ملك شيراز في هذا الوقت الأتابك أبو بكر بن سعد بن زنكي وكان مقبلاً على سعد ومعتنياً به. فألف له سعدي أول ما ألف منظومته المسماة «بوستان» أو «سعدي نامه» وصدرها باسم الملك أبي بكر أداء لحق نعمته وتخليداً لذكره.
وبعد سنة من إتمام بوستان ألف كتابه الآخر كلستان نثراً وأهداه إلى الملك أبي بكر المذكور أو إلى إبنه على اختلاف في تفسير بيت شعر ورد في مقدمة الكتاب بشأن الإهداء.
ويتلو هذين الكتابين ديوان كبير نسبياً يحتوي على سائر أشعار سعدي من القصائد والغزليات والرباعيات والأشعار الفكاهية التي سماها جامع الديوان بالهزليات والخبيثات. وتنقسم الغزليات إلى أقسام أربعة كل واحد منها يعد كتاباً قائماً بذاته وهي: الغزليات القديمة، الطيبات، البدائع، والخواتيم.
وقد جمعت آثار سعدي مجموعة يقال لها «كليات» نجد فيها ـ سوى ما ذكره هنا ـ آثاراً أخرى للشاعر منها سبع محاضرات صوفية وعدة رسائل.
ولسعدي قصائد عربية موجودة في ديوانه وأبيات أو مقطوعات أيضاً من الشعر العربي متفرقة في كتاب كلستان، وغزليات من الأسلوب الملمع أي المنظوم بلغتين العربية والفارسية. ومما يلاحظ في ديوانه أشعار ملمعة أخرى بلغة مجهولة من اللغات المحلية في إيران. والأشعار المؤلفة بهذه اللغات سماها علماء الأدب الفارسي قديماً بالبهلويات.
وتعد أشعار سعدي هذه منها. وكان الناس في الهند يذكرون عن سعدي أنه أول من نظم الشعر باللغة الأردية أو الهندوستانية ولكن ليس هناك ما يؤيد هذا القول، كما يرى الأستاذ براون.
واشتهر سعدي بشعره وأدبه في حياته شهرة طبقت الآفاق، وشهد الأدب الفارسي ببراعته جيلاً بعد جيل. ولا يقارن به في الغزل إلاّ مواطنه الحافظ، وإن كان لكل منهما منهجه الخاص به.
ولغة سعدي التي كتب بها كلستان ونظم بها أشعاره ظلت لغة رسمية للأدب الفارسي طيلة القرون والأجيال. وقد أقبل الكتاب على دراستها والتشبع بها واحتذائها، مع اعترافهم بكمال الأستاذ وقدرته، وعجزهم عن الوصول إلى درجته. وللغة سعدي فصل خاص في تاريخ أساليب اللغة الفارسية لست بصدد الوقوف عنده هنا لعدم اقتضاء المقام ذلك، وحسبي أن أقول إن لغة سعدي لغة أوجدها هو من الأسلوب الفني الصناعي الذي كان شائعاً قبله، أسقط منه ما كان متكلفاً وجعل السهولة واللطف المبدأ الوحيد في تناول الصناعات اللفظية واستخدامها.
توفي سعدي في أواخر المائة السابعة وولد مواطنه ومباريه حافظ في أوائل المائة الثامنة فكأن الأقدار شاءت أن تسد بمولده هذه الثلمة التي أحدثتها في الشعر الفارسي وفاة ذاك. كان الحافظ شمس الدين محمد رجلاً مثقفاً، حفظ القرآن وتلقى علوم عصره الدينية والفلسفية وكانت له في ذلك دراسات وتأليفات كما يظهر من المقدمة التي كتبها على ديوانه معاصره وزميله في الدرس محمد كلندام. وقد افتخر الشاعر في بعض أشعاره بكونه جامعاً بين تعاليم الفلسفة ومعاني القرآن. ولكنه توجه بكليته إلى الشعر ومدح ملوك شيراز ونال الحظوة والرعاية عندهم.
وكان حافظ على نقيض مواطنه وسلفه سعدي أهل دعة وسكون لا يحب التنقل والسفر ولم يخرج من بلده إلاّ لسفرتين قصيرتين فحسب. وقد بلغ من شهرته في آفاق اللغة الفارسية أن كانت توجه إليه الدعوات من ملوك الأطراف للوفود عليهم ولكنه كان يكتفي في الرد بغزل من شعره فحسب. وأقام في شيراز حتى توفي سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ودفن هناك في محل كان يقال له المصلى، وكان الشاعر يعجب به كثيراً في حياته ويتغنى بجماله في شعره. وقبره الآن هناك مشهور يزوره الناس ويتبركون به.
يشتمل ديوان حافظ على قصائد وغزليات وقطع ولكنه مشهور بالغزل وهو كما ذكرت آنفاً ثاني اثنين في هذا لا يجاريهما ثالث.
تكلم حافظ في الشعر بلغة عصره وجرى في أسلوب التعبير مجرى المتغزلين من لدن سعدي إلى زمنه. وهذه اللغة هي التي وضعها سعدي وتكلم بها معاصرو حافظ من خواجو الكرماني وكمال الخجندي وسلمان الساوجي وغيرهم.
وهذا الأسلوب الذي يتوخاه حافظ في غزله من الطرافة في العبارة وسلاستها، والأناقة في التشبيه والتمثيل، والإتيان بالصناعات اللفظية مع رعاية السهولة وعدم التكلف، هذا الأسلوب هو الذي كان شعراء عصره يتوخونه في شعرهم ويطمحون إليه، ولكن النجاح الذي أُتيح لحافظ فاق ما أحرزه ولم يتيسر لأحد من بعده.
وامتاز حافظ عن شعراء عصره لا بل عن جميع المتغزلين، بهذا التفكير الفلسفي الذي مزجه بالغزل، فكأنه أوجد نوعاً خاصاً من الغزل نسميه بالغزل الفلسفي. ينظر الحافظ إلى الحياة نظر الخيام وسائر المتشائمين فلا يرى في لذاتها المشوبة بالآلام ما يحق لعاقل أن يطمئن إليه ويرى في هذه الآلام الباهظة التي جرتها طبيعة الحياة أو بعبارة الشاعر «الحكم الأزلي» على الإنسان داء لا دواء له إلاّ الخمر أكسير السعادة الذي ينسي الناس آلامهم ويذهب بغرور عقولهم التافهة الضئيلة التي لا تجدي من الحق شيئاً والتي لا تزيد الناس إلاّ شقاء على شقاء.
ويرى حافظ مع قدماء الصوفية أن السعادة والشقاوة لا تكتسبان بعملنا واختيارنا فذلك أمر جرى به القلم في أزل الآزال وكل منا ميسر لما خلق له فلا فضل للشيخ المتنسك على الرند المستهتر. هذه هي الفكرة الفلسفية التي يبثها حافظ في شعره. وقد كان في بيئته وعصره ما يدعو إلى نشأة هذا التفكير فقد كان عصره عصر قلاقل واضطرابات واصطدام بين المتغلبين في معارك دامية يقتل فيها ملك ويقوم فيها آخر ليزول هو بدوره بعد أيام. وكم مرة شهد الشاعر بعينه هذه المآسي. وكان كذلك عصراً تغلب فيه أهل الرياء على الخوانق والسجادات الصوفية، وكان عصر المتكلمين في الطرق والمذاهب المدلين بأبحاثهم اللفظية وآرائهم التافهة، فكان في ذلك ما يكفي لإثارة القرائح الناقدة وتوجيه أنظارها. وبراعة حافظ الفنية التي أبداها في تصوير هذه المناظر ـ وبخاصة أسلوبه التهكمي الذي استخدمه لبث أفكاره ـ لا يوجد لها مثيل في الأدب الفارسي ويقل أمثالها في الآداب العالمية كلها.
ومما يلاحظ في أدب هذا العصر فشو روح التهكم والاستهزاء، فقد كان في عصر الحافظ وفي بلد الحافظ شاعر آخر يدعى بسحق (مخفف أبو إسحاق) اخترع نوعاً من الشعر الفكاهي وهو التغزل بالأطعمة ـ إن صح هذا التعبير ـ يشيد الشاعر فيه بلذات الأكل في قالب غزلي في المتانة. وقد كان من طريقة بسحق أن يرجع إلى المتغزلين المعروفين فيأخذ من أشعارهم المعروفة السائرة بيتاً أو مصراعاً يدرجه في غزله الطعامي على سبيل التضمين محولاً بذلك لوعة الغرام إلى تشهي الطعام، كما كان يتتبع في أغلب الأحوال الغزليات المعروفة للمتغزلين المعروفين كسعدي وحافظ وسلمان الساوجي فينحت على شاكلتها غزليات. وقد يباري أصحاب الحماسيات والمثنويات القصصية فيضع قصة حرب بين لونين من الطعام يتنافسان السيادة على المائدة، أو ينشئ قصة غرامية جرت بين هذا اللون وذاك.
واشتهر بسحق في الأدب الفارسي بإبداعه هذا وبجودة عبارته. وقد طبع كتابه في اسطنبول وفي إيران. وفي شعره كثير من الألفاظ المستعملة في عصره والتي تعد اليوم مهجورة يصعب على القارئ الحديث فهمها إلاّ بمعونة المعاجم والشروح.
وهناك شاعر آخر يدعى النظام القارئ (أي نظام الدين المقري) استبدل بالغزل الطعامي التغزل في الملابس فاتخذ الأزياء والملابس موضوعات لغزله، وهو يقلد بسحق في أساليب تعبيره وأفانين كلامه. وديوان شعره مطبوع في اسطنبول وهو كديوان زميله بسحق في الاشتمال على الألفاظ القديمة الصعبة، وقد ألحق ناشر الكتاب به فهرساً مختصراً. وقلد بسحق لفيف من المحدثين أشهرهم تقي دانش مؤلف الكتاب المعروف بـ «ديوان حكيم سورى» كتبه بلغة عصره فراج عند الناس، وهو مطبوع في طهران.
ولكن أشهر شعراء الفكاهة في عصر المغول بل في كل عصور الأدب الإسلامي الفارسي هو نظام الدين عبيد الزاكاني، اشتهر بشعره الفكاهي وقد كان شاعراً مجيداً في فنون أخرى من الشعر وبخاصة في الغزل. وكان بجانب ذلك عالماً من علماء عصره، صاحب مؤلفات كما يحدثنا أصحاب التذاكر.
وقد اتخذ الهزل وسيلة لنقد أخلاق عصره وتنبيه الناس إلى الفساد الذي كان شائعاً في مجتمعه. وهو يبين عن ذلك في رسالة له سماها «ناسخ ومنسوخ» يقارن فيها بين سيرة الأقدمين وسيرة أهل عصره. هذا إلى دعابة له في طبعه قد تدفع به إلى الفكاهة للفكاهة.
وظل الشعر الغزلي فناً سائداً في العصر المغولي والتيموري بل وفي العصور التالية لهما. وأعان على ذلك انحطاط الشعر المدحي وكساده الناتج من قلة الممدوحين وقلة من يأبه له في القصور الملكية في تلك الأزمان، بينما كان الشعر الغزلي شعر الشعب أي الأوساط المثقفة من الشعب. وكان إقبال الناس عليه كافلاً لنجاحه ودوامه. ومما يلحظ أن الطبقة الممدوحة تأثرت هي نفسها بهذه الروح الشعبية فعادت لا تقبل إلاّ على الغزل وما يشبهه بعدما كانت لا تصغي إلاّ إلى القصيدة والمديح، وكان القدماء من المتغزلين يمزجون بغزلهم شيئاً من المدح لذلك. ولكن لم يلبث أن اختفى من الغزل هذا المزج وانقطعت آخر الصلات التي كانت بين القصيدة والغزل.
وفي عصر الصفويين راجت في الغزل الفارسي طريقة جديدة تعرف بالطريقة الهندية وكانت أثراً لتطور بدأ منذ أزمنة متقدمة وبلغ كماله في ذاك العصر. تمتاز الطريقة الهندية باهتمام الشاعر بالمعنى أكثر من اهتمامه باللفظ فكان يتصيد المعاني البالغة الدقة والتشبيهات والاستعارات البعيدة، كأنه يقصد بشعره إثارة التعجب في النفوس لا إثارة الأحاسيس والعواطف. وتمتاز هذه الطريقة بغلبة النزعات الشخصية للشاعر كما كان الحال في الأدب الرومانتيكي في أوروبا، فترى الشاعر لا يتحدث إلاّ عن ضميره ولا يأبه إلاّ لشعوره وهواجسه الشخصية ولا يصور الأشياء إلاّ ملونة بصبغة أفكاره، وشعر المدرسة الهندية معروف بتقيد لفظه وإبهام معناه، ويقل في أصحاب هذه المدرسة من نجح في الجمع بين دقة المعنى وجودة اللفظ والتعبير. ومن هذه الفئة القليلة الشاعران المشهوران صائب وكايم من شعراء العصر الصفوي ومن أعاظم أساتذة المدرسة الهندية.
وفي هذا العصر كان الترابط الأدبي بين إيران والهند نشيطاً، وكانت الأسرة المغولية المالكة على الهند تتلقى شعراء إيران بحفاوة ربما لم يكونوا يجدونها في بلاط إيران: فهرع الشعراء إلى الهند، وازدهر الشعر الفارسي هناك، وظهر شعراء من الهنود اشتهروا بقول الشعر بالفارسية شهرة فائقة منهم بيدل الذي جاء أعظم مثال لهذا الأدب الرومانتيكي أي شعر المدرسة الهندية.
وفي القرن الثاني عشر للهجرة ظهرت في إيران حركة أدبية ثارت على المدرسة الهندية ونهضت بالأسلوب الشعري القديم، وكان زعماء هذه النهضة أنفسهم من المتأثرين بجمال الشعر القديم والمتشبعين بدراسته، وكانوا بجانب ذلك شعراء بارعين أصحاب مقدرة فنجحت الحركة بفضل مقدرتهم وتوجهت الأفكار إلى دراسة الأدب القديم وانتهاج مناهجه. وكان في مقدمة النهضة من أساتذة الشعر الغزلي شاعران هما صباحي كاشاني وهاتف أصفهاني. وهاتف هذا هو صاحب القصيدة الصوفية المعروفة بـ «ترجيع بند هاتف». وسنعود إلى هذا الشاعر وشعره في المقالة التالية.
التصوف في الشعر الفارسي
ذكرت شيئاً عن صلة الشعر بالتصوف ورواج الشعر الصوفي في عصر السلجوقيين أي في عصر ظهور الشاعر سنائي الذي يعده تاريخ الأدب الفارسي «أول شاعر متصوف مشهور في إيران» ولكن يجب أن أذكر هنا أن الشعر الصوفي الفارسي يبتدئ تاريخه قبل هذا العصر، فهناك صوفي عظيم عاش قبل سنائي بزمن وتنسب إليه أشعار مشتهرة باسمه قد لا تقل شهرتها عن شهرة شعر سنائي وبخاصة في الأوساط العامية، وهذا الشاعر أبو سعيد بن أبي الخير الذي تسميه العامة في إيران «سلطان أبو سعيد».
وقد وصفه المستشرق هرمان أتيه بأنه «أول من أتقن صناعة الشعر الصوفي وأول من استعمل وزن الرباعي كوسيلة للتعبير عن الأفكار الدينية والصوفية والفلسفية، وأول من جعل هذا الشكل الشعري مصدراً للإشعاعات المنبعثة عن فكرة وحدة الوجود، وأول من سبك العقيدة الصوفية في هذه القوالب التي بقيت بعده كصور نوعية ومثل عليا لهذا الفن من الشعر».
هذا قول أتيه ولكن البحوث الأخيرة كشفت عن نصوص تاريخية تدحض نسبة هذه الرباعيات إلى أبي سعيد فهناك كتاب بالفارسية يدعى «حالات وسخنان شيخ أبو سعيد بن أبو الخير» من تأليف أحد أحفاد أبي سعيد ورد فيه كلام منقول عن أبي سعيد نفسه يستخلص منه الأستاذ نيكلسن ـ بعد ان يصححه تصحيحاً قياسياً أن الشيخ قال: «نحن لم نقل الشعر أبداً وكل شعر خاطبنا به أحداً هو من كلام الأعزة جرى على لساننا، وأكثره من كلام الشيخ أبي القاسم بشر».
وهناك كتاب آخر يسمى «أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد» كتبه آخر من أحفاد الشيخ وقد ورد فيه ما يؤيد نص الكتاب الأول حيث يقول: «إن الأشعار المنسوبة إلى أبي سعيد ليس فيها لأبي سعيد إلاّ رباعي واحد وبيت واحد، والباقي من شعر أساتذته ومرشديه» ويعلل المؤلف ذلك بأن الشيخ لم يتوجه من فرط استغراقه في الشهود إلى الشعر وقوله.
يظهر من ذلك أن الرباعيات المنسوبة إلى أبي سعيد ـ ويبلغ عددها ستمائة في النسخ المطبوعة ـ ليست لأبي سعيد، ويظهر أيضاً أن جيلاً من الشعراء المتصوفين عاشوا قبل أبي سعيد وكانت لهم أشعار وفي الأكثر رباعيات كان أبو سعيد يتمثل بها في كلامه. وكان أبو سعيد كما يبدو في كتاب أسرار التوحيد يتمثل بالشعر كثيراً في مخاطباته مع الناس وفي مواعظه العامة التي كان يلقيها على منبره. وكان ذلك مما أثار شغب فقهاء عصره وتوبيخهم له.
ودخل الشعر الصوفي في زمن سنائي وعلى يده في دور فاصل من أدوار حياته، فقد نهض سنائي بهذا الفن الشعري وهيأ له بسطة وسعة لم تكونا له من قبل وسبكة في قوالب لم يألفها سابقاً من القصيدة والغزل والمنظومة القصصية. وكان سنائي شاعراً بارعاً في صناعته فكفلت له براعته النجاح فيما تناوله.
ولفظة «سنائي» لقب تخلصي لأبي المجد مجدود بن آدم الغزنوي. ولد في أواخر القرن الخامس واتصل في صدر حياته بملوك غزنة من آل سبكتكين ومدح في شعره بعضاً من سلاطين تلك الأسرة منهم بهرام شاه، والتقى بالعلماء والشعراء وكانت له معهم مخاطبات بالشعر ورد بعضها في ديوانه.
ويقال إنه أول شاعر جمع ديوانه بنفسه. ثم غلبت عليه نزعته الصوفية فأخذ في التجول في بلاد خراسان وحج وعاشر رؤساء الصوفية واكتسب كثيراً من مذاهبهم، وانتهت به الأسفار إلى الحج ثم رجع إلى بيته في غزنة وعاش هناك منقطعاً عن الناس حتى مات. هذا ما يقوله المؤرخون وقد يروون لسبب انقطاعه واقعة طريفة وقعت له فنهته إلى خسران حياته التي كان يقضيها في مدح الملوك وخدمتهم ولكنا لا نجد للقصة مصدراً يعتمد عليه. وربما يستفاد من شعره ما يناقض هذه الرواية إذ هناك كتابه «حديقة الحقيقة» وهو مما كتبه الشاعر في أواخر ايامه نرى فيه اسم الملك بهرام شاه ومدحه ونرى الشاعر يقدم الكتاب إليه.
ولسنائي ديوان شعر مطبوع مشهور يتضمن على عادة الدواوين ألواناً مختلفة من الشعر كالقصائد والغزليات والمثنويات. وله هذا الكتاب المشهور أيضاً المثنوي المسمى «حديقة الحقيقة» جمع فيها الشاعر حكايات قصيرة يستخلص منها أحكاماً خلقية. والنزعة الخلقية في هذا الكتاب أظهر وأقوى من النزعة الصوفية كما يرى الأستاذ براون. وهناك مختارات من كتاب الحديقة جمعت في كتيب يسمى «لطيفة العرفان» ينسب تأليفه إلى سنائي نفسه.
وله مثنوي آخر يسمى «سير العباد إلى المعاد» يصور فيه الشاعر بلسان رمزي سفر النفس الإنسانية إلى السماوات وتنقلها في طبقات العناصر الأربعة ومنها إلى الأفلاك. وهو كتاب بديع في الشعر الفارسي يشبه كتاب الكوميديا الإلهية لدانتي بعض الشبه. وقد طبع الكتاب في طهران طبعاً بسيطاً خالياً من التصحيح والتوضيح اللذين كان الكتاب في أشد الحاجة إليهما لاشتماله على هذا الأسلوب الرمزي الذي استعمله الشاعر فيه مضافاً إلى هذا أن لغة السنائي في مثنوياته على العموم لغة غنية بالألفاظ القديمة. وللسنائي أيضاً منظومة قصيرة تسمى كارنامهء بلخ. وتنسب إليه في كتب التذاكر مثنويات أخرى لم نعثر عليها.
وجاء بعد سنائي بقليل شاعر آخر يعد من أقطاب الشعر الصوفي وهو فريد الدين محمد النيسابوري المعروف عند الفرس بـ «شيخ عطار».
ولد في آخر عصر السلجوقيين في بلدة نيسابور وقضى طفولته في مشهد، ثم أخذ في التجول في البلاد وسافر إلى ما وراء النهر والهند ثم إلى العراق ودمشق ومصر وقد حج أيضاً ثم رجع إلى بلدته نيسابور وأقام فيها إلى أن مات. وتقول بعض الروايات إنه قتل في حملة المغول. وكان في نيسابور مشتغلاً بالطب، وكانت له صيدلية ومستشفى للعلاج. وكان هذا وجه تسميته بالعطار.
وكان مع مزاولته للطب مشتغلاً بالقراءة والتأليف مكباً عليهما يدرس أحوال مشايخ الصوفية وسيرهم ويجمع أخبارهم وأقوالهم في مؤلفاته. وكان راسخ الاعتقاد فيهم معجباً بهم وبأقوالهم عارفاً بمبادئهم واصطلاحاتهم. ويظهر أنه كان منتظماً في فرقة خاصة من فرق الصوفية كانت تدعى «السلسلة الكبروية» نسبة إلى الشيخ نجم الدين الملقب بالكبرى (أي الطامة الكبرى) أحد الأقطاب في ذلك العصر.
وكان عطار نشيطاً في قول الشعر والتأليف مكثراً منهما ويقال إن عدد مؤلفاته بلغ عدد سور القرآن. ولكن الموجود منها والذي صرح هو باسمه في كتبه لا يتجاوز الثلاثين. وأشهر منظوماته كتاب «منطق الطير» ويجعل فيه الشاعر مطالبه الصوفية على ألسنة الطير ويتخلل ذلك حكايات قصيرة من سير الصالحين كما هو دأبه في سائر كتبه. ولهذا الكتاب طبعات في الهند وإيران وله طبعة في أوروبا مع ترجمة فرنسية بعناية المستشرق جارسن دي تاسي.
ومن منظوماته الموجودة المطبوعة أسرار نامه والهي نامه وبند نامه ومصيبت نامه ومظهر العجائب وغيرها. وله كتاب منثور يدعى تذكرة الأولياء في تراجم مشايخ الصوفية وأقوالهم وهو من نماذج النثر الفارسي القديم ومن أعلاها درجة، وقد طبع الكتاب في مجلدين طبعة متقنة في ليدن بعناية لجنة جيب.
وكان في عصر السلجوقيين شاعر معروف يقال له «بابا طاهر عريان» وهو صاحب مجموعة شعرية من الدوبيت المشتهرة في الآفاق تتناقلها الألسن والأفواه. ولا يعلم تاريخياً من ترجمة حياته، برغم شهرته، إلاّ هذه النبذة القصيرة الواردة في كتاب راحة الصدور للراوندي المؤرخ المعاصر للسلجوقيين، فالمؤرخ يذكر هناك مقابلة الملك السلجوقي طغرل للشيخ عريان في صومعته والحوار الذي جرى بينهما مما يدل على مكانة الشيخ في قداسته الصوفية وموقف أمراء العصر منه.
ودوبيتات بابا طاهر أو رباعياته ـ كما تسميها العامة في إيران([82]) ـ قطع غزلية من أجود الشعر الغزلي وهي من الهزج المسدس وهو البحر الشائع في الأشعار والأنغام الشعبية الإيرانية. تكلم فيها الشاعر بلغة إقليمية من اللغات التي يقال لها «فهلويات».
ولرباعيات بابا طاهر طبعات في إيران تفوق الإحصاء فقد جعل منها الشعب أدباً له ونسخ الشعراء الشعبيون على مثاله في كل زمان. وقد نشرها المستشرق الفرنسي هيوار في المجلة الآسيوية مع ترجمة لها ونشرها كذلك المستشرق الإنكليزي إدوارد آلن مع ترجمة إنكليزية بالنثر، ولها ترجمة إنكليزية بالشعر للسيدة إليزابيت برنتون. وإلى بابا طاهر تنسب رسالة نثرية عربية تحتوي على جمل في المعاني الصوفية مما يقال له في مصطلحهم «حقائق ودقائق» وقد طبعت هذه الرسالة في إيران مع شرح عليها لأحد الصوفية هناك.
وبلغ الشعر قمته في مفتتح العصر المغولي بظهور جلال الدين الرومي صاحب المثنوي المعروف وأكبر شعراء الصوفية كافة. وهو جلال الدين محمد بن حسين الخطيبي البكري، نسبة إلى أبي بكر الصديق، ولد ببلخ سنة أربع وستمائة للهجرة.
وأبوه الملقب بهاء الدين ولد كان حفيداً للملك علاء الدين خوارزمشاه لابنته. وكان من مشايخ الصوفية ومن زعماء السلسلة الكبروية أعظم السلاسل الصوفية في خراسان حينذاك وكان الملك خوارزمشاه ينظر إلى هذه السلسلة بعين العداء وكان يعمل على كسر قوتهم وشوكتهم فاضطر بهاء الدين ولد إلى مغادرة البلاد وارتحل إلى بغداد مع عائلته وفيها ابنه جلال الدين، وقد كان إذ ذاك في سن الخامسة.
ويقال إن بهاء الدين التقى وهو بنيسابور بالشيخ فريد الدين العطار فتوسم الشيخ في جلال الدين المستقبل الزاهر الذي كان ينتظره، واحتفى به ودعا له وأهدى إليه نسخة من كتابه «الهي نامه».
وذهب المنفيون إلى بغداد ومنها إلى مكة ورجعوا منها إلى لارندة بآسيا الصغرى وأقاموا فيها سبع سنوات ثم رحلوا إلى قونية مقر حكومة السلطان علاء الدين كيقباد السلجوقي حينذاك. وهناك نهض بهاء الدين بالتدريس والإرشاد إلى أن مات بها سنة ثمان وثلاثين وستمائة حينما كان جنود المغول تكتسح إيران.
ويظهر أن جلال الدين تلقى دروسه الأولى على يد أبيه وسافر إلى حلب ودمشق للالتقاء بمشايخ آخرين. وبعد وفاة أبيه قدم إلى قونية برهان الدين الترمذي وكان قديماً من تلامذة أبيه فنهض جلال الدين للتلمذة عليه والاستفادة من «حقائقه» وظل مشتغلاً بالعلوم الصورية والمعنوية معاً حتى التقى ذات يوم مصادفة بشمس التبريزي فكان لهذا اللقاء تأثير عظيم في حياة جلال الدين واتجاهاته الروحية.
وشمس التبريزي هذا شخصيته مغلقة لم يكشف التاريخ قناعها. ولم يهتد الباحثون حتى الآن إلى أسرارها. ورد في رواية أنه كان ابن جلال الدين الملقب «نو مسلمان» أحد زعماء الإسماعيليين في إيران الذي عاد إلى الإسلام بعد إلحاده. وتصور الروايات شمساً رجلاً في زي الدراويش الفقراء سائحاً متنقلاً في البلاد مستأنساً بأهل الأسرار صاحب نفثة مؤثرة وبيان ساحر. وتقول الرواية إنه قدم إلى قونية سنة اثنتين وأربعين وستمائة إذ كان قد سمع بجلال الدين الرومي بها فالتقى به ورأى فيه مخايل الشوق والاستعداد فجذبه في ذاك المجلس وجعله صوفياً مولهاً بعدما كان عالماً متفقهاً. وهناك كتاب في ترجمة جلال الدين بقلم أفلاكي الذي كان من تلامذة ابن جلال الدين. ويستفاد منه أن جلال الدين صاحَبَ شمس الدين في الخلوة طيلة خمسة عشر شهراً لا يفترقان، ورفض الدرس والبحث فشق ذلك على أصحابه فأثاروا على شمس عوام قونية فقتلوه على الملأ. ومن ذلك اليوم لبس جلال الدين الحداد لمصاب مرشده العزيز واشتغل بالغناء والرقص وصار ذلك بعده سنّةً لصوفية السلسلة المولوية. ومهما كان مبلغ هذه الروايات من الصحة فالأمر الذي لا مجال للشك فيه هو التأثير العميق الذي خلفه هذا المرشد الغامض في نفس جلال الدين والذي لم يزل يتردد صداه في آثار الشاعر فلا تمر به فرصة إلاّ ويغتنمها لذكر التبريزي والإشادة بقداسته ونورانيته، وحسبنا دليلاً على شدة تعلق المولوي بذكرى مرشده المحبوب أنه نظم ديواناً كبيراً من الغزليات لا يخلو تقريباً غزل منها عن ذكر شمس فكان ذلك سبباً في اشتهار الديوان باسم شمس أولاً وباسم جلال الدين ثانياً.
والكتاب مجموعة قصص جاء بها الشاعر كيفما اتفق غير مراع في تواليها نظاماً أو ترتيباً خاصاً. والقصص مختلفة النوع والماهية يوجد فيها قصص صوفية النزعة من الطراز الأعلى، وقصص عامية منحطة المغزى جنباً لجنب لا يهم الشاعر من ذلك إلاّ المعاني الصوفية التي يستخرجها من تلك الأحاديث على السواء. وقد لا يخلو ذلك من تعسف وتكلف حاصل من تباين المثال والممثل له جنساً وطباعاً. ولكن المهارة الفنية التي يبديها عندما يستسلم لأحاسيسه الصوفية تبرران المجهود حق التبرير.
والصوفية كان لهم نوعان من التعليم: الخلقي أو التربوي الذي كان يوجه إلى المبتدئين ويقصد به تهذيب نفوسهم. والتعليم

الذوقي أو الإشراقي الذي كان يقصد به إشعال النفوس وإحراقها. والتعليم الأول هو الذي يغلب على كتاب المثنوي مع ما يوجد فيه من النوع الثاني. وهذا النوع الأخير هو النوع الغالب على كتابه الآخر وهو الديوان الذي يحتوي على أشعار جلال الدين الغزلية التي بدا بنظمها منذ زمن التقائه بشمس الدين: من هذه الأشعار ما أنشده في حياة المرشد ومنها ما قاله بعد وفاته. وكان غالب هذه الأشعار مما جرى على لسانه في حالات الوجد والاستغراق.
وشعر هذا الكتاب يعد من أرقى الشعر الغزلي الصوفي وإبداعه. وفي المستشرقين من يرجحه على كتاب المثنوي من الناحية الفنية. ومع كل ذلك لم يبلغ الكتاب في الاشتهار ما بلغه المثنوي ولم تقرأ منه حتى الأزمان الأخيرة إلاّ مختارات في مجموعة تعرف بديوان شمس التبريزي.
والمثنوي هو أشهر المنظومات الصوفية أو على الأصح أشهر كتاب صوفي ظهر في اللغة الفارسية. وكان يسمى عند الصوفية «قرآن بارسي» لاشتماله على معاني القرآن وتفسير جانب كبير من آياتها. ولم تقتصر شهرته على أقطار اللغة الفارسية بل تجاوزتها إلى أقطار أخرى شرقية وغربية. وللكتاب ترجمات وشروح باللغات الأجنبية كالتركية والإنكليزية وغيرهما تغنينا شهرتها عن الوقوف عندها.
ولجلال مؤلفات صوفية بالنثر منها «مجالس سبعة» و«مكاتيب» طبعتا في قونية أخيراً، ومنها كتاب يسمى «فيه ما فيه» طبع في طهران قديماً وتعد طبعة جديدة هناك أيضاً.
توفي جلال الدين سنة اثنتين وسبعين وستمائة في قريته ودفن بها في مقبرة أبيه التي شادها السلطان علاء الدين كيقباد. وتعد حياة هذا الشاعر وآثاره مثالاً لنشاط الحركة الصوفية ومبلغ تأثيرها في الشعر الفارسي في مفتتح عصر المغول. وقد قويت الحركة في هذا العصر بسبب الظروف والأحوال الحادثة التي طرأت على البلاد في عصرهم من الدمار والخراب. فكان من الطبيعي أن تزداد الرغبة في الحياة المعنوية والتأملات الباطنية الصوفية تسلية للخواطر المفعمة بالآلام.
ومن شعراء الصوفية المشهورين في عصر المغول ركن الدين أوحدي المراغي مؤلف المثنوي المعرف بـ «جام جم» أي كاس جمشيد. ولد في سنة سبعين وستمائة هجرية في مراغة وهي بلدة في آذربيجان. ويظهر من آثاره أنه كان متضلعاً في العلوم الدينية والتصوف وصاحب دراسات فيها. وكان من تلامذة الصوفي المشهور أبي حامد أوحد الدين الكرماني ومن هنا جاء سبب تسميته بالأوحدي. واشتهر هذا الشاعر في عصر السلطان أبي سعيد المغولي فمدح ذلك السلطان ووزيره غياث الدين محمد بن رشيد الدين فضل الله. ورشيد هذا هو الوزير والمؤرخ المعروف صاحب كتاب جامع التواريخ.
وللأوحدي ديوان شعر يشتمل على قصائد وغزليات ورباعيات وله مثنويات منها «ده نامه» ويسمى كذلك منطق العشاق ومنها مثنويه السابق الذكر المعروف بجام جم وهو أهم مؤلفاته ويتضمن خمسة آلاف بيت من الشعر ويشتمل على قصص وحكايات خلقية وصوفية حذا فيها حذو سنائي في كتاب حديقة الحقيقة وزناً وموضوعاً وأهداه إلى الملك أبي سعيد ووزيره. وشعر الكتاب على جانب كبير من جزالة اللفظ وطرافة التعبير والأسلوب وقد تحدى فيه الشاعر لغة الشعراء القدامى وبلاغتهم. والكتاب مطبوع في إيران.
وكان يعيش في عصر أوحد الدين شاعر صوفي آخر وهو الشيخ فخر الدين إبراهيم المعروف بفخر عراقي وكان من عظماء أهل الطريقة ومشايخهم قضى حياته في دراسة علوم الصوفية ورياضياتها وكان صاحب موهبة أدبية عالية ومقدرة على النثر والنظم. وله كتاب بالنثر يدعى «اللمعات» في علم المعرفة على لسان الصوفية أو كما يقول هو في موضوع العشق. واشتهر هذا الكتاب بحيث صار كتاب درس وشرح وتعليق. ولعراقي غزل صوفي فائق في الرقة واللطف. وقد جمع شعره في ديوان صغير طبع في طهران أخيراً.
وذكر كتاب اللمعات يحملنا على مواجهة ظاهرة جديدة ظهرت في الأدب الفارسي في ذاك العصر نريد بها التصوف العلمي أو علم التصوف. فقد صار التصوف دراسة علمية يتحدى العلوم الاخرى في مناهجها وأساليبها بعدما كان تعليماً ذوقياً صرفاً، وصار يدون في الكتب كعلم له تعريفه وموضوعه ومبادئه كما سائر العلوم. وظهر علماء من الصوفية يدرسونه في مجالس الدرس كما يدرس الفقه والفلسفة وغيرهما.
ومن المعلوم أن هذه المدرسة الجديدة في التصوف قد أنشأها محيي الدين بن عربي وتولاها بعده تلميذه صدر الدين القونيوي الذي كان معاصراً للدولة المغولية الحاكمة في إيران. ومن المحقق أن هذه النزعة تسربت إلى إيران من مدرسة قونية. فقد كان فخر الدين العراقي صاحب اللمعات التي تعد أول كتاب علمي في التصوف من تلامذة الصدر القونيوي ومن المنتظمين في حلقات درسه في قونية.
وكان من علماء الصوفية وشعرائهم في العصر المغولي الشيخ الشبستري سعد الدين محمود بن عبد الكريم المتوفى سنة عشرين وسبعمائة. وهو صاحب المثنوي الصوفي المسمى «كلشن راز» (حديثة السر) نظمه على هيئة رد على الأسئلة التي بعثها إليه من خراسان الشاعر الخراساني أمير حسيني الهروي يستفهم فيها عن موضوعات صوفية ويطلب شرح بعض مصطلحات المتصوفة ولما كانت الأسئلة بالشعر فقد أجاب عليها الشبستري بالشعر أيضاً مع أنه لم يقل شعراً قبل هذا كما يصرح بذلك. ولكن الشعر الذي نراه في كتابه شعر له جماله وبراعته. وله مثنويات أخرى ورسائل بالنثر في علم التصوف منها كتابه المسمى «حق اليقين» يشهد لمؤلفه بعمق التفكير والإحاطة بالموضوع مع مقدرة على اصطناع النثر فائقة.
وشهد العصر التيموري شاعراً صوفياً كبيراً جمع بين الشعر والعلم وذاعت شهرته في الآفاق وهو نور الدين عبد الرحمن الجامي المعروف بـ «مولانا جامي» ولد في سنة سبع عشرة وثمانمائة في ولاية جام بخراسان. وكانت جام هذه قد أنجبت في سالف الزمن صوفياً آخر من أعظم مشايخ الصوفية هو الشيخ أحمد الجامي المعروف بشيخ الإسلام. وقد أشار الجامي في بعض أشعاره إلى سبب نسبته التي جاءته من ناحيتين: بلدته، وتعلّقه بالجامي الأول.
اشتغل الجامي بالدراسة في بلدتي هراة ثم سمرقند بلدتي العلم حينذاك وبلغ في علوم الدين والأدب فارسياً وعربياً وفي علوم التصوف مبلغاً كبيراً ثم اشتغل بالرياضيات الروحية واندمج في سلك الطريقة النقشبندية وارتقى فيها حتى صار شيخ سجادتها. وأقام في هراة متصدراً للتدريس والإرشاد وأخذت شهرته في الاتساع عند الخواص والعوام وعني بإكرامه ملك هراة السلطان حسين التيموري ووزيره المعروف الأمير علي شيرنوائي وكانا من أهل الأدب ومن المحبين لرجاله. ونشط الجامي بفضل هذا الإكرام للتأليف والكتابة نظماً ونثراً، وخلف هذه الآثار الخالدة التي تعد مفخرة لذلك العصر.
ويعد الجامي أكبر شاعر وأديب فارسي في القرن التاسع وآخر الشعراء المتصوفين الكبار. ولم تقتصر شهرته على الشعر وحده بل اشتهر بتآليفه العلمية أيضاً كالشرح الذي كتبه على كافية ابن الحاجب في النحو فقد كان هذا الكتاب ولا يزال كتاب درس لطلاب اللغة العربية في إيران. وشرح فصوص الحكم لمحيي الدين بن عربي واللمعات للعراقي وقد استعان فيهما بالأدب لتصوير الحقائق الفلسفية في أجمل صورة وأبهاها. وله غير ذلك من المؤلفات النثرية ما لا يتسع المجال لذكره هنا.
وأما آثاره الشعرية فقد ذكرت في بحثي عن الشعر القصصي طرفاً منها وأزيد هنا أن له ديوان شعر أيضاً يشتمل على قصائد مدحية وغزليات. وقد قسم الجامي ديوانه ثلاثة أقسام سماها فاتحة الشباب، وواسطة العقد، وخاتمة الحياة. ويظهر أنه قد جرى في تلك التسمية مجرى الأمير خسرو. ويجدر بالذكر أن الجامي كان كثير الالتفات إلى السلف يقلدهم ويقتفي آثارهم وتأثر على الأخص بنظامي وأمير خسرو، وكان ذلك مما يؤخذ عليه في حياته. ونقول بالإجماع عن شعر جامي إنه شعر تصوفي الصبغة والنزعة متدفق بالأفكار الصوفية وبخاصة فكرة وحدة الوجود.
وكانت هذه فكرة سائدة في الشعر الصوفي في تلك العصور ويعد من الشعراء المعنيين بها مغربي التبريزي الذي كان من شعراء العصر التيموري وصاحب غزليات معروفة تعد نموذجاً للغزل الصوفي الخالص ولكن الجامي تناول هذه الفكرة بمقدرة أدبية فائقة وأفاض عليها رواء وجمالاً خاصاً ومن ميزات الجامي تفننه في وزن الشعر والإبداع فيه.
ومن مشاهير شعراء الصوفية في ذاك العصر السيد نعمة الله الكرماني المعروف في إيران بـ «شاه نعمة الله ولي» وهو معدود في أقطاب الصوفية وصاحب طريقة عظيمة معروفة باسمه وموجودة حتى الزمن الحاضر في إيران والهند. وكان مشتهراً في عصره متمكناً في التصوف متصدراً في الإرشاد، وقال الشعر وألف بالعربية والفارسية، ويقال إن عدد تأليفاته تجاوز ثلاثمائة، وله ديوان شعر يشتمل على قصائد وغزليات كلها على لسان التصوف وفلسفة وحدة الوجود. وله أشعار تشتمل على تكهنات وتنبؤات وهي معروفة، وكان يكثر من الشطح والزهو في شعره مما أدى بـ «بسحق» الشاعر الفكاهي المعاصر له إلى مداعبته والتفكه به في غزلياته الطعامية.
وقد نبغ في الشعر الصوفي لفيف من تلامذة نعمة الله منهم شاه داعي إلى الله وهو صاحب مثنويات وغزليات كثيرة، ومنهم قاسم أنوار التبريزي من أقطاب التصوف في عصر التيموريين ومن أستاذة الشعر الغزلي الصوفي، ومنهم لطف الله النيسابوري. وهناك جماعة كبيرة من شعراء الصوفية في ذلك العصر من أصحاب الشهرة والصيت في الأدب الفارسي لا يتسع المجال للوقوف عندهم. ونقول بالإجمال إن التصوف كان في هذه العصور اللون الغالب في الشعر الفارسي والمصطلح العام الذي يتعاطاه كل شاعر سواء أكان صوفياً أم لم يكن. وقد أثر التصوف في قوالب الشعر كما أثر في معانيه فراج الشكل الرباعي واستغله أهل القرائح الشعرية لأداء خاطراتهم اللطيفة والنكات التي لم تكن القصيدة والغزل يصلحان لها. ولا تكاد تعثر على اسم صوفي إلا وينسب إليه على الأقل رباعي واحد. وكذلك شاع شكل ترجيع بند فقد أقبل عليه شعراء التصوف وأكثروا منه. وهناك «ترجيع بند هاتف» الذي يعد من أحسن الشعر الصوفي، وأخر شعر صوفي ظهر جيداً في الأدب الفارسي.
وكان هاتف هذا ـ كما أسلفت في بحث سابق ـ من زعماء نهضة الإصلاح الأدبي في عصر الزنديين، وكان شاعراً مطبوعاً صاحب مواهب عالية في صناعة الشعر ودراسات عميقة في أساليب الشعر ونقدها. وكان يزاول فنوناً من الشعر مع الإجادة فيها وبخاصة في الغزل وكان يقلد فيه السعدي وخواجو الكرماني. وله ديوان صغير مطبوع في طهران. وترجع شهرته إلى منظومته ترجيع بند المذكورة آنفاً فقد أجاد فيها كل الإجادة مما أضفى عليها روعة الخيال ورقة الشعر وقوة الأسلوب.
ويتألف هذا الترجيح بند ـ على العادة المتبعة في هذا الشكل الشعري ـ من قطع متحدة الوزن مستقلة القافية تدور حول بيت واحد تلخص فيه الفكرة الأساسية للمنظومة وهي فكرة وحدة الوجود يرددها الشاعر في كل واحدة من هذه القطع فيفيض عليها لوناً جديداً من البيان فتراه يرسم في بعضها منظراً لبيت نار زاره الشاعر في ساعة من ساعات تحيره ويصف في قطعة أخرى بيت خمار قصده الشاعر في بعض نوبات وجده ويتحدث عما هنالك من ضرام النار المشتعلة وعبادها وقيام الخمار في حلقة رواده، ثم ينتهي الشاعر بمكاشفة صوفية يرى فيها العالم موجوداً واحداً. وهذه الحقيقة هي التي جعلها الشاعر موضوع بيت ترجيعه.
موازين النقد
في الشعر الفارسي
بدأ نقد الشعر في الأدب الفارسي على النهج الذي بدأ عليه في سائر الآداب، فكان نقداً من هذا النوع الذي يسميه مؤرخو النقد بالنقد الذوقي أي النقد الجزئي الذي يحس المرء فيه بجمال بيت من الشعر مثلاً وتنفعل به نفسه فيصطنع ألفاظاً يعبر بها عن هذا الشعور الجزئي الذي لا يرى غيره أو يذكر سواه. ومن ميزة هذا النقد البدائي خلوه عن المنهج والتعليل ذلك لأن المنهج والتعليل من الأمور العقلية التي لا يستطيعها إلا تفكير علمي، ومن المعلوم أن هذا التفكيرلا ينشأ إلا بعد أن يجتمع لدى كل أمة تراث أدبي تشعر بالحاجة إلى مراجعته.
ومن الطبيعي أن يكون هذا النقد قد نشأ عند الشعراء، مع أن ملكة الإنتاج تختلف عن ملكة النقد وذلك لأن الطبيعة واحدة في كلتا الحالتين. وقد صدر النقد عند العرب من الشعراء أنفسهم في أحيان كثيرة وكذلك كان الشعراء اليونانيون ينقدون كما نرى في نقد أرستوفان الشاعر لشعراء التراجيديا في رواية «الضفادع».
والنقد الذوقي يمتاز بجزئية مناحيه، فهو لا يستعمل إلا عدداً قليلاً من الألفاظ والعبارات التي غالباً ما تكون تشبيهات واستعارات. فلا يوجد لدى الناقد الذوقي البدائي هذا القاموس المليء بالإصلاحات الفنية التي أوجدها النقد العقلي مدى حياته الطويلة في عصور الرقي العلمي.
وهنالك نماذج كثيرة من هذا النقد منتشرة في كتب الأدب الفارسي. ولعل من أحسنها إفادة وأقواها تصويراً لحال الموضوع قصة الشاعرين عمعق ورشيدي التي نقلها صاحب جهار مقالة وهي تصور نقاشاً جرى بين الشاعرين بشأن قضية نقدية أو بالأصح بشأن مصطلح نقدي استند إليه الناقد في حكمه. تقول الرواية إن عمعق أمير الشعراء في بلاط خضر خان ملك ما وراء النهر حكم على شعر زميله الرشيدي «بأنه شعر جيد متين ولكنه يعوزه الملح» فاستاء الرشيدي من ذلك وهجا الناقد بقطعة من الشعر قال فيها «عبت شعري بأنه يعوزه الملح وقد تكون على جانب الحق فإن شعري من السكر والعسل وهذان لا يصلح لهما الملك، أما أنت فشعرك لفت وفول فالملح يناسبك ويصلح لك».
هذه صورة تمثل النقد الذوقي في خلوه عن التعليل والتفصيل واعتماده على الاستعارة والتشبيه. ويلي النقد الذوقي دور آخر يخطو فيه النقد خطوة إلى التعليل والتعميم وهو دور المذهب البديعي أي الدور الذي تتخذ فيه الصبغة البديعية مقياساً لنقد الشعر وتمحيصه.
وهناك مسألة أصولية بشأن البديع: أهو شيء قديم اهتدى إليه الشعراء في كل لغة بقريحتهم وبحكم طبيعة الشعر ذاته أم شيء اخترعه شعراء لغة خاصة فتناقله عنهم شعراء سائر اللغات؟ يبدو أن من الأساليب الشعرية ما هو ذاتي للشعر يلزمه أينما كان وفي أي لغة كان كالاستعارة وما إليها، ومنها ما يعد من اختراع شعراء لغة خاصة أخذه عنهم شعراء سائر اللغات.
هذا بحث أصولي أثاره الناقدون ولست بصدد الوقوف عنده وإنما يهمني هنا أن أذكر أن البديع الفارسي تأثر في قسم الصناعات اللفظية، أي ما لا يعد من اللوازم الطبيعية للشعر بالبديع العربي وقلده إلى حد كبير. واستتبع ذلك التفنن ظاهرة أخرى أدبية وهي الإكثار من الألفاظ العربية في الشعر الفارسي، فقد كان في سعة نطاق اللغة العربية وكثرة المترادفات فيها خير عون لإجراء الصناعات البديعية مما لم تكن تقوم بها اللغة الفارسية نفسها.
وكان شعراء الفرس في العصور الأولى مثقفين بالثقافة العربية عارفين بالشعر العربي وأساليبه الفنية كما ذكرت مراراً في البحوث السابقة، فأخذوا علم البديع من العرب وتفننوا فيه وزادوا على ما أخذوه ما سمحت به قريحتهم أو أوحته إليهم طبيعة لغتهم. وقد حصل للبديع العربي أيضاً مثل هذا التطور فبلغ عدد الصناعات البديعية عند ابن حجة الحموي أضعاف ما كان في زمن ابن المعتز.
ويظهر أن شعراء الفرس منذ أواخر السامانيين وأوائل الغزنويين كانوا ملمين بالبديع. كما يستفاد من بعض القرائن والأمارات. وها هو ذا التاريخ ينص على أن الشاعر منمشوري السمرقندي من شعراء السلطان محمود الغزنوي كان يقول «الشعر المتلون». وقطران وهو من شعراء منتصف القرن الخامس للهجرة كان ينظم قصائد مصطنعة.
وإلى عصر الغزنويين يرجع أول كتاب ألف في علم البديع وهو كتاب ترجمان البلاغة لفرخي وجاء بعده في عصر السلجوقيين رشيد الدين الوطواط بكتابه حدائق السحر وتلاهما في عصر الخوارزمشاهيين أو بالأصلح في مفتتح عصر المغول شمس قيس بكتابه المعجم.
أما كتاب فرخي فقد كنا، إلى وقت قريب، لا نعلم عنه إلا إشارة إليه وردت في كتاب رشيد الدين الوطواط، فقد صرح هذا المؤلف بأنه وضع كتابه حدائق السحر على شاكلة كتاب ترجمان البلاغة الذي رآه عند الملك أتسز. وقال رشيد الدين إنه وجد ترجمان البلاغة منطوياً على عيوب كعدم الاستقصاء للصناعات البديعية، ونقص الأمثلة وعدم تطبيقها على مواردها فقام بتأليف كتاب حدائق السحر وأكمل فيه ما كان ناقصاً هناك. ورشيد لا يصرح باسم مؤلف ترجمان البلاغة ولكن هناك مصادر أخرى تصرح بذلك منها معجم الأدباء للحموي. وكان كتاب ترجمان البلاغة يعد مفقوداً إلى أن عثر عليه أخيراً العالم التركي أحمد آتش في بعض مكتبات تركيا فنشره بالزنكوغراف في إسطنبول مع مقدمة بالتركية. والكتاب يشتمل على عدد من الصناعات البديعية يسردها المؤلف غير معتمد في ترتيبها على أساس ما، ويأتي لكل منها بتعريف موجز ومثال أو أمثلة، وكثير من هذه الأمثلة من شعر المتقدمين الذين ضاعت دواوينهم ويعد ذلك من أهم فوائد هذا الكتاب.
وأما كتاب رشيد الدين فهو حدائق السحر في دقائق الشعر، ألفه على منوال كتاب ترجمان البلاغة لفرخي كما ذكرت، وزاد في عدد الصناعات البديعية وقارن بين الشعر العربي والفارسي ونثرهما وأتى بالأمثلة الكثيرة من اللغتين. ولا ننسى أن رشيد الوطواط كان متضلعاً في اللغة العربية وأدبها. وله مجموعة رسائل بالعربية وأدبها. وله مجموعة رسائل بالعربية طبعت في مصر، وديوان شعر عربي لم يطبع بعد. وقد عول في أمثلته العربية على كتب كثيرة وبخاصة على كتابي يتيمة الدهر للثعالبي ودمية القصر للباخرزي. ويعجبه من شعراء العرب المتنبي فقد أكثر من إيراد شعره وهو يعده أفضل شعراء العرب حسن تخلص ويرى نظيره في الفارسية الشاعر عنصري، كما أنه يشيد ببراعة المتنبي أيضاً في صناعة الكلام الجامع ويعجبه بعد المتنبي الشاعران أبو فراس والبحتري وقد وصف شعرهما بأنه السهل الممتنع.
أما عن شعراء الفرس فهو يكثر من ذكر عنصري والتمثل بشعره ويظهر أنه كان يرى العنصري أكبر شعراء القصيدة والمدح في الأدب الفارسي، ويهتم بعد عنصري بالشاعر مسعود بن سعد ويقول عنه إن أكثر شعره من الكلام الجامع وبخاصة ما قاله في سجنه ولا يرى رشيد أحداً من شعراء الفرس بلغ مبلغ مسعود في هذا الميدان سواء من جهة جودة المعنى أو لطف اللفظ. ويكثر بعدهما من شعر معزي ويبدي إعجابه بشعر فرخي ويصفه بما وصف به شعر أبي فراس والبحتري أي السهل الممتنع. وقد بلغ عدد من ذكره رشيد في كتابه من شعراء الفرس ثلاثين منهم شعراء من القدامى المشهورين ومنهم من لا نعرفه إلا في هذا الكتاب، وهذا بالإضافة إلى ما يورده من الأشعار النادرة القديمة مما يزيد الكتاب قيمة.
وما يلاحظ على حدائق السحر أن مؤلفه لا يذكر شعراء عصره ولا يشير إلى الشاعرين المشهورين فردوسي وسنائي. أما سنائي فقد كان رشيد معرضاً عن شعره كما يستفاد من مصادر أخرى، ولكننا لا نعلم شيئاً عن سبب تغافله عن الفردوسي.
وجاء بعد رشيد شمس الدين محمد بن قيس الرازي فألف كتابه المعجم في معايير أشعار العجم جامعاً لعلوم الشعر من العروض والقوافي ونقد الشعر أي البديع. وبمناسبة ذكر العروض والقافية يجدر أن نذكر أن تدوين هذين العلمين في اللغة الفارسية كان متقدماً على عصر قيس فقد نص صاحب جهار مقالة على كتابين اسمهما كنز القافية وغاية العروضيين للأستاذ أبي الحسن السرخسي البهرامي من شعراء العصر الغزنوي ولكن هذين الكتابين مفقودان وهكذا يكون كتاب المعجم أقدم كتاب وصل إلينا في هذا الموضوع كما أنه يعد أجمع ما ألف في هذا الباب. ولا نعرف من حياة شمس قيس إلا شيئاً قليلاً نستخلصه من الكتاب نفسه، ويظهر أنه كان من أهل الرأي وعاش في بلاط محمد خوارزمشاه وعند هجوم المغول فر على وجهه وتنقل من بلدة إلى أخرى حتى استقر آخر الأمر في شيراز واتصل بالأتابك سعد بن زنكي في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ولازم بعده الملك أبا بكر بن سعد وألف هناك كتابه المعجم أو بالأصح نقله إلى الفارسية لأنه كان ألفه أولاً بالعربية. ويظهر أن المؤلف كان له تأليف بالعربية اسمه المعرب في معايير أشعار العرب لم يصل إلينا.
والمعجم كتاب حافل جمع فيه المؤلف ما وصل إليه في علوم الشعر الفارسي من تراث السلف وما استنبطه هو بفكره واجتهاده، وله مزية أخرى وهي ذكر كثير من الشعراء وأشعارهم وإيراد أشعار نادرة قديمة لا توجد في غيره، منها الأشعار المسماة بالبهلويات التي ورد ذكرها في البحوث السابقة. وفي الكتاب مباحث قيمة عن الحروف والأدوات المستعملة في اللغة الفارسية، وبذلك يعد هذا الكتاب أول مصدر للنحو الفارسي في اللغة الفارسية. وقد طبع المعجم للمرة الأولى في بيروت بعناية لجنة جيب وأُعيد طبعه مؤخراً في طهران مع زيادات وتصحيحات جديدة.
وكثرت المؤلفات في علم البديع وسائر علوم الشعر منذ عصر المغول وبخاصة عصر التيموريين فقد راج سوق الشعر المصنع في هذه العصور وزاد اهتمام الشعراء بإنشائه كما زاد احتفال الناس بقراءته. وهناك لفيف من الشعراء أجهدوا أنفسهم في نظم قصائد طويلة مصنوعة يشتمل كل بيت منها على صناعة من الصناعات البديعية منهم فخر الدين القوامي الكنجوي من شعراء أواخر القرن السادس للهجرة صاحب القصيدة المصنوعة المسماة ببدائع الأسحار في صنائع الأشعار وهي قصيدة مشهورة ولها شروح وتعليقات، وقد ترجمها إلى الإنجليزية وشرحها الأستاذ براون في المجلد الثاني من كتابه «تاريخ إيران الأدبي». ومن هؤلاء الشعراء قوام الدين حسين الشرواني المعروف بـ «سيد ذو الفقار» من شعراء القرن السابع وبديعته تسمى «مفاتيح الكلام في مدائح الكرام» ومنهم بدر الدين الجاجرمي من شعراء المائة السابعة ومن المتصلين بأسرة الوزراء الجوينيين في عصر المغول له قصائد مصنعة كل بيت منها يقرأ على وجوه مختلفة وعلى قواف متعددة. ومن مشاهير أصحاب البديعيات في المائة الثامنة شرف الدين فضل الله القزويني المعروف بتاريخه المسمى بالمعجم في آثار ملوك العجم وهو نثر مصنع، وبديعيته تسمى نزهة الأبصار في معرفة بحور الأشعار، ثم الشمس الفخري الأصبهاني صاحب قصيدة مخزن البحور ثم سلمان الساوجي صاحب القصيدة الموسومة بـ «صرح ممرد» وهو أشهر أصحاب البديعيات بعد القوامي المذكور آنفاً. وقلد سمان شعراء كثيرون نخص بالذكر منهم أهلي الشيرازي صاحب البديعية الموسومة بمخزن المعالي وهو من أشهر شعراء القرن التاسع ومن المتفننين في أنواع من الشعر والبارعين في الغزل خاصة.
وظل البديع ميزاناً سائداً لنقد الشعر وظل كتاب حدائق السحر مثالاً للمؤلفين ينسجون على منواله مع تفصيل لمجمله وتبديل لأمثلته. وظهر من هذه المؤلفات في القرن الثامن كتاب حدائق الحقائق لشمس الدين حسن بن محمد التبريزي الملقب بالرامي. ألف كتابه هذا بأمر الأمير شيخ أويس إيلكاني وشرح فيه كتاب رشيد، وجاء بأمثلة من الأشعار المتداولة في عصره. وقد اشتهر الرامي هذا بسبب كتاب له آخر يسمى أنيس العشاق، وهو أشبه بقاموس لمصطلحات الشعر الغزلي استقى فيه المؤلف اسماء أعضاء البدن بالعربية والفارسية وذكر الألفاظ الوصفية التي يطلقها الشعراء على الأعضاء على سبيل التشبيه والاستعارة مستشهداً في كل ذلك بأمثلة كثيرة من الشعر. والكتاب يهم طلاب البحث عن الشعر الغزلي الفارسي والدارسين له وقد ترجمه إلى الفرنسية وعلق عليه المستشرق هوار وطبعه في باريس.
ومن أغرب ما ألف في البديع الفارسي مثنوي يسمى «بحر الصنائع» لشاعر في القرن الثامن لا نعرف منه إلا اسمه (حسن). وآخر كتاب هام في البديع الفارسي هو كتاب أبدع البدائع لشمس العلماء الكركاني من أدباء القرن الأخير في إيران والكتاب يمثل مبلغ الرقي الذي وصل إليه هذا العلم طيلة عصور حياته حتى العصر الأخير.
وهناك فريق آخر من ناقدي الشعر لهم نقدهم وموازينهم وهم أصحاب التذاكر أي المؤلفون لتراجم الشعراء. وأقدم من ورد اسمه في التاريخ من هؤلاء المؤلفين هو أبو طاهر الخاتوني من شعراء القرن الخامس ومؤلف كتاب يسمى مناقب الشعراء وقد ضاع ولم يصل إلينا منه إلا نقول قليلة في بعض الكتب كما لم يصل إلينا من شعره إلا أبيات متفرقة هنا وهناك.
ولكن أقدم التذاكر الموجودة كتاب لباب الألباب لشمس الدين محمد العوفي ألفه في أوائل المائة السابعة، ويظهر من الكتاب أن المؤلف كان صاحب أسفار، وتنقل في بلاد خراسان وما وراء النهر وقد التقى بشعرائها وأخذ من شعرهم ما أثبته في كتابه بجانب ما حصل له من أخبار الشعراء الأقدمين، وهذا سبب ما نراه في الكتاب من إكثار ذكر شعراء خراسان وما حولها. والكتاب يقع في مجلدين الأول في ذكر من قال الشعر ولم يكن محترفاً له، والثاني في ذكر الشعراء المحترفين. وتتصدر الكتاب فصول تمهيدية في فضل الشعر وأول من قاله وأول شعر فارسي. ويشتمل الكتاب على ذكر ما يقرب من ثلاثمائة شاعر منهم من لم يرد ذكره في غير هذا الكتاب، وفيه مختارات من شعر الشعراء كثيرة مما جعل الكتاب أشبه بمجموعة شعرية منه بمعجم تاريخي. وقد أخل عوفي بالناحية التاريخية بحيث لا يكاد يوجد في كتابه من حياة الشعراء وتواريخهم ما يعتد به مع أن ذلك كان ممكناً بفضل المواد التي كانت في متناول المؤلف. وقد أخل بالناحية النقدية أيضاً فلا تجد عنده منهجاً أو ميزاناً لنقد الشعر ولا نقداً للشعر على الإطلاق. ولقد تسبب من عدم نقده أو ضعف نقده عدم إصابته في اختيار الأشعار مما أخذه عليه براون. تراه في وصفه للشاعر لا يهمه إلا تلفيق ألفاظ الوصف وصياغتها على الأسلوب البديعي وعنده مجموعة من هذه الألفاظ يرددها عند ذكر كل شاعر مضيفاً إليها في الغالب تورية يلعب فيها باسم الشاعر أو لقبه؛ من أجل ذلك جاء الشعراء في الكتاب كلهم على صورة واحدة لا يتميز بعضهم من بعض. ومع ذلك كله فالكتاب على جانب كبير من الأهمية بسبب قدمه وندرة أمثاله كما هو الشأن في كل ما بقي من الآثار المتقدمة على هجوم المغول. والكتاب مطبوع في ليدن وفيه نقائص لم يتيسر حتى الآن إكمالها لعدم العثور على نسخة أخرى.
أما الكتاب المشتهر المعروف بجهار مقاله للنظامي العروضي فهو وإن كان لا يعد من كتب التذاكر إلا أنه يحتوي على شيء من أخبار الشعراء القدامى وهو مصدر موثوق به فيما يورده كما أشرت إلى هذا في بعض بحوثي السابقة.
وأشهر كتب التذاكر بعد اللباب كتاب تذكرة دولتشاه من مؤلفي القرن التاسع للهجرة، تكلم فيه عما يقرب من مائة وخمسين شاعراً من أقدم عهود الشعر الفارسي حتى أواخر القرن التاسع أي زمن حياة المؤلف ورتبهم على ترتيب الزمان كما فعله العوفي في لبابه لكنه أربى على سلفه بكثير من الناحية التاريخية والنقدية فقد أفاض في ذكر أخبار الشعراء وحوادث حياتهم مما وقع تحت يده وأتبع الترجمة الخاصة بفائدة عامة تاريخية أو جغرافية من ذكر الملوك والدول التي ورد ذكرها في ترجمة الشاعر وذكر البلد الذي ينسب إليه الشاعر، كل ذلك يذكره بشرح وتفصيل ليوفر على القارئ مشقة الفحص في المصادر ويذكر لكل شاعر شيئاً اختاره من شعره اختيار ناقد بصير محنك في فنه، فجاءت مختاراته غاية في الجودة والرواء. ويتخلل الكتاب فصول في النقد ممتعة تنم عن خبرة المؤلف وبراعته، ومن جملتها مناقشته مع النظامي العروضي في قطعة من شعر الرودكي تعرف بقطعة «جوي موليان»، نرى في هذا النقد صورة من ملكة التذوق الشعري في عصر دولتشاه وتحوله العظيم مما كان عليه في عصر العروضي. وقد كان عصر دولتشاه وهو عصر التيموريين من أنشط العصور في نقد الشعر كما تشهد به المصادر الأخرى، ومن شواهد ذلك فصل في كتاب بهارستان للجامي نجد فيه نقداً بارعاً من أحسن ما يكون. وكتاب دولتشاه مطبوع معروف وله طبعة جيدة في ليدن بعناية الأستاذ براون.
وراج تأليف المعاجم الشعرية أو كتب التذكرة في القرون التالية لعصر دولتشاه وتهافت عليه الكتاب في إيران والهند بحيث تعد دراسة هذه الكتب قسماً خاصاً في الدراسات الأدبية الفارسية. ولا يتسع المجال هنا للوقوف عندها ونكتفي منها بذكر كتابين لهما شهرة واسعة في إيران وهما كتاب آتشكده ومجمع الفصحاء.
أما آتشكده فهو تذكرة صغيرة الحجم تأليف آذر بيكدلي من شعراء عصر الزنديين وقد رتب المؤلف شعراءه على ترتيب البلاد وسلك في تاريخهم سبيل الإجمال. وشهرة الكتاب على ما أظن ترجع إلى مادته الجامعة مع صغر حجمه وبخاصة إلى جودة مختاراته من أشعار الشعراء مما يدل على براعة المؤلف في نقد الشعر وتذوقه. ولا ننسى أن المؤلف نفسه معدود من الشعراء البارعين في عصره وهو من زعماء النهضة الأدبية التي أشرت إليها في بعض بحوثي الأخرى.
وكتاب مجمع الفصحاء آخر كتب التذكرة وأكبرها، ألفه رضا قلي خان المتخلص بهدايت من أدباء عصر القاجاريين وكتابه. وهو صاحب مؤلفات كثيرة في الأدب والتاريخ. والكتاب يحتوي على ما يقرب من سبعمائة ترجمة للشعراء المحترفين وغيرهم من الذين قالوا الشعر ولم يكونوا محترفين له كالسلاطين والأمراء، وقد قسم الكتاب أربعة أقسام يذكر في كل قسم طبقة على ترتيب الحروف، وأكبر هذه الأقسام قسم الشعراء المعاصرين للمؤلف. وخير ما يمكن أن يقال عن هذا الكتاب هذا الاستقصاء الذي لا يدانيه فيه أي كتاب من نوعه في اللغة الفارسية. والمؤلف لم يقتصر على استيعاب أسماء الشعراء وتواريخهم فحسب بل استقصى أشعارهم وآثارهم وأثبت أكثر ما أمكنه إثباته من مختارتهم وأحياناً يثبت من شعر الشاعر كلما وقع تحت يده إذا كان الشاعر من الذين ضاعت دواوينهم وعز شعرهم. وقد هيأ له ذلك توفر المواد عنده فقد كان المؤلف من هواة الكتب والجماعين لها وحصل له منها شيء كثير. ومن الملحوظ أن غالب دواوين الشعر القديم الموجودة في إيران تمتّ بنسبة وصلة إلى مكتبة مؤلف مجمع الفصحاء.
ويؤخذ على مؤلف مجمع الفصحاء تسامحه في تحقيق الحوادث التاريخية التي ينقلها في كتابه وضعف أسلوبه في النقد الأدبي واقتصاره في ذلك على مجموعة من الألفاظ الموروثة والأوصاف العامة المبهمة. ومع هذه الهنات فالكتاب فريد في بابه ومصدر من مصادر تاريخ الأدب الفارسي لا يستغني عنه طالب ولا باحث. على أن في الكتاب ـ أو على الأصح في النسخة المطبوعة الوحيدة ـ أخطاء يحتمل أن تكون مطبعية يجب أن يفرق بينها وبين الأخطاء التأليفية رعاية للحق والإنصاف.
ولمؤلف مجمع الفصحاء تذكرة أخرى مخصصة لذكر المتصوفين من الشعراء «رياض العارفين» كتبها المؤلف قبل مجمع الفصحاء وهي مطبوعة في طهران ولكن شهرة المجمع قضت على الرياض وانتشارها.
ومنذ زمن الاستشراق وعلى يد المستشرقين تطور النقد الفارسي تطوراً هاماً ودخل في دور جديد هو دور نقد المصادر والأسانيد والمقارنة والتحليل. درس المستشرقون مصادر الأدب الفارسي ورأوا ما لها من الاحتياج الشديد إلى التصحيح فقاموا بجمع النسخ المختلفة من مكامنها فقابلوها وحققوها وشرحوها، وإذا كانت هناك مصادر أخرى لها صلة بالموضوع لم يفتهم الرجوع إلى هاتيك المصادر والاستفادة من العارفين بها إذا كانت تلك المصادر بلغة أخرى.
واتجهوا إلى نقد المتن بعد الفراغ من نقد السند فنظروا إلى ما يمكن استخلاصه من هذا السند وما يمكن أن ينطوي هو عليه فاستخلصوه ووضعوه في بيئته التاريخية لتقدير مبلغ صحته ومدى الاعتماد عليه.
ووفقوا لدرس الألفاظ والمفردات المجهولة التي توجد بكثرة في آثارنا الأدبية بفضل اطلاعهم على فقه اللغة وعلمهم بأمهات اللغات التي لها علاقات باللغة الفارسية. وقد سهل عليهم بفضل تثقفهم في الأدب المقارن ووقوفهم على الآداب غير الفارسية المتصلة بالفارسية حل كثير من المعضلات التي كانت ولم تزل حجر عثرة في سبيل الباحث الشرقي.
ونظموا التاريخ الأدبي على المناهج العلمية وقسموا العصور أقساماً متمايزة تعرف بفوارقها الأدبية وأدخلوا في دراسة الشخصيات مفهوم البيئة بما فيها من المؤثرات الدينية والفلسفية والسياسية، واستعانوا في دراسة الأدب الخاص بنتائج الأدب المقارن لرد الجزء إلى كله والفرع إلى أصله.
وقد دأب المستشرقون على طريقة البحث المفرد في دراساتهم فأفردوا كل موضوع من مواضيع الأدب ببحث خاص وكتاب مفرد (يقال له في لغاتهم منوغراف) يتسع فيه المجال للكاتب لأن يحقق موضوعه بكل ما تصل إليه يده حسب خبرته وبصيرته بالموضوع، وهذه طريقة هامة في ترقية البحوث أدبية كانت أو علمية وهي الخطوة الإعدادية التي يجب أن تقدم على تأليف التاريخ العام لكل أدب وفي كل لغة. فهذا كتاب تاريخ الأدب الفارسي (تاريخ فارس الأدبي) للأستاذ براون لم يتسن له تأليفه إلا بعد ما ظهرت منوغرافات هامة مهدت الطريق إلى تأليف هذا الكتاب الحافل، ظهر هو بعدما ظهرت تحقيقات نولد كه وروكرت ومول في الشاهنامه ورسالات أتيه في الشعر الفارسي القديم ورسالة ويلهلم باخر في نظامي ورسالة زوكوفسكي في أنوري ورسالة خانيكوف في خاقاني وتحقيقات نيكلسن في جلال الدين وغير ذلك مما يطول ذكره.
هذه صورة إجمالية لتلك الحركة الثقافية التي نسميها بالاستشراق وقد تشاركت في إيجادها جهود أفراد مختلفين في درجات الكمال إلا أنهم متفقون في المنهج يتساند بعضهم إلى بعض في تصحيح أخطائهم وإكمال نقصهم. ومع ما يؤخذ على المستشرقين من الهفوات الجزئية فمما لا شك فيه سلامة هذا المنهج العلمي الذي جروا عليه في دراساتهم وبحوثهم والذي يجب أن يجري عليه كل دارس وباحث.
ومما يلاحظ في نقد الأوروبيين للشعر الفارسي غلبة الناحية العلمية (أو التاريخية) فيها على الناحية الفنية فهو نقد تاريخي ولغوي أكثر مما هو نقد فني ويقل في المستشرقين من يبحث في الشعر الفارسي من الناحية الجمالية محاولاً تطبيق موازين الجمال الادبي عليه. وهذا نقص ملحوظ في النقد الأدبي الحالي في إيران فقد ورثنا علم المستشرقين على ما كان عليه ولم يكن فيه هذا القسم من النقد. ولا ننسى أن هذا النوع من الدراسة ربما يكون من آخر ما يكتمل في الآداب لتوقفه على ثقافة فنية قوية لها عللها وأسبابها التي لا تحصل إلا بمر الزمان، والأمل معقود بالمستقبل.
الدكتور علي أكبر فياض
الشعر بعد الثورة الإسلامية
قبل الحديث عن التحولات التي طرأت على الشعر بعد الثورة. لا بد من استعادة ملاحظة على جانب من الأهمية، وهي أن ثورة 12 شباط (فبراير) 1978، قامت على شعارات دينية. وكان دور المفكرين والشعراء والكتاب دوراً عاطفياً، على رغم أن المغامرة أنتجت ثورة قضت على نظام قديم. ملاحظة أخرى، هي أنه بعد الثورة الدستورية (1906) وإلى أواخر الستينات، كانت الحركة الفكرية والشعرية والأدبية، تتحرك عملياً على أرضية واحدة، ولم يستطع الشعر أبداً أن يفصل عرى العلاقة بينه وبين السياسة. لأن الاختلالات الاجتماعية غير المتوقعة رافقتها اهتمامات الشعراء وغير الشعراء، وغذى بعضها البعض الآخر. بتعبير مختلف: لم يجد الشعر فرصة ليقدم نفسه في شكل منفصل ومستقل على أنه بناء لغوي محض انطلاقاً من كونه تجربة فنية لغوية فردية. ولكن منذ منتصف السبعينات، إن الذاكرة السياسية للشعراء أثرت فيهم سلباً، ما جعل المستوى الشعري لديهم يهبط. وما أدى كذلك إلى إيجاد وضع آخر مختلف في الشعر الفارسي، وهو ما سأتحدث عنه.
يمكن ـ وفي شكل موجز ـ وضع عناوين لشعر الثورة وشعر ما بعد الثورة كالآتي:
1 ـ شعراء الكلاسيك: لم يكن لهذه المجموعة من الشعراء قبل أو في زمن الثورة أي دور عملي أو فعلي في الأعمال الثورية، لا في النظم ولا في التحرك، ومع وقوعهم خارج دائرة القبول جذبتهم بسرعة الأوساط الجديدة لثقافة الثورة والمؤسسات المتعلقة بها. فاتخذوا من البداية، صفة شعراء الثورة، واحتلوا منابرها. ويمكن ذكر أسماء بارزة من هذه الأوساط لا تزال حاضرة في الساحة الشعرية والأدبية، غير إنها لا تتمتع بحضور في الأوساط الشابة. ونشاطها يقتصر على الاحتفالات والمناسبات الدينية والمذهبية والوطنية وغير ذلك، ثم يعمدون لاحقاً إلى طباعة هذه الأشعار الرباعية والمثنوية مصبوغة بصبغة غزلية وعرفانية أو وصف طبيعي، أمثال مشفق كاشاني ومهرداد أوستا وحميد سبزواري ونصر الله مردائي وعلي معلم دامغاني وغيرهم … ويمكن القول أن مشفق كاشاني وعلي معلم دامغاني يتمتعان بقيمة أدبية عالية، وأن الأخير له الفضل في انتشار الشعر الثوري وموسيقى (البوب) عبر الإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى أن شعره المتنوع يمكن أن يكون مجالاً لدراسة جمالية أخرى.
2 ـ شعراء شباب ظهروا في أجواء الثورة: قبل الشروع في الحديث عن هذا الجيل، من الضروري استعادة ملاحظة، استكمالاً لما جاء في المقدمة، وهي أنه بعد خمود الحماسة السياسية في إيران (من سنة 1951 إلى أواخر الستينات)، وضعف الذاكرة السياسية للجيل الشاب، سيطر على الساحة الثقافية شخصيات تلك المرحلة الزمنية من تاريخ التغيرات السياسية والثقافية المميزة، لكن منذ سنة 1973 دخل الساحة جيل أو وجوه شابة اتخذت اتجاهات شعرية مختلفة. وهي ظاهرة تعود جذورها إلى مرحلة سابقة. تزامنت مع بدء شاملو (أحمد) بتقديم وجوه الشعر الفخم على صفحات مجلة «خوشة» (الستينات). لشعراء يقدمون نوعاً شعرياً يقارب ويشابه شعره الحر (الأبيض)، وجديداً في اللغة والمضمون، وقد ميز هذا الحدث اللغوي الابعاد من المضامين السياسية والاجتماعية التي سيطرت على الشعر الجيد والمعاصر طوال ثلاثة عقود، إضافة إلى أن هذه الأصوات الشعرية المتنوعة تحولت عن الصوت الواحد في الشعر، وأصبح الشعر هو هدفها، بدل المسائل السياسية والاجتماعية، بمعنى البناء واللغة والجماليات الفنية وسيطرت على أفاقهم الذهنية، وتحركوا باتجاه السمو وتغيير صورة الشعر الآتية من الحركة النيمائية (نسبة إلى الشاعر الحديث نيما يوشح) أي نحو شعر يركز على الشكل وما تختزنه اللغة، وصولاً إلى تهديم الشكل والبنى.
في هذه المرحلة، أي سنوات ما قبل الثورة، بدأت ظواهر شعرية جديدة على شكل موجات فنية تحت عناوين مثل «الموجة الجديدة» بزيادة «أحمد رضا أحمدي»، الذي نشر كتاب (الصحيفة الزجاجية)، و«الشعر الآخر» و«شعر الحجم» بريادة «يد الله رويائي» شاعر الستينات المميز. وكذلك ساهم في هذه الحركة الشعراء الذين زاروا الغرب واطلعوا على التيارات الفنية في أوروبا أمثال بيزن (بيجن) إلهي فيروز ناجي، مهرداد أحمدي، سيروس أتاباي، والذين لم يزوروا الغرب امثال برويز إسلام بور، بهرام أردبيلي، هوشنك (هوشنغ) جارلنكي، وغيرهم.
وتيار «الشعر الأصيل» بريادتي الشخصية (كاتب هذه السطور) من خلال مجلة «تماشا» (سروش الحالية)، بمشاركة شعراء مثل هرمز علي بور، كريم كريم بور، سيروس رادمنش، فيروزه ميزاني، مهدي مصلحي، حسن عالي زاده وغيرهم، واستطاعوا أثبات وجودهم. في هذه الأثناء، كانت الساحة الأدبية والشعرية تضم شخصين بارزين، هما هوشنك باديه نشين وهوشنك جارلنكي، ويمكن القول عنهما أنهما يمثلان رامبو إيران. غير أن الفساد الاجتماعي وتبعات حال الاضطراب في المرحلة الملكية والمصاعب المختلفة جعلتهما بمثابة درتين غارقتين في طين اليأس. وأوصلت «هوشنك جارلنكي» إلى حد الانزواء في منزله.
إن القصد من هذه الإشارة وتعميمها هو القول أن الشعر بعد الثورة، أراد في الظاهر، الدخول إلى الساحة بأشكال مختلفة Forms جانب التيارات الأدبية المذهبية الحديثة، فسيطر لذلك على ساحات الصحافة والنشر والمنابر، وهو لم يكن وليد اختلال مفاجئ في النظام الحاكم في شكل كامل، بل كانت له جذور في الحركات السابقة (الماضية)، وطبعاً التحولات التي طرأت على المعتقدات والاعتقادات قبل الثورة، سهلت للشعراء إمكانية أكبر للالتفات إلى آفاق جديدة في جماليات المعرفة الشعرية والفنية، واستطاعوا إيصال ثمارها إلى بداية «النضوج» هذه الأيام.
وإلى جانب الشعر غير الديني. ظهر نوع من الشعر بأشكال مختلفة، وبأفكار ثورية ونصف ثورية، إذ راج بعد الثورة نوع من الغزل بشروط لغوية ومضامين جديدة وفي شكل جذاب، على رغم ذلك، فإن هذا الأسلوب الغزلي كانت له جذور قديمة، تعود إلى مرحلة؛ حسين منزوي وسيمين بهبهاني كمؤسسين وهما من شعراء ما قبل الثورة المعروفين. وهذا الأسلوب الغزلي استعمل اللغة المعاصرة للشعر الحديث بأسلوب فني، حملت مضامين وصوراً جديدة جداً، تجلت في إطار الغزل. وكان أفضلها ما أنتجه محمد علي بهمن وسهيل محمودي وعبد الرضا كاكاوند وقيصر أمين بور، وعلي رضا قزوه. لكنهم أضافوا إليه نكهة مذهبية وإسقاطات دينية والتصقوا بالثورة وسيطروا على منابرها.
ولا يمكن الفصل بين شعراء الغزل الذين سبق الحديث عنهم وبين هذه الطبقة من الشعراء التي يتمتع الكثير من أفرادها بقريحة وذوق شعري، فهم يكتبون غزلاً بنكهة مذهبية، ويستعملون، تقريباً. الأوزان النيمائية والشعر الحر.
والأمثلة الأبرز لهذه الطبقة هم قيصر أمين بور وعلي رضا قزوه وسهيل محمودي، ويمكن القول أن قيصر أمين بور يشكل المثال الأبرز للشعراء المذهبيين الجدد، وهو في الوقت نفسه، وبعيداً من التعصب، على علاقة مع شعراء معاصرين من التيار (المغاير) الآخر.
الملاحظة المهمة التي يجب ذكرها بخصوص شعر هذه المجموعة، هي أنهم وقعوا تحت تأثير الشاعر سهراب (سبهري)، شاعر الستينات المميز، والسبب الأساس في اهتمام هذا الجيل بشعر سبهري هو أنه الشاعر الوحيد من شعراء الخمسينات والستينات المميزين الذي يحظى برضا وقبول المؤسسات الدينية والمسؤولين فهو لا يعد من الشعراء المغايرين، لأنه منذ انطلاقته الشعرية، كانت له من ناحية المضمون، توجهات عرفانية ـ بوذية، ولم يهتم بالمسائل السياسية والاجتماعية في زمنه.
وهذا لا يسلب التأثيرات المضيئة التي تركها سهراب سبهري، فهو ـ إلى جانب رسومه الجميلة (أكثرها مائي) ـ نظم أشعاراً تنتمي للأجواء نفسها، جعلته تقريباً من الشعراء الأكثر قراءة بين الشعراء المعاصرين (توفي أواخر السبعينات)، والعامل الأهم لاهتمام الشعراء الشباب بشعره، كان أسلوبه البسيط في التصوير والذي يخلق حوله فضاءات روحانية وشرقية. ولم يقتصر هذا الأثر والتأثير فقط على الشعراء المدنيين الجدد وغزلياتهم، بل تجاوزه إلى غيرهم.
3 ـ شعراء الحداثة، وينتمون إلى جيل الخمسينات، لكنهم بقوا على تماس مع التحولات التي طرأت على الشعر الحديث في إيران والعالم. متجاوزين بذلك سنهم الشعري. وهم اليوم يحسبون في عداد شعراء ما بعد الحداثة من دون الإفراط أو التفريط في حداثتهم. بناؤهم الشعري لم يتأثر باختلالات ما بعد الحداثة Postmodernism، هؤلاء يد الله رويائي (مبتكر شعر الحجم) ومنوجهر أتشي وعلي باباجايي ومحمد علي سيانلو ويمكن اعتبار رضا براهين وفرخ تميمي من هذه المجموعة مع قليل من التسامح وبشروط استثنائية، إضافة إلى آخرين.
وضمن هذا التيار يأتي الشعراء الغنائيون، أصحاب الأسلوب الشعري الذي يتمتع بالبساطة والنقاوة ويعيش على أرضية التجديد الدائم مبتعداً عن انحرافات الأوائل، وعن تخريب اللغة وما بعد الحداثة Postmodernism وهذا الشعر، على رغم أن لديه خصوصية فلسفية يكتب بلغة بسيطة أبرز وجوهه السيدة نازنين نظام شهيدي وهرمز علي بور وفيروزه ميزائي وحسن علي خاني وسيد علي صالحي وسيروس رادمنش ومهدي مصلحي ومحمود معتقدي وصفورا نيري وحافظ موسوي وعلي عبد اللهي وشاكري يكتا. والخصوصية الشعرية لهذه المجموعة هي الهروب من التعميم والشعارات النهائية والالتفات إلى الوقائع والحوادث اليومية في فضاء من الخيال والتفكير والرؤية.
أما تيار ما بعد الحداثة. فالواقع أن أفراد هذا التيار من الشعراء الشباب وصلوا إلى الشهرة في عقد التسعينات عبر التحطيم والغوغائي للشكل، من دون أن يكون لديهم اطلاع على الأسس والكتابات النظرية لذلك، (فردينان دي سوسور وليوتار، ورولان بارت وميشيل فوكو)، وأيضاً، من دون أن يستوعبوا بعمق الحداثة، أو حتى ما بعد الحداثة الأوروبية. واكتفوا بما وصلهم عبر الصحف، خصوصاً ما كتبه رضا براهين والتي كانت أقرب إلى الترجمات التي قام بها (بابك أحمدي) (وهي ترجمات تعتبر ضرورية في مجال التعليم فضلاً عن «دروس تعليم الشعر» لبراهين.
إن إدراك هذه الفئة لأبعاد الأدب الإيراني ناقص وغير تام وهم لم يستوعبوا إلى الآن، أن «التفسيرات النظرية» تستنبط من الشعر وليس العكس. وحيث أبرز وجوه هذه الفئة، إضافة إلى رضا براهين الذي يمتاز بجانب نظري، مهرداد فلاح وعلي عبد الرضائي وبكاه أحمدي وكراناز موسوي ورزا جمالي.
منونشهر آتشي
نماذج معرّبة من الشعر
الفارسي بعد الثورة
محمد علي سبافلو:
الفدائيون العرب (مشعل طويل إلى الليل)
الفدائيون العرب، يحملون المشعل الطويل إلى الليل،
الفدائيون العرب، ينظرون إلى القمر وضوئه عن الشط الأسود
تحت البدر التام، في الشهر العام
ـ في الوقت الذي انتحى فيه السحر
يصلي صلاة القيامة ـ من على شاطئ البحر الميت
يفكرون بالجاذبية النحاسية للطلقة.
الفدائيون العرب، ثروة الرجولة المنسية،
ثروتهم الوحيدة ـ ذكرى صدور المجاهدين
الممنوحة للدم والنار والسجن، للحجر والشوك والمطر.
لأنهم مهندسو «الصحراء» الرجال.
الفدائيون العرب، يأتون مع مدار الصبح.
صفورا نيري: من الظلام
إلى انتهائي، مشيت
إلى انتهائي،
طرقات ضيقة
طرقات صاخبة،
أوصلتني من كل جهة لحجم مرتعش
الذي كان جميعي
وكم محزن ….
أهديت نفسي لليل،
آنذاك، مضطرباً
تطلع من الجبال العالية،
والأوراق الرطبة الملوثة بالنعاس.
من هيبة العشق المريض ينكسر.
أهديت نفسي لليل
في تلك اللحظة، التي كان يسرق فيها
العصافير المصابة بالبرد على طريق أعشاشها
وصيحات الاستغاثة
في آذانه ـ لكنه أصم ـ
تتجمع
ودائماً، كان السكوت مسيطراً.
جوزيف بهنامي: البوابات
من البوابات السبع الدامية، سبعة رجال
يعبرون،
لتترك المطر يغسل جميع البوابات
وتاريخ أسرتي
يستخلص في قصيدة
أجلس وأعدد ظلال أعقابي
حتى يعود الرجل المتخفي في راحة يدي
ليغسل ثانية المدينة الملونة
أنا موجود
إني أحس بطيران الطرق نحو بوابات المدينة
عندما تعبر البوابات السبع، تذكر
أن نبعاً واحداً، نبعاً واحداً
يصل إلى النهر.
الآن
أخي الصغير
في فضاء المدينة الكبيرة
يصنع بوابة صغيرة.
رضا براهني: اعتراف
أيها الصديق
يهدون الهواء
الغبار الفضي للعظام
المهترئة في حرب الفلق.
وردة سوداء للرمال
بانقلاب المعايير
بتقاليد الإنساني القديمة
بالانقياد غير الشريف
يفكر
بالطريقة الأسلم للذل
بالحق إلى جانب الجلاد
بحدود «البكاء»، الذي هو «حائط» لدموع التمساح …..
الأخوة المجاهدون
غرباء عن مدينة الدولار ـ هوية العصر ـ
الفدائيون العرب، نعم
في رمال الصحاري ….
في الشاطئ الأسود …. في مهالك الطرق….
يسقطون إلى التراب في حضن الطهارة.
ليحرسوا فهم الحقيقة
تلك اليدان الصغيرتان للعاشق
ضعها على هدب شخص آخر
لأنهم
يصلون كمثل غزاة الآن
تلك المخمسة الجميلة
في أصابعك الأصيلة والجميلة
أجعلها تعويذة على كاهل شخص آخر
لأنه
قد حان وقت الاعتراف
وأرواح الشوم للمرايا
قد استدعتني
وبدأت الاعتراف بالوحشة من الليل
في اليوم والأحداث
حيث أناس أرض الوحشة
كانوا مثل الحمام المهاجر
وبيتي
كان منفى لقلبي
ونفسي
تلاشت فوق الصفحات
أحياناً، كمثل فتات الخبز
على سفرة الحمام الخاوية
أشعر بالكثرة، أما
كمثل زجاجة مكسورة، / متناثرة / فوق شرايين الصحاري/
هل يوجد أحد أكثر مني انكساراً.
يد الله رؤيايي: يد
يدّ بين المرآة وبيني
انزلقت.
صار الشعر قبظة (يد) وسط المرآة.
الآن، وسط الخلوة والظلمة
اكتب تفسير الأيدي على الطرقات
فتمتلئ الطريق سخاء.
من ناحيتي حيث الخلوة مرآة والظلمة
يمتلئ عندي الطريق في العبور
تفسير يد العابر يصبح مرآة.
رضا أحمدي: البدء في المواراة
المدينة تصرخ
نعم
حمامة وحيدة
تصل إلى طرف البرج العتيق
تقول:
لا.
الربيع، من وحدته، لديه لغة مختلفة
يتحدث
عن ساعة الورد
موت الأيام والطيالس
كيف لنا أن نوصل هذه الأغنية إلى المدينة
لأن الأغنية
صوت تموت
خلف أبواب الخيال
أدخل أنت الدينة بالحلم
حتى تختفي الأغنية في عينيك.
نحن آتون من أمس الغرف الاستوائية الحارة
موعدنا
في عاصمة أغاني الصبح.
سهراب سيهري: كلمة الحياة
خلف أرض الصنوبر، ثلج
ثلج، مجموعة غربان
طريق، يعني الغربة.
ريح، غناء، مسافر، وقليل من النعاس.
غصن نيلوفر، ووصول، وجنينة.
أنا، قلب مشتاق، وهذه الزجاجة المبللة
أكتب، وفضا.
أكتب وحائطين، وعدة عصافير
شخص مشتاق
شخص ينسج
شخص يعج
شخص يقرأ
الحياة تعني: قفزة قمري
ما الذي أشاقگ
المفرحات ليست قليلة، هذه الشمس مثلاً.
طفل بعد الغد
حمامة ذاك الأسبوع
مات شخص البارحة
وحتى الآن، خبر القمح جيد
حتى الآن، الماء يقطر في الأسفل، الخيول تشرب
القطرات في جريانها
الثلج على كتف السكوت
والزمن على عمود فقرات وردة الياسمين.
هوشنغ جالنغ: دعاة الصبح
أنزل ذول الفقار
على حلم هذا الحرير
لم يبق من «أوفيليا»
سوى الفم المنشد.
في تلك اللحظة، حيث اليد مرتعشة على صدرك
هذا أنا الذي عبر بالمركبة الجامحة في الضباب
الغناء القروي هو الذي لوّن وردة الحصان
لحظة كانت أرادتك المدماة
تقذف الحجر من راحتي.
تعال بقلب جديد
أيها النادم
أيها النادم
لأريك جروحي
أنا الذي، الآن
من جروح قومك الغزاة
ألبس ثوباً قاتماً
يا أيها الذي يضع يداً مرتعشة على الصدر
أنظر
هذا أنا، في الليل، أركب بقرة صفراء
وأدخل إلى الساحة.
إيران الحديثة
الحدود: أما حدود إيران في الوقت الحاضر فهي من الشمال بلاد القوقاز وبحر الخزر والتركستان الروسية، ومن الشرق أفغانستان وباكستان، ومن الجنوب بحر عمان ومضيق هرموز وخليج فارس، ومن الغرب العراق وتركيا. وجيران إيران هي روسيا، أفغانستان، والعراق وتركيا في الغرب.
المساحة: تبلغ مساحة إيران (1,648,195) كيلومتر مربع.
السكان: يكاد يبلغ عدد نفوس إيران السبعين مليوناً، منهم من غير الشيعة على المذهب الشافعي، وبعضهم على المذهب الحنفي، نحو أربعة ملايين.
ومن غير المسلمين فيها الزرادشتيون وهم يقيمون في طهران ويزد وكرمان وشيراز. وفيها المسيحيون وهم ينتمون إلى الأرمن والآشوريين، والبهائيون يدعون أن عددهم نحو نصف مليون، ولكن الحقيقة أن عددهم دون ذلك وفي إحصاء سنة 1966م تبين أنهم لا يتجاوزون السبعين ألفاً.
واليهود بعد قيام إسرائيل وهجرتهم إليها أصبح عددهم نحو خمسة وثمانين ألفاً بعد أن هاجر منهم إلى إسرائيل نحو خمسة وستين ألفاً وهم ينتشرون في كل إيران ما عدا آذربيجان. وأكثر وجودهم في طهران حيث يقدر عددهم فيها بنحو خمسين ألفاً وأكثرية الباقين في شيراز وأصفهان وعبادان.
التربة والطبيعة والجو: أما تربة إيران وطبيعة أرضها فهي جبلية نوعاً ما في نواحيها الشمالية والغربية والجنوبية، وصحراوية غالباً في الأقسام الوسطى والنواحي الشرقية منها. والجو في إيران مفضل نسبياً وكثير الشبه بأقاليم البحر المتوسط ولكن يشتد البرد في الشمال في الأقاليم الشمالية والغربية وكثيراً ما تنعقد الثلوج في المناطق العالية، وكذلك يطول ويشتد الحر على سواحل الخليج. ويبلغ معدل ارتفاع هضبة إيران نحو ألف وتسعمائة قدم.
الزراعة: يشتغل بالزراعة في إيران ثمانية من كل عشرة إما بها مباشرة أو بالمهن المتصلة بها. ويوجد فيها 33,000,000 هكتار من الأراضي الزراعية تنمو فيها جميع المحاصيل التي يعتمد عليها في التغذية تقريباً. والمحاصل الرئيسية هي القمح والبن والرز والشمندر والعنب والبندق والجوز واللوز والفستق والبطيخ والجوت والموالح والخضراوات والفواكه.
والتمر في إيران محصول هام تنتج البلاد منه كميات كبيرة جيدة.
الصحاري: وتشغل الصحاري مساحة كبيرة من إيران. ومن هذه الصحاري (لوت) و(صحراء كوير). وصحراء التركمان هي مثل من صحاري إيران وهي واد متسع في الشمال الشرقي من إيران كان يسكنه قبلاً التركمان الرحل وكانوا إلى قيام الثورة الروسية يرعون الماشية على جانبي الحدود إلى مسافة قريبة جداً من عشق أباد) ولذلك بقي جزء من هذه القبائل في الأراضي الروسية. وقد عمل رضا شاه الكبير على استقرار التركمان في السهل الفسيح الذي يحدد اسمهم. ومع أن أكثر بيوت القبائل التركمانية استقرت فإنها ما تزال تحتفظ بتقاليدها وهم يلبسون الملابس الخاصة التي تميزهم عن سواهم وتنظم عاداتهم القبلية وحياتهم اليومية. والتركمان مسلمون سنيون يتكلمون لهجة خاصة من التركية ولهم شعراؤهم ومطربوهم الذين تلقى اشعارهم وأغانيهم الشعبية رواجاً كبيراً يعم السهل كله.
من تاريخ إيران الحديث
أول ما انسل الناس إلى إيران في هذا العصر الحديث لاستخراج زيت البترول كان من بدء القرن العشرين حين حصل أحد رجال المال الإنجليز من الحكومة الإيرانية على امتياز استخراجه لمدة ستين عاماً من مايو سنة 1901م، وظل الرجل سبع سنين يحفر وينبش وينقب عن السائل النفيس ولكن بدون جدوى. وأخيراً في سنة 1908م عندما صدرت الأوامر فعلاً بوقف العمل وصل رجاله إلى نبع لا ينضب معينة عند «مسجد سليمان» في الجنوب الغربي من إيران. فتشجع الرجل وعاوده نشاطه، وأخذت حقول البترول تتسع قليلاً قليلاً، والآبار تكثر شيئاً بعد شيء والإنتاج يتضاعف رويداً رويداً، حتى بلغ مبلغاً كبيراً، وتكونت لاستنباطه الشركة الإنجليزية الفارسية.
ولما رأت البحرية الإنجليزية أن مصلحة الأسطول تقضي باستعمال البترول في تسيير سفنه بدلاً من الفحم، كانت موارد الامبراطورية البريطانية وعملائها تقصر عن إمداد الأسطول العظيم بكل حاجته من الوقود الأبيض، عملت الحكومة الإنجليزية على ضمان مورد البترول من إيران فاشترت في سنة 1914م معظم أسهم تلك الشركة، وبذلك تحول الامتياز من الفرد إلى الشركة ومنها إلى الحكومة، وأصبحت إنجلترا منذ ذلك الوقت تعتمد على إيران في أسطولها بما يناهز مائة بالمائة من البترول الذي يلزمه.
وقد تكون مثل هذه الكشوف المعدنية في البلاد التي تعتز بحكوماتها وشعوبها مصدر ثروة وقوة لا يستهان بهما، على أنها في بلاد كإيران تعاقب عليها ملوك وحكومات ضعيفة حقباً طويلة من الزمن، لا تلبث هذه الكشوف أن تكون للأقوياء كالقصاع للجياع يتهافتون عليها ويتسابقون إلى اقتناصها ويتشابكون، ولكنهم في النهاية يأكلون إلى حد التخمة، وصاحب القصعة جائع قائم على خدمتهم، لا يملك من أمره فتيلاً. وكذلك كان في إيران، فقد اقتضى كشف الزيت أن تقام معامل لتصفيته وتكريره، وأن توضع أنابيب وسكك حديدية وتمهد طرق وتنشأ مركبات لنقله، وأن تكون للشركة أو بالأحرى للحكومة صاحبة الامتياز مراكز للرقابة والحراسة، لا في أماكن الآبار وحدها بل على طول الطرق والسواحل التي يمر فيها موكب البترول إلى الخليج الفارسي، ومن ثم نشأت للحكومة الإنكليزية هناك مصالح حيوية جعلتها تمد أخطبوطها الاستعماري إلى جزره وسواحله وموانئه لتجعل منه بحيرة إنجليزية.
وكانت روسيا وحدها في أول الأمر ترنو ببصرها نحو إيران جارتها الهزيلة المتخاذلة تريد أن تقص من أطرافها ما يتاخم أمبراطوريتها الواسعة التي أنشاتها في وسط آسيا وغربيها في أثناء القرن التاسع عشر. ولكن هزيمتها المنكرة أمام اليابان سنة 1905م، جعلتها تتراجع مؤقتاً وتعقد مع إنكلترا اتفاق سنة 1907، وبمقتضاه بدأ الجانبان بأن أكدا احترامهما لاستقلال إيران وسلامة كيانها، ثم ثنيا بتقسيمها إلى منطقتي نفوذ: الشمالية منها لروسية والجنوبية لإنجلترا، وترك ما بين المنطقتين أرضاً حراماً محايدة تأمن بها إنكلترا خطر التصادم الروسي. وقد فسر كلا الطرفين أن احترام الاستقلال لا يتنافى البتة مع السيطرة وتثبيت النفوذ الاقتصادي والسياسي بجميع الوسائل ما دامت جيوش الدولتين لا تحتل المنطقتين.
ومع أن إيران كانت في ذلك الوقت قد استيقظت من سباتها وقامت بحركة دستورية أرغمت فيها الشاه على إعلان الدستور ودعوة المجلس الوطني إلى الاجتماع لإصلاح المفاسد التي شملت جميع مرافق البلاد، فإن عقد المعاهدة الروسية الإنجليزية، وما تلاه من تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ تجارية أو سياسية، قد خيب أمل الإيرانيين وجعلهم يمقتون الروس والإنجليز جميعاً، ويتربصون بهم الدوائر حتى إذا بدأ المصلحون يضطلعون بأعمال الحكومة ويباشرون إصلاح الحالة، أهملوا رجال الحكومتين ولجؤوا إلى الحكومات المحايدة يستعينون برجالها في وضع أسس الإصلاح، فجعلت كل حكومة من هذه الحكومات تقتطع لنفسها ناحية من نواحي الإصلاح، فكان من نصيب الولايت المتحدة إصلاح مالية البلاد، وجاء البلجيك ينظمون الجمارك، وتولى رجال السويد إنشاء هيئة قوية للشرطة وحراسة الأمن، واستخدم الطليان في تدريب الجيش، وإنشاء الطرق، ولما كان الأميركيون في مقدمة هذه البعثات أهمية إذ كانوا يشرفون على مالية البلاد أوجست روسيا خيفة من وراء الإصلاحات، فأرسلت إنذاراً نهائياً إلى حكومة إيران تطالبها بطرد بعثة الولايات المتحدة، وإلا زحفت بجيشها نحو طهران. فعز على الوطنيين الإيرانيين أن يذعنوا لإنذار روسيا، ووقفوا في وجهها. ولو أن بريطانيا آزرت جانب الوطنيين ونصرت قضية الأحرار ضد استبداد الحكومة القيصرية، لازدهرت حركة الإصلاح في البلاد وباءت روسيا بالإخفاق والخذلان. ولكن روسيا وبريطانيا كانتا متحالفتين فلم تصنع بريطانيا شيئاً، وزحفت روسيا فاحتلت جيوشها قزوين ومنها هددت طهران. وعندئذ سقطت حكومة الثوار وتولت الأمر حكومة أخرى ما لبثت أن حلت المجلس الوطني، وأبعدت المستشار الأميركي وأعوانه، وبذلك صالحت الروس، وعادت الحال في إيران سيرتها الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.
ولما انتهت الحرب كانت الثورة الروسية قد اندلعت، واستنكر الثوار المعاهدات التي عقدتها الحكومة القيصرية مع الحلفاء فأبطل العلماء ضمناً المعاهدة الإنجليزية الروسية بشأن إيران.
وكانت ألمانيا قد خرجت أيضاً من الميدان مدحورة، فأصبحت إنكلترا وحدها أمام المسألة الإيرانية ولا منافس لها، فخيل إليها أنها تستطيع تسوية علاقاتها معها على الوجه الذي يرضي مطامعها، فعقدت معها في سنة 1919م معاهدة جديدة أكدت فيها النغمة التقليدية التي اعتادت الدول أن تفتتح بها معاهداتها مع الدول الضعيفة، كتركيا في ذلك الوقت وكإيران، فاستهلتها باحترام استقلال إيران، وحفظ كيانها، ثم نصت على شروط جعلت من إيران في حقيقة الأمر دولة تحت حماية بريطانيا في الوقت الذي كانوا فيه قد قيدوا اسم فارس في سجلات عصبة الأمم كدولة مؤسسة.
وفات بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى أن روحاً جديدة قد بدأت تسري في إيران على أثر إعلان مبادئ ولسون وقيام الثورة البلشيفية على حدودها، وإن هذه الروح تتطلب سياسة جديدة تخالف السياسة الاستعمارية العتيقة التي اتبعتها بعد الحرب لتثبيت أقدامها بالقروض المالية وبتعيين مستشاريها وموظفيها وضباطها في الجيش والمالية وسائر مصالح الدولة. وكما باءت سياسة إنجلترا بالخسران في مصر والهند وإيرلندة بعد الحرب العالمية الأولى كذلك أصابها الإخفاق في إيران. فما هي إلا فترة قصيرة حتى قامت وزارة جديدة في إيران استندت إلى حكومة الثوار في روسيا فضربت بالمعاهدة الإنجليزية عرض الحائط، وبدات صفحة جديدة في حياة البلاد.
وكان البلاشفة في أول أمرهم حراصاً على كسب عطف جيرانهم ليعوضوا بصداقاتهم ما فقدوه من ناحية أوروبا بعد أن قطع الحلفاء كل صلة بهم. ولذلك لم يكن غريباً أن تسخو روسيا مع الإيرانيين فتنزل لهم بمقتضى معاهدة سنة 1921م عن جميع ديونها وعن امتيازاتها وعما كان لها في منطقة نفوذها من سكك حديدية ومهمات، كما نزلت طبعاً عن معاهدة سنة 1907م مؤيدة عزمها على عدم التدخل في شؤون إيران أو المساس بحقوقها بأي شكل كان. وكانت نتيجة ذلك أن تشجع الإيرانيون فقاموا ضد الإنجليز وأبعدوا ضباطهم ومستشاريهم وموظفيهم معلنين فسخ معاهدة سنة 1919م وأصبحت روسيا بعد ذلك الحليفة المفضلة لدى الإيرانيين.
وفي العام 1921م حدث أن قام ضابط في كتيبة القوزاق الإيرانية بحركة أوصلته إلى وزارة الحربية، ثم في سنة 1923 إلى رئاسة الوزراء، ثم في سنة 1925م إلى العرش. ذاك هو رضا خان.
فبدأ في إيران عهد من التنظيم والإصلاح الداخلي في شتى مرافق الدولة. ولكن رافق ذلك حكم استبدادي مطلق كتم أنفاس الشعب وضيق على الحريات واستباح الحرمات.
أما في السياسة الخارجية فكان من الطبيعي بعد ما قاسته إيران أخيراً على أيدي بريطانيا أن يطرد نمو العلاقات بينها وبين اتحاد السوفيات، فوفد إلى إيران من روسيا عدد كبير من المهندسين والخبراء والصناع والفنيين، وأخذت العلاقات التجارية تزداد وتقوى بين البلدين، حتى بلغ نصيب روسيا 40 بالمائة من قيمة مجموع التجارة الخارجية لإيران.
وقد تأكدت الصلات السياسية بتجديد المعاهدة في سنة 1926م. وكان من أهم ما نصت عليه تعهد روسيا لإيران برد الاعتداء عليها من ناحية آذربيجان وأرمينية، وفي مقابل ذلك يصرح لروسيا بدخول قواتها البلاد إذا هاجمتها قوات من الجنوب وعجزت إيران عن ردها وقد توثقت الصلات بين البلدين حتى أن ممثل روسيا في بلاط الشاه كان برتبة سفير، وهو امتياز لم يظفر به في إيران سوى تركيا وأفغانستان ومصر.
أما بريطانيا فقد توترت العلاقات بينها وبين إيران منذ البدء، وظهر الخلاف جلياً في أكثر من مسألة.
وكانت هناك الشركة الإنجليزية الإيرانية لاستخراج البترول، وكانت شروط العقد مجحفة بإيران، فانتهزت إيران فرصة هبوط إيرادات الشركة في سنة 1932م على أثر الأزمة المالية العالمية، وأصدرت قراراً بإلغاء شروط الشركة، فقامت إنجلترا وقعدت وحشدت قطعاً من الأسطول في شكل مظاهرة بحرية في الخليج الفارسي لإرهاب إيران ولكنها ثبتت في موقفها فاضطرت الحكومة الإنجليزية إلى عرض موضوع النزاع على عصبة الأمم، فاحتجت إيران بأن موضوع النزاع لا يخص الحكومة الإنجليزية ولا مجلس العصبة، إذ إن القضية محصورة بين الحكومة وإحدى الشركات. وأخيراً سوي الموضوع ودياً بعقد اتفاق جديد بشروط سخية لإيران، إذ اشترط الا يقل نصيبها عن 1,050,000 جنيه في السنة، ودفعت الشركة مليون جنيه تسديداً لما عليها. وقد زاد إنتاج الشركة بعد ذلك، ووصل نصيب الحكومة الإيرانية إلى أكثر من ثلاثة ملايين من الجنيهات، وبلغ الإنتاج قبل الحرب العالمية الثانية 10,000,000 طن في العام.
وعلى رغم هذ الخلافات بقيت العلاقات بين إيران وبريطانيا مشوبة بروح العطف والتقدير من الجانبين.
وقد حرصت إيران على أن تقوم علاقاتها مع الدول الشرقية على أقوم الدعائم. فقد سوت خلافاتها مع الأفغان، وأخذت صلاتها مع العراق تتحسن وخاصة بعد أن انتهى الانتداب البريطاني عنها وقبلت العراق عضواً في عصبة الأمم سنة 1932م وقد تأيدت الصداقة بزيارة الملك فيصل لطهران في ذلك العام نفسه. ولما استعصى حل مشكلة «شط العرب» الذي يفصل بين المملكتين عرض الموضوع على مجلس العصبة، وتم الاتفاق في سنة 1937م على أن يكون الشط حراً للسفن التجارية والحربية للدولتين وبقيت «عبادان» ـ وهي مركز تكرير البترول وشحنه تابعة لإيران، ورخص لكل من الدولتين بأن تصرح لدولة ثالثة بدخول أسطولها بشرط إخطار الدولة الأخرى.
أما صلات إيران بتركيا فكانت على الدوام مشبعة بروح الولاء والصداقة وتعاقدت الحكومتان في سنة 1934م، وفي نفس تلك السنة حقق رضا شاه أمنية طالما تاقت نفسه إليها بزيارة الرئيس أتاتورك في أنقرة. وقد توجهت جهود الحكومتين في توثيق الصلات بين دول الشرق الأوسط في سنة 1937م بعقد ميثاق «سعد أباد» قرب طهران بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان. وفيه تأكيد لتبادل الصداقة بين المتعاقدين، ووعد بعدم الاعتداء وبالتشاور فيما بينهم في كل ما يهم علاقاتهم الخارجية.
وأخيراً تأتي ألمانيا، وقد كان لظهور هتلر ومبادئه صدى بالغ الأثر في إيران، فقد كانت حكومة الشاه رضا عسكرية في أساسها ومرماها. والإيرانيون يعتقدون أنهم سلالة الجنس الآري الذي نادى به هتلر وفضله على جميع الأجناس. وكان هذا مما دعا الشاه في سنة 1934م أن يقرر تسمية بلاده باسمها القديم «إيران» وأن يخطر الدولة بذلك. من هذه الأسباب لم تلبث العلاقات بين البلدين أن توثقت، فأرسلت ألمانيا لإيران خبراءها الاقتصاديين والماليين والمهندسين، وأنشأت لإيران مصانع للأسلحة والذخيرة والحديد وبناء السفن، وزودت الجامعة في طهران بعدد من الأساتذة والمستشرقين، كما استقبلت في ألمانيا عدداً كبيراً من البعثات العلمية الإيرانية. وأخذت ألمانيا من الحكومة امتيازاً لخطها الجوي إلى طوكيو، وملأت السوق بالصحف والمجلات وكتب الدعاية وأشرطة السينما الألمانية.
وفي سنة 1937م كانت إيران قد بلغت من المكانة وخطورة الشأن بين الدول مبلغاً دعا إلى اختيارها عضواً غير دائم في مجلس عصبة الأمم، وقد ترأس ممثلها المجلس في يناير سنة 1938م.
وقد أعلنت الحرب العالمية الثانية وإيران تنعم لأول مرة في تاريخها الجديد بحكومة وطنية قوية، وكانت صلاتها على خير ما يرام مع إخوانها من دول الشرق ومع دول الغرب أيضاً، اللهم إلا فرنسا، وإلا بريطانيا وقد راعها كثرة عدد الألمان في إيران وما أرسلته منذ إعلان الحرب من مدنيين وسياح، استعداداً للعمل ضد الحلفاء عندما تحين الفرصة. ومع ذلك فإن إيران لم تتردد في إعلان حيدتها عندما بدأت الحرب. ولما هاجمت ألمانيا روسيا في صيف عام 1941م عادت إيران فأكدت حيدتها مرة ثانية. ولكن ألمانيا بدأت تستغل انتصاراتها وتحض إيران على انتهاز الفرصة للتخلص من الدولتين الطامعتين في أراضيها وهما بريطانيا وروسيا، فتشبثت إيران بالحيدة الدقيقة. وليس أدل على ذلك من أن إيران لم تتحرك عندما قامت الثورة العسكرية في العراق سنة 1941م ضد الحلفاء.
غير أن روسيا كانت تعاني الأمرين من جراء إغلاق البحر الأبيض المتوسط والمضائق في وجهها، ولم يكن أمام حلفائها لنجدتها سوى طريق البحر الشمالي المتجمد، وهو طريق طويل محفوف بالأخطار، ثم طريق الهند وإيران وهو طريق ممهد ولكن لا سبيل إليه إلا باختراق أرض إيران وموافقة الشاه، لذلك اشتد الضغط على إيران وجعلت روسيا وهي تقاسي أشد المحن أمام الهجوم الألماني تحض بريطانيا على ضرورة احتلال إيران قبل فوات الفرصة. وقد بدؤوا بأن طلبوا إلى الشاه طرد الألمان النازحين إلى إيران، وعز على الشاه أن تضطره الدولة إلى خرق الحيدة التي أعلنها وإغضاب ألمانيا، فاجاب أنه عازم على إبعاد الأجانب جميعاً من إيران. وفي هذا إشارة إلى إخراج الإنجليز الذين يعملون في الشركة الإنجليزية الإيرانية للبترول، فلم يرق هذا الرد في نظر الحلفاء، وقرروا الزحف على إيران. وفي أغسطس سنة 1941م زحف الروس من الشمال واحتلوا آذربيجان ومقاطعات بحر قزوين، وزحفت بريطانيا من الجنوبية فاحتلت الأقاليم الجنوبية، ولم يقو الجيش الإيراني على المقاومة أكثر من ثلاثة أيام كانت فيها المقاومة رمزية فسقطت الحكومة.
وعلى ذلك تألفت حكومة جديدة موالية للحلفاء، ونفي الشاه إلى جزيرة «موريشص» شرقي جزيرة مدغشقر، حيث مات في المنفى ودفن في مصر ثم نقلت رفاته إلى إيران.
وتولى بعده ابنه محمد رضا، وتعرض حكمه لعدة هزات لا سيما في عهد الدكتور محمد مصدق (1951 ـ 1953م) الذي أمم النفط، وقامت تحركات يومذاك أدت إلى مغادرة الشاه بلاده إلى روما، ولكنه لم يلبث أن عاد بعد الانقلاب العسكري الذي قاده فضل الله زاهدي.
واستقر حكمه فيما عدا بعض الأحداث التي لم تؤثر في استقرار الحكم حتى كان العام 1978م وفيه قامت الانتفاضات الشعبية في كل مكان في إيران متلقية التوجيهات من المرجع الديني الإمام (الخميني) الذي كان يعيش منفياً في النجف الأشرف بعد أن كان قد قاد في قم انتفاضة سنة 1963م التي أدت إلى اعتقاله ثم نفيه إلى تركيا ثم إلى النجف في العراق.
ولما اشتدت الاضطرابات اضطر الإمام الخميني إلى ترك العراق لأن الحكومة العراقية راعت اتفاقها مع الشاه سنة 1975م بعد تخليه عن مناصرة ثورة الأكراد العراقيين فآثر الإمام الخميني الهجرة إلى فرنسا وأقام قريباً من باريس يوجه منها التحركات الثورية في إيران حتى انتهى الأمر برحيل الشاه بعد تأليف حكومة انتقالية برئاسة شاهبور بختيار الذي لم ينجح في إيقاف المد الثوري وعاد الإمام الخميني إلى طهران فاستقبلته الملايين وأصر على استقالة شاهبور بختيار.
ولما رفض هذا الاستقالة تحول الأمر إلى ثورة عارمة أدت إلى ضعضعة الجيش واستقالة بختيار، فاختار الإمام الخميني المهندس مهدي بازركان لرئاسة الوزارة، فألف هذا وزارة وأعلنت أنها ستجري استفتاءً شعبياً عاماً في 30 شهر آذار سنة 1979م للتصويت على اختيار جمهورية إسلامية.
وجرى الاستفتاء في موعده فكانت النتيجة أن 99,3 في المائة صوتوا للجمهورية الإسلامية، وبذلك أصبحت حقيقة واقعة.
ثم جرى انتخاب لجنة خبراء لتضع دستور الجمهورية وتقره باعتبارها جمعية تأسيسية، فوضعت دستوراً إسلامياً وافق عليه الشعب بأكثرية ساحقة([83]).
الفلسفة في إيران
في القرون الأربعة الأخيرة
ظهرت في دائرة النفوذ الإسلامي فكرة خاصة، أطلق على الجانب العقلي منها اسم «الفلسفة الإسلامية». واقتربت هذه الفلسفة من الدين الإسلامي بادئ ذي بدء على يد الكندي والسرخسي والفارابي والعامري النيسابوري وابن سينا وأمثالهم، كما امتزجت بالتصوف بجهود عين القضاة الهمذاني وابن تركة الخجندي وأمثالهما وامتدت هذه الفلسفة نفسها بصورة ظاهرة بمساعي المتنورين من المعتزلة والأشاعرة كالغزالي وغيره إلى الكلام الإسلامي وخدمته وظلت هكذا عدة قرون، ثم وصلت في إيران على يد نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي وابن أبي جمهور الأحسائي وغياث الدين منصور الدشتكي، وتشكلت بأشكال مختلفة، حتى وصل الدور إلى صدر الدين الشيرازي.
لقد عرض هذا الفيلسوف الجامع بطريقة خاصة في المائة الحادية عشرة، وقت أن كان للفلسفة والتصوف أعداء كثيرون، كثيراً من المسائل الفلسفية، واستدل عليها بطريق الشهود الصوفي والذوق الإشراقي والمنطق المشائي مع التمسك بالآيات والأخبار، وعلى حد قوله بالذات لقد طرق مناهج جديدة.
ولقد حظيت آراؤه الفلسفية بالاعتبار، وفاق أنظار أستاذه السيد الداماد وسلفه المير فندرسكي ومعاصره شمس الدين الكيلاني. أما تلاميذه العلماء أمثال الفيض الكاشاني والفياض اللاهيجي، فإنهم أيضاً وإن سلكوا طريقاً آخر، إلا أنهم لم يكن أمامهم إلا أن يثنوا عليه، كما أنهم لم يبزّوه قدراً.
أما الآخرون حتى ولو كان لهم رأي خاص، فإن أحداً لم يلتفت إليهم وقد ذهبوا أدراج النسيان. هذا ولو أنه ينبغي أن لا يقال إن الجميع قد اغترفوا من مناهله، بل ربما خلفه أو عاصره فلاسفة من أصحاب النظر، لا زلنا للآن لم نتعرف عليهم، كما لم نعرف غياث منصور الدشتكي ونظام الدين أحمد الدشتكي من أسلاف صدر الدين الشيرازي حق معرفتهما، ولا ندري إلى أي درجة تدخلت آثارهما في تكوين فلسفته، كما لم نعرف شمس الدين الكيلاني معرفة صحيحة بعد.
ومهما يكن، فإن أغلب من جاء في أعقابه من العلماء قد تأملوا فلسفته، وكان المدرسون يدرسون كتبه ويشرحونها ويكتبون الحواشي عليها ويشرحونها.
ولنعرض الآن أسماء كوكبة من علماء القرون الأربعة.
المائة الحادية عشرة
1 ـ رضي الدين اسكندر الآملي من العرفاء.
2 ـ أبو الحسن بن أحمد الأبيوردي الكاشاني، مؤلف (روض الجنان والمعارف) وهو منحصر في العلم الطبيعي.
3 ـ المولى رجب علي التبيزي المتوفى سنة 1080هـ مؤلف (إثبات الواجب) وهو بالفارسية، والقائل بالاشتراك اللفظي للوجود.
4 ـ علي قلي خان بن قرجغاي خان الخلخالي الأصفهاني (سبهسالار) ([84]) الشاه عباس، وشقيق منوجهر خان حاكم مدينة طوس، ولد سنة 1020هـ وكان سنة 1038هـ على قيد الحياة، تلميذ شمس الدين الكيلاني والمحقق الخوانساري([85]).
وتعتبر فلسفته حتى اليوم من أعظم الفلسفات الإسلامية الشيعية، لقد حاول أن يصنف مجموعة في المنطق على طريقة السابقين في أربعة كتب بالفارسية. واستطاع أن يأتي على تمام «المقولات» في يوم الجمعة التاسع من صفر سنة 1076هـ. والظاهر أنه لم يكتب القياس والصناعات الخمس (نسخة استان قدس رسم 157) ([86]). وقد أورد أقوال أرسطو والمفسرين والميرداماد والعلامة الحلي وابن سينا في هذا الكتاب.
هذا، وله كتب كثيرة مثل، فرقان الرأيين وتبيان الحكمتين في الفرق بين حكمة أرسطو وأفلاطون وحكمة الفارابي وابن سينا والميرداماد، ويقع في أربع عشرة مسألة قد اختلف عليها بينهم، وله، شرح على الأثولوجيا، وكتاب إحياء الحكمة زبور العارفين ومزامير العاشقين (أعيان الشيعة: 32 ـ 33 ـ الذريعة الجزء الأول: 307 و3: 337 و7: 154 و12: 37 و13: 63).
5 ـ آقا([87]) حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري المتوفى سنة 1099هـ صاحب الحاشية على إلهيات الشفاء ومؤلف الجبر والاختيار والجزء الذي لا يتجزا، وشرح هيئة القوشنجي (الريحاني 4: 478).
6 ـ نظام الدين أحمد الدشتكي المتوفى سنة 1015هـ. مؤلف كتاب إثبات الواجب، والأمالي الفلسفية.
7 ـ نظام الدين أحمد الدشتكي حفيد المشار إليه أعلاه وتوفي سنة 1086هـ.
8 ـ أبو محمد محمود بن محمد الدهدار العياني الخفري الشيرازي، عارف حروفي فيلسوف (947 ـ 1016هـ).
9 ـ الشيخ محمد علي بن أبي طالب الحزين الزاهدي المتوفى سنة 1081هـ (الذريعة 6: 294).
10 ـ محمد باقر السبزواري المتوفى سنة 1090هـ، صاحب الحاشية على الشفاء، وشرح الإشارات.
11 ـ قوام الدين أحمد، نجل صدر الدين الشيرازي.
12 ـ محمد إبراهيم، نجل صدر الدين الشيرازي.
13 ـ ميرزا محمد حسن الشيرواني المتوفى سنة 1098هـ.
14 ـ محمد بن موسى الخراساني الطبسي الكليكي([88])، مؤلف رسالة في النفس سنة 1098هـ في أصفهان وكتاب باسم مناهج العرفان.
15 ـ أحمد زين العابدين العاملي المتوفى بين سنة 1054 ـ 1060هـ، وهو تلميذ السيد الداماد.
16 ـ المولى عبد الغفار بن يحيى الرشتي، تلميذ السيد الداماد، وصاحب الحاشية على الأفق المبين (الذريعة 6: 21).
17 ـ آقا محمد رضا بن حسن القزويني المتوفى سنة 1096هـ، مؤلف لسان الخواص، وهو دائرة معارف (الريحانية 1: 25).
18 ـ الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091هـ.
19 ـ نور الدين محمد بن مرتضى الكاشاني، من المائة 11 و12.
20 ـ شمس الدين الكشميري صاحب الحاشية على التجريد من المائة الحادية عشرة (دانكشاه 6: 2263) ([89]).
21 ـ الشيخ علي نقي الكمره يي([90]) الشيرازي الأصفهاني المتوفى سنة 1060هـ، مؤلف حدوث العالم (الذريعة 6: 294).
22 ـ شمس الدين محمد الكيلاني، كان على قيد الحياة سنة 1045هـ، مؤلف الحكمة المتعالية، وحدوث العالم، وهو قائل بالحدوث الدهري (الذريعة 6: 295 و7: 59).
23 ـ ملا سليمان الكيلاني مؤلف الفيوضات الإلهية في الفلسفة، بالعربية، بعنوان الفيض في الجمع بين الفلسفة والكلام (بخط نسخ سنة 1088هـ في أصفهان والكتاب من كتب المجلس) ([91]).
24 ـ المولى محراب عارف الكيلاني القائل بوحدة الوجود (ريحانة الأدب 1: 188).
25 ـ نظام الدين أحمد الكيلي صاحب الحاشية على الأفق المبين (دانشكاه 7: 3901).
26 ـ فياض اللاهيجي المتوفى سنة 1051هـ.
27 ـ حسن بن عبد الرزاق اللاهيجي القمي، وله رسالة في الدفاع عن الفلسفة، ويمكن أن يطلق عليه لقب ابن رشد القرن الحادي عشر.
28 ـ بهاء الدين محمد ابن الشيخ علي شريف اللاهيجي مؤلف تفسير بالفارسية، وخير الرجال والرسالة المثالية النورية بالفارسية، وفي عالم المثال وهو غير فانوس الخيال. وبهاء الدين كما قال استوري، يجب أن يكون هو وقطب اللاهيجي أخوين.
29 ـ قطب الدين محمد ابن الشيخ علي شريف اللاهيجي مؤلف محبوب القلوب، وفانوس الخيال أو قنديل الخيال في عالم المثال.
30 ـ رفيع الدين الناييني، ميرزا رفيع الدين محمد بن حيدر الطباطبائي مؤلف أقسام التشكيك، والشجرة الإلهية، والثمرة في تلخيص الشجرة وهو زبدة كتابه الشجرة الإلهية، وتوفي سنة 1082م.
31 ـ عوض بن حيدر الشوشتري مؤلف «كوهريكانة» في علم الكلام ألفه للشاه صفي.
المائة الثانية عشرة
1 ـ المولى محمد صادق الأردستاني العارف الأصفهاني المتوفى سنة 1134هـ.
2 ـ آقا محمد بن محمد رفيع.
3 ـ الشيخ حسين بن إبراهيم التنكابني، وكان سنة 1104هـ على قيد الحياة، مؤلف رسالتي إثبات حدوث العالم ووحدة الوجود (دانشكاه 3: 517 ورقم 12: 198 و16: 2198 و17: 2198 و10: 3091).
4 ـ محمد يوسف بن حسين الطهراني ـ مؤلف نقد الأصول وتلخيص الفصول في المنطق بسبك الكيلاني الأصفهاني البيدابادي المتوفى سنة 1197هـ، كيميائي المائة الثانية عشرة. قديم سنة 1104هـ.
5 ـ المولى محمد إسماعيل المازندراني الأصفهاني الخواجويي المتوفى سنة 1173هـ، مؤلف أبطال الزمان الموهوم في رد جمال الدين محمد الخوانساري وتأييد السيد الداماد في الحدوث الدهري (دانشكاه 7303).
6 ـ آقا جمال الدين محمد بن حسين الخوانساري المتوفى سنة 1125هـ.
7 ـ القاضي محمد سعيد بن محمد مفيد القمي الحكيم الصغير تلميذ الفيض الكاشاني وفياض اللاهيجي ورجب علي التبريزي المتوفى سنة 1103هـ مؤلف «كليد بهشت»([92])، و«أسرار صنائع در صناعات خمس منطقي»([93]). وحاشية على أثولوجيا (مرتان) وشرح الإشارات (الريحانة 3: 268).
8 ـ محمد بن محمد زمان الكاشاني الذي كتب مرآة الأزمان في الثاني من محرم سنة 1162، ورد الحدوث الدهري للسيد الداماد، وزعم أن الزمان موهوم (دانشكاه 3: 352).
9 ـ محمد جعفر بن عبد الله الكمره يي الأصفهاني، كان على قيد الحياة سنة 1115هـ (الذريعة 7: 54).
10 ـ مولى حمزة الكيلاني من المائة الثانية عشرة (الذريعة 7: 57).
المائة الثالثة عشرة
1 ـ مولى محمد إسماعيل بن محمد سميع الأصفهاني المتوفى سنة 1277هـ، صاحب الحاشية على المشاعر وعلى الشوارق، وشارح العرشية، وتلميذ مولى علي نوري.
2 ـ أبو الحسن بن محمد الهادي الحسيني التنكابني مؤلف البضاعة المزجاة في إثبات وجود الكلي الطبيعي، الذي قام بتأليفه في 15 ع 3 ـ 1255 وهو من أعظم الآثار الفلسفية في المائة الثالثة عشرة (دانشكاه 3: 18).
3 ـ ملا آقاي دربندي (ملا آقا بن عابدين رمضان بن زاهد الشيرواني فاضل الدربندي) فقيه أصولي متكلم رياضي إخباري، توفي سنة 1285هـ (الريحانة 2: 14).
4 ـ المولى عبد الله الزنوزي التبريزي الطهراني تلميذ المولى علي نوري ومدرس المدرسة المروية بطهران وصاحب الحاشية على الأسفار، توفي سنة1857هـ (الريحانة 2: 134).
5 ـ الحاج محمد هادي بن مهدي أسرار السبزواري (1212 ـ 1289).
6 ـ المولى محمد جعفر اللنكردي اللاهيجاني شارح المشاعر سنة 1265 (دانشكاه 3: 282).
7 ـ نراقي مهدي بن أبي ذر المتوفى سنة 1209، مؤلف جامع الأفكار وناقد الأنظار في إثبات الواجب والصفات الثبوتية، واللمعة الشبيه بالشواهد الربوبية (دانشكاه 3: 219 و7: 2778 وريحانة الأدب 4: 186).
8 ـ المولى زين العابدين بن محمد جواد النوري شارح المشاعر.
9 ـ المولى علي جمشيد النوري المازندراني الأصفهاني سنة 1246، صاحب الحواشي على المشاعر والأسفار والشواهد الربوبية لصدر الدين الشيرازي، وعلى شرح الفوائد للأحسائي (ريحانة الأدب 4: 250).
10 ـ محمد علي بن محمد مؤمن الحسني الحسيني الطباطبائي الذي ألف نقض المشاعر في دفع شبهات الفيلسوف الشيرازي، من أجل محمد علي اللاهيجاني، وقد أتمه في يوم الاثنين 26 ع 2 ـ 1218 (وفي رقم 6 ـ 55 علوم دانشكاه بخطه شخصياً في يوم الاثنين 15 ج 1 ـ 1218).
المائة الرابعة عشرة
1 ـ ميرزا مهدي الأشتياني أستاذ الفلسفة على أيامنا هذه.
2 ـ ميرزا هاشم بن محسن بن محمد علي الكيلاني الأشكوري المتوفى سنة 1332 ومدرس مدرسة سبهسالار الجديدة في طهران، صاحب الحاشية على مصباح الأنس بين المعقول والمشهود في شرح مفتاح غيب الجمع والوجود (الذريعة 6: 201).
3 ـ الشيخ محمد باقر الأصطهباناتي مؤلف حدوث العالم، وقد قتل في صفر 1326 (الذريعة 6: 293).
4 ـ السيد جمال الدين الأفغاني فيلسوف المائة الرابعة عشرة الاجتماعي.
5 ـ المولى محمد فاضل الأيرواني المتوفى سنة 1306 وجامع المعقول والمنقول.
6 ـ ميرزا أحمد بن إبراهيم الحاج نعمة الله الأردكاني الشيرازي صاحب الحاشية على المشاعر.
7 ـ ميرزا أبو حسن بن المير محمد طبيب الطباطبائي الزواري الأصفهاني المعروف بجلوة (1238 ـ 1314) صاحب حاشية على الأسفار.
8 ـ ميرزا محمد طاهر التنكابني أستاذ الفلسفة على أيامنا هذه.
9 ـ آقا علي بن المولى عبد الله المدرس الزنوزي التبريزي الطهراني المتوفى حوالي 1307، مؤلف بدائع الحكم وصاحب حاشية على الأسفار ومدرس مدرسة سبهسالار (الريحانة 2: 134).
10 ـ ميرزا محمد علي بن محمد جواد الأصفهاني الشاه آبادي مدرس طهران وقم تلميذ ميرزا هاشم الرشتي مؤلف منازل السالكين في العرفان (الريحانة 2: 290).
11 ـ آقا ميرزا محمد رضا القمشه ئي العارف مدرس الصدر بطهران، توفي في 27 محرم 1306، وله حاشية على الأسفار.
خصائص الفلسفة ومميزاتها
في هذه القرون الأربعة
1 ـ الاستناد في حل المسائل الفلسفية إلى الآيات القرآنية والأحاديث الشيعية.
2 ـ امتزاج المسائل الفلسفية بالمسائل العرفانية، والاستناد إلى الكشف والشهود وامتزاج النهجين المشائي والإشراقي.
3 ـ الاستناد إلى الآثار المنحولة المنسوبة إلى فيثاغورس وأرسطاطاليس، وخاصة كتاب الربوبية أو الأثولوجيا، هذا الاسم الذي نلتقي به لأول مرة في عنوان مقالة لإسكندر الأفروديسي، كما أن ابن سينا قد ذكر نفس الكلمة في مستهل المبدأ والمعاد.
واهتم عبد اللطيف البغدادي في المائة السادسة والسابعة بالأثولوجيا وطالما مال غياث الدين منصور الدشتكي في المائة العاشرة إلى شرحه، وقد كتب ديباجة له، والقاضي سعيد القمي بعد صدر الدين الشيرازي، أضفى عليه تقديراً بالغاً وعاب من لا يستحسنونه، قال: إن السيد الداماد كان يقول لقد قرأته سبعين مرة.
وللأثولوجيا روايتان، عثر بوريسوف الروسي على ثانيتهما. وهذا الكتاب:
أ ـ أصلحه الكندي.
ب ـ لابن سينا شرح عليه.
ج ـ ووضع أبو العباس اللوكري في «بيان الحق» قسماً من المبدأ والمعاد للشيخ([94]) بنفس الاسم الذي كان قد أطلقه عليه.
د ـ وأورد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (المائة 6 و7) قسماً منه في كتاب فيما بعد الطبيعة.
هـ ـ وأورد ابن أبي جمهور الأحسائي في «المجلى» (تأليف سنة 896 في طوس) بنداً منه.
و ـ مال غياث الدين منصور الدشتكي إلى شرحه وتحريره وكتب ديباجة له (رقم 5392 دانشكاه).
ز ـ حرر تقي الدين أبو الخير محمد بن محمد الفارسي تلميذ الدشتكي الأثولوجيا مرة أخرى (الذريعة 37703).
ح ـ وكان القاضي سعيد القمي كصدر الدين الشرازي والسيد الداماد من هواة هذا الكتاب وله حاشيتان عليه (دانشكاه 201803).
أما المسائل التي كانت مورد البحث في هذه القرون الأربعة، فقد ورد أغلبها ضمن الشروح والحواشي، وتشتمل على كثير من المطالب الفلسفية، ولو أننا نشاهد أحياناً رسائل خاصة بمسألة أو أكثر كوحدة الوجود والكلية وحقيقة البسيط وحدوث العالم وعلم الله وما إلى ذلك.
ويبدو أنهم قد قدروا بعض المسائل من بينها أكثر من غيرها، مثل:
1 ـ أصالة الوجود.
2 ـ الوجود الذهني.
3 ـ تجرد النفس.
4 ـ اتحاد العاقل والمعقول.
5 ـ حدوث العالم.
6 ـ الحركة الجوهرية.
7 ـ عالم المثال وتجرد الخيال، المسألة التي حرر قطب الدين الشيرازي والقطب اللاهيجي وأخوه بهاء الدين اللاهيجي والحاج مولى هادي السبزواري رسائل خاصة فيها.
8 ـ وأنكر المير فندرسكي المثال الأفلاطوني، وذلك في رسالة الحركة (دانشكاه 3: 349).
9 ـ المعاد وبقاء الروح، هذ المسألة التي أصبحت أقرب إلى طريقة الباطنية، بتلك الفصول التي ترجمها صدر الدين الشيرازي من «آغا وأنجام»([95]) للخواجة الطوسي، ووضعها في الأسفار.
كما كانوا يتناولون أيضاً بعض المشكلات الديالكتيكية في تلك الفترة، مثل:
1 ـ شبهة الاستلزام، التي حرر آقا حسين الخوانساري ومحمد حسن الشيرواني ومولى محمد باقر السبزواري ورفيع الدين الناييني وملا خليل القزويني والشيخ حسين التنكابني وغيرهم رسائل ومقالات بصددها.
2 ـ شبهة الجذر الأصم أو حل مشكلة «كل كلامي كاذب» التي تناولها بالبحث مناطقة أمثال الفارابي والإمام الرازي والكاتبي والسمرقندي والخجندي والدشتكي والدواني وغيرهم وظل البحث قائماً حتى المائة الحادية عشرة أيضاً.
ومسألة فلسفية يجب ألا تفوتنا، تلك هي مسألة الحدوث الدهري التي طرحها شرف الدين محمد المسعودي المروزي فريد الدين الغيلاني من علماء المائة السادسة ثم أعادها المير داماد الأستر آبادي من جديد. ولعلها أفضل طريق لحل مسالة الخلق، إن لم يحظ طريق الفيض الغنوصي والتجلي العرفاني بالقبول. أما صدر الدين الشيرازي فلم يذهب هذا المذهب، كما أن بعضاً آخرين قد انتقدوه، وظهرت برسالة ابطال الزمان الموهوم ومرآة الزمان.
وحدثت في المائة الثالثة عشرة ظاهرة السؤال عن المسائل الفلسفية والاجتماعية والمذهبية الانتقادية من جانب أصحاب حرية الفكر والبلاطيين ممن طافوا هنا وهناك من أنحاء العالم وذهبوا إلى الغرب، فقد وجهوا الأسئلة إلى العلماء المستبعدين أو سيئي السمعة، أو إلى الفلاسفة كالشيخ أحمد الأحسائي وميرزا محمد الإخباري والسيد كاظم الرشتي ومحمد كريم خان الكرماني ومحمد حسن الطبسي والحاج ملا هادي السبزواري، لا إلى العلماء الأعلام كالكرباسي والكني والشيخ جعفر النجفي وميرزا أبي القاسم القمي، فإن أحداً لم يكن ليملك الجرأة على توجيه مثل هذه الأسئلة إليهم.
والآن لنعرض هنا موجزاً تاريخياً لمسألة فلسفية كان صدر الدين الشيرازي يوليها تقديره، وقد ذكر تاريخ كشف دليلها على وجه الخصوص، وحرر رسالة على حدة بصددها وتلك هي مسألة اتحاد العقل والعاقل والمعقول.
ويمكننا أن نرسم فرعين في هذه المسألة:
1 ـ مسالة العلم بالذات والحضور الذاتي، التي طرحت لأول مرة في كتاب أرخميدس لأفلاطون (البند 164 ـ 169) ونقل فيه نقد سقراط لكتيبة معبد دلفس (أعرف نفسك). وقد عاب سكستوس (7: 310)، ودافع عنه أفلوطينوس في التاسوع الخامس، الفصل الثالث، البند 1 ـ 9 من الإنشاد.
2 ـ وحدة العالم ومعلوماته، التي ذكرت هي الأخرى في جوك باتنجل وأوبانيشاد، وطرحت في الإنشاد واستدل عليها، ويوجد مجملها أيضاً في الأثولوجيا المنتحل ورسالة في العلم الإلهي المنسوبة إلى الفارابي والإيضاح للخير المحض المنسوب لأرسطو ومعاذلة النفس لهرمس، كما توجد أيضاً في كتاب النفس لأرسطو ورسالة العقل لإسكندر الأفردوسي ورسالة العقل للكندي وأقوال الفارابي والعامري وفي المبدأ والمعاد لابن سينا وآثاره الأخرى وآثار مسكويه والرازي وابن رشد وابن باجة ومقالة العقل والمعتبر وكلاهما لأبي البركات البغدادي وآثار القونوي والخجندي والقيصري والفناري وغيرهم، كما بحثها فضل الدين الكاشاني. على أفضل وجه في آثاره. ويبدو أن في الإمكان القول بأن صدر الدين الشيرازي قد اتكأ عليها في فلسفته وأوردها في منهجه الفلسفي ثم نوه الفيض الكاشاني على وجه الخصوص، وظاهر أنه لم يستحسن برهان التضايف للأستاذ.
هذا، ولشارحي فلسفة ملا صدرا وأصحاب الحواشي عليها ومدرسيها بدورهم كلام في هذه المسألة، فبعضهم يؤيد دليله الخاص، على حين ينقضه البعض الآخر. أما إيضاح هذه المسألة فإن له سراً طويلاً، وعلى من يريد أن يؤدي حق الكلام في صددها، أن يحرر، ولنقل خمسمائة صفحة.
على أنه مما يجب أن يقال: إن الفلاسفة اليونان والمسلمين يبدو أنهم تصوروا أن اتحاد العاقل والمعقول مثل وحدة الوجود، وحدة واقعية، لا اتحاد ذهني. والحق أقول، لقد اعتبروها.
أما ما يتأتى من أقوال ابن أبي جمهور الأحسائي في المجلى فهو أن هذه الوحدة ذهنية صرفة ولا واقعية لها، ولا تحكي إلا عن استغراق ذهني في المعقول، كما أن فناء المعارف ليس له إلا جانب ذهني فقط، ولا وجود للاتحاد الواقعي بين الموجد والموجودات.
محمد تقي دانش بزوه
الممثلون السياسيون لإيران والهند
في عهد الصفويين والبابريين
ظهير الدين بابر هو مؤسس حكومة الگورگانيين في شبه القارة الهندية. ومنذ فتح تلك البلاد في العام 1526م باشر بجد في السعي لتوثيق أواصر المودة والصداقة مع أقوى جيران دولته الفتية (الهند). ومن ثم فهو حين أتم سيطرته على دلهي وأكرا وتوج ملكاً في شمال الهند؛ عمد إلى إرسال الهدايا والتحف إلى بعض أهالي خراسان وغرب إيران لإبداء حسن نيته. وحين توج الملك طهماسب بعد وفاة أبيه الملك إسماعيل ملكاً على إيران، أرسل شخصاً يدعى (خواجـﮕي أسد) بعنوان سفيره الخاص إلى إيران، لغرض تقديم التهاني والتبريك([96]).
وبعد إقامة قصيرة في إيران، عاد (خواجـﮕي أسد) في عام 933هـ مع سفير الملك طهماسب ويدعى سليمان آقا محملين بالهدايا ومنها جاريتان جميلتان. وقد دخلت هاتان الجاريتان هدية ملك إيران، ضمن النساء الرسميات لحرم ملك الهند.
وبعد شهرين عاد الخواجگي أسد مرة أخرى إلى إيران ومعه سفير إيران الذي اشترك في حرب بابر مع (ناسانگارا جـﭙوت) المعروف وشهد بعينه الانتصارات الساحقة التي أحرزها رأس السلالة التيمورية في الهند، ومعهما الهدايا المحمولة للملك طهماسب، ولعل السبب في التعجيل في ترخيص سفير إيران للعودة إلى بلاده خلال هذه الفترة القصيرة هو في سبيل نقل أحداث الفتوحات الهامة التي أحرزها بابر والتي شاهدها بنفسه إلى ملك إيران، وبهذا السبيل يرتفع مقام بابر في نظر الملك طهماسب.
وكذا الحال بالنسبة إلى الملك طهماسب، فهو حين أحرز نصراً مؤزراً في عام 935هـ/1528م في حربه الشهيرة مع زعماء الأزبك، أرسل حسن جلبي، سفيراً له إلى بلاط بابر، ليحيط ملك الهند بأخبار الفتوحات التي أحرزت في معركة (جام). ولكن حسن جلبي تأخر لأسباب معينة فذهبت جماعة بزعامة أخيه إلى دلهي واستقبلوا من قبل الملك بابر، وبعد فترة وصل سفير ملك إيران إلى بلاط ملك الهند وحظي بالرعاية والاهتمام عنده، ولكن نتائج زيارة حسن جلبي إلى الهند غير واضحة.
توفي بابر عام 1530م وبقيت أحداث السنتين الأخيرتين من عمره حلقة مفقودة.
توج ابن بابر نصير الدين محمد همايون ملكاً للهند عام 937هـ وفي أثناء ذلك عمد كامران ميرزا، أخو همايون، الذي كان والياً على كابل وقندهار في زمن حياة بابر، إلى الاستيلاء على لاهور وتوسيع رقعة حكمه. وفي هذه الاوضاع أصبح موقع كامران ميرزا بين حكومة دلهي وحكومة قزوين، وهو الجار الملاصق لإيران. ومن ثم لم يقم همايون أي ارتباط مع الملك طهماسب طوال السنين الثلاث عشرة الأولى من حكمه ولم يتم تبادل السفراء بين البلدين.
ثم حدث أن مُني همايون بهزيمتين منكرتين، في حربي «جوسا» و«قنوج» على يد شيرشاه سوري، ومن ثم اضطر إلى ترك الهند، واللجوء إلى إيران مع خمسين شخصاً بإشارة من بيرم بيك بهارلو. وبعد أن أمضى فترة في إيران، استطاع بمعونة الملك طهماسب انتزاع قندهار أولاً ثم غزني وكابل من يد العسكري وكامران ميرزا. وبعد ذلك مكث همايون عدة سنين في كابل وثبت وضعه وأحكم قبضته ثم توجه نحو الهند فتمكن من انتزاعها من يد أعدائه.
عندما استولى همايون على كابل، وأقام فيها حكمه مرة أخرى، بعث الملك طهماسب سفيراً يدعى ولد بيك تكلو لتقديم التبريك والتهنئة لهمايون في كابل فوصل عام 953هـ (1456م). وقد اشترك ولد بيك في حرب همايون التي دارت في مدينة بذخشان، برفقة (قورجيي) إيران، حيث كان القورجيون وهم نخبة من جيش الملك طهماسب يقاتلون إلى جانب همايون وأبدوا شجاعة كبيرة في قتالهم.
عاد سفير إيران إلى وطنه بعد سنة من الإقامة في كابل محملاً برسالة من همايون إلى الملك طهماسب. وحمل سفير إيران دعوة من همايون إلى جماعة من الإيرانيين لزيارة بلاطه ومنهم الخطاط المعروف الخواجة عبد الصمد، وبالفعل فقد لبى عدد من العلماء والفنانين الدعوة وسافروا إلى كابل ودلهي بعنوان سفراء، لحسن النية والعلم والفن من إيران. وحظوا هنالك برعاية واهتمام السلاطين البابريين.
وفي عام 955هـ (1548م) انتخب همايون الخواجه جلال الدين محمود (مير سامان) ليكون سفيره إلى بلاط الملك اسماعيل، ولكنه مكث في قندهار لأسباب معينة ثم عاد إلى كابل ولم يصل إلى إيران.
وبعد سنة أرسل همايون القاضي الشيخ علي إلى إيران، وكتب في رسالة حملها هذا السفير شرحاً حول الشغب الذي يثيره كامران ميرزا ليوقف الملك طهماسب على حقيقة الأمر.
وجواباً لهذه الرسالة، بعث الملك طهماسب رسالة إلى همايون حملها كمال الدين الغ بيك، أوصاه فيها بعدم اعتماد اللين والمداراة في سلوكه مع كامران ميرزا، وجدد خلالها استعداده لإرسال جيش لمساعدته.
وفي عام 958هـ (1551م) قدم الخواجه غازي إلى بلاط الملك طهماسب سفيراً لهمايون، وأقام في إيران مدة سنتين. وخلال إقامة سفير همايون في إيران، بعث الملك طهماسب رسالة موجزة إلى همايون تحدث فيها عن مشاغبات كامران ميرزا.
وخلال استعداد همايون في كابل للسير إلى الهند واحتلالها. أرسل الملك طهماسب سفيراً يدعى الغ بيك إلى بلاطه، محملاً بأنواع الهدايا والطرف إلى همايون وخلعة مرصعة إلى بيرم خان.
كان لوصول سفير إيران في ذلك الوقت بالذات وقع حسن في نفس همايون. وكان الغ بيك آخر سفير يبعث به الملك طهماسب إلى بلاط الملك البابري، وكذا الحال بالنسبة لهمايون فقد كان ـ بعد ذهابه من كابل إلى الهند ـ منشغلاً باستعادة البلاد وبسط سيطرته فيها، ومن ثم لم يرسل سفيراً إلى بلاط الملك طهماسب، الذي كان بدوره مشغولاً بحل المشاكل العسكرية الكثيرة العالقة.
توفي همايون في دلهي عام 1556م، وخلفه ابنه جلال الدين محمد أكبر في سن الرابعة عشرة، ليتوج ملكاً في دلهي.
ورد في كتاب لحسن علي خان المعاصر لشيرشاه سوري في تاريخ الدولة الشير شاهيه (الترجمة الإنكليزية بواسطة الدكتور و.ب، تديباتي)، بأنه عندما كان محمد همايون مقيماً في إيران، بادر شيرشاه سوري الذي استولى على الهند بعد طرده منها، إلى إرسال سفير خاص إلى بلاط الملك طهماسب، وأوكل إليه مهمة توطيد أواصر المودة وحسن الجوار مع إيران.
وعند وصول هذا السفير، غضب الملك طهماسب بسبب جرأة وجسارة شيرشاه سوري، وأمر بجدع أنف السفير وصلم أذنيه. فما كان من شيرشاه إلا المبادرة للرد على سلوك الملك طهماسب هذا بإيذاء الإيرانيين المقيمين في بلاده بمختلف الأساليب، وأخذ يفكر جدياً بالحملة على إيران بمساعدة الأتراك الذين يوافقونه بتعصب للمذهب السني.
كان من المقرر أن يتخلى همايون لإيران عن قندهار، ولكنه لم يف بوعده، ومن ثم انتهز الملك طهماسب فرصة مناسبة وانتزعها من قوات دلهي وضمها إلى بلاده. وامتازت علاقة ومودة جلال الدين تجاه إيران بنوع من البرود منذ بداية توليه السلطة ومنشأ هذا البرود هو فقدان قندهار. وكان النزاع على قندهار ـ في أكثر الأحيان ـ الموضوع الوحيد الباعث على تشنج العلاقات بين السلاطين البابريين والصفويين.
وفي عام 969هـ/ 1562م عمد الملك طهماسب إلى إرسال السيد بيك الصفوي بن معصوم بيك وهو من الأسرة المالكة إلى بلاط دلهي لتقديم التعازي لرحيل همايون والتبريك والتهنئة بمناسبة تتويج أكبر شاه ملكاً في الهند.
لم يذكر الملك طهماسب في رسالته التي بعث بها إلى أكبر شاه، أواصر الصداقة التي كانت تربطه بهمايون، ولكنه أشار إلى الوفادة السياسية لخان خاقان الذي أرسل إلى إيران. والغرض من هذه الرسالة كما يوضحه (خافي خان) في منتخب اللباب هو إزالة ما علق ببال أكبر شاه من غل وكدر بسبب قضية قندهار وينقل خافي خان أن سفير إيران حمل الهدايا معه إلى ملك الهند، ومن جانب آخر استلم منه مبلغ مائتي ألف روبيه وجواهر وخلع وحصان مرصع([97]).
وجه السلطان محمود رسالة من بهكر (غرب الهند) إلى الملك طهماسب في عام 971هـ ومعها مبالغ من المال وهدايا، والتمس منه التوسط له لدى أكبر لتوليته مقام (خانخانان) في بلاطه. فكتب الملك طهماسب رسالة إلى أكبر وأوصاه بالشخص المذكور، فاستجاب أكبر لتوصية ملك إيران ولقب السلطان محمود بـ «اعتبار خان»، وأبلغ الملك طهماسب في رسالة بعث بها إليه أنه سيراعي السلطان محمود في المستقبل في أمور أخرى. ورد الملك طهماسب في رسالة جوابية بعث بها إلى أكبر وصف فيها استجابة الأخير في منحه اللقب والمقام للسلطان محمود، بأنه دليل إقرار أواصر المودة بين تيموريي الهند وصفويي إيران.
وفي عام 980هـ (1572م) بعث الأمير محمد خدابنده الابن الأكبر للملك طهماسب الذي كان آنذاك نائباً للسلطنة في خراسان، شخصاً يدعى يار علي بيك، كممثل سياسي له إلى بلاط أكبر. وتأسياً بخطوة الأمير محمد خدابنده، توالت الوفود السياسية بين أمراء البلدين، والظاهر أن الغرض من ذلك هو عدم جدارة إقامة العلاقات مع الملوك.
توفي الملك طهماسب في عام 984هـ (1576م) وخلفه في عرشه ابنه الملك اسماعيل الثاني.
لم يقم الملك اسماعيل الثاني علاقات سياسية مع ملك الهند، ولكنه أرسل كتاباً إلى الميرزا محمد الحكيم أخي أكبر وحاكم كابل، مخاطباً الميرزا الحكيم في كتابه هذا باسم الملك، وطلب إليه أن يبعث بممثليه السياسيين إلى إيران. وكذلك أبلغ الملك إسماعيل الميرزا الحكيم بأن الطريق مفتوح أمام حجاج كابل.
بعد رحيل الملك اسماعيل الثاني، تولى العرش أخوه الضرير الملك محمد خدابنده في عام 985هـ/ 1577م، وكانت الأوضاع في إيران حينئذ غاية في الاضطراب والفوضى، وزمام المبادرة فالت من قبضة الحكومة المركزية في إيران. وكان الأتراك يشنون حملاتهم المتتالية على غرب إيران.
في مثل هذه الظروف العسيرة، بعث الملك محمد خدابنده سفارته إلى الهند برئاسة السلطان قلي جندان أوغلي وطلب المساعدة من حاكمها أكبر. فارتأى الأخير في بادئ الأمر إرسال أحد أولاده إلى إيران وإنهاء الأوضاع المتأزمة فيها، بل كان يرغب في المسير إلى خراسان بنفسه، ليتسنى له القضاء على الأتراك ومساعدة ملك إيران بصورة أفضل، ولكن لم يحدث هذا ولا ذاك، وأحاط السكوت بالأمر فلم تحصل إقدامات عملية في هذا المجال.
وفي أثناء ذلك دخل المجال السياسي شخص باسم عبد الله خان أزبك (خان توران)، فاستولى عام 1573م على مدينة بلخ وفي عام 1584م على بدخشان، وشن حملة على خراسان في العام التالي واستولى على أغلب نقاطها ونواحيها. وفي عام 1583م أعلن نفسه ملكاً باسم (خان توران).
كانت توران محاذية لدولة الصفويين وبلاد البابريين، ومن ثم حظيت شخصية عبد الله خان بأهمية كبرى في بلاد إيران والهند. وعبد الله خان هذا رجل سني متعصب لمذهبه، ومن ثم كان يناصب الصفويين الشيعة العداء، ويطمع بمودة البابريين الذين يعتمدون المذهب السني مذهباً رسمياً في بلادهم، ومن ثم أرسل سفراءه وممثليه إلى بلاط أكبر واقترح عليه أن تشترك توران والهند في هجوم موحد على إيران لأنها سلطنة الملاحدة (الشيعة) وليتسنى للمسلمين السفر بسهولة إلى مكة والمدينة ولتعود مدينة قندهار إلى الهند مرة أخرى.
لم يعتن أكبر بالسفارة الأولى لعبد الله خان ورداً على السفارة الثانية لتوران، أبلغ عبد الله خان في رسالة إليه أن العائلة الصفوية هي من ذرية النبي وليسوا من الملاحدة.
وفي جوابه عن قطع إيران الطريق على الحجاج السنيين([98])، قال له بأنه بعد أن تم فتح كجرات على يديه فإن طريق البحر أصبح سالكاً، ويمكن لأهل توران أن يسلكوا هذا الطريق للوصول إلى الجزيرة العربية. وأما فيما يتعلق باسترجاع قندهار فقد أوضح أكبر لعبد الله خان بأنه ما دام حكام هذه الولاية يبعثون إليه بالكتب المفعمة بالمودة والصداقة، ولا يشكلون خطراً على قوافل الهند، فلذلك ليس ثمة حاجة للحملة على إيران واسترجاع قندهار.
نرى أن أكبر قد اعترض في جوابه على العبارة المهينة التي وصف بها عبد الله خان الصفويين في رسالته، وبعد ذلك أجاب على جميع مقترحاته بالنفي، وفي الحقيقة فقد كان بذلك مانعاً دون تحقيق التوسع الذي كان عبد الله خان يبتغيه لدولته في خراسان وإيران.
وعندما كان الأمير عباس ميرزا ابن الملك محمد خدابنده حاكماً على خراسان بعنوان نائب السلطنة كتب رسالة إلى أكبر في سبيل تثبيت وضعه الحرج. ولكون هذا الأمير كان قد تمرد على أبيه من قبل، فقد رفض أكبر أن يمد له يد المساعدة.
اعتلى الأمير عباس ميرزا العرش في إيران، عام 996هــ/ 1588م، وبعد أن فرغ من صراعه مع الأتراك، اهتم بمد أواصر المودة مع أكبر شاه.
باشر الملك عباس الأول بإرسال سفرائه إلى الهند، ففي عام 999هـ/ (1591م) أرسل يادكار سلطان روملوا سفيراً لإيران إلى بلاط أكبر، وحمله بالهدايا الثمينة. واستطاع من خلال رسوله كسب تأييد ملك الهند في أمور خراسان. وقد كتب الملك عباس عتاباً ودياً بشأن عدم مبادرة أكبر لتقديم التعازي حين وفاة الملك طهماسب وحمزة ميرزا (الأخ الأكبر للملك عباس)، وأعرب عن أمله بإقدام أكبر على توثيق أواصر الصداقة والعلاقات السياسية فيما بيهما.
وتزامناً مع المساعي التي كان ملك إيران يبذلها في سبيل تجديد العلاقات الودية القديمة وإقامة الارتباطات السياسية مع الهند، كان عبد الله خان وابنه عبد المؤمن خان ينشطون في سبيل إحباط هذه المساعي، وبلغ نشاطهم حداً أن استطاعوا إقناع وزراء ورجال البلاط الهندي بالوقوف على الحياد في أمور خراسان. وفي نفس الوقت بادر رستم ميرزا ابن السلطان حسين ميرزا الصفوي حاكم قندهار ـ تحت ضغط أمور معينة ـ إلى السفر إلى الهند والتخلي عن قندهار لأكبر وهكذا استطاعت حكومة الهند، دون قتال، ضم قندهار إلى بلادها.
من الطبيعي أن مثل هذا العمل لم يكن يرضي الملك عباس، ولكن استيلاء التورانيين على هذه المدينة سيكون بالتأكيد حادثة أسوأ من أختها وأكثر إيلاماً منها، ومن ثم لم يظهر الملك عباس ردة فعل سريعة تجاه هذا الأمر، بل أغمض الحديث عن قلعة قندهار في رسالتيه الجوابيتين اللتين بعث بهما رداً على رسالة أكبر بشأن قندهار.
مكث يادجار سلطان روملو سفير إيران في الهند أربع سنين، وبعد إخضاع قندهار لسلطة الهند، أجيز بالرجوع إلى بلده، وأرسل أكبر برفقة سفير إيران الميرزا ضياء الدين الكاشي سفيراً للهند في إيران، وأرسل معه أبو نصر الخوافي حارساً على الهدايا التي بعث بها إلى الملك عباس الصفوي.
تحتوي الرسالة التي بعث بها أكبر إلى الملك عباس الصفوي على مواضيع عدة، فهو يبحث فيها الأسباب التي جعلته يلحق قندهار بالهند، ثم يذكر أن انشغاله بالحرب في كشمير والخصومات السياسية في داخل الهند كان السبب في تأخره في تجديد العلاقات السياسية مع إيران. وفي ختام الرسالة يقدم نصائحه إلى الملك عباس بشان الأمور الدينية والسياسية كشخص كبير محب للخير ويتمنى عليه أن يحيطه خبراً ـ على الدوام ـ بسلامة أموره.
ويشير أكبر في رسالته إلى العلاقات الودية التي تربطه بعبد الله خان، وكأنه أراد بذلك قطع الطريق على إيران دون الخوض في الحديث بشأن خان توران.
أكرم الملك عباس الصفوي وفادة سفراء اكبر، وأمر باستقبال الميرزا ضياء الدين وأبي نصر الخوافي في قزوين استقبالاً لائقاً. وبعد إقامتهما سنة في إيران أجازهما في الرجوع إلى بلدهما، وبعث الملك عباس، منوجهر بيك آقاسي باشي إلى الهند، وحمله الهدايا الثمينة ورسالة مفعمة بالمودة والصداقة إلى أكبر «ورافق سفير إيران خمسمائة فارس من زبدة خراسان القزلباش ومعهم مائة من الخيول التازية والكرجية والعراقية الأصيلة، وكذلك ثلاثمائة طَوْل من القماش النفيس والصور والزخارف من صنع كبار الأساتذة ومجموعة من السجاد الثمين»([99]).
وصل سفير إيران في عام 1007هـ/ 1698م إلى بلاط أكبر في مدينة لاهور، واستقبل فيها بحفاوة بالغة.
وفي الرسالة التي حمّلها الملك عباس منوجهر بيك، يستجيب لطلب أكبر فيفصل الأوضاع المعقدة في إيران، ويشرح له الاختلاف القائم بين قبائل القزل باش، وحملة السلطان العثماني على النواحي الغربية لإيران.
وفي تلك الأثناء، حدثت تطورات جديدة لصالح الملك عباس، إذ خطف الموت عبد الله خان وابنه عبد المؤمن خان، فخلا الجو لملك إيران وتمهد السبيل أمامه لاستعادة النواحي السليبة من خراسان، وهكذا دخل هراة فاتحاً عام 1007هـ/ 1598م. ومن هراة بعث الملك عباس رسالة إلى أكبر بيد الميرزا علي بيك تحدث فيها عن فتوحاته في خراسان، وأعرب فيها عن أمله في إرجاع أكبر لقلعة قندهار إلى إيران ولكنه لم يتسلم جواباً بهذا الشأن من ملك الهند.
وفي عام 11هـ/ (1602م) بدأ منوجهر بيك سفير إيران رحلة العودة إلى وطنه بعد أربع سنين من الإقامة في الهند. وقبل حركته من تلك البلاد حمله ملك الهند هدايا كثيرة لتقديمها إلى الملك عباس وأعطاه عشرة آلاف روبية ملكاً خاصاً له.
انتخب أكبر مير معصوم البهركي، الذي كان يتمتع بمنزلة كبيرة، سفيراً له إلى بلاط الملك عباس وحمله رسالة وتحفاً ثمينة كثيرة. وكان الملك عباس آنذاك مشغولاً بمحاصرة إيروان، وعلى الرغم من استقباله الودي لسفير الهند في معسكره وسؤاله عن سلامة أكبر الذي كان يسميه الأب، إلا أنه لم يجد الفرصة لمشاهدة الهدايا التي حملت إليه لأربعة أشهر. وبعد فراغه من حرب إيروان شاهد الهدايا العديدة التي بعث بها إليه ملك الهند بيد مير معصوم البهكري والتي ظلت لفترة طويلة بانتظار مشاهدته لها، وبعد أن أتم رؤيتها وتفحصها قسمها بين رجال بلاطه.
وفي عام 1013هـ/ (1605م) أجاز ملك إيران مير معصوم علي بالرجوع إلى بلاده، وكان ملك الهند قد مجد في رسالته التي بعث بها إلى الملك عباس بيد مير معصوم على الانتصارات التي أحرزها ملك إيران في حربه مع الأتراك في الغرب ومع الأزبك في الشرق وأشار في ضمنها إلى الفتوحات التي أنجزها هو في (أسير كوه) وجنوب الهند.
حمل الملك عباس مير معصوم علي البهكري رسالة تحدث فيها عن انتصاراته في آذربيجان وأرمينيا، وبالإضافة إلى هذه الرسالة أرسلت رسالة أخرى من عمة الملك عباس إلى أم أكبر شاه (حميدة بانو بيگم)، حملها مير معصوم علي معه.
اعتلى الأمير سليم العرش في الهند بعد أكبر باسم نور الدين جهانگير، وكان قد مد روابط الصداقة مع الملك عباس الكبير من خلال إرسال الممثلين والرسائل قبل توليه الحكم. ولكن تزامن وقت تتويجه ملكاً للهند مع هجوم الإيرانيين على قندهار. كان باعثاً لبرودة علاقة الصداقة بين الهند وإيران.
كان الملك عباس يسعى دائماً لحفظ أواصر المودة والعلاقات الطيبة مع البابريين، ومن ثم بعث شخصاً باسم حسين بيك لتوضيح مسألة قندهار لدى جهانگير. ورحب الأخير بقدوم حسين بيك إلى الهند واستقبله في لاهور، ثم حمله في عودته إلى إيران رسالة، ضمنها عتبة بسبب تأخر إيران في إرسال سفيرها إلى الهند ومن ثم أكد على ضرورة إقامة العلاقات السياسية بين البلدين، وأنعم جهانگير على حسين بيك بعشرة آلاف روبية.
وفي السنة السادسة من تولي جهانگير الحكم أرسل الملك عباس في عام 1018هـ/ (1610م) أول سفير رسمي له إلى الهند وهو يادگار سلطان علي الذي كان في السابق حاكماً على بغداد وهو خطيب وعالم وبعث معه رسالة إلى نور الدين جهانگير يعزيه فيها بمناسبة وفاة أبيه جلال الدين أكبر، ويهنئه بمناسبة جلوسه على عرش الهند. وحسب ما ورد في «عالم آراي عباسي»([100]). فإن يادگار سلطان علي قد سلك طريق قندهار إلى الهند مع خمسين فارساً من زبدة الفرسان مع خيول ثمينة وسيوف مرصعة وتيجان قزلباشية جميلة، وأرسل الملك عباس معهم هدايا عديدة، منها خمسون رأساً من الخيول العربية والگرجية والبياتية ومجوهرات وثلاثة مدافع روسية سوداء من نوع بوستين وألف وخمسمائة نوع من مختلف الأقمشة المطرزة والمرصعة بالفضة والديباج والأطلس والمخصل الإفرنجي والختاني.
مكث ياد گار سلطان علي سفيراً لإيران في الهند سبع سنوات، كان خلالها موضعاً للرعاية الفائقة، وأنعم جهانگير عليه بخمسة وثمانين ألف روبية وألف (تولَّه) من الذهب([101])، (تعادل التوله خمس السير) ([102]).
وخلال إقامة يادگار سلطان علي في الهند كان الملك عباس وجهانگير يتبادلان باستمرار الرسائل الودية وكثيراً ما يطلبان حاجاتهما في هذه الرسائل.
وعندما أرسل جهانگير إلى إيران الخواجه برج علي النخجواني بعنوان رئيس التجار، لشراء البضائع منها، فقام الملك عباس بتهيئة البضائع التي يحتاج إليها من الخزائن الملكية وأوصاه بإبلاغه بحاجاته ليبذل جهده في تهيئتها.
وفي إحدى المرات بعث الملك سليم (جهانگير) بكأس ثمين إلى الملك عباس، الذي قابل الهدية بإرسال صور غاية في الجمال من إنتاج إيطالي. وفي عام 1022هـ/ 1613م أرسل جهانگير شخصاً خبيراً بالمجوهرات يدعى محمد حسين الجلبي، لشراء بعضها من تركيا، ولكون رحلة هذا الشخص تقتضي عبوره من إيران فقد حمله بهدايا ورسالة إلى الملك عباس، فما كان من الأخير إلا أن أخذ أسماء البضائع التي يحتاج جهانگير إليها من الجلبي وأمر أويس بيك تويجي بتهيئتها، ثم أرسلها مع رسالة بيد الخواجه محمد باقر، ومحمد باقر هذا هو تاجر هندي مقيم في إيران منذ أمد بعيد.
وعندما أبلغ محمد حسين الجلبي الملك عباس برغبة جهانگير بالحصول على بعض التحف الثمينة التي انتقلت من خزانة أجداده إلى خزانة إيران، ورغم كون هذه التحف قد وقفت من قبل الخزانة الملكية لمرقد أمير المؤمنين علي عليه السلام، إلا أن الملك عباس استردها بموافقة رجال الدين ثم وضعها في صندوق جميل وبعث بها إلى الملك سليم.
ونظراً لشغف جهانگير بالأحجار الكريمة والبضائع النفيسة، فقد أخذ الملك عباس خمس قطع من التحف الثمينة التي كان أحد التجار الإيرانيين قد جلبها إليه من تركيا وبعث بها إلى جهانگير حتى إذا أعجبته ورغب بمثل هذه المجوهرات فيقتني له منها ما يشاء، وكتب الملك عباس رسالة إلى ملك الهند بهذا الشأن وبعث بها مع محمد رضا الجلبي.
وفي وقت آخر، أبدى الملك سليم (جهانگير) رغبته في الحصول على مسبحة عقيق، من خلال أحد رسله إلى البلاط الملكي في إيران. وبمجرد اطلاع الملك عباس على رغبة أخيه (جهانگير) أرسل إليه مسبحة عقيق ثمينة ومعها رسالة مفعمة بالمودة، وضمنها عتبه بسبب إبقائه لسفير إيران في الهند أمداً طويلاً.
مكث يادگار علي سلطان في الهند منذ عام 1018هـ حتى أجيز في عام 1026هـ من الملك جهانگير، وأعطاه نفائس كثيرة بينها سيف مرصع وأقمشة موشاة بالذهب وقلم (كلغي) مرصع وثلاثين ألف روبية نقداً([103]).
انتخب نور الدين جهانگير الميرزا برخوردار خان الملقب بـ (خان عالم)، والذي كان ينتمي إلى قبيلة بدلاس المعروفة ويعتبر من أقاربه، كأول سفير رسمي كبير له إلى بلاط الملك عباس، وحمله بأنواع الهدايا الفاخرة وسيره إلى إيران. وكان جهانگير يخاطب (خان عالم) بالأخ ويكن له غاية المودة والاحترام، وكانت سفارة (خان عالم) أكبر سفارة يقوم به بلد أجنبي لدى البلاط الصفوي.
قدم (خان عالم) إلى إيران ومعه ألف شخص بالإضافة إلى مختلف الأشياء الثمينة مثل: عشرة أفيال مع هوادج وأسرة من ذهب وأنواع الحيوانات الوحشية مثل: البير والنمر والكركدن والغزال والببغاءات الملونة. ومكث خان عالم لفترة في هراة وقم ثم ذهب إلى قزوين ومنها إلى أصفهان. وكان استقبال الملك عباس لخان عالم بادئ الأمر في قزوين، وحيث إن أخ الأخ أخ فقد استقبله استقبالاً أخوياً واحتضنه بين يديه وأضفى عليه أنواع الافتخارات الملكية.
وفي أثناء ذلك كان (بي يتر ودلاواله) السائح الإيطالي حاضراً في مراسم استقبال الملك عباس بخان عالم سفير الملك سليم وسفراء موسكو الذين قدموا في نفس ذلك العام موفدين من حكام روسيا إلى البلاط الإيراني، وشاهد بعينه مراسم تقديم هدايا السفيرين إلى الملك، ويتحدث عن هذا الأمر بقوله:
«… في الأربعاء 14 نوفمبر عام 1618م (الموافق للرابع والعشرين من ذي القعدة عام 1028 هجري) استقبل الملك عباس سفراء موسكو (روسيا) حين غروب الشمس في الظلمة وسط مدينة قزوين. وفي نفس الوقت شاهد هدايا السفير الهندي، وكان الملك عباس قد استقبل السفير الهندي من قبل إلا أنه لم يشأ مشاهدة هداياه، وكان هدفه في ذلك إراءة سفراء روسيا على هذه الهدايا».
«… بعد ظهر هذا اليوم، جلبت هدايا سفير الهند إلى الميدان، وقد أحيط الميدان بقطعات الأخشاب بحيث لا يمكن لفارس أو راجل الدخول إليه ما لم يكن من أهل المناصب العالية والمقامات الرسمية. وقد رتبت هدايا سفير الهند ترتيباً خاصاً في زاوية من الميدان، ووضعوا سفراء موسكو وهداياهم وجميع موافقيهم وخواصهم الذين لا يتجاوزون المائة والخمسين شخصاً في جانب آخر من الميدان».
«… وبعد قليل دخل الملك عباس الميدان ومعه سفير الهند ومن ورائهما جماعة من الشخصيات الرسمية بلباس حريري موشى بالذهب وعمائم مرصعة بالأحجار الكريمة، ولكن الملك كان على عادته في لباس غاية في البساطة وخال من الزينة. وكان الملك وسفير الهند على ظهري جواديهما حين دخولهما إلى الميدان، ثم ترجلا إزاء بوابة علي باشا التي كانت محلاً لتجواله المعتاد، ودخل الآخرون مشاة إلى الميدان ثم وقفوا جانباً كل حسب مكانته ومنصبه».
«وبعد أن اتخذ الملك والسفراء موقعهم في الإيوان، بدأ عرض الهدايا، وكان يُبدأ بعرضها إزاء الملك ثم يُطاف بها حول الميدان ثم تؤخذ خارجه، وقد طافوا بهدايا سفير الهند أكثر مما فعلوا بهدايا سفير موسكو … وكانت هداياه مكونة من تسعة وعشرين بعيراً محملاً بحمولات كبيرة، أظن أنها مليئة بالأقمشة الظريفة المصنوعة في الهند، وبعدها هودج كبير مصنوع من الأخشاب المذهبة الرائعة الجمال، ثم مروا بعدها بعدد كبير من السيوف المرصعة والأسلحة الأخرى وكلها مرصعة بالأحجار الكريمة، تلتها مجموعة مكونة من أكثر من مائتي طبق ملئت بالعمائم التي تعتم بها الشخصيات الهامة في إيران، لأن مثل هذه العمائم تصنع في الهند ويشاهد في كل طبق بين خمس إلى ست عمائم … ومن الهدايا الأخرى سن حيوان كبير جداً يحمله شخصان، ولا بد أن يكون إما سن فيل أو سمكة كبيرة وهو ما يصنع منه في إيران مقابض السكاكين والخناجر والأسلحة الأخرى. ومر بعد ذلك العديد من الهدايا المختلفة ولم يتسن لي مشاهدتها. وفي النهاية مرت خمس عربات ذوات عجلتين ومجلس مكون من أربع زوايا، خال من الكراسي، وقد صنع بحيث لا يستوعب حسب طريقة جلوسنا نحن الأوروبيين إلا شخصين بشق الأنفس، بينما يستطيع أربعة الجلوس فيه بكل راحة حسب طريقة الشرقيين، ويحتوي هذا المجلس على عدة أجنحة وتكايا في أطرافه، وجميع هذه العربات مزينة بالذهب ومكسوة بالأقمشة الموشاة بالذهب، تجر كل واحدة منها بقرتان بيضاوان غاية في النظافة وتسحبان العربات بكل هدوء، والأبقار الهندية تختلف عن أبقارنا بأنها تشبه البعير في وجود السنام على ظهرها وتشبه الخيول في عدوها … وقد صنعت هذه العربات الهندية خفيفة إلى حد أنها في الطرق الجبلية التي يتعذر اجتيازيها، يمكن تفكيكها بسهولة إلى قطعات يستطيع شخصان حملها حتى وجود طريق سالك …».
«وبعد العربات وصل الدور إلى حيوانات الهند العجيبة، فمروا في البداية بكركدنين إزاء الملك والسفراء، ورغم صغر أعمارهما إلا أنهما أضخم من أبقارنا … ثم عرضت حيوانات مثل الأبقار الجبلية ولها قرون غاية في الطول … ثم جاء دور أنواع الغزلان والحمر الوحشية وأعجب من ذلك كله عنزة وحشية لها ثلاثة قوائم فقط؛ رجلان في الأمام وواحدة في الخلف».
انتهت هدايا سفير الهند بعبور ثمانية أفيال كبيرة، وعليها أبراج قائمة على ركيزتين أو ثلاث وفي كل برج ثمة رجل، ولا تشبه هذه الأبراج أبراجنا التي نعرفها، وإنما هي شبيهة بسرير من خشب مكسو بقماش موشى بالذهب، يستوعب طول هذا السرير كل عرض الحيوان وهو كبير بحيث يستطيع الرجل النوم فيه بكل راحة ولكن عرضه قليل بحيث لا يستوعب شخصين إلا بعسر …».
وضمت قافلة السفير الهندي عدداً من الفنانيين البارعين في الرسم منهم بشن داس وخيرات خان وليگراج، وقد قدم هؤلاء إلى إيران لإعداد صور للملك عباس وعدد من رجال بلاطه وهم يعملون حينئذٍ بأيديهم عدداً من هذه الصور التي رسموها للملك والأمراء وهي دليل على فنهم الرفيع. وقدم مع خان عالم إلى أصفهان شخص خطيب أديب يدعى محسن فاني الكشميري لإثبات الأخبار، وكان هذا الشخص يكتب باستمرار كل الأخبار المتعلقة بإيران وبلاط الملك عباس ويرسلها إلى جهانگير. وقد ترك خان عالم بسلوكه أثراً رائعاً في نفس ملك إيران فكان يخاطبه (جان عالم) ([104]) بدلاً من (خان عالم).
نال سفير الهند توفيقاً كبيراً في مهمته وحين عودته إلى الهند بعد إقامته في إيران ما يقارب السنتين استقبله جهانگير في عام 1029هـ استقبالاً لائقاً، وكان الملك عباس قد أغدق عليه الهدايا وبعث معه أحد الشخصيات الكبيرة في إيران وهو زنيل بيك بيگدلي شاملو، وحمله بأنواع الهدايا الثمينة، وزوده برسالة ودية إلى ملك الهند (جهانگير).
ومن بين الهدايا التي بعث بها الملك عباس إلى الملك سليم (جهانگير) في الهند، تحف مرصعة بأنواع الجواهر وفيها درة كبيرة تتوهج كان الملك إسماعيل قد حصل عليها من خزائن الملوك التيموريين وعليها نقش اسم الميرزا الغ بيك حفيد الأمير تيمور. وذكر أن سعرها في حينها سبعة آلاف تومان.
وفي أثناء إقامة خان عالم في إيران، ظل الملك عباس الصفوي محافظاً على الارتباط الدائم مع الهند من خلال العديد من السفراء الذين كان يبعث بهم إلى هناك، ففي تلك الفترة سافر في عام 1024هـ (1615م) مصطفى بيك من إيران إلى الهند، محملاً برسالة من الملك عباس إلى جهانگير يحكي فيها فتوحاته في گرجستان، وكانت الهدايا التي حملها مصطفى بيك معه من إيران إلى الهند تشتمل على كلاب أوروبية كبيرة كان جهانگير في حاجة إليها، وحسب ما ذكره الدكتور هادي حسن فإن جهانگير أعطى مصطفى بيك مبلغاً قدره أربعين ألف روبية وألف (توله) من الذهب([105]). وبعد إقامته لبضعة أشهر في الهند عاد إلى إيران محملاً بالهدايا ورسالة من جهانگير إلى الملك عباس الصفوي.
والسفير الثاني للملك عباس إلى بلاط جهانگير هو محمد رضا بيك الذي رافقته سفارة كبيرة نسبياً في عام 1025هـ/ (1616م) ورحب به جهانگير وأنعم عليه بالخلع والجوائز. ويبدو أن الهدف من سفارته هو شراء بعض الأشياء التي كان الملك عباس يود اقتناءها، وفي تلك الأثناء وصل إلى بلاطِ جهانگير روبرت شرلي وهو أحد الإخوة الثلاثة المعروفين بالإخوة شرلي الذين مكثوا فترة عند الملك عباس، وحظي روبرت برعاية خاصة في البلاط الهندي. ثم استأذن رضا بيك في العودة إلى بلاده فأجازه جهانگير وحمله هدايا ثمينة ورسالة إلى الملك عباس الكبير ولكن رضا بيك قضى نحبه في مدينة آكرا قبل أن يبدأ بسفره إلى إيران عام 1026هـ/ (1617م).
وفي عام 1028هـ/ (1619م) أرسل الملك عباس سفيراً آخر إلى بلاط جهانگير هو السيد حسن وكان محملاً برسالة وهدايا إلى جهانگير، الذي أنعم عليه بعشرين ألف روبية.
وكان الملك عباس يأمل أن يرسل شخصاً رفيع المستوى مع تجهيز وافر وهدايا كثيرة إلى الهند لتكون جواباً على السفارة العظيمة لخان عالم. ويذكر أنه اختار لهذه المهمة زينل بيك وحمله هدايا وتحف كثيرة وزوده برجال كُثر إلى البلاط المغولي. وإضافة إلى هدايا الملك عباس حمل زينل بيك معه هدايا وافرة من أمراء وأشراف إيران إلى جهانگير وسلمها له في مدينة لاهور.
كان تزامن سفارة زينل بيك مع وضع خاص يعلق بالموضوع الحساس لقندهار سبباً لمواجهته بعض المشاكل الصعبة. وكان لتكبره دور في زيادة حرج موقفه. ومن ثم عاد من مهمته بخفي حنين فلم يحرز فيها أي نجاح.
وفي أثناء إقامة زينل بيك في الهند بعث الملك عباس أربعة أشخاص أو خمسة إلى بلاط جهانگير وحملهم بالرسائل والهدايا، فشملهم جهانگير برعايته، وأذن لهم بالعودة بعد أن حملهم بالهدايا والرسائل إلى الملك عباس.
في عام 1031هـ/ (1622م) استولى الملك عباس على قندهار وكان هذا الأمر سبباً لإزعاج جهانگير، ولكنه لأسباب معينة لم يستطع الرد، ثم بادر الملك عباس إلى إرسال شخصين إلى البلاط الهندي وحمّلهما الرسائل، في سبيل رفع سوء التفاهم والكدر عن جهانگير بعد الاستيلاء على قلعة قندهار: وأبلغَ ميرولي بيك وحيدر بيك الملكُ جهانگير آيات المحبة والمودة التي يحملها جهانگير برسالة أظهر فيها عجبه من استعجال الملك عباس لحل قضية قندهار وكتب فيها أنه كان ينبغي عليه أن ينتظر حتى رجوع زينل بيك، ولكن مع ذلك أكد جهانگير في رسالته بأن علاقة المودة التي تربطه بالملك عباس اسمى من أن تنال منها أمور مثل قضية قندهار.
وفي اليوم الذي أجاز فيها جهانگير زينل بيك للعودة إلى بلاده (في عام 1029هـ) أعطاه خمسين ألف روبية ومعها ستة عشر ألف روبية أخرى.
وأرسل الملك عباس السيد محمد المستوفي غلامان إلى الهند في عام 1034هـ/ (1625م) وزوده برسالة يحكي فيها عن فتوحاته التي أحرزها في بغداد، واصطحب المستوفي غلامان معه إلى جهانگير بعض الأشياء التي غنمها الملك عباس في فتحه لبغداد. واستقبل جهانگير هذا السفير في مدينة لاهور في عام 1035هـ وأغدق عليه الجوائز والعطايا. وبعد الإقامة في الهند لستة أشهر عاد المستوفي غلامان إلى إيران محملاً بالهدايا التي بعث بها الملك جهانگير معه إلى الملك عباس، وتظهر الرسالة التي حملها معه إلى الملك عباس مدى المحبة والمودة التي كان ملك الهند يكنها لملك إيران عباس الصفوي.
كان الملك عباس عازماً في سنة 1036هـ على إرسال شخص يدعى تخته بيك يوزباشي برسالة تعزية لملك الهند بمناسبة وفاة ابنه الأمير برويز، وكان من المقرر أيضاً أن يحمل هذا السفير رسائل إلى جهانگير ونور جهان وشهريار (الابن الأصغر لجهانگير) ولكن وصول خبر وفاة جهانگير ألغى أمر هذه السفارة.
كان حكام ثلاث مقاطعات كبيرة في بلاد الدكن (جنوب الهند) وهم كولكنده، بيجابور واحمد نگر يرتبطون بعلاقات وثيقة جداً مع الملوك الصفويين، حتى أن اسم الملك عباس الصفوي كان يذكر في خطب صلاة الجمعة في گولكنده. ونظراً لوجود مثل هذه العلاقات الوثيقة بين إيران والأقاليم الهندية الجنوبية فقد كان الملك عباس يدأب باستمرار على إرسال السفراء إلى هذه الأقاليم.
أرسل إبراهيم عادل شاه الثاني، حاكم بيجابور مير خليل الله (وهو رجل إيراني) سفيراً إلى بلاط الملك عباس. وكذلك أرسل حكام گولنده وأحمد نگر سفراء عنهم إلى بلاط ملك إيران. وكان هؤلاء الحكام الثلاثة يطالبون بنصرة الملك عباس لهم للوقوف بوجه الحملات التي تشنها قوات شمال الهند عليهم ورداً على ذلك كان الملك عباس يكتب إلى جهانگير طالباً إليه أن يرفق بهؤلاء الحكام أكثر.
سافر حسن بيك التبريزي إلى بلاط كولكنده سفيراً لإيران وعاد في عام 1026هـ برفقة الشيخ محمد خاتون سفير تلك البلاد إلى البلاط الملكي في إيران. واستمرت إقامة الشيخ محمد خاتون في أصفهان حتى عام 1029هـ، وحين أذن له بالرجوع إلى بلده بعث بثلاثة سفراء من قبل الملك عباس إلى كل من گولكنده وبيجابور واحمد نگر.
كان اسم السفير الذي ذهب إلى بلاط حاكم گولكنده هو قاسم بيك. وقد حمله الملك عباس رسالة إلى جهانگير ليعرج على آكرا ودلهي قبل ذهابه إلى الدكن. وكانت الرسالة التي حملها قاسم بيك من الملك عباس إلى جهانگير تتضمن الإعراب عن شكر ملك إيران للأخير بسبب اهتمامه بحكام الدكن. وكل نصوص الرسائل التي بعث بها الملك عباس إلى جهانگير بشأن سلاطين الدكن في تاريخ (عالم آراي عباسي) ضمن حوادث عام 1022 وما بعده.
كانت هناك مكاتبات للأمير خرم (شاهجهان) الذي جلس على عرش الهند بعد أبيه، مع الملك عباس الصفوي حينما كان الأول لا يزال أميراً. وفي عام 1618م بعث مجموعة من الهدايا إلى ملك إيران بإذن من أبيه. وفي عام 1621م عمد مرة أخرى إلى إرسال سفير يدعى زاهد بيك إلى بلاط الملك عباس، وكتب في رسالته التي بعث فيها إلى ملك إيران الذي كان يخاطبه بالعم، طالباً منه أن يذكر الأشياء التي يحتاجها من الهند ليقدمها إليه. واستقبل الملك عباس سفير الأمير الهندي في قندهار بمنتهى الاحترام وأغدق عليه الجوائز والهدايا ثم أذن له بالرجوع وحمله رسالة إلى الأمير خرم، أكد فيها على الأمير ضرورة إخباره بما يريده ليتسنى له بذل كل ما بوسعه تلبيته.
وفي الوقت الذي كان فيه شاه جهان أميراً، وفي طريق عودته من الحملة على گجرات بعث برسالة إلى الملك عباس يستمده العون، واستقبل الملك عباس الخواجه بيك سفير شاه جهان ولكنه حمله رسالة إلى الأمير، طلب إليه فيها أن يطيع أباه ووعده بأنه سيبعث رسالة إلى أبيه لدعم موقفه عنده، وبالفعل أرسل هذه الرسالة إلى جهانگير بواسطة آقابيك.
كان لرسالة الملك عباس تأثير حسن في إنهاء سوء التفاهم بين جهانگير وابنه الأمير خرم (شاهجهان)، ومن ثم أنعم جهانگير على آقا بيك بأربعة آلاف روبية.
وعندما أصبح شاهجهان ملكاً على الهند، أرسل الملك عباس الصفوي بحري بيك لتقديم التبريك بهذه المناسبة. وبينما كان بحري بيك في طريقه إلى الهند، فارق الملك عباس الحياة، ولكنه استمر في طريقه حتى وصل بلاط شاه جهان وقدم له آيات التبريك. واستقبله شاه جهان استقبالاً حسناً وأغدق عليه العطاء ثم أجازه بعد فترة قصيرة بالرجوع إلى إيران.
وفي عام 1039هـ/ (1629م) قدم ميربد برفقة بحري بيك سفيراً عن شاهجان إلى إيران. ولقي حفاوة كبيرة في بلاط صفي شاه، وبعد إقامته في إيران أربعة أشهر أو خمسة أذن له بالعودة إلى بلاده. وقبل وصول ميربد إلى إيران كان الملك صفي شاه قد بعث سفيره محمد علي بيك الأصفهاني إلى بلاط شاهجهان وجرى له استقبال حافل في مدينة (برهان بور) حيث كان شاهجهان حينئذٍ في تلك المدينة. وأعطيت له من قبل ملك الهند أكثر من ثلاثمائة ألف روبية نقداً سوى الأمتعة التي بلغت قيمتها مائة ألف روبية، ثم عاد إلى إيران في 1042هـ. ويذكر (خافي خان) أن محمد علي بيك عاد من الهند إلى إيران محملاً بهدايا بلغت قيمتها ثلاثمائة ألف روبية([106]).
بعث شاهجهان صفدرخان سفيراً له إلى أصفهان برفقة محمد علي بيك، وجلب صفدرخان معه هدايا بقيمة أربعمائة ألف روبية إلى الملك صفي، ولكنه لم يستطع لقاءه حتى سنة ونصف السنة بسبب انشغال الملك صفي آنذاك بالحرب مع الأتراك في النواحي الغربية لإيران.
وفي الوقت الذي كان فيه صدرخان لا يزال في إيران، بعث شاهجهان سفيراً آخر إلى إيران يدعى مير حسيني، ولكنه وصل إيران في 1047هـ حيث كان صفدر خان قد غادر إلى الهند. وعاد مير حسيني إلى الهند دون تسليم رسالة شاهجهان إلى الملك صفي.
وحين عودة صدر خان إلى الهند أرسل الملك صفي سفيراً برفقته يدعا يادگار بيك، وكانت الرسالة التي حملها يادگار من الملك صفي تتضمن خبر فتح قلعة إيروان بيد ملك إيران ـ وحمل سفير إيران معه الهدايا إلى شاهجهان، وتردد على بلاط الأخير ثلاث مرات وتسلم منه مبلغاً قدره تسعين ألف روبية وخنجراً مرصعاً وأشياء أخرى.
كان يادگار بيك قد أُرسل من إيران على جناح السرعة للحصول على معلومات حول خطط دلهي بشأن قندهار، ولكنه حينما وصل بلاط المغول في الهند، كانت جيوش دلهي قد استولت على قلعة قندهار قبل ذلك بشهر. وكان فقدان قندهار سبباً في إزعاج ملك إيران ومن ثم لم يرسل سفيراً عنه إلى الهند.
وبعد وفاة الملك صفي عام 1052هـ اعتلى الملك عباس الثاني العرش في إيران خلفاً له. وفي عام 1056هـ أرسل شاهجهان (جان نثار خان) سفيراً له إلى البلاط الإيراني، وحول ذلك كتب محمد صالح كنبو خلاصته([107]): «رغم أن أبواب المكاتبة والمراسلة قد سدت بسبب سوء تصرف الملك صفي وأفكاره اللامعقولة، فإن شاهجهان لم يشأ قطع سلسلة المودة القديمة، ومن ثم بعث في الثامن عشر من صفر جان نثارخان سفيراً له إلى الملك عباس الثاني ومعه الهدايا لتعزيته بوفاة أبيه ولتهنئته بإعتلائه العرش …».
ووفقاً لما أوضحه خافي خان في منتخب اللباب([108]) فإن جان نثار قد جلب معه إلى إيران مجوهرات وأمتعة مرصعة بقيمة مائة وخمسين ألف روبية وأقمشة نفيسة من صنع كشمير، والبنغال وأحمد آباد بقيمة مائتي ألف روبية، وكانت الرسالة التي حملها من الهند تبين بأن علي مردان خان حينما تخلى عن الحكم في قندهار إلى شاهجهان وذهب إلى الهند، لم يكن في ذلك طامعاً ولا طالباً لجاه. وفي هذه الرسالة يطلب شاه جهان الإذن في السماح لمحمد علي الابن الأكبر لعلي مردان خان في السفر إلى الهند.
وفي الوقت الذي كان جان نثار خان سفير شاهجهان موجوداً في أصفهان، قدم شخصان هما مير عزيز وأرسلان بيك إلى إيران، بعنوان سفراء سياسيين للهند. وكان مير عزيز يحمل رسالة من شاهجهان إلى نذر محمد خان الذي قدم إلى إيران لطلب المساعدة عقب فقدان بلخ، ولكن الملك عباس الثاني لم ير مصلحة في تسليم هذه الرسالة إلى الخان المذكور. ورسالة شاهجهان إلى نذر محمد خان هذه موجودة في تاريخ (بادشاه نامه عبد الحميد) ([109]).
كان أرسلان بيك يحمل رسالة من شاه جهان إلى الملك عباس الثاني يشرح له فيها انتصار الجيوش الهندية في أوزبكستان. وقد حظي السفراء الثلاثة في إيران بترحيب واستقبال لائقين، لا سيما جان نثار خان الذي حظي باحترام واهتمام أكبر من قبل الملك عباس الثاني.
وفي مدينة بسطام أرسل الملك عباس الثاني شخصاً يدعى قلي بيك إلى الهند وحمله رسالة إلى شاهجهان يمتدح فيها إقدامه على إرجاع بلخ إلى نذر محمد خان. وطلب ضمنها من شاهجهان إرجاع قندهار إلى إيران.
بادر الملك عباس إلى استرداد قندهار في عام 1059هـ وأرسل إلى بلاط شاهجهان شخصاً يدعى شاه وردي بيك، حمّله رسالة أوضح فيها سبب هجومه على قندهار. فاستقبل شاهجهان هذا الرسول ببرود وعدم رضا وأذن له بالانصراف بعد أن أعطاه عشرة آلاف روبية([110]).
وأما قلي بيك فقد أذن له بالانصراف دون لقاء شاه جهان.
كان موضوع استرداد قندهار من قبل الملك عباس الثاني سبباً في إيجاد الفتور في العلاقات بين إيران والهند، وانقطع تبادل السفراء بين البلدين حتى آخر حياة شاهجهان.
وبعد عامين من تولي محيي الدين أورنگزيب العرش عام 1068هـ، عزم الملك عباس الثاني على إرسال سفير إلى البلاط الهندي، فانتخب بداق بيك لهذا الأمر، وسيّره إلى الهند بعد أن حمّله أنواع الهدايا والتحف. وبمجرد وصول هذا السفير إلى حدود الهند، أنعم عليه من قبل أورنگيزيب بالخلع والهدايا، وأمر ملك الهند باستقباله في مدن ملتان ولاهور استقبالاً حافلاً. وفي دلهي استقبله بعض الأمراء وتسلم حين لقي أورنگزيب في بلاطه خلعة خاصة وخنجراً مرصعاً وهدايا أخرى وفي المقابل قدم بداق بيك إلى أورنگزيب 66 حصاناً عربياً وعراقياً مع زينتها المرصعة وعدداً من الدرر وأحجار الفيروز الثمينة وهدايا أخرى بقيمة خمسمائة ألف روبية كان ملك إيران قد بعث بها معه إلى ملك الهند، وقدم من جانبه عدداً من التحف. فانعم عليه أورنگزيب بستين ألف روبية وفيل. وفي يوم آخر أضاف أورنگزيب هدايا أخرى إلى بداق بيك وأغدق على جميع مرافقيه مالاً وفيراً.
وفي يوم عيد الأضحى أعطى أورنگزيب لبداق بيك مقداراً من الذهب يتجاوز وزنه ألفي (توله)، وأنعم عليه حين أذن له بالعودة بمائة ألف روبية، وبأشياء مرصعة وفيلين، وحسب ما ذكره خافي خان في منتخب اللباب([111]) فإن مجموع ما حصل عليه سفير إيران في الهند (نقداً وعيناً) يعادل خمسمائة ألف روبية، وما حصل عليه مرافقوه خمسون ألف روبية. وكان لأخبار حسن استقبال ملك الهند لسفير الملك عباس الثاني وقع حسن في نفس الأخير، وأعرب عن شكره له بواسطة رسول بعث به.
وفي عام 1074هـ أرسل أورنگزيب تربيت خان بعنوان سفير له إلى إيران، وحمّله هدايا بقيمة سبعمائة ألف روبية ورسالة إلى الملك عباس الصفوي الثاني، فاستقبله الأخير وأرسل إلى الهند شخصاً يدعى نخف قلي بيك لإبلاغ أورنگزيب بنبأ وصول سفيره إلى إيران.
ويذكر خافي خان([112]) بأن السلوك اللامسؤول لتربيت خان كان سبباً في إزعاج الملك عباس الصفوي، ومن ثم انتهت مهمته في إيران دون نجاح. وفي عام 1076هـ أذن الملك عباس لتربيت خان بالرجوع إلى بلاده وأهدى له في آخر لقاء به بعض الهدايا ومنها عدد من الخيول الإيرانية.
وفي الرسالة التي بعث بها الملك عباس، ورد الاعتراض على بعض الأمور التي حدثت، ووردت أيضاً الإشارة إلى هجوم إيران على الهند. وأثار هذا الموضوع القلق في نفس أورنگزيب ولكن لم يمض وقت طويل حتى فارق عباس الصوفي الثاني الحياة في عام 1077هـ واغتم أورنگزيب لوفاته (كما هو غير متوقع). وبعد عودة تربيت خان من إيران، انقطع تبادل السفراء بين البلدين لفترة طويلة واعترى العلاقات السياسية بينهما نوع من الفتور.
كان بهادرشاه بن أورنك زيب وولي عهده في الوقت الذي كان فيه أميراً، محباً لإيران والإيرانيين. وكان يرسل كتبه إلى الملك سلطان حسين الصفوي عن طريق التجار، وكان عازماً على إرسال سفير له إلى البلاط الإيراني. وفي هذه الأثناء استولى أمير الأفغان على قندهار ونواحيها وقويت شوكته هناك بعد أن قتل گر گين خان حاكم هذه المناطق من قبل ملك إيران، وبذلك شكل خطراً على إيران والهند. وبادر بهادرشاه ـ الذي يبدو ان الزعيم الأفغاني كان يطالبه بتعيينه حاكماً على قندهار من قبل حكومة دلهي ـ إلى إرسال سفير إلى إيران بصورة سرية وطلب من الملك سلطان حسين القيام بعمل فوري ضد الزعيم الألفغاني، في سبيل القضاء على الخطر المشترك الذي يُهدد بلديهما.
أرسل سلطان حسين الصفوي إلى بلاط بهادرشاه شخصاً يدعى مير مرتضى خفاف مع رسالة وهدايا كثيرة. وسلك هذا السفير طريق البحر ليصل إلى مقصده، ولكنه تعرض في البحر للعديد من الحوادث فرست سفينته إزاء البنغال بدلاً من دلهي. ثم كتب من مدينة هوگلي إلى ملك الهند الذي كان آنذاك فرخ سير وأوضح له حاله، وقد كان مير مرتضى تائهاً بين موانئ البنغال لسنتين أو ثلاث بحيث جلس فرخ سير على عرش الهند خلفاً لبهادر شاه.
يذكر خافي خان([113]) أن أمير مرتضى الخفاف كان يحمل معه من إيران إلى الهند أكثر مما حمله جميع السفراء الآخرين حيث كان برفقته التحف والهدايا ومنها ثلاثمائة رأس من الخيول العربية والعراقية الأصل مع كل مستلزماتها المرصعة باللؤلؤ والياقوت والفيروز وكان يحمل أيضاً الدرر الثمينة والسجاد النفيس، وإضافة إلى الهدايا التي حمله إياها ملك إيران، كان قد هيأ بنفسه هدايا ليقدمها إلى ملك الهند.
طلب فرخ سير من ممثليه في البنغال إعطاء سبعين ألف روبية إلى مير مرتضى وتهيئة مستلزمات سفره إلى دلهي. وهكذا وصل مير مرتضى إلى بلاط فرخ سير في عام 1124هـ ونال فيه مائة ألف روبية وألف (توله) ذهب وخلع وتحف مرصعة وخنجر وسيف مرصع وحصانين مع مستلزماتهما المرصعة، وكانت قيمة الهدايا التي حصل عليها مير مرتضى من فرخ سير تعادل مائة ألف روبية.
وبينما كان مير مرتضى في البنغال بلغ إيران خبر وفاة بهادر شاه وجلوس فرخ سير على العرش، فأرسل سلطان حسين شخصاً يدعى أصبا الدين لتقديم التعزية والتبريك لفرخ سير، وكان هذا الرسول يحمل معه رسالة من قبل الملك سلطان حسين وأخرى شفهية للملك فرخ سير. ورداً على سفارة إيران بعثت الهند سفارة لها إلى إيران.
خلف طهماسب الثاني الملك سلطان حسين في السلطة ووقعت في وقته الحرب بين إيران والأفغان. بدأ نجم كلا العائلتين التيمورية والصفوية في الهند وإيران يأذن بالأفول على جناح السرعة، ولكن نادرشاه في إيران استطاع السيطرة على الأوضاع في بلاده بطرد الأفغان منها، وكان بصدد استئصال وجودهم في مدن هراة وقندهار، وفي سبيل قطع طريق الفرار على الأفغان أرسل الملك طهماسب الثاني سفيراً له إلى البلاط الهندي، يدعى علي مردان خان شاملو، وفي الرسالة التي حملها علي مردان خان إلى ملك الهند ورد خبر هزيمة الأفغان في إيران والطلب المؤكد من ملك الهند أن يرسل قواته لقطع الطريق في بلاده على الأفغان، وإضافة إلى ذلك تمنى الملك طهماسب على ملك الهند أن يأذن عاجلاً للسفير الإيراني في الرجوع إلى بلاده.
حظي سفير إيران باستقبال حافل في الهند ورداً على الهدايا التي حملها السفير من إيران إلى ملك الهند، أغدق هذا الملك عليه وعلى مرافقيه أنواع الهدايا والجوائز، ولكنه تباطأ كثيراً في رد الجواب ولم يهتم كثيراً بطلبات نادر شاه.
في عام 1145هـ أذن لعلي مردان خان بالانصراف بعد ان حُمّل بالهدايا الثمينة من قبل محمد شاه ملك الهند.
وفي الرسالة التي حملها علي مردان خان من محمد شاه ورد بأن الأخير قد أصدر أوامره إلى والي ملتان عبد الصمد خان بالتصدي للأفغان إذا ما دخلوا البلاد، ولكن مع ذلك بقيت الخطوات التي اتخذتها الهند في هذا المجال للوقوف بوجه الأفغان وفرارهم إلى هذه البلاد غير جدية وغير كافية.
وعندما تولى الملك عباس الثالث الحكم في إيران بعد الملك طهماسب الثاني، أرسل نادر شاه بصفته نائب السلطنة آنذاك سفيراً له إلى محمد شاه يدعى محمد علي خان، في سبيل إحاطته بالتطورات الحاصلة في إيران، ويذكره بضرورة اتخاذ الإجراءات الجدية للتصدي للأفغان.
وفي الهند لقي رسول إيران حفاوة في الاستقبال من قبل الملك محمد شاه. وهكذا الحال بالنسبة لمرافقيه، حيث شملهم ملك الهند برعايته. ولكن مع ذلك لم يلتفت كثيراً إلى طلبات نادرشاه ولم يُنفذ شيء منها. وبعد أخذ قندهار أرسل نادر شاه محمد خان تركمان سفيراً له إلى دلهي لمطالبة ملك الهند محمد شاه بقطع الطريق في الحدود الهندية على الأفغان لمنعهم من الفرار، ولكن محمد شاه لم يعمل وفقاً لرغبة نادر شاه لعدة أسباب، من بينها ضعفه السياسي، وفي نهاية المطاف ارتأى نادر شاه الخير في مهاجمة دلهي.
وهكذا انتهى أمر تبادل السفراء والممثلين السياسيين بين بلاد إيران والهند في زمن العائلتين الكبيرتين الصفوية والتيمورية.
حيدر شهريار النقوي
ذو القرنين شخصية حيرت المفكرين
وقال «أبو الكلام آزاده» إنها من إيران
كان ذو القرنين من الألغاز التي أراد يهود المدينة أن يحرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال عنها. فنزل القرآن الكريم يحكي سؤالهم، ويجيب عنه، لا بذكر الاسم الحقيقي لهذا الرجل، ولا مكانه، ولا الأمة التي ينتسب إليها، ولكن بذكر المهم من تاريخه وأعماله، فقال تعالى في سورة الكهف:
﴿ويسئلونك عن ذي القرنين قل ساتلوا عليكم منه ذكرا* إنا مكنا له في الأرض وءاتيناه من كل شيء([114]) سببا فاتبع سببا* حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة([115]) ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا* وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا* ثم أتبع سببا* حتى إذا بلغ مطلع([116]) الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا* ثم أتبع سببا* حتى إذا بلغ بين السدين([117]) وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا* قال ما مكَّنِّيَ فيه ربي خير فاعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما* آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين([118]) قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا*([119]) فما استطاعوا أن يظهروه وما استاطاعوا له نقبا* قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقا*﴾.
وقد بيّنت هذه الآيات عقيدة الرجل وعدله في حكمه واتساع ملكه. لكن ما اسمه؟ وأين ومتى عاش وحكم؟ لم تتكفل الآيات ببيان ذلك، لأن العبرة ليست فيه، وإنما العبرة والفائدة تكمنان في ذكر ما تكفلت الآيات بذكره من أحداث حربية، ومن عدل، وإيمان، فبقي الاسم موضع تساؤل واجتهاد من المفسرين والمؤرخين في تعيينه. إشباعاً لما في النفوس من غزيرة الكشف عن المجهول وحب الاستطلاع …. حتى ولو لم يكن وراء معرفة هذا المجهول فائدة تذكر … لكنها الغريزة، ورغبة العلماء في إشباعها …
فلا تجد مفسراً قديماً أو حديثاً إلا وذكر ما وصل إليه في ذلك، ولا مؤرخاً إسلامياً إلا وأدلى بدلوه في البحث عن هذا الاسم، وذكر ما وصل إليه من أقوال مأثورة عن سابقيه …. حتى جاء في أوائل هذا القرن «أبو الكلام أزاد» عند هذه الآيات، وهو يفسر القرآن الكريم، فكان لا بد له أن يقول رأيه كذلك في ذي القرنين.
وكان أمامه حشد هائل من أقوال السابقين، وكان من الممكن أن يكتفي بهذه الأقوال، ويختار منها كما فعل غيره، وينتهي. ولكنه لم يفعل …. لأنه لم يقتنع بقول من أقوال السابقين، كما لم يقبل أن يترك الموضع يمر دون بحث.
فخاض غمار الكشف عن المجهول بطريقته الخاصة، وبما وفره الله له من عقل وقدرة على البحث، وسعة في الاطلاع. وقدم لنا أخيراً في تفسيره بحثاً مطولاً، وصل في نهايته إلى تعيين الاسم والمكان والزمن الذي عاش فيه ذو القرنين، ودعم كشفه هذا بمقارنة بين ما ذكره التاريخ عن هذا الرجل، وما ذكره القرآن عنه. ووجود تطابق بين المصدرين، مما لا يدع مجالاً للشك في صحة ما وصل إليه … وعلى غير عادة المفسرين، رسم أزاد في تفسيره خريطة تبين رحلات أو حروب ذي القرنين كما ذكرها القرآن، وفصلتها كتب التاريخ القديم، لا سيما المصادر اليونانية التي أنصفت الرجل برغم ما كان بينه وبين اليونان من عداء.
على أنه لم يكن وحده هو موضع التساؤل، بل انضم إليه مكان السد الذي بناه ذو القرنين أين هو؟ ثم يأجوج ومأجوج ومن يكونون؟ فعني أزاد بالكشف عن مكان السد. والتعريف بيأجوج ومأجوج. وبين على الخريطة المنطقة التي كانوا يعيشون فيها والممر الذي كانوا ينحدرون منه للإغارة والإفساد، والذي بنى ذو القرنين فيه السد، ليمنع شر هؤلاء المغيرين … فجاء بحثه مطولاً ربما أخذ نحو خمسين صفحة.
والذي نريده في العرض الذي يحكمه عدد الصفحات هو أن نعطي القارئ خلاصة ما وصل إليه مع صورة عن المنهج الذي سلكه أزاد في الوصول إلى الحقيقة، وهو منهج يزيدنا ويزيد كل باحث ومحب للحقيقة إكباراً وتقديراً له …
ولكن قبل أن نتحدث عن بحوث أزاد، يجدر بنا أن نعرض ولو ملخصاً للآراء التي ذكرها المفسرون والمؤرخون، مع العلم بأن أكثر ما قالوه كان عن طريق النقل بعضهم من بعض، وإن كان لبعضهم آراء انفردوا بها، هي كلها مبنية على مجرد النقل …. وعلى سبيل المثال:
يذكر تفسير الكشاف الزمخشري: أنه الإسكندر وقيل إنه عبد صالح نبي، ملك وذكر رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقاً وغرباً. وقيل كان لتاجه قرنان. كان على رأسه ما يشبه القرنين.
والإمام ابن كثير يذكر في تفسيره: أنه الإسكندر ثم يبطل هذا. كان في زمن الخليل إبراهيم عليه السلام وطاف معه بالبيت. وقيل عبد صالح. وأورد في تاريخه: «البداية والنهاية» جـ 2 ص 102 مثل ذلك وزاد أنه نبي أو ملك.
أما القرطبي في تفسيره فقد أورد أقوالاً كثيرة أيضاً: كان من أهل مصر واسمه مرزبان، ونقل عن ابن هشام أنه الإسكندر، كما نقل روايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بأنه ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب. وعن عمر وعن علي بأنه ملك … أو عبد صالح وهي روايات غير صحيحية … وقيل إنه الصعب بن ذي يزن الحميري، وكلها روايات وأقوال تخمينية ولا سند لها.
أما الآلوسي في تفسيره، فقد جمع الأقوال السابقة كلها تقريباً، وقال: لا يكاد يسلم فيها رأي، ثم اختار أنه الإسكندر المقدوني ودافع عن رأيه بأن تلمذته لأرسطو، لا تمنع من أنه كان عبداً صالحاً!! أما المفسرون المحدثون فكانوا كذلك ينقلون عن الأقدمين.
لم يرتض أزاد قولاً من هذه الأقوال بل ردها، وقال عنها: إنها قامت على افتراض مخطئ لا يدعمه دليل، وعني بالرد على من يقول بأنه الإسكندر المقدوني … بأنه لا يمكن أن يكون هو المعني بالذكر في القرآن، إذ لا تعرف له فتوحات بالمغرب، كما لم يعرف عنه أنه بنى سداً، ثم إنه ما كان مؤمناً بالله، ولا شفيقاً عادلاً مع الشعوب المغلوبة، وتاريخه مدون معروف.
كما عني بالرد على من يقول بأنه عربي يمني … بأنه سبب النزول هو سؤال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين لتعجزيه وإحراجه. ولو كان عربياً من اليمن لكان هناك احتمال لدى اليهود ـ على الأقل ـ أن يكون عند قريش علم به، وبالتالي عند النبي صلى الله عليه وسلم فيصبح قصد اليهود تعجيز الرسول غير وارد ولا محتمل. لكنهم كانوا متأكدين حين سألوه بأنه لم يصله خبر عنه، وكانوا ينتظرون لذلك عجزه عن الرد …. سواء قلنا بأنهم وجهوا السؤال مباشرة أو أوعزوا به للمشركين في مكة ليوجهوه للرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: «والحاصل أن المفسرين لم يصلوا إلى نتيجة مقنعة في بحثهم عن ذي القرنين، القدماء منهم لم يحاولوا التحقيق، والمتأخرون حاولوه، ولكن كان نصيبهم الفشل. ولا عجب فالطريق الذي سلكوه كان طريقاً خاطئاً… لقد صرحت الآثار بأن السؤال كان من قبل اليهود ـ وجهوه مباشرة أو أوعزوا لقريش بتوجيهه ـ فكان لائقاً بالباحثين أن يرجعوا إلى أسفار اليهود ويبحثوا هل يوجد فيها شيء يلقي الضوء على شخصية ذي القرنين. إنهم لو فعلوا ذلك لفازوا بالحقيقة».
لماذا؟ لأن توجيه السؤال من اليهود للنبي لإعجازه ينبئ عن أن لديهم في كتبهم وتاريخهم علماً به، مع تأكدهم بأن النبي أو العرب لم يطلعوا على ما جاء في كتبهم … فكان الاتجاه السليم هو البحث عن المصدر الذي أخذ اليهود عنه علمهم بهذا الشخص ـ ومصدرهم الأول هو التوراة …
وهذا الذي اتجه إليه أزاد، وأمسك بالخيط الدقيق الذي وصل به إلى الحقيقة …. وقرأ وبحث ووجد في الأسفار، وما ذكر فيها عن رؤى للأنبياء من بني إسرائيل وما يشير إلى أصل التسمية: «ذي القرنين» أو «لو قرانائيم» كما جاء في التوراة …. وما يشير كذلك إلى الملك الذي أطلقوا عليه هذه الكنية، وهو الملك «كورش» أو «خورس» كما ذكرت التوراة.
ولكن لماذا عني اليهود بكورش هذا وحاكوا حوله كل هذه الرؤى، وأطلقوا عليه كثيراً من ألفاظ المديح؟ حتى جاء كتاب يشعياه: «وإني أقول في حق «خورس» بأنه راع له، وهو يتم مرضاتي كلها. يقول الرب في شأن مسيحه «خورس» أنا أخذت بيده اليمنى لأجعل الأمم في حوزته، وأنزع القوة من سواعد الملوك، وأفتح له الأبواب تلو الأبواب، أجل إنني أمشي بين يديك، وأقوم ما اعوج من سبلك» إلى أن يقول: «أفعل كل ذلك لتعلم أنني أنا الرب إله إسرائيل، الذي ناداك باسمك صراحة، لأجل إسرائيل شعبه المختار» (45: 1).
إن النصوص التي أوردها أزاد من الأسفار، تصور أن ملكاً سيظهر في الشرق، وينقذهم من الأسر الذي وقعوا فيه على أيدي «بختنصر» ويعيدهم من بابل إلى أرضهم، ويجدد عمارة يروشليم «القدس» والذي يفعل هذا قد ذكرت الأسفار وصفه تارة على طريق الرمز بصورة كبش له قرنان، «لو قرانائيم» أو عقاب يأتي من الشرق له جناحان، وتارة تذكر اسمه صراحة بأنه «خورس» وتصفه بأنه مسيح الله وتضفي عليه من صفات المدح وثناء الرب عليه ومخاطبته إياه بالكثير من الأوصاف.
وقد ظهر هذا في الأسفار على شكل نبوءات، ورؤى سابقة على ظهور خورس، مما جعل المؤرخين يتهمون اليهود الأسارى في بابل بمساعدته حين هجم عليها، حتى انتصر على ملكها.
ومما قدموه إليه وأطلعوه عليه من نبوءات خاصة به، ومما قيل عن هذه المساعدة، تجاوب الملك الفارسي الفاتح معهم، وعطف عليهم، وأعادهم مكرمين إلى بلادهم وجدد لهم عمارة يروشليم.
ويضيف أزاد إلى هذا عاملاً دينياً آخر وهو اتحاد عقيدة كورش مع عقيدة اليهود في توحيد الله، وسط أقوام تعكف على عبادة الأصنام … فكورش كان من أتباع الدين الزرادشتي وهو دين «توحيد»([120])، واليهودية دين توحيد كذلك.
يقول أزاد مستنتجاً: «وما دام الأمر هكذا فمن المعقول أن نفرض أن كورش بعد تغلبه على بابل لما بلغته عقائد اليهود والأحكام الأخلاقية التي جاء بها دينهم يكون قد وجد تصوراتهم الدينية قريبة جداً لتصوراته الدينية فاندفع بطبيعة الحال إلى احترامهم وتلقي نبوءاتهم برغبة خالصة».
ويضيف الدكتور عبد السلام عبد العزيز فهمي في كتابه عن «كورش الكبير» ص 61 سبباً آخر سياسياً لمساعدة اليهود على إعادة تأسيس دولتهم فيقول: «إن كورش كان يطمع في الاستيلاء على مصر، ولكنه كان يجد صعوبة في ذلك فقد كانت مصر مضرب المثل في القوة والمنعة فرأى إحياء الدولة اليهودية لتكون حائلاً بينه وبين مصر، وليتخذها فيما بعد رأس حربة إن أُتيحت له الفرصة وليستعين بهم وقت اللزوم».
وفعلاً قام خلفه «كبوشيه» أو «كم بن سيز» في اليونانية أو «قمبيز» كما نسميه بحملته على مصر سنة 525ق.م.
والمهم من هذا كله أن نعلم أنه كانت هناك صلات قوية عقائدية ومصلحية قامت بين اليهود وبين كورش، وأنه قد صار في تاريخهم بطلاً منقذاً رد إليهم اعتبارهم، ومن هنا كان أمره معلوماً لديهم دون غيرهم، وأنهم لهذا وجهوا السؤال للرسول صلى الله عليه وسلم لإعجازه … وهم مطمئون إلى أن الرسول لم يطلع على ما عندهم من التوراة ولا على تاريخهم السابق.
يقول أزاد: خطر في بالي لأول مرة هذا التفسير لذي القرنين في القرآن، وأن أطالع سفر دانيال ثم اطلعت على ما كتبه مؤرخو اليونان فرجح عندي هذا الرأي، ولكن شهادة أخرى خارج التوراة لم تكن قد قامت بعد، إذ لم يوجد في كلام مؤرخي اليونان ما يلقي الضوء على هذا اللقب.
ثم بعد سنوات لما تمكنت من مشاهدة آثار إيران القديمة ومن مطالعة مؤلفات علماء الآثار فيها زال الحجاب، إذ ظهر كشف أثري قضى على سائر الشكوك، فتقرر لدي بلا ريب أن المقصود بذي القرنين ليس إلاّ كورش نفسه فلا حاجة بعد ذلك أن نبحث عن شخص آخر غيره.
إنه تمثال على القامة الإنسانية، ظهر فيه كورش، وعلى جانبيه جناحان، كجناحي العقاب، وعلى رأسه قرنان كقرني الكبش، فهذا التمثال يثبت بلا شك أن تصور ذي القرنين كان قد تولد عند كورش، ولذلك نجد الملك في التمثال وعلى رأسه قرنان، أي أن التصور الذي خلقه أو أوجده اليهود للملك المنقذ لهم كورش كان قد شاع وعرف حتى لدى كورش نفسه على أنه الملك ذو القرنين … أي ذو التاج المثبت على ما يشبه القرنين … كما يتبين من صورة التمثال … سواء قلنا إنه صنع في عهد نفسه، أو في عهد خلفائه ….
ومع أن ما وصل إليه أزاد قد يعتبر لدى الباحثين كافياً، إلاّ أنه مفسر للقرآن وعليه أن يعقد المقارنة بين ما وصل إليه وبين ما جاء به القرآن عن ذي القرنين أو عن الملك كورش … إذ إن هذا يعتبر الفيصل في الموضوع لدى المفسر المؤمن بالقرآن …. ويقول أزاد: إنه لم توجد مصادر فارسية يمكن الاعتماد عليها في هذا، ولكن الذي أسعفنا هو الكتب التاريخية اليونانية، ولعل شهادتها، تكون أوثق وأدعى للتصديق، إذ إن المؤرخين اليونان من أمة كان بينها وبين الفرس عداء مستحكم ومستمر. فإذا شهدوا لكورش فإن شهادتهم تكون شهادة حق لا رائحة فيها للتحيز، ويستشهد أزاد في هذا المقام بقول الشاعر العربي:
ومليحة شهدت لها ضراتها
والفضل ما شهدت به الأعداء
فقد أجمعوا على أنه كان ملكاً عادلاً كريماً، سمحاً، نبيلاً مع أعدائه، صعد إلى المقام الأعلى من الإنسانية معهم.
وقد حدد أزاد الصفات التي ذكرها القرآن لذي القرنين، ورجع لهذه المصادر اليونانية فوجدها متلاقية تماماً مع القرآن الكريم، وكان هذا دليلاً قوياً على صحة ما وصل إليه من تحديد لشخصية ذي القرنين. تحديداً لا يرقى إليه شك.
فمن كورش أو قورش إذاً؟
إنه من أسرة فارسية ظهرت في منتصف القرن السادس قبل الميلاد في وقت كانت فيه بلاده منقسمة إلى دويلتين تقعان تحت ضغط حكومتي بابل وأشور القويتين، فاستطاع توحيد الدولتين الفارسيتين تحت حكمه، ثم استطاع أن يضم إليها البلاد شرقاً وغرباً بفتوحاته التي أشار إليها القرآن الكريم، وأسس أول إمبراطورية فارسية، وحين هزم ملك بابل سنة 538 ق.م. أتاح للأسرى اليهود فيها الرجوع لبلادهم، مزودين بعطفه ومساعدته وتكريمه. كما أشرنا إلى ذلك من قبل … وظل حاكماً فريداً في شجاعته وعدله في الشرق حتى توفي سنة 529 ق.م.
سد يأجوج ومأجوج
إنما نسميه بهذا لأنه بني لمنع الإغارات التي كانت تقوم بها قبائل يأجوج ومأجوج من الشمال على الجنوب، كما يسمى كذلك سد ذي القرنين، لأنه هو الذي أقامه لهذا الغرض….
ويقول أزاد: لقد تضافرت الشواهد على أنهم لم يكونوا إلاّ قبائل همجية بدوية من السهول الشمالية الشرقية، تدفقت سيولها من قبل العصر التاريخي إلى القرن التاسع الميلادي نحو البلاد الغربية والجنوبية، وقد سميت بأسماء مختلفة في عصور مختلفة، وعرف قسم منها في الزمن المتأخر باسم «سيغر» أو «ميگر»([121]) في أوروبا … وباسم التتار في آسيا، ولا شك أن فرعاً لهؤلاء القوم كانوا قد انتشروا على سواحل البحر الأسود في سنة 600 ق.م. وأغار على آسيا الغربية نازلاً من جبال القوقاز، ولنا أن نجزم بأن هؤلاء هم الذين شكت الشعوب الجبلية غاراتهم إلى كورش فبنى السد الحديدي، لمنعها، وتسمى هذه البقعة الشمالية الشرقية الموطن الأصلي لهؤلاء باسم «منغوليا» وقبائلها الرحالة «منغول»، وتقول لنا المصادر اليونانية إن أصل منغول هو «منكوك» أو «منجوك» وفي الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري «ماكوك» والنطق اليوناني «ميكاك» ويخبرنا التاريخ الصيني عن قبيلة أخرى في هذه البقعة كانت تعرف باسم «يواسي» والظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف حتى أصبحت يأجوج في العبرية ….
ويقول: إن كلمتي يأجوج ومأجوج تبدوان كأنهما عبريتان في أصلهما ولكنهما قد لا تكونان عبريتين إنهما أجنبيتان اتخذتا صورة العبرية فهما تنطقان باليونانية كاك وماكوك.
وقد ذكرتا بهذا الشكل في الترجمة السبعينية للتوراة، وراجتا بالشكل نفسه في سائر اللغات الأوروبية.
والكلمتان تنطقان في القرآن بهمز وبدون همز([122]). وقد استطرد أزاد بعد ذلك لذكر الأدوار السبعة أو الموجات السبع التي قام بها هؤلاء بالإغارة على البلاد الغربية منها والجنوبية.
ثم يحدد مكان السد بأنه في البقعة الواقعة بين بحر الخزر «قزوين» والبحر الأسود حيث توجد سلسلة جبال القوقاز بينهما، وتكاد تفصل بين الشمال والجنوب إلاّ في ممر كان يهبط منه المغيرون من الشمال للجنوب، وفي هذا الممر بنى كورش سده، كما فصله القرآن الكريم، وتحدثت عنه كتب الآثار والتاريخ.
ويؤكد أزاد كلامه بأن الكتابات الأرمنية ـ وهي كشهادة محلية ـ تسمى هذا الجدار أو هذا السد «من غوراثي» ومعنى الكلمتين واحد وهو مضيق غورش أو ممر غورش و«غور» هو اسم غورش أو كورش.
ويضيف أزاد فوق هذا شهادة أخرى لها أهميتها أيضاً وهي شهادة لغة بلاد جورجيا التي هي القوقاز بعينها. فقد سمي هذا المضيق باللغة الجورجية من الدهور الغابرة باسم «الباب الحديدي».
وبهذا يكون أزاد قد حدد مكان السد وكشف المراد من يأجوج ومأجوج.
وقد تعرض لدفع ما قيل إن المراد بالسد هو سد الصين، لعدم مطابقة مواصفات سد الصين مواصفات سد ذي القرنين ولأن هذا بني سنة 264 ق.م. بينما بني سد ذي القرنين في القرن السادس قبل الميلاد.
كما تعرض للرد على ما قيل بأن المراد بالسد هو جدار دربند، أو باب الأبواب كما اشتهر عند العرب بأن جدار دربند بناه أنوشروان([123]) بعد السد بألف سنة، وأن مواصفاته غير مواصفات السد.
ولقد كان أزاد بهذا البحث النفيس أول من حل لنا هذه الإشكالات التي طال عليها الأمد، وحيرت كل المفكرين قبله.
هجرة الأتراك الغز إلى إيران
أتراك آسيا المركزية: إن الناس الذين يطلق عليم الآن اسم الأتراك كانوا قبل القرن السادس الميلادي يعرفون بأسماء سياسية وقبلية شتى. وفي النصف الأول من القرن السادس الميلادي، هاجرت جماعات من القبائل التركية الألتائية من مساكنها وشكلت مع القبائل المجاورة لها إمبراطورية عظيمة امتدت مناطق سيطرتها من أراض المغول (منغوليا) إلى البحر الأسود.
وقد انتخب في البداية مؤسسو هذه الإمبراطورية الكبيرة لأنفسهم اسم الترك، الذي يستعمل في لغتهم بصورة توروك (Turuk) أي القوي. وكان الصينيون يطلقون على هذه الأقوام من لغتهم اسم تو ـ جونه Tu-Chueh أو بقراءة أخرى تو ـ كيو Tou-Kiue. وفي عام 582 ميلادي انقسم مؤسسو امبراطورية الترك إلى قسمين الأتراك الشرقيين والأتراك الغربيين. واتخذ الأتراك الشرقيون من (أوخون) في بلاد منغوليا مقراً لحكمهم، بينما كان مقر حكم الأتراك الغربيين في سميرجي (Semirechy).
وفي عام 630 ميلادي وجد هسو آن ـ تسنك Hsu-an-Tsang السائح الصيني المعروف مخيمات الأتراك الغربيين بالقرب من نهر Chu وكتب عنهم.
رضي كلا الشطرين التركيين، الشرقي والغربي بسيطرة وسيادة الفغوريين الصينيين، وفي عام 742 ميلادي، كان اتحاد الأويغوريين الذي تشكل من القرلوقيين (خلوخيين أو خلخيين) والبسميليين Basmil سبباً في انقراض دولة الأتراك الشرقيين وفي عام 745م سيطر الأويغوريون على مدينة أورخون. ولكن سلطة الخاقانات الأصليين (للتوجونة) ظلت قائمة حتى عام 765م حين أخضعهم الصينيون لسيطرتهم.
ومن عام 685 إلى عام688م كانت أراضي التوجوئيين الغربيين عرضة دائماً لهجمات الخاقانات الشرقيين. ويرتبط زوال حكومة (التوجوئيين) الغربيين مع ظهور أقوام التورگيش (Turgich) التركية الأصل. وفي عام 716م خرج الأتراك الغربيون من سيطرة الأتراك الشرقيين وأسس رئيس قبيلة التورگيش الذي يعرف باسم سولو Sulu دولة تركية قوية في آسيا المركزية. وظلت سلطة أمراء هذه القبيلة التركية قائمة حتى أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن أي حتى عام 739م.
أصبح التورگيشيون عرضة لهجمات جيوش العرب والصين من الغرب والجنوب. وفي عام 751م هزم الصينيون على أيدي العرب بالقرب من ولاية تلس Talas، وكذلك فقدت القبائل السوداء والصفراء للتورگيشيين قوتها في الحروب الداخلية، ومن ثم احتل القرلوقيون وديان جووتلس عام 766م، وقاموا بأنفسهم باحتلال سوياب Suyab عاصمة التورگيشيين في نفس ذلك العام، وكانت تلك نهاية أمبراطورية التوجوئيين.
بقي الأويغوريون في أورخون حتى عام 840م حيث هزمهم في ذلك العام القرقيزيون (الخرخيزيون)، وأثر ذلك تشتت بقاياهم وذهب الكثير منهم إلى كانسو Kansu وأقاموا حكومة جديدة هناك. واستمرت دولتهم الجديدة حتى عهد سيطرة التنگوتيين Tangut عام 1020م. وفي عام 860م أقام الأويغوريون دولتهم الجديدة في شرق جبل تيان شان الشرقي، وظلوا يحكمون باستقلال تام في هذه المناطق حتى زمن المغول([124]).
وفي القرن الثامن الميلادي، أسس الأورغوزيون دولتهم في الأجزاء السفلى من سيردريا (نهر سيحون). ويرجع هؤلاء وأقوام التوغوز أوغوز ـ الذين يعدون من الأتراك الشرقيين ـ إلى أصل واحد وقبيلة واحدة.
وهؤلاء الأوغوزيون هم قبيلة من الأتراك الغربيين الذين تناثروا بعد وفاة سولو رئيس قبيلة التورگيش. ولم يكن هؤلاء يقومون بحروب منظمة، إنما كانت حروبهم عبارة عن غزوات وهجمات مفاجئة على مدن ما وراء النهر. وأحياناً يساعدون الياغيانيين والسركشانيين.
ومن أجل أن يحفظ أهالي ما وراء النهر أنفسهم من هجمات هؤلاء، فإنهم اضطروا لإقامة جدران عظيمة تشبه السدود في زاشت قرب بخارى.
ومنذ القرن التاسع الميلادي عُرِف قوم التغزغز لدى العرب. ويروى عن محمد بن موسى الخوارزمي بأن المكان الذي ورد في كتاب بطليموس باسم اسكيتياس Scythias إنما هو بلاد الترك والتغزغز.
ويذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب (ج 1 ص 288 و365) ضمن رواياته بأن التغزغز ترتبط بالصين وليس الأويغور. وكان خان الأويغور في القرن الثامن الميلادي يطلق على قبائل اسم: أون ـ أويغور وطرقوز أغوز([125]).
وجاءت كلمة «غز» في العربية (تاج العروس) بصورتين: «الغزغز» و«غز» حيث يكتب صاحب تاج العروس حول هذه الكلمة العبارة التالية: «الغزغز گهدهد جنس من الترك»([126]).
ويكتب دزي في ذيل المعاجم العربية([127]) بأن مفرد «غز: غزي» وجمعها «أغزاز». ويطلق اسم الغز على الأكراد أيضاً. وفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي قدم جماعة من الغزيين بقيادة قره قوش من مصر إلى شمال إفريقيا ودخلوا في خدمة الموحدين الذين كانوا ـ آنذاك سلاطين تلك البلاد. وكان لهؤلاء أقواس خاصة بهم، تسمى «قسي الغز». وكانوا يمثلون المرتبة العسكرية الثالثة عشرة. وفي القرن السابع عشر الميلادي فقدوا مناصبهم ومقامهم، وأُوكِل إليهم عمل الكي بالنار والضرب بالسياط وضرب الأعناق، ولذلك كانت كلمة «الغز» تعني في لغة البرتغاليين معنى «الجلاد»([128]).
مساكن الغز
أشار الجغرافيون العرب للغز منذ أواسط القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). وفي القرن الرابع الهجري كانت الأراضي الخاضعة للأتراك الغزيين هي عبارة عن المناطق التي يحدها من الجنوب بحر الأراك وسيردريا (نهر سيحون) ومن المغرب نهر الأورال أو الفولگا السفلى وبحر الخزر، ومن الشمال الشرقي اعالي نهر إيرتيش Irtyish.
وكان جيران الغز في القرن الرابع الهجري أتراكاً: ففي شمالهم قوم كيماك وبعض أهالي قبجاق وفي شرقهم الخرلخ (قرلوق) وفي غربهم البجنگيون (Pecheng) ويحاذون دولة الخزر (Khazar) النصف تركية. وكان الغز يرتبطون بعلاقات مع بلغاريي الفولكا جيدة إلى حد ما. وكانت حدودهم الجنوبية هي عبارة عن العالم الإسلامي وبلاد خوارزم وما وراء النهر.
وكان الغز غالباً ما يبيعون الأغنام والبُرَد والجلود والخز والسنجاب الذي يحصلون عليه من الغابات الشمالية إلى البلدان المتحضرة والمسلمة، وهم يقطنون المدن الحدودية الصغيرة وإحدى هذه المدن هي ياني كنت Yani Kant التي يحتمل أن تعطي معنى «نوكرده» بالفارسية و«حديثة» بالعربية، وسكنهم لهذه المدن الحدودية يكون في فصل الشتاء مع رئيسهم. وتقع هذه المدينة «ياني كنت» في الأقسام العليا من نهر جند Jand الذي يعرف اليوم باسم برفسك Perovsk.
وكانت مساكن الغز تمتد من السواحل الشرقية لبحر الخزر وشمال جرجان إلى حدود الباراب (الفاراب) وناحية دست كند واسبيجاب في السواحل الغربية لسيحون وتتداخل حدود الغز والخرلخ في هذه المناطق الأخيرة. وحتى أواخر القرن الرابع الهجري كانت ثمة سدود وجدران في بعض حدود خوارزم وما وراء النهر لصد الأتراك، وهي تشبه إلى حد ما جدار الصين الذي أُقيم لصد المغول ذوي الوجوه الصفراء. ومن ضمن هذه السدود، سد عبد الله بن حميد المعروف بحائط القرص وهو يبدأ من منطقة بين مصب نهر جيحون وسيحون إلى الشمال من بيكند ويمتد حتى حدود مدينة طراز([129]).
ذكر مساكن الغز
في الكتب الإسلامية القديمة
يكتب ابن حوقل بأن نهر الشاش هو نهر كبير، يجري في حدود بلاد الترك والإسلام. ثم يمضي بطيئاً عبر مدينة تركان من حدود أوز، وترفده في هذه المنطقة عدة روافد مثل نهر خرشاب وأفرست، وقبل وجدغل، فتزداد مياهه ويستمر بالجريان عبر أخسيكث وخجند وبناكت وستكند حتى يصل ياراب أو فاراب ثم يستمر في الصحراء، وتقع مدينة الغز إلى جانبه. ويجري هناك على بعد فرسخ واحد عن (ديه الحديثة) ثم يصب في بحر خوارزم([130]).
ويضيف ابن حوقل والاصطخري بأنه في الجانب الأيمن لبحر آبسكون قرب دهستان ثمة موضع يسمى بـ «سياه كوه». وقد سكنه حديثاً قوم من الأتراك الغز، حيث اختلفوا فيما بينهم فاختار هؤلاء السكن في هذه المنطقة. وثمة مراتع واسعة في هذه المنطقة وعيون ماء كثيرة([131]).
ويطلق الإصطخري على شمال بحر الخزر اسم «مفازة الغز». ويكتب أيضاً بأن جرجان ملتقى لتجارة الغز. حيث يعرضون في هذه المدينة سلعهم([132]).
ويكتب ابن حوقل حول نهر الشاش (جاج) بأنه لو امتد في جريانه لأصبح يعادل ثلث نهر جيحون. ويحمل الغز تجارتهم في أوقات السلم عن طريق هذا النهر لإيصالها إلى قرية ديه نو أو (ديه الحديثة). والمسلمون لا يزالوا في صلح مع الأتراك، ويكثر المسلمون في قرية حديثة وهذه القرية هي دار مُلْكِ الغز، حيث يختار ملك الغز السكن في هذه القرية في فصل الشتاء، وتجاورها مدن جند وخواره، ويكثر المسلمون هناك وهم خاضعون لحكم ملك الغز، وتمتاز جند بكونها الأكبر من بين المدن الثلاث جند وحديثة وخوارة، وتقع على بعد عشرة منازل عن خوارزم وعشرين منزلاً عن فاراب([133]).
وجاء في ترجمة المسالك والممالك للاصطخري بخصوص الغز ما يلي: «اما تركستان وتغزغز وخزخيز وكيماك وغريه خرلخيه فكلها ذات لغة واحدة وأما أرض الغز فهي من الخزر وكيماك إلى أرض خرلخيه وبلغار. بينما تقع حدود المسلمين فيما بين جرجان وساحل البحر([134]).
«ويمتد الجانب الغربي لولاية غزيه وحد طراز إلى فاراب وشتكند وسغد سمرقند ونواحي بخارى وحتى خوارزم وساحل البحر»([135]).
«وتتصل إحدى حدود خوارزم بغزيه، وهو الحد الغربي، وكذلك يرجع شمالها إلى حدود غزيه، بينما تتصل الحدود الشرقية والجنوبية بخراسان وما وراء النهر»([136]).
و«يصب جيحون في بحر خوارزم، وتقع أرض الغز إلى جانب هذا البحر، وحينما يكون الوضع في حالة سلم، فإنهم يأتون (ديه براتكين) ومن جانب آخر (گركانج) وكلا هاتين المنطقتين تقعان على جانب جيحون»([137]).
«ومدينة صبران هي موضع يأتيه الغز للتجارة وحينما لا تكون ثمة حرب فإن المدينة تكون في غاية النعمة»([138]).
ونهر الشاش نهر كبير، ينبع من تركستان في حدود أوزكند، ثم يتصل بأنهر خرشاب وافرست وقبا (فنا) وجدعل وغيرها من الأنهر فيتكون نهر عظيم يتجه نحوأخسيكث، ثم يصل خجند ومنها إلى بناكث وتاستكند وفاراب، ولما كان هذا النهر يعبر حدود صبران فإن الغز يتناثرون حوله. وأكثر هؤلاء الغز هم من المسلمين ويقدم ملك الغز إلى هذه الأماكن في فصل الشتاء وهو رجل عادل. وتفصل هذه الأماكن عن خوارزم عشر مراحل وعن فاراب عشرون مرحلة»([139]).
ويكتب محمد بن نجيب بكران في كتابه (جهان نامه) الذي صنفه عام 605 هجري قائلاً: يصل نهر الشاش أخسيكث بعد أن تنضم إليه الأهوار المجاورة لأوزكند، ثم يمضي عبر خجند وباراب ويجتاز أرض قبائل الترك والتركمان حتى يصب في بحيرة جند.
ويكتب أيضاً ما يلي:
«وموطن الغز في الأصل هو باراب (تاراب) وبحيرة جند على جانبي جيحون. ثم نزل بعض منه من حدود بلخ إلى حدود ختلان وسكنوا هناك حتى عهد السلطان الشهيد سنجر بن ملكشاه وبعد ذلك خرجوا إلى خراسان في سنة 547 هجرية ومن ثم رحلوا إلى كرمان. أفنى الله باقيهم»([140]).
وجاء في كتاب حدود العالم من المشرق إلى المغرب المصنف في عام 372 هجري حول مواطن الغز ما يلي:
«ومن الجزر الأخرى لبحر الخزر، جزيرة «سياه كوه»، ويقطنها جماعة من الأتراك الأغوز حيث يعتمدون على السرقة في البر والبحر»([141]).
«وفي آخر حدود الترك التغزغز، حيث حدود الصين، ثمة جبل يبلغ امتداده أربعين فرسخاً ويسمى «طفقان»، وبالقرب من طفقان ثمة جبل آخر في ناحية تغزغز يتجه نحو الغرب بين تغزغز ويغما حتى يتصل بجبل مانسا».
«وهناك جبل آخر يبدأ من حدود تغزغز قرب بحر إيسلي گول ويتجه صوب أواخر نخسيان وأول حدود خلخ ثم ينعطف نحو أقوام الخرخيز»([142]).
ويكتب في معرض حديثه عن ناحية التغزغز: «تحدها من الشرق الصين، ومن الجنوب بعض خلخ ومن الغرب بعض أراضي الخرخيز ومن الشمال أراضي الخرخيز أيضاً، ويقطنها الأتراك، وهم في الأصل أكثر الاقوام، وكل ملوك تركستان في السابق هم من التغزغز، وهم أهل حرب وسلاح كثير، ويتنقلون من مكان لآخر في الصيف وراء المراتع والهواء المناسب.
وتتميز أرضهم بكثرة المسك والثعالب السوداء والحمراء والملمعة، وفراء السنجاب والسمور وغيرها من الحيوانات التي تتميز بفرائها الثمين، وكذلك يوجد في هذه الأماكن الكثير من الغنم والأبقار والخيول. وتكثر المياه في هذه النواحي، التي يسكنها أكثر الأتراك عدداً وأقواهم عدة. والتغزغز هم من نفس جنس التتار.
جينانجكث
وهي قصبة التغزغز ومقر ملكهم وهي مدينة متوسطة، وتتصل بحدود الصين، ويبلغ جوها في الصيف من الحر أقصاه، وفي الشتاء من العذوبة غايتها، وبالقرب منها ثمة جبل يسمى طفقان، وبعده جبل (بهج ده) أي القرى الخمس وأسماء القرى هي: كوزارك، جملكث، بنجيكث، بالرلغ، وجامغر، ويسكن ملك التغزغز قرية بنجيكث في فصل الصيف، وتقع إلى شمال التغزغز قرية بنجيكث في فصل الصيف، وتقع إلى شمال التغزغز صحراء تفصلهم عن خرخيز وتمتد إلى ناحية كيماك»([143]).
ويكتب مينورسكي في حواشيه على كتاب حدود العالم، شرحاً لبعض أماكن الغزيين حيث يقول: إن جبل طفقان الذي يفصل جينانجكث عن بنجيكث، هو دون ريب جبل تيان شان الشرقي الذي تبلغ اعلى قمة فيه 12080 قدم. وكلمة طفقان هي تلفظ خاطئ لـ (تورفان) التي وردت في الكتب العربية بهذه الصورة. وورد اسم تورفان على شكل آخر هو تتوربامني كاميتا Turpamni-Kamptha في المصادر السكايمية في القرن الثامن. وكلمة بنجكيث هي كلمة إيرانية وسغدية ويقابلها في التركية بيش ـ باليق Bish-baliq وتعطي في اللغتين معنى خمس مدن. وجاء اسم به ئي ـ تينك Pei-ting في اللغة الصينية بمعنى البلاط الشمالي. وقد ذكر اسم بيش باليق في الكتب القديمة الأورخون في شرح كولتگين عام 713م.
وجينانجكث هي نفسها جينانكث أي المدينة الصينية، وهي تقع على بعد 45 كم إلى الشرق من تورفان، وقد وردت في اللغة الصينية بصورة كائو ـ جانگ Kao-chang ثم أصبحت هو ـ جو Hu-Chu وصارت في اللغة التركية بصورة قريبة من ذلك: قو ـ جو Qo-Cho.
ويطلق عليها أبو ريحان البيروني في قانون المسعودي ص 103 اسم جينانج كث ويقول بأنها نفس مدينة قو ـ جو التي تعتبر مقراً للأويغورخان. وورد اسم هذه المدينة في ديوان اللغات التركية لمحمود كاشغري (ج 3 ص 165) على أنها قجو.
ويظهر أن جامغر كانت في الأصل Chamghar وتقع في الطريق بين فرغانة وخجند، وفي الكتابات العربية هي صامغار وصامغر([144]).
ويكتب ياقوت الحموي في ذيل عنوان تركستان ما يلي([145]):
المدن المشهورة للأتراك هي ست عشرة مدينة، والتغزغز في وسط بلاط الترك يشبهون أهل البادية في حلهم وترحالهم. ويقال بأن الأغنام في بلاد الترك لا تلد أقل من أربعة مواليد وربما بلغ أولادها الخمسة أو الستة، ويندر أن تلد اثنين أو ثلاثة، وأوسع بلاد الترك هي تغزغز.
ويرى الخواجة رشيد الدين فضل الله بأن أقوام الأويغور والقبجاق والقانقلي والقارلوق (خرلوخ، خلخ) والقلج (خلج) هم طوائف الأوغوز([146]).
تقاليد وأعراف الغز
أول سائح مسلم سافر إلى أرض الغز وكتب عن تقاليدهم وأعرافهم مواضيع مفيدة هو تميم بن بحر المعروف بالمطوعي. ويظهر أنه من عائلة المطوعين الذين يتطوعون للجهاد في ثغور المسلمين. ويذكر ياقوت الحموي في كتاب معجم البلدان في ذيل كلمة تركستان بعض المواضيع التي كتبها تميم المطوعي حيث يقول: «سافر تميم بن بحر المطوعي إلى أرض الغز واستغرق سفره ستة أشهر، ويكتب في كتاب رحلته بأن أرضهم غاية في البرودة. وأمضى عشرين يوماً في الصحاري المليئة بالعيون والمراتع، ولكن ليس فيها حتى قرية واحدة. وقد رأى الغز الذين هم جميعاً من البدو الرحل، ثم سافر بعدها لمدة عشرين يوماً أخرى إلى المدن فوجد هناك عمراناً كثيراً.
ويقول بأن أهلها من عبدة النار والزرادشتيين والزنادقة (المانويين). ثم سافر إلى مدينة ملك الغز ويقول بأنها محاطة بالقرى العامرة التي تتصل ببعضها وللمدينة اثنتا عشرة بوابة كبيرة من الحديد، ويشاهد في أسواقها وأزقتها الجماعات المتزاحمة من الناس. ويشتغل أهلها بالتجارة وأكثرهم يعتنقون دين الزنادقة (المانويين) ويضيف «بان بعد المدينة عن بلاد الصين أكثر من ثلاثمائة فرسخ. وقبل أن أدخل مدينة الملك شاهدت قصره عن بعد وقد أُقيم بالذهب، وعليه تسعمائة حارس»، ويكتب المطوعي في كتابه عن الأحجار الصغيرة التي يتوسل بها الأتراك لطلب المطر ونزول الثلوج، ويعرض بالتفصيل لكيفية استخدامهم لها من أجل نزول المطر وقد ورد ذلك في كتاب معجم البلدان([147]).
ذكر ابن فضلان للغز
يكتب أحمد بن فضلان بن عباس بن راشد بن حماد الذي سافر إلى بلاد الغز في أواخر القرن الثالث الهجري في رسالته المعروفة بـ «رسالة ابن فضلان» فيقول: «ثم وصلنا إلى قبيلة من قبائل الترك تسمى «الغزية»، وأهلها من سكنة الصحراء الذين يقيمون في خيم سوداء، وإذا حاق بأحدهم الظلم أو حدثت له مصيبة فإنه يرفع رأسه إلى السماء ويدعو الله بلغتهم «بيرتنگري» أي الإله الواحد. وهؤلاء الناس لا يعرفون الطهارة ولا يغتسلون وخصوصاً في فصل الشتاء حيث ينقطعون عن الماء، ولا تتستر نساؤهم عن رجالهم، وكذلك فإن النساء لا تخفي أي عضو من أعضائها عن الأنظار. وعرفهم في الزواج هو أن ينتخبوا فتاة أو امرأة ويخطبونها للرجل مقابل بعض الملابس الخوارزمية.
وفي بعض الأحيان يكون مهرها عبارة عن بضعة جمال أو حيوانات أخرى. ولا يستطيع أي شخص لمس المرأة قبل إعطاء مهرها الذي يجب أن يوافق عليه أبوها، وحالما يؤدي مهرها فإنه يدخل بيتها دون حياء ولا وجل ثم يأخذ بيدها أمام أبيها وأمها وذويها ويصطحبها معه إلى بيته. وحينما يتوفى الرجل ويترك زوجته فإن ابنه الأكبر يتزوج منها إن لم تكن أمه.
ولا يقدر أي غريب أو تاجر أن يغتسل غسل الجنابة أمام الغز، إلا في الليل وبعيداً عن أنظارهم، لأنهم يغضبون لهذا العمل. ويقولون بأن هذا الشخص يريد إلحاق الضرر بنا، وكل من ينزل إلى الماء بحضورهم فقد ارتكب جريمة.
وإذا أراد أحدهم السفر، فإنه يؤمن إبله وحيواناته وأمواله عند صديقه، ولا يأخذ منها إلا ما يحتاج إليه، وعندما يعود من سفره يستعيد أمانته. وقد التقيت أحد ملوكهم ويدعى (ينال كوجك) أي ينال الصغير، وقد اعتنق الإسلام حديثاً. وكانوا قد اعترضوا عليه بأنه لن يكون رئيساً لهم إذا اختار الإسلام، لذلك اضطر إلى التخلي عن الإسلام.
وإذا مرض أحدهم وله غلام أو جارية فإنه يعكف على خدمته ويسهر على راحته، ويبقى في منأى عنه دون أن يدنو منه، ويبقى المريض في خيمته دون أن يفارقها حتى يبرأ أو يفارق الحياة.
وإذا لم يكن لهذا المريض احد، فإنهم يلقونه في الصحراء، ويذهبون إليه بعد موته، فيحفرون حفرة عميقة على شكل غرفة، ثم يشدون إليه إزاره وحزامه وقوسه، ويضعون في يديه قدحاً من النبيذ وإزاءه قدحاً خشبياً من الشراب، ويضمون إليه أمواله ثم يجلسونه في الغرفة (الحفرة) ويغطون سقفها ثم يقيمون قبة على السقف. ثم يعمدون إلى حيواناته فيذبحون منها من الواحد إلى المائة وحتى المائتين، ويأكلون جميع لحومها عدا الرأس والجلد والذنب، ثم يعلقون ما لم يأكلوه على خشبة ويقولون بأن هذه هي حيواناته التي يجلس عليها ويذهب بها إلى الجنة. وإذا كان هذا الرجل شجاعاً وقد قتل في حياته أحداً، فإنهم يصنعون مجسمات صغيرة من الخشب بعدد الذين قتلهم من الأعداء ويضعونها على قبره، ويقولون بأن هؤلاء خدمه الذين يخدمونه في الجنة.
وعموم الأتراك يحلقون لحاهم ويطلقون شواربهم.
ويعتنق التغزقاقان المذهب الديناوري (إحدى فرق المانوية)، ولكن ثمة مذاهب أخرى في ولايته هي الترسا والثنوي والشمني وليس له وزير.
وعندما يأخذون أحدهم بتهمة السرقة، فإنهم يضعون القيود في رجليه ويشدون يديه إلى عنقه، ويضربونه على كل فخذ مائتا جلدة وعلى ظهره مائة جلدة وينادي المنادي عليه ليعتبر من يشاهد ولا يفعل فعلته، ثم يقطعون كلتا يديه وأذنيه وأنفه. وإذا زنى أحدهم بفتاة غير متزوجة، فإنهم يضربونه ثلاثمائة جلدة، وإذا زنى بامرأة متزوجة، فإنهم يأتون بها إلى الملك ليأمر بجلدهم ثلاثمائة جلدة لكل منهما، ثم تُزَوَّج المرأة من الشخص الذي زنى بها»([148]).
الاعتقاد بالتوتم
يعتقد الغز كسائر الأقوام الابتدائية بالتوتم أي الحيوان المقدس للقبيلة. ويسمون هذا الحيوان في لغتهم أون قون (أنقون) ويسمون العلامة التي يختارونها له باسم تمغا. وقد ذكر الخواجة رشيد الدين في جامع التواريخ حديثاً مفصلاً عن الأونقون والتمغا.
الأتراك الغز في العصر الإسلامي
يكتب الخوارزمي في مفاتيح العلوم عن ألقاب الغز ما يلي: «يسمى ملك الغز والخرلخ بـ (جبويه) وولي عهده بـ (ينال تكين) ويسمى كل رئيس من رؤساء الأتراك باسم «ينال» وقائد الجيوش باسم بزرك، وشريف الأتراك باسم طرخان وجمعه طراخنه([149]).
ويذكر الكردريزي بأن هارون الرشيد، عين غطريف بن عطار حاكماً لخراسان، وأرسل عام 275 هجري عمر بن جميل لإخراج جبويه (ملك الغز) من فرغانة([150]).
ويكتب أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري المتوفى عام 297هـ وهو أول مؤرخ إسلامي يكتب عن طائفة الغز، فيقول: «في عهد المعتصم بالله العباسي أرسل عبد الله بن طاهر ابنه طاهر بن عبد الله إلى بلاد ما وراء النهر، ففتح بلاد الغوزية» وبلاداً أخرى لم تكن الجيوش الإسلامية قد وصلتها من قبل([151]).
الأتراك الغز في العهد الساماني
كان الأتراك الغز في العهد الساماني من المتنفذين والمقربين إلى ملوك هذه السلسلة، ولما وقعت الحرب بين إيلك خان التركي الذي كان من أمراء الأتراك الأفراسيابيين فيما وراء النهر والمنتصر آخر ملوك السامانيين، هرع رئيس الترك الغز الذي كان يدعى الحارث علم بردار بثلاثة آلاف من جنوده لنصرة المنتصر. فاستطاع الأخير إحراز النصر على قوات إيلك خان قرب بورنمذ في شعبان من عام 394 هجري، بمساعدة الغزيين والحكام المحليين. وكان النصر ساحقاً ولكن الدولة كانت مستعجلة، إذ عاد إيلك خان للحرب مع المنتصر في صحراء هنكر Hangar بين ديزك وخواص، وأثناء الحرب التحق بإيلك خان أحد الضباط الأتراك ويدعى حسن بن قاق ويظهر أنه كان من الغز، ومن ثم لم يتدخل الغز في الحرب، وهكذا انتصر إيلك خان وفر المنتصر إلى خراسان([152]).
ويكتب الخواجه رشيد الدين فضل الله تاريخ الرشيدي في قسم الغزنويين ما يلي: «ولما استولى إيلك خان على بخارى فإنه ألقى أولاد نوح بن نصر الساماني في السجن، ومن بين هؤلاء كان أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح الذي هرب من السجن في زي النساء، وذهب إلى خوارزم متلقباً بالمنتصر حيث لجا إلى الغزيين، فرحبوا به لقرابته. ثم انتصر جيش الأوغوز على جيش إيلك خان وأسر بعض جنوده. وبعد أن أخذ الأتراك الأوغوز يفكرون بأن مصلحتهم تكمن في الصلح مع إيلك خان، فإن المنتصر خرج من بينهم وعبر جيحون وخوفاً من الأتراك الأوغوز رحل من آمل خوارزم إلى مرو([153]).
ويكتب الكردريزي: «رحل أبو إبراهيم المنتصر الساماني عام 391هـ إلى باورد ومنها إلى الأتراك الغز، وظل بين الغز، ثم عزم هؤلاء على الحرب معه وكان زعيمهم قد أسلم، فاهتم بأبي إبراهيم ثم قدم معه إلى جبل صغير ووقعت الحرب بينهم وبين سباشي تكين، فهزم الأخير. ثم أقبل إيلك إلى سمرقند وهاجم ذلك الجبل فأخذ ثمانية عشر من قواد الغز وأسر الكثير من أفرادهم، فيئس ابو إبراهيم وذهب إلى معبر درغان في ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل وعبر «آمو» حيث كان متجمداً. ثم تبعه الغز وتقصّوا اثره ليطلبوه فحاولوا العبور من النهر، ولكن ثلوجه تكسرت فسقطوا في الماء جميعاً([154]).
الأتراك الغز في زمن محمود الغزنوي
يكتب ابن الأثير في حوادث سنة 408 هجرية، بأنه استولى ثلاثمائة ألف من أجناس الأتراك ومن بينهم «الخطائية» على بلاد ما وراء النهر، وهؤلاء الأتراك هم من الكافرين. فطلب طغان خان ملك تركستان المسلم المساعدة من المسلمين، فتطوع لمساعدته ما يقارب المائة ألف، ولما علم الأتراك بالخبر رجعوا إلى بلادهم. وظل طغان خان يتعقبهم لثلاثة أشهر فقتل منهم أكثر من مائتي ألف وأسر مائة ألف منهم، وغنم حيواناتهم والآنية الفضية والذهبية التي جلبوها معهم من الصين، ثم عاد إلى بلاساغون وتوفي فيها فخلفه أخوه أبو المظفر أرسلان خان واتحد مع قدر خان للحرب ضد محمود الغزنوي، فتصدى لهم الأخير وقتل الكثير منهم وأغرق أكثرهم في جيحون([155]).
وكذلك يكتب ابن الأثير في حوادث سنة 420هـ، بأن الأتراك الغز الذين كانوا إلى جانب إرسلان التركي قد حاولوا في هذه السنة عبور جيحون والغارة على خراسان والعبث فيها فساداً. وكان هؤلاء يعيشون في صحراء بخارى، فهاجمهم السلطان في بلادهم وشتتهم، وأودع أرسلان بن سلجوقي التركي السجن، وقتل الكثير من الأتراك. وقد دخل بعضهم خراسان وباشروا بالقتل والنهب فيها، وذهب ألفان منهم إلى أصفهان، فكتب السلطان محمود من علاء الدولة حاكم المدينة يطلب منه إرسالهم أو رؤوسهم إليه. ولذلك دعاهم علاء الدولة لضيافته وأخفى الجنود الديلم في البساتين، ليفاجؤوهم بسيوفهم حالما تصدر الأوامر بذلك. ولكن أخبر الأتراك الغز بنية الأمير أحد الغلمان الترك للأمير علاء الدولة، فعمدوا من فورهم إلى قطع خيمهم والابتعاد عن المكان، وفي أثناء ذلك دارت معركة بين الديالمة والأتراك، كانت الغلبة فيها للأتراك الغز، ثم أخذ هؤلاء بالغارة على القرى الواقعة في طريقهم حتى وصلوا إلى آذربيجان فلجؤوا إلى وهسودان ملك تلك المناطق. ولكي يستفيد هذا منهم في حروبه فإنه رحب بقدومهم وضمهم إلى جيشه. ولكن الأتراك الغز في خراسان قدموا إلى جبل بلخان الذي كانت خوارزم القديمة واقعة بالقرب منه، وباشروا بقتل الناس ونهب أموالهم. فأرسل السلطان محمود أمير طوس أرسلان جاذب للقضاء عليهم، فظل هذا يتعقبهم لسنتين بجيش كبير، وكان محمود يتقاتل معهم أحياناً في نيشابور وأخرى في جرجان([156]).
وقد نفذ الدين الإسلامي إلى أوساط قبائل الأتراك بواسطة الغزاة المسلمين والتجار والصوفيين. وهكذا اعتنق الأتراك الغز الدين الإسلامي قبل القرن الرابع الهجري.
وقد حال اعتناقهم للدين الإسلامي دون استمرار المسلمين الآخرين بمهاجمتهم، واستطاعوا التجول في البلاد الإسلامية بناء على «إنما المؤمنون إخوة»، ثم باشر هؤلاء بجهاد الأتراك، الكافرين وغزوهم من أجل نشر الدين الإسلامي بينهم.
وسمي الأتراك الغز الذين اعتنقوا الإسلام باسم (التركمان) منذ أوائل القرن الرابع الهجري. وفي زمن السلطان سنجر السلجوقي كان هؤلاء التركمان الغز الذين كانوا يعيشون آنذاك في أطراف بلخ، هم أنفسهم الذين هاجموا بلاد السلجوقيين. واتحدت في القرن الرابع قبائل الغز أو الأتراك الغربيين مع بعضها في اتحاد القبائل التركية وأخذت قبيلة (يبغو) على عاتقها زعامة وقيادة هذه القبائل. وكانت قبيلة يبغو تعيش آنذاك في الجانب الأيمن لقرلوق (خلخ)، وأكثر هذه القبيلة كانت تسكن في يانيكنت Yani Kant وهم يسمون رئيسهم باسم (كوذركين) وقائد جيشهم باسم (سوباشي).
وفي زمن السلطان محمود التقى محسن بن طاق الذي كان أمير الأغوز حينها بأحد أمراء السلطان ويدعى سباشي تگين في صحراء مرو وكانت الغلبة للسباشي حيث شطره إلى نصفين([157]).
الغز العراقيون
بعد وفاة السلطان محمود في عام 421هـ وجلوس مسعود في محله، قدم بعض الأتراك الغز الذين كانوا يتخذون من جبال بلخان مقراً لهم إلى مسعود ودخلوا في طاعته. وحينما عزم مسعود على القضاء على أحمد ينال تگين في بلاد الهند، تمرد هؤلاء الأتراك الغز.
وفي نيسابور قتل مسعود أكثر من خمسين شخصاً من زعمائهم.
وأما الغز الذين هاجروا إلى الري واختاروا هذا المكان سكناً لهم، فقد سموا بـ (الغز العراقيين)، وفي طريقهم إلى مشكويه من نواحي الري أغار البوقا والقزل واليغمر والناصقلي على مناطق دامغان وسمنان وخوار وإسحاق آباد الواقعة في طريقهم. فأقبل تاش فراش في ثلاثة آلاف فارس وعدد من الفيلة لصدهم، وكان الغز خمسة آلاف رجل فهاجموا تاش فراش وقتلوا الفيل الذي يركبه وأهلكوا الكثير من جنوده الأكراد والخراسانيين، وغنموا سائر فيلته وأمواله، ثم هجموا على الري وحاصروها. فلجأ أبو سهل الحمداني بجيشه إلى قلعة طبرك. ودخل الغز إلى المدينة وأغاروا على عدة مناطق منها ثم وقعت معركة بين أبي سهل والغزيين وأسر في هذه المعركة ابن أخت يغمر وعدد من الغز الآخرين فخرج الغز من مدينة الري، واتجهوا صوب آذربيجان، وكانت هذه المعركة قد وقعت في عام 427 هجري.
ولما علم علاء الدولة صاحب أصفهان بأن الغز قد غادروا الري، قدم إليها وأبدى للسلطان مسعود طاعته. لأنه كان يرى في أبي سهل الحمداني مانعاً دون ما يريد، فإنه دعا الأتراك الغز رغماً عنه ـ ووعدهم بإقطاعهم الأراضي في أطراف المدينة. ومن ثم قدم ألف وخمسمائة تركي بزعامة شخص يدعى قزل إلى مدينة الري وأقاموا هناك. ورحب بهم علاء الدولة. ولكن لم يمض وقت طويل حتى ثار الأتراك الغز ثانية وباشروا بقتل النفوس ونهب أموال الناس. فاضطر علاء الدولة إلى كتابة رسالة إلى أبي سهل الحمداني الذي كان آنذاك يعيش في طبرستان وعقد معه عهداً على البقاء في طاعة مسعود. ثم ذهب أبو سهل إلى نيسابور وبقي علاء الدولة في الري([158]).
وفي عام 429هـ استولى الغز الذين كانوا قد رحلوا إلى آذربيجان على مراغة بقيادة زعمائهم كوكتاش ومنصور دانا، ثم أحرقوا مسجد المدينة الجامع وغادروها إلى الري مرة ثانية، فحاصروها. ولما كانت ثمة خلافات بين خسر بن مجد الدولة وكامروا الديلمي صاحب ساوة من جهة وعلاء الدولة من جهة أخرى فإنهما عمدا إلى دعم الأتراك فاضطر علاء الدولة إلى الهرب من الري والتوجه إلى أصفهان. فدخل الغز مدينة الري وباشروا بأعمال القتل والسلب والنهب، وبقوا فيها خمسة أيام لم يتورعوا خلالها عن ارتكاب أنواع الجرائم والفسق والفجور مع نساء المدينة. وعندما هرب علاء الدولة إلى أصفهان تعقبه عدد من الغز ولكنهم لم يدركوه، فأغاروا في طريقهم على گرج أبي دلف التي كانت في موضع اكوهرود أراك آنذاك وتعتبر مدينة مهمة، وارتكبوا فيها أعمالاً قبيحة. وفي عام 430 هجري دخل الغز بقيادة أمرائهم كوكتاش وبوقا وغزغلي مدينة همذان وكان خسرو بن مجد الدولة والكثير من الناس الديلم يساعدونهم في ذلك، ونهب الأتراك الغز مدينة همذان بمساعدة الديالمة، وأعملوا في أهلها السيف. ثم كاتبوا أبا كاليجار بن علاء الدولة وعقدوا الصلح معه، وأرسلوا إليه المرأة التي كان قد طلبها إليهم، فاطمأن أبو كاليجار إليهم وذهب إلى زعيمهم، ولكنه لم يكد يصل إليهم حتى هجموا على حين غرة على ما كان معه من إبل وخيل، فاضطر أبو كاليجار إلى الهرب. ولما علم والده علاء الدولة بالخبر قدم إليهم في جيش من أصفهان فتغلب عليهم وقتل بعضهم وأسر آخرين ثم عاد ظافراً إلى أصفهان.
ولما جاء إبراهيم ينال إلى الري عام 433هـ ممثلاً لطغرل بيك غادر الأتراك الغز المدينة خائفين، واتجهوا إلى آذربيجان ومنها ذهبوا مع زعمائهم بوقا وناصغلي إلى ديار بكر وأغاروا عليها ونهبوها وبقي منصور غرغلي مع أتباعه في الجزيرة، وقدم بعضهم إلى الموصل واضطروا رئيس تلك المدينة واسمه قرواش إلى الهرب، ثم جمع قرواش جيشاً وقاتلهم فقتل منهم جمعاً كبيراً وأرسل رؤوسهم إلى بغداد([159]).
حديث الكردريزي عن هجرة الغز
يذكر الگردريزي في تاريخه (الذي الفه عام 443هـ) عن بداية أوضاع الأتراك ما يلي: «بلغ الأمير محمود عام 396هـ بأن الأتراك قد عبروا جيحون، وقدموا إلى خراسان وتناثروا فيها. ولم يكد الأتراك يستقرون حتى بلغهم أن الأمير محمود جاء من الهند.
تحير الأتراك ولاذوا بالفرار من نواحي مرو ودوسرخس ونسا وبارود، فتعقبهم إرسلان جاذب من مدينة إلى أخرى، وقتل كل من وقع في يده …»، ثم يكتب عن بداية أوضاع الأتراك السلجوقيين فيقول: وفي ذلك الوقت (عام 416 هجري) حين كان الأمير محمود في بلاد ما وراء النهر، قدم جماعة من الناس من قادة وزعماء الأتراك إلى الأمير، وأخذوا يتضرعون ويستجيرون به من ضيم أمرائهم، وقالوا إننا أربعة آلاف بيت، فإذا أجزتنا عبرنا النهر وأقمنا في خراسان وسترتاح الولاية لنا لأنا أهالي بادية ولدينا أغنام كثيرة وسيزداد جيشك فينا.
ورغب الأمير محمود في ذلك، فاطمأنوا وعبروا النهر بعد أن أجازهم في العبور، وبموجب الأمر عبر أربعة آلاف بيت، وأقاموا في صحراء سرخس وفراوه وبارود (أبيورد) وحطوا رحالهم في هذ المناطق. ولما عبر الأمير محمود النهر، قدم إليه أمير طوس أبو الحارث إرسلان جاذب وقال له: لماذا أتيت بهؤلاء التركمان إلى ولايتك، لقد أخطات بسماحك لهم بالعبور، فاقتلهم الآن جميعاً أو مُرني لأقطع أصابع ذكورهم ليعجزوا عن رمي السهام، فتعجب الأمير محمود من قوله وقال له: إنك قاسي القلب وعديم الرحمة، فرد عليه أمير الطوس: إذا لم تفعل فستندم! وهكذا كان فلم يصلح حالهم إلى الآن.
وفي عام 419هـ قاد الأمير محمود جيشاً صوب طوس، وأمر بالتحاق عدد كبير من الجيش بأمير طوس وذهابهم معه للحرب مع التركمان، ونشبت الحرب بينهم عندما وصلوا رباط فراوة فانتصر أمير طوس عليهم، وقتل أربعة آلاف فارس من التركمان وأسر الكثير منهم، ولاذ الآخرون بالفرار إلى بلخان ودهستان (في جرجان قرب خوارزم) وسهل فسادهم في تلك الولاية([160]).
الغز في آذربيجان
وعندما وصل الغز آذربيجان، رحب بهم الأمير وهسودان الذي كان في أغلب الأوقات في حرب مع الروم والأرامنة والكرجيين وحكام النواحي المجاورة، واغتنم الفرصة فألحقهم بجيشه في بداية سلطته.
وقد اشتهر آنذاك هؤلاء الأتراك الرحل بشجاعتهم ودقتهم في استخدام الأقواس، وبلغت شهرتهم هذه الآفاق، حتى أن الشاعر قطران التبريزي، شاعر بلاط الملك وهسودان حيث يمدح هذا الملك يشير أثناء قصيدته إلى هؤلاء الأتراك وشجاعتهم.
ولم يهدأ هؤلاء الأتراك الغز في آذربيجان، بل راحوا يشنون الغارات على المناطق المجاورة وباشروا بأعمال القتل والسلب والنهب ويكتب جامجيان المؤرخ الأرمني المعروف في حوادث سنة 1021م (411هـ) فيقول: وفي هذه السنة هاجم الأتراك الذين كانوا قد وصلوا آذربيجان كالسيول العارمة، أرمنستان وناحية واسيور گان واعتدوا عليهما.
وذهب شابور زعيم واسيور گان مع جيشه إلى وسطان لمساعدة (سنكريم) الأمير الآرجروني، وعندما وصلوا إلى هناك رأوا عن بعد جماعة كبيرة من الأتراك وكلهم قد غطوا وجوههم كما تفعل النساء، ويمسكون بأقواس غاية بالصلابة والقوة، ولم يكن الأرامنة قد رأوا من قبل مثل هؤلاء الناس، لذلك أصيبوا بالذعر، وهلك بعضهم بسهام الأتراك الذين يقاتلون بهذه السهام عن بعد.
وحسب أقوال بعض المؤرخين الأرامنة، فإن الأتراك أصابوا قلوب الناس بالرعب الشديد حين هجومهم على آذربيجان وأرمينيا، حتى أن سنكريم ملك السلالة الأرجرونية في أرمينيا ترك عرشه وبلاده واسيور گان لملك الروم الشرقي (فاسييل) ولجأ هو وعائلته وجيشه وثلث أهل بلاده واسيور گان الذي يبلغ عددهم أربعمائة ألف نسمة إلى مدينة سيواس في أناضوليا وأقام فيها.
واتجهت جماعة أخرى من الأتراك الغز إلى الري بعد سلب خراسان ونهبها وهزيمة السلطان مسعود الغزنوي. ففتحوها عام 429هـ وانقسموا فيها إلى قسمين:
قسم منهم ويبلغ عددهم حسب قول ابن الأثير ألف وخمسمائة شخص قد اختاروا البقاء هناك، والقسم الآخر بزعامة بوقا وكوكتاش ومنصور دانا قد اتجه إلى آذربيجان والتحقوا بغيرهم من بني جنسهم في الانضمام إلى جيش أمير الهسوديين، ولكنهم لم يهدؤوا هناك وظلوا يثيرون الفتن باستمرار.
ويذكر ابن الأثير بأن وهسودان قد تزوج بفتاة من الغز ليوثق علاقته بهم بذلك، ولكن الأتراك لم يكفوا عن الشغب والتخريب، وفي نفس هذه السنة هاجموا مراغة وقتلوا الكثير من أهلها، وأحرقوا النار في مسجدها الجامع.
ولما بلغ استبداد الأتراك في آذربيجان غايته، اضطر الأمير وهسودان وابن أخته أبو الهيجاء بن ربيب الدولة الذي كان رئيساً لهذبان إلى الدخول في حرب مع الجماعة التي يتزعمها بوقا ومنصور وكوكتاش وطردهم من تلك البلاد، فهاجروا إلى ري وهمذان وقزوين.
والجماعة الأخرى التي بقيت في آذربيجان، بدأت بغارتها واستبدادها حتى كان عام 432هـ ـ حسب قول ابن الأثير ـ حيث دعا الأمير وهسودان بن مملان زعماءهم إلى مأدبة في تبريز فقبض على ثلاثين منهم وقتل آخرين.
ولكن هذه الجماعة لم تهدأ في ديار بكر بل طفقوا يسلبون وينهبون ويقتلون الناس، وحينما استولوا على الموصل أحدثوا مجازر كبيرة فيها ولكن الأمير قرواش العقيلي صاحب الموصل، الذي كان قد هرب منها، جمع في هذه الأثناء جيشاً وهزم الأتراك عام 435هـ وقتل الكثير منهم. وأما الغز الذين نجوا من هذه المذبحة فإنهم لجؤوا للمرة الرابعة إلى ملجئهم القديم آذربيجان وهؤلاء الأتراك أنفسهم هم الذين روجوا لغتهم مع سائر بني جنسهم الذين كانوا قد بقوا في آذربيجان.
وفي هذه الأثناء كان الغز في بلاد العراق وآذربيجان مشغولين بالقتل وأعمال السلب والنهب، فكتب أبو طلال جلال الدولة بن مشرف الدولة حاكم العراق رسالة إلى طغرل بيك الملك السلجوقي يشتكي إليه من الأتراك. فأجابه طغرل بيك «أعتذر لكون هؤلاء التركمان هم عبيدي وخدمي ورعيتي وقد فعلوا ما فعلوا من تلك الفجائع الفظيعة، وأضاف: قد استفاد هؤلاء والأتراك من فرصة انشغالنا بأمر أبناء محمود بن سبكتكين فهاجموا الري وباشروا فيها بالتمرد والعصيان وقد أرسلنا جيشاً من خراسان للقضاء عليهم، ونأمل أن نرجعهم إلى طاعتنا ونجازيهم على تمردهم وعصيانهم»([161]).
الأتراك الغز في زمن مسعود الغزنوي
يظهر من خلال التدقيق في تاريخ البيهقي أن الأتراك الغز قد استغلوا إلى جانب السلجوقيين الذين يتحدون معهم في الأصل فرصة اضطراب الأوضاع في الدولة الغزنوية، حيث كانوا يغيرون باستمرار على خراسان ويباشرون بسلب ونهب أموال الناس فيها. ولكن هؤلاء الأتراك الغز الذين يطلق عليهم البيهقي وغيره من المؤرخين اسم «التركمان» لم يكن لديهم الطموح للسلطة، والزعامة على خلاف الأتراك السلجوقيين وإنما كانوا يكتفون بالغارات وجمع الأموال حتى أن بعض زعمائهم مثل «شاه ملك» كانوا يقفون مع الغزنويين بوجه الأتراك السلجوقيين ونحاول فيما يلي أن نعرض أخبار هؤلاء التركمان الغز في عهد السلطان مسعود، طبقاً لرواية أبي الفضل البيهقي:
«قد مضى العهد الذي كانت فيه خراسان طعمة للتركمان، حيث هجرهم السلطان السابق، (السلطان محمود) بقوة السيف إلى جبل بلخان ثم استمالوه وادعوا أنهم يريدون زيادة جيشه، ولكنهم عادوا أخيراً إلى سابق عهدهم في شن الغارات … حتى قيض لهم قائد مثل تاش فراش الذي أدبهم في نواحي الري والجبال»([162]).
ثم يكتب: «وصلت في أحد الأيام الأمير مسعود رضي الله عنه بعد صلاة الفجر رسالة صاحب بريدري، وفيها أن التركمان لن يهدؤوا في حال من الأحوال، وأنهم ليتهيؤون الآن لسماعهم خبر قدوم ابن يغمر في جيشه من جبل بلخان، ومن ثم فإن القائد تاش والقائد طاهر مشغولا البال لذلك …»([163]). ثم كتب السلطان رسالة إلى طاهر، وأصدر أبو سهل الحمداني (الحمدوي) أوامره بقمع هؤلاء التركمان.
وفي موضع آخر يقترح أبو نصر مشكان على السلطان الطريقة التالية لدفع التركمان الغز: «إن رأيي هو أن تذهبوا إلى مرو لأن هؤلاء التركمان مبعثرون في حدود تلك الولاية وتجعلون أكثر قوتكم في جانب بلخ وتخارستان حتى تباغتوهم وتقطعون عليهم مدد ما وراء النهر لأن أصحاب بخارا وسمرقند يكتبون بأن المفسدين (السلجوقيين) يعبرون نهر جيحون، وعندما تقترب الراية العالية من بلخ وجيحون، فإن هذا الخلل سيزول من مرو. فقال الأمير: وهو كذلك، وسقيم الآن في سرخس لبضعة أيام حتى نرى ما ستؤول إليه الأوضاع([164]).
ويكتب في موضع آخر بأن أبا نصر مشكان يقرأ رسالة صاحب الديوان، وقد ورد فيها: «قدم عشرة آلاف فارس من السلجوقيين الويناليين من جانب مرو إلى (نسا)، وانضم إليهم التركمان الذين كانوا جزءاً من الخوارزميين.
وفي تاريخ البيهقي يعبر عن الغزيين باسم التركمان وعن السلجوقيين باسم التركمان السلجوقيين([165]).
ويضيف أيضاً: «وفي أثناء ذلك تمرد أصحاب ديوان خراسان ومعهم العراقيون (الغزنويون) الذين انضموا إليهم([166]).
ويكتب في موضع آخر: أن السلجوقيين قد كتبوا رسالة إلى وزير السلطان مسعود الخواجه عبد الصمد يقولون فيها «ثمة تركمان آخرون في خراسان قد عبروا جيحون وجبل يلخان، وأن هذه الولاية التي أعطاها السلطان لنا نحن السلجوقيين لا تكفينا. فلا بد أن يتوسط الخواجه الكبير في الأمر ويطلب إلى السلطان أن يعطينا هذه المدن الصغيرة المتناثرة في أطراف الصحراء مثل مرو وسرخس وبارود (أبيورد)، لنكون جنوداً في جيش السلطان، ونطهر خراسان من دنس المفسدين، وإذا كانت ثمة حاجة أخرى فإنا مستعدون للذهاب إلى العراق أو أماكن أخرى لقضاء هذه الحاجة»، ويقصد السلجوقيون في رسالتهم هذه الحصول على بعض مدن خراسان مثل مرو وسرخس وأبيورد من السلطان مسعود، ليطهروا مقابل ذلك خراسان من الأتراك الغز وإذا تطلب الأمر ذهابهم إلى العراق ليطهروه منهم فإنهم سيفعلون»([167]).
شاه ملك الغزي
في خدمة الغزنويين
يعتبر شاه ملك من الزعماء المعروفين للأتراك الغز، وقد كان في عداء مع السلجوقيين منذ وقت طويل، ومن ثم أغار على مناطقهم بأمر من السلطان مسعود.
ويكتب البيهقي «وكان بين السلجوقيين وشاه ملك عداء قديم وحقد دفين ودماء، وكان لشاه ملك جواسيس يتقصون له الأخبار، فاخبره هؤلاء الجواسيس بأن السلجوقيين قد استقروا في حدود خوارزم، وعند ذاك خرج على ظهر حصانه إلى الصحراء في جيش قوي وفاجأ هؤلاء التركمان (السلاجقة) في وقت السحر فأخذهم على حين غرة في ذي الحجة عام 425هـ وقد مضت ثلاثة أيام من عيد الأضحى، فأخذهم أخذاً شديداً وقتل منهم بين سبعة ألاف شخص وأسر الكثير من النساء والأطفال، ولاذ بعضهم بالفرار فعبروا جيحون من معبر خوارزم الذي كان يسمى باسم خواره، ولما كان الوقت شتاء فإنهم عبروا على الثلوج.
وحينما سمع هارون بن التونتاش خوارزمشاه بالخبر، فإنه أصيب بالحزن الشديد لأنه كان يريد الاستفادة من السلاجقة للوقوف بوجه الغزنويين. ومن ثم عمد إلى تجميع شتات من بقي منهم وراح يشد من عزائمهم، ثم أرسل إلى ملك شاه رسولاً قال له: لقد جئت وقضيت على قوم انضموا إليّ ونصروني. فلا بد لك الآن من لقائي والاعتذار إليّ، ومن ثم أسعى لإزالة ما وقع بينك وبين السلجوقيين من نفرة وتباعد. فأجابه ملك شاه: إني سأمكث على جانب جيحون هذا، وتمكث أنت في الجانب الآخر، حتى تلتقي الرسل ونقر ما يمكن إقراره. فإذا تمت العهود أقدم في زورق إلى وسط جيحون، وكذلك تفعل أنت لنلتقي هناك، ثم أعطيك جماعة قوية من قومي ليعينوك على ما أنت قادم عليه، ثم أعود أنا من جند (وهي ولاية شاه ملك)، ولكن بشرط ألا تذكر في حديثك أمر السلاجقة، لأن بيننا وبينهم السيف والدم.
ونزل هارون بن التونتاش في جيش منظم، مكون من ثلاثة آلاف فارس ورجل على جانب الماء إزاء شاه ملك في آخر ثلاثة أيام من ذي الحجة عام 425هـ. ولما رأى الأخير كثرة الجيش خاف وفضل الانسحاب، حيث سحب جيشه إلى طريق جند وأسرع صوبها دون علم هارون، ولما علم هارون بالخبر قال أن هذا عدو كبير. ثم جاء إلى خوارزم فاستقبله الناس من كل صوب والتفوا حوله وأمدوه ومعه السلاجقة بالرجال والسلاح ولم يمض وقت طويل حتى قتل هارون التونتاش بتحريض من السلطان مسعود، فخلفه في مكانه إسماعيل بخندان (الضاحك).
ثم عبر السلاجقة الماء خوفاً من شاه ملك وجيشه، وقدموا من خوارزم إلى خراسان ونزلوا في تسعمائة فارس إلى جانب مرو ونسا، وراحوا يزدادون في عددهم يوماً بعد آخر، ولما عظم شأنهم رأى، السلطان مسعود أن المصلحة تكمن في القضاء عليهم ولذلك أوكل أمر الحكم في خوارزم إلى شاه ملك عدو السلاجقة القديم.
وفي يوم الجمعة في السادس من جمادى الآخرة عام 432هـ، التقى شاه ملك بالخوارزميين الذين كانوا يدعمون السلاجقة في معركة دارت رحاها في صحراء أسيب، واستطاع دحرهم، فهرب رئيسهم إسماعيل ولجأ إلى السلاجقة. وفي يوم الخميس الموافق للخامس عشر من شعبان عام 432هـ جلس شاه ملك على عرش خوارزم، وخطب باسم الخليفة العباسي والسلطان مسعود دون أن يعلم بأن السلطان قد قتل في قلعة «گيري» أو «كسرى» قبل ذلك التاريخ بعدة أيام.
ولم يمض وقت طويل حتى سيطر السلاجقة على مملكة الغزنويين ووقع أخيراً شاه ملك وزوجه وولده في أيديهم، فقضوا عليهم أجمعين([168]).
وينتهي هنا كتاب تاريخ البيهقي مع نهاية شاه ملك.
وتتمة الحديث عن الغزيين في العهد السلجوقي طويلة، وأهم حوادثهم هي فتنة الغز التي وقعت عام 548 هجري في زمن السلطان سنجر، حيث دحر الغز السلطان في ذلك العام قرب بلخ وأسروه وزوجه وظل ناصر الدين أبو شجاع الطوطي وغيره من أمراء الغز محتفظين بالسلطان وزوجه حتى عام 551هـ. ولما مات السلطان، وجدت زوجه الفرصة للهرب، فهربت وقدمت إلى مرو وجلست ثانية على العرش ولكنها مرضت بعد عام من مأساة الهزيمة ووفاة زوجها ثم قضت نحبها في عام (551هـ).
محمد جواد مشكور
الخوارج في إيران
تعد ظاهرة الخوارج من الأنشطة المؤثرة جدياً على الساحة الإسلامية خاصة في القرون الأولى من الهجرة، فهؤلاء ظهروا في بداية الأمر في النصف الأول من القرن الهجري الأول، وذلك بفعل دوافع شتى، ثم تفرقوا إلى عدة طوائف، وانتشروا في أماكن متعددة في الأقطار الإسلامية، ثم التحق بهم شرائح أخرى من غير العرب.
وعلى هذا الأساس تمكنوا في هذه الظروف الاستثنائية من الاحتفاظ بهويتهم العسكرية ما يقارب ثلاثة قرون. وقد قاموا بعدة انتفاضات واسعة النطاق، كانت مناوئة لخلفاء الخلافة الأموية، واستمروا بعد ذلك على تنديدهم بالخلفاء العباسيين الذين تعاقبوا بعد العصر الأموي.
ولم تكن هناك فكرة لدى هؤلاء ـ أي الخوارج ـ تقوم على أساس أنهم يقومون مقام هؤلاء الخلفاء مطلقاً، على الرغم من المساهمة الكبيرة الدؤوبة التي ساهموا بها في استئصال أو زلزلة هاتين السلسلتين أعني السلسلة الأموية والعباسية على طول التاريخ.
أما المناطق التي قصدوها وأصبحت فيما بعد تحت سيطرتهم فهي المناطق الواقعة في الجنوب الشرقي من إيران أي (ما يسمى بسيستان الكبيرة).
وعليه فنحن في هذا المقال نبذل جهدنا لاستيعاب الجوانب المتعددة وإلقاء نظرة كاملة على نفوذهم، واستقرارهم في هذه المناطق الإيرانية.
لقد تشعب الخوارج إلى فرق وطوائف، فاستقرت الأزارقة في جنوب إيران، والصفرية في شمال العراق، والنجدات في اليمامة وعمان، وأخيراً استقرت الأباضية في عمان وأخذت كل منها منحاها الخاص بها.
وكان أكثر هذه الفرق تطرفاً: الأزارقة الذين استقروا في جنوب إيران وفي الجنوب الشرقي منها طيلة 15 عاماً أي من سنة (64 ـ 79هـ).
فكان زعيمهم (نافع بن الأزرق) يفتي بكفر مخالفيه إلى حد الموت، وكان يبيح قتل الأولاد والنساء، وكان يكفّر من طائفته (القعدة) أي الذين يتقاعسون عن القتال. وكان يطلق على المناطق التي يوجد فيها هو وأتباعه اسم دار الهجرة، وما عداها فكان يعتبرها داراً للكفر.
وتعتبر التقية عنده من المحرمات.
ثم تشعبت هذه الفرقة بمرور الأيام إلى فرق فرعية أخرى صغيرة، وهذه الظاهرة كانت مألوفة عندهم.
الخوارج في إيران
(في العهد الأموي)
إن تمسك هؤلاء الخوارج بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبما كان يترتب عليه من إعلانهم الحرب بلا هوادة على الخلفاء الذين عاصروهم كان سبباً طبيعياً لأن يشدد هؤلاء الخلفاء الأمر على هؤلاء الخصوم ويضغطوا عليهم من جميع الجهات.
وزاد الطين بلة، أنهم ينكرون التقية ويفرون من دار الكفر إلى دار الهجرة. أضف إلى ذلك حدوث انشراخات متكررة فيهم، هذه العوامل أدت إلى تفريقهم أكثر وأكثر، وانشغال كل فريق في حوزته الخاصة.
ففي العصر الأموي كانت مناطق جنوب إيران خاصة الشرقية منها وبالتحديد من كرمان إلى هرات هي المناطق الأكثر استقبالاً لهؤلاء الخوارج في شتاتهم وتجمعاتهم المختلفة. وفي الواقع أنهم كانوا يساقون قهراً داخل إيران على أثر كل هزيمة تصيبهم في حروبهم مع خصومهم، فكانت إيران بمثابة الملجأ والمأمن أكثر مما كانت مقراً دائماً لهم لتجديد قواهم ثم التجهز للكرة على معسكرات الخلافة في العراق.
فالمسافة الشاسعة التي كانت تفصل بين الحكومة المركزية وبينهم في هذه المناطق، ثم طبيعة الظروف الجغرافية هناك، وفقدان الأمن فيها نتيجة لنشاطات بعض الأسر المحلية فيها، وفلتان الأمور من سيطرة الدولة سيطرة كاملة عليها، وأخيراً قرب هذه المناطق من عمان التي هي مركزاً دائماً لتحركهم ونشاطاتهم.
وبالرغم من كثرة انشعاباتهم وتشتتهم، وذلك من الأمور التي تجعل من الصعب السيطرة عليهم وجمع تركيبتهم التي كانت تطغى عليها البداوة والبساطة. فكل هذه العوامل جعلت نشاط الخوارج محدوداً في هذه المناطق.
أما العوامل التي ساعدتهم على تفعيل نشاطهم في مناطق عدة من إيران، فأهمها تفتت الوضع الاجتماعي والسياسي فيها وخاصة في القرن الأول من الهجرة.
إذ أن سوء معاملة الأمويين للشعوب الإسلامية، أدى إلى تعالي صيحات تطالب بالمساواة التي قام عليها الإسلام، فاتجه قسم من الفرس إلى الانتماء إلى هؤلاء الخوارج والبقاء تحت حاكميتهم طول فترة القرن الأول من الهجرة حتى نهايات الحكم الأموي([169]).
وثمة عامل آخر أدى إلى التحاق الفرس بالخوارج ألا وهو الهروب من دفع الضرائب للحكومة المركزية.
فالضرورة التي كانت موجودة عند الطرفين، أي حاجة هؤلاء الإيرانيين لمن يعبر عن آرائهم ويطالب برغباتهم، وفي المقابل حاجة الخوارج لهم لتكثير سوادهم وإيوائهم في مناطقهم.
وانقلبت ظاهرة الخوارج إلى ظاهرة تندد بالملوكية وأتباعها مهددة مصالح الأمويين تهديداً جدياً دؤوباً.
وتطورت ظاهرة الخوارج إلى ظاهرة خطيرة صارت تدق ناقوس الخطر لأشراف أهل البصرة ووجهائها، فكانوا يقدمون الأموال لهؤلاء الخوارج الذين كان على رأس مقاوميهم آنذاك (المهلب بن أبي صفرة) وكان المعوّل عليه في دفع فتنة الأزارقة.
أضف إلى ذلك بأن جواسيس المهلب، وبالتالي جواسيس الحجاج الذي كان المهلب قائداً من قواده، قد تغلغلوا رويداً رويداً في معسكرات الخوارج وخاصة في بلاد كرمان وضواحيها فكانوا يختلطون بالقصارين والصباغين والحدادين والعبيد والعلوج وسائر طبقات المجتمع ….
واستمر الأمر أربعاً عشرين سنة أي الفترة ما بين (40 ـ 64هـ)، ونشبت معارك عديدة بينهم وبين قوى الخلافة، فصارت المنطقة الجنوبية من أراضي إيران مسرحاً يتنازع عليها الطرفان، فكانوا يتخذون بلاد خوزستان وفارس مامناً لهم في كثير من الأحيان، وكانوا يضطرون في غالب الأوقات إلى نقل مقراتهم إلى الوراء تدريجياً، ثم تفرقوا في العقد السابع من الهجرة في أماكن عديدة في إيران، واصطدموا هناك مع بعض المناوئين لهم في مواجهات عديدة، وساعدتهم بعض الفئات نكاية بالحكام الأمويين (المبرد 3/198) و(ابن الأثير في حوادث سنة 68هـ)، وهُزموا هزيمة نكراء أمام الأصفهانيين بعد ما حاصروهم مدة طالت لسبع سنوات (المبرد 3/202، الطبري في حوادث سنة 68هـ).
وظلت النواحي الشرقية والجنوبية الشرقية من بلاد إيران ذات أجواء مساعدة إلى حد ما لتقبل الخوارج فيها لفترات طويلة، فكانت بلاد كرمان وسيستان تحتوي على مقرات دائمة لهم حتى العقد الثامن من الهجرة، وهي فترة تعتبر طويلة بالنسبة لهم ولأوضاعهم، فأسسوا فيها شبه تجمعات كانت تدير نفسها بنفسها، فصاروا ينصبون العمال ويعزلونهم، وأخذوا يجبون الخراج لإدارة شؤونهم، فأصبحت بلاد كرمان في هذه الفترة مقراً لهذه التجمعات وتجديد قواهم بعد كل هزيمة كانت تلحق بهم، حتى قيل إلى المهلب التي طالت مدة حربه معهم، مكث ثمانية عشر شهراً دون أن يتمكن من اقتحام مدينة كرمان وكسر شوكتهم ولم يستطع ذلك إلاّ بعد ما نجم خلاف بينهم، زلزل مقاومتهم، فتغلب عليهم المهلب واستأصلهم شر استئصال. ثم استعادوا قواهم بعد فترة (80 ـ 100هـ) في بلاد سيستان ثم كرمان وجنوب خراسان، متخذين من هذه المناطق الملجأ الآمن لهم واستمر نشاطهم فيها إلى نهاية عهد الأمويين.
والجدير بالذكر أن هؤلاء الخوارج لم يأتوا إلى هذه المناطق لنشر الدعوة، بل التجأوا إليها نتيجة تبعات تحركاتهم ونشاطاتهم المناوئة للحكومات المركزية آنذاك، فكان من الطبيعي أن يبحثواعن ملجأ بعد كل هزيمة كانت تحل بهم.
في العهد العباسي
لم يطرأ أي تغيير على مبادئ الخوارج الثورية في العهد العباسي فظلت المجابهة علنية وبنفس الشدة والقوة مع النظام الجديد، ولكنها لم تكن بمستوى انتشارها في العهد الأموي.
فقد طغت عليهم نهضة العلويين في هذا العهد، أضف إلى ذلك بروز ثورات وتمردات أخرى في شتى أنحاء البلاد، لكن رغم هذا ظل هؤلاء الخوارج مستمرين في نشاطهم وتحركاتهم طول هذه الفترة مع ملاحظة بعض المستجدات التي طرأت على حركتهم كظهورهم في مناطق شمال إفريقيا في أوساط البربر وامتدادهم إلى بلاد الجزائر، ثم تواجدهم في النواحي الشمالية من العراق ومناطق شرق إيران.
وبعد ما انهدت قواهم وذهبت شوكتهم في أكثر المراكز التي كانت بتصرفهم، وأخفقوا في الساحتين العسكرية والسياسية، جددوا قواهم مرة ثانية وذلك بعد برهة من الزمن ـ في النواحي الشرقية والجنوب الشرقي من إيران كمقاطعات كرمان وسيستان وهرات، فانتمى إليهم أفراد كثيرون من هواة مبادئهم هناك.
وفي الوقت الذي كانت الدولة العباسية في بداية تأسيسها، ظهر تمرد الغلاة المطالبين بدم أبي مسلم الخراساني على الساحتين العسكرية والسياسية في مناطق خراسان وما وراء النهر.
ومن العوامل التي أدت إلى استمرار بقاء حركتهم في هذه النواحي أي المناطق الجنوبية والشرقية من إيران. بالإضافة إلى العوامل التي ذكرناها، هي إحاطة الصحاري القاحلة بهذه المناطق من جميع الجهات.
فنرى أنه بالرغم من انتقال السلطة للعباسيين، فقد ظلت المشاكل في منطقة سيستان كما هي، وذلك لعدم توغل الرسالة العباسية وآثارها في نواحي هذه البلاد النائية، أو ربما تأخر وصولها إليهم.
وكانت التشكيلات الإدارية في مقاطعة سيستان ونواحيها في أوائل العهد العباسي كما يلي:
1 ـ سيطرة الحكام المحليين كأسرة (رتبيل) على مدينة زابلستان، وسيطرة أسرة (كابلشاهان) على مدينة كابل وكانت هاتان الأسرتان تعتبران بمثابة السد المنيع والحصن الحصين لصد مبادئ الحكومات المركزية المتتالية وسيطرتها التي تعاقبت بعضها وراء البعض …
2 ـ إن المبعوثين من قبل الولاة في بغداد أو في خراسان كانت تقتصر مهمتهم على المدن الرئيسية وطرق التجارة. وكذلك الحال في الأوامر التي كانت تصل من هذه المراكز إلى هذه المناطق حيث كانت لا تتجاوز هذه الحدود، وكان يقتصر مفعولها على المدن دون ما وراء تلك المدن لسيطرة هؤلاء الخوارج فيها.
3 ـ وجود بعض القبائل العربية التي انقطعت بصورة كاملة عن سلسلتها القبلية بانقطاع ارتباطاتها بها، وحلول الغزاة التي جعلوها أشبه بمدن عسكرية حدودية كمدينة (بُست) وغيرها من المدن الأخرى.
4 ـ إن السلطات التي كانت تتمتع بنفوذها في هذه المقاطعات أي مقاطعات سيستان ونواحيها هي التي كانت منبعثة من نفس فئة الخوارج. فكان لهم النفوذ القوي الكامل على أطراف المدينة ونواحيها، حتى على الأماكن القاصية منها. وهذا ما يؤكده لنا مؤلف تاريخ سيستان في عدة مواضع من كتابه، من غلبة هؤلاء الخوارج في قرى وسواد سيستان، لذلك نرى أن الأموال التي كانت تجبى من هذه المناطق لم تكن تفي بالمطلوب.
يقول هذا المؤلف في كتابه تاريخ سيستان في صفحات كتابه: 27، 158، 161: تعذر وصول واردات أموال مقاطعات خراسان وسيستان من الوصول إلى خزانة حكام بغداد، حتى تم الصلح مع هؤلاء الحكام على الخطبة على المنابر بنمط معين في هذه النواحي وسوادها، التي كانت أغلبية سكانها مكونة من هذه الطائفة، فجبيت الضرائب منها أضعاف ما كانت تجبى سابقاً، ولكن اشمأز الناس من تصرف بعض الحكام الذين كان يبعثهم ولاة بغداد، ما أدى إلى ظهور بعض الثورات والتمردات في شتى أنحاء البلاد.
ومن باب المثال لا الحصر نرى سلوك بعض الحكام غير العادل كتصرفات معن بن زائدة وبطش علي بن عيسى بن ماهان الذي اشتهر بتفننه وشدته في فرض الأموال وجبايتها من سكان الأقاليم الشرقية من إيران. كان هذا النوع من السلوك الجائر سبباً مهماً للانتفاضات المتتالية التي تعاقبت في أوائل العهد العباسي في كل من مقاطعتي سيستان وخراسان، وكان من أبرزها ظاهرة الخوارج.
ولأن طبيعة منطقة سيستان تعتبر أشبه بطبيعة المناطق الريفية المبعثرة هنا وهناك فقد كان يقع ضغط الحكام على الطبقة الفقيرة المنتشرة في هذه الأرياف، فكان من الطبيعي أن يتكتل هؤلاء تحت راية الخوارج الذين كانوا بدورهم ينادون بعدم دفع الضرائب للجباة. أما الخوارج أنفسهم وقادتهم فكانوا لا يتقاضون من هذه الأموال إلا اليسير بحيث لا يحس هؤلاء بصعوبة دفعها (تاريخ سيستان 158 ـ 176).
فنرى هنا أن ظاهرة هؤلاء الخوارج هي تعبير واضح عما كان يعانيه هذا المجتمع من الفقر والفاقة، فبرزت على أثر ذلك (أيديولوجيات) جديدة أخرى فوق ما كانوا عليه من قبل من المناداة بالمسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وأخذت موقعها في القمة.
فتأصلت هذه النظريات في مبادئهم وبرزت أكثر بكثير مما كانت قد تأسست عليه عقائدهم قبل ذلك وهذا ما نراه في مبادئ كل من خوارج سيستان ونظرائهم في شمال إفريقيا في مواجهاتهم مع جباة الأموال.
وفي الفترة التي خفت فيها حدّة بعض النزاعات الدينية عندهم، ظهرت في إزائها نزعات أخرى انصبت في جملة من الاعتراضات على السياسات الاقتصادية الظالمة التي كانت سائدة آنذاك. فترجمت بالعمل والتحرك بمجموعة من الاغتيالات كاغتيال (معن بن زائدة) حاكم سيستان (سنة 152هـ) (تاريخ سيستان، 147)، ثم المحاولة الفاشلة على أيدي السيستانيين أنفسهم في بغداد لاغتيال (يزيد بن مَزيد) النائب المستقيل لـ معن بن زائدة وهكذا دواليك في اغتيالات أخرى التي كان من جملتها اغتيال (حضين بن محمد) أحد عمال خراج سيستان وذلك في شهر محرم سنة (156هـ).
فاستغلال الخوارج لهذه العوامل والظروف، وهي ظاهرة عدم رضا الناس بأمثال هؤلاء الحكام، هو الذي جعلهم يستمرون في بقائهم في هذه المناطق لفترة قرنين بعد الهزيمة التي لحقت ببعض فرقهم كالأزارقة في فارس وكرمان، فانتمى إليهم كثيرون من سكان هذه المنطقة بما فيهم بعض الجاليات العربية الموجودة هناك.
وعلى أية حال فإن هؤلاء الخوارج لم يتمكنوا من الانسجام الكامل مع طبيعة سكان هذه المنطقة رغم وجود الانعطاف الجزئي نحوهم والظروف المحيطة بهم، فلم يثبت لهم وجود في هذه المناطق من إيران، بالرغم من وجود بعض النقاط المشتركة بينهم وبين الطبقة المسحوقة الفقيرة التي كانت هناك.
ومن العوامل التي عاقت تأصلهم هنا فهي الخلافات التي نشبت فيما بينهم أو فيما بينهم وبين أتباع المذهب الرسمي للدولة. أو فيما بينهم وبين السكان الأصليين نتيجة سوء تعاملهم معهم كفرقة (الحمزية) أتباع حمزة بن آذرك. وعلى ذلك تردد بعض المحققين في اعتبار هذه الظاهرة ظاهرة جماهيرية انبعثت من صلب المجتمع.
النتيجة
بالرغم من وجود نشاطهم العسكري والسياسي إلى جانب نشاطهم الديني ما أدى إلى تأثر بعض الشرائح الإيرانية بهم، إلاّ أن القسم الأعظم من السواد الإيراني ظل غريباً بالنسبة إلى هذه الحركة حيث أصبحت في خبر كان بعد هذا الدور الفعال النشيط في كل هذه المجالات التي ذكرناها آنفاً.
فعدم قبولهم لمبدأ التقيد بالنسبة إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي ترجم بقيامهم بالسيف متحدّين كل الظروف الصعبة المحيطة بهم هو الذي عاق استمرارية بقائهم في إطار ظروفهم ومبادئهم الخاصة بهم. لا سيما عندما نرى أن جهادهم كان مقتصراً على أصولهم العقائدية لا غير، وبالتالي أدى هذا الشعور إلى وضع مبدأ جديد وهو (إن من ليس منا فهو عدونا)، فهذا النوع من التفكير المتطرف كان طبيعياً بأن لا يكون له أتباع كثيرون. ولا ننسى أن الاختلافات التي نجمت فيما بيهم كانت من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعفهم ووهن شوكتهم.
ومن هذه الأسباب أيضاً رفعهم لشعار المساواة وحماية الأقليات غير العربية التي كانت تستغل آنذاك لمآرب شتى.
ومن جملة الأسباب التي تحظى ببالغ الأهمية هما سبق الساعد الجهادي العملي على غيره من مبادئهم الذي كان ناشئاً من أصل عقيدتهم فكان العمل (التطبيق) قبل النظرية وهذه الصفة جعلتهم أن يكونوا عمليين في الساحة أكثر من غيرهم من الفرق الأخرى.
باعتبارها حركة نوعية تتميز بالعمل والتحرك قبل كل شيء، فنرى أن الجناح الفكري لم يكن متمايزاً كثيراً عن الجناح السياسي ـ العسكري، فيبرز هنا الدور الرئيسي للقيادة السياسية ـ العسكرية التي كانت تتألف من عدة من الفقهاء منهم.
وعلى الرغم من حصول بعض التمازج بين ثقافة وإيديولوجية الخوارج والأيديولوجية الفارسية، إلاّ أنهم لم يتمكنوا من الانصهار الكامل مع الظروف وخصوصيات الثقافة الإيرانية. وأول دليل على هذا هو توجه السواد الإيراني فيما بعد إلى انحياز آخر وهو التحرك نحو التيارين البارزين في الساحة أي التيار الشيعي والتيار السني، فانطوت صفحات هؤلاء الخوارج على أثر ظهور هذه التيارات التي باتت أكثر من غيرها وضوحاً وبارزة في الصراعات المستقبلية.
ووصلت الحالة إلى أن التحق بعض هؤلاء الخوارج بالحركات والتنظيمات التي نشأت فيما بعد كالتحرك العلوي([170]) لتماثلهم وتجانسهم مع هؤلاء في خطهم الفكري وهو عداء الأمويين، فهذه العوامل وعوامل أخرى كعدم وضوح الإيديولوجية التي كانوا يحملونها أدت إلى استغلالهم من قبل فئات وجماعات شتى وأخيراً إلى اضمحلالهم رويداً رويداً.
ولقد رأينا في بداية أمر هؤلاء أنهم كانوا ضد الأنظمة المركزية دائماً، وانهم نشأوا في مناطق كانت بعيدة عن الحكومات المركزية التي توالت على مر السنين، فطبيعي أن الثورات التي قادوها والتي كان منشؤها هذه المناطق البعيدة من البلاد أن تتسم دائماً بالنجاح العسكري والسياسي على طول الفترة، فثورة الصفاريين التي قامت بوجه العباسيين، وثورة السامانيين الذين تغلبوا واحتلوا المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الصفاريين كلها كانت مكللة بالنجاح، ولذا نرى أنه عندما سيطر يعقوب بن الليث الصفاري، ومن بعده القادة السامانيون تمكنوا من تهدئة الأوضاع نوعاً ما في هذه النواحي من إيران، لأن قدرة الخوارج كانت قد اضمحلت في هذه الآونة كثيراً، حيث حدّ الصفاريون من نشاط الخوارج بل واستؤصلت فيما بعد القدرات العسكرية والسياسية التي كانوا يملكونها، حتى جاء دور الأمراء السامانيين فبسطوا نفوذهم في الشمال الشرقي من خراسان وفي هذه المناطق أيضاً.
حسين مفتخري
إيرانشهر
مدينة يبلغ عدد سكانها 40,027 حسب إحصائية عام 1986م وهي مركز قضاء إيرانشهر الذي يبلغ عدد سكانه حسب نفس الإحصائية 259,786 نسمة.
وإيرانشهر إحدى مدن محافظة سيستان وبلوجستان، تقع على خط طول 42,60 ْ شرقاً وخط عرض 12,27 ْ شمالاً، وتبعد عن مراكز محافظة زاهدان 360 كلم وعن طهران عبر طريق زاهدان 2010 كلم.
كانت هذه المدينة في العصور الغابرة جزء من ولاية مكران الإيرانية وكانت تسمى آنذاك بـ (البهرة) أو (البهرك) (الحارس) وفي طريق عودته من فتح الهند عبر الإسكندر المقدوني عبر هذه المدينة وأقام فيها لبعض الوقت.
حُرِّف اسمها في العصور الإسلامية إلى الفهرج وانحطت إلى مستوى القرية. وفي عهد ناصر الدين شاه، باشر حاكم كرمان وبلوجستان فيروز ميرزا نصرت الدولة (1303هـ) بإقامة قلعة فيها، استغرق بناؤها سبع سنوات.
غير اسمها في عام 1936م من فهرج إلى إيرانشهر، وألحقت في التقسيمات الإدارية لعام 1937م بناحية خاش. ثم تحولت في عام 1326م قضاء وأصبحت منطقة مهمة في بلوجستان.
يتشكل أغلب سكانها من قبائل البلوج وأهمها قبائل: الإربابيين والدامنيين والبيجارزهيين والگلكيين والرودنيين والباركزهيين والجاكريين وغيرهم، وأغلب هؤلاء يتبعون المذهب السني الحنفي، عدا نسبة ضئيلة من الشيعة.
أهم محصولات إيرانشهر هي: القمح والشعير والذرة والفواكه الصيفية والتمور والحمضيات والمنتوجات الحيوانية، وتزدهر صناعة السجاد في أوساط العشائر البلوج.
وتشتمل إيرانشهر على خمس نواحٍ وإحدى وعشرين قرية.
الإيضاح النحوي
كتاب لأبي علي الفارسي ألفه بأمر عضد الدولة البويهي لذلك يعرف أيضاً بـ (الإيضاح العضدي).
وفي كشف الظنون: يشتمل الإيضاح على 196 باباً منها 166 نحو والباقي صرف وقد اعتنى جمع من النحاة بشرحه فشرحه السيد عبد القاهر الجرجاني بشرحين مطول ومختصر وشرحه ابن الحاجب وابن البنا وابن الباذش وابن الأنباري وابن الدهان وأبو البقاء العكبري وعلي بن عيسى الربعي والشريشي وابن هشام الخضراوي والمالقي وغيرهم وبلغت شروحه التي عدها 24 شرحاً.
في معجم الأدباء: قرأت في معجم الشعراء للسلفي أنشدني أبو جعفر محمد بن محمد بن كوثر المحاربي الغرناطي بديار مضر قال أنشدني أبو الحسن علي بن أحمد ابن خلف النحوي لنفسه بالأندلس في كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي النحوي:
أضع الكرى لتحفظ الإيضاح
وصل الغدو لفهمه برواح
هو بغية المتعلمين ومن بغى
حمل الكتاب يلجه بالمفتاح
لأبي علي في الكتاب إمامة
شهد الرواة لها بفوز قداح
يفضي إلى أسراره بنوافذ
من علمه بهرت قوى الإمداح
فيخاطب المتعلمين بلفظه
ويحل مشكله بومضة واحي
مضت العصور وكل نحو ظلمة
وأتى فكان النحو ضوء صباح
أوصي ذوي الإعراب أن يتذكروا
بحروفه في الصحف والألواح
فإذا هم سمعوا النصيحة أنجحوا
إن النصيحة غبها لنجاح
ومن مؤلفات أبي علي الفارسي:
1 ـ الحجة في علل القراآت أي الاحتجاج للقراء السبعة.
2 ـ التذكرة في النحو وهو كبير في مجلدات ولخصه أبو الفتح عثمان بن جني.
3 ـ أبيات الاعراب والعرب.
4 ـ الإيضاح الشعري وفي فهرست ابن النديم شرح أبيات الإيضاح.
5 ـ مختصر عوامل الإعراب وهي مائة عامل.
6 ـ المسائل الحلبية وسماه في كشف الظنون الحلبيات في النحو.
7 ـ المسائل البغدادية في النحو.
8 ـ المسائل العسكرية.
9 ـ المسائل الكرمانية.
10 ـ المسائل الشيرازية في النحو وسماها صاحب كشف الظنون الشيرازيات.
11 ـ المسائل القصرية أو القيصرية.
12 ـ المسائل البصرية.
13 ـ المسائل المجلسية ذكرها ابن خلكان وفي الرياض كتاب المجلسيات.
14 ـ المسائل الدمشقية.
15 ـ المسائل الأهوازية في الرياض نسبة إلى ابن سيدة.
16 ـ المسائل المنثورة.
17 ـ المسائل المشكلة.
18 ـ المسائل المصلحة يرويها عن الزجاج وتعرف بالأغفال هكذا قال ابن النديم وقال ياقوت كتاب الأغفال وهو مسائل أصلحها على الزجاج وقال غيره كتاب الأغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني.
19 ـ المسائل المصلحة من كتاب ابن السراج. ذكر المعري في رسالة الغفران أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر بن السراج عمل من الموجز النصف الأول لرجل بزاز ثم تقدم إلى أبي علي الفارسي بإتمامه وهذا ما يقال إنه من إنشاء أبي علي لأن الموضوع في الموجز هو منقول من كلام ابن السراج في الأصول وفي الجمل فكان أبا علي جاء به على سبيل النسخ لا أنه ابتدع شيئاً من عنده.
20 ـ المقصور والممدود وشرحه ابن جني.
21 ـ نقض الهاذور.
22 ـ الترجمة.
23 ـ أبيات المعاني.
24 ـ التتبع لكلام أبي علي الجبائي في التفسير نحو مائة ورقة….
25 ـ تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.
26 ـ التكملة في التصريف هكذا في بغية الوعاة ومقتضى ما ذكر في سبب تأليفه أنه تكملة للإيضاح فهو في النحو وصرح في الرياض بأنه في النحو.
27 ـ تعليقه على كتاب سيبويه.
28 ـ صدر في المعتلات هلك في جملة ما فقده وأصيب به من كتبه كما يأتي.
29 ـ كتاب الشعر في الرياض نسبه إليه ابن سيدة اللغوي في أول كتاب المحكم في اللغة.
إحتراق قسم من كتبه وحزنه لذلك
في معجم الأدباء: قال عثمان بن جني إن وجدت فسحة وأمكن الوقت عملت بإذن الله كتاباً أذكر فيه جميع المعتلات في كلام العرب وأميز ذوات الهمزة من ذوات الواو والياء وأعطي كل جزء منهما حظه من القول مستقصى إن شاء الله تعالى.
وذكر شيخنا أبو علي الفارسي أن بعض إخوانه سأل بفارس إملاء شيء من ذلك فأملى عليه صدراً كثيراً وتقصى القول فيه، وإنه هلك في جملة ما فقده، وأصيب به من كتبه. وحدثني أيضاً: أنه وقع حريق بمدينة السلام فذهب به جميع علم البصريين. قال وكنت قد كتبت ذلك كله بخطي وقرأته على أصحابنا فلم أجد من الصندوق الذي احترق شيئاً البتة إلاّ نصف كتاب الطلاق. عن محمد بن الحسن: وسألته عن سلوته وعزائه فنظر إلي معجباً ثم قال: بقيت شهرين لا أكلم أحداً حزناً وهماً وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر علي وأقمت مدة ذاهلاً متحيراً.
شعره
في معجم الأدباء: حدثني علم الدين أبو محمد القاسم ابن أحمد الأندلسي، قال: وجدت في مسائل نحوية تنسب إلى ابن جني، قال لم أسمع لأبي علي شعراً قط إلى أن دخل إليه في بعض الأيام رجل من الشعراء فجرى ذكر الشعر فقال أبو علي إني لأغبطكم على قول هذا الشعر فإن خاطري لا يواتيني على قوله مع تحققي للعلوم التي هي من موارده فقال له ذلك الرجل فما قلت قط شيئاً منه البتة فقال ما أعهد لي شعراً إلاّ ثلاثة أبيات قلتها في الشيب وهي قولي:
خضبت الشيب لما كان عيباً
وخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خل
ولا عيباً خشيت ولا عتابا
ولكن المشيب بدا ذميما
فصيرت الخضاب له عقابا
التعريف بالمؤلف
هو الحسن بن أحمد واشتهر بكنيته (أبي علي). ولد بمدينة فسا سنة 288هـ وتوفي ببغداد سنة 377هـ. وفسا مدينة بينها وشيراز أربع مراحل.
قال عنه في معجم الأدباء: أوحد زمانه في علم العربية كان كثير من تلامذته يقول هو فوق المبرد. أخذ النحو عن جماعة من أعيان هذا الشأن كأبي إسحاق الزجاج وأبي بكر بن السراج وأبي بكر مبرمان وأبي بكر الخياط وطاف كثيراً من بلاد الشام ومضى إلى طرابلس فأقام بحلب مدة لدى سيف الدولة بن حمدان ثم رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات.
وكان أبو طالب العبدي يقول: لم يكن بين أبي علي وبين سيبويه احد أبصر بالنحو من أبي علي. وفي مرآة الجنان: في حوادث سنة 377 فيها توفي الإمام النحوي أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي اشتغل ببغداد ودار البلاد وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان وكان إمام وقته في علم النحو وجرت بينه وبين المتنبي مجالس ثم انتقل إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة وتقدم عنده وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي في النحو. وصنف له كتاب الإيضاح والتكملة في النحو.
ورثاه الشريف الرضي من أرجوزة:
أبا علي للألد إن سطا
وللخصوم إن أطالوا اللغطا
تصيب عمداً إن أصابوا غلطا
ولمَّع تكشف عنهن الغطا
كشفك عن بيض العذارى الغطا
ومصعب للقول صعب الممتطى
عسفت حتى عاد مجزول المطا
وسائرات بالخُطا لا بالخِطا
شوارد عنك قطعن الربطا
كما رأيت الخيل تعدو المرتطى
ألبست فيها كل أذن قرطا
قد وردت أفهامنا ورد القطا
ومشكلات ما نشطت منشطا
ميز من ديجورها ما اختلطا
ضل المجارون وما تورطا
ملوا مجاورات فنيق قد مطا
قرم يهد الأرض إن تخمطا
تطرفوا الفج الذي توسطا
لا جذعاً أودعى ولا معتبطا
كانوا العقابيل وكنت الفرطا
عند السراع يعرف القوم البطا
أرضى زمان بك ثم أسخطا
ما أطلب الأيام منا شططا
إيقاظ الغافلين (كتاب)
تأليف الشيخ محمد تقي بن محمد علي بن الشيخ حمزة الفشندي القزويني ولد سنة 1244 هجرية في قرية فشند وتوفي سنة 1330هـ وهو متكلم أديب شاعر من أبرز علماء عصره، وهذا الكتاب هو المجلد الرابع عشر من موسوعته (ذخائر المحبين) في شرح ديوان أمير المؤمنين عليه السلام يبحث في أصول الدين ثم في إثبات البارئ تعالى ثم يليه بحث في التوحيد والعدل ويقع في مجلد ضخم.
وتوجد منه نسخة بخط المؤلف في مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب في الفهارس كما لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الشيخ آقابزرك الطراني ولم يرد ذكره في الذريعة.
عبد الحسين الصالحي
الإيلخانيون
بعد وفاة «هولاكو» في 19 ربيع الآخر سنة 663هـ رشحت زوجته النصرانية «دوقوزخاتون» ابنها «أبقا» أو «أباقا» لخلافته بعد أن استشارت في ذلك الجاثليق الأرمني «ورتان». وكان «أباقا» يومئذ حاكماً على خراسان ومازندران. فبعثت إليه رسولاً مستعجلاً إلى «أران» حيث كان يشتو، تستدعيه إلى معسكر المغول([171]) في «جغاتو». وكان أخوه «يشموت» يقيم في نواحي «دربند» فقدم أيضاً إلى المعسكر بعد سبعة أيام من وفاة «هولاكو».
وبعد القيام بمراسم العزاء عقد القواد والرؤساء المغوليون من رجال «هولاكو» مجلس التهاني، واختاروا رسمياً «أباقا» لخلافته في الثالث من رمضان سنة 663هـ. إلا أن «دوقوز خاتون» توفيت قبل جلوس ابنها بثلاثة أيام، فحرمت من المشاركة في التهاني بجلوسه.
إن «أباقا» هذا وغيره من خلفاء «هولاكو» الذين حكموا إيران من تاريخ وفاة «هولاكو» إلى انقراض هذه السلسلة عرفوا بسلسلة سلاطين المغول أو «الإيلخانيون». وإذ كانت سلسلتهم لا ترتبط ارتباطاً يعتد به بخانات «مغولستان»، ولا كان لبلاد «قراقروم»([172]) سلطان عليهم، فهي تعد سلسلة مستقلة. ومن تاريخ جلوس «أباقا» أخذ نفوذ المغول وسلطان خانات «مغولستان» الأصليين ينحسر عن إيران شيئاً فشيئاً، وخلفاء «هولاكو» يسلكون مسلك سلاطين إيران ويستنون بسننهم. حتى عادوا، في الواقع، يعدون طبقة من ملوك هذه المملكة.
ملك «أباقاخان»
بعد أن جلس «أباقاخان» على عرش إيلخانيي إيران عين أخاه «يشموت» حاكماً على «دربند» و«شيروان» و«دشت موقان» و«آلاتاغ». وعهد بقيادة الجيش المغولي في حدود الروم وحدود الشام إلى اثنين من قواده وعين «شيرامون» ابن «جورماغون» لكرجستان و«سونجاق نويان» لفارس وبغداد، وهذا أبقى «عطا ملك الجويني» حاكماً على بغداد، وكان «هولاكو» قد عينه في هذا المنصب سنة 657هـ. والمغول في الأصل قبائل بدوية جافية ولم يكن لحكامهم بد من الاستعانة في إدارة هذا الملك العظيم الذي صار إليهم، بطبقة ممتازة من أهل البلاد الإسلامية المغلوبة على أمرها فرساً وأتراكاً وعرباً إلى عناصر أقوام آخرين.
أما وزارة «أباقاخان» فظلت كما كانت في أواخر أيام «هولاكو» من نصيب «صاحب الديوان([173]) الخواجة شمس الدين محمد الجويني». وكان هو في تبريز وابنه «الخواجه بهاء الدين محمد» في أصفهان وفي الشطر المهم من العراق العجمي([174]) يقومان بتدبير شؤون المملكة وعهد بشؤون خراسان إلى اثنين من الأمراء المحليين، و«كرمان» إلى «تركان خاتون»، وفارس إلى الملكة «آبش خاتون»، و«هراة» و«غور» و«غرجستان» إلى الملك «شمس الدين كرت». وكان يدير شؤون «لرستان» و«يزد» محافظون منهما (أتابكة). ويدير شؤون الجزية الأمراء الأيوبيون المعينون من قبل خان المغول.
وظل «علاء الدين عطا ملك الجويني» حاكماً على بغداد والعراق كله مدة سلطنة «أباقاخان» (663 ـ 680هـ). وكانت تبعيته لـ «سونجاق» تبعية بالإسم. أما في الواقع فكان مستقلاً عنه كل الاستقلال. وقد بذل كل مساعيه في عهده هذا لإعمار العراق وبناء ما خربه العهد المغولي. وأنشأ كثيراً من القرى والقصبات الجديدة، وأجرى أنهاراً للزراعة، وجعل من الأراضي البائرة مزارع زاهرة. وقد تقدم في هذه الأعمال حتى قيل إن بغداد عادت في عهده أعمر منها في عهود الخلفاء.
وقال صاحب (فوات الوفيات):
«كان علاء الدين وأخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة في الأمور وعدل ورفق بالرعية وعمارة للبلاد، وبالغ بعض الناس فقال: كانت بغداد أيام الصاحب علاء الدين أجود مما كانت أيام الخليفة. وكان الفاضل إذا عمل كتاباً ونسبه إليهما تكون جائزته ألف دينار، وكان لهما إحسان إلى العلماء والفضلاء، ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية» اهـ.
لقد توسل عطا ملك بجميع الوسائل الممكنة لبعث حركة عمرانية كبرى في العراق بأسره، وجدد كثيراً من المدارس المتداعية ومنها (المستنصرية)، وأنشأ جملة من المدارس ودور الكتب وغير ذلك، كما أنشأ جملة من الرباطات والملاجئ والمستشفيات، وأجرى عليها الجرايات، وعني بتعمير المشاهد في النجف وكربلاء والكاظمية، وحفر الأنهار والترع وأجرى الماء من الفرات إلى الكوفة فالنجف. وهو الذي شجع حركة التأليف والمؤلفين وأجزل العطاء والبذل لهم([175]). ومن هذه الناحية نجد جملة من أمهات الأسفار والمصنفات في شتى الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية مهداة لخزانته أو خزائن أهله وذويه. ففي الوسع أن نقول إن الجويني بز الجميع في بعث حركة إنشائية كبيرة شملت العراق وفارس وآذربيجان.
وقد ناصبه العداوة، في أوائل سلطنة «أباقاخان»، رئيس شحنة([176]) بغداد المغولي «قرابوغا» ونائبه الأرمني «إسحاق». فخدعا بدوياً وعلماه أن يشهد بان «عطا ملك» ينوي أن يهرب برجاله وأولاده وأمواله إلى الشام ويدخل في خدمة ملوكها، وأنه طلب من هذا البدوي أن يكون دليله في الطريق إليها.
ثم حاصر رئيس الشحنة ونائبه بيت «عطا ملك» واعتقلاه وحملاه مع الأعرابي إلى معسكر «أباقا» ليشهد عنده بذلك. ولكن «أباقا» لم يصدقهما وربط البدوي إلى خشبة وأخذ يعذبه ليحمله على الإقرار بالحقيقة، فاعترف بأن شهادته كاذبة وأن إسحاق الأرمني هو الذي دفعه إليها. فقتل الخان المغولي البدوي ومحرضه إسحاق، وأقر «عطا ملك» على عمله في حكومة بغداد([177]).
وكان الوزير «شمس الدين محمد الجويني»، أخو «عطا ملك» يتولى جمع عائدات ممالك «أباقاخان» كلها، مع قيامه بالتوجيه السياسي. ولم يكن أحد فوقه سوى الملك. وبلغت إيران في عهده مبلغاً عظيماً من الرقي والاعتبار، لمقدرته وحسن إدارته، وعلا صيته ونفوذه وكبرت ثروته([178]) وخلد ذكر محامده وسجاياه بالثناء والشكر الشعراء والعلماء والأدباء في دواوينهم وكتبهم. فكانت جهوده وجهود أخيه «عطا ملك» السبب في ازدهار إيران والعراق في عهد «أباقا»([179]).
وكان «الخواجة بهاء الدين» حاكم أصفهان ابن الوزير «شمس الدين» هذا على خلاف أبيه. سريع الغضب عنيداً جباراً غليظ القلب. لم يعرف الأصفهانيون في زمانه الهناء يوماً واحداً، وعاشوا في القلق والرعب، مروعين بفقدان الأمن والسرقة وسفك الدماء.
واختار «أباقا» مدينة تبريز عاصمة له. وكان يشتو في «أزان» وبغداد وضفاف نهر «جغاتو» ويصطاف في «آلاتاغ» و«سياه كوه». وقد تقدمت تبريز في عهد سلطنته ووزارة شمس الدين تقدماً عظيماً، وساعد على ذلك أن هذ المدينة ظلت سالمة من ضربات العهد المغولي وغاراته التي أصيب بها غيرها من بلاد إيران وبلاد ما وراء النهر.
سياسة أباقاخان
كان «أباقاخان» بوذياً. ومع ذلك كان يميل إلى النصرانية وذلك بسبب تربيته، إذ كانت أمه «دوقوز خاتون» نصرانية([180]) وكان أبوه «هولاكو» قد طلب، وهو في أواخر عمره، من «ميخائيل بوليبولوغوس» أمبراطور الروم الشرقي (658 ـ 681هـ) أن يزوجه بإحدى بناته. فأجابه الأمبراطور إلى طلبه، وبعث إليه من القسطنطينية بابنة له اسمها مريم مصحوبة ببضعة أشخاص وشيء من الهدايا. فلما وصلوا إلى «قيسارية» من بلاد الأناضول مات «هولاكو». وإذ صعبت عليهم العودة إلى القسطنطينية تابعوا سيرهم إلى إيران، وعقد «أباقا» قرانه عليها. واشتهر أنه تعمد قبل الزواج وتنصر.
وهذان العاملان، تربيته السابقة ثم زواجه بابنة امبراطور الروم الشرقي، جعلا «أباقا» يزداد ميلاً إلى المسيحيين يوماً بعد يوم. وغدا رجال الدين النصارى موضع العناية والاحترام في بلاطه. وإذ كانت الخصومة والمنافسة على أشدها بين إيلخانيي إيران المغول وبين سلاطين الشام ومصر المسلمين (المماليك) بعد انكسار المغول في معركة «عين جالوت»، فقد استغل النصارى هذا الوضع، ووضعوا أنفسهم في خدمة المغول يعملون على تقدم الإيلخانيين وإضعاف مسلمي مصر والشام، أعداء الصليبيين. وكان المغول أيضاً يعدون وجود هؤلاء ضرورياً لهم، ورأى «أباقا» أنه يستطيع أن يدعم بهم سياسته في مقابل مسلمي الشام ومصر. وجعلهم أكثر من مرة واسطة إلى البابا وملوك أوروبا لوضع مشروع اتحاد بينه وبينهم ضد ملوك المسلمين.
وفي سنة 666هـ (1267م) تلقى «آباقا» من البابا «كليمنت الرابع» جواباً على رسالة كان قد بعث بها إليه، يرجوه في هذا الجواب أن يكتب إليه بالحرف اللاتيني ليستطيع فهم ما يكتب، وكانت رسالة «أباقا» مكتوبة بالحرف «الأويغوري»([181]). وفي جواب البابا ذكر له أيضاً ما قام به النصارى من عمليات مضادة لخصوم «آباقا»، ووعده بأن يقويه بمساعدة ملوك أوروبا له في حربه للمسلمين.
وبعد سنتين اجتمع مندوبون من قبل «ميخائيل باليوغوس» ومندوبون من قبل «أباقاخان» بملك ولاية «أراغون» في مدينة «بلنسية» من إسبانيا، وطلبوا منه أن يتفق وسائر ملوك النصارى، فيجهز عساكره لمحاربة المسلمين، وذلك تحقيقاً للوعد الذي وعده البابا. فسمع ملك «أراغون» لهم، وعزم على ـ شيخوخته ـ أن ينهض إلى الحرب. ولكن جماعة من مستبصري أمراء إسبانيا صرفوه عن هذا العزم، وذكروه بخيانة الروم الشرقيين وقساوة قلوب المغول.
وبعد عودة «أباقا» من محاربة «براق» ـ وسيأتي ذكر ذلك ـ عزم إيلخان إيران مرة ثانية، بتحريض من ملك أرمينيا الصغرى، على مذاكرة ملوك أوروبا في هذا الموضوع ومحالفتهم، إذ كان الملك الأرمني يريد استخراج بيت المقدس من قبضة المسلمين بأي نحو كان.
وأرسل «أباقا» سنة 673هـ (1274م) وفداً من ستة عشر رجلاً إلى بلاد الفرنجة، يوم كان ينعقد في مدينة «ليون» من فرنسا مجمع نصراني بأمر من البابا «غريغوار العاشر». وقد حضر أعضاء هذا الوفد جلسات المجمع. وعُمّد اثنان تتريان منهم بأمر من البابا. وهذا كل ما حصل عليه الوفد من هذه المهمة، إذ إن نجاح المسلمين المطرد ووهن عزم الصليبيين في محاربتهم، جعلهم لا يصغون إلى توقع «أباقا» تجييش جيش منهم لغزو الشام ومصر. وأُرسلت إلى «إدوارد الأول» ملك الإنكليز رسالة كتبها «أباقا» إليه، فلم يحرك ساكناً واعتذر بأنه لا يستطيع في هذه الحالة أن يبعث بجيش لاستخلاص بيت المقدس.
وبعد سنتين من ذلك التاريخ، وكان في منصب البابوية يومئذ البابا «يوحنا الواحد والعشرون»، بعث «أباقا» برسولين إلى مدينة روما يدعوان النصارى إلى استرداد بيت المقدس وفلسطين من يد المسلمين، ويعدانهم بمساعدة «أباقا» لهم. وكان هذان الرسولان من نصارى الكرج([182]). وقد أبلغا إلى البابا أن «أباقا» و«قوبيلاي قاآن» يرغبان في التنصر. فأرسلهما البابا إلى ملوك فرنسا وإنكلترا ليعرضا عليهم هذه المطالب. وقرر أن يرسل إلى الشرق بعثة تتألف من خمسة رجال دين للتبشير بالنصرانية. ولكنه توفي قبل تحقيق قراره في سنة 676هـ. واكتفى خليفته البابا «نيقولا الثالث» بأن أرسل، بعد سنة من ذلك التاريخ، كتاباً إلى «أباقا وقوبيلاي»، يظهر فيه سروره بمساعدتهما للنصارى.
وكان «أباقاخان» يحرص على أن يعامل جاثليق نصارى بغداد «يوحنا دنحا» بمنتهى الاحترام والإنعام، ومن ثم كان لهذا الجاثليق يومئذ نفوذ فوق العادة.
وفي سنة 678هـ جاء إلى العراق رجلان من نصارى «أويغور» في طريقهما إلى زيارة بيت المقدس. فعين «يوحنا دنحا» أحدهما لخلافته في الصين وسماه «جبلّها». ولكن الجاثليق توفي في ذلك الوقت فنصب «أباقا» «جبلّها» في مكانه جاثليقاً على بغداد، وعين رفيقه، واسمه «برصوما»، خليفة له على مملكة «الإيغوريين».
وكانت نتيجة سياسة «أباقا» هذه أنه قضى مدة حكمه في السعي إلى الحصول على مساعدة البابا وملوك أوروبا للقضاء على الإسلام، وطرد ملوك مصر والشام المسلمين منهما، أولئك الملوك الذين كانوا يسدون على الصليبيين وقادة المغول طريق التقدم. ومن جهة أخرى كان «أباقا» يدفع بسياسته هذه مسلمي إيران والعراق إلى النفور منه وتوجيه قلوبهم إلى موالاة سلطان مصر، إذ يرونه المدافع عن الإسلام. وكان لهذا الأمر أثر كبير في خيبة «أباقا» وقصوره عن بلوغ غاياته.
حروب أباقا
في أوائل حكم أباقا خان بعث (بركاي) بن (جوجوخان) أحد منافسي هولاكو، وكان يحكم (دسّت قبجاق) بفرقة من عسكره عن طريق دربند القفقاس، وعلى قيادتها قائد اسمه (نوقاي) لمهاجمة أرّان وآذربيجان، وكان أباقا قد عاد قبل مدة قليلة من مشتاه في مازندران إلى تبريز فتلقى أخوه يشمون الجيش المهاجم بالحرب وكسره في 20 صفر سنة 664هـ.
فلما بلغ خبر هذه الهزيمة إلى «بركاي» سار بنفسه بجيش من ثلاثمائة ألف جندي فاجتاز بهم «دربند» إلى ضفاف نهر «كورا». وأسرع «أباقا» إلى ملاقاته. ولكنه، إذ تبين أن «بركاي» قوي، انصرف إلى بناء استحكامات في نواحي نهر «أرس» و«كورا»، وتقدم «بركاي» فاحتل بلاد «أرّان» و«كرجستان» حتى بلغ إلى «تفليس». وهناك أصيب بمرض القولنج ومات. وتراجع عسكره بدون حرب. وعمد أهل الحدود هناك إلى سدها في وجههم خشية أن تتخذ الحملة التي حملها سابقاً المغول «دشت قبجاق» على تلك النواحي، وأقاموا عليها حراساً من عسكر المغول والمسلمين.
وفي سنة 666هـ كان «مسعود بيك» بن «محمود يلواج» حاكماً على ما وراء النهر([183]) من قبل «براق خان» ملك «أولوس جغتاي»…
وفي هذه السنة بعث به «براق خان» سفيراً من قبله إلى «أباقا خان»، ليبلغ إليه ما عنده من مشاعر الصداقة والمودة نحوه. هذا في الظاهر. وفي الباطن كانت غايته الاطلاع على مقدار عسكر «أباقا» ومعرفة الطرق التي تصل ما وراء النهر بخراسان، إذ كان «براق» قد عزم على غزو خراسان وآذربيجان واستخلاص تلك النواحي من يد «أباقا».
وعبر «مسعود بيك» نهر «جيحون» محترماً كل الاحترام ودخل إلى خراسان. وأمر «أباقا» الأمراء والعمال من عسكريين ومدنيين باستقباله استقبالاً لائقاً. وترجل الوزير «الخواجه شمس الدين محمد» عن حصانه وتقدم إليه فقبل ركابه. وقال له «مسعود بيك» مستخفاً: إن تكن أنت صاحب الديوان فإن اسمك أحسن من شخصك، وعلى هذا النحو أخذ يحدث ذلك الرجل العظيم مستكبراً مستعلياً. فلم يجبه «الخواجه شمس الدين»، وهو ذلك الرجل العالم العاقل المتحفظ بشيء، وازداد تواضعاً له منتظراً الفرصة المناسبة. وأكرم «أباقا» مثوى «مسعود» وأجلسه على دست فوق جميع الأمراء وألبسه لباس «جنكيز خان» وهيأ على شرف مقدمه كثيراً من أسباب السرور.
وأدى «مسعود بيك» رسالته بكل مهارة، وجعل «أباقا» ينخدع بصداقة «براق». ولكنه تبين أن بعض المقربين من «أباقا» يسيئون به الظن، فسارع إلى الاستئذان في العودة، وجد في السير حتى بلغ ضفة «جيحون» في مدة أربعة أيام.
وبعد يوم من رحيل «مسعود بيك» عن خراسان وصل إلى «أباقا» خبر بأن «براق» يهيئ حملة إلى خراسان، وأن «مسعود بيك» كان جاسوساً له. فبادر «أباقا» إلى إرسال أناس يتعقبونه، ولكن فاتهم فلم يتمكنوا من اعتقاله، ووصل إلى «براق» سالماً وروى له مشاهداته.
وكان لــ «براق» أخ في خدمة «أباقا» اسمه «تكودارْ أُغول»، يقيم في نواحي «أرارات» و«أرس» وحدود «نخجوان». فقرر «براق» أن يدعو أخاه هذا إلى محالفته وأن يتعاونا معاً على السعي إلى القضاء على «أباقا» بجيش مشترك بينهما. وقبل أخوه بهذا الاقتراح، وسار عسكر الأخوين من حدود خراسان وآذربيجان يغزو ممتلكات «أباقا»، ووقع هذا في مأزق شديد.
وبعث «أباقا» بأخيه «يشموت» إلى خراسان وسيّر رسلاً إلى كل النواحي لجمع العسكر، وسار هو إلى آذربيجان. وحين علم «تكودار» بتحرك «أباقا» تراجع نحو «كرجستان». فسيّر إليه «أباقا» جيشاً يقوده «شيرامون تويان» أحد مشاهير قواده، فتغلب على «تكودار» ولجأ هذا إلى «داود» ملك «كرجستان» وأراد أن يتوسل إلى محالفته بتزويجه من ابنته. ولكنه تبين أن «داود» ورجاله من الكرجيين يفكرون في قتله، فعدل عن اللجوء إليه وبعث برسل من قبله إلى «أباقا» يطلبون منه العذر. وفي شوال سنة 667هـ أسره «أباقا» وقتل من أفسده من أمرائه، وبذلك قضى على هذه الفتنة.
وبعد أن استراح «أباقا» من «تكودار» انصرف كلياً إلى صد «براق». وكان هذا قد عبر «جيحون» بجيش عظيم يقوده قواد متمرسون بالحرب، وهاجم خراسان.
واستولى «براق» على خراسان بسهولة، وأصبحت النواحي الممتدة من «برخشان» إلى «مرو» و«نيسابور» خاضعة لحكمه. ودخل في طاعته الملك «شمس الدين كرت» ليحفظ نواحي حكمه من أذاه. ووعده «براق» بأن يضم حكومة خراسان إلى ما يحكم ملوك «كرت» من بلاده، إن هو ناصره. فقبل الملك «شمس الدين» بذلك مضطراً. ولكنه لما سمع أن «أباقا» يتقدم نحو خراسان ذهب إلى قلعة كانت ملجأً له، وأقام فيها حتى يتبين له من هو المنتصر في هذه الحرب.
وسار «براق» في سنة 668هـ من أذربيجان متجهاً نحو خراسان. وأقام على حفظ «دربند» القفقاس أربعين ألف جندي من المغول والمسلمين. والتحق به، وهو في طريقه إلى خراسان، السلطان «مظفر الدين حجاج» أمير «كرمان». وسار «أباقا»، ومعه أخوه «يشموت» وابنه الأكبر «أرْغون» إلى «باذغيس» سالكاً طريق «باخرز» و«فارياب». فلما وصلها بعث إلى «براق» يقترح عليه الصلح. ولكن «براق» توهم أن «أباقا» يريد العودة إلى آذربيجان، فلم يصغ إلى اقتراحه وكر على عسكره في ذي الحجة سنة 668هـ، وقامت بين العسكرين حرب شديدةعلى بعد خمسة فراسخ من «هراة»، انتهت بانهزام «براق» ففر إلى ما وراء النهر. ونجا «أباقا» من شر هذا العدو القوي أيضاً، وعادت خراسان مرة ثانية في إمرته، وعهد بحكومتها إلى أخيه.
وبعد عودة «براق» إلى ما وراء النهر اعتنق الدين الإسلامي في مدينة «بخارى» واتخذ لنفسه لقب «السلطان غياث الدين». ثم لم يلبث أن فلج لما قاساه من شدائد ومشقات. ولجأ إلى «قيدو» حفيد «أوكتاي قاآن»، وكان مستولياً على الممالك الواقعة في تلك الناحية «سيحون»، ويدعي لنفسه رئاسة المغول، منافساً لـ «قوبيلاي قاآن». وقد ساعد «براق» في محاربته «أباقا». وهناك مات «براق» مسموماً. وبعد هزيمته هذه تركه «مسعود بيك» وفر إلى معسكر «قيدو» أيضاً.
حروب «أباقا» والمسلمين
بعد موت «هولاكو» سار ملك مصر «الظاهر بيبرس البندقداري» بجيش عظيم من مصر إلى الشام. وفي سنة 664 استولى على كل تلك البلاد ووصل إلى حدود «أرمينيا الصغرى» (كليكيا والنواحي المجاورة لها)، وهي يومئذ يحكمها الملك «هيتوم» الأرمني. وكان هذا الملك قد سبق أن ساعد خانات المغول واحتل بعض أراضي المسلمين الواقعة في أطراف ملكه، واتخذ مدينة «سيس» عاصمة له. وذلك يوم كان المسلمون تشغلهم الحروب الداخلية ومجاهدة الصليبيين.
فطلب «بيبرس» من «هيتوم» الجلاء عن بلاد المسلمين، وفتح طريق التجارة بين «أرمينيا الصغرى» وبلاد الشام في مقابل أداء ضريبة. فرفض «هيتوم» طلبه، إذ كان معتمداً على «أباقا» ويعد نفسه تابعاً له، وعندئذ حمل جيش «بيبرس» على أرمينيا. وغادر «هيتوم» أملاكه مسرعاً إلى آسيا الصغرى حيث كان المغول ليستعين بأمرائهم على دفع «بيبرس» عن مملكته. وتولى أبناؤه وإخوته وأمراء جيشه محاربة جيش الملك الظاهر.
ولكن أمراء المغول امتنعوا عن مساعدة «هيتوم» بحجة أنهم لم يتلقوا أمراً من «أباقا» بذلك. فاضطر «هيتوم» أن يطلب العون من الإيلخان رأساً. وقبل أن يصل جواب طلبه كان جيش «بيبرس»، وعلى قيادته «الملك المنصور» ملك حماة و«سيف الدين قلاوون»، قد احتل أملاك «هيتوم» بأسرها وأغار على بلاده بالسلب والنهب.
وقتل في هذه المعركة «طوروس» بن «هيتوم» وأخ لـ «هيتوم» وأسر ابن آخر له اسمه «ليون» وقتل أيضاً كثير من رجاله وأبناء أخيه. وهدموا عاصمته «سيس». وظلوا يعملون في بلاده قتلاً ونهباً مدة عشرين يوماً عادوا بعدها إلى الشام.
أما «هيتوم» فقد جمع جيشاً من المغول والسلاجقة الروميين([184]) (وهم مسلمون)، تحمل في جمعه مشقة عظيمة، وجاء به إلى كيليكيا. ولكن هذا الجيش لم يفده بشيء، إذ كان المسلمون قد ذهبوا، وبلاده عادت خراباً ورجاله بين قتيل وأسير. فهده العجز واستولى عليه خوف واضطراب شديدان. فلم يجد بداً، وهو على هذا العجز، من أن يتوجه إلى «بيبرس» ويلتمس منه إطلاق ابنه «ليون» من الأسر. فأجابه «بيبرس» على طلبه برسالة قال فيها إن غايتنا من الحرب لم تكن الحصول على المال والنوال. وقال: لقد أخذ هولاكو في حلب أحد أصدقائنا ومريدينا أسيراً، وهو شمس الدين سنقر الأشقر السمرقندي، فإن كان هيتوم يريد أن نطلق نحن ابنه من الأسر، فعليه أن يطلب من المغول إطلاق سنقر لنطلق نحن في مقابل ذلك ابنه.
فذهب «هيتوم» بنفسه من أرمينيا إلى معسكر «أباقاخان»، واستخرط على أعتابه بالبكاء والأنين، يلتمس منه بإلحاح أن يسعى إلى الإفراج عن سنقر. فرحم «أباقا» شيخوخته وقلة حيلته، وأمره بالعودة إلى مملكته، ووعده بأن يطلب «سنقر» أينما كان ويبعث به إليه.
كانت حكومة ممالك الروم، أي بلاد آسيا الصغرى (الأناضول)، يديرها يومئذ «معين الدين سليمان بن علي بروانه». وهذا كان في أول أمره وزيراً للسلاطين السلجوقيين الروميين. فلما قدم المغول دخل في طاعتهم، فنصبه «هولاكو» ثم «أباقا» حاكماً على تلك المالك.
وقبل أن يغادر «هيتوم» معسكر «أباقا» عائداً إلى بلاده كان رسوله السابق إلى بلاط «أباقا» قد وصل إلى بلاد «معين الدين» هذا عائداً من رحلته. وكان «معين الدين» يرغب في الزواج من بنت «هيتوم». فلما اجتمع بهذا الرسول باحثه في هذا الأمر. فقال له الرسول إن «هيتوم» لن يستنكف عن إجابته إلى طلبه إن هو أحسن استقباله حين يعود من رحلته. فعمل «معين الدين» برأيه واستقبل «هيتوم» بالتجلة والاحترام وقدم إليه هدايا، وبالغ في ذلك على نحو جعل «هيتوم» يتعجب من عظمة هذا الاهتمام وهذه الملاطفة فلما اطلع على ما في نفس «بروانه» أظهر الرضا ولكنه جعل إجراء العقد مرهوناً بإطلاق ابنه «ليون» من الأسر. ثم ذهب إلى أرمينيا.
ولكن بنت «هيتوم» التي صارت خطيبة «بروانه» في الظاهر لا في الواقع لم تلبث أن ماتت بعد ذلك بقليل. وكان «بروانه» قد عرف بتظاهر «هيتوم» بغير ما يبطنه وأنه كان يتعلل بقضية ابنه ليمطله. فاستاء من ذلك وحقد على «هيتوم».
وأراد أن يستقل بإدارة المملكة فقتل الملك السلجوقي «ركن الدين قليج أرسلان» ابن الملك «غياث الدين كيخسرو» في سنة 666هـ، وأقام ابنه وهو في الرابعة من عمره في مقامه، وساعده على ذلك أمراء المغول.
وفي سنة 669 بعث «أباقا» بـ «سنقر الأشقر»، وكان في نواحي سمرقند، إلى «هيتوم»، فأرسله هذا إلى «بيبرس» مصحوباً بالاحترام والهدايا النفيسة. وفي مقابل ذلك بعث «بيبرس» «ليون» إلى أبيه على هذا النحو.
وكان «هيتوم» قد عقد و«بيبرس» معاهدة تقضي بأنه بعد تسليم «سنقر» وتسلم «ليون» يدخلان في السلم، ويسلم «هيتوم» إلى «بيبرس» بعض القلاع التي يستولي عليها، وأن يكون نهر «جيحان» الحد الفاصل بين بلاده وبين ممالك المسلمين. فلما تم تبادل الأسيرين وفى «هيتوم» بما عاهد عليه.
وأمر «هيتوم» ابنه «ليون» بالسفر إلى بغداد ليلقى «أباقا» ويشكر له سعيه في إطلاقه، وأن يذكر له التماساً من أبيه أن يعفيه من الحكم لشيخوخته وينصب «ليون» في مقامه. وقد أجابه «أباقا» إلى طلبه وأصبح «ليون» خليفة أبيه.
وقد أوقع الملك «الظاهر بيبرس» بالصليبيين كثيراً من الهزائم في عدة من الحروب استمرت من سنة 666هـ إلى سنة 671هـ، وأصبح في نتيجة هذه المجاهدات من مشاهير سلاطين الإسلام، وداخلت هيبته وخشيته سلاطين حدوده كلهم، ومنهم «أباقا» وإمبراطور القسطنطينية و«منكوتيمور» ملك خانات «القبجاق». ويوم كان «بيبرس» في دمشق سنة 668هـ أتته رسل من هؤلاء الملوك الثلاثة. وكتب إليه «أباقا» رسالة حذره فيها من سطوته. فأجاب «بيبرس» برسالة قال فيها: إن سلطانه قائم بتصديق وإجماع من المسلمين، وإنه لا يخشى سطوة «أباقا»، وهو حاضر لملاقاته ملاقاة يسترد بها المسلمون من قبضة المغول ما فقدوه.
وكان «أباقا» منذ توليه السلطان يفكر بغزو الشام ومصر، والأخذ بثارات «عين جالوت»، حيث سبق أن انهزم المغول. ولكن هجوم «براق» حال بينه وبين إنقاذ خطته هذه، كما مر.
وفي سنة 666 غزا «بيبرس» أنطاكية، وكانت في حكم أمير طرابلس الشام الصليبي، بجيش جرار ففتحها وأوقع بأهلها القتل والأسر. وإذ كانت حملة لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في ذلك التاريخ قد انتهت بانكسار الصليبيين أيضاً، فقد قويت عزيمة «بيبرس» على طرد الصليبيين من الشام، وأصبح الصليبيون آيسين لا يرون لهم حيلة إلا استنجاد «أباقا» وأن يطلبوا من المغول دفع «بيبرس» عنهم.
فأمر «أباقا» بأن يسير القائد المغولي لعسكره في بلاد الروم (الأناضول) ومعه «معين الدين بروانه» بجيش من عشرة آلاف جندي تقريباً إلى الشام. فأغاروا في سنة 669 على البلاد الواقعة في شمالي حلب. وكان «بيبرس» يومئذ في دمشق. فاستدعى جيشاً من مصر. ولكن المغول عادوا فتراجعوا حين وصول ذلك الجيش. فبعث «بيبرس» جماعة من عسكره إلى «الرها» و«حران» فاحتلتهما بسهولة.
وذهب المغول الذين كانوا يقيمون في «حران» بين قتيل وأسير. ولكن المغول عادوا فاحتلوا هذه المدينة بعد سنة من ذلك التاريخ، وأوقعوا بأهلها قتلاً عاماً، وظلت خراباً من ذلك اليوم.
وأوقع «بيبرس» هزيمة شديدة بجماعة من عسكر المغول جاءت إلى الشام مدداً للصليبيين، واشتد في تعقب الصليبيين منهم خاصة. وإذ أصبحت قوته تزداد يوماً بعد يوم، فقد اضطر «معين الدين بروانه» وقائد الجيش المغولي في بلاد الروم إلى طلب الصلح منه. فبعث «بيبرس» إليهما باثنين من أمراء جيشه لعقد معاهدة المصالحة. وهما بعثا بالرسولين إلى «أباقا» للمفاوضة.
وفهم «أباقا» من المذاكرات التي جرت بينه وبين الرسولين أن «منكو تيمور» بن «بركاي خان» ملك «دشت قبجاق»، وكان مسلماً كأبيه، قد وضع يده في يد «بيبرس» وأن هذين الملكين اللذين يتبعان ملة واحدة، قد عقدا العزم على مخاصمته. وأن القصد من هذا التحالف هو تعطيل أساس الصداقة القديمة التي عقدها إيلخانيو إيران بينهم وبين الصليبيين والأرمن وأمبراطور روما الشرقية، ولا سيما أن «منكو تيمور» كان ينافس الإيلخانيين وينافس أيضاً إمبراطور روما الشرقي، فرأى أن الصلاح في محالفة «بيبرس»، إذ هو مثله مسلم وعدو الصليبيين وعدو «أباقا».
وبعث «أباقا» بسفراء من قبله إلى «بيبرس» وطلب منه إرسال «سنقر الأشقر» إلى بلاط «الإيلخان» للمفاوضة. ولكن السفراء غيروا مضمون هذه الرسالة وقالوا لـ «بيبرس» إن «أباقا» يطلب أن يحضر سلطان مصر بنفسه، أو يبعث بمقدّم أمرائه، إلى بلاطه، للمفاوضة في شروح الصلح. فأجابهم «بيبرس» بأن الأنسب أن يحضر «أباقا» أو أحد إخوته إلى الشام لتدبير هذا الأمر، إذ أنه هو الذي طلب المصالحة. وفي أثناء ذلك أمر بأن يقوم عسكر المسلمين بإعداد التجهيزات الحربية في خارج دمشق، ويهيؤوا للحرب.
وقعة البيرة
وبعد ذلك بقليل، أي في سنة 671هـ أغار عسكر المغول على ضفة الفرات العليا وحاصروا قلعة «البيرة» وقلعة «الرحبة». فبعث أهالي «البيرة» خبراً بذلك مع حمام الزاجل إلى حمص وحماه، وطلبوا منهما نجدة، فبادر «بيبرس» مسرعاً إلى إنجادهم وحمل معه سفناً وسار نحو الفرات، وبعث بعض قواده مع فرق من الجنود المجربين إلى مختلف الجهات لصد المغول عن التقدم. وكان المغول قد قطعوا معابر الفرات، وأقاموا على شاطئه الذي يليهم استحكامات من الخنادق الحربية، فأصبح عبوره صعباً على عسكر «بيبرس». ولما وصل «بيبرس» إلى الفرات ألقى بالسفن في الماء وأركب فيها قسماً من جنوده ليجتازوا النهر إلى الضفة المقابلة.
وأخذ المغول يطلقون عليهم السهام من الضفة المقابلة، وشبت بين العسكرين معركة شديدة. ثم استطاع قائد «بيبرس» المحنك «سيف الدين قلاوون» أن يقطع النهر، فهجم بجنوده على المغول وهزمهم. وعبر سائر عساكره الماء على ظهور الجياد. وكانوا يطلقون السهام وهم يمسكون بأعنة الخيل، و«بيبرس» في مقدمتهم.
واستولى عسكر المسلمين على معسكر المغول وأنقذوا «البيرة» منهم. ثم صلوا ركعتين شكراً لله على هذا الفتح الذي يعد من الوقائع المهمة في تاريخ الإسلام، وإيذاناً بنجاة الشام من هجوم المغول. وعادوا إلى الشام بغنائم وافرة. ورجع «بيبرس» إلى مصر بمنتهى الجلال والعز.
إلا أن عساكره في الشام لم يكفوا عن تعقب الأرمن فقاموا بحملة أخرى على بلاد «ليون» وعاودوا استباحة كيليكيا مرة ثانية، وفر «ليون» من وجههم.
وحين كان عسكر «بيبرس» مشغولاً بالحرب في بلاد «ليون» وصل خبر بأن «أباقا» عازم على غزو الشام بنفسه. فأوقع ذلك اضطراباً بين أهل الشام وفر كثير من الناس من ضفة الفرات اليمنى إلى دمشق وغيرها. وقدم «بيبرس» إلى الشام في سنة 673هـ، وإذ لم يظهر أثر من المغول، سار إلى مدينة «سيس» عاصمة «ليون» فغنم منها ثم عاد إلى دمشق.
وفي سنة 674هـ عاود المغول محاصرة «البيرة» مرة أخرى، وأخذوا يضربونها بحجارة المنجنيق. فأسرع «بيبرس» إلى نجدة أهلها. ولكن المغول رجعوا عنها قبل وصوله إليها، فعاد «بيبرس» إلى مصر.
وكان «معين الدين بروانه» رجلاً ذكياً متطلعاً إلى المناصب العالية. وكان يبطن المودة لـ «بيبرس» بما هو مسلم، ويرائي بإظهار الصداقة لـ «ليون» ملك أرمينيا الصغرى و«أباقا» خوفاً من المغول. ومن أجل أن لا يرتاب به المغول جاء بنفسه إلى معسكر «أباقا»، وحمل معه بنت السلطان «ركن الدين» السلجوقي زاعماً أنه إنما جاء بها ليزوجها من «أباقا» لكيلا يصار بها إلى «بيبرس» وطلب جيشاً ليدفع به عن البلاد الرومية أميراً سلجوقياً كان قد عصى وحمل معه ملكها ابن السنوات الأربع، وسار «بروانه» بالجيش بمعية أخي «أباقا» إلى تلك البلاد فتغلب على الأمير العاصي وقتله، وأعاد الملك إلى منصبه، وكان الأمير العاصي ينوي حمله إلى مصر على ما زعم «بروانه». وقد زادت هذه الأمور في اعتبار «بروانه» عند المغول.
وقعة «أبلستين»
في سنة 675هـ عزم «بيبرس» على غزو البلاد الرومية، استجابة لدعوة فريق من الفارين من تلك البلاد، واطمئناناً منه إلى معونة «بروانه». وسار من مصر بجيش جرار في 20 رمضان من تلك السنة حتى وصل عن طريق حلب إلى حدود قلاع الشام. فبعث «ليون» ملك أرمينيا خبراً بذلك إلى «معين الدين بروانه». إلا أن هذا صور الخبر لأمراء المغول بأنه كاذب وضللهم عن الحقيقة، فظلوا غافلين إلى أن عرفوا بوصول جيش «بيبرس» إلى محلة «أَبُلَسْتَيْن»([185]). فسارع أمراء المغول و«بروانه» إلى تجهيز جيش ساروا به إلى ملاقاة «بيبرس»، وعلى قيادته «طوغون» بن «إيلكاي نويان» و«تودون نويان» أخو «سونجاق».
وتغلب عسكر «بيبرس» على عسكر المغول يوم الجمعة العاشر من ذي القعدة سنة 675 في صحراء «أبلستين» وقتل «طوغون» و«تودون»، ونهبوا معسكر المغول وغنموا كثيراً وأسروا كثيراً. وكان بين الأسرى أحد أبناء «بروانه» وأحد أحفاده.
ثم سار «بيبرس» إلى «قيسارية» وأقام هناك ينتظر لعل «بروانه» يأتيه. ولكن انتظاره كان عبثاً لأن «بروانه» فر يوم معركة «أبلستين»، بعد الهزيمة، إلى «قيسارية» ومنها إلى «توقات». وهو يفكر كيف يعتذر إلى «أباقا» عن هذه الهزيمة.
وعاد «بيبرس» إلى الشام بعد أن أقام في البلاد الرومية شهراً، إذ صعبت عليه وسائل الحصول على الطعام لجنده. وفي هذا السفر عامل أهل تلك البلاد معاملة حسنة، وتحامى أن ينال أحداً من مسلميها أذى من جنوده. ولامهم، ولا سيما رؤساء العسكر السلجوقي، على مساعدتهم غير المسلمين، وقال: إن غايته من غزو هذه البلاد هي تحريرها من أسر المغول، لا تخريبها.
وزاد خبر هزيمة المغول في «أبلستين» «أباقا» غضباً على غضب. فهي ثالث هزيمة يوقعها العسكر المصري والشامي بالمغول في مدة عشرين سنة. انكسرت شوكتهم بعد أن ظلت مصانة من الأذى إلى ذلك التاريخ.
ومن ثم بادر «أباقا» فوراً، حين وصله نبأ الهزيمة، إلى السير بنفسه نحو بلاد الروم حتى دخل ميدان معركة «أبلستين». وبعد أن ناح وتفجع كثيراً أمر بإحصاء قتلى المغول. وإذ رأى أن عدد القتلى من عسكر «بيبرس» شيء قليل بالقياس إلى عدد القتلى من المغول ازداد غضباً وقتل جماعة من رؤساء الجيش السلجوقي. وكان «معين الدين بروانه» قد جاء إليه فلامه لوماً شديداً. فاعتذر «بروانه» بأن العسكر الشامي وصل على حين غفلة منا، فلم يتيسر لنا مجال لتهيئة وسائل الحرب.
وعمد الإيلخان إلى الانتقام فنشر عسكره بين قيسارية و«أرزن» الروم وأمرهم بقتل مسلمي تلك البلاد قتلاً عاماً. فأنفذوا أمره وقتلوا في مدة أسبوع مائتي ألف نسمة في رواية وخمسمائة ألف في رواية أخرى، وفيهم الأمراء والقضاة والعلماء، وخربوا كثيراً من البلدان.
وكان «أباقا» ينوي تعقب «بيبرس»، ولكن أمراءه ثنوه عن عزمه إذ رأوا أن لا صلاح في ذلك. فاكتفى الإيلخان بإرسال رسالة تهديد إلى «بيبرس»، عد فيها تراجعه عن مقابلته جبناً، ووصفه باللص والثعلب. ووصلت هذه الرسالة إلى دمشق قبيل موت «بيبرس».
أما «بروانه» فقد جعله «أباقا» في أول الأمر موضع الاحترام وكتم غضبه عليه واصطبحه معه إلى معسكر «آلاتاغ». وهناك حاكمه بحضور قواده. فأثبتوا عليه ثلاثة ذنوب هي: أنه فر من وجه العدو، ولم يعلم «أباقا» بزحف «بيبرس» لما بلغ إليه خبر ذلك، ولم يحضر عند «أباقا» بعد هزيمة «أبلستين».
هذا ولم يكن «أباقا» ينوي قتل «بروانه». ولكن أبناء «تودون نويان» ونساء المغول المفجوعات ما زالوا به حتى أمر أحد أمرائه بقتله فقتله وقتل معه ستة وثلاثين من رجاله. وقطع المغول جسد «بروانه» قطعة قطعة ويقال إنهم طبخوه في قدر وأكل كل منهم قطعة منه وأكل «أباقا» قطعة، شفاء لنفوسهم من الغيظ والغضب.
وأما الملك الظاهر «بيبرس» البندقداري فإنه بعد رجوعه من بلاد الروم ما لبث أن توفي في 27 المحرم سنة 676هـ في دمشق، بعد سبع وعشرين سنة من الملك، فاستراح المغول من خصم شديد القوى.
وأخفى أمراؤه موته عن العامة، وحملوه إلى مصر متظاهرين بأنه حي. ثم نصبوا خليفة له ابنه «الملك السعيد بركة». ولكنه عجز عن مقاومة أمراء «بيبرس» المقتدرين، فجاء إلى الشام. وهناك سقط يوماً عن حصانه فمات. ونصبوا مكانه أخاه وهو في السابعة من عمره. وأصبح آلة في يد الأمراء، ولا سيما الأمير «سيف الدين قلاوون الألفي»، وهو من أشهر قواد «بيبرس» المجربين. فلم يمض على تنصيب الملك الطفل غير سبعة أشهر حتى خلعه هذا الأمير واستولى على الملك في 22 رجب سنة 678هـ واتخذ لنفسه لقب «الملك المنصور» وأصبح ملكاً على مصر. وكان قد استشار قبل ذلك في هذا الأمر أبا العباس أحمد أحد أحفاد المعتصم، وحصل على رضاه.
وأبو العباس هذا هو حفيد أبي بكر بن المستعصم بالله العباسي آخر الخلفاء العباسيين. كان قد جاء إلى مصر سنة 659هـ. وبعد أن حقق «بيبرس» في نسبه ثبتت له صحة انتسابه إلى المستعصم فنصبه خليفة سنة 660هـ ولقبه بالحاكم بأمر الله. ودامت خلافته في مصر إلى سنة 701هـ إذ توفي فبويع ابنه.
وافتُتح عهد «قلاوون» بمخالفة «شمس الدين سنقر الأشقر» له وخروجه عليه في دمشق، إذ كان هذا يطلب الملك لنفسه، وقد جمع حوله جماعة واتخذ لنفسه لقب «الملك الكامل» في نفس السنة التي جلس فيها «قلاوون» على تخت الملك.
وهزم «قلاوون» في سنة 679هـ «سنقر» ففر إلى البادية. وبعد مدة قليلة أخذ يكتب إلى «أباقا» رسائل يحرضه فيها على غزو الشام. وفي أثناء ذلك استطاع أن يتسلط على بلاد اللاذقية وأنطاكية وصهيون من شمالي الشام. وفي سنة 680هـ اعترف «قلاوون» بملكيته على تلك النواحي.
وقعة حمص
واستجاب «أباقا» إلى دعوة «سنقر» فسار ومعه أخوه «منكو تيمور» بجيش من ثمانين ألف جندي إلى الشام وآسيا الصغرى. وتوجه «منكو تيمور» نحو عينتاب وحماه وحدود بلاد الروم، وتوجه «أباقا» نحو حدود الشام. وكان «قلاوون» يومئذ في حمص، فاستنجد بجميع أمراء بلاد الشام ومنهم «سنقر». وقد هب المسلمون من كل ناحية إلى نجدته، وجاءه أيضاً «سنقر» يبذل له العون.
ونشبت الحرب بين العسكرين يوم الخميس 14 رجب سنة 680هـ بالقرب من مدينة حمص. وقد انهزم جناح عسكر المسلمين الأيسر وتعقبهم المغول إلى قرب حمص، وفر فريق منهم إلى دمشق. وثبت جناحهم الأيمن والقلب وأوقعا بـ «منكو تيمور» هزيمة شديدة وفر عسكر المغول. وكان «أباقا» مشغولاً بمحاصرة قلعة «الرحبة». فلما بلغ إليه خبر الهزيمة فر بجنده أيضاً. وأصبحت وقعة حمص هذه رابع انتصارات المسلمين على المغول، بعد «أبلستين» و«البيرة» و«عين جالوت».
أسرة الجويني ومجد الملك اليزيدي
إن التقدم الخارق الذي أحرزه «صاحب الديوان شمس الدين محمد الجويني» وأبناؤه في دولة «أباقاخان»، وأخوه «علاء الدين عطا ملك»([186]) في حكومة بغداد والعراق، وما بلغوا إليه من شهرة وثروة، أغضب جماعة من الأعيان والمتنفذين وعمال «أباقا»، وبعث في نفوسهم الحسد. فإن نفوذ أسرة الجويني قد حال بينهم وبين ما يشتهون من أن يكونوا مطلقي العنان مستقلين بالحل والعقد في شؤون الملك، أو، على الأقل، شركاء فيها. هذي الشؤون التي كان كل الخيار فيها بيد صاحب الديوان الكفيء ورجاله. وقد مر ذكر الخطة التي وضعها «قرابوغا» ونائبه «إسحاق الأرمني» لإسقاط «عطا ملك الجوييني». ونشرح الآن قصة سعاية «مجد الملك اليزيدي» لإسقاط هذه الأسرة. فهي من الوقائع الداخلية المهمة في ملك «أباقاخان».
كان «مجد الملك» في أول أمره يزر لأتابكة([187]) «يزد». ثم دخل في خدمة «بهاء الدين محمد» ابن «صاحب الديوان» وحاكم أصفهان. وتدرج شيئاً فشيئاً حتى صار من حاشية «صاحب الديوان» فقام هذا على رعايته وفوض إليه أعمالاً مهمة. ولكن «مجد الملك»، بدلاً من أن يستقيم في خدمة هذه الأسرة والإخلاص لها شكراً منه على ما أنعمت به عليه، أسر في نفسه السوء لها وأخذ يسعى إلى إفساد أمورها، يربو في قلبه هوس إسقاط أسرة الجويني والحصول على مقام «صاحب الديوان».
وظل يتحين الذريعة إلى ذلك، إلى أن جرى يوماً حديث بينه وبين مجد الدين بن الأثير أخي المؤرخ المعروف عز الدين بن الأثير وكان مجد الدين نائب «عطا ملك». وعلم منه «مجد الملك» أن «عطا ملك» يتحدث عن شوكة ملك مصر وسطوته وكثرة جنده([188]). فجعل هذا الأمر ذريعته إلى الإيقاع بعطا ملك وأخيه.
وذهب عند أحد رؤساء المغول وقال له إن نائب «عطا ملك» على صلة بالمصريين، وإن «عطا ملك» وأخاه ينتظران قدوم العسكر المصري إلى العراق ليسلما بغداد إلى المصريين. وأبلغ هذا الكلام إلى «أباقا» فأمر بجلد مجد الدين بن الأثير لحمله على الإقرار. فجلد أكثر من خمسمائة جلدة. ولكن «أباقا»، مع ذلك، لم يحصل منه على إقرار بتصديق تلك الدعوى، فسلمه إلى صاحب الديوان.
ومن أجل أن يدفع «شمس الدين» شر «مجد الملك» عنه عمد إلى استمالته فنصبه حاكماً على «سيواس» وزاد في مخصصاته، وأعطاه مالاً ونوالاً كثيراً. ولكن «مجد الملك» دأب على هوسه القديم وما انفك يتحين فرصة أخرى ليضرب الأسرة الجوينية ضربة قاضية تستأصلها استئصالاً.
وفي أواخر سنة 677هـ كان «أباقا» قادماً من تبريز إلى خراسان. فلما وصل إلى قزوين استطاع «مجد الملك» أن يدخل على الأمير «أرغون» بن «أباقا» بتوسط أحد المقربين إليه. وفي هذا اللقاء قال «مجد الملك» للأمير: إنه ما زال منذ سنة يريد أن يحدث الملك بأمر هو عين المصلحة للملك وللدولة. وإذ كان هذا الأمر مهماً وصاحب الديوان يحول دون إيصاله إلى مسامع «الإيلخان» فقد ظل غير قادر على إبلاغه إليه. وذلك أن صاحب الديوان قد اتفق سراً وسلاطين مصر والشام. وهو الذي أغوى معين الدين بروانه فحالف بيبرس وتسبب في قتل أمراء المغول. ومع أن حاصل أملاكه التي حصل عليها من دولة الأيلخان يساوي حاصل الأملاك الديوانية، فإنه يكفر النعمة. وأخوه عطا ملك يقيم في بغداد إقامة الملوك، ويضع على رأسه التاج المرصع. وقد خرجت ثروتهما وتمكنهما عن حد التعداد. ثم قال: وإذ كان صاحب الديوان يعلم أني مطلع على هذه الأسرار فقد أمر بإعطائي حكومة سيواس ومبلغاً من المال والنوال لكيلا أبوح بشيء من هذا الأمر، ويمضي هو في طريق الخلاف والكفر بالنعمة مطمئناً.
ونقل «أرغون» تقريرات «مجد الملك» هذه إلى أبيه. فأوصاه «أباقا» بكتمانها ووعد بأن يقوم بالتحقيق فيها وتدبيرها حين يتفرغ من العمل.
وفي سنة 678هـ كان «أباقاخان» في «السلطانية». وهناك استطاع «مجد الملك» أن يدخل عليه بمساعدة الأمير «تغادر» ونائبه «صدر الدين الزنجاني». فروى له كل ما سبق أن قاله لابن الأمير «أرغون». فغضب «أباقا» وأمر ببعث رسل إلى الولايات وإحضار وكلاء «صاحب الديوان» مع دفاترهم لفحص حساباتهم والتحقيق في بيانات «مجد الملك».
فلجأ «صاحب الديوان» إلى «أولجاي خاتون» زوجة «هولاكو خان» أم «منكو تيمور» ـ وقد تزوجها «أباقا» بعد وفاة أبيه عملاً بسنة المغول ـ يتشفع بها. فقامت بالوساطة لدى «أباقا»، فاستجاب لها وأمر بإرجاع نواب «صاحب الديوان» ورسله إلى مقر أعمالهم وأن لا يتعرض لهم أحد بشيء، وجعل «صاحب الديوان» موضع العناية والعطف منه.
فلما رأى «مجد الملك» أن سعيه في هذه المرة قد خاب أيضاً، التمس الحماية من «الإيلخان» وطلب جعله موضع عناية خاصة، وذلك خوفاً من انتقام «صاحب الديوان». فوضعه «أباقا» في حماية «تغاجار» وأمر بأن يظل ملازماً للمعسكر الإيلخاني.
ولم يكفّ «مجد الملك» عن الدس على الأسرة الجوينية. وفي هذه المرة وضع يده في يد «صدر الدين الزنجاني». وأخذ اعتباره يزداد شيئاً فشيئاً في حاشية «أباقا» حتى بلغ إلى أن أصدر «أباقا» أمراً خاصاً بتعيينه مفتشاً.
وبهذا التعيين أصبح شريك «صاحب الديوان» في الإشراف على الأعمال الإدارية لكل الممتلكات، بل أصبح منافساً ومعارضاً له في عمله، وحمله الغرور مرة أن أرسل إلى صاحب الديوان هذه الرباعية:
سأغوص في بحر غمي منك
فإما الغرق وإما نوال الجوهر
القصد إليك بالحرب خطر وأنا مقدم عليه.
فإما أن أعود بوجه مُوَرّد أو عنق مُوَرَّد([189]).
فأجابه «الخواجه شمس الدين» بهذه الرباعية:
إذ كان الشاه لا يمكن أن يقاضي
فليتجرع غصة الزمان من يتجرع
وهذا الفصل الذي أنت فيه ذو قدم
عُدْ منه مُورّد الوجه مُوَرّد العنق([190])
وبعد مدة، إذ رأى أنه لا يقدر أن يظهر على «صاحب الديوان»، عمد إلى إيذاء أخيه «عطا ملك». وجاء هذا سنة 680هـ من بغداد إلى تبريز. فأخذ «مجد الملك» يحرض عليه العمال والأعيان بالتطميع حتى نوابه ومأموروه استمالهم بالذهب وأغراهم به أن يواجهوه بغليظ الكلام ويتهموه بالاختلاس ويطالبوه بدفع أموال كثيرة من قبيل ضرائب باقيه وبقايا أموال في ذمته.
وعمل «عطا ملك» بمشورة أخيه فقبل بدفع الأموال المدعى بها وأدى قسماً منها وسامحه «أباقا» بالباقي، إذ رأى أن لا وجه لمطالبته بما طولب به، وطيب خاطره وأقره على عمله.
وفي أواسط تلك السنة، سنة 680هـ، يوم كان «أباقا» يجهز جيشه لغزو الشام، عاود «مجد الملك» عنده حديث أموال الضرائب الباقية في ذمة «عطا ملك». وما زال به حتى أقنعه. وقال له إن «عطا ملك» قد أخفى هذه الأموال بدفنها في الأرض. ويومئذ قدم «أباقا» إلى بغداد. وهناك أمر العمال المغول بضبط أموال «عطا ملك» ومصادرتها كلها، حتى أموال رجاله وأبنائه ضبطت وصودرت.
فلما رأى أخوه «الخواجه شمس الدين» أن الوضع صار إلى هذه الصعوبة جاء بنفسه إلى بغداد لعله يستطيع تهيئة مبلغ المال الذي حدده المعاندون وإرساله إلى «أباقا» وإنقاذ أخيه من شر أعدائه.
وعمد «صاحب الديوان» إلى بيع ما يملك من آنية وأثاث ومقتنيات أخرى، والاقتراض من كل من يستطيع الاقتراض منه، وبعث بذلك إلى «أباقا». ولكن ذلك كله لم يبلغ إلى عُشر المبلغ المحسوب. واتهم الخصوم «شمس الدين» بالنفاق والمخاتلة، وأنه يرفض أن يظهر أمواله المكنونة. ولذلك استُدعي «تغاجار» إلى بغداد مصحوباً بـ «مجد الملك» وآخرين للكشف عن الكنوز المخفية ونبش خزائن الأسرة الجوينية ودفائنها.
وظلت هذه الجماعة مدة طويلة توقع بمتعلقي الجوينيين الأذى والعذاب والسجن والاعتقال، وتفتش البيوت والموقوفات والمدارس ومنازل القوافل التي شادها «عطا ملك»، وتمعن في مضايقته وأخيه وإهانتهما. ثم بعثوا بكل ما حصلوا عليه إلى «أباقا».
وانتهى الأمر بأن تدخل أمراء المغول وخوانينهم، ممن سلفت للأخوين أياد كثيرة عليهم، وتوسطوا لهما عند «أباقا». وأجاب هذا طلبهم فأطلق «عطا ملك» من السجن وطيب خاطره. وهكذا خاب سعي «مجد الملك» أيضاً في الوصول إلى نتيجة قاطعة.
وكان الساعون بالأسرة الجوينية يخشون من انتقام الأخوين منهم. وكلما تكررت خيبتهم في هذا السبيل ازدادت خشيتهم، فأخذوا بتدبير مكيدة جديدة، فيصلون بكسر هذه العائلة إلى مقاصدهم من جهة ويأمنون على أرواحهم من جهة أخرى. يفعلون ذلك بدلاً من أن يصالحوهما بالاعتذار إليهما والكف عن مقاومتهما. وعلى هذا وضعوا خطة أخرى للقضاء على الأخوين، بعد أن خاب مسعاهم في إقامة الدعاوى الكاذبة عليهما.
في تلك الأيام كانت المنافسة بين سلاطين الشام ومصر المسلمين وبين إيلخان المغول على أشدها، ويبدو أنه لم يكن خافياً تعاطف الجوينيين الخفي مع القوى الإسلامية أينما كانت فجعل أعداؤهم خطتهم الجديدة اتهام الأسرة الجوينية عند الإيلخان بأنهم على صلة ودية بمسلمي الشام ومصر، وأنهم يكاتبونهم لإسقاط دولة «أباقا». وخدعوا جماعة من نصارى بغداد وجماعة من المرتزقة طلاب الشغب والفتنة بتطميعهم بالمال، ليشهدوا معهم بصدق دعواهم. وقرروا أن يقوموا بالوشاية في غيبة «عطا ملك» ليكون التمهيد لهذه المؤامرة أيسر عليهم. وكان «أباقا» قد غادر بغداد عائداً إلى إيران. فبعثوا في أثره جماعة منهم أدركته في «خانقين». وهناك أبلغوا إليه ما قرروه.
فبحث الإيلخان أحد المقربين إليه إلى بغداد للتحقيق واستدعى «عطا ملك» إلى معسكره. ولكن خصوم «عطا ملك» أخروا رسول «أباقا» مدة شهر في بغداد، وهم يخدعونه بمختلف الوعود. وأحضروا عنده الشهود الذين كانوا قد أعدوهم ليوافقوهم في الشهادة. وكان بينهم بضعة أشخاص من العرب، سبق أن أرسلهم «عطا ملك» إلى الشام للتحقق من أحوال أمرائها، وعادوا إليه بمعلومات في هذا الشأن.
وقد حدثت هذه الوقائع في الزمان الذي توفي فيه «بيبرس»، وتغلب «سيف الدين قلاوون الألفي» على «سنقر الأشقر» وطرده إلى البادية، كما مر ذكره. وقد أرسل «عطا ملك» هؤلاء النفر من العرب إلى «سنقر» وأمير آخر من أمراء الشام العرب في محاولة منه لكسر حدة العداء بين المماليك والإيلخانيين واستغلال القوى الإسلامية لمصلحة المسلمين. وإذ كان «سنقر» وذلك الأمير قد هزمهما «قلاوون» فقد قبلا هذه الدعوة.
ولما استدعي هؤلاء النفر من العرب إلى التحقيق شهدوا لمصلحة الجوينيين، فجاءت شهادتهم على خلاف ما أراده خصوم الجوينيين.
ثم توجه رسول «أباقا» عائداً إلى إيران ومعه «عطا ملك» مقيداً في شهر ذي الحجة سنة 680هـ. فلما قارب همدان وصله خبر وفاة «أباقا». وقد توفي في اليوم العشرين من ذلك الشهر، وكان أباقا قد عهد بالملك إلى ابنه أرغون، على أن من يمكن أن نطلق عليهم اسم (الحزب الإسلامي) المكون من آل الجويني وبعض الأمراء والقواد والنواب، أعلنوا خلع أرغون من ولاية العهد وتولية (تكودار) بن هولاكو ملكاً للدولة الإيلخانية، وكانت هذه الجماعة قد مهدت للإسلام في نفس تكودار، فلم يلبث بعد توليه الملك أن أعلن إسلامه وتسمى أحمد تكودار وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن يفرج عن عطا ملك مباشرة، فقد أمر أحمد تكودار بإطلاقه وإرساله إلى معسكره. فسار من همذان إلى أرمينيا، ومنها رافق «تكودار» إلى «آلاتاغ»، واشترك في مجلس الشورى الذي انتخب فيه ملكاً وفي الاحتفال الذي أقيم لذلك.
وكان تنصيب «تكودار» في مكان أخيه في 26 المحرم سنة 681هـ. وبعد ذلك عهد بحكومة خراسان ومازندران والعراق و«أرّان» وآذربيجان إلى «الخواجه شمس الدين الجويني» وحده، وعهد إليه أيضاً بأن يشارك السلاطين السلاجقة في حكومة بلاد الروم. وعهد إلى ابنه «الخواجه هارون» بحكومة ديار بكر والموصل وإربل. وأبقى «عطا ملك» في بغداد على ما كان عليه في السابق. وخلع عليهم كثيراً من الخلع. وعاد أمر الأسرة الجوينية إلى الازدهار مرة ثانية.
ويلاحظ أن الصراع بدأ منذ ذلك الحين بين الأحزاب المغولية، وكان المسلمون في هذا الصراع إلى جانب آل الجويني. وبعد إعلان تملك أحمد تكودار أرسل علاء الدين عطا ملك الجويني رسالة إلى أهل العراق وبغداد. وفي مستهل الرسالة نوه الجويني بوفاء أهل بغداد، ووصف الانقلاب الجديد من خلع أرغون إلى نصب السلطان أحمد ونعت دولته بـ (الدولة القاهرة الإيلخانية الأحمدية التي نشرت ألوية الشريعة المحمدية وبسطت العدل في الأرضين وكفت عن البلاد والعباد أكف الظالمين والحمد لله رب العالمين).
ويقول كتاب الحوادث الجامعة الصفحة 437 إنه قامت مظاهرات صاخبة على أثر وصول بعض أولاد عطا ملك إليها ومعهم بعض النواب والحكام، وهي مظاهرات تدل على غبطة أهل بغداد بانتصار آل الجويني. وكل ذلك يؤكد مواطأة آل الجويني للمسلمين على الوثنيين وممالئيهم الضالعين معهم من أصحاب الملل والنحل في تلك البلاد.
سلطنة «أحمد تكودار» من 681 إلى 683هـ
كان «أباقا خان» يرغب في استخلاف ابنه «أرغون» إيلخاناً من بعده. ولكن، إذ كان هذا الاستخلاف مخالفاً لقانون «جنكيز خان (ياسانامه) الذي يجعل السلطنة من حق الأرشد من الأمراء، فقد رشح رؤساء لمغول وأمراؤهم «تكودار» أخا «أباقا» لهذا المنصب، وأقروا سلطنته رسمياً في مجلس شورى عقدوه في «آلاتاغ» في 26 المحرم سنة 681هـ.
و«تكودار» هو سابع أبناء «هولاكو». ويوم كان أبوه يغزو إيران كان هو في الصين. وفي عهد «أباقا» أرسله «قوبيلاي قاآن» أخو «هولاكو» إلى إيران. وفي شبابه تعمد حسب الشريعة النصرانية. ولكنه، بعد أن وطد آل الجويني علاقتهم به وحبذوا له الإسلام وشرحوه له، ثم عاشر المسلمين، أخذ يميل إلى الإسلام شيئاً فشيئاً، وأحب المسلمين ورجالهم، حتى دخل في دينهم وسموه «أحمد»([191]). وفي أواخر عهد «أباقا» انقسم أمراء المغول وخواتينهم إلى ثلاث فرق. فرقة أرادوا لخلافته ابنه الأمير «أرغون». وفرقة أرادوا أخاه «تكودار». وأرادات «أولجاي خاتون» زوجة «هولاكو» وزوجة ابنه «أباقا» من بعده تنصيب ابنها «منكو تيمور» أخا «أباقا». وإذ كان «منكو تيمور» قد توفي قبل «أباقا» بخمسة وعشرين يوماً فقد انحازت إلى أنصار «أرغون». وظلت المنافسة بين أنصار «تكودار» وأنصار «أرغون» تشتد يوماً بعد يوم. فلما تولى «تكودار» خلافة «أباقا» باسم «السلطان أحمد خان» عادت تلك المنافسة عداوة علنية. وجعل الفريقان يتعارضان، فريق يؤيد «تكودار» وفريق ينصر«أرغون».
وبعد أن جلس «تكودار» على العرش أطلق يده بالبذل والعطاء. ومنح إخوته الأمراء ورؤساء العسكر كثيراً من المال الذي في خزائن أبيه.
واستدعى إلى خدمته «صاحب الديوان»، وكان في قبضة «أرغون»، فلاطفه واحترمه.
وكان الأمير «أرغون» غائباً يوم انعقاد مجلس الشورى، فلم ينتظروا قدومه، بل عقدوا المجلس وقرروا اختيار «تكودار» في غيابه. ومن ثم وجد «أرغون» على «تكودار». فجعل هذا يتألف قلبه ويتودد إلي، ولكنه ظل على فتوره، وحالف «قونغرتاي» أخا «تكودار» وعزم على الخروج عليه.
وافتتح «تكودار» أعماله بإعلان إسلامه وكتب رسائل بذلك إلى علماء بغداد وأعيانها، وعرف نفسه بمحامي دين الإسلام ومتبع دين الرسول الكريم. وترك هذا الإعلام أثراً بعيداً من الاغتباط بين المسلمين واقتدى به جماعة من المغول فدخلوا في دين الإسلام.
مقتل مجد الملك
بعد أن ذهب «عطا ملك» و«مجد ملك» من همدان إلى «آلاتاغ» بأمر من السلطان أحمد عمد «مجد الملك» إلى السعي لتجديد دسائسه السابقة وجعل عمل التفتيش في المملكة خاصاً به. وتوسل إلى ذلك بأحد أمراء المغول. ورجا أن يكون الأمير «أرغون» سنداً له. فبعث إليه رسالة قال له فيها: إن صاحب الديوان قد سم أباك. وإذ كنت واقفاً على هذا السر فهو يقصدني بالشر. فإن انتهيتُ إلى عاقبة سوء كان الإلأمير على علم بحقيقة الأمر.
فاستنجد «الخواجة شمس الدين» بزوجة السلطان أحمد، وحرض جماعة على «مجد الملك»، فسعوا به عند «تكودار» ونسبوا إليه أشياء منها الصادق ومنها الكاذب. وكان مما قالوه إن «مجد الملك» قد وضع يده في يد «أرغون»، وبعث إليه برسولاً يظهر له إخلاصه وعبوديته.
فأمر «تكودار» القائد العام لجيشه «سونجاق نويان» وآخر من أمراء المغول بمحاكمة «مجد الملك»، وأن يطالبوه بالأموال التي صادرها من الأسرة الجوينية ولم يحولها إلى خزانة الدولة. فأخذوا منه تلك الأموال وأمر «تكودار» بإرجاعها إلى «عطا ملك». وهذا التمس من الإيلخان أن يوزعها على العبيد، ففعل.
وفي أثناء تفتيش أموال «مجد الملك» عثروا على قصاصات من الورق وجلد أسد نقشت عليها تعاويذ بالزعفران والحبر الأحمر وقد كتبت بالعبرية، وهذا يوهم بأنها أعمال سحر وإذ كان السحر يفزع المغول ويعدون فاعله عدواً، فقد أمروا بغسل تلك الكتابات بالماء وسقي غسالتها لمجد الملك لإبعاد أثر السحر عن الناس وإيقاعه بفاعله. ولكن «مجد الملك» رفض أن يشرب الغسالة، فزادهم رفضه يقيناً بأن تلك التعاويذ والنقوش ما هي إلا سحر. عندئذ أمر «تكودار» بمعاقبة «مجد الملك».
ولما سمع المغول خبر اعتقال «مجد الملك» هبوا من كل ناحية يحملون عليه بأحقادهم. وكان «عطا ملك» قد عزم على التماس العفو له من الإيلخان. ولكن جماعة من عمال الديوان والأمراء المغول زجروه ولاموه ومنعوه من ذلك. وجلس القضاة في خيمة «عطا ملك» يحاسبونه. واستمرت محاسبتهم له من ظهر 7 جمادي الأولى سنة 681هـ إلى فجر اليوم التالي. وإذ عجز «مجد الملك» عن الإجابة الصحيحة على أسئلة المحققين، فقد عاملوه معاملة قاسية انتقاماً لعطا ملك وأخيه مما لقيا على يده من جفاء وظلم.
وكان أعداؤه يلازمون باب الخيمة التي يحاكم فيها منتظرين الفرصة للتنكيل به. وظلوا يلازمونها من مساء ذلك اليوم إلى صباح اليوم الثامن من جمادى الأولى، فدخلوا الخيمة وقطعوه قطعة قطعة، ويقال إنهم شووا لحمه وأكلوه. وبتروا أعضاء بدنه وبعثوا بكل عضو منها إلى ناحية: رأسه إلى بغداد حيث اشتراه شخص بمائة دينار وأرسله إلى تبريز، ورجله إلى شيراز، ويده إلى العراق.
وفي ذلك يقول شاعر:
كان ينبغي أن يوصل يده إلى العراق
فما وصلت يده ثم وصلت([192])
ويقول شاعر آخر:
أصبحت رئيس ديوان التزوير بضعة أيام
تتحرى عن المال والملك الوافر
أعضاؤك كل واحد منها فتح إقليماً
فإذا بك تصبح فاتح الدنيا في أسبوع واحد([193])
وبعد مقتل «مجد الملك» اعتقلوا أتباعه ومساعديه في مختلف النواحي، وخصوصاً بغداد، وقتلوهم كلهم، فريقاً طعناً بالسكاكين وفريقاً رجماً بالحجارة، ثم أحرقوا أجسادهم. وبذلك قضي على فتنة هذا الرجل المتطلع إلى الجاه والسيطرة. وعاد «عطا ملك» موضع عطف الإيلخان وعين في منصبه السابق على حكومة بغداد. ومع أنه كان يرغب في الاتزال فقد قبل أن يبقى في عمله استجابة لإصرار السلطان أحمد. وأصبح هو في حكومة بغداد والعراق وأخوه «صاحب الديوان» في إدارة شؤون المملكة كما كانا، مستقلين في عملهما وموضع الاحترام.
وأقام السلطان أحمد الشيخ كمال الدين عبد الرحمن الرافعي في منصب مشيخة الإسلام لكل ممالك إيران والعراق وولاه على جميع أوقافها وفوض إليه أمر إنفاق عائداتها في وجوهها.
فكان له في أيام سلطنة السلطان أحمد القصيرة كل الاختيار في هذا الأمر. وكان مما فعله أنه ألغى جميع المخصصات التي كانت للنصارى واليهود في الدفاتر الإيلخانية وأوجد وظيفة تنظر في شؤون حجاج الله الحرام.
وفاة «عطا ملك»
ولم يمكث «عطا ملك» بعد مقتل «مجد الملك» إلا قليلاً، إذ توفي بعده بستة أشهر في الرابع من ذي الحجة سنة 681هـ.
وكانت وفاته على هذا النحو، وهو أن الأمير «أرغون» كان «عطا ملك» وأخاه «صاحب الديوان» أعداء له لاختصاصهم بالسلطان أحمد، وهو خصمه ومنافسه.
وفي سنة 681 ذهب «أرغون» من خراسان إلى بغداد، وهناك تجنى على عمال «عطا ملك» وطالبهم ببقايا أموال الضرائب من عهد أبيه «أباقا». وإذ كان «الخواجه شمس الدين» بمنجى من تجنيه لحماية السلطان أحمد له، فقط تسلط على رجال «عطا ملك» فاعتقلهم ووضعهم في العذاب. وكان نائب «عطا ملك» قد توفي من قريب. فأخرج «أرغون» جسده من القبر وطرحه في الطريق. وكان «عطا ملك» يومئذ في نواحي «أرّان». فلما وصل إليه خبر هذا الفعل أودت به الحسرة والحزن. فحمل نعشه إلى تبريز ودفن فيها. ونصب السلطان أحمد ابن أخيه «الخواجه هارون» في مكانه([194]) .
خروج «أرغون» على السلطان أحمد
بعث إسلام السلطان أحمد وسعيه إلى إدخال المغول في الإسلام وتحويله المعابد الوثنية الكنائس إلى مساجد واحترامه القضاة والعلماء المسلمين كثيراً من أمراء المغول على النفور منه، وأخذوا يشكون من هذا الأمر حتى أنهم أوصلوا شكواهم إلى «قوبيلاي قاآن» أخي «هولاكوص4ؤش وكانوا يعدونه خاقان المغول الأكبر، وكان إيلخانيو إيران، من عهد «هولاكو» يعتبرونه رئيسهم وكبيرهم. وكان أكثرهم إظهاراً للنقمة في هذا الأمر الأمير «أرغون» بن «أباقا»، وكان يدعي أن منصب الإيلخان له، ويعد نفسه أليق وأحق بخلافة أبيه.
ويوم أرسل السلطان أحمد في أوائل سلطنته يُؤذن مختلف النواحي بإسلامه بعث أيضاً ببضعة نفر رسلاً إلى «سيف الدين قلاوون» ملك مصر، منهم الشيخ كمال الدين عبد الرحمن الرافعي شيخ الإسلام وقطب الدين الشيرازي قاضي مدينة «سيواس»، ومعهم رسالة مؤرخة بأواخر جمادى الأولى سنة 681هـ يعلمه فيها بإسلامه وبما قام به من أعمال في إحياء الشريعة المحمدية، كإصلاح أمور الأوقاف وإيصال عوائدها إلى المستحقين وتنظيم شؤون الحج، ويعلن له قراره بترك الخصومات القديمة والسعي إلى إعمار البلاد، مخالفاً بذلك قراراً كان قد اتخذه رجاله في مجلس الشورى بسوق جيش غلى غزو مصر، وأنه ينتظر أن يبعث سلطان مصر إليه برسول للبحث والعمل على إزالة ما بين إيلخانيي إيران وسلاطين مصر والشام من منافسة وأحقاد.
فأجابه «قلاوون» برسالة أثنى فيها على أعماله، وعد إسلامه خيراً وسعادة.
وبتبادل هذه الرسائل والرسل بدأ عهد من الصداقة بين الملكين واستبعدت الأحقاد السابقة موقتاً.
وحصل أعداء السلطان أحمد من هذه المكاتبة ومن مخالفته قرار مجلس الشورى بغزو مصر على ذريعة أخرى، فنهض مخالفوه برئاسة «أرغون» و«قونغرتاي» أخي «تكودار» يعلنون الخروج عليه ويقصدون إلى قتله.
فلما علم السلطان أحمد بمخالفة «أرغون» له وخروجه عليه بعث إليه الأمير «بوقا» وكان «أرغون» يومئذ في العراق. وفي تلك الأيام كان ينكل هناك بعمال «عطا ملك»، قد ضم إليه جماعة من المغول مرابطي الأبراج من أتباع «أباقا»، ونصب الأمير «طغاجار» قائداً لهم، ودخل في طاعته كبار الأمراء من المغول مثل «كيخاتو» بن «أباقا» و«بايدو» ابن أخيه، وجماعة من أعيان ضباط «أباقا».
وكان السلطان أحمد، بعد جلوسه على العرش، قد بعث بأخيه «قونغرتاي» مع جيش إلى حدود الروم لحفظها. فلما سمع أن أخاه هذا قد حالف «أرغون» أيضاً بعث بجماعة من جنده إلى ديار بكر ليمنعوا اتصال عساكر «قونغرتاي» بعساكر «أرغون».
وبعث أيضاً «أليناق»([195]) آمر جيشه الكرجي إلى «أرغون» يستدعيه إلى حضور مجلس الشورى إلا أن «أرغون» خدع «أليناق» وأعاده إلى السلطان أحمد. فأخذ يسعى عند الإيلخان إلى تبرئة «أرغون» والتماس الأعذار له. ولكن «الخواجه شمس الدين» عرف أن هوى «أليناق» مع «أرغون» في الباطن، وأن هذا قد خدعه بالمواعيد. فعمد إلى تألف قلبه بأن حمل السلطان على أن يتزوج ابنته وبذلك يجعله محل العناية والعطف منه. فأثر هذا التدبير وعاد «أليناق» مرة ثانية من معاوني «تكودار» وأتباع سياسة «الخواجة شمس الدين». فزادت هذه القضية في غضب «أرغون» على «صاحب الديوان».
وبعث «أرغون» بعد إعادة «أليناق»، أحد أمرائه إلى «تكودار»، يستدعي «صاحب الديوان» لضبط حساب عهد «أباقا»، كما ذكرنا سابقاً. وكان غرضه من هذه الدعوة قتل الخواجة بتهمة سمّ أبيه. ولكن «تكودار» رفض إرساله. فخاب مسعى «أرغون» هذه المرة أيضاً.
في أوائل سنة 682هـ كان «أرغون» في طريقه من بغداد عائداً إلى خراسان، حيث كان يحكم وفي أثناء الطريق عامل عمال «تكودار» ومعاوني «صاحب الديوان» معاملة قاسية. ومع أن أنصاره كانوا يزدادون يوماً بعد يوم فقد وقع في حرج بسبب افتقاره إلى ما يكفيه من المال وحدوث مشاكل مالية له. وقال له جماعة من أصحابه: إن «وجيه الدين زنكي فرومدي» وزير خراسان وملحقاتها قد أخذ مبلغاً من أموال الديوان وتصرف بها فلم يوصلها إلى خزانة الدولة. فأمر «أرغون» بمحاسبته ومصادرة الأموال التي زعم النمامون أنه احتفظ بها لنفسه. وكان «الخواجه وجيه الدين» رجلاً كفأً عالماً متكلماً مطمئناً إلى استقامته فلم يلجأ إلى أحد وهو يتلقى هذا الحدث الثقيل واجتنب التوسل بأمراء المغول وخواتينهم، وأرسل رسالة إلى «أرغون» طلب فيها أن يأمر الأمير بإرسال كتابه ومحاسبيه، فإن ثبت قول أعدائه فإنه يعطي ألف دينار بكل دينار يثبت عليه اختلاسه. فبعث إليه أمراء «أرغون» رسولاً أفهمه أن غاية الأمير ليست المحاسبة بل غايته الحصول على المال. وأن صلاحه في أن يجيب الأمير إلى طلبه.
وبعد محاورات وتبادل سفراء قبل «الخواجه وجيه الدين» بأن يؤدي إلى الخزانة خمسمائة تومان([196])، منها ثلاثمائة تومان نقداً ومائتي تومان تؤدى مواشي وغلات وأقمشة وآلات. ولكن أحد خواص «وجيه الدين» أرسل إلى الأمير «أرغون» خبراً بأن الخواجة في أثناء هذه المفاوضات بعث إلى أحد معتمديه في «طوس» مقداراً من الجواهر والذخائر النفيسة وأودعها أمانة عنده. فبعث «أرغون» مأموراً يفحص عنها فوقعت في يده وصادرها. فلما رأى «أرغون» كثرة مصادر «وجيه الدين» رفض قبول تلك الأجناس عوضاً عن مائتي تومان، وأصر على أن تؤدى إليه نقداً. فاضطر «وجيه الدين» إلى الرضوخ وأدى قسماً من المبلغ نقداً وقسماً جواهر وأقمشة نفيسة منسوجة بالذهب، من خزانة «فيروزكوه» و«مرو» و«هراة». فسر «أرغون» من ذلك وخلع على «وجيه الدين» وأقره على عمله الذي هو فيه.
فلما اطمأن خاطر «أرغون» من هذه الجهة بعث سفيراً إلى «تكودار» برسالة تقول له فيها: إذ كنت أصبحت مالك تاج أبي وعرشه بحسب أمر مجلس الشورى وبالاستحقاق، فإن مقتضى العدالة أن يكون لي أنا أيضاً مملكة تكفي لمعاش جنودي ومؤونتهم. وإذ كانت خراسان لا تكفي لذلك أطلب أن يضم إليها ملك العراق وفارس أيضاً. فإن حصل هذا الطلب ظلت طريق الصداقة بيننا مفتوحة، وإلا فلا مكان لغير الخروج والتمرد.
فأجاب «تكودار» بقوله: إنا عهدنا بخراسان إلى «أراغون» رحمة وتعطفاً. أما الأمر له بحكومة العراق وفارس فمرهون برأي مجلس الشورى. وعلى أرغون أن يحضر غلى هذا المجلس فإن قر رأي الأعيان والأمراء على إجابته إلى طلبه فلا مانع من ضم تلك النواحي إلى مجال حكمه. أما إن ظل ماضياً في طريق الخلاف عاصياً غير مطيع فسننهض إلى دفعه.
وبعد أن عرف السلطان أحمد بنفاق أخيه «قونغرتاي» وانحرافه إلى «أرغون» استدعاه إلى مجلس الشورى. فواطأ «قونغرتاي» بضعة نفر من الأمراء سراً على أن يقتلوا الإيلخان حين وصلوهم إلى المعسكر وينصبوا في مكانه «قونغرتاي». ولكن أحد خواص السلطان أحمد عرف بالمؤامرة وأوصل خبرها إليه. وفي صباح اليوم الذي عينه المتآمرون موعداً لقتل السلطان قبض هوعلى «قونغرتاي» بيد «أليناق» وقتله وأوقع العقاب بسائر المتآمرين.
فلما وصل الخبر بذلك إلى «أرغون» أخذه غم شديد لمقتل عمه. وإذ كان قَتْلُ أمير مغولي بيد رجاله أمراً مخالفاً للقانون الجنكيزي (ياسا) فقد ازداد «أرغون» حقداً على «تكودار»، وأيقن أن السلطان أحمد حين دخل في الإسلام، قد نسف أساس قوانين أجداده كلها، حتى «الياسا» الجنكيزي أصبح لا يحترمه. ومن ذلك التاريخ أصبح مسلّماً أن الصلح والتصافي بين السلطان أحمد المسلم والأمير «أرغون» المستن بسنة المغول وآدابهم أمر غير ممكن. فلا بد من أن يقضي أحدهما على الآخر ويفرض سياسته وأفكاره على الممالك الإيلخانية.
وأمر السلطان أحمد في أواخر سنة 682هـ العسكر المقيم على حدود ديار بكر باعتقال رؤساء جيش «أرغون» المقيمين حوالي بغداد، وتقييدهم بقيود من الحديد. وكان في جملة هؤلاء الرؤساء الأمير «طغاجار» ففر «كيخاتو» ومعه آخرون من أمراء جيش «أرغون» من بغداد إلى خراسان والتحقوا بعسكر «أرغون». وأمر السلطان أحمد الأتابك «يوسف شاه لُر» أن يجهز جيشه للمحافظة على حدود «لرستان» والعراق ويمكث منتظراً أمر الإيلخان بالحرب.
وكان «الخواجه شمس الدين صاحب الديوان» أكثر الناس سعياً إلى تدبير أمور السلطان أحمد وتهيئة وسائل العمل له وتجهيز جيشه، إذ كان يعرف مما سبق من عداء «أرغون» له أن «أرغون» إذا تغلب على السلطان أحمد وأعوانه زالت دولة الأسرة الجوينية بيد ذلك الأمير الحاقد، وقضي على حياته، الحياة التي تحمل ما تحمل من متاعب حتى حفظها إلى هذا التاريخ مصونة آمنة، وذهبت بذهاب السياسة التي اتبعها السلطان أحمد بمعونته ومعونة آخرين من متنفذي المسلمين في تقوية الإسلام وإحياء شعائره، وقضت عليها أحقاد «أرغون» وسائر أمراء المغول المتعصبين. ومن ثم بذل «الخواجه شمس الدين» قصارى جهده في تهيئة جيش لجب متمرس بفنون الحرب. وخرج «أليناق» من «موغان» بجيش من 15000 جندي قاصداً إلى الري وقزوين وخراسان. وكان هذا الجيش مقدمة.
وفي الري وقزوين، وكانتا تعدان جزءاً من حكم «أرغون»، أخذ عسكر «أليناق» هذا يغير على أعوان «أرغون» ويعتضهم. فلما وصل خبر ذلك إلى «أرغون» جمع جيشاً أقبل به إلى ملاقاة «أليناق». ووقعت معركة بينهما قرب قزوين سنة 683هـ، انهزم فيها عسكر «أرغون»، ففر نحو «بسطام»، وتفرق عنه جنده، فتعقبه جند «أليناق»، وأغاروا في أثناء ذلك على ما بين قزوين و«دامغان» من بلاد. ولقي أهالي تلك النواحي كثيراً من النكبات في هذه الحرب.
وإذ كان السلطان أحمد يعرف أن «أرغون» خصم شديد مستبد لن ينصرف عن الانتقام، فقد بعث إليه، بعد هذا النصر، رسولاً يحمل رسالة يقول فيها: إن «أليناق» لم يكن لديه إذن من الإيلخان بالحرب، وإنه لم يكن مأموراً بغير أصحاب الأمير إلى البلاط للعمل بحضوره على رفع الاختلاف واستبدال الصلح والتصافي بالخصومة. ولذا يجب أن ينصرف أرغون عن الخلاف ويحضر عند الإيلخان.
فأجاب «أرغون» بإرسال رسل إلى السلطان يعتذرون إليه عما ظهر منه من تقصير. ولكن أصحاب الرأي أفهموا السلطان أحمد أنه إن لم يعجل باستئصال «أرغون» فمن الممكن أن يعود مرة ثانية إلى جمع العساكر ويستقوي حتى يستحيل التغلب عليه. عندئذ سار السلطان أحمد بجيش جرار متوجهاً إلى خراسان. وفي أثناء الطريق أوقع جنده بالناس كثيراً من الأذى، فنقموا عليه، وكان ذلك أحد الأسباب في خيبة أعماله.
وذهب «أرغون» من «بسطام» إلى قلعة «كلات» واختار الإقامة هناك. وإذ كان «أليناق» قد تعهد للسلطان أحمد بإحضاره إليه، فقد ذهب إلى «كلات»، واجتمع بـ «أرغون» في القلعة. واستطاع ببذل الوعود الكثيرة والكلام المعسول أن يأتي به إلى السلطان أحمد، وكان في «قوشان». فلما دخل عليه تلقاه السلطان بكل احترام وعانقه. ونصب له فسطاطاً خاصاً به. ووعده بأن يعيده إلى خراسان ويعهد إليه بحكومتها. ولكنه أمر جنده بمراقبة «أرغون»، وأقام على فسطاط 4000 جندي يحرسونه.
مقتل السلطان أحمد
وعزم السلطان أحمد، بمشورة بعض الأمراء ولا سيما «أليناق»، على قتل «أرغون». وأمر «أليناق» بقتله ولكن، قبل إنفاذ الأمر، أقنع الأمير «بوقا» بعض الأعيان والأمراء المغول بأن السلطان أحمد و«أليناق» و«صاحب الديوان» قد عزموا على إسقاط الأسرة الجنكيزية وتولية المسلمين والكرجيين أمور الدولة. وكان «بوقا» هذا يتولى عائلة «أرغون» وبعد الكرجيين المأمورين لـ «أليناق» والمسلمسن أعداء.
وقد أثرت بياناته في أولئك الأمراء والأعيان فأجمعوا على إسقاط السلطان أحمد من منصب الإيلخانية وإجلاس الأمير «هولاجو» بن «هولاكوخان» في مكانه، على أن يبدؤوا أولاً بإطلاق «أرغون» من السجن وتنجيته من القتل.
وفي ليلة السبت 18 ربيع الآخر سنة 683هـ، والسلطان مشغول باللهو، أقدم الأمراء المتواطئون على إطلاق «أرغون» من الحبس وقتلوا «أليناق» وكثيراً من أمراء السلطان أحمد، وفر السلطان ومن بقي من أمرائه من خراسان إلى آذربيجان وفر «صاحب الديوان» إلى أصفهان.
ثم نادى الأمراء بـ «أرغون» إيلخاناً. وبادر هذا إلى تعقب السلطان يريد استئصال حياته بأسرع ما يمكنه. ولكن، قبل أن يصل السلطان إلى آذربيجان، أغار على معسكره جماعة من فرسان المغول كانوا قد دخلوا في طاعة «أرغون» أيام إقامته في نواحي بغداد، فاعتقلوا السلطان وتقدموا إلى استقبال «أرغون».
وبدا في أول الأمر أن «أرغون» لا يفكر بقتل «تكودار». ولكن رجال «قونغرتاي» أصدروا على طلب قتله فسلمه إليهم، فقتلوه بـ «قونغرتاي» ليلة الخميس 26 جمادى الأولى سنة 683هـ.
وبقتله انكسرت شوكة المسلمين والإيرانيين الذين حصلوا في عهد ملكه القصير على قوة فائقة وكفوا يد النصارى والمغول إلى حد بعيد عن النفوذ والتصرف. وعاد «ياسا» جنكيز وآداب المغول مرة ثانية إلى السيادة بدلاً من شريعة الإسلام.
سلطنة أرغون خان
بعد مقتل السلطان أحمد نصبت خواتين المغول ولا سيما «أولجاي خاتون»، والأمير «طغاجار» و«بوقا» الأمير «أرغون» بن «أباقا» إيلخاناً، في السابع من جمادى الآخرة سنة 683هـ، في محلة «آب شور» بآذربيجان.
ودامت معالم الفرح مدة شهر. وأنعم الإيلخان الجديد على الأمراء ورؤساء العسكر الذين ثبتوا على الوفاء له. وإذ كانت جماعة من أمراء المغول مثل «هولاجو» و«بايدو» و«كيخاتو» و«الخواجة شمس الدين صاحب الديوان» لم يحضروا حفلة انتخاب «أرغون» فقد أراد الإيلخان الجديد استمالتهم وتأليف قلوبهم. فبعث بالأتابك «يوسف شاه لر» والملك «إمام الدين القزويني» إلى «صاحب الديوان» وأرسل مظلة مفيسة إلى «هولاجو»، وقد كانت جماعة من المغول راغبين في نصبه إيلخاناً. واشترك «هولاجو» و«كيخاتو» وأمراء آخرون في مجلس شورى عقد بعد جلوس «أرغون» بثلاثة شهور تقريباً، وأجمع فيه أعيان المغول على قبول إيلخانية «أرغون».
وعهد «أرغون» بحكومة بغداد إلى «بايدو» حفيد «هولاكوخان» وحكومة بلاد الروم إلى «هولاجو» و«كيخاتو» وإدارة أمور خراسان والري ومازندران وقومس إلى ابنه «غازان» وجعل الأمير «نوروز» ابن الحاكم المغولي المعروف «أرغون آقا» نائباً عنه، وجعل زمام الحل والعقد في الأمور الملكية في يد الأمير «بوقا».
مقتل «صاحب الديوان»
أما «صاحب الديوان» فكان قد فر من خراسان إلى أصفهان. وهناك سمع بمقتل السلطان أحمد وجلوس «أرغون» على العرش. وبقي في أصفهان بضعة أيام فكر بعدها في الذهاب إلى شيراز وهرمز، ومن هناك يمضي إلى الهند ويقضي بقية عمره في تلك الديار. ولكنه لم يكن مطمئناً من جهة عائلته وذويه، ويعلم أن «أرغون» سيستأصل حياتهم بعد مغادرته إيران. فعزم على الذهاب عند الإيلخان، والدخول عليه من باب التوسل والالتماس، لعله يحفظ نفسه وأولاده وذويه من شر سطوة أرغون، ويجعل من خدمته وخدمة أقاربه في مدة ثلاثين سنة شفيعاً له عند الإيلخان.
وبهذا العزم سار برفقة الملك «إمام الدين القزويني» والأتابك «يوسف شاه لر» ـ وهو صهر «الخواجة شمس الدين» ـ نحو معسكر «أرغون». وخرج إلى استقباله عند «ساوه» أحد أمراء «أرغون» وأراه مرسوماً ملكياً بأن «أرغون» قد سامحه على الجرائم الماضية، وأمّله بأن يجعله مشمولاً بعنايته.
وانطلق الخواجه يحدوه أمل عظيم مسرعاً إلى معسكر «أرغون» فوصله يوم الجمعة عاشر رجب سنة 683هـ، ونزل ضيفاً في سراي الأمير «بوقا». ثم أدخله هذا على «أرغون خان» فلاطفه ووعده بأن يقره على ما كان من عمل صاحب الديوان، فيقوم هو و«بوقا» متعاونين بتدبير أمور المماليك الإيلخانية، ويتابع خدمته السابقة.
وكان «أرغون خان» مديوناً بحياته وسلطنته للأمير «بوقا». ومن ثم حصل هذا في هذه الدورة على قدرة فائقة. ثم منحه «قوبيلاي» لقب «شينك سانك» يعني «الأمير الكبير» و«الوزير». وبهذه السيطرة أخذ يدير أمور الممالك الإيلخانية، يساعده نائبه «الخواجه فخر الدين محمد مستوفي القزويني» ابن عم المؤرخ المشهور «حمد الله المستوفي».
وأما «الخواجة شمس الدين» فقد وطن نفسه، وهو يرى الدنيا تدبر عنه، على البقاء في حاشية الأمير «بوقا» وتحت يده. وكان كل سعيه أن يقطع الطريق على حسد الأمير «بوقا» وغيره من الأعداء وأن يقضي باقي عمره بعيداً عن الخطر، وذلك بإبداء أنواع الملاطفة لهم وإتحافهم بالهدايا.
غير أن الأمير «بوقا» وغيره من أصحاب النوايا السيئة الذين رأوا شوكته في تلك السنين الثلاثين، واطلعوا على قدرته وكفاءته وكثرة أتباعه وأعوانه، كانوا يعتقدون أن وجوده يحول بينهم وبين الاستقلال، ولا سيما بضعة نفر من عمال الديوان مثل «الخواجه فخر الدين مستوفي» و«علي تمغاجي» و«حسام الدين الحاجب»، كانوا يريدون حمل «بوقا» على تقصير يد «شمس الدين» عن العمل، بل كانوا يرجون أن يستطيع قطع حياته وتمزيق الأسرة الجوينية.
ومع أن الأمير «بوقا» كانت بينه وبين الخواجة سابقة صداقة، فإنه أخذ يسعى به عند «أرغون» فقال له: إن الذي خان أبا الإيلخان وسمه كيف يمكن أن ترجى صداقته وخدمته، وأشياء أخرى من هذا القبيل افتراها عليه. وما زال بالإيلخان حتى أمر القضاة بعقد جلسة لمحاكمة «الخواجة شمس الدين»، فجيء به مغلول اليدين إلى المحكمة.
وتقدم جماعة من مهيجي الشر، بتحريض من أعدائه، إلى اتهامه بتهم مختلفة. فأجاب بقوله: إن كل تقصير اتهمني به المفترون أعترف به مائة مرة، إلا اتهامي بالقصد إلى ولي نعمتي بالشر فإني بريء منه.
وانتهت المحاكمة بالحكم على «الخواجة شمس الدين» بأن يشتري حياته بفدية. فاستمهلهم ريثما يتدبر أمر هذه الفدية. ثم باع أملاكه واقترض من أصحابه وأقاربه وأصدقائه حتى جمع مبلغ أربعين توماناً ذهباً (400000) قائلاً هذا كل ما أستطيع تهيئته ولا قدرة لي على غيره.
لكن «أرغون» لم يقبل ذلك من هذا الوزير المدبر الذي أدار ممالك المغول مدة تسعة وعشرين عاماً بالحكمة والكمال والمقدرة والكفاءة، وذلك أن «أرغون» ما زال يحمل في نفسه حقداً قديماً فأمر بقتله. فقتل عصر يوم الاثنين الرابع من شعبان سنة 683هـ في قرب «أَهَرْه» من آذربيجان. وقتل أربعة من أبنائه هم يحيى وفرج الله ومحمود وأتابك في تلك السنة. وقتل ابنه «الخواجة هارون» سنة 685هـ([197])، وقتل حفيده علي ابن «الخواجة بهاء الدين محمد» ومنصور بن «عطا مللك» في سنة 688هـ. وهكذا انقرضت السلالة الجوينية على هذا النحو المؤلم([198]).
كان «الخواجة شمس الدين محمد صاحب الديوان» من أكبر وزراء إيران وعمالها وكتابها. ولم يكن له في زمانه نظير في الكفاءة والتدبير والشركة والجاه والجلال والثروة. واشتهر بالحكمة والتواضع وإخلاص الصداقة ورعاية الشعراء. وقد خلد ذكره وذكر أخيه «علاء الدين عطا ملك» الشاعر الكبير سعدي الشيرازي في قصائده. ومثله آخرون من كبار العلماء والشعراء أشادوا باسمه واسم الأسرة االجوينية في كتبهم وأشعارهم مثل «الخواجة نصير الدين الطوسي» والأستاذ «صفي الدين الأرموي» و«الخواجة همام الدين التبريزي» و«بدر الدين الجاجرمي». وما زال ذكر هذه العائلة بالخير يجري على الألسنة ويتناقله الخلق تذكاراً من السلف.
قال في «تاريخ وصاف» ما ملخصه:
«جاء جلاد القهر ذو السيف الناضح بسم الأفعى بصاحب الديوان إلى مكان العقاب. وعلم أن لا أمل بالخلاص، فاستمهلهم ريثما اغتسل وتطهر، وكتب وصيته، وودع أصدقاءه من كبار المشايخ واستمد منهم الدعاء له بالخير.
فلما فرغ من التحرير قال مسلّماً أمره لله: كل ما يأتي منك خير سواء أكان شفاء أم كان ألماً.
«ثم قتل في وقت صلاة العصر في الرابع من شعبان سنة 683هـ.
«وما وصل خبر هذه الواقعة الهائلة والداهية المشكلة إلى ناحية من نواحي المملكة إلا أصبح الخاص والعام أليف الأنين وحليف الأنين».
«وصودرت بعد واقعة صاحب الديوان جميع أملاكه، ونقض أساس تلك الخيرات. وألحقوا به أولاده يحيى وفرج الله ومسعود وأتابك، وقد كانوا نجوم سماء المكارم والغرسة الناضرة في حديقة البسالة والجلالة، ولم يرحموا أولئك الأطفال الأبرياء. وعلى هذه الحال قتل آروق، بعد مدة قليلة، الخواجة هارون، وقتل معه مجد الدين بن الأثير. وكان من أكابر عصره معروفاً بالنعمة والثروة مشهوراً بالنجدة والشهامة. فسعوا به عند آروق أنه أخذ مبالغ من المال من أعمال بغداد وتصرف بها لنفسه. وتوهم آروق أن مجد الدين كان على اتفاق سري هو والخواجة هارون في هذا الأمر، فقتلهما».
«وقبور صاحب الديوان وأولاده في «جرنداب» في تبريز. وقد ذهب ناقل هذه الأخبار (يعني وصاف) إليها سنة 692هـ وزار ذلك المقام، مقام الروح والسعادة، حيث يثوي الأخوان (شمس الدين صاحب الديوان وأخوه علاء الدين عطا ملك) مع سبعة أولاد، بعضهم جمع درجة الشهادة إلى سعادة الدنيا، وبعضهم صار إلى مجاورة أنس الأبد وحور الفردوس، بعد أن صحب الحياة متحملاً ألوف الحسرات.
وقد نقشت أسماؤهم وألقابهم على ألواح القبور بعد أن كانت تنقش على صفحات التوقيعات([199]). وعلى كل لوح نقشت آية من التنزيل تناسب صاحب القبر. ومن مشاهدة تلك المشاهد والمراقد أخذه (يعني وصاف) الانكسار والأسف خصوصاً أنه كان قد حرم في زمان حياتهم من سعادة خدمتهم، فالخاطر يغلي بنيران الحسرة ويعجب من شيمة الأيام».
«وقد نظم أحد فضلاء العصر قصيدة في شرح وقائعهم وعلقها على الجدار القبلي.
أورد بعض أبياتها:
يا جرنداب من مقابر تبـــــر
ــيز سقاك الحيا الملث الهامي
فلقد أطبقوا ثراك على غـــ
ـرّ وجوه على خدود كرام
ضم شمساً مقرونة بعلاء
ونجوماً حكت بدور التمام
سبعة قد بكت عليهم نجوم
سبعة في ضيائهم والظلام
وأراض سبع وسبع سما
وات طباق وسبعة الأيام
فرج الله ثم يحيى ومسعــــ
ـود وهارون منجد المستضام
وأبوهم محمد قد تقضوا
وجميع قتلى بحد الحسام
حزنوني وزاد كربي أتابك
من قبل كالنار ذات ضرام
وشجاني مثوى عطا ملك صا
حب ديوان ملك دار السلام
فعلى تلكم القبور تحايا
مردفات من ربنا بالسلام
«لقد خلا بساط خراسان في مدة قليلة من جميع الصناديد والقروم بتقدير قدّره قاضي محكمة الأزل. ثم تغير المزاج الإيلخاني على الخواجة وجيه الدين فاعتقل. ولم ينفعه ما كتب من كتب إلى الأمراء متضرعاً متشفعاً. وقد بالغ في ذلك حتى أنه كتب اسمه في رسالة إلى طوغان رئيس شحنة قهستان هكذا: الضعيف الداعي وجيه العاصي. وانتهى أمره إلى أن أُرسلت روحه بالسيف من الحضيض السفلي إلى المأنس العلوي». اهــ.
وزارة سعد اليهودي
بعد مقتل «الخواجة شمس الدين» واستقلال الأمير «بوقا» ذهب «أرغون خان» إلى «موغان» و«أران». وفي أواسط الخريف من تلك السنة عقد مجلس شورى في ناحية تقع بين «سراب» و«أردبيل» و«صائين»، ثم ذهب إلى تبريز وفي الشتاء عاد إلى مشتى «أران». وهناك حاكم الملكة «آبش خاتون» آخر ملوك فارس من سلسلة الأتابكة السلغوريين([200]) وزوجة «منكو تيمور» بن «هولاكو».
ومن هذا التاريخ إلى سنة 687هـ لم تحدث في سلطنته واقعة مهمة. وكان يقضي أيامه مصطافاً أو شاتياً بين «أرّان» ونواحي بغداد.
وفي ربيع الثاني سنة 687هـ وصل خبر بأن «نوغاي» خان «دشت قبجاق» قد سار قاصداً غزو ممالك «أرغون» من طريق «دربند» بخمسة آلاف جندي. فهب الإيلخان و«بوقا» وغيرهما من الأمراء إلى صده. فلما رأى «نوغاي» أن لا طاقة له بهم تراجع. ولكنه أعاد الكرة بعد سنتين فهزمه أمراء «أرغون»، واحتفل الإيلخان بهذا النصر بإقامة الأفراح في «بيله سوار».
وفي ذلك الحين كان نفوذ الأمير «بوقا» وشهرته وقدرته آخذة بالازدياد يوماً بعد يوم حتى وصلت إلى حد أن أصدر الإيلخان أمراً بأن «بوقا» إن ارتكب ذنباً كبيراً فلا حق لأحد بمحاسبته سوى الإيلخان وحده، وأن على العمال والمأمورين أن يطيعوا أوامره من غير مرسوم بها من الإيلخان وأن لا يقبلوا أوامر المراسيم الإيلخانية إذا كانت غير مختومة بخاتم «بوقا».
وقد جعلت هذه الخيارت والتفويضات استقلال «بوقا» يتحول شيئاً فشيئاً إلى استبداد، حتى لم يبقى للإيلخان من السلطان غير الاسم والعنوان. ومن جهة أخرى أخذ الأمراء وأركان الدولة يتحينون فرصة لإسقاط «بوقا» والقضاء على دولته والحلول في محله، إذ عز عليهم الخضوع لقدرة شخص واحد واستبداده.
وكان زعيم هذه الجماعة من أعداء «بوقا» أمير مغولي أديب فطن اسمه «طوغان» وكان على شحنة «قهستان». فأخذوا يسعون بـ «بوقا» عند الإيلخان. وروى «طوغان» يوماً لـ «أرغون» قصة خيانة «بوقا» للسلطان أحمد، وخوَّفه من استبداد مثل هذا الوزير الذي له كل شيء من القدرة والقوة. وكان «صدر الدين أحمد الزنجاني» يذكر «بوقا» بالسوء علناً. ويقول إن «بوقا» قد بلغ به الحال إلى أنه ينفق أموال المملكة على هواه الشخصي، ولا يبالي بأوامر الإيلخان، وعمال الولايات يردون مراسيم الإيلخان إذا لم تحمل ختم «بوقا». وكان «بوقا» قد سبق أن طالب «صدر الدين» هذا ببقايا أموال مملكة فارس يوم كان «صدر الدين» نائباً لـ «طغاجارنويان» حاكم هذه المملكة يومئذ.
وكان أكثر أعداء «بوقا» فطانة طبيب يهودي من أهل «أبهر» زنجان اسمه «سعد الدولة» بن «صفي الدولة». وكان قد دخل في عهد «أرغون» في عداد أطباء الإيلخان. وكان يقيم في بغداد، وله صلات كثيرة بالناس، ويتقن بضع لغات، وكان على علم تام بأحوال العمال والقيمين على الأموال في بغداد وسائر العراق.
وأراد الأطباء اليهود الآخرون المقيمون في بلاط الإيلخان إدخال «سعد الدولة» في حاشية «أرغون». وتوسلوا إلى ذلك بأن قالوا للإيلخان، على نحو السعاية بسعد الدولة ظاهراً، إن «سعد الدولة» يقيم في بغداد خالي البال بلا عمل منصرفاً عن خدمة الدولة، مع أنه يأخذ راتباً من الديوان. فلو أمر الإيلخان بأن يلازم هو أيضاً الركاب ويحمل، كما نحمل نحن، قسطاً من مشقات السفر والحضر! وقد أثر هذا التمويه في «أرغون» فاستدعى «سعد الدولة» إليه وجعله في عداد الأطباء الملازمين.
واتفق أن مرض «أرغون» يومئذ فعالجه «سعد الدولة» وشفاه، وبذلك صار مقرباً إليه. وإذ تبين، وهو في خدمته، ما في قلب الإيلخان من حب للمال، ذكر له ما يعرفه من إسراف عمال بغداد وتبذيرهم. وقال إن «بوقا» وأخاه «آروق» يحتفظان بجميع الأموال الديوانية لأنفسهما فلا يوصلان منها شيئاً إلى الخزانة الإيلخانية.
فأمر «أرغون» سعد الدولة واثنين من أمراء المغول بالذهاب إلى بغداد وتحصيل بقايا الضرائب والقيام بإصلاح حال الرعية. وفي أواخر سنة 686هـ ذهب «سعد الدولة» إلى بغداد، فجمع في مدة قصيرة أموالاً كثيرة من بقايا السنوات الماضية وأموال السنة الجارية، وأسرع بها إلى الإيلخان. وقد عظمت هذه الخدمة في عين «أرغون» فأقام «سعد الدولة» على حسابات بغداد من جمع وإنفاق. وبعد سنة كان هذا قد جمع من المال أكثر مما جمعه أول مرة، فوضعه في سلطانية وقدمه إلى «أرغون». فلما رآه اعتقد أن «آروق» كان يحصل في كل سنة على مثل هذا المقدار من أموال بغداد، ولا يوصل عشره إلى الخزانة. فلو عهد إلى «سعد الدولة» بالقيام على الشؤون المالية في كل المملكة الإيلخانية لجرى الأمر في كل ولاية من ولاياتها على نحو ما جرى في بغداد والعراق. ومن ثم اختار الإيلخان «سعد الدولة» للوزارة وأمور الحل والعقد في المملكة. فإن عرض أمر مهم رفعه إلى «أرغون» بلا واسطة، ولا حاجة به إلى المشورة من أحد.
وكان استقلال «سعد الدولة» اليهودي بهذا النفوذ علامة على انكسار العمال والموظفين المسلمين انكساراً كاملاً وتأخرهم إلى أدنى درجة. وكان أيضاً، من جهة أخرى، إيذاناً بإدبار السعد عن «بوقا» وأخيه «آروق»، ولا سيما «بوقا» إذ كان أعداؤه كثراً و«أرغون» أصبح يسيء به الظن، لاستبداده وسعاية حاسديه به عند الإيلخان. وقد حدث في هذه الأثناء أن «بوقا» وأحد الأمراء تبادلا كلاماً غليظاً في مجلس شراب بحضور «أرغون»، فلم ينكر الإيلخان على معارض «بوقا» فعله. فكان ذلك سبباً في تألم «بوقا» من «أرغون». وطالب خصوم «بوقا» نائبه في فارس «حسام الدين القزويني» بتأدية مائة وخمسين توماناً. وقد أسقطت هذه الأمور «بوقا» من الاعتبار كلياً. وأمر «أرغون» بعزل عماله عن مناصبهم.
وعزم «بوقا» على الخروج على «أرغون». فبعث رسولاً من قبله إلى «جوشكاب» حفيد «هولاكو»، وكان يقيم على سواحل الفرات، يقترح عليه الخروج على «أرغون» بمعونة «بوقا»، وبعث إليه التزاماً خطياً بإمضاء أصحابه بأن يكونوا معه. فأسرع «جوشكاب» إلى «أرغون» وأنبأه بمؤامرة «بوقا» وأصحابه.
وبعد إثبات الخيانة على «بوقا» أمر «أرغون» الأمير «جوشكاب» بقتله، فضرب عنقه في أواخر ذي الحجة سنة 687هـ. وقُتل كثير من أصحابه بأمر من «أورغون». وبعد سنة ساء ظن الإيلخان بالأمير «جوشكاب» فقتله.
وبقتل الأمير «بوقا» استتب الأمر لـ «سعد الدولة» وعلا كوكب سعادته. وكان هذا الرجل الطامح إلى الجاه و«أرغون خان» يشتركان في كرههما للمسلمين. فشرعا في كف أيديهم من أعمال الدولة، وتقرر أن يكون تدبير الشؤون كلها في يد النصارى واليهود وحدهم. فأدخل «سعد الدولة» أقاربه في كل الوظائف الملكية. وقسم بينهم مناصب العراق والجزيرة وآذربيجان. ولو لم يكن «غازان» بن «أرغون» و«كيخاتو» أخوه على خراسان وبلاد الروم لسلم هاتين المملكتين أيضاً إلى أقاربه.
ولكن «سعد الدولة»، لذكائه وكفاءته، أمر، في البدء، أن يكون الفصل في الدعاوى طبق الشريعة الإسلامية، وأن لا يتهاون في إحقاق حق المظلومين وإعانة الضعفاء، ليستجلب القلوب إليه.
وأفهم الإيلخان أن عمدة السبب في الإسراف وخراب البلاد إنما هو تردد الرسل ذهاباً وإياباً لجلب أموال الخزانة فعلى الحكام والأمراء إيصال الأموال الديوانية في مواعيدها مع أناس مؤتمنين. فقبل الإيلخان اقتراحه وأصدر مرسوماً بإجرائه.
وحصل اليهود في ظل اقتداره على اعتبار فائق ومنزلة عالية، ورأوا أنفسهم، بعد سنين من الذل، جلساء الإيلخان والأمراء وقرناءهم.
أصبحت الخزانة في عهد «سعد الدولة» عامرة، وصلح الفساد الذي لازمها بضع سنوات. وتكدس فيها أكثر من ألف تومان ذهبي. ولذلك أصبح توجه «أرغون» إليه يزداد يوماً فيوماً، وتمادى أمر «سعد الدولة» حتى بلغ إلى الاستقلال المطلق والاستبداد([201]) وهذا كان يزيد شيئاً فشيئاً في تحريك غضب الأمراء من رجال «أرغون» وحسدهم لسعد الدولة. وبلغ ذلك منهم إلى أن صممت غالبيتهم على قتله، بمعونة «طوغان». وقرروا أن يقوموا في أول فرصة تسنح بكف يد اليهود عن النفوذ وتخليص العامة من عار رئاستهم.
كان الإيلخان قد عهد بحكومة خراسان إلى ابنه «غازان»؛ بما ذكرنا. وكان نائبه الأمير «نوروز» ابن حاكم خراسان المغولي المشهور «أرغون آقا». وهذا الأمير كان قد دخل في دين الإسلام. وكانت بينه وبين «بوقا» صداقة. وإذ كان «سعد الدولة» أحد الذين حرضوا على قتل «بوقا»، فقد تظاهر «نوروز» بأنه يريد تفقد معسكره وإعداد حملة على بلاد ما وراء النهر، فأبقى «غازان» في «مرو» وذهب إلى مشتاه في خراسان في ذي الحجة سنة 687هـ. وهناك أخذ يدعو إلى الخروج على «غازان»، وضم إليه كثيراً من أمراء تلك النواحي. وسار بجيشه في 27 ربيع الأول إلى «غازان» وكان مقيماً في نواحي «كشف رود» فهاجمه. فتراجع «غازان» منهزماً صوب مازندران. وبعد أن جمع جيشاً عاد إلى محاربة «نوروز» في ربيع الآخر من تلك السنة. ولكنه انهزم أيضاً في نواحي «رادكان»، وحصل الأمير «نوروز» على كثير من الغنائم وأخذ كثيراً من الأسرى.
ولما بلغ خبر خروج الأمير «نوروز» وهزيمة «غازان» إلى «أرغون»، بعث فريقاً من ضباطه وأمرائه، وفيهم ابن عمه الأمير «بايدو» إلى صد الأمير «نوروز». ورأى هذا أن لا قبل له بهم ففر إلى تركستان. وجاء «غازان» إلى «هراة» ثم استولى على خراسان سنة 689هـ.
واتصل «نوروز» في تركستان بأميرها «قيدوخان» وحرضه على غزو خراسان والاستيلاء عليها، فأعطاه جيشاً عدته حوالي ثلاثين ألف جندي، فسار به ووصل إلى خراسان سنة 690هـ، فتراجع «غازان» عن لقائه. ولكن جنود «قيدو» أوقعوا بأهل خراسان نكبات كثيرة، فكرهوهم، ونهضوا إلى مقاومتهم بالسرقة والتبييت، وقتلوا كثيراً منهم. فكدر ذلك صفو العلاقات بين «نوروز» ورؤساء ذلك العسكر المغوليين. واتفق أن توفي «أرغون» في تلك الأيام، فرأى «نوروز» أن الصلاح في مسالمة «غازان» وطلب العفو منه. وهكذا كان فعفا عنه، ووصل إليه في سنة 693هـ فاستقبله «غازان» بالمسامحة والعطف.
وكان الأمير «طوغان» رئيس شحنة «قهستان» السابق من المقربين إلى بلاط «أرغون»، وكان مخالفاً لسعد الدولة. ويوم فتنة الأمير «نوروز» بعث به الإيلخان إلى خراسان لقمع ذلك الأمير ولكن اتفق أن وصل «طوغان» إلى خراسان حين فر «نوروز» فرجع أدراجه.
واعترض عليه «سعد الدولة»، يسانده في ذلك جماعة من خصوم «طوغان»، بأنه اتخذ لنفسه من البريديين أكثر مما هو مقرر له. وأمر بجلده سبعة عشر سوطاً، حسب القانون الجنكيزي (ياسا). وأنفذ فيه الحكم بحضور جماعة من الأمراء. وقد أغضبت هذه الإهانة «طوغان»، ودفعته أكثر من السابق إلى السعي في إسقاط «سعد الدولة». ولكن الإيلخان كان يثق بوزيره كل الثقة ولا أحد يجرؤ على مفاتحته بحديث سوء عنه. ومن ثم لم يكن لمخالفيه بد من الصبر والتربص وتحمل جفائه إلى أن تسنح الفرصة.
وإذ رأى «سعد الدولة»، في آخر الأمر، أن كثيراً من أمراء المسلمين وعلمائهم ومتنفذيهم قد حزموا أمرهم على قتله وقتل أصحابه من اليهود، قرر أن يستغل تسلطه على «أرغون»، فيتمكن من استئصال حياتهم، وذلك بأن ينفذ عن طريق الإيلخان خطة وضعها لذلك.
فقال يوماً لـ «أرغون» إن النبوة وصلت من «جنكيز خان» إلى الإيلخان العادل بالإرث، فهو رسول من قبل الله. وإذ كان قيام دين الرسل منوطاً بالكفاح وقلع المخالفين، فعلى الإيلخان أن يأمر بضرب عنق كل من يعاند ديانته ويرفض الدخول في الملة الجديدة. وإذ كان «أرغون» يكره المسلمين فقد أمر بإبعادهم عن المعسكر ومنعهم من التدخل في أمور الدولة. ونظم «سعد الدولة» محضراً في موضوع خطته يصل إلى غايته. ووقع على هذا المحضر أيضاً جماعة من علماء المسلمين بالموافقة على خطته.
وعزم «سعد الدولة» على جعل الكعبة بيتاً للأصنام. وبدأ بمكاتبة يهود الجزيرة العربية. وأخذ يعد العدة لسوق جيش إليها، فأمر بتهيئة مقدمات وبناء سفن له في بغداد.
ووجه أحد أبناء ملته اسمه «نجيب الدين الكمال» إلى خراسان ومعه قائمة بأسماء مائتي رجل، ووجه آخر منهم اسمه «شمس الدولة» إلى شيراز ومعه قائمة بأسامي سبعة عشر رجلاً، وأمرهما بقتل أولئك المذكورة أسماؤهم في القائمتين، ليمهد بذلك الطريق إلى تحقيق خطته الجديدة التي يفكر بفرضها على الناس.
غير أن «أرغون» مرض في هذه الأثناء، وكان في تبريز، فسافر إلى «موقان» مستشفياً. ولكن مرضه اشتد وعجز الأطباء عن مداواته. وأيقن «سعد الدولة» أن الإيلخان، وهو وسيلته إلى تحقيق مقاصده، إذا مات زالت بموته دولته. ولذلك اهتم بتأليف قلوب الناس وجبر ما انكسر على يده، فكتب إلى مختلف النواحي يأمر بدفع الظلم وإصلاح الفساد وإطلاق المحبوسين وإجراء الصداقات والمبرات. وكتب مرة في يوم واحد سبعين رسالة في هذا الموضوع، وتصدق بثلاثين ألف دينار على البغداديين وعشرة آلاف دينار على الشيرازيين. وكان ظاهر هذه الأعمال هو دفع البلاء عن الإيلخان وطلب الشفاء له. وباطنها استمالة قلوب الناس إليه. ولكن أمله خاب في المسعيين كليهما. فلا «أرغون» شفي من مرضه ولا دولة «سعد الدولة» دامت له، بل قضيا كلاهما معاً!
كان لـ «أرغون» اعتقاد راسخ بالكيمياء والتنجيم والسحر، شأنه في ذلك كشأن أغلب سلاطين المغول. ومن ثم كان للكهان والسحرة منزلة كبيرة في حاشيته. فصنعوا له معجوناً مركباً من الزئبق والكبريت ومواد أخرى وأطعموه إياه. فكان سبباً في مرضه وفلجه ثم موته.
ولما اشتد مرض «أرغون» قال له الكهنة إن ما يستفاد من النظر في العظم([202]) هو أن السحر سبب العلة. واتهم «أرغون» إحدى زوجاته بذلك فأوقع بها العذاب. وتفاقم الهرج والمرج، خصوصاً حين تقرر إطلاق المحابيس طلباً لنجاة الإيلخان، فتبين أن جماعة من الأمراء كانوا قد قتلوا. فقد قال السحرة إن قتل هؤلاء الأمراء كان السبب في مرض الإيلخان. فأمر «أرغون» بقتل من كانوا السبب في قتلهم. وفي تلك الأثناء لم يكن يسمح لأحد بزيارة «أرغون» ودخول خيمته غير «سعد الدولة» ورجل آخر من الأمراء.
وسارع «سعد الدولة» إلى إرسال رسل من قبله إلى «غازان» يدعوه إلى آذربيجان لعله يستطيع أن ينجو بنفسه إذا وصل قبل موت الإيلخان، إذ يكون قد هيأ من الأمير مدافعاً عنه في مقابل مخالفيه.
ولكن حدث، قبل وصول «غازان» من خراسان، أن أقام الأمراء مجلس أنس في بيت «طغاجار». وكان في جملة حديثهم أن قالوا إن حجب «سعد الدولة» للناس عن الدخول على الإيلخان لم يكن منه إلا مكراً وحيلة. وقرروا أن يقتلوا كل من كان سبباً في ظهور الفتنة. وأنفذوا قرارهم فقتلوهم كلهم. واعتقلوا «سعد الدولة». وفي سلخ صفر سنة 690هـ جاؤوا به إلى بيت «طغاجار» وقتلوه فيه. ولم يلبث «أرغون» أن لحق به في السادس من ربيع الأول من تلك السنة فزالت دولة كل منهما واحدة بعد الأخرى.
وتلقت بلاد الإسلام خبر مقتل «سعد الدولة» بالسرور والشماتة. وهب الناس إلى قتل اليهود بأبشع أنواع القتل والإغارة على أموالهم في كل البلدان، ما عدا شيراز إذ كان حاكمها اليهودي «شمس الدولة» قد سبق له فيها عدل وحسن سيرة ورفق بالناس، فكافؤوه على ذلك بأن عاملوه معاملة حسنة. وبعد سنة، في عهد «كيخاتوخان»، أعيد «شمس الدولة» هذا إلى حكومة شيراز مرة ثانية([203]).
سياسة «أرغون» الخارجية
كانت الروابط بين «أرغون خان» وأمهات الممالك الشرقية والغربية صافية. ولم يحدث أن وقعت حرب مهمة بينه وبين غيرها من الممالك.
وكان، كمن سبقه من الإيلخانات، يعظم «قوبيلاي» أخا «هولاكو» وعظيم المغول، ويعده سيداً عليه.
وفي أواخر أيامه توفيت إحدى زوجاته وكانت حبيبة إليه. وقد أوصته بأن لا يتخذ له زوجة بعدها من غير أسرتها. وكانت أسرتها تقيم في بلاد «الختا». وعمل بوصيتها. فبعث بوفد من ثلاثة أمراء من رجاله ومرافقين لهم إلى «قوبيلاي قاآن» يطلبون منه اختيار أميرة من تلك الأسرة وإرسالها عروساً إلى بلاط «أرغون». فاختار له صبية فائقة الجمال في السابعة عشرة من عمرها. واتفق أن كانت هذه الرحلة أيام كان الرحالة البنادقة الثلاثة المعروفون «نيكوبولو» و«مافيوبولو» و«ماركوبولو» في تلك الديار. وفي سفر العودة إلى إيران رافقهم هؤلاء الثلاثة. وكان سفرهم بطريق البحر. وقد أعطى «قوبيلاي قاآن» كلاً من موفدي «أرغون» والبنادقة شارة مغولية خاصة هي بمنزلة التوصية بهم لتسهيل وسائل السفر ومعاملاته لهم. وحمّل البنادقة الثلاثة رسائل إلى ملوك فرنسا وإنكلترا وإسبانيا وغيرهم من ملوك أوروبا. وانطلقت قافلتهم، وعدتها ستمائة نسمة، على ثلاث عشرة سفينة إلى إيران، فوصلتها بعد ثمانية عشر شهراً، ولم يبق منها حياً سوى سبع عشرة نسمة وكان بين الذين قضوا نحبهم اثنان من الأمراء المغول الثلاثة الذين أوفدهم «أرغون» إلى «قوبيلاي قاآن»!
وحين وصلوا إلى «هرمز» بلغهم نبأ وفاة «أرغون». فبعثوا إلى الإيلخان الجديد « كيخاتوا» يسألونه ماذا يفعلون؟ فأمرهم بالتوجه إلى «غازان». فمضى البنادقة والأمير المغولي الذي بقي حياً إلى «أبهر» زنجان حيث اجتمعوا بـ «غازان». وسلموا إليه الأميرة، فتزوج بها. وفي تلك الأيام توفي «قوبيلاي قاآن».
ولم تقع حرب بين «أرغون» وسلاطين مصر والشام في كل مدة حكمه. إذ كان هو يبذل كل مساعيه في سبيل جمع المال، واستخدام النصارى واليهود لنيل الرعاية والعناية منهم، والاشتغال بالكيمياء وما أشبه ذلك. وكان سلاطين المسلمين أيضاً يقاسون في ديارهم مشاكل كثيرة تصرفهم عن التفكير في محاربة «أرغون» ولا سيما «قلاوون»، كانت تشغله محاربات أنصار الملك الظاهر «بيبرس» أي المماليك الظاهرين ومحاربات «سنقر الأشقر»، والصليبيين الأرمن، فلا يستطيع التفرغ لمساعدة المسلمين الذين يذلهم الخضوع لعبودية النصارى واليهود في بلاد الإيلخان، وقد غلبوا على أمرهم، بعد أن كانت بيدهم زمام أمور الممالك الإيلخانية في عهد السلطان أحمد.
وإذ كان «أرغون»، بخلاف السلطان أحمد، راغباً في التودد إلى النصارى وترميم الكنائس التي هدمها سلفه، وإعادة بيت المقدس إليهم، فقد راسل البابا وملوك أوروبا في هذا الشأن من ذلك مراسلته للبابا «هنريوس الرابع» والبابا «نيقولا الرابع»، واطلاعهما على نياته في خدمة العالم المسيحي. وقد شكره هذان على مساعيه وشجعوه على عمله، وأبلغا رسائله إلى ملك إنكلترا «إدوار الأول» وملك فرنسا «فيليب لوبل». وبعث هو أيضاً رسالة بهذا الشأن إلى «فيليب لوبل». ولكن هذه المكاتبات لم تنته إلى نتيجة عملية في إنفاذ الخطة التي أرادها البابا و«أرغون»، وهي تسيير حملة عسكرية إلى محاربة المسلمين. وكل ما بلغت إليه هذه المكاتبات هو توثيق الروابط بين بلاط الإيلخان والباباوات وملوك أوروبا. وكانت نتيجة ذلك ازدياد نفوذ رجال الدين النصارى في الممالك الإيلخانية، ورواج الدين المسيحي وآدابه في الشرق مرة أخرى.
سلطنة «كيخاتوخان»
بعد وفاة «أرغون» اختارت أكثرية أمراء المغول أخاه «كيخاتوا» لمنصب الإيلخان. وكان هذا حاكماً على بلاد الروم. فبعثوا إليه رسولاً يدعوه إلى آذربيجان ليخلف أخاه، فخف إليها. وكان رأي آخرين من رؤساء المغول أن يخلفه «بايدو» بن «طرغاي» وحفيد «هولاكو». وكان هذا حاكماً على بغداد، فكتبوا إليه يدعونه إلى الحضور لهذه الغاية. ولكنه رفض طلبهم وأعلمهم أنه لا يتقدم على «كيخاتو».
ولما وصل «كيخاتو» إلى «آلاتاغ» خف إلى استقباله أمراء المغول ورؤساؤهم وضباطهم. وكان أكثرهم تحزباً له وسعياً إلى استخلافه «أورغ خاتون» زوجة «أرغون خان» وحفيدة «دوقوز خاتون» زوجة «هولاكو» وأم«أباقا خان». وهي من «الكراييتيين»، وكانت أيضاً نصرانية.
وفي يوم الأحد 23 رجب سنة 690هـ جلس «كيخاتو» على عرش الإيلخان، وأقيمت مراسم الاحتفال والفرح المعتادة. بعد ذلك رفع «كيخاتو» يد الأمراء الذين سلكوا طريق الخلاف في أواخر عهد «أرغون» عن الأعمال الموكولة إليهم وحولها إلى غيرهم من الأمراء. وسلّم من بينهم «طوغان» إلى أولاد أمير كان قد قتل بسعي منه ليقتلوه بأبيهم. وبعث «أنبارجي» بن «منكو تيمور» إلى خراسان ليتولى أمور إدارتها، وعهد إلى «سنكتور نويان» بنيابة السلطنة وتعهد شؤون الجيش.
واتفق أن كان جلوس «كيخاتو» حين ثارت جماعة من تركمان بلاد الروم ويونانييها على جيش المغول المقيم هناك، ولزم إرسال جيش إليها لقمع الثورة. فسار «كيخاتو» في 4 رمضان سنة 690هـ بجيشه إلى بلاد الروم، فكسر المتمردين، وساعده الكرجيون على ذلك، وعاد منصوراً إلى إيران في جمادى الآخرة سنة 691هـ.
وقد طالت غيبته في بلاد الروم عشرة أشهر تقريباً وإذ كان معجلاً لم يتيسر له بعد استقرار، ولا تمكن من استقصاء مخالفيه بإلزام كل واحد منهم حده، فقد أخذ الأمراء المخالفون ينشرون إشاعات كاذبة عن هزيمة الروم له. وطمع «أنبارجي» حاكم خراسان الجديد في منصب الملك. وأخذ الفساد يدب في شؤون المملكة بسبب غرارة «سنكتور نويان» وظلم المأمورين والجباة.
ولما تبين كذب هذه الإشاعات ووصلت أخبار انتصار «كيخاتو» وعودته إلى إيران، اعتقل «سنكتور» الأمير «طغاجار»، وكان أحد الناشرين للإشاعات الكاذبة، واعتقل معه نائبه «الخواجة صدر الدين أحمد الزنجاني»، وسلّمهما إلى «كيخاتو». ولكن هذا عفا عنهما وأكرمهما، إذ كان متسامحاً سليم النفس.
وكان «كيخاتو» قد وعك في أثناء سفره إلى بلاد الروم. واشتد مرضه وهو عائد منها. فاستُدعي العلماء والأئمة المسلمون وأساقفة النصارى وأحبار اليهود للدعاء له بالشفاء والبقاء. ووزعت صدقات كثيرة، إلى أن أبل الإيلخان من مرضه ونجا من الموت. فأقام «كيخاتو» احتفالاً عظيماً ابتهاجاً بسلامته وتجديد عافيته وعكف على مجالس الأنس واللهو مدة شهر كامل. ووزع على أمراء المغول وخواتينهم الذخائر والنفائس التي كان «أرغون خان» و«سعد الدولة» قد جمعاها بتكبد المشقات وإيذاء الناس. وأصدر مراسيم بإطلاق المحابيس وإعفاء العلماء والسادات وأئمة الدين من دفع الضرائب.
وهذه الأعمال، وإن تكن في الظاهر قد بلغت به إلى الكمال في طيبة النفس والكرم والتسامح، إلا أنها في الواقع قد زعزعت أساس دولته، إذ أفقرت الخزانة وقللت العائدات، ومن ثم انتهت بالناس إلى الشقاء.
وزارة «صدر جهان»
بعد انتهاء مراسم الفرح والابتهاج اختار «كيخاتو» الأمير «آق بوقا» لمنصب «أمير الأمراء». وأمر بأن يكون «سنكتور نويان» و«طغاجار» مأمورين تحت يده. واختار «الخواجة صدر الدين أحمد الخالدي الزنجاني» لمنصب «صاحب الديوان» في كل الممالك ومنصب وزارة الإيلخان، ومنحه لقب «صدر جهان»، وفوض إليه التصرف في أعماله تفويضاً مطلقاً. وصدر الدين هذا كان في سنة 679هـ حليف «مجد الملك» ضد الأسرة الجوينية. وبعده كان ينوب دائماً عن الأمير «طغاجار» في حكومة فارس وفي مهمات أخرى. وتلقى الأمراء والرؤساء تعيينه بالارتياح. وأصبح الرجل الأول في كل الممالك الإيلخانية. واختار الإيلخان «قطب الدين» أخا «صدر الدين» لمنصب قاضي القضاة لكل الممالك الإيلخانية. وأصبح، بعد ذلك، يلقب «قطب جهان». وكان في السابق يعمل في معية الأمير «أنبارجي» في خراسان.
وفي شهر ذي القعدة سنة 692هـ قام جماعة من موظفي الشؤون المالية بالسعاية بـ «صدر جهان الزنجاني» وأوصلوا إلى مسامع الإيلخان أنه يأخد أكثر الأموال الديوانية لنفسه ولا يوصل الرواتب والنفقات الواجبة للعسكر ودوابهم إلى مستحقيها وأنه يقتطع لنفسه ولأداء ديونه أكثر من ثلاثين توماناً من أصل ثمانين توماناً. هي ضرائب تبريز وأعمالها.
إلا أن الإيلخان لم يصغ إلى هذه التقارير، وإن كان بعضها، وهو عمدتها، صحيحاً. وزاد فأطلع «صدر جهان» على وشاية مأموريه به وسلمهم إليه. ولكن «صدر جهان» عفا عنهم وقبل اعتذارهم.
وبعد هذا أصدر الإيلخان مرسوماً بعزل كل الرؤساء والحكام والعمال والكتاب من ضفة «جيحون» إلى حد مصر. وأمرهم بأن يسمعوا لأمر «صدر جهان» ويطيعوه. وله أن يعين منهم من يشاء للعمل الذي يشاء. وحظر على الأمراء أن يمنحوا مالاً أو يقطعوا إقطاعاً بدون إذن من «صدر جهان». وهذه اللفتة من الإيلخان أطلقت يده أكثر مما مضى في التصرف بالأعمال وزادت في قوة شوكته واقتداره.
إصدار النقد الورقي
كان «كيخاتو خان» أمرءاً من أهل القصف والتبذير. لا يعتني بالمال. ويعد الذهب والفضة والجواهر على درجة رمال الصحراء في الحقارة. ولا يقيم لها وزناً إلا بما هي زينة للنساء فقط. وكان يتشبه بـ «أوكتاي قاآن» في البذل. ومن ثم لم يلبث أن أفرغ خزانة الدولة. وسلك «صدر جهان» هذا المسلك أيضاً بدلاً من أن يسعى إلى منع إسراف الإيلخان إسرافاً لا مسوغ له. فأفرط في البذل والتبذير خصوصاً ما كان من ذلك مؤلفاً لقلوب الناس، ولا سيما العباد والزهاد، فقد منحهم أموالاً وافرة، حتى بلغت الديون التي عليه حوالي خمسمائة تومان في مدة سنتين من وزارته. وتمادت بهم الحال على هذا النحو من الإعلام. وزاد في الطين بلة وباء نزل بقطعان المغول، فنفقت أكثر أغنام الحشم، خصوصاً ما كان منها في ديار بكر والموصل وبغداد وخراسان. ولم يبق في الخزانة شيء من المال لمساعدة أمراء المغول وإصلاح حالهم. فزاد ذلك في فقر المغول وفساد معيشة الجيش.
وفي عهد «صدر جهان» و«كيخاتو» قدرت عائدات الخزانة بمبلغ 1800 تومان في السنة. منها 700 تومان نفقات الديوان ومخصصات الديوانيين. وما بقي منها لم يكن كافياً للقيام بالمهمات الملكية وبذل الإيلخان وعطاياه. وكانت نفقات مطبخ الأمراء والخواتين في زمان «أباقا» والسلطان أحمد 40 توماناً فقط. وفي عهد «كيخاتو» و«صدر جهان» بلغت نفقات المطبخ الملكي 165 توماناً، ومع ذلك كانوا كلهم يتذمرون ويرون أن هذا المبلغ غير كاف. ووصلت الحال من الفقر وفقدان المال إلى أن كانوا أحياناً لا يجدون في الخزانة ثمن خروف لمطبخ الإيلخان.
وقاطع «صدر جهان» أحد اليهود اسمه «رشيد الدولة» على أن يتعهد بتهيئة لوازم المطبخ الإيلخاني، على أن يعاد إليه ما ينفقه من جيبه على المطبخ في آخر كل شهر من الخزانة الملكية. فاشترى اليهودي بماله مقداراً من البقر والغنم واستخدم عدة من الطباخين وبدأ عمله. وإذ كانت الخزانة خاوية وأيدي عمال الولايات فارغة من المال فهم عاجزون عن دفع الحوالات التي كان يكتبها «صدر جهان» للمتعهد، وكان هذا قد أنفق كل ثروته، وأصبح عاجزاً عن القيام بتعهده، فقد فر وتوارى عن الأنظار. وهكذا ظل مطبخ الإيلخان مختلاً.
وفي هذه الأثناء دخل في حاشية «صدر جهان» رجل اسمه «عز الدين محمد بن المظفر بن العميد»، وأصبح مستشاره. وكان مطلعاً على أوضاع الصين. فاقترح عليه إصدار عملة ورقية بدلاً عن العملة الذهبية والفضية، على نحو ما يفعلون في الصين. ويسمونها «شاو». ويكون ذلك منفرجاً للأزمة الواقعة.
وراق هذا الاقتراح لـ «صدر جهان» و«كيخاتو». وخالفه «سنكتور نويان». واستشار «صدر جهان» «بولاء شينك سانك» سفير «قاآن» في ذلك، ثم صمم على إنفاذ الاقتراح وجعل التعامل بهذه العملة الورقية. وفي جمادى الآخرة سنة 693هـ أصدر الإيلخان مرسوماً بمنع التعامل بالذهب والفضة، اعتباراً من هذا التاريخ، وكذلك وقف حياكة الأقمشة التي يدخل الذهب في حياكتها، ما عدا الأقمشة المختصة بالإيلخان وأمراء البيت المالك، ووقف صياغة الأواني الذهبية والفضية، وكل عمل يقتضي إنفاق الذهب والفضة.
وأرسلوا إلى كل بلد من البلدان أميراً من الأمراء الكبار ليقوم بإعداد الوسائل الازمة لإصدار العملة الورقية والإسراع في وضعها للتداول. وأقاموا في كل بلد جهازاً لضربها باسم «شاوخانه». وانهمك الأمير «طغاجار» و«آق بوقا» و«صدر جهان» بإقامة جهاز لها في تبريز. ثم طبعوا العملة الورقية، بعد أن أنفقوا على إعدادها المال جزافاً، وأكرهوا الناس بالقوة على التعامل بها. وسموها «الشاو المبارك».
وكان النقد الجديد عبارة عن قطعة من الورق على شكل مستطيل كتبت على طول حواشيها الأربع كلمات بالخط الصيني، وفي طرفي أعلاها الشهادتان وأدنى قليلاً إلى أسفل كلمة «إيرنجين تورجي» وهي لقب «كيخاتو» بالمغولية. وفي وسطها رسم دائرة. ورقمت عليها قيمتها، وهي من نصف درهم إلى عشرة دنانير. وكتبت عليها هذه العبارة:
«أجرى ملك العالم هذا الشاو المبارك في الممالك في تاريخ» «سنة 693 هـ. من غيّر وبدل فيه قتل هو وزوجته وولده». وصودر ماله وحُوّل إلى الديوان».
وجاء في «تارخ وصاف» في هذا الموضوع:
«جاؤوا برسالة الشاو (شاه نامة) إلى شيراز، وكانت مطولة جداً. خلاصتها أنه لما جرى الشاو المبارك كما تجري دموع المهجورين، بدلاً من الذهب ارتفع الفقر والفاقة والضر والمسكنة من بين الخلائق، ورخصت الغلات والحبوب، وتساوى الغني والفقير. ومدحه شعراء العصر وأفاضله، على ما يهوى الملك وصاحب الديوان. وذكر هذا البيت في الرسالة نموذجاً من ذلك، وهو من مقطوعة لأحد الأفاضل:
لو جرى الشاو في الدنيا
لعاد رونق الملك خالداً
«وإذ كان حكم قد صدر يحظر على أرباب الحرف الذين يستعملون الذهب والفضة في صناعاتهم شراءهما من أحد، فعليهم أن يحصلوا عليهما من دار ضرب الشاو المبارك بالتقنين، وأصبحت معاشات الحكام والموظفين ورواتبهم محددة من هذا الشاو كلاً حسب استحقاقه.
«وكلما أوشك الشاو أن يرثّ فعلى الناس أن يحملوه إلى دار ضرب الشاو ليستبدلوا به جديداً، على أن يأخذوا تسعة دنانير بكل عشرة دنانير يعطونها».
وفي شوال سنة 693هـ وضع «الشاو» أول مرة للتداول في تبريز. ولكنه قوبل بمشكلات عظيمة عند أول ظهوره فقد امتنع الناس عن قبوله. ولما أجبروا على قبوله هجر فريق منهم المدينة وأغلق الباقون دكاكينهم لكيلا يعطوا بضائعهم هدراً بهذا النقد الذي يعد خالياً من كل قيمة. وبذلك توقفت معاملات البيع والشراء. وتهيأ الناس للثورة، وأخذوا يلعنون واضعيه، وأرادوا قتل «عز الدين مظفر» مؤسسه. وحدث في شيراز ما حدث في تبريز أيضاً. وارتفعت شكوى الناس من كل ناحية.
عندئذ أفهم الأمراء و«صدر جهان» الإيلخان «كيخاتو»، أنهم يخشون أن يؤدي الوضع إلى عواقب وخيمة وأن يتحول تذمر الناس إلى ثورة إن استمرت الحال على هذا النحو. فأصدر «كيخاتو» مرسوماً بإلغاء «الشاو». واطمأن الناس وأطلقوا على هذا النقد الورقي اسم «الشاو اللامبارك»، لما سببه من مشقة عامة وما تركه في الخواطر من ذكرى قبيحة، وأطلقوا على «صدر جهان» لقب «الشاوي».
جاء في «جامع التواريخ» للرشيدي:
«في يوم الجمعة السابع والعشرين من شعبان توجه «آق بوقا» و«طغاجار» و«صدر الدين» و«تماجي إيناق» إلى تبريز لوضع الشاو في التداول، فوصلوها في التاسع عشر من رمضان، وأعدوا قدراً كبيراً من الشاو وأصدروا مرسوماً بشأنه. وفي يوم السبت التاسع عشر من شوال سنة 693هـ أبرزوا الشاو ووضعوه في التعامل، وأصدروا بلاغاً بأن كل إنسان لا يقبله يقتل. وقبله الناس في مدة أسبوع واحد خوفاً من السيف ولكنهم لم يكونوا يبيعون به إلا شيئاً قليلاً بسبب الفرق الكبير بين قيمته الشرائية وقيمته المفروضة. واضطر أكثر أهالي تبريز إلى النزوح عنها وخلا السوق من الأقمشة والأغذية، حتى لم يبق فيه شيء للبيع والشراء. ولجأ الناس إلى البساتين يأكلون فاكهتها.
وخلت تلك المدينة المكتظة بالناس من سكانها. وانطلق العيارون والأوباش في الأزقة يسلبون كل من وجدوه فيها، وانقطع ورود القوافل إليها. وأخذ العيارون يكمنون ليلاً في الطرقات، فإن رأوا مسكيناً استطاع بحيلة ما أن يحصل على حمل دابة أو ملء سلة من الفاكهة لأهله أخذوه منه، فإن منعهم قالوا له بعنا إياه وخذ ثمنه شاواً مباركاً وعرفنا من أين اشتريته.
وبالجملة وقع الناس في ضيق من هذا العمل، ورفع المساكين أيديهم بالدعاء. واتفق يوماً أن كان كيخاتو ماراً في السوق، فرأى الدكاكين خالية، فسأل عن السبب، فأجابه صدر الدين بقوله إن شرف الدين لاوكشي، وهو من وجهاء تبريز، قد توفي. وعادة أهل تبريز إغلاق السوق عند وفاة الأعيان. «وشغب جماعة في المسجد الجامع على قطب الدين (أي قطب جهان أخي صدر جهان) شغباً عظيماً حتى حصلوا على إذن بأن يبيعوا في السر في الزوايا طعاماً بالذهب. ومع ذلك قتل جماعة لهذا السبب. وتعطلت المعاملات وأوراقها الرسمية تعطلاً تاماً».
«وكان درويش يوماً ماراً في السوق فرأى صدر جهان فتقدم وأخذ بعنان فرسه وقال له:
رائحة الأكباد المحترقة لفّت الدنيا
فإن لم تكن قد استنشقتها فليهنك هذا الأنف الذي لك؟
فتأثر صدر الدين من هذه المقالة، وحصل، بموافقة مستخدميه، على مرسوم بجواز التعامل بالذهب، ولكن بعد خراب البصرة، وتجرؤ الناس على التعامل به علناً، وعادوا إلى المدينة، فلم تلبث أن عمرت مرة أخرى، وانتهى أمر الشاو إلى العدم، إذ تركه الناس وتخلصوا من متاعبه». اهـ.
مقتل «كيخاتو»
كان «كيخاتو» ضعيف النفس مبذراً. وإلى هذا كان سكيراً فاسقاً من أهل القصف واللهو. وقد آذى الجميع في مدة حكمه القصيرة بتعديه على الأعراض، وضاق به ذرعاً الرؤساء والأمراء، لإطلاق يده بالظلم وانتهاك الحرمات. وكان حاكم بغداد والعراق «بايدو أغول» بن «طرغاي» وحفيد «هولاكو» أكثرهم طلباً لزوال دولته والحلول في منصبه. وشجعه على ذلك جماعة من الأمراء.
وفي أواخر حكم «كيخاتو» سكر مرة في مجلس لهو أقيم في «آلاتاغ» وكان «بايدو» حاضراً فيه. ولأمر ما غضب الإيلخان على «بايدو» غضباً شديداً وشتمه. وفي الصباح ندم على ما كان منه وحاول استرضاء «بايدو». ولكن هذا تظاهر بأنه غير ساخط. ثم سافر إلى بغداد. ولكنه قبل سفره تواطأ والأمراء على أن يعود بعد سنة إلى المعسكر ويتعاونوا على قتل «كيخاتو» وإخلاء العرش الإيلخاني منه.
وعرف «كيخاتو» بالمؤامرة واعتقل أكثر الأمراء المتواطئين. وحرضه جماعة من خواصه على قتلهم ولكنه لم يصغ إليهم، وعمل برأي الأمير «طغاجار» ـ وكان هواه مع المتآمرين باطناً ـ وهو أن يحبس المتآمرين ويحضر إليه «بايدو» ويحقق في الأمر بحضوره، وبعد التحقيق ينتقم من المتآمرين.
وعهد «كيخاتو» إلى الأمير «طغاجار» بالمحافظة على الأمراء المتواطئين. وبعث هذا سراً رسولاً إلى «بايدو» وأعطاه رسالة يدعوه فيها إلى التوجه بجيشه إلى المعسكر للحرب، على أن يلتحق به هو والأمراء المحبوسون عند وصوله، بعد أن يكونوا قد انتهوا من أمر «كيخاتو». ولما وصل خبر تحرك جيش «بايدو» إلى الإيلخان هيأ هو و«صدر جهان» جيشاً باقتراض مبلغ من المال أخذاه من هذا وذاك، وبعثا منه خمسة آلاف جندي بعنوان مقدمة، وألحقا به عشرين ألفاً بقيادة «آقبوقا» و«طغاجار»، من طريق همذان. وانتقل «كيخاتو» من «آلاتاغ» إلى تبريز.
وتلاقت مقدمة عسكر الإيلخان وعسكر «بايدو» ووقعت الحرب وقتل فريق من جنود «بايدو». ثم توقف جند «كيخاتو» عن المحاربة منتظراً وصول المدد. ولكن «طغاجار» أعلن العصيان وجاهر بأنه حامي «بايدو»، يرفض إطاعة أوامر «آقبوقا»، وتبعه عسكره على ذلك. وانضم إليه أيضاً عسكر «آقبوقا»، ففر هذا مع قلة من مناصريه إلى الإيلخان. ولما ذاع الخبر انفض سائر العسكر عن «كيخاتو». وأمر «طغاجار» بإطلاق الأمراء المحبوسين فأطلقوا. وفر «كيخاتو» إلى «موغان» فاعتقله هناك الأمراء المتمردون، ثم قتل يوم الخميس السادس من جمادى الأولى سنة 694هـ.
سلطنة «بايدوخان»
وبعد مقتل «كيخاتو» اختار الأمير «طغاجار» وسائر الأمراء «بايدو» لمنصب الإيلخانية. وخلف «كيخاتو» على العرش في شهر جمادى الأولى سنة 694هـ في القرب من همدان. ثم قتل جماعة من خواص «كيخاتو»، وأقيمت مراسم الأنس والفرح المعتادة.
وبعد ذلك بعث برسله إلى مختلف نواحي المملكة يحملون مناشير تتضمن أن «كيخاتو»، إذ كان قد سلك مسلك الغفلة في إدارة شؤون المملكة، ولم يراع قانون جنكيز (ياسا)، فقد أبعدناه بموافقة الرؤساء والأمراء والخواتين. وقررنا إيصال الخيرات والمخصصات التي كان آباؤنا قد قرروها إلى مستحقيها. وأعفينا الأوقاف الإسلامية من الضرائب.
ثم عين الأمير «طغاجار» في منصب أمير الأمراء، وأوكل إليه تعهد شؤون الجيش. وعين لوزارته «جمال الدين الدستجرداني». وهذا غيّر اسم منصب «صاحب الديوان» باسم «الوزارة». وعهد بالحكومة والإدارة في كل مملكة من الممالك إلى واحد من الرؤساء والأمراء، كما كان الوضع في عهد «أباقا»، وجعل حكومة بلاد الروم للأمير «طغاجار» وجعل نائبه «صدر الدين أحمد الزنجاني» أي «صدر جهان» الشاوي.
عصيان «غازان»
كان الأمير «غازان» يوم جلوس «كيخاتوا» سنة 690هـ في «سمنان» بعد أن هزمه الأمير «نوروز» كما ذكرنا سابقاً. فلما سمع بوفاة «أرغون» وجلوس «كيخاتو» جاء إلى «دماوند». ومن هناك بعث أحد أمرائه إلى «كيخاتو» يطلعه على أوضاع خراسان السيئة، ويطلب منه المساعدة. فأنجده الإيلخان الجديد بالأمير «أنبارجي» وجماعة آخرين من الأمراء. وأدى ذلك إلى توطيد الأمن في خراسان.
وفي سنة 692هـ توجه «غازان» قاصداً آذربيجان للاجتماع بـ «كيخاتوا» وإطلاعه على أوضاع خراسان. وإذ كان «كيخاتو» لا يرى صلاحاً في مجيئه إلى معسكره، فقد بعث إليه بجماعة من الأمراء أرجعوه إلى خراسان. وقد ذكرنا سابقاً أنه في سنة 693هـ تغلب على الأمير «نوروز»، ثم لم يلبث هذا أن ذهب إليه يطلب صفحه فعفا عنه، وعاد إلى ملازمته كما كان.
ولما وصل خبر مقتل «كيخاتو» إلى «غازان»، ظهر عليه أنه لا يعير هذا الحادث اهتماماً كثيراً. وأطلق يد الأمير «نوروز» إطلاقاً كاملاً، كما كان أبوه «أرغون آقا» قبله، في حكومة خراسان، وانصرف هو إلى الاشتغال بالصيد. وفي هذه الأثناء لجأ إليه جماعة من عسكر «كيخاتو» كانوا يقيمون في مازندران. وبعث رسالة إلى «بايدو»، بعد أن استشار الأمير «نوروز»، ينبئه فيها أنه متوجه إلى ملاقاته. وسار من خراسان نحو «دامغان».
ولم يكن «غازان» في أول الأمر يفكر في محاربة «بايدو». ولذلك لم يصحب معه أكثر من 6000 جندي. ولكن الأمير «نوروز» أفهمه أن أمراء «بايدو»، إذ كانوا يخشون سطوة «غازان» وقدرته، فقد اختاروا «بايدو» إيلخاناً لضعفه، وليتمكنوا، من ثم، من إدارة أمور المملكة على هواهم. واقترح عليه إرسال وفد إلى «بايدو» يلتمس منه السماح له بلقاء خاص ويبلغه حسن نيته وإرادة الخير له، ويذكره بأن قانون «جنكيز» (ياسا) يحرم قتل أحد من أمراء العائلة المالكة بيد أحد من غيرهم، فمن خالف هذه السنة وجبت عقوبته. وعليه يجب على «بايدو» اعتقال قاتلي «كيخاتو» ومعاقبتهم على هذا العمل المنكر الذي ارتكبوه. وسير «غازان» إلى «بايدو» رسلاً لهذه المهمة كما اقترح «نوروز».
والتقى رسل «غازان» في القرب من قزوين برسل بعث بهم «بايدو» إلى «غازان» ليبلغوه أن «بايدو» لم يكن راغباً في منصب الإيلخانية. ولكن، إذ كان «غازان» غائباً عن المعسكر حين مقتل «كيخاتو»، فقد اتفق الأمراء والخواتين والرؤساء على اختياره لهذا المنصب منعاً للتشويش وقطعاً للفتنة. ومن ثم فإن صلاح «غازان» في أن لا يعرض عسكره للتلف عبثاً، وأن يعود إلى خراسان.
فلما بلغت الرسالة إلى «غازان» عزم على الرجوع، إذ كان مرافقوه من الجند قلة. ولكن الأمير «نوروز» منعه من العودة، وقال له إن الموت شيء مقدر. والأجمل أن يبذل المرء حياته ثمناً للشرف، وأن يختم عمره بالصيت الحسن. فأثر ترغيب «نوروز» في نفس «غازان» ووطن نفسه على المغامرة. وقسم جنده الستة آلاف بين رؤساء عسكره. ووعدهم بأن يمنح كل واحد منهم حكم ولاية إن هم ثبتوا حتى النصر، وانطلق رابط الجأش نحو خراسان.
ووصل خبر تحرك «غازان» إلى «بايدو» وهو في «هشترود» آذربيجان، فلم يجد بداً من الإسراع بإرسال «طغاجار» وأمراء آخرين مع جيش لصده.
والتقى الجمعان يوم الخميس 5 رجب سنة 694هـ في نواحي «قربان شيره» في القرب من نهر قرية «شيركيران» من ولاية «مراغة». ولكن «بايدو» تبين في وجوه رؤساء عسكره دلائل الانكسار. فأرسل إلى «غازان» يحسن له الصلح، وأن لا يقع بينهما، وهما ابنا أسرة واحدة، أكثر مما وقع من الضحايا. فأذعن «غازان» لاقتراحه وتقرر أن يتلاقيا بلا واسطة من أحد غيرهم، ويعرض كل منهما مطالبة على الآخر مباشرة.
وفي الموعد المعين أقبل كل منهما، ومعه جماعة من الجند والأمراء، فتلاقيا وتعانقا. ثم تعاهدا على أن يجتنبا كلاهما من الآن فصاعداً إيقاع حرب فيما بينهما. وجيء بقدح فيه شراب حلّوا فيه شيئاً من الذهب فشربا منه وشرب كل الأمراء، على عادة المغول. واعتذر الأمير «نوروز» فلم يشرب لأن إسلامه يحرم عليه ذلك.
وتقرر في هذا الاجتماع أن يعهد «بايدو» بكرمان والعراق وفارس إلى «غازان». وكانت هذه النواحي ملحقة بحكومة «أرغون خان» أبي «غازان». وتقرر أيضاً أن ترسل عائدات هذه الممالك إلى خزانة «غازان»، وأن يتوج «بايدو» مجدداً في اليوم التالي، ويعلن العموم برفع هذه الغائلة بإقامة احتفال عظيم ونصب معالم الفرح والاستبشار.
ومع ذلك فإن كلاً من عسكر الفريقين وأمرائه كان غير مطمئن الخاطر إلى هذه المعاهدة، ويتوقع أن يتحين غفلة من خصمه فيوقع به، وينفض يده من هذه الحال التي كان معروفاً، سلفاً، أنها غير منتهية إلى مآل ثابت.
وحين كان «غازان» و«بايدو» مشغولين بتقاسم الممالك وصل جماعة من العساكر المقيمين في بغداد و«موغان» جاؤوا لنجدة «بايدو» فرأى أمراؤه أن الوضع أصبح مناسباً للقيام بهجوم على «غازان». ولكنه رفض أن يعمل برأيهم إذ كان ذلك غدراً لا يقدم عليه.
وخاف «غازان» من تكاثر عسكر «بايدو» فعزم على العودة إلى خراسان ليلاً. وبذل «بايدو» جهده ليحمله على قبول ضيافته مرة أخرى، ولكن الأمير «نوروز» أشار عليه بالرفض فاعتذر متعللاً بسبب اخترعه له «نوروز». وسار ليلاً إلى زنجان سالكاً طريق وادي «قزل أوزن»، وأبقى الأمير «نوروز» وآخرين من الرؤساء في معسكر «بايدو» ليأخذوا منه مرسوم تعيينه لحكومة العراق وفارس. وفي أثناء الطريق بعث رسولاً إلى «بايدو» ومعه رسالة يقول فيها إنه عاد من غير أن يستأذن لأن الأمراء الإيلخانيين أخذوا يتمردون. وإذ كان هو يرغب في أن يظل السلام قائماً، فعلى الإيلخان أن يسرع، كما تعهد، في إصدار مرسوم ولايته على الولايات التي كانت لـ «أرغون خان»، وإرساله مع الأمير «نوروز». فأجابه «بايدو» برسالة أظهر فيها له تواضعاً، وأمر بأن يرسل حاصل أملاك فارس إلى خزانته. ولكنه لم يأذن للأمير «نوروز» ورفقائه الأمراء الآخرين بالعودة إليه، وحملهم معه إلى ولاية «شروياز» (السلطانية حالياً)، وحبسهم وهددهم كثيراً، وطمعهم. ولكنه لم يستطع أن يصرف قلوبهم عن «غازان»، بل على العكس، جلبوا إليهم الأمير «طغاجار» سراً. وما أكثر ما ابتلى به هذا الأمير مخدوميه من امتحانات قاسية بسبب ضعف العهد الذي وجد فيه. وتوطأوا على أن يعملوا معاً على قلع سلطنة «بايدو» وإيصال «غازان» إلى العرش. وقد تقبل «طغاجار» هذه المهمة بسهولة. ومكر الأمير «نوروز» بـ «بايدو» فأقسم له بأن يحمل إليه «غازان» مغلول اليدين إن هو أذن له بالرجوع. فقبل «بايدوا» وأذن له، ونجا الأمير «نوروز»، وسارع إلى «غازان»، فشرح له الواقعة وأخبره بانضمام «طغاجار» إليهم.
إسلام غازان
كان «غازان» بوذياً. ولكنه تربى على يدي الأمير «نوروز» بن «أرغون آقا». وكان هذا لا ينفك يرغبه في الإسلام حتى صار ميالاً إليه. وزاد في رغبته في الإسلام أنه كان يريد الغلبة على «بايدو» وأمرائه المقتدرين، ومن أجل ذلك كان محتاجاً إلى الأعوان والأنصار. فأفهمه الأمير «نوروز» أنه حين يسلم سينحاز إلى جانبه جميع المسلمين، وبذلك تتضاعف قدرته.
وكان «غازان» قد عقد مجلساً للشورى بحضور الأمير «نوروز». وفي هذا المجلس قال «نوروز» إن المنجمين والعلماء وأهل الزهد والورع تنبؤوا بأن سلطاناً سيقوم في حوالي سنة 690هـ، يستعيد الإسلام في كنف حمايته رونقه السابق، ويصبح رعاياه ناعمين في الأمن والرفاه، وتقترن دولته بطول البقاء. فلو قبل «غازان» الإسلام لبلغ مقام سلطنة إيران، وتخلص المسلمون في ظل دولته من حال النكبة والمذلة واستراحوا من عار التبعية للتتر الكفار، وجزاه الله على هذه الحسنى بالنصر والظفر لجنده.
وقد أثر هذا البيان في مزاج «غازان». وإذ كان قد وعد قبل ذلك الأمير «نوروز» بأن يدخل في دين الإسلام، فقد صمم على الوفاء بوعده. وعلى هذه النية اغتسل يوم الرابع من شعبان سنة 694هـ في «لار» دماوند وارتدى ثوباً جديداً وأسلم على يد «الشيخ صدر الدين إبراهيم» صهر «عطا ملك الجويني» على ابنته([204]) وابن العارف المشهور «الشيخ سعد الدين محمد بن حمويه الجويني». واقتدى به ما يقرب من مائة ألف مغولي فدخلوا في دين الإسلام. وأصبح اسم «غازان» من ذلك التاريخ «محمود».
وأراد «محمود غازان» إعلان البشرى والحفاوة بإسلامه فوهب للعلماء وأئمة الدين والشيوخ والسادات مالاً كثيراً، وزار المساجد والأماكن المقدسة، وبعث رسلاً إلى خراسان والعراق يبلغون النبأ إلى الناس. وجمع في معسكره العلماء والسادات يجالسهم ويؤاكلهم وأصبح يصوم أيام رمضان ويبذل جهداً كبيراً في إقامة شعائر الدين([205]).
إن إسلام «غازان»، أخذ يعود شيئاً فشيئاً بفائدة كبيرة. فقد عاد العمال والموظفون ورجال الدولة المسلمون إلى أعمالهم التي أبعدوا عنها بعد انقضاء عهد السلطان أحمد وزوال دولة الأسرة الجوينية وتسلط نفوذ التتر المتعصبين والنصارى واليهود على أعمال الإدارة والمنافسة التي كانت قائمة بين المسلمين من جهة والتتر والنصارى من جهة واتخذت مظاهر كثيرة مختلفة من عهد «هولاكو» إلى ذلك التاريخ، انتهت إلى تغلب العنصر الإسلامي على منافسه. وتدين الإيلخانات بالإسلام من «غازان» إلى من بعده. بل تمذهب خلفاء «غازان» بمذهب التشيع، كما سنذكر فيما بعد وأصبحوا من مروجي الآداب الإسلامية.
مقتل «بايدوخان»
في أواخر سنة 694هـ علم «غازان» أن موظفي فارس امتنعوا عن تأدية العائدات الأميرية إلى جباته، مع أن «بايدو» كان قد أمر بتأديتها إليه. فغضب «غازان» وعزم على مهاجمة آذربيجان. وإذ كان عارفاً بفساد أمور «بايدو»، وأن أمراءه يبطنون له المخالفة فقد ازداد عزماً على ذلك.
وكان «الخواجه صدر الدين الزنجاني» لا يفتأ يفكر في الانتقام في «بايدو» لأنه خلعه من منصب الوزارة وأعطى هذا المنصب «الخواجه جمال الدين الدستجرداني»، وعين «صدر الدين» نائباً لـ «طغاجار» في حكومة بلاد الروم. وإذ رأى «صدر الدين» اختلال أحوال الإيلخان وعرف أن قلب محذوفه «طغاجار» مع «غازان»، فقد اتفق معه على مساعدة «غازان» وبعث إلى «غازان رسالة سراً قال له فيها إنه إن هاجم آذربيجان فإن أكثر الأمراء المقتدرين سينحازون إليه ويقضون على «بايدو». ثم التحق بمعسكر «غازان» في 7 شوال سنة 694هـ. ووعده هذا بأن يعهد إليه بمنصب الوزارة. ثم بعث بالأمير «نوروز» مع جماعة من الجنود مقدمة لجيشه وتوجهوا يوم الجمعة 15 شوال إلى آذربيجان. ثم تبعهم «غازان» أيضاً.
ولما وصل الأمير «نوروز» إلى آذربيجان أعلن «طغاجار» وغيره من أمراء «بايدو» الذين كانوا يبطنون الموافقة لـ «غازان» العصيان. وإذ علم «بايدو» بذلك فر من ضفة «قزل أوزن» حيث كان معسكره إلى «أوجان» و«مرند» متجهاً نحو «كرجستان». ولكن الأمير «نوروز» أسرع فأدركه بالقرب من «نخجوان» فاعتقله وأرسله إلى «غازان»، وكان يومئذ في «أوجان». ثم قتله «غازان» في 23 ذي القعدة سنة 694هـ.
وكانت مدة سلطنة «بايدو» ثمانية أشهر. ومع أنه لم يكن كسلفه «كيخاتو» من أهل الغواية والفسق، إلا أنه عجز عن أن يحكم، لضعف نفسه وتسلط الأمراء النفعيين على شؤون الدولة وخيانتهم. وكان نصرانياً، اجتهد في إحياء النصرانية وآدابها وإقامة شعائرها. ولكنه لم يعاد الإسلام. وكان يتألف قلوب المسلمين بإرسال ابنه إلى مساجدهم يصلي معهم.
سلطنة محمود «غازان خان»
أصبح الإسلام دين الدولة الرسمي من تاريخ ملك «غازان» إلى انقراض سلسلة الإيلخانيين، وقامت دولة هؤلاء على أساس من الشرع الإسلامي والآداب الإسلامية. وعادوا لا يدينون لـ «قاآن خان باليغ» بما كانوا يدينون به له من طاعة حتى ذلك التاريخ وانحل شيئاً فشيئاً ما كان بينه وبين البلاط الإيلخاني من رابطة حتى انقطعت تماماً.
ولما ملك «غازان» أقام في عاصمته تبريز كثيراً من الأبنية الخيرية من قبيل المساجد والرباطات والمدارس. وبلغ من احترامه للمنتسبين لأهل البيت وأهل العلم أن عمال الديوان في عهده كانوا يكتبون أحياناً أسماء السادات مقدمة على اسم الإيلخان والأمراء في مراسيم الدولة. وجعل العمامة من ألبسة البلاط الرسمية. ودأب خلفاء «غازان» من بعده على الاقتداء به في مراعاة هذه المراسم والآداب. وهذا أحد الأمور التي تميز وضعية الحكم ونوعية التمرن والآداب في عهد «غازان» ومن بعده من الإيلخانات من عهد من كانوا قبله منهم.
دخل «غازان» إلى تبريز يوم 10 ذي الحجة سنة 694هـ بأتم مظهر من الجلال. فخف إلى استقباله «الخواجه صدر الدين الزنجاني، وكان قد حصل يومئذ على قدرة خارقة، يتبعه جمع كبير من سادات المدينة وعلمائها وأئمتها خرجوا إلى ظاهر تبريز لملاقاته. وفي أواخر سنة 694هـ في يوم النوروز جلس غازان في مقام الإيلخانية، وأصبح وارث تاج «هولاكو» وعرشه ومملكته.
وفي يوم جلوسه هذا أصدر أول مرسوم له، يقضي بوجوب دخول المغول في الدين الإسلامي والتأدب بالآداب الدينية ومراعاة العدالة ومنع الأمراء والأكابر من إيقاع الظلم بمأموريهم.
وهدمت بأمر منه الكنائس والمعابد اليهودية وبيوت الأصنام البوذية وبيوت النار الزردشتية في جميع أنحاء المملكة. وكسرت أصنام الكفار والمشركين في تبريز وألقيت قطعها في الأزقة.
وألزم النصارى بالتنطق بزنار فوق لباسهم إذا أرادوا الخروج من بيوتهم، كما أُلزم اليهود أيضاً باعتمار قلنسوة مخصوصة لتمييزهم عن المسلمين. وكان مسلمو بغداد وتبريز قد أهينوا كثيراً من قبل النصارى في العهود السابقة، ولذلك أوقعوا بالنصارى في هذا العهد كثيراً من الأذى انتقاماً. وإذ كانت عدة النصارى في بغداد أكثر فقد كان هذا الانتقام فيها أشد وأوسع، حتى عاد النصارى لا يجرؤ أحدهم على الخروج من بيته. واقتصر الخروج على نسائهم لقضاء حوائجهم وشراء لوازمهم، إذ إن لباسهن لا يتميز عن لباس المسلمات فلا يعرفن. فإذا عرفهن أحد تناولهن بالأذى والشتم وكذلك كانت حال اليهود والمغول البوذيين. وكان أكثرهم ضيقاً بهذه الحال من كان من المغول في عهود الإيلخانات السابقين من أهل الحل والربط في مهمات الأمور. فقد اشتد سخطهم لما انقلبوا إليه من هذا الهوان. فاضطروا إلى التظاهر بقبول الإسلام مقيمين في الباطن على ما كانوا عليه من العقيدة البوذية دين آبائهم القديم.
بعد قليل أرسل «غازان» أمراً آخر مع رسل مخصوصين إلى مختلف نواحي البلاد بأن يهدم ما فيها من صوامع وكنائس. وقد أتاح هذا الأمر فرصة للطماعين المغرضين بأن جعلوه ذريعة إلى ابتزاز المال من غير المسلمين ونهب نفائس معابدهم. وكان أشد ذلك في إربل والموصل وبغداد ومراغة وبلاد أرمينيا. وأكثر الأذى كان يقع على النصارى بالخصوص.
وظل «غازان» في تبريز مدة قصيرة، ذهب بعدها إلى «قراباغ (أرّان). وهناك عقد مجلس شورى من أمراء المغول ورؤسائهم وخواتينهم أقروا فيه سلطنته، وأُعيدت مراسم جلوسه مرة ثانية، واختار لنفسه عنوان «السلطان»، ثم أقام احتفالاً كبيراً على عادة المغول. ثم طلب من الأمير «نوروز» أن يتمنى على الإيلخان شيئاً. فتقدم «نوروز» وركع ثانياً إحدى ركبتيه على الأرض، والتمس أن يأمر السلطان بأن يكون الخاتم السلطاني من الآن فصاعداً على شكل مستدير بدلاً من شكله الحالي المربع، وتكتب عليه كلمة الشهادتين. فقبل «غازان» اقتراحه وتقرر أن تفتتح المراسيم من الآن فصاعداً بالبسملة. وأن تنقش البسملة أيضاً على النقد المضروب باسم السلطان محمود غازان. وأن يُتّبع رسم الخلفاء العباسيين فتنقش على النقد أيضاً أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة.
وفي مجلس الشورى ذاك عين «غازان خان» الخواجه «صدر الدين أحمد الخالدي الشاوي الزنجاني للوزارة أي منصب «صاحب الديوان»، و«شرف الدين السمناني» لرئاسة ديوان «التمغا» (الضرائب والرسوم الجمركية)، والأمير «نوروز» في منصب «أمير الأمراء». ثم، بعد مدة قليلة، أرسل «طغاجارنويان» إلى بلاد الروم وعينه قائداً للمعسكر المقيم فيها، ليبعده عن معسكره، معسكر الإيلخان، وليحول بينه وبين ما يحتمل من تدخله في شؤون البلاط وغيره. ثم أتبعه رسولاً أمره بقتله. ثم انصرف إلى قمع الأمراء المخالفين من البيت المالك. وكان منهم «آلافَرَنْج» أكبر أبناء «كيخاتو»، فاعتقله ثم عفا عنه، و«توكان» بن «بايدو»، وكان في كرجستان قد حصل على قدرة وأعلن العصيان، فقضى عليه «غازان». وقتل أيضاً الرؤساء الذين سعوا في قتل «كيخاتو».
وفي شهر صفر سنة 695هـ وصل خبر بأن مغول ما وراء النهر الذين كان يحكمهم يومئذ «أوجاي» بن «براق خان» قد اغتنموا فرصة ما في خراسان من انقلابات وخلوها من القوات الدفاعية، فجهزوا جيشاً لغزوها، وعبروا نهر «جيحون» وتقدموا حتى مازندران.
فأمر «غازان خان» بأن يسير عسكره من جميع النواحي إلى البلاد الشرقية، وعين الأمير «نوروز» قائداً عاماً له. ولكن، إذ كان العرش الإيلخاني قد تعرض للتغيير ثلاث مرات في أقل من سنة واحدة، وكانت الجيوش المختلفة لكل عهد من هذه العهود الثلاثة قد أخذت مالاً كثيراً من الناس، فقد كانت الخزانة فارغة لا مال فيها لدفع رواتب العسكر. فهيأ الأمير «نوروز» بالمشقة شيئاً من المال اقترضه من هذا وذاك وانطلق إلى محاربة «أوجاي».
وانهزم المغول الطورانيون من وجه جند الأمير «نوروز»، فلحقهم حتى أدركهم في قرب «هراة»، فقتل منهم جماعة وتعقب بقيتهم إلى شاطئ «جيحون». فلما انتهى منهم وأمن على خراسان من شرهم. أقام في كل قسم نائباً عنه، ثم عاد إلى «غازان» مظفراً منصوراً.
بعد ذلك عزل «الخواجه صدر الدين الزنجاني» من الوزارة متهماً إياه بأنه يتصرف بالأموال الديوانية بدون إجازة وأنه يصدر من عنده مراسيم وأوامر. وأقام في مكانه «جمال الدين الدستجرداني». وعهد الأمير «نوروز» إلى أخيه «حاجي بيك» بالنظر في أمور الحل والعقد الديوانية وتهيئة العلوفة والمؤن للجيش، وإلى أخيه الآخر «ناصر الدين ساتلمش» بالنظر في صحة الفرمانات وإمضائها. وبذلك جمع في يده كل الشؤون المهمة للجيش والدولة.
خروج بعض الأمراء
وإذ كانت أمور خراسان في غياب الأمير «نوروز» عنها لا تستقر فقد أمره «غازان» مرة أخرى بالذهاب إليها مصطحباً معه بعض أمراء العائلة المالكة. منهم الأمير «سوكاي» بن «يشموت» وحفيد «هولاكو»، واثنان من رؤساء العسكر هما «برلا» و«أرسلان أوغول» حفيد «جوجي» بن «جنكيز». وكان «سوكاي» قد اقترح على رفيقيه هذين خطة عمل تجمع بينهم على غاية واحدة فوافقاه عليها. فقد كانت هذه الجماعة ساخطة على الأمير «نوروز» و«غازان» لدخولهما في الإسلام. فعزموا، متضامنين متكافلين، على نسف الأساس من دولة «نوروز» و«غازان»، وتجديد إقامة المعابد البوذية، وكسر شوكة الإسلام والمسلمين.
وسار الأميران «سوكاي» و«برلا» إلى خراسان مقدمة لجيش الأمير «نوروز»، وقد عزما على أن يقطعا الطريق على الأمير «نوروز» ويقتلوه. وقبل أن يقدما على إنفاذ هذا الأمر أرسلا رسولاً إلى الأمير «طايجو» بن «منكو تيمور» يستدعيانه إليهما. فتظاهر «طايجو» بقبول دعوتهما، ولكنه بادر من فوره إلى إخبار الأمير «نوروز» بمؤامرتهما. وكانت خطتهما أن يتولى «سوكاي» و«برلا» قتل الأمير «نوروز» في خراسان، ويتولى «أرسلان» وأحد أبناء «قونغرتاي» الهجوم على «غازان» وقتله.
فلما اطلع الأمير «نوروز» على ما بَيَّتَهُ له المخالفون، ترك خيمته سراً في الليلة المقررة لذلك وكمن في خارجها. فلما هجم المتآمرون على الخيمة، وهم يحسبونه فيها، خرج من مكمنه وهجم عليهم، فقتل «برلا» وفر «سوكاي»، ولكنه لم يلبث أن وقع في يد «هرقداق»، أحد قواد «غازان» فقتله. وأما «أرسلان» وأعوانه فكانوا قد جمعوا عسكراً مضوا به إلى مهاجمة «غازان»، ولكنهم سرعان ما منوا بالهزيمة.
وتمكن «غازان» والأمير «نوروز» من اعتقال كل المخالفين، فقتلوهم. وبلغ عدد القتلى من أمراء الأسرة المالكة الخارجين على «غازان» خمسة أمراء وسبعة وثلاثين من أعوانهم في مدة شهر واحد. وبذلك قضي على هذه الثورة التي شبت بعنوان مخالفة الإسلام.
وفي مجرى وقائع تمرد الأمراء هذا قامت جماعة من خصوم «صدر جهان» باتهامه بأنه شريك لهم في تمردهم، وشهدت جماعة أخرى من أعضاء الديوان أيضاً بذلك. فحكم بتوقيفه، وعذب وأوذي كثيراً، ثم صدر حكم بقتله بلا محاكمة. وسلم إلى رجلين أمراً بحمله مقيداً عارياً إلى دغل وقتل فيه.
واتفق أن كان لصدر جهان على هذين الرجلين يد سابقة من الإنعام والإكرام في عهد «كيخاتو». فأبقيا عليه لم يقتلاه واحتفظا به في ذلك الدغل إلى الليل. وفي هذه الأثناء عاد الأمير «هرقداق» إلى المعسكر، بعد أن فرغ من قتل «سوكاي»، وسأل عن «صدر جهان». فرووا له تفصيل ما وقع. فأرسل على الفور فارسين إلى الموكلين به ومعهما أمر بالإبقاء عليه إلى الصباح. وفي الصباح حمل «هرقداق» إلى «غازان خان» فهرستا بأسامي المخالفين وعرضه عليه، فتبين أن الفهرست يخلو من اسم «صدر جهان». فبادر «غازان» إلى العفو عنه، وتقرر أن يلازم مقاماً له قريباً من المعسكر.
ثم عين «غازان خان» الأمير «هرقداق» حاكماً على فارس، فوصلها في 7 جمادى الآخرة سنة 695هـ وانصرف إلى رفع الاختلافات وجمع الضرائب.
وفي السادس من ذي الحجة سنة 695هـ قتل «غازان» صاحب الديوان «الخواجه جمال الدين الدستجرداني». وفي أول المحرم سنة 696هـ أعاد «الخواجة أحمد الزنجاني صدر جهان» إلى منصب «صاحب الديوان».
وكان قتل ذاك وتعيين هذا على غير هوى الأمير «نوروز»، يفهم منه أن قدرة هذا الأمير آخذة بالزوال، وأن الإيلخان عازم على أن يتخلص هو ويخلص الديوان من قبضته وقبضة عماله.
مقتل الأمير نوروز
ولما استقر «صدر جهان» مرة ثانية في دست الوزارة، شرع يعد العدة للانتقام من الأمير «نوروز» لسعيه السابق في عزله ومن ثم اتحد هو وخصوم الأمير، وأخذوا يسعون بمختلف الوسائل للقضاء على دولته.
وكان «نوروز» قبل إسلام «غازان»، يرعى هذا الأمير ويسعى إلى إيصاله إلى منصب الإيلخانية وإدخاله في دين الإسلام. وكان أحد تجار بغداد، واسمه «عالم الدين قيصر»، كثير التردد بين بغداد والشام ومصر. فحمله الأمير «نوروز» يوماً رسالة إلى سلطان مصر يحسن له فيها إيجاد اتحاد فيما بينهما ويطلب منه تأييد «غازان».
واتفق أن عاد «علم الدين قيصر» من أداء هذه المهمة حين قتل «بايدو» وجلوس «غازان». وإذ كان جواب سلطان مصر على غير ما يهوى الأمير «نوروز» فقد أخفاه عن «غازان» وأجبر «جمال الدين الدستجرداني» على تزوير جواب باسم السلطان المصري وأقرأه «غازان».
وإذ عرف خصوم الأمير «نوروز» بأن «قيصراً» قد خاب في مهمته فقد قاموا باتهمامه عند «غازان» بأن له علاقات سرية بسلطان مصر. وكان الأمير «نوروز» يومئذ في خراسان وله وكيل يقيم في معسكر «غازان»، فأرسله هذا إلى بغداد. وهناك دعا الوكيل «قيصر» إلى مجلس شراب. فلما غلبه السكر اعتقله رسول «غازان» هو ورجاله وقيدهم.
وزوّر «صدر جهان» وأخوه «قطب جهان» رسائل من لسان الأمير «نوروز» ولسان أخيه «حاجي بيك» إلى سلطان مصر مضمونها أن إسلام «غازان» يتيح فرصة مناسبلة للسلطان أن يغزو إيران ويقتلع منها جذور الكفر، إذ إن أمراء «غازان» لم ينالوا بعد هذا الشرف، شرف الدخول في دين الإسلام، وأن الأمير «نوروز» وأخويه «حاجي بيك» و«لكزي» حاضران لمساعدة العسكر المصري. وذكروا في هذه الوسائل أيضاً إرسال أقمشة ثمينة من قببل الأمير «نوروز» هدية إلى السلطان. وحين غاب «عالم الدين قيصر» عن الوعي دسوا هذه الرسائل المزورة مع سبعين قطعة من القماش بين حوائجه وأحماله. فلما اعتقل «عالم الدين» ورجاله، استخرجوا هذه الأشياء من بينها، وأثاروا لذلك ضجة بعيدة.
وأغضب ظهور هذا الأمر «غازان خان»، وكان يومئذ في همذان، فخف منها قاصداً «شهروان». وبلغ من شدة غضبه وحرصه على الفصل في أحوال «عالم الدين قيصر» أنه قطع في يوم واحد قريباً من ثلاثين فرسخاً. ووصل إلى «شهروان» في 21 جمادى الأولى سنة 666هـ، فأحضر إليه «قيصر» وفتش أحماله وحوائجه. وقالوا إن إحدى هذه الرسائل المزورة بخط «حاجي بيك» أخي الأمير «نوروز».
فأمر «غازان»، وقد بلغ غضبه الغاية، بجلد «قيصر» وثلاثة آخرين في صحبته حتى الموت. وأمر بقتل «حاجي» و«لكزي» و«ساتلمش» إخوة الأمير «نوروز» فقتلوا بلا محاكمة. وأمر بمعاقبة رجال «نوروز» وأبنائه وإخوته الثمانية، أينما كانوا. وبعث أخاه «خدابنده» بجيش إلى خراسان وبعث الأمير «سونتاي» و«هرقداق» بجيش من عشرين ألفاً. واستدعى إليه من نقاط مختلفة الأمير «شوبان» و«بولادقيا» و«قتلغشاه» وأمرهم بالذهاب إلى خراسان واعتقال الأمير «نوروز».
وعلم الأمير «نوروز»، وهو في «نيسابور»، بهذه الوقائع. ففر منها، وقد خالفه رؤساء عسكره وتخلوا عنه، إلى «هراة» ومعه أربعمائة رجل، ليستجير بالملك «فخر الدين كرت» ويطلب منه مدداً، وكان الأمير «نوروز» متزوجاً بابنة أخيه وله عليه منة. فأنزله الملك «فخر الدين» في قلعة «اختيار الدين».
ولكن الأمير «قتلغشاه» جاء إلى «هراة»، بعد أربعة أيام من نزول «نوروز» فيها، ومعه سبعون ألف فارس فضرب عليها الحصار. وإذ كان فتح المدينة أمر صعباً فقد طلب من الملك «فخر الدين» تسليم الأمير «نوروز» إليه. فعزم على الغدر به وتسليمه، ووافقه «الغوريون»([206]) على ذلك. وبدأ أولاً بإبعاد رجاله عنه، وكانوا يقاتلون عسكر «قتلغشاه» ثابتين صابرين. ففرقهم عنه بحجة الحاجة إليهم للمحافظة على أبواب المدينة.
ثم أرسل جماعة من أمرائه يقبضون على الأمير «نوروز» فقبضوا عليه وبعثوا به إلى «قتلغشاه» مغلول اليدين، فضرب هذا عنقه بيده في يوم 22 ذي القعدة سنة 696هـ، وبعث برأسه إلى «غازان» فأمر بتعليقه بحبل. وهكذا انتهت حياة هذا الأمير رشيد المخلص.
مقتل «صدرجهان»
بعد مقتل الأمير «نوروز» قتل «غازان خان» الأمير «تايجور»، وهو من الأسرة المالكة خرج عليه يطلب الملك لنفسه منتظراً أن يحتل مكانه بعد أربعين يوماً، خدعه بذلك أحد المتنبئين.
وفي جمادى الآخرة سنة 697هـ اتهم جماعة من عمال الديوان والرؤساء الغازانيين «الخواجه صدر الدين أحمد الزنجاني صدر جهان» بالتصرف بالأموال تصرفاً غير شرعي، وبهذا سقطت منزلته عند «غازان». وتوهم «صدرجهان» أن أحد مرؤوسيه وهو «رشيد الدين فضل الله الطبيب الهمداني» شريك في هذه المؤامرة وأنه طعن به عند الإيلخان، فشكا الخواجه هذا الأمر إلى الإيلخان ولكن هذا نفى له أن يكون «رشيد الدين» قد قال في حقه شيئاً عنده.
وفي أثناء ذلك كان الأمير «قتلغشاه» قد ذهب إلى محاربة ملك «كرجستان» الخارج. وفي ناحية «دالان ناور» على شاطىء نهر «كورا» (كر) جاء إلى معسكر «غازان». وهناك سمع أن «صدرجهان» قد طعن في رجاله عند الإيلخان ونسب إليهم أعمال القتل والسلب والتعدي. وقد عاتبه «غازان» على ذلك. فذهب «قتلغشاه» إلى «صدرجهان» وسأله ما هو سبب هذا الجفاء الذي رآه من الإيلخان ومن الذي ذكره بالسوء عند «غازان».
وكان بعض أعضاء الديوان قد أوغر صدر «صدرجهان» على «رشيد الدين فضل الله»، فهو، من ثم، يعده عدواً له. ولذلك أجاب «قتلغشاه» بأن الذي افترى عليه وذكره بالسوء عند «غازان» هو «رشيد الدين فضل الله»، فتغير «قتلغشاه» على هذا.
وإذ رأى «رشيد الدين» نفسه معرض هذه التهم شكا أمره إلى «غازان»، فأحضر هذا «قتلغشاه»، وعرف منه أن الذي اتهم «رشيد الدين» عنده إنما هو «صدرجهان». فغضب الإيلخان منه وأمر بتوقيفه، فاعتقل في 17 رجب سنة 697هـ وقيد وحوكم، ثم سلم إلى «قتلغشاه» ليعاقبه، فقتله في 22 رجب في تلك السنة، بأن قطعه من وسطه إلى قطعتين. وقتل أيضاً أخوه «قطب الدين» في 21 شعبان من تلك السنة في تبريز، وانتهى سائر رجاله ما بين قتيل وفار. وهكذا كانت عاقبة هذا الرجل الذي كان، مع ذكائه وكرمه وأدبه، غاوياً في طلبه المراتب العالية مفسداً دساساً.
وفي أواخر سنة 697، إذ كان «غازان» ذاهباً من تبريز إلى بغداد ليشتو فيها عهد، وهو في «أوجان»، بالوزارة ومنصب «صاحب الديوان» إلى «الخواجة سعد الدين محمد مستوفي ساوجي» ونيابة الوزارة إلى «رشيد الدين فضل الله الطبيب الهمداني». وقام هذان متصاحبين معاً بإدارة أمور الممالك الغازانية.
محاربات غازان
ذكرنا أنه في عهد السلطان «أحمد تكودار» تبدلت الحال بين مسلمي الشام ومصر وبين المغول من الحرب إلى الصلح والصفاء، وذلك بسبب دخول «تكودار» في الإسلام.
واستفاد «الملك المنصور سيف الدين قلاوون» من هذا الواقع إذ استطاع التفرغ لإجلاء الصليبيين عن سواحل الشام ودفع أعدائه الداخليين. واستخلص من قبضة الصليبيين شيئاً فشيئاً قلعة «المرقب» الحصينة وبلاد اللاذقية وطرابلس الشام. وظل يتابع خطة «بيبرس» إلى تاريخ 6 ذي القعدة سنة 698هـ، أي نهاية حياته.
وبعد وفاة «سيف الدين قلاوون» خلفه ابنه «صلاح الدين خليل» ولقب بـ «الملك الأشرف». فتابع طريق أبيه ولم يلبث أن استخلص مدن عكا وصيدا وصور وبيروت وقلاعها من قبضة الصليبيين، في سنة 690هـ. وبذلك خرج من يد الصليبيين آخر ما كانوا يحتلونه من بلاد، وأصبحت سواحل الشام خالية منهم. وعاد الملك الأشرف إلى مصر.
وبعد مضي سنة قام أبو العباس أحمد الملقب بالحاكم بأمر الله الذي بويع بالخلافة في مصر كما ذكرنا سابقاً يدعو المسلمين إلى جهاد المغول، وكانت غايته أن يخرج المسلمون المغول أيضاً من بغداد بمساعدة الملك الأشرف، بعد أن طردوا الصليبيين، ويعيدوا الخلافة العباسية إلى ما كانت عليه.
وأثرت دعوة الخليفة في مصر والشام فجهز الملك الأشرف جيشاً عظيماً سنة 691هـ وسار به نحو الفرات فحاصر «قلعة الروم» الواقعة على الشاطئ الأيمن من النهر قريباً من «البيرة» في شمالها، وكان فيها جماعة من المغول والأرمن يحفظونها.
وفتح جيش الأشرف القلعة بعد ثلاثة أيام من المقاومة، في جمادى الآخرة سنة 691هـ، وقتل الملك الأشرف كل حاميتها وجماعة من سكانها وسماها «قلعة المسلمين»، وأحرق كنيستها وهي يومئذ مقر الجاثليق الأرمني. ومن ثم اضطر الأرمن من ذلك التاريخ إلى ما بعده إلى جعل مدينة «سيس» عاصمة كيليكيا مركز جاثليقهم.
وقد وصل خبر محاصرة الملك الأشرف قلعة الروم إلى إيران حين عودة «كيخاتو» من بلاد الروم، وقد شفي حديثاً من المرض، والناس مقيمون على الأنس والأفراح ابتهاجاً بشفائه. فأرسل «كيخاتو» جماعة من المغول لإنجاد حامية القلعة. ولكن جيش الأشرف احتل القلعة قبل وصولهم.
وبعد بضعة أشهر من هذه الواقعة بعث «كيخاتو» سفيراً إلى مصر إلى الملك الأشرف ومعه رسالة يقول فيها: إنه يفكر في اتخاذ مدينة حلب، عاصمة له، ويهدده بأنه إن لم يسلمها إليه فسيحتل كل الشام.
فأجابه الملك الأشرف بأنه اتفق له أن كان هو أيضاً يفكر في ذلك الوقت باسترداد بغداد من المغول وإعادتها كما كانت في السابق عاصمة الخلافة الإسلامية. وسنرى من منا سيسبق الآخر إلى إنفاذ فكرته.
هذا وقد صرفت المشاكل الداخلية في عهد «كيخاتو» وقصر المدة التي حكم فيها «بايدو» هذين الإيلخانيين عن إنفاذ فكرة الانتقام من سلطان مصر لاحتلال جيشه قلعة الروم وقيامهم بأعمال قهر أخرى في نواحي أخرى. وتأخر هذا الأمر إلى عهد «غازان خان».
وفي سنة 693هـ قتل الملك الأشرف. قتله ثلاثة عشر رجلاً من أمرائه ورؤساء مماليك أبيه، أشهرهم ثلاثة: «قراسنقر»، وكان نائباً عن الملك الأشرف ثم عزله، و«بيدرا» و«لاشين»، وكانا كذلك في منصب نيابة الملك الأشرف فعزلهما.
واختار الأمراء القاتلون «بيدرا» سلطاناً ولقبوه بـ «الملك القاهر». إلا أن مماليك الملك الأشرف ورئيسهم «زين الدين كتبغا» ثاروا عليه وقتلوه ونصبوا محمداً أخا الملك الأشرف، وهو في التاسعة من عمره، سلطاناً بلقب «الملك الناصر»، وتوارى «لاشين» و«قراسنقر» عن الأنظار.
وعين «كتبغا» لنيابة السلطنة و«علم الدين سنجر الشجاعي» أحد أمراء الملك الأشرف للوزارة.
إلا أن الأمراء، وقد صعبت عليهم التبعية لطفل، لم يلبثوا أن اتفقوا على قتل «سنجر شجاعي» فقتله «كتبغا»، وحبسوا الملك الناصر في قلعة. واختاروا «كتبغا» لمنصب السلطان ولقبوه بـ «الملك العادل» في 9 المحرم سنة 694هـ. وأما «قراسنقر» و«لاشين» فقد ظهرا بعد الاختفاء، والتمسا العفو من «كتبغا» فعفا عنهما وعين «لاشين» نائباً للسلطان.
وكان «كتبغا» من أسرى المغول. أسره المسلون في وقعة حمص. ورباه السلطان «قلاوون»، ثم أعتقه من الرق. ودامت سلطنته سنتين، خالفه بعدهما «لاشين» وعزم على قتله، ففر «كتبغا» من وجهه إلى دمشق، واستولى «لاشين» على زمام السلطنة في المحرم سنة 696هـ، وتلقب بـ «الملك المنصور». واختار غلامه «منكو تيمور» لنيابة السلطنة. و«لاشين» هذا من الرقيق الصقلبي.
وفي سنة 697هـ توجه بجيش عظيم من مصر قاصداً حلب، وهو ينوي أن يغزو منها كيليكيا وعاصمتها «سيس» وكان في ركابه في هذه الحملة أغلب الرؤساء والأمراء من مسلمي الشام والجزيرة. وهاجم هذا الجيش «سيس» ودخلها المسلمون مرة ثانية وغنموا كثيراً وأسروا كثيراً.
وكانت كيليكيا يومئذ كما كانت في السابق بيد الأرمن وملوكهم أبناء «هيتوم» وقد ذكرنا سابقاً أن «ليون» ابن «هيتوم» أسره الملك الظاهر «بيبرس» البند قداري سنة 644هـ ثم تخلص من الأسر وخلف أباه بعد وفاته على نحو ما ذكر سابقاً.
وبعد وفاة «ليون» هذا خلفه في سلطنة كيليكيا ابنه «هيتوم» الثاني. وظل في هذا المنصب إلى أول سنة من سلطنة «غازان خان». وفي هذه السنة قام بزيارة لـ «غازان». وبعد عودته إلى عاصمته «سيس» ذهب إلى القسطنطينية لزيارة أخته مريم زوجة ميخائيل امبراطور روما الشرقية، وصحب معه أخاه «طوروس»، واستخلف أخاه الآخر «سنباد» (سنباط) نائباً عنه في «سيس».
وفي غيابه استمال «سنباد» أعيان المملكة إليه وفي سنة 696هـ نادى بنفسه ملكاً على أرمينيا الصغرى وكيليكيا. وحسن له عظيم النصارى في تلك النواحي أن يجعل مملكته في حماية البابا ففعل. وصوب «غازان» أيضاً سلطنته، وزوجه إحدى نسيبات الأسرة الإيلخانية.
ولما عاد «هيتوم» الثاني وأخوه «طوروس» من القسطنطينية ورأيا ما آلت إليه الحال قفلا راجعين إلى القسطنطينية يطلبان المدد من الأمبراطور. ولكنهما لم يحصلا على نتيجة غير مبلغ من المال. فاضطرا إلى التوجه إلى بلاط الإيلخان. وفي هذه الطريق خاب مسعاهما أيضاً، إذ اعتقلهما المأمورون الإيلخانيون في قيسارية الروم. وبعد قليل قتل «طوروس» وأعميت عينا «هيتوم» بأمر من «غازان».
ولكن إحدى عيني «هيتوم» شفيت وعادت مبصرة. وإذ كان أخوه «سنباد» السبب في هذه المصائب كلها فقد عزم على الانتقام منه. وقد ولدت خلافات الأخوين هذه خلافات ودسائس بين أعيان أرمينيا وأمرائها. وحين هاجم عسكر «الملك المنصور حسام الدين لاشين» كليكيا وأرمينيا الصغرى سنة 697هـ، كانت تلك البلاد على هذه الحال من الخلاف والشقاق.
وأدى هذا الهجوم إلى احتلال المسلمين مدينة «سيس» وأكثر بلاد «سنباد» وسقوط هذا الملك عن العرش، وتعيين أخيه من قبل «حسام الدين لاشين» ملكاً على أرمينيا. وتقرر جعل نهر «جيحاان» حداً بين ممتلكاته وبلاد المسلمين. وجدد «لاشين» عمارة البلاد التي احتلها وسلمها إلى أمرائه، إذ كانت أولى غاياته من هذه الحملة إشغال أمرائه والحصول على بلاد جديدة يسلمها إليهم لعله يشغلهم بذلك ويصرفهم عن نصب مملوكه «منكو تيمور» سلطاناً.
وأراد «لاشين» أن يرتاح من شر أمرائه المقتدرين، فأشاع بين الناس أن المغول قادمون إلى غزو الشام. وجعل ذلك ذريعة إلى إرسال «قبشق» أو «قبشاق» حاكم دمشق إلى حلب. وأمر حاكم حلب أن يعتقل فريقاً من أمرائه المقيمين فيها ويسمهم. وعرف هؤلاء قصد الحاكم هذا ففروا والتحقوا بـ «قبشق»، وكان هذا قد تنبه إلى خطة «لاشين».
وسعى «قبشق» إلى حمل «لاشين» على العفو عنهم ولكنه رفض. ومن ثم سار معه أولئك الأمراء فعبروا الفرات في أواخر ذي القعدة سنة 697هـ قاصدين إلى «غازان خان» ليستجيروا به. وتلقاهم الحكام المغول في ديار بكر وماردين بالإكرام وبعثوا معهم مرافقين يصحبونهم إلى بغداد. فلما وصلوها خف عمال «غازان» إلى استقبالهم فأنزلوهم منزلاً لائقاً من الاحترام والإكرام. وخرج «غازان» نفسه مع جماعة إلى الترحيب بهم. وبعد تقديم القِرى، أنعم عليهم نعماً كثيرة بلا حساب. ووعده أولئك الأمراء الهاربون من «لاشين» بأن يكونوا في ركابه محاربين معه إن هو غزا الشام ومصر.
تجددت الأحقاد ما بين سلاطين مصر وإيلخانات إيران في عهد «غازان» الملك المقتدر المتطلع إلى السيطرة والجاه. وكان هذا الإيلخان، قبل وقوع هذا الحوادث، يسعى إلى إيجاد سبب يتذرع به إلى مهاجمة الشام ومصر. وقد حدثت وقائع جعلته يحزم أمره على إنفاذ خطته.
ففي سنة 695هـ لجأ نحو من 10000 مغولي من طائفة «أويرات» برئاسة «طرغاي» إلى المسلمين خوفاً من «غازان». وقد ذكرنا سابقاً أن «طرغاي» هذا كان عوناً لـ «بايدو» في قتل «كيخاتو». ولما وصل «غازان» إلى منصب السلطنة طلبه ليقتص منه. ففر «طرغاي» ومغول «أويرات» إلى الشام عائذين بالملك العادل «كتبغا». فأكرم هذا وفادتهم واحترمهم وبذل لهم الخلع والمال وأسكنهم في بلاده.
وفي سنة 697هـ خرج أحد أمراء المغول اسمه «سلامش» في بلاد الروم. فلما أرسل «غازان» بعض أمرائه لقمعه استنجد «سلامش» بـ «لاشين» فأنجده بعسكر. ولكن الأمراء الغازانيين قتلوا قائد الجيش المصري وجماعة من عسكره وتغلبوا على «سلامش». وبعد قليل قبضوا عليه وقتلوه.
وهاتان الواقعتان ثم لجوء أمراء «لاشين» إلى «غازان» وتحريضهم له على غزو الشام ومصر، جعلت الإيلخان يصمم على مهاجمة تلك المملكة. وفيما هو مشغول بتهيئة الأمور وصله خبر بأن 4000 من مسلمي الشام هجموا على ديار بكر واستولوا على قلعة ماردين وتقدموا إلى حد «رأس العين»، وأنهم ارتكبوا شنائع كثيرة بالإغارة على المساجد وقتل المسلمين ونهبهم. وكان ذلك في سنة 698هـ.
وقد تأثر «غازان» كثيراً من هذه الأخبار. واستفتى العلماء والأئمة في ما يصنع. فحرضوه كلهم على دفع المعتدين عن البلاد الإسلامية وحمايتها من المهاجمين. ومن ثم لم يبق مانع يمنع «غازان» من الهجوم على ممالك الشام ومصر الإسلامية، وهي أمنية قديمة في نفسه.
وفي 11 ربيع الآخر سنة 698هـ قتل «الملك المنصور لاشين»، قتله جماعة من مماليكه، واعتقلوا مملوكه «منكو تيمور» فحبسوه مدة في بئر، ثم ضربوا عنقه. وأعاد أمراء العسكر «الملك الناصر محمد» ابن «سيف الدين قلاوون الألفي» إلى منصب السلطنة مرة ثانية، وكان قد خلع قبل مدة قليلة. واختص كل من هؤلاء الأمراء من مهام الملك.
وفي الخريف من سنة 699هـ سار «غازان» من تبريز بجيش من ثلاثين ألف جندي ومعه أمراؤه، قاصداً بلاد الشام، وجعل «قتلغشاه» آمراً على طلائعه. وبلغ الفرات من طريق مراغة وإربل والموصل وماردين وفي أثناء طريقه هذه كان أمراء العسكر ورؤساؤه يسارعون إلى إمداده من كل ناحية حتى بلغت عدة جيشه حين وصل الفرات تسعين ألف جندي.
وقعة مجمع المروج
لما وصل خبر مسير «غازان» إلى الملك الناصر وأمرائه جمعوا جيشاً من الشام ومصر وتوجهوا به إلى دمشق حيث أقاموا مقر قيادتهم العسكرية. وكان ما يرجع إلى الملك الناصر من شؤون الدولة والعسكر كله بيد «بيبرس جوشنكير» و«سيف الدين سلار» نائب السلطنة. ولم يستطع هذان أن يجهزا جيشاً كما يجب أن يكون الجيش، ولا كانا متهيئين لمقابلة عساكر «غازان»، وذلك بسبب سوء التدبير ومطامع الأمراء.
وتقدم الجيش الإيلخاني فعبر الفرات وسلك طريق عينتاب وحلب منحدراً إلى دمشق. وفر الأهالي من البلدان الواقعة على طريقه خوفاً ورعباً، حتى أن «بلبان طباخي» حاكم حلب و«قرا سنقر» حاكم حماه فرا إلى حمص.
وكان هم «غازان» قبل كل شيء ضعضعة عسكر الملك الناصر. ومن ثم لم يهتم بمحاصرة قلعة حلب وقلعة حماة، بل خف مسرعاً إلى بلدة «سلمية» الواقعة شرقي نهر العاصي، وتبعد عن حمص مسيرة يوم. وهناك وقع أول تصادم بين عسكره والعسكر المصري.
ولم يكن جيش الملك الناصر على وضع حسن، بسبب نفاق الأمراء والمماليك. وكان مغول «أويرات»، على الخصوص، ناقمين سيئي الظن بسبب تقدم جماعة من عسكريي المماليك عليهم ولما وصلوا إلى «غزة»، وهم في طريقهم من مصر إلى الشام تواطؤوا على قتل الملك الناصر، وكف يد «بيبرس» و«سلار» عن التصرف في أمور الدولة، وإعادة الأمير «كتبغا» مرة ثانية إلى مكانهما.
وهذه المؤامرة، وإن تكن قد انكشفت، وقتل جماعة من مغول «أويرات» الذين دبروها، عقاباً لهم على خيانتهم لمخدومهم، إلا أنها كانت سبباً في وقوع الاختلاف والشقاق في صف مسلمي مصر والشام، وأضعفت نفوسهم في مقاومة العدو. وعلى الضد من ذلك كان وصول تلك الأخبار إلى معسكر «غازان» سبباً في تقويته، وأيقن «غازان» أن عسكر مصر والشام تختلف حاله اليوم عنها في أيام «قدوز» و«بيبرس» و«قلاوون» اختلافاً عظيماً وأن خصمه ليس ما كان عليه أولئك الأبطال الكرارون من قدرة في تجهيز الجيوش والضرب بالسيوف.
ووقعت الحرب بين العساكر الإيلخانية وعساكر الملك الناصر عصر الأربعاء 27 ربيع الأول سنة 699هـ على بعد نصف منزل من حمص إلى المشرق في محلة «مجمع المروج». وكان «غازان» مع 90000 من جنده في القلب، وكان معه أيضاً الأمير «شوبان » وأمير آخر من أمراء المغول. و«قتلغشاه» على ميمنته ومعه «مولاي» وآخر من المغول وعلى ميسرته «كربوغا بهادر» وأربعة آخرون من رؤساء العسكر.
وكانت عدة العسكر المصري من 25000 إلى 40000 على خلاف في الرواية. وكان على القلب منه الملك الناصر ومعه «سلار» و«بيبرس». وعلى الميمنة «عيسى بن مهنا» أمير عرب البادية و«بلبان طباخي» حاكم حلب. وعلى الميسرة «بدر الدين بكتاش» وبعض الأمراء الآخرين.
وتزعزعت ميمنة العسكر المصري على أثر حملة رماة السهام المغول، فولوا الأدبار منهزمين. ولكن الميسرة ثبتت وكادت تهزم عسكر «غازان»، إلا أن «قبشق» ما زال به يثبته ويقوي قلبه، فثبت واستمر في المقاومة، وجمع إليه من كان قد تفرق من جنده، وحمل على القلب من العسكر المصري فضعضعه، وتضعضعت الميسرة أيضاً بعد ثباتها طويلاً، فسارعوا إلى الفرار لا يلوون على شيء. وبلغت سرعتهم مبلغاً عظيماً، حتى ظن «غازان» أن في الأمر خدعة، فاحتاط ولم يتعقبهم. ومن ثم عاد المصريون أدراجهم سالمين.
انهزم الملك الناصر بجنده إلى دمشق ثم غادرها عائداً إلى القاهرة. وسار العسكر الإيلخاني يتعقب المنهزمين. فاستولى على دمشق وبيت المقدس وغزة، وغنم كثيراً ثم رجع. وسلمت دمشق من السلب والقتل إذ كان «قبشق» قد حصل من «غازان» على أمان للدمشقيين.
وبعد قليل من هزيمة «مجمع المروج» هيأ الملك الناصر جيشاً آخر. وترك «قبشق» والأمراء الآخرون الذين كانوا قد لجؤوا إلى «غازان» معسكر المغول وهربوا من دمشق إلى مصر وعادوا إلى الملك الناصر مرة ثانية. وجدد «سلار» و«بيبرس» في مصر تجهيز عسكرهما وتلافيا خسائره حتى أصبح مهيئاً للنزال.
وأخافت هذه الحوادث المغول. وزاد في خوفهم أن «غازان» كان قد عاد إلى إيران لرد حملة الأتراك الجغتائيين على حدود خراسان ولاشتداد الحر، فترك عسكره الشام وعادوا إلى البلاد الشرقية. وأعاد «سلار» و«بيبرس» الشام إلى سلطة الملك الناصر، وعهدا بدمشق وحلب وحماة إلى أمراء مثل «جمال الدين آغوش» و«قراسنقر» و«كتبغا» وغيرهم.
قال في «حبيب السير».
«بعد رجوع غازان خان حاصر قتلغشاه نويان قلعة دمشق. وادعى أحد الخبراء المنجنيقيين أنه قادر على احتلال هذا الحصن بضربه بالحجر. فأمر قتلغشاه بتهيئة ما يحتاج إليه الخبير».
«وعرف قائد حامية القلعة أن الخبير المنجنيقي إن أتيحت له الفرصة، يستطيع، بما له من مهارة كاملة في فنه، أن ينقض هذا الصرح. ولذلك قال لبعض الشجعان من جماعته: كل من كفانا شر هذا الشخص أعطيته ألف دينار. فتقدم لهذا العمل أحد مشاهير العياريف. فغير لباسه وخرج من القلعة عند انتهاء صلاة العشاء، إذ كان الخبير المنجنيقي غائباً عن بيته، فدخل البيت وجلس في ركن مظلم. فلما عاد الخبير بادره هذا المغامر بطعنة سكين ثم احتز رأسه، وانطلق راكضاً من البيت شاهراً السكين، حتى دخل القلعة بسرعة البرق اللامع. وأصبح رافع الرأس بما ناله من أنواع الإعجاب والاستحسان».
«وعلى هذا توقف فتح دمشق. وأخذ «القبشاق» والمصريون، متواطئين هم وأهالي القلاع، يغيرون، متخفين نهاراً ومتسترين بالظلام ليلاً، على المغول فيسرقون حوائجهم وأموالهم ويقتلون كل من يلقونه منهم. فرأى «قتلغشاه» أن المصلحة في التراجع. فعاد وفي صحبته سائر أمراء الشام وحكامها. وحين عبروا الفرات غرق منهم جماعة كبيرة ووصلوا إلى ولاية الموصل حيث كان «غازان» في يوم الأحد الخامس من شهر رجب. وعبروا دجلة في غرة شعبان يوم الجمعة» اهـ.
عاد «غازان» من الشام فوصل إلى مراغة في 15 رمضان سنة 699هـ، وزار مرصدها، وأظهر رغبة في بناء مرصد جديد بالقرب من تبريز ومنها ذهب إلى «أوجان». وهناك عقد مجلس شورى. ودخل تبريز في شهر ذي الحجة.
وكان الاستيلاء مجدداً على الشام غاية نصب عينيه لا يحول عنها. وكان يقضي أوقاته في القيام بإصلاحات داخلية وتنظيم أمور الملك، منتظراً سنوح الوقت المناسب لتحقيق هذا الأمر. ومن ذلك وقفه أوقافاً كثيرة لأجل إقامة الشعائر الدينية والمدارس ودور السيادة. ورمم قلعة تبريز وأنشأ أبنية جديدة وقنوات كثيرة، ووضع قواعد وقوانين لتنظيم أعمال الناس وتحقيق رفاههم، سنذكرها عن قريب.
وفي غرة المحرم سنة 700هـ عزم «غازان» على تجديد الهجوم على الشام. وفي هذه المرة اختار فصل الشتاء للهجوم. وبعث، قبل أن يخرج من تبريز «قتلغشاه» على مقدمة عساكره إلى الشام. ثم سار هو حتى اجتاز الموصل ودخل حلب، فهرب منها أهلها وفر حاكمها «قراسنقر» إلى حماة. وثبت «كتبغا» مقاوماً في دمشق.
فلما وصل نبأ قدوم المغول إلى الشام للملك الناصر بادر إلى توفير المال وجمع العسكر، وهيأ قواته بعجلة، وسار بها نحو الشام. إلا أن جيشه لقي صعوبات كثيرة في طريقه من الأمطار المتوالية والوحول، وانسدت الطرق ونفدت العلوفة، فعاد السلطان بعسكره إلى مصر. وابتلي عسكر المغول أيضاً بمثل ذلك فمات كثير منهم ونفق كثير من خيولهم، فاضطر «غازان» إلى الرجوع، ووصل إلى «أوجان» في 24 رمضان.
وبعد ثلاثة أشهر من تراجع «غازان» عن الشام بعث برسالة إلى الملك الناصر مع «نصير الدين التبريزي» والقاضي «قطب الدين الموصلي»، فيها أن مسلمي مصر والشام يكونون آمنين من تعرض المغول لهم إن هم ذكروا اسم «غازان» في الخطبة ونقشوه على نقدهم وأدوا الخراج إليه. وإن خالفوا فسلكوا سبيل العصيان حل بهم ما حل بشاهات خوارزم على يد الجنكيزيين.
وأنعم الملك الناصر على رسولي «غازان» هذين وخلع عليهما. وجعل الجواب على مقترحات الإيلخان متوقفاً على إرسال سفراء من قبله إلى معسكر الإيلخان لبحث هذه المقترحات.
وحين كان «غازان» قاصداً إلى الشام التقى به السفيران وهو في طريقه عند مدينة الحلة. فأبلغاه نتيجة سفارتهما.
وفي جمادى الأولى من تلك السنة حمل رسل من الملك الناصر رسالة جواباً إلى «غازان»، وقد كتب اسم الملك الناصر عليها بالذهب، ولم يُراع فيها احترام للإيلخان إلا قليلاً. وأخبره فيها أن خراج ممالك الشام ومصر وقف على الجهاد وحفظ الثغور والحدود من الممالك الإسلامية، وليس فيه فضلة عن ذلك فيتعهد بدفعها إليه. وأما ضرب النقد فلا مانع من أن ينقش على وجه منها اسم الخليفة أمير المؤمنين واسم السلطان محمود غازان خان. وعلى الوجه الآخر بعد ذكر «لا إله إلا الله» اسم الملك الناصر. وبعث الملك الناصر مع الرسالة صندوقاً من الأسلحة إلى «غازان».
واستنبط الإيلخان من هذا الجواب أن سلطان مصر يؤذنه بأنه حاضر لمقاتلته وصده، فغضب غضباً شديداً وأمر بأن يتهيأ أمراء الجيش ورؤساؤه للهجوم على الشام.
وفي جمادى الآخرة سنة 702هـ عبر «غازان» الفرات من مكان قريب من الحلة. وبعد أن زار مقام الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء وقدم مقداراً من المال نذراً للعتبة الحسينية والعلماء والسادات، انطلق على امتداد شط الفرات نحو «الأنبار» و«سنجار». وفي رجب من تلك السنة نزل «عانة». وهناك قدم الأديب «عبد الله وصاف الحضرة الشيرازي» مؤلف كتاب «تاريخ وصاف» المعروف كتابه هذا إلى «غازان» بتوسط «الخواجه سعد الدين ساوجي» و«الخواجه رشيد الدين فضل الله». فأنعم عليه الإيلخان وأكرمه. وكان عمر «وصاف» يومئذ لا يتجاوز الأربعين عاماً.
ومكث «غازان» معسكراً في «عانة» بضعة أيام ثم نقل مركز عسكره إلى نواحي قلعة «الرجعة»، في ساحل الفرات الأيمن بين «عانة» و«الرقة»، وضرب حصاراً على أطراف تلك القلعة.
ودعا الأمراء الإيلخانيون و«االخواجه سعد الدين»، و«الخواجه رشيد الدين» والأمير «علم الدين سنجر» قائد حامية القلعة إلى التسليم والطاعة. فبعث هذا بشيء من العلوفة إلى المعسكر الإيلخاني، وامتنع عن تسليم القلعة معتذراً بأن «الرحبة» حد الشام وتسليمها يفتح ثغرة في قواعد المسلمين، ومن يقدم على تسليمها يعد خائناً. ووعد «غازان» بأنه إذا وفق إلى احتلال الشام فإنه لن يمتنع عن تسليمها إليه. وقبل «غازان» عذره وانصرف عن «الرحبة». واتجه إلى حلب في 6 شعبان. وانحدر إليها أيضاً الأمير «شوبان» والأمير «مولاي» و«قتلغشاه» من طريق «الرقة».
فلما وصل خبر هجوم المغول على الشام إلى الملك الناصر سارع إلى إرسال «بيبرس جوشنكير» مع عسكر لنجدة حامياتها. فخف هذا إلى ملاقاة «قتلغشاه»، وكان هذا يقود جيشاً عدته بين 40000 و 80000 جندي على اختلاف في الروايات. وإذ رأى «بيبرس» أن قوات المغول تفوق قواته كتب إلى الملك الناصر يطلب منه الحضور بنفسه إلى الشام.
واتخدت القوات الشامية مدينة حماه مركز اجتماعها. فجاءتها حاميات طرابلس وحمص وعسكر دمشق وتجمعوا فيها محيطين بالأمير «كتبغا»، وكان مريضاً.
وأرسل الأمير «كتبغا» جماعة من عسكره بقيادة «أسند مركرجي» لحماية الثغور على ساحل الفرات، و«الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء» المؤرخ المشهور، وكان أميراً على حماة، لصد المغول، وكانوا يواصلون تقدمهم.
وفي العاشر من شعبان تمكن هذا الجيش من كسر المغول فأسروا جماعة منهم وردوا طليعة جيشهم على أعقابهم، ثم عادوا إلى معسكرهم. وكان هذا النصر مقدمة للنصر الكبير الذي أعقبه بعد مدة قصيرة.
وقعة مرج الصفر
وفي الثالث من شهر شعبان سار الملك الناصر بمعية الخليفة «أبي الربيع سليمان المستكفي بالله»، يقود جيشاً جراراً من القاهرة قاصداً إلى الشام. وقد ذكرنا أن «جوشنكير» كان قد سبقه إليه يقود مقدمة الجيش.
أما المغول فقد رجعوا، بعد انكسارهم ذاك في 10 شعبان، قاصدين إلى حماة. وأقام الأمير «زين الدين كتبغا» أبا الفداء على حماة. وذهب هو إلى دمشق. وكان «كتبغا» في هذه الأثناء لا يزال مريضاً، يُسار به على محمل «التختروان».
وفي ذلك الوقت وقع أهالي دمشق في حيرة كلية لا يعرفون ماذا يفعلون، وشملهم اضطراب وتشتت هائل، مترددين لا يدرون هل يسارعون إلى صد المغول أم ينتظرون العسكر السلطاني. ولذلك ترك المدينة جماعة من أهاليها من رجال ونساء وأطفال وقد وهنت عزائمهم لا يملكون ثباتاً. واغتنم المغول هذه الفرصة فتقدموا إلى أطراف المدينة وعسكروا في غوطة دمشق بالقرب من «مرج الصفر». واتفق أن كان وصول المغول إلى هذا المكان حين وصول «جوشنكير» ومقدمة عساكر الملك الناصر.
وكانت عدة الجيش الإيلخاني 50000 جندي وآمره «قتلغشاه» يراقفه الأمير «شوبان» و«تيتاق» و«مولاي» و«سونتاي» وغيرهم من الأمراء. وهناك صفوا جيشهم للقتال. ويشتهر «مرج الصفر» هذا بأنه سبق أن أوقع فيه المسلمون هزيمة عظيمة بالعسكر الرومي سنة 13هـ.
وتهيأ الملك الناصر، وقد وصل إلى الميدان في الوقت المناسب، للحرب ومعه الخليفة و«حسام الدين» الحاجب «سالار» و«سيف الدين سلار» و«جمال الدين آغوش» و«بيبرس جوشنكير» والأمير «قبشق»، وغيرهم من أمراء بلاد الشام المختلفة وحكامها. ونشبت الحرب في الثاني من رمضان سنة 702هـ.
وهالت كثرة المعدات في الجيش المصري والشامي «قتلغشاه» في أول الأمر، فعزم على الانصراف، ولكن الأمير «شوبان» منعه. وغامر المغول فحملوا على جيش الملك الناصر. وتمكن الأمير «شوبان» و«تيتاق» من كسر الجناح الأيمن من الجيش السلطاني، وقتل آمره «حسام الدين» وأسر المغول الأمير «قبشق» وجميع عساكر هذا القسم. ولكن القلب والميسرة من جيش الملك الناصر تغلبا على المغول وأوقعا بهم هزيمة شديدة. وأسر «تيتاق» وفر الأمير «شوبان». واغتنم «قتلغشاه» وغيره من الأمراء فرصة دخول الليل فلجؤوا بمن بقي معهم من المغول تحت جنح الظلام إلى جبل مشرف على «مرج الصفر». فأمر الملك الناصر بمحاصرتهم.
ولما طلع الصبح ورأى المغول كثرة العساكر المصرية والشامية بادروا إلى الفرار.
واتفق أن مروا في سبخة فعلق كثير منهم في وحلها. وتعقبهم الجيش السلطاني، وأمر الملك الناصر «سيف الدين سلار» بأن يتبعهم، فتبعهم إلى شاطئ الفرات، وهو في أيام فيضانه، فصعب عليهم عبوره وغرق جماعة منهم، وسلب الأعراب جماعة آخرين. ووصلت بقية قليلة منهم إلى بغداد والتقت «غازان» خافضة الرأس في 19 رمضان.
وجبر انتصار «مربع الصفر» انكسار «مجمع المروج» على أحسن وجه. وأسر العسكر المصري والشامي عشرة آلاف من عسكر «غازان» وغنموا عشرين ألف فرس. وكان من الأسرى الأمير «سونتاي» و«كين جو» و«تيتاق» وجماعة أخرى من الأمراء الغازانيين. وأطلق الحمام الزاجل وسُيّرت الرسل ينشرون البشرى بالنصر في مختلف النواحي. ودخل الملك الناصر دمشثق في غاية الجلال وخلع على أمراء العسكر ورؤسائه. ومكث قليلاً في دمشق ثم عاد إلى القاهرة.
وقد أثر نبأ هذه الهزيمة في «غازان» تأثيراً شديداً وأحزنه وأغضبه حتى أنه كان يرعف من شدة الغضب. ولما وصل إلى «أوجان» في العاشر من ذي القعدة عقد مجلس شورى، وأحال «قتلغشاه» والأمير «شوبان» وآخرين من قواد العسكر إلى المحاكمة. واستمرت محاكمتهم يومين. وبعدها قتل اثنين من القواد العسكريين، وجلد «مولاي» مع إهانته بأنواع الإهانة. وجلد أيضاً «قتلغشاه» و«شوبان». ومنعهم من دخول المعسكر بضعة أيام، وظل زماناً طويلاً لا يكترث ولا يعتني بأحد منهم. وظلت فكرة تلافي هذه الهزيمة تلازمه إلى وفاته.
وفاة «غازان خان»
لما جلس «غازان خان» على العرش الإيلخاني كانت خزانة الدولة قد خلت بسبب هدر الذخائر والخزائن التي تركها «هولاكو» وبسبب التبذير وغفلة خلفائه من الإيلخانات، ولا سيما إسراف «كيخاتو» و«صدر جهان» في البذل والعطاء بلا مسوغ، حتى بلغ الإفلاس أحياناً إلى العجز عن تقديم هدية إلى سفير يأتي من خارج المملكة. فأصبح «غازان» وارثاً لمملكة خربة عاجزة عن أداء شيء من النفقات المالية، كما قال.
ولما فرغ «غازان» في السنة الأولى والسنة الثانية من سلطنته من إصلاح حال الجيش وتأديب المخالفين وتأمين الحدود والثغور، انصرف إلى تنظيم أمور المملكة الإدارية وضبط حساباتها، وقد أحسن العمل في هذا السبيل، وإن يكن قد أوقع بالناس تعديات وإجحافات كثيرة. فقد نظم حسابات الدخل والخرج ووفر موارد للخزانة. وقرر مبلغاً بين مائتي تومان وثلاثمائة تومان توزع على أقسام المعسكر، فيسرهم بذلك من جهة، ويفهمهم، من جهة ثانية، مقدار مخصصاتهم فلا يطالبون بأكثر منها.
وبعد تنبيه «غازان» لرؤساء العسكر في مجلس الشورى الذي عقده في «أوجان» بعد هزيمة «مرج الصفر»، أطلق يده بالبذل والعطاء، فوهب كل واحد من قواد الجيش خلعاً وإنعامات بلا حساب. وجلس خمسة عشر يوماً في فسطاط ينثر بيده الخزانة وحاصل الضرائب من الولايات، الضرائب التي سبق أن وصلت إليه بعنوان مدد للعسكر، وجبيت بالتعدي على الناس. ووهبهم في هذه المدة القليلة 300 تومان من الذهب و20000 دست من الخلع ولباس التشريفات و50 منطقة مرصعة و300 منطقة من الذهب، وفعل شيئاً لم يفعله أحد قبله من الإيلخانات.
وبعد إتمام مجلس شورى «أوجان» ذهب «غازان» إلى تبريز ليهيئ جيشاً لغزو الشام والانتقام لهزيمة «مرج الصفر». ولكن رمدت عيناه فجأة. واشتغل الأطباء الصينيون بمعالجتهما. ومكث هناك مدة قليلة عاد بعدها إلى «أوجان». ثم سار قاصداً بغداد ليشتو فيها. ولكنه لم يستطع أن يمضي في سفره إذ منعه من ذلك المطر والثلج، فعزم على تقضية الشتاء على شاطئ «قزل أوزن». وكان ذلك في نهاية ربيع الآخر سنة 703هـ.
وفيما هو مقيم في مشتاه هذا تلقى صاحب الديوان «الخواجة سعد الدين ساوجي» خبراً بأن أحد الدجالين من أهل تبريز اسمه «بير يعقوب الداغستاني» قد جمع حوله جماعة ىمن التبريزيين ونادى بـ «آلافرنك» بن «كيخاتو» الأكبر سلطاناً، وبعث أحد أتباعه المتمردين يندس في معسكر «غازان» ويدعو حاشية الإيلخان إلى موالاة «آلافرنك» والاعتراف بسلطنته.
وأبلغ الخواجة نبأ هذا الحادث إلى «غازان»، فبادر هذا إلى إرسال رجل إلى تبريز، فاعتقل «بير يعقوب» و«آلافرنك» وجماعة آخرين من الوجهاء الذين انضموا إليه، وحملهم إلى معسكر «غازان» وتولى الإيلخان محاكمتهم بنفسه. فتبين له أن «بير يعقوب» ومريديه يتبعون بعض العقائد المزدكية. ولهذا قتلهم كلهم ما عدا «آلافرنك». ومنح «الخواجة سعد الدين» رتبة الإمارة علاوة على منصب الوزارة. وجعله آمراً على ألف فارس من المغول.
ظل «غازان»، بعد هزيمة «مرج الصفر» دائم الغم والأسف. ومرض في هذا المشتى مرضاً شديداً. وبذل الأطباء قصارى جهدهم في مداواته فلم يحصل على نتيجة. فاضطر في أوائل فصل الربيع إلى الانتقال من مشتاه عند «قزل أوزن» إلى «ساوة».
وهناك نزل ضيفاً على «الخواجة سعد الدين» إذ كانت «ساوة» موطنه. فأضافه ضيافة لائقة.
وبعد قليل من إقامته في «ساوة» تحسنت حالة مزاجه. ولكنه لما خرج منها إلى الري عاد فانتكس، فاضطر إلى المكث بضعة أيام في الري. ثم خرج منها قاصداً قزوين. فلما صار قريباً منها توفي يوم الأحد 11 شوال سنة 307هـ، بعد أن تملك تسعة سنوات وله من العمر 33 سنة. وحملت جنازته من هناك إلى تبريز، ودفن تحت قبة في «شنب غازان» أو «شام غازان» وهو بناء كان قد أقامه قبلاً ليكون قبراً له.
قال في «تاريخ وصاف»:
«أراد غازان أن يتمم أساس العدل الذي مهده ويرشده إلى طريقة تقوية الإسلام الذي أنفق مدة سلطنته في بنائه، فكان واجباً عليه النصيحة والتذكير لأبناء المستقبل، وإهداؤهم وصية ثمينة. فأحضر كل الخواتين العظيمات وملكات المملكة وأوانس السلطنة ومحارم حرم الحضرة مع أركان الدولة العظمى والأمير قتلغشاه والأمراء العظام شوبان وبايدو وبولاد وسنتاي وسلطان وملاي ورمضان وألغو وكورتيمور وتارمتار، ومُشيرَيْ سدة المُلْك الصاحبَيْنٍ الأعظَمَيْنِ الخواجه رشيد الدين والخواجه سعد الدين، وآخرين من مقربي عهد خانيته ومشاهيره»، وقال:
«قد تحقق لنا بنور اليقين وبالنظرة المستبصرة أننا سنُنقل من هذه المرحلة الفانية إلى المنزل الباقي ومصاحبة الحور العين، ونمضي عن هذا الغار، غار الإنسان الذليل إلى جوار الملك الجبار. لقد كان كل الهمة وأقصى الأمنية في هذه الأيام القليلة التي وُضِعَتْ فيها بيد دولتنا مقاليد مُلْكٍ مَجازيّ، وحُوِّلَتْ إلينا تمشية أمور العالمين، أن نُبعِدَ عن الخاطر كل ما لا يتصف بالنصفة والعدل، الدعامتان اللتان لا يقوم نظام العالم بدونهما، وأن نردع كل مبتدع وندفع ظلم المتعدين، الظلم الذي يلزم دفع شره شرعاً وعقلاً، وأن نقوم بتقوية دين سيد المرسلين وخاتم النبيين على نحو يقيم ما انحرف من سننه بمرّ الدهور، وأن نقطع طريق الخمر التي انفتحت على الناس بالسيف، ونؤدب ونشذب ضميراً دخله نوع من الجسارى بالتهاون بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لعدم محرض متدين وزاجر موفق، ونقرر الحق في مصابّه، وأن نحل برأس أنملة التأمل في أحوال طبقات الخلق، العقدة عن القلوب المقفلة، لتبقى الشجرة الطيبة في هذه الدنيا نامية مروية بماء الإحسان تؤتي أكلها كل حين»…
«في هذه المدة القليلة من الزمان، مدة سلطنتنا التي كانت ثماني سنوات وبضعة أشهر، سعينا، بحول الله تعالى وميامن الهمة المحمدية، حتى حصل لنا شيء من المعاني التي تقدم ذكرها من استئصال الظالمين والمتمردين على الدين والدولة ووضع قوانين العدل والسياسة ورفع أقانيم الظلم والبدعة، على حسب المطلوب، فكُتبتْ مراسيم أرسلت إلى القاصي والداني. وشنفت أحكامها الأسماع في كل قطر وصلته. وسرى امتثال أحكامها سريان الروح في الأعضاء، وتمكنت من القلوب تمكن الروح، وصارت مدعاة افتخار للماضين وأساس العبرة والخبرة للآتين. وبعضها حين أردنا إنفاذه لم يمهلنا الأجل ولا وفي العمر ولا سمح الزمان، وحملنا هذه النوايا عذراء في زوايا الصدر».
«فعليكم أن لا تسلكوا بعدي طريق الخلاف فيما بينكم. وسارعوا إلى إجلاس أخي باد شاه جهان خداي بنده محمد على سرير هذه الدولة المطردة النمو. فقد كنت نصبته ولياً لعهد السلطنة، وما زال في هذا المنصب منذ بضع سنوات. وطالما كررت لكم ذكر هذا الأمر. فكونوا منقادين مذعنين لأمره، ولا تتجاوزوا قانوني ورسمي. ولتكن قواعد هذه الأحكام عندكم مطردة متسقة. ولا تشقوا على الرياعا ولا تضعوا رسماً محدثاً بزيادة شيء أو طلب مساعدة أو تكليف خارج عما قررته وعينته. واجتهدوا في جعل الخيرات والصداقات والأوقاف التي عينتها والعمارات التي أقمتها مستقرة مستكمَلَة بحسب شروطها. وأدوا الرواتب التي أمرنا بها في جميع الممالك إلى أصحايها، وكذلك ما بنيناه بفضلات المال يعود إلى من بني لهم الخ». اهـ.
لا شك بأن «غازان» يعد من كبار ملوك الشرق، بما قام به من إصلاحات وما أقدم عليه من حسنات وما خلفه من قواعد وقوانين، على قصر عمره وقلة أيام سلطنته. وهو، وإن يكن لا تصح مقارنته في تاريخ إيران بأمثال «كوروش» الكبير و«داريوش» الأول والملوك الساسانيين الكبار، إلا أنه أهل لأن يعد من الملوك المقدمين، وخصوصاً إتقانه تدبير شؤون المملكة والإدارة. فهو من هذه الجهة معدود أعظم ملوك السلسلة الإيلخانية.
ولكن لا بد من التذكير بأن قسماً من عمدة هذه المفاخر والعظمة وبعد الصيت التي أصبحت لازمة لـ «غازان» إنما حصلت له بفضل وجود وزير خبير فاضل هو «رشيد الدين فضل الله الهمذاني». فقد كان يدير ممالك «غازان» الوسيعة بحسن التدبير والفن والسياسة من جهة. ومن جهة أخرى تغنى بذكر محامد «غازان» وأعماله وخلد وقائع أيامه بقلمه البليغ على صفحات الأيام. وكذلك اجتمع حول البلاط الإيلخاني جماعة كبيرة من الفضلاء بتشويق ذلك الوزير العالم وتقديره وحبه للأدب والعلم، وكانت لكل منهم قدم مهمة في هذه المرحلة، حتى أنه يمكن القول إن عهد «غازان» وخليفتيه من بعده «أولجانيو» «أبو سعيد خان» كان من أكثر عهود الأدب الإيراني ازدهاراً في تاريخ إيران، وذلك بفضل «رشيد الدين فضل الله» وأبنائه. بل يمكن القول إن هذا العهد الأدبي لا نظير له في تاريخ تلك البلاد.
علاقات غازان بالخارج
كانت بين «غازان» وبين خاقان الصين وملوك أوروبا مكاتبات كثيرة، وكذلك سفراء تتردد ذهاباً وإياباً. وفي سنة 699هـ أرسل رسولين ومعهما هدايا ثمينة إلى «تيمور خاقان» خليفة «قوبيلاي قاآن» في الصين. فتلقاهما الخاقان بالملاطفة التامة وأجاب «غازان» على هذه المعاملة الودية بإظهار العطف والصداقة، مع أن إيلخان إيران كان قد دخل في دين الإسلام وجعل يجتهد في نشره والدعوة إليه.
وحملت الانتصارات التي حصل عليها «غازان» في أول الأمر في الشام وانتصاره في «مجمع المروج» أعداء المسلمين على أن يهنئوه بهذا التقدم بإرسال السفراء إليه ومراسلته، ولا سيما صليبيي أوروبا والأرمن، إذ كانت مجاهدات المماليك والمصريين والشاميين قد أجلتهم عن تلك الديار على بكرة أبيهم وخابوا في محاولتهم الاحتفاظ ببيت المقدس ومرافئ الشام وسواحلها، وإذ كانت لهم روابط سابقة بإيلخانات إيران على غير ما يهوى مسلمو مصر والشام، فقد سرتهم انتصارات «غازان» هذه على المماليك وعدوها بمنزلة انتقام لانكساراتهم وصمموا على تشجيع «غازان» في هذا السبيل لعلهم يرفعون يد المماليك وغيرهم من الأمراء عن الشام ومصر ويخرجونهم من سلطتهم.
وعلى أثر هذا الارتياح الذي وجده صليبيو أوروبا كتب «جيمس» الأول ملك «أرغون» إحدى ممالك إسبانيا رسالة إلى «غازان» بتاريخ رمضان سنة 700هـ وأرسلها إليه مع سفيره.
وقد وصف فيها الإيلخان بأنه أقدر وأكبر سلاطين المغول وملك ملوك المشرق وأخبره بأن رعاياه عموماً، إذ هم راغبون في زيارة أراضي فلسطين المقدسة، حاضرون ليجاهدوا في ركاب الإيلخان. والتمس منه أن يأذن للزوار الأراغونيين بزيارة بيت المقدس من غير أن يؤدوا ضريبة ما. وأن يضع خمس الأراضي المقدسة التي استخلصها من يد المسلمين في تصرف النصارى.
ويروي بعض المؤرخين النصارى وحدهم، ولم يروه غيرهم: أن غازان وافق على منح النصارى بعض النواحي التي فتحها من فلسطين، فيجدد بذلك ما كان بين الملوك المسيحيين والإيلخانات السابقين من اتحاد. وأرسل لهذه الغاية سفراء إلى أوروبا. ووصل هؤلاء السفراء إلى بلاط إدوار ملك انكلترا. وأجابه هذا برسالة بعثها مع رسول.
ولكن تبادل هذه المراسلات والسفارات لم يؤد إلى نتيجة ولا خرج عن حد المجاملات الرسمية، ولم يقصد به أي شيء عملي من قبل غازان وقضي على تلك الأمنية، أمنية الصليبيين القديمة. وذلك بسبب بعد مسافات الطرق وعدم التوافق بين مقاصد الصليبيين وبين مقاصد «غازان»، إذ كان هذا يتخد لنفسه عنوان الداعي إلى الإسلام ويعرف بنفسه بهذا العنوان ما يتناقض مع أهداف الصليبيين. وكذلك الهزائم التي مني بها بعد قليل العسكر الإيلخاني في حروبه مع المماليك، واستيلاء جيوش الملك الناصر على الشام وسواحلها استيلاءً قاطعاً.
أخلاق «غازان خان» وصفاته
أصبح «محمود غازان خان» بعد قبوله دين الإسلام من المؤمنين الجادين في الدعوة إلى هذه العقيدة. وظل يجتهد في أيام عمره كلها في رعاية شعائر الدين الحنيف وآدابه. ويسعى إلى أن يدخل من بقي من عسكره مشركاً وثنياً أو بوذياً في دين الإسلام. وكثيراً ما كان يباحثهم هو نفسه في هذا الموضوع. وقد ذكرنا سابقاً شيئاً مما قام به في مجال الدعوة إلى الإسلام وإقامة شعائره. وسنذكر عن قريب أشياء أخرى.
كان «غازان» أمرأً رشيداً متمرساً بالحرب قد عركته تجاربها خصوصاً أيام كان حاكماً على خراسان قبل وصوله إلى منصب الإيلخانية، وذلك في مقاومته الحملات المتوالية على هذا الإقليم من مغول ما وراء النهر. فقد أتقن فيها فنون القيادة العسكرية ومقابلة العدو، وأصبح واقفاً على أسرارها.
لم يكن يخشى الموت ولا ينفك يشجع جنده على احتقار الحياة والثبات في وجه العدو بلا خوف منه. وكثيراً ما كان يقتدي بـ «جنكيز خان» فيُحضر قواد جيشه ويلقي إليهم بتعليمات خاصة. ويوصيهم، كما كان يوصيهم ذلك المدبر الفاتح، بأن يعتمدوا في قيادة الجيوش، قبل كل شيء، على معرفة الطرق، والاستعانة بحرسها وأدلائها وأن يسعوا، قبل التحرك، لتهئية الزاد والعلوفة والاستعانة بالجواسيس لتحصيل المعلومات عن أحوال الخصم وروحيته واستعداداته. وكان عظيم الجهد في رعاية الانضباط والانتظام في عسكره. وكان في هذا المجال يقتدي بجنكيز أيضاً. وكان يقول إن أهم الأسباب في انكسار الجيوش هو فقد الانتظام وإفلات زمام الأفراد حين الحملة على العدو أو حين التغلب عليه.
وكان يعرف قليلاً من اللغة العربية والصينية والتبتية واللاتينية علاوة على معرفته التامة بالمغولية والفارسية. وكان عظيم الرغبة في الاطلاع على تاريخ الملوك وآدابهم وأخلاقهم ولا سيما معاصريه منهم. وما التقى أحداً من الأجانب إلا استقصى ما عنده من معرفة في هذا الباب. وكان أكثر حبه لمعرفة تاريخ آبائه وأجداده المغول. ولم يكن أحد من أمراء المغول ورؤسائهم، غير «بولاد آقا»، يدانيه في الاطلاع على أحوال المغول وأساميهم ووقائعهم. وبعض المعلومات النفيسة التي ذكرها «رشيد الدين» في كتابه «جامع التواريخ» قد سمعها بنفسه من لسان «غازان خان».
وكان «غازان خان»، إلى ذلك، فناناً عارفاً ببعض الصنائع اليدوية كالبناء والرسم والحدادة وعمل الأسلحة. وأنفق أيضاً بعض عمره عبثاً في طلب الكيمياء والاشتغال بالرمل والتنجيم والحصول على النباتات العجيبة، جرياً على عادة المغول. وكان يفكر في بناء مرصد بالقرب من تبريز. وكان قبل ذلك قد بنى نموذجاً له في الشام.
كان الرؤساء والوزراء، قبل عهد «غازان»، هم الذين يتولون أمور الحل والعقد. أما الإيلخان فيقضي أكثر أيامه في الصيد وأمثاله من شؤون اللهو. وكان استقبال السفراء الأجانب ومذاكرتهم في عهدة الوزراء. وهذا مما كان يولد خلافاً وحسداً فيما بين الرؤساء والوزراء. وحين تولى الملك «غازان» جعل كل هذه المهام في عهدته.
وحمل الموظفين، كبيرهم وصغيرهم، على إطاعة ما يصدر عنه شخصياً من أوامر. وأقام الأعمال على قاعدة المركزية، يعترف الجميع بكفاءته وتعقله وخبرته، ويقدمون، طوعاً أو كرهاً، آراءه في معضلات الأمور على آرائهم.
وإذا قدم رسول من الخارج قادوه تواً إلى «غازان» فيستقبله ويباحثه بنفسه، بدلاً من أن يوكل أمر مباحثته إلى أحد الوزراء. وفي أثناء حديثه لهؤلاء السفراء كان يستطرد إلى ذكر أمور من تاريخ بلادهم ووقائعها وسياستها، فيعجبون بفصاحته وسعة اطلاعه.
وكان محباً لأهل الأدب والحكمة والفضل، وكثيراً ما كان يجالسهم ويطرح عليهم أسئلة، وكان على اطلاع كاف على الأديان والمذاهب والملل والنحل. وكثيراً ما كان يباحث أهل المذاهب المختلفة ويناظرهم. وكانت له خبرة في تشخيص ميزان اللياقة والكفاءة في الناس. يضع كل إنسان في موضعه الذي هو أهل له بحسب فضله واستعداده. وقلما أصغى إلى غرض المغرضين وسعاية النمامين. وعلى العكس من ذلك كان شديداً كل الشدة قاسياً لا يرحم في معاملته وتنبيهه للخاطئين. ينزل العقاب الشديد بعماله ومأموريه ورؤساء عسكره إذا رأى منهم ظلماً وتجاوزاً عن الحق. وكان مالكاً لنفسه منضبطاً كل الانضباط لم تعهد منه حركة تدل على مزاج شهواني، بل كان يشتد في محاسبة من يشذ عن طريق الحشمة. وإذ كان لا يتهاون في إنفاذ قوانينه وتطبيقها بل يراعيها أتم مراعاة ويأخذ بها أخذاً شديداً فإن عهد حكمه لم يقصر عن غيره من العهود في إراقة الدماء والقساوة.
القواعد والقوانين الغازانية
وضع «غازان خان» قواعد وقوانين غايتها ترقية حال الرعية، وإيصال أموال الدولة بانتظام إلى الخزانة، ورفع الظلم والتعدي وإحسان الإدارة. وألغى كثيراً من الآداب والرسوم التي كان معمولاً بها من قبله، ولم تكن تعجبه ويعدها غير موافقة للعدل والنظام. وهذا إجمال لها:
1 ـ كانت الضرائب قبل عهد «غازان» يعهد بجبايتها مقاطعة إلى حكام الولايات. وهؤلاء يقتطعون منها قسماً للنفقات الضرورية ومخصصات أرباب العمائم وأصحاب الإقطاعات ويسلمون ما بقي منها إلى مأمورين مرسلين من قببل الديوان أو من يحمل حوالة منه عليهم.
وكان هؤلاء الحكانم في الغالب ظلمة طماعين. وبلغ بهم الظلم أنهم كانوا أحياناً يطالبون الناس بأداء الضريبة عشر مرات في السنة الواحدة، وأحياناً عشرين مرة. وكلما جاء مأمور من قبل معسكر الإيلخان ليأخذ منهم أموال الضرائب التي جبوها، أو جاء آخر لعمل آخر جعل الحكام مجيئه ذريعة إلى مطالبة الناس بدفع أموال جديدة بدعوى سد نفقات سفر هذا المأمور ونفقات إقامته. ومن ثم كان من دواعي سرورهم وسعادتهم أن يقدم عليهم رسول بمهمة من الإيلخان فيرهق الناس بطلب الأموال منهم بعنوان توفير نفقات المرسال أو تهيئة هدايا وتحف للإيلخان. فيختص بالقسم الأكبر لنفسه، ويقسم الباقي بين رجال الشحنة، أي آمر العسكر والكتاب ليغضوا النظر عن تعدياته، ويهملوا تدوين الأموال التي أخذت من الناس بهذا الشكل في حساب الديوان.
كان الواجب إنفاق الحاصل من ضرائب الولايات في وجوه الإنفاق المقررة، وتأدية الحوالات المحولة من قبل الديوان على الولايات. ولكن الحكام دأبوا على اختراع وجوه للنفقات بلا حساب، والتلاعب بالقسم الأكبر من العائدات. والحوالات التي لا تزال في أيدي الناس لم تؤد بعد تعود إلى الخزانة. فيعيدها موظفوا الديوان مرة ثانية إلى مكان تأديتها ممهورة بالختم المغولي السلطاني (آلتمغا). وإذ كان الحكام لا يجرؤون على رد هذا الختم فإنهم يجبرون الرعايا على تأدية الضريبة مرة أخرى ويحصلونها منهم بإيقاع شتى أنواع الإكراه والتهديد بهم. ويأخذون منهم، مع ذلك، أضعاف المبلغ المطلوب، فيحتفظون منها لأنفسهم ولمأموريهم بمقدار الثلثين ويعطون حملة الحوالات مقدار الثلث. وهذا المقدار لم يكن كافياً لسد نفقات ذهابهم وإيابهم.
ولم يكن موظفو الديوان قط يقومون بالتفتيش في عائدات الولايات، ولا كانوا على اطلاع على مقدار ما يصل منها. ويحولون الحوالات على الحكام من غير أن يحسبوا حساباً لشيء. وكان بين الحكام وبين صاحب الديوان اتفاق على رموز مخصوصة إن وضعوها على الحوالة أداها الحاكم وإن خلت منها لم يؤدها.
ولم يكن حكام الولايات يؤدون مالاً، لا إلى الخزانة الإيلخانية ولا إلى أصحاب الرواتب والمخصصات المقررة. بل كانوا في مطلع كل سنة يدفعون أصحاب هذه الحقوق بحجة أن عليهم أولاً أن يؤدوا نفقات الخزانة ونفقات الرسل المترددين بين الولايات. وهكذا كانوا يمطلونهم من سنة إلى سنة ويتركونهم جياعاً عاجزين. ومن كان من هؤلاء الحكام أكثر ذكاء ماكس أصحاب الحقوق هؤلاء بمصالحتهم على أن يدفع إليهم نصف ما يستحقون على أن يكتبوا له إيصالاً بكامل المبلغ. وفوق ذلك كان هذا النصف لا يدفع إليهم مالاً بل متاعاً يحسب بضعف ثمنه الحقيقي. ومع ذلك كان هؤلاء المطالبون الذين لم يحصلوا على أكثر من ربع ما يستحقون يعدون أنفسهم سعداء ويفخرون على أولئك الذين لم يوفقوا إلى الحصول على شيء، حتى الدينار الواحد.
فإن استطاع أحد من أصحاب الحقوق ومستحقي الرواتب أن يتحمل مشاق السفر ومصاعب الطريق فيصل إلى المعسكر ويشكو الحاكم بأنه لم يوصل إليه حقه، وحقق الموظفون في شكواه وثبتت صحة دعواه وأحيل الحاكم إلى المحاكمة، أجاب الحاكم بأن السببب في ذلك هو عدم وصول كل الضرائب المطلوبة، وجعل تأدية حقوق الشاكي متوقفة على تحصيل بقية الضرائب. وهذه البقايا التي يتعلل بها الحاكم تكون في الواقع ضرائب غير شرعية فرضها على الناس وطالبهم بها بعدياً، على خلاف القانون، إذ يكون قد سبق له أن جبا هذه الضريبة أكثر من مرة من الناس، فلا دين له عليهم يعده بقايا ضريبة واجبة الأداء.
فكان الناس، من ثم، في عجز يضيقون بالحياة ذرعاً، حتى أخذوا يتركون ديارهم ويجلون عن مواطنهم حتى عم الخراب المدن والقرى. وكان موظفوا الديوان على علم تام بهذه الأوضاع. ولكنهم لم يكونوا في صدد رفع تلك المظالم، إذ كانوا متواطئين هم والحكام عليها. وقد اشترك في أيقاع هذا الظلم كل أصحاب ديوان المغول ووزرائهم، وهم مسؤولون عنها على درجات مختلفة كثرة وقلة إلا أن «الخواجه صدر الدين الخالدي الزنجاني» كان أكثرهم مسؤولية إذ بلغ بهذا الوضع الكريه إلى حد الافتضاح باستهتاره وإنفاقه المال هدراً. وفي عهده وصلت عملية إصدار الحوالات وبقائها بلا أداء إلى غاية القباحة والوقاحة.
مثلاً، كان كثير الإحسان إلى الدراويش والشيوخ. وقد يهب شيخاً أو درويشاً 500 دينار حوالة على رئيس إحدى الولايات فيفرح بها ويقترض مثلاً مبلغ مائة دينار مستنداً إلى الحوالة، ليحصل على نفقات السفر للمأمور الذي يتولى قبضها من حاكم الولاية. وقد يرفض الحاكم أداء الحوالة أو تكون خزانته فارغة. فيضطر الدرويش أو الشيخ إلى ترك تكيته أو منزله ليصبح جابي ضريبة يركض من باب إلى باب ويذاد من باب إلى باب، ولا تقتصر العاقبة على خيبته، بل يضطر أيضاً إلى التواري من وجه الدائن.
كان الناس، وقد عجزوا عن تأدية الضرائب الظالمة، يتركون بيوتهم. ولكن المأمورين الحكوميين كانوا يتعقبونهم ويؤذونهم ويقطعون عليهم طريق الفرار ويرجعونهم. ومن ظل منهم في بلده كان يسد أبواب بيته بالحجارة ويختبئ في داخله خوفاً من موظفي الديوان. وكان الجباة يستعينون بالأشرار والأوباش للعثور على الفارين من وجههم، فيجرونهم من مخابئهم بأنواع من السفالة والعنف. فإن لم يعثروا على مطلوب منهم ساقوا نساءه وأطفاله يدورون بهم من زقاق إلى زقاق، ويرفعونهم معلقين بالحبال من أرجلهم. وكان بعض المدن يخلو من سكانه إذا وصل الجباة إليه، فمنهم من يفر ومنهم من يختبئ في داخل السراديب.
وقد استاء «غازان» من هذه الأوضاع وعزم على أن يبدأ بتنظيم جباية الضرائب قبل كل شيء ويكف يد الموظفين والحكام الجائرين ويريح العامة من هذه الجهة. فأمر بإلغاء المقاطعة على ضرائب الولايات وأن لا تؤخذ الضريبة من الناس أكثر من مرة في السنة. وبعث إلى كل ولاية كاتباً مخصوصاً أمره أن يرسل إليه لائحة بعائدات جميع بلدانها مطابقة لآخر بيان عنها. وأن يُعدّ له لائحة أخرى على حدة بالأملاك الشخصية وأملاك الدولة وأراضي الإيلخان والأوقاف، مع أسامي الأشخاص الذين كانوا يستغلونها في السنوات الثلاثين الأخيرة. أي ترتيب القانون المالي لكل ولاية وتدوينه.
وأرسلت اللوائح المطلوبة إلى الديوان فصححت أخطاؤها. ونسخت عنها خلاصة العائدات التي تجب المطالبة بها في كل سنة وضبطت في الديوان. ووقع كبار موظفي الديوان على كل لائحة من لوائح الضرائب العائدة إلى بلدان الولايات، ومهرت كلها بالمهر الملوكي المحبر بماء الذهب (آلتون تمغا).
وحرم «غازان» ابتداء من ذلك التاريخ فما بعده أن يكتب الحكام والكتاب لأحد من الرعايا حوالة فإن خالف أحد هذا الحكم عوقب الحاكم الذي أعطي الحوالة وقطعت يد الكاتب الذي كتبها.
وأدى هذا الترتيب ورفع التعدي والظلم عن الرعايا وتعيين مقدار الضريبة لكل مدينة وكل قرية على قانون ثابت عادل وقاعدة مستقرة إلى أن أخذت الولايات بعد سنتين أو ثلاث في الازدهار والعمران، واستقرت أموال الخزانة كاملة في الديوان وانكفت يد الحكام والكتاب والمراسيل عن التعدي كلياً.
وأراد «غازان» أن يظل هذا الرسم مرعياً ثابتاً، فلا يقدم أحد بعده على مطالبة الناس بأكثر من مقدار المال الذي فرض على كل ولاية من الولايات، وقيد في قانون كل منها. فأمر بإحضار جميع الدفاتر التي دونت فيها قوانين الولايات إلى مكتبة كان قد بناها في تبريز، فأحضرت وفيها لوائح الضرائب وبيان الأراضي الخاصة وأراضي الدولة والأراضي الإيلخانية والأوقاف وأسامي المستغلين. وعهد بهذه السجلات إلى رجال مخصوصين ينسخون عنها قانون كل قسم من أقسام الممالك الإيلخانية بنقشه على لوحة خشبية أو صفحة حجرية أو صفيحة معدنية، تنصب في مكان من ذلك القسم، ويلعن عليها كل من غيَّر أو بدل فيها.
وأمر بأن يكتب على كل صفحة من هذه الصفحات تنبيه إلى أن في مكتبة تبريز نسخة محفوظة عنها يرجع إليها في حال فقدانها. وأصدر مرسوماً ممهوراً بالمهر الملوكي المحبر بماء الذهب (آلتون تمغا) في هذا الموضوع وأرسل نسخاً عنه إلى جميع الولايات. وذكر في هذا المرسوم أن على الحكام والمخاتير، بمقتضى القانون والمهر الملوكي، أن يوزعوا، بحضور السادات والقضاة والأئمة والعدول والأعيان، على أهالي كل قرية ومزرعة نسخة عن السجل بالمبلغ المطلوب من المكلفين، وأن يلزمونهم بنقش هذه النسخة على لوحة وينصبوها في مكان معين لتبقى محفوظة من التغيير والتبديل، وذلك في مدة أقصاها عشرون يوماً.
قال في «جامع التواريخ» و«حبيب السير» ما ملخصه: «يجب على كل أحد أن يؤدي إلى الديوان الأعلى شيئاً من السلع والبضائع التي يحصل عليها، بحسب ما هو مقرر وفي الميعاد المعين. وكذلك يجب نقش عائدات الرسوم على لوحة. وكلما جاء جاب إلى مدينة أو قصبة يجب أن تنصب له خيمة في وسطها. وعلى الرعايا أن يوصلوا إليه ابتداء من أول يوم إلى آخر يوم من المدة المعينة الضرائب المقررة. وبعد ذلك لا يعطونه شيئاً باسم علوفة وأمثالها من النفقات، ويمنعونه من إرسال خدمه للجباية، فإن أهمل أحد إيصال الضريبة المفروضة عليه في الوقت المعين عاقبه الجابي بغرامة.
«وحدد القانون بدقة وتفصيل أنواع الضرائب والرسوم من زراعية وصناعية وحيوانية وتجارية، وبيَّن كيفية جبايتها ومواعيد تحصيلها حسب أوقات إنتاجها وطبيعة البلاد التي تنتجها. وأمر بنقش ذلك على ألواح تنصب في أماكن عامة من المدن والقرى، ليكون الناس على بينة من أمرهم في هذا الموضوع».
2 ـ كان المرسوم قبل «غازان» أن يقوم بإيصال الأخبار وقضاء المهام الحكومية رسل يترددون بين النواحي لهذه الغاية. وهو رسم متعارف عليه من عهد «جنكيز» وقد صار هذا الرسم في زمن الإيلخانات إلى شكل سيئ جداً. إذ إن جميع أميرات البيت المالك وأمراءه والرؤساء وقواد العسكر ورجال الشحنات والقيمين على بيوت السلاح والموكلين بشؤون الصيد كانوا يرسلون خدمهم إلى الولايات لقضاء حاجات شخصية خاصة، ولكن بعنوان مراسيل ومخبرين رسميين يستعملون خيل البريد الرسمي، وينزلون في سفرهم في منازل البريد الرسمي.
ومع أن كل اسطبل من اسطبلات البريد كان فيه خمسمائة فرس فإن هذا المقدار لم يكن أحياناً يكفي لركوب رسل الدولة، فيصادرون من أي قطيع خيل تصل إليه أيديهم ما شاؤوا من الأفراس، حتى أنهم كانوا لا يرحمون العلماء والسادات المسافرين فيسلبونهم مركوبهم. ووصل تعدي الرسل إلى أن صار قطاع الطرق أيضاً يسمون أنفسهم رسلاً فيصادرون القطعان من أيدي الناس بهذا الاسم. ثم لا يكتفي الرسل بهذا بل يسلبون من القرويين كل ما يريدون متعللين بحاجتهم إلى العلوفة لدوابهم. وكان كل منهم يصحب معه جماعة كبيرة باسم خدم متعللاً لذلك بأنهم يساعدونه في الإسراع بإتمام أعماله من قبيل تهيئة المركوب وجمع العلوفة.
وقد يبلغ عدد من يصحبه بعضهم من الخدم ثلاثمائة رجل من غير أن يكون مكلفاً بمهمة ذات شأن. وقد تقتضي الحال أحياناً نصب مائتي كرسي في الديوان لجلوس رسل الدولة. وإذ كانت العادة أن يُقدّم الإيلخان في الحضور لديه من الرسل من كانت مهمته أهم من غيرها فقد كانت تقع بينهم منازعات شديدة على التقدم، فمن كانت له الغلبة تقدم على غيره.
وإذا ورد الرسل على ولاية من الولايات أنزلهم رؤساؤهم في بيوت الفلاحين وأهل الصناعات، فيستولون على كل ما يجدونه فيها. وقد تبدر منهم أحياناً بوادر أخرى قبيحة.
وأراد «غازان» إلغاء هذا الرسم الكريه. فأمر ببناء إسطبل لخيل البريد الإيلخاني المكلف القيام بأعمال لازمة للمملكة على رأس كل ثلاثة فراسخ، وأن يربط في كل اسطبل منها خمسة عشر فرساً قوياً. وكل رسول يحمل شارة ممهورة بالختم الملوكي المحبر بماء الذهب (آلتون تمغا) يعطى من الإسطبل فرساً. وجعل كل اسطبل من هذه الاسطبلات في عهدة أحد كبار الرؤساء. وأعطى كل واحد من حكام الحدود ورؤسائها مقداراً من القراطيس البيضاء ممهورة بالمهر الملوكي المحبر بماء الذهب يعطونها رسلهم عند الحاجة علامة على مهمتهم. وأمر بأن لا يعطى الرسول أكثر من أربعة أفراس. فإن اقتضى الأمر الإسراع بإيصال خبر من الأخبار يمضي الرسول برسالة الحاكم على حصان البريد إلى أول مركز لخيل البريد، فيسلمها هناك إلى رسول آخر، وهذا يمضي بها إلى من بعده، وهكذا حتى تصل الرسالة إلى المعسكر. وعلى هذه الطريقة كان الرسل يقطعون في اليوم ستين فرسخاً. فكانوا مثلاً يطوون المسافة بين خراسان وتبريز في ثلاثة أيام أو أربعة. أما الرسول الواحد فلم يكن قادراً على أن يسير في اليوم أكثر من أربعين فرسخاً.
وأوجب على كل ساعي بريد أن يوصل بريده في أوقات معينة. وأقام في كل منزل من منازل البريد موظفاً خاصاً يوقع للساعي على ورقة رسمية خاصة بمهر رسمي نقشت عليه علامة خاصة شهادة بأنه وصل في الوقت المعين، وإلا عوقب الساعي إن أهمل أو تأخر.
وأمر «غازان» بأن يعطى كل رسول نفقات طريقه وأن تبنى للرسل منازل خاصة لإقامتهم. وجعل حق إرسال الرسل مقتصراً على الإيلخان ونوابه، ولا حق لغيرهم به. ووضع في كل مركز لخيل البريد ساعيين، لإبلاغ الأخبار من مركز إلى مركز عند الاقتضاء. وكان أحدهم يسير في اليوم ثلاثين فرسخاً.
3 ـ في شهر شعبان سنة 698هـ عمم «غازان خان» مرسوماً على جميع البلاد الإيلخانية بمنع الربا على القروض، وأمر المخاتير والحكام بمعاقبة المخالفين لهذا الحكم. وقد حمله على إصدار هذا المرسوم أن جماعة من التجار جلبوا في عهد «أباقا خان» مقداراً من الأسلحة من سهام وأقواس وسيوف ودروع وجواشن إلى أحد المقيمين على السلاح وعرضوها بواسطته على الإيلخان، فأعطاهم الإيلخان ثمناً لها مبلغاً من المال عطاء جزافاً عاد عليهم بنفع عظيم.
ومن ثم قامت جماعة أخرى من المفلسين باقتراض الذهب بالفائدة من هذا وذاك ومعاودة مثل هذه الصفقة. وشيئاً فشيئاً راجت عملية المتاجرة بالأسلحة بشرائها وبيعها لـ «أباقا» بتوسط القيمين على السلاح بهذه الصورة حتى وصل الأمر إلى أن أمر الإيلخان بأن يحمل كل واحد من هؤلاء التجار إلى الديوان السند الذي يكتبه له القيمون على السلاح بتحويل بضاعته هذه إلى الديوان، فيكتب له الموظفون الديوانيون حوالة على الخزانة بنفس المبلغ المعين في سنده.
وأدى هذا الوضع إلى أن أقدمت جماعات كثيرة من الناس على اقتراض الذهب بالفائدة وحمل الأسلحة إلى القيمين على السلاح ورشوتهم لأخذ سند منهم بتحويلها إلى الديوان. وكان موظفو الديوان على علم بذلك فلا يعطونهم حوالة بثمنها ما لم يرشوهم أيضاً. وجر ذلك إلى أن أخذ الكتاب العارفون باللسان المغولي يكتبون من عندهم سندات عن لسان القيمين على السلاح ثم يكتبون للتجار حوالات بالمبلغ الذي رقموه على السند، وذلك مقابل رشوة يدفعها إليهم التجار، حتى وصل مقدار الحوالات التي بأيدي الناس في مدة قصيرة إلى حد لا تكفي معه جميع عائدات البلاد الإيلخانية لأدائها. وفي عهد وزارة «الخواجة شمس الدين الجويني»، إذ أصبحت هذه المسألة سبباً في مشقات كثيرة، لاقى هذا الوزير عناء كبيراً في إقناع حملة الحوالات هذه بمصالحتهم على كل ألف دينار بمائتي دينار، منها أيضاً مائة دينار بدل أتعاب الوزير. وبذلك تمكن من جميع هذه الحوالات من أيدي حامليها.
وفي عهد «كيخاتو» ووزارة «الصدر جهان الزنجاني» راج التعامل بالربا رواجاً كلياً، وذلك بسبب قلة المال. فقد أبلغ عمال الولايات المقاطعون على ضرائب أقاليم حكمهم الوزير الزنجاني بأن لا مال لديهم لتأدية ما تعهدوا بأدائه من مال الضرائب. وإذ كانت الخزانة في أشد الحاجة إلى المال فقد اقترحوا أن يقترضوه، دراهم وبضاعة، من الأثرياء والتجار، بشرط أن يتحمل الديوان ما ينتج عن هذه المعاملة من خسارة. فقبل «الخواجه صدر جهان» اقتراحهم، وشرعوا بإنفاذه. ولكنهم كانوا يقترضون البضاعة التي تساوي عشرة دنانير بثلاثين ديناراً ويحسبونها على الديوان بأربعين ديناراً، ثم يبيعها موظفو الديوان بما تساويه من ثمنها الحقيقي، وهو عشرة دنانير، يقتطعون منها لأنفسهم أربعة دنانير، ويدفعون إلى «صدر جهان» ستة دنانير مدعين أنهم لم يستطيعوا بيعها بأكثر من هذا الثمن. وهكذا يسجلون في حساباتهم دخل الديوان منها أربعين ديناراً لا يصل إليه منها غير ستة دنانير. وعلى هذا الشكل انجرّت الأحوال المالية في حكم «كيخاتو» إلى الخراب والفساد، وانتهت أيام ملكه ووزارة «صدر جهان» إلى إصدار «الشاو» والوهن والانحلال.
وقد رفع «غازان» كل هذه المفاسد وأزال هذا النوع من المعاملات التي انتهت إلى الخراب بإصدار المرسوم الآنف الذكر.
4 ـ قبل تملك «غازان» كان كل من حكام بلاد الروم وآذربيجان وفارس وكرمان وكرجستان ومازندران يسك نقوده بعيار مختلف عن الآخر. ومن ثم لم يكن عيار النقد واحداً في كل البلاد الإيلخانية، فسبب هذا الأمر اختلالاً في المعاملات وأضر بالتجار وكان مبعث نزاع وجدال في أمور التجارة.
وأصدر «أرغون خان» في أيام حكمه مرسوماً بجعل عيار الذهب والفضة 10/9 وأقر «كيخاتو» هذا المرسوم أيضاً. ولكنه ظل غير نافذ لم يطعه أحد لعجز الإيلخانات. فلم يتجاوز عيار الذهب والفضة 10/8 قط.
وقد أمر «غازان» بجمع النقد المغشوش من كل البلاد ومنع تداول نقد غير النقد الذي أمر بضربه. وكان موظفون مخصوصون يضبطون كل نقد لا يكون على هذه الصفة فيكسرونه ويحولونه إلى دار الضرب لسكه نقداً صحيح العيار.
فما مضت سنة حتى كان تداول النقد الغازاني يعم كل البلاد الإيلخانية. واختفت النقود المغشوشة. وكان هذا النقد منقوشاً عليه اسم «غازان» وكلمة التوحيد واسم المدينة التي ضرب فيها. ونتج عن جهوده في هذا المجال وخلوص نقده من الغش وتوافر الذهب والفضة في المعاملات، بعد أن قل وجودهما مدة طويلة في أيدي الناس والتجار بسبب حملهما إلى الهند أو إنفاقهما في حياكة الأقمشة الغالية.
وضرب «غازان» نقداً آخر خصوصياً غير النقد الشائع، وسماه «درست طلا» أي «النقد الإبريز» بوزن مائة مثقال، ونقش عليه اسمه واسم البلدة التي ضرب فيها وبعض الآيات القرآنية وأسامي الأئمة الاثني عشر. وعرف هذا النقد بالجمال والنقاء. وكان «غازان» يخصصه للهبات والإنعام.
5 ـ قبل «غازان» كان لكل ولاية، بل لكل مدينة وكل قصبة، موازين ومكاييل خاصة بها مختلفة عن غيرها. ومن ثم كان بين المدينة والمدينة وبين القرية والقرية تفاوت كبير في مقادير الوزن والكيل. وسبّب هذا الوضع منازعات بين حملة الحوالات وبين جباة الضرائب وبين هؤلاء وبين المكلفين. وأصبح ذريعة في يد عمال الجور إلى ظلم الناس بمطالبتهم بأكثر مما هم مكلفون به. وكثيراً ما كانوا يجلدون الناس ويعذبونهم ليحصوا منهم أي مبلغ أرادوه متعللين باختلاف الموازين والمكاييل. وسبّب فوق هذا تأخر أعمال التجارة وإعراض الناس عن حمل بضائعهم إلى الولايات أيضاً إذ كان البائع والمشتري يختلفان في قضية الوزن لاختلافها بين بلد وآخر، وتنتهي المعاملة، في الغالب، بالإضرار بالبائع، واستلزم هذا الأمر ندرة المال في أكثر الولايات.
فأصدر «غازان» مرسوماً بتوحيد الموازين والمكاييل والمقاييس وبعث منه نسخاً إلى جميع الولايات. وعين موظفين اثنين مخصوصين لجعل معايير الذهب والفضة وموازين الحمولة والمكاييل متساوية في كل مكان، وأن يصوغوها من الحديد ويمهروها بمهر رسمي، ومن أجل ذلك أمر بإنفاذ الأوامر التالية:
يجب أن يكون معيار الذهب والفضة موازياً للوزن الرسمي المعمول به في تبريز ويكون مثمن الشكل، وأن يعين اثنان في كل ولاية من الولايات من قبل موظفين أعلى رتبة. ويختاران شخصاً أميناً يأمرانه بصنع المعيار طبق معيار تبريز بحضور المحتسب، ثم يمهر ذانك الموظفان المعيار بالمهر الرسمي. ولا يسمح لأحد آخر بصنع معيار غير هذا الشخص. وعلى هذين الموظفين إثبات اسم من يسلمانه هذه المعايير في دفتر خاص فلا يستطيع غيره صنع معيار مزور لاستعماله. وتجمع كل المعايير مرة في كل شهر فتفحص وتوزن فإن وجد فيها تلاعب عوقب الفاعل.
وتقرر صنع معايير لوزن الأحمال من الحديد مثمنة الشكل مطابقة لمعايير تبريز وتمهر على نحو ما تمهر معايير الذهب والفضة. وتقسم مقاديرها هكذا:
10 أمنان([207])، و5 أمنان، ومنان، ونصف من، وربع من، وثمن من، و10 دراهم([208]) و5 دراهم، ودرهمان، ودرهم واحد. وصنعت قبابين لوزن الأحمال الثقيلة التي يتجاوز وزنها عشرة أمنان. ويمكن أن يوزن بالقبان منها حمل من مائة من.
وأمر «غازان» بنسخ جميع المكاييل المعمول بها وكانت معروفة باسم «كيل» و«قفيز» و«طغار» وغير ذلك، فلا يبقى منها غير المكيال المطابق لمكيال تبريز فقط، يستعمل في جميع الولايات وزنته منان اثنان أو 260 درهماً، وكل عشرة مكاييل تعادل زنتها «خرواراً»([209]) واحداً.
وجعل لكل نوع من أنواع الحبوب كالحنطة والشعير والأرز والحمص والفول والسمسم والجاورس مكيالاً خاصاً، يكتب على أربعة أطرافه اسم الغلة المخصص بها، وتمهر كلها على نحو ما ذكر آنفاً، وكذلك تجمع مرة في كل شهر للفحص والتدقيق، فمن خالف سلّم إلى الشحنة لمعاقبته بقطع اليد وأداء غرامة. وأمر أيضاً بصنع مكاييل خاصة بالسوائل كاللبن والخل والدهن.
6 ـ إذ كان أكثر القرى والقصبات قد أصبح خراباً وبار أكثر المزارع بعد استيلاء المغول على البلاد، وبسبب الحروب التي وقعت في عهود الإيلخانات، وظلم عمال الديوان وتعديهم، فقد أراد «غازان» تشجيع الناس على الإعمار وإحياء الأرض، فأصدر أمراً بأن من أحيا أرضاً وعمرها وكانت هذه الأرض متصلة بنهر جار لا مشقة في سقايتها منه يعفى في السنة الأولى من الضريبة، المقررة. وفي السنة الثانية ليستوفي منه جزء منها. وفي السنة الثالثة يستوفى منه كل الضريبة.
فإذا كانت الاستفادة من ماء النهر تقتضي مشقة ونفقة يعفى معمر الأرض في السنة الأولى من أداء الضريبة كلها وفي السنة الثانية يؤدي نصف الضريبة وفي السنة الثالثة يؤدي كل الضريبة. وإن كان إحياء الأرض وإعمارها يقتضي مشقة أكبر ونفقة أكثر يعفى في السنة الأولى من أداء الضريبة وفي السنة الثانية يؤدي جزءاً منها، وفي ما بعدها من سنوات يؤدي نصف الضريبة ويبقى له النصف الآخر بدل أتعاب وتصبح المزرعة ملكاً شخصياً له يتصرف بها كما يشاء.
وكانت الأملاك الإيلخانية الخاصة قد خربت قبل عهد «غازان» خراباً كلياً، واستولى الحكام على بذارها. فأمر «غازان» بإعطاء الحكام مبلغاً من ضرائب الولايات ثمناً للبذار ونفقات الزراعة على أن يؤخذ منهم الحاصل في السنة التالية. وأراد بعض الحكام في السنة الأولى الامتناع عن تأدية الحاصل متعللين بوقوع آفات في الزرع وتلفه قبل نضجه، فأمر «غازان» بمصادرة أملاكهم ووضعها في تصرف الديوان فصودرت. وبذلك عادت تلك الأراضي البائرة إلى الازدهار وأديت محاصيلها كلها.
7 ـ كانت طرق التجارة قبل عهد «غازان» مخوفة خطرة. وذلك بسبب غارات قطاع الطرق. ومن ثم كانت أموال المسافرين والقوافل التجارية معرضة للسلب والغارة دائماً. وكان محافظو الطرق متواطئين هم وقطاعها. وكان لهم مخبرون من أهالي المدن والقرى يعلمونهم بمواعيد سفر القوافل. فإذا سارت القافلة وقفوا في طريقها. فأخذوا منها أولاً مبلغاً من المال ضريبة محافظة الطريق. ثم يؤخرون سيرها بحجة وجود اللصوص وقطاع الطرق إلى أن يصل شركاؤهم من اللصوص وينهبوا أموال المسافرين والتجار.
وقد أمن «غازان» الطرق واعتقل قطاعها وعاقبهم، ووضع في المنازل الخطرة محافظين أمناء، وقرر مقداراً معيناً من المال على كل دابة ضريبة المحافظة. وجعلهم مسؤولين عن أمان الطرق. فإن وقعت سرقة في طريق ما فعلى المحافظ الذي فيه أن يقبض على السارق، وإلا غرم مقدارها. وأمر بوضع قواعد من الحجر والجص في أوائل الطرق تنصب فوقها لوحات يكتب عليها عدد الحراس المقرر لها ومقدار الضريبة عن كل دابة.
8 ـ كان ملازمو الحاشية الإيلخانية وجمالوهم ومراسيلهم، قبل أيام «غازان» أينما حلوا أخذوا من المتمولين مبلغاً من المال لنفقتهم. وكثيراً ما تتكرر طلباتهم في اليوم الواحد ثلاث مرات أو أربع مرات إذ يحضرون جماعة بعد جماعة. وكانوا يستولون على كل شيء أرادوه مما في أيدي الناس بالعنف والجور.
فأمر «غازان» منادين ينادون في أسواق المدن بأن لا يعطى الملازمون والمراسيل والجمالون بعد اليوم شيئاً من المال بوجه من الوجوه. وكان إذا سمع بأن أحداً أخذ من أحد شيئاً بالتعدي استرده منه وعاقب المعتدي بالضرب بالدبوس. ويشتري ما يحتاج إليه هو ومعسكره من اللوازم بسعر عادل أينما حل. ولا يتعرض أحد من رجاله لأحد من الرعية بسوء.
9 ـ من إصلاحات «غازان» أيضاً تنظيم إصدار المراسيم والإنعامات الفخرية التي كانت تعطى كما تعطى الأوسمة في أيامنا. فقد كانت قد وصلت قبل عهد إلى حال كريهة من التشويش والتناقض والابتذال والمحسوبية فأمر «غازان»:
أولاً: لا يعرض على أحد من الرؤساء والوزراء ومقربي الدولة شيء من المهام الملكية في مجلس شراب.
ثانياً: يُحتفظ بنسخة من كل ما يصدر من الأحكام، وتعرض هذه النسخة على الإيلخان لإصدار مرسوم بالحكم مطابق لها.
وكان «غازان»، بخلاف من سبقه من الإيلخانات، يحتفظ معه بمفتاح علبة يضع فيها المهر الكبير (تمغا). فإذا جيء بالمراسيم لختمها أعطى المفتاح الكتاب المعتمدين فأخرجوا المهر من العلبة ومهروا المراسيم ثم أعادوه إليها وسلموا المفتاح إلى «غازان».
وأمر بتهيئة سجل تكتب فيه نسخ عن المراسيم مع ذكر اسم الكاتب الذي خطها وتاريخها ومضمونها واسم الذي جاء بها، وأمر بتجديد هذا الدفتر في كل سنة.
وكانت كيفية ختم الحوالات والمراسيم أن يمهرها «غازان» في ظهرها بالختم الملوكي المحبر بالمداد الأسود (قراتمغا). وهذا الختم نقش عليه شكل رؤوس أربعة من الجنود المعروفين باسم «قراول»، وهم الحراس المراقبون. ثم يرسلها إلى موظفي الديوان فيمهرونها بختم الديوان أيضاً. وكل مرسوم أو حوالة لا تحضر على هذا الشكل تكون غير معتبرة.
وكان لـ «غازان» أختام متعددة وهي:
المهر الكبير وهو من اليشب، خاص بمراسيم تعيين السلاطين والملوك على حكوماتهم والأمراء على إماراتهم.
المهر الصغير وهو من اليشب أيضاً إلا أنه أصغر من المهر الأكبر وتمهر به مراسيم تعيين القضاة والعلماء والمشايخ.
مهر كبير من الذهب (آلتون تمغا) تختم به الأوامر والقضايا المتوسطة الأهمية من شؤون الدولة.
مهر صغير من اليشب تختم به الأوامر والقضايا الجزئية.
مهر من الذهب يختم به ما يتعلق بالجيش من الأمور. وعليه نقشت صورة قوس ودبوس وسيف. ولا يجوز لجنود الجيش إطاعة أحد أو اتباع أمره بالتقدم أو التراجع إلا أن يريهم هذا الختم على مرسوم بيده.
كان كتَّاب الديوان يسجلون، بأمر من «غازان»، نسخاً عن جميع الأحكام والمراسيم التي صدرت بالأمر الإيلخاني في الدفاتر، لتعرض عليه في الوقت المعين ثم تمهر بالمهر الملوكي المحبر بماء الذهب (آلتون تمغا). وقد تبين «غازان» بعد مدة قليلة أن عرض هذه النسخ كلها عليه أمر غير ممكن، نظراً لكثرة المهمات واختلاف شعب الأعمال، وأن ذلك يسبب عرقلة سير الأمور. فأمر بأن يهيئ الكتاب نسخة عن كل مشكلة أو مهمة تقتضي التسجيل فتعرض على الوزراء والأمراء لإصلاحها، ثم تعرض عليه. وأمر بجمع هذه النسخ في دفتر خاص رسمي عرف باسم «قانون الأمور» يرجع إليه الكتاب لاستنباط الأحكام عند الحاجة. فإن اقتضت الحال تغييراً لشيء فيه، كتبوا على ورقة على حدة صورة التغيير المراد إحداثه وعرضوه على الإيلخان للموافقة عليه. وبهذا انتظمت صور الأحكام والمراسيم وارتفع تناقضها.
كان الإيلخانات يصوغون سمة خاصة من الذهب أو غيره تعطى لمن يراد تعيينه حاكماً، ويكون إعطاؤه إياها في حكم صدور المرسوم بتعيينه. ولا تستعمل لغير هذه الغاية وتعرف باسم «بايزه». وكان الحكام، قبل عهد «غازان» إذا عزل أحدهم من منصبه بقيت هذه السمة معه لا تسترد منه. ومن ثم كان الحكام المعزولون يظلون مدة طويلة يتحكمون بالناس، إذ هم يحملون هذه السمة ويدعون لأنفسهم منصب الحاكمية به. فأمر «غازان» بجمع هذه السمات كلها وإبطال استعمالها، وصياغة سمات جديدة أكبر منها ينقش عليها شكل رأس أسد وينقش اسم الشخص الذي يعين حاكماً على القطعة التي يعطاها منها. وتسجل أسماء الحكام المعينين في دفتر خاص. فإذا عزل أحدهم استردت منه السمة. وضربوا سمة أخرى أصغر حجماً لمن هم أقل درجة من الحكام. وعهد بصياغة هذه السمات إلى صائغ أمين يقيم في المعسكر. وضربوا سمة أخرى للرسل يحملها الرسول ما دام قائماً بمهمة، فإذا عاد من مهمته استردت منه.
10 ـ وأصدر «غازان» أمراً بمنع شرب الخمر والعربدة في الشوارع العامة. وجعل جزاء من يعصي هذا الأمر أن يطاف به في الأزقة والشوارع ثم يعلق على شجرة([210]).
وأصدر مراسيم متوالية عممها على الولايات بمنع الناس من التجديف والتفوه بكلام الكفر. وأمر بأن لا ينسب أحد إلى كفاءته وخبرته ما يناله هو أو ما يناله معسكر هو جزء منه من تقدم، بل عليه أن يعتقد بأن كل توفيق هو من الله تعالى. وبخلاف ذلك عليه أن لا ينسب كل شر ينتج منه إلى أحد غير نفسه.
وأمر بتخفيض مهر العرائس، فلا يتجاوز تسعة عشر ديناراً ونصف دينار. لئلا يتعسر الطلاق بسبب غلاء المهر إذا لم يحصل توافق بين الزوجين.
11 ـ وكان من أهم إصلاحات «غازان» تنظيم أمور القضاء في المعاملات العرفية والمرافعات والشهادة وانتخاب القضاة. وهي أمور كانت مهملة قبله. فراجت سوق التزوير والتلاعب في انتخاب القضاة، وأقدم هؤلاء على أخذ الرشوة. وقلما فُصل في مسألة بمقتضى العدل والإنصاف. وكان القضاة يؤجرون مناصبهم، وشاعت غشية الشهادات الكاذبة وتزوير السندات وإعطاء الرشوة وتقليد الخطوط.
فعزم «غازان» على إصلاح هذه العادات القبيحة وتنظيم المعاملات والمرافعات فأصدر أربعة مراسيم أحدها في موضوع منصب القضاء، وآخر في موضوع مرور الزمان والسكوت عن الادعاء مدة ثلاثين سنة، وآخر في إثبات ملكية البائع قبل البيع، وآخر في توكيد هذه المراسيم وإكمالها.
قال في «حبيب السير» في موضوع أحكام «غازان خان»:
«لا يجوز لأحد من الحكام والأمراء والوزراء أن يُحضر القاضي إلى منزله للفصل في قضية تتعلق به، بل يجب على كل إنسان أن يحضر بنفسه إلى دار القضاء في هذه الحالة. ولا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئاً من أحد بوجه من الوجوه».
«وعلى القاضي إذا كتب سنداً جديداً بدلاً من سند قديم أن يغسل السند القديم في «طاس العدل». وكل سند مر على كتابته أكثر من ثلاثين سنة يلغى. وكل من أقدم على تزوير تحلق لحيته ويركب على بقرة ويطاف به في المدينة. وإن جاء المدعى عليه إلى دار القضاء بأحد من المتنفذين ليستقوي بهم فعلى القاضي أن يمتنع عن النظر في قضيته ما لم يخرج هؤلاء».
وعين الحقوق والواجبات في مراسيم القضاء هذه بتفصيل. وحدد صلاحيات القاضي وصفاته، وكيفية المحاكمة والاحتكام. ومن هذه المراسيم مرسوم مفصل في موضوع الملكية والتصرف بالملك على نحو يمنع التزوير والغش وغير ذلك من شؤون القضاء. ومهر هذه المراسيم بالمهر الملكي وأرسل نسخاً عنها إلى جميع القضاة، وأخذ من كل واحد منهم تعهداً خطياً بالتزام حدودها واجتناب كل ما يخل بعدالة القضاء.
ونقل في «حبيب السير» هذا النص من أحد تلك المراسيم:
«إذ كانت همتنا مقصورة دائماً على أن يكون الفصل في أمور الجمهور على نهج العدالة وعلى رفع أسباب النزاع من بين الناس وإقرار الحقوق في مواضعها، فقد سددنا باب التلجئة والتزوير، وأمرنا أكثر من مرة بحضور القضاة والعلماء، أن يكون الفصل والقطع في قضايا الناس على مقتضى الشريعة الغراء، مبرءاً من شوائب التزوير والمداهنة.
ووقع «غازان» هذا المرسوم في الثالث من رجب سنة تسع وتسعين وستمائة. وأمر بإرسال نسخ منه إلى قضاة جميع الممالك، وأخذت من كل قاض وثيقة بخطه وختمه بأن يتجنب التحيز والمداهنة والتلجئة والتزوير في الفصل في القضايا الشرعية وأن لا يستبيح تجاوز ما تتضمنه المراسيم المطاعة».
وأمر بأن يضع القاضي حين يجلس للقضاء أمامه إناء مملوءاً بالماء. وكل دعوى يفصل فيها يغسل صكوكها القديمة الملغاة في ذلك الإناء، وكان يسمى «طاس العدل».
وقد شاعت قبل أيامه عملية تزوير هي أن يبيع مالك ملكه أو يرهنه، ثم يبيعه أو يرهنه مرة ثانية لشخص آخر. فوضع قانوناً حاسماً يقضي على هذا التزوير فإن باع أحد ملكه أو رهنه لا يتكمن من بيعه أو رهنه مرة ثانية. وإن تبين أن أحداً أقدم على مثل هذا الفعل كان عقابه أن تحلق لحيته ويطاف به في أنحاء المدينة.
وجاء في «حبيب السير»:
«كان مضمون المرسوم الثالث أن من جملة معظمات الأمور الواقعة دعاوى باطلة تستند إلى سندات وسجلات قديمة. وبيان ذلك أن بعض المزورين كانوا يكتبون عدة سندات بملكيتهم لملك واحد. وأحياناً يكتبون سندات متعددة بملكيته باسم أولادهم. فإذا باعو هذا الملك أعطوا المشتري سنداً منها واحتفظوا بآخر عندهم. فإذا انتقل هذا الملك بعد ذلك من يد إلى يد، أبرز البائع الأول أو أحد ورثته السند الذي احتفظ به وادعى ملكيته، وأثبت دعواه بشهود زور. وقد أمرنا بأن كل من أراد بيع ملك له عليه أن يذهب أولاً إلى دار القضاء فيسجل إعلاماً بذلك ثم يثبت ملكيته للحك بشهود عدول ثم يتم البيع للمشتري، فإن كان لديه مستند سلمه إلى دار القضاء ويقر عند القاضي بأن كل سند يُبرزه بعد هذه المعاملة باطل لا يُسمع. وبعد ذلك يسجل القاضي محضراً بشرح هذه المعاملة».
«ولا يجوز لأحد غير كتاب دار القضاء أن يكتب سنداً. وعلى القضاة أيضاً أن يحصروا عمل الكتابة في أشخاص معينين يجعلونهم كتاباً لهم، فلا يجيزون لغيرهم تعاطي هذا العمل. وأجرة الكاتب درهم واحد على كتابة كل سند تجاري بمائة دينار وكل سند زاد عن المائة دينار أجرة كتابته دينار واحد، ولا يجوز للكتاب أن يطلبوا أجرة أكثر».
«وعلى قضاة الممالك، من شاطىء آموية إلى حدود مصر، أن يهتموا أكثر من المعهود بقضية تعديل الشهود وتزكيتهم. وأن لا يقتنعوا بعدالة أحد بمجرد رؤيتهم له ظاهر العدالة».
«وعليهم أن لا يختموا السجلات والسندات شاهدين بما فيها قبل تدقيق النظر كل التدقيق فيها لتنقيتها من كل شائبة بطلان وتزوير. وإذا كانت في يد كل من شخصين متحاكمين وثيقة تعارض الوثيقة الأخرى فعلى أثمة دار العدل وعلمائها التحقيق في هذه القضية كما ينبغي وغسل السند الباطل منهما في طاس العدل. وإذا لم يمكن الفصل في هذه القضية في مجلس واحد تودع الوثيقتان عند رجل أمين ولا تعادان إلى صاحبيهما إلى أن يتبين الحق وترتفع الشبهة ويزول الالتباس ويأخذ الحق مجراه».
«ولما مهر المرسوم الذي تضمن هذه الأوامر بالختم الملوكي أمر غازان بإرسال نسخ عنه إلى جميع الأمصار والبلدان. وبذلك تحقق الرواج وتم الرونق لشؤون ملة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ونقش القيمون على المناصب الشرعية شعار الأمانة والديانة على ألواح قلوبهم». اهـ.
12 ـ لم تكن مخصصات العساكر وأمراء الجيش من طعام ورواتب منتظمة على وضع صحيح قبل «غازان». وكل ما كان من ذلك هو أن بعض قواد الجيش كان يأخذ مقداراً معيناً من الغلة من الديوان.
فأمر «غازان» بتخصيص مقدار معين من المال راتباً للعساكر الذين يقومون بالخدمات القريبة. ويزاد مبلغ هذا الراتب في كل سنة. وإذ كانوا قبل «غازان» يكتبون استحقاق العساكر من الغلات حوالات على الولايات، وكانت هذه الحوالات لا تؤدى قيمتها غالباً بل تعاد إلى حامليها، ويسبب هذا الأمر مشقات كثيرة للعسكر وغير العسكر، فقد أمر «غازان» بأن تجمع الغلة الديوانية في كل ولاية من الولايات حين جني المحاصيل أكواماً في مكان معين بمعرفة رئيس الشحنة، فإن جاءت حوالة أدى رئيس الشحنة قيمتها فوراً من تلك الغلال، وكفى الناس المشقات.
وأصدر في سنة 703هـ مرسوماً يقضي بتعيين إقطاعات محددة لجميع العساكر يتناولون مخصصاتهم من عائداتها. وخلاصة هذا المرسوم:
أولاً: يعمل الفلاحون في الأملاك الإيلخانية والديوانية على النمط السابق. والحصة المكلفون بأدائها يعطونها العساكر.
ثانياً: إن كان في محلة أرض بائرة من الأملاك الديوانية فليزرعوها ويأخذوا حاصلها لنفقاتهم.
ثالثاً: لا يجوز التصرف بأملاك الوقف وأراضيه ومياهه بوجه من الوجوه. ولا يطلب منها مال.
رابعاً: إذا أحيا العساكر أرضاً مواتاً ثم ادعى أحد امتلاكها أو وقفها وأثبت مدعاه، فعلى مالكها أو متولي وقفها أن يؤدي إلى الديوان عُشر حاصلها، ويقسم الباقي مناصفة بينه وبين الزارعين.
خامساً: على الإقطاعيين الذين يعمل في أرضهم فلاحون كانت لهم في السابق أرض، وهي اليوم بائرة، أن يعيدوا هؤلاء الفلاحين إلى أراضيهم السابقة ليحيوها. وأن لا يسمحوا لهم بالعمل في إقطاعاتهم. وعليهم أن لا يمدوا يداً إلى ما يجاور لإقطاعاتهم من أرض، وأن يمتنعوا عن التصرف بمراعي الماشية.
سادساً: الأراضي التي عينت إقطاعاً للعسكر يتولى تقسيمها بالقرعة جماعة من أهل الخبرة مع أحد الكتاب بين الفرق العسكرية.
ويسجل الكاتب سهم كل فرقة في دفتر مخصوص ويرسل نسخة عنه إلى الديوان، ويسلم الدفاتر إلى أمراء الفرق.
سابعاً: لا يجوز لأحد بيع إقطاعه ولا هبته. فمن فعل ذلك يقتل. فإن مات صاحب الإقطاع انتقل إقطاعه إلى أحد أبنائه أو إخوته. فإن لم يكن له ولد ولا أخ انتقل إلى غلامه القديم فإن لم يكن له غلام انتقل إلى أحد يستحقه من العسكر.
وبعد إبلاغ هذه المقررات إلى المكلفين قام «غازان خان» باستعراض العسكر وتفتيشهم، فزاد في عددهم. ثم أرسل جماعة منهم إلى حفظ الحدود. وقرر أن يقوم باستعراض الجيش وتفتيش أسلحة أفراده وعتادهم ولوازمهم ولوازم دوابهم مرة في كل ثلاثة أشهر.
13 ـ كان لجماعة من صانعي السلاح قبل عهد «غازان» مخصصات سنوية يأخذونها ثمناً لتجهيز الجيش الإيلخاني بالسلاح. ولكنهم لم يكونوا يسلمون المقدار المقرر تسليمه في كل سنة، بسبب الإهمال وفقدان النظام. فأمر «غازان» بقطع هذه المخصصات عنهم، وأمر صانعي الأقواس والسهام والسيوف أن يسلموا في كل سنة ستمائة قطعة من السلاح ويأخذوا ثمنها حسب السعر القائم يوم تسليمها، وعين رجلاً أميناً يتسلمها منهم في كل سنة، وخصص ضرائب إحدى الولايات لأداء ثمنها. وبهذا التدبير أمكن تسليح 10000 رجل في كل سنة. وكانوا قبل عهده ينفقون على شراء السلاح ضعفي ما أصبحوا ينفقونه في هذا العهد، ثم لا يبلغ عدد المسلحين إلى ألفي رجل.
العمارات الغازانية
كان «غازان خان» من السلاطين البانين العامرين. أقام كثيراً من الأبنية والعمارات. كان رسم إيلخانات المغول قبل أن يدفنوا في مكان خفي بعيد عن العمران والأرض الزراعية. ويحرمون دخول أحد إلى أماكن قبورهم هذه أما «غازان»، وقد تدين بدين الإسلام، فقد أراد التشبه بالكبار من المتدينين وسلاطين المسلمين. فبنى لنفسه في حياته مقبرة في ناحية «شام تبريز» التي أصبحت تدعى بعد ذلك «شنب غازان» أو «شام غازان»، تقع على بعد ثلاثة أرباع الفرسخ إلى جنوب تبريز. ووقف للقبر أوقافاً يعيش من ريعها الصلحاء والزهاد والعباد يذكرونه بعد وفاته بالخير.
وأقام على القبر بناءًا عليه قبة من عجائب الأبنية الإسلامية. كانت إلى ذلك التاريخ أكبر وأعظم قبة بنيت في الممالك الإسلامية. بدئ ببنائها في السنة الثالثة من سلطنة «غازان» وانتهى بناؤها سنة 702هـ. كانت سماكة الجدران تعادل ثلاثاً وثلاثين لبنة متلاحمة. ووزن كل لبنة منها عشرة أمنان (30 كيلوغراماً تقريباً). واستخدم في البناء 14000 عامل، منهم 13000 عامل مداومون و1000 مساعدون. ويبلغ ارتفاع القبة 120 «كز»([211]) وطول الجدران 80 «كز». وطول الكتيبة على القبة وطول شرفاتها 10 «كز» وطاس القبة 40 «كز» ومحيطها 1530 «كز» وله شكل مضلع باثني عشر ضلعاً وعلى كل ضلع نقشت صورة برج من الأبراج.
وزينت القبة من الخارج ومن الداخل بكتابات ونقوش وخطوط جميلة جداً. واستعمل في نقش سقفها وحده ثلاثمائة منّ من اللازورد. وعلق فيها ثمانون قنديلاً من الذهب والفضة وزن كل واحد منها خمسة عشر مناً. وأحد هذه القناديل كان وزنه ألف مثقال من الذهب.
وبعد أن انتهى البناء وقف عليه أملاكه الخاصة في إيران والعراق، وولى عليها «الخواجه سعد الدين ساوجي» و«الخواجه رشيد الدين فضل الله». ثم أقام في أطراف القبر أبنية ضمها إلى البناء الذي أقيم عليه. وهي: المسجد الجامع والمدرسة الشافعية والمدرسة الحنفية وخانقاه للدروايش ودار السيادة، وهي خاصة لإقامة السادات فيها، والمرصد ودار الشفاء وبيت الكتب وبيت القانون، وهو بيت تحفظ فيه السجلات والقوانين التي وضعها «غازان»، وبيت المتولي، وهو بيت يقيم فيه رجل يتولى تدبير المنازل وتنظيم مصالح الناس وإسكانهم هناك، وبيت الحكمة، وهو مخصص لإقامة الحكماء وتعليم الحكمة، وبستان العدل وقصر العدل وحوض وحمام.
وعين «غازان» لقبره حفاظاً يتلون عليه القرآن، وعين خدماً لدار السيادة والخانقاه والحوض والحمام، وعين لدار الكتب بعض المتخصصين، وعين للمدارس ودار الحكمة والمرصد كثيراً من الأساتذة والمدرسين، وعين لدار الشفاء أطباء وكحالين. وجعل لكل واحد من هؤلاء راتباً، على أن يقوموا بعملهم بصورة دائمة. وشرط، علاوة على ذلك، أن يعطى الفقراء والمساكين في الخانقاه طعاماً في كل صباح وكل مساء، وأن يجتمع الصوفيون مرتين في الشهر ويقيموا حلقات الرقص والسماع.
وكانت عائدات الأملاك التي وقفها «غازان» على هذه المنشآت مائة تومان مغولي (مليون) في السنة وأنشأ ديواناً خاصاً لضبط حساباتها تحصيلاً وأداء، وعهد بإدارته إلى اثنين من كبار الأمراء هما «قور تيمور» و«ترنغاي».
وهذه هي شروط الوقف كما ذكرها صاحب «حبيب السير»:
* كل من كان من جماعات السادات والعلماء والحكماء أفضل وأكمل وأهل العصر يعطى منصباً ووظيفة في تلك البقاع المذكورة ويستوطن فيها، ولا يتغيب عنها لغير ضرورة شرعية.
* كل من يزور قبر الواقف ينزله خدام المقبرة ضيفاً في جوسق([212]) العادلية والواقع بالقرب من تلك البقعة. وتصرف نفقة ضيافته من عائدات الوقف.
* في الذكر السنوية لوفاة الواقف يصنع حساء كثير، ويجتمع علماء تبريز وأعيانها ومجاوروا البقاع المذكورة والمستحقون ليختموا القرآن له.
* في ليالي الجمعة تصنع حلواء في المسجد الجامع والمدارس والخانقاه وتوزع على ساكني تلك البقاع. وكذلك تصنع في العيدين وسائر الأيام المباركة حلواء وأطعمة لذيذة وتعطى المجاورين والمسافرين.
* أمر بتعيين خمسة معلمين وخمسة معيدين يجلسون في الكتاب يعلمون مائة طفل يتيم، لا يقلون عن هذا العدد، القرآن، ويعطى المعلمون والمتعلمون رواتب من الأوقاف. وكلما ختم طفل القرآن أهدي المعلم مبلغاً من المال وأهدي الطفل مبلغاً نفقة ختانه. وأمر بشراء مائة مصحف جديد للكتاب في كل سنة. وإعطاء خمس من ضعيفات النساء رواتب يُعِلْنَ بها أطفالهن.
* شراء ألفي فروة من جلد الغنم في كل سنة وتوزيعها على المستحقين.
* التقاط الأطفال الذين يلقي بهم بعض الضعفاء عند أبواب المعابد والخانقاهات وفي الطرقات واستئجار مربية لهم تتعهد شؤونهم بكل ما يحتاج إليه الطفل إلى أن يبلغوا سن الرشد.
* كل غريب يتوفى في تبريز ولا يترك شيئاً لتجهيزه يجهز ويكفن من مال الوقف.
* في كل سنة يُشترى بضعة أحمال من الحنطة والدخن وتنثر على أسطحة البقاع المذكورة لتأكلها الطيور، ويستمر نثرها ستة أشهر أيام البرد. ولا يصطد أحد هذه الطيور. فمن اصطادها فعليه لعنة الله.
* يوزع في كل سنة ألفا منّ([213]) من القطن المحلوج على خمسمائة أرملة من العاجزات، أي أربعة أمنان لكل واحدة منهم.
* قد يخرج مملوك أو أمة بجرة أو إبريق أو ما شابههما من الأواني لجلب الماء فيكسره ويخشى عقاب سيده. ولذلك يعين رجل أمين في تبريز يشتري للمملوك أو الأمة إناء عوضاً عن الإناء المكسور.
* تبلط الشوارع من جميع جوانب تبريز إلى مسافة ثمانية فراسخ بالحجر المصقول. وتعقد على الأنهار الصغيرة جسور ليستطيع الضعفاء عبورها بسهولة.
وكتب سبع وقفيات تشتمل على الشروط الآنفة الذكر، وثبتها بتواقيع القضاة والعلماء، وسلم واحدة منها إلى متولي الموقوفات، وأرسل أخرى إلى مكة المعظمة زادها الله تعظيماً، وأخرى وضعها في دار القضاة بتبريز وأمر بالمحافظة عليها، وأخرى إلى قاضي بغداد، وأرسل الثلاث الأخرى إلى أشراف النواحي يحتفظون بها، فإذا ضاعت إحداها أو بليت استعيض عنها بأخرى.
وأمر بأن يجدد قضاة بغداد وتبريز، حيناً بعد حين، الحكم بوقفية تلك الأماكن وصحة شروطها، بالقضاء الشرعي الشريف. وأن يشهد بحكمهم هذا شهود جدد. وأمر أيضاً بأن يكون أول عمل يقوم به من يعين في منصب القضاء هو تثبيت هذه الوقفية بتوقيعه. وبعدئذ يتفرغ للفصل في سائر القضايا». اهـ.
وجدد «غازان خان» أيضاً بناء مدينة «أوجان» في سنة 698هـ وشاد فيها أسواقاً وحمامات جديدة. وبنى خانقاه في همذان. وسور تبريز وشيراز وعمر قلعة تبريز سنة 702هـ. وكان طول سور تبريز 54000 قدم (قريب من أربعة فراسخ ونصف) وعرضه 10 «كز» ونصف، وله خمس بوابات كبار وثمان صغار.
السلطان محمد خدابنده أولجايتو
قلنا سابقاً إن «غازان خان» عين في حياته أخاه محمداً ولياً لعهده وخليفة له. ولكن هذا لم يكن في المعسكر حين وفاة «غازان» بل كان في خراسان مشغولاً بإدارة حكومتها. وكان الأمير «مولاي»، وهو من حاشية «غازان»، يطلعه سراً، على أوضاع المعسكر وتطلعات أمراء البيت المالك والأمراء المخالفين. وحذره أكثر ما حذره من «آلافرنك» بن «كيخاتو خان» وأفهمه أن هذا الأمير يسعى إلى منصب الإيلخان، ويساعده في ذلك «هرقداق» قائد جيش خراسان، وكان هذا زوجاً لبنت «قتلغشاه» ابن أخت «آلافرنك». فإن شاء محمد أن يجلس على العرش ويتابع إصلاحات أخيه فعليه أن يبدأ بالاستراحة من «آلافرنك» و«قتلغشاه».
وعقد محمد مجلس الشورى، بعد وصول الخبر بوفاة «غازان»، فرأى أن الصلاح في التخلص من «آلافرنك» و«هرقداق» قبل شيوع خبر الوفاة. فعهد بإنفاذ هذا الأمر إلى ثلاثة من رجاله. فاختلى هؤلاء بـ «آلافرنك» قبل أن يبلغه نبأ وفاة «غازان»، وبادره أحدهم بالسيف فضرب عنقه. وفر «هرقداق» ولكنه لم يلبث أن قبض عليه فقتل وقتل معه أخوان له وثلاثة أبناء. وبهذا استهل محمد عهده بالخلاص من شر عائلة عظيمة.
ثم توجه من خراسان إلى العاصمة تبريز، وقد تخلص من فتنة عدويه ودخل عسكرهما في طاعته وأقر الأمور في خراسان. وصحب معه عسكراً كثيراً وعدة من الرؤساء والأمراء الكبار مثل الأمير «مولاي» و«سونج» و«إيسن قتلغ» و«علي قوشجي» و«حسين بيك».
ووصل في الخامس من ذي الحجة سنة 703هـ إلى مدينة «أوجان». وهناك أقام مجلساً للعزاء بأخيه. وفي 15 ذي الحجة من تلك السنة جلس رسمياً على عرش الإيلخان. وجلس إلى يمينه «قتلغشاه» والأمير «شوبان» والأمير «فولادقيا» و«سونج» و«إيسن قتلغ». وجلست إلى يساره أميرات الأسرة الجنكيزية. ووقف في مقابله أمراء آخرون. واصطف العسكر وراء الفسطاط الإيلخاني الخاص.
واختار محمد لنفسه لقب «السلطان أولجايتو»، ومعناها «السلطان المعفو عنه». ولم يكن له من العمر يومئذ أكثر من ثلاث وعشرين سنة. وهو الثالث من أبناء «أرغون خان» وحفيد أخي «دوقوز خاتون».
ولما صار يظهر ميلاً إلى المذهب الشيعي، لقبه الشيعة بلقب «خدابنده» أي «عبد الله» فلقبه أهل السنة، للنكاية، بلقب «خربنده» أي «الحَمّار». وقد ذكر في كتب القدماء باللقبين.
وأصدر، بعد جلوسه بثلاثة أيام، مرسوماً أمر فيه بإقامة الشعائر الإسلامية ومراعاة القوانين الغازانية. وخلع على أمراء العسكر ورؤسائهم خلعاً كثيرة. وعيّن الأمير «قتلغشاه» في منصب القيادة العامة للجيش، وجعله صاحب المقام الأول بين رجال المملكة، وأمّره على الأمير «شوبان» و«فولادقيا» و«حسين بيك» و«سونج» و«إيسن قتلغ». وأقر الطبيب «الخواجة رشيد الدين فضل الله الهمذاني» في المنصب الذي كان فيه على عهد أخيه «غازان»، منصب الوزارة، يشاركه فيه «الخواجة سعد الدين محمد ساوجي» ويقوم أيضاً بإدارة الأمور الديوانية. وعهد بالأوقاف إلى «قتلغ قيا» و«بهاء الدين يعقوب». وكان سلطان مصر قد أرسل رسولين إلى «غازان» في أواخر عهده فأمر هذا بحبسهما عن العودة واحتفظ بهما عنده. فأطلق «خدابنده» سراحهما وألحقهما بخدمته.
واستقبل «أولجايتو»، بعد وروده تبريز سفراء «تيمور قاآن» (694 ـ 706هـ) خليفة «قوبيلاي قاآن» و«أولوس أوكتاي» و«جغتاي». ونتج عن هذا اللقاء استحكام علاقات المودة والاتحاد بين إيلخان إيران وبين امبراطور الصين وخلفاء «أوكتاي» و«جغتاي».
وغادر «أولجايتو» بعد قليل من الزمن تبريز إلى «مراغة» فتفقد مرصدها، وعهد بإدارته «أصيل الدين» بن «الخواجة نصير الدين الطوسي».
ثم عاد إلى تبريز، ومنها ذهب إلى «دشت موقان» ليشتو فيها. ومن «موقان» بعث برسولي سلطان مصر اللذين حررهما إلى ديارهما وبعث معهما رسلاً من قبله إلى السلطان المصري وعهد إليهم أن يطلبوا منه إطلاق «إيرنجين» أخي «سونج»، وكان أسيراً عنده، أسروه في الحروب الأخيرة التي وقعت بين «غازان» وبين المماليك. وحمل «أولجايتو» رسله أيضاً رسالة ودية إلى السلطان المصري.
وفي سنة 705هـ، أي السنة الثانية من حكم «أولجايتو»، أقدم «تاج الدين كورسرخي» نائب الأمير «هرقداق» وآخرون من النمامين على اتهام «الخواجه رشيد الدين» و«الخواجه سعد الدين» باختلاس الأموال الديوانية. فأمر «أولجايتو» الأمير «قتلغ» بالتحقيق في هذه القضية. وإذ ثبت له كذب «تاج الدين كورسرخي» ورفاقه وسوء نيتهم فقد أمر «أولجايتو» بمعاقبتهم. وعوقب «تاج الدين» بالقتل.
بناء السلطانية
كان «غازان خان» في أواخر عمره يفكر في بناء مدينة في مرج السلطانية حيث منابع نهري «أبهر» و«زنجان». والأول يجري منه إلى نواحي قزوين والثاني يتجه إلى «قزل أوزن». وبدأ العمل فيها بالفعل. ولكن العمر لم يمهله. فتابع «أولجايتو» عمل أخيه عازماً على إتمامه.
وكان المغول يسمون ناحية «السلطانية» الحالية «قُنْغُورْ آلانك». وكان مرجها مرعى لمواشيهم. وكان إيلخاناتهم ورؤساؤهم ينزلون فيها في تنقلاتهم بين العراق وآذربيجان. ولم يكن فيها أثر لعمران. وقد خط فيها «غازان» أساس مدينة. وشرع «أولجايتو» بإتمام بنائها سنة 704هـ وسماها «السلطانية». واستمر بناؤها عشر سنوات. فما حلت سنة 713هـ حتى كان ذلك المرج الخالي من كل بناء المسمى «قنغور آلانك» مدينة من أعاظم البلاد الإسلامية في الشرق، أقيمت فيها أبنية كثيرة ومدارس ومساجد وحمامات وأسواق، وسكن فيها خلق كثير من الناس من جميع الطبقات. وتقع على بعد خمسة فراسخ من «زنجان» وتسعة فراسخ من «أبهر».
وأمر «أولجايتو» بتسويرها بسور مربع طوله ثلاثون ألف قدم. وبلغت ضخامة جدرانه إلى حد أنه لو سار عليها أربعة فرسان يُجانِبُ كل منهما الآخر لوسعتهم. وبنى في وسطها قلعة كبيرة أشبه بالمدينة منها بالقلعة لعظمتها واتساعها. وحفر لنفسه فيها قبراً أقام عليه بناء وقبة، هما من أهم الأبنية ومن النماذج المعمارية الرفيعة في عهد المغول. وهي القبة المعروفة اليوم باسم «قبة الشاه خدابنده».
والقول المشهور أنه مدفعون تحتها في القبر الذي أقامه لنفسه في حياته. على أن هناك من يشكك في كونه مدفوناً في ذلك المكان، ويرى أن البناء والقبة أقيما لغرض آخر. وقد أصبحت أنا من هذا الفريق بعد زيارتي للسلطانية ورؤيتي للبناء والقبة، ما فصلته فيما كتبته عن تلك الزيارة.
واتبع «أولجايتو» في بناء السلطانية خطة «غازان» في بناء «شنب غازان» في تبريز. فبعد أن بنى المدينة وأقام بناء القبر أمر بأن يبنى في أطراف المقبرة سبعة مساجد، أنفق على بناء أحدها من ماله الخاص وبناه من المرمر والصيني. وبنى في السلطانية أيضاً أبنية خيرية أخرى كثيرة، منها مستشفى باسم «دار الشفا» وصيدلية و«دار السيادة» وخانقاه، وبنى مدرسة كبيرة على مثال المدرسة المستنصرية التي في بغداد وأحضر إليها المدرسين والعلماء وأهل البحث والدرس من كل مكان. وبنى أيضاً قصراً لإقامته.
وشارك في بناء العاصمة الجديدة الرؤساء والوزراء من رجال «أولجايتو». منهم «الخواجه رشيد الدين»، تبرع من ماله الخاص ببناء محلة كاملة في السلطانية تشتمل على ألف بيت مع مستشفى ومدرسة خانقاه.
قال في «نفائس الفنون:
بنى أولجايتو لقبره بناءً فخماً جداً، رفع في أعلاه ثماني منارات. وأقام حواليه منشآت خيرية من جامع وخانقاه ومدرسة ودار سيادة مما لم يسمع بمثله ولا رأى نظيراً له أحد في الدنيا. ووقف على ذلك أملاكاً كثيرة نفيسة، كان يصل ريعها في عهد دولته إلى ثلاثمائة تومان.
وإذا كانت كل هذه الأعمال بتعليم وإرشاد من الوزير العالم العادل الصاحب الشهيد السعيد الخواجه رشيد الدين طاب ثراه، فقد عهد إليه «أولجايتو» بنيابة توليتها. فأمر بأن يعين لها عشرة مدرسين وعشرين معيداً ومائة من طلبة العلم وعشرين صوفياً واثنا عشر حافظاً وثمانية مؤذنين وأربعة معلمين. ورسم لكل مدرس خمسمائة وألف دينار، ولكل معيد خمسين وسبعمائة دينار، ولكل من طلاب العلم والصوفيين والحفاظ والمؤذنين والمعلمين عشرين ومائة دينار.
وخصص لدار الضيافة ثلاثمائة دينار في كل يوم. وخصص أكثر من مائة ألف دينار للرؤساء الملازمين لذلك المكان ولمجاوري الخانقاه وفراشيه وخدمه ولنفقات الأيتام ودار السيادة والمستشفى». اهـ.
وحمل «أولجايتو» إلى السلطانية جماعة من صناع تبريز وحرفييها وحرضهم على ترويج صناعاتهم وحرفهم. وبذل قصارى جهده في تجميلها وإعمارها حتى عادت بعد مدة قليلة أولى مدن الممالك الإيلخانية بعد تبريز. ولكن أسفاً أن اعتبارها هذا لم يطل، إذ لم تلبث أن انحط شأنها دفعة واحدة بعد «أولجايتو» و«أبو سعيد خان». وخربت بمثل ما عمرت به من السرعة. وجاء الأمير تيمور أيضاً فساوى ما كان قائماً من السلطانسة بالتراب، إذ كان عدو العمران ماهراً في تخريب البلاد على مثال «آتيلا» وغيره من رؤساء التتر. وظلت هذه المدينة من ذلك التاريخ إلى اليوم خراباً([214]).
فتح جيلان
ظلت ولاية «جيلان» الصغيرة، من حدود «أردبيل» و«خلخال» إلى حدود «كلاردشت» و«مازندران»، مستعصية على المغول من عهد «جنكيز» إلى عهد «هولاكو» وخلفائه من الإيلخانات، بسبب وعورة الطرق وكثافة الأدغال. فلم يستطيعوا وضع يدهم عليها في كل زمان استيلائهم على إيران.
وفي سنة 705هـ جاء إلى بلاط «أولجايتو» أحد أبناء الحاكم المغولي المشهور «أرغون آقا» ليبلغه خبر وفاة «خان أولوس جغتاي». وقد استغرب هذا الرسول عند «أولجايتو» أن يظل إيلخانات إيران، وقد تيسرت لهم كل هذه الفتوحات، عاجزين عن احتلال ولاية صغيرة مثل «جيلان» تقوم في جنب مقرهم، قاصرين عن كف يد الأمراء المحليين عنها، ويظل هؤلاء الأمراء إلى اليوم عاصين للمغول!.
وقد أثر هذا الكلام في «أولجايتو» حتى صمم على أن يصفى «جيلان» من وجود الأمراء المحليين ويستأثر لنفسه بمفخرة هذا الفتح الذي لم يستطع الحصول عليه أحد من خانات المغول. ومن أجل ذلك جهز في سنة 706هـ أربع فرق عسكرية وأرسلها من أربع جهات نحو طرق «جيلان» الوعرة على هذه الكيفية:
فرقة الأمير «شوبان» من طريق «أردبيل» و«طالش» وفرقة «قتلغشاه» من جهة «خلخال» وفرقة «طوغان» و«مؤمن» من طريق قزوين و«كلاردشت». والفرقة الرابعة، وقد تولى قيادتها هو بنفسه، من طريق «لاهيجان». وعلى هذه الخطة قرروا أن يكون الهجوم على «جيلان».
وكانت «جيلان» و«خلخال» إلى ذلك التاريخ في يد الأمراء المحليين، يتقاسموها فيما بينهم، و«خلخال» مثلاً لـ «شرف الدين الخلخالي» و«جيلان» الغربية التي على الساحل الأيسر من نهر «سفيد رود» وتشمل «كشكر» و«فومن» و«بيه بس» لامرأة من أسرة «إسحاق وند» المعروفون باسم «أمراء الدباج» أيضاً.
وعرفت هذه المرأة باسم «أميرة الدُّبّاج». وذلك أن العلامة محمود بن مسعود الشيرازي (634 ـ 710) ألف كتاب «درة التاج لغرة الدباج» باسمها فاشتهرت بهذا الاسم. وكانت هذه المرأة أوسع أمراء «جيلان» شهرة.
وأرسل «أولجايتو»، قبل أن يقدم على مهاجمة «جيلان» سفراء من قبله إلى أمرائها المحليين يدعونهم إلى الدخول في طاعته. فأرسلت إليه «أميرة الدباج» هدايا وأعلنته دخولها في طاعته، ثم جاءت بنفسها إلى معسكره، فأكرمها «خدابنده» واحترمها. واقتدى بها سائر أمراء «جيلان» فقبلوا بما قبلت به.
ولكن هؤلاء الأمراء لم يلبثوا أن تبينوا أن الرؤساء من رجال «أولجايتو» يطمعون في الاستيلاء على هذه الولاية لما فيها من ثروات عظيمة وما كانت توصف به حاصلاتها من نفاسة، ولا سيما حريرها. ومن ثم أخذ هؤلاء الأمراء يتوقعون حصول أحداث لا نهاية لها ويحسبون لها ألف حساب. وترتب على ذلك أن أخذوا يتمردون شيئاً فشيئاً ويتهيؤون للدفاع عن أملاكهم الموروثة وأموالهم وسمعتهم.
وذهبت «أميرة الدباج» إلى مقرها في «فومن» من غير أن تستأذن «أولجايتو». فأغضب هذا العمل «أولجايتو»، وصمم على الاستيلاء على «جيلان» من الحدود الأربعة وقسم جيشه إلى أربع فرق.
وكان فتح هذه الولاية يبدو في أول الأمر شيئاً هيناً بسبب صغرها وقربها وهوان أمرائها المحليين. ولكنه لم يلبث أن بدا عملاً شديد الصعوبة. فمن جهة كان يعرض عسكر «أولجايتو» للمشقات والأخطار في كل خطوة يخطونها، بسبب وعورة الطرق وعوائق أخرى لا تحصى كالغابات والعقاب والأمطار والوحول.
ومن جهة أخرى كانت بطولة أهل الولاية في دفاعهم عن أرواحهم وأموالهم توقع في عسكر «خدابنده» الهزيمة في تلو الهزيمة. وإنه، وإن يكن «أولجايتو» قد انتهى به الأمر إلى فتح «جيلان» وإخضاع أمرائها وإجبارهم على إعطاء الجزية، إلا أن ذلك قد أوقع به خسائر جسيمة في أرواح جنده. وكان بين القتلى «قتلغشاه» القائد العام لجيشه ورجل مملكته الأول.
وفي هذا الهجوم على «جيلان» احتل الأمير «شوبان» حدود «كسكر» بسهولة. ثم التحق بعسكر «أولجايتو» في «لاهيجان» قبل وصول هذا إليه، حاملاً معه بشرى الفتح والنصر. أما «قتلغشاه» فقد استسلم إليه «شرف الدين الخلخالي» حاكم «خلخال». وأراد العبور إلى «طالش» فمنعه «شرف الدين» من ذلك لوعورة الطرق إليها، وهي طرق واقعة في مضائق جبلية صعبة. ولكنه اغتر بقوته وطمع بأموال الناس التي فيها فلم يصغ إليه، وسار إليها وبعث بالأمير «فولادقيا» يتقدمه بطليعة جيشه.
والتقى هذا بعسكر «الأميرة دباج» ووقعت معركة انكسر فيها عسكر الأميرة ثلاث مرات. وعندئذ طلب الجيلانيون الصلح. ولكن «قتلغشاه» رفض طلبهم بتحريض من ابنه وواصل تقدمه وبعث بابنه مع الأمير «فولاد» لمواصلة الحرب. إلا أن عسكر الأميرة هزمهما وترك عسكرهما يتمرغ في الطين والوحل. فتقدم «قتلغشاه» يريد الانتقام فقتله أحد الجيلانيين، وفر عسكره تاركاً وراءه غنائم كثيرة للجيلانيين.
وأما الأمير «طغان» والأمير «مؤمن»، وقا سارا إلى «جيلان» من جهة «كلاردشت» و«رستم دار»، فقد استوليا على حدودها الشرقية بسهولة، ثم ذهبا إلى «أولجايتو» في «لاهيجان». وكان هو أيضاً قد أخضع حاكمها وأدخله في طاعته. وأقام «أولجايتو» صلاة شكر على هذا الفتح.
وقد أدخل خبر مقتل «قتلغشاه» السرور على قلوب جميع الأمراء. ولكن «أولجايتو» اغتم له غماً شديداً. وأمر بأن يسير الأمير «الشيخ بهلول» والأمير «أبو بكر» بثلاثة آلاف جندي إلى «جيلان» الغربية لإخضاع أهاليها. ثم أتبعهما الأمير «حسين بيك» والأمير «سونج». ووقعت بين هؤلاء الأمراء المغوليين وبين أهالي الإقليم حروب طاحنة انتهت بانتصار الأمراء فأغاروا على «رشت» و«فومن» و«تولم» نهباً وسلباً وتخريباً، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وعادوا إلى «أولجايتو».
وبعد أن سيطر «أولجايتو» على «جيلان» وأخضع أمراءها فرض على كل واحد منهم إرسال مقدار من الحرير جزية في كل سنة إلى المعسكر الإيلخاني، وأن يعدوا أنفسهم ابتداءاً من هذا التاريخ إلى ما بعده أتباعاً له.
ثم أمر بمعاقبة ابن «قتلغشاه» بالجلد مجازاة له على فراره. ونصب الأمير «شوبان» في مقام «قتلغشاه» قائداً عاماً للجيش. وعاد إلى «السلطانية» مصطبحاً معه جميع أمراء «جيلان»، وقد خضعو لطاعته.
أولجايتو والتشيع
كانت أم «أولجايتو» من قبيلة «كرائيت» النصرانية. وقد عمدته حسب الطقس النصراني باسم «نيكولا». وظل «أولجايتو» على هذا الدين إلى وفاة أمه واتخاذه زوجة مسلمة. وقد حسنت له زوجته هذه الدخول في دين الإسلام فقبل منها. واختار المذهب الحنفي من بين المذاهب السنية الأربعة، لما كان لعلماء خراسان الأحناف من نفوذ، وأعلن إسلامه رسمياً ونقش اسم الخليفة الأول على النقود بتحسين من أولئك العلماء.
وقد جعل تعلق «أولجايتو» بالمذهب الحنفي علماء هذا المذهب يشتدون شيئاً فشيئاً في إظهار التعصب لمذهبهم والطعن في المذاهب الإسلامية الأخرى وإيذاء أهلها، مع أن «أولجايتو» نفسه لم يكن متعصباً. ولذلك قبل أن يعين «نظام الدين عبد الملك المراغي» الشافعي قاضي القضاة لإيران كلها، إذ حسن له ذلك «الخواجة رشيد الدين فضل الله». وبذلك أصبح جميع الإيرانيين من أهل المذاهب كلها يأتمرون بأمره.
فلما اختير «الخواجة نظام الدين» لهذا المنصب الجليل اشتغل بنقض عقائد المذاهب الأخرى ورد آراء أهلها في الدين، وراجت سوق المناظرات، بل المخاصمات والمهاترات، المذهبية، خصوصاً يوم جاء ابن «صدر جهان البخاري» الحنفي إلى معسكر «أولجايتو» سنة 707هـ قبيل الزحف على «جيلان»، وأخذ يجادل قاضي القضاة الشافعي بأشد ما يكون من التعصب. فقد ازدادت الخصومة المذهبية يومئذ شدة حتى آل الأمر إلى إهانة الدين الإسلامي وابتذال هيبته. إذ كانت كل من الفرقتين، الشافعية والحنفية، ترمي الأخرى باتباع القبائح واعتقاد السخافات.
وفي رد كل منهما على الأخرى لم يكونوا يتورعون عن ذكر فضائح مذهبية ينسبها بعضهم إلى بعض، وإذ كانت هذه المنكرات التي يترامى بها الطرفان يستنتج منها أنها هي الإسلام الذي يدينون به، فقد أدى ذلك إلى تضايق رؤساء المغول، وخروج «أولجايتو» غاضباً من مجلس مناظرة قاضي القضاة وابن «صدر جهان».
وظل أمراء المغول حيارى حتى خاطبهم «قتلغشاه» بقوله: أي خبط هذا الخبط الذي خبطناه، إذ تركنا دين الأجداد والقانون الجنكيزي وقبلنا دين العرب، فوضعنا في أعناقنا ربقة دين يقوم بين علمائه اختلاف يصل إلى هذا الحد، فلا يتورعون عن المبادرة إلى كل قباحة وافتضاح. فالخير أن نعود إلى سنة أسلافنا وإحياء القانون الجنكيزي.
وقد انتشر خبر هذه الواقعة في المعسكر شيئاً فشيئاً، وأخذ نفور المغول في الإسلام وقادته يزداد، حتى أنهم أصبحوا كلما رأوا معمماً سخروا منه وعابوه، وامتنعوا عن إجراء عقود الزواج حسب الشريعة الإسلامية.
واتفق في تلك الأيام أن كان «أولجايتو» عائداً من «أران» إلى آذربيجان وعند وصوله إلى قرية «كلستان» نزل في عمارة صيفية من أبنية «غازان». وهناك هب إعصار شديد، وهلك بضعة رجال من مرافقيه بصاعقة وخاف «أولجايتو» فترك القرية وانطلق إلى السلطانية. وقال له جماعة من المغول: يجب أن يخطو السلطان فوق النار ليسلم من عاقبة وخيمة، حسب سنن النغول. فقبل «أولجايتو» وأحضر جماعة من كهان المغول لإجراء هذا الرسم. وقال له الكهان إن نزول هذا البلاء إنما كان من شؤم المسلمين والإسلام. فإن عاد السلطان عن هذا الدين تبدلت النحوسة بالميمنة.
وظل «أولجايتو» بعد ذلك ثلاثة أشهر متردداً لا يستقر على رأي. فقد قضى مدة من عمره مخلصاً في أداء الآداب والأحكام الإسلامية، فهو غير قادر على أن يخالف هوى قلبه ويهمل وصية أخيه دفعة واحدة.
فقال له يوماً أحد الأمراء من رجاله واسمه «طرمطاز» إن «غازان خان»، وقد كان يعد أعقل وأكمل أهل زمانه، قد اختار مذهب التشيع، فالأحسن أن يقتدي خليفته به، وبذلك يتخلص من شر ما سمع من تهم قبيحة متبادلة بين غير الشريعة.
ولكن «أولجايتو»، وقد كان ينفر من مذهب الشيعة أو مذهب «الرفض» حسب اصطلاح المخالفين، متأثراً بتلقينات خصومهم، صاح بـ «طرطماز»: يا مشؤوم، تريد أن تجعلني رافضياً!
وكان «طرطماز» رجلاً ذكياً فصيحاً. فشرح لـ «أولجايتو» مذهب التشيع أحسن الشرح مستعملاً أنواعاً من الكلام العذب الفصيح، وبين له ما يعترض به على غيرهم من انتقادات.
وقد قربت هذه البيانات قلب «أولجايتو» إلى الشيعة. واتفق أن جاء إلى المعسكر جماعة من السادات العلوي النسب، فانتقدوا بحضور السلطان بعض عقائد أهل السنة. ولكن قاضي القضاة، وكان فاضلاً متكلماً بليغاً، أسكت جماعة الشيعة هؤلاء بأجوبته، وأظهرهم في نظر السلطان بمظهر المغرضين، فانصرفوا عن مباحثة قاضي القضاة.
وفي سنة 709هـ سافر «نظام الدين المراغي» إلى آذربيجان لتنظيم شؤون الأوقاف. فاغتنم أنصار الشيعة فرصة غيابه عن المعسكر، وأخذوا يرغبون السلطان أكثر من السابق في هذا المذهب. وسافر «أولجايتو» في تلك الأيام إلى العراق وزار مشهد النجف الأشرف. وهناك رأى رؤيا دفعته إلى السعي في تقوية الإسلام.
وعبر له من كان معه من الأمراء الشيعة الرؤيا بأن عليه أن يختار لنفسه مذهب التشيع. فقبل «أولجايتو» وتشيع وتبعه سائر الأمراء والأعيان فتشيعوا ما عدا الأمير «شوبان» و«إيسن قتلغ» فقد أصر على البقاء على المذهب السني، ولم يتمكن سادات الشيعة وأئمتهم من صرفهما عنه إلى التشيع.
وفي سنة 709هـ أمر «أولجايتو» بحذف أسماء الخلفاء الثلاثة من الخطبة ومن النقود. وذكر اسم الإمام علي واسمي الإمامين الثاني والثالث من أئمة الشيعة في الخطبة ونقش اسم الإمام علي بن أبي طالب وحده على النقود وأن يعلن أهالي إيران قبولهم لمذهب الشيعة.
ومن أجل إشاعة عقائد الشيعة أمر «أولجايتو» بإحضار أئمة هذا المذهب من جميع النواحي وتهيئة مدارس خاصة لتعليم أصول المذهب الشيعي وعقائده. وأعد أيضاً مدرسة إلى جانب قبة السلطانية وعين لها ستين معلماً ومدرساً وأسكن فيها مائتي طالب يتلقون فيها عقائد المذهب الشيعي([215]).
وأعد مدرسة أخرى سماها «المدرسة السيارة» هي خيمة من الكرباس الغليظ تقوم في المعسكر وتنقل معه دائماً إلى حيث ينتقل ويرافقها في تنقلاتها جماعة من كبار علماء الدين يعلمون طلاب العلم فيها.
وحمل إقبال «أولجايتو» على مذهب الشيعة واهتمامه به علماء هذا المذهب على أن يتقاطروا إلى معسكر الإيلخان من كل جانب، ويزيدوا السلطان ميلاً إلى التشيع يوماً بعد يوم، ويقووا إيمانه به بالأدلة الكلامية والشواهد المختلفة، ويقطعوا الطريق على نفوذ أئمة أهل السنة. وقد استدعى «أولجايتو» «العلامة جمال الدين الحسن بن المطهر الحلي» (648 ـ 726هـ)([216]) وابنه «فخر المحققين فخر الدين محمد» (682 ـ 771هـ)، وهما من أشهر علماء الشيعة إلى السلطانية وصنف العلامة الحلي، كتابين في أصول عقائد الشيعة وأهداهما إلى «أولجايتو»، أحدهما كتاب «نهج الحق وكشف الصدق» في علم الكلام والآخر «منهاج الكرامة». كما ألف رسالة نفي الجبر ورسالة حكمة وقوع النسخ التي سأله عنها ألجايتو.
وأكمل هناك الألف الأول من كتاب الألفين. وقال في آخر الموجود من كتاب الألفين: «فهذا ما أردنا إيراده في هذا الكتاب. وذلك في غرة رمضان المبارك سنة 712 وكتب حسن بن مطهر ببلدة جرجان في صحبته للسلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلد الله ملكه. وصنف في سفره ذاك الرسالة السعدية.
والعلامة الحلي عندما يذكر «أولجايتو» يذكره دائماً بالاحترام والإجلال، فهو يقول مثلاً في الرسالة التي ألفها في جواب سؤالين سئل عنهما الوزير رشيد الدين فضل الله الهمذاني ـ يقول العلامة في مقدمتها: يقول العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهر إنني لما أمرت بالحضور بين يدي الدركاء المعظمة الممجدة الإيلخانية أيد الله سلطانها وشيد أركانها وأعلى على الفرقدين شأنها وأمدها بالدوام والخلود… إلى آخر ما قال…
وكذلك عندما يذكر رشيد الدين فضل الهمذاني، فهو يقول في نفس المقدمة المذكورة متابعاً كلامه السابق: وجدت الدولة القاهرة مزيّنة بالمولى الأعظم والصاحب الكبير المخدوم المعظم مربي العلماء ومقتدي الفضلاء أفضل المحققين رئيس المدققين صاحب النظر الثاقب والحدس الصائب…إلى آخر ما قال…
ويبدو أن العلامة كان يتردد على مجلسه، فإنه يقول متابعاً كلامه: … وحضرت في بعض الليالي خدمته للاستفادة من نتائج قريحته فسئل في تلك الليلة سؤالين مشكلين فأجاد في الجواب عنهما… إلى آخر ما قال…
ومن هنا يظهر أن مجلس رشيد الدين كان لا يخلو من المذكرات العلمية والمباحثات الفكرية.
وأنزل «أولجايتو» العلامة الحلي وابنه منزلاً محترماً فأقاما في المعسكر معززين مكرمين. وجرت بين العلامة الحلي وقاضي القضاة «نظام الدين المراغي» مناظرات كثيرة وإذ كانا كلاهما من كبار علماء المعقول فإن مناظرتهما لم تنجر قط إلى المهاترة والتعصب ولا خرجت عن حد الجدل العلمي.
وكان «أولجايتو» لا ينفك يزداد رغبة ورسوخاً في التشيع متأثراً بمصاحبة العلامة الحلي ونقيب مشهد طوس وغيرهما من علماء الشيعة. وبذل أهل السنة قصارى جهدهم لثنيه عن هذه الطريق والتقليل من نفوذ الشيعة، ولكنهم عجزوا عن ذلك. بل عاد الأمر إلى الضد، فقد قوي المذهب الشيعي، وتحرك جماعة من علمائه كانوا متوارين في العراق والبحرين وصنفوا كتباً كثيرة في الرد على مخالفيهم، ونشطوا في إقامة مراسم التشيع. ومهدوا مجالاً ثابتاً محكماً لمن بعدهم من الأجيال. وكان نشاط العلامة الحلي في هذا السبيل أوسع نشاط.
رأي عالم محقّق
وعن هذا الموضوع كتب لنا السيد جودت القزويني ما يلي:
ظهر اسم العلاّمة الحلي في مجلس السلطان المغولي خدابنده (ت/ 716هـ ـ 1316م) عندما ناظر علماء أهل السنة، وتفوَّق عليهم([217])، واستطاع أن يُوجِد مبرراً لتبنّي خدابنده المذهب الشيعي، وإعلانه رسمياً مذهباً للبلاد.
فقد استعصى مشكلٌ فقهيٌّ على السلطان، ولم يستطع الوصول إليه عن طريق الفقهاء الذين كانوا من حوله([218]) عندما طلّق خدابنده زوجته ثلاثاً، وأراد الرجوع إليها، فاحتار أرباب المذاهب السنية في الفتيا التي لم تجوّزْه رجوع المطلقة ثلاثاً إلا بزواجٍ آخر خلاف ما يذهب إليه الشيعة من تضييق دائرة الطلاق فلا يقع الطلاق بالثلاث إلا واحدة. ويبدو أن هذه المسألة الفقهية كانت ممهدة لدعوة علماء المذاهب الإسلامية والدخول في مناقشات حرة مع العلامة الحلّي كما أشار الخوانساري إلى «أن خدابنده عندما غضب على امرأته قال لها أنتِ طالق، ثلاثاً، ثم ندم، وجمع العلماء فقالوا: لا بدّ من المحلل. فلمّا حضر العلاّمة بعث إلى جميع علماء المذاهب الأربعة، وجمعهم…» ([219]).
إنّ مسألةً من المسائل الشخصية المتعلقة بالسلطان لا يمكن أن تكون بهذا المستوى من الاهتمام، ما لم يكن وراءها هدف، سياسي محدد، وإلا لاستطاع هذا السلطان الشاب أن يتكتم على هكذا أمرٍ، ولا يثير ضجيجاً حول موضوع خاص به.
ويبدو أنَّ اتفاقاً مسبقاً كان قائماً بين السلطان والعلاّمة تمّ بموجبه إعلان السلطة السياسية عن تشيعها رسميًّا بعدما كانت قد تسترت على صبغتها المذهبية فترةً من الزمن. وقد تمّ هذا الاتفاق بشكل كان العلامة قد أدرك أبعاده بوضوح، ولا يُستبعد أنه هو الذي كان مقترحاً طريقة محاججة خصومه محاججة علنية، وكان متأكداً من أنه سيكون الحلقة المفقودة التي تسهم في تقليص حجم هذه المذاهب، وحسرها، وفسح المجال. للامتداد السياسي والعقائدي الشيعي.
إلا أن تقي الدين ابن تيمية الحراني (ت/ 728 ـ 1327م) الخصم التقليدي للعلامة الحلي ـ الذي كان مستوطناً بلاد الشام وكانت هذه البلاد في خصومة سياسية مع دول المغول تنبه إلى هذه اللعبة السياسية المتخذة من الخلاف الفقهي مبرراً لتوجهٍ محدد، وحاول أن يُسقط الورقة من يد العلامة الحلي، ويحرج السلطان في الوقت ذاته فأعلن فتواه في «أنَّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة»([220]) كما هو مقرر في المذهب الشيعي، وهو بذلك خالف ما عليه السلف بالإجماع مما أثار مشاعر الفقهاء السنيين، ودفع بالسلطة المملوكية إلى سجنه بسبب هذه الفتوى كمبرر للتخلص منه.
فقد ذكر ابن الوردي في تاريخ أن ابن تيمية، أعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا تحتملها عقول أبناء زماننا. كمسألة أن الطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة … وساس نفسه سياسة عجيبة فحُبِس مرات بمصر، ودمشق، والاسكندرية …» ([221]).
وذكر الصفدي أن الأمير سيف الدين تنكز سنة (719هـ ـ 1319م) جمع الفقهاء والقضاة، والحكام، وقرأ عليهم كتاب السلطان وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فتياه في مسألة الطلاق، وعُوتِب على فتياه.
وفي سنة 720هـ عُقد له مجلس بدار السعادة، وعاودوه في فُتيا الطلاق، وحاققوه عليها، وعاتبوه لأجلها ثم حبس بقلعة دمشق([222]) …
وقد ربط مؤرخو الشيعة بداية ظهور التشيع المغولي بخدابنده دون أن يُفرّقوا بين تشيع هذا السلطان، وإعلانه للتشيع مذهباً رسمياً([223]). فقد كان التشيع قائماً في هذه العائلة الحاكمة قبل خدابنده، «ولما تحوّل غازان سنة (694هـ ـ 1295م) إلى الإسلام اعتنق المذهب الشيعي الاثني عشري([224])، وحاول أن يعظم الشعائر القائمة على هذا المذهب، من الاهتمام بآل البيت، وزيارة مراقد الأئمة في النجف وكربلاء، وتبرعه بالأموال.
وقد فُسّرت زياراته هذه بأنها محاولة لكسب ثقة الشيعة، وخلق رأي عام يدعم موقفه في صراعه مع المماليك (الذين أسقطوا حكم الأيوبيين في سوريا سنة (648هـ ـ 1250م) بعد فشله في كسب تأييد أهل السنة، ولإعطاء زحفه صفة الشرعية([225]).
ومهما يكن من أمر فإن غازان لم يعلن شيعيته، ولم يحاول أن يجعل هذا المذهب مذهباً رسمياً للبلاد، وإنما بقي الأمر مرتهناً بالأحداث حتى استطاع أخوه (خدابنده) أن يحقق هذه الرغبات الكامنة بإعلانه التشيع رسمياً. وقد كانت الإجراءات الجديدة متخذة من قبل هذا السلطان في تغيير أجهزة الحكم الإيلخانية بما يناسب تعاليم المذهب الشيعي فأسقطت أسماء الخلفاء من الخطبة، واستبدلوا بها أسماء الأئمة الاثني عشر، وشمل التغيير «السكة» أيضاً، فأضيفت إليها «عليٌّ وليُّ الله». كما أمر خدابنده أن تُضرب الدراهم باسمه محاطة بأسماء الأئمة الاثني عشر([226]) وفُتحت أبواب القصر الإيلخاني لعلماء الشيعة الذين توافدوا من مختلف أنحاء البلاد حتى أصبحوا يمثلون قوة مؤثرة دعت السلطان (كما يشير ابن بطوطة) إلى حمل الناس على التشيّع([227]).
وقد بلغ من تنامي قوة خدابنده أنه جهز جيشاً بقيادة أبي طالب الدلقندي، ومعه الأمير حميضة بن أبي غي أمير مكة ليزحف إلى المدينة المنورة ثم يعمل على فرض التشيّع في الحجاز([228]).
وقد كان هذا السلطان القوي قد أناط ـ في جانب آخر ـ بالعلاّمة الحلّي مهمة الدعوة على أساس فكري، وإعلامي لم يكن معهوداً من قبل حيث أنشئت مدرسة تختلف عن المدارس المتعارفة بأنها «مدرسة سيارة» تتوفر فيها جميع المعدات إضافة إلى بعض الأنواع المتميزة من الخيام التي كانت تحمل إلى مختلف المدن والقرى، وكانت هذه المدرسة تنقل من آذربيجان صيفاً إلى (بغداد) شتاء([229]).
وكان خدابنده مشاركاً بنفسه في هذا النشاط([230]). وفي مدّة إقامة العلاّمة الحلّي في صحبة السلطان المذكور ألَّف له كتباً عديدة كان بعضها ـ بالرغم من أهميته العلمية ـ مستمداً شهرته من أهميته السياسية: من ذلك كتاباه منهاج الكرامة الذي ردَّ عليه ابن تيمية، و«كشف الحق».
وقد صرّح العلامة في مقدمة «كشف الحق» أنّه ألَّفه امتثالاً لطلب السلطان كما ذكر في مقدمة «منهاج الكرامة» ما يقرب من ذلك.
ومن الأهمية بمكان أن يكون كتاب (الألفين في إمامة أمير المؤمنين) الذي يُعتبر من أغزر بحوث الإمامة استدلالاً قد تمَّ تأليفه بصحبة السلطان خدابنده أيضاً، مما يدلّ على أن العلامة حاول أن يقدم كل ما يستطيعه من جُهد في تثبيت المباحث المذهبية، وإرسائها على أساس عقلي محض، يقول العلامة في كتابه «هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب، وذلك في غرة رمضان المبارك سنة 712هـ». وكتب حسن بن مطهر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلَّد الله ملكه.
ويُعتبر كتاب الألفين من بحوث (الإمامة) التي لم يُسبق التأليف إليها بهذا الشكل الموسع، فقد ذكر فيه أكثر من ألف دليل على إمامة علي بن أبي طالب، وقد استمدت أدلته قوتها من العقل والنقل، وهو بذلك حاول أن يفسر المأثورات من النصوص بتفسيرات عقلية، فقد ذكر في مقدمته قوله «أوردت من الأدلة اليقينية، والبراهين العقلية والنقلية ألف دليل على إمامة سيد الوصيين علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وألف دليل على إبطال شُبهِ الطاعنين، وأوردتُ فيه من الأدلة على باقي الأئمة ما فيه كفاية»([231]).
إلا أنَّ الكتاب لم يستكمل جميع الأدلة التي ذكرها المؤلف والتي تبلغ الألفين بل أورد ألف وثمان وثلاثين دليلاً فقط. ونُقل عن فخر المحققين ولده أنه أكمل تأليف هذا الكتاب([232]). (انتهى).
قتل سعد الدين ساوجي
كان «الخواجه سعد الدين محمد ساوجي» يقوم هو و«الخواجه رشيد الدين فضل الله» بإدارة الأمور الملكية وتدبير مهامها، في أهم الأيام من سلطنة «غازان» و«أولجايتو». ولكن «سعد الدين»، فقد بعد ذلك مكانته السابقة التي كانت له عند «أولجايتو»، وأخذ هذا يهمله شيئاً فشيئاً. وكان الباعث على ذلك ظهور منافس له فطين متطلع إلى المناصب العالية اسمه «تاج الدين علي شاه جيلان التبريزي». وهو في الأصل دلال في تجارة الجواهر والأحجار الكريمة. وكان أميًّا إلا أنه كفء ذكي محنك. وقد اتصل بالحاشية الإيلخانية.
وكان يتردد على غالب الأعيان والأمراء في معاملاته التجارية، فأصبح معروفاً عندهم. وأخذ يجلب انتباه «أولجايتو» إليه شيئاً فشيئاً، وهكذا عرف بنفسه في بلاط السلطان حتى أصبح موضع عنايته واهتمامه.
وأخاف نفوذ «علي شاه» في البلاط «الخواجه سعد الدين» فأخذ يسعى إلى إبعاده عن «أولجايتو» بكل ما يقدر عليه من وسيلة. ومن أجل ذلك أرسله إلى بغداد ليتولى إدارة مناسجها. فذهب إليها ولم يلبث أن نظم أمور المناسج تنظيماً حسناً، وأخذ يحوك عليها أقمشة نفيسة لم ينسج مثلها أحد قبله. فلما حضر السلطان مرة إلى بغداد أتحفه «علي شاه» بهدايا من هذه الأقمشة كان قد أعدها بنفسه في هذه المناسج، وقد بلغت من النفاسة حداً حير السلطان. فازداد بذلك اهتمام «أولجايتو» به حتى أصبح من مرافقي المعسكر.
فلما وصل المعسكر إلى «السلطانية» أقام «علي شاه» فيها من ماله الخاص أبنية جميلة وسوقاً لم يكن لها نظير في «السلطانية» حتى ذلك التاريخ وإذ كان «أولجايتو» يحرص على إعمار «السلطانية» فقد سره عمل «علي شاه» وازداد عطفاً عليه واهتماماً به.
وضاق «الخواجه سعد الدين» ذرعاً بهذه الحوادث وصعب عليه أن يرى «علي شاه» يترقى على هذا الشكل. ولذلك كان يحقره ويمتنع عن القيام له من مجلسه إذا حضر. وعلى الضد من ذلك كان «الخواجه رشيد الدين» يبدي لـ «علي شاه» الاحترام والتعظيم. ومن ثم تكدرت الصلة بين الوزيرين، وأخذت تزداد تكدراً يوماً فيوماً.
ووصل الجفاء بينهما إلى أن أخذ «الخواجه سعد الدين» يسعى لإيذاء «الخواجه رشيد الدين». من ذلك أنه حمل جماعة من رجاله على معارضته ومضايقته. وأقام «علي شاه» للسلطان والوزراء مأدبة عامل فيها «سعد الدين»، وهو سكران، «رشيد الدين» بفظاظة واحتقار، فسكت هذا ولم يجبه بشيء. وزاد هذا العمل السلطان غضباً على «سعد الدين».
ثم أخذ «رشيد الدين» يسعى في تهيئة الوسيلة إلى الانتقام من خصمه. وسهل انصراف السلطان عن «سعد الدين» وتزايد نفوذ «علي شاه» عنده أمر الانتقام هذا عليه، إذ أصبح السلطان متهيئاً لقبول الوشاية بـ «سعد الدين». وكان هذا يأخذ من الخزانة لنفسه ولعماله، وهم كثر، مبلغ 30,000,000 درهم في كل سنة، وكان «الخواجه رشيد الدين» على علم بذلك. فقد حدث أن تخاصم، قبل مدة قليلة، اثنان من عمال «الخواجه سعد الدين» في السلطانية، واتهم كل منهما الآخر بسرقة الأموال الديوانية.
وتدخل «الخواجه سعد الدين» فصالحهما، وطلب منهما أن لا يعيدا مثل هذا الكلام مرة ثانية، فتعهدا له بذلك. ومع هذا ذهبا إلى «الخواجة رشيد الدين» وأطلعاه على الواقعة، فأسرها في نفسه حتى سافر «خدابنده» مرة إلى بغداد، ومعه «رشيد الدين» فأطلعه هذا على ما وقع.
فأمر «أولجايتو» بمحاكمة كلا الوزيرين ومحاسبتهما. فأما «رشيد الدين» فقد برئت ساحته، وأما «سعد الدين» فقد ثبت جرمه، فقتل وقتلوه معه جماعة من أعوانه، في قرية «محول» على بعد فرسخ من بغداد في العاشر من شوال سنة 711هـ.
وأشار «الخواجه رشيد الدين» على «أولجايتو» بتعيين «تاج الدين علي شاه» وزيراً في مكان الوزير المقتول ففعل. وتقرر أن يتولى أمور المعاملات الديوانية، ويتولى «رشيد الدين» شؤون المشاورة والتدبير في المملكة، ويكون آمراً على «تاج الدين».
وانصرف «رشيد الدين» في هذه المرة إلى إصلاح ما خربه «الخواجه سعد الدين» وأعوانه، وإعداد قوانين جديدة لتحسين الأوضاع، وعهد بكل ولاية من الولايات إلى حاكم أمين، من ذلك تعيينه «حمد الله المستوفي» الكاتب المؤرخ المعروف لقزوين و«أبهر» و«طارم» العليا والسفلى. وتعيين «جلال الدين» بن «رشيد الدين» لأصفهان وابنه الآخر الأمير «عبد اللطيف» لوزارة «أبو سعيد» ولي عهد السلطان، وكان قد عين حاكماً على خراسان في سنة 713هـ.
حملة «أولجايتو» على الشام
في مطلع سنة 712هـ حدث اختلاف بين الملك الناصر محمد سلطان مصر وجماعة من رجاله من الأمراء والقواد، أشهرهم «قراسنقر» حاكم دمشق و«آغوش أفرم» صاحب حلب ففروا مع فرسانهم إلى «أولجايتو» خوفاً من السلطان. وحسنوا للإيلخان غزو الشام.
وكان «أولخايتو» من قبل فتح «جيلان» يفكر في ذلك. فعزم على الغزو وهيأ جيشاً سار به من الموصل صوب الفرات حتى بلغ قلعة «الرحبة» وهي عند حدود الشام على شاطيء الفرات، فحاصرها، وصحبه في هذه الحملة «قراسنقر» و«أفرم». وكانت بين «بدر الدين» قائد حامية القلعة و«أفرم» صداقة فطمأن هذا «أولجايتو» إلى أنه سيحمل القائد على التسليم، ولكن «بدر الدين» رفض أن يسلم، فاضطر «أولجايتو» إلى استعمال المنجنيقات والنفاطات لفتح القلعة.
بيد أن المدافعين عنها أحسنوا الدفاع وعجز «أولجايتو» عن فتحها. وأعوزه الزاد وشق عليه العمل، فضجر من مواصلة الحصار. وانتهى الأمر إلى عقد الصلح بوساطة «الخواجه رشيد الدين» وقاضي الرحبة. وعاد «أولجايتو» في 26 رمضان إلى إيران. ولم يفكر بعدها بغزو الشام..
وفي تلك السنة خرج ابن «قونغرتاي» في بلاد الروم (الأناضول). ولكن الأمير «طرطماز» قبض عليه بسهولة فقتله وقتل معه أبناءه الأربعة. وفي سنة 714هـ ثار «محمود بيك» أحد الأمراء المحليين من بلاد الروم واستولى على مدينة «قونيه». وثار أيضاً أبناء «معين الدين بروانه». فسير إليهم «أولجايتو» الأمير «شوبان» مع ثلاثين ألف جندي فأخضعهم بمساعدة ملك «كرجستان». ومكث في بلاد الروم مدة سنة عاد بعدها إلى إيران بأمر من «أولجايتو».
حكومة «أبو سعيد» بخراسان
في سنة 713هـ، بعد رجوع «أولجايتو» من الشام عين ابنه «أبو سعيد» المولود سنة 704هـ حاكماً على خراسان، وله من العمر يومئذ تسع سنوات. وعين الأمير «سونج» وصياً عليه. وعين عمدة خراسان و«عبد اللطيف» بن «الخواجه رشيد الدين» لوزارته وبعث معه جماعة آخرين ليكونوا في صحبته..
وكان مغول «جغتاي»([233])، قبل تعيين «أبو سعيد» لحكومة خراسان، قد هاجموا خراسان أكثر من مرة وتغلبوا على الأمير «يساول» والأمير «علي قوشجي». واتفق أن قاموا بهجوم آخر عليها مع وصول «أبو سعيد» إليها. وإذ كان الأمير «يساول» والأمير «علي قوشجي» غير قادرين على مقاومتهم، فقد التحقا بمعسكر «أبو سعيد». هذا وقد ظل «أبو سعيد» كل مدة حكمه على خراسان، وهي ثلاث سنوات وبعض السنة، دائم الانشغال بدفع غائلة أولئك المغول عنها.
وفي سنة 715هـ، قبل وفاة «أولجايتو» بسنة واحدة، احتاج «أبو سعيد» إلى المال للإنفاق على جيشه. فأرسل يطلبه من القيمين على الخزانة، أي الوزيرين «الخواجه تاج الدين علي شاه» والخواجه رشيد الدين». فلم يبعثا إليه بشيء. وكرر طلبه مراراً فلم يحصل على نتيجة، إذ كان كل منهما يدعي أن هذا الأمر ليس في عهدته بل في عهدة الآخر.
ومرد ذلك إلى ما كان بينهما من تحاسد وسعي كل منهما إلى أن يستقل بتصريف الأمور وحده. فكان «الخواجه رشيد الدين» يقول إن إجراء المعاملات المالية ليس بيده، ولم يسبق له أن وقع على حوالة مما يعطى من حوالات، فقبض المال ودفعه بيد غيره لا بيده. وكان «تاج الدين علي شاه» يقول أنا لا أملك شيئاً غير اللباس الذي على بدني وليس في يدي دينار واحد. ولا أدري لماذا أراجع أنا وحدي في هذه الأمور مع أني والخواجه رشيد الدين شريكان في تعهد أمور المملكة؟!
وكان «رشيد الدين» يرى أن «علي شاه» هو وحده المسؤول عن تهيئة المال، بما هو معتمد الإيلخان في كل شيء وحامل مهره الأكبر. فأجاب «علي شاه» على ذلك بأنه حاضر لجعل «الخواجه رشيد» شريكاً في هذه الصلاحيات. ولكن «رشيد الدين» رفض وأجاب «علي شاه» بقوله كيف أستطيع أن أشارك رجلاً مثلك في المسؤولية، وأنت لا تنفك تظهر العجز والفقر كلما طلب منك الدفع، على حين يستأثر عمالك بالأموال الديوانية لأنفسهم، ويكنزون منها ثروة كبيرة.
وختم «أولجايتو» تنازع الوزيرين بأن قسم ممالكه إلى قسمين، فعهد بعراق العجم وخوزستان وولايات «اللور» وفارس وكرمان إلى «رشيد الدين»، وعهد بعراق العرب وديار بكر وأرّان وبلاد الروم إلى «علي شاه».
ولكن «علي شاه» التمس من السلطان أن يكونا كلاهما شريكين في إدارة كل الممالك، وأن تذيل المراسيم والأحكام بتوقيعهما كليهما.
وفي سنة 715هـ جعلهما «أولجايتو» شريكين في أعمال الوزارة، يشرفان كلاهما على شؤون المال وأمور الوزارة. وقد كان «الخواجه رشيد الدين» إلى ذلك التاريخ بمعزلٍ عن هذه القضايا كما ذكرنا سابقاً. وتقرر أيضاً أن يكون لكل من الوزيرين معاون في أعماله الوزارية.
وبعد أن أصبحت هذه القرارات رسمية لزم «رشيد الدين» منزله كل فصل الشتاء، وبقي فيه لا يغادره أربعة أشهر، بسبب ابتلائه بمرض النقرس هذا و«أبو سعيد» لا ينفك يوالي إرسال المراسيل والكتب يطلب المال، و«الحلي شاه» يجيبه بأن الخزانة فارغة وأموال الديوان كلها عند «الخواجه رشيد الدين».
فأمر «أولجايتو» الأمير «شوبان» بالتحقيق في الموضوع فحوَّل هذا مأموري الجباية إلى المحاكمة، فتبين أنهم قد تلاعبوا بالأموال الديوانية، وحكم عليهم بتأدية 300 تومان (30,000,000 دينار ذهباً) إلى الخزانة.
وأفزع هذا الحكم جميع عمال الديوان، فالتجؤوا إلى «علي شاه» وقالوا له إن لم يحصل على أمر من «أولجايتو» بإلغاء هذا الحكم وقعوا جميعاً في الشر وحبطت خططهم كلها.
فذهب «علي شاه» إلى قصر «أولجايتو» ليلاً وقال له إن مأموري الجباية لم يفرطوا بشيء من المال، بل أوصلوه إلى يدي كله وأنفق في وجوهه. وما زال به يتوسل ويبكي ويلح حتى حمل «أولجايتو» على الأمر بالتوقف عن متابعة القضية. وفي الصباح استدعى الأمير «إيرنجين»، وكان هو الذي يتولى هذا الأمر، وقال له إن «علي شاه» قد تسلم هذه الأموال، ولكنه لا يتذكر وجوه إنفاقها، وإني أريد أن تتوقفوا عن تعقبه وتعقب رجاله.
وقد أغضب هذا الكلام «إيرنجين» ولكنه كتم غضبه، وشكا أمره إلى الأمير «شوبان» وأظهر كراهيته لأن يحادث إيراني الإيلخان مباشرة في مثل هذه الأمور متخطياً من فوقه من الأمراء. وغضب الأمير «شوبان» أيضاً لذلك وتأثر كما تأثر «إيرنجين» ولكن «علي شاه» أسكته بالرشوة وتقديم الهدايا إليه.
ثم لم يلبث «علي شاه» أن قال لـ «أولجايتو» بعد مدة قليلة إن «رشيد الدين» ليس مريضاً ولكنه يتمارض ويلزم بيته. ومع ذلك فهو يبذل قصارى جهده سعياً لإسقاطي، ويريد لي مصيراً كمصير الخواجه سعد الدين. فلو أذن لي الإيلخان أن أحاسبه وأبناءه وأطالبهم ببقايا المال الذي ما زال في ذمتهم. فأذن له الإيلخان بذلك وأخضع «علي شاه» ابني «الخواجه رشيد» للتحقيق. وإذ لم يستطع أن يثبت عليهما شيئاً من التقصير. فقد اتهم الخواجه أباهما بأنه يقتطع لنفسه ربع عائدات الأوقاف وأموال الخزانة ونفقات أميرات البيت المالك.
وبمثل هذه الوشايات حمل «أولجايتو» على الانحراف عن الخواجة، وأصبح هو المعزز المحترم في نظر الإيلخان. ولكن «الخواجه رشيد» ظل آمناً شر «علي شاه» بسبب صداقته لبعض الأمراء. وأمر «أولجايتو» بأن يتصافى الوزيران، ويعودا إلى ما كانا عليه من الشركة في تصريف شؤون المملكة.
وفاة «أولجايتو»
في رمضان سنة 716هـ، إذ كان «أولجايتو» مشغولاً بالصيد في نواحي السلطانية، أخذه وجع شديد في رجله، ثم أخذ مزاجه ينحرف. ودخل الحمام يوماً. وبعد الحمام أفرط في تناول أطعمة لذيذة، وعلى أثر ذلك اشتد مرضه حتى قضى في 28 رمضان من تلك السنة في السلطانية، وسنه لا تتعدى الأربعين، بعد أن ملك اثني عشرة سنة وتسعة أشهر.
كان «أولجايتو»، على وجه الإجمال، من إيلخانات إيران المحمودين، عاش الناس عهده ناعمين. وقلما جرى على يده ظلم. وفي عصره علا شأن المذهب الشيعي. وازدهرت العلوم والآداب. وكان «أولجايتو» محباً للإعمال والبناء. وبنى مدينة أخرى، غير السلطانية وقبتها، في سفح جبل «بيستون» سماها «سلطان آباد شم شمال» أو «بغداد الصغرى». وبنى مدينة أخرى عند حدود«موقان» على ضفة نهر «أرس» وسماها «سلطان آباد أولجايتو».
وكانت له اتصالات بالبابا وملوك أوروبا وروما الشرقية من ذلك إرساله في سنة 704هـ سفراء إلى فرنسا وإنكلترا وإيطاليا، ومعهم رسائل منه كتبت في «أوجان» بالخط الأويغوري، يذكرهم فيها بالروايط التي كانت بين ملوك الفرنجة ومن سبقه من الإيلخانات، ومن تلك الرسائل رسالة إلى ملك فرنسا ورسالة إلى إدوار الثاني ملك الإنكليز ورسالة إلى البابا «كليمان» الخامس.
سلطنة أبو سعيد بهادرخان
ولد السلطان «أبو سعيد بهادرخان» بن «أولجايتو» وولي عهده وخليفته من بعده سنة 704هـ. وفي اليوم السابع من ولادته عهد به «أولجايتو» إلى الأمير «سونج» بتربيته، أي جعله «أتابكاً» له.
وفي سنة 713هـ، إذ كان له من العمر تسع سنوات، عينه «أولجايتو» حاكماً على خراسان برعاية مربيه الأمير «سونج». وظل في هذا المنصب ثلاث سنوات وبعض السنة.
ولما مرض «أولجايتو» مرض الموت كان «أبو سعيد» في مازندران، فأراد أمراء البلاط الإيلخاني ووزراؤه، وهم جميعاً منقادون للأمير «شوبان»، إحضار ولي العهد الحدث إلى السلطانية العاصمة قبل وفاة «أولجايتو»، وقبل حضور الأمير «سونج» من طوس ليحيطوا به ويقطعوه عن مربيه، فيكون آلة طيعة في يدهم، بمعزل عن نفوذ الأمير «سونج». ومن ثم توالت رسلهم إلى «أبو سعيد» يستعجلونه بالحضور إلى العاصمة.
ولكنه ظل هو وحاشيته على وفائهم للأمير «سونج» ينتظرون تعليماته، فلم يستجيبوا لتلك الدعوة ومكثوا حيث كانوا إلى أن وصلهم خبر وفاة «أولجايتو» وقدم إليهم الأمير «سونج» من خراسان. وحينئذ تحرك ركب ولي العهد وفي معيته مربيه متوجهاً إلى السلطانية، وخرج الأمير «شوبان» وغيره من الأمراء والوزراء إلى استقباله، فدخلها في موكب من الجلالة والعظمة. وفي غرة صفر سنة 717هـ أجلسه الأمير «شوبان» والأمير «سونج» على سرير الإيلخانية، وكل منهما آخذ بعضد من عضديه.
وكان «أبو سعيد» قبل وروده إلى السلطانية يميل إلى تعيين الأمير «سونج» في منصب «أمير الأمراء». ولكن هذا رفض وقال له إن إقامته في هذا المنصب تستلزم ابتعاده عن العاصمة والتخلي عن تعهد حال السلطان بالخدمة والرعاية، وهو يرغب في أن يظل كما كان في السابق في خدمة السلطان. ثم إنه لا يرضى لنفسه أن ينافس الأمير «شوبان» على هذا المنصب. ومن ثم حمل الأمير «سونج» السلطان على صرف النظر عن هذا الاقتراح، فأقر الأمير «شوبان» في منصب «أمير الأمراء» كما كان في عهد أبيه. وعين ابنه «تيمورتاش» حاكماً على بلاد الروم، واختار هذا «الخواجه جلال الدين» أكبر أبناء «الخواجه رشيد الدين فضل الله» وزيراً له ومحاسباً لخزانة بلاد الروم.
وحين وصول «أبو سعيد» إلى السلطانية أناب «الخواجه رشيد الدين» ابنه «غياث الدين محمد» عنه لاستقباله. وإذ كانت بين الخواجه والأمير «سونج» سابقة جفاء، فهو يظنه حاقداً عليه، فقد سعى إلى التقرب من الأمير «شوبان» منافس الأمير «سونج» ليجعل منه حامياً قوياً له في مقابل هذا. ومن ثم صالح «تاج الدين علي شاه» وغيره من الرؤساء سراً. وكانت مساعي هؤلاء في جملة العوامل التي ثبتت الأمير «شوبان» في منصب «أمير الأمراء».
وأدى هذا المسعى إلى أن يقر «أبو سعيد» والأمير «شوبان» «الخواجه رشيد الدين» و«الخواجه علي شاه» في منصب الوزارة. ولكن تصريف الأمور العمدة كان في يد «علي شاه». ولم يكن لرشيد الدين، وقد أصبح شيخاً مرهقاً من مشقات العمل الديواني، من هَمّ غير أن يأمن جانب أعدائه ويقضي ما بقي من عمره خالي البال.
ومن أوائل الوقائع التي حدثت في عهد السلطان الشاب اتهام «قتلغشاه خاتون» زوجة «أولجايتو» والأمير «تغماق» بالتآمر على «أبو سعيد». فاعتقل الأمير «شوبان» الأمير «تغماق» وصادر أمواله، ثم عينه نائباً عنه. وبعث بالأمير «إيسن قتلغ» حاكماً على خراسان، يتولى أمر دفع المغول التابعين لـ «جغتاي» عنها.
مقتل الخواجه رشيد الدين
ما زال «شوبان» يتدرج في مراقي السلطة حتى بلغ منها مبلغاً خارقاً للعادة. فجمع في يده زمام كل الشؤون العسكرية والمدنية، حتى لم يبق لـ «أبو سعيد» شيء من السلطة غير اسم السلطان. وقد ذكرنا سابقاً أن هذا الأمير كان يسلك مسلك الموافقة لـ «الخواجه رشيد الدين». فأغضب ذلك «علي شاه» وبعث في نفسه الحسد، فأخذ يسعى بكل وسيلة ممكنة لإسقاط «الخواجة رشيد الدين» من مكانته وجعله موضع سوء الظن عند الأمير، بل القضاء على هذا المنافس الجليل القدر إن استطاع، فيخلو له الجو يجري فيه على هواه.
وقد ذكرنا سابقاً بالتفصيل ما كان بين هذين الوزيرين من منافسة. وقد وصلت هذه المنافسة في هذا الوقت إلى ذروة الشدة. فأوقع ذلك موظفي الديوان في الحرج. فهم إن أحسن أحدهم إلى أحد الوزيرين أغضب الآخر وجلب على نفسه عداوته. وسببت هذه الحال اختلال أمور الديوان.
وجاء يوماً ثلاثة نفر من عمال الديوان إلى «الخواجه رشيد الدين»، واستأذنوه بأن يردوا غائلة «علي شاه» ويفشوا خياناته. ففكر «الخواجه رشيد» في الأمر ثم قال لهم إن «علي شاه» رجل معتبر عظيم، ولا يجوز اتهامه. وسأوصيه بأن يسترضيكم.
وتشاور الثلاثة فيما بينهم في جواب «الخواجه رشيد» لهم، ثم قرروا أنه لن يفيدهم بشيء، بل ربما أطلع «علي شاه» على ما قالوه له فناصبهم العداوة. ومن أجل ذلك احتاطوا لأنفسهم فذهبوا إلى «علي شاه» وحرضوه على «الخواجه رشيد الدين». وكان «علي شاه» في ذلك الحين قد استمال إليه أغلب الرؤساء وجماعة من أنصار «الخواجه رشيد» بالرشوة.
وأدت هذه التحريكات إلى عزل «الخواجة رشيد» من الوزارة في أواخر شهر رجب سنة 717هـ، فترك السلطانية وذهب إلى تبريز ليستريح.
ولم يرض الأمير «سونج» بعزل الخواجة، مع ما كان بينهما من سابقة جفاء. وإذ كان في ذلك الحين يقاسي مرضاً شديداً فإنه لم يستطع أن يتدخل لمنع عزله. ولكنه عزم على السعي إلى إعادته إلى الوزارة بمجرد حصوله على العافية. بيد أن «أبو سعيد» سافر يومئذ إلى بغداد ورافقه الأمير «سونج»، وتوفي الأمير على بعد فرسخ منها في شهر ذي القعدة سنة 717هـ.
وكان الأمير «شوبان» يومئذ في آذربيجان، فاستدعى إليه «الخواجه رشيد الدين» وقال له إن وجودك في بلاط الإيلخان لازم لزوم الملح للطعام، ولا تستقيم الأعمال بدون رأيك وتدبيرك. فأجابه الخواجه بقوله إن أيام وزارتي طالت أكثر من أيام جميع الوزراء. ولي ثلاثة عشر ولداً في خدمة الدولة. والأحسن أن يظلوا هم في الخدمة وأنصرف أنا إلى العمل لآخرتي.
إلا أن الأمير أصر على اقتراحه وما زال بالخواجه حتى حمله على القبول بالعودة إلى الوزارة. ولكن، أسفاً، أن هذا القبول كان منه بمنزلة الحكم على نفسه بالقتل. فإن هذا الأمير نفسه الذي أصر إلى هذا الحد على إعادة الخواجه إلى الوزارة وكان يعد وجوده فيها ضرورياً لترميم الخراب الذي نزل بالدولة، أحجم، يوم صارت الغلبة لخصوم الخواجه، عن حمايته منهم، مع أنه كان قادراً عليها كل القدرة، وتخلى عنه فأراقوا دمه ظلماً.
فقد أفزعت عودة رشيد الدين» إلى الوزارة بتأييد من الأمير «شوبان» «الخواجه علي شاه» وسائر خصوم هذا الوزير الفاضل. فهبوا عازمين على استئصاله. وراجعوا أحد أقرباء الأمير «شوبان» اسمه «أبو بكر»، وكان قد شارك «علي شاه» سابقاً في العمل على عزل «الخواجه رشيد الدين»، واستنهضوه إلى مخاصمته فوعدهم بأن يسعى بكل وسيلة ممكنة لإفساد ما بين الخواجه والأمير «شوبان».
وفي هذه المرة سعوا بالخواجه عند «أبو سعيد» بأنه سم «أولجايتو». وأن الذي سمه هو «عز الدين إبراهيم» بن «الخواجه رشيد الدين»، وكان ساقي للإيلخان السابق. والعجيب أن الأمير «شوبان» هو الذي أوصل هذه التهمة إلى «أبو سعيد». وشهد معه على صحتها اثنان من الأمراء رشاهما «علي شاه» بالمال. فغضب الإيلخان غضباً شديداً، وأمر بقتل «الخواجه رشيد الدين» وابنه «عز الدين إبراهيم» فقتلا في 17 جمادى الآخرة سنة 718 في مكان قريب من تبريز.
قدموا الابن أولاً فقتلوه أمام عيني أبيه، وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة. ثم قتلوا الأب بأن قطعوه إلى نصفين، وهو في الثالثة والسبعين من عمره. وبهذا العمل المنكر ختموا حياة واحد من أكابر حكماء إيران وأطبائها وكتابها ومؤرخيها.
وبعد مقتل «الخواجه رشيد الدين» صادر خصومه جميع أمواله وأموال أولاده. وأغاروا على محلة له كان قد بناها وسماها «الربع الرشيدي» فنهبوها، حتى أنهم استولوا على أملاكه التي وقفها.
ولم يكتف أهل الشر بذلك، بل تتبعوه وهو في قبره تحت التراب. فقد كان في شبابه يخالط يهود همذان وله اطلاع كامل على مقالاتهم ورسومهم وعاداتهم، فاتهم باليهودية. وهذه التهمة كانت السبب في أنهم تتبعوا هذا الرجل الفاضل حتى بعد موته فلم يتركوه مرتاحاً تحت التراب.
فبعد انقضاء قرن من الزمان على مقتله أمر «أميرانشاه» ابن الأمير «تيمور»، وكان قد جنّ على أثر سقوطه عن ظهر جواده، بنبش قبره الواقع في مسجد في «الربع الرشيدي» بتبريز واستخراج عظامه ودفنها في مقبرة اليهود، ففعلوا.
وجاء الأمير «إيسن قتلغ» حاكم خراسان إلى المعسكر بعد ثلاثة أيام من قتل «الخواجه رشيد الدين». فلما سمع بالخبر أخذه أسف شديد، ووبخ الأمراء بشدة على هذا العمل المنكر. وكان مما قاله لهم: أية فائدة كنتم تتوقعون من قتل رجل بلغ نهاية عمره وأصبح على وشك الرحيل؟!
واتفق أن جميع الذين تآمروا على «الخواجه رشيد الدين»، باستثناء «تاج الدين علي شاه»، صاروا إلى ما صار إليه، فقد ماتوا قتلاً، حتى الأمير «شوبان» لم يسلم من هذا المصير. فمنهم من قتل بعضهم بعضاً ومنهم من قتله «أبو سعيد».
أما «تاج الدين علي شاه»، وقد عاد لا تسعه الدنيا فرحاً بالخلاص من منافس قوي مثل «الخواجه رشيد الدين»، فقد أخذ يوزع الهدايا والإنعامات، شكراً على هذا التوفيق. من ذلك إهداؤه في تلك السنة، سنة 718هـ، حلقتين من الذهب إلى حرم الكعبة، وزن كل منهما ألف مثقال، لتعلقا في بيت الله تذكاراً لهذا الفتح الذي حصل عليه.
وبقي «علي شاه»، بعد قتل «الخواجه رشيد الدين»، مدة ست سنوات ناعماً بالوزارة لـ «أبو سعيد»، واحترام الإيلخان له يزداد يوماً بعد يوم، حتى بلغ به الأمر إلى أن يحضر الإيلخان بنفسه إلى عيادته إذا مرض، ويوكل إلى أطبائه الخصوصيين أمر معالجته والعناية به، إلى أن توفي هذا الوزير في جمادى الآخرة سنة 734هـ ودفن بين مظاهر الاحترام في تبريز.
إن قتل «الحواجه رشيد الدين» واستقلال «علي شاه» بالوزارة مدة ست سنوات أديا إلى تفكيك الأمور الديوانية وانحلال سياسة المملكة. فقد كان «علي شاه»، على ذكائه، أمرءاً عامياً لا فضل له. وازداد الاختلال والتشويش في الأمور بعد وفاة «علي شاه»، إذ أمر «أبو سعيد» باختيار ابنيه لشؤون الوزارة يعملان فيها متعاونين، رعاية منه لعهد أبيهما. وعندئذ أسف الإيلخان أسفاً شديداً لقتله «الخواجه رشيد الدين» وتبين له أنه أقدم على عمل أهوج لا روية فيه، إذ سمع للأمراء ولعلي شاه سعايتهم به عنده.
وحين استدعاء «الخواجه غياث الدين محمد» بن «الخواجه رشيد الدين» لتوليته الوزارة قال: إن شؤون الديوان أخذت بالانحلال والخراب من اليوم الذي قتل فيه الخواجه رشيد، ولم يكن أحد من خلفاء الخواجه الشهيد أهلاً لإدارة مهام الدولة. ثم اختار الإيلخان «الخواجه غياث الدين محمد» بن «الخواجه رشيد» للوزارة ليتلافى ما أوقعه بأبيه من ظلم، وسيأتي ذكر ذلك.
الثورات أيام «أبو سعيد»
شغلت «أبو سعيد» في بدء سلطنته مشاكل صعبة. فقد كانت سياسة «غازان» و«أولجايتو» واقتدار قوادهما العسكريين قد قهرت خصوم السلسلة الإيلخانية الخارجيين وألزمتهم حدودهم. فلما تولى «أبو سعيد» رأى أولئك الخصوم في حداثة سنة وقلة تجاربة فرصة يجددون فيها الهجوم على ممالكه وتلافي هزائمهم الماضية. ولولا تيقظ «أبو سعيد وكفاءة قواده المحنكين لآلت دولته إلى الدمار.
كان الأمير «يسور»، وهو من السلالة الملكية ينتمي إلى مغول «جغتاي»، يحكم في عهد «أولجايتو» من «جيحون» إلى حدود «بادغيس هراة»، وقد سمح له الإيلخان السابق بالاستيلاء على عدة من الأراضي. وبعد وفاة «أولجايتو» نوى أن يخرج على «أبو سعيد».
وكانت حكومة خراسان يومئذ في عهدة الأمير «يساول» أحد رجال «أبو سعيد». وكان حاكماً ظالماً اغتصب بالجور والتعذيب كثيراً من أموال الأهالي في خراسان وهراة. وفي أواخر سنة 716هـ، إذ عجز عن مقاومة أعوان الأمير «يسور»، فر إلى العراق، فقتل في الطريق في المحرم سنة 717هـ، واستولى «يسور» على خراسان ثم سار إلى مازندان يهاجمها.
وأخافت هذه الأخبار «أبو سعيد» فبادر إلى إرسال الأمير «إيسن قتلغ» إلى خراسان. ولكن هذا، لسذاجته، أخذ يتدبر الأمر باستمالة أعوان «يسور» إليه، فتظاهروا بإطاعته، بل إن «يسور» نفسه تظاهر له بالطاعة، فاكتفى بهذا وعاد إلى السلطانية. وهناك أمره «أبو سعيد» بالذهاب إلى «أرّان». ولكنه توفي فجأة وهو في الطريق إليها.
أما الأمير «يسور» فقد انصرف، بعد رجوع «إيسن قتلغ» إلى إدخال خراسان وسيستان وهراة في طاعته. ولكن خاب سعيه في هراة، إذ إن الملك «غياث الدين كرت» أبى أن يطيعه وعامله بخشونة وأطلع الأمراء من رجال «أبو سعيد» الذين كانوا في طوس على سوء نواياه.
وترك «يسور» سيستان وهراة وعاد إلى خراسان في أواسط جمادى الأولى سنة 718هـ، ثم سار إلى مازندران لمهاجمتها. فتغلب في أول الأمر على الأمراء الذين في طوس من رجال «أبو سعيد»، وتقدم حتى بلغ أواسط أرض مازندران، وأوقع في طريقه بالناس كثيراً من القتل والتخريب والنهب.
فلما وصل خبر ثورة «يسور» هذه إلى «أبو سعيد»، أرسل الأمير «حسين كوركان»، بن «آق بوقاجلاير»، وهو من مشاهير رجاله، لصد الأمير الثائر. فلما عرف «يسور» بقدوم الأمير حسين إليه وهنت عزيمته، واضطر إلى الرجوع إلى طوس. وتحرك الملك «غياث الدين كرت» من هراة أيضاً إلى مقاومته، ففر من خراسان. وانتهى أمره إلى أن قتل في هذه الحرب، واستقرت أمور خراسان.
لما خرج المغول الجغتائيون في خراسان وتقدموا نحو مازندران كانوا يبدون وافري العدد. ولذلك عزم الأمير «شوبان» على أن يمضي إلى خراسان ليعزز جيش الأمير حسين. وعلى هذه النية خرج من «قراباغ» إلى «بيلقان». وفي هذه الأثناء وصل خبر بأن «أوزبك خان» سلطان «دشت قبجاق» قد خرج بجيش جرار من جهة «دربند» عازماً على مهاجمة «آران» وآذربيجان. ووصل خبر آخر بأن سلطان مصر أيضاً سار إلى حدود ديار بكر للحرب.
من أجل ذلك انعقد مجلس شورى بين رؤساء عسكر«أبو سعيد» تقرر فيه تعيين الأمير «إيرنجين» للدفاع عن ديار بكر، والأمير حسين لقمع «يسور»، وسائر الرؤساء و«أبو سعيد» لصد «أوزبك خان». وإذ كان الأمير «طرطماز» قد تراجع عن ملاقاة ملك «دشت قبجاق»، وكان عسكر «أبو سعيد» قليلاً، فقد انصرف الأمير «شوبان» عن المضي إلى خراسان، ومضى مسرعاً إلى «أبو سعيد» لتعزيز جيشه وصد «أوزبك خان».
ولكن هذا تراجع إلى «دربند» قبل وصول الأمير «شوبان»، فتعقبه الأمير من نهر «كر» حتى لحق به وأسر جماعة من جيشه ثم عاد. وفي عودته أحال بعض الرؤساء والأمراء، وكانوا قد فروا في الحرب، إلى المحاكمة. فعزل جماعة وعاقب آخرين. وكانت هذه القضية أحد الأسباب في حقد أولئك الأمراء والرؤساء العسكريين على الأمير «شوبان».
وبعد دفع عائلة «أوزبك خان» عاد «أبو سعيد» إلى السلطانية. وعهد الأمير «شوبان» برعاية المعسكر إلى ابنه الأمير حسن وانطلق هو إلى «كرجستان» للاصطياف.
وكان أولئك الأمراء الذين حاكمهم الأمير «شوبان» قد بلغ بهم السخط عليه مبلغاً عظيماً، فتواطؤوا على قتله. وكان «قورميشي» بن «أليناق» أهمهم، وكان أيضاً أشدهم سعياً إلى إهلاك الأمير «شوبان». فتعقبوه مع جماعة من الفرسان. فأبلغ جاسوس خبر حركتهم إلى «شوبان» ولكنه لم يصدق الخبر، وبعث اثنين من كبار خواصه للتحقيق في الأمر. فاعتقلهما المتآمرون وقتلوهما. فعاد الأمير «شوبان» مسرعاً إلى ابنه الأمير حسن.
وأغار المتآمرون على معسكر الأمير «شوبان». ثم انطلقوا منه نحو معسكر الأمير حسن. والتقوا بالأمير وابنه بالقرب من بحيرة «كوكشه» فتغلبوا عليهما، ولكن الأميرين نجوا وانطلقا إلى تبريز.
وكان «علي شاه» فيها، فتلقى مقدم أمير الأمراء بالاحترام. ثم رافقه وابنه إلى السلطانية. ولكن الأمير «شوبان» كان متردداً في الذهاب إليها لأن المتآمرين أفهموه أنهم مأمورون بقتله من قبل «أبو سعيد». إلا أن «علي شاه» طمأنه إلى عطف الإيلخان وإحسانه. وفي السلطانية عرض الأمير «شوبان» على «أبو سعيد» ما رأى من أولئك المخالفين المتآمرين.
مخالفة جماعة من الأمراء لـ «أبو سعيد»
بعد أن هزم الأمراء المتآمرون الأمير «شوبان» سار «قورميشي» والأمير «إيرنجين» حاكم ديار بكر، وقد أصبحا حليفين، مع سائر الأمراء المخالفين من حدود «نخجوان» قاصدين السلطانية، ليحملوا «أبو سعيد» على تأييدهم في قمع الأمير «شوبان». ولكن «أبو سعيد» أقنعته نصائح «علي شاه» وغيره بأن صلاحه في حماية الأمير «شوبان» ومخالفة المتمردين عليه. ولذلك خرج من السلطانية وفي معيته الأمير «شوبان» وغيره من الأمراء لردهم.
فلما بلغوا «زنجان» رجت «قتلغشاه» بنت الأمير «إيرنجين» وزوجة «أبو سعيد» الإيلخان أن لا يبدأ الحرب لعلها تستطيع أن تصرف أباها عن سفك الدماء برسالة منها إليه. فأجابها الإيلخان إلى طلبها. إلا أن الأمير «إيرنجين» لم يكترث لرجاء ابنته، وتقدم حتى بلغ «ميانج». وتواترت الرسل من «قتلغشاه» إلى أبيها حتى أجاب في آخر الأمر بقوله: إن كان الإيلخان حقاً في مفام اللطف والعناية بنا فليأمر بنشر الرايات البيضاء على معسكره. فقبل «أبو سعيد» اقتراحهم ونشر الرايات البيض على المعسكر.
ولكن هذه الحركة من جانبه زادت المخالفين له جرأة وحملوها على محمل الخوف. فهبّوا مندفعين بالحملة على معسكر الإيلخان والأمير «شوبان». ووقعت الحرب بين العسكرين بالقرب من «ميانج» في جمادى الأولى سنة 719هـ.
وبدأ «أبو سعيد» أولاً بأن أمر بضرب عنق الشيخ علي بن «إيرنجين»، ورفعوا رأسه على رمح بحيث يراه من في معسكر «إيرنجين». فأغضب ذلك أباه غضباً عظيماً. فحمل على معسكر «أبو سعيد» حملة شديدة، وأوشك أن يضعضعه. ولكن «أبو سعيد» تصرف بكثير من الخبرة والتيقظ. وكذلك أمراء جيشه أيضاً. وظلوا ثابتين في مواقعهم حتى ضعضعوا حملة الخارجين وكسروهم وقتلوا جماعة كبيرة من رؤسائهم، وأسروا الأمير «إيرنجين» و«قورميشي» ثم قتلوهما.
وهكذا قضي على فتنة عظيمة لو أنها نجحت لقوضت أساس سلطنة «أبو سعيد». ومن ذلك التاريخ لقب السلطان بلقب «بهادر»([234])، وأضيفت هذه الكلمة إلى اسمه في المراسيم.
إن انهزام الأمراء المخالفين وقتل رؤسائهم قد زاد الأمير«شوبان» قوة على قوة حتى أن «أبو سعيد» أخذ يدعوه أبي ويعظمه بكلمة «آقا»([235]). وأطلق يده ويد أبنائه في تصريف الأعمال إطلاقاً تاماً. وأصبح ابنه « دمشق خواجه» يلازم العاصمة وينوب عن أبيه في كل أمور المملكة، إذ كان أبوه يقضي أكثر أيامه بعيداً عن العاصمة مشغولاً بتفقد معسكرات الولايات وحفظ الحدود والثغور. ولما توفيت «دولندي» زوجة الأمير «شوبان»، وهي أخت الإيلخان، يوم كان عائداً من زنجان إلى «أرّان»، زوجّه أخته الأخرى «ساتي بيك» في 20 رجب سنة 719هـ، وأوصله إلى ذروة الاقتدار والسلطة. وكان الأمير «شوبان» يرد على هذا الإحسان بإخلاص الخدمة للإيلخان كل الإخلاص.
وخرج الأمير «تيمور تاش» بن الأمير «شوبان» وحاكم بلاد الروم، على الإيلخان ورسم ذكر اسمه على النقود وفي الخطبة، وذلك في المحرم سنة 720هـ، فسار إليه أبوه بنفسه إلى بلاد الروم. فأخضعه وأعاده إلى طاعة الإيلخان بحسن تدبيره، وجاء به إلى «أبو سعيد». وبعد مدة قليلة رضي عنه الإيلخان وعطف عليه، ثم أعاده إلى منصبه السابق في حكومة بلاد الروم.
قال في «حبيب السير» ما ملخصه:
«في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة انتهى النزاع على تركة «نازخاتون». والقضية هي أن محمد نامي خطيب همدان حصل في أواخر أيام السلطان السابق أولجايتو على سند قديم باسم ناز خاتون بنت أمير كردستان، فجاء به إلى الأمير شوبان، لغاية في نفسه، وقال له إن أباك الملك بهادر بن تودان نويان أسر في زمان هولاكو خان نغازخاتون. وصدر مرسوم ملكي بأن تصير جميع أملاكها ومقتناتها إلى ملك أبيك. وهي اليوم ملك لك بالإرث.
ومنها أملاك وعقارات وضياع كثيرة في العراق. فوقع هذا الكلام من الأمير موقعاً ثابتاً، وأخذ يصادر بعض الأملاك في ولايات مختلفة بحجة أنها من أملاك نازخاتون. وسبب هذا العمل تشويشاً عظيماً. واشتهرت القضية في كل النواحي، وأخذ المتخاصمون أصحاب الأملاك يشي بعضهم ببعض بأن ما في يد الآخر هو من أملاك نازخاتون. وكذلك كل فلاح حاقد على صاحب الأرض التي يزرعها يشي بصاحب الأرض أن أرضه من أملاك نازخاتون.
«وفي زمان السلطان أبي سعيد، إذ وصل الأمير شوبان إلى الذروة من الاعتبار وانطلاق اليد، جاء القاضي محمد وآخر من رجال الدين يحملان إلى الأمير شوبان حقيبة قديمة وقالا إنهما عثرا عليها وهما يبنيان بيتاً في أحد الأماكن. وفيها مائتا سند بملكية نازخاتون لأملاك بضع ولايات. فبعث الأمير شوبان رجاله يصادرون المزارع والأملاك في تلك الولايات. وبلغ الأمر إلى أن أخذ المتصرفون بهذه الأملاك يبيع أحدهم الأرض التي تساوي ألفي دينار وثلاثة آلاف دينار بدينارين وثلاثة دنانير للتخلص من المصادرة».
«وانتهت القضية بأن أعطى السلطان الأمير شوبان ولاية في بلاد الروم عوضاً عن تركة نازخاتون، وأعطاه من ماله الخاص عشرين ألف دينار. فرضي وأسقط دعواه وكتب وثيقة بذلك». اهـ.
وزارة الخواجه غياث الدين محمد
أصبح «الخواجه تاج الدين عليشاه جيلان التبريزي»، كما ذكرنا سابقاً، مستقلاً كل الاستقلال في تصريف الأمور، بعد قتل «الخواجه رشيد الدين». وتوفي هذا الوزير في أواخر جمادى الآخرة سنة 764هـ في مدينة «أوجان». وهو وحده من بين جميع الذين وزروا للمغول مات حتف أنفه لا قتلاً.
وقد اختار «أبو سعيد» لوزارته بعد وفاة «علي شاه» ابنه الأكبر الأمير «غياث الدين محمد» رعاية منه لعهد أبيه، وجعل ابنه الآخر «خليفة» شريكاً لأخيه فيها. ولكن هذا أخذ يخالف أخاه في العمل. وبذلك انقسم موظفو الديوان إلى فريقين. وأدى هذا الخلاف إلى اختلال الأعمال وتشويشها. فاضطر «أبو سعيد» إلى تنحيتهما وقطع المال عنهما، وعهد بوزارته إلى أحد نواب الأمير «شوبان»، وهو «نصرة الدين عادل النسوي»([236]) ويلقب بـ «صاين وزير».
ولكن هذا الرجل لم يكن أيضاً كفوءاً لهذا المنصب. ومع أنه كان صنيعة الأمير «شوبان» وأبنائه فإنه كان دائم السعاية بهم عند الإيلخان. فلما بلغ ذلك إلى الأمير حمل «أبو سعيد» على عزله، فعزل سنة 725هـ، وعهد بالوزارة إلى «دمشق خواجه» بن الأمير «شوبان»، فاستقرت أمور «أبو سعيد» العسكرية والمدنية كلها في يد الأمير «شوبان» وأبنائه المقتدرين.
وبقي «دمشق خواجه» في الوزارة إلى أن دالت دولة الأمير «شوبان» وأبنائه، وعهد «أبو سعيد» بوزارته إلى «الخواجه غياث الدين محمد» ابن «الخواجه رشيد الدين» جزاء خدمات أبيه. وجعل في أول الأمر «الخواجه علاء الدين محمد» شريكاً له في إدارة الأعمال، ثم فوضها بعد ثمانية أشهر إلى «الخواجه غياث الدين» يستقل بها كلها، وأرسل «الخواجه علاء الدين» إلى خراسان يتولى وزارتها. وبقي «غياث الدين» وزيراً لـ «أبو سعيد إلى آخر أيام دولته.
تغير حال الأمير «شوبان» وأبنائه
كان للأمير«شوبان» بنت اسمها «بغداد خاتون» اشتهرت بالحسن والجمال شهرة فائقة. وقد تزوج بها في سنة 723هـ الأمير «الشيخ الحسن» بن الأمير «حسين كوكان جلاير»، وقد عرف فيما بعد بـ «الشيح حسن الكبير» و«الشيخ حسن الإيلكاني».
وقد شغفت هذه الفتاة السلطان «أبو سعيد» حباً، وكان له يومئذ من العمر عشرون سنة تقريباً، وأراد أن يتزوجها. وفي تلك الأيام، أيام افتتانه بها، انصرف انصرافاً كلياً عن سياسة المملكة، وصار يقضي أيامه في نظم الشعر متغزلاً بها متحسراً لبعده عنها.
والقانون الجنكيزي (ياسا) يقضي بأن الخان إذا هوي إمرأة متزوجة فعلى زوجها أن يطلقها ويرسلها إلى الخان. فبعث «أبو سعيد» سراً رسولاً إلى الأمير «شوبان» أطلعه على سره، متوخياً أن يصل من ذلك إلى مطلوبه. فاستاء الأمير من هذا العمل، وأرسل «بغداد خاتون» وزوجها إلى «قراباغ» لعله يصرف خاطر الإيلخان عن هذا الأمر، بإبعاد الفتاة.
ولكن «أبو سعيد» لم يرجع غيه، بل ازداد عشقاً لها وافتتاناً بها، وتغير على الأمير «شوبان» إذ أحسّ من هذا الصديق رغبة عن إجابته إلى طلبه. وجد «صائن وزير» أيضاً في زيادة نار الخصومة اشتعالاً. وأظهر للإيلخان «دمشق خواجه» في صورة المستبد المنفرد برأيه.
واختلى الأمير «شوبان» ب«أبو سعيد» وسأله عن سبب تغيره عليه. فشكا الإيلخان من استبداد «دمشق خواجه» وتسلطه، وعدّه مخالفاً لمصالح الدولة.
فعاتب الأمير «شوبان» ابنه وسأله عن سبب تصرفه هذا. فأنكر «دمشق خواجه» أن يكون قد أتى ذنباً يؤاخذ عليه، وقال إن تغير السلطان لا سبب له غير سعاية «صائن وزير».
ثم سافر الأمير «شوبان» إلى خراسان وصحب معه «صائن وزير»، فعادت أزمة الأمور في الوزارة بيد «دمشق خواجه» مباشرة.
وبلغ اقتداره وتمكنه بحيث لم يبق لـ «أبو سعيد» شيء من السلطنة غير الاسم. وضايق هذا الوضع السلطان كما حمل الأمراء الآخرين على الحسد فدأبوا على السعي به عند «أبو سعيد» عازمين على استئصاله.
وواتت الفرصة خصوم «دمشق خواجه»، يوم كان الأمير «شوبان» في خراسان وأبناؤه الآخرون في بلاد الروم وكرجستان وهراة مشغولين بتصريف أمور الحكم أو دفع المخالفين والخارجين. فقد نقل الخصوم إلى «أبو سعيد» أن «دمشق خواجه» له علاقة بحظية من حظايا السلطان تقيم في قلعة السلطانية، وأنه لا يكترث للسلطان ولا شيء يشغل باله غير التفكير في التمرد والعصيان. فعهد «أبو سعيد» إلى رجال بالتحقيق في هذه القضية.
وفي إحدى الليالي ذهب «دمشق خواجه» إلى القلعة لزيارة خليلته فأخبروا السلطان بذلك. فأمر السلطان بقتله. وأمر أيضاً بأن يذاع في المدينة أن الأمير «شوبان» قد قتل أيضاً. وكانوا قد قتلوا يومئذ جماعة من اللصوص الأكراد وجاؤوا برؤوسهم إلى السلطانية، فأمر «أبو سعيد» بأن يطاف بهذه الرؤوس في المدينة على أنها رؤوس الأمير «شوبان» وأعوانه.
وكان «دمشق خواجه» شجاعاً جريئاً، فاستطاع الفرار من القلعة. ولكن بعض الأمراء تعقبوه واعتقلوه، وأمر السلطان بقتله، فقتل في الخامس من شوال سنة 727هـ وعلق رأسه متدلياً من القلعة ونهبت أمواله.
فلما علم الأمير «شوبان» بقتل ابنه أرسل إلى «أبو سعيد» رسالة جاء فيها: إن يكن ابني قد سلك طريق العصيان والتمرد فقد نال جزاءه. وأما العبد يعني نفسه فلا يزال مقيماً على عهد الصدق والخدمة.
ولكن الأمراء خوفوا «أبو سعيد» من اقتدار الأمير «شوبان» وحذروه من أن يكون ناوياً على الانتقام. فبادر، وقد أخذه الخوف، إلى استدعائه إلى العاصمة على عجل، وأوعز بالسر إلى من يرافقه من الأمراء باعتقاله. ولكن هؤلاء الأمراء، وكانوا قد عاهدوا الأمير «شوبان» على الوفاء له، رفضوا إنفاذ أمر السلطان، وأطلعوا الأمير عليه.
واستشار الأمير «شوبان» ابنه الأمير حسن وأمراء آخرين في ما يفعل. فقال الأمير حسن: إن خراسان بيدنا، وعائدات فارس وكرمان تصل إلينا، وبلاد الروم في تصرف أخي تيمورتاش، وكرجستان في تصرف أخي محمود. فالمصلحة في أن نستنجد بالجغتائيين ونثأر لأنفسنا من «أبو سعيد».
ولكن الأمير «شوبان»، وقد اغتر بشجاعته، لم يعجبه هذا الرأي فقال: ليس في العراق من له القدرة على مقاومتي. وسأذهب إلى العاصمة وأتدبر الأمر بنفسي. ثم أمر بقتل «صائن وزير» إذ كان يراه جرثومة هذا الفساد. ثم سار بسبعين ألفاً من عسكره قاصداً إلى العراق.
وكان «أبو سعيد» يرتجف رعباً من سطوة آل «شوبان». فأصدر عدة أوامر بصد أبناء الأمير «شوبان» وقلعهم. وخرج هو بجيش من السلطانية ونزل في قزوين. وجاء إليه أيضاً أمراء الحدود بجيوش لإمداده.
أما الأمير «شوبان» فسار برجاله من مشهد طوس إلى «سمنان». وهناك زار العارف المشهور «الشيخ ركن الدين علاء الدولة السمناني»، والتمس منه أن يذهب إلى «أبو سعيد» ويسكّن غضبه بالنصيحة ويذكر له ما كان من وفاء الأمير في خدمته، ويطلب منه أن يسلم إليه المحرضين على قتل ابنه «دمشق خواجه» ليعاقبهم ويخمد بذلك هذه الفتنة.
فقبل «علاء الدين» التماس الأمير «شوبان» وذهب إلى «أبو سعيد» واجتهد عنده في أن يحمله على مصالحة أمير الأمراء فلم يجبه إلى طلبه، مع ما أبدى من احترام له. ونكث الأمراء من رجال «شوبان» عهده فتركوه والتحقوا بالمعسكر الإيلخاني.
عندئذ خلى الأمير «شوبان» سبيل زوجته «ساتي بيك» وفر سالكاً طريق الصحراء، حتى وصل إلى ساحل نهر «مرغاب» من طريق «طبس». وكان ينوي الذهاب إلى ما وراء النهر وتركستان. ولكنه ندم على ذلك. وذهب إلى الملك «غياث الدين كرت» يريد الالتجاء إليه مستجيراً به. فأكرم هذا وفادته في أول الأمر واحتفى به. ولكنه لم يلبث أن غدر به إذ وصل إليه من قبل «أبو سعيد» أمر بقتل الأمير «شوبان». فاعتقله واعتقل معه ابنه «جلاوخان» وهو من زوجته الأولى أخت «أبو سعيد»، وكان لا يزال حدثاً صغير السن، وعزم على قتلهما.
وإذ رأى الأمير «شوبان» أن لا مفر له من القتل طلب من «غياث الدين» ثلاثة أمور:
الأول: أن لا يفصل رأسه عن جسده. فإن أراد إرسال علامة إلى مخيم الإيلخان تثبت أنه أنفذ الأمر بقتله فليقطع واحدة من أصابعه كانت ذات رأسين ويرسلها إليه علامة على ذلك.
الثاني: أن يبقي على ابنه «جلاوخان» ويرسله إلى «أبو سعيد» لعله يرحم شبابه فلا يقتله.
الثالث: أن يرسل جثمانه إلى المدينة المنورة ليدفن فيها.
فقبل «غياث الدين» أن يجيبه إلى طلبه. ثم قتله وأرسل إصبعه إلى «أبو سعيد» فوصلت إلى معسكره في «قراباغ» في المحرم سنة 728هـ فأمر بتعليقها في أعلى المعسكر.
وفي هذه المدة من الاضطراب والتشويش الذي سببته قضايا الأمير «شوبان» وأبنائه، لم ينس «أبو سعيد» عشقه لـ «بغداد خاتون». فأرسل قاضي القضاة إلى زوجها الشيخ «حسن جلاير» وأجبره على تطليقها. وبعد انقضاء عدتها تزوجها وحقق أمله القديم. وأصبحت تلقب بلقب «خداوندكار»([237]).
أما الملك «غياث الدين» فإنه، بعد أن تلبس بذلك العار الذي كان يعده يداً له عند السطان، سار في شتاء سنة 728هـ قاصداً إلى المعسكر الإيلخاني. فلما بلغ الري أرسل إلى «هراة» رجلاً لقتل «جلاو خان»، وكان في خراسان، فقتل. وذهب «غياث الدين» إلى «قراباغ» وهو يتصور أن «أبو سعيد» سيمنحه مكافأة جميلة، ويفي له بما كان قد وعده به وهو أن يزوجه إحدى أميرات البيت الإيلخاني ويضع في تصرفه أملاك أتابكة فارس.
ولكن «بغداد خاتون» حملت «أبو سعيد» على رده. وصدر الأمر بحمل جثمان الأمير «شوبان» و«جلاوخان» بكل احترام من خراسان. وبعد وصولهما أمرت «بغداد خاتون» بغسلهما مرة ثانية وأقيمت لهما الشعائر الدينية اللازمة، ثم جهزت قافلة خاصة حملت جنازة أبيها وأخيها إلى الحجاز، وأدى «أبو سعيد» نفقات هذه القافلة من جيبه الخاص، وقد بلغت 40000 دينار.
وفي يوم عيد الأضحى طافو بالجنازتين حول الكعبة وصلى عليهما جميع الحجاج. ثم دفنا في المدينة بالقرب من قبر الخليفة الثالث وقبر الإمام الحسن.
كان الأمير «شوبان» مسلماً عادلاً محباً للخير. وقد أقام في طريق مصر والشام أبنية خيرية كثيرة. وقضى أيامه في خدمة «أولجايتو» و«أبو سعيد» خدمة مخلصة صادقة. وازدهار سلطنة هذين الأيلخانين يعود الفضل في قسم منه إلى كفاءته وكفاءة أبنائه. ولكن كانت السذاجة غالبة على مزاجه. ويتضح هذا الأمر في تصرفه يوم ألصقوا بـ «الخواجه رشيد الدين فضل الله» تلك التهمة.
وكان للأمير «شوبان» تسعة أبناء أكبرهم الأمير حسن. وكان، يوم قتل أبوه، يحكم خراسان ومازندران. ولحسن هذا ثلاثة أبناء أحدهم اسمه «تالش خان» كان حاكماً من قبل أبيه على أصفهان وفارس.
وذهب الأمير حسن و«تالش خان»، بعد أن بلغهما خبر مقتل الأمير «شوبان»، إلى مازندران، ومنها فرا إلى خوارزم ولجآ إلى «أوزبك خان» ملك «دشت قبجاق». فأكرمهما هذا واحتفى بهما. وبقيا في خدمته إلى أن جرح الأمير حسن في إحدى الحروب ومات متأثراً بجرحه. ولم يلبث «تالش خان» أيضاً أن مات حتف أنفه. وأما ابنا الأمير حسن الآخران فقد قتلهما ابن أخيه الأمير «حسن الصغير».
وكان ابن الأمير «شوبان» الثاني الأمير «تيمور تاش» يحكم بلاد الروم، ويقضي أكثر أيامه في محاربة أرامنة كليكيا وغيرهم من المخالفين وقد أوصل حدود الدولة الإيلخانية إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. وكان معروفاً بالبطش والقسوة. ولكنه كان يسالم الملك الناصر سلطان مصر ويبدي له المودة والصفاء، ويتردد السفراء بينهما كثيراً.
ولما وصل خبر مقتل الأمير «شوبان» إلى «تيمور تاش» تحصن في إحدى قلاع بلاد الروم. وبعث من هناك رسولاً إلى مصر إلى الملك الناصر يطلب حمايته والالتجاء إليه. فأجابه الملك الناصر بأن عسكري وخزانتي ومملكتي في تصرف الأمير تيمور تاش.
وفرض «تيمور تاش» على أهالي بلاد الروم ضرائب ثقيلة وأخذها منهم ثم سار قاصداً مصر. ولما دخل أرض الشام كان الحكام على طول الطريق يستقبلونه أينما دخل بالإجلال والاحترام، إلى أن دخل مصر في أول ربيع الأول سنة 728هـ. ولما دخل على السلطان قبل الأرض بين يديه ثلاث مرات. وخلع عليه السلطان وأجلسه إلى جانب وبالغ في الاحتفاء به.
ثم أمر السلطان بإحضار رجال «تيمور تاش»، وكانوا متحصنين في إحدى القلاع من بلاد الروم، إلى مصر. ولكنهم رفضوا الحضور. وقال بعضهم للسلطان إن «تيمور تاش» هو الذي أمرهم بأن لا يحضروا، إذ إنه ينوي الرجوع إلى بلاد الروم والعودة إلى تولي حكمه السابق عليها. وزاد حاكم إحدى قلاع الروم على ذلك إخباره الملك الناصر بأن «تيمور تاش» قد قتل أباه وتظلم إلى السلطان منه. فأمرا الملك الناصر رجاله من الأمراء بالتحقيق في هذه الأمور. ومع أن «تيمور تاش» أنكر ما نسب إليه فإن الملك الناصر ظل يسيء به الظن.
وبعد شهر من وصول «تيمور تاش» إلى مصر تلقى الملك الناصر رسالة من «أبو سعيد» فيها تفصيل مقتل الأمير «شوبان». وقال الرسل الذين حملوا هذه الرسالة إلى مصر للملك الناصر إنهم لم يكونوا قط على علم بمصير «تيمور تاش» إلى أن وردوا دمشق.
وكان الملك الناصر من ابتداء سلطنة «أبو سعيد» على صلة طيبة بهذا الإيلخان. وقد ارتفعت في هذا العهد، كل الأحقاد القديمة من بين إيلخانات إيران وسلاطين مصر والشام بمساعي «الخواجه تاج الدين علي شاه». ويوم لجأ «تيمور تاش» إلى الملك الناصر أرسل هذا رسالة ودية إلى «أبو سعيد» يخبره بذلك. وبعد تردد السفراء أكثر من مرة بين السلطانين أرسل الملك الناصر إلى «أبو سعيد» سراً أنه يضع «تيمور تاش» في تصرفه، وانه حاضر لإنفاذ ما يأمر به بحقه. وكان الملك الناصر قد أصبح يخشى ما بدا على «تيمور تاش» في مصر من عزة وهيبة.
فأرسل «أبو سعيد» رسولاً إلى مصر يعيد «تيمور تاش» إلى إيران. فاعتقله الملك الناصر واعتقل مرافقيه، وحبسه. ثم أحضره إليه، وجعل يوبخه بحضور رسول «أبو سعيد»، وقال له إنك لا تصافينا بسلوكك. فلم يرد «تيمور تاش» بشيء. وطلب رسول «أبو سعيد» من السلطان أن يرسل معه إلى إيران «تيمور تاش» وحده.
وخشي الملك الناصر أن ينجو «تيمور تاش»، إذا وصل إلى إيران، بوساطة «بغداد خاتون» و«الخواجه غياث الدين محمد»، وهو صديق قديم لـ «تيمور تاش»، فيعمد إلى الانتقام منه. ولذلك بعث جماعة من الأكراد سراً في طريق إيران وأسرهم أن يقبضوا عليه ويقتلوه. فقتلوه في 4 شوال سنة 728هـ، وقطعوا رأسه وأرسلوه إلى «أبي سعيد»، فوصل إليه وهو في معسكره في «أوجان».
وأرسل الملك الناصر بعد قتله رسالة إلى «أبي سعيد» قال فيها: لقد قتلت تيمور تاش إذ ظهر لي خبث طويته وتبيّنْتُ أن وجوده يفسد ما بيننا من صداقة. وطلب مرة من «أبو سعيد» في بعض مكاتبته له بشأن «تيمور تاش» أن يعيد إليه «قراسنقر»، وكان هذا قد فر منه ولجأ إلى إيران في عهد «أولجاتيو»، فرفض الإيلخان إجابته إلى طلبه. ولكنه عاد فقتله في «مراغة» قبل وصول رأس «تيمور تاش» إليه. وظل محافظاً على صداقته لسلطان مصر إلى آخر أيام سلطنته.
والابن الرابع من أبناء الأمير «شوبان» هو الأمير محمود. وكانت بيده حكومة أرمينيا و«كرجستان». وقد أمر «أبو سعيد» باعتقاله أيضاً، وقتله في تلك السنة، سنة 728هـ في تبريز.
وهؤلاء الأربعة من أبناء «شوبان» لأم واحدة وابنه الخامس «جلاوخان» لأم أخرى هي «دولُندي خاتون» بنت «أولجايتو». وله ابن آخر من «ساتي بيك» بنت «أولجايتو» التي تزوجها بعد وفاة أختها. وابنه هذا وأبناؤه الثلاثة الآخرون لم يكن لهم شأن يذكر.
أواخر أيام «أبو سعيد»
في سنة 729هـ خرج حاكم خراسان «ناري طغاي» على «أبو سعيد». وكان هذا الرجل أيام حكم «أبو سعيد» لخراسان مقرباً إليه. ولكنه أبعد بعد ذلك عنه بسعي «دمشق خواجه». فاستنجد بالأمير «شوبان» فأنجده وعاد مرة أخرى إلى حاشية «أبو سعيد». وإذ كان يخشى «دمشق خواجه» فقد جعل يسعى لقتله. وكان من أهم العوامل التي أدت إلى استئصاله. وقد نهب «ناري طغاي» هذا من أموال «دمشق خواجه» بعد قتله ثروة وافرة. وأصبح صاحب اقتدار ونفوذ واسع في معسكر «أبو سعيد»، حتى نفر الإيلخان منه بتكبره وغطرسته، فأرسله إلى خراسان حاكماً عليها ليبعده عنه.
وأراد «ناري طغاي» أن تكون «هراة» أيضاً في تصرفه، وقد كانت حكومتها بيد أسرة «كرت» بالتوارث إلى ذلك الحين. ولكن حاكمها «غياث الدين كرت»، وقد كان يومئذ في معسكر «أبو سعيد»، حصل من الإيلخان على أمر بأن «ناري طغاي» ليس له أن يتصرف في شيء مما يتعلق بأسرة «كرت». فلما سمع «ناري طغاي» بذلك تغير على «غياث الدين»، وأرسل رجلاً إلى «هراة» يستدعي إليه الملك «شمس الدين» بن «غياث الدين» الأكبر. فأبى أن يحضر إليه. فبعث إليه اثنين من الأمراء من رجاله فأبى أيضاً أن يحضر. وكان الملك «غياث الدين» قد عاد في ذلك الحين إلى «هراة» أيضاً. فأيقن «ناري طغاي» أنه لن يبلغ إلى غاية من ملوك «كرت».
ووصلت أخبار ما في خراسان من حركات تمرد إلى «أبو سعيد»، وكان معسكره يومئذ في «أوجان»، ووصله أيضاً خبر باحتمال قيام المغول الجغتائيين بهجوم على خراسان. فأمر خاله «علي شاه»، وكان في حامية «إربل»، وبضعة أمراء آخرين بالسير إلى خراسان.
فلما عرف «ناري طغاي» بحركتهم أرسل أكثر من رسول إلى المعسكر الإيلخاني يبلغه أن لا لزوم لمجيء أولئك الأمراء إلى خراسان، إذ لا خوف من خطر هجوم عليها. وعندئذ توقف الأمراء في السلطانية. وامتنع «علي شاه» عن الذهاب إلى خراسان معتذراً بأن لا حاجة إلى ذهابه إليها، بناء على معلومات «ناري طغاي».
ووالى «أبو سعيد» رسائله إليهم بطلب المبادرة إلى السير كما أمرهم، ولكنهم كانوا دائماً يعتذرون. ثم ساروا، بتحريض من «علي شاه»، قاصدين إلى «أوجان» حيث معسكر «أبو سعيد». فأغضبت هذه الحركة «أبو سعيد» غضباً شديداً، وبعث أميراً من رجاله إليهم يأمرهم بالرجوع. وأرسلت «حاجي خاتون» أم «أبو سعيد» أيضاً رسالة إلى أخيها، قالت له فيها إن صلاح أمره في الرجوع إن كان يريد أن يبعد عنه غضب «أبو سعيد».
ولكن الأمراء المتمردين رفضوا الرجوع، وقالوا إنهم إنما يقصدون تقبيل قدم الإيلخان، وأن يعرضوا عليه مطالبهم بأنفسهم. إلا أن جماعة منهم، وقد رأوا أنفسهم محصورين في وسط معسكر «أبو سعيد»، خفوا إلى الإيلخان وباحوا له بأسرار «علي شاه» ورفاقه.
وتشفعت أم «أبو سعيد» إلى ابنها بأخيها «علي شاه» فعفا عنه وأمره بالذهاب إلى حدود بغداد. وسلم «طاشتيمور»، وهو من أعوانه، إلى الوزير «الخواجه غياث الدين» وآخرين من الأمراء لمحاكمته.
وكان الخواجه سليم النفس قد صمم على مسامحة جميع أعدائه وأعداء أبيه الشهيد والإحسان إليهم ولذلك التمس من الإيلخان أن يعفو عن «طاشتيمور»، مع يقينه بأن الباعث لأولئك الأمراء على التمرد هو عداوتهم له، فعفا عنه وارسله إلى خراسان.
والتقى «طاشتيمور» بـ «ناري طغاي» بالقرب من «أبهر» زنجان، وكان هذا قادماً إلى المعسكر الإيلخاني من غير إجازة. فاتفق هذان الأميران على التعاون لإسقاط أعدائهما، والسعي إلى قتل «الخواجه غياث الدين»، ذلك الوزير العالم الذي كان قد أصبح هو و«بغداد خاتون» صاحبي المقام الأول في إدارة شؤون المملكة كلها، وكان «طاشتيمور» و«ناري طغاي» يعدانه خصمهما الحقيقي. وأرسلا يدعوان، سراً، «علي شاه» إلى مشاركتهما في هذا السعي.
وبقي «طاشتيمور» في قزوين ينتظر إنفاذ خطة «ناري طغاي»، وذهب هذا إلى السلطانية يحاول أخذ زمام الأمور بيده بكل وسيلة كائنة ما كانت. ولكن «أبو سعيد» لم يأذن له بالدخول عليه. وأخذت «بغداد خاتون» تزيد في جفاء السلطان له يوماً بعد يوم، إذ كانت تعتقد أنه هو المسبب الحقيقي لقتل أبيها وأخيها.
فعمد «ناري طغاي» إلى محاولة استمالة من يقيم في المسعكر من الأمراء إليه. فأخبرهم بقصة تواطؤ «علي بادشاه» و«طاشتيمور» على مخالفة السلطان. ولكن «أبو سعيد»، وكان ينقم عليه ظلمه واستبداده في خراسان، لم يلتفت إلى كلامه. وبعض الأمراء رفضوا دعوته لهم إلى معاونته. فاضطر إلى نفض يده من محاولة قتل «الخواجه غياث الدين». ثم التمس منه الإذن له بملاقاته. فلما أراد الدخول عليه لم يؤذن له بالدخول مسلحاً، بل نزع عنه سلاحه. وهكذا وقف على باب الوزير ذليلاً ودخل عليه ذليلاً. والتمس من الوزير أن يشفع فيه إلى السلطان ليجعله موضع عنايته.
فقبل الخواجه طلبه وعزم على أن يذهب في الحال إلى الإيلخان فيقضي حاجته. وذهب إليه وذكر له ملتمس «ناري طغاي». فتعجب من طهارة طينة «الخواجه غياث الدين»، وأطلعه على ما يبطن له «ناري طغاي» من نية السوء. ثم أمر باعتقال «ناري طغاي». فلما علم هذا بأمر الإيلخان فر إلى الري يريد الوصول إلى خراسان. ولكنه اعتقل في تلك النواحي كما اعتقل «طاشتيمور» في نواحي قزوين، وحملا إلى السلطانية فقتلا فيها بأمر «أبو سعيد» يوم عيد الأضحى سنة 729هـ، وعلق رأساهما في مكان رأس «دمشق خواجه» في قلعة السلطانية.
وفي سنة 730هـ أرسل «أبو سعيد» الأمير «الشيخ علي» ابن الأمير «علي قوشجي» إلى خراسان حاكماً عليها. واتهم «الخواجه علاء الدين محمد» بأن له ضلعاً في تمرد «ناري طغاي» ولكن «الخواجه غياث الدين» تشفع فيه عند الإيلخان فعفا عنه، وأعاده إلى خراسان في صحبة الأمير «الشيخ علي».
وفي سنة 730هـ أخبر جماعة من المغرضين «أبو سعيد» أن بين الأمير «الشيخ حسن جلاير» زوج «بغداد خاتون» السابق وبينهما مكاتبة سرية، وأنهما يتآمران على قتله. فأمر «أبو سعيد» باعتقال الأمير «الشيخ حسن» وقتله. ولكن عمة «أبو سعيد»، وهي أم «الشيخ حسن» تشفعت له عند السلطان فعفا عنه، ولكنه أمر بأن يغيب عن عينيه، ويحبس في مكان بعيد. فحبس مع أمه في قلعة «كماخ» في بلاد الروم، وسقطت «بغداد خاتون» من عين «أبو سعيد». ولكنه لم يلبث أن تبينت له براءتها، فأمر بقتل من وشى بها، وعاد إليها اعتبارها في نظره. وبعد سنتين تزوج «أبو سعيد» من «دلشاد خاتون» بنت «دمشق خواجه».
وفي سنة 732هـ عين الأمير «دولتشاه» حاكماً على بلاد الروم، ولكنه توفي في الطريق، فأخرج «أبو سعيد» الأمير «الشيخ حسن جلاير» من الحبس وعينه سنة 733هـ على بلاد الروم. وقد بقي على عمله هذا إلى وفاة «أبو سعيد».
وفي سنة 734هـ عزل «أبو سعيد» الأمير «شرف الدين محمود شاه إينجو» عن حكومة فارس، بعد أن قضى فيها مدة طويلة، وكان يجمع إليها كرمان والبحرين وكيش وأصفهان. وكان هذا الحاكم ممن نشؤوا في دولة الأمير «شوبان»، قد خصل على ثروة وافرة وقدرة خارقة. وكان على صلة بـ «الخواجه غياث الدين» فأصبح، من ثم، من رجال عهد الكبار. ونصب «أبو سعيد» في مكانه أميراً آخر اسمه «مسافر إيناق».
وكان «محمود شاه» يعد نفسه أليق الناس بتولي هذه الحكومة. فاتفق وبضعة نفر من الأمراء وقاموا بهجوم على «مسافر». فلجأ هذا إلى القصر السلطاني فتعقبوه وطلبوا من السلطان تسليمه إليهم. واتفق أن وصل في ذلك الوقت الأمير «سيورغان» ابن الأمير «شوبان» السادس ومعه أمير آخر وفرسانهما، فردوا الأمراء المتمردين وفرقوهم. وأمر «أبو سعيد» بقتلهم. ولكن «الخواجه غياث الدين» تدخل أيضاً والتمس من السلطان الاكتفاء بحبسهم وإبعادهم، فأجاب ملتمسه.
وفاة «أبو سعيد»
في آخر سنة 735هـ سار «أوزبك خان» عاهل «دشت قبجاق» قاصداً الهجوم على «أرّان» وآذربيجان من طريق «دربند» وكان «أبو سعيد» عازماً على السفر إلى بغداد، فاضطر إلى العدول عن هذا السفر ليسير إليه بنفسه، إذ لم يكن أحد من الأمراء الكبار حاضراً يومئذ. وسير إليه «الخواجه غياث الدين»، ثم لحق به بجيش عظيم.
وبينما هو في «أران» سنة 736هـ أصابته وعكة بسبب الحر ووخامة المناخ. ثم توفي في 13 ربيع الآخر من تلك السنة، وهو في حدود «شروان»، وحمل إلى السلطانية ودفن في قبر بناه لنفسه في حياته، بالقرب من العاصمة.
وقد تبين أطباؤه، وهو في حال الاحتضار، آثار السم في جسمه. ويرى غالب المؤرخين أن زوجته «بغداد خاتون» قد سمته لأنه جفاها بعد أن تزوج «دلشاد خاتون»، ولأنها كانت تحقد عليه لقتله أباها وأخاها.
وكان أحد خصيان «أبو سعيد» على علم بذلك، فأمره خليفة «أبو سعيد»، بعد قليل من وفاته، بقتل «بغداد خاتون» فقتلها في الحمام.
كان «أبو سعيد» آخر الإيلخانات المقتدرين في أسرته. كان ملكاً كريماً رشيداً محباً للعلم، ازدهرت في عهده العلوم والآداب، ونبغ مؤرخون وشعراء كثيرون ولكن قسماً مهماً من هذا التقدم إنما تحقق بوجود وزيره ربيب الفضل «الخواجه غياث الدين محمد». وكان الإيلخان نفسه شاعراً مطبوعاً حسن الخط، ويحسن العزف الموسيقي. ومع أنه لم يكن متعصباً فقد أمر بإغلاق بعض الكنائس المسيحية، إذ أشار عليه بذلك بعض مستشاريه.
وفي سنة 719هـ اجتاحت الأعاصير غالب بلاده ووقع فيها القحط. فقال المتدينون إن هذا البلاء نتيجة للأعمال القبيحة التي يرتكبها الناس فأمر بإراقة دنان الخمور في كل مكان وإغلاق الخمارات وتخريب المواخير، فلا يبقى غير خمارة واحدة في كل ولاية للأجانب فقط.
علاقات «أبو سعيد» الخارجية
بعد أن جلس «أبو سعيد» على تخت السلطنة أرسل إلى سلطان مصر يعلنه بحسن نيته وعزمه على حفظ روابط الصداقة بينهما. فأجابه السلطان بمثل ذلك.
وقد ذكرنا سابقاً أن «قراسنقر» أحد الأمراء المتمردين على الملك الناصر لجأ إلى إيران في عهد «أولجايتو». وأقام فيها في حماية الإيلخانات. وكان الملك الناصر يسعى بكل وسيلة ممكنة إلى اعتقاله أو قتله.
من ذلك أنه أرسل في سنة 720هـ بالسر بعض الفدائيين الإسماعيليين من الشام إلى تبريز لاغتيال «قراسنقر». ولكنهم خابوا في مسعاهم واعتقل أكثرهم وقتلوا. وقد تركت هذه الحادثة أثراً سيئاً في إيران، إذ اشتهر أن أولئك الفدائيين لم تكن غايتهم قتل «قراسنقر» وحده، بل كانوا ينوون اغتيال «أبو سعيد» والأمير «شوبان» و«الخواجه علي شاه» وكبار الأمراء الإيلخانيين.
وغضب الأمير «شوبان» غضباً شديداً، وأراد الانتقام بقتل رسول كان سلطان مصر قد أرسله إلى معسكر الإيلخان لإقامة الصلح بين الدولتين، ولكن «الخواجه علي شاه» منع الأمير «شوبان» من ذلك. وتقرر إرسال سفير من إيران إلى مصر للمفاوضة في عقد معاهدة بينهما.
واستقبل عمال السلطان المصري في حلب ودمشق سفير الإيلخان بالاحترام والحفاوة. ووصل السفير إلى مصر يحمل مقترحات الصلح، وعقدت معاهدة صداقة بين الدولتين في سنة 721هـ.
وهذا أهم ما جاء فيها:
1 ـ يتعهد سلطان مصر بالتوقف بعد الآن عن إرسال الفدائيين الإسماعيليين إلى الممالك الإيلخانية.
2 ـ يتعهد الطرفان بأن لا يطلب كل منهما من الآخر أن يسلم إليه اللاجئين إلى أرضه من رعايا الآخر.
3 ـ يتعهد سلطان مصر بأن لا يحرض أعراب البادية والتركمان على مهاجمة الممالك الإيلخانية.
4 ـ تتعهد الدولتان بالمحافظة على روابط الصداقة فيما بينهما، وتمكين تجارهما من التردد والمتاجرة بينهما بحرية.
5 ـ تسير قافلة الحاج كل عام من العراق إلى مكة بحرية، وترفع رايتين إحداهما باسم سلطان مصر والأخرى باسم إيلخان إيران.
6 ـ يصرف سلطان مصر النظر عن المطالبة بقراسنقر.
وكان الملك الناصر مسلماً متعصباً قد منع بيع الخمور وشراءها وأغلق المواخير. ولذلك سرته التدابير التي اتخذها «أبو سعيد» في هذا المجال، وحرص على توكيد الصداقة بينهما، وظلت هذه الصداقة قائمة إلى آخر أيام «أبو سعيد». وكان السفراء لا ينفكون يترددون بين الملكين، وتبادل الهدايا والنفائس لا ينقطع بينهما.
وفي سنة 720هـ أمر الملك الناصر جماعة من قواده بمهاجمة أرمينيا الصغرى والإغارة على «سيس» عاصمة كيليكيا. فبدؤوا الهجوم في منتصف ربيع الآخر من تلك السنة، فأغاروا على «سيس» وقطعوا نهر «جيحان» وأغاروا على عموم أرمينيا. وكان ملكها «ليون» الخامس لا يتجاوز العاشرة من عمره، ويقوم على رعاية أموره وصي أرمني. فلم يجدا وسيلة غير الاستنجاد بالبابا «جان» الثاني والعشرين واستنهاض العالم المسيحي إلى إغاثتهما.
فأجاب البابا بأن ملوك أوروبا مشغولون بمحاربة بعضهم بعضاً فهم لا قدرة لهم على إنجاد أرمينيا. ولكنه سيرسل هو جيشاً لإغاثة أرمينيا. وأغضب هذا الخبر الملك الناصر وأمر بتجديد الغارة على أرمينيا. وحرض الأمير «تيمور تاش» أيضاً على اختراق حدود البلاد النصرانية. فأغار هذا على مدينة «سيس» وتقدم حتى بلغ ساحل البحر وغنم وأسر كثيراً.
وفعل مثله أمير آخر من أمراء الترك بالإغارة على البلدان المسيحية. وأحرق المصريون مدينة «أدنة» وأسروا قريباً من 20,000 من الأرمن.
فلما بلغت أخبار هذه الوقائع إلى البابا بادر إلى إمداد ملك أرمينيا بمعونات أخرى. وبعث أيضاً من «أفينيون» رسالة إلى «أبو سعيد» مؤرخة في 13 تموز سنة 1322م (27 جمادى الآخرة سنة 722هـ) ودعاه إلى إغاثة أرمينيا. وأرسل إليه رسالة أخرى يدعوه فيها إلى الدخول في دين المسيح.
وكان البابا قد أمر في سنة 718هـ، بعد بضع سنوات من بناء السلطانية، بإقامة كنيسة فيها، ونصب «فرانسوا دوبيروز» بطريركاً على نصارى إيران وما جاورها من ممالك. وظل هذا البطريرك في هذا المنصب إلى سنة 724هـ، إذ خلفه بطريرك آخر. وبعد أن دخل إيلخانات إيران في الإسلام نقص نفوذ النصارى واقتدارهم عما كان عليه في أيام «هولاكو» و«أباقا» و«أرغون».
وطلب «ليون» ملك أرمينيا أيضاً مدداً من «أبو سعيد»، فأرسل «أبو سعيد» رسالة إلى سلطان مصر يدعوه فيها إلى مصالحة الملك الأرمني.
ولكن الجيش المصري كان قد فتك بالأرمن قبل أن تصل رسالة «أبو سعيد». وبلغ الأمر بالأرمن إلى طلب الصلح من الملك الناصر وعقد معاهدة تعهد فيها الملك الناصر بمهادنة أرمينيا مدة خمسة عشر عاماً.
وفي سنة 729هـ قبل «ليون» رسمياً التبعية للملك الناصر، وألبسه هذا خلعة تشريف. ونجا الأرمن بهذا من فتكات الجيش المصري.
وازدادت في عهد «أولجايتو» و«أبو سعيد» العلاقات التجارية وحركات السفر بين إيران وأوروبا. من ذلك قدوم أحد رجال الدين النصارى، واسمه «أودوربك»، بين سنة 716 و718هـ، إلى إيران لتفتيش الكنائس. ومن إيران سافر إلى الهند والصين.
وكتب رحلته في رسالة تعد من المصادر المهمة لمعرفة أوضاع إيران في تلك الأيام. واتصل تجار البندقية بـ «أولجايتو» في أواخر عهده. وكانت في أيديهم تجارة الممالك الشرقية الواقعة في نواحي البحر الأبيض المتوسط كلها.
وفي سنة 1305م (705هـ) عقد مندوب بندقي و«أولجايتو» معاهدة تجارية، وحصل التجار البنادقة على امتيازات. وأرسل مجلس أعيان البندقية في سنة 720هـ إلى «أبو سعيد» سفيراً وحصل منه على امتيازات أخرى لتجار البندقية. وأرسل البنادقة إلى مدن إيران المهمة عدة قناصل للفصل في الخلافات التي تقع بين التجار البنادقة وا|لإيرانيين. وكان قنصلهم في تبريز أول قنصل وصل منهم، وذلك حوالي سنة 724هـ. وظلت هذه العلاقات تزداد يوماً بعد يوم.
إيلخانات آخرون
كان «أبو سعيد خان» آخر الإيلخانات الكبار من هذه السلسلة. فقد انحطت سلسلتهم بسرعة بعد موته الفجائي، وأصبح مقام الإيلخان موضوع نزاع وتحارب بين عدة من أمراء الأسرة الجنكيزية لا يليقون به، وكذلك ثار النزاع بين الرؤساء المتخاصمين المتحاسدين من رجال الحاشية.
وأخذت المملكة الإيلخانية تنقسم شيئاً فشيئاً إلى عدة أجزاء. فتتمهد بذلك الطريق لاستيلاء الأمير «تيمور كوركان» عليها بعد حين قصير. ذلك الأمير الذي قضت التقادير بأن تكون ولادته في نفس السنة التي توفي بها «أبو سعيد».
ولم يكن لـ «أبو سعيد» أبناء ذكور. وكان «غازان خان» قد أسقط الأمراء من أسرة «هولاكو» إما بالقتل وإما بالإغفال والإخمال، ومن ثم لم يكن هناك أحد يستطيع القبض على زمام الأمور.
واستشار «الخواجه غياث الدين محمد» الأمراء والخواتين، ثم اختار أحد أحفاد «أريق بوكا» أخي «هولاكو»، واسمه «أَرْباكاوُن» ليكون إيلخاناً. وكان «أبو سعيد» قد رشحه أيضاً لخلافته. فبادر كبار المغول على الفور إلى تنصيبه، بعد إقامة مراسم التشييع لجنازة «أبو سعيد».
وكانت «بغداد خاتون» قد عارضت تنصيبه. وإذ كانت قد اتهمت بسم «أبو سعيد» واتهمت بتحريض «أوزبك خان» على غزو إيران، فقد قتلها «أرباكاون»، كما ذكرنا سابقاً، بأن أمر أحد خصيان البلاط بقتلها فقتلها في الحمام. وأخاف الوضع «دلشاد خاتون» ففرت، وهي حامل، إلى العراق العربي ولجأت إلى حاكمه «علي باد شاه».
سلطنة «أرباكاون»
وبعد أن جلس «أرباكاون» على العرش في 13 ربيع الثاني سنة 736هـ ساق جيشاً إلى «دربند» ليدفع عاهل «دشت قبجاق»، وكان قد وصل في زحفه إلى حدود نهر «كورا». فتغلب عليه «أرباكاون» بعد مناوشة قصيرة، وعاد إلى تبريز منتصراً. ثم تزوج «ساتي بيك» أخت «أبو سعيد» وأرملة الأمير «شوبان».
وقتل في منتصف رجب الأمير «شرف الدين محمود شاه إينجو» بتهمة إخفائه أحد أبناء «هولاكو» في بيته، ناوياً تنصيبه في مقام السلطنة.
وفر ابنا «محمود شاه» الأمير «جلال الدين مسعود شاه» والأمير «الشيخ أبو إسحاق» من تبريز، فذهب الأول إلى بلاد الروم لاجئاً إلى الأمير «الشيخ حسن»، وذهب الثاني إلى ديار بكر لاجئاً إلى «علي شاه».
وفي تلك الأيام، وسلطنة «أرباكاون» لا تزال مترجرجة لم تستقم أمورها، تجمعت «دلشاد خاتون» و«حاجي خاتون» أم «أبو سعيد» وعدة أمراء من رجال «أبو سعيد» من طالبي الفتنة، حول الأمير «علي بادشاه»، وحرضوه على الخروج على «أرباكاون». فنادى «علي شاه» بـ «موسى خان» حفيد «بايدو» إيلخاناً، وسار بجيش من ديار بكر قاصداً آذربيجان.
وقعت معركة بينه وبين الإيلخان عند ساحل نهر «جغاتو» في 17 رمضان سنة 736هـ تغلب فيها «علي باد شاه» على الإيلخان وقبض عليه وعلى وزيره «الخواجه غياث الدين محمد» وقتلهما.
مقتل الخواجه غياث الدين
كان «الخواجه غياث الدين محمد» بن «الخواجه رشيد الدين فضل الله» امرأً محسناً سليم النفس خيّراً ساعياً إلى الفضائل. اجتهد في أيام وزارته أن يحسن إلى جميع أعداء أبيه ومن كانوا يريدون به شراً. وكان عالماً يعد، بعد أبيه، من كبار مربي أهل العلم والأدب، ومن أهل المروءة والكرم. وقد ترك، كأبيه، من بعده صيتاً طيباً في تاريخ إيران.
وكان من الكتاب البلغاء معدوداً من فضلاء عصره، علاوة على كفاءته وخبرته في العمل الذي يتولاه ومهارته في الحرب.
وكان يكبر أهل الأدب والمعرفة ويعظمهم ويوفيهم حقهم من الاحترام. ينعم على الناس بالصلات الكبيرة. وقد ألف جماعة من كبار العلماء والأدباء كتباً باسمه ومدحوه بشعر كثير.
اعتقل في إحدى قرى مراغة. ولم يكن «علي باد شاه» راضياً بقتله. ولكن بقية الأمراء المخالفين اضطروه إلى قتله فقتله في 21 رمضان سنة 736هـ.
واعتقل في تلك الأيام «أرباكاون» أيضاً في «سُجاس زنجان»، فسلمه «علي باد شاه» إلى رجال «محمود شاه إينجو» فقتلوه في الثالث من شوال من تلك السنة، ثأراً لـ «محمود شاه».
وأغار أعداء «الخواجه غياث الدين» وأراذل تبريز بعد قتله على منازله ومنازل أتباعه وملازميه، فنهبوها ونهبوا «الربع الرشيدي» مرة أخرى. وأخذوا في هذه الغارة مخطوطات نفيسة ومالاً ومتاعاً غالياً كثيراً.
سلطنة «موسى خان»
بعد مقتل «الخواجه غياث الدين» و«أرباكاون» أجلس «علي باد شاه» على العرش الإيلخاني «موسى خان» حفيد «بايدو» في مدينة «أوجان» وعهد بالوزارة إلى «تاج الدين علي شرواني».
ولكنهما كانا كلاهما، الإيلخان والوزير، عاجزين عن تطويع الأمراء الكبار. وكانت بين «علي باد شاه» وأنصاره قبيلة «أويرات» من جهة، وسائر الأمراء من جهة، أحقاد قديمة قوية. ولذلك ذر قرن الفتنة بسرعة في بعض الولايات، ولا سيما فتنة اثنين من كبار الأمراء في حاشية «أبو سعيد».
أحدهما الأمير «الشيخ حسن الكبير الإيلكاني» ابن الأمير «حسين كوركان» وحاكم بلاد الروم وزوج «بغداد خاتون» الأول، وأمه بنت «أرغون خان» ولذلك لقب أبوه «الأمير حسين» بـ «كوركان» أي «الصهر»، إذ هو صهر «أرغون». والآخر «حاجي طغاي» ابن الأمير «سونتاي»، وكان حاكماً على أرمينيا وديار بكر، تولى حكومتها سنة 732 بعد أبيه وكان يعادي «علي باد شاه» وقبيلة «أويرات». فقد أبى هذان الأميران الاعتراف بسلطنة «موسى خان» والانقياد لسلطة «علي باد شاه». وأرسل «حاجي طغاي» رسولاً إلى بلاد الروم إلى الأمير «الشيخ حسن الإيلكاني» يدعوه إلى تسلم زمام الأمور.
وكان هذا أميراً كفيئاً متطلباً للجاه والمناصب العالية فرشح لمنصب الإيلخان أحد أحفاد «منكو تيمور» بن «هولاكو»، واسمه «محمد خان»، واختار لوزارته «الخواجه محمد زكريا» ابن أخت «الخواجه رشيد الدين فضل الله» الهمذاني. وسار الأميران المقتدران قاصدين آذربيجان.
واقترح الأمير «الشيخ حسن» قبل وصوله إلى إيران على «علي باد شاه» أن يختاروا لعرش الإيلخان من يرونه صالحاً بالتشاور، ثم يعود كل منهما إلى ولايته، فقبل اقتراحه، ولكن الأمراء الآخرين أجبروه على رده. وانتهى الأمر بالطرفين إلى الحرب.
والتقى الجمعان في 14 ذي الحجة سنة 736هـ في نواحي «آلاتاغ»، ودارت رحى الحرب. وتغلب «موسى خان» على «محمد خان». وأراد هذا أن يفر إلاّ أن الأمير «الشيخ حسن» كر فجأة على الأمير «علي باد شاه» فقتله. وفر «موسى خان من المعركة قاصداً بغداد. وعاد الأمير «الشيخ حسن» مع «محمد خان» منتصرين إلى تبريز. وانقرضت دولة الأمير «علي باد شاه» و«موسى خان» على هذه السرعة.
سلطنة «محمد خان»
وأجلس الأمير «الشيخ حسن الإيلكاني» في ذي الحجة سنة 736هـ «محمد خان» على العرش رسمياً بعد وصولهم إلى تبريز. وتزوج «دلشاد خاتون» انتقاماً من زوجها «أبو سعيد» لما سبق منه بحقه إذ اغتصب منه «بغداد خاتون».
وعطف الأمير «الشيخ حسن» على من بقي من أسرة «الخواجه رشيد الدين»، فعهد بالوزارة إلى صهره الأمير «جلال الدين مسعود شاه إينجو» وابن أخته «الخواجه محمد زكريا». وقتل قتلة «بغداد خاتون».
وأرسل «ساتي بيك» التي تزوجها «أرباكاون» بعد مقتل زوجها الأول الأمير «شوبان» إلى «دشت موقان» وأرسل معها «سيورغان» ابنها من الأمير «شوبان».
سلطة «طغا تيمور»
بعد استيلاء الأمير «الشيخ حسن الإيلكاني» على آذربيجان نصب له العداوة جماعة من الأمراء من رجال «أبو سعيد». وفروا من آذربيجان والعراق إلى خراسان. وهناك حملوا حاكمها الأمير «الشيخ علي قوشجي» على مخالفة الأمير «الشيخ حسن». وكان أهم هؤلاء الأمراء الأمير «بير حسين» ابن الأمير محمود أن الأمير «شوبان»، والأمير «أرغون شاه» ابن الأمير «نوروز» المشهور، والأمير «عبد الله» بن الأمير «مولاي»، والأمير «علي جعفر».
واختاروا لمنصب الإيلخان «طغا تيمور»، وكان يقيم في مازندران. وهو من أحفاد أحد إخوة جنكيز. وجعلوا منه آلة لإنفاذ مقاصدهم في مقابل «محمد » والأمير «الشيخ حسن».
وسار الأمراء العاصون بـ «طغا تيمور» قاصدين آذربيجان. وعند حدودها التحق بهم أيضاً «موسى خان» وأنصاره، وكان قد أفلت من قبضته الأمير «الشيخ حسن» وفر بعد أن هزمه «محمد خان» في «آلاتاغ».
وقرر أنصار «طغا تيمور» وأنصار «موسى خان» أنه، بعد غلبتهم على الأمير «الشيخ حسن»، تكون خراسان لـ «طغا تيمور» والعراق وآذربيجان لـ «موسى خان».
ووقعت الحرب بين المعسكرين المتحدين وعسكر الأمير «الشيخ حسن الإيلكاني» في منتصف ذي القعدة سنة 737هـ بالقرب من «مراغة». وفر «طغا تيمور» ووقع «موسى خان» في قبضة الأمير «الشيخ حسن» فقتله في العاشر من ذي الحجة من تلك السنة. واتفق أن قتل أيضاً في هذا اليوم نفس الأمير «الشيخ علي» حاكم خراسان، قتله هناك الأمير «أرغون شاه».
وهكذا قضي في يوم واحد على عدوي الأمير «الشيخ حسن» هذين. واستولى هذا الأمير على آذربيجان والعراق. وذهب «طغا تيمور» إلى خراسان، وتولى منصب الإيلخان فيها بمساعدة أنصاره من الأمراء.
خروج أمير آخر
بقي، بعد مقتل «موسى خان»، اثنان من المتنازعين على المملكة الإيلخانية، أحدهما، «طغا تيمور خان»، وفي طاعته جرجان وخراسان، والآخر «محمد خان»، وهو آلة لإنفاذ مقاصد الأمير «الشيخ حسن الكبير».
وبعد مضي بضعة أشهر على مقتل «موسى خان» ظهر منازع آخر من بلاد الروم هو «الشيخ حسن» أحد أبناء الأمير «تيمور تاش» ابن الأمير «شوبان سلدوز». وبعد أن اشتهر هذا عرف باسم «الشيخ حسن الصغير» أو «الشيخ حسن الشوباني» تمييزاً له عن «الشيخ حسن الكبير الإيلكاني» الذي سبق ذكره.
وكان هذا الأمير قد توارى في بعض بلاد الروم بعد ما قتل رجال الملك الناصر أباه «تيمور تاش». وظل متوارياً إلى سنة 738هـ، إذ حدثته نفسه بطلب ملك لنفسه. فظهر من مخبئه. وكان له عبد يدعى «قراجري» يشبه أباه بعض الشبه.
فأعلن للناس أن أباه «تيمور تاش» لم يقتل، بل فر من سجن القاهرة وتوارى إلى هذا التاريخ، ونصب هذا العبد على أنه أباه. ومن أجل إتقان هذا المخطط زوج أمه بذلك العبد. وصار يسير في ركابه راجلاً في أغلب الأحيان.
وأدى انتشار الخبر بظهور «تيمور تاش» إلى تحرك خصوم «الشيخ حسن الكبير» للخروج عليه. فالتحق بمعسكر «تيمور تاش» الكاذب رؤساء قبيلة «أويرات» وأصحاب الأمير «علي باد شاه» ومؤيدو الأسرة الشوبانية. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أوقع الخبر الرعب في قلب الملك الناصر. فقد خيل إليه أن «تيمور تاش» لم يقتل، وأن الذين عهد إليهم بقتله قد خدعوه. وأيقن أن «تيمور تاش» سيصبح في المستقبل أكبر أعدائه متى تيسرت له أسباب القدرة.
ولذلك أرسل الملك الناصر رسولاً إلى «حاجي طغاي» حاكم ديار بكر يخطب إليه إحدى بناته لابنه، ويقترح عليه الاتحاد لقمع مؤيدي «تيمور تاش». فأجابه «حاجي طغاي» برسالة قال فيها إن ظهور «تيمور تاش» ليس حقيقياً. ومهما يكن من أمر فقد سبق له أن اتفق هو والأمير الشيخ حسن الكبير على صد كل منازع يظهر.
وفي تلك الليلة نفسها، إذ كان رسول الملك الناصر عند «حاجي طغاي» وصل إليهم عسكر الأمير «الشيخ حسن الصغير» أو «الشوباني»، ففر «حاجي طغاي» إلى بغداد وفر رسول الملك الناصر في طريق حلب. ثم أوصل إلى السلطان المصري أخبار الوقائع التي جرت على حدود آذربيجان.
وعاود سلطان مصر، بعد مدة قليلة، إرسال ذلك الرسول نفسه إلى «حاجي طغاي»، يكرر اقتراحاته السابقة. فأجابه «حاجي طغاي» برسالة قال فيها إن الوقت الحاضر ليس مناسباً للزواج المقترح. وكان الملك الناصر لا ينفك يحرض «حاجي طغاي» على معاداة الشوبانيين ومؤازرة «الشيخ حسن الإيلكاني»، إذ كان دائم الخوف من ظهور «تيمور تاش»، وظل إلى آخر حياته لا يفارق هذا الخوف.
وتلاقى الشيخان الحسنان، الكبير والصغير، في 20 ذي الحجة سنة 738هـ في نواحي «آلاتاغ نخجوان». وقبل وقوع الحرب بينهما فر الأمير «بير حسين» أحد قواد «الشيخ حسن الإيلكاني» الكبير من معسكره والتحق بعسكر الأمير «الشيخ حسن الشوباني» الصغير. وهذا الأمير الفار هو ابن الأمير محمود ابن الأمير «شوبان»، فهو ابن عم «الشيخ حسن الصغير الشوباني».
فاضطر «الشيخ حسن الكبير» إلى الفرار وسار إلى تبريز مع «محمد خان». ولكن هذا وقع في يد «الشيخ حسن الصغير» فقتله. وأصبحت آذربيجان والعراق في حكم الشوبانيين، يمعنون في التعدي على الناس ونهب أموالهم.
وفي هذه الأثناء عزم «قراجري»، أي «تيمور تاش» الكاذب، على قتل «الشيخ حسن الشوباني». فغافله وطعنه بسكين فأخطأه، وفر «الشيخ حسن» هذا إلى «كرجستان» حيث تقيم «ساتي بيك» أرملة الأمير «شوبان» وابنها منه الأمير «سيورغان» عمّ «الشيخ حسن» الصغير، فنزل عليهما. ثم بلغه أن «تيمور تاش» الكاذب سار إلى تبريز قاصداً محاربته، فترك «كرجستان» وسار نحو تبريز حتى التقى به فهزمه وفر «تيمور تاش هذا إلى بغداد، ودخل «الشيخ حسن» الصغير إلى تبريز.
سلطنة «ساتي بيك»
وفي تبريز حضر إليه ستة عشر رجلاً من أبناء الأسرة الشوبانية وطلبوا منه أن يختار واحداً من أسرة «هولاكو» لمنصب الإيلخان.
وإذا لم يكن أحد ممن بقي من هذه الأسرة أهلاً لهذا المنصب، فقد اختار أمراء العسكر والشوبانيون «ساتي بيك» بنت «أولجايتو» أخت «أبو سعيد» لهذا المنصب سنة 739هـ. وكانت «ساتي بيك» تخالف الأمير «الشيخ حسن الكبير».
وأمر «الشيخ حسن الشوباني» بذكر اسمها في الخطبة والنقود. واختاروا لوزارتها «ركن الدين الشيخي» و«غياث الدين محمد». والأول من أسرة «الخواجه رشيد الدين فضل الله» والثاني من أسرة «الخواجه علي شاه». وبهذا أصبحت «ساتي بيك» و«الشيخ حسن الصغير» آمرين على آذربيجان و«أران».
ولكن ظل كل قسم من نواحي إيران والعراق يحكمه أمير من رجال «أولجايتو» و«أبو سعيد» السابقين، أو حاكم من الأسر الداخلة في طاعتهم. من جملة ذلك أن السلطانية وعراق العجم كانتا بيد الأمير «الشيخ حسن الكبير»، وديار بكر بيد «حاجي طغاي»، وبغداد وعراق العرب بيد قبيلة «أويرات» ويد «قراجري»، أي «تيمور تاش الكاذب، وقسم من بلاد الروم بيد الأمير «أرتيا» نائب «الشيخ حسن الكبير» والقسم الأخر بيد «الملك أشرف» ابن الأمير «تيمور تاش»، وفارس بيد أسرة «إينجو»، ويزد بيد الأمير «مبارز الدين محمد مظفري»، و«قهستان» بيد «عبد الله» بن الأمير «مولاي»، وهراة وقسم من خراسان بيد آل «كرت»، والقسم الآخر من خراسان من جرجان بيد «طغا تيمور»، وكرمان وأصفهان يحكمها بعض الأمراء المحليين.
وبعد إقرار «ساتي بيك» في تخت الإيلخان سار الأمير «الشيخ حسن الشوباني» قاصداً قزوين لقمع «الشيخ حسن الإيلكاني». ولكن هذا بادر إليه بطلب الصلح، واعترف رسمياً بسلطنة «ساتي بيك». وتلاقى الحسنان المتنافسان فتعانقا. واتفقا على أن يبقى الكبير في السلطانية مدة الشتاء، ويذهب الصغير و«ساتي بيك» إلى «أرّان». وفي فصل الربيع يعقدون مجلس شورى لتنظيم شؤون المستقبل. ثم ذهب «الشيخ حسن الصغير» و«ساتي بيك» إلى «أرّان» وعاد «الشيخ حسن الكبير» إلى العراق.
ولو دام هذا الصلح لجرد «الشيخ حسن الكبير» من كل اعتبار. فقد كان ذلك منه في حكم التصديق لسيادة «الشيخ حسن الصغير» والأسرة الشوبانية. ولذلك أرسل الكبير أحد خواصه إلى خراسان يحرض «طغا تيمور خان» على القدوم إلى العراق. فوافقه هذا وسار، ومعه «أرغون شاه» والوزير «الخواجه علاء الدين محمد»، من خراسان يقصد العراق. ووصل إلى «ساوة» في شهر رجب سنة 739هـ.
وهناك استقبله «الشيخ حسن الكبير». ولكن هذا لم يلبث أن تبين أنه مخطئ، إذ رأى أن أمراء خراسان كلهم طائعون لرأي الوزير «الخواجه علاء الدين». أما هو فيهملونه ولا يكترثون له. بيد أنه تحمل هذا الوضع صابراً، إذ رأى أن لا حيلة له غير التحمل والصبر. وفي هذه الأثناء وصل إليهم خبر بأن «الشيخ حسن الشوباني» و«ساتي بيك» والأمير «سيورغان» قد ساروا من «أرّان» قاصدين قمع «طغا تيمور خان».
فلما وصلوا إلى آذربيجان كان جماعة من قبيلة «أويرات» قد اعتقلوا «قراجراي»، أي «تيمور تاش» المزور، فحملوه إلى «ساتي بيك» فأمرت بقتله فقتل.
وأراد «الشيخ حسن الشوباني» أن يضعضع الأساس من معسكر «طغا تيمور» و«الشيخ حسن الكبير» فعمد إلى حيلة. وذلك أنه تظاهر بطلب الصلح. فاستجاب له «طغا تيمور»، وذكره بما كان بين أبيه وبين الأمير «شوبان» من مودة سابقة. واتفق الطرفان على عقد الصلح. وبعث «الشيخ حسن الصغير» إلى «طغا تيمور» رسالة بأنه إن ساعده على دفع «الشيخ حسن الكبير» زوجة «ساتي بيك» وأيده جميع الشوبانيين.
وانطلت الحيلة على سذاجة «طغا تيمور» وأرسل إلى «الشيخ حسن الصغير» رسالة كتبها بخطه يعلمه فيها بقبوله هذا الاقتراح. فبعث هذا بالرسالة إلى «الشيخ حسن الكبير» وأطلعه على نوايا «طغا تيمور». وعلم هذا بما حصل فأخذه الخجل مما فعله. وأما «الشيخ حسن الكبير» فما كان منه إلا أن ذهب إلى «ساتي بيك» فقبل يدها واعتذر إليها ثم سار بعسكره إلى «أوجان».
سلطنة شاه جهان تيمور خان
بعد ذلك، وكان «الشيخ حسن الكبير» قد وصل إلى «أوجان»، أبعد «الشيخ حسن الصغير» السلطانة «ساتي بيك» عن العرش بحجة أن المرأة لا تصلح لمنصب الإيلخان، ونصب في مكانها أحد أحفاد «يشموت» بن «هولاكو»، واسمه «سليمان خان»، وأجبر «ساتي بيك» على الزواج به.
فلما سمع «الشيخ حسن الكبير» بهذا الخبر نصب هو أيضاً «عز الدين» بن «آلافرنك» بن «كيخاتو» إيلخاناً، ولقبه بلقب «شاه جهان تيمور خان». واختار لوزارته «الخواجه شمس الدين زكريا». وذلك في ذي الحجة سنة 739هـ، ثم ذهب إلى العراق العربي. وأصبحت بغداد وديار بكر وخوزستان في حكمه.
والتقى الحسنان المتنافسان القويان والإيلخانان الجديدان يوم الأربعاء آخر ذي الحجة سنة 740هـ في «مراغة» في نواحي نهر «جغاتو». وانتصر الصغير الشوباني على الكبير الإيلكاني، فعاد هذا إلى بغداد مغلوباً. ثم خلع «شاه جهان تيمور» عن العرش في شهر ذي الحجة سنة 740هـ، واستقل بالحكم بنفسه وأقام سلسلة الأمراء الإيلكانيين أو «جلاير».
سلطنة «سليمان خان»
بعد أن نصب «الشيخ حسن الشوباني» في منصب الإيلخان «سليمان خان» بسط سلطته على آذربيجان و«أرّان» وكرجستان والعراق العجمي، وانهمك في تمكين حكمه وقدرته على تلك النواحي.
ولكن «الشيخ حسن الكبير» لم تزايله فكرة الانتقام من سميه المنافس. فأرسل في سنة 740 رسولاً إلى مصر إلى الملك الناصر يلتمس منه إنجاده بجيش يقوده واحد من أبنائه. فأجاب الملك الناصر برسالة قال فيها إن أبناءه صغار، لذلك فهو حاضر لأن يأتي بنفسه إلى العراق العربي، بشرط أن يسبق ذلك القبول بالتبعية له من «الشيخ حسن الكبير» و«حاجي طغاي» والأمير «حافظ» أخي الأمير «علي باد شاه».
وقبل بهذا الشرط كل من «الشيخ حسن» و«حاجي طغاي» وخطبا باسم سلطان مصر وضربا النقود باسمه. وأرسلا إلى الملك الناصر شيئاً من هذه النقود. وعزم هذا على المسير إلى العراق العربي.
وأهم هذا الحادث «الشيخ حسن الصغير»، فجهز جيشاً سار به من آذربيجان قاصداً ديار بكر ليقمع هذين الخصمين. وتغلب على «حاجي طغاي» وصالحه «الشيخ حسن الكبير». فلما بلغ ذلك إلى الملك الناصر رجع عن عزمه على السير إلى العراق. وتابع «الشيخ حسن الشوباني» سيره يتعقب «حاجي طغاي»، في طريق ولاية «موش» وفي تلك النواحي قتل «حاجي طغاي» قتله الأمير إبراهيم أخو الأمير «علي باد شاه» سنة 743 أو 744هـ.
وأغار «الشيخ حسن الصغير» على ولاية «موش» فأذلها. واستقبله أمير «ماردين» مستسلماً. فأكرمه الأمير الشوباني و«سليمان خان ولطفا به. ومن هناك انطلقا بعسكرهما يقصدون العراق لإخضاع «الشيخ حسن الكبير».
وبعث هذا بالأمير «علي جعفر» وآخر من قواده لصد «الشيخ حسن الصغير» فهزماه. فانطلق من ديار بكر إلى بلاد الروم. وفي «أرزنة» من تلك البلاد أحرق محراباً ومنبراً كان قد بناهما «حاجي طغاي». ونبش قبر «حاجي طغاي» وأخرج جثته منه. وأوقع كثيراً من التخريب والإرهاب. ثم عاد مع «سليمان خان» في جمادى الأولى سنة 741هـ إلى تبريز حيث قضيا فصل الشتاء.
مقتل «الشيخ حسن الشوباني»
وانقضت بعد ذلك ثلاث سنوات حافلة بالمنازعات والمؤامرات في مختلف أنحاء المملكة الإيلخانية. وفي ذلك التاريخ، أي سنة 744هـ جهز «الشيخ حسن الصغير» جيشاً وأرسله مع «سليمان خان» والأمير «يعقوب شاه» احد أمراء بلاد الروم إلى غزو تلك البلاد والاستيلاء عليها. ولكنهما انهزما فعادا أدراجهما. فلما وصلا إلى تبريز قبض «الشيخ حسن الصغير» على «يعقوب شاه» وحبسه.
وكانت «عزت ملك» زوجة «الشيخ حسن الصغير» على علاقة بيعقوب هذا. فاحتملت أن يكون زوجها قد حبسه لهذا السبب ومن أجل أن يبقى سرها مكتوماً اتفقت وبعض خواصها من نساء الحرم على قتل «الشيخ حسن الصغير». فقتلنه في ليلة الثلاثاء 27 رجب سنة 744هـ على نحو قبيح.
ولكن المؤامرة انكشفت. وبعد بضعة أيام من انكشافها قتل أتباع «الشيخ حسن الشوباني» زوجته القاتلة «عزت ملك» وقطعوها قطعة قطعة وأكلوها.
وقسم «سليمان خان» ما كنزه «الشيخ حسن الشوباني» في خزانته من أموال لا تحصى بين الأمراء. ثم ذهب إلى «قراباغ» إذ كان عاجزاً لا كفاءة له.
سلطنة «أنوشروان العادل»
وجاء إلى تبريز بعض الأمراء الشوبانيين، وهم «ياغي باستي» و«سيورغان» ابنا الأمير «شوبان»، وحفيده «الملك أشرف» بن «تيمور تاش” واخو «الشيخ حسن الصغير». ثم لم يلبثوا أن وقع بينهم خلاف أدى إلى حرب انتصر فيها «الملك أشرف». فنصب، بعد انتصاره، المدعو «أنوشروان» إيلخاناً ولقبه بالعادل. وهذا الإيلخان قال بعضهم إنه قبجاقي وقال آخرون هو من أولاد «هولاكو»، وقال آخرون إنه من العرق الكاوياني.
وفي تلك الأثناء توفي «سليمان خان» الإيلخان الذي صنعه «الشيخ حسن الصغير». وكيفية موته غير معروفة.
وكان «أنوشروان العادل» آخر من تولى منصب الإيلخان من هذه السلسلة. ومصيره مجهول. ولكن بقيت من عهده نقود مؤرخة سنة 756هـ. وقتل الإيلخان الآخر «طغاتيمور» سنة 753هـ.
وبهذا تكون سنة 756هـ آخر الأيام من العهد الإيلخاني. وبها ينتهي تاريخ حكم المغول من أحفاد جنكيز لإيران.
وأما الشوبانيون الثلاثة فقد فر «سيورغان» إلى ديار بكر لاجئاً إلى «إيلكان» بن «الشيخ حسن الكبير» فاجاره وأكرمه، ثم لم يلبث أن قتله. وأما «ياغي باستي» فقد استسلم إلى ابن أخيه «الملك أشرف» فقد أصبح، بعد ذلك، مستقلاً بالحكم كل الاستقلال، وبقي على هذه الحالة أربع عشرة سنة، من سنة 744هـ إلى سنة 759هـ، قضاها في الظلم والاستبداد وكنز الأموال، حتى نفذ صبر الناس فدعا أهالي تبريز «جاني بيك» عاهل «دشت قبجاق» إلى احتلال مدينتهم وتخليصهم من ذلك الظالم. فدخلها في أوائل سنة 759هـ وقتل «الملك أشرف». وبقتله زالت دولة الأمراء الشوبانيين([238]).
وهذا فهرست بأسامي إيلخانات إيران، وقد استمر حكمهم من سنة 651هـ إلى سنة 756هـ:
1 ـ هولاكو خان بن تولوي بن جنكيز من 651 إلى 663هـ.
2 ـ أباقا خان بن هولاكو من 663 إلى 680هـ.
3 ـ السلطان أحمد تكودار بن هولاكو من 680 إلى 683هـ.
4 ـ أرغون خان ابن أباقا من 683 إلى 690هـ.
5 ـ كيخاتو بن أباقا من 690 إلى 694هـ.
6 ـ بايدو خان بن طرغاي بن هولاكو من 694 ربيع 1 إلى 694 ذي القعدة.
7 ـ غازان خان بن أرغون من 694 إلى 703هـ.
8 ـ أولجايتو خدابنده بن أرغونن من 703 إلى 716هـ.
9 ـ أبو سعيد بهادرخان بن أولجايتو من 617 إلى 736هـ.
10 ـ أرباكاون من 736 إلى 736هـ.
11 ـ موسى خان بن علي بن بايدو من 736 شوال إلى 736 ذي الحجة.
12 ـ محمد خان بن منكو تيمور بن هولاكو من 736 ذي الحجة إلى 736هـ.
13 ـ ساتي بيك بنت أولجايتو من 739 إلى 740هـ.
14 ـ شاه جهان تيمور بن آلافرنك بن كيخاتو من 739 إلى 740هـ.
15 ـ سليمان خان بن يشموت بن هولاكو من 741 إلى 745هـ.
16 ـ طغا تيمور خان من 736 إلى 753هـ.
17 ـ أنو شروان العادل من 744 إلى 756هـ.
علاقة الإيلخانيين بالفاتيكان
سنبدا أولاً بذكر العلاقة بين المغول والفاتيكان قبل قيام الدولة الإيلخانية، ثم بقيام هذه العلاقة أيام الملوك الإيلخانيين، وربما تكررت الإشارة هنا إلى شيء مما مر الحديث عنه فيما تقدم من القول، ما لا بد منه ليظل الموضوع مترابطاً عند الدخول في التفاصيل.
قبل قيام الدولة الإيلخانية
بعد موت جنكيز واختيار خليفة له عاود المغول التصميم على الزحف متابعة منهم لما رسمه جنگيز من خطط للاجتياح والتوغل في العالم.
وتقاسم أحفاد جنگيز: باتو بن جوجي وگيوك بن أكتاي ومنگو بن تولي، قيادة الجيوش المتهيئة للزحف على أوروبا، وتقدموا بها هازمين القبائل السلافية في السهول المتاخمة لنهر الفولگا، وأحرقت الحواضر الهامة هناك أمثال: فلاديمير وموسكو، واحتُلت أوكرانيا، وتم الاستيلاء على روسيا كلها.
ومشى المغول إلى بولونيا والمجر فهزموا الجيشين المتحدين: الجيش الألماني والجيش البولوني سنة 639هـ ثم كانوا على مشارف برلين.
وفي الوقت نفسه كان جيش آخر يتقدم إلى (فيينا) عاصمة النمسا، وكاد المغول أن يحكموا سيطرتهم على أوروبا كلها لولا أن بلغهم خبر وفاة «أو گتاي»، فقرروا الانسحاب والعودة إلى بلادهم.
ولكن عودتهم لم تعد الاطمئنان إلى الأوروبيين الذين كان قد أصابهم الهلع من الزحف المغولي المدمر، وبقوا يعيشون هاجس معاودة المغول للتقدم في أوروبا.
لذلك اتجهت أنظارهم إلى الاتصال بالمغول واستحداث علائق حسنة بهم وتحويل أنظارهم عن أوروبا إلى البلاد الإسلامية، مستغلين وجود أعداد وفيرة من النصارى في البلاط المغولي، بل إن قبائل برمتها كانت ذلك الحين تتخذ من النصرانية ديناً لها أمثال قبائل: كرائيت، وأويغور، ونايمان.
ولقد ساعد التوجه النصراني قرار المجلس المغولي الأعلى (المقوريلتاي) اختيار (گيوك خان) لزعامة المغول، وكانت أم (گيوك) هذا «توراكينا خاتون» نصرانية، وكان قد سبق لها بعد وفاة زوجها وقبل تولي ابنها، أن حكمت المغول بنفسها أربع سنوات. ويقول كتاب (روضة الصفا) إنها كانت قد عهدت قبل ذلك بتنشئة ابنها إلى الأمير النصراني (قداق).
وفور تولي (گيوك) السلطة عهد إلى مستشار أبيه (جنيقاي) النصراني بمنصب الوزارة فنجح هذان الرجلان: (قداق) و(جينقاي) في تحويل تفكير (گيوك) عن أوروبا النصرانية، إلى البلاد الإسلامية.
ويتحدث صاحب كتاب «روضة الصفا» عما كان يبديه گيوك من اهتمام بالنصارى ورعاية لهم، وعن الدسائس التي كانت تحيكها تلك الجماعة على العالم الإسلامي بدعوة زعيم المغول للقضاء على الإسلام.
وفي الاحتفال الحافل الذي أقيم في تنصيب (گيوك) لبى ممثلو مختلف دول العالم الدعوة المغولية لحضوره، وكان بين من حضر ممثل إيطالي لبابا روما (إينيوسان الرابع 1243 ـ 1254م) هو (دوبلانو كاربينو) من قساوسة /الفرانسيسكين([239]) وقد طمع البابا في أن يستطيع ممثله هذا إدخال المغول في النصرانية لذلك عهد إليه بمهمتين: دعوة المغول إلى دينه مستغلاً وجود الحاشية النصرانية، في بلاط گيوك. ثم دعوتهم إلى تحويل أنظارم عن غزو أوروبا، والتحالف مع البابوية وملوك أوروبا على المسلمين.
وفي السادس عشر من نيسان سنة 1245م غادر هذا القسيس مدينة ليون فوصل في الرابع عشر من شباط سنة 1246 مدينة (كييف) أولى المدن الداخلة في السيطرة المغولية، ومنها توجه إلى مدينة (سراي)([240]) حيث التقى فيها (باتوخان) بن (جوجي). وبعد حصول مندوب البابا الذي كان مصحوباً بأخيه، على إذن بالسفر إلى العاصمة المغولية (قراقروم)([241]) فوصلاها بعد سفر طويل واجتياز صحار شاسعة وفلوات بعيدة.
وقد استغرق سفر (كاربينو) من ليون إلى قراقروم سنة وثلاثة أشهر وستة أيام. وفي العاصمة التقى بغيره من مندوبي الممالك الآسيوية والشرق أوروبية الذين شاركوا جميعاً في شهور الاحتفال بتتويج (گيوك خان).
واغتنم المندوب البابوي فرصة هذه اللقاءات ليوثق العلاقة بين البابوية وبين روسيا والمجر وگرجستان، وليزداد اطلاعاً على شؤون منغوليا بعامة والبلاط المغولي بخاصة.
على أن وجود الجميع في ذلك الجو المغولي الحذر لم يكن يخلو من أخطار لشدة تحرز المغول من الأجانب وإساءتهم الظن بكل ما هو غريب عنهم. وقد قتل المندوب الروسي الدوق (ياروسلاف) بالسهم لشبهة بسيطة، مع أنه كان مرسلاً إلى قراقروم من (باتوخان) المغولي.
جواب گيوك
قدم (كارﭙينو) رسالة من البابا إلى الملك المغولي (گيوك خان) وتلقى عليها جواباً لا يزال أصله محفوظاً في الفاتيكان مع غيره من الوثائق البابوية.
وكان جواب (گيوك) مملوءاً بالغرور والعجب بالنفس، تبدو فيه قسوة المغول وخشونة طبعهم، ولكنه مع ذلك بعث الاطمئنان والأمل في البابا، وفي سائر الملوك الأوروبيين.
ورغب گيوك في إرسال وفد مغولي إلى حاضرة الفاتيكان برفقة (كارﭙينو ) ولكن هذا عارض ذلك ولم يشجع عليه.
ويعلل (إدوار براون) في كتابه التاريخ الأدبي لإيران هذا الموقف من كارﭙينو بعدة علل أهمها: عدم كشف الحروب بين ملوك أوروبا والنصارى، وما هم عليه من عداء عميق لبعضهم البعض مما سيعرفه السفراء المغول في سيرهم إلى الفاتيكان واجتيازهم أوروبا، فيحملهم ذلك على الاستهانة بهم وتحريض السلطات المغولية العليا على مهاجمة أوروبا.
ثم خشية كارﭙينو أن ينال السفراء المغوليين بعض الأذى من الأوروبيين الذين عانوا من جيوشهم ما عانوا، ولم يكن المغول يغفرون لمن يعرض لسفرائهم بقتل أو أذى شديد على أن كارﭙينو لم يعد بشيء قاطع عن عدول المغول عن غزو أوروبا، لذلك كان يخشى أن يتعرف سفراء المغول على الطرق والمسالك والمنافذ فيفيدهم ذلك في غزوهم الذي سيظل محتملاً دائماً.
ورجع كارﭙينو من قراقروم، ولما وصل إلى كييف، لم يكد يصدق أنه نجا، وكان كمن تخلص من موت محتوم، لذلك كان يستقبل في كل مكان بالبهجة والتهنئة على خلاصه، على أن بعض المؤرخين يصفون رحلة كارﭙينو بالرحلة الشجاعة ويضعونه في مصاف البحار البرتغالي الشهير (فاسكو دي گاما)، ويرون أن كارﭙينو قد فتح الطريق إلى آسيا، بمثل ما فتح فاسكو دي گاما الطريق البحري إلى الهند.
الوفد البابوي الثاني
لم يياس البابا (إينيوسان) الرابع من التعاون مع المغول فبعد موفده الأول (كارﭙينو) عمد إلى إرسال وفد آخر مؤلف من أربعة قساوسة هم: آنسلم دولمباردي، وسيمون دوسنت وكانتن وآلبريك يو الكسندر. وهم جميعاً من جماعة الدومينيكيين، وسكان فرنسا.
وقد حمل الوفد رسالة من البابا إلى عظيم المغول، فوصلوا إلى أولي المعسكرات المغولية في إيران، ثم اجتازوا آذربيجان وتفليس ووصلوا إلى مقر (بايجونويان) في تلك النواحي سنة 1247م (654هـ).
وقد أزعج هؤلاء السفراء البابويون، المغول بحركاتهم وسكناتهم. فمن جهة كانوا يجهلون كيفية التعامل مع المغول كما يجهلون الألقاب التي يلقب بها خان المغول، بل كانوا يجهلون حتى اسم الخان الأعظم. ثم كانوا يدعون المغول إلى السلام والمصالحة وتجنب إراقة الدماء، فلم تعجب المغول هذه المواعظ، وأنكروا جهل القساوسة بما جهلوه من الأسماء والألقاب وأسلوب التعامل.
لذلك فقد قابلهم (بايجوم) ساخطاً غاضباً وخاطبهم حنقاً قائلاً: لا بد أن سيدكم البابا في غاية الجهل لأنه لا يعلم حتى اسم من يحكم هذه الأرض.
أما عن الحروب وسفك الدماء فقد قال: إننا نفعل ما نفعل بأمر من ابن السماء وبإذن منه. وقد هم (بايجو) في إحدى اللحظات بقتل القساوسة الموفدين، ثم عدل عن ذلك لأنهم سفراء رسميون، وتحول هذه الصفة دون الفتك بهم. وقد أعادهم إلى أوروبا مزودين برسالتين، كما أرفقهم باثنين من أتباعه المغول. وفي العام 1248م (646هـ) وصل المغوليان إلى أوروبا والتقوا البابا وسلموه ما أرسل معهم. وكان مضمون إحدى الرسائل ما يأتي([242]):
إن هذه الرسالة مرسلة بأمر الخان الكبير بايجو، أيها البابا، لقد وصل رسلك وأوصلوا إلينا رسائلك، وقد تفوهوا في حضرتنا بكلمات جريئة، ولا ندري إن كانوا ينفذون بذلك رغبتك أم أنهم فعلوا ما فعلوه من تلقاء أنفسم. ومهما كان الأمر فإننا نرسل لك هذا الجواب: إذا رغبت بدوام ملكك على أرضك ومائك وبلادك فإن عليك أن تقدم إلينا بنفسك وتقف إزاء حضرة حاكم بساط الأرض، وإن لم تفعل فالله وحده يعلم ماذا سيكون …
ونحن لا نريد منك الآن سوى الإجابة بأنك ستأتي أم لا، وإن كنت ستأتي، فهل ستأتي مواداً أم معادياً. اهـ.
والواقع أن هذا الأسلوب في التهديد والوعيد هو الأسلوب الذي اعتاد المغول على استعماله في رسائلهم لمن يهددونهم ويتوعدونهم، فقد كتبوا مثلاً إلى كيخسرو وأحد سلاجقة الروم قائلين: إنك تتكلم بشجاعة وسينصر الله من يشاء.
وقد أورد عطا ملك الجويني في كتابه (جهان گشاي) بعض عبارات التهديد التي هي من هذا القبيل، والتي كان المغول يكثرون من استعمالها.
وهكذا فإن موفدي البابا لم ينجحوا في مهمتهم، وعادوا من آسيا دون أن يتمكنوا من كبح جماح المغول وترويض وحشيتهم. على أنهم عرفوا في رحلتهم هذه الكثير مما يحبون أن يعرفوه من عادات المغول وتقاليدهم وخصوصيات أخلاقهم، ما كان الأوروبيون يجهلونه كل الجهل.
وقد أثار اغتباط البابا وملوك أوروبا ما عرفوه عن الوجود النصراني في أوساط المغول، وراودتهم الآمال في إمكان استغلال هذا الوجود للأهداف المنشودة.
مع المغول الإيلخانيين
من هولاكو إلى أرغون:
أخذت علاقات الملوك المغول الإيلخانيين مع الأوروبيين تتسع في هذا العصر باضطراد، وبدا أن الجو أصبح ملائماً لعقد اتفاقيات ومعاهدات بين الفريقين. وكان العامل الأكبر في ذلك استمرار الصراع الدموي بين الإيلخانيين ومماليك مصر والشام، وتوالي هزائم الإيلخانيين أمام المماليك، وعجز الأولين عن بسط سلطانهم في تلك المناطق، ما حدا بهم إلى التفكير في ضم البابا والأوروبيين إلى صفهم في نضالهم هذا.
ولم تمض السنة الأولى من حكم (منكو قاآن) وتجيء السنة الثانية حتى كان يعهد إلى أخيه هولاكو بالتوجه غرباً للقضاء على الإسماعيليين ثم العباسيين واجتياح البلاد الإسلامية، وكان مما أوصاه به رعاية النصارى والاستماع دائماً إلى آراء زوجته النصرانية (دوقوز خاتون) والعمل بتلك الآراء.
وهكذا تحرك هولاكو، وهو ذو الأم النصرانية، والزوجة النصرانية ـ تحرك باتجاه إيران بجيوش فيها قبائل مغولية مسيحية، هي قبائل: أويغور، ونايمان، وكرائيت.
ونفذ هولاكو وصايا أخيه (منگو قاآن)، وعمل بآراء زوجته (دوقوز)، فرعى النصارى كل الرعاية فيما اجتازه من بلاد، وحازه من عباد، مما مرت الإشارة إلى بعضه في الفصول السابقة.
ولما بلغت البابا انباء هزيمة المغول في عين جالوت بادر على الفور إلى معاودة الاتصال بهم للتعاون على المسلمين. وتوجد في كلمكسيون أدريك راينولد([243]) رسالة من البلاط الفاتيكاني إلى هولاكو، وهي تفتقد إلى الاسم والعنوان والتاريخ، على أنها تُنسب إلى البابا الكساندر الرابع([244])، (1254 ـ 1264م)، وقد حملها إلى هولاكو القسيس المجري (جان)([245]) ويعرب فيها البابا عن رغبته في إقامة علاقات ودية مع هولاكو.
ويجب أن نتذكر هنا أن هولاكو قد وطّد علائقه مع امبراطور روما الشرقية وإذا كان هولاكو لم ينس هزيمة المغول في عين جالوت، ولم يبرح من ذهنه التفكير في الثأر لتلك الهزيمة، فإن انشغاله بمنازعات المغول كان يشغله عن العمل لغير نجاحه في خضم تلك المنازعات، على أنه لم يلبث أن مات في آذربيجان غير متجاوز من العمر الثماني والأربعين سنة. وخلفه في الحكم ولده الأكبر (آباقا) (1265 ـ 1282م) (663 ـ 680هـ). وآباقا خان ـ البوذي كأبيه ـ أحكم روابطه مع النصارى بعد زواجه من (دسبينا مريم) ابنة (ميشيل ﭘالثولوگرس)([246]) (1259 ـ 1282م)، وقد كانت هذه الفتاة مخطوبة لهولاكو، وعند وصولها في طريقها إليه إلى مدينة مراغة عاصمة الإيلخانيين الأولى كان هولاكو قد مات فتزوجها ابنه آباقا خان، وهكذا صار صهراً للامبراطور البيزنطي.
وقد اجتمع لآباقا تربية الأم النصرانية دوقوز، ومخالطة الزوجة النصرانية هي الأخرى، فتهالك في حب النصارى وخدمة أغراضهم وإجلال كهنوتهم على أنه ظل بوذياً في ديانته، ولم يتحول إلى النصرانية، كما قد يزعم بعض الكاتبين([247]).
وقد كان للعداء الذي استحكم أمره بين مماليك مصر والشام وبين الإيلخانيين المغول، وقع فرح لا حد له عند المسيحيين، أراد آباقا استغلاله للتاثير في البابا وملوك أوروبا وحملهم على التحالف معه على المسلمين. وفي العام 1267م (664هـ) رد البابا (كلمان الرابع) (1265 ـ 1268م) ([248]) بالتفصيل على رسالة كتبها إليه آباقا بالخط الأويغوري([249]) طلب إليه فيها أن يكاتبه بالخط اللاتيني ليتسنى له فهم مضمونها([250]).
وتحدث البابا في رسالته عن جهوده في مقابلة معارضيه، ووعد الإيلخانيين بالانتصار لهم في حربهم مع المسلمين بقوى ملوك أوروبا.
وبعد ذلك بسنتين التقى ممثلون لميشيل بالئولوگوس بممثلين لآباقا في مدينة بلنسية بمنطقة الآراگون في اسبانيا، وكانت مطالب بالئولوگوس هي انضمام المغول إلى الملوك الأوروبيين في قتالهم المسلمين تنفيذاً للوعد الذي قطعوه للبابا.
وبالرغم مما كان عليه ملك الأراگون من الشيخوخة فقد كان عازماً على شن الحرب استناداً إلى الوعود المغولية، ولكن الأمراء الإسبان لم يوافقوه على ذلك وذكروه بغدر المغول، وأعمالهم الوحشية التي لا يمكن لأوروبا أن تنساها.
وفي العام 1274م (673هـ) أرسل آباقا وفداً مؤلفاً من ستة عشر شخصاً إلى أوروبا، بتشجيع من ملك أرمينيا الذي كان يطمع في استخلاص بيت المقدس من المسلمين. وعهد آباقا برئاسة الوفد إلى القسيس (دافيد). ووصل الوفد إلى مقر البابا گراگوار العاشر (گريگوري) (1271 ـ 1276م)، فدعاه هذا إلى اجتماع ديني في مدينة (ليون) ساهم فيه ممثلو المغول، فكان كل ما أسفر عنه الأمر أن عُمّد بأمر البابا اثنان من رجال المغول.
أدرك ملوك أوروبا عدم جدوى تلبيتهم لدعوة آباقا بشن حملات صليبية على مصر والشام لا سيما بعد ما رأوه من نمو سريع في قوى المسلمين، وضعف في عزم قواتهم وإرادتها في الفترة الأخيرة من الحروب الصليبية.
ورداً على الرسالة الأخيرة التي بعث بها آباقا إلى إدوار الأول ملك إنكلترا (1272 ـ 1307م)، اعتذر ادوار بعدم استطاعته ـ وهو في الوضع الذي هو فيه ـ إرسال جيش لاستخلاص بيت المقدس. ويمكن تلخيص رده بما يلي:
«لقد وصل إلينا القسيس دافيد وسلم الرسائل المرسلة منكم إلى البابا والملوك والنصارى، هذه الرسائل التي تعرف عن ميلكم إلى النصرانية، وعزمكم على مساعدة النصارى في استرداد مكانهم المقدس من أعداء النصرانية.
ونحن نطلب من المقام المحترم تنفيذ ما عزم عليه([251])على أننا لا يمكننا الآن إعلامكم عن تاريخ توجهنا إلى المكان المقدس وتحرك النصارى إليه، لأننا لم نصمم بعد تصميماً قاطعاً في هذا الشأن([252]).
6 كانون الثاني 1278([253])
ويرى صاحب كتاب (سياسة خارجي إيران) أنه يمكن استخلاص ثلاثة أمور من هذه الرسالة:
1 ـ رغبة المغول في الاتحاد مع الأوروبيين والحصول على مساعدتهم.
2 ـ كان لجواب الأوروبيين هذا الجواب الباعث على اليأس، وبعض العوامل الأخرى الأثر الكبير في دخول المغول في الدين الإسلامي.
3 ـ التغييرات الرئيسية التي طرأت على أسلوب الحكم المغولي خلال فترة قصيرة.
في ذلك الوقت كان الوضع السياسي في أوروبا قد تغير تمام التغيير، ولم تعد أوروبا كما كانت العام 1250م تهتم كثيراً بالقضاء على المسلمين واستخلاص القدس من جديد، وقد تخلى الملوك الأوروبيون عن الاستمرار في الحروب الصليبية، ولم يعد عندهم الاستعداد لتحمل أعباء توكل إليهم من البابا أو غيره.
وقد أدرك المسلمون في مصر والشام ضعف الأوروبيين وعجزهم ويقينهم بعدم جدوى حروبهم الصليبية. ولكن آباقا خان كان مصرًّا على حرب المسلمين والقضاء عليهم، وكان لوجود فريق من النصارى في بلاطه وبين حاشيته أثر كبير في إصراره هذا، فضلاً عن حنقه الشديد هو نفسه على الإسلام والمسلمين وتوقه للثأر من هزيمة عين جالوت.
لقد كان يطمح إلى الاستيلاء على آسيا الغربية، وشمال إفريقيا وزعزعة الوجود الإسلامي في كل ذلك، لهذا فقد استمر سفراؤه في التوافد على البلاط الفاتيكاني في العام 1276م (675هـ) ورحب البابا جان الحادي والعشرون (1276 ـ 1277م) بقدوم ممثلي الإيلخان المغولي الذين كانت مهمتهم اليوم ـ كما كانت بالأمس ـ تحريض النصارى على قتال المسلمين للوصول إلى القدس، ووعدهم بالتحالف معهم في هذا القتال. وفضلاً عن ذلك فقد كان موكولاً إليهم إبلاغ البابا باستعداد آباقا خان وقوبيلاي خان([254]) للدخول في الدين النصراني.
وبادر البابا ـ كما كان يفعل في كل مرة ـ إلى إرسال هؤلاء الموفدين إلى ملكي فرنسا وإنكلترا. على أنه عزم على إرسال وفد إلى بلاط الشرق، مؤلف من خمسة قساوسة لإنجاز تنصر آباقا وعمه قوبيلاي، ولكن المنية عاجلته قبل تحقيق ذلك إذ مات سنة 1277م.
وفي السنة التالية حقق البابا الجديد نيقولا الثالث (1277 ـ 1280م) ما لم يستطع سلفه تحقيقه فأرسل وفداً قوامه خمسة قساوسة فرانسسكانيين إلى كل من آباقا في عاصمته تبريز، وقوبيلاي في عاصمته (خانباليغ)([255]).
وفي العام 676هـ مني آباقا بهزيمة ساحقة في (أبولستين) مما مر تفصيله فيما تقدم القول. وعاود بعد حين تحريضه. فأرسل رسالة إلى البابا أنوريوس الرابع (1285 ـ 1287م) (Honorius) يحثه فيها على السعي لاتحاد ملوك أوروبا ويعده بالتحالف معهم، ولكن لم يكن لهذه الرسالة التي حملها الأسقف الإيلخاني برصوما أية نتيجة.
ويوجد في متحف الفاتيكان رسالتان من رجل الدين الكبير (يهبلاها) الذي كان آباقا قد اختاره رئيساً لنصارى إيران، وهاتان الرسالتان هما بعض ما كان يحرّض به (يهبلاها) البابا على السعي لاتحاد نصارى الشرق والغرب. وقد كتبت إحدى الرسالتين بالعربية والأخرى بالآرامية ويعود تاريخهما إلى سنة 1302 و1304م.
وفي العام 681هـ توفي آباقا فخلفه أخوه (تگودار). وفيما فصلناه قبل من إحداث غناء عن ذكره هنا.
على أنه لا بد من القول أنه على أثر مقتل تگودار وتولي (أرغون) مكانه (1284 ـ 1291م) (683 ـ 690هـ) اتسعت العلاقات بين المغول الإيلخانيين والفاتيكان كثيراً، وتبودلت بين الفريقين الوفادات الداعية إلى الاتحاد والتآزر.
وبعد أن قتل أرغون الوزير العالم الكفء شمس الدين محمد الجويني وولى الوزارة اليهودي سعد الدولة فتآمرا معاً على المسلمين، ويرى صاحب كتاب (روضة الصفا إنه كان في عزمهما تحويل الكعبة إلى معبد للأصنام).
وبترجيح من (يهبلاها) الأسقف النسطوري المار ذكره أرسل ارغون وفداً برئاسة القسيس الأويغوري برصوما إلى البابا نيقولا الرابع (1288 ـ 1292م)، هذا البابا الذي ظل يطمح إلى تحويل أرغون من البوذية إلى النصرانية([256]).
وفي العام 1288م وصل الفاتيكان رسل أرغون وسلموا البابا رسالة من ملكهم، فرد البابا برسالة تبشيرية، شكر فيها أولاً لأرغون إرساله السفراء إليه ومساعيه في سبيل اتحاد المغول والعالم النصراني، ثم شرح له أصول المذهب الكاثوليكي وقواعده ونجاة البشر بتضحيات أبناء هذا الدين وتضحيات ابن الله …. إلى غير ذلك من الشؤون التبشيرية.
وطلب في الرسالة الثانية التي تحمل التاريخ نفسه (العاشر من نيسان)، من أرغون الانضمام إليه في التفكير بتحرير القدس، والدخول في النصرانية لتنضم إليه تلك الجموع الغفيرة التابعة له.
ومع رسالتيه إلى أرغون أرسل البابا رسالتين إلى الأميرتين المغوليتين المسيحيتين (الگاك) Elgag و(توكتان) (Touctan)([257]) شكرهما فيهما على ما يبذلانه من جهد في نشر النصرانية والتبشير بها.
وكان الوفد الذي حمل رسائل البابا مكوناً من أعضاء كانوا قد أمضوا عشر سنوات في الشرق مبشرين بالنصرانية وعاملين على ترويج أمرها في أصعب الظروف وأشقها، ثم عادوا إلى روما العام 1289م.
وبعد أن اطلع البابا على معلوماتهم الواسعة وأصغى إلى تجاربهم، وعرف ما يريد معرفته عن شعوب الشرق عهد إليهم بنقل رسائله إلى أرغون برئاسة (جون دو مونت كورونيو).
شد كورونيو وأصحابه الرحال إلى البلاط المغولي المستقر في عاصمته (تبريز) بإيران، فوصلوها بعد عدة شهور، فاستقبلوا فيها بترحاب.
ويذكر (دوسون) صاحب كتاب (تاريخ المغول) (ص 69 ـ 70) أن ممثل البابا اظهر البابا لأرغون وكأنه الإله والقائد الأوحد للكون، وأنه استمر بأساليبه حتى جعل المغول السذج يتقبلون النصرانية بلهفة.
وبعد أن أدى هذا القسيس الشجاع المضحي مهمته أحسن أداء، واصل رحلته متجهاً إلى الشرق الأقصى حتى بلغ الصين وبنى فيها عدة كنائس كبيرة.
كانت رسائل البابا إلى أرغون تتسم بصفة عامة بسمة الدعوة إلى الدخول في النصرانية ويحضه في بعضها على نصرة النصارى، والعناية بالوفود المرسلة إليه.
ورد أرغون على رسائل البابا بعدة رسائل حمل بعضها على (بوسكارل دوجيزيلف) Bouscalle de Jisulf وهو من أهل جنوى، يرافقه بعض الموفدين. ويعلل الدكتور علاء الدين آذري اختيار الرسول الجندي إنما كان المقصود منه وصول الرسائل بأسرع وقت ممكن، ولم يوضح العامل المؤدي إلى السرعة. ولا اهتدينا إلى ذلك.
والذي يتبادر إلى الذهن أن العامل الوحيد هو اختصار الطريق، ولم يقل لنا الدكتور الآذري أي طريق سلك ليتمَّ الاختصار في الوصول([258]). كانت مهمة بوسكارل إبلاغ البابا بنفسه استعداد القوات المغولية لاستخلاص بيت المقدس من المسلمين، وطلب دعم البابا وملوك أوروبا في هذه المهمة. وبادر البابا إلى إرسال بوسكارل حاملاً رسالة أرغون إلى إدوار الأول (1275 ـ 1307م) ملك بريطانيا، ورسالته إلى فيليب لوبل (1285 ـ 1314م) ملك فرنسا. وأرسل البابا مع بوسكارل رسالتين منه إلى الملكين يطلب إليما إعمال الفكر كل في الرسالة المرسلة، واتخاذ قرارات حكيمة، باعثة على الأمل في نفس إيلخان المغول.
وقد جاء في إحدى الرسالتين ما يلي:
«عندما يصلكم أبناؤنا الأشراف الأعزاء: آندريه الذي كان اسمه من قبل: زا گان، وعُمّد على يد الكاردينال أوسيّ، وابن أخيه دومنيك الذي كان اسمه گرگي، وباسكارلوس جوجيزلفوس المواطن الجنوي، ومورا سوس، ـ وهم رسل ارغون ملك التتار المغروف، يحملون رسائل إليكم فيها مقترحات.
أطلب إليكم استقبالهم على أفضل وجه والاهتمام كل الاهتمام بما يطلبون إليكم وتسهيل مهمتهم والتعجيل بإرسالهم، لأننا عازمون على إرسال سفيرنا الخاص إلى بلاط الملك».
وكانت رسالة أرغون خان إلى ملك فرنسا مكتوبة باللغة المغولية بالخط الأويغوري. ولا تزال محفوظة حتى الآن في (أرشيف) الحكومة الفرنسية. وهذه ترجمتها:
«بمقدرة الرب الأزلية، وبعناية الخاقان أرغون نقول:
أي ملك فرنسا، لقد أخبرتنا عن طريق سفيرنا ماربا صوما ساخورا بأنكم ستلحقون بنا إذا ما بدأنا هجومنا على المصريين. وقد كان خبركم هذا مدعاة لسرورنا.
وقد قلت بأننا قد اقترحنا المسير في سبيل الله، آخر شهر من فصل شتاء سنة 1291م وسنقف إزاء دمشق. وفي الخامس عشر من أول شهور فصل الربيع سننتزع بيت المقدس بمشيئة الله إذا ما وعدتنا وأنفذت وعدك فأحضرت قواتك في الوقت المناسب. وقد أرسلت موسكوريل([259]) لوكوروجي إليكم لإبلاغكم بأنكم إذا بعثتم إلينا سفراء علماء يجيدون التحدث بعدة لغات، وأحضروا معهم مختلف التحف والصور الملونة من بلاد فرنسا فإننا سنرحب بقدومهم.
حررت هذه الرسالة بقدرة الرب ورغبة الخاقان في كوندولن Condaulen في السادس من أول شهر من سنة البقرة …».
يقول دوسون في كتابه تاريخ المغول:
«كان أرغون موقناً بأن ملك فرنسا مستعد للالتحاق به بجيشه لتحرير القدس، ويرى أنه إذا جاء ملك فرنسا بمن معه فيستطيع إعداد عشرين ألف فارس، بل أكثر من ذلك بكثير، وذلك بمساعدة ملوك گرجستان المسيحيين التابعين له.
على أنه من جهة ثانية كان يقدر أنه سيكون من العسير أن يتهيأ لملك فرنسا أعداد كبيرة من الخيل يصل بها في جيشه العتيد، لذلك أبدى استعداده لتهيئة عشرين أو ثلاثين ألف رأس من الخيل بأثمان مناسبة، كما تعهد بتزويد الجيش بما يحتاجه من دواب وغلال».
وقد أرسلت فرنسا بتحريض من البابا عدداً من ممثليها إلى (تبريز)، ولكن هؤلاء أظهروا عدم استعدادهم للركوع بحضرة أرغون لأنه غير نصراني، وبالرغم من أن الضباط المغول قاموا بتعليمهم (المراسم) التي يجب عليهم القيام بها في البلاط المغولي، إلا أنهم أصروا على رفضهم، واضطر أرغون إلى إعفائهم من القيام بتلك المراسم. على أنه كتب في رسالة إلى فرنسا أنه من الواجب تبليغ رسلهم ضرورة القيام بالمراسم خارج دولتهم بمثل ما يقومون بها داخل دولتهم.
وفي 21 آب سنة 1291م كتب البابا نيقولا الرابع رسالىة إلى أرغون، أبلغه فيها أنه استلم رسائله التي حملها (زاگان) وأنه أرسل حاملها ـ عملاً برغبته إلى انگلترا وفرنسا ـ ودعاه إلى الدخول في النصرانية، وأداء غسل التعميد.
كما بعث البابا برسالة (إلى أروك) خاتون([260]) أعرب لها فيها عن امتنانه واغتباطه بعقيدتها النصرانية.
على أن المهم في كل ذلك هو أن جميع التخطيطات والمساعي والنوايا التي نشطت طوال تلك المدة في الفاتيكان وفي البلاط المغولي لاسترداد القدس، وتحطيم مسلمي مصر والشام، لم تأت بأي نتيجة.
ولكن توسيع العلاقات السياسية بين تبريز وروما أدى إلى تقوية رجال الدين النصراني في البلاد الخاضعة لحكم الإيلخانيين وكثر فيها بناء الكنائس.
وكذلك فإن تردد الرسل البابويين والمندوبين الأوروبيين على إيران أدى إلى اهتمامهم بما تحويه أسواق إيران من إنتاج ثمين متنوع، فقامت تجارة واسعة بين الفريقين وغدت تبريز العاصمة الإيلخانية أحد أكبر المراكز التجارية في آسيا.
وفي العام 690هـ مات أرغون وخلفه على عرشه أخوه (گيخاتو) الذي وصفه المؤرخون القدامى بالفسق والفجور وقلة المبالاة بما يفعل. وفي عهده تمت ترجمة كتاب (دياتسرون) إلى اللغة الفارسية([261]) وبقي اسم المترجم مجهولاً. وربما كان الاسم مذكوراً في الصفحة الأولى، وهي مفقودة.
إن فترة حكم گيخاتو وخليفته (بايدو) لم يكن فيها أي جديد في العلاقات المغولية الأوروبية، أولاً لقصر تلك الفترة([262])، ثم لما قام من فتن واضطرابات داخلية، والأهم من ذلك قلة كفاءة ذين الملكين.
وبتولي غازان (1295 ـ 1304م) (695 ـ 703هـ) تطورت الأمور إذ لم يلبث هذا الملك المغولي الإيلخاني أن أعلن إسلامه فأسلمت بإسلامه جماهير مغولية، وتتابع بعد ذلك إسلام المغول حتى اندمجوا نهائياً في الإسلام.
وفي أيام غازان مات (قوبيلا خان) كبير الأسرة المغولية، فانتهت بموته آخر رابطة تربط المغول الإيلخانيين بالحكم المركزي المغولي، واستقل الإيلخانيون في تبريز كل الاستقلال المادي منه والمعنوي عن بلاط (خانباليغ).
وبعد أن كان النصارى يتمتعون برعاية البلاط الإيلخاني لفترة طويلة، فقدوا الرعاية والمنزلة التي كانتا لهما بسبب دخول زعماء المغول بإيران في الإسلام.
على أن سياسة المغول التوسعية ظلت تسيطر على غازان الذي أصبح اسمه بعد إسلامه: (محمود غازان)، فغزا الشام سنة 699هـ واستطاع تحقيق نصر سريع فاحتل ما احتل من بلاد الشام، على أنه اضطر للانسحاب بسبب هجوم المغول الجغتائيين، فاستعاد المماليك سيطرتهم على الشام.
ورغم تمسك غازان بالدين الإسلامي وتعصبه له فقد كان يرغب في إقامة علاقات ودية مع الأوروبيين.
وفي شهر رمضان من العام 700هـ (مارس 1300م) بعث ملك الأرغون جيمس الثاني رسالة مع موفد خاص إلى تبريز حاملة التهنئة والتبريك، وطالبة بعض المطالب للنصارى. كما أن سفراء غازان التقوا ملكي انكلترا وفرنسا، والتقى سفير إدوارد ملك انكلترا مع وفد مرافق له، غازان حاملين إليه رسالة من الملك([263]).
ومهما يكن من أمر فإن كل ذلك لم ينجلِ نتيجة عملية. ولا شك أن الأوروبيين كان قد قل اهتمامهم بأمور الشرق، فضلاً عن أن غازان كان قد هزم هزيمته الكبرى سنة 702هـ في مرج الصفر على يد قوات الملك الناصر.
وبعد وفاة غازان تولى أخوه الأصغر (محمد خدابنده (الجايتو) (1304 ـ 1316م) (703 ـ 716هـ) وفي العام 1307م (714هـ) أراد توثيق علاقاته بملوك أوروبا، فأرسل سفيراً زوده بعدة رسائل كتبت بالخط الأويغوري إلى كل من ملك فرنسا فيليب لوبل وملك انكلترا ادوارد الثاني، وإلى البابا كلمان الخامس.
وكما أن عهد غازان لم يسفر عن شيء عملي في العلائق الإيلخانية الأوروبية، كذلك كان الأمر في عهد خليفته أولجايتو محمد خدابنده.
على أن الشيء الوحيد الذي كان ذا نتيجة إيجابية، هو التجارة، ففي عهد خدابنده اتسع التبادل التجاري بين أوروبا وإيران ونالت كل من تبريز والسلطانية أهمية كبرى في هذا الموضوع.
الدين والمذهب
في عصر إيلخانية إيران
من المسائل الاجتماعية الهامة التي كان لها أثر عميق في تاريخ العصر الإيلخاني هي مسألة الدين والمذهب في هذا العصر. إن هذا الموضوع، رغم أهميته الكبيرة، لم تتطرق إليه أية مصادر تاريخية، وإن كتب التاريخ لم تتجاوز حدود شرح الوقائع المذهبية في هذا العصر مثل قبول الإسلام من قبل الإيلخان فلان أو الإجراءت والتدابير التي اتخذها الإيلخانيون المسلمون في مجال تعزيز الدين الإسلامي في حين أننا بعد دراسة دقيقة لأكثر المصادر والمستندات التاريخية حول ذاك العصر يتبين لنا أن أهم موضوع للدراسة والتحقيق في العصر الإيلخاني هو هذا الموضوع بالذات، ونظراً لأن تأثير المسائل الاجتماعية والمذهبية على تاريخ أمة وسياستها هي أكثر أهمية من أي مسألة أخرى، فإن أهمية تأثير المغول في الدين والمذهب في إيران والتمهيد للقضاء على التعصبات المذهبية وإطلاق حرية المذاهب الإسلامية ووضع حجر الأساس للتشيع في هذا العصر هو أهم من أمر الأدب في هذا العصر من جميع النواحي، لأن الأدب يمثل الأفكار الاجتماعية والفنية لشعب بينما الدين والمذهب وازدهارهما وتطورهما خاصة في بلاد مثل إيران التي كانت دائماً ساحة الأحداث والوقائع المذهبية. وحسب اعتقاد الكثير من المستشرقين الغربيين إن الأحداث التاريخية والسياسية الهامة في هذه البلاد قبل العصر الإسلامي أو في العصر الإسلامي تعود قبل كل شيء إلى الأسباب والتأثيرات الدينية والمذهبية وتعتبر المؤشر الرئيسي والدافع الحقيقي والمعنوي للأحداث التاريخية والسياسية العظيمة وأنها السبب في الازدهار الاجتماعي وتطوره أو انحطاطه. إذاً فإن دراسة هذا الموضوع والتحقيق فيه بات من أهم الضروريات ولما كان الاحتراز من الإطناب والتفصيل ضروري سنحاول التحقيق في الموضوع بصورة موجزة.
التاريخ يؤكد لنا أن مسيرة الدين والمذهب في العصر الإيلخاني تختلف عما كان المنتظر منها وإن ما حصل من كسب إسلامي في عهد غازان وأولجايتو وأبو سعيد لايطابق ما كان متوقعاً من المغول ومن أحفاد جنكيز. وإن اللين والوفق والعطف والمساعدة والتعاون في الإسلام وتطبيق القواعد الشرعية التي بدت من بعض الإيلخانيين مثل غازان ومحمد خدابنده والأساليب البعيدة عن التعصب التي اتخذت في بلاط كبار المغول الإيلخانيين بالنسبة للقضايا المذهبية وانتشرت رويداً رويداً في جميع أنحاء المجتمع كانت عجيبة مدهشة ومستبعدة إذا نظرنا إليها بمنظار التشاؤم بالنسبة للمغول ولحكومة المغول.
إن هدفنا من التطرق لهذا الموضوع هو كشف اللين والمساعدة وعدم تعصب الإيلخانيين المغول. على أن أحداً لا ينسى ما مارسه أسلافهم المغول من الظلم خلال فتوحاتهم وما ارتكبوه من الإجرام.
إن إيلخانية إيران رغم عدم تعصبهم في الأمور العقائدية، فإنهم مارسوا تعصباً قوياً في المحافظة على السلطة وتوسيع حدود حكومتهم. وفي هذا السبيل لم يتوانوا عن ارتكاب أنواع العنف والظلم والقسوة. حتى أنهم كانوا عندما يُتّهم أحد بالخيانة لا يرون من الضروري إجراء تحقيقات كاملة وإثبات ذنب المتهم بل يسرعون إلى قتله وربما قاموا بالتحقيق بعد معاقبته فإذا ثبتت لهم براءته، فإنهم يقتلون من وشى به.
إن آثار الحكومة الإيلخانية في أمر الدين الإسلامي، مع الأخذ بالاعتبار ما في تلك الآثار من سلبيات وإيجابيات، تبدو هكذا.
1 ـ إنهاء الحكم العباسي والقضاء على نفوذ مركز بغداد الإسلامي.
2 ـ بعد قبول غازان خان الإسلام، تجددت قدرة الإسلام، وقد أبدى غازان اهتماماً به قل مثيله عند الملوك المسلمين السابقين.
3 ـ في عصر غازان خان وعهد خليفته محمد خدابنده وأولجايتو بذلت مساعي كبيرة في تطبيق الشريعة الإسلامية، حتى لقد بولغ في الأمر في بعض الحالات.
4 ـ بعد زوال مراكز التعصب والعنف المذهبي وخلو أفكار الإيلخانيين المسلمين من التأثيرات التقليدية وعدم أخذ الملوك الإيلخانيين بالسياسة المذهبية، ركدت التعصبات وركد قتل (الآخرين) وقامت المناقشات الحرة بين علماء المذاهب المختلفة وحلّت محل التعصبات العنيفة القديمة، ورغم حدوث بعض ما يتنافى مع ذلك أحياناً، فإنه يمكن القول بأنه لم يكن للإيلخانيين أسلوب أو نهج مذهبي حاسم وربما لم يكن بمقدورهم أن يتبعوا مثل هذا الأسلوب وهذا النهج.
5 ـ إن اهتمام غازان خان الشديد بأسرة الرسول الأكرم وآله وعضده للشيعة والتشيع وقبول التشيع من السلطان محمد خدابنده قد سدد دعائم المذهب الشيعي، ولأول مرة يصبح التشيع مذهباً رسمياً ويصبح مذهب بلاط إيران، ما مهد لتقدم التشيع بصورة قاطعة أكيدة على غيره. وهو ما تحقق بعد ذلك في العصر الصفوي.
6 ـ بعض المؤرخين الغربيين يعتقدون أن قبول دخول إيلخانيي إيران في الإسلام كان لمصلحة سياسية لا إيماناً به وأن انحياز الإيلخانيين إلى التشيع كان رد فعل للمنافسة بينهم وبين سلاطين مصر المماليك. ورغم أن هذه النظرية قد تكون صحيحة، لا سيما في اهتمام الإيلخانيين بالتشيع، ولكن من الأفضل عدم إبداء الرأي في هذا الموضوع قبل التحقيق الكامل والاطلاع على الوثائق والمستندات المتعلقة به (الإخلاص والصدق السبب في تعزيز الدين الإسلامي والتشيع هو الدافع للإيلخانيين على ذلك أو كانت السياسة والمصلحة السبب فإن الأمر لا يختلف في الحاصل والنتيجة.
الإيلخانيون غير المسلمين
بعض ملوك الإيلخانيين في إيران كانوا بوذيين وعدد آخر كانوا مسيحيين وعدد منهم مسلمون. والإيلخانيون الذين كانوا على الديانة البوذية والمسيحية هم:
1 ـ هولاكو خان: ـ كانت والدته (سرقوي تي) مسيحية وكذلك زوجته (دوقوز خاتون) كانت مسيحية أيضاً (أما هو فكان بوذياً وقد أقام عدة معابد بوذية ولكنه احتراماً لزوجته دوقوز خاتون التي كانت حفيدة (آوانك) خان آخر ملوك قوم كرائيت فإنه كان يحترم المسيحيين ويختارهم لمناصب حكومية هامة وأمر أن تقام لهم كنائس.
3 ـ أباقا خان: رغم أنه كان بوذياً كان يهتم بالديانة المسيحية وكان قد تزوج ابنة أمبراطور روما الشرقية ميخائيل: بالئلوكوس وكان قد شاع أنه قبل زواجه من مريم ابنة امبراطور روما وبطلب منها أدى مراسم التعميد وأصبح مسيحياً. وفي عهد هذا الإيلخان لاقى المسلمون مظالم كثيرة وبلغت قسوته وسفكه للدماء إلى درجة أنه بعد هزيمة الجيش المغولي أمام سلطان مصر أمر بمذبحة في المسلمين في صحراء أبلستين ويقال أن مئتي ألف أو خمسمئة ألف من الأبرياء من سكان تلك النواحي قُتلوا.
3 ـ أرغون خان: هذا الإيلخان كان على دين آبائه وأجداده المغول وكان شديد الكره للإسلام والمسلمين وكان هذا العداء للمسلمين الفرصة المناسبة لسعد الدولة اليهودي لأن ينفذ رأيه في عدائه للمسلمين وطردهم من المناصب الديوانية والحكومية وإعطاء الأعمال لليهود والمسيحيين. دبّر سعد الدولة اليهودي آخر الأمر مؤامرة لإبادة الأمراء ورجالات المسلمين وعلمائهم واجتثاث جذورهم، وبموافقة أرغون قرر تحويل الكعبة إلى معبد للأصنام، ولكن الله أراد غير هذا. وقُتل سعد الدولة في الأيام التي كان أرغون فيها مريضاً طريح الفراش على أيدي أمراء المغول وقادتهم الذين كانوا قد غضبوا من أنانيته ونفوذه في طبيعة الإيلخان. وتوفي أرغون أيضاً في شهر ربيع الأول سنة 690 هجرية وكانت علاقات أرغون مع المسيحيين علاقات ودية وصمم على أن يأخذ القدس من المسلمين وتسليمها إلى المسيحيين وكانت له مراسلات مع البابا هونوريوس الرابع ونيقولا الرابع ومع فيليب لُبِل ملك فرنسا ولكن مخططاته لم تتحقق وظلت مجرد فكر وخيال.
4 ـ كيخاتو خان ـ كان هذا الإيلخان أيضاً على دين أجداده ولكن رأيه بالإسلام بالنسبة للمسلمين كان حسناً وقد أعفى العلماء والسادات وأئمة الدين من دفع الضرائب.
5 ـ بايدو: كان على الدين المسيحي وكان يسعى في إحياء الآداب والتقاليد المسيحية ولكنه لم يكن متظاهراً بالعداء للدين الإسلامي ومن أجل كسب ود المسلمين كان يرسل ابنه للصلاة مع المسلمين.
وهكذا ففي خلال عصر حكومة هؤلاء الإيلخانيين الخمسة كانت أيام المسلمين في عهد أباقا وأرغون مظلمة سوداء لقي فيها المسلمون ـ لا سيما في عهد أرغون ـ من الذلة والتعاسة ما لا حد له.
الإيلخانيون المسلمون
1 ـ السلطان تگودار ـ أول عمل قام به هذا الإيلخان بعد تسلمه السلطة وتربعه على العرش هو إشهار إسلامه وتسمِّيه باسم أحمد وأعلن نفسه حامي الدين الإسلامي وقد بذل جهوداً كثيرة في دعوة المغول إلى الإسلام، فأثار غضب الأمراء والحكام المغول واستياءهم ما أدى إلى جنوحهم نحو أرغون، وكان الذي شجع السلطان أحمد تكودار على تعزيز الإسلام والمسلمين هو شمس الدين محمد الجويني صاحب الديوان ويقول صاحب حبيب السير عن معارضة أرغون وبوقا للسلطان أحمد ولشمس الدين الجويني: «… إن بوقا بدعم من أخيه كتب إلى الأمراء والقادة أن تكودار دمّر كيان جنكيز خان ورهطه ورفع راية عزّة المسلمين بتعليم من صاحب ديوانه».
2 ـ السلطان محمود غازان ـ أكبر إيلخانات المغول وقبل أن يصل إلى الإيلخانية كان قد قبل الإسلام بتشجيع وتحريض من الأمير نوروز، وفي أيام حكمه عمل على تعزيز الإسلام والمسلمين، ورغم أن تشيع غازان لم يكن واضحاً وأكيداً فلا ريب في ميوله الشيعية وإخلاصه لأهل البيت واحترامه البالغ للسادات.
3 ـ السلطان محمد خدابنده أولجايتو ـ بذل هذا الإيلخان جهوداً كبيرة في تعزيز الإسلام وتقويته وأجمع المؤرخون على أخذه بالمذهب الشيعي.
4 ـ السلطان أبو سعيد بهادر خان ـ هذا السلطان كان مسلماً أيضاً. وبعد الفيضانات والقحط والمجاعة التي اجتاحت البلاد، وقول الأتقياء أن ذلك كان في سنة 719 هجرية. بسبب الأعمال القبيحة التي كان يقوم بها الناس، أمر بغلق حوانيت بيع المسكرات وتحطيم الخمارات.
وقد كان بينه وبين الناصر سلطان مصر المملوكي حلف وصداقة. على أن بهار يقول عن أبو سعيد: «من الإيلخانية كان أحمد خلف أباقا مسلماً وبعده وعلى فاصلة سلطانين، أسلم غازان وأما أولجايتو ابن غازان المعروف بـ «خدابنده» فقد اختار التشيع وكان أبو سعيد يعيش بين بين وكان يقوم بحروب لا جدوى منها ويحب اللهو».
سعد الدولة اليهودي،
عدو الإسلام والمسلمين
كان وزراء الإيلخانية المغول عادة من المسلمين عدا سعد الدولة اليهودي ابن صفي الدولة ورغم أنه سعى أول الأمر لأن يظهر إسلامه، ولكن بعد أن تقلّد المناصب العالية أصبح عدو الإسلام والمسلمين اللدود وجاء باليهود إلى الوظائف الحكومية واستغل العداوة التي كان يكنّها أرغون فحرضه على المسلمين ودفعه إلى ذبح الأبرياء منهم ومنع الوظائف عنهم لا سيما الخدمة في الديوان.
نبذة عن إسلام الأمراء المغول
من مفارقات الأقدار أن يكون انتصار جنكيز في بلاد مبعث سعادة للمسلمين، في حين أنه في بلاد أخرى كان بلاءً أي بلاء.
فبعد أن قرر الهجوم على خوارزم رأى أن يقوم قبل ذلك بالقضاء على كوجك خان الذي كان يحكم تركستان الشرقية وكان يؤذي الأهالي لا سيما المسلمين فأرسل (جبه نويان) مع جيش كبير إلى كاشغر فاستولى عليها وأطلق للناس حريتهم الدينية والمذهبية ورفع الضغط الذي كان كوجك خان قد فرضه على المسلمين في (كاشغر) وفي (ختن) وهرب كوجك خان وانتهى أمره قتلاً على حدود (بدخشان) وانقرضت بقتله حكومة قوم (نايمان) سنة 615 هجرية. إن القضاء على كوجك خان وإعطاء أتباع جنكيز للمسلمين قابله المسلمون بالاغتباط والسرور إلى درجة اعتبروا فيها المغول رحمة إلهية فرحبوا بمقدمهم.
وهذا يشبه مايجري اليوم للمسلمين مع (أمريكا) التي هي شر على المسلمين في فلسطين وغير فلسطين. في حين أن مسلمي (كوسوفو) يعتبرونها منقذة.
خلال الأعوام من 618 إلى 654هـ أي في الفترة التي انقضت بين فتح جنكيز لإيران ومجيء هولاكو إليها لم يخل من حكام مغول عاملوا الناس برفق وعدل وكان تعاملهم مع المسلمين ودياً، ومن هؤلاء نذكر جنتمور (حكم من 630 إلى 633هـ) و گر گوز (حكم من 637 إلى 641هـ) والأمير أرغون (حكم من 641 إلى 654م) وخاصة خلال فترة حكم گرگوز والأمير أرغون فقد قطعت أيدي القادة المغول المستبدين الظالمين مثل جورماغون وبايجور وعومل المسلمون بالرفق والعدالة، بل إن گرگوز وأرغون باشرا بتعمير ما كان قد هدمه المغول خلال هجومهم.
وكان گرگوز يحظى بدعم من أوگتاي قاآن وبعد موت أوگتاي. قُتل على أيدي قرا أوغول حفيد جغتاي بعد أن كان قد اعتنق الإسلام في أواخر عهد حكومته.
الإسلام في عهد المغول الإيلخانيين
إن تاريح الحكم المغولي يدل على أن الإسلام بعد الزحف المغولي استمر في حياته في إيران وغيرها وإن السلاطين والحكام المغول نتيجة تشجيع وتبشير وزرائهم ومستشاريهم وكبار الشخصيات الدينية تأثروا رويداً رويداً بالنفوذ المعنوي للدين الإسلامي وأخذوا يعتنقون الإسلام. وخلال البحث والتحقيق عن أسباب هذا التطور وبقاء الإسلام قوياً في النفوس في عهد الحكم المغولي نتوصل إلى النتيجة التالية: هي أن هؤلاء القوم لم تكن لهم في فتوحهم غايات دينية، ولم يكونوا يهدفون إلى نشر دينهم والدعوة إليه، بل كانوا مجرد فاتحين يهدفون إلى السيطرة والحكم لذلك لم يتبعوا في مجملهم سياسة تتعمد معاداة الإسلام.
والسلاطين المغول منذ عهد جنكيز خان إلى أواخر حكومة الإيلخانيين في إيران لم يفكروا أبداً في فرض مذهب أو عقيدة معينة على سكان البلاد التي احتلوها وأن جنكيز خان نفسه عندما غضب الغضب الشديد لمقتل رعاياه ومبعوثيه في إيران وقرر الثأر من الخوارزمشاهية وبعد أن سخر تركستان الشرقية وسيطر على ختن وكاشغر وعلى سكان تلك المنطقة المسلمين، ترك الناس على دينهم ومذاهبهم ولم يتعرض لهم في شيء من ذلك، وأنهى عصر الضغط الذي كان يمارسه كوجك خان وأعوانه. وبعد أن بدأ بفتح المدن ورغم الجرائم التي ارتكبها والدماء التي سفكها والهدم والتدمير والتخريب لا نشاهد شيئاً من سياسة الفرض الديني والمذهبي أو سياسة منع الناس من ممارسة الدين أو العقيدة التي يرونها. وفي عهد المغول الإيلخانيين لا سيما في عهد السلطانين أباقا وأرغون فُرضت ضغوط على المسلمين وأهينوا أيضاً والمدهش هو أن أكثر هذه الأحداث حصلت بتحريض بعض الوزراء المحليين الذين كانوا في البلاطات الإيلخانية وبتوجيه ودعوة رجال خبثاء مثل سعد الدولة اليهودي، وإن هؤلاء كانوا هم المسؤولين الحقيقيين عن هذه الوقائع، وهم الذين كانوا قد حرضوا ودفعوا الإيلخانيين للقيام بها. ويجب أن لا ننسى التحريض النصراني ومساعي البلاطات الأوروبية للتعاون بينها وبين الإيلخانيين على المسلمين. والنتيجة أن الإسلام بعد الزحف الجنكيزي استمر في حيويته في الدول الإسلامية التي احتلها المغول. والذي زال هو التعصبات المذهبية واضطهاد الناس بل قتلهم بسببها، كما زالت عمليات الفدائيين الإسماعيليين الاغتيالية.
وليس هذان الأمران من مظاهر قدرة الإسلام ونفوذه ولكن من المؤكد أن خصائص الحضارة الإسلامية التي كانت قبل المغول قد اضمحلت أثر الهجوم المغولي الوحشي وإنها ظهرت في مظهر آخر في عصر الإيلخانيين وبدأت حياتها بلون جديد. وإن هذه الحضارة الإسلامية الجديدة تفضل في بعض الحالات الحضارية التي كانت قبل المغول.
بعد دراسة الأوضاع المذهبية في عصر الإيلخانيين نستنتج ما يلي:
1 ـ أن قبول إيلخانية إيران الدين الإسلامي وانحياز غازان وأولجايتو محمد خدابنده نحو التشيع كان لها الأثر الكبير في تعديل إجحاف العنف المغولي ودعم المخططات العلمية والعمرانية التي عرضها وزراء الإيلخان مثل الخواجة رشيد الدين محمد وغياث الدين محمد، وبفضل قبول غازان ومحمد خدابنده وأبو سعيد للإسلام، بات من الممكن تربية العلماء في أنحاء البلاد الإسلامية وتأسيس الخانقاهات والمدارس والمساجد والحوزات العلمية ودور السيادة وتخصيص الأوقاف الكبيرة، لتشجيع العلم والثقافة وتأمين الرفاهية للعلماء.
2 ـ إن انحياز السلطان محمود غازان للمذهب الشيعي وقبول السلطان محمد خدابنده أولجايتو التشيّع يشير إلى عصر مشعّ في إيران الشيعية قبل الصفوية وكذلك في آذربايجان. ففي عصر محمود غازان نقشت اسماء الأئمة الاثني عشر على المسكوكات ـ كما فقل رشيد الدين في التاريخ الغازاني ـ وكذلك في عهد السلطان أولجايتو محمد خدابنده الذي زاد على ذلك بأن كانت الخطبة بأسمائهم.
وهذا من علامات سلطة التشيع في هذا العهد والتمهيد للغلبة النهائية له، ومما لا شك فيه أن التوجه نحو أهل البيت والمذهب الشيعي أسفر عن تعديل عام في أسلوب الصلابة والعنف للمغول وعن تلطيف أجواء الشدة في البلاد بصورة عامة.
3 ـ إن رواج الإسلام واهتمام الإيلخانيين بالدين الإسلامي أدى إلى تقوية التصوف في هذا العصر وكان له الأثر في تأسيس مراكز الصوفية (الخانقاه) والاهتمام بالصوفيين.
4 ـ تلاقي الأفكار والعقائد المختلفة وزوال أو تضعيف المراكز التي كانت تدافع وتدعم مذهباً معيناً وحداثة إسلام الإيلاخانيين الذين كانوا على دين آخر ووجود المذاهب والعقائد المختلفة واختلاف الأمراء في البقاء على دين آبائهم وأجدادهم المغول أو اختيار الدين الإسلامي وتردد الذين قبلوا الإسلام بين أخذهم بالتشيع أو التسنن وتحيّر السنة بين المذاهب السنية الأربعة.
كل هذه الأمور خلقت جواً من الحرية المذهبية. والناس والمجتمع يتبعون السلطان، والسلطان في الوقت نفسه يلتزم بعقائد الناس والمجتمع. وبما أن ذهنية السلطان كانت خالية من التعصب والتقليد فلم يكن لديه إرادة فكرية لاختيار أحد المذاهب، وبما أنه أدرك أفضلية الإسلام على الدين المغولي فإنه بعقله ومنطقه ومطالعته كان يبحث عن أحسن الفروع والفرق، ومن أجل ذلك كان يسمح لعلماء المذاهب الإسلامية المختلفة بالبحث والمناقشة في بلاطه وبحضوره والردّ على آراء الآخرين. وبذلك ساد جو من الحرية وقلّما نجد عصراً مثل هذا العصر خيّمت عليه الحرية بعيداً عن التعصبات التي كانت تهيمن على المجتمع وعلى بلاط السلاطين إن مناقشات علماء الدين الشافعيين والحنفيين بحضور السلطان أولجايتو محمد خدابنده وتأييد الأمير طرطماز للتشيع واهتمام أولجايتو بالمذهب الحنفي ثم اهتمامه بعد ذلك بالتشيع واهتمام محمود غازان بالتشيع وإخلاصه لأهل البيت دون أن تؤدي هذه الخلافات في العقائد إلى أحداث دامية، تؤكد هذه الحرية وتؤكد انعدام التعصب، رغم أن التعصبات الماضية ما زالت موجودة بين الناس وفي المجتمع في هذا العهد الإيلخاني، ولكن لما كان هذا التعصب لا يعتمد على دعم سياسي حكومي بل على العكس من ذلك فإن البلاط الإيلخاني كان يخالف مثل هذه التعصبات والعنف فيها. إن هذه الحرية الاضطرارية ساعدت بصورة مباشرة وغير مباشرة على ازدهار العلوم المذهبية وغير المذهبية وعلى بروز علماء كبار مثل «نظام الدين عبد الملك المراغي» في المذهب السني والحسن بن المطهر في التشيع.
ورغم أن مقتل السيد تاج الدين الآوجي وولده بأمر من السلطان أولجايتو ومؤامرة القادة المغول على السلطان أحمد تگودار السلطان المُسلم والالتفاف حول أرغون خان تعتبر من دلائل التعصبات الدينية ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن مثل هذه الأحداث هي من نتائج المضادات العقائدية المذهبية ولا يطعن ذلك في وجود الحرية المذهبية العامة وعدم وجود التعصبات العنيفة الشديدة.
5 ـ اهتمام الإيلخانيين المغول بالدين الإسلامي وإيجاد الحوزات العلمية الإسلامية وتوسيعها وتوزير وزراء مسلمين وتشجيع واحترام العلماء وإعزاز المتصوفة وترويج العلم والثقافة الإسلامية في عهد غازان وأولجايتو وأبو سعيد تؤكد الغلبة المعنوية للحضارة الإسلامية على الغزاة الوحوش الغالبين الأقوياء. أي أن الفريق الغالب قد استسلم في النهاية للنفوذ المعنوي، وللحضارة الإسلامية ولم يبق في العصر الإيلخاني للمغول إلا مجموعة من اللغات والأسماء والألقاب والعناوين المغولية وبعض التقاليد الجنكيزية وبعض الأنساب وحفنة من الذكريات، لا غير.
منوجهر مرتضوي
إيلخجي
بلدة يبلغ عدد سكانها 8074 نسمة حسب إحصائية عام 1986م وهي تابعة لناحية أسكو من قضاء تبريز في محافظة آذربايجان الشرقية.
تقع إيلخجي على خط طول 45 ْ، 58 شرقاً وخط عرض 37 ْ، 57 شمالاً وعلى بعد 32 كلم إلى الجنوب الغربي من تبريز، على الطريق الترابي وخط سكك الحديد اللذين يربطان مراغة بتبريز.
يتميز مناخها بالاعتدال صيفاً وبالبرودة شتاءً، وتؤمن المياه فيها من نهر وآبار وعيون، ومن أبرز محصولاتها الزراعية: البصل والغلات والفواكه الصيفية.
يشتغل أهالي إيلخجي بصورة رئيسية في الزراعة وأبرز صنعة يمارسونها هي صناعة الآجر، وينتمي الإيلخجيون إلى طائفة كوران ويتبعون ما يطلقون عليه هم اسم: مذهب أهل الحق المغالي ويتكلمون جميعاً باللغة الآدرية.
إيگلن
قرية اثرية تقع على نهر سوس وسط قبيلة هرغة. وهي مسقط رأس المهدي بن تومرت مهدي الموحدين ومنها ابتدأت دعوته وثورته على المرابطين.
وبها اعتكف خلال ثلاث سنوات بعد رجوعه من المشرق وقبل أن يتوجه إلى تينمل سنة 518هـ وإلى هذه القرية حجّ عبد المؤمن بعدما استتب له الأمر بالمغرب.
وكثيراً ما يقع الخلط بينها وبين جبل جليت الواقع قرب مراكش وذلك لتشابه رسم الكلمتين.
إيلام
يبلغ عدد سكان مدينة إيلام حسب إحصائية عام 1986م 108,125 نسمة وهي مركز محافظة إيلام التي يبلغ عدد سكانها حسب نفس الإحصائية 382,091 نسمة.
تقع إيلام على خط طول 46 ْ، 26 شرقاً وخط عرض 33 ْ، 37 شمالاً. وهي تبعد عن طهران حوالي 725 كم وعن باختران (كرمانشاه) 20 كم، ويبلغ ارتفعها عن سطح البحر 1174م.
كانت إيلام في السابق تسمى (حسين آباد بشتكوه)، وبعد أن قضى الشاه عباس (1037م) على حكومات اللُرّ هناك في عام 1008م، آلت الحكومة في إيلام إلى سلالة كان آخرها شخص يعرف باسم غلام رضا أبو قداره، وقد هرب هذا إلى العراق في عام 1930م عندما باشر رضا شاه بعملية نزح السلاح وإسكان القبائل في المنطقة والقضاء على زعماء التمرد والعصيان فيها.
وفي عام 1939م غير اسمها إلى إيلام، وألحقت بمحافظة باختران كرمنشاه، ثم أخذت بعد ذلك تزدهر ويزداد عدد سكانها شيئاً فشيئاً، وبعد تشكيل محافظة أيلام وانفصال بشتكوه عن محافظة باختران، أصبحت مدينة إيلام عاصمة المحافظة الجديدة وألحقت بها مدن دره شهر ودهلران وشيروان وجرداول ومهران.
ومع اندلاع الحرب بين العراق وإيران في عام (1980م) أخذ سكان المناطق الحدودية ينزحون إلى إيلام فازداد عدد سكانها إلى 120,000 نسمة، ولكن هذا العدد أخذ يتناقص باستمرار بعد أن امتد نطاق الحرب ليشمل الأراضي الداخلية لإيران، وبعد أن أخذت الطائرات تغير على هذه المدينة وتدكها الصواريخ البعيدة المدى، حيث رحل العديد من أهلها إلى المحافظات المجاورة وخصوصاً محافظة مازندران، وأصيبت المدينة بأضرار كبيرة ودمرت بعض مؤسساتها الحديثة.
يتكون سكان أيلام من خليط من مختلف القوميات فهم بين لرّ وأكراد وعرب، وفيها أقليات دينية لا سيما من الصابئة.
يتكون قضاء أيلام من ثلاث نواح وأهم محصولات إيلام هي: القمح والشعير والرز والحبوب والتمور والرمان والحمضيات والمنتجات الحيوانية.
تتعلق الآثار التاريخية الموجودة بالقرب من المدينة في أغلبها بالحضارات التي سبقت الإسلام وخصوصاً الحضارة العيلامية.
باجلان
باجلان: من القبائل الكردية القديمة الكبيرة كانت سابقاً تسكن إيران ثم تشعبت إلى فرعين هاجر فخذ منها إلى العراق، وسكن الفرع الأصلي منها في ناحية بِن قُدره وقُرتو في شمال خانقين والفرع الثاني استقر في الضفة اليسرى من نهر دجلة مقابل الموصل. وكان فرع من هذه القبيلة يسكن في سهل گيلان غرب وقصر شيرين ومقر رؤسائه كان في زهاب ثم هاجروا إلى خانقين وكان ينتشر حتى مطلع القرن الرابع عشر للهجرة فخذان أصليان من باجلان على ضفتين من الحدود الإيرانية التركية وهم فخذ جُمور في ناحية زهاب وفخذ قازانلو قرب بن قدره.
هناك ثلاثة أقوال في أصل وجذور قبيلة باجلان، القول الأول: يعتقد بعض كبار رجال باجلان إن أصلهم مغولي ويقول بعض آخر منهم إنهم من أصل تركي، وهناك قول ثالث يؤكده أهل الخبرة والنسابون من باجلان وهو أنهم من أصل كوراني لأن لغتهم التي يتكلمون بها هي اللغة الكورانية وهي لغة فارسية لا كرديّة، ويستندون في أقوالهم على أن اللغة أفضل دليل على الأصل ويقول الأستاذ عباس العزاوي في كتاب عشائر العراق:
(«… وقد حكى لي بعض العارفين منهم أنهم مغول جاؤوا من جبال أورال، ومالوا تدريجياً حتى وصلوا إلى هذه الأنحاء، ولا تزال هذه الفرق في جهات الموصل أيضاً فهم منتشرون هناك من كل فخذ ويقال لهم «باجوا» …) ([264]).
ثم يقول: (… الأصل في إيران وهم في كثرة هناك وهم ترك واللفظة (باجناق) وتعني من يأخذ الباج (باج الآن) وتؤدي باجناق أيضاً هذا المعنى وفي العراق يقيمون في ينكدره في ناحية قوره تو وقبيلتهم اليوم تعد كردية إذ ليس فيها من يعرف التركية ورئيسهم عبد الله أغا بن عزيز آغا بن يعمر آغا بن جليل أغا ومواطنهم على نهر ديالي التابعة لخانقين … وقد حاولت الدولة العثمانية تقريبهم والاستيلاء على مواطنهم في أنحاء زهاب كما كانوا تابعين لها قديماً ولكن إيران استفادت من أوضاع عديدة فتمكنت من الاستيلاء عليهم …)([265]).
لم يذكر الأستاذ العزاوي أسباب استفادة إيران من الأوضاع، وهو أن أحد هذه الأوضاع هو تشيع معظم فروع هذه القبيلة.
فروع قبيلة باجلان:
1 ـ جُبورُلي
2 ـ جوكرلو يسكنون في مقاطعة علياوه.
3 ـ جواركلاو.
4 ـ حاجيلر مساكنهم معروفة باسمهم.
5 ـ خدره وند ويقال خضر وند.
6 ـ زوزه وند مساكنهم في قرى متعددة في مقاطعة بينكدرة.
7 ـ ساروجه من الفروع القليلة العدد وهم متفرقون.
8 ـ سيكه وند وهم قليلون أيضاً.
9 ـ قصره وند.
10 ـ شيره وند وهي فرقة الرؤساء.
11 ـ قازانلو وهي فرقة الرؤساء.
12 ـ قريبه ون: كانت مساكنهم قرب شيره وند ثم تفرقوا.
13 ـ قراوند.
14ـ هيوانلي.
أهم قراهم في العراق:
1 ـ بابابلاوي.
2 ـ تازه شاهي.
3 ـ حسن آغا.
4 ـ سرحان بالاني.
5 ـ سوزبولاق.
6 ـ حاجيلر.
7 ـ شيره ون الكبيرة وشيره ون الصغيرة.
8 ـ قرية ولي آغا.
9 ـ كاني ماسي.
وتعيش هذه القبيلة على الزراعة وتربية المواشي من بقر وماعز وغنم، وهي تقيم في القرى.
وأما أقوال الذين يذهبون إلى أن قبيلة باجلان من أصل تركي ويستشهدون على أن أسماء بعض الفروع تركية مثل (قازانلو، وفخذ حاجيلر، جبورلو، هيوانلي …) فلا يمكن الأخذ بها لأن ذلك من آثار دعايات العثمانيين لاجتذاب القبيلة إليهم واليوم تعتبر قبيلة باجلان من القبائل الكردية ولها عاداتها الكردية ولغتها الكردية ولا يتكلم أي من فروعها باللغة التركية.
وبسبب وجود مساكن باجلان على الحدود الإيرانية العثمانية كانت بعض فروع باجلان الشيعية أو من يحمل منها عواطف شيعية تتدخل لصالح إيران والعكس بالعكس أيضاً فحينما نادر شاه في كرمانشاه استغل الأمر أحمد باشا واقترب مع بعض فروع باجلان إلى حدود إيران فتصدى لهم نادر شاه على رأس 14,000 مقاتل من جيوشه وأسر أحمد باشا مع قبيلة باجلان وقبيلة زنكنه ثم قام نادر شاه بتهجير قسم من باجلان زنكنه إلى هرات([266]) وكذلك كانت الحالة في عصر الزندية. ففي حدود سنة 1090 هجرية اصطدم عبد الله باشا بمؤازرة بعض فروع باجلان مع محمد خان زند([267]) وقسم من الباجالانيين شافعيَّة وبعض الفروع شيعة وهناك قليل من الحنفية. وعندما ثار العراقيون على الإنكليز سنة 1920م بزعامة الميرزا محمد تقي الشيرازي المتوفى سنة 1338هـ مطالبين باستقلال العراق، انضم بعض فروع باجلان في خانقين إلى الثوار وفي عصر المرجع الكبير السيد أبو الحسن الأصفهاني المتوفى سنة 1365هـ أرسل إلى قبائل باجلان في خانقين رجال دين للتوعية والإرشاد([268]).
وفي أيام أربعين سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام عندما كانت تتقاطر مواكب العزاء من جميع أنحاء العراق إلى كربلاء كان موكب عزاء قبيلة باجلان في طليعة المواكب (راجع بحث الأكراد).
عبد الله الحسين الصالحي
باخرز
ناحية باخرز، أو بواخرز، هي إلى غرب نهر هراة، وكانت قصبة باخرز مدينة مالين، ويظهر من المسافات الواردة في كتب المسالك أن موضعها يطابق مدينة شهرنو (المدينة الحديثة) الحالية. وكانت في المئة الرابعة (العاشرة) مدينة عامرة «ويرتفع منها الحبوب والزبيب وثياب كثيرة» وفسر ياقوت اسم باخرز فقال «أصلها باد هرزه لأنها مهب الرياح، وهي باللغة البهلوية، تشتمل على مائة وثمان وستين قرية» منها جوذتان. أما المستوفي فقد ذكر اسم قصبتها بصورة مالان. وأفاض في ذكر خيراتها ولا سيما بنخيلها الطويل وقد كان مشهوراً في أنحاء خراسان.
باخمري
موضع بين الكوفة وواسط وهو إلى الكوفة أقرب وفيه التقى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بجيوش المنصور.
وهذه هي التفاصيل:
كان إبراهيم وأخوه محمد اختفيا من المنصور لأن المنصور كان قد بايع هو وعامة بني هاشم عدا جعفر الصادق عليه السلام لمحمد في دولة بني أمية وألح المنصور في طلبهما فظهر محمد بالمدينة وقتل وظهر إبراهيم بالبصرة سنة 145هـ وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب فلم تقره أرض خمس سنين مرة بفارس وأخرى بكرمان وتارة بالجبل وأخرى بالحجاز ومرة باليمن وتارة بالموصل وإلى ذلك يشير أبو فراس الحمداني بقوله:
محلؤون فاصفى وردهم وشل
عند الورود وأوفى وردهم لمم
وقدم مرة إلى بغداد، واشتد الطلب عليه فأتى (فامياً) وهو بائع (الفوم) أي الحنطة فأصعده غرفة له. وجد المنصور في طلبه وبث العيون، فبقي إبراهيم في مكانه فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي: قد نزل بنا ما ترى ولا بد من المخاطرة.
قال: أنت وذاك، فأتى سفيان إلى الربيع حاجب المنصور وطلب الإذن على المنصور فأدخله، فشتمه المنصور فقال: أنا أهل لذلك وإنما أتيتك تائباً وأنا آتيك بإبراهيم، إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيراً، فاكتب لي جوازاً ولغلام معي واحملني على البريد ووجه معي جنداً. ففعل المنصور، ودفع إليه ألف دينار فأخذ منها ثلاثمائة، وأقبل والجند معه فدخل البيت وإبراهيم بلباس الغلمان، فصاح به فوثب وجعل يأمره وينهاه. فسار حتى أتى المدائن، فمنعه صاحب القنطرة فأراه الجواز فتركه، وقال: ما هذا غلام! هذا إبراهيم!
إذهب راشداً ثم قدم إبراهيم البصرة سنة 143هـ أو سنة 145هـ بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة ودعا الناس إلى بيعة أخيه فبايعه جماعة وفيهم كثير من الفقهاء وأهل العلم حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف واشتهر أمره وفي (عمدة الطالب) بايعه وجوه الناس منهم بشير الرحال والأعمش سليمان بن مهران وعباد بن منصور القاضي صاحب مسجد عباد بالبصرة والمفضل بن محمد وسعيد ابن الحافظ في نظرائهم.
قال أبو الفرج: وكان سفيان بن معاوية أمير البصرة قد مال معه فظهر في أول شهر رمضان سنة 145هـ، والمنصور بظاهر الكوفة في قلة من العسكر، قد فرق عسكره لحرب محمد، وإلى الري وإفريقية فأرسل ثلاثة من القواد إلى البصرة مدداً لسفيان. فلما أراد إبراهيم الظهور أعلم سفيان بذلك فجمع القواد إليه فغنم إبراهيم دواب أولئك الجند وكانت سبعمائة وصلى بالناس الصبح في الجامع وحصر دار الإمارة وبها سفيان فطلب الأمان فامنه ودخلها ففرشوا له حصيراً فهبت الريح فقلبته فتطير الناس بذلك. فقال إبراهيم: إنا لا نتطير، وجلس عليه مقلوباً، وحبس القواد ومعهم سفيان وقيده بقيد خفيف ليعلم المنصور أنه محبوس. فجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي في ستمائة فأرسل إليهما قائداً في خمسين رجلاً فهزمهما ونادى مناديه أن لا يتبع مهزوم ولا يذفف على جريح، وأتى بنفسه باب زينب بنت سليمان بن علي فنادى بالأمان وأن لا يعرض لهم أحد.
وصفت له البصرة، ووجد في بيت المال ألفي درهم فقوي بها وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين. فكان الناس يقولون: خمسون والجنة وأرسل المغيرة إلى الأهواز في مائتين فخرج إليه محمد بن الحصين أميرها في اربعة آلاف فانهزم ابن الحصين ودخلها المغيرة وأرسل عمرو بن شداد إلى فارس فملكها وأرسل مروان بن سعيد العجلي إلى واسط في سبعة عشر ألفاً فملكها وأرسل المنصور لحربه قائداً في خمسة آلاف وقيل عشرين ألفاً فجرت بينهما وقائع ثم تهادنوا حين ينظروا ما يكون من أمر إبراهيم والمنصور. فلم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد، فخطب الناس وعلمهم بقتله فازدادوا بصيرة في قتال المنصور وأظهر الجزع عليه وتمثل وهو على المنبر:
يا با المنازل يا خير الفوارس من
يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو غشيتهم
وأوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم
حتى نموت جميعاً أو نعيش معا
ثم جرض بريقه وتراد الكلام في فيه وتلجلج ساعة ثم انفجر باكياً منتحباً. وبكى الناس ثم عزم على المسير إلى المنصور فأشار البصريون أن يقيم ويرسل الجنود فيكون إذا انهزم له جند أمدهم بغيرهم، فخيف مكانه واتقاه عدوه وجبى الأموال.
فقال من عنده من الكوفيين: إن بالكوفة أقواماً لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى. فسار إلى الكوفة وأرسل المنصور إلى عساكره المتفرقة فاستقدمها ووجه إلى إبراهيم عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفاً وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف. وطلب بعض أهل الكوفة أن يرسله إليها فيدعو الناس ثم جهراً فإذا سمع المنصور الهيعة لم يرد وجهه شيء دون حلوان.
فقال بشير الرحال: لا نأمن أن تجيئك منهم طائفة فيرسل إليهم المنصور الخيل فيؤخذ البريء والصغير والمرأة فيكون ذلك تعرضاً للمآثم، فقال الكوفي: كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتوقون قتال الضعيف والمرأة والصغير! ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث سراياه ويكون نحوهذا؟ فقال بشير: أولئك كفار وهؤلاء مسلمون.
فاتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمري مقابل عيسى بن موسى فبعث إليه سلم بن قتيبة أن خندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من وجه واحد فإن لم تفعل فتخفف في طائفة حتى تأتي المنصور فتأخذ بقفاه فليس عنده عسكر. فعرض ذلك إبراهيم على أصحابه فقالوا نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون؟! قال: فنأتي أبا جعفر. قالوا: ولم؟ هو في أيدينا: فقال للرسول: أتسمع فانصرف راشداً.
فصف إبراهيم أصحابه صفاً واحداً فأشار عليه بعضهم أن يجعلهم كراديس فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، والصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره، فقال الباقون: لا نصف إلا صف أهل الإسلام يعني قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ وأشار عليه بعضهم أن يبيت عيسى، قالت الزيدية: إنما البيات من فعال السراق. فاقتتل الناس قتالاً شديداً وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه. وأقبل حميد بن قحطبة منهزماً فقال له عيسى: الله الله والطاعة، فقال لا طاعة في الهزيمة. فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير فقيل له: لو تنحيت عن مكانك حتى يرجع الناس إليك. فقال: لا أتحول حتى أقتل أو يفتح الله على يدي.
وجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي من ورأء أصحاب إبراهيم، فرأى الذين يتبعون المنهزمين القتال من ورائهم فعادوا ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم. فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم. وكان من تقدير الله أن أصحاب المنصور لقيهم نهر في طريقهم لم يقدروا أن يجوزوه فعادوا بأجمعهم. وثبت إبراهيم في نحو ستمائة أو أربعمائة، وجعل حميد يرسل برؤوس المقتولين إلى عيسى. وجاء إبراهيم سهم عاثر لا يدري من رماه فوقع في حلقه، فتنحى وقال لأصحابه: أنزلوني فأنزلوه وهو يقول: وكان أمر الله قدراً مقدوراً واجتمعوا عليه يحمونه. فقال حميد لأصحابه: شدوا عليهم حتى تزيلوهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدوا فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم ووصلوا إلى إبراهيم فحزوا رأسه وأتوا به عيسى، فأراه ابن أبي الكرام الجعفري، فقال: نعم هذا رأسه. فسجد وبعث به إلى المنصور. وكان قتله لخمس بقين من ذي القعدة سنة 145هـ وعمره ثمان وأربعون سنة.
وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين أن عيسى وأصحابه انهزموا هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة وأمر أبو جعفر بإعداد الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها.
أفتاء الإمام أبي حنيفة بالخروج مع إبراهيم
في (مقاتل الطالبيين): بسنده أن أبا حنيفة كان يجهر في أمر إبراهيم جهراً شديداً ويفتي الناس بالخروج معه وأنه كتب إليه هو ومسعر بن كدام يدعوانه إلى أن يقصد الكوفة ويضمنا له نصرتهما ومعرفتهما وإخراج أهل الكوفة معه. وفيه، عن أبي إسحاق الفزاري قال: جئت إلى أبي حنيفة فقلت له ما اتقيت الله حيث أفنيت أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل، فقال: قتل أخيك حيث يعدل قتله لو قتل يوم بدر، وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة. فقلت: ما منعك أنت من ذاك؟ قال: ودائع الناس كانت عندي. وفيه بسنده عن عبد الله بن إدريس: سمعت أبا حنيفة وهو قائم على درجته ورجلان يستفتيانه في الخروج مع إبراهيم وهو يقول: أخرجا. وفيه بسنده عن إبراهيم بن سويد الحنفي قال: سألت أبا حنيفة وكان لي مكرماً: أيهما أحب إليك بعد حجة الإسلام الخروج إلى هذا الرجل أو الحج؟ قال: غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة.
وروى عدة روايات مسندة غير هذه تدل على أن أبا حنيفة كان يحض الناس على الخروج مع إبراهيم ويأمرهم باتباعه يطول الكلام بنقلها. ولذلك ذكر أهل الملل والنحل أنه كان شيعياً زيدياً، وقسم من الزيدية في الفروع على مذهب أبي حنيفة. وفي (عمدة الطالب): كان أبو حنيفة الفقيه أفتى الناس بالخروج مع إبراهيم وكتب إليه:
أما بعد فإني قد جهزت إليك أربعة آلاف درهم ولم يكن عندي غيرها ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك فإذا لحقت القوم وظفرت بهم فافعل كما فعل أبوك في أهل صفين قتل مدبرهم وأجهز على جريحهم ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل فإن القوم لهم فئة. قال ويقال: إن هذا الكتاب رفع إلى الدوانيقي (المنصور) وكان سبب تغيره على أبي حنيفة.
باراشنار
باراشنار اسم لمدينة هي قاعدة لمقاطعة جبلية واسعة تحمل نفس الاسم وتقع شمال غربي الباكستان مأهولة بالعشائر، وهي ذات مواقع طبيعية جميلة تحتضنها الجبال الشاهقة والصحاري الشاسعة. وتحفل بالأودية الخضر المليئة بالورود والأزهار، التي تتدفق فيها الشلالات وتنبع العيون وتنتشر البحيرات ويكسوها الشجر الباسق من الصنوبر والشنار وغيرهما([269]).
وهذه الأودية ذات ذكريات تاريخية بعيدة، فقد اجتازها الإسكندر المقدوني ومر بها محمود الغزنوي، وعبرها العديد من الغزاة والفاتحين.
وإذا كان قد أطلق اسم (شنار) على واديها فإن هذا الوادي يتميز بما احتواه من أشجار (الشنار) العادية التي لا تزال تغطيه منذ مئات السنين مما جعله قبلة السائحين من كل أقطار الدنيا. كما أدت طبيعته الفاتنة ومناخه الطيب لأن يكون مصطافاً لا مثيل له.
تقع هذه المنطقة على بعد 175 ميلاً إلى الغرب من مدينة بشاور على حدود أفغانستان وهناك قرية (شلوزان) التي تبعد عن بلدة باراشنار خمسة أميال والتي تكتظ بكروم العنب ويشقها النهر الذي يزيد في جمالها، وفي مواجهة هذه القرية يوم (سبين غر). (الجبل الأبيض) الذي يبهر العيون ويلفت الأنظار بقممه الرفيعة التي تلبسها الثلوج ثوباً ناصع البياض، وكذلك جبل (سكيرم). هذان الجبلان اللذان يرتفعان عن سطح البحر ما يقرب من 16000 قدم. وفي (تيكه جات) تتماوج الشلالات الصافية بكثرة. وفي (دوندر) و(ميلانا) يشاهد الإنسان العيون الكثيرة التي تسقي الوادي وأهله بالمياه العذبة.
وتتصل بلدة باراشنار بكل من بشاور وراولبندي بطريق معبد تنقل المسافرين فيه الحافلات (الباصات). وقد يسلك المسافرون طريق راولبندي ـ كوهات بالقطار، ثم من كوهات إلى باراشنار بالحافلة. وفي داخل المنطقة يمضي السائحون إما على ظهور الخيل إلى (كرجان) وشلال (تيكه جات) وأنهار وعيون (دندر) أو في السيارة إلى (ترمنكل) و(خرلاجي).
والذي يجب أن يشار إليه إلى جانب ذلك، هو أنه لا تزال قوافل الجمال إلى الآن ترتاد البلاد من أفغانستان إلى باكستان وبالعكس حاملة من الأولى إلى الثانية الفواكه المجففة والحطب، وإلى الأولى من الثانية البضائع والأمتعة المنوعة. ويعزى استمرار استخدام قطارات الجمال في النقل إلى عدم تعبيد الطرق في أفغانستان.
ويقدرون عدد سكان المنطقة بـ (1890000) نسمة على أن هناك ما لا يقل عن خمسين ألف أفغاني يظلون يعبرونها في طريقهم إلى باكستان مقيمين إما في الأماكن المنخفضة من (درة كرم) أو في كوهات وراولبندي.
الزراعة
واشتهرت هذ المنطقة بفواكهها المنوعة الجيدة، ففيها المشمش على أنواعه واللوز والجوز والخوخ والكمثري والعنب. كما أن فيها التفاح المتميز الذي عرف أيام الإنكليز باسم (كولدن دشز) ذي الرائحة الزكية.
وعلى ضفتي نهر (كرم) الذي يشق طريقه خلال الوادي يزرع أحسن أنواع الأرز.
التشيع في باراشناد
ويشكل الشيعة خمسة وتسعين في المائة من سكان مقاطعة باراشنار. وعدا عن المساجد، تقوم في مدينة باراشنار حسينية كبيرة جداً عدا الحسينيات المنتشرة في القرى والأرياف.
كما أن في المقاطعة الكثير من المزارات منها مزار السيد أبو الحسن الذي يعتقد الأهلون أن الإمام الرضا عليه السلام أعطاه خرقة مكتوباً عليها القرآن. وعلى بعد تسعة أميال من المدينة مزار يعرف باسم (كف علي).
ويحتفل في مقاطعة باراشنار كلها احتفالات شائقة بولادة علي عليه السلام وبيوم الغدير، ولكن دخلت في تقاليد الأهلين هناك تقاليد ليست من التشيع في شيء كالذي يفعله بعضهم من أكل النار.
ولغة الناس في باراشنار فارسية أفغانية، وهم يحسنون الأردوية، وهم أهل شجاعة وفروسية.
وكانت تغلب على المنطقة الحياة البدائية، ولكنها ما لبثت أن سارت في طريق التقدم فبنيت فيها الاستراحات لاستقبال الزائرين كما أقيم فيها فندق حكومي فخم.
كذلك أنشئت فيها كلية وحوالي سبعين مدرسة ابتدائية وثلاث عشرة مدرسة إعدادية وثانوية والعديد من المستشفيات والصيدليات، وبقصد تطويرها الاقتصادي أقيم فيها مراكز خاصة بتربية دود القز وتدريب الناس على تنميته، كما انتشرت فيها بعض الصناعات اليدوية التي تشجع الحكومة أصحابها بمساعدتها لهم.
البازورية
قرية من قرى جبل عامل الساحلية تقع غير بعيد عن مدينة صور. خرج منها الشيخ إبراهيم البازوري العالم الشاعر. تلمذ على الشيخ بهاء الدين والشيخ محمد ابن الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني وعلى صاحب المدارك وغيرهم.
هاجر من جبل عامل وتوفي في طوس ورثى الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي بقصيدة يقول فيها:
العلم قد درست آياته وعفت
منه رسوم أحاديث وأخبار
وكم بكته محاريب المساجد إذ
كانت تضيء دجى منه بأنوار
ومن شعره في الحنين:
لا در در ليالي الهجر كم تركت
من كان بالوصل حيا وهو مقبور
وكم نياط فؤاد بالهوى قطعت
من المحبين لما شطت الدور
سقيا ورعيا لأيام مضين لنا
والدهر فيها بما نرضاه مأمور
والبين عنا بها قد غض ناظره
وللحوادث عنا أعين عور
سقى الحيا أزمنا في طوس قد سلفت
والصب فيها بسحب الوصل ممطور
ومن شعره من قصيدة:
يا دهر كم قد نهبنا فيك أزمنة
جميع هاتيك آصال وأسحار
حيث الشباب بها غض وطوس لنا
مثوى وساكن قلب الصب زوار
سقى الحمى وأويقات به سلفت
من الغمام مدى الأيام مدرار
باسي([270])
قيل إن مؤسس هذه المملكة جوهن شاه ثم السلطان الملك الكامل (توفى عام607هـ 1210م) ثم الملك الصالح (توفي عام 696هـ ـ 1297م) وتقع هذه الإمارة شمال برلاك.
قيل إن شخصاً يلقب «ميرا سيلا» استولى عليها ولم يكن في أول أمره أميراً، ولكنه توصل إلى الحكم بمحاربة من حوله، ثم تسمى الملك الصالح على يد الشيخ اسماعيل رسول شريف مكة، وكان له وزيران هما: سري كايا (الملقب غياث الدين) وباواكايا (الملقب علي حسام الدين) واختط الملك الصالح مدينة سمودار، وتزوج بنت أمير برلاك السلطان محمد أمين ورزق منها ولدين محمد ومنصور.
وفي عهده وصل تجار العرب وعلماء الإسلام من البلدان العربية وإيران ودلهي وملابر وكرومندل. وكان شيخ الإسلام هو السيد علي المكراني. وبعد وفاة السلطان تولى منصور على سمودار، ومحمد الظاهر على باسي، ثم حدث خلاف بين الأخوين ونفي المنصور، وصفي الملك لمحمد الظاهر (توفي عام 726هـ ـ 1326م) فتولى ابنه محمود الظاهر، وفي عهده زار الرحالة المغربي ابن بطوطة هذه المملكة (توفي الملك عام 745هـ ـ 1345م) فتولى بعده أحمد الملقب «برمادا لابرمالا» ويلقب جمال الدين والملك الظاهر إلى سنة 784هـ ـ 1383م.
وقد اتصل هذا السلطان بالصين وبعث إليها وفداً سنة 783هـ كما استقبل وفداً من الصين، ثم تولى زين العابدين، وفي عهده هاجمت قوات دولة سيام هذ المملكة ـ كما جاء في كتاب راج 2 باسي ـ وخرج السلطان محارباً وحمل السلاح كل قادر فانكسر العدو وقتل قائد سيام.
ويقول مصدر آخر إن قوات باسي انكسرت، وإن السلطان أخذ أسيراً، ولم يطلق من الأسر إلا بوصول وفد من باسي يحمل هدايا. ويذكر «سجاره ملايو» أن التي انكسرت هي برلاك لا مملكة باسي([271]) وقتل زين العابدين عام 1405م (807هـ) في إحدى المعارك مع الكفار، فتولت زوجته الوصاية على ابنها الصغير، فلما بلغ أشده تولى الحكم 1412م ـ 1435م (814هـ ـ 838هـ). ثم تولى أبو زيد الملك الظاهر مدة وجيزة، ثم ابنه زين العابدين 858 ـ 874هـ، ثم ابنه محمد ثم ابنه عبد الله (توفي عام 918هـ ـ 1512م) ثم زين الدين (أو زين العابدين) عام 1512م. وقيل إن آخر ملوكها اسكندر قتل بالصين.
زحف البرتغاليون على باسي في عهد زين العابدين الذي نجا بنفسه ثم عاد بعد سنوات، ثم اعتدوا عليها مرة ثانية 1521م (929هـ) ثم أدركته قوات أجيه سنة 1524م (930هـ) في عهد السلطان علي معايت (مؤيد) شاه ملك أجيه الذي تتبع قوات البرتغاليين وطاردهم، وفي هذه الحرب قتل القائد البرتغالي روي دبريتو وصارت باسي تابعة لآجيه، فعين السلطان ابنه علاء الدين رعاية أميراً على باسي.
كانت باسي أهم مركز تجاري للتجار المسلمين من آسيا الشرقية والهند وغيرها. ووفد الصين إلى باسي كان برئاسة «جينغ هو» المسلم سنة 1405م ثم في سنة 1408م ثم سنة 1412م، وآخر وفد من باسي إلى الصين كان في عام 1434م، وعندما حدثت الزحوف على باسي هاجر كثير من التجار عنها.
ونلاحظ أن ألقاب سلاطين باسي متأثرة بألقاب ملوك مصر، كالملك الصالح، والكامل والمنصور والظاهر ولعل سبب ذلك أن بغداد وقعت بأيدي المغول عام 656هـ (1258م) فتحولت التجارة والأسفار بطريق البحر الأحمر إلى الحجاز ومصر، وما لفت الأنظار وجود خليفة عباسي بمصر، وملوك مصر حماة الخليفة، فاتجهت القلوب إليها بتأثير العاطفة الدينية والمصلحة التجارية، كما تمكنت الصلات مع أشراف مكة. وقامت دولة أجيه على أقدامها تواجه الزحوف وتعارك العدو مدة طويلة رفعت فيها راية الإسلام.
انطباعات ابن بطوطة
كتب أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي انطباعات في رحلته فقال: إنه بعد مغادرته بلاد البرهنكار وصل إلى جزيرة الجاوة (ويقصد بها باسي ـ سمودرا) وقال: رأيناها على مسيرة نصف يوم وهي خضرة نضرة، وأكثر أشجارها النارجيل والفوفل والقرنفل والعود الهندي والشكي والبركي والعنبة والجمون والنارنج الحلو وقصب السكر.
ثم قال: إن بيع أهلها وشراءهم بقطع القصدير وبالذهب الصيني البر غير المسبوك. ثم قال: ولما وصلنا المرسى خرج إلينا أهلها في مراكب صغيرة ومعهم جوز النارجيل والموز والعنبة والسمك، وعاداتهم أن يهدوا ذلك للتجار فيكافئهم كل إنسان على قدره، وصعد إلينا نائب صاحب البحر وشاهد ما معنا من التجارة وأذن لنا في النزول إلى البر، فنزلنا إلى البندر، وهي قرية كبيرة على ساحل البحر بها دول يسمونها السرحى، وبينها وبين البلد أربعة أميال، ثم ركب بهروز (نائب صاحب البحر) إلى السلطان فعرفه بقدومي فأمر الأمير دولسه بلقائه والقاضي الشريف أمير سيد الشيرازي، وتاج الدين الأصبهاني وسواهم من الفقهاء، فخرجوا لذلك وجاؤوا بفرس من مراكب السلطان وأفراس سواه، فركبت وركب الصحابي، ودخلنا إلى حضرة السلطان وهي مدينة سمطرة (سمودرا) مدينة حسنة كبيرة عليها سور خشب وأبراج خشب
«وهو السلطان الملك الظاهر من فضلاء الملوك وكرمائهم شافعي المذهب محب في الفقهاء، يحضرون مجلسه للقراءة والمذاكرة، وهو كثير الجهاد والغزو ومتواضع يأتي إلى صلاة الجمعة ماشياً على قدميه، وأهل بلاده شافعية، مجنون في الجهاد، يخرجون معه تطوعاً، وهم غالبون على من يليهم من الكفار، والكفار يعطونهم الجزية على الصلح».
«ولما قصدنا دار السلطان وجدنا بالقرب منه رماحاً مركوزة على جانبي الطريق، وهي علامة على نزول الناس، فلا يتجاوزها من كان راكباً، فنزل عندها ودخلنا المشور فوجدنا نائب السلطان وهو يسمى عمدة الملك، فقام إلينا وسلم علينا، وسلامهم بالمصافحة، وقعدنا معه، وكتب بطاقة إلى السلطان يعلمه بذلك وختمها ودفعها لبعض الفتيان، فأتاه الجواب على ظهرها، ثم جاء أحد ببقشة فأخذها النائب بيده وأخذ بيدي وأدخلني إلى دويرة يسمونه فردخانة، وهو موضع راحته بالنهار، فإن العادة أن يأتي السلطان إلى المشور بعد الصبح ولا ينصرف إلا بعد العشاء الآخرة، وكذلك الوزراء والأمراء والكبار، وأخرج من البقشة ثلاث فوط أحدها من خالص الحرير والأخرى حرير وقطن وأخرى حرير وكتان، وأخرج ثلاثة أثواب من الثياب المختلفة الأجناس تسمى الوسطانيات، وأخرج ثلاث أثواب من الأرمك، أحدها أبيض، وأخرج ثلاث عمائم، فلبست فوطة منها عوض السراويل على عادتهم وثوباً من كل جنس».
«ثم دخلت على السلطان فوجدت القاضي أمير والطلبة عن يمينه وشماله فصافحني (أي السلطان) فسلمت عليه وأجلسني على يساره».
ثم قال: ثم عاد السلطان إلى المذاكرة في الفقه على مذهب الشافعي، ولم يزل كذلك إلى صلاة العصر.
وذكر أن السلطان عند المذاكرة يلبس ثياب الفقهاء، ويأتي يوم الجمعة ماشياً بهذه الثياب، ثم ينزعها ويلبس ثياب الملك وهي الأقبية من الحرير والقطن.
ثم قال: ولما خرج السلطان من المسجد وجد الفيلة والخيل على بابه، والعادة عندهم إذا ركب السلطان الفيل ركب من معه الخيل، وإذا ركب الفرس ربكوا الفيل، ويكون أهل العلم عن يمينه، فركب السلطان ذلك اليوم على الفيل وركبنا الخيل وسرنا معه إلى المشور، فنزلنا حيث العادة ودخل السلطان راكباً، وقد اصطف في المشور الوزراء والأمراء والكتاب وأرباب الدولة ووجوه العسكر صفوفاً، فأول الصفوف صف الوزراء والكتاب فسلموا عليه وانصرفوا إلى موضع وقوفهم، ثم صف الأمراء فسلموا عليه ومضوا إلى مواقفهم، وكذلك تفعل كل طائفة، ثم صف الشرفاء والفقهاء ثم صف الندماء والحكماء والشعراء، ثم صف وجوه المعسكر، ثم صف الفتيان والمماليك.
ووقف السلطان على فيله إزاء قبة الجلوس، ورفع على رأسه شطر مرصع، وجعل عن يمينه خمسين فيلاً مزينة وعن شماله مثلها، وعن يمينه أيضاً مائة فرس وعن شمالها مثلها، ووقف بين يديه خواص الحجاب، ثم أتى أهل الطرب من الرجال فغنوا بين يديه، فعجبت من شأنها، وكنت رأيت مثل ذلك عند ملك الهند، ولما كان الغروب دخل السلطان داره وانصرف الناس إلى منازلهم».
ضياء شهاب
باشتين
ناحية تابعة لقضاء «داورزن» من توابع مدينة سبزوار الواقعة في محافظة خراسان.
تحدها من الشمال ناحية «بيراكوه»، ومن الشرق النواحي التابعة للقصبة الغربية و«كرّاب»، ومن الجنوب ناحية «فروغن»، ومن الغرب ناحية «كاه».
تقع على بعد (35) كم في الجنوب الغربي من مدينة سبزوار؛ ويمر الطريق الذي يصل سبزوار بشاهرود من شماليها: ويقع جبل (كولوت) أو ما يسمى بـ جبل )الله أكبر) الذي يبلغ ارتفاعه 943/م على مسافة (4) كم في الجنوب الشرقي من هذه الناحية عمل أهلها الأساسي الزراعة ثم صناعة السجاد والفرش.
وأقدم المراجع التأريخية التي ذكر فيها هذا الاسم هو كتاب لمؤلفه لعلي بن زيد البيهقي (ت 565هـ) ـ أي في الفترة الزمنية لحملة المغول على البلاد الإسلامية وقد ذكرها ضمن تقسيماته الإدارية لمدينة بيهق التي كانت في ذلك العهد مقسمة إلى اثني عشر ربعاً.
وأما المصدر الآخر فهو كتاب معجم البلدان فقد ذكر اسمها عند ذكر توابع مدينة أسفرائين.
وقد غاب ذكرها عن المصادر التأريخية التي ألفت أثناء حملة المغول فلم يكن لها ذكر في تلك المصادر؛ إلى أن أبرز اسمها عندما وقعت فيها اضطرابات على عهد ثورة (السربداريين)([272]) الشهيرة؛ حيث قال عنها دولت شاه السمرقندي في مؤلفه:
«إن مؤسس هذه السلسلة ـ ويعني بها سلسلة السربداريين ـ هو عبد الرزاق السربداري (الباشتيني) وباشتين قرية من قرن سبزوار؛ وأبوه هو الخواجة فضل الله، من وجهاء هذه القرية وأكابرها.
وقد ذكرها المتأخرون أيضاً كاعتماد السلطنة التي أورد ذكرها من عداد التقسيمات الثمانية لمقاطعات أطراف مدينة سبزوار؛ حيث يقول: إن فيها ـ أي هذه المقاطعة ـ قرية تسمى بنفس هذا الاسم …»..
(راجع، السربداريون)
باعيناثا
هي التي ورد ذكرها مع (برقعيد) و(الكامخية) و(قبراثا) في شعر أبي تمام من قصيدة مدح بها مالك بن طوق وفيها يقول:
قف بالطلول الدراسات علاثا
أضحت حبال قطينهن رثاثا
قسم الزمان ربوعها بين الصبا
وقبولها ودبورها أثلاثا
فتأبدت من كل مخطفة الحشا
غيداء تكسى يارقاً ورعاثا
كالظبية الأجماء صافت فارتعت
زهر الربيع الغض والجثجاثا
حتى إذا ضرب الخريف رواقه
صافت برير أراكة وكباثا
إن الهموم الطارقاتك موهناً
منعت جفونك أن تذوق حثاثا
ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرى
إلا مداخلة القفار دلاثا
ثم يقول في المديح:
ملك إذا استسقيت مزن بنائه
قتل الصدى وإذا استغيث أغاثا
ثم يقول فيها:
لولا اعتمادك كنت في مندوحة
عن (برقعيد) وأرض باعيناثا
و(الكامخية) لم تكن لي موطنا
ومقابر اللذات من قبراثا
لم آتها من أي وجه جئتها
إلا حسبت بيوتها أجداثا
بلد الفلاحة لو أتاها جرول
أعني الحطيئة لاغتدى حراثا
تصدى بها الأفهام بعد صفائها
وترد ذكران العقول إناثا
أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي
فيها وطلقت السرور ثلاثا
وقد وصف المقدسي باعيناثا بقوله:
«نزهة طيبة وهي خمس وعشرون محلة، يتخللها البساتين والمياه، ليس مثلها بالعراق مع رفق ورخص. وينبغي أن لا تخلط بينها وبين «قرية كبيرة كالمدينة» تعرف أيضاً بباعيناثا على النهر الذي يلتقي بدجلة شمال جزيرة ابن عمر، وعلى طريق نصيبين مما يلي باعيناثا: برقعيد، وهي بلدة يضرب المثل بأهلها في اللصوصية. فكانت القوافل إذا نزلت بهم لقيت منهم الأمرين، كانت في المائة الثالثة (التاسعة) بلدة كبيرة عليها سور ولها ثلاثة أبواب وفيها مئتا حانوت وبها آبار كثيرة عذبة. وما حلت المائة السابعة (الثالثة عشرة) حتى تجنبتها أكثر القوافل لكثرة أفاعيل أهلها فأصبحت قرية صغيرة حقيرة.
بافق
مركز قضاء إيراني تابع لمحافظة يزد على بعد 113 كيلومتراً جنوب شرقها ويحد من الشمال والشمال الغربي بأردكان ومن الشمال الشرقي بطبس ومن الشرق بكرمان وزرند ومن الجنوب برفسنجان. وتقع بافق على الخط الجغرافي على 55 درجة و24 دقيقة طولاً و31 درجة و35 دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 995 متراً وهي منطقة حارة تبلغ درجة الحرارة في الصيف 48 درجة وفي الشتاء 7 درجات ويابسة تبلغ نسبة الرطوبة في الصيف 5 % وفي الشتاء 15 % وفي فصل الربيع والصيف والخريف تهب عواصف قوية من جهة الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. وتقع قرى جنوب شرقي بافق على سلسلة جبال أعلى قمة فيها يبلغ ارتفاعها 2249 متراً والقمم الغربية في سهل واسع.
وحسب إحصائية عام 1986م بلغ عدد نفوس بافق 36273 نسمة، وازدادت أهمية بافق بعد كشف معادن الحديد والنحاس والرصاص، وحين باشرت الحكومة باستخراج معادن الحديد والنحاس ازدهرت المنطقة وازداد عدد نفوسها إلى أكثر من ضعفين في السنوات الأخيرة ووصلت بسكة حديدية لحمل المعادن بالقطار.
ويبدأ نهر بافق من قرية نوق رفسنجان ويصب في حفرة صحراء تعرف بـ (درانجير) في غرب مدينة بافق وتحيط مدينة بافق بساتين خضراء ونخيل وأهم محصولاتها التمر. ولم تحدثنا المصادر القديمةعن ماضي بافق إلا أنها اشتهرت من العصر الصفوي حين نبغ منها علماء أعلام وشعراء مشاهير منهم شرف الدين علي البافقي أصلاً القزويني مسكناً المتوفى في قزوين سنة 962 هجرية وكان من الشعراء المقربين من البلاط الصفوي لا سيما الشاه طهماسب (جلوس 930 ـ والمتوفى 984 هجرية) وهو أستاذ وحشي البافقي الشاعر الشهير وأخيه.
2 ـ وحشي البافقي المتوفى سنة 991 هجرية من مشاهير شعراء عصر الشاه طهماسب الصفوي ومولانا محمد زمان البافقي والشيخ أبو الحسن ابن حسين البافقي الحائري المتوفى حدود سنة 1244 هجرية وزين العابدين البافقي كان حياً في سنة 1217 هجرية من أعلام الفقهاء في القرن الثالث عشر الهجري والشيخ حسين الشهير بالكسائي البافقي اليزدي الحائري والشيخ محمد تقي البافقي (المولود في 1292 والمتوفى 1365 هجرية) من أقطاب المعارضة في عصر البهلوي الأول وغيرهم من الأعلام.
وقد سكن مدينة بافق قديماً جماعة من العلويـ (ين) وهناك مرقد عبد الله بن موسى الكاظم عليه السلام وتاريخ بناء الروضة يعود إلى القرنين السابع والثامن الهجري.
عبد الحسين الصالحي
باكستان
ـ 1 ـ
برزت الباكستان إلى حيز الوجود دولة مستقلة ذات سيادة في اليوم الرابع عشر من شهر آب. أغسطس سنة 1947، وذلك عند تقسيم شبه جزيرة الهند إلى دولتين بناء على إصرار المسلمين في مطالبة بوطن منفصل مستقل لهم.
وكانت تتألف الباكستان من قسمين هما: الباكستان الشرقية والباكستان الغربية، تفصل بينهما مسافة من أراضي الهند مداها نحو ألف ميل.
وتتصل الباكستان الغربية بسفوح جبال الهملايا، وجبال هندوكوش في الشمال، وتنفصل تخومها عن روسيا بسلاسل جبلية ضيقة، وتمتد رقعتها من جبال بامير جنوباً حتى شواطئ البحر العربي. وتحدها من الغرب أفغانستان وإيران، وتحدها الهند من الشرق والجنوب الشرقي.
ثم هي تتألف من الأقسام التي كانت تعرف قبل التقسيم باسم إقليم الحدود الشمالية الغربية وبلوجستان والسند وقسم من إقليم البنجاب، ومن إمارات بهاولبور وخيروبور وقلات ومكران ولاسبيلا وكراتشي.
والباكستان الغربية بلاد تتفاوت طبيعتها تفاوتاً كبيراً. ففي الشمال أصقاع جبلية جرداء تنتهي إلى سهول ووديان خصبة هي سهول نهر السند، ثم تنتهي هذه إلى صحاري قاحلة في الجنوب والغرب.
أما الباكستان الشرقية، فتقع بين إقليمين من أقاليم الهند هي البنغال الغربية وأسام، وبين بورما. ويحف بها من الجنوب خليج البنغال. وهي تتألف من أقسام كانت قبل التقسيم جزءاً من البنغال ومن منطقة سيلهت وأصقاع شيتاغونغ الجبلية.
أما طبيعتها ومناظرها فلا تتباين تبايناً كبيراً، ذلك أن غزارة المطر وكثرة الأمطار فيها قد جعلا منها بلاداً خضراء مزدهرة، غزيرة الثمر والمحصول([273]).
وأصبحت إسلام آباد المنشأة حديثاً على مسافة عشرة أميال من راولبندي عاصمة الباكستان.
أما كراتشي، فهي ثغر الباكستان، ومحورها التجاري، ففيها ميناء عامر فضلاً عن كونها مفرقاً هاماً للخطوط الجوية بين الشرق الأوسط والشرق الأقصى، تحتل موقعاً استراتيجياً منقطع النظير في النصف الشرقي من الكرة الأرضية.
نبذة تاريخية
مع أن الباكستان بلاد حديثة العهد إلا أنها كانت مهداً لأقدم الحضارات المعروفة، فقد عثر على آثار ومعالم حضارة كانت تقوم على شواطئ نهر السند قبل أكثر من 4000 سنة، ويستدل من خرائب المدن ومما فيها من بيوت وشوارع فسيحة حسنة التخطيط، ومن مجارٍ لتصريف المياه تحت الأرض على قيام حضارة نهرية راقية في هذه الأقسام التي تقوم عليها باكستان وذلك في عهود كانت فيها أوروبا لا تزال في العصر الحجري.
ويبدو أن هذه المدينة العظيمة قد تعرضت لسلسلة من الغزوات، إذ هيمن عليها خلال السنين الألف قبل ميلاد المسيح كل من الآريين واليونان والفرس والبارثيين والكوشيين، وأقوام أخرى جاءت من أواسط آسيا، فترك كل منهم طابعه على حضارة البلاد.
وامتد ظل الإسلام إلى القارة الهندية الباكستانية في القرن الثامن الميلادي حين جاء العرب الأوائل وقروا في حوض نهر السند، فقد كان هؤلاء العرب الأوائل يزاولون التجارة وفي وادي السند وسرعان ما استطاعوا أن يبسطوا نفوذهم هناك، فمكثوا نحو 20 سنة مقتصرين على السند وحدها، وفي سنة 918 جاءت أقوام أخرى من المسلمين تتدفق عن طريق ممر خيبر، منهم الترك والأفغان والفرس والتركمان، فحمل كل منهم معه أثراً جديداً من القيم الروحية والأساليب الحضارية، وكان للنظام الاجتماعي الإسلامي القائم على الأخوة والمساواة بين البشر أثره البالغ في المجتمع الهندي الذي كان يعاني من النظم الطبقية، وسرعان ما تقبل الناس القيم والمثل الجديدة، فعمت أقسام الهند الشمالية وانتشرت في الجنوب أيضاً، فما كان القرن السابع عشر حتى دانت شبه جزيرة الهند كلها لحكم المغول المسلمين. وكان حكم المغول حكماً ازدهرت خلاله الحضارة وارتقت العلوم والفنون. غير أن الأمبراطورية ما لبثت بعد 200 سنة أن أخذت تتصدع وتتدهور، وذلك بسبب تنافس الأمراء وتناحر الحكام، هذا إلى قدوم الأجانب إلى البلاد، لا سيما الانجليز والفرنسيين والبرتغاليين، واستيلائهم على زمام السلطة في البلاد شيئاً فشيئاً مما عجل في تدهور الأوضاع، ومن ثم انهيار الامبراطورية.
لقد جاء البريطانيون والفرنسيون إلى شبه جزيرة الهند في إبان القرن السابع عشر ليتجروا مع أهلها. فما لبثوا حتى انتشروا في البلاد مغتنمين فرصة الصراع الدموي الذي كان يدور حينئذ بين الأمراء والحكام.
وفي سنة 1857م استطاع الانجليز فرض سيطرتهم على الهند بعد أن خلعوا آخر أباطرة المغول بهادر شاه ظفر، وهكذا خبأ سنة 1857م آخر بصيص من شعاع الحكم الإسلامي في الهند بعد أن دام 800 سنة، وهكذا أيضاً بدأ الكفاح من أجل الحرية والاستقلال في شبه جزيرة الهند. فالمسلمون كانوا قد فقدوا في حروبهم مع الانجليز لا السلطة السياسية وحسب، وإنما كل ما كان لهم من مكانة وجاه.
إذ كانوا قد أخذوا في التدهور والانحلال خلال عهود تولى الأمر فيها اباطرة ضعاف عجزة، فبلغ هذا التدهور منتهاه أيام حرب الاستقلال مع الانكليز سنة 1857م، فلما فقدوا السلطة والجاه قبعوا في ديارهم لا يلوون على شيء إلى أن ظهر أحمد خان زعيم الحركة التي عرفت بحركة النهضة الإسلامية، وقد أدت هذه الحركة إلى نشر الوعي بين المسلمين، ومن ثم بلغت أوجها عند تأليف حزب العصبة المسلمة سنة 1906م وذلك بغية الحفاظ على حقوق المسلمين ومصالحهم في شبه جزيرة الهند حيث يكون الهندوس أغلبية السكان.
وفي الرابع عشر من شهر آب (أغسطس) سنة 1947م، قسمت شبه جزيرة الهند إلى دولتين هما باكستان والهند. وأخيراً قامت حركة الانفصال بين القسمين الشرقي والغربي حتى انتهت بشطر باكستان إلى شطرين: باكستان وبنغلادش.
أهم المدن
أهم مدن الباكستان الغربية التي أصبحت وحدها تحمل اسم باكستان هي: كراتشي ولاهور وبشاور وراولبندي.
اللغة
إن اللغة الشعبية هي الأردو في الباكستان. ومع ذلك فإن الإنكليزية تشيع في جميع الأوساط الرسمية والتجارية والمحاكم. وهي واسطة التعليم في معاهد التعليم العالي.
وقد دخلت لغة الأردو عن طريق المغول خلال القرون الوسطى وتعني حرفياً «لغة المعسكر». وعدا ذلك فهناك اللغات: السندية والملتانية والكجراتية والبوشتية والبنجابية وغيرها.
طبيعة البلاد
الأقسام الشمالية الغربية من الباكستان الغربية جبلية، وما تبقى منها يتألف من سهل نهر السند. أما معدل المطر في الباكستان الغربية فيتراوح بين أربع بوصات في السنة في الجنوب وأربعين بوصة في الشمال.
المناخ
مناخ الباكستان الغربية قاري، حار خلال الصيف بارد خلال الشتاء. وقد ترتفع درجة الحرارة في الصيف إلى 120 درجة فهرنهايت خلال النهار وتنخفض خلال الليل دون التسعين.
أما خلال الشتاء فقد تبلغ درجة الحرارة خلال النهار في يوم صحو 75 درجة فهرنهايت، ولكنها تنخفض بد منتصف الليل دون درجة التجمد. أما المناخ في المناطق الساحلية فحار خلال الصيف معتدل لطيف خلال الشتاء.
المصادر المعدنية
لم تكن مصادر الباكستان المعدنية لتستكشف في الماضي استكشافاً وافياً، وتدل القرائن الجغرافية على وجود النفط واستغلت موارده قبل الاستقلال في منطقة تقع قرب راولبندي، وزاد إنتاج النفط الخام من نصف مليون برميل سنة 1947م إلى 2,300,000 برميل سنة 1960م، كما ارتفع مقدار المنتوجات البترولية المكررة …. ومع ذلك فلا يفي الإنتاج المحلي بجميع حاجات البلاد، ولذا يستمر التنقيب بصورة متواصلة.
وقد عمدت حكومة الباكستان إلى الاستفاضة في استثمار البترول بغية توفير العملة الأجنبية التي تنفق على استيراد النفط ومنتجاته، فعقدت اتفاقيات مع شركتين بريطانيتين وشركتين أمريكيتين لبناء معمل لتكرير النفط في كراتشي بتكاليف تقدر بـ 165 مليون روبية على أن تكون طاقته المبدئية تكرير مليون ونصف المليون طن من النفط الخام.
وقد انتهى التنقيب عن البترول في بعض المناطق إلى العثور على مستودعات واسعة من غاز النفط في منطقة سوي ببلوجستان حيث يجري استخراج الغاز منذ سنة 1955م، وعثر على مستودعات كبيرة للملح والجبس في البنجاب، كما يوجد الفحم والكبريت والكروم والانتيمونيا والمعادن الأخرى في مناطق شتى من البلاد.
ونظراً لقلة الأمطار في الباكستان الغربية فإن أكثرية الأراضي المزروعة تروى بواسطة الأقنية، ويزيد مجموعها على 24 مليون أكر أي نحو 65 بالمائة من مجموع الأراضي المزروعة كلها.
التشيع في الباكستان
إن الحديث عن تاريخ التشيع في الباكستان لا يمكن فصله عن تاريخ التشيع في الهند. لذلك لا بد في حديثنا هذا من أن يشمل شبه القارة الهندية الباكستانية كلها:
أوائل الهجرة
لم تكن الهجرة الشيعية إلى شبه الجزيرة الهندية هجرة جماعية بل كانت هجرة فردية يفر أصحابها من المظالم الأموية والعباسية فيمضون في نزوحهم باتجاه الشرق حتى يصل بعضهم إلى الهند. ولم يكن أولئك المهاجرون ليجاهروا بعقائدهم بل كانوا ينتظرون البيئة الملائمة، لذلك يعسر علينا أن نحدد التاريخ الذي وصل فيه المهاجرون الشيعة الأوائل إلى شبه الجزيرة التي عرفت في عصرنا باسميها: الباكستان والهند ثم بنغلادش.
توالى مجيء المسلمين إلى شبه الجزيرة هذه براً وبحراً، أما الذين أخذوا على الطريق البري فكانوا من العرب والترك والفرس والباثان والمغول، لقد استوطنوا أولاً حوض نهر السند ثم امتدوا شيئاً فشيئاً إلى سهل الكنج ووادي براهم بوترا وجنوب الهند.
وأما الذين أخذوا على الطريق البحري فكان معظمهم من العرب فنزلوا على شواطئ البحر العربي وخليج البنغال مستوطنين السند وكاتباوار ومالابار وأركان والبنغال. وكان الفرس الذين هاجروا في أوقات لاحقة بطريق البحر واستوطنوا المدن الساحلية من الشيعة في الأغلب.
وجاء أكثر الشيعة على الطريق البري واستقروا حينئذ في مناطق مختلفة من جبال الهملايا وحوض نهر السند ثم امتدوا بعد ذلك في الجزء الأعلى والجزء الأسفل من نهر الكنج، وأبعدوا إلى جنوب الهند.
وهذا الامتداد جرى خلال أجيال عديدة كان الشيعة أثناءها قد أنشأوا عدة إمارات بينما أنشأ غيرهم عدة ممالك صغيرة وكبيرة في شمال السند وجنوبه وغيره من الأماكن.
ومن بين الشيعة هناك قائد شهير يدعى بيرام خان خانان الذي لم يساعد همايون لاستعادة ملكه الضائع فحسب([274]) بل كان فعالاً في تغيير مجرى التاريخ الهندي.
ويمكن أن نذكر من بين النساء الشيعة اللواتي تزين أسماؤهن صفحات التاريخ الهندي أسماء نورجهان وممتاز محل، والأولى زوجة جهان كير والثانية زوجة شاه جهان الأمبراطوريين المغوليين الشهيرين. وضريح ممتاز محل معروف في أنحاء العالم باسم تاج محل([275]) ويعتبر أحد عجائب الدنيا السبع.
وكانت البيجوم بهو من أشهر من حكم (أود)، وقد عملت هي وغيرها ممن حكموا هناك على إنشاء منظمات اجتماعية كثيرة للنهوض بالشيعة.
واشتهر الشيخ أبو الفضل وأخوه الشيخ أبو الفيض ابنا الشيخ مبارك اللذين عرفا باسم الأخوين الفيضي([276]) اشتهرا بأنهما علاّمتان وسياسيان ورجلا دولة وقائدان.
كما كانا بين المستشارين التسعة البارزين للملك محمد أكبر.
وكان الشهيد الشيخ نور الله المرعشي التستري ـ الذي تزدحم حول ضريحه في آكرا حشود غفيرة كل عام ـ قاضياً ذا شهرة واسعة خلال حكم أكبر وجهان كير.
وفي عصرنا هذا يبرز بين السياسيين الشيعة اسم محمد علي جناح مؤسس الباكستان وغيره من كبار القادة السياسيين.
لا يمكن تحديد عدد الشيعة في كل من الهند والباكستان لعدم وجود إحصاء صحيح ويقدّر عددهم في باكستان الحالية بربع سكانها.
وبعد تقسيم الهند كانت هناك هجرة جماهيرية من الهند إلى الباكستان، وقد هاجر الشيعة فيمن هاجر ومنذ ذلك الحين كان الشيعة قد تجمعوا في كراتشي وبعد كراتشي تأتي (مولتان) و(لاهور) اللتان كانتا على مرّ العصور مركزين كبيرين للشيعة.
كما أن هناك مراكز كبيرة أخرى في (جهانك) و(راولبندي) و(سيكالكوت) و(سركودها) و(سكور) و(روهري) و(حيدر آباد) و(بيشاور) و(كوهات) و(باراشانار) و(كويتا).
ويسكن الشيعة بأعداد كثيفة في قطاع (كويتا) و(تيراه) على الحدود الشمالية الغربية و(غيلغيت) و(كشمير) و(بلتستان).
وأما في الهند فيمكن القول إن عددهم يبلغ الخمسة عشر% بين مسلمي الهند. ويتجمع الشيعة في (دلهي)، و(ميرت) و(مظفر نكر) و(بيرلي) و(بدايون) و(مراد آباد) و(لكهنو) و(فيضاباج) و(راي بريلي) و(الله آباد) و(جونبور) و(بنارس) و(غي) و(حيدر آباد الدكن) و(بيجابور) و(غولكوندا) و(ميسور) و(مدراس) وغيرها.
وفي كلا البلدين: الهند والباكستان تبلغ نسبة التعليم بين الشيعة الثمانين في المائة، وستون بالمائة منهم مثقفون ثقافة عالية منهم خمسة وعشرون% متخصصون.
والشيعة على العموم ملاكو أرض أو موظفون في الحكومة، ويعمل أكثر الشيعة الذين يسكنون كراتشي وسورت وبومباي ومدراس وكلكوتا وغيرها من المدن الساحلية في التجارة والصناعة، لذلك لا عجب أن يكونوا أغنى من غيرهم من الشيعة ومن أغنى الفئات الإسلامية في الهند والباكستان.
علماء وخطباء وشعراء وكتاب
كان للمجالس الحسينية التي تعقد بانتظام خلال شهري المحرم وصفر، وأحياناً خلال بقية الشهور الأثر الفعال لا في إنماء المعارف الدينية فحسب بل في التقدم الخلقي والعقلي والروحي للشيعة.
وبفضل هذه المجالس التي تقام لذكرى شهيد الإسلام العظيم الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام نبغ بين الشيعة خلال الأجيال الطويلة في كافة أنحاء القارة الهندية فحول الشعراء والكتاب وأخيراً الخطباء فمير تقي وميرزا سودا ومير حسن وسيد انشا وميرزا غالب هم من أبرز الكواكب المتألقة في سماء الشعر الأردوي.
ويشغل ميرانيس وميرزا دبير مقاماً في طليعة كتاب الرثاء في كل عصر ومصر ومراثيهما شهيرة مقدرة لدى شتى مقاييس النقد، ومعتبرة من أفضل القطع الأدبية التي كتبت باللغة الأردوية.
ويعتبر جوش مليح آبادي والسيد آل رضا وقمر جلالوي ونسيم ورئيس أمرو هي من بين أبرز شعراء الباكستان في وقتنا الحاضر.
ويأتي في طليعة كتاب اللغة الأوردية في الماضي: مير أمن وميرزا رجب علي بك سرور وميرزا غالب ومولوي محمد حسين آزاد وكلهم من الشيعة. وكان مولوي ألطاف حسين نقّادة بارزاً ومصلحاً وشاعراً وناثراً.
أما الخطابة فليست قديمة العهد في الشيعة، ولقد تقدمت حين بدأ يخف الشغف بالمراثي وكان مولانا سبط الحسن ومولانا محمد رضا والحكيم مرتضى حسين ومولانا مقبول احمد ومولانا السيد علي حائري وغيرهم من أبرز الخطباء خلال السنوات الأولى من هذا القرن.
وكان في طليعة المجتهدين في القارة الهندية في النصف الأول من هذا القرن كل من مولانا ناصر حسين ومولانا نجم الحسن ومولانا ظهور الحسن ومولانا محمد هادي ومولانا راحت حسين ومولانا محمد باقر ومولانا أمجد حسين ومولانا شبير حسين ومولانا محمد شبر ومولانا سبط حسين جانبوري.
ومن أبرز الأعلام في الأدب الهندي الشاعران علي حسن جائسي ورحيم خان خانان اللذان أغنيا الشعر الهندي بالذخائر وخلدا اسميهما في أنصع صفحات القارة الهندية الأدبية. أما السيد أمير علي فهو مؤرخ ذو شهرة عالمية، وكان السيد علي إمام وحسن إمام وسلطان أحمد ووزير حسن محامون ذوي شهرة عالمية كذلك. والظاهر أنه لم يبرز من بين الشيعة هناك من يمكن أن يعد فيلسوفاً عالمياً.
ومؤرخ التشيع في القارة الهندية لا يمكن أن يغفل ذكر الصوفية ذوي التأثير البالغ على الملايين من المسلمين ومئات آلاف من الهندوس وهم وإن لم يكونوا من الشيعة بالمعنى المقصود من هذه الكلمة إلا أن تعلقهم الشديد بآل البيت يكون جزءاً رئيسياً من معتقدهم مما طبع أدبهم بالطابع الشيعي البارز.
وهم أمثال شمس سبزواري والخواجه معين الدين الشيشتي وأمير خسرو، وصوفيي بريلي وشاه عبد اللطيف بري وشاه شند شيراغ من ولاية راولبندي وشاه ولاية أمروها وقلندر شاه والشاعر إقبال ومئات غيرهم من الصوفيين.
وأخيراً يمكننا القول إنه لم يكن الدور الذي لعبه الشيعة خلال العصور في القارة الهندية في الحقول السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية والاقتصادية يفوق نسبتهم العددية، إنما كان من النوع المدهش حقاً.
باكستان
ـ 2 ـ
ظهرت باكستان في البدء كفكرة في عقل الشاعر الكبير محمد إقبال، وباكستان ـ لغة ـ تعني الأرض الطاهرة، ويبدو أن اختيار هذا الاسم كان مناسباً ومتناسقاً مع الفكرة التي أعلنها الشاعر الكبير لأول مرة بشكل علني في خطاب عام له في مدينة الله آباد عام 1930م فطرح في خطبته الشهيرة هذه فكرة تقسيم الهند، لأن الاختلاف واضح بين المسلمين والهندوس من حيث الدين والمعتقدات، ولأن المسلمين أمة منفصلة عن غيرها فإنه يجب أن تتمتع بدولة مستقلة، هذا هو جوهر فكرة إقبال التي تنبع جذورها من أفكار «الجماعة الإسلامية» التي كانت في ذلك الحين حركة تحديثية تستقي مبادئها من أفكار إقبال، وسيد أحمد خان، وشبلي نعمان، وغيرهم من المفكرين الإسلاميين المحدثين، وتحولت الفكرة إلى حركة سياسية قادها مؤسس الباكستان محمد علي جناح، وسرعان ما لاقت الدعوة إقبالاً من كثير من المسلمين الذين كانوا يعانون افتقاد معنى العدل في ظل احتكار الهندوس للسلطة والثروة في الهند.
وشهدت الفترة من عامي 1938م إلى 1944م تنامي الحركة الباكستانية من مجرد تكتل يعبر عن مصالح أقلية مسلمة إلى حركة لأغلبية المسلمين تبحث في جوهرها عن المساواة الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإنه من الثابت تاريخياً أن بداية الحركة الإسلامية وانتصارها في أول معاركها كان في بنغلاديش (باكستان الشرقية سابقاً) حيث كانت السلطة والثروة في يد الملاك الهندوس أما باقي المسلمين فهم فقراء مقهورون.
المهم أن البريطانيين ـ حكام الهند في ذلك الوقت ـ استثمروا هذا التناقض، وكانت حركة انفصال باكستان تقف في مواجهة دعوات غاندي ثم نهرو، وحزب الرابطة الإسلامية يواجه حزب المؤتمر، وفجأة أعلن البريطانيون استقلال الهند وإنشاء دولة باكستان في 15 أغسطس 1947م.
وتم رسم حدود الدولة الجديدة وفق الأقاليم التي بها أغلبية مسلمة. ولم يراع البريطانيون أية عوامل أخرى اقتصادية أو ثقافية أو جغرافية، وهكذا ظهرت في نهاية الأربعينات باكستان ـ بقسميها الشرقي والغربي ـ ولكنها منذ اليوم الأول وهي تحمل داخلها ألغام موقوتة تهدد بالانفجار.
فمنذ الاستقلال وحتى الآن خاضت باكستان ثلاث حروب مع الهند منيت في الحرب الأخيرة 1971م بهزيمة عسكرية خسرت فيها شطرها الشرقي باكستان الشرقية (بنغلاديش حالياً)، وأكثر من نصف سكانها، وأكثر من 90 ألف ضابط وجندي وقعوا في الأسر، وشهدت أيضاً ثلاث فترات من الاحكام العرفية، وتم وضع خمسة مشروعات لدساتير صدر ثلاثة منها (1956، 1962، 1973م)، بالإضافة إلى عديد من أحداث التمرد والعصيان التي تتراوح فتراتها بين أشهر وأعوام، وأشهرها العصيان القبلي الواسع في بلوشستان الذي حدث بين عامي 1973م و1977م، وقدر عدد الذين اشتركوا فيه إلى ما يصل إلى 55 ألفاً من رجال القبائل في مواجهة قوة حكومية يصل قوامها إلى 70 ألف جندي.
وعلى مدى أربعين عاماً ـ هي تاريخ باكستان ـ لم تشهد انتقالاً للسلطة بشكل سلمي وطبيعي إلا مرة واحدة حين تولى فيها ذو الفقار علي بوتو الحكم عقب انفصال بنغلاديش.
فعقب وفاة محمد علي جناح في عام 1948م تولى السلطة رئيس الوزراء لياقت علي خان، الذي اغتيل في تشرين الأول 1951م، وفي أعوام 1957م و1958م اشتدت الصراعات الإقليمية وتدهورت الأوضاع مما أدى بالجيش إلى التدخل في 7 تشرين الأول 1958م وسلم السلطة إلى محمد أيوب خان، واستمرت فترة حكم محمد أيوب خان قرابة عشر سنوات، وفي عام 1969م انفجرت المعارضة ضده على شكل اعمال عنف انتهت باستقالته في 25 آذار من العام نفسه، واستيلاء الجنرال يحيى خان رئيس هيئة أركان الجيش على الحكم، فألغى الدستور وفرض الأحكام العرفية، ولكن الاضطرابات لم تهدأ وانتهت بانفصال (الجزء الشرقي) بنغلاديش بعد حرب تدخلت فيها الهند إلى جانب بنغلاديش واستمرت أسبوعين. وعقب الحرب سلم العسكريون السلطة إلى ذو الفقار علي بوتو الذي بدأ في طرح شعارات شعبية، وحاول في مفاوضات مع الهند وضع حد للتوتر بينهما، ثم أعلن الجنرال ضياء الحق في 5 تموز سنة 1977 استيلاء الجيش على الحكم، وأعلن الأحكام العرفية وألقي القبض على ذو الفقار علي بوتو ثم أعدم.
الجذور
هذا التاريخ من الصراع والاضطرابات ليس وليد صدفة ولا نتيجة حالات مزاجية، ولكن تعبيراً عن تناقضات اجتماعية واقتصادية تضمنها النموذج الباكستاني منذ اليوم الأول لتأسيس الدولة، وكانت أكثر المشاكل التهاباً ـ وما زالت ـ مشكلة القوميات، فبينما كان الجزء الشرقي من الدولة في ذلك الوقت (بنغلاديش حالياً) يمثل تجانساً قومياً حيث إن 98 بالمائة من السكان من البنغاليين. وهم شعب ذو ثقافة قديمة عريقة، ولم يكن لديهم في الجزء الشرقي مشاكل قوميات تذكر، إذ لا يتجاوز عدد الأقليات القومية 250 ألف نسمة، كانت مشكلة القوميات الحقيقية ـ وما زالت ـ في الجزء الغربي من الدولة عند التأسيس وهي ما يعرف حالياً بباكستان فهي تحتوي على أربعة أقاليم اساسية وبعض الولايات.
وكانت هذه الأقاليم تمثل قوميات مختلفة ومتمايزة، وهكذا فقد أصبحت الدولة تضم أربع قوميات متباينة يمثلون سكان مناطق «البنجاب، والسند، والباشتون، والبلوش، ومنذ قيام باكستان والبنجابيون هم المجموعة الأكثر سيطرة، فهم الأكثر من الناحية العددية، والمسيطرون من الناحيتين السياسية والاقتصادية، فهم يشكلون نحو 60 بالمائة من إجمالي السكان بينما يشكلون 80 بالمائة من القوات المسلحة، وما يتراوح بين 80، و85 في المائة من الوظائف الإدارية العليا، وحوالي 80 بالمائة من فئة رجال الأعمال، وهم أصحاب الثروة والسلطة …
وبجانب البنجابيين هناك القومية الثانية من حيث العدد وهي السند، ثم الباشتون الذين يعيشون في منطقة الحدود الباكستانية المشتركة مع أفغانستان وما كان يسمى الاتحاد السوفيتي، ثم أخيراً البلوش الذين يعيشون في منطقة بلوشستان.
وكما تقول دراسة دكتوراه أعدها جاهان مظفر وقدمت لجامعة ميامي …. عام 1980 وتناول موضوعها سياسة تكوين المجالس الوزارية في باكستان (47 ـ 1977) فقد تعرضت الدراسة إلى وضع القوميات ومدى مشاركتهم في المناصب العامة فتقول: من بين 179 شخصاً تولوا مناصب وزارية في باكستان خلال ثلاثين سنة لم يكن منهم سوى أربعة فقط من البلوش، هذا على مستوى الوزارة المركزية، أما على مستوى الحكومات المحلية في الأقاليم فقد ظل البلوش مستبعدين بصورة تكاد أن تكون كاملة عن مواقع اتخاذ القرار، وعلى سبيل المثال تقول نفس الدراسة إنه في عام 1972 كان في بلوشستان حوالي 40 ألف موظف مدني، وكان منهم ألفان فقط، اي 5 بالمائة. من البلوش، وحتى هذا العدد الضئيل كان معظمه يعمل في وظائف متدنية.
وقد كان من الممكن تفادي صدام الأقليات، ولكن توالي الحكومات العسكرية وعدم وجود مجموعة من القيم السياسية المهيمنة، ساعد على انفجار الأزمات، خصوصاً بعدما تلاشت أحلام السنوات الثلاث الأولى بعد التاسيس، والتي كانت تأمل بحياة عادلة تتسم بالمساواة والعدل والحرية … وظلت التجربة الإسلامية منذ بدء الدولة بلا مضمون اجتماعي أو اقتصادي.
ولم يكن تنازع القوميات وسوء المعاملة والحكومات العسكرية المتعاقبة وراء انفجارات الصراعات القبلية والعرقية، فقد ساعد على ذلك أيضاً متاعب البداية الاقتصادية، فعند تقسيم الهند وتأسيس باكستان لم يراع أحد ـ كما قلنا ـ الظروف الجغرافية والاقتصادية، وكان نصيب الدولة الجديدة أقاليم تتسم بالانخفاض الشديد في مستوى التطور الاقتصادي فكان 85,2 في المائة من سكان باكستان يعيشون في الريف.
ولم يكن نصيب باكستان الحالية من المشروعات الصناعية الموجودة في شبه القارة الهندية إلا 1079 مشروعاً من بين (14677 مشروعاً)، وكانت المشروعات الصناعية الصغيرة التي وجدت في باكستان بعد التقسيم عاجزة عن توفير أبسط احتياجات البلاد من السلع الصناعية، كما تأثر الوضع الاقتصادي للدولة على نحو سلبي من جراء ضرورة تخصيص عشرات الملايين من الروبيات سنوياً من ميزانيتها لتسدد لبريطانيا ثمن نظام الري والسكك الحديدية التي آلت إلى ملكية باكستان بعد التقسيم، وكانت هذه المدفوعات تزيد على 55 مليون روبية سنوياً منها (40) مليوناً سداداً للدين الأصلي و(15 مليوناً) كفوائد، وكان الإنتاج الزراعي يتم بوسائل بدائية، وكان توزيع الملكية في المجتمع معقداً فقد كان هناك (6060) من كبار الملاك يمتلكون من الأراضي أكثر مما تمتلكه «3,3 مليون» عائلة من الفلاحين، وكان أكثر من نصف الأراضي الزراعية تزرع بواسطة حائزين لا يتمتعون بأية حقوق على الإطلاق.
كما تأثرت كثير من المحاصيل التي كانت قبل التقسيم تزرع في باكستان وتصنع في الهند، مثل الجوت الذي كانت مساحة ما يزرع منه تزيد على مليوني فدان بالإضافة إلى نقص الطاقة الكهربائية ونقص العمالة الفنية المدربة، وتأثير استمرار الاحتكارات البريطانية في قطاعات المصارف والنقل البحري، والوكالات التجارية والتجارة الخارجية وغير ذلك من أفرع الاقتصاد الوطني.
لكل ذلك، لم تكن البداية سهلة ولا ميسرة بحيث يعوض النمو الاقتصادي مصاعب تعدد القوميات وافتقاد العدالة الاجتماعية، وهكذا تفاعلت جذور عديدة سياسية واقتصادية وعرقية، لتصوغ حقل الألغام الذي سارت فوقه باكستان كانت قمته انفصال القسم الشرقي (بنغلاديش) عن الغربي (باكستان).
بؤرة ساخنة
كأن ما في داخل باكستان لا يكفيها فيأتي موقعها الجغرافي وسط مجموعة من الجيران يمثلون نقاط التقاء ملتهبة، فيحدها من الغرب إيران وأفغانستان ويمتد خط الحدود بين باكستان وأفغانستان، حتى يصل إلى أضيق مساحة له، وهي نقطة الحدود المشتركة بين الصين وأفغانستان والاتحاد السوفيتي، ومن الشمال الشرقي الصين الشعبية، ومن الشرق الهند ومن الشمال الشرقي أيضاً ولايتا كشمير وجامو المتنازع عليهما بين الهند وباكستان.
وتبلغ مساحة باكستان حوالي (804) آلاف كيلومتر مربع، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي حوالي (27730) مليون دولار تمثل الزراعة منه 24 بالمائة، والصناعة 29 بالمائة، والصناعة التحويلية 20 بالمائة، والخدمات 47 بالمائة.
تعد الطبيعة الباكستانية بيئة متنوعة، فهي تضم الجبال الشاهقة والسهول الشاسعة، والصحاري القاحلة والوديان الخصيبة وتشغل الجبال وأشباه الصحاري جزءاً كبيراً من البلاد، وكقاعدة فإنه لا يمكن القيام بالزراعة، دون وسائل ري صناعية.
تعد الزراعة هي المكون الرئيسي للاقتصاد القومي، وتأتي الصناعة في المرتبة الثانية، وقد ساعدت الطبيعة باكستان بأن منحتها خمسة أنهار، ورغم ذلك فإن المشكلة الأساسية أن مياه الأنهار، لا تصل إلى كل الأراضي القابلة للزراعة، ولذلك فهي تفتح نظام قنوات الري، والذي يعيقها أحياناً هو طبيعة الأراضي واختلافها، لذلك فإن لديها الآن مثلاً أراض قابلة للزراعة، ولكنها غير مزروعة، لأن توصيل قنوات الري إليها يحتاج إلى استثمارات كبيرة، أما عن موقف الغذاء، فهي تنتج زراعات الأغذية في المنطقة الوسطى، ومنذ عام 1981م تحقق الاكتفاء الذاتي من مواد الطعام، واستيراد المواد الغذائية محددة بمواد معينة، فهي تستورد سكراً بعض الأعوام وزيت الطعام والشاي والحليب المجفف، وهذه السلع ترتبط بالسلوك الاجتماعي والثقافي للسكان، فاستخدام الزيت في الطعام والطهو عادة اجتماعية، ونمط لا تستطيع تغييره في يوم وليلة، وبذلك فإن استيرادها للزيت يتزايد عاماً بعد عام وكذلك السكر، أما الحليب فإنتاجها ولسنوات طويلة ضعيف جداً.
وعلى مستوى آخر فهي تصدر سنوياً سبعة ملايين بالة قطن، كما تصدر كميات كبيرة من الأرز وكميات معقولة من الفاكهة.
وبرغم ذلك فإن لديها مشروعات لتنمية قطاع الزراعة مثل مشروع التغلب على أخطار المياه الجوفية، وذلك باتباع نظم صرف جديدة يهدف لامتصاص الآثار الجانبية للمياه الجوفية، ومشروع الأبحاث الزراعية كجزء من تنمية قطاع الزراعة، ولديها ثلاث كليات زراعية متخصصة أشهرها في فيصل آباد والثانية في السند والثالثة في بشاور.
وجزء من مشكلتها في قطاع الزراعة عدم وجود الكوادر البشرية أو ما نسميه بعنصر الإرشاد الزراعي وعدم كفايته وكفاءته، بالإضافة إلى معاناتها ـ شأن بلدان العالم الثالث ـ من هجرة السكان من الريف إلى المدن، فالحياة لديها في الريف مأساة كاملة، ولذلك فهي تحاول أن تقيم بعض الصناعات الصغيرة في القرى التي يسهل الاتصال بها عبر طرق المواصلات مثل صناعة الفاكهة وتعليب الخضروات أو أن تحول الريف إلى مدن صغيرة، ولكن كل هذه المشروعات تحتاج إلى تمويل ضخم لأن الطبيعة الجغرافية لديها شديدة القسوة.
وبرغم ذلك فإن الصورة ليست قاتمة تماماً وخاصة أنها في منطقة أمان نسبي من حيث تلبية الحاجات وعلى عكس كثير من بلدان العالم الثالث فإن معدل زيادة السكان لا يلتهم زيادة الإنتاج، فهي تزداد سكانياً بعدل 3,1 بالمائة سنوياً، بينما يزيد الإنتاج الزراعي بمعدل 5 بالمائة كل عام.
جامعة لاهور
جامعة لاهور من الجامعات العريقة، وقد قدمت خدماتها ـ وما زالت ـ للكثيرين من أبناء الهند وبنغلاديش ونيبال، كما تخدم أبناء منطقة البنجاب في باكستان، ويبدأ نظام التعليم في باكستان بالمرحلة الابتدائية ومدتها 5 سنوات ـ وهي إلزامية ـ ثم المتوسطة أربع سنوات، ثم العالية 10 سنوات، بعد ذلك يصبح الطالب مؤهلاً للالتحاق بالتعليم الجامعي لنيل درجة جامعية، وكل هذه المراحل مجانية عدا مرحلة التعليم الجامعي، ورغم ذلك فهناك عديد من المنح تقدم للطلاب الفقراء والمحتاجين، منح من البنوك، ومنح من أموال الزكاة، وهناك القرض الحسن الذي يمنح بلا فوائد للطلاب من أجل مصاريف التعليم، ولا يسدد إلا بعد التخرج والعمل، وفي باكستان 82 ألف مدرسة للتعليم الابتدائي يدرس بها 7,7 ملايين تلميذ وتلميذة، وخمسة آلاف كلية وجامعة يدرس بها مليون طالب، وهي تطبق النظام البريطاني في التعليم وفي الدرجات العلمية. والتعليم كله باللغة الإنجليزية، رغم أن اللغة الأردوية هي اللغة الرسمية.
والجامعة بها كافة التخصصات، فلديها كليات للطب والهندسة وكلية تربية لإعداد المعلمين، وكلية قانون، وصيدلة، وتجارة، وكلية شريعة إسلامية ومركز تعليم (كمبيوتر)، وتم مؤخراً افتتاح قسم جديد في كلية الهندسة للطاقة الشمسية، ومن أبرز نشاطات الجامعة نشرها لموسوعة الإسلام التي تكونت من 22 جزءاً ونحاول ترجمتها إلى العربية والإنجليزية.
في لاهور
الزحام في مدينة لاهور خانق، المباني قديمة، كل وسائل المواصلات بلا استثناء تحتشد في الطرقات وتريد كلها أن تسير في وقت واحد، في أحياء المدينة نلمس وجه الفقر والإهمال … لاهور المدينة الكبيرة الجميلة الرائعة … ترهلت وأصابتها الشيخوخة، وهزمها الزمن، فصارت مهملة فقيرة ….
الطرق التي تقودك إلى معالم لاهور التاريخية …. أصبحت أحياء مكتظة بالسكان شديدة القذارة … فلا تصدق في النهاية عندما تصل إلى قلعتها أو إلى مسجدها الشهير أو إلى حدائق شاليمار إن هذه الروائع في نهاية هذه الطرق.
لاهور … مدينة التاريخ والأمبراطوريات والأساطير … هناك كانت عاصمة الغزنويين وأمبراطوريات المغول. وبرغم تعدد آثار حضارة المغول الإسلامية في لاهور إلا أن القلعة والمسجد وحدائق شاليمار هي أبرز ما يذكر من هذه الآثار التي تعد تحفة معمارية وفنية ما زالت قائمة وشاهداً حياً على حضارة سابقة.
وتعد لاهور قلب إقليم البنجاب، وهي مدينة تتجمع بها صناعات عديدة، وحول أطرافها تنتشر القرى، وفوق ذلك فهي مركز تجاري مهم.
وفي أسواق لاهور تلتقط عيناك كل شيء من الجرارات الزراعية المصنعة محلياً إلى المشغولات اليدوية من تحف خشبية وسجاد.
كاهوتا
رغم بطء نمو بعض القطاعات الاقتصادية والصناعية في باكستان، وتخلف البعض الآخر، فإن لدى باكستان قطاعاً بالغ التطور والتقدم، وتحيطه بكامل الرعاية الممكنة والسرية المطلقة، ونعني به قطاع البرنامج النووي، ويقع المفاعل النووي الباكستاني في منطقة كاهوتا، وقد بدأ البرنامج منذ فترة زمنية طويلة وكان الخيار الباكستاني مطلقاً، ففي تصور واضعي السياسة الباكستانية وخاصة من النخبة العسكرية أن امتلاك القوة النووية أمر لا يمكن التنازل عنه في مواجهة الهند بالدرجة الأولى، وفي مواجهة جيرانها الأقوياء، وتحسباً لدورها الإقليمي كما تتصوره وهكذا حققت باكستان قوتها النووية العسكرية.
أضغاث أحلام
بعيداً عن المدن بقليل تتناثر قرى الريف الباكستاني، والحياة فيها صعبة.
وبرغم كل هذه الحياة التي يحياها ريف باكستان، فإنه يحمل داخله إمكانية للتطوير، فالأراضي القابلة للزراعة في باكستان تقترب من 22 مليون فدان، يزرع منها الآن ما لا يزيد عن 11 مليون فدان، ومتوسط غلة الفدان في محصول كالقمح تبلغ «2,4 طن»، بينما المتوسط العالمي العادي يقترب من 3,5 أطنان، وكما يقول أحد كبار خبراء الزراعة العرب إن زراعة جميع الأراضي في باكستان، مع قدر من التطوير وتحسين أساليب وأدوات الإنتاج الزراعي، سيرفع معدل غلة الفدان إلى 3 أطنان ولو حسبنا إنتاج جميع الأراضي القابلة للزراعة هناك لأصبح ما يقترب من 60 مليون طن قمح، أي ثلاثة أضعاف ما يستورده الوطن العربي كله من القمح.
باكستان([277])
ـ 3 ـ
عرفت شبه القارة الهندية ـ أي الجزء التابع لآسيا الذي يقع في جنوب سلسلة الجبال العظيمة هملايا ـ منذ أقدم العصور بأرض العجائب، وكان للتعرف عليها الأثر العميق في تاريخ الحياة. ويمكن القول إنه قلما توجد بقعة من الأرض لها من الدور الفاعل في تاريخ البشرية كما هو للهند.
لفتت الهند أنظار العالم بثرواتها الهائلة ومنتجاتها الاستوائية وخصوصاً الأدوية والعاج والآبنوس وبعض الحيوانات مثل الببغاء والطاووس والفيل وكانت بذلك محطاً لأنظار الفاتحين في العالم، وخلف هذا الأمر مآس تاريخية عديدة للبلاد، بحيث يمكن لكتابتها أن تأخذ المجلدات العديدة.
والجدير بالذكر أن أغلب الاكتشافات الجغرافية التي حصلت في القرون 15 و16 الميلاديين التي غيرت خرائط العالم تغيراً جذرياً وأحدثت تحولات عظيمة في مجال المعلومات الجغرافية كانت نتيجة مباشرة لإقدام الغربيين على المحاولة لاكتشاف الهند، حيث دار فاسكوداكاما البرتغالي حول إفريقيا في سنة 1498م لغرض الوصول إلى الطريق البحري المؤدي إلى الهند ونزل في الموانئ الغربية للهند.
كذلك قادت الرغبة في الوصول إلى الهند عن طريق البحر الغربي كريستوفر كولومبس لاكتشاف أمريكا. ولم تكن شهرة الهند بأرض العجائب أمراً دون مبرر، بل لكونها من حيث سعة أرضها وموقعها الجغرافي ووضعها الطبيعي وتنوع أقاليمها ونباتاتها وحيواناتها وأخيراً نوع المعيشة فيها بصورة ليس لها مثيل في جميع أنحاء الأرض.
ويسكن هذه الأرض التي تعادل بمساحتها جميع أرض أوروبا عدا روسيا ما يقارب خمس سكان الأرض جميعاً، ويصل تراكم السكان في بعض المناطق مثل دلتا نهر گنگك إلى أكثر من 1000 شخص في الميل المربع الواحد بينما يصل هذا التوزيع السكاني في بعض المناطق مثل بلوجستان إلى خمسة أشخاص في الميل المربع الواحد.
ويظهر هذا الاختلاف الفاحش في توزيع السكان واضحاً في كل بقاع الهند وبكل أقسامها الجغرافية والاقتصادية. فترى مثلاً الأراضي المنخفضة التي تضم الملايين من السكان إلى جانب واحدة من أعلى وأعظم السلاسل الجبلية في الهند، وترى إلى جانب أكثر المناطق مطراً في العالم أي منطقة جرا بونجي التي يصل معدل الأمطار فيها إلى أحد عشر متراً في السنة وفي بقعة أخرى من بلاد الهند ترى أكثر صحاري العالم جفافاً إلا وهي صحراء السند التي تقع ضمن حدود الهند.
وفي ميناء كلمبو في سيلان الذي يعتبر من أكثر مناطق الأرض حرارة ورطوبة حيث لا تنزل فيه درجة الحرارة عن الـ 25 درجة مئوية مطلقاً وتكون الاختلافات في درجة الحرارة طوال الفصول وبين الليل والنهار لا تتجاوز الثلاث أو الأربع درجات. في حين نرى في بقعة أخرى من هذه الأرض وهي كشمير ـ نرى أنها تعد من أكثر المناطق اعتدالاً في المناخ ويكون اختلاف فصول السنة فيها كما هو الحال في إيران مثلاً.
وتوجد في أرض الهند الواسعة أنواع مختلفة لطرق المعيشة والنشاطات الاقتصادية، ويعيش ثلاثة أرباع الهنود على الزراعة بصورة مباشرة ويسكن هؤلاء قرى لا يتجاوز عدد سكانها في أكثر الأحيان ألفي فرد.
ويثير تنوع اللغات والأديان في الهند الحيرة والدهشة، فترى عدد اللغات التي يتكلم بها أهل البلاد وفقاً للإحصاء السكاني الرسمي لسكان البلاد 225 لغة (عدا اللهجات المحلية) وأما الأديان فأيضاً لا تقل عن اللغات اختلافاً وتعدداً.
وهناك اختلافات جغرافية بين الهندوس والمسلمين من حيث المسكن والمحيط ونوع المعيشة والتقاليد والثقافات وتشكل هذه الاختلافات أهم العوامل التي تفصل بين هذين العنصرين والتي تظهر على شكل اختلافات دينية وتحول دون وحدة البلاد، وحسب الظاهر فإن نفس هذه الاختلافات كانت وراء تجزئة وتقسيم الهند.
ومن ثم نعرض باختصار لتاريخ الصراع بين الهندوس والمسلمين:
خلقت الأفكار الهندوسية السائدة في الهند منذ ثلاثة آلاف سنة مجموعة من التقاليد الدينية والاجتماعية المعقدة، ومن ثم كانت النتيجة العملية لها النظام الطبقي الصارم للمجتمع الذي أغلق الأبواب تماماً بوجه الاختلاط والاندماج بين الطبقات، وهذا يعني أن حرفة كل فرد هندوسي ومقامه الاجتماعي قد شخص حسب الطبقة التي ينتمي إليها في الولادة، ولا يمكن في الأحوال العادية لأي شخص أن يتجاوز تعاليم وحدود طبقته.
وفي مثل هذه الأجواء، جاء الإسلام بتعاليمه الاجتماعية الخاصة التي تدعو إلى المساواة بين أتباعه وعدم التفريق بينهم، فنفذ إلى أعماق المجتمع الهندوسي ولكن المواجهة بين العقائد الإسلامية والهندوسية بلغت حداً حال دون توحد أتباع الدينين وعدم إدراك الآمال والأهداف لبعضهم البعض.
وزرعت الأحداث التاريخية المتعاقبة والحملات العسكرية وعلى الخصوص حملات محمود الغزنوي بذرة الحقد الدفين في نفوس الهندوس تجاه المسلمين وترعرعت هذه البذرة حتى ظهرت واضحة بعد عدة قرون وأدت إلى تقسيم الهند، وكنت أناقش الطلاب الهندوس في الجامعات الغربية طوال سني الدراسة حول السلطان محمود الغزنوي، فعلمت أنهم لا يذكرونه إلا في عداد أثيلا وتيمور وجنكيز وينعتونه بالقسوة والدموية والوحشية([278]).
وولّدت سيطرة المسلمين على ملايين الهندوس التي استمرت حتى انقراض الگورگانيين نوعاً من الإحساس بالرفعة لدى المسلمين وكانت سبباً في إيجاد الحقد الدفين والحسد في نفوس الهندوس، وإضافة إلى ذلك فإن تعاليم هؤلاء التي لا تسمح بالاختلاط بالمسلمين إطلاقاً خلقت هوة سحيقة بين المسلمين والهندوس ظلت تتوسع باضطراد.
ومع انقراض سلطة الگورگانيين واستلام البريطانيين لمقدرات الأمور، أخذ المسلمون ينتبهون إلى وضعهم السيئ وموقعهم الضعيف إزاء الأكثرية الهندوسية.
وكان تنوع الطبيعة واختلاف وسائل المعيشة ووجود الموانع الطبيعية واختلافات اللغة يشكل حائلاً بوجه اختلاط المجتمعات المختلفة في الهند قبل استقرار الحكومة البريطانية في البلاد.
ولكن استقرار هذه الحكومة وتوسيع وسائل النقل والأهم من ذلك كله ترويج اللغة الإنكليزية والتعرف على الثقافة الأوروبية كل هذه الأسباب مجموعة أحدثت تحولاً عظيماً في المجالين الروحي والاجتماعي في الهند، وشيئاً فشيئاً أخذت آمال الهندوس الذين سبقوا المسلمين في تعلمهم واطلاعهم على الثقافات والعلوم الأوروبية تتبلور لطلب الاستقلالن وكان في النتيجة أن شكل مؤتمر في الهند عام 1885م (1302هـ) للمطالبة باستقلال البلاد، ولكن المسلمين كانوا من الغفلة بحيث لم يمثلهم في المجلس المكون من 72 عضواً في دورته الأولى سوى شخصين عن كل تلك الملايين.
ولفت تقدم المؤتمر الهندي وخصوصاً عناية السياسيين البريطانيين به انتباه المسلمين إلى أوضاعهم الوخيمة وإلى أقليتهم القطعية، ومن ثم أوجدوا الاتحاد الإسلامي في الهند([279]) ليكون في مواجهة المؤتمر الهندي في سنة (1906م، 1324هـ)، وبدأت منذ ذلك الحين النزاعات السياسية بين أتباع الدينين تحت قيادة قادة كبار وبصورة رسمية.
ومن ناحية أخرى فإن الحكومة البريطانية كانت بصدد إيجاد حل لإقامة حكم ذاتي في الهند، ومن ثم صوت مجلس العموم البريطاني على القرار الهندي المعروف (عام 1935م) الذي تكون الهند بموجبه اتحاداً لدول مختلفة، ولكن المسلمين وقفوا بوجه القرار بشدة، لخوفهم من أن يكونوا أقلية في الحكومة الهندية في حال تنفيذ القرار.
وأخيراً وصل الأمر بالمسلمين أن وقف محمد على جناح القائد الأعظم في مارس 1940م (صفر 1359هـ) ليعلن في لاهور في خطابه التاريخي مطالبته بإيجاد باكستان بصورة رسمية، وهكذا بلغ الصراع التاريخي بين الهندوس والمسلمين أقصى الدرجات ووضع مقدمات التجزئة والتقسيم في الهند.
وأرسلت الحكومة البريطانية بعد سنتين هيئة إلى الهند برئاسة السير ستافرد كريبس (Sir Stafford Cripps) وزير الهند في الوزارة الحربية من أجل حل أزمة الهند، ولكنه اصطدم بالمعارضة الشديدة للمسلمين وعاد إلى مركز الأمبراطورية دون أن يحرز تقدماً في مساعيه، لأنه صار من المسلّم به أن الطريق الوحيد لحل أزمة الهند، هو تقسيم الأرض إلى الهند وباكستان.
وأقر مجلس العموم البريطاني قانون استقلال الهند في 4 كانون الثاني 1947م (15 شعبان 1366هـ) ووافق عليه أمبراطور بريطانيا والهند في الثامن عشر من نفس الشهر (وحذف بموجب هذا القرار لقب امبراطور الهند الذي كان اللقب الرسمي للملك منذ عام 1876م)، ووجدت بموجبه أيضاً في آب 1947م دولتان من ضمن الأراضي الهندية البريطانية([280]) هما باكستان والهند وأصبحا كسائر الدول الأخرى التي كانت تابعة لبريطانيا كأستراليا وكازوا ونيوزلاندا واتحاد الدول الإفريقية الجنوبية.
وتشغل مساحة هذا البلد الحديث التكوين (باكستان) ([281]) ما بين جبل (ملك سياه) قرب زاهدان وبحر عمان ويحاذي حدود إيران، وتبلغ 325000 ميل مربع أي نصف مساحة إيران، وإذا ما قورن مع البلدان الأوروبية فإنه يشغل لوحده ما يعادل مجموع فرنسا وهولندا وبلجيكا.
وكما ذكرنا في مقدمة بحثنا أن العامل الرئيسي في إيجاد الهند وباكستان بعد تقسيم الهند البريطانية هو الصراع بين الهندوس والمسلمين، ولما كان المسلمون يشكلون الأغلبية في منطقتين من الهند، لذلك كانت باكستان مكونة من هذين الجزأين الذين تفصل بينهما أرض هندية ـ أي بين باكستان الشرقية والغربية بحدود 1500 كم.
تختلف باكستان الشرقية (بنغلادش) عن الغربية من حيث جغرافيتها اختلافاً كاملاً، وتعد كل منهما وحدة جغرافية مستقلة بذاتها.
تعد باكستان من أكثر بلدان العالم كثرة في النفوس بعد الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ينبغي أن يعرف أن تشتت السكان في باكستان يعتبر من الأمور الجغرافية المهمة، حيث إن هناك حوالي ثلثي عدد سكان باكستان هم في الجزء الشرقي منها الذي يشكل جزءاً صغيراً فقط منها، وإذا ما أخذنا باكستان الغربية لوحدها فإنا نراها من حيث السكان في عداد البلدان ذات العدد السكاني القليل في البلدان الغرب آسيوية.
وكذلك من حيث الأعراق فإن أصول الباكستانيين في الجزء الشرقي تختلف تماماً عنها في الجزء الغربي منها، حيث إن أغلب سكان الجزء الغربي من الأصول الآرية والبشرة البيضاء، بينما أغلب سكان باكستان الشرقية هم خليط من الأصول الدراويدية والمغولية التي تختلف من حيث العروق والأصول عن سكان باكستان الغربية اختلافاً تاماً. والأمر الوحيد الذي يقرب بين طموحات واساليب الجزأين إنما هو الدين وحسب.
لأن سكان هذين الجزأين يشكلان نسبة 75 % من عدد المسلمين في الهند، وبالتالي فإن الاختلافات الدينية واللغوية في باكستان الحاضرة أقل بكثير عما هو عليه الحال في المناطق الأخرى من الهند.
تقع باكستان من حدود مدار رأس السرطان إلى حدود 38 ْ درجة عرض إلى الشمال أي حتى الحدود الجنوبية لصحراء بامير والهند الشرقية، وتصل إلى تلك المناطق التي هي أعلى أجزاء باكستان المعروفة بسقف الدنيا.
وإذا صرفنا النظر عن منطقة بلوجستان المرتفعة التي تشكل الولاية الجنوب غربية في باكستان الغربية، فإن الأخيرة يمكن اعتبارها كمنطقة سهلية برمتها ومنطقة أنهار، أو يقع أغلبها بين نهر السند وشعبة الخمس في ناحية البنجاب، ومن ثم فإن أغلب أراضي باكستان قد تشكلت من رسوبات هذا النهر، وفي حال توفر العوامل المساعدة، فإن قابليتها على الزراعة كبيرة جدا. وينبع نهر السند من مناطق يزيد ارتفعها عن 5000م في جنوب التبت وشمال سلسلة الهملايا ويتجه نحو الشمال الغربي وبعد أن يمر في وسط كشمير في نفس الاتجاه تتغير جهته من شمال باكستان ثم يدخل البلاد ومن هناك يجري تقريباً في جميع أنحاء باكستان إلى مصبه.
وترفد هذا النهر عدة روافد من الارتفاعات الواقعة في جنوب كشمير وخصوصاً الروافد الخمسة التي تتصل على التوالي بهذا النهر العظيم لتوجد منطقة (البنجاب) وهي نهر جيلم وجيناب وراوي وستلج وبيا. وأهم فرع في غرب النهر هو نهر كابل الذي يصب في نهر السند بد عبوره لهذه المدينة التاريخية المعروفة وبعد اجتيازه لمعبر خيبر المعروف قرب بيشاور وبعد التحاق الروافد الخمسة به في البنجاب، فإن نهر السند يقطع مسافات طويلة أخرى دون أن ينضم إليه رافد مهم، ويقطع في جزئه السفلي صحراء السند القاحلة. وقد جرت في النصف قرن الأخير عدة مشاريع للري كان لها الدور المهم في خدمة زراعة باكستان.
وتقع باكستان الغربية في خارج المناطق الموسمية والأمطار الغزيرة، وبسبب موقعها الجغرافي والاختلاف الكبير في سطحها فإنها ذات جو مشابه لجو بلادنا ولها فصول منتظمة. وتمتاز باكستان الغربية بشتائها القارس البرودة وخصوصاً في مناطقها الشمالية، وعلى العكس فإن صيفها قائظ شديد الحرارة شديد الجفاف، وخصوصاً في المناطق الجنوبية منها.
ويكون فصل الأمطار في باكستان هو فصل الشتاء على خلاف سائر بلاد الهند، وتُشبه بمقدار الأمطار ونوعها بلادنا، إذ إن الأمطار الشتوية في البلدين تحدث نتيجة تغيرات بحر الروم ويمكن بالتالي مقايسة مقدار الأمطار في المناطق الشمالية والجنوبية من باكستان الغربية مع المناطق التي تعادلها في العرض من إيران.
ويبلغ معدل الأمطار السنوية في باكستان حوالي 15 أنج أي ما يساوي مقداره في بلادنا، ومن هنا تُصبح الأنهار العديدة في باكستان في غاية الأهمية لأنها تستقي ماءها من الجبال الكثيفة الثلوج في الهملايا، وبغيرها فإن مقادير الأمطار لا تفي لأغراض الزراعة الوفيرة.
وتتألف باكستان الغربية (باكستان الحالية) من أربع ولايات هي بلوجستان والسند والولاية الحدودية في شمال غرب البلاد والبنجاب الغربية، وسنعرض فيما يلي باختصار للوضع الجغرافي لكل منها:
(1) ـ تمثل بلوجستان الباكستانية من حيث الطبيعة النهاية الجنوبية الشرقية لصحراء إيران. وهي منطقة جبلية قاحلة وجافة، وتشبه إلى حد بعيد بلوجستان إيران من حيث الشكل وطبيعة المعيشة، ورغم أن مساحتها تزيد على مساحة الجزر البريطانية مجتمعة فإن سكانها قليلون.
وتعتبر هذه الولاية من أكثر مناطق باكستان جفافاً بعد صحراء السند، ويندر المطر فيها حتى أنه لا يفي بتأمين المنتوجات الزراعية الكافية لأهلها ومن ثم فإن أغلب قبائل البلوج والبراهونيين والبتان الذين يشكلون سكان بلوجستان لا يزالون يتنقلون كبدو رُحَّل، ويسعون في فصل الشتاء في البحث عن المراعي الخصبة في الأراضي المنخفضة للسند شتاء وفي الصيف يتجهون إلى المرتفعات الداخلية.
(2) ـ وضمت ولاية السند إلى باكستان بعد تقسيم الهند، وهي تشبه إلى حد بعيد الأجزاء الجنوبية لمصر، حيث إن الاثنين تتميزان بقحالتهما، وجفافها الشديد رغم مرور نهر عظيم مبارك فيهما. وبدأت في السنين الأخيرة المشاريع التي تهدف لري ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية. حيث أضاف سد سكور (Sukkur) المعروف حوالي 75 مليون هكتار إلى الأراضي الزراعية في باكستان أي ما يزيد على جميع أراضي مصر الزراعية.
ومما يلفت النظر في دلتا نهر السند الواقعة في الأجزاء السفلية منه، أنه لا يستفاد منها في شيء خلافاً لدلتا (كنك) وسائر الأنهار الآسيوية الأخرى.
(3) – الولاية الحدودية في الشمال الغربي للبلاد: وهي منطق جبلية ومرتفعة من غرب نهر السند، ويقطنها عدة قبائل خشنة مثل قبائل الوزيرية والإفريدية والبتان الذين تجري على الألسن قصص صلابتهم.
وتقع هذه الولاية خارج منطقة الأمطار الموسمية في الهند، وبالتالي فإنها قليلة الأمطار، ويقتصر نزول المطر فيها على فصل الشتاء، وتتمركز الزراعة في سهول بيشاور ودائرة إسماعيل خان الواقعة في غرب السند، بينما تنتشر تربية المواشي في الارتفاعات الحدودية وتشكل العمل الرئيسي للأهالي، وأجريت عدة مشاريع للري في وادي بيشاور لإحياء مئات الآلاف من الهكتارات البائرة ومن ثم زرعها.
(4) ـ ناحية البنجاب الغربية([282]): دون شك تعتبر من أغنى النواحي في باكستان الغربية وأوفرها نعمة، حيث إن أرضها هي غاية في الخصوبة لكونها ملتقى الأنهار الخمسة، ومع تطوير وسائل الري الحديثة فإنها تعد من المخازن الباكستانية المهمة للقمح.
إن الأمطار في البنجاب لا تفي بأي وجه للزراعة، وإذا لم يستفد من مياه الأنهار فإنها لا تختلف حينئذ عن صحراء السند في شيء. وقد كان الانتفاع من مياه هذه الأنهار متداولاً منذ العصور القديمة، إلا أنه طُوِّر كثيراً مع استحداث الطرق الحديثة للري، فأضيف إلى الأرض الزراعية في البنجاب ملايين الهكتارات خلال الستين سنة الأخيرة.
وملخص الأمر فإن جميع الأراضي في البنجاب مغطاة بشبكة من القنوات والترع الدائمة والتي استخدمت فيها أحدث الطرق العلمية التي ليس لها نظير إلا في الولايت المتحدة الأميركية.
وتتكون باكستان الشرقية (بنغلادش) من الجزء الشرقي للبنغال وجزء من آسام بحيث قسمت البنغال التي تشمل الجزء الأسفل من نهر كنك وناحية الدلتا من هذا النهر الواقعة في شرق الهند إلى قسمين، بحيث تقع كلكتا في الهند ومن ثم يمر الخط الحدودي الغربي لباكستان الشرقية بالقرب من هذه المدينة.
وتتشكل باكستان الشرقية في الحقيقة من منطقة (دوآب) الواقعة بين كنك وبراهما بوترا ودلتا هذا النهر العظيم، ولا يتجاوز مستوى الارتفاع في هذه المناطق عن سطح البحر 15م باستثناء الأجزاء الشمالية التي تتصل بسلسلة جبال الهملايا.
ويتجاوز معدل الأمطار فيها 3 أمتار خلال السنة فهي أكثر من باكستان الغربية بكثير وعلى عكس الأخيرة فإن فصل الأمطار فيها هو فصل الصيف.
ولا يشاهد الاختلاف بين الفصول فيها كما هو حال الفصول في باكستان الغربية، إذ إن أرضها مخضرة على مدار السنة أو مغطاة بالغابات الكثيفة، وعلى هذا فإن جوها معتدل نسبياً ومن ثم فهي من أكثر بلدان العالم كثافة سكانية.
ولا تزال دلتا هذين النهرين العظيمين كنك وبراهما بوترا تتوسع باستمرار وسنة بعد سنة، وتغمر الأرض المحيطة بها بالطين وبالرواسب الخصبة يوماً بعد آخر. وتغطى التفرعات المتعددة لهذين النهرين أكثر أرض باكستان الشرقية وبالتالي فإنها تشكل الطرق الرئيسية في المنطقة، وتعتبر فيها القوارب الصغيرة هي الوسائل النقلية الرئيسية الوحيدة أثناء الفيضانات وفصول الأمطار وليس في باكستان الشرقية أثر لزراعة القمح والشعير وإنما يزرع فيها الرز بمقادير وفيرة. وفي أجزائها الشمالية التي ترتفع عن مستوى سطح البحر يزرع الشاي بمقادير كبيرة.
ويفهم من قولنا الذي ذكرناه بخصوص باكستان، أن هذه البلاد أرض زراعية محضة، ولم يستفد من مصادرها الطبيعية وثرواتها الأخرى كما ينبغي وهي بهذا قليلة الصناعة. على أن الصناعة فيها في تقدم مستمر.
وأهم محاصيل باكستان هي القمح والرز اللذان يشكلان الغذاء الرئيسي للبلاد بقسميه الشرقي والغربي، وتصل القابلية الزراعية فيها إلى حد يمكنها تصدير مليون طن من القمح وخمسمائة ألف طن من الرز إلى الخارج سنوياً. وإلى ذلك فإن البلاد المجاورة لها تصدر سنوياً مقادير كبيرة من القطن والشاي إلى الخارج.
وطورت الطرق في باكستان وخصوصاً في باكستان الغربية وإضافة إلى السكك الحديدية فإن هناك طرق معبدة عديدة. فهناك إلى جانب القنوات الزرعية التي يستفاد منها لأغراض الحمل والنقل حوالي 35000 ميل من الطرق المعبدة و5000 ميل من سكك الحديد.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار مساحة باكستان الشرقية (بنغلادش) فإن خطوط سكك الحديد أكثر بكثير منها في باكستان الغربية، وتؤدي الأنهار والطرق النهرية دوراً كبيراً في التنقل. ففي باكستان الشرقية (بنغلادش) هناك أكثر من 1600 ميل من سكك الحديد و20000 ميل من الطرق المعبدة بالرغم من صغر مساحتها. ورغم أن أغلب الأهالي في باكستان يعيشون على الزراعة فإن قراها قليلة السكان، وفيها 13 مدينة كبيرة يزيد عدد السكان في كل واحدة منها عن 100,000 شخص.
وأهم هذه المدن هي:
1- كراتشي: وكانت العاصمة الباكستانية في أول نشوء باكستان، ثم أنشئت عاصمة جديدة باسم إسلام آباد، وصارت عاصمة بنغلادش مدينة دكا. وتقع في سواحل بحر عمان وبعيدة قليلاً عن مصب نهر السند. ولها موقع جغرافي خاص لأنها تحتوي على عدة موانئ طبيعية واقعة على الطرق التجارية لباكستان الغربية وتعبر من خلالها البضائع المستوردة والمصدرة إلى أفغانستان أو شرق إيران بالإضافة إلى البضائع التجارية الباكستانية.
وترتبط كراتشي بعدة طرق من سكك الحديد، فهي ترتبط مع بيشاور في شمال باكستان ومن جانب آخر مع زاهدان في إيران وتتصل أيضاً بالكثير من المدن الداخلية للهند. وإضافة إلى ذلك فإنها تمتلك أكبر المطارات في قارة آسيا وتمثل أكبر المراكز الجوية بين الشرق الأقصى وأوروبا.
2- مدينة لاهور التاريخية مركز البنجاب الغربية والتي أقيمت على ضفاف نهر الراوي. وهي أكثر المدن الباكستانية بكثافة السكان. وفيها آثار تاريخية عديدة، وإضافة إلى ذلك فإنها أهم مركز علمي في باكستان وتعتبر جامعتها واحدة من أهم الجامعات في آسيا.
3- مدينة دكا: وهي أهم مدن باكستان الشرقية (بنغلادش) وعاصمتها، وتكمن أهميتها بكونها مركز صناعة النسيج، وفيها جامعة كمركز للبحوث العلمية والزراعية، وقدمت خدمات كبيرة لتطوير صناعة النسيج في باكستان الشرقية.
واللغة الرسمية لباكستان هي لغة الأردو التي هي خليط من اللغات الفارسية والعربية والتركية، ولها ارتباط وثيق مع الثقافة الإسلامية في الهند منذ العصور القديمة.
محمد حسن كنجي
باكو
هي عاصمة جمهورية آذربيجان ومن أهم المراكز الصناعية والثقافية، وتاريخها سحيق في القدم، ومنشأ هذه المدينة لا ينفصل عن مكامن البترول الموجودة في هذه المنطقة. فكتب التاريخ الأرمنية تذكر هذه الثروات البترولية منذ القرن السابع.
كانت تعرف عند جغرافيي العرب باسم باكه أو باكوه أو باكويه. قال ياقوت في معجم البلدان: باكويه (بضم الكاف وسكون الواو) بلد من نواحي الدربند من نواحي الشروان فيه عين نفط عظيمة، تبلغ قبالتها كل يوم ألف درهم، وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن الزئبق لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً تبلغ قبالته مثل الأول. وحدثني من أثق به من التجار أنه رأى هناك أرضاً لا تزال تضطرم ناراً، وأحسب أن ناراً أسقطت فيه من بعض الناس فهي لا تنطفئ لأن مادتها معدنية!.
وقدر الباكوهي في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) كمية النفط المستخرجة في اليوم بمقدار 200 حمل بغل.
وجاء في كتاب (دربندنامة) أن منابع النفط ومستودعات الملح في باكو كانت موقوفة على أهل دربند، ثم وقفت بعد ذلك على السادة الأشراف كما جاء في نقش يرجع تاريخه إلى سنة 1003هـ.
في سنة 906هـ (1501م) حاصر الشاه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية مدينة باكو وفتحها. وفي سنة 1583م احتلها العثمانيون وظلت في احتلالهم إلى سنة 1606م ثم استعادها بعد ذلك الشاه عباس الأول الصفوي.
وفي سنة 1723م احتلها الروس ثم استعادها الإيرانيون سنة 1735م ويمكن القول إنه منذ وفاة نادر شاه سنة 1747م كان حكام باكو مستقلين بها.
وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر نشبت الحرب بين الإيرانيين والروس، وفي خريف سنة 1806م احتل الروس باكو وظلت منذ ذلك العهد بأيديهم.
وأكثرية المسلمين من سكان باكو هم من الشيعة.
من أشهر مساجدهم: مسجد الخضر ومسجد ميرزا أحمد ومسجد غليك. ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الرابع عشر الميلادي.
وكذلك مسجد بير أوغوتاي ومسجد خوجا أمير شاه ومسجد الشاه ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الخامس عشر.
ومن أشهر فقهائهم السيد يحيى الباكوي من علماء القرن الخامس عشر الذي تخرج على يديه الكثيرون من الفقهاء المشهورين، وكان مسجد قصر شروان شاه مسجداً ومدرسة له.
إن تاريخ ظهور الصناعة والعلم المعاصر في أذربيجان مرتبط بالنفط، الثروة الرئيسية فيها.
إن الرحالة الإنجليزي ديكت جكفري، الذي زار باكو منذ 400 سنة، كان من أوائل الذين حكوا للأوروبيين عن الزيت الأسود الذي «يخرج من الأرض ويستعمل لإنارة البيوت». آنذاك كان لا يزال يتعين تفسير ما يعنيه البترول. ومنذ أواخر القرن الماضي، أخذ يتوافد إلى باكو «ضيف من وراء البحار» لم يكونوا بحاجة إلى اي تفسير، فقد كانوا يمثلون شركات النفط التي شعرت بأنه من السهل تحويل «الذهب الأسود» هنا إلى ذهب في خزانتها.
ولهذا مثلت الشركة المساهمة البلجيكية «جمعية الاخوة نوبل لإنتاج النفط» صناعة باكو في معرض باريس العالمي عام 1900م، وعرض في المعرض المازوت والكاز وبعض الأعتدة البدائية، ولكن حتى هذه الأعتدة البدائية، بدت من معجزات التكنيك للفلاحين الأذربيجانيين الذين كانوا يتدفقون إلى باكو سعياً وراء مورد للرزق، فحول «عاصمة النفط» التي كانت تقدم في ذلك الوقت حوالي نصف الإنتاج العالمي من النفط، كانت تقوم منطقة تجمدت في تطورها في مرحلة العلاقات الإقطاعية.
ولكن أذربيجان ليست اليوم جمهورية البترول وحسب. فإن الاقتصاد الوطني الأذربيجاني هو عبارة عن مجموعة اقتصادية معقدة ومتعددة الجوانب.
بالاسري
لفظة فارسية معناها فوق رأس أطلقه الشيخية اتباع الشيخ أحمد الإحسائي المتوفى سنة 1241 هجرية في أوائل القرن الثالث عشر الهجري على خصومهم الشيعة المتشرعة لأنهم يُصلّون فوق رأس الحسين عليه السلام وكان الشيخية يرون الصلاة فوق راس الإمام إهانة للإمام عليه السلام وكذلك أطلق خصوم الشيخية لفظة (بشت سري) على الشيخية وهي كلمة فارسية معناها (خلف الرأس) لأن الشيخية إذا أرادوا أداء فريضة الصلاة في عتبات الأئمة أو المسجد النبوي الشريف يقفون خلف الرأس بحيث يكون القبر أمامهم وضريحه حائل بينهم وبين القبلة.
وكذلك يحرم الشيخية الدخول والخروج في الحرم من جانب الراس وكانوا يصرون على إغلاق باب الجنوب الغربي من الحرم الحسيني مقابل ضريح حبيب بن مظاهر الأسدي الذي ينتهي إلى جانب رأس الحسين عليه السلام بينما لا يبالي الشيعة المتشرعة بالاسري بالدخول والخروج من أي جهة في الحرم، وقد أنشأ الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية أحد خصوم الشيخية شباكين أحدهما مقابل الآخر من جانب رأس الحسين عليه السلام في رواق والصحن الغربي لرفع الحاجز بين الضريح والرواق حتى الصحن الشريف وأوصى أن يدفن عند الشباك المذكور فوق الرأس المطهر وهو أول زعيم ديني يدفن في ذلك المكان وقبره مزار معروف هناك فامتنع الشيخية من المرور في الرواق والصحن الشريف من ذلك الاتجاه بحجة رفع الحاجز بين الرأس والرواس والصحن الشريف.
عبد الحسين الصالحي
بالس
كانت مدينة عامرة على الضفة الغربية لنهر الفرات، على مسافة نحو مائة كيلومتر من مدينة حلب. وتقع خرائبها اليوم على مسافة خمسة كيلومترات من قرية (مسكنة) على هضبة تطل على وادي الفرات الذي يجري غير بعيد عنها.
وصل المسلمون إلى بالس بعد فتح حلب وأصبحت جزءاً من الكيان الإسلامي الواسع، وخضعت بعد ذلك للطولونيين ثم للحمدانيين، وخلال الحملات الصليبية هوجمت من الصليبيين ثم تداولها الحكام المسلمون ومنهم الأيوبيون.
كانت بالس منطقة شيعية، وربما كان ذلك نتيجة الحكم الحمداني، وكانت فيها مشاهد مقدسة تنسب لأمير المؤمنين وولده الحسين عليهما السلام وانتهت بالس بنتيجة الغزو المغولي الذي دمرها فيما دمر.
البترول
ـ 1 ـ
للبترول قصة طريفة، تستمد عناصرها الأساسية من بقاع العالم المختلفة، وتقوم دعاماتها الأصلية على مجهودات فريقين متناظرين متنافسين، كان لهما أكبر الأثر في صياغتها على صورتها الحالية.
ويمكن القول: إن الكفاح من أجل البترول يشبه إلى حد كبير، مسرحية دولية ذات فصول عدة ترتبط فيما بينها ارتباطاً وثيقاً، وتتميز إلى جانب ذلك بظاهرة فريدة في بابها، إذ يجري تمثيل هذه الفصول في أكثر من مسرح، وتجتذب أقطار العالم، التي أثبت الكشف والبحث وجود ثروة بترولية فيها، نفراً خاصاً من الممثلين الماهرين، للقيام بتمثيل أدوار هذه الفصول من مسرحية الكفاح البترولي العالمي في هذه البقاع المنشودة. ويختلف حظ هؤلاء الممثلين باختلاف ما يصيبون من نجاح في الحصول على أكبر قدر ممكن من ثمرات هذا الثراء الطائل والغنى الطارئ والمجد الاقتصادي الرائع.
لم يكن للبترول، حتى عهد قريب، شأن يذكر، وظل الناس ينعتونه بأنه سائل مجهول القيمة والمنفعة، وقد تناقلت كتابات الباحثين والرواد والمؤرخين في العصور السابقة، جل ما كان معروفاً عن النيران الهائلة الدائمة التي كانت تستعر بشدة في جهات كثيرة من أقطار القوقاز وإيران، نتيجة احتراق ينابيع هذا السائل الذي كانت تفيض به طبقات الأرض في هذه الأقاليم، وهكذا ظلت فائدة البترول في عالم الغيب حتى كان كشف نبع بترولي في الولايات المتحدة الأمريكية في أواسط القرن الماضي، وقد أعقب ذلك الكشف، بطبيعة الحال، بدء التفكير الجدّي للوصول إلى خير طرائق الانتفاع بهذا المصدر الجديد من مصادر الوقود، بعد أن شاع استعماله في كثير من المرافق المتنوعة ولم يكن البنزين معروفاً حتى سنحت صدفة كريمة أنبأت عن معرفة جليلة، كان لها ولا تزال، أكبر الأثر في توجيه البحث صوب الانتفاع بهذا السائل في أهم نواحي استثماره في الوقت الحاضر، وبعد أن اكتشف المحرك الدكتور بنز أول سيارة تستخدم البنزين، فأصبح هذا السائل أهم عناصر البترول الخام. ثم أثبتت التجارب أفضلية البترول في معظم الحالات التي يستخدم فيها الفحم وقوداً، ومعنى هذا أن الحقائق العلمية والعملية قد تعاونت وتكاثرت حتى أصبح للبترول الشأن الأعظم، لا في سياسات الدفاع الوطني للدول العظمى، بل إن هذه العناية أصبحت تفرضها ضرورات رعاية مصالح الإنتاج الصناعي والاقتصادي القومي.
ومنذ كشفت بئر البترول الأولى في الولايات المتحدة سنة 1853م، اندفعت الدول العظمى في سباقها الطويل المرير، باحثة منقبة عن البترول في كثير من جهات العالم، ولم تقف أعظم الصعوبات الطبيعية والبشرية حائلاً دون بذل الجهود الخطيرة في شؤون البحث والتنقيب، وفي كثير من الحالات كادت خطورة هذا السباق تؤدي في مناسبات عدة إلى الاحتكاك والتصادم.
وقد نشبت معارك البترول بعد أن شاعت معرفة استخدامه عنصراً من عناصر الوقود الرئيسية في أوائل القرن الحالي، وشهدت السنوات العشر الأولى بصفة خاصة صراعاً عنيفاً، واجتذبت مشكلات البترول عدداً من الدول العظمى، ونخص بالذكر بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا. غير أن خروج ألمانيا مقهورة في الحرب العالمية الأولى، أخرجها بتاتاً من مضمار هذا السباق، فرأيناها تولي وجهها شطر ناحية أخرى تكفل لها حاجتها وتستعيض بها عن خسارتها، ونعني بذلك الاتجاه نحو اختراع الوسائل العلمية لاستنباطه من الفحم بصفة خاصة.
وقد وهبتها الطبيعة ثروة فحمية عظيمة، وكان إنتاجها منه يفوق كلّ ما عداه في قارة أوروبا باستثناء بريطانيا. وهكذا تركت ألمانيا الدول الثلاث الأخرى تسيطر على موارد البترول المعروفة، وتبحث عن غيرها، وتعمل من أجل الانتفاع به في أغراض الاستثمار الصناعي والاقتصادي.
وقد سبقت الإشارة إلى تعدد فصول مسرحية البترول وتعاقبها واختلاف أزمانها، وتباين بيئات تمثيلها، وبالتالي كان الفصل الخاص ببترول الشرق الأوسط لاحقاً لفصول أخرى سبقته وشكلته. ومن ثم أصبح من اللازم التمهيد له بهذه النبذة السريعة واللمحة الخاطفة عن الصراع البترولي العالمي.
كانت الولايات المتحدة تحتل مركز الصدارة من هذه الدول العظمى الثلاث. ويرجع سبب ذلك إلى أنها كانت أسبق دول العالم إلى الانتفاع بالبترول وإذاعة معرفة استعماله في جميع أنحاء العالم. وتحقيقاً لهذا الغرض أسس روكفلر شركة «ستندرد أويل» لاستخراج البترول وتكريره وتجارته ونقله في أمريكا ثم في أقطار العالم الأخرى، أما البريطانيون فقد اشتركوا في السباق البترولي متأخرين بعض التأخر، إذ كانت الشركة الأمريكية قد نشرت نفوذها وأصبحت تتمتع بنوع من السيطرة الكاملة والنفوذ المطلق في معظم منابعه وجل أسواق تجارته. وقد كانت عدة البريطانيين في نضالهم شركتين رئيسيتين، هما شركة «رويال دتش. شل» وشركة البترول البريطانية الإيرانية.
ومما يجدر ذكره أن شركة «رويال دتش» كانت في بدء الأمر، ذات صبغة هولندية وتعمل في جزائر الهند الشرقية وتستثمر بعض الموارد البترولية هناك. غير أنه بعد أن ولي رياستها «دتردنج أخذت توسع نطاق تجارتها إلى السوق الصينية العظيمة، وبطبيعة الحال لم يكن مثل هذا العمل يروق في نظر الأمريكيين الذين هبوا يقاومونه بمختلف الوسائل.
وهكذا بدأت المنافسة الشديدة، وتمخضت عن خفض الأسعار إلى أقصى حد، وتأرجحت كفتا النضال، وبذل الفريقان الجهد والمال والوقت عن طيب خاطر. وقد حدث إبان ذلك إدماج شركتي «رويال دتش» و«شل» معاً، واستمر الكفاح بشأن السوق الصينية زمناً غير قصير، ورأى الأمريكيون في النهاية أن لا فائدة ترجى من هذا النضال الخاسر، فانسحبوا من المعركة.
غير أن النضال بين الشركتين المتنافستين لم يقصر الكفاح على السوق الصينية، بل رأيناهما تتغالبان وتتصارعان في أسواق أوروبا كذلك. وهنا أيضاً كتب النصر لشركة «رويال دتش ـ شل» التي كانت حتى أوائل الحرب العظمى الأولى تتخذ لاهاي في هولندة قاعدة لها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى إنجلترا لتنتفع بما للأمبراطورية البريطانية من النفوذ والسلطان في جهات العالم المختلفة، بل إن رئيسها نفسه، الذي تجنس بالجنسية البريطانية غدا قائد بريطانيا في هذا الميدان، وبفضل ذكائه ونشاطه وحسن تدبيره نجحت بريطانيا في الحصول على امتياز كثير من حقول البترول في جهات العالم المختلفة.
ويمكن القول إنه لم يبق في العالم حقل بترولي إلا ولهذه الشركة البريطانية بعض السيطرة عليه أو المساهمة بنصيب يذكر في الانتفاع به، وحتى في أمريكا نفسها عمد «دتردنج» إلى مصارعة الشركة الأمريكية في عُقر دارها، وكأنه لم يقنع بالتغلب عليها في أسواق أوروبا وآسيا. وقد كاد ينجح إذ أخذ يبتاع بمختلف الوسائل كل ما يمكن ابتياعه من شركات البترول الأمريكية أو المنابع البترولية الأخرى الخاضعة لهذا النشاط، وبهذا فقط أمكن الشركة الأمريكية أن تتنفس الصعداء.
ولما كشف عن بترول المكسيك، أمكن بريطانيا أن تحصل على نصيب كبير منه على الرغم من أن هذا القطر قد شهد نضالاً عنيفاً بين الفريقين المتنافسين، وقد حاول كل فريق الانتصار على الآخر بمختلف الوسائل، حتى إنه ليكفي أن نذكر أن معظم الثورات والمصادمات التي نشبت في المكسيك منذ أوائل هذا القرن كانت في الواقع حركات أثارتها مطامع شركات البترول ممثلة في الصراع القائم بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
ومثل ذلك يقال عن النضال بشأن موارد البترول في فنزويلا ورومانيا وغيرهما، بعد أن ثبت غناها بهذ الثروة الطبيعية العظيمة، فقد نجحت بريطانيا في الاستيلاء على معظم هذه الثروة، وتوسلت بمختلف الطرائق للاحتفاظ بها.
وحين جاء دور الشرق الأوسط وبدأ تمثيل هذا الفصل من مسرحية البترول، لم تكن معارك البترول في إيران والعراق وتركيا والبحرين والمملكة السعودية ومصر أقل شأناً من حيث خطورتها وشدتها منها في الولايت المتحدة والمكسيك وفنزويلا والأقطار الأمريكية الأخرى، وكذلك في رومانيا والقوقاز. وقد نشطت المنافسة البترولية في الأمبراطورية العثمانية، ولكنها ازدادت عنفاً في عصر السلطان عبد الحميد، الذي تكونت في عهده شركة البترول التركية التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم شركة البترول العراقية.
وقد كان عبد الحميد حريصاً، إذ احتفظ بمعظم أسهم هذه الشركة لنفسه وترك الباقي للبريطانيين والألمان، غير أنه حدث بعد ذلك أن باع الأتراك نصيبهم من هذه الأسهم واشترتها شركة البترول البريطانية الإيرانية، فأصبحت تمتلك أكثر من 77 % من أسهم شركة البترول.
وقد تركت المعاهدات والاتفاقيات التي ختمت الحرب العظمى الأولى بالنسبة لتركيا وامبراطوريتها مشكلة البترول داخل ربوعها، بدون أن يصل هؤلاء الذين يعنيهم الأمر إلى اتفاق، ثم كانت الحرب التركية اليونانية، وعجزت معاهدة لوزان سنة 1923م عن أن تجيء بالحل المنشود. وقد زاد الطين بلة بروز مشكلات التحديد السياسي بين الوحدات الجديدة التي قامت على أنقاض تصفية التركة التركية، وظهرت مشكلات الجنس واللغة والدين، وطريقة توزيع موارد الثروة الطبيعية، ونشأ من ذلك كثير من الصعوبات في طريق التفاهم السياسي والتعاون الاقتصادي.
وإلى جانب مشكلات تعيين الخطوط الفاصلة بين هذه الوحدات السياسية وندرة وجود الخطوط الطبيعية التي يمكن أن تقوم بهذه المهمة، فإن عمليات التحديد قد أخذت تتعقد وتتشكل بسبب العوامل الجغرافية، والاعتبارات القومية، والميول البشرية، والأهمية الاقتصادية والحربية، والتعصب الجنسي، والفروق اللغوية، والقيمة النسبية، محلية كانت أم خارجية.
ولم يقتصر النقاش والجدال حول تحديد الحدود بين الوحدات السياسية الجديدة على هذه الوحدات وحدها، بل اشتركت أيضاً الدول المنتدبة ممثلة في بريطانيا وفرنسا، وبعد عقد اتفاق سان ريمو، هال شركة «ستندرد أويل» أن لا يكون لها نصيب من بترول العراق، وأخذت تعمل بكل الوسائل للحصول على أكبر قدر ممكن، وأيدتها الحكومة الأمريكية كل التأييد، وانتهى الأمر بإعطائها 23,5 % من البترول الذي تستخرجه شركة البترول العراقية، وإعطاء مثل هذا النصيب لكل من شركة «رويال دتش ـ شل» وشركة «البترول البريطانية الإيرانية» وشركة البترول الفرنسية، وترك الباقي للرجل الذي كان له فضل الحصول على الامتياز وهو نوبار سركيس جلبنكيان الأرمني. أما تركيا فقد رضيت بإتاوة مالية سنوية مقابل موافقتها على تعيين الخط السياسي الفاصل بينها وبين العراق.
البترول
ـ 2 ـ
يرى بعض أهل الغرب ومن تبعهم من الشرق، إنه لم يكن للبترول في القديم شأن يذكر، وأنه كان لدى القدماء مجهول القيمة والمنفعة، وأن جل ما عرفه الباحثون والرواد والمؤرخون القدماء في العصور الغابرة عن البترول، وهو وصفهم له أنه النيران الهائلة الدائمة التي تستعر بشدة في جهات كثيرة من أقطار القوقاز وإيران. وعليه ظلت فائدة البترول([283]) عند هؤلاء في عالم الغيب حتى كشف «نبع بترولي» في سنة 1853م بأمريكا.
هذا رأي من الآراء الكثيرة التي ظل أهل الغرب يفتخرون بها قروناً، ولكن التقدم في البحث والتدقيق، وبلوغ العلوم المراتب السنية من الرقي في العصر الحاضر بددا تلك الأوهام، وأماطا عنها اللئام. فبالأمس كانوا يدعون أن مخترع البارود هو برتولد شورتز([284]).
وأن مخترع المطبعة هو غوتمبرغ([285])، وأن مخترع إبرة الملاحة هو فلاديوجوجيا([286])، وهلم جرا، ولكن البحث العلمي الحديث أثبت أن تلك الدعاوي باطلة وعارية عن الصحة.
كذلك البترول، فلم يكن للغرب في اكتشافه اي فضل. فإن الشرق اكتشفه وعرفه في زمن ممعن في القدم قبل أن يعرفه الغرب.
يقدر الإنسان الأشياء حسب انتفاعه بها والاستفادة منها، وتزداد منزلتها لديه أو تنقص إذا كانت فائدتها خطيرة أو لم تكن، وترجع خطورة الفائدة إلى شدة احتياجه إليها، وتتقيد شدة الاحتياج بالزمان والمكان تقيداً سرمدياً. فما كنت تحتاج إليه في طفولتك وحجر أمك غير ما اقتضاك في صباك في فناء دارك ومدرستك.
وما لزمك في شبابك عند أهلك غير ما افتقرت إليه من كهولتك وشيخوختك، وأنت محاط بالأولاد والأحفاد. هذه حالتك الفردية، وقس عليها أحوال الأمم، بل أحوال الإنسانية بأسرها، لأن ظروف كل عصر وأحوال كل مكان خاصة بهما.
لذلك إذا زاد في العصر الحاضر شأن البترول خطورة، باختراع الآلات والأدوات وبتغلغل الإنسان في الأمور الصناعية الآلية، فليس معناه أنه كان في القديم مجهول القيمة، وأن فائدته كانت في عالم الغيب.
إن فائدة كل شيء ترجع إلى صفاته الخاصة التي يتصف بها، وأهم صفات البترول: الحرق، فلم تك صفته هذه مجهولة لدى الأمم الشرقية، بل كانت تعرفها، ولم تأل جهداً في الانتفاع بها طبقاً لأسباب الاستفادة الممكنة الموجودة في عصرها. فكان أهل بابل يستعملون البترول والقصب وقوداً، ويحرقون بهما موتاهم([287]).
وقد رفع الأستاذ كولديوي R. Koldewey سدول أغدافه بفحص موتاهم في سرغول وألهيا فأبان أنها أحرقت بالإسفلت([288]) والقصب، لأنها لم تكن محروقة كلية([289]).
لم يكن انتفاع تلك الأمم الشرقية بالبترول محصوراً في استعماله كالوقود، بل كانت تستفيد منه في الدفاع والهجوم كذلك، وهو أيضاً أقصى مدى جرت إليه الأمم الغربية في الانتفاع به في العصر الحاضر، وإن اختلفت الطريق، لاختراع آلات الدفاع المختلفة وأدوات الهجوم الكثيرة الآن. فالمؤرخ الروماني بليني Pliny يصرح لنا أن البترول كان أكبر وسيلة عند الانتقام من ميديا([290])، ونوه به المؤرخ الواعظ في الحروب الصليبية دو وتي J. de Vity في مصنفه تاريخ يروشلم بلقب «النبع الشرقي([291])».
أما النار اليونانية التي أشاد كثيراً بذكرها المؤرخون باسم Feu gregeois فكان أهم أجزائها أيضاً البترول، وقد حيكت حولها الأساطير، منها أن الملك أوحى طريقها إلى أول الملوك وأعظمهم الذين سموا باسم «قسطنطين»، ووصاه بأنها هبة سماوية له، ونعمة خاصة أسبغت على الرومانيين، فيجب أن يستولي الخفاء على جملتها، ويستمر السرار بأهلتها، ولا تكشف حقيقتها على أحد من الأمم الأجنبية، وأما إذا كشفت فسيثير ذلك غضب إله النصارى للانتقام.
ولكن التحقيق رفع سجاف تلك الأسطورة وأبان أن ذلك «الملك الموحي» كان عربياً من سكان بعلبك اسمه كالي نيكوس. هرب من خدمة الخليفة ودخل في خدمة الامبراطور([292]).
لم يكن العرب جاهلين البترول، ولا كانت فائدته لديهم في عالم الغيب، فإننا إذا أمعنا النظر في الأدب العربي وجدنا أنه كان عندهم ملحوظ المنزلة مقصود الآمال، حتى كان اسمه يطلق بتغيير يسير على معان مختلفة، والشيء إذا نال التقدير من حياة الإنسان تعددت نواحيه للإفادة والاستفادة منه، فتوسع التعبير به، وتفرعت المعاني.
أما تعريفه عند العرب فأقدم ما وصل إلينا من تعريفه قول اللغوي الشهير أبي عبيدة المتوفى سنة 209 هجرية أن النفط عامة القطران، وكان هذا رأي الأصمعي المتوفى سنة 216 هجرية أيضاً، فانتقد الأول أبو حنيفة الدينوري المتوفى سنة 282 هجرية وصرح أن النفط حلابة جبل في قعر بئر توقد به النار.
ولما كان القطران يستعمله العرب دواءً لبعض أمراض الإبل مثل الجرب، والدبر، والقردان انتقد الثاني علي بن حمزة المتوفى سنة 375 هجرية مبيناً الفرق بين النفط والقطران، بأن الأول لا يطلى به الجرب والدبر والقردان وإنما يطلى بالقطران.
ينتهي هذا التحقيق إلى القرن الرابع الهجري، وأنت عليم بأن الشيء كلما تغلغل استعماله في حياة الإنسان، تقدمت معرفته به وبأوصافه وفوائده، فإليك ما عرفه به القزويني المتوفى سنة 682 هجرية، قال:
«وأما النفط، فيطفو في الماء، منه أسود ومنه أبيض، وقد يصاعد الأسود بالقرع والأنبق فيصير أبيض. ينفع من أوجاع المفاصل، واللقوة، والفالج، وبياض العين، والماء النازل فيها.
وإذا شرب منه نصف مثقال نفع من المغص والرياح، ويخرج الأجنة الموتى والمشيمة المحتبسة، ويقتل الدود وحب القرع، وينفع للملسوع طلاءً. وربما يتوقد من غير نار بتحريكه»([293]).
في هذا التعريف للنفط (البترول)، أي بعد مرور ثلاثة قرون على التعريف السابق، نجد تقدماً محسوساً في معرفته، فإن القزويني يبين لنا فيه وصف النفط، ثم أقسامه، ثم أثر التكرير فيه، ثم فوائده للأمراض والعلل.
وقد بين له وصفاً لا تزال تتجلى صحته، ويثبت صدقه إلى الآن لدى كل منا مرات عديدة في اليوم، وذلك قوله فيه: «وربما يتوقد من غير نار بل بتحريكه». فما منا أحد يركب السيارة ولا يستدرك من وصفه هذا منفعة.
أما تفرع المعاني من اسمه، وهو كما قلنا أكبر دليل على إمعان الإنسان في معرفة المسمى، واستبطانه لدخائل خواصه، فقد ذكر لنا اللغويون أربعة معان لكلمة «نفاطة» أي بتغيير يسير في اسمه، وهي:
1 ـ موضع يخرج منه النفط.
2 ـ ضرب من السراج يرمى به النفط.
3 ـ أدارة تعمل من النحاس يرمى فيها بالنفط والنار.
4 ـ جماعة الرماة بالنفط([294]). ثم يظهر أنه في القرن السابع، أي في عهد القزويني، كان النفط يستعمل للتنوير في البيوت والشوارع، فإن غير واحد من مؤرخي هذا القرن يذكرون كلمة «نفاط» بمعنى حامل الضوء([295])، وإن لم يذكره القزويني.
كذلك يظهر أنه كان الاشتغال بالنفط في هذا العهد مهنة خاصة يباشرها رجال صنّاعون ويسكنون في جهة معينة من بغداد، كانت تسمى «درب النفاطين»([296]).
ولما كانت الأمثال في أدب لغة تظهر دائماً متأصلة إما على حادث فريد غريب لفت نظر أصحاب تلك اللغة وأثر فيهم، وإما على تجربة تكررت في حياتهم، فلم تكن تجارب النفط المكررة عند العرب ذاهبة سدى، ومحرومة موثوق أدبهم بها، فقد ضرب المثل في أدبهم بقولهم.
«نفط وقطن أسرع احتراقا»
وذلك للشرين إذا اختلطا. ولم يكن الشعر العربي أيضاً([297]) خالياً من ذكره، قال راوية العرب الإمام اللغوي الأصمعي المتوفى سنة 216 هجرية:
كأن بين إبطها والإبط
ثوباً من الثوم ثوى والنفط
وقال الشاعر عبد الصمد بن المعذل، وهو معاصر المبرد صاحب الكامل المتوفى سنة 285هـ في صديق له ولي النفاطات([298]) فأظهر تيهاً:
لعمري لقد أظهرت تيهاً كأنما
توليت للفضل بن مروان منبرا
وما كنت أخشى لو وليت مكانه
علي أبا العباس أن تغيرا
بحفظ عيون النفط أحدثت نخوة
فكيف به لو كان مسكاً وعنبرا
دع الكبر، واستبق التواضع، إنه
قبيح لوالي النفط أن يتكبرا([299])
قلنا إن أقدم ما وصل إلينا من تعريف النفط (البترول) هو قول اللغوي الشهير أبي عبيدة المتوفى سنة 209 هجرية فيه، وأنت تعرف أن الشيء يسبق تعريفه دائماً علمه واختباره فإن المجهول لا يمكن أن يحدد ويعرف. وعليه فلم يكن النفط قبل تعريف أبي عبيدة مجهولاً لدى العرب. فإن الوثائق التاريخية تنبئنا بأنهم كانوا عاجمين عوده وعارفين أوصافه قبل ذلك.
ففي عهد بني أمية حين ادعى بيان بن سمعان التميمي الألوهية، أخذه خالد بن عبد الله القسري([300]) هو وخمسة عشر رجلاً من أصحابه، وشدهم بأطنان القصب، وصب عليهم النفط وأحرقهم، وذلك في سنة 119 هجرية([301]).
واستعمله العرب حتى في فتوحهم بلاداً طريحة وأمكنة سحيقة، فقد ثبت أنهم استعملوه في فتوحهم بلاد الصين. ثم إن كان إحراق النفط سهل الملتمس، فإن إطفاءه كان عزيز المنال بعيد المطلب، ومع ذلك فلم يكن أمره مما لم يدخل علم العرب، إذ كانوا سابرين غوره وخابرين سره ومتخصصين فيه، فحين صار الجنيد بن عبد الرحمن إلى أرض الصين في عهد هشام في سنة 113هـ ودعا ملكها إلى الإسلام، فقابله، فثبت له الجنيد، فأقام يقاتله، ورمى حصنه بالنفط والنار، فطفأها، فقال الجنيد: في الحصن قوم من العرب، هم أطفؤوا النار، ولم يزل يقاتله حتى طلب الصلح، وصالحه وفتح المدينة، فوجد فيها رجلين من العرب فقتلهما([302]).
كذلك كان عند الخلفاء العباسيين في أوائل عهدهم جيش من النفاطين، كان مفضى واجبهم في الدفاع والهجوم إلى النفط، فكان النفط سلاحهم الوحيد، لم يكونوا يتخطون مراسمه. وقد فتحوا به في عهد الخليفة هارون الرشيد في سنة 190 هجرية مدينة هرقلة وحصنها، فإن جيشه حين ارتاد لها نواحي الظفر، وعانى فيه صعداً، لأنها كانت شامخة الذرى، منيعة المرتقى، وبلغ الخبر الرشيد، صاح في القواد ليأمروا النفاطين أن يجعلوا النار في المجانيق ويرموهم، فإنه ليس لدى القوم دفع عنها، ففعلوا، وجعلوا الكتان والنفط على الحجارة، وأضرموا فيها النار، ورموا بها السور، فكانت النار تلصق به وتأخذ الحجارة وقد تصدعت، فتهافتت. فلما أحاطت بها النيران فتحوا الباب مستأمنين ومستقبلين.
وإليه أشار الشاعر المكي بقوله:
هوت هرقلة لما أن رأت عجباً
جواثماً ترتمي بالنفط والنار
كأن نيراننا في جنب قلعتهم
مصبغات على أرسان قصّار([303])
كذلك فتح جيش النفاطين مدينة تفليس في سنة 238 هجيرة في عهد المتوكل، فحين وجه المتوكل بغا الكبير إلى تفليس استقدم المتغلب عليها، وهو إسحاق بن إسماعيل وكان من موالي بني أمية، فكتب إليه معتذراً أنه لم يخرج أبداً من طاعة السلطان، فإن أراد الأموال أمده بها، وإن أراد الرجال أنفذهم إليه، وأما القدوم فلا يمكنه.
فأمر بغا النفاطين، فضربوا المدينة بالنار، وأحرقوها، لأن المباني فيها كانت من خشب الصنوبر، فهلك خمسون ألف إنسان، وأسر إسحاق، وضربت عنقه وتم الانتصار([304]).
وبقي البترول هكذا سلاحاً نافذاً في أيدي المسلمين، موفقاً لهم مرادهم في حروبهم المستعرة الوطيس، واستمر التقدم في استعماله إلى أن بدأت الحروب الصليبية في القرن السادس الهجري، فعظم قدره في نفوسهم، وارتفعت منزلته في عيونهم، حين ثبت أنه أفضل سلاح للانتصار غير عارض، واسبق الوسائل إلى المراد غير مدافع.
إن النار اليونانية([305]) التي تعلمها الغرب كما قلنا من شرقي عربي بعلبكي بقيت سراً من أسرار الدولة الرومانية الشرقية أربعة قرون، تحمل المسلمون منها في فتوحهم رهقاً شديداً، وعانوا بها برحاً بارحاً. فكان شواظها في الحروب يلفح وجوههم، ويكوي جنوبهم، فتحملهم على النكوص. وهي التي حالت دون فتح القسطنطينية في أوائل عهدهم في محاولاتهم السبع([306]).
لكن في الحروب الصليبية دار الدهر دورته، فهادنتهم صروف الزمان، وعرفوا حقيقة النار اليونانية، فسلطوا على أعدائهم بها بأس انتقامهم، وعاقبوهم عقاباً أصبح عبرة في الغابرين، وأحدوثة في الآخرين، فقد ذكر لنا غير واحد من مغامري تلك الحروب بصدف قلوبهم وفزعهم الشديد عند سماع صوت تلك النار ورؤيتها، وإن حملتهم رباطة جأشهم على احتقار آلام سيوف العرب وحرابهم.
قال المؤرخ الفرنسي الشهير زانوييه (جوانفيل) J. Joinville المتوفى سنة 1317 ميلادية واصفاً إياها، وقد خاض غمار الحرب الصليبية السادسة مع ملك فرنسا لويس التاسع الشهير بلويس القديس:
«إنها كانت تأتي طائرة في الهواء كالتنين المجنحة والمذيلة بذيل طويل، سمكها كسمك برميل كبير، بدوي الرعد القاصف، وبسرعة النور، وكان ظلام الليل الدامس ينعدم بتاتاً بضوئها المهلك»([307]).
إن وصف زانوييه هذا وصف يقرب إلينا تصور الصواريخ في العصر الحاضر، فكأن هؤلاء في القرن السادس الهجري أخذوا لأعدائهم من عناصر بسيطة وتكاليف قليلة عدة مثلما أخذ أهل الغرب في هذا القرن الحاضر من العناصر الكثيرة والتكاليف الباهظة. والفضل في ذلك كله للبترول، فإنهم لو لم يكونوا عارفي حقيقته وفوائده لما كان ذلك لديهم ممكناً.
إن البترول كان يعد أخطر شأناً بين عتاد تلك الحروب، فلم يكونوا يضربون على الحرب أطنابهم إلا كان من عتادهم لها. ففي سنة 552 هجرية حين حاصر السلطان محمد شاه السلجوقي بغداد، كان أهم العتاد لدى جيش الخليفة المقتفي لأمر الله في رفعها النفط([308]).
وفي سنة 564 هجرية حين أحرق الوزير شاور بن مجير السعدي بإذن الخليفة العاضد الفاطمي الفسطاط خوفاً من استيلاء الإفرنج عليها، أحرقها بعشرين ألف قارورة نفط([309]). كذلك في سنة 583 هجرية كان النفط من عتاد ذي شأن خطير في واقعة حطين([310]).
وحين حاصر الصليبيون عكة، عملوا ثلاثة أبراج من خشب وحديد عليها جلود مسقاة بالخل لئلا يعمل فيها النفط، يسع البرج خمسمائة مقاتل، وهي أعلى من أبراج البلد، ومركبة على عجل يديرونها كيف شاؤوا، وعلى ظهر كل منها منجنيق كبير، فكان وجودها خطراً عظيماً على البلد، فلم يدرأ ذلك الخطر إلا بحرقها بالنفط والعقاقير الأخرى([311]) ثم نصب الصليبيون بعد احتراق تلك الأبراج منجنيقات عظيمة بالتكاليف الباهظة، فأحرقها المجاهدون أيضاً بالنفط([312]).
ثم أتوا في محلها بالكبش([313]) فأحرق كذلك بالنفط([314]). ثم أقاموا في محلها دبابة عظيمة ذات أربع طبقات، الأولى من الخشب، والثانية من الرصاص، والثالثة من الحديد، والرابعة من النحاس، وكانت تعلو على سور البلد، يركب عليها المقاتلة، وخاف منها أهل البلد خوفاً عظيماً، فأفرغوا مجهودهم وأحرقوها بالنفط([315]).
هكذا كان للبترول شأن خطير في أكثر وقائع الحروب في الزمن الغابر، وكان يستعمل فيها استعمالاً مباشراً، ويجوز بين عتادها رتبة لا تدانى، إلى أن ظهر شيء أقوى منه، وهو البارود.
كانت أكثر عناصر البارود معلومة لدى معظم الأمم الشرقية إلا عنصراً واحداً، وهو العنصر الأساسي الهام في تركيبه، أي «نتريت البوتاس» فاكتشفه أهل الصين في أوائل القرن الخامس الهجري، أي وسط القرن الثاني عشر الميلادي([316]). ومنهم عرفه المسلمون في أوائل القرن السابع الهجري، لذلك يذكرونه في كتبهم باسم «ثلج الصين»([317]) أو «ملح الصين»([318]).
عند ظهور البارود انحطت منزلة البترول، فعد من العتاد الثالنوي، إذ أصبح أكثر الاعتماد في الحروب على البارود، ولكن بنهضة الحضارة الغربية ارتفع شأنه مرة أخرى، وذلك باختراع الآلات الميكانيكية الكثيرة، فإنه أصبح بظهورها وسيلة هامة، لتحريكها، فنجم عنه التنافس الشديد بين الدول الصناعية لحيازة بقع ينابيعه.
هذا ما عنى لنا من بيان اللغويين والأدباء والشعراء والمؤرخين في شأنه. وأما الرواد والباحثون الشرقيون فلم يكونوا جاهلي قيمته، ولا كان وصفهم له محصوراً في «أنه النيران الهائلة الدائمة التي تستعر بشدة في جهات كثيرة من أقطار إيران والقوقاز» كما ادعى أهل الغرب وأتباعهم، بل نجد بيان بعضهم أدق من غيرهم، حتى بيان من وصفه منهم بالنيران إذ قد صرح لنا فيه بطريق الاستفادة منها. قال المراكشي بعد أن وصفه بالنيران وصفاً دقيقاً مبيناً فيه ألوانها وأوقات اشتعالها:
«يصطادون الغزلان في تلك الأرض، فيقطعون لحم الصيد، ويجعلونه في جلده، ويشدون الجلد عليه على أنبوبة قصب مثقوبة، ويدفنون الجلد باللحم في ذلك التراب الأسود، فيغلي ويخرج الزبد من تلك الأنبوبة كما يخرج من القدر، وإذا نفد الزبد نضج اللحم، فيخرجون ذلك الجلد صحيحاً واللحم نضيجاً حراً كما يكون في الجلد»([319]).
فيظهر منه أنهم كانوا يستعملون تراب تلك الأرض الحارة كحلّة يطبخون فيها طعامهم. وأما من لم يصفه منهم بالنيران، فأبان لنا بين أوصافه المختلفة صفة أخطر شأناً، وهي قيمته من الوجهة الاقتصادية. فقد نقل لنا ياقوت الحموي قول الشاعر أبي دلف مسعر بن مهلهل([320]) في عينه الموجودة بخانقين، قال: «وبخانقين عين للنفط عظيمة كثيرة الدخل»([321]).
فقول أبي دلف هذا يوضح لنا علمه بالنفط وما كان له في زمنه من قيمة وتجارة واستهلاك، فإنه لو لم يعرفه لما قدر على وصف عينه أنها «كثيرة الدخل». ويفوق أبا دنف ياقوت الحموي في وصف عينه الأخرى، إذ يقدر لنا إنتاجها اليومي بتقدير قيمته، قال:
«فيه عين نفط عظيمة تبلغ قبالتها في كل يوم ألف درهم، وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن زئبق، لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً؛ تبلغ قبالته مثل الأول»([322]).
وعليه فكان إنتاج هاتين العينين يبلغ في كل يوم، حسب تقدير ياقوت الحموي، ألفي درهم، أي ثمانمائة جنيه استرليني حسب تثمين الأستاذ هوبر([323]). وبيان ياقوت هذا للنفط دحض صريح لمن ادعى أنه كان «مجهول القيمة والمنفعة» لدى الرواد والباحثين.
هذا كان شأن النفط (البترول) في الشرق الأدنى. وأما في الشرق الأقصى فكانت منابعه في الهند فيما نعرف اكتشفت واستغلت قبل اكتشاف «نبع بترولي» بأمريكا. كذلك كان البترول معلوماً قبله لدى أهل أندونيسيا، فقد نوه بوجوده فيها الرائد جودين هو([324]) في سنة 1613 ميلادية باسم «منهات تنات» وهو محرف «منياك تنه» ومعناها باللغة الملايوية زيت الأرض.
أبو النصر أحمد الحسيني
البترول
ـ 3 ـ
كان البترول بشكل أو بآخر، هو الغنيمة عبر معظم القرن العشرين. لكن دور النفط الحيوي في ميزان القوى العالمية في القرن الحادي والعشرين ما زال في حاجة إلى تحديد، وسوف يعتمد هذا الدور على مجموعة من العوامل: من المستجدات التكنولوجية إلى التكتلات السياسية إلى السياسات البيئية.
ومن المرجح أن تتداخل قوى البترول والمال والسياسة في القرن الحادي والعشرين كما في القرن العشرين.
أن يكون البترول عاملاً مركزياً في ميزان القوى العالمية، أمر أعادت إثباته أزمة الخليج. ومن المرجح كذلك أن تستمر أهمية النفط في عمق القرن الحادي والعشرين إلى أكثر مما يظنه الكثيرون.
أحد الأسباب اقتصادي بحت: فالنفط سلعة تنافسية إلى درجة عالية وأسعاره في الواقع وبمعايير حقيقية ـ من دون اعتبار الضرائب العالية التي تفرضها الحكومات ـ هي اليوم أقل مما كانت في تشرين الأول 1973، زمن أول أزمة بترولية.
وقد أثبتت كثرة من البدائل المقترحة للحلول محل النفط ـ الطاقة الشمسية أو تلك المستخرجة من الزيت الحجري ـ إنها أصعب إنتاجاً من الناحية التقنية وهي حتى تاريخه على الأقل غير قادرة على المنافسة من ناحية الأسعار.
والقوة الوحيدة التي حققت إمكاناتها ـ وفاقتها بالفعل ـ هي الحفاظ على الطاقة. إن الدول الصناعية هي اليوم أكثر فاعلية بكثير في استخدامات الطاقة مما كان قبل عشرين عاماً، والمرجح أن تضاعف هذه الدول فاعليتها هذه من جديد وإلى درجات كبيرة خلال القرن الحادي والعشرين.
ويظهر في الوقت نفسه أن مخزون النفط اليوم هو أكثر بكثير من الماضي. ولقد أدت التكنولوجيات الجديدة واستكشاف مناطق جديدة والاستكشافات الإضافية في دول مثل السعودية إلى تقدير مخزون النفط العالمي المؤكد بضعفي ما كانه قبل عشرين عاماً.
البترول إزاء الغاز
إن المنافس الرئيسي الأكثر احتمالاً للنفط في القرن الحادي والعشرين هو نسبية الغاز الطبيعي. ومن المرجح أننا سوف نشهد نمواً مميزاً في استخدام الغاز الطبيعي والإتجار به عالمياً وبالأخص في مجال توليد الكهرباء، وسوف يعني هذا أن المركبات العضوية من مشتقات الفحم (الهيدروكربونات) سوف تستمر المصدر الرئيسي للطاقة في العالم.
العامل الذي يمكن أن يبدّل هذه النظرة المستقبلية هو ما ندعوه «الموجة الثالثة من الأفكار البيئية». فلقد حلت الاعتبارات البيئية محل «الأسعار» و«الأمن» كقوى محركة في محاولة تحويل نظام الطاقة العالمي عن مساره الحالي.
وفيما تبحث الأمم، ومنها المجموعة الأوروبية، في مسألة «الضرائب الخضراء»، سوف تضاعف بعض الحكومات من إنفاقها على الأبحاث والتطوير، وهناك دائماً احتمال «مفاجأة تكنولوجية» ما يمكن أن تبدّل المشهد على مسرح الطاقة العالمي. ولكن من الصعب أن يدلّ الواحد اليوم على ما يمكن أن تكون هذه المفاجأة، بالأخص مع الأوضاع الاقتصادية السائدة.
ولكن لا يبدو محتملاً أن يكون البترول على رغم استمرار أهميته، محور النزاعات العالمية كما في السبعينات، إلا في حال وقوع أزمة جيوبوليتيكية رئيسية واضطرابات في مناطق مثل الشرق الأوسط. والخط الفاصل بين المنتجين والمستهلكين الذي طغى على السياسة الدولية هو الآن أقل وضوحاً بكثير. وسوف تدعو الدول المنتجة الشركات العالمية للعودة من جديد حاملة معها الرساميل والتكنولوجيا والخبرات الإدارية، ومن المرجح أن تتوزع القوى بين الشركات والحكومات.
المغانم الجديدة
للقرن الحادي والعشرين
هناك الآن في الواقع غنيمتان جديدتان للقرن الحادي والعشرين تحركان النشاط وتستحثان المخيلات. فكلتاهما سوف تكون موضع تنافس، مع بعض المزيج من التعاون والتنافس، وكلتاهما نتاج تحولات رئيسية في السياسات العالمية.
يمكن ملاحظة أولاهما في موارد النفط والغاز في روسيا والأمم الأخرى الجديدة التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي سابقاً، وثانيتهما في الطلب الآسيوي المتزايد على هذ الموارد.
والمحصلة شأن محوري لا لصناعة الطاقة العالمية فقط، بل لعملية إعادة التأهيل الاقتصادي لروسيا كذلك، بما أن النفط والغاز يؤمنان أكثر من نصف مدخولها من العملات الصعبة، ويمكن القول في هذا الشأن أن النفط سوف يكون عنصراً حرجاً في قدرة روسيا على العودة إلى المسرح العالمي كقوة عظمى.
على مدى السنوات القليلة الماضية، وفيها تهاوت الحواجز التي قامت مع الثورة البلشفية ثم سقطت، أدى استخدام التكنولوجيا الغربية إلى مضاعفة مخزون المنطقة المقدر من الطاقة نحو ثلاث مرات، وهي قد تكون بحق بالنسبة إلى مخزون الغاز الطبيعي وما تمثله السعودية بالنسبة إلى مخزون النفط.
وهبط إنتاج النفط الروسي في الوقت نفسه بنسبة 45 في المئة من 11,5 مليون برميل إلى أقل من 6,5 ملايين برميل يومياً، والسبب الوحيد لعدم انهيار قطاع التصدير هو أن الطلب المحلي على النفط تهاوى بأسرع من الإنتاج بسبب الأزمة الاقتصادية في روسيا.
تحديات كبرى
تملك دول ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي القدرة على أن تكون عاملاً عالمياً رئيسياً في عالم النفط وتبقى واحدة من القوى المهيمنة في مجال الغاز الطبيعي. لكن إعادة تأهيل صناعاتها يتطلب رساميل هائلة قد تتجاوز 10 مليار دولار أميركي، كما اعتماد تكنولوجيات حديثة.
يبقى أن هذا المخزون قائم في إطار لم يجر فيه بعد تحديد الملكية و«قواعد اللعبة»: من سيقوم بتطوير هذه الغنيمة وإعدادها للسوق؟ وهل ستكون شركات غربية كبرى تشمل مصالح روسية وتعود معظم الأرباح بالطبع، كما هي الحال في كل أنحاء العالم، إلى الحكومة الروسية؟ أم شركات روسية كبرى تشكل من اتحاد مؤسسات إنتاجية ومصافي نفط؟ لقد تضاعفت فرص هذا الاحتمال خلال العام الماضي فيما «جنرالات النفط» الروسي يعيدون أقلمة أنفسهم مع الواقع الجديد، وسوف تحاول شركات أصغر ـ خاصة وتجارية ـ أن تؤدي دوراً في هذا الحقل. وسيحصل كل ذلك في خضم حركة تحول في اتجاه ما يمكن أن يسمى رأسمالية على طراز روسي».
ولم يسمع، في هذا الإطار النفطي الروسي، أي صوت ياباني ذو تأثير. ولكن ما أن تحل مسألة جزر الكوريل حتى يبدأ التكامل الطبيعي للمصالح الروسية واليابانية. وسوف تدعّم التنمية التعاونية مركز كل من البلدين في العالم: فتحصل روسيا على الرساميل التي تحتاج إليها، وتخفف اليابان من هشاشة وضعها في مجال الطاقة وهو همّ شغلها على مدى ستين عاما|ً.
مواجهة الطلب
الآسيوي على الطاقة
ويقود هذا الاحتمال إلى الغنيمة الكبرى الثانية في عالم النفط للقرن الحادي والعشرين والمتمثل في الطلب الآسيوي المتزايد وهو نتيجة سلسلة من المعجزات الاقتصادية تتوجها فورة اقتصادية صينية كبرى أطلقها من عقالها انهيار النظام الماوي وأيديولوجيته، وقد تلقي هذه المعجزة بظلها على ما حدث قبلها، وتشير التوقعات إلى أن الطلب الآسيوي على النفط سوف ينمو بنحو 5 ملايين برميل يومياً خلال هذا العقد.
من سيؤمن النفط لآسيا وكيف؟
سوف تشكّل الإجابات قواعد «اللعبة» الكبرى كما وضعت وسوف يطلب من الشركات المعنية مواجهة الحاجات الآسيوية الشاملة من الطاقة. وتشير تقديراتنا إلى أكثر من تريليون دولار أميركي سوف تكون ضرورية لمواجهة هذه الحاجات ولتغذية النمو الاقتصادي.
وستتقدم آسيا إلى المركز الأول في الاقتصاد العالمي خلال القرن الآتي، وبحلول السنة 2010 قد تكون تخطّت بالفعل الاقتصاد الأوروبي وتساوت أو تجاوزت اقتصاد أميركا الشمالية، وبحلول 2040 قد تكون مسؤولة عن نصف المدخول الأرضي على الأقل.
ولكنها حتى تصل إلى تلك النقطة سوف تحتاج في أي حال إلى أن تتوافر لها الطاقة والبنى التحتية على نحو ضخم، لأن الموارد النفطية المتزايدة بسرعة هي مطلب محوري إذا ما كان لآسيا أن تحقق المركز الذي ينتظر من قوة اقتصادية وسياسية.
وكنتيجة لذلك يمكننا بالتأكيد أن نتوقع رؤية الشركات الآسيوية ـ القائمة والمستقبلية ـ تضطلع بدور متنام في مجال الطاقة الدولية في القرن الحادي والعشرين.
عالم شجاع
وسوف تأتي معظم القدرات على تغذية نمو آسيا الاقتصادي من الشرق الأوسط، مما يعني استثمارات جديدة في نطاق زيادة القدرات في ذلك الجزء من العالم. في روسيا الحاجة هي إعادة بناء القدرات، أما في الشرق الأوسط فهي إلى إضافة قدرات جديدة تعني بدورها أن الشرق الأوسط سوف يُؤَمّن قسطاً متزايداً من النفط العالمي وسوف يعني هذا أن الشرق الأوسط سوف يحتل موقعاً أكثر مركزية حتى في نظام تزويد الطاقة، ولكنه قد يكون شرقاً أوسط مختلفاً جداً على ذلك الذي عرفه العالم عبر نصف قرن مضى.
وفي السنوات الآتية، قد تتطلع أوروبا وأميركا الشمالية إلى مجرّد الطلب على النفط، لكن تحرر الأمم في مناطق أخرى من العالم من قيود الأيديولوجيات وإهدار إمكانات النمو الاقتصادي سوف يجعل من الطاقة صناعة مزدهرة وتنافسية مما يكفل استمرار دورها الاستراتيجي.
والاستثمار في هذا المجال يجب أن يكون واسعاً. ويحتاج إلى الفوز بمغانم القرن الحادي والعشرين لا إلى التصميم والإبداعات التكنولوجية فقط، بل كذلك إلى المال وبكميات هائلة. وسوف تكون هذه واحدة من الحقائق الأساسية في الاقتصاد العالمي للقرن الحادي والعشرين. كما هي تشير إلى حقيقة حيوية: من المرجح أن تتشابك قوى المال والنفط والسياسة في هذا القرن كما كانت في القرن العشرين.
ج. س.
البترول
ـ 4 ـ
يشغل العالم الإسلامي مساحة هائلة من مساحة العالم تبلغ حوالي (12) مليون ميل مربع، وهو يكون مكافئاً لقارة كبرى تبلغ مساحتها ما يزيد عن مساحة القارة الإفريقية، كما أنها تكون أكبر من مساحة قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية معاً، وأقل من مساحة آسيا التي تبلغ (15,5 ) مليون ميل مربع.
ويمتد العالم الإسلامي من نهاية العالم القديم في إفريقيا، ابتداء من شواطئ المحيط الأطلنطي غرباً، حتى الباكستان وأقليم سنيكيانج بالصين شرقاً، في كتلة واحدة متصلة البنيان تنحصر بين خطي الطول: 18 ْ غرباً و90 ْ شرقاً، وبين خطي العرض: 57 ْ درجة شمالاً إلى خط الاستواء، وذلك بالإضافة إلى الدول الواقعة في جنوب شرقي آسيا (أندونيسيا واتحاد ماليزيا)، وألبانيا الدولة الإسلامية الواقعة في قارة أوروبا، وتبلغ مساحتها (11000) ميل مربع.
ويتحكم العالم الإسلامي في العالم القديم والجديد معاً، حيث تمر من خلال بحاره خطوط الملاحة والتجارة العالمية، مما يكسب أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة على موقع العالم الإسلامي، وإذا كانت سواحل المتوسط تقع في بلاد إسلامية، فإن مدخلي هذا البحر يقعان أيضاً في أراض إسلامية، إذ إن قناة السويس التي تتحكم في طرق التجارة بين الشرق والغرب تقع في جمهورية مصر وتعتبر القناة مدخلاً شرقياً للبحر المتوسط، كما أن مضيق جبل طارق يقع أيضاً في الأراضي الإسلامية، ويعتبر المدخل الغربي للبحر المتوسط، وقديماً عندما كان العرب في الأندلس، كان مضيق جبل طارق يعد كله واقعاً في المياه الإقليمية الإسلامية العربية، كذلك فإن المحيط الهندي أيضاً مدخلاه يقعان في أراض إسلامية حيث يوجد مضيق ملقا في الشرق بين شبه جزيرة الملايو وجزيرة سومطرة إحدى جزر أندونيسيا، ومن خلال هذا المضيق يتم الاتصال بين المحيط الهادئ والمحيط الهندي، كما يوجد مضيق باب المندب في أراضي إسلامية أيضاً حيث يتصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر الذي يعد هو الآخر بحيرة إسلامية خالصة، ولعل من نافلة القول أن نذكر أن مدخلي المحيط الهندي بالناحية الشرقية والغربية هما المتحكمان في خطوط التجارة والملاحة بين دول العالم شرقاً وغرباً.
وتتزايد أهمية العالم الإسلامي باحتوائه على أغلب حقول البترول الموجودة بالعالم، التي تتركز في منطقة الخليج، وحول البحر الأسود الذي يقع في وسط الجمهوريات الإسلامية الموجودة بالاتحاد السوفييتي، وفي منطقة السواحل الغربية لقارة إفريقيا.
وقبل أن نتناول بالتفصيل أهمية العالم الإسلامي من حيث تواجد البترول والغاز الطبيعي فيه لا بد من الإشارة أولاً إلى ماهية البترول.
ماهية البترول
إن هناك العديد من النظريات التي تناولت بالتفسير كيف نشأ البترول والغاز الطبيعي بيد أنه إلى الآن ما زال عسيراً أن نحدد منشأ البترول بالضبط، وذلك لعدم القدرة على تشخيص المكان أو المواد التي نشأت منها تجمعات بترولية معينة.
ولقد ظهرت نظريتان علميتان لتفسير منشأ البترول، وهما النظرية غير العضوية، والنظرية العضوية، فأما النظرية غير العضوية فإنها تفترض أنه قد تم اتحاد بين عنصري الهيدروجين والكربون تحت ضغط وحرارة عاليين في أعماق الأرض مما أدى إلى تكون الهيدروكربونات المكونة لزيت البترول والغاز الطبيعي اللذين وجدا طريقهما خلال الصخور المسامية ليتجمعا في المصائد الطبيعية في التكوينات الأرضية تحت سطح الأرض.
ولقد كان العالم الروسي الشهير (مندليف) أول من أعلن حقيقة الأصل غير العضوي للبترول، وكان ذلك في عام 1876م، معتمداً في ذلك على التجارب العلمية التي أجريت آنذاك، والتي أوضحت أن تمرير بخار الماء على كربيدات المعادن الثقيلة ينتج الهيدروكربونات، وافترض مندليف على هذا الأساس أن الهيدروكربونات التي تدخل في تكوين البترول والغاز الطبيعي قد تكونت بنفس الطريقة، وأما النظرية العضوية فإنها تفترض أن كلا من الهيدروجين والكربون المكونين للبترول قد جاءا من النباتات والحيوانات التي كانت تعيش منذ ملايين السنين على اليابسة، وفي البحر، ومن المعتقد أن هذه المادة العضوية كانت في أغلب الاحتمالات لكائنات ونباتات تعيش في مياه البحار والمستنقعات أكثر من كونها أحياء تعيش على الأرض، هذه الكائنات والنباتات الدقيقة عندما ماتت ترسبت على قاع البحار القديمة التي كانت تغطي مساحات شاسعة من الأراضي اليابسة والبحار التي نعرفها اليوم.
وعلى مدى ملايين السنين كانت الأنهار تنساب إلى البحار محملة بكميات هائلة من الطين والطفلة والرمال، لتنتشر وتتوزع بفعل التيارات البحرية، وبفعل المد والجزر على طول قاع البحر قريباً من الشواطئ التي كانت تتغير خطوطها تدريجياً، وبمرور الآلاف من السنين تراكمت الطبقات على قاع البحر طبقة تعلو أخرى، ونتيجة للثقل المتزايد لهذه الطبقات والضغط الناتج عن هذا الثقل، بالإضافة إلى الحرارة الناشئة من جراء الضغط، فقد تحللت المواد الهيدروكربونية بمرور الزمن لتعطي الزيت والغاز، وساعد على ذلك بعض أنواع البكتيريا والمواد المشعة.
أماكن تواجد البترول
إذا سلمنا بالنظرية العضوية لمنشأ البترول، فإنه من الجلي أن البحث عن البترول يجب أن ينحصر في المناطق التي تتواجد فيها تراكمات طبقية من الصخور الرسوبية، وذلك لأنها الصخور التي دفنت فيها المواد الحيوانية والنباتية والبقايا البحرية التي تعتبر مصدراً للبترول.
إن الأبحاث النظرية التي تمت في مناطق مختلفة في جميع أنحاء العالم، ومن خلال بيوت الخبرة العالمية في أعمال البحث والتنقيب عن البترول والغاز، تبين أن تكون البترول والغاز في القشرة الأرضية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصخور الرسوبية التي فيها أكثر من 99,9 % من تراكمات البترول والغاز، والنسبة الضئيلة الباقية عثر فيها على هذه التراكمات في الصخور البلورية، إلا أن رواسب البترول والغاز في المناطق هذه قد تكونت نتيجة لهجرة البترول والغاز من الطبقات الرسوبية المتاخمة للصخور البلورية ذات الشقوق.
وهناك شبه إجماع بين علماء البترول يؤكد ارتباط حقول البترول بالتضاريس الأرضية، ففي ثمانينات القرن الماضي أعلن مندليف عن افتراضه ارتباط حقول البترول بالمناطق الواقعة أمام الجبال، وكذلك بأطراف السلاسل الجبلية، موضحاً الارتباط العضوي بين تكون حقول البترول في هذه المناطق، وبين حركات القشرة الأرضية عبر الصخور الجيولوجية، كذلك لاحظ العالم الفرنسي (دي لوني) في عام 1913م، الارتباط بين تراكمات حقول البترول والمناطق الطرفية من السلاسل الجبلية، وتفيد عمليات البحث الجيولوجي والجيوفيزيائي في معرفة هذه الأماكن، وفي التنبؤ بإمكانية وجود البترول والغاز في الصخور الرسوبية بهذه الأماكن.
غير أنه لكي يكون هذا التنبؤ مبنياً على أساس علمي فإن الباحثين عن البترول والغاز، لا يهمهم فقط معرفة الأماكن التي يمكن أن يتواجد فيها البترول، أو معرفة الظروف التي تحفظ تراكمات البترول والغاز التي تكونت في الصخور الرسوبية، والتي لا تبقى في وضع ثابت، وإنما تتعرض بمرور العصور الجيولوجية لتأثير عوامل فيزيائية وكيميائية وغير ذلك مما يسبب تغيرها.
إن الهيدروكربونات المكونة للبترول لها القدرة على الانتقال خلال المسامات الموجودة في الصخور الرسوبية، وهذه القدرة يمكن أن تؤدي في ظروف كثيرة إلى بعثرة هذه الهيدروكربونات، وكثيراً ما هاجر البترول من الصخور التي تكون فيها إلى صخور أخرى أحدث في تكويها، وإن أفضل الظروف لمنع هجرة البترول والغاز هو ما يعرف بالمصائد البترولية، والتي تكون جنباتها مكونة من صخور غير مسامية لا تسمح بهجرة الزيت أو الغاز من خلالها.
إن الظروف الجيولوجية التي تكون فيها البترول في العالم الإسلامي هي كغيرها في أنحاء دول العالم الأخرى، غير أن الشيء الملفت للانتباه أن الباحثين لا يهتمون إطلاقاً بموضوع الثروات المعدنية الهائلة الموجودة في شتى أنحاء العالم الإسلامي من بترول، وغاز طبيعي، وفحم وحديد، وفوسفات، وذهب، وفضة، وغير ذلك من المعادن الموجودة في أراضيه، تلك الأراضي الغنية بثرواتها المعدنية، وبتربتها الخصبة، ومساحاتها الشاسعة، ولكن سكانها ما زالوا متخلفين كثيراً، وكثيراً في مجال الحضارة والتقدم.
وإذا كان الدين الإسلامي يدعو إلى العلم والمعرفة، ويجعل للعلماء منزلة عظيمة، فإن من الواجب على علماء الأمة الإسلامية. وما أكثرهم. أن يهتموا بثروات العالم الإسلامي، لقد اختص الله العالم الإسلامي بأكبر كميات من البترول مدفونة في باطن أراضيه، ويكفي أن أشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط تحتوي وحدها على 55 % من احتياطي بترول العالم كما يتضح في الجدول رقم (1).
جدول رقم (1)
احتياطي دول العالم من مصادر الطاقة
| النسبة المئوية لاحتياطي البترول | النسبة المئوية لاحتياطي الغاز الطبيعي | |
| الشرق الأوسط | 23 | 55 |
| أوروبا | 4 | 6 |
| أستراليا | 3 | 3 |
| آسيا | 17 | 44 |
| إفريقيا | 10 | 8 |
| أميركا الشمالية | 6 | 12 |
| أميركا الجنوبية | 5 | 4 |
| إجمالي العالم | 100 | 100 |
وقبل أن نخوض في ذكر ما ينتجه العالم الإسلامي من البترول، وما تحتويه أراضيه من مخزون احتياطي له، أحب أن أشير في عجالة إلى الحقائق التالية:
- يتوزع المسلمون في جميع أنحاء دول العالم، (73 % بقارة آسيا، 25,3 % بقارة إفريقيا
وتتوزع النسبة القليلة الباقية على أوروبا والأمريكتين وأستراليا).
- تكون الشعوب العربية والباكستانية والأندونيسية حوالي 56,3 % من مجموع السكان المسلمين.
- يمثل المسلمون المركز الثاني بين الديانات التي يعتنقها سكان العالم بعد المسيحيين.
- تتمتع دول العالم الإسلامي بأعلى نسبة في الخصوبة، فالعراق مثلاً سيتضاعف عدد سكانه في عشرين عاماً، ومصر سيتضاعف عدد سكانها في 26 عاماً، وذلك يعني أنه لو استمرت معدلات الخصوبة في الارتفاع، فمن المتوقع أن يحتل المسلمون المركز الأول بين معتنقي الديانات في غضون ثلاثة قرون، إذ إن معدل الخصوبة بباقي دول العالم أقل بكثير، إن فرنسا يلزمها 186 عاماً لكي يتضاعف عدد سكانها، والولايات المتحدة يلزمها هي الأخرى 99 عاماً، أما السويد فهي تحتاج إلى 1386 عاماً، إذ إن معدل الخصوبة بها أقل معدل بالعالم.
وإذا كان البعض يحذر من خطر الانفجار السكاني، فإن العالم الإسلامي يزخر بثروات هائلة ومساحات شاسعة في حاجة إلى الزراعة، ولكن سوء التخطيط والتخلف لا يزال عائقاً أمام ذلك.
جدول رقم (2)
المسلمون موزعون بين قارات العالم
حسب تقدير عام 1975م.
| آسيا | 469 مليوناً |
| إفريقيا | 162 مليوناً |
| أوروبا | 7 ملايين |
| الأمريكتين وأستراليا | 4/ 3 المليون |
| مجموع المسلمين في العالم | 649 مليوناً |
إنتاج العالم الإسلامي من البترول
إذا نظرنا إلى العالم ككتل دينية فسنجد أن الكتلة التي تشمل الاقطار التي تدين بالإسلام أكبر الكتل إنتاجاً للبترول والغاز الطبيعي، فقد بلغ متوسط إنتاج العالم الإسلامي الموجود في الإتحاد السوفييتي وإقليم سينكيانج بالصين حوالي 47,24 % من إجمالي الإنتاج العالمي، وهذه النسبة تعادل 28,013 مليون برميل يومياً، أنتجت المملكة العربية السعودية وحدها (7,519) مليون برميل يومياً، أي بما يعادل 13 % من إجمالي الإنتاج العالمي.
أما عن حقول البترول الموجودة بالاتحاد السوفييتي وإقليم سينكيانج بالصين فإن الحصول على معلومات متكاملة عن هذه الحقول غير متاح، ومن المعروف أن أشهر الجمهوريات الإسلامية المنتجة للبترول في الاتحاد السوفييتي هي تلك التي تطل على بحر قزوين، قبل انحلاله في أقاليم تركستان وأزبكستان وباشكيريا وتترستان، وقازقستان، وكلها جمهوريات إسلامية، لقد بلغ متوسط حقول جمهورية تترستان من الزيت الخام عام 1975م، ما يعادل 2,07 مليون برميل يومياً، وإن تضاءل هذا الإنتاج ليصل إلى 1,9 مليون برميل يومياً عام 1978م.
وكذلك فإن إقليم قازقستان قد أنتج عام 1978م، أيضاً (72000) برميل يومياً، وفي نفس العام فإن حقل أريان Arian بباشكيريا وصل إنتاجه (110) ملايين برميل في السنة، كما بلغ إنتاج حقل روماشكينو Romashkino الموجود بين حدود تترستان وبشكيريا (530) مليون برميل في السنة، وهي نسبة عالية جداً، وهناك بعض الحقول الأخرى الكثيرة تنتشر في أنحاء الجمهوريات الإسلامية السوفييتية، أما إقليم سينكيانج بالصين فإن المعلومات عن إنتاج هذا الإقليم الإسلامي غير متوافرة أيضاً، اللهم إلا حقل كولامي Kolamai الموجود بهذا الإقليم والذي ينتج وحده ما يزيد عن (51,8) مليون برميل سنوياً حسب تقديرات عام 1978م. بناء على ذلك، يمكن أن نقدر إنتاج الإقاليم الإسلامية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي والصين بحوالي (5) ملايين برميل يومياً، وبذلك يصل إجمالي إنتاج العالم الإسلامي كله إلى (33) مليون برميل في اليوم الواحد، أي حوالي 56 % من إجمالي إنتاج العام.
ولقد ارتفع إنتاج العالم الإسلامي من البترول عام 1979م، ليصل إلى (30412) ألف برميل يومياً، وذلك دون ضم إنتاج الجمهوريات فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي الإسلامية وإقليم سينكيانج، والتي إذا قدر إنتاجها بنفس القيمة التي قدرناها لعام 1987م، لوصل إنتاج العالم الإسلامي كله إلى ما يزيد عن 56,6 % من إجمالي الإنتاج العالمي.
أما عن الغاز الطبيعي فقد وصل إنتاج العالم الإسلامي عام 1987م، إلى حوالي 7 % من الإنتاج العالمي، ولقد وجدنا نفس الصعوبات السابقة في الحصول على معلومات عن إنتاج الأقاليم الإسلامية السوفييتية، والتي تحتوي على كميات هائلة من الغاز الطبيعي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أحد العوامل الرئيسية وراء التدخل الشيوعي السوفييتي في أفغانستان هو الطمع في السيطرة على حقول البترول والغاز الطبيعي، وتنتج أفغانستان ما يزيد عن (300) مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، كان يضخ منها حوالي (250) مليون قدم مكعب إلى الاتحاد السوفييتي، ولقد قدر الجيولوجيون السوفييت احتياطي البترول الأفغاني بحوالي (95) مليون برميل، وقدروا احتياطي الغاز بحوالي (5) ترليون قدم مكعب، نصفها يقع على الأقل في منطقة شبراغان Shibrghan القريبة من الحدود الأفغانية ـ السوفياتية.
جدول رقم (3)
إنتاج العالم الإسلامي من البترول الخام والغاز الطبيعي
| رقم الدولة الإسلامية | متوسط الارتفاع اليومي بآلاف البراميل | إجمالي إنتاج الغاز عام 1979م ألف مليون قدم مكعب | |
| 1978م | 1979م | ||
| 1 ـ أبو ظبي | 1442 | 1460 | 38,1 |
| 2 ـ البحرين | 54 | 50 | 61,0 |
| 3 ـ دبي | 360 | 354 | 21,4 |
| 4 ـ إيران | 5616 | 3152 | 835,3 |
| 5 ـ العراق | 2398 | 3409 | 47,8 |
| 6 ـ فلسطين المحتلة | 7 | 36 | 2,0 |
| 7 ـ الكويت | 1702 | 2237 | 190,5 |
| 8 ـ المنطقة المحايدة | 383 | 564 | ـ |
| 9 ـ عمان | 318 | 296 | 43,9 |
| 10 ـ قطر | 457 | 495 | 25,1 |
| 11 ـ السعودية | 5719 | 9228 | 185,6 |
| 12 ـ الشارقة | 25 | 13 | ـ |
| 13 ـ سورية | 171 | 163 | 31,1 |
| 14 ـ تركيا | 50 | 55 | 13,8 |
| 15 ـ أفغانستان | ـ | ـ | 76,9 |
| 16 ـ ماليزيا | 436 | 499 | 277,7 |
| 17 ـ أندونيسيا | 1665 | 1598 | 746,3 |
| 18 ـ باكستان | 9 | 10 | 165,5 |
| 19 ـ الجزائر | 1225 | 1122 | 275,5 |
| 20 ـ مصر | 472 | 491 | 88,4 |
| 21 ـ ليبيا | 1896 | 2052 | 146,0 |
| 22 ـ المغرب | 1 | 1 | 2,8 |
| 23 ـ نيجيريا | 1707 | 2327 | 327,6 |
| 24 ـ تونس | 100 | 100 | 84,0 |
| إجمالي العالم الإسلامي | 28013 | 30412 | 3677,7 |
| إجمالي دول العالم | 59073 | 62716 | 52373,6 |
احتياطي العالم الإسلامي
من البترول
تحتوي دول العالم الإسلامي على أكبر نسبة من احتياطي البترول المخزون في جوف الكرة الأرضية حيث تبلغ 68,4 % من إجمالي احتياطي العالم كله وذلك حسب تقديرات عام 1979م، ولقد أغفلت في هذه النسبة ما تحتوي جمهوريات الاتحاد السوفييتي الإسلامية، وإقليم سينكيانج بالصين، إلا أن هناك بعض الحقول الشهيرة والرئيسية بهذه الجمهوريات، والتي أمكن معرفة المخزون الاحتياطي من الزيت الخام بها وهي:
حقل أريان باشكيريا ويبلغ احتياطي الزيت به 2100 مليون برميل.
حقل نفتياني كاميني Neftianye Kamini بجمهورية أذربيجان ويبلغ احتياطي الزيت به 925 مليون برميل.
حقول نوفو الخوفسكوي Novo-Elkhovskoye بجمهورية تترستان ويبلغ احتياطي الزيت به 1700 مليون برميل.
حقل روماشكينو Romashkino وهو يحتوي على أعلى نسبة من احتياطي الزيت فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، والتي تبلغ (11250) مليون برميل، وهو يقع في أراض إسلامية.
وإذا نحن أخذنا أقل الافتراضات لاحتياطي البترول الموجود بالجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي واعتبرناها 40 % من احتياطي الاتحاد السوفييتي الذي يصل إلى (71000) مليون برميل، فإن رصيد العالم الإسلامي يصل إلى حوالي 73 % من إجمالي مخزون العالم الاحتياطي من الزيت الخام وذلك حسب تقديرات عام 1979م، أي أن العالم الإسلامي وحده يتحكم في ثلاثة أرباع الطاقة المستهلكة غداً، وهي ثروة هائلة يجب أن نلتفت إليها وأن نوليها عنايتنا، ولو تم استغلالها على أتم وجه لاستطاع المسلمون في غضون السنوات القليلة القادمة أن يكونوا أقوى الكيانات السياسية والاقتصادية في العالم.
وتعتبر ما سمي بالمملكة العربية السعودية أكبر دولة في العالم تحتوي على أعلى نسبة من مخزون البترول في أراضيها، حيث تحتوي وحدها على (165,700,000,000) برميل حسب تقديرات عام 1979م، أي ما يعادل 25,2 % من إجمالي مخزون العالم.
ثم تأتي الكويت حيث يبلغ احتياطي الزيت بها (66200) مليون برميل، ولقد أغفلنا في التقديرات السابقة مخزون الزيت الموجود بالمنطقة المحايدة والذي يبلغ (6480) مليون طن، وكما هو معروف فإن كلاً من المملكة العربية السعودية والكويت يتقاسمان إنتاج هذه المنطقة.
أما عن مخزون الغاز الطبيعي فيبلغ 39,3 % من إجمالي المخزون العالمي، وهذه النسبة تنتجها دول العالم الإسلامي ما عدا الجمهوريات الإسلامية بالاتحاد السوفييتي وإقليم سينكيانج بالصين، والتي إذا أضيفت إلى هذه النسبة سترفعها كثيراً، وما هو معروف في الأوساط العلمية المختصة بالبترول أن سيبيريا تحوي وحدها على حوالي 55 % من احتياطي الغاز الطبيعي في روسيا، وباقي احتياطي الغاز الطبيعي في روسيا، وباقي احتياطي الغاز يتواجد حول بحر قزوين وفي مياهه، وفي باقي أنحاء الاتحاد السوفييتي، وإذا قدرنا احتياطي الغاز الطبيعي بالجمهوريات الإسلامية السوفييتية بحوالي 30 % من إجمالي احتياطي الغاز بالاتحاد السوفييتي، والذي يعتبر أعلى احتياطي في العالم (25768 بليون متر مكعب أي ما يعادل 910000 بليون قدم مكعب)، لوصل احتياطي الغاز بالعالم الإسلامي إلى 1232190 بليون قدم مكعب، أي ما يعادل 49 % من إجمالي احتياطي العالم.
استهلاك البترول في العالم الإسلامي
إذا انتقلنا من الجانب المضيء السابق، الذي يبشر بالخير الوفير الذي ينتظر العالم الإسلامي لو أحسن استغلال هذه الثروات الهائلة الموجودة في أعماق أراضيه، إلى الجانب الآخر، الذي يبين مدى استفادة المسلمين من هذه الكنوز والثروات، وبمعنى آخر: ما موقف المسلمين بالنسبة لباقي شعوب دول العالم في استهلاك الطاقة التي تنتج من حرق البترول ومركباته المختلفة؟
إن الأرقام ـ وما أصدقها ـ تصيب المرء بالذهول، وهو يرى دولة كالولايات المتحدة الأميركية يبلغ عدد سكانها (217) مليوناً يستهلكون وحدهم 30 % من طاقة العالم من البترول، بينما يبلغ إجمالي استهلاك دول العالم الإسلامي 5 % من الطاقة.
إن ما ذكرناه منذ قليل عن ضآلة استهلاك العالم الإسلامي من البترول ومنتجاته يتساوق مع طاقة التكرير اليومية لمجموع بلدانه، التي تبلغ 6,37 % من إجمالي العالم.
إنّ هذه الأرقام إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى ما نحن فيه من تخلّف، ومدى ما وصل إليه العالم الغربي واليابان والولايات المتحدة من المستوى العالي للمعيشة، والذي لا يتناسب إطلاقاً مع الثروات الموجودة ببلادهم، فهذه البلاد تبيع الخبرة والمواد اللازمة لصناعة وإنتاج البترول بضعف التكاليف التي تبيعها للزبائن في بلادها.
إن الأرقام السابقة والمبينة بالجداول المرفقة إن نمت على شيء، فإنما تنم عن التناقض الكبير في عالم إسلامي مترامي الأطراف يمثل عدد سكانه 16, 4 % من سكان العالم. حسب تقديرات عام 1975م. وينتجون ما يزيد عن 56 % من خام البترول وتحتوي أراضيهم على حوالي 73 % من احتياطيه، وعلى حوالي نصف احتياطي العالم من الغاز الطبيعي، بينما يستهلكون أقل قدر من الطاقة، ويعيش معظم شعوبه في فقر، وجوع ومرض.
وإذا كان جون كونللي حاكم ولاية تكساس السابق قد قال: «إن نفط منطقة الشرق الأوسط يمثل دماء الحياة بالنسبة للمدنية الغربية»، فإنني أتمنى أن يكون نفط العالم الإسلامي كله، يمثل الدماء التي تغذي النهضة الإسلامية الكبرى، والتي يجب علينا أن نسعى لها جاهدين متحدين من الآن مع إطلالة القرن الهجري الجديد.
محمد عبد القادر الفقي
تأميم البترول الإيراني
شركة النفط الإيرانية البريطانية التي كانت محمية من قبل السياسة الأمبريالية لبريطانيا كانت تنهب المنابع النفطية في إيران، هذه المنابع التي كانت تتعلق بملايين من الشعب الفقير الذي لا يكاد يملك لقمة عيشه. كانت هذه الشركة في الظاهر شركة نفط إيرانية ـ بريطانية ولكن في الحقيقة كانت شركة نفط بريطانية استغلالية تعتقد بأنها المالك الوحيد للنفط الإيراني وفي النتيجة كانت تملك إيران ومن في إيران.
وقد بلغ الأمر بهذه الشركة إلى أنها حذفت كلمة إيران من المنتوجات النفطية ووضعت علاماتها هي فقط «B.P.» أي النفط البريطاني».
وفي هذا الجو الخانق المظلم، دعا الدكتور مصدق وبعض نواب المجلس النيابي من أعوانه في الدورة الخامسة عشرة للمجلس عدداً من رؤساء تحرير الصحف للمساعدة في إيجاد نوع من الحرية لانتخابات الدورة السادسة القادمة.
وقد لبى الدعوة كل من: جلالي نائيني مدير جريدة «كشور» وعباس خليلي مدير جريدة «أقدام»، والمهندس زيرك زاده مدير جريدة جبهة وعميد نوري مدير جريدة داد، والدكتور حسين فاطمي مدير جريدة «باخترامروز» وأحمد ملكي مدير جريدة «ستاره» وعقدوا اجتماعاً قرروا فيه الاعتصام في بيت السلطنة حتى تتحقق أهدافهم في تأمين الحرية للناس في الإدلاء بأصواتهم في انتخابات الدورة السادسة عشرة للمجلس، وشاركهم الاعتصام، بعض نواب المجلس بينهم الدكتور محمد مصدق، وصحفيون آخرون.
وكان المعتصمون هم: الدكتور محمد مصدق، آية الله غروسي، مشار أعظم، محمود آيتي، حايري زاده، الدكتور شايكان، الدكتور بقائي حسن صدر، عباس خليلي، عميدي نوري، أرسلان خلعتبري، شمس الدين أمير علائي، المهندس زيرك زاده، الدكتور سنجابي، الدكتور كاوياني، عبد القدير آزاد، أحمد ملكي، جلالي نائيني، الدكتور فاطمي، حسين ملكي.
هذا الاعتصام يعتبر من انتصارات الدكتور مصدق في ابتداء الدورة الجديدة. وبذلك أمكن أن يصل إلى المجلس في دورته السادسة عشرة أعضاء أقوياء.
جدول رقم (4)
احتياطي دول العالم الإسلامي من البترول والغاز
الطبيعي حسب تقديرات يناير (كانون الثاني) 1979م.
| رقم الدولة الإسلامية | مخزون زيت البترول | مخزن الغاز الطبيعي | ||
| مليون برميل | مليون طن | بليون م3 | بليون قدم 3 | |
| 1 ـ أبو ظبي | 30000 | 4110 | 566 | 20000 |
| 2 ـ البحرين | 250 | 34 | 198 | 7000 |
| 3 ـ دبي | 1300 | 178 | 45 | 1600 |
| 4 ـ إيران | 59000 | 8083 | 34159 | 500000 |
| 5 ـ العراق | 32100 | 4398 | 787 | 27800 |
| 6 ـ فلسطين المحتلة | 10 | 1 | 2 | 60 |
| 7 ـ الكويت | 66200 | 9070 | 886 | 31300 |
| 8 ـ المنطقة المحايدة | 6480 | 888 | 142 | 5000 |
| 9 ـ عمان | 25000 | 342 | 57 | 2000 |
| 10 ـ قطر | 4000 | 548 | 1133 | 40000 |
| 11 ـ السعودية | 165700 | 22701 | 2659 | 93900 |
| 12 ـ الشارقة | 16 | 2 | ـ | ـ |
| 13 ـ سورية | 2080 | 285 | 42 | 1500 |
| 14 ـ تركيا | 360 | 49 | 14 | 500 |
| 15 ـ الجزائر | 6300 | 863 | 2973 | 105000 |
| 16 ـ مصر | 3200 | 27 | 68 | 2400 |
| 17 ـ ليبيا | 24300 | 3329 | 685 | 24200 |
| 18 ـ المغرب | 1 | ـ | ,8 | 30 |
| 19 ـ نيجيريا | 18200 | 2493 | 1189 | 42080 |
| 20 ـ السودان | ـ | ـ | 3 | 100 |
| 21 ـ تونس | 2300 | 315 | 170 | 6000 |
| 22 ـ بنجلاديش | ـ | ـ | 227 | 8000 |
| 23 ـ بوروني | 1480 | 203 | 227 | 8000 |
| 24 ـ أندونيسيا | 10200 | 1397 | 680 | 24000 |
| 25 ـ ماليزيا | 2800 | 384 | 481 | 17000 |
| 26 ـ باكستان | 200 | 27 | 453 | 16000 |
| إجمالي العالم الإسلامي | 438976,1 | 60138 | 27846,8 | 959190 |
| إجمالي دول العالم | 641607,825 | 87900 | 70849 | 2502010 |
جدول رقم (5)
استهلاك دول العالم الإسلامي من المنتجات
البترولية عام 1977م أكثر الدول استهلاكاً، بدون
الجمهوريات الإسلامية التي كانت في الاتحاد
السوفييتي وإقليم سينكيانج بالصين.
| الدول الإسلامية | الاستهلاك 1000 برميل كل يوم | الدول الإسلامية | الاستهلاك 1000 برميل كل يوم |
| الشرق الأوسط: | آسيا الإسلامية | ||
| 1 ـ البحرين | 50 | 1 ـ أندونيسيا | 250 |
| 2 ـ إيران | 435 | 2 ـ باكستان | 121 |
| 3 ـ العراق | 155 | 3 ـ ماليزيا ودول إسلامية أخرى | 380 |
| 4 ـ فلسطين المحتلة | 160 | ||
| 5 ـ الكويت | 95 | إفريقيا الإسلامية | |
| 6 ـ لبنان | 50 | 1 ـ الجزائر | 90 |
| 7 ـ المنطقة المحايدة | 45 | 2 ـ مصر | 150 |
| 8 ـ السعودية | 180 | 3 ـ ليبيا | 56 |
| 9 ـ سورية | 80 | 4 ـ المغرب | 50 |
| 10 ـ تركيا | 340 | 6 ـ السودان | 22 |
| 11 ـ اليمن الجنوبية | 20 | 7 ـ تونس | 32 |
| 12 ـ دول إسلامية أخرى | 20 | إجمالي استهلاك هذه الدول | 2896 |
جدول رقم (6)
مقارنة بين بعض الدول الإسلامية والدول الأخرى
في استخراج البترول وإنتاجه
| الدولة | الإنتاج من البترول عام 1977م (ألف برميل يومياً) | استهلاك البترول عام 1977م (ألف برميل يومياً) | النسبة المئوية للاستهلاك بالنسبة للعالم |
| الولايات المتحدة | 8240 | 17945 | 29,56 % |
| اليابان | 10 | 5345 | 8,8 % |
| الاتحاد السوفييتي سابقاً | 10920 | 8025 | 13,22 % |
| إيران | 5650 | 435 | 0,71 % |
| العراق | 2150 | 155 | 0,25 % |
| السعودية | 8950 | 180 | 0,296 % |
| اليمن الجنوبية | ـ | 20 | 0,033 % |
| إجمالي دول العالم | 60700 | 60700 | 100 % |
الجبهة الوطنية
الأشخاص الذين كانوا يمتلكون الإرادة والتصميم القوي، واللذين اتحدوا وأبدوا استعدادهم للتضحية في سبيل الحرية، قرروا أن يجدوا اسماً لحركتهم وحزبهم وبعد التشاور الطويل اختاروا اسم الجبهة الوطنية. وهكذا تأسست نواة هذه الجبهة بزعامة الدكتور محمد مصدق في سنة 1949م ثم خرج منها بعد حين كل من عميدي نوري وعباس خليلي ودخل فيها مكانهما اللهيار صالح وأمير تيمور كلالي وكانت السياسة التي اتبعتها هذه النواة للوصول إلى الحرية والاستقلال جذبت الأحزاب الأخرى في إيران إليها وبعد اتحاد هذه الأحزاب تأسست الجبهة الوطنية الإيرانية، تلك الجبهة التي كانت عقبة كبرى أمام السياسة التوسعية للغرب في إيران. وفي اليوم الأول من تشرين الثاني عام 1949 اجتمع التسعة عشر شخصاً الذين تحصنوا في بيت السلطنة عند الدكتور محمد مصدق واتخذوا القرارات التالية:
1 ـ تسمية هذا التجمع باسم الجبهة الوطنية.
2 ـ تشكيل لجنة مؤلفة من السادة: مشار أعظم، والدكتور شايكان، ونديمان، وأمير علائي، والدكتور سنجابي لإعداد نظام ومنهج للجبهة.
التأميم
في عام 1901م أي قبل خمس سنوات من استقرار الحكومة الدستورية في إيران أعطى مظفر الدين شاه صلاحيات التنقيب عن النفط واستخراجه في جميع مناطق إيران عدا خمس مناطق شمالية (خراسان، كيلان، مازندران، آذربيجان، بربان) إلى المهندس البريطاني وليام ناكس دارسي وكانت مدة العقد ستين سنة وتعهد وليام في مقابل هذه الصلاحيات أن يعطي مقدار 16 % من المشتقات النفطية الخالصة إلى الدولة الإيرانية، وفي اليوم الخامس من حزيران 1908م وصل العاملون في حقل بئر مسجد سليمان وبدأ تصدير النفط منذ العام 1913م. معاهدة دارسي هذه، ألغيت بعد ذلك من رضا شاه وانتهى الإلغاء إلى توقيع معاهدة جديدة في اليوم السابع من حزيران 1933م أضافت مدة 32 عاماً على مدة المعاهدة الأولى التي كانت ستنتهي عام 1961م.
وكان التقدم الاقتصادي في الدول الأجنبية آنذاك يحتاج إلى النفط، ولذلك كانت أهمية النفط تزداد يوماً بعد يوم وكانت عيون المستعمرين في العالم تتجه إلى النفط الإيراني. ومع سقوط دكتاتورية رضا شاه أخذت الاعتراضات من قبل الشعب مجرى آخر، وبدأت صرخات الحرية تنطلق على الاستعمار من فم الدكتور مصدق في المجلس الرابع عشر.
وبدأ الدكتور مصدق بتحدي الأعمال الاستغلالية والنفوذ الاستعماري داخل المجلس. وفي اليوم الحادي عشر من كانون الأول 1944 استطاع مصدق أن يحصل في المجلس على تصديق قانون منع إعطاء الأجانب الامتيازات النفطية داخل إيران.
ويوماً بعد يوم كانت حركة تحرير المنابع النفطية تزداد داخل المجلس، كان المستعمرون يحاولون كل يوم أن يقمعوا هذه الحركة. ومع تنامي هذه النهضة داخل المجلس، صادق المجلس على قانون يتضمن بأن على الحكومة أن تجري استفتاءً على جميع الأعمال التي تؤثر على الحقوق الوطنية للشعب كالنفط وغيره من الثروات الوطنية.
وبتوسع النهضة الشعبية في وجه الاستعمار مع بدء الانتخابات للدورة السادسة عشرة للمجلس، بدأ مصدق نضالاً جديداً فإنه وأعوانه أخذوا يعترضون على سير الانتخابات للدورة السادسة عشرة ولهذا السبب بدأ الإضراب عن الطعام في تشرين الأول 1949م. وبعد إلغاء الانتخابات الأولى جرت انتخابات ثانية في آذار 1949م ومن هذه الانتخابات دخل مصدق وأعوانه إلى المجلس. وفي هذه الدورة شكلت لجنة لمراقبة النفط وترأسها مصدق نفسه.
ولمقاومة ما يجري عملت الإمبريالية البريطانية وعملاؤها في الداخل على اختيار (رزم آرا) رئيساً للوزراء وكان أملهم برئيس الوزراء الجديد أن يساعدهم على إنهاء قضية المعاهدة الملحقة بمعاهدة النفط البريطانية التي كان يقوم بها الوطنيون وعلى رأسهم مصدق.
وبعد الدراسة والتحقيق اللذين أجرتهما لجنة مراقبة قوانين النفط على هذه المعاهدة الإلحاقية أعلنت معارضتها ورفضها لهذه المعاهدة وبسبب هذه المعارضة طرحت قضية تأميم النفط من قبل النواب الوطنيين في المجلس وبعدما رأى رزم آرا رئيس الوزراء الجديد المعارضة الشديدة من النواب الوطنيين وعلى رأسهم مصدق وكذلك المعارضة الشعبية ولأجل إيقاف البحث في موضوع تأميم النفط داخل المجلس عمل على سحب المعاهدة الملحقة ووعد بمشروع جديد يحفظ حقوق الشعب والثروة النفطية وهذا المشروع كان يقرر تقسيم العوائد النفطية بنسبة مناصفة بين الدولة وبين شركة النفط البريطانية، وكانت قضية تأميم النفط على لسان كل إيراني وكان هذا يعطي قدرة أكبر للوطنيين للاستمرار في العمل لتحرير الثروة النفطية من أيدي المستعمرين البريطانيين.
وفي اليوم السادس عشر من آذار 1950م اغتيل رئيس الوزراء رزم آرا. وفي النهاية وبعد تحمل الشدائد انتصرت الإرادة الشعبية وانتصر مصدق واعوانه بعد أن تمت الموافقة في المجلس على دراسة تأميم النفط في اليوم الرابع عشر من آذار 1950م.
ولمعرفة جميع القوى الفعالة التي ساهمت في تأميم النفط، علينا أن نذكر حزب توده الشيوعي: في الدورة الرابعة عشرة عارض نواب هذا الحزب مصدق عندما أعلن عن قانون تحريم إعطاء الأجانب أي امتيازات أو صلاحيات للتنقيب على المصادر الطبيعية في البلاد.
وفي الدورة العاشرة أعلنوا موافقتهم على قانون يعطي صلاحيات للروس للتنقيب على النفط الشمالي بينما عارض مصدق هذا القانون بشدة. وكانوا يعللون موافقتهم هذه بأنه عندما يكون للإنجليز صلاحيات في جنوبي إيران فلماذا لا تعطى صلاحيات للروس في شمال إيران كذلك.
الأمبريالية الأميركية التي كانت تحاول لمدة طويلة الدخول في المنافسة مع البريطانيين والروس لنهب الخيرات النفطية داخل إيران، استفادت من أحداث 1945 ـ 1946م فاستطاعت بمعاونة عملائها في الداخل أن تسيطر على بعض المؤسسات وبدأت بأخذ نصيبها من النفط الإيراني.
كان حزب توده يعتقد بأن فكرة تأميم النفط ناتجة عن تضاد في سياسة الدول الأمبريالية لذلك كان يرى بأن نهاية هذا الصراع سوف تكون لصالح إحدى هذه الدول. ولهذا عارض مشروع تأميم النفط ورفع شعار إلغاء صلاحيات الإنجليز في الجنوب. وبعد تداول قانون التأميم بين هذه اليد وتلك اليد، وفي اليوم العاشر من أيار عام 1951م تم التصديق على القانون وفي اليوم الثالث عشر من أيار 1951م تم التصديق على قانون تنفيذ التأميم الذي كانت الموافقة عليه شرط مصدق لقبول منصب رئاسة الوزراء.
وكان أمام مصدق طريق شاق بعد قبول منصب رئاسة الوزراء إذ كان عليه أن يتم إجراءات التأميم وأن يواجه الأمبريالية البريطانية وأعوانها في الداخل بعد هزيمتها في قضية التأميم وأن يواجهها كذلك في العالم كله لإثبات حق الشعب الإيراني كما كان عليه أن يواجه الأمبريالية الأميركية الجديدة التي كانت تسعى للاستفادة من قانون تأميم النفط لصالحها، وكان عليه حل المشكلات الاقتصادية في البلاد مع العلم بأنه لم يكن من المستطاع الاتكال على موارد النفط، وأخيراً كان عليه النضال ضد حزب توده الشيوعي الذي كان يخلق المشاكل دائماً لمصلحة الروس.
وفي اليوم التاسع والعشرين من حزيران عام 1951م تم قطع كل صلة بشركة النفط البريطانية بعد أن كانت بريطانية قد تقدمت في اليوم الرابع عشر من حزيران بشكوى على إيران في محكمة لاهاي الدولية.
وللاستفادة من النفط المؤمم بعثت أميركا المستشار هريمن للتباحث مع إيران، ولأنه لم تكن النية من تأميم النفط هي إبعاد مستعمر والإتيان بمستعمر آخر فشلت مهمة هريمن.
وبعدما رأت بريطانية التدخل الأميركي قبلت بموضوع تأميم النفط، ولحل المشكلات بينها وبين إيران بعثت ميسيون استوكس إلى إيران ولكن استوكس فشل أيضاً في مهمته وترك إيران بدون نتيجة. وبعد هذا الفشل تقدمت بريطانيا في تشرين الأول 1951م بشكوى في مجلس الأمن على إيران، وفي الوقت ذاته أخرج مصدق جميع المستشارين والتقنيين البريطانيين من إيران. وبعد تقديم الشكوى على إيران عملت بريطانيا على منع شراء النفط الإيراني من الدول الأوروبية وبدأ الحصار الاقتصادي على إيران، وبعد ذلك بدأت بريطانيا بمساعدة عملائها بالدس في صفوف الوطنيين لضربهم.
يقول مصدق في إحدى خطبه: بعد هذه المؤامرة: «…. يوجد لبريطانيا عملاء في المجلس، ولبريطانيا عملاء في الدولة، ويوجد لبريطانيا عملاء في الجامعة، ويوجد لبريطانيا عملاء في البلاط الملكي، ولذلك يكون لبريطانيا عملاء في كل مكان» ومن جراء هذه المؤامرة عمل مصدق في الأول من شباط 1952م على إغلاق القنصليات البريطانية في إيران وبهذا تكون محافل الجاسوسية البريطانية قد أغلقت. وفي شباط 1951م جرت الانتخابات للدورة السابعة عشرة وفي هذه الدورة استطاع عملاء الأمبريالية والرجعيون أن يسيطروا على مقاعد كثيرة في المجلس.
انتفاضة الثلاثين من تموز
في اليوم السابع من حزيران سافر مصدق مع هيئة وزارية إلى لاهاي للدفاع عن حقوق الشعب الإيراني أمام محكمة العدل الدولية وهناك في لاهاي استطاع أن يرفع الستار عن المؤامرات الاسعمارية للدولة البريطانية وشركة النفط التابعة لها. وعندما كان مصدق في لاهاي، عملت الدولة البريطانية على توقيف سفينة إيرانية حاملة للنفط كانت متوجهة إلى إيطاليا في عدن للضغط على إيران اقتصادياً أو مثلما كانت الدولة البريطانية تقول: «سوف نصبر إلى أن يجبر الوضع الاقتصادي مصدق على الاستقالة وبعد ذلك تأتي حكومة جديدة نستطيع أن نتباحث معها بشأن القضية النفطية».
وبعد رجوع مصدق من لاهاي في الرابع عشر من تموز أعلن المجلس النيابي عن استعداده لبدء انتخاب رئيس جديد للوزراء فكان على مصدق أن يستقيل من منصبه حتى يتم انتخاب رئيس وزراء جديد. وبعد المحاولات والمشاورات انتخب مصدق مرة أخرى بأكثرية قليلة.
وفي اليوم الثاني والعشرين من تموز وفي جلسة للمجلس، طلب رئيس الوزراء من المجلس صلاحيات خاصة لمدة ستة شهور لإصلاح الأوضاع المالية، والاقتصادية، والقضائية وغيرها مما اعتبره أمراً ضرورياً فوافق عدد من النواب على هذ الصلاحيات ورفضها عدد آخر.
وفي اليوم الخامس والعشرين من تموز وبعد لقاء دام ثلاث ساعات مع الشاه. قدم الدكتور مصدق استقالته من منصب رئاسة الوزراء وجاء في كتاب الاستقالة ما يلي: «في الخامس والعشرين من تموز بمحضر مبارك من الشاه أعلنت استناداً إلى التجارب السابقة إننا نعلم أن مصلحة البلاد في هذا الوقت الحساس تحتاج إلى أن تكون وزارة الدفاع بيد رئيس الوزراء أي بيدي شخصياً وهذا الأمر لا يوافق عليه الشاه.
ولكنا نأمل بأن تكون الحكومة القادمة معتمدة كلياً من قبل الشاه وتستطيع أن تنفذ أوامراه بالطريقة الصحيحة. وفي الوقت الحاضر ومع هذا الوضع الحساس ليست هناك أي إمكانية لإنهاء الانتفاضة الشعبية بالانتصار الذي كنا نأمله لهذه الحركة».
كان الدكتور مصدق يقول بأني أنا رئيس الوزراء واستناداً إلى الدستور يجب أن أعين أنا وزير الدفاع وأن أكون مشرفاً على أعمال الوزارة كلها. لذلك الوقت كان الشاه شخصياً هو الذي يعين وزير الدفاع وكانت الوزارة تنفذ أوامره هو وحده وهذا كان ليس بسبب عدم معرفة الحكومة بما يجري في الوزارة فحسب بل لم يكن لها أي سلطة على القادة العسكريين عامة وعلى أركان الجيش خاصة. وبسبب هذه الأوضاع استقال الدكتور مصدق من منصب رئاسة الوزراء.
وفي اليوم السادس والعشرين في تموز بضغط من الشاه صادق المجلس في غياب النواب الوطنيين على تكليف (قوام السلطنة) بمنصب رئاسة الوزراء وفي اليوم الثاني أعلنت موافقة الشاه على ذلك وأرجع إليه لقب جناب أشرف الذي كان قد سحب منه بعد حوادث منطقة آذربايجان وكان قوام السلطنة خارج إيران فرجع إليها لتسلم المنصب.
وكان اختيار قوام السلطنة للرئاسة قد تم ترتيبه في الخارج بتوافق أمريكي بريطاني، وفي هذا المضمون كتبت جريدة (باري برس الفرنسية) قبل عشرين يوماً من انتفاضة الثلاثين من تموز بأن المرشح الوحيد لدى بريطانيا وأميركا هو قوام السلطنة لأنه كان يعتقد الدبلوماسيون البريطانيون لا يوجد بعد سقوط مصدق من يستطيع أن يهدئ الانتفاضة الشعبية ويقمعها ويفتح علاقات جيدة مع الغرب سوى قوام السلطنة.
وفي اليوم الذي كانت تجري فيه انتخابات رئاسة الوزراء (الخميس 26/تموز/1952م) أصدر الحاكم العسكري الذي كان يعمل بإمرة الشاه، منشوراً شديد اللهجة لحفظ الأمن في البلاد وبعد ذلك دخل الجيش بدباباته وآلياته الشوارع وحاصر المجلس. وكان قوام السلطنة بعد تسلمه منصبه الجديد أصدر بياناً عنيفاً إلى الشعب توعد فيه بأيام سود إذا لم يطيعوا أوامره.
وجاء في بيان قوام السلطنة: «… أصاب إيران جرح عميق ولا تفيد الأدوية المسكنة في هذا الوقت …. أنا في الوقت الذي أحترم وأقدر التعاليم الإسلامية لا أجمع الدين مع السياسة أبداً وسوف أقف بوجه نشر كل الخرافات والعقائد المزورة …. الويل ثم الويل لمن يريد أن يعرقل أعمالي أو يريد أن يقف في طريقي أو يريد أن يخل بأمن البلاد …. إن مثل هؤلاء الأشخاص أقمعهم بشدة وسوف لا أرحمهم، حتى أنه من الممكن أن أشكل بتصويت من المجلس محاكم ثورية ومن خلالها أعدم المئات يومياً وأحيل أيامهم إلى سواد …. أنا أحذر جميع الشعب بأن أيام العصيان قد ذهبت وجاءت أيام الطاعة لأحكام وقوانين الحكومة. طهران 27 من تموز 1952م ـ رئيس الوزراء قوام السلطنة».
بعد انتخاب قوام السلطنة دعا ثلاثون من نواب مجلس الشعب الإيراني إلى المقاومة والتصدي للحكومة الجديدة جاء في بيانهم: »…. أيها الشعب الإيراني لأجل إعلام الدول الأجنبية بأن هذه النهضة الوطنية ستستمر إلى الهدف النهائي وهو الحرية والنجاة من أيادي المستعمرين نعلن عن إضراب عام في جميع إيران يوم الاثنين الثلاثين من تموز 1952م».
ورداً على بيان قوام السلطنة وفي لقاء صحفي قال السيد أبو القاسم الكاشاني: أيها الإخوة الأعزاء:
كان سعينا لقطع أيادي الكفر والاستعمار ومحو آثار الاستغلال من بلادنا لنعيش في حرية واستقلال، ولكن السياسة الاستعمارية ضربت هذه الحكومة وأسقطتها وهم يريدون أن ينصبوا شخصاً تربى في أحضان الديكتاتورية والاستغلالية وعمل بالظلم والجور، وقد اختبر مراراً وأصدرت المحكمة الشعبية حكمها بإعدامه وقطع حياته السياسية.
يجب أن نعلم أحمد قوام بأن الشعب الذي تحمل الشدائد والمصائب وبذل دمه في سبيل الحرية، لا يهدد بالقتل العام والاختناق الفكري …. إنني أطلب من الشعب المسلم بصورة صريحة أن يسير بطريق الجهاد ليثبت للمستعمرين بأن سعيهم إلى التسلط على الحكم قد انتهى، وأن الشعب الإيراني المسلم لا يسمح أبداً للمستعمرين الأجانب أن يعبثوا باتسقلاله وأن يبدلوا العزة والشرف اللذين نالهما بنضاله المخلص إلى سقوط وذلة …».
وكان الشعب الإيراني وبمجرد اطلاعه على استقالة الدكتور مصدق بدأ الإضراب، وأكثر المحلات وقسم من السوق (البازار) أغلق أبوابه وبدأت التصادمات بين الشعب والشرطة. وكان العسكريون من مشاة وغير مشاة يضربون الناس بالهراوات لتفريقهم وكذلك شاركت القوة الجوية فكانت طائرات حربية تحوم حول المظاهرات وكذلك كان المجلس محاطاً بالدبابات.
ولم تكن الإضرابات والتظاهرات منحصرة في طهران فقد كتبت وكالة أسوشيتدبرش بأن تظاهرة شعبية ضخمة انطلقت في عبادان، وكذلك في جميع المدن الإيرانية. ومن جهة ثانية فقد كان يصل من مختلف المدن الإيرانية إلى طهران عدد كبير من البرقيات التي تندد بحكومة قوام السلطنة وتدافع عن مصدق إلى أن وصلت الحالة إلى أن امتنعت وزارة المواصلات وخلافاً للدستور والقوانين الدولية عن توزيع البرقيات وإيصالها إلى أصحابها.
وفي يوم 28/تموز/1952م طلب قوام السلطنة صلاحيات استثنائية من الشاه لقمع الانتفاضة الشعبية وفي اليوم التاسع والعشرين طلب من الشاه قبول استقالته أو حل المجلسين (النواب والشيوخ) ووعد الشاه بأنه إذا جرت الأمور نحو الأسوأ ولم تهدأ الحالة فسوف يأمر بحل المجلسين وأمر قوام السلطنة أن يستفيد من الجيش لقمع الحركة الشعبية.
وفي هذا الوقت دعا حزب توده الذي لازم الصمت منذ اليوم السادس والعشرين من تموز أعوانه إلى الالتحاق بالانتفاضة والقيام على قوام السلطنة. وبهذه الصورة استمرت الانتفاضة الدموية للشعب الإيراني.
وتوسعت الانتفاضة واشتد النضال في طهران في اليوم التاسع والعشرين من تموز وازداد عدد الجرحى والقتلى، وازداد الوجود العسكري في الشوارع.
وصباح يوم الثلاثين من تموز، كانت مدينة طهران مضربة وجميع أبواب المحلات مغلقة، والجموع البشرية نساء ورجالاً في الشوارع المركزية في تظاهرات منظمة يهتفون بشعارات ضد الحكومة وكانت الشرطة والجيش متمركزين في مراكزهم ومتأهبين للمواجهة. وأول مواجهة حصلت في السابعة صباحاً عندما أصابت رصاصة ذراع شاب في سوق طهران، وبدأت الانتفاضة تتوسع لحظةً بلحظة.
ولم تكن الجموع البشرية العظيمة لتنكسر وكانت تتقدم في سيرها وهي تهتف في كل مكان: «الموت أو مصدق»، «مصدق هو المنتصر»، «الموت لقوام السلطنة». وحدثت صدامات بين الطلاب الجامعيين والجيش أمام درب الجامعة وبدأ الاشتباك باليد وجرح عدد من المشتبكين. وبعد هذا الاشتباك وصل الهاتفون بالنصر لمصدق إلى ميدان بهارستان. وتجمعت الجموع البشرية التي كانت تلبس أكفاناً في ميدان بهارستان. وأصبح بهارستان وناصر خسرو وجميع الشوارع المركزية ميادين للشهادة. العسكريون المشاة والدبابات والآليات والشرطة كلهم كانوا يهجمون على الجماهير ويريقون دماءهم.
وكانت قعقعة الأسلحة تُسمع في كل مكان وتمتزج مع صيحات الانتصار لمصدق. وفي كل مرة كان الجيش يشن هجوماً على المتظاهرين كانت هناك أعداد من الشهداء يسقطون في دمائهم وفي نفس الوقت كانت الحشود المتجمعة في الشوارع تهاجم بالوسائل التي تملكها الجيش وأعوانه من السافاك. الجرحى في كل مكان، القتلى في كل مكان والدم يغطي أكثر الشوارع في بهارستان، وأكباتان، وناصر خسرو وسوق طهران الكبير.
لم تكن هذه الاشتباكات في طهران فقط بل في كل المناطق الإيرانية حيث بدأ الناس بالمقاومة والتصدي للحكومة قبل أيام من ثورة الثلاثين من تموز. وجميع الشعب شارك في الإضراب وفي المقاومة، طهران، مشهد، عبادان، كرمان، شيراز، تبريز، كلما كان رصاص الجيش والسافاك يكثر على الشعب كانت حماسة الشعب تزداد بالخشب والحجر والأشياء الاخرى الخفيفة. لقد ثار الناس وانطلقوا نحو الشهادة.
مع تصاعد الثورة وقعت حالات كثيرة من التمرد والعصيان داخل الجيش فكان الضباط الشباب يمتنعون عن إصدار أوامرهم إلى الجنود لضرب الشعب ومع الوقت أصبح هذا التمرد شائعاً في كل مكان. فبعد الشهداء والجرحى والدماء التي كانت منتشرة على الأرض لم يكن باستطاعة الجيش والشرطة إعطاء أوامر بضرب الشعب وإمطارهم بالرصاص. فانقسم الجيش وانقسمت الشرطة ولم يَعُد بإمكانهم التصدي للشعب الذي كان يقاتل بأياديه. فتقدم الشعب ولحظة بعد لحظة كان التقدم يزداد وفي النهاية انتصر الشعب وخسرت السلطة أمام إصرار الشعب ومقاومته.
فأصدرت الإذاعة بياناً يقيل قوام السلطنة من منصبه، ومرة ثانية ينتصر مصدق في 30 من تموز ويرجع إلى القدرة ليواصل نضاله مع الشعب المكافح.
وفي الساعة السابعة من بعد ظهر يوم الثلاثين من تموز بدأت حشود الشعب تذهب إلى بيت الدكتور مصدق. قال الدكتور مصدق وهو يبكي «يا ليتني مت قبل أن أرى الشعب هذا اليوم في هذه المآتم» ثم قال «أيها الشعب أقولها بصراحة إنكم لم تكونوا مستقلين أبداً قبل هذا اليوم ولكن بشجاعتكم وجهادكم استطعتم أن تُرجعوا استقلالكم إليكم …».
وفي يوم 31 تموز 1952م لم يكن للجيش أو الشرطة أثرٌ في الشوارع، لأنه لم تكن لديهم الجرأة للظهور بعد حوادث اليوم الماضي كان حفظ الأمن والانتظام هذا اليوم بعهد(ة) بعض الشباب المؤمن الذين وضعوا شرائط سوداء حول سواعدهم ومع كل الاجتماعات الجانبية والخطابات الثورية في الشوارع لم يحصل أي شيء يخلُ بالأمن والاستقرار.
وفي الساعة التاسعة من صباح يوم 31 تموز عقد المجلس النيابي جلسة سرية بحضور 64 نائباً ومن بين هؤلاء النواب انتخب 61 نائباً الدكتور مصدق رئيساً للوزراء.
وفي هذا المجال وفي رسالة تعزية للشعب موجهة من الحكومة الجديدة. أعلنت الحكومة أسفها للحوادث التي وقعت في البلاد يوم الثلاثين من تموز.
وفي النهاية كان يوم الثلاثين من تموز عام 1952م يوم انتصار آخر للشعب الإيراني، وفي نفس اليوم وصل حكم محكمة لاهاي إلى إيران حيث أقرت هذه المحكمة حق الشعب الإيراني على حقوقه في امتلاك ثرواته الطبيعية، وكان هذا الخبر مكمّلاً لانتصار الشعب في ثورة 30 من تموز.
بعد إذاعة خبر محكمة لاهاي وخبر انتصار ثورة الثلاثين من تموز أعلنت (رويتر) بأن بريطانية أصبحت يائسة جداً إزاء قضية النفط الإيرانية وأن الحكومة تعتبر بأن حكومة مصدق أصبحت بعد هذين الانتصارين أقوى بكثير.
جاء في جريدة نيواستيسمن في العدد الصادر يوم 1/آب/1952م وضمن الإشارة إلى ثورة الثلاثين من تموز بأنه بعد الأحداث التي وقعت داخل إيران ليس من الممكن رجوع الشركة البريطانية للنفط إلى إيران.
وكذلك كتبت جريدة يني صباح التركية في عددها الصادر 4/آب/1952م، «كان من المستحسن على راديو أنقرة الذي بدأ منذ ابتداء قضية تأميم النفط داخل إيران بالدعاية لبريطانيا على حساب الشعب الإيراني أن يأخذ درساً من القاضي البريطاني في محكمة لاهاي الذي أصدر حكماً ضد دولته».
تحت تأثير ثورة الثلاثين من تموز وبسبب التدخلات المباشرة للقضاء على ثورة الشعب، أبعدت الملكة الأم والأميرة الأخت أشرف من إيران وأُغلقت جميع المكاتب التي كانت قد أسستها الأميرة وغيرها من أفراد العائلة المالكة ومنع الجميع من الاتصال بالإدارات الحكومية.
وكما ذكرت (رويتر) فإن الأميرة الأخت التي كانت قد دخلت إلى طهران في يوم 15 تموز/ 1952م لإضعاف حكومة مصدق وإسقاطه من منصبه، تركت طهران متوجهة إلى روما في يوم 9 آب/ 1952م وكذلك وللمرة الأولى تم تفتيش حقائب سفرها من قبل رجال الجمارك والأمن.
وفي نهاية الجلسة الاستثنائية التي عقدها المجلس النيابي أقرّ المجلس أن ثورة الثلاثين من تموز هي ثورة وطنية وأن شهداء ذلك اليوم هم شهداء طريق الحرية والاستقلال وكذلك أقر قانون صلاحيات الدكتور مصدق.
قانون ثورة الثلاثين من تموز
المادة الأولى: تنفيذ القانون المتعلق بقانون إعطاء الصلاحيات لمدة ستة أشهر إلى رئيس الوزراء الدكتور مصدق الذي تمت المصادقة عليه من قبل مجلس الشيوخ والمجلس النيابي في الجلسة المنعقدة بتاريخ 20 آب 1952م.
المادة الثانية: الهيئة الوزارية مكلفة بتنفيذ هذا القانون. التاريخ 21 آب 1952م.
انقلاب 28 مرداد (19 آب)
استطاعت وكالة المخابرات الأميركية (CIA) عام 1953م، من خلال انقلاب داخل إيران أن تسقط حكومة الدكتور مصدق وأن تثبت سلطنة محمد رضا شاه، ولكن هناك أقلّية معدودة يعلمون بأن العامل الأساسي في هذا الانقلاب الذي استطاع إسقاط الحكومة الإيرانية آنذاك.
هو حفيد تئودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي كان جاسوساً أمريكياً يعمل لحساب وكالة المخابرات الأمريكية.
اسمه كرميت «كيم» روزفلت وهو الحفيد السابع لروزفلت ولا تزال وكالة المخابرات الأمريكية تشيد به تقديراً لأعماله القيمة التي أنجزها في إيران. اشتهر في الوكالة بلقب «سيد إيران» إحدى القصص الخيالية التي تُنقل داخل وكالة المخابرات الأمريكية عن كرميت أنه استطاع أن يغير على طهران ويسقط حكم مصدق بهجوم مباغت بسلاحه الرشاش على رأس كتيبة مدرعة من الدبابات.
يصف أحد عملاء وكالة المخابرات الأمريكية الذي له اطلاع على أوضاع إيران هذه القصة بأنها خيالية وقال في الواقع إن كرميت كان يدير هذه العملية من داخل ملجأ خفي بعيداً من محيط السفارة الأمريكية، وأضاف بأن هذه العملية تشبه بعمليات جيمس بوند السينمائية.
كان الجنرال فضل الله زاهدي الذي توفي في سبتامبر 1963 عن عمر يناهز 67 عاماً منتخباً من وكالة المخابرات الأمريكية لخلافه مصدق.
اخْتُطفَ زاهدي من قبل البريطانيين لأنهم كانوا يعتقدون بأنه أحد عملاء النازية الألمانية.
وعندما احتلت بريطانيا والاتحاد السوفييتي إيران في الحرب العالمية الثانية وبعد خطف زاهدي أعلن العملاء البريطانيون أنهم وجدوا الأشياء التالية في غرفته «ألبوم من الأسلحة الرشاشة الألمانية، ملابس داخلية حديدية، رسائل من المظليين الألمان الذين كانت لهم فعاليات في الجبال وكذلك ألبوم صور للمومسات المعروفات مع كامل أسمائهن وعناوينهن».
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ زاهدي بالصعود على سلم السياسة بسرعة فائقة. وفي عام 1951م عندما تسلم الدكتور مصدق منصب رئاسة الوزراء، حصل زاهدي على منصب وزارة الدولة.
في بادئ الأمر، أمم مصدق شركة النفط الإيرانية البريطانية وصادر معامل تكرير البترول التي كانت تطل على الخليج الفارسي.
تسبّب إغلاق مراكز التكرير النفطية التابعة لها وجود عمال كثيرين بدون عمل، وهكذا دخلت إيران في مرحلة اقتصادية صعبة.
بريطانيا، وبمعاونة بقية الدولة الغربية، استطاعت أن تضغط على إيران من خلال منع بيع وشراء النفط الإيراني وكذلك لم يكن بمقدرة المهندسين الإيرانيين تشغيل المعامل بطاقاتها الكاملة بدون مساعدة المهندسين البريطانيين.
وكان تحالف الدكتور مصدق مع حزب توده الشيوعي سبّب انزعاج الغربيين لخوفهم من تسلط الشرق على النفط الإيراني.
ومن هنا بدأت المؤامرة لإسقاط مصدق ونصب زاهدي من بعده على يد وكالة المخابرات الأمريكية بشخص كيم روزفلت.
وكالة المخابرات الأمريكية
أنفقت الملايين من الدولارات
اتفقت بريطانيا وأمريكا على إسقاط حكومة مصدق. وعلى أساس تنبؤات وكالة المخابرات كانت جميع الشروط مناسبة لهذا الإسقاط. أعطيت القيادة الفعلية إلى كرميت روزفلت الذي كان يعتبر من أبرز العملاء في الشرق الأوسط آنذاك.
دخل كرميت روزفلت إلى إيران، بالسيارة واصلاً إلى طهران ثم اختفى. ولمعرفته بأوضاع إيران ومقدرة اتباع مصدق الذين كانوا يلاحقونه في كل مكان، كان يغير مكان إقامته باستمرار.
وكان يدير العملية من مكان بعيد عن محيط السفارة الأمريكية وكان يساعده على ذلك خمسة جواسيس أمريكيين متمركزين داخل السفارة وإضافة إلى ذلك سبقه عملاء متخفّون ينتسبون إلى وكالة المخابرات الأمريكية.
ومن جملة هؤلاء السبعة إيرانيان متمرنان على أمور التجسس ومع أن هذين الإيرانيين رافقا كرميت إلى آخر العملية لكنه لم يقابلهما شخصياً أبداً.
وعندما كانت المؤامرة في مراحل التهيئة، دخل الجنرال أ ـ ج ـ نورمان شوارزكوف إلى إيران وكان من أصدقاء عائلة زاهدي وبرر زيارته لإيران بأنها لتوثيق العلاقة القديمة بينه وبين عائلة زاهدي ولكنه كان في الحقيقة جزءاً من المخطط الذي أعدته وكالة المخابرات الأمريكية لإسقاط مصدق.
وفي اليوم الثالث عشر من آب أصدر الشاه مرسوماً أعلن فيه إعفاء مصدق من منصبه وتنصيب الجنرال زاهدي بدلاً منه.
أوقف الدكتور مصدق الضابط الذي جاءه بمرسوم الشاه.
وخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع وقام بتظاهرات واسعة. ومع تزايد غضب الشعب، هرب الشاه مع زوجته ثريا جواً من قصره على سواحل بحر خزر إلى بغداد وخلال يومين كاملين كانت إيران في حالة اضطراب ومصادمات وانقطعت اتصالات كيم روزفلت بعملائه الإيرانيين.
ثم سافر الشاه من بغداد إلى روما وهناك التقى دالس رئيس وكالة المخابرات الأمريكية آنذاك. وحاولت أشرف أخت الشاه أن تعمل على ترتيب مؤامرة دولية لإسقاط مصدق ولكن الشاه لم يوافق على هذه المؤامرة. وهنا استلمت القوى الشيوعية الأمن في شوارع طهران وأقام الشيوعيون الحفلات لهذه المناسبة. وكذلك تم إنزال تماثيل الشاه من الميادين.
بدأت مخالفة أوامر الدكتور مصدق بشكل مفاجئ وبدأ الجيش باعتقال المتظاهرين. ومن الملجأ أمر كيم روزفلت عملاءه صباح يوم التاسع عشر من آب بإنزال العملاء إلى الشوارع.
وذهب عملاء روزفلت إلى أحد الأندية الإيرانية وهناك اجتمعوا مع العناصر المخربة وكانوا من المصارعين ولاعبي الجمباز وغيرهم من الرياضيين فتوجهت هذه العناصر إلى سوق طهران الكبير وهناك نظموا التظاهرات المعادية لمصدق وكانت أحجام التظاهرات تتزايد بسرعة وعند منتصف اليوم تقريباً بدا واضحاً بأن مصدق قد خسر هذه المعركة ولا يوجد أي شيء يمكن أن يغير هذه الحالة.
ولا شك أن سيطرة الشيوعيين على الموقف هو الذي أخاف الناس وحول الكثيرين منهم إلى هذه التظاهرات خشية تحول الأمر إلى انقلاب شيوعي.
خرج زاهدي من ملجئه واستلم زمام الأمر ورجع الشاه من إيطاليا، وسُجِنَ مصدق وتم إعدام رؤساء حزب توده الشيوعي.
وفي هذه الحوادث العصيبة استطاعت بريطانيا استرداد سلطتها على النفط الإيراني ولكن ليس بمفردها. وفي آب 1958م استطاعت إحدى الشركات النفطية الغربية الكبيرة أن توقع عقداً نفطياً مع إيران وعلى أساس هذا العقد، يخصص 40 % من أسهم شركة شركة النفط الإيرانية إلى شركة إيران وبريطانيا النفطية السابقة، 40 % من الأسهم إلى شركات النفط الأمريكية: كلف أويل، استاندارد أويل أف نيوجرسي وكاليفورنيا، شركة نفط تكساس وسكوني موبيل، 14 % من الأسهم إلى الشركة الهولندية النفطية و6 % من الأسهم إلى الشركة الفرنسية فرانسو دو بترول. وفي المقابل يخصص نصف الأرباح إلى إيران. وكذلك يجب على إيران دفع مبلغ سبعين مليون دولار إلى شركة نفط إيران وبريطانيا السابقة لخسارتها بسبب الحوادث التي جرت في إيران.
ومما لا بد من ذكره هنا أن الولايات المتحدة لم تعلن عن دور وكالة المخابرات الأمريكية في هذه المؤامرة أبداً ولكن دالس رئيس وكالة المخابرات الأمريكية سابقاً أعلن بشكل غير مباشر في برنامج تلفزيون عام 1962م بعد تقاعده من منصبه عن دور وكالة المخابرات في هذه المؤامرة عندما سئل عن ذلك الدور وعن الأقاويل التي تردد بأن الوكالة أنفقت الملايين من الدولارات لجلب الناس إلى الشوارع والقيام ضد مصدق.
قال دالس: «بالنسبة إلى الادعاءات بأننا أنفقنا ملايين الدولارات فليس لها أي أساس».
وكذلك ذكر دالس في كتابه «فن المخابرات» عن هذا الموضوع قائلاً:
«قُدِّمت مساعدات خارجية إلى مناصري الشاه» ولم يذكر أبداً الدور المباشر للوكالة في هذه المؤامرة.
قضية استقالة مصدق
التي تقدم ذكرها
ذهب مصدق في يوم الأربعاء المصادف 16 يوليو 1952م في تمام الساعة الحادية عشر صباحاً إلى القصر الملكي في سعد آباد للتباحث مع الشاه.
تباحث مصدق والشاه حول القضايا الدولية والمسائل الداخلية ومسألة انتخابات الهيئة الوزارية التي يرأسها، فأخرج مصدق من جيبه ورقة بأسماء الوزراء ليتشاور مع الشاه بشأنهم.
نظر الشاه إلى الورقة بدقة تامة وكان يطلب التفاصيل الدقيقة حول الوزراء المرشحين فرداً فرداً فكان يسأل عن الخصوصيات الشخصية، العمر، الخصوصيات الأخلاقية، السياسية، العقائدية للأشخاص.
وبالدقة التي كان الشاه ينظر بها إلى الأسماء، كان مصدق ينظر بدقة تامة إلى عيون الشاه فمن خبرته السياسية الطويلة التي تقدر بخمسين سنة كان يعرف رأي الشاه حول كل شخص من نظراته وحركاته إلى أن سأله:
إذا من سوف يستلم منصب وزارة الدفاع؟.
أجاب مصدق: سوف أستلمها أنا.
بعد فترة وجيزة سأله الشاه: ألم تعثر على شخص معتمد لدينا ليتسلم هذه الوزارة أم لك نظرة خاصة حول هذا الموضوع؟
فأجاب مصدق بصراحة كاملة: «أصبحت وزارة الدفاع هذه الأيام كدولة داخل الدولة، فهي لا تُعطي لكلامي أية أهمية وفي الانتخابات لا تنفذ أوامري، وتكلمت معكم مراراً حول هذا الأمر وأصدرتم أوامركم ولكن في الواقع لم تنفّذ الأوامر».
وبعد بحث طويل حول هذا الموضوع وأخباره بأنه يتوقع انقلاباً في هذه الأيام قال له «إذا لم تُعهد إليّ وزارة الدفاع فسوف أكون مجبراً لتقديم الاستقالة».
سعى الشاه أن يصرف نظر مصدق عن وزارة الدفاع ولكن مصدق ظل مصمماً وفي النهاية رفض الشاه طلب مصدق فنهض مصدق بحالة عصبية متوجهاً إلى الباب ليخرج ويقدم استقالته وهنا نهض الشاه وأمسك يد مصدق وكان مصدق يمسك الباب باليد الثانية وهنا بدأ الكلام بصوت عال، مصدق يريدُ الخروج ولكن الشاه لا يريد ذلك لأنه يعلم ماذا سوف يكون أثر هذا الخروج على سلطته من الناحية الشعبية.
بعد ذلك ينقل مصدق: «لا أعلم كيف أُغمي عليّ وعندما استعدت وعيي كنت جالساً على الكرسي المريح وبقربي الشاه وعلاء ويزدان بناه ثم أحسستُ بالارتياح عندما شربت كأساً من الماء».
ثم بدأت المذاكرات حول الموضوع ذاته من جديد ولأن مصدق كان مصمماً على الاستقالة قال له الشاه « إن لم أتصل بك حتى الساعة الثامنة بالهاتف فاعلم أني رفضت طلبك، وعند ذلك أفعل حسب رغبتك».
دعا الشاه الدكتور لتناول الغداء ولكن مصدق رفض وعاد إلى بيته عند الساعة الثالثة ظهراً ودخل غرفته وأغلقها من الخلف ورفض استقبال أي شخص.
يقول مكي راوي هذه الوقائع:
ذهبت في الساعة السادسة مساءً إلى بيت يزدان بناه ولكن زوجته أخبرتني بأنه خرج منذ الصباح ولم يعد حتى الآن.
فاستنتجت بأن هناك شيئاً جديداً قد حصل فذهبت مباشرة إلى منزل الدكتور مصدق وعندما أردت أن أدخل إلى غرفته قالت الخادمة: «السيد لا يستقبل أحداً في هذا الوقت» فقلت لها أن تخبره بأن «مكي» هو الزائر.
بعد إخباره بزيارتي فتح باب الغرفة وأذن لي بالدخول. ثم فتح باب الشرفة وجلس وبدأ بالكتابة.
سألني: أين كنت؟
قلت له: كنت في منزل يزدان بناه وزوجته منزعجة لعدم رجوعه إلى الآن.
ثم قال: نعم وبدأ يشرح لي ما حصل معه عند الشاه وفي ختام حديثه قال: «الآن والساعة تقترب من الثامنة مساءً ولم يتصل الشاه بي، فإني مشغولٌ بكتابة ورقة الاستقالة.
وستكون الاستقالة سرية لا يعرف بها أحدٌ».
وعندما قرأت ورقة الاستقالة قلت له: «هل تتصور أن يدعوك الشاه إلى العمل في الدورة الجديدة، إذا كنت تتصور ذلك فأنت مشتبه، لذلك لا يوجد أي مانع أن يعلم الشعب لماذا استقال الدكتور مصدق من رئاسة الوزراء. في هذا الوقت تذكر الدكتور مصدق طريقة كلام الشاه في آخر لقاء كان بينهما وكيف دعاه إلى الغداء. ولكنني أثبت له بالأدلة بأنهم سوف يعتبرونه المسؤول عن استقالته إن لم يعلن للشعب أسباب الاستقالة.
فاقتنع الدكتور مصدق بكلامي وكتب هذا في ورقة الاستقالة وبعث بها إلى قصر سعد آباد الملكي.
ثم بعثني إلى بيت يزدان بناه لأنقل أخباره إلى زوجته وطلب مني عدم كتمان خبر الاستقالة ثم علمت أن خبر الاستقالة قد نُشر في الوزارة، وعلمت أن مصدر هذا الخبر هو العميد كرزن رئيس الستاد الحربي.
فاتصلت حالاً بالدكتور مصدق وأعلمته بموضوع انتشار الخبر وقلت له يجب أن يذاع الخبر في الإذاعة.
ومن بعد ظهر هذا اليوم كانت الإذاعة قد احتُلت من قبل العسكريين وكان قد عُين ضابط خاص لمنع انتشار خبر الاستقالة من الإذاعة لأن إذاعة الخبر يمكن أن تحدث انقلاباً على الشاه وأعوانه.
ولم يكن عند الشعب أي علم بالاستقالة إلى أن عُين الرئيس الجديد للوزارة وعلم الجميع بالاستقالة من خلال خبر نشرته شخصياً في جريدة «باختر أمروز».
وفي اليوم التالي أتي (قوام) إلى الوزارة وبقي في منصب رئاسة الوزراء حتى ثورة الثلاثين من تموز.
عمر البترول من عمر الأرض وآباره
تواصل الإنتاج إلى الأبد
يعرف جميع المتعلمين أن البترول نشأ من كائنات عضوية متحجرة تحت سطح الأرض. وتقول النظرية العلمية المسلّم بها أن أصل النفط طاقة شمسية مختزنة داخل كائنات حية كانت تتغذى على أشعة الشمس قبل ملايين السنين. وتحدّد هذه النظرية، التي تفترض أن النفط طاقة ناضبة، أوضاع صناعة النفط واقتصاده وحتى أسعاره. هذا خطأ في رأي توماس غولد عضو «الأكاديمية القومية للعلوم» في الولايات المتحدة وأستاذ فيزياء الفلك في جامعة كورنيل.
عمر النفط في رأيه أكبر بكثير من 300 مليون عام. فالنفط مركبات كربونية غير عضوية موجودة في أعماق الكرة الأرضية قبل ظهور الحياة بوقت طويل. عمر النفط من عمر الأرض التي كانت قبل أكثر من 4 ملايين سنة «حساء» كونياً يتكوّر على نفسه في مداره اللاحب حول الشمس.
وفي حديث أكد توماس غولد، الذي عمل فترة 7 سنوات في مكتب الرئيس الأميركي لشؤون علوم الفضاء، أن منابع النفط لا تنفد، بل هي في حالة تجدد دائم. ومن أكبر الأدلة على ذلك اكتشاف علماء الجيولوجيا أن بعض آبار النفط في المنطقة العربية تعيد ملأ نفسها باستمرار من الأسفل.
وقال العالم الأميركي أن معظم خبراء النفط كانوا يرددون في السبعينات أن احتياطات النفط ستنفد في حدود عام 1984، «بينما نعرف حالياً أن الاحتياطيات المستكشفة لحد الآن أكثر من أي وقت مضى». كيف ستؤثر هذه النظرية في حال صحتها على أوضاع النفط؟ وما النتائج المترتبة عليها بالنسبة لأسعار النفط في الأسواق الدولية ومستقبل الطاقة العالمية؟
«الحساء الكوني»
تقول النظرية السائدة عن أصل النفط أنه نشأ عن كميات ضخمة من الكائنات المجهرية المتحجرة في صخور رسوبية لا تبعد سوى بضعة كيلومترات تحت سطح الأرض. لكن النفط يحتوي دائماً على نسب مرتفعة من غاز الهليوم ويضم في الوقت نفسه جزئيات ذات أصل عضوي. كيف اجتمعت هاتان المادتان المختلفتان في النفط؟ هذه المعضلة حول الأصل العضوي وغير العضوي للنفط تحير العلماء منذ نحو مئة عام.
وتفسيرها في تقدير توماس غولد أن النفط يتدفق من مواد كربونية غير عضوية ليس على عمق كيلومترات، بل عشرات وربما مئات الكيلومترات.
ويشرح العالم الأميركي في كتابه، الذي صدر هذا العام بعنوان «الكون العضوي العميق الساخن» x كيف يندفع النفط عبر الفجوات العميقة للأرض حاملاً في طريقه ترسبات الحياة العضوية في الطبقات الرسوبية القريبة من سطح الكرة الأرضية. وتواصل هذه المستودعات الكربونية غير العضوية عملها الأبدي في ضخ أطنان النفط وغاز الميثان عبر الفجاج العميقة للكرة الأرضية إلى الطبقة الرسوبية.
من هنا تستخرج الحفارات النفط والغاز الذي يتدفق عمودياً إلى الخارج. وحدث مرات عدة أن استمر التدفق المتفجر إلى ما لا نهاية واضطرت الجهات المسؤولة إلى ردم مواقع انفجاره من باطن الأرض. ويؤكد توماس غولد أن النفط وأنواع الوقود الأخرى ليست كما تُسمى خطأ أحفورية تكونت من متحجرات حيوانية ونباتية. وقد وجدت مادة الكربوهيدرات التي يتكون منها النفط والغاز والفحم خلال المراحل الأولى من عمر الأرض قبل ظهور الحياة، وهي جزء من «الحساء الكوني» الذي احتبس داخل الأرض خلال فترة تكونها قبل أكثر من 4 بلايين سنة.
استقطار الغرانيت
والتجربة أكبر برهان كما يقول التعبير الدارج. وقد أفلح العالم الأميركي في إقناع بعض المستثمرين على تمويل تجارب للحفر إلى أعماق الأرض. جرى ذلك في مناطق صخرية بلورية وغرانيتية حول بحر البلطيق في روسيا، وفي منطقة تُدعى «حلقة سلجان» Ring Siljan وسط السويد. وأمكن في روسيا استخراج 80 برميلاً من النفط الخام من عمق أكثر من 5 كيلومترات في الصخور البلورية، وفي السويد استخرج 12 طناً من النفط الخام على عمق يراوح ما بين 5 و6 كيلومترات من صخور الغرانيت. نجاح غير مجز تجارياً، لكنه يماثل من الناحية العلمية استخراج قطرات دم من الصخور في رأي روبرت ماثيوز، المحرر العلمي لصحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية ويعتقد ماثيوز أن العالم يحتاج إلى أزمة نفط أخرى ليقتنع بنظرية توماس غولد.
معضلة «النفط الخالد»
هل يمكن فعلاً أن يؤثر هذا الاكتشاف العلمي على أوضاع النفط العالمية؟
يقر توماس غولد في حديثه بالتباس الجواب. فالاكتشاف يطمئن في حال صحته في التدفق الأبدي للنفط، لكنه يهدد من ناحية أخرى أسعاره القائمة على أساس أنه مادة ناضبة يمكن أن تُستنزف. الشيء المؤكد لحد الآن أن نظرية العالم الأميركي لم تؤثر على سوق النفط العالمية. والتجارب التي تتحكم بأسعار النفط على أساس الكلفة والعرض والطلب. وما يزال أسهل طريق للنفط المتدفق من الأعماق السحيقة يمر عبر الأرض العربية.
ويقدم التركيز الجغرافي للنفط في المنطقة دليلاً قوياً على نظرية توماس غولد. فتراكم النفط في الشرق الأوسط ومواقع محددة من العالم يناقض الخارطة المتناثرة للحياة على سطح الأرض والأحفورات الناجمة عنها، التي يفترض أنها مصدر النفط والغاز والفحم. كما أن كميات الكائنات الحية المتحجرة في المنطقة ليست كافية قطعاً لتكوين هذا الحجم الجبار من احتياطيات النفط والغاز.
ومعروف أن 90 في المئة من معظم الحياة على سطح الأرض يتكون من ماء و10 في المئة من المواد الهايدروكربونية. ولن تستطيع هذه الكمية المحددة من الكربوهيدرات حتى لو تحولت بالكامل إلى «وقود أحفوري» أن تخلق هذا القدر الكبير من النفط الذي يواصل التدفق منذ أكثر من قرن. وتمثل نظرية توماس غولد ثمرة 50 عاماً من البحث وتتوج بحوثه التي يربو عددها على 280 في ميادين علوم الكون والحيوان والفيزياء والفلك.
وأحدثت النظرية صدمة في الأوساط العلمية على جانبي المحيط الأطلسي، واعتبرت ضرباً من الهرطقة، على رغم انتخابه عضواً في الأكاديمية الملكية للعلوم في بريطانيا «رويال سوسايتي». وكان من الممكن أن تهمل هذه النظرية كلّية لو لم يكن اسم مؤلفها مرتبطاً باثنين من أعظم التطورات في علم الفلك في القرن الحالي، وهما «نظرية الوضع الثابت للكون» واكتشاف «النجوم الخانسة» Pulsars.
محمد عارف
بِجِسْتان
مدينة من توابع كناباد في محافظة خراسان، تقع في شمال غربي كتاباد وتبعد عن مدينة مشهد مركز المحافظة 28 كم في حاشية الصحراء وهي واقعة على الخط الجغرافي على 58 ْ درجة و11 دقيقة طولاً و34 ْ درجة و32 دقيقة عرضاً وترتفع عن سطحج البحر 1250 متراً. وحسب إحصائية عام 1986م بلغ عدد نفوسها 7451 نسمة.
ذات هواء صحراوي ومصدر أكثر مياهها من العيون والآبار وهي من المناطق الزراعية وتربية المواشي، ومن أهم المحصولات فيها الزعفران، والتوت، والرمان، وهي من المدن القديمة يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام ويحتمل أن اسمها كان قبل الإسلام بوزستان وفي العصر الإسلامي أصبح تعريبه بجستان ذكرها ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هجرية في معجم البلدان وقال: (بجستان بكسر أوله وثانيه وسكون السين المهملة وتاء فوقها نقطتان وألف ونون من قرى نيسابور).
وقال السمعاني المتوفى سنة 562 هجرية في كتابه الأنساب: (البجستاني بكسر الباء والجيم وسكون السين وبعدها التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وفي آخرها النون هذه النسبة إلى بجستان وهي من قرى نواحي نيسابور. وقد نبغ منها علماء أعلام ومنها الشيخ أبو القاسم الموفق بن محمد بن أحمد البجستاني الميداني النيسابوري كان حياً في سنة 520 هجرية).
وهو من مشايخ السمعاني كما ذكره في كتابه الأنساب ومنهم السيد هادي ابن السيد علي بن محمد البجستاني الحائري المولود في بجستان سنة 1297هـ والمتوفى عام 1368هـ من مشاهير متكلمي الشيعة المعاصرين تفقه على الميرزا محمد تقي الشيرازي من أئمة الفتوى والتقليد في كربلا وتوفي فيها.
عبد الحسين الصالحي
بحبوش
قرية من قرى لبنان الشمالي، تقع ضمن مجموعة من القرى الإسلامية الشيعية الموجودة هناك والقرى هي التالية:
دعل، وزغرتا المتاولة، ودير بلّلا، وبزيزا، وبنهران، ومتريت، وبحبوش.
وفي الجوار أسر شيعية بقاعية يقارب عددها الـ 200 نسمة وبعض هذه القرى شيعية محضة كبنهران وزغرتا المتاولة والبعض الآخر مختلط ما بين شيعة وموارنة ومن هذه القرى بحبوش الكورة التي يشكل الشيعة فيها ثلث السكان والباقي موارنة وعدد نفوس القرية 600 نسمة تقريباً.
حسن الأمين في بحبوش في شهر تشرين الأول سنة 1997
تشكل القرية صلة وصل بين مجموع القرى الشيعية الأخرى وتبعد حوالي 2 كلم عن مركز القضاء (أميون) وحوالي 19 كيلومتر عن مدينة طرابلس وتعلو عن سطح البحر 400 متر.
والشيعة فيها غالبيتهم دون خط الفقر وذلك شأن أية أقلية، وأخيراً حدث ما يؤكد هذا، حيث قامت قيامة بعض المتنفذين «من دين ومذهب آخر» وذلك حين تقدم أحد الشيعة مطالباً بإحدى الوظائف من الدرجة الثالثة، فعقد الآخرون اجتماعاً معتبرين هذا الطلب وقاحة!!.
القرية فيها أراضٍ زراعية قليلة ولكن الزراعة التقليدية في هذا الزمن لا تسمن ولا تغني من جوع، والزراعة الحديثة في هذه الظروف يلزمها الكثير من المال الذي لا يتوفر منه شيء عند أهل القرية.
ومنطقة الشمال في لبنان بشكل عام منطقة تعيش منذ القدم على هامش الحياة الشيعية وذلك بسبب بُعدها الجغرافي النسبي عن العمق الشيعي الموجود في البقاع وجبل عامل وضاحية بيروت، ومنذ زوال دولة بني عمار الشيعية وبعد زمن ابن البراج أي قبل 750 سنة تقريباً لم يُعرف ولم يسمع بأن المنطقة كانت تطرق من قبل العلماء والمبلغين ولذلك كان الكثير من القرى والمجاميع من الناس ضحية الإهمال، فتخلى بعضهم عن عقيدتهم، ومن ظل متمسكاً بالعقيدة كان تمسكه أجوف، والقلة النادرة كانت تمارس الشعائر الدينية وقراءة السيرة الحسينية دون أدنى اطلاع على سائر المفاهيم والمبادئ الإسلامية، وغالبية القرى لم تكن تنعم بنعمة وجود المساجد فيها فضلاً عن الحسينيات، ومع ذلك بقي في أذهان الناس انتماؤهم للتشيع.
وفي العام 1965 أمكن بناء المساجد ولكن بقي بعضها مغلقاً طيلة عشرين سنة. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني وتوجه بعض الشبان إلى مدينة قم لطلب العلم، ثم أخذ أبناء المنطقة يتصلون ببعض رجال الدين في بيروت والبقاع وأخذ بعض هؤلاء يتردد عليهم، فنتج من ذلك إنشاء حسينية في بحبوش.
حسن الأمين مع الشيخ حسين سليم والسيد أحمد صالح الحاج يوسف في بحبوش
ثم عاد الشيخ حسين سليم من دراسته في قم فكان أماماً للبلدة واستقر فيها نهائياً وأصبح مع لجنة من الشباب المثقف المتدين يهتمون بالوضع التبليغي هناك وإحياء المناسبات الإسلامية إلى القيام بالدورات الثقافية الشاملة إلى الدورات القرآنية إلى أحياء العشر من المحرم وليالي شهر رمضان، وإقامة المحاضرات الفكرية والثقافية.
وفي كل هذه المناسبات يكون الاحتفال على مستوى منطقة الكورة وجوارها وذلك أمر فرضته موقعية البلدة واهتمام المهتمين فيها دائماً بالعلاقات العامة التي أقيمت في الجوار الشيعي، وكذلك مع الجوار المسيحي وما فيه من وجوه سياسية وثقافية وفكرية إلى الكثير من غيرها من الأمور حيث كانت لجنة الحسينية تتصدى للمسائل الاجتماعية وعند حصول الوفيات كان أهل العزاء مع المعزين يلتقون في دار الحسين عليه السلام دون أية كلفة مادية.
البحر الأبيض المتوسط
ـ 1 ـ
«بحرنا» MARE NOSTRUM هو الاسم المشهور الذي كان أطلقه الرومان على البحر الأبيض المتوسط ليقولوا أنه أضحى بحيرة مغلقة للأمبراطورية الرومانية التي كانت بسطت سيطرتها على جميع شطآنه وبلدانه بلا استثناء منذ القرن الأول للميلاد.
والواقع أن الاسم الحديث للمتوسط الذي أطلق عليه ابتداء من العام 1569 يعبر بدقة أكبر عن طبيعته الجغرافية السياسية التعددية: فهو يعني حرفياً «البحر بين الأرضين»، أو كما تقول الترجمة العربية التي لا وجود لها في اللغات الأخرى: «المتوسط».
فالمتوسط متوسط بثلاثة اعتبارات: من جهة أولى بين أرض الإسلام وأرض المسيحية، وهو الانقسام التاريخي الكبير الذي ورثه المتوسط منذ القرن الثامن للميلاد، والذي لا يزال يشكل إلى اليوم المعْلَم الرئيسي لبطاقة هويته.
والمتوسط متوسط ثانياً بين ثلاث قارات: أوروبا وأفريقيا وآسيا. وهو متوسط أخيراً بين ثلاثة عوالم، إذ يمكن اعتباره صلة وصل بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأسود من خلال مضائقه الثلاثة: جبل طارق وقناة السويس ومضيق البوسفور.
ولكن رغم هذه الاتصالية المدهشة التي يمثلها المتوسط، فإن المشهد الذي يقدمه اليوم هو مشهد من التفارقات والتنافرات التي يبلغ من عنفها أحياناً أنه لا يمكن تعقّلها جيوبوليتيكياً إلا بلغة الحرب. فالمتوسط، كما كان مركزاً تقليدياً للحضارة ومهداً للأديان، كذلك كان على الدوام، ولا يزال، بؤرة للتوترات والمنازعات.
على امتداد القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان المتوسط قد تحول إلى بحيرة أوروبية تُهيمن عليها أساطيل الدولتين الاستعماريتين الكبيرتين والمتنافستين: فرنسا وإنكلترا. ومنذ أزمة السويس عام 1956 صار المتوسط المنطقة البحرية الأكثر حساسية وخطورة في العالم من جراء الصراع بين العملاقين الاميركي والروسي.
وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكيك المعسكر الاشتراكي بقي المتوسط البحر الأكثر تسليحاً في العالم: فعدد السفن الحربية التي تمخره لا يقل عن 2000 تتمركز في 80 قاعدة بحرية. ولكن أكثر ما يميز المشهد الجيوبوليتيكي للمتوسط اليوم هو أن فعلة الصراع فيه هم الآن من القوى المحلية، والصراع في ما بينها يميل إلى أن يأخذ شكلاً مزمناً.
فهناك أولاً الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي أخذ شكلاً انفجارياً منذ 1948 والذي لم تخف حدته الانفجارية حتى بعد أن شرع يتقلص منذ اتفاقات كمب ديفيد من صراع عربي ـ إسرائيلي إلى صراع فلسطيني ـ إسرائيلي. وهناك ثانياً الصراع التركي ـ اليوناني المزمن هو الآخر منذ حرب 1922 التي خسرتها اليونان وخسرت معها ممتلكاتها البرية في بحر إيجة، وفي مقدمتها مدينة أزمير، والتي كانت آخر تجلياتها احتلال الأتراك للقسم الشمالي من جزيرة قبرص عام 1975 والتقسيم الفعلي للجزيرة إلى جمهوريتين لا يزيد إجمالي تعداد سكانهما على ثلاثة أرباع المليون نسمة.
وهناك ثالثاً برميل البارود البلقاني الذي ما فتئ يتفجر بشكل شبه دوري منذ بداية انفصال شبه جزيرة البلقان عن الأمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، والذي تسارعت حلقاته بشكل ملحوظ مع تفكك الاتحاد اليوغوسلافي في مطلع التسعينات من القرن العشرين حيث نشبت حروب هويات اثنية ما بين كرواتيا وصربيا في 1991 ـ 1995، وما بين صربيا والبوسنة في 1995 ـ 1998، وما بين الصرب وألبان كوسوفو في 1998 ـ 1999، وأخيراً في مقدونيا ما بين المقدونيين والألبانيين في 2001.
وبالإضافة إلى بؤر الصراع المزمن والشديد التعقيد هذه، هناك في المتوسط بؤر توتر أخرى ذات طابع موضعي كالتوتر ما بين المغرب والجزائر بسبب الصحراء الغربية، وما بين المغرب وإسبانيا بسبب سبتة ومليلة، وما بين ليبيا وجاراتها، وما بين تركيا وسورية، وأخيراً ما بين سورية وإسرائيل.
على أن خريطة الصراع والتوتر في المتوسط قد طرأ عليها في ربع القرن الأخير تحول كبير. فبعد أن كان المتوسط مسرحاً للمواجهة بين الغرب والشرق، صار يقدم خط جبهة جديدة للمواجهة بين الشمال والجنوب. وبعد أن كان الصراع من طبيعة جيوبوليتيكية غدا من طبيعة ديموغرافية. فالعدوة الجنوبية من المتوسط شهدت ابتداءً من السبعينات طفرة سكانية قلبت رأساً على عقب المعادلة الديموغرافية مع العدوة الشمالية. وطبقاً للتوقعات فإن تعداد سكان حوض المتوسط سيصل في العام 2030 إلى 520 مليون نسمة يقطن ثلثهم في العدوة الشمالية، وثلثاهم في العدوة الجنوبية.
وهذا التفارق الديموغرافي يقارنه تفارق اقتصادي أشد حدة بعد: فدخل الفرد في العدوة الشمالية يزيد بعشرين ضعفاً، أو حتى بثلاثين ضعفاً، على دخل الفرد في العدوة الجنوبية. فالدخل السنوي للفرد الفرنسي مثلاً يفوق باثنين وعشرين ضعفاً دخل الفرد المغربي، وباثنين وثلاثين ضعفاً دخل الفرد المصري.
بالإضافة إلى هذا الفارق الشاسع في مستوى الرفاه الاقتصادي، هناك فارق لا يقل شساعة في مستوى الرفاه السياسي: فمن منظور صحراء الاستبداد في معظم بلدان العدوة الجنوبية، تتبدى العدوة الشمالية واحة للديموقراطية وللحرية. ويتضامن هنا الحرمان الاقتصادي مع الإحباط السياسي ليخلق ما بين العدوتين تيار هجرة سكانية قُدر حجمها في نهاية العام 2000 بنحو عشرين مليون جنوبي، نزحوا إلى الإقامة في بلدان الشمال. وقد تفاقمت في السنوات الأخيرة حركة الهجرة اللامشروعة، وغدا المتوسط ـ بعد شبه جزيرة الهند الصينية ـ مسرحاً جديداً لظاهرة «تائهي البحر»، ولكن بعد أن تجردت هذه الظاهرة من طابعها العفوي واتخذت شكلاً منظماً كتجارة بالبؤس البشري مُدرّة للأرباح على مافيات الجريمة المنظمة ومهربي النقل البحري.
والمفارقة الكبيرة أنه في مقابل هذه الهجرة المكثفة من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني، تلاحظ في المتوسط حركة هجرة لا تقل كثافة من الشمال إلى الجنوب. ولكن هذه المرة في شكل سياحة وطلباً لرأسمال الجنوب من الشمس.
ففي عام 1996 مثلاً تدفق على حوض المتوسط ثلاثون مليون سائح، الأمر الذي استدعى تزويده بأوسع شبكة للنقل الجوي من نوعها في العالم: 66 مطاراً و5000 رحلة جوية أسبوعياً. والحال إن دفوقات السياح هذه لا تحمل معها مجرد عملات نادرة، بل كذلك طرازات للحياة وصورة حية عن «العالم الآخر» في الشمال.
وهذه الصورة تعززها بالألوان اللواقط الهوائية لتلفزيونات الجنوب الذي تقدم أسطح مدنه مشهداً غريباً للألوف المؤلفة من الأقراص والديشات الموجهة كلها باتجاه الشمال. ولكن في الوقت الذي يمارس فيه الشمال إغراءه هذا على الجنوب، فإنه في سبيله إلى اتخاذ وتعزيز جميع التدابير الممكنة للحد من قدرة الجنوبيين على تلبية ذلك الإغراء.
وهذه التدابير ليست فقط ذات طابع أمني يتصل بالتأشيرات وشروط الإقامة المؤقتة، لا سيما في ما بات يعرف باسم سور «شنغن» الرامي إلى حماية دول الاتحاد الأوروبي من «قبائل بدو البؤس» كما يقول برنار رافنل في كتابه «المتوسط. السور المستحيل».
ولكنها أيضاً من طبيعة اقتصادية: ففي محاولة لوقف مد الهجرة تعهد الاتحاد الأوروبي تقديم مساعدة سنوية لا تقل عن مليار دولار لدول الجنوب بشرط توظيفها في القطاع الخاص بهدف خلق فرص للعمالة وبناء حاجز من الاستقرار الاقتصادي يردع ويساعد على الحد من غليان «موسم الهجرة إلى الشمال».
لقد كان نيتشه يقول أن «البحر الأبيض المتوسط أكثر البحار إنسانية». ولقد كف المتوسط منذ زمن بعيد عن أن يكون مركز العالم، لكنه لا يزال إلى الآن أكبر معبر في العالم للاتصال بين الشعوب. ومن هنا فإن تحويله إلى خط جبهة جديد لنوع من حرب باردة بين الشمال والجنوب يهدد بأن يفقده طابعه الإنساني والدافئ معاً.
ولئن يكن حوض المتوسط ينتج 96 في المئة من زيت زيتون العالم، فما ذلك إلا من قبيل الصدقة. فالمتوسط هو أيضاً طريقة حياة وفلسفة حياة. لكن المتوسط يئن اليوم تحت ألم التمزق إلى شمال مرتاح في جلده وإلى جنوب ضاق عليه جلده. ذلك أن المتوسط، بوصفه حوضاً مغلقاً وبحيرة مفتوحة في آن معاً، هو ناقل كبير للعدوى. ومعايير الشمال في مستوى المعيشة والديموقراطية وحقوق الإنسان قد غدت في الجنوب أيضاً، رغم فقره وأمية شرائح واسعة من سكانه، معايير للحياة والحقل معاً.
وبما أن المتوسط يحكمه على هذا النحو قانون الأواني المستطرقة، فإنه لن يعرف الاستقرار والأمن الدائم ما لم تتكافأ شروط الحياة وشروط العقل في كلتا عدوتيه وتتأسس بينهما شراكة فعلية، لا لفظية وتمويهية كما هي الحال اليوم.
أما إذا بقي التوازن مختلاً في المتوسط لصالح الشمال، وبقي الجنوب مستودعاً للبؤس والعنف والهجرة، فإن مستقبلاً من التشنج سيظل ينتظر حوض المتوسط بكلتا عدوتيه. وهذا التشنج يجد من الآن الشكل الرئيسي لتعبيره في فورة العنصرية في الشمال، ومد الأصولية في الجنوب.
جورج طرابيشي
البحر الأبيض المتوسط
ـ 2 ـ
يعتبر البحر المتوسط أكبر بحر يتوسط ثلاث قارات (آسيا/ أوروبا/ أفريقيا) أو العالم القديم، فإنه يتصل بالمحيط الأطلسي الشمالي عبر مضيق جبل طارق ويتصل بالبحر الأسود من خلال بحر إيجه عبر الدردنيل وبحر مرمرة ومضيق البوسفور، كما ويتصل بالبحر الأحمر بقناة السويس، ويضم البحر المتوسط أقساماً متعددة وهي عبارة عن بحار متداخلة معه.
هناك تسميات عدة للبحر المتوسط استعملت قديماً من مثل الإغريق والرومان والعرب واللاتين، فقد دعاه أحد القياصرة الرومان في الإغريقية «بحرنا» وسمي في اللاتينية «وسط البر».
واستعملت تسميات مختلفة في العالم الكلاسيكي القديم منها بحر الروم أو بحر الإغريق أو بحر رينيان، واستقر العالم أجمع على تسميته في العصور الحديثة بـ «البحر المتوسط».
ولم تزل معظم وثائقنا ومراجعنا الحديثة ودوائرنا السياسية ومؤسساتنا الفكرية وكتابنا وجغرافيينا ومؤرخينا يطلقون تسمية البحر الأبيض المتوسط.
إن مصطلح «البحر الأبيض» تركي الأصل، دخل على لغتنا العربية خلال العهود المتأخرة من عصر الامتداد التاريخي العثماني، ولا تزال هذه التسمية مستعملة في اللغة التركية حتى اليوم: البحر الأبيض المتوسط كما هو حال التسمية التي لم تزل معروفة في جميع لغات العالم عن البحر الأسود وهي تركية الأصل.
هناك ظاهرة لافتة للعيان وهي التنوع في التسمية العربية القديمة للبحر المتوسط، وذلك عند أهم الجغرافيين والمؤرخين المسلمين القدامى.
سماه ابن خردذابة في كتاب «المسالك والممالك» بـ «بحر الشام»، وسماه المقري التلمساني في كتابه «نفح الطيب» بـ «بحر تيران»، وسماه ابن خلدون في مقدمته بـ «البحر الرومي»، وأطلق عليه ياقوت الحموي في «معجم البلدان» بـ «بحر المغرب» ويعدد له تسميات عدة في فهرسه الشهير، ودعاه أبو بكر أحمد بن محمد الهمذاني المعروف بابن الفقيه في كتابه «مختصر تاريخ البلدان» بـ «البحر المغربي الدبوري الرومي» أو «البحر الرومي المغربي».
ومن الأهمية بمكان أن نقف على تعريف كل من ابن خلدون وياقوت الحموي للبحر المتوسط. وصفه ياقوت بقوله: «بحر المغرب هو بحر الشام» والقسطنطينية فأخذه من البحر المحيط الأطلسي الشمالي، ثم يمتد شرقاً فيمر من شماله بالأندلس ثم ببلاد الإفرنج إلى القسطنطينية فيمر ببنطس (البحر الأسود).
ويضيف ياقوت قائلاً: فبحر الأندلس وبحر المغرب وبحر الإسكندرية وبحر الشام وبحر القسطيطينية وبحر الإفرنج وبحر الروم جميعهم بحر واحد.
أما ابن خلدون فقد وصف البحر المتوسط (البحر الرومي المعرف ويبدأ في خليج متضايق في عرض اثني عشر ميلاً أو نحوها ما بين طنجة وطريق ويسمى الزقاق (مضيق جبل طارق) ثم يذهب مشرقاً وينفسح إلى عرض ستمئة ميل وبنهايته في آخر الجزء الرابع من الإقليم الرابع على ألف فرسخ ومئة وستين فرسخاً من مبدئه وعليه هنالك سواحل الشام وعليه من جهة الجنوب سواحل المغرب.
أولها طنجة عند الخلية ثم البنادقة ثم رومة ثم الإفرنجة ثم الأندلس إلى طريق عند الزقاق قبالة طنجة. ويسمى هذا البحر الرومي والشامي وفيه جزر شهيرة عامرة كبار مثل أقريطش وقبرص وصقلية وسردينية ودانية.
نستخلص من هذا كله ما يفيدنا من نتائج في ما يخص التسمية العربية القديمة للبحر المتوسط هي:
1 ـ اتخذت من العناصر الجغرافية أساساً لها في إطلاق تسميات مختلفة ومتغيرة غير ثابتة نظراً لحجم البحر الواسع الإمتداد.
2 ـ ومن هنا فإن اهتمام الثقافة العربية القديمة مجزأ في تسميتها له وذلك على أساس الأقاليم والثغور والنقاط الساحلية كمراكز استراتيجية عريقة لعبت أدواراً فاعلة في جغرافيته التاريخية خلال فترات متنوعة من التاريخ الوسيط والحديث.
3 ـ وهناك من أطلق عليه «بحر العرب» وهي تسمية تقابل كل الأحوال مصطلح «بحر الروم».
ويلاحظ بأن عدد التسميات الإقليمية العربية له هي أكثر من التسميات الأجنبية الأخرى له.
فالعرب هم الشعب الوحيد من بين شعوب البحر المتوسط الذي امتلك هذا البحر على مدى قرون طويلة موصولة بفترات التاريخ الحديث وذلك من خلال امتدادهم الاثنوغرافي في فترات السيادة العثمانية عبر القوى البحرية.
أما الرومان الذين يعدون من الشعوب المتوسطة الأحادية في التاريخ لا في الجغرافيا، فقد أدعوا بأن البحر المتوسط هو ملكهم لوحدهم، وذلك لأنهم كانوا بالفعل بنوا امبراطوريتهم القوية من الناحية الاقتصادية، معتمدين على البحر المتوسط كبحيرة تتوسطها.
ثم إن البحر المتوسط كان بمثابة الامتداد الجغرافي العميق الذي ساعدهم في بسط نفوذهم على أجزاء متعددة من سواحله كاملة وضمن ذلك وجودهم لقرون كثيرة ومن خلال ذلك التكوين التاريخي الجغرافي واعتبر البحر المتوسط خلال عصورهم التاريخية فقط هو بحرهم.
وهكذا يبدو أن كل من الرومان والعرب قد تنازعوا الملكية الحقيقية للبحر المتوسط عبر التاريخ على رغم تلاشي الرومان.
أكرم داغر
البحر الأبيض المتوسط
ـ 3 ـ
«المتوسط» لم يعرف بهذا الاسم إلا في القرون الوسطى اللاتينية المتأخرة التي نحتت هذا اللفظ Mediterran لتشير به إلى توسطه بين الأرضين، أي بين عدوتيه الأوروبية والإفريقية.
وبالفعل، أن المتوسط من الناحية الجيولوجية حصيلة صدام بين اليابستين الإفريقية والأوروبية في العصر الثالث الذي دام قرابة 65 مليون سنة، فنشأ عنه انخساف مائي على مساحة 3 ملايين كم2 وبطول 3800 كم وبعرض 17 كم وبعمق 4632م في أطول وأعرض وأعمق نقاطه، علماً بأن هذه الأبعاد تتقلص عرضاً في مضيق جبل طارق الفاصل بين إسبانيا والمغرب إلى 15 كلم، وعمقاً في المضيق الفاصل بين تونس وجزيرة صقلية إلى 135م.
ولولا مضيق جبل طارق لما كان وجد البحر الأبيض المتوسط أصلاً: فالتبخر يخفض مستواه متراً واحداً في السنة، مما كان سيؤدي إلى جفافه في أربعة آلاف سنة، لولا أن المحيط الأطلسي يمده عن طريق مضيق جبل طارق بنحو 38000 كيلومتر مكعب من الماء في السنة.
ورغم الوحدة الجيولوجية للمتوسط، فإنه من الناحية الديموغرافية والاقتصادية بحر المفارقات.
فالشعوب التي تسكن ضفافه هي من أغنى شعوب العالم وأفقرها معاً. ومن أكثرها شباباً وأكثرها شيوخاً معاً. فحتى 1950 كان تعداد قاطنيه يبلغ 212 مليون نسمة، ثلثاهما في عدوته الشمالية وثلثهما في عدوته الجنوبية. وفي 1985 ارتفع تعدادهم إلى 360 مليون نسمة، متوزعين بالمناصفة بين شماله وجنوبه. ولكنهم في العام 2000 تعدوا الـ 440 مليون نسمة، وهم مرشحون في 2025 إلى أن يبلغوا 600 مليون نسمة.
وعلى هذا النحو سيكون تعداد السكان المتوسطيين قد تضاعف في ثلاثة أرباع القرن (1950 ـ 2025) ثلاث مرات، مع انعكاس في نسبة الشماليين والجنوبيين منهم:
ففي ربع هذا القرن ستكون غالبية الثلثين من السكان المتوسطيين جنوبية وأقلية الثلث شمالية.
والحال أن هذا الانعكاس يخفي تفارقاً اقتصادياً كبيراً. فباستثناء البانيا والبوسنة ـ الهرسك اللتين ينخفض فيهما الدخل السنوي الفردي إلى 850 دولاراً، فإن الدخل السنوي للشماليين يزيد بنحو 26 ضعفاً عن الدخل السنوي للجنوبيين. ففي فرنسا يرتفع الدخل السنوي للفرد إلى 26000 ألف دولا، ولكنه ينخفض في المغرب ومصر وسورية إلى 1000 دولار.
ويزدوج هذا الفارق الاقتصادي بفارق ثقافي. فإنتاج القوس اللاتيني من البحر المتوسط من الكتب يصلح إلى أكثر من 100 ألف عنوان في السنة، بينما ينخفض إنتاج القوس العربي من المتوسط إلى نحو 5 آلاف عنوان في السنة.
ومثل ذلك عن معدلات الأمية: فعلى حين أنها تكاد تقترب من الصفر في القوس اللاتيني (خلا إيطاليا التي لا يزال فيها ثلاثة ملايين من الأميين)، فإنها ترتفع إلى 24 في المئة في ليبيا و28 في المئة في سوريا و47 في المئة في مصر وإلى أكثر من 50 في المئة في المغرب.
والخطير أن هذه الهوة بين عدوتي المتوسط ليست في سبيلها إلى أن تردم، بل إلى أن تتعمق. فصحيح أن هناك اليوم دولاً متوسطية أفلحت في أن تكف عن أن تكون «جنوبية» من دون أن تصير «شمالية»، ومثالها مالطا التي رفعت الدخل السنوي للفرد فيها إلى 8630 دولاراً، وقبرص التي قاربت المستوى الإسباني بدخل سنوي فردي مقداره 14930 دولاراً.
ولكن جميع الدول العربية المتوسطية بلا استثناء تحتل موقعها في العدوة «الجنوبية» حتى بما فيها الدول النفطية مثل الجزائر التي لا يفتأ الدخل السنوي للفرد فيها يسجل تراجعاً وصولاً إلى ما دون الـ 1500 دولار، مقتربة بذلك من المستوى المغربي (1250 دولاراً) والمصري (1180 دولاراً).
ولا يشذ عن هذه الصورة سوى لبنان الذي يتفوق قليلاً دخله السنوي الفردي (3350 دولاراً) على الدخل التركي (3130 دولاراً).
والأخطر من ذلك أن معدلات نمو الناتج القومي للبلدان العربية المتوسطية يتراوح اليوم بين 2 و2,4 في المئة سنوياً، وهو يبقى بذلك دون مستوى النمو السكاني الذي يتراوح بين 2,5 و2,7 في المائة. وهذا على عكس الحال مما في بلدان العدوة الشمالية اللاتينية حيث لا يزيد المعدل السنوي لنمو السكان عن 0,7 في المئة، بين ما يتعدى المعدل السنوي لنمو الناتج القومي 2,5 في المائة، وهذا معناه أن بلدان العدوة الشمالية ستضاعف مستوى المعيشة فيها مرة كل ثلاثين سنة، بينما ستظل بلدان العدوة الجنوبية تراوح في مكانها، هذا إن لم تسجل نمواً بالناقص كما في الحالتين الجزائرية والليبية.
بيد أن هذه الهوة الاقتصادية، على عمقها، لا تلغي كون المتوسط يمثل من المنظور البيئوي، قدراً مشتركاً لجميع قاطنيه من شماليين وجنوبيين بلا استثناء. والواقع أن تلوث البيئة هو التحدي الأكبر الذي يواجه البحر شبه المغلق الذي هو المتوسط، فهذا البحر ما كانت تنهض على ضفافه حتى العام 1500 سوى ثلاث مدن يتعدى تعداد سكانها المئة ألف نسمة. ولكن في 1800 كان عدد هذه المدن قد ارتفع إلى 14، وفي 1900 إلى 100.
أما في بداية الألفية الثالثة هذه، فإن عدد المدن المتوسطية التي يتجاوز تعداد سكانها المئة ألف نسمة هو اليوم مائتا مدينة لا يقل إجمالي تعداد سكانها عن 300 مليون نسمة.
وهذا العمران المدني سيثقل بوطأته في القرن القادم على العدوة الجنوبية والشرقية أكثر بكثير مما على العدوة الشمالية، مع ما سيستتبعه ذلك من تضخم سرطاني في معدلات التلوث البيئوي.
ويكفي أن نسوق هنا رقماً واحداً يتعلق بالمصدر الأول للتلوث بأوكسيد الآزوت: السيارات. فحتى 1965 كان عدد السيارات التي تتحرك في النطاق المتوسطي لا يتعدى 16 مليون سيارة، 94 في المئة منها في القوس اللاتيني (فرنسا وإسبانيا وإيطاليا). وفي 1978 كان عدد السيارات قد تضاعف ثلاث مرات ليصل إلى 46 مليون سيارة، 89 في المئة منها في تلك البلدان الثلاثة عينها.
لكن عدد السيارات التي تجول في النطاق المتوسطي اليوم يصل إلى 85 مليون سيارة، ومن المقدر أن يتضاعف خلال ربع القرن المقبل ليصل عام 2025 إلى أكثر من 170 مليون سيارة، نصفها في العدوتين الجنوبية والشرقية. وسيتضاعف إفرازها من أوكسيد الآزوت الشديد السمّية من مليوني طن في اليوم إلى خمسة ملايين طن إذا لم يوضع له ضوابط.
بالإضافة إلى هذا التلوث البري، فإن المتوسط يعاني من تلوث بحري لا يقل خطورة. فثمة 70 ألف سفينة شحن وركاب تمخره اليوم. بالإضافة إلى 650 ألف يخت وزورق بخاري فردي.
وعدا ما تستتبعه هذه الحركة الملاحية المسعورة من تلوث بالزيوت والشحوم، فإن المتوسط يعاني من كونه قد تحول إلى «بالوعة» و«مزبلة» بكل ما في هاتين الكلمتين من معنى. فأكثر من 70 في المئة من المياه المستعملة ومن مياه المجارير تصب فيه على امتداد شواطئه البالغ طولها 50 ألف كلم.
تضاف إليها المياه الصناعية غير المعاد تدويرها والمواد الكيماوية والمعدنية الثقيلة (رصاص، زئبق) وترسّبات الأسمدة الآزوتية ومبيدات الحشرات. وهذا بالإضافة إلى نحو 300 مليون زجاجة وعلبة صفيح وعبوة بلاستيكية تطفو على سطحه. وكل ذلك من شأنه أن يرفع من درجة ملوحته (3,9 في المئة بدلاً من المعدل العالمي للبحار 3,5 في المئة) ويمنع تجدد الأوكسجين فيه مما يتسبب في موت أسماكه وقشرياته.
وإلى جميع هذه العناصر يضاف اليوم التلوث السياحي. فالسياحة باتت تسد العجز في الميزان التجاري لمصر بمعدل 20 في المئة. ولتركيا بمعدل 35 في المائة ولإسرائيل وتونس بمعدل 45 في المائة ولقبرص بمعدل 75 في المائة وقد ارتفع عدد السياح الدوليين في حوض المتوسط من 72 مليون سائح عام 1990، إلى نحو 100 مليون سائح عام 2000، وهو مرشح لأن يرتفع خلال ربع القرن المقبل إلى 140 مليون سائح، وحتى إلى 200 مليون سائح تبعاً لتقديرات أكثر «تفاؤلاً».
والحال أن السياحة مستهلكة كبيرة للماء. والحال أيضاً ان استهلاك المياه سيزداد خلال ربع القرن المقبل بمعدل 50 في المئة في العدوة الشمالية و40 في المئة في العدوتين الجنوبية والشرقية، علماً بأن هاتين العدوتين هما اللتان تعانيان من الآن من نقص في موارد المياه يهدد بأن يكون كارثياً في القرن المقبل.
جورج طرابيشي
البحر الأبيض المتوسط([325])
ـ 4 ـ
من بين التسميات الشائعة التي تُطلق على البحر الأبيض في الغرب عبارة «مارنوستروم» وهي لاتينية معناها «بحرنا»، والمراد بها «بحر الرومان»، وقد ورثت الشعوب اللاتينية هذا التعبير ومضت عليه، واستقر في أذهان أبنائها أن هذا البحر بحرهم.
وهذه الدعوى لا تتفق مع الواقع، لا في ايام الرومان ولا على أيام من جاء بعدهم، فإن الرومان لم يكونوا قط أمة بحرية، ولا كانت روما ميناء بحرياً، بل لم تكن للرومان أساطيل تملك نواصي هذا البحر، وتحمي موانئه، وترعى شؤون التجارة فيه.
صحيح أنهم ملكوا في يوم ما معظم البلاد المطلة على هذا البحر، ولكن الملاحة فيه ظلت دائماً في ايدي أهل الشام ومصر واليونان والسواحل الإيطالية وأهل المغرب وجزائر هذا البحر، بل لم تستطع أساطيل الرومان حماية السفن الجارية فيه من خطر القراصنة، وعلى طول أيامهم كانت سواحل هذا البحر أعشاشاً، ووكوراً لمتلصّصة البحر الذين كانوا على الحقيقة هم سادة هذا البحر دون الرومان.
أما الأمم التي ورثت ملك الرومان فقد كان سلطانها على شواطئ هذا البحر وأمواله أقل بكثير، فالدولة البيزنطية التي أراد أرشبالد لويس في كتابه المعروف عن «القوى البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط» أن يثبت أنها كانت سيدة هذا البحر، أو حوضه الشرقي على الأقل، من القرن الرابع الميلادي إلى الثاني عشر، هذه الدولة لم تكن قط دولة سيادة بحرية، ولا كان لها في يوم من الأيام من القوى البحرية ما يمكن لها من السيادة على مياه هذا البحر، بل لم تكن لها سياسة إيجابية تجاه التجارة فيه أو إنعاش موانئه، وتاريخها في هذا البحر هو تاريخها فيما ملكت من أرضين: تاريخ استغلال لمواردها واستبداد بأهلها.
ثم إننا لا نعرف في التاريخ شيئاً يسمى الشعب البيزنطي أو الأمة البيزنطية، وقد قامت هذه الدولة على أكتاف المرتزقين من كل جنس وملة، حتى الأباطرة خرجوا في أحيان كثيرة من صفوف المرتزقين، والذين ساروا بأساطيل بيزنطية وحاربوا تحت لوائها في البحر كانوا إلى ما قبل الفتوح العربية، من أهل الشام ومصر واليونان وجزائر هذا البحر، ثم الإيطاليين بعد ذلك.
بل إن قيام الجمهوريات التجارية الإيطالية في البندقية وجنوة وأمالفي وبيزا وليفورنو كان في الواقع ثورة على سياسة بيزنطية حيال هذا البحر وشعوبه والتجارة فيه.
ولم تكن هذه الجمهوريات الإيطالية سيدات بحار أو صاحبات سياسات بحرية، إنما هي كانت مراكز أو وكالات تجارية مهمتها نقل المتاجر وحماية سفنها ومصالحها التجارية معتمدة في ذلك على الدول ذات السيادة الفعلية على هذا البحر، ومعظمها إسلامية.
ومثل هذا يقال عن إسبانيا التي أظهرت نشاطاً بحرياً واسعاً خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر المسيحيين، فقد ملكت جنوبي إيطاليا وصقلية وبعض مواضع على الساحل الإفريقي، ولكنها لم تملك الحوض الغربي للبحر الأبيض ولا نهضت بموانئه أو أنعشت التجارة فيه.
وفي العصر الحديث تجرد الإنجليز لملك هذا البحر، واجتهدوا في السيطرة على مياهه وملكوا مفاتيحه، ولكنهم على رغم طول أمد سلطانهم على هذا البحر وعظم قوتهم فيه ظلوا أغراباً عنه لا ينظرون إليه إلا على أنه طريق إلى الهند والشرق وأملاكهم وراء البحار.
وإذا نحن نظرنا إلى مُصَوَّر هذا البحر تبينا أنه على الحقيقة بحر صغير، فهو لا يقاس من ناحية الاتساع ببحر العرب أو بحر الصين أو اليابان أو البحر الكاريبي، بل هو أقل من بعض الخلجان الكبيرة مثل خليج بنغالة، ولكننا إذا أمعنا النظر تبينا أنه أكبر هذه البحار جميعاً بسبب طول سواحله وكثرة خلجانه وجزائره، ثم بسبب تعدد الأمم المطلة عليه، وفي أيامنا هذه تشترك في هذا البحر خمس عشرة دولة، وفي القرن الماضي كان عدد هذه الدول أكثر، فقد كان في شبه جزيرة البلقان وحدها نحو سبع دول، وكانت إيطاليا موزعة بين ست دول أو سبع.
ولكل دولة أو أمة من هذه تاريخ طويل حافل، ولها نصيبها الذي لا ينكر في هذه المكانة التي يحتلها بين بحار العالم.
وهذا البحر على حقيقته بحار عدة، المشهور منها بحر إيجة، وبحر أدريا المعروف بالأدرياتي، وبحر اليونان المعروف بالبحر اليوني، والبحر التيراني، فإذا أضفنا إلى ذلك حوضه الشرقي الذي سماه العرب بالبحر الشامي، وحوضه الغربي الذي سموه ببحر الأندلس أو بحر المغرب، وجدنا أنفسنا أمام مجموعة من البحار لكل منها طبيعته وظروفه وتاريخه، وعلى كل بحر من هذه تطل امة أو أمم لها تاريخها ومصالحها، ولكل بحر من هذه كذلك طبيعته وتياراته، واتجاهات رياح لا يعرفها إلا أهله، وعلى مثل هذه المجموعة من المساحات المائية يكاد أن يكون من المستحيل أن تنشر سيادة كاملة، وإذا كان هذا واضحاً في عصرنا الحديث فما بالك في الأعصر الماضية عندما كانت السفن صغيرة غير محكمة الصنع تجري بالشراع والمجاديف؟، وعندما كانت الملاحة حرفة يرثها الأبناء من الآباء لا علماً يدرس في المعاهد كما هو الحال اليوم؟.
وإلى ما قبل العصر الحديث كان تاريخ هذا البحر هو تاريخ الإنسانية كلها، على شواطئه ولدت الأمم التي أنشأت حضارة البشر في الأعصر القديمة: مصر، ثم اليونان، ثم الرومان، حتى الأمم التي ولدت بعيداً عن شواطئه لم يكد يستقيم لها أمر حتى أسرعت إلى شواطئه تلتمس لنفسها مكاناً تحت نور الحضارة الذي ينتشر على نواحيه، هكذا فعل الفرس القدماء وأمم الجرمان ثم العرب، بل أقبلت بريطانيا من الشمال تاركة بحارها الباردة ليكون لها مكان في تاريخ بحر الحضارة هذا.
الدكتور حسين مؤنس
تطور الموقع الاستراتيجي
للبحر المتوسط
يعترف علماء الجغرافيا الطبيعية بل والبشرية بأن البحر المتوسط يمثل وحدة حقيقية وأن الساحل الجنوبي يتكامل مع الساحل الشمالي بل إنه من الناحية الجغرافية البحتة فإن هذا البحر الذي هو بحيرة حقيقية يربط ولا يفصل. بينما نجد السواحل المتاخمة له قد أبت الطبيعة إلا أن تفصلها عن أجزاء القارة التي تنتمي إليها، سلاسل الجبال الشاهقة في شمال الشواطئ الشمالية ثم الصحراء الكبرى في جنوب الشواطئ الجنوبية. رغم ذلك فإن هذه الحقيقة لم تبرز في صورة واضحة ولم تدركها القيادات المسؤولة في معناها الحقيقي إلا فترة الحكم الروماني.
من متابعة تاريخ التعامل مع منطقة البحر المتوسط نلحظ أنه عرف نماذج ثلاثة: نموذج الأمبراطورية الرومانية حيث تم التوحيد السياسي لمنطقة البحر المتوسط ونموذج الامبراطورية الإسلامية حيث رفض صراحة أي تفكير بهذا المعنى وحيث ترسبت مفاهيم الانفصام بين الشرق والغرب في منطقة البحر المتوسط، ونموذج الدولة الأوروبية القومية والذي ساد بصفة خاصة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين حيث سادت مفاهيم الاهتمام من جانب الشواطئ الشمالية نحو الشواطئ الجنوبية في صورة خلق نقط نفوذ أو مراكز ثقل استعماري دون أي محاولة للتوحيد.
فأين العالم المعاصر من هذه النماذج الثلاثة؟
أ ـ النظرة الرومانية للبحر المتوسط انطلقت من مبدأ أساسي وهو أن التحكم في الشواطئ الشمالية لا يمكن أن تكون له فاعلية إن لم ينطلق من تحكم مماثل في الشواطئ الجنوبية. السيادة الرومانية على أوروبا لا يمكن أن تكون حقيقة إن لم تساندها سيادة مماثلة على الشاطئ الجنوبي. العودة إلى خطب كاتون العجوز أمام مجلس الشيوخ وكتابات قيصر العديدة تفصح عن هذا التصور. وكما أن روما لم تقبل للمدن اليونانية، إلا أن تنطوي تحت سيادتها فهي أيضاً لم تقبل أن تقف صامتة إزاء الوجود السياسي لقرطاجة أو الاستقلالية النظامية لمصر. وكانت النتيجة اختفاء الأولى بل والاستئصال العضوي الكامل واختفاء دولة البطالسة عقب انتحار كليوباترة([326]).
الفلسفة الرومانية لاستراتيجية التعامل مع البحر المتوسط تدعو إلى بعض التأملات ونذكر على وجه الخصوص. الخلاف الواضح بين مفهوم الإسكندر الأكبر في التعامل الاستراتيجي مع البحر المتوسط وبصفة عامة في سبيل خلق الدولة الكبرى ومفهوم قيصر، ورغم أن كلاهما انطلق من مواقع واحدة أو في حكم الواحدة وهي الشواطئ الشمالية للبحر المتوسط.
ترى هل هذا أحد أسباب الاختفاء السريع لدولة الإسكندر الأكبر والاستمرارية الثابتة للأمبراطورية الرومانية؟ كذلك علينا أن نلاحظ كيف أن المفهوم الاستراتيجي الروماني لم يكن يتصور فكرة الانفصام بين المشرق والمغرب حول شواطئ البحر المتوسط. هذا المفهوم لم تعرفه الحضارات القديمة ولم يتسرب إلى الفكر السياسي إلا مع الحضارة الإسلامية والحروب الصليبية، قيصر تزوج كليوباترة بل وابنه منها، نظر إليه البعض على أنه صاحب حق في حكم الأمبراطورية الرومانية، ومقتل قيصر وما أعقب ذلك من أحداث هو فقط الذي حول مسيرة تاريخ المنطقة.
ب ـ النظرة الإسلامية تنطلق من مفاهيم مختلفة بل ومتعارضة مع الإدراك الروماني. البحر المتوسط هو بحر الروم وليس «بحرنا» أو بحر العرب ورغم أنه في لحظة معينة كانت ثلاثة أرباع الشواطئ المطلة على تلك البحيرة هي شواطئ تنتمي إلى امبراطورية العروبة الإسلامية. والواقع أن مفهوم التقوقع الذاتي وعدم الانطلاق في سهول ووديان الشواطئ الشمالية ساد جميع مراحل الدولة الإسلامية الأولى. فالمسلمون لم يهزموا حقيقة في معركة بواتييه ولكنهم وقد أصابهم الملل من الانطلاق في أراضي متوحشة رفعوا رحالهم أثناء الليل. وخلفاء الدولة الإسلامية في أقوى مراحلها وأزهى عصورها لم يضعوا موضع الجدية الاستيلاء على مناطق آسيا الصغرى والوصول إلى سهول البلقان.
ولا نجد قائداً واحداً كانت قد ترسبت في قناعته ومدركاته الاستراتيجية حقيقة العلاقة بين الشواطئ الجنوبية والشواطئ الشمالية.
في خلال مراحل عديدة وصلت القوة العربية إلى قدرة حقيقية على إمكانية غزو السواحل الجنوبية للمنطقة الأوروبية([327]).
الوثائق تؤكد الوصول إلى روما والاستقرار حولها فترة غير قصيرة. أكثر من مؤرخ واحد يصف لنا السيطرة الكاملة للأسطول العربي وللنفوذ العربي على مياه البحر المتوسط. رغم ذلك فقد ظلت النظرة العربية أساسها الاستقرار في الشواطئ الجنوبية وعدم الرغبة في ضم الشواطئ الشمالية. كيف نفسر الفيضان العربي في وسط آسيا وامتداده حتى الهند والصين والأراضي الروسية دون الاهتمام بالفتح والاستقرار لتلك المنطقة التي تمثل الدرع الحقيقي للوجود العربي في جميع سواحل شمال إفريقيا؟
قد نتساءل. (أولاً) انتقال عاصمة الدولة العباسية الإسلامية من دمشق إلى بغداد. هل هذا يعني انطواء أسيوياً.
(ثانياً) التواجد العربي في إسبانيا. هل كان لهذا التواجد أثره في الرغبة في الابتعاد عن تفجير خلافات بين جناحين من الوجود الإسلامي كل منهما ينكر الآخر أو يقف منه موقف عدم المساندة؟ لا تعنينا الإجابة بقدر أن نلاحظ كيف أن هذا الانشطار كانت له آثار وخيمة على تطور الدولة العربية الكبرى.
إن اختفاء الإسلام من إسبانيا واستئصال الحضارة المزدهرة في صقلية لم يكن سوى النتيجة الطبيعية لهذه النظرة الضيقة عن فهم الطبيعة الاستراتيجية للبحر المتوسط. واليوم وعلى مبعدة عدة قرون لا يستطيع المحلل إلا أن يتساءل ترى لو قدر للقيادات العربية فهم أكثر دقة لهذه النواحي الاستراتيجية هل كان قد قدر للحضارة الأوروبية أن تترعرع أو تتكامل في نهاية العصور الوسطى أم كان قد قدر للقرآن أن يصير هو الكتاب المقدس الذي يدرس حالياً في جامعات أكسفورد وباريس؟
والواقع أن القيادة العثمانية فهمت هذا الخطأ وحاولت في بداية العصور الحديثة أن تحقق ما لم تفهمه القيادات العربية. واتجهت لذلك إلى حركة غزو ثابتة نحو وسط أوروبا لتصل إلى فيينا وتعسكر حولها. ولكن هذه الحركة جاءت في لحظة كانت فيها أوروبا المتحضرة قد اكتملت في عناصر قوتها ولم تعد دولة كالأمبراطورية العمثانية قادرة على أن تستأصل وجودها السياسي كما كانت الدولة الإسلامية الأولى مستطيعة أن تفعل.
جـ ـ في النموذجين السابقين، في كلا الاهتمام وعدم الاهتمام بالشطر الآخر من البحر المتوسط، ليست هناك أية نظرة للتعصب أو للشعور بالسيادة من جانب فريق إزاء الآخر. بل إن وحدة الحضارة وأسلوب التعامل يسيطر على الجانبين حتى في لحظات العداوة أو عدم الاهتمام أيضاً خلال فترة القطيعة.
من جانب الاستراتيجية الإسلامية فإن كلا الجانبين نظر إلى الطرف الآخر نظرة الاحترام والتقدير. الحديث هو بين ند وند آخر والتعامل من منطلق مبدأ المساواة. عالمان كل منهما يختلف عن الآخر ولكن كلاًّ منهما يملك عناصر قوته وتفوقه.
المؤرخ الإيطالي «فيسمارا» الذي كرس حياته لدراسة العلاقات الدولية بين بيزنطة والإسلام يحدثنا عن شواهد عديدة تؤكد ذلك([328]). ولنتذكر على سبيل المثال العلاقات بين رومانو الأول ودول المشرق العربي خلال نهاية القرن العاشر والربع الأول من القرن الحادي عشر، كذلك فإن المؤرخ الألماني الأشهر «ميللر» يقدم لنا ثبتاً لم يلفت بعد نظر محللي العلاقات العربية الأوروبية عن المعاهدات العديدة التي عقدت بين المدن التجارية في وسط إيطاليا ومختلف أجزاء الدولة الإسلامية وهي جميعها تعكس نفس المفاهيم([329]).
الحروب الصليبية تمهد لنموذج ثالث يكتمل فقط مع القرن الثامن عشر ويظل يسيطر حتى النصف الثاني من القرن العشرين ولا نزال نعيش بعض نتائجه. هذه النظرة الجديدة محورها هو القناعة بأن الشواطئ الجنوبية هي نقط الارتكاز لتثبيت دعائم سياسة استعمارية تتجه إلى ما هو أبعد من منطقة البحر المتوسط. إنها مرحلة الاستعمار الأوروبي وبصفة خاصة الفرنسي والإنجليزي. مرحلة الدولة القومية التي تتقوقع داخل إقليم ضيق ولكنها تسعى لنشر نفوذها السياسي كمقدمة لاستغلال اقتصادي في أجزاء أخرى من العالم.
ومن ثم فإن النموذج يتميز.
(أولاً): أهمية البحر المتوسط ليست هدفاً في ذاته. المنطقة تسمح بالوصول إلى منطقة الشرق الأقصى وشرق إفريقيا. يبرز ذلك واضحاً في السياسة الإنجليزية وبصفة خاصة عقب فتح قناة السويس. كذلك فإن النفوذ في المنطقة يقوي ويدعم من الهيبة والنفوذ في نفس القارة الأوروبية.
(ثانياً): في إطار دولي تتعدد فيه القوى العظمى فإن محور التعامل في المنطقة هو خلق نوع من التوازن. الدول التي تعلن اهتمامها بصراحة هي بريطانيا وفرنسا. ولكننا لا نستطيع أن ننسى روسيا القيصرية والنمسا والدولة العثمانية بل وننسى ألمانيا. وهكذا تختلف التوازنات وتتنوع ولكنها تدور دائماً حول خلق أحلاف وتكتلات تسمح بعدم تحكم أي دولة بمفردها في البحر المتوسط. الوفاق الدولي بين بريطانيا وفرنسا هو خاتمة لهذه المناورات التي استغرقت طيلة القرن التاسع عشر.
(ثالثاً): على أن مفهوم السيادة والاستعلاء ترسب في جميع القناعات وأضحى أحد الملامح الثابتة للتعامل مع المنطقة العربية. فالشعب الأوروبي والحضارة الأوروبية ومن ثم فالشواطئ الشمالية تمثل العنصر المتقدم صاحب النبوغ ومن ثم الحق في السيادة. هذا المفهوم لن يقتصر على التعامل بين المنطقة العربية والمنطقة الأوروبية بل سوف يقدر له أن يتسع فإذا به يغلف التعامل من جانب سواء الدولة التركية أو الشعب الإيراني أيضاً مع المنطقة العربية. وسوف تسيطر هذه المفاهيم حتى عقب الحرب العالمية الثانية([330]).
الحرب العالمية الثانية والسياسة الأوروبية
في البحر المتوسط:
تاريخ العلاقات العربية الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية لا يزال في حاجة إلى المؤرخ الذي يستطيع أن يفسر تلك المجموعة من التناقضات والاضطرابات التي سيطرت على القيادات الأوروبية، المبدأ العام الذي سيطر على المنطق الأوروبي في تعامله مع الدول غير الأوروبية هو عدم الانغماس في مشاكل المنطقة العربية بما في ذلك الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط. ورغم أن بريطانيا كانت أكثر فهماً وتطبيقاً لهذا المبدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فإن فرنسا بدورها وبصفة خاصة عقب عودة ديجول إلى الحكم لم تتردد في تطبيق نفس المبدأ([331]).
الواقع أن مبدأ عدم الانغماس في مشاكل المنطقة ينبع من مبدأ آخر ويرتبط بدول العالم الثالث. فأوروبا التي خرجت محطمة منهوكة في حاجة إلى أن تعيد بناء ذاتها وتوحيد قواها. وهي تعلم أن عالم الاستعمار القومي قد انتهى إلى غير رجعة ليس فقط لاختلاف الإطار الدولي بل وكذلك لأن الدول العظمى العملاقة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية لن تسمح في عالم القوى العظمى للدول القومية الأوروبية بأن تقف منها موقف المناطحة.
على أن الخطأ الذي وقعت فيه القيادات الأوروبية هو أنها خلطت بين دول الشواطئ الجنوبية للبحر الأبيض ودول العالم الثالث. فإذا كانت الجماعة الأوروبية تستطيع أن تتخلى عن الاهتمام بدول العالم الثالث فهل يسمح لها وضعها الاستراتيجي ومستقبلها الاقتصادي والسياسي بعدم الانغماس في مشاكل المنطقة العربية؟.
أ ـ السياسة الأوروبية بعدم الانغماس تنبع من عناصر متعددة.
(أولاً) اختفاء الوعي ساد في حوض البحر المتوسط حتى نهاية العصور الوسطى بوحدة تلك المنطقة. النظرة إلى أن الجنوب هو منطقة للاستعمار والاستغلال وأنها تمثل مستوى حضارياً أقل ولا يدعو إلى التعاون على قدم المساواة كان لا بد وأن تنتهي في إطار التعامل الدولي الذي فرضته نتائج الحرب العالمية الثانية إلى هذا الموقف.
(ثانياً) محاولة تبرير الدفاع عن المصالح الإسرائيلية. مما لا شك فيه أن التوفيق بين المصالح العربية والمصالح الصهيونية وبصفة خاصة خلال الفترة السابقة على حرب الأيام الستة ما كان يمكن أن يصل بالسياسة الأوروبية إلا إلى سياسة متناقضة وغير منطقية. الانحياز إلى الموقف الصهيوني هو المنطق الطبيعي لسياسة تقوم على أساس الخوف وعدم الاحترام للقضية العربية. سياسة عدم الانغماس تأتي فتكمل هذا التصور.
(ثالثاً) على أن الواقع أن القيادات الأوروبية لا تزال حتى هذه اللحظة لا تملك تصوراً متجانساً للتعامل مع منطقة البحر المتوسط. ورغم أن الجنرال ديجول بسياسته العربية المعروفة أبرز مدى حصافته في فهم المصالح الفرنسية إلا أن دول القارة الأوروبية بصفة عامة ودول السوق المشتركة بصفة خاصة لا تزال تنقصها النظرة الواعية لأهمية المنطقة العربية بالنسبة لأمنها الاستراتيجي وبصفة خاصة لموقع البحر المتوسط من الاستراتيجيات الكبرى.
(رابعاً) على أنه مما لا شك فيه أن أخطر أسباب هذه السياسة هو حالة التردد التي تعيشها دول السوق المشتركة إذ إن الوجود الأوروبي تتجاذبه قوى ثلاث للتعامل لا يمكن أن يتم التوفيق بينها في الأمد القريب. أول هذه المحاورة هو أوروبا الشرقية. ورغم جميع المعلومات العكسية فإن التعامل بين السوق المشتركة والشطر الآخر من القارة القديمة على قدم وساق.
ثم هناك محور ثان حول المحيط الأطلنطي. هذا المحور لا يقل أهمية بل إن المصالح الاقتصادية من جانب ومنظمة الأطلنطي من جانب آخر والبريق الأمريكي من جانب ثالث لا بد أن تزيد من تدعيم قوة الجذب التي يمثلها هذا المحور. ويأتي عقب ذلك محور البحر المتوسط. أقلها فعلية وأقلها مدعاة للاهتمام.
رغم ذلك فإن القيادات الأوروبية سوف تكتشف في أعقاب حرب الأيام الستة الخطأ الذي وقعت فيه. ومن ثم سوف تستعيد النظر إلى سياستها التقليدية. واليوم يبدأ هذا التطور وسرعان ما تعفيه تطورات مختلفة باسم الحوار العربي الأوروبي لا نزال نعيش بعض صفحاتها وهي في حقيقتها غطاء يستر الحوار أو التقارب بين دول الشاطئ الشمالي ودول الشاطئ الجنوبي ولكن وقد اتسعت دائرة التعامل فإذا بها تشمل بصدد الشاطئ الشمالي كل دول أوروبا الغربية وبصدد الشاطئ الجنوبي كل دول المنطقة العربية.
ب ـ لنستطيع أن نفهم حقيقة هذا التطور لا بد من متابعة ولو موجزة لحقيقة الأهداف التي سيطرت على السياسة الأوروبية خلال فترة الثلاثين عاماً الماضية. رغم عدم وضوح هذه الأهداف إلا أنه مما لا شك فيه أنه عقب حرب السويس الأولى عام 1956م يستطيع المحلل أن يركز حول ستة عناصر للتصور الأوروبي لسياستها في حوض البحر المتوسط. ضمان التموين النفطي؛ استمرارية فتح قناة السويس والتدفق التجاري؛ ضمان التحكم في السوق العربية سواء كسوق للمنتجات المصنعة أو كسوق للاستثمار؛ العمل على عدم تسرب النفوذ السوفييتي إلى البحر المتوسط؛ منع الوحدة العربية؛ الدفاع عن الوجود الإسرائيلي.
ليس هنا موضع تحليل هذه الأهداف، ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدد موضوع هذه التأملات يدور حول الاستفهام التالي. هل هذه الأهداف ليست متناقضة فيما بينها؟ وهل استطاعت السياسة الأوروبية أن تحقق هذه الأهداف؟ أم أنها فشلت؟
قبل أن نستطرد في هذا التحليل نكرر مرة أخرى أن الشواطئ الشمالية في منطقة البحر المتوسط قد أصابها نوع من الاضطراب كنتيجة للأحداث التي عاشتها الأسرة الدولية. فهي بقدر اتساعها لتشمل دول أوروبا السوق المشتركة ومن ثم تضم دولاً غير متوسطية بقدر تقلصها بحيث لا تشمل جميع دول أوروبا الشرقية بما في ذلك تلك التي يجب أن تعتبرها دولاً بحر متوسطية. ويكفي أن نتذكر كيف أن بلجيكا التي لا صلة لها بالبحر المتوسط تصير وقد اندرجت في هذه المجموعة التي تمثل الشواطئ الشمالية للبحر المتوسط بينما دولة كألبانيا لا موضع لها في ذلك الحوار.
بل إن الدولة التي تتحكم وتقود الحوار وهي ألمانيا الغربية لم تشعر في تاريخها الطويل بأنها تنتمي إلى البحر الدافئ. تعبير آخر عن مدى الاضطراب الفكري والسلوكي الذي تعيشه القيادات المسؤولة.
والواقع أن المتتبع للسياسة الأوروبية في أبعادها العامة يلحظ أن أوروبا لم تكن لها منذ الحرب العالمية الثانية أية سياسة مستقلة ولم تستطع حتى هذه اللحظة أن تخلق إرادتها الذاتية. رغم ذلك فإن مصالحها السياسية واضحة … بل ويجب أن نضيف أن السياسة الأوروبية حتى هذه اللحظة لا تزال لا تملك بعد التصور الكامل والحقيقي لتنظيم علاقاتها مع العالم العربي بصفة عامة ومع دول البحر المتوسط الجنوبي بصفة خاصة.
مما لا شك فيه أنها خلال الفترة الأخيرة قد بدأت تعيد تقييم سياستها وتخطيط حركتها وتخضع خبرتها خلال فترة الثلاثين عاماً التالية لإنشاء إسرائيل لمراجعة قاسية. والنموذج الواضح المعبر عن هذه الحقيقة هو الدعوة إلى الحوار العربي الأوروبي. رغم ذلك فهي لا تزال مترددة تعيش على أمل استغلال القيادات العربية في سذاجتها وخلافاتها. فهي هذه حقيقة السياسة المثالية والمعبرة عن المصالح الأوروبية الحقيقية وبالذات عن وحدة البحر المتوسط ووظيفته وإمكاناته في العالم المعاصر؟ الحوار العربي الأوروبي يتعثر ويتذبذب بين الفشل الذريع والفشل النسبي فهل هذا هو الذي تريده الإرادة الأوروبية الواعية؟ أم أنها لا تزال غير واعية؟
فلنتابع هذا التطور من منطلقاته الأولى بإيجاز ودون تفصيل.
جـ ـ السياسة الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت تستند إلى عناصر ثلاثة. عدم الالتزام أو الترابط السياسي المباشر بأية مشكلة من مشاكل المنطقة وهو ما سبق وعبرنا عنه بسياسة عدم الانغماس؛ عدم تحمل أية مسؤوليات دولية تقود إلى ردود فعل أو تفرض اشتراطات معينة بخصوص مواقف محددة من مشكلة الشرق الأوسط وهذه هي النتيجة المنطقية لسياسة عدم الانغماس وهو الأمر الذي يخدم السياسة الإسرائيلية؛ جعل منطلق التعامل فقط المصالح الاقتصادية. وهكذا نستطيع أن نلخص هذه السياسة بأنها سياسة عدم الانغماس السياسي.
الحوادث اللاحقة أثبتت أن السياسة الأوروبية بهذا الخصوص كانت سياسة خاطئة بل وفاشلة وأنها قامت على خلط خطير في مستويات التعامل الدولي. وعدم الانغماس في مشاكل المنطقة ربما في منطق الأشياء. جميع الحوادث أثبتت أن أوروبا الغربية لا تستطيع أن تقف من مشكلة الشرق الأوسط موقف المتفرج. وإذا كان هذا المبدا لم يتفجر بصورة قاسية وعنيفة في مواجهة السياسة البريطانية فكيف تنسى فرنسا أنها دولة بحر متوسطية؟ وكيف تفسر هذا التناقض وهي تعتبر الجزائر ومنطقة شمال إفريقيا امتداداً عضوياً لكيانها الاقتصادي؟ ألم تكن حرب السويس الأولى في عام 1956م كرد فعل مباشر للمشكلة الجزائرية؟
وكيف نتصور السياسة الإيطالية بهذا المعنى وشبه الجزيرة تعتمد كلياً على التعامل التجاري وحركة الاتصال البحري التي خلقتها قناة السويس؟ حوادث حرب الأيام الستة أبرزت في نتائجها المباشرة مدى القصور الإدراكي في مثل هذا التطور. حرب 1956م شوهت الحقائق لعاملين:
أولهما الاتفاق السوفييتي الأمريكي الذي منع من وضوح المتغيرات الحقيقية. ثم من جانب آخر تصفية نتائج وآثار العدوان بسرعة وبصفة خاصة فيما يتعلق بقناة السويس. حرب 1967م كانت لغتها صريحة واضحة. فالصراع بين القوتين الأعظم تطرق إلى العلاقة بين دول البحر المتوسط. وإقفال قناة السويس قرابة ثمانية أعوام وضع الدول الأوروبية أمام المحك الحقيقي لمصالحها ولطبيعة تلك المصالح.
ولنتذكر بعض نتائج حرب الأيام الستة. إفلاس شركات الملاحة التركية والكثير من شركات الملاحة اليونانية؛ الكساد الذي أصاب الاقتصاد الإيطالي والذي يجعله البعض أحد المصادر المباشرة للاضطراب الاجتماعي الذي لا تزال تعيشه شبه الجزيرة الإيطالية؛ الاضطراب في التبادل التجاري بين شرق إفريقيا ودول البحر المتوسط الشرقي بصفة خاصة.
ثم جاء ت حرب 1973م لتفجر حقيقة العلاقة بين الأقطار العربية ودول السوق المشتركة، النهضة الاقتصادية التي لم تعرفها أية منطقة أخرى في التاريخ البشري في منطقة غرب أوروبا توقفت أساساً على تلك الطاقة الرخيصة التي حصلت عليها دول السوق المشتركة خلال فترة عشرين عاماً ودون توقف من الأقطار العربية. فكيف يمكن فصل هذه التبعية الاقتصادية عن المشكلة القومية التي تسيطر على القيادات العربية؟ استخدام سلاح النفط في حرب رمضان أثبت استحالة التعامل من منطلق فقط اقتصادي بين دول البحر المتوسط الشمالية والأخرى الجنوبية ـ كذلك فإن عدم الانغماس في المشاكل السياسية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وبغض النظر عن جزئياته لا يتجانس مع طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين أجزاء حوض البحر المتوسط.
اكتشاف هذه العلاقة المباشرة يعود إلى نهاية عام 1969م. ولعل حرب الاستنزاف وما ارتبط بها من توريط للاتحاد السوفييتي وتدخل صريح في القتال دفاعاً عن حملات الإرهاب العسكري في العمق المصري كانت ذات علاقة وثيقة بتلك الوثيقة التي صدرت في صباح الثلاثاء الموافق 24 فبراير 1970م بعنوان «أوروبا ومشكلة الأمن الدولي في البحر الأبيض المتوسط» صدر تقرير في باريس وقع عليه أكثر من خمسين مسؤولاً سياسياً أوروبياً بينهم سبعة وزراء سبق لهم التعاون مع ديجول. هذا التقرير في الواقع يعلن مدى إدراك القيادات الأوروبية بحقيقة الترابط بين أمن دول حوض البحر المتوسط وكيف أن مفهوم الترابط بين أمن دول حوض البحر المتوسط وكيف أن مفهوم الأمن الإقليمي في تلك المنطقة حقيقة واحدة لا تتجزأ.
أو كما يقول التقرير المذكور: «لا يمكن الحديث عن الأمن القومي لأوروبا ابتداء من جبل طارق حتى قبرص إذا كانت المنطقة الجنوبية، أي حوض البحر الأبيض الجنوبي معادية أو تسيطر عليه قوى معادية أو قوى دخيلة على البحر الأبيض.
ومن وجهة أخرى فلا موضع للحديث عن أمن قومي للبلاد العربية إذا كانت هذه تواجه بسياسة أوروبية تتغلب عليها عوامل السيطرة والانتقام. الأمن والاستقلال لشواطئ البحر المتوسط حقيقة متكاملة»، وهو ينتهي بأن يعلن بتأييده لفكرة التفاوض في سبيل «عمل اتفاق لحماية الامن في تلك المنطقة بين جميع الدول المحيطة به بحيث يخلق تلك الشروط اللازمة لسحب الأساطيل السوفييتية والأمريكية من المنطقة».
على أن الواقع الواعي بهذه الحقيقة سبقه ولو بصورة غير واضحة ومن منطلقات مختلفة مفكرون آخرون نذكر منهم على وجه الخصوص السياسي المعروف البلجيكي هنري سباك الذي كشف لنا في أواخر الستينات عن الأسباب الحقيقية التي دعته إلى الاستقالة من عمله كسكرتير عام لحلف الأطلنطي في فبراير 1961م.
ومن العودة إلى خطاب الاستقالة الذي أرسله إلى الرئيس كيندي يفسر فيه أسباب انسحابه من تلك المسؤولية نلحظ هذا المفهوم واضحاً وصريحاً. يقول المسؤول الأوروبي في خطابه المذكور: «إذا حدث في خلال خمسة وعشرين عاماً أن أضحينا محاصرين وقد أضحينا أقلية محاصرة بجماهير ضخمة من الشعوب غير المهتمة بمصيرنا إن لم تكن معادية، فإن مصير حضارتنا سوف يتهدد بسرعة في اللحظة التي يختارها الخصم».
وهو يريد بذلك أن ينبه الرئيس الأمريكي لمخاطر ترك النفوذ السوفييتي يتسرب في المنطقة العربية وإفريقيا وآسيا وبصفة خاصة في شواطئ البحر المتوسط الجنوبية([332]).
الهدف الثاني من السياسة الأوروبية أي المساندة الإسرائيلية ورغم أن السياسة الأوروبية وصلت إليها بطريق ملتو من خلال التمسك بما أسمته عدم الانغماس إلا أنه يقدم نموذجاً آخر حقيقياً لفشل السياسة الأوروبية. عدم الانغماس إنما يعني ترك القوى الكبرى تتحكم في الصراع العربي الإسرائيلي ويعني ذلك دعوة القوتين الأعظم للتحكم في حوض البحر المتوسط وجعل منطقة الشرق مسرحاً لصدام ولو من خلال الوسيط بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية.
برز ذلك واضحاً في حرب الأيام الستة، ثم جاءت حرب رمضان لتفرض هذا التورط ولتجعل أوروبا تعيش حالة من التمزق العنيف إزاء الاستنفار النووي الذي أمر به الرئيس نيكسون دون أخذ رأي القيادات الاوروبية.
ولعل متابعة موقف بريطانيا من تلك المساندة يقطع في الدلالة بهذا الخصوص. فبريطانيا أنشأت إسرائيل وساندت وجودها عندما كانت تقف من المنطقة موقف الإرادة المتحكمة ولكنها عقب أن قررت الانسحاب العسكري والتواجد العضوي وجدت أن تلك المساندة لا تتفق مع مصالحها الحقيقية. فلماذا ظلت ولا تزال القارة الأوروبية تقف بأساليب ملتوية وغير واضحة من إسرائيل موقف التأييد إن لم يكن على الأقل التعاطف؟
وإن صح تفسير ذلك بصدد بريطانيا وهي ليست دولة بحر متوسطية في المعنى الصحيح لهذه الكلمة فكيف نفسر سياسة فرنسا وبصفة خاصة وأكثر وضوحاً من حيث التناقض السياسة الإيطالية بهذا الخصوص؟ مما لا شك فيه أنه كما أن العداوة لها درجات فإن المساندة لها أيضاً درجات وإسرائيل في تعنتها ابتداء من حرب حزيران على الأقل حتى هذه اللحظة وأيضاً عقب اتفاقيات السلام، ولنذكر بهذا الخصوص السياسة الاستيطانية في الأرض المحتلة، لا يمكن أن تصون موضع المساندة من الجانب الأوروبي إلا من منطلق من اثنين.
اشتراك المصالح أو منطلق الإيمان والاقتناع، المصالح تعلن بصراحة وتؤكد ذلك جميع الوثائق التي سبق وذكرناها عن أنها لا موضع لها. بقي الإيمان والاقتناع. فهل هذا هو مصدر المساندة الإسرائيلية؟ إن صح ذلك فهل أدخلت القيادات الأوروبية في الاعتبار كيف أن الوجود الإسرائيلي خلق الاضطراب في منطقة البحر المتوسط الشرقي بل وأحال البحر المتوسط بأجمعه بؤرة للصدام بين القوتين الأعظم؟
مما لا شك فيه أن الإرادة الأوروبية قادرة على أن تؤثر في إسرائيل ويكفي أن نتذكر دخول إسرائيل في السوق المشتركة وتدعيمها بامتيازات عنيفة خلال نفس الفترة التي كانت تعقد فيها جلسات الحوار العربي الأوروبي. ولنتذكر موقف الدول الأوروبية من قرار الأمم المتحدة بصدد اعتبار الصهيونية نوعاً من أنواع التعصب العنصري.
رغم أن هذا التحليل ينقلنا إلى موضوع بعيد نسبياً عن هدفنا من هذه الدراسة إلا أنه يملك دلالة بخصوص موضوع السياسة الأوروبية في مواجهة البحر المتوسط. الأسباب الحقيقية التي ترتبت عليها هذه الاضطرابات والتذبذبات في الإدراك الأوروبي تعود إلى مجموعة من المتغيرات نذكرها فقط لإكمال هذا العرض العام.
عدم فهم الأوضاع المحلية وبصفة خاصة في الواقع العربي، عدم إعطاء كل مستوى من مستويات التعامل الدولي وزنه الحقيقي وقد رأينا ذلك في الخلط بين دول العالم الثالث والدول العربية المحيطة بالبحر المتوسط؛ عدم وجود نظرة متكاملة للتعامل مع وحدة البحر المتوسط؛ الخلط بين السياسة الخارجية ومقتضياتها والنواحي العاطفية ومبرراتها؛ عدم فهم حقيقة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة.
د ـ السياسة الفرنسية تفرض علينا وقفة تأمل بخصوص موضع البحر المتوسط من الصراع الدولي المعاصر. والواقع أن فرنسا كانت دائماً تنظر إلى نفسها على أنها دولة بحر متوسطية أكثر منها دولة أطلنطية([333]).
ولعل هذا يفسر إلى حد معين خروج ديجول من الخلف الأطلنطي. رغم ذلك فإن سياستها البحر متوسطية كانت ولا تزال موضع غموض وعدم تجانس حقيقي من حيث المقدمات والنتائج. ولو عدنا إلى الأهداف التي سيطرت على السياسة الفرنسية وبغض النظر عن مراحلها المختلفة لبدا لنا واضحاً كيف أنها كانت دائماً تحاول أن تمسك العصا من منتصفها.
هذه الأهداف الثلاثة يحددها لنا العالم الفرنسي «لابوريه» أحد من مارس الدبلوماسية الفعلية من موقع المسؤولية في باريس بالعناصر التالية.
تدعيم وتقوية العلاقات الثنائية مع الدول المحيطة بشواطئ البحر المتوسط؛ العمل على منع تطور الصراعات في حوض المتوسط بحيث لا تصير منطلقاً لصراعات أو لتقسيم مناطق نفوذ بين الدولتين الأعظم؛ العمل على تطويع تحركاتها تبعاً للتطورات المحلية في منطقة الشرق الأوسط حيث إن الصراع العربي الإسرائيلي لا بد وأن يتبلور صداه حول جميع التعاملات في حوض البحر المتوسط.
هذه السياسة بدورها لا تعكس في الواقع سياسة بحر متوسطية واضحة ولكنها تعبر عن تقاليد السياسة الفرنسية التي أسسها خلق نوع من التوازن يصير دائماً لصالح فرنسا دون أي اعتبار لأية نواح أخرى. السياسة التي اتبعتها باريس مع محمد علي والتي انتهت بالتضحية بالدولة المصرية الناشئة لم تختلف وإن طوعت لموقف جديد لم تعد فيه فرنسا مهيمنة على حوض البحر المتوسط ولو من بعيد. ولا يجوز أن يخدعنا بهذا الخصوص ما يسمى بالسياسة الديجولية. إنها ليست إلا تعبير آخر عن سياسة لولبية ليس لها من متغير حقيقي سوى الاستقلالية القومية في معناها التقليدي والذي يعود بنا إلى القرن التاسع عشر.
د. حامد عبد الله ربيع
أهمية البحر المتوسط
تنبع أهمية البحر المتوسط من اسمه إلى حد كبير، فالبحر المتوسط مركب من عبارة لاتينية تعني البحر الذي يتوسط اليابسة، هي قارات العالم القديم الثلاث: أوروبا وآسيا وإفريقيا. وتتعدد جوانب البحر المتوسط من عدة نواح جيوبوليتيكية، واقتصادية، وخط مواصلات بحرية، بالإضافة إلى أهميته الحضارية.
من هنا حق للبعض أن يقول إن البحر المتوسط يعدّ «بارومتر» المناخ السياسي للعالم، إذ تعكس العلاقات القائمة بين البلاد المطلة على سواحله صورة للعلاقات بين القوتين الأعظم، بل إنه يتضمن اليوم إمكانية إغراق العالم كله في حرب نووية يمكن أن تفني الحضارة البشرية.
(1 ) الأهمية الجيوبوليتيكية
للبحر المتوسط:
ذهب باحث أمريكي مشهور إلى أن مستقبل السياسة العالمية سيعتمد على الأقل للعقد القادم، واحتمالاً للجيل القادم أيضاً، على تطور المنطقة المحيطة بحوض البحر المتوسط، فالربع الشمالي الغربي منها (أوروبا الغربية) يحتوي أكبر تركيز للقوة البشرية الماهرة في العالم والتي تقارن بمثيلتها الموجودة في كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، والربع الجنوبي الشرقي من تلك المنطقة يمتلك مصادر واسعة ورخيصة للطاقة يعتبر تدفقها المستمر في العقدين القادمين ضرورياً للصحة الاقتصادية والسياسية للربع الشمالي الغربي ويحتوي الربع الشمالي الشرقي المنطقة السوفيتية من أوروبا الشرقية. وبالإضافة إلى روسيا الآسيوية، فإن هذا الربع يشمل معظم ما أطلق عليه «ماكيندر» (قلب الأرض) ([334]).
وقد نظر ماكيندر إلى العالم القديم باعتباره قارة واحدة ذات ثلاثة أقسام متلاصقة يتوسطها البحر المتوسط وتضم ثلثي مساحة اليابسة وأطلق عليها (الجزيرة العالمية). أما القارات الأخرى وهي الأمريكيتان وأستراليا فلا تزيد مساحتها عن ثلث مساحة اليابسة، وسكانها لا يزيدون عن 1 ـ 16 من البشرية، واعتبر هذه القارات الأخيرة أقماراً تدور في فلك الجزيرة العالمية، وأطلق على النطاق الساحلي الذي يغلق الجزيرة العالمية اسم الهلال الخارجي أو الجزري ويضم بريطانيا وكندا والولايات المتحدة وجنوب أميركا وأستراليا واليابان وهو نطاق قوة بحرية. ووضع بين قلب الأرض والهلال الخارجي نطاقاً ثالثاً أسماه (الهلال الداخلي) ويضم ألمانيا والنمسا وتركيا والهند والصين.
اعتماداً على هذا التشخيص وضع ماكيندر معادلته الشهيرة. من يحكم شرق أوروبا يسيطر على قلب الأرض، ومن يحكم قلب الأرض يسيطر على الجزيرة العالمية، ومن يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على العالم.
وقد رأى في ضوء هذه المعادلة أنه إذا كانت ألمانيا قد حاولت أن تسيطر على قلب الأرض في الحرب العالمية الثانية فإن النتيجة هي أن الاتحاد السوفييتي ـ وليس ألمانيا ـ هو الذي خرج من تلك الحرب باعتباره القوة المسيطرة على قلب الأرض ومفتاحه في شرق أوروبا، بل وباعتباره أعظم قوة على وجه الأرض.
وعلى هذا فإن مستقبل العالم في رأي ماكيندر يتوقف على حفظ التوازن في القوى بين الأقاليم الساحلية وبين القوى الداخلية المتوسعة. كما أرى أن استخدام القوى البحرية لطريق كالبحر المتوسط في الملاحة لن يكون إلا بموافقة أو تحت رحمة قوى البحر التي يمكنها أن تغلقه بالحرب الجوية من قواعدها البرية([335]).
ويرى كابلان أنه إذا سيطر الربع الشمالي الشرقي من حوض البحر المتوسط على الربعين الشمالي الغربي والجنوبي الشرقي فإن قوته ستصبح غلابة إزاء الصين، فإذا تمكن الاتحاد السوفييتي بإقامة نطاقه الصحي، من حول الصين يمتد من سيبيريا ـ إلى الهند وجنوب شرق آسيا فإنه سيتمكن من إيجاد بيئة لن يكون أمام الصين فيها من خيار سوى أن يتكيف مع النظام السوفييتي، وبذلك يحقق الأخير السيطرة على الجزيرة العالمية أو بذلك يطوق الولايات المتحدة بصورة فعالة، وبالتالي لن تتمكن أمريكا «القلعة» من الحياة سياسياً أو اجتماعياً.
ومن هنا يصل كابلان إلى أن أوروبا الغربية تعتبر المنطقة المباشرة للضغط السوفييتي، وأن بلاد الطرف الجنوبي للبحر المتوسط ذات أهمية ضخمة للدفاع العسكري عن أوروبا الغربية([336]).
أما الباحث العربي الدكتور جمال حمدان، فيرى أن منطقة الهلال الداخلي، أو ما تسمى منطقة الارتطام ـ استطاعت أن تؤكد وجودها وتفرض نفسها على التوازن العالمي بين قوى البر وقوى البحر وأن تخضع إحداهما أو كليهما لسيطرتها، ولكن هذا الدور لم يتحقق إلا بنوع من الوحدة بين أجزائها سواء كانت تلك الوحدة منبثقة من الداخل أو مفروضة من الخارج.
المرة الأولى التي سيطرت فيها هذ المنطقة كانت في ظل الدولة العربية الإسلامية في العصور الوسطى، تلك الدولة وضعت مركز القوة العالمية في قلب منطقة الارتطام على حساب كل من القوى البرية والبحرية.
وكما قامت هذه القوة بفعل الوحدة، زالت بفعل التفكك. المحاولة الثانية ارتبطت بالدولة العثمانية كقطب من أقطاب القوة العالمية في العصور الوسطى وبدايات العصور الحديثة. المحاولة الثالثة بعد سقوط القوة العثمانية ارتبطت بألمانيا ولكنها فشلت. وبذلك وقف الاتحاد السوفييتي وجهاً لوجه مع الولايات المتحدة([337]).
بناء على هذا التصور يعتبر البحر المتوسط الممر المائي الهام الذي يتوسط الجزيرة العالمية، ومن هنا فإن الذي يسيطر عليه يؤثر على مناطق الحوض، وذلك هو السبب الذي من أجله تسعى الولايات المتحدة إلى استمرار وضعها القائم في البحر المتوسط والذي من أجله يسعى الاتحاد السوفييتي إلى تغيير أو قلب ذلك الوضع القائم.
والبحر المتوسط تبلغ مساحته 969,100 ميل مربع [بينما تبلغ مساحة المياه التي تغطي الكرة الأرضية 139,670,000 ميل مربع].
والبحر الأسود هو امتداد للبحر المتوسط إلا أن مسألة تحديد هل هو جزء من هذا الأخير أم لا تعتبر مسألة سياسية هامة؛ ذلك أن اعتباره جزءاً من البحر المتوسط يعني أن الاتحاد السوفييتي وبلغاريا ورومانيا (وإيران) من بلاد البحر المتوسط بالمعنى السياسي أيضاً.
ويتصل البحر المتوسط بالبحار والمحيطات الأخرى عن طريق جبل طارق وقناة السويس. أما مضيق البسفور والدردنيل فهما يربطان البحر المتوسط من خلال بحر مرمرة بالبحر الأسود الصغير المقفل.
وتعتبر هذ المضائق ذات أهمية استراتيجية إذ تسمى في عرف رجال الاستراتيجية البحرية «نقاط الخناق» حيث تسهل عملية المراقبة أو الهجوم أو التنصت من أجهزة تركب تحت الماء لمراقبة الغواصات.
وبالطبع، فإن القوة التي يمكنها أن تغلق هذه المضائق تكون قد أوقفت الملاحة إلى البحر ومنه. وهناك عدة مضائق داخلية أخرى ذات أهمية بالنسبة لجنوب أوروبا.
وإلى جانب ذلك، يعرف البحر المتوسط مناطق يرتفع فيها سطح الأرض تحت الماء بحيث تكون مياه البحر ضحلة بما يكفي لتكون صالحة كمراسي بحرية، ويستخدم الأسطول السوفييتي مثل هذه البقع المرتفعة شرق مضيق جبل طارق وجنوب مالطة وشرق تونس وشرق كريت وقرب قبرص، وبذلك يتواجد الأسطول السوفييتي قرب مناطق الخناق الاستراتيجية. كما يعتبر البحر المتوسط طريقاً إلى المحيط الهندي بالنسبة للاتحاد السوفييتي.
(2 ) البحر المتوسط كخط
مواصلات بحرية حيوية
إذ يعتبر طريقاً للمواصلات البحرية بين شمال العالم وجنوبه وشرقه وغربه، فهو طريق السفن المتجهة إلى موانئ شمال غرب أوروبا والمملكة المتحدة وموانئ بحر البلطيق وشرق وجنوب شرق البحر المتوسط وغربه والبحر الأسود وغرب الأطلنطي حيث الأمريكتين. وطريق السفن من الشمال والغرب إلى آسيا وأستراليا.
وتمر به حاملات المواد النفطية والخامات المعدنية والنباتات الزيتية والحيوانات وخامات النسيج والمعادن المصنوعة والآلات والأسلحة وغيرها. وإذا علمنا أن السوق الأوروبية المشتركة تعتبر أكبر كتلة تجارية في العالم علمنا أهمية البحر المتوسط كطريق بحري حيوي تتوقف أهميته جزئياً بإغلاق قناة السويس.
ويؤدي إغلاق القناة إلى ارتفاع تكاليف الشحن، ففي الفترة التي أعقبت عدوان 1967م من جانب إسرائيل على البلدان العربية، ارتفعت تكاليف الشحن بما يزيد على 500 مليون جنيه كما بلغت خسائر التبادل التجاري عشرات الملايين من الدولارات، وبذلك كانت فترة إغلاق القناة بمثابة خسارة مستمرة لأوروبا الغربية ولعدد غير قليل من الدول الإفريقية والآسيوية وللدول صاحبة القناة.
وبازدياد اعتماد أوروبا على نفط الخليج تزداد أهمية القناة، وبخاصة إذا علمنا أن اقتصاد أوروبا الغربية لا يمكنه أن يؤدي وظيفته أكثر من شهرين بدون نفط الخليج حيث لا تزيد خطط الطوارئ عن هذ المدة. وهذا يبين أهمية النفط العربي وقناة السويس والبحر المتوسط لأوروبا الغربية([338]).
وإلى جانب هذه الأهمية، تقول التقديرات إن الولايات المتحدة سيكون عليها ابتداء من سنة 1980م أن تستورد أكثر من 50 % من نفطها وأكثر من 30 % من الغاز أيضاً من الخارج، فهذا معناه اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط سواء شمال إفريقيا أو الخليج الفارسي([339]).
كما تؤكد التقديرات كذلك أن الاتحاد السوفييتي سوف يدخل منذ العام القادم أو الخمس سنوات التالية له كمشتر للنفط، وبالتالي سوف يزداد الاهتمام السوفييتي بنفس المناطق المنتجة للنفط التي هي موضع اهتمام الدول الأوروبية الغربية والولايات المتحدة واليابان([340]).
ولا يمكن إغفال أهمية البحر المتوسط لتجارة الدول العربية سواء المصدرة للنفط والغاز أو المعادن أو المستوردة لاحتياجاتها من الغذاء أو المعادن المصنوعة أو الآلات أو الأسلحة أو لممارسة نشاطات اقتصادية فيه كصيد الأسماك وغيرها.
(3 ) الأهمية الحضارية
للبحر المتوسط
تشبه صفحة المتوسط سجلاً أبدياً للتاريخ عرف السلام مثلما عرف الصراعات. وتحتضن الخبرة الحضارية للبحر المتوسط الأنبياء والفلاسفة (اليونان) والحضارة المصرية الأولى، والفاتحين الغزاة ومؤسسي الأمبراطوريات، وصراع قرطاجنة وروما، والقسطنطينية، ومعارك سيلامين والحروب الصليبية، وصراع فرنسا الثورة وبريطانيا الأمبراطورية، ومحاولات محمد علي، والحركات الاستعمارية. ولا يزال البحر المتوسط يعرف إلى اليوم حضارات تاريخية حيث الإسلام في شرقه وجنوبه وحيث الكاثوليكية في الشمال.
ومما لا شك فيه أن أعظم تأثير ارتبط بتاريخ المتوسط الحضاري وظل حياً مستمراً إلى اليوم هو تأثير العرب المسلمين إذ استطاعوا تحت راية الإسلام أن يكوّنوا ما اسماه ماكيندر «الأمبراطورية العالمية الأولى في التاريخ» التي قلبت موازين القوى في البحر المتوسط رأساً على عقب.
كما يقول د. جمال حمدان عندما أصبح الساحل الجنوبي لأول مرة هو صاحب السيطرة على نقط كثيرة من الساحل الشمالي كما في جنوب إيطاليا وكل جزر البحر وشبه جزيرة إيبريا (الأندلس) وبذلك سقطت نظرية وحدة البحر المتوسط بمفهومها اللاتيني وتحول البحر المتوسط إلى بحيرة عربية شبه خالصة([341]).
هذا البحر صاحب السجل الحضاري المهيب يشهد اليوم مجموعة صراعات محلية ومواجهة كبرى ذرية بين قوتين كلتاهما خارج البحر المتوسط بمعناه المباشر.
(4) البحر الأبيض المتوسط
بحيرة شيعية
يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه شرف في كتابهما (المعز لدين الله) وهما يتحدثان عن القوى البحرية للمعز (ص 48) الطبعة الثانية:
«ولا نغالي إذا قلنا إن المعز استطاع بفضل أسطوله القوي أن يجعل غربي البحر الأبيض المتوسط بحيرة فاطمية، ولا غرو فقد هجم أسطوله على أساطيل عبد الرحمن الناصر الاموي في عقر دارها في الأندلس، وانتصر على الروم حلفاء الأمويين في ذلك الحين حتى أرغمهم على طلب الهدنة، وكثيراً ما هجم أسطول المعز على إقليم قلوريا (كالابريا) جنوبي إيطاليا. وينبغي أن لا ننسى ذلك الدور الهائل الذي قام به هذا الأسطول في سبيل مساعدة مسلمي جزيرة أقريطش (كريت).
وقد ذكر النعمان المغربي قاضي المعز، أن المهدية كانت غاصة بالسفن حتى أن هذا الخليفة الفاطمي عمل على اتخاذ قاعدة ثانية تخفف الضغط عن هذا الثغر، وقد وجد القاعدة المنشودة في (سوسة).
ولهذا كانت المهدية وسوسة مراكز أساسية للأسطول الفاطمي الإفريقي. أما الأسطول الفاطمي الأوروبي فكانت سفنه رابضه في موانئ صقلية. اهـ.
وقد خص المؤرخان غربي البحر المتوسط في كلامهما المتقدم، لأنهما كانا يتحدثان عن الأسطول الفاطمي قبل فتح مصر والشام. أما بعد فتحهما فقد أضافا قائلين:
«أضف إلى ذلك أن المعز حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر الأبيض، ولا غرو فقد دخلت في حوزة المعز بعد أن فتح مصر والشام، البلاد الواقعة على البحر الأبيض من أنطاكية إلى سبتة، ووقعت في يده موانئ المغرب الأقصى المطلة على المحيط الأطلسي أيضاً.
ومن ثم ملأ المعز كثيراً من موانئ الشام الهامة مثل صور وعكا وعسقلان بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع، وأهمها: (الشلندمات) والشواني الحربية والمسطحات والطرادات والعشاريات والجرافات. وقد رأينا موقف أسطول المعز من صور وسواها في حروبه مع الروم، كما رأينا كيف اتخذ جوهر من عكا وعسقلان مستودعات للإمدادات التي كانت تتدفق على جيوش الفاطميين في بلاد الشام». اهـ.
وهكذا يمكن القول إن البحر الأبيض غربيه وشرقيه أصبح بحيرة فاطمية ثم يستطرد المؤرخان قائلين:
«وكذلك عني المعز بالأسطول التجاري لينقل البضائع المصرية إلى البلدان الأخرى ويعود محملاً بالسلع من هذه البلدان. وقد أصبح للفاطميين أسطولان تجاريان: أحدهما في البحر الأبيض المتوسط، والآخر في البحر الأحمر، فكانت الإسكندرية ودمياط في مصر، وعسقلان وعكا وصور وصيدا في الشام من أهم الموانئ الفاطمية في البحر الأبيض. كما كانت عيذاب أهم موانئ البحر الأحمر، وكانت مزودة بأسطول حربي يقوم على حماية الأسطول التجاري والقضاء على اللصوصية في هذا البحر». اهـ.
ولابن هانئ الأندلسي قصائد رنانة في وصف معارك الأسطول الفاطمي وانتصاراته، نقتصر منها على أبيات من قصيدة يتحدث فيها عن سيطرة هذا الأسطول على البحر الأبيض بقطعه الحربية الشامخة التي يصفها مخاطباً المعز قائلاً:
مواخر في طامي العباب كأنه
لعزمك بأس أو لكفك جود
عليها غمام مكفهر صبيره
له بارقات جمة ورعود
أنافت بها أعلامها وسما لها
بناء على غير العراء مشيد
من الراسيات الشم لولا انتقالها
فمنها قنان شمخ ورعود
من القادحات النار تضرم للصلى
فليس لها يوم اللقاء خمود
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج
كما شب من نار الجحيم وقود
فأنفاسهن الحاميات صواعق
وأفواههن الزافرات حديد
لها شعل فوق الغمار كأنها
دماء تلقتها ملاحف سود
وقال مؤرخ واصفاً حال الأسطول الفاطمي يومذاك: «بلغ عدد ربابنة أسطول الفاطميين خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) خمسة آلاف ربان وعدد سفنه مائتي سفينة، واضطر الإفرنج إلى الانحياز إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحر المتوسط لا يبرحونه لأن هذا البحر يسيطر عليه الأسطول الفاطمي من مضيق جبل طارق إلى بيروت» اهـ.
ويقول الدكتور مرمول محمد الصالح في كتابه (السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب):
جرد الفاطميون حملاتهم العسكرية على الروم كلما وجدوا فرصة لذلك طيلة عهدهم في المرحلة المغربية فقد جرد عبيد الله المهدي حملاته ضدهم في سنوات مختلفة كانت تنطلق من المهدية أو من صقلية ففي سنة 315هـ (929م) توجهت حملة بحرية من المهدية بقيادة صابر الفتى عدتها أربعة وأربعون مركباً فاتجهت إلى صقلية ومنها شنت غاراتها على سواحل ومدن الروم فقتلت وغنمت وعادت إلى صقلية([342]).
ثم أعاد صابر الكرة في السنة الموالية من صقلية أيضاً فافتتح عدة أماكن رومية واستولى على ما فيها وأجبر أماكن أخرى على مصالحته بأموال وديباج وثياب وعاد بجيشه إلى صقلية مركز انطلاقه([343]).
ثم كرر هجومه البحري في سنة 317هـ (931م) أيضاً فالتقى في البحر بسبعة مراكب للروم وهو في أربعة مراكب فهزم خصومه وفتح وسبى سبياً كثيراً ورجع إلى المهدية([344]).
وبذلك سن المهدي لمن جاء بعده سنة توجيه الحملات البحرية من المهدية أو من صقلية ضد موانئ وسواحل الروم. وقد كان ولاة صقلية يساهمون مساهمة فعالة في هذا المجال نظراً لمركز ولايتهم الاستراتيجي وإمكانيات أسطولها البحري، وذلك مثل الحملة التي قادها يعقوب بن إسحاق في آخر حياة عبيد الله المهدي ففتحت جنوة وسردانية([345]).
وقد قال آدم متز أيضاً عن صولة الأسطول الفاطمي، بالحوض الغربي للبحر المتوسط منذ عهد عبيد الله المهدي وسيطرته على مياهه ما نصه: (ولم يكن لأوروبا سلطان على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن العاشر الملادي، فقد كان بحراً عربياً (فاطمياً)، وكان لا بد لمن يريد أن يقضي لنفسه أمراً أن يخطب ودّ العرب، كما فعلت نابولي وغيته وأمالفي.
ففي سنة 322هـ (935م) استطاعت مراكب عبيد الله المهدي الفاطمي أن تغزو جنوب فرنسا ومدينة جنوى وأن تفعل مثل ذلك بمدينة يبيزا في عامي 401 ـ 404هـ (1011 ـ 1014م)([346]) فهذا يبين لنا ثقل وطأة الأسطول الفاطمي على أساطيل أوروبا وتحكمه في لجج البحر المتوسط، وأن سلطة الفاطميين في المغرب تمثل قمة المجد البحري الإسلامي في البحر المتوسط([347]).
لقد بقي الاهتمام متواصلاً وكبيراً بشأن الأسطول في عهد أبي القاسم محمد القائم وزاد شأنه أكثر من السابق واستفحل خطره على الأساطيل البيزنطية حيث ضاعف من غاراته عليهم من موانئ وثغور المغرب ومن صقلية أيضاً.
ولعل قلة الثورات الداخلية في بداية عهده تركت له مجالاً للاهتمام بحروب الروم والعناية بالأسطول أكثر من أبيه.
ويقول ابن خلدون بهذا الصدد: «وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون بأساطيلهم من المهدية جزيرة جنوى فتنقلب بالظفر والغنيمة …. كما وقع في ايام بني الحسن القائمين في صقلية بدعوة العبيديين من (الفاطميين). وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي … وأساطيل المسلمين (الفاطميين) قد ضربت ضراء الأسد على فريسته وقد ملأت الكثير من بسيط هذا البحر عدة وعدداً، واختلفت في طرقه سلماً وحرباً، فلم تسبح فيه للنصرانية ألواح([348]).
فهذا النص يبين لنا مدى الدور العظيم الذي لعبه الفاطميون في الدفاع عن المغرب الإسلامي والمتمثل في رد غزوات الروم.
(5) الاهتمام بالأسطول البحري
إن الاهتمام بالأسطول البحري يقتضي الاهتمام بلوازمه أيضاً، كمراكز بناء السفن، ومصانع السلاح. ومن أهم مصانع السفن والأسلحة بونة ـ عنابة ـ والمهدية وغيرهما([349]).
وقد أشاد الشعراء بأسطول ابي القاسم ووصفوه بغرر شعرهم.
قال علي بن الأيادي في ذلك:
أعجب لأسطول الإمام محمد
ولحسنه وزمانه المستغرب
للبست به الأمواج أحسن منظر
يبدو لعين الناظر المتعجب
من كل مشرفة على ما قابلت
إشراف صدر الأجدل المنتصب
دهماء قد لبست ثياب تغنج
تسبي العقول على ثياب ترهب
ممن كل أبيض في الهواء منشّر
منها وأسحم في الخليج معيّب
كملاءة في البر يقطع شدّها
في البحر أنفاس الرياح الشذّب
محفوفة بمجادف مصفوفة
في جانبين دوين صلب صلّب
كقوادم النسر المرفرف عُرّيت
من كاسيات رياشة المتهدّب
تحتشّها أيدي الرجال إذا ونت
بمصعّد منه بعيد مصوّب
خرقاء تذهب إن يد لم تهدها
في كلّ أوب للرياح ومذهب
جوفاء تحمل موكباً في جوفها
يوم الرهان وتستقلّ بموكب
ولها جناح يستعار يطيرها
طوع الرياح وراحة المتطرّب
يعلو بها حدب العباب مطارة
في كلّ لجّ زاخر مغلولب
تسمو بأجرد في الهواء متوّج
عريان منسوب الذوائب شوذب
يستنزل الملاّح منه ذؤابة
لو رام يركبها القطا لم يركب
فكأنما رام استراقة مقعد
للسمع إلاّ أنه لم يشهب
وكأنّما جنّ ابن داودٍ وهم
ركبوا جوانبها بأعنف مركب
سجروا جواهم نارها فتقاذفوا
منها بألسن مارج متلهّب
من كلّ مسجور الحريق إذا انبرى
من سجنه انصلت انصلات الكوكب
عريان يقدمه الدخان كأنه
صبح يكرّ على الظلام الغيهب
ولواحق مثل الأهلّة جنّح
لحق المطالب فائتات المهرب
يذهبن فيما بينهنّ لطافة
ويجلن فعل الطائر المتغلّب
كنضائض الحيّات رحن لواعياً
حتّى يقعن ببرك ماء الميزب
شرعوا جوانبها مجادف أتعبت
شأو الرياح لها ولمّا تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا
طوراً وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنه
ليل يقرّب عقرباً من عقرب
على مراكبها أسود خلافة
تختال في عدد السلاح المذهب
فكأنما البحر استعار بزيّهم
ثوب الجمال من الربيع المعجب
ولكن نشاط الأسطول ضد الروم قل في عهد المنصور وذلك بسبب آثار ثورة صاحب الحمار الخطيرة. بينما واصل عمله في عهد المعز الأمر الذي جعل الروم يستنجدون في بعض الأحيان بملك القسطنطينية، لرد غزوات المعز البحرية كما حدث في سنة 345هـ (957م) حينما جرد المعز عليهم حملة بحرية انطلقت من صقلية بقيادة حسن بن علي بن الحسين فاستغاث الروم بالملك قسطنطين السابع 329 ـ 374هـ (905 ـ 959م) فأنجدهم بالعساكر براً وبحراً والتقت في البحر مع جيش حسين بن علي وذلك في شهر شوال ورغم قلة عدد سفن الفاطميين فإنها انتصرت انتصاراً كبيراً وبلغ عدد ما حز من رؤوس الأعداء عشرة آلاف رأس).
هذا ولم تكن صقلية فقط مركزاً لنشاط الأسطول الفاطمي بل هناك عدة جزر أخرى كانت مركزاً لنشاط الأسطول من بينها جزيرة كريت (أقريطش)([350]) التي كان الصراع فيها بين المسلمين والروم قائماً على أشده من قبل عهد الفاطميين([351]).
ولكن هؤلاء الأخيرين كانت وطأتهم عليها أشد وقاوموا الروم مقاومة عنيفة. وخاصة في عهد المعز.
قال ابن الأثير في أحداث سنة 351هـ (963م): «وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة أقريطش فأرسل أهلها إلى المعز لدين الله العلوي صاحب إفريقية يستنجدونه فأرسل إليهم نجدة فقاتلوا الروم فانتصر المسلمون وأسر من كان بالجزيرة من الروم([352]).
كما أن هناك جزر أخرى كانت أهدافاً لنشاط الأسطول الفاطمي مثل جزيرة مالطة وقبرص وسردانية، وقوصرة([353]).
ومن خلال ما تقدم يتضح لنا مدى أهمية صقلية وغيرها من بعض الجزر بالنسبة لأسطول الفاطميين. ولذا حرصوا أشد الحرص على الاحتفاظ ببقاء نفوذهم فيها لأغراض عسكرية واقتصادية، لأنهم كانوا يهدفون إلى إنشاء امبراطورية قوية على الساحل الجنوبي للحوض الغربي للبحر المتوسط الأمر الذي جعل من صقلية قاعدة بحرية هامة لأسطولهم وذلك لرد غارات الروم على السواحل الإفريقية هذا بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية فهي خصبة بمنتوجاتها الزراعية ويكثر فيها أيضاً الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والزئبق، وغيرها من المعادن([354]).
ويتضح لنا مما تقدم أن الأسطول الفاطمي سيطر سيطرة كاملة على الحوض الغربي للبحر المتوسط وانفرد بالسيادة عليه، وضيق الخناق على الأساطيل الرومية حيث كان سلطانه مرهوباً، وامتدت سيطرته كما يقول البعض (ما بين جبل طارق إلى بيروت) ([355]). وبلغ عدد سفنه المئات وكان مرسى المهدية وحده يسع أكثر من مائتي سفينة([356]). واستعملت قطعه لأغراض عسكرية وتجارية.
(6) العوامل التي ساعدت على قوة البحرية الفاطمية
عني الخلفاء الفاطميون عناية كبيرة بأمور البحرية ولكن عناية المعز بها كانت أكثر، وذلك نظراً لقلة الاضطرابات الداخلية في عهده بسبب سياسة اللين والتفتح التي سلكها مع الثائرين ولذا وجد المجال متسعاً للاهتمام بالأسطول([357]).
واتخذ من مدينة المهدية وسوسة ومرسى الخزر وغيرها لقطع هذا الأسطول. ولا ننسى أن الفاطميين استفادوا في هذا المجال من موقع جزيرة صقلية الممتاز لما فيها من مواني وأحواض على غاية من الأهمية ولا نغلو إذا ما قلنا بأن المعز استطاع أن يجعل من غربي البحر المتوسط بحيرة فاطمية لأن أسطوله أخذ زمام المبادرة دائماً على الروم وأجبرهم على طلب الهدنة وإعطاء الجزية وتقديم الهدايا حيث أوفدوا إليه بطريقاً من بطارقتهم لهذا الغرض فقبل منهم ذلك([358]).
وكان أسطوله الأوروبي مرابطاً بموانئ صقلية تحت إشراف أسرة الكلبيين. أما أسطوله الإفريقي، ففي حالة تحفز واستعداد بالموانئ المغربية وفي مقدمتها المهدية وسوسة، وتونس، وبونة، وغيرهما. وجعل في أهم الموانئ داراً لصناعة السفن والسلاح، كما كان يأمل أن يصل المنصورية بالبحر بواسطة قناة، فقد نقل من كتاب المجالس والمسايرات قوله: «لئن امتد المقام هنا ـ أي في المنصورية ـ لنجرين البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحط وتقلع بحضرتنا»([359]).
ولا شك أن هذا يدل على مدى عنايته أكثر من أسلافه بالجيش البحري حيث أراد أن يجعل من المنصورية ميناء ثالثاً من حيث الأهمية بالنسبة إلى المهدية وسوسة. ولا غرابة في ذلك فللأسطول وحده يرجع الفضل الكبير في انتصارات الفاطميين البحرية. كما أن الفضل يعود إليه في تزويد جوهر بالإمدادات أثناء فتحه لمصر([360]). ونلاحظ أيضاً بأن تقدماً ملموساً حصل في قوة الأسطول الفاطمي في عهده أكثر من السابق بصفة خاصة ومن ضمن ذلك القطع البحرية العاملة بالمغرب الأوسط (الجزائر حالياً) ([361]).
ومن خلال ما تقدم يتجلى لنا أن أسطول المغرب الإسلامي في عهد الفاطميين ازداد قوة وتمكناً في العدد والعدة ومسك بناصية الحوض الغربي للبحر المتوسط وهدد الروم، ويعتبر بناء عبيد الله المهدي لمدينة المهدية، على ساحل البحر عاصمة له مظهراً من مظاهر التحول الأساسي في سياسة هذه الخلافة التي عملت من أول عهدها على أن تكون دولة قوية بجيشها البري والبحري، وبالفعل أصبحت لها قوات بحرية عظيمة إلى جانب قواتها البرية.
ويمكن أن نلخص أهم العوامل التي ساعدت على نمو أسطولها وقوته فيما يلي:
1 ـ صلاحية الموقع الجغرافي لبلاد المغرب وكثرة موانئه، ووجود أحواض لبناء السفن مثل المهدية وسوسة، وبونة (عنابة)، ومرسى الخزر، القالة، وبجاية وغيرها، وتوفر المواد اللازمة لبناء السفن مثل الأخشاب التي تصنع منها ألواح السفن، وكذلك الحديد الذي يوجد بصقلية وبلاد المغرب، في بونة وبجاية، والإربس، وكذلك توفر المواد الأخرى من قطران وحبال([362]).
2 ـ وراثة الفاطميين لأسطول قوي عن الأغالبة الذي يعود تاريخ نشأته إلى عهد حسان بن النعمان، (75 ـ 78هـ/ 695 ـ 698م) حيث عملوا على تنميته، وتطويره، ولم يبدؤوا من منطقة الصفر في هذا المجال.
3 ـ وجد الفاطميون بين أهل المغرب إطارات كفوءة عارفة بمبدأ أن الملاحة والأمور البحرية لها خبرة ودراية في هذا المجال منذ عهد الفينيقيين. فكان هذا أحد عوامل قوة بحريتهم ونجاحها([363]).
4 ـ يعتبر موقع صقلية البحري الهام من العوامل التي ساعدت على قوة الأسطول وتحكمه في مياه الحوض الغربي للبحر المتوسط، وقد أصبحت محطة بحرية هامة للمسلمين منذ أن فتحت سنة 212هـ (827)م
5 – يمكن أن نعتبر تأصل فكرة الجهاد عند الفاطميين وتطلعهم إلى التوسع شرقاً وغرباً وخوفهم من الخطر الخارجي المتمثل في الروم بصفة خاصة من أهم الحوافز التي جعلتهم يعتنون أشد العناية بأمور الأسطول حتى تكون لهم قوة بحرية قادرة على تحقيق آمالهم في توسيع رقعة دولتهم ورد الخطر الخارجي الرومي([364]).
6 ـ اعتناء المعزّ بالأسطول أكثر من أسلافه لأنه كان يهدف إلى تكوين قوة بحرية قوية يسيطر بها على حوضي البحر المتوسط الغربي والشرقي على السواء ويقارع بها.
7 ـ ومما زاد من قوة الأسطول في عهد المعز وراثته لأسطول الأخشيديين([365]). وبعد فتحه لمصر وجد بين المصريين أيضاً إطارات كفوءة في ميدان الملاحة النهرية والبحرية معاً، وبعد فتح مصر والشام، حقق ما كان يطمح إليه في هذا المجال حيث امتد نفوذه البحري من سبتة غرباً إلى أنطاكية شرقاً([366]). بالإضافة إلى الموانئ المطلة على المحيط الأطلسي وبذلك بلغ الأسطول في عهده قمة مجده.
8 ـ تنظيم الأسطول وامتيازات رجاله: لقد حظي رجال الأسطول الفاطمي في مصر بامتيازات سخية وتقاضوا مرتبات عالية. وزيادة على مرتباتهم فإن الخليفة الفاطمي كان يقطعهم الإقطاعات ولكي يشجعهم فإنه كان يترك لهم ما غنموه من أموال وثياب ومتاع، بينما تأخذ الدولة السلاح والأسرى.
كما كان يشاهد بنفسه رحلة رجال الأسطول ويودعهم عند انطلاقهم إلى الحرب ويدعو لهم بالتوفيق والنصر كما يحضر لاستقبالهم وإلى جانبه كبار رجال دولته.
وقد بلغ من اهتمام الفاطميين بالأسطول في مصر أن اتخذوا منظرة على النيل بمكان يعرف بالمقس يحتفلون فيها بتوديع الأسطول واستقباله، وعرفت حفلة التوديع هذه (بالموادعة) وقبل أن ترحل المراكب تقوم بمناورات بحرية أمام الخليفة كما تفعل في حال القتال ويوزع الخليفة النفقة على رجاله ويخلع على قواده([367]).
وللأسطول أمير يدعى قائد القواد ويسمى بذلك لأنه يوجد تحت إمرته عشرة قواد ولعلهم أشبه ما يكونون بأركان حربه ويتولون قيادة الأسطول بالتناوب ولم يكن البحارة يتقاضون مرتباً واحداً فهناك من يتقاضى دينارين في الشهر ومن يتقاضى ثمانية دنانير وهكذا إلى خمسة وعشرين ديناراً في الشهر حيث توجد ستة أصناف بين رجاله بحسب مرتباتهم. وأعلى رتبة فيه أميره أو مقدمه وهو من كبار الأعيان والأمراء([368]).
قال المقريزي عن إقطاعات رجال الأسطول وتنظيماته في مصر «ولهم إقطاعات تعرف بأبواب الغزاة» وكان يعين من القواد العشرة واحد فيسير رئيس الأسطول ويكون معه المقدم فإذا سار إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم فيقتدي به الجميع فيرسون بإرسائه ويقلعون بإقلاعه. ويتولى النفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير وكبار الشخصيات([369]).
إن النص المتقدم يبين لنا بكل وضوح امتيازات رجال الأسطول وما يشترط في قائده، وعناية الخليفة الكبرى برجاله. ولا شك أن هذا النظام كان متبعاً في المغرب أيضاً.
لقد وجدت في عهد المعز أنواع مختلفة من السفن منها التجارية ومنها الحربية فبعضها يستعمل في الملاحة البحرية، وبعضها في الملاحة النهرية، ومن السفن الحربية التي استعملها الفاطميون وغيرهم في البحر المتوسط:
1 ـ الشلنديات: ومفردها شلندي وهي سفن كبيرة الحجم واستعملت لنقل المؤن، والعتاد، والجنود في آن واحد، وهي من المراكب البحرية المسطحة، حتى يتمكن جنودها من مقاتلة أعدائهم وهم على متنها وفي نفس الوقت فإن الجدافين من تحتهم يجدفون بهم، وتسمى هذه السفن في الأندلس بالأجفان الغزوية. وتستعمل في حالتي الحرب والسلم([370]).
2 ـ الشواني، جمع شيني، أو شونة، وهي من السفن الكبيرة التي تستعمل لحمل الأبراج الكبيرة أيضاً وغيرها من العتاد الثقيل، ولعلها أشبه ما تكون بالبوارج الحربية الضخمة التي تستعمل الآن لحمل العتاد الهجومي كالدبابات والمدرعات([371]).
3 ـ الحراقات، وتلي الشواني في الضخامة والأهمية وتستخدم في إحراق سفن العدو بواسطة المواد المحرقة كالنفط ويجدف فيها نحو مائة جداف، وقد ورثها الفاطميون عن الأغالبة، وكثيراً ما استخدمت في غزو بلاد الروم([372]).
4 ـ الطرادات، ومفردها طراد، وهي عبارة عن سفن صغيرة، وقوية سريعة الحركة وتستعمل لحمل الخيل. والمقاتلين، ومختلف المؤن، والأسلحة. ويمكن للواحدة أن تحمل أربعين فرساً ومائة فارس([373]).
وبالإضافة إلى ما تقدم فهناك أنواع أخرى من السفن البحرية وجدت في عهد المعز بمصر، ولا شك أنها كانت موجودة بالمغرب ومنها البطس وهي مراكب كبيرة تتكون من عدة طوابق وتنقل عدداً كبيراً من المحاربين قد يصل إلى سبعمائة([374]). وكذلك المراكب المسماة أغربة لأنها تشبه في شكلها الغراب وكذلك القراقر والسميرات، وغيرها([375]).
ويستخدم المقاتلون في البحر عدة أسلحة وفي مقدمتها النفط الخاص بإحراق مراكب العدو كما يستخدمون الكلاليب الحديدية التي ترمى على سفن العدو بقصد إغراقها أو العبور إليها بواسطة ألواح خشبية وبسلاليم. كما يستخدمون السيوف ومختلف الأسلحة الخفيفة([376]). وقد بلغت قطع الأسطول الفاطمي في المغرب أزيد من ثلاثمائة سفينة. كما بلغت قطعه في عهد المعز بمصر أكثر من ستمائة قطعة([377]) ولكن شأن الأسطول ضعف في آخر عهدهم حيث وصل إلى مائة وعشرين سفينة فقط.
ومما تقدم يتجلى لنا أن الفاطميين اعتنوا عناية كبرى بالأسطول ورجاله في المغرب وبعد رحيلهم إلى مصر، واحتل رجاله مكانة بارزة في ديوان الجيش ولا شك أن التنظيمات الخاصة بالأسطول في عهد المعز بمصر كانت موجودة من قبل بالمغرب أيضاً.
الدكتور مرمول محمد الصالح
ويمضي الأسطول الفاطمي في أداء رسالته، وتجوب قطعه البحر المتوسط متحدية كل من تحدثه نفسه بالشر، وتعلن سفنه بنفسها عن نفسها، ثم تلتقي على غير موعد بسفن الأعداء فلا تلبث أن تصطدم بها، ويتهاوى الفريقان في نار الوغى ويتجالدون أعنف جلاد، تحفز الروم ثارات متأصلة وأوتار دفينة ….
وتحفز العرب أخطار منتظرة وشرور مرتقبة ويتطلع العرب بقلوبهم إلى الوطن العربي العزيز ويتخيلون ماذا سيحل بتلك الأرض الطيبة، إذا هم تزحزحوا عن موقفهم أو تزلزلوا في حربهم فيندفعون مكبرين وينطلقون مهللين فتنجلي المعركة عن نصرهم البحري الحاسم في معركة (المجاز). ويكون ابن هاني معهم بكل شعوره وكل جوارحه، متلهفاً لمعرفة الخبر الأخير ولما يبلغ أذنيه نبأ الفوز ينطلق مزهواً متغنياً بالبطولات:
يوم عريض الفخار طويل
لا تنقضي غرر له وحجول
مسحت ثغور الشام أدمعها به
ولقد تبل التراب وهي همول
قل للدمستق مورد الجمع الذي
ما اصدرته له قنا ونصول
سل رهط (منويل) وأنت غررته في
اي معركة ثوى منويل([378])
منع الجنود من القفول رواجعاً
تباً له بالمنديات قفول
وبعثت بالأسطول يحمل عدة
فأثابنا بالعدة الأسطول
أدى إلينا ما جمعت موفراً
ثم انثنى باليم وهو جفول
ومضى يخف على الجنائب حمله
ولقد يرى بالجيش وهو ثقيل
لم يتركوا فيها بجعجاع الردى
إلا النجيع على النجيع يسيل
نحرت بها العرب الأعاجم أنها
رمح أمق ولهذم مصقول
ثم ينثني إلى مدبر ذلك كله وقائد النصر ومعد الأسطول، إلى المعز:
لا تعدمنك أمة أغنيتها
وهديتها تجلو العمى وتنيل
وتتكرر معارك الأسطول الفاطمي وتتكرر انتصاراته فيحرص الشاعر على الإشادة به:
وسفن إذا ما خاضت اليمّ زاخراً
جلت عن بياض الصبح وهي غرابيب
تشب لها حمراء قانٍ أوارها
سبوح لها ذيل على الماء مسحوب
وتلتقي جيوش الروم وأساطيلهم بجيوش الفاطميين البرية وأساطيلهم أكثر من مرة وتقع المعارك البرية والبحرية في أوقات متقاربة وينتصر الفاطميون وتحمى بانتصاراتهم ديار الإسلام والعروبة فيقول ابن هاني مشيراً إلى أن الروم كانوا قبل اليوم سادة البحر المتوسط، تجول فيه أساطيلهم وتصول بلا رقيب ولا منافس.
وإلى أن جيوشهم البرية كانت كذلك:
لو كان للروم علم بالذي لقيت
ما هنئت أم بطريق بمولود
ألقى «الدمستق» بالأعلام حين رأى
ما أنزل الله من نصر وتأييد
فقل له حال من دون الخليج قنا
سمر وأذرع ابطال مناجيد
ثم يخاطب المعز:
ذموا قناك وقد ثارت أسنتها
فما تركن وريداً غير مورود
حميته البر والبحر الفضاء معاً
فما يمر بباب غير مسدود
قد كانت الروم محذوراً كتائبها
تدني البلاد على شحط وتبعيد
وشاغبوا اليوم ألفي حجة كملاً
وهم فوارس قارياته السود
فاليوم قد طمست فيه مسالكهم
من كل لاحب نهج الفلك مقصود
هيهات راعهم في كل معترك
ملك الملوك وصنديد الصناديد([379])
كما امتد أسطول الفاطميين كذلك إلى البحر الأحمر ـ الآتي ذكره ـ فكما كانت الإسكندرية ودمياط في مصر، وعسقلان وعكا وصور وصيدا في الشام أهم المرافئ التي تجتمع فيها قطع هذا الأسطول في البحر الأبيض المتوسط، كانت عيذاب أهم مرافئ البحر الأحمر.
وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما (المعزلدين الله): «كان للبحرية الفاطمية في عهد المعزلدين الله شأن يذكر في بلاد المغرب ومصر. وقد اتخذ الفاطميون المهدية مرفأ رئيساً من سوسة وغيرها من موانئ شمال إفريقيا أماكن تأوي إليها سفنهم. ولا ننسى أن الفاطميين وخاصة المعز قد أفادوا من موقع جزيرة صقلة لما فيه من موانئ وأحواض للسفن. وكثيراً ما هجم أسطول المعز على إقليم قلورية (كالابريا) جنوبي إيطاليا.
وينبغي أن لا ننسى كذلك الدور الهائل الذي قام بهذا الأسطول في سبيل مساعدة جزيرة أقريطش (كريت) عندما استنجد به مسلموها».
وقد ذكر النعمان المغربي أن المهدية كانت غاصة بالسفن حتى أن المعز عمل على اتخاذ قاعدة ثانية تخفف الضغط عن هذا الثغر، وقد وجد القاعدة المنشودة في سوسة.
وهكذا أصبح للمعز لدين الله في إفريقيا ميناءان هامان، يعتمد على دور الصناعة فيهما في إخراج السفن وعلى أحواضهما في أبوائها. وكان المعز يعمل على أن يجعل من حاضرته المنصورية ميناء ثالثاً من موانئه الرئيسية. يدل على ذلك قوله: لئن امتد المقام هنا (في المنصورية) لنجرين البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحط وتقلع بحضرتنا. اهـ.
وبهذا نرى أن المعز كان يهتم بتكوين أساطيل قوية، وأنه اتخذ من المهدية وسوسة مراكز أساسية لأسطوله الإفريقي. أما أسطوله الأوروبي فكانت سفنه رابضة في موانئ صقلية.
وقد اتخذ المعز من بعض المدن المصرية دوراً لصناعة السفن، فأنشأ في المقس دار صناعة ضخمة وصفها المسبحي المؤرخ المصري المتوفى سنة 420هـ بقوله: «إنه لم ير مثلها في البحر على ميناء». ويظهر أن المعز لم يهمل دار صناعة الفسطاط التي كانت تسمى (دار صناعة مصر)، كما عني بإقامة دور صناعة السفن في موانئ مصر الهامة كالإسكندرية ودمياط.
ولم يكن بناء السفن في مصر راجعاً إلى خوف المعز من غارات الروم على مصر والشام فحسب، بل كان ذلك راجعاً أيضاً إلى رغبته في بسط نفوذه على البلاد التي يتخذها الأعداء طريقاً يغيرون منه على مصر. أضف إلى ذلك أنه حرص على أن يكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر الأبيض المتوسط.
وكذلك عني المعز بالأسطول التجاري لينقل السلع المصرية إلى البلدان الأخرى، ويعود محملاً بالسلع من هذه البلدان. وقد أصبح للفاطميين أسطولان تجاريان أحدهما في البحر الأبيض المتوسط والثاني في البحر الأحمر.
البحر الحمر
ـ 1 ـ
يعرف قديماً بالقُلُزم باسم مدينة كانت تقع على طرف شاطئه الشمالي بما يقرب من موقع مدينة السويس الآن.
يمتد البحر الأحمر من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي من مضيق باب المندب الموصل بينه وبين البحر الهندي إلى قناة السويس الموصلة بينه وبين البحر المتوسط. ويبلغ طوله نحو 1930 كيلومتراً وأكثر عرضه يبلغ 321 كيلومتراً ومساحة سطحه نحو 437407 كيلومتراً مربعاً. وعرضه عند باب المندب لا يزيد عن 29 كيلومتراً وعند الحديدة نحو 135 كيلومتراً وعند جدة نحو 193 كيلومتراً.
يقسمه شبه جزيرة سيناء إلى شطرين: أحدهما من جهة الغرب وهو خليج السويس والآخر من جهة الشرق وهو خليج العقبة. وطول خليج السويس نحو 290 كيلومتراً ومعدل عرضه 32 كيلومتراً. ويمتد خليج العقبة إلى شمالي الشمال الشرقي من مخرجه عند مضيق تيران نحو 160 كيلومتراً ومعدل عرضه نحو 120 كيلومتراً.
وأهم المرافئ التي تقع على البحر الأحمر هي: السويس والقصير وغردقة وبور سودان ومصوّع والعقبة وجدة والحديدة والمخا.
يتميز البحر الأحمر بوجود الكثير من الكائنات البحرية النادرة، منها «ريشة البحر» وهي كائن بحري، إذا وضع الإنسان يده عليه يضيء المحور والفروع ليثير الخوف، بجانب «الشعاب الوضاءة» التي تنبعث منها أضواء رائعة ذات ألوان زاهية، و«سرطان البحر الوضاء» وهو نوع من سرطان البحر، لكن يتميز بكبر حجمه وأنه إذا أثير يضيء جسمه ويهاجم عدوه.
وهناك أيضاً في مياه البحر الأحمر «عجب البحر» وهو من معجزات مخلوقات البحر الثديية، فولادة العجول الصغيرة تتم فوق اليابس، وهناك عدد كبير منها في منطقة جنوب البحر الأحمر، حيث تجد الحماية والرعاية، وتبدأ الأمهات وصغارها ترك اليابسة إلى البحر بعدما يناهز عمر المولود خمسة أشهر.
أما «الأولم» فهو حيوان يعيش في جداول المياه الجوفية، وهي منطقة راس محمد شق في الأرض ممتلئ بالمياه الجوفية المتسربة من خليج السويس تحت الأرض حتى تصل إلى ذلك الشق، ويعيش هذا الحيوان في ظلام دائم، وقد خلق الله عينيه مكسوتين بطبقة من الجلد، وتحوي أعماق البحر الأحمر أيضاً «الثعبان الكهربائي» وهو نوع من ثعبان السمك، ويتميز بشكله الذي يشبه الثعبان، كما أن حركته في المياه تشبه حركة الثعبان، ويبلغ وله ستة أقدام، ويختزن في ذيله شحنة كهربائية تحدث صدمة عنيفة لمن يلمسه، بجانب عدد كبير من الحبارات والأخطبوطات التي تتميز بملامسها القوية، التي يتراوح عددها بين ثمانية إلى عشرة مزودة بمصاصات لتهاجم بها فريستها. وتبرز ايضاً مدينة الغردقة التي تقع على بعد 395 كيلومتراً جنوب السويس أيضاً في مجال سياحة الغوص، وتعد الغردقة من أقدم المدن السياحية في مصر، وبها عدد كبير من القرى السياحية والفنادق المزودة بمراكز الغوص.
البحر الحمر
ـ 2 ـ
البحر الأحمر أحد البحار الدولية الهامة يفصل بين شبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا مكوناً شريطاً مائياً يمتد من السويس جنوباً إلى حوالي 2100 كيلومتر حتى مضيق باب المندب، ومن ثم إلى المحيط الهندي.
ويبلغ متوسط عرضه حوالي 190 ميلاً بحرياً (360 كيلومتراً) ويصل إلى أقصى عرض له إلى حوالي 230 ميلاً بحرياً (425 كيلومتراً)، كما تبلغ مساحته حوالي 438000 كيلومتر مربع وتحيط به من الجانبين سلاسل من الجبال. وقد اكتسب البحر الأحمر اسمه من المتغيرات اللونية فبالرغم من أن لونه عموماً أزرق مخضر إلا أنه تتكاثر فيه الطحالب التي تكسبه لوناً محمراً بعد موتها.
وتعتبر مياه البحر الأحمر من أشد مياه البحار ملوحة وحرارة وتنتشر فيه الصخور والشعاب المرجانية التي تعوق الملاحة باستثناء قناة صالحة للملاحة في وسطه تسير متوازية مع شاطئيه، كما أن شكل سواحله من الشمال لم توفر له إلا قليلاً من الموانئ الطبيعية. أما في الجنوب فنجد أن ضيق المجرى الملاحي جعل من الصعب الحصول على تسهيلات مرفئية.
والبحر الأحمر في موقعه يعتبر حلقة الاتصال بين البحار الشرقية والبحار الغربية ونقطة التقاء القارات الثلاث وطريقاً هاماً للتجارة العالمية بين الشرق والغرب. وقد ظل هذا البحر على مدى العصور عاملاً فعالاً في ربط البلاد المحيطة به في إفريقيا وآسيا. وكان طريقاً للهجرات العربية والإسلامية من الشرق إلى الغرب. ولعل ذلك يشير إلى أهمية تناول البحر الأحمر من الناحية الجيوبولتيكية والاقتصادية والاستراتيجية.
أ ـ الأهمية الجيوبوليتيكية
تنبع هذه الأهمية من أن البحر الحمر لا يشتمل فقط على الوحدات السياسية التي تطل عليه مباشرة بل يتعدى ذلك ليشمل الوحدات السياسية التي ترتبط بالبحر الأحمر كالقرن الإفريقي ومنطقة الخليج. كما أن دول أوروبا والولايات المتحدة لها مطالب جيوبوليتيكية في البحر الأحمر فبترول الخليج يمر من البحر.
وبالنسبة للاتحاد السوفياتي يعتبر البحر الأحمر أقصر الطرق التي تربط بين موانئه في البحر الأسود وأسطوله في المحيط الهندي. وقصارى القول تنبع الأهمية الجيوبوليتيكية للبحر الأحمر من خلال موقعه في الشرق الأوسط حيث يتلامس مع منطقة الخليج (منطقة النفط) والمحيط الهندي والقرن الإفريقي (منابع النيل). إذن الخريطة الجيوبوليتيكية للبحر الأحمر تشمل الكرة الأرضية كلها.
ب ـ الأهمية الاقتصادية
لعل الأهمية الاقتصادية للبحر الأحمر تنبع من كونه طريقاً هاماً للتجارة الدولية. فهو طريق لتدفق النفط من الشرق العربي إلى أوروبا عبر قناة السويس، فالبحر الأبيض. كما يمر في الاتجاه الجنوبي منه البضائع والمعدات من دول أوروبا إلى دول شرق إفريقيا والمحيط الهندي، ويعتبر البحر الأحمر منفذاً تجارياً هاماً خاصة للأردن ولفلسطين والمملكة العربية السعودية واليمن الشمالية، وكذلك جمهورية مصر العربية والسودان وأثيوبيا والصومال.
بالإضافة إلى ذلك فالبحر الأحمر يعتبر مصدراً للموارد الطبيعية والسمكية وتزداد احتمالات وجود ثروات بترولية ومعدنية في قاعة، كما يشير إلى تزايد إمكانية التوسع العمراني والبشري على شواطئه.
ج ـ الأهمية الاستراتيجية
ترتبط الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالعديد من الجوانب الجغرافية والاقتصادية والسياسية وتتأثر بها العديد من الكيانات السياسية في العالم العربي والقارة الإفريقية، وتنبع هذه الأهمية من الصراع الذي يدور حول باب المندب ويقع بين خليج عدن والبحر الأحمر. وتتمثل الأهمية الاستراتيجية لباب المندب في أنه يتاخم حدود خمس دول عربية وإفريقية هي اليمن الشمالية واليمن الجنوبية وأثيوبيا وجيبوتي والصومال، ومن جهة أخرى تعتبر حرية المرور في مضيق باب المندب بالنسبة لإسرائيل قضية حساسة اتضحت بعد حرب أكتوبر بعد السيطرة العربية على الداخل والمنافذ البحرية التي تقع في مجالها الحيوي. كما لا تخفى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة للولايات الأمريكية وأوروبا الغربية والاتحاد السوفياتي والتي اتضحت من خلال تناول الأهمية الجيوبوليتيكية والأهمية الاقتصادية.
نتيجة لأهمية البحر الأحمر الجيوبوليتيكية والاقتصادية والاستراتيجية فقد كانت الدول الواقعة عليه وخاصة على مداخله ومخارجه محلاً للتطلعات الاستعمارية. فقد قامت الدول الاستعمارية بتقسيمها فيما بينها ليكون لها يد على جزء من هذا البحر. وحدث الصراع والتنافس بين الدول الاستعمارية. ففي حين تمكنت بريطانيا من فرض سيطرتها على عدن التي حولتها إلى مستعمرة فيما بعد لكي تتحكم في المدخل الجنوبي للبحر، وكذلك تمكنت من احتلال مصر، وهو ما وفرلها إمكانية التحكم في المدخلين الجنوبي والشمالي، نجد أن فرنسا قد قامت بتشغيل وإدارة قناة السويس علاوة على احتلالها لمنطقة جيبوتي وما يجاورها في الجنوب وتحويلها إلى ما عرف باسم الصومال الفرنسي وبهذا شاركت بريطانيا في سيطرتها على المدخل الشمالي والجنوبي للبحر الأحمر.
ومع ذلك لم تكن هاتان الدولتان فقط هما أطراف الصراع في منطقة البحر الأحمر بل إن إيطاليا قد شعرت هي الأخرى بأهمية هذه المنطقة وقامت باحتلال الصومال علاوة على أريتريا ليكون لها نفوذ في هذ المنطقة الاستراتيجية.
وبعد الحرب العالمية الثانية شهد العالم مظهراً جديداً من مظاهر التوازن الدولي بعد أن أدت الحرب إلى انكماش الدول العظمى التقليدية التي سادت العالم من قبل وظهرت على مسرح الأحداث كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي حيث أصبح كل منهما يمثل قطباً تدور في فلكه مجموعة من القوى الأخرى بحيث تتبع هاتين القوتين تبعية تختلف من حيث مداها وطبيعتها. إلا أن المجال لم يخل تماماً من بعض القوى السياسية التي تبحث عن دور مستقل أو تحاول الاحتفاظ بدورها في بعض المناطق ومنها منطقة البحر الأحمر.
ويحكم الصراع الدولي حول منطقة البحر الأحمر مبدآن أساسيان. المبدأ الأول، أن من يسيطر على البحر يسيطر على البر. بمعنى أن السيطرة على الطريق البحري الذي يحمل النفط العربي والبضائع من الغرب يؤدي إلى السيطرة على الدول المحيطة بهذا الطريق.
والمبدأ الثاني، أن من يسيطر على الأطراف يسيطر على القلب. ويتضح ذلك فيما يجري حالياً بواسطة بعض القوى الكبرى لخلق أوضاع دولية جديدة تتمثل في إنشاء نظم دولية فرعية تابعة ترتكز على بعض الدول المحيطة بالمنطقة، سواء لصالح الغرب أو الشرق.
ويستطيع المتأمل للأحداث أن يتبين محاولات القوى الكبرى للتغلغل والسيطرة على المنطقة المحيطة بالبحر الأحمر وكذلك التحكم في المضائق والمنافذ البحرية والجزر الاستراتيجية والحصول على تسهيلات بحرية من موانئ البحر الأحمر والمناطق القريبة منه. وفي هذا المجال لا ينبغي التقليل من أهمية الدور الفرنسي والإنجليزي والصيني. فالسياسة الفرنسية تعد إلى درجة ما سياسة نشطة وديناميكية في المنطقة. فرغم أن الرئيس الفرنسي ديستان قد وافق في عام 1976م على استقلال جيبوتي إلا أنه أصر على استمرار الوجود العسكري الفرنسي واستمرار المعونة الاقتصادية التي تصل إلى مبلغ 60 مليون دولار سنوياً ومن ثم تصبح فرنسا هي القوة الأجنبية الوحيدة الموجودة على سواحل مضيق باب المندب وهي تنظر نظرة واقعية إلى مسالة السيطرة على المضيق، ويركز المسؤولون الفرنسيون عادة على ضرورة التوفيق بين المصالح الأمنية المشروعة للدول الساحلية المطلة على المضيق ومصالح المجتمع الدولي التي تتمثل في حرية الملاحة.
وقد أولت بريطانيا منطقة البحر الأحمر أهمية كبيرة حيث جعلت من عدن وسنغافورة حلقتين رئيسيتين فيما عرف «باستراتيجية شرق السويس». إلا أنه من الناحية العملية لم تستخدم بريطانيا عدن إلا فيما يتعلق بمنازعات محلية فقد استخدمتها في عام 1961م لإنزال القوات البرية في الكويت بمناسبة تهديدات عبد الكريم قاسم، كما استخدمتها لمد يد المعونة لحكومة نيريري في تنزانيا وذلك لمواجهة ثورة داخلية سنة 1963م ومع ذلك فبعد استقلال اليمن الجنوبية لم يعد البريطانيون يعتمدون على عدن كجزء من استراتيجيتهم واقتصر الأمر على إقامة قاعدة جوية في (مصيدة) لتتمكن بها من الإشراف على طريق السويس البحر الحمر وخليج عدن.
أما الوجود الصيني في المنطقة فإنه قائم على بذل المعونات بهدف محاربة الوجود السوفياتي. وقد تركزت مساعدات الصين في مجال إنشاء الطرق وبناء مصانع النسيج للدول المحيطة بالبحر الأحمر والتي تطلب هذه المعونة خاصة في اليمن الشمالية والسودان.
الإسلام يعبر البحر الأحمر إلى إفريقيا
لقد كانت الدعوة الإسلامية عبر البحر الأحمر إلى إفريقيا من منابعها الأصلية في مكة أقصر طريقاً وأيسر منالاً منها إلى كثير من بلدان شبه الجزيرة العربية ومنها يثرب مدينة الهجرة. فعندما اشتد الإيذاء على السابقين إلى الإسلام أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة فكانت أول هجرة في الإسلام سنة 615م السنة الخامسة بعد الدعوة).
وليس من شك في أن هذه الموجة الأولى في فجر الدعوة الإسلامية. قد بشرت بالديانة الإسلامية بين أهالي هذه البلاد خاصة بعد ذلك الحوار الذي دار أمام الجميع في حضرة النجاشي «أصحمة» بين رسل قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وبين جعفر بن أبي طالب قائد المهاجرين وفي حضور بطارقة الكنيسة الحبشية وأراد عمرو بن العاص وهو المعروف بكيده أن يشكك الملك ورجال الكنيسة في موقف الإسلام من المسيح عليه السلام وتصور عمرو أنه بذلك سوف يسوق المهاجرين أمامه ثانية إلى مكة ولكن جعفر بن أبي طالب قال لهم «إنما نقول في عيسى عليه السلام ما يقوله نبينا عليه الصلاة والسلام في ذلك هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول». ثم قرأ جعفر شيئاً مما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام قائلاً:
«أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي الضعيف حتى بعث الله رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وامانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونهه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً. الخ([380]).
البحر الأحمر
في الاستراتيجية الاسرائيلية
البحر الأحمر يمثل جسماً مائياً منفرداً بموقعه الجغرافي وأبعاده. ويمتد حوض البحر الأحمر الضيق (والذي يبلغ متوسط عرضه 280 كيلومتراً) ليغطي حوالي 18 درجة من خطوط العرض (فالطول الكلي له يبلغ حوالي 1932 كيلومتراً) شاملاً مناطق استوائية من جنوبه إلى خطوط العرض المتوسط من شماله. ويتصل بالبحر المتوسط من خلال قناة السويس، وبالمحيط الهندي وبحر العرب من خلال خليج عدن. ولا تزيد مساحة الرقعة التي تشغلها مياهه عن 440 ألف كيلومتر مربع، وإذا كان متوسط اتساعه يتراوح بين 240، 280 كيلومتراً فإنه يصل إلى أقصى اتساعه بالقرب من وسطه، ومهما كان اتساعه فهو لا يزيد على 350 كيلومتراً. ومعظم سواحل البحر الأحمر منخفضة رملية تظاهرها هضاب مرتفعة كثيراً ما تزحف إلى الساحل لتغسل أقدامها من مياه البحر الأحمر. وتكثر في البحر الجزر وشعاب المرجان وتزداد كلما اتجهنا نحو الجنوب. وكثير من هذه الشعاب يقع على عمق قليل مما يجعلها خطراً يهدد السفن. ولهذا فإن الملاحة في البحر تسلك ممرات يعرفها الملاحون وكثيراً ما تضيق هذه الممرات فلا تتجاوز 80 كيلومتراً([381]).
وتطل على مياه البحر الأحمر ثماني دول بسواحل متفاوتة الأطوال، إذا تتبعناها على الخريطة في اتجاه عقارب الساعة، سنجدها على التوالي. اليهود، الأردن، السعودية، اليمن، جيبوتي، أثيوبيا، السودان، مصر. ويمكن إضافة خليج عدن للبحر الأحمر الجغرافي على اعتبار أنه المدخل الطبيعي للبحر الأحمر، كما أنه يحمل الخصائص الطبيعية لحوض البحر الأحمر. وتطل على مياه خليج عدن، كل من اليمن شمالاً، والصومال جنوباً. وبهذا يصبح عدد الدول المطلة على البحر الأحمر الجغرافي، عشر دول من بينها ثماني دول عربية.
والبحر الأحمر بالمفهوم الجيوبوليتيكي، يبدو أكثر اتساعاً من البحر الأحمر الجغرافي، إذ لا تقتصر على الوحدات السياسية التي تطل مباشرة على البحر الأحمر، بل يتعدى ذلك ليشمل الوحدات السياسية التي ترتبط سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو استراتيجياً بالبحر الأحمر، لذلك فإن منطقة مثل القرن الإفريقي، تدخل في نطاق البحر الأحمر الجيوبوليتيكي، لأنها تتحكم في المدخل الجنوبي له. كما أن منطقة الخليج الفارسي يمكن أن تدخل في الإطار الجيوبوليتيكي للبحر الأحمر، على اعتبار أن معظم صادراتها النفطية تمر بالبحر الأحمر. وبالمثل يمكن القول بأن دول غرب أوروبا الصناعية، لها مطالب جيوبوليتيكية في البحر الأحمر، لأنها تعتمد على نفط الخليج اعتماداً رئيسياً. دولة الاتحاد السوفياتي، يمكن أن تدخل أيضاً في النطاق الجيوبوليتيكي للبحر الأحمر. ولا تخرج الولايات المتحدة الأمريكية عن هذا الإطار الجيوبوليتيكي حيث النفط والمصالح والأصدقاء. وهكذا يتضح أن النطاق الجيوبوليتيكي للبحر الأحمر، هائل الاتساع، بحيث يمكن أن يشمل معظم الخريطة السياسية للعالم كله، وذلك لعدة خصائص جيوبوليتيكية، تميز البحر الأحمر، وتدفع به إلى الصدارة من حيث الأهمية الجيوستراتيجية([382]).
وهذه الكتلة المائية الضخمة للبحر الأحمر، هذا بخلاف الإطار الجغرافي ـ السياسي الأوسع، تمثل بالنسبة لليهود أهمية خاصة، نظراً للموارد والثروات التي تحتويها، ونظراً ـ وهذا هو الأهم ـ لما تمثله من منفذ بحري يوصلها بشطر هام من المعمورة ويمكنها من الإفلات من الحصار العربي المضروب حولها منذ قامت. ويضاعف من هذه الأهمية تنوع مجمل العلاقات الإسرائيلية (بالصراع والتعاون) مع الدول التي تطل على مياهه أو ذات المصالح الحيوية المتعلقة به.
أي إن استراتيجية إسرائيل إزاء البحر الأحمر تمس في جانب منها سياستها تجاه كل من مصر والسودان واليمن والأردن والمملكة السعودية وأثيوبيا وجيبوتي وكذلك الصومال، فضلاً عن ارتباطاتها ومواقفها تجاه القوى الكبرى وبالذات الولايات المتحدة والدول الغربية.
دول البحر الأحمر
| الدولة | طول الساحل بالميل |
| مصر | 875 |
| السودان | 390 |
| السعودية | 1020 |
| اليمن الشمالية | 250 |
| الصومال | 1596 |
| الأردن | 13 |
| اليمن الجنوبية | 5 |
| جيبوتي | 20 |
| أثيوبيا | 5,5 |
| اليهود | 5 |
الأمر المثير للانتباه أن منطقة البحر الأحمر باسرها، كما هي منطقة ضعف سكاني واجتماعي واقتصادي وعسكري، تكاد أن تكون منطقة فراغ تغري كياناً استيطانياً مثل إسرائيل، وهذا بخلاف القوى الكبرى على العمل والنشاط والحركة. فالتقاليد العسكرية للمنطقة ذات طابع بري، ولا نجد واحدة من دول المنطقة، اللهم إلا مصر في أضيق الحدود، ذات قوة بحرية يعتد بها. بل أن سواحل البحر الأحمر جميعاً نادرة السكان، إذا قيست بسكان الداخل، كما أن طرق الصيد غالباً بدائية وقديمة، والثروات الكامنة في البحر لم تستغل بعد بشكل كاف.
هذا بالنسبة للحديث التمهيدي عن البحر الأحمر. أما بالنسبة للاستراتيجية فنعني بها هنا الخطة العامة لوسائل تحقيق الأهداف، أي أنها تشمل الاستراتيجية العليا السياسية والعسكرية والاقتصادية. ويمكن تبين أبعاد الاستراتيجية الاسرائيلية بفحص حلقتين متداخلتي المنطلقات والتكتيكات، أو بمعنى أصح أصول الاستراتيجية الصهيونية، والوسائل التي تستخدمها للضغط على القوى الكبرى الفاعلة في منطقة البحر الأحمر، بصفة خاصة، وفي الشرق الأوسط بصفة عامة. والمقصود بأصول تلك الاستراتيجية المفاهيم والمدركات التي انتهجتها والقواعد والمبادئ التي استخلصتها في إطار التفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. وتتلخص هذه القواعد في كون «الغيتو» ثم المشروع الاستيطاني منطلقاً تاريخياً، والارتكاز على إحدى الدول العظمى كمحور للدبلوماسية الصهيونية، وقيام المذهب العسكري الإسرائيلي على الاعتماد على النفس([383]).
أما وسائل ضغط إسرائيل على القوى الكبرى فتنبع من حقيقة مؤداها أن الدول الكبرى، رغم ما تتمتع به من وسائل عديدة للضغط على الدول الصغرى، فإن نطاق هذه لا يعد بحال من الأحوال بلا حدود. ففي مناسبات مختلفة عجزت تلك الدول العظمى عن فرض إرادتها على الدول الصغرى. بمعنى آخر يمكن القول أن القوى المحلية، رغم ضعفها، استطاعت أن تمارس ضغوطاً مؤثرة على الدول العظمى.
وينم تطور العلاقات الدولية في الشرق الأوسط على اتباع دول المنطقة (سواء في ذلك إسرائيل أو مصر) عدة وسائل تعبر جميعاً عما يسميه بعض الباحثين «قوة الضعف» وتمثلت في المعارضة المباشرة للضغوط والنفوذ الخارجي، وكذلك التحرك في إطار الهامش الحيادي بين القوتين الأعظم، وأيضاً الضغط داخل إطار علاقة التحالف العسكري الضمني بين إسرائيل وبين حليفتها الكبرى الولايات المتحدة. هذا وتعني السياسة الأخيرة ممارسة التهديد بمختلف صوره أي بانتهاج ثلاثة تكتيكات: التهديد بخلق عدم الاستقرار في المنطقة، والتهديد بتعظيم الاستقطاب الدولي، والتهديد بالضعف العسكري. وهذه جميعاً تنبع من الظروف الدولية المتغيرة، ومن الموقف المتقلب للقوى الإقليمية في علاقاتها ببعضها البعض. ومن رؤية القوى العظمى للقوة المحلية. وهكذا تمثل نقطة الالتقاء بين البحر الأحمر وبين الاستراتيجية الاسرائيلية بؤرة كاشفة لأبعاد التفاعل السياسي في منطقة البحر الأحمر (سواء بالصراع أو بالتعاون) وأيضاً ـ وهذا هو الأهم ـ لحقيقة الوزن الذي يمثله البحر الأحمر في استراتيجية إسرائيل.
في ضوء ما سبق يمكن أن نبحث موضوع البحر الأحمر في الاستراتيجية الإسرائيلية من خلال منظورين: منظور أفقي يهتم بالمسح السطحي للجوانب السياسية والجيوبوليتيكية والاقتصادية للبحر الأحمر، ومنظور رأسي يعنى بعمق الدور الإسرائيلي في تفاعلات المنطقة بمستوياتها الثلاثة: الدولية والإقليمية والمحلية. والأول يتعلق بالأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة لإسرائيل، والثاني يتعلق بدور إسرائيل في صراعات البحر الأحمر.
1 ـ الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر
بالنسبة لإسرائيل
تساعدنا الجغرافيا السياسية والاقتصادية في فهم أعمق للمغزى الاستراتيجي للبحر الأحمر، وبخاصة بالنسبة لإسرائيل، إذ إن الأهمية القصوى لمنطقة البحر الأحمر، تنبع من مجموعة من الحقائق القديمة، والمتغيرات الجديدة، فالموقع الجغرافي السياسي للبحر الأحمر، يلاصق الساحل الشرقي لإفريقيا، والساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، ثم قناة السويس كبوابة القرن الإفريقي، وباب المندب كمدخل للمحيط الهندي، ثم يأتي بالبترول وطرق نقله، واشتعال منطقة القرن الإفريقي، واحتمالات التوتر والقلق الكامنة تحت السطح في مجتمعات المنطقة، فضلاص عن الثروات الكامنة في قاع البحر الأحمر وعلى سواحله، والتي قربت التكنولوجيا يوم استثمارها.
كل ذلك جعل البحر الأحمر منطقة جذب استراتيجي بكل المقاييس([384])، ومن ثم نشطت السياسة الإسرائيلية، حرباً وسلماً، بالصراع والتعاون، لتأكيد الأهمية الكبرى التي يمثلها البحر الأحمر بالنسبة لها. وقد اتضح ذلك فيما تبسطه وجهة النظر الصهيونية من مزاعم تاريخية وآراء سياسية، وفيما تجسده الخرائط العسكرية الاسرائيلية من أهمية جيوبوليتيكية، وفيما تخطط له المؤسسة الصهيونية من أطماع اقتصادية.
أولاً: المزاعم التاريخية والسياسية:
يلاحظ أن تكثيف النشاط الملاحي الاسرائيلي في عمق البحر الأحمر باتجاه الجنوب يستند إلى مجموعة من المزاعم ويحقق لها عدة مآرب، لعل أهمها أن العبريين القدامى كان لهم قديم صلة بالبحر الأحمر، وأن البحر الأحمر ليس بحيرة عربية وإنما هو بحر مشترك يضم عدة قوميات، كل ذلك بهدف نفي الطابع العربي عن البحر الأحمر. ويزعم الاسرائيليون ـ شأنهم في ذلك دعاويهم التاريخية في فلسطين والمناطق المحيطة بها ـ أن لهم صلة قديمة بالبحر الأحمر وذلك منذ قيام المملكة الأولى التي أسسها الملك سليمان في حوالي القرن العاشر قبل الميلاد. ففي تلك الآونة يحكى أن مُلْكَ سليمان قد اتسع حتى شمل البحر الأحمر فتزوج من بلقيس ملكة سبأ في اليمن، وهذا هو السر في نظر بعض المؤرخين في انتساب الأسرة المالكة في الحبشة، اسرة هيلاسلاسي سبط يهوذا ـ والتي أطاح بها الانقلاب العسكري منذ 1974 ـ إلى ذرية هذين الملكين.
ولعل هذا يفسر لنا إصرار الاسرائيليين على التسميات العبرية القديمة لمعالم الخرائط الجغرافية للمنطقة، وذلك على الرغم من أن المتخصصين قد تواضعوا على الإشارة إلى هذه المناطق بتسمياتها التاريخية العربية المستقرة، ومن ثم يتحدث الإسرائيليون عن خليج إيلات (العقبة) وخليج سليمان (السويس) …. الخ.
كما تحاول إسرائيل لوي الحقائق الجغرافية، والتي من أبرزها أن كل الدول المطلة على البحر الأحمر ذات ثقافة وأصول عربية. ومن ثم سعت إلى توثيق علاقاتها بأثيوبيا والتعاون معها لقمع حركة تحرير أريتيريا وذلك لطمس الوجه العربي الإسلامي لتلك المنطقة، وهي بذلك ـ أي إسرائيل ـ تعمل على الاتصال عبر البحر الأحمر بما تعتبره قوميات أخرى مناهضة أو متنافرة مع القومية العربية سواء القومية الإفريقية أو الأمهرية (في الحبشة).
ثانياً: الأهمية الجيوبوليتيكية:
نعني بالعوامل الجيوبوليتيكية العوامل ذات الطابع (الجغرافي السياسي) ذات المغزى الاستراتيجي أو الحربي أو السياسي، والتي في مقدمتها أن البحر الأحمر هو بمثابة ممر بحري يربط البحر المتوسط عبر قناة السويس بالمحيط الهندي، أي أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للبحر الأحمر، تكمن في تغلغله أو تجاوره أو تماسه مع عدة مناطق بالغة الحساسية مثل الشرق الأوسط والعالم العربي ومنطقة الخليج والقرن الإفريقي والمحيط الهندي.
ويمكن رصد أهمية البحر الأحمر جيوبوليتيكياً بالنسبة لإسرائيل في ثلاث توجهات رئيسية لها. محاولة السيطرة على المداخل الشمالية، والتواجد قرب المداخل الجنوبية، واستخدام البحر الأحمر للإجهاز على المشروع العربي الوحدوي. كل ذلك في إطار الخرائط العسكرية الاسرائيلية المحتملة التي سوف نناقشها في البداية.
ربما تكون عقيدة إسرائيل عندئذ مجرد استمرار لمنطق القوة وكل ما استتبعه من ردع وعدم استقرار وتأهب مستمر لشن ضربات الإجهاض وما أسمته ادعاء بالحروب الوقائية بينما التسمية الصحيحة له هي الحروب العدوانية! وربما تتطور تلك العقيدة بما يلائم مقتضيات العلاقة السوية بين الأطراف على قدم المساواة ويعيد الاستقرار إلى المنطقة وينمي العلاقات الطبيعية فيما بينها، ويبعد عنها شبح الحرب.
ولكن الأكيد، أن إسرائيل سواء ارتضت إقامة العلاقات السوية التي يفرضها السلام التعاهدي وهو ما لا نعتقده أم استمرت على منطق القوة الذي اعتنقته منذ مولدها فإن المهام الاستراتيجية المنوطة بجيشها سوف تبقى على عهدها أو قريبة من ذلك. فإذا تمكنت إسرائيل من فرض نوع من إرادتها على المنطقة فسوف تصبح مجبرة على الاستزادة من القوة العسكرية التي تكفل استمراره في وجه معارضة عربية متنامية. وإذا هي نزلت على أحكام السلام العادل أو قريب منه فسوف ترجع إلى الوضع الذي أثار مشاكلها الأمنية وجعلها تجنح إلى القوة المتفوقة لدرء ما تتصوره من مخاطر وتهديدات.
مثلاً نجد إيكال آلون يحدد ـ بعد جولة 1967 ـ حالات خوض الحرب فيما يلي: عندما تتعرض إسرائيل لهجوم محدود أو شامل، أو تحتشد ضدها قوات العدو استعداداً للهجوم، أو تكتشف إسرائيل أن العدو يستعد بنشاط لهجوم جوي أو بالصواريخ واسع النطاق على أهداف إسرائيلية حيوية؛ عندما تدعو الحاجة إلى سحق نشاط «الإرهابيين» (أي الفدائيين) الذي يوجه من قواعد عبر خطوط إيقاف النار بعد أن يتعذر وقفه بالوسائل الأخرى؛ عندما يتدخل العدو في ملاحة إسرائيل عبر البحار المفتوحة أو المضايق المائية مثل باب المندب؛ عندما يراد تقديم المعونة لحلفاء ظاهرين أو مستترين، فعليين أو محتملين، في دولة أو أخرى من الدول العربية؛ عندما يراد تغيير الوضع الراهن في دولة مجاورة إذا ما أصبح استمراره يشكل تهديداً لإسرائيل بخطر محقق.
وهكذا يخلص آلون من الحالات الخمس لخوض الحرب إلى التأكيد على أنها قد فرضت على المؤسسة العسكرية المزيد من الأعباء التي تتطلب المزيد من القوة المسلحة كما وكيفا، مع المزيد من تطوير كفاءتها القتالية وقدرتها على الردع الجسيم.
وبمقارنة دوافع الحرب بعد 1967 بدوافعها قبل ذلك يجذب الانتباه أن حجم المسرح البحري قد امتد من مضيق تيران إلى باب المندب، وأن هذه الاستراتيجية قد وسعت مجال تدخلها ليشمل الأوضاع السائدة في بعض الدول المجاورة، فضلاً عن عزم إسرائيل على تقديم المعونة المستترة أو الظاهرة لحلفاء محتملين أو فعليين.
أ ـ الخرائط العسكرية المحتملة:
جدير بالذكر أن الحديث عن البحر الأحمر في استراتيجية إسرائيل لا يجري في فراغ، وإنما هو يأخذ في الاعتبار التفاعلات الجارية على الساحة سواء في ذلك التوجه نحو التسوية من جانب مصر، أو التنادي بالصمود والتصدي من جانب جبهة دول الرفض العربية، أو التعنت الصهيوني الملحوظ لحكومة بيغن.
ولا شك أن الخريطة العسكرية الجديدة بعد التسوية ـ الجزئية أو الشاملة ـ سوف تحدد إلى حد كبير توجهات الاستراتيجية الاسرائيلية، وهذه الخريطة بالطبع تتوقف على إجابة السؤال: ما حدود المسرح الذي يرغب صانع القرار السياسي في إسرائيل أن يمارس فيه الخيار العسكري بقدر مؤثر من المصداقية؟
وما هي أبعاد هذا المسرح الجغرافية التي يتعين على القوات الاسرائيلية أن تملك حيالها خفة الحركة الميدانية واللوجستيكية للمناورة فيه بما يحفظ لإسرائيل ـ من جهة نظرها ـ مصالحها وأمنها؟
إن الوضع الاستراتيجي الجديد بعد حرب 1973، وبعد معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية التي عقدت في آذار (مارس) 1979، سوف يعتمد على المناطق العازلة المنزوعة السلاح. وهذا من شأنه أن يعطل كلا الجانبين من البدء بشن حرب، وهذا بدوره يميل لأن يقيد اي خيار إسرائيلي في اتخاذ عمل هجومي رداً على هجوم على بعض من مصالحها الحيوية، ليس من الضرورة أن تكون مرتبطة بالمناطق المنزوعة السلاح، مثال حرمان حرية المرور للسفن الاسرائيلية في البحر الأحمر([385]).
وهكذا قد تحل سيطرة إسرائيل ـ أو على الأقل ـ تواجدها النشط في البحر الأحمر بعض مشاكلها الأمنية وبالأخص تلك التي تتعلق بتمكين إسرائيل من استراتيجية الاقتراب غير المباشر من كل من دول المواجهة ودول المساندة.
ب ـ الاقتراب من المداخل الجنوبية للبحر الأحمر:
يقع باب المندب بين الزاوية الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة العربية وبين إفريقيا ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وتضع إسرائيل عينيها على تلك البوابة الهامة التي تصلها بشرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا، ومن ثم سعت إلى التواجد ـ بالاتفاق مع أثيوبيا ـ في بعض الجزر الصغيرة الموجودة في أرخبيل الدهلاق.
ولا يخفى عن البال أن أهمية باب المندب بالنسبة لإسرائيل، تتضاعف إذا ما أغلقت قناة السويس، حيث يصبح المدخل الجنوبي للبحر الأحمر هو الطريق الوحيد لاتصال ميناء إيلات بأعالي البحار. هذا بالإضافة إلى كون باب المندب محطة بحرية هامة على الطريق الطويل بين المتوسط والمحيط الهندي.
ولقد ازداد قلق إسرائيل بهذا الخصوص عقب حادث السفينة «كورال سي» في 11 يونيه 1971 حين هاجم زورق تابع للفدائيين الفلسطينيين ناقلة البترول الاسرائيلية تلك والتي كانت متوجهة إلى ميناء أيلات([386]). وعلى الرغم مما أثبتته حرب أكتوبر 1973 من عدم جدوى سيطرة إسرائيل على شرم الشيخ وذلك حين يتمكن الأسطول المصري من إغلاق باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيلية، فإن بعض المحللين الاسرائيليين (موردخاي أبير) حاول أن يعزو ذلك إلى عدم قدرة القوى الضاربة لإسرائيل عن الوصول إلى تلك المناطق النائية في الجنوب ولغياب عنصر الأسطول البحري بعيد المدى، وهو أمر قد يتغير مستقبلاً.
وحين تملك إسرائيل ـ في نظره ـ مثل هذه القوى الضاربة من العمل ضد أي تعرض لسفنها فإن العرب سوف يعيدون النظر في هذه الاستراتيجية الجديدة التي نقلت نقطة الخنق من تيران إلى باب المندب جنوباً.
إن إسرائيل تجاور في حدودها البرية مباشرة أربعة أقطار عربية: مصر، الأردن، سوريا، ولبنان. أما عن طريق البحر الأحمر فإنها ستكون في وضع يجعلها تتماس مع حدود أو سواحل نحو ثماني دول عربية وهي: السعودية، السودان، جيبوتي، الصومال، اليمن الجنوبية، اليمن الشمالية، بالإضافة أصلاً إلى مصر والأردن.
وهذا قد يمكن إسرائيل من التغلب على التناقض الذي سوف تقع فيه، بعد إبرام التسوية، الجزئية أو الشاملة، بين الاستراتيجية الدفاعية التي تمليها عليها اعتبارات التسوية، وبين مذهبها العسكري الهجومي المعتاد وذلك حين تجد متنفساً لها في مياه ذلك البحر العتيق أو على سواحله. بل لا نبالغ إذا قلنا أن إسرائيل تتطلع إلى أن تلعب دوراً ما إزاء احتدام التنافس الدولي في المحيط الهندي، فهي تضاهي دورها بدور مصر، على اعتبار أنهما الدولتان الوحيدتان من دول البحر الأحمر الساحلية اللتان تملكان في نفس الوقت سواحل على البحر المتوسط وتعمل مياه البحر الأحمر على ربطها بالمحيط الهندي.
ووفقاً لتقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن (عام 79/ 1980) تعتبر إسرائيل، بعد مصر (20 ألف رجل في القوات البحرية)، القوة البحرية التالية في البحر الأحمر. إذ يضم أسطولها نحو 10 آلاف رجل، مقابل 4700 رجل للدول العربية السبع الأخرى المطلة على البحر الأحمر (وهي السعودية 1500 رجل، الأردن 200، السودان 1400، اليمن الشمالية 600، اليمن الجنوبية 500، الصومال 500، جيبوتي غير مبين).
ج ـ المخارج الشمالية للبحر الأحمر:
تتمثل هذه المخارج بالدرجة الأولى في قناة السويس التي تصل التجارة الواردة من الجنوب والشرق إلى البحر المتوسط، ولكن هناك في الأصل خليجين رئيسيين يمثلان الذراعين الشماليين للبحر الأحمر وهما خليج العقبة وخليج السويس. ولا ننسى أن إسرائيل سبق أن شنت حرب 1956 وحرب 1967 بهدف تأمين المرور البحري لها عبر مضيق تيران والسيطرة على شرم الشيخ. وهي أحياناً تعد التسهيلات عبر خط أنابيب عسقلان ـ إيلات وكذلك النقل البحري حتى سواحل البحر المتوسط لتكون بمثابة البديل لقناة السويس في حالة إغلاقها أو التنافس معها.
لقد كان من أهم دروس حرب أكتوبر التي وعتها إسرائيل هو الترابط القوي بين العوامل السياسية وبين الحقيقة الاستراتيجية، وأيضاً أهمية معدل القوات في المرحلة الأولى من الحرب في تحديد النتيجة السياسية وذلك طالما أن نظام الأمن يعتمد على جيش من الاحتياطي، لعل هذا يكون دافعاً لإسرائيل لتقوية الجيش النظامي الجاهز فعلاً، وأيضاً لتوسيع نطاق فعاليتها العسكرية الضاربة لتشمل مياه البحر حتى يضع في يدها نقطة تفوق استراتيجي وسياسي واضحة، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط أو قوس الأزمات والقلاقل كما يسميها الاستراتيجيون.
أن مثلث صحراء النقب الذي يرتكز برأسه على خليج العقبة عند ميناء إيلات، ظل دائماً منطقة إنذار طبيعية ضد أي هجوم تتعرض له إسرائيل من جانب مصر ولكن بعد إبرام التسوية مع مصر، سوف تتحول تلك الصحراء إلى قاعدة عسكرية وثكنة حربية هائلة تعويضاً عن الانسحاب من سيناء وذلك بدعم مالي واقتصادي من الولايات المتحدة. وفي ظل المتغيرات الدولية، وبعد الثورة الإيرانية أومأت إسرائيل إلى استعدادها لتقديم النقب ـ وغيرها (حيفا) كنقطة انطلاق لأي تحرك عسكري أمريكي.
د ـ الإجهاز على المشروع العربي الوحدوي:
من الثابت حتى الآن ـ أن إسرائيل قد نجحت في فصل المشرق العربي في آسيا عن المغرب العربي في إفريقيا جغرافيا عن طريق احتلال تلك الرقعة من اليابسة التي تمتد من سواحل البحر المتوسط في الشمال إلى صحراء النقب وميناء إيلات على خليج العقبة في الجنوب.
وبقي لها إذن أن تعمق من هذا الدور الاستراتيجي المؤهلة للقيام به والذي تلاقت عنده المخططات الأمبريالية مع الأطماع الصهيونية ونعني به الحكم على المشروع العربي القومي بالموت والبوار. إنها تهدف إلى أن تحيل مياه البحر الأحمر بدلاً من كونها همزة وصل إلى حاجز فصل بين العرب الأفارقة والعرب الآسيويين.
وقصارى القول أن الناظر لخريطة الوطن العربي، في حالة نجاح هذه الاستراتيجية الاسرائيلية، سوف يتخيل البحر الأحمر بمثابة الخنجر الدامي في يد الكيان الصهيوني الذي شق به الجسد العربي إلى شطرين إفريقي وآسيوي.
إن مستقبل إسرائيل مرهون بالتكريس لاصطلاح «الشرق الأوسط» بدلاً من اصطلاح «الوطن العربي» والأول يعني التنوع الفسيفسائي لخليط من الأجناس والأعراق والأديان والثقافات، في حين أن الثاني يعني الوحدة والانسجام والاندماج وبالطبع تستطيع إسرائيل أن تعيش في منطقة الشرق الأوسط المكونة من دول للأقليات والطوائف.
وإذا افترضنا ـ في ضوء إبرام التسوية السلمية مع مصر ـ أن الجبهة الجنوبية لإسرائيل لم تعد تشكل خطراً وشيكاً على الكيان الصهيوني، فإن البحر الأحمر تظل له أهميته الاستراتيجية لإسرائيل. فما زال الإسرائيليون يتوقعون حرباً خامسة.
ثالثاً: الأطماع الاقتصادية:
مع تفاقم أزمة الطاقة عالمياً، ومع تزايد الحاجة إلى التنمية الاقتصادية، سوف تتصاعد مستقبلاً القيمة الاقتصادية التي يمثلها البحر الأحمر، وذلك بحكم مخزون البترول القابع في باطن أراضي المناطق المجاورة، فضلاً عن كونه طريقاً ملاحياً هاماً، بالإضافة إلى سواحله، وما تحتوي عليه مياهه من موارد وثروات واعدة.
وتزايدت الأهمية الاقتصادية للبحر الأحمر بالنسبة لإسرائيل في ضوء الطموح الصهيوني الرامي إلى التخفيف من الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة ومن ثم تفكر في أن تنشط من التوسع الاسرائيلي ـ حتى في ظروف التسوية السلمية ـ فتلجأ إلى توسيع صادراتها من السلع والبضائع والخدمات بدلاً من توسيع أراضيها. وهي بذلك تحقق ميزتين رئيسيتين. إن البحر الأحمر يكون بمثابة المجال الحيوي للأمبريالية الاسرائيلية، كما يمكنها من الاقتراب غير المباشر من النفط العربي إذ أن التواجد الاسرائيلي المكثف والنشيط في البحر الأحمر يدفع إسرائيل إلى التدخل من خلال حلقة البحر الأحمر إلى حلقة أخرى هي منطقة الخليج الغنية بآبار النفط.
ومن المنتظر أن يتصاعد تأثير العوامل الاقتصادية التي يأخذها صانع السياسة العامة في إسرائيل في حسبانه تحت ضغط مجموعة من المتغيرات من أهمها تزايد القيود المفروضة على تجدد الانفجار العسكري للصراع العربي الاسرائيلي، ونمو اتجاه في مصر يدعو إلى نبذ الحرب وقبول فكرة التعايش، واتساع مفهوم الأمن ليشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن تعدد القنوات الجديدة التي سوف يسلكها الصراع العربي الإسرائيلي مثل التنافس الاقتصادي والحرب الباردة والسباق نحو إحراز التفوق العلمي والتكنولوجي وبالأخص في ظروف تزايد القوة الاقتصادية للوطن العربي، هذا بالإضافة إلى تصاعد الضغوط الاقتصادية داخل إسرائيل بفعل التضخم الجامع (111 % عام 1979) وازدياد حدة الصراعات والانقسامات الاجتماعية وتزايد الميول الاستهلاكية.
في ضوء ذلك كله، تعد الجبهة الاقتصادية، وبالتالي الجانب الاقتصادي للبحر الأحمر، مجالاً تخطط له الاستراتيجية الصهيونية في الثمانينات، ولا بأس أن يكون تحت شعار «اقتحام البحر» على نسق شعارات «اقتحام الأرض» و«اقتحام العمل» و«اقتحام الحراسة» التي طبقوها في العشرينات من هذا القرن عند بداية استعمارهم لفلسطين.
والدليل على ذلك أنه على الرغم من صغر حجم الأسطول التجاري الاسرائيلي، فإن إسرائيل تأمل أن تصل طاقته إلى 4 ملايين طن موزعة على 170 سفينة. والواقع أن الدراسة المتعمقة للتحولات الصناعية والإنتاجية في إسرائيل، وتطلعاتها التجارية تكشف بوضوح أنها تخطط جاهدة لكي يكون البحر الأحمر شريانها البحري الحيوي لتصدير سلعها المصنعة ونصف المصنعة، ولاستيراد المواد الخام التي تحتاج إليها ولا شك أن شرق إفريقيا وجنوبها يأتيان في المقام الأول بالنسبة لتجارتها المستقبلية عبر هذا المضيق([387]).
وتعتقد إسرائيل أن خليج العقبة هو البديل الأفضل لقناة السويس، ولقد فطن مؤسسو الدولة الصهيونية منذ أن خططوا لقيامها إلى ما لموقع فلسطين من أهمية عظمى بصفة كونها ملتقى قارات ثلاث، ومعبراً رئيسياً برياً وبحرياً وجوياً إلى كل أنحاء المعمورة، ومن هنا استهدف تخطيط ميناء «إيلات» إلى تنفيذ مشروعات منافسة للأغراض والخدمات الحيوية التي تقدمها قناة السويس، فتم تنفيذ مشروع خط أنابيب إيلات ـ عسقلان.
ولم يكن الهدف من إنشاء وتنفيذ هذا المشروع، أصلاً، هدفاً تجارياً بل كان هدفاً سياسياً بحتاً، إلاّ وهو التقليل من أهمية قناة السويس ومن الضغوط على إسرائيل ـ وقتذاك ـ لفتحها، حتى أن كبار الممولين، وخاصة المالي الكبير روتشيلد، قد عزفوا عن تمويل هذا المشروع لأنهم لم يروا فيه أية إمكانية للربح. لكن الحكومة الإسرائيلية استطاعت إقناع بعض الممولين بتمويل جزء صغير من المشروع وقامت هي بتمويل الجزء الأكبر منه.
ولقد صمم المشروع بحيث ينقل الأنبوب في الأساس 19 ـ 20 مليون طن في السنة (أي 380,000 ـ 400,000 برميل يومياً) مع العلم بأنه يتوجب نقل 25 مليون طن بالسنة لكي تستعيد إسرائيل نفقات المشروع السنوية ولا تقع تحت خسارة. ولكن يمكن زيادة طاقة الأنبوب إلى الحد الأقصى وهو 60 مليون طن سنوياً (أي 1,2 مليون برميل يومياً) بمساعدة محطات ضخ إضافية([388]).
وقصارى القول أن ميناء «إيلات» يمثل لإسرائيل منفذاً بحرياً هاماً على البحر الأحمر لنقل تجارة إسرائيل الخارجية مع آسيا وشرق إفريقيا، وكما أنه يستقبل معظم واردات إسرائيل من النفط القادم من إيران قبلاً أو من مصر بعد توقيع معاهدة مارس 1979، كما يصدر عن طريقه إنتاج الجزء الجنوبي من البلاد وبخاصة الفوسفات، هذا بالإضافة إلى فرص الازدهار الاقتصادي في مجالات العمل والسياحة التي تقدمها سواحل البحر الأحمر لإسرائيل.
وليس من شطط الخيال أن تتصور الاستراتيجية الاسرائيلية سواحل البحر الأحمر بسبب كونه منطقة فراغ سكاني وتخلخل استراتيجي وتخلف اقتصادي ـ بمثابة المجال الحيوي للتوسع والامتداد مثلما كانت سواحل البحر المتوسط منطقة جذب استراتيجي للإمبراطوريات الاستيطانية في الحضارات القديمة أيام الفينيقيين واليونان حينما كان البحارة يمخرون عباب البحر لإقامة مستوطنة هنا ومستعمرة هناك ….
ودلائل هذا تتضح في سوابق إسرائيلية شهدتها سواحل البحر الأحمر سواء للإنزال العسكري مثلما تم في جزيرة شدوان أو منطقة العين السخنة في مصر ايام حرب الاستنزاف، أو باستيطان بعض العناصر الإسرائيلية لبعض الجزر غير المأهولة في المداخل الجنوبية للبحر الأحمر عند مضيق دهلك في اثيوبيا، أو بإيفاد الخبراء والمتخصصين تحت ستار التعاون الفني والاقتصادي مثلما حدث مع أثيوبيا.
2 ـ دور إسرائيل في صراعات البحر الأحمر
يتعذر فهم الدور الإسرائيلي (الماضي والحالي والمرتقب) في البحر الأحمر إلاّ في إطار تفاعله مع أدوار بقية القوى الدولية طبقاً لمنهج تحليل النظم، والذي يرى أن هناك مجموعة من النظم الدولية الفرعية (أو الإقليمية) المتداخلة، مثل النظام الإقليمي للشرق الأوسط، والنظام الإقليمي لشرق إفريقيا، والنظام الفرعي للبحر الأحمر، والنظام الفرعي للتنافس العربي … الخ.
وجدير بالذكر أن هذا التمييز ذو طبيعة تحليلية وليست واقعية أو محددة، بمعنى أن الواقع الدولي لا يعرف هذا الفصل التعسفي بين هذه الأنظمة، ولكن نلجأ إليه لتسهيل مهمة البحث وتحديد إطار الظواهر والكشف عن متغيراتها والعلاقات القائمة بينها.
والواقع أن اهتمام إسرائيل باتباع سياسة واضحة المعالم تجاه البحر الأحمر اهتمام أصيل، ولكن هذا الاهتمام تضاعف نتيجة الاهتمام العالمي استراتيجياً وسياسياً في السنوات الأخيرة بهذا البحر نتيجة عدة عوامل، منها تزايد الجدل حول مسألة السيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بين دول قوية خارج المنطقة، وإعادة فتح قناة السويس 1975، والأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب بالنسبة للدول المستوردة والمصدرة للنفط، وكذلك بالنسبة للقوى العظمى والدول الساحلية على حد سواء. وهذه كلها عوامل قد أدت إلى تصعيد الاهتمام بمسألة السيادة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر واحتدام التنافس الدولي في المحيط الهندي.
وعلى هذا النحو لا يمكن أن نتبين أبعاد الدور الاسرائيلي في البحر الأحمر إلا في ضوء التفاعل (بالتعاون أو الصراع أو الحياد) مع الأطراف المعينة الفاعلة في صراعات المنطقة.
الدكتور السيد عليوه
عوامل انتشار الإسلام
عبر البحر الأحمر
إلى جانب الهجرات المستمرة لبعض القبائل العربية عبر البحر الأحمر لشرق إفريقيا التي أخذت تنضم تدريجياً إلى فروعها التي سبقتها إلى هذه البلاد فإن الظروف السياسية التي مرت بالدولة الإسلامية جعلت من البحر الأحمر معبراً للمهاجرين والفارين من الاضطهاد إلى شرق إفريقيا، لا سيما بعد مصارع كبار العلويين وفي مقدمتهم الحسين بن علي وزيد بن علي زين العابدين وولده يحيى إلى غير ذلك من الأحداث التي فتحت أعين المضطهدين على البحر الأحمر والحياة في مناطق أريتيريا والصومال والحبشة وشمال السودان حيث لا توجد الولايات التابعة للأمويين أو العباسيين الذين كانوا لا يتركون الأحرار يستقرون في أية ولاية تخضع لحكمهم وكان للعلويين نصيب كبير في هذا المجال الآمن الفسيح حيث الشعوب الإفريقية أقرب إلى الفطرة وايسر في الاقتناع بالمذاهب والآراء السليمة.
وتطور الأمر ـ كما سنرى ـ بفضل ما قام به هؤلاء النازحون من الدعوة إلى الإسلام([389]) إلى تكوين إمارات وممالك وسلطنات إسلامية في هذه البلاد وضعت من الجذور الإسلامية ما زال باقياً وممتداً إلى الآن.
إذا أضفنا إلى هذه الظروف التي ساعدت على نشر الإسلام في إفريقيا الشرقية عنصر النشاط التجاري العربي الذي كان سابقاً حتى على ظهور الإسلام أدركنا إلى أي حد لعب التجار المسلمون الذين عبروا البحر الأحمر دوراً في نشر الإسلام نتيجة احتكاكهم بالعناصر المختلفة من المسيحيين والوثنيين وتجولهم في المناطق المختلفة سعياً وراء التجارة ومصادر الرزق، فكان هؤلاء التجار أيضاً من دعاة الإسلام الذي أخذ ينتشر على أيديهم أينما تغلغلوا في إفريقيا وكان ما يتصفون به من حسن المعاملة والصدق أثر كبير في كسب الاحترام والثقة، وعن هذا الطريق البسيط انتشر الإسلام انتشاراً منقطع النظير([390]). وليس من شك في أنه كان هناك من العوامل ما ساعد المسلمين على نشر دعوتهم في إفريقيا، نخص بالذكر منها ما يلي:
أولاً: ظهور الإسلام كان مواكباً لقمة الخلافات في داخل الكنيسة المسيحية وخاصة بين الكنيستين الشرقية والغربية حول طبيعة السيد المسيح والجدل حول الميتوفيزية والايتونية وقد ترك ذلك أثره على المسيحيين في مختلف أنحاء العالم، وتعرض المسيحيون لزعزعة إيمانهم نتيجة للجدل المستمر والمجمعات المسكونية المتعاقبة، ويرى بعض فلاسفة الفكر أن ظهور الإسلام في النصف الأول من القرن السابع الميلادي كان ضرورة اقتضتها الإرادة الإلهية لمجابهة هذه الخلافات ووجد الناس في تسامحه وبساطته ملجأ من هذه المجادلات التي لا تنتهي ولا تعرف اللين والتسامح.
ثانياً: إن الدعوة إلى الإسلام كانت على بساطتها جهداً ذاتياً شخصياً لا يستند إلى مؤسسات تبشيرية تمدها بالقوة والمال كما هو معهود في السياسات التبشيرية الكنسية.
ثالثاً: اضطراب الأحوال الداخلية آنذاك في شرقي إفريقيا وكثرة الحروب بين ملك أكسوم وجيرانه بل وأتباعه من حكام المناطق بالإضافة إلى ضعف سلطان الكنيسة هناك والخلاف المستمر بين السلطتين الزمنية والدينية وخلو منصب المطرانية في كثير من الأوقات بسبب الظروف التي كانت تمر بها كنيسة بيزنطية في ذلك الوقت مما ساعد على تغلغل الإسلام وتسلله إلى قلوب الأفراد والجماعات.
رابعاً: إن الإسلام كان يواجه في شرق إفريقيا هيكلين ضعيفين ما بين المسيحية والوثنية، والأولى كما سبق أن ذكرنا كانت تمر بفترة التمزق من تاريخها بينما كانت الوثنية لا تلبث أن تتداعى أمام قوة الديانة الجديدة وجاذبيتها وبساطتها وشمولها على كل ما يحيط بحاجة الإنسان ولذلك كانت الاستجابة لأركانه وتعاليمه مشجعة للمسلمين على المضي في طريقهم([391]).
ويذكر السيد توماس آرنولد([392]) أن أحد الكتب العربية التي تعرضت لانتشار الإسلام في شرق إفريقيا كتاب وجده البرتغاليون في مدينة كلو([393]) حين اجتاحها دون فرانسيسكو الميدا سنة 1505م([394]) يتحدث ذلك المصدر عن أن جماعة من العرب تم نفيهم إلى أفريقيا بسبب تعاليمهم الخارجة على الدين وكان هؤلاء يتبعون شخصاً يدعى زيداً من سلالة النبي وقد أطلق على هذه المجموعة المنفية من المسلمين «أموزيديج»([395]).
ويظهر أن هذه الجماعة عاشت في خوف عظيم من سكان البلاد الأصليين الوثنيين ولكنها نجحت بالتدريج في بسط مواطنها على طول الساحل حتى جاءتها جماعة أخرى من المهاجرين الذين قدموا من الشاطىء الغربي للخليج الفارسي من مكان لا يبعد عن جزيرة البحرين وجاء هؤلاء في سفن ثلاث بزعامة سبعة أخوة هاربين من اضطهاد ملك «لاساة»([396]) وهي مدينة قريبة من موطن قبيلتهم وأول مدينة قام المسلمون ببنائها هي «مجدكسو»([397]) التي ارتفعت فيما بعد إلى تلك القوة التي جعلتها سيدة على كل عرب الساحل ولكن لما كان المستوطنون الأصليون وهم «الأموزيديج» من حزب يختلف عن حزب النازحين الجدد حيث كان الأولون من الشيعة والآخرون من أهل السنة أبوا أن يخضعوا لسلطة حكام مقديشو وارتدوا إلى الداخل حيث اندمجوا في السكان الأصليين وتزاوجوا معهم وتطبعوا بطباعهم وتخلقوا بأخلاقهم.
هذا النص يؤكد ما ذهبنا إليه من تأثر وانتشار الإسلام في شرقي إفريقيا عبر البحر الأحمر بالوحدات السياسية التي حدثت في الدولة الإسلامية، ذلك أن ما لقيه زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنه على يد يوسف بن عمر أمير الكوفة في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (105 ـ 125هـ) (724 ـ 743م) وكيف تم مصرعه والتنكيل بجثته وقد أدى لهرب أتباعه من الزيديين إلى جنوب وجنوب غربي وشرق شبه الجزيرة العربية ولكن عيون الخليفة الأموي وكان من أشد الأمويين تنكيلاً بالعلويين([398]) جعلت هؤلاء الزيديين يخشون على أنفسهم من دعوة الأمويين فعبروا البحر الأحمر واتجهوا نحو الإقليم المعروف بالصومال حالياً في شرقي إفريقيا وأسسوا مدينة مقديشو واختلطوا بالأفارقة وأسهموا بدور كبير في نشر الدين الإسلامي بوجه عام وآراء الزيدينة العلوية بشكل خاص.
ثم توالت بعد ذلك أفواج المسلمين عبر البحر الأحمر إلى شرقي إفريقيا ولم يقتصر الأمر على الشيعة الزيدية. وكان فوج الحسا من أهل السنة الذين فروا هاربين من اضطهاد أمير الأحساء ووصلوا إلى الصومال قد وصلوا في أثر الزيدية وعاشوا بالقرب منهم، وبعد ذلك وصل فوج يتزعمه أحد أبناء سلاطين شيراز ويدعى حسن من أم حبشية الأصل أبحروا بزوجاتهم وأولادهم متجاوزين عن الأقاليم التي سكنها من قبلهم من المسلمين واتجهوا جنوباً صوب ساحل زنجبار وكانوا قد تسامعوا بوجود مناجم الذهب هناك وأسسوا مدينة «كلوا» وعاشوا في شبه إمارة مستقلة عن إخوانهم من الشيعة والسنة في الصومال([399]).
ولم يمض وقت طويل حتى ظهر عدد من المدن العربية على طول الساحل الشرقي لإفريقيا من خليج عدن حتى مدار الجدي على حافة ما كان جغرافيو العرب في العصور الوسطى يطلقون عليه أرض الزنج، وتوجد قصة نقلها توماس آرنولد نقلاً عن المستشرق الألماني دي باروز والمستشرق الإنكليزي كلود جورج([400]) تقول القصة أن سفينة تجارية عربية أقصتها الرياح عن طريق مسارها وأرسلتها إلى بلاد الزنج ولما كان البحارة العرب يتصورون من بين الزنج بعض أكلة لحوم البشر فقد توقعوا الموت المحقق هناك غير أنه حدث ما لم يكونوا يتوقعونه حيث تلقاهم ملك الزنج وأحسن وفادتهم وأتاح لهم فرصة بيع تجارتهم في بلاده، غير أن التجار العرب ردوا عليه كرمه بخيانة فأوثقوه مع حاشيته أثناء توديعهم لهم يوم سفرهم وحملوهم إلى عمان رقيقاً، وبعد سنوات قليلة جنحت بهم سفينتهم إلى نفس الشاطئ وعرفهم الأهالي وأسروهم وسيقوا أسرى إلى الملك وكم كانت دهشتهم حين وجدوا نفس الملك الذي سبق لهم أن أخذوه أسيراً إلى بلادهم، غير أن الملك لم يعاملهم بمثل ما عاملوه به وسمح لهم بترويج بضاعتهم، ولكنه رفض هديتهم وقص عليهم كيف أنه هرب من مولاه الذي التحق بخدمته في عمان وكيف اعتنق الإسلام وعاد إلى شعبه ينشر بينهم أركان هذا الدين من صلاة وصيام وحج وحلال وحرام، وأعلن لهم أنه عفا عنهم لأنهم كانوا السبب في اعتناقه لدين الإسلام وأنه يرحب بكل مسلم يهاجر إلى بلاده.
ومهما يكن من أمر فإن الإسلام أخذ ينتشر على السواحل الشرقية لإفريقيا من عمان وشرقي الجزيرة العربية. ويذكر المستشرق «جوزيف طومسون»([401]) أنه على الرغم من الاتصال التجاري والاجتماعي والبشري بين شعب نصف متحضر في مسقط وبين شعوب السواحل الشرقية الإفريقية لعدة قرون متوالية إلاّ أن ذلك لم يترك في الآخرين أثراً للصفات الراقية التي كان يتصف بها جيرانهم ولم تنبت بذرة واحدة صالحة طوال هذه السنين.
ومن الحالات الجديرة بالذكر أن عدداً من تجار العرب عبروا البحر الأحمر في طريقهم إلى أوغندا في النصف الأول من القرن التاسع عشر واستطاعو أن يقنعوهم باعتناق الإسلام حتى أسلم عدد كبير من الأوغنديين في عهد ملكهم موتزا وأقنعوهم بتحريم الإسلام لتجارة الرقيق غير أن المحاولات التبشيرية المسيحية التي حدثت في هذه البلاد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر أدت إلى صراع كبير بين العقيدتين واستطاعت الإرساليات المسيحية الكنسية المدعمة بالمال والرجال أن ترد كثيراً من المسلمين إلى النصرانية([402]).
وهنا يجب أن نذكر حقيقة هامة هي أن المسيحية وحدها بأسلوبها التبشيري المنظم لم تكن العائق الوحيد أمام استمرار انتشار الإسلام في إفريقيا ولكن بعض تجار الرقيق المسلمين لم يكن من مصلحتهم الاستمرار في نشر الدعوة الإسلامية لوجود التناقض الواضح بين العقيدة العظيمة السمحة وبين تجارة الرقيق. غير أنه إلى جانب بعض العوامل السلبية التي جابهت نشر العقيدة الإسلامية من السواحل الشرقية إلى داخل القارة إلا أنه كان هناك عوامل إيجابية أسهمت في نشر الإسلام ليس فقط في وسط القارة وإنما إلى كثير من شعوب إفريقيا الاستوائية والغربية والجنوبية وتتخلص هذه العوامل فيما يلي:
أولاً: إن البحر الأحمر لم يكن المعبر الوحيد للعقيدة الإسلامية في إفريقيا ولكن هناك الصلات المباشرة بين شرقي الجزيرة العربية وعلى الأخص عمان ومسقط وبين الساحل الشرقي الجنوبي لإفريقيا بالإضافة إلى المعبر الأساسي من منطقة الهلال الخصيب إلى مصر وشمالي إفريقيا متوازياً مع حركة الفتوحات الإسلامية الكبرى.
ثانياً: على الرغم من التنافس الواضح بين حركة التبشير المسيحية في إفريقيا وبين حركة الدعوة الإسلامية التلقائية الذاتية إلا أن ارتباط حركة الاسترقاق الكبرى بالاستعمار الأجنبي المسيحي رجحت كفة ميزان اعتناق العقيدة الإسلامية على غيرها من المسيحية والوثنية.
ثالثاً: عمق الوجودين السامي والحامي في القارة ـ وهما كما أثبتت الحقائق العلمية فرعان للأصول المنبتية في شرقي وجنوب وغرب شبه الجزيرة العربية ـ جعل العقيدة الإسلامية أكثر تقبلاً من غيرها بالإضافة إلى بساطة الإسلام واتجاه أركانه مباشرة إلى عقل وفكر وعاطفة الإنسان الإفريقي.
رابعاً: إنشاء السكك الحديدية والطرق البرية في عمق القارة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها ساعد بطريق غير مباشرة على حرية الحركة بالنسبة للدعوة الإسلامية خصوصاً على يد التجار العرب الذين كانوا لا يفرقون بين واجباتهم العقيدية وواجباتهم التجارية.
خامساً: لم يكن أمام المستعمر الأجنبي للقارة مفراً إلاّ استخدام المسلمين المتعلمين والمثقفين في مختلف مرافق ومؤسسات هذه المستعمرات، وفي ذلك يقول المستشرق الألماني بكر([403]) أنه لم يكن أمام حكومة إفريقيا الشرقية الألمانية إلاّ إسناد آلاف الوظائف إلى موظفين من المسلمين كما كان معلمو مدارس الدولة من المسلمين مما أدى إلى دخول مدن وقرى بأكملها في الإسلام. ويضيف هذا المستشرق الألماني قوله: «أنه قد لوحظ أن المعلمين المسلمين من السواحلية في مدارس المستعمرة الألمانية كانوا يقومون بنشاط واضح وناجح في نشر الدعوة الإسلامية بين أهالي بندي وديجو في إفريقيا الشمالية الألمانية وأن هذا النشاط أصبح يسترعي النظر في مستهل القرن العشرين وقد سايرت حركة التوسع في نشر الدعوة الإسلامية إنشاء السكك الحديدية والطرق التجارية الكبيرة فانتشرت في خط مستقيم عبر إفريقيا الشمالية الألمانية حتى حدودها الغربية على بحيرة تنگانيگا وانتشرت نحو الشمال من أوسمبرا إلى مقاطعة كلمنجارو ونحو الجنوب حتى بحيرة نياسا، وكان الذين قاموا بنشر هذه الدعوة من التجار والجنود وموظفي الحكومة المسلمين.
وكان الوثنيون في إفريقيا يعتبرون اعتناق الإسلام مظهراً من مظاهر الحضارة ودليلاً على الترقي، بل أن المستعمرين رغم كراهيتهم للإسلام إلا أن مصالحهم الاستعمارية كانت تقضي هذا التغيير ويقال أن الازدراء الذي كان ينظر به المسيحيون إلى الوثنيين كان عاملاً حاسماً في تحولهم إلى الإسلام([404]) وقد ساد الإسلام شيئاً فشيئاً في جميع أنحاء إفريقيا الشمالية الشرقية.
ولكي نستكمل الحديث عن دور البحر الأحمر كطريق لنشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا يبقى أن نشير إلى هذه الحقيقة وهي أن الدين الإسلامي شق طريقه إلى أقصى جنوب القارة في مستعمرة الكاب وفي ذلك يذكر تايل([405]) أن مسلمي الكاب هم من سلالة أهالي الملايو الذين جاؤوا إلى هذه البقعة أما في القرن السابع عشر أو الثامن عشر وكانوا يتكلمون لغة محرفة من لغة البربر في إطار اللغة العربية وبعض كلمات إنكليزية من لغة الملايو وكان هناك كتاب صغير عجيب مؤلف بهذه اللهجة ومكتوب بحروف عربية وقد نشره وزير المعارف التركية في القسطنطينية سنة 1877 ليستعمل ككتيب صغير لتعليم قواعد الدين الإسلامي، ولعل من أطرف ما يذكره هذا المستشرق عن هؤلاء المسلمين أنهم كانوا خليطاً من العرب المسلمين والملاويين الذين أسلموا على يد التجار المسلمين الدائمي التجوال في جنوب شرقي آسيا بل وبعض الهولنديين المستعمرين الذين أقنعهم المسلمون باعتناق الإسلام وارتبط الجميع بفكرة الدعوة له في جنوبي إفريقيا.
وفي سنة 1819 لفت كوبورك الأذهان إلى نمو الإسلام في بعض مذكرات ممتعة عن مستعمرة الكاب قال فيها «يقال أن الإسلام يتقدم بين العبيد والسود الأحرار من أهالي الكاب ونعني بذلك أن الذين تحولوا من الوثنية إلى الإسلام من بين الزنوج والسود على اختلاف أنواعهم كانوا أكثر عدداً من الذين تحولوا من الوثنية إلى المسيحية وهذا على الرغم من الجهود المضنية المنظمة التي تبذلها الإرساليات التبشيرية الممولة من الكنيسة المسيحية. وكان الداعية المسلم يستطيع تحويل جموع أكبر من الأفارقة إلى الإسلام بمجهود أقل من مجهود المبشرين([406]).
وكعادة المسلمين حينما يستقرون في مكان ما تتوافد عليهم جموع الأهل والأقارب والتجار في حماسة منقطعة النظير، وما يكاد يلتئم الشمل حتى يبدأ الجميع في بناء المساجد والمدارس التي لعبت دوراً كبيراً في نشر الديانة الإسلامية ونمو المدارك التقائية بين الأفارقة([407]).
ويذكر السيد توماس آرنولد([408]) أن نشر الإسلام بين الجبال كان أقل نشاطاً منه في السهول والوديان ويذكر ستشي الذي زار مملكة رلو في شرقي إفريقيا قصة إسلام أبابا غيبو والد أمير هذه المملكة على أيدي مسلمين ظلوا لسنوات عديدة ينشرون الدعوة الإسلامية في زي التجار وقد حذا حذوه أمراء الممالك المجارة ورجال حاشيتهم حتى اعتنقت معظم قبائل الجلا الإسلام وكان أهلها ينتظرون بفارغ الصبر مواسم وصول التجار المسلمين إلى بلادهم ليس لمجرد التبادل التجاري وإنما للاستزادة من تعاليم الإسلام. ولما شعرت الكنيسة بخطورة الوضع في هذه القبائل وسرعة انتشار الإسلام بين قبائلها أرسلت إليهم بعثة تبشيرية منظمة يقودها الكاردينال ماساجا ولكن المحاولة باءت بالفشل لدرجة أن القلة القليلة التي ظلت على وثنيتها آثرت عدم الاعتراف بالمسيح وبالله معاً([409]).
ومما يدل على سرعة انتشار الإسلام بين شعوب إفريقيا الشرقية عبر البحر الأحمر ما يذكره ابن حوقل الجغرافي الرحالة العربي المشهور عن أن أهالي زيلع كانوا يدينون بالمسيحية في النصق الثاني من القرن التاسع الميلادي([410])، ولما زار أبو الفدا([411]) نفس المنطقة بعده وجدهم جميعاً مسلمين. ويؤكد أبو الفدا الدور الكبير الذي قام به التجار المسلمون عبر البحر الأحمر في نشر العقيدة واستمرارية هذا النشر بدوافع ذاتية تابعة من عمق الإيمان عند هؤلاء.
ويقول المستشرق جيوم([412])، أنه في القرن الخامس عشر هاجر من حضرموت جماعة من العرب المسلمين([413]) من أربعة وأربعين للدعوة إلى الإسلام عبر البحر الأحمر إلى شرقي إفريقيا وكان يؤم هذه الجماعة الشيخ إبراهيم أبو زرباي الذي أخد طريقه إلى مدينة هرر حوالي سنة 1430 وتمكن بمعاونة إخوانه تحويل عدد كبير من الأفارقة إلى الإسلام ولا يزال قبره إلى الآن موضع تبجيل وإكرام في هرر وهناك بالقرب من مدينة بربرة جبل الأولياء الذي لا يزال يخلد ذكرى هؤلاء الأولياء الصالحين الذين يقال أنهم كانوا يجلسون هناك في خلوة مقدسة قبل أن ينتشروا في طول البلاد وعرضها.
وقد ركز المسلمون جهوداً نشطة في الجزء الغربي من مستعمرة الكاب وأنشأوا ما يشبه الجامعة الإسلامية في كلير مونت بجوار مدينة الكاب وجعلوا منها مركزاً لنشر الدعوة الإسلامية وكان من بين نشاطاتهم في نشر الإسلام تبني الأطفال الشاردين أو المهملين وتنشئتهم على الديانة الإسلامية بالإضافة إلى تدبير قوافل الحج في كل عام إلى مكة المكرمة وزيارة مدينة الرسول لترسيخ قواعد الدين الإسلامي في قلوب المسلمين الجدد وما زالت هذه عادة الشعوب التي اعتنقت الإسلام في كل مكان على ظهر الأرض حتى أصبح حجاج بيت الله من هذه الشعوب العربية الإسلامية ويمكن أن نعزو هذا النجاح إلى هذه العاملين:
أولاً: إن عملية التبشير المسيحية المنظمة الممولة كانت ترتبط في أذهان الأفارقة بالعملية الاستعمارية مما يؤدي إلى نفور الكثيرين منها بالإضافة إلى عملية التعميد التي لم يكن يتقبلها الأفارقة بسهولة إذا قورنت بسهولة وسماحة ويسر اعتناقهم للإسلام حيث لم تكن تحتاج إلى أكثر من النطق بالشهادتين وأداء الأركان الإسلامية المفروضة.
ثانياً: إن عملية التجانس في الشكل والمظهر والملبس بالإضافة إلى تجانس البيئة والابتعاد عن التعالي الذي يحرمه الإسلام كانت تقرب كثيراً بين قلوب الأفارقة وقلوب الدعاة المسلمين لدرجة أن عملية التبشير التي اتبعتها الكنيسة الاستعمار بعد ذلك ارتبطت بالقسر والإجبار ومع ذلك لم يكتب لها النجاح. إن زيارة الأفارقة إلى الأراضي المقدسة الإسلامية كانت أشبه بعملية التأصيل التطبيقي للدعوة الإسلامية النظرية بالإضافة إلى التجانس الطبيعي والإقليمي والحياتي الذي لم يكن يفرق بين الميدانين إلاّ عبور البحر الأحمر.
ولعل ذلك هو سر العمق الكفاحي الذي خاضته كثير من الشعوب الإسلامية ضد الاستعمار والعنصرية في إفريقيا حيث أنه يحمل في طياته جذور الخلاف الفكري والثقافي والعقيدي وهو ما نشاهده في أرتيريا والصومال وجنوب غرب القارة الإفريقية.
وعلى الرغم من بعد جزيرة مدغشقر عن الساحل الإفريقي بما يقرب من 220 ميلاً إلا أن قبيلة أنتيمورونا أكبر قبائلها قد تحولت إلى الإسلام ويذكر المستشرق فريناد الفرنسي([414]) أن ذلك التحول إلى الإسلام جاء مبكراً لدرجة أنه ينسبه إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم شأنها في ذلك شأن أرتيريا والحبشة.
الممالك والإمارات الإسلامية التي تكونت
شرق إفريقيا
لم يقتصر نشاط المسلمين على مجرد نشر الدعوة الإسلامية في مختلف مناطق إفريقيا الشرقية وإنما نتيجة للنجاح الذي أحرزه التجار والدعاة المسلمون في هذه البلاد وبسبب الهجرات العربية المتتالية عبر البحر الأحمر اللاحقة بمقدماتها وعمليات الزواج والمصاهرة التي تمت بين العرب المسلمين وشعوب هذه البلاد وخاصة قبائل البجة التي كانت تمتد من جنوب مصر (النوبة) وشمال السودان وتتناثر حول ساحل البحر الأحمر مكونة الحزام الأرتيري حول أكسوم (الحبشة) بدأت تتكون إمارات وممالك إسلامية بعيدة كل البعد عن مظاهر التدخل السياسي للدولة الإسلامية من دمشق أو بغداد.
ومن أهم هذه الإمارات الإسلامية شوا الإسلامية وإمارة أوفات وذوارد وأرابيني وهادية وشرخا وبالي ودارة بالإضافة إلى بعض الإمارات والسلطنات الإسلامية في الحبشة والصومال وجنوبي إفريقيا.
ويلاحظ أننا هنا نركز على المراكز والأنشطة الإسلامية التي اتخذت طريقها عبر البحر الأحمر دون التعرض لغيرها من الإمارات والقوى الإسلامية سواء في شمال إفريقيا ومصر وغرب ووسط إفريقيا حيث أن هذه الإفرازات والكيانات الإسلامية جاءت نتيجة معابر إسلامية أخرى، وذلك لا يعني أنه كان هناك نوع من الانفصال البشري بين هذه الكيانات وإنما كان التنقل والهجرة مستمرين بين الإمارات والولايات الإسلامية المختلفة خاصة وقد كانت قبائل البجة تمثل همزة وصل كبرى بين مسلمي الحبشة والسودان ومصر وجنوب إفريقيا.
إمارة شوا الإسلامية:
بمرور الزمن ومنذ وفد المسلمون الأوائل إلى الحبشة عبر البحر الأحمر واستمراراً لعملية التدفق العربي على المناطق الشرقية لإفريقيا سواءً للاستقرار أو التجارة أو الدعوة للديانة الإسلامية وعلى مر القرون اندمج المسلمون في القبائل الإفريقية وتمكنوا عن طريق التفوق الثقافي والتجاري والتنظيمي والعقيدي أن ينشئوا ممالك وسلطنات جديدة بدأت صغيرة ثم أخذت في النمو والاتساع.
ويذكر مؤلف كتاب «الإسلام والحبشة عبر التاريخ»([415]) أن تفصيلاً واضحاً لهذه الممالك والسلطنات الإسلامية جاء في وثيقة عربية هامة توصل إليها المستشرق الإيطالي شيرولي. وقد أثبتت هذه الوثيقة عدداً من الإمارات الإسلامية على الهضاب الداخلية والسواحل الغربية للبحر الأحمر في مقدمتها إمارة شوا الإسلامية نسبة إلى إقليم شوا المشهور في هضبة الحبشة وأن سلاطين هذه الإمارة كانوا من بني مخزوم وأن نشأة هذه الدولة تعود إلى سنة 896م أي بعد ثلاثة قرون وربع من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم وقد هاجر المخزوميون في العصر الأموي.
وتغلغلوا داخل الهضبة الحبشية وأنشأوا لهم إمارة إسلامية في ذلك الإقليم وكان موقعها من أمنع المعاقل فوق مرتفعات الحبشة حيث تقع مدينة إديس أبابا الحالية.
ولا يوجد بهذه الوثيقة ما يميط اللثام عن كيفية نشأة هذه الإمارة الإسلامية ولا تاريخ عهودها الأولى ولكنها تفصل السنوات الأخيرة من حكمها حين بدأت عوامل الانحلال تنخر فيها نتيجة التمزق والخلافات التي قامت بين مشايخها والاضطرابات والصراعات الداخلية وأسماء الفرق المتصارعة وزعمائها([416]).
وبسبب بعد هذه الإمارة عن عيون المؤرخين المركزين على أحداث الدولة الإسلامية في المشرق والمغرب وبسبب عزلتها ومناعتها حتى في داخل الهضية الحبشية نفسها ظلت في معزل عن العالم لأن منطقتها خصبة معتدلة الجو توجد بها كل متطلبات الحياة واشتغل أهلها بالزراعة والرعي اللذين كانا يسدان كل احتياجاتهم.
إمارة إيفات الإسلامية:
تذكرها بعض المصادر إيفاد والأخرى تذكرها أوفات والبعض يسميها جبره وهي إمارة عربية إسلامية ظهرت في الوقت الذي كانت تتهاوى فيه إمارة شوا نتيجة الخلافات والصراعات بين مشايخها وكان رجال هذه الإمارة يراقبون عن كثب ما يحدث داخل الإمارة السابقة وما وصل إليه أهلها من ضعف وتحلل وانتهزت الفرصة وجردت على إمارة شوا أربع حملات انتهت باستيلاء عرب إيفات على شوا وكانت عاصمة هذه الإمارة مدينة زيلع وتكونت من الإمارتين إمارة كبيرة مليئة بالمساجد والمدارس كما كان لها جيش تكون من خمسة وعشرين ألفاً من الجنود نصفهم من الخيالة والنصف الآخر من الرجالة([417]).
وقد بلغ من قوة إمارة أفات أن أميرها كان ينقاد له معظم الإمارات الأخرى ما عدا هادية وأن كان الجميع يخضعون لإمبراطور الحبشة حتى أنه كما تقول بعض المصادر وفي مقدمتها صبح الأعشى ومسالك الأبصار كانوا لا يتولون إمارتهم إلاّ بعد موافقته ومشورته([418]).
مملكة هادية الإسلامية:
وكانت تقع جنوب إيفات وعلى الرغم من ضيق مساحتها إذا ما قورنت بإيفات إلاّ أن صاحبها كان أكثر أمراء الإمارات الإسلامية مالاً ورجالاً وكان جيش هادية أضعاف جيش إيفات حيث تذكر المصادر أنه كان يتكون من أربعين ألفاً من الفرسان وضعفهم من الخيانة.
وقد أطلق المؤرخون المسلمون على هذه الممالك الإسلامية الطراز الإسلامي لأنها كانت تشكل على شاطىء البحر الأحمر طرازاً إسلامياً تتوسطه مدينة زيلع الكبيرة التي كانت عامرة بالجوامع والمساجد وتقام بها خطب الجمع والجماعات([419]).
الدكتور عبد الشافي غنيم عبد القادر
البحرين
ـ 1 ـ
أجمعت معظم معاجم البلدان والأمكنة على أن البحرين التاريخية، أو البحرين في إطارها التاريخي، هي المنطقة الواقعة بين البصرة وعمان.
وفي منظور الجغرافيا السياسية الحديثة تتشكل البحرين التاريخية من الكويت والمنطقة الشرقية لما سمي بالمملكة العربية السعودية والبحرين الحالية (أوال) وقطر. وإن الراصد لحركة الهجرة والانتقال البشري داخل الجزيرة العربية منذ القرن السادس الميلادي يلمس كثافة بشرية مركزة قد أخذت طريقها للاستقرار على سواحل وواحات (أوال) و(الخط) و(هجر).
وإن هذه المناطق المركزية الثلاث للبحرين قد حافظت دون سواها من أمكنة البلاد البحرانية على حالة من الاستقرار البشري النسبي امتد سلالياً حتى وقتنا هذا.
قالت الأخبار: البحرين هي الخط والقطيف والآرة وهجر وبينونة والخرارة وجُواثا والسابور ودارين والغابة والصفا والمشقر([420]).
قال النابغة الجعدي:
عليهم من وحش بينونة
نعاج مطافيل في ربرب([421])
وقال عمرو بن شاس:
بأيديهم سمرٌ شداد متُونُها
من الخط أو هندية أحدثت صقلا([422])
وقال الشاعر:
ما ضر أشناس لا يكون له
يوم جواثا ويوم ذي قار([423])
قال ياقوت: أُوال: بالضم ويروى بالفتح: جزيرة يحيط بها البحر بناحية البحرين، فيها نخل كثير وليمون وبساتين.
قال توبة بن الحُميّر:
من الناعبات المشي نعباً، كأنما
يُناط بجذع من أُوَال جريرُها
وقال تميم بن أبي مُقبل:
عَمَدَ الحُداة بها لعارض قوية
فإنها سفن بِسيفِ أُوَال
وقال السمهري العكلي:
طروح مروح فوق رَوْح كأنما
يناط بجذع من أُوال زمامها
وأُوال أيضاً: صنم كان لبكر بن وائل وتغلب بن وائل([424]).
قال البكري: أوال بفتح أوله، وباللام مثال فعال.
قال جرير:
وشبهت الحُدوجَ غداة قوةٍ
سُفين الهند روح من أوَالاً
وقال الأخطل:
حُوص كأن شكيمهن مُعلقٌ
بقَنَا ردينة أو جُذُع أوَال([425])
قال ياقوت: الإحساء: بالفتح والمد، جمع حِسي، بكسر الحاء. وسكون السين: وهو الماء الذي تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه، قال أبو منصور: سمعت غير واحد من تميم يقول: احتسينا حسياً أي أنبطنا ماء حسى، والحسى الرمل المتراكم، أسفله جبل صلد، فإذا مطر الرمل نشف ماء المطر، فإذا انتهى إلى الجبل الذي تحته أمسك الماء. فإذا اشتد الحر نبث وجه الرمل عن الماء فنبع بارداً عذباً يُتبرَّض تبرضاً. وقد رأيت في البادية أحساء كثيرة على هذه الصفة، منها أحساءُ بني سعد بحذاء هَجَر([426])… وأحساءُ القطيف.
قال: والأحساء: مدينة بالبحرين، معروفة مشهورة، كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة هجر أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، وهي إلى الآن مدينة مشهورة عامرة([427]).
قال الفرزدق شاعر بني تميم:
منهن أيام صدق قد عرفت بها
أيام فارس والأيام من هَجَرا([428])
قال ياقوت: الخط: بفتح أوله، وتشديد الطاء، في كتاب العين: الخط أرض تنسب إليه الرماح الخطية، فإذا جعلت النسبة اسماً لازماً قلت خطية ولم تذكر الرماح، وهو خط عمان، وقال أبو منصور: وذلك السيف كله يسمى الخط، ومن قرى الخط القطيف والعقير وقطر([429]) «قلت» أنا: وجميع هذا في سيف البحرين وعُمان.
وهي مواضع كانت تجلب إليها الرماح القَنَا من الهند فتقوَّم فيه وتباع على العرب، وينسب إليها عيسى بن فاتك الخطي أحد بني تيم الله بن ثعلبة([430]). وأضاف قائلاً الخُطّ: بضم الخاء وتشديد الطاء: خُط عبد القيس بالبحرين، وهو كثير النخل([431]).
قال الأندلسي: الخط: بفتح أوله وتشديد ثانيه: ساحل ما بين عمان إلى البصرة، ومن كاظمة إلى الشجرة، قال سلامة بن جندل:
حتى تركنا وما تُثني ظعائِننا
يأخذن بين سواد الخطّ فاللُّوب
وقال ابن الأنباري: يقال لسيف البحرين خط.
قال البكري: قطر: بفتح أوله وثانيه، بعده راء مهملة: موضع بين البحرين وعمان تنسب إليه إبل الجياد.
قال جرير:
لدى قطرَيَّات إذا ما تغوّلَتْ
بها البيدُ غاوَلنْ الحزومَ الفيافيا([432])
وقال ياقوت: قطر بين البحرين وعمان، واستشهد بقول عبد الله بن الطيب:
تَذكر ساداتِنا أهلُكم
وخافوا عمان وخافوا قطر
وخافوا الرواطي إذا عَرضت
ملاحس أولادهن البقر([433])
قال ياقوت: الستار: ناحية بالبحرين ذات قرى تزيد على مائة لبني امرئ القيس بن زيد مناة([434]) وأفناء سعد بن زيد مناة منها شَاجُ([435]).
قال: أسبذ: بالفتح ثم السكون، ثم فتح الباء الموحدة، وذال معجمة. في كتاب الفتوح: قرية بالبحرين صاحبها المنذر بن ساوى التميمي([436]).
وقال: أقرارة: بالضم: اسم ماء أو جبل لبني تميم، قيل: بناحية البحرين([437]).
مقولة الإرث السلالي والجذور الإثنية
إن مقولة الإرث السلالي والجذور الإثنية لسكان القرى البحرانية تعني، من الزاوية المنهجية، البحث تاريخياً عن ثلاثة أنواع من التواجد البشري، قد عاشته البحرين خلال قرون طويلة ممتدة.
تمثل التواجد الأول في العرب البائدة، وتمثل التواجد الثاني في العرب المستعربة التي قطنت البلاد ثم هجرتها إلى ديار أخرى، وأخيراً فإن التواجد الثالث قد تمثل في العرب المستعربة التي قطنت الديار البحرانية واستقرت بها استقراراً ممتداً إلى وقتنا هذا.
أ ـ العرب البائدة التي قطنت البحرين: ذكر نقلاً عن ابن إسحاق: أن أهل البحرين وعمان كانوا من ولد لاوي بن سام بن نوح، وكانوا يُسمون جاشم. وكانت جاشم قوماً عرباً لسانهم عربي([438]).
وقال القلقشندي: إن عاد قد قطنت البحرين. وسمي بنو عاد باسم أبيهم وبه ورد القرآن الكريم، وهم من العرب العاربة والبائدة، وهم بنو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح. ويقال لعاد هؤلاء عاد الأولى، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿وأنه أهلك عادا الأولى﴾. وكانت منازلهم بالأحقاف بين اليمن وعمان من البحرين إلى حضرموت والشحر، وكان أبوهم عاد فيما يقال: أول من ملك من العرب([439]).
وذكر القلقشندي عن صاحب العبر: أن جديس قطنت البحرين وكانت تجاورهم في مساكنهم طسم([440]).
وجديس قبيلة من العرب العاربة البائدة. قال ابن الكلبي: وهم جديس بن أرم بن سام بن نوح، وقال الطبري: جديس من ولد لاود بن سام بن نوح.
هذا بعض من سكن البحرين من العرب البائدة.
ب ـ العرب المستعربة التي هجرت البحرين: ذكر ابن الأثير نقلاً عن ابن الكلبي: لما مات بخت نصر انضم الذين أسكنهم الحيرة من العرب إلى أهل الأنبار، وبقيت الحيرة خراباً دهراً طويلاً وأهلها بالأنبار لا يطلع عليهم قادم من العرب ومزقتهم الحروب وخرجوا يطلبون الريف فيما يليهم من اليمن ومشارق الشام، وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا بالحرين وبها جماعة من الأزد.
ومن تهامة أقبل إلى البحرين مالك وعمرو أبناء فهم بن تيم بن أسد بن وبرة بن قضاعة، ومالك بن زهير بن عمرو ابن فهم في جماعة من قومهم، والحيقاد بن الحنف بن عمير بن قبيص بن معد بن عدنان في قبيص كلّها. ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن تقدم بن أفصى بن دعمى بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان، وغيره من أياد، فاجتمع في البحرين قبائل من العرب وتحالفوا على التّنوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التناصر والتساعد، فصاروا يداً واحدة وضمهم اسم تنوخ.
ثم تطلعت أنفس من كان بالبحرين إلى ريف العراق فطمعوا في غلبة الأعاجم فأجمعوا على المسير إليه ونزلوا الأنبار ثم الحيرة وقامت مملكتهم فيها([441]).
ويرى أهل الأخبار أن قبيلة تغلب بن وائل مثل سائر قبائل ربيعة كانت تسكن في الأصل تهامة، ثم انتشرت فنزلت الحجاز ونجد والبحرين. فلما دارت في البحرين الحرب الطاحنة بينها وبين بكر بن وائل، زحفت نحو الشمال حتى بلغت أطراف الجزيرة، فسكن قوم منها جهات سنجار ونصيبين، حتى عرفت تلك الديار بـ (ديار ربيعة)([442]).
جـ ـ العرب المستعربة التي استقرت في البحرين: تمثلت العرب المستعربة التي استقرت في البحرين بثلاث قبائل كبرى هي بكر بن وائل وعبد القيس وتميم. وقد توطنت في البحرين في فترات متقاربة تقترب من القرن السادس الميلادي. ولم يشهد لها التاريخ أي هجرات معاكسة إلى خارج البحرين، ومنها ينحدر السكان الحاليون للقرى البحرانية.
وبكر بن وائل من القبائل الكبيرة التي لها شأن معروف عند ظهور الإسلام. وهي مثل القبائل العدنانية الأخرى، من القبائل المهاجرة التي تركت ديارها القديمة على حدّ قول الأخباريين، وهي تهامة، على أثر الحروب الكثيرة المملة التي وقعت بين العدنانيين، فهاجرت إلى اليمامة ثم إلى البحرين والعراق([443]). حيث استقرت في ديار البحرين وسواد العراق والأبلة وهيت([444]).
وإلى وجود قبيلة بكر بن وائل في البحرين تطرق القلقشندي والأندلسي وابن خلدون، ووردت إشارة تؤكد هذا الوجود في الطبري واليعقوبي وابن الأثير([445]).
وقد ساق بني عبد القيس إلى البحرين الأفكل، وهو عمر ابن الجعيد بن صبرة بن الديل بن شن بن أفطى بن عبد القيس ابن أقصى.
قال في العبر: وكانت ديارهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين، وكان بها خلق كثير من بكر بن وائل وتميم، فلما نزل بها عبد القيس زاحموهم في تلك الديار وقاسموهم في الموطن.
وجاء في الأخبار: أن عبد القيس ارتحلت عن تهامة بسبب الحروب التي وقعت بين أبناء ربيعة، فذهبت إلى البحرين. وزعمت هذه الأخبار: أن عبد القيس تغلبت على من كان في البحرين ممن سكن قبلهم من إياد وبكر بن وائل وتميم، واقتسمتها بينهم.
وقد جاء في الأخبار أن بني تميم كانت ديارهم بأرض نجد ثم انتشروا في البحرين والبصرة والكوفة([446]).
وذكر الهمداني: أن في البحرين قرية تسمى الستار، تعرف بستار البحرين، وهو منادى بني تميم فيه متصلة البيضاء، وكان بها نخل وسكن. ومن مياه ستار البحرين ثيتل والنَّباج والنّباك وكل فيه نخل كثير وماءً يقال له قطر.
وقال: إن في الأحساء منازل ودور لبني تميم ثم لسعد من بني تميم، وكان سوقها على كثيب يسمى الجرعاء تتبايع عليه العرب([447]).
وقد ذكر القلقشندي وابن خلدون وجود قبيلة تميم في البحرين. وإلى حقيقة هذا الوجود وردت إشارات في الطبري واليعقوبي([448]).
البحرين
ـ 2 ـ
الموروث الطبيعي والمؤثرات الإيكولوجية
لقد قُدر للإنسان البحراني أن يعيش، لقرون طويلة ممتدة في ظُلل طبيعية اتسمت بالريفية والطابع القروي، أعطت إفرازاتها وانعكاساتها على تشكلاته الديموغرافية، وعلى تكويناته البنيوية الأولى، الاقتصادية منها والاجتماعية.
ومن منظور العلاقة التفاعلية بين الإنسان وخصائصه البيئية، نتناول هنا الموروث الطبيعي، وارتباطه منهجياً بالبحث في الإرث السلالي لسكان القرى البحرانية.
تعد دراسة مكسمليان سور Mixmilian Sorre «أسس الجغرافيا البشرية» Fondements de la Geographie Humaine أبرز الدراسات الجغرافية في المدرسة الفرنسية الحديثة، فيها درس «سور» الإنسان ككائن يتكيف ويتلاءم مع ظروف بيئته الطبيعية، تعرض لدور المناخ على وظائف أعضاء الجسم، وأصل الاختلافات بين الأجناس البشرية، كذلك درس «سور» المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية بالأكيومين Okumene أو النطاق المغمور من الأرض.
وذكر هنتنجتون مغزى الجغرافيا البشرية ومرماها حيث اتجه إلى دراسة العلاقات الإنسانية البيئية عن طريق دراسة العوامل الطبيعية المختلفة مثل الموقع ومظاهر السطه والتربة والمناخ ثم بعد ذلك الحياة الاقتصادية للإنسان ودرجة التحضر التي وصل إليها في مجتمعاته المختلفة.
وعلى المستوى الديموغرافي، تعد الهجرة ظاهرة جغرافية تميز بها السكان على مرّ العصور، وتماماً كما يهتم دارس النبات بهجرة النوع النباتي، فإن دارس الجغرافية البشرية يهتم هو الآخر بالحركة الجغرافية للبشر، وتعكس معظم الحركات السكانية رغبة الإنسان في مغادرة منطقة ما تصعب معيشته فيها إلى منطقة أخرى يساوره الاعتقاد بالعيش والإقامة فيها بحال أفضل وصورة أرقى.
وللهجرة أنماط يتميز كل منها بخصائص ديموغرافية خاصة، وإن كان يقصد بها عموم الانتقال الجغرافي من منطقة لأخرى، وهي تنقسم من المنظور الزماني إلى هجرة دائمة وهجرة مؤقتة.
وعلى الصعيد البحراني، فإن الهجرات الدائمة للقبائل العدنانية (بكر بن وائل، عبد القيس وتميم) من ديار اليمامة ونجد إلى البحرين قد خلقت عصراً جديداً من التشكيلات الديموغرافية والاجتماعية، ضمن إطار النسق المعاشية، الفلاحية والبحرية، القائمة فيها.
فقد بدأت هذه القبائل بالارتسام على السهول والسواحل، آخذة طريقها للاستقرار والتحضر.
فالكتابات الغربية، الأوروبية والأميريكية، استخدمت مفهوم الحضر لتشير إلى ما يتعلق بحياة المدينة وأنشطتها، وهي التي تبتنى على الحرف غير الزراعية بصورة أساسية، كالصناعة والتجارة. ولذا نجد أن تعبير الحضر استخدم في الأبيات الغربية قبال الريف والريفية.
بيد أن مصطلح الحضر استخدم في التراث العربي بمعنى الاستقرار والارتباط المكاني الثابت، وأن كل المستقرات والوجودات البشرية الثابتة، مدنية كانت أو قروية، هي مراكز حضرية. وهذا المفهوم للحضر استخدم في الكتابات العربية، وخاصة عند ابن خلدون، قبل مفهوم البداوة، الذي يعني التنقل والارتحال الدائم.
وعلى قاعدة الثبات الحضرية اتجه التشكل البشري الجديد ليصوغ معاشه على نمطين من الحرف الانتاجية، الزراعية والصيد البحري.
فعلى المستوى الزراعي عرفت البحرين زراعة وافرة للبلح، وزراعة إعاشية ممتدة لأنواع غير قليلة من الخضار.
وعلى الرغم من أن البحرين من المناطق المدارية الجافة، قليلة الأمطار، إلا أن مصادر المياه فيها اعتمدت على الينابيع الطبيعية والآبار الارتوازية.
وأن المسار الانتاجي للزراعة البحرانية من آماد مديدة قد أوضح تغلباً ملحوظاً على مشاكل المناطق المدارية الجافة، التي تتصف تربتها بالتبخر الشديد، وبالتالي ارتفاع منسوب المياه في التربة، حاملاً الأملاح إلى السطح بفعل الخاصة الشعرية، ومن ثم تتبخر المياه وتترك الأملاح على سطح التربة أو قريباً منها مما يفضي إلى تردي صلاحيتها الانتاجية.
وعلى مستوى الانتاج البحري، أتت الثروة البحرية وافرة، بفعل الساحل الطويل للبلاد الذي بمتاز بتعرجاته الصغيرة المتعددة. فالشروم والفتحات الساحلية تساعد على وجود كثير من المرافئ البحرية التي تتخذ كقواعد لعمليات الصيد ـ أو كملجأ تأوي إليه سفن الصيد وقت العواصف.
وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه التعرجات والشروخ تزيد من اتساع منطقة الصيد حيث تعيش بها أنواع من الأسماك تأوي غالباً إلى الخلجان، بالإضافة إلى ذلك فإن خط الساحل الطويل يساعد على اتصال السكان بموردهم المعيشي اتصالاً سهلاً ميسوراً.
وبالرغم من أن التاريخ لم يحدثنا عن قرى بحرانية ذات صفة إنتاجية مميزة، كما هو الحال في الضيع الممتدة في بعض الأرياف العربية أو كما هو حال بعض القرى الساحلية في النروج أو نيوفوندلاند، بالرغم من ذلك، فإن تبايناً حرفياً قد حدث ولا شك بين قرية وأخرى من قرى البحرين، وإن بصورته النسبية المحدودة. فالحدث التاريخي لا يدعو للقول إن الوضع الحرفي السائد في قرية مثل (عراد) هو ذاته السائد في قرية مثل (سار)، إذ لا بد أن حرفة الصيد قد غلبت على القرية الأولى، بينما ساد النشاط الزراعي القرية الثانية.
ولعل محدودية الرقعة الجغرافية للبحرين قد أفرزت التداخل الملموس بين قراها المختلفة، وبالتالي تداخل الحرف المعيشية والاقتصادية فيها.
وأن جملة التداخلات المكانية والحرفية لسكان القرى البحرانية قد أولدت بدورها تداخلاً في المصالح والمنافع العامة.
وفي ظل المصالح والمنافع العامة، وعلى قاعدة الاستقرار والثبات المكاني، تداخلت القبائل والحمولات المختلفة، في نسق اجتماعية جديدة، وسارت رويداً نحو التشكيل الأسري الحضري، الذي تذوب فيه المسميات السلالية الكبيرة وتندمج الفئات الاجتماعية المختلفة في أطر عائلية صغيرة أو ممتدة. وهذا ما عبّر عنه العلامة ابن خلدون بتداخل الأنساب عند عرب التلول والأرياف.
وبناء على هذه الحقيقة الإيكولوجية، أي حقيقة المؤثرات البيئية على الإنسان، نحن لا نجد اليوم، أو قلما نجد، بين سكان القرى البحرانية من يُنسب في اسمه إلى إحدى القبائل العدنانية الثلاث التي شكلت جذوره الإثنية وإرثه السلالي.
عبد الجليل الجمري
البحرين
ـ 3 ـ
هي مجموعة جزر تقع في الزاوية الجنوبية الغربية من الخليج غير بعيد عن الساحل بحيث لا تتجاوز مرمى البصر. ويبلغ عددها ستاً وعشرين جزيرة لا تزيد مساحتها على 622 كيلومترمربع أهمها ثمانية وأشهرها ثلاثة هي: المحرق والمنامة وسترة، والمنامة هي بمثابة الجزيرة الأم، لأنها أكبرها وأغناها، ويبلغ طولها ثلاثين ميلاً وعرضها يتراوح بين ثمانية أميال في بعض المواضع وعشرة في بعضها الآخر. ويتكون سطح جزيرة المنامة من هضبة وسطى يبلغ أقصى علوها في قمة جبل الدخان الذي يبلغ ارتفاعه (440) قدماً، والصفة الغالبة على هذه الهضبة هي الانحدار الشديد نحو الشرق والغرب، والانحدار التدريجي نحو الشمال والجنوب حيث تمتد السهول الخصبة ولا سيما في الشمال والشرق. وتحيط بالمنامة البساتين التي تسقى بسواقي الينابيع. وهي بساتين كثيرة واسعة متنوعة الأشجار.
وفي جزيرة (سترة) يقع ميناء البترول، وفي شمال سترة تقع جزيرة النبي صالح وهي غنية بالنخيل الذي يعتبر من الثروات الزراعية الأساسية في كل البحرين، أما جزيرة (أم نعسان) فهي صحراوية ملأى بالغزلان والأرانب ويقصدها الناس للصيد.
وفي (المحرق) يقع مطار البحرين الحديث ويربط المحرق بالمنامة جسر طويل. ولا يتجاوز عرض المحرق أربعة أميال.
أما مدن البحرين فهي: المنامة وهي العاصمة، والمحرق والحد وقلالي والبديع وجد حفص وسترة وبلاد القديم. وتحد البحرين من الشمال (دارين) ومن الغرب (العجير) ومن الجنوب (قطر) ومن الشرق الخليج.
على أن اسم البحرين في القديم كان يشمل ما هو أوسع من هذا. قال ياقوت في معجم البلدان: «البحرين اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، قيل هي قصبة هجر، وقيل هجر قصبة البحرين، وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة.
قال أبو عبيدة: البحرين هي الخط والقطيف والأرة وهجر وبينونة والزارة وجواثا والسابور ودارين والغابة، وقصبة هجر هي الصفا والمشقر» هذا ما قاله ياقوت.
فالبحرين إذن كانت قديماً تطلق على ما يعم الأحساء وهي الخط ويعم القطيف ويعم أوال، التي هي اليوم البحرين. وبهذا يكون اسم البحرين في هذا العصر قد اختصر بأوال.
وقيل إن البحرين مشتملة على المدن الثلاث جزيرة أوال والقطيف وهي الخط، والأحساء ويقال لها الحسا وهي هجر، والخط قرية باليمامة يقال لها خط هجر تنسب إليها الرماح الخطية وهي مدينة كبيرة قاعدة بلاد البحرين ذات النخيل والرمان والأترج والقطن وإليها ينسب رشيد الهجري. وقيل إن اسم البحرين وهجر يطلق قديماً كل منهما على مجموع المدن الثلاث المتقدمة ثم صار اسم البحرين اسماً لجزيرة أوال، وهجر لبلاد الأحساء.
ومهما كان الأمر ففي التاريخ الإسلامي كان لفظ البحرين يطلق على الإقليم الممتد من البصرة إلى عمان وقد يطلق عليه هجر والخط. فهو يشمل البحرين الحالية التي كانت تعرف باسم جزيرة أوال كما يشمل كلا من الأحساء والقطيف، وظلت هذه المنطقة ذات تاريخ واحد وحياة واحدة إلى أن احتل العثمانيون الأحساء والقطيف سنة 958هـ فارتبطا بمصير واحد وأصبحت القطيف تاربعة للأحساء في إدارة الحكم.
وفي سنة 1031هـ استولى الإيرانيون على جزيرة (أوال) التي تفردت بعد ذلك باسم (البحرين) ثم ملكها في العقد الأول من القرن الثاني عشر الشيخ الجبري من بقايا آل جبر ملوك الأحساء والقطيف السابقين ثم استردها الصفويون ملوك إيران ولما ضعفت الدولة الصفوية استقل بها الشيخ جبارة الهولي.
وحين قامت الدولة الإفشارية في إيران عادت إلى حكم الإيرانيين سنة 1150هـ في عهد نادر شاه ثم استولى عليها سنة 1151هـ سيف بن سلطان حاكم مسقط.
وفي سنة 1152هـ استرجعها الإيرانيون وولوا عليها آل مدكور الذين استقلوا بالحكم وقد نشبت بينهم وبين آل خليفة حكم (زبارة) قبلاً وحكام البحرين الآن معركة أدت إلى تقهقرهم واستيلاء آل خليفة على البحرين.
وفي سنة 1212هـ استولى عليها حاكم مسقط سلطان بن أحمد ثم استرجعها آل خليفة سنة 1224هـ وفي سنة 1225هـ استولى عليها سعود أمير نجد ولكنها عادت لآل خليفة في نفس السنة.
وفي سنة 1275هـ استجاب آل خليفة إلى رفع العلم العثماني أيام كان مدحت باشا والياً على بغداد. وكانوا أثناء حكمهم يرفعون العلمين الإيراني والعثماني فإذا أحسوا بضغط من الإيرانيين لجؤوا إلى الأتراك والعكس بالعكس. وقبل ذلك في عام 922هـ ـ 1517م استولى البرتغاليون على جزيرة المنامة، ولا يزال إلى اليوم في البحرين قلعة من آثارهم.
وفي عام 943هـ ـ 1536م بعث السلطان سليمان القانوني العثماني أسطولاً مؤلفاً من سبعين سفينة تحمل أكثر من عشرين ألف محارب لقتال البرتغاليين، وقد أحرزت هذه القوات فوزاً موضعياً في منطقة البحرين فاستولت على المنامة والقطيف وقطر.
وفي سنة 1235هـ (1820م) كان أول اتصال للإنكليز بآل خليفة بعقد سلسلة من المعاهدات معهم. وفي سنة 1332هـ (1914م) أصبحت البحرين تحت الحماية البريطانية فسيطر الإنكليز على كل شيء فيها. وفي سنة 1971م أعلنت البحرين دولة مستقلة ذات سيادة.
وكانت صناعة البحرين من قديم الزمان صيد اللؤلؤ وكان حديث الغوص في البحرين لذيذاً وممتعاً وكان موسمه يبدأ من أيار حتى مرور أربعة أشهر يحيا فيها الغواصون حياة بحرية صرفة، فهم يعيشون طيلة هذه المدة وقلوبهم تخفق بالأمل، وكان لبداية موسم صيد اللؤلؤ ونهايته مواسم ومهرجانات ينزل إليها أمير البلاد ليدشن حفلة الافتتاح لكل موسم ويختمها كذلك.
وترى الشعب كله في غمرة من السرور، ولم تؤثر اليابان بلؤلئها الصناعي على لؤلؤ البحرين فما نزل سلطان لؤلؤ البحرين عن عرشه إلا عندما تفجر البترول معلناً نهاية دولة اللؤلؤ وبداية دولة الذهب الأسود.
كانت البحرين ذات عهد تتكل على صيد اللؤلؤ في اقتصادها. أما الآن فقد تقلصت صناعة اللؤلؤ حتى كادت تموت تماماً واقتصر عدد مراكب صيد اللؤلؤ على الآحاد بعد أن كان بالمئات وتحول البحرانيون إلى العمل في صناعة استخراج النفط وتكريره.
وتنتج البحرين أصغر نسبة من إنتاج النفط في الشرق الأوسط ـ ولكن فيها مصافي نفط ممتازة تشغل الآلاف ممن السكان.
ويبلغ إنتاج البحرين من النفط حوالي أربعة ملايين من الأطنان في السنة. وتعمل في استخراج النفط شركة بتروليوم التي تملكها مناصفة شركة ستاندارد أويل أوف كليفورنيا وشركة تكساكو.
وفي إحصاء رسمي أن إنتاج البحرين سنة 1964م كان بمعدل 49 ألف برميل في اليوم.
وفي البحرين مخزون من النفط يقدر بثلاثمائة مليون برميل من أصل 212 ملياراً و700 مليون برميل يقدر لاحتياطي شبه الجزيرة العربية كلها.
ومناخ البحرين حار رطب في الصيف، معتدل البرودة في الشتاء ولا سيما إذا هبت الرياح الشمالية الغربية عليها وهي تأتي من أواسط القارة الآسيوية وشمالها، وتبلغ درجة الرطوبة أحياناً مائة بالمائة. ونصيب البحرين من الأمطار قليل قد لا يزيد على ثلاث بوصات سنوياً.
ومياه البحرين عيون تابعة وهي كثيرة غزيرة منها تسقى الأرض. وبعض هذه العيون ينبع في وسط البحر بقوة وكثيراً ما يستقي الأهلون من تلك النبعة وسط البحر لأنها أعذب.
وأشهر عيون البحرين عين (العذارى) تسقي نخيلاً كثيراً وعمقها ستة أقدام. ومن العيون الشهيرة (الكرش) و(أبو زيدان) و(برابر) و(أم حصاة).
البلاد التي عرفت
أقدم الحضارات
يعود تاريخ أقدم الآثار المكتشفة في البحرين إلى أكثر من 20 ألف سنة([449]). وقد اكتشفت هذه الآثار على جبل الدخان وعلى الساحل القديم الممتد بين الزلاق والمملطة على بعد ميلين داخل البر. وهذه الآثار مؤلفة من 36 موقعاً سكنياً تم اكتشافها على دفعتين.
وتدل هذه الآثار على أن سكان البلاد آنذاك كانوا من الصيادين الذين نزحوا من الهند عبر مضيق هرمز، واستقروا فيها، الأمر الذين يؤكد وجود علاقة بين البحرين وبين المدنية السوهانية التي كانت قائمة في الهند آنذاك. بينما يدل جزء آخر من هذه الآثار على وجود صلة بين البحرين وحضارات العصر الحجري الأوسط في سوريا.
أما أدوات هذا العصر التي تم اكتشافها فهي عبارة عن سكاكين ومعدات يدوية وأدوات تنعيم الخشب. وجميع هذه الأدوات مصنوعة من حجر الصوان المستخرج من صخور البحرين. غير أن هذه الأدوات لم تكن مصقولة إذ أن الصقل لم يعرف إلا في العصر الحجري الأخير. ومن الأمور الأخرى التي تم اكتشافها والخاصة بهذا العصر هي الجلود التي كانت تحاك منها الملابس.
ولكن أهم آثار هذا العصر التي تم اكتشافها في البحرين والتي تعتبر فريدة من نوعها في العالم هي المقبرة التي تضم حوالي مائة ألف ضريح. ولعل البحرين كانت قد دخلت بدخول العصر النحاسي حوالى 3000 سنة قبل الميلاد، أولى حضاراتها وهذا ما دلت عليه هذه المقبرة الشهيرة الممتدة بين ما يعرف في الوقت الحاضر بطريق العوالي وطريق سترة وطريق خط أنابيب البترول.
وهذه القبور الدوارس هي قبور شعب مدينة (دلمون) التي ظلت قائمة حوالي ألف سنة تهيمن على التجارة البحرية في أقطار الخليج وتحافظ على استمرار الاتصال بين بلاد ما بين النهرين (العراق) ووادي الهندوس (الهند) وقد أطلق السومريون في أساطيرهم اسم «الك دلمون» أي «شعب دلمون» على سكان المدينة.
ولهذه القبور دلالة اجتماعية خاصة فهي قبور مواطنين عاديين، مما يعني أن النظام الاجتماعي في البحرين آنذاك كان فريداً يتمتع فيه الفرد بميزات لم يعرفها في المجتمعات الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الوقت. والمعروف أن مثل هذه القبور لم تكن تبنى في البلدان الأخرى إلا للملوك والأمراء والأثرياء. يتألف كل قبر من هذه القبور من غرفة خاصة بنيت من حجارة صخور البحرين. ويبدو أن كل غرفة كانت مخصصة لفرد واحد فقط مما لم يوجد له مثيل في البلدان الأخرى. وحتى القبور الأوروبية المشابهة كانت قبوراً جماعية كما أن قبور (أور) في بلاد ما بين النهرين وقبور قدماء المصريين المشابهة كانت مخصصة للملوك والأمراء.
أما محتويات هذه القبور([450]) فقد زال أكثرها في غابر الزمان إذ إن أيدي لصوص القبور قد امتدت إليها ولم يبق فيها إلا القليل. هذا ولم تتمكن البعثة الدانماركية التي تعمل حالياً في التنقيب. عن الآثار في البحرين من تحديد عمر هذه المقبرة من الأدوات التي وجدت فيها غير أنه يعتقد أن تاريخها يعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وذلك استنتاجاً من طريقة دفن الموتى، إذ إن سكان بلاد ما بين النهرين كانوا في تلك الفترة يدفنون موتاهم بنفس الطريقة.
ومن الأشياء القليلة التي وجدت في هذه القبور، بعض الأواني الخزفية ورؤوس الحراب المصنوعة من النحاس كما وجد في جزء آخر من المقبرة في «الأعالي» حيث الأضرحة كانت مؤلفة من طابقين، بعض الأواني الخزفية المدهونة وبعض قطع من علبة صنعت من العاج وخاتمان من الذهب.
وعن هذه المقبرة كتب محمد الأسعد بعض التفاصيل فيما يلي:
حظيت مدافن البحرين الشهيرة بالاهتمام منذ سبعينات القرن التاسع عشر، وكتبت في وصفها تقارير لمبعوثين غربيين. وقام بعضهم مثل أرنست ماكاي في العام 1927م بمحاولة لحل لغز هذه المدافن ومعرفة هويتها، ففتح خمسين مدفناً ورسم مخططاتها وأقسامها وسجل قوائم بمحتوياتها. وخرج بالاستنتاج الذي ظل شائعاً زمناً طويلاً وهو أن البحرين لم تكن مكان استيطان بشري، بل أرض للدفن استخدمها الناس الذين يعيشون على بر الجزيرة العربية.
وقبل ماكاي كان العسكري البريطاني العقيد بريدوكس في العام 1906م قام بالتنقيب، ففتح عشرين مدفناً، وعثر على خاتمين من الذهب وأجزاء من تمثالين عاجيين صغيرين، وخرج بالاستنتاج القائل إن هذه المدافن فينيقية!
البعثة الدانماركية
ولم تتأكد هوية هذه المدافن وأصحابها إلا في خمسينات هذا القرن مع حفريات البعثة الدانماركية في أماكن الاستيطان والسكن. وبرزت إلى الضوء حضارة كانت تعتبر مفقودة طوال ألفين وخمسمائة عام مع أن اسمها كما تشير ألواح حضارتي «بابل» و«آشور» وقبلهما «أكد» كان مألوفاً. وكان موطنها معروفاً للرحالة والمؤرخين والجغرافيين.
كتب هنري رولنسون في العام 1880م «ليكن مفهوماً أنه عبر كل الألواح الآشورية بدءاً من أقدم العهود وحتى آخرها كانت هناك دائماً إشارة إلى جزيرة تدعى «نيدو ـ كي» باللغة الأكدية أو تيلمون بالآشورية، وأن هذا الاسم يعود إلى البحرين بكل تأكيد».
واحتاج الأمر إلى جهود كبيرة من البعثة الدانماركية لترجمة هذه الإشارات إلى آثار ملموسة. والوصول إلى استنتاج مفاده أن هذه المدافن تعود إلى شعب عاش في مدينة قريبة مما يدعى الآن القلعة البرتغالية على ساحل البحرين الشمالي. وبنى أبناء هذا الشعب معبداً في (باربار) اتضحت معالمه على مسافة ثلاثة أميال تقريباً على طول الساحل غرباً. وحدث هذا في الفترة القريبة من العام 2300ق.م. وهو دليل يعتمد على رأس الثور النحاسي من (باربار) القريب الشبه برؤوس الثيران المكتشفة في المدافن الملكية في أور (بلاد ما بين النهرين).
ولم يكن هذا الاستنتاج في الحقيقة الخاتمة، بل كان الفاتحة كما نعتقد ليس بسبب العدد الهائل من المدافن (أكثر من 100 ألف أو ضعفي هذا العدد، ولم يفتح منها إلا القليل) بل بسبب الآفاق التي فتحتها هذه الاكتشافات باتجاهات عدة. وأول هذه الاتجاهات، أن (دلمون) المشار إليها في الألواح القديمة لم تكن جزيرة فقط بل بقعة واسعة من الساحل الشرقي للجزيرة العربية. وثاني هذه الاتجاهات أن هنالك صلات قوية بين هذه المنطقة ومنطقة الحضارات القديمة في الهند (هارابا وموهنجودارو). وثالث هذه الاتجاهات أن التنقيبات في مدافن الجزيرة كشف عن مستوطنات حضارية ترجع إلى العصر الممطر، وهي سابقة أو معاصرة لأقدم المستوطنات المعروفة في شمال الجزيرة العربية.
على أن كل هذه الآفاق لم تجد من يتابعها إلا على فترات متقطعة، وكانت الأخيرة ما قام به تجمع من الآثاريين العرب من تنقيبات في موقع سار ـ الجسر، وهو في ظننا أول وآخر تجمع لهؤلاء الآثاريين حدث في مطلع الثمانينات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدافن البحرين التي هددتها إقامة الجسر الذي يربط البحرين بما سمي المملكة العربية السعودية.
وقام هذا التجمع الذي نشرت نتائج تنقيباته في مجلد من إعداد الدكتور معاوية إبراهيم من جامعة اليرموك، بانتقاء مدافن عدة وفتحها، وهي كلها كما يقول التقرير خاوية ومنهوبة، كما هي المدافن التي ظلت تفتح طيلة القرن الراهن، إلا من لقية هنا وهناك.
تجمع غير ناجح
والملفت للنظر أن تقرير هذه التجمع، على رغم أنه أول تجربة من نوعها في هذا المجال، جاء قصيراً وخالياً من الوصف الحي كما ألفنا في تقارير البعثات الغربية. بالإضافة إلى أنه لم يتناول الأعمال الميدانية السابقة المتعلقة بمدافن البحرين أو يحاول ربط نتائجها بما توصل إليه تجمع الآثاريين العرب. ولعل ذلك يرجع إلى أن أبرز نتائج الأعمال الميدانية السابقة لم يحظ بالنشر والنقاش العلميين كما يقول إبراهيم. ولكن أهم هذه الأعمال الميدانية، وهو عمل البعثة الدانماركية منشور ومعروف، وترجم إلى العربية في منتصف الثمانينات.
إن أهم ما خرج به تجمع الآثاريين العرب بعد العثور على أختام صدفية وحجرية وكؤوس فخارية هو تأكيد صلات المنطقة (منطقة حضارة دلمون) بأجزاء أخرى من الشرق القديم تمتد من وادي الهند إلى أواسط الأناضول. وبالطبع لا يستطيع أحد أن يطالب بعثة أثرية بما يفوق طاقتها، إلا أن هناك أشياء في التقرير تلفت النظر وتدعو إلى التأمل في وضعية هذا الفرع العلمي المهم، أي علم الآثار العربي.
وأول ما يلفت النظر تلك الإشارة إلى أن التجمع العربي قام بإجراء اتصالات بعدد من البلدان الأوروبية والأميريكية من أجل توفير مختص بالعظام البشرية، وآخر بالفخار، وثالث بالرسم الأثري. وهي اختصاصات غير متوافرة في البلاد العربية كما يقول التقرير.
ويمكن لأي قارئ لهذه الإشارة التساؤل عما يعنيه هذا في بلاد ما تزال منذ أكثر من قرنين، وستظل، محط أنظر علماء الآثار والحضارت من كل الجنسيات، ومع ذلك لم تستطع توفير أمثال هذه الاختصاصات ونحن في أواخر القرن العشرين؟
الأمر الثاني الملفت للنظر أن هذا التجمع الآثاري كان الأول من نوعه ويبدو أنه كان الأخير، لأن مكتشفات أثرية مهمة حدثت في عقد الثمانينات وأوائل العقد الحالي لم تدفع الآثاريين العرب إلى التجمع، وبخاصة اكتشاف المدن القديمة في منطقة الربع الخالي.
وربما تساءل متسائل: إذا كانت أحداث أخطر من ذلك لم تدفع الهيئات العربية ومؤسساتها إلى التجمع، فكيف بمثل هذه الأحداث الأثرية التي لا تكاد تجد اهتماماً إلا في أضيق نطاق؟
إلا أن البعثة الدانماركية تمكنت من اكتشاف بعض الآثار التي تعود إلى العصر البرونزي والنحاسي، وهذه الآثار موجودة في مواقع ثلاثة. الأول موقع بئر أم السجور الواقع إلى شمال شرقي قرية «دراز» حيث اكتشف معبد وجد فيه تمثالان لثورين راكعين وقطع من أوان خزفية وطاسة مصنوعة من المرمر.
أما الموقع الثاني فيقع إلى الشرق من الموقع الأول وإلى الجنوب من قرية «باربار» وقد اكتشف هناك معبد كبير جداً مبني بكامله من حجارة مقلع جزيرة «جدة» الكلسية القريبة. وهذا المعبد لم يسلم كذلك من عبث العابثين فقد هدمت أجزاء منه عدة مرات وأعيد بناؤها عدة مرات كذلك، مما جعل دراسته صعبة للغاية. وقد وجد داخل هذا المعبد أوعية مصنوعة من المرمر وتمثالان من النحاس منها تمثال لكاهن عار، ووجد بالقرب من المعبد أوان وأسلحة نحاسية وتمثال نحاسي لرأس ثور وكمية كبيرة من الأواني الخزفية ومما يلفت النظر أن جميع الأدوات المصنوعة من النحاس والمرمر تشبه كثيراً الأدوات التي وجدت في القبور الملكية الشهيرة في (أور) في بلاد ما بين النهرين. مما لا يدع مجالاً للشك أنهما أي معبد «باربار» والقبور الملكية يعود تاريخهما إلى 2500 سنة قبل الميلاد تقريباً.
أما الموقع الثالث الذي يعود تاريخه إلى العصرين النحاسي والبرونزي في البحرين فهو عبارة عن مدينة بكاملها مدفونة تحت التل الذي تقع عليه حالياً القلعة البرتغالية (قلعة البحرين) ويعود تاريخ هذه المدينة إلى نفس تاريخ معبد (باربار) إذ إن الأواني الخزفية التي وجدت في هذه المدينة هي من نفس الأواني الخزفية التي وجدت في معبد باربار.
ومن الآثار التي وجدت كذلك أدوات عاجية مما يدل على وجود صلات بين البحرين وبلاد الهند آنذاك. ولقد عثر في هذه المدينة على سبعة أختام دائرية من نفس نوع الأختام التي وجدت في معبد باربار. والجدير بالذكر أن عدد الأختام المماثلة التي كانت مكتشفة في العالم قبل بدء الحفريات في البحرين عشرون ختماً فقط اكتشفت منها سبعة عشر ختماً في بلاد ما بين النهرين وثلاثة في موهانجو ـ دارو فيما يعرف اليوم بالباكستان.
ولكن أهم ما تتميز به البحرين في عصر ما قبل التاريخ هو مدينة «دلمون» التي ظلت قائمة أكثر من 1000 سنة مهيمنة على التجارة في أقطار الخليج وكانت صلة الوصل بين أكبر مدينتين عرفهما التاريخ آنذاك وهما مدينة وادي الهندوس ومدينة بلاد ما بين النهرين.
وتدل بعض الأواني الخزفية اليونانية الصنع التي اكتشفت في البحرين والتي تعود إلى القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد، على أن الإغريق وصلوا تلك البلاد إما عن طريق التجارة أو عندما عرج قادة جيوش الاسكندر في طريق عودتهم من بلاد الهند حوالي سنة 323 قبل الميلاد بعد حملة الاسكندر الكبير في البنجاب والسند.
ويبدو أن جزيرة البحرين فقدت كثيراً من أهميتها التجارية في زمن الرومان أي خلال القرون القليلة التي سبقت ظهور الإسلام ولم يكتشف حتى الآن ما يدل على وجود أية علاقة بين البحرين والامبراطورية الرومانية أما الآثار القليلة التي اكتشفت والتي تعود إلى تلك الحقبة من الزمن فهي شبكة الأقنية المائية التي تشبه الأقنية المائية التي كانت معروفة في بلاد الشام أنذاك.
وعلى ذلك فقد يكون قيام الامبراطورية الرومانية في الغرب وانتقال قسم كبير من الحركة التجارية مع الهند من الخليج إلى البحر الأحمر من الأسباب التي جعلت البحرين تفقد أهميتها كموقع تجاري هام.
ويبدو كذلك أن البحرين كانت هذه الفترة تحت حكم العشائر العربية وأنها بقيت كذلك حتى القرن الرابع بعد الميلاد عندما قام شاهبور الثاني ملك الساسانيين بإخلاء البحرين.
البحرين بعد ظهور الإسلام
إن أقدم الآثار الإسلامية الباقية حتى الآن في البحرين هي جامع سوق الخميس الذي يقع على بعد ثلاثة أميال من مدينة المنامة على طريق العوالي. حيث ترتفع منارتا الجامع الشهيرتان اللتان أعيد بناؤهما عام 1950م.
وكان الجامع القديم قد تهدم ولم يبق منه سوى الجدران الداخلية والأعمدة وعندما أعيد بناء المسجد والمنارتين استعملت نفس الحجارة القديمة التي كانت مبعثرة هنا وهناك حوالي المسجد.
ولهذا المسجد أهمية خاصة لأنه مبني من حجارة صخور البحرين وبعناية فائقة لأن الجوامع التي بنيت في البحرين كانت مبنية من الخشب والطبن مثل الجوامع المعروفة في الوقت الحاضر في الجزيرة العربية.
أما بالنسبة لمسجد سوق الخميس فقد بني كله من الحجارة وأقيم حوله سور. ومن الآثار المهمة التي اكتشفت داخل الجامع قبران تحت الحائط الغربي لم يكونا موجهين صوب القبلة مما يدل على أن صاحبيهما لم يكونا مسلمين. والظاهر أن الجامع كان قد بني فوق مقبرة قديمة.
وعندما زار دييز المسجد في أوائل هذا القرن وجد على حائط القبلة كتابة عربية تشير إلى أن الجامع في شكله النهائي بني في سنة 740 هجرية أي بين عامي 1339 و1340 ميلادية. ولكن الحجارة التي كانت هذه الكتابة وغيرها من النقوشات منقوشة عليها سقطت منذ ذلك الحين واختفى أكثرها ولم يبق منها سوى القليل الموجود حالياً في حيازة الحكومة البحرانية.
وقد كان لحائط القبلة أهمية خاصة لأنه كان، قبل إدخال المحراب إلى الجامع، يحدد الاتجاه الذي يتجه إليه المصلون عند تأدية صلاتهم أي باتجاه مكة المكرمة. وهذه الحجارة التي كان الحائط مبني منها غير موجودة في الجوامع الأخرى باستثناء جامع الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وجامع ابن طولون في القاهرة.
أما المسجد الأثري الآخر الموجود في البحرين فهو جامع الرافعية في بلاد القديم القريب من جامع سوق الخميس. ويوجد في هذا الجامع كذلك كتابة عربية قديمة مكتوبة بالخط الكوفي غير أن لغتها ليست متقنة مثل الكتابة الموجودة في مسجد سوق الخميس. وهذه الكتابة تشير إلى محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين مما يدل على أصلها الشيعي.
وفي البحرين أطلال مسجد آخر هو جامع أبي زيدان بني فوق نبع ماء يحمل نفس الاسم وقد قامت الحكومة في البحرين مؤخراً بإصلاح هذا الجامع ويؤمه للصلاة الآن كثير من سكان المنامة المنتمين إلى الشيعة لا سيما النساء منهم.
الكتابات والنقوشات
إن أهم الآثار الإسلامية في البحرين هي النقوش والكتابات العربية الموجودة في أنحاء مختلفة من البحرين ولقد ورد ذكر بعضها في الحديث عن سوق الخميس حيث يوجد ستة نقوشات بعضها على أحجار القبلة وقد ترك دييز صوراً عنها مما ساعد بعد فقدانها، على معرفة ما كان مكتوباً عليها، وقد وجد على حجر القبلة الجنوبي عبارة «الدعوة» مما يظن معه بأن تاريخ هذه المخطوطة يعود إلى عهد القرامطة الذين ظهروا في البحرين سنة 1058م.
وهنالك الحجر الكبير الذي نقش عليه بعض الكتابات التي لم يستطع أحد قراءتها كاملة أما ما قرىء منها فهو كالآتي: «بسم الله الرحمن الرحيم هذه… الملك… أبو سنان محمد بن فضل بن عبد الله» وهذا النقش له أهميته الخاصة إذ إنه يعتقد بأنه كتب بعدما استولى عبد الله أمير الحسا على البحرين عام 1058هـ وأرسل ولده فضل بن عبد الله حاكماً عليها أي أن الحاكم الجديد هو الذي وضع هذا الحجر باسم والده.
أما النقوش الموجودة على باب المنارة الغربية في جامع سوق الخميس فلا يمكن فك رموزها لأنها بالية ولكن وجود أسماء الأئمة يدل على أصلها الشيعي. كما يمكن الاستدلال على أن تاريخها يعود إلى القرن الخامس الهجري أي ما بين سنتي 1009 و1106 ميلادية. وهذه الكتابات مكتوبة جميعها بالخط الكوفي.
وحتى الآن لم يعثر على أية نقوش يعود تاريخها إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر ميلادي. ولكنه عثر على نقوش تعود إلى القرن الرابع عشر وذلك على حجرين في قرية المسلم غربي مسجد سوق الخميس.
أما النقوشات الأخرى فتحمل بعض تواريخ سنة 776 هجرية وتحتوي على آيات من الذكر الحكيم وعبارات تدعو للصلاة ومن تلك النقوشات الموجودة على الحجر الكبير في الجامع ومنها أيضاً النقوشات والكتابات الموجودة في جامع أبي مهرة شمالي طريق بودانة وهذا المسجد كان قد أعيد بناؤه إلا أن النقوش تدل على أن البناء الأصلي يعود تاريخه إلى سنة 1406 ميلادية. ومن هذه النقوشات كذلك الكتابة الموجودة في مسجد حداثة والتي تدل على أن باني المسجد هو عبد الرحمن بن ميان الذي لا يعرف عنه شيء.
وهنا نترك الكلام للأستاذ عبد الله محمد الطائي:
البحث عن الحضارة القديمة
في البحرين
وقبل عشر سنوات وصلت بعثة دانماركية موفدة من متحف ما قبل التاريخ في «اروس» لتنقب عن الآثار في البحرين فوجدت مجالاً خصيباً لأبحاثها. وأخذ عدد أفراد البعثة يتزايد سنة بعد سنة حتى بلغ 26 شخصاً في عام 1959م ومن أبرز أفرادها المستر بيبي والبروفسور جلوب.
والأمر الذي شغل البعثة في اكتشاف آثار الخليج هو العصر الديلموني المعروف بتميزه بحضارة مستقلة عن الحضارة التي كانت قائمة في السند وبلاد ما بين النهرين، ويرجح علماء البعثة أن البحرين هي نفسها المنطقة التي عرفت في التاريخ بديلمون إذ إن الآثار الموجودة بالبحرين تدل على حضارة زاهرة ذات طابع خاص. فالمخلفات الأثرية التي تتمثل في الفخار الخشن الأحمر والأختام المدورة تختلف في الشكل عن تلك التي وجدت في بلاد ما بين النهرين والتي يرجع عهدها إلى نفس الفترة التاريخية. وتمتاز هذه المخلفات بشكلها الاسطواني في العراق والمربع في وادي السند. ووجدت كميات من هذه الأختام في هذين القطرين في حين لم يعثر على أختامهما في البحرين أو المناطق التي تم التنقيب فيها كجزيرة فيلكا في الكويت، مما يدل دلالة واضحة أن تجارة الخليج والمحيط الهندي كانت بيد أهالي الخليج وبالأخص سكان البحرين.
وقد اختارت بعثة التنقيب عن الآثار في البحرين مركزين مهمين وفقت في اختيارهما، وهما باربار وقلعة البحرين أو منطقة الجابور التي اتخذها البرتغال أثناء احتلالهم للبحرين مركزاً لقوتهم البحرية فجددوا بناء قلعتها وعسكروا فيها.
اكتشفت البعثة في باربار أطلالاً ذات بناء حلزوني يوجد لها مثيل في العراق والأطلال هذه هي لثلاثة معابد مدرجة. كما وجدت أوعية من المرمر وتماثيل برونزية وبعض الأواني والأختام. وقد بنيت هذه المعابد من الرخام فظهرت صروحها بمظهر خلاب يجلب أنظار الزائرين. وكان عمل البعثة هذا العام مركزاً على كشف الأسوار والمنحدرات الواقعة غربي البناء.
وفي الجابور انكشفت بجوار القلعة بيوت قد يعجب القارئ إذ يعلم أن سكانها القدماء بنوها على الطراز الغربي فيما يتعلق بالأروقة والحمامات وضيق الفناء، وقد دلت هذه المنازل على أنها تعود إلى خمس فترات:
1 ـ العهد الغابر ويمتد إلى 3000 سنة قبل الميلاد أي قبل بناء معابد باربار بفترة قصيرة.
2 ـ العهد الذي عاصر عهد بناء معابد باربار.
3 ـ العهد التالي له وليس لهذا العهد إلا آثار قليلة ووجدت في بنايات هذا العهد قاعة كبيرة استعملت كمعبد واكتشفت فيها بقايا هياكل حيات الأمر الذي يدل على أن سكانها القدماء كانوا يقدمون الحيات كقرابين لآلهتهم.
4 ـ أما العهد الرابع فيبدأ من عام 700ق.م. حتى الأعوام الأولى التي سبقت ميلاد المسيح ويتمشى هذا العهد مع العصر الإغريقي إذ يتبين ذلك من التأثير الإغريقي الكبير على الحضارة في البحرين. ومن الآثار التي اكتشفت من هذا العهد رؤوس من الطين المحروق وجرار من العصر الإغريقي الأثيني وأوعية منقوشة تدل على أن الإغريق وصلوا إلى الخليج. وقد توقفت سفن الاسكندر بالبحرين وكان يطلق عليها إذ ذاك اسم تايلوس.
5 ـ عهد القرامطة الذي يرجع تاريخه إلى القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي.
6 ـ العهد الأخير وهو عهد البرتغاليين.
والعهود الثلاثة الأولى تسميها البعثة باسم عهد ديلمون والعهد الرابع بعهد تايلوس والخامس بعهد أوال. ومع ذلك فإن البعثة تعتبر اسم ديلمون من باب التخمينات وهي حريصة على الدقة في ذلك لأهمية هذا العصر ولكنها تميل إلى التأكيد أن هذه العهود تعود إلى الفترة التي كانت فيها ديلمون مركزاً للحضارة كما أظهرناه من دلائل في مستهل البحث.
أما فيما يتعلق بالعصور الحجرية فتدل تنقيبات البعثة أن آثار هذه العصور منتشرة في البحرين وأهمها الأحجار الصوانية المدببة وهي تكون جزءاً من الحضارة البدائية وفيها دلالة على بداية الزراعة بالبحرين ويعود تاريخ هذه الأحجار إلى العصر الحجري الجديد أي من سنة 5500 ـ 4500ق.م.
ولم تظهر تنقيبات البعثة شيئاً حتى الآن عن رأيها حول علاقة البحرين بالفينيقيين، ولكنها لن تتجاهل ذلك في تنقيباتها في العام القادم. وتنوي البعثة فتح إحدى المقابر الواقعة في التلال للحصول على معلومات وافية على ضوء اكتشافاتها الأخيرة. والمعروف عند أهالي البحرين أن مركز الفينيقيين كان في أول قرية «عالي» المعروفة الآن بصناعة الخزف والجرار والجص وأول ما يستقبل زائرها هذه التلال التي تغطي مقابرها القديمة كما يسترعي انتباهه اسمها المشابه لعاليه الفينيقية في لبنان.
وقد أنهت البعثة أعمالها عام 1960م بعد أن قامت بالتنقيب في الكويت والبحرين وقطر وزارت أبو ظبي بساحل عمان ولكن معلوماتها المفصلة ظهرت فقط عن البحرين والكويت.
ودائماً كانت قرية الديلمون تلاحق أفكار المستر بيبي رئيس البعثة فقد ذكر قبيل عودته إلى الدانمارك أنه إذا صح أن جبال مسقط عرفت بجبال «مقنيات» فإنه مما لا شك فيه أن ديلمون هي البحرين ومعنى ذلك أن حضارة زاهرة في تاريخ العالم قد قامت في تلك الجزائر الخضراء بالخليج.
وإذا كان المستر بيبي يفتش عن اسم مقتنيات فهو موجود شرقي مسقط ولكنه ليس اسماً لجبالها بل وقد يجد ضالته المنشودة في تعزيز حجته إذا ما زار هذه المنطقة الحافلة بالآثار([451]).
عبد الله الطائي
آل خليفة
وآل خليفة حكام البحرين نجديون كانت إقامتهم في (الهدار) من منطقة الأفلاج في الجنوب الغربي من الرياض وقبل نزوحهم إلى البحرين نزلوا (زبارة) من (قطر) قبالة البحرين ثم نزلوا الكويت مع أبناء عمومتهم آل الصباح ومع عشيرة الجلاهمة واتفقوا على أن يتولى رئيس آل الصباح شؤون الحكم وشيخ آل خليفة شؤون التجارة ورئيس الجلاهمة شؤون البحر، وفي عهد الشيخ محمد بن خليفة انفصم الاتفاق وانفصل الشيخ محمد وعشيرته تاركاً الكويت وعائداً إلى (زبارة) ثم اكتسح البحرين ونزل فيها، ومن هذا التاريخ استقام الأمر هناك لآل خليفة وفي بعض الأوقات امتد حكمهم إلى (زبارة)، ولم تكن في البحرين أولاً عاصمة لآل خليفة بل كانوا في زبارة ويرسلون إلى البحرين والياً من قبلهم ثم انتقلت عاصمتهم إلى مدينة المنامة في البحرين وأرسلوا من قبلهم والياً على زبارة وقطر.
التشيع في البحرين
ومما يذكر للدلالة على عراقة البحرين في التشييع أن كلمة (بحراني) تطلق عند غير الشيعة من سكان الخليج على الشيعي من سكان القطيف والأحساء والبحرين، فإذا قيل: (بحراني) أريد به الشيعي.
وفي مجالس المؤمنين: (إن تشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والحسا شائع من قديم الزمان وعلل بأن أبان بن سعيد كان عاملاً عليها مدة في مبدأ الإسلام وهو من الموالين لأمير المؤمنين علي عليه السلام وصار عاملاً عليها عمر بن أبي سلمة مدة، وأمه أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وهو أيضاً من محبي أمير المؤمنين علي عليه السلام فغرسا فيهم التشيع).
وفي روضات الجنات: (أهل البحرين قديمو التشيع متصلبون في الدين خرج منها من علمائنا الأبرار جم غفير).
والبحرين أسلم عليها أهلها طوعاً كتب رسول الله صل الله عليه وسلم في السنة الثامنة من الهجرة إلى المنذر بن ساوي وإلى مرزبان هجر مع العلاء بن عبد الله الحضرمي بالدخول في الإسلام أو قبول الجزية فدخلا في الإسلام وكذلك جميع العرب الذين معهما وبعض الفرس، وأهل القرى والزراعة من المجوس والبربر واليهود والنصارى صالحوا على نصف غلتهم من الزراعة والتمر وبقوا على دينهم وأرسل العلاء في ذلك العام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين ألف دينار ثم عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء وولى أبان بن سعيد بن العاص وسعيد بن أمية فبقيا إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزلهما أبو بكر وولى العلاء ثم عزله عمر وولى أبا هريرة فجرى له معه خبر مشهور.
وفي عهد أمير المؤمنين عليه السلام وليها تارة معبد بن العباس بن عبد المطلب وتارة عمر بن أم سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول جمعة أقيمت في الإسلام بعد المدينة كانت في البحرين في جواثا في بني عبد القيس ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس من هجر فقال لهم: مرحباً بوفد قوم لا خزايا ولا نادمين.
وأكثرية سكان البحرين هم من الشيعة. ويسود التشيع في الريف فكل سكانه من الشيعة فيما عدا قرية أو قريتين.
ويرى البحاثة البحراني الشيخ محمد علي التاجر أن كل سكان البحرين كانوا من الشيعة حين احتلال البرتغاليين للبحرين. ولكن البرتغاليين لم يطمئنوا للشيعة بعد مقاومتهم لهم مقاومة عنيفة، فاضطهدوا الشيعة وعرقلوا حياتهم.
قبور علماء الشيعة
في البحرين
حفلت البحرين بالعديد من علماء الشيعة في كل عصر. وفي زيارتنا الاستطلاعية للبحرين عام 1385هـ ـ 1965م عرفنا من قبور علمائهم قبر كل من:
1ـ الشيخ حسين عصفور في قرية (الشاخورة) وهو يقوم وسط مقبرة القرية داخل غرفة بسيطة صغيرة مفروشة بالحصر يدخل إليها من باب خشبي بسيط ضيق واطئ وفوق القبر قبة بسيطة وعليه ملقاة مجموعة كثيفة من الستائر الحريرية ذات ألوان مختلفة أكثرها أخضر. وفي الجدار الغربي قصيدة خطية ملصقة عليه بإطار خشبي وزجاج.
وتحتها اسم حسين بن أحمد بن حسين بن مدن وهو كاتبها وعليها تاريخ 16 شوال سنة 1355هـ وعرفنا أن ناظمها هو الشيخ إبراهيم ابن الشيخ ناصر.
وعلى نفس الجدار بعض الأعلام الخضراء البالية وغرفة القبر ذات محاريب عالية من مستوى الأرض تملأ جدرانها. وفي أحد المحاريب مصاحف ممزقة وكثير من التربة الحسينية.
والمقام مزور معظم من أهل المنطقة كلها كباقي مقامات العلماء، تنذر له النذور، وعند الزواج يزوره العريس وأهله للتبرك به وقراءة مولد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك حال الختان والولادات وغيرها من المناسبات.
وتحاط غرفة القبر بصحن صغير بسيط ترابي الأرض مسقوف بالخشب وجذوع الشجر وتملأ جدرانه المحاريب المرتفعة عن الأرض وفيه تعقد الاجتماعات في المناسبات المتقدمة كما تقرأ فيه وفيات الأئمة وعدا قبر الشيخ حسين([452]) ففي الغرفة قبران لبعض المؤمنين كما أن في الخارج في الأرض الفضاء قبراً قيل لنا إنه قبر الشيخ أحمد ابن الشيخ سلمان آل عصفور.
ومما يستحق الذكر أن قبور المقابر العامة فيما رأيناه في البحرين مسواة كلها بالأرض لا يبدو منها أي شيء ما عدا حجراً بسيطاً بارزاً عن سطح الأرض فوق كل قبر.
والقرية التي يقوم فيها قبر الشيخ وهي قرية «الشاخورة» قرية تدل مظاهرها على حياة البؤس ورأينا فيها بيوتاً مبنية بسعف النخل ومسقوفة كذلك بها.
وتحتفظ القرية بأطلال مسجد الشيخ وأطلال بيته وهما متلاصقان ولا يزال قوسا المحراب قائمين وما بقي هو ركام من تراب وأحجار.
2 ـ قبر السيد هاشم البحراني في بلدة (توبلي) وهو يقع على مرتفع مطل على طريق السيارات العام من جهة وعلى ساقية ماء من جهة ثانية. وهذا المرتفع هو أطلال بيت السيد وأطلال مسجد وأمامه اليوم أرض فضاء واسعة كانت في القديم تتبع المسجد ويفصلها اليوم عن القبر ساقية ماء.
ولما وصلنا القبر كان بابه مقفلاً فلم نستطع رؤيته من الداخل ولكن مظهره الخارجي يدل على عناية وتحسين أكثر من القبر السابق. والمعروف أن السيد هاشم كان من قرية كتكتان التابعة لتوبلي، ولما سألنا عن كتكتان قيل لنا إن القرية زالت وإن ظل اسمها معروفاً، وفي بعض أراضيها غير البعيدة عن «توبلي» تقوم بيوت حديثة لا تحمل اسم كتكتان. بل تتبع توبلي بالتسمية.
وتفصل اليوم طريق السيارات المقام عن مقبرة البلدة العامة، وقبور هذه المقبرة كقبور المقبرة السابقة وككل مقابر البحرين مسواة بالأرض تسوية تامة لا يبدوا من كل قبر إلا حجر بسيط يرتفع قليلاً عن سطح الأرض.
وفي الجهة الشمالية من القبر قبران متوازيان قديمان على كل منهما حجر منقوش عليه بعض الآيات لم نستطع معرفة صاحبيهما، كما أن في الجهة الجنوبية بعض القبور الحديثة.
وهذا القبر كسابقه مزور معظم، ويبدو أمام هذه القبور دائماً غرفة صغيرة يستعملها الزائرون في المواسم مطبخاً.
3 ـ قبر الشيخ ميثم البحراني ومن أول نظرة يدرك الزائر أنه أكثر اتقاناً وأبهج مظهراً من القبرين السابقين وربما كان ذلك عائداً لوقوعه في المدينة «المنامة» خلافاً للقبرين السابقين الواقعين في القرى..
والمقام عبارة عن غرفة واسعة فيها قبران أحدهما قبر الشيخ والثاني قالت لنا المرأة القيمة على القبر إنه قبر الشيخ أحمد العرب. وقد كانت مفاجأة لنا أن تكون قيّمة قبر أمرأة، وقد حسبناها أول الأمر زائرة ولكنها لما أدركت حيرتنا في الاستفسار عن القبور تطوعت بإمدادنا بمعلوماتها.
وتعلو الغرفة الواسعة قبة ذات جدران زجاجية ملونة وعلى القبر قفص خشبي تتكدس فوقه الستائر الخضراء وغير الخضراء، ويدور حوله إيوان مسقوف بالخشب. وفي الصحن قبة أخرى قالت لنا القيّمة إن فيها قبري الشيخ جعفر وحفيده، كما أن في الصحن قبوراً أخرى.
وهذا المقام وحده هو المضاء بالكهرباء على عكس المقامين السابقين ويقع المقام في أرض فضاء واسعة. وهو كسابقيه مزور معظم.
4 ـ قبر الشيخ حسين عبد الصمد والد الشيخ البهائي. إذا كان الشيخ حسين عبد الصمد قد عاش غريباً فهو إما في إيران يتولى منصب مشيخة الإسلام، أو في البحرين مهاجراً زاهداً متقشفاً، فإن غربته لا تبدو كما تبدو وهو ساكن ثرى هذا الضريح، فليس فوق قبر الشيخ لا قبة ولا غرفة، بل هو أقرب إلى الاندراس، يقوم في أرض قفر على بعد حوالى 600 متر من جنوبي قرية المصلى. وليس ما يدل عليه سوى حجر منقوش ببعض الكتابات التي أصبحت غير واضحة بفعل الزمن.
ولكن يبدو أن الناس الذين لم يجدوا على قبره مقاماً يزورونه فيه قد استعاضوا على ذلك بأطلال منزله ومسجده التي تراكمت فشكلت تلاًّ صغيراً وضع المؤمنون عليه حصراً للصلاة، وتقع هذه الأطلال في طرف قرية المصلى الحالية لجهة الشرق على الطريق المؤدي إلى جد حفص([453]).
تقاليد بحرانية
ويشاهد في البحرين نوع من العمائم فريد في نوعه، ذلك بأنه لا يزال فيها من يعتمر عمائم أشبه في تكوينها بالعمائم النجفية ولكنها صفراء اللون صفرة غير فاقعة بل باهتة، وكان يختص باعتمارها تجار اللؤلؤ فلما زالت هذه التجارة وتحول أربابها إلى أعمال أخرى ظلوا محتفظين بهذه العمائم وهم اليوم بقايا من الشيوخ يزولون تدريجاً.
ومن تقاليدها الشيعية أن المولود البكر الذي يولد من أبوين علويي النسب يسمى (علوي)، وأن الحسينية يطلق عليها اسم (مأتم) فيقال بني في الحي الفلاني مأتم، أي حسينية باصطلاح العراقيين والعامليين.
أوقاف الشيعة
وأوقاف الشيعة في البحرين لها دائرة مستقلة تضبط واراداتها وصادراتها ويديرها موظفون من الشيعة. وقد أنشئت هذه الدائرة سنة 1340هـ وارداتها من العقارات والنخيل والأراضي الزراعية ومصائد الأسماك وهي تبلغ في هذا الوقت ما يعادل 39 ألف ليرة استرالينية.
وهذه الواردات تنفق على إصلاح المساجد وإنارتها وفرشها وكذلك الحسينيات والمقابر وعلى خطباء المنبر الحسيني والإطعام يوم عاشوراء وعلى عبادات عن أرواح الواقفين. وكذلك على الطلاب البحرانيين الذين يدرسون في النجف. ويبلغ عددهم اليوم ثلاثين طالباً وتحتفظ الدائرة بسجلات لكل وقف وما وقف عليه.
حسينيات البحرين
قلنا فيما تقدم ان البحرانيين يطلقون كلمة (مأتم) على ما اصطلح العراقيون والعامليون على تسميته (حسينية). وفي المنامة يوجد اليوم حوالى أربعين حسينية للرجال والنساء، وفي المحرق حوالى خمس حسينيات. ولا توجد قرية إلا وفيها حسينية للرجال وحسينية للنساء. وحسينيات النساء مما تفردت به البحرين.
وهذه هي أشهر المآتم:
بمدينة المنامة يوجد حوالى 40 مأتماً للرجال والنساء ومن أشرها: مأتم مدن، مأتم ابن سلوم، مأتم الصفافير، مأتم السماميك، مأتم ابن رجب، مأتم مديفع، مأتم العريض، مأتم رأس الرمان، مأتم النعيم، مأتم الاحسائيين مأتم زبن.
وفي البحرين توجد ثلاثة مآتم ذات قباب وهي: مأتم مدن ومأتم السماميك ومأتم السنابس.
أما بالنسبة للأماكن الشيعية الأخرى فيوجد في المحرق حوالى خمسة مآتم، وفي كل قرية من القرى الشيعية يوجد على الأقل مأتم للرجال وآخر للنساء كما قلنا. وهناك 260 مسجداً مشمولة بسجل دائرة الأوقاف الشيعية لما لها من أوقاف يصرف ريعها على صيانة هذه المساجد. وبالإضافة إلى هذا العدد يوجد مساجد أخرى تقع تحت إشراف الدائرة ولكن لا توجد لها أوقاف.
ومن أشهر المساجد في البحرين:
مسجد المؤمن بالمنامة، مسجد الخواجة بالمنامة، جامع جد حفص وفيه تقام صلاة الجماعة، جامع كزركان وفيه تقام صلاة الجمعة وجوامع كل من سماهيج، سترة، غالي، دار كليب وتقام فيه الجمعة أحياناً.
وفي البحرين اليوم (1385هـ ـ 1965م) من رجال الدين كل من:
1ـ الشيخ باقر ابن الشيخ خلف العصفور.
2 ـ الشيخ منصور بن حسن الستري.
3 ـ الشيخ ابراهيم بن ناصر بن مبارك.
4 ـ الشيخ عبد المحسن آل شهاب.
5 ـ الشيخ أحمد ابن الشيخ خلف العصفور.
6 ـ الشيخ عبد الحسن بن سلمان الطفل الجد حفصي.
7 ـ السيد علوي ابن السيد أحمد.
8 ـ الشيخ ميرزا ابن محمد صالح.
9 ـ الشيخ حسين ابن الشيخ عباس.
وخطباء المنابر الحسينية:
الحاج الملا عطية بن علي الجمري، الملا يوسف ابن الحاج عطية الجمري، الملا محمد صالح ابن الحاج عطية الجمري. السيد محمد صالح ابن السيد عدنان. الشيخ أحمد بن أحمد ابن الشيخ خلف العصفور. ملا محمد جعفر العرب. الشيخ منصور بن حسن الستري وعدد آخر من الخطباء.
البحرين
ـ 4 ـ
تقع البحرين في الخليج على مقربة من سواحله الجنوبية بين ساحل الأحساء فيما سمي بالمملكة العربية السعودية غرباً، وشبه جزيرة قطر شرقاً. وتتكون من أرخبيل مكون من جزيرة البحرين (أو المنامة) ـ التي تمتد أقل من خمسين كيلومتراً طولاً من الشمال إلى الجنوب، ونحو ستة عشر كيلومتراً عرضاً من الشرق إلى الغرب ـ ومن نحو ثلاثين جزيرة أصغر منها مساحة. وبعض هذه الجزر غير مأهول.
ونحن عندما نتحدث عن البحرين اليوم ـ أو حتى لبضعة قرون خلت ـ فإنما نقصد «الجزر». لكن القدامى من إخبارييّ العرب وجغرافييهم كانوا إذا ذكروا البحرين، يقصدون المنطقة الساحلية المواجهة للجزر والمسماة اليوم: الأحساء، بل كثيراً ما كان البعض يقصدون منطقة أبعد امتداداً على الساحل شمالاً وجنوباً. ويبدوا أن هذه التسمية، التي كانت تعم المنطقة، تخلّى عنها الكتاب والمؤلفون منذ حول 1300م. والكتاب الذين استعملوا البحرين للمنطقة كانوا يسمون الجزيرة الرئيسية باسم أوال، وقد يطلقون على جزر البحرين أوال.
فإذا عدنا إلى ما كنا فيه عن البحرين (اليوم) قلنا إن مساحتها هي 662 كلم مربع، تشغل جزيرة البحرين منها نحو 560 كيلومتراً مربعاً. ويحيط بهذه الجزيرة جزر أصغر مساحة وأهمها: المحرّق وسِتْرة، وهاتان مرتبطتان بالجزيرة الكبرى بجسرين، والنبي صالح، وأم الصبان، وأم النعسان، وجده.
والمجموعة الثانية من الجزر هي جزر صغيرة صخرية، يقطنها جماعة من الصيادين والحجّارة. وهذه الجزر تبعد نحواً من عشرين كيلومتراً عن قطر.
والجزر الصغيرة في المجموعتين صخرية منخفضة السطح، بحيث لا ترتفع سوى بضعة أمتار فوق سطح البحر، أما الجزيرة الرئيسة فهي أكثر تنوعاً في السطح. فطبقات الصخور فيها تتكون من الصخر الكلسي والصخر الرملي، وقد تكونت هذه في الأزمنة الجيولوجية المتوغلة في القدم والجزء الأوسط منها يرتفع، عند تلة جبل الدّخان، إلى أقل من 140 متراً قليلاً، وهو صخري قاحل.
والمنخفضات الجنوبية والغربية تتكون من سهل رملي تتخلله سبخات ومستنقعات ملحية. أما المناطق الشمالية والشمالية الغربية فإنها تزودنا بالمنظر المختلف عن ذلك تماماً. إن هذا الجزء يكون نطاقاً ضيقاً نسبياً من بساتين النخيل والخضار، وترتوي الأشجار والنباتات من الينابيع الكثيرة، والآبار الارتوازية. ومن الطريف أن الماء العذب يظهر في ينابيع تحت الماء المالح إلى الشمال من جزائر البحرين. وقد كان هذا الماء يحمل في قرب، يملأها الغواصون إلى هذه الينابيع منها، ويباع في مدن الجزر وقراها.
وجو البحرين رطب طوال العام. ومع أن معدل الحرارة من أيار (مايو) إلى تشرين الأول (أكتوبر) يزيد عن 29 س، فإن شهري آب (اغسطس) وأيلول (سبتمبر) تصل الحرارة فيهما إلى 44 س. ويكون معدل الحرارة في أشهر الشتاء، أي من كانون الأول (ديسمبر) إلى آذار (مارس)، 21 س. والمطر، الذي يقتصر نزوله على فصل الشتاء يبلغ معدله 760 مليمتراً في السنة والرياح المسيطرة هي الرياح الشمالية الرطبة. فإذا هبت رياح من الجنوب كانت حارة وقد تحمل الرمال والتراب.
تنمو في الأجزاء القاحلة من البحرين نباتات وأنجم صحراوية متنوعة، قدر عددها بنحو مائتي نوع. أما المناطق المزروعة فغنية بالأشجار المثمرة والخضار. وتعيش بعض أنواع الحيوانات الصحراوية في الأجزاء الجافة كالسحالي واليربوع. كما أن في البحرين أنواعاً من الطيور تثير الاستغراب لأن موطنها الأصلي أوروبة وإفريقية وآسية القصوى.
وأكثر من أربعة أخماس السكان من مواليد البحرين، وهناك إلى نحو 5 % من أهل عُمان، ثم يكون الهنود والباكستانيون والإيرانيون والفلسطينيون.
وأكبر المدن في البحرين هي المنامة، والمحرق، والعوالي.
شيء من التاريخ
تاريخ البحرين، مثل تاريخ الكويت وقطر ودولة الإمارات العربية، مرتبط بتاريخ الخليج. فالتجارة والتجار الذين كانوا ينقلون السلع بين الشمال والجنوب، وبالعكس، كانوا يجدون في البحرين المركز المناسب للإراحة والتبادل التجاري. والفاتحون الأقدمون ـ على الأقل من الآشوريين إلى الفرس القدامى فالاسكندر فخلفائه ـ كان يهمهم الاستيلاء على البحرين (منطقةٍ قديمةٍ أو جزرٍ) كما كانوا يعنون بالاستيلاء على أي ميناء على سواحل الخليج. بل لعل اهتمامهم بالبحرين كان أكبر وذلك لتوسط الجزر الطريق أولاً، ولأن البحرين كان فيها ماء عذب يمكن أن يفيد منه البحارة والمسافرون.
على أن هناك أمرين آخرين هامين يتعلقان بالبحرين القديمة وهما: أن البحرين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسطورة غلغامش، وكثرة القبور التي عثر عليها في جزيرة البحرين، والتي تعود غابر الأزمنة.
أما فيما يتعلق بالأسطورة، فإن بطلها غلغامش، بقطع النظر هن هويته التاريخية، يمثل الرغبة في الخلود والسعي له. ويُنْصَحُ له أن يذهب إلى الفردوس ليحصل على زهرة الخلود. وتنمو الأسطورة مع الزمن فتصبح فيها إشارة، ولو بعيدة، للخليفة، وإشارة أقرب إلى الطوفان، ورحلة إلى المكان المقصود. ونحن إذا تذكرنا أن القصة سومرية الأصل، وأن المكان الذي ذهب إليه البطل هو في الخليج، فالبحرين تصبح المكان المقصود، إذ فيها توجد المياه العذبة في قاع البحر، تحت الماء المالح. ويرد في الأسطورة اسم دلمون وسنعود إلى هذا قريباً.
منظر عام للمنامة في الليل
أما القبور الكثيرة الموجودة في البحرين فلم يكشف عنها النقاب إلا قبل مدة يسيرة. فقد كان الناس يرون هذه القباب الكثيرة في جزيرة البحرين، في وسطها وشمالها الغربي، ويتمركز أكثرها حول قرية (عالي). ومع أن بعض التنقيب السطحي قد تم هناك، ومع أنه عثر على بعض القبور، فلم يعرف العالم أن المكان كان فيه آلاف من هذه القبور إلا لما أخذ الرفش والمعول طريقهما الجدي إلى هذه المقابر.
وقد بلغ من كثرتها أن ظن بعض الباحثين أولاً أن الجزيرة كانت مقبرة فقط لسكان المناطق الساحلية المجاورة، وأن السكان كانوا ينقلون موتاهم لدفنهم هناك لأن أرض الجزيرة ـ أوال ـ هي أرض مقدسة، بحكم تكريس الإله ـ الصنم ـ أوال فيها.
وإذا كان لا يزال من يقبل هذا الرأي من الباحثين، فيجب أن يعدله (أو يعدل عنه) بحيث يكون السكان الذين كانوا يفدون على المنطقة والجزر ويقيمون في المكانين يدفنون موتاهم في تلك الجزيرة.
والثابت تاريخياً أن هذه المقابر ترجع إلى أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، وهي الفترة التي كانت فيها التجارة عبر الخليج آخذة في الازدياد، بسبب حاجة المدن السومرية إلى المواد الخام، المعدنية والخشبية بشكل خاص، لتنمية صناعتها. وهنا يرد عند المؤرخين اسمان هامان، بالنسبة إلى الألف الثالث والنصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد وهما: ماغان ودلمون. ولسنا هنا في معرض سرد الآراء المختلفة حول الاسمين. ولا في سبيل مناقشة هذه الآراء، فهذان أمران ليس هنا موضعهما. ولكن الذي نريد أن نضعه بين أيدي القراء، وهو ترجيح لا قطع نهائياً فيه، هو أن ماغان هي عُمان ومنها كان يحمل النحاس إلى السومريين عن طريق مراكز مختلفة منها إن لم يكن أهمها، البحرين. وكانت بعض الأخشاب تحمل من ماغان (عمان) أيضاً، لكن الكثير من الأخشاب كان يحمل من الهند (حوض السند!) أيضاً.
ويبقى عندنا دلمون. وهذا الاسم مثل ماغان (عمان) تدور حوله آراء كثيرة. لعل المرء يمكن أن يلخصها بقوله إن دلمون لم تكن تعني بقعة معينة صغيرة، بل كانت تعني، في قيود أهل المدن السومرية، منطقة واسعة إلى الجنوب من بلادهم. وأن مركز هذه المنطقة كانت مدينة في البحرين اسمها دلمون أيضاً. وليس مثل هذه التسميات غريبة على الإنسان ـ أي أن تكون اسم العاصمة والدولة (أو المنطقة شيئاً واحداً) بل ولقب الملك أيضاً. (عندنا عن الأولى الجزائر ـ المدينة ـ والجزائر القطر. وعن الثانية غانة القديمة في السودان الغربي. فغانة كان أصلاً معناها الملك، ثم أطلقت الكلمة على الدولة ثم على عاصمة الدولة).
نعرف أن تجارة الخليج تراجع نشاطها بين حول 1600 و700 ق.م.، وأنها عادت إلى النشاط والحركة أيام الآشوريين والكلدانيين والفرس القدامى والسلوقيين. ونعرف أن الاسكندر حاول التعرف على أجزاء الخليج وسواحله ـ الفارسي منها مع بعثة نيارخوس، والعربي منها في بعثاته الثلاث التالية ـ وأن واحدة من هذه البعثات وصلت البحرين ولما عادت رفعت إلى الاسكندر تقريراً عن مهمتها. لكن مما يؤسف له أن أحداً من الكتاب التاليين لم ينقل شيئاً عن هذه التقارير عن السواحل العربية للخليج.
والمهم هو أنه بين حول 300 ق.م. وأيام السيد المسيج كانت ثمة قرية ومدينة اسمها الجرها ارتبطت تجارتها بتجارة البحرين. والجرها مكانها لم يتفق عليه تماماً، وإن كان ثمة شبه قبول مؤقت للنظرية القائلة بأن الجرهاء هي العُقير الحالية، في شرق ما يسمى بالمملكة العربية السعودية. ولعل معنى هذا أن تجارة الخليج ـ أو أكثرها على الأقل ـ كانت تنتقل من البحرين (أو عن طريقها) إلى الجرهاء، ومن هناك تنقل إلى دومة الجندل (الجوف) فديار الأنباط ـ البتراء، لتوزع منها على مصر وجنوب فلسطين. وقد يعود اتباع هذا الطريق، بدل طريق العراق ـ الشام إلى حالة حرب كانت تقوم بين السلوقيين (أو خلفائهم) في العراق وبين الجماعات الغرتية التي كانت تناصبهم العداء.
ومنذ القرن الأول للميلاد ضعفت تجارة الخليج أيضاً، وضعفت معها تجارة البحرين والجرهاء، ويبدو أن اكتشاف هبالوس للرياح الموسمية واستعمالها في تسيير السفن الأكبر (القرن الأول ق.م.)، وقيام الامبراطورية الرومانية التي ورثت البطالة بالاهتمام بالبحر الأحمر وتجارته مع مصر، حولت الطرق عن الخليج. لكن هذا لم يدم طويلاً، ذلك بأن قيام الدولة الساسانية في مطلع القرن الثالث للميلاد واهتمامها بتجارة الحرير البرية والبحرية، حتم عليها العناية بطريق الخليج من جديد. وهكذا فلما جاء الإسلام إلى المنطقة وجدها نشيطة في تجارتها.
والشيء الذي نحب أن نذكره عن البحرين هو أنها شاركت مناطق أخرى في شرق الجزيرة العربية في قبولها للمسيحية. وقد جاءتها هذه عن طريق الحيرة في القرن الرابع للميلاد. ومن هنا فقد كان أسقفها نسطورياً.
أما سكان البحرين، منطقة وجزراً، الذين استوطنوها منذ أقدم الأزمنة فهم الشعوب المألوفة في الجزيرة العربية، وبخاصة شرقها. وذلك أن جماعات من سكان سومر وبابل في جنوب العراق، وفئات من أهل السند والهند، الذين كانوا يتعاطون التجارة استقروا هناك، كما استقروا، على الراجح، في عمان وسواها. لكن العنصر الذي غلب على البحرين، (منطقة وجزراً) هو العنصر العربي القادم إليها من جنوب الجزيرة وشمالها الغربي ـ يَمَنُه وحجازه، قحطانه وعدنانه؛ والجماعة التي غلب اسمها في القرنين الثاني والثالث للميلاد هي قبيلة الأزد. ثم طُعِّمت بغيرها من الحميريين والسبئيين، بعد تفجر سدود اليمن، وبآخرين من نزار.
وقد يصعب تفسير تنقل فئات من العرب من جزء من الجزيرة العربية إلى جزء آخر، ولكن لا بد أن لعامل المناخ وتبدله الدور الأول في ذلك. يضاف إلى ذلك وجود إغراء في منطقة دون أخرى كالتجارة في سواحل الخليج، وصيد اللؤلؤ والأسماك في مائه.
وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي السنة التاسعة للهجرة حمل العلاء الحضرمي رسالة إلى حاكمي البحرين وهجر، (المنذر بن ساوي التميمي وسيبخت) من النبي صلى الله عليه وسلم، يدعوهما فيها إلى الإسلام. فأسلما وأسلم من معهما من القبائل العربية. ويبدو أن غير العرب من سكان البحرين (منطقة وجزراً) آثروا أن يظلوا على مجوسيتهم، فدفعوا الجزية، وقبلت منهم. وكانت الردة فارتد الكثيرون، إلا عبد القيس، وأرسل أبو بكر إليهم العلاء الحضرمي فقاتلهم حتى أعادهم إلى حظيرة الإسلام. وظل الحضرمي أميراً على تلك الجهات. وقد تتبع فلول المرتدين في دارين والقطيف وما إليهما.
ومع أن عمر بن الخطاب (13 ـ 23هـ /634 ـ 644م) كان قد منع الجيوش العربية الإسلامية من عبور المياه (حتى أنه لم يسمح بفتح أرواد على قربها من الشاطىء السوري)، فإن العلاء عبر بجيشه مياه الخليج إلى الساحل الفارسي، مستعيناً بطبيعة الحال، بمهارة أهل المنطقة في الملاحة، وبالسفن التي كانوا يملكونها. ومع أنه انتصر أول الأمر، فقد عزلته القوى الفارسية إلى أن جاءت النجدة إلى القوات العربية (وكان العلاء الحضرمي قد عزله الخليفة عن القيادة) فانتصرت على الفرس.
ويبدو أن البحرين أصبحت مركز بعوث بحرية إلى الساحل الفارسي وحتى إلى الساحل الهندي على مقربة من بومباي، ولعلها وصلت جزيرة سيلان (سرنديب).
وقد أصاب البحرين (جزراً ومنطقة) كثير مما أصاب الدولة الإسلامية المشرقية على أيدي المعارضة. فوصلت إليها من الخوارج (في 67 و69 و89هـ/ 686 و688 و707م) حملات كان لها آثار بعيدة المدى بالنسبة إلى السكان. ويبدو أن البحرين تأثرت بثورة الزنج، فقام في المنطقة زعيم (249هـ/ 863م) استولى على هجر، ثم غلب على أمره فخرج. كما أن القرامطة كان لهم قومةٌ وحكومة ومعارك وانتصارات وانهزامات في المنطقة بين سنتي 287هـ/ 900م و366هـ/ 976م. وفي هذه الفترة بلغ القرامطة من القوة حداً اضطر معه الخليفة العباسي إلى عقد هدنة معهم ودفع مبلغ سنوي لهم (325هـ/ 963م). كما أنهم نجحوا في نقل الحجر الأسود من الكعبة إلى بلادهم وقد ضعف أمر القرامطة بعد ذلك، ثم زالت دولتهم.
وبسبب من ضعف الحكومة المركزية (العباسية) أخذ أهل البحرين شؤونهم بأيديهم. وفي الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي كانت البحرين يحكمها رؤساء من أبنائها. ولعله من المناسب أن نتذكر، ونذكر، بأننا اعتباراً من حول سنة 1300م عندما نذكر البحرين، فإننا نقصد الجزر. وهذا هو المعني فيما يرد من كلامنا.
وصل البرتغاليون الخليج في مطلع القرن السادس عشر، وأخذوا باحتلال مدنه وسواحله. واستولوا على البحرين فيما استولوا عليه. ولما اشتط البرتغاليون في جمع الضرائب وأساؤوا إلى السكان بصلافتهم، قامت الثورة في وجههم (سنة 1522م) وكانت البحرين بين المناطق التي ثارت. لكن يبدو أن البرتغاليين عادوا إلى الجزيرة بعد أن وصلتهم الإمدادات الجديدة. وظلوا فيها إلى سنة 1602م. ومع طول هذه المدن فإن البرتغاليين لم يخلفوا في الجزيرة آثاراً تستحق الذكر (باستثناء قلعة البحرين).
وفي أواسط القرن السادس عشر حاولت الدولة العثمانية التدخل في الخليج، فهاجم أسطول بحري البحرين (1552م) لكنه لم يوفق في الحملة. وبعد إخراج البرتغاليين تعثرت أمور البحرين، إذ إنها تعرضت لغزوات وظلامات كثيرة، من الجيران. وظل الأمر كذلك إلى أن تولى العتوب البلاد سنة 1783م. ويرى الكثيرون أن تاريخ البحرين الحديث يبدأ في هذه السنة. فمن الجهة الواحدة كان للعتوب أسطول تجاري كبير أفادت منه البحرين، ومن جهة ثانية أصبحت أغنى مغاصات اللؤلؤ في الخليج (البحرين) في متناول تجار العتوب وأسطولهم.
كانت بريطانية قد دخلت في معاهدة مع إمارات الساحل العماني، سنة 1820م، هي «معاهدة السلام العام» وخلاصتها أنه لا يجوز لأي من المشيخات أن تهاجم أياً من السفن البريطانية. وقد أفادت البحرين من هذه المعاهدة. وكان ذلك طبيعياً، فإن البلد كان قد انضم إلى العمل القرصني، وإذن فله أن يفيد من أي اتفاق يحدد ذلك. وفي سنة 1847م وقع شيخ البحرين معاهدة مع بريطانية للقضاء على تجارة الرقيق. وفي سنة 1861م عقد اتفاق بين بريطانية والبحرين، اعترف فيه شيخ البحرين بالاتفاقيات السابقة، ووعد بالامتناع عن الحروب والقرصنة وتجارة الرقيق بالبحر. وحصل لقاء ذلك على المساعدة البريطانية في حالة الاعتداء الخارجي. وأخيراً انضمت البحرين إلى معاهدة «الاتفاقيات المانعة» التي وقعت سنة 1892م، والتي كانت تقضي بتعهد زعماء المنطقة كلها بعدم التعاون مع أي دولة إلا عن طريق بريطانية، مهما كان نوع التعاون.
وكانت قد أنشئت في البحرين (1860م) إدارة جمركية منتظمة ظلت، حتى سنة 1888م تحت إدارة شيخ البحرين المباشرة. ولكنها، في تلك السنة، نقل العمل فيها إلى أيدي ملتزمين محليين، الأمر الذي عرض الجمارك إلى كثير من التلاعب في أمورها. ثم عادت الأمور إلى التنظيم لما أعيدت إدارة الجمارك إلى الحكومة. وفي سنة 1904م عين وكيل سياسي بريطاني في البحرين، الذين أخذ تدريجاً يسيطر على شؤون الإدارة الداخلية.
وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر أنشئت في البحرين أول بعثة تبشيرية مسيحية، التي كانت فرعاً من البعثة القائمة في البصرة. وكان أول مستشفى وأول صيدلية أنشئتا في البحرين على يد هذه البعثة سنة 1902م.
ومع أن البحرين كانت أول منطقة عربية اكتشف فيها النفط (منح الامتياز 1925م واكتشف النفط 1932م وبدأ الانتاج 1934م) فإن الكميات المنتجة والاحتياطي ضئيلان بالنسبة إلى ما عرفته المناطق الأخرى فيما بعد، ولكن البحرين، كما سنرى أفادت من هذا التقدم في التعامل مع النفط، وقامت فيها صناعة نفطية هامة.
وظلت البحرين تعتمد في مواردها الاقتصادية على الغوص على اللؤلؤ إلى أن جاء إلى المنطقة اللؤلؤ الياباني المزروع في الثلاثينات، فأخر هذا المورد تأخيراً كبيراً. وإن كان ثمة من يغوص على اللؤلؤ، لا في البحرين فحسب، ولكن في منطقة الخليج، فإن واردات هذه الصناعة ضئيلة جداً.
وكانت البحرين مشهورة بصناعة السفن، بل كانت في موقع الريادة في الصناعة. فالغوص على اللؤلؤ كان يحتاجها، والتجارة البعيدة المدى، لأهل البحرين وجيرانهم، تتطلبها، وكانت السفن التي تأتي البحرين من الخارج تحتاج إلى صيانة. وبسبب من التطور التجاري وتبدل أنواع السفن المستعملة، ضؤلت هذه الصناعة في البحرين، بحيث لم يتجاوز عدد ما تصنع من السفن المائة أو يزيد، بعد أن كانت تصنع المئات منها سنوياً. إلا أن الصناعة التي استمرت قوية مدة من الزمن ( ولا تزال كذلك) هي صناعة القوارب الصغيرة التي يقبل عليها هواة الصيد البحري. ويقيم أكثر صناع القوارب في ساحل النعيم وساحل المحرق.
والبحرين مشهورة منذ أزمنة قديمة بصناعة الخزف. وقرية (عالي) هي المركز الأول لهذه الصناعة. وكانت منطقة الرفاع (ولا تزال) تزود صناع الخزف بحاجتهم من الصلصال البني والأبيض. والصناعة التي كانت تعتمد على اليد والدولاب الرجلي منذ أقدم الأزمنة، لا تزال تمارس على هذا الأسلوب.
وللبحرين، ومنطقة الأحساء المقابلة لها في المنطقة الشرقية مما يسمى بالمملكة العربية السعودية، شهرة قديمة في صنع النسيج. فقد ذكر ناصر خسرو (القرن الخامس/ الحادي عشر) مهارة السكان في صنع الأنسجة والمناشف. وقد تركزت صناعة النسيج في أوائل القرن العشرين في البحرين في بني جمرة وأبو صيبع. وما يصنع صالح للاستعمال الشعبي. والنول المستعمل هو النول البدوي. على أن هذه الصناعة أخذت تتلاشى بخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
ولعل مما يمت إلى صناعة النسيج بصلة، من حيث الفكرة والأسلوب فقط، صناعة السلال والأطباق القشية الملونة.
ولا شك أن من أهم إنجازات البحرين في الثلث الأول من القرن العشرين جاء في التعليم. ففي سنة 1919م عرفت البحرين مدرستها الرسمية الأولى. (وبهذه المناسبة احتفلت البحرين سنة 1969م باليوبيل الذهبي لبدء التعليم الرسمي في البحرين، وكانت بطبيعة الحال ـ على ما سنرى فيما بعد ـ قد قطعت شوطاً بعيداً في مجال التعليم). وفي سنة 1928م افتتحت أول مدرسة ابتدائية للبنات، كما أن أول بعثة حكومية (تعليمية) للخارج أرسلت في السنة نفسها. واتخذت حكومة البحرين خطوة هامة سنة 1929م إذ وضعت المدارس تحت إشرافها المباشر. وكانت الخطوتان الأخيرتان اللتان تمتا قبل الحرب العالمية الثانية هما الابتداء بتعليم الكبار (1936م) في سبيل إزالة الأمية، وتيسير تعليم أولئك الذين يحتاجون إلى ذلك في أعمالهم. والخطوة الثانية كانت افتتاح أول مدرسة ثانوية للبنين (1939م).
وجاءت الحرب العالمية الثانية، وشددت الحكومة البريطانية عن طريق المستشار بلغراف على نواحي الحياة في البحرين. بحيث أنه في أثناء توليه عمله (1926 ـ 1956م) لم يساعد على فتح المدارس على النحو الذي كانت البحرين ترغب فيه.
من 1934م إلى 1971م
من سنة 1934م بدأ انتاج النفط في البحرين([454])، وكانت بريطانية قد حصلت، بالمشاركة مع الولايات المتحدة على امتياز لاستخراجه من البحرين. إلا أن الكميات التي كانت تستخرج من البحرين ضئيلة، إذا قوبلت بما يستخرج عند جاراتها، ولا تزال ضئيلة نسبياً. (سنعود إلى الحديث عن النفط وأثره في اقتصاديات البحرين فيما بعد).
وفي سنة 1935م أنشأت بريطانية القاعدة البحرية في الجفير في البحرين. كما قررت بريطانية، بعد ذلك بمدة قصيرة، نقل المعتمدية السياسية في الخليج من بوشهر إلى البحرين، ولو أن هذا النقل لم يتم إلا في سنة 1946م. والمعتمدية السياسية كانت الإدارة السياسية التي تشرف على جميع المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية وشؤون المواصلات في الخليج. ومعنى قرار نقلها إلى البحرين أن هذه الجزيرة اعتبرت المركز الرئيسي والهام لما يهم بريطانية. وكان ثمة وكلاء سياسيون في إمارات ومشيخات الخليج، وكلهم كانوا يتبعون المعتمدية السياسية. وحري بالذكر أن المعتمدية السياسية (في بوشهر ثم في البحرين) كانت تتبع حكومة الهند. ويعود السبب في ذلك إلى أن شركة الهند التجارية الشرقية (البريطانية) كانت تعني بجميع شؤون الخليج، السياسي منها والحربي، إلى سنة 1958م. فلما قامت وزارة الهند بالإشراف على أمور الهند. ووزارة الهند (في لندن) كانت ترتبط بها حكومة الهند، خلفاً للشركة، انتقلت شؤون الخليج إلى وزارة الهند. ومن ثم فإن المعتمدية السياسية في الخليج كانت تتبع التسلسل الإداري البريطاني، أي أنها كانت تابعة لحكومة الهند مباشرة، وإلى وزارة الهند وساطة. وظل الأمر على ذلك حتى استقلال الهند وباكستان (1947م) فانتقلت مسؤولية المعتمدية السياسية في البحرين إلى وزارة الخارجية البريطانية، واستمر الحال على ذلك إلى سنة 1971م، سنة انسحاب بريطانية العسكرية من الخليج، واستقلال إمارته التي أصبحت دولاً مستقلة. (الكويت كانت قد استقلت سنة 1961م).
1953م طبقت الحكومة البريطانية، عن طريق الوكيل السياسي في تلك الجزيرة، مجموعة من القوانين البريطانية، كما أن تعيين مستشار بريطاني لحكومة الكويت كان معناه الإشراف المباشر على جميع الشؤون الداخلية. صحيح أن المستشار كان يقدم آراءه بشكل نصائح، لكن هذه النصائح كان المفروض فيها أن تقبل، سواء في شؤون الأمن أو التعليم أو تنظيم الموازنة. وإذا تذكرنا أن شخصاً واحداً تولى شؤون المستشارية من سنة 1926م إلى 1956م، يمكننا أن ندرك مدى تمكنه من السيطرة على الإدارة الداخلية للإمارة. إذ كان يعتبر نفسه مستشاراً ومالياً وقضائياً وإدارياً وأمنياً.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945م) شددت بريطانية قبضتها على إمارات الخليج، بما في ذلك البحرين، بسبب وقوع المنطقة بأسرها على طريق الاتصال بين الحلفاء وروسيا، لإمداد الأخيرة بحاجاتها الدفاعية من الولايات المتحدة.
وفي سنة 1956م تم إقصاء المستشار بلغراف (الذي ظل في منصبه من 1926م إلى 1956م). وإنشاء مجلس إداري للبحرين (آذار/ مارس 1956م) للإشراف على الدوائر الحكومية. وكان هذا المجلس يتكون من أعضاء الأسرة الحاكمة. واعتبر المجلس الإداري جهازاً تنفيذياً للبلاد. و«وافقت السلطات الحكومية في البحرين على إجراء انتخابات لمجلس التعليم والصحة»، وهو أكثر ما حصلت عليه البلاد من المؤسسات التمثيلية الديمقراطية.
كانت البحرين قد أسهمت في المفاوضات المتعلقة بإقامة اتحاد يشمل إمارات ساحل عمان السبع وقطر والبحرين. فحضرت اجتماع سنة 1968م واجتماع سنة 1969م. إلا أن اختلاف وجهات النظر بين قطر والبحرين، من جهة، وإمارات الساحل العماني، من جهة أخرى، حمل الإمارات هذه إلى إعلان قيام «دولة الإمارات العربية المتحدة» (18 تموز ـ يوليو ـ 1971م)، كما اتجهت البحرين إلى إعلان استقلالها في 14 آب ـ أغسطس ـ 1971م.
ففي اليوم الذي أعلنت فيه البحرين استقلالها ألغت بريطانية المعاهدات التي كانت تربط البحرين بها. فتبادل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة مع المقيم (المعتمد) السياسي في الخليج، السير آرثر جفري، المذكرات الخاصة بإلغاء كل ما سبق من معاهدات. وتخلت بريطانية عن الحماية العسكرية التي كانت متوجبة عليها للبحرين بموجب تلك المعاهدات. واستعيض عن ذلك جميعه بمعاهدة صداقة أساسها التشاور بين البلدين.
وتقيداً بسياسة الانسحاب العسكري من الخليج أخلت بريطانية القاعدة العسكرية الخاصة بها في الجفير. وفي 23 كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1971م عقدت بين البحرين والولاياات المتحدة معاهدة نصَّ فيها على قاعدة الجفير إلى الأسطول الأميركي. فحلت قوات أميركية محل القوات البريطانية. وبموجب هذه المعاهدة، التي سمحت باستعمال القاعدة ثلاثين عاماً، منحت تسهيلات للأسطول الأميركي، الذي كان بحاجة إليها بسبب عملياته في المحيط الهندي. وبالنسبة للبحرين فقد اعتبرت التسهيلات من النوع الاقتصادي لشركات مدنية أميركية. وقد كان من المتعذر على حكومة البحرين يومها «الاستفادة من الإمكانيات الشاسعة للقاعدة». والواقع الذي يجب ذكره هو أن ما أشير إليه بمعاهدة لم يكن سوى مذكرات تبادلتها حكومتا الولايات المتحدة والبحرين، سجلت فيما بعد في الأمم المتحدة. وفي 20 تشرين الأول ـ أكتوبر ـ 1973م أصدرت حكومة البحرين إعلاناً ألغت بموجبه جميع التسهيلات التي كانت قد منحت للولايات المتحدة الأميركية، وذلك بسبب مساندتها لإسرائيل في خلال حرب تشرين الأول ـ أكتوبر ـ 1973م.
في 16 آب (أغسطس) صدر القرار القاضي بتسمية الإمارة «دولة البحرين» وسمي حاكمها «أميراً». وأصبح مجلس الدولة (أنشىء سنة 1970م) مجلساً وزارياً. وتقدمت البحرين بطلب الانضمام إلى جامعة الدولة العربية والأمم المتحدة، وقبل الطلب في أيلول (سبتمبر) 1970م، وأصبحت عضواً في المنظمتين والوكالات المتفرعة عنهما.
البحرين اليوم
في كانون الأول (ديسمبر) 1972م تمت الانتخابات للمجلس التأسيسي، الذي وضع الدستور (1973م) الذي تمت بموجبه انتخابات المجلس الوطني (ثلاثون عضواً منتخباً يضاف إليهم الوزراء). والمجلس الوطني بدأ أعماله بنشاط كبير، إلا أن الاضطرابات العمالية التي قامت في البحرين سنة 1974م، انتهت بحل المجلس الوطني سنة 1975م. وتعطلت الحياة النيابية في البلد. وبعد تولي الشيخ حمد بن عيسى الحكم بعد وفاة أبيه أعلن عن تطور في الحكم وأن مجلساً نيابياً سيقوم سنة 2003م مع سلسلة من التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بدأها الشيخ حمد كان أبرزها نجاح الاستفتاء الشعبي على (ميثاق العمل الوطني) الذي يجعل البحرين مملكة دستورية ويقضي بتشكيل مجلس نيابي منتخب وآخر معين.
الحياة الاقتصادية
احتياطي النفط في البحرين صغير، ومع أن الانتاج ضئيل، فالمعروف أن هذا الاحتياطي ينتهي في سنة 1995م أو ما يقرب من ذلك. لذلك فإن سلطات البحرين أخذت هذا الأمر باهتمام منذ سنوات وأخذت تنمي في البلد صناعات جديدة. وحري بالذكر أن الخبرة الصناعية التي اكتسبها العمال، بسبب أن صناعة النفط بدأت هناك مبكرة والتنظيم الصناعي الذي عرفته البحرين، ساعدا في نقل الخبرات الصناعية إلى الصناعات الجديدة وتنظيمها.
وفي مقدمة الصناعات المعوِّضة في البحرين تكرير النفط. وتقوم المصفاة في جزيرة سترة، وتبلغ طاقتها الانتاجية 205 آلاف برميل يومياً (10 ملايين طن سنوياً). وهذه الطاقة هي المحافظ عليها من سنة 1966م ـ إلى 1974م. إلا أنها أنتجت في عام 1978م ما قدره 260,000 برميل في اليوم، وأربعة أخماس النفط المكرر في هذه المصفاة، وهي الثانية في الخليج حجماً وطاقة، تأتي من آبار النفط فيما سمي بالمملكة العربية السعودية في أنابيب موضوعة تحت الماء. وحري بالذكر أن البحرين تتقاسم مناصفة مع السعودية آبار النفط البحرية في أبو صفا. وصناعة تكرير النفط تزود البحرين بأكثر من نصف وارداتها النفطية (54 %).
والصناعة الثانية الهامة في البحرين هي صناعة الألمنيوم وقد بدأ المصنع إنتاجه في سنة 1971م بنحو عشرة آلاف طن، والمقدر له أن ينتج 120,000 طن في العام. والوقود اللازم للمصنع هو الغاز الطبيعي الذي وجهت البحرين اهتمامها نحوه منذ مدة للإفادة منه صناعة وتصديراً. والمصنع يمكنه أن ينتج 180,000 طن في السنة. ومما يمت إلى صناعة الألمنيوم بصلة مباشرة هو أن ما يتبقى من الألمنيوم بعد التصدير إلى الخارج، يستغل في مصنع آخر أنشىء سنة 1973م لسحق الألمنيوم وتحويله إلى بودرة تستخدم في إنتاج الأصباغ المقاومة للصدأ وإنتاج المتفجرات.
وثمة مشروع لسحب قوالب الألمنيوم وتحويلها إلى ألواح وقضبان لتلائم أغراض البناء. أما الخامات اللازمة لصناعة الألمنيوم فتستورد من أسترالية، كما أن التصدير يتم إلى أوروبة الغربية وغيرها.
في سنة 1968م تأسست في البحرين مصانع بلاستيك الخليج، وبدأ الإنتاج في السنة نفسها. وفي البلاد مصنع للورق يعود تأسيسه إلى سنة 1957م.
ومما يدخل في عداد الصناعات إنشاء الحوض الجاف في البحرين، الذي افتتح في سنة 1979م والذي يمكنه أن يعنى بناقلات النفط إلى حمولة نصف مليون طن. وما دمنا قد وصلنا إلى الحوض الجاف والتسهيلات التجارية فلنذكر أيضاً تطوير «ميناء سلمان» التي لها ستة عشر حوضاً، وقد افتتح فيها (1977م) حوض خاص لاستقبال السفن الكبيرة التي تنقل المواد القابلة للعطب.
يضاف إلى هذا صناعات أخرى مثل صناعة المواد الإنشائية اللازمة للبناء. فهناك عدد من المعامل تنتج الآجر (الطابوق) والبلاط والحجارة للبناء وفي البلد معامل لإنتاج المرطبات. وفي البحرين معملان لهما أهمية حياتية كبيرة إذ يقومان بتقطير المياه. وفي البحرين يعتبر صيد الأسماك من الصناعات الرئيسة وتصدر منها كميات إلى الخارج سيما القريدس.
السكان
تدل الأرقام على أن سكان البحرين كانوا 74,000 سنة 1941م، فارتفع عددهم إلى 144,000 في العام 1959م. وفي الإحصاء الذي جرى في سنة 1965م بلغ عدد السكان 182 ألفاً، وفي 1971م، وهي سنة الاستقلال، بلغ عدد السكان (تقديراً) 217 ألفاً والتقدير السكاني الآن يتراوح بين 300 و350 ألفاً.
د. نقولا زيادة
من تاريخ البحرين
عثرنا على كتاب مخطوط في تاريخ البحرين لمؤلفه الشيخ محمد علي آل عصفور المتوفى سنة 1303هـ. نأخذ منه ما يلي:
وفي سنة 930هـ الثلاثين وتسعمائة ظهر جماعة في بلاد عمان الموسومون بالبرتغالية فجاؤوا إلى البحرين واستقروا فيها مدة سنة وبنوا قلعة محكمة في المنعة وبقيت إلى الآن آثارها وإن قيل إن هذه الأبنية من أبنية الأكاسرة والسلاطين الساسانية.
وفي السنة التاسعة والثلاثين بعد الألف غزا شاه عباس الصفوي تلك الجزيرة واستولت عساكره عليها حتى قتلوا من الجماعة البرتغالية خلقاً كثيراً وولى عليها إمام قلي خان والي فارس وكان ملكه إلى السنة الثالثة والأربعين بعد الألف فوّض أمر حكومة البحرين إلى الرجل المسمى سبوندك السلاطين.
وفي السنة السابعة والسبعين بعد الألف ملكها بابا خان ثم ولاها ابن قزلخان.
وفي السنة الثالثة عشرة بعد المائة والألف تلبسها مهدي قلاي خان بأمر الشاه حسين الصفوي فعزل ونصب بعده قزّاق السلطان لأمر يطول شرحه.
وقال شاعرهم:
مهدي قلي صرفوه عن بحريننا
عام الفتور وحكّموا قزاقا
ملأ الفجاج ببغيه وفجوره
فلذا أتى تاريخه (قد زاغا)
1113هـ
وسيأتي في حالات العلماء بعض الوقائع.
وفي السنة الخمسين والمائة بعد الألف أتى سيف ابن الإمام سلطان مسقط مع جماعة من البياضة والخوارج وتملكوا البحرين وقتلوا من الشيعة ما لا يحصى.
وفي السنة الثانية والخمسين بعد المائة والألف استولت عساكر نادر شاه على البنادر ففتحوا المدن والجزائر حتى غلبوا على مسقط وعلى البحرين وقتلوا سيف البياضي ومن معه من الخوارج ثم فوض أمر الحكومة إلى الشيخ غيث والشيخ نصر من آل مذكور.
وفي السنة السابعة والمائتين بعد الألف ظهر في قطر جماعة من آل عتوب فمنعوا الناس التعزية والمراثي على الحسين عليه السلام واعتقدوا أنه من البدعة فأفشوا ذلك الاعتقاد وأظهروا الفساد بين العباد وأمروا أهل البحرين بسلوكهم فلما سمع الشيخ نصر تلك المقالة وشنيع فعالهم أمر عسكره بمقاتلتهم فالتقيا فصار بينهما ملحمة عظيمة فانكسرت جيوش الشيخ نصر ففر إلى بوشهر واستغاث إلى حاكم شيراز فلم يجبه أحد فاستولت عساكر أحمد بن خليفة على البحرين وهجّر بعض علمائها إلى بنادر فارس منهم جدي العلامة الشيخ خلف قدس سره وسيأتي تفصيل ذلك.
وفي سنة 1215هـ حارب السيد سعيد إمام مسقط البحرين وأفنى منهم خلقاً كثيراً. وفي تلك السنة جاء الشيخ نصر من بوشهر إلى البحرين لبعض المناسبات فاغتنم الفرصة وتصرف الجزيرة عن السيد سعيد.
وفي سنة 1224هـ ألف ومائتين وأربعة وعشرين هجم سعود بن عبد العزيز على قطر والبحرين.
وفي سنة 1226هـ ألف ومائتين وستة وعشرين أخذ عبد الرحمن بن خليفة البيعة من أهالي قطر والبحرين.
في ذكر مشايخ آل مذكور
إن المشايخ المشهورين بآل مذكور كانوا طائفة من أكابر نجد وأعاظمهم رحلوا إلى البحرين سنة العشرين بعد الألف وفي تلك السنة كتب الشاه عباس الصفوي إلى بعض العلماء بإرسال رجل عارف إليه ليسأله عن حالات الجزائر والثغور فأرس إليه الشيخ عبيد بن مذكور حتى وصل أصبهان فاجتمع بالسلطان وتكلما في فتح بعض الجزائر والأمكنة المتعلقة ببحر فارس كمسقط والبحرين والقطيف والأحساء وغير ذلك ويومئذ كانت الجزائر تحت يد الجماعة البرتغاليين فسأل الشاه الشيخ عن التدبير ذلك وأمره أن يبين له حالات الجزائر والخليج وما يتعلق بهما ومما قال الشيخ (وهنا يذكر المؤلف ما وصف به الشيخ عبيد البحار والجزائر مما لا يهمنا في بحوثنا التاريخية، ثم ينتقل إلى ما جرى بين الشاه والشيخ عبيد فيقول): فلما سمع الشاه هذا الكلام عن الشيخ أكرمه وعظمه وخلع عليه خلعة سنية ولقبه بالخانية فولاه على البحرين وأمره بتصرف الجزائر فجاء الشيخ عبيد خان إلى البحرين وكتب كتاباً إلى سلطان مسقط وهدده بجنود العجم وعساكر الصفوية.
ثم أمر بعض أقوامه بالمسير إلى مسقط ومعه كتاب من عنده ما صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده إلى من أوتي الرياسة من عنده إمامنا الأعظم وسلطاننا الأفخم وبعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فالمعروض إلى خدمتكم أنه قد وجهت إليكم رجلاً من أعمامي عارفاً حليماً شكوراً كريماً وله يد في السياسة وإنما أمرته على جماعة الأعاجم والساكنين هناك من أولي الأعاظم وأمر قد وصل إلينا من سلطان المسلمين الخاقان الأعظم الشاه عباس الصفوي فإذا نزل بساحتكم فأكرموه وأمر أصحابك بتعظيمه وتكريمه فإن في ذلك صلاحاً وللعامة فلاحاً والسلام.
فسار الشيخ خميس مع كتاب الشيخ عبيد خان إلى مسقط فلما عرف سلطان مسقط ذلك الخطاب كتب إلى الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم وما كتبت إلينا قد فهمناه وعلمناه ولكن القوم ما رضوا عنه لبغض الناس سلاطين العجم وأن لجماعة المسلمين حقاً معلوماً فإذا ما رضوا ما رضينا والسلام.
ثم إن الشيخ عبيد خان كتب الوقائع إلى الشاه عباس ومما قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم أما ما أمرتم عبدكم في كتابة الوقائع ما قصرّت فبلغت أوامركم إلى الأمير والحقير ونصحتهم حق النصيحة فسلطان مسقط قد سقط عن مسقط رأسه وزلزل بنيانه وأساسه لاعتماده على مردة الشياطين وركونه على سلطان البرتغاليين الملاعين وأنتم تعلمون من ضيّق المسالك على المسلمين.
وأما أمر البحرين فقد علمتم منافعها وإطاعة أهلها لكم مطيعون لأمركم إلا أنهم مقهورون بأيدي الكفرة وقد بلغني من ظلمهم على المسلمين ما أن بلغتكم لبكيتم بدل الدموع دماً وأنتم ظل الله على خلقه فما كفاهم مسقط والبحرين والسيراف حتى غلبوا على جزيرة خارك طمعاً لإخراج لآلئه وجواهره، أدركوا الإسلام وأهله والسلام.
وما كتبه الشاه عباس الصفوي إليه: (بسم الله الرحمن الرحيم شيخنا المكرم الوقور الشيخ عبيد خان آل مذكور فقد وصلنا كتابك وعلمنا ما في خطابك فجزاك الله عن الإسلام خير الجزاء فاعلم أنّا قد وجّهنا إليكم جنوداً لو وجهتهم إلى الجبال الشامخة لأزالوها فبشر الذين اتبعوك وقل لهم إن فرج الله قريب، ثم انتقل من مكانك واستوطن إلى مَن يُظهر حتى يجيء أمرنا إليك فجد جهدك والسلام).
فجاء الشيخ عبيد خان المزبور إلى بوشهر وعين السفن والمراكب وهيأ لهم المنازل والمراتب فجاءت عساكر المنصور وهم عشرة آلاف من أهل الزنكنة والدشت والهولة. وكان الأمير لهم إمام قلي خان والي فارس فركبوا السفن وحملوا أولاً على خارك وقتلوا من جماعة البرتغالية خلقاً كثيراً وتصرفوا الجزيرة ثم أتوا على البحرين فحاصروها وقتلوا نفوساً كثيرة فما بقي من مردة الشياطين إلا النساء والصبيان ثم حملوا على القطيف والأحساء وباقي الجزائر فأخذوها أخذ عزيز مقتدر. فولى إمام قلي خان الشيخ عبيد خان على القطيف والأحساء فعظمه وشرفه غاية التشريف فأخبر الشاه عباس فتح البحرين والجزائر فأمرهم بمحاصرة مسقط فما قدروا عليه لما فيه من الجبال الشامخة والقلاع المحكمة ولمشايخ آل مذكور في تلك البلاد مقاتلات ومحاكمات إلى أن قام بالسلطنة نادر شاه في السنة الثانية والأربعين بعد المائة والألف.
فارتحلت جماعة من مشايخ آل مذكور من البحرين منهم سيف العرب الشيخ غيث والشيخ نصر وكانا حاكمين على البحرين والقطيف وبسبب المقاتلة التي وقعت بينهم وبين الإباضية والخوارج كسروا واستوطنوا بوشهر والجزيرة حتى سمعوا بخبر نادر شاه وعزمه على فارس فكتبوا إليه وقائع ما صدر منهم مع إمام مسقط وجماعة البياضية وغلبتهم على الجزائر والبحرين وسائر الأمكنة المتعلقة ببحر فارس.
ومما كتبه نادر شاه إلى الشيخ غيث والشيخ نصر من آل مذكور:
(يا غوث الملة، وناصر الدولة قد فهمنا ملحمتكم مع إمام مسقط وجماعة البياضية وغلبتهم على جزائر فارس فسلطانكم ليس بغافل عما وقع عليكم وفي عامنا هذا ننتقم منهم كانتقام ذي الأكتاف مع الأعراب والأشراف وأن لنا جيشاً قد نزل في السيراف وبندر الصبية وهو جاركم فلا تعجل بالمسير حتى يأتيك أمرنا والسلام».
ومما كتبه السلطان نادر شاه وهو من إنشاء ميرزا مهدي خان صاحب الدرة رحمه الله:
السلام على من نصرنا يداً ولساناً ورحمة الله وبركاته.
وبعد فاعلم أنه قد توجه إليكم لقتال عدوكم قوم معروفون بالنجدة والشدة.
وأما ما ذكرتم من أمر سلطان مسقط وعدم تسليمه الجزائر فليس بينه وبيننا إلا المحاكمة بالسيف فإذا أتاكم كتابي فأمر الناس على قتال عدوكم فإنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون.
مهدي
ومما كتبه الشيخ نصر خان إلى مهدي خان صاحب الدرة وأما ما كتبتم إلى عبدكم في أمر القتال، وتعيين الرجال لاضمحلال مردة الشياطين فعلمته وأطعته فنحن بحمد الله غير مقصرين لأداء حقوق سلطاننا وأن عساكر الدشت والهولة حاضرون منتظرون لأمركم وأن عساكر الدشت والهولة على ما بلغني مقيمون في السيراف. والسلام.
عبدكم نصر
ثم استولت عساكر نادر شاه على ساحل الكرمان وتصرفوا القلاع البرتغالية فسار بعضهم إلى بندر السند وبعضهم حملوا على البحرين وسائر الجزائر حتى قتلوا من البياضية خلقاً كثيراً وتصرفوا البحرين وولى نادر عليها الشيخ نصر خان وأخذ الشيخ غيث وانضم معه عساكر الدشت والزنكنة فأمرهم بمحاصرة مسقط فحاصروها خمسة عشر يوماً حتى عجزوا. فلما عرف نادر عجزهم لما في مسقط من الجبال الشامخة والقلاع المحكمة التي بنيت عليها فسار بنفسه مع أربعة آلاف فحاصروا مسقط حتى غلبوا عليهم وفتحوه وقتلوا أخا سيف البياضي وبقية الخوارج. ثم ولى عليها الشيخ غيث خان.
(هذا ما وجدت من فوائد بعض مشايخنا).
الباب السابع
فيه نبذة من مكاتبات السلاطين مع مشايخ آل مذكور:
ومما كتبه ميرزا مهدي خان الوزير إلى الشيخ نصر خان رحمة الله عليهما قال:
وقد بلغني أنك اجتمعت مع رجل مسيحي وكلمته في الجزائر والخليج وتزعم أنه سيّاح فغرك بمنقولات خطابه ومقولات إيابه وذهابه حتى مددت له بساطاً منيعاً، وشددت وسطك له سريعاً، أما قرأت قوله تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ فإن اتبعت أهواءه بعدما فهمت حكم الله فأنت إذن من الهالكين ولا تخفض جناحك إلا للمؤمنين والسلام على من اتعظ بمواعظ الله ورحمة الله وبركاته.
مهدي
جواب الشيخ نصر خان
إلى الوزير مهدي خان
ومما كتبه الشيخ نصر خان إلى الوزير مهدي خان جواب كتابه وقد قال:
(وأما ما ذكرتكم في مكالمتي مع المسيحي ومودتي له فمن بلغكم فغير بالغ وأنتم تعلمون أن مواظبتي في الثغور ودقتي في الأمور مشهور غير منكور. وأما بسط الفراش وإطعام الناس فمن شيم الأنبياء والسلاطين فأميرنا لم يحسن تركها والسلام).
عبدكم نصر
جواب الوزير مهدي خان
رحمة الله عليه
ومما كتبه الوزير مهدي خان إلى الشيخ نصر في جواب رسالته:
(فقد وصل كتابك كالخطيب المصقع له عبارات وإشارت وتصريحات وتلويحات إلا أنه لا ينفعنا ولا ينفعك إذ ليس لنا كلام في الإطعام من حيث الحلال والحرام فله موضع آخر في فقه الأحكام وإنما كلامنا في علم السياسة وموضوعات الرياسة فما أشبه كلامنا وكلامك مع من قال: أريه السهى ويريني القمر.
وقد حكى لي من أثق بحكاياته أن الرجل المسيحي قد استجازك في انكشاف جبيلات البحرين وحفر أراضيها وتلالها وإنما أغضيت طرفي عن ذلك وحملتك على أحسن المسالك لعلمنا بحسن سيرتك وصفاء سريرتك فاعملوا بما ترون لكم من الصلاح وتعتقدونه من جادة الفلاح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مهدي
كتاب السلطان الشاه عباس الصفوي
للشيخ عبيد خان
من آل مذكور سنة 1021هـ
قال الشاه عباس للشيخ عبيد خان:
(وما كتبت إلينا من حفظك ثغوراً فلا زلت في ذلك محموداً ومشكوراً إلا أن بعض رؤساء الدين قد أسند إليك فعلاً مجهولاً وعملاً باطلاً ولو حفظت لنا ألفاً من الأمصار وتصدر منك حركة تضاهي حركة الأشرار ما أنت عندنا بمكان ومقدار، ومن سعادة السلطان أن يكون ولاته متأدبين بأدابه وجارين على نهج صوابه ولقد علمت أهمية الثغور لدينا ومسؤوليتها علينا خصوصاً البحرين فإن عورتها مكشوفة وخطتها مخوفة والعدو قريب منها وكثيراً ما يأتيها فجأة. واعلم أنه قد ألزمنا عليك أولاً أن تتخذ لحراستها من الأمناء الثقات ومن انتخبتهم من الشجعان الكماة وأن تؤكد عليهم في استعمال أسباب الحفظ والاستظهار إذ في ذلك حسم لمادة طمع الكفار وإنما أمرتك على جزائر العرب وأمصارهم وفوضتك أمر جندها وزعمائها وأسرارهم لتكون ذلك رغبة لك في فتح سائر الديار ومعونة على اجتناء تلك الأثمار، والسلام على المجاهدين في مرضاة الله ورحمة الله وبركاته.
عباس
(انتهى ما في التاريخ المخطوط)
تاريخ البلاد وتاريخ المجتمع
إذا حاولنا التركيز على دراسة تاريخ البحرين أرضاً، علينا أن نهتم بمجريات الأحداث التي وقعت فيها منذ فجر التاريخ. علينا في هذا المضمار أن نبدأ بقبائل «بني شيبا وبني دادان» التي سكنت البحري قديماً والتي يرجع نسبها إلى النبي نوح فرحمه وقوش وكنعان وحام. ويعتقد أن القبائل الفينيقية حلّت في البحرين بعد بني شيبا ودادان (ولكن يشك المحققون بهذا الأمر اليوم) ثم هاجرت إلى أرض كنعان في سوريا ولبنان وفلسطين. وكان قد سبق الفينيقيين في البحرين كل من الكلدانيين والعمالقة وهم فرع من «عاد» المنحدر من «عمليق» بن «لوط» بن سام وقد سيطر الهكسوس على البحرين بعد العمالقة والفينيقيين، وتبعهم السبعيون والآشوريون والحميريون والفرس والإغريق في عام 333م.
وقد انهزم الإغريق في البحرين على يد ملوك كندة الذين ضعفوا كثيراً على أثر الحروب التي خاضوها ضد اللخميين وبذلك تمكن منهم الفرس وأخضعوهم. ولكن قبائل بكر بن وائل وعبد قيس تمكنت من الفرس وطردتهم وأقامت لنفسها حكماً في البحرين حتى عام 629م حين اعتنقت هذه القبائل الإسلام على يد العلاء بن الحضرمي، مبعوث النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
غير أن لفظة «بحرين» في ذلك الحين كانت تطلق على الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة العربية الممتد من الكويت في الشمال إلى رأس قطر في الجنوب بما فيه جزر البحرين اليوم. وكان العرب يطلقون اسم «أوال» على الجزيرة التي تعرف باسم البحرين اليوم ـ الاسم الذي أطلقه الأوروبيون على مجموعة الجزر هذه.
وحكمت البحرين بعد الفتح الإسلامي سلالات عربية مختلفة تابعة للحكم العربي الإسلامي في عهد الأمويين والعباسيين. واستولى القرامطة على البحرين خلال العصر العباسي حين أخضعوا ليسطرتهم معظم شرق الجزيرة العربية والحجاز.
وبعد سقوط دولة القرامطة عام 894م وقعت البحرين تحت سيطرة أسر محلية مختلفة كانت تحكم تارة باستقلال تام وطوراً عملاء إداريين تابعين للامبراطورية الفارسية أو العثمانية.
هكذا … حتى أوائل القرن السادس عشر (عام 1507م) عندما دخل البرتغاليون الخليج وأسسوا مركزاً اقتصادياً قوياً في البحرين يقوم على صيد اللؤلؤ والاتجار به. وبذلك ارتبطت البحرين، بتجارة الهند الشرقية ارتباطاً وثيقاً، وبالتالي أصبح لها شأن مهم في دنيا التجارة العالمية. واشتد التنافس الأوروبي على البحرين بدافع السيطرة على خطوط التجارة الشرقية.
واستمر هذا التنافس بين انجلترا وهولندا وفرنسا والبرتغال حوالي قرنين حتى استتب الأمر في النهاية لبريطانيا العظمى. وبالفعل، عندما قام آل خليفة، الأسرة الحاكمة حالياً، باحتلال جزر البحرين عام 1783م كان الخليج خاضعاً للنفوذ البريطاني دون سواه. وتعاقبت على حكم البحرين خلال هذين القرنين ما بين 1507 و1783م عدة دول مجاورة وأسر محلية «كالجبريين» الذين سيطروا على الجزيرة ما بين عام 1698م و1715م و«الهولة» الذين حكموا البحرين ما بين عام 1722م و1753م.
وفي عام 1783م قام آل خليفة بمساعدة حلفائهم من العتوب بغزو البحرين واحتلالها وإجبار عاملها نصر بن مذكور على التراجع إلى بوشهر على الساحل الشرقي للخليج. وكان نصر هذا أميراً عربياً من قبائل المطاريش في عُمان، غير أنه كان يعمل تحت إدارة الحكم الفارسي آنذاك.
ومنذ عام 1783م بقي آل خليفة أمراء البحرين حتى يومنا هذا، ما عدا آونات متقطعة استطاع من خلالها العمانيون والوهابيون فرض سيطرتهم على البحرين.
إن جزءاً كبيراً من هذا التاريخ (تاريخ الأرض والبلاد) لا علاقة له بتركيب مجتمع البحرين وبنيته. وليس له بالتالي أية قيمة بالنسبة إلى منهجية التحليل الاجتماعي. ما يهمنا بالتحليل الاجتماعي هو البُعد الزمني (التاريخ) الذي له علاقة مباشرة بحاضر المجتمع. إنّ تاريخ الأرض والبلاد مهم إذ شئنا التعرف على حضارة البحرين برمتها ومدى علاقتها بالحضارات المجاورة لها ـ مدى تأثرها وتأثيرها بهذه الحضارات.
ولكن دراسة المجتمع كشعب لا تتطلب العودة إلى الجذور الحضارية البعيدة لأن التعرف على تأثير الحضارة في تركيب المجتمع يمكن تناوله دون العودة إلى الماضي بأي وجه من الوجوه. ما يهمنا من تاريخ البحرين، إذاً، هو ذلك الجزء الذي يترابط ترابطاً وثيقاً ببنية المجتمع الحاضرة، بفئاته ومجموعاته المختلفة. ذلك الجزء الذي يكوّن وحدة متكاملة بالنسبة إلى المسالك أو العمل الاجتماعي الذي نركّز البحث عليه.
إننا نركز في هذا البحث على تحول بنية الحكم والسلطة ومدى تأثير هذا التحول على العلاقات والتفاعلات بين فئات المجتمع المتنوعة. هذا يعني أن البعد الزمني أو التاريخ الذي يهمنا في هذه الدراسة هو الذي يتعلق مباشرة ببنية الحكم أو السلطة وتطورها مع الزمن.
فإذا كان الأمر كذلك فمن الواجب التركيز على الفتح الخليفي للبحرين ووقوع هذا البلد تحت سيطرة النفوذ البريطاني في الخليج. صحيح أن هذين الأمرين تاريخيان ولكن ما زالا جزءاً لا يتجزأ من بنية الحكم والسلطة حتى هذا اليوم.
الفتح الخليفي وتأثيره
في بنية المجتمع
إن المعلومات المتوافرة لدينا عن بنية المجتمع في البحرين ونظام حكمه قبل الفتح الخليفي ضئيلة جداً لا تتعدى كونها تصوراً ذهنياً لما قد يكون بدلاً مما هو كائن. ويقول بعض «علماء» الشيعة في هذا المجال إن البحرين كانت تحتوي على 330 قرية وفي كل قرية شيخ ديني مسؤول عن تطبيق فرائض الشرع فيها. وكان هؤلاء الـ 330 ينتخبون 33 شيخاً يكوِّنون المجلس الديني وعلى رأسه 3 شيوخ.
من الصعب جداً الاعتقاد أن البحرين بمساحتها الصغيرة التي لا تتجاوز الـ 552 كيلومتراً مربعاً. من الصعب التصور أن هذه الجزيرة كانت تحتوي على 330 قرية. فلو أخذنا بهذا الزعم لبقيت لدينا بعض الآثار التي تدل على هذه القرى. يذكر الشيخ إبراهيم العالي في مخطوطته «حاضر البحرين» أسماء سبع قرى غير موجودة اليوم. فإذا ما أضفنا هذه إلى الـ 53 قرية المسجلة حسب المسح العقاري كان المجموع 60 قرية ودسكرة.
زد على ذلك أن هذا التصور «الثلاثي» ذهني أكثر منه واقعي نظراً لما للرقم «ثلاثة» من وقع سحري في النفوس، فلا يعقل أن يكون للبحرين، التي تعرضت لغزوات وحروب عديدة، هذا النوع من التنظيم المنطقي. الأرجح أن نصر بن مذكور السني المذهب والعماني الأصل كان قد حكم البحرين بنفس الطريقة التي استعملها آل خليفة من بعده في الحكم.
كانت هذه الطريقة هي الأسلوب الشائع للحكم آنذاك قبل فرض الإصلاح الإداري في البحرين في العشرينات من هذا القرن. ولكن قبل أن أدخل في تفاصيل طريقة الحكم هذه وكيفية تحولها سأورد باختصار بعض التغييرات التي طرأت على جسم المجتمع البحريني نتيجة الفتح الخليفي.
لقد أدخل الفتح الخليفي إلى البحرين عنصراً جديداً في تركيبة المجتمع ـ العنصر القبلي الذي يعود بأصله وتحالفاته إلى القبائل العربية في الجزيرة الأم. وقد تكوّن هذا العنصر عند منشئه من آل خليفة وحلفائهم من القبائل القطرية أو الخليجية كآل نعيم ومسلّم والسادة والبنعلي وآل رميح وغيرهم من القبائل أو العائلات القبلية المعروفة.
هذه المجموعات القبلية تكوّن اليوم فئة منفصلة عن غيرها سياسياً واجتماعياً ومذهبياً. فهي تتبع في الشرع الديني المذهبي المالكي، وتستعمل المبادئ النسبية في عملية ضبط التزاوج، والتفاعل الاجتماعي، وتوزيع الثروة والفوائد المادية.
وتمارس القبيلة سلطة قويةعلى التنظيمات العسكرية كالجيش وقوة الشعب، والقوات الخاصة الأخرى كالحرس الأميري وغيره. وتعرف مجموعة القبائل هذه اليوم بالقطاع «القبلي» للمجتمع. كما يعرف غيرهم بالقطاع «الخضيري» الذي يضم كل من ليس من أصل قبلي بغض النظر عن مذهبه وأصله الاثني.
ويقسم الخضيريون إلى فئات عديدة كالشيعة العرب، والهولة السُّنَّة الذين هم من أصل فارسي أو النجديين السنة من أصل مديني. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النجديين المدينيين يتبعون بأغلبيتهم الساحقة المذهب الحنبلي بينما تتبع الهولة المذهب الشافعي. وتتبع الشيعة المذهب الجعفري.
طريقة الحكم وتحولاتها
نظام المقاطعات
لقد طبّق آل خليفة نظام المقاطعات القبلية في الحكم بعد أن استتب لهم الأمر في البحرين، وذلك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فقسمت البحرين بموجب هذا النظام إلى مقاطعات مختلفة مستقل بعضها عن بعض وكانت هذه المقاطعات تتسع وتنقبض حسب قوة الشيخ الخليفي المسؤول عنها. إذ إن المقاطعات كانت بأغلبيتها تمنح إلى إخوان أو أبناء الحاكم الذي يعرف «بالشيوخ» (جمع شيخ). وما زال هذا اللقب يستعمل في البحرين للدلالة على أمير البلاد حتى اليوم.
وكان «الشيوخ» على رأس الديوان حيث يلتئم رؤساء القبائل المختلفة والقطاعات الزراعية للتشاور يومياً في شؤون البلاد.
والمعروف أن القطاعات الزراعية وأكثرها من شجر النخيل كانت تحت سيطرة مشايخ آل خليفة. أما رؤساء القبائل الأخرى فكانت تسيطر على سلسلة من مراكز الغوص في الشاطئ الواقع في النصف الشمالي من الجزيرة. والسبب في ذلك هو أن صيد اللؤلؤ كان المصدر الوحيد للعيش عند القبائل الأخرى والجدير بالذكر في هذا المضمار أن إنتاج اللؤلؤ في الخليج كان بمجمله بيد القبائل العربية الأصل، السنية المذهب.
وكانت كل مقاطعة زراعية أو كل مركز من مراكز الغوص يتمتع باستقلال تام في إدارة شؤونه الداخلية ـ الأمر الذي ولّد منافسة شديدة بين هذه المقاطعات والمراكز. وكان يرأس المقاطعة الزراعية شيخ من آل خليفة يعاونه مجموعة من «الفداويين» الذين كانوا بأغلبيتهم من «البلوش» السنة أو من القبائل التابعة لآل خليفة وكان الفلاحون وضامنو الأراضي الزراعية من الشيعة وهم سكان البحرين الأصليين. والمعروف أن الشيعة في البحرين كانوا يعملون في زراعة النخيل والمهن الحرفية كصنع الحلوى، والحياكة، والمراكب واللؤلؤ وغيرها وبذلك نجد أن الكثير من العائلات الشيعية منسوبة إما إلى قرية من قرى البحرين أو إلى حرفة صناعية.
المهم هو أن نظام المقاطعات أعطى للقبائل حرية التصرف الكامل، كل ضمن مقاطعتها أو مركز عملها الإنتاجي. وكانت السيطرة للقبائل الخليجية أو العربية على هذه المصادر الإنتاجية شبه كاملة. كان لكل أمير أو شيخ قبلي مجلسه الخاص يحكم بواسطته المقاطعة أو مركز الغوص. وكان هو أي الشيخ، بالتالي عضواً في مجلس الأمير، أي الشيوخ، يمثل مقاطعته أو قبيلته هناك. أما السنة من سكان المدن، أو الشيعة من سكان المدن والريف فكانوا جزءاً لا يتجزأ من هذه المقاطعات وإدارتها القبلية. أي أنه لم يكن لهم وضع إداري أو سياسي خاص معترف به من قبل الحكم القبلي. استمر هذا النمط من الحكم حتى أواسط العشرينات من القرن العشرين، عندما أدخل البريطانيون التنظيم البيروقراطي في أجهزة الحكم.
التنظيم البيروقراطي
أسبابه ونتائجه الاجتماعية
إن التنظيم البيروقراطي في البحرين مرتبط ارتباطاً تاماً بوجود المستعمر البريطاني هناك. فهو الذي فرض هذا التنظيم وأدخله بالقوة على نظام الحكم. وكان هدف البريطانيين من هذا العمل جمع شتات السلطة تحت راية واحدة موحدة، إذ إن النظام السابق ـ نظام المقاطعات القبلية ـ كان يولّد لهم مشاكل عديدة مع الحكم وسكان البلاد خصوصاً بعد زيادة إنتاج اللؤلؤ أضعاف ما كان عليه في السابق.
ففي أوائل القرن التاسع عشر زاد الطلب العالمي على اللؤلؤ واشتد هذا الطلب حتى وصل إلى مستوى رفيع جداً في أواسط هذا القرن وآخره. بالفعل بدأ البريطانيون يتحدثون في تقاريرهم الحكومية عن تجارة اللؤلؤ باستمرار منذ عام 1875م ومنذ ذلك التاريخ بدأ المعتمدون البريطانيون يكتبون التقارير السنوية عن صادرات وواردات بلدان الخليج بالتفصيل مع بعض الملحقات لحركة التجارة والانتاج العام. وقد قدّر إنتاج البحرين من اللؤلؤ سنة 1891م بمليون ليرة إسترلينية. وهذه قيمة عالية جداً بالنسبة إلى ما كان لهذه الليرة من قوة شرائية آنذاك.
إن اشتداد الطلب على اللؤلؤ وزيادة إنتاجه أدخل إلى بلدان الخليج عدداً كبيراً من العمال والتجار الأجانب مما خلق وضعاً جديداً في الحكم ـ وهو وضع الأجنبي الشرعي في البلاد. وكان البريطانيون حتى عام 1904م يتولون المسؤولية الشرعية عن الأجانب مما أوقع الحكم في حيرة في أمور عدة. فالعرب الذين هم من أصل نجدي أو خليجي أو عراقي، والإيرانيون، كانوا يدّعون أنهم أجانب ويطالبون بحماية بريطانية كلما تأزم الوضع بينهم وبين الحكم المحلي. هذه الثنائية في السلطة ولّدت مشاكل عديدة للحكم.
وجاءت الحرب العالمية الأولى لتبرهن للبريطانيين أنهم لا يحظون بالتأييد الشعبي الذي كانوا يطمحون إليه. فأرجعوا هذا النقص في التأييد إلى موقفهم المتخاذل من الإصلاحات الإدارية. إذ إن الشيعة من سكان البلاد كانوا دائماً يطالبون بالإصلاحات الإدارية خصوصاً فيما يتعلق بحرية العمل، والضمان، والحقوق المدنية والشرعية والملكية.
والمعروف عن البريطانيين، من الجهة الأخرى، أنهم أخذوا يظهرون اهتماماً خاصاً في تنظيم الإدارة العامة في البلاد التي كانوا يسيطرون عليها بعد الحرب العالمية الأولى. فقد كانوا قبل الحرب يهتمون بالشؤون التجارية فقط دون التعرض لكيفية الحكم الداخلي. ومن بوادر هذا الاهتمام الجديد إعدادهم نخبة خاصة متدربة في شؤون البلاد المستعمرة وفي اللغة، والحضارة، والتاريخ لإرسالها إلى الخارج. ولهذا نرى أن عدداً كبيراً من النخبة الإنجليزية كديكسون، وغلوب، وهولي، وغيرهم، ممن يجيد اللغة العربية وتاريخ وحضارة العرب قد أمّ العالم العربي في هذه الفترة من الزمن.
وأخذ هؤلاء تدريجياً، سلماً أو حرباً، يدخلون ما عرف «بالإصلاحات الإدارية» إلى البلدان المستعمرة. وكانت من جملة هذه البلدان البحرين التي كان نصيبها من الإصلاح الإداري إلغاء المقاطعات برمتها وإقامة حكم مركزي موحّد تحت سيطرة أمير البلاد. فألغيت المقاطعات والإمارات المستقلة، كما نظمت الملكية، والعقود العمالية والزراعية، والشرطة والقضاء المدني الذي جمع بين الشرع والقانون الجزائي.
وكانت نتيجة هذه الإصلاحات أن ظهرت فئات اجتماعية جديدة لم يكن معترفاً بها في السابق تحت حكم المقاطعات. ومن هذه الفئات الستة المدينيين من «الهولة» و«نجديين» ممن كانوا في السابق جزءاً غير منفصل عن جسم الشرع الموحد الديني أو الحكم القبلي. ولأول مرة في تاريخ البحرين اعترف رسمياً بوضع الدولة الشرعي الخاص، فيعين لهم قاض شافعي.
كما اعترف بوضع العرب السنة من سكان المدن فعين لهم قاضٍ حنبلي. هذا بالإضافة إلى قضاة الشرع: جعفري للشيعة ومالكي للسنة. بينما كان هؤلاء جميعاً خاضعين لقاض واحد أثناء الحكم القبلي.
وفي عهد عيسى ابن علي، ما بين عام 1869م و1923م، كان جاسم المهزع هو القاضي الشرعي الوحيد المعترف به رسمياً في البلاد.
وبالإضافة إلى بروز فئات اجتماعية جديدة، فقد أثّر إدخال التنظيم البيروقراطي في العلاقات والتفاعلات الاجتماعية بين الفئات المختلفة. فعندما وحّد التنظيم البيروقراطي السلطة ونسّقها وأقام لها دوائر خاصة متخصصة، جعلها في الوقت نفسه خاضعة لفئة واحدة دون سواها. ومما يلاحظ أن العائلة الحاكمة لم تكن يوماً متماسكة ومتحدة كما أصبحت بعد أدخال التنظيم الإداري إلى البحرين. إذ إن تمركز السلطة وترتيبها على شكل هرمي متسلسل أعطاهم القدرة على التحكم بشؤون الدولة بسهولة كبيرة.
ولذلك نلاحظ أن التحالفات القبلية التي كان آل خليفة يعقدونها مع القبائل الأخرى فقدت قيمتها السياسية، إذ أصبح التنظيم البيروقراطي هو الأداة الفعّالة في السيطرة على قطاعات المجتمع السياسية المختلفة. وعندما فقدت التحالفات القبلية مغزاها السياسي فقدت أداة هذه التحالفات أهميتها أيضاً، وهي التزاوج الخارجي من القبائل الأخرى.
فقد انخفضت نسبة تزاوج الذكور الذين ينتمون إلى العائلة الحاكمة من القبائل الأخرى من 13,7 % إلى أقل من 4 %، أقول «نسبة الذكور» لأن الإناث اللواتي ينتمين إلى العائلات الحاكمة في البلاد لم تكن يوماً، قبل إدخال التنظيم البيروقراطي ولا بعده، عاملاً من عوامل إنشاء التحالفات القبلية. إن نمط الزواج بالنسبة إلى الإناث كان ولا زال هو نمط الزواج الداخلي ضمن القبيلة الواحدة.
لقد غيّر التنظيم البيروقراطي في الوجه الرسمي للحكم، وأدّى بذلك إلى تغيير العلاقات بين فئات المجتمع المختلفة دون التعرض إلى بنية النظام السياسي على الصعيد الشعبي. هكذا …. حتى اكتشاف النفط وتصنيعه الذي نال من الأسس الاجتماعية للسلطة وكذلك فعل في تغيير بنية النظام السياسي.
النفط وتحول البنية
الاجتماعية للسلطة
لقد غيرت صناعة النفط النظام الاقتصادي السابق الذي كان يقوم على زراعة النخيل، وصيد اللؤلؤ والأسماك. ومن أبرز مظاهر هذا التغيير تحول عدد كبير من المنتجين الزراعيين والحرفيين إلى عمال وموظفين ذوي مداخيل ثابتة. فإن 70 % من أصحاب المداخيل في البحرين يتقاضون رواتب ثابتة بصفتهم عمالاً وفنيين وصناعيين وكتّاب ومعلمين الخ …
ويعمل العدد الأكبر من هذا القطاع في مؤسسات حكومية الأمر الذي يجعل الحكم بالضرورة فريقاً في الإنتاج وليس حَكَماً. ولهذا السبب نرى أن الاحتجاجات المنظمة والتمرد السياسي منذ اكتشاف النفط كانت دائماً تستهوي العمال كفريق له مطالبه وحقوقه.
ومما لا شك فيه أن صناعة النفط قد وفّرت للبلاد رؤوس أموال كبيرة وأعمالاً كثيرة ومكّنت الدولة من بناء مؤسساتها التربوية والصناعية والعسكرية ومؤسسات الخدمات الاجتماعية. فمستوى المعيشة للفرد البحريني هو طبعاً اليوم أعلى بكثير مما كان عليه قبل النفط.
وما يقال عن البحرين يقال أيضاً، وبنسب متفاوتة، عن جميع البلدان المنتجة للنفط في الخليج. ولكن على الرغم من هذا الازدهار كلّه وتوافر المال والأعمال تشهد هذه البلدان تشنّجات مهمة بين فئات المجتمع المختلفة وطبقاته.
فالشغور بالغبن الطبقي والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي وبالضياع السياسي يزداد يوماً بعد يوم. صحيح أن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي كان قائماً منذ زمن بعيد قبل تصنيع النفط، لكن هذا التفاوت كان إفرادياً، لا يتعداه إلى الجماعة. أما الشعور بالغبن والتفاوت والضياع اليوم فهو جماعي، وهذا بيت القصيد.
وهذا ما حصل بالفعل في البحرين عدة مرات وأهمها انتفاضة الخمسينات. المهم في هذه الانتفاضة والاحتجاجات المنظمة هي أنها تطالب بتأسيس نقابات عمالية وبحريات سياسية وتمثيل سياسي وإلغاء المميزات العشائرية وغيرها. في حين أن العصيان السياسي قبل صناعة النفط كان يركز على تبديل الحاكم للحلول مكانه.
وقد ظهرت هذه التيارات السياسية على أشدها بعد تأسيس البرلمان الذي أفسح في المجال لهذه التيارات أن تتمتع بشيء من الحرية. فكانت النتيجة أن قويت هذه التيارات واشتدت شوكتها فألغي البرلمان في صيف 1975م بهدف احتواء هذه التيارات والحد منها.
د. فؤاد إسحاق الخوري
البحرين
ـ 5 ـ
تمركزت حضارة دلمون القديمة في جزر البحرين حوالي ثلاثة آلاف ومئتي عام قبل الميلاد. ومن هنا توسعت إلى المنطقة الشرقية مما سمي بالمملكة العربية السعودية اليوم، وجزيرة تاروت وبعدها إلى جزيرة فيلكه قبالة الساحل الكويتي. وقد عثر على أقدم آثار حضارة دلمون في مدينة أوروك القديمة في جنوب منطقة ما بين النهرين حوالي العام الذي ذكرناه آنفاً.
وتعتبر النصوص التي عثر عليها هناك أقدم نصوص من نوعها لأي حضارة في اي مكان آخر من العالم القديم. وتشير إلى أن دلمون كانت لها رابطة تجارية مع أوروك التي كانت تشتري «المعدن الدلموني» الذي يظن أنه النحاس. وكان ملك أوروك أو حاكمها يحمل لقب «أمير معبد دلمون ذي الخيرات».
قبل اكتشاف دلمون كموقع أثري حضاري قائم، كان يظن أنها أرض أسطورية. ورد ذكرها كثيراً في نصوص حضارة ما بين النهرين كملتقى لآلهة ذلك الزمان، كالإله «إنكي» إله الحكمة والمياه العذبة الجوفية والإله «أوتو» إله الشمس، والإلهة «إينانا» إلهة الحب والخلود، والإله «نانا» إله القمر، وغيرهم.
والنصوص الأسطورية الثلاثة الرئيسية تتحدث عن ملحمة الإله «إنكي» وزوجته، أو ما يعرف بأسطورة دلمون، التي يهب فيها إله الحياة إلى تلك الأرض كي تصبح بحسب الأسطورة «أرض دلمون مكان مقدس، أرض دلمون مكان طاهر، أرض دلمون مكان نظيف، المكان الذي اضطجع فيه إنكي ونينخوراس (زوجته)، في دلمون لم يغرد الطائر الأسود، والأسد لا يفتك (بمن في الغاب)، وابن آوى لا يسرق الغنم».
وبعد أن جعل «إنكي» دلمون أرض السلام، مضى لينفخ فيها الحياة «(….) دلمون مدينة تأسست وقدر لها قدرها». ومن ثم أمر «إنكي» الإله «أوتو» أن يجري إليها المياه العذبة كي تشرب منها وتعب عباً. وأخيراً، أصبحت دلمون مجمع الآلهة.
وبعد ذلك تمر بنا ملحمة الطوفان، وبطلها «زنغيدو» أو نوح السومري. فهو أيضاً يلجأ إلى فلك تحميه من الطوفان الذي دمر المدن عندها تكافئه الآلهة حين يسجد أمام آنو وإنليل. ويمنحانه حياة إله، وروحاً خالدة كالإله يخلقان من أجله ويجعلانه يعيش في جبل مقدس، «جبل دلمون» (جبل الدخان) حيث يقطن خالداً مخلداً. كما أن له الحق في العيش في أرض دلمون المقدسة مجمع الآلهة. وهذا حق لم يمنح لبشر قط.
أخيراً، تمر بنا ملحمة جلجامش، الملك الذي لم يكن يرغب في أن ينتهي نهاية البشر الآخرين، أي بمواجهة الموت. فيكابد مشاق الرحلة الطويلة إلى دلمون. حيث يعيش بطل الطوفان ليسأله عن سر الحياة. وكان هذا السر يكمن في نبتة تدعى «شجرة الحياة» على شواطئ دلمون، وتعيد الشباب لمن يأكل ثمرها.
وقد تبين لنا اليوم أن دلمون لم تكن أرضاً أسطورية بل حضارة ماثلة دامت من 2300 ـ 539 قبل الميلاد، أي ما يقارب أو ربما يفوق 1700 عام. وكان وجودها من بدايته حتى نهايته يقوم على التجارة، ولا سيما تجارة النحاس. ولم يكتشف الغرب أهمية هذا المعدن إلا بعد 2500 سنة.
وبدأت أعمال التنقيب الأثرية في البحرين قبل أكثر من مئة سنة. ففي عام 1878م استهل تلك التنقيبات الضابط في البحرية البريطانية الكابتن دوراند وتبعه أربعة ضباط آخرين. ولم يكن أي منهم عالم آثار، لكنهم جميعاً كانوا مهتمين باستكشاف التلال التي كان الدلمونيون يدفنون فيها موتاهم (التومولي). وعالم الآثار الأول الذي نقب في البحرين كان الدكتور بيتر كورنوول، الأميركي الجنسية، وعمل هناك عامي 1940 ـ 1941م، وكان أول من ربط حضارة دلمون بالبحرين.
وقبل أعمال الدكتور كورنوول، كان الكابتن دوراند حقق كشفاً مهماً، هو أن دلمون كانت حضارة قائمة لا مجرد أسطورة، ولم يحقق كشفه هذا في موقع أثري، بل قرب مسجد إسلامي. فبعد زيارة أكثر من عشرين مسجداً في البحرين التي أشير عليه فيها أن هناك احتمالاً أكبر أن يعثر على ضالته فيها، نصح بمشاهدة حجر منقوش لم يستطع أحد قراءته. ووجده في «مدرسة داوود» في «بلاد القديم» العاصمة القديمة للبحرين في القرن الخامس عشر. وكان ذلك حجراً بازلتياً أسود نقشت عليه كتابة مسمارية تشير إلى رابطة بحضارة دلمون. وكانت معاني تلك الكتابة: «قصر ريموم خادم إثراك رجل أغاروم». والأهمية هنا تكمن في كلمة «إثراك» الإله وابن الإله «إنكي». وكان أبوه عيّنه حارساً على دلمون.
وتقدم كورنوول بنتائج تنقيباته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد تحت عنوان: «دلمون ـ تاريخ جزيرة البحرين قبل سيروس». ويقسم الباحث في دراسته تلال المقابر التسعين ألفاً (كما بلغ عددها قبل عامين) إلى نموذجين: تلال صغيرة بدائية، وتلال كبيرة. ونقب أيضاً في المنامة، عاصمة البحرين الحالية، وعثر على ما عرف بـ «ديوان الحكماء»، وهو دائرة من الحجر الجيري تضم سبعة مقاعد. لكن الأثر فقد فيما بعد. وحاول عالم الآثار أن يثبت أن البحرين هي موطن حضارة دلمون لا في دراسته فحسب، بل في الدراسات السابقة عليها أيضاً.
واشأر إلى أن أياً من التنقيبات السابقة توصلت إلى أن من بنوا تلك التلال كانوا دلمونيين. فالمنقبون الذين جاؤوا قبله كانوا يعتقدون في شكل راسخ أن البحرين هي أيضاً منشأ الفينيقيين وأن تلك التلال من مخلفاتهم.
ولم يستطع كورنوول تحديد تاريخ تلك التلال في صورة مضبوطة لكنه يعتقد أنها تعود إلى النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. ويذكر أهمية دلمون الأسطورية بالنسبة إلى سومر وأنها، كحضارة، كانت تعتمد على التجارة البحرية. ويدخل في تفصيلات اسم «دلمون» الذي كان «ني ـ توكي» (سفينة الزيت). وبما أن زيت القار المعدني موجود في البحرين، لذا يمثل هذا الاسم «ني ـ توكي» البحرين القديمة.
وتعتبر دراسة كورنوول أفضل دراسة عن التنقيبات الأثرية في البحرين حتى الآن. وله يعود الفضل في اكتشاف حضارة دلمون. على أن فضل تعريف العالم بهذه الحضارة يعود إلى فريق التنقيب الأثري الدانمركي ولا سيما أحد أعضائه جيفري بيبي.
عمل هذا الفريق في البحرين بين عامي 1954م و1970م. ومعظم ما يعرف عن دلمون، إن لم يكن كله، جاء من أعماله على مدى ستة عشر عاماً. ولم ينقب أعضاء هذا الفريق في التلال المذكورة إلا قليلاً، إلا أن جل أعمالهم كان في الموقع الأثري عند قلعة البحرين الذي اعتبر أهم المواقع الأثرية في منطقة الخليج كلها.
في هذا الموقع اكتشفت قلعة كبيرة على قمة أرض واسعة وعالية. واعتقد أفراد الفريق الدانمركي أن تحتها مدينة أو مدناً، لا بسبب شكلها، بل بسبب موقعها قرب الساحل القنالي العميق الوحيد. وبالفعل عثروا على ست مدن مدفونة تحت تل طوله حوالي ستمائة متر، وعرضه حوالي ثلاثمائة متر. وقد أطلق الفريق الدانمركي عليها أسماء وفق نظام رقمي، فالمدينة الأولى كانت صغيرة وغير محصنة، وكانت من بيوت حجرية قرب البحر، وقدروا أن عمرها يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.
وأنها تعرضت للنهب والإحراق حوالي العام 2300 قبل الميلاد والمدينة الثانية بنيت فوق الأولى وكانت محصنة بسور عظيم. ويعتقد الفريق الدانمركي أنها أقيمت بعيد نهب المدينة الأولى حوالي العام 2300 قبل الميلاد أيضاً، ودامت قرابة خمسمائة سنة. وهنا عثر أعضاء فريق التنقيب على بوابة المدينة وبناء كبير اعتبروه قصر الحاكم، لكنه يمكن أن يكون المعبد. والمدينة الثالثة أقيمت بين عام 1700 و1200 ق.م. ويعتقد أنها أحرقت عام 1190ق.م. وقامت المدينة الرابعة في العهد الآشوري بين عام 900 و600ق.م. وبعدها المدينة الخامسة في العهد الإغريقي حوالي العام 300ق.م. وأخيراً المدينة السادسة التي كانت تضم قصراً إسلامياً بين الأعوام 1100 و1400 بعد الميلاد.
واكتشف الفريق الدانمركي أيضاً المعبد الوثني الذي يعتبر أول معابد البحرين قرب إحدى القرى الساحلية في شمال البلاد. وكان ذاك معبد الإلهة «نينحور سائح» الملكة الأم وزوجها الإله «إنكي» على قمة تل عال كان موقعاً لمعبد شيد ثلاث مرات. وكانت أولاها حوالي 2800ق.م. ودام المعبد ذاك ألف عام. وفي مدخله كانت هناك قاعة صغيرة وإلى جانبها بئر ماء، وقد جرى توسيعها في المراحل اللاحقة إلى أن أصبحت مجتمعاً كبيراً ذا سقوف عالية.
ولم يقتصر عمل هذا الفريق الدانمركي على البحرين وحدها، بل تعداه إلى منطقة الخليج كلها، وأجرى تنقيبات في الكويت والمملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة وعمان وأدت مكتشفات الفريق بحلول عام م1970م إلى اهتمام الدول الأخرى بآثار حضارة دلمون، كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن وباكستان والهند واليابان وأستراليا وغيرها ممن أرسل أيضاً فرقاً للتنقيب عن آثار تلك الحضارة وما تلاها في المنطقة من حضارات هيلينية وعربية ـ إسلامية وغيرهما.
وحضر إلى البحرين عام 1976م فريق تنقيب اثري مشترك يضم علماء آثار من الكويت والسعودية والعراق وسورية والأردن وغيرها من الدول العربية وغير العربية. واستمرت أعمال التنقيب حوالي العام في مواقع التلال ـ المقابر ـ التي اكتشف منها خلال موسمين للتنقيب واحد وستون تلاًّ بمختلف الأحجام. وكان أبرز نتائج هذه الأعمال تقسيم تلك التلال إلى خمسة نماذج بالاستناد إلى أسلوب بنائها. والنتيجة البارزة الثانية كانت التقدير بأن عدد التلال يبلغ حوالي مائة وخمسين ألف تل.
وعثر هذا الفريق المشترك على ثلاثة وعشرين ختماً خلال موسمي التنقيب ايضاً، منها، للمرة الأولى، أختام صدفية عثر منها على اثني عشر ختماً. كما اكتشف الفريق نموذجاً جديداً من تلال المقابر اطلق عليه اسم «مجمع الدفن» وهو مكان غير عادي لهذا الغرض يضم قبوراً صغيرة مترابط بعضها ببعض في حيز ضيق جداً. واكتشف أيضاً أن معظم هذه النماذج قبور لأسر منفردة.
وبين عامي 1980م و1982م أجرى الدكتور محمد رفيق مغال، من باكستان، أبحاثاً أثرية في هذه «المجمعات» عند قرية سار. ونقب في 172 مدفناً وتبين له أنها مدافن لطبقات اجتماعية فقيرة حفرت كلها في وقت متقارب. ويعتبر تقرير الدكتور مغال أدق التقارير في هذا الميدان ويكشف للمرة الأولى أن تلك المدافن بنيت من الأحجار المحلية.
كما يكشف عن أهمية الأصداف في تلك القبور لوجودها هناك بأعداد كبيرة وأنواع معينة وأوضاع محددة في أرضية تلك المدافن. ويبدو أنها وزعت بعناية حول الأواني الفخارية وسلال القار. وأدت اكتشافاته هذه إلى إعادة النظر في الناحية الأسطورية لحضارة دلمون التي أشارت إلى الاعتقاد بالحياة بعد الموت، بل ربما العودة إلى هذه الحياة الدنيا مجدداً.
وبدأ فريق تنقيب بريطاني أعماله الأثرية هناك منذ عام 1989م ولا يزال. واكتشف معبد «نانّا» إله القمر فوق تل ضمّ في جوفه وتحت المعبد مدينة أخرى. كما اكتشف أن الدلمونيين كانوا يعتمدون على طعام البحر في غذائهم. وتعتبر هذه أول مدينة دلمونية تكتشف وفق أساليب التنقيب العصرية وتعد باكتشافات باهرة عن هذه الحضارة.
وتخترق المدينة طريق رئيسية واحدة تمتد من المعبد حتى وسطها. وعلى جانبي هذا الطريق بيوت بنيت على طراز واحد تتخللها «ورشات» صناعية. ولم يستكمل حتى الآن اكتشاف هذا الموقع. وقد يستغرق العمل فيه ثلاث سنوات أخرى، عندها ستكون أمامنا صورة أوضح عن الحياة في المدن الدلمونية التي ازدهرت قبل حوالي أربعة آلاف عام.
علي أكبر بوشهري
الصفويون والبحرين في كتاب
التحفة النبهانية
أصبح كتاب التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية لمؤلفه محمد بن خليفة النبهاني المالكي، من أشهر مصادر تاريخ الخليج في العصر الحديث، إذ اعتمد عليه كثير من مؤرخي الخليج المعاصرين، على الرغم مما فيه من شطحات وتلفيقات دافع أغلبها العصبية المذهبية، وهذه الرائحة الظاهرة فيه تلقفتها فئة من الكتاب تشوبهم ذات الأعراض فوجدوا فيها ما يرضي نزعتهم، وخدع بها آخرون عن حسن ظن وبراءة نية، أو لنقل عن غفلة وعدم التفات، ولن أتعرض هنا لكل ما حشي به الكتاب من زيف فهو كثير ولا تستوعبه مقالة، أكتفي ببضع نماذج تبين مقدار ما في هذا الكتاب من خطل وتخبط.
تملك الدولة الصفوية على البحرين
تحت هذا العنوان يقول المؤلف: (وفي سنة 1039هـ حصل اختلاف شديد بين أمراء جزيرة البحرين، وكان أكثرهم من أبناء الشيعة، فرفعوا شكواهم إلى الشاه عباس الأول الصفوي، وطلبوا منه الحماية لقربه منهم موضعاً ومذهباً)، ثم أتبع ذلك بسيل من الشتائم القذرة، والتهم الباطلة ساقها للصفويين خصوصاً الشاه إسماعيل الأول ودعاوى باطلة أقلها أنه (قتل أمماً وخلقاً كثيراً، وأفنى كثيراً من علماء السنة، وكان ظهوره وتملكه على العجم يعد من الأعاجيب فانتشر أمره، وفتك في البلاد، وسفك دماء العباد، وكان انتشار مذهب الشيعة في إيران سنة 906هـ، وأرخه بعض أهل فارس بلغتهم فقال (مذهب ناحق) أي المذهب ليس بحق). ثم يتابع تهويشاته إلى أن يقول: (ولما رفع أهالي البحرين ضرر ما يجدونه من بعضهم بعضاً؛ جهز الشاه عباس جيوشه، ووجهها نحو البحرين تحت قيادة الإمام قوليخان فاحتلت البلدة سنة 1039هـ، وهي فرصة كانت تنتظر منذ أخرج العثمانيون البرتغاليين منها، وانضمت جزيرة البحرين إلى الممالك الصفوية، ونصبوا عليها أميراً يسمى سوندك سلطان، وفي سنة 1043هـ عزلوا سوندك من إمارة جزيرة البحرين، وتوجه إلى الإيران(إيران)، وقدم هدايا وتحفاً فاخرة للشاه، ومن جملتها سيف تيمورلنك فأعجب الملك بهذا السيف فخلع عليه وأكرمه، وأعاده لإمارة البحرين مرة ثانية([455]).
لست هنا بصدد نقاش مذهبي، فهذا نهج أرجو صادقاً أن يكون عهده قد ولى وانطفأ في ظلام مروجيه، ليفسح بدلاً منه نهج آخر تنفتح فيه عيون المسلمين جميعاً على الأخطار المحدقة بهم، وشرع الأبواب رحبة للتفاهم والمحبة والتآخي، وإنما قصدت بعرض مفتريات هذا الرجل أن أبين تخبطه وتلفياته خصوصاً وقد أصبح كتابه ـ كما قلت ـ مرجعاً استقى منه كثير من المؤرخين المعاصرين فوقعوا في ما وقع فيه بقصد او بدون قصد.
وقبل أن نأخذ في فحص معلومات هذا المؤرخ (الثبت) ينبغي أن أشير إلى رواية أخرى متداولة بين مؤرخي الخليج يرجعون إليها سبب احتلال الشاه عباس الصفوي البحرين وهي أن البرتغاليين نصبوا على البحرين والياً من قبلهم، وكان ظالماً متعجرفاً، وبلغت به العجرفة والتعسف ان أقدم سنة 1602م على قتل أحد وجهاء البحرين، واستولى على ثروته، وكان لهذا الوجيه أخ اسمه ركن الدين، فاحتال لأمره بالتقرب إلى الوالي والتظاهر بخدمته، إلى أن تمكن من قتله واحتلال القلعة بمعاونة الأهالي، قبل أن يستنجدوا بالشاه عباس الصفوي لحمايتهم من البرتغاليين([456]).
وهذه الرواية تشبه رواية النبهاني في البعد عن الصحة وهي تختلف عما كشفت عنه بعض الوثائق المعاصرة لتلك الحقبة، ومنها مخطوطة ديوان أبي البحر الشيخ جعفر الخطي وهو شاهد عيان عاصر واقعة استعادة الشاه عباس للبحرين، ومدح ركن الدين بقصائد يقع تاريخها بين سنة 1593 من 1002هـ وسنة 1600م ـ 1009هـ، ومقدمات تلك القصائد تسمى ركن الدين هذا وزير البحرين ركن الدين محمود بن نور بن شرف الدين([457])، ولم ترد في أي من تلك القصائد ما يشير من قريب أو بعيد إلى الحكاية بل هي دليل بين على أنه كان في منصب والي البحرين قبل التاريخ الذي تشير إليه الرواية بتسع سنين، كما أن الطي يشير إلى أنه ورث الوزارة وراثة.
فهو يقول:
لذا بالوزير ابن الوزير فإنما
تأوي إلى الكنف الأعز الأمنع
وبالاستناد إلى مراجع أخرى نجد أن جده شرف الدين كان على رأس الحملة البرتغالية التي انتزعت البحرين والقطيف من الجبريين سنة 1521م وقتل فيها الأمير مقرن بن زامل آخر الحكام الجبريين على البحرين([458])، أما أبوه نور الدين فنجده يذكر مشاركاً في الأسطول الذي استأجره أعيان القطيف بقيادة القبطان البرتغالي برنالدين دوسوزا، واستخلصوا بها القطيف من مانع بن راشد بن مغامس سنة 1545م، 953هـ، وفي هذه الحملة تسلم نور الدين القطيف والياً عليها من قبل مشيخة هرمز([459])، ولم أقف على ما يشير إلى تسلم نور الدين ولاية البحرين، لكن ذلك ليس مستبعداً، ووجود ولده ركن الدين في منصب وزير البحرين بعد ذلك ربما رجح تسلمه البلد منه بعد وفاته.
لقد تضمن ديوان الشيخ جعفر الخطي عبارة تشير بوضوح إلى أنه هو نفسه كان مرافقاً لجمال الدين الكردي الفيروز آبادي قائد الحملة الصفوية التي أجلت البرتغاليين عن البحرين، في عودته إلى شيراز.
لم يشر النص إلى شيء مما ذكرته أي من الروايتين وإنما ذكر أن استنجاد أهل البحرين بالشاه سببه تعاون البدو مع البرتغاليين ضد أهل البحرين، وهذا هو النص حرفيًّا: (وكان سبب اتصاله (الشاعر) بمحروسة شيراز أنه بعد أن فتح الأمير الكبير جمال الدين الكردي الفيروزابادي ـ بلّ ثراه ـ البحرين، وكشف عنها من كان بها من الإفرنج، ومن انضم إليها من الأعراب: عرض من أهل البحرين رفع ما جرى من الأمور التي ينغص ذكرها، إلى الحضرة الخانية. فتوجه الشريف أبو عبد الله الحسين بن عبد الرؤوف، هو والمشار إليه (الشاعر) صحبة ذلك الأمير حتى شيراز، وعرضوا على الحضرة الخانية ذلك، فبلغهم السؤل، وأنالهم المأمول) ([460]).
هذا النص كتبه معاصر للحدث، وهو يرينا أن ما حصل هو انضمام البدو إلى البرتغاليين واتفاقهم على التعاون ضد أهل البحرين، فضاق احتمال الأهالي ولجأوا إلى خان شيراز، وكان ـ يومذاك ـ (إمام قولي خان)، فأنجدهم بحملة قادها جمال الدين الكردي).
ولم يقدها بنفسه، وينبغي التنبّه إلى أن تسمية النبهاني له بالإمام هي أيضاً من تخليطاته، والصواب هو (إمام قولي) ومعناها بالفارسية: خادم الإمام. وهو اسم شائع عند الإيرانيين كما يشيع اسم غلام رضا، أي خادم الرضا عند الباكستانيين.
نعود الآن لتلفيقات النبهاني بادئين بمقولته التي اعتبرت من المسلمات عند كثير من الكتاب المعاصرين، وهي أن الصفويين هم أول من نشر التشيع في إيران، ووضعه سنة 906هـ تأريخاً لذلك.
إن أقل الناس حظاً من الإحاطة بالتاريخ يعرف أن التشيع في إيران أقدم من الصفويين.
وهذا المقدسي المشاري صاحب كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ـ وهو من أهل القرن الهجري الرابع ـ يصف الشيعة في إقليم خراسان بأن (لهم جلبة وغلبة) ([461]) والغلبة بتعبير عصرنا (الأغلبية).
ويكاد الوصف نفسه يطلقه على جرجان وطبرستان، وفارس، وإن كان في وصفه لأهل قم تحامل شديد حيث يصفهم بأنهم شيعة غالية، وأما إقليم خوزستان فيقول بأن نصفهم شيعة، وعلى الإجمال فإن أقل الأقاليم الإيرانية شيعة في عصر المقدسي هو إقليم كرمان، ومع ذلك فهو الغالب في الروذبال وقوهستان والبلوص (البلوش) والموجان، والملتان من إقليم السند([462]).
وإذن فإن الذي يصح أن يقال ـ في ما يخص الصفويين ـ هو أنهم اعتمدوا التشيع مذهباً للدولة، وهذا ما حاولت دائرة المعارف الإسلامية أن تقترب منه فقد جاء فيها: (إن مذهب الشيعة هو المذهب الشائع دائماً في بلاد الفرس، إلا أن اسماعيل كان أول حاكم جعله مذهب الدولة، ونشره بين القبائل التركية التي تنزل الشمال، والتي ألحقها بخدمته، وميزه بإلباسها القلنسوات الحمر فعرفت باسم (قزل باش)، أي ذوي الرؤوس الحمر) ([463]).
وأما الأعاجيب التي زعم النبهاني أن الصفويين قد أظهروها وخصوصاً الشاه إسماعيل فما دمنا قد عرضنا في حلقة سابقة لشيء من مسلك الصفويين فمن المستحسن أن نقصر الحديث هنا على نقل بعض النصوص التي تحدثت عنهم بإنصاف، لبيان مقدار ما تجنى به عليهم النبهاني ومن أخذ عنه.
ـ (المعروف أن الملوك الصفويين أسدوا خدمات جلَّى للشعوب الإيرانية، وللدين الإسلامي والمذهب الإمامي، فهم الذين أعادوا لإيران دولتها ووحدتها بعد فترة طويلة من التمزق والضياع، وأرسوا قواعدها الدينية والسياسية والإدارية، وصانوا وحدتها، وحكموا حكماً إسلاميًّا عادلاً حظي بكثير من الاحترام والتقدير يومذاك، كما أنهم عمقوا ـ لأول مرة ـ شعور الانتماء والولاء لرسالتها، وصدوا بإيمانهم وعقيدتهم الأطماع الأجنبية) ([464]).
ـ (الصفويون أشهر وأمجد الأسر الوطنية التي حكمت فارس منذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد، والصفوية نسبة إلى الشيخ صفي الدين إسحاق، ومؤسسها إسماعيل الأول وهو سادس من انحدروا من صلبه، وكانت الأسرة قد استقرت منذ عهد طويل في أردبيل يتوارث شيوخها إرشاد أهل البلاد في أمور الدين) ([465]).
ـ (أسرة تركية تخصصت في الوعظ على أساس الفكر الشيعي، وعرفت باسم الأسرة الصفوية، التي يقال إن نسبها يرتفع إلى الإمام الشيعي موسى الكاظم، وتنتسب الأسرة الصفوية إلى رجل تقي ورع هو صفي الدين، توفي سنة 1328م، وكان ابنه صدر الدين لا يقل عنه تديناً ونشاطاً من أجل نشر المذهب الشيعي ….
وتوالى بعد ظهورهما عدد من رجال الدين من الأسرة الصفوية اتصفوا بالقدرة على المشاركة في الأحداث السياسية في المناطق التي يقيمون فيها، وبأعمال تخلد ذكراهم، وكان جنيد هو الممهد لتأسيس أسرة صفوية حاكمة) ([466]).
ـ (ثم ظهرت بعد ذلك بقليل الدولة الفارسية كمنافس خطير لتركيا نظراً لأن إسماعيل الصفوي الذي تولى أمر فارس كان شيعياً متحمساً وصوفيًّا أخذ العهد على الشيخ صفي الدين الأردبيلي منشئ الطريقة الصوفية، وقد اجتذبت هذه الطريقة الكثيرين من بدو الأتراك في آسيا الصغرى نفسها فأخذوا المذهب الصفوي، وانضموا إلى جيش إسماعيل الصفوي، وقد اهتم الأتراك بأمر أولئك الصفويين من الناحية السياسية أولاً، ثم من الناحية الدينية ثانياً، فقد كان الأتراك سنيين متحمسين للسنة، وكانوا ينظرون بعين الريبة لانتشار الشيعية في غربي آسيا الصغرى، خاصة وأنه كانت توجد هناك جماعات كبيرة من قبائل القرة قيون لو، والآق قيون لو المغولية الأصل قد (تترَّكت)، وتحولت إلى جماعات بدوية لا نظام لها، وربما ساورتهم المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى زعزعة السلطان العثماني هناك … فأصبحوا الآن يتوجسون من أن تكسبهم الدعوة الشيعية إلى جانبها، ويتحولوا إلى إدارة عسكرية في يدها ضد السلطان العثماني، ثم إن المذهب الشيعي انتشر في منطقة جبال طوروس …) ([467]).
ولعل أصدق شهادة في حق الدولة الصفوية وبناتها هي شهادة أحد المعاصرين لنشأتها وهو دوراتي بتربتوسا الموظف في الأسطول البرتغالي، فقد جال في المشرق من 1500 ـ 1571م، وكتب عن قريب، ونحن نعتبر شهادته لخلوها من الغرض والقصد؛ نظراً لأن الرجل ليس على دين القوم، ولا يهمه أمر المذاهب الإسلامية، بل إن ما كتبه لا يخلو من جهل بخصائص المذاهب، ولا مجال هنا للإسهاب في هذا الباب.
ويكفي أن نلم بوصفه للشاه اسماعيل الصفوي: (إن الشاه اسماعيل الصفوي مسلم وصغير السن، وقد استطاع السيطرة على أراضي من فارس والجزيرة، وممالك أخرى تابعة للعرب. إنه ليس ملكاً، وليس وريث ملك، ولكنه من نسل علي بن أبي طالب ابن عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول المسلمين. وتبدو على جسومهم العارية جروح الكي بالحديد، ويحملون معهم الفؤوس الصغيرة والسلاسل الحديدية، ويتوجهون إلى الحج مثل الدراويش، ويعيشون على صدقات المسلمين، وينالون الاحترام في كل مكان، ويحيون حلقات الذكر في القرى باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
انتهى الحال بالشاه اسماعيل إلى تكوين جيش من أتباعه اقتحم المدن الأخرى، وصادر أملاك الأغنياء وأعطاها للفقراء والمعوزين، ونادى بالمساواة، ولم يرغب في لقب ملك، بل بالمصلح، ولم يستقر في قصر أو مكان خاص به، ولكنه لم يبق أي شيء لنفسه، فقد وزع ما في خزائن التجارة على الفقراء والمعوزين، ولذا سمي بالمنصف أو العادل)([468]).
هذه الأقوال لو كانت صادرة عن كتاب شيعة لطعنَّا فيها واتهمناها، أما وإنها صادرة من غيرهم فلا سبيل إلى الطعن فيها، وهي واضحة الدلالة على أن الصفويين إنما نجحوا في استقطاب الشعب الإيراني بإشاعة العدل فيه فاطمأن إليهم، ووثق في حسن ملكهم، ولذلك انتشرت دعوتهم بين أفراده وطوائفه، فقد وجد فيهم المنقذ بعد حالة التمزق والضياع، وليس بسفك الدماء وإزهاق الأرواح كما زعم النبهاني ومن نسج بنوله، وينبغي التأكيد هنا على أن الصفويين ليسوا مبرئين من الخطأ، بل هم كغيرهم من الحكام لم يخل عهدهم من أخطاء وتجاوزات متوقعة من كل البشر، لكنها ليست بالصورة التي لفقها المفترون عليهم.
نعود لنتأمل مهارة النبهاني وقدرته على التزوير والتحريف واللعب بمصادر التاريخ وتسخيرها لأغراضه، وهذا ما قاله بالنص: (وكان انتشار مذهب التشيع في إيران سنة 906هـ وأرخه بعض أهل فارس بلغتهم فقال: «مذهب نحق»).
حقيقة أن الكذب مرض يدعو للشفقة والعطف، ولذا لا نملك للمصابين به إلا الرثاء والشفقة، ولمؤرخنا هذا إلا الدعاء بالرحمة والمغفرة، وإن لم يكن في مقدورنا التستر على كذبه والتغافل عنه، فالحقيقة أن الجملة التي ادعى أنها تأريخ انتشار التشيع في إيران، وأن أحد الفرس أرخها بلغتهم؛ هي في الحقيقة تحريف لتأريخ قيام دولة الشاه اسماعيل الصفوي اختلسها من كشكول الشيخ يوسف العصفور البحراني([469]) أو مصدر آخر مشابه، ونصها في الكشكول: |(مذهبنا حق وهي بحساب الجُمَّل ـ 906)، وفي الكشكول ايضاً أن أديباً آخر قد وضع لهذا التاريخ عبارة أخرى هي: (الحق مذهبك)، لكن النبهاني أغار عليها بالتحريف مطمئنًّا إلى أن أحداً لن يتهيأ له الإطلاع عليها في غير كتابه فيكشف كذبه وتزويره.
ومهما يكن فإن تاريخ نشوء الدولة الصفوية ليس بالأمر المتفق عليه بين المؤرخين، فمنهم من وضعه في سنة 905هـ([470])، ومنهم من يراه في 908هـ([471])، وجعلها آخرون في سنة 907هـ ـ 1501م، وهي السنة التي احتل فيها الشاه إسماعيل الأول مدينة تبريز كبرى مدن أذربيجان وعاصمة مملكة الخروف الأبيض (آق قوينلي)([472])، والظاهر أن اقتران إعلان دولة الشاه إسماعيل باحتلاله تبريز صحيح وتأريخ الحادثة بسنة 906هـ والمطابق لما في المصادر القديمة([473])، لكن الاختلاف نتج عن معادلة التاريخ الهجري بالميلادي.
وعلى كل الأحوال فإن هذه التواريخ على اختلافها لا توافق التاريخ الذي زعمه النبهاني لنشأة التشيع في إيران.
وكما ظهر تلفيقه في تأريخ احتلال الشاه عباس للبحرين، فبعد أن جعله في سنة 1031هـ، زاعماً أن (العثمانيين زحفوا إلى جزيرة البحرين برًّا من جهة قطر، فاضطر البرتغاليون إلى الانسحاب من سواحل الأحساء، ومن جزيرة البحرين، ولم يبق لهم تعلق بالخليج بعد ذلك)، ثم يواصل تلفيقاته بوصف الكيفية التي احتل فيها الشاه عباس البحرين فيقول: (ثم في أثناء اشتغال العثمانيين في حروب أوروبا استولى الشاه عباس الأول الصفوي على الجزر التي في الخليج وفي ضمنها البحرين سنة 1031هـ ـ 1622م)، لكنه عاد فأخر تاريخ احتلال الشاه عباس للبحرين إلى سنة 1039هـ دون أن يدري بأن الشاه عباس توفي سنة 1038هـ ـ 1629م، وهذا ما عليه جميع مصادر التاريخ إلا هو ومن أخذ عنه بحسن نية، كالأستاذ محمد سعيد المسلم([474]).
لا سبيل لالتماس العذر للنبهاني بذريعة وقوع خطأ مطبعي أو سهو فقد تكرر هذا الرقم في أكثر من موضع، ومن ناحية أخرى فإنه مدَّ فترة حكم الشاه عباس للبحرين إلى سنة 1043هـ مما يعطي الدليل على عدم تحرزه في أي شيء حتى في ضبط التواريخ.
وغني عن البيان أن مصادر التاريخ تجمع على أن الشاه عباس الصفوي هو الذي أجلى البرتغاليين عن البحرين لا العثمانيون، فهؤلاء لم يقل أحد بأن أقدامهم وطأت أرض البحرين اللهم إلا في حملة مصطفى باشا الفاشلة التي أدت إلى عزله ثم انتحاره بعد ذلك.
ومما يدل على تخبط الرجل وتناقضه حتى مع نفسه قوله: (وفي أيام الشاه عباس الثاني خرجت جزيرة البحرين عن سيطرته، وانفصلت تمام الانفصال عن الممالك الإيرانية). فإنه هو نفسه عاد فذكر عودة نادر شاه إلى الاستيلاء على البحرين، وتولية آل مذكور عليها من قبله، وبقاءها في يدهم تحت التاج الإيراني إلى أن استولى عليها آل خليفة حكامها الحاليون.
أما ما تقوله المصادر الأخرى فإنه بعد وفاة نادر شاه في سنة 1747م عاد الهولة للاستيلاء عليها، ثم استخلصها منهم الشيخ نصر آل مذكور بمعاونة كريم خان حوالي سنة 1753م، وتولى آل مذكور إدارة شؤونها إلى أن استولى آل خليفة عليها سنة 1783م([475])، وما تزال في أيديهم.
التحف النبهانية تاريخ أم فلولكلور؟
يلاحظ المتأمل في التحفة النبهانية سيطرة الروح الفولكلورية الأسطورية على فكر مؤلفها، وما زخرفه لنا آنفاً من زهد الشاه عباس الصفوي في رضا المواطنين من أهل البحرين، وتهافته على هدايا وتحف واليه على البحرين ليس حادثة عابرة لديه، وإنما هي مرتكز أو حلية يزين بها قصصه المسلية فلديه العديد من القصص ملأ بها كتابه التحفة ومنها قصة سقوط حكم الجبري في البحرين ساقها في سرد مشوق يقول فيه: (وفي سنة نيف عشر بعد المائة والألف استقل بالبحرين الشيخ الجبري، وهو من بقايا الجبريين الذين كانوا يحكمون الأحساء فانقرضت دولتهم من الأحساء سنة 999) ([476])، ثم يوالي سرد القصة سرداً يذكرك بأساطير ألف ليلة وليلة مما حشيت به من ضروب الخيال. فقد صور هذا الحاكم وقد بلغ من السفه والانحلال إلى حد (أنه كان مغرماً بالنساء، لم توصف له امرأة جميلة إلا سعى في طلبها إلى أن يتمكن منها حلالاً أو حراماً).
وقد بالغ هذا الحاكم في ولعه بالنساء إلى حد المجاهرة بالفسوق حتى طمع في زوجة وزيره، فاحتال عليه وبعثه بهدايا لبعض الحكام ـ على عادته ـ ليخلو له الجو مع المرأة، لكنها خدعته بأن زفت له خادمتها، فعاشرها وهو لا يعلم بأنها الخادمة. ولا تنتهي الأسطورة إلا بقتل الحاكم لوزيره، وفرار امرأته هاربة إلى دارين، ومن هناك أهدت للشاه الصفوي نخلة مصنوعة من الذهب ورطبها اللؤلؤ الجني. وزينت له أخذ البحرين من الجبري.
لقد نسي مؤرخنا الجليل أنه قد قرر قبل سطور خروج البحرين من يد الصفويين بعد موت عباس الثاني، وعباس الثاني على ما هو معروف توفي سنة 1669م ـ 1077هـ.
إن كل من تعرض لتاريخ البحرين يؤكد انتهاء دولة بني جبر على يد راشد بن مغامس حاكم البصرة سنة 931هـ. وفي الوقت الراهن ظهرت وثائق تشير إلى سقوط إمارة بني جبر على يد البرتغاليين في البحرين والقطيف أولاً بمقتل مقرن بن زامل سنة 1521م ـ 928هـ، ثم استولى حاكم البصر ة رائد بن مغامس على الأحساء فقط من آخر أمرائها. لكن مهما كان الخلاف في شأن هذه الإمارة فإنها لم يكن لها وجود مطلقاً بعد التاريخ المذكور، ودونك كتب التاريخ عربيها وأجنبيها فإنها خالية من أي ذكر للجبور بعد سنة 931هـ باستثناء إشارة الدكتور عبد اللطيف الحميدان إلى (دعم الجبور وبني خالد) لوالي الأتراك في القطيف ضد عبد الله بن راشد بن مغامس([477])، وهذه الإشارة ـ حتى لو صحت ـ لا دلالة فيها على استيلاء أحد منهم على البحرين.
وعلى الإجمال فإن هذه التحفة تعد تحفة حقيقية لمن أراد التسلية وتزجية الوقت وملء الفراغ، ولكنها في ذات الوقت تصلح مرجعاً للكتاب المتعجلين المهتمين باقتناص المعلومة دون تمحيص، ونحن لو أردنا تتبع ما فيها من الأخطاء لاحتجنا إلى كتاب مستقل، لكن لا يحسن أن نختم لقاءنا معها دون أن ننبه إلى نزعة الرجل في الاستهانة بعقول القراء.
حتى جاوز الحد إلى التصرف بما هو شائع مشهور كالمثل المعروف: (كحامل التمر إلى هجر)، فإنه لم يتحرج من تحريفه ووضعه في صيغة ترضي نزعته فاقتلعه من هجر وزرعه في أوال فقال: (ويضرب بها المثل في كثرة الرطب والتمر فيقال: كحامل التمر إلى أوال)، والحال أن المثل هو: (كحامل التمر إلى هجر)، وهذا هو المشهور الشائع حتى على ألسنة العوام.
وليس هذا المثل وحده الذي نقله من هجر إلى أوال بل نقل البحر من مكانه، فإن كل المؤرخين رووا حادثة عبور العلاء بن الحضرمي إلى دارين في ما عرف في التاريخ بحروب الردة، لكنه إمعاناً في إرضاء أهل البحرين أو إسخاطهم تدارك خطأ المؤرخين جميعاً بالتصويب فقال: (ولما قتل الحطم مع قومه، وهم سكارى، وانتصر المسلمون، ندب العلاء الناس إلى دارين، (صوابه إلى البحرين كما سيأتي) وقال لهم قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم واستعرضوا البحر).
ثم يواصل سرد الرواية إلى أن يصل إلى قوله: (فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على مثل رمل فوقها ما يغمر أخفاف الإبل وبين الساحل ودارين يوم وليلة (صوابه بين الساحل وجزيرة البحرين كما ستراه). وقد أطال كثيراً في مخالفته لسيف مخترع رواية العبور، مستنتجاً ان الوصف ينطبق على جزيرة البحرين لا على دارين.
وقد بنى استنتاجه على تحريف لرواية سيف في جعل المسافة بين دارين والساحل مسيرة يوم وليلة للراجل مستشهداً بقول ياقوت الحموي (أنه ربما أن أوال كانت تسمى دارين)، في مغالطة واضحة يريد بها استغفال القارئ وإيهامه لأن لا يفطن إلى أن نص رواية سيف كما ينقلها الطبري هو: (فارتحل وارتحلوا، حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصاهل والجامل، والشاحج والناهق والراكب والراحل)([478]). وبعد أن أورد الدعاء الذي دعا به المسلمون قال:
(فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعاً يمشون على مثل رملة ميثاء فوقا ماء يغمر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفر البحر) ([479]).
ومعلوم أن المراد بقوله سفر البحر هي وسيلة السفر وهي السفن.
لكن أمانة صاحبنا تأبى عليه إلا أن يبدل عبارة سيف: (سفر البحر) بعبارة أخرى تلائم غرضه وهي: للراجل لو أمكن المشي، فكأنه نسي أن عبارته التي نقل بها رواية العبور تقول: (وارتحل وارتحلوا، وكان بينهم وبين محل عدوهم البحر فاقتحموه على الخيل والإبل والحمير)، وعبارته هذه واضحة الدلالة على أن العبور لم يكن مشيًّا على الأقدام، وإنما على (الخيل والإبل والحمير).
والحق أن أية محاولة لتقويم الرواية لن تعطيها أي مصداق، لأن جعل المدة التي استغرقها العلاء وأصحابه يوماً وليلة هي بذاتها برهان الوضع فيها لسبب غاية في البساطة وهو أن المسافة بين الساحل وجزيرة دارين أو جزيرة البحرين لا تحتاج إلى هذا الوقت من السير لا بالسفن ولا بالدواب. على أنه ينبغي التنبيه إلى أن مراوغة صاحبنا والتفافه بعبارات زئبقية مثل: (قال الراوي) و: (إنَّ أكثر الرواة لم يعينوا القصد إلى دارين، بل يقولون: أتينا على خليج ما خيض فيه من قبل، فاقتحم العلاء وأصحابه بكلمات قالها). لن تفيد في مغالطة القارئ حتى بالزعم بـ (أن مع الجيش جملة من أهل دارين، وهم أدرى بطرق ديارهم)، لأنه يعلم بأن الرواة جميعاً إنما يستندون في ما يروونه إلى سيف، وهو يعين المكان الذي عبروا إليه بأنه دارين وليس البحرين، وقد كررها مراراً بما لا مجال فيه لاحتمال الخطأ.
يضاف إلى ذلك نصه على أن المكان الذي عبروا منه هو خليج، وليس بين البحرين والساحل خليج. ثم إن استنتاجه هو نفسه كان، في الأساس، مبنيًّا على أن المسلمين عبروا إلى الجزيرة بالسفن، كما يدل على ذلك قوله: (لأن دخول الجزيرة هو الذي يحتاجون فيه إلى السفن لأن بين جزيرة البحرين وبين الساحل الذي كانت الصحابة فيه نحو مسيرة يوم وليلة للراجل لو أمكن المشي).
على أنه ليس مفهوماً مراده من كل هذه المماحكة في تحويل خط السير من دارين إلى البحرين ما دام غرضه أن يثبت أن الإنتقال كان بالسفن لا المسير على الأقدام والدواب؟ إن الذين ينكرون على سيف زعمه بأن العلاء عبر بجيشه مشيئاً بأن غيض الماء، وتحويل خط سيره إلى البحرين بدلاً من دارين لا يغير من الأمر شيئاً، فالذي ينسجم مع واقع الحال في شأن عبور العلاء هو ما جاءت الإشارة إليه في رواية غير سيف وهي أن الحطم قتل في معارك جواثا، وأن كرازاً النكري أخبر العلاء بمخاضة بين الساحل ودارين ينحسر عنها الماء في وقت الجزر، فعبرها([480]).
وهذا هو عين ما في مضمون رواية سيف حيث أنه لم يجرؤ على الزعم بأن العبور كان مشياً على الماء، وإنما كان على (مثل رملة ميثاء). وهذه الرملة الميثاء التي ينحسر عنها الماء مرتين في اليوم مشتى سكان دارين وتاروت آلافاً من القرون دون الحاجة إلى كرامات العلاء.
ولعل بيت الشعر الذي أورده البلاذري لكراز النكري مفاخراً يعتبر أصدق برهان على وهن الرأي القائل بعبور العلاء إلى البحرين بدل دارين لتبرير بعد المسافة التي ذكرها سيف، والبيت هو:
هاب العلاء حياض البحر مقتحماً
وخضت قدماً إلى كفار دارينا([481])
الملاحظة الثانية هي طغيان روح التعصب المذهبي عليه حتى أنه لم يجد بأساً في أن يهمل ذكر الأغلبية من سكان البحرين لأنها على غير مذهبه، وإن مرّ ذكر أولئك في حديثه ففي موارده يختارها هو لذات المنهج، فعندما يريد المساس بهم لا يرى حرجاً في أن يصفهم بالأكثرية كما رأينا آنفاً.
عدنان العوامي
استدراكات عن البحرين
مما علق بالأذهان عن البرتغاليين؛ ما قاله محمد علي التاجر في كتابه (عقد اللآل في تاريخ أوال)، وعنه نقل يوسف حسن، وهذا نصه: (وهكذا خضعت البحرين للحكم البرتغالي المطلق، وتوحد هؤلاء بحكم البلاد لا ينازعهم فيها منازع، فرتبوا أمورها، وأصلحوا شؤونها، وكل ما من شأنه أن يعود عليهم بالدخل الوافر والخير الكثير، وحسنوا حالة مغاص اللؤلؤ، وسهلوا أسباب إخراجه، ورتبوا أوزانه، وقدروها، وأصلحوا الأراضي، وشجعوا الزراعة، فزرعوا فيها القطن والحنطة والشعير والرز، وشادوا فيها القصور العالية، والحدائق الغناء الناضرة، وجلبوا إليها أنواع الفواكه والأزهار وغير ذلك)([482]).
استند التاجر إلى كتاب سماه (كتاب بلاد العرب الجنوبية)، لم يذكر مؤلفه، ولا جهة نشره، ولا أدري من أين جاء مؤلف الكتاب بهذا الكلام المؤنس الذي لم يقله البرتغاليون أنفسهم، وفي ظني أنه لم يدر بخلد أحد منهم أن يأتي كاتب في آخر الزمان يحيل ـ بجرة قلم ـ كل الفظائع والكوارث التي أصابوا بها المنطقة إلى إصلاحات وتنمية وتعمير. تماماً كما يفعل بها الأمريكان اليوم من تدمير وسلب، ونهب، وامتهان للإنسان مما يسميه دعاة التغريب تنوير وتحضر.
إذا كان ثمة عذر يمكن تلمسه للتاجر، رحمه الله، فهو أنه لم يلم الإلمام الكافي بالتاريخ، وإلا لعرف أن كل ما نسبه من عمل في البحرين للبرتغاليين كان موجوداً فيها قبل أن تنشأ البرتغال ذاتها، فهي حتى العصور الوسطى لم تكن تتميز عن إسبانيا. وفوق ذلك فإن ما ذكره من النباتات ليس من محاصيل البرتغال أصلاً، فالبرتغال تشتهر بالكروم والزيتون، والفلين والحور والسنديان([483])، وهذه ليست مما يزرع في البحرين.
وفضلاً عن ذلك فإن كثيراً من البلدانيين، ومنهم البحار العربي أحمد بن ماجد([484])، وصفوا البحرين بكثرة المزروعات. ومما اشتهرت به عندهم الرمان والتين والإترج (الترنج) والليمون([485]) الخ.
والبكري أيضاً ممن ذكر مزروعات البحرين ومنها الحنا والقطن على شطوط أنهارها بمنزلة السوسن والنخل والموز والجوز)([486])، والبكري توفي سنة 487هـ أي قبل مجيء البرتغاليين بما يقارب الخمسة قرون.
وغير هذين وجدنا المقريزي([487]) يذكر ما كان يأخذه أبو سعيد الجنابي من أهل المنطقة وفيه الحنطة والشعير. وقبل المقريزي وصف ناصر خسرو الأحساء بأن بها مطاحن للحنطة([488]).
إنني لأستغرب من التاجر ـ عفا الله عنه ـ عدم ملاحظته تلك الصلات التاريخية العريقة بين البحرين وجارات لها قريبة جغرافياً كإيران والعراق والهند، فانتقال المزروعات بين هذه البلدان أولى من البرتغال.
في الختام يحسن أن نورد نصًّا آخر من رسالة القبطان البرتغالي برنالدين دو سوزا يبين حال البحرين في العهد البرتغالي، يقول النص: (أصلحنا ما يمكن إصلاحه من القلعة المقصود قلعة القطيف ـ وفي ترجمة أخرى وبعد تحطيم ما أمكنني تحطيمه وسلمتها للرئيس نور الدين بالشكل الذي سلمت باقي قلاع مملكة هرموز.
وإن عناية الله قد أحاطت بنا، لأن أرض البحرين موبوءة كما يعرف جلالتكم من خلال موت الجنود الذين رافقوا سيماو دا كونيا، والبحرين لا تتفوق كثيراً على القطيف لولا شدة الخضرة وكثافة الغطاء النباتي فيها، إذ لا يمكن رسم صورة أجمل منها في العالم كله([489]).
في الجيولوجيا
عيون الأحساء والقطيف والبحرين
هل هي من عمل العمالقة؟
تسود في الأوساط الشعبية نظرية تقول: (إن العمالقة هم الذين حفروا العيون)، وقد استحوذت هذه النظرية حتى على أذهان المثقفين؛ فصدر بها واحد من أكثر مثقفينا المعاصرين اطلاعاً وعلماً، وهو المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم، فبعد أن مهَّد ببحث منهجي جميل لموضوع كتابه القيم (ساحل الذهب الأسود)، وهو دراسة تاريخية عن القطيف بمفهومها القديم، فدرس أحوالها الطبيعية، وتكوينها الجيولوجي، ومناخها، وموقعها الجغرافي إلى غير ذلك مما تستوجبه الدراسة الجادة الرصينة، وبعد أن أعطى لمحة عن الحال التي كان عليها سطح المنطقة إبَّان كان مغموراً بمياه البحر؛ وانتهى إلى هذه النتيجة: (ولكن الجيولوجيين يؤكدون هذه الحقيقة فيذهبون إلى أن هذه وما جاورها من البقاع كانت، في ما مضى من الزمن، تغمرها مياه المحيط حتى أعالي نجد، ويذهبون إلى أبعد من ذلك في استنتاجهم فيقررون بأن هذه المواقع التي تقوم عليها الآن مدينة حائل والدوادمي والقاعية (القويعية؟) كانت في ذلك الوقت على ساحل البحر القديم، وأن المحيط الهندي، أو فروعه وهو الخليج العربي، كان متصلاً بالرَّبع الخالي، وأن الهضبات التي تقع شرقي الرياض كانت جزيرة في وسط ذلك البحر)([490]).
هذه النبذة التي اقتطفتها من مقدمة الكتاب تكشف عن نفس باحث منهجي متمكن، لكنه، عند تعرُّضه لعيون الواحة، يخذله ذوقه البحثي فينبهر بذلك الرأي الشعبي الشائع الذي ينسب حفر العيون إلى العمالقة فيقول: (ومصدر الري في واحة القطيف عيون جارية تسقي سيحاً، وهي قديمة يرجع تاريخ حفرها على ما يظن إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ويذهب الجيولوجيون إلى أن هذه الينابيع مصدرها المياه الجوفية المنحدرة من أعالي نجد، وينسب عملها كما هو الشائع إلى العمالقة أبناء الكنعانيين الذين نزحوا من أواسط شبه الجزيرة العربية، وهي رائعة من روائع الفن والهندسة) ([491]).
أما في كتابه (واحة على ضفاف الخليج القطيف) فنراه أشد انبهاراً بذلك الشائع حين يقول عن تلك العيون: (وهي قديمة جدًّا قِدم الواحة نفسها، وهي من الآثار الفريدة التي تدل في هندستها وبراعة حفرها على قيام حضارة متقدمة في هذه المنطقة نشأت قبل آلاف السنين، وسواء كان العمالقة أحفاد الكنعانيين الذين حفروها كما هو الشائع على ألسنة السكان أو غيرهم؛ فإن توفر آلات الحفر في قطع الصخور، وتحكمهم في تسرب المياه الجوفية العليا، التي من شأنها أن تعيق أعمالهم أثناء الحفر، يدل على أنهم يملكون تقنية رائعة)([492]).
هذا الكلام الرائع الجميل لا يزيدنا معرفة بشاعرية الأستاذ رحمه الله، فهو واحد من ألمع شعرائنا، بلا مراء، لكن لو تنبه إلى بعض الفقر التي وردت في عباراته، ودقق فيها، لنجا من أسر الوهم الشائع بأن العيون من عمل العمالقة، أولاها: أن الكنعانيين الذين انحدر منهم العمالقة لا بد أن يكونوا قد وجدوا مياهاً يرتفقون منها أغرتهم باختيار هذه الأرض موطناً لهم عند هجرتهم من وسط شبه جزيرة العرب، وقبل أن يحفر أبناؤهم العمالقة العيون، فالواضح أن الهجرات البشرية من أواسط شبه الجزيرة إلى أطرافها أو خارجها كانت إما بسبب التناطح على المياه والمراعي، وإما بسبب تنامي الجفاف الناجم عن شح الأمطار، إذ لايوجد على سطح شبه الجزيرة أنهار ولا بحيرات.
الثانية: إن مياه تلك العيون تنحدر تحت السطح من أعالي نجد، فإلى أين كانت تلك المياه تذهب؟ قبل أن تحفر العيون؟ إن المنطق العلمي يوجب وجود منافذ لتصريف تلك المياه المنحدرة لتصريف الضغط المتولد عن قوة اندفاعها.
الثالثة: وهي أن تقارب تلك العيون بعضها من بعض في أماكن دولة أخرى، التي استدل منها على بصر أولئك القوم بهندسة المياه، ومعرفة مواطنها، يتعين أن يكون دليلاً قويًّا لنقض الفكرة من أساسها، إذ لا حاجة لحفر عيون لا تبعد عن بعضها إلا بمقدار أمتار، كما هو الحال في عيون العوامية والقديح والتوبي وكثير غيرها، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار غزارة تلك العيون ووفرة مياهها. بل الأولى عدم حفر عيون أخرى حفاظاً على وفرة المياه، وقوة اندفاعها، وهو، رحمه الله، لا شك يعلم أن في أعماق الخليج وقريب من السواحل ينابيع ماء عذبة متدفقة في قاع البحر شبيهة بتلك المنساحة على السطح يعرفها الغواصون ويرتفقون منها، بل إن جزيرة البحرين عاشت لعصور مديدة ترتفق من الينابيع البحرية، وهي كثيرة، وبعضها معروف باسمه مثل (ابو المهور، والكوكب) فكيف حفرت؟ وما هي الجدوى من حفرها داخل الماء المالح؟
حقيقة العيون، ما هي؟
إن خلاصة الرأي السائد لدى الجيولوجيين أن مياه واحتي القطيف والأحساء وجزيرة البحرين، وما حولها من ينابيع في الخليج، تأتي من نجد متخللة الدهناء منسربة خلال شروخ وشقوق تشكل عروقاً مائية تحت سطح الأرض([493]).
وأقرب ما يمكن الاطمئنان إليه من وجهة النظر العلمية هي النظرية القائلة بأن هذه العيون هي عيون كارستية (Karst Spring)، ويعرِّفون الكارست بأنه تجاويف نهرية، وكهوف، وممرات متصلة داخل طبقات الأرض، نشأت من تحلل الصخور الكلسية أو الجيرية([494]). التي تكونت في العصر الطباشيري (Cretaceous Period) من جراء الترسبات الطينية أثناء حركة نشوء الجبال في المنطقة التي كان يغطيها بحر تيش ـ Teghys sea ـ وهو بحر قديم كان يغمر منطقة واسعة تمتد من موقع البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب غرب إيران، ماراً بشمال العراق، وهو العصر الذي تكونت خلاله جبال طوروس وزاجروس وبنطس وعمان، وبسببها حدث الميلان في سطح الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية منحدراً بحدة باتجاه الشرق، ومعه مالت تلك الكهوف والأنهار، منذ ما يقارب 66,4 مليون سنة([495]).
وطبيعي أن ينتج عن هذا الميلان اندفاع المياه المتجمعة في تلك المسارب منحدرة بقوة بفعل الجاذبية، مولدة قوة اندفاع أدت إلى النحر في الطبقات الضعيفة محدثة انفجارات في القشرة الترابية والصخرية الهشة في جوف الأرض لتتدفق إلى خارجها، ممتزجة بمياه البحر.
كان ذلك حين كان سطح المنطقة مغموراً بالمياه، حيث كانت العيون مجرد ينابيع متدفقة في عمق مياه البحر المالحة، وبانحسار مياه البحر، تدريجياً، عن سطح شبه الجزيرة في أزمنة الجفاف التي تلت العصر الجليدي (Glacial Epoch) ظهرت الينابيع لتسيح على الأرض مشكلة جداول وأنهاراً.
والظاهر أن الجفاف وحده لم يكن العامل الوحيد في انحسار الماء عن سطح المنطقة، فإن نظرية الانزياح القاري (Continental Drift)، الذي انفصلت بسببه قارة إفريقيا عن آسيا مشكلة البحر الأحمر والخليج؛ لها دخل في هذه المسألة، حيث أدت إلى انزياح المياه التي تغمر سطح الجزيرة لتملأ التجويف الناتج عن انشقاق الأرض في ما يعرف الآن بالبحر الأحمر والخليج([496]).
من هنا نعلم أن قدرة الله جل وعلا وحدها هي التي فجرت تلك العيون لا العمالقة ولا غيرهم من بني البشر، وكل ما يصح أن ينسب لعمل الإنسان فيها هو ما قد يكون قد أجراه عليها من تعديل وتوسعة في فتحاتها خصوصاً السطحية، وعمل مخارج عليا للتصريف، لغرض التنظيف الدوري، بما يلائم حاجته، ويجب أن يكون ذلك في عهود متأخرة جداً أي بعد أن ضعف تدفق المياه، وعجزت المياه عن طرد الفضلات والترسبات إلى خارج الينابيع، ونشأت الحاجة إلى تدخل الإنسان في تظهيرها، ومما لا خلاف فيه أن الأمطار في الأزمنة الغابرة كانت توفر لوسط الجزيرة حاجتها من المياه والخصب، وبمرور الزمن أخذت تلك الأمطار في التناقص، فجفت الوديان تدريجياً، وقلت المراعي، مما اضطر سكانها إلى الهجرة، فحتى قبيلة عبد القيس التي تعد من آخر القبائل المهاجرة من وسط الجزيرة لم تكن تجهل الفلاحة، فيقال إنهم لما ربطوا خيلهم إلى كرانيف النخل، عند وصولهم إلى البحرين، قيل المثل المعروف: (عرف النخل أهله)، أي أنهم أصحاب فلاحة.
وهذه الفرضية يوضحها لنا الميداني في شرحه لمناسبة المثل فيقول: (أصله أن عبد القيس وشن بن أفصى لما ساروا يطلبون المتسع والريف، وبعثوا بالرواد والعيون، فبلغوا هجر وأرض البحرين؛ وجدوا مياهاً ظاهرة، وقرى عامرة، ونخلاً وريفاً، وداراً أفضل وأريف من البلاد التي هم بها؛ ساروا إلى البحرين، وضاموا من بها من إياد والأزد، وشدوا خيولهم بكرانيف النخل، قالت إياد: (عرف النخل أهله)، فذهبت مثلاً([497])، وهذا دليل بيِّن على أنهم ليسوا طارئين على الزراعة.
ومن الغريب أن المسلم قد تناول كرنلوجية المنطقة بكثير من التدقيق، مشيراً إلى ما كانت عليه من خصوبة وجو غزير المطر في العصر البلوستي القريب (Epoch Pleistocene) بسبب تشبع أجوائها بالرطوبة التي تحملها الرياح الغربية، ثم الانحسار الذي طرأ عليها بسبب الجفاف([498])، ولكنه لم يلتفت إلى أن هذه التغيرات هي جزء من النشاط الجيولوجي الذي أدى إلى ظهور العيون.
عيون الماء المردومة في البحرين
من ردمها ولماذا؟
يسود بين سكان المنطقة اعتقاد بأن عبد الملك بن مروان قام بدفن عيون كثيرة بالبحرين بالصخور أشهرها عين السجور، انتقاماً من أهل البحرين بعدما تمكن من السيطرة على بلادهم. والنص الموثق لهذا الاعتقاد هو الكشكول للشيخ يوسف البحراني، فقد أورد القصة، وانتقدها لركاكة صياغتها، لكنه يميل لتأكيدها([499]).
أما الشيخ علي البلادي صاحب أنوار فمع أنه فند القصة مستنداً إلى أن بعض أبطالها ماتوا أو قتلوا قبل ولاية عبد الملك بن مروان بزمن بعيد، كزيد بن صوحان الذي قتل في واقعة الجمل، وأخيه صعصعة بن صواحان، وقد قتله معاوية، وإبراهيم بن الأشتر، وقد قتل مع مصعب بن الزبير، وقبره معروف في العراق قريب من سامراء مع قبر مصعب.
لكنه مع ذلك يعتقد بصحة دفن العيون وينسبها إلى مروان بن محمد الحمار، آخر ملوك الأمويين من بني مروان، وكأنه تراجع عن شكه في القصة([500]).
وقد تعرض النبهاني لهذه القصة وشك فيها لكن على طريقته ومزاجه، معتبراً ردمها فضيلة لمروان لاعتقاده بأنه: (لما كانت الجهة الغربية منخفضة وقليلة الزراعة والبساتين والسكان؛ أمر بردمها مصلحة للأهالي ليرجع نبع مائها إلى العيون الأخرى) ([501]).
النبهاني يطرح رأيه بصورة توحي بأنه مطلع على أحوال البلد إبان الحكم الأموي، ولذا فهو يدري بأنها كانت، آنذاك، على هذه الصورة من قلة الزراعة والسكان، ولم تتعرض لأي تغيير منذ ذلك الحين.
إذا رجعنا لما قلناه عن الكيفية التي نشأت بها العيون في المنطقة لا نستبعد أن تكون عين السجور وشبيهاتها مجرد شقوق في صخور كبيرة متراكمة تتخللها المياه، شأنها في ذلك شأن الينابيع التي ما زالت مغمورة بالمياه في عمق الخليج أو قريب من الشواطئ، وحين تضاءل اندفاع المياه بدت الصخور على السطح، فظن أجدادنا أنها ردمت بصخور منقولة إليها من مكان آخر، وما يقرب هذا الظن من الاحتمال هو الضخامة التي توصف بها تلك الصخور.
وتبقى الكلمة الفصل لأهل الاختصاص من الجيولوجيين.
عدنان العوامي
بحوث في تاريخ القرآن وعلومه
تأليف: السيد أبو الفضل مير محمّدي الزرندي.
بحوث مختصرة ترتبط بتاريخ وعلوم القرآن الكريم، تتناول موضوعات عديدة بأسلوب بسيط، وبعد استقصاء وتتبع للأدلة ومناقشتها ومحاكمتها وإبداء الرأي فيها.
اشتملت فصوله على: كيفية نزول القرآن، فواتح السور، حديث نزوله على سبعة أحرف، كيفية لقاء جبرائيل عليه السلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم، نزوله سوراً كاملة أم آيات متفرقة؟ بداية ونهاية السور، هل كان صلى الله عليه وسلم يعلم القرآن ـ في الجملة ـ قبل نزوله إليه تدريجاً، النبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينسى ما يوحى إليه من القرآن، ألفاظ القرآن ونظمها من الله سبحانه وتعالى، تقسيم السور إلى آيات وترتيبها بأمره صلى الله عليه وسلم، كتاب الوحي، من جمع القرآن؟ الخطّ القرآني في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، مصاحف الصحابة، إعجام القرآن وتنقيطه، القراءات السبع، إعجاز القرآن، الناسخ والمنسخوخ، المحكم والمتشابه، قرآنية وحجّية ما بين الدفتين، المكّي والمدني من الآيات.
بخارى([502])
ـ 1 ـ
هي اليوم جزء من جمهوية أوزبكستان التي عاصمتها طشقند تقع على المجرى الأسفل لنهر زرافشان.
وتاريخ بخارى القديم قبل الإسلام يلفه الغموض، وربما كان أول وصول للمسلمين إليها سنة 54هـ (674م). وبعد وصولهم إليها لم يستقر الأمرلهم فيها تمام الاستقرار بل قامت عليهم عدة ثورات. وفي سنة 110هـ (728م). فقدوا السيطرة عليها وخرجوا منها ثم عادوا إليها. وفي مفتتح الحكم العباسي سنة 133هـ (751 ـ 758م) انتفض بعض من فيها على الحكم الجديد ولكن أبا مسلم أرسل إليها من قضى على الانتفاضة.
وقد كانت منذ التحاقها بالحكم الإسلامي تتبع في إدارتها خراسان وعاصمتها مرو، وظلت كذلك حتى بعد نقل أمراء خراسان مقرهم من مرو إلى نيسابور في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وبذلك كانت منفصلة عن حكم بلاد ما وراء النهر (تركستان). وعندما قامت الدولة السامانية ظلت حتى سنة 260هـ تتبع حكم الطاهريين السامانيين.
وبعد انتهاء حكم بني طاهر سنة 259هـ (873م) وحلول الصفاريين محلهم كان يعقوب بن الليث معتبراً أميراً لخراسان. وأتى السامانيون فولّى نصر بن أحمد أخاه الأصغر إسماعيل على بخارى. وبعد وفاة نصر سنة 279هـ (892م) ظل إسماعيل مقيماً في بخارى وامتد حكمه إلى جميع بلاد ما وراء النهر. وظلت بخارى عاصمته حتى بعد انتصاره على عمرو بن الليث الصفاري سنة 287هـ (900م).
ومن هنا غدت عاصمة دائمة للدولة السامانية التي شمل حكمها بلاد ما وراء النهر وإيران حتى عقبة حلوان، واستمرت ما يقرب من قرن.
ومنذ عهد نصر بن أحمد نشطت مراكز الثقافة والعلم فكانت بخارى عامرة بالعلماء والشعراء وذوي الفضل من أمثال: ابن سينا والرودكي والدقيقي والبيروني والبخاري وأبو بكر الرازي. وفي عهد السامانيين ترجم كتابا الطبري في التاريخ والتفسير إلى الفارسية.
ويقول الثعالبي عن بخارى في عهد السامانيين: «كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة الحجة وكعبة الملك ومجمع أفراد الزمان ومطالع نجوم أدباء الأرض».
وظلت بخارى طوال عهد بعيد مركزاً من أكبر مراكز الإشعاع العلمي في العالم الإسلامي، مقصداً لطلاب المعرفة من كلّ مكان.
ولما زارها المستشرق المجري (ويبري) منذ أكثر من مائة وأربعين سنة متنكراً أدهشه ما رأى فيها من الحركة العلمية وما شاهده من كثرة مساجدها ومدارسها في حين أنها كانت في عهد الانحدار.
ويروي هذا المستشرق أنه رأى فيها ثمانين مدرسة حافلة بشتى العلوم الإسلامية والعربية يؤمها أكثر من خمسة آلاف طالب جاؤوا من الهند وكشمير وأفغانستان وإيران وروسيا والصين وغيرها.
وبدخول نصر بن علي مدينة بخارى في العاشر من ذي القعدة سنة 389هـ (23 تشرين الأول 996م) انتهت بخارى كعاصمة لدولة قوية كبيرة، وصارت تتبع غيرها في الحكم والإدارة حتى جاء القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) فكانت في فترات متقطعة قاعدة لبعض الحكام الإيلخانيين.
وقبل ذلك منذ الخامس من شهر صفر سنة 536هـ (1141م) خضعت بخارى لأول مرة لحكم غير إسلامي هو حكم (القراخطاي)، وقامت على هذا الحكم انتفاضة استطاعت فيها الاستقلال بقيادة سنجر ملك، على أن أمر بخارى انتهى إلى حكم خوارزم شاه محمد بن تكش.
بخارى في أيدي المغول
لا بد لنا قبل الحديث عن وقوع بخارى في أيدي المغول، من الحديث عن المغول ومقدمات زحفهم، ثم زحفهم. ومناقشة ما يقال عما قبل سقوط بغداد وما بعد سقوطها لارتباط زحف جنكيز بزحف حفيده هولاكو في المصائر.
قبل المغول وبعد المغول
كتب أحمد عثمان، في إحدى الصحف، مقالاً جاء مفتتحه ما يلي: «من المؤكَّد أن شعبنا العربي يعيش الآن مرحلة من الغيبوبة الفكرية، تعود في رأيي إلى فقدان الذاكرة الثقافية وعدم الوقوف على أرض التراث الحضاري العربي لأمَّتنا. فبعد نهضة فكرية عمّت أرجاء الدولة الإسلامية، منذ بدايتها، واستمرت بعد ذلك إلى أن سقطت بغداد والأندلس في القرن الخامس عشر، مرت بنا مرحلة جديدة خيَّم فيها الظلام الفكري على عالمنا العربي خلال خمسمائة عام من الحكم العثماني المتحجِّر ومن سيطرة الاستعمار الأوروبي الحديث، ما جعلنا نتخلَّى عن تاريخنا القديم، فلا نعود نذكر منه شيئاً. لهذا فعندما يأتي مفكر عربي ويحاول إعادة فتح الملفَّات القديمة وإعادة مناقشة المسلمات الخاطئة من ماضينا يكون من الضروري الاهتمام بأقواله ومناقشتها بطريقة موضوعية، فهذه هي الوسيلة الوحيدة لفتح الطريق أمام ميلاد حضارتنا الجديدة ….».
أريد أن أقرر هنا، أن هذا الكلام هو من أفضل ما قرأت في تشخيص أدوائنا وتبيان عيوبنا، وما نعيش فيه، نحن العرب، في هذا العصر من هوان وأرزاء وتخبُّط وعشوائيَّة.
وبهذا المقياس الذي حدَّده الكاتب، أريد أن أناقش بعض ما ورد في كلامه، وما دام هو الذي حدَّد المقياس فسأرى مقدار أخذه هو نفسه به، وأخذ قُراء مقاله الذين أعتقد أن جمهورهم مُسلّم له بما قال.
لقد انطلق الكاتب من مُسلّمة هي من صميم ما لا يجب أن يكون من مُسلّماتنا، وعندما سأسترسل في تبيان رأيي في هذا الشأن آمل منه، ومن جمهور القراء الذين أعتقد ـ كما قلت ـ بأنهم مسلّمون له بما ارتأى أن «يناقشوا بطريقة موضوعية»، لا بالتصايح والاستنفار والتحريض والعويل، كما فعل بعضهم عند إبداء رأي معين في بعض الشخصيَّات التاريخية!
1 ـ النهضة الفكرية لم
تستمر حتى سقوط بغداد
يقول الأستاذ أحمد عثمان: «فبعد نهضة فكرية عمّت أرجاء الدولة الإسلامية منذ بدايتها، واستمرت بعد ذلك الى ان سقطت بغداد والأندلس».
وأزعم أن الأمر هو على عكس ما قال الكاتب، فالنهضة الفكرية لم تستمر حتى سقوط بغداد والأندلس، بل هي تدهورت قبل ذلك بكثير، وكان سقوط بغداد والأندلس النتيحة الحتمية لذلك التدهور. وسأترك الآن الحديث عن سقوط الأندلس وعوامل ذلك السقوط، وسأقتصر على الحديث عن الحال قبل سقوط بغداد وما كانت عليه حال العرب والمسلمين من تضعضع وتأخر وانحطاط، وكيف كانوا بعيدين كل البعد عن «النهضة الفكرية»، منغمرين في «الظلام الفكري … المخيم على عالمهم».
وما دام الكاتب قد جعل الحد الفاصل سقوط بغداد. فلن نبعد عن زمن هذا السقوط لنرى كيف كانت حال العرب والمسلمين قبيل السقوط، ونترك الحديث عن حالهم السيئ في ما هو أبعد من ذلك الزمن.
في الوقت الذي كانت جحافل المغول، بقيادة هولاكو، تتحفز للانقضاض على العالمين الإسلامي والعربي مخطَّطة لاستئناف الغزو الأول الذي كان بقيادة جنكيز. في هذا الوقت بالذات لم ير فريق من الناس في وثنية المغول إلحاداً، وإنما رأوا هذا الإلحاد في عقيدة فريق من مواطنيهم المشاركين لهم في الأخذ بأصول الإسلام، وهم الإسماعيليون وأصبح همُّ المسلمين لا العمل على التخطيط للمستقبل القريب والبعيد، والاعتبار من الماضي بالتفكير في تنظيم القوى الإسلامية وجمع صفوفها لتكون سدًّا منيعاً في وجه غزو مغولي جديد متوقَّع في كل ساعة، لم يصبح همهم هذا، بل كان همُّهم كيف تقضي على من لا يرون رأينا في بعض الفروع الإسلامية.
كان «منكوقا آن»، حفيد جنكيز، هو الذي انتهت إليه خلافة جدِّه، وكان هو الحاكم الذي تسير بإشارته جيوش المغول في كل مكان، وكان له عدة إخوة يقودون جيوشه ويحكمون باسمه، أحدهم هولاكو.
على «منكوقا آن» هذا كان يتردَّد «قاضي قضاة المسلمين شمس الدين القزويني». وكان همّ هذا القاضي أن يثير الامبراطور المغولي على من لا يرون من المسلمين رأيه في بعض الشؤون، ويحرِّضه على اقتحام بلادهم، فلم يترك وسيلة من الوسائل إلاّ استغلّها لإنجاح مقصده.
أظن أن الأستاذ أحمد عثمان يسلّم بأن تحريض قاضي قضاة المسلمين، «الإمام العالم الكبير»، والملقَّب فوق ذلك بشمس الدين، للمغول ليس من «النهضة الفكرية». وإن تجاهل هذا هو من «مرحلة الغيبوبة الفكرية».
وقبل ذلك ماذا جرى في بغداد نفسها؟
كان قائد الجيش الدوادار وابن الخليفة يقودان الجنود في هجومهم على محلة الكرخ الشيعية في بغداد، فينهبون ويقتلون ويرتكبون العظائم ويأسرون البنين والبنات ….
وهذا أيضاً ليس من النهضة الفكرية والسكوت عنه غيبوبة فكرية ….
وحين نوغل في النظر إلى مواقع أخرى، قبل سقوط بغداد، فإننا نرى ما كانت عليه حالة الجيش من التدهور. هذا الجيش المفروض أنه هو الذي يحمي البلاد ممَّن يريد بها شراً، سواء كان هذا الشر نابعاً من الداخل أم متدفِّقاً من الخارج.
ونكرر القول، للمرة الثالثة، إن هذا «ليس من النهضة الفكرية»، وتجاهله «مرحلة من الغيبوبة الفكرية».
وما ذكرناه في ما تقدم يمثل ثلاث حالات من حالات الأمة في ثلاثة مواقع من أدق مواقعها، مما هو غير بعيد عن زمن سقوط بغداد.
2 ـ النهضة الفكرية بعد سقوط بغداد
تلك أولى المسلَّمات التي رآها الكاتب وهي ليست كذلك. أما الثانية فهي قوله في وصف ما بعد سقوط بغداد: «مرت بنا مرحلة جديدة خيَّم فيها الظلام الفكري على عالمنا العربي».
وأنا أخالفه في هذا القول، وأرى فيه اهتضاماً لرجالاتنا الكبار الذين قُدِّر لهم أن يروا سقوط بغداد، فهبُّوا لإيقاف تيار التدهور، ولم يستسلموا للواقع المرير، وتغلغلوا في الوسط المغولي المنتصر، فقلبوا النظرية القائلة إن الشعب المغلوب يتأثر بالشعب الغالب وينطبع بطابعه، فجعلوا الشعب الغالب هو المتأثر بالشَّعب المغلوب والمنطبع بطابعه حتى لقد أحالوا المغول الوثنيين الهدَّامين إلى مسلمبن بنَّائين!
وعلى رأس هؤلاء بطل الإسلام في عصره «نصير الدين الطوسي» الذي تولَّى زمام قيادة المقاومة الفكرية، بعد أن أيقن باستحالة المقاومة العسكرية، فكُتِب له الانتصار في هذه المقاومة، وعاد الأمر أمر نهضة عربية إسلامية شاملة قلَّ نظيرها.
وكان الطوسي قد مات، سنة 672هـ (1274م)، قرير العين، وهو يرى طلائع الظفر مقتحمة الدنيا بموكبها الرائع، وبشائر النصر هازجة بأرفع صوت وأعلى نبرة.
مات الطوسي مودعاً الأمر إلى تلميذه وأقرب المقربين إليه قطب الدين أبي الثناء محمود بن مسعود الشيرازي، وإلى تلاميذه آل الجويني الشيعة ومن أبرز رجالهم علاء الدين عطا ملك فنهضوا بالعبء على ما أراده نصير الدين([503]).
الاستقلال
وأكبر إنجاز لنصير الدين الطوسي، بعد إعداد المغول لتقبل الإسلام، هو إقناعهم بتطبيق استقلال العراق وترك حكمه لأهله على أن يكون للمغول إشراف رمزي من بعيد، ثم اختياره عناصر مخلصة أمينة ذت كفاءة عالية لتولّي الحكم.
فلا يكفي إعلان الاستقلال إذا لم توضع الأسس المتينة لهذا الاستقلال، وإذا لم يختر لتطبيقه الرجال الأكفياء، وإذا لم يجر إصلاح في شؤون الإدارة.
لقد تألَّفت لجنة من ستة رجال، وإذا أردنا استعمال المصطلحات الحديثة فإننا يمكن أن نعتبرها بمثابة «مجلس تأسيسي». لقد وزعت إدارة الحكم على رجالها: علي بهادر، ومؤيد الدين بن العلقمي، وفخر الدين الدامغاني، ونجم الدين أحمد بن عمران، والقاضي عبد المنعم البندنيجي، وتاج الدين علي بن الدوامي. وأضيف إلى عملهم الإداري الإفرادي مهمة اجتماعهم معاً لوضع أسس الحكم الاستقلالي، وفوض إليهم أمر تنظيم إدارة العراق، فكانوا يعقدون جلسات متتابعة يتدارسون فيها أحوال العراق ويضعون أنظمة إصلاحية ويعينون الحكام وكبار الموظفين.
وقد كان من نتائج اجتماعاتهم التي لم يكن حضرها مغولي أن أبقوا على وظائف مهمة ضرورية وألغوا وظائف أخرى أو قلصوها، وقسموا البلاد إلى خمس مناطق إدارية وضعوا على رأس كل منها موظف باسم «صدر»، ثم عينوا النواب أي الموظفين والنظار.
وأوَّل حاكم فعلي حكم العراق، بعد سقوط بغداد حكماً مستقلاً هو عماد الدين عمر بن محمد القضوي، ويصفه المؤرخ المعاصرله «ابن الفوطي» بأنه من المعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين. وهكذا فإن اختيار الحاكم العام لم يكن اعتباطياً ولا عشوائياً، ولم يعهد به للمستهترين الطغاة والمحاسيب المستغلين للشعب بل للمعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين.
ثم يضيف ابن الفوطي ما بدأ به هذا الحاكم أعماله في بغداد خاصة وفي العراق عامة: «عمّر المساجد والمدارس ورمَّم الربط والمشاهد وأجرى الجرايات من وقوفها على العلماء والفقهاء والصوفية، وأعاد رونق الإسلام بمدينة السلام».
والشاعر شمس الدين الكوفي الهاشمي الواعظ الذي رثى بغداد بالأمس عند سقوطها بمثل قوله:
لسائل الدَّمع عن بغداد أخبارُ
ما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا نازلين إلى الزوراء لا تفدوا
فما بذاك الحمى والدار ديَّارُ
تاج الخلافة والربع الذي شرفت
به المعالم قد عفا إفقار
أضحى لعطف البلى في ربعه أثر
وللدموع على الآثار آثار
عاد اليوم يقول في حاكم بغداد الجديد عماد الدين عمر بن محمد القزويني:
يا ذا العلى، يا عماد الدين، يا ملكاً
بعدل سيرته يسمو على السير
لما اصطفاك لهذا الأمر منزله
جبرت منا ومنه كل منكسر
أحيا المدارس من بعد الدروس بإ
لقاء الدروس حياة العلم والفكر
إلى آخر القصيدة …
وإذا كانت مدة عماد الدين في حكم العراق لم تطل، فقد خلفه في منصبه علاء الدين عطا ملك الجويني، سنة 657، الذي استقل بالعراق استقلالاً كاملاً، والذي تفوق على سلفه بالتوسل بجميع الوسائل الممكنة لبعث حركة عمرانية كبرى في العراق بأسره، فقد جدد المدارس المتداعية وأنشأ جملة من المدارس([504]) ودور الكتب، كما أنشأ عدداً من الرباطات والملاجئ والمستشفيات وأجرى عليها الجرايات، وحفر الترع والأنهار.
ثم انصرف إلى الناحية الثقافية فشجع حركة التأليف والمؤلفين وأجزل العطاء والبذل لهم، ومن هذه الناحية نجد جملة من أمهات الأسفار والمصنفات في شتى الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية مهداة لخزانته أو خزائن أهله وذويه.
ونذكر من مشاهير العلماء الذين نبغوا في ذلك الوقت عالمين هما: جمال الدين بن مهنا، ومن أشهر مؤلفاته كتاب «وزراء الزوراء» و«لطاف المعاني في شعراء زماني» و«المشجر في الأنساب» وكتاب لغوي اسمه «حلية الإنسان وحلبة اللسان».
والثاني مؤرخ العراق عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن الفوطي الذي صدر له عدد من أنفس المؤلَّفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية، وبخاصَّة علم الحديث. وأشهر مؤلفاته كتابه الذي سماه «مجمع الآداب».
واستمر عطا ملك في منصبه طوال حكم هولاكو إلى أن توفي هذا سنة 663هـ، وحل محله ابنه آبقا، فظل عطا ملك في عهده مستقلاً بحكم العراق. وظل مهتماً بتعمير البلاد وخفف الضرائب التي كانت تجبى من الفلاحين وأنشأ القرى وشق نهراً من الفرات إلى الكوفة والنجف بذل عليه قرابة مئة ألف دينار ذهباً، وأسس على ضفافه مئة وخمسين قرية، فعمرت الأراضي القاحلة واخضوضرت.
ولم تمض مدة وجيزة على سقوط بغداد حتى عادت إلى وجهها المشرق واطمأن الناس فعادوا إلى أعمالهم وزراعاتهم، فتضاعفت عائدات بغداد حتى ليقول ابن شاكر الكتبي في كتابه «فوات الوفيات»: «كان علاء الدين وأخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة في الأمور وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد، وكانت بغداد أيام علاء الدين عطا ملك أجود مما كانت عليه أيام الخليفة. وكان الفاضل إذا عمل كتاباً ونسبه إليهما تكون جائزته ألف دينار. وكان لهما إحسان إلى العلماء والفضلاء، ولهما نظر في العلوم العقلية والنقلية» ويقول اليونيني في «ذيل مرآة الزمان» عن عطا ملك: «كانت سيرته من أحسن السير وأعدلها بالرعية». واستمر حكمه في بغداد ما يقرب من أربع وعشرين سنة، ست منها في عهد هولاكو وسبع عشرة في عهد آباقا إلى سنة 680هـ، والسنة الأخيرة كانت في عهد تكودار.
ويقول الشبيبي في الجزء الثاني من كتابه «ابن الفوطي»: «وفي سيرة علاء الدين (عطا ملك) الجويني كل ما يدل على التنكر للوثينيين الطغاة من حكام المغول وإعادة الأمم الإسلامية، المغلوبة على أمرها في الشرق، إلى العيش في ظل راية إسلامية ولو كان هؤلاء المسلمون من الشعوب المغولية».
وحين قلنا في ما تقدم من القول إن نصير الدين الطوسي كان في عصره بطل الإسلام، فلأن كل ما تم من استقلال للعراق وما أنتج ذلك الاستقلال مما ذكرنا بعضه، ثم الانتهاء بالأمر إلى إعلان المغول إسلامهم، إنما كان نتيجة لتخطيط الطوسي وترويضه لشارب الدماء.
غزو جنكيز والوصول إلى بخارى
لم تكن هجمة المغول على البلاد الإسلامية وغير البلاد الإسلامية أول هجمة تنقض بها تلك الجماعة على الناس مكشرة عن أنيابها باسطة أيديها بالسيف … فقد سبقتها في التاريخ البعيد هجمات دامية عانت منها البشرية ما عانت، وكابدت منها الأرض ما كابدت.
فمن تلك السهول المنبسطة في الشرق من آسيا، ومن تلك البقاع الممتدة امتداداً طويلاً عريضاً حيث تقوم اليوم جمهورية (منغوليا) انطلقت على فترات متباينة من التاريخ موجات من الناس العتاة القساة، كان قوام حياتهم الغزو العنيف لجيرانهم في الصين وتركستان غزواً عماده القتل والسلب. بل كانوا إذا اعوز جماعة منهم ضرورات العيش، لم تبال تلك الجماعة أن تستطيل على من هو أضعف منها من قومها، فتقتل فيه وتسلب وتنهب وتعيث ما استطاعت العيث.
ومن سلالات تلك الجماعات الدموية عرف الكون قبائل (الهون) في القرن الثالث قبل الميلاد، تلك القبائل التي تصدرت اكتساح أوروبا فهزمت (القوط) الجرمانيين، وبدت بأقصى مظهر من مظاهر العنف والوحشية، فنشرت في أوروبا الهلع المقيم المقعد.
وفيما بين القرنين السادس والثامن الميلاديين عرفت آسيا ما عرفت من البلاء من قبائل (تليو) المغولية التي كانت مواطنها على ضفاف نهري «أورخون» و«تولا» حيث تقوم اليوم «أولان بانور» عاصمة منغوليا.
لقد سيطرت قبائل تليو على المناطق الشاسعة فيما حولها وتحكمت بأهلها على اختلاف عشائرهم تحكماً قاسياً، على أنها هي نفسها كانت محكومة حكماً جائراً لا رحمة فيه، فقد كانت السيطرة فيها لطبقة معينة، هي الفائزة بالمغانم والأموال، وهي المتمتعة بالترف والنعيم. طبقة مؤلفة من القواد والحكام والقضاة وجامعي الضرائب، تلتف حول مقدمها (الكاغان)، وأمّا بقية الشعب فقد كان يتألف منها مجموعة الجيش، وكان عليها أن تملأ بطونها وتسد خلتها بما تجنيه من المعارك وما تنهبه من المقهورين المهزومين.
الأمبراطور ابن الراعي
وتطورت بعد ذلك الأمور، فقلت الفروق بين الطبقات بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين. ثم استطاع راع بسيط أن يسيطر بقوة شخصيته وجبروته على الموقف ويستولي على الحكم وأن يتزوج أميرة رزق منها ابنه (تيموشين) ويسميه ابن الأثير (تيموجين) الذي ورث ملك والده. وفي سنة 1206م نودي بتيموشين (كاغنا) ولقبوه بـ (جنكيز خان) أي مبعوث السماء([505]). وأطلق على القبائل كلها اسم القبائل «المنغولية». (مبعوث السماء) هذا، هو الذي مضى يفسد في الأرض، بعد أن أعد قومه إعداداً جباراً، مدخلاً في روعهم أنهم فوق كل الأقوام، وأنه سيقودهم إلى السيطرة على الأمم، وإلى الغنائم والأسلاب. وفي السنة نفسها التي تولى فيها الملك (1606) نظم جيشه تنظيماً محكماً، وصهر تلك القبائل المتفرقة صهراً جعلها كتلة واحدة.
الدولة الخوارزمية([506])
الدولة الخوارزمية التي واجهت الغزو المغولي، دولة قامت أول أمرها تابعة لحكم سلاجقة إيران والعراق، وعندما انهار السلاجقة قامت مستقلة على أنقاضهم لا يربطها بالخلافة العباسية في بغداد إلاّ الخطبة للخليفة. وبالرغم من أنها تهيأت لها موارد عسكرية ومالية كبيرة فإن صلتها بالشعوب التي حكمتها كانت صلة واهية قامت على القهر والعسف. وسيطرت على الدولة طبقة عسكرية من أتراك ما وراء النهر لم تكترث بمن تحكمه من جماعات، بل عاملتها بالشدة والاستغلال والغصب.
أصل الدولة
وأصل هذ الدولة هو أن الأمير السلجوقي بلكباك اشترى مملوكاً اسمه أنوشتكين كان على نباهة فاشتهر أمره وعلت منزلته، ثم وُلد له ولد اسمه محمد فأحسن تثقيفه وتأديبه، ثم حدث أن خلا منصب حاكم خوارزم سنة 490هـ في تفاصيل ليس هنا محل ذكرها، فعهد إلى محمد هذا بحكم خوارزم باسم شاه خوارزم على ما عهد في حكامها. ثم أقرّ السلطان سنجر السلجوقي محمداً على منصبه فأبدى كفاءة وثقت صلته بسنجر. ولما مات محمد تولى بعده ابنه أتسز الذي تقدم عند سنجر، ثم فسد ما بينهما فساداً أدى إلى مقتل ابن أتسز في حادث بينهما. فانتقم أتسز لنفسه بأن حرض (الخطا) على سنجر.
بين الخطا وسنجر
والمقصود هنا أن نشير إلى أن أتسز حرض الخطا على السلطان سنجر وسهل عليهم أمره مغرياً لهم به فساروا إليه في ثلاثمائة ألف فارس فاستطاعوا إلحاق الهزيمة به وقتل مائة ألف ممن معه. ثم التقى مع حلفاء له في وقعة أخرى وهم مع حلفائهم، فكانت هزيمته عامة شاملة استقر بعدها الخطا وحلفاؤهم فيما وراء النهر استقراراً كاملاً لم يقلقله بعد حين إلا شاه آخر من شاهات خوارزم هو علاء الدين محمد الآتي ذكره.
بين سنجر وأتسز
وبهزيمة سنجر عاد أتسز إلى خوارزم التي كان سنجر قد أخرجه منها ثم سيطر أتسز على سرخس ومرو الشاهجان ونيسابور وبيهق بل على خراسان كلها، وأجرى في ذلك على الأهلين صنوف القتل والعسف.
وفي سنة 538هـ عاد الصلح بين أتسز وسنجر بعد حصار سنجر لمدينة خوارزم حصاراً لم يستطع معه فتحها، فعاد إلى مرو واستقر أتسز في خوارزم معلناً انقياده لسنجر.
وفي سنة 551 توفي أتسز وكان قد تولى سنة 490، فخلفه ولده أرسلان فافتتح عهده بقتل أعمامه وسمل عيني أخيه الذي يبدو أنه آثر الموت انتحاراً بعد ثلاثة أيام من سمله. ثم وثق علائقه بالسلطان سنجر وبذل له الطاعة والانقياد فكتب له منشوراً بولاية خوارزم.
سيرة أتسز
وصف ابن الأثير أتسز بأنه «كان حسن السيرة كافاً عن أموال الرعية منصفاً لهم محبوباً منهم مؤثراً للإحسان والخير إليهم وكانت الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل».
على أننا لا ندري كيف نوفق بين هذا القول وبين ما ذكره ابن الأثير نفسه قبل ذلك وهو يصف استيلاء أتسز على ما استولى عليه من خراسان ففي مرو مثلاً يقول: إنه قتل كثيراً من أهلها وفيهم بعض العلماء. ويقول عن تسييره الجيش إلى بيهق ورجوعه عنها: «ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد وعملوا بخراسان أعمالاً عظيمة».
ويبدو أن الرعية في نظر ابن الأثير وربما في نظر غيره من المؤرخين تنقسم إلى نوعين: نوع هو في الأصل من الرعية، ونوع يراد إدخاله في الرعية وأن المعاملة تختلف في كل من النوعين، مع أن كلاً منهما مسلم مواطن هو في نظر الشريعة مساوٍ لغيره في المواطنية والعقيدة. صحيح أن عامة مرو لم يستسلموا بسهولة ولكن المقاومة لا تقتضي مثل تلك العقوبة.
علاء الدين تكش
والخطا الذين كان أتسز قد حرضهم على سنجر عبروا سنة 567 نهر جيحون وهاجموا ولده أرسلان وهزموه ولم يلبث أن مات بعد أن مرض خلال الحرب. وكان ولده الأكبر علاء الدين تكش غائباً عن العاصمة فتولى ولده الآخر سلطان شاه محمد، فلم يرض بذلك علاء الدين فتوجه إلى الخطا يستنصر بهم فنصروه فتغلب على أخيه.
وكان من الطبيعي أن يطالب الخطا بالثمن تحكماً وتسلطاً فأرسلوا وفداً إلى علاء الدين، يطالب أول ما يطالب بالمال فلم يستسلم علاء الدين، وزاد فقتل الوفد وفيه بعض أقرباء الملك. فعاد هذه المرة سلطان شاه يستنجد بدوره بالخطا فأنجدوه بجيش كثير حاصر خوارزم فلم ينجح في فتحها.
وامتدت بعد ذلك سلطة علاء الدين تكش إلى الري ومرو ونيسابور وهمذان وما إليها في أحداث عديدة. وبعد صدام مع الخطا استولى على بخارى سنة 594 وفي السنة 596 توفي خوارزم شاه تكش علاء الدين بن أرسلان، فتولى بعده ابنه محمد وتلقب بلقب أبيه علاء الدين وكان يلقب من قبل قطب الدين.
محمد بن تكش
واستطاع محمد بن تكش أن يصل بالدولة الخوارزمية إلى قمتها، كما أنها انحدرت على يديه إلى الهاوية. ويعتبر أشهر الملوك الخوارزميين، وإذا كان مرد هذه الشهرة في الأغلب هو ما لقيه من المغول ثم النهاية التي انتهى إليها، فإن لهذه الشهرة عوامل أخرى غير ذلك، منها أنه حكم مستقلاً عن السلاجقة وغير السلاجقة، ومنها أفاعيله في الخطا، ومنها توسيعه رقعة المملكة حتى لقد امتدت بحسب التقسيم الجغرافي الإسلامي القديم من حد العراق إلى تركستان، ودخل فيها بلاد غزنة وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبل وخراسان وبعض فارس وبعض الهند.
على أننا نستطيع القول: إنها كانت تمتد من إيران إلى فرغانة، ومن بحر أرال إلى منابع نهر الأندلس. وكانت عاصمتها (جرانج) الواقعة على نهر (أموداريا) وهو ما عرف باسم (جيحون). ولا تزال أطلالها بادية في ضواحي مدينة (كن أورمنش) في جمهورية تركمانيا.
ويقول ابن الأثير: «لم يملك بعد السلجوقية احد مثل ملكه». ويقول صاحب «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب»: «قيل إن جيش علاء الدين بلغ أربعمائة ألف مقاتل».
وفي سنة 602 صانع الخطا بأن سلمهم ترمذ ولكن لم تجئ سنة 604 حتى كان يعبر نهر جيحون ليهاجم الخطا أنفسهم بعد أن كان قد بلغ من اتساع الملك وكثرة الجند حداً كبيراً. وكان الخطا منذ هزيمتهم للسلطان سنجر الهزيمة الحاسمة قد فرضوا سيطرتهم العادية والمعنوية على البلاد الإسلامية المجاورة وجبوا منها الأموال وأذلوا الناس.
وكان خان خانان حاكم سمرقند وبخارى ممن أرهقهم حكم الخطا ففاوض خوارزم شاه باسم الحمية الدينية في التحالف عليهم وأن يؤدي إليه ما يؤديه إليهم من الأموال وأن يذكر اسمه في الخطبة في بلاده.
بين علاء الدين محمد والخطا
فاقتنع علاء الدين بذلك وانصرف أول ما انصرف إلى تقوية أمره داخلياً في خراسان فغير وبدل في الإدارة وأعد العدد وجمع الجند والتقى بحاكم سمرقند للتشاور والتعاهد مما لم يكن خافياً على الخطا الذين أدركوا ما وراء ذلك من تهديد لهم فأسرعوا إليه وعبر هو جيحون إليهم فكانت وقعات كثيرة يوماً لهؤلاء ويوماً لهؤلاء.
وانهزم المسلمون في إحدى المعارك هزيمة منكرة أسر فيها خوارزم شاه نفسه دون أن يعرف آسروه حقيقته، وبهذا الجهل استطاع التخلّص من الأسر. وخلال افتقاده تقاسم ولاته وبينهم أخوه علي شاه حكم الولايات وألغوا اسمه من الخطبة، فلما نجا من الأسر أخمد الحركات المضادة وعاد إلى السيطرة الكاملة وسطا بعنف وكان فيمن أمر بقتلهم أخوه علي شاه وغياث الدين محمود الغوري الذي انتهى به ملك الغورية.
وصفت خراسان من جديد لخوارزم شاه محمد سنة 605 وعاود سنة 606 عبور نهر جيحون لملاقات الخطا الذين استعدوا لقتاله بجموعهم، فمضى إليهم مع حليفه سلطان سمرقند وبعد المعارك الحنيفة انهزم الخطا وأسر كبيرهم. فمضى خوارزم شاه في بلاد ما وراء النهر يملكها «مدينة مدينة وناحية ناحية» حتى بلغ «أوزكند» وأقام نوابه فيما استولى عليه من مدن وعاد إلى خوارزم، كما عاد حاكم سمرقند إليها مصحوباً بمندوب من خوارزم شاه.
انفصام الوحدة
ويبدو أن الخوارزميين لم يحسنوا السيرة في سمرقند وأنهم أسرفوا في العسف مضافاً إلى ما وجد نفسه فيه صاحب سمرقند من عدم انفراد بالحكم ومشاركة الخوارزميين له فيه، ما أدى إلى أن ينسى حميته الأولى التي دفعته إلى الاستنجاد بالمسلمين على الوثنيين، فعاد الآن يستنجد بالوثنيين على المسلمين. وهكذا كان أولئك الحكام جميعاً يكونون مخلصين بقدر ما يتفق الإخلاص مع مصالحهم فإذا تعارضا عادوا لا يبالون بشيء.
وأول ما فعله خان خانان أنه أمر بقتل كل من في سمرقند من الخوارزميين سواء منهم الساكنون فيها منذ القديم أو ممن أتوها حديثاً وغالى بالفظائع فكانوا يقطعون الرجل قطعتين ثم يعلقونه في الأسواق. واستمر في العسف حتى إنه قصد إلى زوجته ابنة خوارزم شاه ـ وكان قد تزوجها بعد النصر على الخطا ـ وأراد قتلها فسدت دونه الأبواب مع جواريها وأرسلت إليه متوسلة بأنها امرأة ولا ذنب لها فخلى عنها.
ولما بلغت الأخبار إلى خوارزم شاه ثار لذلك ثورة عنيفة وأراد أن يقتل كل من في خوارزم من الغرباء، سمرقنديين وغير سمرقنديين فكانت أمه أكثر رحمة منه فنهته عن ذلك وحين همّ بالسمرقنديين وحدهم أصرّت على نهيها فأطاعها.
وكم يشبه هذا التصرف ما يجري بين الحكام العرب في هذا العصر. عندما يفسد ما بينهم فيصبون جام غضبهم على من يسكن بلدهم من رعايا مغاضبيهم فيأمرونهم بالرحيل حالاً دون ذنب اقترفوه.
وساق خوارزم شاه على سمرقند حملة ضخمة سار هو على رأسها فافتتحها وأذن لعسكره بالنهب والقتل فاستمر ذلك ثلاثة أيام حتى لقد قيل بأن عدد القتلى بلغ مائتي ألف قتيل.
أربعة شعوب تتلاقى
هنا تتداخل الأمور وتبرز شعوب جديدة وتظهر عوامل جديدة، وتبدأ الخطوات الأولى للاحتكاك بين تلك الشعوب التي يجاور بعضها بعضاً ويتحفز بعضها للانقضاض على البعض الآخر، فنحن الآن أمام أربعة شعوب يجعلها ابن الأثير ثلاثة ويجعل أحدهما ذا وجهين. ولكنها في الحقيقة أربعة لا ثلاثة، فابن الأثير كغيره من قدامى المؤرخين العرب يجعل المغول والتتار شعباً واحداً.
نحن هنا الآن أمام: الخوارزميين، الخطا، التتر، المغول.
الخطا: الهازمين من قبل للمسلمين، المتقاضين منهم الجزية، ثم المنهزمين أمام علاء الدين محمد خوارزم شاه.
التتر: المعادين للخطا.
الخوارزميين: المنتصرين على الخطا.
ويأتي في النهاية المغول: الذين لم يكونوا قد برزوا إلى المسرح بروزاً كاملاً، ثم يبرزون معادين للتر.
ولا بد لنا من وقفة للتمييز بين التتر والمغول الذين اعتبرهم مؤرخو العرب القدامى جنساً واحداً كما قلنا من قبل، فهم يعبرون ـ مثلاً ـ عن جنكيز خان وقومه بالمغول تارة وبالتتر تارة أخرى.
وابن الأثير يقول عن أحداث خوارزم شاه والخطا والتتر والمغول: إن التتر بقيادة ملكهم كشلي خان كانوا أعداء الخطا. ثم لا يلبث أن يقول ما نصه: «ثم اتفق خروج التتر الآخر الذين خربوا الدنيا وملكهم جنكيز خان النهرجي على كشلي، خان التتر الأول».
فهم كلهم عنده تتر وللتمييز بينهم يصنفهم: بالأول والآخر.
وفيما نرى: إن التتر في الأصل فرع من المغول خرجوا منهم، ثم انفصلوا عنهم مع الزمن انفصالاً تاماً جعلهم شعباً مستقلاً لا تربطه بالمغول إلاّ رابطة الأصل الواحد البعيد. وإن ظل يجمعه بهم تشابه الملامح وتقارب بعض الخصائص، وبذلك يكون كشلي ملك التتر، ولا حاجة لابن الأثير أن يعبر عنه بقوله: «التتر الأول»، ويعبر عن قوم جنكيز خان: «بالتتر الآخر». فكما أن كشلي ملك التتر فإن جنكيز خان ملك المغول.
تجاذب خوارزم شاه
كان علاء الدين محمد خوارزم شاه قد أصبح قوة ضخمة يخشى بأسها ويحسب لها ألف حساب، وتسعى مختلف القوى للتحالف معها، وهذا ما حدث فعلاً عندما حفزت هزيمة الخطا أمام خوارزم شاه التتر بقيادة ملكهم كشلي خان لقصد الخطا ثأراً لما بينهم وبينه من عداء متصل. وتناسى الخطا ما كان من هزيمتهم أمام خوارزم شاه واحتلاله لبلادهم ففاوضوه على أن يتعاونوا معاً في قتال التتر. وحذروه بأن التتر لا بد مهاجموه إذا انتهوا من الخطا. وفعل التتر الفعل نفسه.
وأرادوا خوارزم شاه على محالفتهم على الخطا مشيرين إلى ما بينهم وبين أسلافه وبينه من تراث … فأراد خوارزم شاه أن يستغل الموقف فأوهم كلاً من الفريقين بأنه معه وسار بجيوشه فنزل قريباً من الفريقين موهماً كلاً منهما بمناصرته له، وما هي أن نشبت الحرب ورأى الخطا يأخذون في الانهزام حتى مال عليهم يقتل ويأسر وينهب حتى كاد يبيدهم، وأرسل إلى كشلي يمن عليه بما صنع، فاعترف له كشلي بذلك ولكنه طلب إليه أن يقاسمه بلاد الخطا التي احتلها خوارزم شاه. فأبى ذلك خوارزم شاه ووقع الشر بينهما فكان خوارزم شاه يتحامى مواجهته حرباً إلى أن ظهرت القوة الأخرى قوة المغول بقيادة جنكيز خان التي هددت التتر فانشغلوا عن خوارزم شاه الذي تسلل عابراً نهر جيحون إلى خراسان.
ولم تتجاوز هذه الأحداث سنة 604 وهكذا كان الموقف العام سنة 604 ملائماً لخوارزم شاه حيث ظهر جنكيز خان منافساً لكشلي فكان في ذلك نجاة لعلاء الدين محمد بن تكش. وتنقضي على ذلك ثلاث عشرة سنة يختفي فيها ذكر هذه الشعوب المتنافسة.
مطامع خوارزم شاه
كانت لشاه خوارزم علاء الدين محمد بن تكش مطامع واسعة. وكان من مطامعه، ولنا أن نقول من مطامحه: أن يدوي اسمه في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ويعبّر ابن الأثير عن ذلك بقوله في الكامل: «كان يهوى أن يخطب له في بغداد ويلقب بالسلطان»، ولا شك أن ما سبق وحدث في بغداد قد أغراه بهذا (الهوى) فمن قبل خطب للبويهيين ثم للسلجوقيين مقرونة أسماؤهم بأسماء الخلفاء.
ولكن الأمر هذه المرة كان على غير ما كان عليه أيام البويهيين والسلاجقة، فالفريقان استغلا ضعف الخلافة وهوان الخلفاء، ففرض كل منهما نفسه فرضاً على بغداد بقوة الساعد ونفوذ السيف.
أما اليوم فإن الخليفة (الناصر لدين الله) قد حرّر عاصمته وحرّر نفسه من كل نفوذ آخر، وبسط سلطته بسطاً واسعاً، وأعاد للخلافة الكثير من بريقها الماضي وهيبتها السالفة، مما جعله يعرض عن (هوى) شاه خوارزم ويرده رداً حاسماً.
وأكثر من ذلك فقد كان إذا ورد (الشاه) بغداد لا يعامل المعاملة التي يرى أنه يستحقها. يقول ابن الأثير: «وكان سبيله إذا ورد بغداد أن يقدم غيره عليه ولعل في عسكره مائة مثل الذي يقدم سبيله عليه، فكان إذا سمع بذلك يغضبه».
الجيوش توجه إلى الأهل
في الحين الذي كان (مبعوث السماء) يحشد قومه على حدود خوارزم ويثير فيهم الروح العسكرية الطاغية، وينظم جيشه تنظيماً دقيقاً كان خوارزم شاه مشغولاً بالحصول على الألقاب ومتلهياً بطلب اسمه على منابر بغداد. بل كان العالم الإسلامي كله متمزقاً يقاتل بعضه بعضاً ويثب فيه القوي على من يحسبه أضعف منه، وما خوارزم شاه إلاّ مثال لغيره من المتسلطين في تلك الأيام. وتذكر شاه خوارزم أنه قوي وأن السلاجقة وقبلهم البويهيون قد لجأوا إلى القوة فكانوا أصحاب السلطة في بغداد يتلقبون بما يشاؤون ويضعون أسماءهم حيث يريدون، فقرر التشبه بهم والزحف على بغداد. ولكن الثلوج أعاقت تقدم جيوشه وأبادت منها ما أبادت، فأوقف الزحف راجعاً إلى خراسان.
ولم يكن أمر المغول خافياً عليه، ولا كانت أهدافهم مجهولة منه، ومع ذلك تخلى عن الإعداد لهم ووجه جيوشه إلى بغداد، والدليل على ذلك أن ابن الأثير يقول وهو يصف ما حل بالجيوش الخوارزمية المنطلقة إلى بغداد: (ومات كثير منهم وطمع فيمن بقي بنو ترجم الأتراك وبنو هكار الأكراد فتخطفوهم فلم يرجع منهم إلا اليسير، فتطير خوارزم شاه من ذلك الطريق وعزم على العودة إلى خراسان خوفاً من التتر).
إذاً فالخوف من التتر كان وارداً في ذهنه، ماثلاً أمام عينيه، ومع ذلك ساق الجيوش إلى بغداد ليفوز بترديد اسمه على منابرها.
وعاد علاء الدين إلى بلاده وظل هاجسه الانتقام من الخليفة الناصر لدين الله لما ألحقه به من مهانة فلم يجد أفضل من أن يعامله بمثل ما عامله الناصر، لذلك قطع الخطبة باسم الناصر فيما تحت يده من بلاد.
ظل هاجس بغداد في ذهن محمد بن تكش شاه خوارزم. على أن شيئاً جديداً طرأ عليه جعله ينصرف عن بغداد وعن فشله في الوصول إلى السلطة فيها، وفشله في الزحف عليها وعوده إلى بلده خائباً.
شيء جديد طرأ عليه هو وصول وفد مغولي أرسله إليه جنكيز خان مؤلفاً من ثلاثة رجال من المسلمين المتعاونين مع جنكيز على رأسهم محمود الخوارزمي ـ الذي سيغلب على لقبه الخوارزمي فيما بعد لقب (يلواج) فيشتهر باسم محمود يلواج، والاثنان الآخران هما: علي خواجه البخاري ويوسف كنكاي الأتراري.
ومن ألقاب هؤلاء الثلاثة (خوارزمي) و(بخاري) و(أتراري) ندرك أن رجالاً من البلاد الإسلامية كانوا في خدمة جنكيز، وكان بعضهم رسله المعتمدين منه إلى شتى البلدان، وسنرى عندما نتابع الزحف المغولي الجنكيزي على البلاد الإسلامية أن بعضهم كانوا ادلاءه في طرق الزحف، وأنهم وهم من أبناء البلاد الخبيرين بمسالكها ومعابرها قد مهدوا له سبل السير وأوضحوا له ما كان يمكن أن يغمض عليه من الدروب والطرق.
كان رئيس الوفد الجنكيزي مواطن خوارزمي من رعايا شاه خوارزم محمد بن تكش، والآخر (الأتراري) هو خوارزمي أيضاً، فأترار من لواحق خوارزم. والثالث (البخاري) غير بعيد في مواطنيته عن خوارزم.
هذا الشيء الجديد على شاه خوارزم هو أولاً وصول هذا الوفد، ثم ما يحمله هذا الوفد من عروض تستدعي التفكير العميق والدرس الرزين.
قدّم الوفد أولاً ما يحمله من هدايا ثمينة، منها: الذهبيات والفضيات وقبضات السكاكين المصنوعة من عظام (الخُتّو)([507]) والمسك والأحجار الكريمة والثياب المعروفة باسم (طرقو)([508]) وغير ذلك.
ثم عرض على شاه خوارزم الغاية من قدومه، وهي إحلال السلام بين المملكتين الجارتين: المملكة المغولية والمملكة الخوارزمية ووقف العداء بينهما وإبداله بالصلح والتقارب.
وأبلغ الوفد شاه خوارزم محمد أن الخان الكبير لا يجهل عظمة مقامه وقوته وعظمة بلاده واتساعها ونفوذ كلمته في الدول، لهذا رأى من الواجب عليه أن يتقدم إليه بطلب التصالح وأنه يعتبره كأعز أبنائه.
ثم أبان له عن لسان الخان بأنه لا يطلب ذلك عن ضعف بل عن قوة فهو قد سيطر على الصين وبلاد الأتراك المجاورة لها، وأعلن أهلها الطاعة له. وأن شاه خوارزم يعلم أكثر من غيره ما يملكه الخان من جيوش قوية، كما أن بلاده كثيرة المعادن فهو لا يطمع ببلاد غيره.
وأصغى محمد إلى هذه الأقوال دون أن يجيب عليها. ولكنه رغب بالانفراد بمحمود الخوارزمي، لا باعتباره رئيساً للوفد، بل باعتباره مواطناً خوارزمياً تهمه مصلحة بلاده.
وصارحه بذلك قائلاً إنك من أبناء خوارزم فلا شك أنك لا تنسى المودة بيننا، ووعده بالإنعام عليه وشموله بفضله وإحسانه إذا هو صارحه بالحقيقة كما هي.
وعاجله بالإحسان إليه بأن اقتطع جوهرة من الجواهر المعلقة في ساعده وأهداها إليه. ثم أعلنه أنه يريده عيناً له في بلاد جنكيز يوافيه بأسرار هذا البلاط وبكل ما يفيده في محاولاته مع صاحب البلاط.
فأظهر محمود موافقته على ذلك، أظهرها رغبة أو رهبة؟. هذا ما لا يدريه أحد ….
وكان أول ما يريد محمد أن يتأكد منه، هو صحة ما يدعيه جنكيز من استيلائه على الصين وسيطرته على عاصمتها.
فأكد محمود ذلك وقال إن مثل هذا الأمر الخطير لن يخفى، وستصل أخباره إليه قريباً.
وكان أكثر ما أثار شاه خوارزم هو قول جنكيز عنه بأنه يعتبره كأحد أبنائه لذلك رد على تأكيدات محمود قائلاً له:
إنك من أعلم الناس بسعة بلادي وكثرة جنودي، فمن هو هذا اللعين الذي جعلني من أبنائه، وما هو عدد جنوده؟!!
ولما رأى محمود الغضب في كلام شاه خوارزم وعلى وجهه، أدرك أنه قد أثاره بما صارحه به، وخشي عاقبة ذلك، وخاف بأن يحسب محمد ذلك توهيناً له وإضعافاً لمعنوياته، فتدارك الأمر قائلاً: إن جميع أعداد جيش جنكيز خان هم كقطرة ماء أمام عظمة جيوش السلطان، أو كدخان في الظلام.
وانتهى الأمر بأن وافق شاه خوارزم على مقترحات جنكيز خان، وعلى أن يسود السلام ويعم الصفاء بين الفريقين. وعاد محمود الخوارزمي ووفده إلى جنكيز بهذا القرار([509]).
ومنذ ذلك اليوم تبدل اسم محمود الخوارزمي إلى محمود يلواج، أي محمود الموفد (المندوب، الرسول)، ثم صار من أركان البلاط الجنكيزي. وبعد تحطيم مملكة شاه خوارزم واستيلاء جنكيز عليها ظل محمود يلواج على مكانته عند جنكيز، معتبراً من أركان الدولة المغولية الجنكيزية.
وبعد وفاة جنكيز سنة 624 وحلول ابنه أوغتاي مكانه واستيلائه على بلاد الخطا (الصين الشمالية)، عهد أوغتاي إلى محمود يلواج بتولي الحكم في تركستان وخوارزم وما وراء النهر، مضافاً إلى الصين الشمالية.
فتقاسم محمود حكم هذه الأرض الواسعة مع ابنه برهان الدين مسعود، فتولى هو حكم الصين الشمالية، وولى ابنه على بلاد الأويغور والختن وكاشغر وسمرقند وبخارى وخوارزم.
لا شك أن محموداً هذا رجل غير عادي، وقد كان من أبرز رجال العهد الجنكيزي وما بعده. على أن ابتداء أمره وانتهاءه غير معلومين بصورة صحيحة. ومع أن كبار المؤرخين من أمثال النسوي وعطا ملك الجويني ورشيد الدين فضل الله الهمذاني قد أشاروا في مؤلفاتهم إلى عصر حكومة يلواج في الخطا ولكنهم لم يعطوا معلومات كاملة عن اسمه ولقبه ونسبه.
على أن مؤرخاً واحداً هو عبد الرزاق المعروف بابن الفوطي يذكر نبذة عن حياته في كتابه (معجم الألقاب) عند ذكر لقب (فخر الدين) فيقول ما مضمونه:
«فخر الدين أبو القاسم محمود بن محمد المعروف بيلواج الخوارزمي وزير القاءان ومن كبار رجال حكومة جنكيز خان ومن كبار وزراء ذلك العصر. كان يدير مملكة المغول في الجانب الشرقي، ونظّم بتدبيره دول تركستان والخطا وما وراء النهر وخوارزم. وكان يكتب المغولية والأيغورية والتركية والفارسية جيداً. ويتكلم الصينية والهندية والعربية. ولا مثيل له في الفهم والذكاء والمعرفة. وبتدبيره انتظمت ممالك المغول. واستمر الحكم في مملكة الخطا طوال عهد أوغتاي (624 ـ 639).
ولما توفي أوغتاي سنة 639 وانتقلت السلطة إلى زوجته (توراكينا خاتون) حاولت أن تقتل محمود يلواج وابنه مسعود بيك وأن تصادر أموالهما. ولكنهما استبقاها والتجآ إلى آخرين من أمراء المغول. فكان أن اختارت توراكينا خاتون رجلاً آخر لحكومة الخطا بدلاً من محمود يلواج هو عبد الرحمان. وظل محمود وابنه مسعود بلا عمل فترة من الزمن».
ويبدو أن محموداً توفي في الفترة التي انقضت بين وفاة أوغتاي وتشكيل المجلس الذي انتخب (غيوك) خان سنة 643 لأن اسم ابنه مسعود بيك كان بين أسماء ممثلي المناطق الخاضعة للمغول، الذين ساهموا في اجتماعات المجلس، بينما لم يرد اسم محمود بين تلك الأسماء، على ما ورد في كتاب (جامع التواريخ) طبعة بلوشه في الصفحة 242 وكتاب (جهانكشاي) ج 1 ص 205.
يبدو أن فخر الدين محمود يلواج كان مقصداً للشعراء المدّاحين، فإن الشاعر ضياء الدين الخجندي المتوفى سنة 622 وهو من الشعراء المشهورين في عصره قد أنشده القصائد المدحية الكثيرة، ومنها القصيدة التي رواها عنه تقي الدين الكاشي في تذكرة (خلاصة الأشعار).
ويرى عباس إقبال فيما كتبه عن محمود يلواج في العدد الثاني من السنة الثانية([510]) من مجلة كلية الآداب في الصفحة 66 وما يليها حتى الصفحة 69 أن جنكيز وأولاده كان اعتمادهم في القتال على العساكر المغولية والتركية وشجاعة قادة جيوشهم. ولكنهم ـ وهم محرومون من الحنكة الإدارية، وبعد أن تم لهم فتح ما فتحوه من البلاد الواسعة الممتدة من سواحل الصين حتى قلب روسيا وحدود الشام ـ كان لا بد لهم من الخبراء في إدارة الحكم من محاسبين وقضاة وإداريين وغير ذلك، فلجأوا في حكمهم للصين وإيران وما وراء النهر وخوارزم حتى روسيا إلى الوزراء والكتاب من غيرهم، وعهدوا أكثر ما عهدوا في شؤون السكرتارية إلى الأويغوريين.
وإن الذين استعملهم المغول في الإدارة العامة من الوزراء والأمناء وغيرهم كانوا ممن مارس الأعمال الإدارية للخوارزميين وغيرهم (انتهى) ([511]).
ومهما يكن من شيء فإنه يجب التمييز بين الذين استجابوا لرغبة المغول في الاستفادة من خبراتهم بعد استقرار الحكم المغولي، وبين الذين كانوا أعواناً للمغول في الفتح، فكانوا موفديهم وأدلاءهم ونصحاءهم وعملاءهم والممهدين لهم.
إن المفترين على الشرفاء الأبرياء يتجاهلون هذه الزمرة من الخونة الواضحة خيانتها، ويحوكون المفتريات على الذين ظلوا حتى آخر نفس من أنفاسهم أولياء لوطنهم وأمتهم!…
علاء الدين ومبرر الهجوم
لم يكن جنكيز خان بحاجة لمبرر، لكي يقذف بفيالقه التي أعدها أحسن إعداد إلى البلاد الإسلامية، ومع ذلك فإن خوارزم شاه قد أعطاه المبرر وفتح له الباب ليلج منه جباراً طاغياً بقومٍ متعطشين إلى الدم، متحفزين لكل شر.
ربما كان جنكيز خان سيزحف حتماً إلى بلاد خوارزم شاه، سواء أعطاه خوارزم شاه المبرر أم لم يعطه إياه.
ولكن الوقائع كانت في أول أمرها تتجه غير هذا الاتجاه، فإن جنكيز خان كان قد (فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان)، كما ينص ابن الأثير، وما أدرانا أن لو واصل جنكيز خان سيره، ولم تحوله أفعال خوارزم شاه عن خطه الأول ـ ما أدرانا ماذا كان يمكن للأقدار أن تفعل وماذا كان يمكن أن يطرأ على خطط المغول من تبديل وتغيير؟
ولكن تصرف خوارزم شاه الأهوج وموقفه غير المتسم بالحكمة والروية، والجشع والطمع الذين ملكاه. كل ذلك عجل بالصدام وجعله محتوماً وأدى إلى أن تكون مملكة خوارزم شاه هي الهدف الأول.
الوضع الاقتصادي المغولي
يبدو أن جنكيز خان كان بحاجة إلى أن يعد لرجاله كسوة تنقصهم في سيرهم الطويل نحو تركستان، فبعث بجماعات تحمل منتوجات بلاده لبيعها في مملكة خوارزم شاه، ثم تشتري بثمن ما باعت كسوة وتعود بها.
ويهمنا أن نعلم ماذا كانت بلاد المغول تصدر، بعد أن عرفنا ما تريد أن تستورد، وفي هذا ما يعطينا فكرة عن نوع التعامل بين البلاد في ذلك الزمن، وما يوضح أمامنا بعض ملامح الوضع الاقتصادي المغولي.
ومن حسن الحظ أن ابن الأثير قد أشار إلى ذلك إشارة عابرة، ولكنها ثمينة. فقد قال وهو يتحدث عن هذه القصة: «وسيَّر ـ أي جنكيز ـ جماعة من التجار الأتراك ومعهم شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما إلى بلاد ما وراء النهر: سمرقند وبخارى ليشتروا له ثياباً للكسوة».
وهكذا عرفنا خلو البلاد المغولية من صناعة النسيج وقيام اقتصادها على قواعد بدائية عمادها الصيد، وأن أقصى ما يمكن أن تصدره هو جلود الحيوانات المعدة فراء ثميناً([512]) أما النوع الآخر والذي يمكن اعتباره أكثر عراقة في البدائية، كما يمكن اعتباره عماد الاقتصاد العالمي على مر العصور، (النقرة)، فإنها حين تنهب من الشعوب ثم تذاب وتكدس ليقايض عليها بالكسوة، تكون في ذلك معرفة في البدائية الشرسة([513])….
وقد رأينا أن ابن الأثير قد أضاف إلى كلمتي: «القندر والنقرة» كلمة «وغيرهما» مما دل على أن في صادرات بلاد المغول غير هذين النوعين ولكن هذين النوعين هما الأساس، وغيرهما ثانوي قليل. وليت ابن الأثير سمى لنا ما قصد بغيرهما) إذن لزادنا بذلك معرفة على معرفة.
المال يعمي البصائر
هذه الصلات التجارية التي افتتح بها جنكيز خان روابطه مع مملكة خوارزم والتي كان يخيل للناظر أنها ربما كانت فاتحة علائق غير سيئة بين الطرفين، أصبحت فاتحة شر مستطير صار بمملكة خوارزم، وبعلاء الدين محمد بن تكش شاه خوارزم، ثم بما طالته أيدي المغول في تلك الفترة الرهيبة، إلى أفظع مصير ….
ذلك أن أولئك التجار مضوا إلى مملكة خوارزم، فوصلوا أول ما وصلوا إلى مدينة (أوترار)، وهي أول مدينة يصلها القادم إلى خوارزم، ومن البديهي أنهم كانوا من الكثرة بحيث يبرز وجودهم في (أوترار) بروزاً واضحاً، فلم يدعهم والي (أوترار) يؤدون مهمتهم بسلام، بل أرسل إلى علاء الدين يخبره بأمرهم وبما يحملونه من مال وافر. ويبدو أن بريق (النقرة) وصفاء (القندر) قد أعشيا عقل علاء الدين، وأن ما وصفت به تلك السبائك وتلك الجلود من الكثرة والوفرة قد غطى على بصيرته فلم يعد يفكر بغير الغنائم والأسلاب، ولم يعد يرى غير المال. فأرسل إلى واليه في (أوترار) يأمره بقتل التجار حملة الذهب والفضة ونقله الفرو الثمين، واحتواء جميع ما يحملونه وإنفاذه إليه (وكان كثيراً) ـ على حد تعبير المؤرخين ـ فنفّذ واليه أوامره فقتل التجار جميعاً وقبض ثرواتهم وأنفذها إلى خوارزم شاه فأسرع هذا ببيعها على تجار بخارى وسمرقند وقبض اثمانها.
ولا بد من القول أن جنكيز خان هو الذي أحيا اسم «المغول» الذي كان قد اندثر في منغوليا نفسها، ولفظ «مغول» لم يكن على عهد جنكيز خان سوى مصطلح رسمي، وكان مجهولاً تماماً لدى بقية الشعب. على أن توحيد جنكيز لهذا الشعب كان توحيداً لشعب بعيد عن الحضارة، فكان لا بد له قبل انطلاقه في غزوه من أن يفيد من الشعوب الأخرى.
ويقول «بارتولد» في كتابه «تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي» إن أول ممثلين للحضارة في بلاط جنكيز «وذلك قبل سنة 1203م» ممن وصلتنا حقائق بشأنهم هم بعض التجار المسلمين.
وقد كان لانتصار جنكيز خان على الصين بعد ذلك واحتلاله «بكين» سنة 1215م ـ أو سنة 1213م على اختلاف بين رأيين ـ كان لهذا الانتصار من الأثر في تركيز جنكيز وبلوغه المقام الرفيع ما لم يكن حتى لتوحيد القبائل المغولية.
وقد كان علاء الدين خوارزم شاه بعد فشله في الوصول إلى بغداد ـ عاد يتطلع نحو الشرق، فإذا كان قد فشل بهيبته ثم بجيشه في بلوغ عاصمة الخلافة فلماذا لا يصل إلى الشرق البعيد؟ لماذا لا تكون الصين مقصده فيخضعها لسلطانه الطموح؟ ولكنه وهو يحلم بذلك ويقلب الأمر على وجوهه، فوجئ بأن جاره المتنامي القوة جنكيز خان قد سبقه إلى الصين، وحلت جيوشه في «بكين»، فكان أكبر همه أن يعرف حقيقة هذا الجار وحقيقة القوى التي يعتمد عليها. وعلى ما يروي الجوزجاني فإن علاء الدين خوارزم شاه أرسل سفارة إلى جنكيز خان كان على رأسها بهاء الدين الرازي الذي تلقى منه الجوزجاني أخبار رحلة تلك السفارة. وكان جنكيز لا يزال في الصين عند وصول السفراء إليه، إذ إنه لم يعد إلى منغوليا إلا سنة 1216م فاستقبل الوفد بمظاهر الود، ومما قاله لهم إنه إذا كان يعتبر نفسه سيّد المشرق فإنه يعتبر علاء الدين محمد سيد المغرب، وهو يأمر بأن لا يقوم بينهما إلا الوئام والسلام، وأن يكون لتجار الفريقين حرية السفر والانتقال.
ثم رد على السفارة بسفارة مثلها أوفدها إلى علاء الدين خوارزم شاه، وعلى ما يروي النسوي في (سيرة جلال الدين) فإنه كان على رأس السفارة الجنكيزية محمود الخوارزمي (يلواج) وعلي خواجه البخاري ويوسف كنكا الأتراري، مما تقدم ذكره. وهكذا تعمد جنكيز أن يكون سفراؤه إلى الملك المسلم مسلمين.
وفي ربيع العام 1218م استقبل علاء الدين وهو في ما وراء النهر سفراء جنكيز، وكانت رسالة جنكيز كما يصفها النسوي: تشتمل على طلب المسالمة والموادعة وسلوك مسالك المجاملة. وقالوا: «إن الخان الكبير يسلم عليك ويقول ليس يخفى عليّ عظيم شأنك وما بلغت من سلطانك، ولقد علمت بسطة ملكك وإنفاذ حكمك في أكثر أقاليم الأرض، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثل أعز أولادي. وغير خاف عليك أيضاً أنني ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لي قبائلهم وأنت أخبر الناس بأن بلادي منارات العساكر ومعادن الفضة، وأنها لغنية من طلب غيرها، فإن رأيت أن تفتح للتجار في الجهتين سبيل التردد عمّت المنافع وشملت الفوائد».
ومع أنه لم يعجب علاء الدين اعتبار جنكيز له كأحد أولاده، فإننا نفهم مما ذكره النسوي أن جواب علاء الدين كان إيجابياً، وأن جنكيز سرّ به.
ولكن الذي حدث هو أن جنكيز ـ كما ذكرنا فيما تقدم ـ أرسل قافلة تجارية كبيرة كان كل رجالها من المسلمين ـ كما يروي الجويني ـ وأنها كانت تضم في مجموعها 450 رجلاً يذكر النسوي أنه كان على رأسهم كل من: عمر خواجة الأتراري والجمال والمراغي وفخر الدين الديزكي البخاري وأمين الدين الهروي.
أما ابن الأثير فلا يحدد عدد رجال القافلة ولا يذكر دينهم ويكتفي بالقول إنهم أتراك، كما لا يذكر مما حملوه من البضائع إلا النقرة والقندس ثم يردف ذلك بكلمة وغيرهما. أما الجوزجاني فيقول إن القافلة كانت تحتوي على خمسمائة جمل محملة بالبضائع من الذهب والفضة والحرير الصيني وثياب الترغوفر والقندس والسمور وغيرها من الأشياء.
واتفاقاً مع رواية الجويني فإنه يغلب على الظن أن القافلة قد غادرت منغوليا في وقت واحد مع السفارة فبلغت مدينة الحدود «أُترار» بعد قليل من مغادرة السفراء لأملاك علاء الدين خوارزم شاه. وتدل نصوص ابن الأثير على أن جنكيز حين أرسل القافلة كان متجهاً بجيشه إلى نواحي تركستان وأن الغرض من إرسال القافلة هو أن يبيع تجارها ما يحملونه من بضائع، ثم يشتروا بثمن ما باعوه كسوة كان يحتاجها رجال جنكيز في سيرهم الطويل نحو تركستان.
ويقول عطا ملك الجويني في كتابه «جهانشكي»: «كان جنكيز قد بعث مع التجار رسالة إلى السلطان يقول فيها: إن الحدود بيننا قريبة وقد كشفها العدو واستخلصناها كلها، ويقتضي منك حق الجوار بالعقل الإنساني الرزين الذي على الطرفين تعهده ومراعاته، وعلينا أن نلتزم جانب المعاونة إذا وقعت الواقعة لأحدنا، وأن نسهل أمر المسالك والممالك ريثما ينتهي التجار من وضعهم ويعودون سالمين».
ويعلق عطا ملك على ذلك قائلاً: «ومع ذلك فإنه لم ينتصح بما قاله له ولم يعره التفاتاً بل قتل الرسول».
ومن النصوص التي مرت تتضح لنا أنه كان بين رعايا جنكيز من هم مسلمون، وأن جنكيز قد اختار مرسليه من التجار المسلمين لما يربطهم برعايا علاء الدين خوارزم شاه، وبعلاء الدين نفسه من روابط دينية، وأن علاء الدين لم يتوان مع ذلك عن الأمر بقتلهم وسلبهم.
وعندما نفذ جنكيز وعيده واقتحم خوارزم ووصل إلى مدينة «أُترار» انضم إليه نائب السلطنة في المدينة واسمه بدر الدين العميد، وقد حصل منه جنكيز على معلومات مفصلة عن الأحوال السياسية في البلاد.
وفضلاً عن ذلك فقد كان مع جنكيز ثم مع أبنائه أيضاً عدد من التجار المسلمين عملوا على تعريف المغول الأحوال في كل موضع.
ومزورو التاريخ، المفترون على الأبرياء يتجاهلون كل هؤلاء الخونة.
وجهاً لوجه
لو أن الفطنة التي لمعت في ذهن خوارزم شاه بعد أن قتل تجار المغول، كانت قد ومضت له قبل أن يفعل فعلته لاعتبر قائداً حكيماً، يعرف كيف يزن خطواته ويعالج متاعبه. ولكن الحذر الذي بدا أنه يتجلى به جاء متأخراً جداً. فإنه بعد أن أمر واليه في (أوترار) بقتل موفدي جنكيز ومصادرة أموالهم دون ترو وتفكير في العواقب، وبعد أن أوقع الواقعة بينه وبين الطاغية، دون النظر إلى قوته وتقدير تلك القوة، ومدى مقدرته على مقاومتها واستطاعته الوقوف في وجهها، عاد يفكر فيما كان يجب أن يفكر فيه من قبل، عاد يفكر حين لم تعد فائدة من التفكير ….
إذاً إنه أرسل جواسيسه إلى جنكيز خان يتحرون له حقيقة قوة هذا المتحفز للانتقام المتربص به ساعة الانقضاض، وليروا بأعينهم صدى ما جرى على تجاره وموفديه من قتل وسلب، وماذا يبدو أنه يريد أن يفعله رداً على ما جرى.
ومضى الجواسيس ثم عادوا بعد رحلة بعيدة شاقة حاملين صورة رهيبة لما رأوا ما سمعوا. ولكي نترك الصورة على ما عرفها سامعوها يومذاك ندع كلمة ابن الأثير تظهر كما هي حين قال يصف عودة الجواسيس: «…. فعادوا بعد مدة طويلة وأخبروه بكثرة عددهم وأنهم يخرجون عن الإحصاء وأنهم من أصبر خلق الله على القتال، لا يعرفون هزيمة، وأنهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم».
وهكذا نرى أنه قد تجمع للمغول كل مقومات الجيش المستضري، كثرة عدد، وصبر على الشدائد وتمرس بالحروب، وتعود للنصر، واكتفاء ذاتي بالسلاح. وهي صفات مخيفة حقاً جعلت خوارزم شاه في وضع يقول عنه ابن الأثير: «فندم خوارزم شاه على قتل أصحابهم وأخذ أموالهم. وحصل عنده فكر زائد».
استشارات
فرأى أن يستشير أهل الرأي فيما ينبغي عمله، وقسم الاستشارة إلى نوعين: استشارة فردية لشخص يعينه كان يثق به ويطمئن إليه، يبدو أنه كان بمثابة مستشاره الدائم لدى الأزمات، وهو الشهاب الحوفي.
واستشارة جماعية لأمرائه ورجاله مجتمعين. ويصف ابن الأثير المستشار الشخصي لخوارزم شاه بأنه: «فقيه فاضل كبير المحل عنده لا يخالف ما يشير به».
فالصفة الأولى للرجل هي أنه فقيه، ولكن الاعتماد على آرائه لا يدل على أنه فقيه متواكل متكاسل متخاذل، مكتف من الفقه بمواعظ يرددها وأحكام يطلقها، بل هو الفقيه العالم ـ كما يريده الإسلام ـ رجل العلم والعمل والجد والمشاركة في الشؤون العامة مشاركة صحيحة سليمة.
وحين نرى ما أشار به ندرك أنه كان أهلاً للثقة التي وضعها فيه خوارزم شاه،وأنه ليس عالماً مفكراً فحسب، بل هو أيضاً مخطط عسكري ومثير حربي، لا نستطيع على بعد ما بيننا وبينه إلا أن نحترم آراءه.
ولا نشك أبداً بأن خوارزم شاه لم يستشره في فعلته الأولى، وأنه لو استشاره لما أشار بقتل الوفد التجاري المغولي والاستيلاء على أمواله. ففضلاً عما في هذا الرأي من منافاة لدين الفقيه وأخلاقه فإنه مناف للسداد والحكمة والصواب مما لم يكن يخفى على الشهاب الحوفي.
لقد كان من رأي المستشار خطة لا هي بالهجوم المحض ولا بالدفاع المحض، بل هي بينهما، وإن كانت في النهاية تقضي إلى الدفاع لا إلى الهجوم.
لقد كان من رأي الشهاب أن يستنفر خوارزم شاه الأطراف ويجمع العساكر أو بالأحرى أن يعلن ما نسميه في مصطلحنا الحديث: «التعبئة العامة». ثم تتحرك الجيوش في اتجاه أرض المغول حتى تصل نهر (سيحون) وهو النهر الكبير الفاصل بين المغول والخوارزميين، وعلى ضفة النهر ترابطج القوى الخوارزمية جاعلة من النهر حائلاً مائياً بينها وبين أعدائها، تاركة محاولة العبور الشاقة للعدو بعد أن تكون قد سبقت إلى الضفة فاستراحت منتظرة وصول العدو المتعب المكدود فتقاتله مستريحة.
أما رأي العسكريين والإداريين فقد كان على العكس من ذلك، لقد كان رأياً دفاعياً محضاً، يرى بأن يترك العدو يعبر النهر، ثم يوغل في الجبال والمضايق فيكون في طريق يجهلها، بينهما يعلمها الخوارزميون.
الصدام المروع
على أن جنكيز خان قطع عليهم الحوار بمجموعة من رجاله أوفدها إليهم حاملة إلى خوارزم شاه التهديد والوعيد، قائلاً: «تقتلون أصحابي وتأخذون أموالهم استعدوا للحرب فإني واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به». فقبض خوارزم شاه على رئيس الوفد فقتله وأمر بحلق لحى الباقين وأعادهم إلى جنكيز خان يخبرونه بما حدث لهم ولرئيسهم ويقولون له إن خوارزم شاه سائر إليك كي يلحقك بأصحابك.
وهكذا أصبح خوارزم شاه ملزماً بالزحف إلى عدوه محاولاً مباغتته وأخذه على غرة وظل في سيره أربعة أشهر حتى انتهى إلى ديار المغول فلم يجد فيها المقاتلة، بل وجد النساء والصبيان والأطفال فغنمهم، وغنم ما في ديارهم، وقبل أن يقفل راجعاً، كان الخبر قد وصل إلى المغول الذين كانوا قد تركوا ديارهم في غزو لهم لبعض الأتراك عادوا منه منتصرين، فاسرعوا عائدين إلى ديارهم فأدركوا فيها الخوارزميين، فاشتبكوا معهم في قتال عنيف دام ثلاثة أيام بلياليها وسقط فيها ما لا يحصى من القتلى، وصبر الفريقان وثبتا لا يحولان.
لم يكن الجيش الذي اصطدم بالخوارزميين هو الجيش الرئيسي، ولا كان في قيادته جنكيز نفسه، بل كان الجيش بقيادة ولده، وكان جنكيز لم يصل بعد. وبلغ عدد قتلى الخوارزميين في هذه المعارك العشرين ألف قتيل.
وأيقن الفريقان أن أحدهما لن ينال من الآخر منالاً، وأن كلاً منهما صامد صابر لا يستطيع عدوه أن يكسب النصر عليه. وحين أقبل الليل عزم كل منهما على الانسحاب دون أن يشعر الفريق الآخر بذلك لئلا يتعقبه فيحيل انسحابه إلى هزيمة، ولذلك عمد المغول إلى إيقاد نيرانهم وتركوها منسحبين، وكذلك فعل الخوارزميون.
الهزيمة النفسية
وإذا كانت هذه المعارك لم تنته بهزيمة خوارزم شاه العسكرية، فإنها انتهت بهزيمته النفسية.
أما الخطة الجديدة التي باشر خوارزم شاه تنفيذها فقد كانت خطة انهزامية بحتة، كانت تقضي هذه الخطة بعدم الاصطدام بالمغول بنفسه، فانسحب إلى بخارى مستعداً للحصار. ثم ترك من جيشه عشرين ألف فارس في بخارى لمشاركة أهلها في الدفاع عن مدينتهم، وكذلك فعل في سمرقند فترك لهم خمسين ألف فارس، وأمر أهل المدينتين بجمع الذخائر والمؤن استعداداً لحصار طويل، ووعدهم بالعودة إليهم بعد جمع العساكر الجديدة والاستنجاد بالمسلمين …
ثم مضى ذاهباً إلى خراسان فعبر نهر جيحون ونزل بالقرب من مدينة بلخ حيث اتخذ من ذاك المنزل مقراً له.
المغول يزحفون
وأما المغول فبعد أن حشدوا قواهم وأعدوا أمرهم، زحفوا يطلبون (ما وراء النهر) فوصلوا أول ما وصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزم شاه إليها، فأحكموا حصارها (وقاتلوها ثلاثة أيام قتالاً شديداً متتابعاً)، على حد تعبير ابن الأثير.
ولكن الملك كان قد أعدى شعبه بروح الهزيمة وسرى الفشل النفسي منه للناس بعد أن رأوه يبتعد عن طريق المغول، ويوكل للناس أن يدافعوا عن أنفسهم، وهكذا فإن الحصار الذي حسبه خوارزم شاه طويلاً لم يطل أكثر من ثلاثة أيام، وكان أول المنهزمين العشرين ألف الفارس الذين تركهم (الشاه) في بخارى، فخرجوا منها يطلبون خراسان، وأصبح أهل بخارى وقد رأوا أنفسهم وحدهم، ورأوا أن من عندهم قد تركهم، فهل يطمعون بعد ذلك بالنجدات تأتيهم من الأقاصي.
لذلك فإننا لا نعجب إذا رأينا أنه لم يبق في نفوسهم بقية قوة ولا في معنوياتهم أثر لم ينهدم، فقرروا التسليم وجعلوا رسولهم إلى المغول قاضي البلد (بدر الدين قاضي خان) فطلب من المغول الأمان لأهل بخارى فأعطوهم الأمان، وفتحت المدينة أبوابها لهم يوم الثلاثاء (رابع ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة) فدخلوها ولم يتعرضوا لأحد من أهلها بأذى.
وكل ما فعلوه هو أن يطلبوا من البخاريين معاونتهم على قتال من بقي في القلعة من الخوارزميين. ذلك أن بقية من الفرسان لم تستطع الانسحاب مع من انسحب فلجات إلى القلعة.
وأضافوا إلى هذا الطلب طلباً ثانياً هو أن يقدموا لهم كل ما لشاه خوارزم من مال وذخيرة. ثم ساروا فيهم أحسن سيرة.
وأقبل جنكيز خان على المدينة ودخلها مشرفاً بنفسه على حصار من بالقلعة من الخوارزميين، وطلب بأن لا يتخلف أحد من البخاريين عن المشاركة في هذا الحصار ومن تخلف قتل.
فاستجاب البخاريون فأمرهم بردم الخندق المحيط بالقلعة بالأخشاب والأحجار وكان المغول يقتلعون منابر المساجد ويحملون ربعات القرآن التي تودع عادة في المساجد بكثرة، واضعين كل ذلك في الخندق مساعدة في ردمه.
أما الذين في القلعة فكانوا لا يتجاوزون الأربعمائة فارس فصمدوا في القتال اثني عشر يوماً، ولما تم ردم الخندق ووصل المغول إلى سور القلعة نقبوه على من في القلعة فاشتد القتال واستمات الخوارزميون بحيث أعجزوا المغول عن أن ينالوا منهم منالاً، وقد استعملوا في قتالهم كل ما وصلت إليه أيديهم، استعملوا السهام والحجارة والنار، فاشتد حنق جنكيز خان عليهم، وأمر بالارتداد عنهم، ثم باكرهم من الغد فصمدوا صمودهم بالأمس ولكنهم كانوا قد أُعيوا، وظلوا يقاتلون حتى أُبيدوا.
مصير بخارى
وهنا تفرغ جنكيز خان للبخاريين فطلب أن يكتب له أسماء رؤساء البلد، ثم أحضرهم بين يديه وطالبهم بما اشتروه من خوارزم شاه من الأموال التي أخذها من تجار المغول المقتولين، وقال لهم: هذه الأموال أموالنا، فراح كل من عنده شيء منها يعيده. ثم أمر الناس بالخروج من البلد.
فخرجوا لا يحملون سوى ملابسهم على أجسادهم، وانطلق المغول في بخارى يقتلون وينهبون ويهدمون ويهتكون الأعراض. ووجد من أبى أن يحتمل ما نزل من الهوان والشنار لمجرد سيفه يقاتل حتى قُتل، وبين هؤلاء الفقيه ركن الدين إمام زاده وولده والقاضي صدر الدين خان. ثم أشعل المغول النار بالمدينة، ومضوا عنها إلى سمرقند مستصحبين معهم من سلم من البخاريين أسارى.
الخوارزميون والتشيّع
أما وقد مر الحديث عن الخوارزميين، فإننا إكمالاً للبحث عنهم نضيف هنا إلى ما مرّ ما كتبه (رسول جعفريان) بعنوان (الخوارزميون والتشيّع):
من السلالات التركية التي حكمت في قسم من إيران ـ في خراسان ونواحي ما وراء النهر وأفغانستان الحالية: (الخوارزميون) الذين جاءت أخبارهم في الكتب التاريخية مثل: تاريخ كزيده جهانكشاي جويني، طبقات الناصري: إضافة إلى كتب أخرى. ومن أهم حكام الخوارزميين السلطان (محمد خوارزم شاه) الذي حكم خلال عهد حكومة (الناصر لدين الله) في أواخر القرن السادس الهجري. وتسلم السلطان محمد الحكم عام (596هـ). أما المنطقة التي خضعت لحكم الخوارزميين فإنها منطقة أهل السنة منذ القدم، رغم وجود نفوذ واسع فيها للسادة الأشراف الذين كان أكثرهم من الشيعة.
الخوارزميون كانوا آخر حلقة من حلقات الحكومات الإيرانية والتركية، وكان لهم سلطة مستقلة في مناطق حكمهم، ولم يكونوا يتبعون لخليفة بغداد إلا من الجهة الدينية. فكانوا على تعامل مع حكومة بغداد تماماً كتعامل أكثر الحكومات المستقلة معها. ويؤدي تعاملهم ذاك إلى الاختلاف معها أحياناً، مما يعود بالمشاكل على حكومة بغداد وعلى الخليفة أيضاً. وكان الطرفان يستغلان الميول المذهبية في صراعاتهم تلك.
فعندما كان (السلطان محمد) يحكم كأقوى سلطان خوارزمي وقع خلاف بينه وبين (الناصر لدين الله) هذا الخلاف دفع بالسلطان محمد إلى الاستعانة بالعقائد الشيعية، وكان الناصر متهماً بذلك أيضاً.
نقل (الجويني) أن جزءاً من الخلاف يعود إلى ارتباط الخليفة مع الإسماعيليين، ومقتل أحد أتباع السلطان محمد على يد الفدائيين المرسلين إلى الخليفة. إضافة إلى روحية التمرد لدى السلطان محمد الذي كان يريد التسلط على بغداد كما فعل أسلافه البويهيون والسلجوقيون. كما أن السلطان محمد عندما فتح (غزنين) وقتل سلاطينها، وجد عندهم رسائل من الخليفة تدعوهم لمحاربة السلطان محمد. إضافة إلى تقديمه لرسل جلال الدين الذي كان يحكم (آلموت) على رسل السلطان محمد خلال سفر الحج. أما الحجة التي تذرع بها السلطان محمد ليعلن عصيانه للخليفة فهي: الأولى الاستفتاء الذي رد عليه علماء بلاد خراسان (بأن أي خليفة يقوم بمثل تلك الأعمال لا تعد إمامته إمامة حق) والثانية (أن الخلافة هي من حق الحسينيين، وأن العباسيين غاضبون لها).
وذكر الجويني في مكان آخر: (وأخذ من أئمة مملكته فتاوى بأن آل العباس ليسوا محقين في تقلّدهم للخلافة، وأن الخلافة هي من حق الحسينيين، وعلى كل مستطيع أن يعيد الحق إلى نصابه).
إن تحرك السلطان (محمد خوارزم شاه) هذا أدى إلى ارتكاب بعض الحكام المحليين تجاوزات أجبرته على العودة لمواجهتهم. وعندما توجه إلى بغداد، ابتُلي في منطقة أسد آباد بهمدان بالثلوج والبرد القارص، فهلك عدد كبير من جنوده، واضطر إلى العودة.
فاستنبط الكثيرون أن الأمر كان معجزة من الله لحفظ بني العباس. واللطيف أن الشيخ شهاب الدين السهروردي كان من رسل وعمال الخليفة أيضاً، وكان يحاول منع السلطان محمد من التوجه إلى بغداد، ويقرأ له الأحاديث عن عدم إيذاء آل العباس للنبي صلى الله عليه وسلم لكن السلطان محمد رفض كلامه.
أما الشخص الذي كان السلطان محمد ينوي تعيينه خليفة فهو السيد (علاء الملك الترمذي). فقد كتب المستوفي: (لقد اختار السيد علاء الملك الترمذي ليكون خليفة، ثم توجه إلى العراق ليتخلص من أذيتهم له ويسقطهم، ويعينه خليفة مكانهم) وكتب الجويني: (واختار من السادة الكبار علاء الملك من ترمذ، ليعينه خليفة).
وجاء في تقرير لرشيد الدين فضل الله أيضاً: (وأعد السلطان جيشه قاصداً دار السلام، وكانت هناك خلافات سابقة بينه وبين الخليفة، تركت في الصدور حقداً وكدورة، لذلك فقد حصل السلطان على فتوى من أئمة الممالك، وخاصة من مولانا أستاذ البشر فخر الدين الرازي، يقولون فيها إن آل العباس ليسوا محقين في تلك الخلافة، وأن الخلافة هي من حق الحسينيين، وهي ثابتة لهم ومحققة.
وأن أي صاحب شوكة مستطيع، يجب عليه أن يسلم الخلافة لأحد السادة الحسينيين المؤهلين لذلك. ليعود الحق إلى نصابه، فاختار السيد علاء الملك الترمذي ليعينه خليفة، وكان من السادة العظام).
وقال: (وعلى عادتهم فإن علماء العامة قد أفتوا بذلك رغم عدم اقتناعهم).
بشكل عام لا بد من القول إنه بعد سقوط الدولة السلجوقية، كما في أواخر العهود السلجوقية قد اتسع التشيّع نسبياً. وتبرز هذه الحقيقة جلية من كتاب النقض الذي أُلف في العهود الأخيرة للسلاجقة.
وقد نقل الدكتور كامل الشيبي معلومات عن وضع الشيعة في بغداد منذ القرن الخامس الهجري وحتى سقوط بغداد، ننقلها بالنص، وقد اعتمد عن نقل (ابن كثير) في (البداية والنهاية) فقال: (إن دخول الجيش السلجوقي إلى بغداد عام (447هـ) أنهى الأمور لصالح الخليفة، وعاد بالضرر على الشيعة، بل قلب أوضاعم، وبدأت الفاجعة، فقتل رئيس الشيعة، ثم أُغِيرَ على بيت المتكلم الشيعي الشيخ الطوسي فنهب، وأُحرقت خزانة كتبه، وهرب هو إلى النجف، ولولا مسالمة الشيعة وحسن تعاملهم مع الجيش السلجوقي عند دخوله إلى بغداد، لكان من الممكن أن يرتكب السلاجقة جرائم أكبر وأفظع.
ومن ردود الفعل على هذه الحوادث وعلى الضغط الممارس على الشيعة كانت انتفاضة البساسيري (المقتول عام 451هـ) والمتحد مع آل مزيد وصهرهم وكانوا من الشيعة المعروفين، وكانوا سلالة مستقلة، مركزهم الحلة وقد فشل أيضاً.
في عام (456هـ) بدأوا بلعن الشيعة على المنابر في خراسان، وتصاعد الأمر إلى حد الإفراط. ففي عام (489هـ) اعتُدي على مرقد الإمام الحسين عليه السلام. وعندما خرج العباسيون من تحت سلطة السلاجقة، عادت دائرة السياسة للسير باتجاه صالح الشيعة، إلى حد جعل بعضهم يظنون أن الخليفة الناصر (خلافته 575 ـ 622) كان شيعياً.
حيث نال الشيعة في عهده حرية بلغت حداً كان شعراء الشيعة ينظمون الشعر كما يشاؤون. ثم يشير الدكتور الشيبي إلى وزيره العلوي الذي اعتقل في آخر الأمر.
وحول الوزير العلوي تحدث (الفخري) مفصلاً. فاسمه هو السيد (نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الرازي) وأصله من مازندران، تولى لمدة نيابة النقيب (عز الدين مرتضى القمي) الذي كان نقيباً لسادة إيران كلها. وبعد مقتل النقيب، توجه (نصير الدين) إلى الخليفة، وبعد فترة تولى وزارته. لكنه في عام (604هـ) اعتقل خلافاً لإرادة الخليفة، وأودع السجن حتى مات.
مما ذكر آنفاً يتضح أنه وهو مازندراني رازي، وقد تولى نيابة العلويين يتضح قطعاً أنه وخلفه شخص قمي مما يقتضي أن يكون شيعياً أيضاً، وكان اسمه (مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم بر رقمي) وقد تولى الوزارة في عهد الناصر، ثم الظاهر، ثم المستنصر، ثم سجنه المستنصر في دار الخلافة حتى مات. وآخر وزير في العهد العباسي كان الشيعي المعروف (ابن العلقمي) وقد تولى وزارة المستعصم العباسي، وخلال عهده شن المغول هجومهم عام (655هـ) وقضوا على حكومة بني العباس.
إن وجود أولئك الوزراء هو دليل على اتساع نفوذ الشيعة في تلك البرهة من التاريخ، خاصة مع أهليتهم لتولي إدارة شؤون الوزارة، ومعرفتهم بشؤون الإدارة.
السلاجقة والتشيّع
وكما فعلنا في إكمال البحث عن الخوارزميين بإضافة ما كتبه رسول جعفريان بعنوان (الخوارزميون والتشيّع) كذلك نفعل ـ إكمالاً للبحث عن السلاجقة باعتبارهم أسلاف الخوارزميين ـ فننشر ما كتبه بعنوان «السلاجقة والتشيّع»:
(سلجوق) هو اسم جد (طغرل بيك) أول سلطان سلجوقي، وطغرل هو ابن (ميكائيل) الذي كان قد قَدِم مع إخوته إلى ما وراء النهر وبخارى إبان حكم (محمود الغزنوي) عام (375هـ) وبما أنهم كانوا في (تركستان) من العظماء، لذلك فقد احترمهم السلطان كثيراً، وبعد مدة وقع خلاف بينهم، وفي عهد السلطان (مسعود الغزنوي) وقعت مواجهة بين أبناء ميكائيل وقوات (مسعود) فانتصر السلاجقة في المواجهة. وتربع أولهم طغرل بيك على العرش عام (429هـ).
وفي القرن الخامس الهجري نشطت أجنحة الشيعة الإماميين والإسماعيليين كثيراً، وكانت الدعاية المعارضة لهم في شرق إيران كبيرة جداً، وكان الناس هناك يسيئون الظن بالإسماعيليين بشكل خاص، وكانت الحكومات تسعى من خلال محاربتهم أن تبدو في أعين الناس مصلحة نقية دينياً.
كما أن قرب تلك الحكومات من الخلفاء العباسيين كان يرتبط بمقدار مواجهتهم للشيعة. وكانت تربية الأسر التركية ترتكز على سحق الإسماعيليين وكل الشيعة عبر السامانيين، وخاصة (نوح بن منصور) والغزنويين. وكان ذلك يترك أثره عليهم طبعاً.
وحول السلاجقة كتب المستوفي: إن السلاجقة من السنة نقيو الدين، حسنو العقيدة.
وكتب (باسورث): الطاهريون([514]) والسامانيون والغزنويون كانوا كلهم من السلطات التي تحمل عقيدة راسخة بمذهب العامة. كما أن التشيع المتطرف في غرب إيران والولايات الجنوبية لساحل بحر قزوين، وسياسة الديلم التوسعية في تلك النواحي، واعتبارها التشيع هوية لاستقلالها السياسي؛ كل ذلك دفع بحكام خراسان أن يهبوا للدفاع عن مذهب العامة في مواجهة التشيع.
الحديث عن أن الخلافات بين الأتراك والديلم هي التي جعلت الأتراك يصرّون على مذهب العامة، نجده في كلمات نظام الملك أيضاً. فهو ينقل عن (ألب أرسلان) أنه قال لبعض العظماء: (إن الديلم وأهل العراق غالبهم سيئو المذهب، سيئو العقيدة، سيئو الدين.
وأن بين الأتراك والديلم عداوة وخلاف ليس حديثاً، بل إنه قديم، ولقد أعز الله عز وجل الأتراك لهذا. وأقنعهم بأن الأتراك هم مسلمون أتقياء، لا يعرفون الهوى والبدعة). في هذا المجال قال البعض إنهم كانوا قد تعاملوا مع آل بويه بنفس الأسلوب، حتى لا يبقى لهم ذكر أبداً، وحتى لا يجرؤوا على إظهار نسبهم خوفاً.
وجاء حول طغرل بيك أنه خلافاً لما ينقل أنه في جو العامة، أنه كان معتزلياً، ولهذا نجده يتسامح مع وزيره، ويعين أبو نصر الكندري (عميد الملك) وزيراً له، رغم قول القزويني فيه أنه شيعي مغالٍ.
كذلك الأمر بالنسبة للأمير (أبو الفضل العراقي) الذي كان مقرباً جداً ومحترماً عند طغرل الكبير (فهو الذي شيد مشهد سور مدينة الري وسور مدينة قم والمسجد العتيق في قم ومنائره، وهو الذي شيد مشهد وقبّة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهم السلام).
وفيما بعد عندما دخل طغرل إلى بغداد هاجمه العامة، ودافع عنه وعن مرافقيه أهل محلة الكرخ من الشيعة. فطلب (عدنان ابن السيد الرضي) وشكره، وكان عدنان حينها نقيب العلويين في بغداد. وبعد ذلك أرسل طغرل قواته لحراسة محلة الكرخ من هجوم أهل العامة.
لكن هذه التقارير، وخاصة كلام القزويني، لا تثبت تشيع (عمد الملك الكندري) لأنه نقل في هذا المجال أن طغرل بيك بعد مدة أمر بإضافة جملة (الصلاة خير من النوم) على أذان الصبح في محلة الكرخ أيضاً. وفي مكان آخر أشير إلى عناد (عميد الملك) مع الأشاعرة، وقيل إنه حصل على إجازة من طغرل بلعن الروافض والأشاعرة، ولعنوا على منابر خراسان. وكتب (ابن عماد الحنبلي) عنه:
(وملك طغرل بيك العراق، وقمع الرافضة، وزال به شعارهم).
إن أكثر التقارير تفصيلاً عن وضع الشيعة في عهد السلاجقة، والصعوبات التي واجهتهم، والتساهل الذي رأوه أحياناً، هو تقرير (عبد الجليل الرازي) وتقاريره لازمت الدقة، وهي تعكس تفاصيل الحوادث والمسائل:
هناك ثلاثة من السلاجقة اعتبروا حتى أواخر القرن الخامس كأقوى حكام مستقلين في البلاد الإسلامية. وقد حكموا المنطقة الإسلامية كلها، ما عدا مصر وشمال إفريقيا. وهم: طغرل بيك وألب أرسلان وملك شاه.
وجاء بعدهم: السلطان بركيارق، ومحمد شاه. وقد قضيا فترة حكمهما مع شيء من الاختلاف، حتى جاء السلطان (سنجر) فحكم حتى أواسط القرن السادس (552هـ).
وجاء في نص القزويني الذي نقضه الرازي: (وفي عهد ملك شاه والسلطان محمد قدّس الله روحهما لم يسمحا للشيعة ببناء أي مدرسة أو خانقاه).
فنقض الرازي هذا الكلام، وأشار إلى المدارس الشيعية والسادة فقال: (إذا أردنا أن نعدد مدارس السادة في بلاد خراسان وحدود مازندران ومن الشام من حلب إلى حرّان ومن بلاد العراق مثل قم وكاشان وآبة، ونذكر عددها ولمن كانت، وكم كانت تملك من أوقاف فعلينا حينها أن نعد طومارات من الكتب) ثم يذكر المؤلف بعد هذا عدداً من المدارس التي كانت موجودة من قبل، وتلك التي بنيت خلال عهد السلاجقة.
في الحقيقة كانت هناك ضغوط خلال عهد (ملك شاه) ذلك لأنه عندما يذكر أنه (في عهد السلطان ملك شاه في الري ساد الاستخفاف بالروافض، وسحبوا إلى المنابر إلى أن آمنوا) نجد أن الرازي لا ينفي ذلك.
وجاء في النص أيضاً أن (عدداً من المناقبيين قُطعت ألسنتهم في ذلك العهد) وهم من كانوا يتلون مدائح أهل البيت عليهم السلام بصوت عالٍ في الأحياء والمناطق. وكان ذلك متعارفاً في القرنين الخامس والسادس. وفي المقابل كان عند أهل العامة أيضاً من يتلو الفضائل.
وجاء في نص القزويني أيضاً: (خلال عهد السلطان الماضي محمد ملك شاه كان هناك عمدة رافضي، دفع رشوة لأحد علماء العامة ليقول عنه الأتراك([515]) بأنه من العامة أو حنفي وليس رافضياً) ويتأسف أن في زمانه ـ أي في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس كان (معظم المسؤولين والحجَّاب والفراشين من الرافضة، ويتحدثون بمسائل الرفض، ويفرحون، دون خوف أو تقية).
إن أهم وزير في عهد السلاجقة هو (نظام الملك) وكان من السنّيين المتعصبين جداً، وهو الذي أسس المدارس النظامية للدفاع عن مذهب أهل العامة، ونشر العقيدتين الأشعرية والشافعية، واشتهر بتضييقه على فرق الشيعة، وخاصة على الإسماعيليين. واشتهر في التاريخ بجهوده الواسعة في سحق الإسماعيليين والشيعة الإمامية. فكتابه (سياست نامه) مملوء بتهجمه على الشيعة، وخلط فرقها المختلفة ببعضها البعض.
في كتاب (بعض فضائح الروافض) الذي نقضه الرازي، جاءت الإشارة إلى تلك الضغوط، وانتقدها الرازي إلى حد ما. فقد جاء في النص: (كما حصل في العهد الكريم لملك شاه فإن نظام الملك كان بدوره مطلعاً على عقيدتهم. فكان يذلهم ويهينهم.
وفي الري كان إذا ادعى أحد منهم العلم مثل: حسكا بابويه وبو طالب بابويه، وأبو المعالي إمامتي وحيدر زيارتي مكي وعلي العالم وأبو تراب الدوريستي والخواجه أبو المعالي نكاركر وغيرهم من الرافضة كان يأمر بشتمهم جميعاً على المنابر، وكانوا يرمون عن رؤوسهم العمائم، ويهتكون حرماتهم، ويسخفون بهم، ويقولون لهم: أنتم أعداء الدين، وإنكم تلعنون السابقين في الإسلام، وشعاركم هو شعار الملاحدة (الإسماعيليين) فآمنوا. فكان يثبت بعضهم، ويؤمن آخرون، ويتبرأون من مقالة الرفض).
فكتب الرازي في معرض ردّه على هذا النص: (أمّا جواب ما نسبه إلى عهد السلطان ملك شاه، فإنها نسبة كاذبة. فإن الإدارات والعطايا التي قدمها للسادة الشيعة، وخطه وتوقيعه ينطق بذلك، ما زالت موجودة لديهم ويحتفظون بها، كما أن احترام السادة وعلماء الشيعة وتوقيرهم وترفيعهم في ذلك العهد وذلك الحكم أمر معلوم ومصوّر).
بعد ذلك يشير عبد الجليل الرازي إلى وجود ذكر محبة نفس العلماء المذكورين في النص في ذلك العهد، وأن كثيراً منهم كان محترماً عند (نظام الملك) نفسه، وأن كل واحد منهم تلقى من السلاطين والوزراء عطايا وحرمة، ولم يكونوا بالقوم الذين يتطاول عليهم أمثال نظام الملك فيقدمون له العطايا ليشفق عليهم.
من هذا يتبين أن السلاجقة كانوا يضيقون على الشيعة، رغم أنهم كانوا أحياناً يحترمون السادة من الشيعة. لكن يجب أن لا نغفل عن أن أكثر ضغوطهم كانت على الإسماعيليين اللذين كانوا يسعون لاستلام السلطة.
وكانوا يعتبرون ممثلين للحكومة الفاطمية المصرية في إيران، وكانوا يتحركون في هذا المجال. ولم يكن الشيعة الإمامية يسعون لاستلام السلطة، وهذا ما خفف من الضغط عليهم، بالرغم من استمراره بلا انقطاع.
فعندما استخدم أحد الأتراك عاملاً من الإسماعيليين، تعرّض التركي لاستجواب (ألب أرسلان) وعندما أتوا بالإسماعيلي إلى (ألب أرسلان) قال له: (أيها الرجل، إنك باطني وتقول إن خليفة الله ليس شرعياً) فاجابه: أنا لست باطنياً، بل أنا شيعي. فقال أرسلان (أيها البائس وهل مذهب الروافض مذهب حسن حتى اتخذته ردءاً لمذهبك الباطني، فهو أسوأ من هذا السيئ).
وبالطبع فإن الشيعة كانوا يراعون الأمور لحفظ أرواحهم، ولم يكونوا في وارد مواجهة الأكثرية من العامة، وعندما تتضافر تلك الأكثرية مع سلطة نظام الملك والسلاجقة فمن الطبيعي حينها أن تكتب جمل من عقائد العامة على جدران وأبواب مساجد الشيعة (خير الناس بعد رسول الله أبو بكر الصديق).
ففي نظر العامة أن الرافضي هو دهليز ملحد، وقد تناول الرازي هذه المسألة بشكل مفصل، وأثبت أن مؤسسي الإلحاد (الباطنية والإسماعيلية) ليس لهم أية علاقة بالشيعة الإمامية، بل اكثرهم كان من (المشبهة والمجبرة) أي من فرق أهل الحديث من العامة. وكتب (وقد خبر الجميع أن آلموت ـ وهي قلعة معروفة للإسماعيليين في شمال قزوين ـ ليس فيها أي قمي أو كاشاني).
على أي حال فإن الملوك والأمراء كانوا دوماً يقدمون مصالحهم السياسية على المصالح الدينية، فإذا كان العمل الديني يعود عليهم بنفع سياسي أقاموه. لهذا نجد أن (ملك شاه السلجوقي) نفسه يزوج ابنته خاتون سلقم إلى أسبهبد علي الشيعي، ويثق بمجد الملك القمي إلى حد تسليمه الوزارة.
و(مجد الملك) هذا هو الذي قام بأعمال خيرية كثيرة، فبنى مراقد وقبور: الإمام الحسن بن علي والإمام زمين العابدين والإمام الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام.
وكذلك قبر العباس ومشهد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد، ومشهد السيد عبد العظيم الحسني بمدينة الري: إضافة إلى إمداد مساجد السادة العلويين والأشراف الفاطميين بالآلة والعدة والشمع والأوقاف، مما يدل على صفاء عقيدة هذا الشخص الذي كان من الشيعة.
من هذه المعاملة يبدو أن السلطان وأمراءه ـ سواء كانوا من العامة أو من الشيعة ـ لم يكونوا يتساهلون في الإمارة، وإذا كان (ملك شاه) قد ضيق على الشيعة خاصة، فإن ذلك يعود لنظام الملك ووزيره الذي كان يحركه في هذا الاتجاه.
وينقل عن نظام الملك أنه كان ينتقد (ألب أرسلان) ويقول: إنه من أهل العراق، ومن الديلم، وهو سيئ المذهب والدين. وكان يحذر القادة العسكريين من معارفه ومن مغبة تغلغل أولئك بين الأتراك، فإنهم سرعان ما سيظهرون علينا في العراق، أو يطمع الديلم في بلدنا، فإنهم معاً في السرّ والعلانية، ويريدون القضاء على الأتراك.
ويكتب الخواجه في مكان آخر: (في عهد محمود ومسعود وطغرل بيك وألب أرسلان لم يكن باستطاعة أي زرادشتي أو نصراني أو رافضي أن يكون ضيفاً عند الأتراك، ويضيف: (وعندما كان يأتي أحد في ذلك العهد ليعمل عند تركي خادماً أو سرّاجاً أو فراشاً، كان التركي يسأله: من أي مدينة أنت، ومن أي ولاية وعلى أي مذهب؟ فإن أجاب أنه حنفي أو شافعي، ومن خراسان أو وراء النهر أو من أي مدينة للعامة؛ قُبل.
وإذا قال شيعي من قم أو كاشان أو آبة أو ريم؛ رُفض وقيل له: أغرب فنحن نقتل الأفاعي ولا نربيها. وإذا سمع السلطان طغرل أو السلطان ألب أرسلان أن أميراً أو أي تركي آوى رافضياً عنده، كانا يعاتبانه ويغضبان عليه).
ويسرد قصة جرت في عهد آلب أرسلان يبين فيها كيف أن أحد رسل وزير السلاجقة اتُهم من قبل (شمس الملك) بأنه رافضي، فكتب إلى الوزير يقول: (إذا سمع السلطان بأنهم قد نعتوني بالرفض، وبلغ ذلك زعيم سمرقند (شمس الملك) فلن يمهلني).
ورغم براءته من تلك التهمة إلا أنه اضطر لدفع (30,000) دينار، وتضرع وأرضى الكل حتى لا يصل ذلك لمسامع السلطان. وهذا يدل على أن العامة كانوا يستفيدون من حكومة الأتراك بشكل كامل، ويستعملون حكومة أولئك وسيلة لضرب التشيع الذي كان ما يزال غض العود، إلى حد أن أحاديث وضعت في مدح الأتراك بشرط الحفاظ على المذهب الحنفي.
فالراوندي ينقل في (راحة الصدور) أن أبا حنيفة أخذ يوماً بحلقة الكعبة ونادى: (إلهي إذا كان الاجتهاد في يدك، ومذهبي حق، فانصره، فإعلاء شرع المصطفى بيدك)، فأجابه هاتف من داخل الكعبة يقول: (حقاً قلت، لا زال مذهبك ما دام السيف في يد الأتراك).
مما مضى يتبين أن الحكم السلجوقي كان الداعم الأكيد لمذهب العامة. وأن استخدام الشيعة في شؤون الإدارة ـ رغم الضغوط الشديدة ـ لم يؤد إلى إنهاء التشيع، بل أدى إلى نموه وانتشاره. والدليل البارز على ذلك وزارة بعض الشيعة في الحكومات العباسية والسلجوقية مثل: هبة الله محمد بن علي وزير المستظهر، وسعد الملك الآوجي وزير محمد بن ملك شاه، وشرف الدين أنو شيروان وخالد الكاشاني وزير المسترشد.
وجاء في (تاريخ إيران كمبريج): أنه بالرغم من سياسة السلاجقة المعادية للشيعة فإن عهدهم قد شهد في إيران وسائر المناطق الأخرى نمو المراكز الشيعية واتساعها، رغم كون الاتهام بالرفض أمر خطر جداً، إلى درجة أن الزمخشري (538م) اضطر إلى ترك الصلاة على آل رسول الله خشية اتهامه بالرفض).
رسول جعفريان
وعاودت بخارى عمرانها في عهد (أوغوتاي) خليفة جنكيز على أنها أصيبت مرة أخرى بالخراب في عهد المغول الإيلخانيين، ثم عاودها العمران سنة 1282م على أنه لم يكن لها شأن في عهد الجغتائيين وعهد التيموريين. ولكنها عادت فازدهرت سياسياً ودينياً بعد ذلك وتعاقب على حكمها الأزبكيون والشيبانيون والاشترخانيون، وكانت قد عادت قاعدة للحكم.
وفي سنة 1153هـ (1740م) كانت بخارى تحت سيطرة نادر شاه، ثم عادت إلى استقلالها بعد وفاته.
وفي العام 1860م كان الروس قد سيطروا على المجرى الأسفل لنهر سيحون، ثم أخذوا يتقدمون حتى استولوا على وادي نهر سيحون وعلى عدة بلدان ومنها سمرقند (1886م).
وفي سنة 1887م كان للروس سكة حديدية تخترق إمارة بخارى، ولكنها لا تمر بالمدن الهامة ومنها العاصمة بخارى، بل كانت تمر على بعد خمسة عشر كيلومتراً منها حيث أقيمت محطة روسية سميت بخارى الجديدة وصارت مقراً للمندوب الروسي.
ثم ربطت بالعاصمة بسكة حديدية أنفق على إقامتها أمير بخارى. ودخلت إمارة بخارى كلها ضمن منطقة النفوذ الجمركي الروسي الذي أقيمت منشآته على حدود أفغانستان التي كانت قد تعينت الحدود بينها وبين إمارة بخارى في عهد الأمير عبد الأحد (1885 ـ 1910م).
وقد كان مير عالم ابن الأمير عبد الأحد أميراً لبخارى منذ سنة 1910م ثم أبعدته الثورة الشيوعية إلى أفغانستان حيث عاش في كابل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومنطقة بخارى من البلاد التي يكثر فيها الشيعة وقد كان وزير مير عالم شيعياً، وكان ابنه سنة 1353هـ (1934م) لاجئاً إلى طهران مقيماً فيها. وكان يقصد النجف الأشرف دائماً للدراسة فيها أعداد من الطلاب البخاريين.
بخارى
ـ 2 ـ
بخارى مدينة ولدت في التاريخ وظلت في التاريخ. وهي مدينة نشأت في الصحراء وترعرعت في الصحراء، بل هي توأم التاريخ مع الصحراء. هي وسط لا مكان، لكنها هي وسط التاريخ، الذي ما زالت حكاياته يتناقلها الناس من رحالة ومؤرخين ومغامرين إلى اليوم. فبخارى، «مدينة المعرفة» كما كانت تلقب، هي إلى اليوم بالنسبة إلى أهالي أوزبكستان بخارى شريف بمئات المساجد والمدارس والمآذن التي تحتضنها. فخلال أربعين سنة من حكم ابن تيمورلنك شاه رخ استطاع أن يحول القبائل البدوية مجتمعاً متحضراً في امبراطورية مسلمة، عاصمتها الثقافية والعلمية سمرقند، وعاصمتها الدينية والروحية بخارى.
وعندما توفي شاه رخ في العام 1477م، خلفه لفترة قصيرة ابنه أولوغ بيك، الذي كان حاكماً لسمرقند وبخارى خلال عهد والده. ولم تمر سنتان حتى اغتاله ابنه عبد اللطيف، الذي اغتاله بدوره ابن عمه عبد الله الذي اغتاله أيضاً بعد فترة قصيرة ابن عم آخر له وأضعفت دورة الدم وهي تستسقي الدم عرش تيمورلنك وإرثه.
فجاء الأوزبك، وهم قبائل بدوية بقيادة محمد شيباني حفيد حفيد جنكيز خان شيبان، من السهوب والصحراء الداخلية واحتلوا سمرقند وبخارى والأراضي والبلاد الواقعة بين نهري آمو ـ داريا وسي ـ داريا وجعلوها وطناً لهم، بعدما طردوا الحفيد الثالث لتيمورلنك، بابر فهرب من سمرقند إلى الهند وأصبح أول أمبراطور للمغول فيها، مؤسساً الأمبراطورية اللمغولية الأخرى.
واستمر الأوزبك الذين دخلوا الإسلام مطلع القرن الرابع عشر، في بناء المساجد والمدارس في سمرقند وبخارى. وعلى رغم سعتها وعمليتها، إلا أنها كانت تفتقد جمال الفترة التيمورية وروعتها وأناقة عمرانها. وحولت الأسرة الجنيدية التي خلفت الأسرة الشيبانية وحكمت لمدة مئتي سنة متواصلة، بخارى إلى مدينة دينية مقدسة، بنت فيها 365 مسجداً و250 مدرسة، مدعومة بأوقاف غنية.
وأصبحت بخارى محجاً لطلاب وحجاج يأتونها من الهند وكشمير والأندلس وبلاد الشام وفارس واليمن وتركستان. وحتى نهاية القرن الثامن عشر كان في مدارس بخارى ثلاثون ألف تلميذ. مما جعلها المدينة الجامعية الأولى في عالم ذلك القرن.
مطلع القرن التاسع عشر، كانت روسيا القيصرية قد بدأت تزحف نحو آسيا الوسطى، حتى عام 1868م حين ضمتها إلى امبراطوريتها وعزلتها عن العالم الإسلامي، إلى أن جاء عام 1920م فنجح البلاشفة الشيوعيون في إسقاط حكامها الإقطاعيين وأغلقوا جميع مدارسها عدا واحدة، ومنعوا الصلاة في مساجدها ما عدا ثلاثة.
وعلى رغم أن النظام السوفياتي أعاد فتح بعض المساجد في عهد غورباتشوف، فهي بالطبع لم تعد ملتقى للحجاج أو مركزاً للعلوم الدينية، ومن اللافت أنك لا تزال ترى عدداً من المواطنين المسنين ـ كما وصفهم لورد كورزون في الثمانينات من القرن الماضي ـ يتجولون في أزقة بخارى ودروبها الضيقة، «في وقار البطارقة وثياب الأمراء ـ المعطف أو القباء التقليدي المقلم، بالألوان، والجزمات الجلد الطويلة إلى الركبة، واللحى البيض المهذبة والقلنسوات السود والملونة أو العمائم البيض. ثم يجلسون في المقاهي المحيطة بالحاووز (أو برك الماء) يشربون الشاي الأسود الذي لا يشرب!
بخارى العظيمة
بالمقارنة تبدو بخارى اليوم في وضع أفضل من سمرقند، من حيث إن المدينة الجديدة لم تمح المدينة التاريخية الجميلة. فالمساكن الشعبية البروليتارية المبنية على الطريقة السوفياتية والأحياء السكنية التابعة لها بشوارعها العريضة لم تخنق مباني المدينة القديمة وأزقتها الضيقة المرصوفة بالحجارة.
ولئن بدا مبنى الحزب الشيوعي المحلي هو الأبرز بين المباني، فالدرر المعمارية التي تزدحم بها بخارى من مختلف العصور، من ضريح الأسرة السامانية في القرن العاشر المبني من الطين المشوي، إلى برج قاليان الذي يبلغ ارتفاعه خمسين متراً بحائطه المصمم من الآجر في القرن الثاني عشر، إلى مدارس العصر التيموري ومساجده المبلطة بالقيشاني والفسيفساء الزرقاء، لا تزال تسحر الزائر إلى درجة التساؤل كيف يمكن أن يسمح لتراكم حضاري كهذا أن يذوي وينهار؟
وإذا لم تعد بخارى مركز التقوى في آسيا، فهي لم تعد أيضاً مركز التجارة. فصناعة السجاد اليدوي البخاري التاريخية قد تحولت إلى مكننة متخلفة في صناعتها. ومصانع الحرير الطبيعي الذي اشتهرت به بخارى، تحولت إلى مصانع للحرير الاصطناعي الرخيص، لا يلبس، وإن يكن بأسعار مغرية لا تزاحم.
أيام بخارى العظيمة كانت في العصر الساماني. والسامانيون أسرة قدمت من بلاد فارس، وكانت أول أسرة مسلمة لأول دولة إسلامية في آسيا الوسطى. وجعل السامانيون من بخارى المدينة ـ القدوة في كل آسيا الوسطى، وبحكم موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، أصبحت في عهدهم أهم مركز تجاري وثقافي في العالم الإسلامي.
وامتدت أمبراطورية السامانيين من خيرات في الشرق إلى أصفهان في الغرب، وشملت منطقة هي باتساع أوزبكستان وطاجيكستان اليوم، إلى جانب جزء كبير من أفغانستان وإيران. وكانت لغات البلاط الفارسية والعربية والتركية. وفيها عدد من المكتبات العامة يوم كانت الكتب تنسخ باليد. واحدة من هذه المكتبات الملكية هي المكتبة التي عاش بين رفوفها ابن سينا قبل ألف سنة، فنظمها ودرس فيها وكتب كتبه الشهيرة التي غيرت مجرى دراسات الطب والصيدلة في العالم.
ولعل غياب الآثار السامانية الكثيرة يرجع إلى ضعف عمليات التنقيب وإهمال الحكم السوفياتي لهذه المناطق، وسياسة طمس العلاقة العربية ـ الإسلامية، التي كانت أحد أُسس السياسة السوفياتية في الجمهوريات الإسلامية في آسيا. ولعل الأثر الوحيد البارز للتأثيرين المعماري والهندسي العربيين هو مقبرة تعود إلى القرن العاشر في وادي زرفشان في بخارى للأسرة السامانية.
وقد نجا هذا الأثر الضخم، الذي هو عبارة عن ضريح مبني كله من الطين المشوي ومزدان بكامله بالآيات القرآنية والخطوط الهندسية العربية محفورة على جدران عالية وقبة طينية كبيرة، إذ كان مدفوناً تحت الأرض وقد عثر عليه مصادفة.
وضرائح الأسرة السامانية التي شيدها مؤسس الدولة إسماعيل الساماني لأبيه نصر بن أحمد، هي اليوم من أهم معالم بخارى. إذ تقع وسط حديقة كبيرة وجميلة يؤمها الناس باستمرار وتعقد الأعراس فيها. ويدور عادة العروسان ثلاث دورات عكسية حول الضريح إذا أرادوا تحقيق أمنية ما.
ويلقي الناس بالنقود من أبواب الضريح تنفيذاً لنذور. وقد صادف وجودي هناك عرس جماعي لثلاث عائلات، وقد داروا حول الضريح ثلاث دورات وألقت كل عروس بالنقود من باب الضريح عند انتهاء الدورة الأخيرة.
وشاهدت أكداساً من الروبلات مرمية حول الضرائح، وتساءلت يا ترى من يأخذها؟ فرد أحد الأوزربكيين المرافقين لي بأنها كانت توزع على أعضاء اللجنة المركزية لفرع الحزب الشيوعي في بخارى.
ششمه أيوب
وعلى أطراف حديقة كيروف، التي تشرف على سوق بخارى المفتوح، يقف مزار «ششمه ايوب» أو نبع أيوب. ويقال إن النبي أيوب ضرب عصاه في ذلك المكان في زمن عم فيه القحط والجفاف ببخارى، فانفجر نبع كبير ما زال الناس يشربون منه ويتبركون به. وقد بني حوله في القرن الثاني عشر مزار مؤلف من ثلاث قباب صغيرة يجمعها في الوسط صحن صغير، ويدخله الناس في مقابل روبل واحد. وحول «ششمه أيوب» يلتف سوق بخارى الذي يبيع كل شيء يخطر في البال من أنواع الفاكهة والخضر إلى الطواقي الصغيرة السود التي يعتمرها أهالي أوزبكستان صيفاً وقبعات الاستراكان الجميلة التي يعتمرونها شتاء.
والاستراكان نوع خاص من أنواع الغنم، الذي لا يعيش إلا في واحتي قره قول وكتاقورغان في مناطق أوزبكستان وتركمانستان. ولا يأكل إلا الذرة. وقد فشلت محاولات نقل هذا النوع من الغنم إلى الصين أو إيران. ومن جلده الناعم ذي التجعيد الخاص تصنع القبعات الشهيرة.
والسوق يتعرج بطرقه الترابية إلى جانب سور بخارى، الذي كان حتى خمسين سنة مضت يلف المدينة كلها على امتداد 12 كيلومتراً وارتفاع عشرة أمتار. وكان سور بخارى يعتبر «مقدساً». وهناك قول مأثور لأهالي بخارى إن «من يقول إن سور بخارى غير مستقيم، لهو منبوذ من الله». وحتى عام 1938م، كان للسور أحد عشر باباً وقلاع وأبراج مراقبة. وقد انهارت كلها تحت وطأة الاستعمار الروسي ـ السوفياتي، وتوسيع المدينة و«تحديثها».
إلى ذلك كانت أسواق بخارى المسقوفة الجميلة والأزقة المبلطة بالحجر والقباب الصغيرة المزركشة، التي ما زال بعضها يقاوم حتى اليوم حرب الفناء مع الزمن، والتي كانت تأتيها قوافل التجار من كل مكان في العالم عبر أحد عشر معبراً او طريقاً، والتي جعلت منها الأغنى في كل آسيا الوسطى. في الوقت نفسه كانت هذه الطرق مركزاً للصوص القوافل من التركمان المختبئين في صحراء قره قول، والذين ساهموا في القضاء على أهم طرق التجارة في العالم، في الوقت الذي اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح في القرن الخامس عشر، ولم تعد آسيا الوسطى الوسيط الذي يملك تقاطع الطرق ويحتاج العالم إليه.
وبخارى بكل شوارعها الضيقة واسواقها وجوامعها، مدينة تبحث دائماً عن الظل والماء، نظراً إلى مناخها الحار والجاف. فالماء يحمل إليها من نهر زرفشان عبر أقنية مفتوحة إلى المدينة متصلة ببحيرات صغيرة تسمى «الحاووز»، والتي تشكل مركز تجمعات سكنية وأكبر هذه البحيرات هي «ليابي حاووز» (اي البحيرة المقدسة) التي هي المركز وسط المدينة القديمة، والمحاطة بأشجار باسقة قديمة، تحيط بها المقاهي ـ أو «شاي خانة» ـ والمطاعم ويتفيأ الناس ظلالها وهم جالسون على أسرة مرتفعة عن الأرض، يشربون الشاي الأسود أو يأكلون الأرز واللحم في مناسف صغيرة شبيهة بالمناسف العربية.
العربية والقرآن
وتحيط بالجوانب الثلاثة للبحيرة المقدسة جوامع ومدارس تعود إلى القرن السادس عشر، أكبر ها وأجملها مدرسة قوقلداش البسيطة الهندسة، يقابلها جامع ديوان بيغي المزخرف بأبدع أنواع القيشاني والفسيفساء الزرقاء.
وعلى العكس من سمرقند، حيث حولت المدارس الدينية والمساجد متاحف، ظلت مباني بخارى التاريخية مفتوحة لاستعمال الناس، فمدرسة قوقلداش هي مكتبة أرشيف للبلدية، وجامع ديوان بيغي هو معرض للفنون التشكيلية المحلية، وصحن الجامع هو مقهى هادئ وجميل إلى أبعد الحدود.
ولعل برج قاليان ـ أو برج الموت ـ والمنطقة المحيطة به، هو أيضاً من أجمل ما في بخارى. فإلى جانب البرج مدرسة مير عرب، وهي المدرسة الوحيدة التي استمرت كمدرسة دينية في بخارى، طوال الحكم السوفياتي، وقد بناها الشيخ مير عرب في العام 1535م.
وقد دخلت ساحة هذه المدرسة الضخمة ولكن شبه المتهدمة، والتي تحيط بها أبواب لغرف بشكل زنزانات، تضم نحو 500 تلميذ يفدون إليها بعد انتهاء مرحلة الدراسة الابتدائية، فيتعلمون العربية وأصول الدين والحديث لمدة خمس سنوات، يتخرجون بعدها لدراسات عليا في المعهد الديني العالي في طشقند أو يعملون أئمة جوامع صغيرة في مختلف أنحاء البلاد.
وطلبت أن يريني الطلاب الذين تجمعوا حول الصحافي العربي القادم من «شام شريف»، الكتب التي يتعلمون فيها، فأروني كتاباً اسمه «قاعدة بغدادي» لتعليم العربية مطبوع في طشقند عام 1917م مع شرح بالأوزبكية، وكتاباً آخر اسمه «عقيدة الإسلام» مطبوع في كراتشي في باكستان في السنة نفسها، مع نص باللغة الروسية، وبعض الشروح بالأردوية، وكتاباً ثالثاً اسمه «معلم ثانياً» للألف باء العربية مع شرح بالأوزبكية المكتوبة بالحرف العربي، التي لا يعرف أحد قراءتها اليوم، ومطبوع أيضاً في طشقند عام 1917م.
عندها زاد فضولي أكثر للسؤال عن أية كتب أخرى عندهم، فقالوا إنها مجموعة مصاحف تبرعت بها السعودية وهي لا تكفي طلاب المدرسة كلهم. قلت لهم: وكتاب ابن بلدكم «صحيح البخاري»؟ فأجابوا كلهم بصوت واحد بما معناه: يا ليت! فوعدتهم بإرسال نسخة منه إلى مكتبة المدرسة، وخرجت حزيناً عليهم وعلى بلادي.
وإلى الخلف من برج قاليان، هناك مدرسة أولوغ بيك التي بنيت في العام 1417م ومدرسة عبد العزيز، أحد حكام أسرة الجانيد، التي بنيت بعدها بقرنين. وهما متقابلتان وكلتاهما آية في الفن المعماري، وإن اختلفت هندسة كل منهما اختلافاً كبيراً عن الأخرى.
«الجاسوسان» البريطانيان
إلاّ أن أهم ما في بخارى هو «القلعة» المحاطة بسور طيني عمره ألف سنة، وفي داخله القصور والجوامع ومساكن الحريم ومخازن الأسلحة والمكاتب وثكن الجند. وكان آخر خانات بخارى عبد السيد عالم قد أحرق جزءاً كبيراً منه وهو يفر من وجه القوات البلشفية، إلا أنه أعيد ترميمه ووصله بالبرجين الرئيسيين المحيطين بمدخل القلعة.
وكانت تعلو الباب ساعة من صنع الساعاتي الإيطالي جيوفاني أورالندو الذي صنعها للأمير نصر الله في القرن التاسع عشر. وقد قتل نصر الله جيوفاني لأن الساعة توقفت. لكن بعضهم يقول إنه قطع رأسه لأنه رفض اعتناق الإسلام.
وقد دخل الأمير نصر الله نفسه، الذي تولى حكم بخارى في العام 1826م، والقلعة التاريخ في فترة «اللعبة الكبرى»، وهي الصراع الذي كان قائماً بين بريطانيا وروسيا في القرن التاسع عشر للسيطرة على آسيا الوسطى، حين أعدم نصر الله الكولونيل تشارلز سودارت والكابتن آرثر كونولي البريطانيين. وكان سودارت جاء إلى بخارى في العام 1842م في محاولة لإقامة تحالف بريطاني مع الأمير ضد الروس، لكنه أهان الأمير عندما دخل وهو راكب حصانه بدل أن يكون راجلاً.
وعندما جاء كولوني بعده في محاولة للعفو عن سودارت، أهانه أيضاً برفضه الخضوع للإسلام، فقتله أيضاً. وأدخل الكاتب الإنكليزي روديارد كيبلينغ هذين «الجاسوسين» البريطانيين في أدب الاستعمار في روايته الشهيرة «كيم».
والحديث عن بخارى يبقى ناقصاً من غير الحديث عن مغامرة العصر التي كانت مسرحها، والتي حددت مسار الأحداث السياسية كلها في آسيا الوسطى في القرن العشرين.
وكان زعيم هذه المغامرة أنور باشا([516])، أحد زعماء حزب تركيا الفتاة ووزير الحربية التركي المهزوم مع حلفائه الألمان في نهاية الحرب العالمية الأولى.
اللعبة الطورانية
عام 1918م هرب انور باشا إلى روسيا، وفي موسكو سعى أنور باشا مع لينين إلى التفاوض على ميثاق بين البلشفية الروسية والقومية التركية موجه ضد الأمبريالية البريطانية، واتفق على أن يساعده السوفيات الجدد في تولي قيادة الثورة التركية الجديدة ضد أتاتورك والسياسة البريطانية في المنطقة. وعلى رغم دعوة البلاشفة السوفيات أنور باشا إلى حضور «المؤتمر الأول لشعوب الشرق» الذي عقد في مدينة باكو عاصمة آذربيجان في الأول من أيلول 1920م. وفي رعاية الكومينترن، وإلقائه خطاباً فيه، إلا أن الزعماء السوفيات بدلوا رأيهم في ما بعد عندما علموا بتعقيدات الوضع السياسي التركي. وقد أغضب هذا التبدل في الموقف أنور باشا، وجعله يحقد على حكام موسكو الجديد.
وفي صيف عام 1921م كان السوفيات قد عقدوا حلفاً مع مصطفى كمال، مما سبب إحراجاً شديداً للسوفيات ولأنور باشا معاً. فعهد القادة السوفيات إلى أنور باشا بمهمة في آسيا الوسطى، وهي مساعدة موسكو في استكمال سيطرتها على السكان المسلمين الناطقين التركية، في محاولة لإبعاده عن المسرح السياسي القريب في موسكو.
وكانت المهمة التي عهد فيها إليه نقيض كل ما يمثله أنور باشا في السياسة، التي هي تحرير الشعوب الناطقة التركية من الحكم الروسي. وكانت المهمة هي الذهاب إلى بخارى المضطربة لتهدئة الوضع فيها، بعدما أخفق الهجوم الروسي على خانة بخارى الذي قام به سوفيات طشقند في آذار 1918م، وساعدهم فيه حزب شباب «بخارى الفتاة» المعادي للأمير الرجعي أكثر مما هو موالٍ للشيوعيين.
كانت خانة بخارى في صيف عام 1920م ـ أي السنة السابقة لإيفاد أنور باشا إليها ـ آخر حصن بقي من حصون استقلال الناطقين التركية في آسيا الوسطى.
وهي تمتد على مساحة تناهز 85,000 ميل مربع على الضفة اليمنى لنهر آمو داريا، عند الزاوية الجنوبية الشرقية لتركستان الروسية، وخلف الحدود الجبلية الجنوبية والشرقية المحاذية لأفغانستان والصين، وعدد سكانها يراوح في حينه بين مليونين وثلاثة ملايين نسمة، نجحوا في رفع مستوى بلادهم إلى ما فوق مستوى المناطق المجاورة المأهولة بسكان أتراك، وهي مناطق ذات كثافة سكانية قليلة.
كانت بنيتها كمحمية روسية، قد تلاشت خلال ثورات عام 1917م، وأعاد آخر أمرائها، عبد السيد مير عالم خان، تثبيت استقلال بخارى وتثبيت سلطات الحكم المطلق التي كان يمارسها أسلافه ونميت إلى السوفيات شائعات عن تواطؤ بريطاني وراء تحدي الأمير لسلطتهم.
والواقع أن الهند البريطانية أرسلت فعلاً حمولة مئة بعير من المؤن لمساعدة الإمارة. وقد هاجمت روسيا البلشفية بخارى في عام 1918م، لكن جيش بخارى الصغير، وعديده رسمياً 11,000 رجل، ربح الحرب القصيرة.
البلاشفة يتقدمون
عندما حدث الهجوم البلشفي، كانت بخارى التي كانت خانة (أو إمارة) مستقلة منذ العام 1753م، لا تزال ثرية وحسنة التموين. وقد اشتهرت خانة بخارى على مرّ الزمن بخصوبة واحاتها وظلت عاصمتها ـ وتدعى أيضاً بخارى ـ أهم المراكز التجارية في آسيا الوسطى.
وفي أسواقها المسقوفة التي تبلغ سبعة أميال طولاً وتشبه نخاريب النحل، كان النشاط التجاري مستمراً كعادته. كانت تعج بتبادل منتجات الحرفيين، والمعادن الثمينة، والجواهر، والسجاد، والمنتجات الجلدية، والحرير، والعملات وكل أنواع المأكولات. وكانت بخارى مركزاً لتجارة المخطوطات النادرة، ومركزاً لدور الكتب، وحافظت على مكانتها كأكبر سوق للكتب في آسيا الوسطى.
لكن أميرها، بعد انتصاره على البلشفيك عام 1918م، قطع التجارة مع روسيا فوضع بذلك نهاية لذلك الرخاء التجاري. ومع حلول عام 1920م ساء الوضع الاقتصادي لبخارى ولم تعد قادرة على توفير الطعام لسكانها. وتفجرت النقمة الشعبية والنزاع الاجتماعي، بينما احتجت حركة سميت «حركة بخارى الفتاة» (كانت معارضة للتدخل السوفياتي) وحزب شيوعي أصغر حجماً من الحركة (كان مرحباً بالتدخل السوفياتي) على السياسات المتسمة بالجهل وأساليب القرون الوسطى التي يتبعها حاكم البلاد.
وفي الواقع كان الأمير قد أعاد البلاد، من بعض النواحي، إلى القرون الوسطى، فقد أعيد استعمال برج قاليان أو (قاليان منارة أو برج الموت)، الذي كان المجرمون المحكوم عليهم بالإعدام يقذف بهم من أعلاه في القرن الثاني عشر. وكان الأمير يحكم حكماً مطلقاً من قصوره، وسط غلمانه وحريمه، وبأسلوب لا يقل تعسفاً عن أسلوب أي من أسلافه.
انتهز الجيش الأحمر انعدام شعبية الأمير، فقرر التدخل. وفي صيف عام 1920م هاجم بخارى مرة أخرى، وقصفت القوات الروسية بقيادة ميخائيل فرونزي مدينة بخارى وفيما كانت جماعة «بخارى الفتاة» تقوم بانتفاضة في المدينة، كان الجيش الأحمر بطائراته وسياراته المصفحة يشق طريقه إلى داخل المدينة في تاريخ 2 أيلول، منهياً نظام القرون الوسطى في بخارى. وقد التهمت ألسنة اللهيب المكتبة التي ربما كانت تحتوي أعظم مجموعة في العالم من المخطوطات الإسلامية.
غلمان في الطريق
أما الأمير، فقد تلقى في قصره اتصالاً هاتفياً نبهه إلى ما يحدث، فهرب مع حريمه وحمولة ثلاث مركبات من الذهب والحجارة الكريمة أخذها من خزائنه. تقول قصة رويت في ما بعد إن الأمير كان يترك وراءه عند نقاط على الطريق واحداً من غلمانه الذين يجيدون الرقص، لصرف انتباه مطارديه عنه وإبطاء مطاردتهم له وكانت أولى نقاط توقفه منطقة التلال الشرقية، ومن هناك عبر الحدود لائذاً بأفغانستان.
بعد استيلاء روسيا السوفياتية على مدينة بخارى، أعلنت اعترافها بالاستقلال المطلق لجمهورية بخارى الشعبية، لكنه كان اعترافاً شكلياً فقط فقوات فرونزي بقيت في البلاد، وفرضت عليها مصادرات. وكان التدخل السوفياتي في شؤون بخارى مؤشراً لدمجها في روسيا السوفياتية في نهاية المطاف. لقد قاوم قادة حركة «بخارى الفتاة» السيطرة الروسية وحاولوا تثبيت الاستقلال.
وفي التلال الواقعة في شرق بخارى، بدأت جماعات البصمتشية (وتعني بالأوزبكية قطاع طرق) الموالية للأمير تقوم بمضايقة الفاتحين الروس، ولم تنشأ روابط حقيقية بين مختلف جماعات البصمتشية ومع ذلك شكلت هذه الجماعات تحدياً للحكم السوفياتي، وعجز الجيش الأحمر حتى نهاية1921م عن قمع هذا التحدي.
وكان أنور باشا قد وصل إلى بخارى في 8 تشرين الثاني 1921م، وقد عهد إليه الروس في دور يؤديه في تهدئة تركستان. وفيما كان مقبلاً على المدينة عبر بساتين الأشجار المثمرة ومزارع البطيخ وكروم العنب وجنائن الورود ومزارع الخشخاش والتبغ، تصور نفسه يدخل جنة عدن العقيدة الطورانية التي يؤمن بها: أي الوطن التاريخي للشعوب التركية.
كانت بخارى عند فتحها مدينة عمرها قرون؛ محاطة بأسوار عالية من الحجر على امتداد ثمانية أميال، في أعلاها فوهات لمقاومة العدو، ومئة وواحد وثمانون برج مراقبة، وعدد أبوابها أحد عشر باباً، وكانت تجسيداً لفن العمارة في الماضي الإسلامي الذي يمجده أنور باشا.
ومر زمن كانت فيه أقدس مدن آسيا الوسطى، ومساجدها الثلاثمائة والستون تمثل له عقيدته الدينية التي يشاركه فيها سكان المدينة، رجال يمارسون الشعائر الدينية ونساء يضعن الحجاب. ورجال بخارى يعتمون ويرتدون الأقبية التقليدية المخططة ويسمونها «خلاط»، في حين وصل أنور باشا ببزة عسكرية أوروبية الطراز. لكنه شعر أن رابطة الأخوة تجمع بينه وبينهم.
بل إن صلات القربى التي تجمعه بهم امتدت إلى حكومة بخارى الجديدة. فلم يكن حزب بخارى الفتاة بعيد الشبه عن حزب تركيا الفتاة الذي كان أنور أحد قادته في أسطنبول. وكان لقادة مصلحين أمثال زكي وليدي طوقان البشكيري أتباع هناك.
ولما غادر أنور المدينة بعد دخوله إليها بثلاثة أيام، أخذ معه كبار شخصيات الحكومة: رئيسها وقوميسار الحربية وقوميسار الداخلية. وقد زعم للروس أنهم ذاهبون في رحلة صيد.
ولكنهم في الواقع يمموا شطر منطقة التلال في شرق بخارى، حيث اتصل أنور بأنصار الأمير. ثم إن الامير عينه قائداً عاماً، وهكذا تسلم قيادة حزب البصمتيشية من أجل الاستقلال عن روسيا.
ممثل النبي
صار أنور باشا، بعدما نال تأييد الأمير وقادة حزب بخارى الفتاة، في وضع يسمح له بالتأليف بين جميع الفئات، وانطلق مبعوثوه سعياً وراء عصابات البصمتشية في سائر أنحاء تركستان لتوحيدها تحت رايته. وكان هدفه المعلن إنشاء دولة إسلامية مستقلة في آسيا الوسطى. وكعادته شدد على وحدة الشعوب الإسلامية. ورسالته الإسلامية القوية النبرة أكسبته تأييد رجال الدين، الذين التفوا حوله دعماً لقضيته، كما أكسبته تأييد جار ذي أهمية، هو أمير أفغانستان المسلم. بيد أن مواطن الضعف في شخصية أنور باشا عادت إلى الظهور. كان مغروراً مختالاً هاوياً للأزياء والأوسمة والألقاب.
وقد أمر بصنع خاتم ذهبي يختم به الوثائق الرسمية، وحمل الخاتم لقب «القائد العام لسائر جيوش الإسلام، صهر الخليفة وممثل النبي». وما لبث أن لقب نفسه أمير تركستان، وكان هذا تصرفاً لا يقود إلى علاقات حسنة مع الأمير الذي كان يدافع عن قضيته. وفي وقت ما خلال النصف الأول من عام 1922م قطع أمير بخارى علاقاته مع أنور، ومنع عنه القوات والأموال التي كان في أمسّ الحاجة إليها. ولم يبادر أمير أفغانستان إلى نجدته.
حققت ثورة أنور باشا بعض الانتصارات الأولى. فقد شن غارة جريئة على مدينة بخارى أوهنت عزيمة خصومه. وتقول بعض الروايات إنه تمكن من السيطرة على معظم أراضي بخارى، بينما تقول روايات أخرى إن أنور كان مجرد زعيم من بضعة زعماء يقود عصابة لا يتجاوز عددها ثلاثة آلاف (من مجموع يقدر بستة عشر ألف رجل من البصمتشية المنتشرين في البلاد). والأمر الواضح هو أن نشاطاته، مؤثرة كانت أو غير مؤثرة، سببت قلقاً شديداً للكرملين.
أواخر ربيع عام 1922م كتب أنور باشا إلى حكومة روسيا السوفياتية طالباً منها أن تسحب القوات الروسية وأن تعترف باستقلال دولته الإسلامية في تركستان، وعرض في مقابل ذلك السلام والصداقة. لكن موسكو رفضت العرض.
وفي صيف عام 1922م قام الجيش الأحمر، تساعده الشرطة السرية، بحملة تهدئة، وكانت مواطن ضعف أنور عاملاً مساعداً في هذه الحملة. ظل أنور القائد العسكري هبة من الله للجانب الآخر، وظل أنور السياسي أخرق بالقدر عينه. لقد أبعد زعماء البصمتشية الآخرين، وكثيرون منهم انقلبوا عليه. وما إن حلّ منتصف فصل الصيف حتى كان الروس قد قضوا على أتباعه فلم يبق منهم سوى فئة صغيرة من الطرائد.
أخذ الجواسيس الروس والدوريات الروسية يقتفون أثره في الشعاب الضيقة، وفي النهاية اهتدوا إليه في مكمنه الجبلي، وسرعان ما طوق الجيش الأحمر قواته. وفجر 4 آب 1922م بدأ الجنود السوفيات الهجوم، فتشتت رجال أنور باشا.
الروايات عن موت أنور باشا متعددة، أكثرها إقناعاً تقول إنه عندما شن الروس هجومهم قبض على المصحف الذي يحمله في جيبه، وكعادته اندفع إلى الأمام مهاجماً. بعد ذلك عثر على جثته المتعفنة على أرض المعركة، وقد انتزع المصحف من بين أصابعه التي جمدها الموت وضم إلى محفوظات الشرطة السرية السوفياتية. ولا يزال هناك.
مدرسة أمين خان 1852م
هناك مدن من الأفضل أن تسمع بها أو تقرأ عنها على أن تراها. بخارى ليست واحدة منها.
بخارى
ـ 3 ـ
برزت مدينة بخارى كواحدة من أقدم المدن الإسلامية وأشهرها في آسيا الوسطى، وتُعد من المدن التاريخية المهمة في جمهورية أوزبكستان، ولا تزال تعكس أجواء مدن العصور الوسطى لما تتميز به من شوارع ضيقة ولوجود قلعتها الحصينة التي تشرف على المدينة القديمة وهي تعود إلى القرن العاشر الميلادي.
وكانت بخارى موضع اهتمام الرحالة والمؤرخين المسلمين وغيرهم الذين عنوا بتاريخ المدينة وجغرافيتها. ووصفها ياقوت الحموي في «معجم البلدان» قائلاً: «بخارى: من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلّها يعبر إليها آمل الشط وبينها وبين جيحون يومان من هذا الوجه وكانت قاعدة ملك السامانية. واسمها أيضاً (بُومجكث).
ولا شك أنها مدينة قديمة نزهة كثيرة البساتين واسعة الفواكه جيدتها عهدي بفواكهها تُحمل إلى مرو وبينهما اثنتا عشرة مرحلة وإلى خوارزم وبينهما أكثر من خمس عشرة يوماً وبينها وبين سمرقند سبعة أيام أو سبعة وثلاثون فرسخاً بينهما بلاد الصغد».
منظر لقبة ضريح «بهلوان محمود» عام 1835 ومئذنة «إسلام خواجه» عام 1910
وقد أنجبت مدينة بخارى العديد من العلماء والمفكرين أبرزهم اثنان هما: الطبيب والفيلسوف الإسلامي الكبير الحسين بن عبد الله بن سينا الذي يُعد من أعظم رواد الفكر الإنساني وصاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات.
ولد عام 370هـ (981م) في قرية «أفشنة» من قرى بخارى، وتوفي عام 428هـ (1037م) بمدينة همدان غرب إيران ودفن فيها. وأمّا الثاني فهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب كتاب الحديث المعروف بصحيح البخاري.
ولد ببخارى عام 194هـ (810م)، وظل طوال حياته يتردد بين الأمصار، وأقام ببغداد ونيسابور حتى اشتاق إلى بلاده فرجع إليها، وتوفي عام 256هـ (870م) بقرية (خرتنك) وهي على ثلاثة فراسخ من سمرقند ودفن فيها.
وأضحت مدينة بخارى اليوم حاضرة إسلامية بمعالمها التراثية الفريدة محفوظة في ذاكرة الناس، حيث تستمد مزاياها من بنيتها العمرانية ومن المئات من المعمارين والفنانين المبدعين الذين استلهموا المعرفة من القرآن الكريم وهندسة حضارات عريقة كالحضارة الفارسية حيث حكمت المنطقة لقرون عديدة والتي كان لعناصرها ومفرداتها المعمارية تأثيرها الواضح على الطابع المعماري الجميل لهذه المدينة.
ولعل مساجد مدينة بخارى ومبانيها الإسلامية تنبثق من التناغم المتين بينها وبين طبيعة المواد المستعملة. فالفن المعماري الذي يطبعها ويستوعبها يمثل قوة خلافة تلتقي فيها على مختلف المستويات جمالية اللقاءات المتعددة الأشكال بمواد معتصرة لإظهار كل ما هي قادرة على عطائه من الإبداعات، وهي أيضاً نابعة من جذورها الراسخة في القدم وأصولها الشرقية، إضافة إلى ما استوحته من الفن الإسلامي الرفيع وأُسسه الجمالية.
ويحيط بمدينة بخارى سور عظيم ولولاه لغطت الرمال الصحراوية المدينة، وتنتشر على سورها من جميع الجهات إحدى عشرة بوابة هي:
بوابة إمام، بوابة مزار، بوابة سمرقند، بوابة اقلان، بوابة تلياج، بوابة شيركيران، بوابة قره قول، بوابة شيخ جلال، بوابة نمازكاه، بوابة سلاخ خانه، بوابة كيرشي.
وفي المدينة ميادين عدة أشهرها:
1 ـ ميدان لب حوض (ديوان بيكي): ويقع بجوار مدرسة ديوان بيكي وهو على شكل مربع في وسطه مسبح رائع طوله 100 قدم وعرضه 80 قدماً وتحيط به سلالم (درجات) عددها ثمانية مبنية بالأحجار وتنتشر الأشجار على طرفيها.
2 ـ ميدان ريجستان: وهو الميدان العام لمدينة بخارى وهو أوسع من «ميدان لب حوض» وأكثر ازدحاماً بالناس، في وسطه حوض تحيط بأطرافه اكشاك البيع المختلفة تغطيها الزخارف والتزيينات المعمارية الإسلامية البديعة.
مسجد كاليان (قليان) في بخارى مدرسة مير عرب في بخارى (تأسست عام 1535م)
تنتشر في أرجاء المدينة الكثير من المساجد ذات الطرز المعمارية التاريخية الشهيرة، في سنة 1863م كان في مدينة بخارى 365 مسجداً أي بعدد أيام السنة، ومن أهم المساجد هي:
ـ مسجد كاليان (قليان): يُعد هذا المسجد من أقدم المساجد في مدينة بخارى وأهمها، ويعتبر أيضاً مسجدها الجامع الذي كانت تقام فيه صلاة الجمعة. ويقع في مركز المدينة عند القسم الجنوبي له «أرك بخارى»، وقد دمرت معظم أبنيته في الحروب وأشعلت فيها النيران، وفي عهد أرسلان خان تمّ بناء المسجد من جديد وذلك سنة 1121م، وأشعلت النيران فيه مرة أخرى عند اجتياح جيوش جنكيز خان لهذه البلاد، وكل ما تبقى من المسجد القديم هي مئذنته التي تعتبر تحفة معمارية رائعة، وتنتشر على جدارها الخارجي الزخارف الآجرية الجميلة، وقد تمّ ترميم المسجد وإصلاحه في عهد تيمورلنك وله مدخل على شكل طاق (قوس) من الآجر والجص زين بالخطوط المختلفة والنقوش القاشانية بألوان زرقاء وبيضاء وصفراء، ويحتوي المسجد على قبتين كسيتا بالبلاط القاشاني.
ـ مسجد مغاك عطار: شيد هذا المسجد في بدايته تحت الأرض، وتذكر المصادر التاريخية أن المسلمين الأوائل كانوا يجتمعون فيه سراً. أما اليوم فيعتبر هذا المسجد وإيوانه الجميل ذي البوابة الآجرية من المباني الإسلامية الرائعة في بخارى، وتوجد فيه قباب يرجع تاريخ تشييدها إلى القرن السادس عشر الميلادي.
ـ مسجد ديوان بيكي: تمّ تشييد هذا المسجد في عهد الأمير إمام قلي خان وذلك سنة 1039هـ (1630م) بأمر من شخص يدعى (نظر) كانت وظيفته ديوان بيكي أي (مدير شؤون الديوان).
ويشتمل هذا المسجد على مدرسة ومخزن للمياه، ويعتبر مدخل المدرسة من حيث زخارف جدرانه تحفة فنية معمارية رائعة، وقد زينت بوابته بزخارف قاشانية بديعة ذات نقوش هندسية تتخللها الخطوط العربية الجميلة.
مدرسة أولوغ بك 1417م مدرسة مادر عبد الله خان 1566م
يمكن القول إن المدارس التي شيدت في مدينة بخارى من أقدم المدارس الإسلامية عمارة في آسيا الوسطى، وكذلك قبل أن يشيد الوزير السلجوقي نظام الملك مدارسه في مدن هراة ونيسابور وأصفهان وبغداد وغيرها. وأشهر المدارس شيدت في عهد السامانيين 279 ـ 389هـ (893 ـ 999م)، وفي عهد قراخانيان وصلت مدينة بخارى إلى ذروة ازدهارها وأصبحت مركزاً للثقافة والعلوم.
مسجد بلند محراب في بخارا
وفي زمن مظفر الدين شيدت العديد من المدارس في هذه المدينة، وفي سنة (1863م) كان في المدينة أكثر من خمسة آلاف طالب يدرسون علوم القرآن والمعارف الإسلامية والطب والرياضيات وفنون العمارة الإسلامية، وكان أغلبهم من دول آسيا الوسطى وإيران والهند وأفغانستان وباكستان وروسيا والصين، ومن أهم هذه المدارس هي:
…. تعد هذه المدرسة من أجمل ما أنتجته فنون العمارة الإسلامية في مدينة بخارى وهي فريدة في طرازها المعماري لما تتميز به من نقوش هندسية رائعة، وسقوفها ذات الأقواس المنحنية والمنظمة بشكل أقواس متداخلة تحمل قباب صغيرة الحجم وخفيفة الوزن مقارنة بالقبة المركزية التي ترتكز على قاعدة مربعة الشكل، ولتحويل قاعدة المربع إلى قاعدة دائرية، أضيفت إلى البناء قواعد من الرخام لتدعم أعمدة قواعد الأقواس الأساسية، أما الفراغات الموجودة فقد ملئت بقرميد مصنوع من (عظام سمك خاص (Herring bone لتشكيل زخارف ذات خمسة أوجه، أما إطار الأقواس المتداخلة فهي على شكل مشبك من المربعات، أما الزوايا التي تقع بين الأقواس الأصلية فهي متصلة بالسقف المنحني ومزينة بمقرنصات جصية.
ـ مدرسة كوكلتاش (كوكلاداش): شيدت هذه المدرسة سنة 829هـ (1426م) وتحتوي على 150 غرفة، وهي جزء من مسجد (كاليان أو قليان)، وتعتبر المئذنة الملحقة بالمسجد والمدرسة من أعلى مآذن دول آسيا الوسطى حيث يصل ارتفاعها إلى 46 متراً.
ـ مدرسة خليف نيازكول أو (جهار منار): (مدرسة المآذن الأربعة)، شيدت من قبل أحد التجار الأتراك ويدعى خليف نيازكول وذلك سنة (1807م) وأجمل ما فيها مآذنها الأربعة، وهي مبنية بالطابوق (الآجر) والجص وتعلو نهاياتها قباب صغيرة مزينة بالبلاط القاشاني اللماع ولهذه المآذن قواعد دائرية ترتفع إلى الأعلى على شكل أبراج عالية تحيط بالمدخل الرئيسي لهذه المدرسة الذي تعلوه من وسطه قبة من الآجر، ويوجد على يمين المدخل أربعة أسطر محفورة في وسط الجدار تشير إلى تاريخ بناء هذه المدرسة.
ـ مدرسة كوش: تحتوي هذه المدرسة على 100 غرفة، ويختلف تخطيطها وتصميمها عن الأسس التقليدية في بناء المدارس الأخرى، أما كلمة كوش فتعني اثنين، أي أن هذه المدرسة تتكون من مبنيين هما مدرسة عبد الله خان ومديرية خان ومن المعالم التاريخية والإسلامية الأخرى في مدينة بخارى فهي:
مدرسة جهار منار أو المآذن الأربع في بخارى
يعود بناء هذا المرقد إلى القرن التاسع الميلادي، وتتجلى في بنائه الزخارف الآجرية الجميلة، التي تعتبر عنصراً رئيسياً في عمارة هذا المرقد الذي يقوم على قاعدة مربعة الشكل، ويساوي ارتفاعه طول ضلع القاعدة، وتعلوه قبة مركزية على شكل نصف كرة تجلس على قاعدة ثمانية الشكل وتقع في أطرافها قباب صغيرة الحجم.
أما الواجهات الخارجية للمرقد فهي متشابهة وخصوصاً في زخارفها الآجرية وتعلوها أقواس من الآجر أيضاً. وقد زين المرقد من الداخل بنقوش بسيطة.
يعتبر بناء الأرك رمزاً لمدينة بخارى، ويعتبر من روائع فنون عمارة العصور الإسلامية الوسطى، وقد ظل أحد الأماكن السياحية على مدى قرون عدة. يطل البناء على ساحة المدينة وتتقدمه بركة ماء كبيرة. وقد شيد مبنى الأرك من الطابوق (الآجر) والجص، ويتألف من عدة طوابق ذات أقواس وأعمدة تشكل لوحة فنية رائعة تدل على أصالة الفن المعماري الإسلامي وجماليته في تلك الحقبة الزمنية في دول آسيا الوسطى.
رؤوف محمد علي الأنصاري
بخشايش
بلدة تبعد عن مدينة تبريز بنحو ثمانين كيلومتراً وتتبعها إدارياً. يبلغ عدد سكانها نحو عشرة آلاف نفس يشتغل رجالهم بزراعة القمح والشعير ونساؤهم بصنع السجاد.
تقع البلدة بين نهري (أجي جاي) و(أوجان جاي)، وهما نهران ماؤهما مرّ المذاق لا تنتفع البلدة منهما بشيء، ويصبان في بحيرة (أرومية)، ولندرة الشجر فيها يتندر أهلها على من يستطيع استنبات شجرة بأنه صاحب بستان.
خرج منها قديماً وحديثاً علماء عديديون بعضهم يقيم الآن في قم وبعضهم في تبريز عدا عمن يقيمون في البلدة نفسها ومن علمائها الخطباء الشيخ عبد الرحمن الواثقي المقيم اليوم في طهران.
مرقد إسماعيل الساماني في بخارى
ولغة أهل بخشايش هي اللغة التركية كسائر أهل آذربيجان.
البداء
قال السيد محسن الأمين:
البداء مصدر بدا يبدو بداء أي ظهر ويستعمل في العرف لمعنى الظهور بعد الخفاء فيقال فلان كان عازماً على كذا ثم بدا له فعدل عنه. وقد أجمع علماء الشيعة في كل عصر وزمان على أنه بهذا المعنى باطل ومحال على الله لأنه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى وهو منزه عن ذلك تنزيهه عن جميع القبائح وعلمه محيط بجميع الأشياء إحاطة تامة جزئياتها وكلياتها لا يمكن أن يخفى عليه شيء ثم يظهر له.
ولكن ورد في بعض الأخبار من طرق الشيعة نسبة البداء إليه تعالى كما ورد في القرآن الكريم: ﴿يد الله﴾. ﴿خلقت بيدي﴾. ﴿الرحمان على العرش استوى﴾. ﴿وجاء ربك﴾. ﴿الله يستهزئ بهم﴾. ﴿وغضب عليهم﴾.
وورد في بعض الأخبار عند الجميع أن الله ينزل إلى سماء الدنيا. وكما علمنا بالدليل العقلي أن الله تعالى منزه عن الأعضاء والجوارح وعن التركيب وعن الاستواء على العرش كاستواء أحدنا على السرير وعن النزول والصعود والمجيء والذهاب لاستلزام ذلك المكان والجهة وهما من لوازم الجسم الحادث. وعن الغضب الذي هو انفعالي نفساني، وعن الاستهزاء الذي هو ظهور فعل في البدن والجوارح وكل ذلك من لوازم الحدوث.
كذلك علمنا أن الله تعالى لا يبدو له شيء بعد أن كان خفياً عنه لاستلزامه الجهل والله منزه عنه وكما لزم حمل الآيات المذكورة والخبر المذكور على ما لا ينافي نزاهته تعالى أو إيكال علمه إليه كذلك يلزم حمل البداء الوارد في بعض الأخبار على معنى لا ينافي نزاهته تعالى وهو مناسب للفظ البداء كل المناسبة بأن يراد بالبداء الإظهار بعد الإخفاء لا الظهور بعد الخفاء. ومعناه أن يظن حدوث شيء في الكون لسبب من الأسباب ثم يفعل الله تعالى ما يبطل هذا الظن ولما كان هذا شبيهاً بالبداء أطلق عليه لفظ البداء مجازاً. فالبداء نسخ في التكوين كما أن النسخ المعروف نسخ في التشريع فكما أنه تعالى يحكم حكماً من الأحكام من وجوب وتحريم أو غيرما يكون ظاهره الاستمرار بحيث لو لم ينسخ لكان مستمراً ولا يصرح باستمراره وإلا لكان نسخه مناقضاً لذلك ولا بتحديده بزمان وإلا لكان توقيتاً لا نسخاً. ثم ينسخه فيكون النسخ قرينة على أن هذا الظهور غير مراد وأن الحكم كان في الواقع محدوداً لكنه لم يظهر تحديده لمصلحة اقتضت ذلك.
فالنسخ إنما هو للظهور لا نسخ للحكم في الواقع لأن النسخ معناه الإزالة فإن كان الحكم مستمراً في علم الله واقعاً إلى الأبد كان نسخه محالاً للزوم التناقض أو الجهل بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد فمع كون المصلحة توجب الاستمرار لا يجوز النسخ ومع كونها لا توجبه لا يجوز الحكم بالاستمرار إلا من الجاهل وإن كان في الواقع محدود إلى حين النسخ لم يكن ذلك نسخاً إذ لا إزالة هنا ولذلك قال بعض الفرق من غير المسلمين باستحالة النسخ وكذلك قد يظهر من بعض الأمارات حدوث شيء في الكون ثم يظهر بطلان ذلك فيعبر عنه بالبداء مجازاً لشبهه بمن كان يريد فعل شيء ثم بدا له أن يفعل خلافه، مقل ما ورد في حق الكاظم عليه السلام أنه بدا الله في شأنه فإنه كان يظن أن الإمام بعد الصادق هو ابنه إسماعيل لأنه أكبر ولده والإمامة للأكبر بحسب النص.
فلما توفي إسماعيل في حياة أبيه ظهر أنه ليس بإمام فالله تعالى أظهر بموته بطلان ما كان يظن من إمامته وعبّر عن ذلك بالبداء مجازاً. ونظير ذلك ما يحكى أن عيسى عليه السلام أخبر بموت عروس ليلة زفافها فوجدت في الصباح غير ميتة وتحت فراشها حية وعلم أنها تصدقت بصدقة تلك الليلة فدفع الله عنها الموت وهذه كان قد قدر الله عمرها إلى ليلة زفافها، وكان إخبار عيسى عليه السلام بناء على ما علمه من ذلك التقدير وكان مشروطاً بعدم التصدق وكان الله تعالى يعلم بأنها ستتصدق ولا تموت وعيسى عليه السلام يجهل ذلك.
وهذا هو المحو والإثبات الوارد في الكتاب العزيز: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ فلا محو إلاّ بعد إثبات فلا بد من حمل المحو على محو ما ثبت ظاهراً لا ثبت واقعاً وإلاّ لزم نسبة ما لا يليق إليه تعالى وهذا هو معنى البداء المجازي.
بدر
اسم مكان جرت فيه معركة بين المسلمين وقريش انتهت بهزيمة قريش وانتصار المسلمين. ذلك أن المسلمين بعد استقرارهم في مكة أخذوا يفكرون تفكيراً جدياً في استخلاص أموالهم من قريش بغزوهم وقتالهم. ثم إن قريشاً حاولت إثارة شبه الجزيرة كلها على محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لقد أيقن محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يبق في مصانعتهم أو في الاتفاق معهم رجاء.
وقد خرج أبو سفيان في أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة في تجارة كبيرة يقصد الشام، وهي التجارة التي أراد المسلمون اعتراضها حين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى العشيرة. لكنهم إذ بلغوها كانت قافلة أبي سفيان قد مرت بها ليومين من قبل وصولهم إليها.
إذ ذاك اعتزم المسلمون انتظارها في عودتها. ولما تحين محمد صلى الله عليه وسلم انصرافها من الشام بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ينتظران خبرها فسارا حتى نزلا بالحوراء وأقاما حتى مرت العير، فأسرعا إلى محمد صلى الله عليه وسلم ليفضيا إليه بأمرها وما رأيا منها.
على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتظر رسوليه إلى الحوراء وما يأتيان به من خبر العير، ولقد خشي إن هو انتظرهما أن تفوته العير في عودتها إلى مكة كما فاتته في ذهابها إلى الشام.
لذلك ندب المسلمين وقال لهم: هذه عير قريش، فاخرجوا إليها، وأراد جماعة لم يسلموا أن ينضموا طمعاً في الغنيمة، فابى محمد عليهم الانضمام أو يؤمنوا بالله ورسوله.
أما أبو سفيان فكان قد اتصل به خروج المسلمين لاعتراض قافلته حين رحلتها إلى الشام، فخاف أن يعترضه المسلمون حين أوبته بعد أن ربحت تجارته، وجعل ينتظر أخبارهم. وكان (الجهني) الذي نزل عليه رسولا محمد صلى الله عليه وسلم بالحوراء بعض من سأل.
ومع أن الجهني لم يصدقه الخبر فقد بلغه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار معه مثل ما ترامى إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خبره، فخاف عاقبة أمره إذ لم يكن من قريش في حراسة العير إلاّ ثلاثون أو أربعون رجلاً.
عند ذلك استأجر ضمضم بن عمر الغفاري فبعثه مسرعاً إلى مكة ليستنفر قريشاً إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه ….. ووصل ضمضم من مكة إلى بطن الوادي فقطع أذني بعيره وجدع أنفه وحول رحله ووقف هو عليه وقد شقّ قميصه من قبل ومن دبر وجعل يصيح:
يا معشر قريش: اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان وقد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها.
الغوث، الغوث، وما لبث أبو جهل حين سمعه أن صاح بالناس من عند الكعبة يستنفرهم. ولم تكن قريش بحاجة إلى من يستنفرها، وقد كان لكل منها في هذه العير نصيب.
على أن طائفة من أهل مكة كانت تشعر بما ظلمت قريش المسلمين من أهلها حتى أكرهتهم على الهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة، فكانت تتردد بين النفير للذود عن أموالها والقعود رجاء ألا يصيب العير مكروه.
وهؤلاء كانوا يذكرون أن قريشاً وكنانة بينهما ثأر في دماء تبادل الفريقان إراقتها. فإذا خفت للقاء محمد لمنع عيرها منه خافت بني بكر (من كنانة) أن تهاجمهم من خلفها. وكادت هذه الحجة ترجح وتؤيد رأي القائلين بالقعود، لولا أن أحد أشراف بني كنانة قال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، إذ ذاك رجحت كفة أبي جهل وعامر بن الحضرمي والدعاة إلى الخروج لدفع محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه. ولم يبق لكل قادر على القتال عذر في التخلف أو يرسل مكانه رجلاً.
ولم يتخلف من أشراف قريش إلاّ أبو لهب الذي بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. وكان أمية بن خلف قد أجمع على القعود، وكان شيخاً جسيماً ثقيلاً، فأتاه بالمسجد عقبة بن أبي معيط وأبو جهل ومع عقبة مجمرة فيها بخور ومع أبي جهل مكحلة ومرود. فوضع عقبة المجمرة بين يديه وقال: استجمر فإنما أنت من النساء وقال أبو جهل: اكتحل فإنما أنت امرأة. فقال أمية: ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي، وخرج معهم، فلم يبق بمكة متخلف قادر على القتال.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد خرج مع أصحابه من المدينة، لثمان خلون من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وجعل عمرو بن أم مكتوم فيها على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة. وكانت أمام المسلمين في مسيرتهم رايتان سوداوان، وكانت إبلهم سبعين بعيراً جعلوا يتعاقبونها كل اثنين منهم وكل ثلاثة وكل أربعة يتعاقبون بعيراً.
وكان حظ محمد صلى الله عليه وسلم كحظ سائر أصحابه، فكان هو وعلي ومرثد بن مرثد الغنوي يتعاقبون بعيراً. وكانت عدة من خرج مع النبي إلى هذه الغزوة ثلاثمائة رجل وخمسة رجال (305) منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين وواحد وستون من الأوس والباقون من الخرزج. وانطلق القوم مسرعين من خوف أن يفلت أبو سفيان منهم، وهم يحاولون أن يقفوا على أخباره حيثما حلوا. فلما كانوا بعرق الظبية لقوا رجلاً من الأعراب فسألوه عن القوم فلم يجدوا عنه خبراً. وانطلقوا حتى أتوا وادياً يقال له ذفران ونزلوا فيه.
وهناك جاءهم الخبر بأن قريشاً قد خرجوا من مكة ليمنعوا عيرهم. إذ ذاك تغير وجه الأمر. لم يبق هؤلاء المسلمون مهاجروهم والأنصار أمام أبي سفيان وعيره والثلاثين أو الأربعين رجلاً معه، لا يملكون مقاومة محمد وأصحابه، بل هذه مكة خرجت كلها وعلى رأسها أشرافها للدفاع عن تجارتها، فلو أن المسلمين أدركوا أبا سفيان وتغلبوا عليه وعلى رجاله وأسروا منهم من أسروا واقتادوا إبله وما عليها، فلن تلبث قريش أن تدركهم، يحفزها حرصها على مالها والدفاع عنها وتؤازرها كثرة عددها وعدتها، وأن توقع بهم، وأن تسترد الغنيمة منهم أو أن تموت دونها.
ولكن إذا عاد محمد من حيث أتى طمعت قريش وطمعت يهود المدينة فيه واضطر إلى موقف المصانعة، واضطر أصحابه إلى أن يحتموا من أذى يهود المدينة وما احتملوا من أذى قريش بمكة. وهيهات هو إن وقف هذا الموقف أن تعلو كلمة الحق وأن ينصر الله دينه.
استشار الناس وأخبرهم بما بلغه من أمر قريش، فقام المقداد بن الأسود فقال: «يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معك مقاتلون». وسكت الناس.
فقال الرسول: «أشيروا علي أيها الناس» وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبنائهم ونساءهم ولم يبايعوه على اعتداء خارج مدينتهم. فلما أحس الأنصار أنه يريدهم، وكان سعد بن معاذ صاحب رايتهم التفت إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل.
قال سعد: «لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك وما تخلف من رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً. إنا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله».
ولم يكد سعد يتم كلامه حتى أشرق وجه محمد صلى الله عليه وسلم بالمسرة وبدا عليه كل النشاط فقال: سيروا وأبشروا، وارتحلوا جميعاً حتى إذا كانوا على مقربة من بدر انطلق محمد صلى الله عليه وسلم على بعيره حتى وقف على شيخ من العرب وسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، ومنه عرف أن عير قريش منه قريب.
إذ ذاك عاد إلى قومه، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يتلمسون له الخبر عليه. وعادت هذه الطليعة ومعها غلامان عرف محمد منهما أن قريشاً وراء الكثيب بالعدوة القصوى. ولما أن أجابا أنهما لا يعرفان عدة قريش، سألهما محمد: كم ينحرون كل يوم: فأجابا يوماً تسعة ويوماً عشرة، فاستنبط النبي من ذلك أنهم بين التسعمائة والألف، وعرف من الغلامين كذلك أن أشراف قريش جميعاً خرجوا لمنعه، فقال لقومه: «هذه مكة فقد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» إذاً فلا بد وهم أمام قوم يزيدون عليهم في العدد ثلاثة أضعاف أن يشحذوا عزائمهم، وأن يوطنوا على الشدة أفئدتهم ونفوسهم، وأن ينتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصر فيها إلاّ لمن ملأ الإيمان بالنصر قلبه.
وكما عاد علي ومن معه بالغلامين وبخبر قريش معهما ذهب اثنان من المسلمين حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تل قريب من الماء وأخذوا وعاء لهما يستقيان فيه. وإنهما لعلى الماء إذا سمعا جارية تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تجيبها. إنما تأتي العير غداً أو بعد غد. فأعمل لهم وأقضيك الذي لك. وعاد الرجلان فأخبرا محمداً بما سمعا.
فأما أبو سفيان فقد سبق العير يتنطس الأخبار حذر أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد سبقه إلى الطريق. فلما ورد الماء وجد عليه رجلاً سأله هل قد رأى أحداً؟ فأجاب بأنه لم ير إلا راكبين أناخا إلى هذا التل، وأشار إلى حيث أناخ الرجلان من المسلمين. فأتى أبو سفيان مناخهما فوجد في روث بعيرهما نوى عرفه من علائق يثرب، فأسرع عائداً إلى أصحابه وعدل بالسير عن الطريق مساحلاً البحر مسرعاً في مسيره حتى بعد ما بينه وبين محمد، ونجا.
وأصبح الغد والمسلمون في انتظار مروره بهم، فإذا الأخبار تصلهم أنه فاتهم وأن مقاتلة قريش هم الذين ما يزالون على مقربة منهم، فيذوي في نفوس جماعة منهم ما كان يملؤها من أمل في الغنيمة، ويجادل بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم كي يعودوا إلى المدينة ولا يلقوا القوم الذين جاؤوا من مكة لقتالهم.
وقريش هم أيضاً ما حاجتهم إلى القتال وقد نجت تجارتهم؟ أليس خيراً لهم أن يعودوا من حيث أتوا. وأن يتركوا المسلمين يرجعون من رحلتهم بخفي حنين؟ كذلك فكر أبو سفيان، وبذلك أرسل إلى قريش يقول لهم: إنكم قد خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا، ورأى من قريش رأيه عدد غير قليل. لكن أبا جهل ما لبث حين سمع هذا الكلام أن صاح: والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم عليه ثلاثاً ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها. ذلك أن بدراً كان موسماً من مواسم العرب، فانصراف قريش عنها بعد أن نجت تجارتهم قد تفسره العرب، فيما رأى أبو جهل بخوفهم من محمد وأصحابه، مما يزيد محمد شوكة ويزيد دعوته انتشاراً وقوة.
وتردد القوم بين اتباع أبي جهل مخافة أن يتهموا بالجبن، وبين الرجوع بعد أن نجت عيرهم، فلم يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريق، وكان فيهم مطاعاً. واتبعت سائر قريش ابا جهل حتى ينزلوا منزلاً يتهيؤون فيه للحرب ثم يتشاورون بعد ذلك. ونزلوا بالعدوة القصوى خلف كثيب من الرمل يحتمون به. أما المسلمين الذين فاتتهم الغنيمة فقد أجمعوا أن يثبتوا للعدو إذ أجمع على محاربتهم. لذلك بادروا إلى ماء بدر، ويسر لهم مطر أرسلته إليهم السماء مسيرتهم إليها.
فلما جاؤوا أدنى ماء منها نزل محمد صلى الله عليه وسلم به. وكان الحباب بن المنذر بن الجموح عليماً بالمكان فاشار بأن يذهب المسلمون فينزلون أدنى ماء من القوم. وقال: فنزل ثم نمور ما وراءه من القلب. ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
ونزلت قريش منازل القتال، ثم بعثوا من يقص لهم خبر المسلمين، فجاءهم بأنهم ثلاثمائة أو يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولا كمين لهم ولا مورد، ولكنهم قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلاّ سيوفهم، فلا يموت رجل منهم قبل أن يقتل رجلاً مثله. ولما كانت صفوة قريش قد خرجوا في هذا الجيش خشي بعض ذوي الحكمة منهم أن يقتل المسلمون كثرتهم فلا تبقى لمكة مكانتها.
لكنهم خافوا حدة أبي جهل ورميه إياهم بالجهل والجبن والخوف وإن لم يمنع ذلك عقبة بن ربيعة من أن يحاول منع القتال، ولكن أبا جهل أصر على القتال. وأعجل القتال أن اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزومي من بين صفوف قريش إلى صفوف المسلمين يريد أن يهدم الحوض الذي بنوه، فعاجله حمزة بن عبد المطلب بضربة أطاحت بساقه فسقط إلى ظهره تشخب رجله دماً، ثم أتبعها حمزة بضربة خرى قضت عليه دون الحوض.
واستقبل محمد صلى الله عليه وسلم القبلة واتجه بكل نفسه إلى ربه وجعل ينشده ما وعده ويهتف به أن يتم له النصر. وجعل يقول: اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد.
وبرز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد من الصف ودعوا إلى المبارزة، فبرز إليهم فتيان ثلاثة من الأنصار وهم بنو عفراء معاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث، فرفض القرشيون مبارزتهم وقالوا لهم: ارجعوا فما لنا بكم من حاجة.
ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولحمزة بن عبد المطلب ولعلي بن أبي طالب: قوموا فقتلوا بحقكم إذ جاؤوا بباطلهم، فتقدم هؤلاء الثلاثة إلى العدو متمثلة بهم عظمة الإسلام ونخوته وبسالته.
فلما صالوا إزاء القرشيين قال عتبة: تكلموا نعرفكم، فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم. فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة: كفو كريم، وأنا أسد الأحلاف، ومن هذان معك؟ قال: علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب. قال: كفوان كريمان.
كانت هذه اللحظة من اللحظات الحاسمة في تاريخ الإسلام، فها هي قريش عدوة الإسلام، بعدتها وعديدها، وها هو الإسلام بما تجمع له من قوة. ها هما يقفان لأول مرة وجهاً لوجه ها هم أكفاء ثلاثة في قريش الجبارة يتقدمون الصفوف متحدين الدعوة الإسلامية وقوتها العسكرية، فما هو المصير؟ أتنتصر قريش في هذه اللحظة فتفت في عضد المسلمين وتزلزل معنوياتهم فلا يقوون على الصمود؟ أم ينتصر هؤلاء الثلاثة المؤمنون فيوهنون عزائم قريش ويكسرون جبروتها فتولي الدبر؟!
ستة رجال في صفين مختلفين، عليهم يتوقف مجرى التاريخ، وتطلع الكون كله إلى تلك اللحظة الرائعة، فأما ضربات ثلاث من ها هنا من هذا الصف المؤمن تحط على هذه الرؤوس الشامخة فتحيلها هباء تعلو بعده كلمة الحق وينتشر نور الهدى. وأما ضربات ثلاث من الصف الآخر تحيل الفجر المشرق إلى ليل دامس ……
فاسرع علي فأردى الوليد وهما أصغر القوم سناً، ولعلي خمس وعشرون سنة، والتقى سيف عبيدة سيف شيبة وهما أسن القوم، ولعبيدة سبعون سنة، فهوى السفيان كل على هدفه، فأصاب سيف عبيدة رأس شيبة ففلق هامته، واصاب سيف شيبة ساق عبيدة فقطعها وسقطا جميعاً. وغالب حمزة عتبة وهما أوسط القوم، ولحمزة سبع وخمسون سنة، فصمد عتبة وجالد قليلاً ثم سقط.
ثم حمل حمزة وعلي، عبيدة فوضعاه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حياً لعلم أنني أقررت عينه حين قال:
كذبتم وبيت الله، نخلي محمداً
ولما نطاعن دونه ونناضل
وننصره حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم حمل عبيدة فمات في طريق العودة إلى المدينة.
ضعضع هذا النصر المؤزر معنويات المشركين، وكان العامل الأول في هزيمتهم فلما اشتبك الفريقان لم تلبث قريش أن انهزمت مخلفة اثنين وخمسين قتيلاً، فيهم حنظلة بن أبي سفيان شقيق معاوية، أرداه علي كما أردى العاص بن سعيد بن العاص وغيره من الصناديد.
وأسر أمية بن خلف فرآه بلال الحبشي فقام إليه فقتله وكان أمية يعذبه بمكة عذاباً شديداً، كما كان بين القتلى أبو جهل.
واستشهد من المسلمين في هذه الواقعة أربعة عشر من المهاجرين وثمانية من الأنصار ولم يؤسر أحد وأسر من المشركين سبعون لكن المعروفين منهم تسعة وأربعون.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى فطرحوا كلهم في بئر وكأنه فعلا ذلك لئلا تتأذى الناس بروائحهم. وقال الدكتور محمد حسنين هيكل في كتاب (حياة محمد) إن المسلمين أقاموا ببدر إلى آخر النهار ثم جمعوا قتلى قريش فحفروا لهم بئراً فدفنوهم فيها «ا.هـ».
ولو كان كذلك لقال حفروا لهم حفيرة فدفنوهم فيها ولم يعبر بالبئر لأنه بئر الماء عرفاً مع أن الحفر لا ذكر له وإنما قالوا فأمر محمد صلى الله عليه وسلم بهم فطرحوا في بئر بدر مع أنهم كانوا بما اصابهم من التعب وممارسة الحرب في شغل عن حفر الآبار وكأنه استبعد إلقاءهم في بئر الماء لأنه يوجد فساد ماء البئر زماناً طويلاً وهي بئر تستقي منها الأعراب النازلون عندها والسابلة، ويرفع الاستبعاد احتمال أن تكون تلك البئر لا يحتاج إليها كثيراً لوجود غيرها في بدر أو نواحيها.
ثم وقف صلى الله عليه وسلم على أهل البئر فناداهم رجلاً رجلاً يا عتبة ويا أبا جهل بن هشام هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً بئس القوم كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس.
وكان انهزام قريش عند الظهر فأمر صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم وصلى العصر ببدر ثم سار باتجاه المدينة.
فلما بلغ إلى مكان يسمى الأثيل أمر بقتل النضير بن الحارث ولما وصل مكاناً يسمى عرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس فجعل يقول: يا ويلي علام أقتل من بين من ها هنا؟ فقال رسول الله: لعداوتك لله ورسوله. فقال: يا محمد من للصبية؟ فقال: النار وكان هذان الرجلان من أشد الناس أذى لرسول الله تجاوزوا فيه حدود الإنسانية، وعقبة هذا هو والد الوليد بن عقبة الذي كان بعد ذلك من أشد أعداء علي.
واستشار رسول الله أصحابه في الأسرى فغلظ عليهم عمر غلظة شديدة، فقال يا رسول الله أطعني فيما أشير به عليك: قدم عمك العباس واضرب عنقه بيدك واقدم عقيلاً إلى أخيه علي يضرب عنقه وقدم كل أسير إلى أقرب الناس إليه يقتله، فكره سول الله ذلك ولم يعجبه كأنه كره تسليم كل أسير إلى الأقرب، ورغب المسلمون في فداء الأسارى دون قتلهم ليتقووا بالمال فقبل رسول الله الفداء أكثره أربعة آلاف درهم وأقله ألف، وأطلق رسول الله جماعة بغير فداء.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم نهى في أول الوقعة أن يقتل أحد من بني هاشم، وقال: إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً، ونهى أن يقتل العباس بن عبد المطالب وقال إنه خرج مستكرهاً، ولا يفسر ذلك بمحاباة من النبي صلى الله عليه وسلم لبني هاشم فقد بيّن علة ذلك بأنهم أُخرجوا كرهاً وذلك لأنهم كانوا مسلمين في الباطن ومع ذلك فقد أخذ منهم الفداء ولم يحابهم فيه وأخذ من العباس فداء نفسه وابني أخيه وحليفه لأنه كان غنياً وكانوا فقراء، على أن بني هاشم عدا أبي لهب قاموا بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وحاموا عنه فاستحقوا الجزاء، وكذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بجماعة من المشركين أن لا يقتلوا جراء إحسانهم إلى المسلمين بمكة وقيامهم في نقص الصحيفة منهم أبو البختري ولكن أبا البختري قاتل فقتل وأغضبت وصاية النبي ببني هاشم أبا حذيفة بن عتبة وكان مسلماً فقال: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس والله إن لقيته لألجمنه السيف.
فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فلم يصغ رسول الله إلى ذلك، فاسر يومئذ العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن المطلب وحليف لبني هاشم اسمه عقبة بن عمرو فلما أمسى القوم والأسارى محبوسون في الوثاق بات رسول الله تلك الليلة ساهراً فقال له أصحابه ما لك لا تنام يا رسول الله؟ قال سمعت أنين العباس من وثاقه، فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما قدم بالأسرى إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افدِ نفسك يا عباس وابني أخويك عقيلاً ونوفلاً وحليفك عقبة فإنك ذو مال فقال: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني قال: الله أعلم بإسلامك.
الانتقام لمعركة بدر
انتهت معركة بدر بالنصر الأكبر للإسلام الذي فتح أمامه أبواب النصر باباً بعد باب، وانتهت معركة بدر كذلك بإذلال الأمويين وبدء هزائمهم في مواجهة الإسلام….
لقد كان إذلال معركة بدر للأمويين إذلالاً لا حدود له، فقد قتل فيها حنظلة الابن الأكبر لأبي سفيان قتله علي بن أبي طالب خلال الصدام، وفرّ فيها معاوية الابن الأصغر لأبي سفيان فرّ ركضاً على قدميه.
وقبل الصدام قتل القادة الأمويون الثلاثة الكبار: عتبة والد هند وجدّ معاوية، وقتل ابنه الوليد خال معاوية، وقتل شيبة شقيق عتبة وعم هند أم معاوية.
قُتل هؤلاء الثلاثة مبارزة بأيدي أقرباء محمد صلى الله عليه وسلم الأدنين: عمه حمزة، وابن عمه وربيبه علي بن أبي طالب، وابن عمه عبيدة بن الحارث. وقد كان مقتلهم العامل الأول في الهزيمة التي حلت بأتباعهم، إذ كانوا يمثلون القيادة الفعلية لهؤلاء الأتباع، ويمثلون شجاعة جيشهم وعنفوانه في محاربة محمد صلى الله عليه وسلم ومحاربة الإسلام. فتضعضعت بمقتلهم معنويات أتباعهم، وفقدوا قيادتهم فلم يلبثوا أن انهزموا وهم الأكثر عدداً والأمضى سلاحاً.
لقد تمت الهزيمة باسم الإسلام الذي يقوده محمد صلى الله عليه وسلم، تمت بأيدي أقرباء محمد صلى الله عليه وسلم وأيدي الأنصار أتباع محمد وجنوده.
وكانت الهزيمة مفتاح الذل الذي جلل الأمويين وأتباعهم، فغلغل الحقد في قلوب الأمويين على الإسلام ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أهل محمد، وعلى أهل المدينة أنصار محمد.
فلما استطاعوا حكم الإسلام بمعاونة كل حاقد على الإسلام أخذوا في الانتقام من هذه الرموز الثلاثة: محمد ورسالته (الإسلام)، ثم أهل محمد، ثم الأنصار، أنصار محمد.
لم يكن معاوية يستطيع شتم محمد على المنابر الإسلامية كل يوم جمعة، فاستعاض عن ذلك بشتم أقرب الناس إليه وأعزهم عليه ربيبه وزوج ابنته: علي بن أبي طالب. واستمر ذلك بعد معاوية حتى أبطله عمر بن عبد العزيز.
ولكن معاوية إذا كان لم يجرؤ على شتم محمد صراحة، فقد شتمه ضمناً على لسان شاعره: الأخطل، حين حرضه على هجائهم وشتمهم.
لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أعلن بعد معركة (حنين) أنه من الأنصار. وذلك حين خصّ المؤلفة قلوبهم من القرشيين بقسم وافر من غنائم الحرب، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وأظهروا شيئاً من عدم الرضا لخسرانهم هذه الغنائم. فبلغ ذلك محمداً صلى الله عليه وسلم فجمع الأنصار وخطبهم خطاباً نأخذ منه هذا القول:
ألاّ يسركم أن يرجع الناس بالغنائم وترجعون أنتم برسول الله؟ ثم ختم خطابه بقوله:
اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار. والله لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار ….
فهو يصرّح أنه أنصاري ومن صميم الأنصار، ولكنه في واقعه مهاجر فماذا فعل معاوية ليشتم محمداً الذي أعلن أنه من الأنصار؟
أغرى شاعره الأخطل بشتمهم وهجائهم الذي هو في حقيقته شتم وهجاء لمحمد. فقال شاعر معاوية الأخطل:
ذهبت قريش بالمفاخر كلها
واللؤم تحت عمائم الأنصار
لم يكتف شاعر معاوية بشتم محمد وأنصاره، بل قرن ذلك بالثناء على قريش التي قادها أبو سفيان لقتال محمد …..
وأما انتقامه من الإسلام فإننا نترك الكلام عنه لأقلام غير شيعية هي في الذروة في الفكر الإسلامي:
قال الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار في الصفحة 955 من الجزء 12 من المجلد 12 ما يلي: «لقد حول معاوية شكل الحكومة الإسلامية إلى حكومة شخصية استبدادية جعلت مصالح الأمة كالمال يرثه الأقرب فالأقرب إلى المالك وإن كرهت الأمة كلها، فكان هذا أصل جميع مصائب الأمة الإسلامية. «انتهى».
وقال المفكر الفلسطيني الكاتب الدكتور وليد قمحاوي في مجلة العربي ما يلي:
واستطاع معاوية بن أبي سفيان أن يجعل الوطن العربي ملكاً يتوارثه الأبناء والأحفاد، وكأنه إقطاعية كبيرة وشعبه قطيع ضخم من العبيد. وقد كان التمرد ظاهرة شائعة، لا يكاد يكبت في مكان حتى يبدو في عدة أمكنة، ولا يخمد شهراً حتى يستعر أواره شهوراً. ولجأ الحكام إلى الطريقة المعروفة لامتصاص نقمة الشعب وتلهيته عن أوضاعه الداخلية، وذلك بسوق الناس إلى الميادين الخارجية تحت ستار وآخر. وأول من دعا إلى استغلال هذه الطريقة، كان الذي أشار على عثمان بن عفان بقوله: «رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون هم أحدهم إلا نفسه». «انتهى».
أما أسلوب حكمه فيكفي أن تأتي بالأمثلة الآتية:
كانت وصية معاوية لقائده بسر بن أبي ارطأة حين أرسله إلى الحجاز واليمن: «سر، حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس واخف من مررت به وانهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن قد دخل في طاعتنا». ووصى معاوية أيضاً قائده الآخر سفيان بن عوف الغامدي حين أرسله إلى العراق: «أقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك واخرب كل ما مررت به من قرى».
ولما أرسل منكو خان أخاه هولاكو لغزو البلاد الإسلامية كان من جملة وصيته له: «أما من يعصيك فأغرقه في الذل والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به، وابدأ بإقليم قهستان في خراسان فخرب القلاع والحصون».
فأي فرق بين هذه الأوامر التترية وأوامر معاوية، مع العلم أن جيوش معاوية كانت تغزو بلاداً إسلامية عربية، وتطبق هذه الأوامر على العرب والمسلمين، ويدعي صاحبها العروبة والإسلام. ويصف ابن الأثير بعض ما نفذته جيوش معاوية من أوامره على يد يسر بن أبي أرطأة في اليمن قائلاً:
…. وأخذ ابنين لعبيد الله بن العباس صغيرين هما عبد الرحمن وقثم فقتلهما، وكانا عند رجل من بني كنانة بالبادية، فلما أراد قتلهما قال له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب لهما؟! فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما، فقتله وقتلهما بعده …. فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين ….
والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام، والله يا ابن أبي أرطأة أن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء ….
وعلى هذا المنوال كانت تجري الأحكام، فمن ذلك أن سمرة بن جندب والي معاوية على البصرة أيام ولاية زياد ابن أبيه على الكوفة، أن سمرة هذا أقبل من المدينة مرة فلما كان عند دور بني اسد خرج من بعض أزقتهم رجل ففجأ أول الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة، فأتى عليه سمرة وهو متشحط بدمه، فقال ما هذا؟ قيل: أصابته أوائل خيل الأمير. فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا!.
وهذا الأمير ممثل معاوية في البصرة قتل في يوم واحد ثمانية آلاف قتيل صبرا، وكان زياد ابن أبيه قد تركه في البصرة وذهب إلى الكوفة ثم عاد إليه في البصرة وقد قتل هذا العدد. فقال له زياد: هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً، فقال سمرة: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت!.
وكان قد قتل فيمن قتل من قوم أبي سوار العدوي وحدهم سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن. كما يروي ذلك كله الطبري. وعن أثر تولي معاوية الحكم في المسيرة الإسلامية وتقهقر المسلمين الفكري والعقلي يقول الكاتب المصري فهمي هويدي من مقال له في مجلة «العربي» الكويتية، جزء تموز سنة 1980، الصفحة 46:
…. عصر تتسارع متغيراته يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة. شباب مسلم نبت في تلك الظروف، فلم يملك سلاحاً يشق به طريقه إذ كانت الأسلحة التي بين يديه عاجزة وغير فعالة. وكان المخرج المتاح أمامه هو هذا الانسحاب والاعتزال والتمرد.
ولنا أن نقرر أن هذا الواقع الماثل أمامنا، ليس نابعاً هذه المرة من حيرة ومفاجأة، فقد مضى وقت كافٍ للمعايشة وإيجاد تلك الصيغة أو الجسر الذي يلحق المسلم بركب العصر، دون عنت أو شعور بالذنب. ولكن رد الفعل الذي نشهده لدى هؤلاء الشبان نبع في حقيقة الأمر من إحساس بالعجز، وربما اليأس من حل هذه المشكلة.
وحتى نكون منصفين، فينبغي أن نقرر أن القضية ليست وليدة قرنين من الزمان، وأن الصدمة التي مني بها عالم الإسلام لم تحدث فجأة وبغير مقدمات. وإنما يتراكم وراء هذا الشعور بالصدمة رصيد تراثي هائل، تكون منذ حدث ذلك الانفصال بين الدنيا والدين في واقع المسلمين، وأعماقهم وفكرهم.
منذ انفصل القرآن عن السلطان وقعت الواقعة في عالم الإسلام!
لم تكن هناك مشكلة عندما كان السلطان موظفاً لصالح القرآن بوعي وبصيرة، ولكن التحول حدث عندما انقلبت الآية. وأصبح القرآن موظفاً لصالح السلطان!
وأستاذنا مالك بن نبي يعتبر معركة «صفين» في العام الثامن والثلاثين بعد الهجرة بداية هذه المرحلة، التي أدت إلى انفصال القرآن عن السلطان، أو «انفصال الضمير عن العلم»، على حدّ قوله.
منذ خرج علي بن أبي طالب دفاعاً عن القرآن. وخرج معاوية بن أبي سفيان طمعاً في السلطان، ثم كان انتصار معاوية انتصاراً للسلطان. منذ ذلك الحين، حدث الانقلاب الأول في التاريخ الإسلامي.
وقد كان هذا الانقلاب أعمق وأخطر مما نتصور، لأن حدود التغيير الذي أحدثه امتدت إلى رقعة أوسع بكثير مما رصده المؤرخون ذلك أن الانقلاب السياسي، أفرز انقلاباً فكرياً على نفس المستوى!
فانفصال القرآن عن السلطان، أقام بمضي الوقت حاجزاً ما بين العقيدة والشريعة، وانتصار السلطان على القرآن، أدى تلقائياً إلى تزايد الاهتمام بفقه العبادات. وتعطيل نمو فقه المعاملات.
وتلك نتيجة منطقية. إذ أن غيبة التطبيق الأمين للشريعة. لا بد أن ترتب إحدى نتيجتين: إما أن يتأخر نمو رصيدها الفكري، أو أن ينمو هذا الرصيد نمواً غير طبيعي، في غير الاتجاه الصحيح.
وفي ظل منطق الانصراف إلى تثبيت السلطان كان طبيعياً أن تظهر على سطح الحياة الفكرية الإسلامية تيارات تتحرك ـ ربما عن غير قصد ـ نحو الانصراف عن تثبيت القرآن. ومن هنا نمت مدارس تفسير النصوص وحفظ المتون، التي لا ترى جوهر الإسلام وحقائقه الأساسية، ولكنها تقف جامدة أمام الكلمات والحروف، عاجزة عن النفاذ إلى ما هو أبعد من ذلك. صار الإسلام نصاً وليس فكرة ورسالة، وغلبت مباحث اللغة على مقاصد الشريعة، حتى كتب محيي الدين بن عربي ـ مثلاً ـ رسالة عنوانها «كتاب الميم والواو والنون» باعتبارها «أسنى الحروف وجوداً، وأعظمها شهوداً»!
وكان طبيعياً في هذا المناخ، أن ينصرف كثير من علماء المسلمين إلى الاشتغال بفلسفة الكلام، وعلم التوحيد، وفقه العبادات، وفقه اللغة، أو أي شيء آخر لا علاقة مباشرة له بحياة الناس أو واقعهم.
وكان طبيعياً أن يدور محور القضايا المثارة، والمعارك الفكرية الكبرى، حول القرآن وهل هو أزلي أم حادث، وحول التناسخ والحلول ووحدة الوجود، وحول صفات الله وهل هي حقيقية أم مجازية. ثم الإنسان وهل هو مخير أم مسير (الجبر والاختيار)، والقرآن ظاهره وباطنه.
وكان طبيعياً أن تنمو التيارات الداعية إلى الدروشة والتصوف، والزهد والاعتزال ….
وكان طبيعياً أن تجد الخوارق والمعجزات وكرامات الأولياء مكاناً في الفكر الإسلامي، حتى تحدثنا الرسالة القشيرية ـ مثلاً ـ عن الذين يطيرون في الهواء من المكشوف عنهم الحجاب. والذين يظهرون للجائعين خبزاً بغير حاجة إلى طحن دقيق؟
وكان طبيعياً أن تموت بمضي الوقت روح البحث والابتكار حتى لدى بعض أجيال الفقهاء، وأن تتحول المعرفة إلى حفظ ونقل وتقليد. حتى جاءت أزمنة لم يعد يحتج فيها الفقهاء لا بقول الله ولا برسوله، ولكن بما ردده السلف من أصحاب المذاهب.
وسجلت كتب التراث أن واحداً من شيوخ الحنفية المتأخرين ـ أبو الحسن الكرخي ـ قال في هذا الصدد: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ!
وإذا كان المسار الرئيسي للفقه والفقهاء لم يمنع من ظهور نماذج فذة في تاريخ الفكر الإسلامي، لا زلنا نستضيء إلى الآن بثمار علمهم، إلا أنهم ظلوا بمثابة ومضات عابرة، تركت بصماتها على المسيرة بغير شك، لكنهم ـ أيضاً ـ لم يتمكنوا من تغيير مسارها، أو يحدثوا تحولات ذات قيمة فيها.
لقد كانت هذه الخلفية هي التي هيأت مجتمع المسلمين لتلقي شعور الصدمة عند أول احتكاك بالعالم الغربي، فيما بعد عصر النهضة. وهي ذاتها التي أسهمت في النمو غير الصحي للتفكير الإسلامي حتى اللحظة الراهنة. وأعني به ذلك التفكير الذي يقوم أساساً على التفرقة بين الدين والدنيا، وإقامة علاقة شك وارتياب بين المسلم ودنياه.
فنحن أمام تراث فكري وبناء نفسي «أخروي» بالدرجة الأولى غرست فيه منذ انفصال القرآن عن السلطان بذرة إلغاء الدنيا من اهتمامات وتوجهات المسلم ـ وتحقيرها أحياناً ـ بحجة التطلع إلى الآخرة والإعراض عن مصادر الشر والغواية.
وكانت نتيجة هذا الغرس أنناعرفنا ـ على المستوى الفردي ـ نموذج المسلم «العابد»، بالمعنى التقليدي للعبادة، لكننا افتقدنا في الوقت ذاته صورة المسلم «العامل» أو الفاعل.
لقد أصبحت طريق المسلم إلى الآخرة سالكة، في أحسن الأحوال، لكن طريقه إلى الدنيا ظلت بحاجة إلى مغامرة الاقتحام والاكتشاف.
وإزاء هذه الحقيقة، فقد ظل نصيب المسلم من الدنيا، الذي نبهه إليه القرآن الكريم، مهدوراً ومهضوماً، إذا ما أراد أن يحصل عليه من باب الإسلام وتحت مظلته.
على أن انتقام معاوية من الأنصار لم يقف عند الحد الذي ذكرناه فيما تقدم. فعندما جاء وفد منهم يطلب الإذن بالدخول عليه، وقال له الآذن إن وفد الأنصار في الباب، قال له معاوية: قل لهم: ليدخل أبناء قيلة.
لقد كانت كلمة (الأنصار) تذكر معاوية بيوم بدر، وكان يرى فيها اعتزازاً من أصحابها بانتصارهم لمحمد، فلم يطق ذكرها، فأطلق على الأنصار اسمهم في الجاهلية، وهو: (بنو قيلة).
فلما قال لهم آذنه: ليدخل بنو قيلة، رفض جمهورهم الدخول على معاوية.
وقال شاعرهم:
يا سعد لا تجب النداء فما لنا
لقب نجيب به سوى الأنصار
ثم تعدى ذلك إلى محاربتهم في أرزاقهم فعمل على إفقارهم بكل الوسائل الممكنة لدى الدولة، واضطرهم إلى بيع أملاكهم فاشتراها بأبخس الأثمان وتركهم للفقر والحرمان. ولما مات معاوية حاول الانصار استرداد ما باعوه، فلم يفلحوا.
يقول في كتاب (الإمامة والسياسة)، كما يقول غيره من المؤرخين إن الرجل الذي كان معاوية قد عهد إليه بجمع محاصيل تلك الأموال ويدعى (ابن ميثاء) قدم المدينة ـ بعد موت معاوية ـ يريد الأموال التي كانت لمعاوية، فمُنع منها وأزاحه أهل المدينة عنها، وكانت أموالاً اكتسبها معاوية ونخيلاً يجد فيها مئة ألف وستين ألفاً، فدخل نفر على والي المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان فكلموه فيها، فقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا وأن معاوية آثر علينا في عطائنا ولم يعطنا قط درهماً فما فوقه حتى مضنّا الزمان ونالتنا المجاعة فاشتراها بجزء من مئة من ثمنها».
وعندما جاء يزيد كانت الأحقاد تغلي في صدره على الإسلام وعلى محمد وأسرة محمد وعلى الأنصار. وكان انتصار بدر يؤجج الثأر في نفسه من هؤلاء جميعاً فأكمل ما قام به أبوه على الوجه التالي:
استفز الأنصار استفزازاً لم يترك لهم فيه الخيار إلاّ حمل السلاح في تفاصيل نحيل القارئ لأن يقرأها في بحث (الحرة) دون أن نعيدها هنا بعد أن ذكرناها هناك.
فوجد يزيد فرصته للثأر لمعركة بدر من الأنصار أصحاب معركة بدر، فكتب لواليه على المدينة: لأطأنهم وطأة آتي بها على أنفسهم. أقتل وأشفي نفسي ….
لقد اختار يزيد لقيادة الحملة على مدينة الرسول لإذلال أنصار الرسول رجلاً يحمل من الحقد على محمد وعلى الإسلام وعلى الأنصار مثل ما يحمل يزيد، اختاره وهو (مدنف منهوك) كما يقول البلاذري في أنساب الأشراف.
هذا القائد هو مسلم بن عقبة الذي كان الأنصار قد أسروه في إحدى حروبهم مع المشركين فجيء به أسيراً إلى المدينة فعاش بها عبداً إلى أن أعتقته امرأة من أهل المدينة.
لقد كان اختيار يزيد لمسلم بن عقبة اختياراً يراد به الإمعان في الانتقام من محمد صلى الله عليه وسلم ومن الإسلام ومن الأنصار أهل المدينة فقال له يزيد ـ كما يروي في كتاب الإمامة والسياسة ـ : «سر إلى أهل المدينة بهذه الجيوش، وإن شئت أعفيناك فإني أراك مدنفاً منهوكاً».
ولكن مسلماً قبل المهمة لأن فيها شفاء غيظه من محمد وأنصاره الذين أسروه وأذلوه.
ولما خرج مسلم بالجيش متوجهاً إلى المدينة خرج يزيد يودعه ويوصيه، فمما قال له ـ كما يروي في الإمامة والسياسة ـ : السيف السيف، أجهز على جريحهم، وأقبل على مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم.
فأجرى مسلم في المدينة ما نحيل القارئ إلى قراءته في بحث (الحرة) كما قلنا من قبل. وكل ما نقوله هنا: هو أن مسلم بن عقبة قتل كل من يحمل لقب (بدري)، ولقب (بدري) يشير إلى أن صاحبه قد شارك في معركة بدر، وكان ذلك موضع اعتزاز من يحملون هذا اللقب. فلم يبق بدري بعد ذلك.
وكان مجموع من قتل من الأنصار عشرة آلاف. قال الدكتور طه حسين في كتابه «الأدب الجاهلي»: إن أبا سفيان نظر عند فتح مكة فإذا هو بين اثنتين: إمّا أن يمضي في المقاومة فتفنى مكة وأمّا أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش وإلى مكة مرة أخرى، وألقى الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعاً في ظاهر الأمر إخواناً مؤتلفين في الدين.
وقد طال انتظار أبي سفيان حتى قام حفيده يزيد بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحرة ويزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على الإسلام وما سنّه للناس.
وقبل الانتقام من الأنصار كان يزيد قد انتقم من محمد صلى الله عليه وسلم ومن أسرة محمد صلى الله عليه وسلم في كربلاء، ولم تكن مذبحة كربلاء كافية للانتقام في نظر يزيد.
لقد قتلتم الحسين وإخوة الحسين وابن الحسين وأبناء الحسن، أخي الحسين وأبناء أعمام الحسين وأصحاب الحسين، انتقاماً لقتلاكم في بدر. وانتهى الأمر، فأعيدوا نساء الحسين المفجوعات إلى بلدهم ….
ولكن الأمر لم ينته عند يزيد، والثأر لمعركة بدر لم يتم فصولاً، فيزيد لا يمكن أن ينسى جدته هند المفجوعة يوم بدر بابنها حنظلة وبأبيها عتبة وعمها شيبة وأخيها الوليد. فحُملت إليه من العراق إلى دمشق سيدات الأسرة النبوية سبيات وأدخلن عليه أسيرات، فكان في دخيلة نفسه يخاطب جدته هند، قائلاً: أرضيت؟ …
بدرة
بلدة على ضفاف وادي بادرايا الشهير أحد الطساسيج الفارسية القديمة وهي ثلاثة بادرايا وبادسايا والنهروان الأسفل. ووادي بادرايا عظيم جداً ينحدر فيه الماء بسرعة شديدة، ينحط إليه من جبال حلوان وله خرير يسمع من بعيد.
ويمتلئ هذا الوادي عادة بعد هطول الأمطار وأمّا ماؤه العادي فمن عيون في الجبال ويحمل في جريه الحصى والصخور التي تشاهد كثيراً في مجراه وفي الفروع التي تتشعب منه. وإذا زاد ماؤه احمر وخلف طيناً أحمر اللون أشد حمرة من طمي الفرات ودجلة بكثير. والذي يقبل على بدرة من جصان يشاهدها كأنها جالسة في سفوح جبال حلوان التي ترسل إليها مياهها الصافية فتشطرها وتسقي مزارعها وبساتينها الكثيرة.
وعدا ذلك فإن ظاهر بدرة أنها كثيرة تنحط إليها من عيون الجبال ومن ماء هذه الأنهر تسقى أكثر بساتين بدرة، أما ماء الوادي فيسقي المزارع الأخرى. وتدير هذه الأنهار السريعىة الجري نحو 18 طاحونة مائية وينفذ ماء بعضها إلى بعض دور البلدة وشوارعها بعد أن يخترق البساتين وأكثر مياه هذه الأنهار ينحدر إلى ربوع جصان رأساً وبعضها ينصب في الوادي الكبير.
ويذهب ماء وادي بادرايا إلى حيث ينصب في الهور الواقع جنوب جصان المسمى هور جصان وعليه مزارع كثيرة، وخيرات بدر وافرة وفواكهها كثيرة متنوعة وتمرها، خصوصاً البدرايا، ورمانها منشور ويوجد فيها الأترج الحامض والحلو والليمون كذلك النارنج والتفاح والتين والسفرجل والكمثري والبرتقال والعنب والمشمش والخوخ والإجاص وانواع غير ما ذكرناها.
وفي صدر هذا القرن كانت تجود زراعة القطن في بدرة وتنسج منه فيها الأقمشة المتينة الرائجة.
وأهم شوارع بدرة شارع واحد مستطيل على ضفة الوادي تتشعب منه صحاصح ضيقة محدودة بالبساتين وهي محلتان القلعة والقمقمية. ونجد تلك الشوارع الضيقة في بدرة مسرحة لمكان جري الماء فيها وبلغ من شدة جري ماء الوادي أنه يقتلع النخل والأشجار الكبيرة ولا يقف في سبيله شيء وقد جرف كثيراً من الدور والبساتين حتى أن بعضهم أقام له مسناة من الصخر فجرفها سيله الغامر.
وفي جانب بدرة الغربي هضبة كبيرة يقال لها (العقر) وهي على ما يقولون خرائب بلدة قديمة وقد عثر المنقبون فيها على آثار كثيرة منها قوس ونبلة وراقود صغير وغير ذلك، ويقال إن الخرائب، خرائب العقر، كانت على عهد الأكاسرة حاضرة بادرايا بمثابة بدرة الآن، وكان الوادي عندها ثم تحول مجراه، وآثار مجراه الأول باقية إلى الآن.
وبناء بدرة وإن كان الطين مادته إلا أنه ألطف وأحسن بكثير من بناء جصان وهي أكبر بكثير ومنظرها أجمل بل ليس هنا موضع صيغة التفضيل إذ لا أثر للجمال في جصان. وأهل بدرة موسرون وقد يضيفون النزيل إلا أن أهل جصان أكرم منهم للضيف.
وبدرة في رطوبة هوائها وتربتها وضيق أعطانها وعفونتها أسوأ حالاً من بلاد كربلاء العتيقة، ووجوه أهلها شاحبة مصفرة وجسومهم نحيفة ذابلة وألوانهم كمدة حائلة، وتشيع فيهم الأمراض الصدرية وتكثر نوعاً بينهم الأورام والخراجات الخبيثة ومرض السل ونحو ذلك وقد قلت أخيراً بين أهلها. وهم يستعملون الشاي بكثرة مفرطة وينسبون تحسن صحتهم شيئاً ما إلى استعمال الشاي ولذلك تجدهم مستهوين في شربه وقد لا يشرب بعضهم من الماء قدر ما يشرب من الشاي.
ومن عادات أهل بدرة الخبيثة إيداع أطفالهم إلى المربيات من الأكراد البعيدة الديار عنهم فينشأ الولد بين غير أهله فلا يأنسون به طفلاً ولا يأنس بهم بعد ذلك ولا تبتسم له أمه ابتسام الوالدة وكذلك لا يحنو الأخ على أخيه ولا الأم على ابنتها غالباً فهم متقطعون مضطربو نظام العائلة ولهم في هذا السبيل نوادر فربما تبنى أهل المربية ذلك الولد ولم يعيدوه إلى أهله وربما أخذت المربية على عهدتها تربية ولدين لوالدين مختلفين فيموت أحدهما فيعود الآخر مجالاً للنزاع!
فنراهم يعتذرون عن ذلك بعدم احتمال الأطفال هوائها ومائها خاصة في الصيف. وقد جربوا تربية الأطفال في بدرة فتعرض معظمهم للموت فيضطرون إلى إرسالهم إلى الجبال الباردة ويتركونهم ثم إلى زمن الفطام.
هذا ما كتبه الشبيبي وقد زارها العام 1333هـ.
وقد كتبت عنها وعن الطريق إليها وقد زرتها عام 1946م فيما كتبت:
كنا ننوي الرحيل من (الكوت) إلى بدرة، فأخذنا سيارة محطمة لم يكن ميسوراً غيرها في هذا الطريق وخرجنا قبيل الظهر عائدين في نفس الطريق الذي دخلنا منه إلى الكوت ثم انحرفنا بعد قليل إلى اليسار في طريق صحراوي يشق بيداء هي طوراً جرداء عارية بيضاء وطوراً مكسوة بالهشيم الأصفر وآناً مغمورة بنباتات رمادية اللون.
وقد كان كل ما فيها يشبه صحراء الشام، فكنت أتخيلني مسافراً في طريقي إلى دمشق وبعد ساعة وثلث الساعة لاحت لنا (جصان) تكتنفها الأشجار في غمرة تلك الصحاري القاحلة فكانت واحة غضة في ذلك المحيط اليابس وبعد خمس عشرة دقيقة من رؤيتها وصلناها فإذا بالنخيل يطيف بها من جانبيها وأما هي نفسها فتقع على تل أجرد لا يخالطها عشب ولا شجر، فاجتزناها مخلفينها إلى يميننا وأخذنا في الطريق الصحراوي من جديد فمررنا بقرية صغيرة فيها مزار تعلوه قبة ويحيط بها قليل من النخيل قيل لنا إن اسمها (علي اليثربي) وإن هذا الاسم أطلق عليها نسبة لصاحب المزار الذي قال لنا أحد الحاضرين إنه ابن الحسن المثنى، ومنذ طلوعنا من (علي اليثربي) بدا لنا سواد (بدرة) وظهرت كأنما تقع في سفوح الجبال.
هذه الجبال الإيرانية التي رأيناها بعيد خروجنا من الكوت. وسنرى عندما نصل بدرة أن بين بدرة وبين الجبال مسافات شاسعة. لم يبرح طريقنا صحراوياً محضاً وليست هذه القرى في الحقيقة إلا واحات توشي هذه الصحاري، وتنضر هذا الجفاف وقد كنا ونحن نجتاز تلك البراري المديدة ونبصر سرابها ونشاهد رمالها ونطالع واحاتها ونلتقي بيداتها نستعيد في أذهاننا ما تركه لنا شعراء العرب من شعر بدوي جميل وصفوا به كل هذه المشاهد التي نبصرها الساعة فكانوا في شعرهم أصدق الشعراء وأوفى الأدباء!
إني لأستعرض الآن في فكري تلك الصور الرائعة التي أبدع تصويرها شعراء الجاهلية الأفذاذ ومن جاء بعدهم من شعراء البادية وإني لأتمثل الآن جمال تلك الأعشاب التي وصفوها عرضاً أو قصداً فأجدها أجمل الأعشاب أزكى النباتات، وإني لأعرف الآن أي شيء أوحي لذاك الشاعر القائل من أبيات جاء فيها:
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
وجاء فيها:
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
فإنني والسيارة تهوي بي بين بدرة وجصان وتجتاز أرضاً شبيهة كل الشبه بأرض ذاك الشاعر لا يحلو لي إلا ترديد أبياته فأجدها من أكمل الشعر وأحبه إلى النفس وإنني وأنا أتمتع من شميم هذه الأعشاب البرية المماثلة لعرار نجد، أهتف بنفسي من أعماق قلبي: تمتع من شميم هذه البادية التي أنبتت أجدادك بادية مثلها، وإنني وأنا أخلف هذه المرابع وأترك هذه المواقف لكي أعود فأخلفها راجعاً وأقف عليها آبياً لأذكر أولئك الشعراء الذين وقفوا واستوقفوا يدفعهم إلى ذلك الوفاء المحض والحنين الصادق لأرض تركوا في كل منبت ومضرب ومورد منها شطراً في قلوبهم وقطعة من نفوسهم فحق لهم أن يقفوا عليها ويستوقفوا ويطيلوا الوقوف والاستيقاف وإنني وأنا لم يكن لي في هذه الأرض إلا خطوة عابرة ولملمة مسرعة ولم تربطني بها إلا رؤية خاطفة وزورة جارية.
وإنني وأنا أعبرها عائداً ليطيب لي أن أهتف بالشعر الجاهلي وأن أتوسل بخليلي ليقفا قليلاً لنحيي تربة أقلتنا فترة وأسعدتنا هنيهة! سيظل شعرنا الجاهلي أجمل شعر وأصدق شعر وسيظل شعراؤنا الجاهليون أحب الشعراء إلى قلوبنا لأن قلوبنا مفعمة بالوجد زاخرة بالعاطفة مملوءة بالحنين.
في بدرة
طلعنا على (بدرة) بعد تلك الصحراء القاحلة فإذا هي إلى يميننا فوق التل محاطة بالبساتين من كل جانب وأقبلنا عليها محاذين لها في السير حتى صرنا أمام المخفر الحديث وبيوت الموظفين الجديدة التي تقع مقابل (بدرة) ويفصلها عنها سهل (الكلال) ونهره، وقد أنشئت هذه البيوت لتؤمن للموظفين شيئاً من الرفاه فأقيمت فيها الحدائق وغرست الأشجار وبنيت على طراز معقول.
وظللنا في طريق شجيرة نتقدم إلى البلدة حتى كان شطر من بساتين النخيل العظيمة إلى يسارنا. والبلدة والشطر الآخر من البساتين إلى يميننا بيننا وبينها (الكلال) وصعدنا إلى البلدة فكنا فيها بعد ساعتين ونصف الساعة من خروجنا من الكوت.
نحن هنا في منطقة لا تشبه ما ألفنا قبل اليوم في تجوالنا العراقي فإننا إذا استثنينا مناطق الشمال التي تتميز بخصائص واضحة نرى أن جنوب العراق ووسطه هو مناطق متشابهة متماثلة تغنيك رؤية إحداها عن رؤية غيرها ولكننا الآن وقد خرجنا من الكوت ومررنا بجصان (وعلي اليثربي) وطلعنا على بدرة شعرنا أننا نبصر شيئاً جديداً لم نبصر مثله فيما مررنا به من حواضر العراق ودساكره وقراه فمنظر (جصان) يمثل لك قرية عاملية بحتة، فهي بهذا التل الذي تقوم عليه وهذا الطراز من الأزقة والبيوت، وبكل مظاهرها لا تشبه في شيء قرى العراق بل تشبه قرى جبل عامل في بلاد الشام كل الشبه، وكذلك القول عن (بدرة) فهي دسكرة عاملية لا تختلف عن دساكر جبل عامل إلا في مياهها الجارية.
وفيما عدا ذلك في الدروب الضيقة والأزقة الملتوية والصعدات والنزلات في الطرقات وطريقة البناء وشكل الأبواب والشبابيك ومرابط الدواب على الطرق وملقى القمامات ومواقع التنانير …. في كل ذلك وغيره تشبه دساكر تلك النواحي.
وبدرة بلدة عجيبة فيها من الطرائف الشيء الكثير فمن طرائفها أنها تقع على تل يشرف على نهر الكلال، وهذا النهر يفيض شتاء كلما نزل المطر فترتفع مياهه دفاقة صخابة فترتطم بالتل الترابي فتهدمه شيئاً فشيئاً وتبتلع من أطراف البلدة في كل عام أجزاء حتى صارت البلدة مهددة بالزوال، وعندما يفيض النهر تنقطع بدرة عن الدنيا انقطاعاً تاماً عدة أيام لأن مياه النهر تغمر السهل الرحيب وتجري فيه مالئة له فيستحيل عبوره وتصبح السراي ومراكز الحكومة وأماكن الموظفين في العدوة الثانية منعزلة عن بدرة كل الانعزال وتتعطل مصالح الناس.
وبعد بضعة أيام عندما تأخذ مياه النهر بالانخفاض يلتجئ الناس إلى الدواب لتخوض بهم الماء واصلة إلى مراكز الموظفين في السراي.
ومن طرائفها هذه اللغة الغريبة التي يتكلمها أهلها دون غيرهم من سائر الناس فهي لغة مزيج من العربية والفارسية والكردية لا يفهمها العرب ولا الفرس ولا الكرد بل لا يفهمها أحد إلاّ البدريون وحدهم الذين لا يتجاوز عددهم الثلاثة آلاف النسمة، ومع أن حولهم كثيراً من القرى القريبة فإن هذه اللغة لم تتجاوز بدرة ولم تصل حتى إلى قرية (العقر) مثلاً التي لا تبعد عن بدرة غير اثنين من الكيلومترات ولا إلى قرية (سيد صفر) التي تبعد نفس المسافة ولا إلى قرية (قلعة شاير) التي لا تبعد إلا كيلومتراً واحداً فإن القرية الأولى والثانية تتكلمان العربية والقرية الثالثة تتكلم الكردية ولا يفهم سكان تلك القرى شيئاً من لغة بدرة وكذلك لغة جصان فإنها العربية وحدها.
ولعل أطرف الطرائف أن يطلع من بين هذه اللغة العجيبة شعراء بالعربية فقد كنا نتحدث مع شبابها فإذا بالحديث ينجر إلى الشعر وإذا بنا نعرف أن أحد الحاضرين ينظم الشعر وإذا به يتلو علينا القصيدة تلو القصيدة، وإذا به يصور في شعره جفاف الحياة في بدرة وما تعانيه هذه البلدة من مرارة في العيش وتأخر في الحضارة فتكون صورته صادقة صحيحة لا يلمس صدقها وصحتها إلا من يزور بدرة.
ويستطلع أحوالها عن كثب:
يكفيك معرفة عن بعض محنتها
أن قد رأيت عياناً شكلها البالي
كأنها وحشة إن مر زائرها
يمر فيها على نؤي وأطلال
كأنما البعث فيها حلّ موعده
والناس سيقت حيارى تحت أغلال
من شدة العجز لا يشكون حالتهم
كأن أفواههم سدت بأقفال
أفكارهم خليت من كل تبصرة
قلوبهم خليت من كل آمال
نقضي الليالي في خوف وفي فزع
من كل داء غريب الشكل قتال
أمراض لم يرو عنها الطب من خبر
إلا الفناء بها من دون آجال
فلو تراها إذ الأمطار هاطلة
يستصعب السير فيها بين أوحال
يشقى بها المرء حتى لا قرار له
يمسي ويصبح ملقى كاسف البال
قد مضه الداء حتى لا حراك به
كأنه بشر في وضع تمثال
تلقى البيوت وقد مالت جوانبها
كأن رمتها حديثاً كف زلزال
تبكي المشارق فيها كل خاوية
تواصل الهم آصالاً بآصال
كأنها وهي ترثي سوء طالعها
من التعاسة لم تظفر بأمثال
ذاك هو السيد عبد الصاحب شكر مدير مدرسة بدرة الذي استطاع نهر الكلال بفضله أن يذكر بالشعر وأن يكون له شاعر يقول:
إن الكلال على ضآلة شأنه
يهديك شاعره الثناء جميلا
والكلال نهر ينبع من إيران ويمتد إلى بدرة فينقسم في ظاهرها بضعة عشر قسماً يجري أحدها تحت بدرة ويحتفظ باسم الكلال ويجري آخر في قلبها ويحمل اسم (نهر قيطاز) ويتفرع إلى فروع تدير المطاحن وتروي البساتين، وإذا كان نهر الكلال هو مصدر البهجة في بدرة إذ بمائه تمرع الحقول وتنضر الحدائق ويحيا النخيل فإنه في الوقت نفسه مصدر الانقباض في تلك البلدة الغريبة فهو نهر فيه كل ما في الأنهار من ماءٍ صافٍ وجمال زاهٍ وري وخصب ولكنه إلى كل ذلك أجاج لا يستساغ.
لذلك يضطر الأثرياء والموظفون لأن يجلبوا الماء العذب إمّا من بلدة منصور آباد الإيرانية أو بلدة الكوت العراقية وهكذا فالأرض وحدها هي التي تستمتع بالكلال وإنه لاستمتاع عظيم استطاعت بدرة به أن تكون ذات بساتين من أعظم البساتين وأن تخرج ضروباً منوعة من الأثمار وقد قيل لنا إن في بدرة ما يزيد على مليون نخلة تخرج أجود أنواع التمر العراقي وبعد النخل يأتي من فواكهها الرمان فهو فيها كثير جيد.
أصيل بدرة
عنّ لنا عند الأصيل أن نخرج في نزهة على الأقدام إلى الضواحي فهبطنا عن البلدة إلى سهل الكلال وعبرنا الماء على أعواد من النخيل فصرنا وسط السهل الرحيب نسير فوق الجنادل والحصا وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب ونحن حيالها نسرح أبصارنا في ذاك الفضاء الجميل متطلعة إلى شواهق النخل وما فيها من روعة وجمال، ولم نلبث بعد اجتيازنا طرق السيارات أن كنا في أرض محروثة نستقبل فيها سلسلة تلال قليلة الارتفاع يسميها البدريون (تل العقر) ويحيطونها بهالة من الأساطير والأعاجيب وبعد قليل كنا نسير خلال التلال فإذا نحن أمام قبة يطلقون عليها اسم (مقام علي) وحولها بضع عشرة شجرة قديمة العهد لا يعرف تاريخها أحد.
ويقابل المقام تل كبير عالٍ هو عبارة عن سلسلة تلال مرتبط بعضها ببعض وفي سفحه تقوم قرية (العقر) وإليها ينسب التل أو هي تنسب إلى التل. ثم صعدنا في التل حتى بلغنا ذروته فانكشفت أمامنا سهول لا نهاية لها إلى الجنوب والغرب والشمال وكانت بدرة شرقي التل وشرقيه الجنوبي تمتد ببساتينها الفيح، وأمّا إلى الشمال الشرقي فكانت تبدو جبال (بشتكو) الإيرانية البعيدة المتعالية كما كانت تبدو وراء البلدة الجبال الإيرانية الأخرى. ويبدو من مظاهر التل وحفره وأخاديده وتلاله أنه كان في القديم بلدة عامرة.
وربما كانت البلدة تقوم في الأصل عليه ثم انتقلت إلى مكانها الحالي كما يزعم البدريون وإن كانوا يسبغون على هذا التحول ثوباً أسطورياً وينسبون اسم بلدتهم إلى امرأة صالحة كان اسمها (بدرية) كما ينسبون المقام إلى علي بن أبي طالب والعفر إلى إبراهيم الخليل ومن ذروة التل تقدمنا قليلاً فأشرفنا على قرية العقر ثم انحدرنا نازلين إلى القرية مجتازين أزقتها وخارجين منها صوب الحقول في اتجاه بدرة فمشينا بين البساتين في طريق ضيقة تكتنفها جدران طينية عالية وكنا نلتقي ببعض القرويات حاملات على ظهورهن في (الشكبان) أثقل الأحمال وبعضهن راكبات على الخيل فارسات بارعات وإذا كنا هنا التقينا بالنساء القرويات فإن طيلة مكوثنا في بدرة وتجوالنا فيها لم نبصر في أزقتها أية امرأة بل إن بعضهن عندما لمحننا صباحاً في الطريق أسرعن متواريات داخل البيوت.
تقاليد بدرية وشعر بدري
ومما عرفناه من عادات بدرة أن أطفالها يرسلون إلى جبال الأكراد في (بشتكو) ليربوا هناك بعيدين عن أهلهم. ويبقى الطفل هناك سنتين أو ثلاث سنين حتى يشب وينمو. ومن عاداتها أنه إذا مات الميت توقد النيران على قبره ثلاث ليال متواصلات ويعللون ذلك بأنه حفظ للميت من طروق الحيوانات لقبره ونبشه.
وقد ذكرت فيما مرّ الشعر الذي نظمه عبد الصاحب الشكر واصفاً فيه حالة بدرة ولم يكن هو وحده الذي ينظم الشعر بل لقينا شاباً لا يزال في مطالع الشباب يتدفق شاعرية فياضة وحساً مرهفاً ويتطلع حواليه فلا يرى إلا ما يمضه ويرهق شعوره فينفجر عن شعر رقيق كله أسى عميق، ولا بدع أن يأسى (صاحب ياسين) وهو يعيش في هذا الجو المثقل الذي لا يبعث إلا الكآبة في صدر الشاعر الحساس، ولا بدع أن لا يجد في ريفه ما يجده الناس في أريافهم من دعة وانطلاق وأن يتحدث عن هذا الريف قائلاً:
الريف أوغل فاقد الأنفاس في صمت رهيب
والليل أمعن في الجهالة والكآبة والقطوب
وأنا هنا في غرفتي الخرساء منفرداً أذوب
متململاً جزعاً أصيح ولا مغيث ولا مجيب
ثم يتساءل في توجع وحرقة عما إذا كان سيدوم على هذا الضرب من الحياة وعما إذا كان سيظل هكذا متعرضاً في الريف لأذى الريف دون أن يناله من نعمائه نصيب:
أأدوم في هذا العراء كأنني شوك الصحارى
يلقى الهجير وبرد كانون ويتشح الغبارا
متحملاً جوب الفلاة وهولها القاسي اضطرارا
ويدوسه الساري المغذ فلا رثاء ولا اعتذارا
على أنه في ذلك غير عقوق للريف ولا متجن عليه فهو يعترف بأنه مهده الحبيب ولكن هذا المهد هو الذي تنكر لفتاه فوأد أحلامه.
يا ريف يا مهدي المحبب قد وأدت رؤى شبابي
وغمرتني بالخسر والحرمان أسود والعذاب
وحبوتني بالليلة الظلماء والسحب الغضاب
والوحدة الخرساء تنهش مهجتي نهش الذئاب
وتركتني كالتائه الظمآن أفرد في اليباب
وصمت صمتك يا لماساتي ألا يعنيك ما بي
هذه الصورة هي صورة صادقة لما يمكن أن يكون عليه شاعر مرهف الحس يحيا حياة كتلك الحياة، وصاحب ياسين هو مثال حي للألم المرير الذي لا يجد تنفيساً له إلا الشعر.
وتتعدد شكاوي هذا الشعر وتبدو بألوان شتى فهو يهتف:
بقايا ضباب وطيف اغتراب ومحض اكتئاب يمد الجناح على خافقي سأبقى اسير ولا أستشير ولا استدير لأمسي ولا أرجى غدي.
على أن الشاعر لا تشغله آلامه عن التفكير في آلام وطنه فهو كما يأسى على ما في نفسه يأسى على ما يصيب شعبه من نكبات ويفاخر بهذا الشعب في معرض الفخار:
سامع الأنباء لو كنت ترى
حشدهم بين افتراق والتقاء
لرايت الشعب في غضبته
كيف يجني النصر خفاق اللواء
- () إن الحكومة الإيلخانية التي كانت تسيطر على جميع أنحاء إيران، انتهت بوفاة (أبو سعيد) (717 ـ 736هـ) (1317 ـ 1335م) وبعد ذلك حتى مجيء الصفويين ـ عدا بعض الفترات في حكومة تيمورلنك المتوفى سنة 807هـ (1405م) الذي كان قد وحد البلاد الإيرانية، وفي عصر ابه شاه رخ (807 ـ 850هـ) (1405 ـ 1447م) ـ كانت إيران تدار على شكل دويلات. ففي هذه الفترة المضطربة من تاريخ إيران وبسبب عدم وجود حكومة مركزية قوية فإن كل مقاطعة من البلاد كانت في يد سلالة من الحكام المحليين، مثل الإيلخانية الصغيرة والتيمورية المتأخرة والجلائرية وسلالالات قره قونيلو وآق قونيلو اللاتي كانت ظهرت على أساس اتحاد أو وحدة بين القبائل التركمانية. ↑
- () اصطلح على كلمة (المشروطة) في إيران لما يقابل الحياة الدستورية النيابية. ↑
- () كان هذا الشخص قد سافر إلى أوروبا في سني 1798 ـ 1803م (1213 ـ 1218هـ) وكتب مذكراته حول هذه السفرة. ↑
- () «قد يمترين ذكر دمكراسي در نوشته هاي فارسي، دليل الكتاب» من ص 367 وما بعدها. ط (1341). محمد اسماعيل رضواني. ↑
- () Annk.s. Hambton, «The Impact of the West on Persia International Affairs», 33 (1957). 12 – 25. ↑
- () ومن أجل الاطلاع على خلاصة المسائل المتعلقة بالتحديث والتجديد راجعوا:William R. Polk and Richard h. Chambers, eds, Beginnings of Modernization in the Middl Eeast: The Nineteenth Century. (Chicago, 1968) P P. 1 – 25 ↑
- () فيما يخص إرسال الطلاب الإيرانيين إلى أوروبا، راجع: «سبك شناسي» تأليف محمد تقي بهار (طهران 1337) المجلد الثالث، صفحات 329 ـ 341. و«دومين كاروان معرفت» لحسين المحبوبي الأردكاني المجلد الثامن عشر (1344). ص 592 ـ 598، و«سفارت أمير نظام واعزام دا نشجويان ايراني باروبا براي اولين بار»؛ أحمد سهيلي الخوانساري، المجلد الأول (1344) ص 18 ـ 20. ومقدمة اسماعيل رائين على «سفر نامه ميرزا صالح شيرازي» ص 1 ـ 39 وللحصول على خلاصة سير التحديث في إيران راجع:Falex Farman – Farmayan, «The Forces of Modernization in Nineteenth Century Varn: A Historical Survey, in Beginnings of Modernization, Polk and Chamers, PP. 119 – 151. ↑
- () ميرزا صالح، «سفر نامه»، صفحات 320 ـ 325 ولأجل الإحاطة بالتفاصيل حول سفر ميرزا صالح، راجع (فكر آزادي ومقدمة نهضت مشروطيت)، فريدون آدميت، (طهران، 1340) صفحة 25 وما بعدها. ↑
- () راجع: رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز» القاهرة، 1958م. ↑
- () Reinbard Bendix, Max Weber: An Intellectual Portait (Garden City, N.Y., 1926). P. 383. ↑
- () (كمكهاي فني در إيران درسالهاي «1898 ـ 1914م»). آنت وستره، ترجمة عبد الهادي الحائري. دليل الكتاب، ج 15 (1351) ص 647. ↑
- () من ضمن المصادر الغنية والمفيدة التي تتحدث عن أمير كبير: (أمير كبير وإيران)، فريدون آدميت، الطبعة الثالثة (طهران، 1348هـ) و(زندكاني تقي خان أمير كبير) حسين مكي، (طهران، 1347هـ) و(ميرزا تقي خان أمير كبير) عباس إقبال (طهران، 1340هـ). ومستدركات أعيان الشيعة (بيروت، 1991م). ↑
- () آدميت (فكر آزادي) ص 56: و(ميرزا جعفر مشير الدولة) لعباس إقبال، المجلد الثاني العدد السادس من (يادكار) (ص 43 ـ 50). ↑
- () آدميت (فكر آزادي) ص 57. ↑
- () (كتابي در فن ترسل) كرامت رعنا حسيني، (1347) ص 211 ـ 212. ↑
- () C.P. Strong. A History of Modern Political Constitution (N.Y. 1964). P. 145. ↑
- () نفس المصدر، صفحات 42 ـ 43. ↑
- () «فكر آزادي» آدميت، ص 57 وما بعدها. وكذلك «أنديشه ترقي» وحكومة قانون: عصر سپهسالار» لنفس المؤلف، (طهران، 1351هـ). ↑
- () بحث سپهسالار حول أوامر السلطان العثماني، الذي صدر عام 1839 وعام 1856م. ↑
- () كتبت هذه الرسالة المفتوحة باللغة الفرنسية، وطبعت في صحيفة ليبرته Liberté في باريس في 24/ مارس عام 1867م. ولأجل الاطلاع على متن الرسالة ومقدمتها وشرحها، يُراجع:Marcel Colombe «Une Lettre d’un Prince Egyptien du XIX Siècle au Sultan Ottman Abdul-Aziz» Orient, No. 5 (1958), 23 – 28.
ولأجل الاطلاع على أفكار ملكم خان راجع «تحقيق در أفكار ميرزا ملكم خان ناظم الدولة» فرشته نورائي، (طهران ـ 1352). ↑
- () M.Khadduri «Dustûr» iii Egypt-Encyclopedia of Islam, 2nd edition, Voll, II, PP. 647 – 649; J.M London, Parliaments and Parties in Egypt (Tel – Aviv 1953).عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل (القاهرة ـ 1949م) المجلد الثاني صفحات (72 ـ 223). ↑
- () E.G, Broune, The Press and the Poetry of Modern Persia (Cambridge) 1914. PP. 58, 66, 68. ↑
- () R – Coupland, the Constitutional Problem in India, London, 1945. PP. 18 – 27.وكذلك كتاب (آزادي هند) للمهندس مهدي بازركان. ↑
- () (زندكاني ملك المتكلمين) (طهران، 1325هـ). تأليف الدكتور مهدي ملك زاده، صفحات 11 ـ 21. وكذلك (تاريخ انقلاب مشروطيت إيران) لنفس المؤلف (طهران، 1328هـ) المجلد الأول، صفحات 68 ـ 80. ↑
- () Richard storry, A History of Modern Japan (London, 1963), PP. 115, 116. ↑
- () Dr. Matsunami, The Constitution of Japan (Tokyo, 1930). ↑
- () (خاطرات حاج سياح) أو (دوره خوف ووحشت) تأليف محمد علي سياح، تصحيح حميد سياح وسيف الله كلكار (طهران، 1346) صفحات 5، 6. ↑
- () نفس المصدر، صفحة 433. ↑
- () «إسناد نويافته» إبراهيم صفائي (طهران، 1349هـ) صفحة 63، ولكن جامع الوثائق في هذا الكتاب لم يذكر مصدر هذه الوثائق. ↑
- () «سفرنامه تشرف به مكة معظمة»، تأليف مهدي قلي هدايت (طهران، 1324هـ) صفحات، 7، 92، 140. ↑
- () نفس المصدر ص 114، 125. ↑
- () «تاريخ بيداري إيرانيان» تأليف محمد ناظم الإسلام كرماني، (طهران، 1322هـ)، صفحة 392. ↑
- () نفس المصدر ص 377. ↑
- () ومن هذه الكتب، التي كانت قد نشرت آنذاك وأمكن للكاتب الاطلاع عليها؛ كتاب «تاريخ اقصاي شرق يا محاربة روس وجابون» تأليف ميرزا باقرخان التبريزي. (طهران، 1331هـ). ↑
- () Brawne, Press and Poetry, P. 134. ↑
- () Ivra Spector, The First Russian Revolution: Its Impact on Asia (Engle Wood clipps, N.Z., 1962). ↑
- () نفس المصدر صفحات 1 ـ 28، وكذلك:George Vernadasky. A History of Russia (N.Y., 1967), PP. 274 – 289. ↑
- () فيما يخص مستوى العلاقات بين الثوار القفقاز وأنصار المشروطة في إيران، قد نشرت رسالة في زمن حركة المشروطة باللغتين الروسية والفارسية. وترجمتها الفرنسية هي بعنوان:«Les Social – Démocrates Caucasiens dans la Révolution Persane».
وجاء في هذا المقال ما يلي:
M. Pavlovitch, «La Caucase et la Révolution Persane» Revue du Monde Musulman. XIII (1911), 324 – 333. ↑
- () لقد كتبت بحوث ومقالات حول هذه الأمور، ومن ضمنها:«The Borderlands of Soviet Central Asia, Persia», Central Asian Review. IV (1956), 287 – 331, and VIII (1960), 293 – 294. ↑
- () Spector, Russian Revolution, PP. 38 – 50. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص39. ↑
- () Wolfgang Franke, A Century of Chinese Revolution 1851 – 1946 Translated From Germany by Standly Rudman (N. Y. 1971). P. 64. ↑
- () Spector, Russian Revolution, PP. 82 – 83. ↑
- () Geoffrey Hudson «China» in Asia Hand Book, Guy mint (London, 1969) P. 149. ↑
- () مذكرات هدايت، ص 47. ↑
- () نفس المصدر ص 65، 67، 68. ↑
- () نفس المصدر ص 65. ↑
- () F.O. 416\33, July 16, 1907, No. 148, (157). ↑
- () «سفرنامه هدايت»، صفحات 83 ـ 85. ↑
- () John Lust, «Secret Societies, Popular Movements, and the 1911 Revolution», in Popular Movements and Secret Societies in China 1840 – 1950, ed Jean Chesneaux, (Stanford, Calif, 1972). PP. 177 – 178. ↑
- () Jean Chesneaux, Secret Societies in China in the Nineteeth and Twentieth Centuries Trans, Cillian Nettle. (London, 1971). P. 37. ↑
- () Spector, Russian Revolution. P. 77. ↑
- () Abdul – Hadi Hairi «The Idea of Constitutionalism in Persian Literature Prior to the 1906 Revolution» to the Procceeding of the Seventh Congress of Arabic and Islamic Studies, Gottingen, 1974. ↑
- () لأجل الاستزادة في التعرف على العوامل الداخلية والخارجية لثورة المشروطة في إيران: راجع «انقلاب إيران». تأليف ادوارد براون، ترجمة أحمد بجوه (طهران، 1337) وكذلك (تاريخ انقلاب مشروطيت إيران) تأليف مهدي ملك زيادة، (طهران، 1328) المجلد الأول. صفحات 109 ـ 284. ↑
- () الوَشَق: نوع من السّباع، ذو فراء جيّد. ↑
- () يبلغ عدد نفوس المواطنين الإيرانيين من أتباع المذاهب السنية حوالي أربعة ملايين من مجموع (60) مليون نسمة، هو عدد سكان إيران (حسب تقديرات عام 1995). أي ما نسبته 7 % من عدد السكان. ومعظم السنة الإيرانيين هم من أتباع المذهبين الحنفي والشافعي، وينتمون قومياً إلى القوميات الست في إيران (الفرس، الأتراك، العرب، الأكراد، البلوش والتركمان)، ولكن غالبيتهم العظمى من الأكراد، و80 % من مجموع البلوش و90 % من مجموع التركمان. ويتمركزون في ثماني محافظات، هي: خراسان (وخاصة في مدن بيرجند وقائن وتربت حيدريه وسيستان) وبلوشستان (زاهدان، خاش، سراوان، إيرانشهر وجابهار)، وهرمزكان (جاسك، ميناب، بندر عباس وبندر لنكه)، وبوشهر (بوشهر، بندر كناوه، برازجان، كنكان وخورموج)، وكرامنشاه (كيلان غرب، قصر شيرين، سربل ذهاب، سنقر وباوه، وكردستان (سنندج، مريوان، بانه وسقز)، وآذربيجان الغربية (قروه، بيجار، سردست، بيرانشهر، مهاباد، نقده وسلماس)، ومازندران (كنبد كاووس، بندر تركمن وجرجان). ↑
- () كتبت هذه الدراسة سنة 1987. ↑
- () راجع للتفصيل شرح النهج لابن أبي الحديد. ↑
- () راجع بحث «الإيلخانيون». ↑
- () هذا الفصل بقلم الدكتور علي أكبر فياض. ↑
- () سيرد فصل خاص عن المسيحية في إيران. ↑
- () راجع بحث (الإيلخانيون). ↑
- () لاطلاع أوفر عن المسيحية في إيران راجع (1) تاريخ الكنيسة القديمة في روما وإيران، تأليف ميلر، 1931، (2) «المسيحية في الإمبراطورية الإيرانية) تأليف لابور باريس، 1904. ↑
- () إن اللوحة التي اكتشفت في القرن السابع عشر 1625م في الصين الغربية في مدينة سيانفو وتاريخها 781. تتحدث عن المبشرين الإيرانيين الذين سافروا إلى تلك الديار. ↑
- () ترجمت هذه العبارة من الأب شارب الكاهن البروتستانتي في شيراز الذي هو من العلماء والمتخصصين في دراسة اللغات واللهجات، وكلمة «نصارى» ترجمة كلمة «نتسران» البهلوية وكان يقصد بها المسيحيون الذي هم من أصل إيراني، و«مسيحيون» ترجمة «كريستدان» البهلوية وكان يقصد بها «المسيحيون الروم» الذين فروا من روما واحتموا بإيران. ↑
- () آذربيجان الإيرانية. ↑
- () نطلق كلمة الآثار في هذا المقال على كل ما تبقى من الأقدمين من مخطوطات. ↑
- () لم يتوصل حتى الآن إلى قراءة الآثار التي وجدت بالخط الخوارزمي القديم. ↑
- () استناداً إلى المسكوكات الهبتالية التي هي بهذا الخط. ↑
- () لا تزال هناك روايات مختلفة في قراءة هذه المقطعات. ↑
- ( و2) بين كتابات أورامان الأثرية المكتوبة على أوراق البردي، مخطوط يعود للقرن 88ق.م. مكتوب بالخط واللغة اليونانية، ويظهره. بضع كلمات بالبارتية يظهر أنها أحدث زمناً. وهناك مخطوط آخر من القرن 88ق.م. أو 12م. ـ تبعاً لما نقرأ تاريخ السطر الأول 30 أو 400 ـ كلمة بارتي. ↑
- ↑
- () «نقش رستم» مكان في ولاية فارس توجد فيه أبنية قديمة عليها كتابات أثرية عن ملوك إيران القدامى. ↑
- () توجد في اللغة البهلوية كلمات الآرامية كانت تكتب بالآرامية وتقرأ بالبهلوية. ويطلق على هذا النوع من الكلمات اسم (هزوارش). ↑
- () أحدث هذه المخطوطات الخزفية تعود للقرن الأول المسيحي وكثير منها أقدم من ذلك. وبناءً على ذلك تعدّ هذه الخزفيات أقدم اثر بارتي. وتدور مضامين هذه المخطوطات على عدد كثير من الأسماء الإيرانية، وخاصة أسماء الأرواح في الديانة الزرادشتية (أحشاسبندان) وبعض آلهة الآريين مثل (مهر، ومشن، وسروش) مما يدلّ على أن هذه الآثار، الكلمات الآرامية (هزوارش)،هي التي كانت السبب في خطأ تقدير لغتها أولاً والظن بأنها آرامية.وبناءً على محاضرة السير دياكونوف في شعبة الدراسات الإيرانية ميونيخ لم يعد ثمة شك في أن هذه الآثار بآرتية. ويقول السيد دياكونوف أنه قرئ حتى الآن 2000 قطعة من هذه الآثار. ↑
- () تسمى هذه اللغة عادة البهلوية (الفهلوية). ولكن هوتسفلد وبعض آخر من المستشرقين المختصين بدراسة إيران القديمة يستعملون كلمة (بهلوين) المشتقة من (برثو ـ بارتي) للغة البارتية، ويسمون لغة العهد الساساني التي هي في الأصل لغة جنوبي إيران. اللغة البارسية. ↑
- () إن الناطقين بهذه اللغة هم أخلاف الآسيين القدامى. ↑
- () أهل الحق طائفة إسلامية قديمة. ↑
- () اكتشفت مؤخراً في «تورفان» ورقتان من المؤتمر العالمي الرابع والعشرين للمستشرقين، وهما تعدان أقدم المخطوطات الأثرية باللغة الفارسية الحديثة. وهاتان الورقتان المكتوبتان بالخط المانوي (المقتبس عن الخط السرياني) واللتان تعودان للقرن الرابع الهجري (عصر الرودكي نفسه) هما أقدم من نسخة (كتاب الأبنية عن حقائق الأودية) الذي كان يعتبر حتى الآن أقدم كتاب بأيدينا من الفارسية الحديثة بعد الإسلام. ↑
- () هناك رواية أخرى للبيت يوجد فيها كلمة «روسبي» بدلاً من روسبيذ. ↑
- () راجع: الشاهنامه. ↑
- () الفرق بين الرباعي والدوبيت أن لكل منهما وزناً خاصاً وإن كانت طريقة تركيبها واحدة. ومن هنا ل تفرق العامة بينهما. ↑
- () كتب الأستاذ ميلاد حنّا، في جريدة السَّفير اللبنانية، وفي الأهرام المصريَّة، بترتيب خاص، مقالة تحدّث فيها عن مشاركته في ندوة فاس التي بحثت موضوعاً عنوانه: «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي»، وفي حلقة نقاش، موضوعها: «الحوار بين الحضارات»، دعا إليها مركز الأمم المتحدة، في القاهرة، فقال: إنه على أثر مشاركته في الندوة وحلقة النقاش وجد أن دول المؤتمر الإسلامي قد أصدرت «إعلان طهران»، ثم «إعلان أثينا»، ليكونا وثيقتين محوريتين لصياغة مشروع حضاري إسلامي ـ عربي يقدِّم للبشرية البديل عن صراع الحضارات الآن. ثم، بعد أن تحدَّث عن ندوة فاس والتيارين اللذين برزا فيها، وعن الواقع العربي المعيش، والمرجعيَّة الإسلامية التي حقَّقتها بعض الدُول بأشكال مختلفة، تحدَّث عن «إعلان طهران»، فقال: إنَّه في صياغة هذا الإعلان ما يتَّفق مع القيم الإنسانية الرفيعة.وممَّا قاله في صدد هذا الإعلان:
«انبهر كثيرون عندما تابعوا الطريقة الإصلاحية التي طوِّرت بها الثورة الإسلامية الشيعية نفسها من داخلها بطريقة تدريجية تناسب العصر، فبالحوار وخلال انتخابات حرَّة نزيهة، ربما من أكثر ما عرفها عالمنا العربي والإسلامي شفافية ووضوحاً، وهكذا جرى ويجري التطور والتغيير ـ بأقل قدر من العنف أو الصدام ـ إلى أن وصلت مفاهيم الثورة الإسلامية لتكون هذه الثورة الإسلامية ـ ومن خلال تطورها ـ هي الرائدة لفكر نهضوي حضاري، تتمثل قيم الإسلام في مفاهيمها المتحضرة.
وكان مصدر انبهاري شخصياً عندما قرأت المشروع البديل المتحضر لنظرية صدام الحضارات التي تبث ـ أو على الأقل تغذي ـ حجم الكراهية التي تؤدي مع تراكمها إلى صراع مسلح قد يتحول إلى حرب أهلية فيكون ذريعة لتدخل أميركا للمحافظة على مصالحها وأمنها القومي وباسم الأمم المتحدة تفرض عقوبات على دول مثل العراق وسوريا والسودان، بل وعلى إيران ذاتها، بدعوى أنها دول تحتضن الإرهاب على الرغم من أن القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها العامة رقم 53 في 4 تشرين الثاني نوفمبر 1998 بأن يرتب لعام 2001 ليكون هو سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات وكانت البداية مرتبطة بمبادرة من الرئيس محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية، ولذا وعقب صدور هذا القرار جاءت استجابة جمهورية إيران الإسلامية سريعة ومنجزة في تقديم البديل، فقد دعت ممثلي رؤساء الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي للمشاركة في الندوة الإسلامية للحوار بين الحضارات التي عقدت بالفعل بمدينة طهران من 3 إلى 5 مايو آيار عام 1999، حيث أصدروا وثيقة عرفت بـ «إعلان طهران».
وهذه الوثيقة ـ من وجه نظري ـ من أرقى ـ إن لم تكن أرقى ـ المفاهيم والإعلانات والمواثيق والأسس التي تكون الركيزة لأي مشروع نهضوي حضاري يقدم باسم مشروع الحضارة العربية ـ الإسلامية ـ ولذا آثرت أن اقتبس من هذه الوثيقة الهامة ما أراه البديل لنظرية صدام الحضارات الأميركية، ونموذجاً يمكن أن تفخر به الحضارة العربية ـ الإسلامية وأتمنى أن تنشر على أوسع نطاق، لكي يستوعب المفاهيم الخاطئة التي نجمت عن تصرفات أفغانستان مثلاً.
1 ـ القبول الفعلي بالتنوع بوصفه أحد الملامح الثابتة للمجتمع الإنساني ومصدراً غالباً لتقدم البشريَّة وازدهارها.
2 ـ الاحترام المتبادل والمتسامح في مجال وجهات النظر والقيم الخاصة بمختلف الثقافات والحضارات، وحقوق الأفراد المنتمين إلى جميع الحضارات في الحفاظ على تراثهم وقيمهم الثقافية، ورفض تدنيس القيم الأخلاقية والدينية والثقافية، وانتهاك الحرمات والمقدسات.
3 ـ رفض محاولات الهيمنة والسيطرة الثقافية والحضارية والتصدي للمذاهب والممارسات الدامية لخلق الصراع والصدام بين الحضارات.
ومن الجلي أن إعلان طهران يرفض مقولات هنتغتون التي تتبعها الإدارة الأميركية.
4 ـ السعي لإيجاد أرضية مشتركة بين مختلف الحضارات وداخلها حتى يمكن مواجهة التحديات العالمية المشتركة.
ثالثاً: مجالات الحوار بين الحضارات:
1 ـ التجاوب مع تطلعات البشر للتمسك بالإيمان والأخلاق.
2 ـ تعزيز التفاهم المتبادل والمعرفة بين مختلف الحضارات.
3 ـ تعزيز مفهوم التسامح (أتصور أن القصد هو قبول الآخر) واحترام التنوع.
4 ـ تشجيع وحماية حقوق المرأة وكرامتها والمحافظة على مؤسسة الأسرة وحماية الشرائح الاجتماعية المحتاجة للرعاية: الأطفال، الشباب، المسنين (هذه العبارة هامة لمن يروِّج أن الإسلام لا يحمي حقوق المرأة).
رابعاً: تطبيق الحوار بين الحضارات في المجالات المتأزمة من العلاقات الدولية:
1 ـ تحديد أصحاب الشأن على المسرح الدولي الذين سيتولّون إعداد نظام عالمي يقوم على الاشتراك والحوار والتفاهم والاحترام المتبادلين، عوضاً عن المفاهيم التي عفى عليها الزمن والتي قامت على النبذ والتنافس والسياسات والقوة والجري وراء المصلحة الأنانية ضيقة الأفق وذلك في مواجهة نظريات هنتغتون لإعادة وضع نظام عالمي جديد يخدم مصالح أميركا وحدها).
2 ـ عدم اللجوء إلى الحرب واستخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، باستثناء حالات الدفاع المشروع. ↑
- () سبهسالار: قائد الجيش. ↑
- () الواو والألف لا تلفظان. ↑
- () استان قدس: المكتبة الرضوية الملحقة بحرم الإمام الرضا عليه السلام بمشهد عاصمة خراسان. ↑
- () آقا: بمعنى السيد المحترم أو حضرة، وتضاف إليها الياء. آقاي بمعنى سيدي. ↑
- () هذه الكاف الفارسية تنطق كالجيم المصرية. ↑
- () دانشكاه: الجامعة، والمقصود المكتبة المركزية بجامعة طهران. ↑
- () الهاء تنطق كالفتحة على الراء. ↑
- () المقصود بالمجلس، مكتبة مجلس النواب بطهران. ↑
- () كليد بهشت: مفتاح الجنة. ↑
- () أسرار صنائع در صناعات خمس منطقي: أسرار الصنائع في الصناعات الخمس المنطقية. ↑
- () المقصود الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا. ↑
- () آغا وأنجام: البداية والنهاية. ↑
- () (تاريخ فرشته) المجلد الأول ص 385 وتاريخ الشيخ عبد القادر المجلد الأول، ص 337. ↑
- () منتخب اللباب (الترجمة الأردوية) المجلد الأول ص 191 ـ طبعة نفيسة للأكاديمية الكراجية عام 1963م. ↑
- () كان هذا افتراء (ح). ↑
- () (فرند گاني شاه عباس أول) ـ نصر الله الفلسفي (المجلد الأول) ص 227. ↑
- () (عالم آراي عباسي) طبع (بنكاه أمير كبير) ص 782. ↑
- () مجموعة مقالات هادي حسن ص 40. ↑
- () السير الواحد يعادل 75 غرام. ↑
- () (إقبالنا مه جهانگيري) تأليف معتمد خان (المترجمة إلى الأردو) طبع كراجي، ص 75. ↑
- () جان عالم تعني روح العالم. ↑
- () مجموعة مقالات هادي حسن، طبع حيدر آباد دكن، عام 1956م ص 40. ↑
- () منتخب اللباب، تأليف نظام الملك خافي خان، المجلد الثاني (المترجم إلى الأردو) طبع كراجي، ص 76. ↑
- () (عمل صاحل) المجلد الثاني، طبع لاهور، ص 389. ↑
- () منتخب اللباب، القسم الثاني (مترجم إلى الأردو) طبع كراجي، ص 194. ↑
- () توجد هذه الرسالة أيضاً في كتاب (شاه جهان نامه) تأليف صالح كمبود المجلد الثاني، طبع لاهور، ص 415. ↑
- () منتخب اللباب، القسم الثاني (الترجمة الأردوية) طبع كراجي، ص 260. ↑
- () منتخب اللباب، تأليف خافي خان المجلد الثالث (مترجم إلى الأردو) طبع كراجي، ص 126 ـ 127. ↑
- () منتخب اللباب، تأليف خافي خان، المجلد الثالث (مترجم إلى الأردو) طبع كراجي، ص 187. ↑
- () منتخب اللباب، تأليف خافي خان المجلد الرابع (مترجم إلى الأردو) طبع كراجي، ص 184. ↑
- () أعطاه من كل شيء يحبه لتدعيم ملكه طريقاً لما يريد. ↑
- () المراد بها ذات اللون المائل للكدرة والعكارة وليس صافياً. وذلك حين بلغ الشاطئ الغربي لآسيا الصغرى ورأى الشمس تغرب في بحر إيجه في المنطقة المحصورة بين سواحل تركيا الغربية شرقاً واليونان غرباً وهي كثيرة الجزر والخلجان. ↑
- () رحلته الثانية شرقاً التي وصل فيها إلى حدود باكستان وأفغانستان الآن ليؤدب القبائل البدوية الجبلية التي كانت تغير على مملكته. ↑
- () المراد بين جبلين من جبال القوقاز التي تمتد من بحر الخزر (قزوين) إلى البحر الأسود حيث اتجه شمالاً. ↑
- () المراد قطع الحديد. ↑
- () أي جانبي الجبلين المحيطين بالفتحة التي سدها. ↑
- () وقد قدم أزاد هنا بحثاً مفصلاً ورائعاً عن الدين الزرادشتي وعن الفرق بينه وبين المجوسية التي أطلقها علماؤنا على الدين الزرادشتي خطأ، مع أن المجوسيين كانوا يتبعون الديانة الوثنية التي كانت سائدة قبل زرادشت، والتي حاربها ليقضي على الوثنية وينشر التوحيد. وهو بحث نفيس جداً يجدر بالعلماء أن يطلعوا عليه. ↑
- () هذه الكاف ذات الشرطتين تسمى بالكاف الفارسية وهي تشبه في نطقها الجيم لدى أهل القاهرة أو القاف عند بعض الريفيين. ↑
- () جاء في تفسير الكشاف للزمخشري عنهما «اسمان أعجميان بدليل منع الصرف وقرئا مهموزين». ↑
- () من ملوك فارس من 531 ـ 579م وهذا السد ممتد من الجبل إلى الساحل ناحية الشرق وليس بين جبلين … وهو من الحجارة ولا أثر فيه للحديد والنحاس. ↑
- () Minorky. V.Hudud. Alam, Oxford. 1973 p. 263-264. ↑
- () بارتولد، تغزغز، دائرة المعارف الإسلامية، ج 5 ص 322 ـ 324. ↑
- () تاج العروس، ج 4، ص 64. ↑
- () Dozy, Supplement aux Dictionnaires Arabes, 2ed Paris 1927. ↑
- () لغت نامه دهخدا، مادة غز. ↑
- () ابن حوقل: صورة الأرض ج 1 ص 462 ـ 463.Cahen, EI, T.I.P. 1134. ↑
- () صورة الأرض، طبع ليدن ج 1 ص 511. ↑
- () أيضاً ابن حوقل ج 1 ص 389 والإصطخري في مسالك الممالك ص 219 طبع ليدن. ↑
- () مسالك الممالك طبع ليدن، ص 218 و299. ↑
- () ابن حوقل: صورة الأرض، طبع ليدن، ص 511 و512. ↑
- () المسالك والممالك. ↑
- () نفس المصدر ص 226. ↑
- () نفس المصدر ص 235. ↑
- () نفس المصدر ص 238. ↑
- () «المسالك والممالك». ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () (جهان نامه) باهتمام الدكتور محمد أمين الرياحي. طهران (1342هـ) ص 49 و72. ↑
- () حدود العالم. باهتمام الدكتور منوجهر ستوده. ص 24. ↑
- () نفس المصدر، ص 27. ↑
- () حدود العالم ص 76 و77. ↑
- () Minorsky, Hudud Al Alam P. 271-273. ↑
- () معجم البلدان، طبع أوروبا، ج 1 ص 838 ـ 840. ↑
- () جامع التواريخ، ج 1 ص 29. ↑
- () معجم البلدان لياقوت الحموي، ج 1 ص 840 و842. ↑
- () زين الأخبار ص 266 ـ 268. ↑
- () مفاتيح العلوم، طبع ليدن ص 120. ↑
- () زين الأخبار ص 129. ↑
- () فتوح البلدان طبع مصر، ص 237. ↑
- () بارتولد: تاريخ آسيا المركزية، ص 174. ↑
- () جامع التواريخ: الغزنويون ص 80 ـ 84، وأيضاً تاريخ اليمني طبع خاور، (طهران 1334هـ) ص 141. ↑
- () زين الأخبار للكردريزي ص 175 ـ 176. ↑
- () ابن الأثير ج 9 ص 297 ـ 298. ↑
- () جامع التواريخ لابن الأثير ج 9 ص 277. ↑
- () جامع التواريخ، قسم الغزنويين والبويهيين والسامانيين، باهتمام (دبيرسيافي) طهران 1338 ص 112. ↑
- () ابن الأثير ج 9 ص 377 ـ 381. ↑
- () أيضاً تاريخ ابن الأثير ج 9 ص 382 ـ 391. ↑
- () زين الأخبار للكردريزي، تصحيح عبد الحي حبيبي. طبع مؤسسة الثقافة ص 178 ـ 189 ـ 192. ↑
- () تاريخ ابن الأثير ج 9 ص 389 وحوادث سنوات 420، 429، 432. وكذلك كسروي شهرياران كمنام ج 2 ص 61 ـ 83. ↑
- () (تاريخ البيهقي) باهتمام وتصحيح الدكتور عني والدكتور فيغض، (طهران 1324هـ) ص 68. ↑
- () (تاريخ البيهقي) ص 397. ↑
- () نفس المصدر ص 438. ↑
- () تاريخ البيهقي ص 470، 490، 493. ↑
- () نفس المصدر ص 497. ↑
- () نفس المصدر ص 505. ↑
- () كتاب تاريخ البيهقي ص 440، 682، 686، 689، 690، 691. ↑
- () الأمر نفسه حدث للبربر في شمال إفريقيا الذين رأوا في الانضمام إلى الخوارج تخلصاً من ظلم الحكام (ح). ↑
- () المقصود بالعلوي: العلوي النسب. ↑
- () كان المغول، على عادة جميع البدو، يسكنون الخيام. ويسمون الواحد من مخيماتهم الصيفية والشتوية «يورث» أو «أردو». وقد ظلوا، حتى بعد استيلائهم على الممالك المتمدنة وإقامتهم في الحواضر واحتياج ملوكهم إلى الإقامة في العواصم، يصيفون ويشتون في أماكن مناسبة يختارونها لذلك، وينصبون فيها مخيماتهم هذه من الشعر أو اللباد، وينتقل إليها الخان في الصيف وفي الشتاء، مع جيشه وخدمه وخيوله ومواشيه وقطعانه وحاشيته. وينصب رجاله أيضاً لأنفسهم خياماً أو أكواخاً حول خيامه. فإذا ارتحلوا عنها أحرقوا كل ما يصعب نقله من أجزائها كالخشب وغيره.وكانت مخيمات المغول هذه في حكم المدن الكبيرة، فيها كل ما في المدن من كثرة المنازل ووفرة السكان ومرافقي الخان من كتاب وقضاة ورؤساء وعسكر، ومن أهل الصناعات والتجار وغيرهم.
وكانوا يعقدون فيها مجالس الشورى بين أمراء البيت المالك في الأمور المهمة كانتخاب رئيس لأسرتهم وتجهيز الجيوش للحرب وأمثال ذلك.
وقد تطور معنى كلمة «أردو» هذه شيئاً فشيئاً حتى اختصت بمعنى «العسكر» و«المعسكر». فحيثما ذكرت كلمة «معسكر» من هذا البحث يكون المقصود منها ذلك المخيم (أردو)، إلا إذا دلت القرينة على أن المقصود مخيم العسكر خاصة. ↑
- () أكبر مدن «مغولستان» بناها «جنكيزخان». وأصبحت عاصمة سلاطين المغول. ↑
- () صاحب الديوان: اسم أسرة اشتهرت به لأن بعض رجالها تولى هذا المنصب فاشتهر به، ثم اشتهرت به الأسرة كلها. وهذه الأسرة من أشهر الأسر الإيرانية التي تولت مناصب كبيرة منذ أيام الدولة السلجوقية فالخوارزمية فالمغولية.وقد كان صاحب الديوان يتولى في الدولة إدارة الشؤون المالية وما يرد إلى المملكة من واردات، مما يعادل ما اصطلح على تسميته في العصور الأخيرة باسم (وزارة المالية). ↑
- () العراق العجمي اسم أطلقه السلاجقة على ما كان يعرف في عهد البويهيين باسم (بلاد الجبل) وأهم مدنه: كرمنشاه (قرميسين) والري وهمذان وأصفهان. ويقول حمد الله المستوفى (1281 ـ 1349م) في كتابه (نزهة القلوب) عن العراق العجمي أن حدوده: آذربيجان، كردستان، خوزستان، فارس، المفازة الكبرى، قومس، گيلان. وإن أشهر مدنه: أصفهان، همذان، قم، الري، السلطانية، قزوين، ساوة، الطالقان، كاشان، جرباذقان، نهاوند، يزد، وغيرها. ونزهة القلوب كتاب في الجغرافيا طبع في الهند سنة 1311 وطبع قسم منه في ليدن سنة 1331هـ (1913م). ↑
- () لم يمتنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، ولذلك أخذت بطانة المغول من المسلمين غالباً بطبع المؤلفين في اللغتين الفارسية والتركية مضافاً إلى العربية. وشاع استعمال لغة المغول نفسها في البلد التي سيطر عليها المغول. واضطر إلى التخاطب بها عدد غير قليل من العراقيين.عنيت هذه الطبقة من العراقيين بدرس اللغات الثلاث المذكورة التي عرفت في العراق في ذلك العهد درساً واسعاً تناول قواعدها ونحوها وتصريفها فضلاً عن المواد والألفاظ، ووضعوا رسائل وكتباً في فنون اللغات الثلاث وألف آخرون فيها بعض المعجمات.
عرف اثنان من علماء العراق في أواخر المائة السابعة بحذف هذه اللغات الشرقية والتأليف فيها، أولهم: العالم الإخباري المصنف جمال الدين بن مهنا، والثاني الفيلسوف المصنف كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن الفوطي مؤرخ العراق المشهور.
ومن أشهر مؤلفات الأول: (وزراء الزوراء) و(لطاف المعاني في شعراء زماني) و(المشجر في الأنساب). وله كتاب لغوي طريف سماه (حلية الإنسان وحلية اللسان) ولم يصلنا من كتبه إلا هذا الأخير. ويلاحظ أن جمال الدين بن مهنا من جملة أعلام العراق الذين اختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية، واتصلوا بمختلف طبقاتها، وتمكن من درس فلك اللغات الأعجمية التي شاعت في العراق على عهده حتى استطاع أن يؤلف فيها كتاب (الحلبة) المذكور. وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها، نحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية وهذه اللغات من النواحي المذكورة.
ويقول عنه الشبيبي: لا نبالغ إذا قلنا إنه أول عالم عربي عني بهذه الدراسات. لم توجد من هذا الكتاب نسخة في البلاد العربية وإنما وجدت في اسطنبول وبعض مكتبات الغرب. وعني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه سنة 1900 و1903م وعني بعد ذلك بعض علماء الترك باقتناء نسخ خطية منه. ثم نشر الكتاب بإشراف وزارة المعارف التركية.
ويحتوي الكتاب على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية والثاني في التركية والثالث في المغولية.
أما العالم الثاني فهو مؤرخ العراق كمال الدين عبد الرزاق أحمد بن محمد المعروف بابن الفوطي الذي خرج عنه عدد لا يستهان به من أنفس المؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية خاصة علم الحديث. وأشهر مؤلفاته كتابه الذي سماه (مجمع الآداب). ↑
- () ما يعرف اليوم بالشرطة (البوليس). ↑
- () وعطا ملك هو صاحب كتاب (جهانكشاي) وهو من التواريخ الفارسية التي كتبت أيام المغول. قال في (كشف الظنون): ذكر فيه سيرة جنكيز وهولاكو مشتملاً على دولة المغول وسلاطينها وملوك الأطراف وزمانهم. وقد أطراه صاحب (تاريخ وصاف) وأثنى عليه كثيراً.وهذا التاريخ من أقدم ما كتب عن المغول بعد ابن الأثير والمنشئ النسوي، وأهمية الكتاب كانت لأن المؤلف اتصل بالمغول وتجول في مملكتهم وشاهد العارفين بأحوالهم، كما أنه كان قد شاهد بنفسه حوادث كثيرة، وحصل على كتب علمية مهمة حين القضاء على الاسماعيلية في ألموت وحكى ذلك.
طبع هذا الكتاب في ليدن سنة 1329هـ (1911م) في مجلدين، وفي إيران في مجلد واحد. ↑
- () وذكروا أن عائداته من أملاكه كانت عشرة آلاف دينار يومياً. ↑
- () عندما قامت الدسائس على علاء الدين عطا ملك فكتب إليه أخوه شمس الدين محمد يدعوه أن ينتبه للأمور ولا يغفل وكان فيما كتبه إليه هذين البيتين:كم لي أنبه مقلة من نائم يبدي سباتاً كلما نبهته
فكأنك الطفل الصغير بمهده يزداد نوماً كلما حركته ↑
- () مما يذكر أن بنت أبقا كانت بعد ذلك مسلمة. قال في (تاريخ العراق بين احتلالين) ص 480 من المجلد الأول: في هذه السنة ذهبت الملكة بنت أبقا واسمها قطلو وفي خدمتها عدة كثيرة من التتر إلى الحج ورسم السلطان ورتب لها في الطرقات الإقامات الوافرة. سماها صاحب الدور الكامنة (يلفطو) وهي عمة غازان. كانت جيدة الإسلام كثيرة المناصحة للمسلمين وكان يقال لزوجها عرب طيئ ولما قتل ركبت بنفسها فقتلت قاتله. وخطبها الأفرم وهو نائب دمشق فهرت رسله وامتنعت بعد أن كان بذل لها حمص وبلادها مهراً. وحجت سنة 723هـ في تجمل زائد، فيقال تصدقت في الحرمين بثلاثين ألف دينار، وكانت تركب بالجتر وتتصدق في طول الطريق ودخلت دمشق فتلقاها تنكز وبالغ في إكرامها ورجعت إلى بلادها إلى أن ماتت سنة 723هـ.أقول: في بعض هذه الأفاظ غموض لم أهتد إلى حله، منه: عبارة (عرب طيئ)، ومنه (الجتر). أما كلمة (هرت) فقد جاء في لسان العرب: هرت عرضه وثوبه مزقه وطعن فيه. ↑
- () نسبة إلى «أويغور» إحدى قبائل المغول. أنشؤوا دولة قوية متمدنة في تركستان الشرقية في منتصف القرن الثاني الهجري. تنصر فريق منهم على يد مبشرين قدموا إليهم من إيران. وكان تنصرهم سبباً في دخول إحدى شعب الخط السرياني إليهم. فأخذ هذا الخط ينتشر شيئاً فشيئاً بين النصارى منهم حتى كتبوا لغتهم التركية به، وعرف بالخط الأويغوري. ↑
- () الكرج: هم سكان البلاد المعروفة اليوم باسم جورجيا. ↑
- () كان نهر جيحون يعد الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والناطقة بالتركية. أي: (إيران) و(توران). فما كان في شماله، أي وراءه، من أقاليم، سماه العرب (ما وراء النهر) (وهو نهر جيحون).ويمكن تقسيم هذه البلاد إلى خمسة أقاليم، أجلها شأناً كان (الصُّغد) مع قصبتيه بخارى وسمرقند. وفي غرب الصغد: خوارزم، وهو الإقليم المعروف اليوم بــ (خيوة)، ويشتمل على دلتا جيحون.
وفي الجنوب الشرقي: (الصغانيان) ومعه (الختّل) وغيرهما من الكور الكبيرة في أعالي نهر جيحون. وإليه أيضاً تعود (بذخشان) وإن وقعت في ضفته اليسرى أي الجنوبية، فإن المنعطف الكبير للنهر فيما وراء (طخارستان) يكاد يطوقها. ثم إقليما نهر سيحون، وهما (فرغانة) في أعلى النهر، وإقليم الشاش، (وهو اليوم طشقند مع النواحي التي في الشمال الغربي الممتدة على مصب سيحون في مناقع بحر أرال. ↑
- () أي السلاجقة الذين كانوا يحكمون في آسيا الصغرى، وكان المسلمون يعرفونها يومئذ باسم «بلاد الروم». وهؤلاء السلاجقة كانوا قد دخلوا في طاعة المغول، إذ أرسل ملكهم «علاء الدين كيقباد» في سنة 630هـ سفيراً من قبله إلى أحد رؤساء المغول «أوكتاي قاآن» يقول له: إنه يضع نفسه في خدمتهم. وذلك ليستعين بهم على محاربة الملك الأشرف الأيوبي. وبالفعل لم يلبث علاء الدين هذا أن قام بعد ذلك بالهجوم على الملك الأيوبي وأخذ منه مدينة «أخلاط». ↑
- () أو «أَبُلُسْتان» (البستان). واقعة في شرقي «قيسارية» بين جبال «طوروس» واعالي نهر «جيحان». ↑
- () قال صاحب الحوادث الجامعة من علاء الدين عطا ملك: كان مولده في عاشر ربيع الأول سنة 623هـ ولي العراق إحدى وعشرين سنة وشهوراً، وكان عادلاً حسن السيرة أديباً فاضلاً جمع تاريخاً للمغول سماه (جهان كشا) وله رسائل جيدة وأشعار حسنة. ↑
- () الأصل في كلمة أتابك: الوصي والمؤدب للأمراء الأتراك الذين كان يعهد بأمر الوصاية عليهم وتربيتهم نظراً لصغر سنهم في أيام السلاجقة إلى كبار الأمراء. ثم توسع معناها فصارت تطلق على الأمراء الأقوياء. وفي عصر المماليك في مصر صار يطلق هذا اللقب على من يعهد إليه بإمارة العسكر، ومن هنا لقب أتابك العسكر. ويقول القلقشندي في صبح الأعشى: إن أتابك: أصله أطابك ومعناه الولد الأمير، وأول من لقب بذلك نظام الدولة وزير ملكشاه بن ألب إرسلان السلجوقي حين فوض إليه ملكشاه تدبير المملكة سنة 465هـ ولقب بألقاب منها هذا. وقيل: أطابك معناه أمير أب، والمراد أبو الأمراء وهو أكبر الأمراء المقدمين بعد النائب الكافل، وليس له وظيفة ترجع إلى حكم وأمر ونهي، وغايته رفعة المحل وعلو المقام. ↑
- () هذا يدل على ميول عطا ملك واتجاهاته هو وأسرته إلى القوى الإسلامية المناوئة للمغول. ↑
- () ترجمة الرباعيتين بتصرف. ↑
- () ترجمة الرباعيتين بتصرف. ↑
- () زيادة في إيضاح أحداث إسلام تكودار، أنشر هنا ما كنت قد علقت به على ما نشر حول هذا الموضوع في بعض الجرائد:أنا لم أقرأ كتاب «الإسلام وحضارته» للمستعرب اندريه ميكيل، ومعلوماتي عنه مأخوذة مما كتبه عن التعريف به كاتب في العدد 10296 من «الحياة».
نقل الكاتب أن المؤلف قال عن إسلام المغول: إن سبب اعتناقهم الإسلام ناتج عن أسباب سياسية، وذلك ليكونوا على دين واحد مع الشعوب التي حكموها. إلى آخر ما قال ….
ونحن مع تقديرنا للمؤلف، وتقديرنا للجهود التي بذلها في تأليف هذا الكتاب، نقول إن هذا التعليل لاعتناق المغول الإسلام، هو تعليل سطحي، إذ إن أخذهم بالإسلام وانتماءهم إليه يعودان إلى جهود مضنية ومحاولات مستمرة كانت تنجح أحياناً وتفشل أحياناً، إلى أن عمهم الإسلام وصار دينهم الذي يتمسكون به.
والعمل الذي بدأه رجال الإسلام أول ما بدؤوا بعد سقوط بغداد وانحلال الرباط الذي كان يشهد العالم الإسلامي بعضه إلى بعض، كان الاحتفاظ بالإسلام قوياً في نفوس المسلمين، وبعث العزائم الميتة، وإذكاء الآمال الخابية، وإعداد الرجال الأكفياء لقيادة المستقبل الذي ينتظر العالم الإسلامي، وهذه المرحلة تولى زمامها نصير الدين الطوسي ومن جمعهم حوله من الأعوان، ولما نجحوا في ذلك، تحولوا إلى ما هو أبعد منه، إلى تحويل المغول وهذا ما كان لآل الجويني الشيعة فيه الفضل الكبير.
في أول أخطاء المؤلف اعتباره غازان المسلم الأول بين ملوك المغول.
وهذا الاعتقاد جره إلى أن يقرر أن إسلام المغول كان لأسباب سياسية غايتها توطيد الملك وتثبيت الحكم.
وحتى لو سلمنا أن ابتداء إسلام المغول كان في عهد غازان، فلن نسلم أن هذا الإسلام كان للأسباب التي ذكرها المؤلفن لما نعرفه عن الجهود التي بذلت في سبيل ذلك على مراحل متباعدة أدت في النهاية إلى إسلام غازان وإعلانه الإسلام ديناً للدولة مما أدى في النهاية إلى إسلام الدولة كلها، وسنكتفي هنا بالتدليل على أن إسلام المغول سبق عهد غازان، وعلى أن هذا الإسلام لم يكن إلا لأسباب اعتقادية.
مات هولاكو وملك ابنه آباقا والدولة على وثنيتها. ولكن المساعي الإسلامية الخفية كانت ناشطة في أكثر من ميدان، وكان من أكثر العاملين في هذا السبيل آل الجويني الذين استطاعوا التمركز في مواقع حساسة في الدولة الإيلخانية، فاستغلوا مواقعهم هذه فنقاذ ما يمكن إنقاذه أولاً من أمور المسلمين، ثم النفاذ بعد ذلك إلى العقائد المغولية لتحويلها إلى الإسلام.
وراهنوا على الإبن الثاني لهولاكو تكودار فاستطاعوا تليينه وإمالته إلى الإسلام، على أمل أن يجيء يوم يتولى فيه الملك فيجاهر بالإسلام، ويسلم المغول تبعاً له.
ومات آباقا في مدينة همذان سنة 680هـ بعد أن عهد بالملك إلى ابنه أرغون. ولكن آل الجويني ومن تابعهم من الأمراء والقواد رأوا الفرصة سانحة لتنصيب الابن الآخر لهولاكو تكودار. فنادوا بخلع الملك الجديد، ونصب تكودار مكانه باسم السلطان أحمد تكودار إعلاناً لإسلامه وإسلام الدولة.
وإذا كان آل الجويني سياسيين غير متفرغين للشؤون الدينية، ولا محيطين بتفاصيلها، فقد تولى أمر الاتصال الدائم بتكودار وشرح العقيدة الإسلامية له وتعميق جذورها في نفسه، شيخ صوفي يسمى كمال الدين عبد الرحمن الرافعي.
ولما كانت السلطة المركزية الإيلخانية بقيادة أرغون تملك من القوى ما تفسد به أمر تكودار، فقد مضى آل الجويني ومن الاهم بأحمد تكودار إلى مدينة (الطاف) الواقعة في أقصى خراسان واستقروا به هناك سنة 681هـ.
وأرسل علاء الدين الجويني رسالة إلى أهل العراق عموماً وبغداد خصوصاً يصف لهم فيها الانقلاب الذي تم من خلع أرغون إلى نصب السلطان أحمد، ناعتاً الدولة الجديدة بالنعوت الإسلامية، قائلاً عنها: الدولة الإيلخانية الأحمدية التي نشرت ألوية الشريعة المحمدية، وبسطت يد العدل في الأرضين، وكفت عن البلاد والعباد أكف الظالمين والحمد لله رب العالمين.
ثم وصل إلى بغداد بعض أولاد علاء الدين ومعهم بعض النواب والحكام، فقوبلوا من البغداديين بمظاهرات التأييد الحماسية.
أما ما كان من أمر أرغون، فقد سلم أولاً بالأمر الواقع، مضمراً الانقضاض على هذا الأمر بعد تدبير وإحكام. فذهب إلى خراسان حيث قابل السلطان أحمد، ثم سافر إلى العراق.
وفي سنة 683هـ كان أرغون قد أحكم أمره وأعلن التمرد، وكانت كل المظاهر تدل على رجحان كفة أحمد تكودار، ولكن أرغون تمكن من استمالة جيش أحمد إليه متصلاً بالقادة وأبرزهم بوقا الذي أعلن انقلابه على أحمد، وهرع إلى أرغون وآزره على قتل بعض قواد السلطان أحمد معلناً ان أرغون هو السلطان. ووجد أحمد نفسه محاطاً بأعدائه فحاول الإفلات ولم ينجح، فقتل.
وهنا أذاع بوقا من قلعة تلا، مدفن هولاكو، القريبة من مراغة في آذربيجان قتل تكودار لخروجه على دين آبائه وأجداده، وتولية أرغون مكانه. ثم أصبح هو الحاكم الفعلي إذ أسند إليه منصب نائب السلطنة متولياً بذلك جميع صلاحيات السلطان، يعاونه في منصب رفيع آخر أخوه أروق.
وفي سنة 688هـ تمكن أرغون من إسقاط بوقا، فقتله وقتل أولاده وأخاه ونوابه.
فشلت الدولة الإسلامية الإيلخانية وأسقطها انقلاب عسكري ـ كما رأينا ـ ولكن هذا الفشل كان إلى حين، إذ كانت جذور الدعوة قد تأصلت وظل دعاتها يقظين يعملون حتى تم لهم الأمر في عهد غازان.
بقي أن نتعرف على الإجراءات الإسلامية التي نفذها أحمد تكودار خلال فترة حكمه القصيرة:
كان همه الأول الاتصال بالعالم الإسلامي وإعلان تضامنه معه، وإنهاء العداء المزمن بين المغول والمماليك في الشام ومصر، فانتدب لهذه المهمة مرشده إلى الإسلام الشيخ عبد الرحمن، فسار برسالة منه إلى سلطان مصر المملوكي مؤرخة سنة 680 هجرية وعاد بالجواب إليه. ثم أردف السلطان أحمد رسالته الأولى برسالة ثانية مع الشيخ نفسه إلى الشام سنة 682هـ حيث كان الملك المنصور فيها.
ويذكر ابن الفرات في تاريخه في أحداث سنة 683هـ وصول الملك المنصور قلاوون من مصر إلى دمشق واستقباله لوفد أحمد تكودار برئاسة الشيخ عبد الرحمن. ثم وصول الخبر بالانقلاب العسكري ومقتل أحمد، وأخبار قلاوون للوفد بذلك بتفاصيل ليس هنا مكان الحديث عنها. ↑
- () الترجمة بتصرف. ↑
- () الترجمة بتصرف. ↑
- () يرد أبوالفداء في تاريخه الاضطهاد الذي أصاب عطا ملك الجويني إلى أن من اضطهدوه من المغول نقموا علي تعاطفه مع المسلمين وحمايته لهم. ويقول عنه أبو الفداء: «كان صدراً كبيراً فاضلاً».ويقول الشيخ محمد رضا الشبيبي في الجزء الثاني من كتابه (ابن الفوطي): «وفيسيرة الصاحب علاء الدين «عطا ملك» الجويني كل ما يدل على التنكر للوثنيين الطغاة من حكام المغول، وإعادة الأمم الإسلامية المغلوبة على أمرها في الشرق إلى العيش في ظل راية إسلامية، ولو كان هؤلاء المسلمون أنفسهم من الشعوب المغولية» اهـ.
ونقول: لا شك أن اتصالاته بالمماليك في مصر والشام كانت تنطوي على هذا الاتجاه. وقد شملت المحنة آل الجويني كلهم ـ كما سيأتي ـ لاعتقاد المغول بمشاركتهم كلهم في الدعوة الإسلامية وحماية المسلمين. ↑
- () أو «أليناخ» أو «علي ناق». ↑
- () التومان: عشرة آلاف دينار. ↑
- () هو «الخواجة شرف الدين هارون» ابن «صاحب الديوان». كان فاضلاً شاعراً، من مربي أهل العلم والأدب. تزوج بنت أبي العباس أحمد الخليفة العباسي المصري وحفيد المستعصم آخر خلفاء العباسيين. وكان على حكومة العراق بعد «عطا ملك». وفي عهد «أرغون» كان ينوب عن الأمير «آروق» أخي «بوقا» هناك. وقد حرض هارون هذا الأمير «آروق» على قتل «الخواجة سعد الدين مستوفي القزويني» أخي «الخواجة فخر الدين محمد». وإذ أخذت دولة «صاحب الديوان» تؤذن بالزوال فقد اتهم «الخواجة فخر الدين» الخواجة هارون عند «آروق» بأشياء انتقاماً لقتل أخيه. فقتله «آروق» بسعاية فخر الدين وقتل معه مجد الدين بن الأثير في جمادى الآخرة سنة 685هـ. ↑
- () يروي صاحب (الحوادث الجامعة) عن مقتل شمس الدين ما يلي: «لما أحضر ليقتل سأل المهلة ساعة يوصي بها فأمهل»، فكتب بخطه وصية بالفارسية قال في آخرها: «فإن وجد النظار فيها خللاً فلا غرو فإني سطرتها وانا عريان، والسيف مشهور». وهذا يدل على ثبات ورباطة جأش في تلك الساعة. وقد قتل المغول من آل الجويني حتى الأطفال، ومنهم صبي اسمه فرج الله، وعنه يقول صاحب (الحوادث الجامعة): وأما فرج الله فإنه كان صبياً في المكتب، فلما أخرج ليقتل توهم أنهم يريدون تأديبه لئلا ينقطع عن المكتب، فجعل يقول بالفارسية: «والله ما بقيت أنقطع عن المكتب»، فرقت الناس له. ↑
- () التوقيعات: الأوامر والمراسيم. ↑
- () نسبة إلى «سلغور» زعيم تركماني من أنصار طغرل بك السلجوقي. من سلالته «سنقر بن مودود» أقام في إقليم فارس من إيران دولة حكمتها سلالته من سنة 543هـ إلى سنة 663هـ، وعرفوا باسم «أتابكة فارس» أو «الأتابكة السلغوريون». و«آبش خاتون» أميرة من هذه الأسرة تولت منصب الأتابك من سنة 662هـ إلى سنة 663هـ إذ لم يبق من السلغوريين رجل يستطيع تولي هذا المنصب، وكان ذلك في زمن «هولاكو» وفارس في حكم المغول. وقد زوجها «هولاكو» من ابنه «منكو تيمور».وهي آخر حكام آل سلغور نشأت وترعرعت في بلاط أبيها، وكانت ذات عقل راجح ورأي صائب ودين وصلاح وعلم، تجالس العلماء. وقد وقفت جميع ثروتها ليصرف ربعها في سبيل الإسلام ونشر العلم.
توفيت في تبريز سنة 685هـ ودفنت في مقابر (جرنداب)، ثم نقلت ابنتها (كردوجن) رفاتها إلى شيراز ودفنت في مدرستها التي تعرف باسم (مدرسة آبش خاتون) أو مدرسة خاتون قيامة.
ذكرها أكثر المؤرخين والكتاب، منهم رشيد الدين فضل الله في جامع التواريخ والآيتي في تاريخ الوصاف وحمد الله المستوفى في تاريخ كزبدة وخواندمير في حبيب السير ذكرت في فارسنامه ناصري، وداتشنامه إيران وإسلام ومستدركات أعيان الشيعة. ↑
- () أصبح سعد الدولة سنة 688 (1289م) بمثابة الوزير لأرغون، فسرعان ما سيطر على الأمور. وفي السنة نفسها عين أخاه فخر الدولة إيليا نائب الوزارة في العراق، أي والياً على العراق يساعده اليهودي نصر بن الماشعيري، وعين أخاه الآخر أمين الدولة قائداً عاماً في الموصل وماردين وديار بكر، وأوكل مهمة الإشراف على تبريز إلى ابن عمه مهذب الدولة بن منصور الطبيب، وأرسل إلى كل قطر من أقطار الدولة الإيلخانية أقاربه أو معارفه.وكان أرغون قد أطلق العنان لليهود، ومما عهد به إليهم الإشراف على تركات المسلمين وتنفيذ الخطة التي وضعها المغول بالاستيلاء على تلك التركات وحرمان ذراري المسلمين من حقوقهم فيها، مستغلين كثرة تلك التركات وفقدان العدد العظيم من السكان في العراق بعد فتح بغداد.
ويبدو أن ما وصل إليه اليهود من مكانة في عهد أرغون قد بلغ مسامع اليهود في أقطار أخرى، فبدأ لذلك هجرة يهودية إلى العراق.
فقد جاء في كتاب (الحوادث الجامعة) عن حوادث سنة 687 ما يلي: «وفيها وصل إلى بغداد جماعة من اليهود من أهل تفليس، وقد رتبوا ولاة على تركات المسلمين». ↑
- () من أهم الوسائل التي كان السحرة المغوليون يستعملونها للتنبؤ وكشف المستقبل ومعرفة الآثار التي سببها السحر أن ينظروا في عظم كتف الغنم. وطريقته أن يوضع عظم الكتف في النار حتى يسود. فإن ظل بعد ذلك سليماً كان المآل إلى خير. وإن انصدع أو تكسر كان شراً. ↑
- () عن طغيان سعد الدولة وسيطرة اليهود يقول شاعر ذلك العصر:يهود هذا الزمان قد بلغوا مرتبة لا ينالها ملك
يا معشر الناس قد نصحت لكم تهودوا قد تهود الفلك
ولما نال اليهود ما نالهم بعد ذلك بهلاك سعد الدولة قال علي بن صاعد:
نحمد من دار باسمه الفلك هذي اليهود القرود قد هلكوا
وقارن النحس سعد دولتهم وافتضحوا في البلاد وانتُهكوا
وشتت الله شمل ملكهم وبالحسام الصقيل قد سبكوا
كم حكموا في البلاد لا حكموا وارتكبوا الموبقات وانتهكوا
أبكاهم الله عاجلاً أسفاً من بعد ما في زمانهم ضحكوا ↑
- () وفي هذا ما يدل على أثر عطا ملك القوي في إسلام المغول. ↑
- () يثني المؤرخ عبد الله بن فضل المعروف بوصاف الحضرة في كتابه (تجربة الأمصار وتزجية الأعصار)، والمشهور باسم (تاريخ وصاف) ـ يثني في كتابه هذا على «غازان»، وهو معاصر له. فيقول عنه: (إن أيامه مضت بالعدل الشامل، وعادت المملكة أشبه بجنة الخلد، فرفع منار الإسلام وأزال الكفر والضلال وأقام شعائر الدين الإسلامي، وأسس المساجد والمدارس) اهـ.وقد فرغ من تأليف كتابه في شعبان سنة 771هـ (1312م). وهو بحث مستفيض عن المغول في إيران وتركستان وجميع ما وراء النهر من الممالك الأخرى، وقد تطرق لغيرها أيضاً.
واشتهر مؤلفه بوصاف الحضرة لأنه مدح السلطان ألجايتو محمد خدا بنده بقصيدة، فلقبه بهذا اللقب فصار يعرف به، والتاريخ أضيف إليه. ويحتوي على أهم حوادث العراق، وبعض المخابرات السياسية مما لا يخص العراق مباشرة إلا القليل، وغالب ما فيه يوضح حكومة المغول.
وقد طبع في بمبي سنة 1269هـ (1853م) في خمسة أجزاء. وطبع المجلد الأول منه في إيران.
وقال الغبائي في تاريخه عن غازان: ولما شرفه الله بالإسلامية صارت له من العظمة والسطوة ما لا يوصف وأحبه المسلمون ورأوا منه كل خير مما فاق به سائر القدماء وأنسى ذكر السلاطين العادلين. وقال أبو الغازي بهادر خان في كتابه (شجرة الترك) ص 170: هو أول من أسلم من ذرية تولي خان، وقد بذل جهوداً كبرى لنشر الدين الإسلامي وبسعيه واهتمامه أسلم كل المغول في إيران. وسماه صاحب تاريخ كزبده (سلطان الإسلام).
أما التاريخ الغياثي فهو تأليف عبد الله بن فتح الله البغدادي الملقب بالغياث، المتوفى أواخر العصر التاسع. كان حياً سنة 891هـ (1486م). وأما تاريخ كزيدة فهو لحمد الله المستوفي أتمه سنة 730هـ. ↑
- () نسبة إلى «غور» إقليم في نواحي «هراة» من أفغانستان، يعرف اليوم باسم «هزارستان». ↑
- () ج «من». وزن يعادل ثلاثة كيلوغرامات تقريباً. ↑
- () الدرهم يعادل 96 مثقالاً تقريباً. ↑
- () وزن يعادل 300 كيلوغراماً تقريباً. ↑
- () كان الشيرازيون يسمون هذه الشجرة «عروس السكارى» (تاريخ وصاف). ↑
- () مقياس طول يعادل 16 عقدة تقريباً. ↑
- () تعريب كلمة «كوشك» الفارسية. وتطلق على القصر المقام منفرداً وسط الرياض والبساتين. ↑
- () المنّ: وزن يعادل 3 ك.غ. تقريباً. ↑
- () إنها اليوم قرية بسيطة لا يزيد عدد سكانها عن 6000 نسمة، وهي قاعدة ما يسمى في الاصطلاح الإداري في سوريا والعراق (ناحية)، وفي الاصطلاح الإيراني (بخشداري). وقد زرتها سنة 1989م ووصفت هذه الزيارة بما هو منشور في ملحق المجلد الثالث من (مستدركات أعيان الشيعة). ↑
- () لا تزال بقايا المدرسة قائمة وشاهدناها في رحلتنا إلى السلطانية سنة 1989م. ↑
- () يبدو أن المدرسة السيارة المتقدم ذكرها أنشأها خدابنده للعلامة الحلي وتلاميذه ليصحبوه في حله وترحاله. ↑
- () الشيبي، جـ 2، ص 100. ↑
- () الشابي، الشيعة في إيران، ص 149. ↑
- () الخوانساري، روضات الجنات، جـ 2، ص 279. والأمين، أعيان الشيعة، جـ 5، ص 400. ↑
- () المُنجّد، د. صلاح الدين، شيخ الإسلام ابن تيمية سيرته وأخباره عند المؤرخين، (بيروت، 1976م) ص 22. ↑
- () المنجد، ص 22 نقلاً عن تاريخ ابن الوردي. ↑
- () المنجد، المصدر السابق، ص 52 نقلاً عن أعيان العصر للصفدي (محفوظ). ↑
- () الخوانساري، روضات الجنات، جـ 2، ص 423. ↑
- () طه بدر، مصطفى، مغول إيران بين المسيحية والإسلام، (مصر، 1961م)، ص 16. ↑
- () القزّاز، محمد صالح داود، الحياة السياسية في العراق في عهد السيطرة المغولية، (النجف، 1970م)، ص 297. ↑
- () مقدمة إحقاق الحق للمرعشي، ص 72. ↑
- () القزّاز، الحياة السياسية، ص 302. ↑
- () أيضاً، ص 302. ↑
- () مقدمة محمد مهدي الخراسان على كتاب الألفين للعلاّمة الحلّي (النجف)، ص 25. ↑
- () روضات الجنات، جـ 2، ص 282. ↑
- () الحلّي، الألفين في إمامة أمير المؤمنين، (بيروت، 1982م)، تقديم حسين الأعلمي، ص 11 ـ 12. ↑
- () البحراني، لؤلؤة البحرين، ص 192. ↑
- () كان «جنكيز» قد استخلف للحكم من بعده أربعة من أبنائه وقسم ممالكه بينهم، وعرفت هذه الممالك باسم «الممالك الجنكيزية الأربع». وأحد خلفائه هؤلاء «جغتاي» ثاني أبنائه، حكم في آسيا الوسطا. وظل رعاياه في مملكته هذه يعرفون برعايا جغتاي، أو الجغتائية». ↑
- () أي: البطل. ↑
- () مغولية الأصل. ومعناها: السيد والعظيم. ↑
- () هو حفيد «ضياء الملك محمد بن مودود» أمير عسكر السلطان محمد خوارزم شاه. ↑
- () من معانيها: مالك. ولي النعمة. ↑
- () مصادرنا الساسية في بحث (الإيلخانيون) هي: كتاب (تاريخ المغول) لعباس إقبال، وكتاب (ابن الفوطي) للشيخ محمد رضا الشبيبي، وكتاب (جامع التواريخ) لرشيد الدين فضل الله الهمذاني، وما نقل في بعض الدراسات عن كتاب (الحوادث الجامعة)، وموسوعة (أعيان الشيعة)، وما كتبه السيد جودت القزويني، والعراق بين احتلالين لعباس العزاوي. ↑
- () Jahanes de Plano carpino المولود في إيطاليا سنة 1220م. ↑
- () كانت سراي قاعدة المغول في روسيا، وهي تقع على ضفة نهر (الفولكا). ↑
- () أمر (أوكتاي قاآن) ببناء مدينة جديدة أسماها (أردوباليغ)، فبناها له المعماريون الصينيون وأقيمت على أنقاض مدينة كان قد خربها الأويغوريون، وقد غلب عليها اسم (قراقروم) لوقوعها قريباً من جبال قراقروم. ↑
- () (جنكيز خان) لهارولد لمب، (ص 518 ـ 519). ↑
- () Odric Raynold نقلاً عن (تاريخ المغول) تأليف دوسون ج 3 ص 410. ↑
- () ينقل عن هذا البابا بأنه كان محباً للسلام، رصيناً عادلاً، وأنه كان بعيداً عن صفات أسلافه المغرمين بالحروب مؤثراً الاشتغال بالدين على الاشتغال بالسياسة، وينقل المؤرخ (فرانسيسكن) عن هذا البابا أنه مات حزيناً لما كان يرى من المخاصمات بين المسيحيين، والمنازعات التي كانت لا تخبو نارها يومياً في صفوفهم. ↑
- () Jean Hongrois. ↑
- () Michel Paledgus، الثامن إمبراطور القسطنطينية ومؤسس السلالة البالثولوكية. ↑
- () راجع كتاب: Histoire de Perse «Moeurs – Usages et ecutumes». Dece Pays. Racontés. A la Jeunesse Par Mme Laure Bernard ص 214. ↑
- () البابا كلمان الرابع (Clement) من أشهر الباباوات وقد برز كل البروز في مواجهته لأباطرة ألمانيا أسرة هوخشتافن. ↑
- () كتبت هذه الرسالة العام 1267م في مدينة فيتربو (Viterbo) الواقعة على بعد 84 كلم من روما. ↑
- () يقول المؤرخ الإيراني سعيد نفيسي إنه كان متعارفاً في البلاط الفاتيكاني آنذاك أن تكتب رسائل البابا باللغة اللاتينية، ولأهمية هذه الرسائل ولعدم وجود مترجم لهذه اللغة عند المغول الإيلخانيين، فقد كانت الرسائل تترجم إما في البلاط الفاتيكاني إلى لغة فارسية خاصة متأثرة بالطابع الأجنبي، ثم تنقل هذه الترجمة إلى من يراد إرسال الرسائل إليهم من المغول. وإما أن يقوم رجال الدين الأوروبيون الموجودون للتبشير في بلاد المغول بترجمتها. ↑
- () المقصود فتح بيت المقدس. ↑
- () راجع (تاريخ سياست خارجي إيران) تأليف الدكتور كاظم صدر، ص 37 ـ 45. ↑
- () ذكر تاريخ هذه الرسالة في (تاريخ إيران) للسير برسي سابكس 26 كانون الثاني 1275 (ص 140). ↑
- () قوبيلاي قاآن هو ابن تولي خان وعم آباقا. وكان آنذاك ملكاً على الصين، وقد أمضى السائح الإيطالي المشهور (ماركو بولو) سنوات في بلاطه، وتحدث في مذكراته عن عظمة ذاك البلاط. ↑
- () خانباليغ: بكين، أو بكينك، عاصمة الصين. ↑
- () كان لأرغون خان علاقات وثيقة مع البابا أنوريوس الرابع الذي تولى البابوية لفترة قصيرة. وفي آخر رسالة وجهها إليه أرغون طلب إليه تعريف رسله إلى ملك إسبانيا فيليب الثالث وإلى شارل دانجو. ولكن رسل أرغون وصلوا في وقت كان فيه أنوريوس قد توفي وتولى مكانه نيقولا الرابع. ↑
- () هي حفيدة آباقا وأم كيخاتو. ↑
- () دراسة الدكتور آذري في موضوع العلاقات المغولية الفاتيكانية هي من أنفس ما كتب في هذا الأمر. وهي من مصادرنا الرئيسية. ↑
- () موسكوريل: هو نفسه بوسكارل، إذ كان المغول كثيراً ما يستدبلون حرف الباء بحرف الميم. ↑
- () هي من ذرية (أونك) خان ملك قبيلة (كرائيت) المغولية، وكانت هذه الأميرة نصرانية طول حياتها، وكان يرافقها دائماً قسيس. وكان لها ولد عمّدته وأسمته نيقولا. ↑
- () قام أحد المسيحيين السيريان واسمه (طاطيانوس) بدمج الأناجيل الأربعة (لوقا ـ مرقس ـ يوحنا ـ متى) في كتاب واحد سماه (دياتسرون). وقد رمى في كتابه هذا لذكر تفاصيل حياة المسيح حاذفاً ما فيه تكرار. ↑
- () استمر حكم بايدو خان ستة أشهر فقط. ↑
- () توجد أوراق مذكراتهم، وصورة عن نفقاتهم ومنها شراؤهم آنية فضية وقطعة من الخز وبيعهم لسجادة. وقد سافر هؤء عن طريق جنوى إلى طرابزون وتبريز، وحملوا في عودتهم نسراً حياً وضعوه في قفص وأوصلوه إلى بلادهم. وليس في أيدينا تفاصيل عن مهمتهم وسفارتهم (يراجع تاريخ إيران للسير برسي سايكس ص 160). ↑
- () عباس العزاوي: عشائر العراق ج 2 ص 184 بغداد عام 1366هـ 1947م. ↑
- () نفس المصدر ج 2 ص 183. ↑
- () أنظر عالم آراي نادري ج 1 ص 252 ـ 254 طهران طبعة عام 1364 هجرية شمسية. ↑
- () أنظر مجمل التواريخ ص 300 طبعة طهران عام 1356 هجرية شمسية. ↑
- () أنظر دانشنامه جهان إسلام ج 1 ص 114 مادة باجلان الطبعة الأولى طهران 1369 هجرية شمسية. ↑
- () الشنار شجر ضخم معمر غير مثمر يكثر في غابات الجبال. ↑
- () راجع بحث أجيه. ↑
- () سجاره ملايو الحكاية 8 و13. ↑
- () راجع بحث: السربداريون. ↑
- () انفصلت باكستان الشرقية عن الغربية وأصبحت دولة مستقلة باسم بنغلادش. ↑
- () كان ذلك بعد خمسة عشر عاماً قضاها همايون في المنفى. ↑
- () راجع بحث تاج محل. ↑
- () كان أبو الفيض شاعراً يتخلص في أشعاره بالفيض على قاعدة شعراء الفرس. ↑
- () هذا بحث يتحدث عن باكستان الموحدة قبل انشطارها إلى شطرين: بنغلادش وباكستان. ونحن نتركه كما هو، وللقارئ أن يوازن بعد ذلك بين الشطرين. ↑
- () يقول حسن الأمين: إن أفاعيل محمود الغزنوي في المسلمين الذين هم على غير مذهبه تتسم بالوحشية والدموية فكيف بها في غير المسلمين. وأفعال مثل هؤلاء الفاتحين السفاحين منذ العهد الأموي هي التي حالت دون انتشار الإسلام وزرعت الحقد عليه في نفوس الشعوب. ↑
- () All India Moslem League. ↑
- () كانت الهند تقسم من الناحية السياسية إلى قسمين الأول الهند البريطانية التي كانت تتبع السياسة البريطانية من حيث القوانين وقرارات البرلمان الإنكليزي والثاني هو الهند الحرة أو هند الأمراء التي تتكون من خمسمائة ناحية صغيرة وكبيرة نصف مستقلة، وتدار كل ناحية منها بواسطة (مها راجه) أو (راجه) أو زعماء آخرين في عناوين مختلفة مثل نظام وأمير وخان وأمثالها، والتي تعتبر الآن من المسائل السياسية والحياتية المهمة في الهند. ↑
- () هذا قبل انقسامها إلى قسمين: بنغلادش وباكستان. ↑
- () رسم خط الحدود الفاصل بين الهند وباكستان بحيث تكون لاهور المركز الإسلامي الكبير داخل الأراضي الباكسانية، وتكون مدينة أمريتسر المركز الديني لطائفة (السيخ) في الهند رغم قربها من باكستان. ↑
- () «بترول» اسم منحوت من كلمتين لاتينيتين Petra Oleum معناهما زيت الصخرة، سمى بها هذا الزيت أهل الغرب. وأما أهل الشرق فسموه بالنفط والكلمة ـ كما يذهب إليه المحققون ـ فارسية، معناها: رشح. لذلك كان إطلاق النفط عليه أقدم من إطلاق البترول. ويختلف العلماء في تعميم الكلمتين: فبعضهم يرى أن النفط أعم من البترول، وبعضهم يرى أن البترول أعم من النفط. ↑
- () راهب ألماني كان من كبار الكيميائيين، عاش في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر الميلادي. ↑
- () ألماني من سكان مدينة مائنتز بألمانيا. ↑
- () من سكان إيطاليا عاش في القرن الرابع عشر الميلادي. ↑
- () E. Von Starck: Babylonien und Assyrien S. 322. ↑
- () المراد من الإسفلت هنا رواسب النفط. ↑
- () راجع: Fr. Hommel: Grundritz der Geographie und Geschichte. Munchen 1904, S. 127. ↑
- () توفي بليني سنة 79 ميلادية. ↑
- () راجع التاريخ المذكور ص 84. ↑
- () راجع: E. Gibbon: The Decline & Fall of The Roman Empire Vol. VI. P. 11. ↑
- () عجائب المخلوقات للقزويني على هامش حياة الحيوان الكبرى للدميري ج 1 ص 368 طبع مصر. ↑
- () وكانوا يسمون «الزراقين» أيضاً. قال العماد في الفتح القسي «طبع مصر» ص 59: وكل زراق رزق الجسارة على أهل النار بالنار. ↑
- () راجع تاريخ الحكماء للقفطي طبع مصر ص 145؛ ومختصر الدول لابن العبري طبع بيروت ص 422؛ والحوادث الجامعة لابن الفوطي طبع ـ العراق ص 222؛ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 233. ↑
- () راجع الحوادث الجامعة ص 176. ↑
- () مجمع الأمثال للميداني طبع سنة 1310هـ بمصر ج 2 ص 202. ↑
- () النفاطات جمع نفاطة تطلق على موضع يخرج منه النفط. ↑
- () المحاسن والمساوي للبيهقي طبع مصر ج 1 ص 130؛ وأيضاً المحاسن والأضداد للجاحظ طبع مصر ص 42. ↑
- () تولى أمر العراقين (أي الكوفة والبصرة) من سنة 105 هجرية إلى سنة 115 هجرية في عهد هشام بن عبد الملك. ↑
- () راجع فرق الشيعة للنوبختي ص 28. ↑
- () راجع تاريخ اليعقوبي طبع العراق ج 3 ص 57. ↑
- () ذكر فتح هرقلة موجود في أكثر المراجع التاريخية والأدبية، ولكن لا تذكر كلها فتحها بالحرق، وإليك بعض التي تذكره: ـ الكامل لابن الأثير طبع مصر ج 6 ص 74، 78؛ والبداية والنهاية لابن كثير طبع مصر ج 10 ص 194؛ والأغاني للأصفهاني طبع الساسي ج 17 ص 46؛ ومعجم البلدان لياقوت الحموي طبع مصر ج 8 ص 453. ↑
- () آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني طبع أوروبا ص 348؛ وأيضاً الكامل لابن الأثير طبع مصر ج 7 ص 26؛ وأيضاً تاريخ اليعقوبي طبع العراق ج 3 ص 214. ↑
- () كانت تصنع هذه النار من النفط كالجزء الأساسسي، والكبريت، والزفت المصنوع من شجرة الصنوبر. وكان إيقاد هذا المركب ينتج دخاناً كثيفاً وانفجاراً هائلاً يصحبهما لهب قاس عنيف يحرق كل رطب ويابس حوله، وكان يتلظى أكثر إذا ألقي الماء عليه، ولم يكن يخمد إلا بالرمل، أو البول، أو الخل. وقد ذكر العماد إخماده بالخل والخمر في الفتح القسيّ (راجع طبع مصر ص 214). ↑
- () حاول المسلمون فتح القسطنطينية اثنتي عشرة مرة حتى فتحها في المرة الأخيرة السلطان محمد الفاتح من آل عثمان في سنة 857 هجرية. ↑
- () راجع: J. Joinville: Histoire de St. Louis P. 39. ↑
- () تاريخ دولة آل سلجوق للبنداري طبع مصر ص 288؛ والكامل لابن الأثير طبع مصر ج 12 ص 96؛ والبداية والنهاية لابن كثير طبع مصر ج 12 ص 234. ↑
- () كتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة طبع مصر ج 1 ص 171. ↑
- () الفتح القسي للعماد الأصفهاني طبع مصر ص 19؛ وكتاب الروضتين ج 2 ص 81؛ والكامل لابن الأثير ج 11 ص 242؛ والبداية والنهاية ج 12 ص 321. ↑
- () الفتح القسي ص 181 ـ 182؛ وكتاب الروضتين ج 2 ص 153؛ والبداية والنهاية ج 12 ص 335؛ والكامل لابن الأثير ج 12 ص 21 ـ 22؛ والنوادر السلطانية ص 103. ↑
- () الفتح القسي ص 205 ـ 206؛ كتاب الروضتين ج 2 ص 159 والنوادر السلطانية ص 177 و120. ↑
- () هي آلة كانت تستعمل في الحصار، لها رأس يشبه رأس الكبش وينطح به السور، كانت تحرك على العجل ويدخلها المقاتلة لابسين صفائح الحديد. ↑
- () الفتح القسي ص 213 ـ 215؛ وكتاب الروضتين ج 2 ص 162؛ والنوادر السلطانية ص 126. ↑
- () الفتح القسي ص 245؛ وكتاب الروضتين ج 2 ص 185 والنوادر السلطانية ص 149 ـ 150. ↑
- () راجع: J. Von Romocki: Geschichte der Explosivstoffe Band I S. 45. ↑
- () الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار طبع بولاق ج 1 ص 151؛ والكتب والقواميس باللغة الفارسية والتركية ايضاً يذكرانه بهذا الاسم. ↑
- () تذكرة أولي الألباب لداود بن عمر الأنطاكي طبع بولاق ج 1 ص 95. ↑
- () تحفة الألباب ونخبة الإعجاب للمراكشي طبع باريس ص 114. ↑
- () أبو دلف مسعر بن مهلهل من رواد العرب في القرن الرابع الهجري ولد في ينبع بالحجاز، قام برحلة إلى سمرقند وهناك اتصل بالوزير الساماني أحمد بن محمد الجهاني الذي كان من كبار الجغرافيين في الإسلام ومن أصحاب التصانيف فيه، فحرضه على استمرار استخبار أحوال البلاد والقيام بالرحلات، وهو الذي أمره أن يصطحب أميراً هندياً في رحلته إلى بلاد التبت وغيرها، فاصطحبه وصنف كتاباً مسمى «عجائب البلاد» لعل ياقوتاً اطلع عليه. ↑
- () معجم البلدان لياقوت الحموي طبع مصر ج 3 ص 1392 ويذكره أيضاً بالإجمال ابن رستة في مصنفه الأعلاق النفيسة طبع أوروبا ص 164. ↑
- () معجم البلدان ج 2 ص 45. ↑
- () راجع: Hooper: An Enquiry into Ancient Measures. P. 24-36.وقد قدر المستشرق لو استرنج في مصنفه «أراضي الخلافة الشرقية» (راجع طبع كمبردج ص 181) ألف درهم بأربعين جنيهاً استرلينياً، وتبعه عالم العراق أنستاس الكرملي (راجع حاشيته على كتاب النقود القديمة الإسلامية للمقريزي نشره ضمن مجموعة سماها النقود العربية وعلم النميات طبع مصر ص 24)، ولكن عندنا تقدير الأستاذ هوبر أوفى منهما. ↑
- () ولد «جودين هو» من أب برتغالي وأم ملايوية في سنة 1563م في ملايا، وأرسل لتعلم الرهبنة في كلية اليسوعيين في مدينة جوا بالهند، ولكن نزوعه إلى علم الجغرافية وحبه للمغامرات غلبا على ذلك التعليم، وقد وجد له مصنف موجه إلى فيليب الثالث ملك إسبانيا بدار الكتب الملكية في بروسلز صنفه في سنة 1613 ميلادية. ونشر المصنف المذكور الأستاذ ليون يانسين عضو الجمعية الجغرافية في بروسلز في سنة 1882 ميلادية. والكتاب صورة صادقة لأندونيسيا في ذلك العهد. ↑
- () نشرت مجلة «نيو ساينتيست» أن مستويات المياه في بحار العالم كانت في ارتفاع مستمر على مدى السنوات الأربعين الماضية، إلا في البحر الأبيض المتوسط الذي كان في حال انكماش.وأشارت المجلة إلى ان ارتفاع درجة حرارة الأرض أدى إلى رفع المستوى في المحيطات بمقدار يزيد على ملليمتر واحد في العام، على مدى السنوات المئة الأخيرة، إلا أن البحر المتوسط يتراجع بمعدل 1,3 ملليمتر سنوياً منذ عام 1960.
وقال مايكل تسيمبليس من مركز علوم المحيطات في ساوث هامبتون جنوب إنكلترا أن «التغير الذي حدث كبير». واكتشف تسيمبليس هذا التناقض من خلال تحليل قياسات المد والجزر الطويلة الأجل في البحار. وعزا جزءاً كبيراً من المشكلة إلى تزايد الملوحة والكثافة وبناء السدود.
وقالت المجلة العلمية الأسبوعية أنه «منذ 1960، تسبب ارتفاع الضغط الجوي فوق البحار في الحد من سقوط الأمطار ورفع نسبة الملوحة. كذلك أقيمت سدود على الأنهار التي تلقي بالمياه العذبة إلى البحار».
وقال تسيمبليس أن المياه تصبح أكثر كثافة مع ارتفاع نسبة الملوحة، فتحتل حيزاً أقل. ↑
- () SILVAIL Mediterraner dall’unita di Roma all’mpero Italiana, 1941, Vol. 1, P. 65. ↑
- () علي حسني الخربوطلي، البحر المتوسط بحيرة عربية، 1963م، ص 41 وما بعدها. ↑
- () VISMARA, Bisanzioe L’islam, 1950, P. 41. ↑
- () MULLER, Documenti Lulle relazioni delle cita toscane coll, oriente, 1966, P. 336. ↑
- () CHATTHAMOUSE, British Interests.. the Mediterranean and Middle East, 1958, P. 6. ↑
- () حامد ربيع، الندوة العلمية عن المضمون السياسي للحوار العربي الأوروبي، 1978م، ص 18 وما بعدها. ↑
- () SPAAK, Combats Inachev’s, noll II, 1969, P. 218. ↑
- () LABOURET, Politique Mediterranenne de la France, en Politique Etrangere, 1971, P. 489. ↑
- () الباحث الأمريكي المشار إليه هو وكتابه.Morton A. Kaplan, The life and death of the cold war selected studies in Postwar state craft, 1976, P. 272.
وسوف تتكرر الإشارة إلى هذا المؤلف في مناسبات قادمة. ↑
- () هناك عرض شيق لنظرية ماكيندر في مؤلف الأستاذ الدكتور جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير (القاهرة: دار الهلال، إبريل 1968م) صفحات 240 ـ 269. ↑
- () مورتون كابلان، المرجع السابق ذكره. ص 273. ↑
- () د. جمال حمدان، المرجع السابق ذكره. ↑
- () Collerll, A. (et-al) eds., The Indian Ocean: its Political, Economic, and Military Importance, N. 4: Praeger Publishers, 1963, P. 130. ↑
- () Kohmstan and Hager, eds., A Nation Writ Large? Foreign Polocy Problems of the European Community, 1973, PP. 106-108. ↑
- () مقابلة مع د. كلوفيس مقصود (صحفي) في المجلة الشهرية Middle East, London, August, 1919. وفي هذه المقابلة أكد د. مقصود على ضرورة «إبعاد العرب عن القيود المطلقة لعلاقة التبعية لإحدى القوتين الأعظم» كما أشار إلى ضرورة «تحديد الأولويات القومية العربية بأكبر قدر ممكن من الدقة». ↑
- () د. جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، م.س.ذ. ص 21 ـ 29. ↑
- () ابن عذاري، 1: 192. ↑
- () نفسه، 193. ↑
- () نفسه، 194. ↑
- () هي إحدى جزر الحوض الغربي للبحر المتوسط، وتأتي في الأهمية بعد صقلية، وأقريطش، فتحها المسلمون في سنة 92هـ بقيادة موسى بن نصير وذكر بعضهم أن سردانية مدينة بصقلية (أنظر ياقوت الحموي، 3: 200 عبيد الله المهدي، لحسن إبراهيم حسن وآخر، ص 202. ↑
- () آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 20: 426 أرشالد لويس، نفس المرجع. ↑
- () صابر محمد دياب، سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط من 99، 100، 101. ↑
- () المقدمة، ص 150، 151. ↑
- () رابح بونار، المغرب العربي. ص 187 البكري المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ص 25، 30. ↑
- () سميت باسم رجل مجوسي يقال له قراطي وقريطش، وتأتي في الدرجة الثانية بعد صقلية من حيث اتساع مساحتها ومكانها الاقتصادي، وتشتهر بخصوبتها وكثرة غلاتها كالفواكه ويصدر منها إلى الاسكندرية العسل والجبن وغيرهما من منتوجاتها، غزاها موسى بن نصير سنة 92هـ (711م) بعدما فتح الأندلس وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة ذكر الاصطخري أن سكانها في معظمهم مسلمون وهم أهل غزو ويوجد بينهم جالية من النصارى وهي من جملة المراكز التي احتد فيها الصراع بين المسلمين والروم في البحر المتوسط أنظر عنها: المسالك والممالك الاصطخري ص 51 المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص: 212 للبكري ابن الأثير (بالمكتبة العربية الصقلية ص 216، 217). ↑
- () ابن عذاري (بالمكتبة العربية الصقلية) ص 358 حسن إبراهيم حسن وآخر، المعز لدين الله ص 184. ↑
- () الكامل في التاريخ 7: 5 ابن خلدون، 4: 450، 451 ابن خلدون (بالمكتبة العربية الصقلية) ص 461 الدشراوي قضية أقريطش في عهد المعز وهو نص من كتاب: المجالس والمسيرات للقاضي النعمان حوليات الجامعة التونسية، عدد 2 سنة 1965م، ص 33 صابر محمد دياب، سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط، ص 133، 137، 139، 140. ↑
- () ابن خلدون المقدمة ص 450، 451 وج 4، 98، 274 وانظر عن قوصرة معجم البلدان للحموي 4: 413 مختار العبادي وآخر تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 77. ↑
- () حسن إبراهيم حسن تاريخ الدولة الفاطمية، ص 100 ابن حوقل صورة الأرض 177 وما بعدها. ↑
- () مختار العبادي، وآخر نفس المرجع، ص 76، 77. ↑
- () البكري، المغرب ص 30 مختار العبادي وآخر، ص 67، 71، 72، GOLVIN. P. 91. ↑
- () مختار العبادي وآخر، ص 72. ↑
- () حسن إبراهيم حسن وآخر المعز لدين الله، ص 184 حوليات الجامعة التونسية عدد 2، 1965 قضية أقريطش في عهد المعز نشر فرحات الدشراوي، ص 28. وبعد فتح مصر والشام ساد الأسطول غربي البحر وشرقيه. ↑
- () حسن إبراهيم حسن، وآخر، نفس المرجع، ص 185. ↑
- () نفس المرجع، ص 185، 186. ↑
- () البحرية الجزائرية نشر المكتبة الوطنية، الجزائرية، ص 27. ↑
- () مختار العبادي، وآخر تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام، ص 71، 72 إلى 76. ↑
- () نفسه، ص 77، 78. ↑
- () نفسه، ص 68، 70. ↑
- () أول الأخشيديين بمصر هو محمد بن طغج فهو مؤسس دولتهم وقد لقب بلقب الإخشيد من طرف الخليفة العباسي الراضي سنة 326هـ/937م، ومعناه ملك الملوك عند قدماء الفرس. ↑
- () وبذلك صار البحر المتوسط شرقيه وغربيه بحيرة شيعية. ↑
- () حسن إبراهيم حسن، وآخر المعز لدين الله ص 188 ماجد الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، ص 79. ↑
- () المقريزي خطط، ص 193 حسن إبراهيم وآخر، نفس المرجع، ص 188. ↑
- () خطط، ج 2 ص 193. ↑
- () مختار العبادي وآخر تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام، ص 135، 136 ماجد نظم الفاطميين ورسومهم في مصر، 1: 222 حسن إبراهيم حسن وآخر، المعز لدين الله ص 186. ↑
- () ماجد نفس المرجع، 1: 222 مختار العبادي وآخر نفس المرجع، ص 136، DOZY. T. I. صابر محمد دياب، سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط 107. ↑
- () مختار العبادي، نفس المرجع ص 134 حسن إبراهيم حسن وآخر نفس المرجع، ص 187 محمد صابر، نفسه 108، 109. ↑
- () العبادي وآخر ص 135 حسن إبراهيم حسن وآخر، نفس المرجع ص 186. ↑
- () نفسه، 136 ماجد نفس المرجع، 1: 222، DOZY. T. I. P. 94. ↑
- () ماجد نفسه المرجع، 1: 222، 223، 224، DOZY. T. 2. P. 204-205. ↑
- () مختار العبادي وآخر نفس المرجع، ص 141 ماجد نفس المرجع، 1: 227، DOZY. T. 2.P. 512. ↑
- () خطط المقريزي 2: 193 حسن إبراهيم حسن وآخر المعز لدين الله ص 186، 187. ↑
- () بلغ من اهتمام نكفورفوكاس ملك البيزنطيين بمحاربة الفاطميين أنه أعد أسطولاً ضخماً ملأه بالمؤن والذخيرة وأعد جيشاً من خمسين ألف رجل مجهزين بأحسن آلات الحرب، وأمر عليه رجلين أحدهما (منويل) وكان يمت إليه بصلة القرابة، فانهزم الجيش والأسطول هزيمة كاسحة. ↑
- () وعن سيادة الفاطميين على البحر المتوسط يقول بعد ذلك المهذب بن الزبير في مدح طلائع بن رزيك وزير الفاطميين:وكأن بحر الروم خلق وجهه
وطفت عليه منابت المرجان
ولقد غزا الأسطول حين غزا
بما لم يأت في حين من الأحيان
أحبب إليّ بها شواني أصبحت
من فتكها ولها العداة شواني
شبهن بالغربان في ألوانها
وفعلن فعل كواسر العقبان
فاتتك موقرة بسبي بنيهم
أسراهم مغلولة الأذقان
والشام ملكك قد ورثت تراثه
عن قومك الماضين من غسان
↑ - () راجع التفاصيل في بحث الحبشة. ↑
- () د. محمد الصياد. «أمن البحر الأحمر» (مجلة المصور. العدد 2742 ـ القاهرة 29 أبريل 1977). ↑
- () محمود توفيق محمود. «البحر الأحمر في الاستراتيجية الدولية». مجلة السياسة الدولية ـ يوليو 1979، ص 8. ↑
- () Smuel Roberts: Survival or Hege mony? The Foundations of Israel Foreign Policy, (John Hopkins Univ., 173, PP. 107-128. ↑
- () د. السيد عليوه وآخرون. المخاطر والتعديات (صحيفة الأهرام ـ القاهرة، 27/3/1977). ↑
- () Dan Horowitz: Israel, Concept of Defensible Borders (The Hebrew University of Jerusalem, Jerusalem papers, 1975) P. 23. ↑
- () Ruth Lapidoth, Freedom of Navigation with Special Reference to International Waterways in the Middle East, (Jerusalem Papers, 1975), PP. 67-68. ↑
- () معين أحمد محمود. إسرائيل والبحر الحمر (شؤون فلسطينية ـ العدد 22 ـ حزيران ـ يونيو 1973) ص 214. ↑
- () د. سعيد حمود أنبوب نفط أيلات ـ عسقلان وتطور استخدامه (شؤون فلسطينية ـ المصدر السابق) ص 217. ↑
- () وهكذا نرى أن الشيعة المضطهدين هم الذين نشروا الإسلام في أفريقيا الشرقية (ح). ↑
- () فتحي غيث الإسلام والحبشة عبر التاريخ ص 69. ↑
- () توماس أرنولد الدعوة إلى الإسلام (ترجمة حسن إبراهيم حسن) ص 88 ـ 89. ↑
- () الدعوة إلى الإسلام ص 286 ـ 287. ↑
- () تقع على جزيرة جنوبي زنجبار. ↑
- () لم يذكر توماس أرنولد اسم هذا المصدر العربي. ↑
- () لعله يقصد أمة زيد بن علي زين العابدين بن الحسين. ↑
- () لعله يقصد «الحساء». ↑
- () لعله يقصد مقديشو عاصمة الصومال. ↑
- () تم في عهده أيضاً مصرع يحيى بن زيد في خراسان 125هـ (743م) وصلبه وإحراقه وذر رماده (وانظر كتاب فرق الشيعة لأبي الحسن النوبختي ص 50 ـ 51). ↑
- () الدعوة إلى الإسلام ص 287. ↑
- () Islam and Missions, PP. 73-74. ↑
- () Mohammedanism In Central Africa, P. 877. ↑
- () Roscoe, The Baganda, P. 229. ↑
- () Islam In Deutch-Ostafrica, P. 10. ↑
- () الدعوة إلى الإسلام ص 292. ↑
- () History and Ethnography of Africa South of Zambesi, Vol.II. P. 263. ↑
- () Colebrooke. The Life of Colebrooke, P. 335. ↑
- () William Adams,. The Modern Voyager and Traveller, Vol. I. P. 93. ↑
- () الدعوة إلى الإسلام، ص 292. ↑
- () الدعوة إلى الإسلام ص 293 نقلاً عن ـ Massaja. Da Zeila. Alle Frontiere del Caffa. Vol. II. P. 160. ↑
- () ابن حوقل ص 41. ↑
- () أبو الفدا المختصر في أخبار البشر جـ 2 ص 231 ـ 232. ↑
- () Documents sur l’Histoire, La Geographie et le Commerce de l’Afrique Orientale. Recueilles. P. 399. ↑
- () هؤلاء كانوا في أكثرهم من الشيعة ومعظمهم من سلالة الرسول (ح). ↑
- () Les Musulmans a Madagascar, P. 19. ↑
- () فتحي غيث ص 83 وما بعدها. ↑
- () Trimingham, Islam in Ethiopia, P. 58. ↑
- () Ullendorff, the Ethiopians, p. 36. ↑
- () صبح الأعشى، ج 5، ص 325. ↑
- () راجع عن أثر الشيعة في نشر الإسلام بإفريقيا الشرقية: بحث إفريقيا. ↑
- () معجم البلدان ج 1، ص 347/ المسالك والممالك ص 152. ↑
- () المسالك والممالك ص 152. ↑
- () معجم ما استعجم ص 503. ↑
- () المسالك والممالك ص 152. ↑
- () معجم البلدان ج 1، ص 284. ↑
- () معجم ما استعجم ص 208. ↑
- () بنو سعد فرع معروف من تميم الذي استقرت في الأحساء منذ القرن السادس للميلاد. ↑
- () معجم البلدان ج 1، ص 11 ـ 112. ↑
- () معجم ما استعجم ج 2، ص 1346. ↑
- () انفرد أبو منصور بالقول إن قطر من قرى الخط، وهو أمر مستبعد، بل غير وارد. ↑
- () تيم الله بن ثعلبة، فخذ من بكر بن وائل القبيلة الربيعية التي استقرت في ديار البحرين منذ عصر ما قبل الإسلام وتيم الله هو عائذ بن ثعلبة بن عمرو بن قيس بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ↑
- () معجم ما استعجم ج 1، ص 503. ↑
- () معجم ما استعجم ج 2، ص 1082. ↑
- () معجم البلدان ج 4، ص373. ↑
- () زيد مناة أحد البطون الرئيسية في تميم. القبيلة المضرية المعروفة. ↑
- () معجم البلدان ج 3، ص 188. ↑
- () نفس المصدر ج 1، ص 171. ↑
- () نفس المصدر ج 1، ص 173. ↑
- () الكامل في التاريخ ج 1، ص 78. ↑
- () نهاية الأرب ص 299. ↑
- () نفس المصدر ص 191. ↑
- () الكامل في التاريخ ج 1، ص 342 ـ 343. ↑
- () المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 4، ص 490. ↑
- () المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 4، ص 490. ↑
- () معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ج 1، ص 94. ↑
- () نهاية الأرب ص 307/ جمهرة أنساب العرب ص 299/ تاريخ ابن خلدون ج 2، ص 622/ تاريخ الطبري ج 3، ص 301 ـ 314/ تاريخ اليعقوبي ج 2، ص 131/ الكامل في التاريخ ج 2، ص 368. ↑
- () معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ج 1، ص 126. ↑
- () صفة جزيرة العرب، ص 249 ـ 251. ↑
- () نهاية الأرب، ص 307/ تاريخ ابن خلدون ج 2، ص 622/ الطبري ج 3، من 301 ـ 314/ اليعقوبي ج 2، ص 131. ↑
- () اكتشف باحثون عن الآثار في البحرين سنة 1999 مدفناً واسعاً يعتقد أنه يضم رفات عائلة ملكية من حضارة دلمون تعود إلى الألف الثالث قبل المسيح.وقال خليل فرج الذي يدير فريق المنقبين عن الآثار في مدينة حمد في وسط جزيرة البحرين لصحيفة «غالف دايلي نيوز» «أننا نعتقد أن هذا المدفن يعود لعائلة ملكية من عصر دلمون لأنه أوسع مدفن اكتشف حتى الآن».
وأوضح أن «المدفن يضم ثلاثة جدران دائرية لحماية القبر الرئيسي على ما يبدو، وهناك أيضاً ثلاثة قبور أصغر ونعتقد أنها مخصصة لأفراد من العائلة المالكية».
ولم تفتح قبور المدفن الذي يبلغ عمقه ثلاثة أمتار لكن فرج أشار إلى أن اكتشافها يمكن أن يساعد على معرفة أفضل لحضارة دلمون القديمة.
وكان اكتشف مدفن آخر في الموقع الذي يضم أربعة آلاف مدفن وفي 39 قبراً لأطفال وبالغين.
وتضم البحرين وهي واحدة من أصغر دول العالم، أكبر مقبرة تعود إلى ما قبل التاريخ وتضم 300 ألف قبر.
وكان منقبون عن الآثار اكتشفوا في شباط (فبراير) الماضي سيفين من البرونز بعد أن اكتشفوا هياكل عظيمة وتماثيل وأختاماً واشياء أخرى من البرونز والفخار.
وتهدف التنقيبات الأثرية في البحرين إلى تكوين معرفة أفضل عن حضارة دلمون الغامضة التي سادت في البحرين وعلى الشاطئ الشرقي للمملكة العربية السعودية والكويت خصوصاً بين عامي 2000 و1700 قبل الميلاد.
وقد استفاد أمبراطور دلمون التجارية من موقعها الاستراتيجي على ملتقى الطرق بين بلاد ما بين النهرين ووادي الأندوس.
لكنها فقدت أهميتها بعد أفول حضارة الأندوس وأصبحت دلمون حوالي العام 800 قبل الميلاد تابعة للدولة الآشورية. ↑
- () على امتداد النظر، آلاف من القبور المرتفعة قليلاً عن سطح الأرض تتماوج حتى لتبدو كأنها أمواج البحر على امتداد جزيرة البحرين المسطحة، مشكلة مقبرة شاسعة يعود تاريخها إلى آلاف من السنين.وفي البحرين ثماني مقابر كبيرة تضم ما يتراوح بين 170 و200 ألف قبر وهو رقم أذهل الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر الذين اعتقدوا في حينه أن الجزيرة كانت تستخدم كمدفن منذ القدم. لكن التنقيبات الأثرية اليوم تكشف شيئاً فشيئاً وجود حضارة مجهولة يطلق عليها اسم «حضارة الدلمون» التي سادت على الجزيرة بين عامي 2500 و1800 قبل الميلاد.
وقال رئيس فريق التنقيبات الأثرية الفرنسي الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا بيار لومباران «سكان الدلمون كانوا يبنون دائماً قبورهم أثناء حياتهم وكانت القبور على شكل أبراج والقبور الحالية هي نتيجة الانهيار التدريجي لهذه الأبراج». وأضاف لومبار أنه «إذا لم يكن سكان الدلمون يحفرون لدفن موتاهم فذلك عائد بلا شك لكون جوف الأرض صخرياً وصلباً جداً للحفر».
وقد عرفت حضارة الدلمون أوجها حوالي العام 2000 قبل الميلاد مستفيدة من غزارة فريدة في ينابيع المياه والموقع ومن موقع البحرين الاستراتيجي بين بلاد الهندوس وبلاد ما بين النهرين لتجارة النحاس والحجارة الكريمة والأخشاب النادرة. لكن في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، انهارت حضارة بلاد الهندوس ما تسبب بسقوط حضارة الدلمون هي الأخرى.
فقد تعرضت القبور، المهددة اليوم بتوسع العمران، للنهب مرات كثيرة وأحياناً بعد دفن الموتى مباشرة وتحتوي حجرات القبور عموماً إضافة إلى الهياكل العظيمة على جرار وبعض الأدوات المعدنية والأوعية الحجرية والسلال. أما أختام الدلمون الدائرية التي كانت تستخدم لتصديق المعاملات التجارية فإنها العنصر الأكثر تمثيلاً لهذه الحضارة.
وفي منطقة علي، تمتد قبور ملكية تحت القرية الحالية التي بنيت بين القبور. وقد نقب الباحثون الأوائل عن الآثار في القرن التاسع عشر في هذه القبور المرتفعة أمتاراً فوق سطح الأرض وفتحوا ثغرات فيها بقذائف المدافع أحياناً للدخول إلى حجراتها الداخلية.
وفي موقع سعار، تجري بعثة تنقيب بريطانية حفريات في مدينة هجرت حوالى العام 1750 قبل الميلاد ولم يعد السكان إليها أبداً. وقد تمكن المنقبون من الكشف عن حوالي سبعين منزلاً. وقال مدير البعثة البريطانية روبرت كيليك إن «المدينة هجرت بشكل تدريجي بسبب انخفاض مستوى مياه البحر على الأرجح الأمر الذي أبعد سكانها عن الساحل».
وأحد الآثار التي لا تزال بحالة جيدة في سعار، معبد ذو دعائم عدة ومذبح كان يضحى عليه بالأسماك. وأوضح كيليك «إننا لا نعلم ما إذا كان هذا المعبد مخصصاً لإله بعينه».
من جهته شدد لومبارد على أن «حضارة الدلمون كان لها على الأرجح كتابة لكننا لم نعثر لها على أثر حتى الآن». وأضاف أن البعثة الفرنسية عثرت في موقع قلعة البحرين الذي كان «بلا شك العاصمة القديمة للجزيرة في أوج ازدهار حضارة الدلمون» على لوحات مسمارية لكنها تعود إلى مرحلة سابقة على حضارة الدلمون وتحديداً إلى حضارة بلاد ما بين النهرين (1450 ـ 1250 قبل الميلاد). ويؤكد لومبارد أن هذه النصوص هي «أقدم نصوص عثر عليها في الجزيرة». ↑
- () انتهت «بعثة لندن ـ البحرين للآثار» من وضع كتاب جديد يسلط الأضواء على الحضارة الدلمونية في البحرين.فقد أصدرت البعثة بعد ست سنوات متواصلة من العمل الدؤوب كتاباً يحمل عنوان «معبد سار الدلموني» وذلك بدعم من شركة «فيليب موريس» الأميركية ومجموعة شركات عالمية أخرى.
وتؤكد الدكتورة جاين مون الخبيرة في علم الآثار أن هذا الكتاب يؤرخ بكثير من التفصيل المشوق لواحدة من أبرز بعثات التنقيب عن الآثار في دولة البحرين، وأماطت اللثام عن الحضارة الدلمونية من خلال اكتشاف معبد مدينة سار الذي يعود تاريخه للحقبة الدلمونية الأولى التي ازدهرت في العام 2000 قبل الميلاد.
وتركز نشاط البعثة على مستوطنة «سار» وتحديداً معبدها الذي يسلط الأضواء على نمط الحياة اليومية والتقاليد الاجتماعية والمعتقدات الدينية السائدة في تلك الحقبة الفنية من تاريخ البحرين الغابر والتي كانت حتى الماضي القريب لغزاً مغموراً في ذاكرة التاريخ.
وتكتسب اكتشافات معبد «سار» أهمية تتخطى البحرين لتطال المنطقة كلها. فالحضارة الدلمونية نشأت حوالي العام 4000 قبل الميلاد في الجزيرة العربية ثم توسعت واستوطنت في المناطق الساحلية للخليج العربي.
ومع حلول عام 2000 قبل الميلاد ازدهرت الحضارة في البحرين التي باتت مركزاً إقليمياً وجسراً حيوياً يربط مدن منطقة ما بين النهرين التي كانت متقدمة في تلك الحقبة.
وتضم الآثار المكتشفة شوارع مدينة «سار» ومشاغل الحرف ومنازل للنبلاء والعامة، إضافة إلى المعبد نفسه. ↑
- () علمت أن بناءً جديداً قد أقيم على هذا القبر مكان القبر القديم. ↑
- () تدورك أمر هذا القبر بعد ذلك ولم يعد عرضة للاندراس. ↑
- () دولة البحرين هي أول دولة خليجية اكتشف فيها النفط لكن احتياطيها النفطي يشارف على النضوب وتنتج البحرين حوالي 38 ألف برميل نفط يومياً فقط، وهي ليست عضواً في منظمة «أوبك» ولكنها تملك مصفاة كبيرة للنفط تتغذى من النفط السعودي. ↑
- () التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية. محمد ابن خليفة النبهاني. دار إحياء العلوم، بيروت، والمكتبة الوطنية. البحرين. ط 1، 1406هـ، ص: 73 ـ 74. ↑
- () جزر البحرين (دليل مصور بتراثها)، انجلا كلارك. ترجمة محمد الخزاعي. جمعية تاريخ وآثار البحرين. 1985م المطبعة الحكومية لوزارة الإعلام بالبحرين، ص: 64. ↑
- () ديوان الشيخ جعفر الخطي. مخطوط، المكتبة الظاهرية (مكتبة الأسد).دمشق 3364، ومركز الوثائق التاريخية بديوان أمير دولة البحرين، مايكرو فيلم رقم 14/3065. ↑
- () البرتغاليون في البحرين وحولها، أحمد العناني، مجلة الوثيقة. مركز الوثائق التاريخية. الديوان الأميري بدولة البحرين. ع 4 ربيع الآخر. 1404هـ ص: 97. ومساهمة المصادر والوثائق البرتغالية في كتابة تاريخ البحرين خلال النصف الأول من القرن السادس عشر. أحمد بوشرب. نفس المجلة والعدد ص: 125. ↑
- () أحمد بوشرب. المصدر السابق. الملحق الثالث ص: 137. ↑
- () ديوان الشيخ جعفر الخطي. مخطوط، سبق ذكره. ↑
- () أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، محمد المقدسي المشاري، دار صادر، بيروت، مصورة عن طبعة ليدن 1909، ص 323. ↑
- () نفسه، ص: 365، 395، 410، 439، و469، 481. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية. دار الفكر. القاهرة بدون تاريخ. ج 14/234. ↑
- () العلاقات العراقية الإيرانية خلال خمسة قرون. سعد الأنصاري دار الهدى. بيروت. ط 1، 1417هـ ص: 39. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية. مرجع سابق. ج 14/234. ↑
- () الشعوب الإسلامية. د. عبد العزيز سليمان نوار دار النهضة العربية….. بيروت. 1411هـ ص: 218 ـ 219. ↑
- () أطلس التاريخ الإسلامي. حسين مؤنس. الزهراء للإعلام العربي. القاهرة. ط 1. 1407هـ ص 358. ↑
- () الموسوعة البرتغالية مذكرات دوراتي بربوسا، و-جون هيوفان لينخوتن، ومقالة تشارلو بوكسر. ترجمة د. عيسى أمين. منشورات مؤسسة اليام للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع. البحرين. ص 58 ـ 59. ↑
- () أنيس المسافر المرسوم بكشكول البحراني. الشيخ يوسف العصفور. دار مكتبة الهلال. بيروت ومكتبة الريف. البحرين. ط 1. 1986م. ج 1/309. ↑
- () نفسه، والشعوب الإسلامية، نوار. مصدر سابق. ص: 221. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية. مرجع سابق. ج 2/175. ↑
- () العلاقات العراقية الإيرانية. مرجع سابق. ص: 38، والتاريخ الإسلامي. (8 ـ العهد العثماني) محمود شاكر. المكتب الإسلامي بيروت. ط 2. 1407هـ. ص: 385. ↑
- () أنيس المسافر الموسوم بكشكول البحراني الشيخ يوسف العصفور. دار مكتبة الهلال. بيروت ومكتبة الريف. البحرين. ط 1، 1986م. ج 1/309. ↑
- () ساحل الذهب الأسود. محمد سعيد المسلم. مرجع. ص: 173 الهامش (1)، ص: 174 الهامش (1). ↑
- () لؤلؤة البحرين. الشيخ يوسف بن أحمد البحراني. تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم. دار الأضواء. بيروت. ط 2. 1406هـ 442 ـ 444، والخليج العربي. جمال زكريا قاسم. دار الفكر العربي. القاهرة. بدون تاريخ ص: 412 ـ 416. ↑
- () التحفة النبهانية، مرجع سابق. ص: 74. ↑
- () إمارة آل شبيب في شرق الجزيرة العربية. عبد اللطيف الناصر الحميدان. مطابع الحميضي الرياض. 1418هـ ص: 110. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك. محمد بن جرير الطبري مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. بيروت. بدون تاريخ. ج 2/ 526. ↑
- () نفسه. ↑
- () فتوح البلدان، البلاذري. حققه عبد الله أنيس الطباع، وعمر أنيس الطباع. مؤسسة المعارف. بيروت. 1407هـ ص: 117 ـ 118. ↑
- () نفسه. ص: 118. ↑
- () عقد اللآل في تاريخ أوال. محمد علي التاجر. مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة. والنشر البحرين. بدون تاريخ. ص: 94، والوطن في شعر أبي البحر الخطي، سلسلة من ينابيع البحرين، يوسف حسن، منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.دولة الإمارات العربية المتحدة. ط 1، 1999م، ص: 16. ↑
- () Encarta مرجع سابق. وموسوعة المورد. ج 8/ 70. مرجع سابق. ↑
- () مجلة الوثيقة، مصدر سابق. ع 1 رمضان 1402هـ ص: 123. ↑
- () المعجم الجغرافي للبلاد السعودية، مرجع سابق ق 1/ 184. ↑
- () نفسه ص: 213. ↑
- () اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الخلفاء. تقي الدين أحمد بن علي المقريزي. تحقيق جمال الدين الشيال. منشورات وزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (لجنة إحياء التراث الإسلامي). القاهرة. 1416هـ ج 1/565. ↑
- () سفر نامه. ناصر خسرو. مصدر سبق ذكره ص: 143. ↑
- () مجلة الوثيقة، مصدر سابق، ع 4، ربيع الآخر 1404هـ، ص: 138، وإمارة آل شبيب في شرق جزيرة العرب، د. عبد اللطيف الناصر الحميدان. مطابع الحميضي، الرياض. 1418هـ. ↑
- () ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، دار مكتبة الحياة، بيروت، ط 2، 1962م، ص: 18. ↑
- () نفسه، ص: 208. ↑
- () واحة على ضفاف الخليج القطيف، محمد سعيد المسلم، مطابع الفرزدق، الرياض، ط 1، 1411هـ ص: 288. وراجع أيضاً المنطقة الشرقية حضارة وتاريخ. السيد محمد الشرفاء، تهامة للإعلان، الدمام، ط 1، 1412هـ ص: 77. ↑
- () ودليل الخليج. ج.ج. لوريمر. منشورات المكتب الأميري بدولة قطر. بدون تاريخ القسم الجغرافي. ج 1/298. ↑
- () مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود. ع: 11 محرم 1415هـ أشكال الأرض في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية عبد الله بن ناصر الوليعي، ص: 286. وقاموس Encarta مادة (Karst). ضمن موسوعة 99 Encarta (قرص مدمج (CD. وقاموس Merriam Collegiate Dictionary، ضمن دائرة المعارف البريطانية (قرص مدمج (CD. ↑
- () أشكال الأرض في المنطقة الشرقية من المملكة العربية. عبد الله بن ناصر الوليعي، ص: 269. ↑
- () قاموس Encarta مادة (Continental Drift). ضمن موسوعة 99 Encarta (قرص مدمج (CD. وقاموس Merriam Collegiate Dictionary، ضمن دائرة المعارف البريطانية (قرص مدمج (CD. وتاريخ الشعوب الإسلامية. بروكلمن. ترجمة د. نبيه أمين فارس، ومنبر بعلبكي. دار العلم للملايين. ج 1/10. ↑
- () مجمع الأمثال. أبو الفضل النيسابوري الميداني. دار المعرفة. بيروت. بدون تاريخ. ج 2/22. ↑
- () ساحل الذهب الأسود. مرجع سابق، ص: 62. ↑
- () الكشكول. الشيخ يوسف البحراني. ج 1/100 ـ 102. ↑
- () أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين. الشيخ علي بن حسن البلادي. مطبعة النعمان. النجف. 1377هـ ص: 110 ـ 111. ↑
- () التحفة النبهانية. مرجع سابق. ص: 22. ↑
- () تعتبر بخارى أندر كتب الأسفار الحجرية، ومدينة متحفاً حقيقياً. ورد ذكرها كتابة في القرن الثاني ق.م. بيد أن ما من واحد يعرف حتى الآن متى ارتفعت فوق الرمال جدران بيوتها الأولى. ويحتفظ في بخارى بـ 237 أثراً هندسياً تاريخياً قديماً ابتداء من القرن التاسع وانتهاء بالقرن الثامن عشر. ومن بينها روائع مثل ضرائح السامانيين ومجموعة بال قاليان وضريح بويان ـ قولي ـ خان ومدرسة أولوغ بك وكوكلتاش وقلعة أرك.إن الصرامة الكلاسيكية للمنشآت القديمة، والأسواق المسقوفة والألوان الزاهية للفسيفساء والمايوليكا المتعددة الألوان والقبب اللازوردية والقناطر الفخمة وصرامة المآذن الطريفة واللوحات الدقيقة للمجموعات الهندسية المعمارية ـ هي نتاجات عبقرية الإنسان. ↑
- () تجاوزنا التفاصيل ويمكن الرجوع إليها في كتبنا لا سيما كتاب (في خضم التاريخ). ↑
- () من المدارس التي أنشئت في هذا العهد (المدرسة العلائية) للحنفية. ويقول ابن الفوطي إنها جميلة البناء شاهقة الأرجاء، وأن ممن حضر افتتاحها القاضي بدر الدين محمد بن علي بن ملاق الرقي ومعه جماعة من الفقهاء والرؤساء، وموقعها يقابل مدرسة أبي النجيب السهروردي. ↑
- () تعددت التفسيرات لكلمة جنكيز، وقيل إن معنى جنكيز: القوي. ↑
- () خوارزم إقليم يقع في المجرى الأسفل لنهر أموداريا (جيحون) على ضفته الجنوبية. وكان نهر جيحون يعد الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والأقوام الناطقة بالتركية، أي: (إيران) و(طوران) فما كان في شماله أي وراءه من أقاليم سمّاه العرب (ما وراء النهر)، ويمكن تقسيم هذه البلاد إلى خمسة أقاليم أجلها شأناً، (الصَغْد) مع قصبتيه بخارى وسمرقند. وفي غرب الصغد: خوارزم، ويشتمل على دلتا جيحون.وفي الجنوب الشرقي: (الصاغانيان) ومعه (الختّل) وغيرهما من الكورة الكبيرة في أعالي نهر جيحون. وإليه تعود (بذخشان) وإن وقعت في ضفته اليسرى أي الجنوبية، فإن المنعطف الكبير للنهر فيما وراء طخارستان يكاد يطوقها، ثم إقليما نهر سيحون وهما: فرغانة في أعلى النهر، وإقليم الشاش، وهو اليوم طشقند مع النواحي التي في الشمال الغربي الممتدة على مصب سيحون في مناقع بحر أرال.
وكما يفصل نهر أموداريا (جيحون) بين الناطقين بالفارسية والنطاقين بالتركية فإن نهر سراداريا (سيحون) يفصل بين العالم التركي المغولي والعالم الإسلامي.
وفتح المسلمون إقليم خوارزم سنة 93هـ (712م). وخضعت خوارزم سنة 1017م للغزنويين فحكمها (ألتونتاش) من قبل السلطان محمود الغزنوي وظلّت في حكمه وحكم أسرته حتى سنة1041م ثم خضعت للسلاجقة ومنهم انتقلت إلى من يمكن أن نسميهم (الخوارزمشاهية) الذين قامت دولتهم على أنقاض السلاجقة، وأشهر الخوارزمشاهية علاء الدين محمد خوارزم شاه.
إن أحث ما ذكر عن خوارزم هو أنها: ناحية دلتا آموداريا (جيحون) التي تمتعت بحكم ذاتي فيما كان يتشكل منه ما كان يعرف باسم الاتحاد السوفيتي باسم جمهورية (كاراكلباس) أو (قراقلباق) وأنها تقع في السواحل الجنوبية لبحر أرال فيما سمي بآسيا المركزية.
ويكتب الاصطخري (المتوفى سنة 346هـ = 7 ـ 958م).
في كتابه: (المسالك والممالك) ما مضمونه:
«ومدن خوارزم الأخرى هي: درعان، وهزاراسب، وخيوه، وخشميش، وأردخشميش، وسافردز، وكركانج. وتدعى قصبة هذه النواحي (كاث) وفيها قلعة قديمة، وقد أتى السيل على المدينة فانتقل أهلها إلى مكان أعلى منها بعد أن بلغ السيل القلعة وخشي على مسجد آدينه الواقع في القلعة وقصر خوارزم شاه المحاذي للمسجد وعلى السجن المتاخم للقلعة، وثمة نهر صغير يجري وسط المدينة ويقع على ضفتي هذا النهر سوق طويل ذو سماطين …».
ويتعرض ابن حوقل لذكر موقع (كاث) على الخريطة التي رسمها بنفسه في كتابه (صورة الأرض) الذي يحتمل أن يكون تأليفه عام 367 ـ 977 فيقول: «تحت مصب النهر الخامس لمدينة ترمذ إلى الشمال من نهر جيحون».
وفي معجم البلدان يكتب ياقوت: كاث بلغة أهل خوارزم: الحائط في الصحراء من غير أن يحيط به شيء، وهي بلدة كبيرة من خوارزم، وإنما هي من ناحية جيحون الغربية».
ويقول عن خوارزم:
خوارزم ليس اسماً للمدينة إنما هو اسم للناحية بجملتها.
فأما القصبة العظمى فيقال لها اليوم الجرجانية، وأهلها يسمونها (كُرْكانج)، وكنت زرتها سنة 616 فما رأيت قط ولاية أعمر منها (انتهى).
وقد ذكرت خوارزم في الشعر العربي بين مدح وذم فمما جاء في ذمها:
ما أهل خوارزم سلالة آدم
ما هم وحق الله غير بهائم
إن كان يرضاهم أبونا آدم
فالكلب خير من أبينا آدم
وقال ابن عُنين:
خوارزم عندي خير البلاد
فلا أقلعت سحبها المغدقه
فطوبى لوجه امرئ صبحتهـ
ـه أوجه فتيانها المشرقة
وقال الموفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي يتشوقها:
أأبكاك لما أن بكى في ربى نجد
سحاب ضحوك البرق منتحب الرعد
له قطرات كالآلئ في الثرى
ولي عبرات كالعقيق على خدي
تلفت منها نحو خوارزم والهاً حزيناً
ولكن أين خوارزم من نجد ↑
- () فصيلة من الثيران تعيش في قرقيزيا. ↑
- () ثياب تنسج من وبر الإبل الأبيض. ↑
- () سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي طبعة مصر ص 83 ـ 85. ↑
- () كان ذلك من أهم مصادرنا. ↑
- () كان مستشارو جنكيز: طاطاغوس الإيغوري في الشؤون الخاصة بشعوب آسيا الشرقية والوسطى، ويلوجوت سامي الصيني في الشؤون الصينية، ومحمود يلواج في شؤون الدول الإسلامية في آسيا الغربية. ويقول رشيد الدين فضل الله الهمذاني في كتابه (جامع التواريخ) المجلد الثاني ـ الجزء الثاني ص 15 وهو يتحدث عن الصراع بين المغول ـ يقول إن الوزير مسعود بك بن محمود يلواج السفير يحمل رسالة إلى آباقا خان من هولاكو وخليفته، من لدن (قايدو) و(براق) وكان يطالب بتقديم حسابات أملاكهما الخاصة. وحينما مثل بين يدي آباقا خان كان مرتدياً قباء جنكيز، وجلس متصدراً جميع الأمراء ما عدا (إيلا كانويان). وقد صدر الأمر بأن يتم الخواجا سعد شمس الدين العلكاني جميع تلك الحسابات خلال أسبوع ويسلمها.ولما لم يكن الوزير قدم مخلصاً فإنه أخذ يتعجل العودة، فأذن له بالانصراف بعد أسبوع مشمولاً بالرعاية والإنعامات. فلما رحل وصلت الأخبار بعد يوم تفيد ظهور جيش العدو على ضفاف نهر جيحون، فعرف آباقا خان أن مسعود بك قد تحايل وجاء متجسساً لحساب (براق).
ويتحدث بعد ذلك في الصفحة 22 قائلاً: إن براق أرسل مسعود بك إلى الولايات لاستمالة الرعايا. وعندما يتحدث عن محاصرة براق لهرات في الصفحة 40 يذكر أن مسعود بك كان رسول براق لمفاوضة والي هرات. ↑
- () القندر أو القندس: حيوان مائي لبون من رتبة القواضم، له ذنب مفلطح قوي ولون أحمر قاتم، تتخذ منه الفراء، معرب كندسك بالفارسية. ↑
- () النقرة: القطعة المذابة من الذهب والفضة. ↑
- () الطاهريون شيعة علي عليهم السلام. ↑
- () حين يمر ذكر الأتراك فالمقصود بهم السلاجقة. ↑
- () ولد في استنبول سنة 1881 وكان والده أحمد بك موظفاً مدنياً صغيراً. وأصل الأسرة من مناستير في مقدونيا ثم عادت إليها في طفولة أنور فأتم دراسته الثانوية فيها ثم التحق بالمدرسة الحربية في استنبول وتخرج منها سنة 1902 وساهم في قتال العصابات المقدونية. ثم انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي السرية. وفي سنة 1909 عين ملحقاً عسكرياً في برلين ثم عاد منها في نفس السنة ليساهم في قمع الحركة الرجعية التي ثارت في استنبول.ولما هاجمت إيطاليا طرابلس الغرب سنة 1911 استقال من عمله في برلين ليتطوع في قتال الإيطاليين ولما هاجم البلقانيون الدولة العثمانية عاد إلى استنبول فاصبح من أقطاب (الاتحاد والترقي). وبهزيمة الدولة أمام البلقانيين قام الاتحاديون بقيادة أنور بانقلاب عسكري على وزارة كامل باشا لتقاعسها في استئناف الحرب فاستقال كامل باشا وقُتل وزير حربيته ناظم باشا واستولى الاتحاديون على الحكم برئاسة محمود شوكت باشا واستطاعوا استرجاع أدرنة بمساهمة كبرى من أنور باشا في 22 تموز سنة 1913 وحكموا البلاد حكماً دكتاتورياً طاغياً.
وفي وزارة سعيد حليم باشا التي تلت وزارة محمود شوكت بعد اغتياله تولى أنور وزارة الحربية وأُسند إليه منصب وكيل القائد العام (السلطان) وأصبح المهيمن الأول على الأمور في حكم استبدادي صارم، برز معه فيه طلعت وجمال.
وقبيل الحرب العالمية الأولى كان أنور من دعاة التآلف مع ألمانيا فتم له ذلك ودخلت تركيا الحرب وانتهت بالهزيمة. ففر أركان الاتحاديين في سفينة ألمانية في تشرين الثاني 1918 إلى أودسا فبرلين.
أما أنور فمضى إلى موسكو لمفاوضة الروس، وكان مصطفى كمال قد بدأ ينجح في ثورته في الأناضول سنة 1920 وحاول أنور التفاهم مع السوفيات على معاونته مع تسليح الأسرى الأتراك والمضي لهم للانضمام إلى حركة المقاومة هناك، فلم يرض مصطفى كمال عن هذا فرفض الروس.
وذهب أنور باشا إلى بخارى فألَّب الجماعات الإسلامية على السوفييت وقاد ثورة عليهم انتهت بمقتله في 4 آب سنة 1922. ↑