لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد التاسع والعشرون
1426هـ/2005م
بسم الله الرحمن الرحيم
ابن بابويه القمي
المعروف بالشيخ الصدوق (ت: 381هـ)
هو الشيخ العلم الأمين، عماد الملّة والدين، ورئيس المحدثين، أبو جعفر الثاني، محمد بن الشيخ المعتمد الفقيه النبيه أبي الحسن علي بن الحسن بن موسى بن بابويه القمي المشتهر بالشيخ «الصدوق» أصله من مدينة «قم» ببلاد فارس إيران.
عالم فقيه ومحدث كبير من علماء الشيعة الكبار في القرن الرابع الهجري، لم يُرَ في القميّين مثله، وهو أحد الأربعة المشهورين بجمع أخبار الشيعة، نزل في الري بعد أن اشتهر وارتفع شأنه في خراسان. وقيل فيه: «سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن» (انظر أعيان الشيعة، ج46، ص153). ورحل من خراسان إلى بغداد سنة 355هـ/966م، ودرس فيها فتخرّج عليه عدد من العلماء.
قال بروكلمن في تاريخ الأدب العربي: «أشهر مؤلفي الإمامية في المائة الرابعة للهجرة أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، الصدوق، وكان أبوه شيخ الشيعة في قُم، قدم بغداد وصحب ركن الدولة بن بابويه الذي استعان بتعاليمه في الإمامة على تدبير سياسته».
وقال الشيخ عباس القمي في الكُنى والألقاب: «شيخ الحفظة، ووجه الطائفة المستحفظة، رئيس المحدثين والصدوق فيما يرويه عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام، وُلد بدعاء مولانا صاحب الأمر عليه السلام، ونال بذلك عظيم الفضل والفخر، فعمت بركته الأنام، وبقيت آثاره ومصنفاته مدى الأيام… قال ابن إدريس في حقّه: إنّه كان ثقة جليل القدر، بصيراً بالأخبار، ناقداً للآثار، عالماً بالرجال، وهو أستاذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان.
وقال العلاّمة في ترجمته: «شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، ورد بغداد سنة 355هـ وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، كان جليلاً، حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم ير في القميّين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف ذكرنا أكثرها في كتابنا الكبير».
وقال العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات: «أمره في العلم والعدالة، والفهم والجلالة، والثقة وحسن الحالة، وكثرة التصنيف، وجودة التأليف، وغير ذلك من صفات البارعين، وسمات الجامعين، أوضح من أن يحتاج إلى بيان، أو يفتقر إلى تقرير القلم في مثل هذا المكان.
قال في حقّه سمينا العلاّمة المجلسي رحمه الله فيما نقل عن بعض تحقيقاته: وثّقه ابن طاووس رحمهما الله صريحاً في كتاب النجوم، بل وثّقه جميع الأصحاب، لما حكموا بصحة جميع أخبار كتابه، يعني صحّة جميع ما قد صحّ عنه من غير تأمل، بل هو ركن من أركان الدين، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء.
وكان أخوه الحسين بن بابويه ثقة أيضاً، وخلف ولداناً كثيرة من أصحاب الحديث.
أقول: وقد مرّ في ترجمة أبيه علي بن بابويه المشهور أنّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام كتب إليه في جواب ما سأل عنه، ستُرزق وَلَدَين خَيِّرَين، وفيه أيضاً من الدلالة على غاية جلالة الرجلين ما لا يخفى، ولنعم ما أفاده الشهيد الثاني رحمه الله في مثل هذا المقام، من شرح درايته، من أن مشايخ الإجازات لا يحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم، لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وورعهم.
ومن المنقول عن شيخنا العلاّمة الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي الأوالي البحراني أنّه قال في بعض حواشيه على كتابه «البلغة»، كان بعض مشايخنا يتوقف في وثاقة شيخنا الصدوق عطّر الله مرقده، وهو غريب، مع أنه رئيس المحدثين المعبّر عنه في عبارات الأصحاب بالصدوق، وهو المولود بالدعوة الموصوف في التوقيع المبارك بالمحدث الثقة، وصرح العلاّمة في «المختلف» بتعديله وتوثيقه، وقبله السيد ابن طاووس في كتاب «فلاح السائل» وغيره (يعني به كتاب «كشف المحجة») و«كتاب الإقبال» وكتابه «الغياث»، ولم أقف على أحد من الأصحاب يتوقف في روايات الفقيه، إذا صحّ طريقها بل رأيت جمعاً من الأصحاب يصفون مراسيله بالصحّة، ويقولون إنها لا تقتصر عن مراسيل ابن أبي عمير منهم العلاّمة في «المختلف»، والشهيد رحمه الله في «شرح الإرشاد»، والسيد المحقق الداماد رحمه الله.
وقال [محمد بن إسماعيل] صاحب «منتهى المقال» بعد نقله هذه الحاشية عن صاحب «التعليقات» مع زيادة قوله: وقال جدّي العلاّمة المجلسي رحمه الله: وثّقه ابن طاووس صريحاً في كتاب «النجوم» بل وثّقه جميع الأصحاب لما حكموا بصحة أخبار كتابه وظاهر كلامه (عليه السلام) في التوقيع توثيقهما، فإنهما لو كانا كاذبين لامتنع أن يصفهما المعصوم بالخيرية.
وما مرّ من استغراب الشيخ سليمان من بعض المشايخ المتوقفين في وثاقته، غريب، وأغرب منه قوله، لم أقف على أحد الأصحاب… إلى آخر، وأغرب من ذلك كلّه قول المقدس المجلسي، لو كانا كاذبين…، أمّا الأول فلأنك خبير بأنّ الوثاقة أمر زائد على العدالة، مأخوذ فيه بالضبط والمتوقف في وثاقته لعلّه لم يحصل له الجزم به، ولا غرابة في ذلك أصلاً، وأما الثاني فلأن الحكم بصحة الرواية لا يستلزم وثاقة الراوي كما هو واضح، وأمّا الثالث فلأنّا لم نر مؤمناً موحداً ينسب إلى هذا الشخص الربّاني الكذب، وكأن هؤلاء توهموا التوقف في عدالته طاب مضجعه وحاشاه أن يكون كذلك، ولقد أطال الكلام شيخنا الشيخ سليمان في «الفرائد النجفية» وجملة ممن تأخر عنه، وحاولوا الاستدلال على إثبات عدالته قدس سره، وهو كما ترى يضحك الثكلى، فإن عدالة الرجال من ضروريات المذهب، ولم يقدح في عدالته عادل، وإنما الكلام في الوثاقة ولعلّه لا ينبغي التوقف فيها أيضاً فلا تغفل.
وقال [الحرّ العاملي] صاحب «أمل الآمل» بعد ذكره بعنوان محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه يكنى أبا جعفر، كان جليلاً حافظاً للأحاديث، بصيراً ناقداً للأخبار لم ير القميّون مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف ـ قاله الشيخ، ونحوه العلاّمة والنجاشي وذكرا جملة من كتبه يطول بيانها.
وقال [يوسف بن أحمد البحراني] صاحب «لؤلؤة البحرين»، قال العلاّمة في «الخلاصة»، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، أبو جعفر نزيل الري شيخنا وفقيهنا وجه الطائفة بخراسان، ورد بغداد سنة 355هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة…
وقال الشيخ [الطوسي] في «الفهرست» بعد وصفه والثناء عليه بنحو ما ذكره العلاّمة، له نحو من ثلاثمائة مصنف، وفهرست كتبه معروف، أنا أذكر ما يحضرني في الوقت من أسماء كتبه، [ثمّ ذكر عدداً من مصنفاته]، إلى أن قال: بعد عدّهِ نحواً من ثلاثين كتاباً من مشاهير مصنفاته المفصلة في غالب كتب الرجال، أخبرني بجميع كتبه ورواياته جماعة منهم الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان (يريد شيخنا المفيد المرحوم) وأبو عبدالله الحسين بن عبيدالله وأبو الحسين جعفر بن الحسين بن حسكة القمي، وأبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، كلّهم عنه.
ثم إنّ صاحب «لؤلؤة البحرين» لما فرغ من نقل عبارة الشيخ [الطوسي] بتمامها، وتفصيله كتب الصدوق المتداولة في هذه الأزمان، أخذ في نقل عبارة النجاشي ببسطها الكامل، في تعديد مصنفات الرجل إلى أن وصل إلى قول كتاب «تفسير القرآن»… وكتاب «تفسير قصيدة في أهل البيت عليهم السلام»، أخبرني بجميع كتبه وقرأت بعضها على والدي أحمد ابن العباس النجاشي رحمه الله، وقال لي أجازني جميع كتبه لما سمعناها منه ببغداد (انظر لؤلؤة البحرين ص300 ـ 309).
ومن جملة طرق الرواية عن شيخنا الصدوق رحمه الله لهذه الكتب وغيرها وهو غير سبيلهم المشهور، ودون الذي يقع عليه معظم المرور وعمدة عبور الجمهور، هو ما وقع في أسانيد الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر الحلّي، والد مولانا العلاّمة على الإطلاق من رواية ذلك كلّه عن شيخه الشيخ برهان الدين محمد بن محمد بن علي الحمداني القزويني، عن الشيخ ءمنتخب الدين بن بابويه القمي، صاحب كتاب فهرست رجال المتأخرين عن جماعة من الفضلاء الأجلاء، منهم والد الثقة الجليل المؤتمن عبيدالله بن الحسن، عن والده الحسن بن الحسين الملقّب بين العجم حسكا، وقد كان من تلامذة شيخنا الطوسي المشتهر ذكره في الورى.
ومن جملة كراماته التي قد ظهرت في هذه الأعصار، وبصرت بها عيون جم غفير من أولي الأبصار، وأهالي الأمصار، أنه قد ظهر في مرقده الشريف الواقع في رباع مدينة الري المخروبة ثلمة وانشقاق من طغيان المطر، فلما فتشوها وتتبعوها بقصد إصلاح ذلك الموضع، بلغوا إلى سردابة فيها مدفنه الشريف، فلما دخلوها وجدوا جثته الشريفة هناك مسجاة عارية، غير بادية العورة، جسيمة وسيمة، على أظفارها أثر الخضاب، وفي أطرافها أشباه الفتائل من أخياط كفنه البالية على وجه التراب، فشاع هذا الخبر في مدينة طهران، إلى أن وصل إلى سمع الخاقان، السلطان فتحعلي شاه قاجار، جد والد ملك زماننا هذا الناصر لدين الله، وذلك في حدود ثمان وثلاثين بعد المائتين والألف من الهجرة المطهرة تقريباً، وأنا أتذكّر الواقعة ملتفتاً مستريباً، فحضر الخاقان هناك بنفسه لتشخيص هذه المرحلة، وأرسل جماعة من أعيان البلدة وعلمائهم إلى داخل تلك السردابة بعد ما لم يرَ أمناء دولته مصلحة الدولة في دخول الحضرة السلطانية ثمة بنفسه، إلى أن انتهى الأمر عنده من كثرة من دخل وأخبر إلى مرحلة عين اليقين، فأمر بسد تلك الثلمة، وتجديد عمارة تلك البقعة، وتزيين الروضة المنورة بأحسن التزين، وإني لاقيت بعض من حضر تلك الواقعة، وكان يحكيها أعاظم أساتذتنا الأقدمين، من أعاظم رؤساء الدنيا والدين».
وقال العلاّمة التستري في قاموس الرجال: وفي «الإكمال» حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود قال: سألني علي بن الحسين بن بابويه بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي، أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله أن يرزقه ولداً فسألته ذلك ثم أخبرني بعد ثلاثة أيام أنه دعا لعلي بن الحسين، وأنّه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به، وبعده أولاد، فولد لعليّ تلك السنة ابنه محمد، وبعده أولاده.
وفي «الغيبة» عن ابن نوح عن أبي عبدالله الحسين بن محمد الصيرفي المعروف بابن الدلال وغيرهما من مشايخ أهل قم أن علي بن الحسين ابن بابويه كانت تحته بنت عمه (محمد بن موسى بن بابويه) فلم يرزق منها ولداً فكتب إلى أبي القاسم بن روح أن يسأل الحضرة أو يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب إنّك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين، قال أبو عبدالله بن سورة، ولأبي الحسين بن بابويه ثلاثة أولاد، محمد، والحسين، فقيهان ماهران في الحفظ يحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل قم، ولهما أخ اسمه الحسن وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد، ولا يختلط بالناس، ولا فقه له. قال ابن سورة [المذكور] كلما روى أبو جعفر [صاحب الترجمة]، وأبو عبدالله، ابنا علي بن الحسين شيئاً يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما: «هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام». وهذا الأمر مستفيض من أهل قُمْ.
أقول: وقال في إكماله، كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه كثيراً ما يقول لي إذا رآني اختلف إلى مجالس شيخنا ابن الوليد وأرغب في كتب العلم وحفظه، «ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت ولدت بدعاء الإمام».
وكما ولد بدعاء الحجة عليه السلام، أشار الحجة عليه في النوم بتأليف كتاب في غيبته، ففي أول إكماه (غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأقبله فأرى مولانا القائم عليه السلام واقفاً بباب الكعبة فأدنو منه على شغل قلب وتقسيم فكر فعلم عليه السلام ما في نفسي بتفرسه في وجهي، ثم قال لي لِمَ لا تُصنف كتاباً في الغيبة تكفي ما قد همك، فقلت له يا ابن رسول الله قد صنف في الغيبة أشياء، فقال عليه السلام، ليس على ذلك السبيل، آمرك أن تُصنف، ولكن صنف الآن كتاباً في الغيبة، واذكر فيه غيبات الأنبياء عليهم السلام، ثم مضى عليه السلام فانتبهت فزعاً إلى الدعاء والبكاء، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً أمر ولي الله).
وكان أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله يقول: «سمعت أبا جعفر يقول، ولدت بدعوة صاحب الأمر عليه السلام ويفتخر بذلك».
وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: نزل بغداد وحدث بها عن أبيه، وكان من شيوخ الشيعة ومشهوريهم، حدثنا عنه محمد بن طلحة النعالي.
ثم قال: أخبرنا محمد بن طلحة بن محمد، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي إملاءً، حدثني أبي، حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن سلم، عن جعفر بن محمد، عن آبائه قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: مَن عَدّ غداً مِن أجلهِ فَقَد أساءَ صحبةً الموتِ».
وفاته
توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته بالرّي (من ضواحي طهران الحالية) سنة 381هـ، ودفن فيها في منطقة أطلق فيما بعد عليها «بابويه»، وقبره مزار لكافة أبناء الشيعة حتى يومنا هذا.
ورأيت في كتاب ريحانة الأدب بعد ذكر وفاته الشعر التالي نقله عن كتاب «نخبة المقال»:
عَدْلٌ جَليلٌ حافِظٌ قد صَنْفا
رَوَى المفيدُ عَنْهُ قَبْضُهُ شَفَا
وكلمة «شفا» هنا تقابل العدد 381 حسب تقابل الحروف مع الأرقام وهو سنة وفاته رحمه الله.
مصنفاته
خلّف الصدوق رحمه الله للمكتبة العربية والإسلامية عدداً كبيراً من المصنفات بلغ عددها نحو 300، منها:
1 ـ كتاب التوحيد، طبع في إيران سنة 1285هـ، ثم في بمباي سنة 1321هـ)[1](، وذكره له البُستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص153) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج4، ص482، الرقم 2154) وقال: «وله شروح كثيرة منها: شرح المحقق السبزواري المولى محمد باقر بن محمد مؤمن المتوفى بالمشهد الرضوي [إيران] سنة 1090هـ، فارسي موجود في كتب المولى على محمد الخوانساري في النجف، وشرح القاضي محمد سعيد ابن محمد مفيد القمي (1049هـ 1103هـ) في عدة مجلدات، وشرح الأمير محمد علي نائب الصدارة بقم، وشرح المحدث الجزائري الموسوم بـ«أُنس الوحيد» وقال في (ج2، ص368، الرقم 1497) ويظهر أنّ اسمه «أُنس الفريد».
ولكتاب التوحيد نسخ خطية في مكتبات: برلين برقم 3269Oct، و«مدرسة عالي سپه سالار»)[2]( برقم 2 :229 ـ 230، ومكتبة ضريح الإمام «الرضا عليه السلام كما جاء في فهرسها.
2 ـ كتاب الأمالي، ويسمى المجالس، ذكره له الحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504) والبُستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وقال: «كتاب مطبوع يعرف بالمجالس»، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص315، الرقم 1251) وقال: «الأمالي، المعروف بالمجالس أو عرض المجالس، للشيخ الصدوق أبي مجعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الرازي المتوفى بها سنة 381هـ، «طبع بطهران سنة 1300هـ» وهو في سبعة وتسعين مجلساً، والحديث الأول من المجلس الأول بالإسناد عن علي بن الحسين عليه السلام في فضل القول الحسن. والسند العالي إلى هذا الكتاب كما رأيته في صدر نسخة السيد محمد الطبطبائي اليزدي هكذا: «حدثني الشيخ أبو محمد عبدالله بن جعفر بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس ابن الفاخر الدوريستي، عن جدّه محمد بن موسى، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن أحمد، عن مؤلفه الشيخ الصدوق»، والشيخ عبدالله هذا ممن أدرك أوائل المائة السابعة كما في عنوان «دوريست» في معجم البلدان، قال: إنّه توفي بعد الستمائة بيسير» فروايته عن الصدوق المتوفى سنة 381هـ بثلاث وسائط سند عال كما لا يخفى.
والنسخة العتيقة منه بخط الشيخ الجليل المعروف بابن السكون وهو علي بن محمد بن محمد بن علي بن السكون رأيتها في المشهد الرضوي عند المحدث الشيخ عباس القمي، تاريخ كتابتها يوم الخميس الرابع عشر من ذي الحجة سنة 563هـ، وتوجد في كتب مدرسة فاضل خان بالمشهد الرضوي نسخة من المجلس الحادي والخمسين إلى آخر الكتاب بخط الشيخ المحدث الحرّ العالمي».
كما ذكره له مرة أخرى في (ج19، ص354، بعد الرقم 1581) تحت عنوان «المجالس» وقال: «للشيخ الصدوق، مرّ بعنوان الأمالي «ج2، ص315»، وذكرنا نسخته [الخطّية] المؤرخة سنة 563هـ، [وله نسخة] أخرى في النجف (البروجردي) وهي إلى المجلس الثالث والتسعين في يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان 368هـ حين سُئِل عن وصف دين الإمامية، وهي مستنسخة عن نسخة خط الشيخ أبي مسعود عبدالجبار بن علي بن منصور النقاش الرازي الذي فرغ من كتابتها في يوم الاثنين 5 ذي القعدة سنة 507هـ ثم قرأها على شيخه الشيخ علي بن محمد بن الحسين القمي، وكتب الشيخ بعد سبعين يوماً على ظهر نسخته الإجازة له في الخامس عشر من المحرم سنة 508هـ، ولفظ الإجازة هكذا: سمع منّي هذا الكتاب من أوله إلى آخره وهو أمالي الشيخ الفقيه أبي جعفر بن بابويه بقراءته عليَّ، وعارضه بِنُسَخي وصححه بجهده وطاقته، صاحبه الشيخ الفقيه الجليل الزاهد أبو مسعود عبدالجبار بن علي بن منصور النقاش الرازي، أيده الله تعالى ومتّعه به، كتبه علي بن محمد بن الحسين القمي بخطّه في منتصف المحرم سنة 508هـ.
ثم نسخة النقاش قد حصلت عند السيد الإمام أبي الرضا فضل الله الراوندي المتوفى بعد سنة 548هـ، فكتب السيد خطّه عليها، ونقلت صورة خط السيد أيضاً على نسخة البروجردي.
والمجلس الثالث والتسعون الذي انتهى به «الأمالي» الموجود في مكتبة مدرسة البروجردي قد استقل بالطبع مُلحقاً بآخر كتابي «المقنع» و«الهداية» المطبوعين معاً في سنة 1380هـ بعنوان «وصف دين الإمامية»…».
كما وللكتاب المذكور مخطوطتان في مكتبتي: برلين برقم 1269، ومكتبة «آستان قدس رضوي» بمشهد، انظر فهرستها «904، رقم 276» «بعنوان مجالس المواعظ» وفي مدرسة «سپه سالار» برقم 2: 24 ـ 25، «بعنوان الأمالي في الأحاديث والأخبار».
كما ذكر هذا الكتاب له الأستاذ خير الدين الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص343).
3 ـ كتاب الخصال (محمودة ومذمومة)، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347)، والبُستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص162، برقم 876) وقال: «أوله: الحمد لله الذي توحّد بالوحدانية، وتفرّد بالإلهية ـ إلى قوله ملخصاً وجدت مشايخي قد صنفوا في فنون العلم، ولكن غفلوا عن تصنيف كتاب يشتمل على أعداد الخصال المحمودة والمذمومة مع كثرة نفعه فصنفتها» وابتدأ بباب الواحد، ثم الاثنين، ثم الثلاثة، وهكذا إلى باب الخصال الأربعمائة).
وللكتاب المذكور نسخ خطية في مكتبات: آصفية برقم 2 :262، 308، وباتنة برقم 1 :147 رقم 1416، والمشهد الرضوي (إيران) 4 :34، 109.
وطبع هذا الكتاب بطهران سنة 1302 هـ، ش، و1304هـ، ش.
كما تُرجم «الخصال» إلى الفارسية وطبع في طهران أيضاً (انظر التسلسل 190 فيما يلي).
4 ـ تفسير العسكري، ذكره له البستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج4، ص285 الرقم 1295) وقال: تفسير العسكري الذي أملاه الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام المولود سنة 232هـ، والقائم بأمر الإمامة في سنة 264هـ، والمتوفى [رحمه الله] سنة 260هـ، وهو برواية الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي نزيل الري المولود بدعاء الحجة عليه السلام بعد سفارة أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي في سنة 305هـ… والمتوفى [رحمه الله] بالري في سنة 381هـ. ونسخه متداولة، فطبع أولاً في طهران سنة 1268هـ. ش، وكرر طبعه ثانياً في سنة 1313هـ. ش، وثالثاً في هامش تفسير القمي في سنة 1315، وقد فصل القول باعتباره شيخنا [نوري الطبرسي] في خاتمة المستدرك في (ص661) فذكر من المعتمدين عليه الشيخ الصدوق في «الفقيه» وغيره من كتبه، والطبرسي في «الاحتجاج»، وابن شهرآشوب في «المناقب» والمحقق الكركي في إجازته لصفي الدين، والشهيد الثاني في «المنية»، والمولى محمد تقي المجلسي (قدّس سرّه) في «شرح المشيخة»، وولد العلاّمة المجلسي في «البحار» وغيرهم، وذكر بعض الأسانيد المذكورة في صدر نسخ هذا التفسير المنتهية جميعاً إلى الشيخ أبي جعفر بن بابويه: ومنها ما في أول المطبوع، فإن في أوله بعد التسمية والتحميد وإنهاء السند إلى ابن بابويه، «قال ـ ابن بابويه ـ أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم المفسّر الأسترآبادي الخطيب (رحمه الله) [انظر الملحوظة فيما يلي] قال، حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار، وكانا من الشيعة الإمامية، قالا: كان أبوانا إماميين (فكان تشيع الولدين عن أبويهما لا استبصارهما بدواً)، وكان الزيدية هم الغالبون في أسترآباد، وكنّا في إمارة الحسن بن زيد العلوي الملقّب بالداعي إلى الحق إمام الزيدية (قال ابن النديم في ص274 أنه ظهر بطبرستان سنة 250هـ، ومات مملكاً عليها سنة 270هـ) وكان كثير الإصغاء إلى الزيدية، فخشيناهم على أنفسنا، فخرجنا بأهالينا إلى حضرة الإمام أبي محمد الحسن بن علي بن محمد أبي [الإمام] القائم عليهما السلام، وأنزلنا عيالنا في بعض الخانات، ثم استأذنا على الإمام الحسن بن علي، فلما رآنا قال، مرحباً بالآوين إلينا الملتجئين إلى كنفنا (خاطبهم بالخطاب العام، ثم خص الوالدين بالخطاب، تشريفاً لكبرهما) قد تقبّل الله سعيكما، وآمن روعتكما، كفاكما أعداءكما، فانصرفا آمنين على أنفسكما وأموالكما. فعجبنا من قوله… فقلنا فماذا تأمرنا أيها الإمام أن نصنع… فقال عليه السلام، خلّفا عليَّ ولديكما هذين، لأفيدهما العلم الذي يشرفهما الله به…، قال أبو يعقوب وأبو الحسن، فأتمرا لما أُمرا، وخرجا وخلّفانا هناك، فكنّا نختلف إليه… فقال لنا ذات يوم إذا أتاكما خبر كفاية الله عزَّ وجلَّ أبويكما، وصدق وعدي إيّاهما، جعلت من شكر الله أن أفيدكما تفسير القرآن ففرحنا وقلنا يا ابن رسول الله( صلَّى الله عليه وآله وسلم)…، قالا فلم نبرح من عنده حتى جاءنا فيج من عند أبوينا بكتاب فيه أنّ الداعي أرسل إلينا ببعض ثقاته بكتابه وخاتمه بأمانة لنا، وضمن لنا ردّ أموالنا… فلما كان في اليوم العاشر جاء كتاب من أبوينا بأنّ الداعي قد وفا لنا بجميع عداته…، فلما سمع الإمام بهذا قال: هذا حين إنجازي ما وعدتكما من تفسير القرآن، وقد وظفت لكما كل يوم شيئاً منه فاكتبانه، فالزماني وواظباً عليَّ.
فأول ما أملى علينا أحاديث في فضل القرآن وأهله، ثم أملى علينا التفسير بعد ذلك، فكنا في مدة مقامنا عنده وذلك سبع سنين في كل يوم بمقدار ما ينشط له، فكان أول ما أملى علينا وكتبناه: حدثني أبي علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، إلى أن ينتهي إلى النبي الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين، قال حملة القرآن المخصوصون برحمة الله. وقد خرج الجزء الأول من هذا التفسير مرتباً من تفسير الاستعاذة والبسملة وتمام سورة فاتحة الكتاب، والبقرة إلى آخر قوله تعالى: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزّيٌّ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الآية 114)، وثم لم يوجد في النسخ تفسير عدة أيات تقرب من ثلث جزء واحد من الأجزاء الثلاثين للقرآن، خرج من الجزء الثاني متفرقاً من تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} (البقرة ـ 158) إلى آخر {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة ـ 197) وثم تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً} (البقرة ـ 109) إلى قوله: {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} (البقرة ـ 210)، ثم تفسير جزء من أطول الآيات، آية الكتابة (البقرة 282) من قوله: {أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ} ـ إلى قوله تعالى ـ {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} وهو آخر الموجود من هذا التفسير الذي أملاه الإمام أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام على الولدين المتخلفين عنده المعلومين اسماً وكنيتاً [كنيةً] ونسبةً ومذهباً بشهادة العالم الجليل العارف بخصوصياتهما حيث أنه تلميذهما المجاز في الرواية عنهما، وهو المعروف في عصره بالمفسّر الخطيب الأسترآبادي كما يظهر من إرسال الشيخ الصدوق تلك الأوصاف له إرسال المسلمات، وقد كتبه الولدان عن إملائه عليه السلام وروياه عنه بغير وساطة أحد كما هو صريح عبارات خطبة الكتاب التي تلوناها وكذا عبارات أثناء الكتاب منها في هامش (الصفحة 168)، من المطبوع في سنة 1315هـ. ش. ذكر هاروت وماروت ما لفظه «قال أبو يعقوب وأبو الحسن، قلنا للحسن أبي القائم (عليه السلام) فإن قوماً عندنا يزعمون أنّ هاروت وماروت ملكان…، فقال الإمام: معاذ الله» فإنه صريح في أنّ الولدين وهما أبو يعقوب وأبو الحسن، يرويان عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أفلا يكفي التصريح برواية الولدين عنه عليه السلام في أثناء الكتاب زائداً على التصريحات في أوله لحصول الجزم بأن الأبوين قد رجعا إلى بلدهما ائتماراً لأمر الإمام أبي محمد عليه السلام وخلّفا ولديهما عنده ليعلمهما، والولدان هما اللذان كانا يكتبان التفسير من إملائه في سبع سنين تقريباً، وغير ذلك من التفاصيل، أفلا يصير ذلك كله قرينة على زيادة كلمة «عن أبويهما» في جميع الأسانيد التي ذكرت فيها هذه الكلمة، ولذا أسقط الشيخ الطبرسي لفظة «عن أبويهما» عند ذكر إسناده إلى هذا التفسير في أول «كتاب الاحتجاج» حين نقل عنه أحاديث كثيرة كلها بهذا الإسناد «الصدوق، عن الولدين، عن الإمام عليه السلام، ولم يذكر في الإسناد لفظة «عن أبويهما» أصلاً في جميع نسخ «الاحتجاج» ومنها المطبوعة في طهران «سنة 1269هـ.ش» الذي يظهر من مباشر الطبع أنّه صححها مع نسخ عليها خطوط العلماء وتصحيحاتهم، ثم إنّ من عجيب الاتفاق أنه مع هذه التصريحات الأكيدة قد وقعت زيادة لفظة «عن أبويهما» في الأسانيد الكثيرة المتفرقة من الكتب المتعددة من تصانيف الصدوق، والذي يخطر بالبال في منشأ حدوث هذه الزيادة هو أن المفسر الراوي للصدوق عن الولدين قد وصفها بعد ذكر اسمهما بقوله: «كانا من الشيعة الإمامية من أبويهما، أو مع أبويهما، أو عن أبويهما» توصيفاً لهما بالتشيّع ولادة، ثم ذكر قوله» قالا: حدثنا الإمام عليه السلام» يعني قال الولدان فكان مراد المفسر بيان أنهما ولدا على التشيّع، ولم يكن تشيعهما باستبصارهما بل اتخذا التشيّع عن أبويهما، وفهم الصدوق مراده وحدث عنه كما سمعه منه، لكن السامعين عن الصدوق قد صحفوا الكلام لفظاً أو معنى وزعموا أنّ مراده الإخبار بأنّ الولدين اتخذا الحديث عن أبويهما، وإنّ الفاعل في قوله بعد ذلك «قالا حدثنا الإمام عليه السلام» هو (الأبوان) حتى فيما لم يوصف فيه الولدان بأنهما كانا من الشيعة وزعموا أن في الزيادة إحساناً وتصحيحاً لكلام الصدوق، فطلبوا بذلك الأجر والثواب، غفلة منهم عن أنّ الصدوق إنما يروي هذا التفسير الذي كان مشهوداً له وموجوداً عنده، وهو يرى ببصره ما في خطبته في اثناء من التصريحات بأن الإمام أملاه على الولدين المتخلّفين عنده بعد رجوع أبويهما إلى أسترآباد فكيف يجعل الأبوين واسطة بين الولدين والإمام عليه السلام».
ملحوظة: «اعلم أنه ليس طريق الصدوق إلى هذا التفسير منحصراً في محمد بن القاسم الخطيب هذا المنسوب جرحه إلى ابن الغضائري، بل يوجد في بعض تصانيف الصدوق طريق آخر له إلى رواية هذا التفسير عن الولدين كما في «الأمالي ـ ص105»، ففي أول المجلس الثالث والثلاثين روى الصدوق عن محمد بن علي الأسترآبادي رضي الله عنه قال، حدثنا يوسف بن محمد بن زيد، وعلي بن محمد بن سيار، والنسخة صحيحة ظاهراً، واحتمال وقوع التصحيف من الناسخ وتبديله القاسم بعلي خلاف الأصل، مع أنّ ظاهر أول التفسير أنّ مقام الولدين بسامراء كان حدود سبع سنين ولا محالة بعد الرجوع إلى أسترآباد رويا التفسير لأهلها فما المانع من أن يكون منهم محمد بن علي الأسترآبادي الجليل القدر الذي تنكشف جلالته عن الدعاء له بالترضية من تلميذة الصدوق، ولم يثبت كون رواية الولدين في أسترآباد مخصوصة بمحمد بن القاسم المفسر الخطيب.
وأيضاً ليست رواية الولدين منحصرة برواية خصوص التفسير المملى عليهما فقط، بل نرى أنّ علي بن محمد بن سيار الذي هو أحد الولدين يروي أيضاً الندية المشهورة لسيد الساجدين عليه السلام التي خصّها العلاّمة الحلّي بذكر طرق روايتها في إجازته الكبيرة لبني زهرة فذكر من تلك الطرق رواية ابن سيار هذا للندبة عن أبي يحيى (محمد) بن عبدالله بن زيد المقرىء، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عنه عليه السلام، وذكر أنّه يروي الندية عن علي بن محمد بن سيار المذكور أبو محمد القاسم بن محمد الأسترآبادي الذي هو أيضاً أحد الخمسة من مشايخ الصدوق الذين أدركهم وروى عنهم في أسترآباد وجرجان «ومن هؤلاء الخمسة» أبو محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني الذي يعبّر عنه أيضاً بأبي محمد العباس الجرجاني، وقد روى الصدوق عن أبي محمد القاسم هذا، الندية كما في الإجازة المذكورة، وأبو محمد القاسم هذا، غير أبي الحسن محمد المفسر الأسترآبادي الخطيب الذي أكثر الصدوق الرواية عنه لاختلاف الكنية والاسم والوصف، وإن اشتركا في بعض المشايخ حيث أنهما يرويان عن أبي الحسن علي بن محمد بن سيار، فيروي المفسّر عنه التفسير، ويروي أبو محمد عنه الندية، ولهما مشايخ خاصة أيضاً، فيختص أبو محمد القاسم بن محمد بروايته الندبة عن عبد الملك بن إبراهيم أيضاً كما في الإجازة المذكورة، ويختص أبو الحسن محمد بن القاسم المفسر الخطيب بمشايخ كثيرة أخرى ويروي عنهم روايات كثيرة غير تفسير العسكري عليه السلام، وهي في كتب الصدوق، كالفقيه، والعيون، والأمالي، والإكمال، والتوحيد، وغيرها.
ولأجل معروفية الخطيب المفسّر وكثرة طرقه ومروياته قد أكثر الصدوق من الرواية عنه دون محمد بن علي، وأبي محمد القاسم بن محمد، الأسترآباديين، لعدم بلوغهما رتبة الخطيب، وإكثار الرواية عنه أوجب وقوع التفنن من الصدوق في التعبير عنه بذكر كنيته مرة وتركها أخرى، وبذكر وصف الخطيب وتركه، وبذكر المفسر وعدمه، وبتقديم المفسر على الأسترآبادي وعكسه، وبتبديل الأسترآبادي بالجرجاني، أو التعبير عنه بمحمد بن أبي القاسم المفسّر وغير ذلك مما يعلم أنّ كلّها تعبيرات مختلفة عن رجل واحد ذي شأن، كان شيخ مثل الشيخ الصدوق العارف بشؤون أساتذته حقّ المعرفة بأوصافه المشهور بها، ولا سيما المفسّر، بل الظاهر من التوصيف به أنه ممن ألّف كتاباً في التفسير، ولو لم يكن مصنفاً فلا أقل من أنّه من مشايخ الإجازة لمثل الصدوق، فلا يحتاج إلى التصريح بأنه ثقة كما قرر في محله ولذا يبالغ الصدوق في تجليله ولا يترك الدعاء له بالرحمة والترضية كلّما ذكر اسمه عند روايته التفسير عن الولدين، أو روايته أحاديث أُخر عن سائر مشايخه ومن تلك الأحاديث رواية الخطيب عن شيخه جعفر بن أحمد عن أبي يحيى محمد بن عبدالله بن زيد المقرىء في الأمالي (ص271).
ومنها روايته عن شيخه عبدالملك بن أحمد بن هارون، عن عثمان بن رجاء أيضاً في الأمالي (ص217)، ومنها الروايات الكثيرة من الخطيب عن شيخه أحمد بن الحسن الحسني الذي هو ممن يروي عن الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام، لكنه غير مذكور في كتب الرجال، كما لم يذكر فيها ترجمة الولدين الراويين للتفسير عنه عليه السلام، قال الشيخ الصدوق في أول الباب الثلاثين الذي هو أول الجزء الثاني من كتابه «عيون أخبار الرضا» حدثنا أبو الحسن محمد بن القاسم المفسّر الجرجاني رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسين بن علي (أبي محمد العسكري)، عن أبيه، عن محمد بن علي (التقي الجواد)، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عليهم السلام، إلى آخر السند والحديث، ثم أورد بهذا الإسناد ثمانية أحاديث أُخر مما ليس في تفسير العسكري، وبعين هذا السند أورد حديثاً في الأمالي (ص67) هكذا: الصدوق، عن المفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى عليهم السلام، ومن هنا ظهر أن السند الآخر المذكور في الأمالي (ص215) فيه سقط وتصحيف. حيث جاء هكذا: الصدوق، عن المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي بن الناصر، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عليهم السلام، فإنّ من يروي عن أبيه الرضا ليس إلاَّ محمد بن علي الجواد، فالناصر تصحيف منه والواسطة ساقطة.
فقد ظهر مما ذكرناه أنّ المفسر المذكور كان من المعروفين في عصره، وكان من مشايخ الإجازة الكثير المشايخ، والواسع الرواية.
ونقول الآن أنّه كان أهلاً للوثوق برواياته والاعتماد عليها، وحقيقاً حرياً بالاطمئنان بصحتها والجزم بحجيتها، وقد دلّنا على ذلك ما علمناه من سيرة تلميذه الراوي عنه (الشيخ الصدوق) وسوانحه من ولادته إلى وفاته، وما عرفنا من أحوال تلميذه من أنّه لم يكن من أوساط العلماء بل كان في جانب عظيم من التفقه والوثوق والتقى، وكان غاية في الورع والتصلّب في أمور الدين، ولم يكن ممن يتساهل فيها، أو في أخذ الحديث عن غير الموثقين فضلاً عن الكذابين، بل كان بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار كما في الفهرست، فلم يكن ليأخذ ناقص العيار كيف لا وهو الذي ولد بدعاء الحجة عليه السلام، ووصفه بأنّه فقيه خيّر مبارك، وقد جال في البلاد طول عمره لطلب الحديث، وأدرك في أسفاره نيفاً ومائتي شيخاً من شيوخ أصحابنا ومنهم هذا المفسر، وقد استقصاهم شيخنا في خاتمة المستدرك في (ص713) ولم يترجم في كتب رجالنا إلاَّ قليل منهم. وإنما نعرفهم ونعتد عليهم لأنهم من مشايخ الصدوق الذين يروي عنهم مع الدعاء بالرحمة والرضوان لهم، لأنه عاشرهم وحقق أحوالهم وعرف استحقاقهم الدعاء، وقد سمع منهم أو قرأ عليهم تلك الأحاديث التي أودعها في كتبه وتصانيفه البالغة إلى نحو الثلاثمائة مؤلف كما في الفهرست، وصرح هو بنفسه في أول «من لا يحضره الفقيه» أنّ له حال تأليفه مائتين وخمسة وأربعين كتاباً، كما صرح فيه أيضاً بأنه يذكر فيه من الأحاديث إلاَّ ما هو حجة بينه وبين ربّه، ومع ذلك أورد في كتاب «الحج» منه في باب التلبية الرواية الطويلة عن هذا المفسّر، ومنه يظهر غاية اعتماد الصدوق على هذا المفسر الراوي لتفسير العسكري عليه السلام حتى أنّه يرى قوله حجة بينه وبين ربّه.
ولكن مع الأسف أنّه ليس لهذا المفسر ترجمة في الأصول الأربعة الرجالية المحققة الثابتة النسبة إلى مؤلفيها من أئمة الرجال، ولم يتعرض له أحد من الرجال، ولم يتعرض له أحد من قدماء الأصحاب لا بالمدح ولا بالقدح، وإنما وجدت ترجمته المختصرة في «كتاب الضعفاء» المنسوب إلى ابن الغضائري رحمه الله فلا بدَّ لنا من الفحص عن تاريخ بدو ظهور هذا الكتاب، وعن أحوال مؤلفه، وعن صحة انتسابه إلى ابن الغضائري وعدمه فنقول:
أمّا أصل «كتاب الضعفاء» وتاريخ ظهوره، فقد ظهر بعد التتبع أن أول من وجده هو السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني الحلّي (المتوفى سنة 673هـ) فأدرجه السيد موزعاً له في كتابه «حل الأشكال» في معرفة الرجال الذي ألّفه (سنة 644هـ) وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجالية وهي «رجال الطوسي» و«اختيار الكشي» و«النجاشي» و«كتاب الضعفاء» المنسوب إلى ابن الغضائري، قال السيد في أول كتابه بعد ذكر الخمسة بهذا الترتيب «ولي بالجميع روايات متصلة عدا كتاب ابن الغضائري فيظهر منه أنّه لم يروه عن أحد، وإنما وجده منسوباً إلى الغضائري وإلاَّ لكان يدرجه أيضاً ولم يقتصر على «الضعفاء»، ثم تبع السيد في ذلك تلميذه العلاّمة الحلّي (المتوفى رحمه الله سنة 726هـ) في «الخلاصة» وابن داود في رجاله المؤلف في سنة 707هـ، فأوردا في كتابيهما عين ما أدرجه أستاذهما السيد ابن طاووس في «حل الأشكال»، وصرح ابن داود عند ترجمة أستاذه المذكور بأن أكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشارات هذا الأستاذ وتحقيقاته، ثم أنّ المتأخرين عن العلاّمة الحلّي وابن داود كلهم ينقلون عنهما لأنّ نسخة (الضعفاء) التي وجدها ابن طاووس قد انقطع خبرها عن المتأخرين عنه، ولم يبق من الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري إلاَّ ما وزعه السيد ابن طاووس في كتابه «حل الإشكال» ولولاه لما بقى منه أثر، ولم يكن إدراجه فيه من السيد لأجل اعتباره عنده بل ليكون الناظر في كتابه على بصيرة، ويطلع على جميع ما قيل أو يقال في حقّ الرجال، حقاً أو باطلاً ليصير ملزماً بالتتبع والاستعلام عن حقيقة الأمر، فلم يدرجه السيد إلاَّ بعد الإيماء إلى شأنه أولاً بحسب الترتيب الذكري، فأخره عن الجميع ثم تصريحه بأنّها ليست من مروياته، بل وجده منسوباً إلى ابن الغضائري، فيتبرأ من عهدته بصحة النسبة إليه، ولم يكتفِ بذلك أيضاً بل أسس في أول الكتاب ضابطة كلية تفيد وهن التضعيفات التي وردت في هذا الكتاب حتى لو فرض أنّه كان معلوم النسبة إلى مؤلفه وعنونها بقوله:
« قاعدة كلية في الجرح والتعديل لا يستغنى عنها في هذا الباب» وحاصلها أنّ السكون إلى قول المادح مع عدم المعارض راجح، وأما السكون إلى قول الجارح ولو كان بدون معارض فهو مرجوح، واستدل على ذلك بقوله لأن التهمة في الجرح شايعة ولا يحصل بإزائها في جانب المادحين، فالسكون إليهم ما لم يحصل معارض راجح، والسكون إلى القادحين ما لم يحصل معارض مرجوح، ومراده أنّ ما يوجده من القدح في «كتاب الضعفاء» لا أثر له ولا يحصل الاطمئنان به على تقديري وجود المعارض معه وعدمه أما مع وجود المعارض فيسقط بالمعارضة، ومع عدم وجود المعارض أيضاً يسقط إلحاقاً له بالغالب لشيوع التهمة في القدح ولا شيوع لها في المدح.
وبالجملة فكتاب «حل الإشكال» المدرج فيه «كتاب الضعفاء» كان موجوداً بخط مؤلفه السيد ابن طاووس إلى سنة نيف وألف فكان أولاً عند الشهيد الثاني كما ذكره في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد، وبعده انتقل إلى ولده صاحب «المعالم» فاستخرج منه كتابه الموسوم بـ«التحرير الطاووسي»، ثم حصلت تلك النسخة بعينها عند المولى عبدالله التستري (المتوفى بأصفهان سنة 1021هـ) وكانت مخرقة مشرفة على التلف، فاستخرج منها خصوص عبارات «كتاب الضعفاء» المنسوب إلى ابن الغضائري مرتباً على الحروف، وذكر في أوله سبب استخراجه فقط، ثم وزع تلميذه المولى عناية الله القهبائي [معرب كوه پايه = سفح الجبل] تمام ما استخرجه المولى عبدالله المذكور في كتابه «مجمع الرجال» المجموع فيه الكتب الخمسة الرجالية حتى أنّ خطبها بعينها ذكرت في أول هذا المجمع.
أمّا ابن الغضائري المنسوب إليه «كتاب الضعفاء» فليست له ترجمة مستقلة في «الفهرست» ولا في «رجال النجاشي»، وإنما المراد منه هو أبو الحسين أحمد بن أبي عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري الذي كان والده الحسين بن عبيدالله (المتوفى سنة 411هـ) من أجلاء مشايخ الطوسي وأبي العباس النجاشي، وأما هو فكان معاصراً لهما بل عدّه الشيخ في أول «الفهرست» من شيوخ الطائفة وأصحاب التصانيف، وكان مشاركاً مع النجاشي في القراءة على والده الحسين بن عبيدالله كما ذكره النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين بن عمر، واشتركا أيضاً في القراءة على أحمد بن عبدالواحد كما ذكره في ترجمة علي بن الحسن بن فضال، بل قد يستظهر من ترجمة علي بن محمد بن شيران (المتوفى سنة 410هـ) أنه، كان أبو الحسن أحمد أيضاً من مشايخ النجاشي، لأنه يجتمع النجاشي مع ابن شيران المذكور عند أبي الحسين أحمد بن الغضائري، والاجتماع عند العالم والحضور في مجلسه لا يكون إلاَّ للاستفادة العلمية عنه، ولعل ذلك وجه استظهار آية بحر العلوم رحمه الله في «الفوائد الرجالية» أنه كان من مشايخ النجاشي كوالده، ولكنه بعيد لقصر عمره، وإن استظهره القهبائي أيضاً في «مجمع الرجال».
وعلى أي حال فقد كانت وفاته في حياة الشيخ الطوسي والنجاشي وقبل تأليف كتابيهما، بل ظاهر الشيخ الطوسي التأسف عليه بسبب وفاته قبل بلوغ الأربعين، فإنه ذكر في أول «الفهرست» أن شيوخ الطائفة من أصحاب الحديث عملوا فهرس تصانيف الأصحاب وأصولهم، لكنه لم يجد فيهم من استوفى ذلك أو ذكر أكثره إلاَّ ما عمله ابن الغضائري هذا، فإنه ألّف كتابين أحدهما في ذكر المصنفات والآخر في الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا، واخترم هو رحمه الله فعمد بعض ورثته إلى إتلاف هذين الكتابين وغيرهما من الكتب، فعبّر عن وفاته باخترم، وفي الحديث «من مات دون الأربعين فقد اخترم»، ومن اخترمته المنية أي أخذته، ولعلّه من شدة الجزع والوجد على قصر عمره عمد بعض جهال ورثته إلى إفناء آثاره من الكتابين وغيرهما من كتبه الأُخر، لئلا يرى أثره بعده فتجدد أحزانه.
وبالجملة، صريح كلام الشيخ أنه ألّف الكتابين لكن التلف شملهما مع غيرهما من كتبه، والنجاشي لم يذكر له تصنيفاً غير «التاريخ» [ويشتمل هذا التاريخ على ذكر عامة الرواة والوفيات، أطلبه في الذريعة ج3، ص224، الرقم 718]، ولكن ظهر بعد التأمل عدم صراحة كلامه في أن له كتاب التاريخ لاحتمال عودة الضمير في «تاريخه» إلى موت البرقي بأن يكون مراده أنّه «قال ابن الغضائري في تاريخ موت البرقي كذا» ثم عطف عليه قول «ماجيلويه» في تاريخ موته. وبعد عصر الشيخ والنجاشي لم نجد نسبة «كتاب الضعفاء» أو غيره لابن الغضائري إلى عصر السيد ابن طاووس الذي وجد الكتاب المذكور وأدرجه في كتابه للغرض الذي أشرنا إليه مصرحاً بعدم تعهده صحة النسبة.
فتبين أنّ ابن الغضائري هذا وإن كان من الأجلاء المعتمدين ومن نظراء شيخ الطائفة والنجاشي وكانا مصاحبين معه ومطلعين على آرائه وأقواله وينقلان عنه أقواله في كتابيهما إلاَّ أنّ نسبة كتاب «الضعفاء» هذا إليه مما لم نجد له أصلاً حتى أنّ ناشره قد تبرأ من عهدته بصحته فيحق لنا أن ننزه ساحة ابن الغضائري عن الإقدام على تأليف هذا الكتاب والاقتحام في هتك هؤلاء المشاهير بالعفاف والتقوى والصلاح المذكورين في الكتاب والمطعونين بأنواع الجراح بل جملة من جراحاته سارية إلى المبرئين من العيوب كما في جرح هذا المفسر الأسترآبادي بأنه ضعيف كذّاب، أفلا يلزم من كونه كذّاباً والحال أنّ الصدوق قد أكثر من الرواية عنه وبالغ في الاعتماد عليه بجعله حجة بينه وبين ربّه، أحد أمرين إما تكذيب للشيخ الطوسي في توصيفه الصدوق بأنه كان بصيراً بالرجال نقّاداً للأخبار فيما إذا كان أخذ الصدوق عنه وشدة اعتماده عليه عن جهله بحالة من أنه كذّاب إذ يظهر منه أنّه ليس كما وصفه الطوسي بصيراً ونقاداً، وإما تكذيب لتوصيف الحجة عليه السلام إياه في التوقيع بكونه خيّراً فقيهاً في الدين كما حكاه آية الله بحر العلوم رحمه الله في «الفرائد الرجالية» إن كان أخذه عنه عن عمد وعلم بحاله.
ثم أنّه كيف خفي على الشيخ الصدوق المتلمذ عليه والمعاشر له كونه كذّاباً ولم يطلع عليه، ولكن اطلع عليه من وُلِدَ بعد وفاة الصدوق بسنين كثيرة، وكيف يطلع على كذبه والد ابن الغضائري؟ فرواه عنه بسنده مع سائر العلماء الذين ذكرهم المحقق الكركي في إجازته، واطلع على كذبه ولده بعد موت أبيه، كلّ ذلك قرائن تدلنا على أنّ هذا الكتاب ليس من تأليفه، وإنما ألّفه بعض المعاندين للإثني عشرية المحبين لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، أدرج فيه بعض أقوال نسبها الشيخ الطوسي والنجاشي في كتابيهما إلى ابن الغضائري، ليتمكن من النسبة إليه، وليروج منه ما أدرجه فيه من الأكاذيب والمفتريات، ومن تلك الأكاذيب قوله، بأنّ المفسر الأسترآبادي روى هذا التفسير عن رجلين مجهولين، إذ لا يبقى جهالة في الراوي بعد معرفة اسمه وكنيته ونسبه ونسبته ومذهبه ونحلته ومقره وبلدته، ومنها قوله، أنّ المجهولين يرويانه عن أبويهما عن الإمام مع صراحة الكتاب في أوله وأثنائه بعدم الواسطة، ومنها قوله، إنّ الإمام هو أبو الحسن الثالث مع التصريح في مواضع كثيرة منه بأنه أبو محمد أبو الحسن أبو الحجة عليهما السلام، ومنها قوله، إنّ التفسير موضوع عن سهل الديباجي عن أبيه، مع أنّه ليس له ولا لأبيه اسم في سند التفسير، ومنها قوله، إنها تشتمل على المناكير، مع أنّه ليس فيه إلاَّ بعض غرائب المعجزات مما لا يوجد في غيره. وما ذكرناه هو الوجه للسيرة الجارية بين الأصحاب قديماً وحديثاً من عدم الاعتناء بما تفرد به ابن الغضائري من الجرح، فإن ذلك لعدم ثبوت الجرح منه لا لعدم قبول الجرح عنه كما يسبق إلى بعض الأذهان» عن الذريعة ج4، هامش ص285، 286، 287، 288، 289، 290، 291».
5 ـ كتاب إكمال (كمال) الدين وإتمام النعمة، ذكره له البستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347، الرقم 14) وقال: «في إثبات الغيبة وكشف الحيرة…، ومنه القطعة الأولى في بحث «مللر» عن نظرية المهدي عليه السلام.
E Moeller, Beitr, Zur Mahdilehre ds Ist. I, Heidelberg 1901.
وفيه بنص عن برلام ويواساف، وأغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص283، الرقم 1147) وقال؛ «إكمال الدين وإتمام النعمة، يقال له «كمال الدين وتمام النعمة» أيضاً، في غيبة الحجة المنتظر عليه السلام، وما يتعلق بها للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، أوله: الحمد لله الواحد الحيّ الفرد الصمد».
وللكتاب المذكور نسخ خطية في مكتبات، باريس أول برقم 1231، مانشستر برقم 807، مشهد الرضوي برقم: 78 رقم 239 ـ 242، وآصفية برقم1 :610 رقم 197، سپه سالار (طهران) برقم1 :204، پاتنة برقم 114:1 رقم 1151.
وطبع الكتاب المذكور طباعة حجرية سنة 1301هـ.
6 ـ كتاب معاني الأخبار، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص413)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، 344)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج21، ص204، الرقم 4622) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ذكر فيه الأحاديث التي وردت في تفسير معاني الحروف والألفاظ، أوله: «الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله وآله الطاهرين» ومنه نسخة بخط الشيخ الحرّ في المكتبة الرضوية بمشهد (إيران). وحكى الشيخ عبدالله السماهيجي في حاشية نسخة من «معاني الأخبار» أنّ السيد ابن طاووس ذكر في «الطرائف» أنّ فراغ مصنفه عن نسخه كان في سنة 331هـ، وتلك النسخة كتبت لخزانة العالم الشيخ لطف الله ابن الحاج علي بن الحاج إسماعيل السماهيجي الأوّالي، وعليها حواشٍ للشيخ عبدالله السماهيجي، رأيتها عند الشيخ أسد الله بن محمد بن عيسى المعروف بالشيخ أسد حيدر، أهداها أخيراً إلى مكتبة أمير المؤمنين، وهي نسخة نفيسة كلها بخط أحمد بن محمد بن أحمد بن وليد وفيه «جامع الأخبار» «المرتب الأبواب».
ولكتاب معاني الأخبار نسخ خطية أخرى في مكتبات: عليجرة (بالهند) برقم 98 رقم 13، وآصفية 2 :620 ، والمكتب الهندي أول برقم 145.
وطبع في مجموعة مع كتاب «علل الشرائع والأحكام ـ الآتي» في إيران سنة 1301هـ، وقبلها في سنة 1289هـ في إيران أيضاً. وللكتاب المذكور ترجمة فارسية بقلم آغا محمد إبراهيم بن محمد علي محمد آبادي، «راجع فهرست كتابخانه دانشكده معقول ومنقول در مدرسه عالى سپه سالار، تأليف ابن يوسف شيرازي، 1: 196، ج2: 35، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمن ج3، ص344».
7 ـ كتاب علل الشرايع والأحكام، ذكره له الحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154، 155)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135) وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص36، الرقم 5) وقال: «كتاب العلل، أو علل الشرائع والأحكام، وهو يتناول طائفة من الأبواب المختصرة، أسباب التشريفات وعللها وأغراضها، ويتعرض في ذلك لكثير من شؤون الحياة والطبيعة والتاريخ والعلم»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج15، ص313، الرقم 2005) وقال: «للشيخ الصدوق…، أوله: «بعد الحمد لله رب… قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين…»، نسخة منه في مكتبة السلطان محمد الفاتح، وطبع على الحجر بإيران مع «معاني الأخبار» في سنة 1301هـ، واختصره الشيخ إبراهيم الكفعمي»، وقد أشار صاحب الذريعة (ج1، ص356، الرقم 1876) أيضاً إلى هذا الاختصار وقال: «اختصار علل الشرائع تأليف الشيخ الصدوق…، للشيخ إبراهيم الكفعمي، كانت نسخة هذا الاختصار عند صاحب الرياض في مجموعة». ولكتاب علل الشرائع نسخ خطية في مكتبات: برلين برقم 1196، 8326، 8327، المتحف البريطاني أول برقم 1996، مكتبة سپه سالار برقم 278:1، 279، ورامپور 1: 96، 231، 232، ومانشستر برقم 95 وطُبع كتاب علل الشرائع مترجماً إلى الفارسية في طهران سنة 1297هـ.
8 ـ كتاب صفات الشيعة، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347، الرقم 15)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج15، ص45، الرقم 287) وقال: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين…، أوله: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي…، إلى قوله: «حدثني أحمد بن محمد بن يحيى العطّار عن أبيه… »، إلى قوله: «عن أبي بصير، قال [الإمام] الصادق عليه السلام: شيعتنا أهل الورع…». ينقل عنه في «الدمعة الساكبة»، والمجلسي في «البحار»، والحرّ في «الوسائل»، وشيخنا في «المستدرك»، توجد منه نسخة بخط قديم وقطع كبير عند «الدكتور نوع پرست» بطهران، وأخرى عند «الأُردبادي» في النجف، ومكتبة الطهراني بسامراء، ومعه «كتاب فضائل الشيعة» له أيضاً وبخط شيخنا النوري عند حفيده ميرزا علي بهزادي بطهران».
«وانظر في كتاب الشيعة المذكور، مجلة لغة العرب 7، سنة 1920، ص223».
9 ـ كتاب فضائل الشيعة، وهو غير كتاب صفات الشيعة المذكور في المادة 8 أعلاه، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص260، الرقم 1056)، وقال: للشيخ الصدوق المتوفى سنة 381هـ، صرح في خاتمة «الوسائل» وأول «البحار» وغيرهما بأنه غير «صفات الشيعة»، له أيضاً.
ويقال [لكتاب فضائل الشيعة] «فضل الشيعة» أيضاً و[العلاّمة] المجلسي ينقل عن «فضائل الشيعة» و«صفات الشيعة» وكلاهما كانا موجودين عنده، كما أنّ الشيخ الحرّ ينقل عنهما كانا عنده، وبتصريحه في الفائدة الرابعة من خاتمة «الوسائل» هما موجودان اليوم في أصفهان، ومشهد خراسان، عند الشيخ حسين المعروف بالمقدس المشهدي، وأخذه [أي فضائل الشيعة] منه الميرزا محمد الطهراني، واليوم موجود في مكتبة سامراء [بالعراق]». ثم ذكره الشيخ آغا بزرك مرة ثانية في (ج16، ص278، الرقم 1117) تحت عنوان «فضل الشيعة».
10 ـ كتاب عيون أخبار الرضا، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص503)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، 156)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (ج2، ص1174) وسماه: «عنوان أخبار الرضا»، وقال: «للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه»، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص334، الرقم 4) وقال: «وهو يتناول حياة علي [بن موسى] الرضا عليه السلام وأقواله»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج15، ص375، الرقم 2367) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، في أحوال الإمام الرضا في 139 باباً، طبع منها 73 باباً في سنة 1317هـ.
كتبه للوزير الصاحب إسماعيل بن عباد الديلمي لما دفع إليه قصيدتين من قصائده في إهداء السلام إلى الإمام علي بن موسى الرضا. وذكر فيه زيارته لمشهد في سنة 352هـ، أوله: الحمد لله الواحد القهار العزيز الجبار الرحيم الغفّار…».
وللكتاب المذكور نسخ خطية في مكتبات: برلين برقم 9663، ميونخ برقم 456، باريس أول برقم 146، ليننغراد AM Nov.39، آصفية 3 :270 الرقم 95، رامپور2 :137 الرقم 461، پانته1 :277، سپه سالار بطهران1 :282، 283، 2 :550، المكتبة الرضوية بمشهد4 :57 الرقم 171 ـ 181 ـ 60، ودار الكتب بالقاهرة 275:5.
وطبع كتاب أخبار الرضا عليه السلام في طهران سنة 1275هـ، و1287هـ، و1317هـ.
ولهذا الكتاب تراجم فارسية، منها:
أ ـ «تحفه ملكي»، لعلي بن طيفور (في عهد قطب شاه 1035 ـ 1083هـ الموافق 1620 ـ 1672م)، منها نسخ خطية في مكتبات: بنكيپور 6 :507 مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال برقم 1108، وانظر: كتالوك هاراسو فيتز 405 رقم 893، 415، 1283.
ب ـ ومنه تفسيرات مختصرة لحسن علي شمس الدين علي خان، مخطوط منه في مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال برقم 1109.
جـ كاشف النقاب لمحمد تقي بن محمد باقر صاحب حاشية «المعالم»، وطبع على الحجر سنة 1297، وفي طهران سنة 1317هـ.
(انظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمن، ج3، ص344، 345، والذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج15، ص376، ج17، ص240، الرقم 72).
د ـ وله شرح فارسي للسيد علي أصغر بن السيد الحكيم ابن السيد علي التُستري الأخلاقي المعروف، وصي العلاّمة الأنصاري (انظر الذريعة ج13، ص375، الرقم 1402).
هـ وشرح للشيخ محمد علي الحزين ابن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني الأصفهاني المتوفى ببنارس الهند سنة 1181هـ (المصدر أعلاه، الرقم 1403).
و ـ وشرح للمحدث الجزائري السيد نعمة الله بن عبدالله بن محمد بن الحسين الجزائري التستري المتوفى سنة 1112هـ، وهو شرح عربي اسمه «لوامع الأنوار» (المصدر أعلاه، بعد الرقم 1403)، ثم ذكره صاحب الذريعة أيضاً في (ج18، ص363، الرقم 480) وسماه «لوامع الأنوار في شرح عيون الأخبار» وقال للسيد المحدث الجزائري السيد نعمة الله بن عبدالله التستري المتوفى سنة 1112هـ، موجود في الخزانة (الرضوية)، وعند السيد علي أصغر بن السيد حسين الحكيم بن الحاج سيد علي التستري من أحفاد الشارح، وقطعة من أوله في خزانة شيخنا الميزان محمد تقي الشيرازي، أوله: «الحمد لله ربّ العالمين حمداً كثيراً..» وهو شرح مزج ذكر في أوله اسمه واسم الشرح، وأنه كتبه بعد شرح «التوحيد» للصدوق، وفي «الضوية» نسخة مدونة مستقلة بخط محمد صالح بن محمد رشيد في شعبان سنة 1106هـ وهو بعينه تاريخ فراغ المصنف كما كتبه في الهامش بخطّه، ونسخة أخرى في حاشية كتاب «العيون» كتابتها في سنة 1125هـ بخط السيد علي أدهم الحسيني الشيرنكي السبزواري، ونسخة منقولة عن نسخة خط المصنف في مكتبة الميرزا أبي الفضل شيخ الإسلام الزنجاني».
ز ـ وشرح للمولى هادي البُنابي الراوي عن العلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ (انظر الذريعة، ج13، ص375، الرقم 1404).
ح ـ وشرح للمولى محمد صالح القزويني (الذريعة، ج15، ص376).
11 ـ كتاب من لا يحضره الفقيه، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص503)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص345، الرقم 4) وقال: «وهو مرجع في تطبيق أحكام الفقه، صنفه باقتراح الشريف محمد بن الحسن نعمة الله الذي لقيه في بلخ، وسمّاه بهذا الاسم مجاراة لكتاب الرازي الطبيب: «كتاب من لا يحضره الطبيب». وهو أحد الكتب الأربعة الأساسية عند الشيعة»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج22، ص232، الرقم 6841) وقال: «كتاب من لا يحضره الفقيه، أحد الأصول الأربعة للشيعة المعتمد عليها عندهم، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف نحو 300 كتاب، والمتوفى سنة 381هـ، وهو أربعة أجزاء، أوله: «اللَّهمّ إني أحمدك وأشكرك وأؤمن بك وأتوكّل عليك…».
وأحصى من روى عنهم في من لا يحضره الفقيه في 510 رجال، وله نسخ خطية قديمة عليها خطوط العلماء، منها نسخة الطريحي، وهو الشيخ محمد علي بن طريح بن خفاجي بن فياض بن حمة بن حميس بن جمعة، فرغ من نسخها سنة 1036هـ، وقرأ فيه وصححه ولده الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي، وكتب علي ظهره إجازة لولده الشيخ صفي الدين بن فخر الدين في يوم الجمعة […] من جمادي الثاني سنة 1072هـ، وإحصاء المجلدات والأبواب والأحاديث والمسانيد والمراسيل على ما هو منقول عن خط شيخنا البهائي، هكذا صورته:
| التسلسل | أبوابه | أحاديثه | مسانيدها | مراسيلها |
| المجلد الأول | 87 | 1618 | 777 | 841 |
| المجلد الثاني | 228 | 1667 | 1094 | 573 |
| المجلد الثالث | 173 | 1810 | 1295 | 515 |
| المجلد الرابع | 178 | 903 | 777 | 126 |
| المجموع | 666 | 5998 | 3943 | 2055 |
وهذا الإحصاء بعينه مكتوب على نسخة موجودة في مكتبة الحسينية في النجف، والجزء الأول من نسخة عند السيد مصطفى الصفائي، بقلم الميرزا علي السلطان، فرغ منه في شعبان سنة 981هـ، وقفها الكاتب في التاريخ المذكور كساير كتبه فيظهر أنه من العلماء وصاحب المكتبة أوقفها لتكون صدقة جارية بعده».
كما وللكتاب المذكور نسخ خطية أخرى في مكتبات: برلين برقم 4782 ـ 4783، وبطرسبرج أول برقم 250، وباريس أول برقم 1108، 6615 ـ 6616، 6659، 6662، والمتحف البريطاني أول 330، 905، المكتب الهندي أول برقم 289، بودليانا2 :84 ـ 86، كمبردج ثالث 1247، مانشستر برقم 185، الرضوية بمشهد4 :82 رقم 252 ـ 262، 95 رقم 288 ـ 298، بورها برقم 50، بنكيپور 5 رقم 1263،5 :2 رقم 479، آصفيه1 :474 رقم 605، رامبور1 :254 رقم 583، عليجره 101 رقم 3، پاتنه1 :64 رقم 663 ـ 665،2 :254 رقم 2707.
وطبع على الحجر بدون ذكر المكان سنة 1324، وفي لكنو سنة 1307هـ، وفي إيران سنة 1325، وفي بمبي.
وعليه شرح ونوادر وترجمة ذكره بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص345) وهي:
أ ـ شرح روضة المتقين، لمحمد تقي بن مقصود علي المجلسي المتوفى سنة 1070هـ/1659م، منه نسخ خطية في4 :39 رقم 120، 40 رقم 122، ومكتبة سپه سالار بطهران1 :254 ـ 257.
ب ـ وعليه: نوادر من لا يحضره الفقيه، والظاهر أنّه لولي الله الحسيني مصنف تحفة الملوك، نسخة منه في مكتبة سپه سالار بطهران1 :334.
جـ ومنه أيضاً: تفسير سورة الحمد، نسخة مخطوطة منه في المكتب الهندي أول برقم 1157.
د ـ وله ترجمة فارسية، لوامع صاحب قرآني، قدمت إلى عبابس الثاني (انظر كشف الحجب للكنتوري 2714)، منه نسخ خطية في مكتبات: المتحف البريطاني ثاني Pers.13 بطرسبرج خامس برقم 253، المكتبة الرضوية بمشهد2 :81، 247، بنكيپور 14 رقم 1258 ـ 1260، مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال 2: 384، 2. وطبعت هذه الترجمة في طهران سنة 1322 و1324هـ.
12 ـ كتاب الاعتقادات ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص225، الرقم 887) وقال: «الاعتقادات، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الشيخ الصدوق المتوفى بالرّي سنة 381، طبع مكرراً، أوله: «الحمد لله ربِّ العالمين وحده لا شريك له»، أملاه في مجلس يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سن 368هـ لما سأله المشايخ الحاضرون أن يملي عليهم وصف دين الإمامية على وجه الإيجاز، ولذا سمّاه الشيخ بدين الإمامية، ذكر فيه جميع اعتقادات الفرقة الناجية الضرورية منها وغير الضرورية، الوفاقية منها وغير الوفاقية وقال في آخره «وسأملي شرح ذلك وتفسيره إذا سهل الله عزّ اسمه عليَّ العود من مقصدي إلى نيسابور»، ولم يذكر شرح له في فهرس تصانيفه الكثيرة، ولعلّه لم يتيسر له، ولذا عمد الشيخ المفيد إلى شرح الكتاب (وانظر الذريعة ج13، ص100، الاعتقادات).
وللكتاب المذكور مخطوطات في مكتبات المتحف البريطاني أول برقم 851، بطرسبرج ثالث برقم 61، آصفية 610:1 رقم 333 (بعنوان: عقائد الإمامية) ـ و2 :1296: رقم 102، والرضوية بمشهد1 :63، 208 ـ 209، وانظر كتالوك براون (C,9,I 16) .
وطبع كتاب الاعتقادات في طهران سنة 1300هـ.
وقد اهتم أصحاب القلم بكتاب الاعتقادات حيث شرحه عدد من الفضلاء، كما ترجم إلى أكثر من لغة، ومن هذه الشروح والتراجم:
أ ـ ترجمة فارسية لعبدالله بن حسين رستم داري، مخطوطة منها في مكتبة بنكيپور14 :1328، ذكرها له صاحب الذريعة في (ج4، ص79، الرقم 336) تحت عنوان «ترجمة اعتقادات الصدوق» وقال: «للمولى عبدالله بن الحسين الرستم داري المازندراني، قال في الرياض: «رأيت نسخة منه بتبريز، ألّفه المؤلف بها لبعض أصدقائه ولم أعلم عصره». ثم ذكرها له مرة أخرى في (ج13، ص101، بعد الرقم 318) وسماه «شرح اعتقادات الصدوق» وقال: «للمولى عبدالله بن الحسين الرستمداري المازندراني وقد مرّ بعنوان الترجمة».
ب ـ وللاعتقادات ترجمة أخرى ذكرها صاحب الذريعة تحت عنوان: «منهاج المؤمنين» في (ج23، ص177، الرقم 8549) وقال: «ترجمة لاعتقادات الصدوق، لم أعرف المترجم، أوله: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين». (وانظر الذريعة ج4، ص79، بعد الرقم 336).
جـ وله ترجمة أخرى باسم «وسيلة النجاة» ذكرها له صاحب الذريعة في (ج4، ص79، ذيل الترجمة السابقة)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346) وقال: «وله (أي الاعتقادات) ترجمة فارسية لعلي بن حسين بن الزواري»، ثم ذكرها له صاحب الذريعة أيضاً في (ج25، ص88، الرقم 482) وقال: «وسيلة النجاة، ترجمة لاعتقادات الصدوق، (ذكرناها في ج2: 226 ـ و13: 100 ـ 102) للملاّ علي بن الحسن الزواري المفسر تلميذ المحقق الكركي، وأستاذ الملاّ فتح الله المفسر الكاشاني، قال صاحب الرياض: «رأيته ببلده أمل وغيرها»، أقول، ورأيت منه نسخة عند جلال الدين المحدث أستاذ كلية الإلهيات بطهران وصاحب وسيلة القربة».
د ـ وله ترجمة أخرى ذكرها صاحب الذريعة (ج4، ص79، الرقم 337) وقال: «ترجمة اعتقادات الصدوق، لميرزا علي المدرس ابن السيد علي رضا بن زين العابدين بن السيد محمد بن السيد مرتضى بن السيد محمود المعروف بالأخباري بن السيد صدر الدين بن محمد نصير بن ميرزا محمد صالح الطباطبائي اليزدي المتوفى سنة 1240هـ، ذكره في «آئينه دانشوران» (وانظر الذريعة ج13، ص101، بعد الرقم 318) حيث ذكرها تحت عنوان «شرح اعتقادات الصدوق».
هـ – وله ترجمة فارسية لأبي الفتح الحسيني (في عهد شاه طهماست 930 ـ 984هـ/1521 ـ 1576م)، ذكرها له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346). منها مخطوطة في مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال 2: 386.
و ـ وترجمة فارسية أخرى لمحمد بن شمس الدين محمد الأسترآبادي (المصدر أعلاه)، مخطوطة منها في بنكيپور برقم 14 :1329.
ز ـ وترجمة أردية بعنوان «هديه جعفريه» بقلم إعجاز حسين ذكرها له صاحب الذريعة (ج25، ص207، الرقم 297).
ح ـ كما ذكر له بروكلمن أيضاً في المصدر السابق ترجمة إنكليزية وقال: وله ترجمة إنجليزية من عمل أ. فيضي في: Ist. Res. Ass. 1932.
ط ـ وللاعتقادات شرح للشيخ المفيد (أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان). (انظر الذريعة ج4، ص193 «تصحيح الاعتقاد»، وج13، ص103 «شرح اعتقادات الصدوق»).
ي ـ شرح اعتقادات الصدوق، بالفارسية، ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص102، الرقم 319) وقال: «مرتب على أربعة وأربعين باباً، عبّر فيه الشارح عن نفسه بقوله: فقير واثق بفضل الله وبرجاء تعييني ابن ولي القزويني رزقه الله حسن الاعتقاد… إلخ. رأيت النسخة في «مكتبة مدرسة النواب» الموقوفة في مشهد الرضا عليه السلام بخراسان، والمظنون: أنّ اسمه فضل الله بن ولي الله القزويني، ولم يكن فيه تاريخ، وأظنه من أفاضل القرن الثاني عشر أو قبله بقليل».
ك ـ شرح اعتقادات الصدوق، وترجمتها إلى الفارسية، للسيد محمد مهدي الموسوي المجاور بالمشهد الرضوي، كتبه باسم الشاه عباس الصفوي المتوفى سنة 1078هـ، ذكره له صاحب الذريعة (ج13، ص102، الرقم 320) وقال: «رأيته في مكتبة الشيخ محمد سلطان المتكلّمين في طهران».
ل ـ شرح اعتقادات الصدوق، للسيد المحدث نعمة الله بن عبدالله الموسوي التستري الجزائري المتوفى سنة 1112هـ، ذكره له صاحب الذريعة، ج13، ص102، الرقم 321.
13 ـ كتاب المقنع، في الفقه، ذكره له المدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347)، وخير الدين الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج22، ص123، الرقم 6365) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، أوله: «الحمد لله الذي حجب الأبصار عن رؤيته، وتفرد بكبريائه، وعز في ذاته وعلا في صفاته…».
قال فيه: «إني صنفت كتابي هذا وسمّيته كتاب «المقنع» لقنوع من يقرأ بما فيه، وحذفت الإسناد لئلا يثقل حمله ويصعب حفظه ولا يمله قاريه…». وهو كتاب متداول شائع، وينقل عنه في «الوسائل»، ونقل عنه في «الأفعال» عن نسخة عصر المصنف. منه نسخة عند الميرزا محمد علي الأوردبادي.
بدأ فيه بالوضوء وأورد كثيراً من أبواب الفقه حتى الديات، ونقل في آخره عن رسالة والده إليه».
طبع المقنع في طهران ضمن «جوامع الفقه» سنة 1276هـ. (راجع آخر التسلسل 22 فيما يلي).
وللكتاب المذكور نسخة خطية في: المكتبة الرضوية بمشهد برقم 5: 126 رقم 40.
14 ـ كتاب اللباس: ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج18، ص293، 162) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، المتوفى 381هـ».
ولم يزد على ذلك شيئاً.
ولكني رأيته قد استدرك ما قاله وذكر في (ج22، ص124) عند الكلام عن «كتاب المقنع في الفقه» آنفاً، وقال في آخر الشرح: «وله» آداب ليس الثوب الجديد «عندي نسخة ملكها الحاج حسين كبه وهي بقلم محمد بن خضر في سنة 1233هـ».
15 ـ كتاب المصابيح: ذكره له الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص80، الرقم 4043) وقال: «كتاب المصابيح» في من روى عن النبي والأئمة عليهم السلام، للشيخ الصدوق أبي جعفر بن بابويه القمي، وهو خمسة عشر مصباحاً وكل مصباح كتاب على حده، كما يظهر من النجاشي، فالمصباح الأول ذكر من روى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من الرجال، المصباح الثاني ذكر من روى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من النساء، الثالث ذكر من روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، الرابع ذكر من روى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، الخامس ذكر من روى عن أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام وهكذا لكل إمام مصباح إلى المصباح الخامس عشر وذكر فيه الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات» كما ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، ثم ذكر ما قاله آغا بزرك الطهراني في الذريعة، وأضاف قائلاً: «المصباح السادس فيمن روى عن أبي عبدالله الحسين عليه السلام، المصباح السابع فيمن روى عن علي بن الحسين عليهما السلام، المصباح الثامن فيمن روى عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، المصباح التاسع فيمن روى عن أبي عبدالله الصادق [جعفر بن محمد] عليه السلام، المصباح الحادي عشر فيمن روى عن أبي الحسن الرضا [علي بن موسى] عليه السلام، المصباح الثاني عشر فيمن روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، المصباح الثالث عشر فيمن روى عن أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام، المصباح الرابع عشر فيمن روى عن أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام، المصباح الخامس عشر في الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات»، وانظر الذريعة (ج10، ص146)، رجال الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه.
16 ـ كتاب السلطان، ذكره له النجاشي في الرجال (ص276)، والزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص217، الرقم 1437).
17 ـ تاريخ ابن بابويه، ذكره له الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، والنجاشي في الرجال (ص276)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج3، ص222، الرقم 812)، وقال: (لابن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ذكره النجاشي في كتاب الرجال في إعداد كتبه، ويحتمل أن يكون مراده الكتاب المشتمل على تراجم عامة الرواة، من الخاصة والعامة وأخبارهم ووفياتهم، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
18 ـ كتاب الشعر، ذكره له النجاشي في الرجال (ص276)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج14، ص192، الرقم 2142) وقال: «لأبي جعفر ابن بابويه القمي، قاله النجاشي في الرجال».
19 ـ كتاب مناظرة ركن الدولة مع الشيخ الصدوق، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155) وسمّاه: المجلس الذي جرى له بين يدي ركن الدولة، ثم ذكر له المجلس الثاني، والثالث، والرابع والخامس. فيظهر من هذا أنّ المناظرة قد تمت في خمسة مجالس. كما ذكر هذه المناظرة له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346، الرقم 8) وسمّاها: مناظرة الملك ركن الدولة مع الصدوق ابن بابويه، في من هو الخليفة بعد علي عليه السلام، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج22، ص192، الرقم 7151) وقال: «مناظرة ركن الدولة، مع الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ جمعها الشيخ ركن الدين الدوريستي، وذلك لما اطلع الملك ركن الدولة على رياسة الصدوق لمذهب الشيعة وغزارة علمه، اشتاق إليه، فلما قدم إليه الصدوق عظّمه ورحّب به وأجلسه في جنبه وناظر معه. أولها: «قال الملك: أيها الشيخ العالم اختلف الحاضرون في القوم الذين يطعن عليهم الشيعة، قال بعض يجب الطعن عليهم، وقال آخرون لا يجب ولا يجوز فما عندك…». وذكر في «مجالس المؤمنين» ترجمة هذه المناظرة وهي في خزانة «الصدر»، والمكتبة «الرضوية».
كما ولها نسخ خطية أخرى غير التي ذكرها صاحب الذريعة منها: نسخة خطّية في المتحف البريطاني أول برقم 886 رقم 3، وفي كتالوك براون {y,5,1} وانظر:
Strothmann, Islam XXI, 307
20 ـ كتاب ثواب الأعمال، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص135)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وصاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص18، الرقم 77) وقال: «للشيخ الصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381هـ ذكره النجاشي، وطبع مكرراً مع «كتابه عقاب الأعمال» في مجلد في إيران».
منه نسة خطّية في مكتبة مانشستر برقم 94، ونسخة خطّية أخرى جاء ذكرها في «كتالوك براون ـ C10» وطبع الكتاب المذكور مع كتابه عقال الأعمال «الآتي ذكره» في طهران سنة 1299هـ.
21 ـ كتاب عقاب الأعمال، نفس المصادر المذكورة في التسلسل «20» أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج15، ص280، الرقم 1228) وقال: للشيخ الصدوق ابن بابويه القمي، طبع بإيران سنة 1299هـ مع «ثواب الأعمال» [المذكور أعلاه] وعندي منهما نسخة كتابتها سنة 1067هـ.
وللكتاب المذكور مخطوطة جاء ذكرها في «كتالوك براون ـ C10» تحت عنوان «عقاب العمل».
22 ـ كتاب الهداية، في الأصول، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص136)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج25، ص174، الرقم 115) وسمّاه «الهداية بالخير»، وقال: «في الأصول والفروع، للصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، مرتب على أبواب، ابتدأ فيه بالأصول، وأول أبوابه ما يجب اعتقاده في توحيد الله، ثم النبوّة، ثم الإمامة إلى آخر باب النيّة. ثم شرع في الفروع من باب المياه، ثم الوضوء، والغسل، و…، حكى عنه أنّه جوز فيه الوضوء والغسل بماء الورد…، أوله: الحمد لله الذي له الخلق والأمر وهو أحسن الخالقين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيين…». ينقل عنه المجلسي في البحار، وقال في أوله أنّ اشتهاره ليس كاشتهار كتب الصدوق.
رأيت منه نسخة ناقصة إلى أواخر الحج في خزانة «الصدر»، ونسخة أخرى إلى الميراث عند السيد أبي القاسم الأصفهاني في النجف، وأخرى عند الميرزا محمد علي الأردبادي، وأخرى عند «هادي كاشف الغطاء»، ونسخة عنوانها «هداية المتعلّمين» في مكتبة مدرسة «البروجردي» وهي بخط تاج الدين حسين بن عوض شاه الكاشاني فرغ منها يوم الثلاثاء 1 رجب سنة 687هـ وهي إلى آخر الميراث، ونسخة في مكتبة راجه فيض آبادي بالهند».
وله نسخ خطّية أخرى في مكتبات: برلين برقم 1779 Qu، والمكتب الهندي أول برقم 4632.
وطبع “الهداية” ضمن جوامع الفقه في طهران سنة 1276هـ، أما جوامع الفقه المذكور فهو مجلد كبير طبع فيه اثنا عشر كتاباً في الفقه من تأليفات القدماء وهي:
أ ـ المقنع في الفقه للشيخ الصدوق (راجع التسلسل 13 فيما سبق).
ب ـ الهداية، للشيخ الصدوق أيضاً.
جـ ـ الانتصار، للمرتضى.
د ـ الناصريات، له أيضاً.
هـ الجواهر، لابن البراج.
و ـ الإشارة، لعلاء الدين الحلبي.
ز ـ المراسم، لسلار.
ح ـ النهاية، للشيخ الطوسي.
ط ـ نكت النهاية، للمحقق الحلّي.
ي ـ الغنية، لابن زهرة.
ك ـ الوسيلة، لابن حمزة.
ل ـ عديمة النظير في ترجمة أبي بصير.
كما طبع في طهران مع كتابي «المجالس» و«المقنع» بعنوان «وصف دين الإمامية» سنة 1380هـ (انظر الذريعة، ج19، ص355، القسم الآخر من تعريف كتاب «المجالس» للصدوق.
23 ـ كتاب الاختصاص، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 18)، وآغا برزك الطهراني في الذريعة (ج1، ص358، الرقم 1889) وقال: «للشيخ الصدوق بن بابويه، حكى لي أمين الواعظين ميرزا إبراهيم بن محمد علي الأصفهاني المولود سنة 1275هـ أنّه موجود عنده بأصفهان، وقد سألته أن يكتب إليَّ خصوصياته، ولكن انقطع عنّي خبره إلى أن توفى رحمه الله».
24 ـ كتاب «الأربعون عن الأربعين من الأربعين»، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348) وقال: في مكتبة ملاّ علي آقا في تبريز (انظر مجلة لغة العرب 7: 159).
25 ـ كتاب فضائل شهر رجب، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 22) وقال: «في مكتبة ملاّ علي آقا في تبريز (انظر مجلة لغة العرب 7 :160)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص258، بعد الرقم 1042) وقال «كتاب فضائل رجب، للشيخ الصدوق مرّ بعنوان فضائل الأشهر الثلاثة»، ثم ذكره بعنوان فضائل الأشهر الثلاثة في (ج16، ص252، الرقم 1012) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد القمي المتوفى سنة 381هـ، ينقل عنه شيخنا النوري في كتبه، يوجد في تبريز في موقوفة الحاج السيد علي الأيرواني، وكان عند العلاّمة المجلسي وينقل عنه في «البحار»، ونسخة عتيقة عند الشيخ الميرزا أبي الهدى بن الميرزا أبي المعالي بن الحاج الكلباسي في النجف، واستنسخ منها نسخ أخرى، وهو في ثلاثة أجزاء:
أ ـ فضائل رحب.
ب ـ فضائل شعبان.
جـ فضائل رمضان.
وكلّ منها كتاب مستقل مختصر. كما أحال كل واحد منها (الشيخ الصدوق) في كتاب الصوم من كتابه «من لا يحضره الفقيه» معبّراً عنه بكتاب فضائل رجب، وكتاب فضائل شعبان، وكتاب فضائل رمضان، لكن لاختصارها واجتماع الأبواب الثلاثة في مجلد واحد، اشتهر الجميع باسم واحد يعني: «فضائل الأشهر الثلاثة»، وهذه الكتب الثلاثة مما غفل عنها الشيخ [الطوسي] في «الفهرست»، والنجاشي في «رجاله» وما ذَكَرَاها في عداد تصانيف الصدوق.
أوله: «الحمد لله ـ إلى قوله ـ أخبرنا أبو جعفر بن علي بن الحسين بن بابويه».
26 ـ كتاب فضائل شهر رمضان، راجع التسلسل 25 فيما سبق، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 23)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154، 156)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، و(انظر مجلة لغة العرب 7 :64).
27 ـ كتاب فضائل شهر شعبان، المصادر أعلاه وراجع التسلسل 25 فيما سبق، و(انظر مجلة لغة العرب 7: 65).
28 ـ فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 25).
وانظر مجلة لغة العرب (7: 82).
29 ـ كتاب مشيخة الصدوق، ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص72، الرقم 4006) وقال: «في ذكر من لقيه من أصحاب الحديث، وعن كل واحد منهم حديث، كما ذكره النجاشي»، وهو غير كتاب مشيخة ابن بابويه الآتي.
30 ـ كتاب حقوق الإخوان، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص156).
31 ـ غنائم الأنام في مسألة الحلال والحرام، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 19) وقال: «طبع في طهران سنة 1319هـ».
32 – إثبات النص على الأئمة عليهم السلام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346، الرقم 7) وسمّاه: النصوص على الأئمة الاثني عشر، وقال: «مخطوطة منه في باريس أول برقم 2018 رقم 2»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص102، الرقم 501) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381، وذكره النجاشي، وهو المشهور بنصوص الأئمة عليهم السلام»، ثم ذكره مرة ثانية بعنوان: نصوص الأئمة (ج24، ص179، الرقم 930) وقال: «للصدوق ابن بابويه محمد بن علي القمي المتوفى سنة 381هـ، ينقل عنه في «البحار»، وينقل عنه السيد هاشم البحراني في «الإنصاف» وجعل رمزه «نص»، وتوجد نسخة في المكتبة الأهلية بباريس ذكر في فهرسها بعنوان «النصوص على الأئمة» فلعلّه هذا، وقطعة من آخر النصوص موجودة عند السيد أبي القاسم المحرر الأصفهاني بالنجف بخط المولى حسين بن علي الخيري من أعمال فارس، كتبه في شعبان سنة 695هـ، ثم قرأه علاء الدين محمد، على أستاذه عز الدين حسين بن عبدالصمد وكتب ذلك علاء الدين المذكور بخطّه على آخر تلك القطعة، وهذا لفظه: «قد فرغت من قراءة الأحاديث المباركة الشريفة الموسومة بالنصوص، عند شيخي ومولاي ومقتداي ومخدومي وأستاذي مفتي الزمان وفقيه العصر والأوان زبدة العلماء المتشرعين خلاصة الفقهاء المحدثين الشيخ الأجل الأعلم الأورع الأعظم الشيخ حسين بن عبدالصمد غفر الله له ولوالديه. وأنا الفقير إلى الغني علاء الدين محمد بن هداية الله الحسني الحسيني الخيروي عفا الله عنهما، في ذي القعدة 967هـ»، والنسخة التامة موجودة عند السيد محمد بن مرتضى الكشميري في النجف، ورسالة منتخبة منه موجودة بجامعة طهران برقم 8970 الرسالة التاسعة وهي لمحمد باقر ولي الأسترآبادي، كتبت في القرن 12».
33 ـ كتاب مشيخة ابن بابويه، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 20)، وقال: «مخطوطة منه في مكتبة مشهد 4: 39 رقم 121»، كما ذكره له آغا بزرك الطهران في الذريعة (ج21، ص72، الرقم 4007) وسمّاه: مشيخة الفقيه، وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ولما بنى في [كتاب من لا يحضره] «الفقيه» المذكور آنفاً على اختصار الأسانيد وحذف أوائلها ذكر في المشيخة طريقه إلى من روى عنه، وهؤلاء المذكورون في «المشيخة» صاروا مخصوصين بالتنفيذ عند العلماء وامتازوا بمزيد البحث والفحص عن حالهم، وذيّله صاحب «المعالم» وغيره».
وهناك «مشيخة» لكتاب «الاستبصار» و«من لا يحضره الفقيه» و«التهذيب»، كتبها المولى الشريف علي بن الحسن ساكن الروضة الرضوية، أولها: «حامداً مصلياً على الرسول وآله الذين كل واحد منهم بالمؤمنين رؤوف…، وقال: لما أجلت النظر في الأحاديث الإمامية ورجالها المرضية، استخرجت أحوال عدّة طرق للشيخين، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ومحمد بن بابويه القمي في هذا الكتاب. مثبتاً فيه الأسماء على ترتيب الحروف مكتفياً بكتابة «ص، ح، ث، م، ض» عن قولي «صحيح، حسن، موثق، مجهول، ضعيف».
(انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج21، ص71، الرقم 4002).
34 ـ كتاب الأحكام والأسباب، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، وأظن أنه كتاب علل الشرائع المذكور وأظن أنه كتاب علل الشرائع المذكور آنفاً انظر التسلسل 7 فيما سبق).
35 ـ كتاب أبطال الاختيار، في أمر الإمامة وإثبات النص فيها، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص67، الرقم 327) وقال: «وهو في إثبات الوصية، وإثبات الخلافة، وإثبات النص على الأئمة، بتصريح النجاشي وغيره».
36 ـ ابطال الغلو والتقصير، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص69، الرقم 341) وقال: «ذكره النجاشي، ويأتي في حرف الراء تحت عنوان الرد على الغالية» وبعد مراجعتي إلى مجلد حرف الراء (ج10) لم أعثر عليه مع الأسف الشديد.
37 ـ كتاب إثبات الخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص90، الرقم 434) وقال: «لرئيس المحدثين الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمي المتوفى في الري سنة 381هـ، ذكره النجاشي وغيره، وهو غير كتاب إثبات النص عليه، عليه السلام، وغير كتاب إثبات النص على الأئمة عليهم السلام، فإن كل واحد منها ذكر مستقلاً في الفهارس».
38 ـ كتاب إثبات النص على أمير المؤمنين عليه السلام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص102، الرقم 502) وقال: «للشيخ الصدوق، ذكره النجاشي أيضاً بعد ذكر كتاب إثبات النص على الأئمة عليهم السلام، فكل منهما كتاب مستقل له، كما أنّ إثبات الوصية لعليّ عليه السلام، وإثبات الخلافة له عليه السلام، كتابان مستقلاّن للشيخ الصدوق، ذكرهما النجاشي».
39 ـ إثبات الوصية لعليّ عليه السلام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص111، الرقم 536) وقال: «ذكره له النجاشي».
40 ـ كتاب أخبار أبي ذر الغفاري وفضائله، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص 317، الرقم 1636) وقال: «أخبار أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، لرئيس المحدثين الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، ذكره النجاشي مع سائر تصانيفه».
41 ـ أخبار أبي طالب، وعبدالمطلب، وعبدالله وآمنة بنت وهب، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص317، الرقم 1637) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، كذا ذكره الشيخ [الطوسي] في الفهرست، وعبّر عنه النجاشي: بأخبار عبدالمطلب، وأبي طالب».
42 ـ أخبار سلمان الفارسي وزهده وفضله، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص333، الرقم 1738) وقال: «لرئيس المحدثين الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381هـ، ذكره النجاشي».
43 ـ أخبار عبدالعظيم بن عبدالله الحسين، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، ص339، الرقم 1773) وقال: «أخبار عبدالعظيم ابن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381هـ.
44 ـ أخبار المختار ابن أبي عبيدة، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص349، الرقم 1830) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكره النجاشي، كما ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473).
45 ـ أركان الإسلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص525، الرقم 2563) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد…، ذكره النجاشي».
46 ـ الاستسقاء، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص23، الرقم 76) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكره النجاشي في عداد تصانيفه».
47 ـ كتاب الاعتكاف، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص229، الرقم 902) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، ذكره النجاشي».
48 ـ كتاب الإمامة، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص335، الرقم 1337) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفى سنة 381هـ، ذكره السيد هاشم البحراني في أول كتاب المعاجز، وهو مذكور في النجاشي، والفهرست [للشيخ الطوسي]، نعم في النجاشي كتاب الإنابة فلعلّه تصحيف».
49 ـ كتاب امتحان المجالس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص345، الرقم 1375) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381هـ، ذكره النجاشي».
50 ـ كتاب الأواخر، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص470، الرقم 1829) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد…، ذكره النجاشي».
51 ـ كتاب الأوامر، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص470، الرقم 1830) وقال: «للشيخ الصدوق، ذكره النجاشي»، وكما ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
52 ـ كتاب أوصاف النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص478، الرقم 1870) وقال: «أوصاف النبي صلَّى الله عليه وآله، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
53 ـ كتاب الأوائل، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان اليعة (ج46، ص154) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص471، الرقم 1838) وقال: للشيخ أبي جعفر الصدوق…، ذكره النجاشي».
54 ـ كتاب الأغسال، ذكره له صاحب الذريعة (ج2، ص252، الرقم 1014) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
55 ـ كتاب الاعتكاف، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص229، الرقم 902) وقال: «ذكره النجاشي».
56 ـ كتاب الإبانة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
57 ـ كتاب أبطال الغلو والتقصير، المصدر أعلاه، (ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص69، الرقم 341) وقال: «ذكره النجاشي».
58 ـ تفسير قصيدة في أهل البيت عليهم السلام، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص138)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج4، ص349، الرقم 1538) وقال: «ذكره النجاشي في آخر تصانيفه، ولم يصرح بأن القصيدة أيضاً له أم لغيره، وإن كان الأول أظهر».
59 ـ التفسير الجامع، (كبير)، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154، 156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج4، ص279، الرقم 1284) وسمّاه: تفسير الصدوق، وقال: «له تفسير كبير ذكره النجاشي ووصفه بقوله كتاب «تفسير القرآن» جامع، وذكر تفسيره الصغير معبّراً عنه بقوله «كتاب تفسير القرآن».
60 ـ مختصر تفسير القرآن (التفسير الصغير)، وهو ملخص التفسير الجامع المذكور أعلاه، ذكره له صاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473) وانظر قول صاحب الذريعة في التسلسل 59 أعلاه و(ج20، ص191، الرقم 2524) مختصر تفسير القرآن.
61 ـ كتاب التجارات، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج3، ص346، الرقم 1247).
62 ـ كتاب تحريم الفقاع، ذكر له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج3، ص395، الرقم 1419) وقال: «عده النجاشي من كتبه».
63 ـ رسالة في تحريم الفقاع، أشار إليها آغا بزرك الطهراني في الذريعة عنه الكلام على كتاب «تحريم الفقاع» المذكور أعلاه.
64 ـ مسألة في تحريم الفقاع، أشار إليها آغا بزرك الطهراني في الذريعة عند الكلام على كتاب «تحريم الفقاع» المذكور في التسلسل 62 أعلاه.
65 ـ كتاب التقية، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
66 ـ كتاب التركات، المصدر أعلاه.
67 ـ كتاب جامع آداب المسافر للحج، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب الذريعة (ج5، ص31، الرقم 143) وقال: «ذكره النجاشي».
68 ـ كتاب جامع الأخبار، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473). والظاهر أنّ هذا الكتاب من تأليف محمد بن محمد الشاعري، وقيل من تأليف علي بن سعد الخياط «انظر: بحار الأنوار للمجلس «المقدمة»، وكشف الحجب للكنتوري للمجلسي، ص150، والذريعة ص33، الرقم 151».
69 ـ جامع تفسير المُنزَل في الحج، ذكره له المدرّس التبريزي في المصدر أعلاه، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص46، الرقم 180) وقال: «ذكره النجاشي».
70 ـ كتاب جامع الحج، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص48، الرقم 191) وقال: «ذكره النجاشي».
71 ـ جامع حجج الأئمة، ذكره له صاحب الذريعة (ج5، ص48، الرقم 192) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473).
72 ـ جامع حجج الأنبياء عليهم السلام، ذكره له صاحب الذريعة (ج5، ص48، الرقم 193) وقال: «ذكره النجاشي»، وصاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
73 ـ كتاب الحج، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) (انظر التسلسل 155 فيما يلي).
74 ـ كتاب الجمعة والجماعة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص140، الرقم 583) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، يروي النجاشي كتبه بواسطة والده علي بن أحمد الذي هو من العلماء المحدثين الثقات الأعاظم بشهادة رواية ولده النجاشي عنه في مواضع من [كتاب] رجاله، منها في ترجمة الصدوق، ومنها في ترجمة عثمان بن عيسى الرواسي، ومنها في ترجمة محمد بن أبي القاسم، وفي جميعها يروي النجاشي عن والده عن الصدوق، وقال والده إنَّ الصدوق أجاز له أن يروي عنه جميع كتبه لمّا سمع منه ببغداد في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وقد تحقق وثبت عند الأصحاب من ديدن (عادة) النجاشي أنه لا يروي إلاَّ عن أعاظم المحدثين المعمّرين وأنّ له الأسانيد العالية، والعجب كل العجب أنّ مثل هذا المحدث الجليل في مشايخ أصحابنا الذي هو ممن سمع الحديث من الشيخ الصدوق ويروي عنه جميع كتبه، وأصحابنا حتى اليوم يروون عنه بواسطة ولده أبي العباس النجاشي، مع ذلك كلّه ليست في ترجمة مستقلة في الكتب الرجالية المؤلفة قبل سنة 1015هـ، نعم ترجمه القهبائي مستقلاً في هذا التاريخ في «مجمع الرجال» بغاية الاختصار».
75 ـ كتاب جوابات المسائل النيشابورية، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص240، الرقم 114) وقال: «ذكره النجاشي».
76 ـ كتاب جوابات المسائل الواسطية، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص240، الرقم 1146) وقال: «ذكره النجاشي»، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155).
77 ـ كتاب حجج الأئمة، (انظر التسلسل 69 فيما سبق)، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص263، الرقم 1441) وقال: «ذكره السيد هاشم البحراني في أول «مدينة المعاجز».
78 ـ كتاب الجزية، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص105، الرقم 442) وقال: «ذكره النجاشي».
79 ـ كتاب جامع زيارات الرضا عليه السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر المذكور أعلاه.
80 ـ كتاب جواب رسالة وردت في شهر رمضان، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر المذكور أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص180، الرقم 789) وقال: «للشيخ الصدوق…، كذا ذكره النجاشي في فهرس كتب الصدوق، والظاهر، أنّ ورود الرسالة كان في شهر رمضان، لا أنّ الرسالة كانت في كمية شهر رمضان، وأنّه تام أبداً، أو يدخله النقصان».
81 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من قزوين، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص230، الرقم 1098) وقال: «ذكرها النجاشي»، (وانظر الذريعة ج20، ص362، المسائل القزوينيات).
82 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من البصرة، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص215، الرقم 1013) وقال: «ذكرها النجاشي».
83 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من الكوفة، ذكرها له السيد محسن الأمين المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص231، الرقم 1110) وقال: «ذكرها النجاشي».
84 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من المدائن في الطلاق، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، (وانظر التسلسل 162 فيما يلي).
85 ـ كتاب الجمل، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص141، الرقم 592)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
86 ـ كتاب جامع الحج والعمرة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص64، الرقم 248) وقال: «ذكرها النجاشي».
87 ـ جامع فضل الكعبة والحرم، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص64، الرقم 249)، وقال: «ذكرها النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
88 ـ جامع فقه الحج، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص65، الرقم 255) وقال: «ذكرها النجاشي بعد ذكره» جامع فرض الحج والعمرة [انظر التسلسل 86 فيما سبق]»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473).
89 ـ جامع نوادر الحج، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص75، الرقم 291) وقال: «ذكرها النجاشي».
90 ـ كتاب الروضة، ذكره العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135) في ترجمته وقال: «وفي نسبة كتاب «الروضة» إليه نظر واضح، فإن وصفه لا يشبه شيئاً من مؤلفاته ولا إسناده أسانيدها، وإرساله مراسيلها، ولذا لم يسندها إليه صاحب «البحار» مع أنّ عدة منها نسختين مختلفتين، زعمها كتابين، ورمز لأحديهما «فض» وللأخرى «يل» وهذا مثل نسبة بعضهم إليه أيضاً كتاب «المجموع الرائق»، مع أنها مقطوع على خلافها»، وذكره له الحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، كما ذكره صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج11، ص282، الرقم 1721) وقال: «الروضة»، في المعجزات والفضائل، لبعض علمائنا. وخطأ من نسبه إلى الصدوق لأنه يروي أول أحاديثه في سنة إحدى وخمسين وستمائة، قال ما نصه: «قال جامع هذا الكتاب: حضر الجامع بواسط يوم الجمعة سابع ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمائة وتاج العين نقيب الهاشميين يخطب في الناس…»، وهو من الكتب التي ينقل عنها في «البحار» ناسباً له كما ذكرنا إلى بعض علمائنا في الفصل الأول من أول مجلدات البحار عند عده للكتب المنقول عنها، وقال في الفصل الثاني «وكتاب الروضة ليس في محل رفيع من الوثوق…» وفي الفصل الثالث منه، جعل رمزه «فض» قال: لكونه في الفضائل. والشيخ المحدث الحرّ العاملي قال في أول فوائد خاتمة «أمل الآمل»: «إنّ من الكتب المجهولةِ المؤلف كتاب «الروضة» في الفضائل، وينسب إلى الصدوق ولم يثبت»… «وبناءاً على هذا فإن هذا الكتاب ليس لصاحب الترجمة وقد أخطأ من نسبه إليه.
91 ـ كتاب الحدود، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص296، الرقم 1584) وقال: كتاب الحدود، للشيخ الصدوق…، رواه النجاشي عنه بواسطة والده علي بن أحمد النجاشي بإجازته عن الصدوق في بغداد وبسماعه عنه بها»، (انظر التسلسل 156 فيما يلي).
92 ـ الحيض والنفاس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج7، ص126، الرقم 687) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكره النجاشي».
93 ـ كتاب الحداد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
94 ـ كتاب الحذاء والخف، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص391، الرقم 2433) وقال: «للشيخ الصدوق…، رواه النجاشي عنه بتوسط مشايخه»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
95 ـ كتاب خلق الإنسان، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج7، ص244، الرقم 1183) وقال: «ذكره النجاشي».
96 ـ كتاب الخمس، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج7، ص256، الرقم 1252) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
97 – كتاب حذو النعل بالنعل، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج 6، ص 392، الرقم 2435) وقال: «رواه عنه النجاشي»
98 ـ كتاب الخاتم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155) وصاحب الذريعة (ج7، ص131، الرقم 709) وقال: «ذكره النجاشي».
99 ـ كتاب الخواتيم، وهو نفس كتابه المذكور في التسلسل 98 أعلاه ذكره له بهذا الاسم آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص268، الرقم 1291) وقال: «كتاب الخواتيم، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ذكر في تصانيفه بهذا العنوان في فهرس الشيخ الطوسي، ولكن النجاشي عبّر عنه بكتاب «الخاتم»».
100 ـ كتاب دعائم الإسلام في معرفة الحلال والحرام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص153)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج8، ص197، الرقم 770) وقال «للشيخ الصدوق…، عده الشيخ الطوسي في الفهرست من تصانيفه، وذكره النجاشي أيضاً نقلاً عن فهرست الشيخ».
101 ـ كتاب الديات، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج8، ص287، الرقم 1240) وقال: «ذكره النجاشي»..
102 ـ كتاب دلائل الأئمة ومعجزاتهم، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج8، ص239، الرقم 1011) وقال: «عدّه النجاشي في فهرس تصانيفه»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
103 ـ كتاب الزكاة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص44، الرقم 268).
104 ـ كتاب زيارة قبور الأئمة عليهم السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص78، الرقم 531) وسمّاه «زيارات قبور الأئمة عليهم السلام» وقال: «ذكره النجاشي بعد كتاب المدينة، وزيارات النبي والأئمة وذكر بعدهما جامع زيارة الرضا عليه السلام».
105 ـ زيارة [الإمام] موسى بن جعفر عليه السلام، ذكره له صاحب الذريعة (ج12، ص80، الرقم 552) وقال: «للشيخ الصدوق».
106 ـ كتاب زيارة موسى ومحمد عليهما السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
107 ـ كتاب زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص89، الرقم 585) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
108 ـ كتاب الزهد، ذكره له النجاشي في الرجال (ص276)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص5د، الرقم 468). ويشتمل كتاب الزهد على ثلاثة عشر كتاباً وهي:
أ ـ كتاب زهد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
ب ـ كتاب زهد فاطمة عليها السلام.
جـ – كتاب زهد علي عليه السلام.
د ـ كتاب زهد الحسن عليه السلام.
هـ كتاب زهد الحسين عليه السلام.
و ـ كتاب زهد علي بن الحسين عليه السلام.
ز ـ كتاب زهد أبي جعفر الباقر عليه السلام.
ح ـ كتاب زهد أبي عبدالله الصادق عليه السلام.
ط ـ كتاب زهد أبي إبراهيم موسى الكاظم عليه السلام.
ي ـ كتاب زهد أبي الحسن الرضا عليه السلام.
ك ـ كتاب زهد أبي جعفر الثاني عليه السلام.
ل ـ كتاب زهد علي بن محمد الهادي عليه السلام.
م ـ كتاب زهد أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام.
109 ـ كتاب الرجال المختارين من أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وانظر الذريعة (ج10، ص83، الرقم 148).
110 ـ الرسالة الثالثة في الغيبة، وهي غير كتاب «إكمال الدين وإتمام النعمة» المذكور سابقاً، وغير كتاب «الغيبة» الآتي، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
111 ـ رجال ابن بابويه، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج10، ص83، الرقم 148) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، قال الشيخ الطوسي في الفهرست: «إنّ له كتاب الرجال لم يُتمّه».
112 ـ رسالة إلى أبي محمد الفارسي في شهر رمضان، ذكرها له صاحب الذريعة (ج11، ص107، الرقم 664) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكرها النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)».
113 ـ رسالة إلى أهل بغداد في معنى شهر رمضان، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج11، ص107، الرقم 666) وقال: «ذكرها النجاشي».
114 ـ كتاب الرجعة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج10، ص163، الرقم 295).
115 ـ كتاب السؤال، ذكره له السيد محسن الأمين في المرجع أعلاه.
116 ـ كتاب السواك، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص241، الرقم 1581) وقال: «ذكره النجاشي».
117 ـ كتاب السهو، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص265، الرقم 1762).
118 ـ كتاب السكنى والعمرى، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
119 ـ كتاب السُنة، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
120 ـ السر المكتوم إلى الوقت المعلوم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص170، الرقم 1133) وقال: «ذكره النجاشي».
121 ـ كتاب الصلاة سوى الخمس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
122 ـ كتاب الصيانة، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
123 ـ كتاب الطرائف، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج15، ص154، الرقم 1014).
124 ـ كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج15، ص217، الرقم 1430) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
125 ـ كتاب علامات آخر الزمان، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وصاحب الذريعة (ج15، ص311، الرقم 1983) وقال: «ذكره النجاشي».
126 ـ كتاب الغيبة، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وسمّاه: الرسالة الثانية في الغيبة، ولكن الشيخ الأستاذ آغا بزرك الطهراني قد ذكر في الذريعة (ج16، ص83، الرقم 412)، رسالة في غيبة الحجة (عج) وقال: «كتبها إلى أهل الري»، ثم ذكرها بعدها في الرقم 413، رسالة أخرى وقال: «رسالة ثانية في الغيبة، للشيخ الصدوق أيضاً، ثم أعقبها برسالة أخرى في الرقم 414 وقال: «رسالة ثالثة في الغيبة، أيضاً للشيخ الصدوق، ذكر الجميع النجاشي بعنوان «كتاب الرسالة الأولى والثانية والثالثة، وفي الفهرست للشيخ الطوسي ذكر رسالة الغيبة وصرح: إنّها إلى أهل الري». وبالإضافة إلى هذا فقد ذكر له الشيخ آغا بزرك (ج16، ص80، الرقم 402) أيضاً كتاباً باسم: «كتاب الغيبة» وقال: «ذكره الشيخ في الفهرست».
127 ـ كتاب غريب حديث النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص46، الرقم 191) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ».
128 ـ كتاب فرائض الصلاة، ذكره له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص149، الرقم 386) وقال: «للشيخ الصدوق»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
129 ـ كتاب الفرق، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص174، الرقم 524) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
130 ـ فضائل جعفر الطيّار، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وصاحب الذريعة (ج16، ص257، الرقم 1035).
131 ـ كتاب فضائل الصلاة، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص261، الرقم 1059) وقال: «ذكره النجاشي».
132 ـ كتاب فضائل (فضل) العلوية، ذكره له صاحب الذريعة (ج16، ص261، الرقم 1063) وقال: «ذكره النجاشي»، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص156) وسمّاه: «كتاب الفضائل».
133 ـ كتاب فصائل العلوم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
134 ـ كتاب فضل الحسن والحسين عليهم السلام، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص266، الرقم 1106)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
135 ـ كتاب فضل الصدقة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص268، الرقم 1120).
136 ـ فضل الصدق، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
137 ـ كتاب فضل المساجد، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص273، الرقم 1155).
138 ـ كتاب فضل المعروف، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في المصدر أعلاه (الرقم 1158)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
139 ـ فضل الصوم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
140 ـ كتاب الفطرة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص276، الرقم 1180)، والسيد محسن الأمين في المصدر أعلاه وسمّاه «كتاب الفطر».
141 ـ كتاب فقه الصلاة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص293، الرقم 1287) وقال: «ذكره النجاشي».
142 ـ كتاب الفوائد، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص320، الرقم 1486) وقال: «ذكره النجاشي».
143 ـ كتاب فهرست ابن بابويه، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص374، الرقم 1438) وقال: «كان عند الشيخ الطوسي، وينقل عنه في فهرسه في ترجمة زيد الفرس، وزيد الزراد».
144 ـ كتاب العرض على المجالس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
145 ـ كتاب القضاء والأحكام، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج17، ص140، الرقم 729)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
146 ـ كتاب القربان، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
147 ـ كتاب المجالس الخمسة، ذكره له صاحب الذريعة (ج19، ص360) وقال: «يأتي بعنوان: مجالس مع ركن الدولة، ثم ذكره بهذا العنوان في (ج19، ص367، الرقم 1635) وقال: «وهي خمسة مجالس كل واحد منها رسالة مفردة، كما عدها النجاشي كذلك». (انظر التسلسل 19 فيما سبق).
148 ـ كتاب اللعان، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج18، ص327، الرقم 307).
149 ـ كتاب اللقاء والسلام، ذكره له صاحب الذريعة (ج18، ص338، الرقم 372)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
150 ـ كتاب المتعة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج19، ص66، الرقم 362) وقال: «ذكره النجاشي».
151 ـ كتاب المحافل، ذكره له صاحب الذريعة (ج20، ص129، الرقم 2246)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
152 ـ كتاب المدينة وزيارة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، والأئمة عليهم السلام، ذكره له صاحب أعيان الشيعة في المصدر أعلاه، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص251، الرقم 2827) وقال: «ذكره النجاشي في عداد سائر تصانيفه».
153 ـ كتاب مدينة العلم، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه وصاحب الذريعة (ج20، ص251، الرقم 2830) وقال: «وهو خامس الأصول الأربعة القديمة للشيعة الإمامية الاثني عشرية، قال الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي في درايته: «أصولنا الخمسة: الكافي، ومدينة العلم، وكتاب من لا يحضره الفقيه والتهذيب، والاستبصار»، بل هو أكبر من كتاب «من لا يحضره الفقيه» كما صرح به شيخ الطائفة في الفهرست، والشيخ منتخب الدين أيضاً في فهرسه، وقال ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» أنَّ «مدينة العلم» عشرة أجزاء، ومن لا يحضره الفقيه أربعة أجزاء. فالأسف على ضياع هذه النعمة العظمى بين أظهرنا وأيدينا من لدن عصر والد الشيخ البهائي الذي مرت عبارته الظاهرة في وجوده عنده أو في زمانه وفقده إلى يومنا هذا.
كما أنّ العلاّمة المجلسي (قدّس سرّه) صرف أموالاً جزيلة في طلبه وما ظفر به، وكذا من المتأخرين عنه، فمنهم المسمى باسمه: حجة الإسلام الشفتي السيد محمد باقر الجيلاني الأصفهاني، بذل كثيراً من الأموال ولم يفر بلقائه. نعم ينقل عنه السيد علي بن طاووس في «فلاح السائل» وغيره من كتبه وفي إجازته المدرجة في آخر مجلدات البحار، وينقل عنه الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلّي وابن طاووس، في كتابه «الدر النظيم» في مناقب الأئمة، بالجملة ليس لنا معرفة بوجود هذه الدرة النفيسة في هذه الأواخر إلاَّ ما وجدناه بخط السيد شبّر الحويزي وإمضائه الآتي وهو ما حكاه السيد الثقة معين الدين السقاقلي الحيدرآبادي، فإنه ذكر هذا السيد الموصوف بالسقاقلي للسيد عبدالعزيز المجاز بن الشيخ أحمد الجزاري وهو جد السادة آل الصافي في النجف وهو المباشر لبناء المسجد الجامع الذي صرفت عليه امرأته الصالحة الهندية على ما يذكره المعاصرون، فقال السقاقلي أنه توجد نسخة «مدينة العلم» للصدوق عنده، واستنسخ عنه نسختين أخريين، وذكر السقاقلي أنه ليس مرتباً على الأبواب، بل هو نظير «روضة الكافي»، وروى السقاقلي من حفظه حديثاً للسيد عبدالعزيز في فضل مجاورة أمير المؤمينن عليه السلام، نقل عنه السيد عبدالعزيز بالمعنى وهو أنّ مجاورة ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من عبادة سبعمائة عام، وعند الحسين عليه السلام، أفضل من سبعين عاماً. وحدث السيد عبدالعزيز المذكور بجميع ما مرّ للسيد شبّر بن محمد بن ثنوان الحويزي المتوفى بعد سنة 1186هـ، وكتب السيد شبّر جميع ما مرّ من الخصوصيات المذكورة بخطّه في حاشية فهرس وسائل الشيعة الذي ألّفه مصنف أصله الشيخ الحرّ، وكان الفهرس عند السيد الشبّر، وكان يكتب عليه الحواشي طول ثلاثين سنة. وأنا رأيت النسخة في النجف».
154 ـ كتاب المرشد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وصاحب الذريعة (ج20، ص304، الرقم 3101) وقال: «ذكره شيخ الطائفة الطوسي في الفهرست، وينقل عنه السيد علي بن طاووس في عمل يوم المبعث من «الإقبال» قائلاً: أنه كتاب حسن».
155 ـ مسائل الحج، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه (ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص343، الرقم 3315) (انظر التسلسل 73 فيما سبق).
156 ـ مسائل الحدود، ذكرها له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج20، ص344، الرقم 3318) وقال: «ذكره النجاشي» (انظر التسلسل 91 فيما سبق).
157 ـ كتاب مسائل الخمس، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج20، ص346، الرقم 3333).
158 ـ كتاب مسائل الآيات، ذكره له صاحب الذريعة (ج20، ص347، الرقم 3341)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
159 ـ مسائل الرضاع، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص349، الرقم 3362).
160 ـ مسائل الزكاة، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص350، الرقم 3366).
161 ـ مسائل الصلاة، ذكرها له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص354، الرقم 3382).
162 ـ مسائل الطلاق، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص356، الرقم 3387)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، (وانظر التسلسل 84 فيما سبق).
163 ـ مسائل العقيقة، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص358، الرقم 3401)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
164 ـ المسائل المصريات، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص367، قبل الرقم 3446).
165 ـ كتاب مسائل المواريث، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة الى تصانيف الشيعة (ج20، ص369، الرقم 3457).
166 ـ مسائل النكاح، ذكرها له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155) وقال: «ثلاثة عشر كتاباً»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص372، الرقم 3474).
167 ـ المسائل النيشابورية، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص372، الرقم 2477)، راجع التسلسل 75 فيما سبق.
168 ـ مسائل الوصايا، ذكرها صاحب الذريعة، (ج20، ص372، الرقم 3480) والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
169 ـ مسائل الوضوء، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص372، الرقم 2481).
170 ـ مسائل الوقف، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص372، الرقم 2482).
171 ـ كتاب مصادقة الإخوان، (انظر مجلة لغة العرب 7: 82)، وذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348)، آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص97، الرقم 4108) وقال: «للشيخ الصدوق…، نسبه إليه النجاشي في ترجمته، والكتاب الموجود والمعروف بهذا العنوان أوّل أبوابه باب أصناف الإخوان من إخوان الثقة وإخوان المكاثرة، وأول أحاديثه ما أسنده إلى أبي جعفر عليه السلام، قال: قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجل بالبصرة، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان…، وآخِر أحاديثه: يأتي زمان ليس فيه شيء أعزّ من أخ أنيس أو كسب درهم من حلال…، والظاهر أنّ الموجود ليس «مصادقة الإخوان» بل هو كتاب «الإخوان» لوالد الصدوق يعني الشيخ أبا الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفى سنة 329هـ، وقد نسب كتاب «الإخوان» إليه النجاشي والفهرست كلاهما كما مرّ [الذريعة ج1، ص382، الرقم 1979]، وأول رواياته عن محمد بن يحيى العطّار الذي هو من مشايخ الكليني، وعلي بن بابويه، وفيه الرواية عن علي بن إبراهيم القمي مكرر وبعضها بلفظ حدثني مع أنّه أيضاً من مشايخ الكليني وعلي بابويه. وفيه أيضاً الرواية عن سعد بن عبدالله الأشعري عن هؤلاء بلا واسطة، فهذا الموجود هو كتاب «الإخوان» لوالد الصدوق ينقل عنه في «الدمعة الساكبة». وكان عند شيخنا النوري وينقل عنه في «البحار» وموجود في خزانة سيدنا الحسن صدر الدين وغيرهما، مثل الحاج ميرزا علي الشهرستاني بكربلاء، والسيد علي الإيرواني في تبريز».
172 ـ كتاب مصباح المصلى، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص120، الرقم 4215) وقال: «ذكره النجاشي».
173 ـ كتاب المعايش والمكاسب، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب الذريعة (ج21، ص208، الرقم 4646).
174 ـ كتاب المعراج، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص226، الرقم 4737) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي المتوفى سنة 381هـ، ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست، وينقل عنه السيد ولي الله بن نعمة الله في كتابه «كنز المطالب» الذي ألّفه في سنة 981هـ، والسيد هاشم التوبلي الكتاني البحراني في بعض تصانيفه».
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن والد الصدوق الشيخ علي بن حسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى رحمه الله سنة 329هـ له كتاب باسم المعراج ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص226، الرقم 4733) نقلاً عن النجاشي.
175 ـ كتاب المعرفة، في فضل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص245، الرقم 4851)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، (وانظر التسلسل 134 فيما سبق).
176 ـ كتاب المعرفة برجال البرقي، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وسمّاه: «معرفة الرجال»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص249، الرقم 4874) وقال: «ذكره النجاشي».
177 ـ كتاب من لقيه من أصحاب الحديث، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
178 ـ المجموع الرائق، المصدر أعلاه (ص156).
179 ـ كتاب الملاهي، المصدر أعلاه (ص154)، والذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج22، ص194، الرقم 6655).
180 ـ كتاب المواعظ، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج23، ص255، الرقم 8729).
181 ـ كتاب المواعظ والحكم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156).
182 ـ كتاب مواقيت الصلاة، ذكره له صاحب الذريعة (ج23، ص231، الرقم 8768)، والسيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
183 ـ كتاب الموالاة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج23، ص232، الرقم 8776).
184 ـ كتاب مولد أمير المؤمنين عليه السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج23، ص274، الرقم 8956) وقال: «ينقل عنه ابن طاووس في كتاب «اليقين» في الباب الثالث والأربعين».
185 ـ كتاب مولد فاطمة عليها السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج23، ص275، الرقم 8960).
186 ـ كتاب مونس الحزين في معرفة الحق اليقين، ذكره له صاحب الذريعة (ج23، ص282، الرقم 8986) وقال: «ينقل عنه الشيخ حسن بن محمد بن الحسن القمي في كتابه «تاريخ قم» ناسباً له إلى الصدوق قضية بناء مسجد جمكران».
187 ـ كتاب المياه، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب الذريعة (ج23، ص300، الرقم 9062).
188 ـ كتاب الناسخ والمنسوخ، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وأشار إليه صاحب الذريعة (ج4، ص279، الرقم 1284) عند الكلام على تفسير الصدوق، ثم ذكره في (ج24، ص11، الرقم 55) وقال: «الناسخ والمنسوخ، للصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381هـ، أوله: «الحمد لله لأفضائله…»، والنسخة بخط السيد أحمد بن حبيب زوين في مجموعة كلها بخطّه، عند الشيخ علي كاشف الغطاء، منسوباً إلى الصدوق مع أنّه متحد تماماً مع نسخة ابن العتايقي. [انظر كتاب الناسخ المنسوخ لعبد الرحمان بن محمد العتايقي الحلّي في الذريعة (ج24، ص11، الرقم 57)]، أوله يطابق الرقم 50 والمقصود بالرقم 50 هنا، كتاب الناسخ المنسوخ الذي ذكره في الذريعة (ج24، ص11، الرقم 50)، وقال: لبعض الأصحاب».
189 ـ كتاب النبوّة، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج24، ص40، الرقم 200) وقال: «ينقل عنه جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلّي، وينقل عنه أيضاً ابن طاووس في «الدرّ النظيم» و«الإقبال».
190 ـ نخبة الخصال، الأصل لابن بابويه الصدوق كما ذكرنا في التسلسل 3 فيما سبق، ذكر هذه النخبة صاحب الذريعة (ج24، ص94، الرقم 487) وقال: «لم يعلم الناخب، والنسخة في [مكتبة] سپه سالار في 38 ورقة آخرها: «تمت نخبة الخصال في سنة 1267هـ»، وأولها: «ترك خصلة موجودة بخصلة موعودة». «ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنّ صاحب الذريعة قد ذكر «نخبة الخصال» هذه تحت عنوان مختصر الخصال في (ج20، ص195، الرقم 2542)، وقال: «كان عند شيخنا العلاّمة النوري كما ذكره كذلك في فهرس كتبه، وتوجد في مكتبة سپه سالار نسخة منه موسومة بـ«نخبة الخصال» كتابتها سنة 1267هـ».
191 ـ كتاب نصوص الأئمة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص179، الرقم 930) وقال: «للصدوق ابن بابويه محمد بن علي القمي المتوفى سنة 381هـ، ينقل عنه في «البحار»، وينقل عنه السيد هاشم البحراني في «الإنصاف» وجعل رمزه «نص» وتوجد نسخة في المكتبة الأهلية بباريس، ذكر في فهرسها بعنوان «النصوص على الأئمة» (راجع التسلسل 32 فيما سبق «إثبات النص على الأئمة عليهم السلام»).
192 ـ كتاب النكاح، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج24، ص299، الرقم 1564) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
193 ـ كتاب النوادر، ذكره له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص341، الرقم 1811) وقال: «عبّر عنه النجاشي بنوادر النوادر».
194 ـ كتاب نوادر الصلاة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج24، ص347، الرقم 1861).
195 ـ كتاب نوادر الطب، ذكره له صاحب الذريعة (ج24، ص347، الرقم 1863)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155).
196 ـ كتاب نوادر الفضائل، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج24، ص348، الرقم 1869).
197 ـ نواد الوضوء ذكره له صاحب الذريعة (ج24، ص351، الرقم 1882).
198 ـ كتاب النهج، ذكره له صاحب الذريعة (ج24، ص410، الرقم 2163) وقال: ذكر في «معالم العلماء».
199 ـ كتاب النواهي، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وسمّاه: المناهي.
200 ـ كتاب المناهي، انظر التسلسل 199 أعلاه.
201 ـ كتاب الوصايا، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج25، ص،96 الرقم 527) وقال: «ذكره النجاشي»، (وانظر التسلسل 168 فيما سبق).
202 ـ كتاب الوضوء، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في المصدر أعلاه (ج25، ص112، الرقم 623) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وسمّاه «الوضوء والتيمّم».
203 ـ كتاب الوقوف وأحكامه، ذكره له صاحب الذريعة (ج25، ص139، الرقم 809)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، و(انظر التسلسل 70 فيما سبق).
204 ـ كتاب الوقف والصدقة والنحل والهبة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
205 ـ كتاب الهداية بالخير، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة الى تصانيف الشيعة (ج25، ص174، الرقم 115) وقال: «في الأصول والفروع، للصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، مرتب على أبواب، ابتدأ فيه بالأصول، وأول أبوابه ما يجب اعتقاده في توحيد الله، ثم النبوّة، ثم الإمامة، إلى آخر باب النيّة. ثم شرع في الفروع من باب المياه، ثم الوضوء، والغسل، و…، حكى عنه أنّه جوّز الوضوء والغسل بماء الورد ليتصعد منه الجلاب لأنفس المتصعد.
أوله: «الحمد لله الذي له الخلق والأمر وهو أحسن الخالقين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيّين»، ينقل عنه المجلسي في البحار، وقال في أوله أنّ اشتهاره ليس كاشتهار كتب الصدوق.
رأيت منه نسخة ناقصة إلى أواخر الحج في خزانة (الصدر)، ونسخة أخرى إلى الميراث عند السيد أبي القاسم الأصفهاني في النجف، وأخرى عند الميرزا محمد علي الأردوبادي، وأخرى عند هادي كاشف الغطاء، ونسخة عنوانها «هداية المتعلّمين» في مكتبة البروجردي «وهي بخط تاج الدين حسين بن عوض اه الكاشاني فرغ منها يوم الثلاثاء 1 رجب سنة 687هـ وهي إلى آخر الميراث، ونسخة في مكتبة راجه فيض آبادي هذا وقد طبع ضمن جوامع سنة 1276هـ».
المصادر
1 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج7، ص159.
2 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج64، ص153، الرقم 2583.
3 ـ تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمن، ج3، ص343، وعليه استدنا في تثبيت الكتب الخطّية.
4 ـ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ج3، ص89، الرقم 1078.
5 ـ تذكرة المتبحرين للحرّ العاملي المطبوع في ذيل أمل الآمل في ذكر علماء جبل عامل له أيضاً، المطبوع في ذيل منهج المقال، ص503.
6 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله المَامَقاني، ج3، ص154.
7 ـ جامع الرواة للعلاّمة محمد بن علي الغروي الحائري، ج2، ص154.
8 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال للعلاّمة حسن بن يوسف الحلّي، ص147.
9 ـ دائرة المعارف الإسلامية (Strothmann)، ج4، ص380.
10 ـ دائرة المعارف الإسلامية بالألمانية، حسين هدايت، ج2، ص388.
11 ـ دائرة معارف الأعلمي، للشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، ج27، ص61.
12 ـ دائرة المعارف لفؤاد أفرام البستاني، ج2، ص356.
13 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آغا بزرك الطهراني:
ج1، ص67، 69، 90، 102، 111، 317، 333، 339، 349، 358، 525.
ج2، ص23، 156، 226، 229، 252، 283، 315، 335، 345، 470، 471، 478.
ج3، ص222، 346، 347، 395.
ج4، ص79، 193، 285، 349، 379.
ج5، ص18، 31، 33، 46، 64، 65، 75، 105، 140، 141، 180، 215، 230، 231، 240.
ج6، ص263، 296، 391، 392.
ج7، ص126، 131، 162، 244، 256، 268.
ج8، ص197، 239، 287.
ج10، ص83، 163.
ج11، ص107، 282.
ج12، ص44، 65، 78، 89، 170، 217، 241، 265.
ج13، ص101، 102، 375.
ج14، ص192.
ج15، ص45، 154، 217، 280، 311، 313، 375، 376.
ج16، ص46، 83، 149، 174، 257، 258، 260، 261، 266، 268، 273، 276، 293، 320، 374.
ج17، ص140، 240.
ج18، ص293، 327، 338، 363.
ج19، ص66، 360، 367.
ج20، 129، 191، 251، 304، 343، 346، 349، 350، 354، 356، 358، 367، 369، 372.
ج21، ص71، 72، 80، 97، 120، 204، 208، 226، 245، 249.
ج22، ص123، 192، 194، 232.
ج23، ص177، 231، 232، 274، 275، 282، 300.
ج24، ص11، 40، 94، 179، 299، 341، 347، 348، 351، 410.
ج25، ص88، 96، 112، 139، 174، 207.
14 ـ الرجال لأحمد بن علي النجاشي، ص276، وفي بعض الطبعات ص302.
15 ـ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، لمحمد باقر الموسوي الخوانساري، ج6، ص132، الرقم 574.
16 ـ ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب لمحمد علي التبريزي المعروف بـ«المدرّس» طبعة طهران، ج2، ص470، الرقم 856، الصدوق.
17 ـ الفهرست لابن النديم (طبعة طهران سنة 1391هـ) ج5، ص246.
18 ـ فهرست الشيخ الطوسي، ص156، وفي بعض الطبعات (ص661).
19 ـ فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية، ج5، ص275.
20 ـ الفوائد الرجالية لآية الله بحر العلوم، ج3، ص192.
21 ـ الفوائد الرضوية للشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ص560.
22 ـ قاموس الرجال للعلاّمة الشيخ محمد تقي التستري، ج8، ص283.
23 ـ كشف الظنون لحاجي خليفة، ج2، ص1174.
24 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج1، ص221، ابن بابويه.
25 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف البحراني، ص300 ـ 309.
26 ـ مجالس المؤمنين للقاضي نور الله الشوشتري، ج1، ص454.
27 ـ مجلة لغة العرب، 7: 64، 5د، 66، 82، 159.
28 ـ مجمع الرجال تأليف العلاّمة زكي الدين عناية بن شرف الدين علي القهپائي، ج5، ص629.
29 ـ مستدرك الوسائل للقاضي نور الدين الطبرسي، ج3، ص524.
30 ـ منتهى المقال لمحمد بن إسماعيل، ص282.
31 ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال لمحمد بن علي الأسترآبادي (طبعة طهران سنة 1304)، ص707.
32 ـ وله أخبار أيضاً في «تحفة الأحباب، ص335»، و«كشف المحجة، ص122».
قيس آل قيس
ابن تيمية: قراءة في نصوص مرتبكة)[3](
هو أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن الخضر ابن تيمية. ولد سنة 661هـ في مدينة حرّان في جزيرة الشام وتوفي سنة 728هـ بسجن القلعة في دمشق الشام. كان حاد الذكاء، وحاد الطبع أيضاً، دخل السجن ثلاث مرات بسبب بعض عقائده، وبعض فتاواه وبقي ابن تيمية مجهول الأصل لا يعرف. عاش 67 سنة ولم يتزوج، ولم يذكر هو ولا أحد غيره السر في عزوفه عن الزواج.
ترك كتباً كثيرة في العقائد والفقه، وأصبح فيما بعد الإمام الذي تنتسب إليه الفرقة الوهابية، فهي التي جددت عقائده وأفكاره وروجت لها. وأهم هذه الأفكار والعقائد سنقف عليها في الفقرات التالية:
1 ـ ابن تيمية والحديث الشريف
هل كان حقاً ما يقوله مقلدو ابن تيمية: إنه كان إماماً في الحديث؟ أم أن الحق مع الآخرين الذين أعرضوا عن طريقته في التعامل مع الحديث ووصفوه بالتسرع وعدم التثبت واتباع الهوى؟
لا ينبغي أن يطلب الجواب من هؤلاء ولا من أولئك، وإنما من كلامه هو الذي يظهر فيه بوضوح أسلوبه في التعامل مع الحديث الشريف.
وإليك من بطون مصنفاته هذه النماذج:
أ ـ في التوسل بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في الدعاء
نقل ابن تيمية جملة من الأحاديث التي شهد على صحتها، وردت عن بعض الصحابة والتابعين في توسلهم بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، كالدعاء المشهور: «اللَّهمَّ إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي» ونحوه، ونقل عمل السلف بها عن البيهقي وابن السني والطبراني، ثم قال: وروي عن ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه عن ابن أبي الدنيا في كتاب (مجاني الدعاء)… فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في (منسك المروزي) التوسل بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في الدعاء)[4](.
ولكنه في الصفحات الأولى من هذا الكتاب نفسه كان يقول: إنّ أحداً من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين لم يطلب من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً! ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم)[5](!! فأين إذن ما نقله هناك عن ابن أبي الدنيا وأحمد بن حنبل وابن السني والبيهقي والطبراني حتى صرح أنه كان من فعل السلف التوسل بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم؟
ب ـ في زيارة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وقبور الأنبياء والصالحين
قال ما نصه: ليس عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في زيارة قبره ولا قبر الخليل حديثاً ثابتاً أصلاً)[6](. وقال: والأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل موضوعة لم يرو الأئمة ولا أصحاب السنن المتبعة منها شيئاً)[7](.
ومع قوله هذا فهو ينقل بين الموضعين الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه والدارقطني في سننه أيضاً عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من زارني بعد مماتي كأنما زارني في حياتي»!! لكنه يعود فيتذكر له ويقول: لم يرو أحد من الأئمة في ذلك شيئاً ولا جاء فيه حديث في السنن!!
ج ـ في التفسير وأسباب النزول
قال: حديث عليّ في تصدقه بخاتمه في الصلاة موضوع باتفاق أهل العلم)[8](. ثم تكلم عن التفاسير فقال: أما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثانية وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين. ونحو هذا قاله في تفسير البغوي أيضاً)[9](.
لكن الطبري روى هذا الحديث من خمسة طرق بأسانيدها الثابتة عند تفسير الآية: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55)، ورواها البغوي أيضاً بل أجمع على روايتها أصحاب التفاسير قاطبة، فانظر هذه الآية في تفسير الطبري والبغوي والزمخشري والرازي وأبي السعود والبيضاوي والقرطبي والسيوطي والشوكاني والآلوسي وأسباب النزول للواحدي.
د ـ في جواز لعن يزيد بن معاوية أو عدم جوازه
ينقل حديث الإمام أحمد بن حنبل فيقول: قيل للإمام أحمد: أتكتب حديث يزيد؟
فقال: لا، ولا كرامة، أوليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل؟!
وقيل له إن قوماً يقولون: إنا نحب يزيد.
فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟!
فقال له ابنه صالح: لمَ لا تلعنه؟
فقال الإمام أحمد: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً. انتهى)[10](.
لكن الحق أن حديث الإمام أحمد لم ينته بعد، وإنما له تتمة صرح فيها بلعن يزيد.. والحديث بتمامه رواه أبو الفرج ابن الجوزي وغيره، وفيه:
فقال أحمد: ولم لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه؟!
فقيل له: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟
فقرأ أحمد قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي ألأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} ثم قال: فهل يكون فساد أعظم من القتل)[11](؟!
وعلى هذه الطريقة مضى مع أحاديث الرسول والسلف تكذيباً وتزويراً كلما جاء الحديث بخلاف رأيه وهواه. وفي الفقرات اللاحقة شواهد أخرى من كلامه وتعامله مع الحديث. فهذا هو الموقع الحقيقي للحديث عند ابن تيمية.
2 ـ ابن تيمية وصفات الله تعالى
يرى ابن تيمية أن جميع ما ورد في الصفات من الآيات والأحاديث يجب أن تفهم على ظاهرها وما يؤديه اللفظ من معنى، بلا تأويل..
وعلى هذا قال: إن الله تعالى في جهة واحدة هي جهة الفوق، وهو في السماء مستوٍ على العرش وقد امتلأ به العرش فما يفضل منه أربعة أصابع، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يعود، وأن له أعضاء وجوارح من أعين وأيدي وأرجل وغاية ما في الأمر أنها لا تشبه جوارح البشر وسائر المخلوقات)[12](!! ويقول: والذين يؤولون المعنى أولئك ما قدَّروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته)[13](.
والبرهان الذي يقدمه ابن تيمية على عقيدته هذه زعمه أنها عقيدة السلف من الصحابة والتابعين، فيقول: قد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مئة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد عن الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)[14](.
فَسَرَتْ هذه الكلمة بين مقلديه والمغرمين به سَرَيان الريح من غير أن يكلّفوا أنفسهم عناء النظر في كتب التفسير التي نقلت كلام الصحابة في آيات الصفات، ولو تفسير واحد من التفاسير التي أثنى عليها ابن تيمية، كتفسير الطيري والبغوي وابن عطية. فهذه التفاسير وغيرها مشحونة بما جاء عن الصحابة والتابعين في تأويل آيات الصفات بعيداً عن التجسيم الذي يقول به ابن تيمية والحشوية.
انظر مثلاً تفسير آية الكرسي، فقد نقل الطبري عن ابن عباس أن كرسيه يعني علمه، واستشهد لذلك بكلام العرب في هذا المعنى. وهو الذي نقله البغوي ونقله الشوكاني عن ابن عطية ونقله القرطبي وغيرهم أيضاً. وانظر تفسير الآيات التي فيها ذكر الوجه فلا تجد في هذه التفاسير كلمة واحدة تدل على عقيدة ابن تيمية وتشهد لقوله، بل كل ما فيها مما هو منقول عن السلف يشهد على ضده..
ففي قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (القصص) قالوا: أي إلا هو.
وكذلك في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} (الرحمن: 27).
وفي سائر الآيات الأخرى: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ} (البقرة: 272).
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} (الرعد: 22).
{ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} (الروم: 38).
{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} (الروم: 39).
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} (الدَّهر: 9).
{إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} (اللَّيل: 20).
في هذه الآيات جميعاً فسروا الوجه بالثواب. ولم يسرد عن أحد ولا كلمة واحدة تفيد المعنى الذي يريده ابن تيمية من ظاهر اللفظ، أي أن الوجه هو هذه الجارحة المعروفة من الجوارح كما للإنسان!!
أما قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقد أقر ابن تيمية بأن السلف قد أولوا الوجه هنا، فقالوا إن المراد من الجهة، لكنه جعل هذه الآيات ليست من آيات الصفات)[15](. وهكذا مع الآيات التي فيها ذكر العين والأيدي.
وهكذا نسب إلى الصحابة والسلف ما لم يقولوا به بل قالوا بعكسه تماماً، تبريراً لمذهبه! ورغم ذلك فإنه لم يستطع في كل ما كتب أن يأت بكلمة واحدة عن واحد من الصحابة تشهد لقوله!!
من كلامه في التجسيم
وله في التجسيم كلام صريح كان يقوله في خطبه، لكنه لم يذكر بنصه في كتبه التي وصلتنا، فمن ذلك:
أ ـ ما نقله ابن بطوطة وابن حجر العسقلاني، أنه قال وهو على المنبر: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا)[16](.
ب ـ ما نقله أبو حيان في تفسيريه (البحر المحيط) و(النهر) من أنه قرأ في (كتاب العرش) لابن تيمية ما صورته بخطه: )[17](
إن الله تعالى على الكرسي، وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله. ولكن هذا الكلام الذي نقله يوسف النبهاتي عن كتاب (النهر) لأبي حيان، ونقله صاحب كشف الظنون في كتابه)[18]( قد حذف من كتاب (النهر) المطبوع، كما حذف غيره من الكلام الذي تناول فيه عقائد ابن تيمية! ولكن ابن تيمية قد دافع عن هذا المعنى بإصرار من غير أن يذكر جلوس النبي معه على العرش، وذلك في كتابه (منهاج السُّنة) )[19](.
ج ـ قوله: رفع اليدين في الدعاء دليل على أن الله تعالى في جهة العلو)[20](. ترى إذا توجه المصلي نحو القبلة وقال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) فهل يستدل من هذا على أنه تعالى شأنه في جهة القبلة؟
سبحانه وتعالى عما يصفون. إن الجمود على ما يفهم من ظاهر اللفظ لأول وهلة يعد من أكبر الخطأ، وليس هو من شأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم. ففي قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} هل قال أحد أن الحبل هنا هو ما نفهمه من لفظ الحبل، فعلينا أن ننتظر حبلاً بأوصاف خاصة يتدلى من جهة الفوق كما يريد الحشوية، لتعتصم به؟! إنهم أجمعوا هنا على تأويل الحبل بمعاني أخرى، فقالوا: هو الإسلام أو القرآن، أو الثقلان. كتاب الله وعترة رسوله. اللذان ورد الأمر بالتمسك بهما.
إن من ينكر ضرورة التأويل في أمثال هذه الألفاظ فقد ارتكب جهلاً وخطأ كبيراً..
وإن من ينكر تأويل السلف لآيات الصفات فقد افترى عليهم فرية كبيرة.. وإن من ينكر ورود ذلك في كتب التفسير فهو كمن حفر جُبّاً لأخيه وقع هو فيه! فهذه كتب التفسير مشحونة بروايات التأويل عن الصحابة وكبار السلف، وباستطاعة كل من يحسن القراءة أن يقف على ذلك بنفسه.
3 ـ ابن تيمية وأهل البيت
إن لأهل بيت الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم منزلة عظمى أثبتها القرآن وأثبتها الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم وأيقن بها المسلمون، ولم يماري فيها إلا من كان في قلبه مرض.. وابن تيمية في بعض ما كتب يثبت مما ورد في منزلتهم العظمى وتقديمهم على سائر الأئمة، فيقول:
إن بني هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم، كما صح ذلك عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قوله في الحديث الصحيح: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش».
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال يوم غدير خُم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».
وفي السنن أنه شكا إليه العباس أن بعض قريش يحقرونهم، فقال: «والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي». ثم قال: «وإذا كانوا أفضل الخلائق فلا ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال»)[21](.
والسؤال كيف كانت عقيدته فيهم؟ وكيف كان موقفه الدائم منهم؟
لقد كشف ابن تيمية عن عقيدته في أهل البيت وموقفه منهم بكل صراحة وبوضوح لا غبار عليه، ويمكن إجمال ذلك بالنقاط التالية:
أ ـ الميل إلى جانب أعدائهم على الدوام
لقد كان ابن تيمية صريحاً في ميله إلى جانب أعداء أهل البيت، ودفاعه عنهم بكل ما يمتلك من قدرة على الجدل ولف في القول والتواء في الكلام، يكافح عنهم، ويختلق لهم الأعذار، ويبرر عداءهم لأهل البيت، ويكذب لأجلهم أحاديث الرسول وأئمة السلف من الصحابة والتابعين، ويكذب لأجلهم حقائق التاريخ التي تواتر نقلها وأجمع عليها أهل العلم قاطبة، ويزور لأجلهم حقائق أخرى بأسلوب يتنزه عنه العلماء، بل حتى العوام والبسطاء..
وله في هذا الكلام كثير لا يتسع به مثل العرض الموجز، لذا سنكتفي بذكر القليل من شواهد ذلك وبكل إيجاز:
صنف كتاباً أسماه (فضائل معاوية وفي يزيد وأنه لا يسب). هذا مع أن الذي ثبت عن السلف أنه لا يصح في فضائل معاوية ولا حديث واحد. نقل ذلك الحافظ الذهبي عن إسماعيل بن راهويه الذي كان يقرن بالإمام أحمد بن حنبل)[22](.
وثبت ذلك عن النسائي صاحب السنن، الذي طلب منه أهل دمشق أن يكتب في فضائل معاوية فقال: ما أعرف له فضيلة إلا: (لا أشبع الله بطنه))[23](.
وثبت عن الحسن البصري أكثر من ذلك، حيث قال: أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه يزيد؛ سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ»، وقتله حُجْراً، ويا ويلاً له من حُجْرٍ… وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حُجْراً:
تَرفَّعْ أَيّها القَمَرُ المنيرُ
تبصَّرْه ترى حُجْراً يسيرُ)[24](
والذي ثبت عن علي بن أبي طالب وسائر أئمة أهل البيت وابن عباس وأبي ذر وعمار وعبادة بن الصامت وغيرهم في طعن معاوية أشهر من أن يذكر.
بل الذي ثبت فيه عن صاحبه ورفيقه عمرو بن العاص وحده يكفي شاهداً عليه بارتكاب الموبقات ومجانبة الدين وأهل الدين.
أما في يزيد فقد رأينا كيف زور ابن تيمية حديث الإمام أحمد وبتره لأجل أن يمنع من لعنه!! ثم زور كل ما ثبت من حقائق التاريخ وكلام السلف فيه وافترى عليهم كثيراً لأجل أن يختلق عذراً ليزيد.
ـ فقال: إن يزيد لم يظهر الرضى بقتل الحسين، وأنه أظهر الألم لقتله)[25](! فهل أتى بهذا الكلام من إجماع السلف، أم هو من محض الهوى؟
لقد نقل التفتازاني إجماع السلف في هذه المسألة، فقال في كتاب (شرح العقائد النسفية) ما نصه: «اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. والحق أن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مما تواتر معناه وإن كان تفصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه»)[26](.
ـ قال ابن تيمية: إن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد)[27](.
وقال: إن القصة التي يذكرون فيها حمل الرأس إلى يزيد ونكته في القضيب كذبوا فيها)[28](.
فهل استند في هذا إلى أخبار الصادقين؟
إنه يقول: من المعلوم أن الزبير بن بكار ومحمد بن سعد صاحب الطبقات ونحوهما من المعروف بالعلم والفقه والاطلاع أعلم بهذا الباب وأصدق في ما ينقلونه من المجاهيل الكذابين)[29](.
ويقول: والمصنفون من أهل الحديث في ذلك كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم)[30](.
إذن ماذا قال هؤلاء؟ هل كذبوا بنقل رأس الحسين إلى الشام ونكت يزيد عليه بالقضيب؟
إن ابن تيمية لم ينقل عنهم حرفاً واحداً في ذلك.. ولسبب بسيط: وهو أنهم قد أثبتوا ذلك الذي أنكره ابن تيمية، أثبتوه بأسانيدهم التي قال عنها ابن تيمية أنها الأصدق بلا نزاع بين أهل العلم)[31](! وسنذكر بعد قليل نصاً جامعاً عنهم.
أما كل ما نقله ابن تيمية عنهم فهو قوله: إن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله مثل ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما، لم يذكر أحد منهم أن الرأس قد حمل إلى عسقلان أو القاهرة!! أليس هذا)[32]( من دواعي السخرية؟ وهل يصدر مثل هذا عمن ينتسب إلى العلم وأهل العلم؟
ـ قال ابن تيمية: ويزيد لم يِسْبِ للحسين حريماً، بل أكرم أهله وقال: ولا سبى أهل البيت أحد، ولا سبي منهنّ أحد)[33](.
فهل اعتمد في كلامه هذا على ما نقل من أحد سواء كان من الثقات أو من غيرهم؟
كلا أبداً، إنما أطلقها حميّة ليزيد..
أما أصحاب التاريخ فقد أجمعوا على صحة هذا الذي كذب به ابن تيمية، وهذه عبارة بن أبي الدنيا ومحمد بن سعد صاحب الطبقات اللذين صرح ابن تيمية بصحة ما نقلا من أحداث مقتل الحسين عليه السلام)[34](:
قال ابن أبي الدنيا ومحمد بن سعد. بعد أن ذكرا قتل الحسين وانتهابهم ثيابه وسيفه وعمامته. ما نصه: «وأخذ آخر ملحفة فاطمة بنت الحسين، وأخذ آخر حليّها..».
وبعث عمر بن سعد برأس الحسين إلى عبيدالله بن زياد، وحمل النساء والصبيان، فلما مروا بالقتلى صاحت زينب بنت عليّ: يا محمداه هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء.. يا محمداه وبناتك سبايا.. وذريتك قتلى تسفى عليها الصبا!
فما بقي صديق ولا عدو إلا بكى..
قالا: ثم دعا ابن زياد زحر بن قيس فبعث معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد. وجاء رسول من قبل يزيد فأمر عبيدالله بن زياد أن يرسل إليه بثقل الحسين ومن بقي من أهله..
قالا: ثم دعا يزيد بعلي بن الحسين والصبيان والنساء وقد أوثقوا بالحبال فأدخلوا عليه، فقال علي بن الحسين: يا يزيد، ما ظنك برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لو رآنا مقرنين بالحبال؟!
ودعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فقام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه. يعني فاطمة بنت الحسين. فأرعدت وظنت أنهم يفعلون فأخذت بثياب عمتها زينب فقالت زينب: كذبت ولؤمت، ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: والله إن ذلك لي لو شئت لفعلته!! قالت: كلا والله ما جعل الله عزّ وجلّ ذلك لك إلا أن تخرج من ملّتنا أو تدين بغير ديننا. ثم بعث بهم يزيد إلى المدينة)[35](. وهذا متفق عليه عند أصحاب التاريخ ولم يشذ فيه أحد)[36](.
أرأيت هذا الذي ضيّع الأمانة في نقل حقائق تواتر نقلها وأجمع عليها أهل الحديث والسير، اتباعاً للهوى والعصبية، أيكون مؤتمناً على الدين؟!
ب ـ تكذيبه بمنزلتهم العظمى
وله في هذا الباب كلام كثير يدل على عصبية لا حد لها.. وقد اخترنا منه هذه النماذج:
ـ مما جاء في منزلة أهل بيت الرسل عامة وأهل بيت نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم خاصة:
قوله تعالى في أهل بيت إبراهيم عليه السلام: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} (هود: 73).
وقوله تعالى وقد ذكر ثمانية عشر نبياً بأسمائهم ثم قال: {وَكُلاَّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِين، وَمِنْ آبَآئِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الأنعام: 86، 87).
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَّى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الَعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ} (آل عمران: 33. 34).
وقوله تعالى في إبراهيم عليه السلام: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} (العنكبوت: 27).
وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (الأنبياء: 72. 73).
وقوله تعالى في أهل بيت نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} (الأحزاب: 33).
وقوله تعالى: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} (الشورى: 23).
وقول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»)[37](.
وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم وقد سأله الصحابة (رض) عند نزول قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (الأحزاب: 56) فقالوا: كيف نصلّي عليك يا رسول الله؟
فقال: «قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» متفق عليه.
وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»)[38](.
والمطلوب هنا:
ما هو موقف ابن تيمية من هذه العقيدة المسطورة في الكتاب والسنة؟
إن ابن تيمية يقول بالحرف الواحد: إن فكرة تقديم آل الرسول هي من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء)[39](!!
إذن فاصطفاء الله تعالى لأهل البيت والأنبياء والرسل وجعلهم الأئمة والقادة والأوصياء من بعدهم وإنزاله إياهم تلك المنازل الرفيعة، وكل ما جاء بحقهم في السنة المطهرة هو من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرسول!!
إن لم يكن هذا هو التكذيب بالدين والسخرية بكتاب الله وسنة رسوله، فكيف سيكون التكذيب والسخرية؟
لما قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} دعا الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين فجلل عليهم كساء وقال: «اللَّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» وافق ابن تيمية على صحة ذلك، لكن ماذا رأى فيه؟
إنه لم ير فيه لأهل البيت أية مزية فقال: إن هذا مجرد إرادة من الله لهم بالتطهير، ودعاء من النبي لهم بذلك، ولا يعني هذا أن الله قد طهرهم حقاً)[40](.
إن ابن تيمية لم يرد ما أراده الله ورسوله، ولهذا فقط لم يؤمن به!!
ـ وكذب بكل ما ورد بحقهم في القرآن الكريم..
كآيات سورة الدهر: {وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} التي أجمع أصحاب التفسير على أنها نزلت فيهم.. وكقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الْزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} التي أجمع أصحاب التفسير على نزولها في علي حين تصدق بخاتمه وهو راكع.
وكذّب بما جاء في علي خاصة في السنة الصحيحة رغم ثبوتها بالأسانيد الصحيحة والطرق المتعددة. فكذب بحديث المؤاخاة وأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم آخا علياً عليه السلام، رغم أن هذا قد تواتر نقله وأجمع عليه أصحاب السير قاطبة)[41](. أما ابن تيمية فيكذب كله ويقول: أما حديث المؤاخاة فباطل)[42](. ويقول: والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يؤاخِ علياً)[43](.
وعلى هذا النحو سار مع عامة فضائل علي عليه السلام ولكن من دون أن يحمل معه أي دليل ومن دون أن يعتمد على نقل صحيح عن أئمة السلف، وإنما هو الهوى والعصبية..
ج ـ التنقص منهم وتجريحهم
لم يقف ابن تيمية عند الدفاع عن خصوم أهل البيت، ثم التكذيب بمنزلتهم ومناقبهم، بل تعدى وراء ذلك فأطلق عليهم لساناً لم تعرفه هذه الأمة إلا عند النواصب الذين امتلأت قلوبهم غيضاً وحقداً على آل الرسول.. وهذه نبذ من كلامه فيهم:
ـ إنه ينفي أن يكون هناك مصلحة من وجود أهل البيت، ويقول: «لم يحصل بهم شيء من المصلحة واللطف»)[44](. هذا والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»)[45](. وفي حديث آخر: «إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور.. وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»)[46](.
لكن ابن تيمية أتى على هذه الأحاديث فأولها تأويلاً يضحك منه حتى البسطاء.. فقال: «الحديث الذي في صحيح مسلم إذا كان النبي قد قاله فليس فيه إلا الوصية باتباع الكتاب، وهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي»)[47](.
ترى ألم يقل صلَّى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله»، ثم واصل الحديث حتى ذكر أهل البيت، فإن كان الأمر باتباع الكتاب وحده فأين هو الثقل الثاني إذن؟؟
حقاً إن الهوى يعمي ويصم!!
ـ استغراقه في الطعن على علي عليه السلام والنيل منه، متمسكاً بالقصة الموضوعة في خطبته ابنة أبي جهل، وفاطمة الزهراء عنده، وكرر الكلام فيها في أكثر من موضوع من كتابه «منهاج السنة» هذه القصة التي نسجها المسور بن مخرمة، أو كذبها عليه الكرابيسي. وكان الرجلان معاً ناصبين مشهورين ببغض علي والانحراف عنه وبتعظيم أعدائه وموالاتهم.. وهذا معلوم جداً من حال الكرابيسي)[48](.
أما المسور بن مخرمة، فكان لا يذكر معاوية إلا صلى عليه ومع ذلك فقد كان حليفاً للخوارج، يجتمعون عنده ويستمعون حديثه، بل كانوا ينتسبون إليه فيعدونه قدوة لهم)[49](!!
أليس من دواعي الشك والاستغراب أن تقبل رواية هؤلاء في النيل من علي بن أبي طالب؟!
أما ابن تيمية فتنبسط أساريره لهذه القصة المختلقة ظناً منه أنه سينال حقاً من منزلة علي.. أو على الأقل يشفي بعض ما في صدره!!
وفي حروب علي عليه السلام يقول:
عليّ إنما قاتل الناس على طاعته، لا على طاعة الله!!
ويضيف قائلاً: فمن قدح في معاوية بأنه كان باغياً قال له النواصب: وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً.. قاتل الناس على إمارته وصال عليهم.. فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة)[50](. وعلى هذا النحو مضى في صفحات عديدة من كتابه منهاج السنة هذا الكتاب الذي شحن بالبدعة من أوله إلى آخره كما هو واضح من كل ما نقلناه عنه في هذا المقتضب، هذا مع شرعية حروبه ووجوب نصرته فيها. ومن ذلك:
ـ قوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» فاستشرف له القوم وفيهم أبو بكر وعمر، فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لا».
قال عمر: أنا هو؟ قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لا، ولكن خاصف النعل» وكان علي يخصف نعل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. قال أبو سعيد الخدري: فأتيناه فبشرناه، فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم)[51](.
ـ وقوله صلَّى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: «أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»)[52](.
لكن ابن تيمية يكذب بهذا الحديث، وكعادته بلا أي دليل من نقل صحيح أو تحقيق علمي مقبول، وإنما يجادل فيه جدال امرىء عشق المراء حتى مع كلام الله وكلام رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم)[53](.
ـ وفي علم علي يتكلم ابن تيمية كلاماً يجل عنه أدنى طلبة العلوم قدراً.. فيقول: ليس في الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الفقهاء من يرجع إلى علي في فقهه.. فمالك أخذ علمه عن أهل المدينة، وأهل المدينة لا يكادون يأخذون عن علي.. وأبو حنيفة الشافعي وأحمد تنتهي طرقهم إلى ابن عباس، وابن عباس مجتهد مستقل، ولا يقول بقول علي)[54](!!
هكذا يفعل الهوى بصاحبه، فما زال الهوى يحمله على قول بعد قول حتى غاص في لجج العناد، فهو لا يدري ما يقول.. حتى يضع نفسه موضع سخرية العلماء. بل والسالكين طريق العلم.. اللهم إلا مقلديه الذين تمسكوا بأقوال أشد من تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم لقد صنف الإمام الشافعي كتاباً مفرداً أثبت فيه انتهاء علم أهل المدينة إلى علي وابن عباس.. ونقل ابن قُدامة في (المغني) عن ابن عباس أنه كان يقول: «إذا ثبت لنا عن علي قول لم نعده إلى غيره»، وعن ابن عباس أيضاً: «أعطي علي تسعة أعشار العلم، وإنه لأعلمهم بالعشر الباقي»)[55](.
ـ وفي الحسين السبط الشهيد له كلام لا تجد له نظيراً حتى عند وعاظ يزيد الذين كانوا يتزلفون له في حياته.. فيقول مرة في خروج الحسين على يزيد: «هذا رأي فاسد، فإن مفسدته أعظم من مصلحته، وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير»)[56](.
إذن يا طلاب الحرية وعشاق الاستقلال ما أنتم إلا مفسدون.. وما عليكم إلا أن تذلوا للسلطان، وتمدوا ظهوركم لجلاديه وأعناقكم لسيافيه، فإن الشيخ ابن تيمية يقول: إن مطالبتكم بالحرية عمل فاسد، مفسدته أعظم من مصلحته!! عجباً للباحث الكبير مالك بن نبي كيف غفل عن هذه المقولة في نظريته التي أسماها «القابلية للاستعمار».
لكن العقاد أجاد في تفسير هذه المقولة وأمثالها، فقال: «إن القول بصواب الحسين معناه إلقاء الذنب على يزيد، وليس بخاف كيف ينسى الحياء وتبتذل القرائح أحياناً في تنزيه السلطان القائم وتأثيم السلطان الذاهب»)[57](.
ـ ويقول مرة أخرى ومعتذراً ليزيد: «ويزيد ليس بأعظم جرماً من بني إسرائيل، كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء، وقتل الحسين ليس بأعظم من قتل الأنبياء»)[58](. أرأيت عذراً أقبح من فعل كهذا؟
نكتفي بهذا القدر خشية أن نكون قد أطلنا في هذا الباب، لنقف على جوانب أخرى من مواقف ابن تيمية وعقيدته.
4 ـ ابن تيمية وعلماء الإسلام
من السمات المميزة لشخصية ابن تيمية: حدته، وهجنة أسلوبه في الجدل..
ـ قال يصف حواراً له مع بعض الفقهاء في مجلس أمير دمشق:
قلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملّي، وهو أول اختلاف حدث في الملّة… فقال الشيخ الكبير: ليس كما قلت ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام.. قال ابن تيمية: فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للاجتماع، وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب)[59](.
فهذا هو أدب الخطاب عند الشيخ: «أخطأت، هذا كذب، لا أدب، لا فضيلة، لا تأديب» كلها في جملة من سطر واحد!
ـ أفتى ابن تيمية في مسألة، وأفتى فقيه آخر بخلافه، فرد عليه ابن تيمية قائلاً: من قال هذا فهو كالحمار الذي في داره)[60](.
كان كثير السب لابن عربي والعفيف التلمساني والإمام الغزالي والفخر الرازي، وكثير النيل منهم والتهكم عليهم ويصفهم بأنهم فراخ الهنود واليونان.. وإذا ذكر العلاّمة ابن المطهر الحلّي، يقول: ابن المنجس!! وإذا ذكر دبيران صاحب المنطق، لا يقول إلا «دبيران» بضم الدال)[61](.
هذا كل ما تحلى به ابن تيمية من أدب الخطاب.
5 ـ مع اليزيدية
إن لابن تيمية مع هذه الطائفة من الغلاة كلاماً يثير الكثير من الشكوك، ويضع العديد من علامات الاستفهام حول عقيدته..
من هذه الطائفة قوم غلوا بيزيد بن معاوية وبالشيخ عدي بن مسافر الأموي، فانضافوا إلى فرق الغلاة التي أجمع المسلمون على كفرها وخروجها من الإسلام لأنها أضافت إلى البشر صفات الإله جل جلاله، وهذه الفرقة التي غلت بيزيد وعدي بن مسافر عرفت بالعدوية، نسبة إلى عدي بن مسافر..
لقد عاصر ابن تيمية هذه الطائفة فكتب إليهم كتاباً استهله بكلام لا يشبه شيئاً من كلامه في مخالفيه وخاصة من أصحاب الفرق الأخرى وأهل البدع الظاهرة، أو حتى الذين عدهم هو من أهل البدع..
قد استهل كتابه بقوله: «من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، والمنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي، ومن نحى نحوهم، وفقهم الله لسلوك سبيله… سلام عليكم ورحمة الله وبركاته»)[62](.
هكذا مع علمه بأنهم من الغلاة، جعلهم من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة.. ودعا لهم بالتوفيق إلى سلوك السبيل. ورفع إليهم تحية الإسلام.. وليس ذلك لهم وحدهم، بل لمن نحى نحوهم أيضاً وسلك طريقتهم في الغلو!!
هذا الرجل هو الذي سلط لسانه الجارح على أهل البيت كما رأينا سابقاً.. وهو الذي عد الرازي والغزالي وابن سينا من فراخ الهنود واليونان، وأنهم أضل من اليهود والنصارى..
وهو صاحب ذلك الكلام الجارح في العلماء.. فلأي شيء خاطب هذه الطائفة من الغلاة بهذا الخطاب العذب الذي لم يخاطب به أياً من فرق المسلمين؟!
لعلّ السر في ذلك أن غلو هؤلاء كان في يزيد بن معاوية، وتعظيم يزيد عنده هو علامة الانتماء إلى أهل السنة والجماعة، وإن بلغ التعظيم حد الغلو.. فهل ينتهي العجب لهذا الرجل الذي يروي بنفسه حديث الإمام أحمد بن حنبل الذي قال فيه: «وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر!» بل لعله لأجل هذا ونحوه لم يتقي بمذهب أحمد بن حنبل!!
6 ـ أقوال العلماء فيه
بعدما رأيت من عقائده لم يعد غريباً عليك ما ستراه من فتاوي علماء المسلمين فيه بناء على تلك الأقوال والعقائد. ولقد صنف الحافظ ابن حجر العسقلاني هذه الفتاوي، فقال: أفترق الناس فيه شيعاً:
ـ فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقة، وإنه مستوٍ على العرش بذاته.
ـ ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله: إن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لا يستغاث به.
ـ ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي: إنه كان مخذولاً حيثما توجه، وإنه حاول الخلافة مراراً لم ينلها، وإنه قاتل للرئاسة لا للديانة. ولقوله: إنه كان يحب الرئاسة وإن عثمان كان يحب المال. ولقوله: علي أسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه، وبكلامه في خطبة بنت أبي جهل فإنه شنع في ذلك فألزموه بالنفاق لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «ولا بغضك إلا منافق».
ـ ونسبه قوم إلى أنه كان يسعى في الإمامة الكبرى، فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه)[63](.
وهذه أقوال متعددة بتعدد آرائه. وأَجمَلَ القول فيه ابن حجر في «الفتاوي الحديثة» فقال: ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله.. وبذلك صرّح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله.. ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصره وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية.. قال: والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن، وأن يرمى في كل وعر وحزن… ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل غال، عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله، آمين)[64](.
رسالة الحافظ الذهبي إلى ابن تيمية
من أحسن ما قيل في ابن تيمية ذلك الخطاب الذي وجهه إليه الذهبي في رسالة شخصية ينصحه فيها ويعظه ويؤنبه ويوبخه، ويكشف فيها عن كثير من سجاياه وأخلاقه.. وهذا هو النص الكامل لتلك الرسالة:
«الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ عليَّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، وواأسفاه واحفظ عليَّ السنة وأهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على السنة وأهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، آهٍ على وجود درهم حلال وأخ مونس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتباً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينيك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» بل أعرف إنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وهو جهاد، بل والله عرفوا خيراً كثيراً مما إذا عمل به فقد فاز، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل بالله عليك كف عنّا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيك صلَّى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان» وكثرة الكلام بغير ذلل تقسي القلب إذا كان الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب، والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟ لنرد عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت «سموم» الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم وتكمن والله في البدن، واشوقاه إلى مجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما، بالله خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفره فهو أكفر من فرعون وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكوك، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم واللين باطولياً شهوانياً، لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم! أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخبار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟! إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح. والله. بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار، أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى. والله. ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول: البتة سكت فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك. والله. فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر، قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرّاً (فرحم الله امرءاً أهدي إليَّ عيوبي) فإني كثير العيوب غزير الذنوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين».
هذه هي خلاصة القول في الرجل الذي وجدت فيه البدعة الوهابية خير قدوة لها، فتمسكت بكل ما شذ وانحرف من أفكاره، ثم زادت فوق ذلك شذوذاً وانحرافاً.. الرجل الذي أخذ يروج له بعض دعاة السلفية، فاحتالوا لذلك بأن ستروا قبائح أفكاره وعقائده الضالة وانحرافاته فهم لا يعرجون على شيء منها بذكر رغم أنها تشغل أكثر من ثلاثة أربع ما كتب من كتب ورسائل، {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (البقرة: 9).
صائب عبد الحميد
ابن هاني الأندلسي
تأملات في سيرته وأدبه
على الرغم من التطور والازدهار الذي شهدته الأمّة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، فقد حفلت هذه الفترة بكثير من المفارقات والمغالطات التاريخية التي يعسر في كثير من الأحيان أن نجد لها تأويلاً صحيحاً أو تعليلاً منطقياً يتواءم والأحداث المروية. وقد كان لاتساع رقعة الطائفية وانتشار العصبية التي بلغت مبلغاً عظيماً في تلك الفترة الموطن الملائم والأرض الخصبة لنمو الروايات الملفقة والأقاويل الباطلة، الأمر الذي دفع المؤرخين السطحيين إلى تعمّد النقل الببغائي والسرد التقليدي غير الموضوعي دون التدبر في نقلهم والتدقيق في ما يروون من أخبار.
وتكثر المغالطات والتناقضات غالباً في الأحداث التي تحمل طابعاً سياسياً والأخبار ذات الجذور الدينية والمذهبية. ففي هذين الموردين يظهر التباين بأوضح صوره وقد يتعدى إلى أبعد حدود اللغط والاضطراب. وفضلاً عن هذا فإننا نلمس تجاهلاً وتغاضياً متعمّداً من قبل بعض المؤرخين تجاه بعض الشخصيات والأحداث التاريخية المهمّة. ومما لا يخفى أنّ هذا التجاهل والتغاضي لم يكن صادراً عن سهو أو نسيان بل كان نتيجة الضغوط السياسية الحاكمة وقتئذٍ.
ومن تلك الشخصيات التي اكتنفها الضباب وشابها الغاموض والإبهام، ابن هاني الأندلسي «حامل لواء الشعر بالأندلس»)[65]( والذي قال عنه ابن خلكان: «ليس في المغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا من متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين»)[66](. وفيه اشتهر قول الشاعر:
إن تكن فارساً فكن كعليٍّ
أو تكن شاعراً فكن كابن هاني
كلُّ من يدّعي بما ليس فيه
كـذّبته شواهد الامتحان)[67](
والمراد من هذا المقال هو تسليط الضوء على جوانب غامضة من سيرة ابن هاني وتبيين ما التبس على المؤرخين ـ عمداً أو سهواً ـ من أمر هذا الشاعر، بالإضافة إلى بعض الجوانب التي لم يتناولها الدارسون والباحثون لهذه الشخصية حرصاً على أن يأتي هذا العمل بجديد غير معاد.
وُلد أبو القاسم)[68]( محمد بن هاني)[69]( بن محمد بن سعدون المهلّبي)[70]( الأزديّ الأندلسي، وقيل الإلبيري)[71]( الغرناطي)[72](، وأيضاً البستي)[73]( المغربي)[74]( المُعزّي)[75](، سنة 320هـ أو 326هـ بقرية سكون من قرى إشبيلية، وقيل بإلبيرة)[76](، والقول الأول أصح بإجماع المؤرخين. نشأ ابن هاني في إشبيلية، واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر ومهر فيه. وكان حافظاً لأشعار العرب وأخبارهم وكان أكثر تأدبه في دار العلم بقرطبة)[77](. وأول من اتصل بهم ابن هاني من أهل الدولة كان صاحب إشبيلية)[78](. فأعزّه وأكرمه، وصار عنده ذا مكانة ومنزلة، وأقام معه زمناً ليس بالمديد. أمّا سبب مفارقته إياه فيبدو أن أهل إشبيلية نقموا على الملك لإقامة شاعر عنده يعتقد بإمامة الفاطميين. فانفصل عنه وكان سنّه يومئذٍ سبعة وعشرين عاماً.
ومن هنالك خرج ابن هاني إلى أرض المغرب فلقي القائد جوهر الصقلّي، مولى المعز لدين الله الفاطمي وأقام بجانبه، فنمي خبره إلى المعز فطلبه. وعندما انتهى إليه في المنصورية قرب القيروان امتدحه بغرر المدائح وعيون الشعر. فبالغ المعز في الإنعام عليه وظل عنده منعماً مكرماً إلى أن ارتحل المعز إلى مصر. وفي الجملة لم يكن هناك ممدوح أعزّ شاعره وأكرمه كما أعزّ المعز ابن هاني. وعندما بلغه خبر موته تأسف، وقال: «هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يُقدَّر لنا ذلك»)[79](.
وأقوال العلماء والأدباء في ابن هاني كثيرة، أذكر بعضها هنا لتبيين مكانة هذا الشاعر في الأوساط العلمية والأدبية. منها ما قاله ابن شرف القيرواني: «وأما ابن هاني محمد، الأندلسي ولادةً، القيرواني وفادةً وإفادةً؛ فَرَغديُّ الكلام، سرديُّ النظام؛ متين المباني، غير مكين المثاني»)[80](. وقال الفتح بن الخاقان: «علق خطير وروض أدب مطير. غاص في طلب الغريب حتى أدرج دره المكنون وبهرج بافتنانه فيه كل الفنون»)[81](. وقال ابن فضل الله العمري: «فحل الشعراء… الذي يَمُجُّ الشهد بلا مراء، وذو المعاني الفصيحة والمباني الصحيحة»)[82](. وفيه قال لسان الدين بن الخطيب: «كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يُدرك شأوه، ولا يُشَقُّ غباره، مع المشاركة في العلوم والنفوذ في فكّ المعمّى»)[83](. وقال أيضاً: «العُقاب الكاسرة، والصمصامة الباترة، والشوارد التي تهادتها الآفاق، والغايات التي أعجز عنها السباق»)[84](. وقال ابن الدواداري: «ابن هاني الأندلسي محمد الذي فضل في الإحسان أبناء جنسه، وسلك في مدح الخلفاء طريقاً لم يأنس فيها بغير نفسه، وأتى من المجالس الباهرة بما لم يعرف من قبله، وأبان بإعرابه عن غزارة طبعه وسعة فضله»)[85](.
ويواجه الباحث والمحقق ـ من خلال مراجعاته ودراسته للمصادر والمظان ذات الصلة بسيرة ابن هاني وتراثه الشعري الثرّ ـ صعاباً جمّة وعقبات كأداء كثيرة بسبب تناقض الأخبار واضطراب الأقوال والروايات. ومن خلال تأمّلات وئيدة في الموروث التاريخي والأدبي لهذا الشاعر النابغة كانت لنا بعض الملاحظات استخلصناها في النقاط التالية:
أولاً ـ تاريخ وفاة الشاعر وسبب موته ومدفنه
تواترت الأخبار في تاريخ وفاة ابن هاني. فقد أجمع المؤرخون بأنّ سنة 362هـ هي سنة وفاته. ومن المؤرخين من ذهب إلى أنّ ابن هاني توفي سنة 361هـ)[86](. والقول الأول أصحّ بتواتر الشواهد التاريخية.
أمّا سبب موته فموضع استغراب وتأمّل. فقد تضاربت الروايات وتناقضت الأخبار في علّة موت الشاعر. وليس غريباً أن يحدث مثل هذا التناقض والاضطراب. فكما مرّ آنفاً فإنّ للعوامل السياسية الدور الأكبر في حرف مسار التاريخ عن جادة الصواب وخنق الحناجر الداعية إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل. ويأتي ابن هاني من ضحايا الغدر السياسي الذي كان يطيح بأقطاب الفكر وأعلام الأمّة. ومن المناسب هنا أن نستشهد بمقالة الدكتور أحمد بدر حول الأجواء الخانقة وأعمال العنف والجاسوسية التي كانت سائدة في تلك الفترة: «وكان لدى الأمويين عمّالهم الذين يتقصون أتباع الفاطميين في الأندلس. وبالوقت نفسه قاموا ببث جواسيسهم في أراضي المغرب. وتورد الروايات بعض الأخبار التي تفيد بقيام هؤلاء بأعمال مشابهة لتلك التي تقوم بها الجاسوسية في العصر الحديث، كقيام البعض برصد تحركات الخصوم وشراء أتباعهم، وقيام البعض الآخر بنقل معلومات من البلاط المعادي أو قتل زعماء الخصوم أو اختطاف الخطرين»)[87](.
والمطالع لديوان الشاعر يجد أحياناً كثيرة وقصائد عديدة في قدح بني أمية والتنكيل ببني العباس. فمن قصيدة له يخاطب الفاطميين ويذم فيها الأمويين والعباسيين:
لو تلمسونَ الصَّخرَ لانبجستْ بهِ
وتفجّرَتْ وتدفّقَتْ أنهارُ
أو كان منكم للرُّفاتِ مُخاطِبٌ
لَبَّوا وظنّوا أنّه انشارِ
لستُمْ كأبناء الطليقِ المُرتدي
بالكفر حتى عضَّ فيه أسارُ
أبناءَ نَتْلَةَ مالكم ولمعشرٍ
هُم دوحةُ اللهِ الذي يختارُ
رُدُّوا إليهم حقَّهم وتنكَّبوا
وتَحَمَّلوا فقد استحمَّ بَوارُ
ودَعوا الطريق لفضلهم فهم الأُلى
لهُمُ بمَجْهَلةِ الطريقِ مَنارُ)[88](
وقد أحسّ ابن هاني بنقمة الأمويين وغضب العباسيين عليه، إلاَّ أنْ تمسكه الوثيق بمعتقداته وإيمانه العميق بمبادئه جعله يخطو نحو أهدافه خطواتٍ راسخة غير مبالٍ بسخط الساخطين وغضب الغاضبين:
وما نَقَموا إلاَّ قديمَ تَشَيُّعي
فَنجّى هِزَبْراً شَدُّهُ المُتداركُ)[89](
وهو القائل:
لم يَجْهلوا ما تُلاقي في التشيُّعَ من
تحريض شاريةٍ أو بأسِ شاريّ)[90](
ولا بدَّ هنا من استعراض الروايات التي ذكرت سبب موت ابن هاني. فهي وعلى اضطرابها وتنوعها تبيّن لنا مظلومية الشاعر الرسالي وما يتحمل من أهوال ومشاق في سبيل أهدافه ومبادئه:
1 ـ قيل: لما وصل إلى (برقة) أضافه شخص من أهلها، فأقام عنده أياماً في مجلس الأنس، فيقال أنّهم عربدوا عليه فقتلوه)[91](.
2 ـ قيل: خرج ليلة سكران من بيته، فلما أصبح الناس وجدوه ملقى في سانية من سواني البلد مخنوقاً بتِكّة سراويله)[92](.
3 ـ قيل: شرب ببرقة وسكر ونام عرياناً، وكان البرد شديداً فأُفلج)[93](.
4 ـ قيل: قتل غيلة فرؤيَ ملقى على جانب البحر قتيلاً لا يدرى من قتله)[94](.
5 ـ قيل: قتل في برقة في مشربة على صبي)[95](.
6 ـ قيل: مات فجأةً)[96](.
7 ـ قيل: إنَّ الأمير تميم بن المعز لدين الله حسده لجودة شعره فقتله لذلك)[97](.
8 ـ قيل: إنّه وقع فانكسرت رقبته)[98](.
وإذا رجعنا إلى من نثق في روايته ونأخذ بكلامه نجد قول من قال بأنّه قتل غيلة أقرب إلى الصواب من غيرها نظراً لما تقدم من تمسك الشاعر بعقائده ومبادئه. ومن هنا يذهب مؤرخو الشيعة إلى أنَّ ابن هاني قتل لتشيعه وولائه الخالص لمذهب أهل البيت عليهم السلام)[99](.
أمّا عن مدفنه فلا يزال قبر ابن هاني مجهولاً لا يعرف محلّه. وللدكتور ممدوح حقي كلمة في هذا الموضوع، يقول فيها: «ولقد بحثت عن قبر ابن هاني مراراً إذ كنت هناك [أي في ليبيا] مستشاراً للمعارف. وتحريت كثيراً ولكن جميع جهودي ذهبت عبثاً للبعد الزمني الفاصل بيننا وبينه، وما توالى على البلاد من حروب وكوارث وهزّات ضخمة، محت فيها معالم كبيرة بارزة… وإنّ كلمة «برقة» التي قيل أنّه قتل فيها لا تعني على إطلاقها مكاناً معيّناً محدوداً، فهي في ليبيا القطر الشرقي كلّه، أو منطقة بنغازي وإجرابيا والبادية المنحازة وراء الجبل الأخضر مما دون الصحراء ويسمّونها برقة البيضاء. أو المنطقة الشرقية من الجبل الأخضر وتسمّى برقة الحمراء»)[100](.
ثانياً ـ شكله وشمائله
إنّ النصوص التاريخية التي في متناول أيدينا والتي قُدّر لنا أن نعثر عليها لم تذكر من وصف الشاعر شيئاً، بل اقتصرت على إيراد صورة غامضة مبهمة لا تفصح عن حقيقة الشاعر إلاَّ القليل المضطرب. فلذا لم يكن أمامنا سبيل إلى معرفة ملامح الشاعر وشمائله من خلال كتب التاريخ سوى الرجوع إلى ديوان الشاعر الذي أصبح مرجعنا الأول والأخير في تحديد صورته وشكله. قال ابن هاني:
لقد أشبَهَتني شَمعَةٌ في صَبابةٍ
وفي هَوْلِ ما ألقى وما أتوقّعُ
نحولٌ وحُزنٌ في فناءٍ ووحدةٍ
وتسهيدُ عينٍ واصفرارٌ وأدمُعُ)[101](
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الشاعر كان جادّاً في كلامه هذا غير مبالغ في قوله فالظاهر من هذين البيتين أنّ ابن هاني كان نحيف البدن، رقيق الجسم، تعلو وجهه صفرة كاصفرار ضوء الشمعة. وفي إشارة أخرى أنشد ابن هاني:
والشيبُ يضربُ في فَوديَّ بارقَهُ
والدهرُ يقدَحُ في شملي بتبديدِ
ورابَني لونُ رأسي أنّه اختلفت
فيه الغمائمُ من بيضٍ ومن سودِ)[102](
وقال أيضاً:
فأمّا وقد لاحَ الصَّباحُ بلمَّتي
وانجابَ ليلُ عمايَتي وتكشَّفا)[103](
وهذه صفة أخرى هي الشيب الذي طرق رأس الشاعر فخالط سويدات شعره وهو لا يزال في عنفوان شبابه.
هذا هو كل ما حفظه الديوان من وصف الشاعر وشمائله. صورة غير وافية إلاَّ أنَّها تحدد بعض ملامح الشاعر وتكشف عن بعض سماته وأوصافه.
ثالثاً ـ في انتساب بعض الأبيات إلى ابن هاني
نُسب إلى ابن هاني هذان البيتان:
حَلَّ برقَّادة المسيحُ
حَلَّ بها آدم ونوحُ
حَلَّ بها الله ذو المعالي
فكلُّ شيءٍ سواه ريحُ)[104](
كثر الجدل واحتدم النقاش حول هذين البيتين، وقد كُفِّر ابنُ هاني بسببهما. إلاَّ أنَّ هذين البيتين لا يمكن نسبتهما إلى ابن هاني حسب الأدلة التالية:
الدليل الأول: إنّ البيتين كما ذكر ابن عذارى المراكشي هما لمحمد البديل كاتب أبي قضاعة، قالها إثر دخول عبيدالله المهدي رقّادة سنة 297هـ وقد أضاف بيتاً ثالثاً أورده بعد البيت الأول، وهو:
حَلَّ بها أحمد المصفّى
حَلَّ بها الكبش والذبيحُ)[105](
الدليل الثاني: إنّ الأبيات ليست في ديوان ابن هاني، ولا في شرح الديوان الموسوم بـ«تبيين المعاني في شرح ديوان ابن هاني» للمحقق الهندي زاهد علي الذي اعتمد على مخطوطات كثيرة لم ترد في جميعها هذه الأبيات.
الدليل الثالث: إنّ رواة هذين البيتين أكدوا على أنّهم وجدوا البيتين منسوبين إلى الشاعر وأنهم لم يعثروا عليهما في ديوانه. من هؤلاء المؤرخين ابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ الذي ذكر بأنّه لم يجد البيتين في ديوان الشاعر)[106](. وكذلك أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي قال بأنه لم ير البيتين في شعر ابن هاني ولا في ديوانه)[107](. ومن هنا يتضح أنّ هذه الأبيات ليست من شعر ابن هاني وإنما نسبت إليه سهواً وعن غير بيّنة، أو عمداً لأغراض خاصة تهدف إلى التنكيل بالشاعر والإطاحة به وإبعاده عن معترك التواجد السياسي والثقافي الفاعل في المجتمع.
رابعاً ـ وقفة مع كتاب شهداء الفضيلة للعلاّمة الأميني
عبّر العلاّمة الأميني عن ابن هاني الأندلسي في كتابه شهداء الفضيلة بـ«النحوي الشاعر»)[108](. ويبدو أنّ المؤلف قد خلط بين ابن هاني الشاعر الأندلسي وبين أبي عبدالله محمد بن هاني اللخمي السبتي المعروف أيضاً بابن هاني المغربي، أحد أكبر علماء العربية في المغرب، وصاحب المؤلفات الكثيرة في علوم العربية وخاصة النحو. فمن كتبه: «شرح التسهيل لابن مالك» و«الغرة الطالعة في شعراء المائة السابعة»، و«إنشاد الضّوال وإرشاد السؤال في لحن العامة». وقد قتل في حصار جبل طارق سنة 733هـ)[109](.
خامساً ـ هل لابن هاني مؤلفات أخرى غير الديوان؟
سبق وأن جاء في ثنايا المقال أنّ ابن هاني كان قد تعلّم بدار العلم بقرطبة، ونال حظاً وافراً من العلم والأدب. ومن المعروف أنّه لم يخلّف أثراً آخر غير ديوانه المشهور. إلاَّ أنَّ بعض المؤرخين ذكروا لابن هاني كتاباً في التاريخ سمّاه إسماعيل باشا البغدادي «تاريخ الأندلس»)[110](، وعبّر عنه فؤاد سزگين بـ«تاريخ ابن هاني»)[111](، وقال عنه كارل بروكلمان بأنه لا يزال محفوظاً في فاس)[112](. وقد تحرّيت عن هذا الكتاب مراراً وبحثت عنه في فهارس المخطوطات كثيراً دون أن أهتدي إلى شيءٍ يذكر. ويبقى هذا الأمر عالقاً بين الصحة والسقم حتى يثبت عياناً. لأنّ الشواهد المتوفرة حالياً لا تدل على نسبة مثل هذا الكتاب لابن هاني.
سادساً ـ مستدرك أشعار ابن هاني
من خلال البحث في كتب الأدب والمصادر المعنية بسيرة وأدب ابن هاني عثرنا على أبيات نسبت إلى الشاعر لم ترد في طبعات ديوانه القديمة ولا في ديوانه المطبوع حديثاً من تحقيق محمد اليعلاوي الذي اعتمد على كتاب الباحث الإسماعيلي زاهد علي «تبيين المعاني في شرح ديوان ابن هاني» الذي يعد من أكمل الدواوين المطبوعة مادة وأجودها تدقيقاً وتحقيقاً نظراً لاعتماد الباحث على عدد وافر من مخطوطات الديوان المنتثرة في أنحاء العالم وبعض المخطوطات الهندية النادرة. وقد أضاف المحقق اليعلاوي إلى طبعة الديوان الجديدة مخطوطة تونسية فيها إضافات وزيادات لم ترد في مخطوطات التبيين.
ونضيف هنا الأبيات التي عثرنا عليها من خلال تجوالنا في مجاميع الشعر وكتب الأدب لتسهم ولو بقدر ضئيل في لمّ شتات ما تناثر من سيرة هذا الشاعر الكبير وتراثه الشعري الغزير.
ــ الألف ـ
وخيرُ زادِ المَرءِ من بعد التُقى
حُبُّ التُقاةِ الغُرِّ أصحابِ الكِسا)[113](
ــ السين ـ
قال يمدح فاتح «قابس»:
ضحكَ الزمانُ وكان قدماً عابساً
لمّا فتحتَ بعزمِ سيفكَ قابسا
أنكحتها بكراً وما أمهرتَها
إلاَّ قناً وصَوارماً وفوارسا
من كانَ بالسُّمرِ العوالي خاطباً
فتحت له البيض الحصون عرائسا)[114](
ــ القاف ـ
عاطيتُه كأساً كأنّ شعاعَها
شمسُ النَّهارِ يضيئُهُ إشراقُها
انظر إليه كأنّهُ متنصّلٌ
بجفونهِ مما جنت أحداقُها
وكأنّ صفحةَ خدِّهِ وعذارَهُ
تفاحةٌ حفّت بها أوراقُها)[115](
ــ النون ـ
ما هذه الألفُ التي قد زدتُمُ
فدعوتم الخُوّانَ بالإخوانِ
ما صَحَّ من أحدٍ فأدعوه أخاً
في الله محضاً لا ولا الشيطانِ
أمّا مولٍّ عن ودادي ماله
وجه ولنا مَن له وجهانِ)[116](
* * *
علّمته بابَ المضافِ تفاؤلاً
ورقيبه يغريه بالتنوينِ)[117](
* * *
ويوم كأنّ الغيم تحت سمائه
حكى مقلتي سحّاً ولم يحكني ضنّا
كأنّ الغوادي بالمثاني نضحنه
وألبسنه ثوباً من الخزّ أدكنا)[118](
* * *
المصادر والمراجع
1 ـ ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ.
2 ـ أبو الفدا عماد الدين إسماعيل: المختصر في أخبار البشر، مصر، بدون تاريخ.
3 ـ أحمد بدر: تاريخ المغرب والأندلس، المطبعة الجديدة، دمشق، 1980.
4 ـ أحمد بن فضل الله العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 1988.
5 ـ أحمد بن محمد الخفاجي: ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، 1966.
6 ـ أحمد بن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس دار الثقافة، بيروت، بدوت تاريخ.
7 ـ إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين، المكتبة الإسلامية، طهران، 1967.
8 ـ إسماعيل بن كثير: البداية والنهاية، الطبعة الأولى، بيروت، 1988.
9 ـ حسن الصدر: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، العراق، بدون تاريخ.
10 ـ خليل بن أيبك الصفدي: الغيث المسجم في شرح لامية العجم، المطبعة الوطنية، الإسكندرية، 1290هـ.
11 ـ خليل بن أيبك الصفدي: الوافي بالوفيات، الطبعة الثانية، 1962.
12 ـ عباس القمي: الكنى والألقاب، المطبعة الحيدرية، النجف، 1970.
13 ـ عبدالحسين الأميني: شهداء الفضيلة، دار الشهاب، قم، بدون تاريخ.
14 ـ عبدالحي بن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، مصر، 1350هـ.
15 ـ عبدالله بن أسعد اليافعي: مرآة الجنان، حيد آباد الدكن، 1338هـ.
16 ـ عبدالله بن الدواداري: كنز الدرر وجامع الغرر، تحقيق صلاح الدين المنجد، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1961.
17 ـ عبدالله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1961.
18 ـ علي بن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، القاهرة، 1945.
19 ـ علي بن الحسين الباخرزي: دمية القصر وعُصرة أهل العصر، تحقيق الدكتور محمد التونجي، مؤسسة دار الحياة، بيروت، 1971.
20 ـ علي بن سعيد المغربي: رايات المُبرّزين وغايات المميّزين، تحقيق الدكتور النعمان عبدالمتعال القاضي، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1973.
21 ـ علي بن سعيد المغربي: المُغرب في حلى المغرب، تحقيق الدكتور شوقي ضيف، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.
22 ـ علي بن الأثير: الكامل في التاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1989.
23 ـ الفتح بن خاقان: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، مطبعة السعادة، مصر، 1325هـ.
24 ـ فؤاد سزگين: تاريخ التراث العربي، نقله إلى العربية الدكتور عرفة مصطفى، الطبعة الثانية، مكتبة السيد المرعشي، قم، 1412هـ.
25 ـ كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، ترجمة الدكتور عبدالحليم النجار، دار الكتاب الإسلامي، قم، بدون تاريخ.
26 ـ لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبدالله عنان، الشركة المصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1974.
27 ـ مارون عبود: أدب العرب، دار الثقافة، بيروت، 1960.
28 ـ المبارك بن المستوفي: تاريخ إربل، حققه وعلق عليه سامي بن السيد خماس الصقار، دار الرشيد، بغداد، 1980.
29 ـ محمد بن الأبّار القُضاعي: التكملة لكتاب الصلة، مصر، 1956.
30 ـ محمد بن الأبّار القُضاعي: الحلّة السيراء، تحقيق الدكتور حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، 1963.
31 ـ محمد بن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب، دار الأضواء، بيروت، 1985.
32 ـ محمد بن منظور: نثار الأزهار في الليل والنهار، مكتبة الحياة، بيروت، 1983.
33 ـ محمد بن هانىء: ديوان ابن هانىء الأندلسي، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.
34 ـ محمد المحبي: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، مصر، 1284هـ.
35 ـ منير ناجي: ابن هانىء الأندلسي درس ونقد، دار النشر للجامعيين، 1962.
36 ـ ياقوت الحموي: معجم الأدباء، الطبعة الثالثة، دار الفكر، بيروت، 1980.
حيدر محلاّتي
* * *
أبو علي مسكويه الرازي
هو أحمد بن محمد الرازي (توفي 421هـ/ 1030م) المؤرخ، والفيلسوف، والطبيب، والأديب الإيراني المبرز. اسمه بالفارسية (مُشكويه) وتعريبه هو (مِسْكَوَيْه). والاسم مأخوذ من اسم تابع من توابع الري، إلاَّ أن هناك خلطاً في اسم أبيه، فهو نفسه يقول في بعض كتبه إنه (أحمد بن محمد مسكويه) ومرة أخرى يقول (أحمد بن يعقوب مسكويه)، وقد أدى هذا إلى عدم تثبيت المؤرخين المحدثين، بل والمعاصرين له فسموه (ابن مسكويه) معتبرين مسكويه اسم أبيه أو جده. إلاَّ أن أبا علي في كثير من كتبه، مثل: العقل والمعقول، والشوامل، ورسالة في اللذات والآلام، ومقالة في النفس والعقل، يقول إنه (أبو علي مسكويه)، وكذلك أيضاً كان يعرفه بعض معاصريه، مثل أبي حيان التوحيدي، وأبي بكر الخوارزمي، والثعالبي.
لا يعرف شيئاً عن تاريخ ولادته، ولكن بما أنه يشير إلى كثرة تردده على أبي محمد المهلبي، وزير معز الدولة البويهي، وأنه استقى معلوماته عن سنة 320هـ وما بعدها شفاهاً من المهلبي، وفي موضع آخر يقول إنه كان مصاحباً للمهلبي سنة 341، فبديهي أن عمره يومئذ لم يكن ليقل عن عشرين سنة، فلا بدَّ أن تكون ولادته في حوالي سنة 320هـ ويكون قد توفي وهو في حوالي المئة سنة من عمره.
يقول ياقوت:
إنه كان مجوسياً ثم أسلم، ولكن بما أن اسم أبيه هو محمد، فيستبعد أن لا يكون مسلماً بالولادة، خاصة وأن هذا لم يرد في أي مصدر آخر.
يعتبر أبو علي مسكويه شيعياً، بدليل ما ورد عنه في بعض كتب المتأخرين، مثل الرواشح وغيره.
عن سنوات حياته الأولى لا يوجد ما يعتمد عليه، ولكن يبدو أنه لم يقض سنوات حداثته في راحة وطمأنينة، وهو يذم أسلوب أبويه في تربيته، والظاهر أن أباه كان يحمله على حفظ الشعر الجاهلي وروايته، وأنه كان في أوائل شبابه كثير اللهو، ولكنه سعى بعد ذلك إلى تهذيب نفسه ونجح فيه.
كانت لمسكويه علاقات وثيقة مع وزراء آل بويه وأمرائهم في شؤون الديوان والمكتبات والأمور المالية، وفي منادمتهم ومصاحبتهم، والأخذ والعطاء في ميدان العلم والأدب، ولهذا أمضى معظم سنوات حياته في مدن متفرقة مثل، الري، وبغداد، وشيراز، وأصفهان، وأحسب أن طلب العلم كان له دخل في تلك الرحلات.
كان مسكويه من الري أصلاً، ولعله قضى العقدين الأولين من عمره فيها، ثم التحق بالبويهيين في بغداد، وأمضى نحو اثنتي عشرة سنة مصاحباً ونديماً خاصاً لأبي محمد المهلبي، وزير معز الدولة. ثم قضى سبع سنوات بصحبة أبي الفضل ابن العميد، وزير ركن الدولة البويهي يدير مكتبته في الري. والظاهر أنه بعد ذلك دخل في خدمة أبي الفتح ابن العميد وزير ركن الدولة ومؤيد الدولة. وبعد مقتل أبي الفتح رفض مسكويه خدمة الصاحب بن عباد، الوزير الجديد لمؤيد الدولة، الذي كانت بينهما منافسة. وحتى بعد موت الصاحب بن عباد لم يغفر له وقدح فيه في شعره.
ثم التحق أبو علي بعضد الدولة، سلطان آل بويه الكبير، في شيراز وأصبح أحد ندمائه ورسله، وعهد إليه بإدارة مكتبته وبيت ماله، وبقي في منصبه هذا حتى مات عضد الدولة. كانت تلك المكتبة تجمع جميع مصنفات ذلك الزمان، وإلى هذا يشير مسكويه، كما ألّف باسمه كتاب تجارب الأمم، وفي المقدمة أشار إلى كونه من موظفيه. وكان عضد الدولة قد عين مكاناً في قصره وبالقرب منه لجمعية الحكماء والفلاسفة ليجروا مناقشاتهم العلمية فيه، وكان هو نفسه من أعضاء الجمعية البارزين.
وإذ تسنّم صمصام الدولة الحكم بعد أبيه ازدادت علاقة مسكويه به، وكان يحضر المجالس العلمية التي كان يعقدها ابن سعدان، وزير صمصام الدولة، حيث كان يحضر أيضاً أشخاص مثل ابن زرعة، وابن الخمار، وابن سمح، والقومسي، ونظيف الرومي، ويحيى بن عدي وعيسى بن علي. وبعد صمصام الدولة، ظل مسكويه في خدمة رجال الدولة الآخرين في بلاط الري. في أول الأمر كان هو وجمع آخر من العلماء، مثل ابن سينا والبيروني، في خدمة خوارزمشاه، ولكنه رفض الالتحاق بخدمة السلطان محمود الذي كان قد طلب تلك الجماعة من خوارزمشاه، إلاَّ أن هذا ليس مؤكداً ولا يعدو أن يكون مجرد أقاويل.
أمضى أبو علي أيامه الأخيرة في أصفهان وفيها توفي ودفن في محلة تسمى (خواجو)، إلاَّ أن القمي في السفينة، وفي الكنى قيل إنه دفن في محلة اسمها درب جناد أو جناب.
أساتذته وطلابه
لا يعرف الكثير عن أساتذة مسكويه، فهو يقول في التهذيب: في شبابي شجعني أبي لدراسة الأدب والشعر.
وفي مكان آخر يقول: إنه قرأ استطالة الفهم للجاحظ يقول: ابن حيان في الإمتاع إن مسكويه أبدى رغبة شديدة في الكيمياء وتتلمذ فيها على أبي الطيب الكيميائي الرازي، كما شغف بكتب محمد بن زكريا الرازي وجابر بن حيان. وكانت له التفاتات نحو التاريخ فدرس تاريخ الطبري. على ابن كامل الذي كان من أصحاب محمد بن جرير الطبري. ودرس علوم الأوائل (اليونان) عند ابن الخمار، وقد برع في هذه العلوم، وخاصة في المنطق والطب حتى لقب ببقراط الثاني.
بعض المؤرخين يعتبرون مسكويه أستاذ أبي حيان ودليلهم في ذلك كتاب الهوامل والشوامل الذي أجاب فيه مسكويه عن أسئلة ابن حيان، ودلائل أخرى، مثل رسالته ماهية العدل أو مقالته في ماهية الكيمياء، إذ إنهما أيضاً ردود أسئلة ابن حيان، التي يوردها بلحن التلمذة.
معاصروه
كانت لأبي علي علاقات وطيدة مع الحكماء والعلماء والأدباء في عصره. من هؤلاء كان أبو سليمان السجستاني الذي اعتبر مسكويه من كبار علماء العصر ومدحه كثيراً، كما جاء في كتابه صوان الحكمة الذي ألفه في حياة مسكويه عن رجال العلم والحكمة.
كان تعامل أبي حيان التوحيدي مع مسكويه، مثل تعامله مع سائر معارفه العلماء، متناقضاً، فمرة هو مسرور ومادح، وأخرى هو غير مسرور وقادح، متهماً مسكويه بالتقلب والبخل… وفي الوقت نفسه يصف شعره بالجمال وألفاظه بالطهارة، ويعتبره «كنز العلوم العجيبة وأسرار الحكمة».
ومن المقربين إليه كان أبو بكر الخوارزمي. أمّا بديع الزمان الهمداني الذي خاصم معاصريه، بمن فيهم الخوارزمي، أحنى رأسه احتراماً لمسكويه وتعظيماً ولم يهاجمه.
من معاصري مسكويه الآخرين في النصف الثاني من عمره كان ابن سينا، الذي وُلد يوم كان مسكويه في الخمسين من عمره. يقولون إن ابن سينا لم يجد مسكويه سريع الفهم. وفي يوم جمعهما مجلس حيث كان طلاب مسكويه حاضرين، فرمى ابن سينا جوزة نحو مسكويه وقال له: «احسب مساحتها!» فألقى إليه مسكويه رسالة له في الأخلاق وقال:
أبدأ أنت بتهذيب أخلاقك أولاً حتى أقوم أنا بحساب مساحة الجوزة، لأنك أحوج إلى تهذيب أخلاقك مني إلى استخراج مساحة الجوزة!
مؤلفاته
يذكر المؤرخون أن له مؤلفات كثيرة تشمل الكتب والرسائل والمقطوعات الشعرية العربية والوصايا، ولكنها لم تصل إلينا جميعها. أما المطبوع منها فيشمل:
1 ـ تجارب الأمم، وهو أشهر كتب أبي علي التاريخية، وتوجد منه عدة نسخ، كما طبعت فصول منه.
2 ـ ترتيب السعادات ومنازل العلوم. طبع هذا الكتاب في مصر تحت عنوان السعادة (1928)، وطبع في طهران تحت عنوان ترتيب السعادات (1314هـ ش) في حاشية مكارم الأخلاق للطبرسي، وفي السنة نفسها طبع ملحقاً بكتاب المبدأ والمعاد للملا صدرا.
3 ـ تهذيب الأخلاق وطهارة الأعراق في فلسفة الأخلاق، وقد نشر مرات عديدة في الهند والقاهرة واسطنبول وبيروت. وهو يبين نظريات مسكويه في الحكمة العملية.
4 ـ الحكمة الخالدة الذي ينسب إلى هوشنك بيشدادي، وقد ترجمه حسن بن سهل إلى العربية، وأكمله مسكويه. ويشتهر هذا الكتاب باسم آداب العرب والفرس، ويدور حول حكمة الإيرانيين، والهنود، واليونانيين والعرب.
5 ـ بعض الرسائل والمقالات القصيرة في الفلسفة، نشر بعضها في دمشق والقاهرة وليدن.
6 ـ رسالة في دفع الغم من الموت (لماذا أخاف الموت). هذه الرسالة جزء من تهذيب الأخلاق لمسكويه، ولكن مرن نسبها إلى ابن سينا ونشرها ضمن مجموعة رسائل الشيخ الرئيس. وأشار شيخو إلى هذا الخطأ في جملة المشرق. وقد نشر نص هذه الرسالة وترجمتها في قم سنة 1327هـ ش.
7 ـ الفوز الأصغر ويحتوي على ثلاث مسائل، ونشر في عدة مرات: في بيروت (1319هـ) والقاهرة (1325هـ). ونشر في طهران مع فوز السعادة (1314هـ).
8 ـ فوز السعادة، وهو، كما يقول الشيخ آقا بزرك في الذريعة، غير ترتيب السعادات.
9 ـ لغز قابس (لوح قابس). هذا في الواقع جزء من كتاب الحكمة الخالدة، وقد طبع عدة مرات، منها في مدريد (1793م) وفي باريس (1873م) وفي الجزائر (1898م).
10 ـ الهوامل والشوامل. (الهوامل) هي مجموعة أسئلة أبي حيان التوحيدي، والشوامل هي أجوبة مسكويه عنها. وقد طبع هذا الكتاب سنة 1370هـ/ 1951م في القاهرة برعاية أحمد أمين وأحمد صقر.
مؤلفاته الخطية
1 ـ رسالة في ذكر الحجر الأعظم، في الكيمياء، توجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران.
2 ـ رسالة في الكيمياء، توجد نسخة منه في مكتبة أصغر مهدوي الخاصة.
3 ـ رسالة في ماهية العدل، النسخة الوحيدة لهذا الكتاب موجودة في مكتبة آسنان قدس رضوي، تحت العنوان الكامل: رسالة الشيخ أبي علي أحمد بن يعقوب مسكويه إلى علي بن محمد أبي حيان الصوفي في ماهية العدل.
4 ـ كتاب الأشربة، في العقاقير الطبية. مختارات منه موجودة في مكتبة صائب في أنقرة.
5 ـ كتاب في ترتيب الباجات من الأطعمة (كتاب الطبيخ). توجد نسخة منه في مكتبة أحمد ثالث باسطنبول.
6 ـ الكنز الكنز، في الكيمياء. توجد نسخة منه في مكتبة بشير آغا.
7 ـ نديم الفريد (أنس الفريد). القندوزي الحنفي ينقل عن هذا الكتاب احتجاج المأمون في قضية ولاية عهد الإمام الرضا عليه السلام.
وهناك من مؤلفاته المفقودة التي لم يعثر عليها، منها:
1 ـ رسالة إلى بديع الزمانُ الهمداني، وهي نظم ونثر، جواباً عن رسالة بديع الزمان الاعتذارية.
2 ـ مجموعة شعرية تضم أمثلة لشعر أبي علي.
3 ـ عهد أبي علي مسكويه مع نفسه الذي يذكره الحموي تحت عنوان وصيته.
4 ـ وصية مسكويه، وهي نصائح يقدمها للباحثين عن الحكمة، وهي موجودة في صوان الحكمة لأبي سليمان. كما أن أبا علي قد ذكرها في الحكمة الخالدة في فصل حكمة حكماء الإسلام، من دون ذكر اسمه.
ومن مؤلفاته المفقودة الأخرى كتاب الفوز الأكبر.
أفكاره الفلسفية
بذل أبو علي جهوده في أكثر ميادين الحكمة النظرية والعملية، وخاصة في فن تهذيب الأخلاق، بحيث إن بعضهم وصفه بالمعلم الثالث… كان ينظر إلى التاريخ بصفته مختبراً للفلسفة العملية، وهو متأثر أكثر من غيره بأفكاره أرسطو وأفلاطون، فهو مرة أرسطوي ومرة أفلاطوني، بحسب الموضوع والبحث الفلسفي. في كتابيه «تهذيب الأخلاق» و«الفوز الأصغر» يشير أيضاً إلى سقراط وجالينوس وفيثاغورس وفرفريوس وبرقلس وينقل عنهم وينقدهم، ولكنه كان قليل الاهتمام بالرواقيين.
أمّا على صعيد الإسلام فقد عني بفلاسفة مثل الكندي وأبي عثمان الدمشقي وأبي الحسن العامري، كما كان يستند إلى القرآن والحديث. وفي الحكمة النظرية كتب كتابين: «الفوز الأصغر» و«الفوز الأكبر»، وهذا الأخير مفقود، ولكن يظهر أنه كتب على غرار الفوز الأصغر بتفصيل أوسع.
إقبال اللاهوري يرى أن فلسفة ما بعد الطبيعة عند مسكويه أكثر انتظاماً من فلسفة الفارابي. القسم الأول من «الفوز الأصغر» في عشرة فصول يدور حول إثبات الصانع. والقسم الثاني أيضاً في عشرة فصول مختصرة حول معرفة النفس وفي المعاد. القسم الثالث من الكتاب في عشرة فصول أيضاً وتدور حول النبوة.
أمّا في الحكمة العملية فلمسكويه ثلاثة كتب مهمة: «تهذيب الأخلاق» و«ترتيب السعادات» و«الحكمة الخالدة». إن الهدف من «تهذيب الأخلاق» هو الوصول إلى الإنسان الخيّر بالتعلم المستمر حتى يصبح ملكة من ملكات النفس.
الطب: من الميادين الأخرى التي ولجها أبو علي هو ميدان الطب. يقول الحموي إن له كتاباً في هذا الباب باسم الجامع، ويعتقد آخرون أنه كتبه على غرار كتاب الجامع الكبير المعروف بالحاوي لمحمد بن زكريا الرازي. وله كتاب آخر باسم «في الأدوية المفردة». وكتابه الآخر هو «تركيب الباجات من الأطعمة» أو كتاب الطبيخ، وكتابه الثالث هو «كتاب الأشربة».
الكيمياء: يقول أبو حيان التوحيدي إن مسكويه قد بذل جهوداً كبيرة في هذا الباب واشتغل زماناً طويلاً مع أبي الطيب الكيميائي الرازي. وله في هذا الميدان «رسالة في الكيمياء»، وذكر الحجر الأعظم، ولعله يقصد به حجر الفلاسفة أو الإكسير الأعظم. وثمة رسالة باسم رسالة الحكمة النادرة تنسب إليه أيضاً.
المصادر
ــ آقا بزرگ، الذريعة وطبقات أعلام الشيعة، برعاية علي تقي منزوي، بيروت، 1391هـ/1971م.
ــ ابن أبي أصيبعة، أحمد بن قاسم، عيون الأنبياء، برعاية أوغوست مولر، القاهرة، 1299هـ.
ــ أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، برعاية أحمد أمين وأحمد زين، القاهرة، 1942م.
ــ أبو سليمان السجستاني، محمد بن طاهر، صوان الحكمة، برعاية عبدالرحمن بدوي، 1974م.
ــ أبو علي مسكويه، أحمد بن محمد، تجارب الأمم، برعاية أبو القاسم إمامي، طهران، 1366هـ ش.
ــ إقبال اللاهوري، محمد، سير فلسفة در إيران، ترجمة أمير حسين آرين پور، طهران، 1349هـ ش.
ــ الأمين، محسن، أعيان الشيعة، برعاية حسن الأمين، بيروت 1403هـ/ 1983م.
ــ دفاع، علي عبدالله، إسهام العلماء العرب والمسلمين، بيروت 1406هـ/1986م.
ــ شيخو، لويس، رسالة في الخوف من الموت، المشرق، بيروت، 1908م، العدد 11.
جعفر صادق الخليلي
الاتجاه الفكري
لمدرسة الإمام جعفر الصادق
كثر الحديث في السنوات الماضية حول إمكانية الفكر الإسلامي في مواجهة التحديات المعاصرة وإمكانية تخليصه من الشوائب والمعوقات الموروثة. وفي هذا السياق برزت أسماء لمفكرين عرب ومسلمين حاولوا فهم مكونات «العقل العربي»، و«العقل الإسلامي»، كالدكتور محمد عابد الجابري، والدكتور محمد أركون، والدكتور عبدالرحمن الطريري، وغيرهم، والحديث عن «العقل»، هو الحديث عن قدرة الإنسان على إدراك الأشياء على حقيقتها، وقدرة الإنسان على تحديد رأيه في موضوع من المواضيع.
ويرتبط بمفهوم «العقل»، مفهوم «العقلانية» التي يقصد منها قدرة الإنسان على تحديد موقفه الفكري، وسلوكه تجاه الحياة الاجتماعية والمعرفة، وقضايا العلوم التطبيقية، فالإنسان يحقق هدف إنسانيته من خلال تحكيم نظام عقلي يقوم على مجموعة من المبادىء والمسلمات والقوانين الأولية التي تتفق عليها كل العقول السليمة، وإن تلك المبادى تتميز بالسمو والارتفاع، فوق الجزئيات، وفوق اعتبار الزمان والمكان. (انظر الطريري/1993).
ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، فإننا نرى الكثير من آياته تتحدث عن صيغ مشتقة أو مرادفة لكلمة العقل مثل {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (البقرة/242)، {وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (النمل/12)، ومن هذا المنطلق تناول علماء المسلمين مفهوم العقل وعلاقته بالشريعة وناقشوا المواضيع التي طرحت أسئلة في غاية الأهمية مثل: هل أنَّ الشرع هو أساس الإيمان؟ أم أن العقل هو الأساس؟ فكثير من أمور الشرع لا يمكن إثباتها بالحجة والبرهان، ولهذا فإن الإشكالية التي تطرح نفسها هي: هل الحجة والحاكمية للشرع أم للعقل؟
العلاقة بين الشرع والعقل مسألة تتعلق بموضوع المعرفة، لأن المعرفة هي الرابطة التي تصل الإنسان بعالمه الخارجي، ولولا المعرفة لظل الإنسان أسيراً لذاته مثل المخلوقات غير العاقلة، فالمعرفة هي التي تفتح عقل الإنسان على الطبيعة المحيطة به، وتفتح أمامه الأسئلة حول ما وراء الطبيعة. وعلى هذا الأساس فإن نظرية المعرفة لدى الفلاسفة تحاول تعريف الوسائل التي تزود الإنسان بالمعرفة وطبيعة القنوات التي تربطنا بالعالم الخارجي.
يتفق الفلاسفة المسلمون وغير المسلمين على أنّ التكوين المعرفي يعتمد على نوعين أساسيين من العقلنة الإنسانية؛ الاستدلال والاستقراء. الاستدلال يمكّن الإنسان من استخراج النتيجة العقلية بالاعتماد على مقدمات نظرية معروفة ومقبولة. أمّا الاستقراء فيُمَكّن الإنسان من الوصول إلى نتيجة عقلية من خلال تتبع الجزئيات باستخدام التجربة (المعتمدة على الحواس الخمس) للتوصل إلى حكم نهائي.
والفلاسفة الأوائل يرون أن اعتقاد الإنسان بشيء ما لا يمكن أن يكون يقينياً مطلقاً ما دام هناك أدنى احتمال خطأ في المقدمات التي أوصلت إلى تلك النتيجة، ولهذا، فإن الشك اعتبر المحفز الرئيسي لتكوّن المزيد من المعرفة. وقد سعى الفلاسفة للوصول إلى العلم الأساس والمعرفة التي لا تحتاج لدليل ولا تحتمل الشك للوصول إلى علم يقيني يمكن تأسيس العلوم والمعارف الأخرى عليه. وهنا يشير الإمام الصادق عليه السلام: «أما إذا خرجت من الأفكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة».
لا شك أنَّ وصول هذه الأفكار التشكيكية إلى المسلمين (بعد ترجمة الكتب اليونانية التي بدأت في عهد الإمام جعفر الصادق) كان لها أبلغ الأثر في دفع رواد الفكر الإسلامي لمواجهة الكثير من الإشكاليات التي طرحت نفسها على الساحة. ولقد ساعدت الأوضاع السياسية الإمام الصادق ـ كما عبَّر عن ذلك الأستاذ أسد حيدرـ، بين شيخوخة الدولة الأموية وطفولة الدولة العباسية إذ اتسع المجال للإمام الصادق(ع) لنشر العلم وبث الأحكام الشرعية والتعاليم النبوية، فبين ميلاد، ووفاة الإمام الصادق في 702 ـ 765م، عاصر ثمانية من ملوك بني أمية، واثنين من ملوك بني العباس. وبسبب تلك الظروف اشتهر الإمام الصادق في ذلك العصر، واتسع ذكره، وتوسَّعت مدرسته الفكرية التي كان يدرس فيها أربعة آلاف عالم، اشتهر عنها حرية القول وحرية النقض والإبرام في شأن الحقائق الدينية والعلوم الطبيعية.
وفي الوقت الذي ركز الفكر اليوناني على النظريات والعموميات والنهج الاستدلالي، كان الإمام الصادق يخضع بحوئه للنهج التجريبي معتمداً على القرآن الذي ركز على الاعتبار بالمحسوس المتمثل بالواقع، وحثَّ على رفض المسلمات والعموميات التي تحكم مقدماً على أي أمر واقع. ولذا فإن مدرسة الإمام الصادق بالمدينة المنورة احتوت على علماء ومتخصصين في جميع المجالات العلمية المتطورة في ذلك الحين، مثل الفيزياء والكيمياء والطب وعلوم الجغرافيا والفلسفة، بالإضافة للعلوم الدينية كعلم الحديث والفقه.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: «اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج»، ويقول لتلامذته: «اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا». (سليمان كتاني/ 1991). هذا التأكيد على الجانب التجريبي والبحث العلمي المستمر، مكن تلامذة الإمام الصادق من استيعاب الفكر اليوناني دون الإخلال بمرتكزات الفكر الإسلامي، ولذلك فإن الإمام الصادق واجه المشاكل المطروحة في عصره حول الجبر، والاختيار، والقضاء والقدر، بانفتاح وحرية لا زالت رمزاً لكل من طلب الانعتاق من الأغلال. فها هو الإمام الصادق يتحدث بطول نفس مع الزنادقة الذين لم يؤمنوا بالإسلام، ولا يغضب عندما يسأله بعض المشككين «كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟»، ويجيبه الإمام «رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون رؤيته. (انظر الجندي/ 1977).
ولهذا فإن الإمام الصادق يقول «اطلبوا العلم، فإنّه السبب بينكم وبين الله». ويؤسس الصادق نظرية عقلية بقوله: «الحسن الجوهر هو العدل، لأنّه علة كل حسن، والجور هو القبح لأنّه علة كل قبح»، وبهذا يتضح العمق الفكري والسياسي للصادق عندما يربط الظلم والجور بكل نتيجة قبيحة ويربط العدل بكل نتيجة حسنة.
على أنَّ الإمام الصادق وقف موقفاً رافضاً لمبدأ «القياس» لأنّه وجد ذلك تحديداً للمنهج الفكري الذي نشره بين تلامذته. فالإمام أبو حنيفة استخدم «القياس» كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي واستنبط أحكاماً شرعية على أساس مقارنة حالة معينة بحالة أخرى. إذا كان القياس منصوص العلة فهو مقبول، أمّا إذا كان مختلف العلة فيرفض قبوله. بمعنى أنَّ قياس الأحكام دون النظر إلى العلة مرفوض، فمثلاً: علة تحريم الخمر هو الإسكار، ولهذا فإنّ أي مسكر يصبح حراماً، ولكن القياس الشكلي قد يؤدي إلى تحريم كل شيء يشبه الخمر، وإن كان ليس مسكراً. وقد يحلل أيضاً كل مسكر لأنّه لا يشبه الخمر الذي ورد ذكره في القرآن والسنة، ولعلّ من أفضل الردود المعاكسة لمنهج القياس ما ورد على لسان جابر بن حيان، تلميذ الإمام الصادق عليه السلام، وأبي الكيمياء، وصاحب أقدم مختبر كيميائي عرفه التاريخ، فالقياس يشبه «المجانسة» و«مجرى العادة»، ويشرح جابر بن حيان ذلك بالقول «ومن دلالة المجانسة دلالة الأنموذج كمن يريك بعض الشيء دلالة على كله، وهو استدلال وغير قاطع: «إذ الأنموذج لا يوجب وجود شيء من جنسه يساويه تماماً في الطبيعة والجوهر» (انظر الجندي/1977).
ويشير إلى مجرى العادة قائلاً: «وكذلك دلالة مجرى العادة، فإنه ليس علم يقين اضطراري برهاني أصلاً، بل علم إقناعي يبلغ أن يكون: أجرى وأولى وأجدر لا غير. وليس في هذا الباب علم يقين واجب».
واستتباعاً لذلك فإن الإمام الصادق علّم تلامذته الأخذ بالدليل الاستقرائي لتحصيل المعرفة الإنسانية والكونية، معتبراً القرآن مصدراً إليهاً للمعرفة الدينية الموجهة للمعرفة الإنسانية، وليست البديلة عنه.
فجابر بن حيان هو القائل في حق الإمام الصادق: «وحق سيدي، لولا أن هذه الكتب باسم سيدي صلوات الله عليه لما وصلتُ إلى حرف من ذلك إلى الأبد». ويقول جابر مسترشداً بتعاليم الإمام الصادق: «أتعب أولاً تعباً واحداً، وأعلم، ثم أكمل، فإنك لا تصل أولاً ثم تصل إلى ما تريد». ويقول أيضاً: «من كان درباً مجرباً، كان عالماً حقاً، ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً، وحسبك الدربة في جميع الصنائع، لأن الصانع الدرب يحذق، وغير الدرب يعطل، ويقول جابر عملته بيدي وبعقلي، وبحثته حتى صح، وامتحنته حتى كذب (انظر الجندي/1977).
إن هذا الفكر المشرق للإمام الصادق يدحض ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي» عندما ذكر: إن الحركة الثقافية العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا حركة نقلة، وبالتالي فزمنها بعدها للسكون لا الحركة على الرغم من كل حركتها، والدليل أن الفكر الشيعي فقهاً وكلاماً وسياسة اكتمل مع جعفر الصادق». ولا بدَّ لنا من الاعتراض على من يُسمّي فكر الإمام الصادق «شيعياً»، لأنه فكر إسلامي عام تعاطى مع مفردات المعرفة كافة كالكيمياء والرياضيات والفلك والجغرافيا وغيرها مما سجل له أعلام الفكر سبقه إلى هذه الميادين الواسعة الآفاق، الإمام الصادق كان قائداً إسلامياً تعاطى مع جميع المسلمين دون تفريق وفتح آفاق العلم مستلهماً ما أنتجته الحضارة الإنسانية آنذاك، ومطوراً لها ـ بعد أسلمتها ـ ودافعاً نحو التجديد المستمر والبحث المعتمد أساساً على المنهج التجريبي الاستقرائي، والمستلهم هداه من وحي القرآن الكريم.
المصادر
1 ـ أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، دار الكتاب العربي، 1969م.
2 ـ المستشار عبدالحليم الجندي، الإمام الصادق، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1977م.
3 ـ د. محمد شريف، (مقال صحافي)، دعوة إلى تدقيق العلاقة بين العقل والإيمان، جريدة «الزمان» 10/11/1999م.
4 ـ سليمان كتاني، الجانب الاجتماعي والسياسي في شخصية الإمام الصادق، مؤتمر الإمام الصادق عليه السلام، دمشق 26/11/1991م.
5 ـ د. عبدالرحمن الطريري، العقل العربي وإعادة التشكيل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، 1993م.
6 ـ د. طراد حمادة، نقد الجابري للعقل العربي وسمعة الأبستمولوجيا، المنهاج، العدد الأول، 1996م.
7 ـ د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.
8 ـ د. زهير غزاوي التيار العلماني العربي ودراسة فكر الإمام الصادق، المنهاج، العدد السابع، 1997م.
الدكتور منصور عبد الأمير الجمري
إحكام المسألة في أحكام البسملة
هذه صفحة مخطوطة من بحث كتبه العلاّمة السيد عبدالستار الحسني الشهير بالنسابة البغدادي المعاصر المولود سنة 1368هـ/1949م والمقيم بمدينة النجف اليوم. كتبه سنة 1391هـ/ 1971م، وكان يزمع نشره يومذاك. وقد ضاعت النسخة المخطوطة التي كتبها مؤلفها ردحاً من الزمن في أيدي بعض المشتغلين. وقد استعدتُها يومذاك قبل ثلاثين عاماً. وها هي تصدر لأول مرّة بعد خمس وثلاثين سنة من زمن تأليفها دون أن يعلم عنها مؤلفها شيئاً. وكان عمر مؤلفها يوم تأليفه إياها يقارب الثانية والعشرين. وقد استهوته علوم الجدل وعلم الكلام والفقه والأصول وانعكست على كتاباته، كما يظهر ذلك على أسلوبه ومنحاه.
وللعلاّمة المؤلف كتابات رائقة، ومؤلفات لم تكتحل عينُ الزمان بمثلها، خصوصاً في الأنساب والتاريخ وعلم الكلام والجدل والتراجم والرجال والفكر والأدب. ومن مؤلفاته: القول الحاسم في أنساب بني هاشم (في عدّة مجلدات)، تحقيق المطالب في تذييل عمدة الطالب، وتحفة ذوي الألباب في طبقات النسّاب، وفصل القول في مسألة العول، وخاتمة المجددين السيد هبة الدين الشهرستاني، وشرح منظومة السيد محمد هادي الصدر في النسب، والسيد في المجتمع العراقي، وغيرها.
جودت القزويني
تقديم بقلم سماحة حجة الإسلام العلامة المتتبع
الميرزا نجم الدين العسكري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين لا يخفى على أهل العلم والفضل أن القرآن الكريم المنزل على النبي العربي الهاشمي أفضل كتاب نزل من الله الرؤوف الرحيم وقد حفظه الله تعالى من التغيير والتبديل قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وهو كتاب عظيم فيه تبيان كل شيء وقد علم ذلك كلّه من أنزل إليه وعلمه صلَّى الله عليه وآله وسلم لوصيه وزوج ابنته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كما يظهر ذلك من تصريحاته عليه السلام وقد قال عليه السلام ما مضمونه أنه ما نزل على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من علم إلاّ علمني ذلك وقال عليه السلام في بيان بعض ما علمه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن البسملة جزء من الحمد ويلزم قراءتها فيها.
قال جلال الدين السيوطي الشافعي في كتابه (الدر المنثور) ص(3) ج1 أخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال الحمد لله ربّ العالمين. فقيل له هي ست آيات فقال بسم الله الرحمن الرحيم آية.
وقال العلامة الشيخ عبدالكريم ابن سبط الشيخ عبدالقادر الجيلاني الحنبلي المولود سنة (767) كما في ظهر الكتاب طبع حيدرآباد الدكن سنة (1340)هـ قال ما هذا نصه في كتابه: (الكهف الرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم) في صفحة (4): ورد في الخبر عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال، كل ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن وكل ما في القرآن فهو في الفاتحة، وكلّ ما في الفاتحة فهو في بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وفي خبر آخر كلُّ ما في بسم الله الرحمن الرحيم فهو في الباء، وكل ما في الباء فهو في النقطة التي تحت الباء. وفي حديث رواه علماء الإمامية إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: وأنا النقطة التي تحت البآء)[119](. وعلا كلّ البسملة آية شريفة وهي جزء من كل سورة من سور القرآن المائة والثلاثة عشر.
ففي الدر المنثور ج1، ص(7) قال كان عبدالله بن عمر يقرأ البسملة عند قراءته لسور القرآن وكان يقول ما كتبت في المصحف إلا لتقرأ.
وفي الدر المنثور ج1، ص(7) قال أخرج الثعلبي عن علي عليه السلام أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول من ترك قراءتها فقد نقّص. وكان يقول هي تمام السبع المثاني.
وفي كنز العمال ج4 ص(209) طبع الأول في حيدرآباد: أخرج بسنده عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في السورتين جميعاً فمن هذا الحديث وما بمعناه يظهر أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم كان وفيه أيضاً عن علي عليه السلام قال كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر باسم الله الرحمن الرحيم في المكتوبات.
وفي نيل الأوطار ج2 ص(92) أخرج عن ابن عباس إن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم (أي إلى أن توفي صلَّى الله عليه وآله وسلم). وفي كنز العمال ج4 ص(209) عن جابر قال قال لي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: كيف تفتتح الصلاة يا جابر؟ قلت: بالحمد لله رب العالمين. قال لي: قل بسم الله الرحمن الرحيم.
وفي نيل الأوطار ج2 ص(92) قال أخرج الترمذي والدارقطني أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. فمن هذه الأحاديث وغيرها يظهر أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وابن عمه أمير المؤمنين عليه السلام والصحابة الكرام كانوا يفتتحون صلاتهم بالبسملة وذلك دليل واضح قوي على أن البسملة جزء من السور المذكورة في القرآن.
هذا وقد كتب في تفسير البسملة وشرحها كتب كثيرة (راجع حرف التاء والشين في كتاب الذريعة) لآية الله المغفور له)[120](، وإنّ حضرة السيّد السّند الفاضل النبيل خالنا المولى السيد عبدالستار الحسني زيد توفيقاته قد ذكر في كتابه الذي سماه «إحكام المسألة في أحكام البسملة» بعض ما ذكر في البسملة وشرحه وتفسيره وفضل قراءته نقلاً من كتب علماء الإمامية وعلماء أهل السنة. وقد أحسن وأجاد في بياناته ولو كان مختصراً، وإنْ كان حفظه الله فصّل ذلك كان أولى وأليق، فإنّ البسملة آية عظيمة من كلام الله المجيد، فما كتبه مقبول عند الله وعند الرسول والأئمة عليهم الصلاة والسلام، وكل ما أذكر في مدحه قليل في حقه، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح شأنه وأن يوفقه لمراضيه إنه على ما يشاء قدير. كتبه نجم الدين الشريف العسكري في 10/6/1391هـ.
مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم؛ حمداً يوافي نعمه ويستلزم المزيد من آلائه. والصلاة والسلام على سيد الرسل والأنبياء دعوة إبراهيم المبعوث رحمةً للعالمين محمد بن عبدالله؛ وعلى آله الغرّ الميامين أئمة الدين وأعلام الحق المبين الذين جعلهم المولى أئمة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. ورضي الله عن صحابته المرضيين من المهاجرين والأنصار وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول العبد الآثم المفتقر إلى رحمة ربه الغني عبدالستار السيد درويش الحسني النسّابة عفي عنه: إنَّ من موارد الخلاف بين فقهاء المسلمين اختلافهم في حكم البسملة؛ أهي آية منزلة في رأس كل سورة؟ أم أنها جملة مستقلة ليست من القرآن؟ فذهب أئمة أهل البيت الطاهر سلام الله عليهم إلى أنَّها جزءٌ من كل سورة عدا سورة براءة ـ التوبة ـ، وتبعهم في ذلك شيعتهم الإمامية في مختلف الأعصار والأمصار، وعلى ذلك الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي وأصحابه. وذهب آخرون إلى أنها ليست من القرآن وآخرون إلى أنها أنزلت للفصل بين السور ليس إلا. وثمّة أقوال شاذة لا يُعبأ بها، أوصلها بعضهم إلى العشرة، ولكن المشهور هو ما سمعت.
وقد حاولنا في هذه الرسالة الموجزة أنْ نعرض أدلّة المثبتين وأدلّة النافين، ونناقشَها على ضوء الكتاب الكريم والسنة المطهرة، رائدنا في ذلك كلّه الحق، وقائدنا الدليل والبرهان (وما ضلّ من كانا دليلَيه)، مراعين في ذلك الاختصار، مجانبين البسط والإكثار.
وقد صدّرنا هذه الرسالة بذكر فضل البسملة، وقفّينا على ذلك ببيان مفرداتها. وقد كنتُ نظمتُ ـ منذ مدة ـ أرجوزة في البسملة ولم أتمها، حيث عدلتُ عنها إلى النثر لأنه للبنان أطوع وللبيان أجمع. وذلك هجيّراي في كثير مما أكتب إذْ أشرع في النظم فإذا حرُن عدلت إلى النثر في قُلْ أو كُثُر. كما فعلتُ في كتابنا: «خلاصة النحو». ثم إني ارتأيتُ أنْ أضمّن الأرجوزة هذه الرسالة، وإن كانت غير تامة، حفظاً لها من الضياع وحرصاً على تسهيل الاطلاع.
على أني أعتذر سلفاً عمَّا عساه أنْ يكون في هذه الرسالة من الهنات، فالكمال لله وحده والعصمة لأهلها صلوات الله عليهم، لا سيما وأني رقمت طروسها وأنا أعاني من صروف الدهر ما يضيق به صدر الحليم، وأقاسي من الآلام ما الله به عليم، وإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل في الشدة والرخا.
شكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةٌ
ولكنْ تفيضُ الكأسُ عند امتلائها
نسأل الله تعالى أنْ ينتشلنا من كلّ مكروه، وصدق من قال ولله أبوه:
ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغيّرُ الله من حالٍ إلى حالِ
اللَّهم غيّر سوء حالنا بحسن حالك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، (وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب).
بغداد عبدالستار الحسني النسّابة
فضلها
وحسبك في عظيم فضلها ما رواه الفريقان من طرق يعضد بعضها بعضاً عن رسول الرحمة المبعوث من الرحمن الرحيم محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم وهو قوله: كل أمرٍ ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر وفي رواية أجذم؛ وهو المقطوع الآخر. وهل كانت كذلك إلا لما حوت من جليل المقاصد ودقيق الأسرار وعظيم المنافع. أجل لا ينكر ذلك لبيب ولا يجحده فاضل بعد أن صدع الوحي بها وبشر الله نبيّه محمداً، صلَّى الله عليه وآله وسلم ببعثه رحمة للعالمين وأدّبه بأدبه الكريم في قوله عز من قائل:«اقرأ باسم ربك الذي خلق». وبهذا أصبحت شعار الموحدين ودثار الصالحين يفتتحون بها أعمالهم ويزينون صدور كتاباتهم ولا يشرعون في أمر إلا وهي فاتحة كلامهم، وهي تعليم من الله الرب الودود الرؤوف بعباده الحريص على اللطف بهم ليتأدب العبد بأدب ربه، وذلك منه سبحانه لطف كبير وكرم هو به جدير.
ومما جاء في فضلها قول إمامنا أبي محمد الحسن العسكري الخالص صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه ـ فيما رواه ابن شعبة الحراني في تحف العقول ـ قال عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها.
وروى مثل ذلك الحافظ ابن مردويه وابن أبي حاتم بسندهما عن ابن عباس عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وروي مثله عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام، كما في عيون الأخبار مرفوعاً إلى محمد بن سنان. وعن ابن عباس)[121]( عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا قال المعلم للصبي قل: ـ بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة لأبويه وبراءة للمعلم.
وعن عبدالله بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فإنها تسعة عشر حرفاً ليجعل الله كل حرف منها جُنة من واحد منهم. رواه وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. ونقله الإمام القرطبي المالكي.
وروى الحافظ أبو بكر ابن مردويه بسنده عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال؛ أنزلت عليّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم». وروى نحو ذلك الإمام الثعلبي بإسناده عن أبي بردة عن أبيه فيما حكاه الإمام الفخر الرازي.
وفي (الوسائل) عن أبي محمد العسكري عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام قال: إنّ الله يقول: أنا أحقُّ من سئل وأولى من تضرع إليه فقولوا عند افتتاح من أمر صغير أو عظيم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا تحقّ العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث. وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: من حزنه أمر فقال (بسم الله الرحمن الرحيم) وهو مخلص لله يقبل بقلبه إليه لم ينفك من إحدى اثنتين، إما بلوغ حاجته في الدنيا وإما يعدّ له عند ربه ويدخر له لديه وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين.
وبالجملة فإنّ فضلها مما لا يأتي عليه الحصر، ولا يحيط به الوصف، وما ذكرناه هنا من فضلها كتحلة القسم إنما كان على سبيل التبرك.
شرح مفرداتها
الباء في بسم الله: حرف خافض لِما بعده مثل إلى وعن، والمتعلق به ضمير محذوف لوجود ما يدلّ عليه في الكلام، وتقديره باسم الله أبدأ أو أقرأ، والأول أصحّ. وأوجب بعضهم تأخير الفعل المقدّر عن اسم الجلالة لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به. ووجهوا قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} بأنها أول سورة أنزلت وكان الأمر بالقراءة أهم فكان تقديم الفعل أولى)[122](. وذهب بعضهم إلى أن التقدير ابتدائي بسم الله ثابت فحذف المبتدأ والخبر وأبقي معمول المبتدأ، وذلك غلط لأنّ المبتدأ هنا هو المصدر (ابتداء)، والشرط في إعمال المصدر أنْ لا يكون محذوفاً. قالوا: وإنما طولت الباء في بسم الله وأسقطت الألف طلباً للخفة. وقيل لما أسقطوا الألف ردُّوا طولها على الباء، ليدلْ طولها على الحرف المحذوف الذي هو الألف. وإنما أثبتت الألف في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} لقلّة استعماله.
وقيل: الباء حرف منخفض الصورة فلما اتصل باسم الله ارتفع واستعلى. وكلُّ ذلك، فيما أعتقد، من قبيل التكهن الذي شغف به كثير من العلماء والباحثين في بيان أسرار اللغة وخصائصها بل هو دأب كل باحث أيّاً كان نوع بحثه إذا ما وقع على معنى لطيف وصادف منه موافقة للموازين التي يقيس بها صحة الحكم أو عدمه. وما لنا نذهب بعيداً فهذا أبو العباس المرسي الصوفي الشهير)[123]( لما قرأ أقوال بعض المفسرين في أنّ (اللام) في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إنّما هي للعهد انقدح في ذهنه هذا المعنى الذي عبّر عنه بقوله: لما علم الله عجز خلقه عن حمده حمد نفسه في عالم أزله فلما خلقهم اقتضى منهم أن يحمدوه بذلك الحمد وبهذا تكون اللام للعهد.
وقد أغرب بعضهم في بيان مزايا الباء في البسملة، بل في نقطتها وأتى بأذني عناق، ولعلّ ذلك من وحي الباطنية أو تخريجات المتصوفين، حتى دخل ذلك في الأدب العربي. فهذا الشاعر الأديب عبدالباقي العمري يقول من قصيدة في مدح مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
أنت باءٌ مقلوبةٌ فوق تلك آل
نقطة المستحيلة التأويل
ووضعوا في ذلك حديثاً على لسان أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أنا النقطة التي تحت الباء.
ومَنْ جعل هذا الخبر من مناقب الإمام عليه السلام فإنما جعله كذلك بناءاً على قاعدتهم في التسامح في أحاديث الفضائل وأدلة السنن والكراهة كما فصلناه في كتابنا «الشهادة الثالثة في الميزان».
الاسم: هو اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض)[124](، كما عن ابن سيده صاحب المحكم. وأصله من السمو، وهو الرفعة لأنّ جمعه أسماء مثل قنو وأقناء وتصغيره سمي. وفي النسبة إليه سموي واسمي ومجيء فعله سميت همزته همزة وصل وليست من الحروف الأصليّة.
وبلحاظ كونه مأخوذاً من سمو يكون محذوف اللام كيد، وهمزته في الجمع همزة قطع، كقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا}، وقوله: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ}، هذا مذهب البصريين وقليل من الكوفيين. وذهب كثير من الكوفيين إلى أنّ أصله وسم لأنه من الوسم (العلامة)، فحذفت الواو وهي فاء الكلمة وعوض عنها الهمزة، فوزنه أعل، وهذا ضعيف لأنه لو كان مأخوذاً من السمة لكان جمعه على أوسام وتصغيره على وسيم، ومجيء فعله وسمت. ولا تدخله همزة الوصل.
قال الجوهري: والاسم مشتق من سموة لأنه تنويه ورفعة، وتقديره إرفع ذهب منه الواو، يعني لام الكلمة، لأنّ جمعه أسماء وجمع الأسماء أسامٍ وتصغيره سمي. واختلف في تقدير أصله، فقال بعضهم اسم، وقال آخرون فعل.
وفيه لغات كثيرة والمعروف منها أربع: اسم بالكسر واسم بالضم وسِم بالكسرة وسُم بالضم. وقد ضعّفوا الضم ونسبوه إلى الشذوذ.
وقال العلاَّمة الزمخشري)[125](، فيما حكاه عنه صاحب مجمع البحرين: والاسم واحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن، إذ دأبهم أن يبتدأوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن. فإن قيل لم حذفت الألف في بسم الله وأثبتت في (باسم ربك) قلتُ: قد ابتغوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال فقالوا طولت الباء في بسم الله تعويضاً من طرح الألف.
قال عبدالستار: جميع الصور التي يبتدأ فيها باسم الله تعالى عدا صيغة البسملة لا بد فيها من تحقيق الألف خطّاً، فتقول باسمه تعالى، وباسم الله الواحد الأحد. ولا تقول بسمه تعالى، وبسم الله الواحد الأحد.
هل الاسم عين المسمّى أو غيره؟
اختلفوا في ذلك وتعددت آراؤهم وبالغ بعضهم في ردّ خصمه المجانب له في الرأي. وما كانت هذه المسألة بالتي ينبغي أنْ يشغل بها العلماء أذهانهم ويغرقوا نزعاً في تحقيق وجه الصواب فيها بما لا طائل تحته. فوجه الحقّ فيها ظاهر للعيان وإليك ما قالوا ثم أحكم بعد ذلك.
ذهب جماعة إلى أنّ الاسم هو المسمى عينه وذاته واستشهدوا بمثل قوله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} ثم نادى الاسم فقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}، وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ}، و{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ}، وقوله عز اسمه: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}، وقوله: {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}، وقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. ووجه استدلالهم أنّ ذكر الله وذكر اسمه شيء واحد لأنّ اسمه عين مسماه، ولأنّ هذا دافع للقول بأنّ لفظ (اسم) زائد مقحم. ذهب إلى هذا القول أبو عبيدة ونسبه ابن كثير إلى الباقلاني وسيبويه وأبي بكر بن فورك. ونسبه السيد الألوسي)[126]( إلى أبي القاسم السهيلي، وقال بعد نقله عن السهيلي وابن فورك: وهما ممن يعض عليه بالنواجذ، وكأنه قوى هذا الوجه لذهاب هذين الرجلين إلى هذا القول على تفاهته.
ونحن لا نعرف الحق بالرجال، إنما نعرف الرجال بالحق. على أن العلاَّمة ابن قيم الجوزية)[127]( خطّأ من نسب إلى سيبويه القول بأن الاسم عين المسمى.
والقول الحق أنّ الاسم غير المسمى. وقد كفانا العلاّمة الخازن مؤونة الردّ على هؤلاء، فقال في تفسيره المسمى بـ (لباب التأويل) ما مثاله: والصحيح المختار أنّ الاسم غير المسمى وغير التسمية، فالاسم ما تعرف به ذات الشيء، وذلك لأنّ الاسم هو الأسماء المُنقطعة والحروف المؤلفة الدالة على ذات ذلك الشيء المسمّى به، فيثبت بهذا أنّ الاسم غير المسمى.
(قال): وأيضاً قد تكون الأسماء كثيرة والمسمى واحداً كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، وقد يكون الاسم واحداً والمسميات به كثيرة كالأسماء المشتركة، وذلك يوجب المغايرة. وأيضاً فقوله فادعوه بها أمرَ أنْ يُدعى الله تعالى بأسماء، فالاسم آلة الدعاء والمدعو هو الله تعالى فالمغايرة حاصلة بين ذات المدعو وبين اللفظ المدعو به. وأجيب عن قوله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} بأن المراد ذات الشخص المعبر عنه بـ(يحيى) لا نفس الاسم. وأجيب عن)[128]( قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} و{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} بأن معنى هذه الألفاظ يقتضي إضافة الاسم إلى الله تعالى، وإضافة الشيء إلى نفسِه محال. وقيل كما يجب تنزيه ذاته سبحانه وتعالى عن النقص فكذلك يجب تنزيه أسمائه. (قال): وكون الاسم غير التسمية هو أنّ التسمية عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف ذات الشيء، والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة، والفرق ظاهر، (اهـ).
وقال العلاَّمة المحدّث السيد محمد رشيد رضا بن السيد علي رضا الحسيني الطرابلسي الأصل في (مناره) في توجيه الآيات المذكورة: والصواب أنّ الذكر في اللغة ضد النسيان وهو ذكر القلب، ولذلك قرنه بالتفكر في سورة آل عمران (3 :190) وهما عبادتان قلبيتان وقال (18 :24 واذكر ربك إذ نسيت).
ويطلق الذكر أيضاً على النطق باللسان لأنه دليل على ذكر القلب وعنوان وسبب له. وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى كما يذكر من سائر الأشياء أسماءها دون ذوات مسمياتها، فإذا قال نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن (ماء) لا يحصل مسمى هذا اللفظ في فيه فينقع غلّته، فذكر الله تعالى في القلب هو تذكر عظمته وجلاله وجماله ونعمه. وورد التصريح بالأمر بذكر نعم الله. وآلاء الله وذكره باللسان هو ذكر أسماء الله الحسنى، وإسناد الحمد والشكر والثناء إليها.
ومما استدل به الرازي على مغايرة الاسم للمسمى أنّ الاسم قد يكون موجوداً، والمسمى مفقوداً، كلفظة العدم وبأنه قد يكون للشيء الواحد أسماء متعدد كالمترادفة وأنّ الاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتاً ممكنة أو واجبة بذاتها.
وأما قول لبيد بن ربيعة العامري الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذرْ
فإنه أضاف لفظة (اسم) إلى الله تعالى، فكأنه قال ثم اسم الله عليكما فإن من أسمائه تعالى السلام، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} ـ سورة الحشر ـ وإنما نقلنا كلام الخازن والسيد والرازي لأنّ غيرهم قد أكثروا الحزّ وأخطأوا المفصل. وفي بيان هؤلاء العلماء الأعلام ما لا يدع للباحث مجالاً للكلام على أنَّ شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي (قدس سره) قد حقق في الموضوع وأظهر وجه الصواب في (التبيان) ولكنه لا يحضرنا الآن.
ولا يحلّ دون فهمك لهذا المعنى قولنا إنّ صفات الله (التي قد يعبر عنها بالأسماء) هي عين ذاته وأنّ صفات سائر الموجودات غير ذواتها فإنّ هذا من سنخ آخر، لأنّ كون صفاته تعالى عين ذاته أنه متصف بها فهي غير منفكة عنه بحال وهي قديمة بقدمه، في حين أنَّ الموجودات قد تزايلها صفاتها بل إنّ ذلك من خصائصها. فقولنا: إنّ زيداً عالمٌ لا يعني أنه ولد عالماً بل إنه ولد وهو لا يعلم شيئاً ثم تدرّج حتى صار عالماً فصفة العلم زائدة على ذاته.
الله: اسم علم للذات العلية، المستجمعة لجميع صفات الكمال، لا يطلق إلاَّ عليه تبارك وتعالى. والمنقول عن سيبويه في أصله قولان:
أحدهما: أنه إلاّه على وزن فعال فحذفت الفاء التي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلية على لام التعريف في القسم والنداء في نحو قوله أفألله لتفعلن، ويا ألله أغفر لي. ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل، كما لم تثبت في غير هذا الاسم.
والقول الآخر: أنّ أصله لاه ووزنه فعل، فألحق به الألف واللام، يدلّ عليه قول الأعشى:
كحلقة من أبي رباح
يسمعها لاهه الكبارُ
وإنما أدخلت عليه الألف واللام للتفخيم والتعظيم فقط. ومن زعم أنها للتعريف فقد أخطأ لأنّ أسماء الله معارف والألف من لاه منقلبة عن ياء. فأصله ليه كقولهم في معناه لهي أبوك.
أما القول في كونه مشتقاً أو غير مشتق فقد اختلفوا في ذلك والقول الحق إنه جامد لا اشتقاق له، وإليه ذهب الشافعي والخطابي وإمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزالي وحكاه جماعة عن الخليل بن أحمد وسيبويه والحسين بن الفضل ومحمد بن الحسن وغيرهم. والدليل على عدم اشتقاقه قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}، فلا يقال لغيره الله، في حين يطلق على غيره اسم الإله في كلام المشركين كقولهم فيما حكاه القرآن الكريم عنهم: {لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} وهو كما مر علمٌ يوصف ولا يوصف به فتقول الله الخالق الرازق.
وأما من ذهب إلى اشتقاقه فقال: «إنه مشتق من الوله وهو التحير، يقال أله يأله إذا تحير، فمعناه أنه الذي تتحير العقول في كنه عظمته. ومنها: أنه مشتق من قولهم ألهت إلى فلان أي فزعت إليه لأنّ الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم فقيل للمألوه إله كما يقال للمؤتمّ به إمام. ومنها: أنه مشتق من ألهت إليه أي سكنت إليه. ومعناه أنّ الخلق يسكنون إلى ذكره. ومنها: أنه من لاه، أي احتجب فمعناه أنه المحتجب بالكيفية عن الأوهام والظاهر بالدلائل والأعلام».
وفي البحار: عن أبي محمد العسكري عليه السلام في قول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه وتقطع الأسباب من جميع من سواه.
وفيه عن مولانا زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليه السلام قال حدّثني أبي عن أخيه الحسن عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام: أن رجلاً قام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ما معناه؟ فقال: إن قولك (الله أعظم اسم من أسماء الله عز وجل وهو الاسم الذي لا ينبغي أنْ يسمى به غير الله ولن يسم)[129]( به مخلوق فقال الرجل: فما تفسير قوله (الله)، قال: هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع مَنْ دونه وتقطع الأسباب من كل من سواه.
ونقل أستاذنا العلاَّمة المجتهد آية الله، المرجوة له الرحمة السيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي الأصفهاني في دوائر معارفه عن الشيخ البهائي ناقلاً قول السيد الشريف عن نقل الاختلاف في لفظ الجلالة واشتقاقه ما صورته: كما تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته لاحتجابها بأنوار العظمة، تحيروا في لفظ الله كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين فاختلفوا أسرياني هو أو عربي، اسم أو صفة، مشتق ممَ اشتقاقه وما أصله؟ أو غير مشتق علم أو غير علم.
قلتُ ويرحم الله ابن أبي الحديد، شارح النهج، إذ يقول:
تاالله لا موسى الكليم
ولا المسيح ولا محمدْ
علموا ولا النفس البسيطة
لا ولا العقل المجردْ
كلا ولا جبريل وهو إلى
محل القدس يصعدْ
عن كنه ذاتك غير أنك
أوحدي الذات سرمدْ)[130](
وكان هذا الاسم معروفاً في الجاهلية يدلك على ذلك تسمية أولادهم بـ (عبدالله)، وما حكاه القرآن الكريم عنهم في قوله (ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى).
الرحمن الرحيم: صفتان ثبوتيتان من صفات الخالق المتعال وهما مشتقتان من الرحمة، وهي كل ما يبعث على الرأفة والعطف. وقد قيل في تفسيرهما أنهما بمعنى واحد وأن الثاني تأكيد للأول كنديم وندمان. قيل وكلمة (رحمان) أشد مبالغة من كلمة (رحيم) بناءاً على قاعدتهم زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى. وما أبعدهم عن الصواب. فلو كانت هذه القاعدة صحيحة مُطّردة لما قال النحويون نعش أفصح من أنعش، وحزن أرجح من أحزن، وما رأيت في صيغ المبالغة إنّ حذراً أفصح من حاذر، وهلمّ جرّا.
ونقل الطبرسي عن أبي عبيدة أنه قال: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم هو الراحم، وكرّر لضرب من التأكيد.
وقيل إنّ (الرحمن) هو المنعم بالنعم الكثيرة، والرحيم هو المنعم بالنعم القليلة. ونقل بعضهم عن الصادق عليه السلام أنه قال: الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة. وقيل الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم هو المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين. ويرد هذا ما جاء في الذكر الحكيم سورة الحج {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، ولم يقل بالمؤمنين.
والذي يقرب من الصواب وتطمئن إليه النفس هو ما نقله العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا الحسيني في مناره عن أستاذه العلاّمة المصلح الأستاذ الشيخ محمد عبده المصري رحمه الله حيث قال: إنَّ صيغة (فعلان) تدلّ على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كفعال، وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان. وأما صيغة (فعيل) فإنها تدلّ في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وحليم وجميل. والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله عزَّ وجل التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين. فلفظ (الرحمن) يدل على مَنْ تصدرُ عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان. ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة. وبهذا لا يُستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثاني مؤكداً للأول. فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفُهِمَ منه أنه المفيض للنعم فعلاً لا يعتقد منه أنّ الرحمة من الصفات الواجبة له دائماً لأنّ الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإنْ كان كثيراً. فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه.
ويعلم أنّ لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهاناً عليه.
وذهب السيد أبو الثناء في «روح المعاني» إلى أنّ هاتين الصفتين ليستا من الصفات المُشبّهة)[131]( بدليل إضافتهما إلى المفعول في جملة: (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما). والصفة المشبهة لا بُدّ من أنْ تؤخذ من اللازم. ورد عليه العلاَّمة السيد أبو القاسم بن السيد علي أكبر الخوئي المعاصر في (بيانه) بأنّ الإضافة في الجملة المذكورة ليست من الإضافة إلى المفعول، بل هي من الإضافة إلى المكان أو الزمان. ولا يفرق فيها بين اللازم والمتعدي.
وهذا صحيح إلاَّ أنّ السيد الألوسي مصيب في كون الصفة المشبهة لا بد من أن تؤخذ من اللازم، وأنّ (الرحمن الرحيم) ليستا من الصفات المشبّهة ولكن تنظيره بالجملة المذكورة ليس بسديد.
قرآنيتها: أجمع المسلمون على أنّ البسملة جزء من آية في سورة النمل ولكنهم اختلفوا في جزئيتها من سائر السور، فذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى أنها جزء من كل سورة عدا سورة براءة، وأنّ من تركها في الصلاة عمداً بطلت صلاته فريضة كانت أو نافلة، ويستحب الجهر بها فيما يخافت فيه.
نقل ذلك علماؤنا الأعلام، ومنهم الطبرسي في مجمع البيان.
وحسبك في تواتر ذلك عنهم ما قاله الإمام الفخر الرازي الشافعي في (مفاتح الغيب) وأما أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى.
وهناك بعض الأحاديث الواردة عن طريق الإمامية في إثبات قرآنيتها على سبيل التمثيل لا الحصر:
في البحار عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال سرقوا أكرم آية في كتاب الله (بسم الله الرحمن الرحيم)، وفيه عن تفسير العياشي عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا سمعها المشركون ولّوا مدبرين فأنزل الله: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً).
وفي البحار أيضاً عن تفسير العيّاشي عن علي عليه السلام قال: بلغه أنَّ أناساً ينزعون (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال هي آية في كتاب الله أنساهم إياها الشيطان. وفيه عن خالد بن المختار، قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها، وهي «بسم الله الرحمن الرحيم».
وعن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال إذا كانت لك حاجة فاقرأ المثاني وسورة أخرى وصلِّ ركعتين وادع الله، قلتُ: أصلحك الله وما المثاني؟ قال: فاتحة الكتاب، بسم الله الرحمن الرحيم.
وفي الاستبصار لشيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) عن صفوان قال: صلّيتُ خلف أبي عبدالله عليه السلام، فكان يقرأ في فاتحة الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يُجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك.
وفيه: عن معاوية بن عمار قال: قلتُ لأبي عبدالله عليه السلام: إذا قمتُ للصلاة اقرأ بسم الله في فاتحة الكتاب؟ قال: نعم قلتُ فإذا قرأتُ فاتحة الكتاب اقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال: نعم.
وفيه: عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: كتبتُ إلى أبي جعفر (يعني الباقر) عليه السلام، جُعلتُ فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة وحده في أمّ الكتاب، فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها، فقال: العيّاشي ليس بذلك بأسٌ.
فكتب عليه السلام بخطه: يعيدها مرتين على رغم أنفه، يعني العيَّاشي.
وجاءت هذه الرواية في (وسائل الشيعة) للشيخ الحر العاملي)[132](، إلاَّ أنّ لفظة العياشي جاءت بلفظ: العباسي بالموحدة التحتانية، والسين المهملة.
وبالجملة فإنّ تواترها المعنوي عند الإمامية مما لا غبار عليه، يتبع الخلف فيه السلف، وعلى ذلك العمل بينهم بل إنّ الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من علائم المؤمنين عندهم وقد تفرّع من ذلك أنَّ لكل سورة بسملة خاصة بها فإذا أراد المصلي أنْ يشرع في قراءة السورة التي بعد أمّ الكتاب في الصلاة فلا بُدّ من تعيين السورة قبل قراءة البسملة. قال العلامة المجتهد الأكبر، مرجع الطائفة الإمامية، السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) في رسالته العملية «منهاج الصالحين» ما نصّه: البسملة جزء من كل سورة فتجب قراءتها معها عدا سورة براءة، وإذا عينها لسورة لم تجز قراءة غيرها إلاَّ بعد إعادة البسملة لها، وإذا قرأ البسملة من دون تعيين سورة وجب إعادتها ويعينها لسورة خاصة وكذا إذا عينها لسورة ونسيها فلم يدر ما عين، وإذا كان متردداً بين السور لم يجز له البسملة إلاّ بعد التعيين.
هذه عقيدة الإمامية في البسملة لا يعدون أقوال أئمتهم الميامين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم أعدال الكتاب وأحد الثقلين.
ووال أناساً قولهم وحديثهم
روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري
وأما سائر)[133]( المسلمين فهم بين موافق للإمامية وبين مخالف لهم، فالإمام الشافعي يوافق الإمامية، في القول الأصح، في أنّ البسملة جزء من كلّ سورة ما خلا سورة براءة، فقرأها في الجهريات جهراً وفي الإخفاتيات إخفاتاً. قال أبو عيسى الترمذي:
وكان الشافعي يرى أنْ يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وأنْ يجهر بها إذا جهر بالقراءة. وقال الشافعي في (الأمّ): وإنْ أغفل أنْ يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) وقرأ من {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى يختم السورة كان عليه أن يعود فيقرأها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى يأتي على السورة.
قال الشافعي: ولا يجزيه أنْ يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} بعد قراءة {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولا بين ظهرانيها، حتى يعود فيقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ثم يبتدىء أمّ القرآن، فيكون قد وضع كلّ حرف منها في موضعه.
وممن قال بهذا ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاووس اليماني ومكحول، وحكاه ابن كثير الدمشقي عن أبي هريرة وعلي عليه السلام وسعيد بن جبير)[134]( والزهري ونقله البيهقي عن عمر، فيما حكاه الرازي. ومن المروي عنهم ذلك أبو قلابة وعكرمة ومجاهد وسالم بن عبدالله بن عمر ومحمد بن كعب القرظي)[135]( وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وعمر بن عبدالعزيز وعمرو بن دينار ومسلم بن خالد، وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك بن أنس. ويحكى عن ابن المبارك وأبي ثور، كما نص على ذلك الخازن في تفسيره.
وذهب مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود إلى أنها ليست من أوائل السور كلها قرآناً، فلم يجيزوا قراءتها في الفرائض، سواء أكانت في افتتاح الحمد أم في افتتاح السورة التي بعدها.
وأجازوا قراءتها في النافلة. وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف القاضي، ومحمد من الحسن الشيباني، وهو رواية عن أحمد بن حنبل. وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة وليست قرآناً في أوائل السور.
أما أبو حنيفة وسفيان الثوري فإنهما قرءآها في أول الفاتحة، لكنهما أوجبا إخفاتها بقول مطلق. وقد نقل الفخر الرازي في تفسيره (أنّ أبا حنيفة ليس له نصٌ في المسألة)، وإنما قال: يقرأ البسملة ويسرّ بها، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم، لا كما في (المنار). وستعرض عليك أدلة المثبتين وهي أدلة قوية تأخذ بالأعناق لا يجد المنصف بدّاً من الخضوع إلى حكمها والانقياد لها، ثم نقفّي عليها بذكر أدلة النافين، ونبيّن مواطن الوهن فيها. وما التوفيق إلاّ من عند الله العزيز الحكيم؛ فأول الأدلة في إثبات قرآنية البسملة وأنها جزء من كلّ سورة عدا «براءة».
خط المصحف الكريم
وهو أول الأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل، ولا تخضع لتعليل. ودلالته على ما نحن بصدده، أعني البسملة، كالشمس في رابعة النهار. قال البيهقي: أحسن ما أحتج به أصحابنا في أنّ «بسم الله الرحمن الرحيم» من القرآن، وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة: ما رويناه في جمع الصحابة كتاب الله عزّ وجل في المصاحف وأنهم كتبوا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) على رأس كلّ سورة سوى سورة براءة، فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن. وكان عبدالله بن عمر يقول: لم كتبت إن لم تقرأ. نعم كتب المصحف الأمام وكتبت فيه البسملة في أول كل سورة، عدا سورة براءة، وإنما لم تكتب في أولها لأنها نزلت في مقام التهديد والوعيد. قال الزمخشري في الكشّاف: سئل ابن عيينة في ذلك فقال اسم الله سلام وأمان فلا يكتب في النبذ والمحاربة. ومن قال إنَّ عدم إثبات البسملة في أول براءة إنما هو لكونها والأنفال سورة واحدة وأنهما تعدان السابعة من الطول فمردود بما رواه جماعة منهم الزمخشري عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: نزل عليّ القرآن آية آية وحرفاً حرفاً ما خلا سورة براءة و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
وقد جرّد الصحابة الكرام كتاب ربهم من كل شيء غير القرآن وكانوا يتشدّدون في ذلك حتى إنهم منعوا من كتابة التفسير ومن ذكر أسماء السور وكتابة الأعشار)[136]( والأخماس ولم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة لكونها ليست من القرآن. بل قد روى الجمهور عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه». ولما اضطروا إلى كتابة أسماء السور وعدد الآيات وما إلى ذلك كتبوها بغير خط المصحف وبمداد غير مداده حفظاً للقرآن وصيانة لكلام ربّ العالمين من أنْ يحرف أو يزاد فيه ما ليس منه وتمّ لهم ما أرادوا، وصدق الله العلي العظيم إذ يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
وقد حرص العماء على حفظ القرآن وأَوْلوه الكثير من عنايتهم، بل كان شغلهم الشاغل، وكانوا إلى أزمان متأخرة يحكمون بكراهة كتابة أسماء السور والأعشار والأخماس. قال العلامة أبو عبدالله الحليمي المتوفى سنة 403هـ: تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه، لقوله «جردوا القرآن».
وقال العلاَّمة أبو حامد الغزَّالي في: المستصفى: «حدُّ الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلاً متواتراً. ونعني بالكتاب القرآن المنزل. وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، حتى كرهوا التعاشير والنقط وأمروا بالتجريد؛ كيلا يختلط القرآن بغيره، ونقل إلينا متواتراً، فنعلم أنّ المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأنّ ما هو خارج عنه فليس منه؛ إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظه أنْ يهمل بعضه فلا ينقل، أو يخلط به ما ليس منه».
وقال العلاّمة الشوكاني في كتابه «إرشاد الفحول»)[137]( ما نصُّه: ذكر جماعة من أهل الأصول ما وقع من الاختلاف بين القرّاء في البسملة وكذلك ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم، هل هي آية من كل سورة أو آية من الفاتحة فقط أو آية مستقلة أُنزلت للفصل بين كل سورتين، أوليست بآية، ولا هي من القرآن؟ وأطالوا البحث في ذلك. وبالغ بعضهم فجعل هذه المسألة من مسائل الاعتقاد وذكرها في مسائل أصول الين. (قال): والحق إنَّها آية من كل سورة لوجودها في رسم المصاحف وذلك هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقراء، ثم الإجماع على ثبوتها خطاً في المصحف في أوائل السور ولم يخالف في ذلك من لم يثبت كونها قرآناً من القراء وغيرهم، وبهذا الإجماع حصل الركن الثاني وهو النقل مع كونه نقلاً إجماعياً بين جميع الطوائف. وأما الركن الثالث وهو موافقتها للوجه الأعرابي والمعنى العربي فذلك ظاهر، (قال): إذا تقرّر لك هذا علمت أنّ نفي كونها من القرآن مع تسليم وجودها في الرسم مجرد دعوى غير مقبولة وكذلك دعوى كونها آية واحدة أو آية من الفاتحة مع تسليم وجودها في الرسم في أول كلّ سورة فإنها دعوى مجردة عن دليل مقبول تقوم به الحجة.
وقال الأستاذ العالم الفاضل الشيخ محمود جميلة الأزهري المدرس في كلية اللغة العربية بالأزهر في مجلة الأزهر (الجزء العاشر سنة 1373هـ)، ما نصه: (والتوبة وحدها هي التي انفردت من بين سائر السور، قصيرها وطويلها، مكيها ومدنيها بإسقاط البسملة، وفي ذلك ما يؤنس به إلى قرآنية البسملة وأنها آية في كل سورة من سور القرآن سوى سورة التوبة (براءة) إذ الإثبات والإسقاط والترك والتلاوة ليس شهوة عند المثبتين والمسقطين والتاركين والتالين، وإنما التوقيف والنقل هما الدعامة والمنارة والحجة والدليل).
وقال العلامة الرضا في مناره: إنّ دلاة المصحف أقوى الدلالات، ترجح على كل ما عارضها من الروايات ودلالتها قطعية، تؤيدها الروايات المتواترة في إثباتها، والإجماع العملي على قراءتها (قال): ولا ينافيها عدم رواية بعضهم لها. فالمسألة قطعية في نفسها وإنما جعلوها اجتهاداً باختلاف الروايات الآحاديّة)[138]( في قراءتها، (انتهى).
وإنما نقلنا كلام هؤلاء الأعلام من أساطين أهل السُنَّة ليعلم وجه الحق في هذه المسألة وأنّ كلمة الحقّ يجب أنْ تقال. وأنّ هنالك منصفين لا يبالون أرضي الناس أم سخطوا ما دام رائدهم العدل، وضالتهم الحقيقة.
ومن الأدلة المتفرعة عن الدليل الأول؛ هو إجماع القراء على قراءة البسملة في أول الفاتحة وفي أول كل سورة، عدا (براءة)، ولم يجيزوا ابتداء القراءة بغير بسملة.
نعم اختلفوا في قراءتها بين السور عند الوصل، فابن كثير والكسائي وعاصم وقالون وابن محيصن يفصلون بالبسملة بين كل سورتين، وحمزة وخلف كانا يصلان السورة بالسورة من غير بسملة.
واختلف المنقول عن أبي عمرو وابن عامر وورش ويعقوب، فروي عنهم الفصل بالبسملة، والوصل بدونها.
ولأئمة القراءات ضابط مشهور في صحة القراءة أو عدم صحتها، وهو ذو أركان ثلاثة؛ فأول هذه الأركان موافقة أحد المصاحف العثمانية، ولو تقديراً وموافقته العربية ولو بوجه وصحة الإسناد، ولو كان عن غير العشرة من أئمة القراء.
قال العلاَّمة المحقق أبو الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة 833هـ في كتابه (النشر في القراءات العشر) ما هذا نصه: «كلّ قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها، ولا يحلّ إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة، أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمن هو أكبر منهم.
هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونصّ عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب)[139](، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبدالرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه. قال أبو شامة في كتابه (المرشد الوجيز): فلا ينبغي أنْ يغترّ بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة، وأنها هكذا أنزلت، إلاّ إذا دخلت في ذلك الضابط وحينئذٍ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل إنْ نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإنّ الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تُنسب إليه، فإنّ القراءات المنسوبة إلى كل قارىء من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أنّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. (انتهى).
وقال أيضاً في منظومته المسماة «بطيبة النشر في القراءات العشر»:
وكلُّ ما وافقَ وجهَ النحو
وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصحّ إسناداً، هو القرآنُ
فهذه الثلاثة الأركانُ
وحيثما يختل ركنٌ أثبتِ
شذوذه لو أنه في السبعةِ
وهذا هو التحقيق الحقيق بالتصديق. ولذا قال العلاَّمة المغفور له الشيخ أحمد محمد شاكر المصري في تعليقه على سنن الترمذي: «فإذا سلكنا جادّة الإنصاف في تطبيق القواعد الصحيحة على الأقوال والقراءات السابقة، وتنكبنا طريق الهوى والعصبية، علمنا علماً يقيناً ليس بالظن، أنّ القول الذي زعموا نسبته إلى مالك ومن معه، في أنها أي البسملة ليست آية أصلاً: قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة، وأنّ قراءة من قرأ بإسقاطها في الوصل بين السور قراءة غير صحيحة أيضاً لأنها فقدت أهم شرط من شروط صحة القراءة أو هو الشرط الأساس في صحتها، وهو موافقة رسم المصحف».
وقد يقال إنّ مقتضى هذا النقل أن يكون بعض أوجه القراءات السبع المتواترة غير صحيح، والجواب: إن مسألة تواتر القراءات السبع أو عدم تواترها مما طال فيه الكلام وكثرة الجدال. والتحقيق أنها غير متواترة تفصيلاً وإلاّ لما وجدنا للخلاف بين القراء أصلاً، إذ يكون التواتر حاكماً عليهم بعدم الاختلاف.
ويعجبني أن أختم الكلام في هذا الباب بما قاله العلاّمة الرشيدي في (مناره)، إذ قال ما نصّه: لم ينفِ أحدٌ من القراء كون البسملة من الفاتحة نفياً حقيقياً برواية عن المعصوم صلى الله عليه (وآله))[140]( وسلم تصريح بأنها ليست من الفاتحة ـ كما يقول بعض الناس بشبهة عدم رواية بعض القرّاء لها، وشبهة تعارض الروايات الأحادية التي ذكرناها والمخرج منها ـ أو ليست إلاّ جزء آية من سورة النمل كما زعم من لا شبهة لهم على النفي تستحق أنْ يجاب عنها.
وإنما أثبت بعض القراء بالروايات المتواترة أنّ البسملة آية من الفاتحة، وبعضهم لم يروِ ذلك بأسانيده المتواترة، وعدم الإثبات للشيء ليس نفياً لذلك الشيء لا رواية ولا دراية. وأعمّ من هذا ما قاله العلماء من أنَّ بين عدم إثبات الشيء وبين إثبات عدمه بوناً بعيداً كما هو معلوم بالضرورة. (قال) ولو أنّا فرضنا أنّ بعضهم روى التصريح بالنفي لجزمنا بأنّ روايته باطلة سببها أنَّ بعض رجال سندها اشتبه عليهم عدم الإثبات بإثبات النفي، ورواية الإثبات لا يمكن الطعن فيها، وناهيك وقد عززت بخط المصحف الذي هو بتواتره خطّاً وتلقيناً أقوى من جميع الروايات القوية وأعصى على التأويل والاحتمال.
ومن أدلة إثباتها:
الأحاديث الصحيحة، المتضافرة المروية عن طريق الفريقين المتواترة تواتراً معنوياً بصورة لا يجد المنصف مندوحة عن تسليمها والإذعان لمضامينها. ولئن صح قول بعضهم: إنها روايات آحادية. لنقولنّ: إنّ الثابت عند علماء الأثر وجهابذة الأصول: «إنّ خبر الآحاد يورث العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك».
وأيُّ قرينة أعظم؟ وأيُّ دالة أدلّ من خط المصحف الكريم وقراءة القراء خلفاً عن سلف؟ فإنْ كان بإمكان النافي أنْ يأتينا بأحاديث صحيحة لا تتوجه إليها علة يعارض بها أحاديث الإثبات الصحاح مع شرط المكافأة متناً وسنداً فليفعل:
وذاك له إذا العنقاءُ صارتْ
مربيَّةً وشَبَّ ابنُ الخصيّ
وإليك ما جاء فيها من أحاديث الإثبات مسندة عن الرواة الأثبات، فانظر إليها بعين الإنصاف وتجرد عن التقليد والتعصب، تكن مصداق قول ربّنا سبحانه {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}، فمنها:
ما رواه الإمام المحدّث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح المطبوع بحاشية الإمام السندي ج3 ص235 قال:
حدّثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: كانت مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ ببسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم قال الدارقطني: إسناده صحيح.
وروى هذا الحديث الإمام المحدث أبو عبدالله الحاكم النيسابوري في (المستدرك) والبيهقي في (السنن).
ومنها: ــ
ما رواه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه ج2 ص12 قال: حدثنا علي بن حجر العيدي، حدثنا علي بن مسهر، أخبرنا المختار بن فلفل عن أنس بن مالك ح)[141](، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له، حدثنا علي بن مسهر عن المختار عن أنس، قال: بينا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ: {إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. ثم قال أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجل على خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم، فأقول ربّ إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدثت بعدك. وهذا الحديث رواه النسائي وأبو داود في السنن والإمام أحمد بن حنبل في مسنده. وروى الدارقطني)[142]( بسند صحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها.
قال الدارقطني في رجال إسناده: كلهم ثقات. وهذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه باب الدليل على أنَّ (بسم الله الرحمن الرحيم) آية تامة)[143](.
وروى الإمام أبو عبدالله الحاكم النيسابوري في مستدركه والبيهقي في السنن الكبيرة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم)[144](.
وأخرج الدارقطني بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم)[145](.
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس، قال: كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الدارقطني: ليس في روايته مجروح. وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: إسناده صحيح، وليس له علّة.
وأخرج الدارقطني عن أنس: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الحريم. قال الدارقطني: إسناده صحيح. وقد روى هذا الحديث عن أنس الإمامان أبو عبدالله الحاكم والحافظ الذهبي وقالا: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. وجعلاه علّة لحديث قتادة عن أنس الذي سيأتي ردّه».
وأخرج الدارقطني عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال الدارقطني فيه: صحيح ليس في إسناده مجروح وأخرجه الحكيم الترمذي وقال: ليس إسناده بذلك قال الشيخ أبو شامة، فيما حكاه ابن الخازن: أي لا يماثل إسناده ما في الصحيح، ولكن إذا انضمّ إلى ما تقدم من الأدلة رجح على ما في الصحيح.
وأخرج أبو عبدالله الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنَّ ذلك سورة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)[146](.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علموا أنّ السورة قد انقضت.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وأورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في (التلخيص) وصحّحه على شرطهما)[147](.
وروى أبو داود في سننه ج1 ص182 عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن محمد المروزي وابن السرح يرفعون الحديث إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه (بسم الله الرحمن الرحيم))[148](. وهذا الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه والحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك وحكما بصحته على شرط الشيخين.
وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن علي عليه السلام أنه سئل عن السبع المثاني، فقال: الحمد الله رب العالمين، فقيل له: إنما هي ستُّ آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية كما في الدر المنثور)[149](.
وأخرج ابن خزيمة والثعلبي كما حكاه الرازي في تفسيره بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعِظِيمَ}، قال فاتحة الكتاب، فقيل لابن عباس فأين السابعة؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرجه البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه، وأورده الذهبي في التلخيص مصرحين بصحة إسناده.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك قال: صلّيتُ خلف النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم). قال الحاكم: إنما ذكرتُ هذا الحديث شاهداً لما تقدمه)[150](.
ففي هذه الأخبار التي ذكرناها معارضة لحديث أنس الذي يرويه عنه أئمتنا ـ ولفظه عن أنس ـ قال: صلّيتُ خلف النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن أُم سلمة قالت: كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ آلرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّيِنَ} إلى آخر السورة يقطعها حرفاً حرفاً، وقال: صحيح على شرط الشيخين)[151](.
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية. قالوا وفي إسناده عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف. ونقول: إنه مجبور بما تقدم من حديث أم سلمة الذي رواه الحاكم وصرح بصحته على شرط الشيخين البخاري ومسلم.
وروى الشافعي عن ابن جريج عن أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت قرأ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فاتحة الكتاب فعدّ بسم الله الرحمن الرحيم آية، الحمد لله رب العالمين آية، الرحمن الرحيم آية، وحكاه عن الشافعي الإمام الرازي في تفسيره.
وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة، كما حكاه الإمام الفخر في تفسيره الكبير، قال: كنت مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في المسجد والنبي يحدّث أصحابه إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصلاة وتعوّذ ثم قال: الحمد لله رب العالمين فسمع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال لم يا رجل قطعتَ على نفسك الصلاة أما علمت أنّ بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد فمن تركها فقد ترك آية منها، ومن ترك آية منها فقد قطع صلاته، فإنه لا صلاة إلاَّ بها، فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته. وهذا الحديث ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور عن تفسير الثعلبي)[152](.
قلتُ: ما أعظم الفرق بين هذا الحديث وحديث ابن عبدالله بن مغفل الذي سيأتي ذكره في أدلة النافين، وهو عمدة ما يحتجون به في أنّ البسملة ليست بآية.
وروى الثعلبي في تفسيره ـ كما ذكره الرازي ـ عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها.
وبإسناده)[153]( عن طلحة بن عبيدالله قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله.
وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال له كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول: الحمد لله رب العالمين قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم. وروى أيضاً بإسناده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول: مَنْ ترك قراءتها فقد نقص.
قال الرازي في تفسيره، وقد تقدّم قوله: وأما أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى. والدليل عليه قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ: «اللَّهم أدر الحق مع علي حيث دار».
وقال الإمام الشافعي في (الأم): «أخبرنا عبدالمجيد بن عبدالعزيز عن ابن جريج قال أخبرني عبدالله بن عثمان بن خثيم أنّ أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أنّ أنس بن مالك أخبره قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاةً فجهر فيها بالقراءة، فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) لأمّ القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبّر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلّم ناداه مَنْ سمع ذلك من المهاجرين: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) للسورة التي بعد أم القرآن، وكبّر حين يهوي ساجداً»)[154](.
قال العلاَّمة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر المصري رحمه الله، هذا إسناد صحيح. ثم صرّح بوثاقة رجال سنده.
وهذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم، وكذلك الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك ورواه البيهقي في سننه.
وفي الدر المنثور، عن أنس قال: قمت وراء أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فكلهم كانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة)[155](.
وفيه: أخرج أبو عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال؛ فاتحة الكتاب سبع آيات بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) )[156](.
وفي الدر المنثور أيضاً: أخرج البيهقي عن الزُّهري: قال: من سنة الصلاة أنْ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وإنَّ أول من أسر (بسم الله الرحمن الرحيم) عمرو بن سعيد بن العاص (الأموي) بالمدينة، وكان رجلاً حيياً.
وفيه: أخرج الثعلبي عن علي بن يزد أنَّ العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) يجهرون بها؛ عبدالله بن العباس، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير)[157](.
وفي (نيل الأوطار) للشوكاني: أخرج الدارقطني عن ابن عباس أنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم)[158](.
وفي (الدر المنثور) أخرج الطبراني في (الأوسط) والدارقطني والبيهقي عن نافع أنّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي السورة التي تليها، ويذكر أنه سمع ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. وفي كنز العمال ج4 ص208 عن أبي صالح أنه سمع أبا هريرة يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة.
وروى الحاكم في (مستدركه) ج1 ص233 ـ 234 عن محمد بن أبي السري العسقلاني قال: صلنا خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك. وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. قال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم كلهم ثقات. وأخرجه الدارقطني وقال: كلهم ثقات. وأخرج الحاكم ج1 ص232 عن نعيم بن عبدالله المجمر قال كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين قال: آمين فقال الناس آمين فلما سلّم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. وصرح الحاكم بصحته على شرط الشيخين وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان النسائي في سننه قلت: قول (آمين) بعد أم الكتاب لم يرد فيه أثر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وليس من القرآن بلا خلاف وإنما روى فيه الجمهور روايات كثيرة صحيحة على شروطهم. وقال البيهقي في الخبر المذكور صحيح الإسناد وله شواهد. وقال الخطيب: ثابت صحيح.
وقال العلامة النسفي في (مدارك التنزيل) المطبوع بهامش (لباب التأويل): وعن ابن عباس رضي الله عنهما من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة)[159]( آية من كتاب الله.
وهناك أحاديث أخرى في إثبات قرآنية البسملة تركناها رغبة للاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الهداية.
وأما أدلة النافين، فعمدة ما احتجوا بها رواية ابن المغفل، ورواية أنس. قال العلاّمة ابن الخازن: ولم يرد في صريح الأسرار بها عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم إلاّ روايتان، إحداهما ضعيفة وهي رواية عبدالله بن مغفل، والأخرى عن أنس وهي في الصحيح. وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها.
قلتُ: أما رواية ابن المغفل: فقد أسندها جماعة من المحدثين منهم الحكيم الترمذي. قال في سننه: حدّثنا أحمد بن منيع حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد بن أبي إياس الجريري عن قيس بن عباية عن ابن عبدالله بن مغفل، قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال لي: أي بني (محدث): إياك والحدث قال: ولم أرَ أحداً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه. قال وقد صلّيتُ مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها فلا تقلها. إذا أنت صلّيت فقل الحمد لله رب العالمين.
وفهم الإمام الشافعي لحديث أنس هذا هو الفهم الصحيح السليم، وقد استدلَّ به بعض العلماء على أنّ المصلّي لا يقرأ البسملة، وهو استدلال خطأ.
ومن أدلة النافين، ما رواه الإمام أحمد بن حنبل)[160]( في مُسنده وأصحاب السنن، واللفظ لابن داود، قال: حدّثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتّى يغفر له (تبارك الذي بيده الملك).
وهذا الاستدلال متهافت من وجوه، أو هو في الأقل لا يقوم حجة ناهضة أمام أدلة المثبتين الآخذة بعضها بحجزة بعضها بصحة سندها وصدق دلالتها، فمن وجوه توهينه، أعني الاستدلال بحديث عباس الجشمي:
الأول: إنّ هذا الحديث إنْ صحّ فإنما يكون عدد الآيات باعتبار ما هو خاص بالسورة فإنّ البسملة مشتركة بين جميع السور.
فجاء الحديث لبيان مزايا السورة دون البسملة التي يشاركها بها سائر السور.
الثاني: ما ثبت عند أهل التحقيق في علوم القرآن من أن السورة إذا زادت على ثلاثين آية بقليل يصح أن يقال عنها إنها ثلاثون آية.
الثالث: ما ثبت عن الإمام البخاري صاحب الصحيح من أنه أعلّ حديث عباس بن عبيدالله الجشمي)[161](، راوي الحديث، بأنه لا يعرف سماعه عن أبي هريرة، كما نصّ على ذلك الشريف الرضا في (المنار).
كما أنّ هذا الحديث إنْ صحّ فإنما أطلق فيه الثلاثون على سورة الملك باعتبار ما هو خاص بالسورة، فإن البسملة مشتركة بين جميع السور فجاء الحديث لبيان مزايا السورة الخاصة بها دون البسملة التي تشتمل عليها سائر السور، كما مرّ عليك.
وقد يضاف إلى ذلك أنّ لفظ الثلاثين قد يطلق ولا يراد به تعيين الثلاثين، فقد يزيد (العدد) قليلاً أو ينقص قليلاً. وقد ذكر أحد الباحثين في علوم القرآن من أعلام السنة، ولا يحضرني اسمه، ما يعضد قولنا ويؤيد مذهبنا في المسألة.
وقد يستدلّ الذاهبون إلى أنها أنزلت للفصل بين السورة ليس إلاّ بحديث حبر الأمة عبدالله بن عباس أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم».
وهذا حجة عليهم لا لهم، لأنّ التعبير بلفظ (تنزل عليه) يدلُّ على قرآنية البسملة فهل الإنزال إلاّ الوحي، وهل الوحي، في هذا المقام، إلاّ كلام الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. ثم إنْ لم تكن من الوحي، وحي الله بمعنى القرآنية، لزم ردّها من وجوه:
الأول: إنَّ ابن عبدالله بن مغفل)[162]( مجهول الحال. وقد نقل ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» عن حافظ المغرب ابن عبدالبر المالكي أنّ ابن عبدالله بن مغفل رجل مجهول. وقال الزيلعي في «نصب الرواية»، فيما نقله العلامة أحمد محمد شاكر في هامش سنن الحكيم الترمذي: «قال النووي في الخلاصة، وقد ضعّف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة وابن عبدالبر والخطيب، وقالوا إنّ مداره على ابن عبدالله بن مغفل وهو مجهول.
قلتُ: ذكر الترمذي في سننه بعد أنْ روى الحديث أنّ اسم ابن عبدالله بن مغفل: يزيد. وكأنه جعل تسميته من دواعي تحسين الحديث، وما أبعد ذلك. فكم من راوٍ عرف اسمه وقبيلته، ولكن لا عبرة بحديثه. على أنّ يزيد هذا ما زال مجهول الحال، وإنْ خلع عليه الترمذي وأمثاله ثوب المعرفة.
وقد تنكّب السيد الألوسي جادة الإنصاف وتجافى قواعد البحث والمناظرة، بل جنح إلى التعصب والمكابرة حين قال عن ابن عبدالله بن مغفل: لا نسلم ضعفه. ولم يأت بدليل على دعواه مع اقتضاء المقام ذلك:
والدعاوى ما لا يقام عليها
بينات أربابها أدعياءُ
وقول الألوسي المذكور هو من باب ما يسميه علماء (آداب البحث) بالمنع المجرد، وبإمكان كل أحد أنْ يتشبث به، فما أسهله على اللسان.
الوجه الثاني: ما نقله جماعة من الإثبات من تفرد سعيد بن أبي إياس الجُريري به كما نصَّ على ذلك علاّمة أهل السنة ومحدّثهم السيد محمد رشيد رضا في (المنار). وسعيد المذكور اختلط بآخره، قالوا عنه: وهو وإنْ كان ثقة في نفسه لكنه لا تصح روايته لاختلاطه ثلاث سنين من عمره.
قال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته فمن كتب عنه قديماً فهو صالح وقال يزيد بن هارون ربما ابتلانا الجريري وكان قد أنكر وقال يحيى بن معين عن ابن عدي: لا نكذب الله سمعنا من الجريري وهو مُختلط وقال ابن حبان: اختلط قبل أنْ يموت بثلاث سنين.
وقال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس أسمعت من الجُريري؟ قال نعم قال لا تروِ عنه، يعني لأنه سمع منه بعد اختلاطه. نصّ على ذلك العلاّمة الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (6:4) وحكاه عنه شيخنا الفقيد العلاّمة المحقق الأميني في الغدير (333 ـ 9).
الثالث: معارضتها للأحاديث الصحيحة المروية عن طريق أساطين السنة وسدنة الحديث. وقد سمعتَ طرقاً منها، وما قاله أئمة الجرح والتعديل في رجال إسنادها.
أمّا حديث أنس فقد رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه قال: صلَّيتُ مع رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم).
وقد روي عنه من طريق آخر أنه نسي)[163]( كيفية قراءة النبي في الصلاة هل كان يجهر بالبسملة أو يسرّ بها.
ومن هنا أعلّ حديثه فلم يلتفت إليه لاضطراب متنه. قال حافظ المغرب ابن عبد البرّ المالكي في الاستذكار بعد نقله لأحاديث أنس المضطربة في البسملة: هذا الاضطراب لا تقوم معه حجة.
وقال الإمام الشوكاني، فيما نقله السيد الرشيد في مناره:
«وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدّمت على نفيه. قال الحافظ ابن حجر)[164](: لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأنّ أنساً يبعد جداً أنْ يصحب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم مدّة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمساً وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة. بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه إلاّ الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهراً، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعيّن الأخذ بحديث من أثبت الجهر».
وقال الإمام الرازي في «مفاتيح الغيب»: «ونحن مهما شككنا في شيء فلا نشك في أنه إذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس وابن المغفل، وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بقي عليه طول عمره فإنّ الأخذ بقول علي أولى».
ثم إنَّ أنساً نفسه روى حديث الجهر بالبسملة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم . كما سمعته في أدلة المثبتين. وبالجملة فإنّ هذا الدليل ساقط عن درجة الاعتبار. وقد أعل الشافعي وأصحابهُ هذا الحديث بانفراد مسلم في أنّ النبي والخلفاء الثلاثة لم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم في حين رواه أكثر الحفاظ عن أنس أنّ النبي والخلفاء كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. ولم يذكروا (زيادة بسم الله الرحمن الرحيم). ثم إنّ في بعض طرق حديث أنس الوليد بن مسلم الدمشقي مولى بني أمية الذي روى عن مالك عشرة أحاديث لا أصل لها، كما في (ميزان الاعتدال)، وكان يأخذ الحديث عن أبي السفر، وأبو السفر كان كذاباً.
واستدل النافون بأمور أخرى منها:
ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال: أثنى عليّ عبدي.
ووجه الاستدلال أنه لم يذكر البسملة في القسمة فلو كانت آية لذكرها وردها من وجوه: ـ
الأول: أنه معارض بما رواه الثعلبي ـ كما ذكره الرازي في تفسيره ـ عن أبي هريرة نفسه عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله تعالى مجدني عبدي، وإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي.
الثاني: ما نقله الملاّ علي المتقي الهندي الحنفي في (كنز العمال) عن (شعب الإيمان) للبيهقي عن حبر الأمة عبدالله بن عباس عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: دعاني عبدي.
الثالث: ما صحَّ عن أبي هريرة نفسه من الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وقوله: إني لأشبهكم صلاة برسول الله. وكان يروي عن النبي الجهر بالبسملة، (كما مرّ عليك).
الرابع: ما ذكره العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا في (مناره) بعد نقله لحديث أبي هريرة الذي استدلّ به النافون على نفي قرآنية البسملة حيث قال رحمه الله: وهو استدلال سلبي لا يعارض القطعي المتواتر وهو إثباتها في المصحف وإجماع القراء على قراءتها معها في البدء والختمات، وثبوت التواتر بذلك على أنّ عدم ذكرها في الحديث قد يكون لتسبب اقتضى ذلك. ومما يخطر في البال بداهة أنه كما اكتفى من قسمة الصلاة بالفاتحة دون سائر التلاوة والأذكار والأفعال اكتفى من الفاتحة بما لا يشاركها فيه غيرها من السور، إذ البسملة آية من كل سورة غير (براءة) على التحقيق الذي يدلّ عليه خط المصحف. (قال): وثم سبب آخر لعدم ذكر البسملة في القسمة: وهو أنه ليس فيها إلاّ الثناء على الله تعالى بوصفه بالرحمة، وهو معنى مكرّر في الفاتحة وذكر في القسمة.
والعمدة في عدم المعارضة أنّ دلالة الحديث ظنية سلبية وإثبات البسملة إيجابي وقطعي. (قال): وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة، مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن أولى بسلب الصحة عنه، (أهـ).
الوجه الخامس: إنَّ في سند هذه الرواية العلاء بن عبدالرحمن الحرقي المكنى بأبي شبل وهو مختلف فيه، فوثقه جماعة وضعّفه آخرون. ومَنْ قال: وثاقته نسب إليه الوهم كابن حجر العِسقلاني في «تقريب التهذيب».
ومن أدلة النافين ما رواه جماعة منهم أبو عيسى الترمذي عن أنس وغيره عن عائشة قالا: إنّ رسول الله وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.
ولا حجة لهم بذلك لأنهما جعلا (الحمد لله) اسماً للسورة باعتبار ما تتميز به عن سائر السور حيث أنّ البسملة مشتركة بين جميع السور، عدا براءة. وقد جاء في جملة من الأحاديث التعبير عن سورة الفاتحة (بالحمد لله رب العالمين). فقد روى أبو داود عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم (الحمد لله رب العالمين) أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني. وروى عن أبي سعيد بن المعلّى عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم حديثاً يقول في آخره: لأعلمنك أعظم سورة من القرآن، أو في القرآن قال، قلتُ: يا رسول الله قولك، قال (الحمد لله رب العالمين)، وهي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم.
وهذا المعنى هو الذي فهمه الإمام الشافعي. قال في (الأم): ما نصّه: «يعني يبدأون بقراءة أمّ القرآن قبل ما يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم، لا يعني أنهم يتركون (بسم الله الرحمن الرحيم). ونقل الترمذي في سننه بعد ذكر الحديث عن الشافعي: إنما معنى هذا الحديث أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين)، معناه: أنهم كانوا يبدأون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة وليس معناه أنهم كانوا لا يقرأون (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال العلاّمة الشيخ أحمد محمد شاكر في هامش (سنن الترمذي) على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يبين ذلك لأنه في مقام بيان أحكام الله عزّ وجل لتكون الأمة على بصيرة من أمرها، ولو حدث ذلك لنقل إلينا متواتراً تواتر القرآن.
ثم إنّ ادعاء الذاهبين إلى أنّ البسملة إنما أنزلت للفصل بين السور يحتاج إلى بينة، وهي هنا الدليل القطعي الذي يصحّ أنْ تسلب بموجبه جزئية البسملة، وهو بعيد المنال بل من ضرب المحال. ولو كانت للفصل لكتبت في أول (براءة)، ولم تكتب في أول الفاتحة.
منظومتنا في البسملة
كنا قد نظمنا أرجوزة في البسملة، كما ذكرنا في المقدمة، ولم نتمَّها. ثم ارتأينا أنْ نثبتُها هنا، وإن كنا لم نهذبها، حفظاً لها من الضياع، وتسهيلاً للاطلاع وهي هذه:
أبدأ باسم الله ذي الجلالِ
والمنِّ والإنعام والإفضالِ
الواجب الوجود باري النَسَمِ
مدبر الأمر الكريم المنعمِ
فباسمه تُفتح الأمورُ
فيسهلنْ بذكره العسيرُ
ثم الصلاة والسلام المتصلْ
على الشفيع أحمد خير الرسلْ
وآله ذوي النفوس العالية
وصحبه من قدّروا مساعيه
وبعد: فالشريف نجل الشرفا
المنتمي إلى النبي المصطفى
المذنب الفقير لله الغني
(ستارٌ) النساب آل الحسني
يقول هاك هذه الأرجوزة
شاملة وافية وجيزة
تزري بعقد اللؤلؤ المنظوم
في نسجها بالكلم المنظوم
فيها ترى يا صاح حكم البسملة
وأنها في الآي جاءت منزلة
إلا ابتدا (براءةٍ) ففيها
رحمتُه عمن شقى ينفيها
وما أتى فيها من الوعيد
لمن رعى الكفار بالعهودِ
كما أتت بذلك الأخبارُ
ليس على رواتها غبارُ
ثابتة قطعية الصدور
كما وعته القومُ في الصدورِ
فإنّ فيها أكبر الدلالهْ
بأنها حقّ لذي الجلالهْ
وكيف لا تكون ذات شانِ
وقد أتت في محكم القرآنِ
وفي (الصحاح) ورد الأمر بها
فلا تكن في أمرها مشتبها
فقد روى حديثها (البخاري)
وهو خبير القوم بالأخبارِ
و(مسلمٌ) وهو لدى الجمهورِ
مسلّمْ الفضلِ بلا نكير
و(الشافعيّ) و(أبو داود)
و(أحمد) في (المَسند) المعهود
و(النسأيّ) والإمام (البهقي)
و(الدارقطنيّ) يليه (المتقي)
و(الحاكم) الخبير في (المستدرك)
في سفره هدىً لكل مُدركِ
و(الفخر) في تفسيره الكبير
لمن تملاّه شفا الصدور
و(بالسيوطي) استبان الرشدُ
وهو الفقيه الماهر المجدد
قد جاءنا في (درّه المنثور)
نصّ حديث المصطفى المأثور
و(الذهبي) نجل (قايمازِ)
(تلخيصه) من أبدع الإيجاز
والعالم المحقق (الشوكاني)
في (نيله) قد حقق الأماني
(وبابن حبان) و(بابن شيبة)
أخو المرا آب بكل خيبة
عن (الخطيب) الأيْد (البغدادي)
حديثها قد جاء بالإسناد
وهو على ما فيه من تعصب
وافق أهل البيت في ذا المطلبِ
وذا (الرشيد) بن (الرضا) الحسيني
في قوله نورٌ لذي عينينِ
وهو الذي يقال عنه السلفي
لأنه بقولهم لم يكتفِ
وجانب التقليد والتعصبا
وإنْ يكن في بعض ما قال كبا
فإنّ في (مناره) منارا
لمن يوالي العترة الأطهارا
فراجع الكلام حول البسملة
من ذلك التفسير أعني أوّله
تجدْ هناك حكمها مبينا
وأننا بذاك مفلحونا
وإنّ فيها تقبلُ الصلاة
كما روى الأئمة الهداةُ
ومن يصلّ وهو عنها راغبُ
فإنه عن الصراطِ ناكبُ
وكيف عنها يغفل المصلي
وهي سبيل اللطف والتجلي
ووصف (مولانا) بما يليقُ
بشأنه وهو به خليقُ
من صفة الرحيم والرحمان
لكي يكون القلبُ باطمئنانِ
فتركها تركُ الحديث في الأقل
في قول مَنْ يعدُّها من النَفَلْ
السيد عبدالستار الحسني النسّابة
الأخلاق في القرآن الكريم
القرآن الكريم والكمال البشري
عرفنا أن لكل نظام أخلاقي نظرية أخلاقية يعتمد عليها ويستمد قيمته منها، وعرفنا أيضاً أن لكل نظرية مبادىء تبتني عليها وتنطلق منها. والمبادىء هذه منها ما هو عام تشترك فيه كل النظريات الأخلاقية، ومنها ما تختص به كل نظرية لنفسها.
وعرفنا أن المبادىء العامة لكل النظريات الأخلاقية هي:
1 ـ إن الإنسان كائن حر في سلوكه.
2 ـ لكل إنسان هدف أقصى يسعى إليه في الحياة.
3 ـ قدرة الإنسان على الوصول إلى الكمال اللائق به.
4 ـ إن مصير الإنسان من سعادة أو شقاء معلولان لسلوكه الاختياري.
وقد عرفنا موقف القرآن الكريم من حرية الإرادة الإنسانية، ونريد الآن أن نعرف موقف القرآن الكريم من الكمال البشري كمبدأ أساسي من مبادىء النظرية الأخلاقية القرآنية، وموقفه من تعيين الكمال اللائق بالإنسان:
قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ})[165](.
وقال: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})[166](.
وقال: {لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَطِيمُ})[167](.
للكمال البشري مفهوم واحد واضح لا يختلف فيه اثنان كما لا يختلف الناس في فهم معنى الوجود والنور. وإنما الاختلاف كل الاختلاف في مصاديق الكمال. فقد يرى البعض شيئاً مصداقاً للكمال، ولا يراه الآخر مصداقاً لذلك.
إن لكل إنسان مثلاً أعلى في الحياة يسعى حثيثاً للوصول إليه، فهو يستهدفه في حياته، ويكون جامعاً لآماله، ويكون هو الدافع العميق والأصيل في وجوده في كل تصرفاته وطموحاته.
فالكمال هو القمة التي يتحرك باتجاهها الإنسان في حياته. ولا نكاد نجد إنساناً ليس له طموح في الحياة، أو له طموح لأمر مجهول في قرارة نفسه.
إن كل إنسان مفطور على حب ذاته، فهو يحب أن يكون سعيداً وفائزاً في كل شؤون الحياة. ولهذا يصح أن نقول إن كل إنسان ـ مهما كانت رؤيته نحو الكون والحياة ـ يريد الفوز والفلاح في الحياة.
إذاً الفوز والسعادة والفلاح كلمات تعبّر عن مفهوم مشترك يقصده كل إنسان حينما يبدأ حياته الشعورية، ويبدأ سعيه الحثيث نحو الكمال (نحو ما يراه كمالاً له وسعادة وفلاحاً).
إن الكمال مطلوب لكل إنسان، ولا يمكن أن نتصوّر مَن يغفل عن ذلك أو يتنازل عنه. إن الناس بالرغم من اختلاف درجات ثقافتهم واتجاهاتهم وعقائدهم في الحياة، فإنهم لا يختلفون في امتلاك هذا الطموح نحو الكمال.
إن الطموح نحو الكمال مع المثل الأعلى الذي يختاره الإنسان في حياته هو الذي يفسّر لنا كل عمل يصدر من الإنسان باختياره، ويكون هو الداعي القريب أو البعيد لإيجاده.
وقد أوضح لنا القرآن الكريم موقفه من هذا المبدأ من خلال:
1 ـ تعليله لضرورة اكتساب الإيمان بالله تعالى، والعمل الصالح في الحياة الدنيا بأنهما معاً ينتجان الفوز والفلاح الأبديين، وتعليله لضرورة اجتناب الكفر والشرك والنفاق والفسق بأنها توجب الخيبة والخسران والشقاء الأبدي.
2 ـ وهكذا تعليله لوجوب الصوم بأنه يحقق للمؤمن ملكة التقوى، ثم تعليله للزوم تحصيل التقوى بأنه يؤدي إلى الفلاح. بينما لم يعلّل القرآن ضرورة تحصيل الفلاح أو ضرورة التخلّص من الشقاء.
إن تعليل الأحكام الإلهية وتعليل السلوك البشري وتوجيهه وجهة تؤدي إلى الفوز والفلاح وتبعده عن الخسران والشقاء… إلى جانب السكوت عن تعليل لزوم تحصيل السعادة… كل هذا يفيدنا ما يلي:
1ـ إن مطلوبية السعادة والفوز والفلاح التي هي تعبير آخر عن الكمال المنشود لكل إنسان لا تحتاج إلى تعليل لأنها مطلوبية ذاتية. فإن كل إنسان ذي شعور وعقل وإرادة إنما يكدح في الحياة لأجل تحصيل الكمال الذي يتجسّد في السعادة والفوز والفلاح.
والكدح لغير هذا يكون لغواً وعبثاً. وإن اختلف الناس في تصورهم لمصداق السعادة والفلاح.
2 ـ والقرآن الكريم باعتباره كتاب هداية وإرشاد، فمن الطبيعي أن يرشد الإنسان إلى ما يكون فلاحاً له، ويُعدّ فوزاً حقيقياً وسعادة واقعية له، ما دامت الرؤى حول واقع السعادة وحقيقة الفلاح والفوز غير متقاربة ولا متّحدة.
3 ـ إن سلوك الإنسان يحتاج إلى توجيه وترشيد وتعليل. وإن الداعي الجدير بالتركيز عليه هو حب السعادة والفلاح وكراهة الشقاء والخسران، وهذان الداعيان أصيلان وفطريان ويستمدان فاعليتهما من عمق وجود الإنسان.
4 ـ إن الإنسان قد لا يكتشف ما هو كماله اللائق به بسهولة وبسرعة في بداية الشوط من حياته، وإن اكتشف ذلك فقد لا يقتنع به ولا يؤمن به إيماناً كاملاً. ومن هنا فالعقبة التي تقف عادة أمام وصول الإنسان إلى كماله اللائق به تتلخص في أحد أمرين:
أ ـ الجهل بالكمال اللائق بالإنسان، أو عدم الإيمان به باعتباره كمالاً لائقاً به.
ب ـ الجهل بما يؤدي إلى الوصول إلى هذا الكمال اللائق، أو عدم الإيمان به. ومن هنا يتصدّى القرآن بشكل حثيث ليوضح للإنسان مصداق كماله اللائق به. ويحاول ـ بشتّى الأساليب ـ أن يصوّره له بنحوٍ ينتج الإيمان به.
كما إنه يتصدى لتوجيه سلوكه الاختياري توجيهاً منبعثاً من حبه للكمال والسعادة، أو بغضه وخوفه من الشقاء والخسران، وبهذا لا يتحكّم في السلوك الاختياري للإنسان بلسان القانون الجاف، بل يحاول إيجاد الداعي المؤثر، ويهيّىء الظروف الكافية لتحصل للإنسان المفكر والواعي القناعة الكافية بلزوم اختيار هذا النوع من السلوك الذي يراه القرآن الكريم محقّقاً للسعادة الواقعية ومبعداً عن الشقاء الحقيقي.
ولأجل أن نستلهم رؤية القرآن في هذا المجال يجدر بنا أن ندقّق في الآيات التي أشرنا إليها في بداية البحث، وهي نموذج واحد من مجموعة النماذج التي قدّمها القرآن الكريم، وأكدها بشتى أنواع التأكيد، ليحصل الإنسان على الأهداف المرسومة له بملء إرادته وكامل اختياره.
لاحظ قوله تعالى في سورة هود: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا آلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ})[168](.
فلكل إنسان مصيره ونهايته (التي يحققها له عمله الاختياري وسلوكه الإرادي) كما صرح بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى})[169]( وقوله: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ})[170]( وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ})[171]( وقوله: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا})[172](.
والشقاء الحقيقي يتجسّد في استحقاق النار (فما خيرٌ بخير بعده النار) والسعادة الحقيقية تتجسد في استحقاق الجنة (وما شرّ بشرٍّ بعده الجنة).
أما كيف يحقّق سلوك الإنسان للإنسان مصيره النهائي؟ فنلاحظ قوله تعالى في سورة المائدة: {هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})[173](.
وقوله تعالى حكاية وتقريراً لكلام إبراهيم الخليل عليه السلام: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ})[174](.
وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى})[175]( وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا})[176](.
إن التعبير عن السعادة العظمى بالفلاح وبالفوز العظيم يستحق الانتباه. وقد جمع القرآن الكريم بين الفلاح والفوز العظيم في قوله تعالى في سورة التوبة: {لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})[177](.
هذا هو موقف القرآن الكريم من طموح الإنسان نحو الكمال، ومن الكمال اللائق بالإنسان ليطمح إليه بكل قواه ووجوده. والمصطلحات التي ترشدنا هنا لموقف القرآن الكريم من هذا المبدأ هي:
1 ـ السعادة والشقاء ومشتقاتهما وما يفيد مفادهما.
2 ـ الفوز ومشتقاته وما يقابله.
3 ـ الفلاح ومشتقاته وما يقابله.
4 ـ الآخرة.
5 ـ المنتهى.
6 ـ المصير.
7 ـ الجزاء.
8 ـ الربح والخسران والخزي.
9 ـ كل الآيات التي تكفّلت تطبيق المصير أو السعادة أو الفوز على المصاديق التي يرتضيها خالق الإنسان للإنسان.
10 ـ كل الآيات التي علّلت أنواع سلوك الإنسان، وأبرزت نتائج كل صنف بلام التعليل أو لعل المفيدة للترجّي… مثل قوله تعالى: {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} و{لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}.
إذن تشخيص الكمال اللائق بالإنسان وتعيين مصداقه الواضح بحيث لا يبقى للإنسان إبهام عند تصوّره هو من أهم ما تكرّم به القرآن الكريم في عطائه للإنسان الذي أراد له الهداية والوصول إلى كماله المنشود.
الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي
أربعمائة كتاب في معرفة الشيعة
1 ـ آثار الشيعة: عبدالعزيز جواهر الكلام وترجمته الفارسية. نهران، مطبعة المجلس/1307ش.
2 ـ آراء أهل المدينة الفاضلة: الحكيم أبو نصر الفارابي. ليدن/1895م.
3 ـ آغاز وأنجام جهان)[178](: (بدء العالم ونهايته) (في القرآن والبلاغة) محمد أمين رضوي. رضائية، مطبعة الفردوسي/1348ش.
4 ـ آلاء الرحمن: (تفسير) الشيخ محمد جواد بلاغي. صيدا، مطبعة العرفان/1351هـ.
5 ـ آينده بشريت أزنظر مكتب ما: (مستقبل البشرية من وجهة نظر مدرستنا) سيد محمود طالقاني. منشورات حكمة/ 1344ش.
6 ـ الأئمة الإثنا عشر: ابن طولون، شمس الدين محمد. تحقيق صلاح الدين المنجد. بيروت، صادر وبيروت/1377هـ.
7 ـ إبصار العين: (في أحوال أنصار الحسين) القاضي محمد السماوي. النجف/1343هـ.
8 ـ أبو طالب مؤمن قريش: عبدالله خنيزي. بيروت، مكتبة الحياة/1381هـ.
9 ـ أبو هريرة: سيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي. النجف، المطبعة الحيدرية/1385هـ.
10 ـ إثبات الهداة: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي. قم، المطبعة العلمية. ج6.
11 ـ أثر الشيعة الجعفرية: (في تطوير الحركة الفكرية في بغداد، ومنهم الفيلسوف الكندي). الشيخ عبدالواحد الأنصاري. بغداد.
12 ـ الاجتهاد والتقليد: آية الله السيد أبو القاسم الخوئي. النجف، مطبعة النعمان/1386هـ.
13 ـ أجوبة مسائل جار الله: السيد عبدالحسين شرف الدين. النجف، مطبعة النعمان/1386هـ. (طـ3).
14 ـ أحاديث عائشة أم المؤمنين: (القسم الأول ـ أدوار من حياتنا) السيد مرتضى العسكري. تهران، مكتبة صدوق والنجاح.
15 ـ الاحتجاج: أبو منصور الطبرسي. النجف، النعمان/ 1386هـ.
16 ـ إحقاق الحق: القاضي نور الله الشوشتري، مع تعليقات وافية للسيد شهاب الدين المرعشي. تهران، المكتبة الإسلامية (صدر حتى الآن 10 مجلدات/1351ش).
17 ـ أخبار شعراء الشيعة: أبو عبيدالله المرزباني (تلخيص السيد محسن الأمين العاملي؛ مؤلف «أعيان الشيعة»). تحقيق محمد الهادي الأميني. النجف، الحيدرية/1388ش.
18 ـ أخلاق آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم : محمد جواد السبيتي. بيروت، دار الفكر/1375م.
19 ـ أدب الدعاء في الإسلام: طاهر أبو رغيف. البصرة/1391 (طبع النجف، مطبعة الآداب).
20 ـ أدب الطفِّ: (أو شعراء الحسين عليه السلام من القرن الأول الهجري- القرن الرابع عشر). جواد شبر. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1388 (عدد من المجلدات).
21 ـ أديان ومهدويت: محمد بهشتي. ط3.
22 ـ الإرشاد: (في معرفة حجج الله على العباد) الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، تصحيح السيد كاظم الموسوي الميامي. تهران (دار الكتب الإسلامية)/1377.
23 ـ إرشاد الطالبين: (شرح وتعليق على «نهج المسترشدين» للعلامة الحلي). الفاضل مقداد السيوري. بومباي، طبع حجري.
24 ـ الأرض والتربة الحسينية: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. القاهرة، مطبوعات النجاح، ضمن «الوضوء في الكتاب والسنة». ط5.
25 ـ الاستبصار: (ـ فيما اختلف من الأخبار) شيخ الطائفة محمد بن حسن الطوسي. تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان. النجف، الشيخ محمد جعفر شمس الدين ـ دار التعارف للمطبوعات 1375 ـ 1376)[179](.
26 ـ استقصاء الإفحام: (ـ واستيفاء الانتقام في رد)[180]( منتهى الكلام)[181]() للعلامة مير حامد حسين الهندي النيسابوري؛ مؤلف «العبقات»)[182](. لكهنو/1315هـ.
27 ـ أسرار الصلاة: زين الدين بن الشهيد الثاني. طبع حجري/1305هـ.
28 ـ أسرار العقائد: ميرزا أبو طالب الحسيني الشيرازي. تهران، الآخوندي. أوفست عن طبع بومباي (2ج).
29 ـ الإسلام على ضوء التشيع: الدكتور حسين الخراساني. تهران، مطبعة الشمس (ج1).
30 ـ أشعة من بلاغة الإمام الصادق: (خطب. رسائل. مواعظ) عبد الرسول الواعظي. النجف، الآداب/1383.
31 ـ أصل الشيعة وأصولها: كاشف الغطاء. القاهرة، مطبوعات النجاح/1377/طـ 10.
32 ـ الأصول العامة للفقه المقارن: محمد تقي الحكيم. بيروت. دار الأندلس/1963.
33 ـ إعلام الورى: (ـ بأعلام الهدى) أمين الإسلام الشيخ الطبرسي، مع مقدمة للسيد محمد مهدي الخرسان. النجف، الحيدرية/1390.
34 ـ أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي. خمسة عشر مجلداً. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
35 ـ الإفصاح: (ـ في إمامة علي بن أبي طالب) الشيخ المفيد. النجف، الحيدرية/1368.
36 ـ الأفق الأعلى: (ـ نگاه به چهره محمد وعلي = نظرة في وجه محمد وعلي) الحاج ميرزا خليل الكمره اى. نهران، الإسلامية وشركة طبع الكتاب.
37 ـ اقتصادنا: السيد محمد باقر الصدر. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
38 ـ إلى المجمع العلمي العربي بدمشق: شرف الدين. النجف، نعمان ودار المحيط/1387.
39 ـ إلى مشيخة الأزهر: الشيخ عبدالله السبيتي. بغداد، مطبعة دار الحديث/1370.
40 ـ الألفين: (ـ في إمامة أمير المؤمنين) للعلامة الحلي، مع تعليقات محمد حسين المظفر. النجف، الحيدرية/1372. بيروت ـ دار التعارف.
41 ـ إمامة علي بين العقل والقرآن: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1390.
42 ـ الإمامة في التشريع الإسلامي: الشيخ محمد مهدي الآصفي. النجف، نعمان/1963. وبيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
43 ـ الإمامة الكبرى: (ـ والخلافة العظمى) الحاج آقامير القزويني، محمد حسن، مع تعليقات السيد مرتضى القزويني. النجف، النعمان/1378.
44 ـ الإمام الجواد: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية/ 1371.
45 ـ الإمام زين العابدين: المقرم. النجف، مطبعة الغري الحديثة/ 1374.
46 ـ الإمام الصادق: محمد حسين المظفري. النجف، الحيدرية/ 1386. ط2.
47 ـ الإمام الصادق ملهم الكيمياء: الدكتور محمد يحيى الهاشمي. القاهرة وحلب وبغداد. منشورات المؤسسة السورية العراقية/ 1959.ط2.
48 ـ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: أسد حيدر النجفي. بيروت، دار الكتاب العربي. 1390 ـ 1392 (3 مجلدات). ط2. ودار التعارف للمطبوعات 2003م في أربعة مجلدات.
49 ـ الإمام المهدي: محمد علي محمد الدخليل. النجف، الآداب/1385.
50 ـ الانتصار: (ـ في النص على الأئمة الأطهار) أبو الفتح الكراچكي، محمد بن علي. النجف، المطبعة العلوية/1346هـ.
51 ـ انتظار: الدكتور علي شريعتي. تهران، مكتبة حسينية الإرشاد.
52 ـ إنسان وسرنوشت: (الإنسان والقدر) المرتضى المطهري. تهران. شركت سهامي انتشار.
53 ـ الأنوار العلوية: (ـ والأسرار المرتضوية، في أحوال أمير المؤمنين وفضائله ومناقبه وغزواته) الشيخ جعفر النقدي. النجف، الحيدرية. (محمد كاظم الكتبي)/ 1382.
54 ـ أوائل المقالات: (ـ في المذاهب والمختارات) الشيخ المفيد. قدم له وصححه الشيخ فضل الله الزنجاني. تبريز، مكتبة الحقيقة.
55 ـ أهل البيت: محمد جواد مغنية. بيروت/ 1956.
56 ـ الإيضاح: الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري، حققه وخرَّج أحاديثه السيد جلال الدين المحدث الأرموي. تهران، منشورات الجامعة (رقم 1347)/1351.
57 ـ إيمان أبي طالب: (= الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) الفخار بن معدّ الموسوي، تحقيق السيد محمد بحر العلوم. النجف، الآداب/1387.
58 ـ بحار الأنوار: (ـ الجامع لدرر أخبار الأئمة الأطهار) العلامة المجلسي. تهران، دار الكتب الإسلامية. بإشراف الشيخ عبدالرحيم الرباني الشيرازي وبعض الفضلاء الآخرين. والمكتبة الإسلامية بإشراف محمد باقر البهبودي وبعض الفضلاء الآخرين (مجموع هذه الطبعة 110 مجلدات))[183](. وبيروت ـ دار التعارف للمطبوعات ـ تحقيق الشيخ جلال الصغير والشيخ محمود درياب النجفي.
59 ـ البراهين الجلية: (ـ في دفع التشكيكات الوهابية) السيد محمد حسن القزويني الحائري. النجف، الآداب.
60 ـ بردگي در إسلام: (العبودية في الإسلام) محمد صادق إيرجي. تهران، مكتبة المحمدي.
61 ـ برهان روشن: (البرهان اللامع) (البرهان على عدم تحريف القرآن) الحاج ميرزا مهدي البروجردي. تهران، مطبعة بوذر الجمهري/ 1374.
62 ـ البرهان: (ـ على وجود صاحب الزمان) السيد محسن الأمين العاملي. دمشق 1333هـ.
63 ـ البرهان: (تفسير) السيد هاشم البحراني. تهران، مطبعة آفتاب. (على نفقة الحاج أبو القاسم السالك)/ 1334ش. ط2.
64 ـ بشارات العهدين: الدكتور محمد الصادقي)[184](. تهران، دار الكتب الإسلامية.
65 ـ بشارة المصطفى: (ـ لشيعة المرتضى) أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. النجف، الحيدرية/ 1369.
66 ـ بصائر الدرجات: (ـ في فضائل آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم ) محمد بن حسن الصفار. تبريز، شركة مطبعة الكتاب/ 1381.
67 ـ البطل الأسدي: (ـ حبيب بن مظاهر) عبدالواحد المظفر. النجف، العلمية/ 1370.
68 ـ البطل العلقمي: (ـ العباس بن أمير المؤمنين) عبدالواحد المظفر. النجف، مطبعة دار النشر والتأليف والعلمية/ 1369 ـ 1374. 3 مجلدات.
69 ـ البطل الفخّ: (= أبو عبدالله الحسين بن علي بن الحسن المثلث من أصحاب حضرة الصادق عليه السلام ) محمد الهادي الأميني. النجف.
70 ـ بلاغة الحسين: (خطب. رسائل. مواعظ) جعفر عباس الحائري. النجف، الحيدرية/ 1374.
71 ـ بيان الفرقان: الشيخ مجتبى القزويني الخراساني: ج1 ـ توحيد القرآن. مشهد، مطبعة خراسان/1370. باهتمام عبدالله واعظ اليزدي. ج2 ـ نبوة القرآن. تهران، الآخوندي/1371. ج3 ـ معاد القرآن. تهران، مجتمع التعليمات الإسلامية/1373. ج4 ـ ميزان القرآن (الإمامة). مشهد، مطبعة زوار. (على نفقة الحاج ميرزا أسد الله الإسكندري)/ 1375. ج5 ـ الغيبة، الرجعة والشفاعة. مشهد، مطبعة طوس. بإشراف موسوي الخسروي/ 1380.
72 ـ پرتوي از قرآن: (شعاع من القرآن) السيد محمود الطالقاني: المجلد الأول ـ تفسير سورة البقرة. تهران، شركة الانتشار. في قسميه/1346 ـ 1350. المجلد الثاني ـ تفسير جزء آخر. تهران، شركة الانتشار/ 1348.
73 ـ پيشواي دوّم: (الزعيم الثاني) (ـ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام) عدد من العلماء. تهران، مكتبة الحسن، بمشاركة الانتشار/ 1349.
74 ـ تاريخ بردگي: (تاريخ العبودية) يد الله نياز الشيرازي. تهران، مطبعة الوطن/ 1349/ ط2.
75 ـ تاريخ الفقه الجعفري: هاشم معروف الحسيني. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
76 ـ تاريخ القرآن: أبو عبدالله الزنجاني. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1388/ ط2.
77 ـ تاريخ قرآن: الدكتور محمود راميار. تهران، الشركة المساهمة لنشر الفكر/ 1346ش.
78 ـ تاريخ كربلاء: (ـ وحائر الحسين عليه السلام) الدكتور السيد عبدالجواد كليد دار (آل طعمة). النجف، الحيدرية/ 1387. ط2.
79 ـ تأثير جانشيني در بناي إسلام: (تأثير الخلافة في بناء الإسلام) علي أصغر المعزي. تهران، مطبعة النصر وانتشاراتها/ 1337ش.
80 ـ تأسيس الشيعة: (ـ لعلوم الإسلام) السيد حسن الصدر ـ كاظمين، دار الكتب العراقية/ 1370.
81 ـ التبيان: (تفسير البيان) الشيخ الطوسي، تصحيح أحمد حبيب القصير العاملي. النجف، العلمية 1376 ـ 1383 (10 مجلدات).
82 ـ تجريد العقائد: الخواجه نصير الدين الطوسي (مع شرح العلامة الحلي «كشف المراد»). مشهد، مكتبة الجعفري.
83 ـ تحت راية الحق: (ـ في الرد على الجزء الأول من «فجر الإسلام») الشيخ عبدالله السبيتي. تهران، مطبعة پاكت چى/ 1364.
84 ـ تحفة الأحباب: (ـ في نوادر آثار الأصحاب) الحاج عباس القمي. تهران، دار الكتب الإسلامية.
85 ـ تحف العقول: (ـ عن آل الرسول) ابن شعبة الحراني. تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري. تهران، دار الكتب الإسلامية/ 1376.
86 ـ تشريح ومحاكمة: (ـ در تاريخ آل محمد) القاضي زنگه زوري (بهلول بهجة أفندي) ترجمة ميرزا مهدي أديب. تهران، إسلامية/ 1322ش.
87 ـ تظلُّم الزهراء: (ـ من إهراق دماء آل العباء) الرضي بن نبي القزويني. النجف، الحيدرية/ 1375. ط2.
88 ـ التفسير: محمد بن مسعود العياشي. تصحيح وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي. قم، العلمية (مجلدان).
89 ـ تفسير أبي الفتوح: (= روض الجِنان وروح الجَنان) الشيخ أبو الفتوح الرازي. تهران/ 1325ش.
90 ـ التفضيل: أبو الفتح الكراچكي. باهتمام جلال الدين المحدث الآرموي. تهران، الآخوندي/ 1370.
91 ـ تلخيص الشافي: الشيخ الطوسي. تحقيق السيد حسين بحر العلوم. النجف، الآداب/1383/ ط2.
92 ـ تنزيه الأنبياء: علم الهدى السيد المرتضى. النجف. الحيدرية/ 1380. ط2.
93 ـ التوحيد: الشيخ أبو جعفر الصدوق. تصحيح وتعليق السيد هاشم الحسيني التهراني. تهران، مكتبة صدوق/1387.
94 ـ تهذيب الأحكام: (ـ في شرح «المقنعة») الشيخ الطوسي. النجف، دار الكتب الإسلامية/ 1377 ـ 1382 (10 مجلدات). ودار التعارف ـ بيروت.
95 ـ الثقلان: الشيخ المفيد. النجف.
96 ـ الثقلان: الشيخ محمد حسين المظفر. النجف/1367)[185](.
97 ـ ثواب الأعمال: (ـ وعقاب الأعمال) الشيخ الصدوق. تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري. تهران، مكتبة صدوق/ 1391.
98 ـ ثورة الحسين: محمد مهدي شمس الدين. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
99 ـ جاذبه ودافعه علي: المرتضى المطهري. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1349.
100 ـ جامع الأحاديث: أبو محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي. تهران، إسلامية (السيد أحمد الكتابچي)/ 1369.
101 ـ جامع الرواة: (ـ وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد) محمد بن علي الأردبيلي الغروي. تهران، مطبعة الألوان/ 1331 (بأمر حضرة آية الله البروجردي، ونفقة الحاج محمد حسين گوشانپور).
102 ـ جامع السعادات: محمد مهدي النراقي. تصحيح وتعليق السيد محمد كلانتر. النجف، دار النعمان. (3 مجلدات).
103 ـ جبر واختيار: محمد تقي الجعفري التبريزي. تهران، شركة الانتشار/ 1347.
104 ـ الجمل: (= النصرة على أهل البصرة) الشيخ المفيد. النجف، الحيدرية/ 1368 (ط2).
105 ـ جنة المأوى: كاشف الغطاء. تحقيق السيد محمد علي القاضي الطباطبائي. تبريز، مكتبة الحقيقة/ 1380.
106 ـ الجواهر السنية: (ـ في الأحاديث القدسية) الشيخ الحر العاملي. النجف، نعمان وبغداد، المكتبة الأعلمية/ 1384.
107 ـ جواهر الكلام: (ـ في شرح شرائع الإسلام) الشيخ محمد حسن النجفي. النجف، دار الكتب الإسلامية/ 1377 فما بعد. ط 6 .
108 ـ جهاد الإمام الحسن: محمد حسن القبيسي العاملي. بيروت، مكتبة الأنصار/1387.
109 ـ حجة السعادة: (ـ في حجة الشهادة))[186]( اعتماد السلطنة/ 1304هـ.
110 ـ حجر بن عدي: حسن أكبري. تهران. شركة الانتشار/ 1349.
111 ـ الحدائق الناضرة: (ـ في أحكام العترة الطاهرة) الشيخ يوسف البحراني.
112 ـ مسّاسترين فراز تاريخ: (ـ أو قصة الغدير) عدد من مدرسي مشهد. تهران، شركة الانتشار/ 1348 فما بعد (ط 4 و5 و6).
113 ـ الحسن بن علي: (ـ دراسة وتحليل) كامل سليمان. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
114 ـ الحسنيون في التاريخ: محمد الساعدي. النجف/ 1375.
115 ـ الحسين في طريقه إلى الشهادة: علي بن الحسين الهاشمي الخطيب. بغداد، مطبعة الزهراء/ 1377.
116 ـ الحصون المنيعة: (ـ في ردِّ ما أورده صاحب «المنار» في حق الشيعة) السيد محسن الأمين العاملي. دمشق، مطبعة الإصلاح/1327هـ.
117 ـ الحقائق: (ـ في الجوامع والفوارق))[187]( الشيخ حبيب آل إبراهيم المهاجر العاملي. صيدا، العرفان/ 1356 ـ 1357 (مجلدان).
118 ـ حقوق المرأة وشؤونها الاجتماعية: محمد علي الزهيري النجفي. النجف، مطبعة الغري الحديثة/ 1373.
119 ـ الحق اليقين: (ـ في لزوم التأليف بين المسلمين) السيد محسن أمين العاملي (مؤلف «أعيان الشيعة»).
120 ـ الحق اليقين: (ـ في معرفة أصول الدين) السيد عبدالله آل شبر الحلي. صيدا/ 1353هـ. (مجلدان).
121 ـ حليفُ مخزوم: (شرح حال عمار بن ياسر) السيد صدر الدين شرف الدين. صيدا، العرفان/ 1373.
122 ـ حماسة الغدير: عدد من الأساتذة، والمحققين، والناقدين، والأدباء، والشعراء. تهران، بالاشتراك مع شركة الانتشار.
123 ـ حياة إبراهيم بن مالك بن الأشتر: ميرزا محمد علي الأردوبادي. تهران/ 1365 (ضمن «حياة مالك بن الأشتر»).
124 ـ حياة أبي ذرّ: الشيخ عبدالله السبيتي. تهران/1364.
125 ـ حياة الإمام الحسن: باقر شريف القرشي. النجف، الآداب/ 1384. (ط2، مجلدان).
126 ـ حياة الإمام موسى بن جعفر: (ـ دراسة وتحليل) باقر شريف القرشي. (على نفقة الحاج محمد رشا عجينة)/ 1389 ـ 1390. النجف، الآداب. (مجلدان)، (ط2).
127 ـ حياة زينب الكبرى: الشيخ جعفر النقدي/ 1361.
128 ـ حياة الصادق: الشيخ موسى السبيتي. النجف، الحيدرية/ 1356هـ.
129 ـ حياة مالك بن الأشتر: السيد محمد تقي الحكيم. النجف/1365.
130 ـ حياة المختار: (= تنزيه المختار، ابن أبي عبيد بن مسعود الثقفي) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم (ضمن «زيد الشهيد»).
131 ـ خاتميَّت: علي أمبرپور. تهران، مؤسسة مطبوعات مرجان/ 1347. ط2.
132 ـ الاسلام وإيران : مرتضى المطهري. بيروت، دار التبليغ ودار التعارف.
133- خصائص أمير المؤمنين: ابن البطريق ـ طبع حجري.
134 ـ خصائص أمير المؤمنين: الشريف الرضي. النجف، الحيدرية.
135 ـ الخصائص الحسينية: الشيخ جعفر الشوشتري. النجف، الحيدرية (محمد كاظم الحاج شيخ محمد صادق الكتبي/ 1375 (ط 4).
136 ـ الخصائص الزينبية: السيد نور الدين الجزائري. النجف/ 1341.
137 ـ خصائص الشيعة: الموسوي الكاظمي القزويني. بغداد/ 1341هـ.
138 ـ الخصائص الفاطمية: الملا باقر بن الملا إسماعيل الكجوري 1311/ 1318هـ.
139 ـ الخصال: الشيخ الصدوق. بتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق/1348 ش.
140 ـ الخطاب المنير: (في ذكرى عيد الغدير) الشيخ حبيب آل مهاجر العاملي/ 1350هـ.
141 ـ الخلاف: الشيخ الطوسي. تهران، الطبع الملون/ 1377 (على نفقة الحاج محمد حسين گوشانپور)، (ط2).
142 ـ الخلافة الكبرى: محمد رضا قمشه اى. تهران/1315.
143 ـ الخلافة والدستور الإسلامي: محمد جواد البغدادي. بيروت/ 1366.
144 ـ خلافت وولايت: (من نظرة القرآن والسنة) محمد تقي الشريعتي المزيناني، محمد تقي الشريعتمداري، مرتضى المطهَّري، إرشاد بالاشتراك مع شركة الانتشار/1349.
145 ـ خلافت وولايت در إسلام: (الخلافة والولاية في الإسلام) (ـ من الكتب العامة) صدر الأفاضل دانش.
146 ـ خمس رسائل في إثبات الحجة: الشيخ المفيد: 1) الفصول العشرة في الغيبة. 2) من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية. 3) إنه لو اجتمع على الإمام بضعة عشر رجلاً لوجب عليه الخروج)[188](. 4) ما السبب الموجب لاستتار الإمام وغيبته؟ 5) ما الدليل على وجود الإمام صاحب الغيبة؟ النجف، دار الكتب التجارية/1370.
147 ـ خمسون ومئة صحابي مختلق: (ـ القسم الأول) السيد مرتضى العسكري. بغداد، منشورات مكتبة أصول الدين وبيروت، دار الكتب/ 1387 (ط1).
148 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: السيد حسن الأمين. بيروت، ثلاثون مجلداً 2004م دار التعارف للمطبوعات.
149 ـ دائرة المعارف العلوية: الدكتور جواد تارا. قم، المطبعة العلمية (ج1).
150 ـ دادگستر جهان: (حاكم العالم) إبراهيم الأميني. ط3 مع إعادة النظر. قم، دار الفكر/ 1350.
151 ـ دراسات في الكافي والصحيح: هاشم معروف الحسني. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
152 ـ دراسات في نهج البلاغة: محمد مهدي شمس الدين. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
153 ـ الدرجات الرفيعة: (ـ في طبقات الشيعة) السيد عليخان المدني الشيرازي. النجف. الحيدرية/ 1381.
154 ـ در فجر ساحل: محمد الحكيمي. تهران، شركة الانتشار/ 1350.
155 ـ دروس في فقه الشيعة: تقرير آية الله السيد أبو القاسم الخوئي. كتابة محمد مهدي الخلخالي، وإشراف مرتضى الحكيمي. النجف، الآداب/ 1378.
156 ـ الدعوة الإسلامية: (ـ إلى وحدة أهل السنة والإمامية) الشيخ أبو الحسن الخنيزي. بيروت، المطبعة التجارية/1376 (3 مجلدات).
157 ـ دلائل الإمامة: أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. النجف، الحيدرية/1369.
158 ـ دلائل الصدق: محمد حسن المظفر. النجف، الحيدرية وتهران. بوذر الجمهري/ 1372 و1373 (3 مجلدات).
159 ـ دولة الشجرة الملعونة: (= بنو أمية) السيد مهدي بن صالح آل كيشوان/ 1345.
160 ـ الذريعة: (ـ إلى تصانيف الشيعة) الشيخ آقابزرگ التهراني. ج1 ـ (ماء الحياة ـ إزهاق الباطل. النجف، الغري/ 1355هـ. وتهران، إسلامية/ 1387 (ط2) (1 ـ 2607) )[189](. ج2 ـ (كتاب الأسارى ـ إيوان المدائن) )[190](. النجف، الغري/1356 (1 ـ 2045). ج3 ـ (البائية ـ التحية). النجف الغري(1357. (1 ـ 1918). ج4 ـ (التجبير ـ التيمية) )[191](. تهران، مطبعة المجلس/ 1340هـ (1 ـ 2304). ج5 ـ (ثابت نامه ـ چيني سازي). تهران، مطبعة المجلس/ 1323ش (1 ـ 1514). ج6 ـ (الحائريات ـ حزن المؤمنين) )[192](. تهران، مطبعة البنك الوطني/ 1325 ـ 1326ش (1 ـ 2473). ج7 ـ (الحساب ـ خيمة شب بازي). تهران، مطبعة المجلس/ 1327ش (1 ـ 1417). ج8 ـ (دائرة ـ ديو وبري نامه). تهران، مطبعة المجلس/ 1329ش. ج9 ـ يضم هذا المجلد الشعر والشعراء، وهو ذو أربعة أقسام: في القسم الأول (ديوان آيينه ـ ديوان ديهيم). تهران، مطبعة المجلس/ 1332 ـ 1333ش (1 ـ 1991). وفي القسم الثاني (ديوان ذاتي)[193]( ـ ديوان عبدالصمد). تهران، مطبعة دولة إيران/ 1338ش. (1992 ـ 4790). وفي القسم الثالث (ديوان عبدالصمد ـ ديوان مينوي الهمداني) تهران، مطبعة الجامعة/ 1342ش (4791 ـ 7376). وفي القسم الرابع (ديوان النائب ـ ديوان يونس) تهران، مطبعة الجامعة/ 1345ش (7377 ـ 8488). ج10 (ذائقة ـ الرسائل والمكاتيب) تهران، مطبعة المجلس/ 1335ش (1 ـ 885). ج11 (رسالة آب ـ ريگستان) تهران، مطبعة دولة إيران/ 1337ش/ 1378هـ. (1 ـ 2042). ج12 (الزائرية ـ سيهكاران) تهران، مطبعة الجامعة/ 1340ش (1 ـ 1974). ج13 (شاپور وشهناز ـ شرح قصيدة) النجف، القضاء/ 1378 (1 ـ 1477. ج14 (شرح قصيدة ـ الشينية) النجف، الآداب/ 1381 (1478 ـ 2573). ج15 (صابون ـ عيون) تهران، مطبعة الجامعة/ 1343ش. (1 ـ 2394). ج16 (الغارات ـ فيه ما فيه) )[194]( تهران، مطبعة الجامعة/ 1346ش (1 ـ 1969). ج17 (قائد القوات العلوية ـ الكسوف والخسوف) تهران، الإسلامية/ 1387 (1 ـ 1248) إلى آخر حرف القاف: القيود الوافية. ومن أول الكاف حتى آخر الجلد (1 ـ 380). ج18 (كشف ـ ليلى والمجنون) تهران، الإسلامية (1387 (381 ـ 627). ج19 (المآب ـ المجاهدات) تهران، الإسلامية/ 1389. (1 ـ 1680). ج20 (المجتبى ـ المسبل) تهران، الإسلامية/ 1390. (1681 ـ 3658). ج21 (المستبين ـ المقالة) تهران، الإسلامية/ 1392. (3659 ـ 5719).
161 ـ راز بعثت: (سرُّ البعثة) أبو تراب الهدائي. تهران، مطبعة الذكرى.
162 ـ الراعي والراعية: (ـ المثل الأعلى للحكم الديموقراطي في الإسلام ـ شرح كتاب عهد مالك بن الأشتر) الدكتور توفيق الفكيكي. بغداد، مكتبة المعارف/ 1962.
163 ـ رجال الطوسي: الشيخ الطوسي. تحقيق وتعليق ومقدمة للسيد محمد صادق بحر العلوم. النجف، مكتبة ومطبعة الحيدرية/ 1381.
164 ـ رجال الكشي: أبو عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي. تصحيح وتعليق السيد أحمد الحسيني. كربلاء، مؤسسة الأعلمي.
165 ـ الرحلة المدرسية: الشيخ محمد جواد البلاغي. النجف، النعمان/ 1382.
166 ـ رسالة الحقوق: (ـ للإمام زين العابدين) عبدالهادي المختار، منشورات حديث الشهر (رقم 6).
167 ـ الرسول الأعظم مع خلفائه: مهدي القرشي. تقديم باقر شريف القرشي. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1388.
168 ـ الرواشح السماوية: (ـ في شرح أحاديث الإمامية) الفيلسوف المشهور ميرداماد الحسيني. تهران، طبع حجري/ 1311هـ.
169 ـ روضات الجنات: (ـ في أحوال العلماء والسادات) ميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري. تهران، مكتبة إسماعيليان و…/ 1390 فما بعد (عدد من المجلدات).
170 ـ رهبر سعادت: (ليل السعادة) الحاج آقا حسين الخادمي الإصفهاني. تهران، المطبعة المركزية ومكتبتها/ 1321. (ط2).
171 ـ رياحين الشريعة: (ـ في شرح حال العلماء والسيدات الشيعة) الشيخ ذبيح الله المحلاتي. تهران، دار الكتب الإسلامية (مرتضى الآخوندي)/ 1349 (6 مجلدات).
172 ـ الزهراء: محمد جمال الهاشمي. بغداد، مطبعة النجاح/ 1369. من سلسلة منشورات «حديث الشهر» (رقم 9).
173 ـ زيد الشهيد: السيد عبدالرزاق المقرم. النجف، الحيدرية/ 1372.
174 ـ سراج الشريعة: (ـ في آداب الشريعة) الشيخ عبدالله المامقاني. النجف/ 1346هـ. و1374.
175 ـ سر السلسلة العلوية: الشيخ أبو نصر سهل بن عبدالله البخاري. تصحيح وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم. النجف، الحيدرية/ 1382.
176 ـ سعيد بن جُبير: (ـ أو شهيد واسط) علي بن الحسين الهاشمي الخطيب. بغداد، مطبعة الحكيم/ 1380.
177 ـ السقيفة: (ـ تاريخ وبحث) محمد رضا المظفر. النجف، الحيدرية/ 1373. تُرجم هذا الكتاب بيراع حجة الإسلام الشيخ محمد جواد حجتي الكرماني (أسرار السقيفة).
178 ـ سُكينة بنت الحسين: توفيق الفكيكي. منشورات حديث الشهر (رقم 5).
179 ـ سياسة الإمام الصادق: الدكتور توفيق الفكيكي البغدادي)[195](.
180 ـ سياسة الحسين: الشيخ عبدالعظيم الربيعي. تهران، أوفست الرشدية.
181 ـ السياسة الحسينية: كاشف الغطاء. النجف، الحيدرية/ 1372.
182 ـ السياسة الحسينية: ميرزا فضل علي الإيرواني. تهران/1328.
183 ـ السيدة سُكينة: (ـ بنت الحسين) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، مطبعة القضاء/ 1378 (ط3).
184 ـ سيرة الإمام العاشر علي الهادي: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم.
185 ـ سيرتنا وسنتنا: (سيرة نبينا وسنته) العلامة الأميني. النجف/ 1384 وتهران/1386.
186 ـ سيماي محمد: الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1350ش.
187 ـ الشافي: (ـ في الإمامة)، في النقض على المغني للقاضي عبدالجبار المعتزلي) السيد مرتضى علم الهدى. طبع حجري، الحاج مير محمد صادق الخوانساري/1301هـ.
188 ـ شخصية حضرة المجتبى: السيد علي أكبر قرشي البناني. رضائية، مطبعة ميهن.
189 ـ شرائع الإسلام: المحقق الحلي، جعفر بن حسن. بيروت. بإشراف الشيخ محمد جواد مغنية.
190 ـ شرح أصول الكافي: عبدالحسين المظفر. النجف، النعمان/ 1376.
191 ـ شرح أصول الكافي: المولى محمد صالح المازندراني. تهران، الإسلامية/ 1387.
192 ـ شرح أصول الكافي)[196](: (= الصافي) الملا خليل القزويني. لكهنو. طبع حجري (مجلدان).
193 ـ شرح الصحيفة: المير محمد باقر داماد الحسيني. طبع 1316هـ (ضمن «شرح صحيفة السيد نعمة الله الجزائري»).
194 ـ شرح عقائد الصدوق: الشيخ المفيد. تقديم وتصحيح السيد هبة الدين الشهرستاني. تبريز/ 1371 (ط2).
195 ـ شرح نهج البلاغة: (= منهاج البراعة) الحاج ميرزا حبيب الله الخوئي. قم، مطبوعات دينية ودار العلم، وتهران، المكتبة الإسلامية/ 1377 ـ 1388 (21 جزءاً).
196 ـ شرح نهج البلاغة)[197](: كمال الدين مِيثَم البحراني. تهران، منشورات مؤسسة نصر/ 1378 ـ 1384 (خمس مجلدات).
197 ـ شفاء الصدور: (ـ في شرح زيارة العاشور) الحاج ميرزا أبو الفضل. تهران، مكتبة المرتضوي.
198 ـ الشموس الطالعة: (ـ في شرح الزيارة الجامعة) السيد حسين الهمداني الدرود آبادي. تهران، مركز نشر الكتاب/ 1378.
199 ـ شهادت: (ـ پس از شهادت، وأكنون رسالت زينب: بعد الشهادة، والآن رسالة زينب) الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد/ 1350.
200 ـ شهداء الفضيلة)[198](: العلامة الأميني. النجف، مطبعة الغري/ 1355هـ.
201 ـ الشهيد مسلم بن عقيل: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية/ 1369.
202 ـ الشيعة: محمد صادق السيد محمد حسين الصدر. بغداد، مطبعة الكرخ/ 1352هـ.
203 ـ الشيعة: (ـ بين الأشاعرة والمعتزلة) هاشم معروف الحسيني. بيروت، دار النشر للجامعيين/ 1964. ودار التعارف للمطبوعات.
204 ـ شيعه چه مى گويد: (ماذا يقول الشيعة؟) الحاج الشيخ مهدي سراج الأنصاري، مع تصويبات وإعادة نظر قام بها السيد الهادي الخسروشاهي. تبريز، مكتبة بني هاشمي/ 1385 (ط3).
205 ـ شيعه در إسلام: (الشيعة في الإسلام) السيد موسى السبط. تهران، المطبعة العالية/ 1328 ـ 1329ش. (مجلدان).
206 ـ الشيعة في التاريخ: (= الشيعة والإمامة) الشيخ محمد حسين المظفر/ طبع 1352هـ.
207 ـ الشيعة في التاريخ: محمد حسين آل زين العاملي. صيدا، العرفان/ 1357.
208 ـ الشيعة والتشيع: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
209 ـ الشيعة والحاكمون: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
210 ـ الصحيفة السجادية: الإمام أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام. تهران. دار الكتب الإسلامية/ 1321ش (طبعة منقحة ومقابلة على نسخ نفيسة).
211 ـ الصراط المستقيم: (ـ إلى مستحق التقديم) الشيخ زين الدين علي البناطي البياضي. قدم له الحاج الشيخ آقا بزرگ التهراني (في شرح حال المؤلف ـ ج 2). تصحيح محمد باقر اليهبودي. تهران، مكتبة المرتضوي/ 1384 (ط1)، (3 مجلدات).
212 ـ الصراع: (ـ بين الأمويين ومبادىء الإسلام) الدكتور نوري جعفر. بغداد، مطبعة الزهراء/ 1956.
213 ـ صفات الشيعة: الشيخ الصدوق. النجف، الآداب.
214 ـ صلح الحسن: الشيخ راضي آل ياسين ـ الكاظمين، دار الكتب العراقية/ 1384 (ط2).
215 ـ الصوارم المهرقة: (ـ في نقد الصواعق المحرقة) القاضي نور الله الشوشتري. تصحيح السيد جلال الدين المحدث الآرموي. تهران، الشركة السهامية لطبع الكتاب/ 1367.
216 ـ الصواعق المحرقة: (ـ في فضائل آل الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم ) محمد المهدي (الأصل من أحمد بن حجر الهيتمي) كربلاء، منشورات هيئة شباب التبليغ.
217 ـ ضحايا العقيدة: السيد محمد بحر العلوم. النجف، مطبعة الباقر/ 1383.
218 ـ طبقات أعلام الشيعة: الشيخ آقا بزرگ التهراني. وما صدر من هذا الكتاب: 1 ـ نوابغ الرواة في رابعة المآت (في ج1: آدم بن محمد القلانسي ـ يعقوب بن يوسف الرازي). تحقيق علينقي المنزوي (ابن المؤلف). بيروت، دار الكتاب العربي/ 1390 (ط1). 2 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة (القسم الأول: الشيخ محمد إبراهيم الأصفهاني ـ الشيخ حيدر قلي النيسابوري) (مع إضافة استدراك) النجف، العلمية/ 1374. 3 ـ الكرام البررة (القسم الثاني: المير خدابخش الهندي ـ ميرزا محمد علي قائمة الدين) النجف، الآداب والقضاء/ 1377. 4 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر. القسم الأول (الشيخ إبراهيم الأردبيلي ـ الشيخ حسن يوسف الكشميري (مع مستدرك). النجف، العلمية/1373. 5 ـ نقباء البشر. القسم الثاني (السيد حسون البراقي ـ السيد صادق الهندي النجفي) النجف، العلمية/ 1375. 6 ـ نقباء البشر. القسم الثالث (الشيخ صالح الحريري ـ السيد علوي الحضري) النجف، الآداب/ 1381. 7 ـ نقباء البشر. القسم الرابع (الشيخ علي أبو الوردي ـ الشيخ غلامعلي البار قروشي) النجف، الآداب/ 1388.
توضيح
يعد كتاب «طبقات أعلام الشيعة» الكتاب الثاني الضخم للعلامة الشيخ آقا بزرگ التهراني. وهو في مساواة مع كتابه الآخر «الذريعة إلى تصانيف الشيعة». وقد كان المؤلف بينما يَرودُ المكتبات العامة والخاصة خلال عشرات السنين، ومن بين آلاف المجموعات الخطيَّة ليستنبط تعريفات الكتب ومؤلفات الشيعة ليدونها في «الذريعة».. بينما كان يقوم بهذا العمل كان يدون أسماء المؤلفين والكتاب والناسخين والمعلِّقين والمحشِّين والمُجيزين والمُجازين والشعراء. فزخرت دفاتره بهذا الموضوع حتى غدت عدة مجلدات.
لهذا، فقد طرأ على خاطره فكرة ترتيب هذه المعلومات، لكنه لم يشأ ترتيب هذه الأسماء والأعلام ترتيباً ألف بائياً على طريقته في «الذريعة». بل رأى أن يرتبهم على حسب القرون، وداخل كل مجموعة القرن الواحد يرتَّبون على الحروف. وأسمى الكتاب في البدء «وَفَيات أعلام الشيعة» وبدأهم بالقرن الرابع الهجري، وشرع بالمئة الرابعة، باعتبار أن علماء القرون الثلاثة الأولى تُرجم لهم في كتب الرجال، ولم يشأ الشيخ أن يكون عمله مكرراً.
وخصَّ القسم الثاني بأعلام المئة الخامسة، وهكذا حتى القرن الرابع عشر. وأسمى كل مئة سنة باسم محدّد، هكذا:
1 ـ نوابغ الرواة في رابعة المئات.
2 ـ إزاحة الحلك الدامس بالشموس المضيئة في القرن الخامس.
3 ـ الثقات والعيون في سادس القرون.
4 ـ الأنوار الساطعة في المئة السابعة.
5 ـ الحقائق الراهنة في تراجم أعيان المئة الثامنة.
6 ـ الضياء اللامع في عباقرة القرن التاسع.
7 ـ إحياء الدائر من مآثر أهل القرن العاشر.
8 ـ الروضة النضرة في علماء المئة الحادية بعد العشرة.
9 ـ الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة.
10 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة.
11 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر.
إلا أنه حين بلغ مرحلة الطبع اضطر إلى البدء بالقرن الرابع عشر، مما دفعه إلى تغيير الترتيب السابق، وأسمى القرن الرابع عشر «القسم الأول»، والقرن الثالث عشر «القسم الثاني» و… ولما صادف الشيخ أعلاماً ما زالوا أحياء في هذا القرن فقد عزف عن اسم الكتاب كاملاً، يعني كلمة «وَفَيات»، ووضع مكانها كلمة «طبقات». وهكذا أسمى الكتاب «طبقات أعلام الشيعة». (عن مقدمة «نوابغ الرواة» بقلم: علينقي منزوي. بيروت).
219 ـ طرائف: ابن طاووس الحسني. السيد رضي الدين علي. طبع حجري.
220 ـ الطراز المُذْهب: (ـ أحوال حضرة زينب عليها السلام) ميرزا عباسقلي سِپِهر. قم، مؤسسة مطبوعات رحيميان/ 1338.
221 ـ العباس: (ابن أمير المؤمنين) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية.
222 ـ عبدالله بن سَبأ: السيد مرتضى العسكري: ج1 ـ بيروت، دار الكتب/1388، (ط3). ج2 ـ (ابن سبأ وأساطير أخرى) بيروت، دار الغدير وتهران. انتشارات الغدير/ 1392، (ط1).
223 ـ عبدالله الرضيع: كاظم الحلفي. النجف، النعمان/ 1377.
224 ـ عبقات الأنوار: (ـ في مناقب الأئمة الأطهار) المير حامد حسين الموسوي الهندي النيسابوري.
توضيح
يقول العلامة الشيخ آقابزرگ التهراني (في كتابه الذريعة: ج15/214 ـ 215) [بتصرُّف]: «عبقات الأنوار في مناقب الأئمة الأطهار في مجلدات كبار ضخام لإثبات إمامة الأئمة، للسيد العلامة الإمام، مُبعد الشكوك والأوهام، بتأييد من الله الملك العلام، الثقة الضابط العين، المير حامد حسين بن السيد العلامة محمد قليخان صاحب بن محمد بن حامد النيسابوري الكنتوري، المتوفَّى في 18 صفر 1306هـ. هذا الكتاب رد على الباب السابع من «التحفة الاثنا عشرية» الذي هو في مبحث الإمامة. ورتبه على منهجين:
المنهج الأول: في إثبات دلالة الآيات القرآنية المستدل بها للإمامة، مثل الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}، والآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} و.. وهو في مجلد واحد غير مطبوع لكنه موجود في مكتبة المؤلف في لكهنو، وفي مكتبة المولى السيد رجبعلي خان سحبان الزمان في «جكراوان» و..
المنهج الثاني: في إثبات دلالة الأحاديث الاثني عشر حول الإمامة والجواب على اعتراضات مؤلف «التحفة». وقد جاء هذا المنهج في اثني عشر جزءاً؛ كل حديث في جزء (وبعض هذه الأجزاء طبعت في عدة مجلدات)، على هذا الترتيب:
فالجزء الأول من المنهج الثاني، في حديث الغدير. في مجلدين ضخمين/ 1293 و1294هـ.
والجزء الثاني، في حديث «المنزلة»/ 1295.
والجزء الثالث، في حديث «الولاية»/ 1303.
والجزء الرابع، في حديث «الطير». لكهنو. مطبعة البستان المرتضوي/ 1306.
والجزء الخامس، في حديث «مدينة العلم» (في جزءين)/ 1317 و1327.
والجزء السادس، في حديث «التشبيه». لكهنو/ 1301.
والجزء السابع، في حديث «من ناصب علياً الخلافة» (ما زال هذا الجزء غير تام وغير مبيَّض).
والجزء الثامن، في حديث «النور». لكهنو/ 1303.
والجزء التاسع، في حديث «الراية».
والجزء العاشر، في حديث «علي مع الحق».
والجزء الحادي عشر، في حديث «قتال علي التأويل والتنزيل».
وما زالت الأجزاء الثلاثة الأخيرة قيد التبييض.
والجزء الثاني عشر، في حديث «الثَّقَلين». لكهنو/ 1314. [وطبع ثانياً بإيران في 1381 في ستة مجلدات].
ويُذكر أن الجزء الأول من مجلدات حديث غدير العبقات طُبع كذلك في تهران بأمرٍ من المرحوم آية الله السيد صدر الدين الصدر (ساكن قم والمتوفى سنة 1373)، في قطع رملي، بهمة فضلاء الروضة العلمية بقم. مطبعة الشركة التضامنية العلمية (في 600 صفحة، قبل حوالي 30 سنة).
كما أن أجزاء حديث «الثقلين» طبعت بستّ مجلدات في إصفهان من سنة 1380 فما بعد بمساعي ثلَّة من الفضلاء والمحسنين. وفي النهاية صدر الجزء الثامن مع شرح مبسوط حول «العبقات» وصاحب العبقات وتحفة الاثني عشرية، والذي أفدته منه في هذا التوضيح، بالإضافة إلى الذريعة. ونذكر فيما يلي (ج6/1212 ـ 1213) أسماء الكتب التي تتعلق بعبقات الأنوار:
الأول: تتميم العبقات: بقلم السيد ناصر الحسين، ابن المؤلف.
الثاني: التذييل على العبقات: بقلم السيد ذاكر الحسين، الابن الآخر للمؤلف.
الثالث: تعريب المجلد الأول لحديث «مدينة العلم» بقلم السيد محسن نواب اللكهنوي، المولود سنة 1329هـ (الذريعة ج4. رقم 1061).
الرابع: تكميل الجزء السابع للعبقات، لأن الجزء السابع في الأصل ناقص وعلى المسوَّدة. كمَّله حفيد المؤلف العالم السيد محمد سعيد بن السيد ناصر الحسين.
الخامس: تلخيص الأجزاء الثاني والخامس والسادس وبعض الأول، وتعريب كل هذه المجلدات باسم «الثمرات» بقلم السيد محسن النوّاب المذكور (الذريعة: ج4. رقم 42).
225 ـ عدل إلهي: مرتضى المطهَّري. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1349. العدل الإلهي، بيروت ـ الدار الإسلامية.
226 ـ عظمت حسين بن علي: الحاج ميرزا أبو عبدالله الزنجاني، مع ملحقات الواعظ الچرندابي. تبريز، مكتبة سُروش/ 1374. (ط3).
227 ـ عقائد الإمامية: محمد رضا المظفر، مع مقدمة للدكتور حامد مغني داود. القاهرة، مطبوعات النجاح/ 1381. (ط2).
228 ـ عقائد الإمامية الاثنا عشرية: السيد إبراهيم الموسوي الزنجاني. النجف، الآداب/ 1387.
229 ـ عقائد الشيعة: الملا علي أصغر نيرالبروجردي. طبعات متعددة، من جملتها: تهران، الإسلامية (حجري). وتبريز (حجري)/ 1322هـ)[199](.
230 ـ عقيدة الشيعة الإمامية: (ـ عرض ودراسة) السيد هاشم معروف الحسني. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
231 ـ عقيدة الشيعة: (ـ في الإمام الصادق وسائر الأئمة عليهم السلام) السيد حسين يوسف مكي العاملي. بيروت، دار الأندلس/ 1382، (ط1).
232 ـ علل الشرائع: الشيخ الصدوق. تصحيح وتعليق السيد فضل الله الطباطبائي اليزدي. قم، مكتبة الطباطبائي/1378.
233 ـ علم الإمام: الشيخ محمد حسين المظفر النجفي.
234 ـ علي الأكبر: سيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية/1368 (ط2).
235 ـ علي من المهد إلى اللحد: (ـ صوت العترة) السيد محمد كاظم القزويني. النجف، الآداب/ 1387.
236 ـ علي والحاكمون: (ـ دراسة تحليلية مقارنة حول مختلف الحكومات العالمية وحكم الإمام عليه السلام) الدكتور محمد الصادقي. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1389.
237 ـ علي والخلفاء: (ـ برواية أهل السنة) نجم الدين شريف العسكري. النجف، الآداب.
238 ـ علي والسنة: نجم الدين شريف العسكري. بغداد.
239 ـ علي والشيعة: نجم الدين شريف العسكري. النجف، الآداب.
240 ـ علي ومُناوئوه: الدكتور نوري جعفر. طبع 1956.
241 ـ عنصر شجاعت: (ـ اثنان وسبعون شخصاً وشخصاً) الحاج ميرزا خليل الكمره اى. تهران، الإسلامية/ 1381، (3 مجلدات).
242 ـ عيدالغدير في عهد الفاطميين: محمد الهادي الأميني. النجف، مطبعة القضاء/ 1382.
243 ـ عين الحياة: العلامة المجلسي. تهران، الشركة السهامية لطبع الكتاب/ 1347ش.
244 ـ عين العبرة في غبن العترة: السيد بن طاووس. النجف، مكتبة الحيدرية ومطبعتها.
245 ـ عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق. قم، دار العلم وتهران. دار الكتب الإسلامية/ 1377.
246 ـ غاية المرام: (ـ وحجة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام))[200]( السيد هاشم البحراني. بيروت، دار القاموس الحديث، ومكتبة البيان، أوفست طبع حجري، تهران/1282.
247 ـ الغدير: (ـ في الإسلام) الشيخ محمد رضا فرج الله النجفي. طبع/ 1362.
248 ـ الغدير: (ـ في الكتاب والسنة والأدب) العلامة الأميني، عبدالحسين أحمد. الطبعة الأولى حتى المجلد التاسع. نجف/1364 ـ 1371. والطبعة الثانية حتى المجلد الحادي عشر. تهران، دار الكتب الإسلامية/1372 فما بعد. والطبعة الثالثة حتى المجلد الحادي عشر. بيروت، دار الكتاب العربي/ 1387.
249 ـ الغيبة: الشيخ الطوسي. النجف، النعمان/ 1385 (ط2).
250 ـ الغيبة: النعماني، أبو زينب محمد بن إبراهيم. تبريز، مكتبة صابري/ 1382.
251 ـ فاطمه، فاطمه است: (فاطمةٌ فاطمةٌ) الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد/ 1350.
252 ـ فايده ولزوم دين: محمد تقي شريعتي المزيناني. تهران، شركة الانتشار/ 1347 (ط3).
253 ـ فَدَك في التاريخ: السيد محمد باقر الصدر. النجف، الحيدرية/ 1374. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
254 ـ فرحة الغرى: (ـ في تعيين قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام) ابن طاووس، غياث الدين. النجف، الحيدرية/ 1382 (ط2).
255 ـ الفردوس الأعلى: كاشف الغطاء، مع تعليقات بقلم السيد محمد علي القاضي الطباطبائي. تبريز، مطبعة الرضائي/ 1372.
256 ـ فرق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي. النجف، الحيدرية/ 1355.
257 ـ الفصول المختارة: (ـ من العيون والمحاسن) الشيخ المفيد. النجف، الحيدرية (ط2).
258 ـ الفصول المهمة: (ـ في أصول الأئمة) الشيخ الحر العاملي. طبع حجري/ 1304هـ.
259 ـ الفصول المهمة: (ـ في تأليف الأئمة) السيد شرف الدين. النجف، دار النعمان (ط5).
260 ـ الفصول النصيرية: الخواجه نصير الدين الطوسي (مع ترجمة عربية مرافقة للكتاب بقلم ركن الدين الجرجاني). باهتمام محمد تقي دانش پزوه. تهران/ 1375.
261 ـ فضائل الإمام علي: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، مكتبة الحياة/ 1381.
262 ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة: السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي. النجف، مطبعة النجف/ 1383 ـ 1384 (ثلاث مجلدات).
263 ـ فقه الإمام جعفر الصادق: (ـ عرض واستدلال) الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت. دار العلم للملايين/ 1965 ـ 1966 (ستة أجزاء).
264 ـ الفقه على المذاهب الخمسة: (الجعفري، الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي) الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار العلم للملايين/ 1962 (ط2).
265 ـ فلاسفة الشيعة: (ـ حياتهم وآراؤهم) الشيخ عبدالله نعمة. بيروت، مكتبة الحياة.
266 ـ فلسفة التوحيد والولاية: الشيخ محمد جواد مغنية. قم، طبع حكمة.
267 ـ فلسفة الحكم عند الإمام: الدكتور نوري جعفر. بغداد، ومطبعة الزهراء/ 1957.
268 ـ فلسفة الميثاق والولاية: السيد عبدالحسين شرف الدين. كربلاء، دار المحيط/ 1387.
269 ـ فلسفتنا: السيد محمد باقر الصدر. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
270 ـ فلسفة حقوق وأحكام در إسلام: (ـ من ناحية التجزئة والتحليل العقلي والآثار المترتبة عليها) الدكتور جواد تارا. قم. المطبعة العلمية/ 1345 (مجلدان).
271 ـ الفوائد الرضوية: (ـ في أحوال علماء المذهب الجعفرية) الحاج الشيخ عباس القمي. تهران، المكتبة المركزية.
272 ـ الفهرست: الشيخ الطوسي. تصحيح وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم. النجف، الحيدرية/ 1380 (ط2).
273 ـ فهرست أسماء مصنفي الشيعة: (= رجال النجاشي) أبو العباس أحمد بن علي النجاشي. بتصحيح جلال الدين الغروي. تهران، مركز نشر الكتاب.
274 ـ في ظلال الوحي: علي فضل الله الحسيني. بيروت. دار مكتبة الحياة.
275 ـ قاطع البرهان: (ـ في الرد على الجبهان) أحمد بن عزيز الموسوي الغالي. كربلاء، مطبعة سيفان/ 1388.
276 ـ قرب الأسناد: (ـ وكتاب الجعفريات والأشعثيات) عبدالله بن جعفر الحميري. تصحيح الحاج الشيخ مرتضى الأردگاني والحاج الشيخ محمد حسن النجف آبادي. تهران، الإسلامية (بأمر من حضرة آية الله البروجردي، ونفقة السيد باقر راست گردار.
277 ـ قضاء أمير المؤمنين: الشيخ محمد تقي الشوشتري. النجف، مكتبة الحيدرية ومطبعتها/ 1383 (ط 4).
278 ـ قلائد الدرر: (ـ في بيان آيات الأحكام بالأثر) الشيخ أحمد الجزائري. النجف، دار الثقافة/ 1382 (ثلاث مجلدات).
279 ـ قمر بني هاشم: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، العلمية/ 1365.
280 ـ قواعد الحديث: محيي الدين الموسوي الغريفي. النجف، الآداب.
281 ـ القيادة الإسلامية: (ـ في الفلسفة والتشريع) جواد كاظم. بيروت/ 1391.
282 ـ قيام سادات علوي: علي أكبر تشيد. تهران. مطبعة المجلس/ 1331ش.
283 ـ قيس: (ابن سعد بن عبادة) محمد رضا الحكيم. تهران، على نفقة شالچي لر/1367.
284 ـ الكاشف: (ـ عن ألفاظ «نهج البلاغة» في شروحه) السيد جواد المصطفوي الخراساني. تهران، الآخوندي (دار الكتب الإسلامية).
285 ـ الكافي: (أصول) أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني. تهران، دار الكتب الإسلامية/ 1388. ودار التعارف للمطبوعات ـ بيروت.
286 ـ كامل الزيارات: ابن قولويه، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد. تصحيح وتعليق العلامة الأميني. النجف، المطبعة المرتضوية/ 1356.
287 ـ كتاب سليم بن قيس: (ـ الكوفي الهلالي، صاحب أمير المؤمنين) النجف، الحيدرية.
288 ـ كتاب العمدة: ابن البطريق. طبع حجري.
289 ـ كتاب نصر بن مزاحم: (ـ المنقري الكوفي) طبع حجري.
290 ـ كحل البصر: (ـ في سيرة سيد البشر) الحاج الشيخ عباس القمي. قم، مؤسسة نشر الكتب المذهبية.
291 ـ كشف الارتياب: (ـ في أتباع محمد بن عبدالوهّاب) السيد محسن الأمين العاملي. دمشق، مطبعة ابن زيدون/ 1347هـ. وبضمنه «العقود الدرية في رد شبهات الوهابية» للمؤلف).
292 ـ كشف الحق: (ـ ونهج الصدق) العلامة الحلي. بغداد/ 1344هـ.
293 ـ كشف الغمة: (ـ في معرفة الأئمة) أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي. تبريز، مكتبة بني هاشمي/ 1381. (ثلاث مجلدات).
294 ـ كشف الفوائد: (ـ في شرح قواعد العقائد، للخواجه نصير الدين الطوسي) العلامة الحلي. طبع حجري.
295 ـ كشف اليقين: (ـ في فضائل أمير المؤمنين) العلامة الحلي. النجف. دار الكتب التجارية/ 1371.
296 ـ الكشكول: (ـ فيما جرى على آل الرسول) السيد حيدر الآملي. النجف، الحيدرية/ 1372 (ط1).
297 ـ كفاية الأثر: (ـ في النص على الأئمة الاثني عشر) أبو القاسم علي بن محمد بن الخزاز الرازي/ 1305ش (ضمن «الخرائج والجرائح».
298 ـ كفاية الموحدين: السيد إسماعيل العلوي العقيلي الطبرسي النوري: ج1 ـ في التوحيد، والعدل، والنبوة. ج2 ـ في الإمامة. ج3 ـ في المعاد. قم، مكتبة الصحفي ومكتبة الطباطبائي و… ط 4.
299 ـ كشف القناع: المحقق الشيخ أسد الله التستري. مؤسسة آل البيت.
300 ـ كشف الريبة: الشهيد زين الدين الجبعي العاملي.
301 ـ الكلمة الغراء: (ـ في تفضيل الزهراء) السيد شرف الدين. النجف، دار النعمان (ط 5، ضمن «الفصول المهمة»).
302 ـ كمال الدين وتمام النعمة: (أو: «إكمال الدين وإتمام النعمة» الشيخ الصدوق، وتصحيح علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق/ 1390.
303 ـ كميل بن زياد النخعي: علي بن الحسين الهاشمي الخطيب. بغداد، مطبعة الإرشاد.
304 ـ كنز العرفان: (ـ في فقه القرآن) أبو عبدالله مقداد السيوري الحلي. النجف، دار الأضواء (3 مجلدات).
305 ـ كنز الفوائد: أبو الفتح الكراچكي. طبع حجري.
306 ـ گفتار عاشورا: (بيان عاشوراء) الدكتور محمد إبراهيم آيتي، والسيد محمد بِهِشتي، والسيد محمود الطالقاني، ومرتضى مطهري. تهران، شركة الانتشار/ 1346 (ط2).
307 ـ لآلي الأخبار: محمد نبي التويسرگاني. قم، المكتبة المحمدية (4 مجلدات).
308 ـ لماذا اخترتُ مذهب أهل البيت؟: الشيخ محمد مرعي الأمين الإنطاكي. حلب (ط1).
309 ـ لمعة من بلاغة الحسين: (ـ خطب، رسائل، مواعظ) السيد مصطفى محسن الموسوي. كربلاء، منشورات الأعلمي/ 1380 (ط5).
310 ـ مالك بن الأشتر: محمد رضا الحكيم. تهران، الشركة السهامية لطبع الكتاب/ 1365.
311 ـ مالكيت: (ـ وتحديدها في الإسلام) الدكتور السيد حسن المرتضوي. تهران/ 1344ش.
312 ـ ما هو نهج البلاغة؟: السيد هبة الدين الشهرستاني. النجف، دار الثقافة/ 1380.
313 ـ مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام: السيد شرف الدين. بغداد، مكتبة الأندلس.
314 ـ المبادىء العامة للفقه الجعفري: هاشم معروف الحسني. بغداد، مكتبة النهضة ودار النشر للجامعيين. ودار التعارف للمطبوعات ـ بيروت.
315 ـ متعة وآثار حقوقي واجتماعي آن: الدكتور محسن الشفائي. تهران، مركز نشر الكتاب.
316 ـ المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي : الدكتور توفيق الفكيكي البغدادي. القاهرة منشورات مكتبة الحاج.
317 ـ المجالس الفاخرة: (ـ في مآتم العترة الطاهرة))[201]( السيد عبدالحسين شرف الدين، كربلاء/ 1378. (ط2).
318 ـ مجمع البيان: (تفسير) أمين الإسلام الشيخ الطبرسي. صيدا، وتهران، الإسلامية/ 1373 ـ 1374.
319 ـ مجمع الرجال: (ـ الحاوي لذكر المترجمين في الأصول الخمسة الرجالية: النجاشي، الكشّي، رجال شيخ الطائفة، فهرسته، رجال ابن النضائري) عناية الله القهپائي، تصحيح وتعليق السيد ضياء الدين العلامة الإصفهاني. إصفهان/ 1384 ـ 1378.
320 ـ مجموعة ورام: (= تنبيه الخواطر ونزهة النواظر) أبو الحسين ورام بن أبي فراس المالكي الأشتري. دار الكتب الإسلامية/ 1376.
321 ـ المحاسن: أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، تصحيح وتعليق السيد جلال الدين المحدث الآرموي. تهران، دار الكتب الإسلامية والمكتبة المصطفوية/ 1370.
322 ـ المحجَّة البيضاء: (ـ في تهذيب الإحياء))[202]( الملا مُحسن فيض الكاشاني، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق/1339 ـ 42(8ح).
323 ـ محمد بن الإمام الهادي: محمد علي الغروي الأردوبادي. النجف، منشورات مخزن الأميني.
324 ـ محمد خاتم پيامبران: (محمد خاتم النبيين) ج1 ـ مقالات: الدكتور السيد حسين نصر، الدكتور محمد جواد باهُنر، أكبر هاشمي رفسنجاني، الدكتور السيد جعفر الهشيدي، الدكتور علي شريعتي، الحاج السيد أبو الفضل مجتهد الزنجاني، العلامة الطباطبائي، الدكتور عطاء الله شهاب پور، مرتضى المطهري. ج2 ـ مقالات: محمد تقي الجعفري التبريزي، حسين نوري، الدكتور عبدالحسين زرِّين كوب مُجتبى مِينَوي، السيد غلامرضا السعيدي، السيد مرتضى الشبستري، السيد هادي الخسروشاهي، محمد تقي شريعتي، مرتضى المطهري. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1388، (مهرماه 1347).
325 ـ المختار: (ـ في الجبر والاختيار) تقرير السيد علي فاني، تأليف محمد علي الصادقي. النجف، مطبعة النجف/1375.
326 ـ مختصر تاريخ الشيعة: أحمد عارف الزين. صيدا/ 1332هـ.
327 ـ مختلف الشعية: (ـ في أحكام الشريعة) العلامة الحلي. طبع حجري. إيران/1323هـ.
328 ـ مدارك نهج البلاغة: (ـ ودفع الشبهات عنه) الشيخ هادي كاشف الغطاء. النجف، مطبعة الراعي/ 1354. (ضمن «مستدرك نهج البلاغة»).
329 ـ مرآة العقول: (ـ في شرح أخبار آل الرسول؛ شرح أصول الروضة الكافية وفروعها) العلامة المجلسي طبع حجري، إيران/ 1321هـ.
330 ـ المراجعات: شرف الدين. النجف، دار النعمان/ 1383 (ط6). بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
331 ـ مرجعيت وروحانيت: (الرجعة والروح) السيد محمد حسين الطباطبائي، والحاج السيد أبو الفضاء الموسوي المجتهد الزنجاني، ومرتضى المطهري، والمهندس مَهدي بازَرگان، والسيد محمد بِهشتي، والسيد محمود الطالقاني، والسيد مرتضى الجزائري. تهران، شركة الانتشار (ط2).
332 ـ مَرد نامُتناهي: (الرجل اللامتناهي) (علي بن أبي طالب) حسن الصدر. تهران، أمير كبير/ 1350 (ط7).
333 ـ المسؤولية الجزائية: (ـ في الفقه الجعفري، قصاص) هاشم معروف الحسني . صور، المطبعة الحديثة. وبيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
334 ـ مسئوليت شيعه بودن: (مسؤولية وجود الشيعة) الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد/ 1350.
335 ـ مستدرك نهج البلاغة: الشيخ هادي كاشف الغطاء. النجف، مطبعة الراعي/ 1354.
336 ـ مستدرك الوسائل: الحاج ميرزا حسين النوري. النجف، المكتبة العلمية وتهران، المكتبة الإسلامية/ 1382 ـ 1383 (ثلاث مجلدات).
337 ـ المسترشد: (ـ في إمامة علي بن أبي طالب) أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. النجف، الحيدرية.
338 ـ مسلم بن عقيل: (ـ وأسرار العاصمة الثائرة الكوفة) الحاج ميرزا خليل الكمره اى. تهران، منشورات ابن سينا/ 1328ش.
339 ـ مسند الإمام الرضا: الشيخ عزيز الله العُطاردي الخراساني. تهران، مكتبة صدوق/ 1392 (مجلد 1).
340 ـ مشاهد العترة الطاهرة: (ـ وأعيان الصحافة والتابعين) السيد عبدالرزاق كمونة الحسيني. النجف، الآداب/ 1387.
341 ـ مشكاة الأنوار: (ـ في غرر الأخبار) أبو الفضل علي الطبرسي. النجف، الحيدرية/ 1385 (ط2) )[203](.
342 ـ مصابيح الأنوار: (ـ في حلِّ مشكلات الأخبار) السيد عبدالله شِّبر، تصحيح وتعليق السيد علي شبر. بغداد، مطبعة الزهراء/ 1371. وقم، أوفست، مكتبة البصيرتي (مجلدان).
343 ـ مصادر نهج البلاغة: (ـ وأسانيده) السيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب. النجف، القضاء/1386 ـ 1389، (ثلاث مجلدات).
344 ـ المطالب المهمة: (ـ فيما يتعلق بالقرآن والحديث والنبي والأئمة). الشيخ حبيب آل مهاجر العاملي. صيدا، العرفان/ 1354 (ضمن كتابه «الحقائق»).
345 ـ معادن الحكمة: (ـ في مكاتيب الأئمة) علم الهدى محمد بن محسن (فيض) الكاشاني. تهران، مكتبة صدوق/ 1388.
346 ـ معالم العلماء: (ـ في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين منهم قديماً وحديثاً) ابن شهرآشوب المازندراني. تهران، طبع المرحوم عباس إقبال والنجف. مع مقدمة السيد محمد صادق بحر العلوم. الحيدرية/1380.
347 ـ معالي السِّبطين: (ـ في أحوال السبطين الإمامين؛ الحسن والحسين) الشيخ محمد مهدي المازندراني. تبريز، مكتبة صابري. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
348 ـ معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، تصحيح علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق وقم، دار العلم/ 1379.
349 ـ مع ابن تيمية: (ـ في مُفترياته) عبدالمجيد حسن الحائري. النجف، مكتبة التربية وبغداد، المكتبة العلمية.
350 ـ مع أبي زُهرة: (ـ في كتاب «الإمام الصادق») الشيخ عبدالله السبيتي. مطبعة صور الحديثة.
351 ـ مع بطلة كربلاء: الشيخ محمد جواد مغنية. دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت.
352 ـ المعجزة الخالدة: السيد هبة الدين الشهرستاني. منشورات حديث الشهر. (رقم 8).
353 ـ معراج السعادة: الملا أحمد النراقي. تهران، المكتبة الإسلامية.
354 ـ مع الشيعة الإمامية: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت. مكتبة الأندلس/ 1956 (ط2).
355 ـ مع علماء النجف الأشرف: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، المكتبة الأهلية وبغداد، مكتبة النهضة/ 1962.
356 ـ مفاهيم إنسانية: (ـ في كلمات الإمام جعفر الصادق) الشيخ محمد جواد مغنية. بغداد، مكتبة النهضة.
357 ـ مفتاح الكتب الأربعة: محمود الموسوي الدِّهسرخي. النجف، الآداب/ 1386. (طبع منه حتى المجلد الخامس).
358 ـ مفتاح الكرامة: (ـ في شرح قواعد العلامة) السيد محمد جواد الحسيني العاملي. مصر، المطبعة الرضوية/ 1324هـ ومواضع أخرى، ومن جملتها مجلد آخر في تهران (عشر مجلدات).
359 ـ مفتاح الوسائل: (ـ معجم مفهرس لألفاظ 35862 حديثاً لكتاب «وسائل الشيعة» الحاوي للكتب الأربعة و180 كتاباً آخر) الدكتور السيد جواد المصطفوي الخراساني. مشهد، كلية الشريعة وتهران، مكتبة صدوق والمكتبة الإسلامية (مجلد واحد).
360 ـ المقالات والفرق: سعد بن عبدالله الأشعري القمي، تصحيح وتعليق الدكتور محمد جواد مشكور. تهران، مؤسسة عطائي للمطبوعات/1963.
361 ـ مقتضب الأثر: (ـ في النص على الأئمة الاثني عشر) أحمد بن محمد بن عياش الجوهري. قم، مكتبة الطباطبائي.
362 ـ مقتل الحسين: (ـ أو حديث كربلاء) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، منشورات مخزن الأميني و…/ 1376 (ط2).
363 ـ مكارم الأخلاق: رضي الدين أبو نصر الحسن الطبرسي (ابن الشيخ الطبرسي)، تصحيح وتعليق السيد علاء الدين العلوي الطالقاني. تهران، دار الكتب الإسلامية/ 1376.
364 ـ منّه إسلام فاطمه زهراء: الحاج ميزا خليل الكمره اى:
القسم الأول: أول محكمة قضائية بعد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم .
القسم الثاني: منبع ماء الحياة. تهران، المكتبة الإسلامية/ 1348ش.
365 ـ مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب المازندراني، تصحيح السيد هاشم الرسولي المحلاتي. قم، مكتبة الطباطبائي والصحفي/ 1379.
366 ـ من أمالي الإمام الصادق: (ـ وهو شرح ما أملاه الإمام على تلميذه الفضل بن عمر الجعفي) محمد الخليلي. النجف، مكتبة النجاح/ 1284 (4 مجلدات).
367 ـ منتخب الأثر: (ـ في الإمام الثاني عشر) لطف الله الصافي الگلپايگاني. تهران، مركز نشر الكتاب/ 1385.
368 ـ من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق، تحقيق السيد حسن الموسوي الخراساني. النجف، دار الكتب الإسلامية/1377 ـ 1378 (ط 4)، (4 مجلدات))[204](.
369 ـ منهاج الشريعة: (ـ في الرد على ابن تيمية) السيد محمد مهدي القزويني. النجف، العلمية/ 1347.
370 ـ منهاج الكرامة: (ـ في إثبات الإمامة) العلامة الحلبي. طبع حجري/1296هـ.
371 ـ منهج التربية عند الإمام علي: علي محمد الحسين الأديب. النجف، الحيدرية/1387.
372 ـ مُنية المريد: (ـ في آداب المفيد والمستفيد) )[205]( الشهيد الثاني زين العابدين العاملي. طبع حجري/ 1301هـ.
373 ـ موجز تواريخ آل البيت: القاضي الشيخ محمد السماوي. النجف، النعمان/ 1365 (ط2).
374 ـ موسوعة العتبات المقدسة: جعفر الخليلي، وعدد من المتتبعين، في عدد من الأقسام، من المدخل إلى:
قسم مكة (ج1)/ 1387.
قسم كربلاء (ج1)/ 1386.
قسم الكاظمين (ج1)/ 1387.
قسم خراسان (ج1)/ 1388.
قسم سامراء (ج1).
قسم النجف (ج1 و2)/ 1386. بغداد/ دار التعارف.
375 ـ مهج الدعوات: (ـ ومنهج العبادات) ابن طاووس، رضي الدين علي. تهران، مكتبة سنائي.
376 ـ المهدي: خندق آبادي.
377 ـ المهدي: زهير النجفي.
378 ـ المهدي: السيد صدر الدين الصدر. تهران، المطبعة العالية.
379 ـ مِيثم التمّار: محمد باقر البهبودي. مشهد/ 1334ش.
380 ـ النبوة والعقل: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار النشر للجامعيين/ 1964 (ط3).
381 ـ النص والاجتهاد: السيد شرف الدين. كربلاء، مؤسسة الأعلمي/ 1386 (ط 4).
382 ـ نظام الحكم والإدارة في الإسلام: (ـ بحث منهجي مقارن) باقر شريف القرشي. النجف، الآداب/ 1386.
383 ـ نظام الحكم والإدارة في الإسلام: الشيخ محمد مهدي شمس الدين. بيروت، منشورات دار حمد للطباعة والنشر ومطبعة الإنصاف/ 1374.
384 ـ نظرة في شرح نهج البلاغة: محمد حسن القبيسي العاملي. بيروت، منشورات مكتبة الأنصار/ 1387 ـ 1388 (ثلاثة أجزاء).
385 ـ نَفَسُ المهموم: الحاج الشيخ عبّاس القُميّ. تهران، المكتبة الإسلامية/ 1368.
386 ـ النقض: الشيخ عبدالجليلي القزويني الرازي، تقديم وتصحيح السيد بلال الدين المحدِّث الأرموي. تهران/ 1331ش.
387 ـ نقض الوشيعة: السيد محسن الأمين العاملي. بيروت، مطبعة الإنصاف/ 1370.
388 ـ نور الثقلين: (تفسير) عبد علي ابن جمعة الحويزي، تصحيح وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي. قم، مطبعة الحكمة (على نفقة الحاج أبي القاسم السالك ـ والحاج حسين محزونيان)، (خمسة أجزاء).
389 ـ نهج البلاغة: الإمام علي بن أبي طالب/ جمعه الشريف الرضي، وشرحه الشيخ محمد عبده، وحقّقَهُ عبدالعزيز سيد الأهل. بيروت/ دار الأندلس/ 1382 وطبعات كثيرة أخرى.
390 ـ نهج السعادة: (ـ في مستدرك «نهج البلاغة») محمد باقر المحمودي. النجف، الآداب/ 1382.
391 ـ النهج السويّ: (ـ في معنى المولى والولي) محسن علي الپلستاني الباكستاني. النجف، الآداب/ 1388.
392 ـ نهضة الحسين: السيد هبة الدين الشهرستاني. النجف، النعمان/ 1958 (ط 4).
393 ـ الوافي: الملا محسن فيض الكاشاني. تهران/ المكتبة الإسلاية (طبع أوفست)/ 1375.
394 ـ وسائل الشيعة: (= تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) الشيخ الحر العاملي. قُم مكتبة المُحمدي. وتهران، المكتبة الإسلامية/ 1372 ـ 1389 (عشرون مجلداً).
395 ـ الوضوء في الكتاب والسنة: نجم الدين شريف العسكري. القاهرة، مطبوعات النجاح/ 1381، وضمنه:
1 ـ «المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء». السيد شرف الدين.
2 ـ «الأرضُ والتربةُ الحسينية». كاشف الغطاء.
396 ـ ولايت عهدى حضرت رضا: (ولاية عهد الإمام الرضا) علي الموحّدي الساوجي. قم مطبعة الحكمة/ 1350ش (تهران منشورات برهان، مشهد، منشورات طوس).
397 ـ الهدى: (ـ إلى دين المصطفى) الشيخ محمد جواد البلاغي. النجف، الحيدرية/ 1385.
398 ـ هشام بن الحكم: (ـ أستاذ القرن الثاني في الكلام والمناظرة) الشيخ عبدالله نعمة. بيروت/ 1378.
399 ـ الهيئة والإسلام: السيد هبة الدين الشهرستاني، تقديم وإشراف السيد أحمد الحسيني. النجف، الآداب/1384.
400 ـ اليقين: (ـ في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام) ابن طاووس، رضيّ الدين أبو القاسم الحسني. النجف، الحيدرية/ 1369.
محمد رضا الحكيمي
أرض البحرين
أرض البحرين وجزيرة البحرين
ما يفهم اليوم من كلمة (البحرين) هي تلك الجزيرة الواسعة نسبياً التي تقع جنوب غرب الخليج الفارسي، وحولها عدة جزر صغيرة تحيط بها إلى الشرق والغرب والشمال، وهي جزيرة أوال التي نسبت إلى البحرين لمجاورتها لها.
أما أرض البحرين أو البحرين المطلقة فهي أرض واسعة تقع عند الساحل الغربي للخليج الفارسي، وتمتد من خليج الكويت أو خليج كاظمة إلى شبه جزيرة قطر التي تحدّها في الجنوب الشرقي. ويحدّ البحرين من جهة الشرق البحر وأما من ناحية الشمال والغرب والجنوب فإنها تتصل بصحراء قاحلة.
البحرين القديمة
البحرين التي جاء ذكرها منذ صدر الإسلام في الوثائق والمصادر المختلفة من الحديث والأدب والتاريخ والمسالك والممالك وكتب الفتوح هي تلك الأرض الواسعة التي تحدها من الشمال البصرة، ومن الغرب اليمامة، ومن الجنوب الربع الخالي وعُمان. وطرق قوافلها تتصل بيثرب والحجاز واليمن وعمان.
سعة أرض البحرين
إن سعة مساحة اليابسة التي يطلق عليها اسم البحرين كانت تتفاوت حسب نفوذ وسيطرة القبائل التي تعيش فيها، فتارة كان تشمل جميع الصحارى المنتشرة حولها.
البحرين في العهد الساساني
في الهيكلية الإدارية للعهد الساساني كانت هذه المنطقة مقسمة إلى عدة ولايات ذات حكومة محلية عرفت باسم هگر أو هجر، ومعمورة أردشير أو الخط، ميشماغيغ أو أوال، أو جزيرة البحرين كما تسمّى حالياً. ولكل اسم من تلك الأسماء ارتباط مباشر بالهيكلية المركزية لجنوب غرب إيران.
البحرين والبحران والبحراني
(البحرين حسب الاصطلاح النحوي تنصب وتجر، فتكون (بحران) وهو الاسم الأصلي لتلك المنطقة، وقد ورد اسم بحران في بعض الوثائق اللغوية والجغرافية، ويقال لأهلها (بحراني) كما إن السكان الدخلاء الذين دخلوا هذه الأرض قبل مائة عام، فاستولوا عليها ما زالوا حتى اليوم يطلقون على السكان الأصليين للجزيرة اسم (بحراني) وجمعه (بحارنة) ويطلقون على أنفسهم اسم قبائلهم ومساكنهم الأصلية حتى لا يخلط بينهم وبين السكان الأصليين أو البحارنة الذين يتبعون مذهب الشيعة.
علة تسمية البحرين
افترض اللغويون والجغرافيون عدة افتراضات حول وجه تسمية هذه الأرض بـ البحران أو البحرين منذ (1200) عام. فاعتبر البعض أن وجه التسمية جاء بسبب وقوع هذه المنطقة بين نهر (محلّم) و(عين الجريب) في الشمال والجنوب، ولم يبق لهما اليوم أي أثر على الخريطة. واعتبر البعض أن وجه التسمية وقوعها بين البحر وبعض الأنهار الداخلية مما يجعلها في فصل الشتاء بحيرة. فيما أعاد البعض ذلك إلى وجود الماء الحلو والمالح على خط الساحل إلى جانب بعضهما البعض. ومنها من قال أنه الحد الفاصل بين البحر الحلو والمالح. وقال غيرهم لوقوعها بين بحر من الماء وبحر من الرمال. لكن أياً من تلك الافتراضات لا تبدو صحيحة، إلاَّ إذا قلنا أن الحدود الجانبية لها عند إطلاق هذه التسمية كانت ممتدة إلى شواحل بحر عُمان وحضرموت، وهذه الجزيرة من اليابسة تقع بين الخليج الفارسي وبحر العرب، وكانت تنسب إلى كلا البحرين فسمّيت بالبحران أو البحرين.
تاريخ اسم البحرين: إن وجود هذا الاسم في الأخبار المتعلقة بزمان دعوة الرسول الأكرم دليل على إطلاق اسم (بحران) على هذه الجزيرة قبل ظهور الإسلام.
رأي الكاتب في وجه التسمية
قبل عدة سنوات أجريت بحثاً لغوياً حول مصدر كلمة (البحرين) وطبعت الدراسة في نشرة وزارة الخارجية، النتيجة التي بلغتها هي أن (بحران) أصل (البحرين) وليست مثنّى البحر، بل إنها صفة منسوبة إلى البحر، و(ان) حرف نسبة فارسية، له نظيره في اللغتين العربية والسريانية أيضاً، ولفظ (بحران، يعني البحر. ووجود كلمات مثل: عبادات، سليمانان، قبان، داران، سرقان ونظائر ذلك حولها تفيد هذا المعنى، ويؤيد هذا حدسي أو استنباطي. والمقصود من البحرين أو البحران هو البحر وما ورائه وما يطلق عليه بالفرنسية (Maritime).
الاسم القديم لجزيرة البحرين
جزيرة البحرين ورد اسمها في الروايات القديمة للعهد الإسلامي (أوال)، وفي عهد الساسانيين (ميشماهيغ)، لكنها خلال القرون الأربعة الأخيرة فقدت اسم مصدرها الأساس، وأخذت اسم البحرين، ثم وللأسباب نفسها عادت ففقدت كل من: القطيف، اللحسا أو الإحساء بعد أن كانت تابعة لها.
كلمة (أوال) كانت جارية حتى القرن التاسع، وهناك اختلاف في تحديد أصل ومفهوم هذا الإسم، فاعتبر البعض أنه مأخوذ من (أوال) وهو اسم ضم قبيلة (بكر بن وائل) التي كانت تعيش في البحرين قبل الإسلام، واعتبر غيرهم أنه مشتق من (وال) أي السمك ذو الجناح لأن شكل الجزيرة يشبهه. لكني أرى أنه مشتق من أصلين فارسيين هما (آو) أو (آب) و(ال) وهي موجودة في كلمات مثل (چنگال، دنبال، پوشال، روال، هُمال) ونظارها، وهي تفيد النسبة، وهذا الوجه هو الأقرب.
المياه الحلوة في البحرين
توجد عيون ماء حلو في هذه الجزيرة عند ساحل المياه المالحة، ويستفاد من هذه العيون عند جزر البحر، ووجود هذه العيون وماءها هو السبب في عمران هذه الجزيرة، وتوجه البحارين إليها، لذلك فإن نسبتها إلى الماء الحلو (آب) أقرب من نسبتها إلى الصنم الموهوم للقبيلة التي كانت تقطن الساحل دون الجزيرة. كذلك فإنّ اشتقاق (المنامة) من (المنابه، المينابه، الميانابه) أكثر تصوراً من أن تكون بمعنى المنامة أو المنعمة أي مكان النوم والمكان المنعم، وجاء تفصيل ذلك في مقالة نشرت في مجلة وزارة الخارجية الإيرانية.
ميشماهيغ أو سماهيج
ويذكر أن بقاء الاسم الساساني للجزيرة على شكل (سماهيج) وهو مخفف (مسماهيج) والمعرب من (ميشماهيغ) الذي كان يطلع سابقاً على جزيرة (محرّق) الذي يطلق حالياً على قرية هناك. وكان نهر الفرات يصبّ بشكل مستقل في الخليج الفارسي، وهذا المصب المغلق كان يقع شمال جزيرة (بوبيان) ويسمى حالياً (هور الزبير) وهو منسوب إلى منطقة الزبير بالبصرة، لعله كان مصب نهر الفرات.
الطريق البحرية بين النهرين وعُمان
السفن التي كانت تتوجه من نهر الفرات لتدخل الخليج الفارسي كانت تتخذ طريقاً عربياً يجوز سواحل البحرين، كما ذكر ذلك (الياقوت) فيما بعد عند حديثه حول مصب نهر دجلة، وعند وصولها إلى جزيرة (ديلمون) أو (فيلكه) الحالية أو (إيغاروس) حسب التسمية اليونانية، كانت تصل إلى جزيرة (تاروت وساحر) خط (هغر) وجزيرة البحرين الحالية، ومن هناك تطوي الطريق الجنوبي للخليج الفارسي الذي كان صعباً جداً من حيث الماء والجو، وحتى تصل إلى (ماجان) البابلية أو (ماكا) الهخامنشية، و(مزون) الساسانية. وكانت منطقة معمورة ونهاية الخط البحري التجارية بين (جلغة سند) وسواحل الخليج الفارسي. هذه الحركة البحرية بين (جلغة بين النهرين) و(عُمان) و(سند) كانت تتم عبر طريق يعد الأكثر عمراناً في السواحل المجاورة لأرض البحرين.
سواحل البحرين أو موانىء الخط وجزر الديلمون أو الأيغاروس والأوال كانت تشكل المنطقة الأكثر استفادة من هذه العلاقات التجارية البحرية أكثر من سائر النقاط الساحلية في الخليج الفارسي، وكانت محط اهتمام البحارة والتجار.
الطريق البحرية بين الكارون والسند
السواحل الشمالية للخليج الفارسي تقع مباشرة عند تقاطع الطرق البحرية بين مصب كارون ودجلة ونهر السند، ولها وضع مشابه لموقع الطرق الغربية والجنوبية، لكن ارتباط ميناء (غرا) أو (جرها) عند ساحل البحرين مع سواحل البحر الأبيض المتوسط والجزيرة العربية عبر الطريق الصحراوية، جعل القسم الغربي من ساحل الخليج أو البحرين يرتبط بالتجارة الدولية أكثر من سواحل فارس وخوزستان. ذلك لأن (ريشهر) و(شيراز) ترتبط بداخل إيران فقط وعبر طرق جبلية وعرة. في حين أن (جرها) أو (غرا) تربط تجارة الخليج الفارسي بموانىء البحر الأبيض المتوسط.
هذا الوضع العمراني لأرض البحرين كان في زمان لم تطأ فيه بعد أقدام العنصر الآري والسامي سواحل بحر فارس، وكان السومريون والعيلاميون يرتبطون بدراويد هضبة السند وسود الماجان.
ويمكن الاستنباط من القرائن أن عمران السواحل الشمالية للخليج يرتبط بنشاط العيلاميين، وأن رونق السواحل والجزر الغربية والجنوبية للخليج يرتبط بنشاط السومريين. وأن مصب كارون ودجلة هما نهاية خط سير المجموعة الأولى، فيما أن مصب الفرات هو نهاية خط سير المجموعة الثانية.
إيغاروس هي الفيلكه وليست خارك
حتى السنين الأخيرة سعى الكتّاب الأوروبيون إلى إثبات أن جزيرة (خارك) أو (خرج) هي جزيرة (إيغاروس) اليونانية، وجزيرة البحرين هي جزيرة (ديلمون) البابلية. لكن الحفر والتنقيب الذي جرى قبل ثلاثة أعوام في جزيرة (فيلكه عند فتحة خور الكويت أظهرت آثار قيمة للباحثين، من بينها حجر يحمل كتابة يونانية (إيغاروس) وبعض الكتابات المسمارية، كلها تدل أن جزيرة (فيلكة) هي جزيرة (إيغاروس) اليونانية و(ديلمون) السومرية، وتثبت أن الخط البحري الذي كان يربط بين (عمان) و(بين النهرين) كان يمر بالجوار من أرض البحرين، وأن عمران هذه المنطقة كان مرتبطاً بمستوى النشاط الاقتصادي لكل عصر.
هذه الأسفار المنسوبة للملوك الآشوريين والسلوكيين في الخليج الفارسي لا شك أنها كانت تعود إلى مرورهم على امتداد الطريق البحرية قرب البحرين، وكان الطريق الشمالي للخليج خارج إطار نفوذهم.
العنصر المحلي للخليج الفارسي
الأهالي الذين كانوا يقطنون سواحل الخليج الفارسي وخاصة عند السواحل البحرينية كانوا خليط من العنصر المحلي للخليج الفارسي والتجار السومريين والعيلاميين والدراويديين ومن بعدهم الفرس، وقد تخالطوا فيما بينهم حتى شكلوا عنصراً خاصاً.
البحث حول العنصر القديم للخليج الفارسي لا يزال غير ميسور لقلة الوثائق والأدلة المكتشفة، لكن يمكن القول أن العنصرين الإيراني والعربي هما أحدث العناصر التي وصلت إلى سواحل هذا البحر، كما إن تاريخ وصول الآريين إلى هذه المنطقة يسبق وصول العرب إليها بألف عام تقريباً.
وما ورد سابقاً في الوثائق اليونانية حول هجرة الفينيقيين من أرض البحرين إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط لم تؤيد الاكتشافات التاريخية والبحث في أوضاع هذه المنطقة وأحوالها.
كما إن وجود أسماء مشتركة محلية بين مناطق في البحرين وفينيقيا لا يعدّ دليلاً كافياً على أن الفينيقيين قاموا بعد هجرتهم من البحرين إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط بتسمية الأماكن الجديدة باسم أماكنهم القديمة مثل (ديتروس) و(ناروت) و(عرادياارد) بل يمكن القبول أكثر برواية أن هذه الأسماء قد أطلقها الفينيقيون على مناطقهم بسبب الارتباط التجاري الفينيقي والسوري عبر الصحراء مع (جرها) وسائر أماكن أرض البحرين، كما فعل اليونانيون عندما استبدلوا اسم جزيرة (ديلمون) التاريخية الأثرية إلى (إيغاروس) وهو اسم جزيرة يونانية عند بحر إيجة (أغيا) وأطلقوا إيم (ارتمير) على المعبد القديم هناك.
علاقة السومريين والعيلاميين بالعرب
علاوة على هذا فإنّ البحث في أنّ السومريين والعيلاميين إضافة إلى الأكديين والفينيقيين يلحقون بالعنصر العربي رغم جميع المشاكل العلمية التي ترافق هذا الادعاء، فإنه كما لو ادعينا بأنّ التوتونيين من شمال أوروبا والسابينيين الإيطاليين والبنغاليين في هضاب الغنغ والسليتين في غرب أوروبا كانوا من العنصر الإيراني بسبب بعض العلائق الجغرافية واللغوية.
إنّ الشعوب التي كانت تعيش عند سواحل الخليج الفارسي قبل مجيء الآريين كانت شعوب نشطة تزاول الإبحار والتجارة بهدوء، مبتعدين عن المنازعات والمواجهات التي كانت من خصائص سكان الصحارى والبدو الرحل.
وكان عملهم في التجارة البحرية ذو رونق، والتبادل في بضائع جنوب آسيا مع بضائع غرب آسيا وسواحل البحر الأبيض المتوسط كان يعود عليهم بالثروة والقدرة الاقتصادية إلى حد وإن كنّا اليوم لا نعرف شيئاً عن حياتهم المرفهة لكن المقابر الفاخرة الصخرية لأمواتهم تدل على مستوى وضعهم الاقتصادي.
القبور الأثرية في البحرين
جزيرة البحرين أو (أوال) وهي أقرب جزر الخليج الفارسي إلى أرض البحرين توجد فيها غرب رفاع والمراقيب أعداد كبيرة من قبور فخمة يصل عددها إلى عدة آلاف، ولم تستطع الحوادث أن تمحو أثرها. وقد ظهرت هذه المقابر في أرض البحرين خلال تنقيب شركة (أرامكو) عن النفط ومدّ أنابيبه ووضع أساسات المباني، وهي على هيئة تلال كتلال مراقيب، وقد ملئت بمقابر صخرية.
الحاج عبدالله الفليبي الإنجليزي اعتبر أن وجود هذه القبور عند ساحل أرض البحرين يدل على أن أصحابها قد أتوا من وسط جزيرة العرب. لكنه تناسى بذلك أن هجرة العرب كانت تتم من جنوب الجزيرة إلى شمالها وعلى شكل هجوم بدوي. وقد يصدق هذا الظن إذا ما وجدنا نظير تلك المقابر في (نجد) و(الحجاز) و(اليمن) و(حضرموت). في حين أن وجود نظير لها في (خارك) و(ريشهر) و(سيراف) وبعض النقاط الأخرى في شمال الخليج الفارسي، يدل على وجود علاقة وثيقة بين سكان سواحل الخليج الفارسي وجزره في الشمال والغرب والجنوب، ووجود مدينة تجمعهم.
سجايا أهالي الخليج الفارسي
أساساً كان هناك اختلاف كبير جداً بين روحية السكان الأصليين لأرض البحرين ووضعهم المعيشي ومستوى تمدنهم مع الأقوام التي عاصرتهم ثم تغلبت عليهم، حيث كانوا بعيدين عن صفات العدوانية والمواجهة. فعندما جاء (أنتيوغوس الثالث) ليحتل مدينة (غرا) كان جواب أهلها يدل على روح المسالمة لدى السكان الأصليين للبحرين. حيث طلب أهلها من (أنتيوغوس) أن لا يحرمهم من موهبتين إلهيتين هما: الأمان والحرية. وهما أكبر نعمتين إلهيتين منحهما للبشر.
البحرين في العهد الهخامنشي
استولت الحكومة الهخامنشية على السواحل الشمالية للخليج الفارسي بعد أن هزمت العيلاميين، ثم استولت على السواحل الغربية والجنوبية، وأخرجت البابليين من هناك، بل وحتى الفينيقيين على احتمال. وبعد سقوط حكومة فارس ومجيء اليونانيين كان طريق الخليج الفارسي هو الرابط بين جنوب آسيا والبحر الأبيض المتوسط، واكتسبت البحرين في هذه الفترة أهمية قصوى، وقد دونت آثار العمران والتقدم الذي شهدته في الكتب اليونانية، كما إن الآثار الهلنية ما زالت موجودة تحت التراب.
وقد عكست كتب الآريين وغيرهم اهتمام الإسكندر واستخدامه لطريق الخليج الفارسي في الشؤون التجارية. وقبل عدة سنوات قامت لجنة آثار دنماركية بالبحث في جزيرة فيلكة عند مدخل خور الكويت فعثرت على الأثار اليونانية التي تعود إلى عصر الإسكندر، ووجدت صخرة (إيغاروس) المعروفة، وهي الآن في متحف الكويت، فعلم بذلك أن جزيرة (فيلكة) الحالية هي جزيرة (إيغاروس) وهي القاعدة البحرية اليونانية التي كانت عند الخليج الفارسي، وأن هذا الاسم قد أطلق علي الجزيرة بأمر من الإسكندر نفسه، ليخلّد بذلك جزيرة (إيغاروس) في بحر إيجة، ويذكر بحارته اليونان بها. كما أن قالب تمثال رأس الإسكندر الذي وجد في الجزيرة يثبت تعلق الجزيرة باسم الإسكندر.
البحرين الإشكانية
خلال العهد الإشكاني بلغت اعتداءات السود الزنوج في سواحل الخليج الفراسي حداً دفع بالحكومة الإشكانية إلى إرسال جيوشها إلى (مزون) أو (عمان) ففتحت (الحبشة) مركز السود في الجبال الشرقية لجزيرة العرب، وانسحب السود إلى سواحل اليمن وحضرموت ومضيق باب المندب، ومن هناك إلى أفريقيا.
اهتمام العرب بسواحل الخليج الفارسي وعمان
تشير القرائن أن العرب توجهوا نحو الخليج الفارسي من طريقين: الأول من جهة سواحل حضرموت والشجر ووقعت المواجهة بينهم وبين طلائع المهاجرين الإيرانيين، والجهة الأخرى من اليمن واليمامة إلى الصحاري الغربية لأرض البحرين ومن الجنوب باتجاه الشمال بموازاة مجرى نهر الفرات، حيث توغلوا في البادية.
وما يستنبط من الروايات القديمة للتواريخ العربية أيضاً لا يختلف كثيراً عن هذه الرواية، ويتضح أن العرب قد توجهوا من صحارى عمان والبحرين نحو الخط الساحلي خلال عهد (أردشير الساساني) واختلطوا مع السكان الأصليين.
اختلاف العرب مع السكان الأصليين للخليج الفارسي
لكن من هم السكان الأصليون، ومع أي القوميات كان لهم ارتباط أوثق، وما هي حضارتهم؟ لا بد من انتظار تقدم البحوث الأثرية في سواحل وجزر الخليج الفارسي، لنرى نتيجة البحث حول السكان الأصليين لبعض الجزر والشحوح في شمال عمان التي ما تزال داخل حاويات صخرية، والذين بقوا متخلفين عن الحضارة رغم بياض الوجه واتضاح لون العين، واللهجة الخاصة التي كانت لديهم، ومعرفة تاريخ انتقال اللغة الفارسية إلى كمزار سحار أو صحار وظفار.
شيهو
للأسف فإننا اليوم لا نعرف عن ماهية وجود الجاشوات القديمة التي كانت تحمل اسم (جاشك) وحول (جاسك) عند حدود الخليج الفارسي، إلاّ من خلال ما ورد في بعض المصادر القديمة على شكل أسطوري، وما يمكن قوله هو أنه عند بداية القرن السابع الهجري كان هناك اختلاف حول أصل وقومية أولئك، فاعتبر البعض أنهم من أصل ديلمي ومن قومية الشبانكاره. فيما اعتبر آخرون أنهم نتيجة امتزاج وتزاوج بين البيض والسود.
على أي حال يمكن الاستنباط من شحوح أو شيهويات عمان الحالية والجاشوات السابقة في جزيرة كيش القديمة و(سياهجي) التي ذكرت في كتب التاريخ والسير القديمة كسكان سواحل الخليج، يستنبط أن هناك قومية محلية كانت موجودة إلى جانب النبط والعرب واليونانيين واليهود والغات والزنوج والخوزيين والكيلانيين والديلم الذين كانوا يقطنون الهجر والخط والصفا والمشقّر، وقد أضحت القومية الأصلية نواة لقومية ساحلية تنتشر اليوم من الخليج الفارسي إلى رأس أميد في سواحل وجزر غرب المحيط الهندي وسواحل والجزر الجنوبية والشرقية للجزيرة العربية وبعض النقاط الداخلية.
وكما قد أظهرت الحفريات الجديدة أن جزيرة (إيغاروس) ليست جزيرة (خارك) وأن (الديلمون) هي (الفيلكة) الحالية وليست البحرين، فليس مستبعداً أن تظهر شواهد في المستقبل تثبت أن (الديلوس) أو (التيروس) اليونانية ليس لها علاقة بجزيرة البحرين أيضاً، وأن المقابر الأثرية الموجودة في أرض البحرين وجزيرة البحرين وخارك تعود إلى تلك القومية الأصلية التي لا علاقة لها بالقومية العربية ولا بالساميين. وعلى فرض أن أحفاد تلك القومية موجودون اليوم في سواحل وجزر الخليج الفارسي ويتكلمون اللغة العربية، لكن التاريخ يشهد أنهم لم ينالوا من نسبهم العربي سهماً وافراً.
ابن مقرب وعرب أرض البحرين
ابن مقرب هو شاعر إحسائي قديم عاصر (أتابك أبو بكر سعد الزنجي) وردت في ديوانه أبيات شعر يهجو فيها مواطنيه في الإحساء والقطيف متعرضاً لأنسابهم، وأورد شارح الديوان نفس التوضيحات التي أوردها الياقوت الحموي حول العمال الذين بنوا قلعة (مشقّر) فيقول إن الملوك الساسانيين عندما أرادوا بناء قلعتي الصفا والمشقّر اللتين شكلتا نقطة حدودية وسوقاً مشتركاً للتعامل بين ساحل البحرين وأرضها، استقدموا عمالاً من إيران، ولما طال بقاءهم في تلك الأرض وشكلوا الوحدة، فأرسلوا لهم نساءاً لتلد لهم أبناءاً بقوا في تلك الأرض، وتكلموا العربية. إن وضعهم في أرض البحرين تماماً كوضع الديلميين الذين رافقوا (وهرز) الديلمي إلى (اليمن) لكن الفرق هو أن الديالمة الذين استقروا في اليمن سمح لهم بالزواج من اليمنيات، فولدن لهم ما سمّي فيما بعد بأبناء الأحرار أو أبناء اليمن. في حين أن عمال البناء في البحرين تزوجوا من نسوة قدمن من (غيلان وخوزستان وفارس) وجاء نسلهم الجديد. لكن كلا النسلين كانا متشابهين من حيث النطق بالعربية.
ويضيف شارح ديوان ابن المقرب أن هذا النسل الجديد الناطق بالعربية أو المستعرب الذي بقي في أرض البحرين، قد تمكن اقتصادياً بعد ظهور الإسلام ومحو التعصب الجاهلي، حتى أصبح طائفة عربية ينسب نفسه إلى القبائل العربية.
سكان أرض البحرين
في عصر الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم
عندما أرسل الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلم علاء الحضرمي لدعوة أهالي البحرين إلى الإسلام كان معظم أهالي البحرين وعمان من المجوس وأتباع العقيدة الزرادشتية، وطلب الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم من أبو العلاء أن يعاملهم كأهل كتاب، ولهم البقاء على دينهم إذا دفعوا الجزية. ومن بين الأسماء التي ترددت حينها (المنذر بن ساوي) حاكم البحرين و(السيبخت) الذي ورد اسمه كحاكم للبحرين أيضاً مما جعل البعض يظن أنهما شخص واحد. كما حصل التوهم نفسه حول (الإسبذي) الذي أعاده البعض إلى (أسبيذ) لغة وإلى (الأسبنذية) زماناً، وأن بعض الأهالي الأصليين للخليج الفارسي كانوا يعتنقون الأسبذية أو عبادة الخيل كما هو الحال في العقيدتين الهندوسية والدراويدية.
وقد قامت عدة انتفاضات من البحرين ضد الخلفاء واجتمع فيها معارضو الخلافتين الأموية والعباسية، وحل فيها مزيج قومي، حتى أضحت البحرين مقراً للمعارضين المسلمين من جنوب آسيا وغربها.
حصة الفرس والزنوج في انتفاضات البحرين
كان للفرس والزنوج الدور الأساس في هذه الانتفاضات، ورغم أن قادة هذه الانتفاضات كانوا من الناطقين بالعربية، لكن أتباعهم كانوا يعيشون حالة شعوبية، كما هو الحال مع خوارج عمان وقطر الذين كانوا يرفضون تولي قريش وحجازيين لإمامة المسلمين. فالعلوي صاحب الزنج رغم ادعائه بالنسب الهاشمي مما اعتبره البعض ناقضاً لامتيازاته وحدوده المكتسبة، وكان أقارب الخلفاء في أرض البحرين وجنوب ما بين النهرين يدعون الرياسة لهم، لكن هذا التفاعل بين الأهالي وأي حركة وانتفاضة ضد دمشق وبغداد، والمقاومة المستميتة تدل على شخصية أهالي الخليج الفارسي وامتيازهم الروحي في مواجهة القبائل القادمة عليهم والنفوذ المادي والمعنوي للخلفاء.
اختلاف اتجاه انتفاضات الخليج الفارسي
قد نقول أن روح التمرد والعصيان هي بقايا انتفاضات طوائف عبد قيس وبني تميم والأياد التي كانت تدفع الملوك الساسانيين لقمع المعارضين. لكن علينا أن لا ننسى أن هذا النوع من الانتفاضات كان يختلف بشدة عن التحركات التي لم تتعدى النظرة المادية والاقتصادية. فعندما قام أردشير الساساني) بمواجهة حملات العرب ضد سواحل عمان والبحرين، وقام بتغيير أماكن تواجدهم، لم تقع أية حادثة تذكر بعد ذلك حتى عهد طفولة (شاهبور). أما (شاهبور الثاني) فكان تحركه موجهاً نحو الشمال في ناحية السواد وعشائر (أياد) وقصة محاصرة (الحصُر) واعتقال (خيزن) التي وقعت في محل آخر قد ألحقوها خطأ بالجنوب وعمموها على (تميم) و(عبد قيس). لكن منذ عهد شاهبور حتى ظهور الإسلام لم تكن هناك أية حركة لعرب إيران ضد حكومة إيران. أما عرب (الحيرة) فكانوا يبدون أفضل التعاون مع حكومة إيران المركزية، أما (المناذرة) في الحيرة فقد كانوا ملوك عرب البادية، وكانوا حماة حدود السواد وأرض البحرين في مواجهة البدو الرحل.
إذاً فروح الانتفاضات التي جرت في العقود الهجرية الأولى وحتى الرابع كانت تعبيراً عن الآمال القلبية والعقد الروحية الخفية لشعب أراد أن يحرك سفنه بحراً بحرية، وأن يستخرج رزقه من البحر دون منّة من الغير، ويمارس حريته واستقراره كما كان آبائه.
قبيلة (ربيعة) إحدى أكبر القبائل الحدودية في بلاد ما بين النهرين، كانت تستقر على ساحل الفرات وتسمَّى بربيعة الفرس، لأنها كانت على تعاون مع حكومة فارس بإيران، وكان زعيمها يقيم في المدائن، وما تزال قبائل منتسبة إلى (ربيعة) تعيش في بادية الشام والعراق تحت رئاسة آل فضل وآل مهنّا وآل عيسى، ويتصل نسبهم بخالد البرمكي البلخي.
البحرين ضد الأمويين
فشل الخلفاء الأمويون والعباسيون في تحطيم روح المقاومة لدى أهالي أرض البحرين، فأصدر هشام بن عبدالملك الأموي أمراً بردم عيون ماء الشرب لجزيرة أورال بالحجاز والكلس لأنها كانت الملجأ البحري للخوارج، وسدّت لوأد روح المقاومة لدى البحرينيين، لكن عين روح معارضتهم تصاعدت، وبقوا يترصدون الوقت المناسب للانتفاضة والتحرك.
البحرين ضد العباسيين
انتفاضة الزنوج التي شارك فيها مليون إنسان من العبيد والفلاحين في جنوب بلاد ما بين النهرين وخوزستان شكلت أكبر نهضة زراعية ضد مالكي الأراضي، وحركت روح التمرد في البحرين. وقامت الخلافة العباسية ومؤيدوها في إيران وفي بلاد ما بين النهرين بقمع هذه الانتفاضة طوال (15) عاماً بشدة ودون رحمة، وأبعدوها عن سواحل دجلة والفرات وكارون. لكنها تركت غضباً ورفضاً لأجهزة الخلافة في البحرين، إلى أن قام (أبو سعيد) وأهل (غناوة) دفاعاً عن مذهب الإسماعيلية، واتخذ من مدينة (هجر) القديمة مركزاً لنشاطه، وغير اسمها إلى الإحساء والقطيف، فاجتمع حوله الساخطون على الخلافة، واستفاد بدوره من وجود القبائل العربية اليمنية التي تتبع العقيدة الإسماعيلية، فأشعل انتفاضة في أرض البحرين استمرت مدة (150) عاماً، وقدم مشروع حكومة ومجتمع جديد كان مشروعه فريداً من نوعه.
الحكومة الاجتماعية لأبو سعيد في أرض البحرين
الذين خلفوا (أبو سعيد) واتبعوا أفكاره وصل بهم الحد في المبالغة أن تجاوزوا حدود الأدب، وامتدت أيديهم لتطال بيت الله والحجر الأسود، فنقلوا الحجر الأسود إلى الإحساء، وأرادوا أن يبنوا هناك كعبة للمسلمين. لكن ما أن خبت حركتهم التمردية، وأدركوا أنهم خسروا دعم إمام الإسماعيلية أيضاً، حتى اضطروا إلى إعادة الحجر الأسود إلى الكعبة، وأقلعوا عن مهاجمة قوافل الحجاج وإيذاء المسلمين، وانكفأوا إلى تدعيم مواقعهم في أرض البحرين والخليج الفارسي.
خلال ذلك استولى الديالمة على بغداد، وسيطروا على الخليفة، ولم يواجهوا الحكومة الإسماعيلية في البحرين، وصرفوا النظر عن إرسال الجيوش إلى عمان عبر البحرين، وتركوا المجال أمام حكومة أبو سعيد أن تبني أسسها لحياة اجتماعية جديدة في البحرين.
في عام أربعمائة وثلاثين وبضع سنين كان (ناصر خسرو) عائداً من الحج، فمرّ من (الإحساء) فأثنى على وضع الحكومة البوسعيدية في البحرين، وبدا أن مؤسسي هذا القسم من الحكومة لم يكونوا يستلهمون من مصادر الإمامة الإسماعيلية واجتهاد الخليفة الفاطمي فقط، بل إنهم كإخوان الصفا في البصرة كانوا ينظرون إلى مباني الحكمة الاجتماعية اليونانية، وكان لحكومتهم تلك درجتين مشتركتين استخرجتا من الأفكار اليونانية.
ما يزال الوقت مبكراً جداً لنصدر حكمنا بشكل كامل حول حكومة البوسعيدية في البحرين، أو بعبارة أخرى حكومة القرامطة من أسرة أبو سعيد، ذلك لأنّ معظم ما هو موجود لدينا حولها مأخوذ من مصادر مختلفة دونها مخالفوا الإسماعيلية، ولم يتورعوا عن كيل الشتائم لهم. والعجيب أن نوع الحكومة الاجتماعية في أرض البحرين لم يكن أمراً خالياً من الغرابة والأهمية في نظر (ناصر خسرو) الذي كان من الدعاة لمذهب الإسماعيلية، فهو يعتبرها أمراً نادراً وبديعاً.
روح السماحة والحيادية في الحكومة البوسعيدية
بلغت قدرة النفوذ والرسوخ الفكري لخلفاء أبو سعيد لدى أهالي البحرين حداً لم يعودوا يخشون معه نشاط العناصر المخالفة لهم وترددها بين داخل وخارج منطقة نفوذهم، وكانوا يسمحون لكل من يريد بناء مسجد للعبادة أن يبني حتى لو كان من غير مذهبهم، كما تحدث ناصر خسرو عن مسجد بني حديثاً في الإحساء. وفي ذلك الوقت كان في جزيرة البحرين أو (الأوال) أبو البهلول عوام بن محمد بن يوسف الزجاج الذي كان يتصدى للجمارك في الجزيرة، وكانت تعرف أصالته من اتخاذه لقباً مهنياً بدل نسبه العربي، قام بالتعاون مع أخويه جعفر ومسلم بأخذ الإجازة من حاكم الجزيرة لبناء مسجد جديد لإصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور للجزيرة بسبب تغيير خط سير حجاج خراسان والعراق وفارس من البحرين واليمامة إلى طرق أخرى، مما أوجد أزمة اقتصادية وشحة في الموارد.
أبو البهلول وأخوته والتمهيد للمواجهة
أراد أبو البهلول من بناء المسجد وكسب الإجازة لإقامة صلاة الجمعة فيه أن يجرّ الحجاج إلى الجزيرة، لترتفع بذلك عائدات الجمارك من تردد الحجاج والتجار. فأخذ حاكم الجزيرة الإجازة من أولياء الأمور في الإحساء، وبنى المسجد، وعندما تم بناؤه وأرادوا إقامة أول صلاة جمعة فيه، ارتقى (أبو الوليد مسلم) أخو (أبو البهلول) المنير وخطب الجمعة بلغة محببة وبيان لطيف ذاكراً اسم القائم بأمر الله الخليفة العباسي.
اعتبر البحارنة أنّ فعله ذاك دسيسة، وطالبوا بمنعه من تكرار ذلك، لكن أولياء الأمور في الإحساء طلبوا عدم التعرض له، وتركه وقومه ليعملوا طبق مذهبهم.
صلح أبو البهلول مع آل سعيد
بعد فتنة البساسيري في بغداد وإسقاطه لاسم الخليفة من الخطبة، وإنشاء الخطبة باسم الخليفة الفاطمي المصري، مال أبو البهلول وأخويه نحو الفاطميين، وصالحوا مجلس السيدة البوسعيدية، واستخدموا لطائف الحيل وسلسلة من الحوادث والدسائس تمكنوا فيها تدريجياً من إخراج زعامة الجزيرة من يد مجلس السادة في الإحساء. وعيّن أبو البهلول أخوه مسلم للوزارة، وربطه ببلاط الخلافة العباسية لأخذ المساعدات منه.
حركة المعارضين في القطيف والإحساء
برزت للقرامطة في أرض البحرين أوضاع مشابهة لوضع البحرين الجديد، فالقبائل العربية التي كانت تؤيدهم بدأت تعارضهم، ومنعتهم من إرسال الجيوش إلى الخارج، إلى أن استولى (يحيى بن عياش) على القطيف، وحاول أخذ جزيرة البحرين أيضاً.
وبعد عدة محاولات استطاع ابنه (زكريا) أن يأخذ الجزيرة من ابن أبو البهلول ويلحقها بالقطيف. رغم أن حكومة السادة البوسعيديين كانت قائمة في الإحساء، إلى أن استولى السلجوقيون على بلاد ما بين النهرين وخوزستان وفارس وكرمان، وبدأت مقارعة أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة بدعم من أهل العامة.
استغاثة عبدالله العيوني بالسلاجقة
عبدالله العيوني من أهالي العشرة عيون في الإحساء، عاش خلال فترة ضعف حكومة القرامطة، فشكل قوة وجمع حوله البعض، وكان الملك السلجوقي العدو اللدود للإسماعيليين، فأرسل له العيوني رسالة يطلب منه العون للقضاء على حكومة القرامطة في أرض البحرين، فأرسل له أحد قادته (أكسك) على رأس ستة آلاف مقاتل، فوصلوا إلى الإحساء، وقاتلوا تحت إمرة عبدالله العيوني حتى استطاع أخذ (القطيف) من (زكريا بن يحيى العياش) وهرب الأخير إلى جزيرة (أوال) ليعود فيشن هجومه على الإحساء ويحاصرها. فأبدى المحاصرون مقاومة شديدة، حتى حل فصل الصيف والحر، ولم يعد الجو مساعداً لبقاء جند إيران، فقام القائد العسكري بإبقاء أخيه مع مائتي مقاتل ليدعموا عبدالله العيوني للإبقاء على الحصار في الإحساء، وعاد هو إلى بغداد فطلب العون من الخليفة لإكمال المحاصرة، فأحضر ما يلزم، واستجاز الخليفة، وعاد إلى البصرة. فوصلته رسالة من أخيه (بغوش) يبشره فيها باحتلاله الإحساء، وأن معركة شديدة وقعت بينه وعبدالله وبين المحاصرين انتهت باستسلام المحاصرين.
ضم أرض البحرين إلى الدولة السلجوقية
بعد انفصال أرض البحرين عن الحكومة العباسية مدة (150) عاماً ضمت إلى الدولة العباسية ثانية أو الأجدر قوله أنها ضمت إلى حكومة إيران السلجوقية إثر التدخل العسكري السلجوقي. لكنها هذه المرة كما حصل في العهد الساساني خضعت أرض البحرين وعمان وجزر الخليج الفارسي وخوزستان وفارس وكرمان إلى حكومة (قاورد) السلجوقي، وبقيت السيادة على البحرين وعمان بيد الحكام السلجوقيين في (كرمان).
أرض البحرين في حكومة العيوني
لم يكن نسب العيونيون قبل تسلطهم على الإحساء معروفاً من أي قبيلة من القبائل المعروفة مثل: بني سليم وبني عقيل وبني ثعلب وبني عامر. وانتسابهم إلى قرية (العيون) يدل على ضياع نسبهم السابق. لكنهم استطاعوا بدعم من الحكومة السلجوقية أن يوحدوا الإحساء والقطيف والأوال بعد عدة مواجهات، مستعيدين بذلك وحدة أرض البحرين لكن تحت سيادة الحكومة السلجوقية في كرمان، لكن يبدو أن الوزراء وموظفوا جمع الخراج كانوا يعيّنون من قبل السلاجقة كما هو الحال مع (محمد حفيد عبدالله العيوني) الذي حكم أرض البحرين لمدة (18) عاماً كان وزيره (حاجي علي بن فارس) من أهالي (كازرون) الفارسية. إلى أن تولت أسرة (بني قيصر) الحكم في جزيرة كيش، وحاولوا الاستيلاء على السيادة البحرية للخليج الفارسي في الجزر والسواحل الشمالية والجنوبية والغربية وبحر عمان. فقاموا بإضعاف نفوذ حكام كرمان وفارس بشكل تدريجي، ومنعوهم من التدخل في شؤون الخليج الفارسي وبحر عمان، وأرادوا ضم أرض البحرين إلى منطقة نفوذهم.
الحرب من أجل ضم البحرين
بدأ هذا الصراع في النصف الثاني من القرن السادس، وكان العيونيون قد ألحقوا الإحساء حديثاً ببلاط الخلافة في بغداد، وأضحوا حماة طريق الحج نيابة عن الخلفاء، في بداية الأمر لم يسلّموا بأن لملوك جزيرة كيش حقاً قديماً في البحرين وأنها تعود إلى حكام فارس وكرمان، لكنهم بعد عدة مواجهات وتردّد ملوك كيش إلى جزيرة أوال، إلى أن وقع الأمير فضل بن محمد العيوني عام (606) هجري عهداً يعترف فيه أن حق السيادة يعود إلى (غياث الدين شاه) حاكم كيش، وبعد نصف قرن من التجاذب على أرض البحرين بين أسرة العيوني وأمراء بني ماجد في الإحساء، عادت إلى مجموعة الممالك المحروسة لإيران بعد إقرارهم بالطاعة لحكام كيش.
في هذا العهد أقسم (عماد الدين أبو سلطان الفضل بن أحمد بن محمد بن فضل بن عبدالله بن علي العيوني) أقسم بالله وبالقرآن وبالرسول وتعهد أن لا يقيم أية علاقة لا كتابة ولا مخاطبة ولا مراسلة مع ملك كرمان وحاكم فارس وأمير البصرة، وحسب العرف أن لا يخطب خطبة في جزيرة البحرين إلا باسم ملك كيش، وأن يقدم اسم ملك كيش على اسمه في القطيف التي كانت مركز حكومة الفضل، وأن تضرب الطبول الملكية في (أوال) و(القطيف) خمس مرات باسم ملك كيش، وأن يجعلوا الأفضلية في شراء الخيول العربية لمندوبي ملك كيش، وأن يعود مندوبو ملك كيش لاستلام خراج (أوال) كما في السابق، وهي عبارة عن نصف خراج التمور وناتج غوص اللؤلؤ وصيد السمك في الأوال والقطيف.
مدلول عهد ملك كيش والأمير العيوني
تذكر في هذه المعاهدة عدة أمور بصراحة، ومنها أنّ أوال (جزيرة البحرين) وسماهيج (محرّق) وجزيرة آكل وجزيرة الطيور والقطيف وجزيرة تاروت تعدّ من الأملاك الخاصة لملك كيش، وأنّ العيوني يتعهد في سائر موارد الخراج بدفع أكثر من نصف الخراج السنوي إلى ممثلي ملك كيش.
وفي مقابل هذه التعهدات فإنّ (غياث الدين شاه) يقسم مؤكداً للأمير فضل العيوني ويطمئنه أنه لن يستقبل أعداء الفضل ومعارضيه ما دام ملتزماً بعهده، ولن يحاربه ولن يناله ولا أقاربه وأعوانه وأتباعه بسوء، وأنه لن يتعامل مع أمير الإحساء محمد بن ماجد وعلي بن ماجد والأمراء الآخرين تعاملاً يلحق الضرر بالفضل.
وقد شملت المعاهدة تفاصيل المواد والصلح والتعامل بين الطرفين، وتمت الإشارة دوماً إلى ما كان عليه الأمر سابقاً، للإشارة إلى أنها ليست بالأمر المستحدث، بل إنها إحياء لعادات سابقة. ويفهم من ذلك أنه في عهد السلاجقة بكرمان أيضاً وفي عهد الملوك القدامى لجزيرة هرموز وقبل ذلك أيضاً كان حكام أرض البحرين كانوا يقرون بالسيادة لدولة إيران ويدفعون سهما من الخراج إليهم.
شاهد عيان على تنفيذ المعاهدة في عام 624 هجري
في عام (624) هجري أي (18) عاماً بعد توقيع هذه المعاهدة كان (ابن مجاور البغدادي) ماراً من جزيرة كيش والبحرين، وشاهد تنفيذ مواد هذه المعاهدة، حيث يقول:
«توجد في البحرين سفن ترفع الراية لملك كيش، وتدق الطبول باسمه خمس مرات في أوال، ويقدم أصحاب الأراضي في البحرين عشرين ألف ليرة ذهبية سنوياً».
ويضيف: «يقال لجزيرة البحرين جزيرة أوال، وفيها 360 قرية، وأهلها جميعاً من أتباع المذهب الشيعي الإمامي الاثنا عشري، سواى قرية واحدة. طعام أهلها من التمور والأسماك، ويقال أن جزيرة الأوال تقع وسط خط صيد اللؤلؤ في البحرين 7 وليس هناك لؤلؤ أكثر نقاءاً من لؤلؤها ويحيط بها برّ عربي وآخر فارسي».
ويؤكد (ابن مجاور) أن ملوك كيش يتلقون من الأمير العيوني الخراج سنوياً وفق معاهدة وقعها (غياث الدين) وتعلن نوبة السلطنة في أرض البحرين والأوال باسم ملك كيش، حتى جاء (أتابك أبو بكر سعد الزنجي).
تغلب الأمير أبو المظفر الهرموزي على سلطان كيش
هاجم (سيف الدين أبو نصر) كيش بتجهيزاته البحرية بأمر من (أتابك أبو بكر) ودخل الجزيرة في 12 جمادى الأول عام 626 هجري، وقُتل خلال المواجهة الملك سلطان، وانقرضت بذلك حكومة بني قيصر بعد سيادتها على بحر فارس وعمان إلى سواحل الهند وزنجبار لمدة (120) عاماً. وكان (ابن مجاور) قد زار جزيرة كيش قبل ذلك بأربعة أعوام، وتحدث عن حكومة بني قيصر فقال: «إنَّ سلطتهم اسم دون جسم، ففي يوم الجمعة عندما بدأ الخطيب خطبته باسم السلطان وقال: سلطان الشرق والغرب، ملك الأرض… قام رجل وقال: بل سلطان الطاس والمنكاس…».
انتقال سيادة البحرين من كيش إلى هرموز
عندما فتح (سيف الدين كيش عيّن فوراً مندوبين عنه وأرسلهم إلى البحرين لجمع الخراج المقرر ليتسلمها حسب الأصول مع ملك كيش في عهد الفضل بن محمد. لكن سيف الدين امتنع عن تسليم كيش إلى مندوبي الأتابك أبو بكر بعد فتحها، وأخذ يقود بنفسه وحسب هواه، واستبعد على السفن وقاطع بحارتها. فاستعان أتابك ببحارة كيش واستخدم سفنهم التي وضعوها تحت أمره، وأرسل جيشاً من اللر والشول إلى جزيرة كيش بقيادة (صلاح الدين اللر) فأخرجوا (أبو المظفر) وأتباعه من هناك، واحتلوا جزيرة كيش وتوابعها.
عمال أتابك في البحرين
وأرسل أتابك كلاً من: شهاب الدين خسرو الكيشي، ونجيب الدين عثمان إلى جزيرة أوال كعامل ومشرف على الخراج، وليتسلموا الناتج السابق لملوك كيش باسم أتابك. وقد تم له ذلك، لكن أحد الأمراء العيونيين واسمه (محمد) كان حديث العهد بالإمارة، امتنع عن تنفيذ أمر أتابك، ومنع عماله عن أداء مهمتهم، وخلع الأمير منصور بن علي العيوني من مصبه لأنه أطاع أتابك وسلّم عماله الخراج. وبقي بنفسه على حكومة القطيف والأوال مدة خمسة أعوام وخمسة أشهر، إلى أن استطاعت جيوش أتابك التغلب عليه عام (633) بعد عدة معارك كر وفر، واحتلوا جزيرة أوال وقتلوه.
احتلال أبو بكر سعد الزنجي لأرض البحرين
في عام 641 تحرك جيش أتابك من جزيرة البحرين إلى أرض البحرين، ففتحوا بداية (قلعة تاروت) التي كانت مبنية من الحجر الصم قرب القطيف، وأخذوا القطيف. وتفاهموا مع أمراء عرب البادية ومشايخهم ليضمنوا بذلك عدم تعرضهم للمدن والقرى الساحلية، وأغدقوا عليهم الأموال والهدايا. وفي عام 654 أوكل حكومة القطيف إلى (عصفور بن راشد عمير) وحكومة الإحساء إلى (مانع بن علي بن ماجد بن عمر) واستمر دفع الخراج إلى الأتابكيين حتى استيلاء المغول على بلاد فارس.
بني عصفور في البحرين
يعود نسب بني عصفور إلى بني عامر، وقد حكموا أرض البحرين باسم الأتابكيين في فارس. وبذلك انقطع الحكم عن العيونيين بعد أن حكموا لمدة تتجاوز (170) عاماً بمساعدة السلاجقة، بعد دفع البوسعيديين. وقد ترافقت حكومة بني عصفور مع تغييرات مهمة في العالم الإسلامي.
تغيير الوضع العام في الخليج الفارسي
تغلب المغول على الدولة الخوارزمية ثم على الدولة العباسية، والأتابكيين داروا المغول نصف قرن، ورغم ذلك انقرضوا على يد المغول، وامتدت سلطة المغول على طول الخط الساحلي للخليج الفارسي إلى عمق البحر، وظهرت آثار اعتداءاتهم في عمان والبحرين.
وخشي صاحب ميناء هرموز على نفسه من هجمات المغول، فنقل عرشه إلى جزيرة (جرون) في مضيق هرموز، وبنى هناك مدينة باسم هرموز تخليداً لذكره، واستطاع أن يرث بذلك القدرة البحرية لقادة هذه المنطقة السابقين، ثم وسع دائرة نفوذه لتشمل عمان وأرض البحرين، ثم لتصل إلى سواحل زنجبار.
الجرونيون ونفوذهم الجديد في الخليج الفارسي والمحيط الهندي
بعد سقوط بغداد وشيراز على يد المغول، وقف المماليك بوجه المغول فسعى بني عصفور في البحرين للارتباط بالمماليك، لكن حكومة جزيرة هرموز تمددت بسرعة وقوة وبسطت سلطتها البحرية حتى استطاعت خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين من بسط نفوذها لتحل محل سلطة ملوك كيش، وقد بلغت الأهمية البحرية لهرموز وجرون حداً جعلتهم يمسكون بزمام التجارة والإبحار من سواحل الموزامبيق إلى جزر الهند الشرقية قبل أن يصل الملاحون البرتغال.
الهجرة الفارسية إلى سواحل المحيط الهندي
خلال فترة النفوذ الواسع لسلاطين هرموز قامت مجاميع كبيرة من المهاجرين الفرس بالهجرة غرباً هرباً من تعديات المغول وأذنابهم، فتوجهوا نحو البحر حتى بلغوا نتوء الكاب وسومطرا، وما زال أحفاد المهاجرين الشيرازيين يعيشون في زنجبار وتانغانيكا وجزر القمر في سواحل الموزامبيق ومدغشقر والصومال، مستقرين في سواحل وجزر شرق أفريقيا.
الجراونة هم الهرمزيون
واستمرت إدارة أرض البحرين بيد حكام وأمراء محليين خاضعين لحكومة جرون أو الهرموز. واستعمال مصطلح الجراونة في بعض الكتب التاريخية للقرن التاسع أوجد شبهة لدى بعض المعاصرين حيث ظنوا أن بسط نفوذ الجراونة في البحرين يعود إلى سلالة من بني عامر، في حين أن المقصود من الجراونة حكام دولة هرموز، وكانت البحرين خاضعة لنفوذهم السياسي حتى وصول البرتغال، والجراونة هو عرف منسوب لجرون كالبحارنة المنسوبين للبحرين.
في أواخر القرن التاسع بلغت القدرة البحرية لجراونة جرون أو الهرموز أوجها، وكان بحاروها يبحرون من نتوء جنوب أفريقيا إلى سواحل اليابان. والبحارة من أمثال (ابن ماجد الجلفاري) أو الجرفالي القبطان والدليل البحري المعروف كان من مسؤولي تلك الحكومة. لكن حصل تحول في أرض البحرين حيث ضعف نظام حكم بني عصفور الخاضعين لحكم الجراونة، وكان آخر حاكم لهذه الأسرة تولى الحكم بولاية من الجراونة على أرض البحرين قد واجه تحركاً معارضاً بقيادة (سيف بن زامل بن حصين العامري العقيلي) فحاول الحاكم القضاء عليه، لكنه قتل خلال المواجهة، واستولى سيف المذكور على أرض البحرين، وتحولت حكومة بني عصفور الشيعية على الإحساء والقطيف.. إلى حكومة بني جبر المالكية المذهب (وسيف هذا كان له جد اسمه جبر، لذلك سميت أسرته بالجبريين أو بني جبر).
استغاثة صرغل شاه الهرموزي باجود الجبري
أخو سيف اسمه (أجود بن زامل) كان قد ولد في بادية مجاورة للبحرين، وتسلم السلطة بعد أخيه. في نفس الوقت توفي طورانشاه حاكم هرموز، ووقع النزاع بين أولاده وأولاد أخيه على السلطة من بعده، فاستنجد (صوغل بن طورانشاه) بأجود بن زامل العقيلي الجبري ضد أخيه، ووقع معه معاهدة يعترف فيها برسمية ولاية أجود على أرض البحرين وتوابعها، ويعتبره الوريث القانوني لبني عصفور.
فهبّ (أجود) لنصرة (صرغل) فاستولى على جرون أو هرموز، فمنحه صرغل عام 880 هجري حكومة جزيرة البحرين والقطيف، وأعطاه حرية التحرك الداخلي أكثر مما كان يسمح لإسلافه.
بني أجود في أرض البحرين
خلال حكومة أجود على أرض البحرين أقر المذهب المالكي في القضاء مكان المذهب الشيعي، واستقدم قضاة مالكيين من الخارج، وتوجه إلى الحج على رأس وفد قوامه ثلاثين ألف، ووزع أموالاً كثيرة على مجاوري الحرم، وتلقى متعصبو مصر والحجاز والشام غلبة عنصر العامة على التشيع في أرض البحرين بالبشرى والذكر الجميل.
عاش (أجود) حتى عام (912) هجري معاصراً الشاه إسماعيل، والتزم بوفائه لسلاطين هرموز ضمن المعاهدات الموقعة، وبعد وفاته وقع الصراع بين أبنائه، وتسلّم الحكم (المقرّن).
يجدر ذكره هنا أن حكومة عمان استقلت عن حكومة أرض البحرين في عهد العيونيين، واتصلت حكومة عمان بحكومة كرمان، في حين كان ارتباط العيونين مع كيش وهرموز أكثر من فارس.
عمان من عهد العيونيين فما بعد ذلك
خلال عهد (الخواجه رضي الدين قوام الملك أبو بكر الزوزني) ملك كرمان ومكران وفارس وقلهات وسائر النواحي التابعة لكرمان، خضعت عمان لحكومة الخواجه. وكان عماله ونوابه يجمعون الخراج منها مباشرة، ويأتون بالحرير من كرمان ويبيعونه في عمان، ويشترون بثمنه خيول يرسلونها إلى ملك خوارزم.
وبعد موت الملك زوزن ـ الذي كان يعتبره سعدي بالخواجه كريم النفس ـ بقيت في عمان ثمانون ألف مِنٌّ من الحرير وخمسمائة رأس من الخيل المشتراة له عام (615) وبعد عامين استولى (الشيخ مالك بن فهم بن مالك) على قلهات مركز حكومة عمان آنذاك، وتحولت عمان بعد ذلك إلى (بني نبهان).
إلحاق عمان بأرض البحرين وإيران
في عام (893) استولى (ابن أجود بن زامل) على عمان بالسيف بعد تغلبه على (آل نبهان) وعين عليهم إماماً من الأباضيين الخوارج، وأمرهم بدفع الخراج له، لأن الخوارج أزروه في حربه مع بني النبهان، وبعد مدة عادت عمان وأرض البحرين لتشكل وحدة جغرافية ترتبط سياسياً مع إيران عبر ملوك هرموز.
وقد وقعت هذه الحوادث خلال فترة ضعف القدرة السياسية والعسكرية لملوك هرموز، حتى أضحت سلطتهم على المساحة القديمة صورية، وكانت القوة العسكرية لبني جبر سريعة توقفت بعد موت (أجود) وفي نفس العام (912) استولى البرتغاليون على جزيرة هرموز، واتخذوا منها مقراً لنشاطهم في الخليج الفارسي.
البرتغال في الخليج الفارسي
واجهت أرض البحرين ومسقط المهاجمين المحتلين الأوروبيين بشكل منفرد، ففي عام (927) هجري تغلب البرتغاليون على (المقرّن بن أجود) وأخذوا جزيرة البحرين منه. في أثناء ذلك دب الخلاف بين أمراء بني جبر أيضاً، ونحي الواحد بعد الآخر، كما إن المواجهة والصراع بين إيران والعثمانيين على بلاد ما بين النهرين والحروب المتوالية بين البلدين في شمال غرب إيران سمح للبرتغال بتثبيت أقدامهم في الخليج الفارسي، فرفضوا حتى السيادة الإسمية للملك الصفوي على هرموز وتوابعها، وقاموا بتعيين ملك هرموز وتوابعها من جزر وسواحل الخليج الفارسي باسم حكومة البرتغال. وبقي الخليج الفارسي والمحيط الهندي مدة نصف قرن ساحة تجاذب بين البرتغال والعثمانيين.
التجاذب العثماني البرتغالي في أرض البحرين
في عام (951) استولى الأتراك على البصرة، فيما قام البرتغاليون بإنشاء قواعد بحرية وقلاع عسكرية لهم في القطيف والإحساء وجزيرة البحرين، ما زالت آثارها باقية في المنامة وتاروت وعنك وسيهات ترى من الساحل.
عام (958) احتل العثمانيون القطيف والإحساء، ولأول مرة في تاريخ أرض البحرين انفصل الجزء الساحلي للبحرين عن جزيرتها. خلال هذه المدة اضطر بعض أهالي وعلماء القطيف والإحساء ورجالهما إلى الهجرة إلى جزيرة البحرين والسواحل الإيرانية هرباً من بطش وتعصب العثمانيين لأنهم كانوا من أتباع مذهب التشيع.
إلحاق جزيرة البحرين بإيران
منذ عام (927) خضعت البحرين لحكم البرتغاليين، وكانت تدار بيد عمال حكومة جزيرة هرموز، وبعد عدة محاولات للتحرر من الأجنبي، ضمّت عام (1031) إلى إيران.
تجزئة أرض البحرين
هنا انتهى تاريخ أرض البحرين التي كانت تضم: القطيف، الإحساء، جزيرة أوال أو البحرين. وتمت إدارة هذه المناطق بشكل منفصل، ولم يعد يطلق اسم البحرين على الأراضي الساحلية، وعاد الاسم، القرمطي لولايات الهجر والخط أي الإحساء والقطيف ليطلق على اسم جزئين من أرض البحرين، ونسي الاسم التاريخي وبقي يطلق على الجزيرة منفردة.
وحدة المذهب في القطيف والإحساء وجزيرة البحرين
وبموازاة ذلك تم نسيان اسم (أوال) المرادف لاسم جزيرة البحرين، ليترك المجال أمام اسم البحرين، بحيث إذا ذكر اسم البحرين حالياً، يتبادر للذهن جزيرة (أوال) في حين أن هذه الأجزاء الثلاثة كانت متحدة دوماً عدا بعض الفواصل القليلة حتى أواسط القرن العاشر الهجري، وكانت تشترك في مصيرها السياسي. لكن الذي ما يزال يحافظ على وحدتها المعنوية هي الهوية الشيعية الغالبة لسكانها رغم سوء المعاملة والضغوط التي انهالت عليهم من قبل الأتراك العثمانيين والشيوخ العتوبيين وحكام نجد لا تزال أكثرية سكان أرض البحرين أي القطيف والإحساء وجزر البحرين من الشيعة الإمامية الإثناء عشرية.
إن البحث حول جزيرة البحرين بعد انفصالها عن أرض البحرين وحتى اليوم حيث مرت أربعمائة عام على ذلك يعد موضوعاً مستقلاً، نأمل أن نكتب أو يكتب غيرنا عنه في المستقبل.
السيد محمد محيط الطباطبائي
أرمينيا
نالت أرمينيا الإهتمام الواسع في المصادر القديمة من قبل المؤرخين والجغرافيين في العهود القديمة والإسلامية. فكانت هذه الأرض في الألف الثاني قبل الميلاد موطناً للاسيانيين الهوريين، ثم احتلها بعد مدة وخلال النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد أقوام من الهند والأوروبيين ثم الآشوريين والهيتيين.
وفي القرن التاسع قبل الميلاد عادت أرمينيا لتكون موطناً لفئة أخرى من الأقوام الآسيانية أطلق عليهم اسم (اورارتو) أو (الخلدية). هؤلاء المهاجرون الجدد أسسوا في أرمينيا دولة (اورارتو) المشهورة. لكنها انقرضت بعد أن هاجمها الكميريين والسكيين في أواسط القرن السابع قبل الميلاد. فتوجهت إليها مجموعة الهند والأوروبيين من قبيلة (فروغيا).
المصادر الهخامنشية أطلقت على السكان الجدد لأرمينيا اسم الأرمن)[206](. وفي كتاب بيستون ذكر داريوش الكبير صراحة أن أرمينيا هي جزء من الإمبراطورية الهخامنشية. وكانت أرمينيا قبل ذلك أيضاً من مجموعة (مادحات)[207](. واعتبر (هيرودوس) أن أرمينيا هي الجزء الثالث عشر من إيران. وكتب أن أرمينيا كانت ملزمة بدفع الضرائب من البضائع والخيول والأنعام، إضافة إلى دفع خمسة طالان من الأموال سنوياً)[208](. ومع سقوط الإمبراطورية الهخامنشية انتقلت أرمينيا إلى سيطرة السلوكيين، وبعدها حكمها حكام محليون طوال العهدين الأشكاني والساساني، وقد تفاوتت سلطتهم وسعة استقلالهم طوال هذين العهدين الطويلين، ولم تحصل أرمينيا على استقلالها الحقيقي لمدة طويلة بعيداً عن مواجهة القوى بين امبراطوريتي إيران والروم، فطول هذه المدة الطويلة كانت تقع تحت سلطة الإيرانيين أو الروم، ويمكن القول إن السيطرة على أرمينيا كانت سبباً مهماً في النزاعات بين امبراطوريتي إيران والروم. وقد اقتضت مصلحتهما أحياناً تقسيم أرمينيا فيما بينهم، ويتراضون عليها، وطبق معاهدات قصيرة الأمد كانت أرمينيا مقسمة بين إيران والروم)[209](… بعد سقوط الساسانيين وتقدم العرب المسلمين نحو إيران، وفتح أذربيجان، توجه (حبيب بن مسلمة الفهري) من (الشامات) في عهد (عثمان بن عفان) لفتح أرمينيا، واستطاع أن يفتح أجزاء من أرضها)[210](. وفي القرون الهجرية الأولى كان حكام آذربيجان وولاتها يحكمون (آران) و(ارمينيا) أيضاً. لذلك فإن بعض علماء الجغرافيا اعتبروا آذربيجان وآران وأرمينيا اقليماً واحداً.
فهذا (ابن حوقل) يكتب: «أبدأ بالقسم الأول ويشمل: أرمينيه والران (آران) وآذربيجان. وهي اقليم واحد، لأني وجدتها يحكمها شخص واحد. وفي العهود الأخيرة تشير إلى أن أشخاصاً من قبيل/ ابن أبي الساج، وغلام ومفلح، وديسم ابن شاذلويه، ومرزبان بن محمد المعروف بسالار كانوا يحكمونها معاً»)[211](.
في القرن الرابع كان الاشتهار والتقسيمات الجغرافية أساس لتعريف وتحديد الأراضي، كتب (الإصطخري) في باب مواصفات وحدود أرمينيا: «أغلب أهل أرمينيا من النصارى، ويحدّها من جهة بردع، ومن جهة ثانية الجزيرة، ومن جهة ثالثة آذربيجان وجبال والري، ومن جهة رابعة ثغور الروم»)[212](.
و(المقدسي) ذكر أن أرمينيا تقع إلى حدود آران وآذربيجان، وتعد أحد ثلاثة مناطق من القفقاز أو الرحاب. وعندما عدد مدن أرمينيا ذكر بعض مدن آذربيجان خطأ)[213](.
وأشار (ابن حوقل) إلى أن أرمينيا تعاني من الخلل كما هو حال سائر الأقاليم في زماننا)[214](. (طبعاً أحد أهم أسباب ذلك الخلل هو تحديد حدود ومواصفات الأقاليم على أساس حدود السلطة الحاكمة أو المزج والفصل الضرائبي).
وهناك علماء جغرافيا آخرون اعتبروا أن أرمينيا مركبة من قسمين داخلي وخارجي، وكتبوا أن مدن أرمينيا الداخلية الخاضعة لسيطرة المسلمين الآن هي: أرجيش، منازجرد (ملازغرد)، خلاط. وحدود أرمينيا الخارجية محدودة أيضاً: «أي من الشرق برذعه، ومن الغرب الجزيرة، ومن الجنوب آذربيجان، ومن الشمال نواحي الروم لجهة قاليقلا»)[215](.
(الياقوت الحموي) نقل اختلاف الرأي في زمانه حول أرمينيا فقال: «أرمينيا تشمل قسمان، أي أرمينيا الكبرى والصغرى، وحدودها هي من برذعة إلى باب الأبواب (دربند) وتمتد من جهة أخرى حتى أرض الروم وجبل قبق. ويقال أن أرمينيا الكبرى هي عبارة عن خلاط ونواحيها، وأرمينيا الصغرى تشمل تفليس ونواحيها. فيما ذكر البعض ثلاثة بلدان لأرمينيا، والبعض أربعة، فالأولى هي: بيلقان وقبله وشروان وما يضم إليها. والثانية: خزران وصفديل وباب فيررز قباد وكز. والثالثة: بسفرجان ودبيل وسراج الطير وبغروند وتشوي. والرابعة: شمشاط وقاليقلا ارجيش وباجنيس»)[216](.
ورغم التقارير المتفاوتة في باب حدود أرمينيا، لكن يمكن الاستنتاج من جميع المصادر الجغرافية والتاريخية أن أرمينيا منذ القدم كانت أرض تقع عند أطراف بحيرة وان، وتمتد من شرق تركيا الحالية إلى جنوب غرب القفقاز.
وبعد أن احتل المسلمون أجزاء من هذه الأرض بشكل تدريجي وطوال أربعة قرون، سميّت هذه الأجزاء بأرمينيا الداخلية)[217](. هذه الأجزاء من أرمينيا كانت في القرون اللاحقة وطناً لسكان من الآرمن والمسلمين، وفيها عدة قبائل إيرانية مختلفة، ويتكلم سكانها لغات متعددة)[218](.
وبعد تصاعد قدرة الجورجيين قاموا باحتلال أجزاء منها بعد أن كان معظمها تحت سيطرة المسلمين)[219]( فالحروب الصليبية وظروفها وضعت شمال أرمينيا الحالية أو أوراتوريا التاريخية تحت سيطرة الجورجيين.
وفي منطقة كيليكية أو سيلسيلة (عند سواحل إسكندرون الحالية) قامت دولة أرمينيا، وسميت المناطق الخاضعة لها بأرمينيا الصغرى. في حين أن أرض أوراتوريا القديمة التي كان معظمها بيد المسلمين وشمالها بيد الجورجيين سميت بأرمينيا الكبرى.
وعند قيام الأمبراطورية العثمانية خضعت جميع أراضي أرمينيا القديمة أو أورارتو الواقعة حول بحيرة “وان” للحكم العثماني. وخرجت من يد الحكام المحليين الإيرانيين وبقايا السلالات العربية الأصل والجورجيين. فالعثمانيين عندما انتصروا في حرب شالدران قاموا بتثبيت انتصاراتهم ووضعهم في القفقاز ومن ضمنها أرمينيا. ومع تجدد النزاع بين إيران والعثمانيين في عهد الملك طهماسب، وعقد عدة معاهدات وعهود في (آماسيه واسطنبول وذهاب) اعتبرت أرمينيا بلداً تابعاً لإيران، وكان حاكم الشرع الصوفي يقضي في (إيروان) بين المتخاصمين المحليين.
لكن بعد سقوط الدولة الصفوية)[220](. ولما كان العثمانيون يطمعون من قبل بكل أقسام شمال إيران، وقعوا معاهدة مع الروس لتقسيم إيران)[221](، وسعوا إلى السيطرة على منطقة القفقاز وضمنها أرمينيا الكبرى عبر الجهود السياسية، ثم عبر الحملات العسكرية، لكن ظهور (نادر) أنهى هذه الاعتداءات، وأعاد العثمانيون قلعة إيروان لإيران، لتعود أرمينيا ثانية إلى إيران تحت سيطرة الحكومة الأفشارية)[222](. وخلال الفترة الفاصلة بين مقتل (نادر شاه) وظهور (آقا محمد خان) شهدت مدن أرمينيا ومنها (إيروان) حكاماً محليين أكثرهم من الإيرانيين، وسعوا لتجنب التبعية لأية قوة خارجية، وشكلوا أقطاباً صغيرة. وكان أشهرهم (إبراهيم خليل خان جواشير) الذي اتخذ من (شوش) مقراً له، وتسلط على إيروان أيضاً، ومع ظهور (آقا محمد خان القاجاري) بدأ جهوده لاستعادة كل منطقة القفقاز وضمها لإيران ثانية، لكن مقتله أفشل تلك الجهود، وفشلت الجهود التي بذلت بعده، ثم بدأت حروب إيران وروسيا، وتعاون بعض الخوانين المحليين في (قرا باغ) و(شوش) و(إيروان) مع الروس، وخاصة السكان الأرمن منهم، ليتخلصوا من نفوذ القاجاريين والخوانين المحليين، ووقعت أرمينيا تحت الاحتلال الروسي، ففقد الأرمن وأرمينيا كل استقلالهم لمدة قرنين من الزمان هذه المرة.
أزمة الحضارة الإسلامية في عصر المغول
نظر المؤرخون المسلمون في القرن السابع الهجري إلى حملة المغول على العالم الإسلامي، أكثر ما نظروا، إلى بعدين اثنين منها، الأول قتل الناس، والثاني القضاء على الخلافة العباسية في بغداد. ولكن بعد استقرار حكمهم، كان منعهم الناس من أداء الواجبات الشرعية، وعلى الأخص فريضة الحج، جلبت انتباه المؤرخين أكثر من أي أمر آخر. وأخيراً بقبول المغول الإسلام، ومن ثم إزالة موانع أداء الفراض الشرعية، أعيد التشرف بالحج، وإن ظلت معارضتهم للخلافة العباسية في مصر باقية كما هي.
لذلك، فإن المصادر التاريخية من القرن الثامن تعتبر هجوم المغول على العالم الإسلامي وعملية تقبلهم الإسلام الطويلة أزمة قصيرة في حياة الحضارة الإسلامية الخالدة.
على الرغم من عدم اتفاق مصادر التاريخ على تحديد فترة عصر المغول في الحضارة الإسلامية، فإنهم متفقون على أنه لم يرَ سوى القتل والخراب والتخريب والاضطرابات ولا شك في أن هجوم المغول وتسلطهم على العالم الإسلامي لم يكن أقل من فاجعة عظيمة في تاريخ الحضارة وكارثة مروّعة في تاريخ الملل الإسلامية، فالمسلمون لم تمر بهم فترة أمرّ، وظروف أقسى، من تلك الفترة وتلكم الظروف. ابن الأثير، المؤرخ المسلم (المتوفى 629هـ) الذي أرّخ في كتابه القيم، الكامل في التاريخ، للإسلام منذ البداية حتى زمانه، عندما يصل إلى فاجعة المغول يراها على درجة من الهول حتى إنه لا يرى في نفسه القدرة على تدوين تاريخ تلك الكارثة، فهو يقول:
منذ سنوات وأنا أتجنب ذكر هذه الحادثة لأني كنت أراها مخيفة مرعبة وكنت أكره تذكرها، لذلك كنت في هذا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى. من يستطيع أن يكون ناقل خبر مجزرة المسلمين؟ من يستطيع أن يرى هذه الحادثة صغيرة؟ ليت أمي لم تلدني، وليتني مت قبل وقوع هذا الحدث وعفيت آثاري. أشار عليّ جمع من الأصحاب أن أدون هذه الحادثة، ولكني كنت أتباطأ في ذلك. ثم رأيت أن ذلك لا نفع فيه، لذلك نقول إن هذا العمل، أي كتابة التاريخ، يشمل ذكر مثل هذا الحدث العظيم والمصيبة الكبرى التي لن ترى الأيام والليالي التالية مثيلاً لها، بل قد لا يرى الناس حتى انقراض الدنيا مثل تلك الحادثة ولا مثل أولئك القوم (المغول) المتعطشين للدماء… هؤلاء المفترسون لم يتركوا أحداً حباً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وبقروا بطون الحوامل وأخرجوا أجنتها. إنا لله وإنا إليه راجعون…» [ابن الأثير، 1355هـ ش، ج26، 124 ـ 126].
ابن واصل، مؤلف مفرج الكروب (المتوفى سنة 698هـ) الذي يحذو حذو ابن الأثير في كتابة التاريخ، لا يقل وصفه لفاجعة المغول عن بشاعة وصف ابن الأثير لها، فهو يقول:
لم ينكب المسلمون بأكبر من المصيبة التي أصابتهم هذه السنة (616هـ). لقد جرى في هذه السنة على المسلمين من التقتيل والعبودية وتسلط العدو على أكثر بلادهم، مما لم يكن له نظير ولا وقع مثل ما وقع في هذه السنة… من وقائع هذه السنة الصدمة الكبيرة والمصيبة العظمى بظهور المغول وتسلطهم في فترة قصيرة على بلاد المسلمين وقلاعهم وإهراق دماء المسلمين، وأسر نسائهم وأبنائهم. منذ ذلك الوقت الذي بعث الله فيه محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم وأظهر دينه على الناس ونصره على المشركين، لم يبتل المسلمون بفاجعة أكبر ولا أعظم من آفة المغول [ابن واصل، 1369هـ ش، 29 ـ 30].
القاضي منهاج سراج الجوزجاني (متوفى بعد 672هـ) الذي ألّف كتابه المشهور باسم طبقات ناصري في 658هـ، أي بعد سنتين من سقوط بغداد، شبّه حملة المغول بيوم القيامة، وذكر عدداً من الأحاديث في ذلك [الجوزجاني، 1362هـ ش، ج2، ص92 وما بعدها]. يكرر الجوزجاني في كتابه الإشارة إلى مذابح المسلمين وخراب بلادهم على أيدي المغول.
هكذا نلاحظ أن هجوم المغول، في نظر العلماء والعارفين في القرن السابع الهجري، كان كارثة من جهتين، الأولى مقتلة الناس وتخريب بلادهم، الثانية القضاء على العباسيين أو قتل الخليفة العباسي على يد الكفار المغول. هذان الحدثان لا يمكن تقويمهما تقويماً متساوياً من وجهة نظر المؤرخين وكبار رجال العلم والأدب في القرن السابع، لأن الفترة ما بين بداية حملة المغول وانتهائها تبلغ نصف قرن تقريباً، والتطورات الأخرى التي حدثت بعد ذلك.
حملة المغول على العالم الإسلامي بدأت في 616هـ/1219م، واستمرت مدة أربعين سنة حتى أدت سنة 656هـ/ 1258م إلى سقوط بغداد وقتل الخليفة العباسي المستعصم (640 ـ 656هـ/ 1242 ـ 1258م). بعد ذلك، حتى بداية القرن الثامن، المغول، أو بكلام أدق، الدوة الإيلخانية المغولية في إيران، استمر عداؤها ومجالداتها ذات الخسائر الكبيرة مع دولة المماليك في مصر (648 ـ 922هـ/ 1250 ـ 1517م).
دولة المماليك التي أسسها عبيد الأيوبيين من الأتراك والجركس (564 ـ 648هـ/1169 ـ 1250م) ـ كانت الدولة الإسلامية الوحيدة التي استطاعت أن تقف بوجه المغول، ولم تضع حداً لفتوحات المغول فحسب، بل هزمتهم هزيمة بعد هزيمة. أول انتصار للمماليك على المغول كان في معركة عين جالوت (658هـ/1259م) التي تعتبر هزيمة حاسمة للمغول. ثم في سنة (676هـ/1277م) في أبلستان تحمل المغول هزيمة منكرة أخرى على أيدي المماليك. وقعت هذه المعركة في أيام آباقاخان، ثاني إيلخان مغولي. وفي أيامه سنة 680هـ/ 1281م، مرة أخرى انتصر المماليك على المغول في معركة حمص. وآخر معركة بينهما جرت على عهد غازان خان (694 ـ 703هـ/ 1295 ـ 1304م)، سادس ملك مغولي. في سنة 699هـ/1300م، في معركة المروج استطاع المغول أن يهزموا جيش سيف الدين قلاوون (678 ـ 689هـ/1279 ـ 1290م)، سلطان المماليك. ولكن المماليك، في سنة 702هـ/1303م، انتصروا انتصاراً باهراً في معركة مرج الصفر وانتقموا لهزيمتهم السابقة [إقبال اشتياني، 1356هـ ش، 193، 208، 216، 272 ـ 282]. على كل حال، خلال تلك الاشتباكات الصغيرة والكبيرة بين الإيلخانيين والمماليك، كان المنتصرون هم المماليك. في الواقع، إن رجولة المماليك وصمْدَهم كانا من أكبر المشكلات الداخلية والخارجية للإيلخانيين [مرتضوي، 1307هـ ش، 39]، كما أن المماليك كانوا يمثلون مشكلة داخلية للإيلخانيين بإحيائهم الخلافة العباسية في مصر وتفاقم الأزمات الداخلية. أكثر أهل السنة الذين كانوا يعيشون تحت الحكم الإيلخاني ظلوا على ولائهم للخليفة الذي استقر في مصر، ولم يكن بمقدور الإيلخانيين تحطيم ذلك الولاء مطلقاً.
بناء على ذلك، في تقويم أوّلي لقضية المغول وتاريخ الحضارة الإسلامية، ثمة نقطتان ـ وهما المجازر البشرية، والقضاء على الخلافة ـ تفقد موضوعيتها بصفتها أمراً كلياً يضم فترة خاصة، متخذة شكلاً مستمراً. إن المجازر البشرية وتخريب البلاد يتعلقان بفترة قصيرة في أوائل الحملة المغولية التي يمكن الحصول على معلومات موثوقة كثيرة عنها. وبالنظر إلى أن المغول في الفترات اللاحقة لحملتهم، قرروا استيطان الأرض التي استولوا عليها، لم يعد اللجوء إلى قتل الناس مبدأ أساساً في سياستهم العسكرية. أما قضية الخلافة فقد دامت ثلاث سنوات فقط، ومن ثم أحييت وعادت إلى الظهور. وقد استأثرت قضية الخلافة العباسية في عصر المغول، أكثر من قتل المسلمين وتخريب بلادهم، باهتمام المؤرخين. المرحوم الدكتور عبدالهادي الحائري، في بحث له تحت عنوان دور المغول في إيجاد الانسجام والشقاق في العالم الإسلامي يضع آراء بعض الباحثين المعاصرين بشأن مقام سقوط بغداد في الحضارة الإسلامية على طاولة الدرس والتمحيص بمهارة العالم، ونظر نظرة شك وترديد إلى نظريات أطلقها أشخاص مثل هاچسن، أحمد أمين، حسن إبراهيم حسن، علي أكبر فياض، عبدالحسين زرين كوب، عباس إقبال اشتياني، بثمان، برنز حبيب الله (الهندي)، كاهين وغيرهم ممن اعتبروا سقوط بغداد فصلاً أساساً في تاريخ الحضارة الإسلامية، وسعى إلى الكشف عن الملامح الفعالة الحية والإيجابية في تاريخ الحضارة الإسلامية في عصر المغول [الحائري، 1368هـ ش، 39 ـ 44].
عند تقويم وضع الخلافة العباسية وهي على وشك السقوط على أيدي المغول يصفونها بأنها كانت شكلية، رمزية وتفتقر إلى أي قوة سياسية وعسكرية، ويرون أن سقوط بغداد جاء نتيجة للانحطاط الذي أصابها منذ أمد وانهارت بضربة من المغول. لذلك فهم لا يرون في هجوم المغول العامل الأصلي في الموضوع)[223](. ولكن العجيب هو أن إحياء الخلافة العباسية في مصر، إحياءاً شكلياً ورمزياً دون شك ـ لأنها استمرت قروناً من دون أن تتمتع بأي قوة سياسية أو عسكرية ـ لم يحظ بأي اهتمام)[224](، إذ في هذه الحالة لن تبقى لسقوط بغداد أية أهمية. أي إن ما حدث كان مجرد انتقال حكومة شكلية من بغداد إلى القاهرة، لا غير. مع ذلك فإن أهمية مسألة سقوط بغداد ما زالت باقية على قوتها، ولا تؤدي إلى وضع النظريات فحسب من جانب المؤرخين، بل تعتبر سبباً لإذكاء الجدل بين فرق المسلمين.
في الواقع، يقوم الغموض والتعقيد في المسألة على أن الخلافة العباسية، في أيامها الأخيرة كانت ضعيفة وشكلية ومفتقرة إلى كل محتوىً قابل للتأمل. على الرغم من أن هذا السبب كاف لبيان علل سقوط دولة ما والاقتناع به، إلاَّ أن حقيقة الأمر ليست كذلك، وذلك لأنه منذ أواسط القرن السادس الهجري، وعلى أثر انهيار سلطة السلاجقة الكبيرة، واتت العباسيين فرصة استعادة قدرتهم السياسية والعسكرية، ومنذئذٍ زادت استعادة هاتين القوتين، السياسية والعسكرية، مركزهم المعنوي والديني. إن أهمية قوة العباسيين في أواخر ذلك القرن يمكن استنتاجها من شاهدين مشهورين جداً، الأول هو لجوء الإسماعيليين في عصر جلال الدين حسن الحديث الإسلام (توفي 618هـ/1221م) إلى الخلافة العباسية من أجل أن يكونوا مقبولين لدى عامة المسلمين [الجويني، 1327هـ ش، ج2، ص343 وما بعدها. والثاني هو سعي السلطان تكش الخوارزمشاهي (568 ـ 596هـ/ 1172 ـ 1199م) لدفع العباسيين عن نواحي إيران المركزية [الجويني، ج2 ص32 وما بعدها] في تلك الأيام، خاصة في عصر خلافة الناصر (575 ـ 622هـ/ 1180 ـ 1225م) كان العباسيون يسعون إلى توطيد نفوذهم في المناطق الغربية والمركزية في إيران، وقد وفقوا إلى حد كبير في غربي إيران، حيث سخّروا ملوك لر الصغرى (تأسست سنة 548هـ) ولر الكبرى (تأسست سنة 543هـ)، وكذلك الأتراك الإيرانيين الأقوياء [مستوفي، 1361هـ]. ولكن في النواحي المركزية من إيران، بعد فترة من التشاحن المعقد، وجدوا أنهم مع مماليك عراق العجم وأتابكان فارس وأتابكان آذربايجان، يواجهون السلطان محمد خوارزمشاه وجهاً لوجه)[225](، السلطان محمد، الذي كان في أوائل القرن السابع، يحكم أكبر دولة إسلامية، أي الدولة الخوارزمشاهية، على الرغم لمن له قوته وقدرته، كان يجد نفسه بحاجة إلى تأييد العباسيين، غير أن الخليفة الناصر كان يرى تلك القدرة في نفسه على مخالفته. فتلك الحاجة وهذه القدرة كانا دليلاً على مكانة العباسيين المكينة في القرن السابع الهجري. إن أهمية التأييد من جانب الخلافة حمل السلطان محمداً الخوارزمشاهي، أخيراً على إعلان خلافة أحد العلويين من سادات ترمذ [الجويني، ج2، ص122]، الأمر الذي حمل الخليفة الناصر (حسب رأي بعضهم)، بتحريض من چنگيزخان على مهاجمة إيران الخوارزمشاهية [مير خواند، 1339هـ. ش ج5، ص79]. فعليه لا بدَّ من الالتفات إلى أنه في عصر فتوحات المغول، بقيادة چنگيزخان (كما جاء في تاريخ سرى مغولان) كان من أهداف حملة چنگيز خان على إيران هو القضاء على العباسيين [Woodman Cleaves, vol. 1, p. 202, 1982] مما يدل أيضاً على أهمية تلك الدولة.
لم تكن حملة المغول الأولى (616 ـ 621هـ/ 1219 ـ 1224م) ذات خطر كبير على العباسيين. بعد ذلك بذل السلطان جلال الدين الخوارزمشاهي (622 ـ 628هـ/ 1225 ـ 1231م)، الذي كان يحكم بقايا الدولة الخوارزمشاهية في إيران، جهوداً مستميتة للحصول على تأييد الخلافة [النسوي، 1365هـ ش، 200 ـ 206] وهو ما يدل أيضاً على أهمية أصل الخلافة التي كانت يومئذٍ هي الخلافة العباسية.
بعد خروج السلطان جلال الدين الخوارزمشاهي من ميدان معركة المسلمين ضد المغول، ابتدأت حملات المغول، من سنة 628 حتى 656هـ، على العباسيين مباشرة. يومذاك كان الخليفة المستنصر (623 ـ 640هـ/ 1226 ـ 1242م) يحكم في بغداد ومثلما كان عصر الناصر عصر استعادة قدرة العباسيين السياسية، كان عصر المستنصر عصر إحياء العلم والثقافة وازدهارهما. كما أن جهوده العسكرية قمينة بالدراسة، إذ إنه حتى سنة 656هـ/ 1256م التي وقعت فيها حملة المغول النهائية على بغداد، كان النصر حليف العباسيين فيما سبق ذلك من حملات [ابن الفوطي، 1351هـ، 194 وما بعدها]. في الوقت الذي كان المغول قد مدوا سيطرتهم على القسم الأعظم من آسيا، كانت خلافة العباسيين ودولتهم معضلة تقض عليهم مضاجعهم، لأن العباسيين كانوا من جهة يحولون دون توسع المغول وتقدمهم في غرب آسيا، ومن جهة أخرى ارتباطهم المعنوي مع المسلمين في الوقت الذي كان المغول يسيطرون على كاشغر حتى همدان، وبذلك كان العباسيون خطراً بالقوة على المغول. لذلك سعت الحكومة المغولية المركزية إلى التغلب على ذلك الخطر بإجراءات سياسية وعسكرية (مما لا يتسع صدر هذا المقال لذكر تفاصيلها). في ذلك الوقت، كانت الدولة المغولية في روسيا بإدارة أولاد جوچي بن چنگيزخان، ومنافسة لدولة المغول المركزية، ترجو أن تستعين بالعباسيين ولجلب تعاون عالم الإسلام [الغساني، 1359هـ ش، 542].
إن هذا الاتجاه لدى أولاد جوچي دليل آخر على قوة العباسيين اللافتة للنظر في أواخر سنوات حكمهم في بغداد. إن مؤرخي عصر المغول يرون أن سبب سقوط بغداد سنة 656هـ/ 1258م وانقراض العباسيين هو عدم قدرتهم على الإدارة والمنازعات الداخلية وضعف نفسية الخليفة المعتصم، ولم يذكروا شيئاً عن انحطاط الدولة العباسية وضعفها، أو أصل الخلافة [الجويني، ج3، ص380 وما بعدها].
إن طرح المفكرين الإسلاميين، مثل الإمام محمد الغزالي (توفي 505هـ) الذي قدمه قبل ذلك بزمن حول الاستعاضة عن الخليفة بسلطان [الغزالي، 1283هـ، 180 وما بعدها]، وكذلك، قبل ذلك بقرون، فوضت الخلافة الكثير من صلاحياتها إلى الأمراء والوزراء، وعهدت بمنصب القضاء إلى أهله)[226](، أحال الخلافة العباسية في أواخر أيامها إلى مجرد قشرة وصورة شكلية، ولا تلقي ضوءاً على المسألة، لأن مباحث من هذا القبيل كانت ذات صفة مدرسية بحتة، ولم تفتح لها طريقاً بين جموع الشعب. وكما يقول الدكتور الحائري، لم يكن الناس قد اعتادوا على عدم وجود الخلافة [الحائري، 39]، كما أن أهل السنّة أيضاً لم يسعَ أحدٌ، نظرياً، إلى حذف الخلافة، سوى أنهم كانوا يرون وجود تمهيدات ومقدمات لظروف يحذف فيها وجود الخليفة، أو يصعب الوصول إليه، تلك الظروف التي لم تكن قد تحققت بعد، ولكن افتراضها عقلاً لم يكن مستحيلاً، أي إن أبحاثاً كهذه كانت بحثاً في المفاهيم وليس في المصاديق التي لم تكن قد تحققت بعد، من ذلك بحث إقامة السلطان مقام الخليفة الذي كان مسبوقاً دائماً بأداة الشرط «إذا»، أي إذا لم يكن هناك خليفة، كان يمكن أن يقوم السلطان مقامه، لا أحد يكون خليفة.
نحن نعلم أن في تاريخ الإسلام، حتى بداية القرن السادس عشر، عندما انقرضت الخلافة العباسية في مصر على يد السلطان سليم العثماني (918 ـ 926هـ/ 1512 ـ 1520م)، لم يصب الخلافة أي خلل أو فتور أساس. إن الفترة بين سقوط بغداد في 656هـ. حتى عودة الخلافة في مصر مرة أخرى في 659هـ لا تزيد عن ثلاث سنوات ولا يمكن أن تكون ذات أهمية تذكر. قبل ذلك أزمات مماثلة، وحتى أشد منها، قد حصلت. المستعصم لم يكن الخليفة الوحيد الذي قتل، والعباسيون لم يكونوا السلسلة الوحيدة من الخلفاء الذين كان القتل من نصيبهم. كما أن المجالدات الخطرة ذات الخسارة الكثيرة بين السلاطين والخلفاء قد حصلت كثيراً، مثل ما جرى بين السلطان محمود الغزنوي (388 ـ 421هـ/ 998 ـ 1030م) والخلافة، وما جرى بين أهل الديلم (320 ـ 447هـ/ 932 ـ 1055م) والخلافة، وصراع الخوارزمشاهيين مع الخلفاء)[227](.
إن الحدثين المهمين اللذين وقعا في العالم الإسلامي على عهد المغول (قتل المسلمين وانقراض الخلافة في بغداد) لا يمكن اعتبارهما بمثابة وضع النهاية للحضارة الإسلامية، وذلك، كما قلنا، لأنه لا الخلافة انتهت ولا المسلمون قضي عليهم قضاءاً مبرماً، ولا توقف التقدم العلمي والأدبي وساير فروع الثقافة والحضارة الإسلامية، بل ظل الخواجة نصير الدين والعلامة الحلي، وابن أبي الحديد، ومؤرخين مثل الجويني ورشيد الدين، وصاف، وأبي الفداء، والمقريزي وعشرات مثلهم في فروع أخرى، يرجعون جميعاً إلى ذلك العصر نفسه.
إن الذين أولوا أهمية كبيرة لسقوط بغداد، كل منهم كان يروم شيئاً من ذلك. فالمسيحيون الذي فقدوا مركزهم منذ القرن الأول الهجري وعلى أثر فتوحات المسلمين، وهبوط مقامهم في آسيا الغربية، رأوا في سقوط بغداد دليلاً حاسماً على زوال المسلمين، ولذلك أعانوا المغول في حملتهم على بغداد، ثم أقاموا سياستهم على الاتحاد مع المغول ضد العالم الإسلامي [ويلتس، 1353هـ ش، 139 وما بعدها]. ومؤرخون مثل الجويني وصاف ورشيد الدين قبل أن يعنوا ببيان قوة المغول، سعوا إلى بيان تأييد الحظ لهم. السبكي، مؤلف طبقات الشافعية الكبرى يتابع المماحكات المذهبية [السبكي، 1383هـ]، ومن بين المعاصرين يحاول أحمد أمين الإشارة إلى عظمة العباسيين [الحائري، 40] وعباس العزاوي، صاحب كتاب تاريخ العراق بين احتلالين، يسعى في الدرجة الأولى للحصول على قوميته الخاصة وهويته [العزاوي، 1410هـ، ج1].
بالرجوع إلى المصادر التاريخية والأدبية الأصيلة للقرن السابع الهجري يمكن أن نعرف بدقة أن المسألة الأساس في العالم الإسلامي في تلك الأيام الحافلة بالرعب والخوف كانت مسألة الاحتفاظ بالهوية الإسلامية وإدامتها. على أثر هجوم المغول وانقراض الدولة الخوارزمشاهية والخلافة العباسية، استولى كفار المغول على الأرض الإسلامية. منذ ظهور الإسلام وانتشاره لم يسبق للبلاد الإسلامية أن وقعت بهذا الشكل تحت سيطرة الكفار. لقد كان المسلمون موفقين في الحفاظ على الثغور والتخوم، وفي الفتح والتقدم، باستثناء بعض نواحي الحدود والجزائر البعيدة.
نحو قرن قبل سيطرة المغول على العالم الإسلامي، وعلى أثر هزيمة السلطان سنجر السلجوقي في معركة قطوان (536هـ/ 1141م) على يد القراختائيين والبوذيين وقع قسم كبير من النواحي الشرقية من العالم الإسلامي تحت سيطرة الكفار [الجوزجاني، 94 وما بعدها]. كانت هذه هي المرة الأولى التي تقع فيها دار الإسلام بهذا الشكل الواسع تحت سيطرة الكفار، حتى أن الدولة الخوارزمشاهية القوية أصبحت من دافعي الخراج للقراختائيين. أما مسلمو المناطق المحتلة فسرعان ما كيفوا أنفسهم مع الظروف الجديدة، كما أن الدولة القراختائية أدركت أن عليها أن ترعى حال أتباعهم المسلمين. [الجويني، ج2، 86 وما بعدها]. لا توجد قرينة على أن تسلط الكفار على بلاد المسلمين كان بمثابة خروجها من دار الإيمان، كما أن روزبهان الخنجي في القرن العاشر الهجري، أي في الوقت الذي كانت هناك تجربة مماثلة لتسلط المغول على العالم الإسلامي، لم يعتبر احتلال الكفار للأرض الإسلامية بمثابة خروجها من دار الإسلام [الخنجي الأصفهاني، 1362، 394 وما بعدها]. قضية القراختائيين واستيلاء الصليبيين القصير على بعض أرض الشام وفلسطين، كانت من الأمثلة القليلة على هزيمة المسلمين قبل حملة المغول، بينما خلال القرون الستة كان للمسلمين حضور مظفر مقرون بالعزة والاستقلال. إلاَّ أن المغول أوجدوا في هذا الميدان تغييراً فاحشاً وخلقوا ظروفاً أخرى، لأنهم كانوا ضد الإسلام ومنعوا أداء الفرائض الشرعية والقيام بالشعائر والسنن الإسلامية.
من المشهور أن چنگيزخان لم يظهر أي تعصب ضد أي من الأديان. وهو نفسه كان على دين الرهبان البوذيين القائم على عبادة الظاهرات الطبيعية وتنبؤات الرهبان. كان المغول يؤمنون بإله أعلى اسمه (ألغ تتگري)، ولكنهم لم تكن لهم أية قوانين شرعية أو خصائص تتميز بها الأديان الكبرى المعروفة، بل كانوا يعملون طبقاً لسنن مكتوبة وغير مكتوبة مبنية على الحياة القبيلية والبدوية والعقائد البوذية التي كانوا يسمونها (ياسا). إلى ما قبل چنگيزخان لم يظهر لمذهب الرهبان البوذيين أي استخدام سياسي، ولكن في سنة 603هـ/ 1206م أعلن كوكوجوي شمن أنه جاء خبر من السماء أن إرادتها هي أن يحكم تموچين، وأهنا أطلقت عليه لقب ابن السماء چنگيز، وهكذا، لأول مرة ودائماً، نال چنگيزخان وعائلته بصورة خاصة به قدرة سياسية قوية لم تتحمل أي منافس أو عدو. وبعد سيطرة المغول على العام الإسلامي، أصبحت الخلافة عدوة ومنافسة شديدة لهم ولمقامهم. وعلى أثر نيل هذا المركز والمقام، أدعى چنگيزخان أنه ملك غير قابل للإنكار على جميع القبائل التركية والمغول من شمال الصين حتى مغولستان وإيران. وقبيل موته بنحو عشرين سنة (624هـ/ 1224م) سعى دون هوادة لفرض إطاعته عليهم، فقد هاجم مناطق مختلفة في الصين وإيران وسيبريا وروسيا، وأباد مدناً كثيرة، وقتل كثيراً من الناس [رشيد الدين، 1367هـ ش، 215 وما بعدها].
في أوائل تأسيس حكم چنگيزخان كان هناك عدد من التجار المسلمين الذين قدموا خدماتهم بصفة مشاورين وسفراء وغير ذلك. وعلى حد قول الجويني، مؤرخ عصر المغول المبرز، كان المسلمون يومذاك محترمين معززين [الجويني، ج1، ص608]. وبعد التحاق عدد من القبائل المسلمة ورؤسائهم بچنگيزخان، بدأ الخصام بين الدولة الخوارزمشاهية التي كانت تدعي الزعامة السياسية على المسلمين (بما فيهم قبائل مناطق كاشغر وبلاساغون)، ودولة چنگيزخان التي كانت تدعي الرئاسة على قبائل الترك والمغول (بصرف النظر عن العقيدة والدين). وفي أواخر أيام چنگيزخان فقد الرجل صبره بشكل واضح نحو المسلمين، لذلك، ففضلاً عن مقتلة مسلمي ما وراء النهر وخراسان، لأسباب عسكرية ولطبيعة السلب والنهب، أصبحت معتقدات المسلمين عرضة للإهانة والتحقير [الجويني، ج1، 80]. لقد كان للدوافع الدينية في إثارة مسلمي تلك المناطق للدفاع ضد المغول دور مهم، لأنهم لم يكونوا مستعدين لتقبل سلطة الكفار عليهم، لذلك فإن الأبعاد السياسية للعقائد الإسلامية غدت سداً محكماً في وجه چنگيزخان، ولا شك في أن الأبعاد السياسية لتلك المواجهة أدت في النهاية إلى مسألة الخلافة، يقولون إن چنگيزخان، بعد فتح ما وراء النهر، طلب علماء المسلمين وسألهم عن الإسلام وأيد كل الذي قالوه له عن التوحيد والنبوة والصلاة والصوم، إلاَّ الحج فإنه أنكره إنكاراً شديداً، وتكلم على غرار الصوفيين، قائلاً إن عبادة الله لا حاجة بها إلى قطع تلك المسافة الطويلة للوصول إلى مكان خاص، وهكذا رفض، بمهارة، قبول أهم مظهر سياسي للعقيدة الإسلامية، الحج، عند المسلمين تحت حكمه [بياني، 1367، ج1].
أصبح الحج، في العصر العباسي، وسيلة سياسية مؤثرة جداً بيد جهاز الخلافة. كانت قوافل الحج تتحرك عادة من نواحي خراسان وما وراء النهر إلى بغداد، وبعد لقاء الخليفة تتوجه إلى مكة، تحت قيادة أمير الحاج، الخليفة، إذ كانوا يسرجون محملاً خالياً على بعير، على اعتبار أنه محمل الخليفة، وتسير القافلة خلفه [الخنجي الأصفهاني 364 ـ 365]. وفي العودة كان الحجاج عادة يعرجون لرؤية الخليفة، وكان ذلك وسيلة مناسبة جداً لإبلاغ وجهات نظر الخلافة السياسية إلى طبقات واسعة من العالم الإسلامي من ذلك مثلاً حركة يعقوب بن ليث الصفاري (247 ـ 256هـ/ 861 ـ 878م) ضد العباسيين، فاستخدموا قوافل الحج لمقاومته [تاريخ سيستان، 1366هـ. ش، 228].
على امتداد سفر الحج وحركة القوافل كان لترتيب القوافل المختلفة أهمية سياسية، وأحياناً أدى إلى المشاحنة. وبالنظر لفعالية الحج السياسية لم يلقها چنگيزخان ببشاشة، وفي الوقت الذي جعل من جيحون حداً لبلاده مع العالم الإسلامي عاد إلى مغولستان (621هـ/ 1224م).
أول من خلف چنگيزخان كان ابنه اكتاي (624 ـ 679هـ/ 1227 ـ 1282). ونظراً لعزمه على الاستيلاء على المزيد من أراضي العالم الإسلامي، اتخذ سياسة التقارب مع المسلمين، وقام بعدد من الإجراءات السياسية والإعلامية المؤدية إلى ذلك. من ذلك أنه قام بسلسلة من العمليات العسكرية أزاح بها السلطان جلال الدين الخوارزمشاهي الذي كان أكبر سد في طريق المغول إلى العالم الإسلامي (628هـ/1239م)، فكانت النتيجة أن أصبحت المناطق من جيحون حتى النواحي الغربية من إيران تحت سيطرة المغول، ومعها الكثير من المسلمين. وعلى الرغم من أن المغول لم يتعرضوا كثيراً للمسلمين، ولا كانت سياسة حكومة المغول المركزية قتل الناس، إلاَّ أن قضيتين اثنتين عمّقتا تدريجياً الخلاف بين المسلمين والمغول. الأولى استقرار حكم المغول في إيران كان يواجه المنافسة بين القاآنيين المغول والخلفاء العباسيين للحصول على تأييد الدول الإيرانية المحلية، مثل السلغريين في قارس، قتلغ خانية كرمان، أتابكية يزد وملوك لرستان. الثانية هي أنه في سنة 636هـ/ 1238م قام المسلمون بانتفاضة في بخارا بقيادة محمود التارائي ضد المغول [الجويني، ج1، ص85 ـ 90] مما حمل المغول على التشدد مع المسلمين. لذلك عهد بما وراء النهر إلى ابن چنگيزخان، جغتاي [بارتولد، 1366هـ، ج2، ص983]، إضافة إلى وجود تركستان تحت إمرته، وبذلك أصبح جميع مسلمي آسيا الوسطى تحت حكمه، جغتاي كان معروفاً باستعمال الشدة مع المسلمين وفي إجراء القوانين والسنن المغولية. لذلك وقع المسلمون تحت ضغط شديد وامتد ذلك إلى نقاط أخرى من بلاد المسلمين، حيث منعت إقامة الفرائض الشرعية والقوانين الدينية، وكان على الجميع أن يحيوا وفق السنن المغولية [بارتولد، 975 وما بعدها].
لم يسبق للمسلمين طوال تاريخهم أن واجهوا حالة بهذه الشدة، بحيث لم يبق من دار الاسلام سوى اسم وإيمان في طي الكتمان. إن محنة المسلمين ومصيبتهم في ذلك الزمن يفوقان حد الوصف، كما أن الحالة كانت تزداد سوءاً، فبعد أكتاي جاء ابنه گيوك (644 ـ 646هـ/ 1246 ـ 1248م) وكان عدواً للمسلمين كذلك، فأولى عنايته للمسيحيين والبوذيين، وسمح لأعداء المسلمين أن يستعرضوا عضلاتهم [رشيد الدين، 1267هـ، ص573]. إن السياسة التي وضع گيوك أسسها استمر الحكام المغول في تطبيقها ضد المسلمين. حكم المغول أوجب تقوية البوذيين واستعراض المسيحيين لقوتهم. إن الاستمرار على هذه السياسة أدى أخيراً إلى حملة هولاكو التي قضت نهائياً على كل مقاومة للمسلمين في إيران والعراق. الإسماعيليون الذين كانت قلاعهم وحصونهم في جبال البرز تعتبر عصيّة على الاقتحام، هزمهم المغول سنة 654هـ/ 1256م وأخضعوهم ثم أبادوهم سنة 656هـ/ 1258م. سلطان العباسيين في بغداد، على الرغم من الجهود الجبارة، تحطم أخيراً في 656هـ/ 1258م، وبدأت مذابح المسلمين في بغداد ونهبت أموالهم، كما قتل الخليفة وأولاده. كان المسلمون يمرون بظروف حالكة الظلام. ولكن في الوقت الذي كان هولاكو وخليفته أباقاخان (663 ـ 680هـ/ 1265 ـ 1281م). يضطهدان المسلمين، ويزيدان من قوة المسيحيين والبوذيين، ويشيدان معابد النار في إيران ويتحدان مع الصليبيين ضد المماليك الذين أعلنوا الخلافة العباسية في القاهرة، ظهر التوجه بين المغول نحو الإسلام، ومن أوائل كبار حكام المغول الذين اعتنقوا الإسلام كان بركاي (654 ـ 664هـ/ 1256 ـ 1266م) بن جوچي بن چنگيزخان. كان هذا يحكم أيضاً المنطقة المغولية في روسيا ووادي قيچان، وبقبوله الإسلام قام لحماية العباسيين. وقد أظهر المؤرخ الجوزجاني السرور لإسلام بركاي، ورأى فيه بارقة أمل تحت تلك الظروف المخيفة التي لم يكن قد بقي من الإسلام إلاَّ رسمه [الجوزجاني، 212 ـ 218]. وبعده، براق خان (664 ـ 668هـ/ 1266 ـ 1270م) حاكم ما وراء النهر، من أحفاد جغتاي، اعتنق الإسلام أيضاً. اتخذ هذان أسلوب الوفاق مع المماليك والخليفة العباسي في مصر، وعن طريق التعاون مع المماليك، أصبحا خطراً على الإيلخانيين في إيران.
إن معاداة الإسلام والمسلمين كلفت الدولة الإيلخانية في الداخل والخارج غالياً، لذلك اعتنق تكودار، الإيلخان المغولي الثالث (680 ـ 683هـ/ 1281 ـ 1284م) الإسلام واتخذ اسم السلطان أحمد. ولكن قبل أن يستطيع تثبيت نفسه، قام المغول الذين كانوا يعادون الإسلام بخلعه وقتله [رشيد الدين، ج2، 784 وما بعدها]. قاتله وخليفته، أرغون خان، (683 ـ 690هـ/ 1284 ـ 1291م) زاد من عدائه للمسلمين ووطد علاقته بالصليبيين أكثر، ولكن بما أن وجود حكومة مغولية بين المسلمين لم يحظ بأي استقبال وقبول، ولم تزل ظروف الخصومة والعداء مطلقاً، بدأت بالظهور بوادر الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أحاطت المشكلات الداخلية والخارجية، بالتوافق، بالدولة الإيلخانية. كانت الصلة الأصلية وجذورها في معاداة الإسلام مما لم يسمح بحصول أي تفاهم بين الحكومة والأمة. إن احتقار ثقافة الشعب ومعتقداتهم لم تجعل من السهل إيجاد أساليب خاصة بالظروف الجديدة لإصلاح الوضع الاقتصادي والإداري لذلك، في تلك الظروف الصعبة أمام الإيلخانيين الناجمة عن معاداة العقيدة الإسلامية وإخفاقاتهم المتتالية في سياساتهم الداخلية والخارجية، قبول غازان خان (694 ـ 703هـ/ 1295 ـ 1304م) الإسلام كان خطوة أساساً على طريق حل تلك المشكلة [رشيد الدين، 1358هـ ش، 76 وما بعدها]. وهكذا، باعتناق المغول الإسلام في أواخر القرن السابع، هدأت الأزمة الدينية العقائدية الكبرى التي أخذت بخناق المجتمع الإسلامي نحو قرن من الزمن. وعلى الرغم من أن الطريق كان لا يزال طويلاً أمام المغول ليتعرفوا قوانين الشرع الإسلامي تعرّفاً كاملاً وأن يعملوا بتعاليمه، إلاَّ أن ذلك اعتبر حياة جديدة للمسلمين.
على أثر إسلام المغول تهيأ لإيران القيام بإصلاحات إدارية واقتصادية واجتماعية على يد السلطان محمود غازان، تلك الإصلاحات التي مكنت في الأساس تطابق أحكام المغول المسلمين مع المجتمع الإسلامي. وفي الوقت نفسه سعى غازان للجعل من اعتناق المغول للإسلام أمراً منفصلاً عن المواجهة مع المماليك والعباسيين في مصر. لذلك فعلى الرغم من الصراع مع المماليك (العباسيين) فإنه واصل بجد أسلمة المغول. في تلك الظروف الجديدة، كان الحج هو المشكلة الوحيدة بين المغول والمسلمين، فقد كان سفر المسلمين الواقعين تحت حكم المغول إلى مكة ممنوعاً، إذ كان الحجاز تحت حكم مماليك مصر. في كل سنة كانت قافلة الحج تقصد من مصر إلى مكة وأمامها محمل الخليفة [ابن بطوطة، 1359هـ ش، 40 و177]. وهكذا ظلت مشكلة الحج السياسية قائمة أمام المغول بمثلما كانت على أيام چنگيزخان، حتى كان عهد أبي سعيد، بهادر خان (716 ـ 736هـ/ 1316 ـ 1336م)، آخر إيلخان مغولي، فتصالح مع مماليك مصر وأنهى تلك المشكلة. لقد وافق أبو سعيد على إرسال قوافل الحج إلى مكة، وفي مكة ذكر اسمه في الخطبة [ابن بطوطة 179]. على الرغم من أن الإيلخانيين المغول لم يعتبروا هذا التعامل مع المماليك بمثابة إعلان الطاعة للعباسيين، إلاَّ أنه كان إعلاناً بانتهاء فترة من التأزم في الحضارة الإسلامية حيث كانت الاعتقادات الإسلامية والتجمع في الحج قد وضعتها في ضيق وحرج شديدين نتيجة لسلطة المغول الكفار. لذلك نرى المصادر التاريخية لأواخر عصر المغول تخلو من تلك المقاضاة الشديدة للمغول، كالسابق.
كان مثل المغول مثل المهاجرين الذين سبقوهم إلى الإسلام واعتنقوه وذابوا في المجتمع الإسلامي تحت ظل الإيمان الجديد واندمجوا مع ساير الأقوام الأخرى. إن مؤرخين مثل ميرخواند، صاحب روضة الصفاء وخواندمير مؤلف حبيب السير لم يكونوا أشداء في إصدار أحكامهم على المغول كما فعل المؤرخون السابقون عليهم، وهذا يدل على أن المؤرخين المسلمين في عصر المغول كانوا ينظرون إلى حضور المغول مجرد أزمة عابرة في الحضارة الإسلامية لا نقطة النهاية فيها، إذ إن تفتح الحضارة الإسلامية وعزتها كانت مستمرة حتى في ذلك العصر، ولم يكن عصر المغول سوى نقطة تحول من نقاط التحول المتوالية في تاريخ الحضارة الإسلامية المديد. إن اتساع رقعة دولة الإسلام وعمق الحضارة الإسلامية أذابا العنصر المغولي، كما أذابا من قبل العناصر والثقافات الأخرى وخلقا بينهم وحدة عقائدية وإيمانية.
المصادر
* ابن الأثير، عز الدين علي، الكامل في التاريخ، ترجمة أبو القاسم حالت، مؤسسة مطبوعاتي علي أكبر علمي، طهران، 1355هـ ش، ج2.
* ابن بطوطة، سفرنامه ابن بطوطة، ترجمة محمد علي الموحد، بنگاه ترجمه ونشر كتاب، طـ2، طهران، 1359هـ ش.
* ابن الفوطي، أبو الفضل عبدالرزاق، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المئة السابعة، مطبعة الفرات، بغداد، 1351.
* أبو عمر عثمان منهاج الدين سراج الجوزجاني، طبقات ناصري، تصحيح عبدالحي الحبيبي، طهران، انتشارات دنياي كتاب، 1362هـ. ش، ج2.
* السبكي، تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبدالفتاح محمد الجلو، حلب، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1383هـ/ 1964م.
* العزاوي، عباس، تاريخ العراق بين احتلالين، قم، منشورات الشريف الرضي، 1410هـ، 1369هـ ش، ج1.
* الغساني، الملك الأشرف، العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك، تحقيق شاكر محمود النعم، بغداد، دار البيان، 1395هـ/ 1975م.
* إقبال آشتياني، عباس، تاريخ مغول، انتشارات أمير كبير، ط 4، طهران، 1365هـ. ش.
* بارتولد، و.و.، تركستان نامه (تركستان در عهد مغول)، ترجمة كريم كشاورز، انتشارات آگاه، ط2، طهران، 1366هـ ش، ج2.
* بياني، شيرين، دين ودولت در ايران عهد مغول (از تشكيل حكومت منطقه أى مغولان تاتشكيل حكومت ايلخاني)، ط2، طهران، 1366هـ ش، ج2.
* تاريخ سيستان، تصحيح ملك الشعراي بهار، انتشارات پديده (خاور)، طهران، ط2، 1366هـ ش.
* جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، تاريخ أيوبيان (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب)، تصحيح حسين محمد ربيع، ترجمة پرويز أتابكي، طهران، انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي، 1369هـ ش.
* الجويني، علاء الدين عطا ملك، تاريخ جهانگشا، محمد بن عبدالوهاب القزويني، انتشارات بامداد وارغوان، ط3، طهران 1327هـ ش، على أساس طبعة بريل، ليدن، 1355هـ/ 1937م.
* الحائري، عبدالهادي، إيران وجهان إسلام (بژهش هاي تاريخي پيرامون جهره ها، أنديشه ها وجنبش ها)، انتشارات قدس رضوي، مشهد، 1368هـ ش.
* الخنجي الأصفهاني، فضل الله بن روزبهان، سلوك الملوك، تصحيح محمد علي الموحد، انتشارات هوارزمي، 1362 هـ ش.
* خواندمير، تاريخ حبيب السير، بعناية دبير سياقي، كتابفروشي خيام، ط3، 1362هـ ش.
* سعدي، مشرف الدين مصلح بن عبدالله الشيرازي، كليات شيخ سعدي، تصحيح محمد علي فروغي، طهران، كتابفروشي وچاپخانه محمد علي علمي، 1336هـ ش.
* مرتضوي، منوچهر، مسايل عصر إيلخانان، انتشارات آگاه، طهران، ط2، 1370هـ ش.
* مستوفي القزويني، حمدالله، تاريخ گزبده، تصحيح إدوارد براون، انتشارات دنياي كتاب، طهران، 1361هـ ش.
* مير خواند، مير محمد ابن ان السيد برهان الدين خاوند شاه، تاريخ روضة الصفاء، انتشارات كتابفروشي هاي مركزي، خيام وپيروز، 1339هـ ش، ج5.
* النسوي، شهاب الدين محمد خرندزي زبدري، سيرت جلال الدين منكبرني، تصحيح مجتبى مينوي، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، ط2، 1365هـ ش.
* ويلتس، دوراكه، سفي ران پاپ به دربار خانان مغول، مسعود رجب نيا، انتشارات خوارزمي، طهران، 1353هـ ش.
* الهمداني، رشيد الدين فضل الله، جامع التواريخ، باهتمام بهم كريمي، انتشارات إقبال، طهران، ط3، 1367هـ ش.
* الهمداني، رشيد الدين فضل الله، تاريخ مبارك غازاني، تصحيح كارل يان، مطبعة استيفن أويستن، هركفورد، بريطانيا، 1358هـ/ 1940م.
* Cleaves, Francis Woodman, The Secret History of the Mongolos, vol. 1, London, Harvard University Press, Cambridge, 1982.
الدكتور عبد الرسول خير أنديش
الأسرة الطباطبائية
(1) الأسرة الطباطبائية: لعلّها أكبر السلائل الحسنية. وينتهي شريف نسبهم إلى إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم القمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه وعلى أولاده الطاهرين وهي طائفة كبيرة منتشرة في عواصم الإسلام وحواضرها وأطرافها وتوابعها ولكن إذا أطلق الطباطبائي في العراق وبالأخص النجف الأشرف فإنما يذهب الذهن إلى تلك الأسرة التي تتفرع من ذلك العلاّمة الكبير والسيد الشهير الذي يلقب (وحقّ له ذلك) ببحر العلوم، السيد مهدي الطباطبائي رضوان الله عليه، المتولد في السنة الخامسة والخمسين بعد الألف والمائة، الموافق تاريخها هذه الحروف (لنصرة آي الحق قد ولد المهدي)، وتوفي في الثانية عشر بعد الألف والمائتين الموافق (بغري) أو (يغرب)، وله عدّة مؤلفات شريفة أشهرها وأشرفها «المصابيح» في عدّة مجلدات، ومنظومة الفقه المشهورة «بالدرّة» المشروحة بعدّة شروح.
أمّا مقاماته العالية وكراماته الباهرة ومساعيه المشكورة وعلومه الغزيرة لهذا الاستطراد دون أنْ يأتي على شيء منها مع وضوحها واشتهارها وسطوع أنوارها.
والسيد محمد الطباطبائي هو حفيد ذلك السيد الكبير وسيد تلك الأسرة الكريمة وكبيرها، وكان من زعماء الرئاسة الدينية في النجف والمتربعين على منصة القضاء النافذ فيها. وكان له كثير شغف بالعلم والبحث والمذاكرة والتحقيق، وكتابه (بُلْغَة الفقيه) يبلغك عن طول باعه في الفقاهة أحسن البلاغ. وقد تقلبت عليه أدوار، ودالت عليه دول وأحوال ومرّت عليه شؤون حتى توفاه الله فجأة في الرابعة أو الخامسة بعد الألف والثلاثمائة والعشرين، وقد ناهز السبعين من العمر.
محمد حسين كاشف الغطاء
الأسرة القزوينية
(1) الأسرة القزوينية: من أشراف الأسر الكريمة، وبدءُ سلسلتهم في العراق تبتدىء من السيد الشريف السيد أحمد القزويني الكبير المعاصر للعلامة بحر العلوم الطباطبائي والمصاهر له على كريمته. لكن نبغ في وفور العلم وكثرة التأليف والتصنيف حفيده العلامة السيد مهدي القزويني (قدّس سرّه)، فقد منحه الله عمراً طويلاً نقده جميعاً في الكتابة والتأليف. بيد أنّ تأليفاته (طاب ثراه) ما كانت مقصورة على الفقه والأصول، بل توسّع فيها على سعة علمه، فصنَّف وأكثرَ في الفقه والأصول والرجال والحكمة والكلام والأخلاق وما يتصل بذلك بل العلوم العربية من النحو والصرف والمعاني والبيان ونظائرها. سوى أنّ من الأسف أنّ تلك الكتب الطائلة لم ينتشر شيء منها إلاَّ أقلّ القليل الذي لا يُذكر في جنب سائرها، وكلها مودوعة في خزانة كتبه عند عائلته، ولم نطلع إلاَّ على أسمائها وعلى نبذ قليلة منها.
ثم نبغ في وسط حياته الشريفة أولاده الأماثل، فذاع لهم من الصيت في العلم والشهامة والمجد والشرف والسخاء والبراعة في الآداب نظماً ونشراً وخطابةً ما لا يتسع المقام لذكر القليل منه فضلاً عن الكثير. أولئك الأعلام الأربعة الذين لا يستطيع الفضل تقديم بعضهم على بعض (إلاَّ بما يقتضيه السنّ تقديماً) على تقارب ما بينهم، فهم كأسنان المشط لا بل كنجوم الجوزاء في وسط السماء. أولئك السيد الميرزا جعفر، والسيد الميرزا صالح، والسيد محمد، والسيد حسين، وكلّهم من كريمة الشيخ العلاّمة المحقق الشيخ علي، سليل الشيخ الكبير كاشف الغطاء. وكان أكثر تحصيل أبيهم العلاّمة القزويني على الشيخ علي جدّهم المذكور، وقد انتقلوا إلى رضوان الله جميعاً. فكانت وفاة الميرزا جعفر في حياة أبيه في أواخر القرن الثالث عشر، وتوفي أبوه العلاّمة بعده)[228](.
وتُوفي بعده الميرزا صالح بسنتين أو ثلاث، وتوفي السيد حسين في السنة الرابعة أو الخامسة والعشرين بعد الثلاثمائة والألف، ولم يبق من صلب السيد إلى عصرنا هذا سوى العلامة السيد محمد، وقد أناف على السبعين)[229](.
ولو ذهبنا إلى إحصاء مؤلفاتهم ومساعيهم وجميع ما قالوا من النظم والنثر، وما قيلَ فيهم لاحتجنا إلى تأليف أكبر كتاب.
وقد قامَ للأدب في أيامهم سوقٌ راجتْ به تجاراتُهُ، ونفقتْ فيه بضائعه. وهذا ديوان الشاعر الشهير السيد حيدر الحلي رحمه الله الذي طبع قبل أعوام يشهدُ لك بذلك، فإنَّ الكثير أو الأكثر منه في تهانيهم ومراثيهم ومراسلاتهم كما تَجدُ كثيراً من القصائد الغُرر فيهم.
وقاعدة بيتهم ومركز تحصيلهم (النجف الأشرف) ويوجد الكثير منهم أعلاماً في ضواحيه ونواحيه من الحلّة وغيرها. وكانت وفاة العلامة السيد مهدي (قدّس سرّه) عند عوده من الحج في إحدى المنازل القريبة من النجف في أول القرن الرابع عشر وكان معه بعض أولاده الكرام، وقد تفنّنت الشعراء في الجمع بين التهنية والعزاء.
الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء
أصل الدين
المعنى اللغوي
الأصل: له عدة معانٍ، منها: أساس الشيء)[230](، والمراد به ما يبتني عليه غيره)[231](.
الدين: له عدة معانٍ أيضاً، منها: الانقياد)[232](، وبهذا المعنى سميت الشريعة ديناً)[233](، وباعتبار هذين المعنيين يكون المعنى اللغوي لأصول الدين هو: الأسس التي تبتني عليها الشريعة.
المعنى الاصطلاحي
لعلَّ الانبساط الأول إلى ذهن الباحث عن معنى لمصطلح في علم ما هو الرجوع إلى الكتب المتخصصة في بيان مصطلحات ذلك العلم، أو الجامعة لها، وعليه، وللوصول إلى تحديد المعنى الاصطلاحي لأصول الدين، كان لا بد من مراجعة الكتب المتخصصة باصطلاحات علم الكلام ككتاب «شرح المصطلحات الكلامية»، لكن عند مراجعته اتضح أنه يقتصر في بيان المصطلح بأمرين، الأول: تعداد أصول الدين، والثاني: تعريف أصول الدين بعلم الكلام، من دون التعرُّض لتحديد المعنى المصطلح)[234](. ولم يكن الحال أفضل عند مراجعة موسوعة «كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم» التي اكتفى مؤلفها التهانوي بذكر المعنى اللغوي للأصل، وعقَّبه بأن أصول الدين هي علم الكلام)[235](.
أما أصحاب المؤلفات الكلامية، فإنهم أكثروا من ترداد مصطلح «أصول الدين» في كتبهم، بل أكثروا من تسمية كتبهم الكلامية بهذا العنوان حتى عرض آقا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة إلى تصانيف الشيعة اثنين وثمانين عنواناً لكتب كلامية، كل منها يحمل عنوان «أصول الدين»)[236](، إضافة إلى عدد كبير من الكتب المعنونة بعناوين شبيهة، كأصول العقائد.
رغم ذلك لم ألحظ فيما قرأته من كتب علم الكلام تحديداً هندسياً واضحاً لهذا المصطلح، فعمَّمه بعضهم لكل العقائد التي تمثل القاعدة للدين، كما يظهر من كلام محمد تقي مصباح يزدي ـ وهو أحد أساتذة الفلسفة المعاصرين في إيران ـ حيث قال: «إن الدين يتألف من قسمين رئيسين:
1 ـ العقيدة أو العقائد التي تمثل الأساس والقاعدة له.
2 ـ التعاليم والأحكام العملية الملائمة لذلك الأساس، أو الأسس العقائدية، والمنبثقة في واقعها من تلك الأسس.
ومن هنا كان من المناسب أن يُسمَّى قسم العقائد من الدين بـ«الأصول»، وقسم الأحكام العملية بـ«الفروع»)[237](.
ويُلاحظ على هذا التعميم لمصطلح أصول الدين ـ أنه شاع بين العلماء التفريق بين أصول الدين، وأصول المذهب، رغم كون أصول المذهب من المسائل العقائدية، وكذا بينه وبين ضرورة الدين، إضافة إلى ضرورة المذهب، رغم كون جملة من ضرورات الدين والمذهب من العقائديات أيضاً، وهذا يعني أن مصطلح أصول الدين يستعمل بمعنى لا يشمل الأمور العقائدية كلها، بل قسماً خاصاً منها، وهذا ما اعترف به محمد تقي مصباح يزدي في كلام آخر له حيث ذكر أن هناك اصطلاحاً خاصاً لأصول الدين يختص بالمعتقدات الأساسية دون غيرها)[238](.
وهذا ما يفتح لنا نافذة لتحديد المعنى الاصطلاحي لأصول الدين الذي لم يرد في الكتاب الكريم ولا في أحاديث المعصومين عليهم السلام: ولعل هذا من أسباب عدم اهتمام العلماء بتحديد هذا المصطلح.
وهناك نافذة أخرى نطلُّ من خلالها لتحديد المعنى الاصطلاحي لأصول الدين، وهو تتبع كلام الفقهاء في أبحاثهم الاستدلالية عند الكلام عن الكافر الذي بحثوا عن الأحكام الشرعية المتعلقة به في مواطن عديدة من كتبهم، كباب الارتداد، والإرث والنجاسات، والملاحظ في هذه الكتب أن بحث الفقهاء فيها عن تحديد معنى الكافر ساقهم للبحث عن مكوِّنات الهوية الإسلامية بما يفسِّر بشكل واضح سرَّ اختلاف العلماء في تحديد عدد أصول الدين.
ومن خلال ما تقدم يمكن الإطلالة على ما اختزنه الكثير من العماء من معنى اصطلاحي لأصول الدين دون التصريح عنه، مع التأكيد أن بعضاً منهم استعمل هذا المصطلح بما ينسجم مع المعنى اللغوي العام دون تحديد معنى خاص به.
وقبل صياغة التعريف الاصطلاحي لأصول الدين يحسن إلقاء الضوء على أمرين مهمَّين:
الأمر الأول: بما أن هذا البحث يقتصر على الدين الإسلامي، فإن أصول هذا الدين هي عبارة عن العناصر الأساسية التي يحقِّق الإيمان بها الهوية الإسلامية.
الأمر الثاني: أن هذه العناصر التي يحقِّق الإيمان بها الهوية الإسلامية على نوعين:
النوع الأول: عناصر لا بد من الإيمان بها على كل حال لتحقيق هوية الإسلام، من دون فرق بين صورة وأخرى، فلو لم يتحقق الإيمان بهذه العناصر من الإنسان، فإنه لا يحكم بإسلامه، حتى لو كان عدم تحققها عن جهل، أو غفلة، أو شبهة، وغيرها. ومثالها: الإيمان بنبوّة خاتم الأنبياء محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم ، فلو أن شخصاً آمن بوحدانية الله تعالى، لكنه لم يؤمن بنبوّته: لشبهة اعترته، أو لجهل دون عناد، فإنه لا يكون مسلماً.
ويعبَّر عن هذه العناصر بأنها التي يكون للإيمان بها موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية، والمقصود من «لها موضوعية» أنها لا بد أن تتحقق على كل حال.
النوع الثاني: عناصر قد يكون لها دخالة في تحقيق هوية الإسلام، لكن في بعض الحالات دون بعض آخر. ومثالها: الإيمان بضغطة القبر؛ فإن عدم الإيمان بها لا يُخرِج من الإسلام في جميع الحالات والصور، بل القدر المتيقَّن هو أن منكر ضغطة القبر يَخرُج من الإسلام إذا كان إنكاره يرجع إلى تكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، أو إنكار رسالته.
لذا فإن الإيمان بضغطة القبر ليس له موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية.
وأصول الدين كما يفهم من كلمات العلماء هي ما كانت من النوع الأول.
قال أبو القاسم الخوئي رحمه الله ـ على ما قرَّره تلميذه علي الغروي رحمه الله ـ: «قد اعتُبِرَ في الشريعة المقدسة أمور على وجه الموضوعية في تحقق الإسلام، بمعنى أن إنكارها، أو الجهل بها يقتضي الحكم بكفر جاهلها، أو منكرها، وإن لم يستحق بذلك العقاب؛ لاستناد جهله إلى قصوره وكونه من المستضعفين.
«فمنها»: الاعتراف بوجوده جلت عظمته، ووحدانيته في قبال الشرك، وتدل على اعتبار ذلك جملة من الآيات والروايات، وهي من الكثرة بمكان.
«ومنها»: الاعتراف بنبوة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ورسالته، وهو أيضاً مدلول جملة وافية من الآيات والروايات، منها: قوله عزَّ من قائل: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، وَادَّعُواْ شُهَدَاءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ*})[239](.
«ومنها»: الاعتراف بالمعاد)[240](.
إن عرض تمام الكلام السابق لأبي القاسم الخوئي رحمه الله كان لإعطاء مثال على ما مرَّ سابقاً، فأبو القاسم الخوئي رحمه الله ـ وهو من الفقهاء الكبار ـ قد ورد كلامه كتعليق على حكم فقهي بنجاسة الكافر، فناسب ذلك الحديث عن محدِّدات الهوية الإسلامية، ثم عقَّب ذلك ببيان الأمور التي تحقِّق هذه الهوية، فحصرها بالعناوين الثلاثة المتقدمة التي من الواضح انطباق مصطلح أصول الدين عليها. وهي ـ أي العناوين الثلاثة ـ التي اعتبرها محمد تقي مصباح اليزدي العقائد الأساسية، والأصلية التي يطلق عليها أصول الدين بالاصطلاح الخاص)[241](.
بعدما تقدم يمكن لنا صياغة تعريف لمصطلح أصول الدين هو التالي: «العناصر التي يكون للإيمان بها موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية».
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن أبا القاسم الخوئي رحمه الله أثناء حديثه عما يحقق الهوية الإسلامية ميَّز في تحقق هذه الهوية بين عالمي الدنيا والآخرة، حيث تكون الهوية الإسلامية في عالم الآخرة نتاج الإيمان الحقيقي الواقعي، بينما المقصود من هذه الهوية في الدنيا هو ما يترتب عليه آثار الإسلام فيها من حرمة المال، والدم، والعرْض، وأحكام الزواج، وغير ذلك، وقد اعتبر الخوئي رحمه الله أن الأصول الثلاثة التي ذكرها وعرضناها سابقاً هي ما يحقق هوية الإسلام في الدنيا)[242](.
عدد أصول الدين
وعلى كلٍّ فإن المتتبع لكلمات العلماء، لا سيَّما الكلاميين منهم، يلاحظ أن عدد أصول الدين يتراوح عندهم بين الأعداد التالية:
1 ـ خمسة، هي: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، والمعاد.
2 ـ ثلاثة، هي: التوحيد، النبوة، والمعاد.
3 ـ اثنان، هي: التوحيد، والنبوة.
والبحث الأساس سيدور حول كون أصول الدين ثلاثة أو اثنين؛ وذلك لأن نتيجة هذا البحث ستوضِّح حال الاتجاه الأول (إن عددها خمسة)، فضلاً عن أن الكثير ممن أفاد بكون أصول الدين خمسة لم يرد المعنى الاصطلاحي السابق، بل خلط في بعضها بين أصول الدين وأصول المذهب، وفي بعضها الآخر بين أصول الدين وفروع أخرى، كما سيتبيَّن لاحقاً.
وبحصر البحث ودورانه بين الأصول الثلاثة، والأصلين، فإن السؤال الأساس سيتوجه نحو «المعاد»: هل هو أصل ديني بالمعنى الاصطلاحي المتقدم، أم لا؟
وقبل الجواب لا بدَّ من التأكيد على عدم الخلاف بين علماء الإسلام في كون منكر المعاد، وهو ملتفت إلى أن إنكاره ملازم لتكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، أو إنكار رسالته، هو كافر بلا شك، إلا أن الكلام هو في كون المعاد من العناصر التي لها موضوعية في تحقيق هوية الإسلام، بحيث يقال: إن من لا يؤمن به ولو لجهل، أو غفلة، أو شبهة، مع إيمانه بالتوحيد وبنبوة محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم هو كافر، وليس بمسلم.
والجواب الذي يقتضيه السير العلمي الصحيح هو أن أصول الدين الإسلامي بالمعنى الاصطلاحي السابق تنحصر بالتوحيد)[243]( والنبوة الخاصة (نبوة محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم)، فيكفي الإقرار بهذين الأصلين للحكم على المقرِّ بهما بأنه مسلم)[244](، وإن لم يعتقد بالمعاد لجهل، أو غفلة، ونحوهما، مع التأكيد أن لا يكون ذلك مستلزماً لتكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو إنكار رسالته.
وهذا هو مفاد كلام الكثير من علماء الإسلام، حتى أن أبا القاسم الخوئي رحمه الله نفسه الذي اعتبر المعاد أصلاً ـ كما تقدم ـ اعترف أن الفقهاء أهملوا عدَّ المعاد من جملة أصول الدين)[245](.
ونتعرض هنا لكلام نخبة من كبار العلماء الذين لم يعدُّوا المعاد من جملة أصول الدين ـ بحسب المعنى المحدّد سابقاً ـ:
قال مرتضى الأنصاري (ت1281هـ) ـ وهو من كبار علماء الشيعة وأبرزهم ـ: «… فإن المقصود أنه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد، والتصديق بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وبكونه رسولاً صادقاً فيما يبلِّغ»)[246](.
أكَّد الفقيه والمتكلِّم مقداد بن عبدالله السيروي الحلي (ت826هـ) أن الإسلام هو الإقرار بالشهادتين)[247](.
وقال عبدالأعلى السبزوراي رحمه الله: «لا ريب أنه (أي الإسلام) عبارة عن الشهادتين فمع الإقرار بهما يتحقق أصل الإسلام»)[248](.
وقال محمد كاظم الطباطبائي اليزدي في كتابه المعروف «العروة الوثقى»: «والمراد بالكافر من كان منكراً للألوهية، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ضرورياً من ضروريات الدين، مع الالتفات إلى كونه ضرورياً، بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة»)[249](.
فهو قد حدَّد الكافر بإنكار الألوهية، أو التوحيد، أو الرسالة، ثم تعرَّض لإنكار ضروريات الدين مقيِّداً الحكم بكفر المنكر بها بالالتفات إلى كونها من ضرورياته بحيث يرجع إنكارها إلى إنكار الرسالة، وما ذلك إلا لخصوصية في هذه العناوين الثلاثة التي يمكن اختصارها بعنوانين هما: التوحيد والرسالة؛ لكون التوحيد يتضمن الإيمان بوجود الله تعالى. وهذه الخصوصية هي كونهما أصلي دين، لا ضرورتين من ضرورياته.
من هنا علَّق أبو القاسم الخوئي رحمه الله على كلام اليزدي رحمه الله بعد كلمة «أو الرسالة» مباشرة بقوله: «أو المعاد»)[250]( لكونه يعتبره أصلاً ثالثاً.
وكذلك فعل حسن القمي رحمه الله في تعليقته على هذه العبارة في العروة الوثقى)[251](.
وكلام اليزدي المذكور آنفاً لا يمثل رأيه فقط، بل إضافة إليه يمثِّل آراء ثمانية من فقهاء الشيعة ـ بعد استثناء أبي القاسم الخوئي وحسن القمي ـ وهم: روح الله الموسوي الخميني، محمد رضا الكلبايكاني، شهاب الدين المرعشي النجفي، محمد كاظم الشريعتمداري، أبو الحسن الرفيعي، محمود الشاهرودي، محمد الهادي الميلاني، وأحمد الخونساري، وذلك لأن كتاب العروة الوثقى هو رسالة عملية علَّق عليها عشرة فقهاء متَّبعين منهجاً مفاده أن عدم التعليق على المتن يفيد تبنِّي الرأي الموجود فيه.
وعليه يكون ما ذكره اليزدي رحمه الله من تحديد الكفر، والذي لازمه تحديد الهوية الإسلامية بالأصلين يمثل آراء الفقهاء الثمانية الآخرين.
أدلة القائلين بثنائية أصول الدين
وقد استدل على انحصار أصول الدين بالتوحيد والنبوة الخاصة بعدة أدلة منها:
الدليل الأول: السيرة المشهورة للنبي الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلم من أنه كان يقبل الإسلام ممن تشهَّد بالشهادتين، من دون أن يلزمه بأية إضافة أخرى.
الدليل الثاني: رواية جميل بن درَّاج ـ وهي صحيحة سنداً ـ قال: سألت أبا عبدالله (أي الإمام الصادق عليه السلام) عن الإيمان، فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»)[252](.
فمقتضى إطلاق هذه الرواية عدم اعتبار الإقرار بشيء آخر في تحقق الهوية الإسلامية)[253](.
الدليل الثالث: رواية سماعة عن الإمام الصادق عليه السلام ـ وهي رواية معتبرة السند)[254]( ـ: «الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، به حُقِنَت الدماء، وعليه جرت المناكح، وعلى ظاهره جماعة الناس»)[255](.
وقد استدلَّ بهذه الرواية على أن الهوية الإسلامية تتحقق فقط بهذين الأصلين ثلة من العلماء الكبار من بينهم: الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه)[256](، وعلي الطباطبائي في رياض المسائل)[257]( ومحمد صادق الروحاني في فقه الصادق)[258](.
ويؤيد انحصار أصول الدين بالتوحيد والنبوة رواية محمد بن سالم عن الإمام أبي جعفر (أي الإمام الباقر عليه السلام) أنه قال: «… ثم بعث الله محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشرين سنة أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم رسول الله، إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذِّب الله أحداً ممن مات، وهو متَّبِع لمحمد صلَّى الله عليه وآله وسلم على ذلك إلا من أشرك بالرحمن»)[259](.
وقد علَّق مرتضى الأنصاري على هذه الرواية قائلاً: «وهو إيمان التصديق؛ فإن الظاهر أن حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حدِّ الكفر الموجب للخلود في النار لم تتغيَّر بعد انتشار الشريعة»)[260](.
وخلاصة ما تقدم أن العناصر التي لها موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية تنحصر بأصلين هما: التوحيد، ونبوة محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
أدلة القائلين بثلاثية أصول الدين
ورغم الأدلة السابقة على انحصار أصول الدين بأصلين، فإن بعض العلماء صرَّح بكونها ثلاثة، بإضافة المعاد إلى التوحيد والنبوة)[261](، وإن كان بعض هؤلاء أطلق قوله من دون تحديد دقيق للمعنى المراد من الأصل.
ومن هؤلاء الأعلام القائلين بثلاثية أصول الدين أبو القاسم الخوئي رحمه الله الذي استدل على كون المعاد أصلاً ثالثاً بعدة آيات قرآنية قرن الله تعالى فيها الإيمان به بالإيمان بالمعاد)[262](.
والآيات التي عرضها رحمه الله هي التالية:
1 ـ قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[263](.
2 ـ قوله تعالى: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[264](.
3 ـ قوله تعالى: {مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[265](.
4 ـ قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[266](.
وبعد استعراض هذه الآيات قال الخوئي رحمه الله: «ولا مناص معها من اعتبار الإقرار بالمعاد على وجه الموضوعية في تحقق الإسلام»)[267](.
وكأنَّ الخوئي رحمه الله استظهر «من عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله أنه كالإيمان به في كونه دخيلاً في الإسلام، وكفر منكره»)[268](.
لكن يُلاحظ على ما قدَّمه أن مجرد عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله لا يدل على أنهما من قبيل واحد، وأن كلاًّ منهما له موضوعية في تحقيق هوية الإسلام، بل قد يُحمل العطف على معنى آخر، كأن يُحمل على التهديد كما في الآية الثانية، وهو ما قد يفهم من خلال مطلع هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[269](.
فالعطف في هذه الآية قد يكون من باب تهديد من يكتُمنَ ذلك بعقاب يوم القيامة. وعلى هذا النحو تُحمل باقي الآيات.
فدخالة الإيمان بالمعاد في الإسلام «إنما هو باعتبار كونه من أوضح، وأبده ما اشتملت عليه الرسالة، وليس قيداً مستقلاً في الإسلام»)[270]( أي لا موضوعية له في تحقيق الهوية الإسلامية.
والنتيجة أنه لم يستقم ما طرح كدليل على وجود أصل ثالث للدين الإسلامي لِيُضاف إلى التوحيد، والنبوة الخاصة.
أكرم بركات
أصل المذهب
المعنى اللغوي
لـ«الأصل» لغةً عدة معانٍ منها أساس الشيء، أي: ما يبتني عليه غيره.
أما «المذهب» فهو مَفْعل من الذهاب)[271](، يأتي بمعنى الطريقة، فيقال: ذهب فلان مذهباً حسناً، أي طريقة حسنة، ويستعمل أيضاً بمعنى «المعتقد الذي يذهب إليه»)[272](.
وقد استفاد المرتضى رحمه الله ـ وهو من كبار علماء الشيعة المتقدمين ـ من هذا المعنى ليعرفه بأنه «اعتقاد يستمر عليه صاحبه على جهة التدين»)[273](.
لذا سميت الاتجاهات الفكرية التي يعبَّر كلٌّ منها عن فهم خاص للدين الإسلامي بالمذاهب، فيقال: مذهب الأشاعرة، ومذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة.
المعنى الاصطلاحي
من خلال ملاحظة تعريف مصطلح أصول الدين يمكن معرفة المعنى الاصطلاحي لأصول المذهب، بل يمكن صياغة تعريف له على نفس منوال التعريف لأصول الدين، وهو:
أصول المذهب هي «العناصر التي يكون للإيمان بها موضوعية في تحقيق الهوية المذهبية». وإن أريد تعريف أصول المذهب الإمامي يقال: «الإمامية» مكان «المذهبية»، أو بعدها.
ويتمثل أصل المذهب عند الإمامية في إمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام فإن لاعتقاد إمامتهم موضوعية في تحقيق هوية التشيع الإمامي، فلو لم يتحقق هذا الإيمان والاعتقاد في شخص، فإنه لا يكون إمامياً، ولا تترتب عليه آثار هذا التشيع، كجواز تقليده، ونحوه، حتى لو كان عدم إيمانه بالأئمة عليهم السلام عن جهل، أو شبهة، ونحوهما.
وهذا بخلاف بعض المعتقدات التي طرحتها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فإن عدم الإيمان بها لجهل، ونحوه قد لا يُخرِج عن المذهب الحقّ.
عدد أصول المذهب
تعارف القول بأن أصول الدين عند الشيعة الإمامية خمسة: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.
وقد فصَّل البعض في ذلك فقال: إن ثلاثة من هذه الخمسة تتحقق بها هوية الإسلام وهي: التوحيد، والنبوة، والمعاد، وإن اثنين منها تتحقق بهما هوية التشيّع الإمامي، وهما: العدل والإمامة.
وقد تقدم الكلام تحت عنوان أصل الدين عن العناصر التي تحقق الهوية الإسلامية، وفي أنها ثلاثة، أو اثنان.
بقي الكلام فيما تتحقق به هوية التشيع الإمامي، وهي العناصر الزائدة على أصول الدين، فمما لا شك فيه ولا خلاف أن الاعتقاد بالأئمة الإثني عشر عنصرٌ له موضوعية في تحقيق الهوية الشيعية ـ كما تقدم ـ فمن لا يؤمن به عمداً، أو جهلاً، أو لشبهة، أو لغير ذلك، فهو خارج من المذهب الإمامي.
أما العدل فهو ـ باعتباره صفة من صفات الله تعالى ـ من صميم الدين عند كل المذاهب الإسلامية، بدون إنكار من أحد، فهو بهذا الاعتبار ليس من أصول المذهب بالمعنى الاصطلاحي، بل حاله حال باقي صفات الله تعالى. وعليه قد يتساءل عن السرَّ في عدِّه أصلاً من أصول مذهب الشيعة الإمامية)[274](.
والجواب هو أنه حصل خلاف بين المذاهب الإسلامية في تفسير عدله تعالى، وبالتحديد اختلفوا في أن الأفعال الصادرة عن الفاعل المريد، هل تتصف بالحسن والقبح، بحيث يستطيع العقل البشري أن يُدرك حسنها وقبحها؟ أي هل يوجد في الواقع حسن ذاتي للأشياء وقبح ذاتي لها؟ أم أنه لا يوجد حسن ذاتي، ولا قبح كذلك، وإنما الحسن ما حسَّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه.
اختار المذهب الشيعي وكذا المعتزلة الرأي الأول المثبت للحسن والقبح العقليين، بينما اختار الأشاعرة الرأي الثاني النافي للحسن والقبح العقليين.
وهذا الخلاف له أهمية بالغة في البناء العقائدي)[275](، فمن باب المثال، فإنه على مذهب الأشاعرة لو كلَّف الله العباد بما لا يقدرون عليه، فليس قبيحاً، بل هو حسن؛ لأنه فعل الشارع، بينما قالت العدلية (الشيعية والمعتزلة): إن العقل يدرك أن هذا قبيح، ولا يمكن أن يصدر من الله الغني الحكيم، وعليه، فإن مذهب الأشاعرة، وإن ذهب ظاهراً إلى أن الله عادل، إلا أنه ينكر العدالة الواقعية القائمة على أساس يكتشفه العقل من خلال معرفته بالحسن والقبح.
لذا أضحى من سمات المذهب الإمامي القول بعدل الله، حتى سمي الإماميون بالعدلية كما تقدم.
من هنا نعلم أنَّ «العدل» هو كغيره من صفات الله تعالى كالعلم، والقدرة، والحياة، إلا أنه عُنْون بعنوان «أصل» لوقوع النزاع فيه، وإلا لولا هذا الخلاف القائم فيه لما كان على قائمة أصول المذهب، كما هو حال غيره من صفات الله تعالى)[276](.
يقول المطهري رحمه الله: «عدله تعالى باعتباره من مسلّمات القرآن، وضروريات الدين، من أصول العقيدة، وصميم الدين، لكن هذا ليس مما يختص به، بل الأمر في العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة كذلك، إلا أن العدل إنما عُدَّ من أصول مذهب العدلية؛ ليكون مميِّزاً ومعرِّفاً لمذهبهم»)[277](.
والنتيجة: أن العدل ليس أصلاً مذهبياً بالمعنى الاصطلاحي السابق بحيث يكون الاعتقاد به هو المحور الأساس الذي يقرِّر الهوية الإمامية للمسلم.
وعليه فأصول المذهب الإمامي ـ بالمعنى الاصطلاحي السابق ـ تنحصر بالإيمان بالأئمة الإثني عشر سلام الله تعالى عليهم.
أكرم بركات
أصول السيرة النبوية
وتطوراتها في القرنين الأول والثاني
لا شك في الأهمية الكبرى التي كانت لأقوال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأعماله في حياته، وأكثر منها بعد وفاته.
ومن الطبيعي أن تورث هذه الأهمية عناية بتدوين تفاصيل حياته وجمع الأخبار والأحاديث عنه صلَّى الله عليه وآله وسلم، وطبيعي أيضاً أن تكون القصص الشعبية عن سيرته موجودة في حياته، معتنىً بها ـ كحال الناس في العناية بقصص الأنبياء من قبل ـ وطبيعي أن يكون بعض الصحابة قد تفوَّق على أقرانه في علمه بسيرته ومغازيه.
كتّاب السيرة الأوائل
إن أول من صنّف فيها هو عُروة بن الزبير بن العوام (ت92هـ) وذكر ابن سعد في كتابه «الطبقات» ما يفيد: إن أول من تخصص فيها هو أبان بن عثمان بن عفان (ت105هـ)، روى بعضها عنه المغيرة بن عبدالرحمن. ثم تنبه إلى جمع أخبارها والتحديث بها وهب بن منبّه اليمني (ت110هـ) ثم عاصم بن عمر بن قتادة (ت120هـ) الذي يروي عنه ابن إسحاق بعض أخبار سيرته ـ كخبره عن دعاء النبي للاستسقاء في طريق تبوك، وكثرة النفاق ـ ثم شرحبيل بن سعد الشامي (ت123هـ) ثم عبدالله بن أبي بكر بن حزم القاضي (ت135هـ) الذي طلب منه عمر بن عبدالعزيز أن يكتب إليه ما عنده من الأحاديث فنشرها بين الناس. ثم موسى بن عقبة (ت141هـ) ثم معمر بن راشد (ت150هـ) ثم محمد بن إسحاق بن يسار المدني ـ وقيل بشار ـ بن خيار من سبي عين تمر بالعراق (ت153هـ) ثم راويته زياد بن عبدالملك البكّائي الكوفي العامري (ت183هـ) ثم محمد بن عمر بن واقد المعروف بالواقدي صاحب كتاب المغازي (ت207هـ) ثم راوية ابن زياد البكّائي عن ابن إسحاق: عبدالملك بن هشام الحِمْيَري اليمني البصري (ت218هـ).
ولم يصلنا من كُتب هؤلاء شيء سوى سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام عن البكّائي عن ابن إسحاق، ومغازي الواقدي، اللهم إلا روايات في طيات أمهات المصادر التأريخية فيما بعد.
المؤرخون الأوائل
وإلى جانب هؤلاء ظهر من لم يقتصر على أخبار سيرة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم، بل جمع إليها أخبار الجاهلية قبل الإسلام، ثم أخبار الخلفاء بعده، أو جمع أخبار بعض الخلفاء، أو الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فقط، فكانوا مؤرخين بالمعنى العام. منهم: محمد بن السائب الكلبي الكوفي النسّابة (ت146هـ) وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الكوفي (ت157هـ) وهشام بن محمد الكلبي الكوفي (ت206هـ) ونصر بن مزاحم المنقري الكوفي (ت212هـ) وعبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت274هـ) وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري(ت 279هـ) وإبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي الأصبهاني (ت283هـ) وأبو الفرج علي بن الحسين الأموي الأصبهاني (ت284هـ) وأحمد بن واضح بن يعقوب البغدادي (ت292هـ) ومحمد بن جرير الطبري (ت310هـ) وعلي بن الحسين المسعودي البغدادي (ت346هـ) ومحمد بن محمد بن النعمان التَّلعكبري المفيد (ت413هـ).
الأثر الباقي في السيرة
عرفنا أن الكتابة في سيرة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كانت قد حصلت في التابعين وتابعي التابعين، كما رأينا قائمة أسمائهم وتواريخ وفياتهم، ولكنها لم تكن كثيرة، بل هي مهما أطلنا الحديث عنها كانت قليلة جداً، لا تعدو أن تكون صحفاً فيها بعض الأخبار عن سيرة المختار صلَّى الله عليه وآله وسلم.
أما الكتاب الذي كُتب له الموفّقية والنجاح وشهرة الاعتماد والوثوق فهو سيرة محمد بن إسحاق، التي ألّفها في أوائل أيام العباسيين.
يروون أنه دخل يوماً على المنصور وبين يديه ابنه المهدي، فقال له المنصور: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين: فقال: اذهب فصنّف له كتاباً منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى يومنا هذا. فذهب ابن إسحاق فصنّف له الكتاب وأتاه به فلما رآه قال: لقد طوّلته يا ابن إسحاق فاذهب فاختصره. فاختصره، وأُلقي الكتاب الكبير في خزانة الخليفة.
وفي هذا المعنى رُوي عن ابن عَدي الرجالي المعروف أنه كان يقول في ابن إسحاق: «لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ومبعثه ومبتدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق، وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد ما تهيأ أن يُقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ واتهم في الشيء كما يخطىء غيره. ولم يتخلَّف في الرواية عنه الثقات والأئمة الأثبات، أخرج له مسلم في المبايعات، واستشهد به البخاري في مواضع، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة».
ثم أصبح ابن إسحاق في الحقيقة عمدة المؤلفين في السيرة، فما من كاتب في السيرة إلا وهو مستمد منه وراوٍ عنه، اللهم إلا ما نأتي عليه من مغازي الواقدي ورواية كاتبه ابن سعد عنه، وما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكذلك أصبح كتاب ابن إسحاق عُمدة الكتب في السيرة لقرائها منذ أن «كتبه إلى يومنا هذا ـ ولا سيما بعد تهذيبها من قبل ابن هشام ـ بحيث أنك لا تكاد تجد رجلاً يدرس سيرة الرسول الكريم إلا وكتاب ابن إسحاق كتابه الأول والأُم في ذلك.
عمل ابن هشام في سيرة ابن إسحاق
وقد جاء بعده عبدالملك بن هشام الحميري البصري (ت218هـ) بنصف قرنٍ تقريباً، فروى سيرة ابن إسحاق برواية زياد بن عبدالملك البكّائي العامري الكوفي (ت183هـ) ولكنه لم يروها كما هي بل تناولها بكثير من التمرير والاختصار والإضافة والنقد أحياناً، والمعارضة بروايات أُخر لغيره، عبَّر عن أعماله هذه بقوله في صدر سيرته: «وأنا إن شاء الله مبتدىء هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن وَلد رسول الله من وُلده، أولادهم لأصلابهم الأول فالأول من إسماعيل إلى رسول الله، وما يعرض من حديثهم ـ وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل للاختصار ـ إلى حديث سيرة رسول الله. وتارك بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شيء. وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيراً له ولا شاهداً عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أرَ أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به (!) وبعض يسوء بعض الناس ذكره (!) وبعض لم يُقرّ لنا البكّائي بروايته (!) ومُستَقصٍ ـ إن شاء الله تعالى ـ ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به»)[278](.
إذاً فقد أسقط ابن هشام من عمل ابن إسحاق: تأريخ الأنبياء من آدم إلى إبراهيم، ومن ولد إسماعيل من ليس في عمود النسب النبوي الشريف، كما حذف من الأخبار ما يسوء بعض الناس! ومن الشعر ما لم يثبت لديه. ولكنه زاد فيه مما ثبتت لديه من رواية، ولذلك نُسبت السيرة إليه وعُرفت به، حتى لا يكاد يذكر ابن إسحاق معه، فقد عُرفت سيرة ابن إسحاق بين العلماء منذ عهد بعيد باسم سيرة ابن هشام، لما له فيها من رواية وتهذيب، وبهذا الصدد قال ابن خلكان في ترجمة ابن هشام: «وابن هشام هذا هو الذي جمع سيرة رسول الله من المغازي والسير لابن إسحاق وهذَّبها ولخّصها، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هشام».
ولم تنقطع العناية بالتأليف في السيرة إلى يومنا هذا، إلا أن الموضوع في ذاته ليس أمراً يقوم على التجارب، أو فكرة يقيمها برهان وينقصها برهان، شأن النظريات العلمية التي نرى تجديدها وتغييرها على مر السنين، وإنما هو من العلوم النقلية لا العقلية، فكان المشتغلون به أولاً محدّثين ناقلين، ثم جاء من بعدهم جامعين مبوِّبين ثم ناقدين معلِّقين.
ولم يكن قابلاً للتجديد في جوهره، إلا بمقدار قليل حسب النقد الدقيق، وإنما كان التجديد في أشكاله وصوره شرحاً أو اختصاراً، أو شيئاً من النقد قليلاً مشيراً إلى ما فيه من أخطاء.
ولعلَّ الذين تناولوا السيرة بالتلخيص والاختصار، إنما خفَّفوا من ثقل الكتاب بعض أخباره التي استبعدوها غير مؤمنين بصحّتها، ناقلين من الأخبار ما يرون فيها القرب من الحقّ، ومستبعدين ما لا يجري في ذلك مع فكرتهم وعقيدتهم مفنَّدين إياه رادِّين له.
ولعل من علل انتشار أخبار ابن إسحاق ثم كتابه في السيرة كثرة رحلاته، فالراجح في تأريخ مولده في المدينة أنه كان سنة 85هـ، ولا يرتاب الرجاليون وأصحاب الطبقات في أنه أمضى شبابه في المدينة فتىً جميلاً «فارسي الخلقة» جذّاب الوجه له شعرة حسنة، ولذلك حكى ابن النديم بشأنه في فهرسته: أنه اتهم بأنه يجلس في مؤخر المسجد للصلاة فيُغازل بعض النساء، فأمر أمير المدينة بإحضاره وضربه أسواطاً ونهاه عن الجلوس في مؤخّر المسجد. ولعله لهذا لم يروِ عنه من أهل المدينة غير راوٍ واحدٍ هو إبراهيم بن سعد فحسب)[279](.
ولعلَّه لهذا رحل منها سنة 115هـ. أي في الثلاثين من عمره إلى الإسكندرية في مصر، ويُظنّ أنها أُولى رحلاته، فانفرد بروايته أحاديث عن عدة من رجال الحديث بها. ثم رحل إلى الكوفة والبحيرة، ولعله بها التقى بالمنصور فصنَّف لابنه المهدي كتاب السيرة كما سبق، فرواها عنه زياد بن عبدالملك البكّائي العامري وغيره، ورحل إلى الجزيرة أي الموصل، والرّي حتى إذا بُنيت بغداد فرجع إليها وفيها ألقى عصا الترحال، وله من كل هذه البلدان رواة كثيرون. وعاش في بغداد حتى توفّي بها فدُفن في مقابر الخيزران.
وقد كان ابن إسحاق يُعد في طبقة تلامذة عبدالملك بن شهاب الزُّهري وأقرانه، وله عنه روايات، ونقل أصحاب الطبقات أن شيخه ابن شهاب الزهري لم يكن يتّهمه بشيء بل كان يوثّقه، وتبعه في توثيق ابن إسحاق من الفقهاء الأئمة سفيان الثوري وشعبة، بالإضافة إلى رواية زياد بن عبدالملك البكّائي عنه. وإن كان هشام بن عروة بن الزبير من رواة السيرة، ومالك بن أنس من أئمة الفقهاء يتحاملان عليه بالجرح والتضعيف ويتّهمانه بالكذب والدجل والتدليس، والقول بالقدر، والنقل عن غير الثقات، وأخطاء في الأنساب. ولكن لعله لأن ابن إسحاق كان يطعن في نسب مالك وعلمه ويقول: إيتوني ببعض كتبه حتى أُبين لكم عيوبه، فأنا بيطار كتبه! إذاً فالحملة متقابلة من الطرفين، والتضعيف ضعيف لأنه معلوم الوجه والعلة «الشخصية».
مغازي الواقدي
أما الواقدي محمد بن عمر بن واقد مولى بني سهم، فقد ذكر تلميذه ابن سعد في (الطبقات الكبرى) أنه ولد في المدينة سنة 130هـ أي بعد خروج ابن إسحاق منها بخمسة عشر عاماً، ولذلك لم يَرْوِ عنه وإن كان قد روى عن سائر رواة الأخبار عن الزهري، مع تشابه كبير بين فقرات كتاب السيرة لابن إسحاق وكتاب المغازي للواقدي، ولذلك زعم مستشرقان هما (فلهوزن وهورفتس) أنه سرق منه ولم يسنده إليه، وفنّد زعمهما مستشرق آخر هو (مارسدن جونس) محقق المغازي كما في مقدِّمته للكتاب)[280](، ثم احتمل أن يكون الواقدي قد أعرض عن الرواية عن ابن إسحاق نظراً إلى عدم توثيق علماء المدينة له.
ثم قال: يبدو واضحاً للقارىء الحديث أن من أهم السِّمات التي تجعل الواقدي في منزلة خاصة بين أصحاب السير والمغازي تطبيقه المنهج التأريخي العلمي الفنّي، فإنا نلاحظ عند الواقدي ـ أكثر مما نلاحظ عند غيره من المؤرخين المتقدمين ـ أنه كان يرتّب التفاصيل المختلفة للحوادث بطريقة منطقية لا تتغير، فهو مثلاً يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار، ثم يذكر المغازي واحدة واحدة مع تأريخ محدد للغزوة بدقة، وغالباً ما يذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة، ثم يذكر المغازي التي غزاها النبي بنفسه، وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته، وأخيراً يذكر شعار المسلمين في القتال، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه لكل غزوة بأسلوب موحد: فيذكر أولاً اسم الغزوة وتأريخها وأميرها.
وكثيراً ما يقدِّم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع، أي يجمع الرجال والأسانيد في متن واحد، وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيات كثيرة من القرآن الكريم، فإن الواقدي يفردها وحدها مع تفسيرها ويضعها في نهاية أخبار الغزوة، وفي المغازي المهمة يذكر الواقدي أسماء الذين استشهدوا فيها.
وإن ما أورده في الكتاب من التفاصيل الجغرافية ليوحي بجهده ومعرفته للدقائق في الأخبار التي جمعها في رحلته إلى شرق الأرض وغربها طلباً للعلم)[281](. وقد روى ابن عساكر والخطيب البغدادي وابن سيد الناس)[282]( عن الواقدي أنه قال: ما أدركت رجلاً من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء، ولا مولى لهم إلاَّ سألته: هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قُتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأُعاينه، وما عَلِمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع فأُعاينه، حتى لقد مضيت إلى «المريسيع» فنظرت إليها.
ورووا عن هارون الغروي قال: رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة فقلت: أين تريد؟ قال: أريد أن أمضي إلى حُنين حتى أرى الموضع والوقعة.
ويشهد لنباهة الواقدي بهذا الشأن ما قصّه تلميذه وراويته ابن سعد في الطبقات: أن هارون الرشيد ويحيى بن خالد البرمكي حين زارا المدينة في حجتهما، طلبا من يدلهما على المشاهد وقبور الشهداء، فدلّوهما على الواقدي، فصحبهما في زيارتهما فلم يدع موضعاً من المواضع ولا مشهداً من المشاهد إلا مر بهما عليه. فمنحه هارون الرشيد عشرة آلاف درهم، فصرفها في قضاء ديون كانت قد تراكمت عليه وزوّج بعض ولده وبقي في يسر وسعة)[283](.
ولكنه يعود فيقول: إنه لحقه دين بعد ذلك فذهب إلى العراق سنة 180هـ)[284](. ويفصّل الخطيب عن الواقدي يقول: كانت للناس في يدي مئة ألف درهم أُضارب بها في الحنطة، وتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد البرمكي)[285](. ويفصّل ابن سعد عنه أيضاً يقول: ثم إن الدهر أعضّنا، فقالت لي أُمُّ عبدالله: يا أبا عبدالله ما قعودك وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تسير إليه حيث استقرت به الدار. فرحلت من المدينة. ولما دخل بغداد وجد الخليفة والبلاط قد انتقلوا إلى الرقة بالشام فرحل إليهم حتى لحق بهم)[286]( فيقول: صار إليّ من السلطان ستمائة ألف درهم ما وجبت عليّ فيها الزكاة)[287](، ثم رجع معهم إلى بغداد وبقي بها، حتى قدمها المأمون فجعله قاضياً لعسكر المهدي)[288](، وكان العسكر في الجانب الشرقي وكان الواقدي في الجانب الغربي فلما انتقل حمل كتبه على عشرين ومئة وقر)[289](، فولّي القضاء مدة أربع سنوات قبل وفاته، وأوصى إلى المأمون فنفّذ وصيته وأرسل إليه بأكفانه وقضى دينه)[290](.
ذكر ابن سعد ـ وهو تلميذه وكاتبه وراويته ـ يقول: مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين ودُفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران، وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة)[291](.
مكانة الواقدي في الرواية والعلم
وتتجلّى مكانته في الرواية والعلم في وصف كاتبه وتلميذه ابن سعد له يقول: كان عالماً بالمغازي والسيرة والفتوح واختلاف الناس في الحديث والأحكام، واجتماعهم على ما أجمعوا عليه، وقد فسّر ذلك في كتب استخرجها ووضعها وحدّث بها)[292](.
وقال عنه ابن النديم في الفهرست: إنه كان عنده غلامان يعملان ليلاً ونهاراً في نسخ الكتب، وقد ترك عند وفاته ستمائة قِمَطْر من الكتب يحتاج كل منها إلى رجلين لحمله)[293](.
ونقل الخطيب البغدادي عن علي بن المديني: إن ما جمع الواقدي من الأحاديث بلغ عشرين ألف حديث)[294](، ونقل ابن سيد الناس عن يحيى بن معين أنه قال: أغرب الواقدي على رسول الله في عشرين ألف حديث. ثم قال ابن سيد الناس: وقد روينا عنه من تتبُّعه آثار مواضع الوقائع وسؤاله من أبناء الشهداء والصحابة ومواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفراداً بالروايات وأخباراً لا تدخل تحت الحصر)[295](. ونقل الذهبي عن إبراهيم الحربي أنه كان يقول عنه: إنه كان أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما أمر الجاهلية فلم يعلم منها شيئاً)[296](، ثم ذكروا له زهاء ثلاثين كتاباً.
ونرى في قائمة كتبه كتاب الطبقات، ولنا أن نتمثله في كتاب الطبقات الكبرى لتلميذه وكاتبه محمد بن سعد، فقد نقل عنه كثيراً ولا شك أنه صنفه على غرار كتاب شيخه وروى فيه عن غيره أيضاً.
ومن كتبه كتاب الردة، ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ومحاربة الصحابة لطلحة بن خويلد الأسدي ومسيلمة الكذّاب وسجاح في اليمامة والأسود العنسي في اليمن. وقد نقل عنه تلميذه ابن سعد في الطبقات والطبري في تأريخه أخبار الأحداث التي تلت وفاة النبي، وإنما هو من كتابه في الرّدة.
ويمكن القول بأن ما نقله ابن سعد، والطبري عنه عن الواقدي من أخبار الجاهلية فهو من كتاب سمّوه: كتاب التأريخ والمغازي والمبعث، هكذا بتقديم المغازي على المبعث وتأخير المبعث عن المغازي، الذي عدّوه غير كتاب المغازي. والطبري ينقل المغازي عن الواقدي مباشرة، ولكنه حين يورد أخبار الجاهلية وما قبل الإسلام فإنه يرويها عن ابن سعد عن الواقدي، مما يدل على أنه اعتمد في المغازي على كتاب المغازي للواقدي، وأما في أخبار الجاهلية فهي من كتاب آخر له لعله هو التأريخ والمبعث.
ومن كتبه فتوح الشام وفتوح العراق، وقد نقل البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» عن الواقدي كثيراً، وهو من تلامذة ابن سعد كاتب الواقدي، فهو قد روى كتاب شيخه له، ورواه البلاذري كما نقل ابن كثير في (البداية والنهاية) كثيراً من حوادث سنة 64هـ، والطبري نقل عنه كثيراً من حوادث النصف الثاني من القرن الثاني أي التي عاشها الواقدي.
حول تشيع الواقدي وابن إسحاق
قال ابن النديم في فهرسته عن الواقدي: كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقيّة، وهو الذي روى أن علياً كان من معجزات النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كالعصى لموسى وإحياء الموتى لعيسى بن مريم عليه السلام، وغير ذلك من الأخبار)[297](.
ونقل هذا القول عنه السيد الأمين العاملي صاحب (أعيان الشيعة) وترجم له)[298](. وكذلك ذكره آغا بزرك الطهراني في (الذريعة إلى تصانيف الشيعة))[299]( عند الحديث عن تأريخ الواقدي. بينما لم يذكره الشيخ الطوسي في فهرسته ولا رجاله ولا ذكر كتاباً من كتبه حتى مقتل الحسين عليه السلام.
وابن أبي الحديد حينما ينقل فقرة طويلة عن الواقدي ثم يورد رواية أخرى مختلفة عن الأولى يبدؤها بقوله: «وفي رواية الشيعة»)[300]( مما يدل على أنه لم يعتبره شيعياً ولا ممثلاً لهم.
ومن الطريف أن يلاحظ أن ابن إسحاق أيضا كان يتّهم بالتشيّع)[301](.
ولعل السبب في وصفهما بالتشيع لا يرجع إلى عقيدتهما الشخصية، بل إلى ما ورد في كتابيهما من الأخبار التي يعرضانها مما تقتضيه طبيعة التأليف في مثل هذه الموضوعات لا عن عقيدة صحيحة بها، وإلى ما أورداه في بعض المواضع من كتابيهما بشأن جماعة من الصحابة منهم بعض الخلفاء فيذكرانهم بعبارات لا تضعهم في الموضع المعتبر لهم عند كثير من المسلمين.
ولذلك فإن أكثر النقاد من المحدثين الأوائل كانوا يضعّفون الواقدي في الحديث.
فقد قال البخاري والرازي والنسائي والدارقطني: إنه متروك الحديث، ولكنهم لم يُجمعوا على ذلك، فقد وصفه الدرآوردي بأنه: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال يزيد بن هارون: الواقدي ثقة.
ووثّقه مصعب الزبيري، ومجاهد بن موسى، والمسيّب وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو بكر الصغاني)[302](.
وقال إبراهيم الحربي: هو آمن الناس على أهل الإسلام)[303](.
وقال ابن النديم: كان عالماً بالمغازي والسِّير والفتوح واختلاف الناس في الحديث والفقه والأحكام والأخبار)[304](.
أما بالنسبة لابن إسحاق: فقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه (تأريخ بغداد) وكذلك ابن سيد الناس في كتابه (عيون الأثر) فصلين فنّدا فيهما جميع المطاعن التي وجّهت إليه.
وبالنسبة لتشيّعه وقوله بالقدر قالا ما ملخصه: أما ما رمي به من التدليس والقدر والتشيّع فلا يوجب رد روايته، ولا يوقع فيها كبير وهن، أما التدليس فمنه القادح وغير القادح، ولا يُحمل ما وقع هنا من مطلق التدليس على التدليس المقيد بالقادح في العدالة، وكذلك القدر والتشيّع لا يقتضيان الرد إلا بضميمة أُخرى لم نجدها هنا.
والعجيب أنك لا تجد شيئاً من هذا التشكيك في عبدالملك بن هشام مهذَّب سيرة ابن إسحاق، فلو كان العيب في هذا الباقي من سيرة ابن إسحاق لشمل الشك ابن هشام أيضاً.
وعندئذٍ تطمئن إلى أن العيب ليس في هذا الباقي بل فيما قال عنه ابن هشام: «وتاركٌ بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب… أشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقرّ لنا البكّائي بروايته، ومُستقصٍ ما سوى ذلك».
وعندئذٍ تجد محور اتهام التشيّع أيضاً. وقد رأينا أنّا إذا استثنينا هذين المتّهمين بالتشيّع لم يبقَ لعامة المسلمين شيء يذكر في السيرة ولا المغازي. وعندئذٍ ندرك أيضاً أن السابقين الأوّلين إلى تدوين سيرة الرسول ومغازيه أي الصدر الأول من تأريخ الإسلام هم من شيعة أئمة أهل البيت عليهم السلام أو المقاربين لهم المتّهمين بهم.
الشيخ محمد هادي اليوسفي
اعتماد الدولة
الحاج محمد إبراهيم خان كلانتر الشيرازي
الحاج محمد إبراهيم خان الملقب باعتماد الدولة هو ابن الحاج هاشم الشيرازي وأحد أشهر رجال أواخر العهد الزندي وصدر العهد القاجاري. ورغم شهرته الكبيرة في تاريخ إيران المعاصر إلاَّ أنه لم يكتب بحث جدّي ومستقل حوله. الأحكام المتفاوتة والمتضادة أحياناً وردت في النصوص المتقدمة والمتأخرة حول أول صدر أعظم (آقا محمد خان) تدل على استمرار الإبهام حول الشخصية المعقدة للحاج إبراهيم خان، وبقاء ماهية نشاطه السياسي طوال حياته مجهولاً.
فمؤرخو الزنديين نالوا من (كلانتر الشيرازي) بسبب خيانته المشهورة للطف علي خان زند، مخالفين بذلك أسلوب مؤرخي العهد القاجاري، حتى أن بعضهم كال له أقبح الشتائم وأركّ العبارات)[305](. فالنيل من الحاج إبراهيم خان على أن أصل أجداده من اليهود كانت أقل الشتائم الموجهة لكلانتر الشيرازي. وعلى العكس من المواقف السلبية لمصادر العهد الزندي فإنّ مؤرخي العهد القاجاري اعتبروا الميرزا إبراهيم خان أو اعتماد الدولة: «رجل التدبير وبُعد النظر»)[306](. أو صدراً أعظماً مدركاً وذكياً وحساساً تجاه المصالح الوطنية، وشخصية معادية للأجانب)[307](.
اللطيف أن أحد الدبلوماسيين الإنجليز (السير هارفورد جونز) وقف إلى جانب مؤرخي الزنديين في النيل من (كلانتر الشيرازي) وكال له أسوأ الشتائم. علماً بأنّ حقد وشتائم (السير هارفورد جونز) ضد الحاج إبراهيم خان)[308](. ليست بسبب ميله نحو لطف علي خان، بل يمكن اعتبارها نتيجة لمصالح بريطانيا. كما يمكن الاستنتاج أن بُغض الدبلوماسيين الإنجليز لكلانتر الشيرازي دليل على صدق ما نقله الكتّاب من أنّ اعتماد الدولة كان حساساً تجاه المصالح الوطنية ومعادياً لسلطة الأجانب على إيران، مما جعله محطاً لحقد الدبلوماسيين الإنجليز الشديد عليه.
الحاج إبراهيم خان مهما كانت ماهيته السياسية والآراء حول سيرته، فإنه كمعظم رجال السياسة في تاريخ إيران المعاصر، كان رجلاً انطلق في مسيرته السياسية من حياة بسيطة وأسرة عادية، ليرتقي أعلى رتب الشهرة والسلطة. وأقدم معلومات قدمها المؤرخون حول أسرة (كلانتر الشيرازي) أن أسرته كانت من يهود (قزوين) الذين تشرفوا بالإسلام، وأن جدّه هاجر من (قزوين) إلى (شيراز) وأقام في (ملك فارس) )[309](. وقد أقبل الحظ على هذه الأسرة المسلمة حديثاً في (شيراز) فصاهر (الحاج هاشم) الحاج قوام الشيرازي، وربط مصيره بمصير هذه الأسرة المقتدرة في (فارس). بعد هذه العلاقة أصبح الحاج هاشم مختاراً لشيراز، ومن بعده ارتقى ابنه (الحاج الميرزا إبراهيم خان) منصب كلانتر شيراز. وبعد مدة قليلة مات (كريم خان زند) وبدأ نزاع السلطة بين أفراد الأسرة الزندية، ثم تحول إلى صراع بين الزنديين والقاجار، مما عقد الظروف السياسية في شيراز. كما إن منافسي أسرة كلانتر شيراز قاموا خلال عهد (لطف علي خان) بالسعاية ضد الحاج إبراهيم خان)[310](. وعلى أثر تلك السعاية اتهم كلانتر شيراز بالتآمر ضد (لطف علي خان) وزعم بعضهم أنه يحلم بالتربع على العرش، وأنه يخطط لتحقيق حلمه. بسبب هذه السعاية بدأ (لطف علي خان) يقتنع تدريجياً بصدق كلام السعاة، وأن كلانتر شيراز يخطو باتجاه خيانته)[311](. وكان على (الحاج إبراهيم خان) أن يفكر ويتدبر حتى لا يفقد روحه سهولة في حرب السلطة هذه مما دفعه إلى عدو (لطف علي خان) أي (آقا محمد خان). ففي الخطوة الأولى بعث (الحاج ميرزا إبراهيم خان) برسالة سرية إلى (آقا محمد خان) يدعوه فيها إلى احتلال شيراز)[312](. وفي الخطوة اللاحقة قام خلال غياب (لطف علي خان) بدعوة شخصيات الزنديين إلى اجتماع بحجة التشاور، واعتقلهم جميعاً وأودعهم السجن)[313](. وفي الخطوة الثالثة بعث برسائل إلى إخوته (عبدالرحيم خان) و(محمد علي خان) اللذين كانا في معسكر (لطف علي خان) ليقوموا بتحريك الاضطراب داخل المعسكر قبل أن يشن (لطف علي خان) هجومه ضد (فتح علي خان) القريب من معسكرهم، ليمنعوه من مهاجمة القوات القاجارية)[314](. واستمراراً في تدابيره هذه ضد (خان زند) قام بغلق بوابات (شيراز) بوجه (خان زند) وذلك بعد ظهور العصيان داخل القوات الزندية وفرار (لطف علي خان) إلى شيراز، مما جعل (خان زند) يغض الطرف عن (شيراز). واضطراره للتوجه إلى (دشستان))[315](.
بهذه الخطوات نجا (الحاج إبراهيم خان) بنفسه من الموت المحتمل، وفتح طريق ارتقاء أعلى منصب في حكومة (آقا محمد خان) لكن أهالي (شيراز) كانوا الضحايا لحرب السلطة بينه وبين (خان زند). وبعد مدة اعترف (الحاج ميرزا إبراهيم خان) للآقا محمد خان أنه لم يكن ينوي في البداية تسليم السلطة للآقا محمد خان بسهولة)[316](، وأنه كان تماماً كما أدرك ذلك (آقا محمد خان) بذكائه ينوي دعوة (آقا محمد خان) لاحتلال (شيراز) لتقع المواجهة بين خاني زند والقاجار، وأن يتغلب عليهما بعد أن يضعفا، ويستولي بذلك على السلطة ويتربع على العرش. لكن (الآقا محمد خان) أدرك ذلك منذ البداية، ولم يقع في فخ (كلانتر الشيرازي) بل نظم تحركه بذكاء شديد بحيث يخرج (لطف علي خان) من الساحة، ويخضع (كلانتر الشيرازي) لسلطته. وعند احتلال القوات القاجارية لمدنية شيراز منح (آقا محمد خان) لقب (اعتماد الدولة) لكلانتر الشيرازي)[317](. ثم توجه معه إلى (طهران) ليكون مساعداً للملك الجديد من ناحية، وليضمن الملك أنه لن يثير فتنة جديدة في (شيراز). وبعد وصول (آقا محمد خان) إلى (طهران) تولى (الحاج إبراهيم خان) منصب (الصدر الأعظم))[318](.
ومنذ ذلك الحين لم يبعد (آقا محمد خان) كلانتر عنه مطلقاً، خشية أن يستغل الفرصة ويستثمر خلافات الخوانين فيما بينهم. وقد بذل (كلانتر الشيرازي) جهوداً لا تنكر في تثبيت سلطة ابن أخ آقا محمد منذ بدء ولاية (فتح علي شاه) لذلك فإنّ (بابا خان) قد منحه ثقته كما فعل عمه من قبل، وفوض إليه شؤون الحكومة والديوان.
ومع بداية المنافسة بين الأوروبيين في أوائل القرن التاسع عشر، وسعي الإنجليز لتوقيع معاهدة مع إيران، كلّف (كلانتر الشيرازي) بالتفاوض مع (السير جون مالكوم) ووقعت أول معاهدة بين إيران وإنجلترا)[319](. وحسب ادعاء بعض الكتاب فإنّ (اعتماد الدولة) قد نظم هذه المعاهدة بذكاء، لكن هذا الادعاء غير واقعي، ذلك لأن إيران تعهدت في هذه المعاهدة عملياً بقمع الأفغان نيابة عن الإنجليز، مما جعل الإنجليز مرتاحي البال مطمئنين من تعرض أمراء شرق إيران لمصالحهم في الهند)[320](، لا شك أن (السير جون مالكوم) كان فرحاً جداً لتمكنه من خداع مسؤولي إيران. وإذا كان (اعتماد الدولة) بتوقيعه للمعاهدة مع الإنجليز ينوي عملياً إلى منع الملك من التعرض لأمراء الشرق، وهذا ما أثار حفيظة الإنجليز، ودفع بالسير جون مالكوم إلى الاعتراض)[321](. لكن ذلك لا يقلل من النقائص التي حملتها هذه المعاهدة. لكن جهود (الحاج إبراهيم خان) لتحقيق الأمال الشخصية والأهداف القومية خلال عهد (فتح علي شاه) لم تدم أكثر من خمس سنوات، ففي السنة الخامسة بلغت التقارير الواقعية وحسد الحساد حول قدرة (اعتماد الدولة) والخشية من منازعته السلطة مع الملك حدّاً دفع بملك القاجار الثاني لاتخاذ قرار باجتثاث جذور أسرة اعتماد الدولة. ففي مطلع شهر ذي الحجة عام 1215هـ أمر الملك جنوده بقتل أعضاء أسرة اعتماد الدولة في زمان محدد وفي جميع نقاط البلد)[322](. وفي نفس اليوم اعتقل (الحاج إبراهيم خان) وفقئت عيناه، ولفظ أنفاسه بعد مدة قصيرة من شدة الحزن في (قزوين) أو (طالقان))[323](. ولم ينجو من أسرة (كلانتر شيراز سوى شخص واحد هو (الحاج ميرزا أبو الحسن خان الشيرازي) ابن أخت اعتماد الدولة، حيث فرّ إلى (الهند) ثم صدر عفو بحقه)[324](. وإذا اعتبرنا أن (اعتماد الدولة) كان رجلاً سالماً ومعافاً من معايب السلطة، فإنّ هذا الشخص بدوره لم يكن السلف الصالح للصدر الأعظم القاجاري، ذلك لأنه بعد صدور العفو وصل إلى منصب سفير وزارة خارجية إيران، لكنه كان خادماً للأجنبي، ويتسلم أجراً سنوياً طوال عمره من حكومة الإنجليز في الهند)[325](. ولم يترك من بعده ذكراً حسناً عنه. وحسب أصل الوثيقة الموجودة في أرشيف منظمة وثائق إيران فإن (الميرزا أبو الحسن خان) قبل موته أوصى الإنجليز أن يدفعوا راتبه من بعده لورثته.
آغا أسد الله
هو أحد الأفاضل الأشراف في النجف الأشرف، واسمه الكريم السيد محمد باقر، من أسرة عريقة بالمجد والزعامة، والنهوض بأعباء الإمامة. طليعتها جدّه السيد الشهير (بحجة الإسلام) السيد محمد باقر صاحب المآثر الكريمة والمؤلفات الطائلة في الفقه والأصول وخاصة علم الرجال، فإنّ له فيه تحقيقات أبكار، وخرائد أفكار، ومؤلفاً له الميزة على كثير مما ألف في هذا العلم ثم خلفه بعدُ سليله السيد العلاّمة الشهير السيد أسد الله، وهو والد الممدوح الذي نحن في ذكره وطيب نشره. وله فضلاً عن فضله في العلم ميل إلى الشعر والآداب العربية، وطبع يساير النسيم في الرقة واللطف.
أمّا السيد آغا وآباؤه فمحل هجرتهم وتحصيلهم النجف، وقاعدة مرجعيتهم ومنبسط رئاستهم والاقتداء بهم أصفهان. والسيد أسد الله هو الذي بذل الأموال الطائلة لإجراء الماء من مسافة أكثر من عشرة أميال من عمود الفرات إلى النجف في قناة ونفق في الأرض. وبقي يرتوي الضرع منه والزرع والحيوان والإنسان مدة تناهز العشرين سنة. ثم من إهمال الحكومة كسائر أحوالها سالت عليه السيول، وانهالت فيه الرمول، فأوسعته هدماً وطمّاً ولم يمكن إصلاحه بعد، أو خان المصلحون. وعادت النجف إلى بلائها الأول تقاسي كظّة الظماء وشحة الماء في الصيف والشتاء، لا يجيب دعوتهم مجيب، ولا يسمع شكيتهم سامع إذا صرخت أجابتها بمثل صراخها جارتها بل دوحتها (كربلا)، فأذكرتها عطش ساداتها وأئمتها الذين صُرّعوا من الظمأ على حصبائها، وطلبتْ منهم التأسي بهم، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
(الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء)
الإمام الحسين عليه السلام في أدب الأندلس
خلاصة البحث
بعد أن ضعفت دولة الأمويين في الأندلس ظهرت دول يحكمها السادة الحسنيون ومنهم آل (حمود) ودولة الموحدين… وظهر بينهم شعراء محبون لأهل البيت عليهم السلام فمدحوهم ورثوا الإمام الحسين عليه السلام بأشعارهم وهجوا بني أمية لظلمهم وفسقهم، ومن أولئك الشعراء: علي بن بسام وصفوان بن إدريس ومحمد بن هاني الأندلسي وغيرهم ونظم بعضهم أشعاراً تضاهي أشعار دعبل والكميت والسيد الحميري وكثير عزّة، وقد أوردت في هذا البحث قسماً من أشعار هؤلاء الشعراء الملتزمين بحب أهل البيت وبصورة خاصة بحب الحسين عليه السلام.
الكلمات المهمة
الحسين عليه السلام، الأندلس، بنو أمية.
مواضيع البحث
المقدمة:
1 ـ الأندلس لغةً وتاريخاً وأدباً.
2 ـ أدب الشيعة في الأندلس.
3 ـ تقاليد أهل الأندلس في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام.
4 ـ الشعراء الأندلسيون الذين رثوا الإمام الحسين عليه السلام وهجوا بني أمية.
ــ أولاً: أحمد بن درّاج القسطلي.
ــ ثانياً: أبو البحر صفوان بن إدريس المرسي.
ــ ثالثاً: الجراوي.
5 ـ قصيدتان في مدح الإمام الحسين عليه السلام نظمهما الدكتور حسن چوبين.
المقدمة
المئات والمئات من الشعراء رثوا الإمام لحسين عليه السلام وخير كتاب أُلِّفَ في هذا الميدان كتاب: (أدب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام) ومؤلفه: حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد شبر النجفي وقد طبع هذا الكتاب النفيس في النجف الأشرف وفي بيروت عدة مرات وذُكِرَت فيه أسماء شعراء أندلسيين رثو الإمام الحسين عليه السلام ومنهم: صفوان بن إدريس الذي ذم في أشعاره بني أمية ومدح أهل البيت والحسين عليه السلام بصورة خاصة.
كما جاء في كتاب: (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) للأستاذ حسن الأمين اللبناني أسماء عدد من الشعراء الشيعة في الأندلس ومنهم: محمد بن هاني الأندلسي وأبو عبد الله الرعسيني(ورد الرعيني) وعبادة ابن السماء وأحمد القسطلي وعبدالرحمن الأشبوني وأبو البحر المرسي والجراوي، وفي هذا التحقيق نقدم مجموعة من القصائد الحسينية التي نظمها هؤلاء الشعراء الأندلسيون.
1 ـ الأندلس لغةً وتاريخاً وأدباً
الأندلس (Andalusia) )[326](
مقاطعة تقع في جنوب إسبانيا، ولها اسم آخر في بعض الكتب العربية وهو المغرب)[327](، وقد فتحت في عهد الوليد بن عبدالملك، في أواخر القرن الهجري الأول، وكان فاتحها موسى بن نصير الذي أهمله الأمويون فمات منسياً!
في النصف الأول من القرن الهجري الثاني وبعد سقوط الأمويين في الشام فرَّ عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان بن الحكم الأموي إلى الأندلس وأسس هناك الدولة الأموية المروانية الثانية، واستمرت حوالي أربعة قرون، وحكمت دول الطوائف الأندلس بعد سقوط الأمويين، وتعرف هذه الفترة بفترة الطوائف واستمرت حوالي أربعة قرون أيضاً، وبعد سقوط الأندلس بيد الإفرنج في أواخر القرن التاسع الهجري تحول الأمويون فيها إلى نصارى ويهود)[328](، والذي يؤيد هذا أننا لم نسمع لهم أي صوت إسلامي بعد سقوطهم، كما أننا لا نرى اليوم أي نسل إسلامي منهم لا في الأندلس ولا في شمال أفريقيا.
أما الأدب في الأندلس فقد بقي تقليدياً طيلة أربعة قرون ثم ارتقى مدة قرنين، وبعدئذٍ انحط طيلة قرنين تقريباً، ونشير هنا إلى حقيقة ناصعة وهي أن الأدب الأندلسي لم يكن أموياً بصورة كلية، بل إننا نرى أن قسماً من أدب الأندلس كان أدباً إسلامياً أصيلاً ومنه أدب حسيني، بعيداً عن الخلاعة والمجون، فهناك مدائح في حق أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام ومراثٍ حسينية.
2 ـ أدب الشيعة في الأندلس
أدب الشيعة له تاريخ عريق وخير شاهد على ما نقول: كتاب «الغدير» للعلامة الأميني النجفي رضوان الله عليه وكتاب «أدب الطف» لحجة الإسلام السيد جواد شبر النجفي، وقد ظهرت للشيعة دول في بلدان مختلفة بما فيها الأندلس، كدولتي الأدارسة والموحّدين)[329](، ومن الشعراء الشيعة في الأندلس:
1 ـ محمد بن هاني بن محمد بن سعدوان الأندلسي.
2 ـ أبو عبدالله الرعسيني(ورد الرعيني).
3 ـ عبادة بن عبدالله الأنصاري المعروف بلقب ابن السماء.
4 ـ أحمد بن درّاج القسطلي.
5 ـ عبدالرحمن الأشبوني.
6 ـ أبو البحر صفوان المرسي.
7 ـ الجراوي.
3 ـ تقاليد أهل الأندلس في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام
قبل أن نقدم نماذج من أشعار الشعراء الأندلسيين نشير إلى مخطوط أثري لكتاب مهم في هذا الميدان وهو موجود في جامعة القرويين، واسمه: (إعلام الأعلام فيمن بويع بالخلافة) ومؤلفه: (لسان الدين الخطيب) وذكر فيه عادات الأندلسيين في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام من التمثيل بإقامة الجنائز وإنشاد المرائي، وذكر أن هذه المرائي كانت حسينية)[330](، ونبادر إلى نقل وصف المآتم الحسينية في الأندلس على لسان ابن الخطيب كما ذكر في كتابه المخطوط بجامعة القرويين، حيث قال: (لم يزل الحزن متصلاً على الحسين، والمآتم قائمة في البلاد يجتمع لها الناس ليلة يوم قتل فيه ـ أي ليلة عاشوراء ـ ولا سيما بشرق الأندلس، يقيمون رسم الجنازة في شكل من الثياب ويُحتفل بالأطعمة والشموع، ويُوقد البخور، ويُجلب القرّاء ويُتغنى بالمراثي الحسينية، وبقية من هذا لم تنقطع بعد)[331]().
4 ـ الشعراء الأندلسيون الذين رثوا الإمام الحسين عليه السلام وهجوا بني أمية
من أبرز وأشهر الأندلسيين الذين رثوا الإمام الحسين عليه السلام ونظموا أشعاراً في هجاء بني أمية:
أولاً: أحمد بن درّاج القسطلي، وكان من الشعراء الأفذاذ في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري، وكان معاصراً لآل «حمود» وهم من السادة الأدارسة الحسنيين في الأندلس، وقد نظم قصيدة أشار فيها إلى ما عاناه أهل البيت عليهم السلام من مصائب ورزايا، وقال الناقد المشهور أبو الحسن علي بن بسام في كتابه: «الذخيرة» عن تلك القصيدة الغراء: (قصيدة طويلة وهي من الهاشميّات الغرّ، لو قرعت سمع دعبل بن علي الخزاعي والكميت بن زيد الأسدي لأمسكا عن القول، بل لو رآها السيد الحميري وكثير ـ عزّة ـ لأقاماها بينة على الدعوى، وتبدأ هذه القصيدة ببكاء شجيء، بكاء تجهش به قلوب الشيعة في كل مكان)[332]().
يقول هذا الشاعر الأندلسي في قصيدته التي تزيد على سبعين بيتاً مشيراً إلى الحسين وإلى آل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم:
إلى الهاشميّ إلى الطالبي
إلى الفاطميّ العطوف الوصول
إلى ابن الوصيّ إلى ابن النبيّ
إلى ابن الذبيح إلى ابن الخليل
فأنتم هُداةُ حياة وموت
وأنتم أئمة فِعلٍ وقيل
وسادات من حلَّ جناتِ عدنٍ
جميع شبابِهِمُ والكهول
وأنتم خلائف دنيا ودين
بحكم الكتاب وحكم العقول)[333](
ثانياً: أبو البحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي، وهو من شعراء القرن السادس الهجري، وقد ذكره أحد أعلام الفكر في القرن الثامن الهجري وهو لسان الدين بن الخطيب، وقال المحقق المعاصر حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد شبّر النجفي في كتابه القيم: «أدب الطف»: (أفادنا ابن الخطيب وعرَّفنا بأحد شعراء الشيعة في الأندلس، الذي اشتهر برثاء سيدنا الحسين عليه السلام وهو أبو البحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي (561 ـ 598)، وهذه القصيدة منه كانت مشهورة ينشدها المسلمون وهي:
سلام كأزهار الربى يتنسَّمُ
على منزل منه الهُدَى يتعلَّمُ
على مصرعٍ للفاطميّين غُيِّبَتْ
لأوجهِهِم فيهِ بُدورٌ وأنجُمُ
على مشهدٍ لو كُنتَ حاضرَ أهلِهِ
لعايَنتَ أعضاءَ النبيِّ تُقَسَّمُ
على كربلا لا أخلَفَ الغيثُ كربلا
وإلاّ فإنّ الدمعَ أندى وأكرَمُ
مصارع ضجّت يثربٌ لمصابها
وناحَ عليهِنَّ الحطيمُ وزمزمُ
ومكةُ والأستارُ والركنُ والصَّفا
وموقفُ جمعٍ والمُقامُ المُعظَّمُ
وبالحَجَرِ الملثومِ عنوانُ حَسرةٍ
ألستَ تراهُ وَهْوَ أسودُ أسحَمُ
وروضةُ مولانا النبيِّ محمدٍ
تَبدّى عليها الشكلُ يَومَ تَخَرَّمُ)[334](
ومنبرُهُ العلويُّ والجذاعُ أعوَلا
عليهِمْ عويلاً بالضمائرِ يُفهَمُ
ولو قَدَّرَتْ تلك الجماداتُ قَدرَهُمْ
لَدُكَّ حراءٌ واستُطيرَ يُلَمْلِمُ)[335](
وما قدرُ ما تبكِي البلادُ وأهلُها
لآلِ رسولِ الله والرزءُ أعظَمُ
لو أنَّ رسولَ الله يحيى بُعَيْدَهُمْ
رأى ابنَ زيادٍ أُمُّهُ كيفَ تُعقَمُ)[336](
وأقبلتِ الزهراءُ قُدّسَ تُربُها
تُنادي أباها والمدامعُ تُسْجَمُ)[337](
سقوا حسناً بالسمّ كأساً رويةً
ولم يقرعوا سناً ولم يتندَّمُوا)[338](
وهم قطعوا رأسَ الحسين بكربلا
وكأنَّهم قد أحسنوا حينَ أجْرَمُوا
وأسرُ بنيهِ بعدَهُ واحتمالُهم
كأَنَّهُمُ من نسلِ كسرى ويُغنَمُوا
ونقرُ يزيدٍ في الثنايا الَّتي اغتدَتْ
ثناياكَ فيها أيُّها النورُ تَلثِمُ)[339](
هُمُ القومُ أمّا سعيهم فَمُخَيَّبٌ
مَضاعٌ وأمّا دارُهم فَجَهنَّمُ
قِفوا ساعدونا بالدموع فإنَّها
لَتصغُرُ في حقِّ الحسينِ ويَعظُمُ
ومهما سمعتم في الحسين مراثياً
تُعبِّرُ عن محضِ الأسى وتُتَرجِمُ
فمُدّوا أكفّاً مُسعَدينَ بدعوةٍ
وصَلُّوا على جَدِّ الحسينِ وسَلَّموا)[340](
ثالثاً: الجراوي وهو من شعراء دولة الموحدين الحسنية التي تأسَّست في القرن الخامس الهجري في المغرب، ثم امتدَّت إلى الأندلس، وقال المحقق اللبناني المعاصر الأستاذ حسن الأمين في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية عن الشاعر الجراوي: (ومن قصائده ملحمة في رثاء الحسين عليه السلام وهي تختلف عن تلك المرائي التي تعرفها الشيعة، تُقرأ صبيحة يوم عاشوراء)[341]() وجاء فيها:
أقولُ لحزنٍ في الحسين تأكّدا
تَملَّكْ فؤادي مُتهِماً فيه مُنجِدا)[342](
ولو غيرُ هذا الرزء راح أو اغتدى
لناديتُهُ قبلَ الوصولِ مُردّدا
عقرتُ بعيري يا امرأ القيس فأنْزِلِ
وركبٌ إذا جاراهُمُ البرقِ يَعثَرُ
تذكَّرتُ فيهِمْ كربلا فَتَحَيَّروا
وغيداءُ لا تدري الأسى كيف يَخطُرُ
بَثثتُ لها ما كنتُ بالطفِّ أضمرُ
فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُحوِلِ)[343](
أيا فاساً قادر الغُرورُ شكائمَهْ
فأوردَ في صدرِ الحسينِ صوارِمَهُ
تَهيَّأ ليومِ الحشرِ تَجزَعْ علاقِمَه
فما لكَ مَنجى من خصومةِ فاطِمَه
وما أن أرى عنك العمايةَ تنجلي
رابعاً: محمد بن هاني الأندلسي الذي تحدث عنه المحقق المعاصر العلامة الشيخ الأميني في كتابه الخاص بالشهداء برقم (6)، كما جاء عنه بحث وافٍ في كتاب (أدب الطف) في خمس وعشرين صفحة، ومن أشعاره في هجاء بني أمية:
واعذِرْ أميَّةَ إنْ تَغُصّ بريقِهَا
فالمهل ما سُقِيَتْهُ والغسلينُ
قدْ قادَ أمرَهُمُ وقلَّدَ ثغرَهُمْ
منهُمْ مهينٌ لا يكادُ يبينُ
أبني لؤي أين فضل قديمكم
بل أين حلم كالجبال رصينُ
لو تتّقون الله لم يطمح لها
طرف ولم يشمخ لها عرنينُ
لكنكم كنتم كأهل العجل لم
يُحفظ لموسى فيهمُ هارونُ
لو تسألون القبرَ يومَ فرحتم
لأجاب أنَّ محمداً محزونُ
ويقول العلامة الأميني رحمه الله في كتابه الخاص بشهداء الفضيلة إن الشاعر ابن هاني الأندلسي استشهد بأيدي أعداء الله في 23 رجب سنة 362 رضوان الله عليه، وعلى جميع شهداء الفضيلة وعشاق الحسين عليه السلام في كل زمان ومكان.
خامساً: ناهض الوادي الأندلسي وهو من شعراء القرنين السادس والسابع، وقد ورد ذكره في كتاب (نفح الطيب) لأبي العباس المقري الذي يُعَدُّ مصدرنا الفريد عنه ـ والمؤلف ـ اكتفى بذكر اسمه ونسبه دون تطويل، وأثبت نصّ قصيدته في رثاء الحسين عليه السلام دون تعليق كما ذكر سنة وفاته ومكانها ولم يزد شيئاً… ـ وقد ـ توفي رحمه الله سنة 615هـ ببلدة وادي آش، وبذلك يكون معاصراً لمجموعة من أدباء عصره الذين عاشوا خلال القرنين السادس والسابع للهجره، واشتركوا معه في الموضوع نفسه وهو بكاء سيد الشهداء الحسين بن علي شعراً أو رجزاً أو نثراً وتأليفاً وكانوا حلقة وصل بينهم وبين غيرهم… ومنهم على سبيل المثال السلطان النصري الشاعر يوسف الثالث من ملوك بني الأحمر، فقد ضمَّ ديوانه قصيدتين في رثاء الحسين والتعبير عن الولاء لآل ابيت عليهم السلام والدفاع عن التشيع.
وأما ملوك بني الأحمر الذين نظم أحدهم وهو يوسف الثالث قصيدتين في رثاء الإمام الحسين عليه السلام فهم آخر أسرة إسلامية حاكمة في الأندلس حكمت غرناطة من عام 1235م وإلى عام 1492م مؤسسها محمد الغالب (توفي عام 1273م.هـ) الذي بنى قصر الحمراء في غرناطة.
وأما قصيدة الشاعر ناهض الأندلسي في رثاء الإمام الحسين عليه السلام فهي تقع في ستة عشر بيتاً على وزن الكامل ورويّها الكاف المكسورة ويستهلها الشاعر بتساؤل يتوجه به إلى حمامة يتصورها باكية مولهة مثله على غرار شعراء الوجدانيات مثل أبي فراس الحمداني وابن شهيد الأندلسي وابن خفاجة وغيرهم ليستفسر عن سبب بكائها… وقد وفق الشاعر في اختيار السياق العام لصياغة تجربته مستغلاً ما ترمز إليه الحمامة في التراث الشعري العربي قبله من حزن وأسى ولوعة، ولكنه يجعل مصابه فوق مصابها لأنه يبكي الحسين قتيل الطف، فرع النبوة الزاكي ويتوعد قاتله بمصيره المظلم في قعر جهنم… ويبدو الشاعر الأندلسي موفقاً أيّما توفيق في اختيار معجمه الشعري وحسن توظيفه لمجموعة من الألفاظ ذات الظلال والإيحاءات الخاصة مستعيناً في تصوير انكساره بإيثار الكسرة لحرف الرويّ وبمناجاة الحمامة التي حاول معرفة حزنها الدفين لعلّه يصل إلى اكتشاف سببه معظماً مصابه لأنه فوق كل مصاب وحين تتأزّم نفسه يصرّح لها بسر معاناته فيقول:
لو كنتِ مثلي ما أفقتِ من البكا
لا تحسبي شكواي من شكواكِ
ايهٍ حمامةٌ خبّريني أنّني
أبكي الحسينَ وأنتِ ما أبكاكِ؟
وقد كتب الباحث المغربي علي الغزيوي الذي يدرّس الأدب الأندلسي في جامعة سيدي محمد في مدينة فاس في المملكة المغربية كتب بحثاً مهماً عن هذه القصيدة الغراء في مجلة النور التي تصدر في لندن في عدد جمادى الثانية سنة 1421هـ ق، وذكر في بحثه هذه القصيدة متنوعة الأساليب، ما بين الخطاب الذي هيمن على معظم أبياتها الأولى في شكل تساؤل، من الحمامة، والبوح الذي يتلو ذلك بما فيه من وصف وتصريح بالصور المفزعة الدامية لمقتل الشهيد الحسين فرع النبوة وكيف تعفّر ومُزّقت أشلاؤه عدواناً وظلماً… ـ ففي القصيدة ـ رقة في العاطفة وحرارة في الأحاسيس وصدق فني وانسياب وتلقائية في العبارة ومتانة في البناء مع إيمان قوي بإحقاق الحقّ والانتصاف من الجُنَاة وهذه مقتطفات من تلك القصيدة:
إيهٍ حمامة خبّريني إنَّني
أبْكي الحسينَ، وأنتِ ما أبكاكِ؟
أبكي قتيلَ الطّف فرع نبيّنا
اكرمْ بفرعٍ للنبوة زاكي
ويلٌ لقومٍ غادروهُ مضرّجاً
بدمائه نضواً صريعَ شكاكِ
متعفِّراً قد مُزّقت أشلاؤهُ
فرياً بكل مُهنّدٍ فتّاكِ
ثم يخاطب الشاعر يزيد قائلاً:
أيَزيدُ لو راعَيْتَ حُرمَة جَدِّهِ
لم تقتنص ليثَ العرينِ الشاكي
أترومُ وَيْكَ شفاعةً من جَدِّهِ
هَيْهاتَ! لا، وَمُدَبِّرِ الأفلاكِ
ولسوفَ تُنْبَذُ في جَهَنّمَ خالداً
ما اللَّهُ شاءَ ولاتَ حينَ فكاكِ
(مصدر القصيدة: كتاب نفح الطيب ج5، ص70 ـ 71).
(2) قصيدة من بحر الرمل المقصور، في كل مصراع «فاعلاتن فاعلاتن فاعلان» نظمها كاتب المقالة (د. حسين جوبين).
ندبتي طول حياتي يا حسين
وإلى حينَ مماتي يا حسين
إنّني مذ كنتُ في صُلب الوجود
قلتُ في روحي وذاتي يا حسين
كنتُ في الرحم جنيناً وأقول
هامساً في حركاتي يا حسين
وإلى الدنيا أتيتُ في صراخ
هاتفاً في صرخاتي يا حسين
ثمَّ أُمي أرضعتني وتقول
دائماً في رضعاتي يا حسين
صرتُ أحبو وأقومُ لأسير
قائلاً في حبواتي يا حسين
ثمَّ أمّي علّمتني بالكلام
كانت أولى كلماتي يا حسين
وأبي علّمني كيف الصلاة
قلت من بعد صلاتي يا حسين
وقد أمضيتُ بعمري سنوات
نادياً في سنواتي يا حسين
وإذا معضلةٌ جاءت أقول
أنت حَلُّ المعضلاتِ يا حسين
هكذا كنتُ بليلٍ ونهار
في صباحي في سباتي يا حسين
وإذا موتي أتى في الاحتضار
قولي من قبل وفاتي يا حسين
ثم بعد الدفن في لحدٍ مخوف
يأتي صوتٌ من رفاتي يا حسين
وبيوم النشر إذا أحيى أقول
يا غريب الغربات يا حسين
الدكتور حسين چوبين
أمين آغا ابن نظام الدولة
سلالة نظام الدولة إحدى السلاسل الشهيرة المنتشرة في إيران وفي العراق، وجدُهم الأول الذي تفرْعوا منه هو الحاج محمد حسين خان الأصفهاني، كان في بدء أمره من أهل الحرف والمكاسب والمهن التي ليس لها شأن فساعده التوفيق بثروة طائلة، ثم ارتقى من العيار والقبان إلى صدارة السلطان، فجاز مرتبة الصدارة لجد الملوك القاجارية الخاقان فتح علي شاه الذي كان يكلله تاج سلطنة إيران في أوائل القرن الثالث عشر. ثم توفي الحاج محمد حسين الصدر في حياة مخدومه، ورب رفعته ونعيمه، فقلّد الصدارة لولده أمين الدولة، وكان من رجال إيران المشهورين المعدودين في المرتبة الأولى من الحزم والكياسة وحسن التدبير والإدارة، وكان على جانب عظيم من التمسك بالدين وحبّ العلم والعلماء ونشر المعارف، ولا سيما المعارف الدينية. وتزوج بإحدى بنات العائلة الملوكية فأعقب منها (نظام الدولة) فنشأ في سرداق الملك نشأة صالحة وتمكّن حبّ العلم والدين في نفسه. ولما بلغ أشدّه أنهى إليه السلطان محمد شاه القاجاري بعض المناصب والإيالات السامية فاستعفى فلم يعفه فتولاها أياماً قليلة، ثم فرَّ هارباً بنفسه تحت أستار الليل حتى جاء إلى النجف الأشرف واستوطنها وانقطع لتحصيل العلم والكمال والاشتغال بتهذيب نفسه وعبادة ربه ثم لحق به أهله وعائلته بما تركه آباؤه له من الثروة والنعمة، وأكبَّ على الدراسة والتأليف، ونال في العلم والفضل حظّاً ليس بالقليل.
وله تأليفات جميلة لا تخلو من التحقيق ودقة النظر، وأكثرها لم ينتشر. وأعقب عدّة أولاد من زوجات له أحداهن ملوكية. وأكثر أولاده من الأعيان والمشاهير، وفيهم من له حظ من الآداب العربية والنظم والنثر على نحو لا يمتاز به عن العرب. وأشهرهم في الفضيلة والأدب العربي والفارسي الفاضل مرتضى قليخان الذي تجد بعض شعره وكثيراً من مدائحه في ديوان عبدالباقي الشهير بنظام العلماء أسد خان، وكان أحد أعيان العراق وذوي الجاه والوجاهة.
وبالجملة أنَّ للصدر وسلالته مساعي حميدة وآثاراً في الدين مشيدة، وذكراً حسناً. ومن آثارهم مدرسة كبيرة في النجف تعرف إلى اليوم بمدرسة (الصدر)، فأحسن الله جزاءهم، وأكثر أمثالهم من ذوي الآثار والمآثر.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
باب ضريح هانىء بن عروة
المؤرخ (543هـ 1148)
من روائع التحف الخشبية
ضلفتان لباب واحد
أتيحت لي فرصة طيبة منذ بضع سنوات (1963) لفحص مجموعات متحف جاير اندرسون (بيت الكريتلية) بحي طولون بالقاهرة. حيث لاحظت في إحدى قاعاته المعروفة بقاعة الحريم N ضلفتين)[344]( لدولابين حائطيين لم يتنبه لأهميتهما أحد من قبل كما لا يرد أي ذكر لأحدهما أو كليهما في دليلي المتحف في سنة 1946 وسنة 1962)[345](، وتحمل كل واحدة منهما رقم تسجيل يختلف عن الآخر فبينما سجلّ الأولى 568 تحمل الثانية سجلّ 580 ولعل هذا التباعد بين رقمي التسجيل يرجع إلى اقتناء المرحوم جابر اندرسون لهاتين التحفتين في فرصتين مختلفتين، أو لعل اللجنة التي قامت على تسجيل مجموعات هذا المتحف سنة 1943 قد أعطت لكل تحفة رقماً مستقلاً دون أن تفطن إلى أن التحفتين تكمل الواحدة منهما الأخرى، واعتقاداً بأن الضلفتين لدولابين حائطيين، كما استعملهما وثبتهما في مكانهما بقاعة الحريم جاير اندرسون باشا بنفسه، ولكنني لاحظت أن هناك تماثلاً زخرفياً تاماً بين كل من الضلفتين، وما أن بدأت في فحص أشرطة الكتابات فيهما حتى تأكدت من أن النصوص متكاملة وهي تسير في سطور عرضية تبدأ من ضلفة وتنتهي بأخرى على التوالي، فالتحفتان في ضوء هذه الاعتبارات وفي حقيقة أمرهما عبارة عن تحفة واحدة في هيئة باب خشبي مكون من ضلفتين)[346]( من خشب الجوز التركي طول كل ضلفة 179سم وعرضها 72سم، وعرض الرؤوس الأفقية أي العوارض 9سم وهي عوارض تحصر بينها في كل ضلفة ست حشوات: أربعة منها مربعة تقريباً 22سم × 21سم وتسمى الواحدة منها «بقجة» واثنتان مستطيلتان تسمى الواحدة منهما في عرف الاصطلاح الدارج «تمساح» بمقياس 82.5سم طولاً في 22.5سم عرضاً.
ولكي يسهل علينا تغطية كل مواصفات هذا الباب رأيت أن تحمل الضلفة اليمنى حرف A (شكل 1 و2) وتحمل الضلفة اليسرى حرف B بينما تحمل الضلفة اليسرى من 5 ـ 8 أما الحشوات المستطيلة «التمساح» فتحمل الرقمين 9 و10 في الضلفة اليمنى و11 و12 في الضلفة اليسرى أما العوارض الأفقية أي الرؤوس فتسير أرقامها وفق ترتيب النصوص الكتابية من ضلفة إلى خرى على التوالي فتبدأ من العارضة العليا في الضلفة اليمنى بحرف (أ) ثم العارضة العليا بالضلفة اليسرى بحرف (ب) وهكذا تسير الأرقام الأبجدية من عارضة إلى أخرى على التوازي إلى أن تنتهي النصوص عند العارضة الثامنة السفلى بالضلفة اليسرى وهي تحمل حرف (ح) وفي ضوء هذا التخطيط سنسير في دراسة هذه التحفة الفنية (لوحة 1 و2).
العناصر الزخرفية
تتألف كل ضلفة من ضلفتي الباب من قائمين أي اسطامتين في الاصطلاح الصناعي وأربعة عوارض أي رؤوس مجمعة كلها بطريقة التعشيق أي طريقة النقر واللسان)[347]( ويدور على الاسطامات في محيط كل ضلفة شريط بعرض 3.5 سم من زخارف هندسية عبارة عن جديلة من أربعة أفرع بالحفر البارز تدور مستمرة على أرضية القائمين والعارضتين العلوية والسفلية في كل ضلفة لتحصر بينها كافة الزخارف الداخلية للضلفة الواحدة، (لوحة15)، أما الحشوات المربعة أي البقج من 1 ـ 4 في الضلفة A ومن 5 ـ 8 في الضلفةB فتزينها زخارف هندسية بالحفر البارز يتوسط كلاً منها شبه طبق نجمي مجمع بطريقة التعشيق تحدده أشرطة خشبية بارزة تُعرف في الاصطلاح الصناعي باسم «القنانات» وهي أشرطة مزينة بقنوات متوازية محفورة غائرة للتحلية. ويتألف كل طبق نجمي من ست بكشات أو كندات سداسية الأضلاع تنتظم كلها حول ترس نجمي الشكل له ستة أطراف)[348](. وتمتلىء أرضية الشكل الهندسي النجمي بوردة يختلف عدد وريقاتها من حشوة إلى أخرى فتبلغ في بعضها ثمان أو تسع وريقات بينما تصل في البعض الآخر إلى إحدى عشرة وأربعة عشرة وخاصة في بؤرة الشكل النجمي حيث يخرج من أسفل الزهرة ست أوراق نباتية مدببة. وتنبثق وريقات الورود كلها من الدائرة المركزية لكل وردة، فتشبه في تكوينها العام زهرة عباد الشمس)[349]( أو زهرة الأقحوان)[350]( إلى حد كبير، (لوحة 22)، وللوريقات أشكال بيضاوية متعددة بطريقة الأويمة أي الحفر والنقش الدقيق بالأزميل، ومن ثم نرى سطوح هذه الوريقات قد كشطت من أوساطها فبدت البتلات مقعرة وكأنها مفرغة من الوسط، ولا تخرج هذه الوردات المنتشرة في أرضية حشوات هذا الباب ـ بين كل من العناصر الكتابية والنباتية ـ لا تخرج عن كونها تصرفاً هندسياً يمكن حدوثه في كثير من الفنون الإسلامية)[351]( وترك للفنان حرية التشكيل والتنويع في عدد الوريقات كيفما شاء ورغم ذلك اتخذت مثل هذه الوريدات رنكاً أو شعاراً كما حدث في زهرة المرجريت Marguerite ذات الخمس تويجات)[352]( في عهد أسرة بني رسول باليمن وكما حدث أيضاً كذلك بالنسبة للوريدة ذات الوريقات الست حول دائرة مركزية والتي أضحت كما يقرر الأستاذ ديماند Dimand )[353]( بمثابة العلامة التجارية لصناع التحف المعدنية بإقليم خراسان ولكن هذه الوريدات في بابنا الخشبي هنا على أي حال لا تخرج عن حد التصرف الهندسي الزخرفي.
ويزين زوايا الحشوات المربعة «البقج» مثلث يتجه برأسه إلى الداخل وتزخرف أرضيته ورَيدة من أربع وريقات تخرج من دائرة مركزية، ويحيط باقنانات أو السدايب المعشقة بعض الفروع والأوراق النباتية المحفورة حفراً بارزاً والتي تنتشر على أرضية كل بَقْجة مربعة لتشغل ما بها من فراغات (لوحة 3).
ومن الملاحظ أن الشكل الهندسي النجمي الذي يزين كل حشوة من الحشوات المربعة في الضلفتين يشبه إلى حد كبير ذلك التقسيم الهندسي الذي يزين واجهة وظهر محراب السيدة رقية الخشبي بالمتحف الإسلامي سنوات 549 ـ 555هـ (1154 ـ 1160م). إذ لا يحتوي هذا التقسيم الهندسي في باب هانىء أو في محراب السيدة رقية على طبق نجمي حقيقي)[354]( بل يتكون من تكرار وحدة زخرفية في وسطها نجمة سداسية حولها ست حشوات كل منها مسدس منتظم تماماً وهذه الوحدات موزعة بحيث تقع مراكز النجوم في قمم مثلثات وهمية متساوية الأضلاع، أما المسطحات المحصورة بين هذه الوحدات فقد مُلئت بحشوات أخرى بعضها نجمي ممطوط)[355](. ويعني هذا كله أن المجموعات الهندسية الزخرفية في البُقج المربعة بضلفتي الباب ليست أطباقاً نجمية تامة التكوين بل هي مرحلة من مراحل التنويع الهندسي في القرن 6هـ/12م الذي لم يصل بعد إلى المرحلة التي تظهر فيها الأطباق النجمية الحقيقية.
أمّا الحشوات المستطيلة (التمساح) رقم 9 و10 في الضلفة اليمنى ورقم 11 و12 في الضلفة اليسرى فيزين كلاً منها شكل محراب ذو عقد جمالوني مدبب ومخنوق أسفل الشكل الجمالوني تماماً (لوحة 3) وقد عرفت مصر مثل هذه العقود في العمارة الفاطمية منذ القرن 4هـ إذ يقترب شكله من بعض فتحات النوافذ الحجرية في المئذنة الغربية بجامع الحاكم 393هـ وهو نموذج سابق تاريخياً على عقود محراب بابنا الخشبي بأكثر من قرن كما يشبه بعض فتحات النوافذ في القسم العلوي المثمن من مئذنة مشهد أبي الغضنفر (662هـ/ 1157م) اللاحقة لتاريخ هذا الباب.
وقد ورد على بعض التحف الخشبية والشواهد الحجرية والرخامية الإيرانية بعض عقود مشابهة لهذا العقد الجمالوني وهي تحف مؤرخة يرجع أقدمها إلى القرن الرابع الهجري ويشير بعضها إلى ضريح شيعي ربما أُقيم في إيران في عهد عضد الدولة البويهي)[356]( (لوحة 14) كما شاع استعمال هذا العقد فيما بعد في سجاجيد الصلاة المتأخرة كأبرز العناصر الزخرفية المميزة لسجاجيد ميليس Meles في آسيا الصغرى ولعله إحدى التأثيرات الإيرانية في سجاجيد تركيا)[357](.
ويزين كوشتي كل عقد في حشوتي الباب المستطيلتين زخارف محفورة لا أثر للتجميع فيها وقوام عناصرها الزخرفية فروع نباتية مورقة تخرج منها وريدات متفتحة ذات خمس وست وريقات تخرج من دائرة مركزية وكلها منفذة بالحفر البارز، أما حقل المحراب في كل حشوة فتزينه زخارف محفورة بالبارز من فروع نباتية يخرج بعضها من بعض بمعنى أن يمتد طرف من الفروع حتى يصبح عرقاً نباتياً ينبت منه عنصر آخر يتحول طرفه إلى عرق وهكذا)[358]( فضلاً عن وجود أوراق متشابكة بهذه الفروع المحورة عن الطبيعة تحويراً كبيراً كما تتصل بعض أطراف هذه الفروع بأزرار تنتهي عندها المراوح النخيلية، ويمكن رؤية هذه العناصر الزخرفية في بعض الأخشاب السلجوقية المحفورة والتي ترجع إلى القرن 6هـ/ 12م أي المعاصرة لبابنا الخشبي تقريباً مثل منبر جامع علاء الدين بقونية (550هـ/ 1155م) الذي تزينه زخارف نباتية تنتهي أوراقها ومراوحها النخيلية بأشكال أزرار كما «يمكن تتبعها في زخارف الخشب المحفورة من القرن الثامن الميلادي عند قبائل الأويغور التركية بوسط آسيا»)[359](.
أمّا طاقية المحراب فيملؤها عنصر نباتي مركب من مراوح نخيلية لعلها تطوراً للعناصر البصلية الشكل التي ألفناها في عناصر الزخرفة الهلينستية التي أورد Speltz كثيراً منه)[360]( (لوحة 4).
ويبدو الحفر البارز في كل هذه العناصر الزخرفية بالباب على مستويات ثلاث مع توفيق كبير في التنفيذ وقوة في التعبير عن حركات الفروع وانثناءاتها ومراعاة التماثل التام بين كل حشوة وأخرى من الحشوات الأربعة في الضلفتين، بحيث يمكن اعتبار هذه الزخارف نموذجاً رائعاً لزخرفة الأرابسك Arabesques (لوحة 4) التي نضجت تماماً في القرن 6هـ/12م في العالم الإسلامي كله وخاصة في شرقيّه حيث نراها ممثلة في زخرفة أخشاب هذا القرن بالذات في مصر الفاطمية في محراب السيدة نفيسة)[361]( (532 ـ 541هـ (1137 ـ 1147م) (لوحة 13 وفي ضلفتي باب من مشهد السيدة نفيسة بمتحف الفن الإسلامي رقم سجل 1646)[362]( وفي حشوات باب جامع الفكهاني 543هـ/1148م)[363]( وفي الحشوات الجانبية والخلفية لمحراب السيدة رقية)[364]( 549 ـ 555هـ (1154 ـ 1160م).
وفي العراق رغم أنه لم تصلنا نماذج مماثلة من الحفر على الخشب لها نفس هذه الحربة في تنفيذ أشغال الأويمة وحفر الفروع والتعريقات إلاَّ أننا نجد ما يماثل هذه الزخارف في أشغال المرمر بكثرة وخاصة في زخرفة محراب الجامع الأموي بالموصل الذي نقل إلى الجامع النوري حيث هو الآن وهو محراب صنعه سنقر البغدادي)[365]( في سنة 543هـ أي أنه محراب معاصر لبابنا الخشبي بل وفي نفس تاريخ صنعه (لوحة 13 و18).
أمّا إيران فقد اشتهرت بهذا النوع من الزخارف النباتية المحفورة حفراً عميقاً والموزعة على عدة مستويات مختلفة حتى أن الأستاذ ديماند Dimand ليقرر أن هذه الطريقة ـ أي طريقة الحفر بعدة مستويات ـ إيرانية الأصل)[366](، وقد وردت أقدم أنواع هذه الزخارف الإيرانية المحفورة على الباب الخشبي لضريح محمود الغزنوي المحفوظ حالياً بمتحف أجرا بالهند بعد أن نقله الإنجليز إلى هناك سنة 1842 وهو باب يرجع إلى القرن 5هـ/11م وقد انتشر هذا النوع من الزخارف النباتية بعروقها ووريقاتها المتشابكة في التحف الإيرانية غير الخشبية فنراه على المحاريب الجصية التي ترجع إلى القرنين 5 و6هـ (11/12)م.
وقد بحث فلوري Flury كثيراً من زخارف هذه المحاريب وكتاباتها)[367]( كما أشار الأستاذ كريسويل Creswell إلى بعضها في كتابه عن العمارة الفاطمية بمصر وردها إلى أصولها فيما نشر عن بعض المحاريب الإيرانية الجصية المسطحة بأردستان (لوحة 14) ومصر والتي ترجع إلى القرن 5هـ/11م)[368](.
والمهم أن زخارف الأرابسك التي تملأ حقل كل محراب من المحاريب الأربعة في حشوات بابنا الخشبي المستطيلة ترجع في أصولها إلى تأثيرات إيرانية واضحة، وقد وفق نجار فنان في تجريد عناصرها النباتية فابتعد بها عن أصولها الطبيعية ونجح في جمعها وربطها وتوزيعها جمعاً وربطاً وتوزيعاً تجلى فيه التعقيد، مع البراعة الفنية والابتكار، دون أن يؤثر ذلك في المظهر العام للعناصر الزخرفية نفسها، بحيث أبعدها عن الملل، وأضفى عليها من الائتلاف والتلاؤم ما وفق بين أجزائها جميعاً.
النصوص الكتابية
سبق أن أشرت إلى أن النصوص تسير على التوالي من ضلفة إلى أخرى فوق العوارض المتوازية فيبدأ النص من العارضة العليا بالضلفة اليمنى ويكمله النص التالي في العارضة العليا من الضلفة اليسرى وهكذا تسير بقية النصوص متوازية حتى نهايتها فوق العارضة السفلى من الضلفة اليسرى حيث يتمم التاريخ هذه النصوص الكتابية جميعها. ويعنينا الآن قبل تحليل حروف وزخارف هذه النصوص الكتابية أن نقوم بقراءتها لنتبين ما تشير إليه كلماتها من مدلولات وسنسير في تلك القراءة على الوجه التالي:
النص فوق العارضة 2 (في الضلفة اليمنى، لوحة 5):
بسم الله الرحمن الرحيم السلام على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الله.
النص فوق العارضة ب (في الضلفة اليسرى لوحة 6):
العظيم وصلواته عليك يا هانىء بن عروة السلام عليك أَيها العبد الصالح.
النص فوق العارض جـ (في الضلفة اليمنى لوحة 7):
المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين عليهم السلام.
النص فوق العارضة د (لوحة 8):
أَشهد أَنك قُتِلْتَ مظلوماً فلعن الله من قتلك واستحل دمك وحشا الله.
النص فوق العارضة هـ (لوحة 9):
قبورهم ناراً أَشهد لك أَنك لقيت الله وهو راض عنك بما فعلت ونصحت لله و)[369](.
النص فوق العارضة و (لوحة 10):
لرسوله مجتهداً وبذلت نفسك في ذات الله ومرضاته قل حمداً لله.
النص فوق العارضة ز (لوحة 11):
ورضى عنك وحشرك مع محمد وآله الطاهرين وجمعنا الله.
النص فوق العارضة ح (لوحة 12):
[و] إياك معهم في دار النعيم في شهر محرم سنة ثلاث [و] أربعين [و] وخمسماية.
ومن الملاحظ أنه بينما يفصل الحشوات الزخرفية الهند سية في البقج المربعة والحشوات المستطيلة ذات الزخارف النباتية، قوائم رأسية تزينها زخارف هندسية محفورة بالأويمة في هيئة سهام متتابعة تتجه رؤوسها إلى أسفل، نرى أن النصوص الكتابية فوق العوارض الخشبية لا تفصلها مثل هذه القوائم الرأسية بل يغطى النص الكتابي كل مساحة العارضة وهكذا تشتمل كل ضلفة على أربعة سطور من النصوص أمكن تصويرها وتفريغها وتحبيرها)[370]( (اللوحات من 5 ـ 12) وهي نصوص كما يبدو من دراستها شيعية تماماً تشير إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وإلى سيدنا علي بن أبي طالب الذي رمزت إليه النصوص «بأمير المؤمنين» في النص رقم (جـ) فوق العارضة الثانية بالضلفة اليمنى، كما تشير إلى الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين وتنص على الدعاء لهانىء بن عروة بالجنة دار النعيم مع الرجاء بأن يحشر مع سيدنا محمد وآله الطاهرين جزاء ما بذل هانىء بن عروة من نصح وطاعة لله ولرسوله وآل بيته وأخيراً جزاء ما بذل من نفسه في ذات الله ومرضاته حتى قتل شهيداً في سبيل ذلك. وتشير بعض هذه النصوص إلى الدعاء باللعنة على من قتل هانىء بن عروة مظلوماً واستحل دمه.
فمن هوذا هانىء بن عروة العبد الصالح الذي صنع لضريحه هذا الباب الخشبي المؤرخ بشهر المحرم سنة 543هـ (مايو 1148م)؟
الواقع أن شخصية هانىء بن عروة ترتبط بذلك الصراع الدامي الذي كان بين الأمويين والعلويين من شيعة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه منذ معارضة الحسين بن علي لبيعة يزيد بن معاوية سنة 60هـ فكاتب الحسين شيعته وأتباعه بالكوفة فاجتمعوا وأرسلوا إليه كتباً كثيرة يطلبون منه فيها الانتقال إلى الكوفة)[371]( ولكنه رأى أن يختبر مدى عمق الجبهة التي سينتقل إليها حيث يقاوم يزيد بن معاوية وعماله بالعراق، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل فبايعه أهل الكوفة على النصر والتف حوله الناس إلى درجة لم يستطع معها عامل يزيد على الكوفة وهو النعمان بن بشير الصمود أمام ثمانية عشر ألفاً من الشيعة)[372]( فعزله يزيد لعدم نجاحه في قمع هذه الحركة الشيعية وولى مكانه عامل البصرة «عبيد الله بن زياد» الذي استعمل أقصى أنواع الشدة لتفريق كثير من أتباع مسلم بن عقيل فلما رأى مسلم تفرُق أهل الكوفة عنه استجار (بهانىء بن حميد بن عروة المرادي)، فأجاره هانىء في داره، غير أن عبيدالله بن زياد نمّ على هانىء أحد عبيد هانىء نفسه)[373]( فأخبر هذا العبد ابن زياد باجتماع الشيعة في دار «هانىء بن عروة» فبعث عبيدالله بن زياد إلى هانىء وهو شيخ آنذاك وأحضره وطلب منه تسليم مسلم بن عقيل فرد عليه هانىء: «والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه».
فوثب إليه عبيدالله بن زياد بالعنزة (الحربة) حتى غرز رأسه بالحائط «فشجه على حاجبيه وكسر أنفه وقال له عبيدالله قد أحل الله لي دمك لأنك حروري» (من الخوارج))[374]( ثم أمر بحبسه، ولما علم مسلم بذلك ذهب ببعض رجاله إلى قصر ابن زياد لإنقاذ هانىء ولكن كانت تهديدات عبيدالله ورجاله كافية لصرف الناس عن مسلم بن عقيل حتى أصبح بمفرده فقبض عليه وضرب عنقه وهو في أعلى القصر فسقطت رأسه إلى الشارع فأتبعها جسده، وأُرسلت رأسه إلى دمشق وصُلبت جثته في الكوفة فكان كما ذكر «فلهوزن» أول رأس أُرسل إلى الشام وأول جثة صُلبت من بني هاشم)[375](.
أمّا هانىء بن عروة فقد أحضره عبيدالله بن زياد وضرب عنقه في سوق الغنم بالكوفة ثم صلبه بعد ذلك، وبعث برأسه إلى يزيد. وفي رثاء هانىء ومسلم بن عقيل ينشد الفرزدق)[376](:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري
إلى هانىء في السوق وابن عقيل
أصابهما أمر الإمام فأصبحا
أحاديث من يغشى بكل سبيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه
وآخر يهوى من طمار قتيل
وهكذا انتهت حياة بطل من أبطال الشيعة بالكوفة هانىء بن حميد بن عروة المرادي الذي يذكر عنه صاحب الأغاني أنه كان «من القراء الأشراف» وقد انطفأت بقتله مظلوماً بعد أن استحل عبيدالله بن زياد دمه، شعلة رواد الطليعة الذين كان يأمل فيهم الحسين رضي الله عنه نشر الدعوة الشيعية وتوطئة الأمور له بالكوفة قبل انتقاله إليها، ولكن سنرى أن الشيعة في القرن السادس الهجري (12م) لم تنس لهانىء بن عروة جهاده فتقيم له ضريحاً يزار بمسجد الكوفة فوق جثته تخلف عنه هذا الباب الخشبي الرائع موضوع بحثنا.
وآخر عهدنا برأس هانىء بن عروة هو ما أورده عريب بن سعيد في صلة تاريخ الطبري من أن رأس هانىء قد وصل سنة 304هـ إلى خراسان حيث وجد في قندهار بأفغانستان الحالية وفي أحد أبراج سورها خمنسة آلاف رأس في سلال ومن هذه الرؤوس ستة وعشرون رأساً في أذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط أبريسم (الحرير) باسم كل رجل منهم ومن بين هذه الأسماء اسم هانىء بن عروة)[377](.
وإذا كان رأس هانىء بن عروة قد لحق به النقلة من دمشق إلى خراسان بإيران فإن جثته الطاهرة قد دُفنت بالكوفة حيث يقع ضريحه اليوم في الناحية الشرقية من مسجد الكوفة عند الطرف الشمالي ويحاذيه ضريح مسلم بن عقيل عند الطرف الجنوبي من الناحية الشرقية بعينها. وعلى أسس المسجد الأصلي الذي أنشىء بالكوفة سنة 27هـ (638م) وأُعيد بناؤه في عهد زياد بن أبيه 51هـ/ 670م يقوم مسجد الكوفة الحالي على مساحة مربعة تقريباً 116 × 111 متراً ويحيطه سور من الآجر تدعمه أبراج مستديرة من الخارج (بارتفاع 20 متراً عن سطح الأرض))[378]( ومن الناحية القبلية من المسجد يقع مقام الإمام علي رضي الله عنه حيث اغتيل في محرابه سنة 40هـ. ويحيط بصحن الجامع من جهاته الأربع رواق واحد ذو بلاطة واحدة يحيطها صف واحد من العقود ويفتح في الرواق الشرقي بابان يوصل أحدهما إلى ضريح مسلم والآخر إلى ضريح هانىء بن عروة، ويثبت الباب الخشبي الذي نعرض له الآن أن ضريح هانىء بن عروة قد أُقيم أو على الأقل قد جدد سنة 543هـ (1148م) في الناحية الشرقية من المسجد (لوحة 16).
غير أن هذا الضريح كان قد تهدم عند زيارة ابن جبير للكوفة سنة 580هـ/1184م إذ يذكر أن الكوفة قد «استولى الخراب على أكثرها فالغامر منها أكثر من العامر ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها فهي لا تزال تضربها.. والجامع العتيق آخرها مما يلي شرقي البلد ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق»)[379]( وإن كان قد عاد إلى تأكيد وجود عمارة واحدة صغيرة حين يذكر «وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعد إليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه»)[380]( ولا أثر هنا لذكر ضريح هانىء بن عروة ولولا تهدم هذا الضريح في فترة تقع ما بين 543هـ وسنة 580هـ لما وصلنا هذا الباب من مخلفاته ويحمل تاريخاً يقوم دليلاً على وجود ضريح هانىء في المحرم من سنة 543هـ وهو الضريح الذي جدد بعد ذلك تجديداً شاملاً مع المسجد الجامع الحالي وأُقيمت فيه حول القبر مقصورة من الفضة الخالصة، تجلل بالسواد في كل سنة من العاشر من المحرم، أي يوم عاشوراء في ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه، وخارج هذه المقصورة علقت الزيارة اللازم قراءتها على روح هانىء بن عروة من الزائرين لضريحه، وتتضمن هذه الزيارة 92 كلمة أي تطابق تماماً عدد كلمات النصوص الكتابية المنقوشة على باب ضريح هانىء الخشبي وهو 92 كلمة أيضاً، كما تتفق النصوص في غالبها فيما عدا استبدال بعض كلمات بأخرى أو تقديم بعضها على الآخر مما يقوم دليلاً لدينا على أن نصوص الباب الخشبي كانت المصدر الذي استقى منه كاتب نصوص هذه الزيارة الموجودة بالضريح الحالي)[381]( (لوحة 21).
وبعد مناقشة النصوص الكتابية في ضلفتي الباب ومضمونها، ننتقل إلى تحليل الخصائص الزخرفية والفنية لحروف هذه النصوص. فمن الثابت أن هذه النصوص الكتابية كلها ترجع إلى القرن 6هـ/12م وعلى وجه التحديد إلى سنة 543هـ (1148م) وإذا حاولنا أن نقارن خصائص الحروف الكتابية في هذه النصوص الشيعية بباب هانىء بخصائص الحروف الكتابية الشيعية الأخرى في الأخشاب الفاطمية بمصر والتي ترجع إلى نفس القرن 6هـ/12م كأخشاب قاعة الدردير (النصف الأول من القرن 6هـ) وتابوت السيدة رقية 533هـ/ 1138م والأخشاب الفاطمية بضريح شجرة الدر منتصف القرن 6هـ/12م وأخشاب الصالح طلائع 555هـ/1160م لخرجنا من هذه المقارنة بحقيقة علمية واحدة هي أن حروف النصوص الكتابية المعاصرة لباب هانىء في مصر الفاطمية تبدو فيها الرشاقة والليونة رغم سمك الحروف المحفورة في هذه الأخشاب في القرن 6هـ/12م فضلاً عن امتزاج الحروف الكتابية الفاطمية في هذه الفترة بالحلزونات والتوريقات العربية الملتفة حولها على الأرضيات بحيث تتشابك معها فيصعب تخليص الحروف من مهادها الزخرفي الذي يتألف من الفروع النباتية وأوراق العنب الثلاثية كما يتضح ذلك من نصوص وزخارف الأمثلة التي سبق لي القيام بدراستها)[382](.
والواقع أن الحروف الكتابية في باب هانىء قد نفذت بالحفر البارز بطريقة تبدو فيها الصلابة والسمك مع شيوع الزوايا عند بدايات ونهايات الحروف وهي خصائص الكتابات التي ترجع إلى القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي والتي شاعت في كتابات شواهد القبور وكتابات مقياس النيل بالروضة وكتابات جامع بن طولون)[383]( فقد ظهرت مثلاً النسارة في بداية الألفات فضلاً عن ذيل يشكل زاوية قائمة في نهايتها — وهكذا الحال في بداية اللام وإن كان اتجاه السنارة في الألف دائماً إلى اليمين وفي اللام غالباً إلى اليسار في كتابات باب هانىء — وكذلك حرف الراء نراه ينكسر في زاويتين إحداهما في أعلا الراء والثانية في أسفلها- – -.
كما في لفظ (لرسوله) وفي كلمة (الأمير). أمَّا الصاد فقد نفذت بطريقة صلبة كذلك فبدت سننها كحرف الطاء أو الظاء وأمّا العين فقد بدت مفتوحة من أعلى أشبه بحرف العين في كتابات فجر الإسلام وحتى حرف العين البادئة تبدو فيها صلابة العين في الكتابات العباسية والطولونية في القرن 3هـ/9م وكذلك الحال في حرف الهاء الأخيرة الـتـي تشبه إلى حد كبير كتابات مقياس النيل بالروضة 247هـ وكتابات جامع بن طولون رمضان 265هـ (مايو 879م) ومع ذلك فقد بدت في كتابات باب هانىء مميزات جديدة متطورة تبتعد بها عن خصائص كتابات القرن 4هـ/9م فمثلاً حرف الميم امتاز في كتابات باب هانىء بخروج زائدة أشبه بقائم حرف الطاء كما في لفظي (لأمير المؤمنين) وكذلك الحال في حرف الهاء فقد امتاز بهذه الزائدة كما في لفظ (عليهم السلام) أمّا حرف الواو فقد توج رأسه بمثلث أشبه برأس الحربة كما يبدو في لفظ (المؤمنين) ونرى كذلك عناصر زخرفية هندسية في هيئة المثلثات لتصل ما بين الحروف وبعضها كما في كلمة (السلام) واسمي «الحسن والحسين» .
والحق أن هذه العناصر الزخرفية في الحروف الكتابية كالقوائم الزائدة أو رؤوس الحراب أو المثلثات الهندسية قد ظهرت لأول مرة في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي في إيران في بعض التحف الخشبية المؤرخة 363هـ (974م) ويحتفظ متحف الفن الإسلامي ببعضها)[384]( (لوحة 17) وظلت هذه المميزات تظهر في الكتابات الغزنوية ثم السلجوقية حتى القرن 6هـ/12م كما يبدو من تلك المجموعة من الكتابات التي درسها فلوريFlury )[385]( على التحف الإيرانية مما يحملنا على الاعتقاد بأن هذا الباب تحفة إيرانية ليس غير في ضوء زخارفه وكتاباته صنع في سنة 543هـ بهذه الدقة والجمال وقد أوردت جدولاً لتحليل كتابات الباب ومقارنته بالكتابات الإيرانية والعراقية منذ القرن 4هـ. (انظر اللوحات رقم 19 و20 و23) ومن هذه الكتابات يتضح لنا مدى ارتباط كتابات باب هانىء بالكتابات الإيرانية بقدر ابتعادها عن الكتابات العراقية حتى المعاصرة لها.
ولكن بقيت نقطة أخيرة وهي أين كان موضع هذا الباب الخشبي من ضريح هانىء بن عروة المرادي؟
إننا نلاحظ أن ارتفاع هذا الباب بمصراعيه لا يزيد عن 1.79 متر كما لا يعدو عرضه 1.44 متر وإذا كان العرض يتناسب واتساع بعض فتحات الأبواب العامة للمشاهد والأضرحة القائمة إلاَّ أن ارتفاعه لا يسمح بأي حال أن يكون هذا الباب هو الباب العمومي لضريح هانىء بن عروة بل إن أنسب مكان لتثبيت هذا الباب فيما بين 543هـ و580هـ هو المقصورة الداخلية، التي تحيط بلحد هانىء والتي غالباً ما كان يوضع داخلها تابوت أشبه بتابوت الحسين المحفوظ بمتحف الفن الإسلامي، أو تابوت السيدة رقية القائم حالياً بمشهدها، ليحدد مكان الجثة واتجاه وضعها في القبر داخل المقصورة، وقد كانت مثل هذه الأبواب الخاصة بالمقصورة محددة الاستعمال فلا تفتح إلاَّ عند إجراء أعمال النظافة حول اللحد أو تفتح للخاصة عند الزيارة مبالغة في تكريمهم وتبركهم.
وبعد: هذا باب ضريح هانىء بن عروة المرادي أحد شهداء الشيعة وحماتهم صنع لضريحه في شهر المحرم سنة 543هـ (مايو 1148م) وليفخر متحف بيت الكريتلية باقتنائه، وإذا كان باب ضريح محمود الغزنوي 388هـ 421هـ (998 ـ 1030م))[386]( المحفوظ بمتحف أجرا بالهند حالياً من القطع الهامة في تاريخ الحفر على الخشب في عصر السلاجقة بالذات، فإن باب ضريح هانىء بن عروة يعتبر التحفة الخشبية الفريدة التي صنعت في شهر وفي سنة محددة من القرن 6هـ/12م ولعل هذا الباب من بين تلك التحف التي بقيت لنا من الخشب المحفور بإيران إلى جانب تلك التحفة التي يفخر بها متحف المتروبوليتان بنيويورك وهي حشوة كبيرة من أحد المنابر تحمل اسم علاء الدين كليجار كرشاسب عامل السلاجقة على يزد وهي مؤرخة 546هـ (1151م))[387]( أي بعد باب هانىء بن عروة بثلاث سنوات.
اللوحة 1: رسم يوضح أبعاد الباب وعدد حشواته في كل من الضلفة اليمنى A واليسرى B.


اللوحة 2: صورة الباب الخشبي لضريح هانىء بن عروة بعد وضع الضلفتين متجاورتين
والواقع أننا لا نعرف الكثير كما يقول الأستاذ ديماند)[388]( عما بقي من أخشاب العصر السلجوقي ويحتمل أن تكون بعض مخلفاته الخشبية لا تزال خبيئة في مساجد غير معروفة أو في مجموعات خاصة وها نحن اليوم نسهم في إبراز أهم تحفة خشبية من تحف ذلك العصر في مجموعات القاهرة ومتاحفها.
الدكتور عبد الرحمن فهمي
بحث في الأصول الأربعمائة)[389](
مقدمة
الفريق الأول من المحدّثين وفقهاء الإمامية، بعد الأئمة عليهم السلام، هم أصحابهم وتابعوهم. ونقصد بالتابعين الذين عايشوا أئمة الهدى عليهم السلام أو كانوا معاصرين لهم، ولكنهم لم ينالوا شرف صحبتهم، فسمعوا أحاديثهم من ألسنة ثقاة آخرين وعملوا بها. وقد اتسم هذا الفريق بسمة القيادة واعتبروا من واضعي أسس فقه الإمامية، إذ يمكن القول بأن الدورة الكاملة والجامعة لفقه الإمامية وحديثهم قد بنيت على ما قام به هؤلاء من الجهد العلمي الحثيث.
.
لقد كان من أهم الخدمات العلمية التي قدّمها هؤلاء هو وضع «الأصول»، وذلك لأن معظم أفراد هذا الفريق كانوا من أصحاب الأئمة عليهم السلام، وكان كل واحد منهم المرجع الشيعي للناس في منطقة سكناه. فإذا ما صادفته مسألة جديدة شد رحاله بنفسه لمقابلة الإمام عليه السلام أو أصحابه الموثوق بهم. وكانوا يسجلون أحاديث المعصومين عليهم السلام في أوراقهم ومكتوباتهم.
لم تكن هذه المدونات الروائية تخضع لتبويب أو ترتيب معيَّن، فإذا واجه أصحابها سؤالاً أو أسئلة عن أمور فقهية أو عما يتعلق بالأئمة المعصومين من حيث أخلاقهم وآدابهم وتواريخ ولادتهم ووفياتهم ومناقبهم وفضائلهم وأمثال ذلك، كانوا يسمعون إجابات أسئلتهم مباشرة عن الأئمة عليهم السلام أو من أصحابهم، ثم يدونونها في أوراقهم، فتألّف من هذه الكتابات نحو 400 مجموعة روائية اشتهرت فيما بعد باسم «الأصول الأربعمائة)[390](».
إن الذين يحصرون فترة تدوين الأصول بزمان الإمام الصادق عليه السلام على أيدي تلامذته، يقولون عن «الأصول الأربعمائة»: «لقد وصل نشاط الشيعة الثقافي إلى أوجه على عهد الإمام الصادق عليه السلام، وذلك لأن انتقال السلطة من الحكم الأموي إلى الحكم العباسي أوجد فرصة من التراخي في الضغط السياسي على الشيعة على وجه العموم. في مثل تلك الفرصة المناسبة أقبل أهل العلم والمعرفة إقبالاً شديداً على مدرسة الإمام الصادق عليه السلام حتى وصل عدد طلابه والرواة عنه 4000 شخص. وقد قام عدد كبير من هؤلاء بتدوين الروايات التي سمعوها منه حول مواضيع شتى، كالفقه، والتفسير، والعقائد وغيرها. وقد أطلق على هذه الكتابات في تاريخ الشيعة اسم الأصول التي بلغت 400 عدداً»)[391](.
تعريف «الأصل»
يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني [صاحب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»]: «تعبير الأصل لا يصدق إلا على بعض الكتب الروائية، بمثلما أن «الكتاب» اسم يطلق على جميع كتب الحديث. كثيراً ما يلاحظ في عبارات علماء الرجال قولهم: الراوي الفلاني له كتاب «أصل»، أو أن له «أصلاً» وكتاباً وأنه يقول في «الأصل» كذا وكذا، أو أنه صاحب كتاب وأصل وأمثال ذلك.
وإطلاق «الأصل» على الكتب الروائية من جانب العلماء ليس ظاهرة حديثة، بل سبق اطلاق اللفظة، استناداً إلى معناها اللغوي، على أمثال هذه الكتب. أي إذا كانت جميع أحاديث كتاب روائي قد سمعها المؤلف من الإمام عليه السلام، يعتبر هذا الكتاب كتاب «أصل» من بين سائر كتب المؤلف نفسه، لأنه لا يعتمد على كتابات شخص آخر، ولهذا السبب يُقال إن له كتاب «أصل». أما إذا اقتبس كتابٌ كل أحاديثه أو بعضها من كتاب آخر، وإن يكن «أصلاً» ومؤلفه سمع تلك الأحاديث من الإمام عليه السلام مباشرة، وأن الإمام قد أجازه بروايتها وتدوينها، فإن هذا الكتاب المقتبس لا يعتبر «أصلاً» لأن مؤلفه لم يسمع الأحاديث من الإمام مباشرة، بل استنسخها من مدونة أخرى، فهو «فرع» منها. وهذا يتفق مع قول المرحوم وحيد البهبهاني: «إن الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي سمعها من المعصوم أو من راويه»)[392](.
فبناء على ذلك، «الأصل» من بين كتب الحديث هو الكتاب الذي يضم بين دفتيه ما سمعه مؤلفه من المعصوم أو ممن سمعه من المعصوم، لا الكتاب الذي يأخذ من كتاب آخر، إذ في هذه الحالة لا يكون جديراً بإطلاق اسم «الأصل» عليه، بل يكون فرعاً له. وكلام النعماني عن الأصل السليم ـ كما سيأتي)[393]( ـ إشارة إلى لزوم سماع الروايات في الأصل. وهكذا يكون أصل كل كتاب هو ما كتبه المؤلف فيه أولاً، وكل ما استنسخ منه يكون فرعاً له، ولذلك يطلق على المكتوب الأولي اسم النسخة الأصلية، أو الأصل)[394](.
في ذلك يقول صاحب «إتقان المقال»: «إن من الأقوال في «الأصل» هو أنه كتاب حديث يضم كلام المعصوم فقط. وثمة قول آخر يقول: الأصل هو الكتاب الذي يحتوي على الأحاديث المسموعة من المعصوم عليه السلام دون واسطة».
في أقوال علماء الرجال ترد عبارات مثل قولهم عن إبراهيم بن مسلم: «إن شيوخنا يعتبرونه من أصحاب الأصول». أو عن كتاب أحمد بن حسين يقولون: «يرى بعض من أصحابنا أنه من الأصول». وبشأن كتاب حريز قالوا: «جميع كتبه تعتبر من الأصول» وعن كتاب الحسين بن أبي العلاء قالوا: «له كتاب يُعد من الأصول». وأمثال هذه الأقوال، وهي تدلّ على أن الأصل عندهم هو كتاب حديث يعتمد عليه ويعمل به.
وليس ببعيد القول بأن «الأصل» هو الكتاب الذي يتصف بكونه يُعتمد عليه ويضم روايات مسموعة من المعصوم عليه السلام بدون واسطة، كما يتضح ذلك من كثير من التراجم: «له كتاب يعتمد عليه» أو «للراوي الفلاني كتب عديدة، مثل الحسين بن سعيد وأمثاله».
بديهي أننا لا يمكن أن نقول إن كتاب كل شخص ثقة هو «أصل» وذلك لأننا لا نجد أكثر الرواة المعتمدين والموثوق بهم بين أصحاب «الأصول»، حتى إن بعضهم، مثل زرارة، الذين لا يرقى الشك إلى وثاقتهم وكونهم من أصحاب الإجماع، لا نجدهم بين أصحاب «الأصول». يتبيَّن من هذا القول أن ليس كل كتاب معتمد «أصلاً»)[395](.
يقول أحد العلماء المعاصرين في تعريف «الأصل» ما يلي: «الأصل هو الكتاب الذي يحوي الأخبار والآثار التي جمعت بقصد ضبطها وحفظها من التلف ومن النسيان، ولكي يرجع إليه الجامع أو غيره عند الحاجة»)[396](.
السيد محسن الأمين، بعد استعراض بعض التعاريف، يقول: «كل هذه التعاريف لا تعدو أن تكون مبنية على الحدس والتخمين»)[397](.
وربما تكون هذه النظرة ناجمة عن كون هذه التعاريف لا تستند إلى دراسة نصوص تلك الأصول. إننا من الناحية التاريخية، لا نجد هذا الاصطلاح إلا في كتب الشيعة من القرن الخامس الهجري وما بعده، وعلى وجه الخصوص في كتب ثلاثة منهم، وهم: محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد (توفي 412هـ)، وأبو العباس النجاشي (توفي 450هـ) وأبو جعفر محمد الحسن الطوسي (توفي 460هـ)، وذلك لأننا عند دراسة فهرست الطوسي والنجاشي نستنتج أن «الأصل» صفة مستقلة تطلق على بعض كتب الحديث، ولعل الاستعمال الأول استند إلى المعنى اللغوي للفظة «أصل» والتي كانت تطلق على كتب أخرى أيضاً ثم تبلور مفهومها في اصطلاح جديد. ودليلنا على ذلك نموذجان نكتفي بهما من فهرست الطوسي:
1 ـ جاء في مقدمة الكتاب: «إنني عندما بحثت بدقة عن أعمال عدد من كبار المحدثين الشيعة ـ والتي تسرد كتب محدثي الإمامية والأصول التي رووها ـ لم أجدها فيها، ما عدا ما جمعه أبو الحسن بن الحسين بن عبيدالله الغضائري، وذلك لأنه ألف كتابين تحدث في أحدهما عن الكتب، وفي الآخر عن الأصول»)[398](.
2 ـ في أحوال بندار بن محمد بن عبدالله يقول: «له عدَّة كتب، منها كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج، وكتاب الزكاة، وغيرها مما كتبت بترتيب كتب الأصول وعلى نسقها»)[399](.
على الرغم من أن الطوسي استعمل لفظة «أصل» أكثر من غيره، إلا أننا لا نجد في أي موضع من كتابه، ولا من كتب معاصريه، تعريفاً لمفهوم «الأصل»)[400](.
واستناداً إلى أقدم المصادر، فإن أول من استعمل تعبير «الأصل» في قبال: كتاب، مصنف، رسالة، نوادر وغير ذلك، هو الشيخ المفيد، إذ ينقل عنه ابن شهر آشوب قوله إن الإمامية، منذ أيام أمير المؤمنين علي عليه السلام، حتى عهد أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام ألّفوا 400 كتاب تسمى الأصول، والهدف من ذلك هو أن يقولوا إن الراوي الفلاني له مؤلف في الأصول)[401](.
إذن، إذا أخذنا بنظر الاعتبار تقدم الشيخ المفيد على الشيخ الطوسي والنجاشي، وأنه في آخر كلامه يقول إن هدف علماء الإمامية هو تبيان كون الراوي الفلاني كتب «أصلاً»، فإننا نستنتج من ذلك أن هذا الاصطلاح كان متداولاً بين المحدثين وعلماء رجال الشيعة، على الرغم من أن شيئاً عن هذا لم يصلنا منه. وبناء على ذلك ليس من السهل إثبات أن مصطلح «الأصل» قد استعمله بصورة مستقلة هؤلاء العلماء الثلاثة، وإن كان النقد موجهاً إلى كل تعريف من تلك التعاريف. إلا أن البحث في التعاريف الماضية، وما سيأتي فيما بعد، لا يبقي مجالاً للشك في أن «الأصل» عنوان مستقل يطلق فقط على بعض كتب الحديث التي لها ميزة خاصة.
الفَرق بين «الأصل» و«الكتاب»
الشيخ عبدالله المامقاني، العالم الكبير بالرجال، يقول في هذا الباب: «ليس ثمة شك في اختلاف «الأصل» عن «الكتاب»، وذلك لأننا كثيراً ما نشاهد في كتابات علماء الرجال أنهم يقولون بشأن أحد الرواة: «كان له (أصل) وله كتاب».
ينبغي أن نقرأ ما يقوله الشيخ الطوسي بشأن زكريا بن يحيى الواسطي: «له كتاب (الفضائل) وله (أصل) أيضاً». فلو كان الكتاب والأصل شيئاً واحداً لما كان كلامه دقيقاً. كما أننا نقرأ له بعض العبارات يقول فيها: «للراوي الفلاني كتابان أو عدد من الكتب». ولكنه لا يقول أبداً أن الراوي الفلاني كان له أصلان أو عدة أصول)[402](. بل يذكر أصلاً مفرداً لأي صاحب أصل، لا تثنية ولا جمعاً.
لعلنا نستطيع أن نعثر على العلة في الرأي القائل: بالنظر لأن الأصول غالباً ما تكون عديمة الترتيب والتبويب، وأن صاحب الأصل يجمع جميع الروايات التي سمعها من المعصوم عليه السلام أو من أحد أصحابه في كتاب واحد، فمن الطبيعي أن يكون صاحب مجموعة روائية واحدة تسمى «الأصل«. أما الكتاب الذي غالباً ما يكون جامعاً لروايات تخص موضوعاً خاصاً، يكون متعدداً بحسب تعدد أبوابه ورواياته المختلفة.
ويضيف صاحب الرأي قائلاً: ثم إن كتب المحدّثين الشيعة ومصنفاتهم أكثر من 400 عدداً، فقد ذكر علماء الرجال لابن أبي عمير 94 كتاباً، ولعلي بن مهزيار 35 كتاباً، وللفضل بن شاذان 180 كتاباً، وليونس بن عبدالرحمن أكثر من 300 كتاب، ولمحمد بن محمد بن إبراهيم أكثر من 90 كتاباً، ومجموعها يفوق 679 كتاباً لخمسة أشخاص فقط، فما بالك بما لسائر العلماء الآخرين. لذلك لا بدَّ من وضع عنوان خاص لبعض كتب الحديث واستثناء غيرها من هذه التسمية.
أما الفروق التي ذكرت للتمييز بين (الأصل) و(الكتاب) فهي:
1 ـ ينقل وحيد الهبهاني عن عالم لا يذكر اسمه قوله: «الأصل هو المجموعة التي تضم كلام المعصوم عليه السلام فقط، أما في الكتاب فبالإضافة إلى كلام المعصوم عليه السلام قد يضم بين تلافيفه كلام المؤلف أيضاً». ولتأييد هذا الكلام يستشهد القائل بقوله للشيخ الطوسي في ذكر أحوال زكريا بن يحيى الواسطي جاء فيه «له كتاب (الفضائل) وله أصل أيضاً». يقول المرحوم وحيد البهبهاني إن الاستشهاد بكلام الشيخ بقصد تأييد هذا الرأي يدعو للتأمل، إلا أن رأيه قريب إلى الواقع إلى حدٍ ما وله بعض التأثير في إثباته. ثم يشير إلى ناقدي الدعوى فيقول: ثمة اعتراض على هذا الأمر بالنظر إلى أن الكتاب أعم من الأصل)[403](، ولكنه يعود ليقول إن هذا الاعتراض غير صحيح، لأن القصد هو بيان الفَرق بين الكتاب الذي ليس أصلاً ويقف مقابلاً له، والكتاب الذي هو أصل، كما أن حصر تسمية الـ400 مجموعة بالأصول يعود إلى هذا الأمر.
والاعتراض الآخر الموجه إلى هذا القول هو أن في كثير من الأصول نجد كلاماً للمؤلف أيضاً، ولكن في كثير من الكتب لا وجود لكلام المؤلف إضافة إلى كلام المعصوم، مثل كتاب سليم بن قيس)[404](، فيرد على ذلك قائلاً: «إن هذا الاعتراض، كما ترون، ليس سوى مجرد ادعاء، كما أن شذوذه عن الواقع لا يخفى على كل مطلع على أحوال الأصول. نعم إذا ادعي أن كلام الكاتب قد شوهد بين طيّات بعض الأصول، فإنه لا يكون احتمالاً بعيداً عن الواقع، ولا يتعارض مع الدعوى المذكورة». ولكن ما الدليل على أن كتاب سليم بن قيس ليس من كتب الأصول؟ من الملاحظ أن كثيراً من التراجم تدل على أن جميع كتب الأصول لم تكن متعينة عند القدماء. يتبيَّن من كلام الشيخ على أحمد بن محمد بن نوح)[405](، أن كتب الأصول كانت تمتاز بترتيب خاص)[406](.
2 ـ يستخرج المرحوم المامقاني من ذيل كلام وحيد اختلافاً آخر، وهو أنه يتضح من كلام الشيخ أن كتب الأصول، بحسب رأي أصحابها، كانت ذات ترتيب خاص، إلا أنه يرد هذا قائلاً إن معظم الكتب هي هكذا، فإذا كان يقصد بالترتيب الخاص شيئاً غير ترتيب الكتاب، فالكلام إجمالي غامض)[407](.
3 ـ ثمة فرق آخر بين الأصل والكتاب، وهو أن الكتاب ينتظم في أبواب وفصول، بينما الأصل مجموعة من الأخبار والروايات لا ينتظمها تبويب ولا ترتيب. إلا أن هذا الرأي مردود أيضاً، لأن كثيراً من الأصول مبوبة.
4 ـ بعد الإشارة إلى النظريتين المذكورتين وبيان الاعتراض عليهما وأجوبتها، يقول وحيد البهبهاني: «إنني أعتقد أن الأصل كتاب جمع فيه المؤلف الأحاديث التي يرويها عن المعصوم عليه السلام أو عن رواته. أما الكتاب أو المصنف، إذا ضم إحاديث موثوق بها، فإنها تكون غالباً مقتبسة من الأصول. وبقولنا «غالباً» نشير إلى أن بعض الأحاديث ترفع إلى المعصوم عن طريق العنعنة)[408](، وأن وجود أمثال هذه الأحاديث في المجموعة الروائية يعني أنها ليست أصلاً)[409](».
5 ـ روايات الأصول تكون مروية عن المعصوم عليه السلام وجهاً لوجه وبدون واسطة، وكتب غير الأصول تقتبس منها. وعليه فإن هذه المصادر تعتبر أصولاً لأن الكتب الأخرى تقتبس منها)[410](.
والاعتراض على هذا الكلام هو وجود كتب كثيرة لأصحاب الأئمة عليهم السلام مستقاة من السماع وبالمواجهة، وفيهم من لم يأخذ عن الأئمة عليهم السلام بالواسطة، ومع ذلك فلم تعتبر كتبهم من الأصول)[411](.
6 ـ الاختلاف السادس أشبه بالخامس. يقول العلاّمة الطباطبائي: «إن الأصل في اصطلاح المحدّثين الإمامية هو الكتاب الموثوق به والذي لم يأخذ من كتاب آخر، كما أنه يستعمل بمعنى الكتاب مطلقاً)[412](».
أما هل الأصل أهم من الكتاب، وهل جميع الأصول موثوق بها، وهل أهمية الأصل تعتبر اختلافاً رئيساً معترفاً به، أم لا، فهي أسئلة سوف نجيب عنها في المستقبل.
7 ـ صاحب «أعيان الشيعة» يرى ميزة الأصل عن الكتاب في كثرة عدده أو في شهرة صاحبه)[413](.
إن عدد الأصول يبلغ نحو 400 وهو أقل، قياساً إلى كتب الأصحاب)[414](. لذلك فإن كثرة عدد الأصول لا تكون امتيازاً لها على سائر المجموعات الروائية)[415](. كما لا يمكن قبول شهرة مؤلفي الأصول امتيازاً لها، وذلك لأن بعض كتب مؤلِّف ما يعتبر أحياناً أصلاً وأحياناً كتاباً. فالشيخ الطوسي، مثلاً، ينسب إلى إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي النصر السكوني كتباً عديدة، ثم بعد بيان كيفية توصله إلى كتبه، يقول: «وله أصل» ويعتمد عليه في إسناده)[416](.
يرى أحد العلماء المعاصرين البارزين أن جميع هذه الأقوال، وخاصة في تفسير «الأصل» ترجع إلى أمر واحد، ويخلص إلى القول: «إن الأصل عبارة عن مجموعة من الأخبار والروايات جمعت حفظاً لها من الضياع والنسيان والتلف وما إلى ذلك لكي يرجع إليها المؤلف أو غيره عند الحاجة. ولما كان هذا هو الهدف من تدوينها، فإن أغلب ما يدون في الأصل أو في كتاب آخر، من أجل حفظه، لا ينقل في الأصل، ولا يكون لكلام المؤلف أو غيره وجود فيه إلا على أدنى حد. وهذه الميزة لا توجد في الكتاب)[417](.
أهمية الأصول الأربعمائة
إن من أهمية الأصول هو أن احتمال الخطأ والسهو والنسيان وأمثال ذلك في كتب الأصول المقتبسة شفاهاً من الإمام أو ممن سمع منه أقل بكثير مما يرد في كتاب مقتبس من أصل آخر. ثانياً الاطمئنان من أن الألفاظ المذكورة في الأصل قد صدرت من الإمام نفسه. فإذا كان مؤلف الأصل من المحدثين الموثوق بهم والجامع للشروط، فإن حديثه يكون صحيحاً وحجة، وهذا ما تعارف عليه القدماء أيضاً.
يعدد الشيخ البهائي خصائص الحديث الصحيح كما يلي:
1 ـ وجود الحديث في كثير من الأصول الأربعمائة التي رواها أساتذة الحديث بالطرق المتصلة بأصحاب الأئمة عليهم السلام، والمقصود هي الأصول التي كانت متداولة عندهم يومذاك، وكالشمس في رائعة النهار مشهورة عندهم.
2 ـ تكرار الحديث في أصل واحد أو أصلين بإسناد مختلف وعن طرق متعددة.
3 ـ وجود الحديث في أصل منسوب إلى من أجمع على صدقه، مثل زرارة، ومحمد بن مسلم، وفضيل بن يسار، أو أن يكون في أصل أجمع علماء الإمامية على صحة نقله الروايات عن طرق صحيحة، مثل صفوان بن يحيى، ويونس بن عبدالرحمن، وأحمد بن محمد بن أبي النصر البيزنطي، أو أن يكون في أصول أشخاص أجمع العلماء على العمل برواياتهم، مثل عمار الساباطي وأمثاله الذين ذكرهم الشيخ الطوسي في كتابه «العُدة» كما أن المحقق أيضاً قد ذكرهم في بحث (التراوح) نقلاً عن كتاب الشيخ الطوسي)[418](.
يقول المحقق الداماد في هذا: «لا بدَّ من ملاحظة أن الاقتباس من الأصول الصحيحة الموثوق بها ركن من أركان صحة الرواية»)[419](.
بناءً على ذلك، كان مجرد وجود الحديث في أحد الأصول الصحيحة الموثوق بها لدى العلماء قديماً يدعو للحكم عليه بالصحة. أما فيما يتعلق بسائر الكتب المعتمدة فقد كانوا يصدرون الحكم بصحة رواياتها بعد دفع الاحتمالات المخلة بالاطمئنان إلى صدورها من المعصوم، إذ إن مجرد وجودها في تلك الكتب والوثوق بمؤلفيها وبحسن عقائدها لم يكن كافياً لهم. لذلك فإن كتب الأصول، من حيث الاطمئنان القوي بصدورها عن المعصوم وكونها حجة وصحيحة، تمتاز على سائر الكتب بأهمية خاصة.
ينبغي أن لا يغرب عن البال، على كل حال، أن ميزة الأصول ناجمة من الميزة الموجودة في مؤلفيها، لأنهم كانوا على درجة عالية من الدقة في ضبط تدوين الأحاديث وحفظها، مما لم يكن يتوافر لدى الآخرين، ولهذا السبب كانوا ممدوحين لدى الأئمة ومقربين إليهم. لذلك إذا قال علماء الرجال في ترجمة أحدهم «… وله أصل» فذلك يدل على المدح، لأن القول بأنه مؤلف أصل يعني اتصافه بالدقة والضبط والحفظ والاحتياط من النسيان والسهو والاستعداد لاستيعاب كل ما يصدر عن معادن العلم والحكمة.
يروي السيد رضي الدين علي بن طاووس في «منهج الدعوات» بسنده عن نفسه وعن محمد بن عبدالله بن زيد النهشلي عن أبيه أنه قال: «كان عدة من أصحاب الامام الكاظم عليه السلام من شيعته ومريديه يحضرون مجلس درسه حاملين معهم أقلاماً من الآبنوس اللطيف الناعم، وعندما كان الإمام يتفوه بكلمة أو يصدر فتوى في مسألة ما، سرعان ما كان هؤلاء يدونون ذلك بكل دقة»)[420](.
الشيخ البهائي يقول: «قال لنا كبار العلماء إن طريقة أصحاب الأصول كانت أن يدونوا ما يسمعونه من حديث من الإمام في أصولهم لكي يتجنبوا الفقدان والنسيان بمرور الزمان»)[421](.
المحقق الداماد، في الراشحة الحادية والعشرين من رواشحه، يقول: «يقال إن أصحاب الأصول عندما كانوا يسمعون حديثاً من أحد الأئمة كانوا يبادرون إلى تسجيله فوراً في أصولهم»)[422](.
إن المزايا التي كانت في الأصول وفي مؤلفيها حملت علماء الإمامية على الاهتمام الكبير بالقراءة والرواية والحفظ والتصحيح وترجيحها على المؤلفات الأخرى. إن الذين يؤيدون هذه الدعوى يطلبون تخصيص الأصول بفهرست يختص بها وبيان كون علماء الإمامية قد وضعوا التراجم والشروح لمؤلفي الأصول، بصورة مستقلة ومنفصلة عن سائر المؤلفين والرواة، كما فعل الشيخ أبو الحسن أحمد بن حسين عبيدالله الغضائري، المعاصر للشيخ الطوسي.
لقد جمع الشيخ الطوسي في فهرسته أصحاب الأصول والمؤلفين الآخرين، لأن بين المؤلفين أناساً من أصحاب الأصول، ويلزم تكرار أسمائهم في كلا الكتابين. فللحيلولة دون هذا التكرار جمع المؤلفين وأصحاب الأصول في مجموعة واحدة)[423](.
وحيد البهباني لا يرتضي القول بأن مجرد كون الشخص صاحب أصل يميزه عن غيره، ويقول: «على ما أتذكر، خالي وجدّي (المجلسي الأول والثاني، رحمهما الله (تعالى) كانا يعتبران أصحاب الأصول متميّزين عن غيرهم، إلا أن هذا عندي موضع تأمل وتفحص، إذ إن كثيراً من المؤلفين الشيعة وأصحاب الأصول يميلون إلى مذاهب باطلة، على الرغم من أن كتبهم ـ حسب تصريح الشيخ الطوسي ـ تقف على رأس قائمة الكتب المعتمدة. كما أن حسن بن صالح بن حي، على الرغم من أنه صاحب أصل، إلا أنه (بتري))[424]( المذهب وينبغي أن لا يعمل بالروايات التي تأتي عن طريقه وحده، كما يقول الشيخ الطوسي في «التهذيب»، كذلك علي بن أبي حمزة البطائني الذي وردت بشأنه عبارات ذم»)[425](.
أما الشيخ المفيد، في مدحه لجماعة رداً على كلام الشيخ الصدوق، يقول في رسالته: «إنهم من أصحاب الأصول المدونة». إلا أن الاستفادة الحسنة من هذا القول لا تخلو من تحفظ، خاصة بعد التدقيق فيما قلنا.
وفضلاً عن أن من بين أصحاب الأصول أشخاص مثل أبي الجارود)[426](، وعمر السباطي)[427](، وسماعة)[428](، فمن الواضح أن الأضعف من ذلك هو اعتبار كون الراوي وأصحاب الكتب من أسباب الحسن».
يقول صاحب «المعراج»: «كون الراوي صاحب كتاب لا يخرجه من المجهولية، إلا عند بعض ممن لا أهمية لرأيهم»)[429](. القهبائي، مثلاً، يقول: «يتبيَّن من خطبة النجاشي أن مدح الراوي لكونه صاحب كتاب ومصنف أكثر من مدحه لكونه صاحب أصل… إلاَّ أن هذا الاستنتاج من كلامه غير صحيح، لأن النجاشي في مقدمة فهرسته، إنما هو يرد على المخالفين الذين انتقدوا الشيعة واتهموهم بأنهم يفتقرون إلى علماء كبار»)[430](.
وأخيراً يقول وحيد البهبهاني: «الظاهر أن كون الراوي صاحب أصل يسبغ نوعاً من الحسن عليه، ولكن ليس الحسن المصطلح عليه في علم الرجال، بل هو مثل وصفه بأن له مؤلفات كثيرة، أو جيدة وما إلى ذلك، فوصفه بأنه صاحب كتاب يعتبر حسناً في المؤلف. ولعل قصده مما قيل في هذا الشأن يشبه ما قيل في حسن بن أيوب من أن «كون الراوي صاحب كتاب يعد مدحاً له»)[431](.
هناك تفسير آخر لأقوال علماء الرجال مضمونه يدل على مدح صاحب الأصل وحسن حاله، وذلك لأن هذا الزعم يمكن إثباته في أحوال جميع أصحاب الأصول، باستثناء أفراد قليلين منهم، مثل أبي الجارود، إذ إن إضعافه ناجم عن انتمائه إلى مذهب منحرف، ولذلك يترك العمل برواياته الخاصة، وليس لاتهامه بالكذب وأمثال ذلك مما يسقط جميع رواياته على وجه الإطلاق.
وهكذا يمكن أن نصل إلى النتيجة الكلية القائلة ـ كما سبق في نقل قول صاحب الذريعة ـ بأن كون الراوي صاحب أصل يعتبر قرينة على حسنه ووثاقته. وعلة ذلك تكمن في أن منزلة صاحب الأصل عند علماء الحديث أرفع من منزلة مؤلف كتاب النجاشي مثلاً، في ترجمة إبراهيم بن مسلم عزيز يقول: «ثقة، وعده شيوخنا من أصحاب الأصول»)[432](.
الشيخ الطوسي يقول عن حسن بن أبي العلاء: «له كتاب يعتبر من الأصول»)[433](. وهكذا يمكن استنتاج الرأي المذكور من اهتمامه واعتبار كتابه أصلاً ومن فحوى كلامه.
إلا أن الأمر المهم الآخر هو: هل هذا الاهتمام الفائق ورفع منزلة الأصول على منزلة الكتاب يعني أن تلك الأصول مستقاة مباشرة من المعصومين عليهم السلام بحيث لا تكون هناك حاجة إلى مزيد من التحقيق والبحث عن القرائن في سند الرواية ونصها؟
الجواب هو إن هذه العناية الفائقة ليست دليلاً على حتمية صدور تلك الروايات عن الأئمة عليهم السلام، وذلك لأنه بعد مضي القرون ووقوع الحوادث المؤلمة على امتداد تاريخ التشيع، وكثرة الأخطاء والاشتباهات والزلات، واحتمال تداخل بعض الأصول المعتمدة في غيرها، لا يمكن القبول بهذه الفكرة أبداً)[434](. لذلك فليس ثمة فرق بين الروايات المنقولة من الأصول والكتب، ولا بين الأصول والكتب من حيث ضرورة التحقيق فيها.
يقول العلامة المجلسي: «إن الأصول الأربعمائة معتبرة، بل هي أوضح من الشمس في رائعة النهار»)[435](.
على فرض إمكان قبول هذا بشأن الأصول، إلا أن القبول بآحاد رواياتها واحدة واحدة بحيث لا نحتاج إلى تصحيحها ولا التحقيق عن راويها غير ممكن، إذ على الرغم من امتياز الكتب الأربعة على سائر الكتب، فإننا ما زلنا مضطرين إلى التحقيق في أسانيدها ونصوصها.
قد يوجه النقد إلى هذا استناداً إلى قول الشهيد الثاني: «لقد استقر رأي العلماء المتقدمين على المصنفات الأربعمائة التي يسمونها الأصول وأصبحت معتمدة عندهم»)[436](. كانت تلك الأصول موضع ثقة القدماء ويستندون إليها، ولذلك فعلينا نحن أن نقتدي بهم، ونعمل بها.
في الرد على هذا نقول إنه يقول بعد ذلك: «أفضل الكتب المستقاة من الأصول هي: الكافي، والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه»)[437](. إلا أن اعتمادهم على تلك الأصول لا ينفي الضعف عن بعض رواياتها. إننا الآن نعتمد تلك الكتب الأربعة، على الرغم من أننا نعلم الضعف في بعض رواياتها، وهذا ما يمكن أن نستخلصه من أسلوب الشهيد الثاني نفسه في الفقه)[438](.
عدد الأصول
إن مما يؤسف له عدم معرفة عدد الأصول وأصحابها لا تحقيقاً ولا تقريباً. يقول الشيخ الطوسي في بداية كتابه «الفهرست»: «إنني لا أضمن ذكر جميع أصحاب الكتب والأصول بصورة مستوفاة، وذلك لأن انتشار المحدّثين الشيعة وتشتتهم في مختلف المدن يجعل من الصعب جمع مصنفاتهم وضبطها»)[439](.
في الوقت الذي يعترف فيه شيخ الطائفة، ذلك المحقق المتتبع الكبير، بعجزه عن استقصاء أصحاب الأصول، فإننا أجدر بمثل هذا الاعتراف، لأنه كان أقرب جداً من زمان أصحاب الأصول وكان أقدر على الوصول إلى الأصول نفسها، خاصة إن مكتبة سابور بن أردشير الكبيرة ومكتبة أستاذه السيد مرتضى العظيمة ذات الثمانين ألف كتاب، كانتا تحت تصرفه.
إلا أن المشهور المقطوع به لدى علماء الإمامية يدل على أن عدد أصحاب الأصول لم يكن يقل عن 400. يقول المرحوم الطبرسي (توفي 548هـ): «4000 عالم مشهور رووا عن الإمام الصادق عليه السلام، ومن إجاباته عن مختلف الأسئلة دوّن 400 كتاب معروف [أطلق عليها اسم الأصول]، وقد رواها أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وأصحاب أبيه الإمام الباقر عليه السلام وأصحاب ابنه الإمام الكاظم عليه السلام»)[440](.
المحقق الحلي (توفي 676هـ) يقول: «من أجوبة جعفر بن محمد عليه السلام دوّن 400 كاتب 400 كتاب سميت بالأصول»)[441](.
يقول الشيخ حسين بن عبدالصمد: «من الأجوبة التي كان الإمام الصادق عليه السلام يرد بها عن مختلف الأسئلة لم يدون سوى 400 كتاب بأيدي 400 كاتب، سميت بالأصول، وهي في مختلف العلوم»)[442](.
يقول مير داماد في هذا الشأن، «المشهور بين العلماء هو أن عدد الأصول يبلغ 400 كتاب كتبها 400 كاتب من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ممن كان يحضر دروسه، وقد بلغ عدد أصحابه 4000 ألّفوا الكثير من الكتب والمصنفات. أما الكتب التي حازت الثقة والاعتماد فكانت تلك الأصول الأربعمائة»)[443](.
يصف أحد الكُتّاب المعاصرين الأصل بأنه «كتاب روائي منقول عن الإمام الصادق عليه السلام عن طريق السمع» ويقول إنها كانت نحو 100 كتاب، وهو يبرهن على ذلك بقوله إنه على حد تتبعه لم يجد أكثر من سبعين ونيف من الكتب التي أطلق عليها اسم الأصول، وإن الشيخ الطوسي، الذي وعد بجمع كل الكتب والأصول، لم يشر إلا إلى 59 أصلاً في فهرسته. ويأتي هذا الكاتب بدليلين آخرين لإثبات مدعاه:
الأول: هو أن الشيخ الطوسي، في ترجمة محمد بن أبي عمير (توفي 217هـ) يقول: «بعد نقل هذا الخبر، رواه مئة من الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام»)[444](. ثم بعد ذلك يضيف قائلاً إن ابن أبي عمير هو الراوي لأكثر نسخ الأصول.
الثاني: هو ما قاله الشيخ الطوسي في ترجمة حميد بن زياد نينوس (توفي 310هـ): «له عدد كبير من الكتب بعدد كتب الأصول»)[445](. ثم يقول: «لم يذكر عدد كتبه، إلا أن النجاشي قد أورد له 16 مؤلفاً». إذن، على أقوى الاحتمالات، لا بدَّ أن يكون له مئة كتاب. وعليه فإن القول المشهور ناجم عن تعريف الأصل على أنه كتاب يعتمد عليه، أو أنه مصدر روائي منقول عن كتاب آخر، وأمثال هذه التعاريف. وليس ثمة شك في أن مصادر أحاديث الشيعة، على ما يقول السيد محسن الأمين، تبلغ 6600. ويمكن أن يكون عدد الكتب المعتمدة 400 كتاب، وهي التي يعبرون عنها بالأصول الأربعمائة)[446](.
يرى الكاتب أن هناك عدداً من الاعتراضات على ذلك:
1 ـ إن تعريف الأصل بكونه كتاباً يضم أحاديث جمعت عن طريق السماع فقط، مرفوض، وذلك لأن كثيراً من كتب الأصحاب ـ بحسب ما مر من تعريف الأصل واختلافه عن الكتب ـ تضم أحاديث مدونة من السماع، ولكنها لا توصف بكونها أصلاً، بالنظر لتصريحات علماء، مثل الشيخ المفيد، بأن أربعة آلاف راوٍ موثوق بهم قد رووا عن الإمام الصادق عليه السلام. وقد كان كثير من هؤلاء من أصحاب الكتب التي دونوا فيها الأحاديث التي سمعوها من الإمام، وهؤلاء يتجاوز عددهم 400 مؤلف، ومع ذلك لم توصف كتبهم بأنها من الأصول، سوى عدد قليل منها، لوجود خصائص سبق ذكرها، أطلق عليها اسم الأصول.
2 ـ إن عدم ذكر سبعين ونيف من الأصول في فهارس الشيخ الطوسي والنجاشي ليس دليلاً على حصر الأصول في هذا العدد أو أكثر منه، وذلك، خلافاً لادعاء الشيخ الطوسي والنجاشي، لم يقم هذان بالاستقصاء التام لآثار الإمامية، خاصة الشيخ الطوسي الذي يصرح في بداية فهرسته أنه لا يضمن استيفاء جميع كتب الأصحاب وأصولهم، بسبب كونهم مشتتين في مختلف البلدان. لذلك فإن عدد الأصول المذكور في الفهرستين ليس هو العدد الواقعي.
3 ـ أما كون أحمد بن محمد بن عيسى قد روى عن محمد بن أبي عمير كتب مئة من رواة الإمام الصادق عليه السلام فأمر لا يعني أننا يجب أن نقول إن عدد كتب الأصول هو 100، إذ يحتمل أن يكون من بين أولئك الرواة من كتب عدداً من الكتب، وفي هذه الحالة تتجاوز كتبهم المئة، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام لم توصف كتبهم بالأصول، كما سبق القول. وقد يكون بعضهم، أو حتى كلهم، لم يكونوا من أصحاب الأصول.
4 ـ إذا كان حميد بن زياد قد ألف كتباً بعدد الأصول، بينما لم يذكر النجاشي سوى 16 منها، كيف يمكن أن نخمن أن عدد الأصول كان مئة؟ ثم ما العلاقة بين 16 و100؟ وإذا وافقنا على أن عدد كتبه كان أكثر بكثير مما ذكره النجاشي، فلا يمكن أن يكون هناك تفسير منطقي للعدول عن 400 إلى 100.
5 ـ وأخيراً، إنه في تسويغ العدد المشهور للأصول يستحسن وجهة نظر معيَّنة. إننا بقبول وجهة النظر هذه وكثير غيرها مما لم يذكرها، لا نجد ما يمنع من القبول بالرأي المشهور، ولا يبقى أي دليل على حصر عدد الأصول بمئة.
تاريخ تدوين الأصول
إن تواريخ تأليف الأصول وتواريخ وفاة أصحابها ليست مذكورة بصورة دقيقة في كتب الرجال عند الإمامية، على الرغم من أننا على معرفة بهذه الأمور بشكل إجمالي. إن ما يمكن القول به قاطعين هو أن هذه الأصول لم تجمع قبل زمان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ولا بعد عهد الإمام العسكري عليه السلام، وذلك لأن تسميتها بالأصول تقتضي أن تكون مروية في أيام الأئمة المعصومين عليهم السلام وأنها مأخوذة من الأئمة مباشرة أو من أصحابهم الذين سمعوها منهم. في هذه الحالة يمكن القول بأن تأليف هذه الأصول قد جرى منذ أيام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حتى أيام الإمام العسكري عليه السلام. وهذا هو ما قصد إليه الشيخ المفيد من العبارة التي نقلت عنه في «معالم العلماء» وخلاصتها هي أن الإمامية قد دونت 400 كتاب باسم الأصول من زمان أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام الإمام العسكري عليه السلام، وقوله: «إن فلاناً له كتاب أصول» يرمي إلى هذا المعنى.
لا بدَّ من الانتباه إلى أن الشيخ المفيد لم يكن قصد حصر جميع كتب الإمامية ومصنفاتهم خلال تلك الفترة في كتب الأصول فقط، وذلك لأنه كان، دون شك، على علم بكبار محدثي الشيعة الذين صنفوا الكتب الكثيرة، مثل هشام الكلبي الذي ألف أكثر من 200 كتاب، وابن شاذان الذي كتب 180 كتاباً، وابن دؤل الذي ألف نحو مئة كتاب، وابن أبي عمير الذي كان صاحب 90 كتاباً، وكثيرين ممن ألفوا ثلاثين أو أكثر، وهذه الكتب أكثر بكثير من العدد المذكور.
وهو لم يقصد أيضاً أن يقول إن تأليف تلك الكتب وجمعها تدريجياً لم يكن ضمن تلك الفترة كلها، وإنما هو أراد أن يخبر عن تأليف تلك الأصول فيما بين الزمانين المذكورين. فبناء على ذلك ليس هناك أي تعارض بين كلام الشيخ المفيد وتصريحات الشيخ الطوسي والمحقق الحلي والشهيد الأول والشيخ حسين عبدالصمد والمحقق الداماد وأمثالهم من كبار علماء الإمامية الذين قالوا: إن الأصول الأربعمائة قد ألفت في زمن الإمام الصادق عليه السلام من تدوين إجاباته عن أسئلة كانت تُطرح عليه. كما أن أحداً من علماء الإمامية لم يقل ما يخالف ذلك.
لذلك يمكن القول إجمالاً إن تاريخ تأليف أكثر هذه الأصول ـ إلا القليل منها ـ قد تم في زمان أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، سواء أكان أولئك من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام نفسه، أو من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام قبله، أو ممن أدركوا الإمام الكاظم عليه السلام بعده. إن ما يؤكد هذا العلم الإجمالي ـ بعد أن علمنا أن أيّاً من كبار علماء الإمامية لم يقل خلال ذلك ـ هو السيرة التاريخية لرواتها ومؤلفيها في أصعب الظروف وأشقها والمصائب والمحن التي تحملوها يومذاك. كثيراً ما كان يتفق أنهم لم يكونوا قادرين على استقاء معلوماتهم الدينية من منابعها مباشرة إلى أن هيأ الله تعالى لهم الفرصة في فترة الرحمة وانتشار علوم آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم. وما تلك الفترة سوى فترة ضعف الحكومات الأموية والعباسية، وانصراف رجال الحكم عن أهل الدين ورجاله.
بدأت تلك الفترة في أواخر الحكم الأموي بعد هلاك الحجاج بن يوسف في 95هـ حتى انقراضه بموت مروان في 113هـ وأوائل الحكم العباسي إلى أوائل حكم هارون الرشيد الذي تسلم الحكم في 170هـ. وقد شملت هذه الفترة أواخر زمان الإمام الباقر عليه السلام الذي توفي في 114هـ. وكل عصر الإمام الصادق عليه السلام الذي توفي في 148هـ، وبعضاً من أيام إمامة الإمام الكاظم عليه السلام الذي توفي في 184هـ.
ومما يؤكد هذا القول أيضاً الدقة التي نراها في مؤلفي الكتب والأصول في كتب الرجال والفهارس التي ذكروا فيها عناوين مصنفاتهم. وقد جاء في عدد من هذه الكتب أن عدد أصحاب الأئمة عليهم السلام بلغ نحو 4500 شخص، وعدد المؤلفين منهم لا يتجاوز 1300 من الرواة. فإذا فرضنا أن عدد طلاب الإمام الصادق كان 4000، فلا يبقى للأئمة الآخرين سوى 500. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار نسبة المؤلفين إلى مجموع المؤلفين، فسوف يتبيَّن لنا إجمالاً أن تاريخ أكثر الأصول كان في زمان الإمام الصادق عليه السلام)[447](.
في محاولة للتوفيق بين قول الشيخ المفيد وكبار علماء الإمامية الآخرين، يقول صاحب «أعيان الشيعة»: «بقولنا كون عدد الأصول أربعمائة، يمكن الجمع بين الكلامين بقولنا إن أصولاً أربعمائة قد رويت عن جميع الأئمة عليهم السلام وإن أصولاً أربعمائة أخرى قد رويت عن الإمام الصادق عليه السلام وحده»)[448](.
إلا أن هذا التوفيق يبدو بعيداً، إذ في هذه الحالة يكون مجموع عدد الأصول 800 وبالنظر إلى أن عصر الإمام الصادق عليه السلام كان جزءاً من عصر سائر الأئمة عليهم السلام فيلزم من ذلك أن يكون عدد ما كتب من الأصول في عصر الأئمة عليهم السلام، خلافاً لقول الشيخ المفيد، أكثر من 400 أصل، هذا فضلاً عن أن مثل هذا العدد لم يقل به أحد من علماء الإمامية، إذ لو كان هذا صحيحاً لنقلت إلينا أخباره.
والاعتراض الآخر هو أن معظم أصحاب الأصول، كما سبق قوله، هم من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وافتراض وجود 400 أصل بين أصحاب سائر الأئمة عليهم السلام خلاف البديهيات الأولية في تاريخ تدوين أحاديث الشيعة.
أصحاب الأصول
سبق القول إن فترة إمامة الإمام الباقر عليه السلام والإمام الصادق عليه السلام اتسمت بظروف ملائمة لنشر أقوال أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم. في هذه الفترة كان العلماء والرواة الشيعة في أمان من دسائس الأعداء، وعرفوا بين الناس بأنهم من محبي أهل البيت عليهم السلام وولايتهم، ولم يكن هناك ما يعترض طريق الأئمة المعصومين عليهم السلام في نشر الأحكام، وكان الشيعة يحضرون مجالسهم العامة والخاصة للتزود من علومهم، واستطاعوا خلال تلك الفترة القصيرة أن يدونوا مصنفاتهم عن قادتهم، وكان لمساعيهم تلك أكبر الأثر في نشر علوم آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وقد وردت تراجم هؤلاء بعد ذلك في كتب الرجال القديمة، مثل كتاب «رجال» عبدالله بن جبلة الكناني (توفي 219هـ) و«مشيخة» حسن بن محبوب (توفي 224هـ) و«رجال» حسن بن فضال (توفي 224هـ) و«رجال» ابنه علي بن حسن، و«رجال» محمد بن خالد البرقي، و«رجال» ابنه أحمد بن محمد بن خالد (توفي 274هـ) و«رجال) أحمد العيقي (توفي 280هـ) إلا أن هذه الكتب، كما جاء في فهرست الشيخ الطوسي، لا تضم جميع أسمائهم، لذلك فقدت أسماء كثيرين من أصحاب الأصول، ولم يذكر الشيخ الطوسي سوى تراجم عدد قليل من الذين اشتهروا بأنهم من أصحاب الأصول، فذكر بعضهم في رجاله وبعضهم في فهرسته. أما الرواة الآخرون الأجلاء من الشيعة، الذين عاشوا قبلهم أو بعدهم، ولعل عددهم كان مساوياً لهم أو أكثر منهم، فقد كانت ظروفهم القاسية وحالتهم السياسية الصعبة قد جعلتهم يعيشون في الخفاء بعيدين عن الأئمة عليهم السلام، بحيث لم يستطع إلا القليل النادر منهم أن يتلقى بعض معلوماته شفاهاً منهم. ولهذا السبب لم يظهر منهم سوى عدد قليل من الكتب، وقد ورد ذكرهم في كتب الرجال المذكورة آنفاً. غير أن كبار المحدثين الشيعة الذين عاشوا في الخفاء كانوا يكتفون بأخذ الأحاديث من رواة يثقون بهم ويكتبونها عندهم، وكثير منهم كان يفارق الدنيا وهو في حالة الاختفاء ولم يبقَ لنا من آثارهم شيء سوى ما ورد ذكره في الأسانيد والأحاديث، ولا نعرف شيئاً عن أحوالهم ومكانتهم سوى ما يذكره الذي أخذ الأحاديث منهم ورواها عنهم)[449](.
وبعد كتب الرجال التي سبق ذكرها، كانت هناك كتب أخرى في هذا الباب، مثل كتاب حميد بن دهقان (توفي 310هـ) و«رجال» الكشي (توفي 328هـ) و«رجال» الكليني (توفي 329هـ) و«رجال» أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة (249 ـ 333هـ) الذي أورد في كتابه أسماء 4000 من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام الموثوق بهم، وقد ذكرهم أيضاً الشيخ الطوسي في رجاله، وكذلك ذكرهم الحاج ميرزا حسن النوري في «خاتمة المستدرك» وشرح أحوالهم بصورة مفصلة. بعد ذلك، وحتى القرن الخامس الهجري، كتبت كتب في الرجال تعد من الأصول بين كتب الرجال، مثل «رجال» النجاشي، و«اختيار معرفة الرجال» للكشي و«رجال» الشيخ الطوسي وفهرسته، وكتاب «الضعفاء» المنسوب إلى الغضائري، وقد جمعهم وغيرهم الأسترآبادي في كتابه «منهج المقال».
بالتدقيق في كتب الرجال والفهارس المذكورة يمكن التوصل إلى معرفة عدد من أصحاب الأصول. وتجنباً للإطالة نكتفي في هذا البحث بذكر أصحاب الأصول الذين ما زالت أصولهم باقية، ونرجع القارىء الكريم إلى «الذريعة» بالإضافة إلى المصادر التي سبق ذكرها. وهؤلاء هم: زيد بن زراد، أبو سعيد عباد العصفوري، زيد الرسي، جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي، عاصم بن حميد الحناط، محمد بن مثنى الحضرمي، جعفر بن محمد القرشي، عبدالملك بن حيكم، مثنى بن وليد الحناط، خلاد السندي، حسين بن عثمان بن شريك، سلام بن أبي عمرو، عبدالله بن يحيى الكاملي، علي بن أسباط الذي تعتبر «نوادره» من الأصول، عبدالله صاحب أصل يعرف باسم «الديات»، ودرست بن أبي منصور الذي بقي جزء من كتابه الذي اعتبر من الأصول)[450](.
عاقبة الأصول
يقول الشهيد الثاني في هذا الباب: «استقر أمر العلماء القدامى على مجموعة الأربعمائة الروائية التي جمعها 400 كاتب، وأطلقوا عليها اسم الأصول واعتمدوها. وعلى مرّ الزمان أصاب تلك الأصول التلف، وقام فريق بتلخيصها وإدراجها في مؤلفاتهم الخاصة لتيسير الوصول إلى الروايات. إن أفضل كتب الأحاديث المجموعة هي: «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (المتوفى 328 أو 329هـ)، و«التهذيب» للشيخ أبي جعفر الطوسي (المتوفى 469هـ)، وهما من الكتب التي لا يستغني الإنسان بأحدهما عن الآخر، إذ إن «الكافي» يجمع بين دفتيه نصوص أحاديث مختلفة، بينما «التهذيب» يختص بالأحكام الشرعية. والكتاب الآخر هو «الاستبصار» الذي وردت أكثر أحاديثه في «التهذيب»، لذلك يمكن الاستغناء عنه بوجود كتاب «التهذيب». وعلى الرغم من أن «الاستبصار» يعقد بحثاً عن الجمع بين الأخبار المتعارضة، إلا أنه بحث خارج عن أصل الحديث. والكتاب الآخر هو «من لا يحضره الفقيه» وهو كتاب جيد، إلا أن معظم أحاديثه موجودة في «الكافي» و«التهذيب»)[451](.
لا بد من القول إن بعض كتب الأصول ما زالت باقية حتى الآن كما سبق ذكرها من قبل، وبعضها الآخر أدخل في الكتب الروائية القديمة بحذافيرها، مبوبة ومنظمة. والسبب في تنظيم الأصول وتهذيبها هو تسهيل جعل الأحاديث في متناول الأيدي والرجوع إليها، وذلك لأن أكثرها من أحاديث الأئمة عليهم السلام والتي كانوا يلقونها على طلابهم في شتى المواضيع، أو يجيبون بها عن أسئلة تتعلق بمختلف أبواب الفقه.
لذلك فإن قول الشيخ الطوسي في الفهرست، في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح: «وله كتب في الفقه على ترتيب الأصول»)[452](. لا يقصد منه القول إن لكتب الأصول ترتيباً خاصاً، بل أراد أن يقول إن كتبه الفقهية ليست على غرار ترتيب أبواب الفقه الذي اتبعه القدامى في مجموعاتهم الفقهية، بل كتبت على أساس نظام الأصول الذي كان يفتقر إلى ترتيب خاص به.
بعد جمع الأصول في مجموعات روائية، ضعفت الرغبة في استنساخها لصعوبة الاستفادة منها، ولذلك أصبحت نسخ الأصول نادرة الوجود، واختفت نسخها القديمة بالتدريج. وعند احتراق مكتبة شابور لأول مرة عند دخول طغرل بيك ـ أول ملك سلجوقي ـ إلى بغداد سنة 448هـ تعرضت كتب الأصول في هذه المكتبة إلى التلف. إلا أن هذه الحادثة وقعت بعد تأليف «التهذيب» و«الاستبصار» اللذين تم تأليفهما من كتب الأصول. بعد هذه الحادثة انتقل الشيخ الطوسي من الكرخ إلى النجف التي أحالها خلال 12 سنة إلى مركز للعلوم الدينية، وتوفي في المدينة نفسها في 460هـ.
بقيت كتب الأصول، في معظمها، على الحال التي كانت عليها حتى زمان محمد بن إدريس الحلي الذي اعتمد في كتابة جانب من كتابه «مستطرفات السرائر» على تلك الأصول. وبقي قسم منها عند السيد رضي الدين بن طاووس (توفي 664هـ) حسب قوله هو في «كشف المجة»، فكان يقتبس منها في كتبه المختلفة.
ثم أصاب النسخ الأربعمائة من الأصول التلف والفقدان بحيث لا يمكن العثور اليوم إلا على القليل منها. بالطبع، ربما كان بعضها ما يزال موجوداً في بعض أركان العالم وزواياه، مما لا علم لنا به)[453](.
بناء مسجد المدينة
وتعيين القبلة فيه
بأمر من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم واستنباط المبادىء الرياضية من ذلك.
الفصل الأول
محراب المسجد وتعيين اتجاه القبلة فيه
بعد أن بعث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بالرسالة بقي مدة ثلاث عشرة سنة في مكة وسنة وبضعة أشهر في المدينة يولي وجهه إلى بيت المقدس في صلاته. وقد فصلنا ذلك في كتابنا «دروس معرفة الوقت والقبلة»)[454]( ثم جاء أمر الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ})[455](. أي اترك التوجه إلى بيت المقدس واستقبل الكعبة التي أصبحت قبلة المسلمين. إن المسافة بين المدينة ومكة تقرب من مئة فرسخ. وقد وقف رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم متوجهاً إلى الكعبة وقال «محرابي على الميزاب». إن تعيين هذا الاتجاه نحو القبلة في مواجهة ميزاب الكعبة، من دون الاستعانة بأدوات تعيين النجوم، أو القواعد الرياضية والهيئة، أو من دون وجود الزيح وغير ذلك من آلات قياس الطول والعرض الجغرافيين، قد تم بكل دقة واستواء. يضاف إلى ذلك أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر بالناس متجهاً إلى بيت المقدس عندما جاءه أمر الله بالتوجه إلى الكعبة. إلاَّ أن أحداً لم ينقل إلينا أن الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم قد استعان في تعيين جهة القبلة بالقواعد الرياضية وآلات التنجيم، مع أن الناس كانوا يراقبون حركاته وسكناته بكل انتباه، فكتب السير شهود عدول، مثل «الشمائل المحمدية» للترمذي الذي هو حجة دامغة على ما نقول، إذ فيه أربعة وخمسون باباً، خصص باباً منها بنعلي رسول الله، وباباً آخر بخاتمه. أقصد إذا كانت حتى هذه الأمور لم يفت المؤرخين تدوينها، فلا شك أنهم كانوا لا بدَّ أن يسجلوا استعانته بأية وسيلة من وسائل تعيين الجهات، كالآلات والأدوات الرياضية والكتب الخاصة بهذا الفن.
إن قبلة المدينة التي اتجه إليها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في صلواته ما زالت باقية على حالها حتى اليوم. وقد قام كبار الرياضيين، بعد وفاة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم بحساب القبلة وفقاً للقواعد الرياضية فوجدوا قبلة المدينة هي بالضبط مثلما عينها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من دون الاستعانة بالقواعد الرياضية وآلات الرصد وخرائط الطول والعرض وما إلى ذلك. وهذا ما لا يمكن إلاَّ بالوحي والإلهام من ما وراء الطبيعة المادية.
العلامة الكبير، أبو ريحان البيروني، المعاصر للشيخ الرئيس ابن سيناء يقول في كتابه «القانون المسعودي» وهو «المجسطي» الإسلامي، إن خط طول مكة من ساحل الأقيانوس الغربي هو 67 درجة وخط عرضها 21 درجة و20 دقيقة، وخط طول المدينة هو 67 درجة و30 دقيقة وعرضها 2 درجة. كما أن الأوروبيين يقولون إن مكة تقع على خط الطول 39ْ و50 من (غرينيتش) وعلى خط العرض 21ْ و25، وإن المدينة تقع على خط الطول 40ْ وعلى خط العرض 25ْ وإن مكة والمدينة تقعان ضمن دائرة واحدة من خط الزوال، وإن انحراف قبلة المدينة من الجنوب إلى الغرب هو 14 و53، باختلاف أقل من ربع درجة، فلا بدَّ إذن أن تكون قبلة المدينة نحو نقطة الجنوب.
كذلك يقول العالم الشهير (ناصر خسرو العلوي) الذي كان قريب العهد بأبي ريحان وابن سينا، وأستاذ علي النسائي تلميذ أبي سينا، في «سفر نامه»: «المدينة مدينة تضطجع على حافة الصحراء، ذات أرض سبخة، وفيها ماء جار قليل، ونخيل، والقبلة فيها تقع إلى لجنوب»)[456](.
وفي أطلس لاروس العام Larousse General Atlas أن مكة والمدينة تقعان على خط زوال واحد تقريباً.
كذلك يقول العالم الشهير (فرهاد ميرزا) في كتابه القيم «جام جم» إن خط عرض مكة هو 33 21ْ شمالاً وخط طولها من مرصد (غرينيتش) في لندن هو 10 40ْ شرقاً، وخط عرض المدينة هو 25 درجة شمالاً، وخط طولها هو 55 39ْ، فيكون الاختلاف في زوالي مكة والمدينة 15 دقيقة فلكية)[457](. هذان القولان في «جام جم» وفي أطلس لاروس العام هما ما قاله (ناصر خسرو العلوي) قبل ألف سنة في «سياحتنامه»: «قبلة المدينة تقع باتجاه الجنوب»، أو (البيروني) في «القانون المسعودي» الذي يختلف عن «جام جم» بمقدار 15 دقيقة فلكية.
لقد وفق الله كاتب هذه السطور لزيارة بيته سنة (1381هـ)، حيث أمضى عشرة أيام في المدينة بجوار قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، فتفحص أمر القبلة في المدينة بكل دقة. فوجد أنّ العلامة (البيروني) وناصر خسرو (العلوي) والمتأخرين من الأوروبيين قد أجمعوا على أن المدينة ومكة تقعان على دائرة زوال واحدة تقريباً، وجميعهم يجمعون على أن قبلة المدينة هي نفسها التي عينها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بدون الاستعانة بأية وسيلة للرصد والحسابات الفلكية والقواعد الرياضية، يوم وقف وقال: «محرابي على الميزاب».
وعلى هذا الأساس الثابت الذي ذكرناه عن قبلة المدينة، قال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ مبيناً وجهة النظر الفقهية في ذلك في كتابه العظيم الشأن «تذكرة الفقهاء»:
«المصلي بالمدينة يجعل محراب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قبلته من غير اجتهاد لعدم الخطأ في حقه، عليه السلام».
وتشبه وجهة نظر العلامة الحلي في رصانتها ووثاقتها، وجهة نظر (السمهودي) المتوفى سنة 911هـ التي ذكرها في «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى»، إذ قال: «والذي ذكره أصحابنا إنه لا يجتهد في محراب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لأنه صواب قطعاً، إذ لا يقر على خطأ فلا مجال للاجتهاد فيه…».
وبحسب تعبير ابن بطوطة في رحلته: «قبلة مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قبلة قطع لأنه صلَّى الله عليه وآله وسلم أقامها»)[458](.
ومثل ذلك كان قول الشيخ الحافظ محمد بن النجار المتوفى سنة 647هـ في «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة»: «… فأتاه جبريل صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة… وصارت قبلته الميزاب»)[459]( كانت معرفة طول البلاد وعرضها، وخاصة تعيين الطول، مسألة صعبة للقدامى، ولذلك فقد ظهر في جداولهم التقريب والتخمين وأحياناً الخبط والسهو الكبير في أرقام الطول والعرض. أما اليوم، بعد اختراع الآلات ووسائل الاتصال كاللاسلكي والتلغراف وغيرهما، فقد ذللت تلك الصعوبة وتحول التخمين إلى يقين.
يرى العالم الجليل (شاذان بن جبريل) في رسالته «إزاحة العلة في معرفة القبلة» وبحسب بعض جداول الطول والعرض القديمة التي كانت في يده، أن قبلة المدينة منحرفة من الجنوب إلى الشرق بمقدار 10 73ْ، وقد تابعه في ذلك صاحب «البحار» وآخرون، مع أنه أمر ضعيف جداً، بل خطأ. إن أشخاصاً مثل العلامة الحلي والسمهودي وابن بطوطة ممن جعلوا الأساس قيام رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في تعيين قبلة المدينة تعييناً بالقطع ورفضوا قبول الاجتهاد في ذلك، ولم يلقوا بالاً إلى جداول الطول والعرض التي كانت موجودة يومذاك بهذا الشأن خاصة، قد قالوا الحق وفعلوا الصواب.
وباختصار، إن قبلة المدينة تقع على الجنوب، وهي كما عيّنها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم واتجه بوجهه نحوها في صلواته، بعد أن قال بوحي من نور الله تعالى: «محرابي على الميزاب» وهي قبلة مقطوع في أمرها، وهي من معاجز رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الفعلية، ولا يجوز الاجتهاد فيها.
الفصل الثاني
تعيين الزوال الحقيقي في المدينة
بعد بيان تعيين قبلة المدينة لا بدَّ من ذكر تعيين الزوال الحقيقي في المدينة، الأمر الذي يزيد من أهمية إعجاز رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
هنالك في كتب الهيئة طرق عديدة لتعيين الظهر الحقيقي.
ونحن في «دروس معرفة الوقت والقبلة» أوردناه، ابتداء من الدرس الثاني والأربعين حتى الخامس والخمسين، ثلاثين طريقاً لتعيين ذلك مع الأدلة والبراهين الرياضية.
إذا أردنا تعيين الظهر الحقيقي لأفق معظم أرجاء المعمورة لا بدَّ من نصب شاخص، والشاخص على نوعين: الشاخص المخروطي والشاخص الصفيحي. إن كيفية استعمال الشاخص المخروطي وطريقة نصبه متداولة في سطح الدائرة الهندية وأمثالها. إنما نحن الآن بصدد نصب الشاخص الصفيحي وتعيين الظهر الحقيقي به.
الشاخص الصفيحي شاخص عريض كصفيحة من المعدن أو قطعة حجر مسطحة أو من الآجر أو من الخشب مستوية الوجهين تقام عمودية على سطح الأرض.
بعد أن تعين خط نصف النهار، أو خط الزوال، على سطح أرض مستوية بإحدى طرق تعيينه، ونقيم شاخصاً صفيحياً على طول ذلك الخط وامتداده بصورة مستقيمة، يكون ذلك الشاخص واقعاً على سطح دائرة نصف النهار وبما أن خط نصف النهار نفسه يقع على سطح دائرة النهار فلا بدَّ أن يقع ظل الشاخص الصفيحي، منذ طلوع الشمس حتى وصولها إلى دائرة نصف النهار، على جهة الغرب. وعند بلوغ مركز جرم الشمس دائرة نصف النهار، فلا يكون هناك ظل لصفحة الجانب الغربي للشاخص ولا لصفحة الجانب الشرقي منه، بل يقع خط الظل على خط نصف النهار نفسه وينطبق عليه، أي أن ظل الشاخص الصفيحي يقع على خط الزوال، ويكون هذا عند أول الظهر الحقيقي في الأفق الذي أقيم الشاخص الصفيحي، أي أن الجدار نفسه يقوم مقام الشاخص الصفيحي.
وأول من استعمل الشاخص الصفيحي لتعيين الظهر الحقيقي هو خاتم الأنبياء محمد المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلم، وكان من معجزاته الفعلية الأخرى أنه أمر بإقامة جدار على جهة غرب مسجد المدينة فوق خط نصف النهار، الذي يقع على سطح دائرة نصف النهار، وأعلن للناس أو أول الظهر الحقيقي هو الزوال عند انعدام ظل الجانب الغربي، وعودته إلى جانب الشرق، وعندما يشاهدون ظل الجانب الشرقي من الجدار لهم أن يؤدوا صلاة الظهر.
مرة أخرى يطرأ السؤال: كيف استطاع رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يعرف خط نصف النهار على سطح الأرض المستوية ليأمر بإقامة الجدار على الجانب الغربي من المسجد على امتداده فوق سطح دائرة نصف النهار؟
نعم، إن ما قلناه في الفصل الأول حول تعيين جهة القبلة، صادق هنا أيضاً. إذ لو أنه كان قد استخدم آلات وأدوات لتعيين خط نصف النهار لما غفل المؤرخون عن ذكر ذلك، ولكن أحداً لم يتفوه بكلمة عن ذلك، والحقيقة هي أن هذه معجزة أخرى لم تحصل إلاَّ بنور الوحي الإلهي.كان الأستاذ أبو الفضائل، العلامة الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني يقول: «إنهم اليوم في المراصد الغربية، مثل (غراينيتش وپاريس) يقيمون الجدران على الطراز نفسه قائلين إنه أفضل وسيلة لتعيين الظهر الحقيقي. إذن، طريقة تعيين الظهر الحقيقي في مسجد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كانت خير طريقة يقلدها اليوم العلماء في أوروبا».
لتيسير العمل بالشاخص الصفيحي وتعيين الأوقات المذكورة على سطح الدائرة الهندية، أو الرخامة (جاء بيان ذلك في الدرس 95 من كتاب «دروس هيئت وديگر رشته هاي رياضى»))[460]( تقام لوحة معدنية أو لوحة من الخشب المسطح المستوى بشكل (ا ب ج د) على خط نصف النهار (هـ د)، أي على امتداده واستقامته، وتطبيق التعليمات الأخرى.
الفصل الثالث
ارتفاع جدار مسجد المدينة
جعل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ارتفاع جدار المسجد لتعيين أوقات الصلاة بارتفاع قامة إنسان متوسط القامة، وهو بين ست أقدام ونصف إلى سبع أقدام.في الكتب الرياضية والتنجيم يطلق على طول الشاخص القائم على سطح الأفق اسم الظل الثاني، أو الظل المستوى، أو الظل المبسوط)[461]( ويقسم إلى سبعة أقسام أو ستة أقسام ونصف، ويطلقون على تلك الأقسام اسم (الأقدام) ويسمى ظلها (ظل الأقدام). وعليه فإن من يريد أن يعلم إن كان ظل شيء ما قد بلغ طوله أم لا، فإنه يتخذ من ظل قامته مقياساً، ويقال إن ذلك قد أقيم على غرار بناء الجدار.
قلنا في الفصل الثاني إن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أمر ببناء جدار في الجانب الغربي من مسجد المدينة على خط نصف النهار بحيث لا يكون له ظل عند الظهر، ثم عند الزوال يظهر ظل الجدار في الجانب الشرقي، وقد جعل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ظهور الظل في الجانب الشرقي علامة لوقت صلاة الظهر، فعندما كان الناس يشاهدون ظل الجدار من الجانب الشرقي يقفون لأداء صلاة الظهر. من البديهي إن ظل بعد الزوال يتدرج في الامتداد، وعلى ذلك فقد أمر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يقيم الناس صلاة العصر عندما يبلغ طول هذا الظل بمقدار ارتفاع الجدار، فكان الناس يقيسون من أسفل الجدار حتى مسافة سبع أقدام، فإذا غطى الظل تلك المسافة علموا أن وقت صلاة العصر قد حل، فيقومون لأدائها. وقد عين النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم آخر وقت صلاة العصر ببلوغ الظل ضعف الشاخص.
في البداية كان لمسجد المدينة أربعة جدران فقط، وبعد مدة جعل له غطاء ومظلة، وبعد ذلك بني فوقه سقف كالمتعارف، كما هو مذكور في الكتب بالتفصيل)[462]( فإذا اعترض معترض كيف كان يحدث الظل في الجانب الشرقي للجدار داخل المسجد، نقول في الجواب إن ما نأخذه بعين الاعتبار هو حال المسجد قبل بناء السقف.
إنه مما يدعو للعجب أن نلاحظ أن الكتب الفقهية التي تتناول الدائرة الهندية وتبحث في تعيين خط نصف النهار والقبلة، لا تشير إلاَّ إلى الشاخص المخروطي، وإني لم أر في أي كتاب فقهي إشارة إلى الشاخص الصفيحي، ولا إلى الزوال على النحو الذي وصفناه في مطلق الآفاق (سواء الآفاق التي تصل فيها الشمس إلى جهة الرأس عند دائرة نصف النهار أو لا تصل، بل تبقى في جهتي شمال الرأس وجنوبه لتعيين أول الظهر، على الرغم من أن أول من استخدم الشاخص الصفيحي لتعيين الظهر وموعد صلاتي الظهر والعصر هو رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
إذا ما أقيم الشاخص الصفيحي على سطح دائرة نصف النهار، أي على امتداد خط نصف النهار، فإن زوال ظل سطحه الغربي يكون علامة، في جميع الآفاق وجميع الأيام، على وصول مركز جرم الشمس إلى حلقة نصف النهار (إلى دائرة نصف النهار). في هذا الوقت يقع ظل الصفيحة نفسها في جميع الآفاق على خط نصف النهار، فإذا كان منصوباً في الآفاق الشمالية، فإن ظله على خط نصف النهار يكون باتجاه القطب الشمالي، وإذا كان منصوباً في الآفاق الجنوبية، فإن ظله على خط نصف النهار يكون متجهاً نحو القطب الجنوبي.
ولكن الشاخص المخروطي ليس كذلك بحيث لا يكون له ظل في جميع الآفاق وجميع الأيام عند وصول الشمس إلى دائرة نصف النهار، وذلك لأنه إذا كان خط عرض البلد بقدر الميل الكلي ـ وهو الآن يقدر بنحو 52 32ْ سواء أكان البلد في الشمال أم في الجنوب، فإن الشمس في كل دورة سنة شمسية تصل مرة واحدة إلى جهة الرأس، وعندئذٍ لا يكون للشاخص المخروطي ظل. وإذا كان خط عرض البلد أقل من الميل الكلي، أو كان عديم العرض، فإن الشمس في كل دورة سنة شمسية تصل مرتين إلى جهة الرأس، وفي هاتين المرتين لا يكون للشاخص المخروطي ظل، سواء أكان البلد شمالياً أم جنوبياً وإذا كان عرض البلد أكثر من الميل الكلي، بصرف النظر عن كونه شمالياً أو جنوبياً فإن ظل الشاخص المخروطي لا ينعدم أبداً، وبعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار، يرجع ظل الشاخص إلى الشرق، ويسمى (الفيء) ومعناه في اللغة (الرجوع).
يقول الرصدي الكبير المولى (غلام حسين جونپوري) الشيرازي الأصل، في كتابه القيم «جامع بهادري»:
«ينقل محمد الخفري، في شرح «الزيج الإيلخاني» من كتاب «تاريخ الفلاسفة» الذي هو ترجمة كتاب قانيطس اليوناني، فيقول إن أول من نظر في أحوال الكواكب كان آدم عليه السلام. أقام على قمة جبل القمر مقياساً لرصد ظل الشمس، فعند وصول الظل إلى أقصره كان يعرف إن النهار قد انتصف، فكان يقضي الصبح حتى منتصف النهار في إعداد الثمار المأكولة الجبلية. وعن منتصف النهار كان يحمل تلك الثمار إلى أطفاله في البيت.
وكان يراقب التزايد والتناقص وانعدام الظل، وينتظر تكرار ذلك، حتى إذا رأى انعدام الظل ثانية علم أن الشمس قد عادت إلى وضعها الأول، وبعد حساب أيام العودة رأى أنها ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وأدرك أن الشمس تقوم بدورة كاملة خلال تلك المدة…» )[463](.
إن قوله «عند وصول الظل إلى أقصره» يدل على أن المقياس الذي كان قد نصبه على قمة جبل القمر هو الشاخص المخروطي، لا الصفيحي. وقوله «وكان يراقب التزايد والتناقص وانعدام الظل…» فيدل على أن عرض جبل القمر كان بقدر الميل الكلي في ذلك اليوم.
إن الميل الكلي آخذ بالانتقاص، ومقدار هذا الانتقاص في كل سنة شمسية يقرب من نصف ثانية فلكية، وبدقة 0.468 من الثانية، فيكون الانتقاص خلال عشر سنوات شمسية بمقدار (680. 4ً)، وبعد حوالي «186000» سنة شمسية تتحد منطقة البروج مع معدل النهار، أي تقع على مستوى واحد وينمحي الميل في تلك الحالة.
نقول في ختام هذا الفصل: إن بناء جدار الجانب الغربي من مسجد المدينة بأمر من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم على مستوى الزوال في المدينة، كمثل تعيين القبلة فيها، من معاجز النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الفعلية حتى الآن والتي تشتمل على العديد من المسائل الرياضية والعلمية. إن أكثر المعاجز الفعلية تقوم على التصرف في مادة الموجودات وتسخيرها بقوة الولاية التكوينية بإذن من الله تعالى. والمعجزات القولية هي علوم ومعارف وحقائق نزلت من حضرة القدس الإلهي عليهم، وعلى رأس سلسلة معاجز رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم القولية يأتي القرآن الكريم كمعجزة ما تزال حية باقية.
معظم المعاجز الفعلية تكون موقتة ومحدودة بالزمان والمكان وسريعة الزوال، وتصبح بعد الوقوع حدثاً تاريخياً يتصف بالخبرية، وغالباً ما تنفع العامة من الناس ذوي الإحساسات فيألفون إليها، وهؤلاء يدركون بالحواس قبل أن يؤمنوا، بخلاف المعجزات القولية التي يبقى إعجازها على مدى الأعصار والقرون، وهي ذات تأثير في الخاصة من ذوي القوى العاقلة المفكرة التي تؤلف هيكل المدينة الفاضلة الإنسانية. هذا الفريق الذي يطلب المعجزات القولية، أي العلوم والمعارف والحقائق، وهي الموائد السماوية والمآدب الروحانية، إنما هو الفريق الذي يدرك النكتة ويفهم اللغة ويعرف الجواهر، ويعلم مآتي بضاعة العلم وكيفيتها، كما يقول الشيخ الطوسي في الفصل الرابع من النمط التاسع من شرح (الإشارات) للشيخ الرئيس ابن سينا: «الخواص للقولية أطوع والعوام للفعلية أطوع».
أو على حد قول المولى الرومي في الدفتر الرابع من المثنوي:
النصيحة الفعلية أشد جذباً للبشر.
فهي تنفذ في روح كل ذي أذن طرشاء
إن من بين معجزات النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الفعلية الباقية هي معجزة تعيين قبلة المدينة، وكذلك بناء جدار مسجد المدينة كنموذج مرشد لاستنباط المسائل الرياضية للظل ـ التي يعبر عنها بالمماس والظل ـ بالتفصيل الآتي في الفصل القادم.
ملاحظة: يقوم علماء الرياضيات والهيئة، بالاستناد إلى ارتفاع الجدار الذي أمر ببنائه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، بتقسيم كل شاخص ـ سواء كان بطول قامة إنسان متوسط القامة أو لم يكن ـ إلى سبعة أقسام، ويقدرون ظله مطابقاً لأقسام طوله، ويطلقون اسم (القدم) على كل قسم، فتبصّر!
الفصل الرابع
جدار مسجد المدينة الهادي إلى استنباط قوانين الظل الرياضية
علم المثلثات المعروف اليوم قائم على «الجيب» (sine) و«الظل» (tangent) ومأخوذ من العلماء المسلمين الذين اخترعوا الجيب والظل.
قبل الإسلام كان اليونانيون يرجعون في حل مسائل علم التنجيم ـ الذي يستند إلى المثلثات، إلى شكل القطاع الذي يستفاد منه في الأشكال المستوية والكروية كالقطاع السطحي والقطاع الكروي، وقد ورد في أهم كتاب عندهم باسم «أكرمانا لاؤوس» وهو من كتب الرياضيات المتوسطة، أي بالنسبة للمستوى العلمي عندنا يعتبر من دروس الرياضيات في الدراسة المتوسطة التي تقرأ بعد كتاب «مبادىء إقليدس» وقبل كتاب «المجسطي» ويعبّر عن هذه الكتب التي تقرأ في الدورات المتوسطة باسم المتوسطات.
لقد قرأ كاتب هذه السطور كتاب «أكرمانا لاؤوس» بتحرير الشيخ الطوسي على العلامة ذي الفنون، آية الله الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني رحمه الله في طهران، واستوعبه عنده، ثم قام بتصحيحه على عدد من النسخ الخطية وشرحه وقام بتدريسه في الحوزة العلمية في أربع عشرة دورة كاملة.
كان (مانالاؤوس) أو (مِنِلاؤوس Menelaus) من أهل الإسكندرية ومن علماء الرياضيات المرموقين. وقد عاش قبل ميلاد المسيح عليه السلام.
وقد جاء في بعض المذكرات أن (مانالاؤوس) عاش في حوالي سنة 100م. ويحتوي كتابه على ثلاث مقالات في الأشكال الكروية: شكل القطاع، وهو قضية (مانالاؤوس) المعروفة نفسها، القضية الأولى من المقالة الثالثة يقول الشيخ الطوسي في أواخر تحرير هذه القضية: «ومن هذا الموضع استحدث الأمير أبو النصر شكلاً يقوم مقام القطاع ولقّبه بالمغني. يتبين فيه أن كل مثلث من قسيّ دوائر عظام تكون فيه زاوية قائمة وأخرى أصغر من قائمة، فإن نسبة جيب وتر القائمة إلى جيب وتر الزاوية، التي هي أصغر من قائمة، كنسبة الجيب كله، وهو جيب الزاوية القائمة، إلى جيب الزاوية المذكور…»:
الجيب الأعظم جيب وتر الزاوية القائمة
ــــــــ = ــــــــــــــ
جيب الزاوية الأصغر من قائمة جيب وتر الزاوية الأصغر من قائمة
البيان، وتر كل زاوية مثلث هو الضلع الذي يقابلها، سواء أكان ذلك الوتر خطاً مستقيماً، كما في مثلث على سطح مستو، أم كان خطاً مستديراً (أي قوساً)، كما في مثلث على سطح كروي (أي المثلث الكروي). في المثلث الكروي يجب أن تكون الأوتار ـ وهي أضلاع المثلث ـ أقواساً من الدوائر العظام.
ثم في المثلث على السطح المستوي مجموع زواياه الثلاث يساوي مجموع قائمتين، ولا يمكن أن تكون فيه أكثر من زاوية قائمة واحدة، وهذا مبرهن عليه في الشكل من المقالة الأولى من مبادىء إقليدس.
أمّا المثلث الكروي فمجموع زواياه الثلاث يساوي أكثر من قائمتين، كما هو مبرهن عليه في الشكل من مقالة (أكرمانا لاؤوس) الأولى، ويمكن أن تكون فيه زاويتان قائمتان، بل يمكن أن تكون كل واحدة من زواياه قائمة، وفي تصوير ذلك نقول:
إن دائرة نصف النهار دائرة عظيمة قائمة على دائرة الأفق، ودائرة أول السموات دائرة عظيمة أيضاً وقائمة على دائرة الأفق، ودائرة نصف النهار دائرة عظيمة قائمة على دائرة الأفق، إذن كل واحدة منها تقاطع الأفق في زوايا قائمة، ومن تقاطع العظيمات الثلاث المذكورة تحدث أربعة مثلثات فوق الأفق، وأربعة أخرى تحت الأفق، والزوايا الثلاث لكل واحدة من هذه المثلثات الثمانية زوايا قائمة، ووتر كل زاوية يساوي ربع العظيمة.
وفي الآفاق المستوية، تتطابق دائرة أول السموات مع دائرة الاستواء السماوي التي هي دائرة معدل النهار، ومن تقاطعها مع دائرة نصف النهار، ومن تقاطع هاتين مع دائرة الأفق، تنشأ ثمانية مثلثات كما سبق ذكرها.
نعود إلى كلام الشيخ الطوسي بخصوص الشكل المغني. بعد ذلك يقول الشيخ: «وهذا شكل عظيم الغنا، وله تفاريع وأشباه، وتفصيل هذه المسائل يحتاج إلى كلام أبسط موجود في مواضعها من الكتب، وهذا الموضوع لا يحتمل أكثر مما ذكرنا، ولي فيه وفي ما يغني عنه كتاب جامع سميته (كشف القناع عن أسرار شكل القطاع).
وكتاب (كشف القناع) قد طبع قبل هذا في فرنسا، وطبع مرة أخرى في تركيا. وقد رأى الكاتب نسخة خطية منه عند أحد الأصحاب ولكنه لم يوفق بعد للحصول عليه.
يقول العلامة نظام الدين النيشابوري في «شرح المجسطي» لبطليموس فيما يتعلق بالقطاع على سطح مستو: «والدعاوى الواقعة في هذا الشكل هي 497664، فانظر في هذا الشكل الصغير كيف استلزم جميع تلك المسائل؟ ولا نعجب من قوله عزَّ من قائل: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ})[464](.
كان لشكل القطاع الكروي في مسائل الرياضيات والهيئة والتنجيم أهمية كبيرة، وبحث القطاع طويل وعريض.
إن هدفنا الرئيس الآن هو أنه لما كان العمل بالقطاع في مسائل الرياضيات والهيئة والتنجيم صعباً (حسبما ذكرنا في الدرس الثالث عشر من «دروس معرفة الوقت والقبلة»))[465]( استنبط العلماء المسلمون المتأخرون الشكلين المغني والظلي، وكلاهما من القطاع.
كل قاعدة يرد فيها «الجيب» تكون من شكل المغني وفروعه، وكل قاعدة يرد فيها «الظل» تكون من شكل الظل وفروعه. في الدروس من الخامس حتى الرابع عشر من كتاب «دروس معرفة الوقت والقبلة» نتناول الجيب والظل وشكل المغني وشكل الظل وفروعهما والبراهين الهندسية عليها)[466](.
سبق القول إن حائط الجانب الغربي من مسجد الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم في المدينة قد بُني بأمر منه بارتفاع قامة إنسان متوسط القامة، محاذياً تماماً لدائرة نصف النهار (أي على سطحه). تقع المدينة على خط العرض 25 شمالاً، وبمقدار الميل الكلي تقريباً. ولما كان خط عرض المدينة ثابتاً، والميل الكلي أخذاً بالتناقص، كان لا بدَّ من القول بأن الشمس في نصف النهار الصيفي في أيام النبي الأكرم كانت تكاد تصل إلى جهة رأس أهل المدينة وكان ارتفاعها 90 درجة، وهي الآن لا تكاد تختلف عن ذلك، كما لا يخفى على أهل المعرفة بالهيئة والنجوم.
وعرفنا أنه لما كان حائط الجانب الغربي من مسجد المدينة قد بني على مستوى سطح النهار، لم يكن له ظل عند الظهر، وبعد الزوال كان الظل يظهر عند أقدام الجانب الشرقي من الحائط. وكان الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم يعتبر ظهور ذلك علامة على حصول وقت صلاة الظهر، فإذا امتد الظل لمسافة سبع أقدام، أي بطول ارتفاع الجدار، كان ذلك حصول وقت صلاة العصر، وآخر وقت صلاة العصر كان عندما يبلغ الظل ضعف ارتفاع الشاخص، ويكون ذلك عندما تبلغ الشمس في ارتفاعها في الأفق 26 درجة تقريباً. لذلك قام الرسوم الأكرم بتنصيف ارتفاع الشمس، جاعلاً نصفه وقت حصول فضيلة صلاة الظهر، ونصف الباقي وجعله وقت فضيلة العصر.
من عادة أهل الحساب أن يجعلوا الخالص والكامل من كل شيء أصلاً ومبدأ، فمثلاً من أجل قياس مقدار النور جعلوا ضوء القمر في الليلة الرابعة عشرة هو الوحدة القياسية لأنه يكون ثابتاً في تلك الليلة، لا في الليالي الأخرى، ولوحدة الوزن اختاروا الماء النقي المقطر. كذلك قام الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلم باتخاذ أطول نهار في مدينة تصل فيها الشمس عند الظهر إلى غاية ارتفاعها ـ أي 90 ـ مبدأ، ذلك لأن هذه الأيام وهذه المدن ليست متشابهة.
أبو الوفاء البوزجاني)[467]( تنبه إلى الحكم الشرعي وأوامر الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم فيما تعلق بأوقات صلاتي الظهر والعصر، وأدرك أنه اعتمد على متوسط الزمان بين الظهر وغروب الشمس، فقسمه إلى نصفين، النصف الأول يبدأ من الظهر حتى يصبح طول الظل بطول الشاخص، والنصف الآخر هو الوقت الذي يصبح فيه طول الظل بطول الشاخص حتى الغروب، وهو ما خصصه بصلاة العصر. وأدرك أيضاً أنه عندما يصبح ظل الشاخص بطول الشاخص تكون الفترة بين الظهر والغروب قد انتصفت. وقام البوزجاني بتطبيق أمر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عينه في العلاقة بين الظل والزاوية، واستنتج الشكل الظلي، أي النسبة بين الظل والزاوية.
إن ارتفاع الشاخص، وهو ارتفاع حائط مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، هو في الواقع شعاع دائرة المثلثات الذي تقاس به خطوط المثلثات، ويعتبرونه اليوم وحدة قياسية، والكتب الإسلامية تقدر الشعاع بستين درجة.
عندما يتساوى الظل والقامة، أي إن طول الظل يساوي شعاع الدائرة، فإن الزاوية والقوس المقابلان له يكونان 45 درجة، وذلك لأنها الزاوية المركزية والقوس المقابل لها، أي وترها، يكون مساوياً لها، و45 نصف القوس 90 درجة والذي يمكن تصوره من الأفق الغربي، أي من موضع غروب الشمس حتى وسط السماء.
يطلق الرياضيون المسلمون اسم الظل على مماس المثلث، والسبب في هذه التسمية قد اتضح مما قلناه، إذ كان الظل أصلاً هو الذي نبه العلماء الرياضيين إلى فائدة هذا الخط، وضعوا اسمه الأصلي عليه واستعملوه.
أمّا الأوروبيون فقد أطلقوا عليه اسم المماس، لأن لفظة الظل ما كانت تعني عندهم شيئاً، ولا كانوا يعرفون شيئاً عن أصله.
إن علماء الرياضيات المسلمين استنتجوا من مسجد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وظل جداره، الذي كان يساوي شعاع الكرة، خصائص الظل ووضعوا الجداول للظل والجيب لمعرفة درجات الزوايا المقابلة للجيب والظل.
جداول المثلثات التي وضعها المسلمون واستخدموها كانت جداول ستينية وهي جداول مرتبة للأقواس والزوايا من درجة الصفر حتى 90ْ دقيقة فدقيقة مع المقدار الحقيقي للجيب والظل، وما زالت تلك الجداول تستعمل في الزيجات السابقة، وعند اختراع اللوغاريتم رتب الأوروبيون تلك الجداول معه وهي الآن متداولة بين الناس.
للوغاريتم أهمية كبيرة في تسهيل العمليات الرياضية، مثل تحويل الضرب إلى الجمع والقسمة إلى الطرح، والقوة والتكعيب وما فوقها إلى الضرب، والجذر التربيعي والتكعيبي إلى القسمة، والعمليات بذلك لا تتطلب الكثير من الوقت بالقياس إلى الطريقة الستينية، لذلك فإن تسهيل العمليات الرياضية للحاسب أهمية مشهودة.
في مكتبة الكاتب نسخة من «تسهيل الزيج» للمحمد شاهي، حوّل بعض جداولها إلى لوغاريتمات، وقد كان مؤلفه الكبير عالماً رياضياً يدعى عبدالله بن محمد، ومن علماء الإمامية الاثني عشرية.
في الزيجات الستينية الأخرى كانوا في استخراج عدد، مثلاً، يقولون: «اضرب جيب العدد الفلاني في جيب العدد الفلاني الآخر، أو اقسمه عليه». ولكن في تسهيل زيج محمد شاهي، نستخرج أولاً العدد نفسه، ثم ننظر في جدول اللوغاريتمات الخاص به ونكتب العدد المكتوب بإزائه على حده، ثم مقابل ذلك العدد الآخر نكتب العدد المكتوب بإزائه أيضاً. فإذا كان علينا أن نضرب جيبي ذينك العددين أحدهما في الآخر ففي هذه الحالة، أي في حالة التسهيل هذه، نجمع العددين المكتوبين مقابلهما. أما إذا كان المطلوب في تلك الزيجات هو التقسيم، تقوم بالطرح، والحاصل من هذا الجمع والطرح نبحث عنه في موضع آخر، فيكون العدد المقابل له هو جيب القوس المطلوب.
وهذه العملية تقوم على قاعدة مضاعفة المراتب العددية بالترتيب ونتقدم إلى الأمام، ومن بداية ذلك العدد نجمعه بالترتيب مع كل مرتبة ونتقدم كما في الفرضية التالية:
2 4 8 16 32 64 128 256 512
في هذا التسلسل ابتداء من العدد 2 كل عدد يجمع مع 2:
2 4 6 8 10 12 14 16 18
فإذا ضربنا، مثلاً، 8 في 16 الفوقانية يكون الناتج 128، وإذا جمعنا 6 و8 وهما تحت 8 و6 يكون الناتج 14 الذي يقابل 128.
كذلك إذا ضربنا 16 في 4 الفوقانية يكون الناتج 64، وإذا جمعنا 8 و4 اللذين هما تحتهما يكون الناتج 12 وهو مع 64.
وإذا جمعنا 10 و8 التحتانية يكون الناتج 18 وهو مع 512، وإذا ضربنا 32 في 16 اللذين هما فوق الـ(10 و8) يكون الناتج 512، وهكذا إذا ضاعفنا مراتب كل عدد ثلاث، أربع، خمس مرات وإلى ما لا نهاية له.
يقول العلامة (حيدر قلي سردار) الكابلي رحمه الله في «تحفة الأجلّة في معرفة القبلة»:
«كان قدماؤنا يستعملون الجداول الستينية، ولكن المتأخرين عندما رأوا أن العمل بالأرقام الستينية صعب، حولوها إلى الكسور العشرية، وإني أعتقد أن أول منجم مسلم قام بتحويلها إلى كسور عشرية هو العلامة الفاضل (تقي الدين محمد بن معروف زين الدين) وهو الراصد الشهيد المتوفى سنة 993هـ (1586م) حسبما جاء في كتابه «جريدة الدرر وخريدة الفكر»، ثم قام المتأخرون من أهل أوروبا بتحويلها إلى جداول لوغاريتمية. (اللوغاريتم Logarithm كلمة يونانية تعني نسبة العدد)، وذلك بعد أن لاحظوا صعوبة الجداول العشرية. وأول من التفت إلى هذا السر كان الفاضل الشهير (يوحنا النيبير،957 ـ 1026هـ 1550ـ 1617م) وبذلك سهلت العمليات الرياضية:
«إذن على من يود الدخول في هذه الأعمال لا بدَّ أن يكون على معرفة بالنسب، أي اللوغاريتم، وأن يضع في متناول يده جداول لوغاريتم الأعداد وجداول الجيوب والمماسات والقواطع وغيرها، طبيعية كانت أم لوغاريتمية لتسهيل الأمر. إن الجداول الستينية للجيوب والمماسات وغيرها مذكورة في الزيجات الإسلامية، وأدقها هو الزيج البهادري»)[468](.
كانت هذه كلمات المرحوم (سردار كابلي) التي تبركنا بذكرها.
ملاحظة: جداول الجيوب مثل (ا ج) في الشكل التالي:

في هذا الشكل جيب القوس (ا د) وإن شئت قلت جيب الزاوية (ا ب د) وهي الزاوية المركزية، والمقصود بالمماس هو خط الظل، مثل (د هـ) أو (و ز) وكل منهما مماس الدائرة (د ا و)، والمقصود بالقاطع هو الظل (ب هـ) وتفصيلات ذلك في الدرسين الرابع والخامس من كتابنا «دروس معرفة الوقت والقبلة».
في بداية هذا الفصل قلنا إن واضعي الجيب والظل والشكل المغني والظلي وفرعيهما هم علماء مسلمون. يقول المرحوم السيد جلال الطهراني في «گاهنامه 1311»:
«من مخترعات بطليموس في المثلث الكروي هو شكل القطاع الذي يحل مثلنا على الكرة بوساطة ست نسب، فبمكان الأربعة المتناسبة يقيم الستة المتناسبة، وكان العمل بذلك في الفلك صعباً للغاية حتى خطر لعدد من العلماء المسلمين أن يجروا بعض التسهيلات في البراهين الرياضية في المثلث الكروي، فأجهدوا أنفسهم حتى وفقوا إلى اكتشاف بعض المسائل وحل بعض القضايا في المثلث الكروي ورسموا بعض الأشكال تحت أسماء مختلفة:
1 ـ الشكل المغني، وقد أطلقوا عليه هذا الاسم لكون العمل به يغني العامل عن العمل بشكل القطاع، وفي هذا الشكل يتم حل المثلث عن طريق الأربعة المتناسبة وجيب الأقواس.
لقد أثار هذا الشكل نزاعاً في تاريخ العلم بين أبي نصر، منصور بن علي بن عراق وأبي الوفاء، محمد بن محمد البوزجاني، وأبي محمود، حامد بن خضر الخجندي، وكوشيار بن لبان الجيلي.
2 ـ من مستحدثات العلماء المسلمين الأخرى في المثلثات الكروية هو الشكل الظلي الذي فيه يستعمل الظل، وقد أجمع على أن مخترعه هو أبو الوفاء البوزجاني وبرهنه بعدة براهين.
3 ـ والمخترع الآخر من مخترعات القدماء هو الشكل السهمي الذي يتم حله بسهم القوس، وقد اخترعه كوشيار بن لبان الجيلي.
وبالإضافة إلى شكل القطاع البطليموسي، والمغني لأبي نصر بن عراق والشكل الظلي لأبي الوفاء البوزجاني، والشكل السهمي لكوشيار بن لبان الجيلي، هناك أربعة أشكال أخرى هي من فروع المغني والظلي، وقد أوردنا البراهين الهندسية عليها في الدرسين الثالث عشر والرابع عشر في كتابنا «دروس معرفة الوقت والقبلة».
لقد طرأ هذا الموضوع حول القطاع والمغني والظلي في غضون البحث، فيما كان أساس بحثنا هو أن أصل مسائل الظل الرياضية قد نشأ من مسجد المدينة حتى وصل إلى أيدي أبي الوفاء، ومنه انتشر إلى مختلف أرجاء العالم. الأوروبيون يعرفون أبا الوفاء عن طريق هذا الشكل الظلي. ولكن تبديلهم الظل بالمماس أولاً، ثم قيام الغربيين بتبديل لفظة الظل بمصطلح Tangent ثانياً جعلهم يظنون أن الظل ومسائله غربية الأصل، مع أنه قد تبين أن قيام الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم ببناء جدار مسجد المدينة كان نموذجاً أدى إلى استنتاج الظل واختراعه.دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام.
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
حسن حسن زادة الآملي
بيان حكم بث الفرقة بين
الجاليات الإسلامية وأمر الشيعة
فتوى للإمام شيخ الأزهر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد ورد في مجلة أكتوبر بالعدد رقم 4601 الصادر بتاريخ 25 من أغسطس 1985م تحت عنوان «الأزهر ملاذهم الديني الأول» للسيد عبدالعزيز صادق رسالة موجّهة إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وخلاصتها كما يلي:
في هذا الأسبوع وصلتني رسالة من بعض من يعملون بالمركز الإسلامي بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة، مضمونها أن بعض أعداء الإسلام يعملون على بث الفرقة بين الأقليات المسلمة في أفريقيا وآسيا، وأمريكا، يحاولون صبغ الخلافات ـ أياً كان نوعها ـ بالصبغة الطائفية، ويكفرون الشيعة على اختلاف فرقها، وهي هجمة شرسة تستهدف التفرقة بين المسلمين. وأن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم ـ لكي تقع عباداته ومعاملاته صحيحة ـ أن يقلد أحد المذاهب الأربعة فقط.
فهل توافقون يا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر على هذا الرأي على إطلاقه؟
ثم إن بعض الناس قد أخذوا يكفرون الشيعة، ويرون إن الإسلام منهم براء، ترى ما هو ردّ فضيلتكم على هذا القول؟ وهل يجوز لمسلم أن يكفر غيره من المسلمين؟
ونفيد بالآتي:
أولاً: عن حكم التقليد، وهل يلزم تقليد مذهب معين؟
وبيان ذلك كما يلي:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن العامي وهو الذي ليس له أهلية الاجتهاد في الأحكام وإن كان محصلاً لبعض العلوم يجب عليه أتباع قول المجتهد والأخذ بفتواه استناداً إلى قوله تعالى:
{فَسَأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ})[469](.
وهي عامة لكل المخاطبين الذين لم تتوافر لهم وسائل العلم بالأحكام، ولأن العامة في زمن الصحابة والتابعين كانوا يستفتون المجتهدين منهم ويتبعونهم فيما بينوه لهم من الأحكام، وكان المجتهدون يبادرون إلى إفتائهم والكشف لهم عما جهلوا ولم ينكروا عليهم استفتاءهم إياهم فكان ذلك إجماعاً على مشروعية التقليد في الفروع، غير أن العامي في الاستفتاء مقيد باستفتاء من عرف بالعلم والعدالة وأهلية النظر فيما يستفتى فيه ـ احتياطاً في أمر الدين.
كما ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب على العامي التمذهب بمذهب مجتهد معين والتزام جميع عزائمه ورخصه ـ بحيث لا يجوز له الخروج عنه ـ بل له أن يعمل في مسألة بقول مجتهد، وفي أخرى بقول مجتهد آخر، وعلى ذلك استقر عمل المفتين في كل عصر من زمن الصحابة ومن بعدهم وقد اختار ذلك من علماء الأصول (الآمدي)، (ابن الحاجب) و(الكمال) في تحريره و(الرافعي) وغيره؛ لأن التزام مذهب معين في كل المسائل غير ملزم، إذ لا واجب إلاَّ ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب رجل معين من الأئمة فيقلده في دينه، يأخذ كل ما قال فيه ويذر غيره.
وقد قال ابن أمير حاج من علماء الأصول ـ «لا يصح للعامي مذهب: لو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتباً في فروع ذلك المذهب ـ وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا حنفي، أو شافعي، أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول».
ومما تقدم يعلم أنه لا يجب تقليد مجتهد معين، وأن التلفيق بمعنى العمل بقول مجتهد في مسألة، وبقول آخر في أخرى لضرورة ولغيرها في العبادات والمعاملات جائز تخفيفاً ورحمة بالأمة، بل ذهب الجمهور إلى جواز تتبع رخص المذاهب في المسائل المختلفة، لأن للمكلف أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمل بقول مجتهد آخر في ذات المسألة التي يريد التقليد بها.
والخلاصة أن التقليد واجب على غير المجتهد المطلق لضرورة العمل، وأنه لا يجب على المقلد التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً غير إمامه وأن مذهب العامي فتوى مفتيه المعروف بالعلم والعدالة وأن التلفيق بمعنى العمل في كل حادثة بمذهب جائز.
ثانياً: حكم التكفير، وهل يجوز للمسلم أن يكفر غيره من المسلمين؟
وللإجابة على هذا نذكر أولاً بيان حقيقة الإيمان والإسلام، وبيان معنى الكفر. وذلك كما يلي:
(أ) الإيمان وحقيقته:
الإيمان لغة: هو التصديق مطلقاً.
وفي الشرع: هو التصديق بالله وبرسله وبكتبه وبملائكته وباليوم والآخر وبالقضاء والقدر.
قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ})[470](.
والإيمان بهذا تصديق قلبي بما وجب الإيمان به، وهو عقيدة تملأ النفس بمعرفة الله وطاعته في دينه ويؤيد هذا دعاء الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم: «اللَّهم ثبت قلبي على دينك» وقوله لأسامة وقد قتل من قال: لا إله إلاَّ الله (هلا شققت قلبه))[471](.
(ب) الإسلام وحقيقته:
يقال في اللغة أسلم: دخل في دين الإسلام.
وفي الشرع: كما جاء في الحديث الشريف: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً»)[472](.
فالإسلام هو العمل بالقيام بفرائض الله من النطق بالشهادتين وأداء الفروض والانتهاء عما حرم الله سبحانه ورسوله.
فالإيمان تصديق قلبي، فمن أنكر وجحد شيئاً مما وجب الإيمان به فقد خرج من الإسلام قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً})[473](.
أمّا الإسلام فهو العمل والقول، عمل بالجوارح ونطق باللسان، ويدل على المغايرة بينهما قول الله ـ سبحانه: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيْمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ})[474](.
(جـ) متى يكون الإنسان مسلماً؟
حدد هذا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في قوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله).
هذا هو المسلم، فمتى يخرج عن إسلامه؟ وهل ارتكاب معصية بفعل أمر محرم أو ترك فرض من الفروض ينزع وصف الإسلام وحقوقه؟
قال ـ سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً})[475](.
(د) ما هو الكفر؟
الكفر لغة: كفر الشيء: غطاه وستره.
وشرعاً أن يجحد الإنسان شيئاً مما أوجب الله الإيمان به بعد إبلاغه إليه، وقيام الحجة عليه.
وقد شاع الكفر في مقابلة الإيمان، لأن الكفر فيه ستر الحق، بمعنى إخفائه، وطمس معالمه، ويأتي هذا اللفظ بمعنى كفر النعمة، وأعظم الكفر جحود وحدانية الله باتخاذ شريك له وجحد نبوة رسول الله محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وشريعته.
والكافر متعارف فيمن يجحد كل ذلك.
وإذا كان ذلك هو معنى الإيمان والإسلام والكفر مستفاداً من نصوص القرآن والسنّة: كان المسلم الذي ارتكب ذنباً وهو يعلم أنه مذنب عاصياً لله ـ سبحانه وتعالى ـ معرضاً نفسه لغضبه وعقابه، لكنه لم يخرج بما ارتكب عن ربقة الإيمان وحقيقته ولم يزل عنه وصف الإسلام وحقيقته وحقوقه.
وأياً كانت هذه الذنوب التي يقترفها المسلم خطأ وخطيئة، كبائر أو صغائر فإنه لا يخرج بها عن الإسلام ولا من عداد المؤمنين، ذلك مصداقه قول الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}.
(هـ) هل يجوز تكفير المسلم بذنب ارتكبه؟ أو تكفير المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه؟ ومن له الحكم في ذلك إن كان له وجه شرعي؟
قال الله سبحانه. {وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلكِن لاَّ تَشْعُرُونَ})[476](.
وفي حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي رواه أبو داود أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: (ثلاث من أصل الإيمان: وعد منها: الكف عمن قال «لا إله إلاَّ الله»، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل).
وما رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسق، أو يرميه بالكفر إلاَّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك).
ومن هذه النصوص يتضح أنه لا يحل تكفير مسلم بذنب اقترفه سواء كان الذنب ترك واجب مفروض، أو فعل محرم منهي عنه، وأن من يكفّر مسلماً أو يصفه بالفسوق، يرتد عليه هذا الوصف إن لم يكن صاحبه على ما وصف.
(و) من له الحكم بالكفر أو الفسق.
قال الله ـ تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ})[477](.
وقال سبحانه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لَيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ})[478](.
{فَسَأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ})[479](.
وفي حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي رواه الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قوماً يتمارون في القرآن (يعني يتجادلون في بعض آياته) فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً، فما علمتم منه فقولوا: وما جهلتم منه فكِلوه إلى عالمه».
هذا هو القرآن، وهذه هي السنة كلاهما أمر بأن النزاع في أمر من أمور الدين يجب أن يرد إلى الله ورسوله، وأن من يتولى الفصل وبيان الحكم هم العلماء بالكتاب والسنّة، فليس لمسلم أن يحكم بالكفر أو الفسق على مسلم، وهو لا يعلم ما هو الكفر ولا ما يصير به المسلم مرتداً كافراً بالإسلام، أو عاصياً مفارقاً لأوامر الله. إذ الإسلام عقيدة وشريعة له علماؤه الذين تخصصوا في علومه تنفيذاً لأمر الله ورسوله فالتدين للمسلمين جميعاً، ولكن الدين وبيان أحكامه وحلاله وحرامه لأهل الاختصاص به وهم العلماء قضاء من الله ورسوله.
هذا: ولا ينبغي اتخاذ المذاهب الفقهية الإسلامية وسيلة لكسب سياسي أو تأييداً لدولة، أو فئة من الناس، وأولى بالمسلم بدل أن يدعو أخاه المسلم إلى مذهبه ـ والمذاهب الصحيحة كلها من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ملتمسة ـ أن ينشر الإسلام وفضائله، عقيدة وشريعة بين غير المسلمين.
والأزهر ينكر على هؤلاء ـ الذين يجاهدون في غير عدو ـ صفتهم. فليس للمسلم الشيعي أن يطلب إلى المسلم السني ترك مذهبه الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي، ليتابعه على المذهب الشيعي، وليس للسني ـ أيضاً ـ ذلك الصنيع، وما دام الكل من المسلمين فعليهم أن يكونوا أخوة وأن يعملوا على نشر الإسلام بين غير المسلمين، ويكفوا عن توسيع شقة الخلاف والفرقة بين صفوف الأمة وعن اتخاذ المذاهب الإسلامية الفقهية، مذاهب سياسية للدول، فإن المسلمين الأوائل لم يفعلوا ذلك، لأنه يتناقض مع قوله تعالى: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ})[480](.
التاريخ بالكسور
سبق أن نشرت مقالاً بعنوان «تاريخ ابن كمال باشا في المخطوط الإسلامي» وقد سُمّي هذا النوع من التاريخ بهذا الاسم، لأنه يُعزى إلى ابن كمال باشا، العالم التركي المعروف (ت940هـ). وهذا التأريخ استعمله الكثير من الكتّاب والنسّاخ في تأريخ كتابة المخطوط، ونسخه بدل التأريخ الهجري المعروف، كأن يقول الناسخ مثلاً: وتم الفراغ من كتابته في العُشر الثاني، من الثلث الأول، من السدس السادس، من النصف الثاني، في العُشر الخامس، من العُشر السادس، من العُشر الأول؛ من الألف الثاني، من هجرة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم. ويقصد بهذا التأريخ اليوم الثاني، من شهر ذي الحجة، من سنة ألف وخمس وخمسين من الهجرة.
وقد أخذ بهذه التسمية ـ أي تأريخ ابن كمال باشا ـ العلماء المسلمون، والغربيون الذي اطلعوا على هذه الطريقة، اعتقاداً منهم أن ابن كمال باشا هو أول من وضعه. وقد كنت اقترحت في مقالي السابق الذكر، تسمية «التأريخ بالكسور» لهذه الطريقة من التأريخ، ولم أذكر آنئذٍ سبباً لذلك الاقتراح. وقد رأيت أن أذكر هنا الأسباب التي دفعتني إلى اقتراح هذه التسمية، والميل إليها، بدل تسميته بـ «تأريخ ابن كمال باشا». وهذه الأسباب تتلخص بالآتي:
1 ـ أن تسمية هذا التأريخ بتأريخ ابن كمال باشا، قد يؤدي لأول وهلة إلى الخلط بين هذا النوع من التأريخ، الذي يؤرخ به المخطوط العربي، وبين كتاب ابن كمال باشا، المعروف بـ: «تاريخ سلاطين آل عثمان»، وهو كتاب ضخم في عدة مجلدات.
2 ـ كنت قد عثرت على مخطوطة مؤرخة بهذه الطريقة من التأريخ، يرجع تأريخها إلى عام 922هـ، وهذا التأريخ يسبق السنة التي أرخ بها ابن كمال باشا مخطوطته (926هـ) بأربع سنوات. وإذا ما ثبت ذلك ـ وهو شيء ما زال يحتاج إلى كثير من التقصي والتحقيق؛ فإنه لا يصح أن تُعزى هذه الطريقة لابن كمال باشا.
3 ـ إلى جانب تسمية هذا التأريخ بـ: «تأريخ ابن كمال باشا» فقد سماه الباحثون الغربيون؛ Dating by Fractions، والتسمية التي أقترحها هي ترجمة ملائمة للمصطلح الإنجليزي ومناسبة له.
وبعد هذا العرض السريع، لأسباب التسمية التي اقترحتها، أود أن أذكر أيضاً بأنني عندما كتبت مقالي، المشار إليه أعلاه، كنت أعتقد بأن هذا النوع من التأريخ قد اقتصر استعماله على مخطوطات قليلة في بلدان معينة، ولكنني لم ألبث بعد ذلك أن اطلعت على نماذج أخرى أكثر مما كنت أتوقع. فإلى جانب النماذج التي جمعتها، عثرت منذ فترة قصيرة على مجموعة مسجلة في فهرس المخطوطات العربية بمكتبة كوبرلي بتركيا، الذي صدر عام 1986.
وقد لاحظت من جُماع هذه النماذج أن تطوراً قد طرأ على هذه الطريقة من التأريخ، في الفترة التالية لنشأتها، وتبين لي أن هذا التطور أكثر ما يكون في التفصيل، وأقل ما يكون في استعمال المصطلح (مثل: العقد، القرن)، وتبين لي أيضاً بأن التفصيل في هذا التأريخ غالباً ما يزيده تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى جهد أكبر، ووقت أطول، من أجل التوصل إلى معرفته. لذلك رأيت من المفيد والنافع، أن أختار واحداً من هذه النماذج التي احتوت على شيء من التفصيل، وأجعله موضوعاً لمقال قصير، قد يستفيد منه الباحثون، والمحققون، آملاً أن أجمع هذه المقالات في كتيب، أنشره في القريب، ليكون مرجعاً عملياً يتوسل به من يُعنى بالمخطوط العربي، إلى معرفة هذه الطريقة من التأريخ.
والنموذج الذي اخترته لهذا المقال جاء من القرن الرابع عشر الهجري، وهذا يعني أن استعمال هذه الطريقة، استمر ما يقرب من خمسة قرون، إذا قلنا بأنها بدأت في الربع الأول، من القرن العاشر الهجري. وقد وجدت هذا التأريخ في نهاية إحدى نسخ كتاب «شجر الدر» لأبي الطيب عبدالواحد بن علي اللغوي، المتوفى عام 351هـ، المطبوع بالقاهرة، عام 1957، بتحقيق محمد عبدالجواد.
وقد جاء فيها ما يلي: تمَّ كتاب «شجر الدر» في متداخل اللغة، والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على من كملت محاسنه، باطناً وظاهراً، وعلى آله وأصحابه آمين. وقد وقع الفراغ من نسخه على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى الزاد يوم المعاد، راجي عفو مولاه المعطي، الحقير محمد مراد الشطي، في وقت مبارك، إن شاء الله تعالى، وهو الجزء الأول، من السدس الخامس، من النصف الأول، من السبع الأول، من العشر السابع، من الثلث الثاني، من الربع الأول، من الثلث الثاني، من العشر الثامن، من الخمس الأول، من النصف الأول، من القرن الرابع عشر، من هجرة خير البشر. وأول ما نلاحظه على هذا التأريخ هو أن الناسخ لم يبتدىء بذكر موقع اليوم من الشهر، كما هو الأكثر والأشيع في التأريخ بالكسور، حيث يذكر أحد أثلاث الشهر، (إذ إن الشهر يقسم إلى ثلاث أثلاث) ثم يذكر أحد أعشار الثلث، (حيث يقسم الثلث إلى عشرة أعشار)، فيقال مثلاً: في العشر الثاني، من الثلث الثالث، (أي اليوم الثاني والعشرين من الشهر)، بل ذكر أول ما ذكر جزء الساعة، وهو الجزء الأول منها، ثم أعقب ذلك بذكر النص على الساعة، ضمن النصف الأول. فالناسخ قد قسّم اليوم إلى نصفين، في كل نصف ست ساعات. فالسدس الخامس، من النصف الأول من اليوم، هو الساعة الخامسة قبل الظهر.
وتقسيم ساعات اليوم بهذه الطريقة كان معروفاً عند المسلمين، ولكنه أُهمل. فقد ذكر القلقشندي في: «صبح الأعشى» تحت عنوان: «أن يؤرخ بأجزاء اليوم أو الليلة» ما نصه: «وقد سبق في الكلام على الأيام أن كل واحد من الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة زمانية، تطول بطول أحدهما، وتقصر بقصره، ولكل ساعة منها وقت يخصها، كالشروق، وهو أول ساعات النهار، والغروب، وهو آخر ساعاته، والشفق، وهو أول ساعات الليل، والصباح وهو آخر ساعاته… ثم يقول: وهذا الترتيب قد تركه كتّاب زماننا، وصاروا يؤرخون بالساعات المشهورة عندهم، كالأولى من النهار، أو الثانية، أو وقت الظهر، أو وقت العصر، ونحو ذلك».
ولكن يجب أن أضيف إلى هذا أن هذا التقسيم ـ الذي يتحدث القلقشندي عن ترك الكتَّاب له ـ قد استعمل في الدولة العثمانية، على الأقل في بلدان الشرق الأوسط، وظل مستعملاً إلى حوالي منتصف هذا القرن، جنباً إلى جنب مع التوقيت الأوروبي، الذي سمي بالتوقيت الإفرنجي، عندما دخل البلاد الإسلامية حيث كان يطلق على الأول: التوقيت العربي. وقد غلب الإفرنجي العربي، فأزاحه، وألغاه، وظل الناس يستعملون الأوروبي إلى يوم الناس هذا. واستعمال الناسخ ـ وهو من دمشق، كما يذكر محقق «شجر الدر» ـ لهذا التقسيم العربي يأتي ضمن هذا الذي ذكرته. ولا شك أن الباحث أو المحقق سيجد صعوبة كبيرة في تمييز السدس الخامس، على أنه إشارة إلى الساعة الخامسة، إذا لم يكن ذا خبرة ومعرفة بمثل هذا الموضوع. بعد هذا انتقل الناسخ إلى تحديد موقع اليوم ضمن الأسبوع، فقال: في السبع الأول، حيث إن الأسبوع سبعة أيام، وكل يوم بالنسبة إليه سبع، فيقال: السبع الأول، أو السبع الثاني، أو الثلث… إلخ.
ويظهر أن الأسبوع كان يبدأ بيوم الأحد، وينتهي بيوم السبت، ونحن نذكر هنا ما وجدناه في كتب التراث عن هذا الموضوع:
«قال الفرّاء: فأول الأيام: الأحد، والتثنية: الأحدان، والجمع القليل: آحاد…. والاثنان، نثنية، لا يثنى، والجمع الأقل: أثناء، وجمع الأثناء: أثان… والثلاثاء: ممدود، والجمع: الثلاثاوات، بقلب الهمزة واواً، وإن قلت: الثلاثاءات، جاز… والأربعاء: مكسور الباء، ممدود، والتثنية: الأربعاوان، والجمع: الأربعاوات…. والخميس: والتثنية الخميسان، والجمع: الأخمسة…. والجمعة: بتسكين الميم وتحريكها، فمن سَكّن وَجُمَعْ، ومن حرك، قال: جُمعات…. والسبت: والتثنية: السبتان، والجمع: أسبتة، وأسبت، والكثير: السبوت، ثم قال: ومن العرب من يسمي الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: جبار، والأربعاء: دبار، والخميس: مؤنس، والجمعة: العروبة، والسبت: شيار».
وقال البيروني: وقد كانوا ـ أعني العرب ـ يستعملون فيها الأسابيع، وهذه أسماؤها القديمة: أول: وهو الأحد، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شيار، وذكرها شاعرهم:
أؤمل أن أعيش وأن يومي
بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته
فمؤنس أو عروبة أو شيار
ثم أحدثوا إليها أسماء أُخر، هي هذه: الأحد، الاثنان، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، الجمعة، السبت)[481](.
وقال السيوطي: الأحد: هو أول الأيام، وفي شرح المهذب ما يقتضي أنه أول أيام الأسبوع، وروى ابن عساكر في تاريخه، بسنده إلى ابن عباس قال: أول ما خلق الله الأحد، فسماه: الأحد، وكانت العرب تسميه: الأول، وقال متأخرو أصحابنا: الصواب أن أول الأسبوع السبت، وهو الذي في الشرح، والروضة، والمنهاج.
وروى ابن جرير، عن السدي، عن شيوخه: «ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، واختاره، ومال إليه طائفة. قال ابن كثير، وهو أشبه بلفظ الأحد، ولهذا أكمل الخلق يوم الجمعة، فاتَّخَذَه المسلمون عيدهم».
وقد وجدت في بعض المخطوطات ـ وإن كانت متأخرة ـ ما يدعم هذا. فقد جاء في إحداها ما نصه: اتفق الشروع لترتيب جميل في شرح التركيب الجليل، في السُّبع السادس…. ووافق تبييضه أيضاً في السُّبع الثالث…. وقد جاء في شرح ذلك: «قوله في السُّبع السادس، يعني يوم الجمعة»، لأنه واحد من سبعة أيام الأسبوع، وسادس من الأحد (أي اليوم السادس من الأسبوع، إذا بدأنا من يوم الأحد).
ويستمر شارح التاريخ أعلاه، ويقول: ووافق تبييضه أيضاً في السُّبع الثالث، يعني يوم الثلاثاء».
وسنرجع إلى هذه المخطوطة، في مكان آخر. وكذلك وجدت في حاشية على المخطوطة موضوع مقالنا ما ينص على أن السُّبع الأول هو يوم الأحد. وقد وجدت استعمال السُّبع، إشارة إلى أحد أيام الأسبوع، بدل النص على اليوم غير قليل بين من يؤرخون بالتأريخ بالكسور، وإن قسماً من هذه المخطوطات، التي أرخت بهذه الطريقة، يرقى تاريخها إلى القرن العاشر الهجري، وهو تاريخ مبكر بالنسبة إلى بداية استعمالها. وعلى الرغم من أن هذا الاستعمال (استعمال السُّبع) أصبح معروفاً لدى الكثير من النساخ، فإن النص على اليوم، كالأحد، والاثنين، ظل أكثر أُلفة وشيوعاً لديهم، وقد يعود ذلك إلى رغبتهم في تعريف اليوم للقارىء، بشكل أكثر وضوحاً.
نعود إلى مخطوطتنا ونقول: إن الناسخ ذكر اليوم، بعد أن ذكر الساعة، ثم ذكر بأن اليوم ضمن الشهر، هو العُشر السابع من الثلث الثاني، وهو اليوم السابع عشر، وهذا التكسير، أي تقسيم الشهر إلى ثلاثة أقسام، في كل ثلث عشرة أعشار هو الأكثر استعمالاً في هذه الطريقة. ثم يحدد الناسخ الشهر، فيذكر بأنه الربع الأول من الثلث الثاني. فالسنة هنا من حيث شهورها، لم تقسم إلى نصفين، في كل نصف، ستة أشهر، كما هو الشائع في هذه الطريقة من التأريخ، بل أنها قسمت إلى ثلاثة أثلاث، في كل ثلث، أربعة أشهر. وتقسيم شهور السنة بهذه الطريقة، ليس شائعاً ولكنه غير نادر. وقد ذكر الشيخ طاهر الجزائري، احتمالات تقسيم السنة إلى شهور، بطريقة الكسور، فقال: «وإذا أردت أن تميز الشهر عن غيره من الشهور، فجزىء أولاً الاثني عشر إلى أحد كسورها الصحيحة، وهي النصف، والثلث، والربع، والسدس، فإذا اعتبرتها نصفين، اشتمل كل نصف على ستة، والستة لها نصف، وثلث، وسدس»)[482](.
والثلث الأول من السنة، يبدأ بمحرم، والثاني يبدأ بجمادى الأولى، والثالث يبدأ بشهر رمضان، فيكون الربع الأول من الثلث الثاني هو جمادى الأولى. أما بالنسبة إلى تحديد السنة، فقد ذكرها الناسخ بقوله: في العُشر الثامن، من الخُمس الأول، من النصف الأول، من القرن الرابع عشر. وهنا نلاحظ أن المائة سنة قد قُسمت إلى نصفين، في كل نصف خمسون سنة، وقُسمت الخمسون سنة إلى خمسة أخماس، في كل خُمس عشرة أعشار (عشر سنين).
فالنصف الأول من القرن الرابع عشر، هو الخمسون سنة الأولى من القرن، وخُمسها الأول، هو العَشْر الأولى التي هي مقسمة إلى عَشرة أعشار، والعُشْر الثامن منها هو السنة الثامنة، فيكون عام النسخ هو عام 1308هـ.
والتقسيم الأكثر لسني هذا التاريخ هو هكذا: في العشر الثامن، من العشر الأول، من القرن الرابع، من الألف الثاني، من هجرة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم. وقد ذكر الطريقتين الشيخ طاهر الجزائري، فقال: «وإذا أردت تعيين السنة، يقتضي أن تبين من أي عشر من أعشار القرن هي، وذلك القرن أي قرن هو؟ ومن أي ألف؟ وحيث إن القرن في الاصطلاح مائة سنة، والمائة سنة لها نصف، وربع، وخمس، وعشر، فإذا اعتبرتها نصفين، اشتمل كل نصف على خمسين، وهي لها نصف، وخمس، وعشر، فإذا اعتبرتها (الخمسين) أخماساً، اشتمل كل خمس على عشر سنين»)[483](.
هذا آخر ما أردنا الحديث عنه حول هذا النموذج، أرجو أن تكون لنا عودة قريبة لهذا الموضوع.
د. جعفر هادي حسن
تراجم الأنبياء عليهم السلام
وتعيين مراقدهم
(1) آدم أبو البشر
نُقل أنَّ آدم مات بمكة، ودفن في غار أبي قبيس، ثم حمل نوح تابوته في السفينة، ولمَّا خرج منها دفنه في بيت المقدس)[484](.
وذكر الهروي أنَّ قبر آدم ونوح وسام وإبراهيم وإسحاق ويعقوب في أرض القدس بالمغارة)[485](.
قال أحد المحدثين: إنَّ الزبداني المرتفعة عن مساواة البحر 1067 متراً تحتوي على نحو ثلاثة آلاف ساكن نصفهم نصارى والنصف الآخر مسلمون. ولديهم تقليد يجعل قبر آدم في هذا المكان)[486](.
وورد في النصوص الشيعية أنَّ مدفنَهُ بالنجف. قال المجلسي: يظهر من الأخبار أنَّ رأس الحسين، وجسد آدم، ونوح وهود وصالح مدفونون عند علي عليه السلام فينبغي زيارتهم جميعاً بعد زيارته)[487](.
ووردت قصة آدم عليه السلام، بالقرآن، وأنّه خُلقَ من طين، وألدّ أعدائه هو إبليس الذي اعترضَ على خلقه. كما خلق الله له (حوّاء)، أم البشر وأسكنهما الجنّة، إلاَّ أنَّ إبليس أغواهما فهبطا إلى الدنيا.
كما قصَّ القرآن قصة ولديه قابيل وهابيل، وأنَّهما اختلفا فيما بينهما فقتل قابيل أخاه هابيل، ولم يكن أحدٌ قبلهما يعرفُ القتل.
وذُكر في المنقولات الحديثيّة أنَّ النبي نوحاً نقل عظام آدم قبل الطوفان إلى النجف الأشرف.
(2) النبي نوح
النبي نوح (من ذرية شيث بن آدم) ـ (3993 ـ 3043ق.م). بُعث بالعراق سنة 3650 قبل الميلاد. ذكره القرآن في ثلاثة وأربعين موضعاً. وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع الفلك ليغرق الكافرون، وينجو المؤمنون بعد تكذيب قومه له، ولبثه معهم زماناً طويلاً يبثُّ دعوته فيهم.
ذكر أبو المجد الحلبي (من أعلام القرن السادس الهجري): أنَّ آدم ونوح مدفونان عند الإمام علي (ع) )[488](.
وقد تعددت الأقوال في وفاة النبي نوح عليه السلام، ومدفنه، فقيل إنّه تُوفي بإحدى القرى القريبة من الموصل)[489](، وقيل بمكة، أو الهند، أو بابل.
وللنبيّ نوح قبرٌ ومشهد بمنطقة كَرَك، وهي قرية أسفل جبل لبنان من جهة الجنوب، منسوبة إليه. فيقال عنها كرك نوح تمييزاً لها عن غيرها.
ورد في «تاريخ لبنان» تحت عنوان «نوح والطوفان».
السائح مريسون زار المشرق في القرن السابع عشر الميلادي، وقد نقلَ تقليداً وطنياً منطوقه أنّ الجبل هو المكان الذي صنع فيه نوح سفينته التي نجا بها مع عائلته من مياه الطوفان.
وورد بالهامش: قال البعض: «إنّه صنعها في الكوفة من العراق، وذلك قول ضعيف».
وقيل: إن الخشب الذي بُني منه فلك نوح، ولو أنَّه غير معروف إلاَّ قليلاً يقدّم لأهل العلم بمجرّد تسميته «جفُر» دليلاً نفيساً يستعينون به على تعيين المكان الذي صُنع فيه الفلك)[490](.
أما حول مقرّ نوح بعد الطوفان فقد قيل إنَّه لا يزال سهل (وادي البقاع) الذي يسمى سهل نوح مشهوراً بقبر نوح، ومركزه قريب من زحلة فوق رسوم حصن الكرك القديم.
وقد تشرّف هذا القبر أيضاً بزيارة كثير من عظماء الأرض.
أمَّا بنايته على ما هو عليه فهي من آثار البندقداري الذي رقى عرش الملك سنة 1258 ملقباً بالملك الظاهر)[491](.
مرقد النبيين هود وصالح عليهما السلام ـ النجف
(3) النبي هود
النبي هود عليه السلام من ذرية سام بن نوح، بُعث إلى قوم عاد بين سنة 2450 وسنة 2320 قبل الميلاد، وبعثته كانت حدود عام 2400 قبل الميلاد. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سبعة مواضع، كما وردت سورة باسمه (سورة هود). ونُقل أنَّ وفاته كانت شرق حضرموت، وله مقام فيها.
نقل الهروي أنَّ قبر هود بدمشق في الحائط القبلي، وقال: الصحيح إنَّ قبر هود في حضرموت شرقي عدن)[492](.
وأورد بعض الباحثين أنَّ المناطق الداخلية من حضرموت تُعتبر من المناطق المقدسة لكونها تحتوي على قبر النبي هود)[493](.
(4) النبي صالح
النبيّ صالح عليه السلام من ذرية سام بن نوح، بُعث حدود سنة 2100 قبل الميلاد إلى قوم ثمود القبيلة العربية بالحجر (مدائن صالح). وقد ورد ذكره في تسعة مواضع من القرآن الكريم. وعُرف بالناقة المعجزة التي ورد خبرها بالقرآن {هذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً})[494](.
وقد اشتهر أنَّ وفاته كانت بمكّة المكرمة.
أُختُلفَ في مدفنه، فقيل بفلسطين، وقيل في حضرموت، وقيل في مكة.
ذكر ابن الأثير أنَّ النبيّ صالحاً سار إلى الشام، فنزل فلسطين، ثم انتقل إلى مكّة، فأقام بها حتى مات)[495](.
وذكر الهروي أنَّ النبي صالحاً كان بأرض اليمن، وقبرُهُ في شَبْوَة باليمن، وقيل إنّه كان بالحجر ما بين وادي القرى والشام، وقبره بمكة)[496](.
ونقل أحمد بن محمد الخضراوي في كتابه (العقد الثمين) نصّاً مفاده: أنَّ وفاة الأنبياء، نوح وهود وصالح وشعيب كانت بمكة، وقبورهم بين زمزم والحجر الأسود)[497](.
وذكر الشيخ عبدالوهاب النجّار أنَّ قبر النبي صالح بحضرموت، وأنَّه مات وعمره مائة وخمسين سنة.
وورد في كتاب الطبري بعد ذكر نسب هود وصالح: إنَّ بعض أهل العلم زعم أنَّ صالحاً تُوفي بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وكلّ هؤلاء لم يجزموا بمدفنه، حيث لم يحصل ما يُوجب القطع)[498](.
وذكر الساعدي في ردّه على النصّ الذي أورده الخضراوي في «العقد الثمين» أنَّ الخضراوي ذكر ما ورد في خبر وفاة هؤلاء الأنبياء في الحجر. والحِجر اسم ديار ثمود بوادي القُرى بين المدينة والشام. وهناك كانت مساكن ثمود، وهي بيوت منحوتة في الجبال مثل المقابر. وتسمّى تلك الجبال الأثالث وقد خفي على الخضراوي التمييز بين الحجرين، فأرسل روايته، والصحيح أنَّ قبورهم بالنجف الأشرف. وهذا ما اتفقت عليه المأثورات الشيعيَّة.
وقد أظهر الإمام السيد مهدي بحر العلوم (ت: 1212هـ/1797م) هذين القبرين، واهتمَّ بتشييدهما.
نقل المؤرخ السيد حسون البراقي في «اليتيمة الغروية» بروايته عن العلاَّمة أبي المعزّ السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335هـ/1916م عن أبيه السيد مهدي القزويني أنَّه قال: «إنَّ السيد مهدي بحر العلوم هو الذي أظهر قبري هود وصالح عليهما السلام، وأنَّ قبريهما قبل ذلك كانا قريبين من هذا القبر بقليل، وهو الذي قال: ليس ذلك بقبريهما، ودلَّ الناس على قبري هود وصالح».
ووردت في جميع كتب المزارات الشيعية هذه العبارة في السلام على أمير المؤمنين علي عليه السلام: «السلام عليك، وعلى ضجيعيك آدم ونوح، وعلى جاريك هود وصالح».
كما ورد في كتب الحديث ما نُقل عن الإمام علي عليه السلام أنَّه قال: «إذا متُّ فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخويّ هود وصالح». وقد أصبحت هذه الروايات مسلّمة في التراث الشيعي.
قال المؤرّخ حرز الدين: إنَّ مرقدي هود وصالح في الغري بوادي السلام (مقبرة النجف الأشرف)، خلف سور المدينة في الشمال الشرقي في حرم واحد، عليه قبّة متوسطة الحجم والارتفاع، فُرشت بالقاشي الأزرق وكان أمام قبريهما صحن دار صغير فيه نخلة.
ونقل حرز الدين عن بعض المُعمّرين أنَّ أول مَنْ وضع على قبريهما صندوقاً من الخشب هو العالم الرباني السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم النجفي.
كما أنَّ زوجة الملاَّ يوسف بن الملاّ سليمان، نقيب وخازن مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، المتوفى سنة 1270هـ/1854م، واسمها الملّة ضفيرة شيّدت قُبَّة من آجُرّ على قبريهما.
ولمَّا تُوفي الفقيه الشيخ سلطان العلماء، ودُفن خارج باب مرقدي هود وصالح من جهة مدينة النجف بُنيت قبّة عليه بالقاشي الأزرق فوق هذه القبّة)[499](.
وذكر الشيخ جعفر محبوبة أنَّ عمارةً ثالثة طرأت على المرقدين شيّدت سنة 1337هـ/1917م، وأرَّخ بعض الأدباء عام تشييده بأبيات، بيتُ التاريخ منها هو:
فدع واحدَ الدنيا وأرّخْ (مجدد
ضريح الهدى هود الزكي وصالح)
وقد جُعلت تولية المرقد بيد الشيخ محمد علي قسَّام (جدّ أسرة آل قسّام النجفية) )[500](.
(5) إبراهيم الخليل
ولد إبراهيم الخليل في أرض (أور) بالعراق أيام الملك النمرود بن كنعان. وتعرّض للأذى من قبل قومه (الكلدانيين)، وكانت سنة بعثته 1900 قبل الميلاد في أور مسقط رأسه.
هاجر إبراهيم عليه السلام من العراق إلى بلاد الشام، ونزل أرض مصر، وعاد إلى الشام ثانية. وقد أسكن زوجته هاجر وولده إسماعيل أرض مكة بواد غير ذي زرع، وبنى مع ولده إسماعيل الكعبة المشرّفة، ثم عادَ إلى بيت المقدس، فبنى المسجد الأقصى بعد بناء المسجد الحرام بأربعين عاماً.
لُقّب إبراهيم الخليل بأبي الأنبياء. وذكر القرآن الكثير من أخباره في آيات متفرقة.
وقد ورد ذكره تسعةً وستين مرَّة في القرآن. ونُقل أنَّ مكان وفاته كان بالخليل.
(6) النبي إسحاق
بُعثَ النبي إسحاق إلى الكنعانيين سنة 1800 قبل الميلاد بمنطقة الخليل بفلسطين. وهو من الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم سبعة عشر مرّة. تُوفي بالخليل، وأُقبرَ فيها.
(7) النبي يعقوب
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، بُعث سنة 1750 قبل الميلاد إلى بني إسرائيل. ومكان بعثته بلاد الشام. وهو من الأنبياء الذين ذكرهم القرآن في ستة عشر موضعاً.
(8) النبي يوسف الصديق
يوسف الصديق ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. بُعث إلى بني إسرائيل حدود عام 1715 قبل الميلاد، وكانت بعثتُه بمصر، ووفاتُه بنابلس (فلسطين). ورد ذكره في سبعة وعشرين موضعاً بالقرآن.
ووردت سورة في القرآن باسمه وهي (سورة يوسف)، وفيها تفصيل عن قصته كاملة مع أخوته، وزوجة ملك مصر.
ويؤثر لنبيّ الله يوسف مقام في مدينة (الهرمل)، وهو مقام جميل تمتدُّ أمامه حديقة ذات أشجار وأعناب، وفيه عائلة قيّمة على المرقد.
داخل المرقد يوجد القبر المنسوب إلى النبيّ يوسف محاطاً بشباك، ويُغطي أرضه السجّاد. وعلى يمين القبر يوجد قبر الشيخ علي بن الشيخ محمد الوشاحي الأسدي المُتوفى سنة 1222هـ، وقبر حفيده الشيخ علي بن الشيخ حسين محفوظ المتوفى سنة 1274هـ.
زرتُ المقام مع حضرة أستاذنا العلاَّمة الدكتور حسين علي محفوظ في 5 جمادى الثانية 1422هـ/24 آب 2001م، وأرقفني على مدافن آبائه في هذا المكان.
وُضعتْ فوق مدافن آل محفوظ لوحة رخامية بيضاء، حُفرت حروفها بالسواد، كُتب عليها: «جنب سرير النبي يوسف عليه السلام سرير، وضريح العالم الفاضل الشيخ علي بن الشيخ محمد الوشاحي الأسدي المتوفى سنة 1222هـ، وحفيده العالم الورع الشيخ علي بن العلاَّمة الشيخ حسين محفوظ المتوفى سنة 1274هـ. رحمة الله عليهم».
وخارج المقام، وُضعت لوحة أخرى فيها بعض المعلومات التاريخية حول صيانة المقام وتجديده، وقد امتدّت إليها يدُ التجديد، فأزالتْ سطرين منها، والنص المكتوب هو كالآتي: «جدّد بناء مقام النبي يوسف عليه السلام مع قبّته المرحوم الحاج كاظم بليبل سنة 1311هـ تقريباً، ثم تولاه المجاهد الشيخ عبدالغني محفوظ بتاريخ سنة 1353 تقريباً حفيد جدّه العالم الفاضل الشيخ علي محفوظ المتوفى سنة 1222هـ، المدفون داخله مع حفيده الشيخ علي محفوظ المتوفى سنة 1274هـ، فصَبَّ سقفه بالباطون، وأصلح جنينته وصونها ـ كذا ـ ، وبنى غرفته مع منافعها.
مقام النبي يوسف (الهرمل 2001م)
جدّد حزب الله سريره بالحديد، وبلّط أرضه مع رواقه، وغلّف جدرانه ودهنها، وغيّر منافذه بالحديد، وفرش أرض المقام بالسجّاد. لا يجوز دفن أو تغسيل الموتى».
(9) إبراهيم بن عبد الله*
إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب. أحد زعماء آل البيت عليهم السلام الذين تولّوا الحكم والسلطة إلاَّ أنَّ تاريخهم حُرّف، ومُلىء بنصوص مُبتدعة.
ذكرت المنقولات أنَّ الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور إستعان بجيوش الري وأفريقيا للقضاء على ثورة محمد ذي النفس الزكية، وأخيه إبراهيم ذي النفس الزكية.
ونقل أنَّ مقتل إبراهيم تمَّ بمنطقة باخمرا القريبة من الكوفة بعد معارك متواصلة سنة 145هـ/762م. كما تمَّ اعتقال والده عبدالله المحض وقتله مع جماعة آخرين من أخوته، وبني عمومته من آل الحسن، وهم: الحسن بن الحسن بن الحسن السبط، وإبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط، وأمهما فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام، وعلي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط، والعباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي يقال له (طباطبا).
وفي دراستنا لمفاصل هذا التاريخ وأحداثه لم نتَّفق مع مثل هذه النصوص المبثوثة في كتب المؤرخين لأنَّها جميعاً نصوص كُتبت في العصور المتأخرة بأقلام المتخصصين من كتَّاب التزوير.
* ترجمة إبراهيم ليست في ضمن السياق العام للموضوع وهو ترجمة للانبياء ولا يتناسب معه إذ أن المذكور إبراهيم بن عبد الله ليس من الأنبياء. وهذا من إضافات الكاتب في مستدركات الدائرة. وقد أبقينا عليها ولم نحذفها حفاظا على السياق والترتيب العام (المدقق والمحقق).
(10) نبي الله شعيب
نبي الله شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل كانت بعثتُه سنة 1550 قبل الميلاد. وعُرف قومه بأصحاب الأيكة، ومكان بعثته مدين، ذكره القرآن في أحد عشر موضعاً.
قيل إنَّ مكان وفاته بمدين.
بُعثَ بعد هود وصالح عليهما السلام، وقُبيل أيام النبي موسى عليه السلام.
قال السمعاني: قبرُه في حطّين بفلسطين، ووافقه النووي.
ذكر القرآن أنَّ قومه بني مدين أكثروا الفساد، وجاءتهم الرسل، فكذّبوا بها. ولُقّبوا بأصحاب الأيكة لأنَّ بعضهم كان يصلي لشجرة.
وصف المؤرخ الشيخ محمد حرز الدين مرقده بقوله: مرقد النبي شعيب قديم البناء بالحجارة القديمة في عشائر الفرات الأوسط بموضع يسمّى «الدغّارة» من توابع «عفك» ضمن لواء الديوانية من المنطقة الوسطى بالعراق.
ويبعد المرقد عن مجرى الفرات حدود الفرسخين، وهو مشهور عندهم، وعليه قبّة بالية، تزوره الناس، وتنذر له النذور)[501](.
(11) النبي دانيال
دانيال: هو النبي الرابع من الأنبياء العبرانيين. ومعنى اسمه قاضي الله، ويُنسب إليه «سِفر دانيال». قيل إنَّه أُسر، ونُقل إلى بابل سنة 606 قبل الميلاد، وبقي حيّاً إلى سنة 534 قبل الميلاد. وله قبرٌ يُزار قرب مدينة الحلّة. ذكر ذلك السيد جواد شبّر الخطيب في كتابه «الضرائح والمزارات»)[502](.
نُقلَ أنَّ وفاته كانت ببيت المقدس (فلسطين)، وقيل في الشوش بخوزستان. وذكر حرز الدين أنَّ مرقده عامرٌ مشيّد، عليه قُبَّة مخروطة الشكل أشبه ببنايات المقابر في العهد السلجوقي. ويجري نهر الشوش مقابل مرقده، ويصدّ بجدرانه، ثم ينحرف قليلاً خلفه وله حَرمٌ أثري التصميم والبناء في جوانبه نقوش وكتابات. ولرسم قبره شباك صنع بأصفهان سنة 1196هـ، وبجنب قبره رواقان، ويحيط بقبرَهُ صحنٌ واسع)[503](.
وينسبُ للنبيّ دانيال كتاب، في علم الرمل بعنوان «الشجرة والثمرة» كُتبَ باللغة اليونانية، وقام بشرحه عثمان بن علي العمري، وعليه شروح عديدة. حكى ذلك الشيخ الطهراني)[504](.
(12) ذو الكفل
ذو الكفل (1500 ـ 1425ق.م): بشر بن أيوب (من ذرية إسحاق بن إبراهيم). بُعثَ سنة 1460 قبل الميلاد بدمشق، وعُرف قومُه بلقب العموريين. نُقلَ أنَّ وفاته كانت بدمشق. وقد ورد ذكره مرتين بالقرآن.
وقيل إنَّ اسمه يهوذا، وهو ابن النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
ويعتبر مشهد ذي الكفل من المزارات المقدّسة التي يشترك فيها المسلمون واليهود على حدّ سواء، وقد تناوب الطرفان على سدانته تبعاً للظروف السياسية التي تحيط بهما. ويُعتبر المسجد الإسلامي ومنارته الأثرية إلى جانب مرقد النبيّ ذي الكفل من الآثار الدينية والتاريخية النادرة.
وقبر ذي الكفل من المزارات المقدّسة عند اليهود يتردّدون إليه للصلاة، والدعوات، خصوصاً أيام رأس السنة، وعيد الكفَّارة. وعندهم هو حزقيال النبي.
وكانت تقام المواسم في المناسبات من قبل الجالية اليهودية بالعراق حتى منتصف القرن العشرين الميلادي حيث هُجّر اليهود العراقيون عن بلادهم بعد احتلال فلسطين وأُخليت القرية منهم. وكان القبر يستقبل الزوّار اليهود كلّ عام في أيام صوم الأسابيع من بعض المناطق في العراق وإيران للاحتفال الديني بهذه المناسبة.
وقرية ذي الكفل بلدة قائمة على ضفة الفرات اليسرى، تبعد ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة الحلّة، وفيها مدفن نبي الله حزقيال المسمَّى بذي الكفل، وتُعرف القرية قديماً باسم (بئر ملاحة) )[505](.
وفي القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي زار المرقد بنيامين التطيلي، ووصفه بقوله: «هناك في صدر الكنيس ستون برجاً، والغرفة التي تقع بين كلّ برج وآخر اتخذت كنيساً. ويستقرّ في فناء أوسع واحد منها ـ الناووس، وهو مدفن حزقيال بن موسى الكوهيني.
هذا الأثر مسقّف بقبّة عظيمة، وبناؤه رائق في الجمال، يُعزى تشييده لبعض ملوك اليهود. ويقع بين نهر الخابور، ونهر آخر. وعلى الجدار وُضع اسم الملك اليهودي وبعض أسماء مرافقيه، كما وُضع اسم حزقيال في آخر الجدار.
وقد اهتَّم السلطان الإيلخاني أولجايتو خان، محمّد خدابندة (703 ـ 716هـ/ 1303 ـ 1316م) بعمارة المشهد فأمر ببناء مسجد ومنارة، ومنبر.
قال حرز الدين: مرقد ذو الكفل في «برملاحة» بقرية القسونات، المعروفة باليوم بقرية الكفل، التابعة إلى الحلّة بالعراق، ويقع منتصف الطريق بين الكوفة والحلّة على الضفة الشرقية للفرات جنب مسجد النخيلة. وله حرمٌ وأروقة سميكة البناء مرتفعة الدعائم، قديمة الإنشاء، تظلّل قبره قبّة قديمة مخروطيّة الشكل.
مرقد نبي الله ذي الكفل
وفي شرقي المسجد منارة قديمة فخمة البناء كانت قائمة سنة 1310هـ/1892م نقشت عليها كتابة كوفية بخط عريض من الحجارة مستديرة على طول المنارة. الموجود منها في الجانب الشرقي الشمالي «أحمد، محمد، علي، حسن، حسين»، وعليها كتابة أخرى مستديرة في رأس ثلثي المنارة بخط عربي في سطرين بينهما خط يطوّق المنارة. وفي بعض جدران المسجد الشمالية تاريخ بنائه القائم، واسم مَنْ بناه. والموجود منه اليوم هذا: «بنى هذا البرج المشيّد أبو الفرج المنصور».
يقول حرز الدين: بنى اليهود جداراً إلى جانب الكتابة هذه، في المسجد، وضيّعوها بين جدارين. والظاهر أنَّ الكتابة لا تزال موجودة لمن أراد التنقيب عنها.
قصة منارة الكفل
حدث نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، نزاع بين الشيعة واليهود في قرية الكفل، حيث ادّعى الشيعة أن مرقد الكفل هو مسجد إسلامي لوجود منبر ومحراب فيه، مضافاً إلى منارة يؤذن عليها، وكان اليهود قد تملكوه، وبنوا فيه بيوتاً وغرفاً يأوي إليها الزائرون.
وقد تفاقم النزاع بين الطرفين، وكان هدف الشيعة طرد اليهود عن قرية الكفل وتخليص المنطقة منهم.
وتصدَّى للمنازلة الشيخ علي خيري (ت: 1320هـ/ 1902م) العالم الديني بالقرية، والوكيل عن مرجعيَّة النجف. فما كان من اليهود إلاَّ وألصقوا به تهمة الفرار من الخدمة العسكرية التركية لدى ولاة الأمور ببغداد، فطُرد الشيخ علي من القرية.
وبعد مدَّة قام الشيعة بإرسال شكوى إلى الأستانة، فأمرت السلطة هناك بفتح ملف التحقيق من جديد، والوقوف على منشأ النزاع، وأسبابه فأُرسل وفدٌ إلى قرية الكفل، وانتهى التحقيق لصالح اليهود حيث قام الوفد بالتقاط صور للمكان، أظهرت معالم المنطقة التي تختصّ باليهود، وغيّبت (المنارة) التي هي رمز المسلمين في ذلك المكان.
وقد أصبحت قصة منارة الكفل مضرب المثل لدى العراقيين بكافة طبقاتهم، واشتهرت اشتهاراً واسعاً فإذا أرادوا أنْ يضربوا مثلاً للشيء الماثل للعيان الذي ينكره الإنسان، وهو نصب عينيه يقولون: «مثل منارة الكفل».
قال الشيخ حرز الدين: «أنكر الوفد أنَّ في المنطقة أثراً إسلامياً، ولم تكن هناك منارة، ولا مسجد النخيلة. وقد صوّر الوفد منظر القرية من خارجها، فظهرت في الصورة منارة المسجد، وقبّة القبر المخروطيَّة. ثم قصّوا المنارة من الصورة الأولى، وصوّروها ثانية، فلم يظهر أثر لمنارة المسجد فيه. فصار التصوير شاهد حال الوفد»)[506](.
(13) النبي يوشع
النبي يوشع بن النون. رُويَ أنَّ الشمس رُدّت عليه)[507](. وقيل: إنَّه وصي النبيّ موسى بن عمران ويوشع أوصى إلى داود النبي.
له قبرٌ يُؤثر في جانب الكرخ من بغداد مشهور. وهو من المزارات التي يقصدها اليهود للزيارة ويُسمَّى عندهم النبي يوشع أو ربن يوشع، أو يوشع كوهين كادول (الكاهن العظيم)، وقبره قرب مدفن الشيخ معروف الكرخي، وجوار المرقد المعروف بمرقد الست زبيدة.
يقول البحَّاثة يوسف غنيمة: وَهمَ مَنْ نسبَ هذا الضريح إلى النبيّ يوشع بن نون آخذاً بقول العامة. فاليهود أنفسهم لم يذهبوا هذا المذهب، وليس من أدلة تاريخية على منشأ هذا المزار، والراقد في ثراه. لهذا يصعب على المؤرّخ إبداء آرائه فيه، وكلّ ما يُقال في هذا الشأن رجم في الغيب. وغاية ما يقول الشعب اليهودي أو المتفقون منهم أنَّ هناك مدفن أحد الصالحين، أو أحد الرؤساء من الكهنة (الكوهينيين)، ولم يعرفوا عنه شيئاً)[508](.
ونُقل أنَّ قبره ببابل في مشهد الشمس، (وهو الموضع الذي قيل إنَّ الشمس رُدت فيه للإمام علي بن أبي طالب للمرّة الثانية)، بحديث منقول عندما أراد الإمام عليه السلام، أن يعبر نهر الفرات مع أصحابه في بابل.
وفي لبنان مشهدٌ منسوب إلى النبيّ يوشع بن نون، وصفه السيد محسن الأمين بقوله: «له مشهد فوق الحولة، عليه قبّة شاهقة. كان يجتمع فيه الألوف من الزوار من العامليين في مواسم الزيارات، لا سيَّما نصف شعبان، ويكثر فيها الدبك والصفق من النساء والرجال، وإطلاق البنادق والضرب على المجوز والشبّاب، وغير ذلك من أنواع اللهو.
والبعض يشتغل بالعبادة من الدعاء والزيارة والصلاة وذكر الله. هذا قبل إلحاقه بفلسطين، وبعدها انقطع ذلك)[509](.
ويقع المزار في قرية تسمّى باسمه، قرية يوشع. وأوّل مَنْ بنى عليه قبّة هو الشيخ ناصيف النصّار لحمد البك، ثم أوصى أنْ يدفن هناك. وعلى قبره قبّة شرقي قبر يوشع. وأرّخ بناءه الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي سنة 1187هـ بأبيات)[510](، منها بيت التاريخ:
وقُلْ عند إهداء السلام مؤرخاً
عليك سلام الله يا ثاوي القبرِ
(14) النبي يونس
النبي يونس بن متى من ذريّة بنيامين بن يعقوب. بُعث بمدينة نينوى بالعراق سنة 780 قبل الميلاد وتوفي بها، ولقّب قومه بالآشوريين. ورد ذكرُه ست مرّات بالقرآن. وهو الذي التقمته الحوت، ثم نبذته)[511](.
مرقد النبي يونس (ع) ـ الموصل
قال المؤرخ الموصلي أحمد بن الخياط المُتوفى سنة 1285هـ/1868م: «هو مدفون في قرية نينوى في بطن الجبل الذي فيه القرية. معلوم مكانه قبل الإسلام. وقد بنى بعض الملوك على متن البيعة مسجداً جامعاً، ووضعَ عليه صندوقاً وقبراً على موازاة ذلك القبر القديم»)[512](.
ثم ذكر أنَّه: قد تواتر النقل بأنَّ قبره الشريف المحترم فيما هو الآن فيه. ووجدنا أمارات كثيرة دالة على صحة ذلك، منها: نزول النور على قبّته الشريفة، ومنها: أنَّ القلوب تخشع، والجلود تقشعر عند مشاهدته.
قال الشيخ حرز الدين: «مرقد يونس بن متى بالعراق في نينوى (الموصل) مشيّد بعمارة قديمة، وعليه قبّة لا تُرى من بعيد لانخفاضها، وإلى جنبه رواق للزائرين».
ثم قال: «روى بعض أصحابنا أنَّ قبر يونس عليه السلام عند الغري الأقدس بستة عشر فرسخاً قريب من الفرات»)[513](. مشيراً فيه إلى قول السيد مهدي القزويني في تعيين قبره.
ونينوى اسم يشترك فيه أكثر من مكان، قيل إنَّها إحدى القرى التي كانت بالطفّ من سواد الكوفة، وموقعها شرقي بلدة كربلاء قريبة من نهر الفرات، وقد درست الآن)[514](.
وذكر سيد الخطباء البحَّاثة الشهيد السيد جواد شُبّر المقتول في سجون العراق سنة 1402هـ/1982م في كتابه المخطوط «الضرائح والمزارات»: «مقام النبي يونس على شاطى الفرات بالكوفة في المسجد المعروف بمسجد الحمراء. اشتهر بين الناس أنَّه موضع دفن يونس النبي. ذكره المحدّث القمي في مفاتيح الجنان، ولكن اعترف المجلسي أنَّه لم يثبت دفنه هناك. وذكر السيد مهدي القزويني في «فلك النجاة»، والبراقي في «تاريخ الكوفة» أنَّه الموضع الذي نبذته هناك الحوت. وأمَّا قبره فمعروفٌ بالموصل». (انتهى كلامه رفع الله بالخلد مقامه) )[515](.
وذكر المحقق السيد عبدالرزاق كمّونة تعليقاً على نصّ السيد مهدي القزويني ما نصّه: إنَّ المشهد الذي في الكوفة المنسوب إلى يونس بن متى قديم منذ عهد تمصير الكوفة. ففي بداية القرن السادس للهجرة كان مشهده مدرسةً بالكوفة حوت مجموعة من الأساتذة ممن أحدث نهضة دينيّة)[516](.
ويروى معتضداً بالأثر أنَّ المشهد والمقام الذي في الكوفة على شريعة نهر الفرات (مما يقرب من مسجد الكوفة حدود ربع فرسخ شمالاً) ـ هو الموضع الذي ألقته فيه الحوت، وأنبتَ الله عليه شجرةً من يقطين تظلّلهُ عن حرارة الشمس.
وإلى جنب مقام يونس في الكوفة مسجد الحمراء، ويعرف بمسجد النبي يونس، وهو أحد المساجد الخمسة المباركة في الكوفة)[517](.
نقل لي الشيخ أسعد كاشف الغطاء أنَّ المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي انتدب جماعةً لترميم المقام والمسجد وإعادة بنائه من جديد. وقد تمَّ هدم المقام والمسجد نهاية سنة 1409هـ/1989م بشكل كامل، ولم يُبنَ حتى يومنا هذا.
ولا تخفى خسارة هذا التراث الفخم، بمثل هذا العمل.
مشهد النبي يونس بين كفرا والجيّة
للنبيّ يونس مشهد في (كفرا) بلبنان، وله مقام وقبّة. نقل الشيخ إبراهيم آل سليمان عن بعض العلماء أنَّه قال: «نذرُهُ لا يخطىء»)[518](.
وفي منطقة الجيّة التابعة لقضاء ساحل إقليم الخرّوب من الشوف، والتي تبعد عن بيروت مسافة ثلاثة وثلاثين كيلومتراً كشفت الحفريات عن حيٍّ روماني تبلغُ مساحته أربعة آلاف متر مربع، يحتوي على ثروة أثرية كبيرة.
وكانت هذه الأرض تعود لبعض المستثمرين عندما استحصل رخصة لتحويلها إلى أرض زراعية. وعندما باشر العمل بدت المكامن الأثرية بالظهور.
وقد تمَّ العثور على قطعة فسيفساء طولها ثمانية أمتار، وعرضها ستة، (مساحتها الكلية تبلغ ثمانية وأربعين متراً مربعاً) تمثل النبي يونس خارجاً من بطن الحوت، كما وردت قصته في التوراة. وقد أكّد خبير الآثار السيد أحمد نصر الله أنَّ الموزاييك هذا يمثّل النبي يونس. مستنداً على أنَّ الصورة تُظهر الرجل خارجاً من بطن الحوت، وكذلك المنطقة التي وُجدت فيها القطعة الأثرية تقع على بُعد مائة متر عن مقام النبي يونس. ويُعتقد أنَّها كانت تشكّل أرضية لمركز عبادة، لوجود بلاطة على مدخل المكان الذي كان الناس يدخلونه حُفاةً. وهذا دليل على قداسة المكان.
ويقدّر أنَّ عمر هذه القطعة الأثرية يرجع إلى حدود ألفي عام باعتبار أنَّ القطع النقدية البرونزية التي وُجدت معها، تعود إلى نهاية العهد الروماني.
وذكر الدكتور أنيس فريحة أنَّ لفظ يونس من الألفاظ العربيّة المنقولة من الفعل المضارع (يؤنس)، وهو تعريف لاسم النبي يونان، الذي ابتلعه الحوت ثلاثة أيام، ثم لفظهُ على هذا الشاطىء، ويوجد تقليد لدى سائر البلدان الواقعة شرق البحر المتوسط، مفاده أنَّ الحوت أطلق النبي يونس على شاطىء كلّ منها، لكنَّ التسمية كانت من حظ الشاطىء اللبناني.
ويبدو أنَّ فريحة عندما وضع هذا النصّ لم يكن قد تمَّ اكتشاف معبد النبي يونس في منطقة الجيّة)[519](.
(15) النبي أيوب
النبي أيوب من ذرية إبراهيم الخليل، عاش بين سنة 1540 ـ 1420 قبل الميلاد. وكانت بعثتُه حدود عام 1500 قبل ميلاد السيد المسيح. وعُرف قومُهُ باسم (العموريين)، وكانت بعثته في بلاد الشام (أرض حوران)، وقد ذُكر في القرآن الكريم أربع مرَّات. قيل إنَّ مكان وفاته بأرض حوران.
قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَّنِيَ الضُّرُّ})[520](.
قال حرز الدين: يُعرفُ مرقدُه بمرقد النبي أيوب بالقرب من أرض الرازنجيّة على يمين الذاهب من الكوفة إلى الحلّة (يبعد أربع فراسخ عن بابل في الجانب الشرقي للفرات. فهو يقع إذن شرقي الحلّة وغربي قرية الكفل).
علّق الشيخ حرز الدين على قول العلاَّمة القزويني: «الأصح إنَّه مقامه الذي أجاب الله فيه دعوته» ـ بقوله: يقع هذا المقام المنسوب إلى أيوب ضمن ناحيّة القاسم قرب نهر الجربوعيّة)[521](.
(16) موسى بن عمران
موسى بن عمران (من ذرية يعقوب بن إسحاق)، أحد الأنبياء الخمسة من أولي العزم. بُعث سنة 1450 قبل الميلاد إلى الفراعنة، وبني إسرائيل. ومكان بعثته مصر.
جاء بالتوراة، الكتاب المقدس، وهو كليم الله. تُوفي بأرض التيه كما أُشتهر ذلك.
بعثه الله رسولاً بشريعة بني إسرائيل، وقد أنقذته آسيا امرأة فرعون من القتل الذي كان قد قرّره فرعون مصر لكلّ أطفال أمته. وهجر موسى مصرَ إلى مدين، واتصل بشعيب، وتزوج ابنته وأقام عند شعيب عشر سنين، قبل أن يُبعث نبيّاً. وقد جاء ذكره كثيراً في القرآن الكريم في مائة وستة وثلاثين موضعاً.
ويُستفاد من بعض الأخبار، بل جُلّها أنّه تُوفي في التيه. وسُئل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم عن قبره فقال: «عند الطريق الأعظم عند الكثيب الأحمر»، (كما نُسب ذلك للعلاَّمة المجلسي في بحار الأنوار، المجلّد الثالث عشر) وهذا الحديث المنسوب إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لا يقال فيه سوى أنَّه أشبه ما يكون بالأحاديث التي لا تُوصل قارئها إلى نتيجة لإبهامه أولاً، وعدم الوصول إلى هدف منه ثانياً. وتكثر مثل هذه المنقولات الرديئة في كتب التاريخ بشراهة بالغة، وهي جزء من مشروع تهشيم التاريخ الإسلامي، وإخفاء معالمه الواقعية.
وفي قرية (القدس) قبرٌ معروف أنه قبر موسى بن عمران، وهو الآنَ يُزار من قبل الناس عامة.
وذكر الهروي أنَّ بمدينة دمشق يوجد مشهد الأقدام به آثار أقدام في الصخر، يُقال إنَّها أقدام الأنبياء، ويُقال إنَّ القبر الذي به قبر موسى بن عمران، وليس بصحيح، والصحيح أنَّ قبره لا يُعرف)[522](.
ويوجد مشهد هارون في (خرطوم) من ساحل صيدا، منسوب لهارون أخي موسى عليه السلام، تزوره اليهود، كما حكاه السيد محسن الأمين العاملي)[523](.
(17) النبي داود
النبي داود (من ذرية يهوذا بن يعقوب) بُعث إلى بني إسرائيل عام 1010 قبل ميلاد السيد المسيح، ومكان بعثته فلسطين. ورد ذكره في ستة عشر موضعاً بالقرآن الكريم. تُوفي ببيت المقدس حيث مدفنه هناك. وقد عُرف بالحكمة.
(18) النبي سليمان
سليمان ابن النبي داود، من أنبياء بني إسرائيل، بُعث بفلسطين سنة 970 قبل ميلاد السيد المسيح، وورد ذكره في (17) موضعاً بالقرآن. وقد عُرف أنَّه ورث المُلك عن أبيه فكان نبيّاً ملكاً، وعلّمه الله منطق الطير، وسخّر الرياح والجنّ. وقصته مع أميرة سبأ معروفة.
أورد الحموي أنَّ قبر سليمان في بيت لحم. كما ذكر في موضع آخر أنَّ في بحيرة طبرية حجراً ناتئاً يُزعمُ أنَّه قبر سليمان بن داود (؟!))[524](.
ولسليمان مرقد مشيّد في جنوب العراق بمنطقة (الدير) في الجزيرة بين البصرة والقرنة، وهو إلى البصرة أقرب. يقول حرز الدين: في عصرنا عليه قبّة صغيرة قديمة جدّاً)[525](.
ونقل أنَّ النبيّ سليمان تُوفي وهو متكىء على عصاه في محرابه ببيت المقدس، أو في قصره.
(19) النبي زكريّا
النبي زكريا من ذريّة النبيّ سليمان، من أنبياء بني إسرائيل بُعثَ بمدينة فلسطين السنة الثانية للميلاد. ذكره القرآن في ثمانية مواضع. وهو الذي أشارت إليه الآية بأنَّ رأسه اشتعل شيباً، وطلب من ربّه ولداً يعينه على شيخوخته. تُوفي ببلاد الشام.
(20) يحيى بن زكريا
يحيى بن زكريا، من أنبياء بني إسرائيل بُعث بفلسطين سنة 28 للميلاد، وتُوفي بدمشق وورد ذكره في القرآن الكريم أربع مرَّات.
(21) يوحنا الديملجي*
يوحنا الديملجي من حواريي النبي عيسى عليه السلام
*[ليس المذكور من انبياء الله ولم يرد اسمه معهم ولا يتناسب مع سياق الموضوع الذي هو ترجمة للانبياء وهذا من إضافات الكاتب، وقد ابقينا عليها ولم نحذفها حفاظا على السياق والترتيب العام (المدقق والمحقق)].
جودت القزويني
تطور الألقاب والرتب الدينية للفقهاء
أول من لُقّب «آية الله» هو الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، ولم يُعرف أحد سواه بهذا اللقب طوال قرون عديدة.
ولُقّب بلقب آية الله بعد العلاَّمة الحلّي، المحدّث الشيخ محمد باقر المجلسي المُتوفى سنة 1111هـ/ 1699م، بسبب مواقفه في مجابهة الحركة الصوفية التي تسرّبت إلى الفكر الشيعي. كما لُقّب بنفس اللقب الشيخ محمد باقر بن أكمل البهبهاني المعروف بالوحيد المُتوفى سنة 1205هـ/1791م لتصديه للحركة الأخبارية الناشطة في مُدن العتبات المقدسة الشيعية بالعراق، وتمكَّنه من حدّ نشاطها.
وقد بدأ إطلاق هذا اللقب مرة أخرى على فقهاء آخرين في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي في خصم الصراع بين الفقهاء الأصوليين، ونظرائهم من الفقهاء الأخباريين.
استمر إطلاق لقب «آية الله» على الفقهاء المتصدين للتيارات الفكرية والسياسية المناوئة للنشاط الديني. ويتجلّى ذلك في صراع الفقهاء مع الحركة البهائية في إيران، ومقاومتهم السلطة القاجارية في حادثة (التنباك) بقيادة السيد محمد حسن الشيرازي (ت:1312هـ/ 1894م)، ومطالبتهم بالحركة الدستورية في صراع المشروطة والمستبدة بقيادة الشيخ محمد كاظم الخراساني (ت: 1329هـ/1911م)، ثم مقاومتهم للجيوش البريطانية بالعراق، وإفتاء الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت: 1338هـ/1920م)، والشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة (ت: 1339هـ/1920م) بالمواجهة المسلحة ضدهم. وقد لُقّب كلٌّ من هؤلاء الفقهاء بلقب «آية الله».
ثم أُستخدم اللقب على الفقهاء غير المتصدّين للعمل السياسي، أو المعلنين معارضتهم للأنظمة التي يختلفون معها.
كما أُطلق اللقب على الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي (ت: 1340هـ/1922م) الذي جدّد النشاط العلمي في مركز مدينة (قم) حتى اقترن تأسيسه به.
وفي بداية القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي كان لقب «حجة الإسلام والمسلمين، آية الله في العالمين» يطلق على المرجع الأعلى بشكل خاص.
وبعد استقلال السيد حسين البروجردي (ت: 1380هـ/1961م) بالزعامة الدينية في مدينة (قم) أُطلق عليه لقب «آية الله العظمى»، تمييزاً له عمن يحمل لقب آية الله. وقد أصبح لقب «آية الله العظمى» مختصّاً بالمجتهدين المتصدّرين للمرجعية الدينية العليا بعده.
وفي خضمّ الصراع الديني، الذي كان الإمام السيد محسن الحكيم (ت: 1390هـ/1970م) واجهةً له، مع التيّار الشيوعي الذي غزا العراق، وظهر مؤثراً أوائل الستينات الميلادية، أُطلقَ لقب «المرجع الأعلى» على الإمام الحكيم كلقب سياسي في المنشورات التي كانت تُصدرُها جماعة العلماء بالنجف. إلاَّ أنَّ هذا اللقب لم ينسحب على أحدٍ من الفقهاء المعاصرين له، أو الذين جاؤوا بعده.
وفي إبّان اندلاع أحداث الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1398هـ/1978م، اختص لقب «آية الله»، إعلامياً، بقائد الثورة السيد روح الله الخميني بسبب مواجهته السياسية مع النظام الملكي الإيراني. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1399هـ/ 1979م أُطلق على قائد الثورة رسمياً ـ ومن قبل أجهزة الدولة ـ لقب «الإمام» دون غيره من المراجع الدينيين.
أمّا الألقاب المستخدمة حسب تدرّجها فهي:
1 ـ ثقة الإسلام: يستخدم لطلاب المرحلة الأولى من الدراسات (مرحلة المقدمات).
2 ـ حجة الإسلام: يستخدم لمدرسي المرحلة الأولى.
3 ـ حجة الإسلام والمسلمين: يستخدم للطلاب الذين أنهوا شطراً كبيراً من دراسة (مرحلة الخارج).
4 ـ آية الله: يستخدم لأساتذة البحث الخارج، المجتهدين، الذين هم في طريقهم إلى المرجعية.
5 ـ آية الله العظمى: يستخدم لمراجع التقليد ممن لهم أتباع يرجعون إليهم، ولهم رسالة عملية متداولة تعبّر عن آرائهم الفقهية.
أما ما يتعلّق بلقب (العلاَّمة)، ففي عُرف الفقهاء أنه اختص به الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلّي أيضاً، وأصبح يعرف به دون سواه.
أما في العصر الحاضر ففي إيران بقي هذا اللقب محتفظاً بخصوصيته، ولم يحظ به إلاَّ أشخاص قلائل، منهم: مُفسّر القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي المُتوى سنة 1402هـ/1981م، في حين أنَّ العُرف السائد بين علماء العراق، ولبنان في استخدام هذا اللقب أصبح شاملاً على طبقة الروحانيين، دون التمييز في مراتب دراستهم العلمية.
وفي التراث الشيعي اختص لقب «ثقة الإسلام» بالمحدث الشيخ محمد بن يعقوب الكليني. أما لقب «حجة الإسلام» فقد عرف به ـ أول مَنْ عُرف من الفقهاء ـ الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي المتوفى سنة 940هـ/1543م بعدما لقّبه به الشاه طهماسب الصفوي)[526](.
د. جودت القزويني
تفسير
بيان السعادة في مقامات العبادة
للعارف الشهيد السلطان محمد الجنابذي
الملقب بسلطان علي شاه
جولدزيهر في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»
من الحري في بداية هذا البحث أن أُشير إلى المستشرق جولدزيهر في تعيين أول تفسير شيعي حيث يقول: «من القرن الثالث إلى القرن الرابع الهجري، وربما كان أقدمها هو كتاب (بيان السعادة في مقام العبادة) للسلطان محمد بن حجر البجختي الذي أرخ الانتهاء عن عمله بسنة 311هـ 932م، وقد ظهر مطبوعاً في طهران سنة 1314هـ».
يعتقد المستشرق إنّ أول تفسير شيعي بالمأثور هو هذا الكتاب، فإني أراه لم يَرَ هذا التفسير قط، إذ أنه أخطأ ألف سنة في تاريخ تأليف هذا التفسير، فالمفسر قد انتهى من تأليفه سنة 1311هـ لا سنة 311هـ وهو السلطان محمد الجنابذي لا السلطان محمد بن حجر البجختي، وإن هذا التفسير هو تفسير صوفي شيعي لا تفسير شيعي بالمأثور، وظني إن مثل هذه الأخطاء ليست قليلة في أبحاث علماء العالم حول الشيعة.
لم يعثر الذهبي على ترجمة للمؤلف
يقول الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» (مؤلف هذا التفسير هو السلطان محمد بن حيدر الجنابذي الخراساني أحد متطرفي الإمامية الاثني عشرية في القرن الرابع عشر الهجري، لم نقف له على ترجمة أكثر من هذا).
وهذا لعدم وجود ترجمة باللغة العربية لمفسرنا الجنابذي، وأما ترجمته باللغة الفارسية فهي كثيرة، منها كتاب «نابغه علم وعرفان» وفيه ترجمة كاملة له ولعقائده وسلسلته الصوفية. وأما ترجمته باللغة العربية فقد جاءت جديداً في طبعات التفسير الجديدة فمن أراد فليراجعها.
حياته
كانت ولادته على ما كتبه والده المرحوم المولى حيدر محمد بخطه في ظهر القرآن الكريم الموجود صورته الفتوغرافية في كتاب «نابغه علم وعرفان» في الثامن والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (1251هـ). فقد أباه وهو في الثالثة من عمره، فتولاّه أخوه المولى محمد علي. بادر في حداثة سِنّه بتعلم القرآن، ثم سافر إلى مدينة مشهد طلباً للعلوم الأدبية ثم إلى النجف الأشرف لأخذ العلوم الدينية ثم إلى مدينة سبزوار لأخذ العلوم العقلية من الحكيم الشهير الحاج ملاّ هادي السبزواري، وهنا أدركته جذبة من جذبات الحق فترك سبزوار متوجهاً إلى أصفهان طالباً مقصوده فالتقى بالعارف الشهير الحاج محمد كاظم الملقب بسعادة علي شاه فتلقى الأذكار القلبية منه ودخل في سلك الصوفية وفي السلسلة المشهورة بـ (النعمة الإلهية)، وفي العودة من أصفهان تزوج ابنة الحاج ملاّ علي البيدختي حيث أمره مرشده بإطاعة أمر أُمّه في الزواج، وبعد مدة قليلة تهيجت أشواقه لزيارة شيخه مرة ثانية، فسافر إلى أصفهان، وفي سنة (1284هـ) مُنِحَ درجة شيخ أي إجازة الإرشاد وتلقين الأذكار القلبية والأوراد المأثورة ولقب بـ (سلطان علي شاه) وفي سنة (1293هـ) تُوفي شيخُهُ وبوفاة الشيخ انقسمت السلسلة إلى سلاسل متعددة، فترأس سلطان علي شاه السلطة الجنابذية وأصبح قطبها ومؤسسها، فاستقر في قرية (بيدخت) في ضواحي مدينة (جنابذ) الواقعة في مقاطعة خراسان، وفي سنة (1305هـ) حج بيت الله الحرام وزار العتبات المقدسة في العراق والتقى بكثير من العلماء كالحاج ميرزا حسن الشيرازي وفي ليلة السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (1327هـ) تُوفي مخنوقاً غريقاً فدفن في (بيدخت).
ولهذه السلسلة (الجنابذية) آدابها ورسومها في حلقات الذكر العملي ولها اعتقاداتها الخاصة بها أيضاً لها زوايا وتكايا كثيرة منتشرة في جميع بلاد إيران، وهنا نترك الكلام حول هذا الموضوع مخافة الإطالة والخروج عن مادة البحث.
أقطاب هذه السلسلة
انشعبت السلسلة الجنابذية من السلسلة «النعمة الإلهية» بعد وفاة سعادة علي شاه فترأسها سلطان علي شاه وسميت باسمه (الجنابذية) وبعد وفاة سلطان علي شاه استخلفه ولده الملقب بنور علي شاه الثاني وبعد وفاته سنة (1337هـ) استخلفه سليله الملقب بصالح علي شاه ثم استخلفه ابنه سلطان حسين تابنده الملقب برضا علي شاه ثم استخلفه ابنه الملقب بمحبوب علي شاه، ثم استخلفه عمه القطب الحالي لهذه السلسلة الملقب بتابندة والسلسلة هذه هي من أكبر السلاسل الصوفية الشيعية عدداً في إيران، ولها آدابها الخاصة ومن أهمها اختصاصهم بحالة البسط دون القبض المصطلح عند الصوفية، وذلك لتركهم الانزواء المنتج للقبض ومعاشرة الناس المنتج للبسط.
مؤلفاته
للجنابذي مؤلفات باللغتين العربية والفارسية، والمشهور منها باللغة العربية هو الإيضاح، وبيان السعادة في مقامات العبادة، وبالفارسية، سعادتنامه، مجمع السعادة، ولايتنامه، بشارة المؤمنين وتنبيه النائمين.
ولما كان المؤلف شديد العلاقة بشيخه سعادة علي شاه سمى ثلاثة من مؤلفاته باسمه وهي سعادتنامه، بيان السعادة، مجمع السعادة.
طبعات التفسير
طبع للمرة الأولى سنة (1314هـ) بنفقة الحاج محمد حسن خطيب الطهراني وميرزا محمد حسين خان سر رشته دار الأصفهاني وغلام رضا خان مصدق السلطان المشهدي في مجلد واحد كبير. وطبع للمرة الثانية سنة (1385هـ) في مطبعة (دانشگاه تهران ـ جامعة طهران) في أربعة مجلدات كبيرة.
مراجع التفسير في بيان السعادة
نرى في خطبة الكتاب، أنّ المفسر يذكر مراجعه في التفسير والحديث بشكل يكاد يختفي على من لا بصيرة له بأسلوب البيان بين هؤلاء القوم، فيقول في خطبة التفسير بعد الحمد والثناء على الله: (… والصلاة والسلام على ملائكته وأنبيائه ورسله خصوصاً على من أنزل عليه القرآن، الذي هو مجمع البحرين للوجوب والإمكان، ومجمع البيان لكل ذكر وكتاب وتبيان، الصافي عن كلّ مين وخلف وارتياب، والوافي بكل وعد في خير وصواب والشافي لكلّ مرض وعناء في النفوس والأجسام، والكافي للبصير عن كل كتاب وخطاب وكلام،…)، فها هو يذكر مراجعه بشكل ظريف، مجمع البحرين في اللغة، مجمع البيان والتبيان والصافي في التفسير، الوافي والشافي والكافي في الحديث.
وبالإضافة إلى هذه المراجع، نراه يستشهد في الأبحاث الفلسفية والعرفانية بالأشعار الفارسية للشاعر الشهير والعارف الكبير مؤسس السلسلة المولوية المولى جلال الدين الرومي المولوي.
منهجه في التفسير
لهذا التفسير مقدمة جعلها المفسّر في أربعة عشر فصلاً ولعلّه جعلها أربعة عشر فصلاً تيمّناً بالأربعة عشر المعصومين عليهم السلام، يذكر المفسر في هذه الفصول مجموعة من علوم القرآن على طريقة صوفية الشيعة وعلى سبيل المثال أنقل قسماً من الفصل الثاني من هذه المقدمة وهي في العلم والجهل، فيقول: «اعلم أن الإنسان واقع بين داري الرحمن والشيطان، ولنفسه وجه إلى الله ويقال له وجه الربّ ووجه إلى الشيطان ويقال له وجه النفس أي أنانيته، ولا يكون رؤية الوجود من النفس ونسبته إليها إلاَّ بهذا الوجه، وهذان الوجهان للنفس هما الآخرة والدنيا اللتان هما الضرتان، والإقبال إلى كلّ أضرار بالأخرى، وهما العقل والجهل في العالم الصغير، ويطلق العقل والجهل على مدركاتهم أيضاً، وسعة كلّ من الوجهين بزيادة مدركاته وسعتها، لأنّ فعلية الإنسان بفعلية مدركاته، فكلما ازداد المدركات الجهلية ازدادت الأنانية وضعفت الوجهة الربانية، وكلما ازداد المدركات العقلانية قويت الوجهة الربانية وضعفت الوجهة الجهلانية والأنانية، وكلما ازدادت الجهالات في الإنسان ازداد فيه تصرف الشيطان بل لا تكون تلك المدركات إلاَّ بإمداد الشيطان وإفاضته، فهي في الحقيقة فضلاته على وجه النفي، فالإنسان إن لم يكن ذا وجه إلى الربّ كأن لا محالة ذا وجه إلى الشيطان وكانت صفحة نفسه بتصرف الشيطان فيلقي عليها ما يشاء بحسب استعدادها…».
كما ولهذا التفسير أمور مختصة به قلَّ ما توجد في غيره من التفاسير منها:
1 ـ ربط الآيات وجعل الآيات اللاّحقة مربوطة بالسابقة والحال إن جمع الآيات لم يكن بترتيب نزولها بل المشهور هو الاجتهاد في ترتيب الآيات، والمؤلف أيضاً قائل به، ولكنّه مع ذلك يقول إنّ تآلف الآيات القرآنية وجمعها بالترتيب الموجود بين الدفتين دليل على أنّ العلم الإلهي والإرادة الأزلية قد تعلقتا بجمعها كذلك، كما قال الله تعالى شأنه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} وعلى هذا ربط المؤلف أكثر الآيات بسابقها وذكر وجه الربط وإن لم تكن مربوطة في ظاهر المعنى والمفهوم.
2 ـ تفسير جميع الآيات المرتبطة بالعقائد والإيمان والكفر، بالإيمان والكفر بالولاية، والاهتمام التام بشأن ولاية علي عليه السلام والأئمة المعصومين من ولده، وإنّ الإيمان بالله عين الإيمان بالولاية، والكفر بها مستلزم للكفر به» وفي هذا أيضاً استند إلى الآخبار النبوية المتفق عليها لدى الفريقين والأحاديث المروية عن الأئمة عليهم السلام، وهذا النظر وإن كان في الظاهر غلواً حتى زعم بعض أهل اللجاج أنّ هذه العقيدة من الغُلاة والشيعة منهم، ولكنها ليست كذلك، بل مستندة إلى الأخبار وإلى الدليل العقلي، لأنّ الولي في اصطلاح الأخبار ولدى العرفاء أي الأولى بالتصرف كما قال تعالى شأنه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ}.
وقال عزَّ وجلَّ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}.
وهذا المعنى أيضاً حقيقة مشككة ذات مراتب متفاوتة باختلاف المظاهر الكاملة في كل زمان ويشمل جميع الأنبياء والأولياء والكُمَّل المطاعين في كلّ زمان وهم بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الأئمة المعصومون عليهم السلام والمرتبة العليا من هذه الحقيقة متحدة مع مقام المشيئة والواحدية وتجلّي الأسماء والصفات ومقام الجامعية المسماة بالله والفيض المقدس الذي كان محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وبعده علي عليه السلام مظهراً تاماً ومرآة له، وهذه المرتبة محيطة بما سوى الله فكذلك مظهره التام وهو الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم وبعده خلفاؤه وأوصياؤه المعصومون، فكما يكون الإيمان والكفر في المقام العالي منتسباً إلى هذه المرتبة كذلك في مقام المظهر والمرآة. والإيمان بالمظهر إيمان بالظاهر والكفر به كفر به، والأخبار أيضاً دالة عليه بل يمكن أن نقول هو من أُصول الشيعة.
3 ـ تحقيق وجود الجن وإثبات وجوده ببيان فلسفي عرفاني مليح.
4 ـ رأي المفسر بطهارة أهل الكتاب وترجيحه القول بالنجاسة العرضية عند تفسير الآية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوُتواْ الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ…}.
5 ـ القول باختصاص حلّية عقد الكتابية بالتمتع والانقطاع وعدم جواز نكاحها بالعقد الدائم وذلك عند تفسير الآية {… إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.
6 ـ تحريم السفر في يوم الجمعة على من كانت المسافة بينه وبين مجتمع الناس للجمعة أقل من فرسخين أو بقدر فرسخين، بل لزوم ترك البيع فيه استناداً إلى الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ…} وللمفسر كثير من الإشارات والتأويلات والرموز العرفانية كتفسير الصدّ عن سبيل الله بالصدّ عن سبيل الولاية، وغيرها من التأويلات وهي مستندة غالباً إلى الأحاديث الشيعية أو إلى البرهان العقلي الفلسفي، ونحن نكتفي بنقل أهمها على سبيل المثال. تفسيره للمساجد في الآية {… وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ…}:
يقول المفسر إنّ المساجد الحقيقيّة هي الصدور المنشرحة المستنيرة ويقصد بها أولياء الله فيقول: «والمساجد جمع المسجد وهو محل السجود وهو غاية الخضوع فتمام الأرض مسجد بهذا المعنى لأن جملة ما فيها ليس لها إلاَّ التذلل فجملة وجه الأرض محلل لتذلل ما فيها وقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً لشهوده صلَّى الله عليه وآله وسلم سجود الكلّ في كلّ الأرض وبهذا المعنى صارت الصدور المنشرحة بنور الإسلام والقلوب المستنيرة بنور الإيمان مساجد حقيقية لسجود كل ما فيهما وتذللهما حقيقة، وامتياز المساجد الصورية من بين بقاع الأرض باسم المسجد واسم بيت الله ليس لهذا المعنى ولا خصوص البقعة ولا خصوص اللبنة والطين والجصّ وسائر آلات البناء، ولا خصوص البنا والعملة وإلاَّ لشاركها في هذا كلما شاركها في هذه بل الامتياز بنية الواقف لأن الواقف إذا كانت نيته صحيحة خالصة لوجه الله غير مشوبة بأغراض النفس صار صدره منشرحاً وقلبه مستنيراً وصارا مسجدين لله وبتوجيهه إلى تلك البقعة تصير البقعة مستنيرة وتمتاز بالمسجدية وبكونها بيت الله، فإذا صار الإنسان متمكناً في ذلك الانشراح والاستنارة صار مسجداً وبيتاً لله على الإطلاق، وإن لم يكن متمكناً فيها كان مسجداً وبيتاً لله وقت الاتصاف بهما. وكلما ازداد واشتدّ الاتصاف به ازدادت واشتدت المسجدية والبيتية لله، وكلما اشتدت مسجديته لله اشتدت مسجديه ما بناه لله، فالمساجد حقيقية والبيوت التي أذِنَ الله أن تُرفَع هي الصدور والقلوب المنشرحة المستنيرة وبعدها أصحاب تلك الصدور والقلوب، وأما المساجد الصورية فهي مساجد حقيقة باعتبار المعنى الأول الذي به تكون جملة بقاع الأرض مساجد لكن امتيازها عن سائر بقاع الأرض باسم المسجدة فليس إلاَّ بتوجه المساجد الحقيقية التي هم الواقفون لها ولذلك فسروا ـ أي الأئمة ـ المساجد والبيوت التي أذن الله أن ترفع في أخبار كثيرة بأنفسهم…» وإني لأظن أنّ من لا خبرة له بالإشارة والرموز العرفانية لا يستطيع فهم هذا التفسير، بل على القارىء أن يكون له إلمام بهذه الرموز والإحاطة بالأحاديث الشيعية للاستفادة من هذا التفسير، فهو تفسير عرفاني مشحون بالأبحاث العرفانية والبراهين العقلية الفلسفية مستندة بالأحاديث المروية عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.
علم القرآن جميعه عند محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام
يعتقد المؤلف ـ كما يعتقد جميع الشيعة ـ إنَّ علم القرآن جميعه عند النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، وذلك لأنّ القرآن هو شرح لدرجات الوجود بأجمعها والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام هم الذين قد جمعت فيهم جميع هذه الدرجات، ففي الحقيقة علم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بالقرآن هو علمهم بأنفسهم ودرجاتهم، وأما من عداهم فعلمهم بمعاني القرآن قاصر لا يبلغ المبلغ الذي خصَّ به النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام وذلك، في نظر المفسر، راجع إلى تفاوت المقامات التي يتفاوت العلم بتفاوتها فيقول المؤلف في هذا المجال في الفصل العاشر من مقدمته ما نصه: «قد مضى أنَّ بطون القرآن وحقائقه كثيرة متعددة وأنّ بطنه الأعلى وحقيقته العُليا هو محمدية محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وعلوية عليّ عليه السلام وهو مقام المشيئة التي هي فوق الإمكان وكلّ نبي ووصي كان لا يتجاوز مقامه إلى مكان سوى محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه ومن لم يبلغ إلى مقام المشيئة لا يعلم ما فيه ولا يبين من ذلك المقام شيئاً، لأن المفسر لا يتجاوز في تفسيره حد نفسه فكل من علم من القرآن شيئاً أو فسر منه شيئاً وإن بلغ ما بلغ من المقامات لا يكون علمه وتفسيره بالنسبة إلى علم القرآن إلاَّ كقطرة من بحر محيط، فإن حقيقة القرآن التي هي حقيقة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام هي مقام الإطلاق الذي لا نهاية له، والممكن وإن كان أشرف الممكنات الذي هو العقل الكلّي يكون محدوداً ولا يتصور النسبة بين المحدود وغير المتناهي الغير المحدود، فعلم كلّ عالم ومفسر للقرآن بالنسبة إلى علم القرآن كقطرة إلى البحار، ولما كان مقام محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وأولاده المعصومين مقام المشيئة كان علم القرآن كلّه عندهم وكان علي عليه السلام هو مَن عنده علم الكتاب كما في الولاية بإضافة العلم إلى الكتاب المفيد للاستغراق… وكان إبراهيم عليه السلام ابتلاه ربّه بكلماتٍ محدودةٍ لا بجملة الكلمات مع أنه كان أكمل الأنبياء بعد نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم وكان محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم يؤمن بالله وكلماته جميعاً كما في قوله تعالى: {آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فإن الكلمات جمع مضاف مفيد للاستغراق وليس المراد به الإيمان الإجمالي وإلاَّ لشارَكَهُ غيره فيه بل الإيمان التفصيلي، والإيمان التفصيلي لا يكون إلاَّ بإدراك المؤمن به شهوداً أو عياناً).
فضيلة الصلاة على النبي
صلَّى الله عليه وآله وسلم
يعتقد المفسر بأن لجميع الرسل والأنبياء مراتب ودرجات من مقام النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الكامل فلهذا كلّ من بايع الرسل والأنبياء من الأمم السالفة في الحقيقة قد بايع نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم وحقيقة صلاة كل سالك هو التذكر والتوجه إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وجعل صورة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو شيخه نصب عينه في كلّ عبادة بل في كلّ آن ولحظة وغاية كلّ سالك في شتى عباداته ظهور صورة الشيخ أو النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم واتصاله حالاً مع روحانية النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو شيخه إلاَّ أنَّ هناك خلاف بين من يرى من السلاسل الصوفية أن غاية السالك في عباداته اتصاله روحياً مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو شيخه وهو يجعل تذكر صورة الشيخ كقنطرة ومجاز للوصول إلى هذا الاتصال مع العلم بأنّ تمثل صورة الشيخ نوع من عبادة الأصنام إلاَّ أنهم لا يرون طريقاً إلى هذا الاتصال إلاَّ عن طريق هذا المجاز.
وفي هذا المجال يقول المفسر: «ولما كان محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم أصل جميع الخلفاء وكلّ الخلفاء كانوا أضلاله وشئونه [شؤونه] كان كل ما يحصل من جميع الخلفاء يحصل منه صلَّى الله عليه وآله وسلم وكل ما يلزم لجميع الخلفاء من النظر والخدمة والتعظيم والتذكر والتأمل في شؤونهم يلزم له وحده وكان كلّ من بايع واحداً من الخلفاء كان كمن بايع محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم فكان كل من دخل في الإسلام أو الإيمان لم يكن له عمل أعظم قدراً وأفخم أجراً من التوجه إلى محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم والتذكر له والدعاء له وطلب الرحمة عليه والانجذاب إليه بحيث يظهر هو إليه يظهر هو أو أحد من خلفائه بحسب ملكوته على صدره ولذلك ورد عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: أجعل نصف صلواتي لك؟ قال: نعم، ثمن قال: أجعل صلواتي كلّها لك؟ قال: نعم، فلما مضى قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم : كُفي هَمّ الدنيا والآخرة، وفي خبر عنه صلَّى الله عليه وآله وسلم: إنّ رجلاً أتى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إنّي جعلت صلواتي لك، فقال: إذن يكفيك الله عزَّ وجلَّ ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك، فقال له رجل: أصلحك الله كيف يجعل صلواته له؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام لا يسأل الله عزَّ وجلَّ إلاَّ بدأ بالصلوات على محمد وآله، وأمثال هذه الأخبار كالقرآن ذات وجوه وهي مرادة بكل وجهها بحسب مراتب الناس فإنَّ الصلاة تكون بمعنى الدعاء، والغائب عن الحضور لا تكون صلواته لمحمد صلَّى الله عليه وآله وسلم إلاَّ دعائه له، ويكون بمعنى الصلاة المشروعة مشتملة على الأفعال والأذكار المخصوصة، والحاضر عند محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم يجوز أن يكون دعاؤه له وأن يكون معنى صلواته له أن يكون في صلواته المشروعة غير ناظر إلى غيره، ويكون مخاطباً في الصلاة بل المتكلم بل الفاعل محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم كما هو شأن من حصل له حالة حضور عند شيخه، ومن حصل له هذه الحالة كفى جميع مهماته، بل حصل له جميع خيرات الدنيا والآخرة، بل يكون له الغناء عن الدنيا والآخرة، ولذلك كان المشايخ رضوان الله عليهم مهتمين بتحصيل هذه الحالة للسالكين ولم يكن للسالكين منظور إلاَّ حصول هذه الحال، وكان مشايخ العجم يأمرون السُلاّك بجعل صورة الشيخ نصب عيونهم تعملاً حتى يحصل بذلك التعمل هذه الحال، وبعدما يقال لهم: إنَّ هذا كفر وتقيد بالصورة واشتغال عن المعبود والمسمى بالاسم، يجيبون بأنَّ هذا كفر وتشبه بعبادة الأصنام لكنه كفر فوق الكفر والإيمان، وإليه أشار المولوي قدّس سرّه:
آ ينه دل چون شود صافى وپاك
نقشها بينى برون از آب وخاك
هم ببينى نقش وهم نقاش را
فرش دولت را وهم فراش را
چون خليل آمد خيال يار من
صورتش بت معنى او بت شكن
شكر يزدان راكه چون او شد پديد
در خيالش جان خيال او نديد
وهذا الشعر إشارة إلى أنّ الحضور لدى الشيخ وإن كان ظاهره قيداً وكفراً لكنه بحسب المعنى والواقع إطلاق عن القيد لا إنّه تقيد به».
الوالدان والأقرباء
يعتقد مفسرنا بأن العلل هي الآباء والمعلومات هي الأولاد، ففي قوس النزول للوجود عند من يعتقد بوحدة الوجود، العقل هو المعلول الأول لذات الله تعالى والنفس هي حاصلة من تجلي وإشراق العقل كما نرى في قصة آدم وحواء، إذ آدم العقل هو المحصول الأول وحواء النفس قد ظهرت من تجلي آدم العقل، فالذات والد العقل والنفس مولود العقل، فعندما يأمر الله الإنسان في كتابه العزيز بإطاعة الوالدين يستنتج من له هذه العقيدة بأن النفس التي هي مولودة العقل عليها إطاعة العقل الذي هو الوالد، فعلى النفوس إطاعة العقول وعلى العقول إطاعة الله، أي على الناس الذين هم مصاديق النفس أن يعبدوا الله عن طريق إطاعة العقول التي هي وجوه الله، وبعبارة أخرى لا يمكن لمسلم أن يطيع الله إلاَّ بإطاعة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم وخلفائه.
وإليك باختصار ما يقوله المفسر: «… فالأفلاك والعناصر آباء للمواليد، والعقل والنفس الكيان والدان لعالم الطبع إذ بإلقاء الأفلاك بحركاتها الدورية وكواكبها التي هي كالقوى الإنسانية الآثار على العناصر وقبول العناصر لها كتأثر النساء عن الرجال وقبول أرحامهم لنطفهم يتولد المواليد وتنمو وتبقى وهي في بقائها ونمائها أيضاً محتاجة إلى تلك الآباء بخلاف حاجة الحيوان إلى آبائها الجسمانية فإنها بعد حصول مادتها وحصول قوام ما لمادتها مدة كونها في الرحم غير محتاجة إلى آبائها، وبإلقاء العقل الكلّي نقوش العالم على لوح النفس الكلية التي هي كالبذور يوجد عالم الطبع وعالم الطبع في بقائه محتاج إلى ذينك الوالدين، هذا في العالم الكبير وأما في العالم الصغير الإنساني فبعد تسويته يوجد آدم الصغير وحواء الصُغرى بازدواج العقل والنفس وبازدواجهما يولد بنو آدم وذريتهما، وبازدواج الشيطان والنفس الأمارة يولد بنو الجان وذرية الشيطان؛ هذا بحسب التكوين في العالمين، وأما بحسب الاختيار والتكليف وهو مختص بالإنسان الضعيف فقد جرت السُنَّة الإلهية أن يكون توليد المواليد الاختيارية من القلب ومراتبه وجنوده الخلقية والعلمية والعيانية بتعاضد نفسين مأذونتين من الله وإيصالهما إثر الأمر الإلهي إلى المكلف بتعاضدها لتطابق التكليف والتكوين فإن الأوامر التكوينية موافقة لها، وإن لم ندرك في بعضها كيفية التوافق لعدم العلم بالتكوين وتلك السُنَّة كانت جارية من لدن آدم عليه السلام إلى زماننا هذا وتكون باقية إلى انقراض العالم، وإن لم يبق لها أثر ولا بين العامة منها ذكر ولا خبر، فإن صحة الإسلام في الصدر ودخول الإيمان في القلب ما كان إلاَّ بتعاضد شخصين يكون أحدهما مظهراً للعقل الكلّي، والآخر مظهراً للنفس الكلّية».
في معنى السُكر
يعتقد مفسرنا بأنّ السكر لا يقتصر على الحالة الحاصلة من شرب الخمر، بل كل حالة تمنع العقل في تدبيره السليم للأمور هي كالخمر المحرم في الشرع، ففي اعتقاده إن الحرص والحسد وحبّ الدنيا هي أحوال تطرأ على النفس فتمنع العقل من تدبيره الصحيح، فهذه الصفات حالها كحال الخمر وصاحبها سكران ما دامت هذه الصفات متعلقة بنفسه، وإليك ما يقوله في هذا المجال: «والسكر من السكر بمعنى السد ويسمى الحالة الحاصلة من استعمال شيء من المسكرات سكراً، لسدها طرق تصرف العقل في القوى وطرق انقياد القوى للعقل، ولا اختصاص لها بالخمر العينيّة المعروفة بل كل ما يحصل من تلك الحالة شرباً أو أكلاً أو تدخيناً أو غير ذلك فهو خمر النفس سواء حصل منه السكر المعروف كالفقاع والعصيرات… أو لا كالحرص والأمل والحبّ والشهوة والغضب والحسد والبخل…».
وبإمكاننا أن نستخرج الكثير من اعتقادات المؤلف في أصول الدين وفروعه من خلال عباراته وإشاراته المجملة في تفسيره هذا، إلاَّ إننا نترك التفصيل ونحيل القارىء إلى مطالعة التفسير بدقة، وإني لا أعتقد بأن مطالعة هذا التفسير ليس سهلاً على من لا خبرة له برموز القوم، فمن الواجب على القارىء الكريم أن يقف على رموزهم وإشاراتهم قبل مطالعة هذا التفسير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الصفحة الأولى من التفسير بخطّ مؤلّفه البارع طاب ثراه
* ذكر هذا النصّ في أصل المقالة في فصل «مراجع التفسير».
الدكتور عادل نادر علي
التكامل الاجتماعي
في فكر الشهيد مرتضى مطهري
عندما يتحدث الشيخ مرتضى مطهري في موضوع التكامل الاجتماعي يعرض رأيين في التكامل الإنساني يعتمد ثانيهما على الأول، وهما التكامل الطبيعي (الحياتي)، والتكامل التاريخي أو الاجتماعي.
تحديد المصطلحات أولاً
وقبل أن نستدرج في بيانهما نعرّج على مصطلح (التكامل) لنرى ماذا يعني عنده. يحاول مطهري أن يفكك (التكامل) لِنسبٍ مُقارنة ليستنطق النص القرآني)[527]( في مفردتي (التمام) و(الكمال) مستنتجاً أن مفهوم الكمال أوسع دائرة من سابقه؛ فحينما يُولدُ الطفل ناقصاً لبعض أعضائه ـ مثلاً ـ كان مفهوم عدم التمام مصداقاً منطبقاً عليه، أما إذا وُلِدَ تامَّ الخلقة فسيكون كماله متعلقاً بالدرجات والمراحل. فهو ما لم يطوِ مراحله بالتعليم، والتربية فلن يكون له سُلّم يوصلُهُ إلى درجات التكامل.
إنَّ مفهوم التكامل يتضمّن مفهوم «التسامي»، فالتكامل حركة ولكنها إلى الأعلى)[528](، حركة عمودية من مستوى إلى آخر أعلى منه. وبذلك ميَّز مطهري ـ من جهة أخرى ـ بينه، وبين مفهوم «التقدم» الذي اعتبره حركة على مستوى واحد لا نقلة فيه إلى الأعلى.
التكامل الطبيعي والاجتماعي
والتكامل الإنساني يمرُّ بمرحلتين:
الأولى: مرحلة التكامل الطبيعي التي توجدها الحركة الطبيعية دون تدخل الإرادة الإنسانية، وهي مرحلة (حتمية) يشترك فيها الإنسان مع سائر المخلوقات الأخرى، وتتحكم فيها قوانين الوراثة.
الثانية: مرحلة التكامل التاريخي (الاجتماعي) وهي المرحلة التي لا تتدخل الطبيعة فيها (أي في حركتها)، ويُعتبرُ هذا التكامل «اكتسابيّاً» لأنه يكتسب بالجهد.
ويتم التكامل في المرحلتين: الطبيعية، والاجتماعية (التاريخية) متدرجاً إلا أنه في المرحلة الثانية يكون أسرع مما عليه في المرحلة الأولى التي تأخذ نمطاً رتيباً في الحركة، يعني أن الحركة الاجتماعية (التاريخية) «حركة مقرونة بسرعة متزايدة تزداد تدريجاً»)[529](.
أثار مطهري في موضوع التكامل أصلاً مشتركاً بين الإنسان، وسائر الأحياء، وجعل للإنسان حياة مادية، وأخرى ثقافية عدّهما من البُنى الفوقية. وهو بذلك طرح النظرة الإسلامية قبال المنظور الماركسي في العلاقات الإنتاجية)[530](. بعبارة ثانية حاول الحديث عن «أصالة الإنسان، التي تختلف باختلاف وجهات النظر في المدارس الفلسفية، ويرجع الحديث في افتراق الأصالة بين «حيوانية» الإنسان و«إنسانيته» وهو بهذا ينحو منحىً تقليدياً بالاعتماد على الفلسفة الإسلامية التي تعتمد على الحركة الجوهرية في حل إشكالات كهذه.
إن الإنسان في نظره يبدأ مسيرة التكامل من نقطة الحيوانية، ويتكامل متجهاً نحو الإنسانية، وهي قاعدة تنطبق على الفرد والمجتمع في آنٍ واحد.
فالإنسان في بدء وجوده جسمٌ مادي يتحول بالحركة الجوهرية التكاملية إلى «الروح» أو «الجوهر الروحي»، وفي جسمه تولد الروح، وتتكامل حتى تصل إلى الاستقلال.
إن هذه النظرة لا تخصُّ الفرد وحده، وإنما تشمل المجتمع أيضاً. فالتكامل الاجتماعي يحدث مساوقاً لتكامل الروح داخل الجسد. فالمجتمع (الجنين) يتعلّق بالمؤسسات الاقتصادية التي تُعتبر جسداً له، كما تُعتبر المناحي المعنوية والثقافية بمنزلة الروح، ولما كان بين الجسم والروح تأثير متبادل فإن هذا التأثير يبقى فاعلاً بين روح المجتمع وجسمه.
ولما كانت الحركة التكاملية للفرد تتجه نحو الحرية والاستقلال، والسيطرة الروحية؛ فإن مسيرة المجتمع التكاملية تزداد استقلالاً، وثقافة كلما ازداد تكاملاً. ولذا كان «إنسان المستقبل حيواناً ثقافياً، وليس حيواناً اقتصادياً»)[531]( بمعنى أن الاتجاه الأيديولوجي هو الأساس في تركيبته.
وإذا كان واقع الإنسان سارياً من خلال التكامل المادي فهذا لا يعني بالقطع انعكاساً لهذا التكامل، بل هو واقع مستقل يبحث عن التكامل، وكما أنه قابل للتأثير من الجوانب المادية فإن له قابلية التأثير فيها على حد سواء.
التكامل الصناعي
وعندما يتحدث المفكر مطهري عن «التكامل الصناعي» يتحرّج في إطلاق لفظ (التكامل) عليه، ويُعدُّ هذه التسمية من المشكلات. إن مفهوم التكامل على ما يبدو يُلصقُه مطهري بالجوانب المعنوية دون المادية، وإن كان يُعطي للتقدم الصناعي الصفة التاريخية المُعبّرة عن نقلة حضارية جبّارة؛ لكنه يشير إلى إمكان «تحطم الإنسانية على يد الإنسان» في وقفة تأريخية يُسمّيها «بالفاجعة» بالرغم من الأشواط البعيدة التي استطاعت التجارب الإنسانية أن تقطعها في تقدم مسيرتها مع الطبيعة.
إن التحوّل في مجال الروابط الاجتماعية، والبناء الاجتماعي، والروابط الإنسانية من حالة بسيطة إلى حالة تزداد تعقيداً جعل التشكيلات الاجتماعية تعيش وكأنها «ماهيات مختلفة» لأن الأفراد في البناء الاجتماعي لم تفتأ متعاملة مع نظائرها في أعمال جداً مختلفة. وهذا الاختلاف يسبب اختلافاً بيّناً في «الوحدة النوعية الإنسانية» لأنه «اختلاف في البناء الفكري والروحي» الأمر الذي جعل التقدم الصناعي عاملاً في اغتراب الإنسان عن ذاته، ووجوده الحقيقي.
إن التقدم في مجالي الفن، والصناعة، وغيرهما لا يعني بالضرورة «كمال القيم الإنسانية»؛ فالتقدم حركة على خطٍ مستقيم، والبشرية تتقدم في مجموع حركاتها على هذا الأساس خلافاً للحركة التكاملية ـ المعنوية ـ التي تتسم بالدوران يميناً وشمالاً وربّما بالتوقف في مرات أخر، ولكنها في مجموعها حركة تكاملية وتقدمية ينبثق من خلالها «إنسان المستقبل»، إنسان الفكر، الثقافة، وليس إنسان المأكل، والملبس وهو ما يعنيه مطهري بقوله «إنسان المستقبل هو الحيوان الثقافي، وليس الحيوان الاقتصادي»)[532](.
إن واقعية الإنسان الأصلية، وثقافته يحددان مصيره النهائي في مسيرته التكاملية، وليس المسير التكاملي لوسائل الإنتاج لأنه واحد من الشؤون الحياتية التي تخصُّه. فمطهري يرفض أن تكون وسائل الإنتاج متكاملة بذاتها، وإن إنسانية الإنسان تتبع نظاماً إنتاجياً في التحوّل والتغيير، وإنما صفة التكامل إلى «إنسانيته» تُضاف عندما تصبح هذه «الإنسانية» موجهة لنظام إنتاجي أكثر تكاملاً)[533](.
إن النسبة بين التكامل (الداخلي)، والسيطرة (الخارجية) عكسية، فكلّما كان حظ الإنسان من التكامل في ازدياد كانت سيطرته وتأثيره في بيئته أبلغ وأشدَّ.
وحالة التوازن في عملية التكامل تكمن في السيطرة الذاتية على «النوازع»، والسيطرة الخارجية على «البيئة». ولذا يُعتبر الفرد المتكامل متحرراً من سيطرة البيئة الخارجية، والدوافع الداخلية ليكون فرداً «بسطَ سلطانه على أعماق ذاته، وعلى بيئته الخارجية».
إن حظ السيطرة على الطبيعة يتعلَّق بانبثاق المواهب الكامنة في الإنسان، وتفتقها. فكما أن إنسان «الماضي» لم يُطلق مواهبه بشكل كافٍ وسليم، كان في كل ما كان ـ عبداً للطبيعة، وأسيراً لذاته؛ إلا أن إنسانَ المستقبل في الوقت الذي يستغل مواهبه للسيطرة على الطبيعة كان أكثر تحرراً من أسر القُوى التي تحاول الضغط عليه من (الداخل).
ويحدد مطهري (الأخلاق) في علاقة الإنسان بذاته، يعتبرها أساساً للتكامل، فإذا لم يستطع الإنسان أن يتكامل من الناحية الأخلاقية، ويتحرر من أسرار نوازعه (الداخلية) لن يكون بالمستطاع إقامة علاقات حسنة مع الآخرين. إن التكامل هذا موازنة دقيقة في العملية الاجتماعية وهي بالتالي تعني تحرره من الآخرين، من جهة، وعدم دخولهم في أسرِه من جهة ثانية.
جودت القزويني
تنبيه الأمة وتنزيه الملة
تأليف
الشيخ محمد حسين التائيني
(1273 ـ 1355هـ)
المقدمة
* شرح حقيقة استبداد الدولة ومشروعيتها.
* تحقيق القانون الأساسي.
* المجلس النيابي الشوروي.
* توضيح معنى الحرية والمساواة.
إن ما اتفقت عليه جميع الأمم الإسلامية بل عقلاء العالم أجمع هو أن استقامة نظام العالم وتعيُّش نوع البشر متوقف على وجود سلطنة وحكومة سياسية سواء قامت بشخص واحد أو بهيئة جمعية، وسواء كان المتصدي لها غاصباً قاهراً أو وارثاً أو منتخباً، فكذلك (مما هو معلوم بالضرورة أيضاً) لا يمكن حفظ شرف استقلال أية أمة أو قومية أي قوم سواء فيها امتيازاتهم الدينية والوطنية إلا إذا كانت حكومتهم منهم وإمارتهم من نوعهم، وإلا كانت جهات امتيازاتهم وناموسهم الأعظم ـ دينهم ـ وشرف استقلالهم وقوميتهم هباء منثوراً وإن بلغوا أعلى درجات الثروة والقوة ونالوا ما نالوا من عمران المملكة وترقباتها، ولهذه الجهة كان عليها حفظ بيضة الإسلام من أهم التكاليف المقررة في الشريعة الإسلامية من وظائف الإمامة وشؤونها وتفصيل المبحث موكول إلى مباحث الإمامة وخارج عن هذا المبحث، ومن الواضح أيضاً أن كل الجهات الراجعة لتوقف نظام العالم على أصل السلطة وتوقف حفظ شرف الاستقلال على كون الحكومة من نوع الأمة تنتهي لأصلين:
الأول: حفظ أنظمة المملكة الداخلية وتربية نوع الأهلية وإيصال كل ذي حق إلى حقه ومنع تطاول آحاد الشعب بعضهم على بعض إلى غير ذلك من الوظائف النوعية الراجعة لمصالح المملكة الداخلية.
الثاني: التحفظ ضمن مداخلة الأجانب والتحذر من الحيل المعمولة في هذا الباب وتهيئة القوة الدفاعية والاستعدادات الحربية وغير ذلك، وهذا المعنى هو المعبر عنه في لسان المتشرعة ـ بحفظ بيضة الإسلام ـ ويعرف عند سائر الأمم الأخرى ـ بحفظ الوطن ـ والأحكام المقررة في الشريعة لإقامة هذه الوظائف تسمى بالأحكام السياسية والتمدنية والجزء الثاني من الحكمة العملية.
ومن هنا كان اهتمام عظماء السلاطين المتقدمين من الفرس والروم شديداً في انتخاب الوزراء من علماء كاملين في العلم والعمل، وكذلك كان قبول هؤلاء وتصديهم من كمال التورع والاحتياط وربما كان ابتداء جعل السلطنة ووضع الخراج وترتيب سائر القوى النوعية ـ سواء أكانت من الأنبياء أو الحكماء ـ لإقامة هذه الوظائف وتمشي هذه الأمور أيضاً، وكذلك كان في الشريعة المطهرة (مع تكميل كل النواقص وبيان جميع الشروط والقيود) مقرراً على هذا الوجه أيضاً، وأما كيفية استيلاء السلطان وتصرفه في المملكة باعتبار كونه من باب التملك أو من باب الولاية فهي متصورة على وجهين لا ثالث لهما أبداً:
الأول: أن يتصرف سلطان في المملكة تصرف الشخص في ملكه الخاص به، ليرى المملكة بما فيها كما يرى ملكه وعقاره، حاسباً أهلها كالأغنام والأنعام والعبيد والإماء، لم يخلقوا إلا له فيستعملهم في سبيل شهواته وإراداته ويسخّرهم لإدراك أغراضه الحيوانية وشهواته البهيمية فمن كان منهم وافياً بهذا الغرض متفانياً في مقام تحصيل هذا المقصد كان عنده من المقربين المنعمين ومن لم يرقه نفاه عن مملكته التي هي ملكه الشخصي، وربما أعدمه وقطعه قطعة قطعة فأطعمه من حوله من تلك الذئاب الضارية المعتادة الولوغ بتلك الدماء الطاهرة والأنفس الزكية، وسلّطهم بعده على نهب أمواله، وسلب عياله، إلى غير ذلك من التعذيبات القاسية والمصائب النازلة، ينتزع الأموال من أصحابها متى شاء ومهما شاء فيوزعها على من أراد ظلماً وعدواناً يأخذ كل حق من أهله غصباً فيضمه إلى ماله، يتصرف في المملكة مختاراً، يستوفي الخراج كما يستوفي المؤجر مال إجارته وصاحب الأرض حقه الشخصي من أرضه فيصرفه في سبيل مصالحه الشخصية وأغراضه النفسية، لا يهتم لحفظ مملكته وانتظامها إلا كما يهتم سائر المالكين بالنسبة لمزارعهم ومستغلاتهم وكل هذه منوطة بإرادته وميله، فإن شاء حفظها وإن شاء وهبها بأدنى تزلّف وأقل تملّق، وإن شاء باعها أو رهنها في سبيل تهيئة مصارفه اللهوية وربما زاد في الطنبور نغمة فتطاول على الناموس الأعظم وأظهر للملأ عامة أنه غير مقيد بناموس من النواميس ولا ينقاد لدين من الأديان، زد على ذلك أيضاً أنه ربما تحلّى بالأسماء الإلهية وقدّس نفسه بتلك الصفات القدسية فساعده على ذلك أعوانه وأصحابه..! وبالجملة فهو يرى أن كل قوى المملكة مستهلكة في سبيل قهره واستيلائه وشهوته وغضبه مطبقاً على نفسه قوله تعالى: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ})[534](.
وهذا القسم من السلطنة حيث ابتنى على الإرادات التحكمية وكان من باب تصرف أحد المالكين في ملكه الشخصي تابعاً لإرادات السلطان وميوله يسمى استبداداً وتحكّماً وربما يسمى اعتسافاً واستعباداً وتصرفاً وتملّكاً وجهة التسمية ونسبة هذه الأسماء إلى مسمياتها ظاهرة واضحة، وصاحب سلطنة كهذه يسمى الحاكم المطلق والحاكم بأمره ومالك الرقاب والظالم والقهار وأمثال ذلك والأمة المبتلاة، بهذا الأسر والقهر والذلة تسمى أسيرة وذليلة ورقيقة، وبملاحظة أن حالها حال الأيتام والصغار الذين لم يشعروا بحقوقهم المغصوبة تسمى المستصغرة أيضاً، أي المعدودة في عداد الصغار والأيتام، بل بمناسبة أن هذه الأمة مسخّرة وفانية في سبيل إرادات السلطان وميوله، ولم يكن حظها من حياتها ووجودها إلا من قبيل حظ النباتات التي لم تخلق إلا لغيرها وليس لها حظ استقلالي أبداً تسمى لجهلها بحقوقها وظلمها لنفسها بالأمة المستنبتة أي المندرجة في عداد النباتات البرية والحشائش الصحرائية.
ثم إن درجات هذا النوع من السلطنة التحكمية مختلف أيضاً باختلاف الملكات النفسانية وإدراكات السلاطين وعقول أعوانهم ولاختلاف إدراكات الأمة وعلمها وجهلها بوظائف السلطنة وحقوق الأمة ولاختلاف درجات توحيدهم وشركهم في فاعلية ما يشاء وحاكمية ما يريد وعدم المسؤولية عما يفعل إلى غير ذلك من الأسماء الإلهية وصفات الذات الأحدية وآخر هذه الدرجات ادّعاء مقام الإلهية..!! ويقف هذا السيل الجارف الآخذ بالطغيان والازدياد عند السد الذي تبنيه درجة القوة العلمية في الأمة، وينتهي إلى الحد الذي تستنكف فيه الأمة بواسطة قوتها العلمية أن تمكّن السلطان منه وإلا فهو ينتهي إلى الدرجة الأخيرة، كما يظهر من سيرة الفراعنة السابقين.
وبمقتضى (أن الناس على دين ملوكهم) تكون معاملة نوع الشعب مع من دونهم بتلك المعاملة السلطانية الاعتسافية مهما اختلفت طبقاتهم.. وأصل هذه الشجرة الخبيثة مبني على أساس جهل الأمة بوظائف السلطنة وحقوقها الشرعية المشتركة. وقوامها الوحيد عدم وجود محاسبة السلطان في البين وعدم وضع المسؤولية الكاملة والمراقبة التامة على إهماله وارتكاباته المنافية لمقامه.
الثاني: أن لا يكون في البين عنوان مالكية ولا قاهرية ولا فاعلية ما يشاء ولا حاكمية بما يريد وأن يكون أساس السلطنة مبنياً على إقامة تلك الوظائف والمصالح النوعية المتوقفة على وجود السلطنة لا غير، وأن يكون استيلاء السلطان محدوداً بذاك الحد وتصرفه مشروطاً بعدم تجاوزه عن ذاك الحد…!
وهذان القسمان من السلطنة بحسب الحقيقة والواقع متضادان، كما أن آثارهما ولوازمهما متباينان متناقضان حيث إن مبنى القسم الأول بجميع مراتبه ودرجاته على القهر والتسخير واستخدام الأمة لإرادات السلطان التحكمية وصرف قوى النوع من المالية وغيرها في سبيل نيل مراداته وأغراضه وعدم المسؤولية عما يرتكب السلطان.. فإن فتك فقد فتك بمملوكه، وإن عفا فهو أهل العفو عن عبيده وإمائه، وكذا إن قتل ولم يمثل أو لم يقطع المقتول قطعة قطعة فيطعمه من حوله من الذئاب الضارية، أو قنع بنهب الأموال ولم يتعرض للناموس فقد فعل ما يستحق الشكر ويستوجب المنّة.. نسبة الأهلين للسلطان كنسبة العبيد والإماء بل وبمنزلة الأغنام والأحشام وربما كانوا أقل وأحقر فكانوا بمنزلة النباتات التي لم يكن لها من وجودها الاستقلالي أقل نصيب فهي موجودة لرفع حاجة الغير فحسب.
وبالجملة فهذه السلطنة عبارة عن إلهية محضة وكلما اختلفت طبقات الشعب اختلفت درجات هذه الألوهية لاختلافها بخلاف القسم الثاني، فإن حقيقته الواقعية ولبّه العاري عن القشور عبارة عن ولاية على إقامة هذه الوظائف الراجعة لتنظيم المملكة وحفظها لا مالكية. وبعبارة ثانية هي عبارة عن أمانة نوعية في صرف قوى المملكة النوعية في هذه المصارف والمصالح، لا في الشهوات والميولات النفسية، ولهذه الجهة كان استيلاء السلطان محدوداً بمقدار الولاية على هذه الأمور المذكورة وتصرفه ـ سواء كان بحق أو بغير حق ـ مشروطاً بعدم تجاوزه ذاك الحد، آحاد الشعب شركاء مع شخص السلطان في جميع القوى النوعية ـ مالية وغير مالية ـ ونسبتها لهم بالسوية لا تتفاوت بتفاوت درجاتهم.
يعتبر المتصدّون للأمور أمناء للنوع لا مالكين ومخدومين وهم في القيام بوظيفة هذه الأمانة كسائر الأمناء والأجراء مسؤولون لكل فرد من أفراد الأمة ومأخوذون بكل تجاوز يتجاوزونه. ولكل فرد من أفراد هذه المملكة حق السؤال والاعتراض كما أن له تمام الحرية في إلقاء اعتراضاته أيضاً، غير مقيّد بإرادات السلطان التحكّمية، وميوله القلبية وهذه السلطنة تسمى: المحدودة، والمقيدة، والعادلة، والمشروطة، والمسؤولة، والدستورية، ووجه تسميتها بكل من هذه الأسماء ظاهر، والقائم بهذه السلطة يسمى الحافظ والحارس، والقائم بالقسط، والمسؤول، والعادل، والأمة المتنعمة بظل هذه النعمة تسمى: أمة محتسبة، وأبية، وحرة، وحية، ومناسبة كل من هذه الأسماء لمسمياتها معلومة أيضاً.
وحيث إن حقيقة هذا القسم من السلطنة من باب الولاية والأمانة وكسائر الأمانات والولايات المشروطة بعدم التجاوز والمقيدة بعدم التفريط، إذاً لا محالة من أن يكون الحافظ لحقيقتها والمانع عن تبديلها بالمالكية المطلقة. والرادع عن التعدّيات والتجاوزات فيها منحصراً بتلك المراقبة والمحاسبة والمسؤولية الكاملة لا غير.
وأعلى وسيلة يمكننا تصورها في مقام حفظ هذه الحقيقة وأداء هذه الأمانة، والردع عن الارتكابات الشهوانية، والاستئثارات الاستبدادية، هي العصمة العاصمة فحسب، وقد قامت على اعتبارها في الولي النوعي أصول مذهبنا ـ طائفة الإمامية ـ ومن الواضحات الضرورية أن مرحلة إصابة الواقع والصلاح وعدم الوقوع في المعصية حتى من باب الخطأ والاشتباه.. وكذلك المحاسبة والمراقبة الربانية، وإيثار الوالي تمام الأمة على نفسه إلى غير ذلك تنتهي ـ بواسطة العصمة والعلوم الدينية والانخلاع عن الشهوات البهيمية، واجتماع سائر الصفات الخاصة بذلك المقام الأعلى، والخارجة عن حدود العقول البشرية والإدراكات النوعية ـ إلى درجة لا يصل إلى كنهها أحد، ولا يدرك حقيقتها العقل البشري.
ومع عدم وصول أيدينا إلى ذلك المقام ـ وإن أمكن نادراً وجود حكومة سلطانها هو كـ(أنو شيروان) مستجمع لجميع الصفات الكاملة، وحاشيته أمثال (أبي ذر) أولو قوة علمية، ورأي سديد وفكر صائب.. قد أخذت على عاتقها المراقبة الكاملة والمحاسبة التامة ـ لكن فضلاً عن أن تكون أيضاً وافية بتمام المقصود، من مشاركة آحاد الأمة ومساواتها مع شخص السلطان وسد أبواب الاستئثارات ـ في المالية وغير المالية ـ وكذلك حرية الأمة في إظهار اعتراضاته وغير ذلك علاوة على هذا كله هي رابعة المستحيلات، وأندر من بيضة الأنوق وأعزّ من الكبريت الأحمر، وكونها مطّردة وشائعة من الممتنعات أيضاً.
وغاية ما يمكن أن يوجد من هذا القبيل.. بحسب القوة البشرية، ونهاية ما يتصور اطّراده في مكان تلك العصمة العاصمة (حتى مع مغصوبية المقام))[535]( مجاز عن تلك الحقيقة وظل عن تلك الصورة. وهو مع ذلك موقوف على أمرين:
1 ـ إيجاد دستور وافٍ بالتحديد المذكور، وتميز المصالح النوعية اللازمة الإقامة، من تلك الأمور التي لا حق للسلطان أن يتدخل فيها أو يتصرّف بها.. يتضمن هذا الدستور رسمياً كيفية إقامة تلك الوظائف ودرجة استيلاء السلطان وحرية الأمة. وتشخيص الحقوق الكلية لجميع طبقات الأمة على وجه يكون موافقاً لمقتضيات المذهب. بحيث يكون الخروج عن عهده حراسة هذه الوظيفة، ومراعاة هذه الأمانة.. من طريقي الإفراط والتفريط… ـ من حيث إنه خيانة بالنوع ـ كالخيانة في سائر الأمانات موجب (رسماً) للانعزال الأبدي واستحقاق سائر العقوبات المترتبة على الخيانة.. وهذا الدستور المذكور في الأبواب السياسية والنظامات النوعية بمنزلة الرسالة العملية للمقلدين في أبواب العبادات والمعاملات، يبتني أساس حفظ المحدودية المذكورة على مراعاته والعمل به، وعدم تخطّيه في الجزئيات والكلّيات.. لهذا يطلق عليه النظام الدستوري، والقانون الأساسي.. ويكفي لصحته ومشروعيته (بعد اشتماله على الجهات الراجعة للتحديد المذكور، واستقصاء جميع المصالح اللازمة النوعية) عدم مخالفة فصوله للقوانين الشرعية فقط، ولا يعتبر أي شرط آخر في صحته ومشروعيته غير هذا. وسيأتي فيما بعد مزيد توضيح في بيان الجهات التي يلزم رعايتها إتماماً لهذا المشروع الخطير.
2 ـ إحكام أساس المراقبة والمحاسبة، وإيكالها إلى هيئة مسددة من عقلاء الأمة وعلمائها خبيرين بالحقوق المشتركة بين الأمم، متنبهين لوظائف العصر السياسية ومقتضياته ولوضع المحاسبة التامة والمراقبة الكاملة على القائمين بهذه الوظائف اللازمة النوعية، والصدّ عن أقل ثقة وأدنى تجاوز وتفريط.. وهؤلاء هم مندوبو الأمة، والمبعوثون عنها، والمجلس النيابي الشوروي عبارة عن مجمعهم الرسمي، ولا تتحقق المحاسبة التامة والمراقبة الكاملة، وحفظ هذا التحديد، وعدم تحويله من الولاية إلى المالكية إلا في صورة ما إذا كان الموظفون قاطبة ـ الذين هم القوة الإجرائية ـ تحت نظارة ومراقبة هذه الهيئة المنتدبة، ومسؤولية هؤلاء المنتدبين عن الأمة على وجه تكون هذه الهيئة مسؤولة أيضاً لكل فرد من أفراد الأمة المنتدبة هي عنها..
وعلى هذا يكون الفتور والتهاون في كل من هاتين المسؤوليتين موجباً لبطلان هذا التحديد، وتبديل حقيقة الولاية والأمانة بتحكّم الموظفين واستبدادهم في صورة انتفاء المسؤولية الأولى.. وداعياً لتحكم هيئة المبعوثين واستبدادهم في صورة انتفاء المسؤولية الثانية..
وأما مشروعية نظارة هذه الهيئة المبعوثة عن الأمة وصحة تدخلها في الأمور السياسية، فهي بناء على أصول أهل السنة والجماعة، حيث كان المعتبر عندهم إجماع أهل الحل والعقد لا غير متحققة بنفس هذا الانتخاب فقط وغير مشروطة بوجود شرط آخر أصلاً، وأما بناء على مذهبنا ـ طائفية الإمامية ـ حيث نعتقد أن هذه الوطائف النوعية، وسياسة أمور الأمة، هي من وظائف النواب العموميين لعصر الغيبة، فيكفي لصحتها اشتمال هذه الهيئة المنتدبة على عدة من المجتهدين العدول أو المأذونين من قبلهم.. ومجرد تصحيحهم الآراء الصادرة، وموافقتهم على تنفيذها كافٍ لمشروعية هذه النظارة لا غير وسيأتي فيما بعد مزيد توضيح لهذا المطلب.
ظهر لك بما قدّمناه أن أساس القسم الأول من السلطنة (الذي هو عبارة عن مالكية مطلقة وفاعلية ما يشاء وحاكمية بما يريد) مبني على تسخير الأمة. وقهرها بالإرادات السلطانية من جهة، وعدم مشاركتها ـ فضلاً عن مساواتها مع شخص السلطان في كل القوى النوعية ـ واختصاصها كلها بشخص السلطان، وإيكال كل الإجراءات إلى إراداته من جهة ثانية. وعدم مسؤولية السلطان عن ارتكاباته فرع عن هذين الأصلين وكل ما نراه اليوم في إيران من هذه الشنائع المدمرة للدين والدولة)[536](، والتي لم تقف عند حد (أصلاً) هي من هذا الباب، ولا بيان بعد العيان، ولا أثر بعد عين..!!!
كما أن أساس القسم الثاني (الذي هو عبارة عن ولاية على إقامة المصالح النوعية) على العكس من القسم الأول فهو مبني على تحرير رقاب الأمة من هذه الرقية المنحوسة الملعونة من جهة، ومشاركة أفراد الأمة بعضهم لبعض، ومساواتهم مع شخص السلطان في جميع نوعيات المملكة من المالية وغير المالية من جهة أخرى، وكون أن الأمة لها حق المحاسبة والمراقبة، ومسؤولية الموظفين أيضاً من جملة فروع هذين الأصلين..!
وقد بلغ استحكام هذين الأصلين في صدر الإسلام مبلغاً عظيماً حتى قيل للخليفة الثاني ـ مع تلك الأبّهة والهيبة ـ وكان قد رقى المنبر يستنفر الناس للجهاد: لا سمعاً ولا طاعة لأنه كان عليه ثوب يمان يستر جميع بدنه مع أن حصة كل واحد من المسلمين من تلك البرود اليمانية لم تكن كافية لستر جميع بدنه.
وما استطاع أن يدفع اعتراضهم هذا عنه إلا بعد أن أثبت لهم أن عبدالله (ابنه) هو الذي وهبه حصته من تلك البرود وثوبه هذا هو من حصته وحصة عبدالله ابنه، وكذلك قيل له في جواب الكلمة الامتحانية الصادرة عنه: لنقوّمنك بالسيف، وما كان أشد فرحه عند رؤيته هذه الدرجة من استقامة الأمة..
وقد كان الإسلام في مدة بقاء هذين الأصلين والفروع المترتبة عليهما محفوظة على ما جعلها الشارع وبقاء السلطنة الإسلامية على النحو الثاني غير مبدلة بالنحو الأول، يتّسع نطاقه ويسير نحو التمدّن والترقّي بتلك السرعة المحيّرة للعقول، وكذلك كان بعد استيلاء معاوية وبني العاص، وتبدل هاتيك الأصول والفروع المذكورة بأضدادها، وانقلاب السلطنة الإسلامية في مدة ابتلاء سائر الملل الأجنبية بمثل المأسورية والمقهورية المبتلين نحن بها الآن ـ في حالة وقوف ـ ولا أقل من أنه لم يفقد ما عنده من المبادىء الطبيعية والقوى الغريزية..!!لكن تبصّر الملل الأجنبية، وتتبعها تلك المبادىء الطبيعية لذلك الترقي الهائل، وإحاطتها بالقوانين الإسلامية من جهة.. وسير طواغيت الأمة المسلمة القهقرى من جهة أخرى، أدّى إلى الحالة الراهنة، من رجوع المسلمين إلى جاهليتهم الأولى، وابتلائهم بهذه الرقية الوحشية ونشأتهم على هذه النشأة الخسيسة النباتية، صدق الله العلي العظيم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}!!)[537](.
وبالجملة فكما أن أساس القسم الأول من السلطنة مبني على أصل استعباد الأمة واسترقاق رقابها، وانقيادها للإرادات التحكمية، وعدم مشاركتها ـ فضلاً عن مساواتها ـ للسلطان وعدم المسؤولية متفرّع عن هذين الأصلين أيضاً كذلك يكون أساس القسم الثاني مبنياً على أصل تحرير الأمة من هذه العبودية، ومشاركة آحاد الأمة ومساواتها حتى مع شخص الولي النوعي في جميع النوعيات، والمسؤولية التامة من فروع هذا الأصل أيضاً.
وقد عبّر في كلام الله المجيد والأوامر الصادرة من المعصومين عليهم السلام في مواقع عديدة عن المقهورية تحت إرادات الجائرين التحكمية بالعبودية التي هي النقطة المقابلة للحرية المطلقة. وقد حذروا عليهم السلام المسلمين من الوقوع في هذه الهلكة. كما أرشدوهم إلى طرق تخليص رقابهم من هذه الذلة. وذلك مثل ما يظهر من كيفية استيلاء فرعون على بني إسرائيل مع أنهم لم يقروا لفرعون كما أقرّ له الأقباط بالعبودية ومن هذه كانوا في مصر معذبين ومحبوسين وممنوعين عن الوصول للأرض المقدسة من هذا قال تعالى في سورة الشعراء عن لسان الكليم مخاطباً فرعون: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا علَّي أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ})[538](، وفي الآية الثانية عن لسان قوم فرعون: {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ})[539](، ويظهر من قوله تعالى عن لسانهم أيضاً: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ})[540]( أن عبودية بني إسرائيل عبارة عن هذه المقهورية التي كانوا بها مبتلين.. وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم في الرواية المتواترة بين الأمة مخبراً عن استيلاء الشجرة الأموية الملعونة، والدولة المروانية الخبيثة: «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين اتخذوا دين الله دولاً وعباد الله خولاً))[541](. قال في مجمّع البحرين)[542](: إن المراد من كلمة (خول) هم العبيد وعمّمها في القاموس حتى على النعم والمواشي واستدلّ بقوله تعالى: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}.
وحاصل مفاد هذا الحديث الشريف المتضمن للأخبار الغيبية هو أنه إذا بلغ عدد بني العاص ثلاثين بدلوا دين الله تعالى بالدولة، واتَّخذوا عباد الله عبيداً لهم وإماء.
وقد عيّن صلَّى الله عليه وآله وسلم، في هذا الحديث الذي هو من دلائل النبوة مبدأ تحويل السلطنة الإسلامية من النحو الثاني إلى النحو الأول. أي من الولايتية إلى التملكية. واغتصاب رقاب المسلمين وناطه صلَّى الله عليه وآله وسلم بكمال هذا العدد المشؤوم..!
وكذلك يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبته القاصعة)[543]( في شرح محنة بني إسرائيل وابتلائهم بأسر الفرعونيين وتعذيبهم: (اتخذتهم الفراعنة عبيداً) ثم فسرها عليه السلام بقوله: (فساموهم العذاب، وجرّعوهم المرار، فلم تبرح بهم الحال في ذلك الهلكة، وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع، ولا سبيلاً إلى دفاع) وكذلك يقول عليه السلام في تلك الخطبة عن استيلاء الأكاسرة والقياصرة على بني إسرائيل وبني إسماعيل. ومع أنهم ما كانوا مدعوين إلى دعوى ألوهية ولا إلى عبادة أحد. وما كانوا مبتلين ومقهورين إلا بالتبعيد عن مساكنهم الواسعة في الشامات وأطراف دجلة والفرات. ومطرودين إلى صحراء قاحلة لا فيها ماء ولا كلأ، كما هي سيرة الجائرين في كل الأعصار والأمصار، نعم مع هذا نرى الأمير عليه السلام يسمي هذه المحنة بالعبودية ويعرف هذه المقهورية بالربوبية القاهرة فيقول: (كانت القياصرة والأكاسرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق إلى منابت الشيح) وقال في خطبة أخرى بعد أن أظهر شيئاً من ملالة قلبه، من عصيان أهل العراق ونفاقهم وبعد أن أخبرهم عليه السلام بما سيلاقونه بعده ـ مكافأة على عملهم هذا معه ـ حرمانهم من هذه النعمة العظمى التي بأيديهم وابتلائهم ومقهوريتهم تحت حكم بني أمية: و{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ثم يقول بعدها: (وايم الله لتجدن بني أمية أرباب سوء من بعدي) وفي عدوله عليه السلام عن التعبير بالولاة إلى التعبير بالأرباب ما يفيد هذا المعنى أيضاً..!! وهو متحد المفاد مع النبوي السابق المتواتر بين الأمة.
وكذلك نرى سيد المظلومين عليهم السلام يعدُّ الانقياد لحكم دعي بني أمية من باب ذل العبودية ويقول في جواب أرجاس أهل الكوفة ـ وقد عرضوا عليه النزول على حكم بني عمه ـ: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد وهيهات هيهات منّا الذلة، أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)..!!
باللَّه عليك تأمل في هذه الجملة وانظر كيف يرى عليه السلام أن طاعة الفجرة والانقياد لحكمهم عبودية محضة، وكيف أبت نفسه القدسية ذاك..!!
كيف يلوي على الدنية جيداً
لسوى الله ما لواه الخضوع؟؟
وكيف فدى جميع ما عنده في سبيل حفظ حريته وتوحيد ربه..! وكيف أحكم هذه السنة الكريمة لأحرار أمته ونزهها من شوائب العصبية المذمومة..! ولهذا الأمر عينه نرى التواريخ الإسلامية تسمي أصحاب النفوس الأبية المقتدين بهذه السنة المباركة الحاذين حذوه عليه السلام في تضحية ما عندهم: أحراراً وأباة الضيم وتعدهم غيضاً من فيض وقطرة من ينبوعه الطاهر.
ونراه هو سلام الله عليه يقول للحر بن يزيد الرياحي (رضي الله عنه) بعد خلعه طوق الرّقية وخروجه عن ربقة عبودية آل أبي سفيان وإدراكه شرف الحرية وفوزه بالشهادة في ذلك الركب المبارك: أنت الحر كما سمّتك أمك، أنت الحر في الدنيا والآخرة.
وأيضا يظهر من الأحاديث الواردة في تفسير الآية المباركة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخِلَفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَف الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} إلى قوله تعالى: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} وانطباق فقرات آخر دعاء الافتتاح على مندرجاتها)[544](.
إن الموعود بهذه الكرامة هو الإمام الثاني عشر أرواحنا فداه، وإن المراد بهذا الشرك بالذات الأحدية تقدّست أسماؤها هو تلك المقهورية ببيعة طواغيت الأمة والانقياد لطاعة جبابرتها كما يظهر من قوله عليه السلام: (وليس في عنقي بيعة لطاغية زماني). إنه ممتاز بذلك فحسب بل يظهر من الأخبار الصادرة في تفسير الآية المباركة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهَبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} الواردة في بيان أن عبادة النصارى لأحبارهم ورهبانهم عبارة عن انقيادها الأعمى لطاعة باباواتها وقسيسيها، كما أن معبودية السلطان عبارة عن انقياد الأمة لإرادته التحكمية في باب السياسة والملكية كذلك يكون الانقياد والخضوع لرؤساء المذاهب والملل بعنوان أنه من الديانة معبودية محضة… والرواية المروية في الاحتجاج المتضمنة ذم تقليد علماء السوء المتّبعين أهواءهم الطالبين الرياسة الدنيوية. تفيد هذا المعنى أيضاً غير أن الاستعباد في القسم الأول مستند إلى القهر والغلبة، وفي القسم الثاني مبني على الخدعة والتدليس، واختلاف التعبير في الآيات والأخبار ناتج عن هذا المعنى أيضاً حيث عبّر في القسم الأول بـ (عبدت بني إسرائيل) و(اتخذتهم الفراعنة عبيداً) وفي القسم الثاني: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ})[545]( وفي الحقيقة منشأ الاستعباد في القسم الثاني هو تملك قلوب الأمة لا غير)[546](…
ومن هنا تظهر عندك جودة استنباط بعض علماء الفن حيث قسم الاستبداد إلى سياسي وإلى ديني وربط كلاًّ منهما في الآخر وفرضهما توأمين متآخيين يتوقف حفظ أحدهما على وجود الآخر… وكما عرفت أيضاً أن قلع هذه الشجرة الخبيثة والتخلّص من هذه الرّقية الخسيسة لا يكلفنا مؤونة أكثر من التفات الأمة وتنبهها، وهو في القسم الأول أسهل منه في القسم الثاني وعلاج هذا في غاية الصعوبة من العسر، وربما أدّى إلى صعوبة في القسم بالتبع أيضاً.
ولولا ما نراه من ائتلاف هاتين الشعبتين الاستبداديتين السياسية والدينية واتفاقهما، وتقوم إحداهما بالأخرى لما أصبح استعبادنا نحن الإيرانيين اليوم واضحاً مشهوداً، وسيأتي في الخاتمة بيان تقوم كل من هاتين الشعبتين بالأخرى وكشف حقيقة هذا الائتلاف الذي بينهما، وجهة الصعوبة في علاج الشعبة الثانية، وسراية هذه الصعوبة أيضاً إلى علاج الشعبة الأولى، كما يأتي شرح قوى الاستبداد وطرق التخلص منها.
وبالجملة فانقياد الشعب إلى تحكم طواغيت الأمة وقطاع طرق الملة ليس فقط ظلماً وحرماناً لنفس الشعب من أعظم المواهب الإلهية، بل هو بنص الكتاب المجيد وأوامر المعصومين المقدسة عبارة ثانية عن مبعودية أولئك الجبابرة. ومن مراتب الشرك بالذات الأحدية ـ في المالكية، والحاكمية بما يريد، والفاعلية لما يشاء، وعدم المسؤولية عما يفعل ـ إلى غير ذلك من الصفات الخاصة بالإلوهية والأسماء القدسية الخاصة به جل شأنه.
كما أن غاصب هذا المقام ليس يعتبر ظالماً للعباد وغاصباً لمقام الولاية من صاحبها فقط، بل هو غاصب للرداء الكبريائي وظالم للساحة الأحدية… وهذا على العكس من تحرير الأمة من هذه الرّقية الخبيثة فإنه (علاوة على أنه موجب لخروج الشعب من دائرة النشأة النباتية والورطة البهيمية إلى عالم الشرف ومجد الإنسانية) مندرج في مراتب التوحيد وشؤون الإخلاص بالعبادة، ومن لوازم الإيمان بالوحدانية في مقام الأسماء والصفات الخاصة الإلهية.
ولهذه الجهة كان استنقاذ حرية الأمم المغتصبة وتخليص رقابها من هذه الرّقية وتمتعها في ظل نعمتها الربانية من أهم مقاصد الأنبياء… وما كان غرض الكليم وهارون عليهم السلام بنص الكلام المجيد {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ})[547]( إلا تخليص رقاب بني إسرائيل من ذل عبودية الفراعنة وما كان مرادهما إلا أن يأخذا بني إسرائيل معهما أحراراً للأرض المقدسة وقد كانا ضمنا لفرعون دوام ملكه وبقاء عزّته على فرض إجابته إلى طلبتهما ـ كما في خطبة أمير المؤمنين ـ القاصعة لكن تعقب الفرعونيين بني إسرائيل لإرجاعهم إلى مصر في ذل الأسر أدّى إلى غرقهم ونجاة بني إسرائيل وحرّيتهم من قيود المأسورية والمقهورية التي كانوا فيها مقيدين.
وقد نسب أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الخطبة القاصعة بعد ما نقلناه منها سابقاً تخليص بني إسماعيل وبني إسرائيل من رقّية الأكاسرة والقياصرة إلى بعثة خاتم النبيين صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى غير ذلك مما هو مثبوت في التواريخ الإسلامية ومستفاد من أخبار المعصومين عليهم السلام..
وأما مساواة الأمة مع شخص الوالي في جميع الحقوق والأحكام فتعرف من سيرة النبي المقدسة وأحكامه أساس السعادة لأمته ويجدر بنا ونحن في هذا الصدد أن نذكر في كل باب شاهداً لما نقول من سيرته المقدسة:
1 ـ المساواة في الحقوق
وتعرف هذه من بعث زينب ابنته حليها وزبورها الموروثة لها من أمها خديجة عليها السلام لفكاك أسر زوجها ابن العاص من أمير المسلمين وبكائه عند رؤيته حلي خديجة وإسقاط جميع المسلمين حقوقهم لتلك المحترمة.
2 ـ المساواة في الأحكام
ويمكننا أن نفهمها من أمره صلَّى الله عليه وآله وسلم بالتسوية فيما بين عمه العباس وابن عمه عقيل، وبين سائر قريش حتى في تربيقهم وشد أكفّهم مع أنهما كانا مجبورين على الخروج للحرب.
3 ـ المساواة في التقاص والمجازاة
وتعرف من حسره عن كتفيه وهو على المنبر مع ما به من اشتداد مرض وقرب ارتحال وأمره بإحضار عصاه الممشوق ليقص منه (سواد) بمجرد ادّعائه عليه صلَّى الله عليه وآله وسلم بدعوى أني كنت بخدمتك في بعض أسفارك عرياناً فرفعت عصاك لتضرب بها الناقة فأهوت العصا على كتفي وبالآخرة قنع سواد منه بتقبيل خاتم النبوة المضروب على كتفه. وكذلك قوله في الجمع العام لاستحكام هذا الأساس الشريف وفرضه المحال حيث قال لو ثبت على ابنتي سيدة النساء فاطمة سرقة لقطعت يدها..!!
بالله عليك تأمل في هذه المواضع لترى مبلغ الدقة المتجلية في الأول وعدم وجود الفارق المائز بين المسلمين في الثاني، وإلى أي درجة أنهى المسألة لأمته في مطالبتها بحقوقها وحريتها في إبداء اعتراضاتها في الثالث… ولما أراد أمير المؤمنين إحياء هذه السنة الشريفة والسيرة المباركة، وإقامة أساس المساواة بين المسلمين في جميع الحقوق من محو بدعة التفضيل بين المسلمين، واسترداد القطائع قامت تلك الفتن الطاحنة والحروب الهائلة في عصر خلافته على قدم وساق حتى استدعاه أكابر أصحابه كعبد الله بن العباس ومالك بن الأشتر وغيرهما إلى أن يسير بسيرة المحدثين السابقين في العطايا والقسم وتفضيل البدريين السابقين والمهاجرين الأولين على التابعين اللاحقين والإيرانيين الجديدين عهداً بالإسلام! إطفاء لنائرة الفتن ومضرمة الحوادث وما كان من جوابه لهم إلا أن أجابهم بالخيبة في طلبتهم هذه وأسمعهم تلك الأجوبة الخشنة الصلبة…
وما قضية الحديدة المحماة في جواب طلب أخيه عقيل منه صاعاً من الحنطة، ولا تلك العتابات المكملة لمقام العصمة التي ألقاها على ولده سيد الشهداء حين ما طلب أن يأخذ مد عسل من بيت المال لطعم بها ضيوفاً كانوا عنده ـ تلك التي أبكت معاوية حين ما سمعها على ما به من حقدٍ وعداوةٍ ـ ولا الكلمات الشديدة التي ألقاها على ابنته لما أرادت استعارة عقد لؤلؤ كان في بيت مال المسلمين عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام إلى غيرها مما هو مسطور في كتب السير والتواريخ ويدعو لأن يخجل من نفسه إزاءها كل من يدّعي القسط والعدل والمساواة. أجل ما هذه كلها إلا حفظاً لهذا الركن الأعظم ـ المساواة ـ وخروجاً عن هذه المسؤولية المترتبة عليه.
ولإقامة هذه السنة المباركة ولإحياء هذه السيرة المقدسة المأخوذة عن الأنبياء والأوصياء في هذا العصر الأخير ـ عصر التمدّن والسعادة، عصر التنوّر واليقظة، عصر انتهاء دورة سير المسلمين القهقرائي، عصر انقضاء دور الأسر والعبودية… قامت قيامة الربّانيين من الفقهاء الروحانيين (رؤساء المذهب الجعفري) لتخليص رقاب المسلمين من ذل الرّقية واستنقاذ حرّيتهم المغتصبة وحقوقهم المستلبة، وبذلوا ما وسعهم من تلك الهمّة الشماء، والعزمة القعساء، طبقاً للسيرة المقدسة النبوية ووفقاً للدستور المقرر في الشريعة (ما لا يدرك كله لا يترك كله) لتحويل السلطنة الجائرة الغاضبة من النحو الأول الذي أشرف على الانقراض العاجل وتبديلها بالنحو الثاني الذي هو حاسم لأكثر مواد الفساد. ومانع من استيلاء الكفرة على البلاد، وألزموا أنفسهم بوجوب الجهاد اللازم حفظاً لبيضة الإسلام.
وحيث كان تنبه غيوري المسلمين لتحرير رقابهم من رقّية الجائرين ومساواتهم ومشاركتهم لهم في جميع نوعيات المملكة أعظم وسيلة، وأقوى سبب لجدهم واجتهادهم في هذا الصدد وإقبالهم على هذا الوجه الوجيه، لهذا رأت الشعبة الاستبدادية الدينية أن من الواجب عليها بمقتضى وظيفتها المقامية المتكفلة بالاحتفاظ على شجرة الاستبداد الخبيثة ـ باسم حفظ الدين..؟؟ قديماً وحديثاً، عدم الإصغاء للخطاب الشريف ـ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ـ ونبذت كلام الله وراء ظهورها اقتداء بأولئك المخاطبين الأولين. وأخذت تقاوم بكل ما في وسعها هذين الأصلين اللذين هما منبع السعادة ورأس مال حياة الأمة والمرتب عليهما حفظ حقوق الشعب ومسؤولية الولاة وغيرهما وما اكتفت أن أطلقت عليها اسم (التحريم) بل اجتهدت في أن تبرزهما بأشنع الصور وأقبحها لتنفر قلوب العامة وتصرف أنظار سواد الشعب عن تتبع هذه الطرق الصالحة.
أما الحرية والمراد منها تحرير الأمة رقابها من رقّية الجائرين وقد عرفت أنها من أعظم المواهب الإلهية على هذا الإنسان البائس وأن اغتصابها في الإسلام من بدع معاوية وابن العاص. وأن استنقاذها من غاصبيها من أهم مقاصد الأنبياء والأوصياء وقادة الشعوب المصلحين، فلم تقنع من عدها لها في عداد المستحيلات بل فرضتها أساساً تبني عليه الأمور غير المشروعة كعدم ارتداع الفجرة الملاحدة عن إظهار ما عندهم من المنكرات، وإشاعة الكفريات وتجرؤ المبتدعين في إظهار بدعهم، وزندقتهم وإلحادهم. وربما زادت في الطين بلّة فجعلت من لوازم هذه الحرية ومقتضياتها أن تخرج النساء المسلمات سافرات الوجوه. وغير ذلك مما لم يربطه بقضية الاستبدادية والديمقراطية أقل ربط..
ولم تدر أن الملل المسيحية سواء كانوا استبداديين كروسيا أو ديمقراطيين كفرنسا وإنجلترا إنما لم تمتنع من أمثال هذه الارتكابات لعدم تحريمها في مللهم وأديانهم لا لأنهم استبداديون أو ديمقراطيون…
وأما المساواة في جميع الحقوق وقد سمعت أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لمجرد استحكام مثل هذا الأساس لسعادة أمته جرّد كتفيه المباركين بتلك الحالة الشديدة لاستيفاء قصاص ادّعائي، كما عرفت أيضاً أن علياً عليه السلام لم يحمل من تلك المحن والمصائب ما حمل إلا للجري على ذاك المنوال والتسوية فيما بين السابقين البدريين وبين الإيرانيين الجديدين عهداً بالإسلام حتى جرع كأس الشهادة في محراب العبادة، فقد صوّرتها بصورة مساواة المسلمين مع أهل الذمّة في أبواب التناكح والتوارث والقصاص والديّات، بل زادت في الطنبور نغمة فجعلت من مقتضياتها المساواة بين أصناف المكلفين كالبالغ وغير البالغ والعاقل والمجنون والصحيح والمريض والمختار والمضطر والموسر والمعسر والقادر والعاجز وغير ذلك مما كان اختلافها منشأ لاختلاف التكاليف والأحكام ويبعد عن قضية الاستبداد والديمقراطية بعدنا عن الفلك الأطلس…
وبالجملة فحيث إن رأس مال سعادة الأمة وحياتها ومحدودية السلطنة، والمسؤولية المقومة لها، وحفظ حقوق الشعب كلها تنتهي لهذين الأصلين ـ لهذا تراها ـ الشعبة الاستبدادية الدينية صبغت هاتين الموهبتين العظيمتين بهذه الصبغة القبيحة..!
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن جهله وخطاب من لا يفهم
مهما بلغت درجة الغباوة في الأمة الإيرانية، ومهما عمّت وصمّت، ومهما كانت ـ كما نظنها ـ جاهلة بمقتضيات دينها، وضروريات مذهبها، غير متحرية في طلب حقوقها الملية، وتحرير رقابها من هذه الرقّية الملعونة ومساواتها مع غاصبي حقوقها وغامطي حريتها، غير متصورة لحياتها معنى إلا أنها مسخّرة لرفاهية عيش أولئك ـ المعممين والمتطربشين ـ المتطفلين على موائد الشعب وحقوقه… ومهما انتهى بها الحال من الجهل حتى بعدم ارتباط مسائل كهذه بأساس الاستبدادية والديمقراطية فهي مع هذا كله تفهم جيداً أن ليست الغاية من كفاح هؤلاء العقلاء الخبيرين وغيوري الشعب بطبقاتهم من العلماء والأخيار والتجّار وغيرهم في سبيل استنقاذ حريتهم المغتصبة ومساواتهم مع جميع الولاة في جميع الحقوق. نعم، ليست الغاية من هذه الأمور هي أن يبعثوا نواميسهم للأسواق سافرات الوجوه، ولا أن يتواصلوا مع اليهود والنصارى، ولا أن يسووا بين البالغ وغير البالغ ونحو ذلك في التكاليف. كلا ولا أن يبيحوا للفسقة المبدعين تجاهرهم بمنكراتهم، وإشاعتهم لكفرياتهم وأشباه هذه الترهات… كما تعرف حسناً أن غرض رؤساء المذهب وزعمائه من إصدارهم الأحكام الأكيدة وتصريحهم بأن مخالفتها محاربة لإمام الزمان، هو حفظ بيضة الإسلام وحراسة الممالك الإسلامية لا غير…!!
كيف لا وقد نظرت بأم رأسها إلى تلك الفرقة من الجبابرة والطواغيت الماحين بسيرتهم أحكام الشريعة المطهرة، والمروجين أنحاء الفسوق والفجور في المملكة، وعرفت ما انطوت عليه ضمائرهم.. وإن ليس القصد من ارتكاباتهم الشنيعة الجنكيزية، إلا الحفظ على مقام ـ مالكية الرقاب وفاعلية ما يشاء والحاكمية بما يريد، وعدم المسؤولية عما يفعل ـ ولعلها شعرت مع هذا كله باتّصافنا نحن الحاملين لشعبة الاستبداد الديني وعبيد ظلمة العصر إجمالاً في الأوصاف المذكورة في الاحتجاج لعلماء السوء ولصوص الدين المبين ومضلي ضعفاء المسلمين التي يقول عليه السلام في آخرها: «أولئك أضر على ضفعاء شيعتنا من جيش «يزيد لعنه الله» على الحسين» واستنبطت سر اتفاقنا مع الظالمين واندراجنا في عنوان الآية المباركة {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ})[548]( وعدم حصولنا بالآخرة إلا على ما يعود علينا بالافتضاح الأبدي والخزي في الدارين، سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
ويجدر بنا بعد بلوغنا هذا المقام أن نمسك من عنان القلم عن شرح هذه الفضائح التي لا بد وأن تعود على جميع النوع بالعار والشنار، ونحيل كشف حقيقة هذه المغالطات إلى موقفنا الحالي، ونختم هذه المقدمة بذكر فهرست الفصول الخمسة على سبيل الإجمال وهي على هذا الترتيب:
أولاً ـ في أن حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي وسائر الشرائع والأديان بل وعند الحكماء والعقلاء في العالم قديماً وحديثاً مجعولة على الوجه الثاني وتحويلها إلى الوجه الأول مطلقاً من بدع ظالمي الأمم وطواغيت الأعصار…
ثانياً ـ في أنه هل يجب علينا في عصر الغيبة (مع قصور أيدينا عن التمسك بمقام العصمة ومع كون الولاية والنيابة العمومية في إقامة هذه الوظائف مغتصبة، ومع أن انتزاعها من غاصبيها غير مقدور لنا أيضاً) إرجاع هذه السلطنة من النحو الأول الذي هو ظلم زائد وغصب في غصب إلى النحو الثاني الذي هو عبارة عن تحديد هذا الاستيلاء الجوري بقدر الإمكان وأن مجرد مغصوبية المقام موجبة لسقوط هذا التكليف عنا لا غير.
ثالثاً ـ في أنه على فرض لزوم هذا التحديد المذكور، هل هذه الشروط الرسمية التي عرفت أن ركنها المقوم عبارة عن أمرين، وأن وسيلة التحديد منحصرة فيها لا غير متعينة وخالية من كل محذور أولاً..؟؟
رابعاً ـ في ذكر بعض وساوس ومغالطات ألقيت لصرف قلوب العوام ودحضها بأدلة وبراهين كافية..؟؟
خامساً ـ في ذكر شرائط صحة تدخل المبعوثين عن الأمة في هذا الباب وبيان وظيفتهم العملية على وجه الإجمال..
الفصل الأول
في حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي وسائر الشرائع والأديان بل وعند الحكماء والعقلاء في العالم قديماً وحديثاً مجعولة على الوجه الثاني وتحويلها إلى الوجه الأول مطلقاً من بدع ظالمي الأمم وطواغيت الأعصار.
الغرض من هذا الفصل توضيح الأمر الأول ويقع الكلام عليه في مقامين:
1 ـ في بيان تحديد الاستيلاء والسلطنة التي أمرت بها جميع الشرائع والأديان لإقامة الوظائف والمصالح النوعية.
2 ـ في الكشف عن درجة هذا التحديد وبيان حقيقته.. أما الأمر الأول فظاهر مما مرَّ عليك في المقدمة إذ عرفت أن المقصود من السلطنة وتأسيسها وترتيب القوى ووضع الخراج وغير ذلك هو حفظ نظام المملكة وتنظيم الشعب وتربية النوع ورعاية الرعية وأن ليس المقصود هو إضاعتها في سبيل الشهوات والإرادات الوحشية الهمجية النفسانية وتسخير الرقاب واستعباد الشعب وولولته تحت نير التحكم البحت.. إذن فلا محالة من أن نتصور أن السلطنة التي صرحت بها الأديان وأقرها كل عاقل ـ سواء كان المتصدي لها محقاً أو مبطلاً ـ عبارة عن وديعة يجب الاحتفاظ بها. وإن شئت فقل هي إقامة وظائف لازمة لرعاية المصلحة العامة لا على سبيل القهر والتحكم بمقتضى الإرادات النفسية في البلاد وفيما بين العباد. وفي الحقيقة هي من قبيل تولية بعض الموقوف عليهم على حفظ العين الموقوفة. والتسوية فيما بين أرباب الحقوق وإيصال كل ذي حق إلى حقه وليست هي من قبيل التملّك والتصرّف الشخصي الدائر مدار ميول المتصرف وإراداته القلبية.
ومن هذه الجهة سمي السلطان في لسان العلماء والأئمة الإسلاميين بالوالي والولي والراعي والشعب بالرعية. وعلى هذا المبنى أيضاً كان نصب السلطان (من حيث إن سلطنته عبارة عن الحفظ والتنظيم) موقوفاً على أمر من المالك الحقيقي والولي بالذات ومعطي الولايات عز اسمه وتفصيل المطلب موكول إلى مباحث الإمامة.
وإذا عرفت أن القهر والضغط على رقاب الشعب (علاوة على أنه من أشنع أنحاء الظلم والطغيان والعلو في الأرض) هو عبارة عن اغتصاب الرداء الكبريائي ومنافٍ لأهم مقاصد الأنبياء ظهر لك أن السكوت عنه وإهمال شجرته الخبيثة حتى تنمو وتكبر لا يكاد يجوز في دين من الأديان أو مذهب من المذاهب.
بل يظهر من قوله تعالى حكاية عن لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُوا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ})[549](. إن قومها ـ مع أنهم كانوا يعبدون الشمس من دون الله ـ ممتعون بظل حكومة دستورية شوروية عمومية (لا استبدادية) كما يمكننا أن نستفيد من قوله تعالى حكاية عن تشاور الفرعونيين في أمر موسى وهارون وانتهاء مذاكراتهم العلنية في شأنهما إلى المذاكرة السرية: {فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى})[550]( إنه كما أن الوضع الإنجليزي اليوم مبعض فهو بالنسبة إلى الشعوب الإنجليزية من حيث إنها خاملة وراقدة ـ مع ما بها من أسر وذل ـ استعبادي واستبدادي… كذلك كان الوضع الفرعوني ـ مع ادّعاء الألوهية ـ مبعضاً فبالنسبة إلى القبائل القبطية قوم فرعون الأقربين شوروي وبالنسبة إلى أسباط بني إسرائيل استعبادي واعتسافي والآية الشريفة {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ})[551]( تفيد هذا المعنى أيضاً.
وعلى كل حال رجوع حقيقة السلطنة التي أمر بها الإسلام بل التي صرّحت بها كل الأديان إلى باب ولاية أحد المشركين في الحق النوعي بدون أية ميزة لشخص المتصدي من أظهر الضروريات. وكذلك تحديدها وعدم اختلاط الاستبدادات والتحكّمات والإرادات النفسية بها من البديهيات الإسلامية ورجوع كل هذه التحكّمات والإرادات النفسانية واستنادها إلى تغلب وطغيان الفراعنة ـ قديماً وحديثاً ـ من أوضح الواضحات.
وأما بموجب الحديث النبوي المتواتر بين الأمة الذي اتفقت التواريخ الإسلامية مؤكدة ومصدقة وقوع ما انطوى عليه من الإخبارات النبوية الغيبية فيكون تحويل مبدأ السلطنة الإسلامية من النحو الثاني إلى الأول ناشئاً من استبداد معاوية واستيلائه وبلوغ أغصان الشجرة الملعونة في القرآن ثلاثين نفراً ـ العدد المشؤوم ـ.
وما هذه السلطنة الاستبدادية المشؤومة التي بأيدينا إلاّ أثر من آثار أولئك وبعض من مواريثهم.
وأما المرحلة الثانية فقد تقدم ما يوضحها لك إجمالاً إذ عرفت أن بمقتضى مذهبنا (طائفة الإمامية) واعتبارنا كلياً كون الوالي السياسي للأمة معصوماً عدم وقوف هذا التحديد عند رفع التحكمات والإرادات النفسية فقط، وليس هو مقصوراً على تركها فحسب، بل ربما تجاوزها إلى درجات أخر سبقت الإشارة إليها إجمالاً.
وأما بمقتضى مذهب أهل السنة حيث لم يشترطوا في الوالي (مطلقاً) أن يكون معصوماً ولا أن يكون منصوباً من الله. بل يكفي فيه إجماع أهل الحل والعقد عليه فهو وإن لم تنته درجة المحدودية فيه إلى حيث انتهت بمذهبنا، إلا أن عدم تخطّي الوالي الكتاب والسنة النبوية من الشروط التي اعتبروها لازمة الذكر في نفس عقد البيعة عندهم. وكذلك يرون أن أقل تحكم أو تخلّف أو إرادة نفسية منافٍ لمنصبه وموجب لعزله ونصب آخر مقامه.
وعلى هذا فتحديد السلطنة الإسلامية بالدرجة الأولى التي هي عبارة عن ترك التحكّمات والاستئثارات، مع الإغماض عن أهلية المتصدي والسكوت عن لوازم مقامه من العصمة الألوهية خصوصاً على مذهبنا هو القدر المتفق عليه بين الفريقين والمتسالم عليه بين الأمتين ومن الضروريات الإسلامية أيضاً..
ولما كان حفظ هذه الدرجة المسلمة بين الأمة بحسب القوة البشرية ممكناً عادة وليس هو من قبيل سائر الدرجات المخصوصة بمذهبنا المتعذّر القيام بها لتوقفها على قوة عاصمة إلاهية كان لزوم حفظها بكل وسيلة أمكن استعمالها (خصوصاً إذا كان المتصدي لها غاصباً) متيقناً ومسلماً ولا يمكن أن ينكره كل من أقرّ بالشهادتين إلا أن يخرج من ملّتنا أو يدين بغير ديننا.
الفصل الثاني
هل يجب علينا في عصر الغيبة ـ مع قصور أيدينا عن التمسك بمقام العصمة ومع كون الولاية والنيابة العمومية في إقامة هذه الوظائف مغتصبة، ومع أن انتزاعها من غاصبيها غير مقدور لنا أيضاً ـ إرجاع هذه السلطنة من النحو الأول الذي هو ظلم زائد وغصب في غصب إلى النحو الثاني الذي هو عبارة عن تحديد هذا الاستيلاء الجوري بقدر الإمكان أو أن مجرد مغصوبية المقام موجبة لسقوط هذا التكليف عنّا لا غير.
غرضنا من هذا الفصل هو تنقيح الأمر الثاني ويحسن بنا ذكر ثلاثة مطالب من باب المقدمة:
1 ـ من المعلومات بالضرورة من الدين في باب النهي عن المنكر هو أن الشخص الواحد لو ارتكب في الوقت الواحد منكرات عديدة كان نهيه عن كل واحد من تلك المنكرات واجباً مستقلاً برأسه غير مقيد بالقدرة على نهيه عن سائر تلك المنكرات وردعه عن كل ما ارتكب.
2 ـ إن من قطعيات مذهبنا «طائفة الإمامية» هو أن ما كان من الولايات العمومية «الوظائف الحسبية» محرزاً عدم رضاء الشارع المقدس بإهمالها في هذا الوقت موكولة كلها لفقهاء عصر الغيبة حيث نعتقد أن نيابتهم فيها قدر متيقن وثابتة في الضرورة حتى مع عدم ثبوت النيابة العامة في جميع المناصب. وحيث كان عدم رضاء الشارع باختلال النظام وذهاب بيضة الإسلام من الواضحات الضرورية واهتمامه بحفظ الممالك الإسلامية وانتظامها أكثر من اهتمامه في سائر الأمور الحسبية. لهذا كان ثبوت نيابة الفقهاء والنواب العموميين في عصر الغيبة على إقامة الوظائف المذكورة من أوضح القطيعات في مذهبنا.
3 ـ إنه قد ثبت في باب الولايات على أمثال الأوقاف العامة والخاصة وغيرها عند كل علماء الإسلام أن الغاصب عدواناً لو وضع يده على بعض الموقوفات ولم يمكن رفع يده رأساً عنها غير أنه يمكن بواسطة التدبيرات العملية واتّخاذ التدابير اللازمة من جهة هيئة ناظرة تنعقد لهذا الغرض لتحديد تصرفه هذا وصيانة هذه الموقوفة المغتصبة مثلاً كلاًّ أو بعضاً من الحيف والميل والصرف في الشهوات وغير ذلك. فالبينة عند العلماء المشترعين بل وعند العلماء الدهريين أيضاً.
وإذا عرفت هذه المطالب الثلاثة اتّضح لك وجوب تحويل السلطنة الجائرة الغاصبة من النحو الأول إلى النحو الثاني «مع عدم التمكّن من أزيد منه» حيث تبين لك أن النحو الأول عبارة عن اغتصاب الرداء الكبريائي عن اسمه وظلم للساحة القدسية أولاً واغتصاب مقام الإمامة وظلم لناحية الإمامة المقدسة ثانياً. واغتصاب الرقاب والبلاد وظلم في حق العباد ثالثاً بخلاف النحو الثاني الذي هو عبارة عن ظلم واغتصاب مقام الإمام المقدس فقط بعيد عن حدود الظلمين والاغتصابيين الباقيين.
وعلى هذا تكون حقيقة تبديل السلطنة الجائرة وتحويلها عبارة عن قصر الاستيلاء الجوري وتحديده والردع عن ذينك الظلم والغصب الزائدين وليس هو كما يتوهّم عبارة عن رفع فرد من الظلم وجعل فرد آخر أخف وأقل منه مكانة. وبعبارة أوضح أن تصرفات القسم الأول أضعاف تلك التصرفات وأزيد منها وليست تقف عند حد أصلاً. وليس المقصود من هذه السلطنة وتبديلها إلا الردع عن تلك التصرفات الزائدة لا غير. وبتقريب آخر: إن تصرفات القسم الثاني هي تلك التصرفات الولايتية التي قلنا فيما سبق إن الولاية فيها ثابتة لأهلها شرعاً ومع عدم أهلية المتصدي تكون من قبيل مداخلة غير المتولي الشرعي في أمر الموقوفة التي يمكن أن تصان عن الحيف والميل بواسطة نظارة النظار..
ولا يبعد أن صدور الإذن فيها عمن له ولاية الإذن يلبسها مع ذلك لباساً شرعياً. وكما يمكن أن تخرج عن دائرة الظلم واغتصاب مقام الولاية والإمامة بوسيلة الإذن المذكورة. كذلك تكون من قبيل المتنجس بالعرض القابل لأن يطهر بهذه الإذن أيضاً. وهذا بخلاف تصرفات القسم الأول لأنها عبارة عن ظلم قبيح بالذات وغير لائقة لأن تلبس لباس مشروعية أصلاً وصدور الإذن غير ممكن فيها بتاتاً وهي من قبيل تملك الغاصب في نفس العين الموقوفة وإبطاله رسم وقفيتها ولنفس أعيان النجاسات التي ما دامت باقية في المحل فالمحل نجس وغير قابل للتطهير إلا بعد إزالتها عنه، وقضية تبديل السلطنة وتحويلها عبارة ثانية عن اجتماع هيئة النظار للعمل بموجب صلاح العين الموقوفة المغصوبة، من قبيل صيانتها وتحديد تصرفات الغاصب لها، ورفع يده التملكية التي هي غصب زائد وإلزامه بالعمل بمقتضى الوقفية وردعه من الحيف والميل والصرف في الشهوات وما أشبههما بإزالة العين النجسة عن المحل المتنجس التي رآها هذا الحقير أقل خدام الشرع الأنور. ويحسن بنا درجها هنا لما تضمنته من التشبيه المناسب لما نحن بصدده..
قبل بضع ليالٍ رأيت فيما يرى النائم كأني تشرّفت بخدمة المرحوم آية الله الحاج ميرزا حسين الطهراني نجل المرحوم الحاج ميرزا خليل طاب ثراهما وبعد التفاتي إلى رحلته من عالم الدنيا وتمسّكي بردائه للاستفادة منه وامتناعه من أن يجيبني عن المسائل التي وجهتها نحوه مما يتعلق بعالم الموت ونشأة البرزخ والآخرة وسماحه في الجواب عن غير هذه المسائل عرضت عليه بعض الأسئلة فجعل يسرد أجوبتها عليّ نقلاً عن لسان ولي العصر، وبعد أن أتم سرد الأجوبة سألته عن رأي الإمام في الاهتمام الذي كان يبديه في حياته رضي الله عنه بخصوص المشروطية (الديمقراطية) فكان حاصل جوابه أن قال، قال لي الإمام عليه السلام: إن كان لفظ المشروطة جديداً فالمطلب قديم مثّل عليه السلام مثالاً يتضمن التشبيه بالماء ذكره لي الميرزا المرحوم غير أني لم أستحضره الآن ثم قال: قال الإمام عليه السلام: إن المشروطة كجارية سوداء قذرة اليدين وقد كلّفوها بغسل يديها وتنظيفهما… اهـ.
ما أجمل هذا المثال، وما أحسن ارتباطه بالمقصود بسهل ممتنع لم يخطر ببال أحد أبداً. وهو علاوة على القرائن الأخر القطعيّة إمارة واضحة على صحة الرؤيا وصدقها.
سواد الجارية رمز إلى غصب أصل التصدّي وقذارة يديها إشارة إلى الغصب الزائد. وحيث كانت المشروطية مزيلة له لهذا شبهها الإمام عليه السلام يتنظيف الغاصبين المتصدّين أيديهم من القذارة التي عرضت عليها.
وبالجملة فإن حفظ تلك الدرجة المسلمة تحديد السلطنة الإسلامية ـ التي عرفت اتفاق الأمة عليها ـ وإنها من ضروريات الإسلام علاوة على أنها في نفسها من أهم التكاليف الواردة على نوع المسلمين ومن أعظم نواميس الدين المبين في صورة مغصوبية المقام وتعدّي الغاصبين وتجاوز المتصدّين ـ كما هي حالة إيران الحالية ـ من ضروريات مذهبنا كما أنها مندرجة من جهات أخر عديدة سبقت الإشارة إليها تحت عنوان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ نفوس المسلمين من الهلكة وأموالهم من التلف وأعراضهم من الهتك ودفع تطاول الظالمين إلى غيرها من الواجبات.
ومع الإغماض عن كل هذه المذكورات فإن جميع السياسيين والمطّلعين على أحوال العالم من المسلمين وغيرهم متّفقون على هذا المعنى. وهو كما أن المبدأ الطبيعي لرقي الإسلام الهائل ونفوذه في الصدر الأول وانتشاره ذلك الانتشار في أقل من نصف قرن ناشىء عن عدل السلطنة الإسلامية وشورويتها وحرية آحاد المسلمين ومساواتهم مع أشخاص الخلفاء وبطانتهم في جميع الحقوق والأحكام كذلك يكون المبدأ الطبيعي لتنزل المسلمين هذا وتفوق الملل المسيحية عليهم، وقد أخذوا معظم ممالكهم ولم يبق ما يحول بينهم وبين أخذهم البقية الباقية ناشئان عن خلود المسلمين لذل الأسر واسترقاقهم لحكومة استبدادية موروثة عن معاوية وفوز أولئك بحكومة شوروية مسؤولة مأخوذة عن شريعة المسلمين.
وما بقي المسلمون لاهين بسكرتهم غير شاعرين بغفلتهم مضطهدين كما في السابق تحت ذلّ عبودية فراعنة الأمة منقادين لناهبي روح المملكة فلا يمر عليهم زمان يسير إلا وهم: ـ لا سمح الله ـ كمسلمي معظم أفريقيا وأغلب آسيا فاقدون نعمتهم «الحرية» وشرف استقلال قوميتهم ودولتهم الإسلامية ومأسورون لحكومة النصارى. وبمرور جيلين يصبحون كأهالي الأندلس وغيرها: إسلاميتهم نصرانية، ومساجدهم كنائس، وآذانهم نواقيس، وشعائرهم الإسلامية زنانير. بل ويبدل لسانهم وتصبح روضة إمامهم الثامن المنورة موطأ لأرجل النصارى. وقى الله المسلمين منهُ ولا أرانا الله ذلك.
وقد أصبح هذا الأمر أقرب من قاب قوسين خصوصاً وقد تمّت مبادئه ومقدماته القريبة حتى أخذت الجارتان الشمالية والجنوبية ـ الروسيا وإنجلترا ـ خريطة إيران وقسمتا مملكتها بينهما مع كثرة ما هنالك من النظائر والأشباه. إذن فلا أقل من لزوم الحيطة والحذر.
وعلى هذا فمن البديهي الواضح أن تحويل السلطنة الجائرة الغاصبة من نحوها الظالم الأول إلى نحوها العادل الثاني علاوة على سائر المذكورات موجب لحفظ بيضة الإسلام وصيانة حوزة المسلمين من استيلاء الكفرة الجائرين. ومن هذه الجهة عينها هو من أهم الفرائض وأولها.
جمع الله على التقى كلمتنا، وعلى الهدى شملنا، ولا جعلنا من الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت بمحمد وآله الطاهرين.
الفصل الثالث
في أنه على فرض لزوم التحديد المذكور ـ في الفصل السابق ـ هل هذه الشروط الرسمية التي عرفت أن ركنها عبارة عن أمرين، وأن وسيلة التحديد منحصرة فيها لا غير متعينة وخالية من كل محذور أم لا؟
وهو مسوق لتحقيق الأمر الثالث وتوضيحه موقوف على بيان ثلاثة مطالب:
1 ـ وهو كما أن حقيقة السلطنة الإسلامية عبارة عن ولاية على سياسة أمور الأمة ومحدودة بحد معين كذلك يكون أساسها نظراً إلى تساوي تمام الأمة في نوعيات المملكة مبنياً على التشاور مع عقلاء الأمة عموماً ـ وبهذا تتحقق الشوروية الملية العمومية ـ لا مع البطانة وخواص شخص الوالي فقط، كما يطلق عليها البعض أنها الشوروية (وذلك من المسلّمات الإسلامية بنفس الكتاب المجيد والسيرة المقدسة النبوية التي بقيت محفوظة حتى زمان استيلاء معاوية).. ودلالة الآية المباركة و{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ})[552]( المخاطب بها نفس العصمة وعقل الكل وقد كلف بالمشورة مع عقلاء الأمة على هذا المطلب في كمال البداهة والظهور. حيث يعلم بالضرورة أن مرجع ضمير الجمع هو عموم الأمة وقاطبة المهاجرين والأنصار والقرائن المقامية لا من باب الظهور اللفظي كما أن دلالة كلمة ـ في الأمر ـ وهي مفرد محلى باللام ومفيد للعموم الإطلاقي على أن متعلق المشورة المقررة في الشريعة الطاهرة هو كلية الأمور السياسية في غاية الوضوح أيضاً. وخروج أحكام الله عزَّ اسمه من هذا العموم من باب التخصص لا التخصيص. والآية المباركة {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وإن لم تدل في نفسها على أكثر من رجحان المشورة غير أن دلالتها على أن المنبع في وضع الأمور النوعية هو تشاور النوع في كمال الوضوح.
وأما سيرة النبي المقدس في مشورة أصحابه وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم (في الحوادث أشيروا علي أصحابي) فقد تضمنتها السير والتواريخ وشرحتها شرحاً وافياً لائقاً بمقامها.
وقد بلغ من موافقتهِ لأكثرية آراء أصحابه أنه في غزوة أُحد مع أن رأيه المبارك الشخصي ورأي جماعة من عقلاء أصحابه كان على عدم الخروج من المدينة المنورة، وقد تبين بعد ذلك أنه هو الصلاح والصواب مع هذا وحيث رأى أكثرية الآراء مستقرة على الخروج وافقهم في هذا الوجه حتى تحمل ما تحمل من تلك المصائب الجليلة وفي عدم تخطّي الخلفاء الراشدين عن هذه السيرة المقدسة والترقيات غير المعتادة عليه في وقائع الصدر الأول من الإسلام كما هو معلوم تفصيلاً برهان ساطع على ما نقول.
وقد صرَّح به أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الواردة في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي التي أنشأها في صفين حيث يقول بذلك المجمع العظيم الذي أجمع المؤرخون على أنه لم يكن أقل من 50000 نسمة: (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني با يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما عليه أثقل، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل)اهـ.
كما يحسن بنا ونحن ندّعي التشيّع أن نقف متأملين قليلاً عندما نمر على هذه الجمل، وأن نصغي لها بآذاننا وقلوبنا وأن نتعقل هذه المعاني من باب إدراك الواقع وبلوغ الحقيقة وإلغاء الأغراض النفسية..
على ما يهتم هذا الرجل العظيم في رفع أبهة الخلافة وهيبتها عن قلوب الأمة؟ أي غاية يرمي حين ما يريد أن يصعد بهم لأعلى درجات الحرية؟ ما الذي يدعوه إلى ترغيبهم وتحريضهم على أن يعرضوا عليه اعتراضاتهم ومشورتهم وعدها مع ذلك من حقوق الرعية على الوالي أو حق الوالي على الرعية؟ نريد أن نفهم حسناً ما هو السر في قول أشرف الكائنات لأصحابه (أشيروا علي أصحابي؟).
فإذا كان اهتمامهم حتماً هذا مع وجود العصمة العاصمة واستغنائهم عن جميع العالم في إصابة الواقع رعاية للتحفظ عن الوقوع في الخطأ والاشتباه ـ وحاشاهم عن ذلك ـ فيلزمنا إذن ولا أقل لرفع التجاوزات العمدية أحكام هذا الأساس من السعادة..! وإذا كان المقصود من هذه الأوامر هو تنزيه السلطة الحقة عن مجرد تشبهها الصوري بسلطنات الفراعنة وطواغيت الأمم الاستبدادية، وحفظ أساس مسؤوليتها وشورويتها والإبقاء على الأصلين الطاهرين حرية الأمة ومساواتها مع شخص الخليفة في الحقوق النوعية، كما هو الظاهر بل المتيقن منها فيلزمنا حينئذٍ التحفظ على السلطنة الإسلامية فيما إذا كان المتصدّي لها مغتصباً بقدر ما عندنا من القوة والاستعداد. وإذا كان الغرض منها إرشادياً وأنها صدرت لمحض تعليم الأمة ولأجل أن تكون نموذجاً ومستقى لسير الولاة والقضاة والعمّال وبغرض إلزامهم بالسير على هذا النهج وبعدم التخلف عن هذا الدستور العملي فيلزمنا تعلمها على أي حال حتماً. وعلى كل حال ومع مزيد الأسف والحسرة ما أشد جهلنا ـ عبدة الظالمين وحاملي شعبة الاستبداد الديني ـ بمداليل الكتاب والسنة وأحكام الشريعة وسيرة النبي المطهر والإمام المكرم.. وترانا عوضاً من أن نقول في حق الشوروية العمومية: هذه بضاعتنا ردّت إلينا نعدها مخالفة للقانون الإسلامي فكأننا لم نقرأ تلك الآيات الواضحة الدلالة أو لم نحصل على مفادها..! لا والله بل فهمناها وتعلقناها ولكن بواسطة منافاتها لشهواتنا وشعبة استبدادنا جددنا قضية {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ})[553](.
2 ـ في هذا الزمان وقد أصبحنا قاصرين ليس من وجهة عدم إمكاننا أن نتمسك بالعصمة العاصمة فقط بل حتى من وجهة عدم اتّصاف المتصدّين للأمور بملكة التقوى والعدالة والعلم الحقيقي وبالعكس مبتلين بالضد المقابل لها. فكما أن الضرورة قائمة على أن حفظ تلك الدرجة المسلمة من تحديد السلطة الإسلامية التي عرفت أنها من الأمور التي اتّفقت عليها الأمة وأنها من ضروريات الدين الإسلامي ـ والتحفّظ على أساس الشوروية الثابت بنص الكتاب والسنة النبوية وللسيرة المقدسة لا يتصور ولا يتحقق وجودهما إلا إذا استندتا على قوة خارجية رادعة ومسددة تقوم بقدر القوة البشرية مقام القوة العاصمة الإلهية ولا أقل من أن تحل محل القوة العلمية وملكة العدالة.. مع ملاحظة أنها لو تركت وطبع المتصدّين والموظفين لكانت من المستحيلات ولما كانت أقل قباحة من توصية الذئب بالشاة خيراً لا أقل فظاعة من تبريد العين الساخنة بالنار الموقدة. ومن هنا كان وجوب تكون الهيئة المذكورة على الغرار السابق من الأمور البديهية غير القابلة للإنكار والخلاف كذلك مما هو معلوم بالضرورة أن هذه القوة المسددة والرادعة الخارجية لا تكون مؤثرة ومفيدة وقائمة مقام القوى النفسية إلا إذا كانت سارية في عموم طبقات الموظفين والمتصدّين الذين هم القوة الإجرائية وكما تكون الإرادات النفسية للهيئة المسددة منبعثة عن الملكات والإدراكات كذلك تكون إرادات هؤلاء منبعثة عن ترجيحات علمية ورادعة مسددة وكذلك تكون مقبولة ومطّردة وغير قابلة لأن يتخلّف عنها في وقت ما إذا كان أساس السلطنة مبتنياً بصورة رسمية على أوضاعها وقوانينها. وحينما يكون تنبه الأمة شعورها نحو واجبها سبباً لأن تسحق به جميع القوى الاستبدادية الآتي شرحها في الخاتمة بحيث تكون أبواب التخلّص والتملّص والحيل مسدودة في وجوه كل من أراد مناوءة هذه القوانين ومقاومتها. وألا تكون مدعاة لأن تحشر القوى الاستبدادية والفظائع الطاغوتية فيؤول أمرنا لا محالة نحن الإيرانيين ـ إلى أشنع وأفظع من الأول كما نكون قد قضينا على أنفسنا بالهلاك والبوار..!
3 ـ بعد أن عرفت بموجب هذا التفصيل وبين لك أن هذه القوة العاصمة والهيئة المسددة بناء على أصول مذهبنا طائفة الإمامية، قدر مقدور من القوة العاصمة الإلهية وبناء على مذهب أهل السنة هي في مقام القوة العلمية وملكة التقوى والعدالة. وعرفت أن حفظ كيان السلطنة الإسلامية من التبذّل ومراقبتها في عدم تجاوز حدودها متوقف على تلك القوة ومنحصر فيها، إذن فاعلم بأن الركن الأعظم لهذا التحفّظ والأصل لهذه المراقبة هو وضع الدستور المحدد على الترتيب السابق في المقدمة إجمالاً بحيث يكون وافياً بتميز الوظائف النوعية اللازمة من غيرها مما لا حق لأحد أن يتدخّل في شؤونها متضمناً بطور قانوني وبوجه رسمي لتفصيل الحدود المذكورة والمحافظة على التحديد السابق من دون أن يكون هناك دستور موضوع لهذا الغرض من قبيل المحمول بلا موضوع.
وبالجملة فكما أن ضبط أعمال المقلدين في أبواب العبادات والمعاملات بدون أن يكون بيدهم رسالة عملية يطبقون أحكامها على أعمالهم اليومية في المحالات والممتنعات كذلك تكون المسألة في الأمور السياسية وأوضاع المملكة النوعية، فإن ضبط سير المتصدّين والموظفين وكونهم تحت المراقبة التامة والمسؤولية الكاملة من غير أن يكون بيدهم دستور يأخذون منه منهاجهم العملي من الممتنعات الأولية، وفي الحقيقة أن أساس حفظ التحديد والمسؤولية مبني على وضع الدستور وهو الأصل لهذا الباب ومن قبيل المقدمة التي يتوقف عليها وجود هذا المطلب فهي واجبة لازمة من هذه الجهة.
وإذا تبينت لك هذه المطالب الثلاثة وعرفت أن حفظ الوضعية الإسلامية من التبدّل والتحفّظ على المحدودية والمسؤولية والشوروية وسائر مقومات الولاية عليها لا تتحقق في الخارج إلا بترتيب الدستور المحدد وانعقاد الهيئة المسددة ونظارتها وتحققه عادة من دون هذين الأمرين من الممتنعات القطعية، ثم عرفت أن ليس الغرض من انعقاد هذه الهيئة المسددة منحصراً في إقامة الوظائف اللازمة ومنع التجاوزات غير المعتادة فقط، ولا أن الغاية من نظارة هذه الهيئة هي من قبيل الغاية من النظارة على حفظ العين الموقوفة المغصوبة من تطاول ونهب المعتدي الغاصب فحسب، بل هناك أمر أدقّ وأعلى وألطف من كل هاتيك الأغراض والمقاصد وهو بناء على مذهبنا قدر مقدور من القوة التي تحل محل القوة العاصمة وبناء على مذهب أهل السنة هو في محل العدالة والقوة العلمية. وعرفت أيضاً أن هذه القوة إنما تكون متحققة ومؤثرة ومفيدة في وقت ما تكون الإرادات النفسية منبعثة من الملكات والإدراكات وكانت القوة الإجرائية في المملكة متأثرة بهذا الأمر ومنقادة لهذا الترتيب لا غير إذا عرفت هذه المطالب وتنبّهت إلى هذه المعاني على هذا الترتيب من أن حفظ السلطنة الإسلامية متوقف على وجود هذين الأصلين الحرية والمساواة والمسؤولية المترتبة عليهما. وأن القوة التي اعتبرناها في محل العصمة العاصمة لا يتمّ تأثيرها إلا بتجربة من مقتضيات مذهبنا ـ طائفة الإمامية ـ وذلك بعد إرجاع كل فرع منها إلى أصله طبعاً. ومن الضروري الواضح أن تحديد الاستيلاء الجوري وقد عرفت وجوبه فيما تقدم وتطبيقه من غير هذا الطريق من المتعسّر جداً.
ولا يسعنا في هذه المقام إلا الاعتراف بجودة استنباط أول حكيم التفت إلى هذه المعاني وبنى السلطنة العادلة الولايتية وكونها مسؤولة وشوروية ومشروطة على أساس الأصلين الأولين الحرية والمساواة مع مراعاة أنهما ركنان مقوّمان لها لا ينفكّان عنها أبداً ورتبها على الوجه الرسمي والاطّراد من طريق القانون والدستور الأساسي. واستنبط مع ذلك إمكان وضع القوة الرادعة الخارجية في موضع القوة العاصمة على مذهبنا. ولا أقل من وضعها في موضع ملكة التقوى والعدالة من كيفية انبعاث الإرادات النفسية عن الملكات ـ على مذهب العامة ـ وأوجدها في الخارج وسيلة تجزئة قوى المملكة وقصر شغل الموظفين على القوة الإجرائية وتحت إشراف القوة المسددة. ومسؤوليتها ومسؤوليتهم مع ذلك لإيجاد الأمة وأفراد الملة بخ. بخ. ما أجدره بالافتخار وأحرانا بأن نخجل من أنفسنا حينما نرى أنا بحمد الله وحسن تأييده نستخرج كل تلك القواعد اللطيفة من كلمة ـ لا تنقض اليقين بالشك ـ ونغفل مع ذلك عن مقتضيات مذهبنا وأصول عقائدنا وجهة امتيازنا عن سائر الفرق الأخرى فنحجم عن الدخول في هذا الوادي، حاسبين أن ابتلاءنا بأسارة الطواغيت ورقّية الفراعنة داء لا دواء له إلا ظهور قائمنا عجل الله فرجه. مع أن غيرنا شعر بهذا الداء فأخذ بطريق العلاج وحاز قصب السبق بتتبعه تلك المعاني والمباني لتخليص رقبته من نير تحكّم الظالمين. وما برح أن عمل بسياسات الدين الإسلامي وبجودة الاستنباط وحسن التفريع رتب عليها هكذا فروعاً صحيحة أدّت إلى تفوقه علينا وعجزنا عن الوصول إلى غايته.
أما اليوم وقد حصلنا بعد اللتيا والتي على شيء من التنبّه والشعور وقمنا نأخذ مقتضيات ديننا من الأجانب مع تمام الخجل قائلين هذه بضاعتنا ردّت إلينا. فقد أنهت الفرقة الجاهلة الخاملة عبدة الظلمة وحاملة شعبة الاستبداد الديني إعانتها للظالمين للنقطة الأخيرة والدرجة النهائية. وأصبحت تعد سلبنا للظالمين صفات الذات الأحدية كالفعال لما يشاء والحاكم بما يريد والمالك للرقاب وعدم المسؤولية عما يفعل منافياً للدين الإسلامي والقرآن المجيد، كما أنها اخترعت لها ديناً خاصاً طبقاً لإراداتها الاستبدادية ولمجرد مد يد المعونة للجائرين.. وجعلت عنوانه مع ذلك دين الإسلام ورتبت أساسه على تشريك الفراعنة مع الذات الأحدية تقدّست أسماؤه في الصفات الخاصة به وأخذت أحكامه من كتاب الجور والاستبداد الذي نزل عليها من روسيا الجائرة الكافرة بمقتضى أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم وضمّنته دستور الأعمال الجورية تماماً وأسمته القرآن السماوي أيضاً. مستظهرة بمد يد الإعانة والمساعدة للظالمين ومتاجرة في بلاد المسلمين بأمر كهذا مخالف للضرورة ومباين للعقل الناضج وضربت على وتر أجعل الإلهة إلهاً واحداً أن هذا لشيء عجاب ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق.. عصمنا الله من غلبة الهوى.
الفصل الرابع
في ذكر بعض وساوس ومغالطات أُلقيت لصرف العوام ودحضها بأدلة وبراهين.
نقتصر في هذا الفصل على ذكر جملة من الوساوس والشبهات ألقيت لصرف قلوب العامة وتنفيرها وبيان دفعها. ومع وضوح أن أساسها مبتنٍ على الاتحاد مع الجبابرة والطواغيت وناشىء عن تلك الشعبة الاستبدادية الدينية بغرض حفظ شجرة الاستبداد. ومحض استرقاق واستعباد رقاب العباد نكون قد استغنينا عن بيانها والجواب عنها. والاعتناء بها خروج عن الوظيفة. ولكن بملاحظة أن الملل الأجنبية وغير المطلعين على الأحكام الشرعية إذا سمعوا بمثل هذه الأباطيل التي لفقها الاستبداديون المغرضون عدوّها في عداد أقوال علماء الإسلام وحسبوا أن مثل تلك الأمور الواضحة الضروري مما هو قابل للاختلاف في الشريعة المطهرة، ومحل للاختلاف عند المتشرعة. فتذرعوا بها على الطعن في الدين المبين وللقدح في شريعة سيد المرسلين. رأينا أن نكتفي في هذا المختصر بذكر الوساوس المتعلقة بأصول هذا الأساس من السعادة تاركين تبعة الشبهات ودفعها مع أن الأوقات أشرف من فنائها في أباطيل كهذه إلى أن تسنح الفرصة بكتابة مقال على حدة. وحيث عرفت أن أساس الولايتية وعدل السلطنة سواء كان المتصدي لها محقاً أو غاصباً مبطلاً يبتني على الأصلين الطاهرين الحرية والمساواة. كما أن حفظ الشوروية والمحدودية وسائر مقوّماتها متوقف على ترتيب الدستور الأساسي وعقد مجلس الشورى النيابي لهذا نذكر المغالطات التي تخص كلاًّ من ذينك الأصلين وهذين الركنين المقومين على حدة ثم ندفعها حسب ترتيبها.
(المغالطة الأولى)
وهي المغالطة التي تخص أصل الحرية. ولعمر الحق هي من أولى المغالطات وأعجبها في العالم كما أن كشف حقيقتها من أهمها حيث عرفت في المقدمة أن حقيقة السلطنة التملكية عبارة والديمقراطية كنسبة الأرض للسماء، ولا تجتمع معها إلا كاجتماع الظباء مع الضفادع في الماء، وفوق هذا أيضاً فإن كل ذي شعور يعرف أن الملل المسيحية من أول تتبعها لهذا الأساس من السعادة وتقدّمها في استفادته من الكتاب والسنة النبوية كانت تناضل وتدافع وتجاهد في سبيل تحصيله والعثور على رشحة منه مع أن مشاربها متّسعة ومذاهبها قليلة التقييد.
حتى أن الملل التي لا تتقيد بدين أصلاً وأنها في كمال الاتّساع من المشرب لعدم ارتباطها بمذهب ما كانت مبتلية بأشد مما نحن فيه الآن من التلازم والتصادم مع من تعرفه غاصباً لحريتها مستولياً على سعادتها وما زالت تبذل من النفوس والأموال أضعاف ما نبذله نحن في هذا الصدد، حتى نالت ما طلبت وحصلت ما أرادت.. هذا ومما يشاهده كل أحد حتى الأعمى أن الأمة الروسية مع ابتلائها باستبداد طواغيتها وقهرها تحت ذل العبودية، وبذل ما يمكنها بذله في سبيل تخليص رقابها من أيدي زعمائها المتشربين بحب الاستبداد والاستعمار.
مع هذا كله هي متّحدة وسائر الملل المسيحية الأخرى في اتّساع المشرب والالتزام بقواعد التحليل والتحريم ـ مع أن هذه الأمم الأخرى في أعلى درجات الديمقراطية ـ ومتّفقة معها على بذل الأموال في سبيل ترويج الديانة النصرانية والشعائر المسيحية إلى غير ذلك من لوازم مذهبها، وبعد وضوح هذه المعاني ومشاهدة الفرقتين المسيحيتين «مع ما بينهما من الاختلاف في الأمور الأخرى ككون هذه استبدادية وتلك ديمقراطية..» متحدّتان في اتّساع المشرب يتبين لك تماماً عدم ارتباط تلك الأمور بقضية الاستبداد وعدم الاستبداد وستعرف إن شاء الله تعالى نتيجة كل هذه المغالطات والمخادعات، وبذل الجهود في سبيل انتشار كل هذه المكابرات والمناكرات وإن ليس ثمة عاقبة مستفادة أصلاً.
أما اليوم فالأمة الإيرانية ـ بحمد الله ـ في كمال التنبّه واليقظة إلى أمور ديانتها، والعمل بقواعد شريعتها، ولا أخالها تجهل أن مقتضيات دين المسيحية التي هي مشتركة بين كل فرقها غير مرتبطة بحرية رقابها من رقّية فراعنتها وطواغيتها أو تقع في أسر رقّية الجبابرة بهذه المغالطات وأشباهها مرة ثانية ـ فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ـ كلا ولا تلوي رؤوسها عن إطاعة زعماء دينها بنظير كلمة الكفر التي يقولها بقايا خوارج النهروإن: (لا حكم إلا لله) ولا تسل سيف الكفر والإلحاد في وجه إمام زمانها. هذا ويجب علينا عبدة الظالمين أن نقطع الرجاء من أن يعود لنا بعد هذا زمان كنا نموه فيه على الحقيقة، ونضلل في الطريقة عن اغتصاب رقاب الأمة في التحكمات النفسية. وأن مبدأ هذا الاغتصاب بمقتضى الحديث النبوي المتواتر بين الأمة ـ شيعيها وسنيها ـ كان عند بلوغ بني العاص ثلاثين نفراً وعرفت أن أساس الولايتية مبتنٍ فيما إذا كان المتصدّي للولاية غاصباً لتحرير الأمة من هذه الرقّية. إذن فحقيقة تبديل السلطنة الجائرة وتحويلها عبارة عن تحصيل هذه الحرية لا غير… كل المنازعات والمشاجرات الواقعة بين كل أمة وحكومتها التملكية هي للحصول على هذا المطلب فحسب. ولا دخل لها برفع يد الأمة عن أحكام الدين ومقتضيات المذهب أصلاً مقصد كل أمة سواء كانت متدينة بدين من الأديان أو لم تكن قائلة حتى بوجود الصانع العالم هو التخلّص من هذه الرقّية والإسارة لا خروجها عن ربقة عبودية ربها ورفع الالتزام بأحكام شريعتها وكتابها المتدينة به. الطرف المقابل لكل أمة في تنازعها وتشاجرها هي فقط حكومتها التي اغتصبت رقابها لا مالكها وصانعها وإلاهها وحيث كانت جل المنازعات والمشاجرات الواقعة فيما بين الأنبياء والأولياء مع فراعنة السلف وكذلك الواقعة فيما بين أتباعهم وأخلافهم مع طواغيت الخلف هي كلها من أجل استنقاذ هذه الموهبة العظمى من مغتصبيها لا غير.. ولما كان حقيقة تبديل السلطنة الغاصبة هو عبارة عن ظفر الأمة بهذه الموهبة الربانية قام عبدة الظالمين يصرفون همهم في صرف قلوب الأمة عن إدراك هذه الحقيقة.. ويلقون بأذهانهم من لوازم هذه الحرية التديّن بدين المسيحية كأنهم يحاولون أن يتسلّطوا على قلوب العامة ويتسيطروا على أفكارهم..
ولكن هيهات هيهات، مضى الزمان الذي كانت فيه الأمة الإيرانية صماء بكماء تلعن المرحوم قدوة المتألهين ملا محراب الحكيم لأنه كان يقول بوحدة واجب الوجود. وترى وجوب التبري من الكليم لأنه نبي اليهود وربما كانت تتجاسر على ساحة الإمام السابع أيضاً لاشتراكه مع الكليم بالاسم، وتبتعد عن كل أمر حق بسماع كلمة واهية ينعق بها كل ناعق. أما اليوم فقد تفتحت بحمد الله عيونهم وآذانهم وفهموا حقيقة الحرية المظلومة المغصوبة واهتمام الأولياء والأوصياء في استنقاذها من أيدي غاصبيها، وعرفوا أن روح استبداد الدولة الغاصبة عبارة عن اغتصاب هذه الحرية، وأن مشروطية الدولة ـ ديمقراطيتها ـ عبارة عن انتزاعها من غاصبها لا غير. وأن هذه الاتساعات في المشرب والتوسعات الخارقة خارجة عن حقيقة الحرية ووجودها وعدم وجودها ناشئين عن الاختلاف في المذاهب والطرائق، ونسبتها للاستبدادية يوم كنا نعد الطلب بالحرية خروجاً عن الدين ومروقاً عن المذهب ونزوعاً إلى مذهب الملاحدة والزنادقة البابية. ونقول إن الديمقراطية دين جديد مبتدع في مقابل الديانة الإسلامية، ونحول بين المسلمين وبين حرية رقابهم المنشودة، ونستلم على حسن خدماتنا هذه الجوائز والأوسمة والنعم والهدايا وغير ذلك. اللهم إلا أن نزوره في الخيال أو نحلم به في المنام.
(المغالطة الثانية)
وهي متعلقة بأصل المساواة، ومن الظاهر الواضح أنه كما أن ولايتية السلطنة وخروجها عن دائرة التملكية الجائرة يبتني على الأصل الأول الذي هو عبارة عن تحرير رقاب الأمة من الرقيّة الجائرة (ومن هنا كان معرضاً لكل تلك المغالطات) كذلك كونها عادلة ومحفوظة آحاد الأمة بعضهم لبعض ومع شخص الوالي أيضاً في جميع النوعيات. وكلمة (وأنت القاسم بالسوية والعادل في الرعية) المخاطب بها سيد الأوصياء في زيارة يوم الغدير ناظرة لهذا المعنى أيضاً.
ولما عرفت الشعبة الاستبدادية الدينية ما لهذا الركن العظيم الذي هو رأس مال السعادة الثاني من التأثير الحسن في حياة الأمة لاشتماله على مسؤولية المتصدين للوظائف العمومية، وردعهم عن الاستئثارات النفسية والتجاوزات العمدية الاستبدادية أخذت على عاتقها أن تصوره للعامة بأقبح الصور التي ينفر منها كل متدين على وجه الأرض فضلاً عن المسلمين منهم.. وأنت تعرف أن مسألة اختلاف أصناف المكلفين بأنحاء التكاليف غير مختصّة بالدين الإسلامي فحسب، بل هي مطّردة وجارية في جميع الأديان والشرائع بل وموجودة حتى عند منكري جميع الأديان أيضاً، لقطع الضرورة باختلاف الأحكام العقلانية اللازمة للنشأة البشرية باختلاف قدرة الإنسان وعجزه واختياره واضطراره وعقله وجهله وثروته وإفلاسه إلى غير ذلك من المستقلات العقلية. وكذلك تكون رجال كل ملة وطبقات كل دولة مختلفة أيضاً ولكل صنف منها وظيفة خاصة وحكم مخصوص مقرر له لا يتجاوز إلى غيره..
وبعد وضوح هذا المعنى يمكنك أن تفهم حسناً أن ليس المقصود من كلمة المساواة هو التسوية فيما بين الأصناف المختلفة الأحكام ورفع امتياز بعضهم عن بعض، طبعاً لمخالفة هذا المعنى جميع الشرائع والأديان بل وحكم المستقل أيضاً. ولأنه موجب لإبطال القوانين السياسية عند جميع الأمم، وهدم أساس نظام العالم. ولا يوجد عند أي أمة متمدنة كانت أو غير متمدنة صورة خارجية لهذا المعنى أصلاً.. فكيف جاز لهؤلاء حمل كلمة (المساواة) على هذا المعنى وتفريعهم عليها كل تلك المغالطات..؟!
إن قانون المساواة من أشرف القوانين المأخوذة عن السياسات الإسلامية. بل هو مبنى العدالة وأساسها وروح كل هاتيك القوانين. وقد تقدّم عندك في المقدمة إجمالاً شدّة اهتمام الشارع المقدس في إحكام هذا الأساس الثاني من سعادة الأمة. وحقيقته في الشريعة المطهرة عبارة عن هذا المعنى وهو: إن الأحكام المترتبة على موضوع من المواضيع أو عنوان من العناوين بطور القانونية وعلى وجه الكلية تكون في مرحلة الإجراء بالنسبة إلى المصاديق والأفراد متساوية بدون تفاوت أصلاً، غير ملحوظ فيها الجهات الشخصية والإضافات الخاصة رأساً، مسلوب فيها حق الاختيار في الوضع والرفع والإغماض والعفو وغير ذلك، مسدود فيها باب التخلّف والارتشاء والإرادات القلبية التحكمية، نسبتها إلى العناوين الأولية المشتركة بين العموم كالأمنية على النفس والعرض والمال والمسكن وعدم التعرّض بدون سبب وعدم التجسس على الخفايا وعدم الحبس والنفي بدون موجب وعدم الممانعة عن الاجتماعات المشروعة ونحو ذلك مما هو مشترك بين العموم وليس له أقل اختصاص بفرقة دون فرقة على حد سواء بلا تفاوت في عموم المجرى أصلاً. وكذلك تكون المسألة في العناوين الخاصة على تقدير دخول العامة فيها. فالنسبة بين مصاديقها وأفرادها وبين عموم الشعب على حد سواء وبدون امتياز لأحد أبداً..
مثلاً: يؤتى بالمدّعى عليه للمحاكمة سواء كان وضيعاً أو رفيعاً جاهلاً أو عالماً مسلماً أو غيره. وكذلك بالنسبة للسارق والزاني وشارب الخمر والراشي والمرتشي والجائر في الحكم والمغتصب للمقام والغاصب للأموال العامة أو الخاصة. وأكل أموال الأيتام وغير الأيتام والمفسد والمرتد أياً كان يجري عليه الحكم الشرعي الصادر عن حاكم الشرع النافذ الحكومة بدون تعطيل رأساً. والأحكام المخصوصة بخصوص المسلمين أو أهل الذمة تجري على أشخاص كل من الفريقين بلا تفاوت في الإجراء إلى غير ذلك من العناوين المختلفة..
هذه هي حقيقة المساواة، وهذا هو معنى التسوية في أساس العدالة. وما روح كل القوانين السياسية إلا عبارة ثانية عن روح هذه المساواة، وقيام الضرورة من الدين الإسلامي على عدم جواز التخطّي عن هذا المعنى من الضروريات البديهية وانطباق كل من فصلي الدستور الأساسي للملتين الإسلاميتين ـ وقد اتحدا مفاداً وأصبح كل منهما بمنزلة الترجمة الحرفية للآخر وقد تكفلا بيان هذا الروح من السياسة والأساس من العدالة ـ على هذا المعنى الضروري على تلك المغالطات الإلحادية المخالفة لضروريات تمام الشرائع والأديان حتى عند غير أهل اللسان من الواضحات البديهية. وبعد أن كان صريح عبارة كل من الدستوريين هو تساوي تمام الملة في الحقوق نسبة للقوانين الدستورية المتضمن كل منها بيان حكم خاص لعنوان عام أو موضوع مخصوص. فلا محالة من أن يكون مفادها هو انطباق الأحكام المترتبة على كل من العناوين الخاصة أو العامة نسبة لأشخاص موضوعاتها على حد سواء، على وجه لا يكون في البيّن أقل نفوذ لسلطة الإرادات الشهوانية والتحكّمات الحيوانية..
وما غرض الملل الأجنبية من قانون المساواة إلا عين هذا المعنى وإلا لانهارت أسس قوانينهم وتناقضت بعضها مع بعض. وأما منشأ الاختلافات المشهورة فيما بين سياستهم وبين شرع الإسلام ـ قانون محمد بن عبدالله ـ فهو عدم انطباق فصول قوانينهم التفصيلية على جزئيات الشريعة الإسلامية لالتزامهم بالعدل والمساواة وما أشبهها في مرحلة الإجراء وتطبيق الأحكام وغيرها. ومع انطباق الدساتير التفصيلية على الأحكام الشرعية كما هو شأن كل الدساتير الإسلامية لا يمكننا أن نتصور بالضرورة فائدة ونتيجة لأصل المساواة إلا عدم امتياز الوضيع عن الشريف والقوي عن الضعيف وإحياء السنة المقدسة والسيرة النبوية وأحكام أساس المسؤولية عن التجاوزات وسلب الجائر من إرادتهم واختياراتهم الجائرة الطاغوتية في دائرة الإجراء.
ولكن لما كان روح مطلبهم وتمام مقصدهم هو تخلصهم من المساواة مع آحاد الملة وإطلاق الظالمين من قيد المسؤولية والتحفّظ على هذه الدرجة من الحاكمية. أظهروا هذا الأصل من العدالة بهذا المظهر القبيح وألبسوه لباس رفع الامتياز فيما بين الأصناف المختلفة الأحكام (وقد عرفت أن هذا المعنى مما تضجر منه جميع الأمم والملل) فجددوا لهم قضية قوله: يحرفون من بعدي ما عقلوه وهم يعلمون وأصبحوا مصداقاً مشهوداً لقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}… والأعجب من هذا كله أنه مع وضوح أن هذا الدستور لم يعقد إلا لضبط سير الموظفين وتحديد استيلائهم وتعيين وظائفهم وتشخيص الوظائف النوعية اللازمة الإقامة عن غيرها. وأن الدساتير التفصيلية هي إما سياسات عرفية محضة قررت حفظاً للنظام وإما شرعيات وضعت على سبيل الاشتراك بين العموم لرفع الامتيازات الناشئة عن اختلاف الأصناف فهي دائماً أجنبية عن التكاليف التعبدية والتوصلية وأحكام المعاملات والمناكحات وسائر أبواب العقود والإيقاعات والمواريث والقصاص والديات ونحو ذلك مما يكون المرجع فيه الرسائل العملية وفتاوى المجتهدين ومتابعته موكولة للديانة الإسلامية وخارجة عن وظائف الموظفين وتداخل هيئة المبعوثين وغير مرتبطة بوظائف الحكومة الشرعية وتفصيل موارد الحكم فيها كاستيفاء القصاص والدية وإجراء الحدود الإلهية على المسلم والكافر الأصلي والمرتد الفطري والملي وغير ذلك مما هو موكول إلى نظر المجتهد النافذ الحكومة ولا ربط له بالقوة الإجرائية إلا في مقام تنفيذ الأحكام الصادرة ولا يمكن أن يترتب على ضم قانون المساواة إلى قانون المحاكمات غير الرجوع إلى المجتهد النافذ الحكومة وإجراء الأحكام الصادرة مهما كانت على المحكوم عليه أياً كان بلا توقف أي أثر ثاني أو نتيجة أخرى.
ومع هذا كله لأجل تتميم المغالطة المذكورة نراهم يعددون الموضوعات المختلفة والأحكام الشرعية المذكورة في أبوابها ويحكمون بأنها متنافية مع قانون المساواة وقد عرفت مفاده ونتيجته ليأخذوا بها مظهراً لهم ومفخراً يفخرون به. نعم وأعجب من هذا أنه مع تصريح قانون المساواة بأنه موضوع لتساوي آحاد الشعب وأهل المملكة بالنسبة للقوانين الموضوعة لضبط سير الموظفين وأعمالهم لا لرفع الامتياز كليةً فيما بينهم، ومن البديهي عدم اختلاف تلك القوانين ويُعد كل تلك المغالطات التي لفقوها أمام الغرض المقصود ضربوا على وتر مغالطة أخرى، حاصلها أن هذه القوانين لا تخلو أمّا أن تكون مطابقة للإسلام أو مخالفة له، فإن قلتم بأنها مطابقة فكيف يمكن التساوي مع الاختلافات المشهودة في الأبواب المذكورة؟ وإن قلتم بأنها مخالفة للإسلام فكيف يمكن تقنينهما وجعلهما قانوناً واحداً..؟!
لا ينقضي عجبنا وايم الحق إزاء هذه الترهات والأباطيل. هذه القوانين بمرأى منا ومسمع. وفضلاً عن ذلك كان البناء على أن تكون القوانين الموضوعة لتحديد الاستيلاء وضبط أعمال الموظفين غير مخالفة للإسلام. لا على أن تكون أحكام الإسلام من ابتداء كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات من جملة السياسات النوعية التي يجب أن تذكر في دستور عمل الموظفين والمتصدّين وأن يكونوا مسؤولين عن جزئياتها وأجزائها. وليت شعري هل بلغ بكم التغرض وكتم الحقيقة إلى درجة نسيتم عندها المثل المعروف «كل جوزة مدورة لا كل مدورة جوزة..؟!» الذي طالما كنا نعلمه للأطفال والصغار. والحق أن الأوقات لأشرف من هذا والتعرض إلى هذا.
(المغالطة الثالثة)
هذه هي المغالطة العظيمة التي ألقاها الاستبداديون في مقابل وضع الدستور والتي ضرب على وترها محبذو الاستبداد بالألحان المختلفة والنغمات المتعددة ليرفعوا بها لجام التقييد عن أفواه أولئك الظلمة العريضة وحاصلها أنا مسلمون وديننا الإسلام وقانوننا القرآن السماوي والسنة النبوية لا غير… ووضع قانون آخر غير هذين القانونين في بلاد المسلمين بدعة ومقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية. ثم الالتزام به من حيث إنهُ بلا ملزم شرعي بدعة ثانية. ثم وضع المسؤولية على من تخلّف عنه بدعة ثالثة. ونتيجتها بعد تهذيبها وتقريبها للأفكار أن هذا القانون بدعة من الوجوه الثلاثة المتقدمة، ولكشف حقيقة هذه المغالطة وتوضيحها لدى كل أحد، ولبيان أنها من باب رفع أهل الشام مصاحفهم في صفين. وعن قول الخوارج: (لا حكم إلا للَّه) بل ولبيان أنها أعظم من هذه وتلك يلزمنا بيان مطلبين:
أولاً ـ أنه من أظهر البديهيات الإسلامية، ومما اتّفقت عليه إرادة الأمة، بل ومن الضروريات أيضاً أن المقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية المعبر عنها في لسان الأخبار (بالبدعة) والتي اصطلح عليها الفقهاء (بالتشريع) لا تظهر ولا تتحقق إلا في صورة إظهار أمر غير مجعول شرعاً سواء كان شخصياً جزئياً أو كلياً عاماً بمظهر أنه مجعول شرعاً، وأنه حكم من الأحكام الإلهية.
نعم وفي صورة الإلزام والالتزام به كذلك… وإلا ففي صورة عدم اقترانه بهذا العنوان لا يكون بدعة ولا تشريعاً، سواء كان شخصياً كالتزام أو إلزام الشخص نفسه أو غيره بالنوم والانتباه والأكل والشرب في ساعات معينة وأوقات مخصوصة. أو نوعها قليل الأفراد كإلزام أو التزام أهل بيت واحد أو قرية واحدة أو بلدة واحدة مثلاً بتنظيم أمورهم على وجه خاص وطرز مخصوص، أو نوعياً كثير الأفراد كإلزام أو التزام أهل قطر أو إقليم بتنظيم أمورهم على الوجه المذكور. ولا فرق بين أن يكون منشأ ذلك الإلزام والالتزام مجرد صدور قرار خارجي وسيرة عملية، وبين أن يكون بوضع قانون خاص أو دستور مخصوص به حيث تقضي الضرورة أن ملاك تحقق التشريع والبدعة وعدم تحققها منوط باقترانهما بالعنوان والقصد المذكورين وعدم اقترانهما بهما بوجود كتاب خاص أو قانون مخصوص أو نظام معين وعدم وجودها…
ثانياً ـ أنه كما تكون الأمور غير الواجبة بالذات واجبة ولازمة العمل بمجرد أن يتعلق بها يمين أو نذر أو أمر الآمر اللازم الإطاعة أو الاشتراط في ضمن العقد اللازم أو غير ذلك تكون كذلك لازمة العمل وواجبة بالعرض أيضاً إذا توقف عليها وجود الواجب، وهذا من الضروريات العقلية. ونحن وإن كنا غير قائلين بوجوب المقدمة وجوباً استقلالياً عارفون بالضرورة أن توقف ذي المقدمة على المقدمة مما يلزم الإتيان بها على كل حال، وهذا المقدار من اللزوم مما اتّفقت عليه كلمات العلماء الإسلاميين.
وإذا تبين عندك هذان المطلبان عرفت أن وجوب ترتيب الدستور الأساسي علي الكيفية السابقة متضمناً لتحديد الاستيلاء الجوري على وفق مقتضيات المذهب والشريعة من البديهيات الواضحة نظراً إلى أن حفظ النظام وأساس المحدودية ومسؤولية السلطنة متوقفة على وجوده وعدم اندراجه من عند نفسه بدون إرادة وادّعاء أن مندرجاته من عند الله تحت عنوان التشريع والبدعة ظاهر واضح.
وكون هذه المغالطة العامية مأخوذة بعينها من جهلة الأخباريين وقد لفقوها عيناً لجهلهم بحقيقة التشريع والبدعة في مقابل الرسائل العملية التي يكتبها الفقهاء في عصر الغيبة وعدُّوها مقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية من أوضح الواضحات.
سبحان الله!! شدة الانهماك في التغرض وقضية أخلد إلى الأرض واتّبع هواه توصلان الإنسان إلى هذا الحد وبغرض أن يبطل تحديد الاستيلاء وأن يهدم أساس مسؤولية الجائرين عن ارتكاباتهم الشهوانية في نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم يلقي على أسماع الخلق أمثال هذه الترهات والمفتريات، ويحيي شبهات جهلة الأخبارية ثانياً، ويجعل أساس الديانة الإسلامية وزحمات حفاظ الدين المبين خصوصاً مجددي القرن الثالث عشر هباءً منثوراً. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وما أدري وليتني كنت أدري هل كانت حقيقة التشريع والبدعة مع كمال وضوحها مجهولة لديهم؟ أو أن السير أصبح على الخطة السابقة التي عبر عنها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: (ولقد سمعوها ووعوها ولكن حلّت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها)، ويحتمل أن تكون المساعدات غير الاعتيادية التي بذلتها (روسيا) على إجراء قانونها النظامي في إيران مع ما به من أحكام مخالفة لضروريات الدين الإسلامي ومن تسليط الوحش الروسي على نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وقد اهتموا في إجرائه وقطع نفس الملة الإيرانية أكثر من اهتمامهم بالأحكام الإسلامية والآيات القرآنية هي التي أوجبت عليهم تعيين الشق الثاني والسير على خطته.
(المغالطة الرابعة)
ومرماها نحو إيجاد الهيئة الناظرة وعقد مجلس الشورى الملّي. وحيث كان هذا المطلب هو الجزء الأخير لعلة تحديد الاستيلاء الجوري ولجام أفواه الظالمين. لهذا كان اهتمامهم في إبطاله أكثر من اهتمامهم بإبطال غيره فقد بذلوا ما تمكّنوا في قذف المنتخبين الأولين وسبهم ولفقوا ما استطاعوا من الشبهات التي هي أوهى من بيت العنكبوت.
أولها: ـ هفوات جملة من جهلة أهل تبريز ومتنسكيهم وقد طيروا جملة من المنشورات والكتب الحافلة بالأخبار والآيات الدالة على عدم جواز مداخلة الأمة في أمر الإمامة إلى النجف الأشرف ـ كناقل التمر إلى هجر وداعي مسدده إلى النضال ـ وكلها تصبح بلسان واحد ما شأن الرعية والمداخلة بشؤون الإمامة؟ وما أظنهم إلا أن تخيلوا (فجسمت لهم المخيلة) أن طهران هي الناحية المقدسة لإمام الزمان أو هي الكوفة المشرفة. وعصرنا هذا عصر خلافة علي عليه السلام ومغتصبي مقام الخلافة منه، والمنتخبين مبعوثون إلى أحد ذينك المركزين لاغتصاب الخلافة أو التدخل في أمر الولاية المطلقة الحقة… اللهم إنا نستمد منك ومن رحمتك نفساً من أنفاس عيسى يغيث أسراء إيران وأذلاءها ويحيي ميت ضواحيها وقراها من هذا الجهل المميت ونستنجد بروح القدس منك لنستطيع إفهام هذه الأمة الجاهلة وتقنيعها بأن طهران لا هي الناحية المقدسة ولا هي الكوفة المشرفة، ولا العصر عصر خلافة ومغتصبي خلافة. وليس الغرض من بعث المبعوثين إلا تحديد الاستيلاء الجوري وكف الغصب والظلم، فلعلنا بعد كل هذي المحسوسات العيانية نستطيع أن نحل هذه الشبهة التي هي أشكل من شبهة ابن كمونة وأصعب من الجذر الأصم إن شاء الله تعالى.
ثانيها: ـ وساوس فريق آخر جاءت من بعد التسليم بأصل وجوب التحديد للاستيلاء الجوري بقدر القوة والإمكان، ولزوم انعقاد هيئة النظار للنظارة، ومنع الموظفين عن التجاوزات ومع هذا فقد ألقيت لدهم أساس التحديد المذكور وحاصلها: أنه مهما يكن كل من هاتين المقدمتين مسلماً وغير محل للإنكار، لكن لما كان القيام بسياسة أمور الأمة من الوظائف الحسبية ومن باب الولاية فقد انحصر النظر فيها بالنواب العموميين والمجتهدين العدول، وليس هو من شغل العوام ومداخلتهم في هذا الأمر بلا محل أصلاً. وانتخابهم للمندوبين من باب اغتصاب المقام، وحيث كانت هذه الشبهة في البيان بلسان علمي ولم تكن كسائر التلفيقات التي لا معنى لها أصلاً، وحيث كانت متضمنة مع ذلك للتسليم بوجوب أصل التحديد وانعقاد هيئة النظار ولم تكن منكرة أصل المطلب لهذا فهي موجبة لكمال التشكر والامتنان. ولكن مع هذا هي من مصاديق المثل المعروف (حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء) لما عرفت من أن الوظائف السياسية هي من الأمور الحسبية لا من التكاليف العمومية أولاً وبالذات من المسلمات التي لا مجال للإنكار فيها أصلاً، ولكن فضلاً عن أن عموم الملة لها حق المراقبة والنظارة نظراً إلى أن أصل السلطنة شوروية كما عرفت سابقاً هي مشتركة في الجهات المالية التي تدفعها لإقامة المصالح النوعية.
ومن باب منع التجاوزات المندرجة في باب النهي عن المنكر التي تكون واجبة بكل وسيلة يمكن استعمالها. وقد توقف التمكّن منها في هذا الباب على أن تكون الملة لها حق الانتخاب والانتداب. وعلاوة على هذا كله من الجهة السياسية بما أن الوظيفة الفعلية نظراً إلى مغصوبية المقام وعدم التمكّن من التحديد الصحيح منحصرة في هذا الوجه يتعيّن علينا استعماله، حيث ذكروا في باب الوظائف الحسبية أمرين آخرين هما من الوضوح بدرجة مسلمة.
أولاً: عدم لزوم تصدي شخص المجتهد بل تكفي أذنه في الصحة والمشروعية. وهذا المطلب من البديهيات الغنية عن البيان حتى إن عمل عوام الشيعة على هذا الأمر.
ثانياً: إن عدم تمكّن النواب العموميين كلاًّ أو بعضاً من القيام في أمر لا يوجب سقوطه، بل ربما تسري نوبة الولاية فيه إلى العدول من المؤمنين، ومع عدم تمكّن هؤلاء ربما تنتهي إلى عموم المؤمنين بل إلى فسّاق المسلمين أيضاً، وهذا مما اتفقت عليه كلمة علماء الأمة الإمامية…
وحيث كانت إقامة هذه الوظائف اللازمة والتحديد المذكور منحصرة في هذه الديمقراطية الرسمية بين الملل وانتخابات نوع الملة نظراً لاشتراكهم في الجهات العمومية. وبغير هذه الصورة الرسمية يتعسّر على فقهاء عصر الغيبة تشكيل هيئة ناظرة، وعلى فرض تشكيلها لا يترتب عليها أي أثر، اللهم إلا التبعيد والإهانة ولا يمكن مع ذلك أن تكون مطّردة ورسمية، مع أن رسميتها هي الوسيلة الوحيدة للتحديد المذكور.
لهذا مع الإغماض عن الجهات العمومية المشتركة والخارجة عن باب الولايات يتعين علينا طريق المسألة من هذه الجهة الولايتية على هذا الوجه أيضاً. وغاية ما أمكننا وقوعه بمحض رعاية هذه الجهة اللازم رعايتها مع كمال الاحتياط أيضاً هو تكوين أصل الانتخاب ومداخلة المنتخبين بإذن المجتهد النافذ الحكومة، وبعد أن تكون الهيئة المنتخبة مشتملة على عدة من المجتهدين العظام على وجه الاطراد والرسمية لتنفيذ وتصحيح الآراء الصادرة. كما أن الفصل الثاني جاء متضمناً للدستور الأساسي كاملاً نكون قد راعينا جميع الجهات والاحتياطات ولم نبق مجالاً لشبهة تنطوي على عامي من عوام الشيعة فضلاً عن عالم من علمائها!
ثالثاً: مضحكات لفقوها على وتيرتهم وغرضهم زاعمين فيها عدم انطباق الوكالة الشرعية على هذه الهيئة الناظرة مناقشين في صحة إطلاق الوكيل على الشخص المنتدب عن الأمة)[554]( وأصبحوا كناقل التمر إلى هجر يطيرون المناشير الشرعية (بزعمهم) إلى النجف الأشرف كعبة العلم وقطب الفضيلة. ولكن فضلاً عن أن إمكان تطبيقها على باب الوكالة الشرعية من جهة المالية التي إنما تعطي لصرفها في إقامة المصالح النوعية ومن جهة سائر المشتركات النوعية التي لا بدَّ فيها من ولي منصوب من الله أوضح من أن يخفى، وعلاوة على هذا كله ليت شعري ما الذي دعانا ـ نحن المعممين العوام ـ بمعنى الوكالة اللغوي أو العرفي الذي هو مطلق إسناد زمام الأمر، وإطلاق عقد الوكالة عليه بهذه المناسبة أيضاً وغير عارفين بمفاد الآية الشريفة أيضاً ـ {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ـ والآية ـ {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} ـ والآية ـ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} ـ التي أطلق الوكالة فيها كلها مع وضوح أن الوكالة الشرعية غير منطبقة عليها. وغافلين حتى عن أن المناقشة في انطباق وعدم انطباق الوكالة الشرعية على الهيئة المذكورة بعد التسليم في صحة المطلب ولزوم إيجاد هيئة كهذه مناقشة لفظية بحتة لا يترتب عليها أي أثر كان، وكون هذا الإطلاق حقيقة أو مجازاً معنى من المعاني الفارغة.
أجل ولو لم يكن تحديد الاستيلاء الجوري منافياً لأغراضهم وأمراضهم الشخصية لما وصلت المسألة لحدود الختم على القلوب والإعماء على العيون لمجرد مساعدة الظالمين وإعانتهم ولكانوا مكتفين من هذه الترهات على الأقل في تشويش أذهان العوام. ولما آل الأمر إلى إرسالها إلى المحطة القدسية والدائرة العلمية ـ النجف الأشرف ـ.
رابعها: ترهات لفقوها على أساس عدم مشروعية التهويل على أكثرية الآراء وكون هذا التعويل بدعة من البدع الكبيرة. أما فساد أنه بدعة فظاهر مما مرَّ عليك في بيان حقيقة التشريع والبدعة ولسنا محتاجين إلى إعادته هنا.
إن من لوازم أساس الشورية ـ وقد عرفت أنها ثابتة بنص الكتاب والسنة ـ الأخذ بالترجيحات عند التعارض والأكثرية عند الدوران لأنها أقوى المرجحات. ولأن الأخذ بطرف أكثرية العقلاء أرجح من الأخذ بالشاذ كما لا يخفى. وعموم التعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة يشعر بهذا المعنى أيضاً. ومع اختلاف الآراء والتساوي في جهات المشروعية يتعين علينا الأخذ بالأكثرية ودليلنا الملزم هو حفظ النظام وبث السلام ومع هذا كله نرى السيرة النبوية والخلفاء على هذا. فإن من المأثور عندنا بتواتر نقل الرواة من الفريقين موافقة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لأكثرية آراء أصحابه في مواقع عديدة. ومنها فعله في غزوة أحد وقد سبقت الإشارة إليه. ومنها في غزوة الأحزاب وقد عول في مصالحة قريش بمقدار من تمر المدينة على أكثرية آراء أصحابه أيضاً وكذلك هي سيرة علي عليه السلام فإن موافقته في قضية التحكيم المشؤومة أكثرية آراء أهل السوء وقد انطلت عليهم حيلة رفع المصاحف أوضح من أن تخفى. وقد قال علي عليه السلام: (كلا لم يكن نصب الحكمين ضلالاً وإنما هو سوء رأي لا غير وحيث كانت الأكثرية متفقة عليه وافقت أنا أيضاً) إلى غير ذلك مما هو خارج عن وضع هذه الرسالة. وما تقدم كان لإبطال الدعوى المذكورة وهو بمثابة حجر تلقم به أفواه أولئك المغرضين.
ولما كان الغرض الوحيد من هذه الترهات هو هدم أساس السعادة وركنها المقوم رأينا أن نقوم نحن بالواجب فنكشف هذه الحقيقة المستورة فيظهر للملأ عامة مبلغ ما يصل إليه التعصّب الأعمى وأما حال بقية الهفوات فظاهر مما مرَّ عليك، كما أن الأوقات أشرف من التعرّض لها والرد عليها.
ويحسن بنا في هذا المقام ذكر جملة كان كتبها بعض الإيرانيين المقيمين في الآستانة عن لسان حالة المشيخة الإسلامية إلى حضرة آية الله الشيخ محمد كاظم الخراساني دام ظله العالي وليس لها علاقة بما نحن فيه اللهم إلا علاقة الضدية التامة للآراء التافهة والهفوات والشنائع الصادرة عن جملة من الإيرانيين الذين ما انفكّوا عبدة للظالمين والجائرين ـ كانت الجملة الآتية في طي البيانات المفصلة الصادرة عن لسان هذا الرجل الوحيد في الاهتمام بتشييد هذا الأساس من السعادة قال: إن هذا السيل الجارف الذي ينحدر علينا من الغرب باسم التمدن والتنور البشري لمن أقوى الأسباب التي يوشك أن تطوح بالدين الإسلامي، فإذا لم نتخذ نحن رجال الدين الاحتياطات الكاملة بإزائه ولم نجعل التمدّن الإسلامي في مقابلته وفي مرحلته كان أساس الدين ـ الدين الإسلامي تجاه هذا التيار الجارف هباءً منثوراً ـ تأمل الفرق من أين إلى أين ـ ترى هذا الرجل الكبير في مقام الاحتفاظ بكيان الدين الإسلامي مع أن استقلال الدولة العلية العثمانية بحمد الله في أعلى ما يتصوّر كيف يتّخذ التدابير ويفكر في العواقب حفظاً للإسلام ويعد هذا الأساس من السعادة لبداهة كونه مأخوذاً من الكتاب والسنة في عداد أجزاء التمدّن الإسلامي ونحن عبدة الظالمين في إيران ندّعي التشيّع على المذهب الجعفري ثم نظهر للملأ بهذا المظهر من الجهل بمداليل الكتاب والسنة النبوية وخصوصاً جهلنا بقيام ضرورة مذهبنا على كون هذه الفرقة من الموظفين مغتصبة جائرة وعلى لزوم تحديد هذا الاستيلاء الجوري وقصر تصرفهم بقدر القوة والإمكان.
في حين أننا نرى عياناً ما كان عليه أمرنا أمس يوم كنا نعد في أول الأمم وفي طليعة الملل، وما آل إليه أمرنا اليوم من المحنة والوقوع في الهلكة القريبة التهلكة، وما ذلك إلا لأنا أخذنا بيد طواغيت الأمة مساعدتهم ورفعنا عنهم المسؤولية عن فعالية ما يشاؤون. ومع ذلك فقد مددنا يد المعونة للظالمين الغاصبين ووافقنا على هدر دماء الأمة، ونهب أموالها وهتك أعراضها، طمعاً منا في أن نقضي الأربعة أو الخمسة أيام الباقية من أعمارنا كما كنا عليه من النهب والسلب والتطاول على أموال يحظرها علينا الشرع لو عملنا به، وما اكتفينا بهذا بل زدنا في الطين بلة فاتحدنا مع أولئك الأجانب الذين لم يألوا جهداً في أن يهدموا أساس سعادتنا، وقد علموا أن بقاءه موجب لخفوق كل مساعيهم التي بذلوها لرفع لجام التحديد عن أفواههم، وأخذنا نضرب في كل يوم على وتر مخصوص وطريقة خاصة، فيوماً نسعى لنشر بذور الفتنة والفساد فنُعَنْون مسألة نظارة هيئة المجتهدين العظام بعنوان المسألة التي هي على الطراز الأول والتي ما فتىء تعيين مصداقها معرضاً للتنازع والتشاجر، ولم نقتنع بهذا بل تقحمنا موضوع كون هيئة المجتهدين أعضاء ولزوم كونهم خارجين عن المجلس، وما ذاك إلا لإخفاق مشروع المجلس النيابي وإبطال رسميته ومع تصريح الفصل الدائر بنظارة هيئة المجتهدين وإمضاء مطاغيهم وحاكميتهم بالنسبة لمخالفة المواد القانونية المعنونة في المجلس وموافقتها مع الأحكام الشرعية وبداهة تأخّر أكثرية الآراء عن هذا المطلب، مع هذا كله لتمويه وجه الحيلة على السذج البسطاء وطمعاً في أن ينضموا إلينا أخذنا نكرر إلقاء شبهة واهية أخرى وهي:
إذا دخلت هيئة المجتهدين في زمرة الأعضاء كان تصديقهم لمخالفة الشرعيات وعدم المخالفة مغلوباً إزاء الأكثرية، وقد عرفت أنها مدار المجلس وعليها التعويل.
ولما لم يروا لهذه وأمثالها رواجاً، ولما لم يخف على كل ذي شعور ما تنطوي تحتها من التغرّض أخذوا يسعون في حيلة رفع المصاحف على الرماح إبطالاً للمشروطية الرسمية ومع قيام الضرورة من مذهبنا على حرمة تصدّي الغاصبين. فقد كتبوا لفظة ـ مشروع ـ على هذه الأعمال السوداء فأثاروا الفتن من كل حدب وصوب، وكان ظاهرهم الاهتمام بالشرعيات وباطنهم إلغاء تحديد الاستيلاء الجوري.
وبالجملة فكلما كان أولئك الظلمة يشتغلون في رفع هذا القيد عنهم بإثارة الفتن والحوادث الداخلية والخارجية لانصراف قلوب السواد العام عن الديمقراطية، كنا نحن عبيد الظلمة نضرب على ذلك الوتر أيضاً، فنأتي بضروب الحيل وفنون المكر والخداع والتزوير والبهتان، إلى غير ذلك مما تقف عنده أهل الحيل، ليس من عرب القرى فقط، بل من كل العالم حائرة مبهوتة وما ذلك إلا لهدم هذا الأساس من السعادة.
وبعد أن يئست الشعبتان الاستبداديتان من نجاح طرق الحيل والمكر أخذتا بسفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال، وبعبارة أخرى بعد أن أخفقتا في سيرة عمرو بن العاص أخذتا بسيرتي جنكيز والضحاك.
كل هذا ونحن واقفون للدفاع عنهم وتصحيح أعمالهم، فنعد سلب الصفقات الأحدية عنهم خروجاً عن ربقة الدين والقيام في وجوههم كفراً وإلحاداً.
يا لنا من فئة طاغية وصمنا الدين الإسلامي بهذه الوصمة المخالفة للضرورة عند كل الملل الأخرى بمرأى من العالم غير مستنكفين ولا خجلين، وألبسنا المذهب الجعفري بفعلنا لهذا المنكر ثوباً يعود عليه بالخزي والشنار عند سائر الفرق الإسلامية الأخرى.
أجل، هي نتيجة طلب العلم لطلب الدنيا، وما ظنك بعاقبة من نثر بذور أكل الأموال بالباطل، وبغاية من حمل مصباح السرقة معه، ونتيجة من رفع علم النهب والسلب؟؟ أفتظن أنها تكون أحسن من هذا؟؟ كلا ثم كلا!! وحاشا لله، ولنعم ما قيل، ولئن تعطي الزنجي الأسود سيفاً يقطع به الطريق خير من تعليمك الجاهل الخبيث علماً.
الفصل الخامس
في ذكر شرائط صحة تدخل المبعوثين عن الأمة في هذا الباب وبيان وظيفتهم العملية على وجه الإجمال.
نريد أن نبين للقارىء في هذا الفصل (الشروط) التي تلزم لصحة تدخل المنتدبين عن الأمة في أمورها السياسية أولاً وحقيقة وظيفة المنتدبين العملية ثانياً.
(المقام الأول)
أما المقام الأول والشروط المعتبرة في عالم صحة ومشروعية تدخل المنتدبين عن الأمة في هذه الوظائف الحسبية العمومية فقد ظهر لديك أن الشرط الوحيد فيها هو حصول الإذن من المجتهد النافذ الحكومة، واشتمال المجلس النيابي على عدّة من المجتهدين العدول العالمين بطرق السياسة لتصحيح الآراء وتنفيذها، كما أن الفصل الثاني من هذا الكتاب جاء بحمد الله متضمناً للدستور الأساسي كاملاً وفوق المأمول. نعم وأنَّا نظن أن قد أدّينا الموضوع حقه هناك فلم يبق عندنا إلا ذكر العمدة والأصل في كل هذه المطالب كاجتماع الشرائط اللازمة والاتصافات في الكمالات النفسية المعتبرة في هذا الباب وهي أمور:
1 ـ العلمية الكاملة في باب السياسات وهي عبارة ثانية عن أن يكون المندوب مجتهداً في فن السياسة ومطّلعاً على الخفايا والحيل المعمولة بين الدول في هذا الباب وخبيراً بخصوصيات الوظائف اللازمة ودقائق مقتضيات هذا العصر حيث نأمل من الله سبحانه أن نحصل من انضمام هذا المقدار الكافي من الاجتهاد في علم السياسة إلى فقاهة المجتهدين المنتخبين لتنفيذ الآراء وتطبيقها على الموارد الشرعية، على قوة علمية لازمة في باب السياسات ليست بأقل من القوة البشرية الكاملة ونكون قد ظفرنا بالنتيجة المقصودة إن شاء الله.
2 ـ الخلو من الأغراض والأطماع وإلا فلو كان في البين أقل غرض شخصي في سلب مال أو ذخيرة أو شائبة طمع وطموح لنيل رياسة أو تطاول لنفوذ رأي ـ لا سمح الله ـ انعكست الآية وانقلبت المسألة من استبداد شخصي إلى استبداد جمعي وهو أقبح من الأول وأفظع. وربما التزمنا بأن يكون المنتدب مهذباً مع ذلك عن سائر الأوصاف الرذيلة كالبخل والجبن والحرص وهذا ما يظهر من العهد الذي عهده علي عليه السلام إلى مالك الأشتر حين ما فوض إليه ولاية مصر حيث قال: ولا تدخلن مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشرة بالجور..
3 ـ الغيرة الكاملة وتحري الخير وطلبه للدين والوطن الإسلامي ونوع المسلمين على وجه يرى المنتدب فيه أن جميع ما يتعلق بالمملكة الإسلامية من حدودها وثغورها هو أعزّ بكثير من حدود داره وثغور عقاره. وأن جميع أموال آحاد المسلمين وأعراضهم ونواميسهم كماله وعرضه وناموسه، يطرب لطرب أفراد المسلمين كما يحزن لحزنهم، معتقداً أن ناموس المسلمين الأعظم ـ دينهم ـ من أهم النواميس التي يجب الاحتفاظ بها مراعياً في منصبه هذا استقلال الدولة الإسلامية، عارفاً أنه ما جلس في مجلسه هذا إلا محافظة على الاستقلال.
وتتمشى هذه الصفات حتى مع الفرق غير الإسلامية نظراً إلى أن لهم حق الانتخاب أيضاً. وذلك لاشتراكهم في المالية وغيرها أولاً ولتوقف تمامية الشوروية الرسمية على دخولهم فيها ثانياً. وأنها وإن لم يترقب من الشخص المنتدب عنها المحافظة على ناموس الدين الإسلامي ـ طبعاً ـ يرجى منها مع ذلك ومن منتدبها، تطلبه الخير للوطن وللنوع، ومجرد اتّصافه بالصفات المذكورة كافٍ لصلاحيته لأن يكون عضواً في المجلس النيابي.
وبالجملة فالمسألة مسألة مجلس نيابي شوروي يتطرق شأن المتصدي للسلطنة ويبحث في صالح الأمة ويقيم الوظائف اللازمة لذلك من حفظ وتنظيم وتعديل وتبديل وإحقاق حقوق ورد مظالم وغير ذلك لا مسألة حكومة شرعية وفتوى وصلاة جماعة. والشروط المعتبرة في هذا الباب ـ باب الأمور الدينية ـ أجنبية وغير معتبرة في ذاك ـ الانتخاب الملي ـ الأمور التي ذكرنا أهمها سابقاً غير مرتبطة هنا أبداً.
ويكفي لكمال المراقبة في عدم صدور أحكام وآراء مخالفة لأحكام الشرع وجود عضوية الهيئة المجتهدة وانحصار وظيفتها الرسمية في هذا الأمر لا غير فيما إذا لم يتعلق بالمسألة أقل غرض أو مرض..
إذاً فأول وظيفة يعتد بها بعد استحكام هذا الأساس من السعادة والذي هو في عهدة المنتدبين من الوطنيين الإيرانيين هي: أن يفتحوا أعينهم وآذانهم في مسألة الانتخاب النيابي تماماً. وأن يتجنبوا في هذا الباب كل غرض شخصي كقرابة زيد وصداقة عمر وعداوة بكر. وأن لا يكونوا مصداقاً لقوله: شر الناس من باع دينه بدنيا غيره كما فعلها غير واحد من منافقي العصر وشياطينه وعبدة ظالميه وفاسقيه. وأن يجعلوا سر الانتخاب نصب أعينهم تماماً ليعرفوا لأي شيء هو هذا الانتخاب وعلى ما يتجمع هؤلاء المنتخبون وما المقصود من هذا كله..!!
فكل من رأوه فيما بينهم وبين الله جامعاً لهذه الأوصاف المذكورة ووجدوه وافياً بالمقصود بحيث يتمكّنون من الخروج من عهدة الجواب لو سئلوا عنه في محكمة العدل الإلهية الكبرى فينتخبوه. أولاً فلا يأخذوا على أنفسهم عهدة مسؤولية انتخاب خمسة عشر مليون نسمة علاوة على سائر المسؤوليات الأخر المترتبة على محض القرابة والصداقة والعداوة وسائر الأغراض الشخصية.. هذا وليقدموا حفظ ناموس الدين المبين والتحفظ على استقلال دولتهم وقوميتهم وحراسة الممالك الإسلامية وحوزة المسلمين على كل غرض آخر كما نشاهده اليوم من سائر الملل الأخرى نسأله سبحانه وتعالى أن يؤيدنا ويسددنا وأن يجمع على الهدى كلمتنا وعلى التقى شملنا بمحمد وآله.
(المقام الثاني)
في بيان وظائف المنتدبين العملية على وجه الإجمال ويلزمنا أن نبين الوظائف السياسية اللازمة لعصر الغيبة مع الإغراض عن المنصب مغصوباً لنقتبس منها وظائف عصرنا الحالي. فالأولى وهي أهمها: ضبط الخراج وتعديله وكيفية تطبيق ما يدخل للمملكة وما يخرج منها.
ومن البديهيات الأولية أن حفظ النظام والتحفظ على حوزة الاسلام غير ممكن إلا بترتيب القوى النظامية وتهيئة الاستعدادات الداخلية وحفظ الثغور والحدود. ومن الواضحات أيضاً أن جميع هذه الترتيبات متوقف على ضبط الخراج وتعديله وحفظه من الصرف في سبيل الشهوات النفسية والإرادات القلبية والميول الطاغوتية. كما صرّح به علي عليه السلام في العهد القديم حيث قال: ـ وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم. ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال للخراج وأهله ـ إلى أن قال: ـ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً.. إلخ ـ وظاهر كما أن في صدر الإسلام من بعد الهجرة وقبل الفتوحات الإسلامية واستيلاء المسلمين على الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة كانت السيرة النبوية المقدسة مستقرة على بسط وتوزيع المصارف النوعية اللازمة على عموم المسلمين والمعاهدين من اليهود وغيرهم وبمقدار تمكّنهم وثروتهم على نسبة متساوية.
والالتزام بهذا كان من جملة شروط معاهدة المعاهدين أيضاً وما كان ارتحاله إلى حصن يهود بني نضير وتشريفه صلَّى الله عليه وآله وسلم إياهم بقدومه إلا لأجل المطالبة بالحصة من الدية الواردة على المسلمين حيث كانت واردة عليهم أيضاً بموجب نص المعاهدة التي بأيديهم وما قضية نقضهم تلك المعاهدة والجلاء المترتب على ذلك النقض بخافية على أحد.
كذلك في هذا العصر أيضاً حيث إن الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة علاوة على أنها مجهولة عيناً غير قابلة لإجراء أحكام الأراضي الخارجية المفتوحة عنوة عليها وذلك (أولاً) لاستقرار أيدي مالكين متصرفين عليها (ثانياً) لاحتمال أن يكون تصرفهم هذا مستنداً إلى نقل صحيح شرعي على فرض معلوميتها. لهذا ترانا تصحيحاً للأعمال المتعلقة بالمالية مضطرين للسير على تلك السيرة المقدسة النبوية في صدر الإسلام في تعيين المصارف اللازمة لحفظ وتنظيم الشعب، وإخراجها من أفواه أولئك الخلق الذين ابتلعوها بواسطة خيانة الخائنين، وتوزيعها بتعديل صحيح ومميز علمي على أرباب المستغلات والتجارات المواشي وغيرهم على نسبة متساوية وبمقدار انتفاعهم من تمكّنهم وثروتهم، وإيصالها إلى طبقات الموظفين والعمّال بمقدار لياقتهم وخدمتهم للنوع، وحفظها من الحيف والميل ومن أن تصرف في أنحاء الفجور والفسوق والطرق التي أدّت إلى ما نحن فيه من الحالة الراهنة..
ومن صحح أمر الخراج بهذه الكيفية وطبق على السيرة المقدسة النبوية وجب أداء الخراج على كل مسلم نظراً لتوقّف حفظ البلاد الإسلامية عليه. وجاز لكل موظف أن يأخذ منه مقداراً لا يتجاوز درجة خدمته ولياقته بدون شبهة فيه.
وإن كان من المستحيل إعادة تلك الطائفة المتلصصة الشريرة ـ المتعممة والمتطربشة ـ بهذا المقدار المذكور بعد أن اعتادت على ما اعتادت عليه من السلب والنهب والعبث بأموال الأمة والتطاولات التي لم تعد على الشعب إلا بالخراب والبوار. وما تحفزهم وتحشدهم وتظاهرهم هذا ضد المنتخبين إلا لأن هؤلاء عزموا على قطع جذور التجاوزات والتطاولات التي هي فوق العادة. ومع هذا كله فإننا نعلق الآمال الجسام على دخول المنتدبين في هذا الباب من طريق السياسة والكياسة والحكمة والمعرفة وتأسيس هذا الأساس صحيحاً وتشييد هذا البناء محكماً أن يمكننا إرجاع عموم الموظفين ونوع المسلمين في البطون اللاحقة والأجيال المقبلة إلى فطرتهم الإسلامية الأصلية وذلك بواسطة إحداث مكاتب ومدارس كافية في كل الجهات لتربية العقول وتهذيب الأخلاق وتكميل القوى العلمية والعملية كما يمكننا أيضاً تهذيبهم عن هذه الرذائل التي ورثوها عن معاوية وسائر أغصان شجرته الأموية المعلونة.
وتفهيم نوع المسلمين بوجوب أداء الخراج المفروض عليهم حفظاً لنظام الممالك الإسلامية وجواز بل لزوم أخذه وصرفه في المصارف المذكورة بعد تعديله وتوزيعه على النهج المذكور وتفريقه على مستحقيه بمقدار خدمتهم للنوع، وحفظه من الحيف والميل إلى غير ذلك.
وكما أنهم غير متكاسلين ـ بحمد الله ـ في أداء سائر الحقوق الواجبة الإلهية بمقتضى ديانتهم الإسلامية. كذلك يكون شأنهم وتكليفهم الديني بالنسبة للخراج بعد تطبيقه على السنة النبوية يؤدّونه غير متهاونين ولا متوقفين في أدائه. أما في الحالة الحالية وحيث يكون أخذه واستيفاؤه طبقاً للشهوات الجائرة الطاغوتية والمظالم الاستبدادية فهو حرام في حرام، وأما بعد هذا التصحيح والتعديل والضبط والتسوية فلا تقل أهميته عن أهمية سائر الواجبات النوعية المشروعة حفظاً للنظام وصيانة لحوزة الإسلام ويكون بمثابة التكاليف المحضة لا غير.
ويحسن بنا ونحن في هذا الصدد ذكر أوامر ودستورات كلية صادرة عن علي لأجل أن يعرف أن كل ما عند الأقوام الأجنبية هو غيض من هذا الفيض. ولنعرف إلى أي درجة ظلمنا أنفسنا فقنعنا من التشيع بمحض الادعاء قال عليه السلام في خطبته الواردة في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي:
«أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف، لا تجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه، وتوسعاً منه بما هو من المزيد أهله، ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض، وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق، حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاماً لأنفسهم، وعزّاً لدينهم فليست تصلح إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرعية واليها وأجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور، وكثر الأدغال في الدين وتركت محاج السنين، فعمل بالأهواء، وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، فعليكم بالتناجح في ذلك، وحسن التعاون عليه، فليس لأحد وإن اشتدّ على رضاء الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة له، ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم، ـ إلى أن قال عليه السلام ـ وإن أسخف حال الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوزع أمرهم على الكبر ـ إلى قوله ـ فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة..».
بربك أجل بطرفك في الفوائد والقواعد المستفادة من كل فقرات هذه الخطبة لتعرف منها أصل مأخذ علم الحقوق الذي دوّنته علماء أوروبا وافتخرت به على سائر الأمم الأخرى وهل علم الحقوق وفصوله وأصوله إلا من أشباه ونظائر هذه الخطبة وقد وكّلنا شرح ذلك إلى رسالة أخرى نكتبها بعد هذه إن شاء الله تعالى.
ـ من أصول وظائف المنتدبين ومهامها تشخيص كيفية وضع الدساتير وتقنين القوانين وضابط تطبيقها على الشرعيات وتمييز المواد القابلة للنسخ والتغيير من غيرها، اعلم أن كل الوظائف الراجعة لحفظ المملكة وتدبيرها وتنظيم أمور الأمة وسياستها ـ سواء كانت دساتير أولية متكفلة أصل القوانين العملية الراجعة للوظائف النوعية أو ثانوية متضمنة عقوبات مترتبة على مخالفة الدساتير الأولية ـ على كل تقدير لا تخرج من أحد قسمين لأنها بالضرورة إما أن تكون منصوصات وظيفتها العملية معيّنة وحكمها في الشريعة المطهرة مضبوط أو غير منصوصات ووظيفتها العملية بواسطة عدم اندراجها تحت ضابط خاص وميزان مخصوص غير معيّنة وإنما هي موكولة إلى نظر الوالي النوعي وترجيحاته، وكما أن القسم الأول لا يختلف ـ طبعاً ـ ولا يتغير باختلاف الأعصار وتغير الأمصار ولا يجزي فيه غير التعبّد بمنصوصه الشرعي إلى قيام الساعة ولا يتصوّر فيه أي وضع آخر أو وظيفة أخرى كذلك يكون القسم الثاني تابعاً لمصالح ومقتضيات الأعصار والأمصار ويختلف باختلافها ويتغير بتغيرها، وكما يكون موكولاً إلى نظر المنصوبين من الولي المنصوب من الله وترجيحاتهم مع حضوره وبسط يده كذلك يكون في عصر الغيبة موكولاً إلى نظر وترجيحات النواب العموميين أو من كان مأذوناً عمّن له ولاية الإذن بإقامة هذه الوظائف المذكورة وبعد وضوح هذا المعنى وبداهة هذا الأصل تترتب عليه الفروع السياسية على هذا الترتيب:
1 ـ هو أن القوانين والدساتير التي يجب المراقبة والتدقيق في تطبيقها على الشرعيات كما ينبغي مقصورة على القسم الأول ولا موضوع لها في القسم الثاني بتاتاً.
2 ـ هو أن أصل الشوروية التي عرفت أنها أساس السلطنة الإسلامية بنص الكتاب والسنة التي ابتنيت عليها السيرة النبوية هي من القسم الثاني لا غير. وأما القسم الأول ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ فخارج عن هذا العنوان رأساً ولا محل للمشورة فيه أصلاً.
3 ـ هو أنه كما أن ترجيحات الولاة والعمّال المنصوبين بإذن الولي في عصر حضور الولي وبسط يده تكون ملزماً شرعياً على الوجه الثاني لا يجوز التخلّف عنه، ومن هنا كانت إطاعة الولي في عرض إطاعة الله ورسوله كما في الآية المباركة {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولِ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ})[555]( بل كانت إطاعة مقام الرسالة والولاية معاً في عرض إطاعة الله عز اسمه. بل كان هذا الأمر من الوجوه والمعاني لإكمال الدين بنصب ولاية يوم الغدير..
كذلك تكون ترجيحات النواب العموميين أو المأذونين من جانبهم في عصر الغيبة لا محالة ملزماً شرعياً بمقتضى نيابتهم الثابتة القطعية. فانكشف لك بما قدّمناه فساد حال الهفوات والأراجيف التي ضرب على وترها المغرضون بكل نغمة حيث قالوا إن الإلزام والالتزام بهذا القانون بدعة من البدع زاعمين أنه بلا ملزم شرعي كما ظهر لك أيضاً أن لا منشأ لكل هذه إلا التغرّض السيىء وعدم الاطّلاع على مقتضيات أصول المذهب.
4 ـ حيث إن معظم السياسات النوعية داخلة في القسم الثاني ومندرجة تحت ولاية ولي الأمر أو نائبه الخاص أو نائبه العام وترجيحاتهم وأصل تشريع الشوروية في الشريعة المطهرة بهذا اللحاظ لهذا يجب علينا تدوينها بصورة قانونية نظراً لتوقف حفظ النظام وضبط أعمال المغتصبين عليها كما أن منع هؤلاء عن التجاوز والتعاون منوط بتدوينها كذلك. وأما القيام بهذه الوظيفة الحسبية مع ملاحظة ما نحن فيه من الحالة الحالية وتوقف رسميتها ونفوذها على صدورها عن المجلس النيابي الرسمي فهو موكول إلى دراية المنتدبين عن الأمة وكفايتهم ومأخوذ على عهدتهم وهو مع إمضاء وإذن من له ولاية الإذن كما تقدّم سابقاً جامع لجميع شروط الصحة وجهات المشروعية وخالٍ من كل شائبة إشكال أو شبهة. وما قولنا إن الهيئة المنتخبة هي هي المقننة ولها القوة العملية إلا نظراً لهذا المعنى لا غير..
وقد ظهر لك مما ذكرناه فساد شبهة المغرضين القائلين ـ تحكّماً ـ إن نفس تقنين هذه القوانين هي مقابلة لصاحب الشريعة الغراء.
5 ـ كما أن القسم الثاني من السياسات النوعية غير مندرج تحت قانون معيّن ولا محدود بميزان مخصوص. وإنما يختلف باختلاف الأعصار والأمصار ويتغير بتغير المصالح والمقتضيات ولهذه الجهة لم ينص عليه بالشريعة المطهرة بل أوكل إلى ترجيح من له ولاية النظر، كذلك كانت القوانين المتعلقة بهذا القسم مختلفة باختلاف المصالح والمقتضيات وواقعة في معرض النسخ والتغير، وليست مبنية على الدوام والتأييد شأن القسم الأول. ومن هنا نعرف أن قانوناً متكفلاً جميع هذه المصالح والمقتضيات واقعاً في معرض النسخ والتغيير منطبقاً على الوظيفة الحسبية لهو من الأهمية بمكان كبير.
يحار الإنسان عندما يرى أن هذا الأجنبي الغير المطّلع على الدقائق الإسلامية استطاع أن يستفيد من هذه الوظائف المهمة استفادة دقيقة صحيحة. وأعجب من هذا أولئك المنتحلون للدين الإسلامي وجهلهم أو تجاهلهم بمقتضيات الأصول المذهبية وترديدهم المغالطات السوفسطائية والتي ضربوا عليها بألحان مختلفة تشويشاً لأذهان العوام والبسطاء حيث قالوا موردين على هذا النسخ والتغيير: ـ هل هو عدول عن الواجب للحرام؟! وعن الحرام للواجب؟ أو عن المباح للمباح؟ ـ وقد عرف أن هذا العدول خارج عن جميع هذه التشقيقات وليس هو إلا من قبيل العدول عن الفرد الواجب لفرده الآخر الواجب والقدر المشترك بينها الذي هو حفظ النظام وسياسة أمور الأمة واجب حسبي واختيار الأفراد تابع لخصوصيات الأعصار ومقتضيات الأمصار وموكول إلى ترجيح من له ولاية الأمر ولزوم العدول عن الفرد الأول للفرد الثاني مع أصلحية هذا وأرجحيته من أوضح الواضحات.
ويجدر بنا أن نتمثل في شأن تلك الإصابة المحيرة للعقول وهذه المغالطة المضادة للمأمول يقول القائل: لقد حن قدح ليس منها.
6 ـ من الوظائف السياسية اللازمة تجزئة قوى المملكة بحيث تنضبط كل شعبة من الوظائف النوعية تحت ضابط صحيح وقانون علمي. وأما النظر فيها فهو موكول إلى دراية المجربين وكفاية الخبيرين في تلك الشعبة مع المراقبة التامة في عدم التجاوز والتعاون. ويعرف مؤرخو الفرس هذه التجزئة عن جمشيد وقد أمضاها علي عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر إذ يقول: ـ واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة. ومنها قضاة العدل. ومنها عمّال الإنصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات ـ إلى أن يقول عليه السلام ـ فالجنود بإذن الله حصون الرعية. وزين الولاة وعز الدين. وسبل الأمن. وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم. ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم. ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتاب لما يحكمون من المعاقد. ويجمعون من المنافع. ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات.
7 ـ ومن الواضح اندراج جميع وزارات الدولة المتمدنة اليوم في هذه الأصناف المذكورة إذ بالضرورة شغل وزارة المالية والداخلية والدفترية مندرج تحت عنوان الكتاب وجميع المحاكم داخلة تحت عنوان القضاة. وأما الوزارة الخارجية فهي في ذلك العصر بلا محل ولا فائدة. وقد شرع عليه السلام بعد هذا الفصل فذكر طبقة طبقة وصنفاً صنفاً ووصف كل طبقة من هذه الطبقات وكل صنف من هذه الأصناف المنتدبة للرياسة بأوصاف وهي في عصرنا أندر من الكبريت الأحمر. وبالحري بنا وقد كان (المرحوم آية الله الشيرازي) مشغوفاً بمطالعة هذا العهد والمواظبة على الاقتباس من أنواره الساطعة أن نجعله أنموذجاً لنا في جميع أعمالنا السياسية والشرعية كل على مقدار أعماله ومزاولته لهذه السيرة الحسنة، وأن لا نهمله نحن وينقله الأوروبيون ويترجمه موثقوهم إلى لغاتهم أجمع، ولنختم هذا الفصل مكتفين بما قدّمناه من استقصاء أصول الوظائف السياسية موكلين بقيته لعهدة المنتدبين وكفايتهم ودراية هيئة المجتهدين النظّار على المجلس بعد تجديده وتشييده بعون الله تعالى.
الخاتمة وفيها مقصدان
المقصد الأول
وهو في استقصاء جميع القوى الملعونة في الدولة الحالية.
(الأولى) وهي روح كل القوى الآتية ومنشأ كل تلك المدمرات جهل الأمة وعدم اضطلاعها بوظائف السلطنة وحقوق الملة. ومن الواضح البديهي كما أن العلم ينبوع كل الفيوضات والسعادات كذلك الجهل منبع كل الشرور الفيّاض ومنشأها الحقيقي وهو الموصل الوحيد إلى أسفل الدركات…
جهل ـ ما يدعو الإنسان إلى عبادة الأوثان وتشريك الفراعنة والطواغيت مع الذات الأحدية في جميع الصفات والأسماء الخاصة به عز اسمه.
جهل ـ ما ينسي هذا الإنسان المسكين حريته الإلهية ومساواته من ربه مع جميع الطواغيت والجبابرة وغاصبي حريته وحقوقه النوعية ويدعوه إلى أن يصنع بنفسه طرق رِقِّيَّته المشؤومة على عاتقه فيئن تحته ويضج وربما كانت حريته أعظم المواهب الربّانية والنعم الإلهية وأهم مقاصد الأنبياء والأولياء.
جهل ـ ما يدعو هذا الإنسان بالصورة والبهيمة بالسيرة إلى بذل جميع ما يملك من القوى في احكام أساس رقيته واستعباده وعوضاً عن أن يجدّ ويجتهد في سبيل خلاصه واستنقاذ أخوته بالدين والوطن من أنياب تلك الاستعبادية الاسترقاقية وعوضاً من أن يطلب حريته وسعادتهم تراه يريق دماءهم وينهب أموالهم ويهتك أعراضهم زاعماً أن التملّص من الدين والناموس من لوازم الشجاعة، وعبادة الظالمين وارتكاب أشنع أنحاء الظلم والفسوق والفجور وقطع الطريق من متعلقات الشهامة والأريحية. ولو استطعت أن تسأله معترضاً لما أجابك إلا أني ما ارتكبت الذي ارتكبته إلا خدمة لديني ووطني. فما أشبهه إذن بأراذل الكوفة وأوباش الشام يفتخر بقتل العلماء والسادات وأسر الأخيار والأحرار وهتك الأعراض ونهب الأموال غير مبالٍ إذا ما عد في عداد يزيد من وإلى يزيد.
جهل ـ ما يدعو هذا الصنف من الحيوان على رجلين والذي هو كالأنعام بل أضل سبيلاً أن يتّحد مع أعدائنا الروس الذين لم يكن همهم إلا إعدام الدين والدولة واستئصال الملّة والشعب وعوضاً عن أن يبذل نفسه ونفيسه في سبيل حفظ دينه وحراسة وطنه الإسلامي نراه يرتكب هذه الشنائع باسم الدين وحب الدين وبعنوان الدولة وخدمة الدولة.
وما مسجودية الفراعنة والطواغيت، ومعبودية البقر في الهند. وتملك الأمويين والعباسيين وأخلافهم في الرقاب، واتّباع الإيرانيين بل ونوع المسلمين كل ناعق وميلهم مع كل هوى وغفران الباباوات ذنوب أمّتهم الخاطئة، وجلوس اليهود منتظرين النبي الموعود. واعتقاد الأزليين والبهائيين في صاحبهم أنه خالق العالم وفاعل لما يريد، وتبعية المسلمين لعبدة الظلمة في آخر الزمان وبقايا خوارج النهروان إلى غير ذلك من الشنائع والفضائح إلا نتيجة من نتائج الجهالة (أم الشرور والأمراض) وكل بلاء وقع على رأس أمة أو يقع من ابتداء العالم إلى انقراضه إلا وهو متولد من هذه الأم الخبيثة، وناشىء عن هذا الداء العياء، وإحصاء شمة منه يحتاج إلى دفاتر وطوامير وخارج عن وضع هذه الرسالة الموضوعة على سبيل الاختصار.
(الثانية) هي شعبة الاستبداد الديني ويعتبر علاج هذه القوة بعد علاج سابقتها من أعسر الأمور وأصعبها وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولاً، ولاعتبارها جزءاً من أجزاء الدين ثانياً، وقد عرفت حقيقتها في المقدمة إجمالاً، وعرفت أيضاً أنها عبارة عن الإرادات التحكمية لا غير، وقد أظهرها المنسلكون في زي الرياسة الروحانية بعنوان الديانة، وخدعوا الشعب الجهول لفرط جهالته وعدم خبرته بمقتضيات دينه بوجوب إطاعتهم، وعرفت أيضاً أن هذه الإطاعة والاتّباع الأعمى حيث لم تستند على حكم إلهي معدودة في مراتب الشرك بالذات الأحدية بنص الآية المباركة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ})[556]( والأخبار الواردة في تفسيرها دالة على عبادتهم لهم، وفي عنوان الرواية المندرجة في الاحتجاج داخلة أيضاً.
أما أصل هذه القوة المشؤومة واختراعها وأعمالها في الإسلام فهي من بدع معاوية بن أبي سفيان وقد استعملها مقابلة لعلي عليه السلام حين جمع حوله عدّة من عبيد الدنيا من قبيل عمرو بن العاص، ومحمد بن مسلمة، ومسلمة بن مخلد، والمغيرة بن شعبة، وأشباههم من الذين كانوا يعدّون في أنظار العوام في عداد الصحابة، وقد حصلوا على نفوذ ومطاعية لدى عوام الناس بهذا الاعتبار أيضاً وبواسطة اتفاقهم على تفريق الكلمة عن علي عليه السلام ـ هؤلاء من جهة ـ ومن جهة أخرى أبو موسى الأشعري، ومعاوية وإن كان مأيوساً من معونة أبي موسى الأشعري العلنية كان مقتنعاً منه باعتزاله وتقاعده عن نصرة الحق وخذلانه علياً عليه السلام وتزهّده الصوري الذي طالما خدع به عوام الأمة وجهلاءها.. وقام معاوية حينذاك يحكم أساس الاستبداد في الإسلام ويبنيه على معية تلك الطائفة التي قادها عرض الحياة الدنيا إليه وعلى سكوت هذه الطائفة الأخرى واعتزالها عن عالم السياسة.
ومن ثم أخذ استبداده واستعباده رقاب الأمة يتشيّد شيئاً فشيئاً إلى أن انتهى برواج سب أمير المؤمنين على منابر المسلمين وقد سمعوه ووعوه تماماً غير أن حفظ اعتبارهم ورعاية منفعتهم كانت عندهم أهم وأدعى للملاحظة فانقسموا بين معين له على هذا الكفر العلني وبين من آثر السكوت على أية حركة أخرى..
وقد استعان بهذه القاعدة غير واحد من طواغيت الأمويين وفراعنة العباسيين من أخلاف معاوية على تملّك رقاب الأمة ومحو أحكام الشريعة الإسلامية وأخذوا من سيرته هذه أنموذجاً لعملهم فقد كانوا دائماً يستعينون بمساعدة قوم وسكوت آخرين.. ولم تمر العصور والأجيال حتى أصبح الارتباط والاتحاد بين الاستبداد السياسي المأخوذ من سيرة معاوية على أتم ما يكون حتى انتهت المسألة من اتحاد هاتين الشعبتين الاستبداديتين إلى درجتها المشهودة وحالتها الحالية، فقد أصبح الاتحاد مع الظلمة والطواغيت سبباً لنفوذ الكلمة والمطاعية الكاملة كما أصبحت مساعدتهم بالسكوت وعدم الإعانة على رفع الظلم رأس مال يشترى به ويباع فيضلل به هؤلاء العوام الذين هم كالأنعام أو أضل سبيلاً ولا بيان بعد العيان ولا أثر بعد عين، ولنعم ما قيل: ـ يتمشى عرق الماء المالح مع عرق الماء العذب في هذه الخلائق من أول خلق الدنيا إلى يوم النفخ بالصور ـ ومضمون هذا مأخوذ من أخبار الطينة..
(الثالثة) من تلك القوى الملعونة نفوذ معبودية السلطان في المملكة، وجعلها فوق مراتب الدرجات العلمية والعملية وسائر الجهات الموجبة للتفوق والامتياز بأسرها وتقريرها مرجعاً لأمور الجيش والجند وسائر نوعيات المملكة بحيث تكون هذه تابعة لتلك الخصلة الرذيلة الخبيثة بكل معنى الكلمة بمقدار مراتبها ودرجاتها تعطي المناصب.
وبدرجة رسوخها في القلوب يفوض زمام أمور المملكة وشؤونها…
أعمال هذه القوة من أهم المقدمات لاستعباد رقاب الأمة ودرجاتها مختلفة أيضاً باختلاف درجات تملك الملّة واسترقاقها.
إن نفوذ معبودية السلطان في المملكة هو ما جعل الجهل والخمول بحالة لا يرجى معها علاج ناجع. وهو ما دعا لقلع جذور العلم والمعرفة وسائر موجبات السعادة والحياة الملية عن المملكة كلها. لأنها أضحت غير مفيدة بل مضرة بترقيات الشعب وتقدمه بواسطتها. وهو ما أدّى إلى اضمحلال القوى الملية وعدمها وجعلها بإزاء هذا المغتنم الخارجي كالصعوة في مخالب الأجدل حتى أصبحت الأمة ليلاً ونهاراً محتاجة إلى أشياء طالما كانت متنعمة بها على أحسن حال…
إن رسوخ معبودية السلطان في جذور الأمة وعروقها هو ما جعل حتى المنسلكين في زي أهل العلم ـ فضلاً عن العوام ومع العلم بقيام الضرورة من الدين الإسلامي على حرمة إعانة طواغيت الأمة في فاعلية ما يشاء والحاكمية بما يريد باقتضاء جبلتهم الثانية ـ يزينون للناس ويحبذون لهم مشاركتهم في هذه الإعانة (وقد عرفت أنها من أعظم مراتب الشرك بالذات الأحدية) ومع هذا كله فهم يظهرون لهم أنه دين أو أنه من الدين فيقدمون على هذه الوصمة الشائنة في ساحة الدين الإسلامي ويحملون هؤلاء على أن يبذلوا جميع ما في أيديهم في سبيل هذه العبادة الصنمية من حيث لا يشعرون… إن تقريرهم كون نوعيات المملكة تابعة لدرجات هذه الرذيلة الخبيثة هو ما أدّى إلى أن يصبح كل رذيل ساقط، بكل معنى الكلمة مالكاً زمام مهام المملكة ورقاب الأمة، ومنتزعاً بكمال القوة والشوكة من دون أي تعب واستحقاق أو مالكية كل ما تحت يد هؤلاء الأرقاء والأذلاّء.
وليته يقنع بهذه وأشباهها وأنّى لنا بهذا فهو يبيع مدخل المملكة ومخرجها وشعب ثروتها وعمرانها وجميع جهات حفظ استقلالها وكل مقومات استقلال المسلمين معها بأقل تملّق وتزلّف وما ذلك إلا أنه عار عن العملية والشعور مسلوب الغيرة إزاء وطنه. جاهل بالواجبات التي تفرضها الوطنية والقومية عليه. وبأقل نفع يصوره له الطمع والجشع يعطي امتيازات المملكة ويعقد المعاهدات المنحوسة التي لا تعود على مملكته وملته وحياة قوميته الإيرانية إلا بالخراب والدمار والويل والبوار..
إن تفرق كلمة الدولة والملّة وتنفر قلوب الأمة عن سلطانها وتوحش قلب سلطانها منها، وهلاك كل سلطنة قديمة تؤول إلى أعمال هذه القوة الخبيثة، وتستند إلى هذه الفرقة من الناس المتّصفة بهذه الصفة الرذيلة، فعدم وقوفهم في اغتصاب ثروة الأمة ومكنتها على أي حد يوجب تنفر قلوب الأمة من سلطانها وبالعكس اهتمامهم في تظاهرهم بمظهر عبادة السلطان وحب الدولة والتحفّظ على السلطنة، وإهمالهم مع ذلك هجوم الأمة واغتيالاتها مدعاة لأن يتوحّش قلب السلطان من رعيته، وبالضرورة وتكرر التجربة وملاحظة تواريخ الأعصار السابقة يكون مثال هذا التوحّش والتنفر ونتيجة إعطاء هذا النفوذ لهذه العبادة الوثنية عادة إلى زوال المملكة وانقراضها فتصبح كخبر كان وأمس الدابر، ولم يغفل أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر هذه الفرقة بل قال محذراً منها ومن مساعدتها وإعانتها:
«وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك معهم..) المراد من كلمة (أهل الخاصة) هو هذه الفرقة الساقطة الذين لا يألون جهداً في أن يتصلوا ويتقرّبوا إلى السلطان وولاة الأمور ومراجع الحكومات بعنوان أنهم من عبيد السلطان ومحبي الدولة، ويقول أيضاً في لزوم حسم مادة هؤلاء في ذلك العهد المتقدم: «ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحاميتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تقر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك، يحملون مؤنته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة، والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد… إلخ».
(الرابعة) من تلك القوى الملعونة إلقاء الخلاف فيما بين الملة وتفريق كلمة الأمة، وهذه القوة الخبيثة وإن كانت مستندة إلى القوة الأولى ـ الجهالة ـ وفعليتها الخارجية مبنية على تلك الشعبة الاستبدادية الدينية ومعبودية السلطان فليس لها وجود خارجي تستقل به في عرض هذه المقدمات الثلاث، ولكن حيث إن الاستعبادات الواقعة في الأمم السابقة والحاضرة وهذه الأمة منها منتهية ـ طبعاً ـ إلى تفرّق الكلمة الملية، وليست القوى الثلاث المتقدمة إلا من قبيل المقدمات لها، وفي الحقيقة هي بالنسبة لها نتيجتها المطلوبة والجزء الأخير للعلة وكل الأصول السابقة معدّات لها، ومن هذه الجهة كانت جهات الاستعباد في لسان الآيات والأخبار مستندة إلى تفريق الكلمة وتشتت الأهواء، واختلاف الآراء، قال عز من قائل: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفَ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ})[557]( ـ وكلمة شيعاً ـ مفسرة بمتفرقين ودلالة هذه الآية على أن فرعونية السلطنة وكونها استعبادية مبتنية على تفريق الكلمة ظاهرة واضحة..
ولعلي عليه السلام في خطبته السابقة القاصعة التي نقلنا منها في المقدمة ما يتعلق بحقيقة السلطنة الاستعبادية تصريحات مهمة أحببنا نقلها هنا حبّاً لتشخيص الداء وتتبع الدواء وطمعاً في أن نطلع أولئك المتشيعين المخلصين الخالين من شوائب الأغراض الاستبدادية الاستعبادية على أوامر إمامهم ودستور عمله الذي فرضه عليهم لنكون قد نبّهناهم على شناعة التزلّف إلى الظلمة والتقرّب إليهم، وقباحة عدم موافقتهم على استنقاذ حريتهم المغتصبة قال:
«واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا مثالهم، فإذا تفكّرتم في تفاوت حالهم، فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم، وزاحت الأعداء له عنهم ومدت العادية فيه عليهم، وانقادت النعمة به معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة، واللزوم للإلفة والتحاض عليها، والتواصي بها، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم، وأوهن متنهم من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الأيدي، وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء وأجهد العباد بلاء وأضيق أهل الدنيا حالاً، اتّخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب وجرعوهم المرار، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة، وقهر الغلبة لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلاً إلى دفاع، حتى إذا رأى الله جد الصبر على الأذى في محبته والاحتمال للمكروه من خوفه جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً فأبدلهم العز مكان الذل والأمن مكان الخوف فصاروا ملوكاً حكاماً وأئمة أعلاماً وبلغت الكرامة من الله لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم، فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة والأهواء متفقة والقلوب معتدلة والأيدي متوافدة والسيوف متناصرة والبصائر نافذة والعزام واحدة، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين وملوكاً على رقاب العالمين، فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة وتشتتت الإلفة واختلفت الكلمة والأفئدة وتشعبوا مختلفين وتفرّقوا متحاربين قد خلع الله عليهم لباس كرامته وسلبهم غضارة نعمته، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين منكم واعتبروا بحال ولد إسماعيل وابن إسحاق وإسرائيل عليهم السلام فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال.. تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرّقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريق الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين أخوان دبروا بأرذل الأمم وأجدبهم قراراً لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ولا ظل ألفة يعتمدون على عزّها فالأحوال مضطربة والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل وأطباق جهل من بنات مؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً فعقد بملّته طاعتهم وجمع على دعوته إلفتهم كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها والتفت الملّة بهم في عوائد بركتها فأصبحوا في نعمتها غرقين وعن خضرة عيشها فكهين قد تربعت الأمور بهم في ظل سلطان قاهر وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب وتعطفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت فهم حكام على العالمين وملوك في أطراف الأرضين».
وفي مواقع أخر عديدة من خطبه المباركة والأخبار الواردة في هذا الشأن تصريحات لطيفة يؤخذ منها كلها أن حجر الزاوية الأساسي لكل الاستعبادات والاستبدادات هو تفرّق كلمة الأمة وما تضمحل قومية أي أمة حتى تتفرق كلمتهم وتختلف أهواؤهم، وهي من وجهة الدليل والبرهان من البديهيات الأولية أيضاً فإن الضرورة قائمة على أن الجهة الحافظة لحقوق الشعب النوعية ومن أعظمها حرية رقابهم وناموسهم الأكبر ـ دينهم ـ واستقلال قوميتهم منحصرة في تلك الجامعة النوعية ومتوقفة على استحكام أساسها الأول كل الآفات المترتبة على الفتور والتهاون في مراعاة تلك الجامعة في ذهاب حيرة رقابهم وابتلائهم بقهر طواغيت الملة وأقويائهم الداخلية إذ يستولون بقوتهم وقهرهم على ضعفاء الأمة وفقرائها بعد أن تكون قد انعدمت من البين قوة دفاع هؤلاء التي هي وحدتهم واتّفاق كلمتهم ـ طبعاً ـ وأصبحوا ولا ملجأ لهم إلا الخضوع لتحكّمات أقويائهم ومتجبريهم.. ويكون المتجبرون بعملهم هذا وبغرض استئصال كل قوة يمكن أن تستعملها الأمة لتخليص رقابها من أيديهم قد أعدموا تدريجاً من أمّتهم جامعتها النوعية وقواها الدفاعية وكل قوة يمكن للأمة أن تستخدمها في سبيل دفع عوادي الأمم الأجنبية المهاجمة..
وآخر ما ينشأ من أعمال القوى الاستبدادية الاستعبادية ونبذ جذور العلم والمعرفة من المملكة وإعطاء النفوذ لمعبودية السلطان وغيرها من القوى الملعونة وشدة المواظبة على المنع من الاجتماعات وسائر ما هو موجب لحياة الملّة وتيقّظ الأمة هو وقوع كل هاتيك القوى النوعية في مخالب الأجانب حتى تنتهي المسألة إلى حالة تخافون أن يتخطفكم الناس وما حالتنا الحالية في إيران إلا عيان هذا البيان ووجدان هذا البرهان.
(الخامسة) من تلك القوى الملعونة قوة الإرهاب والتخويف والتعذيب والتنكيل وهذه مأخوذة من سيرة فراعنة السلف وطواغيت الأمم مع دعاة الحرية والموهوبة الإلهية بأنواع التعذيبات النازلة على تلك الأنوار الطيبة من القتل والأسر والتنكيل والتمثيل والحبس في المضائق ودس السموم وهتك الأعراض ونهب الأموال إلى غير ذلك مما لم يبق على أحد منهم أبداً..
أعمال هؤلاء القساة الطغاة ناشئة عن تشفيهم من أولئك الأشراف والأمجاد أولاً وعن طمعهم في قلع وقمع شجرة الإباء والحرية لئلا تتسرى للعموم ثانياً وعن غرض تخويف الأمة لتمكّنهم من أسرها ورقيتها ثالثاً، ودرجات هذه الأعمال مختلفة أيضاً باختلاف مراتب القسوة والانسلاخ من الفطرة الإنسانية وعدم الاعتقاد بالمبدأ والمعاد والقيامة والعذاب. وكما انتهت دورة فراعنة الأمة وطواغيتها وابتلاء الملة بأسرها وقهرها وذلّة عبوديتها في هذه الأيام إلى نقطتها الأخيرة كذلك وصلت درجة القساوة والصلافة والتملّص من الدين الحنيف والسير على مبدأ الفراعنة والطواغيت لأعلى مراتبها، حتى أن الأمور التي لم يكن لها في التاريخ سابقة أبداً أصبحت مشاهدة متعارفة. وأصبحت الكلمة المترددة على الألسن دائماً من أن يزيد وابن زياد وشمر وعمر بن سعد وسنان وغيرهم في كل وقت كثيرون ومنتشرون وليس في مقابلتهم إلا الحسين فقط مشهورة عياناً لها منها عليها شواهد كثيرة، وفي الأخبار الواردة في الطينة من تشابه مكنونات النفوس ومكموناتها شاهد على ما نقول..
(السادسة) من تلك القوى الملعونة ارتكاز رذيلة الاستبداد والاستعباد في قلوب الأكابر وفطرة الأشراف وجبلة الأقوياء على اختلاف طبقاتهم وانتشار التزوير والمعاملات والتحميلات الناشئة عن الإرادات الشهوانية والتحكّمات النفسية انتشاراً هائلاً إلى حد أصبحت كأنها طبيعية فيهم لازمة لهم حتى صار نوع الأقوياء في المملكة وخاصة الملاكين منهم ـ بواسطة منافاة التسوية والعدالة لأغراضهم وجهلهم بأن حفظ دينهم وشرف استقلالهم متوقف عليها وغلبة حب العاجلة على الآجلة والأهواء الزائلة على الإدراكات العقلائية ـ متّفقين متّحدين مع منشأ الاستبداد وأصل الاستعباد منهم بمنزلة الأغصان والفروع لهذه الشجرة الخبيثة.
في ابتداء ظهور الديمقراطية في إيران وفي أول هبوب نسيم العدل على القرى والضواحي التي دمّرتها كف الجور والطغيان، أي حينما كانت حقيقة الديمقراطية وراء الستار وحينما كان يظن أن سلب الاستبداد مخصوص برؤساء الحكومات فقط وأن هذا الأمر مخصوص بهلاك الجيران لا غير، كانت جميع طبقات (المعممين) الغاصبين لزي العلماء والملاكين وغيرهم تبذل جميع جهدها في إقامة هذا الأساس وتنفق جميع مساعداتها في تنفيذ هذا المشروع حتى إذا ما ارتفع الستار وتجلّى ضوء النهار، وعرفوا روح المطلب وحقيقة الديمقراطية قلبوا ظهر المجن وأظهروا من حقدهم ما يشيب له فؤاد الرضيع.
وقامت الشعبة الاستبدادية الدينية ـ باسم حفظ الدين ـ وتقدّمت عبدة السلطان ـ باسم حب الدولة ـ وشهر كل من سائر أولئك الأنذال سلاحه، وحملوا حملة واحدة على هذا الركن الركين فردوا أحكام حفّاظ الدين المبين واندرجوا تحت عنوان (فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو في حد الشرك بالله) وحدود وأقضية، نكثت طائفة وزهقت أخرى ومرق آخرون..!!
(السابعة) من تلك القوى الملعونة اغتصاب القوى الحافظة للملة من المالية والعسكرية وغيرهما وصرفها في القضاء على نفس الملّة وروحها كانتخاب رؤساء العساكر من الأجانب ومعاندي الدين المبين وإعطاء زمام العساكر الإسلامية بأيديهم وتفويضهم في تربية الجند، كل هذه الأوضاع هي لتميل هذه القوة وبغرض عدم المبالاة وعدم استنكاف أولئك الجهلة بوظائفهم وحقوق الملّة عليهم مخالفتهم الأحكام الشرعية وقتلهم النفوس المحرمة وهتكهم الأعراض ونهبهم الأموال وتهريشهم العشائر والقبائل الوحشية كل هذه لتكميل هذه القوة أيضاً وسببها الوحيد وعلّتها الحقيقية هي جهالة الأمة وخمولها، كما أن سائر الأمور التي أدّت إلى هذا الدمار والبوار مبنية على أساس الجهل وعدم المعرفة لا غير.
(المقصد الثاني)
في إشارة إجمالية لعلاج تلك القوى المعلونة..
(أولها) هو علاج ذلك الجهل المستولي على طبقات الملّة، وهذا بالنسبة إلى الجهل البسيط والدخول من طريق العلاج وشرح حقيقة الاستبداد والديمقراطية مع بيان وفهم كل ما ذكرناه في المقدمة والفصول الخمسة المتقدمة في كمال السهولة، ولكن بشرط الدخول من طريق الملاءمة ونبذ الخشونة وحفظ الأذهان مما فيه شائبة تغرض والتحرز عن موجبات التنفر وانزجار قلوب العامة وتوحشها قال عز من قائل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ})[558](.
إن حقيقة الدعاية للحرية وخلع طوق الرّقّية عبارة ثانية عن الدعاية للتوحيد بنص الآيات والأخبار السابقة وهذه من وظائف الأنبياء والأوصياء والأولياء، إذن فعلى من أراد أن يتقدم إلى هذا الميدان سواء أكان صحافياً أو منبرياً أو غيرهما أن يسير بتلك السيرة المقدسة النبوية، وأن يضع الآية السابقة أمام عينيه آخذاً منها أنموذجاً لخطته هذه، وأن يقتصر في خطته على رفع الجهل وتهذيب الأخلاق وتكميل العلميات وغير ذلك، وأن يتجنب بذاءة اللسان مطلقاً لما بها من الحمل على التغرّض والتعرّض، وأن لا يدخل هذا الوادي حتى يحرز من نفسه الكفاءة المطلقة.. وإلا إذا دخل مع عدم لياقته بغرض حب الظهور والتغلب على أفكار العوام وإيجاد المشاغبات وغير ذلك عادت بأشر مما كانت عليه كما منيت الأمة بجملة من الجرائد السابقة والمنبريين المتقدمين، وما ورد على رأس هذه الأمة المنكودة من اللطمات والصدمات شيء إلا بواسطتهم، ولكونهم كانوا أصدقاء جاهلين أو أعداء عارفين، وأن يأخذ على نفسه تنبيه هذه الأمة المنكودة إلى حقوقها وتفهيمها حريتها المغتصبة، وأن يحفظ شرف أرباب الشرف ولا يعين عليهم الظالمين ليفعلوا بهم ما يشاؤون استبداداً واعتسافاً، وأن لا يضيع حرية بيانه وقلمه اللذين هما من أعلى مراتب الحرية الموهوبة الإلهية، وحقيقتيهما عبارة عن إطلاق الأمة من قيد تحكّمات الطواغيت وتعسفاتهم ونتيجتها تفتح عيون الأمة وآذانها وتتبعها مبادىء الترقي وشرف الاستقلال الوطني واهتمامها في حفظ الدين والتحفّظ على الناموس واتحادهما لغرض انتزاع الحرية من غاصبيها، واسترجاع الحقوق المغتصبة وذيوع المعارف وتهذيب الأخلاق وأمثال هذه الصفات في معرض الهتك والسب وثلب الأعراض المحترمة وأخذ حق السكوت من زيد وأجرة التعرّض بعمرو أو التشفي من بكر أو غير ذلك أو أن لا يتعرّض في ذلك أقاويل الظالمين وأباطيلهم ـ مع اجتماعات جهات العلمية والأهلية فيه ـ إلى أكثر من ذكر كليات عامة تاركاً التعرّض بالشخصيات الخاصة ولو بالكناية والإشارة والتلويحات جانباً بعيداً مراعياً فيها وظيفته التي هي عبارة عن وصل الأمة بعضها ببعض لا فصلها عن بعضها هذا كله بالنسبة للجهل البسيط، وأما ما يعود إلى الجهل المركّب وخصوصاً ما كان بدرجة اللجاج والعناد وبلسان (النار ولا العار) فهو في كمال الصعوبة على أنه ربما يمكن أن ترتفع مباديه بالمسالكة والمباراة وعدم المقابلة ورفع مواد اللجاج من البين..
هذا وإن هناك طائفة مخصوصة أخذت على نفسها لا من باب الخطأ والاشتباه بل من باب غلبة الهوى وشدّة التغرّض لمساعدة الظالمين ومدّ يد المعونة لهم إبقاء لشجرة الاستبداد الخبيثة فهي تسعى السعي الحثيث بكل ما يمكنها استعماله من القساوة والصلافة والهمجية إلى استعباد رقاب الأمة وانقيادها للفراعنة والطواغيت فلا يمكننا أن نتصور لها علاجاً إلا أن تنقطع آمالها ويغلب عليها يأسها والمقابلة لها، والتعرّض لأشخاصها وإن أوجب تنبّه الأمة لها وتحذرها من مكائدها إلا أننا نرى الاكتفاء في مقابلتها بتلك الكليات أولى وأعود نفعاً من جهات عديدة..
(ثانيها) وهو أصعب وأشكل منها كلها وربما كان في حدود الامتناع أيضاً وهو علاج الشعبة الاستبدادية الدينية حيث تقضي الضرورة أن لا رادع ولا مانع من الاستبداد وإظهار المرادات الشخصية بعنوان الديانة إلا ملكة التقوى والعدالة، ولا عاصم إلا اجتماع الأوصاف المذكورة في رواية الاحتجاج من كونه (صائناً لدينه. حافظاً لنفسه. مخالفاً لهواه. مطيعاً لأمر مولاه) إلى آخر الأوصاف المعتبرة في من ترجع إليه الأمور الشرعية..
ومع الاتّصاف بأضداد الأوصاف المار ذكرها أو بالأخص مع اجتماع الأوصاف المذكورة في آخر تلك الرواية عيناً في حق علماء السوء وقطّاع طريق الدين المبين ومضلّي ضعفاء المسلمين التي يقول عليه السلام في آخرها: (أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين) فلا نتصور مانعاً من أعمال الاستبداد والاستعباد، وإظهار الإرادات والتحكّمات النفسية بعنوان أنها من الدين كما لا يتيسر لضعفاء العوام من الأمة أن يميزوا فيما بين تلك الأوصاف وأضدادها المذكورة، وأن يتَّخذوا الحيطة من الوقوع في حبائل أولئك الصيادين وشراكهم المنصوبة على قارعة الطريق باسم الدين، كما لا يمكنهم التملّص من بين فرجها على فرض وقوعهم فيها من جهتي القصور أو التقصير، وذلك لحسبانهم أن من لوازم ديانتهم انقيادهم الأعمى لهم، ذلك الانقياد الذي أقل ما يتصور من ضرره أنه أوقعهم بحيث لا يمكنهم التفلّت وقادهم إلى حيث يكون الجهل المركّب ثابت الأساس. وصار بهم إلى مراكز الشرك بالذات الأحدية تعالى شأنها. ولهذه الجهات وأشباهها أصبح طريق العلاج مسدوداً والتخلّص من هذه الورطة في بادىء الأمر صبعاً غير ميسور، ولكن مع هذا كلّه حيث كانت الفاعلية لما يشاء والحاكمية بما يريد وأشباهها من الأمور التي لا يمكن تطبيقها على دين من الأديان ولا كتاب من الكتب ولا مذهب من المذاهب فضلاً عن الدين القويم الإسلامي.. وحيث كانت الإعانة على هذه العبادة الوثنية بنص من الكتاب والأخبار السابقة سواء كانت بالاتحاد ومساعدة الظالمين، أو بالسكوت والاعتزال وترك النصرة وخذلان الحق على كل حال من المطاليب التي لا يمكن إظهارها بصورة الإعانة على حفظ الدين وحفظ كيان المسلمين لهذا أصبحنا نعقد وطيد الأمل على الأمة الشيعية والملّة الإيرانية خصوصاً وقد تفتحت عيونهم من العمى وتخلّصت آذانهم من الصمم أن يستقصوا آثار هذه الأمراض المزمنة المهلكة للنوع الجعفري ويتتبعوا علائم حريتهم من هذا الاستعباد الذي هم على أشد ما يكونون من أضراره والأمة لتصبح الشعبتان الاستبداديتان السياسية والدينية معدومتي التأثير إن شاء الله..
وبمقتضى الحديث المأثور: (يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال) الذي مفاده من المستقلات العقلية الموجبة لإلقاء الحجة وعدم المعذورية يكون هذا النوع من التزلّف للظالمين سواء كان بإعانتهم أو عدم الموافقة على سلب الصفات الخاصة الإلهية منهم كاشفاً لأسرار مكنونات طالما خفي علينا أمرها. وهذا التقابل بين الحق والباطل محك في الحقيقة لامتحانهم ومعرفة صحيحهم من فاسدهم، قال عز من قائل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ})[559](.
(ثالثها) قلع جذور عبادة السلطان من المملكة وقطع شجرة أولئك الذين طالما باعوا المملكة وأهلها بمقدار من الطمع والجشع، وترويج سوق العلم والمعرفة، وتقرير كون الأمور النوعية تابعة لمقدار اللياقة والكفاية والدراية.. وبالضرورة ما دامت أساس الاستعباد ثابتة وجذور الاستبداد محكمة نابتة فقلع شجرة الجهل من الوسط وتبديلها بالعلم والمعرفة من المحالات التي لا يتنازع فيها اثنان. وما دام السلطان نفسه لشدة اتّباعه لهواه جاهلاً بحقيقة سلطته التي هي ولاية على الحفظ والنظام وبمنزلة الحراسة والعسس على الاحتفاظ بكيان الشعب، وحاسباً أن سلطته عبارة عن المشاركة مع الذات الأحدية في أغلب الصفات الخاصة بها كالمالكية والقاهرية والفاعلية لما يشاء وعدم المسؤولية عما يفعل.. إلخ. زاعماً أن عدم تمكّن الأمة إياه من مقهوريتها وجدها في تخليص رقابها هو تمرّد على السلطنة، وخروج عن الانقياد للسلطان. وظاناً أن المساعدة على هذه الفرعونية إخلاص للدولة وحب للملك فلا مناص له حينئذٍ من أن يصرف جميع ما أوتي من القوى والاستعداد في استئصال الفرقة الأولى التي هي عنوان التمرّد على زعمه، ويبذل جميع أزمة المملكة للفرقة الثانية التي هي نموذج الإخلاص والتفاني في سبيل الأمة والدولة على ظنه.. فتكون نوعيات المملكة كلها في أيدي أولئك الذين يدعون الحب له والولاء لشخصه، وكيف كان فهذه وأشباهها مما تنفر الأمة من السلطان وتوحش السلطان من الأمة، وينتهي أخيراً بانزواء السلطان عن الناس واختفائه عن العيون بحيث يصرف فكره ليلاً ونهاراً في إعدام الأمة وشنق كبارها وإتلاف أوليائها ـ طبعاً ـ صارفاً همّته عن موجبات السعادة، جاهلاً بأوضاع الملوك وسيرتها العالمية محروماً من التمتّع بملاذ السلطنة مستسلماً لأفكار أولئك الفسدة المردة المتزلفين له بحبه وإظهار عبوديته..
وبملاحظة النص المجرّب القائل (الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم) والذي هو من أوضح الواضحات وبرهانه محسوس عياناً ومندرج في صريح خطاب الأمير عليه السلام إلى مالك الأشتر في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي من أن بقاء الملك ودوام الدولة منوط باتحاد الرعية مع الوالي ومجاراته لهم، كما أن الإجحافات والاستئثارات مما توجب زوال الملك وتودي به إلى الانقراض العاجل ومن هذا الباب ما ذكر في الأخبار الشريفة من أن السموات قامت بغير عمد بعدل الباري جلت عظمته.. نعم بملاحظة هذه كلها وبحكم الضرورة والتجربة تكون عاقبته ونتيجة سلطنته إلى الفناء العاجل، ويكون بمساعدة تلك الفئة الوحشية كمن سعى لحتفه بظلفه، وبعد بضع ليالٍ يقضيها بهذه الحالة يصبح عنوان السباب والشتيمة ومدعاة اللعنة والويلات، وما أمر الضحاك ويزيد وجنكيز وأشباههم بخافٍ. {سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً})[560]( وما أشد انطباق الآية الشريفة عليه: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ})[561](.
وبالجملة فعلاج هذه القوة الخبيثة مع وجود الاستبداد السياسي والديني في البين من الممتنعات المسلمة الامتناع وحيث ان الأمة المسلمة المعتقدة بأحاديثها النبوية وأخبارها الإمامية القائلة: (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب). أصبحت بواسطة إهمالها هذين الركنين العظيمين وتركها هاتين الوظيفتين المهمتين الشرعيتين اللتين هما بنص الأخبار والأحاديث من دعائم الإسلام ومباني الإيمان محرومة من سعادة دائمة كهذه، وحظ عالٍ يتنزل معه السلطان من مقام أنا ربكم الأعلى ـ باقتضاء إسلامه وفطرته الإنسانية ـ إلى أن يدع الأمة وحريتها مكتفياً عن غصب الرداء الكبريائي بغصب مقام الولاية لا غير. حاثّاً الأمة على استنقاذ حقوقه الشرعية المغتصبة. داعياً لها إلى أن تحافظ على استقلالها وقوميتها بالاتفاق الملي والغيرة الوطنية بحيث تكون معهما من أرقى الأمم المتمدنة معتقدة أن التعاون في أحدهما موجب لعكس المسألة رأساً على عقب، وإرجاعها إلى الفرعونية السابقة..
ولنا وطيد الأمل أن لا يدعوا هذه اللحظة تمر دون أن يغتنموها فرصة سانحة لهم ليستعيدوا بها مجدهم ويحكموا أساس نشاطهم فيتمسكوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحكموا أساس العدل الموجب لبقاء الملك، ويهدموا أساس الظلم لأنه موجب لانقراض الدولة وزوالها ويستنقذوا رقابهم المغصوبة وحقوقهم الملية، ويقلعوا جذور معبودية السلطان التي هي مدعاة لزلزال كل هذه الأساس العمرانية، ويجرعوا من سلسال عدله وإحسانه، ويستعيضوا بترقيه على عرش المملكة عادلاً منصفاً عن كونه جزاراً للبشرية وقصاباً للأمة، يفتك بها فتك الذئب بالشاة الضعيفة.. وبمجرد أن يذوق حلاوة العدل، يدرك حب استمالة قلوب الأمة ـ أياماً ـ فلا بد من أن ينبذ عالم السبعية وقطع الطريق مستعيضاً عنه بعالم الإنسانية وحفظ المملكة وترقي النوع، ولإعانة من يسعى إذ لم يكن منسلخاً عن الفطرة إلى رفع موجبات التوحش والتنفر فيما بينه وبين الأمة، ويستأصل مواد التفرقة بأن لا يألو جهداً في أن لا يستسلم ـ طبعاً ـ مرة ثانية لأولئك الجهال المفسدين الذين هم على المملكة أشد وقعاً من النار على الحطب اليابس.
(رابعها) علاج تفريق الكلمة والسعي وراء الاتحاد وهذا المطلب مستفاد من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام البرهانية، وبرهاناً هو من الواضحات البديهية أيضاً، ليست فائدة الاتحاد منحصرة في حفظ حرية الرقاب وصيانة حقوق الملّة من الاغتصاب ومنع تعدّيات الأشرار ورفع التجاوزات التي تقوم بها ذئاب إيران الضارية ـ آكلة لحوم البشر ـ فقط، أجل إن حفظ تمام الموجبات للشرف والتحفّظ على النواميس الدينية والوطنية، واستقلال القومية، وعدم الوقوع في أشد من محنة بني إسرائيل، كل ذلك منوط باتحاد الكلمة وعدم تشتت الآراء ومرتب على عدم اختلاف الأهواء، ولهذه الجهة كان الاهتمام في الشريعة المطهرة لحفظ هذه الدرجة ورفع موجبات الاختلاف في أشد ما يكون، ومن جملة الحكم المنصوصة لتشريع الجمعة والجماعة حيث يجتمع المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة ويحيط كل منهم خبراً بحال الآخر هو نفس هذا الاتحاد والاحتفاظ بهذه الدرجة وكذلك الحال في تشريع سائر الجهات الموجبة للإلفة والاتحاد والتحريض عليها، كالترغيب على الولائم غير المتكلّف فيها، والإحسان بلا من، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وتعزية المصاب، والإعانة على قضاء الحوائج، وإجابة الأخ المؤمن، والصفح عن الزلل ونسخ الانزواء والرهبانية، وتحريم النميمة والإيذاء والفتن والإفساد، إلى غير ذلك مما يدعو إلى الإلفة والاتحاد ويمنع من التنافر والتباغض فإنما هو لتحصين هذا الحصن وتشييد هذا الصرح للمسلمين لا غير.. وما اهتمام الشارع المقدس في تهذيب الأخلاق وأن لا يكون الإنسان معجباً بنفسه منقاداً لهواه على اختلاف مرتبته ودرجاته وأن يكون متخلّفاً بخلق المساواة والإيثار على نفسه إلا لرفع تفرّق الكلمة، ورفع منار الاتحاد..
ومن الواضحات الضرورية أن مبدأ تفرّق الكلمة وتشتت الآراء واختلاف الأهواء ناشىء عن الإعجاب بالنفس، والاغترار بها، ومستند على التحرك بالحركات الملائمة للأغراض الشخصية وتقديمها على المصالح النوعية، وما بقيت هذه الرذائل والملكات البهيمية وحب النفس والإعجاب بها مسيطرة على أصل العمل، وما دامت المبادىء الشريفة كالمواساة وإيثار الغير ولا أقل من سحق الأغراض الشخصية وتقديم النوعيات عليها عند الدوران معدومة من البين ومفقودة من عالم الوجود، فإحكام هذا الحصن الحصين وتشييد هذا الأساس من المحالات الأولية، وعبثاً تحاول إقامة الصرح العالي على أساس من رمل ينهار من كل جانب ومكان.. أو ما ترى إلى البزّات التي تتجدد كل يوم والخروق التي تزداد كل آن توسّعاً، فتارة بعد سلب الصفات الخاصة الإلهية عن الطواغيت والمردة منافياً للقرآن والإسلام وتسمّى عبادة الظالمين حباً للدولة وحفظاً للدين، وأخرى يرون من الواجب عليهم أن يظهروا الحيرة المغتصبة مظهر الموهومات، وعوضاً عن أن يلبسوها الإباحة المذهبية يلقون عليها ستار المنكرات وحجاب المبتدعات ويصورون آحاد الأمة مع غاصبي حريتهم وحقوقهم بصورة رفع الامتياز عن جميع الأصناف المختلفة الأحكام، ولم يستنكفوا من تجديد مغالطات معاوية وتمويهات عمرو بن العاص مع علي عليه السلام بشأن مقتل عمار بن ياسر، وذلك حين استشهد في ركابه المقدس ولم يستحيوا من نسبتهم إراقة الدماء وسفكها الناشىء عن انضمامهم للظلمة المستعبدين إلى الطلب بالحقوق الشرعية المغتصبة والحرية المنشودة ورفع الظلم عن الأمة المهضومة إلى غير ذلك من المضحكات المبكيات..
إذن فعلى دعاة الحرية والتوحيد وحماة الدين والوطن، ورافعي منار العدل ومخمّدي نار الظلم أن يوجهوا نظرتهم بعد رفع الجهل وشرح حقيقة الاستبداد والمشروطية والمساواة والحرية إلى تهذيب أخلاق الأمة من هذه الرذائل والملكات الخبيثة، وتطهر نفوسهم من المواد المضرّة كالإعجاب بالنفس، والاغترار بها والآثار المترتبة عليها كاختلاف الآراء وتضارب الأهواء وتحكيم الأغراض الشخصية وتقديمها على المصالح النوعية وأهم المقدمات التي تجب مراعاتها هو تشكيل المنتديات الصحيحة والمجامع العلمية الأخلاقية التهذيبية وترتيبها على الوضع الصحيح تماماً، من انتخاب أعضاء مدبرين مهذبين كاملين في العلم والعمل، أولي خبرة ودراية ومعرفة وكفاية همهم الوحيد إحياء الجامعة الإسلامية والرابطة النوعية. ولا أريد به أن يكون كالنوادي الحالية الموضوعة بالوضع الشاذ الساقط والمبنية على أساس حب النفس وأكل أموال الخلق، وقصد الرفعة وطلب الرياسة وقول الزور وأعمال الأغراض والأمراض الشخصية العقيمة الإنتاج، اللهم إلا ما تنتجه من عكس المقصود وانصراف قلوب الملّة عن الدخول في وادي الاتحاد إلى القبول بذلك الاستبداد والاستعباد الذي هو أخفّ كثيراً عليها من الخنوع لهذا الاستبداد الثاني، وربما انقادت لذلك مستأنسة به راضية بوقعه على نفسها من باب أهون الشرين وأخف الأمرين متوسلة بالخنوع لتلك الرّقّية البهيمية مع كمال شوق وطيب نفس تخلصاً من مخالب هذا الاستبداد الوحشي.
وبالجملة فالغرض الوحيد من تكوين هذه المنتديات وعقد تلك المؤتمرات ويمين الإخلاص ووضع القرآن المجيد وسائر المعظمات الدينية في مبادئها هو رفع الأغراض الشخصية ووضع المصالح النوعية وحفظ الجامعة العمومية وإعلاء الكلمة الإسلامية، وترقّي نوع الأمة ورفع مستوى الملّة عملياً، لا أن المقصد هو التآزر على قضاء الشهوات الحيوانية وتنجيز المرادات الشخصية وصرف قلوب العقلاء ونفوس البسطاء عن الدخول في هذا الميدان.
ومن أكبر آفات هذا المشروع هو تدخّل أولئك المغرضين المتّسمين بسمة حب الأمة وطلبة الخير للملّة فإنهم بصفتهم محبين ومخلصين قد لعبوا الدور المهم والفصل الأكبر لقلب هذا العرش وذلك الكيان، وكيف لا ولم تمر عليهم فرصة إلا اغتنموها لسحق الشعب ومحو ذكر الدولة. كل ذلك باسم المحبة وعنوان الإخلاص.
وكما كان عنوان معبودية السلطان وسيلة لأولئك الذين كان وقعهم على قلب الدولة أشد من وقع الجراد على الزرع، وكما كان اسم الدين شبكة لأولئك الذين يعكّرون المياه ليصطادوا ما أرادوا ويفعلوا ما تحبّذه همجيتهم ووحشيتهم.
كان كذلك شعار حب الأمة والإخلاص للشعب طريقة لتذرع هؤلاء إلى الاتحاد مع الطواغيت والانضمام إلى الفراعنة المستبدين، ولعمري إن كل هذه الشنائع وتلك الفظائع مستندة إلى أعمال هؤلاء المدلسين المرائين، فإذا اجتمعوا بالرجال المخلصين قالوا: إنّا معكم نحبذ المشروطية ونسعى وراء الديمقراطية وإذا خلوا إلى أنفسهم أخذوا يجدون ويكدحون وراء الطريقة الاستبدادية الاعتسافية فهم من هذه الجهة أضر على الشعب المسكين من كل تلك القوى الملعونة وأقوى منها شأناً، فعلى محبي الخير والمخلصين لوطنهم المحبوب أن يسدّوا هذه الثلمة ويطفئوا هذه النائرة قبل أن يثور بركانها فيلتهم ما حولهم من زرع وضرع وما ذلك على كفاية الرجال ومقدرة الأبطال بعزيز.
وبالجملة فإن أساس تفرّق الكلمة وخذلان الجامعة النوعية من صدر التاريخ إلى هذا اليوم مبني على إظهار الغرض الشخصي بلباس المصلحة النوعية، وفروعه أكثر من أن تحصى ولوازمه الفاسدة أزيد من أن تحصر، ويظهر من الأخبار الواردة في تفسير الآية المباركة: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ})[562]( أن أنواع العذابات والابتلاءات السماوية والأرضية التي كانت الأمم السابقة مبتلية بها قد رفعت عن هذه الأمة المرحومة بواسطة دعاء نبي الرحمن لها ولم يبق عليها إلاّ واحد منها وهو تفرّق كلمتها واختلاف أهوائها وما يترتب على ذلك من المصائب الدنيوية من الفتك والقتل والأسر وهتك النواميس والأعراض وإذاقة بعضهم بأس بعض إلى غير ذلك من التنكيلات الشديدة.
إن هذه الاختلافات والمفاسد سواء أكانت من الاستبداد السياسي والاستبداد الديني ومن عبودية السلطان وإظهار حب الدولة أو غير ذلك مما هو منشأ التفرّق والنزاع هي من جملة العذابات الإلهية على هذه الأمة المنكودة وعلاجها خارج عن قدرة العلماء والعقلاء والخبيرين والمدبرين وليس لأحد أن يقف دونها أو يحول بينها وبين من أرسلت عليه، ولم يجد فيها أي وسيلة غير وسيلة التوبة والإنابة والتوسل والإلحاح والاستشفاع بمظاهر الرحمة، {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ})[563]( واجمع على التقى كلمتنا وعلى الهدى شملنا بمحمد وآله.
وأما علاج بقية القوى الملعونة فلا يتم إلا بقلع شجرة الاستبداد الخبيثة وسلب فعالية ما يشاء وانتزاع القوى الفعالة المغتصبة من غاصبيها، فما دامت هذه الشجرة باقية نامية، وما بقي هذا الوضع الشاذ مبنياً على حجر التحكّمات النفسية وكانت الأمة مع ذلك فاقدة جميع قواها الفعالة فلست ترى للقتل والنهب والأسر والحبس واستئصال النفوس الأبية وأحرار الأمة وأمجادها حداً أصلاً كما لا تنتهي حالة اغتصاب ما تحت يد الشعب إلى نقطة محدودة ولم تكن حالة الدولة وما فيها إلا كما عبرت عنها البومة الخاطبة لرفيقتها:
إذ الملك هذا وهذي الحياة
سأعطيك ما شئت أرضاً موات
يجب أن ينشر الدستور العادل في الأمة
وإلا فما دام القانون الجامع لتمام الوظائف غير جارٍ في المملكة ولم يعدم الفرق بين القوي والضعيف في الأحكام القانونية إلى حد أن لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من حقه فليس هناك علاج يستأصل به تزوير الأقوياء على ضعفاء المملكة وفقرائها.
يجب على الشعب أن يحافظ على ماليته وعسكريته
وإلا فما دام فاقداً جميع قواه الفعالة من المالية والعسكرية وغيرها ولم تكن ماليته مصونة عن الحيف والظلم والصرف في المشتهيات النفسية بنظارة وكلاء الأمة ـ مندوبيها ـ وبقيت عسكريته.. ومما جاء في عرض الكتاب وتقييمه:
بين يدي الكتاب
البشر في هذه الحرب فريقان يصطرعان في سبيل فكرتين (الديمقراطية والاستبدادية)، ولكل من هاتين الفكرتين تعاليم أفاض فيها أنصارها من الشراع، والمؤلفين، والفلاسفة، ووضعوا لها قواعد وأصولاً على أسس علمية، ليبينوا أفضليتها في حكم الشعوب، ولما كانت البشرية اليوم تقف على حافة الهاوية ـ لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها ـ ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم، وإزاء هذا الوضع الخطير يتحتم على الإسلام أن يؤدي دوره في قيادة البشرية، لأنه وحده هو الذي يملك القيم والمنهج الذي يضبط سلوكها ويوجّه غاياتها إلى إنقاذ هذه البشرية، وهذه هي الفكرة الأساسية التي يقوم عليها كتاب الشيخ النائيني هذا، ويتناول بالاجابة على كل الإشكالات التي ترد بهذا الخصوص حيث يقدم لنا دراسة حافلة بالمادة الغزيرة المستمدة من الكتاب والسنة مؤداها «التصوّر الإسلامي لنظام الحكم»، كما يوضح مدى علاقة الإسلام بالأفكار الوضعية في ضوء الفكرتين المذكورتين، وكان الإمام المؤلف قد خاض غمار حرب ضروس دارت رحاها بين حركتي (المشروطية، والمستبدة) وهما حركتان سياسيتان لعبتا دوراً كبيراً في الأحداث التي عصفت بإيران في أواخر الحكم القاجاري وبقيت نتائج الصراع بعد ذلك لمدة طويلة «والمشروطية»)[564]( التي أيّدها الإمام النائيني هي الحركة التحررية التي كانت تعبّر عن النظام المخالف للنظام الاستبدادي المطلق، ولهاتين الحركتين جذور ضارية في العراق وبخاصة في مركز المرجعية الدينية العليا (النجف الأشرف) حتى أن الأحداث السياسية في إيران كانت تتوقف على إشارة مراجع النجف وتوجيهاتهم، وقد مثّل التيار الدستوري أو الحركة المشروطية في النجف الإمام الراحل الملاّ محمد كاظم الخراساني صاحب كتاب (كفاية الأصول) وتجمع حوله مجموعة من علماء النجف وأدبائها المبرزين وانعكس ذلك على الأدب والشعر فأقيمت يومذاك أسواق للمباراة الأدبية والشعرية يتبارى فيها الشعراء على مختلف مشاربهم في تأييد المشروطية أو الدفاع عن المستبدة، فالكل له رأيه في ظل حرية الفكر التي عرفت بها الجامعة النجفية، وكان تجاوب الرأي العام العلمي النجفي مع الحركة المشروطية أكبر، وفي أدب تلك الفترة شواهد حيّة على ذلك، يقول السيد عبد المطّلب الحلي (ت1339هـ) مخاطباً الإمام الخراساني:
لك الأمر فاحكم بالذي أنت عالم
فمن ذا يرد الحكم والله حاكم
وطأت صماخ الجور حتى تركته
ومعطسه من تحت نعلك راغم
غداة لطمت (المستبد) بلطمة
على تاجه منها غدا وهو لاطم
فولى وقد أعطاك للطعن كتفه
فما أنت إلاّ العدل للجور هادم
نصرت وراح الجور خزيان واجماً
فما ذ مظلوم ولا عزّ خادم
غزوت دعاة الجور لكن بغارة
هي القول لا الجرد العتاق الصلادم
وللشاعر السيد مهدي البغدادي (1277 ـ 1329هـ) أكثر من قصيدة في هجاء أنصار الاستبداد ومن ذلك قوله:
خان الذين استبدوا وانتهى الأمل
لكن لهم زين الشيطان ما عملوا
أليس قولهم ما شاء حاكمهم
وما يراه وهل هذا هو الخبل
وكيف يحصر أمر الخلق في رجل
وفي محمد تمّت عندنا الرسل
ردّوا إلى الحق لا يجديكم أبداً
طول الغواية ضاقت فيكم السبل
ويقول في قصيدة أخرى:
وكم من قائل صف مستبداً
فقلت: وكيف وصف المستبد؟
إذا تدعوه حرّاً فهو نائي
ويرضى أن يقال أخس عبد
فقل للمستبد وراك فابعد
فأنت أحق في موت ولحد
أتأبى العدل في الدنيا وترضى
بحكم الجور فينا والتعدّي؟
وهناك شعر كثير يصح الاستشهاد به، ولو جمع لأصبح ديواناً، وما ألمحنا إليه نموذج يعكس الجو المحموم الذي كان يغلي بالصراع بين حركتي المشروطية والمستبدة، وفي خضم ذلك صدر كتاب الإمام النائيني وكان له وقعه وصداه الكبير في إيران والعراق بل كان تعبيراً واضحاً عن وجهة نظر علماء الشيعة في الحكومات الدستورية، ووثيقة نادرة، كما يقول ـ حميد الغار ـ عن النظرية السياسية للشيعة الإمامية، التي حاولت التوفيق بين الوعي المستمر لمفهوم غيبة الإمام المهدي. مع استحالة قيام حالة الشرعية المرجوة وبين الحاجة العملية لتبنّي شكل من أشكال الحكم الذي لا تتعارض مبادئه مع أحكام الشريعة كثيراً)[565](.
ونظراً لأهمية أطروحة الشيخ النائيني في تقليص مبدأ «لا شرعية الدولة» إلى الحد الأدنى الذي لا مفر منه في ظروف (الغيبة الكبرى) استحصل بحثه بتعريف واجبات (الدولة) العصرية، الداخلية منها والخارجية. وقال: إن السلطة الوحيدة التي تحتاجها الدولة هي التي تساعدها على الوفاء بمتطلبات هذه الواجبات والالتزامات. وإذا ما انحرف الحكّام بالحكم عن جادة الصواب، بواقع الأنانية، وأقاموا سلطة استبدادية مطلقة، فقد خرجوا على تطبيق القوانين الإلهية المنزّلة. وإذا ما رغب رئيسها المنحرف في اغتصاب الحقوق الإلهية. وإضفاء صفات الألوهية على نفسه، صار طغيانه والحالة هذه، أبشع صور الطغيان، وأكثر شبهاً بحكم الفراعنة الطغاة. وعند المرجع النائيني:
إن أفضل طريقة لإبعاد السلطان عن الطغيان هي عصمة الحاكم، أي تحرره من ارتكاب الخطيئة والخطأ، والخضوع لإرادة الله. وفي غضون غيبة الإمام المهدي لا بد من استخدام وسائل أخرى لبناء حكم صالح، وأمامنا في الوقت الحاضر وسيلتان:
(الأولى): دستور يحدد حقوق وواجبات الدولة، ويفرض أتباعها.
(والثانية): مجلس يضم الأذكياء والحكماء في الأمة، المعروفين بحبهم للشعب ولمطالبه الخيرة، ويتولون الإشراف على تطبيق الدستور، والرقابة على أعمال الحكومة، شريطة ألاّ يتضمّن الدستور أي بند يعارض أحكام الشريعة الإسلامية)[566](.
ويستحسن هنا أن أُلَخِّص بعض ما قاله عدد من المؤرخين والأدباء المعاصرين لحادثة صدور الكتاب وما أثاره من ضجة كبيرة في الأوساط الروحية والشعبية للشعبين العراقي والإيراني خاصة، ليلم القارىء بتفاصيل هذا الحدث من مصادره الموثوق بها، وليتعرف من خلالها على قيمة هذه الأطروحة الفريدة والمتميزة في وقتها، والخطوة الشجاعة التي لم يتأتى الاستفادة منها وتطويرها حتى الآن.
فمما قاله الشيخ علي الخاقاني:
«رسالة (تنبيه الأمة وتنزيه الملّة) كتبها الإمام النائيني أيام حركة المشروطية والمستبدة عندما كان أحد دعاتها في عهد أستاذه الإمام الخراساني الذي عرف بتبنيه لهذه الحركة التحريرية. وقد بيَّن فيها أن الدين الإسلامي يدعو إلى الشورى وتشكيل المجالس النيابية لأخذ آرائهم في مقررات الدولة، وأن الدين الإسلامي دين الحرية لا دين التعسفية والذلّة، وأنه يدعو إلى التعليم العام للنساء والرجال، وأنه يدعو إلى وجوب التعبير عن الآراء بصراحة ومنه وجوب إصدار الصحف والنشرات إلى غير ذلك من الأمور التي كانت محظورة عند بعض أهل الدين المتطرفين بالرجعية، وعندما تقدم النائيني للزعامة الدينية وامتطى صهوة التقليد والمرجعية صار يرى أن وجود هذه الرسالة بيد خصومه من حملة ذكرة الاستبداد حجر عثرة في سبيل توطيد أمور الزعامة والإمامة له إذ كان يتَّخذها خصومه وسيلة لإيغار صدور السواد من الناس عليه، وتصويره لهم رجلاً من رجال السياسة لا رجلاً من رجال الدين، ولما رأى صالح الجعفري أن في هذه الرسالة ما يفتح عيون الناس، وما يحبب إليهم تعليم المرأة، ويحبب لهم تناول العلم الحديث، استغلّ ذلك ليصادم الفئة التي تحاملت عليه وراح يفتّش بكل قوة وإلحاح عن هذه الرسالة التي اختفت من الأسواق والمكتبات إذ بلغ سعرها يومذاك خمس ليرات ذهبية مع أنها تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط، وشاءت الصدف المباركة أن توقف الجعفري عليها بدون ثمن فقد عثر عليها صدفة في «مكتبة الحسينية الشوشترية» الواقعة بمحلة العمارة في النجف ضمن مجموع، ومن الغريب أنها كانت يومئذٍ تحت إشراف الإمام النائيني ونظارته، ابتدأ بترجمتها إلى العربية رغم صعوبة ترجمتها إذ كانت بأسلوب فارسي عالم جداً بأسرار اللغة الفارسية الفصحى وألفاظها الغريبة، وحرص أن تكون الترجمة مطابقة للأصل تمام المطابقة لئلا يدعي مشايعو النائيني وحاشيته بأنها ليست له أو على الأقل يتّهم المعرب بالتحريف، ومن ثم أخذ ينشرها بمجلة العرفان الصيداوية تباعاً، وبذلك أثار ضجة وصخباً، وحاول الاتباع من الجعفري أن يقلع عن الاستمرار، وأغروه بشتى المغريات، وطبعاً في مقدمتها المال فلم يجد ذلك حتى التجؤوا إلى مداهنة صاحب العرفان بأساليب مختلفة، ومنها طبع كتاب (العروة الوثقى) بمطبعته، وطبيعي أن ثمن الطبع إذ ذاك كبير جداً، ولكن الشيخ أحمد عارف الزين طبع العروة، واستمر في نشر الموضوع بمحله البارز من مجلته نظراً إلى أن العالم الإسلامي والعربي كان يتلقّى الرسالة بلهفة وشوق إذ كانت معبرة عن رأي أبرز علماء الشيعة في ذلك الوقت في الأوضاع الحديثة.
كان تعريبه هذا، ومساندة صاحب العرفان له صفعة قوية على جبين الرجعية الخائرة من جهة، ومن جهة أخرى أنه كان بعمله هذا يقرب من نفس الزعيم الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني الذي كان يشعر بمضايقة من وجود الإمام النانئيني…»)[567](.
وقال جعفر الخليلي:
«كنت قد أزمعت النية على نشر ترجمة لرسالة كان ألَّفها بالفارسية المرحوم الميرزا حسين النائيني ـ قبل أن يصبح مرجعاً دينياً كبيراً ـ وكان قد نقلها الأستاذ صالح الجعفري إلى العربية لتنشر تباعاً في الفجر الصادق، وكانت هذه الرسالة عنواناً للحضارة الإسلامية التي تنظر إلى الأمور فيما يتعلّق بثقافة المرأة والرجل، وفيما يتعلّق بالحرية والعمل، وفيما يتعلق بالمسؤوليات نظرة مستقيمة تدل على منتهى النضج والاعتدال مما يعبر عن رأي ـ النائيني ـ المصلح المدرك الذي يفهم مقتضيات المسلم المعاصر فهماً صحيحاً، ولكنه حين بدأ يخطو إلى الزعامة الدينية وجد أن هناك مجالات واسعة سيستغلها خصومه لمهاجمته بسبب هذه الآراء التي تضمّنتها رسالته، والتي تتنافى مع الزعامة الروحانية التي يريدها الرجعيون والجهلة خلواً من كل تفكير حر مستقيم، فسعى النائيني رحمه الله إلى جمعها، وبذل على ما قيل يومذاك لشراء كل نسخة ما لا يقل عن ليرتين ذهبيتين، وهو مبلغ جد كبير كثمن لرسالة لم تزد على عشرات الصفحات، وهذا ما حفّزني على نشرها والإشادة بها، وتوجيه الناس إلى مطاليبها، ولكن هذه المحاولة قد حملت المرحوم النائيني على بذل مجهود كبير (..) للحيلولة دون نشرها.
وكان من هذا المجهود قيام الشيخ عبد الحسين الحلّي بالتوسط لسحب الرسالة وحملي على العدول عن نشرها»)[568](.
أما السيد محسن الأمين، فقد ذكر الرسالة في ترجمته للميرزا النائيني وقال:
«بعد إعلان السلطنة المشروطة في إيران سنة 1324 كان من أكبر الدعاة إليها وألّف في ذلك كتاباً بالفارسية أسماه تنبيه الأمة وتنزيه الملّة في لزوم مشروطية دستورية الدولة لتقليل الظلم على أفراد الأمة وترقية المجتمع وطبع وعليه تقريض للشيخ ملاّ كاظم الخراساني، والشيخ عبدالله المازندراني، ثم بعد ذلك بمدة بعد وفاة الخراساني جمع ما أمكن جمعه من نسخه، بل كان يشتريها بقيمة غالية وأتلفت بأمره، وبقيت منه نسخ لم يمكن إتلافها وقد عرّب بعض الفصول وأدرجت في مجلة العرفان»)[569](.
وجاء في الذريعة:
«تنبيه الأمة وتنزيه الملّة في لزوم مشروطية (دستورية) الدولة المنتجة لتقليل الظلم على أفراد الأمة، وترقية المجتمع ألّفه العلاّمة الحجة الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني المتوفى 1355 بالفارسية في أوائل الحركة الدستورية وطبع في 1327هـ وقد قرظه آية الله الخراساني والمازندراني وغيرهما من الأجلاّء»)[570](.
وقال فهمي هويدي:
بعد مقتل ناصر الدين شاه، تولّى الملك مظفر الدين، الشاه مظفر الدين، الذي حاول أن يستفيد من تجربة سلفه المرّة، فدعا إلى تبنّي سياسة ليبرالية جديدة، في ذلك الوقت ـ آخر القرن التاسع عشر حيث كانت الأقطار الغربية تزحف على أرجاء العالم الإسلامي، الذي كان في منتهى تدهوره وضعفه، بينما كان الغرب في ذروة قوته. وكما مرّت تركيا بتجربة «التنظيمات» فإن قضية الدستور، أو «المشروطية» كانت أبرز ما طرح في الساحة الإيرانية، مع تلك النسائم الليبرالية التي هبّت في بداية حكم مظفر الدين شاه.
ولأن القاجار كان لهم موقفهم المتحفّظ من الفقهاء والمؤسسة الدينية، ربما شعوراً منهم بأن الفقهاء ينازعونهم السلطان في البلاد، فإن الوزير المسؤول عن الإصلاحات التي سعى إليها مظفر الدين شاه أعلن بصورة حاسمة معارضته «تدخل الفقهاء في شؤون الدولة»)[571]( وكانت تلك إشارة لاتجاه السلطة إلى إبعاد الفقهاء عن موقفهم المتقدم الذي اكتسبوه في الخريطة السياسية للبلاد، بالإضافة إلى أن كلامه كان محملاً برياح أخرى «علمانية» من الطراز الذي هبّ في تركيا على يد كمال أتاتورك وتياره.
في تلك الظروف طرحت القضية الدستورية، وجاءت المبادرة الأولى من «المجلس العام للأحرار» الذي تكون في عام 1902 من بعض الدعاة الإسلاميين (جمال الدين الواعظ، وميرزا نصر الله، ملك المتكلمين) مع بعض الشخصيات الوطنية والليبرالية الأخرى)[572](. وما لبثت الدعوة أن لقيت تأييد قطاعات عديدة من المثقفين، لكنها اكتسبت ثقلاً خاصاً بعدما وقف إلى جانبها الفقهاء والتجار بوجه أخص، وهما أقوى مؤسستين فاعلتين تتمتعان بالاستقلال عن السلطة.
بحكم موقفهم بين الجماهير وبحكم موقفهم المعارض للسلطة، تصدر الفقهاء الدعوة الدستورية، وكان من مقدمة هؤلاء ثلاثة من علماء النجف هم: الملاّ محمد كاظم خراساني، والملاّ عبدالله مازاندراني والحاج ميرزا حسين خليلي طهراني. وبينما وقف أحد كبار الفقهاء في إيران، الشيخ فضل الله نوري، إلى جانب القضية الدستورية في البداية، إلا أنه انتقل إلى معارضتها، تخوفاً من تكرار تجربة كمال أتاتورك في إيران، وتوجساً من اتجاهات الليبراليين الإيرانيين الذين دعوا إلى اقتباس الدساتير الغربية. ومما قاله في هذا الصدد: إن هذا الدين (الإسلام) معروف بالعدل والشورى.. لماذا (إذن) نقلّد الدستور الأجنبي ونجلب نسخاً جاهزة من الدستور من باريس وإنجلترا؟.. وقوله: «إن هؤلاء باستخدامهم كلمات مغرية مثل العدالة والشورى والحرية، يريدون خداع المسلمين وجذبهم إلى الإلحاد. وتحت شعار الحرية المزعومة يريدون الترويج للفساد وإباحة المنكرات وشرب الخمر، وغيرها من الأعمال المنافية للإسلام، حتى يترك الناس الشريعة والقرآن»)[573](.
كان الشيخ فضل الله نوري من دعاة هيمنة الشريعة الإسلامية وجعلها قانوناً للدولة لا لبس فيه. بينما كان الرأي السائد في حوزة النجف ـ معقل الفكر الشيعي آنذاك ـ أن التطبيق السليم للشريعة مستحيل خلال اختفاء الإمام عن الأنظار. لكن رأياً ثالثاً ظهر في الساحة يدعو إلى العمل على الحد من الأعمال القمعية التي تقوم بها السلطة، إلى أن يعود الإمام الغائب إلى الظهور للعيان.
كان علماء النجف الثلاثة: خراساني ومازندراني وطهراني، في مقدمة أصحاب ذلك الرأي الثالث. وشكّلت فتاواهم المؤيدة للدستور دفعة قوية للحركة. ولكن أهم تنظير لهذا الموقف صدر عن الشيخ محمد حسين نائيني (1860 ـ 1936) الذي أصدر في تلك الظروف كتابه الشهير «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» وهو الكتاب الذي يعدّ وثيقة نادرة تعبّر عن النظرية السياسية الشيعية. فضلاً عن أنه يعدّ منذ صدوره في أوائل القرن الحالي، وإلى الآن، المنطلق الأساسي لموقف الأغلبية الساحقة من فقهاء الشيعة.
في كتابه ذاك، طرح نائيني تصوّره على النحو التالي: في غيبة الإمام المعصوم، فإن أفضل وسيلة لتجنّب انحراف السلطة هي إلزام الحاكم بدستور يحدد حقوق وواجبات الدولة، ثم إنشاء مجلس يضم «الأذكياء والحكماء في البلاد الذين يضمرون الخير للشعب»، من أجل الإشراف على تطبيق الدستور ومراقبة أعمال الدولة. ويجب ألا يتضمن الدستور أية مواد تتعارض والإسلام.
كما يجب أن يضم المجلس من بين أعضائه «عدداً من المجتهدين» الذين يراقبون التزام قوانينه بالإسلام.
وقال الشيخ نائيني وهو يعزز موقفه: إن منع الحكم المطلق من خلال وضع دستور وإنشاء مجلس شيعي، هو فريضة دينية، على الرغم من اختفاء الإمام عن الأنظار ومن انسحاب الشرعية في الوقت ذاته من المستوى الدنيوي.
ورغم أن الفقه الشيعي يعتبر أن أي حكم في غيبة الإمام هو بمثابة اغتصاب لسلطانه مما يجرح شرعيته، إلا أن الشيخ نائيني عالج هذه النقطة بذكاء بالغ لصالح الحكم الدستوري. فقال: إن الحاكم الظالم الذي لا يقيّد بدستور أو مجلس شعبي «برلمان» يغتصب أمرين في آن واحد: حق الإمام الغائب، وحرية الناس. أما الحاكم الذي يقيد بالدستور والمجلس الشعبي فهو يغتصب حق الإمام وحده، بينما يؤمن حريات الناس. ولذا فيجب أن يظل حكمه هو المفضل، طالما أن غيبة الإمام مستمرة)[574](.
ويتّضح جلياً من خلال هذه الملاحظات أهمية رسالة الإمام النائيني، فأردت تزيين المكتبة العربية بمراجعة تعريبها ونشرها كاملة لتكون في متناول الدارسين والباحثين والمثقفين المعاصرين، وحرصت على أن تكون نسختنا أكمل النسخ. وكان جل اعتمادي على النسخة المعربة لأستاذ الجيل الراحل الشيخ صالح الجعفري رحمه الله)[575]( مع النظر للنسخ الأصلية المخطوطة التالية:
1 ـ النسخة المصورة عن النسخة المخطوطة في خزانة الدكتور عبدالله الفياض في بغداد، محفوظة بمكتبة المجمّع العلمي العراقي رقم (7/ موضوعات شتى) بخط النسخ تحتوي على 95 صفحة، وفي كل صفحة 22 سطراً جاء في آخرها: (… قد ختم بيد مصنفه في شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين من الهجرة المقدسة..).
2 ـ النسخة المخطوطة في مكتبة الوزيري بمدينة يزد (إيران) رقم 1202 نسخ محمد علي كمتيان في 1332 شمسي وتقع في 93 صفحة، 18 سطراً قياس 11×17سم.
كلمة أخيرة:
هذه الرسالة تحفة نادرة فاحرص على الاستفادة منها، خاصة في هذه الظروف التي يمرّ بها العالم المعاصر ويشهد سقوط الأنظمة الوضعية، ففي الرسالة توضيح للمنهج الإسلامي الذي يحقق لكل أمة مصالحها وما يلائم بيئتها وما يثبت أن الشريعة الإسلامية ليست أرستقراطية ولا دكتاتورية، وإنما هي ديمقراطية، وقد انفردت في ديمقراطيتها عن الأشباه، وتنزّهت عن النظائر.
والشريعة الغرّاء ناطقة ونصوصها صريحة بأنها ديمقراطية بأتم معاني الديمقراطية وأوفاها، فإن كانوا يريدون من الديمقراطية أنها هي الحرية والإخاء والمساواة والعدالة، فالشريعة الإسلامية لم تترك مطمعاً لمستزيد في هذه الأشباه الأربعة بل هي المثل الأعلى في كل ذلك.
نفعني الله وإياكم، وأسأله العفو والعافية في الدين والدنيا وهو المستعان.
محمد سعيد الطريحي
ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني
(ت: 329هـ/ 939م)
هو ثقة الإسلام وشيخ المحدثين الأعلام وقدوة الأنام وملاذ المحدثين ومروّج المذهب في غيبة الإمام عليه السلام، أقدم الجامعين وأعظم البارعين وأنور الطالعين وثقة العارفين أبو جعفر محمد بن يعقوب إسحاق الكليني (بضم الكاف) الرازي، وقيل يعرف بالسلسلي لنزوله درب السلسلة ببغداد. نسبته الأولى إلى «كُلين» (بضم الكاف) قرية من نواحي الري قرب «طهران».
ولادته
القدر المسلّم عند بعض الأعلام أن مولده كان بعد وفاة الإمام العسكري (الحسن بن علي الهادي المتوفى سنة 260هـ) عليه السلام، في حالة الغيبة الصغرى.
ويظهر أن نشأته كانت في (كُلين) ثم توجه إلى بغداد لطلب العلم حتى توفى فيها، فإن والده يعقوب كان من علماء الري ساكناً في (كُلين) ودفن فيها وصار قبره معروفاً مشهوراً يُزار، وذكر الشيخ عباس القمي في كتابه «تحفة الأحباب» الفارسي أن قبره صار الآن في أحد دور طهران بالقرب من «حسن آباد» على الطريق المنتهى إلى هذه القرية.
ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة وقال: «ثقة الإسلام شيخ المحدثين الأعلام، قال النجاشي: شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنف الكافي في عشرين سنة. وقال الشيخ الطوسي: جليل القدر عالم بالأخبار. وقال ابن طاووس: الشيخ المتفق على ثقته وأمانته. وقال الحافظ بن حجر العسقلاني: هو من رؤوس فضلاء الشيعة في أيام المقتدر [العباسي]. وعن ابن الأثير في جامع الأصول: هو الفقيه الإمام على مذهب أهل البيت عالم في مذهبهم كبير فاضل مشهور. وعده في حرف النون من كتاب النبوة من المجددين لمذهب الإمامية على رأس المئة الثالثة. وكذلك الطيبي في شرح المشكاة.
وقال المحقق الكركي [الشيخ عبدالعالي المتوفى سنة 993هـ]: لم يعلم في الأصحاب مثله.
وقال والد الشيخ البهائي [العلامة عز الدين حسين بن عبدالصمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن علي]: هو شيخ عصره ووجه العلماء، كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به.
وقال النجاشي [أحمد بن علي صاحب كتاب الرجال]: كنت أتردد على مسجد اللؤلؤي أقرأ القرآن على صاحب المسجد وجماعة من أصحابنا يقرأون الكافي على أبي الحسن أحمد ابن الكوفي الكتاب.
وقال بحر العلوم الطباطبائي: ثقة الإسلام شيخ المشايخ الأعلام، ذكره أصحابنا وغيرهم واتفقوا على فضله وعظيم منزلته.
وقال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: «وشرح [أي ابن الأثير])[576]( ما ذكره هو في الباب الرابع من كتاب النبوة من جامع الأصول حيث خَرْجَ حديثاً من صحيح أبي داود عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن الله يبعث لهذه الأمة عند رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
ثم قال في شرح غريب هذا الباب: والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهديهم وأئمتهم ونحن نذكر المذاهب المشهورة في الإسلام التي هي مدار المسلمين في أقطار الأرض: مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، ومذهب الإمامية، ومن كان المشار إليه من هؤلاء كان رأس كل مائة.
ثم إنه عد ممن كان مجدداً لمذهب الإمامية على رأس المائة الأولى، محمد بن علي الباقر عليه السلام، وعلى رأس المائة الثانية علي بن موسى الرضا عليه السلام، وعلى رأس المائة الثالثة أبا جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، وعلى رأس المائة الرابعة المرتضى الموسوي أخا [الشريف] الرضي)[577](.
وذكر العلاّمة الخوانساري في روضات الجنان فقال: «فشأن الرجل أجل وأعظم من أن يختفي على أعيان الفريقين، أو يكتسي ثوب الاجمال لدى ذي عينين، أو ينتفي أثر إشراقه يوماً من البين، إذ هو في الحقيقة أمين الإسلام، وفي الطريقة دليل الأعلام، وفي الشريعة جليل جليل قدّام، ليس في وثاقته لأحد كلام، ولا في مكانته عند أئمة الأنام، وحسب الدلالة على اختصاصه بمزيد الفضل، وإتقان الأمر، اتفاق الطائفة على كونه أوثق المحمّدين الثلاثة [المقصود صاحب الترجمة، والشيخ الصدوق (قدّس سرّه) والشيخ الطوسي (قدّس سرّه)] الذين هم أصحاب الكتب الأربعة [الكافي، من لا يحضره الفقيه، الاستبصار، وكتاب التهذيب].
كما نقل عن شيخنا الشهيد الأول [هو الشيخ الأجل الأفقه أبو عبدالله محمد بن الشيخ العالم جمال الدين مكي بن شمس الدين محمد الدمشقي العاملي الجزيني، ولد سنة 734هـ] الذي عليه من هذه الطائفة كل المعوّل أنه رحمه الله قال في إجازته للشيخ الفقيه علي بن الخازن الحائري)[578](، وبه مصنّفات صاحب كتاب «الكافي» في الحديث، الذي لم يعمل في الإمامية مثله (راجع بحار الأنوار 107: 190). وقال قبله العلاّمة [حسن بن يوسف الحلي] في كتاب الخلاصة [خلاصة الأقوال في علم الرجال طبع بطهران سنة 1310هـ]، تبعاً لشيخنا النجاشي المسلّم كلامه في أحوال الرجال عند ذكره له بعدما ترجمه ويجله وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنف الكتاب الكبير المعروف بـ«الكافي» في عشرين سنة، وقال الشهيد الثاني [هو الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الجبعي] في شرح رسالته في الدراية ما نصه: كان قد استقر على أربعمائة مصنّف سموها الأصول، فكان عليها اعتمادهم، ثم تداعت الحوادث إلى ذهاب معظم تلك الأصول، ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريباً على المتناول، وأحسن ما جمع منها «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني، و«التهذيب» للشيخ أبي جعفر الطوسي، ثم قال: وأما «الاستبصار» فإنه أخصر من «التهذيب» ويمكن الاستغناء به عنه، وكتاب «من لا يحضره الفقيه» حسن أيضاً، وقال الشيخ علي ابن الشيخ محمد سبط شيخنا الشهيد الثاني [المذكور أعلاه] رحمهم الله تعالى، في كتاب «الدر المنظوم»، هذه حواش يسيرة على أصول «الكافي» والمنهل العذب الصافي، للثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني أنار الله برهانه، وأعلى في عليين مكانه، فلعمري لم ينسج ناسج على منواله، ومنه يعلم قدر منزلته وجلالة حاله.
وقال شيخنا المروّج علي بن العالي الكركي العاملي فيما نقل عن إجازته الكبيرة للقاضي صفي الدين عيسى ما لفظه: «ومنها جميع مصنّفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد الحافظ المحدث الثقة جامع أحاديث أهل البيت عليهم السلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكتاب الكبير في الحديث المسمى «بالكافي» الذي لم يعمل مثله…»، إلى أن قال: «وقد جمع هذا الكتاب من الأحاديث الشرعية والأسرار الدينية ما لا يوجد في غيره، وهذا الشيخ يروي عمن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت عليهم السلام ورجالهم ومحدثيهم مثل علي بن إبراهيم، وهو يروي عن أبيه، ومثل محمد بن علي بن محبوب وهو يروي عن محمد بن أحمد العلوي عن السيد الأجل أبي الحسن علي بن الإمام أبي عبدالله المعصوم جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليه، عن أخيه موسى الكاظم، عن آبائه عليهم السلام » [أنظر بحار الأنوار، 108: 75 ـ 76].
وفي إجازة الفقيه الثقة الجليل السيد حسين ابن السيد حيدر الكركي العاملي شيخ إجازة مولانا المحقق السبزواري، عن ابن قولويه: جميع مصنفات ومرويات الشيخ الإمام ثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني التي من جملتها كتاب «الكافي» وهو خمسون كتاباً بالأسانيد التي فيه لكل حديث، متصلة بالأئمة عليهم السلام.
أقول: وهذا ينافي ما نقل عن شيخنا الطوسي رحمه الله في فهرسته أنه قال من بعد توثيقه للرجل: «له كتب منها كتاب «الكافي» مشتمل على ثلاثين كتاباً، أخبرنا بجميع رواياته الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان [بن عبدالسلام البغدادي المعروف بالشيخ المفيد] رضي الله عنه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عنه» [انظر بحار الأنوار، 108: 75 ـ 76].
وجاء في مقدمة كتاب «الكافي» المطبوع في إيران (الطبعة الرابعة ـ 1392هـ) من قبل «المكتبة الإسلامية بطهران» مع شرح وترجمة باللغة الفارسية بقلم الأستاذ العلاّمة آية الله الحاج الشيخ محمد باقر الكمرئي نزيل الري، ما ترجمته: «محمد بن يعقوب الكليني، ينتسب إلى عائلة عريقة الأصل طيبة النسب في كُلين (إحدى قرى الري)، كان في زمانه زعيم وشيخ الشيعة ومرجعهم الديني في تلك الناحية، ثم رحل إلى بغداد وأقام فيها بمحلة درب السلسلة بباب الكوفة، وفي سنة 327هـ شرع بنشر الحديث حتى صار رئيس فقهاء الإمامية ببغداد أيام المقتدر بالله العباسي. كان مجلسه نادي العلماء ومحفل الأعيان ومحط عشاق العلم الذين قدموا إليه للبحث والمناظرة وأخذ العلم، من البلدان والأقطار والأمصار المختلفة.
وكان الكليني رحمه الله عالماً فقيهاً محدثاً حجة عادلاً، محكم القول صحيحه، وعُدَّ من أفاضل أهل الأدب وأكابر العلماء وأستاذ رجال الفقه وعلم من أعلام علماء الإسلام، إضافة إلى زهده وورعه وعبادته وإخلاصه».
أساتذة ومشايخ الكُليني
تلقى العلوم على أساتذة كبار لا يمكن حصرهم، ومنهم:
1 ـ أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الأشعري القمي المتوفى سنة 306هـ.
2 ـ أحمد بن عبدالله بن أُمية.
3 ـ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمذاني المعروف بابن عقدة المتوفى سنة 333هـ.
4 ـ أبو عبدالله أحمد بن عاصم العاصمي الكوفي.
5 ـ أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى بن عبدالله بن سعد بن مالك بن أحوص… الأشعري القمي.
6 ـ أحمد بن مهران.
7 ـ إسحاق بن يعقوب.
8 ـ حسن بن خفيف.
9 ـ حسن بن فضل بن يزيد اليماني.
10 ـ حسين بن حسن الحسيني الأسود.
11 ـ حسين بن حسن الهاشمي.
12 ـ حسين بن علي العلوي.
13 ـ أبو عبدالله الحسين بن محمد بن عمران بن أبي بكر الأشعري القمي المعروف بابن عامر.
14 ـ حميد بن زياد النينوائي المتوفى سنة 310هـ.
15 ـ أبو سليمان داود بن كورة القمي.
16 ـ أبو القاسم سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي المتوفى سنة 300هـ.
17 ـ أبو داود سليمان بن سفيان.
18 ـ أبو سعيد سهل بن زياد الآدمي الرازي.
19 ـ أبو العباس عبدالله بن جعفر الحميري القمي.
20 ـ علي بن إبراهيم بن هاشم صاحب التفسير المتوفى سنة 307هـ.
21 ـ علي بن الحسين السعد آبادي.
22 ـ أبو الحسن علي بن عبدالله الخديجي.
23 ـ علي بن محمد الكليني المعروف بعلان.
24 ـ علي بن محمد بن أبي القاسم بندار.
25 ـ علي بن محمد البرقي القمي.
26 ـ علي بن موسى بن جعفر الكمنداني.
27 ـ قاسم بن علاء الآذربايجاني.
28 ـ محمد بن إسماعيل النيشابوري الملقب ببندفر.
29 ـ محمد بن جعفر الرزاز المتوفى سنة 301هـ.
30 ـ محمد بن أبي عبدالله الأسدي الكوفي نزيل الري.
31 ـ محمد بن حسن بن فروخ الصفار القمي المتوفى سنة 290هـ صاحب كتاب بصائر الدرجات.
32 ـ محمد بن حسن الطائي.
33 ـ محمد بن عبدالله الحميري القمي.
34 ـ محمد بن عقيل الكليني.
35 ـ محمد بن علي بن معمر الكوفي.
36 ـ محمد بن يحيى العطار الأشعري القمي.
[أنظر مقدمة كتاب «الكافي» طبعة دار الكتب الإسلامية، ص20 ـ 23].
مدرسة الكليني من أين بدأت وإلى أين انتهت
من النقاط المبهمة في تاريخ الكليني دراساته وكتبه، فالظاهر أن ولادته كانت في زمن المعتمد العباسي وفي حدود أيام ولادة إمام العصر [الحجة بن الحسن العسكري] عليه السلام. وهو لم يسمع من الأئمة المعصومين [عليهم السلام] بدون واسطة وقد تلقى علومه ودروسه على يد الرواة والمحدثين.
من المسلّم به أنه كان في الري وبغداد، ويظهر من فهرست أسماء أساتذته أنهم من علماء قم والري وبغداد، ولكن أين وفي أي وقت أخذ الكليني العلم والحديث من هؤلاء الأساتذة الكبار، وأين أخذ دروسه الابتدائية، الجواب هو الإبهام، حيث لم يتطرّق إلى ذلك أحد.
ومن بين أساتذته الستة والثلاثين، اثنا عشر أستاذاً قميّاً، وأربعة أساتذة من الري وكُلين، والبقية من الكوفة ونينوى، أو من مجهولي الوطن. ولم يدون في تاريخ حياته بأنه رحل إلى قم أو الكوفة أو نينوى، والأمر الذي لا يدعو إلى الشك هو أن حوزة الأشعريين بقم كانت في تلك الحقبة من الزمن من أهم المناهل الفكرية للشيخ الكليني التي نشرها في الري وبغداد والكوفة، ومن أجل معرفة سبب انتشار مبادىء الشيخ الكليني يجب إلفات النظر إلى تلامذته النجباء، اعتباراً من تاريخ ولادتهم ونشأتهم إلى مراكز نشاطهم ونشر علومهم الشرعية، ومن هؤلاء:
1 ـ أبو عبدالله أحمد بن إبراهيم المعروف بابن أبي رافع الصميري.
2 ـ أبو الحسين أحمد بن أحمد الكاتب الكوفي.
3 ـ أبو الحسن أحمد بن علي بن سعيد الكوفي.
4 ـ أبو الحسين أحمد بن محمد بن علي الكوفي.
5 ـ أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن حسن بن جهم بن بكير بن أعين بن سنسن الزرّاري (285 ـ 368هـ).
6 ـ أبو الحسن عبدالكريم بن عبدالله بن نصر البزاز التنيسي.
7 ـ علي بن أحمد بن موسى الدقاق.
8 ـ أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني المعروف بابن أبي زينب، من خواص صاحب الترجمة وكاتب كتاب «الكافي».
9 ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة بن صفوان بن مهران، الصفواني نزيل بغداد المجاز من الشيخ الكليني في رواية الحديث، وأحد كتّاب كتاب «الكافي».
10 ـ أبو عيسى محمد بن أحمد بن محمد بن سنان السنائي الزاهري نزيل الري.
11 ـ أبو المفضل محمد بن عبدالله بن مطلب الشيباني.
12 ـ محمد بن علي ماجيلويه.
13 ـ محمد بن محمد بن عصام الكليني.
14 ـ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد الشيباني التلعكبري المتوفى سنة 385هـ.
في الوقت الذي كان أكثر أساتذة الشيخ الكليني من قم والري، نرى أن أقل تلامذته منهما، وأغلب تلامذته كانوا من الكوفة وبغداد وبين النهرين، حيث أخذ هؤلاء العلم والحديث منه أثناء إقامته، ببغداد، وعلى الخصوص خاصة تلامذته الذين كتبوا ورووا كتاب «الكافي» مثل النعماني [التسلسل 8 أعلاه]، والصفواني [التسلسل 9 أعلاه]، والزرّازي [التسلسل 5 أعلاه] الذي يظهر أنه اتصل به في بغداد، وبناءاً على هذا يظهر أن الشيخ الكليني قد أقام مدة طويلة في بغداد تمكن خلالها من تعليم وترْبية تلامذته، وتكميل كتابه «الكافي».
وفاته
توفي الشيخ الكليني رحمه الله سنة 329هـ في شهر شعبان ببغداد، وصلّى عليه محمد بن جعفر أبو قيراط الحسني ودفن رحمه الله فيها بباب الكوفة في زاوية المسجد.
قبره
ذكر قبره الأصفهاني الكاظمي في كتاب أحسن الوديعة، ضمن «مزارات الجانب الشرقي من بغداد» وقال: «في هذا الجانب قبور كثيرة قد اندرست ونحن نذكر ما بقيت حتى اليوم وتواترت الأخبار بصحتها، فمنها قبر الشيخ الأجل الأكرم الفقيه الأعظم ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني البغدادي صاحب الكافي المتوفى ببغداد سنة ثمان أو تسع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة.
قال العلاّمة [حسن بن يوسف الحلي] في الخلاصة [خلاصة الأقوال في علم الرجال]، ودفن بباب الكوفة بمقبرتها. وقال ابن عبدون، ورأيت قبره في صراط الطائي وعليه لوح مكتوب عليه اسمه واسم أبيه. وقال العلاّمة محمد مهدي الطباطبائي النجفي، وهو الآن مزار معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة وعليه قبة عظيمة. وفي رجال أبي علي، وقبره (قدّس سرّه) معروف في بغداد الشرقية مشهور تزوره الخاصة والعامة في تكية المولوية، وعليه شباك من الخارج إلى اليسار العابر من الجسر. وقال العلاّمة مهدي القزويني الحلّي في ص337 من فلك النجاة: «والكليني في الجامع مما يلي جسر بغداد، معه قبر آخر يقال أنه الكراجكي أو الكيدري». وما نقله السيد هاشم البحراني في روضة الواعظين من الكرامة يؤيد ذلك.
مصفناته
خلف الكليني رحمه الله للمكتبة العربية والإسلامية مصنفات في غاية الأهمية منها:
أولاً: كتاب الكافي، تصدى جمع من الأعلام لجمع الأخبار الواردة عن الأئمة عليهم السلام وبذلوا قصارى جهدهم في تحقيق ألفاظها وتهذيبها وتبويبها وإيداعها كتبهم المؤلفة لهذه الغاية الشريفة وهي كثيرة جداً، والمعروف منها بين الإمامية هي الكتب الأربعة للمتأخرين (وهي: الوافي، والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل)، والأربعة للمتقدمين (وهي: من لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، وكتاب الكافي المذكور)، فهذه الجوامع الثمانية هي المصادر المهمة للأحاديث المروية عنهم عليهم السلام في الأحكام وغيرها، أما كتاب الكافي مورد بحثنا هذا فيتألف من أربعة وثلاثين كتاباً:
1 ـ كتاب العقل والجهل. 2 ـ كتاب فضل العلم. 3 ـ كتاب التوحيد. 4 ـ كتاب الحجة. 5 ـ كتاب الإيمان والكفر. 6 ـ الدعاء. 7 ـ كتاب فضل القرآن. 8 ـ كتاب العشرة. 9 ـ كتاب الطهارة. 10 ـ كتاب الحيض. 11 ـ كتاب الجنائز. 12 ـ كتاب الصلاة. 13 ـ كتاب الزكاة. 14 ـ كتاب الصيام. 15 ـ كتاب الحج. 16 ـ كتاب الجهاد. 17 ـ كتاب المعيشة. 18 ـ كتاب النكاح. 19 ـ كتاب العقيقة. 20 ـ كتاب الطلاق. 21 ـ كتاب العتق. 22 ـ كتاب الصيد. 23 ـ كتاب الذبائح. 24 ـ كتاب الأطعمة. 25 ـ كتاب الأشربة. 26 ـ كتاب الزي والتجمّل. 27 ـ كتاب الدواجن. 28 ـ كتاب الوصايا. 29 ـ كتاب المواريث. 30 ـ كتاب الحدود. 31 ـ كتاب الآيات. 32 ـ كتاب القضاء والأحكام. 33 ـ كتاب الإيمان والنذور والكفارات. 34 ـ كتاب الروضة.
وقد ذكر كتاب الكافي له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص114) وقال: «قال شيخنا البهائي [محمد بن الحسين بن عبدالصمد] في وجيزته [الوجيزة، في الدراية ـ طبع بإيران مكرراً]: أما الكافي فهو تأليف ثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي عطّر الله مرقده، ألّفه في مدة عشرين سنة…، وعن سمينا العلاّمة المجلسي قدس الله تعالى سره القدوسي أنه قال في مفتتح شرحه على أصول «الكافي» وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ ثقة الإسلام، مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام، محمد بن يعقوب الكليني، حشره الله مع الأئمة الكرام عليهم السلام، لأنه كان من أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها… إلى آخره. وقال والده الفاضل الورع الأمين في مفتتح شرحه العربي على «الفقيه» الموسوم بـ«روضة المتقين» والذي يظهر من التتبع أن الاعتماد على الكليني أكثر، وبعده على الصدوق، وبعده على الشيخ [الطوسي] وإن كان فضل الشيخ غير مخفي، وليس لأحد فضله، ولكن باعتبار كثرة التصانيف قد يقع عنه السهو، أو عن نساخ كتابه باعتبار الإهمال، بخلاف الكليني، فإنّه صنّف «الكافي» في عشرين سنة، والصدوق وسط بينهما، وقال في الفائدة الحادية عشرة من شرحه الفارسي «وهمچنين أحاديث مرسله محمد بن يعقوب كليني ومحمد بن بابويه قمي، بلكه جميع أحاديث إيشان كه در «كافى» و«من لا يحضر» است، همه را صحيح ميتوان گفت، چون شهادات ابن دو شيخ بزرگوار كمتراز شهادات رجال نيست يقيناً، بلكه بهتر است… إلخ» وترجمة هذا النص: وأيضاً، أحاديث محمد بن يعقوب الكليني، ومحمد بن بابويه القمي المرسلة، وحتى يمكن القول أن جميع أحاديثهما المدونة في «الكافي» و«من لا يحضره الفقيه» صحيحة، لأن شهادة هذين الشيخين ليس أقل أهمية عن شهادة الرجال، بل هي أفضل… إلخ.
وقال المحدث النيسابوري في كتابه الموسوم بـ«منية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد»)[579](، ومنهم ثقة الإسلام، قدوة الأعلام، والبدر التمام، جامع السنن والآثار في حضور سفراء الإمام، عليه أفضل السلام، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة، المؤلف لجامع «الكافي» في مدة عشرين سنة… وكتابه مستغن عن الإطراء لأنه رضي الله عنه كان بمحضر من نوّابه عليه السلام، وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب «الكافي لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنّف وشنّف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا، (انتهى)».
وفي رجال سيدنا العلاّمة الطباطبائي نقلاً عن شيخنا الشهيد [محمد بن جمال الدين مكي بن شمس الدين محمد الجزيني العاملي الشهيد في سنة 786هـ] رحمه الله في الذكرى [ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة] أنه قال: «إن ما في «الكافي» من الأحاديث يزيد على ما في مجموع الصّحاح الست للجمهور)[580](، وعدة كتب «الكافي» اثنان وثلاثون كتاباً [ولكن المطبوع منه في طهران (المكتبة الإسلامية) سنة 1329هـ، يشتمل على 34 كتاباً أشرنا إليها كاملة قبل قليل]، ثم أخذ في عد تلك الكتب وبدأ بكتاب العقل والجهل، وختم بكتاب الوصايا وكتاب المواريث وكتاب الروضة…».
وذكره له صاحب دائرة معارف الأعلمي (ج27، ص145)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، والزركلي في الأعلام (ج8، ص17)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج3، ص379)، والنجاشي في الرجال (266)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120) وقال: «ألّف الكافي الذي هو أجل الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامية والذي لم يعمل للإمامية مثله»، كما ذكر له الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج17، ص245، الرقم 96) وقال: «الكافي في الحديث، وهو من أجلّ الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليه، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول، لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ابن أِخت علاّن الكليني، والمتوفى سنة 328هـ [329هـ] مشتمل على أربعة وثلاثين كتاباً، وستة وعشرين باباً، وأحاديثه حُصِرَت في ستة عشر ألف حديث، الصحيح 5072، الحسن 144، الموثوق 178، القوي 302، الضعيف 9485. مائة وتسعة وتسعون حديثاً أزيد من جميع الصحاح الستة، لأن الصحيحين أقل من سبعة آلاف.
أولاً: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المحمود لنعمته، المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى ودنى فتعالى، وارتفع فوق كل منظر، الذي لا بدء لأوليته ولا غاية لأزليته القائم قبل الأشياء والدائم الذي به قوامها، والقاهر لا يؤوده حفظها، والقادر الذي بعظمته تفرد بالملكوت ولقدرته توحد بالجبروت وبحكمته أظهر حججه على خلفه، اخترع الأشياء إنشاء وابتدعها ابتداء بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحداً بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته. لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار، وضل فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية ووصف بغير صورة ونعت بغير جسم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، ضلت الأوهام عن بلوغ كنهه وذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته، لا يبلغه حد وهم ولا يدركه نفاذ بصر وهو السميع العليم، احتج على خلقه برسله وأوضح الأمور بدلائله وابتعث الرسل مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروه ويوحدوه بالإلهية بعدما أضدّوه، أحمده حمداً يشفي النفوس ويبالغ رضاه ويؤدي شكر ما وصل إلينا، من سوابغ النعماء وجزيل الآلاء وجميل البلاء… إلخ.
وأضاف صاحب الذريعة قائلاً: وكتبه في الغيبة الصغرى في مدة عشرين سنة، ولم يصنف مثله في الإسلام…، ثم أشار إلى النسخ الخطية وقال: نسخة في غاية النفاسة ممتازة من جهة الخط والورق والتهذيب والتجليد في ستة مجلدات من أول «الأصول» إلى آخر الروضة، تاريخ إتمام الأخير في سنة 1062هـ، وكلها من وقف الحاج إبراهيم خان في سنة 1095هـ للخزانة الرضوية [بمشهد]، ونسخة تامة نفيسة أيضاً في مجلد كبير، كلها بقلم الشيخ عبدالله بن حسن علي شيخ زقة من توابع ثون، كتب تمامه في مشهد الرضا عليه السلام، وشرع في كتابة الأصول في 23 صفر سنة 1056هـ وفرغ من كتاب «الروضة» أواخر ربيع الآخر سنة 1057هـ، ثم وصلت النسخة إلى السيد المير مرتضى بن السيد مصطفى التبريزي في مشهد خراسان فصححها وقابلها بنسخة مصححة بقدر الوسع والطاقة، وكتب في هامش آخر كتاب «الحج» أنه فرغ من التصحيح في مشهد في العشر الثاني من رجب…، وانتقلت النسخة إلى الحاج الشيخ محمد جواد الواعظ العراقي الكرهرودي في سنة 1374هـ وأهداها إلى مكتبة أمير المؤمنين في سنة 1375هـ»، كما ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص339) وقال: «وهو يتناول جميع عقايد الإمامية ومذاهبها، ويعد أحد الكتب الأربعة الكبرى للشيعة، ويشتمل على أكثر من ستة عشر ألف حديث، عنى المتأخرون بإحصائها وتصنيفها على أصول علم الدراية بين الصحيح والحسن والقوي والضعيف… إلخ».
ولكتاب الكافي نسخ خطية في أمهات مكتبات الدنيا، منها: برلين برقم 1855، جاريت 1608 ـ 1609، الإسكندرية 10 فرق، باتنه برقم 1 :57 الرقم 570 ـ 574، عليجره 99 رقم 29، 100 رقم 35، 38. هايدلبرج، باريس أول برقم 6656، المتحف البريطاني الثاني برقم 152 ـ 153، كمبرج أول برقم 878 ـ 879، مانشستر برقم 93، 801، مشهد 4: 164 رقم 194 ـ 213 (انظر ما ذكره صاحب الذريعة الذي أشرنا إليه قبل قليل)، بشاور برقم 623 ألف، مدرسة كلكتا برقم 296، آصفية 1: 656 رقم 416، 597، پرنستون 295، ومنه قطعة في القاهرة أول7: 509، وفي طهران1: 288، 297، 2 :34.
وطبع الكتاب المذكور مكرراً في طهران، منها:
سنة 1281هـ بخط محمد شفيع التبريزي، وسنة 1307هـ، وسنة 1377هـ، وسنة 1392هـ (المكتبة الإسلامية بطهران مع ترجمة فارسية).
كما طبع في لكنو بالهند سنة 1302هـ، 1886م.
وللكتاب المذكور شروح وتعليقات وحواش ذكرها الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج6، ص179- 184) و(ج13، ص94) و(ج14، ص26، 28)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص340 ـ 341)، ومقدمة كتاب الكافي طبعة (المكتبة الإسلامية) سنة 1392، وهي:
1 ـ شرح أصول الكافي (عقل وجهل وعلم توحيد) للملاّ صدرا محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيرازي الملقب بصدر الدين وصدر المتآلهين المتوفى سنة 1050هـ/1640م. منه مخطوطة في مكتبة طهران الوطنية 1: 527 ـ 528، 2: 30 ـ 32، ومشهد4: 46 ، 128، (وانظر كتالوك براون 19، والذريعة ج13، ص99، الرقم 313). وطبع على الحجر في طهران سنة 1865م. (انظر ريحانة الأدب للمدرس التبريزي ج2، ص458، التسلسل 841 «صدرا» الرقم 38).
2 ـ شرح محمد صالح بن أحمد المازندراني المتوفى في أصفهان سنة 1080هـ/ 1675م، اعتبره الفقهاء من أحسن شروح الكافي، وذكر الشرح المذكور صاحب الذريعة وقال: «للمولى الأجل الصالح، محمد صالح بن أحمد بن شمس الدين السروي المازندراني صهر المولى محمد تقي المجلسي، أوله: نحمدك يا مروج عقول العارفين بمظاهر كمالك ليلاً ونهاراً، نشكرك يا مفرج قلوب السالكين… إلخ. خرج منه شرح كتاب العقل والجهل والتوحيد والحجة والإيمان والكفر والدعاء والزكاة والصوم والخمس وجميع كتاب الروضة».
وللشرح المذكور نسخ خطية في مكتبات: طهران الوطنية 1: 258 ـ 260، المتحف البريطاني الثاني 1544، مشهد4: 42، 127 ـ 131.
وطبع طباعة حجرية دون ذكر المكان سنة 1310 ـ 1311هـ.
3 ـ شرح الكافي بالعربية، واسمه «الشافي» للشيخ الجليل خليل بن غازي القزويني المتوفى سنة 1089هـ/ 1675م، صنفه سنة 1065هـ/ 1655م، نسخة خطية منه في مكتبة طهران الوطنية1: 265، رقم 8، ومشهد4: 50، رقم 147 ـ 148.
وترجمة الشارح نفسه إلى الفارسية بعنوان: «الصافي في أصول الكافي»، ولهذه الترجمة مخطوطات في مكتبات: طهران الوطنية2: 33، ومشهد4: 50، رقم 149 ـ 158، بنكيپور14: 1221. وطبع هذا الشرح إلى الكتب السبعة الأولى من الكتاب على الحجر في لكنو سنة 1890 ـ 1891م، وطبع إلى آخر الكتاب أيضاً سنة 1302 ـ 1303هـ مع كتاب الروضة في الإمامة. وذكر هذه الترجمة صاحب الذريعة وقال: «شرح الكافي، فارسياً اسمه الصافي» للمولى خليل القزويني أيضاً في مجلدات كثيرة، شرع فيه سنة 1064هـ، وخرج منه إلى سنة 1074هـ، شرح خمسة عشر كتاباً وشرع في السادس عشر في يوم الخميس من شوال سنة 1074هـ، وهو كتاب المعيشة وشرحه كبير، رأيت هذا المجلد في مكتبة سيدنا المجدد الشيرازي، أوله: الحمد لله الذي جعل لعباده في الأرض معايش ليشكروه. وعنوانه أصل وشرح، وفي المكتبة الرضوية شرح كتاب الروضة منه وقد فرغ منه سنة 1084هـ، وفيها أيضاً شرح التوحيد وشرح النكاح وشرح العقل وشرح الإيمان والكفر وشرح الدعاء، شرح أصوله، تماماً في نسخ متعددة. وعلى هذا الشرح حواش لأخ الشارح المولى محمد باقر بن الغازي القزويني الذي كان حياً في سنة 1103هـ».
4 ـ شرح الكافي للعلامة المجلسي المولى محمد باقر بن محمد تقي المتوفى سنة 1111هـ وسماه: «مرآة العقول»، مخطوطة منه في مكتبة طهران الوطنية،1: 269 ـ 270. وطبع هذا الشرح في طهران بدون تاريخ.
5 ـ شرح الكافي الموسوم بـ (الرواشح السماوية) للمحقق الداماد المير محمد باقر بن محمد الحسني الأسترآبادي، طبع في بومباي سنة 1312هـ، ذكره له صاحب الذريعة (ج11، ص257، الرقم 1571) وقال: «خرج منه شرح خطبته ثم عقد تسعاً وثلاثين «راشحة» في مسائل علم دراية الحديث وأحوال بعض الرواة، والراشحة الأخيرة في بعض مباحث علم أصول الفقه من بعدها شرع في شرح أحاديث أصول الكافي من كتاب العقل والجهل، ثم كتاب التوحيد إلى باب البيان والتعريف ولزوم الحجة عند حديث [الإمام] الصادق عليه السلام في جواب السؤال عن تفسير آية {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ} قال عليه السلام نجد الخير والشر… وما بعد شرح هذا الحديث ليس في النسخة الموجود في كتب (الطهراني بكربلاء) فلا أدري أنه بعد بلوغ هذا المقام هل جف قلمه أم لا. وهو كتاب جيد لطيف في بابه، أوله: الحمد لله رب العالمين حمداً ينبغي لكرم وجهه ويليق لعز جلاله… طبع بطهران في سنة 1311هـ من أول شرح الخطبة إلى آخر الراشحة الأخيرة المذكورة…».
6 ـ وعليه حواش لميرزا رفيع الدين بن السيد حيدر الحسيني الطباطبائي الكائني المتوفى سنة 1080هـ/ 1669م (وقيل 1082هـ/ 1671م) مخطوطة في مكتبة طهران1: 245 ـ 247. وصاحب هذه الحواشي هو من أجداد السيد الحكيم الإلهي الميرزا أبي الحسن الملقب بجلوه. وروى أن الميرزا رفيع الدين محمد بن السيد حيدر المذكور كان من مشايخ العلامة المجلسي.
7 ـ وله شرح بعنوان هدي العقول في شرح أحاديث الأصول لمحمد بن عبد علي بن محمد بن علي بن عبدالجبار القطيفي، صنفه سنة 1218هـ/ 1813م، مخطوطة منه في مكتبة طهران الوطنية1: 260 ـ 261. (انظر الذريعة، ج13، ص100، الرقم 314).
8 ـ وله شرح بعنوان الروضة على فروع الكافي لمحمد بن علي الموسوي طبع على الحجر في 3 أجزاء سنة 1302هـ وما بعدها.
9 ـ ولكتاب الكافي مختصرات في المكتب الهندي برقم 144، والمتحف البريطاني أول برقم 980.
10 ـ شرح الكافي، من أول أصوله إلى آخر كتاب الجهاد وقسم من كتاب المعيشة للشيخ رفيع الدين محمد بن مؤمن الجيلاني مؤلف كتاب «الذريعة إلى حافظ الشريعة»، وهو شرح تعليق على هوامش نسخة كانت في تصرفه فكتب عليها التعليقات. راجع الذريعة ج14، ص28، الرقم 15889). و(انظر التسلسل 6 فيما سبق).
11 ـ شرح الكافي للشيخ يعقوب بن إبراهيم بن جمال البختياري الحويزي المتوفى سنة 1147هـ، نسخة منه في مدرسة السيد البروجردي في النجف الأشرف.
12 ـ شرح أصول الكافي، هو شرح مزجي لمجهول، شرع فيه مؤلفه في حرم الله تعالى بجوار الكعبة المعظمة سنة 1057هـ وأهداه إلى الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، نسخة منه في كتب العلامة عبدالرضا آل الشيخ راضي النجفي، (أنظر الذريعة، ج13، ص95، الرقم 303).
13 ـ شرح أصول الكافي، للأمير إسماعيل الخواتون آبادي ذكره الشيخ عبد النبي القزويني في «تتمة أمل الآمل للحر العاملي».
14 ـ شرح أصول الكافي لمحمد أمين بن محمد شريف الأخباري الأسترآبادي المتوفى بمكة المكرمة سنة 1036هـ.
15 ـ شرح أصول الكافي، للحكيم المتكلم السيد الميرزا رفيع الدين محمد بن حيدر الحسني النائيني الشهير بميرزا رفيعاً أستاذ العلامة المجلسي والمتوفى سنة 1082هـ. ناقص لم يتم. (انظر التسلسل 6، 10 فيما سبق).
16 ـ شرح أصول الكافي للسيد الميرزا محمد باقر بن محمد إبراهيم بن محمد باقر بن محمد علي بن محمد مهدي الحسيني الرضوي القمي الهمذاني المتوفى في 18 صفر سنة 1218هـ.
17 ـ شرح أصول الكافي للمولى حسين السجاسي الزنجاني المتوفى في نيف وعشرين وثلاثمائة وألف، ذكره العلامة الشيخ محمد علي الأوردبادي في مجموعته «الحديقة المبهجة» وقال: رأيت مجلداً منه، ويعتمد فيه مؤلفه على شرح المولى صدرا كثيرا» (أنظر التسلسل 1 فيما سبق). وقال صاحب الذريعة: وهو في ثلاثة مجلدات، الأول في شرح كتابي العلم والعقل، والثاني شرح كتاب التوحيد، الثالث في شرح كتاب الحجة، وكان الجزء الأخير بخط مؤلفه في مكتبة شيخ الإسلام الزنجاني في زنجان [إيران] كما كتبه إلينا. (أنظر الذريعة ج13، ص96، الرقم 305).
18 ـ شرح أصول الكافي للمولى محمد حسين بن يحيى النوري وهو شرح متوسط عبر عنه في آخره بالتعليقات.
19 ـ شرح أصول الكافي للمولى محمد زمان التبريزي (راجع الذريعة، ج13، ص97، الرقم 308).
20 ـ شرح أصول الكافي مع ترجمة فارسية للشيخ عباس بن المولى حاجي الطهراني (1298 ـ 1360هـ)، طبع منه المجلد الأول في شرح كتاب العقل، وكان فراغه منه يوم المباهلة سنة 1357هـ.
21 ـ شرح أصول الكافي للشيخ علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد العاملي، وسماه الدر المنظوم في كلام المعصوم، ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج8، ص79، الرقم 283) وقال: «خرج منه مجلد في شرح كتاب العقل وكتاب العلم، هذا وقد فرغ منه في آخر ذي الحجة سنة 1061هـ، أوله: هذه حواش يسيرة وتعليقات حقيرة على أصول الكافي… للثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني… وقد كتبتها فعن لي أن أجعلها متسقة مع إضافة ما تيسر وعدم التعرض بما أشكل وتعسر بحسب ما وصل إليه نظري القاصر… قوله المحمود لنعمته المعبود لقدرته… إلخ.
نسخة عصر المصنف في طهران بمكتبة «المشكاة» عليها إجازة المصنف بخطه لابن أخيه الشيخ علي بن زين الدين ابن الشيخ محمد بن الحسين بن زين الدين الشهيد المعروف بالشيخ علي الصغير، وتاريخ الإجازة 18/ ربيع الأول/1085هـ، ورأيت منه نسخاً أخرى في مشهد خراسان والعراق وفي جبع نسخة عند الشيخ عبدالله بن عبدالسلام الحر المعاصر، وهي بخط محمد بن جعفر بن محمد الطيسي كتابتها سنة 1096هـ، وفي طهران نسخة عند مرتضى المدرس الجهار دهي». ولهذا الشرح مخطوطة في جامعة طهران أيضاً.
22 ـ شرح أصول الكافي للشيخ محمد علي بن محمد البلاغي النجفي المتوفى سنة 1000هـ ذكره حفيده الشيخ حسن بن عباس بن محمد علي في كتابه «تنقيح المقال في علم الرجال».
23 ـ شرح أصول الكافي، بالفارسية، ذكره آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص99، الرقم 331) وقال: «شرح أصول الكافي، فارسي، رأيته في (مكتبة الخوانساري) في النجف وقد انمحى اسم مؤلفه فلا يقرأ منه إلا: «… ابن شفيع»، أوله: الحمد لله رب العالمين… إلخ. ذكر في أوله: أنه لما فرغ من شرح كتاب العقل شرع في شرح كتاب التوحيد وكان ديدنه [أي عادته] في شرح الثاني كديدنه في شرح الأول، حيث يشرح في كل باب الحديث الأول منه مفصلاً، ويشرح في ضمنه ما يحتاج إلى الشرح من بقية أحاديث الباب. ويعبر فيه عن السيد الميرزا رفيعاً النائيني المتوفى سنة 1081هـ: «بسيد المحققين طاب ثراه» فلا يستبعد أن يكون من تلاميذه.
والنسخة بخط محمد إبراهيم بن محمد لاجين القزويني، فرغ من كتابتها في يوم الإثنين غرة رجب سنة 1104هـ، ويوجد بخط هذا الكاتب في مكتبة سپه سالار في طهران «شرح فروع الكافي» للمولى خليل القزويني من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الصلاة فرغ منه في سنة 1101هـ».
24 ـ شرح أصول الكافي وترجمته باللغة الأردية، للسيد محمد شبر بن الحسين بن محمد عابد الحسيني الجنفوري المولود سنة 1308هـ، نشر مقدار من أوائله في مجلة «الدين» الصادرة في جنفور لصاحبها علي مهدي رئيس المدرسة الإيمانية الناصرية بها.
25 ـ شرح أصول الكافي الموسوم بـ«بيانات الوافي» ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج3، ص184، الرقم 156) وقال: (بيانات الوافي، لأحاديث أصول الكافي)، وهو شرح لأصول الكافي من المولى محسن الفيض المتوفى سنة 1091هـ، لكنه ليس من تدوينه بل هو مجموع من بياناته المدرجة في كتابه الوافي من خصوص)[581]( المتعلقة منها بأحاديث أصول الكافي استخرجها بعض الأصحاب من كتاب الوافي مرتباً على أبواب أصول الكافي فصار المجموع شرحاً مستقلاً لأصول الكافي من تصنيف محسن الفيض المذكور وتدوين هذا البعض الذي أخلص عمله هذا لله تعالى وأهمل ذكر اسمه ونسبه وتاريخ عصره، رأيت النسخة في مكتبة السيد عبدالحسين الحجة الطباطبائي الحائري، وأظن أنها كتبت قبل مئة سنة».
26 ـ شرح أصول الكافي للشيخ محمد ابن الشيخ عبد علي آل عبدالجبار البحراني القطيفي معاصر السيد كاظم الرشتي والمحاكم معه، قال صاحب الذريعة (ج13، ص100، الرقم 314): «وهو 14 مجلداً منها عشرة مبيضة والباقي مسودة ورأيت مجلداً منه في مكتبة الشيخ جواد بن الشيخ مشكور بالنجف».
27 ـ عليه حاشية، (أصولاً وفروعاً) للشيخ إبراهيم ابن الفقيه الكاظمي الشيخ قاسم الشهير بابن الوندي مؤلف «جامع أسرار العلماء»)[582](. قال صاحب الذريعة الشيخ آغا بزرگ الطهراني (ج6، ص180، الرقم 984): «رأيتها بخطه على حواشي نسخة من «الكافي» التي هي بخط السيد نعمة الله بن حمزة العميدي الحسيني فرغ من استنساخها في (سنة 994هـ) وهي في مكتبة السيد مهدي آل حيدر الكاظمي وعليها حواشي والده الشيخ قاسم، وأخيه الشيخ محمد بن قاسم أيضاً، ويظهر من بعض تلك الحواشي أنَّه كتبها في حياة والده، وينقل فيها عن [كتاب] «الجامع» [المذكور أعلاه] لوالده».
28 ـ حاشية للمولى ابن الحسن الشريف العاملي الغروي ابن الشيخ محمد طاهر بن عبدالحميد بن موسى بن علي بن محمد بن معتوق بن عبدالحميد الأفتوني العاملي النباطي المتوفى سنة 1138هـ، صاحب كتاب الأنساب)[583](. قال صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص180، الرقم 985): «رأيتها على هوامش نسخة من كتاب الصلاة من «الكافي»، التي كتبها المولى عبدالمطلب كليددار (الخازن) للحضرة الغروية وهو ابن المولى عبدالله بن المولى طاهر الكليددار وفرغ من الكتابة في سنة 1128هـ، والحواشي بخط غيره، وإمضاؤها «أبو الحسن».
29 ـ حاشية للسيد المير أبي طالب بن ميرزا بيك الفندرسكي.
30 ـ حاشية للمولى أحمد بن إسماعيل الجزائري المتوفى سنة 1149هـ. قال صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص181، الرقم 987): «رأيتها بخطه على هوامش نسخة «فروع الكافي» عند الشيخ صالح الجزائري في النجف».
31 ـ حاشية على الأصول فقط، للسيد بدر الدين أحمد الأنصاري العاملي تلميذ الشيخ البهائي.
32 ـ حاشية للمولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي الأخباري المتوفى بمكة سنة 1036هـ. (انظر التسلسل 14 فيما سبق).
33 ـ حاشية على الأصول فقط للعلاّمة المجلسي الشيخ محمد باقر بن محمد تقي قدّس الله سره، المتوفى رحمه الله سنة 1111هـ. (أنظر التسلسل 4 فيما سبق).
34 ـ حاشية للأمير محمد باقر بن محمد الحسيني الأسترآبادي الشهير بميرداماد المتوفى رحمه الله في سنة 1040هـ. قال صاحب الذريعة (ج6، ص182، الرقم 991): «والظاهر أنها غير شرحه للكافي الموسوم بالرواشح السماوية». (أنظر التسلسل 5 فيما سبق).
35 ـ حاشية على الأصول فقط، للمولى محمد حسين بن يحيى النوري تلميذ العلاّمة المجلسي. (وانظر التسلسل 18 فيما سبق).
36 ـ حاشية للمولى حيدر علي بن الميرزا محمد بن الحسن الشيرواني.
37 ـ حاشية متفرقة على أصوله وفروعه، للسيد نور الدين علي بن أبي الحسن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي المتوفى سنة 1068هـ.
38 ـ حاشية للشيخ زين الدين أبي الحسن علي بن الشيخ الحسن صاحب كتاب «المعالم».
39 ـ حاشية على بابي التوحيد من قسم الأصول من الكافي، للشيخ علي الصغير ابن الشيخ زين الدين أخي الشهيد علي الكبير (صاحب الدر المنثور)، وهما ابنا الشيخ محمد السبط ابن صاحب المعالم. قال الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج6، ص183، الرقم 997): «توجد نسخة من هذه الحاشية بخط المحشي في مكتبة (الخوانساري) ذكر في آخرها أنه فرغ من تأليفه في سنة 1085هـ، وفرغ من كتابة هذه النسخة في سنة 1088هـ».
40 ـ حاشية الشيخ علي الكبير (انظر التسلسل 39 فيما سبق) بن محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد مؤلف كتاب «الدر المنثور» المتوفى سنة 1104هـ.
41 ـ حاشية للشيخ قاسم بن محمد بن جواد الكاظمي الشهير بابن الوندي والفقيه الكاظمي المتوفى بعد سنة 1100هـ. (انظر التسلسل 27 فيما سبق).
42 ـ حاشية على الأصول فقط، للشيخ محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد المعروف بالشيخ محمد السبط العاملي (980 ـ 1030هـ).
43 ـ حاشية للأمير رفيع الدين محمد بن حيدر الحسيني الطباطبائي النائيني (أنظر الذريعة، ج6، ص184، الرقم 1001).
44 ـ حاشية للشيخ محمد بن الشيخ قاسم بن محمد جواد الكاظمي، (انظر التسلسل 41 فيما سبق)، ذكرها له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص184، الرقم 1002).
45 ـ حاشية للشيخ العالم نظام الدين بن أحمد الدشتكي، ذكرها آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج6، ص184).
وهناك شروح شملت جزءاً من الكافي، منها:
46 ـ حثيث الفلجة في شرح حديث الفرجة، للسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر الحسني المختاري النائيني من علماء القرن الثاني عشر الهجري.
47 ـ هداية النجدين وتفضيل النجدين، في شرح حديث جنود العقل وجنود الجهل من الكافي، للسيد حسن الصدر المتوفى رحمه الله سنة 1354هـ.
48 ـ وللكافي مختصر بقلم محمد جعفر بن محمد صفي الناعسي الفراسي.
ثانياً:
كتاب الرد على القرامطة: ذكره له المدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج3، ص380)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص341)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120)، والشيخ الطوسي في الفهرست (ص135)، والنجاشي في الرجال (ص267)، والشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج10، ص218، الرقم 620). وللكتاب المذكور نسخة خطية في الأمبروزيانا، راجع: {ZDMG 69,82}.
ثالثاً:
رسائل الأئمة عليهم السلام، ذكرها له الزركلي في الأعلام (ج8، ص17)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120)، والنجاشي في الرجال (ص276)، كما ذكره له الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج10، ص239، الرقم 766) وقال: «وقد نقل عنه [أي كتاب رسائل الأئمة] السيد رضي الدين علي بن طاووس في «كشف المحجة، ص159، 173» رسالة أمير المؤمنين عليه السلام تأليف علم الهدى ابن الفيض الكاشاني، الذي أول مكاتيبه رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام، نقلها عن كتاب «رسائل الأئمة» للكليني وظاهرة النقل عنه بغير واسطة، وعليه فلا يبعد وجود الكتاب اليوم في بعض المكتبات».
رابعاً:
كتاب في «الرجال» ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120)، والنجاشي في الرجال (ص267)، والشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج10، ص103، الرقم 219) وسماه: «رجال ثقة الإسلام لكليني).
خامساً:
كتاب تعبير (تفسير) الرؤيا، ذكره له المدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج3، ص380)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153) والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120) وآغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج4، ص208، الرقم 1042) وقال: تعبير الرؤيا، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329هـ يرويه النجاشي مع سائر تصانيف الكليني عن عدة مشايخ وكلهم عن ابن قولويه وهو عن الكليني».
سادساً:
ما قيل في الأئمة عليهم السلام من الشعر، راجع ريحانة الأدب للمدرس التبريزي (ج3، ص380)، وروضات الجنات للخوانساري (ج6، ص117)، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين (ج47، ص153)، والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي (ج3، ص120).
وتجد أخبار الشيخ الكليني في:
1 ـ أحسن الوديعة في تراجم أشهر مشاهير ومجتهدي الشيعة لمحمد مهدي الكاظمي الموسوي الأصفهاني، ج2، ص226، مزارت الجانب الشرقي من بغداد.
2 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج8، ص17.
3 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج47، ص152، الرقم 10851.
4 ـ الأنساب لعبدالكريم السمعاني، 486 «الكليني».
5 ـ تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدي، ج9، ص322.
6 ـ تاريخ الأدب العربي لبروكلمن، ج3، ص339، وعليه اعتمدنا في تدوين كتبه الخطية.
7 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله المامقاني، ج3، ص179.
8 ـ جامع الرواة للعلامة محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، ج2، ص218.
9 ـ خلاصة الأقوال للعلامة حسن بن يوسف الحلي، ص 145.
10 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرگ الطهراني.
ج3: ص184.
ج4: ص208.
ج6: ص179 ـ 184.
ج8: ص79.
ج10: ص103، 218، 239.
ج13: ص94 ـ 100.
قيس آل قيس
ثورة العشرين
في الثلاثين من حزيران من كل عام يحتفل العراقيون بالذكرى السنوية لثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي للعراق، التي مثّلتْ إحدى الصفحات المشرقة في تاريخ العراق الحديث، والتي شارك فيها الشعب العراقي بمختلف طبقاته وفئاته وطوائفه من أجل التحرر والاستقلال. ولأهمية هذا الحدث الوطني الكبير في تاريخ العراق سوف أستعرض بعض مقدماتها وأحداثها وما رافقها من ملابسات وما حققته من نتائج.
لم تنتج ثورة العشرين من فراغ ولم تكن مجرد أحداث عابرة، وفي ذات الوقت لم تكن منزهة من الأهواء والمصالح ومجردة عن الأخطاء التي رافقتها. وككل ثورة شعبية لا بدَّ وأنْ تكون لها عوامل ذاتية وأخرى موضوعية، داخلية وخارجية، تؤثر فيها، وهي عوامل مهدت لقيامها وتحركها وانفجارها.
كان العراق ولعدة قرون جزءاً من الدولة العثمانية وبقي كذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وعندما حاول العراقيون التحرر من الحكم العثماني، وقعوا فريسة للاحتلال البريطاني عام 1917م.
حركة الجهاد
عندما دخلت قوات الاحتلال الإنكليزي البصرة كان العراقيون يعتبرون أن الإنكليز هدفهم محاربة الإسلام وهدم عقيدته وتزييف أخلاق أبنائه، بينما كان الإنكليز يضعون في حساباتهم الاعتماد على الشيعة في العراق، بسبب نبذ الأتراك لهم وحرمانهم من بعض حقوقهم الدينية والمدنية لا سيما أنهم وقفوا إلى جانب الشيعة، في الأحيان التي تعرضوا فيها لمشاكل مباشرة خلال الحكم العثماني كما حدث في الهجوم على مدينة كربلاء المقدسة عام 1843 حين تدخل القنصل البريطاني لتسوية النزاع بينهما.
وفي الوقت الذي لم يتحرك فيه بعض علماء أهل السّنة في العراق لنصرة الأتراك عند وصول الإنكليز إلى مشارف البصرة أصدر المجتهدون الشيعة فتوى الجهاد ضد الإنكليز، باعتباره فرضاً واجباً على جميع المسلمين وقد واجه الإنكليز مقاومة شديدة قادها علماء مسلمون كان في مقدمتهم الشيخ مهدي الخالصي والسيد مهدي الحيدري والشيخ عبدالكريم الجزائري والسيد محمد سعيد الحبوبي وغيرهم ومعهم قوافل عديدة من المجاهدين من مدن النجف والكاظمية وبغداد والشامية وأبو صخير. وكذلك قوافل من المجاهدين الأكراد بقيادة الشيخ كاكه أحمد الذين انطلقوا في 19 تشرين الثاني عام 1914 نحو البصرة في الوقت الذي قرر فيه القائد التركي الانسحاب من مدينة العمارة ثم إخلاؤها، وذلك بسبب الضغط العسكري عليها غير أن السيد مهدي الحيدري رفض الانسحاب وأعلن أنه لن يتحرك حتى يقتل أو ينتصر، مما اضطر القائد العسكري التركي إلى إلغاء قراره بالانسحاب من العمارة وتشجيع أهالي العمارة للتطوع للجهاد. غير أن الحرب تطورت لغير صالح المجاهدين بعد انكسار الجيش التركي وانسحابه من البصرة مما اضطر المجاهدين إلى الانسحاب أيضاً بعد أن تمّ حرق بعض السفن وغرق الأخرى منها.
وإذا فشلت حركة الجهاد في صد هجوم الجيش الإنكليزي واحتلال العراق، فإنّها كانت حدثاً سياسياً بارزاً في تاريخ العراق الحديث ومؤشراً هاماً لاتجاه القوى الاجتماعية الضاغطة آنذاك، بيّنت بوضوح فيما بعد وقادت إلى ثورة العشرين، والتي كانت استمراراً للحركات الاجتماعية والانتفاضات الثورية التي قامت في العراق على طول تاريخه الطويل، مثلما رسمت خارطة العراق الجديدة، وإعلان الاستقلال الوطني للعراق.
الاحتلال الإنكليزي للعراق
في 11 آذار 1917 سقطت بغداد بأيدي الإنكليز. وقد أطلق العراقيون على الاحتلال الإنكليزي بـ«عهد السقوط» وأخذ الإنكليز يستخدمون سياسة التقرب والتحبب إلى المواطنين من أجل كسبهم إلى جانبهم، في محاولة لدحض الدعايات التي كان الأتراك يروجونها ضدهم وبدأوا ببعض الإصلاحات الإدارية والعمرانية واحترام المساجد والمراقد المقدسة وزيارة علماء الدين وإغراء البعض منهم بقبول الوظائف الحكومية وإغراق الأموال على البعض الآخر منهم.
غير أن شرارة التذمر بدأت بالاشتعال من جديد بعد أن أخذ الإنكليز بتشكيل «الشبانة» وهي قوات محلية كان هدفها قمع أي تحرك شعبي ضدهم والسيطرة على الأوضاع الداخلية سيطرة تامة، وأخذوا يتصرفون مع المواطنين بالطريقة التي كانوا يتعاملون بها مع الهنود، في توجيه الإهانات المباشرة والشخصية إليهم. وقد أشارت “المس بيل” إلى أن معاملة القوات الإنكليزية الفظة كانت قد سادعت على إشعال فتيل الثورة ضدهم في العراق.
وفي جانب آخر بدأ العراقيون يعانون من تبعات التضخم النقدي الذي فرضته السياسة الاقتصادية الإنلكيزية في العراق عن طريق غمر الأسواق بعدد هائل من الأوراق النقدية مما سبب حركة تجارية قوية ساعدت على تشكيل فئة من التجار وأغنياء الحرب والمنتفعين، كما اتبعت سلطات الاحتلال الإنكليزي سياسة جديدة مع العشائر العراقية، فبينما كان الأتراك يستخدمون سياسة تشجيع الصراعات والمنازعات العشائرية لتلافي اتحادها وإضعافها والوقوف ضدها، وكذلك إشعال روح العداء بين الحكومة والعشائر، مما سبب نزاعات وصراعات دامية بين الطرفين، مما دفع الإنكليز إلى انتهاج سياسة جديدة أخرى هدفها توحيد العشائر عن طريق دعم بعض الشيوخ المقربين إليهم ومدهم بالمال والسلاح والنفوذ، وبالتالي بسط نفوذهم وسيطرتهم على العشائر العراقية. غير أن هذه السياسة أغضبت بدورها أفراد العشائر العراقية وشيوخها. وقد اتضح خطأ تلك السياسة خلال ثورة العشرين، التي شارك فيها معظم رؤساء عشائر الفرات الأوسط، إضافة إلى عدم تنفيذ الوعود الخلابة التي وعد بها الإنكليز العرب والعراقيين على وجه الخصوص. وكان الجنرال (مود) قد أعلن عقب احتلاله للعراق ودخوله بغداد قائلاً: «جئناكم محررين لا فاتحين». غير أن الحقيقة أصبحت واضحة، وهي أن العراق أصبح خاضعاً خضوعاً كلياً للسيطرة الإنكليزية المباشرة.
كما كان للدعايات الخارجية تأثير كبير في إثارة روح التمرد والثورة ضد قوات الاحتلال التي كانت تصل إلى العراق من تركيا وإيران ومصر وسوريا والاتحا السوفييتي. وقد قام علماء الدين والمثقفون ووجهاء المدن والتجار بدور بارز في إعلان الاستياء ضد الاحتلال الإنكليزي.
ولكن، بالرغم من فشل حركة الجهاد واحتلال العراق من قبل الإنكليز فقد تضاعفت حركة المجاهدين واشتد عزمهم على مواجهة الاحتلال الإنكليزي وتنفيذ حركة التحرر العربية ـ الإسلامية التي هدفت إلى إقامة حكومة عربية مستقلة في العراق. وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي تأسيس أول حزب سياسي في العراق أطلق عليه «جمعية النهضة الإسلامية». وكان على رأسه السيد محمد علي بحر العلوم. وكان للجمعية جناحان، أحدهما سياسي، ثقافي ينهض به العلماء والمثقفون، وآخر عسكري يعتمد على الكفاح المسلح. وقد استفحلت أساليب الإرهاب والقمع والسيطرة على المواطنين إلى تصرفات فظَّة من قبل الحكام والعسكريين الذين لم يميزوا بين سكان المدن وأفراد العشائر العراقية مما سبب حدوث اصطدامات فردية بين العسكريين الإنكليز وبين بعض المواطنين، مثلما حدث في النجف الأشرف حين صفع الحاكم العسكري الإنكليزي «بلفور» كاظم صبي رئيس إحدى المحلات الشعبية في النجف الأشرف الذي أعاد بدوره الصفعة إليه فرميت قبعته وخرجت من الشباك. وكان كاظم صبي أول المتطوعين في «ثورة النجف» عام 1918 وأول من أُعدم من الثوار. والمثال الآخر هو أنه حين صفع الحاكم العسكري الإنكليزي الشيخ ضاري الحمود، شيخ عشيرة زوبع، أعاد الشيخ ضاري هذه الإهانة برصاصة استقرت في رأس الحاكم العسكري الإنكليزي فأوقعته صريعاً.
ثورة النجف
اندلعت الثورة في النجف في 19 آذار 1918 على أثر اغتيال الحاكم العسكري البريطاني. وقد أمرت قوات الاحتلال بمحاصرة المدينة من قبل ثمانية آلاف جندي بريطاني. وقد استمرت الثورة حوالي خمسة وأربعين يوماً واشترك فيها حوالي عشرة آلاف مسلح، وانتهت بإعدام قادة الجناح العسكري ونفي عدد آخر من العلماء، والمجاهدين إلى الهند.
وقد أشار عدد من الكتّاب إلى أن التسرع في إعلان الثورة في النجف قبل تنفيذ الاتفاق مع عشائر الفرات الأوسط كان قد ساعد على فشل الثورة، إلى جانب عوامل أخرى عديدة. ولكن من المؤكد أن ثورة النجف، رغم الأخطاء التي رافقتها. كانت حدثاً هاماً، لأنها كانت أول عصيان مسلح ضد قوات الاحتلال البريطاني في العراق، وقدمت أحد عشر بطلاً إلى المشنفة ببسالة مثلما كانت أول تجربة للكفاح المسلح في العراق في العصر الحديث.
وعندما أصبح الشيخ محمد تقي الشيرازي، المرجع الديني الأعلى، الذي خلف السيد كاظم اليزدي، وذلك بدخول العلماء طرفاً في الصراع من جديد، مما دفع بالحاكم العسكري البريطاني في العراق (السير ولسن) إلى إجراء استفتاء يعبر فيه العراقيون عن رأيهم في إقامة دولة مستقلة وأن يرأسها ملك عربي من الشرفاء يختارونه بأنفسهم. وقد جرى الاستفاء في 13 كانون الثاني عام 1918 في النجف أولاً ثم في كربلاء والكاظمية وبعدها في بغداد وغيرها من المدن العراقية. وكان ذلك الاستفتاء في الحقيقة أول تجربة في تاريخ العراق السياسي الحديث، التي حاول فيها الشعب العراقي الإدلاء برأيه في تقرير مصيره، كان من نتائجه بلورة وعي وطني جديد أنتج حركة سياسية ظهرت بواكيرها الأولى بتأسيس الأحزاب الوطنية وانطلاقة ثورة العشرين. كما كان لإعلان الدستور في تركيا أثر هام في تأسيس فروع لجمعية الاتحاد والترقي وجمعيات وأحزاب أخرى في بغداد والنجف والبصرة، حيث تأسس «الحزب النجفي» عام 1918 بعد فترة قصيرة من تأسيس «جمعية النهضة الإسلامية». كما تمّ تأسيس «الجمعية الإسلامية» في كربلاء. أما في بغداد فقد تأسست عام 1919 «جمعية حرس الاستقلال». وكان من بين أعضائها المؤسسين الشيخ محمد رضا الشبيبي وعلي البازركان والحاج جعفر أبو التمن والسيد محمد الصدر والشيخ يوسف السويدي وجلال بابان وغيرهم. وقامت بنشاطات سياسية وثقافية هامة. كما ضمت علماء دين ووجهاء مدن ورؤساء عشائر من المسلمين الشيعة والسُنّة معاً.
وقد انتهز العراقيون حركة الثورة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي في الحجاز ودعوته للاستقلال والتحرر من السيطرة الاستعمارية فكتبوا إليه طالبين تأسيس حكومة عربية دستورية في العراق على أن يكون أحد أنجاله ملكاً عليه. وقد وقّع الرسالة عدد كبير من علماء الدين ورؤساء العشائر ووجهاء المدن وأرسلت إلى الحجاز بيد الشيخ محمد رضا الشبيبي، وفي الوقت ذاته أرسل المرجع الديني الأعلى الإمام محمد تقي الشيرازي رسائل إلى الأمير فيصل بن الشريف حسين وإلى الرئيس الأميركي ولسن يعرب لهما فيها عن مطالب العراقيين في تشكيل حكومة عربية مستقلة تكون الموصل جزءاً لا يتجزأ من العراق، على أن يكون أحد أنجال الشريف حسين ملكاً على العراق.
وفي 28 أيار عام 1920 تشكلت هيئة اجتماعية. قانونية عليا ضمت عدداً من علماء الدين وزعماء العشائر ورجال السياسة لتمثيل العراق في التفاوض مع سلطات الاحتلال البريطاني والهيئات الدولية. كما أقيمت اجتماعات جماهيرية حاشدة في النجف وكربلاء وبغداد والكاظمية وكذلك في الحلة والبصرة والشامية. وقد أصدر الإمام الشيرازي تعليمات إلى كافة العراقيين بالتحرك السياسي والمطالبة بالاستقلال، وترأس مؤتمراً عقد في داره بكربلاء أوصى فيه أنْ يكون التحرك السياسي سلمياً، فإذا استكمل هذا الجانب أغراضه ولم تتحقق مطاليب الأمة فإنّ الخطة التالية ستكون إعلان العمل المسلح.
إعلان الاستقلال
عندما رفضت سلطات الاحتلال الاستجابة لمطالب الشعب المشروعة. قررت المرجعية الدينية بمساندة من شيوخ العشائر السياسيين ووجهاء المدن التحرك السريع لانتزاع الحقوق المشروعة وإعلان الاستقلال الوطني وذهب المجتمعون في دار الإمام الشيرازي بكربلاء إلى ضريح الإمام الحسين عليه السلام وأقسموا بالقرآن الكريم على إنجاز ما اتفقوا عليه. وفي 6 مايس عام 1920 طلب زعماء الحركة الوطنية التفاوض مع سلطة الاحتلال الإنكليزي في العراق وقدموا لها مطاليبهم المشروعة التي نوجزها بما يلي:
1 ـ الإسراع بتأليف مؤتمر يمثل الأمة العراقية ويعيّن مصيرها ويقرر شكل إدارتها في الداخل والخارج.
2 ـ منح الحرية للمطبوعات ليتمكن الشعب من التعبير عن إرادته ورغباته.
3 ـ رفع القيود الموضوعة على البريد والبرق بين المدن العراقية وبينها وبين الدول الأخرى حتى يستطيع المواطنون من التفاهم والاطلاع على السياسة الدولية الراهنة في العالم.
غير أنَّ رفض الحاكم العسكري العام للتفاوض وانتشار الخبر بين الناس سريعاً ساعد على إشعال فتيل الثورة في منطقة الفرات الأوسط.
إندلاع الثورة
انطلقت الشرارة الأولى من الرميثة في 20 آب 1920 بعد أن ألقت الطائرات الإنكليزية منشورات تدعو فيها العراقيين إلى العودة للمفاوضات.
وفي اليوم الثاني لإعلان الثورة اعتقلت السلطات الإنكليزية في كربلاء محمد رضا ابن الإمام الشيرازي لنشاطه السياسي بين العشائر العراقية ونُفي إلى جزيرة هنجام مع عشرة آخرين من المجاهدين. وقد أثار نفي محمد رضا ضجة كبيرة في الفرات الأوسط وكوّن عاملاً من عوامل إندلاع الثورة، حيث قام رؤساء العشائر وعلى رأسهم السيد علوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر وعدد آخر من شيوخ العشائر بعقد اجتماع حضره رؤساء عشائر الفرات الأوسط وبعض وجهاء المدن والسياسيين للمداولة في الأمر. وكتب المجتمعون في 28 حزيران عريضة موجهة إلى الميجر نوربري احتجاجاً على نفي محمد رضا الشيرازي ومن معه. كما كتبوا إلى شعلان أبو الجون وغيره من رؤساء عشيرة بني حجيم في الرميثة يشرحون لهم فيها ما قام به الإنكليز من أعمال جائرة واستهانتهم بحقوق المواطنين في العراق ويذكرونهم بوجوب الثورة عليهم والتخلص من ظلمهم. وقد حمل الرسالة إليهم السيد محسن الياسري. وحالما وصلت الرسالة إلى الرميثة في 1 تموز 1920 كانت الشرارة الأولى للثورة قد انطلقت منها، بعد أن وجه معاون الحاكم العسكري في الرميثة «هياث» إلى شعلان أبو الجون إهانة، في 30 حزيران 1920، فرد عليه بأشد منها، فأمر هياث باعتقاله وسرعان ما انطلق عشرة رجال من أفراد عشيرته فكسروا أبواب السجن وأطلقوا سراح شعلان أبو الجون ثم عادوا إلى ديارهم بعد أن اقتلعوا أخشاب سكة الحديد من الأرض المارة بأراضيهم. وعندما توجهت نحوهم قوة صغيرة من قوات الاحتلال الإنكليزي للقبض عليهم انتصروا عليها وأبادوها وسرعان ما امتدت الثورة إلى مختلف أنحاء العراق، بعد أن أصدر المرجع الديني الإمام الشيرازي فتواه، بأن المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم رعاية السلم والأمن. كما يجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم. وقد أيد الفتوى ودعمها جميع العراقيين من الأحرار والوجهاء والشيوخ ومن مختلف المدن العراقية.
وفي 11 تموز 1920 أعلنت الثورة في المشخاب حيث هجم الثوار على مخفر «أبو شورة» واستولوا على ما فيه من عتاد. وكان ذلك بادرة جدية لانطلاق الثورة من الشامية ومنها إلى جميع أنحاء الفرات الأوسط أولاً، وإلى جميع أنحاء العراق ثانياً.
كانت معركة «الرارنجية» نقطة تحول حاسمة في ثورة العشرين حيث انتصر الثوار انتصاراً كبيراً على الجيش الإنكليزي وحصل الثوار فيها على غنائم وفيرة. وقد أثار هذا الانتصار حماس الثوار وزاد في اندفاعهم لمزيد من الانتصارات والغنائم بعد أن نجحوا في مجابهة قوات الاحتلال بأسلحة تقليدية وأبدوا فيها شجاعة كبيرة وهم يرددون أهازيج شعبية منها «الطوب أحسن لو مكواري»، كما شكلت معركة الرارنجية «كارثة كبيرة» للجيش الإنكليزي، كما وصفها هالدين. كما لعب وعاظ المساجد وخطباء المجالس الحسينية والشعراء والخطباء دوراً هاماً في إثارة المشاعر وبخاصة في بغداد والمدن المقدسة وكذلك بين العشائر العراقية. كما كان للشعر الشعبي وبخاصة الأهازيج و«الهوسات» دور هام في إذكاء روح الثورة في النفوس والاستجابة لفتاوى العلماء وانخراطهم في صفوف الثوار. وعند رفع العلم العراقي فوق سطح بلدية كربلاء في 6 تشرين الأول 1920 ألقى خليل عزمي قصيدة حيا بها العلم العراقي نورد مطلعها:
بشراك يا كربلا قومي انظري العلما
على ربوعك خفاقاً ومبتسما
وفي 31 تموز 1920 هجم الثوار على مدينة الحلة تحت قصف الطائرات والمدافع. وكان هجوماً ضارياً أبدى فيه الثوار بطولات فريدة. غير أن القوات الإنكليزية كانت قد أجبرت الثوار على التراجع بعد أن استعدت للدفاع عن المدينة بعد هزيمتهم في معركة الرارنجية.
وفي الوقت الذي كان فيه الثوار قد وصلوا شرق مدينة الديوانية واستولوا على بلدة عفك، بعد أن دمروا، في طريقهم إليها، أجزاء أخرى من سكة الحديد، اندلعت الثورة في مدينة تلعفر في شمال العراق حيث سيطر الثوار على المدينة، بعد أن احتلوا السراي ورفعوا العلم العربي فوقه، كما وقعت أحداث هامة في دير الزور في أعالي الفرات، بسبب التذمّر الشديد الذي رافق الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى واحتلال الإنكليز لها. حيث شنت بعض العشائر بمساعدة «حزب العهد العراقي» غارات عديدة على معسكرات الإنكليز في الصالحية والبو كمال، مع هجمات متواصلة على سكة حديد الشمال، مما شجع على انتشار الثورة بين العشائر في شمال العراق.
نتائج ودروس
لقد كانت لثورة العشرين أهمية كبيرة في تاريخ العراق الحديث باعتبارها أول حدث شاركت فيه جميع فئات الشعب العراقي وأغلب مدنه وتضامنت فيما بينها لمجابهة سلطات الاحتلال البريطاني، وبخاصة العشائر العراقية وعلماء الدين وسكان المدن والأرياف الذين كانوا يهتفون معاً. ولأول مرة «يحيا الوطن»!
غير أن ثورة العشرين لم تحقق في الواقع نجاحاً سياسياً هاماً. وقد ظهر ذلك في ردود فعل عديدة وكذلك في مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، وبخاصة، بعد إبعاد زعماء المعارضة الوطنية إلى خارج العراق وعلى وجه الخصوص عدداً من المجتهدين، كالشيخ مهدي الخالصي، وبعض السياسيين، الذي شكل ضربة قوية وجهت إلى الحركة الوطنية، مثلما شكلت أول محاولة لاحتواء ثورة العشرين والالتفاف حولها. وبهذا الخصوص نظم الشيخ علي الشرقي قصيدة عام 1926 عبّر فيها عن خيبة أمله بحصيلة ثورة العشرين، منها:
وثورة أعقبتها
ندامة الثوار
ووحدة وزعتها
الأطماع بالأعشار
كانت قلادة مجد
ففوجئت بانتثار
ومع إخفاقها السياسي فقد مثلت بداية الوعي الديني والوطني الذي أخذ ينمو ويمتد إلى جميع أنحاء العراق. ومنذ ذلك التاريخ بدأ العراقيون يتداولون المفاهيم والشعارات الوطنية والسياسية الجديدة التي لم تكن مألوفة آنذاك كمفهوم الوطنية والاستقلال والتحرر والوحدة والوطنية.
وكان للعامل الديني دور رئيسي في تحريك الشعور الوطني باعتبار أن ثورة العشرين إنما هي امتداد لحركة الجهاد التي قادها المجتهدون الشيعة ضد سلطات الاحتلال البريطاني للعراق وإعلانهم الجهاد كواجب ديني مقدس، كما كانت حركة الجهاد وثورة العشرين تعبيراً حياً لدعوة علماء الدين للاستقلال الوطني وتشكيل حكومة عربية ـ إسلامية، وفي ذات الوقت، امتداداً للتقاليد الحية للحركات الاجتماعية الثورية التي كان الفكر الشيعي أحد منابعها الأساسية.
وفي الأخير، يمكننا القول بأن ثورة العشرين، مع ما رافقها من ملابسات، كانت مدرسة شعبية ووطنية علمت العراقيين كيف يكون الإنسان وطنياً يستطيع الدفاع عن أرضه ودينه، وما زال تأثيرها يرفد الحركة الوطنية بأسلحة فكرية للوقوف أمام الاستعمار والاستبداد والتبعية.
الدكتور إبراهيم الحيدري
الجواهري
في موازين المحافل النجفية
ــ 1 ــ
في أواسط الأربعينيات بدأت حكايتنا مع الجواهري، كنا جيلاً من ناشئة العلوم الدينية متقارب الأعمار والأذواق، يفترض في أمثاله أن يصرف جل وقته في دراساته الدينية الخالصة، وإن كان ذلك لا يمنع أن ينصرف في يومي الخميس والجمعة إلى شيء من لهوه البريء الذي كان من أجلى مظاهر براءته تصيد النادرة وتتبع الشعر والأدب. ولكن جيلنا ـ والظاهر أنها طريقة الأجيال الأدبية قبلنا ـ كان يوسّع من دائرة الخميس والجمعة فيتابع هذا الذي يسمى (لهواً بريئاً) في أكثر أيام الأسبوع، وإن كان ذلك على حساب دراساته الخاصة أحياناً:
ولم تكن متابعتنا للشعر، مثلاً، مقصورة على اختياراتنا مما هو مطبوع من دواوين الشعراء، ولا على ترصد ما ينشد في الحفلات العامة ـ الدينية منها والوطنية ـ أو الحفلات الخاصة كالأعراس والمآتم، بل أن كثيراً من الشعراء الذين نحبهم لم تكن لهم دواوينهم المطبوعة، لذلك كان العثور على قصيدة للشرقي أو للشبيبي الكبير، أو السيد رضا الهندي، أو حتى بدوي الجبل وبشارة الخوري مثلاً يتطلب منا جهداً ليس باليسير لنستخرجها من بين المجاميع المخطوطة، أو المجلات القديمة.
وما يكاد ينتهي دور الاختيار هذا، فتتكون لدى كل منا مجموعته الخاصة، حتى تبدأ أدوار أُخر ليس أيسرها الاستظهار والحفظ، أو الجدل في تفضيل قصيدة على أخرى، أو التعصب لشاعر دون صاحبه.
إذن فقد كنا جيلاً ناشزاً بين لداته، يوسع من وظيفة عطلته الأسبوعية على حساب درسه الرسمي، كان يصرف من وقته في الموازنة بين شعر شوقي وشعر حافظ أكثر مما يصرفه في المقارنة بين رأي المعتزلة ورأي الأشاعرة.
ــ 2 ــ
ولم يكن الجواهري يومها شاعراً يجهله جيلنا أو الأجيال التي عشنا معها في النجف، فقد كانت مجاميع الناشئة تضم من قصائده: المحرقة، والرجعيون، والقرية العراقية، وسامراء، وأمثالها إلى جنب شعر شوقي وحافظ والرصافي والشبيبي والشرقي وغيرهم. ولكن الذي أريد قوله: إن محافل النجف الأدبية، في تلك الحقبة، كانت مأخوذة برباعيات الشرقي وعمق صوره وبديباجة الشبيبي وبراعة أدائه، فإذا تجاوزت سور المدينة تخطفها بريق شوقي ورهج الرصافي.
حتى إذا بلغنا أواسط الأربعينات، وخرج الجواهري على الناس بأمثال جمال الدين الأفغاني وستالينغراد، وأبو العلاء المعري، وذكرى أبي التمن، ودجلة في الخريف، وبنت رسطاليس، والمقصورة، تغيّر الخط البياني لموازين هذه المحافل، فوجدت من يقارن بين الجواهري وكل هؤلاء بل وجدت من لا يقارن بينه وبين أكثرهم، أما على مستوى الجمهور الأدبي فكلكم تعرفون ما بلغه الجواهري بعد وثبة كانون من مكانة شعرية نسي فيها هذا الجمهور أن هناك شعراء كان يذكرهم بخير.
ويتساءل جيلنا الناشز بين لداته، عن سر هذا التبدل في الموازين، وبشيء من الدقة يسأل: ما الذي جدّ في شعر الجواهري، حتى جعل الناس يعدّونه مع هؤلاء الشعراء في الثلاثينات ولا يعدّونهم معه في الأربعينات؟]! فالجواهري شاعر (القرية العراقية)، هو نفسه شاعر (أم عوف). والجواهري الذي قال: (لا أكذبنك إنني بشر) هو نفسه الذي قال: (تهضمني قدّك الأهيف)، بل أن قصيدة (افروديت) مثلاً وهي من مشهورات شعر الأربعينات كانت بداياتها، أو معظمها في أوائل الثلاثينات.
ولا ينسى هذا الجيل، في تساؤله، أن الجواهري ـ كأي شاعر موهوب ـ كان في تطور مستمر سواءً في اللغة، أم الأسلوب، أم الفكرة، وإذا ركّز في وصف القرية العراقية على بساطة الطباع في المجتمع الريفي وقارنها بتعقيدها في المدينة، فمن الطبيعي أن يكون تناوله لنفس الموضوع، في قصيدة أم عوف، أكثر طرافةً وأوسع شمولاً، وأدق تفكيراً، إلاَّ أن الذي يؤخذ على ذلك أن الشعراء الآخرين ـ أو بعضهم في الأوقل ـ لم يقف حيث كان، فكما تطور الجواهري تطوّر البدوي وبشارة الخوري مثلاً. إنك لا تقرأ قصيدة:
الهوى والشباب والأمل المنشود
توحي فتبعث الشعر حياً
ثم تخرج منها بنفس الانطباع الذي تخرج به من قصيدة:
ولد الهوى والخمر ساعة مولدي
وسيحملان معي على ألواحي
إذن فلا بدَّ أن يكون السر الذي قلب الموازين لصالح الجواهري لم يكن كامناً في التطور الطبيعي لكل شاعرٍ موهوب، فلنبحث عن سر جديد.
ويبحث جيلنا الناشز بين لداته، عن هذا الجديد في شعر الجواهري فلا يجده ماثلاً إلاَّ في شعره السياسي، ليس معنى ذلك أن الجواهري مبتدع هذا الفن، وإلاَّ فكيف صار الرصافي، وحافظ إبراهيم ومهدي البصير وغيرهم من روّاد نهضتنا الشعرية، مع أنهم، فنيّاً، لا يمكن أن يصلوا إلى موضع الريادة لولا هذا الطابع السياسي في شعرهم.
ــ 3 ــ
كان الشعر السياسي، قبل الجواهري، مجموعة من القصائد تستدعيها مناسبات المعارك القومية والوطنية، وهي لا تخرج، شكلاً ومحتوى، عن خط الحماسة في شعرنا العربي عامة، وإذا دخلت السياسة في بعض نماذج هذا الشعر الحماسي فليس إلاَّ لتفسد صفاء التعبير فيها، فتحيلها خبراً أو تعليقاً صحفياً عابراً أقرب إلى روح النثر منه إلى رهافة الحس وترف الخيال، وإذا كان للمثل المشهور (ما دخلت السياسة شيئاً إلاَّ أفسدته) من واقع ملموس، فهي تلك النماذج الحماسية التي حاول شعراء النهضة في بدايات هذا القرن أن يدخلوا السياسة العربية مضموناً جديداً فيها.
نجد ذلك واضحاً في سياسيات الرصافي، والشيخ عبد المحسن الكاظمي وحافظ إبراهيم وأمثالهم:
إن الوزارة ـ لا أباً لك ـ عندنا
ثوب يفصّل في معامل لندنا
لا يرتديه سوى امرىءٍ أضحى به
طبعاً وداد الإنجليز وديدنا
كلام لا تستطيع بعد سماعه إلاَّ أن تهتف: صحيح أو مضبوط ولا يمكن أن تستبدل هذا الهتاف بكلمة (رائع) مثلاً، لأن الرصافي فيه كان معلقاً صحفياً صادقاً على طبيعة النظام السياسي والإداري في العراق ولم يكن فناناً يفجأك بروعة أدائه، قبل أن تعجبك صحة معادلاته. وأمثال ذلك كثير في شعره وشعر زملائه، باستثناء النادر من شعر حافظ. إلاَّ أنك تجد من جانب آخر في قصائد: (صغير العسس) و(الشمعة) و(الأحلام) و(مكوى العتب) وأمثالها من سياسيات الشرقي في النجف، تجاوزاً لكثير من نثرية الشعر السياسي عند الرصافي والكاظمي وغيرهم أمثال قوله:
شعبك من غفلته ما ارعوى
يا سمكاً في كل يوم يصاد
لم يبق من تمرك غير النوى
واكتست الجمرة ثوب الرماد
ولكنه في الأعم الأغلب يخرج من نقطة ضعف زملائه في الأسلوب النثري، ليقع في نقطة ضعف خاصة به، هي عدم وضوح القصد فيما يكتب، وفقدان الترابط العضوي بين الصور المطروحة، ولعل ذلك ناشىء فيما يبدو لي من ولعه بالرمز والأسطورة، ولأني من المعجبين بشعر الشرقي، ولئلا يكون حديثي عن شعره السياسي حديثاً غير مسؤول، أستميحكم أن أطيل الوقوف أمام هذه النقطة فأضرب بذلك مثلاً بقصيدة له مشهورة كتب في مقدمتها أنها: «نظمت عام 1912 على أثر تشاح ونفرة وقعت بين بعض الأحياء الفراتية فاستغل ذلك الحادث الحكام الاتحاديون وفتكوا بجانب من تلك العشائر… انتقاماً من انتشار الحس القومي في إحيائهم». وإذ تنتهي المقدمة هنا تفاجأ به يقول:
وأشفقت يلذع خدّ الحبيب
فؤاد على وجنتيه التهب
وما التهبت قطعات القلوب
إلاَّ لتسبك هذا الذهب
شيء غريب.. ولكنك قد تعتذر لهذه الغرابة بأنها أثر من آثار القصيدة العربية التي كان عمودها الشعري يتطلب شيئاً من التخطيط يختلف عن شعرنا الحديث، وتأمل أن (يتخلص) من غزله ليدخل صميم موضوعه، فإذا به يظفر من هذا الغزل الرائع إلى رائع آخر مثل قوله:
خليليّ مثل جناحي حمام
أعينا وهبّا إذا الشوق هب
يداً بيد لا المعين الزلال
مشوباً، ولا الملح فوق الركب
أو مثل قوله:
ولي صاحب هل صحبت الخيال
لم نلتفت عنه إلاَّ ذهب
مسحت الجفون له خافقاً
مضى، لا مضى، حلماً تقتصب
انتقال من رائع إلى رائع ولكنك لا تستطيع أن تضع يدك على شيء يمكن أن يكون صورة واضحة للحس القومي المنتشر الذي جعل الحكام الاتحاديين يفتكون بهذا الشعب!!
وتبقى ميزة الرمز غير الموحي، وعدم وضوح القصد، وانبتار الصلة بين صورة وأخرى نلح على قصيدة الشرقي السياسية من بدء (النهضة) حتى يوم (الوثبة). انظر على سبيل المثال قصائده في المجلس التأسيسي وانقلاب بكر صدقي وفي سقوط أوروبا أمام الزحف النازي، وفي وثبة كانون وغيرها.
ليس هذا حطاً من قيمة الرجل، فأنا ـ كما قلت ـ من المعجبين به فناناً أصيلاً تجاوز حدود جيله بمراحل، ولكني أتحدث الآن عن تطور الشعر السياسي في بلد كان الشرقي من أنصع وجوهه وإذا أخذنا على الرصافي وأضرابه تناولهم السياسة بأداة الصحفي العادي، فلم يتقدموا بهذا النوع من الشعر خطوة واحدة عما كنا نسميه شعراً حماسياً، وجدناه هو الآخر تجاوز فن الحماسة والتعليق، الصحفي الباهت، ولكنه وقف في سلم هذا التطور على خشبة مائلة لا ترقى به إلى السطح ولا تهبط به إلى القاع.
ــ 4 ــ
ونحن الآن، في أواخر الأربعينات، أمام الجواهري رأساً ضخماً بين هذه الرؤوس، وقامة تجاوزت حدود الأفق الذي طالت فيه إلى أفق اختلطت به علينا، نحن النظّارة، صورة الشجرة المألوفة التي عاشت الأجيال الصاعدة تحت ظلها في الثلاثينات، بصورة الشجرة الأسطورة التي ظلت الجماهير تهتف: إنها غابة ولكن من شجر مسحور.
ثم ماذا عن الجديد من ثمار هذه الشجرة المسحورة؟
كنا نقول: إن الجديد هو شعره السياسي، والشاخص الأساسي فيه يتميز في ظاهرتين متداخلتين:(الظاهرة الأولى: إن الجواهري استطاع أن يخضع المضمون السياسي ـ خبراً كان أو تعليقاً ـ لما يخضع له المضمون الوصفي والوجداني في مقاييس فنية يغلب عليها طابع الغناء، فيعطيك أخشن ما يطرقه من مواضيع السياسة والاجتماع بأرق ما يمكنه من رشاقة الأسلوب وترف الروح، لا أريد أن أعدد الأمثال، فشعر الجواهري على كل لسان، ولكني أريد فقط أن تتصور كيف يتناول شاعر ـ من جيل الجواهري ـ صورة مجموعة من حكام العهد المباد، يرفلون بالحديد في قفص الاتهام، أمام محكمة عسكرية خاصة، لا أظن، مهما بالغنا بحسن الظن، إن هذا الشاعر يمكن أن يوفق لمثل الصورة الجواهرية:
الناعمون المترفون أجالهم
وسط الحديد كما تجال قِداحُ
والسادة الوقحون هذّب طبعهم
زرد يعضّ على اليدين وقاح
والأذؤب الأقحاح في جبروتهم
وسط السجون أرانب أقحاح
كانت قباحاً في الرؤوس وجوههم
واليوم وهي على الصدور ملاح
زادت ملامحهم غباءً وانجلى
زيف الغموض بها فهن فصاح
أمثال هذا التناول للحدث السياسي كثير في شعر الجواهري، وقد انفرد بخصائصه الفنية من بين جل الشعراء العرب.
الظاهرة الثانية: التي قلت إنها تتداخل مع الأولى: إن الجواهري حين يريد أن يعرض لك فكرة سياسية بهذا الأسلوب الفني الرائع، فإنه يحاول أن يعرضها لك في صورة لوحة مكتملة بكل ما يلابسها من ألوان وظلال، حتى ليعجزك أن تقول بعد ذلك: لو أضاف هنا ظلاً، أو خفّف هنا لوناً. خذ مثلاً لذلك عَرْضه في قصيدة (النحّاس باشا) لتذبذب المواقف السياسية في العراق بعد وثبة كانون وتحليله لذلك:
بين اثنتين فساسة قد أوثقوا
بالأجنبي وساسة جبناءُ
ومحايدون يفاخرون بأنهم
عما يحيق بأهلهم غرباءُ
ومناوشون يبادلون خصومهم
غزلاً فلاعنت ولا إيذاءُ
ومهذّبون خصومة وطريقةً
مرنون في أسلوبهم ظرفاءُ
يدرون من معنى السياسة أنها
كأس بها يتقارع الندماءُ
متسامحون يميلهم ترف الصبا
وتشيع فيهم رخوها النعماءُ
ثم يستمر في تقسيم الفئات العراقية وتحليل مواقفها، في صور مترابطة تشمل مختلف مظاهر الجو السياسي الخامل يومها، حتى لا ينسى صورة الشاعر والمصوّر والفقيه:
واستأثر الفنان يرسم بطةً
حسناء تمسح ريشها حسناء
وتنافس الفقهاء: أيّ منهم
عند الصلاة الضارع البكّاء
هذه الشمولية في عرض الفكرة السياسية، مع ما يداخلها من ظاهرة التناول الجواهرية، هي التي جعلت منه شاعراً تجاوز في تطور الشعر السياسي مراحل الذين سبقوه، حتى عدّ بحقٍ رائد الشعر السياسي، لا على مستوى القطر، بل على مستوى الشعر العربي عامة.
ــ 5 ــ
لقد كان موقفي يتطلب أن أرحب باسم جمعية الرابطة الأدبية بضيفها الكبير وأن أشيد بما له من الحق على أجيال هذه المدينة الخالدة التي كان الجواهري واحداً من أصفى منابع ثقافتها. ولكن الحديث عن المنبع وشدة تدفقه، يستلزم الحديث عن المصب وقوة احتماله وتشعب فروعه، من أجل ذلك وجدتني منساقاً للحديث عن الجواهري في موازين المحافل النجفية أولى مصابّ هذا المنبع.
وبعد لقد أعطى الجواهري وطنه وأمّته كلَّ ما يمكن أن يعطيه شاعر مناضل من كلمةٍ خيّرة وكفاح مستمر، ولم يتلق ـ مع الأسف ـ من وطنه وأمته، طيلة سنوات كفاحه، غير النسيان والجحود، ولم يحزن لذلك لأنه كان يقول:
فإن تجاراً أن تعوّض مؤمناً
جنان وولدان بها وكعاب
يتمّم مجدَ التضحيات وأهلها
وآثارها أن لا يكون ثواب
وأبلغ منه أن يحلَّ بمنعم
من المرتجى منه الثوابُ عقاب
ثم يتصاعد فيقابل هذا العقاب بإنسانية عالية:
ويا وطناً ردّت علي ظلالُه
مصوّحةً روّى ثراكَ سحاب
ندى المسك فيما غبرتني عجاجة
وفيما سيحثى بالحمام تراب
أليس من الغريب أن تقوم دولة كالاتحاد السوفيتي، لا تربطها بشاعر العرب غير وشائج الإنسانية فتدعو منظمة الدولة الآسيوية الأفريقية لأن تقدم له أكبر جوائزها التقديرية، في حين تصمت أمته العربية عن التفكير بجزء يسير من حقه عليها.
حفظ الله قلب أبي فرات منبعَ خيرٍ ومصدرَ إضاءة.
مصطفى جمال الدين
الحركة الأخبارية
الحركة الأخبارية التي نحن بصدد الحديث عنها لم تكن لتظهر على الساحة لولا التطورات التي طرأت على الحركة الفقهية الإمامية بدخول علم الأصول في الواجهة الأمر الذي يفسر لنا ظهور الحركة الأخبارية على أنها ردة فعل طبيعية لظهور الحركة الأصولية المدعومة من قبل المرجعية. وإذا أردنا الحديث من الناحية الفكرية فإن ظهور الحركة الأخبارية يعتبر أمراً طبيعياً وضرورياً أيضاً بلحاظ التعدد الفكري والاختلاف في الآراء الذي يساهم في إثراء الموضوع والوصول للفكرة المثلى في نهاية المطاف. إن تعدد الآراء ظاهرة سليمة تنم عن وصول المجتمع إلى الحالة المدنية التي تتسع للاختلاف وتقر به وتسمح للرأي الآخر بأن يأخذ دوره. فظهور الحركة الأخبارية من الناحية الفكرية ليس تقهقراً أو رجعية بقدر ما هو تنوع قد يساهم في بلورة أفكار جديدة لو حسن استثماره.
أمّا من ناحية أسلوب الصراع فهو النقطة السوداء في تاريخ هذه الحركة التي قادها الاسترآبادي فهو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين وتابعه على ذلك الفيض الكاشاني الأمر الذي دفع المجتهدين لرد الطعن بمثله وازداد الأمر عنفاً وسوءاً عندما قتل الميرزا الأخباري في معركة كان الخاسر الوحيد فيها هم الإمامية بعمومهم.
إن مثل هذا الأسلوب في التعامل مع الخصوم يجعل المسألة تدور في فلك العواطف الغاضبة وتبتعد المسيرة شيئاً فشيئاً عن الفكر الذي كان أساس الاختلاف والصراع، ولو تصورنا أن الاختلاف الفكري تم التعامل معه بالأسلوب الحضاري الذي يحترم الرأي الآخر ويناقشه بهدوء بعيداً عن عبارات التسقيط والإهانة لكان الاختلاف نعمة وليس نقمة.
إننا في هذا البحث البسيط حاولنا تسليط الضوء على الصراع بين الطرفين من الناحية الفكرية ومن ناحية الأسلوب أيضاً، وكان بإمكان الاختلاف الفكري أن لا يتطور لمستوى كهذا الذي وصل إليه، وحتى الباحثون في هذا المجال يرون أن الخلاف كان لفظياً، وعلى أساس من ذلك فإن ظهور الحركة الأخبارية من الناحية الفكرية لا يعتبر محطة سيئة في التاريخ الإمامي بغض النظر عن أسلوب الصراع بين الحركة الأخبارية والحركة الأصولية.
لقد وجدت في الحركة الأخبارية خير حقل للخوض فيه، ويرجع ذلك للمحيط الذي عشت فيه وجعلني رهيناً لأسئلة لا تنتهي عن معنى هذه الحركة وأغراضها ورجالاتها وكل ما يتعلق بها.
1 ـ من تاريخ الحركة الفقهية عند الإمامية
إن من أبرز معالم الإثني عشرية هو الوجود المرجعي النشيط الذي يمثل صمام الأمان لسلامة المسيرة الشيعية خصوصاً والإسلامية بشكل عام. إن المرجعية المعاصرة لم تكن بنت ساعتها ويومها وإنما هي امتداد طبيعي للحركة الفقهية ذات الجذور العميقة التي كانت بداياتها الأولى منذ عهود الأئمة عليهم السلام.
لقد كانت البدايات الأولى لهذه الحركة منذ عهد الإمامين الصادقين (الباقر والصادق) حيث قاما بتأسيس القاعدة التي ينطلق على أساسها الفقيه فظهرت مدرسة الفقهاء الرواة التي تعتمد أساساً على الرواية، فكان منهج هذه المدرسة هو الإفتاء بالرواية حين تكون هذه الرواية ناظرة في المسألة نفسها أو الإفتاء من خلال تطبيق إحدى القواعد الكلية المستفادة من الروايات على المسألة المراد معرفة حكمها.
وتنقل كتب الرجال أسماء ثمانية عشر فقيهاً أطلق عليهم اسم أصحاب الإجماع لإجماع العلماء على وثاقتهم. إن هؤلاء الفقهاء كانوا يمثلون البذرة الأولى للحركة الفقهية وبهم بدأت مسيرة العمل الفقهي الذي ظهرت الحاجة الشديدة إليه مع بداية الغيبة الكبرى للإمام المنتظر عليه السلام.
إن العلاقة التواصلية بين المعصوم والأمة مرت بثلاث مراحل عند الإمامية، فالأولى كانت تتميز بالاتصال المباشر بالمعصوم والثانية تميزت بالاتصال غير المباشر به عن طريق الوكلاء المنصوص عليهم وهي ما يطلق عليها الغيبة الصغرى أما الفترة الثالثة فهي فترة انعدام الاتصال المباشر وغير المباشر بالمعصوم وتكون النيابة عنه عامة للفقهاء وهي ما يطلق عليها (الغيبة الكبرى).
إن بداية الغيبة الكبرى تعتبر الانطلاقة القوية التي دفعت الحركة الفقهية للواجهة وفرضت على علماء الإمامية محاولة سد الفراغ الحاصل لفقد الاتصال المباشر وغير المباشر بالإمام. وقد بدأ العلماء هذه المسيرة بتأسيس القواعد التي لا بدَّ منها لبناء الحركة الفقهية المطلوبة، فقاموا بجمع الحديث وكتبوا المتون الفقهية والاستدلالية وألفوا في الأصول والرجال وكل ما يحتاجه الفقيه ليعتمده أساساً يبني عليه حركته الفقهية.
مع بداية الغيبة الكبرى ظهرت الحركة الفقهية على شكل اتجاهين يختلف كل واحد منهما عن الآخر في منهجه ويتفقان في الهدف وهو الوصول للحكم الشرعي. كان الاتجاه الأول يمثله القديمان ابن أبي عقيل وابن الجنيد والاتجاه الثاني كان يمثله الصدوقان الأب والابن. فقد اعتمد الاتجاه الأول طريق العقل والبحث والنظر فكان يماثل مدرسة الرأي عند أهل السنّة حتى نقل عن ابن الجنيد أنه قال بالقياس، أما الاتجاه الثاني فكان ملتزماً بالحديث فكان يماثل مدرسة الحديث عن السنّة.
إن هذين الاتجاهين لم يكونا ليلتقيا لولا الشيخ المفيد الذي مثل الاتجاه الوسط بينهما، فتمسك بالسنّة كما فعل الصدوقان ولكنه لم يهمل البحث والنظر الذي تمسك به القديمان. فأخذ من كلا الاتجاهين ورفض أن يكون نسخة طبق الأصل لأحدهما. لقد تتلمذ المفيد على يد ابن الجنيد كما تتلمذ على يد الصدوق فصار بذلك النهر الذي يأخذ ماءه من منبعين، وخط بذلك اتجاهاً وسطاً عمل على إرسائه اعتماداً على تلامذته الذين ساروا على نهجه وأكملوا مسيرته، فجاء بعده الشريف المرتضى والشيخ الطوسي وابن إدريس الحلي وغيرهم من الأعلام الذين التزموا نهج المفيد وطوروه حتى وصلت الحركة الفقهية لما نراه اليوم)[584](.
2 ـ الميرزا الأسترآبادي وظهور الحركة الأخبارية
ظهر في القرن الحادي عشر الهجري الداعية المحدث محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي كشخصية معارضة للتطورات التي لحقت بمسار الحركة الفقهية ونادى بالرجوع عن هذه الأفكار التي لا تتفق ـ كما يرى ـ مع ثوابت الفقه الإمامي.
إن ظهور هذه الشخصية يعتبر بداية للحركة الأخبارية التي تستمد جذورها من الحركة الفقهية البدائية التي تمثلت في الكليني والصدوق مع بداية الغيبة الكبرى وأصبح الأسترآبادي داعياً للجذور الأولى ورافضاً للحركة الأصولية الفتية. لقد كان الأسترآبادي مجتهداً في بداية المطاف ولكنه مال إلى الأخبارية تأثراً بأستاذه الميرزا محمد بن علي الأسترآبادي)[585](، يقول السيد محسن الأمين في أعيانه مترجماً للميرزا محمد أمين الأسترآبادي بقوله: رأس الأخباريين في القرن الحادي عشر وأول من حارب المجتهدين وتجرد للرد عليهم داعياً إلى العمل بمتون الأخبار طاعناً على الأصوليين بلهجة شديدة زاعماً أن أتباع العقل والإجماع وأن اجتهاد المجتهد وتقليد العامي بدع ومستحدثات إلى غير ذلك من آراء الأخباريين المتأخرين، وقد أودع آراءه هذه في كتاب سماه (الفوائد المدنية في الرد على من قال بالاجتهاد والتقليد) )[586](.
أمّا الخوانساري فيقول عنه: أخذ في تخريب قواعد الدين، وشرع في تثريب جماعة المجتهدين ولم يألُ جهداً في حماية الحشوية ولا ترك صنعاً لصناعة الأخبارية، وأسس بين أهل الحق أساس الخلاف، وأوقد فيهم نائرة الفتنة.
لقد ظهر الأسترآبادي في الفترة التي اتسمت بالصراع بين الشاه عباس الكبير والفقهاء المجتهدين الذين كانوا يحتفظون بنفوذهم في المجال الديني والسياسي والاجتماعي الأمر الذي دفع ببعض الباحثين للقول بوجود علاقة وتخطيط مسبق بين الحركة الأخبارية والسياسة الصفوية (إن ظهور الحركة الأخبارية وتمركزها بشكل عنيف في قلب الأحداث كان عاملاً من عوامل تقوية السياسة الصفوية المتمثلة بالشاه عباس الكبير، وإضعاف خصومه التقليديين من الفقهاء، لذا بدأت عوامل دعم لأقطاب هذا الاتجاه حتى ظهر الداعية الأخباري محمد أمين الأسترآبادي (1033 ـ 1623) محاولاً القضاء على خط الفقهاء قضاء تاماً ومبرماً. إن حياة الأسترآبادي، وإن كانت غامضة إلاَّ أن نشأته في (إيران)، وهجرته إلى (العراق)، ثم استقراره في (الحجاز) تدل على أن الرجل كان مدعماً بخطة هادفة من شأنها أن توقف تيار الاجتهاد (الأصولي)، وتستأصل المؤسسة الاجتهادية من الأساس)[587](.
وتعليقاً على هذا الرأي نقول: إنه لمن المستبعد أن يكون الأسترآبادي متعاوناً مع السلطة الصفوية للقضاء على المؤسسة الاجتهادية بدليل أن أصحاب التراجم لم يذكروا في سيرة الأسترآبادي ما يوحي بهذه العلاقة رغم ذكرهم لما قام به من طعن على المجتهدين، فلو كان الأسترآبادي متعاوناً مع السلطة الصفوية لتم فضحه ونشر أمره ولكان الأولى بالمجتهدين أن يظهروا ارتباطه المشبوه بالسلطة بدلاً من الرد عليه عملياً، نعم، من الممكن أن يقال بأن الصفويين استغلوا هذه الحركة لمصالحهم الخاصة وحاولوا توفير أفضل المناخ لتقويتها، أما أن تكون الحركة ذات أهداف سياسية من أساسها فهذا ما لم يعاضده الدليل.
ثم إن ظهور الحركة الأخبارية يعتبر أمراً طبيعياً في مسار الحركات التجديدية بشكل عام، إن الحركة الأخبارية كانت رد الفعل الطبيعي للحركة الأصولية الجديدة في الفقه الإمامي ومن الطبيعي فإن أي حركة تطورية تصاحبها عادة حركة مضادة تدعو للبقاء على حالة ما قبل التطور، فكل فكرة جديدة وكل رأي جديد يصبح مجالاً للقبول والرفض وهذه حالة طبيعية في كل مجتمع سليم.
3 ـ الشيخ يوسف البحراني الأخباري المعتدل
وُلد الشيخ يوسف في البحرين في قرية الماحوز، وقد بدأ فيها دراساته الأولى في سن مبكرة، وبسبب الظروف السياسية المضطربة في البحرين آنذاك فقد اضطر للهجرة منها فتوجه للقطيف ثم إلى مناطق مختلفة من إيران وانتهى به المطاف في كربلاء التي أرادها أن تكون مقره الأخير.
«لما هبط كربلاء رحب بقدومه أعلامها، وسُرّ به فطاحلها، فتوسط أندية العلم وحلقات التدريس، وانضوى إليه غير يسير من أولئك الأفذاذ يرتشفون من بحر علمه المتدفق… وازداد أولئك النياقد خبراً بغزارة علمه وفضله ومكانته المرموقة في الفقه والحديث، بعد أن وقفوا عليه من كثب، ودارت بينه وبين الأستاذ الأكبر المحقق الوحيد (نور الله ضريحيهما) مناظرات كثيرة طويلة في الأبحاث العلمية العميقة، ربما استوعب بعضها الليل كله»)[588](.
«كان الشيخ يوسف أخبارياً صرفاً ثم رجع إلى الطريقة الوسطى وكان يقول أنها طريقة العلامة المجلسي غواص «بحار الأنوار»)[589](.
ويوضح السيد محسن الأمين المقصود من الطريقة الوسطى بأنها «ترك بعض ما يقوله الأخباريون من أنهم لا يعملون إلاَّ بالقطع وأن الأخبار قطعية وغير ذلك من الأمور وإلاَّ فالرجل أخباري صرف لا يدخل في شيء من طرق المجتهدين كما تشهد بذلك مصنفاته. نعم ربما يكون قد ترك شيئاً من مقالاتهم فقيل فيه أنه على الطريقة الوسطى»)[590](.
ويذكر الخوانساري في ترجمته أيضاً: «لم يعهد مثله من بين علماء هذه الفرقة الناجية في التخلق بأكثر المكارم الزاهية (إلى أن يقول) والعجب من سمينا العلامة المروج)[591](، كيف أنكر سير هذا الرجل الجليل في زمن حياته وشدد الملامة والتبخيل على من حضر في مجلس إفاداته، بحيث قد نقل: أن ابن أخته الفاضل صاحب «رياض المسائل» كان من خوفه يدخل على ذلك الجناب سراً ويقرأ عليه ما كان يقرأ عليه ليلاً ومتخافتاً لا جهراً»)[592](.
إن كتب التراجم التي اشتملت على هذه المواقف التي وجهها بعض المجتهدين للشيخ البحراني لم تشتمل على مواقف له مشابهة من قبيل الرد بالمثل، بل بالعكس من ذلك فقد ذكر السيد عبدالعزيز الطباطبائي في ترجمته للشيخ البحراني في مقدمة كتابه الحدائق الناضرة، ذكر أن الشيخ يوسف أوصى بأن يقوم الوحيد البهبهاني بالصلاة عليه بعد وفاته)[593]( مما يدل على عظم أخلاق هذا الشيخ ومدى تسامحه مع خصومه.
ومن النصوص التي توضح نظرة الشيخ يوسف للنزاع الحاصل آنذاك بين الأخباريين والمجتهدين ما ذكره الشيخ يوسف نفسه في المقدمة الثانية عشرة من كتابه الحدائق الناضرة، ونظراً لاشتمال النص على فوائد قيمة آثرنا عرض مقتطفات منه رغم طولها:
يقول الشيخ يوسف البحراني «كنت في أول الأمر ممن ينتصر لمذهب الأخباريين، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين… إلاَّ أن الذي ظهر لي ـ بعد إعطاء التأمل حقه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام ـ هو إغماض النظر عن هذا الباب وإرخاء الستر دونه والحجاب، وإن كان قد فتحه أقوام وأوسعوا فيه دائرة النقض والإبرام.
أمّا أولاً ـ فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين والإزراء بفضلاء الجانبين كما قد طعن به كل من علماء الطرفين على الآخر، بل ربما انجر إلى القدح في الدين سيما من الخصوم المعاندين.
وأمّا ثانياً ـ فلأن ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جله بل كله عند التأمل لا يثمر فرقاً في المقام.
وأمّا ثالثاً ـ فلأن العصر الأول كان مملوءاً من المحدثين والمجتهدين، مع أنه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف، وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل.
وحينئذٍ فالأولى والأليق ـ بذوي الإيمان، والأحرى والأنسب في هذا الشأن. هو أن يقال: إن علماء الفرقة المحقة. والشريعة الحقة أيدهم الله تعالى بالنصر والتمكين ورفع درجاتهم في أعلى عليين سلفاً وخلفاً. إنما هم على مذهب أئمتهم (صلوات الله عليهم) وطريقهم الذي أوضحوه لديهم. فإن جلالة شأنهم ـ وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مر الأيام والدهور ـ يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة والطريقة المستقيمة، ولكن ربما حاد بعضهم ـ أخبارياً كان أو مجتهداً ـ عن الطريق غفلة أو توهماً أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً. وجميع تلك المسائل ـ التي جعلوها مناط الفرق ـ من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فإنا نرى كلاً من المجتهدين والأخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه. مع أنه لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً، وقد ذهب رئيس الأخباريين الصدوق (رحمه الله تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا أخباري، مع أنه لم يقدح ذلك في علمه وفضله)[594](.
4 ـ الميرزا الأخباري ونهاية الحركة الأخبارية
بعد أن استطاع الوحيد البهبهاني القضاء على الحركة الأخبارية في كربلاء ظهرت في النجف شخصية الميرزا محمد بن عبد النبي الأخباري الذي أراد إحياء الحركة من جديد، وكان ذلك في ظل مرجعية الشيخ جعفر الكبير الذي تصدى لهذا التحرك واستطاع الحفاظ على سلامة النجف من هذا التوجه، عندها سافر الأخباري لإيران ولقي الحفاوة من الشاه الذي أعجب بشخصية الميرزا القوية وأصبحت إيران مركزاً للحركة الأخبارية الأمر الذي دفع الشيخ الكبير للتوجه إلى إيران وعقد مناظرات مع الميرزا الأخباري في بلاطات الشاه نفسه. ونتيجة للتحرك الفاعل للشيخ جعفر فقد صار الإيرانيون ضد الميرزا الأخباري بعدما كانوا معه، فهاجر إلى الكاظمية ولم يزل فيها على مواقفه حتى تمّ قتله مع ابنه الأكبر بعد أن أصدر مجموعة من الفقهاء فتاوى بإباحة دمه وكان ذلك عام 1232 هجرية)[595](.
لقد كان منهج الميرزا الأخباري لا يختلف عن منهج الأمين الأسترآبادي إلاَّ بإضافة أن التقليد لا يكون إلاَّ للأئمة المعصومين، ففي عصر الغيبة يقلد الإمام المهدي عليه السلام وليس الفقهاء)[596](.
ومع مقتل الميرزا الأخباري انتهت الحركة الأخبارية التي كانت تمثل الخصم القوي والعنيد للحركة الأصولية ولم يبق من الأخبارية سوى بعض المنتسبين الذين استطاعوا الحفاظ على خطهم رغم اتساع رقعة التوجه الأصولي.
5 ـ أسباب اندثار الفكر الأخباري من الحوزات العلمية
يرى الدكتور الفضلي أن انتهاء الوجود الدراسي للفكر الأخباري وفق مناهجه وفي كتبه بمراكز الدراسات الإمامية من حوزات علمية وغيرها، يرجع إلى العوامل التالية:
1 ـ عدم تدوين منهج كامل ـ من ناحية نظرية ـ يحتوي الخطى والقواعد للدراسة الفقهية في إطار الفكر الأخباري. إذ كل ما ذكروه هو نقد للمنهج الأصولي توزع في ثناياه شيء من قواعد المنهج الأخباري.
2 ـ حملات الطعن بالتبديع والتكفير التي شنها أمثال الأمين الأسترآبادي والفيض الكاشاني. ذلك أن التجربة التاريخية المتكررة أثبتت أن سلاح الطعن بالتبديع والتكفير لا يكون في صالح قضية من يستعمله.
3 ـ مناهضة الوحيد البهبهاني والشيخ الكبير بما لهما من زعامة قوية فاعلة)[597](.
وتعليقاً على ما ذكره الدكتور الفضلي هناك عدة ملاحظات:
أولاً: إن المنهج الفقهي الأخباري رغم أنه لم يدون إلاَّ أنه كان موجوداً خصوصاً وأن الحركة الأخبارية كانت تدعو للرجوع إلى التحرك الأول في المسيرة الفقهية والمتمثلة في الشيخ الكليني والصدوق وغيرهما، فالمنهج الذي سار عليه الكليني والصدوق هو المنهج المطلوب للسير عليه عند الأخبارية.
من جهة أخرى إن حملات الطعن والتشنيع لم تقتصر على المناصرين للحركة الأخبارية، فقد كان المجتهدون يواجهون الطعن بالطعن.
ثانياً: إن المرجعية بما كانت تحمله من رصيد جماهيري كبير جعلها نقطة الحسم في مواجهة الحركة الأخبارية، وهذه من حسنات الفكر الأصولي التي يفتقدها الفكر الأخباري. إن المرجعية التي قادت ثورة العشرين في العراق واستطاعت إلغاء امتياز التنباك في إيران لهي قادرة على مواجهة التحرك الأخباري. إن فقدان المرجعية في المذهب السني بعد القضاء على جامع الزيتونة وتحويل الأزهر إلى مؤسسة حكومية جعل المناخ مناسباً لظهور الجماعات التكفيرية السلفية المتطرفة التي لم تحصل على الإرشاد والتوجيه المطلوب فأخذت تتخبط في ظلام دامس لا نور فيه. أما الشيعة الإمامية فقد التزموا الطريق السوي عندما انصاعوا لأوامر المرجعية واتخذوها قائداً للمسيرة ولذا صار المراجع حفاظاً للشريعة واستطاعوا بوقوفهم في وجه الحركة الأخبارية أن يوقفوا زحفها وينتصروا عليها.
6 ـ هل كان الخلاف لفظياً؟
ومن أجل بيان موارد الوفاق التي اختلفوا فيها نورد هذه الأمثلة:
أولاً ـ مصطلح الاجتهاد
بدأ استخدام هذا المصطلح في الفقه الإمامي بمعنى بذل الجهد في عملية استنباط الحكم الشرعي منذ القرن السابع الهجري على يد المحقق الحلي. ولكن هل فعلاً كان الأخباريون يرفضون الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي؟
يعرف السيد الصدر في كتابه الفتاوى الواضحة، الاجتهاد بقوله: «هو القدرة العلمية على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرر له»)[598]( فإذا كان الشيخ يوسف قادراً على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرر له فما الفرق بينه وبين الأصوليين من هذه الناحية؟
إن الاجتهاد الذي مر تعريفه هو الطريقة التي كتب بها البحراني آراءه وفتاواه في كتابه الحدائق الناضرة وقد مرت الإشارة إلى أن البحراني يقول بالاجتهاد بشرط الرجوع للكتاب والسنة فقط دون الإجماع والعقل، فالاجتهاد في حد ذاته متفق عليه بين الأصوليين والبحراني الذي يمثل الخط المعتدل عند الأخبارية الذين يرفضون الاجتهاد في عمومه. وحتى هؤلاء الأخباريون المتشددون فإنهم يقرون الاجتهاد بالمعنى السابق بدليل أنهم يطالبون بالسير على سيرة العلماء المتقدمين أمثال الكليني والصدوق، ومن المعروف أن الصدوق كان قد ضمّ فتاواه في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي يعتبر من الكتب الحديثة المعتبرة لأنه كان يفتي بنص الرواية، فمجرد الإفتاء ولو كان بنص الحديث يتطلب بذل الجهد الأمر الذي يجعل الصدوق مجتهداً بمعنى أنه قادر على استخراج الحكم الشرعي من أدلته المقررة)[599](.
ومما سبق نستنتج، أن الأخباريين رفضوا الاجتهاد كمصطلح وإن كانوا يعملون به واقعاً ولذا يرى كثير من علماء الإمامية أن النزاع بين الأصوليين والأخباريين لفظي، ونسبة حرمة الاجتهاد لهذه الطائفة نسبة غير صحيحة لأن عملهم يخالف هذا الاجتهاد)[600](.
ثانياً ـ تربيع مصادر التشريع بإضافة الإجماع والعقل
قال الأصوليون بأن مصادر التشريع أربعة وهي الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، وقال الأخباريون بالكتاب والسُنّة فقط، وفي هذا الشأن يتحدث السيد الصدر عن مصادر التشريع بأنها «الكتاب والسُنّة الشريفة المنقولة عن طريق الثقاة المتورعين في النقل مهما كان مذهبهم، أما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغاً شرعياً للاعتماد عليها. وأما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا فنحن وإن كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به ولكننا لم نجد حكماً واحداً يتوقف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى بل كل ما ثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنّة. وأما ما يسمى بالإجماع فهو ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسُنّة وإنما لا يعتمد عليه إلاَّ من أجل كونه وسيلة إثبات في بعض الحالات»)[601](.
إن قول السيد الصدر إن (كل ما ثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنّة) وقوله عن الإجماع أنه (ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسُنّة) يجعل الأمر محصوراً في الكتاب والسُنّة، وهذا الرأي لفقيه أصولي يتفق مع الرأي الأخباري وهذا ما يجعل المسألة تدور في فلك البحث العلمي الذي لا يفرض على الأخباري التمسك برأي وكذلك لا يفرض على الأصولي التمسك برأي آخر فقد يتفق أحد الأصوليين مع الأخباريين والعكس صحيح وما دام الأمر هكذا والمسألة علمية بحتة فلماذا كل ذلك على أمر اجتهادي يكون لكل عالم فيه رأيه؟
ثالثاً ـ تقسيم الحديث لأقسامه الأربعة المعروفة
كان الحديث يقسم إلى صحيح معتبر وضعيف غير معتبر وبقي هذا التقسيم الثنائي معمولاً به حتى قيام السيد ابن طاووس في القرن السابع الهجري بتربيع أقسام الحديث إلى الصحيح والحسن والموثق والضعيف. وقد اعتمد في تقسيمه هذا على أساس المذهب والعدالة فأنشأ بذلك تقسيماً جديداً عمل تلميذه العلامة الحلي على تركيزه واستمر العمل بهذا التقسيم حتى يومنا هذا. لقد أصبح الأصوليون من أنصار التقسيم الحديث فيما بقي الأخباريون متمسكين وداعين للتقسيم القديم.
من المسلم به أن ما قام به ابن طاووس هو حركة تطورية في مجال علم الحديث تؤدي إلى إثراء العلم وتطرح أمام العلماء خيارات متعددة في الأخذ بأي تقسيم أرادوا، إن تعدد الخيارات يفتح أمام العلماء مجالاً أرحب وموضوعاً خصباً للبحث العلمي المنصف حيث يحاول كل باحث إثبات أفضلية التقسيم الذي يراه أنسب من غيره، وبعد تتالي البحوث يحصل اليقين أو الاطمئنان بصحة أحدهما أو صحة الاثنين معاً، مما يجعل العلم في تطور مستمر وبحوث دائمة.
إن أخذ الأصوليين بالتقسيم الحديث وتمسك الأخباريين ودعوتهم للرجوع للتقسيم القديم لا تستدعي أي نوع من أنواع الصراع، لأن المسألة يجب أن تدور في فلك البحث العلمي، فقد يتوصل بعض الأخباريين لأفضلية التقسيم الحديث والعكس صحيح، حيث قد يتوصل بعض الأصوليين لأفضلية التقسيم القديم، فالتقسيم القديم ليس حكراً على الأخباريين وكذلك التقسيم الحديث ليس حكراً على الأصوليين، يقول الدكتور الفضلي: «لم تكن للقدامى أبحاث كثيرة في علم الحديث، وفي الآونة الأخيرة وبسبب مدرسة السيد الخوئي الأصولية التي أكد فيها على علم الرجال وعلم الحديث أصبحت هناك دراسات مقارنة بين التقسيم القديم والتقسيم الحديث، وهناك اختلاف في نتائج الأبحاث، فهناك من يؤكد على التقسيم الحديث وهناك من يرجح الرجوع للتقسيم القديم ومن القائلين بالرجوع للتقسيم القديم محمد آصف محسني صاحب كتاب (فوائد رجالية) وهو كتاب في علم الرجال وفيه بحث عن علم الحديث للصلة التي بين العلمين، فهو يقارن بين التقسيمين ويؤيد اختيار التقسيم القديم حيث يرى أننا حين نعرف الحديث الصحيح نجد أنه من كان رواته كلهم من الإماميين العدول، فإذا أردنا التعرف على أحوال الرواة نرجع لكتب الرجال وفي هذه الكتب ينص على إمامية الراوي فيقال أن زيداً إمامي، ولكن لا ينص على عدالته، فلا يقال أن زيداً عادل، وإنما يقال أنه ثقة أو ثقة ثقة للتوكيد، فلم ترد صفة (عادل) في وصف الرجال وإنما جاءت صفة (ثقة) وهناك فرق بين العدل والثقة فالأول بمعنى الملتزم والثاني بمعنى الصادق. وإذا عرفنا أن كلا اللفظين كانا يستخدمان منذ العصر الأول للإسلام وورد اللفظان في القرآن الكريم، فلماذا لم يقل الرجاليون صفة (عادل) ولم ترد هذه الصفة في الأحاديث أيضاً، وإنما جاءت صفة (ثقة)، ونتيجة لذلك علينا أن نقسم الحديث إلى موثق وغير موثق، فالموثق هو الصحيح وغير الموثق هو الضعيف، وعليه فهناك تقسيمان فقط للحديث هما الصحيح والضعيف والنتيجة أن التقسيم الحديث صحيح نظرياً ولكن التقسيم القديم أفضل من الناحية التطبيقية».
رابعاً ـ حكم تقليد الميت ابتداء
قال الأصوليون بعدم تقليد الميت ابتداء أما الأخباريون فجوزوا ذلك على اعتبار أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة.
إن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها الفقهاء فكما يحق لهم الاختلاف في بعض مسائل الصلاة مثلاً فكذلك يحق لهم الاختلاف في هذه المسألة، والدليل على ذلك أن الأصوليين أنفسهم لم يستقروا على رأي واحد بخصوص هذه المسألة. إذ المشهور بينهم هو حرمة تقليد الميت ابتداء ولكن وفي الآونة الأخيرة ظهر من الفقهاء من يجوز ذلك.
حسن البلادي
حسين بن عبد الصمد
شيخ الإسلام في الدولة الصفوية
بين عاصمة الخلافة وعاصمة الصفويين
أحسَّ علماء جبل عامل أنَّ السياسة التي اتَّبعها الشهيد الثاني في إظهار التقرُّب من الدولة العثمانية، أو القطيعة مع الصفويين لم تكن إلاَّ طريقاً أوصله إلى التشرد والقتل، بخلاف ما كان يقصده من السلامة له، وللشيعة عموماً في بلاد الشام.
وكان زميله الشيخ حسين بن عبدالصمد (918 ـ 984هـ/ 1512 ـ 1576م) أول شخصيَّة علمية كبيرة تهاجر إلى إيران في تلك الظروف السياسية الحالكة التي أصابت الشيعة في جبل عامل من الاضطهاد العثماني.
وقد تضاربت المصادر في تحديد الفترة التي هاجر بها الشيخ حسين بن عبدالصمد إلى إيران، هل كانت قبل مقتل شيخه زين الدين، أم بعد مقتله عام 965هـ/ 1558م؟!
والسبب في هذا الاضطراب يعود إلى أنَّ أخبار الشيخ حسين بن عبدالصمد أصابها الغموض في السنوات التي قضاها في العراق، وفي بلاد الشام.
وقد اقترنت بعض الأحداث السابقة لهذه الفترة به عندما كان قد توجَّه مع أستاذه الشهيد الثاني إلى مصر للدراسة هناك عام 942هـ/1535م، كما كان مع أستاذه أيضاً في رحلته الأولى إلى القسطنطينية عاصمة الخلافة العثمانية عام 951هـ/1544م.
وبعد رجوع حسين بن عبدالصمد برفقة أستاذه الشهيد الثاني تولَّى التدريس في إحدى المدارس الرسميّة ببغداد، في حين أنَّ أستاذه زين الدين كان قد تولّى التدريس في المدرسة النورية ببعلبك. وعندما ترك زين الدين الانتظام في سلك الوظيفة الرسميّة في المدرسة النورية بعدما يقرب من ثلاث سنوات، لم تتوفر المعلومات التأريخية عن الشيخ حسين بن عبدالصمد، وعن حياته في ظلِّ مدينة بغداد، وهل استمر في العمل بسلك التدريس الرسمي، أم أنه تركه من غير رجعة؟!
إلاَّ أنَّه من خلال ما نُقل عن خط الشهيد الثاني أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد كان في بلاد الشام قد قابل مع أستاذه بعض كتب الرجال ـ لغرض مطابقة النسخة المخطوطة من الكتاب، وضبطها ـ في منتصف شهر رمضان سنة 954هـ.
ذكر الأفندي، في ترجمة الشيخ حسين بن عبدالصمد قوله: رأيتُ نسخة من فهرس الشيخ الطوسي، قرأها هذا الشيخ على الشهيد الثاني، فكتب (رحمه الله) بخطّه له في آخرها هكذا: «أنهاه، أيَّدهُ الله تعالى وسدَّده، وأدام مجده، وأسعده ـ قراءةً وتصحيحاً وضبطاً في مجالس آخرها يوم الأحد منتصف شهر رمضان المبارك سنة أربع وخمسين وتسعمائة، وأنا الفقير إلى الله تعالى زين الدين علي بن أحمد الشامي العاملي حامداً مصلياً مسلّماً»)[602](.
أما بعد هذا التأريخ فقد رجع إلى العراق، وكان سنة 958هـ/ 1551م قد قرأ عليه بعض تلامذته شرحه لكتاب الألفية الشهيدية لأستاذه الشهيد الثاني عندما كان مقيماً في مدينة كربلاء)[603](.
ورُبَّما يُترجح أنَّه كان لا يزال منتظماً في سلك التدريس ببغداد في هذه الفترة أيضاً، بخلاف أستاذه الذي تخلّى عن التدريس بعد بضع سنوات من توليه هذا المنصب.
والسبب الداعي لهذا الافتراض أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد لو كان قد أصابه ما أصاب أستاذه من الحيف والمطاردة في بغداد لما عاد إليها مرَّةً أخرى، إلاَّ أنَّ بغداد كما يبدو كانت أكثر أماناً من بلاد جبل عامل في هذه الفترة بالذات، ربَّما بسبب صراع الولاة وتعاقبهم على السلطة، حيث حكم ستةُ ولاة خلال عقد واحد من الزمن (من سنة 951هـ/ 1544م، إلى سنة 963هـ/ 1556م) )[604](.
أمَّا ما قيل عن هجرة الشيخ حسين إلى إيران فقد ذهب بعض المؤرخين إلى أنَّها حدثت حدود سنة 960هـ/ 1553م، أي قبل مقتل أستاذه الشهيد الثاني بخمس سنوات، في حين أنَّ مؤرخين آخرين ذكروا أنَّ هجرته كانت بعد مقتل أستاذه زين الدين عام 965هـ/ 1558م.
ذكر إسكندر بيك منشي ما يلي: «بعدما استشهد الشهيد الثاني لتشيعه على أيدي الرومية (الأتراك)، ارتحل الشيخ حسين بن عبدالصمد (قُدِّس سرُّه) من وطنه إلى بلاد العجم، وصار مصاحباً للسلطان شاه طهماسب الصفوي»)[605](.
واعتماداً على النصّ الذي كتبه ابن العودي المعاصر لتلك المرحلة فإنَّه ذكر أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد كان قد اتَّجه من العراق مباشرة إلى إيران، وأقام في مدينة (خراسان) بعدما فارق أستاذه ربما في لقائه الأخير معه عام 954هـ/1547م.
ذكر ابن العودي أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي الهمداني كان رفيق الشهيد الثاني إلى مصر في طلب العلم، وإلى أسطنبول (في المرَّة الأولى)، وفارقه إلى العراق، وأقام بها مدَّة، ثم ارتحل إلى خراسان، واستوطن هناك الآن (أدام الله توفيقه) )[606](.
وقد افترض بعض الكُتَّاب المعاصرين أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد أقام في بغداد فترة قصيرة التحق بعدها بأستاذه الشهيد الثاني في بعلبك، فأقام فيها، أو في بعض القرى المجاورة لها مدَّة طويلة امتدت ثلاث عشرة سنة. وبعد مقتل الشهيد شدَّ رحاله إلى إيران)[607](. ولا دليل بيّن على مثل هذه الدعاوى.
واستند القائلون الذين ذهبوا إلى أن هجرته كانت قبل مقتل أستاذه زين الدين أنَّه انتقل بولده الشيخ بهاء الدين محمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي إلى إيران عندما كان في السابعة من عمره.
وقد ثبت أنَّ ولادة البهائي كانت سنة 953هـ/ 1546م، فعلى ذلك تكون الهجرة مقاربة لسنة 960هـ/ 1553م.
من إصفهان إلى مشهد وهراة
استقر الشيخ حسين في مدينة إصفهان برهة من الزمن، إلاَّ أنَّ مجيئه إلى إيران (على فرض صحّة هذه الرواية) لم يُلفت النظر إليه إلاَّ بعد مقتل أستاذه الشهيد الثاني زين الدين العاملي حيث أحسَّتْ بعض الأجهزة الإيرانية بالظُلامة التي أصابت الشيعة العرب في بلاد الشام، والتي تمثَّلتْ بمقتل الشهيد الثاني كما أحسَّتْ بخطأ الاتهامات التي صدرت من الشيعة الموالين للدولة الصفوية ضده، واتهامه بالتهم المُنفّرة كرميه بالتسنن، وما شابه ذلك.
كلُّ هذه الأسباب، وغيرها جعلت قضية مقتل الشهيد الثاني قضيَّة شعبيّة ورسمية في وقت واحد، استغلّتها الإدارة الصفوية سياسياً للتعبئة ضد العثمانيين.
ويبدو أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد، ضمن هذا التوجُّه الجديد، كان قد حظي برعاية الشيخ علي بن أحمد العاملي المعروف بالمنشار (ت: 993هـ/ 1585م) الذي كان شيخ الإسلام في مدينة إصفهان، وانتظم عن طريقه بمناصب الدولة الدينيَّة، فعُيِّنَ سنة 968هـ/ 1561م شيخاً للإسلام في مدينة قزوين)[608](.
وكانت هذه المدينة عاصمة الخلافة الصفوية يومذاك، وقد أقام فيها سبع سنوات متواصلة، وكان من جهوده في هذه المرحلة إقامته صلاة الجمعة التي يقول بوجوبها العيني، كما هو مسلك أستاذه الشهيد الثاني.
وقد انتقلت إقامته بعد ذلك إلى مدينتي مشهد، وهراة، وكان في كلا المدينتين قد تولّى المنصب نفسه. ففي مشهد بقي منذ عام 970هـ/1563م حتى عام 975هـ/1567م، أي ما يقرب من خمس سنوات، في حين بقي بمدينة هراة منذ عام 975هـ/1567م حتى عام 983هـ/1575م، أي ما يقرب من ثمان سنوات.
ويُذكر في سبب انتقاله إلى (هراة) أنَّ هذه المدينة كانت مسرحاً للصراع بين الإمبراطورية الأوزبكية القائمة في وسط آسيا، وبين الصفويين. وبعد سيطرة الشاه طهماسب عليها كان الشيخ حسين أول شيخ للإسلام يحلُّ في هذه الحاضرة الكبيرة لإحداث نهضة علميّة فيها.
وقد حفلتْ مدينة هراة بدراسة منهجية كان الشيخ حسين بن عبدالصمد قد استحدثها على غرار المناهج الدراسية التي تحفل بها المراكز التعليمية الإمامية في حواضرها العلمية، وأخذ طلبة العلوم من الفقهاء والعلماء يتوافدون على المدينة لغرض مقابلة الحديث، وتحقيق المعارف الشرعية)[609](، مضافاً إلى دراسة الفقه والتفسير والعلوم الرياضية التي كان يتقنها، ويتميّز بها)[610](.
وقد أحدث نشاطه الفكري موجةً في صفوف سكان المدينة حتى انتشر التشيع بينهم، واعتنقه الكثير من الأهالي السُنيّين في وقت قصير.
ذكر إسكندر بيك منشي في كتابه «عالم آراي عباسي» أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد كان يشتغل في مدينة هراة بترويج الشريعة الغراء، وإفادة العلوم الدينية، وإفاضة المعارف اليقينيَّة، وتصنيف الكتب والرسائل وحلّ المشكلات، وكشف غوامض المعضلات)[611](.
وذكر بعض معاصريه أنَّ توجهه إلى هراة كان لغرض إرشاد ضُلاّل أهل الضلال لتلك الناحية، فتشيَّع خلق كثير ببركة أنفاسه (بهراة ونواحيها)، وأصبحوا في عداد مذهب الإماميّة، حتى تطهَّرتْ تلك الناحية عن لوث المخالفين)[612](.
وكان هذا النشاط مدعوماً من الشاه طهماسب نفسه حيث أغدق على الشيخ حسين بالنفوذ الروحي والمادي فأمر حاكم خراسان أنْ يُحضِرَ ولده السلطان محمد خدابندة لصلاة الجمعات، والاستماع إلى مواعظ الشيخ حسين، وأحاديثه لغرض أنْ ينقاد هذا السلطان لسلطة الشيخ حسين الروحية ليكون رمزاً للطاعة من قبل الجميع)[613](.
كما اقتطع له الشاه طهماسب ثلاث قرى من تلك البلدة لتقويم أوضاع معيشته واحتياجاته الشخصيَّة.
ويبدو أنَّ فترة إقامته في هراة كانت من أهم فترات نشاطه الاجتماعي والعلمي معاً. وكان الشيخ حسين في حدّ ذاته صاحب تجربة اجتماعية واسعة، وشخصيَّة معطاءة يمكن أنْ تتناسب مع جميع الأدوار. فمضافاً إلى علومه الدينية التي يتميز بها فقد كان مطلعاً على التواريخ، وماهراً في اللغات كما يصفُهُ معاصروه، الذين اعتبروه أيضاً ممن جدَّد قراءة كتب الأحاديث ببلاد العجم)[614](.
ونُقلَ أنَّ الشيخ حسين عند إقامته في عاصمة الصفويين طلب منه الشاه طهماسب أنْ يُحرّر كتاباً إلى السلطان سليمان القانوني جواباً عن الرسالة التي كتبها إلى الشاه طالباً منه إرجاع ولده بايزيد الذي عصاه، والتجأ إلى الشاه طهماسب التزاماً بالتعهد الذي تمَّ بين الدولتين سنة 961هـ/1554م، والذي من شروطه إعادة الأمراء، وقادة الجيش وغيرهم الملتجئين إلى البلد الآخر. فكتب الشيخ حسين جواباً له سنة 967هـ/ 1560م، طلب منه على لسان الشاه أنْ يسامح ولده، ويهبه الأمان للعودة إلى بلاده مرَّةً أخرى. إلاَّ أنَّ بايزيد قُتل في ديار الصفويين بعد هذه الرسالة مباشرة، هو وأولاده جميعاً.
كما يُلاحظ أيضاً أنَّ مثل هذه المراسلات كانت تتمُّ باللغة العربية، لغة القرآن لتكشف الادعاء بالتزام هاتين الدولتين كل منهما بأحكام القرآن.
وقد ورد في أول الرسالة: «الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، المخاطب بما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين، محمد رسول الله، والذين آمنوا معه، أشدَّاء على الكفَّار، ذلك جدُّنا سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه»)[615](.
وإذا صحَّ تاريخ هذه الرسالة، ونسبتها إلى الشيخ حسين فإنَّ ذلك يعني أنَّ الشيخ حسين كان قد التقى الشاه قبل توليه منصب شيخ الإسلام، الأمر الذي ينبىء على أنَّ مكانته بعد مقتل أستاذه الشهيد الثاني كانت قد عُرفت على أعلى مستويات أجهزة الدولة.
رحلة إلى مكة
وفي سنة 983هـ/ 1575م استأذن الشيخ حسين من الشاه طهماسب للتوجه إلى زيارة بيت الله الحرام، له، ولولده، إلاَّ أنَّ الشاه قرَّر أنْ ينوب البهائي، وكان ابن الثلاثين يومذاك، مناب أبيه في منصب شيخ الإسلام بهراة)[616](، وهو أول المناصب الحكومية التي يتولاّها البهائي الابن داخل جهاز الدولة الرسمي.
أمّا الشيخ حسين فتوجَّه إلى الحج. ومن خلال بعض إجازاته الصادرة فإنّه كان أواخر السنة المذكورة هناك. ففي اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة 983هـ صدرت عنه بمكة إجازة للسيد الحسن بن علي بن الحسن المشهور بابن شدقم المدني، ولأولاده)[617](.
ثم عطف على البحرين، فاستقرَّ في قرية المُصلّى، إحدى قرى البحرين التي شهدت وجود حركة دراسية فيها.
وفاته في البحرين
تسارعت الأحداث في هذه المرحلة المليئة بالمفاجئات، فقد تُوفيَ الشاه طهماسب في 15 صفر سنة 984هـ، ثم تُوفيَ هو نفسه بعد ثلاثة وعشرين يوماً فقط من وفاة الشاه، أي في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول من السنة ذاتها)[618](.
لم تَطُلْ إقامة الشيخ حسين بن عبدالصمد في البحرين أكثر من شهرين. وقد فُسِّرَ سفرُهُ لأداء فريضة الحج أنَّه كان ذريعة اتَّخذها ابن عبدالصمد لترك إيران بما فيها مناصبه الرسمية من دون رجعة.
وقد اعتمدت المنقولات الشيعيَّة في تأكيد هذه المقولة على ما نُقلَ من رغبة ابن عبدالصمد لحثّ ولده الشيخ البهائي للتخلي عن الإقامة في إيران وتخييره بالسكن بين الهند، والبحرين، وهو في البحرين، الموطن الجديد الذي انتخبه.
قيل إنَّه كتب لولده هذه المقولة التي اشتهرت في كتب التراجم والتواريخ: «إذا كنتَ تطلب الدنيا فاذهب إلى الهند، وإنْ كنتَ تُريدُ الآخرة فالحقْ بنا إلى البحرين، وإنْ كنتَ لا تريد الدنيا ولا الآخرة فتوطّن بلاد العجم»)[619](.
وبناءاً على هذه المقولة بُني افتراض توطُّنه في البحرين الذي لم يطل، وربما لو امتدَّ الزمن به لرجع إلى مكانه مرَّةً أخرى.
ومما يقلّل من صحة هذه الفرضية المُتَنَاقلة أنَّ ولده البهائي لم يلتزم بأي شيء يخرجه عن سلطان الصفويين، ولو كانت هذه المقولة من المقولات الصحيحة لما خالفها هذا الفقيه التابع لسلطان أبيه الروحي، والملتزم بنهجه.
حاول بعض مؤرخي التأريخ الشيعي أنْ يجتهد في تفسير الأسباب التي دعت الشيخ ابن عبدالصمد للسفر عن إيران، بناءاً على صحة فرضية خروجه منها إلى حاضرة أخرى، فنُسب ذلك إلى مسلكه العرفاني حيث كان يبتعد عن حياة الترف التي تنعّم بها في إيران.
كما أنَّ منافذ السياسة التي أصبح من خلال منصبه الديني السياسي جزءاً منها، تختلف في تقلّباتها تمام الاختلاف عن عوالمه الروحية الثابتة.
وأخيراً لم يكتف هؤلاء الدارسون بتفسير حقائق الأشياء بما يسعها من الافتراضات بل لجأوا أيضاً إلى عالم الأحلام، فنقلوا مناماً كان الشيخ ابن عبدالصمد قد رآه، وعليه قرَّرَ أنْ يتخذ البحرين وطناً له بدلاً عن إيران)[620](.
إلاَّ أنَّ هذه الافتراضات لا تصمد أمام المناصب الرسمية التي تولاّها خلال عشرين عاماً، متنقلاً بين المدن الإيرانية بدعم من الشاه طهماسب نفسه، وكذلك أمام الفترة القصيرة جداً من إقامته في البحرين، التي لم تتجاوز الشهرين فقط، والتي تُعَدُّ من المراحل المتعارفة التي يقطعها المسافرون في تلك الأيام.
وتبقى فرضية واحدة فيما إذا صحَّتْ مقولة هجرته عن إيران إلى أنَّ دوافعها كانت رسميّة متعلّقة بالسلطة نفسها التي رغبت إمَّا أنْ تُجرّد هذا الفقيه من منصبه ـ بطريقة ما ـ. وتسترد قراه وأملاكه التي وهبتها له من قبل، أو كانت السلطة نفسها قد أرسلته إلى البحرين ممثّلاً عنها ليقوم بدوره التثقيفي فيها.
وليس هناك سياق تاريخي يؤيد هذين الافتراضين أيضاً.
وقد اجتهد الشيخ جعفر المهاجر إلى أنَّ هذه الهجرة كانت قد تمَّتْ بسبب معارضة القزلباش لهذا الفقيه الذي ارتبط مسلكه بمسلك سلفه شيخ الإسلام الكركي المقتول قبل أكثر من ثلاثة عقود على أيديهم. وكان نقله إلى مدينة هراة النائية يرتبط بصراع القزلباش معه في مدينة مشهد.
إلاَّ أنَّ هذه الاجتهادات المهمة تحتاج إلى ما يوثّقها من سياقات تأريخية، وإلاَّ فأنها تبقى ضمن الفرضيات غير المدعمة بالشواهد.
نُقلتْ عن الشيخ حسين إحدى الوقائع التي تكشف عن تذمره من بعض المشايخ المتخصصين في علم الجدل والمناظرة في البحرين بعد دعوته إلى بعض المساجد هناك، ومناقشة الشيخ داود بن شافيز (ت: 1020هـ/1611م) له في بعض المسائل التي لم ترق له، فعبَّر عن حالته تلك ببيتين من الشعر نُسبا إليه، قال في أولهما:
أناسٌ في (أُوالٍ) قد تصدّوا
لمحو العلم، واشتغلوا (بلَمْ) (لَمْ))[621](
جهود الشيخ حسين بن عبدالصمد العلمية
لم يكن الشيخ حسين قد تفرَّغ للكتابة والتأليف كما تفرَّغ أستاذه الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي، وكانت المؤلفات التي صدرت عنه مرتبطة بما تفرضه عليه الظروف التدريسيَّة، أو غيرها في تحرير الرسائل، والكتابات الدالة على تفوّقه العلمي في الكثير من المجالات.
وقد نُسبتْ له رسالة قيل إنّه سجَّل فيها بعض ما وقع له من المناظرات، كمناظراته مع أحد علماء حلب السُنِّيين في موضوع الإمامة، وغيرها سنة 951هـ/1544م، والتي انتهت، كما تُشير المناظرة، باعتناق هذا العالم السُني للمذهب الشيعي)[622](.
وكتب أيضاً رسالة مختصرة أخرى بطلب من الشاه طهماسب سمَّاها «العقد الطهماسبي»، أو «العقد الحُسيني» تناول فيها ما يتعلّق ببعض الموارد الفقهية، وبمرض (الوسواس) الذي قيل إنَّ الشاه طهماسب كان قد ابتليَ به.
وقد وردت تسمية هذه الرسالة بالعقد الطهماسبي، وبالعقد الحُسيني مما أوهمَ بعض المترجمين إلى وجود رسالتين مختلفتين للشيخ حسين بن عبدالصمد.
والحال أنَّ هاتين الرسالتين رسالة واحدة. وقد وقفتُ على نسختين خطيتين منها، الأولى: كُتبتْ سنة 1153هـ/1740م، وتقع في (17) ورقة كبيرة، وهي من مقتنيات مكتبة المتحف البريطاني، وتحمل اسم «العقد الحُسيني».
والثانية: كُتبتْ سنة 1318هـ/1900م، وتقع في (32) ورقة، وهي من مقتنيات مكتبة الإمام الشيخ علي كاشف الغطاء في النجف (العراق)، وتحمل اسم «العقد الطهماسبي».
قال الأفندي: إنَّ للشيخ حسين رسالة سمَّاها «العقد الطهماسبي، وقال: إنَّه رآها في بلدة رشت من بلاد جيلان، وكانت في مسائل عديدة، منها: مسائل الطهارة وأحكامها، ومنها: ما يجوز فيه الصلاة من الثوب النجس والبدن ونحوهما، ومن جملتها أيضاً مسألة (الوسواس). قد ألَّفها بأمر السلطان طهماسب، وأورد فيها مسألة الوسواس، وأطال الكلام في المنع عنه، حيث كان ذلك السلطان مبتلى به.
وأمَّا العقد الحسيني فلم أظفر به، والظاهر أنَّه بعينه «العقد الطهماسبي»)[623](.
يقول الشيخ حسين بن عبدالصمد في أولها: «لما وردت الأوامر العالية الغالبة المسدّدة المؤيدة الظاهرة الطاهرة القاهرة الباهرة الحيدرية الصفوية الحسينية أدام الله تسديدها وتأييدها، وأجزل على العالمين برَّها ومزيدها، أنْ أكتب شيئاً يتعلق بالوسواس، وبالطهارة وأحكامها التي تعمُّ بها البلوى بين الناس، وما تجوز به الصلاة نجساً من البدن واللباس، قابلت الأوامر المطاعة بالقبول، وذكرتُ أشياءاً مع مأخذها من الأحاديث المطهرة والأصول، وأتبعتُها بأشياء من طهارة القلب التي توجب إقباله بالكلية على الربّ، شكراً لما له عليَّ، وعلى كل المؤمنين من الفضل الواسع والإحسان المبين، وسميتُه «العقد الحُسيني»، (وفي نُسخة: العقد الطهماسبي) ليدوم الذكر الجميل، والأمر الجزيل.
وورد في آخر الرسالة قوله: «هذا آخر ما تيسَّرَ كتابته امتثالاً للأوامر العالية لا زالت غالبة (عالية) إلى يوم الدين. كتبناه على عجالة الوقت مع شغل البال، وتشتت الحال، ليكون نموذجاً للحضرة المؤيدة المُسددة، ليترقى بفكره الصائب وفهمه الثاقب إلى ما هو أعلى مرتبة من ذلك، فإنَّه غصن الشجرة النبوية، بل ثمرة تلك الأغصان العلوية. جعله الله في الدنيا محفوظاً برعاية آبائه الطاهرين، وفي الآخرة ملحوظاً بالعناية في الدرجة العالية مع الأولياء والمقربين».
وبالرغم أنَّ بعض المناوئين للسياسة الصفوية اتَّهم الفقهاء بما يُشبه التبريرات الرعية بإسقاط الصلوات عن الشاه طهماسب لابتلائه بالوسواس فإنَّ هذه الرسالة تُنبىء بعكس هذه الدعوى، بل هي تحثّ الشاه طهماسب على الالتزام بالعبادات التي فرضها الإسلام باعتباره «غصن الشجرة النبوية، بل ثمرة تلك الأغصان العلوية».
ذكر الميرزا مخدوم في باب التشنيع على الشاه، أنَّ الشاه طهماسب قد انقضتْ من عمره خمسةً وستون عاماً، ولم يُصلِّ إلاَّ صلاة يوم (عاشورا). وكان يُعتذرُ عنه خوفاً من طعن المسلمين بأني موسوس تتعسر الصلاة عليّ، ولو اشتغلتُ بها كلّتْ عليَّ السلطنة)[624](.
إلاَّ أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد ذكر في رسالته «العقد الطهماسبي» حثّاً للشاه طهماسب على التمسك بإقامة الصلاة، يقول بالنصّ:
«والجناب الأعلى أدام الله دولته، وأظهر على أهل النفاق صولته، قد أنعم الله عليه بأكمل النعم وأجلّها، فينبغي أنْ يكون شكرُه أتمَّ وأكمل من شكر كل أحد، في المواظبة على وظائف المراقبة لله تعالى، والعبادة على النهج الذي قرَّره آباؤه عليهم السلام، خصوصاً الصلاة التي هي أفضل الأعمال، ليزيده الله من نعمته في الدنيا، ويجعله في الدرجة العليا مع آبائه المعصومين في الآخرة».
كما ذكر في آخر رسالته هذه قوله: «كتبناه على عجالة الوقت مع شغل البال، وتشتت الحال ليكون أنموذجاً للحضرة المؤيدة المُسدَّدة ليترقى بفكره الصائب، وفهمه الثاقب إلى ما هو أعلى مرتبة من ذلك، فإنَّه غصن الشجرة النبوية، بل ثمرة تلك الأغصان العلوية. جعله الله في الدنيا محفوظاً برعاية آبائه الطاهرين، وفي الآخرة ملحوظاً بالعناية في الدرجة العالية مع الأولياء والمقربين».
أما في مجال الفقه فقد اشتهر كتابه شرح (الألفية) للشهيد الأول في فقه الصلاة، وهو شرح مزجي كان قد فرغ منه في هراة سنة 981هـ/1573م، وهو مجموعة دروس كان قد ألقاها على طلبته في العراق، ويبدو أنَّه تفرغ لكتابتها بعد تلك السنين عندما أعاد تدريسه في هذه المدينة للطلاب الذين حضروا عليه)[625](.
وفي مجال دراية الحديث عُدَّ كتابه «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار»)[626](، ثاني مُؤلَّف مستوعب على طريقة الإماميّة في علم الدراية بعد كتاب «الرعاية في علم الدراية»)[627]( لأستاذه الشهيد الثاني الذي ألَّفه سنة 959هـ/1552م.
ذُكرتْ له مؤلفات أخرى في نطاق علم الفقه والحديث)[628](.
ومن مؤلفات الشيخ حسين بن عبدالصمد رسالة ألّفها عند هربه من العراق يمكن أنْ يطلق عليها (رحلة الشيخ حسين بن عبدالصمد)، قيل إنَّه ذكر فيها وقائع ما اتفقَ له من أسفاره)[629](. وكان قد وجَّهها إلى أستاذه وزميله الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي، ولكنْ لا أثر لها بين المؤلفات العاملية، ولا غيرها.
وقد عثرَ بعض الباحثين على نسخة منها، ونشرها محقّقةً في إحدى الدوريات المهتمة بشأن الدراسات الشيعية)[630](.
إلاَّ أنَّ هذه النسخة لم تكن الرحلة التي كتبها الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي بقلمه، وإنَّما هي رحلة ليس للعاملي فيها سوى العنوان دون المضامين التي حاول كاتبها أنْ يتخيّل مشاهد الرحلة، وأماكنها، وشخوصها ليملأ فراغاتها على لسان مؤلفها، وهو منها براء.
والأغرب من ذلك أنَّ محقّق النصّ لم يُشر إلى النسخة المخطوطة التي اعتمدها ولا مكانها، ولا شيء عن ناسخها، أو ما يتصلُ بها، أو كيف حصل عليها بعد غيابها هذه القرون الطويلة؟
ولتهافت النصّ المنسوب للشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي، وظهور آثار الوضع عليه أعرضتُ عن الأطناب في تحليله، وتشريحه، والإشارة فقط إلى تهافته، واستحالة نسبته إلى مؤلفه الكبير الذي يُجلّ عمَّا احتوت عليه هذه الرسالة المزوّرة من ثلبه، والإساءة إليه، وإلى أطراف أخرى معه.
د. جودت القزويني
الحضور الإيراني في بلاط
سيف الدولة الحمداني
مَنَّ الله على العرب والإيرانيين إذ جعلهم أمة واحدة لا تفصل بينها حدود جغرافية ولا يميّز بين أبنائها لغة أو أصل أو لون. وكانت هذه الأمة كلها متشاركة في الآلام والآمال، ومتعاطفة ومتواسية حين يشتد الخَطْبُ، ومتفاعلة ثقافياً وعلمياً وفكرياً، حتى لا ترى عالِماً من علمائها أو أديباً من أدبائها إلا وهو متأثر بغيره من أصقاع العالم الإسلامي.
وتشكل حلب سيف الدولة واحدة من أبرز بقاع هذا التلاحم الرائع للأمة الإسلامية، وفي هذا البحث أُسلط الضوء على الحضور الإيراني في بلاط سيف الدولة في حقل الدفاع المشترك وفي حقل التفاعل الثقافي وهو حضور يعتبر نموذجاً جيداً لهذا التلاحم.
الدفاع المشترك
من مظاهر التلاحم تواكب الإيرانيين وبخاصة من خراسان على حلب، وتوافد الآلاف من جنودهم مجهزة بالسلاح بين فرسانٍ ورجالةٍ على الثغور الإسلامية للانضمام إلى الجيوش الحمدانية المسلمة وللدفاع عن ثغور المسلمين أمام هجمات الصليبية.
بدأت القوات الخراسانية ـ وبغض النظر عن الحواجز الجغرافية والعنصرية والمذهبية ـ تتدفق على حلب، وفي أحرج الظروف منذ سنة 352هـ واستمر إرسال النجدات من خراسان حتى سنة وفاة سيف الدولة 356هـ وأخذت هذه القوات الإيرانية ـ ومن منطلق إسلامي بحت ـ تدافع عن سيف الدولة العربي وقواته المقاتلة في الثغور، وتدفع عن المسلمين الخطر الصليبي الغاشم.
في المصادر التاريخية، تطالعنا روايات، تؤكد على تواجد الجموع الخراسانية في حلب سنة 352هـ تريد الدفاع عن الحمدانيين تجاه الغارات الصليبية. التقت هذه الجموع بسيف الدولة، وكان مريضاً، فطلب منهم الرجوع لشدة الغلاء والوباء في المصيصة وطرسوس فرجعوا)[631](.
في سنة 353هـ وصلت إلى حلب جموع من القوات الخراسانية في نحو خمسة آلاف، وصاروا في ركب سيف الدولة، فمضوا إلى المصيصة للجهاد، ولكنهم وجدوا جيش الروم قد انصرف عنها، وتفرّقت جموع الخراسانيين لشدة الغلاء في الثغور بحلب، ورجع أكثرهم إلى بغداد وعادوا إلى خراسان)[632](.
وفي سنة 355 ـ 356هـ قطعت القوات الإيرانية ـ وللمرة الثالثة ـ مسافات طويلة بين خراسان وحلب، وجاءت لتخدم المصالح الإسلامية والأمة المتورطة بعدو ينال من عزتها وشرفها وشرف أهلها.
وفي هذه المرة غزت القوات الخراسانية مع لؤلؤ الجرّاحي من أنطاكية إلى ناحية المصيصة، فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الصليبيين، فنصر الله هذه القوات، وقتلوا ألفاً من الجيوش الصليبية، وأسروا جماعة منهم، وعادوا بالغنائم إلى أنطاكية، ورواية تجارب الأمم)[633]( تنص على دفاع الإيرانيين المستميت عن الثغور الإسلامية، وسقوط عدد كبير منهم شهداء إلى جوار إخوانهم المسلمين من العرب.
وعند دراسة حياة الأمير أبي فراس الحمداني وما عاناه في الأسر تستوقفنا رواية أخرى وأبيات شعرية لتؤكد على علاقة الحمدانيين بأبناء الأمة المسلمة في خراسان، فيُروى أن سيف الدولة بلغه أن بعض أسرى المسلمين عند الروم قالوا:
«إن ثَقُلَ على الأمير دفع فدية الأسرى كاتبنا بهذا الأمر صاحب خراسان».
ويُروى: أن سيف الدولة اتهم ابن عمه أبا فراس الحمداني بهذا القول وقال: ومن أين يعرفه صاحب خراسان؟ فأنشد أبو فراس قصيدة)[634]( يعاتب فيها سيف الدولة، ويشير إلى خراسان التي كانت آنذاك في عون الأمير الحمداني، وصارت مطمح الأسرى ورجاءهم لأمر الفداء أيضاً فيقول:
فإنَّ خُراسانَ إنْ أنكَرَتْ
عُلايَ، فَقَدْ عَرَفَتْها حَلَبْ
ومن أينَ يُنكرني الأبعدونَ
أمِنْ نَقْصِ جَدٍّ أمِنْ نَقْصِ أبْ
وفي ديوان الخطيب ابن نباتة)[635](، خطبة، يذكر فيها موافاة الجيوش الخراسانية التي يقول عنها: أنها كانت في أحسن ما يكون من العُدة والأجهزة التي لم يرَ مثلها، وأنها وفدت ابتغاء وجه ذي الجلال والتماساً للشرف الأكبر يوم المآل. ويتطرق إلى ما عاناه الخراسانيون في طريق وصولهم إلى حلب.
الأدباء الإيرانيون في البلاط الحمداني:
انتعشت العلوم والثقافة في حلب وسائر بلاد الشام، وفاقت حركة الثقافة والأدب على عهد سيف الدولة نظيراتها في مصر والعراق، فصار المجتمع الثقافي والعلمي مفعماً بكل أسباب النماء العلمي والنتاج العقلي والتطور الأدبي، ثريّاً بكوكبة عظيمة من العلماء والكتّاب والشعراء، العرب منهم والإيرانيون الذين اعتلى بعضهم قمة الشهرة وذروة المجد، وأسدوا إلى التراث الإسلامي بإسهامهم المحمود في مسيرة الأدب العربي وتطويره.
جدير بالذكر أن القصور الحلبية كانت مزخرفة بأبيات مختارة لأعاظم الشعراء بأحرف فارسية بديعة مما تدل على أن الأمير العربي كان معجباً أيما إعجاب بالخطوط الفارسية)[636]( وفنون شريك العرب الحضاري، وذلك بغض النظر عن الفوارق اللغوية والمذهبية والعنصرية وبدافع عظيم منه للمثاقفة والتبادل الفني.
ومن أهم العوامل التي ساعدت على إثراء الثقافة الإسلامية وآدابها في حلب، اهتمام الأمير الحمداني، بالأدباء والعلماء، فقد كان سيف الدولة أديباً، ذا ذوق وقدرة على فهم الأدب، تتلمذ لدى أدباء كبار، ومؤلفين عظام في ذلك العصر، منهم الأديب الفارسي واللغوي، النحوي الإيراني ابن خالويه، وأبو بكر الصولي الذي يقول عن سيف الدولة أنه قرأ عليه علماً كثيراً، وكان ملازماً له في حداثته)[637]( وتؤكد الروايات على أن سيف الدولة لا يفتأ يُنمي ثقافته، وما كان ينقطع عن الاطلاع والقراءة، بل كان ينتهز جميع الفرص حتى فترات ما بين المعارك، فينصرف فيها إلى تزويد عقله وفكره بالقراءة والاستيعاب)[638](.
كان سيف الدولة راعياً عظيماً للعلوم والآداب والفنون مما جعل حلب عاصمته كعبة للقصاد من الفلاسفة الإيرانيين أمثال الفارابي المعلم الثاني، أكبر فلاسفة المسلمين، الذي تخرج بتآليفه أبو علي ابن سينا، ويقال إنه حقق كتاب أرسطاطاليس وكتب عنه في شرحه سبعون سفراً، ولم يكن في وقته مثله ولم يكن أحد أبصر منه في هذا الفن)[639](.
أقام الفارابي في كنف سيف الدولة لا يأخذ منه من المال إلاّ ما يسد رمقه (أربعة دراهم في اليوم) لأنه كان يقتصر على القناعة، ولا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن. وأخذ يُعلم طلابه ويكتب كتبه في المنطق والإلهيات ومباحث ما بعد الطبيعة فبلغت مؤلفاته المائة)[640](.
أنِسَ الفارابي بلُقيا سيف الدولة، كما أنِسَ الأمير العربي بلُقيا هذا الفيلسوف الإيراني الذي لم تمنعه شيخوخته وهو في الثمانين من عمره أن يصحبه في إحدى غزواته إلى دمشق سنة 339هـ وكأنما هذا السفر الطويل قد أنهك قوى الشيخ الجليل فلم يكد يصل إلى دمشق حتى وافته منيّته، فحزن عليه الأمير الحمداني حزناً عميقاً، ولمكانة هذا العالم الإيراني عند سيف الدولة صلّى بنفسه عليه في أربعة من خواصه)[641](.
ومن الأدباء الإيرانيين الذين قصدوا سيف الدولة، ابن خالويه)[642](، ولد هذا العالم في همذان، ثم استقر به المقام في حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم، وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وآل حمدان يكرمونه ويدرسون عليه، وذلك ليضموا علوم الإيرانيين الوافدين إلى علومهم العربية والتقليدية ويستوعبوا آدابهم الجمّة.
ألّف ابن خالويه كتباً كثيرة في مجال اللغة والنحو، منها كتاب «لَيْس» الذي يدل على اطلاع هذا العالم الإيراني العظيم، فإن هذا الكتاب مبني من أوله إلى آخره على أنه لَيْسَ في كلام العرب كذا ولَيْسَ كذا)[643](.
ساهم ابن خالويه مساهمة كبيرة في تنشيط حركة العلم والنقد بحلب، وتربى على يديه ثُلّة من الطلاب، تخرج منهم قارىء كبير وهو أبو الطيب عبدالمنعم بن غلبون الحلبي المتوفى سنة 389هـ، وله كتاب «الإرشاد في القراءات السبع»)[644](.
خاض ابن خالويه في قصور الأمير أبي فراس مناظرات نقدية، اتصف بعضها بالحدة ضد المتنبي وابن جني. وخلافاً لزعم بعض المؤلفين)[645]( لم يجر الطرفان وراء الدوافع القومية في هذه المناظرات، ولم تكن هذه الأفكار في الحسبان، بل شكل ابن خالويه الفارسي مع الأمير العربي أبي فراس جبهة أدبية، خاضا فيها مباحث نقدية مع المتنبي وأنصاره ساعدت على انتعاش الأدب والذوق الرفيع عند الشعراء والأدباء في القرن الرابع والقرون التي تلته. وربما التحاسد والتغاير على قرب المنزلة من سيف الدولة وعدم تقدير المتنبي لعلم ابن خالويه التقدير الجليل كانا من دوافع الطرفين لخوض هذه المجالس الأدبية ـ النقدية.
ويقصد عالم إيراني آخر وهو علي بن عبدالعزيز الجرجاني بلاط راعي الأدب، الأمير العربي سيف الدولة)[646](، ليوثّق التواصل الثقافي بين العرب والإيرانيين، ويزيد لبنة إلى صرح الحضارة الإسلامية، فيفيد علماءها وأدباءها ويتأثر بحصيلة علومهم وآدابهم.
تأثر الجرجاني بالبيئة الأدبية في حلب كما يخبرنا الثعالبي بقوله: «وممن خرّجته تلك البلاد وأخرجته وكلامه مقبول محبوب، آخذ بمجاميع القلوب القاضي أبو الحسين علي بن عبدالعزيز الجرجاني، فإنه جنى ثمارها واستصحب أنوارها حتى ارتقى إلى المحل العلي وتطبع بطبع البحتري)[647](.
استعان الجرجاني بما أخذه من الآمدي والصولي ليؤلف كتاباً، رادّاً فيه على الوزير البويهي الصاحب بن عباد، ومتوسطاً بين المتنبي وخصومه، وذلك بنقد منهجي وموضوعية نقدية، أحسن فيها الجمع بين الآراء النظرية والعرض التطبيقي، واستبدل موازنة الآمدي بالمقايسة، فتحرى الإنصاف وقاس الشعراء على ما كان في تاريخ الشعر والشعراء فلم يستهجن خطأهم ولم يفرد عيوب الشعراء أو حسناتهم بالتمييز)[648](.
اتخذ الجرجاني تجاه المتنبي موقفاً ثالثاً، فلم يرفعه إلى درجة العصمة ولم ينف عنه كل فضل، بل وضع الأشياء في نصابها، وعلل الأمور تعليلاً منطقياً مبرراً، وأظهر الحسنات والإيجابيات من جهة، وبيّن الهفوات والسلبيات من جهة أخرى.
وقف الجرجاني أمام القضايا المختلفة في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» وقفة واضحة، ففتح في ذلك العصر أمام النقد العربي منافذ جديدة، أخذ النقاد القادمون يهتدون بها من بعده.
ومن الأدباء الإيرانيين الذين وفدوا على حلب واستوطنوها أبو الطيب اللغوي)[649]( تابع هذا العالم الإيراني في هذه المدينة توسعه في العلم، ثم اتصل ببلاط سيف الدولة ووقف بجانب المتنبي وابن جني في وجه ابن خالويه وأنصاره. وفي حلب عُرف هذا الأديب بلقب اللغوي الحلبي، ولمكانته العلمية الأدبية العظيمة لُقّب هذا الإيراني بـ (حجة العرب) )[650](.
ومن الأدباء الإيرانيين الكبار الذين وفدوا على سيف الدولة أبو علي الفارسي)[651]( المولود بمدينة فسا سنة 288هـ.
كان أبو علي الفارسي إمام وقته في العلم، درس عليه الشريفان الرضي والمرتضى)[652](، وعن مكانته العلمية قال عضد الدولة: «أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو»)[653](.
دخل أبو علي الفسوي حلب في سنة 341هـ، ومعه تلميذه ابن جني الذي شغف به حباً، ولازمه أربعين سنة ولم يترك حلقته العلمية حتى تمهّر)[654](.
أملى الفارسي في حلب «المسائل الحلبيات» على طلبة العلم. وكانت له مع المتنبي مساجلات ومجالس)[655](، ولم تكن العلاقة بينهما على ما يرام، ولم تتحسن إلا في آخر حياة المتنبي عندما التقيا بشيراز لدى عضد الدولة)[656](. وساعد حضوره في البلاد العربية ولا سيما حلب على انتعاش الأدب ورونقه، وتربية ثُلّة من الأدباء والعلماء، ومنهم إمام العلوم العربية ابن جني، الذي أتاحت له رفقته بهذا الأستاذ الكبير أن يتعرّف في بلاط سيف الدولة على المتنبي وأن تنعقد بينهما صداقة رفيعة، فيشرح ديوانه، وأتاحت له تلك الرفقة أيضاً أن يحظى برعاية البويهيين، وأن تعلو مكانته عندهم، وقد خلّف أستاذه في التدريس ببغداد حين لبى نداء ربه)[657](.
ألّف ابن جني «اللمع في العربية»، جمعه من كلام شيخه الفارسي، وأفاد في كتابه المشهور ـ الخصائص ـ من ملاحظات أستاذه الفارسي، وسجّل كل خواطره ولفتاته النحوية والصرفية، وهي لفتات وخواطر اندفع ينميها ويضيف إليها من عقله الخصب النادر ما جعله يتقن ظواهر التصريف والنحو علماً وفقهاً وتأويلاً وتحليلاً، بل ما صيّره. كما يقول الثعالبي)[658]( القطب في لسان العرب، وصاحب الرياسة في الأدب.
وفي أواسط القرن الرابع غادر الأديب الإيراني أبو بكر الخوارزمي)[659]( بغداد متوجهاً إلى حلب فأقام بها وتأثَّر ببيئتها الثقافية كما صرّح بذلك في قوله: «ما فتق قلبي وشحذ فهمي، وصقل ذهني وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي وغصن الشباب وطيب، ورداء الحداثة قشيب»)[660](.
شارك الخوارزمي في ندوات سيف الدولة العلمية، ونهل من علم أقطابها العظام، وتركت هذه المجالس أثرها في حياته، حتى أنه كان يتذكرها ويحن إليها ويتحسر عليها، فقد سُلبت تلك الأيام سلباً ونُزعت من يديه غصباً، فكأنه يقطع تلك الفترة وثباً)[661](.
وفي بلاط الحمدانيين درس الخوارزمي شعر المتنبي، وتدبّر معانيه، وقد نقل عنه تلميذه الثعالبي فصلاً كاملاً في اليتيمة، يتضح من خلاله، تأثر الخوارزمي البالغ بالمتنبي.
اتصل الخوارزمي في بلاط سيف الدولة بابن خالويه والشمشاطي والبكتمري، والعجلي والناشىء الأصغر، والخليع الشامي، والوأواء الدمشقي، والتلعفري، والنحوي الرقي. فكانوا يُنشدون أشعارهم له، فيحفظ ما شاء منها وما يتذوقه، فيرويها في مجالس درسه بنيسابور، وبلغ به الأمر أنه انفرد من بين علماء نيسابور برواية أشعار بعض الشعراء الحمدانيين كأبي طالب الرقي)[662](.
ومن الأدباء الإيرانيين الذين كانوا على ارتباط بالبلاط الحمداني، أبو الفرج الأصفهاني. أهدى أبو الفرج كتابه المشهور ـ الأغاني ـ إلى سيف الدولة، فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه)[663]( ورغم ما أخذه البعض على الأمير هذا العطاء المحدود)[664](، إلا أن هذا الكتاب نال إعجاب الباحثين والمؤلفين الحمدانيين في حلب، فأخذوا يروون أخباره كما فعل ذلك الأديبان علي بن دينار ومحمد بن أحمد المغربي)[665](.
استنتاج
1 ـ عاش الحمدانيون والإيرانيون في القرن الرابع الهجري في ظل أخوّة الإسلام والتاريخ والأدب، رغم بُعد الحدود الجغرافية وتنوع الأعراق، لم تحُل الحساسيات العرقية والمذهبية واللغوية دون لقاء أبناء الأمة في إيران وبلاد الحمدانيين.
2 ـ حقق الإيرانيون والحمدانيون ما نطمح إليه اليوم، فكأن الفواصل الجغرافية واللغوية والثقافية بينهما قد زالت، وكأن العالم الإسلامي آنذاك صار تلك القرية الصغيرة التي نرجو الحياة فيها، ونتمنى أن تربط أبناءها أواصر ثقافية وثقى، ويتبادل أصحابها المعلومات، ويتعرّف بعضهم على البعض الآخر، ويتعاون أبناؤها ويتعاضدون على أساس الإيمان والتقوى، بغض النظر عن النزعات الطائفية والقومية التي تنخر عروتها الوثقى.
3 ـ كان المسلمون في القرن الرابع على وعي سياسي ـ ثقافي كبير، تبلور في مواقف كشفوا من خلالها عن روح دفاعية مشتركة وغيرة إسلامية مدهشة، فتحركت قواتها من أقصى شرق العالم الإسلامي لتدافع عن إخوانها العرب، وهذا هو مظهر الحياة فيها، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى.. فأين نحن من هذه الحالة التي كانت سائدة في القرن الرابع الهجري؟ أيحدث مثل هذا (التداعي) في عالمنا الإسلامي اليوم بعد عشرة قرون مضت على تلك الحياة الإسلامية.
4 ـ لم تكن ثمة حساسيات عنصرية تسود المناقشات النقدية في البلاط الحمداني، فهناك أديب إيراني يخالف المتنبي، والآخر يدافع عنه، ويأتي ثالث ليتوسط ويؤلف كتاباً راداً فيه على الوزير الإيراني دفاعاً عن المتنبي. وإيراني يدرِّس الأمير العربي وأبناءه وآخر يملي مسائله الحلبية وثالث يعلّم أبناء حلب دون أن يحفل بمكسب وأمر مسكن. وإيراني يؤلف مصنفات يقوّم بها لسان أبناء الأمة العربية، وآخر يرضى بملازمة ابن جني له ليسجل آراءه وتعليلاته ويثريها. حدث كل ذلك في ظل أمير عربي مسلم يرعى العلم والأدب ويستقطب كبار العلماء من أقصى العالم بسماحته وثقافته التي تقوم على المثاقفة والتبادل الفكري والأدبي بين الأمة المسلمة.
الدكتورة بتول مشكين فام
الحلّة في القرن الثامن الهجري
على مدى الفترة التي أعقبتْ مقتل الشهيد الأول لم تتميز أيَّة نهضة في بلاد الشام، وبقي ثقل المؤسسة الدينية الشيعيّة في مركزها الأول (مدينة الحلة) منقطعاً إلى الدراسة والتدريس خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الثامن للهجرة، وبالتحديد بعد وفاة فخر المحققين عام 771هـ/1370م.
وقد مرّت مدرسة الحلّة خلال هذه الفترة بثلاث مراحل سياسية:
المرحلة الأولى: تمثّلت بالحكم الجلايري الذي انتهى عام 814هـ/1411م.
والجلاير هي إحدى القبائل المغولية الكبرى التي تمكنت من السيطرة على بغداد سنة 738هـ/1337م، وانتزاع السلطة من حكومة المغول الإيلخانيين على يد الشيخ حسن الجلايري (ت: 757هـ/1356م).
ففي عام 744هـ/1343م زالتْ حكومة المغول من إيران، وآذربيجان فانقرضت الدولة المغولية الكبرى، وتكونت مكانها حكومات متفرقة، وكان الجلائريون إحدى هذه الدول.
بدأتْ الدولة الإيلخانية بالتفكك بموت السلطان أبي سعيد بن السلطان أولجايتوخان بعد ظهور الخلاف بين الأمراء في الإدارة والسلطنة. وقد أصبح كلّ أمير ومتنفذ يدعو لنفسه، أو يتخذ أحد أفراد الأسرة المالكة سنداً لدعوته.
ولم يكتف هؤلاء المتنازعون بذلك، بل بدأ كل منهما بمهاجمة الحكومات المجاورة لغرض السيطرة عليها الأمر الذي دعا إلى استمرار الاضطرابات والمنازعات طوال هذه السنوات)[666](.
ولم يظهر أيُّ نشاط سياسي يُذكر لفقهاء الحلّة خلال هذه المرحلة سوى ما نقل من الاستمرار العلمي الدراسي فيها.
كان السلطان حسن الجلايري قد سعى لتنظيم المملكة، مما حقّق ازدهاراً علمياً فيها، ونظراً لعدالته ومحافظته على النظام فقد سُمِّي بالشيخ حسن)[667](.
وبعد وفاته سنة 757هـ/1356م تولّى ولدُه السلطان معز الدين أويس بهادرخان (ت: 776هـ/ 1374م) الحكم، وقد وصفته المصادر التاريخية بالملك العادل)[668](.
وقد تولّى ولده السلطان جلال الدين حسين بهادر خان الحكم بعده فترةً من الزمن، ثم نُحّي، فتولّى أخوه السلطان أحمد الحكم سنة 784هـ/1382م.
ونظراً لنفوذ تيمورلنك، ومحاولة توسّعه لتوحيد الدولة المغولية من جديد فقد سيطر على بغداد سنة 795هـ/1393م التي كانت خاضعة في هذه الفترة لحكم السلطان أحمد الجلايري ابن السلطان أويس، فرحل السلطان أحمد عن بغداد إلى مدينة الحلّة التي كانت تُشكّل قاعدتها العشائرية قوة مقابل مناطق النفوذ العراقية الأخرى، ثم غادرها إلى بلاد الشام، ثم إلى مصر مُلتجأً إلى الملك الظاهر أبي سعيد برقوق. وقد رجع السلطان أحمد الجلايري إلى بغداد مرّة أخرى عام 797هـ/1395م)[669](.
ونظراً لمحاولات تيمور للسيطرة على العراق فقد أصبحت الحكومة الجلائرية ذات علاقة وثيقة مع المماليك في مصر، وبلاد الشام الذين كانوا مهددين أيضاً بالهجوم التيموري على أراضيهم.
كانت هذه المرحلة الزمنيّة بالذات، أسوة بباقي المراحل السياسية الأخرى، من أشدّ المراحل اضطراباً. ففي سنة 802هـ/1400م فرَّ السلطان أحمد الجلايري مرَّة أخرى، ولكن إلى بلاد الروم (مملكة العثمانيين قبل أنْ يوحّدوا دولتهم كامبراطورية عامة)، بعدما سقطت بغداد للمرة الثانية بيد قوات تيمورلنك سنة 803هـ/1401م. وبعد عامين من هذه السيطرة، أي سنة 805هـ/ 1403م توجَّه الأمير تيمور إلى بلاد الروم (الأناضول) لضمّها إلى مملكته، فرجع السلطان أحمد الجلايري إلى بغداد، واستولى عليها بعدما فرغت من النفوذ العسكري التيموري.
وقد نصَّب السلطان أحمد الجلايري ولده السلطان طاهراً حاكماً على مدينة الحلّة، وبقية البقاع المجاورة لها)[670](.
وفي سنة 806هـ/1403م خرج السلطان أحمد عن بغداد ملتجأ إلى سلطان المماليك، الملك الناصر أبي السعادات فرج (801هـ/808هـ/ 1399 ـ 1405م) ابن السلطان برقوق)[671](.
إلاَّ أنَّ وفاة تيمورلنك سنة 807هـ/1404م)[672]( أعادته إلى الحلّة أولاً فمال إليه أعوانه، ثم إلى بغداد ثانية بعدما سيطر على الحكم فيها سنة 808هـ/1405م. وبقي في السلطة حتى وفاته سنة 813هـ/1410م.
المرحلة الثانية: الدولة البارانية (قره قوينلو) 814 ـ 874هـ/ 1411م ـ 1470م).
بعد مقتل السلطان أحمد الجلايري استولت قبائل القره قوينلو على بغداد في 5 محرّم سنة 814هـ/ 29 نيسان 1411م عندما دخلها الشاه محمد بن قره يوسف وأصبح والياً عليها بالنيابة عن والده، واستمر في هذه الولاية حتى مقتله في 18 ذي الحجّة سنة 837هـ/26 تموز 1434م.
وكانت هذه الحكومة البارانية قد تمكنت من السيطرة على بعض المناطق العراقية كالموصل في الفترة التي أعقبت وفاة السلطان أويس الجلايري سنة 778هـ/1376م.
كما امتلك الأمير قره يوسف قبل هذه المرحلة، وبالتحديد سنة 805هـ/1403م بغداد لمدة قصيرة بعدها أُزيح عنها في العام نفسه بواسطة أحد أمراء آل تيمور)[673](.
وبعد وفاة الأمير قره يوسف عام 823هـ/1420م تقاسم أولاده السلطة في مناطق مختلفة، ولم يستقر أحدٌ منهم بسبب الصراعات التي كانت تدور للسيطرة على المنطقة نفسها)[674](.
وأهم أمير من أولاد قره يوسف ارتبط تأريخه بتأريخ فقهاء الحلّة هو الأمير آسبند الذي تولى حكم بغداد من سنة 836هـ/ 1432م، حتى وفاته سنة 848هـ/1444م.
وقد سيطر هذا الأمير على كافة مناطق بغداد سنة 836هـ/1432م، وتوجه إلى مدينة الحلّة فضبطها، وكانت الحلّة حتى عام 826هـ/1423م خاضعة للحكم الجلايري، وبذلك انقرضت الدولة الجلايرية بتمامها، ولم يبق لها ذكر إلاَّ في بطون الكتب التأريخية)[675](.
وفي سنة 832هـ/1428م انكسر الأمير إسكندر، وهرب إلى جهات الروم فرجع شاه رُخ إلى خراسان، وولّى على آذربيجان الميرزا أبا سعيد بن قره يوسف فعاد الأمير إسكندر، واستعاد آذربيجان، وقتل أخاه أبا سعيد.
وكان أبو سعيد قد ولاه شاه رُخ أوائل عام 833هـ/1430م آذربيجان، إذ كان قد التجأ إليه هارباً من أخيه إسكندر)[676](، وكانت مدّة ولايته نحو سنة واحدة.
وفي سنة 837هـ/ 1433م أغار الأمير إسكندر على شروان فتوجَّه شاه رخ لقتاله لكنَّ الأمير إسكندر فرَّ إلى بلاد الروم، وعاد مرة أخرى لقتال أخيه جهان شاه الذي تولى الحكم على بلاد آذربيجان من قبل شاه رخ، فانكسر جيشه قرب مدينة تبريز، وهرب إلى إحدى القلاع الحصينة، لكنه قُتل فيها سنة 841هـ/ 1437م.
وقد بقيت الحلّة طوال القرنين الثامن والتاسع الهجريين/ الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين زاخرةً بحركة علميّة وأدبيّة تمثّلت في شخصيات فقهية كبيرة، وأدبيّة متميزة أمثال:
1 ـ صفي الدين ابن الطقطقا (ت: 709هـ/ 1309م)، المؤرخ الشهير صاحب كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية».
2 ـ صفي الدين الحلي، عبدالعزيز بن سرايا الطائي (ت: 750، أو 752هـ/ 1349، أو 1351م)، أحد شعراء العربية الكبار.
3 ـ السيد حيدر الحُسيني الآملي (كان حيّاً سنة 794هـ/ 1392م)، الفقيه العارف المتصوّف.
4 ـ كمال الدين عبدالرحمن العتايقي المعروف بابن العتايقي، الفقيه المعاصر لطبقة الشهيد الأول، أو ممن يُعدُّ من بعض تلامذة فخر المحققين.
5 ـ علاء الدين الشيخ علي الشفهيني (المُتوفى في الربع الأول من القرن الثامن الهجري).
6 ـ الشيخ رضيّ الدين رجب البرسي.
وأهم فقيه ظهر في هذه المرحلة بالذات هو الشيخ جمال الدين المقداد بن عبدالله السيوري)[677]( الحلّي الأسدي (ت: 826هـ/1423م) الذي كان أحد تلامذة الشهيد الأول (إبّان دراسته الأولى في مدينة الحلّة قبل عام 750هـ/1349م). ويُعبّر عن المقداد السيوري في كلمات فقهاء الشيعة بالفاضل السيوري)[678](، أو الفاضل المقداد)[679](.
وقد تتلمذ على يديه جملة من الشخصيات العلمية الشيعية أمثال الحسن بن راشد الحلّي (كان حيّاً سنة 830هـ/1427م)، وأبو الحسن علي بن هلال الجزائري.
إلاَّ أنَّ هذه النهضة المُتفجّرة في الحلّة بالرغم من المشاكل السياسية، والصراعات على السلطة فإنها بقيت محتفظة باستقلاليتها طوال مرحلة زعامة فخر المحققين الدينيَّة حتى أواخر سنيّ حياة الفقيه الشيخ جمال الدين أحمد ابن محمد المعروف بابن فهد الحلّي (757هـ 841هـ/ 1356 ـ 1437م)، الذي وجد نفسه فجأة وسط الأحداث السياسية نتيجة للتقلّبات في إدارة السلطة بالعراق.
المرحلة الثالثة: حكم دولة المشعشعين.
وقد بدأتْ باحتلال علي بن السيد محمد بن فلاح (قُتل 861هـ/1457م) مدينة الحلّة عام 857هـ/ 1453م، وبقيت تحت سيطرتهم حتى عام 872هـ/ 1467م.
د. جودت القزويني
حياة السيد مهدي القزويني
كتبَ هذه الترجمة ولده العلاَّمة السيد حسين القزويني، وهو الابن الثالث له. كان عالماً مجتهداً، وشاعراً جزلاً، له مجموعة شعرية رائقة. ولولا اشتغالُه بالفقه، وظروف عصره التي تُعدُّ موهبة الشعر وصناعته منقصةً على صاحبه لكان من شعراء العربيّة المبرّزين في عصره، وما بعده من العصور.
قال عنه معاصره السيد محسن الأمين: كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً بليغاً، من الحفّاظ، كريم الأخلاق، جهبذاً مهيباً. وكانت داره بالنجف مجمع الفضلاء والأدباء، تلقى فيها المحاضرات، وينشد فيها الشعر. ومجلسه ملتقط الفوائد والفرائد. المهابةُ تعلوه، والجلالة رداؤه، والرقّة تتقاطر من ألفاظه)[680](.
ووصفه المؤرّخ اليعقوبي بقوله: رأيتُه بالحلة في نادي أخيه أبي المعزّ السيد محمد، فما رأيتُ أملأ للعين منه. وكان كما وصفه السيد الأمين في الأعيان، بل وفوق ذلك)[681](.
وقد رثاه شعراء عصره بمراث عديدة، جمعها الشيخ جواد الشبيبي، وقدَّم لكلّ قصيدة مقدّمة عرّف بشاعرها بطراز أدبي مسجّع. واحتفظُ بنسخة الأصل، وهي تشكّل ديواناً لشعراء العراق أوائل القرن العشرين.
ومن مؤلفاته تعليقات على كتاب الرسائل للأنصاري، وحاشية اللمعة، وكتاب في الفقه، ورسالة في مقدمة الواجب. وله ديوان شعر جمعه تلميذه السيد مهدي البغدادي.
ومن آثاره رسالة في ترجمة حياة والده السيد مهدي القزويني، وهي لم تُنشر من قبل، وفيها من براعة مزج التاريخ بالأدب أو كتابة التاريخ كما أراد أنْ يتميّز بكتابته بمراعاة فنون الوصف، ما يجعل هذه الرسالة مختصّةً به، ودالةً عليه لفظاً ومعنى.
السيد باقر القزويني (1304 ـ 1333هـ/ 1887 ـ 1915م).
ظفر بنسخة هذه الرسالة السيد باقر بن السيد هادي بن السيد صالح بن السيد مهدي القزويني، فأحبَّ أنْ يذيْلها بمقدْمة وبعض التعليقات، ويختمها بملحق شعري، فأصبحت رسالة جامعة لفوائد تاريخية وأدبية عديدة.
كان السيد باقر شاباً طموحاً، من نوابغ الشبان المتطلّعين الذين جمعوا مواهب عدّة، ألّف وكتب، وهو لم يزل بعد في أدوار نشأته الأولى. وقد اخترمه الأجل، فعصفَ بغصن شبيبته الغضّ، فتُوفي وهو ابن الثامنة والعشرين بمرض التدرن الرئوي الذي اجتاح بعض المدن العراقية أوائل القرن العشرين الميلادي.
تزوّج السيد باقر سنة 1329هـ/ 1911م من ابنة عمَّته السيدة ملوك (العلوية الحبَّابة) بنت السيد موسى بن السيد جعفر القزويني. ولم تدم حياتُه معها سوى سنوات أربعة، وليس له عقب.
وخلال حياته القصيرة ترك آثاراً مهمة، منها:
1 ـ متن مختصر في المعاني والبيان، لم أقف عليه.
2 ـ منظومة في الصرف تنيف على (500) بيت، مع شرحها. وقفتُ على نسخة تالفة، طُمست كتابتها بسبب فيضان الفرات، أولها:
قال فقيرُ الزاد للمعادِ
محمد الباقر نجل الهادي
3 ـ منظومة في نسبه.
4 ـ الأدعية والأحراز. مجموع صغير جمعَ فيه الأحراز والأدعية التي يرويها مباشرة عن عمّ والده أبي المُعزّ السيد محمد القزويني، وجدّه السيد صالح بالواسطة. قال في مقدمتها: «جمعتُ في هذه الأوراق صور وأدعية وأحراز، وبعض الأخبار المروية جميعاً عن أهل بيت العصمة، الواصلة إليَّ إجازةً روايتُها، وقراءتها، وكتابتها، حذراً على شموسها من الأفول، وإشفاقاً على أورادها من الذبول».
5 ـ ديوان عمّه السيد أحمد القزويني (جمع وتقديم).
6 ـ ديوان شعره. نسخة مكتوبة في حياته تقع في (110) صفحات، ونسخة ثانية جمعها أخوه العلاَّمة السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1366هـ/1947م، سمَّاها «اللؤلؤ النظيم، والدر اليتيم».
7 ـ ترجمة السيد مهدي القزويني لعمّ والده السيد حسين القزويني (إضافة وتقديم).
قدّم السيد باقر مقدّمة مختصرة لها، ثم أفرد النصّ الذي كتبه عمّ أبيه. وقد عمد على إيضاح بعض المفردات استطراداً دون أنْ يشير لها، كإضافة عدد المجلدات إلى اسم الكتاب، أو تقديم بعض المؤلفات على بعضها الآخر، كما فعل في تقديم كتب التفسير على كتب العقائد. وقد أشرتُ إلى هذه الزيادات بالهوامش، كما حافظتُ على النصّ الكامل للمؤلف الأول.
الصفحة الأولى ـ نسخة السيد حسين القزويني بخطه
ومن جملة النصوص التي أرجعتُها إلى مكانها في الترجمة الأصلية أبيات السيد حيدر الحلّي في رثاء السيد مهدي القزويني. وقد اقتطع السيد باقر هذه المرثية عن مكانها الأول، وأدرجها ضمن الشعراء الذين أورد أسماءهم، ومطالع قصائدهم كإضافة على النصّ الأصلي.
وقد رمزتُ لنسخة السيد باقر بالحرف (ب)، وطابقتها مع الأصل.
وكنتُ قد عثرتُ على نسخة السيد باقر التي كتبها بخطه محفوظة لدى السيد حميد القزويني (ت: 1400هـ/ 1980م) بمدينة طويريج، وفرغتُ من نسخها في اليوم الرابع من شهر صفر 1393هـ/ 10 آذار 1973م.
أمَّا نسخة الأصل التي هي بخط مؤلفها السيد حسين القزويني فقد كانت بحيازة الشيخ محمد حسن الشيخ طاهر الكعبي، وهي تقع في أربع عشرة صفحة، وفّرها لي صديقي البحَّاثة الأستاذ كامل سلمان الجبوري. وكُتب على صفحتها الأولى بقلم حائزها: «رسالة في ترجمة السيد مهدي القزويني (كاملة)، بقلم السيد حسين الحسيني القزويني. في حيازتي، وأنا الفقير إلى عفو ربّه الغني: محمد حسن الشيخ طاهر الكعبي. (1 ذي الحجة 1385هـ).
أمَّا العناوين الفرعية الموجودة في المطبوع فهي من الإضافات التي أوردتُها على النصّ لغرض تسهيل المطالب لمن يستهوي مثل هذه الدراسات، ويُتابعها.
الصفحة الأخيرة ـ نسخة السيد حسين القزويني بخطه
ترجمة السيد مهدي القزويني
المتوفى سنة 1300هـ/ 1883م
بقلم ولده السيد حسين الحسيني القزويني
المتوفى سنة 1325هـ/ 1907م
حرّرها وأضاف إليها السيد باقر القزويني
المتوفى سنة 1333هـ/ 1915م
الحمد لله الذي أوضح سبل الهداية بإقامة الحجج والبراهين، وأشرق أنوار الدراية على قلوب أحبّائه من العلماء الراشدين، وأوصلهم بصحاح الأدلة وحسان القواعد إلى أعلى مقامات العلم واليقين، وجعلهم ورثة الأنبياء والأوصياء، وفضَّلَ مدادهم على دماء الشهداء، وأزال بأشعة أنوارهم ظلمة الجهل عن الدين القويم، وسلك المقتفي آثارهم في أعلى محل من النعيم المقيم، ونظم الملتقط للئالي بحار أفكارهم في سلك عقد العلماء العاملين، ووسم المتجلبب بشعارهم بسمة أهل الشرع المبين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله بمعالم الشريعة الغراء إلى جميع العالمين، ومنحه الشفاعة الكبرى لكافة الخلق أجمعين، وآله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين، وعلى أصحابه وعلى المحسنين من التابعين.
وبعده:
فيقول الفقير إلى رحمة ربّه الغني، محمد باقر نجل السيد سيد هادي الحُسيني الشهير بالقزويني: هذا ما رسمه جناب العمّ الفاضل، العالم العامل، النحرير الكامل، حجة الإسلام، وملاذ الأنام، السيد سيد حسين القزويني (قدّس سرُّه) من ترجمة والده (قدّس سرُّه)، ما هذا لفظه:
إنَّ ممن فتق أكمام أزهار الفضل بنوّار فكره، وسرّح في رياض خمائل العرفان إنسانَ نظره، وحلّق في جوّ العلوم العقلية حيث لا يحلق للعقل طائر، واقتطفَ ثمار العلوم النقلية من أغصانها النواضر، وجرى في حلبات تحقيقها فحاز قصب رهانها، وسبقَ الأوائلَ وإنْ تقدَّمته بأزمانها، وامتطى غاربَ الفضائل فكان فحل لقاحها، وعرج ثاقب فكرته إلى سماء الغيب فكان ضوء مصباحها؛ معزّ الدين، أبو جعفر، محمد بن الحسن المدعو بالسيد مهدي الحُسيني الشهير بالقزويني مُشيّد قواعد الأحكام، وكاشف غطاء الشبهات عن شرائع الإسلام، الهادي بمصابيح هدايته مَنْ ضلّ، والمرغم بقاطع برهانه آناف المبتدعين من أهل الملل والنحل:
لُجّةُ علم عذبت مورداً
كلُّ ذوي الفضل غدتُ ورَّادها
وروضةً لو كشفَ الله الغطا
رأيتَ أملاكَ السما روّادها)[682](
الولادة والنشأة
ولد في المشهد الغروي واستمدَّ الفيض من المرقد العلوي سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين والألف من هجرة جدّه، وناسج شرفه ومجده ـ فاغتذى لبن الفضل وليدا، وترعرع في حجر الكمال حتى ارتداه مطارفاً وبرودا.
ابتدأ بتصنيف العلوم وهو ابن عشر سنوات، واستقلَّ بالرأي والعمل باجتهاده والفراغ من معقوله ومنقوله، وهو ابن ثمانية عشر، وكان تحصيله من موهبياته وتأييداته أكثر من كسبياته وتوفيقاته «والله يُؤتي الحكمة مَنْ يشاء».
كما شاهده بعضُ السادة الطباطبائيين النجباء من أخواله العلماء في عالم الرؤيا. والحال أنَّه لم يعلم بخروجه إلى الدنيا فضلاً عن رؤيته بشخصه، ومعرفته باسمه. حيث كان الرائي في بلاد العجم، والمرئي في بلاد)[683]( النجف الأشرف، وكان في ذلك الوقت لم يبلغ من السنَّ إلاّ مقدار عشر سنوات.
إنّه رأى في منامه أنّه واقف على ساحل بحر من البحور، وجآء صبيٌ بصورته إلى ذلك البحر، فشرب ماء البحر كلّه فتعجَّبَ الرائي من ذلك.
وإذا برجل واقف، فقال له: أتعرف هذا الصبي؟! فقال: لا. فقال: هذا ولد ولد أختك فلان ابن فلان، فإنّه يكون عالماً محيطاً.
فانتبه من منامه متعجّباً حيث لم يسمع باسمه، وإنْ عرف اسم أبيه، حتى اتفق توفيق ذلك السيد النجيب، وهو السيد جواد الطباطبائي)[684]( ـ شقيق بحر العلوم خاله العلاَّمة، السيد محمد مهدي الطباطبائي (أعلى الله مقامه)، لتقبيل تراب أبي تراب، وزيارة والد الأئمة الأطياب في بلاد النجف الغروي، فلمَّا اتصل بهم ودخل على أخته، وهي جدَّة السيد (نوَّر الله مرقده)، أخذ يحدّثها عمّا شاهده في المنام، وسألها عن وجود الغلام، فما استتمَّ الحديث معها، إذُ دخل عليه مع جماعة من أقرانه وأخوته وأولاد أعمامه، فنظر إليهم فعرفه من بين الجميع، وناداه باسمه.
وكان ذلك من أعظم الشواهد على ما ادّعاه، وهذه من أقل عطاياه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ})[685](.
ولا شكَّ أنَّ رياضة النفس ترتقي بصاحبها إلى حظيرة القدس، وتجريدها عن الشهوات الدنيوية يبلغ به أعلى المنازل الأخروية. وغير عجيب أنْ ينال المرءُ على حداثة سنّه غايته، فالله أعلم حيثُ يجعل رسالته.
أساتذته
ولقد قرأ، وحضر وتلمّذَ حتى اشتهر على أساتيذ عصره، وفحول مصره من العرب والعجم.
منهم: العلم العلاَّمة الفقيه النبيه الشيخ موسى)[686]( نجل المرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ جعفر النجفي (صاحب كشف الغطاء).
وممن أخذ منه، وروى عنه من مَهَرة الفنّ، النحرير المدقّق، والنيقد المحقق الأستاذ الوحيد، والعلاَّمة الفريد الشيخ علي)[687]( ابن الشيخ جعفر المتقدّم الذكر، وهو يومئذٍ متحلي بحلية الاجتهاد، ومرتقي أعلى مراتب الاستعداد، فقلّد جيد (نفائسه) بحلية إجازته، وطرَّزَ جبهة هذا الكتاب بما نسجته بديهة فصاحته، بعد أنْ أجال نظرَه فيه، وأحاط بظاهره وخافيه، فأجازه وأذنَ له أنْ يروي عنه كلّ ما يرويه.
وهذا الكتاب هو كتاب «نفائس الأحكام»، حسنٌ جدّاً، غزير الفروع سلك فيه مسلك التفريع مع الإشارة إلى الدليل، كما سيجيء في تعداد مصنّفاته.
ومنهم: صاحب(أنوار الفقاهة) العالم الفاضل، والوحيد الذي ليس له من مساجل، الشيخ حسن)[688]( نجل الشيخ جعفر (المتقدّم الذكر) حضرَ عليه تمام الفقه استدلالاً من أول كتاب الطهارة إلى آخر الديّات، وروى عنه، وأُجيز منه.
ومنهم: خِرّيت)[689]( الفقاهة والأصول، وفارس ميدان المعقول والمنقول عمُّه وأستاذه الشريف الماهر، السيد باقر القزويني (أعلى الله مقامه)، قرأ عليه الجم الكثير، واقتنى من بحر فضائله الدرّ النثير، وروى عنه، وأُجيز منه)[690](.
وممن حضر عليه، واقتطفَ من فوائده: الورع الفاضل المدقّق الألمعي عمُّه الشريف السيد علي القزويني.
وممن روى عنه، وأُجيز منه بحقّ روايته عن مشايخه بجميع طرقهم ورواياتهم عن مشايخهم: الفاضل الكامل والعالم العامل السيد النجيب الحسيب، صاحب الكرامات السيد تقي القزويني)[691](. وهذه الإجازة شبيهة (بلؤلؤة))[692]( المحدّث البحراني، صاحب الحدائق، الشيخ يوسف (قدّس سرُّه))[693](.
مؤلفاته
وله (أعلى الله مقامه) تصانيف في الفقه والأصول والرياضي والطبيعي، وغير ذلك ما بين كتب ورسائل.
فمنها في (الفقه):
كتاب «بصائر المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين» لآية الله في العالمين، العلاَّمة الحلّي (رفع الله مقامه)، وهو كتاب شافي وافي مبسوط)[694]( في الاستدلال، كثير الفروع غزير الإحاطة، لا سيّما في المعاملات. استوفى به تمام الفقه (في ضمن خمسة عشر مجلداً))[695](، من أول الطهارة إلى آخر الديات عدا الحج.
وله أيضاً مختصر هذا الكتاب اختصره في ضمن ثلاث مجلّدات. وعلى اختصاره كثير النفع والفائدة، لا يكاد يشذّ عنه فرعٌ مع الإشارة إلى الدليل.
وله كتاب «مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام» برز)[696]( منه أكثر كتاب الطهارة (في سبع مجلدات))[697](، وهو كتاب في الاستدلال مبسوط جداً، لا يكاد يوجد في كتب المتأخرين أبسط منه. وعلى هذا البسط جمعَ فيه بين طريقتي الاستدلال والتفريع، وما يقتضي له التعرض من أحوال رجال الحديث.
وله كتاب «نفائس الأحكام» برز منه أكثر العبادات وبعض المعاملات، وهو كتاب حسن التأليف والتصنيف، كثير الفروع، جيّد الترتيب، واسع الدائرة لا ينفك عن الإشارة إلى أدلة الأحكام مع ما اشتملت عليه مقدّمته من المسائل الأصولية، عظيم الفائدة جداً.
وإلى هذا الكتاب يشيرُ بعض (الشعراء))[698]( المادحين له (رفع الله مقامه) بقوله شعراً:
له (نفائسُ) علم كلُّها دُررٌ
والبحرُ يبرزُ عنه أنفس الدُرر
لو أصبحتْ علماءُ الأرض واردةً
منه لما رغبتْ عنه إلى الصَدَر)[699](
وله كتاب «القواعد الكلية الفقهية» حسن الترتيب، جاعلاً للقواعد كلاً في بابها للسهولة على طلاّبها.
وله عدة رسائل وكتب، منها:
كتاب «فلك النجاة في أحكام الهداة»)[700](، وافية بتمام العبادات.
ومنها: «وسيلة المقلدين إلى أحكام الدين»، برز منها كتاب الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف، حسنة الاختصار.
ومنها: رسالة في المواريث، وافية بتمام أحكامه عميمة النفع، جيّدة التفريع، نافعة أيضاً في غير المواريث من الأحكام الفقهية.
ومنها: رسالة في الرضاع، وتسمّى «اللمعات البغدادية في الأحكام الرضاعية» لطيفة في بابها.
ومنها: رسالة تشتمل على بيان أحوال الإنسان في عوالمه، وما يكون فيه سبباً في تكليف غيره من الأحكام الشرعية الفقهية، وهي على اختصارها جيّدة النفع في بابها)[701](. وهي آخر تأليفاته وتصنيفاته، وعليها جفَّ قلمه الشريف، كتبها في مكة المشرّفة)[702](.
وله منسك في أحكام الحج كبير. ومنسك آخر في أحكام الحج صغير.
وله منظومة في الفقه، برز منها تمام العبادات.
وكتاب «شرح اللمعة الدمشقية» برز منه أكثر، العبادات على اختصار، ولم يتمه.
وأمَّا كتبه «الأصولية»، فله:
كتاب «الفرائد» البارز من أول الأصول إلى آخر النواهي (في جملة خمس مجلدات ضخام) )[703](، وهو مبسوط جدّاً حسن التصنيف، على طريقة المتأخرين مشبع ممتع، كثير التحقيق.
وكتاب «الودائع» وافي بتمام المسائل الأصولية، سلك فيه مسلك القدماء (في التأليف )[704](، لا بالمختصر المخلّ، ولا بالمطنب الممل.
وكتاب «المهذب» جمع فيه كلمات الوحيد الأغا البهبهاني مرتّباً لها من أول علم الأصول إلى آخر التعادل والتراجيح، مع تهذيب منه وتنقيح واختيارات وزيادات تمس إليها الحاجة في إكمال الكتاب.
وكتاب «الموارد»، وهو متن حسن الاختصار تام.
ورسالة في «علم الاستعداد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد»، لم يُعملْ مثلها في بابها، ولم يسبقه إلى التأليف بهذا الفن على هذه الكيفيّة والترتيب والوضع سابق، بل هو من مخترعاته. اشتملت هذه الرسالة على فوائد جليلة.
ورسالة في حُجّية الخبر الواحد، بل وغيره من الطرق الظنية.
وله منظومة وافية بتمام علم الأصول، حسنة السبك، جيدة النظم، وقد سمّاها «بالسبائك المُذهّبة».
ورسالة في «آيات الأصول» مبتكرة في بابها. جمع فيها كلّ آية يمكن أنْ يُستدلّ بها على مطلب أُصولي، مرتباً لها على أبوابه، من أول المبادىء اللغوية إلى آخر التعادل والتراجيح. والكثير منها لم يذكره الأصوليون في كتبهم)[705](.
ورسالة في شرح الحديث المشهور المعروف بحديث ابن طاب، المروي عن الإمام الصادق عليه السلام)[706](. وقد أشار إلى هذا الحديث السيد بحر العلوم في منظومته حيث يقول:
ومشي خير الخلق بابن طاب
يفتحُ منه أكثر الأبواب
وحيث أنَّ الكثرة في لسان الشرع فُسِّرت بالثمانين)[707]( استنبط منه (قُدس سرُّه) )[708]( ثمانين باباً، منها: أربعون في الأصل. وأربعون في الفقه. وله كتب ورسائل (في علوم) )[709]( متفرقة، منها:
كتاب «مضامير الامتحان في علمي الكلام والميزان» برز منه علم الميزان، وتمام الأمور العامة، وأكثر الجواهر والأعراض.
وكتاب «آيات المتوسمين في أصول الدين»)[710](، (في ضمن مجلدين) )[711](.
ورسالة تسمّى بـ«قلائد الخرائد في أصول العقائد»)[712](.
ورسالة تسمى بـ«القلائد الحلّية في العقائد الدينية».
ورسالة في إبطال الكلام النفسي.
وله في الرد على العامّة)[713]( كتاب «الصوارم الماضية في رقاب الفرقة الهاوية وتحقيق الفرقة الناجية»، وهو كتاب جليل القدر، عظيم الشأن، اشتمل على تحقيقات في علم الإمامة فائقة، وتدقيقات رائقة، ونَهجَ فيه منهجاً لم يسبقه إليه سابق، اشتمل على مباحثات جليلة مع فرق الإسلام أجمع، وإبطال حججهم، وردّ شبهاتهم، وتحقيق الفرقة الناجية من بين الفرق، وهي فرقة الإمامية. وإلى هذا الكتاب يشير الشاعر المفلق السيد حيدر الحلّي في قصيدة يمدحه بها (أعلى الله مقامه)، حيث يقول:
حامى عن الدين فسدَّ ثغرةً
ما ضمَّنوا عنه له انسدادها
فاستلّها صوارماً فواعلاً
فعل السيوف ثكلت أغمادها
وله رسالة في شرح كلمات أمير المؤمنين عليه السلام من خطبة من «نهج البلاغة»، وهذه الكلمات هي قوله عليه السلام: «لم تحط به الأوهام، بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها»)[714](.
وله كتاب «مشارق الأنوار في حلّ مشكلات الأخيار» لم يتمه، برز منه شرح جملة من الأحاديث المشكلة كحديث «مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربه»، وليته لو أتمّه.
وله رسالة في شرح الحديث المشهور: «حبُّ علي حسنة لا تضر معها سيئة».
وله في التفسير: رسالة في تفسير الفاتحة، ورسالة في تفسير سورة القدر، ورسالة في تفسير سورة الإخلاص.
وله رسالة في أسماء قبائل العرب مرتبة على الحروف (الهجائية، وهي في غاية الحسن، لم يكتب إلى الآن مثلها، وإنْ كان (قدّسَ سرُّه) لم يبسط فيها القلم تمام البسط) )[715](.
وكتاب شرح قوانين الميرزا أبو القاسم القمي. برز منه جملة من الأدلة العقلية، وبعض التعريف، (ولم يشتغل بإتمامه).
وكتاب شرح «اللمعة الدمشقية»، برز منه أكثر العبادات على اختصار، ولم يتمّه.
هذا ما وقفتُ عليه من تصانيفه الموجودة المحفوظة. وأمَّا ما لم أقف عليه مما عُرض له التلف لكونه بأيدي المشتغلين، وحلول الفناء عليهم بسبب الطاعون المبين، وغير ذلك من أسباب التلف، ولكن وجدتُه مذكوراً في ترجمته، فمن ذلك كتاب)[716](:
الفوائد الغروية في المسائل الأصولية.
وكتاب «معارج النفس إلى محل القدس»، (في علم الأخلاق والطريقة)، ومنظومة تسمى «مسارب الأرواح» في علم الحكمة، وكتاب «معارج الصعود» في علم الطريقة والسلوك.
ومنها: كتاب مختصر الأمور العامة والجواهر والأعراض (في علم الكلام).
ومنها: شرح منظومة تجريد العقائد.
ومنها: كتاب «قوانين الحساب»، في علم الحساب.
ومنها: «شرح ألفية ابن مالك» في النحو.
ومنها: مفتاح الأقفال، في النحو.
ومنها: حاشية على شرح التفتازاني في الصرف.
ومنها: حاشية على المُطوّل في المعاني والبيان.
وجميعها لم نقف منها على رسم، ولا سمعنا منها سوى الاسم، تلف جلّها، بل كلّها بسبب تفرّق أوراقها عن المشتغلين، واضمحلالهم في الطاعون المبين.
صفاته
وهو (رحمه الله) مع ذلك في جميع حالاته محافظاً)[717]( على أوراده وعباداته في لياليه وخلواته، مدئباً)[718]( نفسه في طلب مرضاة ربّه، وما يقرّبه إلى الفوز بجواره وقربه، لا يفترّ عن إجابة المؤمنين في دعواتهم، وقضاء حقوقهم وحاجاتهم، وفصل خصوماتهم في منازعاتهم حتى أنّه في حال اشتغاله بالتأليف ليوفي الجليس حقّه، والسائل مسألته، والطالب دعوته، ويسمع من المتخاصمين، ويقضي بينهم بعد الوقوف على كلام الفريقين، فما أولاه بما قيل فيه:
يحدّثُ أصحاباً ويقضي خصومةً
ويرسمُ منثورَ العلوم الغرائبِ)[719](
ومَنْ أبصر أحواله بعيانها، عرف أنّها أكبر من سماعها. وما هو إلاَّ من التأييدات الربانية، والألطاف الإلهية.
بين النجف والحلّة
مكثَ زماناً طويلاً بالغري، ومجاورة جدّه علي، مكبّاً على التحصيل والتدريس والتصنيف، ثم اتفقت له الهجرة إلى فيحاء بابل، ومجتمع فضل الأواخر والأوائل، فمكثَ فيها برهة من الزمان، صادعاً بما أُمرَ به من هداية الناس إلى الإيمان، فاستنقذَ جمّاً غفيراً من قبائل العرب من الضلالة والغواية، وأرشدهم إلى الهداية والولاية، وكشف عنهم غياهب العماية، ورفعَ لهم منار الصدق، فأصبحوا وكلّهم يشهدون «علي مع الحق».
وكتبَ فيها وألّف ودرس وصنّف إلى أنْ نادته الأسرار من مطالع الأنوار، فشمّر (أذيال الزعامة، ملبياً دعاء الإمامة))[720]( لا يعرج على مجاذب، ولا يثنيه عذل قريب أو مجانب، حتى إستاف كافورة أعتاب المرقد المعلّى، ومطاف زمر الملأ الأعلى، فتقبّل حماهُ وطنا، ولم يكن فارقه، ولا شام لسوى بوارقه بارقة، فأنشدَ متمثّلاً، بعد أنْ راقه مقاماً ومنزلاً، شعراً:
تركتُ هوى ليلى وسُعدى بمعزلِ
وعدتُ إلى مصحوب أوّل منزلِ
فنادتْ بي الأشواق مهلاً فهذه
منازلُ مَنْ تهوى رويدكَ فانزلِ
فألقى عصى الإقامة، واستمد الفيض من مطلع شمس الإمامة، فأنفق باقي أيامه الغرّ، مقبلاً على ما ليس فيه تضييع للعمر. لا يرى سوى التأليف أنيسْ، ولا يبتغي بغير الكتاب جليس، ولا يرغب بلذة سوى التدريس. قد ألقى زمام نفسه ليد التقوى، فلا يعوقه عن طاعة ضعف قوى.
سفره إلى بيت الله الحرام
حتى إذا قارب انقضاء مدّة الأجل المبهم، وما خطَّه القلم)[721]( في لوح القضاء المحتم، ولم يبقَ منهجٌ للطاعة إلاّ اتخذه سبيلا، ولا غاية للانقياد إلاّ وكان إليها وصولا، تاقتْ نفسُه إلى حجّ بيت الله الحرام، واشتاقت إلى زيارة قبر النبي والأئمة عليهم السلام، فأيقظ طرف عزمه فذُلل له كلُّ صعب، واستشعر لباس النسك فأورده المنهل العذب. فامتطى غوارب النجائب، ونكب عن ذكر العواقب جانب. فسرتْ تقدُّ بأخفافها نصب السير وجيفاً وإرقالاً)[722](، ملبّياً قوله عزَّ من قائل: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا»)[723](، فمرّت به مرور النسائم، تترامى بها النجود والتهائم، جاعلاً لهب الهجير لحرّ وجهه مقيلاً، صارفاً إلى الآخرة وإنّها لأعظمُ درجات وأكبر تفصيلاً، حتى تسنّم ذروة الأباطح عند أول بيت وُضعَ للناس، وتنسم نسائم القبول من مهابط الحي بين منازل آبائه الذين أذهب الله عنهم الأرجاس. فأدّى بين هاتيك المشاعر فرضه ونفله، وأقام صدور العيس)[724]( يتجاذبن رداء البيد نزولاً ورحلة، معرّجاً على مثوى الرسالة، ومرقد الصفوة من خير سلالة، فطابت نفسه بطَيْبَة، واستنشقَ من أرج النبوة نشرَهُ وطِيْبَه.
وفاته ومدفنه
حتى إذا قضى منها وطر العميد، وكرّتْ به قوافلاً بناتُ العيد، ظهرت مخائل السقام، وأعتاقه دون الوصول إلى الغري شرك الحِمام، فدُعي فأجاب، وكانت وفاته بعد الحجّ في الإياب على مرحلة من (السماوة)، من أرض العراق.
ونقل إلى النجف الأشرف، والغري ذي الشريف، حيث قبرهُ الآن مشهور، وبالزائرين معمور. وكان ذلك سنة الثلاثمائة بعد الألف من الهجرة، فتكون مدّة عمره من يوم ولادته إلى حين وفاته ثمانية)[725]( وسبعين سنة.
وقد رثاه شعراء العصر بمراثي فائقة جيدة عديدة، فمن ذلك ما رثاه به الشاعر المفلق، ومَنْ هو في الفصاحة والبلاغة معرق، السيد حيدر الحسيني الحلّي بقصيدة مطلعها:
أرى الأرض قد مارت لأمر يهولها
فهل طرق الدنيا فناءٌ يزيلها؟!
وأسمعُ رعداً قد تقصّف في السما
لمن زمر الأملاك قام عويلها
وهي قصيدة طنَّانة، أجاد فيها كلّ الإجادة، منها قوله (عليه الرحمة):
تجلّلتها يا دهرُ سوداء فانبرت
عليكَ ليوم الحشر تضفو ذيولها
خطمت بها قصراً عرانين (هاشم)
فقِدْها تساوى صعبُها وذلولها
وقل لعوادي الدهر دونك والورى
مضى الفضل، والباقون منها فضولها
فما جولة عند الردى فوق هذه
فنخشاه يوماً في كريم يجولها
تمَّتْ بيد الأقل نجل العلاَّمة السيد أعلى الله مقامه، حسين الحسيني القزويني.
انتهى ما رسمه العم المولى عطَّر الله مرقده الشريف مع بعض زيادات ونقائص مني أضفتها إليه.
* * *
مراثيه
ثم أنَّ شعراء عصر السيد (قدّس سرُّه) رثوه بمراث لم يتفق مثلها لإمام قبله.
منهم: العالم العامل والفاضل الكامل الأديب اللبيب والحسيب النسيب السيد محمد سعيد حبوبّي (سلّمه الله تعالى) )[726]( بقصيدة مطلعها:
سرى وحداءُ الركب حمد أياديه
وآبَ ولا حادٍ له غير ناعيه
وعهدي بهم يستمطرون بنانه
فلِمْ وبماذا استبدلوا دمع باكيه؟!
وهي طويلة.
ومنهم: الكامل الأديب الشيخ حسن آل شيخ عبدالله، حيث رثاه في قصيدة مطلعها:
طرق الزمان بنكبة صمّاء
عمَّتْ جميع الخلق بالأرزاء
من هولها بكت السماء وأوشكتْ
أفلاكها تهوى على الغبراء
وهي طويلة.
ومنهم الشيخ طاهر الدجيلي من قصيدة مطلعها:
لمن تستبقي مذخور البكاء
جرى المحتوم من صرف القضاء
وتحبس في العيون لمَنْ دموعاً
أذِلْها مثل مُنهلّ الحياء
وهي طويلة.
والسيد جعفر الحلي من قصيدة مطلعها:
أأُعزي الكون أنَّ البدرَ غابا
أم أهنيه بأنَّ السعد آبا؟!
أعلى آيبه أحسو طِلا
أم على غائبه أجرعُ صابا؟!)[727](
وهي طويلة حسنة.
والشيخ كاظم ابن شيخ حسن سبتي النجفي من قصيدة طويلة جيدة مطلعها:
إنَّ رزءاً ألسمَّ فيك ونابا
بحشى الدين صرَّ سنّاً ونابا
وبها شبَّ من لظى الوجد ما لو
شبَّ في مهجة الجنين لشابا
وهي طويلة.
والحاج عباس البغدادي راثياً، ومؤرّخاً في قصيدة مطلعها:
ناعٍ نعى مضراً فآلمَ يعربا
والحجر والبيت الحرام ويثربا
وفي التاريخ يقول:
من بعد عام حجَّ فيه أرخوا
(مهدي آل محمد قد غيّبا)
والشيخ حسون نجل المرحوم الشيخ أحمد قفطان النجفي من قصيدة مطلعها:
العلمُ أصبح مقفر العرصات
والحلم أمسى دائم الحسرات
والدين أضحى والكآبة شأنه
لعظيم ما قاسى من النكبات
والشيخ محمد قفطان من قصيدة مطلعها:
بفقدك أوحشتَ الهدى والمساجدا
وآنستَ فيه حورها والملاحدا
ولما أتى الناعي بموتك معلناً
أجابت دموعي للنداء بلا ندا
وفي التاريخ يقول:
فزدْ بيَ في القول الجميل مؤرّخاً
(عجبتُ لبيت الجود بالترب ملحدا)
والشيخ حسين الدجيلي النجفي من قصيدة مطلعها:
إن تقصر اللؤمَ في شأني وإنْ تزد
فما بقي موضعٌ للصبر في كبدي
وللشيخ حسون خلف المرحوم الشيخ أحمد قفطان أيضاً راثياً ومؤرخاً في قصيدة مطلعها:
يا للرجال فهل بنا من منجد
ينجي من الدهر الخؤون ومسعد
يا دهرُ، مالك والكرامُ جعلتهم
غرضاً لسهمك بالقنا المتأود
وفي التأريخ يقول:
لله يوم قبل ذا أرّختُه
أضحى الهدى ينعى بفقد السيد
والشيخ حسن ابن ملا محمد الحلي القيّم من قصيدة مطلعها:
أيعذل مَنْ كان لم يسعد
على ما أذاب حشى المكمد
أفي كلّ يوم خيول الردى
تصول على سيدٍ سيدِ
والشيخ علي ابن ملا حمزة البغدادي من قصيدة مطلعها:
أقبل الناعي إلينا بالردى
ناعياً مولى الورى دين الهدى
ناعياً كهف المعالي والتقى
ذاكَ منْ للدين ركناً شيّدا
والشيخ محمد الملاّ الحلّي من قصيدة مطلعها:
ماذا جنى الدهر على المجد
فافلق العالم بالوجد
وما الذي ساق لأم العلى
من مؤلم الأرزاء والجهد
والشيخ محسن الشيخ محمد الشيخ خضر النجفي من قصيدة مطلعها:
بمن صات ناعيك هلاّ درى
بفَرق العلى، وبفيه الثرى
أصات بنعيك لا بل أشاط
بنفسي فسالت دماً أحمرا
وهي طويلة، حسنة جيدة.
وله أخرى مطلعها:
جاء بك صارخةً سيَّارة الإبل
تعجُّ بالويل في حل ومرتحل
خوص العيون كريه الشكل منظرها
شوهاً وبوهاً لها من إينق بُزل
والشيخ محسن ابن الشيخ علي العذاري من قصيدة مطلعها:
نعيتَ فأشجيت الورى أبدَ الدهر
أتدري لمن تنعاه، أم لم تكن تدري؟!
والشيخ حسين بن عبدالله الحلّي من قصيدة مطلعها:
خطبٌ أطلَّ على الإسلام مبتكرُ
كادتْ له النيّرات الشهب تنتثرُ
والشيخ صالح المهدي من قصيدة مطلعها:
قضى ماجد كان في عصره
بمنزلة النور من بدره
والشيخ محمد الشيخ عبدالله العذاري من قصيدة مطلعها:
هلاّ كففت لحاكَ الله يا قدرُ
قد أوشكت تتلف الأرواح والصورُ
وله أيضاً من قصيدة مطلعها:
لقد طرقَ الناعي بقاصمة الظهر
أيدري لمنْ ينعاه أم هو لم يدر؟
والشيخ علي الحسين الحلّي من قصيدة مطلعها:
منك الفراق، ومني الوجد والحرقُ
وشأن شاني عليك الدمعُ والأرقُ
والشيخ حسن المصبح الحلّي من قصيدة مطلعها:
قلبٌ يذوب وعبرة تترقرقُ
وجوى بأسناء الضلوع يؤرقُ
والشيخ عبود قفطان من قصيدة مطلعها:
لقد بكر الناعي فيا ليت لا نعى
فزعزع ركن الدين والمجد أفزعا
من أدب التاريخ
هذا ما عثرتُ عليه من مراثيه، وهي قليل في كثير.
وقد رأيتُ مكتوباً على ظهر المجلد الأول من كتابه المسمّى بـ«بصائر المجتهدين» ما هذا لفظه:
للفاضل الكامل الشيخ عبدالحسين نجل الشيخ إبراهيم العاملي مؤرخاً عام ولادة السيد المرحوم المبرور (أعلى الله مقامه) )[728](:
برزتْ محجَّبةَ السعود
تفترُّ عن ثغر نضيد
والكونُ جرَّ على المجرّ
ة بالعلى فضل البرود
والدهر بعد الظن بالا
حسان طوّق كلّ جيد
يوماً به سفرَ العلى
عن غرَّة الشرف الحميد
وبدا به سرُّ الإله
بهيكل اليفع الوليد
لولا العيون لما استهلَّ
بغير فرقانٍ مجيد
ولما رقى غير المنا
بر لا يغالط بالمهود
ولفاه بالأحكام حتى
ما عليها من مزيد
وقضى بما بين الأنا
م بعلمه لا بالشهود
أنّى وفي عرنينه
سمة الإمامة بالحدود
وله المناقب هتّفٌ
بالخلق من بيض وسود
ظهر الهدى تأريخه
(بظهور مهدي الوجود)
1222هـ
وللكامل الأديب الشيخ جواد شبيب مؤرخاً عام ولادته (أعلى الله مقامه):
أبعقد جيد الوجود تحلّى
أم ببدر وجه الزمان تجلّى
وعلى المهد أيّ قبلة قدس
لعلاها وجه المكارم صلّى
جُلَّ مهدٌ يقلُّ للحجّة (المهد
ي) جسماً أحاله الله فضلا
يتحرى الإسلام منه إماماً
آيةُ الدين عن معانيه تُتلى
سوف يُردي دجّال جور الليالي)[729](
أرّخوهُ (ويملأ الأرضَ عدلا)
1223هـ
أقول: وهذان الفاضلان متأخران عنه (قدّس سرُّه)، بل أدركا آخر أيامه، ولكنّهما (سلّمهما الله) لما فاتهما الانتظام في سلك مَنْ رثاه أحبَّا الانتظام في سلك مَنْ مدحه، وزادا على ذلك تاريخ ولادته وفقهما الله تعالى لمراضيه.
* * *
هذا آخر ما وجدناه من النسخة المخطوطة. وقد انتهى من كتابتها الفقير إلى رحمة ربّه الغني السيد جودت الحسيني الشهير بالقزويني في شهر صفر من سنة الثلاث والتسعين بعد الثلاثمائة وألف هجرية على مهاجرها أفضل الصلاة وأزكى التحية. وكان نقلها عن نسخة بخط السيد باقر بن السيد هادي (قدّس الله أسرارهم)، وهي محفوظة عند فضيلة العمّ السيد حميد بن السيد أحمد القزويني، وانتهيت من كتابتها في بلدة الهندية (طويريج) يوم السبت، والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله وصحبه المنتجبين آمين.
الخليج الفارسي
في كتب التاريخ والجغرافيا العربية
قديماً وحديثاً)[730](
مقدمة
الهدف من تدبيج هذه المقالة هو تبيان حق من حقوق الشعب الإيراني في هذه المنطقة الواسعة على امتداد التاريخ القديم، استناداً إلى حضارة عميقة الجذور في منطقة يشهد رجال العالم في أقوالهم وكتاباتهم على صحة الأدلة النقلية التي تستدل بها إيران ويعتبرونها محقة فيما تدعيه. واليوم إذ نرى الاستعمار الغربي، والأميركي على وجه الخصوص، يبذل جهوداً مستميتة للحفاظ على مصالحه الخاصة، يعلن عداءه الصريح للجمهورية الإسلامية في إيران، ويعمد إلى تخويف دول ساحل الخليج الفارسي واستثارتها ـ وما حرب الثماني سنوات التي شنها العراق على إيران الإسلامية إلاَّ وجه من وجوه تلك التحركات الاستعمارية ولو أنها لم تنتج سوى خروج إيران الإسلامية منها أصلب عوداً وأعظم قدرة ـ نراه يسعى مرة أخرى إلى إثارة الفتنة بتحريك إحدى هذه الدول بادعاء ملكية بعض الجزر الصغيرة في الخليج الفارسي ليصطنع حالة من عدم الاستقرار في هذه المنطقة التي هي أصلاً من أرض إيران وملكها المطلق. هدف الاستكبار من كل هذا هو أن يستفيد من المخلاة والمعلف كليهما، كما يقول المثل الفارسي، فيبيع السلاح من جهة، ويضمن تدفق النفط المجاني إلى عجلات اقتصاده، من جهة أخرى، وهو في هذا يرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية حجر عثرة في طريق مصالحه، فيخلق لها تحركات عسكرية واقتصادية وثقافية شتى، ولكني أرى أن العدو يحاول أن يحقق أهدافه هذه المرة بسلاح ثقافي يشوه به وجه شعب من الشعوب، لكي يتمكن بعد ذلك من أن يعطي لنفسه الحق في العدوان بأي شكل من الأشكال.
وهكذا أوحت أميركا لأصدقائها في الخليج الفارسي، بالطرق الثقافية استعمال تعبير (الخليج العربي) بدلاً من (الخليج الفارسي)، وقد ازداد استعمال هذا البديل تفاقماً بعد سقوط الحكم البهلوي الذي كان يحميه. لذلك فإنك تسمع اليوم هذا الاسم البديل في الإذاعات المرئية والمسموعة للحكومات العربية وفي الكتابات والمطبوعات التي تصدر عن المحافل العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في البلدان العربية، وعلى الأخص في دول ساحل الخليج الفارسي، عن عمد أو غير عمد، لتجريح ملكية اسم الخليج الفارسي وهذه الأرض المقدسة، ولكيلا يجرؤ أحد بعد ذلك على الاعتراض على من تسوّل له نفسه من الدول العربية أن يدعي ملكية جزيرة صغيرة أخرى من جزر إيران استناداً إلى أن اسم الخليج أصبح الخليج العربي، أي إن المسمى، وهو الخليج العربي، غدا ملكاً للعرب، وفي هذه الحالة تكون إيران هي الدولة الغاصبة، ويكون عليها ـ على حد قولهم ـ أن تخرج من جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى.
بناء على ذلك، هدفنا في هذه المقالة هو إثباب أحقية السند التاريخي العلمي القديم الذي نجده في كتابات العلماء العرب أنفسهم، والتي تعتبر عندهم من أوثق المصادر العربية ورمز مفاخرهم الثقافية والعلمية والأدبية.
الخليج الفارسي في المصادر العربية القديمة
1 ـ كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبه، يشير إلى مدينة البصرة وخصائصها الجغرافية، فيقول:
«فمن البصرة إلى جزيرة خارك خمسون فرسخاً». ثم يتكلم على سواحل خليج فارس، والمزارع الموجودة في أطرافه، بما فيها النخيل والأعناب وغيرها من مزروعات المناطق الحارة، ويذكر جزائر أخرى مثل (لاوان)، ويقول إن المسافة بين البصرة و(لاوان) تبلغ 80 فرسخاً، كما يعين مساحتها «ثم إلى جزيرة كيش سبعة فراسخ وهي أربعة فراسخ في مثلها، وفيها نخل وزرع وماشية ولها غوص اللؤلؤ الجيد…»، ويقول إن اللؤلؤ المستخرج من خليج فارس يعد من أجود الأنوات. وينتقل إلى جزيرة أخرى في الخليج الفارسي هي جزيرة (ابن كاوان) التي تسكنها الفرقة الأباضية «ومن جزيرة ابن كاوان إلى جزيرة أزموز سبعة فراسخ…
ويقول أيضاً:
إن شط العرب (أروندرود) ينقسم قسمين، الجهة اليمنى منه تسمى شط العرب، والجهة اليسرى تسمى شط فارس، ويذكر طول الشط وعرضه ومساحته: «فشطه الأيمن للعرب وشطه الأيسر لفارس وعرضه سبعون فرسخاً».
2 ـ كتاب الأعلاق النفيسة لابن رستة، وقد جاء فيه إن الخليج الفارسي من البحار الخمسة المعروفة في العالم، وإن طوله 1400 ميل وعرضه 500 ميل. ويشير الكتاب إلى الأنهر التي تصب في الخليج الفارسي، ويقول إن أهمها كارون ودجلة والفرات. فيقول:
ويخرج منه خليج إلى ناحية فارس يسمى الخليج الفارسي، طوله ألف وأربعمائة ميل وعرضه في الأصل خمسمائة ميل… ومخرج دجيل نهر الأهواز من أرض أصفهان وجبالها فيصب في بحر البصرة وفارس بجنبه، ومخرج نهر جندي شابور، .. قنطرة الرود، من جبال أصفهان أيضاً ومصبه في دجيل الأهواز…
3 ـ كتاب الخراج لقدامة بن جعفر، تحت عنوان (في الأنهار والعيون والبطائح) يقول:
ثم يصب الجميع إلى بحر فارس، ومقدار مسافة دجلة منذ ابتدائها إلى منتهاها ثماني مائة ميل ونيف…
4 ـ في كتاب المسالك والممالك للإصطخري يرد ذكر أسماء البلدان الإسلامية في ذلك العصر، ويتحدث خلال ذلك عن الخليج الفارسي، ويصفه بأنه من أكبر بحار المحيط الهندي، ويقول:
فأما مملكة الإسلام… وما اتصل بها من بلاد الأتراك وجنوبها بحر فارس… ثم يتناول حدود الخليج الفارسي وثغوره ومدن المنطقة وقراها ومعادنها، ومن ذلك صيد اللؤلؤ من البحر.
5 ـ وفي مروج الذهب للمسعودي يرد اسم الخليج الفارسي مرات عديدة.
يقسم المسعودي الخليج الفارسي إلى عدة شعب، ويطلق على إحدى الشعب اسم بحر فارس)[731]( ويشير إلى أسماء المدن والقرى والأماكن المعروفة، ويتناول المحصولات الزراعية والمعادن في تلك المنطقة، ويقول إن اللؤلؤ والعقيق والياقوت والماس وحجر المسن من المعادن المعروفة في تلك المنطقة. كما أنه يشير إلى كرمان ومعادنها الغنية، ويخص بالذكر النحاس والحديد والذهب والفضة، وأخيراً يعدد المحصولات الصيفية لتلك المنطقة:
«ويتشعب من هذا البحر خليج آخر وهو بحر فارس وينتهي إلى بلاد الأُبُلّة والحبشان وعبادان من أرض البصرة وعمان إلى رأس الجمجمة… وحوله معادن الحديد مما يلي بلاد كرمان والنحاس بأرض عمان وفيه أنواع الطيب والأفاويه والعنبر والساج والخشب المعروف بالرداسبحي والقنا والخيزران…».
ويتحدث المسعودي في كتابه هذا عن المد والجزر في الخليج الفارسي ويشير إلى عدده في الصيف والشتاء، ويشرح الغوص وأهمية ما يستخرج من اللؤلؤ من الخليج الفارسي.
6 ـ في كتاب التنبيه والإشراف يتحدث المسعودي (متوفى 346هـ) مرة أخرى عن الخليج الفارسي، ويشير إلى بحر فارس ضمن تحديد حدود أرض السواد)[732](.
7 ـ في كتاب البدء والتاريخ لابن طاهر المقدسي (متوفى 355هـ) جاء: «ويسمون بحر فارس الخليج الفارسي، طوله مائة وخمسون فرسخاً وعرضه مائة وخمسون فرسخاً» (ج4، ص54 ـ 57).
8 ـ في كتاب صورة الأرض لابن حوقل (متوفى 367هـ)، في معرض كلامه على بلاد الإسلام يشير إلى الخليج الفارسي فيقول:
… واتبعت ديار العرب بعد أن رسمت فيها ما اشتملت عليه من الجبال والرمال والطرق، وما يجاورها من الأنهار المنصبة إلى بحر فارس ببحر فارس، لأنه يحتف بأكثر ديارها وشكلت عطفة عليها ولأن بحر فارس يعطف من جزيرة مسقط مغرباً إلى مكة وإلى القلزم… (ص15 و16).
ويشير ابن حوقل في هذا الكتاب إلى خليج فارس والأنهار والطرق التي تنتهي إليه، وفي الصفحات 20 ـ 24 يرد اسم الخليج الفارسي تحت عناوين «حدود مملكة الإسلام» و«حدود الهند» و«أشهر البحار وأعظمها» و«التعزز والصين» و«التبت» و«الحبشة والهند» و«ديار العرب» وغير ذلك في الصفحات 29، 30، 48، 49، 51، و52. ثم يصف هذا البحر الفارسي، وخاصة «اللؤلؤ في بحر فارس».
9 ـ في كتاب «أحسن التقاسيم» للمقدسي البشاري (متوفى 380هـ) بحث عن الخليج الفارسي وحدوده.
10 ـ في كتاب «ما للهند» لأبي الريحان البيروني (متوفى 440هـ) يرد اسم الخليج الفارسي ضمن التعريف ببلاد الهند.
وفي كتابه الآخر «نهايات الأماكن» يشير أيضاً إلى بحر فارس.
11 ـ في كتاب «أنس المهج وحدائق الفرج» للشريف الإدريسي (متوفى 1165م) يرد وصف المدن والقرى والجزائر الموجودة في الخليج الفارسي، ويخص جزيرة كيش ببحث واف ويعين بعدها عن ساحل الخليج الفارسي.
12 ـ في كتاب «معجم البلدان» لياقوت الحموي (متوفى 626هـ) جاء عن بحر فارس قوله:
«وهو شعبة من بحر الهند الأعظم واسمه بالفارسية كما ذكره حمزة…».
ويصف حدود الخليج الفارسي وسواحله ومدنه الساحلية وموانئه وجزائره، وخاصة جزيرة (خارك). ثم يتناول خصائص الخليج الفارسي الجغرافية ومراكزه المهمة، ويذكر المناطق القريبة من بحر فارس وخارك وكرمان ومكران وسجستان وعبادان.
13 ـ في كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (متوفى 630هـ)، يرد اسم الخليج الفارسي في فصل بعنوان «الدعوة إلى الطاعة»، فيقول: «كان في سواحل بحر فارس ملك اسمه أسيون، يعظم، فسار إليه أردشير فقتله هو ومن معه، واستخرج له أموالاً عظيمة…».
14 ـ في كتاب التذكرة النصيرية للخواجة نصير الدين الطوسي (متوفى 672هـ) وصف للخليج الفارسي جاء فيه: «… خليج مثلث الشكل عند الأكثرين، طوله من الجنوب إلى الشمال… وعلى رأسه عبادان، وليس بين عبادان إلى البحر عمارة، ولهذا قيل في المثل السائر: ليس وراء عبادان قرية. وهناك مصب دجلة والفرات…».
15 ـ في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني (متوفى 682هـ) جاء إن ماء خليج فارس شديد الملوحة.
16 ـ وفي كتابه عجائب المخلوقات يصف الخليج الفارسي بقوله:
هو شعبة من بحر الهند الأعظم ومن أعظم شعبه، وهو بحر مبارك كثير الخير، لم يزل ظهره مركوباً واضطرابه وهيجانه أقل من سائر البحار… وأما بحر فارس فإنه يكون على مطالع القمر، وكذلك بحر الصين والهند…
17 ـ في كتاب نخبة الدهر لشمس الدين الدمشقي (متوفى 727هـ) جاء ما يلي:
… قال أهل العلم بذلك بحر فارس مبارك مأمون كثير الخير، لم يزل مركوباً وهيجانه واضطرابه أقل من سائر البحر، وهو شعبة من بحر الهند… وهو مثلث الشكل على هيئة القلع أحد أضلاعه من البصرة إلى رأس الجمجمة من بلاد مهرة… وفي هذا البحر من الجزائر المشهورة على ألسنة التجار تسعة، أربعة منها عامرة وهي جزيرة خارك يحيط بها عشرون ميلاً وبها مدينة لها جامع حسن، وجزيرة كاس وتسمى جزيرة قيس (كيش)…
18 ـ في كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء (متوفى 732هـ) يعرّف بحر فارس فيقول:
وهو بحر ينبعث من بحر الهند شمالاً بين مكران وهي على فم بحر فارس من شرقيه… ثم يمتد مشرقاً حتى يصل إلى هورموز…
ويواصل المؤلف وصف حدود بحر فارس الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية وقراه وجزائره المشهورة، مثل خارك وكيش ولار وغيرها مثل جزيرة أبو موسى.
(19 ـ في كتاب نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري (متوفى 732هـ) يرد وصف شكل الخليج الفارسي وسواحله ومساحته وأضلاعه.
20 ـ في كتاب خريدة العجائب لابن الوردي (متوفى 749هـ) يذكر الخليج الفارسي فيقول:
ويسمى البحر الأخضر، وهو شعبة من بحر الهند الأعظم وهو بحر مبارك كثير الخير… وفي جزائره معادن أنواع اليواقيت والأحجار الملونة النفيسة ومعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وحجر المسن والعقيق وأنواع الطيب والأفاويه….
21 ـ في كتاب صبح الأعشى للقلقشندي (متوفى 821هـ) جاء عن الخليج الفارسي ما يلي: «فأما بحر فارس فهو بحر ينبعث من بحر الهند المتقدم ذكره من شماليه…» ثم يتحدث عن حدوده وسواحله وجزائره.
22 ـ وفي كتاب الخطط المقريزية تأليف تقي الدين المقريزي (متوفى 845هـ) ورد اسم الخليج الفارسي أيضاً.
* * *
فيما يلي نورد أسماء مؤلفات لمؤلفين عرب خلال القرنين الأخيرين:
1 ـ التعريبات الشافية للطهطاوي (متوفى 1290هـ). يرد اسم الخليج الفارسي تحت عنوان (الأنهر الكبيرة) ص28 و(أوصاف عامة) ص170 و171.
2 ـ تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان (متوفى 1331هـ). يشير إلى الخليج الفارسي تحت عنوان (جغرافيا مملكة السلام في عصر المأمون وحدودها) ج1، ص41.
3 ـ حقائق الأخبار عن دول التجار تأليف إسماعيل سرهنك (متوفى 1343هـ) تحت عنوان (اكتشافات شواطي آسيا) يقول:
إن أسطول الإسكندر المقدوني تحت إمارة نيارك اكتشف شواطي آسيا من نهر السند إلى الخليج الفارسي… ج1، ص7.
4 ـ مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا (متوفى 1353هـ) في باب (شبه جزيرة العرب) يتحدث عن الخليج الفارسي.
5 ـ التحفة النصوحية لحسن نصوح، وتحت عنوان (مملكة الفرس أو حكومة إيران) يقول: «مملكة العجم عبارة عن هضبة عالية محاطة بجملة جبال شاهقة الارتفاع… على طول الخليج الفارسي» (ص274 و336).
6 ـ في كتاب النخبة الأزهرية لإسماعيل علي، كلام على مضيق هرمز وجزيرة قشم والبحرين والخليج الفارسي، ودراسة عن حدود الخليج وموقعه الجغرافي، وهناك إشارة إلى ميناءين مهمين في الخليج الفارسي. (ص461 ـ 520).
7 ـ في كتاب تاريخ البصرة لعلي ظريف الأعظمي، بحث عن البصرة ووصف للخليج الفارسي (ص3 ـ 10).
8 ـ في كتاب تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم حسن، إشارة إلى الخليج الفارسي ضمن وصف الدول العربية جغرافياً (ج1، ص21 و77).
9 ـ في كتاب جغرافية شبه جزيرة العرب تأليف عمر رضا كحالة، يرد اسم الخليج الفارسي في صفحات عديدة. يتناول الكتاب حدود شبه الجزيرة العربية وثغورها وحضرموت والأحساء وقطر وعمان، وما يتعلق بصيد اللؤلؤ والمحصولات الصيفية والطول والعرض الجغرافيين، حيث يتكرر ورود اسم الخليج الفارسي في هذا الكتاب القيم.
10 ـ في كتاب جهود المسلمين في الجغرافيا لنفيس أحمد، إشارات مختلفة للخليج الفارسي تحت عناوين متنوعة (ص119، 120، و134).
11 ـ في كتاب جولة في ربوع الشرق الأدنى تأليف محمد ثابت، وفي الصفحات 108، 109 و112 إشارات إلى الخليج الفارسي وميناء بوشهر ومدن الخليج الفارسي الأخرى، كما يشير إلى مدينة كازرون التي تقع على الطريق بين شيراز وبوشهر. (ص212 و213).
وفي أواخر هذا الكتاب إشارة إلى الملاحة في الخليج الفارسي وإلى ثروة النفط العظيمة فيه (ص213 و214).
12 ـ في كتاب المجتمعات الإسلامية بقلم شكري فيصل، إشارة إلى الخليج الفارسي في عدد من الصفحات تحت عنوان «الجزيرة»، كما يتكرر اسم الخليج الفارسي عند الكلام على حدود جزيرة العرب وجغرافيتها ورياحها الموسمية وحرّها الشديد.
13 ـ في كتاب العراق بين احتلالين لعباس العزاوي، إشارات عديدة إلى الخليج الفارسي (خاصة في ج1، ص189 وج4، ص85 وج7، ص80) وإلى المعاهدات بين العراق وإيران وتحديد الحدود بينهما في العهدين القاجاري والعثماني، حيث يرد اسم الخليج الفارسي في أكثر صفحات الكتاب.
14 ـ في كتاب مباحث عراقية ليعقوب سركيس يرد اسم الخليج الفارسي مرات عديدة في صفحات هذا الكتاب. (ج2، ص295…).
15 ـ في كتاب تاريخ العرب لفيليب حتي، في كثير من صفحاته يرد اسم الخليج الفارسي.
16 ـ في كتاب النظم الإسلامية تأليف الدكتور صبحي الصالح، (ص37 و38) يدور الكلام على البحر الفارسي.
17 ـ في كتاب الشارقة تأليف محمود بهجت سنان، يرد اسم الخليج الفارسي في ص96.
نصر الله شامي
الخواجة نصير الدين الطوسي
هو أبو جعفر محمد بن فخر الدين محمد بن حسن المعروف باسم نصير الدين الطوسي، الملقب بأستاذ البشر والعقل الحادي عشر. كان من أعاظم رجال القرن السابع ومن كبار العلماء الإيرانيين، وُلد سنة 597هـ، إلاَّ أن هناك اختلافاً في مسقط رأسه، فبعض المؤرخين يقول إنه وُلد في (جهرود) من أعمال قم، وآخرون يقولون إنه ولد في (طوس) وغيرهم يقولون إنه أصلاً من (جهرود) ولكنه وُلد في طوس وعلى ذلك نسب إليها. درس العلوم النقلية والعقلية على والده وخاله، ومن ثم على فريد الدين الداماد النيشابوري، ودرس العلوم الرياضية على كمال الدين محمد الحاسب، وحضر فترة من الزمن حلقات درس بعض العلماء، مثل قطب الدين المصري وكمال الدين يونس الموصلي وأبي السعادات الأصفهاني، حتى أصبح أستاذاً في معارف عصره وعلى الأخص في الحكمة والرياضيات، ولقب بأستاذ البشر، حتى استدعاه ناصر الدين عبدالرحيم (أو عبدالرحمن) المكنى بأبي الفتح، حاكم (قهستان) إلى بلاطه. وكان هذا من رجال الإسماعيلية المحبين للعلم والعلماء وهناك ألّف كتابه المعروف «أخلاق ناصري» على اسمه.
وأرسله ناصر الدين إلى قلعة (الموت) عند علاء الدين محمّد، الخليفة السابع لحسن الصباح، ومن ثم لازم ركن الدين خورشاه، آخر الحكام الإسماعيليين. لقد أمضى الطوسي هذه الفترة عند الإسماعيليين سجيناً أو موقوفاً محترماً، وهو نفسه يقول عن ذلك في مقدمة «الزيج الأيلخاني»: «في الوقت الذي استولى فيه هولاكو على زمام الملحدين، كنت أنا، نصير الدين من طوس، تحت سيطرة الملحدين فأنقذني منهم». وقد بقي تحت تلك السيطرة حتى استسلام ناصر الدين، وعندئذٍ قدمه إلى هولاكو. ولما كان المغول يؤمنون بالتنجيم وحساب الأفلاك إيماناً عميقاً، ولما كان الخواجة مشهوراً بمعرفة هذه العلوم، فقد أكرمه هولاكو، ومنذئذٍ بقي الخواجة نصير الدين الطوسي في خدمة المغول حتى وفاته سنة 672هـ. وخلال حياة هولاكو كان الخواجة من المقربين والملازمين له ويحظى باحترامه وتكريمه حتى اعتبر أحد وزرائه.
وفي سنة 657هـ باشر، بطلب من هولاكو، بإنشاء مرصد مراغة، كما أصدر أمراً في السنة نفسها بجعل جميع أوقاف الدولة تحت تصرف الخواجة. وعلى أثر ذلك رحل الخواجة إلى بغداد مرتين، الأولى سنة 662هـ والأخرى قبيل وفاته، وذلك لكي يشرف على شؤون الأوقاف هناك، وأرصد ما زاد على مصاريفها لبناء مرصد مراغة، واستطاع خلال رحلاته هذه أن يجمع ما كان يحتاج إليه من الكتب والأدوات والآلات الخاصة بالرصد.
قام الخواجة نصير الدين الطوسي بتدوين خلاصة أعماله وأعمال زملائه في الرصد في كتابه «الزيج الأيلخاني». وبعد موت هولاكو بقي الخواجة موضع حفاوة (أباقاخان). وبالإضافة إلى مركزه العلمي وتآليفه القيمة في العلوم المختلفة، كان وجوده خدمة عظيمة للمعارف الإنسانية، وذلك أنه عن طريق نفوذه في بلاط هولاكو استطاع أن يستنقذ عدداً كبيراً من كتبه التي كانت معرضة للتلف على يد التاتار، وجمعها في مكتبة، وقد قيل إن الكتب التي استطاع الخواجة نصير الدين الطوسي جمعها في تلك المكتبة بلغت أربعمائة ألف مجلد. كما أنه بمركزه ونفوذه استطاع أن يخلص أرواح عدد من العلماء والفضلاء من الإزهاق على أيدي التاتار.
توفي الخواجة نصير الدين الطوسي في بغداد سنة 672هـ. وقد كان ينظم الشعر أحياناً، وثمة أبيات من الشعر الفارسي تنسب إليه. معظم مؤلفاته كتبها بالعربية وبعضها بالفارسية. من أهم كتبه:
1 ـ تحرير إقليدس.
2 ـ الرسالة الشافية من الشك في الخطوط المتوازية.
3 ـ تحرير المجسطي.
4 ـ كشف القناع عن أسرار شكل القطاع.
5 ـ تحرير كتاب مانالاوس في الأشكال الكروية.
6 ـ تحرير كتاب أكثرثا وذوسيوس.
7 ـ تحرير كتاب مأخوذات أرخميدس.
8 ـ تحرير كتاب المناظر لإقليدس.
9 ـ تحرير كتاب المساكن لثا وذوسيوس.
10 ـ تحرير كتاب الكرة المتركه لأطولوقس.
11 ـ تحرير كتاب في الأيام والليالي لثا وذوسيوس.
12 ـ تحرير كتاب ظاهرات الفلك لإقليدس.
13 ـ تحرير كتاب في الطلوع والغروب لأطولوقس.
14 ـ تحرير كتاب في المطالع لأسيقلاوس.
15 ـ تحرير كتاب الفروضات لأرخميدس.
16 ـ كتاب أرسطرخس في جرمي النيرين وبعديهما.
17 ـ تحرير كتاب معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكروية.
18 ـ تحرير الكرة والأسطوانة عند أرخميدس.
19 ـ تحرير كتاب المعطيات.
20 ـ ترجمة ثمرة الفلك.
21 ـ كتاب انعكاسات الشعاعات.
22 ـ التذكرة النصيرية في الهيئة.
23 ـ ترجمة صور الكواكب.
24 ـ رسالة في الشعاع.
25 ـ الرسالة المعينية في الهيئة.
26 ـ الزيج الأيلخاني.
27 ـ عشرون باباً في معرفة الأسطرلاب.
28 ـ زبدة الهيئة، وهو في الهيئة واستكشاف أحوال الأفلاك والأجرام.
29 ـ ثلاثون فصلاً في الهيئة ومعرفة التقويم.
30 ـ رسالة في الحساب والجبر والمقابلة.
31 ـ زبدة الإدراك في هيئة الأفلاك.
32 ـ مدخل في علم النجوم.
33 ـ مئة باب في معرفة الأسطرلاب.
34 ـ استخراج قبلة تبريز.
35 ـ أخلاق ناصري.
36 ـ أوصاف الأشراف.
37 ـ تنسوق نامه ايلخاني، في معرفة المعادن.
38 ـ جواهر الفرائض، في الفقه.
39 ـ آداب المتعلمين، في التربية.
40 ـ معيار الأشعار، في العروض.
41 ـ أساس الاقتباس.
42 ـ تجريد المنطق.
43 ـ تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار.
44 ـ رسالة معقولات ياقاطيغورياس.
45 ـ حل مشكلات الإشارات في الفلسفة.
46 ـ رسالة في الجوهر المفارق، أو رسالة نفس الأمر أو إثبات العقل.
47 ـ رسالة في العلم والعالم والمعلوم.
48 ـ رسالة في بقاء النفس بعد فناء الجسد.
49 ـ رسالة في كيفية صدور الموجودات.
50 ـ رسالة في النفي والإثبات.
51 ـ رسالة في العلل والمعلولات.
52 ـ تجريد العقايد في الكلام.
53 ـ الفصول النصيرية.
54 ـ تلخيص المحصل.
55 ـ مصارع المصارع.
56 ـ رسالة في الجبر والتفويض.
57 ـ رسالة في إثبات الواجب.
58 ـ رسالة في الإمامة.
وعدد آخر من التحريرات والرسائل والكتب.
مصادر البحث
1 ـ سرگذشت وعقائد فلسفي خواجه نصير الدين طوسي. محمّد مدرس. طبع جامعة طهران.
2 ـ منتخب أخلاق ناصري. طبع وزارة الثقافة.
3 ـ تاريخ المغول. عباس أقدام، ص501 وما بعدها.
4 ـ تاريخ أدبيات در إيران. الدكتور صفا، ج3.
5 ـ مجالس العشاق، ص323.
6 ـ هفت إقليم. إقليم چهارم.
7 ـ طرايق الحقايق، ج2، ص291.
8 ـ حبيب السير، ج3، ص105.
9 ـ نگارستان سخن، ص123.
10 ـ مجمع الفصحاء، ج1، ص633.
11 ـ رياض العارفين، ص234.
12 ـ مجلة «يادگار» السنة الثالثة، العددان 6 و8.
13 ـ مجلة «أرمغان» السنة 19.
14 ـ تحريرات الخواجة نصير الدين الطوسي الدكتور صفا، مجلة كلية الآداب، السنة الثالثة، العدد 4، طهران.
15 ـ خواجه نصير الدين طوسي ورصدخانه مراغه.
16 ـ آثار الشيعة الإمامية، ج4، ص55.
17 ـ أحوال وآثار أستاذ بشر وعقل حادي عشر محمّد بن محمد بن الحسن الطوسي. مدرس الرضوي.
18 ـ ديباجة أخلاق محتشمي. دانش پژوه.
19 ـ از سعدي تا جامي. ترجمة على اصغر حكمت.
20 ـ أساس الاقتباس، ومقدمة مدرس الرضوي.
21 ـ سرگذشت وعقائد فلسفي خواجة نصير الدين طوسي ـ مقدمة المدرسة الزنجاني.
جعفر صادق الخليلي
دراسة في الأرجاز الحسينية
إن للإمام الحسين عليه السلام أشعار رقيقة قيّمة تفوح منها رائحة الحرية والحكمة والشجاعة والإيمان، وقد جمعها عددٌ من رجال العلم والأدب كأبي مخنف الأزدي المؤرخ المتوفى عام 157هـ وابن الخشاب النحوي)[733]( الشاعر المتوفى سنة 567هـ لفصاحتها وبلاغتها وعذوبتها، منها أرجازه الحربية التي انطلقت من حنجرة طيبة واثقة بلقاء الله سبحانه وهي تحتوي على مضامين عالية ومعارف سامية تدعو الإنسان إلى السيادة الدنيوية والسعادة الأخروية، وتكون درساً للإيثار والتضحية والثورة على الظالمين، وتدلّ على أن جهاده كان لأجل إحقاق الحق وإحياء الدين والدفاع عن مبادئه الأصيلة، وتكشف عن قناع الزيف الأموي ومساراته المنحرفة عن جادة الإسلام وكتاب الله وسنّة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم.
ولا شك أنّ الأرجاز الحسينية تعتبر مادة أدبية شيّقة لعشاق هذا الفن ومريديه، والتي لا تخرج من قسمين رئيسين: الأول ما يُقال منها على الخاطر والبديهية في ساحة القتال، والثاني: ما يتمثل به الإمام من أشعار غيره من الشعراء بأن يختار ما يناسب الحال معتمداً على محفوظاته الشعرية.
ولا يغيب عن البال أن هذه الأرجاز تمثّل عنصراً مهماً من عناصر الحرب، وشاهداً تاريخياً على الأحداث، كما تشتمل على مفاهيم عقائدية لا يستغني عنها من يرغب البحث عن أحوال الإمام النفسية ودوافعه الذاتية في وقعة الطف، تلك الوقعة التي تعدّ المعركة الفاصلة الثالثة في تاريخ الإسلام الجهادي امتداداً للصراعين على التنزيل والتأويل)[734](، وكان بطلها الإمام الحسين عليه السلام، وقد واجه فيها وضعاً متردياً عاشته الأمة المسلمة في زمان طغاة بني أمية الذين انحرفوا عن مسار الإسلام الصحيح، ثم استهتروا بقيم وتعاليم الدين، وتركوا معالم القرآن ومحكم التنزيل والتبيان، وأسرفوا في تعاطي المنكرات، ومارسوا أبشع أنواع البغي والجور مع الصالحين والأبرياء، وتألبوا لحرب الإمام الحق مطالبين بثارات بدر وضغائن الجاهلية التي تكنّها صدورهم للإسلام، فخذلوه بعد أن كاتبوه، ونكثوا بيعتهم بعد أن عاهدوه، وقاتلوه بعد أن دعوه لينصروه.
وبما أنّ الحسين عليه السلام يمثل الصورة المثلى للإسلام في سيرته وسلوكه وخطّه الرسالي الأصيل وهو اختصار لشخص النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم)[735]( وسنّته ونهجه وكتاب ربّه، لما أحس به من مسؤولية عظيمة بالنسبة إلى الشؤون العامة وزعامة الأمة، وتسلط الفسقة الفجرة من الأمراء والولاة على الأمة والملة، فعند ذلك قام حامياً للدين وحافظاً لحقوق المسلمين ونادى نداء أيقظ به الناس وحذّرهم من السلطات الجائرة المؤدية إلى الذلة والدنيّة والسقوط من غير خوف ولا مداهنة ولا تقية، ثم ذكر ما ينوّر قلوبهم وأفكارهم في إصلاح المجتمع وردّ الحكومة الأموية الجاهلية إلى حكومة صالحة عادلة يعيش في ظلّها المسلمون في رخاء ورفاهية وسلام، آمنين على نفوسهم وحقوقهم وشؤونهم.
فليس ثمة أحدٌ أحق بالنهضة لأجل إصلاح وتغيير الوضع المتردي في الأمة غير الإمام الحسين عليه السلام فحدّد سلفاً أهداف ثورته الخالدة، فكانت إحياء معالم الحق وإماتة البُدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقطع أيدي الظلمة عن حوزة الدين ومجتمع المسلمين، وطلب الإصلاح في الأمة والعمل بكتاب الله وسنّة رسوله، كما خطب الإمام الحسين عليه السلام في أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيّها الناس، إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله».
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفي، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر)[736](…
ولما خرج الإمام الحسين عليه السلام مصمّماً على تحقيق أهداف نهضته، قام خطيباً في أصحابه بذي حُسُم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها واستمرت جداً، فلم يبق منها إلاَّ صُبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاَّ شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلاَّ برماً)[737](.
وقد روي أنّ الإمام الحسين عليه السلام حينما منعه أخوه محمد بن الحنفية من الخروج إلى الكوفة، دعا بدواةٍ وبياضٍ وكتب له وصية، قال فيها:
إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الصلاح في أمة جدي صلَّى الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين)[738](.
وقد جاء في رواية لمّا اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام يوم عاشوراء، التفت إلى أصحابه وقال لهم:
صبراً بني الكرام، فما الموت إلاَّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وما هو لأعدائكم إلاَّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب)[739](.
ومن هنا يبدو أن أرجاز الحسين عليه السلام في معركة الطف التي كانت في حساب الزمن ساعات من نهار، لكنّها في حساب المبادىء والمُثل العليا ثورة استغرقت الزمن كله، وستبقى مناراً لكلّ من استشهد في سبيل عقيدته، فضلاً عن احتجاجاته العديدة مع القوم، يفتح باباً جديداً لأن يعرّف لهم الإمام نفسه وجدّه وأباه وأمّه وأقرباءه من الشهداء الذين لهم عظمة بين المسلمين، وجلالة فيهم، ويتكلّم معهم بلسان العواطف والإحساسات الإنسانية ليرشدهم إلى سبيل الحق وينقذهم من الضلالة والجهالة، حتى يصرفهم عن سفك دماء الذرية الطاهرة، ثم يفتخر بأنه كلام الله الناطق، ووديعة نبوية عند أمته، وابن الخيرتين، وهدىً للناس)[740]( إلى الإيمان، وفاتحة مصحف الشهادة، وأبو الأئمة الأطياب، والإمام الحق، والقائد الرسالي، وخامس أهل الكساء الذين اختارهم الله تعالى لمباهلة نصارى نجران، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً)[741](.
وكل ذلك لم يكن إلاَّ إتماماً للحجّة ليهلك من هلك عن بيّنة، كما رأينا أن الإمام لمّا وجد أعداءه مثلاً للشرّ بشتّى جهاته ومظهراً للفساد بجميع خصائصه، قام بتبيين شقاوتهم وعداوتهم، وانحرافهم عن الأخلاق والفضيلة، وإعراضهم عن الدين والحقيقة، حتى ينعكس في حياتهم ويثبت في التاريخ.
وبما أن هذه الأرجاز تشتمل على شفقة الإمام على الأمة، ونبوغ حريته، وسمو هدفه وعظمته وشخصيته وأدبه وحماسته، فهي تعدّ من أهم أدوات الإعلام الفعّالة التي تقف إلى جانب السيف في الذود عن الإسلام مقابل الطغاة والمفسدين والمنافقين، ومن هنا يمكن جعل الأرجاز الحربية أحد أدوات الحكم على عقيدة صاحبها، بالإضافة إلى أنها تعتبر مادة تاريخية وأدبية رائعة لا يستغني عنها المؤرخ والأديب على السواء.
إنّ للإمام الحسين عليه السلام سبعة أرجاز نجد فيها بعض المقارنات بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، كما وصف معسكر الحق بأنهم أنصار الله ورسوله وشيعة الرحمن، وأنهم أهل البصيرة والصبر والوفاء؛ ووصف معسكر الباطل بأنهم أعداء الله ورسوله وشيعة الشيطان، وأنهم فجار فسّاق ناكثون غادرون.
وممّا لا شك فيه أن غرض الإمام من بيان الأرجاز في ساحة الحرب يوم عاشوراء لم يكن تفاخراً بالآباء فقط، بل يريد أن يعرّفنا طريق التضحية والفداء في سبيل الحق، والتقدم إلى الشهادة، والتسابق إلى نيل الرضوان، كما عبّر عن وفاء أصحابه وأهل بيته وتفانيهم في نصرته بقوله:
«أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي.. )[742](.
فمن المعلوم أن الإمام الشهيد عليه السلام عبّر بأرجازه عن حماسته وشجاعته، ومسؤوليته الإلهية، وقيادته الرسالية، وقوة شكيمته في لقاء الأعداء، وإنكاره الشديد على الظلمة، والتعبير بهم، والتغيير عليهم وعلى أفكارهم المظلمة وسياستهم الموحشة كما يلي:
1 ـ حين قصد الإمام الطف ولاقى الحرّ، فقال له الحرّ: إنّي أذكرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ. فقال له الحسين عليه السلام:
أبالموت تخوّفنى؟ هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وما أدري ما أقول لك! ولكني أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول! فقال:
سأمضِي وما بالموتِ عارٌ على الفتى
إذا ما نوى خيراً وجاهدَ مُسلِما
وواسَى رجالاً صالحينَ بنفسِهِ
وخالفَ مثبوراً وفارقَ مُجرما
فإنْ عشتُ لم أندمْ وإن متُّ لم أُلَمْ
كفى بكَ ذُلاًّ أنْ تعيشَ وتُرْغَما)[743](
أصل الشعر لشاعر من الأوس وقد استحسنه الإمام الحسين عليه السلام وتمثل به في موارد عديدة)[744]( يشير إلى أنه خرج لنصرة الدين والدفاع عن الإسلام والمسلمين، كما كان لا يرى في سبيل أهدافه، وإزالة العدو عن مقره ومقامه إلاَّ التضحية والفداء والقتل والشهادة.
2 ـ روى عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة (أي ليلة عاشوراء)، وأنا عليل، وهو يعالج سهاماً له، وبيني يديه جون مولى أبي ذر الغفاري، إذا ارتجز الحسين:
يا دهرُ أفٍّ لكَ مِنْ خليلِ
كم لكَ في الإشراقِ والأصيلِ
مِنْ صاحبٍ وماجدٍ قتيلِ
والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ
والأمرُ في ذاكَ إلى الجليلِ
وكلُّ حيٍّ سالكُ السبيلِ)[745](
ففهمت ما قال وعرفت ما أراد وخنقتني عبرتي، ورددت دمعي، وعرفت أن البلاء قد نزل بنا)[746](.
وأمّا عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع، فشقت ثوبها، ولطمت وجهها، وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه! واحزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه، يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت ويئست من الحياة؛ اليوم مات جدي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأمي فاطمة الزهراء، وأخي الحسن، يا بقية الماضين، وثمال الباقين. فقال لها الحسين: لو تُرِك القطا لنام. قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي، وخرّت مغشياً عليها؛ فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء)[747](.
3 ـ لمّا استكف الناس بالحسين عليه السلام ركب فرسه واستنصت الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً وبؤساً لكم! استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفاً كان في أيدينا، وحمشتم علينا ناراً أضرمناها على عدوّكم وعدوّنا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم ويداً على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم، فهلاّ لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لمن يستحصف ولكنّكم أسرعتم إلى بيتنا كطيرة الدبا، وتهافتّم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفهاً وضلة، فبعداً وسحقاً لطواغيت هذه الأمة، وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون.
أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون! أجل والله خذل فيكم معروف، نبتت عليه أصولكم، واتزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلاً.
ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلّة، وهيهات له ذلك منيّ! هيهات منّا الذلّة! أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طهرت وجدود طابت، أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد، وكثرة العدو وخذلة الناصر، ثم تمثّل فقال:
فإنَّ نَهزِمْ فهزَامونَ قِدْماً
وإنْ نُهزَمْ فغيرُ مُهَزَّمينا
وما إنْ طِبُّنا جبنٌ ولكِنْ
مَنايانا ودولةُ آخَرينا
فلو خلدَ الملوكُ إذاً خَلَدْنا
ولو بَقِيَ الكرامُ إذاً بَقينا
فقُلْ للشّامتينَ بِنا أفيقوا
سيلقَى الشّامتون كما لَقينا)[748](
وممّا يجدر ذكره أنّ بعض تلك الأبيات لغرورة بن مسيك المرادي أنشدها يوم الردم في وقعة بين مراد وهمدان، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، وكما هو واضح استحسنها الإمام الحسين عليه السلام وتمثّل بها يوم عاشوراء، مشيراً إلى أن الفتح والنصر والغلبة والعزّة والعظمة له ولأصحابه الأبرياء، وإن قلتوا في ذلك اليوم.
4 ـ لمّا أحاط بالحسين عليه السلام جموع ابن زياد وقتلوا من قتلوا من أصحابه، ومنعوهم الماء، دعا بابنه الرضيع عبدالله)[749](، فاحتضنه وجعل يقبّله، فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله، فنزل الإمام عن فرسه، وحفر له بسيفه، ورمّله بدمه، وصلّى عليه، ودفنه، ثم وثب قائماً وهو يقول:
غدرَ القومُ وقِدْماً رغبوا
عن ثوابِ اللهِ ربُ الثَّقَلَيْن
قتلوا قِدْماً عليّاً وابنَهُ
حسنَ الخيرِ كريمَ الطَّرَفَيْن
حسداً منهُمْ وقالوا أجمِعوا
نُقبِل الآنَ جميعاً بالحُسَيْن
يا لَقومٍ لأُناسٍ رُذَّلٍ
جمعُوا الجمعَ لأهلِ الحَرَمَيْن
ثمَّ ساروا وتواصَوْا كلُّهُمْ
لاجتياحى للرضا بالمُلْحِدَيْن
لم يخافُوا اللَّهِ في سفكِ دَمي
لعُبَيْدِ اللَّهِ نسلِ الفاجِرَيْن
وَابْنُ سعدٍ قد رَماني عَنْوَةً
بجنودٍ كَوُكوفِ الهاطِلَيْن
لا لِشيءٍ كانَ منًى قبلَ ذا
غيرِ فخرى بضياءَ الْفَرقَدَيْن
بعلّي خيرِ مَنْ بعدَ النَّبي
والنّبيِّ القرشيِّ الْوالِدَيْن
خَيْرَةُ اللَّهِ مِنَ الخلقِ أبي
ثمَّ أمّي فأنَا ابْنُ الْخَيْرَتَيْن
فضّةٌ قد صُفِيتْ من ذهب
فأنّا الفضّةُ وَلبْنُ الذَهَبَيْن
مَنْ لَهُ جدٌّ كجدّي في الورى
أو كَشَيْخى فأنَا ابْنُ القُمَرَيْن
فاطمُ الزّهراء أمّي وأبي
قاصمُ الكفرِ ببدرٍ وحُنَيْن
ولَهُ في يومِ أُحْدٍ وقعةٌ
شَفَتِ الغِلَّ بفَضِّ الْعَسْكَرَيْن
ثمَّ بالأحزابِ والفتحِ معاً
كانَ فيها حتفُ أهلِ الْقِبْلَتَيْن
في سبيلِ اللهِ ماذا صَنَعَتْ
أمَّةُ السّوءِ معاً في الْعِتْرَتَيْن
عترةِ البَرِّ النّبيِّ المصطفى
وعليّ الوَرْدِ بينَ الْجَحْفَلَيْن)[750](
وقد جاء في بعض الروايات)[751]( أن الإمام الحسين عليه السلام أنشأ هذه الأرجوزة بعد ما دنا من القوم وقال: يا ويلكم أتقتلوني على سنّة بدلتها، أم على شريعة غيرتها: أمّ على جرم فعلته، أم على حقّ تركته، فقالوا له:
إنّا نقتلك بغضاً لأبيك، فلما سمع كلامهم حمل عليهم فقتل منهم في حملته مائة فارس ورجع إلى خيمته وهو يقول هذا الشعر.
على وجه عام هذه الأبيات الطريفة الرائعة تدلّ على أن أدب الحسين عليه السلام لا يتوقف على التكرار والدرس ولا يتّسق بالقياس والفكر والحدس، بل كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره طائعة، لأنه يرى عالم الغيب في عالم الشهادة ويقف على حقايق المعارف في خلوات العبادة، فسماء معارفه بعيدة عن الإدراك، ومن أراد ستر فضائله كان كمن أراد ستر وجه الشمس، ولنعم ما قيل: الشمس بالتطيين لا تُغطّى.
5 ـ بعد أن قُتل أصحاب الحسين وأقاربه، وبقي فريداً، تقدم حتى وقف قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيساً من نفسه، عازماً على الموت وهو يقول:
أنّا ابنُ عليّ الخيرِ مِنْ آلِ هاشمٍ
كَفاني بهذا مَفخّراً حينَ أفخَرُ
وجدّي رسولُ اللَّهِ أكرمُ خلقِهِ
ونحنُ سراجُ اللَّهِ في الأرضِ يزهَرُ
وفاطمُ أمّي مِنْ سُلالةِ أحمد
وعمّي يُدعى ذَا الجناحينِ جعفَرُ
وفينا كتابُ اللَّهِ أُنزِلَ صادقاً
وفينَا الهدى والوحيُ بالخيرِ يُذكَرُ
ونحنُ أمانُ اللَّهِ للخلقِ كلِّهِمْ
نسرُّ بهذا في الأنام ونجهَرُ
ونحنُ ولاةُ الحوضِ نسقي وليَّنا
بكأسِ رسولِ اللَّهِ ما ليسَ يُنكَرُ
وشيعتنا في النّاسِ أكرمُ شيعةٍ
ومبغضُنا يومَ القيامةِ يخسَرُ)[752](
وممّا جاء في هذه الأبيات يبدو لنا أن الإمام الحسين عليه السلام الذي كان نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، يباهي بجدّه وأبيه وأمّه وعمّه، ثم يقدّم نفسه بأنّه كلمة التقوى ومصباح الهدى، ومنار العلم والإيمان ومفسّر أحكام القرآن، وعلم المهتدين ورجاء المؤمنين: ذلك الكهف الحصين، والصراط الأقوم، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والإمام المبين الذي نراه معجزة التاريخ بنوره ورأسه ودمه وترابه، كما أن محبّته شفاء والبكاء له عبادة.
6 ـ استوى الحسين عليه السلام على راحلته، ثم دعا الناس على البراز، فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثم حمل على الميمنة وهو يقول هذا الرجز:
الموتُ خيرٌ مِنْ ركوبِ العارِ
والعارُ أولى مِنْ دخولِ النّارِ)[753](
هذا هو شأن من لا يرى الموت في سبيل المجد والعزّ إلاَّ حياة خالدة، ولا الحياة مع الذّل إلاَّ عاراً مفجعاً، وبما أن الإمام الحق كان خصماً للظالم وعوناً للمظلوم، برّز موقفه الحاسم قائلاً:
لست أخاف الموت، إن نفسي لأكبر من ذلك، وهمتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت.. مرحباً بالقتل في سبيل الله)[754](.
ولذلك نراه في وقعة الطف بطلاً حرّاً شجاعاً لم يعط العدوّ بيده إعطاء الذليل ولم يفرّ فرار العبيد، فاختار المنية على الدنية والسلة على الذلة، وقال: موت في عزّ خير من حياة في ذلّ)[755](.
7 ـ إنّ الإمام الحسين عليه السلام بعد أن حمل على الميمنة وقتل كثيراً من الأعداء، حمل على الميسرة وأنشد مرتجزاً:
أنّا الحسينُ بنُ عليّ
آليتُ أن لا أنثَني
أحمي عيالاتِ أبي
أمضي على دينِ النّبي)[756](
فوالله ما رأيتُ مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشد عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكمّلوا ألفاً، فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله العلي العظيم)[757](.
يظهر من هذه الأرجاز أن نهضة الحسين عليه السلام قد تمّت في مخطط جذري لإنقاذ الإسلام من براثن الكفر والفسق والضلالة التي أشاعها الحكم الأموي في المجتمع آنذاك للخروج عن سلطان الدين، ومحق الرسالة الإسلامية، والقضاء على سنّة النبي؛ كما يتجلَّي أيضاً أنه لم تكن في تضحية الحسين عليه السلام وتفديته يوم الطف داعية ولا باعثة إلاَّ الإيمان بالله، والثقة برسوله، والعقيدة الثابتة بما وعد الله المجاهدين في سبيله، والدفاع عن حوزة المسلمين بعدما نسي الدنيا ومتاعها، وشغل عن الأهل والأولاد بالآخرة ونعيمها، وبذل مهجته في سبيل الحق، ونصرة الدين، وإحياء السنن، وإماتة البدع، وقطع أيدي الظلمة بكلّ سخاء وطيبة نفس، ولم تأخذه في الله لومة لائم، ولم تمنعه سطوة ظالم، ثم صبر على طعن الرماح وضرب السيوف وقذف الحجارة حتى فاز فوزاً عظيماً.
ألم ترَ كيف اضطره نكد الدنيا إلى إيثار الموت على الحياة، وقام بما لم يقم بمثله أحد قبله ولا بعده، وأظهر من إباء الضيم وعزّة النفس ما بهر العقول وحيّر الألباب.
فهرس المراجع
ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، 1399هـ/ 1979م.
ابن شعبة الحراني: تحف العقول عن آل الرسول، صحّحه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الثانية، 1404هـ/ 1363ش.
ابن شهراشوب: مناقب آل أبي طالب، عني بتصحيحه والتعليق عليه السيد هاشم الرسولي المحلاتي، قم انتشارات علامه، بدون تاريخ.
ابن كثير الدمشقي: البداية والنهاية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1413هـ/ 1993م.
ابن هشام المعافري: السيرة النبوية، قدم لها وعلق عليها وضبطها طه عبدالرؤوف سعد، مصر مكتبة الكليات الأزهرية، 1391هـ/ 1971م.
أبو الفرج الإصفهاني: مقاتل الطالبيين، شرح وتحقيق السيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بدون تاريخ.
أبو نعيم الإصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، بيروت، دار الفكر، 1412هـ/1992م.
الإربلي: كشف الغمة في معرفة الأئمة، علّق عليه السيد هاشم الرسولي، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1403هـ/ 1983م.
سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص، قدّم له السيد محمد صادق بحر العلوم، طهران، مكتبة نينوى الحديثة، بدون تاريخ.
سپهر ميرزا محمد تقى: ناسخ التواريخ در احوالات حضرت سيد الشهداء عليه السلام، تهران، كتابفروشى اسلاميه، 1351ش.
الصدوق: معاني الأخبار، عني بتصحيحه علي أكبر الغفّاري، بيروت، دار المعرفة، 1399هـ/ 1979م.
الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن: إعلام الورى بأعلام الهدى، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، بيروت، دار المعرفة، 1399هـ/ 1979م.
الطبرسي، أبو منصور أحمد: الاحتجاج، تعليقات وملاحظات السيد محمد باقر الموسوي الخرسان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ومؤسسة أهل البيت عليهم السلام، 1401هـ/ 1981م.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك، بيروت، دار الفكر، 1407هـ/ 1987م.
الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الرابعة، 1402هـ/1982م.
القرآن الكريم (بالرسم العثماني)، الخطاط: طه عثمان، دمشق، دار الفجر الإسلامي ومكتبة عبدالوهاب ميرزا، الطبعة العاشرة، 1405هـ.
القندوزي: ينابيع المودة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بدون تاريخ.
المجلسي: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1403هـ/ 1983م.
المفيد: الإرشاد، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، 1399هـ/ 1979م.
اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، بدون تاريخ.
الدولة الصفوية
يُعتبر قيام الدولة الصفوية أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي أكبر حدث في تأريخ التشيّع الاثنا عشري بعد تلك التجربة الفريدة التي خاضها السلطان الإيلخاني أُلجايتوخان (خدابندة) بعد إعلانه التشيّع رسمياً في أطراف الإمبراطورية المغولية العظمى.
كان السلطان خدابندة رجلاً عقائدياً متسامحاً، لكنه لم يستطع أنْ ينشر التشيّع على صورته التي كان العلاَّمة الحلّي قد نظَّرها له في مؤلفات عديدة لعدم وضع منظومة متكاملة تتبنى تطبيق السياسة العقائدية الشيعية بعده.
بيد أنَّ النجاح الذي حقَّقه يكمن بتبنّي أغلب القبائل التي سيطرت على الدول المنفصلة عن الإمبراطورية الإيلخانية الشيعيّة رغم الاختلاف الناشىء في تطبيق التشيّع مذهباً رسمياً لهذه الدول تبعاً لتقلّب سياساتها والصراعات التي كانت تعصف بداخلها.
فعندما تمزقت أوصال الإمبراطورية الإيلخانية في إيران والعراق بعد وفاة آخر السلاطين الإيلخانيين، السلطان أبي سعيد بن السلطان خدابندة عام 736هـ/ 1336م، أصبحتْ أغلب الدول المنفصلة عن الإمبراطورية الأمّ واقعة تحت سلطة قبائل ذات نزعات شيعية.
وفي نهاية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي شهد العالم الإسلامي حركة جديدة انبعثت على يد تيمورلنك، فقد استطاع أنْ يسيطر على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي حتى استولى على العراق عام 795هـ/ 1393م، وعلى بلاد الشام سنة 803هـ/ 1401م، واتَّجه إلى بلاد الروم (الأناضول) معقل دولة العثمانيين، ثم سيطر على أقسام كبرى من الهند أيضاً.
كان تيمور ذا نزعة تميل إلى التشيّع، وبالرغم من كل ما نُسب إليه، إنَّ مدّة حكمه التي قضَّاها بالفتوحات لم تدعه يتخذ مشروعاً عقائدياً لحكمه، بل كان دورُه دور الشخصيّات الأسطورية التي تسعى للسيطرة على العالم وإخضاعه لها، إلاَّ أنَّ وفاته عام 807هـ/ 1405م أنهت حركته، وأعادت صراعات الأمراء التيموريين من جديد.
وصفت بعض المصادر تيمور بأنَّه كان شيعياً، ونُقل بعد فتحه الثاني لبغداد سنة 803هـ/ 1400م أنَّه زار المراقد الدينيّة في مدينتي الكاظمية والنجف، وكان قبل ذلك قد زار مشهد الإمام علي الرضا في طوس)[758](.
وذكرت بعض المصادر أنَّ تيمور كان سنيّاً، وكان متعاطفاً مع الشيعة أيضاً، لذلك ترك الدولة السربدارية الشيعية في سبزوار في الحكم على أنهم تابعون له. كما كان يفضّل العلويين المنحدرين من نسل الإمام علي بن أبي طالب، ويتسامح معهم)[759](.
وذكر بعض الدارسين أنَّ تيمور كان شيعيَّاً بالمعنى السني الشامي، وذلك بموالاة علي، واحترام الشيخين، فقد جمعَ العاطفة الشيعيَّة مقترنة بالفكر السُني حتى اعتُبرَ نائب الخلفاء الراشدين، وحارس السنة)[760](.
والواقع أنَّ تجرّد تيمورلنك عن الصبغة المذهبية، وطموحاته الكبرى في السياسة والحكم هي التي جعلت الأطراف تتنازع عليه، وتدَّعيه لنفسها.
بعد وفاة تيمور سنة 807هـ/ 1405م تولّى حفيده خليل بن ميران شاه الحكم بعده، لكنّه لم يستمر طويلاً فقد مات مسموماً سنة 809هـ/ 1406م ليتولّى منصبه شاه رُخ بن تيمور (809 ـ 851هـ/ 1406 ـ 1447م) وقد بقيت الصراعات تتزايد بين الأمراء التيموريين حتى قيام نهضة الصفويين وتوحيدهم للمناطق التي أصبحت إمبراطورية تابعة لهم.
وقد بقي نصيب الدول المنفصلة عن الإمبراطورية الإيلخانية (والذي خضع بعضها للحكم التيموري) من العقائد الشيعية محدوداً، وسيطرت عليها النزعات الصوفية التي حاولت أن تكوّن إطاراً يضمُّ مختلف الاتجاهات المتنافرة. وبسبب ازدهار هذه الحركات الشيعيّة المتسمة بالتصوف وتناميها مقابل السلطات الحاكمة، فإنّ بعض الحكام حاول الانتقال إلى التشيّع الاثنا عشري للحدّ من تنامي مقدّمات التصوف ذات النزعات الشيعية البدائية التي اتسمت بها بعض هذه الدول، كما يلاحظ ذلك في محاولة استقدام السلطان علي بن المؤيّد سلطان الدولة السربدارية للشهيد الأول لنشر التشيع مقابل الحدّ من سلطة الدراويش المتنامية في البلاد.
سبق قيام الدولة الصفوية تشكيل حركات قويّة اختلطت فيها مفاهيم التصوف بمفاهيم التشيع، كما ظهرت نزعات موالية للتشيع ضمن الإطار السُني أيضاً)[761](.
فقد ظهرت الحركة الحروفية التي أسسها فضل الله الأسترآبادي في إيران كتيّار انتشر بعد مقتل مؤسسها عام 804هـ/ 1401م إلى العراق والشام. وقد أصبح الحروفيون فرقة مستقلة اعتمدت على أصول الحروف العددية، والتصرف في الأرقام. وقد تنامى النفوذ السياسي لهذه الفرقة في عهد الشاه عباس الصفوي مما دعا إلى الإيقاع بزعمائهم في (مذبحة إصفهان) سنة 1002هـ/1594م.
وقد اعتمدت أغلب الفرق التي ظهرت بعد هذه الفترة على عقائد الحركة الحروفية، مع مزيج من بعض التيارات التي ربطت التشيّع بالتصوّف والتي تمثلت بأفكار الشيخ رجب البرسي (من أعلام القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي)، وأفكار الشيخ محمد بن علي الأحسائي المعروف بابن أبي جمهور (كان حيَّاً سنة 901هـ/ 1496م)، وأهم هذه الفرق هي الشيخية، الرشتية، البابيّة، ثم البهائية.
كما ظهرت طريقة صوفية أخرى بزعامة نعمة الله الولي العلوي (731 ـ 834هـ/1330 ـ 1431م) ضمت اثني عشر ألفاً من المريدين تحت قيادته التي أجهضها التيموريون بعد نفي مؤسسها إلى سمرقند. وانتقل السيد نعمة الله إلى الهند، وحظي برعاية الملك أحمد شاه (ح828 ـ 838هـ/ 1425 ـ 1435م) ملك الدكن، وبقي بعض أحفاده فيها)[762](.
وظهرت طريقة أخرى هي الطريقة النوربخشية، التي قيل إنَّها تأسست على يد أحد تلامذة الفقيه الشيخ أحمد بن فهد الحلي، وهو السيد محمد بن عبدالله الملقب بنور بخش (795 ـ 869هـ/ 1393 ـ 1465م) بإيران.
كان زعماء الطرائق الصوفية من الشعراء البليغين، والأدباء المتميزين. وكان بعضهم يجمع بين صَنْعتي الشعر والنثر، فالسيد نعمة الله الولي له ديوان شعري طبع بطهران عام 1356هـ/ 1937م، ضمن مجلدين. كما كان السيد محمد نور بخش شاعراً بليغاً، وله رسائل كثيرة، ومؤلفات.
أمَّا السيد محمد بن فلاح فقد عُرف بفقاهته، وتمكّنه بالعلوم العقلية مضافاً إلى بلاغته التي تميَّزت بها خُطبه.
واشتهر إسماعيل الصفوي (مؤسس الإمبراطورية الصفوية) بالشعر، فكان شاعراً مُكثراً، قيل إنَّه نظم اثني عشر ألف بيت.
كما تميزت كل الطرائق الصوفية بتقاليدها الخاصة، وكان طابعها لبس الصوف.
فقد عُرفَ الحرفيون بارتداء اللباس الأبيض الذي يرمز إلى الكفن، وكان أنصار نعمة الله الولي يتزيون بهذا الزي، ويضيفون إليه تاجاً من مادة اللباد تطوَّر فيما بعد إلى وضع شعار رأس مخمس الشقق يرمز إلى أصحاب أهل الكساء الخمسة، ثم أصبحت الشقق اثنتي عشرة (إشارة إلى الأئمة الاثني عشر).
وكان أتباع محمد نور بخش يتميزون بلبس السواد، ويضعون العمامة السوداء التي يختص بها الفقهاء العلويون من الشيعة الآن، وقد منعت السلطات التيمورية ارتداءها.
أمَّا الطريقة الصفوية فقد اختار شيخها حيدر بن جُنيد بن إبراهيم الصفوي 883هـ/ 1478م قلنسوة حمراء ذات اثنتي عشرة شقة تُلف حولها العمامة ليضعها أتباعُه على رؤوسهم. ونسبةً إلى هذا الشعار الذي كان أحمر اللون سُمي أتباع السيد حيدر بالقزلباش، (أي أصحاب الرؤوس الحمراء). وقد زال استعمال هذا المصطلح تقريباً بعد قيام الدولة الصفوية)[763](.
اقترن التصوّف بالتشيّع حتى خشيَ بعض الصوفية أن يندمج هذان التيَّاران معاً فتختص الولاية بالعلويين فقط، الأمر الذي دعا بهاء الدين محمد البخاري (717 ـ 791هـ/ 1318 ـ 1389م) بإنشاء الطريقة النقشبندية التي ألغت السلسلة التي كانت ترجع في مجموعها إلى الانتساب للإمام علي بن أبي طالب)[764](.
أمَّا الطريقة التي نمت ضمن الاتجاهات الشيعية في إيران، والتي أصبحت في نظر المؤرخين أهم الطرائق الصوفية، فهي الطريقة الصفوية التي نشأت على يد الشيخ صفي الدين (650 ـ 735هـ/ 1252 ـ 1334م) في مدينة أردبيل ـ (أشهر مدن آذربيجان الجبلية)، الواقعة على السواحل الغربية لبحر قزوين (بحر الخزر) في الشمال الغربي من إيران ـ خلال الفترة الإيلخانية، والتي استطاعت أنْ توحّد البلدان الإيرانية فيما بعد تحت حكمها بعدما تفرَّقتْ إلى دويلات متعددة.
تتلمذ الشيخ صفي الدين على يد أحد كبار العرفانيين الإيرانيين، وهو الشيخ تاج الدين إبراهيم زاهد الكيلاني (ت: 700هـ/1301م)، واقترن بابنته أيضاً. وكان لهذا الشيخ مكانة كبيرة يومذاك، فأصبح صفي الدين بعد وفاته خليفةً له.
ورث صفي الدين عن أبيه ثروة كبيرة تتمثل بالمقاطعات الزراعية. وهو بفضل أملاكه الشاسعة، وطريقته الروحية أصبح زعيماً يفدُ إليه المريدون من مختلف الأقطار)[765](.
وقد تعاقب على رئاسة الطريقة ولده صدر الدين موسى (735 ـ 794هـ/ 1334 ـ 1392م). ثم الخواجة علي بن صدر الدين (794 ـ 830هـ/ 1392 ـ 1427م) الذي تولى رئاسة الطريقة ستة وثلاثين عاماً.
كان لخواجة علي (736 ـ 807هـ/ 1336 ـ 1404م) صلة بتيمورلنك، وقد جعل تيمور له أردبيل وضواحيها، واصفهان، وهمدان وقفاً له، ولأعقابه من بعده.
وبعد هزيمة السلطان بايزيد الأول بن مراد الأول على يد تيمورلنك سنة 804هـ/1402م، ووقوع الأتراك في الأسر طلب الخواجة علي من تيمور إطلاق سراح الأسرى، فاستجاب له. وقد أصبح هؤلاء الأسرى السنيون بعد إطلاق سراحهم من أهم مريدي الأسرة الصفوية، والمستميتين بالدفاع عنها)[766](.
حافظ الزعماء الصفويون جميعاً على هذه الطريقة بنفس التوجيه، ونالوا احترام الحكام الجلايريين، والتيموريين. وانتشر تلامذتهم ومريدوهم في جميع أنحاء إيران والعراق وأناضوليا، وحتى في بعض المناطق في سوريا.
وبعد تنصيب الشيخ الرابع بعد صفي الدين، السلطان الشيخ جُنيد)[767]( (851 ـ 865هـ/ 1447 ـ 1461م) لمنصب الزعامة عام 851هـ/ 1447م بدأت مرحلة جديدة في تطور هذه الطريقة عندما تحوَّلت من طريقة سلمية إلى طريقة قتالية.
أصبح جنيد الحاكم الفعلي لدولة صغيرة تمركزت بمدينة أردبيل التي كانت تابعة لحكم آق قوينلو، وقد أصبحت في هذه المرحلة ساعيةً للربط بين السلطتين الدينيّة والدنيوية.
وقد تحولت الطريقة الصفوية على يد ولده السلطان حيدر (865 ـ 893هـ/ 1461 ـ 1488م) إلى طريقة تعتمد على سياسة الفتوحات والتوسع التي انتهجها أبوه قبله. وقد نظَّم السيد حيدر أتباعه الحركيين في جماعات قتالية تُدعى (القزلباش)، أو أصحاب الرؤوس الحمراء لارتدائهم قبعات حمراء مع إشارة إلى اثنتي عشرة عقدة مختلفة الألوان تُشير إلى عدد الأئمة الاثني عشر.
إلاَّ أنَّ هذا الزعيم القوي قُتل في بعض الوقائع في إحدى فتوحاته، وقد أصبح إسماعيل فيما بعد رمزاً للقبائل القزلباشية، وتراثاً يذكرهم بسلسلة آبائه الصفويين.
التفَّت القبائل القزلبائية)[768]( حول الفتى إسماعيل)[769]( المولود عام 892هـ/ 1497م، واستطاعت أنْ توحّد به الأراضي الإيرانية، وأنْ تتقدم في توسعها إلى دول مجاورة ليُكتب لهذا الفتى اليافع أنْ يكون أول حاكم يتولى السلطة في أكبر إمبراطورية قامت على مبادىء العقيدة الشيعيّة في القرن العاشر الهجري، والتي امتد حكمُها 233 سنة، ابتدأ من عام 906هـ/ 1501م، وانتهى بسقوطها على يد الأفغان عام 1139هـ/ 1727م. وقد توالى عشرة من الملوك على الحكم، أولهم إسماعيل، وآخرهم طهماسب الثاني ابن الشاه حسين.
د. جودت القزويني
ديوان الإمام علي بن أبي طالب
الشعر في عهد علي بن أبي طالب
الحديث عن الشعر في عهد علي رضي الله عنه لا بدَّ أن يتعرض لثلاثة جوانب كل منها يكمل الآخر ويتمه: أولها ميل علي بن أبي طالب إلى الشعر وبصره به وحكمه عليه ونظرته إلى الشعراء وتشجيعهم وصلتهم. وثانيها أن علياً عرف بشعر وشاعرية وقال الأبيات والمقطعات في مناسبات شتى ونُسب إليه ديوان وشعر كثير فيه قليل مما يصح وكثير مما لا تصح نسبته إليه. وثالثها أن خلافته حفلت بأحداث سياسية وحربية كان الشعر معبراً عنها ومصوراً لأحداثها.
ولكي نستطيع أن نجلو صورة الشعر في عهد علي لا بدَّ من التأكيد على كل من هذه الجوانب وربطها بأحداثها وظروفها.
علي والشعر
كان الإمام علي يقدر الشعر ويحبه ويتمثل به ويرويه وينظمه ويحكم عليه، روى ابن رشيق أن علياً كان يقول: (الشعر ميزان القول) )[770]( ورواه بعضهم: (الشعر ميزان القوم) وفي كلتا الروايتين يعطي للشعر قيمته الرفيعة وإن كنت أرجح الرواية الأولى وأنحي الثانية، إذ لا يصح أن يكون الشعر ميزاناً للناس، فقد يرفع الشعر وضيعاً ـ وكثيراً ما رفع ـ وقد يضع رفيعاً أو يهون من قدره، وخير الشعر أكذبه، كما يقول زهير. ولكن الشعر بما له من موسيقى تزن الكلام وتنغمه وتساوق العبارة وتنسقها، يكون ميزاناً للقول المهذب الجميل.
وعلى الرغم من أن عهد الإمام لم يكن عهد دعة واستقرار كي نجد أحداثاً كثيرة له معه الشعراء، فإن ذلك لا يعني أن علياً كان يعرض عن الشعر أو يهمل الشعراء، إذ لو صح هذا الفرض لمنع غالب بن صعصعة من تعليم ابنه الشعر، فقد دخل غالب على عليّ أيام خلافته ـ وغالب شيخ كبير ـ ومعه ابنه همام (الفرزدق) وهو غلام يومئذٍ، فقال علي: من هذا الغلام معك؟ قال: هذا ابني، قال: ما اسمه؟ قال: همام وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً)[771](.
وقد كان علي يعطي على الشعر والكلام الحسن، ففي رواية أذكرها بتمامها لطرافتها: إن أعرابياً)[772]( وقف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن لي إليك حاجة رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى وعذرتك، فقال له علي: حط حاجتك على الأرض فإني أرى الضر عليك، فكتب الإعرابي على الأرض: إني فقير. فقال علي: يا قنبر ادفع إليه حلتي الفلانية، فلما أخذها مَثُلَ بين يديه فقال:
كسوتني حلة تبلى محاسنها
فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه
كالغيث يحيي نداء السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به
فكل عبد سيجزى بالذي فعلا
فقال علي: يا قنبر أعطه خمسين ديناراً، أمّا الحلة فلمسألتك، وأمّا الدنانير فلأدبك، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: (انزلوا الناس منازلهم).
وكان يسمع الشعر ينشد بين يديه، وبخاصة ذلك الشعر الذي يدعو إلى مكرمة أو يثبت حقاً يدحض باطلاً، فمن ذلك ما كان ينشده النابغة الجعدي في طريقه إلى صفين بين يدي الإمام)[773](:
قد علم المصران والعراق
إن عليا فحلها العتاق
أبيض جحجاح له براق
وأمه غالى بها الصداق
أكرم من شد به نطاق
إن الأولى جاؤوك لا أفاقوا
لكن سياق ولهم سياق
قد علمت ذلكم الرفاق
سقتم إلى نهج الهدى وساقوا
إلى التي ليس لها عراق
في ملة عادتها النفاق
وقد سَخَّر علي بن أبي طالب الشعر في سبيل المصلحة الإسلامية، والأهداف الحربية وإن كانت هذه الأهداف قد غطتها الفتنة ووقفت في سبيلها المصالح والأطماع، ونحاول هنا أن نظهر دور الشعر الذي استخدمه علي متمثلاً أو قائلاً، ونثبت هنا من أقواله ما نثبت صحته أو تُرَجَّح، معرضين عن الأشعار الموضوعة أو المشكوك في صحتها.
جاء في السيرة أن علياً كان يرتجز أثناء بناء مسجد الرسول في المدينة:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يدأب فيه قائماً وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
وقد عقّب ابن هشام على هذا بقوله: (سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا: بلغنا أن علي بن أبي طالب ارتجز به فلا يدري أهو قائله أم غيره) )[774](. وقد روى ابن إسحاق ثلاث قصائد منسوبة لعلي فإذا لم تصح له فلعله كان قد تمثل بها وأنشدها، ويرجح أنها قيلت في المعارك الإسلامية الأولى من قبل أحد المسلمين، وقد نظروا في معانيها فرأى الرواة أنها تناسب علياً فنسبوها إليه، وأرى أن من الخير أن نتعرف على هذا الشعر ففيه روح إسلامية، وفيه جزالة تناسب ما عُرف عن الإمام من فصاحة وأسلوب مشرق بليغ، ولا بدَّ أن يكون المصدر الذي نقل عنه ابن إسحاق هذا الشعر ونسبه إلى علي، على قدر كبير من العلم بالشعر وبالرجال، بحيث يوفق هذا التوفيق في إضافة الأشعار لمن يمثلون معانيها في أقوالهم وخطبهم.
فأما القصيدة الأولى فقد قيلت في بدر، وهي من جياد القصائد التي تصور بلاء المسلمين ونصرهم، وظهور دين الله على دين الشرك والوثنية، وفيها ذكر لهزيمة المشركين من قريش، وتذكيرهم بعذاب الآخرة، قيل)[775](:
ألم ترَ أن الله أبلى رسوله
بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل
بما أنزل الكفار دار مذلة
فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره
وكان رسول الله أرسل بالعدل
ويذكر فيها المشركين وما ينتظرهم من عذاب الآخرة:
دعا الغيّ منهم من دعا فأجابه
وللغيّ أسباب مرقعة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل
عن الشغب والعدوان في أشغل الشغل
وكان الحارث بن هشام قد أجابه بنقيضة منها:
عجبت لأقوام تغنى سفيههم
بأمر سفاه ذي اعتراض وذي بطل
تغنى بقتلى يوم بدر تتابعوا
كرام المساعي من غلام ومن كهل
وقد قال ابن هشام في القصيدتين: ولم أرَ واحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها وإنما كتبناهما لأنه يقال: إن عمرو بن عبدالله بن جدعان قُتل يوم بدر ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى وذكره في هذا الشعر.
أمّا الموضع الثاني الذي ورد فيه شعر منسوب لعلي بن أبي طالب في السيرة، ففي أحداث أُحد، حيث ذكر له رجز، نبّه ابن هشام إلى أن بعض أهل العلم بالشعر يقول: أن رجلاً من المسلمين قاله، والشعر هو هذا الرجز)[776](:
لا هم أن الحارث بن الصمه
كان وفيا وبنا ذا ذمه
أقبل في مهامه مهمه
كليلة ظلماء مدلهمه
بين سيوف ورماح جمه
يبغي رسول الله فيها ثمه
أمَّا القصيدة الثالثة فقد قيلت يوم إجلاء بني النضير، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي، قال:
عرفت ومن يعتدل يعرف
وأيقنت حقاً ولم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء من
لدى الله ذي الرأفة لا رأف
والقصيدة من خمسة عشر بيتاً تفيض بالمعاني الإسلامية. وقد وردت نقيضة لها لسماك اليهودي، حيث يقول)[777](:
إن تفخروا فهو فخر لكم
بمقتل كعب أبي الأشرف
غداة غدوتم على حتفه
ولم يأت غدراً ولم يخلف
وكذلك عقب ابن هشام على هذا الشعر، بأن أحد المسلمين قال القصيدة، غير علي بن أبي طالب. وعلى كل حال فالمروي للإمام علي في السيرة هو من الشعر الجيد المتين، على خلاف الشعر الذي ورد في الكتب المتأخرة فأكثره شعر ضعيف ركيك.
أمّا أكثر ما روي له من الشعر، ففي الأحداث الحربية التي خاضها إبان خلافته، في مواقع الجمل وصفين والنهروان. يروى أنه مرَ بين القتلى بعد معركة الجمل، فوجد بينهم طلحة ـ وكان رماه مروان بن الحكم في أكحله، حين رجع عن قتال علي، بعد أن علم أن الزبير رجع ـ فوقف عليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كارهاً لهذا، أنت والله كما قال القائل)[778](:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
كان الثريا علقت في يمينه
وفي خده الشعرى وفي الآخر البدر
وكان الإمام قد أعطى الراية إلى ابنه محمد بن الحنفية، فدفعه إلى الحومة وهو يحثه ويقول)[779](:
اطعنهم طعن أبيك تحمد
لا خير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفي والقنا المسرد
وفي صفين سقط قتلى وجرحى من الفريقين، وكان من جند علي المرقال وناس من الأسلميين، فوقف عليهم علي ودعا لهم وترحم عليهم وقال من أبيات)[780](:
جزى الله خيراً عصبة أسلمية
صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيد وعبدالله بشر بن معبد
وسفيان وابنا هاشم ذي المكارم
وعروة لا ينفد ثناه وذكره
إذا اخترطت يوماً خفاف الصوارم
وكانت الحملة الشديدة على جيش معاوية، حيث تفرق وتقهقر، حتى ظهر جيش علي على قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلاَّ قده وهو يقول)[781](:
أضربهم ولا أرى معاوية
الأخزر العين العظيم الحاويه
تهوى به في الناء أم هاويه
قال المسعودي: وقيل أن هذا الشعر لبديل بن ورقاء قاله في ذلك اليوم، ولا يمنع أن يكون علي قد تمثّل به وكثيراً ما كان يتمثل بالشعر في حروبه.
وفي حروب النهروان، يخرج أحد الخوارج يترجز بقوله)[782](:
أضربهم ولو أرى عليا
ألبسته أبيض مشرفيا
فيخرج إليه علي مجيباً:
يا أيهذا المبتغي عليا
إني أراك جاهلا شقيا
قد كنت عن كفاحه شقيا
هلم فابرز ها هنا اليا
ويحمل عليه عليّ فيقتله. ويخرج آخر فيحمل على الناس يفتك بهم ويقول)[783](:
أضربهم ولو أرى أبا الحسن
ألبسته بصارمي ثوب غبن
ويخرج إليه علي وهو يقول:
يا أيهذا المبتغي أبا الحسن
إليك فانظر أينا يلقى الغبن
وحمل عليه علي وشكه بالرمح تاركاً الرمح فيه قائلاً: (لقد رأيت أبا حسن فرأيت ما تكره).
وكان الإمام علي رضوان الله عليه كثيراً ما يتمثل)[784](:
تلكم قريش تمناني لتقتلني
فلا وربك ما بروا وما ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم
بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وكأنه كان يحس ويتوقع أن تعاجله يد الغدر، فكان يتأهب للموت ويقول)[785](:
أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا
وقد أنشد هذين البيتين عندما طعنه ابن ملجم، وكان قد خرج إلى المسجد وقد عسر عليه فتح الباب ـ باب داره ـ وكان من جذوع النخل فاقتلعه وجعله ناحية وانحل أزاره فشده وقال: (أشدد حيازيمك للموت).
ومما يذكر هنا أن ابن ملجم كان أيضاً ينشد قوله الذي يوضح فيه سبب غدره بعلي حيث كانت جريمته ثمناً لمهر (قطام) ابنة عمه ـ وكانت أجمل أهل زمانها ـ الموتورة بقتل أبيها وأخيها في النهروان، وقد فرضت على ابن ملجم ثلاثة آلاف وعبداً وقينة وقتل علي فقال في ذلك)[786](:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة
وقتل علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولا فتك ألا دون فتك ابن ملجم
فإذا صحت هذه الرواية، يكون دافع ابن ملجم بعيداً عن عقيدة الخوارج، بل يكون مرتكساً في شهوة امرأة.
نسبة الديوان
لقد درج المتأخرون على عد علي بن أبي طالب في الشعراء، ونسبوا إليه شعراً كثيراً، بل جمعوا ذلك الشعر في ديوان وضعوا عليه اسم الإمام. والمتصفح لذلك الديوان يجد فيه ميزتين: الأولى بعد تلك القصائد ومجافاتها لروح العصر. والثانية اختلاف تلك القصائد قوة وضعفاً، مما يدل على أن الذين نسبوا إليه تلك القصائد مختلفون تتباين ثقافاتهم، وتختلف أزمانهم، على خلاف ما يشير إليه كارلو نالينو)[787](، من أن الديوان من صنع الشريف الرضي أبي القاسم علي بن طاهر المتوفى سنة 436هـ، وقد كان أول من زعم هذا الزعم السيد مستقيم زاده أحد مؤلفي الأتراك، وكذلك ذهب كليمان هوار)[788]( وقد ذهب بعض الكاتبين إلى أن واضعه هو الشريف الرضي، جامع نهج البلاغة، إلاَّ أن شعر الشريف الرضي أقوى، وأسلوبه أكثر إشراقاً. أما الديوان المنسوب فضعيف الصنعة ركيك السبك، واهي العبارة، لا يرقى إلى كلام الإمام علي بن أبي طالب، ولا إلى كلام شاعر مجيد كالشريف الرضي)[789](.
وقد ظن الذين نسبوا إلى الإمام ما لم يقل، أنهم يحسنون صنعاً ويرفعون من قدره ـ كما نسبوا إليه أموراً كثيرة هي في عداد الأساطير ومن نسج الخرافة ـ وعندنا أن ذلك الصنيع ليسيء كثيراً إلى الإسلام والمسلمين وإلى شخصية الإمام، ولئن كان خليفة المسلمين منزهاً عن الشعر وأوهام الشعراء وأهواءهم، خير له وللدين من أن يحسب في عداد الشعراء. إلاَّ أن نزعة التقرب إلى العوام تأبى إلاَّ أنّ تحوك الأكاذيب والأباطيل حول آل البيت، وتحملهم ما هم بريئون منه، ومن تلك الأباطيل الكاذبة نسبة الديوان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومما يدعم ما نذهب إليه ما جاء في الأخبار أن قائلاً قال لعلي ـ إبان المعركة بين المسلمين وقريش قبل إسلامها ـ: (اهج عنا القوم الذين يهجوننا) فقال: (إن أذن لي رسول الله فعلت) قالوا: يا رسول الله إئذن له، فقال الرسول: (إن علياً ليس عنده ما يراد في ذلك منه) أو قال: (ليس في ذلك هنالك) )[790](. ولم يعرف عن علي أنه كان يهاجي المشركين في الغزوات الإسلامية، حين اشتدت المعركة الشعرية بين شعراء المسلمين وشعراء المشركين مثلما عرفنا عن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبدالله بن رواحة وغيرهم من شعراء المسلمين، اللهم إلاَّ ما ذكر ابن إسحاق في السيرة النبوية من قصائد يناقض فيها ابن الزبعري وقد تعقب ابن هشام ابن إسحاق، فصحح وهم ابن إسحاق فقال: إنها لم تصح مع نقائضها وقد أنكرها علماء الشعر.
وقد ذكر ياقوت الحموي عن أبي عثمان المازني، أنه لم يصح أن علياً تكلم عن الشعر بشيء غير بيتين)[791](. على أنني أذهب إلى أن لعلي أكثر مما يظن أبو عثمان المازني، فقد كانت لعلي شاعرية، وكان يقول الأبيات والمقطوعات تدعوها المناسبة، أو يجيش بها صدره ولكن لم تكن تلك الشاعرية منصرفة إلى الشعر بحيث تؤلف ديواناً. وكذلك كان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فإذا ما قورنت شاعرية علي بشاعرية أبي بكر وعمر، كان علي أخصب شاعرية، وأكثر شعراً، ذكر أن سعيد بن المسيب قال: (كان أبو بكر شاعراً، وعمر شاعراً، وعلي أشعر الثلاثة) )[792](.
والملاحظ أن شعر الفترة النبوية يكثر فيه الوضع)[793]( فلا يصح أن يؤخذ دون فحص وتمحيص، وقد كان هم الواضعين أن يحملوا أصحاب رسول الله وآل بيته كثيراً من ذلك التشعر الفاسد المصنوع، فقد نسبوا ديواناً لعلي بن أبي طالب، كما نسبوا ديواناً لأبيه أبي طالب وكذلك وضعوا قصائد على لسان حمزة عم رسول الله، وكذلك فعلوا مع طالب بن أبي طالب وغيرهم، وإن كنا لا ندفع أن يكون لهم شعر وتكون لهم شاعرية. إلاَّ أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى كل ما يروى لهم.
وإذا كان لا بدَّ من أن نورد مثالاً لذلك الشعر الفاسد المصنوع، فنذكر هنا ما يقال من أن علياً كان إذا سار بأرض الكوفة ارتجز)[794](:
يا حبذا السير بأرض الكوفة
أرض سواء سهلة معروفة
تعرفها جمالنا المعلوفة
فتجد هنا ضرباً من الكلام لا يرقى إلى بلاغة الإمام، ويتضح هنا أن أهل الكوفة قد صنعوا ذلك في تفضيل بلدهم.
الشعر في عهده
لقد بويع الإمام علي، بعد أن صرعت الفتنة عثمان بن عفان، وقد ورث علي تركة سياسية ـ وغير سياسية ـ ثقيلة باهظة، فأتباعه ومناصروه ناقمون على ما كان من حكم عثمان والأمويون يطالبون بدم عثمان ثم هم ينقمون على الهاشميين أن تؤول الخلافة إليهم، على ما كان بين الحيين من منافسة وخلاف في الجاهلية تجدد في الإسلام. وأنصار عثمان من أهل المدينة يتهمون علياً بقعوده عن نصرة الخليفة، ثم أن كثيراً من المسلمين لم يبايعوه إلاَّ على ضيم، ومنهم من نقض بيعته وولى وجهه شطر البصرة ليعلن الثورة عليه، كما فعل طلحة والزبير.
وكان من أمر الشعر في عهد علي أن سجل الحروب الداخلية بين المسلمين، وصوّر نزعات المحاربين من أنصار علي وأنصار معاوية، وعرض العصبية القبلية التي كانت تظهر خلال تلك الحروب. ثم سجل الشعر قصة التحكيم وما رافق ذلك من خروج الخوارج على الخليفة، وتذمر الجند، وسخط الساخطين، ثم حكى الشعر مؤامرة اغتيال خليفة المسلمين وحزن الناس عليه.
والشعر في هذه الفترة ينبض بالحيوية، ويحفل بالمشاركة الواسعة في الأحداث، والشعر نفسه خير ما يعرض الأحداث ويترجمها ويفسرها. فلنرو منه ما يصلح لتمثيل الدين أو السياسة في هذا العهد.
ذهب النعاة إلى معاوية في الشام بقتل الخليفة عثمان، ولصقوا جريمة قتله بأعناق بني عبدالمطلب، وحرضوا معاوية على أن يثأر له فهو وليه، وقد عبّر عن ذلك الحجاج بن خزيمة بن الصمة حين خاطب معاوية قال)[795](:
أن بني عمك عبدالمطلب
هم قتلوا شيخكم غير الكذب
وأنت أولى الناس بالوثب فثب
وسر مسير المحزئل المتلئب
وقد صار الناس شيعتين، الأولى سخطت على الحكم وثارت عليه تطالب بدم عثمان، وأخرى مع علي تريد تثبيت كيان الخلافة واستتباب أمر المسلمين، فكان أن تجددت الفتنة ثانية بعد عثمان، وكان بخروج عائشة زوج الرسول الأثر السيّىء في إثارة حمية الناس وسخطهم كذلك، فقد لقيها ـ وهي في طريقها إلى مكة لتنضم إلى الأمويين ـ عبد بن أبي سلمة، وحاورها في قتل عثمان، ثم عبّر عن حيرته من موقف أم المؤمنين فقال)[796](:
منك البداء ومنك الغير
ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإما
م وقلت لنا أنه قد كفر
وإذا كان الناقمون قد استغلوا خروج أم المؤمنين وعواطفها وسخروا ذلك لمآربهم السياسية، فقد كبر ذلك الموقف على تقاة المسلمين الذين لم تدفعهم شهوات السياسة ومكائدها، فها هو ذا جارية بن قدامة السعدي يلومها ويدعوها أن تقر في بيتها فيقول: (يا أم المؤمنين: والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك، على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح))[797](. وقد لام سعدي آخر طلحة والزبير على إخراجهما عائشة، ثم اعتزل القتال وقال)[798](:
صنتم حلائلكم وقدتم أمكم
هذا لعمرك قلة الأنصاف
أمرت بجر ذيولها في بيتها
فهوت تشق البيد بالإيجاف
ثم كانت الحرب شديدة منحوسة سقط فيها من سقط من كلا الفريقين، وقد قتل لامرأة من عبدالقيس ابنان، فقالت تندب ابنيها وتبدي أسفها وندمها على ما حل بالناس في يوم الجمل)[799](:
شهدت الحروب فشيبتني
فلم أرَ يوماً كيوم الجمل
أضر على مؤمن فتنة
وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها
وليتك عسكر لم ترتحل
ويعتزل الزبير القتال، بعد أن ذكّره علي بن أبي طالب بأحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وفي طريقه خرج إليه نفر من بني تميم ـ وكان الأحنف بن قيس قد اعتزل القتال مع قومه ـ فقتله غدراً عمرو بن جرموز، فبكته زوجه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل قالت)[800](:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة
يوم اللقاء وكان غير مسدد
يا عمرو لو نبهته لوجدته
لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
هبلتك أمك أن قتلت المسلما
حلت عليك عقوبة المتعمد
ونلاحظ هنا ذكراً لحكم الإسلام في القتل العمد.
وكذلك قتل في وقعة الجمل طلحة بن عبيدالله، قالوا: قتله مروان حين هم بالرجوع واللحاق بصاحبه الزبير)[801](. وفي هذا اليوم قتل محمد بن طلحة مع أبيه وكان يدعى السجاد، وفيه يقول قاتله: إن صريعه كثير العبادة، يتلو آيات الله وسط المعركة، وقد قتله واستحل ذلك القتل لا لشيء إلاَّ لأنه لم يتبع علياً. ويبدو أن محمداً كان يذكر قاتله بكتاب الله، وكان يذم الحرب ويكرهها للناس، وما خرج إلاَّ براً بأبيه)[802]( قال قاتله:
وأشعث سجاد بآيات ربه
قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه
فخر سريعاً لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعاً
علياً ومن لا يتبع الحق يندم
يذكرني (حاميم) والرمح شارع
فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وبعد وقعة الجمل توجه علي نحو الكوفة، وقد قال الشنى يحرض على حرب معاوية الذي وصفه بالحية الصماء، بعد القضاء على طلحة والزبير)[803](:
قل لهذا الإمام قد خبت الحر
ب وتمت بذلك النعماء
وفرغنا من حرب من نكث العهد
وبالشام حية صماء
تنفث السم ما لمن نهشته
ــ فارمها قبل أن تعض ـ شفاء
وكما حرض الشنى في العراق علياً، كان الوليد بن عقبة قد كتب إلى معاوية بالشام يحرضه على حرب علي والمطالبة بدم عثمان، قال)[804](:
ألا أبلغ معاوية بن حرب
فإنك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسدم المعنى
تهذر في دمشق فما تريم
وليس أخو التراث بمن توانى
ولكن طالب الترة الغشوم
وقومك بالمدينة قد أبيروا
فهم صرعى كأنهم الهشيم
وقد توجه علي تلقاء الشام لمقاتلة معاوية، وقد وقف العراق مع علي والشام مع معاوية فسجل الشعر هذا الصراع والخلاف بين الفريقين، وترادّ الشعراء، فكتب معاوية إلى علي بأبيات كعب بن جعيل)[805](:
أرى الشام تكره ملك العراق
وأهل العراق له كارهونا
وكل لصاحبه مبغض
يرى كل ما كان من ذاك دينا
وقالوا علي إمام لنا
فقلنا رضينا ابن هند رضينا ..إلخ
فكتب علي يجيبه بلسان النجاشي، قال)[806](:
دعّن معاويَ ما لن يكونا
فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم علي بأهل العراق
وأهل الحجاز فما تصنعونا
فإن يكره القوم ملك العراق
فقد ما رضينا الذي تكرهونا .. إلخ
وتهيأ الفريقان للحرب وخوض معركة صفين، ولا شك أن المسلمين كانوا في محنة وحرج وبلاء كبير، وقد عبّر عن ذلك البلاء ووصف المحنة كعب بن جعيل، حين كان يطوف على الجند وهم يصلحون سيوفهم ورماحهم، قال)[807](:
أصبحت الأمة في أمر عجب
والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولاً صادقاً غير كذب
إن غداً يهلك أعلام العرب
غداً نلاقى ربنا فنحتسب
يا ربّ لا تشمت بنا ولا تصب
من خلع الأنداد كلاً والصلب
غداً يكونون رماداً قد كتب
بعد الجمال والحياء والحسب
ويلتقي الجيشان ويكون من أمرهما ما يكون، ويترادّ الشعراء، فيقف عمرو بن العاص في جيش معاوية يستثير همم الجنود، ويتهم علياً بدم عثمان)[808](:
يا أيها الجيش الصليب الإيمان
قوموا قياماً فاستعينوا الرحمن
إني أتاني خبر فأبكان
إن علياً قتل ابن عفان
ردوا علينا شيخنا كما كان
ويصيح رجل من أهل الشام)[809](:
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
أو لا تكونوا جزرا من الأسل
فيجيبه رجل من أهل العراق:
كيف نرد نعثلاً وقد قمل
نحن ضربنا رأسه حتى انجعل
لما حكى حكم الطواغيت الأول
وجار في الحكم وجار في العمل
وأبدل الله به خير البدل
أقدم للحرب وأنكى للبطل
ولا شك أن هذا الشعر ـ ككثير من الشعر الوارد في كتاب وقعة صفين ـ مزور مصنوع تظهر فيه النزعة المتعصبة المتأخرة، فهو إلى كونه ضعيفاً ركيكاً، فيه نقمة من عثمان وشتيمة له، في وقت لم تبلغ العصبية ضد عثمان هذا المبلغ، بل كانت نقمة المقاتلين ضد معاوية الذي خرج على طاعة الخليفة علي، وليس على عثمان خليفة المسلمين.
والشعر في هذه الموقعة كثير، وكان للنقيضة مكان بارز، فها هو ذا عبيدالله بن عمر يرتجز في جيش معاوية محرضاً على قتال علي، فيرد عليه الأشتر النخعي في جيش علي)[810](. وفي هذا الشعر ضرب من التمجد بالعصبية القبلية والزهو الذي يقتضيه المقام، ولا نجد فيه بعد ذلك أثراً للمحاجّة السياسية أو الدينية، كالشعر الذي سبقه في التحريض على القتال والدعوة للحرب.
وفي صفين سقط عمار بن ياسر صريعاً، فرثاه الحجاج بن غزية الأنصاري، بأبيات يشير فيها إلى حديث الرسول بأن عماراً تقتله الفئة الباغية، قال)[811](:
قال النبي له تقتلك شرذمة
سيطت لحومهم بالبغى فجار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم
أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما التحم الناس واشتد القتال وأوشك النصر أن يحالف علياً، رفع الشاميون المصاحف على أسنة الرماح ليكون بينهما كتاب الله، فوصف النجاشي الحارثي ذلك بقوله)[812](:
فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا
عليها كتاب الله خير قران
ونادوا عليا: يا ابن عم محمد
أما تتقي أن يهلك الثقلان
وقد خدع أهل العراق وتفرقوا، وقد سئم الفريقان القتال لكثرة ما سقط من القتلى، وفتر حماس الناس، والأحداث الكبرى ـ ومنها الحروب ـ عندما تستمر وتكثر الخسائر، يفقد الناس كثيراً من معنوياتهم ونشاطهم. وكذلك كان الأمر في صفين، فقد ظهر التذمر بين الجند وثار السخط، ويسر ذلك للعصبية أن تظهر وتجد لها متنفساً، فهذه امرأة عراقية تندب أولادها الثلاثة الذين سقطوا في صفوف جيش علي تقول)[813](:
أعيني جودا بدمع سرب
على فتية من خيار العرب
وما ضرّهم غير حين النفوس
بأي امرىء من قريش غلب
فهذه المرأة لا تنظر للمعركة على أنها في سبيل الله وتثبيت كيان الخلافة ومصلحة المسلمين، بل تراها معركة في سبيل السلطة بين حيين من قريش، أو رجلين منهما.
وكانت هذه النزعة المتذمرة الساخطة قد تفشت بين الناس. وبخاصة في جند علي، حيث بدأ أصحابه يتخاذلون وينفضون من حوله، يلتمسون الأعذار للرجوع أو الهزيمة، وقد كلم الأشعث بن قيس علياً فقال: (يا أمير المؤمنين قد كلّت سيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فدعنا نستعد بأحسن عدتنا))[814]( وصار العراقيون يتسللون إلى أوطانهم، فلم يبق معه إلاَّ نفر قليل، وبلغ السخط واليأس بالناس أن ارتد جماعة من المسلمين إلى دين النصرانية، فقد قيل: أن الحارث بن راشد الناجي قد سار في ثلاثمائة من الناس، فاردتوا إلى النصرانية)[815]( وقد حارب علي هؤلاء المرتدين كما حارب الخوارج.
حتى إذا بلغ علي بن أبي طالب أجله، تصدى له عبدالرحمن بن ملجم المرادي، فضربه ضرباته اللئيمة الآثمة. وقد بكى الشعر علياً ـ وما زال يبكيه حتى يومنا هذا ـ فمما قيل عند قتله شعر لأبي الأسود الدؤلي، يعنف فيه معاوية، ويحمله دم علي، ويذكر فضائله وسجاياه)[816](:
ألا أبلغ معاوية بن حرب
فلا قرّت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا
وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها
ومن قرأ المثاني والمبينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين
رأيت النور فوق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت
بأنك خيرهم حسباً ودينا
وبعد علي يظهر شعر الخوارج وينشط مناقضاً شعراء الشيعة العلويين، وفي الكتب التاريخية طرف من تلك النقائض القائمة على الحجاج الديني والمفاضلة في البر والتقوى)[817](.
وبعد، فقد كان للشعر في عهد الإمام علي أثر وخطر، تمثل في إقبال الإمام على الشعر والشعراء وتشجيعهم وصلتهم، كما تمثل في هذه الحيوية التي عرف بها شعر الفترة فاستطاع أن يصور الأحداث، ويحكي الوقائع، وينقل حجج المتخاصمين، ويمثل الحروب ويصور هولها وفجيعتها، ويرسم صورة للعهد حافلة بكل ما فيها من وقائع دامية وأحداث حزينة مؤلمة.
الدكتور يحيى الجبوري
رسالة في تصنيف العلوم وأحوال
مشاهير العلماء
لمؤلفه سلطان محمود بن غلامعلي الطبسي
تعود هذه الرسالة القيمة إلى القرن الحادي عشر في تصنيف العلوم والعلماء المشهورين، وخاصة المعاصرين للمؤلف. والرسالة مقسمة إلى قسمين اثنين، الأول يتناول علماء ما قبل الإسلام، والثاني يتناول علماء الإسلام. لهذه الرسالة أهمية في دراسة آراء العلماء في تصنيف العلوم في الإسلام لتنظيمها في فهارس موضوعية، وعلى الأخص في مجال الكتب الخطية ومطابقتها مع الفهارس الموضوعية الجديدة في المكتبات.
لقد جرى هذا التصنيف، دون شك، بتأثير مباشر لأفكار أرسطو الذي قسم العلوم إلى قسمين: علوم عملية وعلوم نظرية، وجعل لكل قسم أصولاً وفروعاً. من ذلك أنه قسم العلوم النظرية إلى ثلاثة فروع: الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وقسم العلوم العملية إلى الأخلاق والتدبير المنزلي، والسياسة، وعلوم الشعر، والجدل، والخطابة.
هنالك بالطبع كتب كثيرة لعلماء مسلمين تقسم العلوم والمعارف تقسيمات خاصة.
أما مؤلف هذا الكتاب فقد قسم العلوم المدونة إلى ما دوّنه العلماء المسلمون باسم العلوم الشرعية، والذي دوّنه الفلاسفة قبل بعثة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم باسم العلوم غير الشرعية، ثم ينتقل إلى فروع كل قسم.
في القسم الأول نجده يصنف العلوم في سبعة عشر صنفاً، كالعلوم العربية، والتفسير، والحديث، وأسماء الرجال، والقراءة، وعلم الأمثال، والفقه، وأصول الفقه، والجدل، والخلاف، وآداب البحث، وعلم الآخرة. ويقرر لكل من هذه أصولاً وفروعاً.
وفي القسم الثاني يقسم الحكمة إلى قسمين، كما فعل القدماء: الحكمة العملية والحكمة النظرية، ويقرر لهذين أيضاً أصولاً وفروعاً.
هذه الرسالة هي الخامسة عشرة من مجموعة تضم ثماني عشرة رسالة بالفارسية والعربية وفي موضوعات شتى، وكلها خطية محفوظة في خزانة المكتبة المركزية في جامعة طهران تحت رقم 2936. والمخطوطات الأخرى مختارات من كتب مهمة أخرى في الأدب والعقائد والتاريخ والفقه وديوان علي عليه السلام وغير ذلك.
في قسم مسرد الكتب نسبت هذه المجموعة إلى السلطان محمود بن علي الطبسي، إذ أن اسمه يرد في الرسائل الثالثة والرابعة والثامنة، وقد ثبت تاريخ 1080 و1081 في الرسائل الثلاث.
إن التشابه بين خط الرسائل الثلاث وخط هذه الرسالة دليل يقوي من افتراض أن هذه الرسالة أيضاً للسلطان محمود بن علي الطبسي. إلا أن السواد الطبيعي أو العمدي على اسم السلطان محمود في النص يثير الشك في احتمال تغيير اسم الطبسي، وهل الطبسي الكاتب هو السلطان محمود، أم أنه شخص آخر؟
على كل حال، وعلى الرغم من الدراسات الدقيقة والمطابقات بين العديد من مسارد الكتب والفهارس والرسائل الخاصة بتصنيفات العلوم، فقد ظلت هذه الرسالة مجهولة، إذ ليس هناك في نص الرسالة ولا في هوامشها ما يدل على مؤلفها، وكل ما هنالك من دلائل هو وجود تصحيحات في النص وإضافات في الحاشية، ونوع الخط والورق اللذين يعودان إلى القرن الحادي عشر واقتران ذلك مع زمان حياة الكاتب وغير ذلك من الأمور. كان مولانا السلطان محمود بن غلامعلي الطبسي فقيهاً وقاضياً في (مشهد) وقد تتلمذ على يد المجلسي. ألّف عدداً من الكتب، منها «شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد» و«رسالة في إثبات الرجعة» و«رسالة في العروض» و«مختصر الأذكار بالمسائل الفقهية» و«مختصر الأشباه والنظائر النحوية».
أسلوب هذا الكاتب هو الاختيار والاختصار، كما فصل فيما اختاره من «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، و«أذكار بالمسائل الفقهية» لأبي القاسم الزجاجي النحوي، و«الأشباه والنظائر النحوية» لجلال الدين السيوطي، وهذا الأسلوب نشهده في الرسالات الثالثة والرابعة والثامنة من المجموعة. وفي هذه الرسالة التي نحن بصددها يختار نظرات من علماء متعددين في تقسيم العلوم وطبقات العلماء وتصنيفهم.
ترجمة: رقية رستم پور ملكي وآلهه روحي دل
الزمان والمكان
في نظر الإمام الخميني
المقدمة
كان المصلحون الخيّرون، على امتداد التاريخ، يفكرون في وضع أسس مجتمع يحترم القيم ويتجنب القبائح. للوصول إلى تحقيق هذه الغاية وإقامة مثل هذا المجتمع الذي يطلقون عليه اسم «المدينة الفاضلة»، كانوا يفكرون أيضاً في وضع قوانين وأنظمة تهدي الفرد في حياته الفردية والاجتماعية وكيفية الاستفادة من الطبيعة والعلاقات الإنسانية إلى طريق الصواب. والإسلام، بصفته آخر الأديان الضامن لسعادة الإنسان، يجعل العقيدة الصحيحة أساساً لمثل هذا المجتمع، ويؤمن بمبادىء معينة في بناء الفكر السليم وعقائد الإنسان، تبين مبدأ الوجود ومنتهاه، وتخلص الإنسان من الأفكار الفارغة والتخيلات التافهة، وتقود طريقه نحو حياة هادفة.
بديهي أن الإسلام لا يرى أن العقيدة الصحيحة هي وحدها المعوّل عليها، بل على الناس أن يعرفوا، في العمل والسلوك، الصواب وغير الصواب، فيعملوا بالصالح ويبتعدوا عن الطالح)[818](.
إن المسؤول عن هذا الجانب من المنهج الإسلامي هو «الفقه» أو «الأحكام الفقهية»، وهي في الحقيقة مجموعة من القوانين العملية الإسلامية المستقاة من الوحي الإلهي، والتي تفسرها بيانات الأئمة المعصومين عليهم السلام. إنها قوانين ثابتة وغير قابلة للتغيير أبداً، وتشمل جميع المواضيع والمصاديق الخارجية والوقائع والأحداث، من دون أن يصيب جذورها أي تلف)[819](.
إن شخصية الإمام الخميني رحمه الله العلمية والعملية، وعلى العموم، الشخصيات البارزة التي تترعرع في المراكز العلمية في العالم، وبعد سنوات عديدة يقومون بتربية تلامذتهم بالفكر والبيان والقلم، ينقسمون إلى قسمين اثنين:
القسم الأول هم الذين يقتصرون على استيعاب علم واحد فيتخصصون في ذلك العلم تخصصاً عميقاً، ولكنهم فيما يتعلق بالعلوم الأخرى ليس لديهم سوى معلومات عامة سطحية، ويطلق على أمثال هؤلاء العلماء صفة «ذوي الفن»، مثل سيبويه (ت180هـ) الذي اختص بالأدب العربي، والكليني (ت329هـ) الذي اختص بالحديث، والمحقق الحلي (ت676هـ) الذي اختص بالفقه.
القسم الثاني كان يعنى بعدد من العلوم ويتبحر فيها، مثل ابن سينا (ت426هـ) والفارابي (ت339هـ) والشيخ المفيد (ت413هـ) والسيد المرتضى (ت436هـ) و(الشيخ الطوسي) (ت460هـ) ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني رحمه الله.
بالنظر لتمتع هؤلاء العلماء بمواهب إلهية كثيرة، عملوا في ميادين مختلفة من العلوم فمثلاً مؤلفات شيخ الطائفة [الشيخ المفيد] الباقية منه تكشف لنا عن أبعاده العلمية المختلفة، من ذلك تفسير البيان في علوم القرآن الذي يدل على طول باعه في هذا الفن وتخصصه الفائق فيه بحيث إن أحداً من الشيعة لم يستطع حتى الآن أن يقدم تفسيراً للقرآن بذلك المستوى. لقد قام بتأليف ذلك التفسير عندما كان يعيش في بغداد وفي آخر سنة من بقائه هناك. وبناء على ذلك يكون قد مضى نحو تسعة قرون ونصف على تأليف ذلك التفسير وهو ما يزال مضيئاً كنجمة لامعة. وإذا ما تصفحنا آثاره الأخرى نراه محدثاً بارعاً يورد أحاديث أهل البيت عليهم السلام من المشايخ وبأسانيد مختلفة، وله كتابان قيمان في الحديث: التهذيب والاستبصار. وعندما ندرس أبحاثه القيمة العظيمة في الكلام والفلسفة نجده متكلماً متمكناً. كتابه الرسائل العشر دليل تسلطه في ميدان البحث والجدل والاستدلال في علم الكلام. وعلى الرغم من كل ما قيل فإنه لم يزد على كونه صورة جانبية مبهمة لشخصية الشيخ العلمية. لقد كان في علم الفقه أستاذاً لا يجارى، وكتاباه: المبسوط والخلاف ينبئان عن سعة اطلاعه على الأسس الفقهية عند العامة والخاصة.
كذلك هي الموهبة والاستعداد واللياقة التي وهبها الله للإمام الخميني رحمه الله، مؤسس الجمهورية الإسلامية، والتي أعانته على التعمق في دراسة كثير من العلوم. إن تآليف الإمام الموجودة بين أيدينا كفيلة بإزاحة الستار عن هذا السر والكشف عن أبعاده العلمية.
دور الزمان والمكان في نظر الإمام الخميني
رحمه الله
1 ـ الإمام الخميني رحمه الله والفقه القديم والمتقدم:
كان الإمام الخميني رحمه الله يهتم كثيراً بالفقه القديم ويعتقد أنه إذا تقدم الفقه القديم وفق ضوابط معينة، يمكن أن يتقدم ليجيب عن جميع حاجات المجتمع كان يرى أن فهم الدين وتطبيقه في حياة الإنسان المعاصر، وأخذ دور الزمان والمكان بنظر الاعتبار في أسلوب الاستنباط كمبدأ أصلي وأساس وواقعي في الفقه. في ذلك كان يقول:
«فيما يتعلق بأسلوب الدرس والبحث في الحوزة العلمية، إنني أؤمن بالفقه القديم والاجتهاد الجواهري، ولا أرى أن من الجائز إغفال ذلك. والاجتهاد بالأسلوب نفسه صحيح، إلاَّ أن هذا لا يعني أن الفقه الإسلامي لا يتقدم في البحث. الزمان والمكان عنصران مؤكدان في الاجتهاد، فالمسألة التي كان لها في السابق حكم معين، يمكن أن يكون لها حكم جديد بسبب العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة في نظام ما. أي عند معرفة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للموضوع السابق نفسه معرفة دقيقة، من دون وجود اختلاف ظاهري مع القضية القديمة، تصبح هذه قضية جديدة تتطلب حكماً جديداً. لذلك على المجتهد أن يحيط بقضايا زمانه»)[820](.
وهكذا نجد أن القول بالتعارض بين الفقه القديم والفقه التقدمي، إنما هو قول فارغ يستغله الجهلة. إن الشريعة الإسلامية لا تتغير، وكل بدعة في نظر الأدلة الأربعة ممنوعة، ولكن القوانين، في الوقت نفسه، مرنة وجامعة بحيث تغنينا عن اللجوء إلى القوانين الأجنبية والغربية.
2 ـ شمولية الفقه ونظرة الإمام الخميني رحمه الله:
بما أن مصادر الفقه ليست وليدة العقل، ولا التجربة المحدودة، ولا الأذواق البشرية المختلفة، بل هي تستند إلى الوحي الإلهي، فهي لذلك مصادر خالدة ودائمة الحركة والتفاعل لتشمل الجغرافيا المدنية والقومية والسياسية والثقافية البشرية.
إن القوانين البشرية ضيقة ومتغيرة وزائلة لأنها قائمة على الفكر والقدرة وقوة التحليل للأحداث ووسائل المعرفة المحدودة. أمّا مصادر الفقه الإسلامي فجذورها تمتد إلى الوحي الإلهي العالم بكل أبعاد الإنسان وحاجاته الحقيقية، والتي لم تواجه أي نقص في التخطيط لها، بل تمَّ وضعها تحت تصرف الإنسان في أكمل وجه ممكن وأليقه، وهي تبقى جديدة عند كل قوم وعنصر في كل زمان.
لو كانت الظروف مواتية لفقهاء الإسلام، ولو أنهم استطاعوا أن يدرسوا جيداً تلك المصادر على نحو واسع ووفق ضوابط مقننة، لأمكن للفقه الإسلامي والحقوق الإسلامية أن تصبح مظهراً لإعجاز الوحي وصدق الرسالة الإسلامية بالإضافة إلى المباحث الكلامية والفلسفية التي تعتبر عادة من طرق الكشف عن حقيقة الدين وأصوله العقائدية، وبيان حياة الفقه الإسلامي وتقدمه في البحث وقدرته وتطبيقاته العملية على امتداد تاريخ تطور الحياة الإنسانية. ولكن مما يدعو إلى الأسف هو أن الحكومات غير الدينية التي ألقت بمعظم ثقلها على المجتمعات الإسلامية خلال فترات طويلة من التاريخ، سلبت منها كل فرصة للنشاط في مختلف الميادين الحكومية والقضائية والحقوقية والاقتصادية وغير ذلك، ومنعتها من القيام بعمل أعمق وأجدر.
يقول الإمام رحمه الله في ذلك:
«مع الأسف جامعاتنا ومدارسنا الدينية كانت مصابة بالنقص في جوانب مختلفة دون أن تستطيع سد تلك النواقص. إنهم لم يستولوا على المدارس الدينية مباشرة، كما فعلوا بالنسبة للجامعات، ولم يستطيعوا. إنها استطاعت أن تتحمل الكثير من الأذى على عهد رضا خان، وثابروا على مسيرتهم، وبعد ذلك كان الأمر كذلك، ولكننا كنا محصورين في مجموعة من الكتب وفي عقائد خاصة. كتبنا كانت تتحدث غالباً، من حيث التعليم والتعلم، عن الطهارة والتجارة والصداق ولا تتعداها. أمّا العلوم القضائية والحدود والديات وأمثالها فقد كانت علوماً غريبة. بالطبع كتب الأساتذة عنها كتابة مسهبة، ولكن في الحوزات فقط لأن القضاء لم يكن في أيديهم، ولم تكن الحدود والديات والقصاص من الأمور العملية، لذلك لم تكن تلقى على بساط البحث»)[821](.
الفقه يحتاج اليوم إلى عنصرين اثنين:
الأول هو الحضور في الساحة العملية للنظام الاجتماعي وحاجات الأمة الإسلامية. وقد صاغ الإمام رحمه الله ذلك في عبارة جميلة: «الحكومة هي الفلسفة العملية للفقه كله».
الثاني هو وضع نظام للمباحث الفقهية وجعلها في تنظيم قديم قابل للبيان.
3 ـ استجابة الفقه للأحداث ورأي الإمام الخميني رحمه الله:
الفقه علم حقيقي، والعلم الحقيقي، كما قال الإمام علي عليه السلام، هو العلم الذي يؤدي إلى بناء الحياة المادية والمعنوية. إن فقهنا، من حيث مادته ومصادره، كما قال الإمام رحمه الله:
«أغنى فقه وقانون في العالم. إن فقهاً كهذا لا وجود لمثله في العالم، لا بين المسلمين ولا بين غير المسلمين»)[822](.
بيد أن الفقه يجب أن يكون إلى جانب عنصر اجتهاد تقدمي رفيع كي يستفيد منه على مختلف الصُّعُد الشرعية التي يحتاجها الإنسان، لأن الأحداث إما أن تكون من «المصاديق العامة» وإما أن تكون من «فروع الأصول»، وهي موجودة في المصادر الفقهية، والاجتهاد يرجع الفروع الجديدة إلى الأصول الأساس وينطبق العام على المصاديق. على أي حال، مشكلة الفقه، كما قلنا، هي أن فقه المدارس وفقه المواضيع الفكرية إما أنها عتيقة مضى زمانها، وإما إذا كان الموضوع باقياً فإن المحتوى قد تغير كلياً. بعض الفقهاء، بدلاً من أن يقوموا بدراسة الموضوعات الجديدة، وبيان محتوى الموضوعات القديمة، يكتفون بتكرار المكررات ولا يتقدمون خطوة وراءها.
قبيل رحيل الإمام رحمه الله أشار إلى هذه النقطة الدقيقة، مخاطباً الحوزات العلمية، فقال:
«الزمان والمكان عنصران مصيريان في الاجتهاد»)[823](.
أي إنهما يؤديان دوراً مهماً في الاجتهاد، ولذلك فللمكان والزمان خصوصياتهما التي تغير الموضوع، وتكون النتيجة أن يتغير الحكم القديم تبعاً لذلك، كالسفر الذي له تأثير كبير في نظر الفقهاء والمجتهدين واستنباطاتهم، ومنهم محمد بن إدريس صاحب المذهب الشافعي الذي غير 90 نظرية من نظرياته وفتاواه على أثر سفره من بغداد إلى مصر، وظهر مذهبه الجديد.
لذلك إذا ما كنا نشهد اليوم تحقق الثورة الإسلامية في إيران وتوافر الأرضية لإجراء الأحكام والقوانين الإسلامية، فقد أظهر ذلك فراغاً عظيماً في معرفة نظريات الإسلام في الشؤون القضائية، الحقوقية، الدولية، والاقتصادية وغيرها. أحد العوامل المهمة في ذلك هو أن بعض الفقهاء، بدلاً من الإبداع واكتشاف الموضوعات وتعرّفها عيناً، وبدلاً من التفقه الاجتهادي، يكتفون بالاجتهاد التقليدي. هؤلاء لا هم قادرون على الاستجابة لجميع الأحداث، ولا تكون نظرياتهم قابلة للتنفيذ في عالم اليوم.
إذا أرادت الحوزات العلمية أن تدير اليوم مجتمع الأمة الإسلامية وأن تقوم بدورها بأداء رسالتها الفقهية الإسلامية، عليهم أن يتحولوا من الفقه التقليدي إلى الفقه الاجتهادي الجواهري. كما وصفه الإمام رحمه الله. مع الاحتفاظ بالأصول العلمية ومبادىء التحقيق الدقيقة، بصرف النظر عن المسائل الفقهية القائمة على القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة، والسعي الصادق لفهم روح قوانين الإسلام الأصيلة وتطبيقها على الموضوعات الجديدة.
يقول الإمام الخميني رحمه الله:
«على العلماء والأساتذة المحترمين في الدروس الفقهية والحوازات الفقهية والأصولية أن لا ينحرفوا عن طريقة المشايخ العظام التي هي الطريقة الوحيدة للمحافظة على الفقه الإسلامي. عليهم أن يسعوا كل يوم أن يزيدوا من دقتهم وبحثهم ونظرهم وابتكاراتهم وتحقيقاتهم، وحفظ الفقه التقليدي الذي هو إرث السلف الصالح، والانحراف عنه يؤدي إلى ضعف أركان التحقيق والتدقيق، ولا بدَّ من تراكم الدراسات والتحقيقات»)[824](.
إن مقصوده من حفظ الفقه والفقه الجواهري والفقه التقليدي لم يكن أبداً الحفاظ على أبحاث غير ضرورية ومعوقة. إن حذف الأبحاث غير الضرورية لا يقصد به حذف الأبحاث اللازمة والعميقة للطلبة، بل المقصود هو الحفاظ على الدقة في أسس الأبحاث اللازمة في استنباط الأحكام والاجتهاد فيها.
يدافع الإمام رحمه الله عن فقه يضمن نضج الملل ومصلحتها، إنه لا يدافع عن فقه يؤدي إلى إهدار الإمكانات الحوزوية والطاقات البشرية. الإمام رحمه الله، في وصيته الإلهية السياسية، يشير إلى ذلك فيقول:
لا تنحرفوا قيد شعرة عن الفقه التقليدي مظهر المدرسة والرسالة والإمامة ونضج الملل وعظمتها، والأحكام الأولية والثانوية كلتاهما من الفقه الإسلامي….
النقطة اللافتة هنا إنه كان يخالف نظرية المتطرفين في الإفراط، والذين كانوا يستنبطون أحكام الحوادث الواقعة استناداً إلى آرائهم الخاصة، أو إلى مصادر غير موثّقة، بمثلما كان يرفض آراء المفرطين الذين كانوا يكتفون في إصدار أحكامهم بالاستناد إلى ظاهر ألفاظ عناصر خاصة. إن الفن الذي امتاز به تمثل في أنه لم يكن مثل ذوي الأفكار الجامدة والسطحيين الذين يتهربون من الإجابة فيما يتعلق بالأحداث الواقعة، ولا كان مثل المشاهير الجهلة الذين لم يكونوا يقيمون أحكامهم على مصادر شرعية موثوق بها. في هذا يقول الإمام:
على المجتهد أن يكون متمتعاً بالبراعة والذكاء والفراسة والقدرة على إدارة مجتمع إسلامي وغير إسلامي كبير، وبالإضافة إلى التقوى والخلوص والزهد المطلوبة في المجتهد، يجب أن يكون مديراً ومدبراً. إن الفقه هو النظرية الواقعية الكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد… والذي يخشاه الاستكبار هو أن يتخذ الفقه والاجتهاد صفة العينية والعملية وأن يخلقا بين المسلمين القدرة على النضال)[825](.
4 ـ لفظة الفقه في النصوص والمصادر الشرعية:
النصوص والمصادر الشرعية هي المواضع التي يمكن العثور فيها عن بيانات الشارع ووجهات نظره الأصيلة. لا شك في أن أهم نص أصيل ومصدر شريف يمكن الرجوع إليه هو القرآن المجيد الذي يصرح في مواضع متعددة بالفقه والتفقه ومحتواه. من تلك المواضع التي وردت فيها لفظة «فقه» في القرآن، حيث لها علاقة وثقى بموضوع البحث، هي الآية: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ})[826](.
إن التفقه في الدين بالشكل الذي يضمن التحذير من الانحرافات العقائدية الفكرية والعملية، له مكانه في مجموعة المعارف الإسلامية، ولا ينحصر في الأحكام الشرعية العملية. لذلك فإن صدر المتألهين، في شرحه لأصول الكافي وبعد بيان أن لفظة «فقه» عند ظهور الإسلام لم تقتصر على الأحكام الشرعية الفرعية العملية، يقول:
وإن الفقه أكثر ما يأتي في الحديث بمعنى البصيرة في أمر الدين، وإن الفقيه هو صاحب البصيرة.
في الواقع، لفظة «فقه» في القرآن ترد بمعنى الفهم والإدراك العميق لحقائق الدين والخلق {قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ})[827]( و{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا})[828]( و{فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً})[829]( و{وَلكِنَّ الُمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ})[830](.
وفي الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام نجد للفقه والتفقه ميداناً واسعاً، ومن ذلك قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم:
إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وزهده في الدنيا وبصّره عيوبه)[831](.
وقال أيضاً:
من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)[832](.
وعن علي عليه السلام أنه قال:
تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب)[833]( والفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يأيسهم من روح الله… ولم يأمنهم من مكر الله)[834](.
وهناك روايات كثيرة أخرى تدل على أن الفقه والفقاهة لا يمكن حشرهما ضمن حدود محدودة بمعرفة الأحكام الفرعية الشرعية، فالفقه الذي يدعونا إليه القرآن والمعصومون عليهم السلام هو فقه أعم من الأحكام الفرعية الشرعية العملية، إنه فقه الزهد ومعرفة نقائص النفس، فقه يخلق في قلب الإنسان ربيعاً من معرفة الله، فقه ليس فيه بأس ولا تجرّؤ. بديهي إن أبحاث معرفة الذات واليأس والتجرؤ لا علاقة لها بالمسائل الشرعية الفرعية العملية، بل تكون ضمن دائرة المعارف الإلهية الواسعة. قصدنا من فهرسة هذا البحث هو معرفة المفهوم الحقيقي للفقه في بيان الشريعة والمحافظين عليه، لأننا اليوم نشهد أن لفظة الفقه قد ابتعدت عن معناها الكلي الشامل ومحتواها الغني، واستخدمت بمعناها الخاص، بل الأخص، مع أنه لإثبات عظمتها ومكانتها يستند إلى الآيات والأحاديث التي تعبّر عن معنى أوسع وأغنى. إن هذا عدول عن الكلية الشاملة الواقعية إلى أمر ثانوي يسبب أحياناً إهمال الأبعاد والأجزاء الأخرى، بحيث أن الفقاهة والاجتهاد ومعرفة الإسلام تجعل أدعياءها عرضة للأذى ومفتقرين إلى الاعتدال والإتقان.
5 ـ معنى الفقه في الاصطلاح الشرعي:
سبق القول إن مصادر الشريعة الأصلية لم تضع للفظة الفقه معنى خاصاً غير المعنى اللغوي ولكن بمضي الزمان اتخذت هذه اللفظة معنى محدداً آخر عند المتشرعين، أو عند بعضهم بحيث أنها أصبحت اصطلاحاً جديداً، وهذا الاصطلاح هو إطلاق لفظة الفقه على جزء من المعارف الدينية التي تخص الأحكام العبادية، وهو خلاصة ما نجده اليوم في الرسائل العملية وكتب الفقه. الفقاهة في هذا المصطلح تعني أن يقوم المجتهد باستخدام وسيلة الاستنباط في بعض المصادر الخاصة لمعرفة أسس هذه المسائل، لأن صفة الفقيه تطلق على من يتحدد ميدان اجتهادهم وفقاهتهم وفهمهم بهذه الأمور الخاصة.
بالطبع وضع المصطلحات ليس جرماً ولا يعتبر معصية، ولكنه إذا أدى إلى نقص مجموعة كاملة ذات أبعاد ممتدة لتصبح ذات بعد واحد فسوف تحصل بعض المشاكل.
هناك إحساس اليوم إن هذا الاصطلاح الخاص، بمفهومه ومحتواه قد جرح جماع الثقافة الإسلامية واتجاهها وشموليتها. إن العناية بجزء وإهمال الأجزاء الأخرى، أظهر جسم الثقافة الإسلامية أشبه بوليد معلول ذي رأس ثقيل وجسد خفيف. إن عدم الانسجام هذا والنقص ليسا من طبيعة الإسلام ولا من أصوله، بل هو نتيجة الجهل والسذاجة والسطحية عند أولئك الذين يدعون أنهم يشرحون الشريعة لأهل الشريعة وأنهم حاملو رسالة الوحي للعالم برمته.
6 ـ الفقيه الصادق:
الفقيه الصادق هو ذلك الذي يسعى لإحياء المجتمعات الإسلامية، والتمهيد لتطبيق الفقه الإسلامي عملياً ولنموه وتفتحه، وإلى جانب ذلك كله يجب أن يتحلى بالفضائل الأخلاقية، وعلو الهمة، وكرامة النفس، ومعرفة الزمان والإنسان والتدبير، والمديرية وحسن الإدارة. إن فقيهاً كهذا يمكن أن يكون مثالاً لفقهاء الحوزة العلمية، إن الفقهاء في النظام الإسلامي، حتى إذا كان الحكم ضدهم، فإن دورهم في عمق مسيرة الأحداث الاجتماعية لا يقل أهمية عن الحكام أنفسهم، وذلك لأن حياة المجتمع الإسلامي العبادية تحيا بالفقه الإسلامي. وحملة الفقه هم الفقهاء الذين يجب عليهم تطبيق أحكام الشرع الكلية على الفروع، بل قد يقتضيهم الأمر أن يشرحوا للناس بعض المواضيع المهمة السياسية والاجتماعية. إن قوة حاكمية الفقهاء وضعفهم في المسائل الجارية في المجتمعات الإسلامية على امتداد التاريخ في كثير من الأمور تكون مبنية على وجهات نظر الفقهاء ومواقفهم وقدراتهم وتدابيرهم الاجتماعية والسياسية والدينية.
الإمام الخميني رحمه الله بنظرته الشاملة وبفهمه العميق لروح الإسلام السامية، وفي ظل مزاياه الشخصية القيمة، كالحرية والشجاعة والإيثار والمثابرة والإدارة والجرأة والحزم وتحمل الشدائد والمصائب، لم يقم بتحرير الإسلام والفقه والثقافة والمعارف الإسلامية من حكم طغاة التاريخ فحسب، بل تمكن من إيصالها إلى قمة الحكم، ورد القوى اللادينية على أعقابها.
أسس الإمام الخميني رحمه الله في المسائل المستحدثة وتدوين رسالته
1 ـ التقوى الكاملة في التحقيق والاجتهاد:
الإمام الخميني رحمه الله، مثل سائر الفقهاء العظام، كان يتقي التقوى كلها ويلتزم الاحتياط الكامل في الاجتهاد واستنباط الأحكام، لئلا يعزو من نفسه شيئاً إلى الله ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم، أو أن يمزج القوانين الإلهية بالنظريات البشرية، بل كان في أبحاثه يستدل بروايات وأحايث مبيناً صحتها وسقمها من دون أي تحيز. يقول في أبحاثه حول ولاية الفقيه إن هذه الرواية، على الرغم من قوتهاالاستدلالية، فهي إما ضعيفة في سندها، أو مرسلة، أو مقبولة)[835](. أو يستعمل اصطلاحات مثل: الأقوى والأولى والأحوط، في تحرير الوسيلة، مما يدل على تقواه ودقته في بيان المسائل)[836](، على النقيض من المحققين العاديين الذين يعتبرون كل ما يؤيد وجهة نظرهم صحيحاً، وكل ما يخالفها ضعيفاً أو غير صحيح، أو أنهم لا يشيرون بشيء إلى درجة صحته أو سقمه، أو يسبغون عليه لحن الخطابة، ويستدلون به بحجة أنه مذكور في الكتاب الفلاني القديم)[837](.
2 ـ التزام الأدب في البحث والاقتباس:
التزام الأدب والاحترام التام للعلماء والفقهاء ووجهات نظرهم وأقوالهم كان أحد الخصائص الأخرى التي تميز بها على مختلف الصُّعُد، خاصة في المسائل المستحدثة ومواضع الاختلاف. كان الإمام رحمه الله يوصي طلابه دائماً بالتزام الأدب والاحترام تجاه العلماء، فمثلاً، عند بحثه في موضوع بطاقات اليانصيب، قال:
إن قضية بطاقات اليانصيب قضية اجتهادية في الفقه، وقد تكون آراء المجتهدين بشأنها مختلفة، إذ إن هذه ليست من مسائل الفقه الضرورية والواضحة التي يمكن أن يتفق الجميع عليها. لقد اشتهر في هذه القضية أن المرحوم الخونساري والمرحوم الميرزا سيد يونس الأردبيلي (رضوان الله عليهما) قد أجازا ذلك. طبعاً كان ذلك هو اجتهادهما الذي أجازا بطاقات اليانصيب، وهذا لا يعني أننا يجب أن نطعن في حكمهما لأنهما أجازا ذلك، بمثلما أنهما ليس لهما أن يطعنا فينا لأننا لا نجيز ذلك، بل ينبغي في أمثال هذه المسائل أن نواصل البحث. إنكم ينبغي أن تكونوا على حذر من أمثال هذه المسائل الدقيقة، ومن استعمال عبارات قد تؤدي ـ لا سمح الله ـ إلى سلب توفيقاتهم، أو إلى إخراجهم من زمرة الطلاب (الواقعيين)، أو إلى ابتعادهم عن طريق الله والصراط المستقيم.
وفي الموسيقى يقول الإمام رحمه الله:
يطعن بعضهم في المرحوم الملا محسن فيض الكاشاني رحمه الله والمحقق الخراساني رحمه الله بزعم أن هذين الفقيهين أنكرا حرمة الموسيقى والغناء، وإنما حرّما الأفعال المحرمة التي ترتكب معها… الأفضل هو الالتفات إلى الأدلة التي أورداها لتقسيم الغناء والموسيقى…
3 ـ اتساع دراسات الإمام الخميني رحمه الله:
إن أساس البحث والاجتهاد عند الإمام الخميني رحمه الله ـ مثل الشيخ الطوسي رحمه الله وآية الله البروجردي (قدّس سرّه) ـ هو دراسة جميع الأقوال والنظريات، ولم يتحدد بنظريات علماء الشيعة. في كتابه «رسائل» يقول إن من مقدمات الاجتهاد دراسة فتاوى أهل السنّة وأخبارهم)[838](، ومن ذلك أنه درس آراء الغزالي والشافعي وأبي حنيفة ونقلها)[839](.
4 ـ أقوى فقه وقانون عند الإمام رحمه الله:
يرى الإمام الخميني رحمه الله أن فقه الشيعة أغنى فقه وقانون في العالم، وفي هذا قال الإمام رحمه الله:
فقه الشيعة أغنى فقه وقانون في العالم، إنه قانون بذل علماء جهوداً كبيرة في شرحه وتفريعه. إن مثل هذا القانون لا مثيل له في العالم سواء بين المسلمين أو غير المسلمين، وهو ما تحقق بالجهود الجبارة التي بذلها علماء الشيعة. منذ البداية، زمان النبي، وبعد ذلك الأئمة، كان العلماء هم الذين يتحلقون حول الأئمة عليهم السلام ويأخذون عنهم الأحكام، وقد دونت في أربعمائة كتاب (الأصول الأربعمائة) وفي غيرها)[840](.
فقه الشيعة يستقي من نبي الإسلام العظيم صلَّى الله عليه وآله وسلم ومن الأئمة مثل الإمام علي عليه السلام والإمام الباقر عليه السلام والإمام جعفر الصادق عليه السلام، وهم، باعتراف الشيعة وأهل السنّة، أتقى الناس وأعلمهم بالدين الإسلامي بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
فقه الشيعة، كما يعبر عنه الإمام رحمه الله عمره (1400) سنة، أي أنه خلال أكثر من 14 قرناً قام أفضل علماء المسلمين بالاجتهاد فيه، وصرفوا كل طاقاتهم في تصفية الأحكام وتصنيفها والحصول على أحكام المسائل الجديدة والفروع.
الدكتور صبحي المحمصاني، في كتابه فلسفة التشريع في الإسلام يقول إنه بعد سقوط بغداد وبعد أن توقف الاجتهاد منذ القرن السابع الهجري، خلافاً لسائر المذاهب، اكتفى فقهاء أهل السنّة، في أواسط القرن السابع الهجري، بالمذاهب الأربعة المعروفة، وأجمعوا على غلق باب الاجتهاد. ومنذئذٍ أخذت حضارة العرب بالتقهقر وأصابها الجمود والتحجر المَرضي على التقليد الأعمى، وفقد الناس روح الشريعة الإسلامية، واتجهوا إلى البدع والخرافات حتى كان القرن الرابع عشر الهجري، ونهض السيد جمال الدين الأفغاني (الأسد آبادي) والشيخ محمد عبده وتلامذتهما، ودعوا الناس إلى توحيد المذاهب وترك التقليد، والرجوع إلى مصادر الشريعة الأصلية وتجنب البدع والخرافات.
أما فقه الشيعة فقد بقي فيه باب الاجتهاد مفتوحاً حتى اليوم وازداد توسعاً بتطورات الزمان وتحولاته. الإمام الخميني رحمه الله في آخر وصاياه يؤكد قائلاً:
في الحكومة الإسلامية لا بدَّ أن يبقى باب الاجتهاد مفتوحاً دائماً. إن طبيعة الثورة والنظام تقتضي عرض الاجتهادات والنظرات الفقهية في مختلف الميادين بكل حرية، ولو كانت متعارضة فيما بينها، وليس لأحد الحق والقدرة على الحيلولة دون ذلك)[841](.
5 ـ عظمة الفقه واتساعه في نظر الإمام رحمه الله:
يرى الإمام الخميني رحمه الله أن الفقه الإسلامي متسع جداً ويشمل جميع أبعاد الحياة الإنسانية، ويقول:
الفقه هو النظرية الواقعية لإدارة الإنسان من المهد إلى اللحد)[842](.
ويقول أيضاً:
أرسل الله، بوساطة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم، قوانين يصاب الإنسان بالدهشة من عظمتها. لقد وضع القوانين والتعليمات لكل أمر من الأمور. لقد وضع قوانين للإنسان قبل انعقاد نطفته حتى إنزاله في القبر، وهذه القوانين ليست مقصورة على الأعمال العبادية، بل هناك قوانين مترقية ومتكاملة وجامعة للشؤون الاجتماعية والسياسية والحقوقية والعائلية. إن المسائل التي وردت منذ زمن بعيد على الصُّعُد الاقتصادية والحقوقية والسياسية والحقوق الدولية في الحرب والسلم والحقوق تمثل جانباً من القوانين الإسلامية ورسالته العملية. ليس هناك أي شأن من شؤون الحياة لم يقرر له الإسلام حكماً أو قانوناً.
6 ـ حاجة العالم اليوم إلى القوانين الإسلامية:
في رأي الإمام الخميني رحمه الله أن العالم في الحاضر والمستقبل، بكل التطورات والمستجدات التي تقع فيه ومنجزاته، لا يمكن أن يستغني أبداً. وهو في هذا يقول:
لو أنهم ذهبوا إلى المريخ، ووضعوا أقدامهم في المجرات الأخرى يظلون عاجزين عن بلوغ السعادة والفضائل الأخلاقية والسمو الروحي، وعن حل مشكلاتهم الاجتماعية، لأن مشكلاتهم الاجتماعية وتعاستهم بحاجة إلى طرق حل عقائدية وأخلاقية، ولا يمكن أن يحلها اكتساب القوة المادية وتسخير الفضاء. إن الثروة والقدرة المادية وتسخير الفضاء تتطلب الإيمان والعقيدة والأخلاق السامية حتى تتكامل وتسمو وتكون في خدمة الإنسان، لا لكي تصبح مصيبة تنزل على الإنسان)[843](.
7 ـ توكيد الإمام الفقه الجواهري:
كان الإمام الخميني رحمه الله يهتم كثيراً بهذا الأمر، قال: يجب تأييد الفقه الجواهري)[844](.
في القرن الثالث عشر الهجري ظهر في الحركة العلمية في النجف وكربلاء تحول جديد على يد آية الله محمد باقر وحيد البهبهاني (توفي سنة 1208هـ). في هذا القرن نشر كثير من الشخصيات المهمة الدينية تآليفهم القيمة في الفقه والأصول، مثل كتاب كشف الغطاء ومفتاح الكرامة والرياض والمكاسب في الفقه، والقوانين والفصول والضوابط والحاشية على المعالم للشيخ محمد تقي الأصفهاني رحمه الله والرسائل للشيخ الأنصاري في أصول الفقه، وعلى رأس هذه الكتب الفقهية كان كتاب جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي في شرح شرائع الإسلام وهو دورة معارف كاملة وجامعة تحتوي على أقوال العلماء وأدلتهم، بحيث أن أي كتاب أو مجتهد لا يمكن أن يستغني عن جواهر الكلام وهو يكشف عن ذروة النهضة الفقهية وتدوين الفقه بصورة واسعة وبأسلوب حديث متكامل، فكان مثالاً في التحقيق والنقد ودراسة أقوال الفقهاء القدامى والقدرة على الاستدلال استناداً إلى القرآن والحديث، بعد ضعف خلال القرنين 11 و12هـ، ومن دون أن يخرج عن أصل الفقه التقليدي وجوهره، ولا أن يمتزج بالقوانين البشرية والجواهرية البديلة التي كانت قد أثرت في دول تلك الأيام من عثمانية وعراقية ومصرية وإيرانية، بل كان اسماً على مسمى، أي إنه كان جواهرياً خالصاً مأخوذاً من أحكام الله ورسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام والفقهاء. إن أهمية توكيد الإمام الخميني رحمه الله الفقه الجواهري تتضح إذا ما علمنا أن الفقه الجواهري قد دوّن في عصر أوشكت الشريعة المحمدية أن تمتزج على أيدي الأجانب بالقوانين البشرية، وأن يسلب منها جانبها المعنوي والثوري، وتصبح في خدمة المطامع الاستعمارية. بالنسبة لهذه الحركة الانحرافية في إيران يقول الإمام رحمه الله:
في أوائل الحركة الدستورية، عندما أرادوا أن يدونوا قانوناً، قام عملاء الإنجليز، بأمر من أربابهم، باستقراض مجموعة القوانين الحقوقية البلجيكية من السفارة البلجيكية، ووضعوا الدستور على أساسه وسعوا إلى ترميمه بالقوانين الحقوقية الفرنسية والإنجليزية، ثم لكي يخدعوا الأمة أدخلوا فيه بعض الأحكام الإسلامية.
الاجتهاد وقدرة الفقه
1 ـ الاجتهاد في اللغة والاصطلاح
لفظة الاجتهاد مأخوذة من مادة جهد، ومعناه اللغوي هو جدَّ وتعبَ في الأمر، وهذا المعنى يُجمع عليه أساتذة اللغة. أما في الاصطلاح فإن معناها عند بعض علماء الأصول هو الاستفادة التامة من جميع إمكانات المجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي في الأحداث الواقعة والوقائع الجديدة بوساطة عناصر خاصة ومشتركة وأسس المعرفة من المصادر الشرعية الموثوق بها.
الفرق بين الجهاد والاجتهاد
جذور هاتين اللفظتين واحدة، بفارق أن الجهاد يعني الاستفادة من قدرة المرء للوقوف في وجه العدو. أما الاجتهاد فهو الاستفادة من القدرة والجهد لاستخراج الأحكام من مصادرها.
أنواع الاجتهاد عند الإمامية
أ ـ الاجتهاد النظري، وهو المستخدم في المعرفة الأصولية والأسس المعرفية والعقائدية.
ب ـ الاجتهاد العملي، وهو العلم بمطابقة علم المرء مع الأوامر الشرعية الصادرة إليه وعدم مطابقته معها. ويصطلح بأنه «مطابقة المأتي به مع المأمور به».
ج ـ الاجتهاد الأصولي، وهو الذي يسعى لمعرفة الدليل والحجة، وهو يرمي إلى استحصال الدليل والحجة والسند لإصدار الأحكام الشرعية في الأحداث الجديدة.
د ـ الاجتهاد الفقهي، وهو معرفة الحكم الشرعي فقط عن طريق الأسس الأصلية للاستنباط.
هـ الاجتهاد التفريعي المقارن، وهو معرفة فروع الأصول ومصاديق قوانين الأحكام الكلية، والعلاقة بين الفروع والأصول، وبين المصاديق وقوانين الأحكام الكلية. نتيجة هذا الاجتهاد هو رجوع الفروع والأحداث الجديدة في الحياة والحكم، مهما يكن نوعها، إلى الأصول الأساس، وانطباق القوانين الكلية على مصاديقها الخارجية.
لا بدَّ أن نضيف أن لكل واحد من هذه الأنواع أقساماً، وكل قسم له فروعه، مما يخرج عن حيز كلامنا هنا.
أنواع الاجتهاد عند أهل السنّة
للاجتهاد عند علماء أهل السنّة أنواع ثلاثة:
الاجتهاد البياني، وهو الذي يستخدم في النصوص لبيان الأحكام الشرعية في الحوادث الواقعة والمواضيع المستحدثة.
الاجتهاد القياسي، وهو اجتهاد يستخدم في النصوص الواردة في الشريعة، لاستخراج الأحكام الشرعية لمواضيع جديدة لا يوجد نص يخصها.
الاجتهاد الاستصلاحي، وهو الاجتهاد القائم على الرأي وقاعدة الاستصلاح لتشريع أحكام شرعية للأحداث الجديدة التي لا يوجد لها نص يخصها.
الإمام رحمه الله يؤيد الاجتهاد الأول القائم على نصوص موثوق بها. أما الاجتهاد الثاني إذا كان قائماً على أساس القياس التشبيهي والتشكيلي فلا يؤيده. ولكن إذا كان على أساس القياس المنصوص العلة مع الأولوية فإنه مقبول عنده. أما الثالث فهو يرفضه.
2 ـ اختلاف اجتهاد الإمامية عن اجتهاد أهل السنّة
الاجتهاد في فقه الإمامية وسيلة في الفقه لاستخراج أحكام الأحداث الواقعة والوقائع الجديدة في الحياة على مدى الزمان، وتستنبط من عناصر خاصة.
بناء على ذلك، فإن الاجتهاد في نظر فقه الإمامية ليس هدفاً ولا أصلاً مستقلاً في مقابل الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، بل هو وسيلة جعلها الله كينيوع دفاق يفيض في قلب الفقه. أما عند أهل السنّة فالاجتهاد في الفقه هدف وأصل مستقل إلى جانب الكتاب والسنّة، وفي الحالات التي ليس فيها نص خاص، يتم الاجتهاد بالرأي لوضع أحكام شرعية للأحداث الجديدة.
3 ـ الاجتهاد الذي فيه دور للزمان والمكان
الاجتهاد الذي فيه دور للزمان والمكان يعتبر النوع الخامس من الاجتهاد عند الإمامية، وهو اجتهاد تفريعي مقارن، لا من أنواع الاجتهاد الأخرى. وهذا لأن دور الزمان والمكان يكون في تغيير مواضيع الأحكام أو خصائصها وظروفها، وكذلك في تعيينها عند التفريع والمقارنة، وليس في الأحكام نفسها وأدلتها. لذلك فهما ليس لهما دور في الاجتهاد الفقهي الخاص بمعرفة الحكم والاجتهاد الأصولي لمعرفة الدليل والحجة، وهذا يتبين واضحاً في أصل البحث.
لذلك فإن الاختلاف بين رأي الإمام رحمه الله ورأي علماء أهل السنّة يتبين في مسألة تحول الاجتهاد. الباحثون من أهل السنّة يرون أن للزمان والمكان والأصول الجوزية دوراً في تحول الاجتهاد. هذا الموضوع يذكره ابن قيم الجوزية في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين وغيره في تآليفهم. يقول الدكتور محمد المحمصاني في كتابه المجتهدون في القضاء: «وقد أصاب جمهور الفقهاء بقولهم إن الأحكام المبتنية على الاجتهاد تتحول بتحول الزمان والمكان والأحوال…» وهذا يطابق الواقع، ولكن يجب أن نعرف أن التأثير الذي يراه الإمام للزمان والمكان في الاجتهاد يختلف عن التأثير الذي يراه أهل السنّة. فيما يلي نذكر هذه الاختلافات بصورة إجمالية:
1 ـ يؤيد الإمام رحمه الله الدور المهم الذي يلعبه الزمان والمكان في تحول الموضوعات وتغيير الأحكام الإلهية في مقام التفريع والمقارنة بعد معرفة الموضوع وخصائصه. إلاَّ أن فريقاً من أهل السنّة يقولون بدخالتهما في تحول الأحكام في مقام استنباط الحكم الشرعي.
2 ـ يرى الإمام رحمه الله أن للزمان والمكان، استناداً إلى المصادر الشرعية الموثّقة، دوراً مهماً، بينما أساس عقيدة مؤيدي قانون تحول الاجتهاد هو الرأي الشخصي.
3 ـ بحسب نظرية الإمام رحمه الله إصدار حكم على أساس دور الزمان والمكان للموضوع الجديد ليس مخالفاً للنص، بل هو ضمن إطار النص، بفارق أن الموضوع الأول يرجع إلى نص، والموضوع الجديد يرجع إلى نص آخر. ولكن الآخرين يقولون إن الحكم عن طريق قانون تحول الاجتهاد استناداً إلى ظروف الزمان والمكان يكون أحياناً خلافاً للنص.
4 ـ بهذا التحول الاجتهادي الذي يراه الإمام رحمه الله عن طريق دور الزمان والمكان، يعتبر نوع الأحكام في الموضوعات من الأحكام الأولية لا الثانوية. وذلك لأن الحكم الثانوي يكون في حالة وجود حكمين للموضوع، أولي وثانوي، الأولي منهما للاختيار والثانوي للاضطرار. فاستناداً إلى رأي الإمام رحمه الله في أن للزمان والمكان دوراً في تغيير الموضوع وخصائصه وتعيينه، لا يكون هناك مجال لحكم ثانوي، لأن الحكم الثاني الناجم عن تحول الاجتهاد يعود لموضوع آخر، والحكم الأول الموجود قبل تحول الاجتهاد يعود للموضوع الأول، ولهذا، كلا الحكمين يكونان حكماً أولياً لموضوعهما، لذلك فإن هذا التغيير والتحول في الحكم بسبب تغير الموضوع وتحوله لا يتنافى مع الحديث المعروف: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة». هكذا، بهذا التحول، يخرج الموضوع من تحت الدليل والحكم السابقين، ويصبح ضمن نطاق دليل وحكم آخرين من أحكام الشريعة الإسلامية. إذن، ليس حكم الشريعة هو الذي يتغير بتحول الزمان والمكان وظروفهما، بل في الحقيقة إنه الموضوع الذي يتغير شكله تحت ظروف الزمان والمكان مما يؤدي إلى تغيير حكمه. أما إذا عاد الموضوع، بعد فترة من الزمن، إلى حالته الأولى من حيث القيود والظروف، عاد إليه الحكم السابق، إلاَّ أنه بالتحول الذي يقول به الآخرون فإن نوع أحكام الموضوعات تعتبر ثانوية.
5 ـ نتيجة نظرية الإمام رحمه الله في قانون التحول هي خضوع أحداث الحياة للفقه الاجتهادي، لأنه يقبل بقانون تحول الاجتهاد بتحول الزمان، لا تحول الأحكام بتحول الزمان والمكان وظروفهما. أما النظرية المقابلة في قانون التحول فهي إخضاع الفقه الاجتهادي في قبال الأحداث، لأنهم قد قبلوا بقانون تحول الأحكام بتحول الزمان.
أمّا رأي آية الله الخامنئي (دام ظله) في نظرة الإمام رحمه الله إلى دور الزمان والمكان في الاجتهاد فيقول:
إن قانون تحول الاجتهاد بتحول الزمان والمكان باب يفتح منه ألف باب.
قدرة الفقه الاجتهادي وحشد من المسائل
يقف الفقه الاجتهادي اليوم، بعد قيام الحكومة الإسلامية، في مواجهة حشد من المسائل التي تتطلب الجواب. إن الادعاء منذ قرون بأن للفقه القدرة على إدارة الحكومة والمجتمع والعالم، وعلى الإجابة عن جميع الأسئلة عن الظاهرات من أي نوع كانت، يوضع اليوم موضع الامتحان وعليه أن يثبت دعواه.
بناء على ذلك، المجتهد في الحكومة الإسلامية هو الذي أدرك، أولاً، أبعاد الحكومة الإسلامية وعالمية الفقه.
ثانياً أن يكون قادراً، بإجاباته المناسبة على الصُّعُد الفردية والعبادية والاجتماعية والحاكمية، على الملاءمة بين الفقه الاجتهادي والأحداث المختلفة وعلى حل المشكلات.
في غير هذه الحياة لا يكون مجتهداً متبحراً ماهراً في النظام الإسلامي، حتى وإن كان قبل الحكومة الإسلامية منسجماً مع ظروف ذلك الزمان الذي لم تكن فيه حاجة إلى الفقه الحكومي، ومجتهداً نافعاً في المسائل الفردية والعبادية، والشخص الذي لا يعرف الفقه الحكومي ولا يعرف مسائله ولا يستطيع أن يستخدم الاجتهاد مع معايير الأسلوب الجديد في مصادره، لا يكون في الحكومة الإسلامية مجتهداً بالمعنى الحقيقي. وعلى فرض أنه كان مجتهداً فيما يتعلق بالمسائل الفردية والعبادية مما يرد في الرسائل العملية، فإنه يكون من المصاديق البارزة للمجتهد المتخصص، لا المطلق، إذ إن «الفقيه لا يكون فقيهاً إلاَّ إذا عرف معاريض كلامنا».
ولكي يتناسب الاجتهاد مع الفقه العالمي، ويكون له تأثيره المطلوب والبناء، لا بدَّ من الانتباه إلى النقاط التالية:
أولاً: يجب أن يكون الاجتهاد وفقاً لحاجات الحكومة الإسلامية والمسائل المطلوبة فعلاً في المجتمع الحاضر والمجتمعات المتمدنة بشكل دقيق.
ثانياً: يجب التطابق على أساس النظرة العالمية وواقعيات الزمان وعينيتها في الخارج، مع خصائصها في المصادر الموثوق بها والأصيلة.
ثالثاً: بيان أحكام الموضوعات الخاصة بالمسائل الحكومية المطلوبة اليوم بياناً منظماً.
رابعاً: استخدام الاجتهاد بعد دراسة موضوعات الأحكام الشرعية وملاحظة خصائصها الباطنية والظاهرية في مصادرها.
خامساً: أن يكون الاجتهاد ملائماً للمنظور الزماني والمكاني.
فإذا لم تؤخذ هذه الظروف بعين الاعتبار، فلن يتمكن الفقه الاجتهادي من الإجابة عن المشكلات النازلة بمجتمعنا المتغير اليوم. وهذه رسالة خطيرة ومهمة جداً وجديرة بالدرس والملاحظة الدقيقين.
يقول الإمام الخميني رحمه الله مؤسس الجمهورية الإسلامية، في بعض من تصريحاته المهمة في هذا الأمر: «لا يمكن للناس والشباب وحتى العوام قبول قول مرجع مجتهد إنه لا يبدي وجهة نظره في القضايا السياسية. إن معرفة أسلوب التعامل مع حيل الثقافة السائدة في العالم وتزويراتها، وامتلاك النظرة والبصيرة الاقتصادية، والاطلاع على كيفية تناول الاقتصاد العالمي، ومعرفة السياسة وغير ذلك، هي من مميزات المجتهد الجامع»)[845](.
«الأهداف الأساس هي كيف نستطيع تطبيق أصول الفقه المكينة في عمل الفرد والمجتمع، وأن يكون عندنا جواب للمعضلات. إن كل ما يخشاه الاستعمار هو أن يصبح للفقه والاجتهاد بُعداهما العيني والعملي»)[846](.
«عليكم أن بتذلوا جهودكم لكيلا يتهم الإسلام ـ لا سمح الله ـ في خضم التعقيدات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية، بأنه غير قادر على إدارة العالم»)[847](.
مجيد أميني
الشاه إسماعيل الثاني
بعد وفاة الشاه طهماسب الذي دام حكمه أكثر من نصف قرن تولّى السلطة بعده ولده إسماعيل الثاني.
وبالرغم أنَّ هذا الحاكم الجديد لم يبقَ في السلطة إلاَّ تسعة عشر شهراً فقط (حكم من 27 جمادى الأولى 984هـ/ 22 آب 1576م، حتى 5 ذي الحجة 985هـ/13 شباط 1578م)، إلاَّ أنَّ الأحداث التي ارتبطت بحكمه كانت أحداثاً مثيرة.
قيل إنَّ إسماعيل الثاني كان قد سجنه أبوه في قلعة قهقهة الإيرانية مدّة من الزمن بسبب الصراعات القائمة بين قبائل القزلباش، وبعد توليه السلطة أراد الانفراد بالحكم أمام المنافسين من أبناء عائلته، فأوقع فيهم القتل، وتتبعهم في البلدان، ولم يسلم منه إلاَّ أخوه محمد خدابندة (الذي كان يعاني من ضعف البصر)، وولده الصغير عباس (الذي أصبح فيما بعد الشاه عباس الكبير).
أراد الشاه إسماعيل الثاني أن يُغيّر بعض الممارسات التي سادت في الدولة الصفوية من مظاهر اعتقادية معادية للسُنَّة، والتي أصبحت جزءاً من الحياة العامة فأُتُّهم من قبل خصومه بالتسنُّن، وخروجه عن المذهب الإمامي الذي التزم به آباؤه وأجدادُه.
ففي الشهور الأولى من حكمه نُقلَ أنَّه قتل الكثيرين من أبناء أسرته الذين كانوا يتولّون مناصب مهمة في عهد أبيه طهماسب.
وممن قُتل على يديه الأمير إبراهيم ميرزا الصفوي بن بهرام بن الشاه إسماعيل (قتل في 5 ذي الحجة سنة 984هـ/ 24 شباط 1577م)، وكان هذا الأمير قد اقترن بابنة الشاه طهماسب كوهر سلطان خانم، والتي هي أخت الشاه الحالي (إسماعيل الثاني).
وكان الأمير إبراهيم من كبار العلماء والشعراء، صاحب مواهب مُبهرة، شغل حكومة خراسان حتى عام 979هـ/ 1572م، ولمدّة اثنتي عشرة سنة، كما قُتل معه أحد عشر شخصاً من أبناء العائلة المالكة.
نقلت بعض المصادر الفارسية أنَّ الأمير إبراهيم ميرزا الصفوي كانت له معرفة بالفنون، وأغلب الصنائع والأعمال اليدوية، مضافاً إلى العلوم العقلية التي يُتقنُها، وكانت له أيضاً معرفة في العلوم الرياضية من الحساب والنجوم، والأدبية من العروض والشعر، وله ديوان شعر كبير في اللغتين الفارسية والتركية. كما أنَّ له مؤلفات مهمة أصبحت من المصادر التي اعتمد عليها المؤلفون بعده مثل كتابه (فرهنك إبراهيمي) في تراجم الشعراء.
ويقال إنَّه كتب للشاه إسماعيل الثاني قبل مقتله شعراً بالفارسية معناه: لا تُلطِّخ يدك بالدماء، ففوق يدك يد، والفَلكُ لم يصنع تاجاً ذهبياً لأحد، إلاَّ ووضع التراب على رأسه آخر المطاف.
وبسبب أعمالك القبيحة لا يمكن أنْ يطول عُمرك. إنَّ كلّ ما بيني وبينك هو أنْ يكون قبري بعد شهور أعتق من قبرك. لقد بنيتَ بناءاً قلعتَ به ركائز أسرتنا، يا صاحب الأساس الخرب، ما الذي بنيته)[848](؟!
وبسبب مبدأ العنف الذي انتهجه الشاه إسماعيل الثاني وصراع أطراف القوى القتالية القزلباشية فيما بينها للاستيلاء على العرش، فقد حدث تنافر بينه وبين الأجنحة القوية الأخرى التي تقف على رأسها بعض الشخصيَّات الدينيَّة المُتنفّذة.
إنَّ أهم فقيه اقترن بمواجهته للشاه إسماعيل الثاني هو السيد حسين المجتهد (ت: 1001هـ/ 1593م)، كما نُسبت قصة مقتل الشاه إليه.
تعاظم نفوذ السيد حسين المجتهد في الدولة الصفوية أيام الشاه عباس الكبير حتى أصبح الشخصيَّة الدينية الرسمية الأولى في الدولة، ولُقِّب بلقب «خاتم المجتهدين»، كما لُقِّب بالمفتي أيضاً.
والسيد حسين المجتهد هو سبط المحقق الكركي الذي كان له دور في الأحداث الدائرة قبل هذه المرحلة بما يقرب من نصف قرن حتى قيل إنَّه قُتلَ بالنجف على يد بعض أمناء الدولة عام 940هـ/1534م.
وكان الشاه إسماعيل الثاني قد صادر مكتبة السيد حسين المجتهد مع جميع أملاكه مما سبَّب غلياناً شعبيَّاً تجاه سياسته هذه لما يتمتع به هذا المجتهد من قاعدة شعبية واسعة.
ورد في النصوص المتناقلة أنَّ إسماعيل الثاني ساء ظنُّه بجميع علماء الإمامية، خاصة بالسيد حسين المجتهد، وسائر علماء الشيعة من أهل استراباد الغالين في التشيع، والتبري من أعداء آل محمد، وكان يؤذيهم، ويظهر لهم العداوة، وأخرج بعضهم من معسكره.
كما أمر بجمع كتب الأمير السيد حسين المجتهد، والختم عليها. وقد أخرجوه من منزله، وجُعلَ بيتُه من البيوت العامة التي يأوي إليها النزلاء)[849](.
كما ورد نصٌ آخر يذكر أنَّ الشاه أخرج بالقوة صناديق مقفلة مملوءة بالكتب من بيت السيد المجتهد، واستولى عليها، ولما تُوفيَ حملها أصحاب السيد المجتهد إليه مرَّة أخرى)[850](.
والسبب فيما نُقل أنَّ السيد حسين المجتهد كان قد عارض الشاه في مسألتين:
الأولى: محاولة الشاه لمنع «التبرائيين» الذين كانوا بمثابة جماعة تُشكِّل موكباً يسير أمام بعض الشخصيَّات الرسميّة، ومن مهامهم الهتاف بالصلوات على آل البيت، ولعن خصومهم من الخلفاء، وغيرهم.
والتبرَّائيون كلمة مأخوذة من (التبرِّي)، أي إظهار النفرة من خصوم أئمة أهل البيت عليهم السلام ومغتصبي الخلافة الإسلامية.
وقد نقل الخوانساري: «أنَّ الشاه إسماعيل أرسل إلى السيد حسين المجتهد أحد (جلاوزته) الملعونين يأمره بمنع (التبرائيين) الذين كانوا يمشون قدّام مواكب شرفاء تلك الأيام باللعن والسلام ـ عن ذلك العمل، ويهدّده بالقتل والضرر الشديد، متى لم يقبل. فأجاب جناب السيد المعظم لو شاء الملك أنّ يأمر بقتلي فليفعل، حتى يقول أناس سيأتون من بعدنا: لقد قتل يزيدٌ ثانٍ حسيناً ثانياً، ويلعنوه كما يلعنون يزيدهم الزنيم الأول»)[851](.
الثانية: تغيير العملة المنقوش عليها أسماء الأئمة الاثني عشر، والتي لم ينجح بتغييرها)[852](.
فقد نقلت المصادر الشيعية ـ كما هي عادتها في تفسير الأحداث السياسية تفسيراً مذهبياً بحتاً ـ أنَّ الشاه إسماعيل الثاني لما أراد تغيير (السكَّة) المنقوش عليها أسماء الأئمة المعصومين برَّر عمله في محضر أمرائه وقوَّاده أنَّ هذه (النقود) قد تقع في أيدي الكفرة الأنجاس وتمُسُّها جوارح غير المتدينين من الناس مما يخالف قدسيتها.
وكان السيد حسين المجتهد حاضراً، فاقترح على الشاه أنْ يكتب بيتاً لأحد شعراء الفارسية في لعن الخلفاء الثلاثة حتى لا يضرَّ وقوعه في أي (كنيف).
يُنقل أنَّ الشاه ازداد عليه غيظاً، وتحيَّنَ الفرصة للخلاص منه)[853](.
كما نُقل أنَّ الشاه حاول قتل المجتهد بإحدى الطرق غير المثيرة للشكّ، حيث حُبس في حمّام حار حتى زُعمَ هلاكه، لكنه نجا من ذلك بأعجوبة)[854](.
وقد ارتبطت قصة مقتل الشاه إسماعيل بالسيد المجتهد، وعُدّت من كراماته الدينية، حيث كان مقرّراً ـ كما تنقل النصوص ـ أنْ يُقتلَ السيد حسين المجتهد على يد الشاه إسماعيل الثاني، إلاَّ أنَّ الشاه مات قبل أنْ يُحقق مأربه فيه.
حاولت المصادر المكتوبة بعد مقتل الشاه إسماعيل الثاني أنْ تجتهد في تفسير مقتله بما يقلل من مكانته الاجتماعية، ويزيد في نفوذ خصومه، فنُقلَ أنَّ السيد حسين المجتهد كان قد اشتغل بقراءة دعاء العلوي المصري الذي هو مجرب في دفع الأعداء، ثم لمَّا دخل شهر رمضان (ليلة الثالث منه)، خرج الشاه في الليل من بيته إلى السوق تنزُّهاً مع معشوقه المعروف (بحلواجي أوغلي)، وأكل من البنبج، ومن سائر الغيرات المحرّمة شيئاً وافراً، فاختنق وضاق عليه التنفس في الطريق، ولذلك لما أرجعوه إلى بيته خرج من أنفه وحلقه دمٌ كثير، وكان أوان وفاته طلبوا السيد الجليل الأمير السيد حسين المجتهد في ذلك السحر إلى جنازته، فلما دخل السيد أمر بتغسيله وتكفينه، (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا) )[855](.
ومثل هذه المنقولات، وغيرها هي صدى للإشاعات السياسية التي كانت تتناقلها الأطراف المتنازعة في تلك المرحلة، إذا لم تكن قد وُضعتْ بعدها.
وبسبب السياسة التي انتهجها الشاه إسماعيل الثاني في التعامل مع خصومه السياسيين المتعددي المشارب فإنَّ الاتهامات المذهبية وُجِّهتْ إليه بقوة في محاولة لأضعاف سلطته وإجهاضها. فقد أُتُّهم بالتسنن، ومحاولة القضاء على مذهب آبائه وأجداده.
وهذه الاتهامات نشأت طبقاً لبعض الممارسات التي حاول الشاه أنْ يحدّ منها في محاولة للقضاء على نفوذ الشخصيَّات التي ما زالت تتمتع بسلطة خارج سلطته في منظومة الدولة الجديدة التي تحاول أنْ تُضخِّم أدواره، وتنقلها من مدار المواجهة السياسية إلى مدار المواجهة المذهبية.
كما إنَّ بعض الشخصيَّات التي استغلَّتها الدولة العثمانية تجاه الصفويين ممن كان لها الارتباط بالشاه إسماعيل الثاني، أمثال رئيس وزرائه أشرف معين الدين المعروف بالميرزا مخدوم الجرجاني (947 ـ 995هـ/ 1541 ـ 1587م) كان لها الأثر في ترديد مقولة تسنّن الشاه.
وقد نُقلتْ هذه النصوص في الكتب التأريخية نتيجة للصراعات المحتدمة دون أنْ تفرز حقيقة هذه الصراعات وأسبابها السياسية لغرض معرفة تفسير الأحداث بشكلها الواقعي.
إنَّ كُلَّ هذه المُدَّعيات المنقولة من جهة، وصراعات الفقهاء الكبار مع الشاه من جهة ثانية جعلت صورة إسماعيل الثاني المتمرد الأول في سلسلة الملوك الصفويين. كما إنَّ عدم استمراره في الحكم لمدة طويلة كان سبباً آخر لنمو هذه المدّعيات لاندحاره السياسي أمام خصومه داخل الجهاز المعارض، والقضاء على حكمه بعد تلك الفترة الوجيزة التي حكم فيها، والتي لا تتجاوز تسعة عشر شهراً فقط.
ازداد نفوذ السيد حسين المجتهد بعد مقتل الشاه إسماعيل الثاني. وبالرغم أنَّ أخباره السياسية خَفَتَتْ بعد هذه الفترة، إلاَّن أنَّ نتاجاته العلمية الزاخرة تناقل أسماءها المؤلفون، ومدونو التاريخ والتراجم لرجال تلك المرحلة.
فقد عُرف بغزارة الكتابات والتأليف، وله من المؤلفات الفقهية والكلامية والعقائدية، وغيرها الشيء الكثير. ومن مؤلفاته رسالة «اللمعة في أمر صلاة الجمعة» ألَّفها للشاه طهماسب سنة 966هـ/1559م، وكان يومذاك بمدينة أردبيل)[856](.
وقد نُسبت إليه بعض المؤلفات المذهبية المندرجة تحت عنوان الصراع الطائفي بين السُنَّة والشيعة في محاولة لإظهار الطائفية السياسية للدولة من خلال تنظير قادتها. من ذلك: كتاب «دفع المناواة عن التفضيل والمساواة» في شأن الإمام علي ابن أبي طالب بالنسبة لمقارنته بالنبيّ والأئمة والملائكة والأنبياء)[857](، كتبه سنة 959هـ/1552م، ورسالة في جواب مَنْ سأله عن «نجاسة أهل السُنَّة، وحرمة ذبيحتهم»، وكذلك كتابه «نقض دعامة الخلاف في كفر عامة أهل الخلاف»، وكان هذا الكتاب جواباً لسؤال وجَّهه الشاه طهماسب إليه لمعرفة الأصول التي يستند عليها الإفتاء في هذا المجال.
وكان الشاه طهماسب قد كتب في سؤاله رسالة أثنى فيها على السيد المجتهد، وعظَّمه غاية التعظيم)[858](.
ومن جوابات استفتاءاته الكثيرة رسالة بعنوان «في بيان حال أهل الخلاف في النشأتين»، حيث حكم بكفرهم، ونجاستهم)[859](.
ويبدو أنَّ المكانة العلمية التي اشتهر بها منذ عهد الشاه طهماسب جعلت المصادر الرسمية تُضفي عليه ألقاباً كبيرة، حيث لُقِّب بسيد المحقّقين، وسند المدققين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، خاتم المجتهدين. ونُقلَ أنَّ اسمه في السجلات الرسمية كان يُكتب مقروناً بهذه الألقاب.
إلاَّ أنَّ معاصريه من المجتهدين لم يكونوا مُسلِّمين له هذه الدعاوى، وإنْ لم يقدر أحد على مواجهته)[860](.
كان السيد حسين المجتهد معاصراً لطبقة عالية من المجتهدين أظهرهم خاله الشيخ عبد العالي (926 ـ 993هـ/1520 ـ 1585م) ابن المحقق الكركي، وعبدالله التستري، والسيد علاء الملك المرعشي.
وكان هؤلاء المجتهدون من المقرَّبين إلى الشاه طهماسب، ويشغل بعضهم مناصب قضائية في الدولة)[861](. كما كان آباء هؤلاء الفقهاء هم أيضاً من أركان الدولة الصفوية قبل هذه المرحلة)[862](.
تقلَّد الشيخ حسين المجتهد منصب شيخ الإسلام في مدينة (أردبيل) في عهد الشاه عباس الصفوي، وبعد مضي أربع سنوات من تقلُّده المنصب تُوفيَ بالطاعون الجارف الذي أصاب مدينة قزوين عام 1001هـ/ 1593م، وانطوت بموته صفحة من صفحات الصراع بين الفقيه والسلطان، والتي كانت نتائجها مُنْصَبَّةً لصالح الفقهاء.
د. جودت القزويني
الشاه إسماعيل الصفوي
يعتبر أبو المظفر الشاه إسماعيل الصفوي أول الملوك الصفويين الذين توحَّدت البلاد الإيرانية تحت سلطتهم. فقد تولّى الحكم عام 906هـ/ 1501م، وهو ابن الخامسة عشرة، واستطاع وهو بتلك السن أنْ يوطّد دعائم إمبراطورية كبيرة جمعت القبائل الموالية تحت مظلته الروحانية، المستمدة قوّتها من سلسلة آبائه التأريخيين. فبدأ زعماء القزلباش منذ عام 905هـ/ 1500م، مستمدّين من الرمز الصفوي طريقاً لفتوحاتهم بتوحيد الأراضي، وضمّها إلى بلاد فارس، فبدأ بفتح شيروان عام 906هـ/1501م، ثم آذربيجان عام 907هـ/1502م، واستولى على أكبر مدنها تبريز، واتخذها عاصمة لحكمه.
وعندما دخل موكب الشاه إسماعيل أوائل سنة 907هـ/1502م مدينة تبريز هبَّ أهلها لاستقباله، وتقديم فروض الطاعة له، وجلس على العرش متوِّجاً نفسه ملكاً لإيران.
وقرَّر الشاه أنْ تكون الخطبة باسم الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، والأئمة الاثني عشر، ومن ثم اسمه.
كانت تبريز يومذاك يتقاسمها الشيعة والسنة، ورغم كثرة الشيعة إلاَّ أنَّ المناصب الدينية والقضائية كانت بأيدي علماء السُنّة من الشافعيين والحنفيين حيث كان موقف حكامها داعماً للتيار السني وتقويته مقابل نفوذ القزلباش الذي بدأ يظهر في صراعه مع السلطان يعقوب بن السلطان أوزون)[863](.
ثم زحف عام 914هـ/1508م على بغداد، وقضى على حكم الدولة البايندرية (آق قوينلو التركمانية) الذي دام أربعين عاماً، أي منذ عام 874هـ/ 1470م.
كما استطاع أنْ يقضي على قوة الأوزبك في هراة وخراسان بعد اندحار زعيمها محمد الشيباني عام 916هـ/1510م، وسقوط مدينة مشهد)[864](.
بالغت النصوص في نسبة الاضطهاد المذهبي لخصوم الصفويين، فذكرت أنَّ جنود القزلباش كانوا يلازمون المساجد أيام الجمعة، وأوقات الصلاة في الأيام الأخرى طوال ثلاثة أشهر لمراقبة الخطباء، وما يلقونه من خطب. فإذا أتى أحدهم بعمل مخالف للأوامر الصادرة، أو أنكر شيئاً من تعاليم الشيعة بادروا إليه بسيوفهم أمام أعين الحاضرين.
ونُقل أيضاً أنَّ بعض الخطباء رفض الانصياع للأوامر فضُربت أعناقهم على رؤوس الأشهاد، فأصيب الخطباء الآخرون بالخوف والهلع فلاذ بعضهم بالفرار، واختفى آخرون، وانصاع بعضهم للأمر الواقع فخطبوا باسم الأئمة الاثني عشر، وأدخلوا في الأذان عبارة (أشهدُ أنَّ علياً وليّ الله) )[865](.
والواقع أنَّ نسج مثل هذه القصص الموهومة هي في حدّ ذاتها تكذب ذاتها. خصوصاً إذا تضمنت مشاهد درامية كالتي تحملها هاتان المرويتان.
وسيتكرّر الحال بتطبيق المرويات نفسها على العثمانيين أيضاً.
كانت مدينة بغداد قد وقعت تحت سلطة الدولة البايندرية (آق قوينلو) عندما فتح السلطان حسن الطويل (ت: 882هـ/ 1477م) بغداد على يد ابنه الأمير مقصود بيك في عام 874هـ/ 1470م، وهي السنة التي ابتدأ حكم الدولة البايندرية (آق قوينلو) فيها.
كان حسن الطويل ـ المعروف بأوزن ـ حاكماً في أنحاء ديار بكر، وعندما وقعت مدينة بغداد تحت سلطته لُقِّب بـ (ملك العراق) )[866](.
وقد تولّى السلطة بعده بعض أولاده السبعة، منهم السلطان خليل (882 ـ 883هـ/ 1477 ـ 1478م) الذي كان والياً بفارس، وولياً للعهد. وقد حكم ثمانية شهور فقط، جلس على تخت آذربيجان، وملكَ جميع ما ملكه أبوه من البلاد، وقد فوّض إيالة ديار بكر لأخيه يعقوب بك، كما جعل بغداد لابن عمه مراد بن جهانكير)[867](.
ثار يعقوب على أخيه السلطان في ديار بكر، وسار إلى آذربيجان، ووقعت بينهما معركة انتصر فيها يعقوب بعدما قتل أخاه السلطان خليل، وقطَّع جسده)[868](.
واستقر أبو المظفر السلطان يعقوب بهادرخان على سرير الملك في دار السلطنة (تبريز) حتى وفاته سنة 896هـ/1491م.
كانت الصراعات دائرة بين الصفويين قبل تشكيل إمبراطوريتهم، وبين هؤلاء الزعماء الناشئين؛ فقد حدثت معركة بينه وبين السيد حيدر الصفوي عام 893هـ/1488م عندما سار بجيشه للسيطرة على مدينة شيروان، وكانت شيروان تحت سلطة السلطان فرخ يسار ابن الأمير خليل الله، فاستجار بالسلطان يعقوب الذي جهَّز قوة قوامها أربعة آلاف فارس بقيادة سليمان بيك التركماني. وفي حدود طبرستان وقعت الحرب بين الطرفين، فقُتل السيد حيدر، وأُلقي القبض على أولاده)[869](.
كما حدثت معركة ثانية في مرحلة حكم رستم بيك بن مقصود بيك بن الأمير حسن الطويل (898 ـ 902هـ/ 1493 ـ 1497م)، كان السلطان علي بن السيد حيدر يقود الصفويين فيها، وكانت الغلبة هذه المرَّة لرستم أيضاً، حيث قُتل السلطان علي مع أخوته، ولم ينجُ منهم سوى إسماعيل)[870](.
وبعد تولّي السلطان مراد بن يعقوب حفيد حسن الطويل (905 ـ 914هـ/ 1500 ـ 1508م) ظهرت في عهده الدولة الصفوية، بعدما أخضع الشاه إسماعيل العراق لسيادته بعد سيطرته على بلاد فارس، وآذربيجان، كردستان، خراسان، وديار بكر. وقد استطاع أنْ يتغلّب على مراد بك)[871](، ويقضي على دولة الخروف الأبيض (آق قوينلو) بعد حكم دام أربعين عاماً.
أصبحتْ مدينة بغداد بعد مقتل السلطان مراد تحت سلطة باريك بيك البايندري، ولم يخضع باريك لنفوذ الشاه إسماعيل في محاولة للانفراد بالسلطنة.
وعندما توجَّه الشاه إسماعيل لفتح بغداد أرسل أحد قوّاده إلى باريك فأبدى له الطاعة لكنَّه حاول التحصّن، فألقى القبض على مجموعة من الموالين للصفويين، كان على رأسهم السيد محمد كمونة (نقيب أشراف بغداد). إلاَّ أنَّ باريك هرب عن بغداد عندما دخل الجيش الصفوي المدينة فاحتفل أهالي بغداد بالفتح الصفوي الجديد.
عند انهيار سلطة باريك بيك أطلق أهالي بغداد سراح السيد محمد كمّونة، وسُلِّمت مقاليد الأمور إليه ببغداد. وقد خطب باسم الشاه إسماعيل، وقدَّم له الولاء.
وعندما وافى الشاه إسماعيل بغداد في 25 جمادى الثانية سنة 914هـ/ 21 تشرين الأول 1508م، نحرَ أهالي بغداد له الذبائح، وفرح بمقدمه السواد الأعظم، واحتفلوا بقدومه)[872](.
وفي اليوم التالي من قدوم الشاه إسماعيل ذهب لزيارة المراقد المقدّسة في كربلاء، والنجف، والكاظمين، وسامراء، وقد أمر بصنع الصندوق المذهب للحضرة الحُسينية، وأوقف فيه اثني عشر قنديلاً من الذهب، وفرش رواق الحضرة بأنواع المفروشات القيّمة)[873](.
وقد ورد في كتاب (زندكاني شاه إسماعيل)، بعض التفصيل عن هذه الزيارات التي تكشف عن تصرفات الشاه في تلك الأماكن الشيعية المقدسة، منها: أنه دخل روضة سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، واشتغل بالدعاء والمناجاة، وكان يشارك في القيام بأعمال فرش الحرم بسجاد من الحرير، مثله في ذلك مثل الخدم والبوّابين، وقد اعتكف في الحرم منشغلاً بالعبادة.
ومنها: أنَّه عندما توجّه إلى النجف الأشرف، ولاحت لناظريه مشارف القباب ترجّل مسرعاً إلى المرقد المقدس، وتشرّف بزيارته، والدعاء تحت قبته، وأجزل عطاءه على جميع سكان النجف)[874](.
د. جودت القزويني
الشُبَّرُ محدّثاً
ملخص البحث
كمال الإنسانية رهين الجهود والنشاطات المتواصلة لأبنائها الأفذاذ الممتازين الذين وقفوا أعمارهم على المطالعة والبحث والتحقيق كي يكشفوا عنها غياهب الظلمة والديجور ويفتحوا أمامها أبواب الضياء والنور.
الاطلاع على أحوال العلماء الماضين وسبر آثارهم يساعد الباحثين كثيراً على مضاعفة جهودهم في مواصلة الطريق التي قطعها أولئك العلماء في ظروف صعبة حالكة جداً.
يعتبر المرحوم السيد عبدالله شبّر من علماء الشيعة الأفذاذ الذين احتضنهم القرن الثالث عشر، إلاَّ أنّ الكثير لا يعرفه إلاَّ بتفسيره المختصر السهل للقرآن الكريم أو على الأكثر بكتابه «الأخلاق»، أما بالنسبة إلى اضطلاعه بأكثر العلوم الدينية وتبحّره فيها، وورعه ونشاطه المتواصل الجادّ ضد الانحرافات الفكرية في زمانه فالكثير لا يعرف عن ذلك شيئاً، وهدفنا في هذه الوريقات:
1 ـ تبيين أبعاد شخصيته العلمية بصورة مجملة مشيرين إلى ذكائه في معرفة الطريق المناسب والأفضل في هداية الناس وإرشادهم والجهاد ضد انحراف الأخباريين، ثم بيان الكتب والآثار العديدة التي خلفها في ميدان العلوم الإسلامية المختلفة.
2 ـ تبيين شخصيته العلمية في مجال «معرفة الحديث» ثم تبيين آثاره العلمية في الحديث وخاصة بيان أثرين مخطوطين هما «جامع الأخبار» و«دراسة الحديث» اللذين لم يُطبعا بعد.
إلمامةٌ بحياته
في سنة 1188 للهجرة فتح السيد عبدالله شبّر عينيه على هذه الدنيا في مدينة النجف الأشرف في عائلة عرفت بالعلم والفضيلة، فاحتضنته هذه المدينة مدة من الزمان، ثمن ارتحل مع أبيه إلى مدينة الكاظمية، وكان أبوه السيد محمد رضا من العلماء من أحفاد الإمام زين العابدين عليه السلام.
فلمّا استقرّ به المكان في هذه المدينة تتلمذ لكبار علمائها أمثال (المقدّس الكاظمي) و«السيد محسن الأعرجي» واستطاع أن يحصل على إجازة رواية الحديث من مشايخ علماء عصره أمثال «الشيخ جعفر كاشف الغطاء».
وقد تتلمذ لديه عشرات الطلبة الذين أصبحوا فيما بعد الأساتذة الكبار في العلوم الإسلامية ومن أساطين العلماء.
لمع اسم السيد عبدالله شبّر في عصره في مضمار العلوم الإسلامية كالفقه والأصول والحديث والتفسير والفلسفة والكلام واللغة والأدب والتاريخ حيث أصبح مركز الدائرة للعلماء ومرجعاً فقهياً لعامة الناس، يؤمّهم في الصلاة ويفتي بينهم في القضاء ويتعهدهم في إصلاح ما فسد من أمورهم.
أغمض السيد عبدالله شبّر عينيه غمضتهما الأخيرة في مساء يوم من أيام الأربعاوات من شهر رجب سنة 1242 للهجرة عن عمر ناهز أربعة وخمسين عاماً، ودفن في مثواه الأخير إلى جانب مرقد أبيه في غرفة خزانة رواق الحرم الكاظمي الشريف. [الطهراني طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص777 و778].
تآليفه
عند النظر في المصادر والمراجع المختلفة نعثر على فهرس طويل لآثار وتأليف هذا العالم الشهير يتجاوز السبعين أثراً [انظر المامقاني، تنقيح المقال، ج2، ص212، 213، الطهراني، الذريعة ج1، ص286 و376 و520، ج2، ص52 و178 و189 و190 و248 و428 و456، ج3، ص100 و101 و438 و…، طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص777 ـ 778، رسالة محمد بن مال الله معصوم في مقدمة الأخلاق، ص5 ـ 17، شبّر، تفسير وجيز، ص32 ـ 36].
جاء في مقدمة ترجمة كتابه (الأخلاق) ما معناه:
«عندما يقف المرء على النتاج العلمي الذي خلّفه هذا الرجل الفذّ وعندما يتصور عدد مؤلفاته التي تتجاوز السبعين وعندما ينظر في مدة عمره التي لم تستغرق أكثر من 54 عاماً، يستولي عليه إعجاب لا حدّ له بحيث يتمثّل له في مخيلته أساطين العلماء، أمثال «العلاّمة الحلّي» و«العلاّمة المجلسي» وفي الحق يجب أن نذعن بأنّ النموذج الثالث لهذين العالمين الممتازين لا يمكن أن يتوفر إلاَّ في المرحوم السيد عبدالله شبّر». [الأخلاق، ص8 ـ 9].
تقسيم آثاره
خلّف لنا المرحوم السيد عبدالله شبّر آثاراً ومؤلفات مختلفة يمكن تقسيمها على النحو التالي:
له في الأخلاق والعبادات والدعاء ما يقارب من 20 أثراً وهي تشكّل ثلث آثاره.
له في أصول الدين والعقائد ما يقارب من 10 آثار وهي تشكل سدس آثاره.
له في أصول الفقه والفقه ما يقارب من 15 أثراً وهي تشكل خمس آثاره.
له في الحديث وعلم الرجال والدراية 10 آثار وهي تشكل سدس آثاره.
له في التاريخ والقصص 5 آثار وهي تشكل 14/1 من آثاره.
وله في علوم القرآن والتفسير 4 آثار.
وله رسائل أيضاً في بعض العلوم الأخرى كالطبّ والنجوم وكذلك له رسالة في تقديم التعازي والسلوان في المصائب، كما تجدر الإشارة إلى أن بعض آثاره يحوي موضوعين أو أكثر كما نجد ذلك في مؤلفه «الأنوار الساطعة في العلوم الأربعة» الذي يبحث في الفقه والأخلاق والعقائد وعجائب المخلوقات.
مما تجدر ملاحظته أن بعض مؤلفاته التي ذكرتها كتب الفهارس والرجال تتشابه من حيث الاسم، وباعتبارها غير مطبوعة ولا يمكن الحصول عليها بسهولة فمن الممكن أن تكون مؤلفاً واحداً مثل «تحيّة الزائر» و«نخبة الزائر» و«تحفة الزائر» وكذلك الحال في الأرقام السابقة الذكر فإنها لا تخلو من التقريب والتخمين.
الموهبة الموسوية أو الحسينية
ذكر المحدث النوري في «دار السلام» نقلاً عن المرحوم شبّر ما معناه:
«إنّ سبب كثرة مؤلفاتي راجع إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام بذلك فقد رأيته في المنام وقد أعطاني قلماً وقال لي أكتب، وقد ورد عنهم عليه السلام من رآنا فقد رآنا فإن الشيطان لا يتمثل بصورنا ومن ذلك الوقت بدأت في كتابة هذه الآثار القيّمة وكل هذه الآثار التي كتبتها هي من بركة ذلك القلم المبارك». [القمي، الكنى والألقاب، ج2، ص352، سفينة البحار، ج2، ص137، دار السلام، ج2، ص250].
جاءت هذه الموهبة في مقدمة كتاب «الأخلاق» منسوبة إلى الإمام الحسين عليه السلام على النحو التالي:
«لقد اجتمع السيد مع بعض العلماء «وكان قد فرغ من قراءة الفاتحة للشيخ المفيد وشيخه ابن قولويه، فقال له ذلك العالم: يا سيدنا إني أريد أن أسألك عن مسألتين: عن أمر المعيشة، وسرعة التصنيف، فأجابه السيد بأن أمر المعيشة موكول إلى الله عزَّ وجلَّ، وأما سرعة التصنيف: فإني قد رأيت الإمام سيد الشهداء أبا عبدالله الحسين عليه السلام في عالم الرؤيا، فقال لي: أُكتب وصنّف، فإنه لا يجفّ قلمك حتى تموت. وهذه الرؤيا صحيحة لأنه ورد عنهم عليهم السلام: «أن الطّيف جزء من سبعين جزءاً من النبوّة». ويضيف الكاتب قوله: وكان الأمر كذلك فإنه رحمه الله إلى مرض موته كان يكتب ويصنّف. [محمد بن مال الله، مقدمة الأخلاق، ص11].
شهرته بالمجلسي الثاني
نُقل أنه قد ذُكر اسم العلاّمة «الحلّي» في مجلس العلاّمة المجلسي، وقيل عنه إنه إذا أردنا أن نجمع آثار العلاّمة الحلّي ونعدها من يوم ولادته إلى حين وفاته، فيجب أن يكون قد كتب في كل يوم كراساً إضافة إلى أنه كان يتعهد الناس في رفع احتياجاتهم وإنه كان يجتمع بولاة الأمر وغير ذلك من الأعمال والمقابلات. فقال العلاّمة المجلسي: إن كتاباتنا وآثارنا بحمد الله لا تقل عن كتاباته. [مقدمة الأخلاق، ص10].
ويضيف السيد محسن بن مال الله قائلاً:
«وسيدنا المذكور إذا تأملت في تصانيفه تراها لا تقصر عن ذلك مضافاً إلى عبادته ومخالطته للناس وقيامه بمطالبهم وفصل دعاويهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم ومراجعة الملوك لما يتعلق بمصالحهم، فهو آية من آيات الله للعباد وهادٍ لهم إلى طريق الرشاد، ولقد كان يجلس في المجلس العام ويصنف والناس جالسون عنده وهو يلاطفهم ويكلّمهم كل بما يليق بما له، وتأتي في خلال ذلك الدعاوي فيفصلها ويقضي بها على وفق أوامر الله، كل ذلك لا يشغله عن التصنيف والتأليف. [مقدمة الأخلاق، ص10].
إذن فأحد وجوه الشبه بينه وبين العلاّمة المجلسي هو كثرة التآليف وهناك وجه آخر في سبب شهرته بالمجلسي الثاني هو أنه ألّف موسوعة على أسلوب «بحار الأنوار» اسمها «جامع المعارف والأحكام».
إن هذه الموسوعة «جامع المعارف والأحكام» التي ألّفها على أسلوب «بحار الأنوار» تبيّن بشكل واضح أنه رحمه الله كان قد حذا في تأليفها حذو المرحوم المجلسي في كل النواحي سواء في ذلك الناحية الفكرية والناحية الأدبية، بحيث اكتسب بسبب ذلك لقب «المجلسي الثاني». [الأخلاق، ص8 و9].
ذكر ذلك المرحوم الشيخ عباس القمي (صاحب مفاتيح الجنان) في كتاب سفينة البحار فقال: «المولى الأجل السيد عبدالله بن السيد محمد رضا الحسيني الشبّري الكاظمي، الفاضل الجليل والعالم النبيل والمتبحّر الخبير والفقيه النبيه، العالم الرّباني المشتهر في عصره بالمجلسي الثاني». [سفينة البحار، ج6، ص78، الأخلاق، ص9، طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص777 و778].
أرجحيته بالنسبة إلى العلاّمة المجلسي
على أساس النقل العام والمشهور عن العلاّمة المجلسي أنَّه كان يستخدم جماعات خاصة ـ حسب الحاجة ـ للكتابة والتحقيق والبحث العلمي في حين أن العلاّمة السيد شبّر كان يقوم بهذه المهام بمفرده. [الأخلاق، ص10].
شهرته العلميّة
ومع أنّ أغلب الذين يعرفون اسم المرحوم شبّر ـ في هذا العصر ـ إنّما يعرفونه من خلال تفسيره الموجز المتوفر في أغلب مكتبات العلماء والباحثين، لكن شهرته العلمية البارزة في حياته كانت تتأتى إليه بسبب معرفته الحديث الشريف وتبحّره فيه.
وفي الحق أن اشتهاره ـ رحمه الله ـ بهذه الناحية العلمية الخاصة يعني [معرفة الحديث] ليس بمعنى أنّه كان ضعيفاً في باقي الفروع العلمية الأخرى، بل إنه كان يتعمد تقوية هذه الناحية العلمية وينمّيها ويركز عليها، ودليل عمله هذا، غير خاف على الواقفين على أوضاع الزمن آنذاك وعلى أحوال الفترة التي كان يعيشها رحمه الله.
ظروف حياته
من العوامل التي تسبب نجاح بعض علماء الدين في أعمالهم وشهرتهم في زمنهم هي تفهّم شروط الزمان والمكان ومعرفة نقاط الضعف والنقصان، والسعي الدائب في سبيل سدّ الحاجة ورفع النقص.
والمرحوم شبّر كان ينمّي ملكته في مجال الحديث الشريف وحذقه فيه ـ حسب مقتضيات زمنه ـ مستفيداً في ذلك كثيراً من نبوغه الخاص واستعداده الذاتي.
يصف المرحوم «محمد رضا المظفر» شروط الزمان وأوضاع الفترة التي عاشها المرحوم شبّر قائلاً:
«يمضي القرن الثاني عشر للهجرة على العتبات المقدسة في العراق، بل على أكثر المدن الشيعية في إيران التي فيها مركز الدراسة الدينية العالية ـ كأصفهان وشيراز وخراسان ـ وتطغى فيه ظاهرتان غريبتان على السلوك الديني: الأولى: النزعة الصوفية التي جرّت إلى مغالاة فرقة الكشفيّة)[875](، والثانية: النزعة الأخبارية.
وهذه الأخيرة، خاصة، ظهرت في ذلك القرن قوية مسيطرة على التفكير الدراسي، وتدعو إلى نفسها بصراحة لا هوادة فيها، حتى أن الطالب الديني في مدينة كربلاء خاصة أصبح يجاهر بتطرفه ويغالي، فلا يحمل مؤلفات العلماء الأصوليين إلاَّ بمنديل خشية أن تنجس يده من ملامسة حتى جلدها الجاف، وكربلاء يومئذٍ أكبر مركز علمي للبلاد الشيعية».
وفي الحقيقة إن هذا القرن يمرّ والروح العلمية فاترة إلى حدّ بعيد. [مقدمة جامع السعادات، ص: د، هـ].
ويضيف المرحوم المظفر قائلاً:
«وتنشأ الأخبارية الحديثة التي أول من دعا إليها أو غالى في الدعوة إليها المولى أمين الدين الأسترآبادي المتوفى 1033 للهجرة. ثم يظهر آخر شخص لهذه النزعة له مكانته العلمية المحترمة في الفقه هو صاحب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. [الشيخ يوسف البحراني، ح1186هـ ق].
وهذا الثاني ـ وإن كان أكثر اعتدالاً من الأول وأضرابه ـ كاد أن يتم على يديه تحول الاتجاه الفكري بين طلاب العلم في كربلاء إلى اعتناق فكرة الأخبارية هذه.
وعندما وصلت هذه الفكرة الأخبارية إلى أوجها، ظهر في كربلاء علم الأعلام الشيخ الوحيد الآقا البهبهاني، الذي قيل عنه بحق: مجدد المذهب على رأس المائة الثالثة عشرة. [المظفر، محمد رضا، مقدمة جامع السعادات، ص: ز].
إقدام السيد عبدالله شبّر
لقد جاهد المرحوم السيد عبدالله شبّر هذه الأفكار الباطلة وكافحها بأقصر الطرق وأقوى الأسلحة يعني بواسطة الإحاطة التامة بالأخبار والروايات ووعيها بصورة كاملة فهو ـ رحمه الله ـ قد استفاد من إحاطته بالأخبار والروايات وإدراكه إيّاها وتعمّقه في فهمها، قد استفاد من ذلك كسلاح قوي في صراعه الفكري والعقائدي ضد هؤلاء وقد خرج من هذا الصراع ـ خلافاً لغيره من الصراعات المملوءة بالهرج والمرج والصراخ والعويل ـ ظافراً منتصراً مكللاً بالنجاح لأنه استفاد من سلاح الخصم في صراعه معه.
إن السبب المهم في نجاحه الباهر في هذا الصراع هو اضطلاعه العجيب بالأحاديث والروايات وتسلطه عليها وتخصّصه التام في معرفتها ووعيها وتمحيصها، هذا الاضطلاع العجيب الذي أذعن الكل واعترف به وخاصة شيوخ الفرقة الأخبارية. قال تلميذه محمد بن مال الله:
«إنّه ـ طيّب الله ثراه ـ لكثرة ممارسته للأحاديث والروايات ومراجعته إيّاها بشكل دائم مستمر أصبح مضطلعاً بها اضطلاعاً كاملاً دراية ورواية، وقد اختبره في هذا المضمار جماعة من العلماء الممتازين المعاصرين له وذلك بقراءة نص الرواية وحذف سندها، فكان ـ قدس سره ـ يذكر تمام السند ويوصله بآل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وقد تكرر مثل هذا الاختبار كثيراً حتى خرج عن الحد والحصر وأثار اهتمام العلماء في ذلك الوقت بشكل بحيث اطمأنّوا إلى أن الإحاطة بسند الأحاديث بهذه الصورة ليست إلاَّ كرامة وموهبة منه تعالى خصّه بها». [مقدمة الأخلاق، ص9].
موقفه من الأخبارية
بهذا الاضطلاع والتبحّر وبهذا الحذق والمهارة التي استطاع عالمنا أن يحصل عليها في فهم الحديث دراية ورواية وبواسطة التآليف والرسائل التي دوّنها في الفقه الاستدلالي مثل «منية المحصّلين وأحقيّة طريقة المجتهدين» ومثل رسالة «فتح باب العلم والردّ على من يزعم انسداده» وكذلك «بغية الطالبين في صحة طريقة المجتهدين» بهذا الاضطلاع، استطاع أن يقف في وجه آفة الأخباريّة وأن يقاومها.
تآليفه في الحديث
وكما مرّ بنا سابقاً أن أحد الأسباب في تشبيه المرحوم شبّر بـ«العلاّمة المجلسي» كتابه «جامع المعارف والأحكام» الذي ألّفه على أسلوب وطريقة «بحار الأنوار».
ذكر الشيخ عباس القمي في سفينة البحار قائلاً ما مضمونه:
العلاّمة شبّر هو صاحب «شرح المفاتيح» وهو يضم عدة مجلدات وهو صاحب كتاب «جامع المعارف والأحكام في الأخبار» وهو يشبه «بحار الأنوار» لأنه يحوي جميع أخبار أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام وأنّه كتاب غريب على طراز عجيب، يستغني به من كان عنده عن جميع كتب الأخبار. [سفينة البحار، ص9، مقدمة الأخلاق، ص9].
ويذكر الشيخ آغا بزرك قائلاً: وهذا الكتاب هو أحد المجاميع الكبيرة المتأخرة عن «الوافي» و«الرسائل» و«بحار الأنوار». [طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص778].
وذكر المامقاني هذا الكتاب ـ في صدد الكلام عن المرحوم شبّر ـ في تنقيح المقال قائلاً:
«.. وله كتاب جامع المعارف والأحكام في الأخبار، جمع فيه أحاديث الأصوليين والفقه من الكتب الأربعة وغيرها، يشتمل على أربعة عشر مجلداً، مجلد التوحيد ثلاثون ألف بيت)[876](، مجلد الكفر والإيمان ثلاثة وثلاثون ألف بيت، مجلد المبدأ والمعاد خمسة وعشرون ألف بيت، مجلد الأصول الأصليّة اثنا عشر ألف بيت، الطهارة أربعة وعشرون ألف بيت، الزكوة والخمس والصوم عشرون ألف بيت، الحج خمسون ألف بيت، المزار عشرون ألف بيت، المطاعم والمشارب إلى الغصب خمسة عشر ألف بيت، الغصب والمواريث إلى الديات سبعة وعشرون ألف بيت، النكاح ثلاثون ألف بيت، المعاملات أربعة وعشرون ألف بيت، الخاتمة الرجاليّة عشرة آلاف بيت، ثم إنه اختصره بحذف الأسانيد وإسقاط المكرر وسمّاه ملخص جامع الأحكام يبلغ أربعين ألف بيت، ثم اختصره اختصاراً آخر يبلغ ثلاثين ألف بيت.
مجلد قصص الأنبياء عليهم السلام يقرب من مائتي ألف بيت، مجلد في أحوال خاتم الأنبياء صلَّى الله عليه وآله وسلم يقرب من أربعين ألف بيت، مجلد القرآن والدعاء يقرب الى ستين الف بيت، مجلد الطبّ المروي ثلاثمائة واثنين وستين ألف بيت، مجلد المواعظ والرسائل والخطب يبلغ سبعين ألف بيت». [تنقيح المقال، ج2، ص213].
تآليفه الأخرى في الحديث
كتب الأدعية والزيارات:
للسيد عبدالله شبّر رحمه الله آثار حديثيّة أخرى، بعضها يرتبط بشرح الزيارات والأدعية مثل «الأنوار اللاّمعة في شرح زيارة الجامعة» و«كشف الحجاب للدعاء المستجاب» في شرح دعاء السمات، وبعضها الآخر يرتبط بالآداب والأعمال مثل آداب الاستخارة وأعمال الليل والنهار. [انظر مقدمة تفسير وجيز، ص34 و35 ومقدمة الأخلاق، ص9].
شرح نهج البلاغة:
المرحوم شبّر هو واحد من علماء الشيعة المعدودين الذين وعَوا نهج البلاغة وعرفوا أهميته وقيمته لذلك أعاره اهتماماً خاصاً من حيث إنه يجب أن يطرح على الصعيدين العام والخاص ويجب أن يطّلع عليه العوام والخواص وكانت نتيجة ذلك الاهتمام أن شرحه شرحين أحدهما مفصل وكبير والآخر موجز وصغير. [الذريعة، ج14، ص134].
مشكل الحديث:
إنّ واحداً من فروع العلوم الحديثية التي أعارها العلماء سنّة وشيعة ـ من قديم الأيام ـ أهمية خاصة وألّفوا فيها كتباً عديدة هو شرح توضيح الأحاديث المشكلة أو المعضلة.
أكثر آراء علماء الحديث الشيعة المتقدمين ـ في هذا المضمار ـ توجد في ثنايا الكتب الحديثية، ولكن المرحوم شبّر ألّف كتاباً مستقلاً في هذا الموضوع تحت عنوان «مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار» يبلغ 22 ألف بيت، وقد طبع مرات وأخيراً في جزئين. [مقدمة تفسير وجيز، ص35].
دراية الحديث:
هناك أثر هامّ من آثار المرحوم شبّر المهمة هو كتاب «دراية الحديث» لكن المصادر التي أحصت آثاره لم تذكر اسم هذا الكتاب في فهرس آثاره، إلاَّن أنَّ اسمه في فهارس النسخ الخطّية لبعض المكتبات كما عثر على ست نسخ خطّية له، نسختان منها في مكتبة آية الله المرعشي ونسختان منها في مكتبة مهدوي الشخصية في طهران ونسخة في المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة ونسخة أخرى في مكتبة مجلس النواب المعروفة بـ«مكتبة مجلس شوراي ملي». ومن الجدير بالذكر أن هناك اختلافاً جزئياً بين هذه النسخ.
جاء في مقدمة هذا الكتاب ما يلي:
«أمّا بعد، فيقول المذنب الجاني والأسير الفاني، أفقر الخلق إلى ربّه الغني عبدالله بن محمد رضا الحسيني ختم الله لهما بالحسنى ورزقهما خير الآخرة والأولى: إنّ بعض العلماء الأعلام والفضلاء الكرام قد حثّني على تأليف مختصر نافع في علم الدراية ومعرفة رجال الرواية يكون كالمقدمة لكتابنا الكبير، ليس له مثيل ولا نظير وذلك من فضل ربّي اللطيف الخبير الجامع للأحكام في معرفة الحلال والحرام الذي قد جمع شوارد الأخبار ومتفرقات الآثار الواردة عن النبيّ والأئمة الأطهار عليهم صلوات الملك الغفّار…، يشتمل هذا الكتاب على 15 مقاماً ومقدمة تضم موضوعات علم الدراية بصورة كليّة.
المقام الأول: في إثبات الحاجة إلى علم الرجال وردّ أدلّة الذين ينكرونه.
المقام الثاني: في تعريف مصطلحات علم الدراية.
المقام الثالث: في تعريف الكتب المهمة في علم الدراية وبقية الكتب التي ترتبط به.
المقام الرابع: في بيان كثرة رواة أئمة الشيعة وكثرة المصنّفين، وتوثيق عدد منهم وتفاوت مراتب كل واحد.
المقام الخامس: في طرق معرفة الرواة ونقدها وتمحيصها.
المقام السادس: في الجرح والتعديل والأصل أو الملاك المعتبر المقبول في ذلك.
المقام السابع: في وجوب العمل بالأخبار والآثار الموجودة في الأصول المعتبرة.
المقام الثامن: بيان المصطلحات المتداولة في فن الجرح والتعديل.
المقام التاسع: في شرح الملل والنحل والفِرَق والمذاهب وبيان مختصر لعقائد كلّ منها.
المقام العاشر: في شرح عدد من الفوائد التي ترتبط بعلم الحديث.
المقام الحادي عشر: بيان مختصر لسيرة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام صلَّى الله عليه وآله وسلم.
المقام الثاني عشر: ترجمة لعدد من نوّاب الأئمة وسفرائهم في زمن الغيبة.
المقام الثالث عشر: في بيان بعض المصطلحات والضمائر التي ترتبط بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام.
المقام الرابع عشر: في بيان عدد من الرواة الذين تتشابه أسماؤهم.
المقام الخامس عشر: في ذكر جملة من أسانيد المرحوم شبّر وطرقه إلى أرباب الأصول المعتبرة والكتب المعتبرة المشتهرة.
ملخص المقال:
هناك العديد من علماء الشيعة الذين قدّموا خدمات جُلّى في المجالين العلمي والعملي وكانوا نبراساً يُهتدى بهم في زمانهم، لكن تطاول الأيّام غطّى على آثارهم المهمة فلم تقف عليها وعليهم الأجيال التي جاءت بعدهم إلاَّ من خلال بعض منها، ومن هؤلاء العلاّمة المرحوم السيد عبدالله شبّر موضوع هذه المقالة التي حاولنا فيها التركيز على أمرين هامين:
الأول: ترجمته الشخصية وخدماته العملية وتصدّيه لفرقة الأخبارية التي استفحل أمرها في زمانه.
2 ـ آثاره العلمية وخاصة في مجال علم الحديث رواية ودراية والكشف عن كتابه الهامّ الذي لم يتهيأ له بعد من العلماء من ينفض عنه غبار الزمن ويفكّه من أسر خزائن المكتبات ويخرجه في طبع لائق يستفيد منه الباحثون جميعاً.
فهرس المنابع والمآخذ:
ــ الشبّر، السيد عبدالله، الأخلاق، مقدمة محمد بن مال الله، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ. ق.
ــ الشبّر، السيد عبدالله، تفسير القرآن الكريم، مؤسسة دار الهجرة، قم، 1408هـ. ق.
ــ الطهراني، الشيخ آغا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، دار المرتضى للنشر، مشهد، 1404هـ. ق.
ــ الطهراني، الشيح آغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الطبعة الثانية، دار الأضواء، بيروت، 1403هـ.ق.
ــ القمي، الشيخ عباس، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، دار الأسوة للطباعة والنشر التابعة لمنظمة الأوقاف والشؤون الخيرية، طهران، 1414هـ.ق.
ــ القمي، الشيخ عباس، الكنى والألقاب، منشورات مكتبة الصدر، طهران، بدون تاريخ.
ــ المامقاني، عبدالله، تنقيح المقال، المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف، 1350هـ.ق.
ــ مشكور، محمد جواد، فرهنگ فرق إسلامي، بنياد پژوهشاى آستان قدس رضوى، چاپ دوم، مشهد، 1372هـ.ش.
ــ النراقي، مولى مهدي، جامع السعادات، قدم له الشيخ محمد رضا المظفر، مطبعة النجف، النجف الأشرف، 1383هـ.ق.
ــ النوري، ميرزا حسين، دار السلام، (فيما يتعلق بالرؤيا والمنام)، شركة المعارف الإسلامية، قم، بدون تاريخ.
الدكتور محمد باقر حجتي
الدكتور حمد انيان
شعر المدح والرثاء
من منظار أئمة أهل البيت عليهم السلام
موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام
من الرثاء والمدح في الشعر
الرّثاء والمدح من الأغراض الهامة في الشعر العربي قديماً وحديثاً، فما من شاعر إلاَّ وله قصيدة أو مقطوعة في هذين الفنّين مما يدل على أهمية المدح والرثاء في الصرح الأدبي.
أمّا الموضوع الذي نتناوله في هذه العجالة فهو الرثاء والمدح من منظار أئمة أهل بيت الرسالة عليهم السلام ونبدأ أولاً من موقفهم من شعر الرثاء:
1 ـ شعر الرثاء من منظار الأئمة (عليهم السلام):
يأخذ شعر الرثاء أهميته لدى الأئمة (عليهم السلام) نظراً للأثر الديني الذي يتركه في نفوس المتلقّين، فهذا النوع من الشعر لا يثير الحزن في النفوس فحسب بل يثير حماساً وعصياناً على الظلم والطغيان. فرثاء الحسين (عليهم السلام) لا يعبّر عن السخط العنيف فقط بل يدفع السامع الرشيد إلى الكفاح ضد الظالمين وعدم الركون إلى الطغاة.
لذلك نرى الأئمة (عليهم السلام) يثنون على شعر وشعراء الرثاء. فعن سفيان بن مصعب العبدي أنه قال: «قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) قل شعراً تنوح به النساء»)[877]( والشعر الذي ينوح الناس به هو الرثاء طبعاً ويستحبون رثاءهم ولو في شهر رمضان وليل الجمعة أو أية مناسبة دينية أخرى.
وعن أبي بكر الحضرمي، قال: «استأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) في أيام التشريق بمنى، فأذن له، فقال له الكميت: جُعلت فداك! إني قلت فيكم شعراً أحبّ أن أنشده. فقال: يا كميت! اذكر الله في هذه الأيام المعلومات، فأعاد عليه الكميت القول. فرقّ له أبو جعفر (عليه السلام) فقال: هات. فأنشد قصيدته:
ألا هل عمٍ في رأيه متأمّلُ
وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبلُ
حتى بلغ:
يصيبُ بهِ الرّامونَ عَنْ قَوْسِ غيرِهِمْ
فيا آخراً أسدى لهُ الغيَّ أوّلُ
فرفع أبو جعفر (عليه السلام) يديه إلى السماء وقال: «اللَّهمّ اغفر للكميت».
وعن أهمية هذا النوع من الشعر، تتحدث هذه الرواية: عن أبي عمارة المنشد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا عمارة! أنشدني شعر العبدي في الحسين بن علي (عليه السلام) قال: فأنشدته، فبكى. قال: فوالله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت بكاء من في الدّار. فقال لي: يا أبا عمارة! «من أنشد في الحسين شعراً، فأبكى خمسين فله الجنة. ومن أنشد في الحسين شعراً، فأبكى أربعين فله الجنَّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنّة ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنّة حتى قال: ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً، فله الجنّة ومن أنشد في الحسين شعراً، فبكى فله الجنّة ومن أنشد في الحسين شعراً، فتباكى فله الجنة»)[878](. وروى هذا الخبر «البغدادي» في «خزانة الأدب» وأضاف:
… كثر البكاء وارتفع:
لأنّ حسيناً والبهاليلُ حولَهُ
لأسيافهم ما يختلي المتقبّلُ
وغابَ نبيُّ اللَّهِ عنهُم وفقدُهُ
على النَّاسِ رزءٌ ما هناكَ مُجَلِّلُ
فَلَم أرَ مخذولاً أجلَّ مصيبةً
وأوجبَ منه نُصْرَةً حينَ يُخْذَلُ
فرفع الإمام يديه وقال: اللَّهمّ اغفر للكميت ما قدّم وأخّر وما أسرّ وأعلن وأعطه حتى يرضى)[879](.
وهذا دعاء جليل للكميت، لم يذكره الإمام (عليه السلام) إلاَّ بسبب معرفته بأهمية شعر الرثاء وما له من أثر بعيد في وجدان طيّبي السريرة، أجل أنه يثير العاطفة في النفوس ومن ثم يرفع هممهم للدفاع عن الحق والعدل والإنسانية. الرواية التي تقول: قال أبو عبدالله، لجعفر بن عفّان الطائي: «ما من أحد قال في الحسين (عليه السلام) شعراً، فبكى وأبكى به، إلاَّ أوجب الله له الجنة وغفر له»)[880](.
وبهذا يأخذ شعر الرثاء عامة والحسيني منه بوجه خاص مكانته العالية على صعيد الأدب الرسالي، وذلك انطلاقاً من الموضوع الهام الذي يتناوله أولاً والأثر التربوي والعقائدي الذي يتركه في النفوس ثانياً.
إنَّ الشعر الحسيني ينظر إلى الإنسان نظرة شاملة واعية تزخر بالثورة على كل من ينتهك حقاً من حقوق الإنسان ويرمز إلى هذه الحقوق بكلمة «الحسين» وأما «يزيد» و«زياد» في هذا الضرب من الشعر فهما رمزان لكل من يسعى في الأرض فساداً.
2 ـ شعر المدح:
المدح أيضاً شأنه شعر الفخر. للأئمة لهم مواقف مؤيدة منه وأخرى رافضة له.
فإذا كان المدح للملق والتزلّف إلى أصحاب الدنيا والأمراء والسلاطين فهو مردود رفضته الشريعة لأنَّ ذلك يجعل الممدوح يفقد شخصيته الحقيقية، كما يخلق فيه نوعاً من التعاظم النفسي يخرجه عن طوره كإنسان متّزن واقعي.
قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: «أحثّوا التراب في وجوه المداحين»)[881]( وهذا إشارة واضحة إلى المدح في صورته المرذولة إذ تمنع الممدوح، إذا كان ملتزماً أن يواجه أشدّ المواجهة.
أما إذا كان المدح لسان الواقع ويهدف إلى نشر الفضيلة وإحياء السنن المحمودة والخصال الكريمة، فهو ليس مرفوضاً فحسب وإنما يُجزى به كما فعل الأئمة (عليهم السلام) حيث نراهم يثنون على مادحي أهل البيت (عليهم السلام) إما بالهدايا المادية وإما بالدّعاء، فهم لم يفعلوا ذلك بدوافع فردية أو حاجة نفسية نابعة من حبّ المدح والثناء وإنما قاموا بإكرام الشعراء سعياً في نشر فضائل النبي (ص) وفضائل أهل البيت (عليهم السلام) وللأستاذ الدكتور محمود البستاني تعليل رائع في هذا المجال، حيث يشير إلى نوعين من المديح السلبي والإيجابي في عصر الأئمة (عليهم السلام) مشيراً إلى العوامل النفسية في نزوع الشاعر نحوهما قائلاً: «إن أدب المديح، يصب أحياناً في ما هو سلبي من السلوك وحيناً آخر في ما هو إيجابي منه».
أما المديح السلبي فقد اقترن بمدح السلاطين الدنيويين الذين أعادوا أمجاد الجاهلية إلى الميدان، والواقع أن المديح في جانبه السلبي لا ينحصر في كونه مجرد تعبير عن موقف فكري انحرافي، بل يتجاوز ذلك إلى كونه تعبيراً عن ضعف الشخصية وإحساسها بالقصور، فقد يكون الشاعر مقتنعاً فكرياً بعدم جدارة الممدوح، إلاَّ أنه يمتدح السلطان إحساساً منه بالموقع الاجتماعي الذي يحتله، وقد يمتدحه أيضاً، طمعاً بجوائزه، أو يمتدحه خوفاً من بطشه، أو يمتدحه جهلاً بواقع شخصيته.
أما المدح الإيجابي فكونه لا يصدر عن أحد النوازع الفكرية والنفسية ذات الطابع المرضي بقدر ما يصدر عن إدراك سليم لطبيعة الشخص الممتدح، فإذا كانت الشخصية الممتدحة لا تعنى بالسلطة الدنيوية ولا تملك وسائل البطش ولا الجوائز بغير حق، بحيث لا يواكب مديحها أي رهبة أو رغبة دنيوية، حينئذٍ يستخلص الملاحظ بوضوح بأن هذا المديح إيجابي لا غبار عليه بخاصة إذا اقترن ذلك بخوف من السلطان أو إذا اقترن ذلك بإجماع الناس على نظافة الشخص الممتدح)[882](.
بعد هذا التحليل النفسي لطبيعة المدح في عصر الأئمة (عليهم السلام) نذكر بعض مواقفهم تجاه المدح الإيجابي.
عن محمد بن يحيى الفارس، قال: «نظر أبو نؤاس إلى أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ذات يوم وقد خرج من مجلس المأمون على بغلة له، فدنا منه أبو نؤاس، فسلّم عليه وقال: يا ابن رسول الله! قد قلت فيك أبياتاً، فأحبّ أن تسمعها منّي، قال (عليه السلام) هات! فأنشأ يقول:
مطهّرون نقيّاتٌ ثيابهم
تجرى الصَّلاةُ عليهم أينما ذُكروا
مَن لم يكن علويّاً حين تنسبهُ
فما له من قديم الدّهر مفتخرُ
فاللَّه لمّا بدا خلقاً فأتقَنه
صفَّاكم واصطفاكم أيّها البشرُ
فأنتم الملأُ الأعلى وعندكم
علمُ الكتابِ وما جاءَت به السُّورُ
فقال الرضا (عليه السلام) قد جئتنا بأبياتٍ ما سبقك إليها أحد، ثم قال: «يا غلام هل معك شيء، فقال: ثلاث مائة دينار، فقال: أعطها إيّاه، ثم قال: لعلّه استقلّها، يا غلام سق إليه البغلة»)[883](.
فيحكم الإمام على القصيدة بالجودة بتعبير: «ما سبقك إليها أحد».
«وروي أنه عندما أنشد الفرزدق قصيدته المعروفة في مدح الإمام زين العابدين (عليه السلام):
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ
والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحرمُ
غضب هشام بن عبدالملك وأمر بحبس الفرزدق في منطقة بين مكة والمدينة، فبعث إليه عليّ بن الحسين (عليه السلام) بألف دينار، فردّها وقال: إنّما قلت غَضِباً لله ولرسوله فما آخذ عليه أجراً، فقال (عليه السلام): نحن أهل البيت لا يعود إلينا ما أعطينا، فقبلها الفرزدق»)[884](.
المصادر:
1 ـ البستاني، محمود، تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، منشورات مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1410هـ، ق.
2 ـ البغدادي، خزانة الأدب، الطبعة الثانية، منشورات مكتبة النانجي، القاهرة.
3 ـ الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، الطبعة السادسة، 1412هـ، ق. منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت.
4 ـ الرافعي، محمد محمود، شرح هاشميات كميت بن زيد الأسدي، الطبعة الثانية.
5 ـ الطوسي، حسن بن علي، رجال الكشي، طبع دانشگاه مشهد، 1348هـ، ق. منشورات مركز تحقيقات ومطالعات دانشكده إلهيات.
6 ـ علي بن أبي طالب، الديوان، الطبعة الأولى، 1995م، منشورات دار الجليل، بيروت.
7 ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، الطبعة الثانية، 1402هـ، ق. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8 ـ البلاغة الواضحة، علي الجارم ومصطفى أمين، 1414هـ، مطابع دار المعارف، مصر.
9 ـ تكوين البلاغة ـ علي الفرج، الناشر: دار مصطفى لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم المقدسة.
رضا حيدري نور
الشفاعة في المنظور القرآني)[885](
مقدمة
الانحرافات الفكرية والعقائدية على امتداد تاريخ البشر قد صورت تصويراً غلطاً مسائل ومبادىء مهمة، وقد نفذت أقوالهم وآراؤهم بين السذّج والجهلة، حتى اتخذت بمرور الزمان شكل العقيدة الراسخة.
والشفاعة من تلك المسائل المهمة الواردة في القرآن الكريم والتي كان مصيرها ذاك المصير. وعلى الرغم من أن الأديان الإلهية قد ذكّروا بها، وتقبلتها الفُرق والمذاهب المختلفة، كل بشكل من الأشكال، إلاَّ أن التشتت والتباين في هذه العقائد على درجة بحيث أن كل طرف يخطىء عقيدة الطرف الآخر، بل إن بعضهم قد تجاوز ذلك إلى اتهام الآخرين بالكفر والشرك. لذلك كانت ضرورة دراسة هذا الأمر الديني المهم وإعادة النظر فيه جلية للجميع، لكي يمكن بنشر الكلام الحق إزالة غبار الانحرافات، وتتخذ العقائد والمفاهيم الإسلامية الطاهرة مكان الإعوجاجات، والرد على الأسئلة والاعتراضات الواردة بحق الشفاعة.
ما الشفاعة
الشفاعة في العرف هي توسط شخصية مرموقة وذات مقام لدى شخص ذي قدرة لمصلحة شخص ثالث أقدم على ما يستوجب المؤاخذة، لكي يغفر له ذنبه أو تقصيره، أو لمصلحة شخص له حاجة لكي تقضى له حاجته.
وجذر الكلمة هو (شَفَعَ) أي جعله زوجاً بإضافة مثله إليه، ويقابله (الوَتْر) وهو الفرد. لذلك فإن اللجوء إلى الشفيع يعني أن طالب الشفاعة لا يرى الكفاية في قدرته وحده للوصول إلى هدفه، فيعمد إلى دعم قدرته بقدرة الشفيع فيضاعفها ويبلغ مرامه، أي أنه إذا لم يتوسل بشفيع وحاول قضاء حاجته اعتماداً على قدرته وحده لما استطاع نيل مبتغاه، لأن قدرته ضعيفة وناقصة. يقول البيضاوي: الشفاعة من الشفع، أي الزوج. فالشيء منفرد فينضم الشفيع إليه)[886](.
وقد قال الإمام علي (عليه السلام): «الشفيع جناح الطالب»)[887]( أي إن الشفاعة أشبه بالجناح للطالب.
أنواع الشفاعة
للشفاعة أنواع بعضها صحيح ومطابق للتعاليم الإسلامية، وبعضها غير صحيح وباطل ولا وجود له في تلك التعاليم. الشفاعة الباطلة غير الصحيحة هي أن يسعى امرؤ إلى التذرع بالمحسوبية أو المنسوبية لمنع القانون من أن يأخذ مجراه. وهذا الضرب من الشفاعة ظلم في هذه الحياة الدنيا، ولا مكان له في الآخرة، ويرفضه القرآن الكريم. والظاهر أن الاعتراضات الموجهة إلى الشفاعة إنما تقصد هذا النوع من الشفاعة.
أمّا الشفاعة الصحيحة الحقة فهي التي ليس فيها استثناء ولا محاباة، ولا تنقض القوانين. إن القرآن الكريم يؤيد هذا النوع من الشفاعة تأييداً صريحاً.
إن الاختلاف الرئيس بين الشفاعة الصحيحة والباطلة في جهاز الخليقة هو أن الشفاعة الحقة تبدأ من الله تعالى وتنتهي بالمذنب. أما في الشفاعة الباطلة، فإن الشفيع يقع المشفع له تحت تأثير المذنب، ويقع لديه تحت تأثير الشفيع. يقول القرآن الكريم: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ…} (البقرة/255).
تقسم الشفاعة الصحيحة إلى قسمين اثنين: الشفاعة التكوينية، والشفاعة التشريعية.
1 ـ الشفاعة التكوينية
بما أن الله تعالى هو المبدأ الأول لكل علة ومعلول، وأن كل علة ترجع في النهاية إليه، فإن جميع العلل والأسباب أمور وسيطة بينه وبين غيره الذي يوصل رحمته الواسعة إلى الكائنات. وبناء على ذلك يكون الله، من الناحية التكوينية، مبدأ كل خير ورحمة. ثمة آيات من القرآن الكريم تحكي عن هذا القسم من الشفاعة: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ}. {مَا مِن شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} (يونس/3).
الحقيقة هي أن كل تدبير ينتهي إلى الله، من دون أي عون من الآخرين. لذلك فما من أحد بقادر على التوسط والتشفع إلاَّ بإجازة من الله، وما من سبب إلاَّ وكان هو مسببه، والشفعاء إنما يشفعون بإذنه.
إن المقصود بالشفيع في الآية هو العلل والأسباب الطبيعية. فما من علة أو سبب يمكن أن يكون مؤثراً من دون إرادة الله الحكيمة ومن دون الاستعانة بقدرته غير المتناهية)[888](.
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيًّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة/4).
وهذا يعني أن المقصود هو مالك تدبير الشيء، وأن الأمور تقع تحت تدبير نظام، مهما يكن، من الخصائص الموجودة في خلق كل شيء، والخلق، مهما يكن، يستند إلى الله تعالى. فإذا كان خالق الأسباب وأجزائها والرابط فيما بينها هو الله، فإذن يكون هو الشفيع الحقيقي الذي يكمل نقص كل علة، فلا شفيع سوى الله شفاعة تكوينية. كما يمكن أن يقال أيضاً إن الله يشفع ببعض أسمائه لدى بعض من أسمائه الأخرى. أي إحدى صفاته الكريمة تتوسط بين الشخص المحتاج وصفة أخرى من صفاته تعالى، مثلما هو ديدننا كل يوم في اللجوء إلى رحمته من غضبه. أمّا القول بأن الله يتشفع لشخص عند غيره فأمر لا وجه له من الصحة إطلاقاً:
{قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَه مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (الزمر/44): {اللَّهُ لاَ إِلهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ… مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ…} (البقرة/255).
هذه الآيات التي تتحدث عن خلق السموات والأرض والقدرة الإلهية تدل على الشفاعة التكوينية، وهي العلل والأسباب بين الله والمعلولات، والتي يدبر الله أمورها وينظم بقاءها.
2 ـ الشفاعة التشريعية
إن الله تعالى، على علو مقامه، قد تفضل علينا بتشريع الدين لنا وإرسال الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين في إبلاغ دينه ليتم الحجة علينا. لذلك فهذه الأسباب والوسطاء هي وسائل للشفاعة، كما جاء في الآيات التاليات:
{يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طه/109).
{وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف/86).
{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} (سبأ/26).
{وَكَم مِّن مِّلَكٍ فِي السَّماوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم/26).
هذه الآيات تشير إلى موضوع الشفاعة وتشفع عدد من عباد الله بشرط أن يأذن الله لهم. وهذا النوع من الشفاعة على قسمين اثنين: الأول تلك الشفاعة التي يحصل أثرها في هذه الدنيا، كقولهم لأبيهم: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا… قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكمْ رَبِّي…} (يوسف 97 و98). مما يستتبع غفران الله تعالى، أو التقرب من أعتابه. الثاني تلك الشفاعة التي تتحقق في الآخرة.
إن الأعمال التي يرتكبها الإنسان في الدنيا، والعلائق المعنوية التي تربط بين الناس في هذه الدنيا، تظهر ظهوراً عينياً في الدار الآخرة. إذا ما قام امرؤ بهداية شخص ما أو بتضليله، تظهر هذه العلاقة ظهوراً عيانياً يوم القيامة.
{يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمامِهِمْ} (الإسراء:7).
لقد كان الأنبياء، والأئمة، والقرآن، والأولياء والعلماء، شفعاءَهم، وهي شفاعة الهداية التي تتحقق في هذه الدنيا. بديهي أنه لما كانت آيات القرآن تختص بالشفاعة يوم القيامة، فهي على الظاهر لا تشير إلى هذا النوع من الشفاعة.
إن القرآن الكريم يعد من الشفعاء في الدنيا، لأن شفاعته تؤدي إلى هداية الشخص والتوسط له في بلوغ مراتب أعلى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ…} (الاسراء: 9).
إن الرحمة الإلهية من السعة بحيث أنها تشمل جميع الكائنات، وكل كائن ينال منها على قدر لياقته واستعداده.
إن حملة العرش يعلمون أن رحمة الله واسعة، فيسألونه أن يسبغ بعض رحمته، التي تشمل غفران الذنوب والوقاية من النار، على من يستحقونها من عباده:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم}. (المؤمن/7)، وهذا النوع من الشفاعة التشريعية.
من الناحية العقلية ليس ثمة ما يمنع المولى من أن يقبل شفاعة شافع بحق عبده لإعفائه من عقاب أو منع الرحمة به ما دام كلا الأمرين من حق المولى. لذلك فإن قبول المولى شفاعة الشافع هو تنازله عن حقه، لا عن حق الآخرين.
آيات الشفاعة
ترد مشتقات (شَفَعَ) في القرآن الكريم كما يلي:
(يشفع) ترد ثلاث مرات.
(يشفعوا) مرة واحدة.
(يشفعون) مرة واحدة.
(شافعين) مرتين.
(شفيعٌ) خمس مرات.
(شفيعٍ) مرة واحدة.
(شفعاء) ثلاث مرات.
(شفعاءكم) مرة واحدة.
(شفعاؤنا) مرة واحدة.
(شفاعةٌ) إحدى عشر مرة.
(شفاعتهم) مرتين.
(الشفعِ) مرة واحدة.
ويمكن تصنيف آيات الشفاعة إلى ثلاثة أصناف: آيات إنكار الشفاعة، آيات إنكار شفاعة غير الله وآيات إثبات الشفاعة.
1 ـ آيات إنكار الشفاعة والشفيع كليا
في القرآن الكريم آية واحدة تنفي الشفاعة كلياً يوم القيامة، إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة/254).
تشير هذه الآية إلى عدم وجود تجارة ولا صداقة ولا شفاعة في يوم القيامة، وذلك لأن جميع المذنبين الآثمين أعداء بعضهم بعضاً، وقيل إن كل فرد في ذلك اليوم يكون مشغولاً بنفسه وبمصيره. وهناك آيات أخرى تؤكد عدم وجود الناصر والمعين يومئذٍ. {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَوْلًى شَيْئاً} (الدخان/41).
{يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} (الانفطار/19).
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْناكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُاْ لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (الأنعام/94).
تبين هذه الآية أن لا يتعلق بمتاع الدنيا ولا بالروابط المادية ولا بالأصدقاء والشفعاء، إذ إن الإنسان إذا ما فارقت روحه بدنه انفصمت كل عراه المادية بجسمه، وعندئذٍ ينتبه إلى أن الاستقلالية التي قال بها للعلل المادية كانت باطلة، ويدرك أن ليس معه من شفعائه أحد وييأس منهم. {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبلِسُ الْمُجْرِمُونَ}، {وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاؤوا وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} (الروم/12 ـ 13). هؤلاء يائسون بما ارتكبوا من أعمال، وقانطون من شفاعة الآلهة التي أشركوها مع الله… {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (البقرة/48).
يقول المفسرون إن حكم هذه الآية يخص اليهود الذين كانوا يقولون إنهم أبناء أنبيائهم، وإن آباءهم سوف يشفعون لهم.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاؤُواْ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهِ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكمُ بِذُنُوبِكُم} (المائدة/18).
إنكار شفاعة غير الله
ثمة آيات في القرآن الكريم تنكر كل شفيع سوى الله:
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهَواً وغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الْدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلِ لاَّ يُؤخَذْ مِّنْهَا أُؤلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (الأنعام/70).
في مواجهة المشركين عبدة الأصنام الذين كانوا يزعمون أن الله قد أوكل تدبير أمور هذا العالم إلى الأصنام، لذلك فإننا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله. يقول القرآن:
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس/18). يقول القرآن إن قول هؤلاء يكون صحيحاً لو أن الأصنام كانت قادرة على أن تنفع أو تضر وهي ليست كذلك بالطبع. {… أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ. قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} (الزمر/43). {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بضُرِّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ} (يس/23). هذه الآية تشير إلى أن أحداً لا يقدر على أن يقف في وجه إرادة الله، وأن ليس لأحد أن يشفع لأحد بدون إذن من الله. ثم لكي يحيي الأمل في قلوب المؤمنين وتذكيرهم بأن ليس لهم ولي ولا شفيع غير الله، يقول: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأنعام/51) {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة/4). فالشفاعة لله جميعاً وليس المالك الحقيقي لكل شيء سوى الله، له القدرة الكاملة والملك والسلطان على جميع السموات والأرض.
3 ـ آيات إثبات الشفاعة
بالإضافة إلى الشفاعة الإلهية، يشير القرآن الكريم إلى شفاعة غيره، فهو يقول: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ… مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} (يونس/3) و{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة/255). يقول الطبرسي تعليقاً على هذه الآية: هذا استفهام استنكاري، أي إن أحداً لا يشفع لأحد يوم القيامة إلاَّ بإذن من الله)[889](. {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء/100 و101). يقول العلامة الطباطبائي:
إن قوله: «فما لنا من شافعين»، إشارة إلى أن هناك شافعين في ذلك اليوم، وإلاَّ فليس ثمة ما يقتضي ذكر الشافع وبلفظ الجمع، وكان الأولى أن يقول: لا شافع لنا، بمثلما قال:
{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي إن هناك شفعاء وشفاعة، ويقول أيضاً: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف/86). {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْداً} (مريم/87). و{يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طه/109). و{وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (سبأ/23). و{وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم/26).
النتيجة هي أن شفاعة غير الله موجودة يوم القيامة، ولكنها لا تكون إلاَّ بعد أن يأذن الله بذلك.
يلاحظ أنه كلما ورد الكلام على الشفاعة، ترد أيضاً صفات للشفيع وللمشفع له. فالشفاعة مرتبطة بالصفات الباطنية والظاهرية للشافع، وكذلك بنيّاته وأعماله. ينبغي أن تكون أقواله وأعماله مما يرضي الله تعالى حتى يتقبل شفاعته. {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء/28). وفي آيات أخرى يذكّر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم صراحة بالتشفع والتوسط، فيقول: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (محمد/19). و{وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} (النور/62). أو يقول ذلك على لسان نبي: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (يوسف/98).
أو يقول: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا…} يقول… {فَهَل لَنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا} (الأعراف: 51 ـ 52).
يقول العلامة الطباطبائي «اللهو هو ما يحول بين المرء بما هو لازم وضروري، واللعب هو ما يتم تخيلاً، ولا حقيقة له إلاَّ في الخيال»)[890](. والآية تشير إلى حال الكافرين الذين يجعلون الدين وسيلة للهو واللعب، ويغترون بالحياة الدنيا. وتلك هي حال أهل النار الذين {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَع الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (المدثر/ 43 ـ 48).
إن الانغماس في اللهو واللعب في الحياة يمنع المرء من التفكير في الآخرة، والضالين يقولون: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء/99 ـ 101). وفي توكيد هذا يقول: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} (المؤمن/18)، ولكنه أيضاً يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء/116). ونلاحظ أن الجزء الأول من الآية مطلق أما جزؤها الآخر فمشروط بمشيئة الله. ورب مذنب تناله إشاءة الله وتقبل شفاعة شافعه.
الشبهات التي تؤخذ على الشفاعة
الشفاعة من المسائل التي أحاطت بها الشبهات على امتداد التاريخ بسبب النظرة السطحية وعدم التعمق في الآيات وفلسفتها. من تلك الشبهات ما يلي:
1 ـ الشفاعة تناقض التوحيد في العبادة، وإن الاعتقاد بها ضرب من الشرك. كما أنها لا تنسجم مع التوحيد في الذات أيضاً، وذلك لأنها تعني أن رحمة الشفيع وشفقته أوسع من رحمة الله)[891](.
رد الشبهة
إن رحمة الشفيع ليست سوى قبس من رحمة الله يصل عن هذا الطريق إلى المشفع له، وما شفقة الشفيع إلاَّ جزء من شفقة الله، وليس في هذا أي تناقض مع التوحيد في العبادة أو في الذات. إن قدرة الشافع تقع في طول قدرة الله لا في عرضها حتى يمكن أن يقال إنها تناقض التوحيد في العبادة.
2 ـ الاعتقاد بالشفاعة يدعو بعض الناس إلى الجرأة على الميل نحو الإثم، بل قد يكون شوقاً لهم على ارتكاب الإثم.
رد الشبهة
الاعتقاد بالشفاعة يخلق الأمل في نفوس الآثمين ويدعوهم إلى الرجوع من منتصف طريق الحياة إلى الله، ولا يكون هذا مدعاة إلى التجرؤ والمعاندة، بل يحمل بعضهم على الأمل بأن طريق العودة إلى الله مفتوح أمامهم وأنهم بترك العصيان والمعاندة يستطيعون العودة إلى الله، بينما اليأس والقنوط من النجاة يجعلان إضبارة حياتهم تزداد سواداً ويزداد ثقل آثامهم. يظهر من الآيات المذكورة أن للشفاعة شروطها، على الرغم من أنها لم تشرح شرحاً جلياً، ولكن بما أنها ترتبط بأفعال الإنسان الظاهرية والباطنية، لذلك ما من أحد يمكن أن يكون واثقاً من أنه ممن تشملهم الشفاعة.
إن الفرد المسلم يكون دائماً عرضة للقلق لئلا يفقد أثمن رأس مالٍ له في النجاة، وهو في الوقت نفسه، يحدوه الأمل بأنه بالتوبة وجبر ما فات قد ينجو بنفسه من العذاب. إنه، بهذا يكون في حالة من الخوف والرجاء، ويقضي حياته بين اليأس، الذي يسبب الخمود، والثقة بالشفاعة التي تسبب التقصير والكسل)[892](.
3 ـ تتنافى الشفاعة مع قول القرآن بأن {لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (النجم/ 39).
رد الشبهة
من الضروري الانتباه إلى أن العمل لا يتنافى مع الشفاعة، لأن العمل يكون بمثابة العلة القابلة، والرحمة الإلهية بمنزلة العلة الفاعلة)[893](. إن من لم يقطع صلته بالله وأوليائه كلياً يبقى فيه الأمل بالشفاعة، وهذا من نتائج عمله هو.
4 ـ الشفاعة تستلزمنا أن نعتقد بأن الله تعالى يقع تحت تأثير الشفيع، وأن غضبه يتحول إلى رحمة، مع أن الله لا ينتابه الانفعال، ولا يتأثر بأي عامل كان.
رد الشبهة
قلنا إن الشفاعة الصحيحة تبدأ من الله، وأن الشفاعة تكون بإذن الله وأمره، ولهذا فلا تأثير للشفيع في الله، بل الله هو المؤثر في الشفيع.
5 ـ الشفاعة نوع من الاستثناء ومخالف للعدالة، مع أنه ليس في حضرة الله أي خلاف للعدالة، وبعبارة أخرى، الشفاعة استثناء في القانون الإلهي، في حين أن قوانين الله كلية وغير قابلة للتغيير {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الفتح/23).
رد الشبهة
ليس في الشفاعة والمغفرة استثناء ولا مخالفة للعدالة، فرحمة الله لا حدود لها، وكل حرمان منها سببه فقدان القابلية الفردية واللياقة الشخصية. وبناء على ذلك فإن مقولة محمد بن عبدالوهاب «الشفاعة شفاعتان: منفية ومثبتة، فالمنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله»)[894]( إن تعريف الشفاعة الذي تحدث عنه يدحضه ما أوردناه من قبل، وكذلك الآيات: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} (الأنبياء/28) و{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة/255). فمن حيث وجوب حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، يصح القول بأن الشفاعة ليست إلاَّ للذي أذن له الله، ولا يعني هذا أنه ليس لأحد أن يشفع أساساً غير الله.
النتيجة
الشفاعة حقيقة قرآنية لا يمكن إنكارها، على الرغم من أن نظرة سطحية إلى آيات القرآن الكريم في هذا الشأن قد تظهرها متعارضة، وبعضها ينفي الشفاعة. ولكن بتمحيص أدق نلاحظ أن جميعها تدل على أمر واحد هو أن الشفاعة ممكنة بإذن من الله، وأن وجودها يبعث على فتح باب الأمل للذين أثموا وزلت أقدامهم.
إلاَّ أن بعض المذاهب سعت إلى التشكك في مفهومها من جهة، وإيجاد الشبهة في أصلها، وحتى في حدها وحدودها، من جهة أخرى.
الدكتورة نهلة الغروي النائيني
الشهيد الأول
بين المماليك الأتراك والمماليك الشراكسة
تحدّر الشهيد الأول؛ الشيخ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مكي من أسرة علمية، فقد كان والده جمال الدين أبو محمد مكي أحد العلماء المتتلمذين على يد نجم الدين طومان بن أحمد العاملي (ت: 728هـ/1328م)، والمترددين عليه حتى سافر أستاذه إلى الحجاز)[895](. أمَّا جدُّه الشيخ طه بن محمد بن فخر الدين فهو الآخر كان من العلماء الذين وصفوا بالثقات الزهّاد)[896](.
ولد الشهيد الأول في قرية جزّين سنة 734هـ. وقد ذكر سنة ولادته ولدُهُ رضيْ الدين أبو طالب كما سجّله على كتاب (الذكرى) لوالده أنّه ولد في شهور سنة أربع وثلاثين وسبعمائة)[897](.
وعلى هذا النصّ اعتمد مترجموه. قال السيد حسن الصدر: «تولّد رضي الله عنه سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بلا خلاف»)[898](.
إلاَّ أنَّ العالم الديني السُني شمس الدين محمد بن محمد ابن الجزري المُتوفى سنة 833هـ/1430م ذكر أنَّه ولد بعد العشرين وسبعمائة)[899](.
وقد استظهر بعض الباحثين، وهو رضا المختاري ـ اعتماداً على تاريخ سفر الشهيد إلى مدينة الحلة سنة 750هـ/1449م، واستحصاله على الإجازات في تلك السنّ المبكرة، والأوصاف العلمية التي خصَّه بها أساتذته ـ أنَّ تاريخ ولادته يُرجّح أنْ يكون حوالي سنة 724هـ/ 1324م)[900](.
بينما اعتبر السيد حسن الصدر أنَّ نبوغ الشهيد بهذه السن المبكرة من المميزات الشخصية التي تبهر العقول عند التأمل)[901](.
ويترجحّ لدينا أنَّ تاريخ ولادته المكتوب بخط ولده رضيّ الدين هو ألصق بسنة 724هـ/ 1324م منه إلى سنة 734هـ/1334م لتكون الأحداث التي ارتبطت بالشهيد أوائل سني حياته أقرب إلى الواقعيّة.
في ظلّ زعامة فخر المحققين
هاجر الشهيد الأول في أوائل أيام شبابه إلى مدينة الحلّة للدراسة فيها. وكانت الحلّة يومذاك ما زالت مزدهرة بنشاطها العلمي تحت زعامة فخر المحققين ابن العلاَّمة الحلّي.
وكانت الحلّة قد مرَّتْ بتغيّرات سياسية منذ وفاة السلطان المغولي أبي سعيد سنة 736هـ/1335م حيث استولى عليها الشريف أحمد بن رميثة ابن أبي نُمي، المقتول سنة 740هـ/1339م على يد الشيخ حسن الجلايري.
وفي ظل الحكم الجلايري كانت المؤسسة الدينية الشيعية بمدينة الحلّة بعيدة عن حلبة الصراع السياسي إذْ لم تسجّل الأحداث أنَّها كانت طرفاً في النزاعات السياسية، أو قريبة من مقاليد السلطة ومنافذها.
في وسط هذه الأجواء كانت هجرة فتى جزّين الشهيد إلى العراق عام 750هـ/ 1349م)[902](، وكان فقيه الشيعة فخر المحقّقين مهتماً بهذا الشاب المتفتح، فلازمه مستفيداً من مناهج دروسه أولاً، ومن تجربته السياسية تلك، التي خَبَرها من ملازمته لوالده العلاَّمة الحلّي طوال سنوات عديدة في ظل البلاط المغولي لإمبراطورية خدابندة الإيلخانية.
ذكر الميرزا النوري: أنَّ فخر المحققين كان من أجلّ مشايخ الشهيد وأعظم أساتيذه، وأكثرهم دراسة عليه)[903](. وقد أجازه عام 756هـ/1355م بالرواية عنه)[904](.
كتب فخر المحققين على ظهر نسخة (القواعد) بعد قراءة الشهيد عليه، ما يلي: «قرأ عليَّ مولانا الإمام العلاَّمة الأعظم أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بني آدم، مولانا شمس الحقّ والدين، محمد بن مكي بن محمد بن حامد من هذا الكتاب مشكلاته»)[905](.
وذكر السيد محسن الأمين أنَّ الشهيد الأول هاجر إلى العراق ليقرأ على العلاَّمة فوجده قد تُوفي، فقرأ على فخر المحققين تيمناً، وتبركاً، ولعلّه كان أفضل منه بدليل ما حُكي عن فخر المحققين أنَّه قال: «استفدتُ منه أكثر مما استفاد مني»)[906](.
والواقع يشهد بخلاف ذلك فوفاة العلاَّمة الحلّي كانت قبل ولادة الشهيد الأول بما يزيد على ست سنوات على القول المشهور، أو أنَّ عمر الشهيد كان سنتين عند وفاة العلاَّمة على القول الآخر.
أمَّا فخر المحققين فكان في أوج زعامته الدينيّة، ويبلغ من العمر يومذاك ثمانية وستين عاماً، أمَّا الشهيد فكان لا يزال يرفل في سني شبابه الفتية الأولى.
ولا يُستغرب نقل مثل هذه المتوارثات المسموعة، كما سبق نقل ما يُشبهُ هذه الواقعة بين نصير الدين الطوسي وتلميذه العلاَّمة الحلّي عندما نسبت المصادر الشيعيّة أنَّ أستاذه الطوسي كان قد تتلمذ عليه في العلوم الفقهية، في الوقت الذي تتلمذ العلاَّمة عليه في العلوم العقلية والفلسفية.
وكلا هاتين المقولتين عاريتان عن الصحة.
غادر فتى جزّين مدينة الحلّة عام 758هـ/ 1356م متوجهاً إلى بلاد الشام، وقد أقام في مدينة بغداد برهةً من الزمن استجاز بعض علمائها. فممن استجازهم في بغداد شمس الأئمة محمد بن يوسف القرشي الكرماني الشافعي (717 ـ 786هـ/ 1317 ـ 1384م)، ومؤلف كتاب (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) )[907](. وشمس الدين أبو عبدالرحمن محمد بن عبدالرحمن المالكي المدرّس بالمدرسة المستنصرية ببغداد، ذكره في بعض إجازاته)[908](، وشمس الدين محمد بن عبدالله البغدادي الحنبلي، روى عنه صحيح البخاري، وقرأ عليه كتاب الشاطبيّة)[909](.
ثم تنقّل في دمشق، القاهرة، مكة، المدينة، والقدس)[910](. ورجع إلى جزّين قريته التي غادرها قبل ما يقرب عقداً من الزمن.
وقد ذكر أنَّه يروي عن أربعين شيخاً من مشايخ علماء السُنّة في بعض ما كتبه من الإجازات)[911](.
العودة إلى جزّين
بدأ نشاط الشهيد ممتدّاً على أكثر من محور، إلاَّ أنَّ الجامع لكلّ هذه النشاطات هو العمل الثقافي. فقد أسس مدرسة في جزّين لتدريس العلوم الدينية على كافة المستويات، وتخريج الطلبة المتخصصين في المجالين الديني والاجتماعي.
حاولت النصوص أنْ تصوّر جميع الصراعات القائمة بين الدول في هذه المرحلة بالذات، وفي المراحل السابقة لها واللاحقة أيضاً، على أنَّها صراعات قائمة على الاختلاف المذهبي الإسلامي.
من هنا كانت مشاهد واقعة كسروان، قبل هذه الفترة، قد تركّزت على الصراع المذهبي بشكله الحاد، حيث تضخّم دور شيخ الإسلام ابن تيميّة في الفتك بالشيعة، وقتلهم.
كما صوَّرت المنقولات (المنسوبة إلى ابن الأثير، وغيره) نماذج من الفتك الطائفي ضد الشيعة في دولة المماليك بعرض صور لمقتل بعض الشخصيّات ذات الألقاب الكبيرة، (غالباً ما تكون أسماءاً موهومة، أو شخصيَّات غير معروفة).
نُقل أنَّه في سنة 744هـ/1343م قُتلَ في دمشق الحسن بن محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني الدمشقي السكاكيني، وفي سنة 755هـ/1354م قُتلَ علي بن أبي الفضل بن محمد بن الحسين ابن كثير الحلّي.
كما قُتلَ سنة 766هـ/1365م محمود بن إبراهيم بن محمد الشيرازي.
ويتشابه مقتل هؤلاء جميعاً في التهمة، وطريقة الفتك الجماهيري بهم. أمَّا التهمة فكانت سب الشيخين (أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب)، وقد وقعت هذه الحوادث المتفرقة كلها في زمن سلطة المماليك البحرية الأتراك.
أمَّا طريقة الموت فكانت بقطع الرأس، ثم إحراق الجثة في محفل جماهيري عام.
قال ابن كثير في حوادث عام 744هـ ما يلي: «صبيحة يوم الاثنين 21 جمادى الأولى قُتل بسوق الخيل الحسن بن الشيخ السكاكيني»)[912](.
وذكر العسقلاني: قُتلَ بضرب عنقه في دمشق بعد ثبوت رفضه، وتكفيره للشيخين عند القاضي شرف الدين المالكي)[913](.
وقال ابن كثير في حوادث سنة 755هـ: يوم الاثنين 16 جمادى الأولى اجتاز علي ابن أبي الفضل بجامع دمشق، وهو يسبُّ أول مَنْ ظلم آل محمد، ولم يُصلِّ على الجنازة، فلمَّا فرغنا نبّهتُ عليه الناس فأخذوه، وكان قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضراً فجئتُ إليه، واستنطقته مَنْ الذي ظلم آل محمد؟ قال: أبو بكر، وشتم الخلفاء، فسجن. ثم استحضره المالكي، وجلده، وهو يصرخ بالسبّ. ثم كان يوم الخميس 19 عقد له مجلس بحضور القضاة الأربعة فحكم المالكي بقتله، فضُربت عنقُه، وأُحرق، وطيفَ برأسه.
وقد ناظرتُه، وإذا عنده شيء، وقد تلَّقى عن أصحاب ابن مُطهّر أشياء في الزندقة)[914](.
وذكره العسقلاني مرتين في الدرر الكامنة)[915](. وقال ابن كثير: إنَّه كان من أهل الحلّة، وأنَّه من تلاميذ العلاَّمة الحسن بن يوسف المطهر الحلّي.
وقال ابن كثير في حوادث سنة 766هـ عند الحديث عن أحد علماء دمشق، وهو الشيخ محمود بن إبراهيم بن محمد الشيرازي: ظهر عليه الرفض فسجنه القاضي الحنبلي أربعين يوماً، فلم ينفع ذلك، وما زال يصرّح بلعن الشيخين فوجدَ يوم 17 ربيع الأول في أول النهار بالجامع الأموي يسب الشيخين، ويصرّح بلعنهما أُخذَ إلى ظاهر البلد، وضربت عنقه، وأحرقته العامة، (كما فعلت بالذي قبله سن 755هـ).
وكل هذه المنقولات لا يمكن الاعتماد على وثاقتها، لأنَّها تحملُ عناصر تهافتها معها.
ومن سياق الأحداث التاريخية غير الموثّقة، فإنَّ النصوص حاولت أن تُشكّل تصوّراً للتركة الثقيلة التي خلَّفتها الدول الشيعيّة المنهارة في بلاد الشام، وعهود القهر الطائفي الذي أصاب الشيعة بكافة فصائلها الإسماعيلية، النصيرية، والإمامية الاثني عشرية، حتى أصبح الشيعة ـ كما تصوّر الروايات ـ في مناطق عديدة يتظاهرون باعتناق المذاهب السُنيّة، خصوصاً أهل الساحل (ساحل البحر الأبيض المتوسط) المتسننين الذين كانوا طُعمة للصراعات السياسية التي تنشب بين أصحاب النفوذ من نواب المقاطعات.
ومرَّة أخرى، فإنَّ مثل هذه النصوص يكتنفها الغموض، وعدم الوثاقة.
وبناءاً على مثل هذه المنقولات يمكن أنْ يُقال إنَّ الشهيد بدأ بحمل أعباء هذه التركة في محاولة لإعادة الهوية المفقودة للشيعة في بلاد الشام، واستردادها بعد سنيّ القهر التي عانوا منها طويلاً.
ويبدو ـ ضمن هذا السياق ـ من نسخة توقيع صادرة عن نوّاب السلطنة المملوكية في 25 جماى الآخرة سنة 764هـ/11 نيسان 1363م أنَّ الوجود الشيعي في هذه المرحلة بالذات كان قد أصبح له امتداد يقوم به رجال مدرّبون على العمل الاجتماعي، وأصبحت الحركة الشيعية تعبّرُ عن نفسها بعد سنيّ الاضطهاد التي لازموها طوال هذه الفترة.
وقد تضمَّن نصّ (الأوامر والنواهي الدينيّة) تحذيراً للشيعة، وتأكيداً على إباحة دمائهم بنصّ القرآن بسبب معتقداتهم. إلاَّ أنَّ (النصّ) أرجأ توجيه العساكر إليهم واستباحتهم بعد صدور هذا التحذير لهم. ويبدو أنَّ الامتداد الشيعي كان في هذه السنة بالذات قد أصبح له كيان يمكن الإشارة إليه.
جاء في نص الأوامر والنواهي: «بلغنا أنَّ جماعةً من أهل بيروت وضواحيها وصيداً ونواحيها، وأعمالها المضافة إليها، وجهاتها المحسوبة عليها، ومزارع كل من الجهتين وضياعها، وأصقاعها، وبقاعها قد انتحلوا هذا المذهب الباطل، وأظهروه، وعملوا به وقرّروه، وبثّوهُ في العامّة ونشروه، واتخذوه ديناً يعتقدونه، وشرعاً يعتمدونه، وسلكوا منهاجه، وخاضوا لجاجه».
«وغَضبنا لله تعالى أنْ يكون في هذه الدولة للكُفر إذاعة، وللمعصية إشارة وإشاعة».
وأردنا أنْ نجهّز طائفة من عسكر الإسلام، وفرقةً من جنُد الإمام تستأصل شأفةَ هذه العصبة الملحدة، وتطهّر الأرض من رجس هذه المفسدة.
ثم رأينا أنْ نقدّم الإنذار، ونسبق إليهم بالأعذار فكتبنا هذا الكتاب ليُقرأ على كافتهم، ويُبلّغ إلى خاصتهم وعامتهم، يُعلمهم أنَّ هذه الأمور التي فعلوها، والمذاهب التي انتحلوها، تُبيح دماءهم وأموالهم، وتقتضي تعميمهم بالعذاب واستئصالهم».
إنَّ الاتهامات التي استند عليها (النصّ) في إباحة دماء الشيعة وسلب أموالهم هي اتهامات عامة غير محددة، وأخرى خاصّة ومحددة.
فمن الاتهامات العامة:
1 ـ الفرية على كتاب الله، وتفسيره بخلاف المراد، والتّجرؤ على تأويله بما لم يُرده الله، ولم يَرد عنه، (فإنهم افتروا على الله كذباً قدّمهم وأباح دَمَّهم. وقال لسان حال أمرهم أرى قدَمهم أراق دمهم، وهان دَمُهم فها ندمهم).
2 ـ الخروج عن جادة الصراط المستقيم.
3 ـ الكفر الصراح الذي يبيح القتل على فاعله.
أمَّا الاتهامات الخاصة فهي أنَّ الشيعة:
1 ـ يسبون أصحاب النبي (عليه أفضل الصلاة والسلام)، ويدّعون أنهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو بريء منهم، منزّه عما يصدرُ عنهم، (وسبّ الصحابة رضوان الله عليهم مخالف لما أمر به رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من تعظيمهم ومخالفته عليه الصلاة السلام فيما شَرعه من الأحكام الموجبة للكفر).
2 ـ يستحلون دمَ أهل السُنّة من المسلمين.
3 ـ يستبيحون نكاح المتعة ويرتكبونه. (ونكاح المتعة منسوخ، ومَنْ ارتكبه بعد علمه بتحريمه واشتهاره فقد خرج عن الدين بردّه الحق وإنكاره، وفاعله إنْ لم يتب فهو مقتول).
4 ـ يجمعون بين الأختين في النكاح.
5 ـ يأكلون مال مخالفيهم، وينتهبونه)[916](.
وقد رجَّح جعفر المهاجر أنْ يكون تاريخ صدور هذا الفرمان هو 784هـ/ 1382م)[917](، معتمداً على نصّ أورده ابن يحيى في تاريخ بيروت ينصّ على أنَّ والده الأمير يحيى بن زين الدين صالح أمير الغرب جرت عليه حركة ردّية من والي الشام بَيْدمر الخوارزمي لمَّا تحركت الشيعة في بيروت، وأظهروا القيام بالسُنَّة.
وظنَّ المهاجر أنَّ بيدمر لم يلِ الشام إلاَّ في سنة 780هـ/1378م، والأمير يحيى صدر منشور إقطاعه (أي صار أميراً مسؤولاً تجاه السلطة المركزية في دمشق) في سنة 774هـ/ 1372م.
إلاَّ أنَّ بيدمر الخوارزمي كان قد تولّى ولاية الشام عدّة مرَّات أولها كان في عام 761هـ، 763هـ، 775هـ. 780هـ، 783هـ، 786هـ، وتختلف سنيُّ حكمه، فيعزل في بعضها ثم تُرَدُّ له الولاية مرَّة أخرى.
ولا يخفى أنَّ حال هذا (النصّ) في وثاقته كحال النصوص الأخرى التي لا يمكن التسليم بها، لما تتضمَّنهُ من مفردات، واتهامات خارجة عن صراعات تلك المرحلة أولاً، ولتهافت مضامينها ثانياً، وأنها لا يمكن أن تصدر عن سلطة رسميّة ثالثاً.
وبناءاً على فرضيّة وثاقة «نص الأوامر والنواهي الدينيّة»، فإنَّ طبيعة الأحداث لم تتعدّ (التحذير). فقد بقي النشاط الشيعي قائماً طوال السنين القادمة التي تزخر أحداث المماليك فيها بالمشاكل الداخلية، والتغيرات الإدارية، وتقلّب النوّاب الحاكمين عن مناصبهم تبعاً لمتغيرات الحكم المركزي في مصر.
أصبح نشاط الشهيد في السنوات القادمة أكثر امتداداً مما كان عليه في السابق، ولم يكن عمله هذا إلاَّ محاولة لتجميع القوى الشيعية، وإعادة هويتها المفقودة التي سلبتها الأنظمة السياسية في الدولتين الأيوبية والمملوكية.
ويُعيدُ موقفُ الشهيد هذا، موقف سلفه الشيخ المفيد ـ أيام العهد البويهي ـ الذي عانى الشيعة فيه من ضياع الهوية العقائدية التي اختلطت في زحمة التيارات المتناقضة ابتداءاً من التيارات الكلامية، وانتهاءاً بتيارات الغُلاة وغيرهم، كما صوّرت المنقولات حالة تلك الفترة التاريخية الملتفّة بالغموض والتحريف.
إلاَّ أنَّ الضياع الذي أصاب الشيعة في بلاد الشام، بناءاً على هذه الفرضية، كان ضياعاً سياسياً بحتاً مصطبغاً بالصبغة المذهبيّة التي يظهر أثرُها ويشتدّ في المواقف المتعلقة بالسلطة والحكم، ويخبو أوارُها في حالات الهدوء السياسي، وسيطرة الدولة على الأوضاع.
ويبدو أنَّ سني السبعينات الهجرية (770هـ) كانت قد شهدت نشاطاً كبيراً للشهيد في مشروعه الذي يهدف إلى (توحيد الطائفة الشيعية)، فقد نشر المدارس، في المناطق المختلفة، وعيّنَ الوكلاء في مساجد البلدان وقراها، وفرض جباية الزكاة والخمس على أتباعه في محاولة لتنظيم قواعد المؤسسة الدينية.
وقد استظهر الفقيه المعاصر السيد محمد باقر الصدر أنّ بسط ذراع الفقيه بتعيين الوكلاء، وما يتعلق من جباية الموارد المالية هو أول تطبيق عملي، من الناحية التاريخية، كان الشهيد الأول قد اتّبعه لإنشاء كيان مترابط في تاريخ الزعامة الشيعية)[918](.
وقد لاحظ الشيخ زين الدين الجُبعي العاملي الملقب بالشهيد الثاني، المقتول سنة 965هـ/ 1558م عند شرحه لكتاب (اللمعة الدمشقية) أنَّ الشهيد الأول رأى لزوم دفع الأخماس إلى (نائب الإمام)، أي الفقيه الجامع لشرائط الحكم)[919](.
ويبدو أنَّ هذه العبارة الفقهية قد استُعملتْ لأول مرة على لسان الشهيد الأول من بين فقهاء الإمامية.
وقد استظهرَ البروفيسور Madelung أنَّ لقب (نائب الإمام) أول ما ظهر خلال العصر الصفوي اعتماداً على (الفرمان) الذي أصدره الشاه طهماسب الكبير إلى الشيخ المحقق الكركي، والذي لقّبهُ فيه بنائب الإمام)[920](.
ويمكن الجمع بين النصّين أنَّ هذا اللقب ظهر نظرياً في النصوص الفقهية قبل قيام الدولة الصفوية بما يقرب من القرن ونص القرن من الزمن، أما استعمال اللقب فإنه لم يطبق عملياً قبل مرحلة الصفويين.
وقد وردت في المصادر غير الشيعية ما يؤيد صحة هذه الاستنتاجات، فقد اعتبر مؤرخٌ سنيٌّ كبير أنَّ من أسباب مقتل الشهيد الأول أنَّه كان مرتبطاً بهذا التحرك عندما شرع بالعمل في منطقته الجبلية بعيداً عن أعين السلطان في دمشق، وعيَّنَ له نوّاباً على المناطق في طرابلس، وغيرها)[921](.
وبمقدار ما في هذا النصّ من صحة، إلاَّ أنَّ الشهيد الأول، كان قد أصبح رقماً في معادلة سلطة المماليك البحرية (الأتراك)، فلم يستطيع نوّاب دمشق إلاَّ التعامل معه على أساس يضمن الحرية المعتدلة له ولأتباعه مقابل الحفاظ على مصالح الدولة الأمنية، بل أصبح جزءاً من تشكيلة السلطة المملوكية (التركية) ومن المحافظين عليها، وعلى أمنها.
أما مقتلُهُ فلم يكن قد تمَّ على يد السلطة المملوكية التركية التي تحالف معها، وإنما كان قد تمَّ على يد المماليك الشراكسة الذين أسقطوا حلفاءه الأتراك، واستولوا على بلاد الشام بعد تسلّم الظاهر برقوق زمام السلطة في مصر.
شهدت سنوات الثمانينات الهجرية (780هـ) ازدهاراً للشيعة وتشكّلهم كقوة يُحسب لها حساب بقيادة الشهيد الأول.
ونظراً للعلاقة بين الشهيد، ونوّاب دمشق فقد اتخذ الشهيد في السنوات الأخيرة من حياته دمشق محلّ إقامةٍ له، وكان من الشخصيات التي يتعامل معها رجال الدولة على وفق المسؤوليات الرسميّة.
وقد ظهر في نصّ معاصر منسوب لمؤرخ لتلك الفترة ما يؤكد على هذه النتيجة)[922](.
ومن خلال ما نُقل من تأليف رسالته الفقهية «اللمعة الدمشقية» التي ألّفها سنة 782هـ/ 1380م، والتي يدلُّ عنوانُها على أنَّها كُتبتْ بدمشق كما نصّ على ذلك مترجموه أيضاً، فإن المنقولات الشيعية المتوارثة أوردت أنَّ كتابة (اللمعة) تمّت في سبعة أيام فقط، ولم يدخلْ على الشهيد أحدٌ من علماء دمشق السُنّيين خلال مدّة التأليف.
إلاّ أنَّ هذه المنقولات لم تتوصل إلى حلّ لغز توافد علماء السُنة (الرسميين) على الشهيد في تلك الفترة الزمنية، التي قيل إنَّ مجلسه اليومي لم يكن يخلو منهم أبداً.
نقلت المصادر الشيعية أنَّ مجلس الشهيد بدمشق لم يكن يخلو من علماء الجمهور (السُنة) لخلطته بهم، وصحبته لهم. ونُقل عن الشهيد نفسه أنَّه قال: «لمَّا شرعتُ في تصنيف الكتاب كنتُ أخاف أنْ يدخل عليَّ أحد منهم فيراه. فما دخل عليَّ أحدٌ منذ شرعتُ في تصنيفه إلى أنْ فرغتُ منه».
وعلّق شارح اللمعة زين الدين الشهيد الثاني على هذه الرواية التي أوردها في مقدمة شرحه على الكتاب بقوله: «كان ذلك من خفي الألطاف، وهو من جملة كراماته، قدَّس الله روحه، ونوَّر ضريحه»)[923](.
واعتماداً على هذه المنقولات وردت في بعض المصادر الشيعية أنَّ الشهيد كان يقوم بتدريس كتب الفقه السُني، ويتجنب تدريس الكتب الشيعيّة إلاَّ في بعض الأوقات المخصوصة والأماكن التي لا يصلُها أحد.
ونصّ الرواية التي نقلها الأفندي هي على هذه الشاكلة:
كان الشهيد يشتغل بتدريس كتب المخالفين (أي الكتب الفقهية السُنية)، ولم تحصل له فرصة لتدريس كتب الشيعة لشدة التقيّة، إلاَّ في الليل بقدر ما بين المغرب والعشاء، فكان يُدرّس في تلك الشدَّة حين الخلوة في بيت معين عمله تحت الأرض)[924](.
والرواية وأنْ اعتمدتْ جانباً من أسلوب المبالغة والتهويل، وعدم المُعاصَرة، إلاَّ أنَّها تكشف عن علاقة الشهيد الرسميّة بجهاز السلطة المملوكية الحاكمة.
وبالرغم من أنَّ المصادر لم تُشِرْ إلى تقلّد الشهيد لأي منصب رسميّ، إلاَّ أنَّ وظيفته في المناطق الشيعية الخاضعة لسلطته الروحية جعلته من الشخصيات المتنفذة التي يرقى عملها إلى عمل (العمّال) الذين كانت الدولة تعينهم في المناصب الرسمية في بعض المقاطعات.
أوردت المصادر الشيعية أنَّ التهمة التي أُلصقتْ بالشهيد الأول لدى السلطة المملوكية الشركسية من قبل المرتدين عليه، أو المختلفين معه هي أنَّه كان (عاملاً) أي من ذوي المناصب الرسمية في الدولة المملوكية التركية، مما يكشف أنَّ سلطته على المنطقة كانت بإقرار من المماليك الأتراك أنفسهم.
وقد ورد النص على هذه الصيغة: «تعصَّبَ جماعة كثيرون (ضد الشهيد) بعد أنْ حُبسَ في القلعة الدمشقية سنة كاملة، وكان سبب حبسه أنْ وشى به تقي الدين الجبلي الخيامي بعد ظهور أمارة الارتداد منه، وأنَّه كان عاملاً»)[925](.
وقد حار بعض المؤرخين للوصول إلى هذه الكلمة، فظنَّ السيد محسن الأمين أنّ سياق الجملة يقتضي أنْ تكون الكلمة (عاملاً) محرّفة من كلمة (عاملياً) لأنَّ تقي الدين الخيامي كان أحد أبناء جبل عامل، كما يظهر ذلك من لقبه. والخيام هي إحدى قرى جبل عامل أيضاً.
وهذا التفسير لا علاقة له بمضمون الرواية التاريخية المنقولة.
وحاول الشيخ جعفر المهاجر أنْ يستظهر من النصّ الذي أورده القلقشندي: (أنَّ لقب العامل يقع على الأمير المتولي العمل)، إلى أنَّ تهمة (العامل) التي أُلصقت بالشهيد كانت نتيجة لصلته بالسلطان علي بن المؤيد، التي اعتبرها الوشاة نوعاً من تولّي العمل له، خصوصاً أنَّ ابن المؤيد كان قد فتح أبواب خراسان لتيمورلنك عدو المماليك اللدود)[926](.
وهي نفس المقولة التي استظهرها من قبل الدكتور كامل مصطفى الشيبي)[927](.
ومن خلال هذا التفسير لكلمة (عامل) استوحى المهاجر تفسيراً معاصراً لهذه الكلمة يُقرّبها إلى كلمة (عميل) التي تُطلقُ على مَنْ يقوم بعمل لمصلحة دولة أجنبية فيقال في العبارات: «عميلٌ لدولة أجنبية، أو عميل من عملاء الاستعمار، أو عميل مزدوج»، وما إلى ذلك من الاستعمالات لهذا اللفظ.
إلاَّ أنَّ النصوص التاريخيّة، التي نُقلتْ في محاكمة الشهيد، وإدانته لم تورد أية تهمة تتعلق بعلاقة الشهيد مع سلطان خراسان إبن المؤيد.
أمّا مكاتبة ابن المؤيد للشهيد، والتي سيأتي الحديث عنها، فكانت قبل سيطرة تيمورلنك على بلاد خراسان، وليس بعدها.
وقد بقي الشهيد مستقراً بدمشق طوال هذه الفترة الزمنية، وآخر تأريخ يدلُّ على وجوده فيها هو يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر رمضان سنة 784هـ، أي قبل استيلاء المماليك الشراكسة على مقاليد السلطة في مصر بأسبوع واحد.
وقد ظهر ذلك في إجازة منحها الشهيد للشيخ زين الدين علي بن الخازن الحائري أحد مشايخ الرواة المعتمدين، بدمشق كما صرّح الشهيد نفسه بذلك)[928](.
المواجهة مع المماليك الشراكسة
ابتدأت صفحة جديدة في نشاط الشهيد بعد وصول المماليك الشراكسة إلى السلطة في القاهرة. فقد تكتّل الأمراء المماليك الأتراك في بلاد الشام ضد السلطان برقوق، وأصبحت الممالك في بلاد الشام منقسمة فيما بينها في تأييد السلطة الجديدة أو عدمه)[929](.
إنَّ مملكة دمشق التي كانت تحت سلطة الأمير بَيْدمر الخوارزمي)[930]( في أيام الحكم الجديد سارعت لتأييد برقوق، ومال الأمراء التنوخيون إلى جانب دمشق في دعم السلطة الشركسية.
أمَّا مماليك كسروان من التركمان، ومماليك طرابلس من الأتراك فوقفوا ضدها.
كما كانت الحركة الشيعيّة التي تزعّمها الشهيد الأول هي أولى الحركات المعارضة للسلطة في القاهرة.
نهض الجزينيّون بقيادة الشهيد الأول ضد الحكم المملوكي الجديد، ويبدو أنَّ الشيعة في جزّين كانوا قد توحَّدوا تحت قيادة الشهيد، إلاَّ أنَّ الشيعة في المناطق الأخرى، خصوصاً مناطق الجبل، والمناطق الساحلية (ساحل البحر الأبيض المتوسط) لم يكونوا قد تكتّلوا تحت زعامة واحدة، إنَّما كانت آراؤهم غير متّفقة فيما بينهم في تأييد السلطة المملوكية الجديدة، أو معارضتها)[931](.
كان الشيعة بشكل عام قد أظهروا ولاءهم للشهيد الأول في ظل حكومة المماليك الأتراك التي كانت داعمة لمشروعه السياسي.
أمَّا انقلاب شيعة الجبل عليه ـ كما نقلت الأخبار، فيدلُّ على أنَّ طاعتهم له كانت طاعة متغيّرة طبقاً للتقلبات السياسية، وليست طاعة صادرة عن سلطة دينية عُليا يخضع لها القطاع الشيعي بكلّ فصائله. وهذا ما يُميّز شيعة (جزّين) والمناطق المحيطة بها عن شيعة المناطق الأخرى بضميمة أهل السواحل الذين لجأوا ـ قبل هذه المرحلة على فرض صحّة المنقولات ـ، للتظاهر باعتناق المذهب الشافعي تخلّصاً من الظلم الذي قد يقع عليهم من قبل خصومهم المذهبيين.
إنَّ تمرد القطاع الشيعي على نفسه في ظل الظروف السياسية الجديدة يوضّح، دون أيَّ شك، أنَّ الزعامات الشيعية غير الدينية (الإقطاعية) كانت مختلفة مع الشهيد، إلاَّ أنَّ هذا الخلاف لم يظهر على السطح بسبب سلطة المماليك (الأتراك)، التي كان الشهيد متنفّذاً فيها.وبعد قضاء المماليك الشراكسة على هذا الحكم أخذ الخلاف حجمه الطبيعي في المواجهة المسلحة التي وقعت بين الأطراف الشيعية المختلفة على تقاسم النفوذ.
معركة الشهداء
لم تُشر المصادر التاريخية إلى مواجهة عسكرية جرت بين حكومة المماليك الجددة، وبين المقاطعات الشيعية إلاَّ أنَّ الذي حصل، حسب النصوص التأريخية، أنَّ معركةً طاحنة قد وقعت داخل الكيان الشيعي نفسه متمثلاً بالشهيد الأول من جهة، وبعض الشخصيات المتنفذة التي كانت متحالفةً معه، أو من التي لم تكن متحالفة.
إنَّ الاختلاف في قبول السلطة الجديدة وعدمها هو الذي هيّأ لمثل هذه المعركة.
وقعت المعركة التي سُمّيت بـ (معركة الشهداء) في الشهور الأولى من سنة 785هـ/1383م في قرية النبطية الفوقا ـ التي تقع جنوب جزّين ـ، وليس هناك أيُّ تفصيل عن هذه المعركة، وعن المدّة التي استغرقها الطرفان في القتال. إلاَّ أنَّ نتيجة المعركة ـ حسب ما ورد في النصوص المنقولة ـ كانت انتصاراً للشهيد الأول على خصومه المرتدين عليه، ومقتل زعيمهم الشيخ محمد اليالوش)[932](. وقد تكبَّد الطرفان خسائر بشرية كبيرة.
ويذكر السيد محسن الأمين (ت: 1371هـ/ 1952م) أنَّ قبور شهداء تلك الواقعة لا تزال معروفة في جبل عامل، قرب النبطية الفوقا)[933](.
كما ذكر باحث آخر، هو الشيخ جعفر المهاجر، أنَّ المقبرة التي ضمَّت رفاتهم تتَّسع لقبور يصل تعدادها بين الألفين أو الثلاثة آلاف قبر)[934](.
ذكرت المصادر الشيعية أن الشيخ محمد اليالوش كان من تلامذة الشهيد الأول، ثم صرَّحت هذه المصادر أنَّه انقلب على أستاذه الشهيد بعد انحراف في عقيدته وادعائه النبوة، وممارسته السحر والشعوذة)[935](.
ونُقل في هذه المصادر أيضاً ـ في محاولة للنيل من اليالوش ـ أنَّ الشهيد وقع بيده أحد كتب السحر والشعوذة فأعطاه لتلميذه اليالوش لغرض إتلافه، فأخفاه التلميذ عنه، وتعلَّم منه الشعوذة، فحاربه الشهيد، وقتله)[936](.
وينتسب محمد اليالوش إلى برج يالوش)[937](، إحدى القرى الواقعة في إقليم التفاح، والذي يترجح أنَّه كان من المشايخ الملاّكين الإقطاعيين، وليس من المشايخ الدينيين. وإنَّ ما نُسب إليه من تلمذته على يد الشهيد يبدو أنَّها لم تكن تلمذة بالمعنى الفعلي، وإنَّما هي نوع من إظهار التواصل الثقافي في حضور بعض محاضرات الشهيد أو دروسه العامة التي اعتاد على إقامتها في المناطق الشيعية.
لم تنته معركة الشهداء بقتل الشيخ محمد اليالوش، بل تحوّلتْ إلى حرب بين الشهيد وأتباع اليالوش من القيادات الشيعيَّة، ولكنها حرب من نوع آخر.
فقد كان الجو السياسي العام في منطقة الجنوب خاضعاً بشكل أو بآخر للسلطة الجديدة، وكانت حكومة دمشق تحت ولاية بيدمر الضعيفة تابعة لمماليك القاهرة، أصحاب السلطة الجديدة.
وقد تقلّد المشيخة بعد الشيخ محمد اليالوش أحد أعوانه وهو تقيُّ الدين الجبلي الخيامي (نسبة إلى الخيام إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون) إلاَّ أنَّ الخيامي لم يدخل في مواجهة عسكرية مع قوات الشهيد، وإنَّما ـ كما يظهر من سير الأحداث ـ أنَّ الشهيد كان قد تمَّ اعتقاله بعد معركة الشهداء من قبل السلطة دون أنْ تثير جدلاً كبيراً في الأوساط التابعة له.
ويبدو أنَّ السلطة الجديدة، وفقاً لتسلسل الأحداث التاريخية المُتنَاقَلة، سعت للتخلص من الشهيد بطريقة مرحلية بعد الحدّ من نفوذ أتباعه أولاً، فكانت أنْ أودعته سجن القلعة بدمشق في محاولة لدراسة ردود الفعل التي يخلّفها هذا الاعتقال.
إلاَّ أنَّ مسار الأحداث لم يجر لصالح الشهيد وأتباعه حيث أنَّ الدمار الذي خلّفته معركة الشهداء، وما سبَّبته من المقاتل في صفوف الشيعة أثار حفيظة الشيعة الذين يقفون في الصف المقابل لجزّين، وقائدها الشهيد الأول.
ويظهر أنّ الأطراف السلطوية تدخَّلتْ في الحدّ من سلطة جزّين السياسية، فاستخدمت الذريعة المذهبية للفتك بقيادة الحركة الشيعية الثورية التي خلّفها الشهيد في نفوس أتباعه، بعد الشرخ الذي أحدثته هذه النزاعات في الوسط الشيعي عندما عجزت عن مواجهته عسكرياً قبل هذه الأحداث.
وقد نُقلَ أقدم نصّ عن هذه الحادثة رواه تلميذ الشهيد الأول، وهو الفقيه المقداد السيوري الحلّي ذكر فيه أنَّ السبب في إيداع الشهيد السجن، ثم قتله كان قد حصل بوشاية من تقي الدين الجبلي الخيامي، وأنَّه كان عاملاً.
وبعد وفاة تقي الدين حلَّ يوسف بن يحيى مكانه، وقد كتب هذا القائد الجديد محضراً شنَّع فيه على الشهيد الأول، وكتب في ذلك المحضر سبعون شخصاً من أهل الجبل ممن كان يقول بالإمامة والتشيع، وارتدَّوا عن ذلك، وكتبوا خطوطهم تعصباً مع ابن يحيى في هذا الشأن، كما كتب في المحضر نفسه أكثر من ألف شخص من أهل السواحل الشيعة الذين كانوا يتظاهرون بالتسنن، وأثبتوا ذلك عند القاضي، قاضي صيدا أولاً، ثم رُفعَ المحضر إلى قاضي بيروت، وانتهى إلى قاضي القضاة ابن جماعة)[938](.
وبناءاً على الرواية الشيعيّة المنقولة عن تلميذ الشهيد، فقيه الحلّة في زمانه، الشيخ المقداد السيوري (ت: 826هـ/ 1423م) فإنَّ انقلاب بعض شيعة جبل عامل على الشهيد هو الذي مهَّد لإيقاعه في مورد التهلكة، والتخلص منه.
ويظهر ذلك من خلال محضر التشنيع الذي وقّع فيه سبعون شخصاً ممن يقول بالإمامة والتشيّع من أهل جبل عامل ضد الشهيد الأول، كما وُضعتْ خطوط ما ينيف على الألف شخص من أهل السواحل الشيعة، الذين وصفتهم المصادر الشيعيّة بالشيعة المتخاذلة، أو الشيعة المتسنّنة ـ الذين ارتدوا عن التشيّع ـ في المحضر نفسه.
إنَّ وصف المقداد السيوري لهؤلاء الشيعة بالمرتدين عن التشيّع ابتداءاً من الشيخ محمد اليالوش، وأتباعه تقي الدين الجبلي، ويوسف بن يحيى، وانتهاءاً بالشيعة المُتخاذلة ـ سواءً أفراد أهل الجبل السبعين، أم أهل السواحل الألف ـ الذين وضعوا خطوطهم في محضر التشنيع ضد الشهيد الأول، هو وصفٌ لم يقبْله السيد محسن الأمين، وإنَّما اعتبرَ ذلك ناشئاً من السعي للأغراض الدنيوية، وذكر أنَّ أهل جبل عامل لم يُسْمَع أنَّ أحدهم رجع عن مذهب الشيعة، وإنْ صدرت منه أعظم الموبقات)[939](.
وكما يُلاحظ فإنَّ الدور الذي قام به تقي الدين الجبلي، وخَلَفُهُ يوسف بن يحيى في الإيقاع بالشهيد عند السلطة السياسية كان في مرحلة إعتقال الشهيد وإيداعه سجن القلعة بدمشق.
وفي هذه المرحلة بالذات لم تكن الثورة الشيعية قد استطاعت أنْ تفرض نفسها على الأحداث بعد موجات التفكك والإحباط اللذين حلاّ بها.
وقد بدأ فصلٌ جديد للتخلص من قائد هذه الثورة في خطوة للقضاء على حركته المعارضة)[940](.
الاتهامات الموجّهة للشهيد الأول
وجَّهتْ كتب التاريخ للشهيد اتهامات عديدة يمكن أنْ تنحصر بما يلي:
1 ـ إنَّ الشهيد كان يُعتبرُ جزءاً من النظام المملوكي الرسمي الذي ما زال العديد من أمرائه ـ في مرحلة اعتقال الشهيد ـ معارضين للسلطة الجديدة. وقد اتُّهمَ على أنَّه كان عاملاً على المناطق التي تنفّذ بها، والتي كانت تحت دعم المماليك الأتراك ورعايتهم له. لذلك كان في هذه المرحلة قد عيَّنَ له نواباً على المناطق، ونظَّم القوى الشيعية تنظيماً مكّنها من أنْ تكون قوة يُحسب لها حساب.
2 ـ التحالف مع النُصيرية في الوقوف ضد السلطة المملوكية الشركسية. وكان قد سبق للشهيد أنْ امتد في أوساط النصيريين في طرابلس، والمناطق المتاخمة لها، كما صوّرت الروايات، في عملية لاستعادة وجودهم التاريخي المضطهد، وتقريبهم إلى التشيع الاثني عشري. كما ورد ذلك في عبارة الدمشقي أنَّه: «عيّنَ له نواباً على المناطق في طرابلس، وغيرها»)[941](.
وتظهر هذه الاتهامات في النص الذي نقله ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ/ 1449م) في حوادث سنة 781هـ، وكرَّره في حوادث 786هـ حيث قال: قتل محمد بن مكي الرافضي بدمشق بسبب ما شهد به عليه من الانحلال، واعتقاد مذهب النصيرية، واستحلال الخمر الصرف، وغير ذلك من القبائح، وضُربتْ عنق رفيقه (عرفة) بطرالس، وكان على معتقده)[942](.
ويظهر أنَّ (عرفه) ـ كما يصوّره هذا النصّ ـ كان أحد زعماء النصيريين الثائرين ضد السلطة في تلك الفترة.
3 ـ اتهامُهُ بالرفض، وإطلاقه في عائشة وأبيها، وعمر ( رض) عبارات منكرة، بل مكفرة)[943](.
4 ـ في الكتابات المعاصرة استظهر بعضُ الباحثين المتخصّصين الأكفاء، وهو الدكتور كامل مصطفى الشيبي وجود صلة بين الشهيد الأول، وعلي بن المؤيد (سلطان خراسان) جعلت الظاهر برقوق يُظهر غيرته على الدين بعد اكتشافه لها، فتخلّص من خصم كان يؤلب القوى عليه، وأرضى الفقهاء السُنّة بإعدام رجل كانوا يعتبرونه عدواً هادماً لعقائدهم)[944](.
أمَّا لماذا عارض الشهيد السلطة الجديدة فربما يرجع إلى علاقاته الوثيقة بنواب المماليك السابقين، وشعور الجميع بالقوة في مواجهة المماليك الشراكسة الذين لم تزل سلطتهم مستغرقة بالضعف، والمشاكل الداخلية.
وقد ظهر عنصر التمرد في صفوف المماليك الأتراك تجاه المماليك الشراكسة بعد بضع سنين من مقتل الشهيد الأول، وقد أعلن الأمير يلبغا الناصري الخاصكي، والأمير تمربغا المعروف بمنطاش (قتل سنة 795هـ/ 1393م) عن تمردهما على الظاهر برقوق فأخضعا معظم مدن بلاد الشام باستثناء قلاع دمشق، بعلبك، الكرك التي بقي عمالها تابعين لبرقوق)[945](. وقد أنظم إلى العصيان أمير التركمان، وأمير العربان، كما مال تركمان كسروان إلى الحركة المنطاشية، وكذلك مماليك طرابلس)[946](.
وتمكّن مماليك الأتراك من خلع برقوق سنة 791هـ/ 1389م، والسيطرة على الدولة، وقيدَ الظاهر برقوق، إلى أحد السجون في قلعة (كرك).
إلاَّ أنَّ السلطان برقوق عاد بعد عام واحد مستعيداً مكانته في الحكم، ومنتقماً من خصومه في معركة (شقحب) ـ هكذا ورد اسمُها ـ، التي وقعت بالقرب من دمشق سنة 792هـ/ 1390م)[947](.
وبعد حياة حافلة بالاضطرابات السياسية، والحروب الخارجيّة والداخلية تُوفي الظاهر برقوق سنة 801هـ/ 1398م.
محاكمة الشهيد الأول وقصة مقتله
لم تصدر أيَّةُ ردود فعل من جراء اعتقال الشهيد خلال عام كامل من قبل أصحابه بعد كسر شكوتهم، والقضاء على تحركهم، الأمر الذي دعا بالسلطة إلى التخلص منه بإجراء محاكمة له كان أبطالها خليطاً من قضاة المذاهب الإسلامية السُنّية.
ويبدو من أحداث المحاكمة، ووقائعها، وطريقة الإعداد لها أنَّ هؤلاء القُضاة كانوا قد اتفقوا فيما بينهم على إدانة الشهيد، والتخلّص منه بالقتل.
وفعلاً فقد صدر الحكم بإراقة دمه. فضُربتْ عنقُه تحت قلعة دمشق في شهر جمادى الأولى سنة 786هـ/ حزيران 1384م، حسب نصوص الروايات السنية. أمَّا الروايات الشيعية فتضيف إلى أنَّه صُلبَ، وأُحرق. وفي رواية أخرى أنَّه صُلبَ، ورُجمَ، ثم أُحرق.
وقد وردت بعض النصوص التي تشرح طريقة المحاكمة، وتسلسل مجرياتها. وأقدم نصّ شيعي نُسبَ إلى تلميذ الشهيد المقداد السيوري الحلّي، أحد كبار فقهاء الحلّة المُتوفى سنة 826هـ/1423م، بعد أنْ ذكر طريقة المحضر الذي كتبه أهل السواحل ضده، وبعض أبناء جبل عامل، ودفعوه إلى قاضي بيروت، وهو كالآتي:
«أتوا بالمحضر إلى القاضي عبّاد بن جماعة بدمشق، فَنفذَهُ إلى القاضي المالكي، وقال له تحكم فيه بمذهبك، وإلاَّ عزلتُك.
فجمع الملك (بيدمر) الأمراء، والقضاة، والشيوخ (لعنهم الله جميعاً)، وأحضروا الشيخ محمد (قُدِّس سرُّهُ بحظيرة القدس)، وقُرأ عليه المحضر، فأنكر ذلك، وذكر أنَّه غير معتقد له مُراعياً للتقية الواجبة، فلم يُقبل منه، وقيل له: قد ثبتَ ذلك عليك شرعاً لا ينتقض حكم القاضي.
فقال: الغائب على حجّته، فإنْ أتى بما يُناقض الحكم جاز نقضُهُ، وإلاَّ فلا، وها أنا أُبطل مَنْ شهد بالجُرح، ولي على كلّ واحد حجَّةٌ بيّنة.
فلم يُسمع ذلك منه، ولم يُقبل.
فقال الشيخ للقاضي عبَّاد بن جماعة: إني شافعي المذهب، وأنتَ الآن إمام هذا المذهب وقاضيه، فأحكمْ فيَّ بمذهبك.
وإنَّما قال الشيخ ذلك لأنَّ الشافعي يُجوِّزُ توبة المرتد.
فقال ابن جماعة: على مذهبي يجب حبسك سنة، ثم استتابتك. أمَّا الحبس فقد حبستُك، ولكنْ تُبْ إلى الله، واستغفرْ حتى أحكم بإسلامك، فقال الشيخ: ما فعلتُ ما يُوجبُ الاستغفار حتى أستغفر. (خوفاً من أنْ يستغفر فيثبت عليه الذنب).
فاستغلظهُ ابن جماعة، وأكَّدَ عليه، فأبى عن الاستغفار.
فسَّاره ساعة ثم قال: قد استغفرتَ، فثبتَ عليك الحق.
ثم قال للمالكي: قد استغفر، والآن ما عاد الحكم إليَّ.
ثم قال: الحكم عاد إلى المالكي.
فقام المالكي: وتوضَّأ، وصلّى ركعتين، ثم قال: قد حكمتُ بإهراق دمه.
فألبسوه اللباس، وفُعل به ما قلناه من القتل، والصلب والرجم، والإحراق. (لعنهم الله جميعاً؛ الفاعل، والراضي، والآمر).
وممن تعصَّب، وساعد في إحراقه رجلٌ يقال له محمد بن الترمذي مع أنه ليس من أهل العلم، وإنَّما كان تاجراً، فاجراً)[948](.
إما الرواية المنسوبة إلى المؤرخين السُنَّة فهي قريبة من الرواية الشيعيّة، فقد وردت بثلاثة نصوص. وأقدم نص فيها هو النص الذي نقله المؤرخ ابن حبيب ظاهر بن الحسن المُتوفى سنة 808هـ/1405م حيث قال في حوادث سنة 786هـ/1384م: وفيها قُتل محمد بن مكي، وعرفة كبيرا الرافضة بدمشق وطرابلس حتى تجاهرا بالمعاصي والعناد، وتظاهرا بالزندقة في مخالفة الله ورسوله، وموافقة المَرَدة من العباد، ونأيا عن الحقّ في استماع الأمر، ورأيا رأي النُصيريّة في تحليل الخمر، وقالا بتعظيمها كالمجوس، وأهل الفجور، واعتقدا مُعتقدهم في أنَّها من النور، وخرجا بما عندهما من الرفض، ونَصَبا أنفسهما اللعينة لرفع مقالة أولي الخفض، وَدَعوَا إلى إجابة دعوة (نُصير)، والركون إليها.
وتغاليا في محبّة ابن مُلجم، وجمع قلوب الناس عليها، وتماديا في الضلال والإضلال، وناديا على نفوسهما بُقبح الخلال والإخلال.
ولا برحا كذلك إلى أنْ وصل كلٍّ منهما أسباب غيّه بأسباب حتفه، وكان ـ كما قيل ـ كالباحث عن حتفه بظلفه.
وكان قتل محمد بن مكي تحت قلعة دمشق، وقتل عرفة بطرابلس (عليهما من الله ما يستحقانه))[949](.
أمَّا النصّ الثاني المنسوب إلى معاصره ابن الجزري المُتوفى سنة 833هـ/ 1430م فقد نُقلَ على هذه الشاكلة: «محمد بن مكي بن محمد بن حامد أبو عبدالله الجزّيني الشافعي. كذا كتبَ بخطّه لي في استدعاء. ولكنَّه شيخ الشيعة، والمجتهد في مذهبهم.
ولد بعد العشرين وسبعمائة ورحل إلى العراق، وأخذ عن ابن المُطَهَّر وغيره، وقرأ القراءات على أصحاب ابن مؤمن.
وذكر لي ابنُ اللبَّان أنَّه قرأ عليه. وهو إمامٌ في الفقه، والنحو، والقراءة. صحبني مدة مديدة فلم أسمع منه ما يُخالف السُنّة. ولكنْ قامتْ عليه البيّنة بآرائه، فعقد له مجلسٌ بدمشق، واضطرَّ فاعترف ليحكم بإسلامه الشافعي، فما حكم، وجعل أمره إلى المالكي، فحكم بإراقة دمه. فضُربتْ عنقُه تحت القلعة بدمشق. وكنتُ إذ ذاك بمصر. وأمرُهُ إلى الله تعالى»)[950](.
قد وردت في النص الثالث المنسوب إلى القاضي ابن شهبة الدمشقي المُتوفى سنة 851هـ/ 1447م، بعض التفصيلات لإيقاع الشهيد مورد التهلكة، والحرص على اشتراك جميع الفقهاء من المذاهب الأربعة بالحكم بكفره، وإهراق دمه.
ذكر ابن شهبة في أحداث اليوم العاشر من شهر جمادى الأولى سنة 786هـ ما يلي:
(وفي عاشره: عقد مجلس للشمس محمد بن مكّي العراقي الأصل، المقيم بقرية جزِّين، وكان له في السجن مدة، وأثبت في حقه محضر عند قاضي بيروت يتضمن رَفْضَهُ وإطلاقه في عائشة وأبيها وعمر (رض) عبارات منكرة، بل مكفرة، على ما أفتى به جماعة من الشافعية والحنفية وغيرهم. فاجتمع القضاة والعلماء بدار السعادة، وادعى عليه عند القاضي المالكي، فأنكر أنْ يكون قال شيئاً من ذلك؛ فتوقف المالكي توقفاً زائداً فقُدِّر أنَّهم استدرجوا ابن مكي حتى اعترف وأقرَّ ظناً منه أنَّ ذلك ينفعه، ثم أتى بكلمتي الشهادتين، فسئل المالكي حينئذٍ الحكم بكفره وإراقة دمه فقال: حتى تفتوا بزندقته بما وقع منه، فأفتى بذلك المالكية وبعض الشافعية، فلما رأى ابن مكي الجدَّ رجع وقال كلاماً لم يُسمع منه، ولم يلتفت إليه، ثم حكم القاضي المالكي بكفره وإراقة دمه وإن تاب، بعد أنْ استخار الله تعالى، وجعل حكمه مقيداً بشرطين، أحداهما: ألاَّ يكون سبقه حكم بإسلامه، الثاني: أنْ ينفذ القضاة حكمه ويوافقه الحنبلي أيضاً، فحكم الحنبلي أيضاً بزندقته وإراقة دمه، ونفذه القاضيان، فأخرج إلى تحت القلعة فضُربتْ عنقه بعد أنْ صلَّى ركعتين، وأتى بكلمتي الشهادة، وأظهر الترضي عن الشيخين والصحابة.
قال ابن حِجّي: «ولم يظهر منه جزع ولا خوف، نسأل الله العافية» قال: «وهو مشهور بالرفض لكنه عالم في الأصول والقراءات وغير ذلك»)[951](.
وقد اتفقت جميع الروايات أنَّ مقتل الشهيد الأول كان في شهر جمادى الأولى من عام 786هـ/ 1384م. ووقع الاختلاف في اليوم الذي قُتل فيه الشهيد، فقيل اليوم التاسع)[952](، أو العاشر، أو السابع عشر)[953](، أو التاسع عشر)[954]( من الشهر نفسه.
من خلال هذه النصوص تتضح عدّة أمور:
1 ـ صوّرت النصوص أنَّ قضية مقتل الشهيد الأول هي قضية مذهبية أكثر مما هي قضية سياسية. وحقيقة مجريات الأحداث تدعو إلى نقيض هذه الدعوى حيث أن قضيّة مقتل الشهيد هي قضيّة سياسية اتخذت من محاكمة الشهيد المذهبية واجهة لها، بعد معارضته للسلطة المملوكية الشركسية.
2 ـ صَمَتت المصادر السُنيّة في إيراد أسماء القضاة الذين حكموا بإهدار دم الشهيد، بل اكتفت بالإشارة ـ فقط ـ إلى اتجاهاتهم المذهبيّة. أمَّا المنقولات الشيعيّة فقد أوردت أسماء بعض القُضاة بشكل غير دقيق، مثل برهان الدين المالكي، والقاضي عبّاد ابن جماعة.
لم يرد اسم عبّاد لأيّ قاض في تلك المرحلة من خلال ما أورده ابن طولون في أسماء قضاة دمشق.
وقد نقل الخوانساري: أنَّ الشهيد الأول قُتل بفتوى برهان الدين المالكي، وعبّاد بن جماعة الشافعي)[955](.
وظنَّ الشيخ محمد مهدي الآصفي في مقدمته على «اللمعة الدمشقية» أنهما شخصٌ واحد)[956](، اعتماداً على ما أورده ابن طولون من أسماء قضاة دمشق. والسبب في هذه المظنة أنَّ ابن جماعة يُلقّب ببرهان الدين. والحال أنَّ هذين الشخصين هما شخصان مختلفان أحدهما مالكي، والآخر شافعي، وعدم الدقة في إيراد الاسم، كما كان شائعاً في تلك المرحلة لا يعني اتحادهما معاً على أنّهما شخصٌ واحد.
أمَّا القُضاة الأربعة الذين ضمَّتهم تلك المحاكمة، فمن خلال ما كتبه، ابن طولون عن قُضاة دمشق فإنّه أورد أسماء القُضاة المعاصرين لهذه المرحلة على هذه الشاكلة:
1 ـ قاضي القُضاة برهان الدين إبراهيم بن عبدالرحمن ابن جماعة الكناني الشافعي)[957](، والذي ذكرت المصادر الشيعيّة أنَّه هو الذي كان المُسبّب الأول لقتل الشهيد.
وكان هذا القاضي يشغل أعلى الوظائف الدينية رتبةً في القضاء، وهي رتبة قضاء القُضاة، حيث كان بدمشق أربعة قضاة من المذاهب الأربعة أعلاهم القاضي الشافعي الذي يختص بتولية النواب في جميع نواحي دمشق وأعمالها، ويليه في الرتبة القاضي الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي.
وكان القاضي برهان الدين ابن جماعة قد تولّى منصب القضاء في مصر والشام خلال فترة حكم المماليك الأتراك. وبعد سقوطهم عام 784هـ/ 1382م على يد المماليك الشراكسة وُلّي قضاء دمشق في شهر ذي القعدة سنة 785هـ/ كانون الأول 1383م، وأضيفت له مشيخة الشيوخ بعد سنة من ولايته)[958](.
وقد تسلّم ابن جماعة مهامه الجديدة في ولاية دمشق أول شهر محرم سنة 786هـ/ 24 شباط 1384م)[959](، وكان الشهيد الأول في هذه الفترة بالذات مسجوناً في قلعة دمشق منذ شهور تقارب الثمانية، بعد الحوادث التي أعقبت معركة الشهداء، أوائل عام 785هـ/ 1383م، أو قبلها بقليل.
وكانت للشهيد الأول علاقة قديمة مع القاضي ابن جماعة حيث أورد في إجازته لتلميذه ابن الخازن الصادرة عام 784هـ/ 1382م، أنَّه قرأ كتاب (الشاطبيّة) على جماعة من علماء السنّة منهم قاضي قُضاة مصر برهان الدين إبراهيم بن جماعة)[960](.
كما كانت له صلة علميّة كما تظهر من خلال ما ورد من بعض أسئلة الشهيد الموجهة لابن جماعة. فقد نقل شمس الدين محمد بن علي الجباعي المُتوفى سنة 886هـ/ 1481م ـ في مجموعة له مخطوطة (نقل فيها بعض الرسائل الخطية للشهيد الأول) ـ هذا السؤال:
سؤال الشيخ شمس الدين بن مكي للقاضي ابن جماعة:
ما قول مولانا، وسيدنا الإمام العلاَّمة، قاضي القُضاة (أجلَّهُ الله تعالى وأسماه) في رجل مات، وعليه دَيْنٌ لأحد ورّاثه، هل يسقط من دينه ما يلزم أداؤه من ذلك الدين لو كان لأجنبي أم لا؟
وبتقدير السقوط هل يؤثر في نقصان مجموع المأخوذ أم لا؟
فقد حكى بعض الأفاضل مصير بعض العلماء إلى كلّ واحد من أقسام المنفصلة، وتوجيه ذلك مما يعسر على غير المولى الإمام برهان الدنيا والدين)[961](.
اجتهدت بعض المصادر الشيعية في تفسير أسباب منشأ العداء بين القاضي ابن جماعة والشهيد ـ رغم العلاقة القائمة بينهما ـ، فقد ذكر القاضي نور الله التستري أنّ قاضي دمشق ابن جماعة كان شريكاً أيام الشباب بمجلس الدرس مع الشهيد، فلما شاهد أنَّ الشهيد برع بين أقرانه، وامتاز بينهم بمزيد الفضل والكمال غلبهُ الحسد ونسب إليه (الرفض)، وحصل حكم قتل الشهيد من والي الشام، فقتله)[962](.
أمّا الخوانساري فقد نقلَ نصَّاً آخر نسب فيه وقوع مشاجرة كلامية أيام الزمالة الأولى بين القاضي ابن جماعة، والشهيد)[963](.
وكلا هذين النصّين يُحَمّلان ابن جماعة مسؤولية مقتل الشهيد.
يظهر من سياق المنقولات أنّ مقتل الشهيد، وإنْ اشتركتْ به فتاوى قضاة السُنّة الرسميين بإشراف ابن جماعة، إلاَّ أنَّ هذه الفتاوى هي جزءٌ من مخطط كان قد أعدَّ لقتله.
ومن المُستبعد ـ من خلال النصوص المتوفرة ـ أنْ يكون ابن جماعة قد ضمَّته حلقات درس مع الشهيد، وكلّ ما ورد، بناءاً على ما أورده الشهيد نفسه: أنَّه كان قد قرأ على ابن جماعة بعض المؤلفات، وإنَّ إيراد اسم القاضي في إجازات الشهيد مصحوباً بعبارات التجلّة والاحترام يعارض الرواية التي نقلها الخوانساري، والتي تسيء بحدّ ذاتها لمقام الشهيد، ولمقوماته الأخلاقية التي لا يمكن أنْ تصدر عنه.
3 ـ القاضي المالكي المعاصر لهذه الفترة هو علم الدين محمد الدمشقي المالكي الذي تولى قضاء دمشق أحد عشر مرَّة في مدة خمس وعشرين سنة ابتداءاً من سنة 779هـ/ 1377م، وباشر فيها ثمان سنين وعشرة أشهر، ومات وهو لا يزال في منصبه عام 805هـ/ 1403م)[964](.
4 ـ القاضي الحنفي المعاصر لهذه الأحداث هو تقي الدين عبدالله بن يوسف الكفري الحنفي (ت: 803هـ/ 1401م) الذي وُصف بأنه قاضي الحنفية، وابن قاضيهم بدمشق)[965](.
5 ـ القاضي الحنبلي المعاصر لهذه الأحداث هو علاء الدين بن المنجا الحنبلي (ت: 800هـ/ 1398م) )[966](.
6 ـ والي دمشق بَيْدَمر الخوارزمي. هو النائب السابع والعشرون للمماليك الأتراك في دمشق، تولّى نيابة دمشق مرات عديدة، وكان في كلِّ مرة يُعزل، ثم يعود للنيابة مرة أخرى.
ونظراً للصراعات المستمرة بين الأمراء المماليك فقد كان بيدمر يُعزل في كل نيابة يتولاها، ثم يعود إليها مرة أخرى. وكانت أولى تولّيه نيابة دمشق عام 761هـ/ 1360م)[967](.
وكانت بلاد الشام مكونة من ولايات سبعة)[968](. تعتمد كلّ ولاية على نائبها ومصادر القوة التي يتمتع بها. وكان السلطان المملوكي يعمد إلى استبدال النُواب في الولايات والنيابات تجنباً لاحتمال التمرد عليه إذا ما بقي الحاكم طويلاً في منصبه)[969](.
لذلك يحاول النواب كسب رضا السلطان لغرض استمرارهم في مناصبهم الإدارية.
تولى بيدمر نيابة الشام أوّل مرة سنة 761هـ/ 1360م. ثم تكرر توليه النيابة عام 763هـ/ 1362م، 775هـ/ 1373م، 779هـ/ 1377م، 783هـ/ 1381م، وكان بيدمر في كل المراحل التي تولّى بها النيابة يسعى لإرضاء السلطة المملوكية العليا في القاهرة لغرض الاستمرار في منصبه.
ويتجلَّى ذلك عند تولّيه نيابة دمشق للمرة الثالثة سنة 775هـ/ 1373م حيث وقع قحط، وحلّت المجاعة على الناس)[970](. وكان بيدمر مشغولاً بتوفير بعض المُعدّات المشغولة بالذهب والفضة والأحجار المُطعّمة كالأبواب والشبابيك والصفائح وغيرها لإرسالها إلى السلطان. قال ابن طولون: إنها حُملتْ على مائة وستين جملاً)[971](.
وبعد انقلاب الحكم المملوكي التركي عام 784هـ/ 1382م، قيلَ إنّ بيدمر أيَّد السلطة المملوكية الشركسيّة الجديدة، خلافاً لبعض النواب المماليك، وقد بقي في منصبه مُعْتَمداً من برقوق هذه المرة.
وكان السلطان برقوق)[972]( قد طلبه في شهر ربيع الأول سنة 786هـ/ نيسان 1384م، فتوجَّه إلى القاهرة حاملاً الهدايا الثمينة معه)[973](.
ويلاحظ أنَّ مقتل الشهيد الأول كان قد أعقب زيارة بيدمر إلى القاهرة، ورجوعه منها إلى دمشق مباشرة.
فقد كانت الزيارة في شهر ربيع الأول، ومقتل الشهيد حصل في الأيام العشرة الأولى من شهر جمادى الأولى، أو في العشرة الثانية ـ على رواية أخرى ـ، وليس هناك أيَّةُ إشارة إلى المدة التي قضاها بيدمر في القاهرة، إلاَّ أنَّ احتمال عودته إلى دمشق كان قبيل مقتل الشهيد الأول بأيام ليست بالطويلة.
حكم بيدمر في ولايته الأولى عام 761هـ/ 1360م أقلَّ من سنة، وفي الثانية عام 763هـ/ 1362م حكم ما يقارب السبع سنوات، أي حتى عام 770هـ/ 1369م، كما حكم في ولايته الثالثة عام 775هـ/ 1373م ثلاث سنوات، أي حتى عام 778هـ/ 1376م.
وفي ولايته الرابعة عام 779هـ/ 1377م حكم بضعة شهور. وفي الخامسة عام 783هـ/ 1381م حكم أشهراً وعزل.
أمَّا الولاية السادسة فقد تولاّها في العام نفسه عام 783هـ/ 1381م، وبقي فيها حتى وفاته سنة 787هـ/ 1385م)[974](.
وفي ظلّ هذه الولاية الأخيرة قُتل الشهيد الأول.
أمَّا الفترة المهمة في نشاط الشهيد الأول فقد بدأتْ بعد عام 770هـ/ 1369م، وكانت السلطة تحت حكم الأمير سيف الدين منجك حتى عام 775هـ/ 1373م.
وقد ظهر من خلال نصّ للشهيد الأول نفسه أنَّ الأمير منجك كان من المساندين له خلال فترة حكمه التي دامت ما يقرب من الخمس سنوات، ولم تستطع الشخصيّات المتنفذة داخل الجهاز المملوكي من الوقيعة به نظراً للتأييد الذي كان يحظى به من الأمير منجك)[975](.
وخلال العقد الأخير من حياة الشهيد تولّى بعض نوّاب دمشق الحكم لمدّة شهور قصار، وهم: طشتمر الدوادار، والأمير أقطمر الحنبلي، والأمير كمشبغا اليلبغاوي الحموي، والأمير اشقتمر.
وتُظهرُ فترات حكم هؤلاء النوَّاب حركة الاضطراب التي اعتاد المماليك إثارتها لغرض السيطرة على الولاة بالفوضى لشلّ قدرتهم على الاستقلال عن الحكم المركزي.
ويظهر كذلك أنَّ حركة الشهيد وامتداده في صفوف مريديه من الشيعة في الولايات الجنوبيّة والساحلية كانت قد نمَتْ وتعاظمت في مجملها تحت ظل حكم بيدمر الخوارزمي.
ومن خلال فترة الازدهار التي عاشها الشهيد الأول في العقد الأخير من حياته كان التعاون بين سلطة المماليك الأتراك، والشهيد وأتباعه قد بلغ ذروته حتى سقوطهم على يد الشراكسة.
إلاَّ أنَّ انتقال الأمير بيدمر ـ كما صوّرته المنقولات ـ، من موقعه السياسي في ظل المماليك الأتراك إلى ظل السلطة الجديدة بُغية الاحتفاظ بمنصبه في الحكم هو الذي قلب المعادلات جميعها، وجعل توجهاته السياسية خاضعة لإرادة الحكم الجديد بشكل مطلق.
وعلى وفق هذه المرويات فإنّ اعتقال الشهيد الأول، وإيداعه السجن، ثم محاكمته، وقتله كان خاضعاً لموجة الاضطراب التي عمَّت جميع ولايات بلاد الشام بعد سقوط المماليك الأتراك، وبعد تمرّده هو وأتباعه على السلطة الجديدة، وما حصل من قتال بين مؤيديه من أبناء جزّين وطرابلس، وبعض مناطق جبل عامل، والمخالفين له من الشيعة، (الذين اختلفوا معه سياسياً فانساقوا لتأييد السلطة الشركسية)، بقيادة الشيخ محمد اليالوش، وتقي الدين الجبلي، ويحيى بن يوسف.
وكان قرار مقتله ـ كما يظهر من استدعاء الأمير بيدمر إلى القاهرة قبل مقتل الشهيد ببضعة شهور ـ صادراً عن سلطة برقوق العليا.
وقد صدر قرار الحكم بإهدار دم الشهيد بفتاوى سياسية كان أبطالُها مزيجاً من الفقهاء الرسميين للمذاهب السُنيَّة الأربعة عند رجوع بيدمر إلى دمشق مباشرة.
هكذا صوّرت النصوص قصّة مقتل الشهيد الأول.
وإمعاناً بالسخرية فقد نُقلَ في الفترة التي كان فيها الشهيد سجيناً في زنزانات دمشق سنة 785هـ/ 1383م، أنَّه كتب إلى بيدمر أبياتاً شعرية ينفي التُهم المذهبية التي وُجّهتْ إليه في محاولة لدعوة الأمير بيدمر إلى التدخل لإطلاق سراحه.
يقول الشهيد الأول:
يا أيُّها الملك المَنْصُورُ (بَيْدَمرُ)
بكم (خوارزمُ)، والأقطارُ تفتحرُ
أني أُراعي لكم في كُلّ آونةٍ
وما جنيتُ لعمري كيفَ أعتذرُ؟
لا تسمعنْ فيَّ أقوال الوشاةِ فقَدْ
باؤوا بزورٍ، وإفكٍ ليسَ ينحصرُ
والله والله إيماناً مؤكَّدةً
إني بريٌ من الإفك الذي ذكروا)[976](
ويمكن الاستنتاج من الإشارة في أبيات الشهيد هذه أنَّه ذكّرَ بيدمر بالدعم الذي كان يحظى به الشهيد في ظلَّ حكم الأمير سيف الدين منجك (الذي كان يُلقب بالأمير العادل)، وإبطال دعاوى الوشاة الذين حاولوا الوقيعة به في تلك الفترة، ممن وقف الأمير أمامهم بقوة.
وأول مَنْ تنبّه إلى استنتاج بعض المسائل التأريخية من قصيدة الشهيد التي كتبها إلى الأمير بيدمر هو السيد محسن الأمين، حيث قال: «وشي بالشهيد إلى الأمير منجك فلم يقبل الوشاية. وإنَّ الأمير حاجب، وأستاذ الدار كانا يعلمان ذلك. وأنَّه كان يحج في كلّ سنة. وكان في السنة التي استشهد فيها قد حجَّ. وكان أمير الحج محمد بن بيدمر. وإنَّ الشهيد كانت له خلطة «مع أرباب السلطنة، وأركان الدولة»)[977](.
وقد ظنَّ السيد الأمين أنَّ نسبة الأبيات إلى الشهيد الأول صحيحة. إلاَّ أنَّ شيئاً من ذلك لم يقع أبداً.
يقول الشهيد الأول، في الأبيات المنسوبة إليه، مخاطباً بيدمر:
فكُنْ (كَمنجك) ـ بلَّ اللَّهُ أعظمهُ
وزادَكَ اللَّهُ عزّاً ليس ينحصرُ
أتى إليه رُواةُ السُوءِ إذْ أفكوا
فحينَ حقّقَ أرداهُم بما ذكروا!
إلاَّ أنَّ بيدمر، تبعاً لمجريات الأخبار، لم يستمع لنجاوى الشهيد له، فقضية اعتقال الشهيد، وسجنه ـ كما يُستنتج من الأحداث ـ كانت أكبر من نفوذ بيدمر، الذي يُعتبرُ عند خصومه أميراً من بقايا النظام المملوكي القديم. وفعلاً فقد أُزيح هو نفسُه عن الحكم عام 788هـ/ 1386م، أي بعد مقتل الشهيد بأقل من عامين، كما ذكرت النصوص أخباره.
وفي القصيدة أبيات أخرى في مدح الخلفاء الراشدين الثلاثة، وجملة من الصحابة أيضاً.
بين الشهيد الأول والسلطان علي بن المؤيد
كان علي بن المؤيد قد طلب من الشهيد أنْ يتوجّه إلى خراسان في محاولة لاستقدام فقهاء الإمامية لتوجيه الدولة ضمن الخط العقائدي الشيعي مقابل التيار الصوفي السياسي الذي لم ينقطع بالوقيعة بالسلطة السربدارية، والتحالف مع خصومها.
وقد شهدت مرحلة حكم علي بن المؤيد صراعات بينه وبين نفوذ الدراويش، إلاَّ أنَّه تمكّن من كسر شوكتهم عام 780هـ/ 1378م بعد سيطرته على سبزوار وقضائه على الدراويش المتحصنين فيها.
وبعد انقضاء المهام الحربيّة ضد الدراويش بدا للسلطان علي بن المؤيد أنْ يُقوّم مملكته على أساس مغاير للطريقة الصوفية التي قيل إنَّها عمّت الدول الشيعية المنفصلة عن المملكة المغولية، فوقع اختياره على الشهيد الأول.
ولم تكن هناك أيَّةُ نصوص تأريخية تُشير إلى وجود صلة بين علي بن المؤيد والشهيد بالرغم من الإشارة التي وردت عن مراسلات وقعت بينهما في فترة أولى من حياة الشهيد نفسه)[978](.
والنصّ الوحيد الذي يُذكِّر بوجود هذه الصلة هي الرسالة التي بعثها السلطان ابن المؤيد إلى الشهيد يحثه فيها للمجيء إلى خراسان لتولّي توجيه البلاد عقائدياً على وفق العقيدة الدينية الاثني عشرية)[979](.
وكان مبعوث السلطان ابن المؤيد إلى بلاد الشام هو شمس الدين محمد الآوي الذي يُرَجَّح أنَّه كان من علماء الشيعة في تلك المرحلة، وأحد المقربين للسلطان علي بن المؤيد، الذين يقفون ضد التوجه السياسي والروحي لجناح التصوف السَرْبَداري)6[980](، الذي يتمثَّل بالتيار القوي المنافس لابن المؤيد على السلطة.
أمَّا لماذا لم يستجب الشهيد لطلب السلطان ابن المؤيد للتوجه إلى خراسان، وتولّي مهامه الدينيّة هناك فيرجع إلى ما حقّقه من نفوذ سياسي ضمن دائرة السلطة في بلاد الشام، خصوصاً في المناطق التي بسط سلطانه الروحي عليها بلحاظ سياسة التوازن التي اتخذها حيال توجهات السلطة المملوكية، وضرورة المحافظة على هذا الكيان الشيعي الذي يتزعمه، ويشرف عليه.
استظهرَ بعض الكتَّاب المُعاصرين أنَّ مقتل الشهيد كان خاضعاً لصلته بابن المؤيد. فقد اعتقد الدكتور كامل مصطفى الشيبي أنَّ الشهيد الأول عندما كان في العراق كان يتلقّى توجيهات علي بن مؤيد الخراساني (اعتماداً على ما ذكره الشهيد الثاني من وجود مكاتبات بينهما في تلك الفترة). وبهذا يبدو أنَّ قتل الشهيد الأول ـ كما يقول الشيبي ـ كان أدخل في السياسة منه إلى العقيدة. وإنَّ هذه الحماسة في الشهادة ربما كانت محركة من الحكومة نفسها، وحتى من أتباعه خوفاً على أنفسهم، وربما اختلافاً في الرأي في التسليم لتيمور، وكان منشغلاً بفتوحه في الشرق)[981](.
كما تبنّى الشيخ جعفر المهاجر الرأي نفسه عندما ذكر أنَّ التهمة التي أُلصقت بالشهيد هي من جرَّاء الصلة التي قامت بينه وبين علي بن المؤيد والتي اعتبرها الوشاة نوعاً من تولّي العمل له، خصوصاً أنَّ ابن المؤيد كان قد فتح أبواب خراسان لتيمورلنك عدو المماليك اللدود)[982](.
ونقل السيد حسن الأمين المعنى نفسه فيما كتبه عن الشهيد الأول)[983](.
إلاَّن أنَّ تهمةً كهذه لم تُوجَّه للشهيد في تلك المرحلة التي انقلب فيها الحكم بيد المماليك الشراكسة. في حين أنَّ رسالة السلطان ابن المؤيد كان قد تسلّمها الشهيد قبل هذه المرحلة، أي في ظل حكم دولة المماليك الأتراك التي زالتْ قبل مقتل الشهيد بعامين من الزمن.
* * *
لم يترتب على مكاتبة ابن المؤيد للشهيد الأول شيء سوى الأثر الخالد الذي تركه الشهيد في تأليفه رسالة فقهية جامعة أسماها (اللمعة الدمشقية) بعثها إلى السلطان ابن المؤيد. وقد قيل إنَّ الشهيد ألّفها في سبعة أيام فقط معتمداً على منهجه الفقهي، ومستنداً على بعض مؤلفات المحقق الحلّي المختصرة.
ولم يكن ابن المؤيد قد تلقّى هدية فقيه بلاد الشام، الشيخ محمد بن مكي أو ربَّما تلقّاها، ولم يترتب شيءٌ عليها، بسبب ما كانت البلاد تُعانيه من اضطراب خارجي على جبهات هراة واستراباد، وداخلي من معارضة خصومه الدراويش له.
ولم تنتهِ الحال إلاَّ بدخول تيمورلنك، واحتلاله سبزوار، حيث سلّم ابن المؤيد مقاليد السلطة له بعدما كفَّ عن التفكير نهائياً في أمر استقلاله بغية أنْ تصبح مملكته جزءاً من دولة الفاتح المغولي الجديد، لعلَّها تكون بعيدة عن تنازع الأطراف الطامعة بها، في محاولة للتخلص من الخصوم أولاً، وللبقاء في السلطة ثانياً.
إلاَّ أنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث، فقد نقل تيمورلنك ابن المؤيد إلى بلاطه، وبقيت مدينة سبزوار بيد خصومه.
وقد قيل إنَّ ابن المؤيد بقي في صحبة تيمورلنك حتى قُتل سنة 788هـ/1386م في إحدى المعارك التي نشبت في الحويزة، بناءاً على الرواية التي نقلها الشهيد الثاني)[984](، أو أنَّه تُوفي حدود سنة 795هـ/ 1393م على رواية أخرى)[985](.
كان ابن المؤيد من الشخصيَّات التي سعت إلى خلق منظومة عقائدية لنشر الفكر الشيعي في صفوف جميع مناطق خراسان، في عملية لمواجهة ممارسات الطرق الصوفية. وقد بدأ بالترويج للفكر الإمامي ابتداءاً من سكّ النقود بالشعارات الشيعيّة التي ضربها في مملكته، وانتهاءاً باستدعاء علماء الشيعة وفقهائهم لتولّي المناصب الدينيّة فيها، والدعوة العامة للتشيع مقابل الحركات الصوفية السياسية الداعية لضرب السلطة السربدارية، والإحلال محلها.
مؤلفات الشهيد الأول
أمَّا جهود الشهيد العلّمية الأخرى فإنَّ مؤلفاته الغنيّة والمتنوعة بوَّأتْهُ منزلةً خاصة لدى فقهاء الطائفة الإمامية، وكان من بين هذه المؤلفات:
1 ـ كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية. حفظ فيه الشهيد الكثير من آراء فقهاء الإمامية القُدامى، أمثال: ابن الجنيد، ابن بابويه القمي، العماني، وغيرهم. وقد خرج منه جزءآن ـ حسب تقسيم المؤلف ـ من كتاب (الطهارة إلى كتاب الرهن). وفرغ منه في 12 ربيع الثاني سنة 784هـ. ذكره الشهيد في إجازته لابن الخازن التي كتبها في 12 شهر رمضان من العام نفسه.
إلاَّ أنَّ تلاحق الأحداث التي أعقبت هذه الفترة بالذات لم تترك مجالاً للشهيد لإكمال هذا الكتاب، فقد غادر الشهيد دمشق إلى جزّين، وعاد إليها معتقلاً ليقتل في قلعتها، ويُحرق جثمانه فيها، على ما تعارف من قصّة مقتله.
وقد وضع السيد جعفر الملحوس بن السيد أحمد الحُسيني تكملةً لهذا الكتاب، فرغ منها في 26 رجب 836هـ/ 19 آذار 1433م)[986](.
2 ـ شرح التهذيب الجمالي، أو «جامع البين في فوائد الشرحين»، جمع فيه ـ إبّان شبابه ـ بين شرحي السيدين عميد الدين الأعرجي، وأخيه ضياء الدين الأعرجي على كتاب خالهما العلاَّمة الحلّي: «تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول»)[987](.
3 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، في الفقه)[988](.
4 ـ الرسالة الألفية في الصلاة)[989](.
5 ـ خلاصة الاعتبار في الحج والاعتمار.
6 ـ المسائل المقداديات)[990](.
7 ـ القواعد والفوائد)[991](، وغيرها.
أُعتبر كتابه الأخير (القواعد والفوائد) أول مُصنَّف لفقيه إمامي جمع القواعد الفقهية والأصولية التي يحتاجها الفقيه في مناهج استنباط الأحكام الشرعية. وقد احتوى الكتاب على ثلاثمائة وثلاثين قاعدة أُلحقت بها أكثر من مائة فائدة، وبعض التنبيهات والفروع. وقد استوعبت هذه القواعد والفوائد أكثر المسائل الشرعية.
وقد غلب الطابع الفقهي على الكتاب بمجموعه بالرغم من تضمّنه بعض القواعد الأصولية، واللغوية.
ولم يقتصر الشهيد على إيراد رأي الإمامية في المسائل المنتقاة، وإنما كان منهجه مُعتمداً على المُقارنة في أغلب الفروع الفقهية مما يدلُّ على سعة تتبعه، في مناهج فقه المذاهب السُنية، وإحاطته بها.
ونظراً لبعض الملاحظات التي تخصُّ منهجية الكتاب، وتداخل (القواعد) بعضها بالآخر سواءً أكانت فقهية أم أصولية، أو لغوية فقد عمدَ تلميذه الفقيه الشيخ المقداد بن عبدالله السيوري الحلّي (ت: 826هـ/ 1423م) إلى ترتيبها وتهذيبها تبعاً لترتيب الكتب الفقهية، وأفردها في كتاب مستقل سمّاه «نضد القواعد الفقهية»)[992](.
وعلى غرار هذا النمط من التأليف فصلَ الشيخ زين الدين العاملي (المعروف بالشهيد الثاني) القواعد الأصولية عن قواعد اللغة العربية في كتاب صنّفه لهذه الغاية بعنوان (تمهيد القواعد الأصولية والعربية)، ورتَّبَ له فهرساً كاملاً للمسائل الفرعية التي تندرج تحت منهجية هذه القواعد)[993](.
وذكر الشهيد الثاني في مقدمة كتابه: أنَّه لما رأى كتاب «التمهيد في القواعد الأصولية»، وما يتفرع عليها من الفروع المؤلَّف سنة 768هـ/ 1367م، والكوكب الدري في القواعد العربية كذلك، وقد ألفهما الأسنوي الشافعي المتوفى سنة 772هـ/1361م أراد أنْ يحذو حذوه، ويجمع بين تلك القواعد في كتاب واحد مع إسقاط ما بين الكتابين من الحشو والزوائد، فألَّفَ (تمهيد القواعد)، ورتَّبه على قسمين، في أولهما مائة قاعدة من القواعد الأصولية مع بيان ما يتفرّع عليها من الأحكام، وفي ثانيهما مائة قاعدة من القواعد العربية كذلك. ورتب لها فهرساً مبسوطاً لتسهيل التناول)[994](.
اللمعة الدمشقية
ثبت أنَّ عام تأليف «اللمعة الدمشقية» هو سنة 782هـ/ 1380م، وكان تأليفها ـ كما يُستظهر من عنوانها ـ في مدينة دمشق التي كان الشهيد يتمتع بالحرية السياسية تحت ظلّ نظام الحكم المملوكي التركي في هذه الفترة.
وقد اعتقد بعض المؤلفين أنَّ الشهيد كان قد ألَّف اللمعة عندما كان مسجوناً في قلعة دمشق، ولم يكن يحضره من كتب الفقه سوى كتاب (المختصر النافع) )[995](.
وبالرغم أنَّ هذا الاعتقاد عار عن الصحة تماماً فإنَّ بعض مترجمي الشهيد تنبَّه إلى أنَّ اسم «اللمعة» ورد في إجازة الشهيد لابن الخازن (علي بن الحسن) التي كتبها سنة 784هـ/ 1382م، أي قبل مقتله بسنتين)[996](.
ذكر أبو طالب الشيخ محمد بن الشهيد الأول أنَّ علي بن المؤيد طلب من الشهيد التوجه إلى بلاده في مكاتبةٍ أكثر فيها من التعظيم وحثّ الشهيد على ذلك، فاعتذر الشهيد، وصنَّف له كتاب (اللمعة) بدمشق في سبعة أيام. وأخذ شمس الدين الآوي نسخة الأصل، ولم يتمكن أحد من نسخها لضنته بها، وقد نَسخَها بعض الطلبة، وهي في يد الرسول تعظيماً لها، وسافر بها قبل المقابلة (أي مقابلة النسختين ومراجعتهما)، فوقع فيها بسبب ذلك بعض الخلل الذي أصلحه الشهيد فيما بعد. وربَّما كان مغايراً للأصل بحسب اللفظ، وذلك في سنة 782هـ)[997](.
وذكر الأفندي أنَّ تأليف «اللمعة الدمشقية» في الحبس هو قول غير صحيح لأنَّه يتعارض مع ما ورد من مراسلة السلطان علي بن المؤيد، وجواب الشهيد لرسوله، وتصنيف اللمعة)[998](.
وعلّق الخوانساري على ما ورد في مقدمة الشهيد الثاني على (اللمعة) بقوله: فيه من الدلالة على بطلان ما ذكره صاحب (الأمل) من كون تأليفه كتاب (اللمعة) في سنة حبسه التي كانت خاتمة لسني حياته)[999](.
وأراد بعض الباحثين أنْ يجمع بين القولين، فذهب إلى القول بأنَّ الشهيد سُجنَ مرتين؛ الأولى قبل مقتله بأربع أو خمس سنين، حيث ألَّف اللمعة في هذه الفترة، والثانية قبل مقتله بعام واحد، وهي المرحلة التي استشهد بعدها عام 786هـ/ 1384م)[1000](، وليس لهذا الافتراض أيُّ مستند تاريخي، كما أنَّ طبيعة الأحداث تدلّ على بطلانه.
وقد ارتبط اسم علي بن المؤيد بكتاب (اللمعة الدمشقية) الذي كثُر الحديث عنه بين مؤلفات الشهيد الأخرى لما تضمّن:
أولاً: من بُعد سياسي يتصل بالأحداث المتشابكة التي ضمّتها تلك الفترة.
وثانياً: لأنَّه أصبح مصدراً رسمياً من مصادر الفقه الإمامي في المراكز الشيعية حتى الوقت الحاضر، بعدما شرحه الشيخ زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني بعد مقتله على يد العثمانيين سنة 965هـ/ 1558م في كتابه (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) )[1001](.
وقد ساير الشهيد في كتابه (اللمعة الدمشقية) منهج المحقق الحلّي في ترتيب كتابه (المختصر النافع)، بالرغم من الإضافات التي أدخلها على الأبواب الفقهية، أو تأخيرها، وإلحاق المسائل الجديدة التي لم تكن قد أصبحت جزءاً من الكتابات الفقهية قبل هذه المرحلة)[1002](.
ومن خلال اتباع هذه المنهجيّة، فقد ورد في النصوص الشيعيّة أنَّ الشهيد ألف اللمعة الدمشقية، ولم يكن في متناوله سوى كتاب (المختصر النافع) للمحقق الحلّي.
إنَّ منهجية (اللمعة) لم تكن قد سايرتْ منهجية المحقق في كتابه (المختصر النافع) فحسب، بل كانت هناك عدّة مؤلفات اعتُمدتْ يومذاك كمنهج للتصنيف الفقهي الإمامي، وهذه المؤلفات هي كتاب «شرائع الإسلام» للمحقق نفسه، وكتابا العلاَّمة «قواعد الإحكام»، و«إرشاد الأذهان».
الشهيد الأول: الفقيه المتفرّد
وبالرغم من منهجية اللمعة المتأثرة بمرحلة التطور الفقهي الذي ساد مدرسة الحلّة إلاَّ أنَّ الاجتهادات الفنّية والفقهية، والصياغات الإسلوبية التي أضافها الشهيد لمؤلفاته الفقهية جعلت الفقهاء يعدونه الفقيه الإمام الأول الذي فاق مَنْ تقدّمه من الفقهاء، وربَّما مَنْ أتى بعده أيضاً.
ذكر النوري أنَّ الشهيد لُقِّب بأفقه الفقهاء عند جماعة من الأساتيذ)[1003](.
كما اعتبره الخوانساري أفقه جميع الفقهاء بعد المحقق الحلّي، وتوحده في حدود الفقه وقواعد الأحكام مثل تفرّد الشيخ الصدوق في نقل أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ومثل تسلّم الشيخ المفيد والسيد المرتضى في الأصول والكلام)[1004](.
وذكر الأمين أنَّ الشهيد الأول فقيه من أعاظم فقهاء الشيعة الذين يُضربُ المثل بفقاهته، ومحقق متفنن تشهد بجلالة قدره تآليفهُ المتنوعة كالقواعد التي جمعت على صغر حجمها ما لم يوجد في المطوَّلات، و(الذكرى) التي امتازت على أشباهها، و(اللمعة) التي صنَّفها في سبعة أيام، وجمعتْ على اختصارها فأوعت)[1005](.
ونُقل عن الفقيه المعاصر السيد حسين البروجردي المُتوفى سنة 1380هـ/ 1961م قوله: «امتاز فقه خمسة من الفقهاء بإحاطتهم لأقوال فقهاء الشيعة والسُنّة معاً، وهم: المحقق، العلاَّمة، فخر المحققين، والشهيدان».
ونُقل قوله: إنَّ الشهيد الأول أفضلهم بالفقه)[1006](.
وذكر الأمين في المفاضلة بين الشهيد الأول والثاني أنَّ الأول أفقه وأدقّ نظراً، وأبعد غوراً، وأكثر وأمتن تحقيقاً وتدقيقاً من الشهيد الثاني. يظهر ذلك لكلّ مَنْ تأمّل تصانيفهما مع الاعتراف بجلالة قدر الشهيد الثاني، وعظم شأنه، وعلو مقامه)[1007](.
وذكر التنكابني أنّ الشهيد الأول لم يأت مثله فقيه في الإحاطة بأبواب الفقه إلاَّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وولداه الشيخ موسى والشيخ علي.
وقد نُقل عن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1228هـ/ 1813م) قوله: «بقي الفقه على بكارته لم يمسَّهُ أحدٌ إلاَّ أنا، والشهيد الأول، وولدي موسى»)[1008](.
تلخيص مفردات البحث
ظهر من ثنايا البحث:
1 ـ إنَّ شخصيَّة الشهيد الأول كانت من الشخصيَّات ذات المكانة الدينيَّة والسياسيَّة في عصره.
2 ـ استطاع الشهيد الأول أنْ ينقل تجربة أُستاذه فخر المحقّقين الحلّي العلمية والسياسية إلى بلاد الشام، ويقوم بتطبيقها عملياً ضمن برنامج ثقافي كان قد أدَّاه لتخريج النُخبة، وإعداد الكوادر.
3 ـ أصبح الشهيد الأول بعد نجاحه في مشروعه السياسي الديني رقماً مهماً في معادلة السلطة ببلاد الشام، فخضعت له الشيعة بالعموم، ومنطقة جزّين بالخصوص.
4 ـ نظراً لمواهبه في العلم والإدارة فقد تولّى السلطة على منطقة جزّين من قِبل الدولة المملوكية التركية، وكان يُطلقُ على حاكم المدينة اسم (العامل).
5 ـ غُيّبت أخبار الشهيد الأول السياسيّة بشكل كامل ومُتَعمّد، ودوره ضمن إطار السلطة، وقد بالغت النصوص في الوقت نفسه بطائفيّة الدولة، وعدائها للشيعة التابعين لها. والموقع السياسي للأحداث دلَّ على نقيض ذلك.
6 ـ بعد سقوط دولة المماليك (الأتراك) سنة 784هـ على يد المماليك الشراكسة، لم تخضع غالبية ممالك بلاد الشام للحكم الجديد.
ويبدو أنَّ معركة الشهداء التي وصفتها المصادر بأنَّها معركة حدثت داخل الكيان الشيعي نفسه، هي في واقع الأمر كانت بين المماليك الأتراك، أصحاب الحكم، والمماليك الشراكسة أصحاب التوسّع الجديد.
إلاَّ أنَّ التعبئة الشيعيّة للمواجهة كانت قد بلغت ذروتها في القتال مما أضفى صبغة التشيّع على هذه المعركة، وأطلق عليها «معركة الشهداء» لكثرة القتلى من أتباع جزّين، وما يحيط بها من المناطق.
7 ـ اتَّهمت النصوص بعض أتباع الشهيد الأول من الشيعة، وشيعة جبل عامل، والسواحل بالسعي لمقتل زعيمهم الديني بمعركة الشهداء أولاً، وإيراده مورد التهلكة بالوشاية للسلطة ثانياً. والغرض من ذلك إظهار الخيانة داخل الجسم الشيعي نفسه.
8 ـ ورد أنَّ الشهيد الأول حارب الشيخ محمد اليالوش (اليالوشي) بمعركة الشهداء وقتله. واليالوش هذا كما نقلت المصادر الشيعيّة كان من تلامذة الشهيد الذين ارتدّوا عليه بعد نسبة فساد العقيدة إليه، وادعائه النبوة، وممارسة السحر والشعوذة.
ومن المحتمل جدّاً أنْ يكون محمد اليالوش ممن قرأ على الشهيد في بعض الأوقات. وظهر، طبقاً لدرسنا التاريخي، أنَّه من مشايخ الإقطاع، وليس من المشايخ الدينيين. ونسبة السحر والشعوذة إليه، وادعاء النبوة، وما شابه ذلك من الأساطير دليل على تهافت دوره التاريخي، ومحاولة ملئه بمثل هذه المرويات.
والذي يظهر أنَّ دور اليالوش كان قد تضخّم عمَّا هو عليه. ومن المحتمل جدّاً أنْ يكون اليالوش نفسه قد حارب الشهيد ملتحقاً بالجيش المملوكي الشركسي، وقُتلَ بالمعركة.
9 ـ اتَّهمت المنقولات أيضاً زعماء المذاهب الإسلامية الأربعة، وقضاة الإسلام بالتآمر على الشهيد وقتله، بالتلاعب بالفتاوى الشرعيّة ليبقى لغز مقتله مستعراً في القلوب على مدى الدهور.
والغرض من ذلك أنَّ النصوص المزوّرة حاولت أن تفسّر دوافع مقتل الشهيد الأول تفسيراً مذهبياً بحتاً يُظهر مصاديق الحقد الديني بين قادة المذاهب الإسلامية لإظهار القطيعة فيما بينهم، والتأكيد على أنَّ قضية الصراع الطائفي بالإسلام ليست وليدة العصور المتأخرة، وإنَّما لها جذورها الضاربة في أعماق التاريخ.
10 ـ جميع المجريات التاريخية المنقولة في محاكمة الشهيد وقتله هي موهومات محضة يكذّبها سياق الأحداث التاريخية. فلم تجرِ للشهيد أيَّة محاكمة تُذكر، ولم تُوجَّه له أيَّة تهمة من تلك الاتهامات الطائفية المزعومة المُلَفَّقة.
11 ـ حاولت النصوص أنْ تُوعز مقتل الشهيد الأول إلى فتوى أستاذه عبّاد ابن جماعة الشافعي. وقد ورد اسمه ملفَّقاً في نصوص الكتب. كما ورد اسمه على لسان أحد تلامذة الشهيد الكبار في محاولة لتثبيت أنَّ مقتله كان بفتوى ابن جماعة.
والحال أنَّ النصوص التي نقلت أخبار ابن جماعة، وتلميذه الشهيد هي في حدّ ذاتها تُبطل مثل هذه المزاعم.
12 ـ ربطت المنقولات أنَّ مقتل الشهيد الأول كان قد تمَّ بقرار من الأمير بيدمر الخوارزمي. ومن خلال سياق الأحداث فإنَّ السلطة العليا بالقاهرة، المتمثّلة بالسلطان برقوق، كانت قد طلبت الأمير بيدمر في شهر ربيع الأول سنة 786هـ (أي قبل مقتل الشهيد بأقل من شهرين). وعند عودته إلى دمشق تمَّ تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد. مما يوحي أنَّ قرار الإعدام كان قد تلقَّاه بيدمر من السلطان مباشرة.
والحال أنَّ الأمير بيدمر لا يمكن أن يُعتمد في ظلّ السلطة الجديدة مطلقاً، لمقامه المتنفّذ في ظلّ دولة المماليك الأتراك من جهة، ولمقاومته لهم مقاومة عسكرية جنباً لجنب مع حليفه الشهيد الأول، من جهة ثانية.
13 ـ ثبت طبقاً للنصوص المتوفرة أنَّ الشهيد قُتلَ بقلعة دمشق، ثم صُلب، ثم أُحرق. وقد صوَّرت المرويات الملفَّقة أنَّ القتلة هم مزيج من أتباع المذاهب السُنيّة الأربعة.
والذي دلَّ عليه سياق الأحداث أنَّ الشهيد الأول لم يُقتل بقلعة دمشق، ولم يُصلب، ولم يحرق. ولم يُفتِ أحدٌ من علماء الإسلام بقتله. وأمَّا قصص محاكمته، وإيراده موارد الهلكة على يد الفقهاء السُنَّة فهي لم تقع إلاَّ في عقول مخترعيها.
ويُرجح أنَّ مقتله وقع في معركة «الشهداء» التي نشبت بين قوات المماليك الشراكسة الغازية، وقوات المماليك الأتراك أصحاب السلطة، التي كان الشهيد جزءاً منها، وقد شارك فيها أتباع الشهيد مشاركة فعَّالة.
14 ـ لم يُعرف للشهيد الأول قبر معلوم، حسبما وردَ أنَّ جسده تمَّ إحراقه، بعد مقتله وصلبه. وقد نقل الشيخ محمد رضا شمس الدين أنَّ رفاة الشهيد جُمعت، ودفنت ببلاد الشام.
كانت مدينة جزّين مدينة إسلامية تقطنُها غالبية شيعيّة، وقد تحوَّلت أوائل القرن العشرين أو قبله بقليل إلى مدينة مسيحيّة غالبية أهلها من الموارنة. وكانت للشهيد الأول آثار باقية بها، منها مسجده الذي يُنسبُ إليه، وداره أو مدرسته العلمية العتيدة وقد حُوّل المسجد إلى كنيسة، والدار (أو المدرسة) إلى طريق عام، تُعرف اليوم بمنطقة الساحة.
ويبدو أنَّ مقام الشهيد الأول كان معروفاً لدى أهل المدينة منتصف القرن العشرين، يدل على ذلك تقديس الأهالي له، وتبرّكهم به.
أمَّا اليوم فقد اختفت جميع تلك المعالم الدالة على وجود مثل هذه الآثار، خصوصاً بعد الحرب الأهلية التي تطاحنَ فيها اللبنانيون على مدى عشرين عاماً فيما بينهم، ثم إعادة الإعمار من جديد نهاية العقد الأخير من القرن العشرين مما غيّر الكثير من ملامح المدن وآثارها.
وعلى وفق ما ذهبنا إليه من إبطال قصة صلب الشهيد، وإحراقه؛ فإنَّ قبره لا بُدَّ وأنْ يكون في بعض المواضع الأثرية المنسوبة له. ويُرجّح أنَّه في مسجده الذي تحوّل إلى كنيسة.
أمَّا سبب إخفاء قبره، وتغييبه، شأن إخفاء الكثير من المراقد الأخرى وتغييبها، فهو متعلّق أيضاً بقصة تشويهه، ومسخه لكي تُنسى أفعاله، وتبقى القصة المتعلّقة بطائفية المرحلة مهيمنةً على تاريخه.
15 ـ بعد مقتل الشهيد الأول تفَتّتت الحركة الشيعيّة في بلاد الشام، ولم تظهر قيادة بديلة تتمكن من لمّ أوصال الجسم الشيعي الذي أمضّتْ به انقسامات نفوذ القوى، وسلطة الحكم المملوكي الجديد. وقد أصبح الإقطاع الشيعي مسيطراً في الجنوب بظهور بعض الأسر الشيعية كأسرة ابن بشارة، التي استقر الحكم الإقطاعي فيها حتى دخول العثمانيين بلاد الشام عام 923هـ/ 1516م، والتي ما زال اسم بلاد بشارة نسبة لهذه الأسرة مستخدماً حتى الآن على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني في الجنوب)[1009](.
د. جودت القزويني
الشهيد الثاني
زين الدين بن أحمد العاملي
خفتتْ أخبار النهضة الشيعيّة في منطقة جبل عامل بعد مقتل زعيمها الشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي سنة 786هـ/ 1384م على يد المماليك الشراكسة.
وفي هذه الفترة بالذات كانت مدرسة الحلّة قد اقتعدت زعامة الشيعة طوال أكثر من قرن من الزمن منذ رحيل العلاَّمة الحلِّي سنة 726هـ/ 1326م حتى رحيل ابن فهد الحلّي سنة 841هـ/ 1437م.
أمّا فقهاء جبل عامل فبالرغم من الأجواء التي طرأت عليهم من التغيرات السياسية العاصفة فإنَّ الحركة العلمية بقيت بعد رحيل الشهيد الأول محسورة في أوساط خاصة تتوارثها العوائل الشيعية، وتحافظ عليها.
وقد ظهر أثر هؤلاء الفقهاء عند قيام الدولة الصفوية أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، واكتساحها العراق، حيث تأثَّرت المناطق التي يكثر فيها الوجود الشيعي بتحرك الصفويين، وامتدادهم، إلاَّ أنَّ ذلك لم يظهر على شكل تمرد في بلاد الشام كما ظهر في تأييد العراقيين لدخول القوات الصفوية سنة 914هـ/ 1508م في الحملة التي قادها محمد كمونه أحد الشخصيَّات الشيعية العراقية في تأييد الشاه إسماعيل وتهيئة العراقيين لحكمه.
فقد بقي فقهاء الشيعة في بلاد الشام بعيدين عن مدار التقلبات التي أفرزتها السياسة الجديدة التي ظهرت بعد قيام الدولة الصفوية.
إلاَّ أنَّ الموقف المحافظ لهؤلاء الفقهاء بدأ يتغيَّر منتصف القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي بشكل واضح إلى تأييد العثمانيين، ومحاولة الظهور بمظهر الاستقلال في ربط الشيعة ـ في بلاد الشام وغيرها من المناطق العربية ـ بسياسة الدولة الصفوية الإيرانية في محاولة للمحافظة على الوجود الشيعي في هذه المناطق بعد الصراعات التي جرت بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين، والاضطهادات التي طالت الشيعة في البلاد الخاضعة للعثمانيين، والتي نظّمها السلطان سليم العثماني في المرحلة التي سبقت معركة جالديران سنة 920هـ/ 1514م.
ولم يظهر أيّ تغيير في هيكلية المؤسسة الدينيّة إلاَّ بالأحداث التي ارتبطت بسيرة الفقيه الشيخ زين الدين بن أحمد العاملي المعروف بعد مقتله عام 965هـ/ 1558م بالشهيد الثاني تمييزاً له عن سلفه الشيخ محمد بن مكي الذي قُتل على يد المماليك الشراكسة عام 786هـ/ 1384م، أي قبل مائة وتسعة وسبعين عاماً من مقتله.
يُعتبر الشهيد الثاني إحدى الشخصيَّات العلمية المتميزة في تاريخ الفقهاء الإماميين، فقد جمع الثقافة المنهجية من طرفيها، كما قدَّم مؤلفات علمية زاهرة تسالم عليها فقهاء الإماميّة بالقبول. وأصبحت بعضُ مؤلفاته أمثال «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية»، التي شرح فيها المتن الفقهي لسلفه الشهيد الأول، من الكتب المُعتمدة في المراكز الدراسية الشيعيَّة.
لم يظهر أيّ نشاط سياسي للشهيد الثاني في جميع مراحل حياته التي بلغت خمسة وخمسين عاماً. فقد كان هذا الفقيه امتداداً لسلسلة فقهاء عامليين بقوا يتوارثون التراث الشيعي جيلاً بعد جيل، ويحافظون عليه رغم انقطاعهم في قرى وأماكن نائية، ومعاناتهم من الظروف السياسية والمعيشية الصعبة.
إلاَّ أنَّ مكانة الشهيد الثاني المؤثرة في الوسط الشيعي جعلت الولاة التابعين للسلطة العثمانية يضعونه في حساباتهم السياسية في بلاد الشام على طول الأزمات العاصفة بينهم وبين الإمبراطورية الصفوية، والحروب التي قامت بين الطرفين. وكانت النهاية أنْ سقط زين الدين ضحيةً لهذا الصراع دون أنْ يكون طرفاً فيه.
الرحلة العلمية: دمشق، القاهرة، بيت المقدس
ولد الشهيد الثاني في قرية (جُبع)، إحدى قرى بلاد جبل عامل سنة 911هـ/ 1505م، وقرأ فيها الفقه إبَّان نشأته على يد والده (ت: 925/1519م)، وكان يُعرف بابن الحجة، أو ابن الحاجَّة، وإنَّ اسم والده في بعض الإجازات هو الشيخ علي بن أحمد بن الحجة، فلعلَّ جدهم الأعلى كان اسمه الحجة، أو أنَّ الحجة لقب جدّ والده)[1010](.
واعتقد الدكتور علي نقي المنزوي في تعليقته على كتاب والده «إحياء الداثر من القرن العاشر»، (طبقات أعلام الشيعة) أنَّ لقب ابن الحاجة لعلّه مُعَرَّب خواجه بمعنى السيد العظيم)[1011](. وهو افتراض بعيد.
غير أنَّ الأمين ذكر أنَّ المُلقَّب بابن الحاجَّة، أو الحجة هو ووالده معاً. والحاجة هي المرأة التي حجّت، فلعلَّ إحدى جداته كانت تُعرف بالحاجة، وعُرفَ هو وأبوه بالانتساب إليها.
أمَّا الحُجَّة فيمكن كونها (بضم الحاء) فتكون لقباً لرجل، ويمكن كونها مخفف الحاجة)[1012](.
وتعتبر أسرة آل زين الدين من الأسر العلمية التي أشرقت في سماء جبل عامل منذ عهد العلاَّمة الحلّي الذي يُعَدُّ جدّ الشهيد الثاني الشيخ صالح العاملي أحد تلامذته.
وكانت سلسلة آباء زين الدين قد امتدت نحو قرنين من الزمن حتى ظهر هو زعيماً لشيعة بلاد الشام في عصره.
وكان أخوه الشيخ عبدالنبي، وابن أخيه الشيخ حسن، وبعض بني عمومته من العلماء، وقد استمرَّ توارثهم للعلم وحفاظهم على الزعامة ما بعد مقتل الشهيد أيضاً، وحتى عصرنا الحاضر.
وسُمِّيتْ سلسلتُهم هذه من جرَّاء هذا التواصل العلمي، والتحصيل المعرفي المتوارث جيلاً بعد جيل بالسلسلة الذهبية.
ارتحل الشهيد الثاني إلى قرية ثانية هي قرية (ميس) وهو ابن الرابعة عشرة، وواصل دراسة الفقه على زوج خالته الشيخ علي بن عبدالعالي الميسي (ت: 938هـ/ 1532م) طوال ثمان سنوات ونصف. ثم سافر إلى قرية (كرك نوح) سنة 933هـ/ 1527م، ولازم السيد حسن السيد جعفر الحسيني الأعرج (ت: 933هـ/1527م) أكثر من عام حيث قرأ عليه جملة من العلوم الكلامية، وأصول الفقه، وقواعد اللغة.
وقد بدأت مرحلة جديدة في حياة زين الدين حيث توجَّه للدراسة في المراكز السُنيَّة المزدهرة يومذاك بالشخصيَّات العلمية في دمشق، والقاهرة، وبيت المقدس. ففي دمشق التي دخلها سنة 937هـ/ 1531م حضر على يد الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي (ت: 938هـ/ 1532م) في علوم الطب والهيئة وحكمة الإشراق، وأخذ القراءات القرآنية على متخصص آخر.
كما واصل دراسته المنهجية منذ عام 942هـ/ 1535م في القاهرة طوال (18) شهراً على يد كبار الشخصيَّات العلمية، في الفقه وأصوله، والتفسير، وعلم الحديث، وعلم المنطق والكلام، والهندسة والهيئة، وقواعد اللغة، وعلم البلاغة والصرف، والعروض.
وقد ذكر زين الدين أساتذته، وأثنى عليهم ثناءاً عاطراً في الترجمة التي كتبها عن حياته بقلمه، والتي نقلها عنه أحد تلامذته الملازمين له، وهو الشيخ بهاء الدين محمد بن علي بن حسن العودي العاملي الجزِّيني المعروف بابن العودي، وأودعها كتابه «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد»، والذي ألّفه بعد مقتله)[1013](.
وتبدو أنَّ هذه الفترة هي من أغزر فترات المعرفة التي حصل عليها زين الدين في سني نضجه العلمي، وهو ابن الحادية والثلاثين، والتي استمرت عاماً، ونصف العام.
واصل الشهيد الثاني رحلته من مصر إلى الحجاز في 17 شوَّال سنة 943هـ/ 29 آذار 1537م، ورجع إلى وطنه في 14 صفر 944هـ/ 22 تموز 1537م، وأقام فيه حتى سنة 946هـ/ 1539م حيث سافر إلى العراق، ثم إلى بيت المقدس منتصف سنة 948هـ/ 1541م. وقد قرأ في بيت المقدس على يد الشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي بعض صحيح البخاري، وبعض صحيح مسلم، وحصل على إجازة عامة منه.
الرحلة السياسية: عاصمة الخلافة العثمانية
عاد زين الدين إلى وطنه مرَّة أخرى، وبقي مشغولاً بالكتابة والتأليف حتى أواخر سنة 951هـ/ 1544م حيث سافر إلى (القسطنطينية) عاصمة الخلافة العثمانية يرافقه زميله وتلميذه الفقيه الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي (ت: 984هـ/ 1576م)، ووصلها بعد أكثر من ثلاثة شهور في 17 ربيع الأول سنة 952هـ/ 28 أيَّار 1545م.
ومن خلال ما ذكره صاحب الرحلة نفسه عن توجّهه إلى عاصمة الخلافة فإنَّ سفره لم يكن مسألة هيّنة، فيبدو أنَّ زين الدين كان قد تدارس موضوع رحلته مع عدد من الشخصيَّات العلمية والاجتماعية في بلاد الشام، في محاولة لتصحيح الفهم السائد الذي يقرّر ربط الشيعة العرب بعجلة الإمبراطورية الصفوية، وحفظ الكيان الشيعي فيها من الاضطهاد والتبعية، ومن ثَمَّ إقامة الروابط السليمة مع فقهاء البلاط العثماني، وتحسين صورة الشيعة العرب)[1014](.
ويبدو أنَّ حوادث العنف كانت قد طالت بعض رجال الشيعة في بلاد الشام في هذا العام نفسه حيث وُجدَ الحاج شمس الدين محمد بن هلال مقتولاً في داره مع زوجته وولديه. وكان الحاج محمد بن هلال أحد الممولين الشيعة الذين أمدّوا الشهيد الثاني بالأموال في أسفاره، وفي مختلف مراحل دراسته الأخرى)[1015](.
ومهما يكن من أمر سواءً أكان مقتل محمد بن هلال قبل سفر الشهيد أم بعده، ـ والذي يُرجَّح أنه كان قبله ـ، فإنَّ السلطة الحكومية في بلاد الشام كانت تمارس العنف ضد الشيعة بسبب الأوضاع السياسية المضطربة التي يمر بها العثمانيون في قبالة الحكم الصفوي، الأمر الذي دعا الشهيد الثاني أنْ يقرّر السفر إلى عاصمة الخلافة الإسلامية في محاولة لإفهام السلطة العُليا بضرورة حفظ كيان الشيعة، وعدم انخراط علمائهم في المشاريع السياسية للدولة الصفوية.
وبعد ثلاثة أشهر ونصف قضاها زين الدين في عاصمة الخلافة العثمانية رجع منتصف شهر صفر 953هـ/16 نيسان 1546م إلى بلاد الشام حيث أُوكلتْ إليه مهمة تدريس الفقه على المذاهب الخمسة في المدرسة النورية، إحدى مدارس مدينة بعلبك الرسمية، كما أُوكلَ لزميله الشيخ حسين بن عبدالصمد التدريس في إحدى مدارس مدينة بغداد.
وليس من المستبعد أنْ يكون هذا القرار الصادر من الجهات الرسمية العليا يستهدف وضع هذين الفقيهين الكبيرين تحت الأنظار في محاولة لتحديد نشاطهما ورصده، ودراسة علاقتهما بالقطاع الشيعي العام في هاتين المنطقتين.
أمضى زين الدين عمله في تدريس الفقه على المذاهب الخمسة مضافاً إلى تدريسه بعض العلوم الأخرى سنوات معدودة كانت آخر ما تمتع به هذا الفقيه من أوقات الأمان والسلامة، حيث ترك التدريس سنة 955هـ/ 1548م، وعاد إلى بلدته (جُبع) ليتفرَّغ للدراسة والتأليف.
تجدد الصراع الصفوي ـ العثماني
يظهر من شريط الأحداث التي مرَّ بها هذا الفقيه أنَّه عاصر فترة تاريخية حرجة من فترات الصراع الصفوي ـ العثماني المتمثِّل بالشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل، والسلطان سليمان القانوني.
فقد ولد طهماسب سنة 919هـ/1513م وتُوفي سنة 984هـ/ 1576م، ودام حكمه 54 عاماً. أمَّا سليمان القانوني فقد وُلدَ سنة 900هـ/ 1495م، وحكم 48 عاماً حتى وفاته عام 974هـ/ 1566م.
أمَّا الشهيد الثاني فإنَّه زامنَ فترة حكم هذين الحاكمين، وقُتل عام 965هـ/ 1558م قبل رحيل السلطان سليمان بتسع سنوات، ورحيل الشاه طهماسب بتسعة عشر عاماً.
مرَّت هذه المرحلة بنزاعات مسلَّحة بين هاتين الإمبراطوريتين القويتين.
كان الشيعة ـ قبل هذه المرحلة ـ قد تعرَّضوا للاضطهاد في النزاع الصفوي ـ العثماني الذي كان قائماً بين الشاه إسماعيل والسلطان سليم، والذي راح ضحيته الكثير من الضحايا مُوَزَّعين في العديد من المناطق الواقعة تحت النفوذ العثماني.
ويبدو من عبارة الشهيد الثاني التي وصفَ فيها فترة تدريسه في بعلبك: «كانت أياماً ميمونة، وأوقاتاً بهيجة ما رأى أصحابنا في الأعصار مثلها»)[1016]( أنَّ الشيعة في بلاد الشام قبل سفر الشهيد الثاني إلى إسلامبول كانوا قد طالتهم آثار النزاع الدموي بين الإمبراطوريتين الكبيرتين، والذي راح ضحيّته جملة من الشخصيات الشيعيَّة سواءاً بالعنف المباشر، أو عن طريق الاغتيالات كما حدث ذلك في قتل الحاج محمد بن هلال، وعائلته.
ويبدو أيضاً أنَّ التصعيد العسكري الصفوي ـ العثماني الذي خَفَتَ بعد الصلح الذي تمَّ بين الطرفين سنة 942هـ/ 1535م، والذي اندلع مرَّةً أخرى أوائل سنة 955هـ/ 1548م عندما هاجم طهماسب الدولة العثمانية، هو الذي حمل الشهيد الثاني في العام نفسه إلى ترك التدريس في المدرسة النورية، والاعتكاف في بلدته (جُبع) متفرغاً للتأليف والتدريس حتى زوال شبح هذه الأحداث التي باتت تنعكس أشعتها بمرآة الصفويين على شيعة بلاد الشام عامة، وعلى العامليين خاصة.
وقد تلاحقت الأحداث في الأعوام التي تلت هذه الفترة الزمنية حتى عام 962هـ/1555م حيث تمَّ الصلح بين الطرفين على أنْ يُباح للأعاجم الحج إلى بيت الله الحرام، وأنْ يزاولوا مذهبهم دون تعرض.
وكان الصراع بدأ يتجدّد بين الصفويين والعثمانيين عام 954هـ/ 1547م بعد الهدنة التي عقدها الطرفان عام 942هـ/ 1535ك خصوصاً عند هروب ميرزا القاضي (أخو الشاه طهماسب) من أخيه ملتجأ إلى السلطان سليمان، الأمر الذي حمل طهماسب سنة 955هـ/1548م أنْ يتخذ ذلك مبرراً للهجوم على الدولة العثمانية. وقد استمرت الوقائع بدخول السلطان سليمان الأراضي الإيرانية عام 956هـ/1549م، ووصوله إلى تبريز واستيلائه على مناطق شاسعة، ثم سيطرة الشاه طهماسب على بلاد أرضروم سنة 959هـ/1552م. وهكذا كانت محصلة التطاحن بين هاتين الإمبراطوريتين القويتين.
وقد هدأت الحالة سنة 962هـ/1555م بعد إبرام الصلح بين الطرفين)[1017](.
إلاَّ أنَّ الأزمة عادت مرَّةً أخرى عام 965هـ/ 1558م بعد قيام الأمير بايزيد بن السلطان سليمان القانوني بالتمرد على أخيه الأمير سليم، والاستيلاء على ولاية (صاروخان) الواقعة تحت نفوذه.
وقد التجأ بايزيد إلى الشاه طهماسب، وطلب الحماية مع أولاده الخمسة إلاَّ أنَّ والده تابعه بعد سنين وقتله مع أولاده الخمسة اغتيالاً في مدينة قزوين سنة 969هـ/1561م)[1018](.
وسبق للسلطان سليمان القانوني أنْ قتل ولده الأكبر الأمير مصطفى سنة 960هـ/1553م بعد الفراغ من بعض حروبه مع الصفويين، كما أرسل إلى مدينة بورصة لقتل ولده الرضيع، فقُتل أيضاً، مما جعل بعض المؤرخين يُعبّرون عن حادثة قتل السلطان سليمان لولده مصطفى بأنَّها نقطة سوداء في تأريخه)[1019](. هذا، إذا صحَّ نقل مثل هذه الروايات.
إلاَّ أنَّ هذه النقاط التي يعتبرها المؤرخون نقاطاً سوداء تجمّعتْ من استقطاب الأحداث، هي في حدِّ ذاتها تُفصحُ عن المنطق الوحيد السائد الذي يمارسه أصحاب السلطة للحفاظ على مقاليد نفوذهم على مرِّ التاريخ، فهي ـ والحال هذه ـ من النقاط البيضاء الناصعة، في أعراف رجال الحكم، وإنْ كانت على خلاف ذلك عند غيرهم من رجال الفكر والقلم.
الشهيد الثاني: سنوات الاضطهاد والتخفي
لم ينفع الشهيد الثاني زين الدين بن أحمد مسلكُ التوازن الذي نهجه أمام العثمانيين في السير على وفق النظام المؤسساتي الديني للدولة، وظهوره بمظهر المُستقل عن أيّ تدخل معارض يكون ضحيَّته الوجود الشيعي في بلاد الشام.
ويبدو أنَّ مسلك المعارضة لتوجُّه الشهيد بين صفوف الشيعة كان له تياره، إلاَّ أنَّ هذا التيار لم يكن متصدّراً من قبل الفقهاء الذين مالوا إلى التكيّف في بيئة مستقلّة ضمن أجواء سياسية متقلبة.
وفي المحاولة التي أقدم عليها الشهيد الثاني في التقرب من كبار المسؤولين في الإدارة الدينية العثمانية، وإبداء الاستعداد للعمل ضمن التشكيلات الرسمية لهذه الإدارة، والتي كان مظهرها التدريس في المدرسة النورية ببعلبك، فإنَّ الأحداث بعد هذه المرحلة التي مرَّتْ على الشيعة في بلاد الشام باعتبارهم وجوداً عربياً مستقلاً عن الوجود الشيعي الإيراني عادت مرَّةً أخرى لتُغلّف سماءهم بغمامة جديدة بعد تأزُّم العلاقة بين هاتين الإمبراطوريتين المتصارعتين.
من هنا فإنَّ العقد الأخير من حياة زين الدين بن أحمد كان عقداً يلفُّهُ أكثر من غموض، وقد بدت أخباره تتضاءل شيئاً فشيئاً في المصادر المُتَناقَلة عنه بسبب ندرتها، أو فقدانها ضمن المؤلفات التي فقدتها مكتبات جبل عامل في بعض فترات تاريخها الحافل بالمتغيرات.
إنَّ أهم ما نُقلَ من أخبار الشهيد الثاني كان مصدره تلميذه ابن العودي في الرسالة التي كتبها عن حياة أستاذه، والتي سمّاها «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد».
وعلى الرغم أنَّ هذه الرسالة المهمة كان قد أفردها ابن العودي في فصول عشرة، إلاَّ أنَّ ثلاثة فصول منها فقط عَثرَ عليها أحدُ أحفاد الشهيد الثاني، وهو الشيخ علي العاملي، وأودعها في كتابه «الدر المنثور من المأثور وغير المأثور»)[1020](.
وكان ابن العودي قد عمل (فهرساً) بمضامين رسالته هذه من خلاله يظهر أنَّ الكثير من القضايا التأريخية التي ترتبط بحياة الشهيد، وما جرى له من الأحداث خلال السنوات العشرة الأخيرة من حياته كانت قد فقدت، ولم يبقَ منها سوى المضامين الدالة على الوقائع التي ألمَّتْ به.
ويبدو أنَّ انعكاس الصراع الصفوي ـ العثماني في أحداث سنة 955هـ/ 1548م بعد الهجوم العسكري الذي قام به الشاه طهماسب على السلطنة العثمانية كان بداية لتعميم الورقة الطائفية في المواجهة العسكرية بين الإمبراطوريتين القائمتين على التعصب الطائفي المذهبي، الأمر الذي عمَّ على الشيعة العرب الذين يرضخون للسلطنة العثمانية.
ومن خلال ما ورد في «بغية المريد» فإنَّ زين الدين كان في تلك الفترة قد التجأ إلى منزل تلميذه ابن العودي متخفياً من الأعداء ليلة الاثنين الحادي عشر من شهر صفر سنة 956هـ/ 1549م، (كما ينص على ذلك تلميذه نفسُه).
وقد صمتت المصادر التي تناقلت أخبار الشهيد الثاني عن بقية المجريات التي حدثت بعد هذه الفترة، إلاَّ أنَّ ما خرج من نشاطه العلمي دلَّ على أنَّ زين الدين بقي يمارس التدريس، والتأليف، ومنح الإجازات العلمية لطلابه طوال الفترة التي قيل إنه كان مطارداً فيها، ومغيّباً نفسه عن الأنظار.
ففي هذه الفترة كتب مؤلّفاً من أهم المؤلفات التي اشتهر بها، وهو (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية)، حيث فرغ من شرح المجلد الأول أوائل شهر ربيع الأول سنة 956هـ/ أوائل نيسان 1549م، في مدة ثلاثة أشهر، وستة أيام، وأنهى المجلد الثاني ليلة السبت 21 جمادى الأولى سنة 957هـ/ 7 حزيران 1550م)[1021](. كما صدرت عنه إجازة لتلميذه الشيخ إبراهيم بن علي بن عبدالعالي الميسي تأريخها 14 رجب 957هـ/29 تموز 1550م)[1022](، وإجازة أخرى لتلميذه السيد علي الصائغ في 11 جمادى الأولى سنة 958هـ/18 أيار 1551م)[1023](. وأنهى في 8 رجب سنة 958هـ/ 13 تموز 1551م كتابه «تمهيد القواعد».
كان الشيخ زين الدين مَعْلماً من معالم التشيع في بلاد الشام بأجمعها، وكان من أظهر الشخصيات العلمية في زمانه، وقد جمع بين الثقافة الإسلامية المذهبية المتمثّلة بالتيارين الشيعي والسُني على حدِّ سواء. وقد مارس التدريس على الصعيدين التقليدي الشيعي في المعاهد الشيعية العلمية، والرسمي السُنّي في المدرسة النورية ببعلبك.
ومن خلال المؤلفات التي تركها، والتلامذة الكبار الذين تخرَّجوا على يديه أصبح الشخصيّة الشيعيّة الأولى في البلاد.
وهو من جرّاء هذه الشهرة، فإنَّ الحوادث التي كانت تدور رحاها في صراع الأمبراطوريتين الصفوية الإيرانية، والعثمانية التركية تنعكس أحداثها بشكل أو بآخر على شيعة بلاد الشام، وعلى الزعامة المتمثلة به.
وبالرغم من العلاقات التي كانت تربطه مع الشخصيّات العلمية السُنيّة داخل جهاز المؤسسة الدينية الرسمية وخارجها، ومعرفة الجهاز الحاكم بنواياه وتحركاته، فإنَّ مراكز بعض المتنفذين تمكنت من استغلال الخلافات المذهبية من الوقيعة به أكثر من مرة.
ويبدو أنَّ السنوات العشرة الممتدة من سنة 955هـ/ 1548م حتى مقتله سنة 965هـ/ 1558م كانت تتخللها أيامٌ عانى منها زين الدين من المخاوف ومتابعة السلطة له، الأمر الذي ألجأه إلى التستر، والاختباء في بعض الأوقات العصبية.
ذكر ابن العودي في رسالته «بغية المريد» ما يلي: «الفصل الثامن في ذكر ما عُرض له من الأخاويف، وما نزل به من الأراجيف، وما يتبع ذلك من التستر وإخفاء نفسه في النازلات من الأعداء وأهل السعايات، وما وقع في خلال ذلك بيننا من المراسلات».
إلاَّ أنَّ جميع التفصيلات التي وردت عناوينُها في هذا الفصل فُقدتْ، وضاعت الكثير من الحوادث التي يمكن أنْ تكون شواهد على حياته خلال الفترة التي عاصرها ابن العودي معه منذ سنة 940هـ/ 1534م، حتى سفره إلى إيران في 10 ذي القعدة سنة 962هـ/ 27 أيلول 1555م.
وبالرغم أنَّ انقطاع التلميذ ابن العودي عن أستاذه زين الدين منذ أواخر سنة 962هـ/1555م)[1024]( فإنه استطاع أنْ يفرد فصلاً كاملاً عن مقتله متتبعاً فيه الأخبار التي وصلته.
وقد فصَّل الحديث ـ كما ظهر من عنوان الفصل الذي عقده لهذه الغاية ـ عن الأسباب التي دعت لاعتقاله والأشخاص الذين يقفون وراء ذلك، كما ذكر أيضاً الرسائل التي بعثها أعيان العلماء السنيين في بلاد الشام لغرض التوسط في إطلاق سراحه، ودفع المظالم عنه.
إلاَّ أنَّ هذا المبحث الثمين لم يبقَ منه سوى عنوانه، وضاع فيما ضاع من هذه الرسالة التي أصبحت المصدر الأول عن حياة الشيخ زين الدين العاملي.
قصة مقتل الشهيد الثاني
بقيت قصة مقتل الشيخ زين الدين العاملي يكتنفها الغموض، وأصبحت أحد الألغاز التي لم يُبَتَّ بحلّها، وإنّما رويت بعض المرويات الدائرة حول تلك الأحداث يومذاك، والتي تُشير جميعها إلى مقتله. فبعد اعتقاله في مكة غُمّت أخباره)[1025](.
ذكرت النصوص الشيعية المتناقلة أنَّ الشيخ زين الدين ترك بلاده متخفّياً لغرض حج بيت الله الحرام بعد المضايقات الأمنية التي طالته. ومن خلال تاريخ إجازته التي منحها للشيخ علي بن هلال الجزائري بمكّة، فإنه يدل على أنَّ زين الدين كان موجوداً في مكة بتاريخ 14 من شهر ذي الحجة سنة 964هـ/ 19 كانون الثاني 1556م)[1026](.
ولقصة مقتله روايتان:
الرواية الأولى: أنَّه قُتلَ في طريقه إلى القسطنطينية (إسلامبول)، عاصمة الخلافة الإسلامية، دون أن تكون للعثمانيين يد في قتله. ويبدو أنَّ هذه الرواية كانت قد اشتهرت في بلاد الشام.
أوعزتْ بعض النصوص أنَّ هجرة الشيخ زين الدين من بلاده إلى مكة كانت بسبب وشاية صدرت من قاضي صيدا السُنِّي متهماً إياه بالبُدع الطائفية التي يندرج أقلُّها بالابتداع، والخروج عن المذاهب الأربعة.
ويُلاحظ أنَّ المنقولات المتسرّبة للكتب الشيعيّة التزمت الجوانب الشخصيَّة البحتة منطلقاً لتفسير الأحداث السياسية، كما ورد ذلك في قصة مقتل الشهيد الأول سابقاً، وما ذكر في قصة مقتل الشهيد الثاني مع قاضي صيدا.
فقد ورد أن الشهيد الثاني عند سفره إلى عاصمة الخلافة العثمانية سنة 952هـ/ 1545م لم يلتفت بما كان عليه من مراعاة المراتب الرسمية في الوصول إلى المراتب العليا في إسلامبول، وكان عليه أنْ يُزَكَّى من قبل قاضي صيدا، لكنَّه ترفعاً منه أرسل إليه أحد تلامذته لإخباره بالرحلة. وقد صوَّرت هذه الرواية أنَّ الشهيد الثاني كان معتمداً على مكانته العلمية الذاتية البحتة التي تمكّنه من تجاوز المراتب الرسمية. ومنذ تلك السنين تحيّن قاضي صيدا الفرصة لإيقاع الشهيد الثاني بالتهلكة، يقول النص: «كان القاضي معروف الملعون الموصوف هو الذي أرسل إليه الشهيد (رحمه الله) تلميذه ابن العودي بمدينة صيدا، ولم يتوقع منه العرض إلى سلطان الروم استغناءاً عنه. والظاهر كون ذلك العمل أيضاً منشأ لتشدّد غيظه عليه، وحسده منه حتى أن فعل به مقام الفرصة)[1027](.
كما يذكر (النص) أيضاً أنَّ مقتله لم يكن في عاصمة الخلافة العثمانية بأمر المسؤولين هناك، وإنما كان تصرُّفاً شخصيّاً، حيث قتله الشخص المُوَكَّل به، كما قُتلَ القاتل أيضاً قصاصاً عادلاً من قبل العثمانيين أنفسهم.
ذكر الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ/ 1693م في كتابه (أمل الآمل) هذا النص كما يلي: كان سبب قتله على ما سمعتُه من بعض المشايخ، ورأيتُه بخطّ بعضهم أنه ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه، وذهب إلى قاضي صيدا، فأرسل القاضي إلى (جُبع) مَنْ يطلبه، وكان مقيماً في كَرْم له مدة، فخطر ببال الشيخ أنْ يسافر إلى الحج، وكان قد حجَّ مراراً لكنه قصد الاختباء فسافرَ في (محمل) مُغطّى.
وكتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم أنه قد وُجد ببلاد الشام رجل مبتدع خارج عن المذاهب الأربعة، فأرسل السلطان رجلاً في طلب الشيخ، وقال له: آتني به حيَّاً، حتى أجمع بينه وبين علماء بلادي، فيبحثوا معه، ويطَّلعوا على مذهبه، ويخبروني، فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي.
فجاء الرجل فأخبرَ أنَّ الشيخ توجَّه إلى مكة، فذهب في طلبه، فاجتمع به في طريق مكة، فقال له، تكون معي حتى نحج بيت الله، ثم افعلْ ما تريد، فرضي بذلك، فلمَّا فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال: رجل من علماء الشيعة الإمامية أريد أنْ أوصله إلى السلطان. فقال أوما تخاف أنْ يخبر السلطان بأنك قد قصَّرتَ في خدمته وآذيته، وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سبباً لهلاكك. بل الرأي أنْ تقتله، وتأخذ برأسه إلى السلطان. فقتله في مكانه من ساحل البحر. وكان هناك جماعة من التركمان فرأوا في تلك الليلة أنواراً تنزل من السماء، وتصعد، فدفنوه هناك، وبنوا عليه قبة، وأخذ الرجل رأسه إلى السلطان، فأنكر عليه، وقال: أمرتك أنْ تأتيني به حيَّاً فقتلته. وسعى السيد عبدالرحيم العباسي في قتل ذلك الرجل فقتله السلطان)[1028](.
والسبب الذي دعا للاعتقاد أنَّ العباسي كان قد سعى للانتقام من القاتل ملاقاته للشهيد الثاني في سفرته الأولى سنة 952هـ/ 1545م إلى إسلامبول، ثم مراسلته له بعدها. كما نقل الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني أنَّ والده كان قد التقى بالعباسي في القسطنطينية، وكان الشيخ حسن قد رأى له كتابة إلى والده «تدل على كثرة مودته له، ومزيد اعتنائه بشأنه»)[1029](.
وبغض النظر عن إقحام اسم السيد عبدالرحيم العباسي، أو عدمه فإنَّ القصاص كان قد حلَّ بالقاتل ـ حسب ما تفرضه هذه الرواية ـ. أمَّا العباسي فهو، الذي أُقحمَ اسمُه في هذه الرواية، فهو أبو الفتح عبدالرحيم بن عبدالرحمن الأديب المحدّث صاحب كتابي «معاهد التنصيص في شرح شواهد التلخيص»، و«فيض الباري بشرح غريب صحيح البخاري»، وغيرهما من المؤلفات، المولود في مصر سنة 867هـ/1463م، والمتوفى سنة 963هـ/1556م)[1030](، أي قبل مقتل الشهيد الثاني بما يقرب من العامين.
ونقلت الرواية نفسَها أنَّ أهل تلك المنطقة دفنوا جسده، وبنوا عليه قُبَّة.
كما أوردَ البحراني نصّاً آخر يذكر أنَّ جسد زين الدين بعد مقتله بقي مطروحاً ثلاثة أيام، ثم أُلقيَ في البحر)[1031](.
وقد عزَّز حفيد الشهيد الثاني الرواية الأولى بما تناقله ـ فيما بعد ـ شيعة بلاد الشام حول مقتله من قصص، ونسب إلى أنَّ الشهيد نفسه كان قد تنبّأ بمقتله إبَّان سفره الأول عام 952هـ إلى عاصمة الخلافة، وفي الموضع الذي قيل إنه قُتل فيه.
وقد نُسبتْ إلى زميله الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي هذه الرواية في بعض الاستفتاءات الصادرة عنه.
ذكر الشيخ علي العاملي حفيد الشهيد الثاني، هذا النص، قال: مما سمعتُه في بلادنا مشهوراً، ورأيتُه أيضاً مشهوراً في غيرها أنَّه (قدَّسَ الله روحه) لمَّا سافر السفر الأول إلى أسطنبول، ووصل إلى المكان الذي قُتل فيه تغيَّر لونه، فسأله أصحابه عن ذلك فقال ما معناه: إنَّه يُقتل في هذا المكان رجلٌ كبير، أو عظيم له شأن. فلما أُخذَ قُتل في ذلك المكان.
وقد وُجد بخطّ المرحوم المبرور الشيخ حسين بن عبدالصمد (رحمه الله) بعد سؤاله، وصورة السؤال والجواب: سُئل الشيخ حسين عبدالصمد (رحمه الله): ما يقول مولانا شيخ الإسلام فيما روي عن الشيخ المرحوم المبرور الشهيد الثاني أنه مرَّ بموضع في أسطنبول، ومولانا الشيخ سلَّمه الله معه، فقال: يُوشك أن يُقتل في هذا الموضع رجلٌ له شأن، أو قال شيئاً قريباً من ذلك. ثم أنه استشهد (رحمه الله) في ذلك الموضع. ولا ريب أنَّ ذلك من كراماته. رحمه الله، وأسكنه جنان الخلد.
فأجاب: نعم، هكذا وقع منه (قدّسَ الله سرَّه)، وكان الخطاب للفقير، ويقال إنَّه استشهد في ذلك الموضع، وذلك مما كُشفَ لنفسه الزكية حشره الله مع الأئمة الطاهرين. كتبه حسين بن عبدالصمد الحارثي ثامن عشر ذي الحجة سنة 983هـ في مكة المكرمة المشرفة زادها الله شرفاً وتعظيماً)[1032](.
الرواية الثانية: إنَّه قُتلَ بأمر الوزير الأعظم رستم باشا (962 ـ 968هـ/ 1555 ـ 1561م) في عاصمة الخلافة العثمانية. وهذا ما أُشتُهر عند الإيرانيين، وصرَّح به مؤرخوهم.
فقد اتفقتْ هذه الروايات على أنَّ اعتقال الشهيد تمَّ بمكة في اليوم الخامس من شهر ربيع الأول سنة 965هـ، ثم أُقتيدَ أسيراً إلى استنبول، وقُتلَ بأمر الوزير الأعظم رستم باشا.
وذُكرَ أنَّ إلقاء القبض على الشيخ زين الدين كان قد تمَّ بعد فراغه من صلاة العصر، وأُسر وهو طائف في البيت)[1033](.
وقيل إنَّه بقي محبوساً شهراً وعشرة أيام في بعض دور مكة قبل أنْ يُسيَّر به عن طريق البحر إلى القسطنطينية.
ذكر القاضي أحمد الغفاري القزويني (ت: 975هـ/ 1567م) في كتابه (تاريخ جهان آراي) الذي ألفه بالفارسية حدود عام 972هـ في حوادث عام 965هـ/ 1558م ما يلي: أخذ الروم (الأتراك) سنة خمس وستين وتسعمائة الشيخ زين الدين العاملي من الحرم المكي، وجاؤوا به إلى القسطنطينية، وقتلوه تعصُّباً لمذهبهم الباطل يوم الخميس في العشر الأوسط من شهر رجب من السنة المذكورة.
ومن النصوص المهمة التي تكشف بعض ملابسات تلك المرحلة أنَّ حملةَ اعتقال طالتْ بعض الشخصيات الشيعية في بلاد الحجاز تزامنت مع اعتقال الشهيد الثاني.
فقد تعرَّض تلميذه محمود بن محمد اللاهجاني للاعتقال، وأودع الحبس معه. ويذكر اللاهجاني على ظهر نسخة مخطوطة من الجزء الثالث من كتاب الشهيد «مسالك الأفهام» والذي كتبه اللاهجاني بخطِّه: «إنَّ الشهيد بعد أنْ قضى اثنين وأربعين يوماً في السجن سُفِّر إلى تركيا».
فإذا صحَّ ما نُقلَ من تاريخ اعتقال زين الدين في مكة أنه وقع يوم 5 ربيع الأول سنة 965هـ/ 27 كانون الأول 1557م فإنَّ سفره إلى عاصمة الخلافة سيكون في منتصف شهر ربيع الثاني من العام نفسه.
وإذا صحَّ أنَّ إطلاق سراح تلميذه اللاهجاني كان قد وقع في اليوم العشرين من شهر جمادى الأولى، فإنَّ اللاهجاني كان قد أُطلقَ سراحُه بعد أكثر من شهر من سفر أستاذه إلى عاصمة الخلافة العثمانية. وبعد انقضاء خمسة شهور من ترحيل زين الدين إلى تركيا، وصل خبر مقتله إلى اللاهجاني.
ويبدو أنَّ خبر مقتله أثار حفيظة الشيعة في مكة مما دعا إلى حملة اعتقالات نظَّمتْها السلطة في صفوفهم. وبالرغم أنَّ المعلومات التي تناقلتها المصادر حول ردود الفعل الشيعية بعد مقتل الشهيد تكاد تكون معدومة إلاَّ أنَّ ما نقله تلميذه اللاهجاني ينبىءُ عن ذلك. فقد تعرَّض اللاهجاني مرَّةً أخرى للمطاردة مما اضطره إلى التخفّي أولاً، ثم السفر عن مكة في شهر صفر من عام 966هـ/ تشرين الثاني 1558م)[1034](.
إنَّ انعكاس أحداث سنة 965هـ/ 1558م على الشيعة في المناطق العثمانية جدَّدت الأزمة السياسية مرة أخرى بين الدولتين الصفوية والعثمانية بعد الشرخ الذي أحدثه الأمير بايزيد ابن السلطان سليمان بالاستيلاء على ولاية (صاروخان) التي كانت تقع تحت حكم أخيه سليم، واتهام الدولة العثمانية أعداءها من جهة إيران بمساعدته بالوقوف إلى جانبه، خصوصاً بعد انهزامه أمام جيوش أبيه السلطان سليمان ولجوئه إلى إيران، ربما كان لها تأثير على الشيعة العرب الذين كانوا يومذاك قاطنين أرض الحجاز، الأمر الذي عجَّلَ باعتقال الشيخ زين الدين، وقتله غيلةً بعد تلك الأحداث.
كما ذُكر أيضاً أنَّ الوزير الأعظم كان قد عرض قضية زين الدين على السلطان سليمان القانوني، فأمر السلطان بقتله)[1035](.
نقل مؤرخ البلاط الصفوي حسن بيك روملو المُتوفى بعد عام 985هـ/ 1577م صدى المسموعات المُتناقَلة يومذاك، والتي تشير إلى أنَّ مقتل الشيخ زين الدين كان بسبب دعواه الاجتهاد الشيعي مقابل المذاهب السُنية، ونشاطه في التدريس على المذهب الإمامي، وتخريج طلبة العلوم الدينية مقابل المدارس الدينية الرسمية للدولة العثمانية)[1036](.
ومما يؤيد شيوع مقتل الشهيد الثاني ـ بأمر الوزير الأعظم رستم باشا ـ في إيران على الأقل في تلك المرحلة، ما نقله الميرزا مخدوم الجرجاني الذي كان يشغل منصب الوزارة في فترة حكم الشاه إسماعيل الثاني، والذي التجأ إلى العثمانيين بعد مقتل الشاه إسماعيل سنة 985هـ/ 1577م، وشغل بعض المناصب الرسمية في الدولة العثمانية ـ في كتابه «النواقض لبنيان الروافض» الذي ألَّفه سنة 987هـ/ 1579م، والذي هاجم فيه السياسة الصفوية خاصة، والمذهب الإمامي بشكل عام.
وفي معرض حديثه عن تأليفات الإمامية في أصول الحديث ذكر أنَّ أول من ألَّف منهم في هذا العلم الشهيد الثاني زين الدين العاملي، وأشار ـ ضمن سياق حديثه ـ إلى أنَّ مقتله كان قد تمَّ على يد رستم باشا.
ونصُّ عبارته هي: «وأمَّا تأليفهم في أصول الحديث فقد كان معدوماً حتى ظهر زين الدين العاملي (الذي ظفر رستم باشا بقتله). فعُلمَ أنَّ هذا عيب فاحش، وتصوُّرٌ بيّن، فاشتغل به للفرار من ذاك العار، فخرج بعد حين، ومعه ما هو مُشرق من خلاصة جدّي السيد الشريف (قُدِّس سرُّه) فقد زاد العار على العار»)[1037](.
وتكاد المصادر المعاصرة للحدث تُجمع على أنَّ مقتله كان قد تمَّ سنة 965هـ/ 1558م، كما ورد ذلك عن ولد الشهيد الثاني الشيخ حسن العاملي (ت: 1011هـ/ 1602م) )[1038](، وغيره من المعاصرين.
إلاَّ أنَّ السيد مصطفى التفريشي (كان حياً سنة 1044هـ/ 1635م) ذكر أنَّ مقتل الشهيد الثاني كان قد وقع سنة 966هـ/ 1559م في القسطنطينية)[1039](. وتابعه محمد بن علي الأردبيلي (ت: 1101هـ/ 1690م) في ذلك)[1040](.
أمَّا من المتأخرين فقد ذهب الطهراني إلى أن مقتله كان سنة 966هـ/ 1559م، وأثبتَ ذلك في جميع ما ورد من مواضع فيها ذكر للشهيد الثاني في كتابيه (الذريعة)، و(طبقات أعلام الشيعة).
أمَّا تحديد يوم مقتله فقد وردت فيه أكثر من رواية تبعاً لما اكتنفته قصة مقتله من غموض.
فقد ذكر تلميذه السيد علي الصائغ أنَّه كان يوم الجمعة في شهر رجب سنة 965هـ/ نيسان، وأيَّار 1558م. (يصادف يوم الجمعة الأيام 3، 10، 17، 24، 29 من شهر نيسان، و6، 13 من شهر أيَّار). وذكر المنشي أنَّه كان يوم الخميس الأوسط من رجب سنة 965هـ/ 5 أيَّار 1558م، في حين أنَّ أحد معاصريه، وهو السيد محمد بن أحمد ناصر الدين الحسيني العاملي كتب على أحد مؤلفات الشهيد الثاني الذي نَسخَهُ بخطِّه، وهو «شرح اللمعة الدمشقية»: إنَّ الشهيد قُتلَ في 17 من شهر رمضان عام 965هـ/ 4 تموز 1558م)[1041](.
والمُرجَّح من هذه الأخبار أنَّ مقتله كان قد تمَّ على يد الإدارة العثمانية في منتصف شهر رجب سنة 965هـ/ 4 أيّار 1558م، كما يلاحظ ذلك من سياق الأحداث، وتسلسلها الزمني.
ويظهر مما كتبه ابن العودي في ترجمة أستاذه الشهيد أنَّ خبر اعتقاله كان قد انتشرَ في الأوساط، وتدخَّلتْ شخصيَّات سُنيّة سواءً أكانت داخل جهاز المؤسسة الرسمية، أم خارجها للتوسط بإطلاق سراحه.
كما ذكر ابن العودي ملابسات السعي للإيقاع به، ومَنْ يقف وراء ذلك. إلاَّ أنَّ هذه المطالب البالغة الأهمية لم تصل تفصيلاتها بسبب تلف النسخة الخطيَّة في تلك الأيام، أو استئثار بعض المعنيين بها.
الجهود الثقافية للشهيد الثاني
بالرغم أنَّ الشيخ زين الدين كان قد مارس النزعة الاستقلالية في تحرُّكه تجاه الأحداث السياسية المعقدة، دون أنْ تكون له الغَلَبة لطرف من الأطراف منذ سيطرة العثمانيين على بلاد الشام سنة 922هـ/ 1516م فإنَّه، والحال هذه، كان قد اختطَّ نوعاً جديداً من السياسة في مواجهة المتغيرات.
ويمكن ملاحظة نشاطه على صعيدين:
الأول: النشاط العملي
ويتلخَّصُ في سعيه الدائب للحفاظ على شيعة بلاد الشام، وإبعادهم عن الدخول في الأزمات السياسية. وفي هذا المنحى كان سفره إلى إسلامبول، عاصمة الخلافة الإسلامية يومذاك، لغرض تأمين الغطاء الآمن للشيعة داخل السلطنة العثمانية. فليس كلُّ شيعي ـ كما تعتقد الإدارة العثمانية ـ هو مُمالىء للصفويين، أو تابع لهم.
وقد نجح زين الدين في ذلك، ومارس هو، وأحد أصحابه، التدريس على المذاهب الخمسة ضمن التشكيلة الرسمية العثمانية، وحصل الشيعة من جرّاء ذلك على الأمن والأمان، كما يشير زين الدين نفسه إلى ذلك في وصف تلك الأيام بأنَّها «أيام ميمونة، وأوقات بهجة، ما رأى أصحابنا في الأعصار مثلها».
لكنَّ الصراع المحتدم بين الصفويين والعثمانيين لم يترك لتجربة الشهيد أنّ تمتدَّ أكثر مما امتدّتْ منذ عام 952هـ/1545م، حتى عام 955هـ/1548م.
إنَّ استجابة الإدارة العثمانية لرغبة زين الدين في العمل ضمن إطارها الرسمي كان في حدّ ذاته يهدف إلى وضع رأس السلطة الدينية الشيعية تحت رصدها لفهم نشاطاته النظرية والعملية من قريب.
إلاَّ أنَّ زين الدين من جانبه كان قد حقّق امتداداً شيعيّاً نظرياً ضمن التشكيلة الرسمية الدينية للبلاد بإقدامه على تدريس الفقه على المذاهب الخمسة في دولة لا تعترف إلاَّ بالمذاهب الإسلامية الأربعة، وموافقة الإدارة العثمانية على ذلك بنفسها.
ظهر ضمن هذه الأجواء اتجاه جديد للفقه الإمامي في محاولة للتوافق مع المؤسسات الدينية الرسمية المستحدثة لتنظيم الدراسة، والإفتاء، والقضاء.
وقد أصَّل هذا الاتجاه الثوابت المستوعبة للفقه الشيعي في أحكام العبادات والمعاملات لتكون مرشداً عملياً في الأحكام على المذهب الشيعي في دولة لا تعترف رسميّاً إلاَّ بالمذاهب الأربعة، كما تقتصر المراتب العُليا على مذهب واحد هو المذهب الحنفي.
وهذه المحاولة في حدّ ذاتها كانت تهدف إلى فسح المجال للمذهب الشيعي لأنْ يكون واحداً من المذاهب المُتَّبعَة، التي ينتشر أتباعها في طول السلطنة العثمانية وعرضها.
وقد انتبهت الإدارة العثمانية على نشاط زين الدين، وعدَّتْهُ ضَرْباً من ضروب الاجتهاد مقابل المذاهب الأربعة، وهي إحدى التُهم التي أُلصقتْ بالشيخ زين الدين قبل مقتله)[1042](.
الثاني: النشاط العلمي
أمَّا نشاط زين الدين العلمي فقد تمثَّل:
أولاً: في مجال التدريس، حيث تخرَّج على يديه نُخبة من الفقهاء الذين أصبح الكثير منهم فقهاء المذهب الإمامي)[1043](. وأظهر تلامذته: الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي (ت: 984هـ/1576م)، والد الشيخ البهائي، الذي كان رفيقه في أسفاره إلى مصر سنة 942هـ/ 1535م، وإلى إسلامبول (القسطنطينية) سنة 952هـ/ 1545م.
ثانياً: في مجال التأليف والتصنيف. حيث زخرت حياة زين الدين بالنشاط العلمي، فأخرج للمكتبة الإسلامية بشكل عام، وللمكتبة الشيعيَّة بشكل خاص مؤلفات غزيرة في علوم مُتفرّقة.
كما عُدَّ في نظر الباحثين أول مَنْ كتب من الشيعة في علم دراية الحديث. وكذلك عُدَّ أيضاً بأنه أول مَنْ أدخل الشرح المزجي في الفقه في كتب الإماميّة. كما ذكر تلميذه ابن العودي، في الرسالة التي كتبها عن حياة أستاذه زين الدين الشهيد)[1044](.
وكان للشهيد الثاني زين الدين اهتمامٌ خاص بمؤلفات سلفه الشهيد الأول محمد بن مكي، فقد وضع عدَّة شروح، وتعليقات على جملة من مؤلفاته أمثال:
1 ـ الفوائد الملّية في شرح الرسالة النفلية (في مستحبات الصلاة). وقد راعى في شرحه الاختصار، واعتمد على الشرح المزجي، كما تعرَّض في بعض الأحيان إلى بيان الأدلة.
2 ـ المقاصد العليّة في شرح الألفية. وهو من الكتب التي صنَّفها سنة 950هـ/ 1543م. وله على (الألفية) شروح ثلاثة؛ الشرح الاستدلالي الكبير، والشرح المتوسط، والمختصر الذي أشبه ما يكون بحاشية الفتوى على الكتاب الذي يُقرِّبه إلى الرسائل العملية المعتمدة لدى مقلديه.
3 ـ الروضة البهيَّة في شرح اللمعة الدمشقية. وهو من أهم مؤلفات الشهيد الثاني الفقهية، فرغ من تأليف الجزء الأول منه أوائل ربيع الأول سنة 956هـ/ أوائل نيسان 1549م، كما انتهى من جزئه الثاني في 21 جمادى الأولى سنة 957هـ/ 7 حزيران 1550م)[1045](.
استطاع الشهيد الثاني أنْ يمزج بين النص الأصلي (المتن)، وبين شرحه لهذا النص بطريقة يكاد يصعب التفكيك بينها.
وقد راعى مؤلفُه الاختصار، ومراعاة الأدلة، وسلاسة التعبير وسهولة اختيار العبارة اللغوية الواضحة، والنظر في الآراء الفقهية والموازنة بينها.
وقد احتلَّ كتاب «الروضة البهية» موقعه الخاص بين الكتب الفقهية، وأصبح محوراً للدراسة والتدريس لدى جمهور العلماء وطلاب العلوم الدينية منذ زمان تأليفه حتى الآن ككتاب دراسيّ مقرّر في مدارس الفقه الإمامي.
ومن خلال اهتمام الشهيد الثاني بمؤلفات سلفه الشهيد الأول فقد دعا ذلك تلميذه ابن العودي أنْ يكشف عن الصلة الروحية بين هاتين الشخصيتين المتباعدتين زماناً، المتقاربتين في الثقافة والتصنيف الفقهي، وكأنَّه من المعاصرين له، حتى أنَّ الشهادة جمعت بينهما في خاتمة المطاف، فَلُقِّب محمد بن مكي بالشهيد الأول، ولُقِّب زين الدين العاملي بالشهيد الثاني، وعُرف كلُّ منهما بلقبه حتى طغى على اسمه الحقيقي.
يقول ابن العودي في رسالته التي ألَّفها في ترجمة أستاذه الشهيد الثاني: «لما علم الله النسبة بينه وبين الشهيد من المشاركة في نيل درجة السعادة بخاتمة الشهادة ألقى في قلبه الميل إلى إحياء آثاره، والتعليق بشرح مصنفاته، وإظهار تحقيقاته، كانت نفسُهُ كأنَّها ممزوجة بنفسه، وكان من أنسه به كأنه معاصره».
ومن خلال أجوبة المسائل الشرعية التي كانت تصله من مختلف البلدان أمثال: جواب المباحث النجفية، جواب المسائل الهندية، جواب المسائل الشامية، أجوبة شيخ زين الدين، جواب المسائل الخراسانية، وأجوبة مسائل جبل عامل، التي تحتوي على مسائل متفرقة في الفقه، والعقائد، وغيرها، فأنها تكشف عن مقدار القاعدة الشيعيَّة التي كان يتمتّع بها هذا الفقيه من قبل قطاعات العالم الشيعي في المناطق.
ورسالته في وجوب صلاة الجمعة: بحث فيها حكم صلاة الجمعة حال الغيبة، وهي من مؤلفاته المهمة حيث ذهب فيها إلى وجوب إقامة صلاة الجمعة وجوباً عينيَّاً في زمن الغَيْبَة خلافاً لفقهاء الإمامية الذين حكموا بعدم وجوبها التعييني. ألَّفها الشهيد في ربيع الأول سنة 963هـ/ كانون الثاني 1556م.
قال في أولها: «هذه جملة تشمل على بيان حكم صلاة الجمعة في هذا الزمان، الذي قد مُني فيه بالبلية أهل الإيمان، وخذلهم ببغيه وحسده الشيطان، حتى هدموا أعظم قواعد الدين بالشُبهة لا بالبرهان، وها أنا محقق لوضع الخلاف فيها، ومرشد إلى ما هو الحق من وجوبها يومئذٍ بالدليل الواضح، والبرهان اللائح لمن أخرج رقبته من ربقة التقليد للأسلاف، وسلك سبيل الحق بالإنصاف»)[1046](.
إنَّ مؤلفات الشهيد الثاني الفقهية لم تقتصر على شرح كتب الشهيد الأول فحسب، بل تعدَّتْ إلى شرح المؤلفات التي وضعها فقهاء مدرسة الحلّة، والتي اعتُبرتْ من المصادر الرئيسية للفقه الإمامي في عصوره اللاحقة، أمثال كتب المحقق الحلي، والعلاَّمة فظهر منها:
مسالك الافهام إلى تنقيح شرائع الإسلام للمحقق الحلّي الذي يُعتبرُ أوسع مؤلفات الشهيد الثاني. قال ابن العودي عنه: «تفجرت منه ينابيع الفقه». وكان الشهيد نفسه يعتبره من أهم مؤلفاته، فقد ذكر في إجازته للشيخ تاج الدين بن هلال الجزائري المؤرخة 14 ذي الحجة سنة 964هـ هذه العبارة: «أجزتُه جميع ما جرى به قلمي من المصنَّفات، ومن أهمها كتاب «مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام». وقد طبع الكتاب طبعة حجرية سنة 1310هـ/ 1893م، وأعيد طبعه محققاً من قبل مؤسسة المعارف الإسلامية في قم سنة 1413هـ/ 1984م، في (13) مجلداً.
وذكر الطهراني في (الذريعة)، أنَّ الشهيد الثاني فرغ من شرح الجزء الأول سنة 951هـ، وفرغ من جزئه الرابع سنة 963هـ. وقد ذكره بعنوان «مسالك الافهام في شرح شرائع الإسلام»، وقال: شرح بالقول على سبيل الحاشية في العبادات، ثم بسط البحث في المعاملات)[1047](.
ومنها: روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان للعلاَّمة)[1048](.
وكلاهما من الشروح المزجية التي أصبحت معتمدة عند الفقهاء، وعليها عوّل المؤلفون والمدرسون والمجتهدون، كما يقول الأمين)[1049](.
وقد بلغت مؤلفات الشهيد الثاني الفقهية فقط ما بين كتاب ورسالة أربعين مؤلفاً وضع على بعضها شروحاً مطوَّلة، وعلى بعضها الآخر حواشيَ مختصرة، كحاشيته على «قواعد الأحكام» للعلاَّمة، وحاشيته على «شرائع الإسلام» للمحقق، بضميمة حاشيته على «المختصر النافع» له أيضاً.
وأفرد في الفقه كذلك مواضع مستقلة ككتاب «نتائج الأفكار في حكم المقيمين في الأسفار» الذي ألَّفه سنة 950هـ/ 1543م، وهو من عنوانه يتعلّق بمسائل شرعية تختص بأحكام المسافر، ورسالة في أحكام الحبوة ألَّفها سنة 956هـ/ 1549م، و«جواهر الكلمات في صيغ العقود والإيقاعات»)[1050](.
وقد اعتبرَ بعضُ المتخصصين أنَّ الشهيد الثاني كان قد تفرَّد بكتاباته في مواضيع لم يطرقها غيره، أو طرقها ولم يستوف الكلام فيها)[1051](، حيث عُدَّ كتاباه «مُسكّن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد»)[1052](، و«مُنية المريد في آداب المفيد والمستفيد» نموذجين على مثل هذا التأليف. ونال كتابه الأخير عناية الباحثين الذين اعتبروه من الكتب النادرة في موضوع التربية والتعليم)[1053](.
أمَّا مؤلفاته الأخرى فقد توزعت على شتى حقول المعرفة، فمنها: «تمهيد القواعد الأصولية والعربيّة لتفريع الأحكام الشرعية» الذي يقع في قسمين، تضمَّنَ الأول منهم مائة قاعدة في علم الأصول. أمَّا القسم الثاني فتضمَّنَ مائة قاعدة لقواعد اللغة. كما احتوى على فهرست يُسهّل اختيار القواعد واستخراجها. فرغ منه في شهر محرم سنة 958هـ/ 1551م)[1054](.
وكان الشهيد الثاني قد استفاد من بعض المؤلفات التي سبقت إلى وضع مثل هذا التأليف خصوصاً مؤلفات جمال الدين عبدالرحيم الأسنوي الشافعي (ت: 772هـ/ 1371م) في كتابيه (التمهيد في القواعد الأصولية وما يتفرع عليها من الفروع) الذي ألَّفه الأسنوي سنة 768هـ/ 1367م، «والكوكب الدريّ في القواعد العربيّة»، فقد جمع بين قواعد هذين العلمين في كتاب واحد مع تهذيب وإضافة.
أمَّا كتاباه «بداية الدراية»، و«غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين» فقد فتح بهما تأليفاً جديداً لم يسبقه من الإمامية إلى التصنيف به أحد، فهو أول من فتح بابه، وذلّل صعابه، هكذا وصفه تلميذه ابن العودي.
كتب الشهيد الثاني مختصراً في علم دراية الحديث سمّاه (الدراية)، وكان الشهيد قد وضعه على شكل فهرست لمطالب هذا العلم لخَّصه من مقدمة أبي عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري الشهير بابن الصلاح الشافعي المتوفى سنة 642هـ/ 1244م. وقد عمدَ فيما بعد إلى شرح هذا المختصر شرحاً مزجيّاً ظهر في كتب الهداية في شرح الدراية»، وقد اعتمد في شرحه الأخير على ما كتبه الطيبي المُتوفى سنة 743هـ/ 1342م في كتابه «الخلاصة في أصول الحديث».
ومن خلال المقارنة بين هذه المؤلفات يظهر أنَّ الشهيد الثاني كان قد استفاد من نهج علم الدراية الذي بلغ مبلغه لدى ابن الصلاح والطيبي، في محاولة تطبيقه على مرتكزاته الثقافية، وتأصيله منهج إمامي لهذا العلم، مستفيداً من كتابات الفقهاء الإماميين في هذا المجال كالشيخ الطوسي والمحقق الحلّي، والشهيد الأول.
ومثال على تطبيق هذا المنهج فقد عرَّف ابن الصلاح الحديث (الصحيح) على هذه الصورة: «الحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسنادُه بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً، ولا معللاً، وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل، والمنقطع، والمعضل، والشاذ، وما فيه علّة قادحة، وما في روايته نوع جرح»)[1055](.
أمَّا الشهيد فقد عرَّف الحديث الصحيح على هذه الشاكلة: هو ما اتصل سندُه إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات.
وعليه فالحديث المقطوع السند ـ في أيِّ مرتبة اتّفق القطع ـ لا يُسمّى صحيحاً، وإنْ كان رواته من رجال الصحيح.
وقد عُرِّف الصحيح عند العامة بما اتصل سندُهُ بنقل العدل الضابط عن مثله، ومع ملاحظة اكتفائهم في تحقق العدالة بعدم ظهور الفسق، والبناء على ظاهر حال المسلم، تكثرُ أحاديثهم الصحيحة»)[1056](.
* * *
إنَّ المنحى العلمي المتطور الذي قدَّمه الشهيد الثاني في مؤلفاته الغزيرة أثار إعجاب بعض الفقهاء الذين عاصروه، أو الذين جاؤوا بعده.
وقد أشار تلميذه ابن العودي في رسالته التي كتبها عنه إلى ما كان يُعانيه الشهيد في السنوات العشرة الأخيرة من حياته من الظروف التي أحاطت به، من مطاردة السلطة له، وتعريض سلامته للخطر. وكان في فترة المطاردة والتستّر والاختفاء قد وضع أغلب مؤلفاته هذه. كما وصف بعض مؤلفاته أنَّها «ظهرت في زمن الخوف».
إنَّ تصدي الشهيد الثاني للتأليف ـ في زمن الخوف، والمطاردة، والخشية من القتل ـ بهذه الكيفية المتينة من التصنيف تدل على رسوخ قدمه في العلم وتمسّكه بأصالة المعرفة، وهو اتجاه أثار دهشة بعض مترجميه الذين وصفوا مؤلفاته المكتوبة في هذه الفترة بأنَّها مؤلفات خالدة.
يقول السيد محسن الأمين: «وما ظنُّك برجل يؤلّف مؤلفاته الجليلة الخالدة على مرّ الدهور والأعوام في حالة الخوف على دمه لا يشغله ذلك عنها مع ما تقتضيه هذه الحالة من توزع الفكر، واشتغال البال عن التفكير بمسألة من مسائل العلم، يؤلفها بين جدران البيوت المتواضعة لا في قصور شاهقة، ورياض فاخرة، ولا مساعد له، ولا معين حتى على تدبير معاشه، ونقل الحطب لدفئه، وصنع طعامه»)[1057](.
علماء الشيعة تلامذة علماء السنة
لم تنعكس الأحداث المذهبية على مؤلفات الشهيد الثاني، وكتاباته، بل اتسمت تصانيفه بغزارة المعرفة وشموليتها.
فمن خلال ما قدَّمه من مؤلفات، كان زين الدين يسعى لخلق منظومة إسلامية عامة تجمع جهود علماء الإسلام من شتى نحلهم لتُكوّن جهداً موحّداً في تطوير نظرية العلم الديني من خلال مزج مناهج العلوم السُنيَّة بالمأثورات الشيعية لصياغة نظرية جديدة تساهم في تطوير مناهج البحث على مرتكزات علمية.
سبَّب هذا الانفتاح الذي تميَّز به أفقُ الشهيد الثاني انتقاداً وجَّهه له بعض الدارسين من الشيعة أنفسهم لمثل هذه الطريقة في التأليف، كما نُسِبَ ذلك لولده الشيخ حسن، وبعض أحفاده أيضاً.
نقل الحر العاملي أنْ إجازات الشهيد الثاني، وولده الشيخ حسن العاملي أظهرت أنَّ الشهيد الثاني كان قد قرأ على جماعة من علماء العامة (السُنَّة) كثيراً من كتبهم في الفقه، والحديث، والأصولين، وغير ذلك، وروى جميع كتبهم. وكذلك فعل الشهيد الأول، والعلاَّمة.
ولا شك أنَّ غرضهم كان صحيحاً، لكن ترتَّبَ على ذلك ما يظهر لمن تأمل وتتبع كتب الأصول، وكتب الاستدلال وكتب الحديث.
ويظهر من الشيخ حسن عدم الرضا بما فعلوا)[1058](.
كما أنَّ دراسة الشهيد الثاني على يد علماء المذاهب السنية الأربعة، وقبوله التدريس في المدارس الرسمية السُنيَّة، ثُمَّ إقدامه لاقتباس المناهج السُنيّة وتطبيقها على الشروح التي وضعها على الكتب الشيعية، جعلت التيار الشيعي المعاصر له، والمناهض لطريقته يتهمه في زمن حياته بالتسنّن)[1059](.
وهذه التهمة بحدِّ ذاتها ربما كان يقف وراءها الاتجاه الشيعي الموالي للسياسة الصفوية، أو غيره ممن يجهل الأطروحة العلمية والعملية التي سعى زين الدين إلى تنفيذها.
وقد نُقلَ أنَّ حفيده الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني (ت: 1064هـ/ 1654م) كان يُبدي استغرابه من دراسة جدِّه الشهيد الثاني، والشهيد الأول، والعلاَّمة الحلّي على يد العلماء السُنين، وتتبع مؤلفاتهم في الفقه وأصوله، والحديث، وعلم الكلام. وكان يُنكر عليهم، ويقول «قد ترتب على ذلك ما ترتب»!
وكان هذا الشيخ الحفيد قد درس في بلاده، ثم سافر إلى العراق وإيران وأدرك الشيخ بهاء الدين محمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي (ت: 1030هـ/ 1621م)، ثم استقر بمنطقة الحجاز حتى تُوفيَ في مكة، ودُفنَ بها.
وبالرغم من غزارة علمه فإنَّه لم يترك مؤلّفاً بعده. وعلّلَ مترجموه ذلك بأنَّه يعود إلى «شدّة احتياطه، ولخوف الشهرة»)[1060](.
إلاَّ أنَّ السيد محسن الأمين انتقد مَنْ ذهب إلى تخطئة هؤلاء العلماء الشيعة في دراستهم على يد أشباههم من العلماء السُنَّة، حيث اعتبرَ أنَّ هؤلاء العلماء استفادوا من تطبيق مناهج البحث السُنيّة في تأسيس طريقة إمامية في عدّة مواضيع كعلم دراية الحديث، والشروح المزجية، والاستفادة من وضع القواعد الأصولية والعربية)[1061](.
* * *
أما ما اشتهر من دراسة هؤلاء الفقهاء الثلاثة على يد العلماء السُنيّين فإنَّ الأمر يختلف فيما بينهم في طبيعة العلوم التي تلقوها عن هؤلاء المشايخ، وفي الظروف الموضوعية التي دعتهم إلى مثل هذا الانفتاح العلمي.
كان العلاَّمة الحلّي في بداية نشأته قد انخرط في العمل مع أستاذه الفيلسوف نصير الدين الطوسي، ورافقه في مدينة (مراغة) قرابة العقد من الزمن، وكان نصير الدين في هذه المرحلة أحد المُشرفين على الشؤون الثقافية في ظل الدولة الإيلخانية.
وفي ضمن التشكيلة الثقافية العامة في مدينة مراغة، وبأجواء جامعتها العلمية التي ضمَّت علماء المذاهب على اختلاف مذاهبهم، واتجاهاتهم الدينية فإنَّ الفوارق المذهبية لم تأخذ طريقها لسدِّ أبواب المعرفة.
فقد درس العلاَّمة في هذه الجامعة على يد مشايخ علماء السُنَّة الذين ذكرهم في إجازاته العلمية. وبالمقابل فإنَّ الكثير من المتكلمين السُنَّة كانوا قد تخرَّجوا على نصير الدين في هذه المرحلة، وعلى العلاَّمة أيضاً.
فطبيعة الدراسة والتدريس في ظل أجواء مدينة (مراغة) المزدهرة بالعلم كانت تتّسم بالمنهجية ضمن دائرة الإسلام الثقافي. وكانت النُخبة المُعدَّة لهذه المهمة من علماء المذاهب على اختلاف اختصاصاتهم تهدف إلى خلق جيل متخصص في العلوم العقلية، والفلسفية، والدينية على اختلاف مناهجها.
لذا لم يكن لفقهاء (السلب) الذين يقفون دائماً بمعارضتهم أمام التجديد أيُّ أثر في ظل أجواء العصور الذهبية للثقافة، سوى ما ظهر لاحقاً على ضفة دولة المماليك في بلاد الشام من قيام الفقيه الحنبلي ابن تيميَّة الحرَّاني من الردِّ على بعض مؤلفات العلاَّمة الحلي، وهو كتاب «منهاج الكرامة في الإمامة»، الذي لم يلق أيَّ صدى عند العلاَّمة الحلي، ولم يردَّ على شيء مما كتبه فقيه المماليك يومذاك، واكتفى بالعبارة التي استشهد بها: «لو كان يفهم ما أقول أجبتُه»، وذلك لانشغال العلاَّمة يومذاك بمهام السلطة في ظل حكومة أُولجايتوخان (خدابندة) الشيعية، المزدهرة بالعلم، والتسامح الديني والمعرفي.
أمَّا الفقيه الشيخ محمد بن المكي المعروف بالشهيد الأول المقتول سنة 786هـ/ 1384م، فلم تكن دراسته على يد علماء السُنَّة دراسة منهجية سوى ما نُقل من استحصاله لإجازات الرواية، وما يصاحبُها من قواعد في القراءة، وغيرها مما لا يُعَدُّ ذلك دراسةً منهجية منظَّمة. وقد ذكر الشهيد في بعض إجازاته أنه يروي مصنَّفات الحديث السُنيَّة، عن نحو أربعين شيخاً من علماء السُنَّة في مختلف البقاع الإسلامية التي كانت مزدهرة بهم في مكة، المدينة، بغداد، مصر، دمشق، بيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم)[1062](.
أمَّا الشهيد الثاني فهو الفقيه الوحيد من بين هؤلاء الفقهاء الثلاثة الذين انخرط في سلك الدراسة المنهجية على علماء من المذاهب السُنيَّة الأربعة.
وبالرغم أنَّ الشهيد الثاني كان قد درس جميع العلوم الإسلامية المُتعارفَة يومذاك في القاهرة، إلاَّ أنَّ دراسته هذه كانت قد انعكست على كتاباته الرزينة المنفتحة، ومحاولاته في تطبيق مناهج البحث التي ألَّفَ فيها العلماء السُنَّة على الكتابات الشيعيَّة.
فخرج بذلك بمنظومة فكرية جديدة أضافت إلى الكتابات الفقهية الشيعية، وقواعد الأحكام إضافات علمية نافعة.
أمَّا لماذا اندفعَ الشهيد الثاني لدراسة العلوم الإسلامية من مصادرها المذهبية المغايرة؟ فربما يعود ذلك ـ إذا استثنينا دوافعه الفطرية لتحصيل العلم وهو ابن الثلاثين عاماً يومذاك ـ إلى الثقل الذي تتميز به المعاهد الدراسية بمصر ومنحاها الأكاديمي، مضافاً إلى الشخصيَّات العلمية الذائعة الصيت، ذات الإلمام بالعلوم في جميع روافدها المذهبية.
وعليه فالاعتراض الذي ساقه بعض أحفاد الشهيد الثاني على العلاَّمة والشهيدين (الأول، والثاني) لم يكن مُوزَّعاً عليهم التساوي. والفقيه الوحيد الذي تنطبق عليه مقولة الدراسة على يد العلماء المذهبيين المخالفين هو الشهيد الثاني فقط.
إلاَّ أنَّ دراسة الشهيد الثاني على العلماء السنيين لم تكن قد أثَّرت على منحاه الإمامي في الفقه وأصوله، أو الحديث وعلم الكلام إذ لم ينعكس شيء من ذلك على مؤلفاته، وإنما أضافت دراسته هذه أبعاداً جديدة إلى ثقافته الدينية أولاً، وعلى المنظومة الفكرية التي حاول أن يُجدّل بها الثقافتين المذهبيتين بجديلة واحدة، ويُوحِّد بينهما ثانياً.
تلخيص المفردات
1 ـ اكتنف الغموض حياة الشهيد الثاني في جميع مراحلها، سوى ما ورد من خبر ولادته ونشأته ودراسته، ورحلاته. وهي معلومات تقريرية مقتضبة.
2 ـ نُقلت عن أخبار مقتل الشهيد الثاني روايات مبهمة مفادها أنَّه كان قد غُيّب بعد اختطافه بمكّة، ولم يُعرف عنه أكثر من ذلك. وقد تخرَّصت الروايات المتناقلة إلى أنَّه قُتل في طريقه إلى دار الخلافة العثمانية (اسطنبول)، أو نُقل إليها ثم قُتل فيها بأمر من المسؤولين هناك. ويبقى سرُّ مقتله لغزاً في كلتا الحالتين.
3 ـ نظراً لتبوّء الشهيد مكانة علمية في سلسلة علماء الإمامية بما خلَّفه من مؤلفات اكتسبت أهميتها من خلال الإقبال عليها، وإحلال بعضها مناهج مقررة في المراكز الدراسية الشيعية، فإنَّ استمرار حضوره بقي مُتتابعاً جيلاً بعد جيل دون أنْ يطرأ على تاريخه العلمي ما يُبعدُهُ عن حركة الأجيال، أو يُعرّضه للنسيان.
4 ـ ما خلَّفه الشهيد الثاني من نظريات في التربية والتعليم من خلال بعض مؤلفاته جعل نتاجه العلمي متميزاً بين فقهاء الإمامية في عصره والعصور التي تلت بالأصالة والتفرّد، خصوصاً في كتابه «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد».
د. جودت القزويني
الشهيد الصدر ودينامية الصراع الاجتماعي
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضِ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ})[1063](.
منذ أن قتل هابيل والتناقض البشري قاعدة مضطردة من قواعد الحياة. ذلك التناقض المصلحي أو النفسي أو العقائدي يرتدي ثياباً متغيرة ويستخدم أدوات تتطور بتطور الحياة. وكما يقول (الشهيد الصدر قدّس سرُّه):
«وهذا التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغاً متعددةً وألواناً مختلفةً ولكنه يظل في حقيقته وجوهره شيئاً ثابتاً وحقيقةً واحدةً وروحاً عامةً وهي التناقض بين القوي والضعيف بين كائن في مركز القوة وكائن في مركز الضعف»)[1064](.
(قد يكون هذا القوي فرداً فرعونياً، قد يكون عصابةً، قد يكون طبقةً، قد يكون شعباً، قد يكون أمةً، كل هذه ألوان من التناقض، كلها تحتوي روحاً واحدةً وهي روح الصراع روح الاستغلال من القوي الذي لم يحل تناقضه الداخلي وجدله الإنساني) )[1065](.
(ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني فسوق يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض والصيغة تلو الصيغة حسب الظروف والملابسات، حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة، إذن النظرة الإسلامية من زاوية المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان نظرة واسعة منفتحة معمقة لا تقتصر على لون من التناقض ولا تهمل ألواناً أخرى بل هي تستوعب كل أشكال التناقض على مرّ التاريخ وتنفذ إلى عمقها وتكشف حقيقتها الواحدة وروحها المشتركة ثم تربط كل هذه التناقضات بالتناقض الأعمق بالجدل الإنساني الداخلي المنبع الأساس لتلك التناقضات الاجتماعية) )[1066](.
هذا ما نسميه بدينامية الصراع الاجتماعي الذي يتحرك على عدة محاور وتتداخل وتتجدَّد وتتنوع.
صحيح أن العناصر التي تكون الحياة البشرية ثابتة منذ القدم ولكن تغير العصور والأزمنة وتغير الوعي البشري بل وتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية يدفع ببعض العوامل إلى الأمام ويدفع بأخرى إلى الخلف وهو ما يحتم على الباحثين والمهتمين بشؤون مجتمعهم وأمتهم تجديد نظرتهم التحليلية لواقعهم وعدم الجمود أمام تحليل ثابت متكلس سواء كان تحليلاً عقائدياً أو اجتماعياً.
نمضي مع الشهيد الصدر رضوان الله عليه
(فلا بدَّ للرسالة التي تريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة أن تعمل على كلا المستويين جهاد سماه الإسلام بالجهاد الأكبر هو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الاجتماعي في وجه كل ألوان استئثار القوي للضعيف دون أن نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معينة من صيغ هذا الاستئثار لأن الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغته) )[1067](.
هذه النظرة المنفتحة الواقعية التي تخالف تلك التفسيرات المحدودة ضيقة الأفق للتناقضات التي تواجهها الإنسانية سواء كانت تناقضاً طبقياً كما ادَّعت النظرية الماركسية فالتناقض الطبقي ليس هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض بل هناك صيغ كثيرة للتناقض على الساحة الاجتماعية وليدة تناقض رئيسي هو جدل الإنسان، ذلك الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان وهو الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددةً من التناقض) )[1068](.
إذن فالنظرية التي يتبناها الشهيد الصدر تقوم على تعدد عوامل الصراع والتناقض فالانقسام الاجتماعي لا يتمحور حول عنصر واحد بالضرورة هو العنصر الطبقي أو العقائدي بل هناك عوامل متعددة وأحياناً متداخلة للصراع. إنها ليست مباراة في كرة القدم حيث يلتزم كل فريق بأن يلعب في ناحية واحدة من الملعب وارتداء لون مميز يختلف عن لون الفريق الآخر وهو ما ينطبق على نظرية الصراع الطبقي (الراحلة إلى الأمجاد التاريخية) حيث يقول رضوان الله عليه:
(كنا ننتظر ونتوقع أن يزداد يوماً بعد يوم التناقض الطبقي والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية التي تطورت فيها الآلة تطوراً كبيراً ولكن ما وقع هو عكس ذلك تماماً فقد ازداد النظام الرأسمالي رسوخاً بل وجرى استبدال الصراع الطبقي الأوروبي إلى تحالف داخلي في مواجهة الشعوب الفقيرة في العالم أي شعوب العالم الثالث التي أصبحت مثل القطب الثاني في هذا التناقض) )[1069](.
هذا ما قاله السيد الصدر عن أطروحة الصراع الطبقي قبل أكثر من عشرين عاماً ولكنه رضوان الله عليه لم يطل به العمر حتى يرى كيف نجح البعض في تعريب هذه النظرية بطريقة بلهوانية من خلال ما أسموه بتحالف قوى الشعب العاملة وكيف نجح بعض أولئك (المسحوقين!!) في التحول إلى (حيتان!!) وهو المرادف العربي اللفظي لمصطلح الرأسماليين ولكن شتان ما بين رأسمالية منتجة تمارس الظلم والإنتاج ورأسمالية طفيلية تمارس السلب والنهب وكفى إنها رأسمالية عربية على وزن الاشتراكية العربية بينما اضمحل أو تلاشى الوجود الاجتماعي الاقتصادي لكثير من أولئك الذين جرى تصنيفهم سابقاً باعتبارهم من الطبقات المترفة.
ليس هذا رأينا وحدنا بل هو رأي كثير من علماء الاقتصاد عن الرأسمالية المعاصرة في مصر على سبيل المثال وحتى لا نخرج عن الإطار الأكاديمي البحت يمكن مراجعة حديث الدكتور إسماعيل صبري عبدالله جريدة العربي عدد 720 الصادر في 27/8/2000م.
تبقى أطروحة الصراع الطبقي بالنسبة لنا أطروحة أجنبية المصدر بالأساس بالرغم من أنها وجدت من يؤسس لها داخل مجتمعاتنا بل ويقوم بتعريبها ويؤسس عليها نظريات ونظم وقوانين وهي نظرية لا يمكن إثباتها بالكلية ولا رفضها بالكلية إنها رؤية جزئية لواقع موجود بالفعل ولكنها وبكل تأكيد لا تقدم تفسيراً لكل الظواهر الاجتماعية والتاريخية التي عرفتها المجتمعات البشرية.
أمّا إذا انتقلنا إلى التقسيم العقائدي الذي اعتمدته التيارات الإسلامية المعاصرة حيث قسمت العالم إلى قسمين عالم إسلامي وعالم كافر بل وانطلقت في صراعها الداخلي من نفس النقطة أي تصنيف القوى الاجتماعية والسياسية إلى قسمين إسلام وكفر.
ويتأكد هذا الأمر لنا عندما نرجع إلى تاريخنا الإسلامي لنجد أن الحالة النفسية والقبائلية قد لعبت دوراً حاسماً في تحويل صراعات عقائدية ومذهبية ومن هنا تأتي أهمية التشخيص الدقيق لطبيعة التناقض حتى يكون التفاعل الصائب مع هذه الظواهر ممكناً وإلاَّ صرنا كمن يحرث في البحر.
إنَّ قراءة التاريخ تظهر لنا بوضوح أن وقوع بعض الطبقات في دائرة الظلم لم يكن مبرراً كافياً لدى هؤلاء يدفعهم للثورة ضد هذا الظلم ولا حتى لرفضه قلبياً حيث تداخلت العوامل العنصرية القبائلية لتدفع ذلك الفرد المقهور للوقوف في وجه من يدافع عن مصالحه وحقوقه بل وللوقوف في صف هؤلاء الغاصبين لمجرد أنّ هؤلاء كانوا شيوخاً للقبائل ورؤساء للعشائر وهو ما يتكرر الآن وقد يتكرر غداً مع اختلاف بسيط في المسميات.
كيف يمكننا أن نفسر أن معاوية بن أبي سفيان الذي كان يعطي الكبار ويمنع الصغار نجح في استمالة هؤلاء الأتباع تلك القوى البشرية الضاربة التي لا تأنس إلاَّ بالعبودية بينما لم ينجح الإمام علي عليه السلام في تحقيق ذلك الهدف لأنه كان يفعل الصواب أي الأصل وهو المساواة في العطاء بين الغني والفقير وبين الرئيس والمرؤوس وبين التابع والمتبوع بينما كان من المفترض أن تقف تلك الجماهير المسحوقة بجوار من يعمل لصالحها ويريد إقامة دولة العدل الإلهي.
يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج عن المدائني قائلاً:
(آكد الأسباب في تقاعد العرب عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام أَمر المال فإنه لم يكن يفضل شريفاً على مشروفٍ ولا عربياً على عجميٍّ ولا يصانع الرؤساء وأمراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميل أحداً إلى نفسه، وكان معاوية بخلاف ذلك، فترك الناس علياً والتحقوا بمعاوية فشكى علي عليه السلام إلى الأشتر تخاذل أصحابه وفرار بعضهم إلى معاوية فقال الأشتر:
يا أمير المؤمنين إنَّا قاتلنا أهل البصرة وأهل الكوفة ورأي الناس واحد، وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت النية وقل العدد وأنت تأخذهم وتعمل فيهم بالحق وتنصف الوضيع من الشريف [لاحظ!!] فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به واغتموا من العدل [لاحظ!!] إذ صاروا فيه ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا وقل من ليس للدنيا بصاحب وأكثرهم يحتوي الحق ويشتري الباطل ويؤثر الدنيا فإن تبذل الأموال يا أمير المؤمنين يمل إليك أعناق الرجال وتصفُ نصيحتهم لك ويستخلص ودهم صنع الله لك يا أمير المؤمنين. فقال الإمام عليه السلام أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساءَ فعليها وما ربك بظلام للعبيد وأنا من أن أكونَ مقصراً فيما ذكرت أخوف وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ولا لجؤوا إلى عدل ولم يلتمسوا إلاَّ دنيا زائلة عنهم كانوا قد فارقوها وليسئلن يوم القيامة أللدنيا أرادوا أم لله عملوا، وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتي أحداً من الفيء أكثر من حقه. (شرح نهج البلاغة ج1 ص180).
إنّ هذا النموذج التاريخي يؤكد أطروحة الشهيد الصدر عن (تلك الصيغ المتعددة للتناقض) فهؤلاء الذين انحازوا إلى المعسكر الأموي قد انحازوا ضد مصالحهم الطبقية والمادية لصالح مستعبديهم من رؤساء القبائل الذين حصدوا القسم الأكبر من رشاوي معاوية بن أبي سفيان بينما لم تحصل طبقة (الخدم المستعبدين) على نصيب مماثل لما كانوا سيحصلون عليه حال بقائهم في معسكر العدل والمساواة، فلا التفسير القائم على الصراع الطبقي يصلح لسير ذلك المسلك العجيب، ولا التفسير العقائدي يشفي الغليل، إنه سلوك بشري يقوم على تقديس الآلهة البشرية المزيفة وهو في نفس الوقت نموذج متكرر يقوم على إسباغ هالة زائفة من القداسة الأبوية المبهمة وحتمية الرضوخ والخنوع للظالم الذي هو امتداد طبيعي للقدر الكوني كله ـ منطق ما زال يتحكم في الأداء السياسي لكثير من المسلمين ـ منطق قادر على اختراق أكثر الأفكار الإسلامية ثورية من خلال غلالة رقيقة من القداسة وتحويلها إلى ثقافة ثورية الشكل أموية المضمون.
لقد كان الإمام علي عليه السلام حريصاً دائماً أبداً على أن تكون التقسيمات والتصنيفات التي هي في حقيقة الأمر (تحليل سياسي وقراءة لمعطيات الواقع) قائمة على المضامين لا على العناوين.
فالتقسيم العقائدي المعتمد في مدرسة أهل البيت يقسم إلى قسمين: حزب الله وحزب الشيطان.
وحزب الله من أهم صفاته موالاة أهل البيت عليهم السلام هذا هو الجانب العقائدي في المسألة ولكنه ليس الجانب الوحيد فالموالاة الحقيقية لا بدَّ أن تقترن بحالة من الزهد في هذه الدنيا ولذاتها الفانية وإلاَّ فلا معنى على الإطلاق أن يدعي إنسان موالاة محمد وآل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم بينما هو عبد حقير من عبيد الدنيا ونعيمها وملذاتها.
لا يمكن للإنسان أن يدعي أنه من حزب الله الفائزين وهو يسلك سلوكاً اجتماعياً لا يختلف عن سلوك المترفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ولنسمع لقوله عليه السلام: (طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وتركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون).
إذن فالشعارات العقائدية وحدها لا يمكنها أن تميز بين الغث والسمين فالجماعات البشرية لا تتحرك دائماً بوحي من عقائدها مهما كان ذلك العامل قوياً وراسخاً فربما كان هناك بعض المصلحين وراء ذلك السلوك أو ذاك.
إذن فلا التقسيم المصلحي يكفي لتفسير حركة التاريخ، ولا التقسيم العقائدي يقدم جواباً لكل سؤال، فكثيراً ما غلب المصلحي أو العرقي أو النفسي على العقائدي واستتر وراءه لتحقيق أهدافه والعبرة بالأداء لا بالعناوين.
ومن هنا نأتي إلى التقسيم الذي اعتمده الشهيد الصدر رحمه الله وهو تقسيم مستمد من القرآن الكريم إنه تقسيم يعتمد على الموقف من قضية الظلم والعدل وعياً وأداءاً تلك المسألة الأساس التي هي نظام الكون والتي تنعكس على العلاقة بين الإنسان والطبيعة (كلما جسدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالة، والابتعاد عن أيّ لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان. كلما وقع ذلك، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وتفتحت الطبيعة عن كنوزها وأعطت المخبوء من ثرواتها ونزلت البركات من السماء وتفجرت الأرض بالنعمة والرخاء) )[1070](.
إن علاقة الإنسان مع الطبيعة تتناسب تناسباً طردياً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.
فلكما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وكلما انحسرت العدالة مع الخط الأول انحسر الازدهار عن الخط الثاني وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط ولكنها سُنَةٌ من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم لأن مجتمع الظلم مجتمع ممزق مشتت. الفرعونية كانت ـ على مدى التاريخ ـ تستهدف تمزيق طاقات المجتمع وتشتيت فئاته وبعثرة إمكاناته بينما يعمل المثل الأعلى على توحيد البشرية)[1071](.
من هنا نلج إلى قراءةٍ عمليةٍ للتقسيم الفرعوني للمجتمع:
1 ـ الظالمون المستضعفون أو الظالمون الثانويون (أعوان الظلمة): الذين يشكلون الحماية والسند لبقاء الفرعونية واستمرار وجودها وإطارها {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ})[1072](.
2 ـ الطائفة الثانية من الظالمين، الحاشية والمتملقون الذين لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل ولكنهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهواته ورغباته يسبقونه بالقول والتحريض {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ})[1073]( إنهم يقومون بدور الإثارة ويضربون على الوتر الحساس في قلب فرعون ويعرفون أنه في حاجة لمثل هذا الكلام.
3 ـ الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، الذين عبر عنهم الإمام علي عليه السلام بأنهم همج رعاع أتباع كل ناعق، إنهم مجرد آلات مستسلمة للظلم فاقدة للإحساس لا تدرك حتى أنها مظلومةٌ ولا تحسُّ ظلماً في مجتمعاتها أشبه ما تكون بآلات ميكانيكية، لم يعودوا بشراً يفكرون ويتدبرون، وكلما اتسعت الرقعة التي تملأها هذه الطبقة كلما ازداد الخطر الذي يهدد المجتمع بالفناء والموت.
4 ـ الطائفة الرابعة هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم لكنهم يهادنونه ويسكتون عنه فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم، وهذه الحالة أبعد ما تكون عن حالة تسمح بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان بالطبيعة، هؤلاء يسميهم القرآن الكريم (ظالمي أنفسهم) هؤلاء لم يظلموا الآخرين إنهم يدركون واقعهم لكنهم كانوا مهادنين ولهذا عبر القرآن بأنهم ظلموا أنفسهم. ولذا هل يترقب منهم أن يساعدوا المجتمع بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة؟ الإجابة هي لا بكل تأكيد.
5 ـ الطائفة الخامسة هي الطائفة التي تهرب من مسرح الحياة، تهرب وتترهب، وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مدى التاريخ (ورهبانية ابتدعوها) إنها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الله في الأرض.
6 ـ الجماعة السادسة هم المستضعفون. إنها الطائفة التي يتوسم فيها الخطر حال تحركها {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ})[1074](.
لقد علَّمنا القرآن الكريم أن موقع أيّة طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم يتناسب تناسباً عكسياً مع موقعه بعد انحسار الظلم وهذا معنى قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ})[1075]( تلك الطائفة التي كانت هي منحدر التركيب يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
نعود إلى القضية الأم: وجوب الجهاد الأكبر في مواجهة قوى الظلم الاجتماعي الداخلي، السبب الأساس لكل المصائب والويلات التي عانت وتعاني منها مجتمعاتنا بسبب الهزائم والجرائم وأم المعارك، مدركين أننا لسنا بعيدين عن دائرة الخطر التي دمرت من سبقونا وأن الصيغ الجامدة للتحليل السياسي والاجتماعي التي تمنح البعض صكوكاً جاهزة للبراءة وتجعل الآخرين دائماً في موقع الإدانة لم تمنع حركة التاريخ ولن تحول دون زوال من حكمت عليه الإرادة الإلهية بحتمية استبداله ومجيء من هو أصلح منه، إنها السنن التاريخية الحاكمة التي لا تعدلها الرغبات والأماني {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيَّاً وَلاَ نَصِيراً})[1076](.
ولو أن القيادات الدينية والسياسية لمجتمعاتنا وعت دروس الماضي بصورة جيدة ولم تتجمد أمام تجارب الحاضر المتجدد لكنا بحقٍّ أمة حيّة متجددة ولتقلصت الصراعات الداخلية التي تنهك قوى الأمة ولحلّ محلها تحالف داخلي كذاك الذي حلّ في الغرب محل الصراع الطبقي ولكن يبدو أن الذين يذهبون لدراسة الماضي يعيشون فيه ويتجمدون عنده وتتوقف حلقات تطورهم الفكري والسياسي وأن الذين يعيشون الحاضر يذهبون بعيداً محاولين الانسلاخ من ماضيهم، اللَّهم لا ذا ولا ذاك.
الدكتور أحمد راسم النفيس
الشيخ البهائي العاملي بهاء الدين
«953 ـ 1031»
هو بهاء الدين، محمد بن حسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي الجبعي المعروف بالشيخ البهائي.
عالم أديب إمامي، من الشعراء، فارسي الأصل، وُلد ببعلبك «لبنان» سنة 953هـ وانتقل به أبوه إلى إيران، واتّجه العاملي منذ نعومة أظافره إلى كسب العلوم والمعارف حيث درس علم التّفسير والحديث والفقه وآداب اللغة العربية على والده، ودرس علم الكلام وقسماً من العلوم العقلية على عبدالله المدرس اليزدي، وتعلم العلوم الرياضية على الملاّ عليّ المذهّب والمولى أفضل قائلى المدرّس، وقرأ علم الطب وقانون ابن سينا على الحكيم عماد الدين محمود حتى صار علماً من أعلام العلوم والأدب يشار إليه بالبنان. فلما اشتدّ كاهله وصفت له من العلم مناهله، رحل رحلة واسعة، ونزل بإصفهان فولاه سلطانها «شاه عباس» مشيخة الإسلام (رياسة العلماء) فأقام مدة ثم رغب في الفقر والسياحة. فترك المناصب ومال لما هو لحاله مناسب، فحجّ بيت الله الحرام، وزار النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ثم استمر في السياحة فساح ثلاثين سنة واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أهل الفضل، ثم عاد وقطن إيران، وهناك همى غيث فضله، فألّف وصنف وقرظ المسامع وشنف، وقصدته علماء تلك الأمصار واتّفقت على فضله الأسماع والأبصار، وكانت له دار مشيدة رحبة الفناء يلجأ إليها الأرامل والأيتام ويفدُ عليها الآمل والراجي، وهو يقوم بنفقتهم، ولم يزل آنفاً من الانحياز إلى السلطان راغباً في الغربة عن الأوطان يؤمل العودة إلى السياحة فلم يقدّر له حتى وافاه الأجل المحتوم في إصفهان.
ذكره العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات وقال:
«شيخنا الإمام العلاّمة، ومولانا الهمام الفهامة، أفضل المحقّقين، وأعلم المدقّقين، خلاصة المجتهدين، شيخنا بهاء الملة والحق والدين، محمد بن الشيخ العلم العلاّمة عزّ الملّة والحق والدين حسين بن عبدالصمد الحارثي الجبعي قدس الله روحه ونوّر ضريحه.
أورده السيد السند الجليل، وتلميذه الثقة النبيل، عز الدين حسين بن السيد حيدر الكركي العاملي في بعض إجازاته المبسوطة، بعد ذكر أحد عشر من مشايخه المضبوطة… وقال:
وشيخنا هذا طاب ثراه قد كان أفضل أهل زمانه بل كان متفرداً بمعرفة بعض العلوم التي لم يحم حولها أحد من أهل زمانه، ولا قبله على ما أظن من علماء العامة والخاصة، يميل إلى التصوف كثيراً، وكان منصفاً في البحث، كنت في خدمته منذ أربعين سنة في الحضر والسفر، وكان له معي محبة وصداقة عظيمة، سافرت معه إلى أئمة العراق عليهم الصلاة والسلام، فقرأت عليه في بغداد والكاظمين، وفي النجف الأشرف وحائر الحسين عليهم السلام والعسكريين عليهم السلام، كثيراً من الأحاديث، وأجازني في كل هذه الأماكن جميع كتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها، وكنت في خدمته في زيارة الرضا [علي بن موسى] عليه السلام فقرأت عليه هناك تفسير الفاتحة من تفسيره المسمّى بـ«العروة الوثقى» وشرحيه على «دعاء الصباح» و«الهلال» من الصحيفة السجادية)[1077](.
ثم توجهنا إلى بلدة هراة التي كان سابقاً هو ووالده فيها شيخ الإسلام، ثم رجعنا إلى المشهد المقدس، ومن هنا توجهنا إلى إصفهان، ومن جملة ما قرأت عليه أولاً في عنفوان الشباب «ألفية ابن مالك» في النحو، ثم قرأت عليه رسائل متعددة من تصانيف والده، وسمّعت عليه «مختصر النافع» وجملة من كتاب «قواعد الأحكام» بقراءة جماعة من المؤمنين وقرأت عليه «الاثني عشريات الثلاث» التي هي من تصانيفه، و«شرح الأربعين حديثاً» الذي هو من تصانيفه وهذا التصنيف كان بإمداد الفقير والتماسه ـ وهذا التصنيف كان في غاية الجودة ونهاية الحسن، وقرأت عليه المجلد الأول من كتاب «تهذيب الأخبار» وكذا المجلد الأول من كتاب «الكافي» لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، وكذا المجلد الأول من كتاب «من لا يحضره الفقيه» وأكثر كتاب «الاستبصار» إلاَّ قليلاً من آخره قراءة وسماعاً، وقرأت عليه «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال» وقرأت عليه «دراية» التي جعلها كالمقدمة من كتاب «حبل المتين» وقرأت عليه كتاب «حبل المتين» الذي خرج منه، وأربعين حديثاً التي ألّفها الشهيد رحمه الله، وقرأت عليه الحديث المسلسل «ألقمني الخبز والجبن» وألقمني لقمة منها، وقرأت عليه الرسالة المسماة بـ«تهذيب البيان» و«الفوائد الصمدية» كلاهما من مصنفاته في النحو.
وهو قدّس الله روحه يروي عن والده المحقق قراءة وسماعاً أجازه لجميع ما للإجازة فيه مدخل من سائر العلوم النقلية والعقلية سيما كتب الحديث والتفسير والفقه من طرقنا وطرق العامة، بحق روايته عن شيخنا الإمام قدوة المحققين الشهيد الثاني)[1078](، طاب ثراه».
وممّا يستحق الذكر هنا هو أن العلامة الخوانساري قد أطال ترجمته في الروضات وذكر أخبار وحوادث وتفاصيل متعددة وأشعاراً بالعربية والفارسية نرجو من يرغب الاطلاع عليها مراجعة كتاب روضات الجنات طبعة دار المعرفة ببيروت ـ لبنان، المجلد السابع، ص56 ـ 83.
وذكره الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل وقال:
«الشيخ الجليل بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبدالصمد… حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق ووجلالة القدر وعظم الشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحّراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضيات وغيرها».
كما ذكره السيد علي بن ميرزا أحمد في سلافة العصر، وقال:
«علم الأئمة الأعلام، وسيد علماء الإسلام، وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه، وفحل الفضل النابحة لديه أفراده وأزواجه، وطرد المعارف الراسخ، وفضاوها الذي لا نحدّ له فراسخ، وجوادها الذي لا يؤمل له لحاق، وبدرها الذي لا يعتريه محاقّ، الرحلة التي ضربت إليه أكباد الإبل، والقبلة التي قطر كل قلب علي حبها، فهو علاّمة البشر ومجدّد دين الأمة على رأس الحادي عشر [المقصود القرن الحادي عشر]، إليه انتهت رياسة المذهب والملّة، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة، جمع فنون العلم، وانعقد عليه على الإجماع، وتفرّد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع، فما من فن إلاَّ وله فيه القدح المعلّى، والمورد العذب المحلّى، إن قال لم يدع قولاً لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل، وما مثله ومن تقدّمه من الأفاضل والأعيان، إلاَّ كالملة المحمديّة المتأخّرة عن الملل والأديان، جاءت آخراً ففاقت مفاخراً وكل وصف قلت في غيره فإنَّه تجربة الخاطر.
مولده بعلبك سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وانتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجميّة. فنشأ في حجره بتلك الديار المحمية. وأخذ عن والده وغيره من الجهابذ، حتى أذعن له كل مناضل ومنابذ فلما اشتد كاهله. وصفت له من العلم مناهله. صار بها شيخ الإسلام. وفوضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام.
ثم رغب في الفقر والسياحة. واستهب من مهاب التوفيق رياحه، فترك تلك المناصب، ومال لما هو بحاله مناسب، فقصد زيارة بيت الله الحرام. وزيارة النبي وأهل بيته الكرام، عليهم أفضل التحية والسلام، ثم أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة. وأوتي في الدنيا وفي الآخرة حسنة. واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل والحال، ونال من فيض صحبتهم ما تعذر على غيره واستحال، ثم عاد وقطن بأرض العجم، وهناك همى غيث فضله وانسجم، فألّف وصنف وقرظ المسامع وشنف».
وقد أطال في وصفه بفقرات كثيرة، وذكر وفاته في سنة إحدى وثلاثين بعد الألف وذكر قسماً من مؤلفاته.
نموذج من أشعاره
قال في رثاء والده رحمه الله.
قف بالطُّلول وسَلها أين سَلماها
وَرَوِّ من جَرع الأجفان جَرعاها
ورَدّد الطَوْفَ في أطراف ساحتها
ورَوِّح الرُّوحَ من أرواح أرجاها
فَإن يفتك من الأطلال مخبرها
فَلا يَفُوتك مرآها ورَيّاها
رُبُوع فضل تَباهى التِّبْر تُربتها
وَدَارُ أنس تَخال الدُرّ حصَباها
عدا على جيرة حلّوا بساحتها
صَرفُ الزَّمان فأبلاهم وأبلاها
بُدوُر تَمٍ غمَامُ المَوتِ جَلّلها
شُموسُ فضلٍ سَحابُ التُّرب غشّاها
فالمجد يَبكى عَليهَا جازعاً أسفاً
وَالدّينُ يندبها وَالفَضل يَنعاها
يا حَبّذا أزمُن في ظلّهم سَلَفت
ما كانَ أقصَرَها عُمراً وأحلاها
أوقات عمر قَضيناها فَما ذُكرت
إلاَّ وقَطَع قَلبُ الصّب ذكراها
يا جيرة هَجَروا واستوطنوا هَجراً
واهاً لقلبي المُعنى بَعْدَكُم واها
رَعياً لليلات بالحِمَى سَلَفت
سَقياً لأيّامنا بالخيف سُقياها
لفُقدكم شُق جَيبُ الصّبر وانصدَعت
أركانُهُ وبكم ما كان أقواها
وخَرَّ من شامخات العلم أرفَعُها
وِانهدّ مِن باذخات الحِلم أرساها
يا ثاوياً بالمُصلى من قُرى هجر
كُسيتَ من حُلل الرّضوان أصفاها
أقمتَ يا بَحر بالبَجرين فاجتمعت
ثلاثةٌ كُنّ أمثالاً وَأشباها
حَويتَ مِن دُرَرِ العلياء ما حويا
لكنّ دَرَّكَ أعلاها وَأغلاها
إلى آخر القصيدة ومن جملة أشعاره الفاخرة قوله:
إنّ هَذا الموت يَكْرَهُهُ
كُلُّ مَن يَمشى عَلى الغَبرا
وَبِعَين العَقل لَو نَظَرُوا
لَرأوه الرّاحَة الكبرى
وقوله قدّس سره:
وثَورين حاطا بهذا الوَرى
وَثَور الثُّرَيّا وَثَور الثَرى
وَهُم فوقَ هذا ومِنْ تحتِ ذاك
حمير مُسرجة في قُرى
وقوله نور ضريحه:
ومائسة الأعطاف تَستركم وَجهها
بمعصمها لله كَم هَتكَت سترا
أرادت لتُخفي فِتنة مِن جَمالها
بمِعْصَمِهَا فَاستأنَفت فتنة أخرى
وقوله طيّب الله تعالى رمسه:
وثِقتْ بعَفو الله عَنّي في غدٍ
وَإن كُنتُ أدري أنّني المُذنب العاصي
وَأخلَصتُ حُبّي في النَّبي وَآله
كَفى في خَلاصي يَوم حشري إخلاصي
وكان يجتمع مدة إقامته بمصر بالأستاذ محمد بن أبي الحسن الكبري وكان الأستاذ يبالغ في تعظيمه. فقال له مرة: يا مولانا أنا درويش فقير كيف تعظمني هذا التعظيم: قال شممت منك رائحة الفضل ومدح الأستاذ بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
يا مصر سقياً لك من جنة
قطوفها يانعة دانيه
ترابها كالتّبر في لطفه
وماؤها كالفضّة الصّافيه
قد أخجل المسك نسيم لها
وزهرها قد أرخص الغاليه
دقيقة أصناف أوصافها
ومالها في حسنها ثانيه
مُنْذُ أنَخْتُ الرَّكْبَ في أرضها
أنسيت أصحابي وأحبابيه
فيا حماها الله من روضة
بهجتها كافية شافيه
فيها شفاء القلب أطيارها
بنغمة القانون كالدّرايه
ومنها أيضاً:
مَنْ شَاءَ أنْ يحيا سعيداً بها
منعّماً في عيشة راضيه
فليدع العلم وأصحابه
وليجعل الجهل له غاشيه
والطّبّ والمنطق في جانب
والنّحو والتّفسير في زاويه
وليترك الدّرس وتدريسه
والمتن والشرح مع الحاشيه
إلى مَ يا دهر وحتّى متى
تشقي بأيّامك أيّاميه
تحقّق الآمال مستعطفاً
وتوقع النقص بآماليه
وهكذا تفعل في كلّ ذي
فضيلة أو همّة عاليه
فإنْ تكن تحسبني منهم
فهي لعمري ظنّة واهيه
دع عنك تعذيبي وإلا فأشـ
كوَك إلى ذي الحضرة العاليه
وكتب إلى والده وهو بهراة:
يا ساكني أرض الهراة أما كفى
هذا الفراق بلى وحقّ المصطفى
عودوا عليَّ فربع صبري قد عفى
والجفن من بعد التّباعد ما غفا
نرجو من يرغب التفصيل والاطلاع على أشعاره مراجعة خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبّى، طبعة مصر، سنة 1284هـ. ج3، ص440 ـ وما بعدها.
وفاته
توفّي رحمه الله وقدس روحه بمدينة أصفهان في شهر شوّال سنة 1030هـ. وقيل سنة 1031هـ. وقت رجوعه من زيارة بيت الله الحرام، ثم نقل إلى مدينة مشهد (مشهد الإمام الرضا ـ علي بن موسى ـ عليه السلام ودفن في بيته قرب الحضرة المقدسة، وقبره رحمه الله هناك مشهور يزوره الخاصّة والعامة.
وقد رثاه أحد تلامذته بقصيدة قال فيها:
شيخ الأمام بهاء الدّينِ لا بَرحت
سَحائب العفو ينشها لَه الباري
مَوْلى بِه اتّضحَت سُبل الهدى وغدا
لِفَقْدِهِ الدّين في ثَوبٍ من الفارِ
والمجدُ أقسَم لا تَبدو نَواجِذُهُ
حُزناً وشقَّ عَلَيه فَضل أطهاري
وَالعلم قد دَرَست آياتُه وَعَفَت
عنهُ رسوم أحاديث وأخبارِ
كَم بِكْر فكر غَدَت للكون فاقدة
ما دَنَّسْتها الورى يوْماً بأنظارِ
كم خر لما قضَى لِلْعلمِ طودٌ علاَ
ما كنتُ أحسبُه يوماً بمنهار
وَكَم بكنه مَحاريبُ المَساجدِ
إذ كانَت تُضيء دمّي منه بأنوارِ
فاقَ الكرَام ولَم تَبرح سَجيته
إطعام ذي سَغَبٍ مَع كسوة العارِي
جَلَّ الذي اختارَ في طوسٍ له جَدثاً
في ظلّ حامي حماها بخل أطهارِ
الثّامن الضّامن الجنّات أجمعها
يَومَ القيامَةِ مِن جُودٍ لِزُوّار
مصنفاته
صنّف الشيخ البهائي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته كتباً في ضروب علوم زمانه المختلفة أدت إلى سطوع نجمه في سماء الأدب والعلوم، وإليك أخي القارىء أسماء كتبه التي توصلنا إليها مرتبة حسب مواضيعها، عربية كانت أم فارسية.
أولاً: الفقه والحديث:
1 ـ كتاب الإثني عشريات الخمس، وهو في الطّهارة والصّلاة والحجّ، ذكر المصنّف كُلاً منها منفرداً.
ولهذا المصنّف نسخ خطية ذكرها صاحب الذريعة (ج1، ص113، الرقم 547) وقال:
«النسخة المجموع فيها الكل بخطّ تلميذ البهائي «الشيخ محمد هاشم بن أحمد بن عصام الدين الأتكاني» وعليها إجازة البهائي له بخطه في رجب سنة 1030هـ. في الخزانة الرضوية. ونسخة أخرى أيضاً بخطّ تلميذه المجاز منه «الشيخ علي بن أحمد النباطي العاملي» وعليها إجازة البهائي له في جمادى الأولى سنة 1012هـ. توجد في المدرسة الفاضلية بالمشهد الرضوي».
2 ـ كتاب «الأربعون حديثاً» شرح الشيخ البهائي فيه أربعين حديثاً شرحاً وافياً، أوله: «إنَّ أحسن حديث يحلي اللسان بجواهر حقائقه، وخير خبر يجلي الإنسان في زواهر حدائقه… إلخ» فرغ منه سنة 995هـ.
طبع الكتاب المذكور طباعة حجرية في طهران سنة 1274هـ. في 362 صفحة. وسنة 1310هـ. باهتمام الميرزا محمد بن ملاّ إسماعيل القراباغي في 192 صفحة.
ولهذا الكتاب نسخ خطية ذكرها صاحب الذريعة (ج1، ص425. الرقم 2180) وقال:
«أصحّ النّسخ وأقدمها عهداً ما رأيته في كتب شيخنا آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي وهي بخط السيد شاه مير الحسيني (مستنسخة من خط المصنّف)، وعليها إجازة الشيخ البهائي بخطّه الشريف للسيد شاه مير الحسيني المذكور وشهادة أنه قرأها عليه بتمامها، وعليها آثار التّصحيحات الكثيرة. ونسخة أخرى كتبت في سنة تأليفه وهي 995هـ. وكتب الشيخ البهائي بخطه الشريف في سنة 999هـ. إنَّه وقّفها للروضة الرضويّة [بمشهد] وهي موجودة الآن في الخزانة الرضويّة».
وترجم كتاب الأربعين حديثاً تلميذ المصنّف الشيخ شمس الدين أبو المعالي محمد بن علي بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون العاملي العينائي تزيل حيدر آباد الهند والمتوفى سنة 1055هـ. وتُعرف هذه الترجمة بـ«ترجمة قطب شاه» لأن المترجم كتبها باسم محمد قطب شاه الذي توفي سنة 1035هـ وكان التأليف في حياة الشيخ البهائي، فكتب البهائي بخطه تقريظاً لطيفاً عليه في سنة 1028هـ.
وعلى كتاب الأربعين حديثاً حواش كثيرة منها:
أ ـ حاشية إسماعيل بن محمد حسين بن محمد رضا بن علاء الدين محمد المازندراني الخواجوئي الأصفهاني المتوفى في 11 شعبان سنة 1173هـ.
ب ـ حاشية أخي المؤلف الشيخ عبدالصمد بن الحسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي المتوفى سنة 1020هـ. والمدفون في النجف الأشرف. وهي حاشية مبسوطة.
ج ـ حاشية السيد عبدالله بن نور الدين بن المحدث الجزائري المتوفى سنة 1173هـ فرغ منها في سنة 1135هـ.
د ـ حاشية لتلميذ مصنّف الأصل وهو الشيخ مظفر الدين علي، وهي تعليقات كتبها في حاشية الشيخ البهائي، مخطوطة منها في المكتبة الرضوية تاريخ وقفها سنة 1067هـ.
3 ـ كتاب الجامع العباسي، وهو كتاب في الفقه كتبه بالفارسية باسم الشاه عباس، وهو مرتب على عشرين باباً، خرج منه خمسة أبواب في العبادات إلى آخر الحجّ فأدركه الأجل، فتمّمه بعده تلميذه نظام الدين الساوجي بإلحاق خمسة عشر باباً إليه.
وقد طبع هذا الكتاب مرات عديدة منها:
أ ـ طبع في طهران سنة 1230هـ. وتكرّر طبعه سنة 1263هـ.
ب ـ طبع في طهران سنة 1312هـ. طباعة حجرية، من قبل الناشر سليمان ركن الدين، في 354 صفحة.
ج ـ طبع في طهران سنة 1325هـ. طباعة حجرية، في 567 صفحة وعليه حواش للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
د ـ طبع في طهران سنة 1327هـ. طباعة حجرية، بخط جمال الدين بن أبي طالب الأصفهاني، في 303 صفحات.
هـ طبع في طهران سنة 1329هـ. طباعة حجرية، في 204 صفحات.
و ـ طبع في طهران سنة 1331هـ. طباعة حجرية، بخط جمال الدين بن أبي طالب الأصفهاني، في 345 صفحة.
ز ـ طبع في إيران سنة 1285هـ. طباعة حجرية، في 343 صفحة.
ح ـ طبع في إيران سنة 1304هـ. طباعة حجرية، في 156 ورقة.
طـ طبع في تبريز سنة 1309هـ. طباعة حجرية، في 386 صفحة.
ي ـ طبع في تبريز سنة 1354هـ. طباعة حجرية، 80 صفحة (خلاصة).
ك ـ طبع في تبريز سنة 1323هـ. طباعة حجرية، في 448 صفحة.
ل ـ طبع في تبريز سنة 1322هـ. طباعة حجرية، في 303 صفحات.
م ـ طبع في تبريز سنة 1341هـ. طباعة حجرية، في 487 صفحات.
ن ـ طبع في النجف الأشرف بالعراق، سنة 1346هـ. طباعة حجرية، بخط محمد علي التبريزي، مع حواشي الشيخ عبدالله المامقاني.
س ـ طبع في بومباي بالهند، سنة 1319هـ. طباعة حجرية، في 464 صفحة مع حواشي السيد إسماعيل الصدر.
ع ـ طبع في بومباي أيضاً، سنة 1323هـ. طباعة حجرية، في حواشي السيد محمد كاظم الطباطبائي، في 464 صفحة.
ف ـ طبع في بومباي أيضاً، سنة 1298هـ. طباعة حجرية، في 439 صفحة، وفي سنة 1301هـ. طباعة حجرية، في 440 صفحة.
ص ـ طبع في لكنو بالهند، طباعة حجرية، في السنوات: 1318هـ. في 300 صفحة، و1298هـ. في 440 صفحة، و1898م ـ في 446 صفحة، وسنة 1262هـ. ـ و1305هـ. خلاصة في 94 صفحة.
4 ـ جوابات الشاه عباس الصفوي المتوفى سنة 1038هـ. وهي خمس عشرة مسألة فارسية مع أجوبتها. قال صاحب الذريعة (ج5، ص207، الرقم 963):
منها نسخة [خطية] في خزانة السيد حسن الصدر في الكاظمية [بالعراق].
5 ـ جوابات المسائل الجزائرية (جوابات الشيخ صالح الجزائري): وهي اثنتان وعشرون مسألة سأله عنها تلميذه الشيخ صالح بن الحسن الجزائري، فأجابه الشيخ عن هذه المسائل، فجمعت الأسئلة والأجوبة في كتاب، قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص218، الرقم 1209).
«رأيته في خزانة كتب الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي بسامراء [بالعراق]، وهي نسخة عصر المصنف. وتملكها الشيخ يحيى بن عيسى بن محمد الأميني النجفي في سنة 1048هـ. ثم تملكها السيد علي خان المدني، في سنة 1088هـ.
6 ـ حاشية لكتاب الرجال للنجاشي، الأصل هو كتاب الرجال المعروف تأليف أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد النجاشي «372 ـ 450هـ». والحاشية للشيخ البهائي العاملي صاحب الترجمة، ذكرها له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص88، الرقم 459) وقال:
«قال الشيخ عبدالنبي الكاظمي تلميذ السيد عبدالله شبر في أوائل كتاب «تكملة نقد الرجال»: وجدت تلك الحواشي بخطّه [أي خط صاحب الترجمة] الشريف معلقة على هامش نسخة من كتاب النجاشي، فجمعتها كلها ودونتها.
7 ـ حاشية شرح مختصر الأصول، الشرح للعضدي، والحاشية لصاحب الترجمة.
8 ـ حاشية على من لا يحضره الفقيه، الأصل (هو أحد الأصول الأربعة للشيعة الإمامية) تأليف الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ. والحاشية لصاحب الترجمة.
9 ـ كتاب الحبل المتين، في أحكام الدين. جمع الشيخ البهائي العاملي فيه الأحاديث الصحاح، والحسان، والموثّقات، مع الشرح والبيان والتوفيق بين متنافياتها بأحسن وجه. أوله: «الحمد لله الذي دلنا على الطريق القويم… إلخ».
وقد رتّبه على أربعة مناهج:
أ ـ في العبادات، ويشمل على خمسة كتب، أولها كتاب الصلاة.
ب ـ في العقود.
ج ـ في الإيقاعات.
د ـ في الأحكام.
وطبع هذا الكتاب في طهران سنة 1319هـ. طباعة حجرية، مع الفرائض البهائية، ومشرق الشمسين، والعروة الوثقى، وتتكون هذه المجموعة من 407 صفحات. كما طبع مرة أخرى في طهران أيضاً سنة 1321هـ.
وللكتاب المذكور نسخ خطية ذكرها الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص240، الرقم 1327) وقال:
«رأيت منه نسخاً نفيسة، منها في النجف الأشرف في مكتبة السيد محمد علي بحر العلوم المتوفى سنة 1355هـ. وهي بخط جيد كتبه العالم الفاضل المولى محمد حسين بن محمد هادي وفرغ من كتابتها في 23/ذي القعدة/ 1114هـ. وكتب لها فهرساً لطيفاً يظهر منه فضله.
وقال في آخر الفهرس:
إنَّ مجموع أحاديث الكتاب بعد حذف المكررات ألف وخمسة وثمانون حديثاً من الصحّاح والحسان والثقات. ورأيت نسخة أخرى في مكتبة «سلطان المتكلمين» وهي بخط جيد كتبها الفاضل العالم المولى رشيد الدين محمد بن صفي الدين محمد السپهري، وفرغ من كتابتها في 5/ جمادى الأول/ 1023هـ».
10 ـ رسالة في أحكام السّجود.
11 ـ رسالة في ذبائح أهل الكتاب.
12 ـ كتاب الوجيزة، ألّفه ليكون كالمقدمة لكتاب الحبل المتين المذكور في التسلسل 9 فيما سبق، وله موجز في منظومة للشيخ عبدالرحيم بن عبدالحسين مطبوعة سنة 1343هـ)[1079](.
13 ـ رسالة في الفقه والصّلاة.
14 ـ رسالة في الميراث.
15 ـ رسالة في طبقات الرجال.
16 ـ رسالة في القصر بالصّلاة والتّخيير في السفر.
17 ـ رسالة في مباحث الكر.
18 ـ رسالة في معرفة القبلة.
19 ـ كتاب الزّبدة في أصول الفقه، ويشتمل على جلّ أصول الفقه، أوله: «أبهى أصل يبنى عليه الخطاب، وأولى قول فصل يمن إليه أولوا الألباب حمد من ينزه… إلخ»، رتّبه المصنّف على خمسة مناهج ذات مواضيع.
طبع هذا الكتاب في طهران سنة 1309هـ. في 128 صفحة.
20 ـ الرسالة الاثني عشرية، طبعت في طهران سنة 1307هـ. وسنة 1309هـ.
ولهذه الرسالة شروح ذكرها صاحب الذريعة في (ج13، ص62، وص63، من الرقم 195 ـ 200) وهي:
أ ـ شرح للشيخ زين العابدين بن الحسن العاملي أخ الشيخ المحدث العاملي، سمّاه «المناسك المروية».
ب ـ شرح للشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ. صاحب كتاب «المعراج».
ج ـ شرح للعلاّمة الشيخ عبدالحسن بن قاسم الحلّي النجفي المتوفى سنة 1375هـ. نسخة الأصل بخطه في مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة في النجف.
د ـ شرح للشيخ عبدالله السماهيجي، وهو شرح منظوم، (انظر الذريعة ج24، ص197، الرقم 1034ب).
هـ شرح للشيخ علي بن أحمد بن موسى العاملي النباطي.
و ـ شرح للسيد نور الدين علي بن أبي الحسن علي بن الحسين الموسوي الجبعي العاملي المتوفى سنة 1068هـ. سماه «الأنوار البهية ـ انظر الذريعة، ج2، ص421».
ز ـ شرح للشيخ حسام الدين بن جمال الدين بن طريح النجفي.
ح ـ شرح للمولى الحسين بن موسى الأردبيلي الأسترآبادي، وحين اشتغاله بالشرح أتاه نعي الشيخ البهائي، كما قاله صاحب «أمل الآمل».
21 ـ شرح رسالة في الصوم، وهي القسم الخامس من كتاب «الإثني عشريات» المذكور في التسلسل 1 أعلاه.
22 ـ كتاب مجمع النورين ومطلع النيرين، راجع التسلسل 24 فيما يلي.
23 ـ شرح كتاب «من لا يحضره الفقيه» انظر التسلسل 8 فيما سبق، والذريعة (ج2، ص109، بعد الرقم 2156) ـ مجموعة رسائل الشيخ البهائي.
24 ـ كتاب مشرق الشمسين واكسير السعادتين، أو «مجمع النورين ومطلع النيرين» ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص50، الرقم 3908) وقال:
«للشيخ البهائي محمد بن الحسين المتوفى سنة 1030هـ ذكر فيه آيات الأحكام وتفسيرها وما يناسبها من الأحاديث الصحاح والحسان مع التوضيح والبيان، خرج منه كتاب الطهارة فقط إلى أواخر غسل الأموات، كتبه بعد كتاب الحبل المتين [انظر التسلسل 9 فيما سبق] ورتّبه كترتيبه على أربعة مناهج بعد مقدّمات، ما ذكر فيه من الأخبار إلاَّ ما هو الصحيح باصطلاح المتأخّرين وقليل من الحسان، وفيه أربعمائة حديث.
أوله: «الحمد لله الذي هدانا بأنوار كتابه المبين ووفقنا لاقتفاء سنّة نبيّنا صلَّى الله عليه وآله وسلم إلخ» وفرغ منه بمدينة قم في 17/ذي الحجة/1015هـ وطبع مع «الحبل المتين» [والفرائض البهائية، والعروة الوثقى طباعة حجرية في مجموعة تتكون من 407 صفحات بطهران سنة 1319هـ. و1321هـ. ـ انظر التسلسل 9 فيما سبق].
ونسخة [خطّية] منه بخط المولى محمد طاهر بن حسن علي الكوسازى، فرغ من الكتابة في 17 محرم الحرام سنة 1102هـ. وهي عند السيد علي شبّر.
وأخرى بخط تلميذ المؤلف السيد بهاء الدين علي الحسيني الطوسي [كتبها سنة] 1017هـ. ثم كتب الوقفية عليها الشيخ البهائي بخطه للخزانة الرضوية [بمشهد] سنة 1021هـ. وعليها تقريظ السيد محمد المدني المعروف بابن جويبر، وتقريظ صدر الدين محمد بن محب علي التبريزي، وهما تلميذا الشيخ البهائي.
ونسخة السيد محمد التهجدي بقلم إبراهيم بن عبدالجليل الشيرواني، كتبها في أردبيل [إيران]، وفرغ منها في رجب سنة 1031هـ. ووصف المؤلف [الشيخ البهائي] فيها بقوله:
«العلاّمة الواصل إلى أعلى فراديس الجنان إلخ» فهو صريح في أن البهائي توفي قبل هذا التاريخ».
25 ـ كتاب مصباح العابدين، ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص113، الرقم 4184). وقال:
«ينقل عنه الشيخ محمد باقر البروجردي في كتاب «فاكهة الذاكرين».
26 ـ كتاب مفتاح الفلاح، وهو في الأعمال والأدعية في اليوم والليلة، رتّبه مصنفه على ستة أبواب بحسب تقسيم أعمال اليوم والليلة:
أ ـ ما يعمل بين الطلوعين.
ب ـ ما يعمل من طلوع الشمس إلى الزوال.
ج ـ ما يعمل من الغروب إلى وقت النوم.
هـ ما يعمل من وقت النوم إلى انتصاف الليل.
و ـ ما يعمل من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر.
أوله:
«الحمد لله الذي دلّنا على جادة النجاة وهدانا إلى ما يوجب إلخ». وفرغ من تأليفه في شهر صفر سنة 1015هـ.
طبع هذا الكتاب في طهران سنة 1317هـ. طباعة حجرية بتصحيح الشيخ علي اليزدي، في 305 صفحات. كما طبع في مصر سنة 1324هـ. في 315 صفحة، وفي بومباي بالهند، طباعة حجرية، سنة 1304هـ.
27 ـ حواش على القواعد الشهيدية.
28 ـ حاشية على كتاب «مختلف الشيعة ـ في أحكام الشريعة»، الأصل للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي المطهر العلاّمة الحلّي المتوفى سنة 726هـ. رحمها الله تعالى، والحاشية لصاحب الترجمة.
29 ـ مقالة في امتناع الزوجة عن مطلق الاستماع. «انظر الذريعة، ج21، ص397، الرقم 5652».
30 ـ مقالة في سجدات القرآن وأحكامها وآدابها. «انظر الذريعة، ج21، ص401، الرقم 5679».
31 ـ مقالة فيما لا تتم به الصلاة من الحرير، «انظر الذريعة، ج21، ص404، الرقم 5698».
32 ـ مقالة في وجه التغلّب في قوله سبحانه وتعالى: {مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} «الآية 10، سورة الملك 67» «انظر الذريعة، ج21، ص407، الرقم 5714».
33 ـ رسالة في نجاسة ذبائح الكفّار وصنائعهم. «انظر الذريعة ج24، ص65، الرقم 324».
34 ـ رسالة في وحدة الوجود، ذكرها له صاحب الذريعة (ج25، ص57، الرقم 305)، منها مخطوطة بالمكتبة الخديوية بمصر كما ذكر في فهرستها.
35 ـ الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان (عج). قال صاحب الذريعة (ج16، ص373، الرقم 1733):
قصيدة من البحر الطويل مطلعها:
سَرَى البرقُ مِن نَجْدٍ فَجَدَّدَ تَذْكَاري
عُهُوداً بِجَرْوَى وَالعَذِيْبِ وَذِي قَارِ
وشرحها الشيخ أحمد بن علي الشهير بالمتنبي)[1080]( المتوفى سنة 1151هـ، أوله:
«الحمد لله الذي فتح خزائن المعاني بمفاتيح العناية إلخ».
وعارضها جماعة، منهم الشيخ جعفر الخطي البحراني بأمر الشيخ البهائي، أوله:
هِي الدَّارُ يَسْتَقِيكَ مَدْمَعُكَ الْجَارِي
فَسَقْياً فَخَيْرُ الدَّمِعُ مَا كَانَ لِلدَّارِ
ومنهم الأمير محمد إبراهيم بن الأمير محمد معصوم الحسيني القزويني المتوفى سنة 1145هـ.
ولها تشطير للسيد عبدالله سبط المحدث الجزائري، أوله:
سَرَى الْبَرْقُ مِن نَجْدٍ فَجَدَّدَ تَذْكَاري
سَوَالِفَ أنْسَتْها تَصارِيْفُ وأَعْصَارِ
فَألَّفَ مِنْ بَعْدِ انْتِبَاهٍ مُجَدَّداً
عُهُوداً بِجَرْوَى وَالْعَذِيْبِ وَذِي قَارِ
ولها شرح طبع مع كتابه «الكشكول» الآتي في سنة 1288هـ. كما ولها شرح أيضاً اسمه «من الرحمان» في شرح قصيدة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان (عج) للشيخ جعفر النقدي، طبع سنة 1334هـ. (انظر الذريعة، ج23، ص152، الرقم 8462).
ثانياً: «التفسير» وله فيه مصنفات منها:
36 ـ حاشية على تفسير البيضاوي)[1081](.
37 ـ كتاب حلّ الحروف القرآنية.
38 ـ حواش على تفسير الكشّاف.
39 ـ شرح تفسير البيضاوي (انظر التسلسل 36 فيما سبق).
40 ـ تفسير العروة الوثقى، وهو تفسير لسورة الحمد، طبع في طهران، طباعة حجرية سنة 1319هـ. في 260 صفحة، وبذيله كتاب «الحبل المتين» في 107 صفحات، وبعده كتاب «مشرق الشمسين» في 40 صفحة. انظر التسلسلين 9، 24، فيما سبق).
41 ـ تفسير «عين الحياة» وهو تفسير مزجي بدأ فيه بسورة الفاتحة، ثم البقرة، له نسخ خطية في مكتبة الشيخ الشيرازي بسامراء، والمكتبة الرضوية لمشهد، «انظر الذريعة، ج15، ص369، الرقم 2330».
ثالثاً: «الرياضيات، والنجوم، والطبيعيات، وعلم الهيئة»
42 ـ كتاب بحر الحساب، وهو كتاب كبير في الحساب الذي لخّصه في كتابه «خلاصة الحساب» التالي.
43 ـ كتاب خلاصة الحساب، وهو خلاصة كتابه المذكور في التسلسل 42 أعلاه، ذكره له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص224، الرقم 1078) وقال:
«أجمع كتاب لفنون الحساب على اختصاره، مرتب على مقدمة وعشرة أبواب في عاشرها مسائل تمرينية، وفي الخاتمة أورد سبع مسائل لا تنحل لغموضها، وفي آخره وصيّة.
أوله: نحمدك يا من لا يحيط بجميع نعمه عدد…. إلخ، وقد أصبح هذا الكتاب من لدن تصنيفه إلى هذه الأواخر مرجعاً في التدريس والبحث…
«أما نسخه المخطوطة فكثيرة منها وشحت خطبتها باسم السلطان حمزة بهادر خان كما في المطبوعة، وبعضها مصدرة باسم السلطان حسن بهادر خان، وبعضها مطرزة باسم السلطان شاه عباس، والسلطان حمزة، والسلطان حسن، وكلاهما أخوان للشاه عباس، وفي بعض النسخ لم يصدر باسم أحد وهذه النسخ الأربعة موجودة في مكتبة المحيط».
طبعات الخلاصة: طبع هذا الكتاب مرات متعددة منها:
أ ـ في طهران، سنة 1276هـ. طباعة حجرية، بخط السيد محمد بن محمد باقر الخوانساري.
ب ـ في طهران، سنة 1281هـ. طباعة حجرية.
ج ـ في طهران، سنة 1283هـ. طباعة حجرية، بخط الملاّ محمد علي بن محمد حسين الخراساني.
هـ – في طهران، بدون تاريخ، طباعة حجرية، مطبعة محمد قلي ومحمد حسين.
و ـ في طهران، سنة 1311هـ طباعة حجرية، في 147 صفحة.
ز ـ في طهران، سنة 1291هـ. طباعة حجرية، بخط محمد علي بن محمد حسين الخراساني.
ح ـ في طهران. سنة 1319هـ. طباعة حجرية، مع تشريح الأفلاك باهتمام السيد محمد علي أديب العلماء، في 173 صفحة.
ط ـ في طهران، سنة 1279هـ. طباعة حجرية، بخط محمد علي بن محمد الخراساني.
ي ـ في طهران، سنة 1276هـ. طباعة حجرية.
ل ـ في طهران، سنة 1269هـ. طباعة حجرية.
م ـ في طهران، سنة 1267هـ. طباعة حجرية، بخط السيد محمد علي بن محمد حسين الخراساني.
ن ـ في طهران، سنة 1286هـ. طباعة حجرية، مطبعة محمد قلي ومحمد حسن.
س ـ في طهران، سنة 1301هـ. طباعة حجرية، بخط السيد أحمد ابن الملاّ محمد حسين التفرشي.
ع ـ في تبريز، سنة 1293هـ. طباعة حجرية، كطبعة عبدالرحيم.
ف ـ في كلكتا، سنة 1218هـ. و1829م.
ص ـ في كشمير، سنة 1285هـ. طبعة گلستان.
ق ـ في الآستانة، سنة 1268هـ. و1311هـ.
ر ـ في برلين، سنة 1843م. مع ترجمة بالألمانية.
ش ـ في مصر، سنة 1299هـ. طباعة حجرية، باهتمام الأستاذ حسن الطويل المصري.
ث ـ في مصر، سنة 1311هـ. مع حاشية للشيخ محمد حسين العدوي.
وقد اهتم العلماء والكتّاب بهذا المصنّف اهتماماً بالغاً منهم:
أ ـ الميرزا قوام الدين محمد بن مهدي الحسيني السّيفي القزويني المتوفى بعد سنة 1150هـ. بقليل، حيث نظم كتاب «خلاصة الحساب» في أرجوزة، أولها:
الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيْم الْوَاحِدِ
حَمْدَاً يَشُقُّ قَلْبَ كُلّ جَاحِدِ
ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ السَّرْمَدِي
على النَّبيَ المُصْطَفى مُحَمَّدِ
وآلِه الْخُزّانِ لليَقِيْنِ
أَئِمَّة بِهِمْ قُوامُ الدّينِ
وآخرها: فَهذِهِ خلاصةُ الْحِسَابِ
قَدْ نُظمت كالدُّرِ في النّصَابِ
مَخْتُومَة بأحْسَنِ الْخِتَامِ
بالْحَمْدِ والصَّلاةِ والسَّلامِ
قال صاحب الذريعة: (ج7، ص225، الرقم 1079):
«توجد نسخة منه [أي النظم المذكور] في مكتبة «سلطان القّرائي».
وقام تلميذ الناظم الملاّ محسن النحوي بشرح الأرجوزة المذكورة، وسُمِّيَ شرحه «رشحُ الحساب».
انظر الذريعة: ج7، ص225، الرقم 1076، وج24، ص209، الرقم 1088، وج11، ص236، الرقم 1433).
ب ـ الميرزا علي رضا الرضائي تبيان الملك التبريزي حيث ترجم أصول القواعد الحسابية الأربعة من كتاب «خلاصة الحساب المذكور» (الذريعة: ج35، ص190، الرقم 203).
ج ـ السيد محمد أمين القمي، حيث كتب عليه حاشية، منها مخطوطة عند السيد محمد تقي المدرس الرضوي بطهران: (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 428).
د ـ المولى محمد تقي الهروي، حيث كتب عليه حاشية سماها «توضيح الحساب». (الذريعة: ج4، ص492، الرقم 2209).
هـ الميرزا محمد رضا، حيث كتب عليه حاشية، (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 429).
و ـ الشيخ الميرزا محمد علي المدرسي الچهاردهي الرشتي المتوفى رحمه الله سنة 1334هـ حيث كتب عليه حاشية في 40 صفحة، منها نسخة خطية عند حفيده الشيخ مرتضى المدرسي. (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 430).
ز ـ السيد صدر الدين محمد بن مجد الدين بن إسماعيل بن الأمير علي أكبر (الشهير بشاه مير) الطباطبائي التبريزي، حيث كتب عليه حاشية أيضاً. (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 453).
وعلى «خلاصة الحساب»، المذكور شروح كثيرة تطرق إلى قسم منها الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص227 ـ 234، الرقم 810 ـ 845) وهي:
شرح خلاصة الحساب بالفارسية، للمير أبي طالب بن ميرزا بيك سبط المير الفندرسكى سمّاه: «توضيح المطالب ـ تجده في الذريعة أيضاً ج4، ص498، الرقم 2231».
شرح خلاصة الحساب، للسيد الميرزا أبي القاسم بن الميرزا كاظم الموسوي الزنجاني المتوفى رحمه الله في زنجان «إيران» سنة 1292هـ مخطوط منه عند أحفاده بزنجان.
شرح خلاصة الحساب، للأمير معين الدين محمد أشرف بن حبيب الله بن عماد الدين لطف الله الشيرازي الحسيني الطباطبائي تلميذ الشيخ البهائي والمجاز منه في سنة 1021هـ، وهو شرح مزجى مختصر. توجد نسخة الأصل بخط الشارح في مكتبة «السيد محمد المحيط» في طهران ولهذا الشرح مخطوطات أخرى في مكتبات العراق.
شرح خلاصة الحساب، لمجهول، ألّف في مدينة قزوين في السادس من رجب سنة 1106هـ باللغة الفارسية، مخطوط منه في مكتبة «المجدد الشيرازي» في سامراء «العراق».
شرح خلاصة الحساب، للعلاّمة محمد جعفر الأسترآبادي المتوفى روَّح الله روحه في سنة 1263هـ.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ جواد بن سعد الله الكاظمي، طبع سنة 1273هـ.
شرح خلاصة الحساب للمولى حسن النيسابوري.
شرح خلاصة الحساب، للمولى حسين اليزدي الأردكاني، وهذا الشرح موجود عند الشيخ محمد بن المولى حسن الأردكاني، وعليه تقريظ الشيخ البهائي، ومنه نسخة أخرى في المكتبة الرضوية بمشهد بخط محمد علي السجستاني كتبها في سنة 1109هـ وهو شرح مزجي.
شرح خلاصة الحساب، للمولى حسين بن الحاج إبراهيم الشريفي الشاهرودي، وهو شرح فارسي مبسوط له ديباجة طويلة، ألّفه باسم السلطان عبدالله قطب شاه بن محمد قطب شاه من ملوك الدّكن بعد وفاة والده في سنة 1035 إلى وفاته سنة 1083هـ مخطوطة منه عند الشيخ عز الدين بن محمد جواد الجزائري في النجف، وهي قديمة جداً وعليها حواشي الشارح ولا يستبعد أن تكون نسخة الأصل.
شرح خلاصة الحساب، للسيد حيدر بن علي العاملي.
شرح خلاصة الحساب، للمولى رمضان (لا يعرف عنه شيء أكثر من هذا الاسم) مخطوطة منه في مكتبة جامع مرجان (المكتبة المرجانية) في بغداد.
شرح خلاصة الحساب، فارسي، للسيد مير صادق الموسوي الخوانساري مؤلف كتاب «ضياء التفاسير» طبع سنة 1398هـ.
شرح خلاصة الحساب للسيد الميرزا زين العابدين بن أبي القاسم الموسوي الخوانساري الأصفهاني، ذكره ولده الميرزا محمد هاشم الچهارسوقي في كتابه «معدن الفوائد».
شرح خلاصة الحساب، للمولى محمد طالب بن حيدر الجيلي الأصفهاني، فارسي في مقدمة وعشرة أبواب، وفيه زيادات وفوائد عما في «الخلاصة» مخطوطة منه في مكتبة «سلطان المتكلمين» في طهران، تاريخ كتابتها سنة 1042هـ.
شرح خلاصة الحساب، للسيد عبدالرحمن بن أبي بكر المرعشي، نسخة مخطوطة منه في مكتبة «قوله» استانبول «تركية» تحت رقم 112 رياضيات، كما في فهرسها.
شرح خلاصة الحساب، للمولى عبدالرزاق الهمداني المحدث، وهو شرح بالفارسية، لم يتم.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ عبدالله بن الشاه منصور القزويني تلميذ المصنّف ونزيل مشهد.
شرح خلاصة الحساب، للسيد الأمير شمس الدين علي الحسيني الخلخالي من العلماء الأفاضل ومن أجلاء تلاميذ الشيخ البهائي، وهو شرح مزجي كتب الأصل منه بمداد أحمر والشرح بمداد أسود، ورتبه على مقدمة وعشرة أبواب كأصله.
منه نسخة خطية في مكتبة المرحوم «الشيخ علي كاشف الغطاء» في النجف الأشرف، تاريخ كتابتها سنة 1097هـ.
شرح خلاصة الحساب، للسيد علي الفودجاني من نواحي خوانسار «إيران» وهو شرح جيد استخرج فيه مسائل ما فوق الست، مخطوطة منه عند السيد أبي القاسم الخوانساري الرياضي في النجف الأشرف.
شرح خلاصة الحساب، المسمّى «أنوار خلاصة الحساب» وهو شرح لعصمة الله بن أعظم بن عبدالرسول سكن (نهار نفور) ألّفه سنة 1084هـ. طبع في كلكتا سنة 1829م. (راجع الذريعة: ج3، ص36، س6، بعد الرقم 23269، بعد الرقم 830).
شرح خلاصة الحساب، المسمى «إيضاح الحساب» (راجع الذريعة ج2، ص493، الرقم 1939م. وج13، ص232، س5) ألّف هذا الشرح الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي النجفي المتوفى رحمه الله سنة 1085هـ.
شرح خلاصة الحساب، المسمى «مقاصد الحساب» وهو شحر مزجى للسيد مرتضى الموسوي، أوله: الحمد لله الذي هدانا إلى صواب الصواب… إلخ.
خرج منه إلى آخر أبواب الكسور (الباب الثالث في استخراج المجهولات بالأربعة المتناسبة)، مخطوطة منه عند الآغا التستري (انظر الذريعة، ج21، ص379، الرقم 5552).
شرح خلاصة الحساب، المسمى «كنز الحساب»، وهو شرح فارسي للشاه زاده فرهاد ميرزا بن عباس ميرزا بن فتح علي شاه القاجار المتوفى رحمه الله سنة 1305هـ. طبع بطهران في سنة 1279هـ. ثم سنة 1288هـ. (انظر الذريعة، ج18، ص150، الرقم 1147).
شرح خلاصة الحساب، للمولى فرج الله بن محمد بن درويش.
شرح خلاصة الحساب، فارسي للعلاّمة الشيخ الميرزا محمد علي بن محمد نصير الرشتي النجفي، مخطوطة منه عند السيد محمد صادق بحر العلوم في النجف الأشرف.
شرح خلاصة الحساب، للسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر المختاري.
شرح خلاصة الحساب، فارسي للميرزا محمد بن سليمان التنكابني.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ محمد بن الشيخ عبد علي آل عبدالجبار البحراني القطيفي.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ محمد بن علي الحائري الساوجي، وهو شرح بالفارسية، قال صاحب الذريعة: «رأيته في بعض مكتبات كربلاء».
شرح خلاصة الحساب، وهو شرح مزجي للشيخ محمد بن فتاح بن عبدالله القومشهى أوله: «الحمد لله الذي عجز من إحصاء أعداد نعمه العقلاء… إلخ».
خرج منه إلى آخر بحث القسمة، منه مخطوطة في المكتبة العامة بالنجف الأشرف مع بعض رسائله الأخرى ضمن مجموعة.
شرح خلاصة الحساب، للسيد محمد بن السيد هاشم الشرموطي الحلّي صاحب كتاب «شرح تشريح الأفلاك».
شرح خلاصة الحساب، للشيخ محمد النادري.
شرح خلاصة الحساب، لمختار، كذا نقل عنه في بعض هوامش شروح خلاصة الحساب، ولا نعرف عنه أكثر من هذا.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ مسيّب السبزواري، ألّفه في حيدرآباد الدّكن بالهند في 25 شوَّال، سنة 1152هـ وهو شرح بالفارسية، أوله:
«حمديكه هيچ عددى أحصاى آن نكند، وشكريكه فكر هيچ كسى… لخ».
مخطوطة منه عند الميرزا محمد تقي بن محمد باقر المدرس الرضوي المشهدي في طهران.
شرح خلاصة الحساب، للسيد محمد مهدي بن السيد جعفر الحسيني الحائري المعروف بحكيم زاده المتوفى سنة 1231هـ.
شرح خلاصة الحساب، للمولى وحيد الدين، نقل عنه كذلك في بعض شروح الخلاصة.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ هاشم بن زين العابدين التبريزي المتوفى بالنجف الأشرف سنة 1323هـ. وهو شرح مبسوط، مخطوطة منه عند ولده الشيخ هادي، وأخرى عند تلميذه الشيخ عبدالله المامقاني في النجف الأشرف. فرغ الشارح من الشرح في سنة 1304هـ. أوله: «الحمد لله الواحد الفرد الصمد… إلخ. وقد عبر عن نفسه: بالعبد هاشم بن زين العابدين».
44 ـ الأسطرلاب، لفظ يوناني معناه ميزان الشمس، وقيل أن هذا اللفظ معرّب الفارسية «اتساره ياب». وهذا اللفظ مركّب من زساتاره» ومعناها «النجم الكوكب» و«ياب» ومعناه «الواجد». وللشيخ البهائي (صاحب الترجمة) فيه كتابان.
الأول: كتاب الأسطرلاب «بالعربية».
الثاني: كتاب الأسطرلاب «بالفارسية».
45 ـ رسالة تضاريس الأرض.
46 ـ رسالة حساب (بالفارسية).
47 ـ رسالة في تحقيق جهة القبلة.
48 ـ رسالة في أن أنوار سائر الكواكب تستفاد من الشمس.
49 ـ رسالة در حل أشكال عطارد وقمر (بالفارسية).
50 ـ رسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض، ذكرها له صاحب الذريعة: ج24، ص144، الرقم 721) وقال:
«للشيخ محمد بن الحسين بن الحسين العاملي، فيها ردّ على شرح الجغميني [المذكور في التسلسل 51 فيما يلي] طبع في آخر كتاب «شرح الملخص» لقاضي زاده الرومي لأنه شرح على هذا لمبحث منه، وقدّم على شرحه ثلاث مقدمات، كتبه بأصفهان سنة 990هـ. كما في النسخة الخطية منه التي كتبها محمد رضا بن محمد معصوم عن خط الشيخ البهائي في سنة 1108هـ. وهي في كتب محمد الخامنه اي في المكتبة «التسترية» وهناك نسخة عند (السيد شهاب الدين بقم) )[1082](.
51 ـ شرح لشرح كتاب الملخص في الهيئة، الأصل للجغميني (هو المحقق محمود بن محمد بن عمر، من علماء القرن التاسع). والشرح الأول المعروف: بـ«شرح الجغميني» للخوارزمي الرّومي (موسى بن محمود المعروف بقاضي زاده الرومي) قد طبع هذا الشرح في طهران سنة 1311هـ. طباعة حجرية، وقد كتب صاحب الترجمة (الشيخ البهائي) شرح على الشرح المذكور ويعرف: «شرح شرح الجغميني» (انظر ريحانة الأدب ج1، ص297، الرقم 735، والكنى والألقاب ج2، ص148 (الجغميني)، والذريعة ج13، ص177، 333).
52 ـ شرح حقّ المبين.
53 ـ الصحيفة الأسطرلابية، وهي رسالة صغيرة الحجم وجيزة النّظم، فيها زبدة أعمال الأسطرلاب، ونظم هذه الصحيفة السيفي القزويني المتوفى سنة 1113هـ.
(انظر الذريعة، ج15، ص716 بعد الرقم 85، ج24، ص216، الرقم 1121).
54 ـ كتاب لغز القانون، أوله بعد ترجمة نفسه:
«أيّها الأصحاب الكرام والإخوان العظام إنَّ لي حبيباً جالينوسي المشرب… إلخ».
ونسخ هذا الكتاب شايعة في المجامع. (الذريعة ج18، ص336، الرقم 361).
وللكتاب المذكور موجز كتبه الميرزا محمد إمام الحرمين ابن عبدالوهاب بن داود الهمداني الكاظمي المتوفى سنة نيف وثلاثمائة وألف، سمّاه «الموجز في شرح القانون الملغّز» فرغ منه في كربلاء سنة 1295هـ.
وشرح كتاب لغز القانون السيد سليم الرازي فرغ من الشرح في سنة 1060هـ.
55 ـ وله «رسالة في التقويم» منها مخطوطة عند شيخ الإسلام الزنجاني (الذريعة: ج21، ص251، الرقم 4885).
56 ـ كتاب ميزان المقادير، فارسي ويسمّى «أوزان شرعي» رتّبه على اثني عشر فصلاً، تكلم فيه حول وحدات الأوزان والمساحات الشرعية والمقادير المختلفة وأوزانها (ذو الزوايا ـ الدائري ـ الهلالي ـ النّعلي ـ وغيرها).
نسخة خطية منه كتبت في شهر محرم الحرام سنة 1202هـ. في جامعة طهران برقم 3/957.
ونسخة خطية أخرى مع شروح لقطب الدين علي في مكتبة تبريز برقم (أدبيات ـ 21) وعليها تاريخ سنة 1216هـ.
57 ـ رسالة في القطر إلى المحيط، ذكرها له صاحب الذريعة، ج24، ص146، الرقم 731.
رابعاً: «الآداب والحكمة»:
58 ـ كتاب أسرار البلاغة، نسب إليه مع «المخلاة» المنسوبة إليه في النسخة المطبوعة بمصر سنة 1317هـ. «الذريعة: ج2، ص42، الرقم 163».
59 ـ وله ديوان شعر جمّعه ولدا رضا الحر (انظر روضات الجنات، ج7، ص67، س17).
60 ـ كما جمع الأستاذ غلام حسين جواهري أشعاره الفارسية ونشرها في طهران بكتاب أسماه «كليات أشعار وآثار فارسي شيخ بهائي» طبع في مطبعة سنائي بطهران، كما طبعت «كليات أشعار فارسي» مع كتابه «موش وگربه» الآتي ـ في طهران سنة 1336هـ.ش. من قبل «كتابفروشي محمودي ـ مكتبة المحمودي» بتصحيح الأستاذ مهدي توحيدي پور.
61 ـ كتاب «پند اهل دانش وهوش بزبان گربه وموش». ومعناه: «تذكرة (نصيحة) أهل العلم والذكاء على لسان القطة والفأر» وهو كتاب بالفارسية نشره فرج الله زكي في مصر سنة 1346هـ. في 272 صفحة. وطبع في ذيله كتاب «نان وپنير» الآتي، مطبعة السعادة ـ مصر.
62 ـ كتاب مثنوي نان وپنير، ذكره له صاحب الذريعة (ج19، ص319، الرقم 1390)، كتبه في 309 أبيات.
طبع في إيران ـ أصفهان سنة 1328هـ.ش. كما طبع في مصر (انظر التسلسل 61 فيما سبق)، ومعنى «نان وپنير» الخبز والجبن.
63 ـ كتاب مثنوي نان وحلوا، أي الخيز والحلوى. ذُكره له صاحب الذريعة (ج19، ص319، الرقم 1392) وقال:
«مثنوي في 408 أبيات، طبع مكرراً بطهران في سنة 1303هـ مع كتاب «شير وشكر» الآتي، بمباشرة عبدالغفار وبعدها بالهند ومصر وتركيا، وفي إيران بشيراز وأصفهان».
64 ـ مثنوي شير وشكر، ومعناه: «اللّبن والسّكر»، للشيخ البهائي أيضاً، طبع في طهران كما ذكرنا في المادة السابقة.
65 ـ مثنوي نان وخرما، ومعناه: «الخبز والتمر» لصاحب الترجمة طبع مع كتاب «شير وشكر» وكتاب «نان وپنير» المذكورين أعلاه بأصفهان سنة 1328هـ. جمعاً في 56 صفحة.
66 ـ كتاب تهذيب البيان، وهو متن مختصر في النحو والإعراب، أوله:
«باسمك يا ربّ يبتدى الكلام، وبحمدك يختم كل أمر يرام…» طبع في الهند ضمن مجموعة. ولهذا الكتاب شروح منها:
أ ـ شرح الشيخ محمد بن علي الحرفوشي المتوفى سنة 1059هـ.
ب ـ شرح السيد نعمة الله الجزائري الموسوم بمفتاح اللّبيب.
ج ـ شرح العلاّمة السيد علي محمد بن محمد بن العلاّمة السيد دلدار علي التقوي اللّكهنوي المتوفى سنة 1312هـ. الموسوم بإرشاد اللّبيب في شرح التهذيب.
67 ـ كتاب «سوانح سفر الحجاز». وهو نفس كتابه الموسوم: «مثنوي نان وحلوا» المذكور في التسلسل 63 فيما سبق.
68 ـ كتاب الفوائد الصمدية في علم العربية، في النحو والإعراب، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص345، الرقم 1606) وقال:
«في خمس حدائق، كتبه لأخيه عبدالصمد».
ولهذا الكتاب شروح منها:
أ ـ الفرائد الشمسيّة في شرح الفوائد الصمدية، للشيخ جمال الدين أحمد بن محمد الّلاهيجاني أحد تلامذة الشيخ البهائي (صاحب الترجمة)، مخطوطة منه في مكتبة مدرسة البروجردي (الذريعة: ج16، ص138، الرقم 315).
ب ـ الفرائد العسجدية في شرح الفوائد الصمدية، للسيد رضا بن السيد محسن الحلّي الحسيني الأعرجي، ألّفه قبل سنة 1151هـ. ثم لخّصه وسماه «تهذيب الفرائد في شرح الفوائد الصمدية». ونسخة من هذا التهذيب في مكتبة آية الله السيد شهاب الدين المرعشي في مدينة قم ـ إيران، وفرغ من التهذيب هذا في سنة 1151هـ أوله:
«الحمد لله الذي هدانا إلى كلمة باقية هي الإسلام، وشرّفنا بالكلام المهذب المفضل المحفوظ من تطرق التحريف وتبديل الأحكام… إلخ. انظر «الذريعة: ج16، ص139، الرقم 320».
ج ـ الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية، للسيد صدر الدين علي خان ابن نظام الدين أحمد الحسيني الدّشتكي المدني الشيرازي (1052 ـ 1118هـ أو 1120هـ) ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص290، الرقم 1559) وقال:
«هو شرحه الكبير للصمدية، وله شرحان آخران، الشرح المتوسط. والشرح الصغير، أول الحدائق:
«الحمد لله الصّمد بما له من المحامد الأبدية» طبع في سنة 1297هـ)[1083]( رأيت نسخة عصر المصنّف بالخطّ الجيد (والمظنون أنها خطّ المصنّف) عند «سلطان المتكلمين» ثم اشتراها «مجد الدين» لمكتبته، وفيها ذكر تاريخ فراغ المصنّف في صبيحة يوم الإثنين (13/ جمادى الثاني 1079هـ). وفي النسخة المطبوعة ذكر التاريخ بجميع الخصوصيات من الساعة، واليوم، والشهر والسنة، 1099هـ وهو من باب تصحيف السبعين بالتسعين».
د ـ شرح الصمدية، للشيخ جواد بن محرم علي بن كلب قاسم الطّارمي المتوفى بزنجان (إيران) سنة 1325هـ والنسخة عند ولده العالم الشيخ الميرزا يحيى.
هـ – شرح الصّمدية بالفارسية، قال صاحب الذريعة (ج13، ص362، الرقم 1341): «طبع في إيران ولا نعرف مؤلّفه».
و ـ شرح الصّمدية، للسيد حسين بن السيد علي بن السيد أبي طالب الحسيني الهمداني.
ز ـ شرح الصّمدية، الكبير، للسيد بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد باقر الحسيني المختاري النائيني، وهو شرح مزجى في خمس مجلدات وعليه حواش كثيرة، أوله: أولى كلام يستعان به على جملة المهام بعد التبريك باسم الله الملك العلاّم حمده جزيل على الإنعام… إلخ.
المجلد الأول منه في مكتبة آية الله السيد شهاب الدين التبريزي المرعشي في قم.
ح ـ وللسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر الحسيني المختاري النائيني المذكور شرحان آخران، متوسط وصغير.
طـ شرح الصّمدية، للمولى محمد مؤمن بن شاه مرتضى الكاشاني، ألّفه في حياة المصنّف الشيخ البهائي، فرغ منه يوم الجمعة 20 صفر سنة 1027هـ. نسخة منه بخط المؤلف بتاريخ 1032هـ. عند السيد محمد الجزائري في النجف الأشرف.
ي ـ شرح الصّمدية، للمولى محمد مؤمن بن الحاج محمد قاسم الجزائري الشيرازي، اسمه: «جامع المسائل النحويّة».
ذكره له صاحب الذريعة (ج5، ص70، الرقم 277) وقال:
«كتب هذا الشرح قبل بلوغه، ثم كتب عليه حواش، دوّنها بنفسه، وسمّاه «الدرّ المنثور…».
ك ـ شرح الصّمدية، للميرزا محمد بن سليمان التنكابني المتوفى سنة 1302هـ كتبه في أحد عشر يوماً وهو مشغول في شرب الدواء. «انظر الذريعة: ج13، ص361 ـ 363، الرقم 1340 ـ 1350».
69 ـ كتاب الكشكول، وهو في فنون شتى أوله الحمد لله الواحد المعين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين… إلخ. جمع المؤلف فيه نوادر تتحرك لها الطباع، وتهش لها الأسماع وطرائف كثيرة.
طبع هذا الكتاب مرات عديدة منها:
أ ـ في طهران، سنة 1266هـ، طباعة حجرية، باهتمام ملاّ عباس، خط عبدالله الطالقاني، لم يدوّن تسلسل للصفحات.
ب ـ في طهران سنة 1296هـ. طباعة حجرية، باهتمام عبدالغفار نجم الدولة في 648 صفحة.
ج ـ في طهران، سنة 1321هـ. طباعة حجرية، الطبعة الثانية للطبعة المدوّنة في «ب» أعلاه.
د ـ في طهران، سنة 1291هـ. طباعة حجرية، في 396 صفحة.
هـ – في بومباي الهند طباعة حجرية.
و ـ في قم (إيران) سنة 1337 ـ 1339هـ.ش. بتصحيح وتعليق سيد مهدي لاجوردي.
ز ـ في بولاق سنة 1288هـ. في 435 صفحة، مع شرح الشيخ أحمد المنيني على قصيدة مدح إمام الزمان (عج).
ح ـ في بولاق سنة 1339هـ. في 431 صفحة.
طـ في مصر ـ المطبعة الميمنة، سنة 1305هـ. في 352 صفحة.
ي ـ في مصر ـ المطبعة البهية، سنة 1302هـ.
ك ـ في مصر ـ المطبعة الشرقية، سنة 1302هـ.
ل ـ في مصر ـ سنة 1318هـ. في 535 صفحة.
70 ـ كتاب المخلاة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص232، الرقم 2728) وقال:
«كتاب جليل نفيس عزيز النسخة، جمع فيه من كل شيء أحسنه من اللّطائف والطّرائف والأخبار والأشعار والمواعظ والأخلاق، وهو غير هذا الموسوم؛ «المخلاة» والمطبوع في مصر)[1084]( والمنسوب إلى الشيخ البهائي، جزماً، فقد رأى نسخة من المخلاة البهائية شيخنا العلاّمة النوري [هو الحاج ميرزا بهاء الدين ابن الحاج ميرزا جواد ابن الحاج الملاّ محمد علي النوري الأصفهاني من أكبر علماء أصفهان، توفي رحمه الله يوم الخميس 20/جمادى الأولى/ 1343هـ.ق. في أصفهان، ودفن في مقبرة «تخت فولاد ـ أصفهان»]، ونسخة أخرى من «المخلاة» رآها الشيخ عبدالنبي النوري وسمعت بعض الفضلاء من أحفاد عبدالصمد التستري أنه موجود في خزائنهم مستور عن الأنظار، ثم حدثني صديقي السيد أحمد الشهير آغا التستري أنه رآه عندهم ونقل عنه أشياء منها تفصيل دعاء عبدالله بن استنطال الصحابي.
وقال: السيد آغا [المذكور]:
«إنه قد وقع هذا الكتاب عند الأمير عبدالصمد بعد ما كان عند السيد عبدالله الطبيب ابن السيد حسين بن العلاّمة الأجل المير السيد علي التستري».
71 ـ وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان، أو (الفوز والأمان)، راجع التسلسل 25 فيما سبق.
72 ـ مكتوب الشيخ البهائي، بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبدالصمد، إلى السيد الميرزا إبراهيم الهمداني، أوله:
يا غَائِبَاً عَنْ عَيْنِي لا عَنْ بَالِي
والْقُرْبُ إليكَ مُنْتَهَى آمالِي
قال صاحب الذريعة (ج22، ص162، الرقم 6511): «والنسخة في مجموعة عند المولى الخوانساري مع جواب الميرزا إبراهيم له، وفي [الخزانة] الرضوية [في مشهد ـ إيران] أيضاً». وتسمّى هذه الرسالة «منشآت البهائي» أيضاً.
73 ـ رسالة في الوجود الذهني، قال صاحب الذريعة (ج25، ص38، الرقم 188): «نسخة منها في مكتبة بشير آغا باستنابول».
خامساً: «الأدعية»:
74 ـ حدائق الصالحين، ذكرها له صاحب الذريعة في (ج6، ص288، الرقم 1551) وقال: في شرح صحيفة سيد الساجدين [الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين]، جعل شرح كلّ دعاء في حديقة، وقد خرج شرح عدّة من حدائقه، وكانت تلك العدّة موجودة في المشهد الرضوي في عصر العلاّمة المجلسي [انظر ترجمته في هذا المجلد]، كما ذكره بعض معاصريه أو تلاميذه في رسالة كتبها إليه، والرسالة بصورتها مدرجة في آخر إجازات البحار [كتاب بحار الأنوار]، ولكن الموجود المتداول منها اليوم هو «الحديقة الهلالية» فقط، وهو في شرح دعائه عند رؤية الهلال الذي هو الدعاء الثالث والأربعون، وأوله:
«نحمدك يا من أطلع في فلك الهداية شمس النبوة وقمر الولاية».
وقال في آخره:
«تمّ تأليف «الحديقة الهلالية» من كتاب «حدائق الصالحين» ويتلوها بعون الله تعالى «الحديقة الصّوفية» وهي في شرح دعائه عليه السلام عند دخول شهر رمضان».
وذكر أنه قال في أثناء الهلالية ما لفظه: «وقد قدمنا في «الحديقة الأخلاقيّة» في شرح دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق كلاماً».
ثمّ أورد الكلام بعينه، ودعاء المكام هو الدعاء العشرون، فظهر أن ما خرج من قلم الشيخ البهائي لم يكن منحصراً بالحديقة الهلالية حتى يقال أن استعمال «حدائق الصالحين» مجاز لا حقيقة له».
75 ـ الحديقة الهلاليّة انظر التسلسل 74 فيما سبق.
76 ـ الحديقة الصوفيّة انظر التسلسل 74 فيما سبق.
77 ـ الحديقة الأخلاقيّة انظر التسلسل 74 فيما سبق.
78 ـ شرح دعاء الصباح، وهو من أدعية الصحيفة السجّاديّة، الأصل للإمام السجّاد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، والشرح لصاحب الترجمة «انظر الذريعة، ج13، ص256، بعد الرقم 938».
79 ـ مفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، وهو في الأدعية في اليوم والليلة (انظر التسلسل 26 فيما سبق).
80 ـ كما وله رسائل أخرى لو أخذنا بنظر الاعتبار لتجاوزت مؤلفاته المائة مؤلّف. وتجد أخباره في:
1 ـ آتشكده آذر (بالفارسية)، ص170.
2 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج6، ص334.
3 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج44، ص216.
4 ـ أمل الآمل للحرّ العاملي، ج1، ص155.
5 ـ تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان، ج3، ص353.
6 ـ تاريخ عالم آراي عباسي (بالفارسية)، ج2، ص 967.
7 ـ تذكره نصر آبادي (بالفارسية)، ص150.
8 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله الماماقاني، ج3، ص107.
9 ـ جامع الرواة للعلاّمة الشيخ محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، ج2، ص100.
10 ـ حديقة الأفراح لأحمد بن محمد الهمداني الشيرواني اليماني، ص81.
11 ـ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبّي، ج3، ص440.
12 ـ دائرة المعارف الإسلامية، (البهائي ـ العاملي).
13 ـ دائرة المعارف للشيخ الأعلمي، ج13، ص250.
14 ـ دائرة المعار البستانية، ج11، ص462.
15 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آغا بزرك الطهراني.
ج1 ـ ص113، 425.
ج2: ص42، 109، 421، 493.
ج3: ص36.
ج4: ص492، 498.
ج5: ص70، 207، 218.
ج6: ص84، 88، 240، 288، 290.
ج7: ص224، 225.
ج11: ص236.
ج13: ص177، 227، 232، 256، 261، 262، 263.
ج15: ص16، 369.
ج16: ص138، 139، 345، 337؟.
ج18: ص150، 336.
ج19: ص319.
ج20: ص232.
ج21: ص50، 251، 379، 397، 401، 404، 407.
ج22: ص162.
ج23: ص152، 253.
ج24: ص65، 144، 146، 197، 209، 216.
ج25: ص38، 51، 57، 190.
17 ـ روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات، للعلامة الشيخ محمد باقر الموسوي الخوانساري، ج7، ص57، الرقم 599.
18 ـ رياض العارفين للميرزا رضا قلي خان بن محمد الهادي النوري المتخلّص بهدايت، ص58.
19 ـ ريحانة الأدب للمدرّس التبريزي، ج3، ص301.
20 ـ سفينة البحار للشيخ عباس القمي، ج1، ص113.
21 ـ سلافة العصر للسيد صدر الدين علي بن نظام الدين أحمد الحسيني الشهير بالسيد علي خان المدني الشيرازي، ص289.
22 ـ طرائق الحقائق، للميرزا معصوم بن رحمة علي شاه القزويني، ج1، ص137.
23 ـ الغدير، ج11، ص244.
24 ـ فلاسفة الشيعة لعبدالله نعمة، ص398.
25 ـ الفوائد الرضوية للشيخ عباس القمي، ص503.
26 ـ قاموس «لغت نامه دهخدا ـ بالفارسية»، للأستاذ الكبير علي أكبر دهخدا، «شيخ بهائي».
27 ـ كتاب «كليات أشعار وآثار فارسي شيخ بهائي» باللغة الفارسية، طبعة مطبعة «سنائي» بطهران بتصحيح واهتمام الأستاذ غلام حسين جواهري.
28 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج2، ص100.
29 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف البحريني، الرقم: 16.
30 ـ مجمع الفصحاء، لرضا قلي خان المتخلّص بهدايت، ج2، ص8.
31 ـ مستدرك الوسائل لنوري الطبرسي، ج3، ص417.
32 ـ مقدمة كتاب «گربه وموش» باللغة الفارسية، طبعة مطبعة السعادة بمصر سنة 1346هـ. بإشراف الأستاذ فرج الله زكي.
33 ـ نجوم السماء للمولوي الميرزا محمد علي الكشميري، ص28.
34 ـ نزهة الجليس للشيخ عباس بن عليّ العاملي المكي، ج1، ص377.
35 ـ نفحة الريحانة، ج2، ص291.
36 ـ نقد الرجال للمير مصطفى التفرشي، ص302.
37 ـ هدية الأحباب للشيخ عباس القمي، ص109.
38 ـ وله أخبار أيضاً في: كتاب منتخب التواريخ، ومعجم المطبوعات العربية والمعربة ليوسف سركيس، وقصص العلماء، والتنبيهات، ومطلع الشمس.
39 ـ كما نرجو مراجعة ما ذكرناه عنه في ترجمة المير داماد (الشيخ محمد باقر بن محمد الأسترآبادي) المتوفى سنة 1041هـ. في هذا المجلد.
قيس آل قيس
الشيخ جعفر الشوشتري
هذا هو أعظم واعظ بأفعاله وأقواله في العصور الأخيرة، بل هو خاتمة الواعظين الذين كانت عظاتهم كأنها تدخل إلى الجنان قبل أنْ تمرّ على الآذان، وتؤثر في الطبع قبل أن تجري على السمع. وقد طبقت شهرته آفاق العراق والهند وإيران، وكل رقعة من الأرض فيها نسمة من الشيعة الإمامية. وخرج من مسقط رأسه شوشتر وهو غلام فتوطن دار هجرة العلم (النجف)، وحضر على الأعلام من أولاد كاشف الغطاء، ثم حضر قليلاً على وطنيّه العلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري، وكان يباحث في الفقه ويؤلف، ولكن تغلّب عليه اشتهاره بالموعظة لامتيازه فيها وبراعته بها فكانت تجتمع الألوف تحت منبره والدموع تسيل من السامعين كلّ مسيل، وأكثر ما بلغ به إلى ذلك خلوصه وانقطاعه إلى الله ورغبته عن الدنيا على الجد والحقيقة.
وقد جمع بعض ملازميه عدة كتب ضخام من مواعظه، وغريب أساليبه. والذي خرج من قلمه الكريم هو كتاب «الخصائص الحسينيّة»، وهو رسالة جليلة، وكتاب في الفقه أشبه بالرسالة العملية.
وبالجملة إنّ هذا الإمام (قدّس سرّه) من حسنات الأيام ونوابغ الدهور. وفي آخر عمره قصد زيارة الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام فكان له من الشان والعظمة في إيران، ما لا يتسع المقام لبيانه، وفي عوده قافلاً أجاب داعي الله الذي لم يزل هو داعياً له، ثم حملت جنازته الطاهرة إلى النجف، فكان يوم وروده إليها يوماً مشهوداً ورزؤه رزءاً عظيماً أخرج المخدّرات من الحجال، وأهاب بعامة الرجال فاستقبلوه بالعويل من عدّة أميال فعطر الله مرقده، ومنَّ على الأمة بأمثاله إن شاء الله.
وكانت وفاته قدّس الله سره في أخريات صفر من السنة الثالثة أو الثانية بعد الثلاثمائة وألف.
واتفق في ليلة وفاته قبل العشاء أنَّ الشُهب والنيازل صارت تتهاوى في الجو حتى ملأت الفضاء، وأدهشت الخلق.
وكنتُ ممن رأى ذلك بعيني رأسي، واستمرت ما يقربُ من نصف ساعة.
ثم بعد ثلاثة أيام وردَ نعيُهُ إلى (النجف) فعُدّتْ كرامةً به كما اتفق عند موت كثير من أكابر العلماء مثل ذلك. والله أعلم.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
الشيخ الطوسي
(385 ـ 460هـ)
شيخ الطائفة الحقة، ورئيس الفرقة المحقة أبو جعفر بن الحسن بن علي المعروف بالشيخ الطوسي (قدّس سرّه) القدوسي. وهو شيخ جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب. وهو المهذب للعقائد والأصول والفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل صنف في كُلّ فنون الإسلام، نعته السبكي بفقيه الشيعة ومصنفهم، وقال صاحب الذريعة هو أول من جعل النجف الأشرف مركزاً علمياً تأوي إليه الناس. (انظر الذريعة (ج2، ص14)، وطبقات الشافعية للسبكي (ج3، ص51)، وروضات الجنات (ج6، ص216)، انتقل من خراسان إلى بغداد سنة 408هـ واستقر بها أربعين سنة، ثم رحل إلى الغري «بالنجف الأشرف» فاستقر إلى أن تُوفي رحمه الله تعالى.
قال الأسترآبادي في منهج المقال: «كان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، ولد (الطوسي) (قدّس سرّه) في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة في طوس وقدم العراق في شهور سنة ثمان وأربعمائة، كان يقول أولاً بالوعيد)[1085]( ثم رجع وهاجر إلى مشهد أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام] خوفاً من الفتن التي تجددت ببغداد وأحرقت كتبه وكرسي كان يجلس عليه للكلام»)[1086](.
وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: «فقيه الشيعة، له مصنفات كثيرة في الكلام على مذهب الإمامية، وجمع تفسير القرآن وأملى أحاديث وحكايات في مجلسه، حدث عن [الشيخ] المفيد، وهلال الحفار وغيرهما، روى عنه ابنه الحسن وغيره».
وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: «فقيه الإمامية وعالمهم وهو صاحب «التفسير الكبير» وهو عشرون مجلداً، وله تصانيف أخر، وكان قوي التشيّع».
وقال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: «عماد الشيعة ورافع أعلام الشريعة شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام، وقد ملأت تصانيفه الأسماع، ووقع على قِدَمِهِ وفضله الإجماع، ومن أكبر جهابذة الإسلام، ومن يرجع إلى قوله في الحلّ والإبرام والحلال والحرام.
تتلمذ على الشيخ المفيد [محمد بن محمد بن النعمان]، والسيد المرتضى، وأبي الحسين علي بن أحمد بن محمد ابن أبي جيد القمي.
وثقة جمع من العلماء وغيرهم رحمهم الله، وكان فضلاء تلامذته الذين كانوا مجتهدين يزيدون على ثلاثمائة من الخاصة، ومن العامة ما لا يحصى. كان مقامه في بغداد مع الشيخ المفيد رحمه الله نحواً من خمس سنين، ومع السيد المرتضى نحواً من ثمان وعشرين سنة، وبقي بعد السيد [المذكور] أربعاً وعشرين سنة اثنتي عشرة سنة منها في بغداد ثم انتقل إلى النجف الأشرف وبقي هناك إلى أن تُوفي».
وقال أستاذنا العلاّمة التستري رحمه الله في قاموس الرجال: «هو شيخ الطائفة بالاستحقاق، وهو المراد من التعبير بالشيخ ممّن بعده في الفقه والأصول والرجال بالإطلاق، وعلى كتبه صار بعده المدار في جميع الأعصار والأدوار. وحكى جماعة أنه وشيَ بالشيخ إلى الخليفة العباسي…، فرفع الخليفة شأنه وانتقم من الساعي وأهانه. [وأضاف العلاّمة التستري قائلاً]: وقد أكثر ياقوت الحموي في معجم أدبائه عن فهرسته في من كان من الرواة أديباً.
وقال آية الله السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: «ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385، وهاجر إلى العراق فهبط ببغداد سنة 408هـ، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاماً، وفيها لقي محمد بن محمد بن النعمان الشهير بالشيخ المفيد وتتلمذ عليه، وأدرك شيخه الحسين بن عبيدالله بن الغضائري المتوفى سنة 411هـ، وشارك النجاشي [أحمد بن علي] في جملة من مشايخه، وبقي على اتصاله بشيخه «المفيد» حتى اختار الله للأستاذ دار لقائه سنة 413هـ، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، وعين له في كل شهر اثنى عشر ديناراً، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة، إلى أن تُوفي المرتضى، فاستقل المترجم بالإمامة والرياسة، وكانت داره في [جانب] الكرخ [ببغداد] مأوى الناس، ومقصد الوفَّاد، يأتونها لحل المشاكل وإيضاح المسائل، وقد تقاطر إليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه، والحضور تحت منبره وقصدوه من كلّ بلد ومكان، وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة. وبلغ الأمر من الاعتناء به والأكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر الله عبدالله بن القادر بالله أحمد كرسي الكلام والإفادة، وقد كان لهذا الكرسي يوم ذاك عظمة وقد قدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلاّ لمن برز في علومه، وتفوق على أقرانه، ولم يكن في بغداد يوم ذاك من يفوقه قدراً أو يفضل عليه علماً، فكان هو المتعين لذلك الشرف.
هجرته إلى النجف الأشرف
أورى السلجوقيون نار الفتن المذهبية في بغداد، وأغرى أول ملوكهم طغرل بيك العوام بالشر حتى أدى الأمر أول وصوله إلى بغداد سنة 447هـ إلى إحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي، وكانت من دور العلم المهمة في بغداد، بناها هذا الوزير الأديب في محلة السورين في الكرخ سنة 381هـ على مثال «بيت الحكمة»، الذي بناه هارون الرشيد، وقد جمع فيها ما تفرق من كتب فارس والعراق، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم كما قاله الأستاذ محمد كرد علي (انظر خطط الشام ج6، ص185)، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين، قال ياقوت الحموي [في معجم البلدان] وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة… إلخ. وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم، فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد، وقد احتُرقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بيك، وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى المُتَرْجَم وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام.
وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 448هـ: وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره. ثم قال في حوادث سنة 449هـ: وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع… إلخ.
ولما رأى الشيخ الخطر محدقاً به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف لائذاً بجوار أمير المؤمنين عليه السلام، وصيرها مركزاً للعلم وجامعة كبرى للشيعة الإمامية، وأخذت تشدّ إليها الرحال وتعلق بها الآمال، وأصبحت مهبط رجال العلم ومهوى أفئدتهم.
تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيد المترجم ركنها الأساسي ووضع حجرها الأول، وقد تخرج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين الدين وأعاظم الفقهاء وكبار الفلاسفة ونوابغ المتكلّمين، وأفاضل المفسرين وأجلاء اللغويين وغيرهم ممّن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها وبرعوا فيها أيما براعة، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمة التي هي طليعة التراث الإسلامي.
ومما يشيد بمركز المُتَرْجَم الديني الاجتماعي أنه هو المؤسس لجامعة النجف ومركزها الديني، فإنَّ الذي يبدو أنّ النجف قبل أن ينتقل إليها لم تكن إلاّ مزاراً ومدفناً وحول القبر جماعة من المجاورين لا عمل لهم إلاّ خدمة الزوار والقاصدين، وهي يومئذٍ قرية في طرفٍ ناءٍ عن العمران والبلاد المأهولة، والكوفة التي هي أقرب بلدة إليها كان قد شملها الخراب ودكت صروحها، ولم يصل إلينا تاريخياً سعة رقعة النجف يومئذٍ، وعلى أي مورد كان يعتاش أهلها، وكيف كان يتم إرواؤها وهو أهم مشاكل النجف من القديم، ولكن لا شك أنّ البلاد القريبة منها كالحلة والعشائر الفراتية القريبة كانت تمدها بالمعونة فيما تحتاج.
أضف إلى أنّ الشيخ لما ألقى عصا الترحال فيها وهو زعيم الشيعة الأول يومئذٍ لا بدّ أن تصير مقصداً لجميع المسلمين الشيعة مرجعاً لحقوقهم المالية من جميع أقطار الأرض، ويظهر أنّ الزعامة الدينية استقرت في النجف قبل أن تنتقل إلى الحلة مدة قرن على الأقل واستمرت في بيته بالذات، فإن ولده أبا الحسن الملقب بالمفيد الثاني كان من أفذاذ العلماء وصار مرجعاً للشيعة، وكان قد أجازه والده سنة 455هـ، أي قبل وفاة والده بخمس سنين وبقي في النجف مرجعاً إلى أن تُوفي وإن لم نتحقق من سنة وفاته ولا مدفنه. وكذلك حفيده أبو الحسن محمد بن الحسن بن محمد أيضاً بقي في النجف وصار مرجعاً للشيعة إلى أن تُوفي سنة 540هـ، وهذا الشيخ محمد ليس له ذكر في تاريخنا وهو من العجب، ولكن قد ذكره أبو الفلاح عبد الحي بن عماد الحنفي [الحنبلي] المتوفى سنة 1089هـ في كتابه شذور الذهب [شذرات الذهب] فإنه قال عنه ج4، ص126 بهذا النص: «وفيها ـ أي سنة 540هـ تُوفي أبو الحسن محمد بن أبي علي الحسن بن أبي جعفر الطوسي شيخ الشيعة وعالمهم وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق وحملوا إليه الأموال. وكان ورعاً كثير الزهد، وأثنى عليه السمعاني. وقال العماد الطبري، لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه.
مكانته العلمية
مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهيّن على أحد منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلاً مسلّماً، ويكتفون بها، ويعدون التآليف في قبالها وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسراً على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس فكان يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه، وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى إن المحقق، وابن أخته العلاّمة الحلّي، ومن عاصرهما بقوا لا يعدُونَ رأي شيخ الطائفة.
نعم، لما ألف المحقق الحلّي «شرايع الإسلام» استعاضوا به عن مؤلفات شيخ الطائفة، وأصبح من كتبهم الدراسية، بعد أن كان كتاب «النهاية» هو المحور وكان بحثهم وتدريسهم وشروحهم غالباً فيه وعليه.
ويقول الشيخ محمد رضا المظفر: ومما يلفت النظر عن مقامه العلمي إنّ كل ما جاء بعده من العلماء إلى مدة قرن كاد أن يكون مقلداً له في آرائه لا يتخطى قوله ويحيد عن رأيه حتى كاد يخشى أن ينسد باب الاجتهاد عند الشيعة».
وقال العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات نقلاً عن الفوائد الرجالية للعلاّمة الطباطبائي: «شيخ الطائفة المحقة، ورافع أعلام الشريعة الحقة، وإمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين، وعماد الشيعة الإمامية بالمذهب والدين، ومحقق الأصول والفروع ومهذب فنون المعقول والمسموع، صنف في جميع علوم الإسلام، وكان في ذلك القدوة والإمام.
[وأضاف الخوانساري قائلاً]: ثم ليعلم أن ههنا بقي شيئان ينبغي أن ينبه عليهما… أحدهما أنّ لهذا الشيخ المتقدم العميد من المشايخ والمحدثين والأساتذة ما لا يوجد لأحد من الطائفة مثله، ومن كثرة فضائل أولئك أيضاً يظهر لك فضله ونبله، فليحط عملك في مثل هذه الترجمة بأسمائهم لا محالة، كيلا تكون على العمة تيهاء جلالة مقداره؟ بعد هذه الحالة، وكذلك له من التلاميذ ورجال الحوزة وطلاّب الحضرة والآخذين من بركاتة ذلك النفس الذي قد شرحنا لك نواله، وحضرة جماعة فوق كثير من الجماعات، جميعهم من أرباب المراتب والمناعات، مع الاعتقاد الكامل لهم بصحة طريق استنباطاته بحيث قد عدوا من مقلدته فيما وافقوه من مسائل خلافاته.
وثانيهما إنّ تبويب مصنفاته الموجودة إلى هذا الزمان وترتيبها وبديع كل ما اشتملت عليه وحوشها وغريبها ما هي، وما الملحوظ له في كثير من تلك المصنفات والداعي له إليها حتى يكون المطالع لها على بصيرة من الأمر، غير مسند إليه ما ليس له من القول، ويشكر سعيه الجميل في تنقيح ما صنعه على سبيل التفصيل، فأما الكلام على المرحلة الأولى منها بحسب ما هو المحقق لدينا أو المنقول إلينا فهو إنّا نقول بعد التوكل على إلهنا الغاية للسؤال، ثم التوسل بأذيال الرسول وآل الرسول، أما القبيلة الأولون ومشيخته المحللون المفضلون، فمنهم بعد شيخنا المفيد، وسيدنا المرتضى، وجماعة أخرى لهم عنوانات على حدة فيما يجيء أو ما مضى هو: أحمد بن إبراهيم القزويني، وأحمد بن عبدون الفراز، وأحمد بن محمد بن موسى الأهوازي، وجعفر بن الحسين القمي والحسين بن القاسم العلوي، والحسين بن إبراهيم القزويني، والحسين بن عبيدالله الغضائري، وعلي بن أحمد بن أبي جيد، وعلي بن شبل بن راشد، ومحمد بن سليمان الحمداني، وهلال بن محمد الحفار، وأبو طالب بن غرور، وأبو علي بن شاذان، وجماعة من علماء العامة المشار إلى أسمائهم وصفاتهم في كتابه «المجالس» وغيره، مثل أبي محمد الفحام علي بن محمد بن خنيس، وأبي القاسم بن الوكيل، والفجيع العقيلي، وأبي عمير بن المهدي، فليلاحظ.
وأما تلامذة مجلسه المنيف فمن جملة مشاهيرهم المستنبطة أسماؤهم من التضاعيف بعد ولده الجليل الثقة العين أبي علي الحسن بن الشيخ، صاحب كتاب «المجالس» وغيره، هو أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسين بن بابويه القمي، وأخوه أبو طالب إسحاق بن محمد، والشيخ العدل الثقة آدم بن يونس بن المهاجر النسفي، والشيخ الفقيه الدّين أبو الخير بركة بن محمد بن بركة الأسدي، والشيخ العلم العين المشهور أبو الصلاح الحلبي، والسيد الثقة المحدث أبو إبراهيم جعفر بن علي بن جعفر الحسيني، وشيخ الإسلام الحسن بن بابويه القمي، والفقيه الثقة الوجيه الكبير محي الدين أبو عبدالله الحسن بن المظفر الهمداني، والشيخ الثقة الفقيه أبو محمد الحسن بن عبدالعزيز الجبهاني، والفقيه الثقة الشيخ الإمام موفق الدين، والفقيه الثقة الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني، والسيد الفقيه أبو محمد زيد بن علي بن الحسين الحسني، والسيد أبو الصمصام ذو الفقار بن معبد الحسيني، والشيخ سلمان بن الحسن بن سلمان الصهرشتي، والشيخ الفقيه الثقة صاعد بن ربيعان، والشيخ الفقيه أبو الصلت محمد بن عبدالقادر، والشيخ الفقيه المشهور سعد الدين ابن البراج، والشيخ عبدالرحمن بن أحمد النيسابوري، وعبدالجبار بن علي المقرىء الرازي، والشيخ علي بن عبدالصمد التميمي السبزواري، والشيخ عبيدالله بن الحسن بابويه القمي، والأمير الفاضل الزاهد الورع غازي بن أحمد بن أبي منصور الساماني، والشيخ الثقة الفقيه كردي بن عكبري بن كردي الفارسي، والسيد المرتضى أبو الحسن المطهر ابن أبي القاسم الديباجي، والشيخ الثقة الفقيه أبو عبدالله بن هبة الله الوراق، والشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن محسن الحلبي، والشيخ أبو سعد منصور بن الحسين الآبي، والشيخ الإمام جمال الدين محمد بن أبي القاسم الطبري، والسيد الفقيه المحدث الثقة ناصر الدين الرضي بن محمد الحسيني، ومحمد بن الحسن بن علي الفتال…
أما الكلام على المرحلة الثانية إلتي هي بيان أوضاع بعض ما له من المصنفات فمن جملة ذلك إن المستفاد من تتبع كتابه المعروف الكبير «تهذيب الحديث» إن وضعه إنما هو لمطلق جمع الأحاديث ما ورد منها على سبيل الوفاق أو الخلاف، بخلاف كتاب «الاستبصار» فإنه مقصور على جميع المخالفات من الأخبار، وكل منهما في بيان أحاديث أهل بيت العصمة، المتعلقة بفقههم وفروعهم في ضمن ثلاثين كتاباً من أبواب الفقه، كما عرفت إن كتابه المبسوط كان قد اشتمل على ثمانين كتاباً منها، إلا أن «التهذيب» أبسط من الاستبصار بكثير، وقد كتبه بإشارة أستاذه المفيد، وبعنوان الشرح لكتاب «المقنعة» الذي هو في الفقه كتاب سديد، وذلك لما سمعه يقول إن أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث، وترك المذهب، ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها، وإنه إذا كان الأمر على هذه الجملة فالاشتغال بشرح كتاب يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية من أعظم المهمات في الدين، ومن أقرب القربات إلى الله تعالى لما فيه من كثرة النفع المبتدي والريّض في العلم، وقد أسقط من الرسالة المذكورة بابها المتقدم الذي هو في أصول العقائد بإشارته أيضاً. لأنه كان خارجاً عن مقصوده، نعم هو مع ذلك كله اسم خالف المسمى، ولفظ لم يطابق المعنى لأن أخباره منثورة غير منتظمة، ومنشورة غير ملتئمة، وترتيبه مشوش عسير التناول، ومهوش كثير التساهل، تطلب منه أحاديث المسألة في غير موضعها كثيراً، فليكن المجتهد عند مراجعته إياه بمناسبات هذه المواضع بصيراً، وإن كان أصحاب «الوسائل»، و«البحار»، و«الوافي» كفونا بجوامعهم الثلاثة الباهرة النظام، مؤنة الرجوع إلى الكتب الأربعة الخالية تمامها عن التهذيب التام، ولا سيما هذا الكتاب الذي بلغ إليه منّا الكلام، وهو بعكس ما عرفته منه متّسم عند المؤلف له بـ«تهذيب الأحكام»، وسوف يأتي في ذيل ترجمة السيد هاشم البحراني إن شاء الله تعالى أيضاً أنه رتب كتاب تهذيب الشيخ أحسن الترتيب، غير أنه كما قيل سماه بعض علماء تلك الديار وتلك الأعصار بتخريب التهذيب، وليس ذلك من البلدي والمعاصر بعجيب.
هذا ومن جملة ما ذكر أيضاً، هو مما ينفع المراجعين إلى الكتب الأربعة علمه، ويضرُّ بهم فوق حد الرقم كتمه وجهله، هو إن بناء شيخنا المرحوم في كتابي حديثه اللذين هما من تلك الأربعة المتناسبة، نسبة الروايات إلى مصنفي الكتب التي وقع فيها النقل عنها من الأصول الأربعمائة وغيرها المؤلفة زمن الصادقين ومن بعدهما في أحاديث الإمامية الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام لا إلى عيون تلك الكتب والأصول كما هو دأب جماعة من قدمائنا الفحول، ولا إلى مشايخ نفسه المتصلة الإسناد إلى أولئك المصنفين، كما هي طريقة ثقة الإسلام في كتابه «الكافي»، ولا إلى رواة الأصل الذين تلقوها بدون الواسطة من بيان المعصوم، كما هو عمل شيخنا الصدوق في كتاب «من لايحضره الفقيه» ولما كان غير طريقة «الكافي» في أخذ الرواية يلحقها بباب المرسل، الذي ليس عليه منا المعول، لصدق عدم اتصال الإسناد بالنسبة إليه، وعدم حصول العلم لنا بكون النقل فيه بطريق الوجادة المعتبرة عند أهل الدراية، ومن جملة طرقهم السبع في تجويز الرواية، ولا أقل من كون هذه الطريقة مع عدم تمهيد الجابر لأضرارها في القطع بصدور مروياتها عند معتبريه أو معتقديه، وفي ظهور أدلة حجية خبر الواحد الظني المعتبر بالنسبة إلى أمثالها عند غيرهم، مع مخالفتنا الأصل الأصيل الأولى المسلم عند الكل الذي هو عدم حجية الظنون تدليساً في نسبة التحديث إلى المشايخ الأعلام، ومخالفاً لما أذن لنا في الرواة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، فلا جرم تدارك شيخنا الصدوق، ومولانا الشيخ المرحومان، ما كان قد ورد على جوامعهم الثلاثة من مقولة هذا النقصان بوضع كل منهما في خاتمة كتابه الأخير جزءاً أخيراً يذكر فيه مشيخة نفسه، بمعنى شيوخ روايته من ابتداء من أخذ عنه إلى أن يوصل إلى أحد من رواة الأصل، أو أصحاب تلك الكتب والأصول، وإن كان لا يتدارك بمشيخة كتاب التهذيب، ما وقع فيه من المدالسة والتجنيب، من جهة أنه أسقط المؤلف في جملة من أساتيذ أحاديثه راوياً أو راويين، لا يتصل منها السند إلا بعد تخلّل أحد منهما في البين، فصارت تلك الأخبار من هذه الجهة مرسلة بالمعنى الأعم مع أن أسانيدها في الظاهر متصلة على الوجه الأتم، وكذا من جهة كون جملة من الأخبار الواقعة فيه بعض الكتب التي قد أخذت هي أيضاً من كتب جماعة أخرى لا يكون اتصالاً بين مؤلفي تلك الكتب ومؤلفي هذه، فترى الشيخ ينقلها عنهم على سبيل العنعنة، وإسقاط تلك الوسائط المعينة، تعويلاً على ذكرها في أول كتابه، كما وقع هذا بالنسبة إلى كثير مما نقله عن موسى بن القاسم العجلي، عن بعض أصحاب تلك الكتب، من غير إشارة إلى ذكر الواسطة الواقعة بينهما لا محالة، فيظن الغافل عن حقيقة هذا الأمر الاتصال، مع أن الواقع عنهما هو الإرسال ومثل ما ترى منه أيضاً في خصوص ما نقله عن كتاب «الكافي» لثقة الإسلام الكليني رحمه الله أنَّه كثيراً ما أسند الحديث الذي ينقله عن ذلك الكتاب إلى من أورده هو في أول السند من غير التفات إلى أنه إنما أسقط من أوله ذكر شيخه الأول لكونه مذكوراً فيما تقدم عليه، فكان إليه الأمر قد حول عليه من العمول فليتأمل ولا يغفل.
ثم ليعلم أن من جملة ما ذكرناه قد ظهر لك أيضاً الوجه من شدة اهتمام الطائفة وغيرهم في إبقاء سلسلة الإجازات، وعدم التجاوز عن الطرق السبع المقررة عندهم في تحمل الروايات، من قراءة الشيخ على السامع منه مطلقاً، جميع كتاب الحديث مثلاً، كما ذكروها في المرتبة أولاً، ثم قراءته عليه حديثاً من أول الكتاب، وحديثاً من وسطه وحديثاً من آخره، كما رُوي في الصحيح عن عبدالله بن سنان قال، قلت لأبي عبدالله عليه السلام يجيئني القوم فيسمعون مني حديثكم، فأضجر ولا أقوى، قال فاقرأ عليهم من أوله حديثاً، ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثاً.
ثم ما كان بعكس الأول وهي قراءة الراوي على الشيخ، كما ذكروها تالية الأولى في الاعتلاء والاعتداد والاكتفاء به في الرواية عن الأستاذ، وقد نقل الإجماع على جواز الرواية بهذا الوجه، وكذا بالطريقة الأولى، وفيه أيضاً من الدلالة على عدم حجية خبر الواحد المعتبر مطلقاً ما لا يخفى.
ثم سماع الراوي حين قراءة غيره على الشيخ، ثم المناولة، ثم الإجازة بالمعنى الأخص، وهي تصريح الشيخ بلفظه أو بكتابته لأحد بالرخصة في الرواية عنه، لما عينه من مؤلفاته ومروياته، ثم الوجادة بالكسر التي هي من اللغات المولدة لأصحاب الدراية، تمييزاً عن سائر مصادر وجد يجد، وهي أنزل وجوه التجمل بمعناها الذي سوف تظفر عليه، حتى أن قيل والذي جعلوه من القدح في محمد بن سنان المشهور، أنه روى بعض الأخبار بالوجادة، فالأخبار التي نقلوها جلها بالوجادة انتهى. وقد عدَّ بعض محقي أرباب الدراية المناولة مع الإجازة من أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق ومقدماً على السماع الذي قد عرف لك منه السياق، والمراد بالمناولة هو أن يناول الشيخ كتاباً إلى الراوي، ويقول له: هذا الكتاب عن مروياتي عن الإمام أو الشيخ إلى الإمام عليه السلام فاروه عني مثلاً، أو لم يقل لكن علم الراوي أنه من مروياته، أو يرسل إليه ما أذن له في روايته وإن لم يصرح بالإذن في الرواية للمرسل إليه. فإنّ الظاهر الاكتفاء به أيضاً، بل الظاهر الاكتفاء بمحض إعلامه للمطالب بأن هذا الكتاب مثلاً من جملة رواته أو سماعه، وإن سكت عن الإذن له في الرواية، وإن جعلوه والكتابة إلى الطالب قسمين للمناولة بمعنييها المتقدمين كما روى في الكافي بإسناده عن أحمد بن عمر الحلاّل، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول إروه عني، يجوز لي أن أرويه عنه، قال: فقال إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه.
وكان من هذه الجهة قيد بعض أعاظم المحدثين قوله واعلم أن المشهور بين العلماء أنه يشترط الإجازة بأحد الطرق الستة أو السبعة، في نقل الخبر بقوله والظاهر الاحتجاج إليها في الكتب غير المتواترة، كالكتب الأربعة للمحمدين الثلاثة )رض(، كالكتب المشهورة عند الأئمة الثلاثة، فلا يكون ذكرهم الطريق إليه حينئذٍ إلا لمجرد التيمّن والتبرّك، مع أن في كلام البعض أيضاً النظر من جهة أنه ظن انحصار فائدة الإجازة في تصحيح النسبة، أو محض التيمّن والتبرّك، وهو في حيز المنع، فإن الظاهر من كلمات القوم فحاوي الأخبار الواردة في هذا المقام عدم جواز الرواية تعبداً، أو سجداً لثغور الشريعة المطهرة إلا بعد حصول الرخصة فيها من المشايخ بأحد من الوجود المقررة، كما لا يجوز الفتوى إلا بعد حصول درجة الاجتهاد، وإن كان مما يطابق الواقع مضافاً إلى عدم انطباق لفظة «جاءكم» المذكور في آية النبأ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْماً بِجَهَالَةِ} (الحجرات/6)، على غير ما كان من الخبر منقولاً بهذه النسبة، فينبغي العمل بما ألقاه الرجل من غير هذه الطرق تحت أصالة المنع عن العمل بمطلق الظنون فليتأمل.
قال مولانا الفقيه المتبحر الشيخ إبراهيم القطيفي (قدّس سرّه) في ذيل إجازته الطويلة للشيخ شمس الدين محمد بن الحسن الأسترآبادي، عند جرّه الكلام إلى ذكر غاية اهتمام علماء الإسلام بأمور الإجازة، وكونها أعم طرق الرواية منفعة، وأسهلها تناولاً لا يقال ما فائدة الإجازة، فإن الكتاب تصح نسبته إلى قائله ومؤلفه، وكذا الحديث لأنه مستفيض ومتواتر، وأيضاً فالإجازة لا بد فيها من معرفة ذلك، وإلاّ لم يجز إذ ليس كلّ مجيز يعيّن الكتب وينسبها، بل يذكر إن ما صح أنه من كتب الإمامية ونحو هذه العبارة لأنا نقول نسبة الكتاب إلى مؤلفه لا إشكال في جوازها، لكن ليس من أقسام الرواية والعمل والنقل للمذاهب توقف على الرواية، وأدناها الإجازة، فما لم تحصل لم تكن مروية، فلا يصح نقلها ولا العمل بها، كما لو وجد كتاباً كتبه آخر فإنه وإن عرف أنه كتبه، لم يصح أن يرويه عنه، (انتهى).
فالظاهر أن المناولة بالمعنى المذكور، كما أنها من أقسام الإجازة بالمعنى الأعم الشاملة لجميع الطرق المذكورة، كذلك هي من جملة أفراد الإجازة بالمعنى الأخص التي جعلوها قسيماً للقراءة والسماع والمناولة وغيرها، وذلك أن الإجازة بهذا المعنى أيضاً عندهم أعم من أن يكون متعلقها جميع مرويات الرجل ومصنفاته، أو كتاباً من كتب الحديث وغيره بالخصوص يشير إليه بالمكاتبة وغيرها في مقام إعطاء الرخصة في الرواية، بأن يقول الشيخ مثلاً أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب، أو جميع كتبي في رواياتي أو جميع ما صح عندك، أنه من روايتي. وأما المراد بالوجادة: فهو أن يجد الراوي كتاباً يعلم أنه من خط شيخه أو من روايته، كما إنا نعلم أن الكتب الأربعة من مصنفات ومرويات الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم، وقد استدل على جواز الاكتفاء بها في مقام الرواية: أولاً، بعموم الجواب الواقع في الرضوي السابق، واستقرار عمل الأصحاب على النقل من الكتب المعلومة الانتساب إلى مؤلفيها، من غير نظر منهم في رجال السند إليها ولا تمهيد لبيان المشيخة الواقعة بين الناقل وبينها، وثانياً بخصوص الخبر الذي رواه ثقة الإسلام الكليني في الصحيح عن محمد بن الحسن بن أبي خالد قال، قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام، وكانت التقية شديدة، فكتبوا كتبهم، قلما نَرْوِ عنهم فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال حدثوا بها، فإنها حقّ.
وفي الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة قال، قال أبو عبدالله عليه السلام: أكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متّ فاورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأمنون فيه إلاَّ بكتبهم، بل قال بعضهم إن هذا الخبر كما يظهر من عمومه العمل بالوجادة يدل على رجحان الكتابة والنقل، إما على الوجوب كما هو ظاهر الأمر، أو على الاستحباب على احتمال.
ويدل عليه أيضاً ما رواه في الصحيح عن أبي بصير قال، سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا، ورواه في الصحيح أيضاً عن أبي عبدالله عليه السلام قال: القلب يتكل على الكتابة.
والذي يدل على مرجوحية الإرسال ما رواه مرفوعاً قال، قال أبو عبدالله عليه السلام: إياكم والكذب المفترع، قيل له: وما الكذب المفترع؟ قال: أن يحدثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن الذي حدثك عنه، وبإسناده عن السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا حدثتم بحديث، فاسندوه إلى الذي حدثكم به، فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه.
وقال أيضاً المولى إسماعيل الخاجوئي (قدّس سرّه)، في ديباجة كتابه «الأربعين» وهو أنفع خزائن المجتهدين والمتتبعين، إني لم أطول الكلام كغيري في اتصال طريقي إلى الكتب الأربعة، لأن من الواضح بل الأوضح منه أن أمثال هذه الطرق ليست لذكرها فائدة تعتد بها إذ لا حاجة في زماننا وما يشبهه من الأزمنة التي اشتهر فيها «الكافي» و«التهذيب» وما شاكلهما من الكتب المشهورة اشتهار الشمس وسط السماء إلى الإسناد ببعض المشايخ إلى تلك الكتب، لأنها مشهورة معروفة بين عامة العلماء، ومعلوم يقيناً أن «التهذيب» مثلاً من الشيخ الطوسي، وأنه راض بالنقل عنه، فلا ثمرة للمشيخة إلا تشبهاً بالسلف، وتيمناً واتصالاً للسند فجهالة بعض هؤلاء وهم من مشايخ الإجازة والحافظين للأخبار غير ضارة إذا كان ما في أصل السند معتبراً، ولهذا لا يوصف الطريق الذي هم فيه بالصحة إن لم يكن فيه قادح من غير جهتهم. تم كلامه رَفَعَ الله مقامه.
ولكن مجال النظر باقٍ بعد فيما ذكره من الدليل على كفاية الوجادة مطلقاً في جواز العمل بالرواية، ومن نفي الفائدة في ترتيب الطرق إلى الأصول المعتبرة، والمصنفات المشتهرة، سوى محض التيمّن بتعديدها في ضمن المشيخات، والتبرّك بتفصيلها في ذيل الإجازات، وذلك لما قدمناه لك من التقرّب والتقرير وعدم الاتفاق على جواز الرواية على النحو الأخير، بل غير الأوليين مع السبع المعتبرة عند الأكثر كما صرح بهذه المرحلة بعض من تأخر.
ومن جملة ما يحقق المحصول لك أيضاً من هذا المرام ويبصرك في مضمار المسابقة إلى إتمام هذا الإكرام، كلام سيدنا العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) بما يكون هذا لفظه ولله درّه: فائدة، قد سلك كل من مشايخنا الثلاثة ـ أصحاب الكتب الأربعة رضوان الله عليهم ـ في أسانيد كتابه مسلكاً غير ما سلكه الآخر، فالشيخ الإمام ثقة الإسلام الكُليني رحمه الله جرى في «الكافي» على طريقة القدماء: من ذكر جميع السند، غالباً وترك أوائل الإسناد على سبيل الندرة، اعتماداً على ذكره الأخبار المتقدمة عليه في الباب، وقد يتفق له الترك بدون ذلك أيضاً، فإن كان المبتدأ بذكره في السند طريق معهود متكرر في الكتاب كأحمد بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد أو سهل بن زياد، فالظاهر البناء عليه، وإلا كان الحديث مرسلاً، ومثله في اصطلاح المحدثين (معلقاً).
والصدّوق رئيس المحدثين بنى في «الفقيه» من أول الأمر على اختصار وحذف أوائل السند، ووضع في آخره مشيخة يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال سنده في أخبار هذا الكتاب، وربما أخل فيها بذكر الطريق إلى البعض نادراً، فيكون السند باعتباره (معلقاً).
وأما شيخ الطائفة (قدّس سرّه)، فاختلفت طريقته في ذلك، فإنه قد يذكر في «التهذيب والاستبصار» جميع السند كما في «الكافي» وقد يقتصر على البعض بحذف الصدور كما في «الفقيه» واستدراك المتروك في آخر الكتابين فوضع له مشيخته المعروفة، وهي فيها واحدة غير مختلفة، وقد ذكر فيها جملة من الطرق إلى أصحاب الحديث والأصول والكتب ممّن صدر الحديث بذكرهم وابتدأ بأسمائهم ولم يستوف الطرق كلها، ولا ذكر الطريق إلى كل من روى عنه بصورة التعليق، بل ترك الأكثر لقلة روايته عنهم، وأحال التفصيل على فهارست الشيوخ المصنفة في هذا الباب، وزاد في «التهذيب»، الحوالة على كتاب «الفهرست» الشيوخ بذهاب كتبهم، ولم يبق منها الآن إلا القليل، كمشيخة الصدوق، وفهرست الشيخ الجليل أبي غالب الزراري، ويعلم طريق الشيخ منهما بوصل طريقه إليهما بطريقهما إلى المصنفين.
إلى أن قال رحمه الله: وذهب جماعة من المتأخرين إلى عدم الحاجة إلى الطريق فيما روى بصورة التعليق من أحاديث الكتب الثلاثة، لما قاله الصدوق في أول كتابه: إن جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المراجع. وما صرح به الشيخ في «المشيخة» إن ما أورده بحذف الإسناد إلى أصحاب الأصول والكتب قد أخذه من أصولهم وكتبهم. ففي «التهذيب» اقتصرنا في إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا الخبر من كتابه وصاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله، وفي «الاستبصار» نحو ذلك.
وعلى هذا فلا يضر الجهل بالطريق، ولا اشتماله على مجهول أو ضعيف، لأن الاعتماد على نقل الشيخين لهذه الأخبار من تلك الأصول والكتب، وقد كانت مشهورة معروفة في تلك الأعصار متواترة النسبة إلى أصحابهما عندهما كاشتهار كتبهما وتواترها عندنا، والوسائط بينهما وبينهم كالوسائط بيننا وبينهما، والجميع من مشايخ الإجازة، ولا يتوقف عليهم صحة الحديث، ولأنهم مع الذكر لا يقدح جهالتهم وضعفهم، فمع الترك والتصريح بالمآخذ أولى. ولذا لم يتعرض الشيخ في مقام الطعن في السند لرجال الواسطة، ولو كانوا من الرواة لتعرض لهم في بعض الأحيان.
ويضيف هذا القول إطباق المحققين من أصحابنا والمحصلين منهم على اعتبار الواسطة والاعتناء بها وضبطه المشيخة وتحقيق الحال فيها، والبحث عما يصح وعما لا يصح منها، وقدحهم في السند بالاشتمال على ضعيف أو مجهول وقد أوردهما العلاّمة وابن داود، في كتابيهما منوعة إلى أنواع الحديث، من الصحيح، والحسن، والموثق والضعيف، مع بناء السند على هذا التنوع، ووافقهما على ذلك سائر علماء الرجال والحديث والاستدلال، إلاَّ من شذَّ، ومقتضى كلام الشيخين في الكتب الثلاثة، إن الباعث على حذف الوسائط قصد الاختصار مع حصول الغرض بوضع الشيخة، لا عدم الحاجة إليها (كما قيل) وإلا لما احتيج إلى الاعتذار من الترك، بل كان الذكر هو المحتاج إلى العُذر، فإنه تكلف أمر مستغن عنه على هذا التقدير.
وقد صرح الشيخ في مشيخة التهذيب بأن إيراد الطرق لإخراج الأخبار بها عن حد المراسيل وإلحاقها بالمسندات، ونص فيها وفي مشيخة الاستبصار على أن الوسائط المذكورة طرق يتوصل بها إلى رواية الأصول والمصنفات.
وفي كلام الصدوق ما يشير إلى ذلك كله، فلا يستغني عن الوسائط في أخبار تلك الكتب، ودعوى تواترها عند الشيخ والصدوق كتواتر كتبهما عندنا ممنوعة، بل غير مسموعة كما يشهد به تتبع الرجال والفهارست والظن بتواترها مع عدم ثبوته، لا يدخلها في المتواتر، فإنه مشروط بالقطع، والقطع بتواترها البعض لا يجدي مع فقد التميز، وكون الوسائط من شيوخ الإجازة فرع تواتر الكتب، ولم يثبت.
وعدم تعرّض الشيخ لها في مقام الضعيف، ربما كان للاكتفاء بضعف غيرها ولثبوت الاعتماد عليها لغير التوثيق، أو لعدوله عما قاله في «الفهرست» و«الرجال» من الحكم بالضعف، فإن الشيخ قد يضعف الرجل في موضع ويوثقه في آخر، وآراؤه في هذا وغيره لا تكاد تنضبط على أنا لو سلّمنا تواتر جميع الكتب فذلك لا يقتضي القطع ما تضمنته من الأخبار فرداً فرداً، لما يشاهد من اختلاف الكتب المتواترة في زيادة الأخبار ونقصانها، واختلاف الروايات الموردة فيها بالزيادة والنقيصة والتغييرات الكثيرة في اللفظ والمعنى فالحاجة إلى الواسطة ثابتة في خصوص الأخبار المنقولة بألفاظها المعينة، وإن كان أصل الكتاب متواتراً، وأيضاً فالاحتياج إلى الطريق إنما يرتفع لو علم أخذ الحديث من كتاب من صدر الحديث باسمه، إلى أن قال:
من الجائز أن يكون أخذ الحديث من كتاب من تأخر عنه ونسبه إليه، اعتماداً على نقله له من كتابه، ثم وضع المشيخة ليدخل الناقل في الطريق ويخرج عن عهدة النقل عن الأصل، والاعتماد على الغير شايع معروف.
ثم إلى أن قال: ولا أقل من الاحتمال الناشىء من اختلاف عبارات الشيخ فلا يسقط اعتبار الطريق الذي وصفه لأخبار الكتابين، بل يجب اعتباره عملاً بالأصل، وظاهر الوضع المقتضي للاحتجاج، مع انتفاء القطع بخلافه إلى آخر ما ذكره رحمه الله (راجع: الفوائد الرجالية، ج4، ص72 ـ 80).
وقال مولانا المجلسي الأول (قدّس سرّه) الأجل الأبجل في ذيل ترجمته لأحوال محمد بن عيسى العبيدي الذي ضعفه الشيخ والصدوق واستثناء الثاني منهما من رجال كتاب «نوادر الحكمة» والذي يخطر ببالي، أن تضعيف الشيخ باعتبار تضعيف ابن بابويه، وتضعيفه باعتبار ابن الوليد كما صرح به مراراً، وتضعيف ابن الوليد لكون اعتقاده أنه يعتبر في الإجازة أن يقرأ على الشيخ، أو يقرأه الشيخ ويكون السامع فاهماً لما يرويه، وكان لا يعتبر الإجازة المشهورة بأن يقول: أجزت لك أن تروي عنّي، وكان محمد بن عيسى صغير السن لا يعتمدون على فهمه عند القراءة، ولا على إجازة يونس له، ولهذا ضعّفه، وأنت خبير بأنه لا يشترط ذلك، بل يكفي الإجازة في الكتب، بل لا يحتاج في الكتب المتواترة إلى الإجازة، فلهذا الاشتراط ضيق على نفسه بعض ما عاصرناه رحمه الله في أمثاله، والحق أحق بالأتباع، انتهى.
ولما بلغ الكلام إلى هذا المقام فلا جناح علينا أن نعطف لك أيضاً عنان العزيمة إلى نقل عين عبارة الشيخ في «مشيخة التهذيب» قبل شروعه في ذكر المشيخة لما في بين ذلك من المنافع المديحة، فنقول: قال ابتدأ منه رحمه الله تعالى في تقرير كنا شرطنا في أول هذا الكتاب أن نقتصر على إيراد شرح ما تضمنته الرسالة «المقنعة» وأن نذكر مسألة مسألة، ونورد فيها الاحتجاج من الظواهر والأدلة المفضية إلى العلم ونذكر مع ذلك طرفاً من الأخبار التي رواها مخالفونا، ثم نذكر بعد ذلك ما يتعلّق بأحاديث أصحابنا رحمهم الله، ونورد المختلف في كل مسألة منها والمتفق عليها، ووفينا بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة، ثم رأينا أن نخرج بهذا البسط عن الغرض، ويكون مع هذا الكتاب مبتوراً غير مستوفٍ، فعدلنا عن هذه الطريقة إلى إيراد حديث أصحابنا رحمة الله [عليهم] المختلف فيه والمتفق. ثم رأينا بعد ذلك أن استيفاء ما يتعلق بهذا المنهاج أولى من الأطناب في غيره، فرجعنا وأوردناه من الزيادات ما كنا أخللنا به، واقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا الخبر من كتابه، أو صاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله، واستوفينا غاية جهدنا ما يتعلق بأحاديث أصحابنا رحمة الله [عليهم] المختلف فيه والمتفق، وبينّا عن وجه التأويل فيما اختلف فيه على ما شرطناه في أول الكتاب، وأسندنا التأويل إلى خبر يقضي على الخبرين، وأوردنا المتفق منها ليكون ذخراً وملجأ لمن يريد طلب الفتيا من الحديث. والآن فحيث وفق الله تعالى الفراغ من هذا الكتاب، نحن نذكر الطرق التي نتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات، ونذكرها على غاية الاختصار ليخرج الاخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات، ولعلّ الله تعالى يسهل لنا الفراغ أن نقصد بشرح ما كنا بدأنا به على المنهاج الذي سلكناه، ونذكره على الاستيفاء والاستقصاء بمشية الله وعونه.
فما ذكرناه في هذا الكتاب عن محمد بن يعقوب الكُليني رحمه الله فقد أخبرنا به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب.
وأخبرنا به أيضاً الحسين بن عبيدالله بن أبي غالب أحمد بن محمد الزراري، وأبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، وأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي عبدالله أحمد بن أبي رافع الصيمري، وأبي الفضل الشيباني، وغيرهم، كلهم عن محمد بن يعقوب الكُليني، وأخبرنا به أيضاً أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر عن أحمد بن أبي رافع، وأبي الحسين عبدالكريم بن عبدالله بن نصر البزاز، بتنيس، وبغداد، عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكُليني، جميع مصنفاته وأحاديثه سماعاً ببغداد بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وما ذكرته عن علي بن إبراهيم بن هاشم، فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، وأخبرني أيضاً برواياته الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري، عن علي بن إبراهيم بن هاشم. إلى أن قال بعد إيراد سائر سبله الجياد إلى المشايخ والأمجاد الواقعة أسماؤهم الشريفة على أوائل الإسناد، قد أوردت جملاً من الطرق إلى هذه المصنفات والأصول لتفصيل ذلك شرح يطول وهو مذكور في الفهارس المصنفة في هذا الباب للشيوخ رحمهم الله، من أراده أخذه من هناك إن شاء الله.
وقد ذكرناه نحن مستوفى في كتاب «فهرست كتب الشيعة» والحمد لله رب العالمين والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. «راجع كتاب تهذيب الأحكام، ج1، ص4 ـ 88».
وقد يستفيد المتأمل فيما نقلناه من المشيخة مراد شيخنا المبرور أيضاً من باب الزيادات المتكرر وقوعه في أبواب العبادات من «التهذيب»، ولا يبعد اتحاده مع ما ذكره بعض أعاظم شرّاح الكتاب المذكور في تحقيق مراده من اللفظ المزبور بقول رحمه الله في ذيل ترجمة حديث منه، وقد كان الأولى ذكر هذا الحديث مع حديث فارس، وذكره هنا لا مناسبة تقتضيه، ولكن مثل هذا في هذا الكتاب كثير، وكنت كثيراً ما أبحث عن السبب فيه حتى عثرت به، وهو أن الشيخ (قدّس الله روحه) كان قد رزق الحظ الأوفر في مصنفاته واشتهارها بين العلماء، وإقبال الطلبة على نسخها وكان كل كراس يكتبه يبادر الناس إلى نسخه وقراءته عليه، وتكثر النسخ من ذلك الكراس، ثم يطلع بعد ذلك الكراس وكتابته على أخبار تناسب الأبواب السابقة، ولكنه لم يتمكن من إلحاقها بها لسبق الطلبة إلى كتابته وقراءته، فهو طاب ثراه تارة يذكر هذا الخبر في أبواب غير مناسبة له، وتارة أخرى يجعل له باباً ويسميه باب الزيادات والنوادر، وينقل به الأخبار المناسبة للأبواب السابقة، وقد وقع مثل هذا لشيخنا وأستاذنا صاحب «بحار الأنوار» أدام الله أيامه فإن مؤلفاته مما رزقت من الاشتهار حظ لا تدانى فيه، وكان كل كراس يصنفه تسارع الطلبة إلى أخذه منه للنسخ والقراءة، وهو الآن بحمد الله موجود في دار السلطنة أصفهان، يملي على العلماء من فوائده تدريساً ووعظاً، وقد كنت ملازماً لحضرته ليلاً ونهاراً تقريباً من عشر سنين، ونقلت منه قراءة عليه وسماعاً من فيه الأصول الأربعة وغيرها من كتب الحديث، وكتب الفقه، والتفسير، والعربية، والمنطق، وسائر مؤلفاته، وخصوصاً كتابه البديع الموسوم بـ «بحار الأنوار» المشتمل على أربعة وعشرين مجلداً، وأجاز لي إجازة خاصة وعامة جميع ما صح له روايته والحمد لله على منّنا بهذا التوفيق، ونرجو منه سبحانه أن يمن علينا بالوصل إلى زيارته.
هذا ومن جملة ما يؤكد هذا المطلب أيضاً مع زيادة فائدة فيه متعلق بأصل كتاب «التهذيب» هو ما ذكره الشارح المذكور في ذيل شرح قول المصنف في أول خطبة الكتاب المسطورة الحمد لله ولي الحمد ومستحقه بقوله: وفي كثير من النسخ، الحمد لولي الحمد ومستحقه، والمعنى واحد، واعتمادنا على نسختنا للتهذيب أكثر من غيرها وذلك إنا كتبناها في أصفهان حال قراءتها وقابلناها تصحيحاً وتوضيحاً على نسخة المولى التقي، محمد تقي المجلسي، تغمده الله برحمته، وهو قد قابل نسخته على نسخ متعددة من نسخ المحدثين والمجتهدين، وبعض «التهذيب» قوبل من نسخة شيخنا الطوسي رضوان الله عليه، وتلك النسخة كانت موجودة في خزانة الشهيد الثاني (نوّر الله مضجعه) فانتقلت بعده إلى أولاده وهي الآن عند ولده الفاضل شيخنا وأستاذنا الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن شيخنا الشيخ زين الدين في أصفهان أدام الله أيام سلامته، وضاعف عليه بركات سعادته، فمن أجل هذا قوي الاعتماد على هذه النسخة، لأن كتب الحديث سيما كتاب «التهذيب» قد وقع فيه من التصحيف والتحريف والزيادة والنقصان، ما لم يقع في غيره من كتب الأصول، وأقوى الأسباب فيه ما أشار إليه المحقق صاحب «المنتقى» في مواضع كثيرة، وهو أن النسخة التي كتبها الشيخ الطوسي التي هي أصل النسخ كلها قد كانت كتابتها مضطربة ومشوشة، وفيها التباس بعض الكلمات ببعض أُخر، وكثير من الحروف بعضها ببعض، ومن هذا وقع في الأسانيد إقامة الواو مقام عن، ولفظ «أنْ» مكان «عن» أيضاً، وقد وقع في نسخة الأصل بعض الزيادة، فتداركها بالخط عليها، لكنه خطّ غير بين، فلم يتضح الحال، وكان في الأسانيد يكتب فلان عن فلان وفلان، ويكون الواو غلطاً، والصواب لفظ عن، فيتداركه بأن يضيف إلى رأس الواو حلقة حتى يصير عيناً، فلا تصير عيناً ظاهرة، فيشتبه الحال على الناسخين، فمنهم من يكتبه واواً، ومنهم من يكتبه عيناً إلى غير ذلك من الاشتباه، فسرى الاشتباه في أكثر الكتب ونشأ التحريف والزيادة والنقصان، وأما الشيخ طاب ثراه فإنه لم يرجع النظر مرة أخرى على ذلك، وذلك لأنه كان كل كراس يؤلفه يأخذه منه طلبة العلم، ويبادرون إلى كتابته وقراءته، ومن هنا لما عثر على بعض الأخبار المناسبة للأبواب لم يمكنه إلحاقها معها، فوضع لها باب النوادر، فجاء كتاباً مشوشاً، قد تداخل بعضه ببعض، بخلاف كتاب «الكافي» فإنه جيد الترتيب، لم تتداخل أخباره كـ«التهذيب» وكذلك «الاستبصار» أيضاً، انتهى.
وما ذكره (قدّس سرّه) في المقصود من باب النوادر الواقع في كتاب «التهذيب» و«الكافي» كثيراً ما ينافي ما ذكره صاحب «السرائر» في باب النوادر من كتاب القضاء منه في ذيل رواية جعفر بن عيسى أنه قال، كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: جُعلت فداك، المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم، أتقبل دعواه بلا بينة؟ فكتب إليه، يجوز بلا بينة، حيث قال: قال محمد بن إدريس، أول ما أقول في هذا الحديث أنه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً، إلى أن قال، ثم لم يورد هذا الحديث إلاّ القليل من أصحابنا، ومن أورده في كتابه ما أورده إلا في أبواب النوادر، وشيخنا المفيد، والسيد المرتضى، لم يتعرضا له، ولا أورداه في كتبهما، وشيخنا أبو جعفر رحمه الله ما أورده في جميع كتبه، بل في كتابين منهما فحسب، إيراداً لا اعتقاداً كما أورد أمثاله من غير اعتقاد بصحته على ما بينّاه وأوضحناه في كثير مما تقدم في كتابنا هذا، ثم شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله رجع عنه وضعفه في جواب المسائل الحائريات المشهورة عنه المعروفة، وقد ذكر شيخنا المفيد محمد بن النعمان رحمه الله في الرد على أصحاب العدد الذاهبين إلى أن شهر رمضان لا ينقص، قال: فأما ما تعلق به أصحاب العدد من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً، فهي أحاديث شاذة، وقد طعن نقاد الآثار من الشيعة في سندها وهي مثبتة في كتاب الصيام في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها، هذا آخر كلامه. وهذا الحديث من رواه في كتابه ما يثبته إلا في باب النوادر (انظر السرائر، ص 199 ـ 200).
ثم أنه قد ظهر أيضاً مما قد ذكره الشارح المتقدم اللبيب في حق كتاب «التهذيب» صدق ما نسب إلى مصنفه المنيف، من عدم التهذيب له في أمر التأليف والتصنيف، وكثرة ما يقع له في ذلك من الخطأ والتحريف، إما لشدة حرصه على محض الجمع والجباية، أو لسعة دائرته في ميدان الفتوى والرواية، مضافاً إلى ما نمي إليه من الإهمال في مرحلة تعريف الرجال، مع أن الظاهر كون علم الرجال من جملة مسلماته وآل معظم رجوع الطائفة إلى توثيقاته، قال مولانا إسماعيل الخاجوئي المحقق في هذا المجال، بل في سائر السجال، لا يسوغ تقليد الشيخ في معرفة أحوال الرجال، ولا يفيد اخباره ظناً بل ولا شكاً في حال من الأحوال، لأنّ كلامه في هذا الباب مضطرب، ومن اضطرابه أنه يقول في موضع أن الرجل ثقة، وفي آخر أنه ضعيف، كما في سالم بن مكرم الجمال، وسهل بن زياد من رجال علي بن محمد الهادي عليه السلام، وقال في الرجال، محمد بن علي بن بلال ثقة. وقال في كتاب «الغيبة» أنه من المذمومين. وفي عبدالله بن بكير: أنه ممن عملت الطائفة بخبره بلا خلاف، وكذا في «العدة» وفي «الاستبصار» في أواخر الباب الأول من أبواب الطلاق منه صرح بما يدل على فسقه وكذبه، وأنه يقول برأيه، وفي عمار الساباطي أنه ضعيف لا يعمل بروايته، وكذا في «الاستبصار» وفي «العدة» أن الطائفة لم تزل تعمل بما يرويه، وأمثال ذلك منه كثير جداً، وأنا إلى الآن لم أجد أحداً من الأصحاب غير الشيخ في هذا الكتاب يوثق علي بن أبي حمزة البطائني، أو يعمل بروايته إذا انفرد بها لأنه خبيث واقفي كذّاب مذموم. قال سيدنا الرضا عليه السلام بعد موته أنه أقعد في قبره فسئل عن الأئمة فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إليَّ فوقف، فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره ناراً، وقال أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري علي بن أبي حمزة لعنه الله أصل الوقف، وأشد الناس عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم عليه السلام، وقال محمد بن مسعود، سمعت علي بن الحسين يقول: إن ابن أبي حمزة ملعون، قد رويت عنه أحاديث كثيرة إلا أني لا أستحل أن أروي عنه حديثاً واحداً.
وأما الكلام على كتاب فقهه المشهور المرسوم بـ«نهاية الأحكام» فقد تقدمت الإدارة إليه في صدر العنوان، نزيدك هنا بياناً ما أورده الفاضل الأمير محمد صالح الحسيني الخواتون آبادي رحمه الله في كتابه الموسوم بـ«حدائق المقربين» في حق كتابه المذكور، وهو أنه قال:
رأيت على ظهر كتاب عتيق من «نهاية» الشيخ: حدثني جماعة من الثقات أن جمعاً من أجلاء الشيعة، مثل الحمداني القزويني، وعبدالجبار بن عبدالله المقري الرازي، والحسن بابويه الشهير بحسكا المتوطن بالري، تكلموا في بغداد على «نهاية» الشيخ وترتيب أبوابه وفصوله، واعتراض كل منهم على الشيخ في مسائل ذلك الكتاب، وقالوا لا يخلو هذا الكتاب من خلل وقصور، فانتقلوا جميعاً إلى النجف الأشرف لأجل الزيارة، وكان هذا في حياة الشيخ، فتذاكروا هناك لما جرى بينهم، فتعاهدوا أن يصوموا ثلاثة أيام ويغتسلوا ليلة الجمعة، ويدخلوا الحرم المطهر ويصلوا هناك لعل أمر الكتاب ينكشف عليهم، ففعلوا ذلك فرأوا أمير المؤمنين عليه السلام في منامهم أنه قال: ما صنف في فقه أهل البيت كتاب يحق الاعتماد عليه والاقتداء به والرجوع إليه مثل «النهاية» التي أنتم تتنازعون فيها، وذلك لأن مصنفه قد أخلص النية فيه لله سبحانه، فلا ترتابوا في صحة ما ذكر فيه واعملوا به وافتوا بمسائله فإنه مغنٍ من جهة حُسن ترتيبه وتهذيبه عن سائر الكتب، ومشتمل على المسائل الصحيحة، وتكلم فيه على أطرافها، فلما قاموا قال كل واحد منهم للآخر أنا رأيت رؤيا تدل على صحة كتاب «النهاية» والاعتماد على مصنفه، فاستقرت آراؤهم على أن يكتب كل منهم واقعته قبل أن يحكيها، ثم يوازنها مع ما رآه الآخر، فلما كتبوا وقابلوها ما وجدوا فيها اختلافاً بمقدار كلمة، فأظهروا السرور من أجل ذلك، ودخلوا جميعاً على الشيخ المصنف بالتحية والإكرام، فلما رآهم الشيخ قال: أما كفاكم الذي كنت أقول لكم في فضل كتاب «النهاية» حتى سمعتم من لفظ أمير المؤمنين عليه السلام في المنام، مثل ما ظهر لكم، وحكى لهم ما رآه، فأوجب ذلك علماء الشيعة بفتاوي «النهاية» في الأعصار المتمادية، حتى إن جماعة من العلماء ذكروا أن الشيعة لم يكن فيهم مجتهد بعد زمن الشيخ إلى ثمانين سنة، وكان علماء الشيعة يعملون «بنهاية» الشيخ في تمام هذه المدة، ويعتمدون على فتاويه».
وفاته
لم يبرح شيخ الطائفة في النجف الأشرف مشغولاً بالتدريس والتأليف، والهداية والإرشاد مدة اثنتي عشرة سنة حتى توفي رحمه الله سبحانه وتعالى ليلة الاثنين والعشرين من محرم الحرام سنة ستين وأربعمائة (460هـ)، بالمشهد المقدس الغروي على ساكنه السلام، عن خمس وسبعين سنة، وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي، والشيخ أبو محمد الحسن بن عبدالواحد العين زربي، والشيخ أبو الحسن اللؤلؤي ودفن في جواره بوصية منه.
وأرخ وفاته بعض المتأخرين بقوله مخاطباً مرقده الزاكي كما هو مسطور على جدار المسجد، وقد ذكره الشيخ جعفر نقدي في كتابه «ضبط التاريخ بالأحرف» ص13:
أودى بشهرِ مُحَرَّمٍ بإضافة
حُزْناً بِفاجِعِ رِزْئِهِ المُتَجَدِّدِ
إلى أن قال:
إِبْكِ شيخَ طائفةِ الدُعاةِ إلى الهُدى
وَمُجَمِّعُ الأحكامِ بَعْدَ تَبَدّدِ
إلى أن قال:
وبكى لَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ مُؤرِّخاً
«أَبكى الهُدَى والدَّيْنَ فَقْدُ مُحَمَّدِ»
وتحولت الدار بعد ذلك مسجداً في موضعه اليوم حسب وصيته أيضاً، وهو مزار يتبرّك به الناس من العوام والخواص ومن أشهر مساجد مدينة النجف الأشرف، عقدت فيه منذ تأسيسه حتى اليوم عشرات حلقات التدريس من قبل كبار المجتهدين وأعاظم المدرسين فقد كان العلماء يستمدون من بركات قبر الشيخ لكشف غوامض المسائل ومشكلات العلوم، ولذلك كان مدرس العلماء ومعهد تخريج المجتهدين إلى عصر شيخ الفقهاء الشيخ محمد حسن صاحب «الجواهر» الذي كان يدرس فيه أيضاً، حتى بعد أن بنوا له مسجده الكبير المشهور باسمه. واستمرت العادة كذلك إلى عصر الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب «الكفاية» فقد كان تدريسه فيه ليلاً إلى أن توفي رحمه الله، وكذلك شيخ الشريعة الأصفهاني فقد كان يدرس فيه عصراً إلى أن توفي رحمه الله.
وموقع مسجد الشيخ في محلة المشراق من الجهة الشمالية للصحن المرتضوي الشريف، وسُمّي باب الصحن المنتهي إلى مرقده بـ (باب الطوسي)، وقد طرأت عليه بعد عمارته الأولى عمارتان إحداهما سنة 1198هـ، والثانية سنة 1305هـ وهي العمارة الموجودة اليوم. وفي سنة 1369هـ هدمت الحكومة ما يقرب من ربع مساحته فأضافتها إلى الشارع الذي فتحته بجنبه في نفس العام وسمته «شارع الطوسي» أيضاً، فصار للمسجد بابان، أحدهما وهو الأكبر والأوجه، على الشارع الجديد العام من جهة الشرق، والثاني هو الباب الأول من جهة الغرب على الطريق القديم مقابل «المدرسة المهدية»، (انظر أعيان الشيعة، ج44، ص52).
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو المهرجان الذي عقد في كلية الإلهيات بجامعة مشهد بخراسان «إيران» حيث حضره ممثلون من علماء إيران، وأندونيسيا، وأفغانستان، وألمانيا، وأمريكا، وإنجلترا، وإيطاليا، وروسيا، وتركية، وباكستان، والعراق، وفرنسا، ولبنان، وسورية، والأردن، ومراكش، واليمن، والهند، وبعض الدول الأخرى، وأُلقيت في هذا المهرجان أكثر من أربعين كلمة، وطبعت هذه الكلمات والخطابات والمحاضرات في ثلاثة مجلدات يشتمل الأول على المقالات الفارسية، نشر بمشهد «إيران» سنة 1349هـ.ش، والمجلد الثاني يشتمل على المقالات العربية، طبع بمشهد أيضاً سنة 1351هـ.ش، والثالث يشتمل على بقية المقالات الفارسية، والخطب والمحاضرات التي أُلقيت باللغات الأجنبية، وطبع بمشهد أيضاً سنة 1354هـ.ش، ومما جاء في هذا المجلد رسالة الشيخ آغا بزرك الطهراني مؤلف موسوعة الذريعة إلى تصانيف الشيعة التي أرسلها إلى المؤتمر، ولعلّها كانت آخر رسالة كتبها بيده باللغة الفارسية، وقد قُرأت هذه الرسالة في أولى جلسات المؤتمر بعد 28 يوماً من وفاة مرسل الرسالة وهو يوم 28/12/1348هـ.ش. المصادف 19 مارس سنة 1968 من هذا المجلد تصريح الأستاذ محمد واعظ زادة أستاذ كلية الإلهيات بجامعة مشهد والقائم بنشر المجلدات الثلاثة المذكورة أعلاه، بأن العلاّمة الشيخ آغا بزرك الطهراني كان أول من اقترح إقامة المهرجان الألفي للشيخ الطوسي، حيث قدم اقتراحه المذكور إلى عميد كلية الحقوق بطهران والإمام السيد حسين البروجردي في سنة 1375هـ.
مصنفاته
خلّف الشيخ الطوسي للمكتبة العربية والإسلامية مؤلفات سامية في قيمتها العلمية لا تزال خالدة مع الزمن، وهي مرجع للمجتهدين والباحثين منذ أكثر من تسعة قرون بل هي من عيون المؤلفات النادرة التي من شأنها أن توضع على أعلى رفوف المكتبة العربية والإسلامية إذا وضعنا مؤلفات الكتاب على رفوف متصاعدة حسب قيمتها العلمية، حيث لصاحب الترجمة في كل فن ألّف فيه مؤلف هو الأول من نوعه وكل من جاء بعده كان عيالاً. وإليك ما توصلت إليه من مؤلفات هذا العلاّمة الفريد:
1 ـ كتاب الغيبة، طبع هذا الكتاب طبعاً صحيحاً جيداً في مدينة تبريز سنة 1324هـ، بنفقة الحاج محمد صادق التبريزي وهو المعروف بالقاضي بن الحاج محمد علي بن الحاج علي محمد.
ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222) وقال: «كتاب حسن مشهور، وهو في إثبات غيبة صاحب الزمان [عج] وبيان شواهدها وأسبابها، وسائر ما يتعلق ببابها فيما يقرب من «إكمال» شيخنا «الصدوق»، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص296)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص79، الرقم 399) وقال: «كتاب الغيبة ـ للحجة، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد الطوسي، أوله: الحمد لله الذي هدانا لحمده وجعلنا من أهله ووفقنا للتمسك بدينه، والانقياد لسبيله ـ إلى قوله ـ فإني مجيب ما رسمه الشيخ الجليل أطال الله بقاءه من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان وسبب غيبته، والعلة التي لأجلها طالت غيبته وامتدّ استتاره مع شدة الحاجة إليه…
وأورد في (ص85) من النسخة المطبوعة، جواب الاعتراض عن طول عمر الحجة إلى هذا الوقت الذي هو سنة 447هـ.
فظهر منه سنة التأليف، وعلى هذا فليس مراده من الشيخ الجليل أطال الله بقاءه، الشيخ السعيد أبي عبدالله المفيد الذي توفي سنة 413هـ، «كما قاله البعض»، كما ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49).
2 ـ كتاب الإيجاز، في الفرائض، ذكره له النجاشي في الرجال (ص287)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص486، الرقم 1905) وقال: «أوله: الحمد لله رب العالمين ـ إلى قوله ـ سألتَ أيدكَ الله إملاء مختصر في الفرائض والمواريث يحيط بجميع أبوابه على طريقة الإيجاز. وإنما سمي بـ«الإيجاز» لأن غرضه فيه الإيجاز كما عمله في الجمل والعقود في العبادات وأحال فيه التفصيل إلى كتابه «النهاية»، وتوجد نسخة كتابتها سنة 968هـ في مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، ورأيت منه نسخاً أُخر، وهو من مآخذ البحار كما في أوله».
وقال في الرياض: رأيت نسخة عليها تملك السيد حسين بن حيدر الكركي، كما ذكره له الأستاذ خير الدين الزركلي في الأعلام (ج6، ص315، س2 وس21)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48).
3 ـ كتاب الجمل والعقود، في العبادات والاقتصاد، ذكره له الشيخ عباس القمي في الكُنى والألقاب (ج2، ص396)، والنجاشي في الرجال (ص287)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221) وقال: «في العبادات والاقتصاد والعقائد والأصول»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص145، الرقم 615) وقال: «في العبادات لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المولود سنة 385هـ، والمهاجر إلى العراق في سنة 408هـ والمجاور للغري «بالنجف الأشرف» سنة 448هـ، والمتوفى بها في (22 المحرم سنة 460هـ)، رأيت منه في النجف نسخاً في خزانة كتب شيخنا «شيخ الشريعة الأصبهاني»، وفي موقوفة المولى محمد مهدي القومشهي بعد موته في سنة 1281هـ، وفي مكتبة الشيخ عبدالحسين بن قاسم الحلّي النجفي، وفي طهران في مكتبة السيد محمد المشكاة كتابتها سنة (927هـ). أوله: الحمد لله حق حمده ـ إلى قوله ـ فإني مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل أطال الله بقاءه (المراد بالشيخ الفاضل: القاضي عبدالعزيز بن نحرير بن البراج قاضي طرابلس، كما في هامش بعض النسخ القديمة منه) من إملاء مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات، وذكر عقود أبوابها، وحصر جملها، وبيان أفعالها، وانقسامها إلى الأفعال والتروك، وما يتنوع إلى الوجوب والندب وأن أضبط أبوابها بالعدد ليسهل على من يريد حفظها. ثم شرع في الفقه من أول كتاب الطهارة إلى آخره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، كما ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49).
4 ـ كتاب التبيان الجامع لعلوم القرآن، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48)، والعلاَّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص220)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص395)، والعلاّمة الشيخ التستري في قاموس الرجال (ج8، ص134)، والنجاشي في الرجال (ص287)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج3، ص328، الرقم 1197) وقال: «في تفسير القرآن لشيخ الطائفة بقول مطلق الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، وصفه في فهرسه عند ذكر تصانيف بقوله، وله كتاب تفسير القرآن لم يعمل مثله» ولكن النجاشي صرح باسمه، قال: «وكتاب التبيان في تفسير القرآن»، وقال آية الله بحر العلوم في فوائده الرجالية في وصفه: «إن كتاب التبيان الجامع لعلوم القرآن كتاب جليل كبير عديم النظير في التفاسير، وشيخنا الطوسي إمام التفسير في كتبه، إليه يزدلف ومن بحره يغترف».
وأضاف قائلاً: «نعم هو أول تفسير جمع فيه أنواع علوم القرآن» وقد أشار إلى فهرس مطوياته في ديباجته، أوله: «الحمد لله اعترافاً بتوحيده، وإخلاصاً لربوبيته، وإقراراً بجزيل نعمه» إلى قوله: «فإن الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب إني لم أجد في أصحابنا من عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن ويشتمل على فنون معانيه»، ثم ذكر اختلاف سيرة جمع من المفسرين في تأليف تفاسيرهم وأشار إلى جهة الاختلال فيها، إلى أن قال: «وأصلح من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصداً، محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني، وعلي بن عيسى الرماني، فإن كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى غير أنهما أطالا الخطب فيه وسمعت جماعة من أصحابنا يرغبون في كتاب مقتصد يشمل على جميع فنون علم القرآن، من القراءة، والمعاني، والإعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين، كالجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم. وذكر ما يختص أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها. وأنا إن شاء الله أشرع في ذلك على وجه الإيجاز وأقدم أمام ذلك فصلاً يشتمل على ذكر جمل لا بد من معرفتها».
ثم عقد فصلاً بيَّن فيه إن مجموع ما بين الدفتين ـ المنتشر في الآفاق المعروف لدى كل أحد أنه كتاب الإسلام ـ وحي منزل بجميع آياته وبسوره وليس بين الدفتين شيء غير الوحي الإلهي وهو القرآن المعجز باتفاق جميع المسلمين وبلا خلاف بينهم في شيء من ذلك أبداً إذ احتمال الزيادة فيه مجمع بطلانه بين المسلمين، وكذا احتمال نقص وما روي من طريق الآحاد أنه من آي القرآن، مدفوع بمذهب المسلمين، إن الآحاد لا يوجب علماً ولا عملاً، إلى قوله: «ولو صح ذلك لما كان طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه» إلى قوله: «فإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه».
أقول: هذا التفسير النفيس عزيز الوجود في الغاية وقد كان عند العلاّمة المجلسي وذكره من مآخذ كتاب البحار في أوله ولكني لم أطلع على وجود تمام مجلداته في مكتبة واحدة في عصرنا هذا، نعم يظهر من فهرس مكتبة الأزهر بمصر ومكتبة السلطان محمد الفاتح ومكتبة السلطان عبدالحميد خان وغيرها إن في كل منها نسخة منه، وحكى الشيخ صادق الكتبي وجود نسخة في طهران في مكتبة الحاج حسين آغا الملك، وحدثني الشيخ محمد صالح آل طعان القطيفي بوجود نسخة في القطيف في مكتبة الشيخ جعفر بن محمد القطيفي الأخباري، وذكر شيخ الإسلام الزنجاني أنه توجد في زنجان في مكتبته قطعة منه من أول سورة إبراهيم إلى أول سورة الكهف عليها خط المولى خليل القزويني في سنة 1048هـ: وحكى أن ثلاثة مجلدات منه كانت في الخزانة الغروية بخط قديم عليها تملك السيد محمد بن عميد الدين عبدالمطلب الأعرجي ابن أخت العلاّمة الحلّي، وأنه استنسخ عنها الفاضل مؤيد الأطباء المعاصر نسخة جعلها في مجلدين لكني لم أرَ منها إلا مجلداً واحداً وهو الجزء الثاني منه من أول قوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ} الآية (130) من سورة البقرة إلى الآية (116) من آل عمران، بخط محمد بن محمد بن علي ابن الدري فرغ منه يوم السبت 29 شعبان سنة 576هـ وقابله بأصله الشيخ علي بن يحيى وفرغ في شوّال سنة 576هـ، وعليه تملك السيد محمد بن عبدالمطلب والنسخة موقوفة من تركه السيد جلال الدين عبدالله بن شرف شاه الحسيني سنة (810هـ) للخزانة الغروية وعليه بلاغات كثيرة بعنوان «عرض على البصير»، ومما رأيته منه أيضاً مجلد ضخم كبير من أواسط سورة هود إلى أواسط سورة الكهف وهو بخط محمد بن محمد بن علي فرغ منه في آخر شعبان سنة 566هـ كان عند مجيد الدين النصيري ابن صدر الأفاضل ميرزا لطف علي الشيرازي نزيل طهران، ويوجد عندي من وقف سنة 1140هـ مجلداً ضخماً كبيراً مشتملاً على ثلاثة أجزاء من «التبيان» الجزء الأول والرابع والسادس كلها في 824 صفحة بخط جيد جلي كل صفحة في ثلاثين بيتاً، يزيد المجموع على أربعة وعشرين ألف وخمسمائة بيت، تاريخ كتابته سنة 1087هـ ولم يذكر الكاتب اسمه.
وفي الروضات: حكى عن صاحب تاريخ مصر أنه ذكر الشيخ الطوسي وقال: «هو صاحب التفسير الكبير الذي هو في عشرين مجلداً».
فما وقع في «الشيعة وفنون الإسلام» من أنه في عشرة مجلدات غير مبني على الحصر الحقيقي، ولعله أراد المجلد الضخم الحاوي لثلاثة مجلدات. وقد اختصره الشيخ محمد بن إدريس ويقال له مختصر البيان.
وذكر صاحب الذريعة المختصر المذكور في «التسلسل 2504 ص184 ج2» وقال: «مختصر التبيان: ـ للشيخ الفقيه أبي جعفر بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي «صاحب السرائر» المتوفى سنة 598هـ، حكى بعض الثقات أنه موجود بكربلاء عند الفاضل الطبيب مؤيد الأطباء، واستنسخه هو من نسخة كانت للسيد محمد شرف الدين البحراني نزيل بندر لنجه «بندر لنگه ـ إيران» المتوفى بها حدود سنة 1314هـ».
5 ـ كتاب الاستبصار، فيما اختلف فيه من الأخبار، ذكره القمي (ص395)، والعلاّمة التستري (ص135)، والنجاشي (ص287)، وصاحب منهج المقال (ص292)، وصاحب الذريعة (ج2، ص14، الرقم 43) وقال: «هو أحد الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الإثنى عشرية منذ عصر المؤلف حتى اليوم يقع في ثلاثة أجزاء، جزأين منه في العبادات والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والإيقاعات والأحكام إلى الحدود والديات، أوله «الحمد لله ولي الحمد ومستحقه» مشتمل على عدة كتب تهذيب الأحكام غير أن هذا مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينها والتهذيب جامع للخلاف والوفاق وقد أحصى بعض العلماء عدة أبوابه في 925 أو 915 باباً وأحصرت أحاديثه في ستة آلاف وخمسمائة وواحد وثلاثين حديثاً، وقال حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان وقد طبع بالهند وفي إيران، والنسخة المقابلة بخط الشيخ الطوسي توجد في خزانة كتب الشيخ هادي آل كاشف الغطاء لكنها ليست تامة بل الموجود من أول الكتاب إلى آخر كتاب الصلاة بخط الشيخ جعفر بن علي بن جعفر المشهدي وفرغ من الكتابة في يوم السبت الثامن من ذي القعدة الحرام سنة 573هـ، وكتب بخطه على عدة مواضع منه «بلغ قراءة وعرضاً بخط مصنفه» وكتب على ظهر النسخة فائدة منقولة عن خط الشيخ الطوسي حكاية عن أستاذيه الشيخ المفيد وابن الغضائري في تعيين رجال العدة الذين يعبِّر عنهم ثقة الإسلام الكليني في كتابه «الكافي» بقوله عدة من أصحابنا.
وللاستبصار شروح وحواش وتعليقات، ولا بأس بسرد أسماء جمع من الشارحين له والمعلقين عليه:
أ ـ المولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي المتوفى سنة 1041هـ.
ب ـ السيد مير محمد باقر بن شمس الدين محمد الحسيني الشهير بداماد المتوفى سنة 1041هـ.
جـ السيدة الفاضلة حميدة بنت المولى محمد شريف الرويدشتي المتوفاة سنة 1087هـ.
د ـ السيد مير محمد صالح بن عبد الواسع الخواتون آبادي المتوفى سنة 1116هـ.
هـ المولى عبدالرشيد بن المولى نور الدين التستري المتوفى في حدود سنة 1078هـ.
و ـ السيد عبد الرضا بن عبد الصمد الحسيني معاصر المحدث الجزائري.
ز ـ المولى عبدالله بن الحسين التستري المتوفى سنة 1021هـ.
ح ـ السيد عبدالله بن نور الدين الجزائي التستري المتوفى سنة 1173هـ.
ط ـ الشيخ عبداللطيف بن الشيخ نور الدين علي الجامعي العاملي المتوفى سنة 1050هـ.
ي ـ السيد مير شرف الدين علي بن حجة الله الشولستاني المتوفى بعد سنة 1060هـ.
ك ـ الشيخ زين الدين علي بن سليمان أم الحديث البحراني المتوفى سنة 1064هـ.
ل – السيد ماجد بن السيد هاشم الجد حفصي البحراني المتوفى سنة 1021هـ.
م ـ المقدس الكاظمي صاحب المحصول (السيد محسن بن الحسن الأعرجي المتوفى 1227هـ).
ن ـ الشيخ محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد الشامي العاملي المتوفى بمكة 1030هـ.
س ـ السيد ميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي الرجالي المتوفى 1028هـ.
ع ـ السيد محمد بن علي بن الحسين الموسوي العاملي المتوفى سنة 1009هـ.
ف ـ المحدث الجزائري السيد نعمة الله بن عبدالله الموسوي التستري المتوفى 1112هـ.
ص ـ السيد يوسف الخراساني المكتوبة تعليقاته سنة 1030هـ.
6 ـ كتاب الاقتصاد: قال عنه صاحب الذريعة (ج2، ص269، الرقم 1089): «الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، فيما يجب على العباد من أصول العقايد والعبادات الشرعية على وجه الاختصار، أوله «الحمد لله على سوابغ نعمه وتتابع مننه…»، فبدأ بما يجب على العباد معرفته بإقامة البراهين الواضحة بلا طول ممل أو إيجاز مخل واتبعه بما يجب العمل به من العبادات الشرعية على وجه الاختصار وبعد تمام مسائل الأصول والعقايد، فشرع في أفعال الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد. ولما فرغ من الجهاد قال «وتفصيل ذلك بينّاه في النهاية والمبسوط، رأيت منه نسخاً منها في كتب الشيخ الفقيه المولى محمد حسين بن محمد قاسم القومشهي النجفي وهي من موقوفة المولى مهدي القومشهي سنة 1281هـ، ومنها نسخة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، ومنها نسخة السيد محمد باقر حفيد آية الله الطباطبائي اليزدي»، كما ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293) وسماه: «الاقتصاد فيما يجب على العباد». وكذلك صاحب منهج المقال (ص293).
7 ـ كتاب المبسوط: ذكره صاحب الذريعة (ج19، ص54، الرقم 283) وقال: «وهو في الفقه، طبع بإيران بخط محمد علي الخوانساري، وتصحيح الحاج ميرزا مسيح سنة 1270هـ، أوله: «الحمد لله الذي أوضح لعباده دلائل معرفته…» وهو من أجل كتب الفقه مشتمل على جميع أبوابه في نحو سبعين كتاباً)[1087](، قال فيه: «أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، وأقتصر على مجرد الفقه دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب، وأقتسم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر، وأستوفيه غاية الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون، وأقول ما عندي على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجيه أصولنا بعد أن أذكر أصول المسائل، إلى آخر كلامه…»، رأيت الجزء السادس من كتاب الطلاق إلى المكاتب والجزء السابع من المكاتب إلى آخر الديات كتابته في 4 رجب سنة 614هـ وقوبل بمدينة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم في سلخ رجب سنة 614هـ وعليه تملك السيد سالم بن حمد، وقبله الشيخ حسن بن علي بن سالم وتملكه في سنة 743هـ، عند الشيخ علي بن المولى حسينقلي الطهراني الأخلاقي الشهير، وفي «الرضوية» نسخة عليها إجازة الشيخ أحمد بن محمد لابن أبي هشام العلوي الحسيني في سنة 659هـ، ويوجد الرابع منه من أول كتاب الصداق وكتاب القسم إلى آخر كتاب الولاء في تسعة عشر كراساً بخط الشيخ مرشد الدين أبي الحسن علي بن الحسين بن أبي الحسين المكنى بأبي الحسن الواراني فرغ من الكتابة ضحوة يوم الجمعة 18/ ربيع الثاني/ 586هـ، وهذا الجزء منضم إلى الجزء الثالث من أول كتاب المساقات إلى آخر النكاح، لكنه بخط آخر، وكان هذا المجلد من كتب السيد خليفة وعليه تملك السيد نصرالله المدرّس الحائري الشهيد ثم تملكه السيد محمد الصنديد في سنة 1187هـ ثم تملكه الشيخ مبارك بن علي الجارودي في سنة 1189هـ وبيعت مكتبة السيد خليفة في محرم سنة 1371هـ فاشترى النسخة الشيخ محمد بن الشيخ عبدالحسين الرشتي «النجفي»، كما ذكره له صاحب روضات الجنات، (ج6، ص221)، والقمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، وصاحب أعيان الشيعة (ج4، ص50)، والعلاّمة التستري (ج8، ص136).
8 ـ كتاب العدة، في الأصول، ذكره له صاحب الذريعة (ج15، ص227، الرقم 1488) وقال: «(أوله) الحمد لله وحده ـ إلى قوله ـ إن الناس قالوا لم يصنف في هذا الباب إلا ما ذكر الشيخ أبو عبدالله في المختصر الذي في أصول الفقه ولم يستقص وشذَّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حررها. وإن السيد المرتضى أدام الله علوه وإن أكثر في «الأمالي» إليه فأنا مجيبكم إلى ما سألتم عنه… إلخ» وقسمه إلى قسمين وكلها في أصول الفقه، وهو مطبوع في بومباي في سنة 1312هـ وفي إيران مع الحواشي الخليلية عليه في سنة 1314هـ»، كما ذكره له صاحب منهج المقال (ص292)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49)، والقمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396).
9 ـ كتاب المجالس والأخبار، ذكره له صاحب الذريعة (ج19، ص355، الرقم 1585) وقال: «وهو المعروف بالأمالي المنسوب إلى شيخ الطائفة» «الشيخ الطوسي» تارة وإلى ابنه الشيخ أبي علي أخرى، في سبع وعشرين جزءاً ظهر للناس 18 جزءاً منها أولاً ثم أملى بعدها تمام 27 وكلها يرويها ولده كما ذكره السيد ابن طاووس». كما ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48) وقال طبع بطهران سنة 1313هـ.ش.
10 ـ كتاب تلخيص الشافي، الأصل في علم الكلام والإمامة، تأليف الشريف المرتضى علم الهدى، والتلخيص لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، طبع في آخر كتاب «الشافي» بطهران سنة 1301هـ. ذكره له صاحب الذريعة (ج4، ص423، الرقم 1866)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48) والقمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص211).
11 ـ كتاب أسماء الرجال: ذكره صاحب الذريعة تحت عنوان «رجال شيخ الطائفة» في (ج10، ص120، الرقم 246) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، وقد يسمى «كتاب الأبواب» لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأصحاب كل واحد من الأئمة عليهم السلام وفي آخره باب من لم يرو عنهم، أوله «الحمد لله حق حمده والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين عترته وسلم تسليماً» وإن ابن داود أول من جعل الرمز له ولأبوابه فتلقاه من بعده بالقبول. رأيت منه نسخة عند الشيخ أمين ابن الشيخ محمد بن الحاج كاظم الكاظمي بالكاظمية «العراق» مؤرخة في «26 جمادى الأولى سنة 973هـ» بخط علي بن إدريس ويظهر من مطاويه أنه ألّفه بعد الفهرست لأنه يحيل فيه إلى الفهرست، منها في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى، صاحب «نوادر الحكمة». وكتب الفهرست بأمر الشيخ المفيد على ما يحتمل من آوله وإن لم يُصرح باسمه، لكن يبعده الاقتصار في توصيفه بالشيخ الفاضل مع جلالة المفيد وكونه من مشايخه. ونسخة منه مصححة ومقابلة بخط ابن إدريس الذي كتبها عن خط الشيخ الطوسي رأيتها في كتب الشيخ عبدالله المامقاني في النجف». كما ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221) وسماه: الأبواب وكذلك الشيخ القمي في الكنى والألقاب.
12 ـ مصباح المتهجد: ذكره صاحب الذريعة (ج21، ص118، الرقم 4210) وقال: «مصباح المتهجد الكبير، في أعمال السنة، للشيخ الطوسي ذكر فيه ما يتكرر من الأدعية وما لا يتكرر، وقدم فصولاً في أقسام العبادات وما يتوقف منها على شرط وما لا يتوقف، وذكر في آخره أحكام الزكاة والأمر بالمعروف. أوله «الحمد لله ولي الحمد ومستحقه» وهذا الكتاب من أجل الكتب في الأعمال والأدعية وقدوتها، ومنه اقتبس كثير من كتب الباب فهو أصلها، كاختيار المصباح لابن باقي، و«إيضاح المصباح» للفيلي، وتتمات المصباح في عشرة مجلدات كل منها في كتاب مستقل وله عنوان خاص للسيد بن طاووس، و«قبس المصباح» للصهرشتي، و«منهاج الصلاح» للعلاّمة الحلي، و«مختصر المصباح» للمولى حيدر علي، وللسيد عبدالله الشبر، ولنظام الدين علي بن محمد.
وألحق المولى فتح الله بن المولى مسيح الدين رسالته في أحوال أبنية الكعبة بآخر كتاب الحج والعمرة من «المصباح» وأدرج فيها تمام «مفرحة الأنام» الذي كتبه معاصره السيد زين العابدين».
كما ذكر له صاحب الذريعة في «التسلسل 4209 ص118 ج21» أيضاً المتهجد الصغير، وهو مختصر من «المصباح الكبير» المذكور، وقال: ذكر الطوسي فيه أنه لما صنف «المصباح الكبير» في عبادات السنّة فكر في أنه ربما استثقل الناظر فيه العمل بجميعه فرأى أن يختصر ذلك ويقتصر على ذكر أدعية مختارة جامعة للأغراض». وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص50)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، والقمي في الكُنى والألقاب (ج2، ص396)، والعلاّمة التستري في قاموس الرجال (ج8، ص135).
13 ـ كتاب مصارع المصارع، وهو في الرد على كتاب المصراع للشهرستاني الذي انتقد فيه بعض أقوال ابن سينا وآرائه، نسبه له الأستاذ خير الدين الزركلي في أعلامه (ص315، ج6) وهذا خطأ وقع به الزركلي حيث أن الكتاب المذكور للخواجه نصر الدين الطوسي ذكره له صاحب الذريعة في «التسلسل 413، ص98، ج21» وقال: «مصارع المصارع للخواجه نصر الدين الطوسي في رد «المصارعات» لمحمد بن عبدالكريم الشهرستاني، الذي فيه ردوده على الشيخ أبي علي بن سينا، فانتصر الخواجه لابن سينا في هذا الكتاب، ورد جميع ردود الشهرستاني. توجد في المكتبة الرضوية نسخة كتابتها في سنة 1021هـ، عن نسخة كتابتها سنة 707هـ، ونسخة بمكتبة عارف حكمت بالمدينة».
14 ـ كتاب الفصول في الأصول، ذكره الزركلي في أعلامه (ج6، ص315) ونسبه إلى صاحب الترجمة، وهذا خطأ وقع فيه الزركلي أيضاً حيث إن الكتاب المذكور للخواجه نصير الدين الطوسي، كتبه بالفارسية وهو مرتب على أربعة فصول في التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد والموجود نسخة منه في النجف عند السيد أبي القاسم الخوانساري، وترجم هذا الكتاب من الفارسية إلى العربية من قبل المولى ركن الدين محمد بن علي الجرجاني، وعلى هذا المعرب شروح كثيرة. انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة «التسلسل 980، ص246، وص247، ج716 الفصول النصيرية».
15 ـ كتاب تهذيب الأحكام: وهو كتاب «مطبوع» ذكره له الزركلي في الأعلام (ج6، ص315) وصاحب الذريعة (ج4، ص504، الرقم 2263) وقال: «أحد الكتب الأربعة المجاميع القديمة المعول عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتى اليوم، ألفه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، استخرجه من الأصول المعتمدة للقدماء التي هيأها الله له وكانت تحت يده من لدن وروده إلى بغداد في سنة 408هـ إلى مهاجرته منها إلى النجف الأشرف في سنة 448هـ ومن تلك الأصول ما كانت في مكتبة أستاذه الشريف المرتضى المحتوية على ثمانين ألف كتاب كما هو مذكور في التواريخ في وجه تسميته بالثمانيني ومنها ما كانت في مكتبة «ساپور» المؤسسة للشيعة بكرخ بغداد التي لم تكن في الدنيا مكتبة أحسن كتباً منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة)[1088](، وقد خرج من قلمه الشريف تمام كتاب الطهارة إلى أوائل كتاب الصلاة بعنوان الشرح على «مقنعة» أستاذه الشيخ المفيد المتوفى «سنة 413هـ» وذلك في زمن حياة المفيد، ثم تممه بعد وفاته، وقد أنهيت أبوابه إلى 393 باباً وأحصيت أحاديثه في «13590» حديثاً، أوله «الحمد لله ولي الحمد ومستحقه» وقد طبع تهذيب الأحكام في مجلدين كبيرين في «سنة 1317هـ» ويوجد في تبريز الجزء الأول منه بخط مؤلفه شيخ الطائفة وعليه خط الشيخ البهائي في مكتبة السيد الميرزا محمد حسين بن علي أصغر شيخ الإسلام الطباطبائي المتوفى في «سنة 1293هـ» واليوم بيد أحفاده، وكان تمام الأجزاء بخط المؤلف إلا قليلاً موجوداً إلى أواخر القرن العاشر بخطه، فرغ من الكتاب في سنة 949هـ وكتب في آخره شهادة المقابلة هكذا «بلغت المقابلة والتصحيح بنسخة الأصل التي هي بخط مؤلف الكتاب الشيخ الطوسي إلا النزر القليل».
ثم كتب السيد الصدر علاء الملك المرعشي نسخة «التهذيب» بخطه في سنة 974هـ عن نسخة خط الشيخ حسين بن عبدالصمد، وفرغ من مقابلة نسخته مع نسخة الشيخ حسين بن عبدالصمد في قزوين سنة 986هـ، وشحن هوامشه بالتحقيقات الرجالية من نفسه.
وبعد ذلك كتب المولى سلطان حسين الندوشني اليزدي أستاذ سلطان العلماء بخطه نسخة من «التهذيب» في سنة 1206هـ عن نسخة خط علاء الملك المرعشي، وكتب في آخره تمام ما كتبه المرعشي ونقل جميع حواشي المرعشي على نسخته وقد رأيت نسخة الندوشني في النجف الأشرف وهي من موقوفات شيخنا العلاّمة المولى علي النهاوندي. أما الكتب المتعلقة بكتاب تهذيب الأحكام فهي:
أ ـ كتاب انتخاب الجيد من تنبيهات السيد للشيخ حسن بن محمد بن علي بن خلف بن إبراهيم بن ضيف الله البحراني الدمستاني. «انظر الذريعة التسلسل 1445، ص358، ج2».
ب ـ كتاب ترتيب التهذيب: للسيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل التوبلي الكتكاني البحراني المتوفى سنة «1107هـ». «انظر الذريعة التسلسل 370، ص64 وص65، ج4».
جـ كتاب تصحيح الأسانيد: للمولى محمد بن علي الأردبيلي «انظر الذريعة التسلسل 960، ص193، ج4».
د ـ كتاب تنبيه الأريب وتذكرة اللبيب في إيضاح رجال التهذيب للعلاّمة التوبلي السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الكتكاني البحراني المتوفى سنة «1107هـ»، «انظر الذريعة التسلسل 1957، ص 440، ج4». أما شروح وحواشي تهذيب الأحكام، فهي كثيرة لا تحصى، فمن الشروح:
أ ـ شرح الشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري المتوفى سنة 1149هـ.
ب ـ شرح المولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي المتوفى بمكة 1036هـ.
جـ شرح العلاّمة محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1111هـ اسمه «ملاذ الأخيار».
د ـ شرح المولى محمد تقي المجلسي اسمه «إحياء الأحاديث»، «الذريعة ص307، ج1».
هـ شرح المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي القمي.
و ـ شرح المولى عبدالله بن محمد تقي المجلسي.
ز ـ شرح المولى عبدالله بن الحسين التستري المتوفى سنة 1021هـ.
ح ـ شرح المولى عبداللطيف الجامعي تلميذ الشيخ البهائي منه مخطوطة في مكتبة المعارف بطهران.
طـ شرح المدقق الشيرواني الميرزا محمد بن الحسن المتوفى سنة 1099هـ.
ي ـ شرح الشيخ محمد السبط المتوفى في سنة 1030هـ، اسمه معاهد التنبيه منه مخطوطة في مكتبة السيد حسن صدر الدين)[1089](.
ك ـ شرح السيد محمد بن علي صاحب «المدارك» ويطلق عليه الحاشية.
ل ـ شرح السيد نعمة الله الجزائري اسمه «مقصود الأنام»)[1090]( في 12 مجلداً.
م ـ شرح القاضي نور الله بن السيد شريف الدين المرعشي التستري المتوفى سنة 1019هـ واسمه تهذيب الأكمام «انظر الذريعة التسلسل 216، ص53، ج4».
أما الحواشي عليه فهي كثيرة أيضاً نذكر بعضاً منها مختصراً بذكر مؤلفيها:
أ ـ حاشية المولى إسماعيل الخواجوئي.
ب ـ حاشية الأستاذ آغا باقر بن محمد أكمل البهبهاني.
جـ حاشية المولى محمد باقر بن محمد تقي المجلسي.
د ـ حاشية السيد محمد بشير الگيلاني معاصر الوحيد البهبهاني.
هـ – حاشية بعض المتأخرين عن الشيخ عبدالنبي الجزائري أخذه من حاشية الجزائري.
و ـ حاشية المحقق آغا جمال الدين الخوانساري.
ز ـ حاشية الشيخ حسن صاحب «المعالم».
ح ـ حاشية الشيخ سليمان الماحوزي.
طـ حاشية الشيخ صلاح الدين بن الشيخ علي أم الحديث.
ي ـ حاشية الميرزا عبدالله صاحب «الرياض».
ك ـ حاشية الشيخ عبد النبي بن سعد الجزائري.
ل ـ حاشية المولى عزيز الله، أكبر أولاد المجلسي.
م ـ حاشية السيد الصدر علاء الملك المرعش.
ن ـ حاشية الشيخ زين الدين علي أم الحديث.
س ـ حاشية السيد ماجد الجد حفصي.
ع ـ حاشية الشيخ محمد بن الحسن سبط الشهيد.
ف ـ حاشية السيد ميرزا محمد بن علي الأسترآبادي الرجالي.
ص ـ حاشية الشيخ محمد علي البلاغي المتوفى سنة 1000هـ.
ق ـ حاشية السيد نجم الدين الحسيني الجزائري.
ر ـ حاشية القاضي نور الله الشهيد، وهي غير شرحه المذكور سابقاً». كما ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص220)، والعلاّمة الشيخ محمد تقي التستري في قاموس الرجال (ص135).
16 ـ كتاب فهرست كتب الشيعة، ذكره الزركلي في أعلامه (ج6، ص315)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49)، والشيخ عباس القمي في الكنى (ج2، ص396)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص384، الرقم 1790) وسماه كتاب «فهرست شيخ الطائفة» وقال: «هو أحد الأصول الأربعة الرجالية، أوله: الحمد لله ولي الحمد ومستحقه…» وقد طبع في كلكته في سنة 1271هـ وفي آخره ما ذكر ما روعي في طبع الكتاب، باللغة الإنجليزية، ملخصه أن المصحح قابله مع أربع نسخ، وبين مواضع اختلافها، وأدرج فيه غالباً من كلام النجاشي أو ابن داود، وجعل علامتها «جش» و«ن» إلى آخر كلامه، ولكنه روعي فيه حروف الأسماء ثم الآباء ثم الأجداد، وأصل الفهرست ليس بهذا الترتيب». ولخص «الفهرست» المحقق الحلّي، وقد ترك المصنفات، واقتصر على المصنفين بالترتيب المألوف، انظر الذريعة، ج4، ص425، الرقم 1872، كما ذكر الفهرست له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221) والعلاّمة التستري في قاموس الرجال (ج8، ص134).
17 ـ معالم العلماء ذكره له الزركلي في أعلامه (ج6، ص315) وهذا خطأ آخر وقع فيه الزركلي حيث أن هذا الكتاب للشيخ الإمام رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني المتوفى سنة 588هـ جعله تتمة لفهرست شيخ الطائفة المذكور في المادة «16» أعلاه، «انظر الذريعة التسلسل 4606، ص201، ج21».
18 ـ ثلاثون مسألة على مذهب الشيعة، ذكره صاحب الذريعة في (ج5، ص9) وقال: كتاب «ثلاثون مسألة» كلاميه للشيخ أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ضمن مجموعة في مكتبة السيد راجه محمد مهدي في ضلع فيض آباد ذكر في فهرسها المخطوط أنه ضم حديثاً عربياً، في نمرة «92»، وتوجد في مكتبة الميرزا محمد الطهراني في سامراء «العراق».
19 ـ كتاب اصطلاحات المتكلمين، ذكره له صاحب الذريعة (ج2، ص123 الرقم 495) وقال: «لشيخ الطائفة الحقة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وقد شرحه القاضي الشريف محمد سعيد بن محمد مفيد القمي الذي فرغ من بعض تصانيفه سنة 1099هـ، وتوجد النسخة مع الشرح في خزانة كتب السيد راجه محمد مهدي في ضلع فيض آباد كما في فهرسها المخطوط».
20 ـ كتاب تمهيد الأصول: وهو شرح على كتاب «جمل العلم والعمل تصنيف الشريف المرتضى علم الهدى» شرحه شيخ الطائفة أبو جعفر بن محمد بن الحسن الطوسي، ولم يخرج منه إلا شرح ما يتعلق بالأصول كما صرح به في الفهرست، ولذا عبر عنه النجاشي بـ«تمهيد الأصول» ويوجد منه نسخة في الخزانة الرضوية «إيران»، أوله: «الحمد لله كما هو أهله ومستحقه» ولم يعلم تاريخ كتابة النسخة لنقص آخرها لكن تاريخ وقفها سنة 1067هـ كما في فهرس المكتبة، «انظر الذريعة التسلسل 1922، ص433، ج4». كما ذكر هذا الكتاب له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49).
21 ـ كتاب شرح الشرح في الأصول، ذكره له صاحب منهج المقال (ص292)، وصاحب الروضات (ج6، ص22)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص49)، وقال: كتاب شرح الشرح، في الأصول، قال تلميذه الحسن بن مهدي السليقي: إن من مصنفاته التي لم يذكرها في الفهرست كتاب شرح الشرح في الأصول، وهو كتاب مبسوط أملى علينا منه شيئاً صالحاً، ومات رحمه الله ولم يتمه، ولم يصنف مثله»، كما ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص332، الرقم 1219) وذكر نص ما جاء في أعيان الشيعة المذكور أعلاه.
22 ـ المسألة (المسائل) الرازية، ذكرها له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50) وسماها: «المسائل الرازية» وقال في «الوعيد»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص347، الرقم 3343) وقال: «المسائل الرازية، في الوعيد، للشيخ أبي جعفر محمد ابن الحسن الطوسي شيخ الطائفة كما في «الفهرست».
23 ـ المسائل الدمشقية، ذكرها السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص347، الرقم 3338) وقال: «المسائل الدمشقية، اثنتا عشرة مسألة، أجاب عنها الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة المتوفى سنة ستين وأربعمائة، قال في «الفهرست» إنها اثنتا عشرة مسألة في تفسير القرآن لم يعمل مثلها».
24 ـ كتاب المختصر في أصول الدين، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص173، الرقم 2458) وقال: «لكنه لم يتم، ذكر في تصانيفه».
25 ـ كتاب أخبار المختار (ويسمى مختصر أخبار المختار)، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، وصاحب منهج المقال (ص293)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، ص348، الرقم 1829) وقال: «أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره في فهرسته بعنوان مختصر أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ويعبر عنه بأخبار المختار».
26 ـ مختصر المصباح، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص209، الرقم 6217) وقال: «مختصر المصباح الكبير» قال فيه بعد ذكره «المصباح الصغير»، اختصره شيخ الطائفة نفسه عن «المصباح الكبير» قال فيه بعد ذكره «للمصباح» [انظر التسلسل 12 فيما سبق] واستصعابه على بعض الناس: رأيت أن أختصر ذلك وأجمع منه جملاً، لئلا يستثقلها العامل بها ولا يستصعبها الناظر، وأقتصر على أدعية مختارة جامعة للأغراض، أوله: الحمد لله…، توجد نسخة منه عند الشيخ هادي كاشف الغطاء وغيره».
27 ـ مسائل ابن البراج، ذكرها له العلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص331، الرقم 3257) وقال: « لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره في «الفهرست»».
28 ـ المسائل الألياسية، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص336، بعد الرقم 3283) وقال: «مائة مسألة في فنون المختلفة [مختلفة] للشيخ [ لشيخ] الطائفة أبي جعفر محمد الطوسي، المتوفى سنة 460هـ».
29 ـ المسائل الجنبلائية، أربع وعشرون مسألة، ذكرها له صاحب روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50) وقال: «في الفقه»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص343، الرقم 3313) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، والجنبلاء بليد بين واسط والكوفة وفي بعض النسخ «الجنبلائية» والأول أصح قال في الفهرست أنه أربع وعشرين مسألة».
30 ـ المسائل الحائرية، ذكرها له صاحب منهج المقال (ص293)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص434) وقال: لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، وهي نحو ثلاثمائة مسألة، كما في الفهرست، وحكى عنه ابن إدريس بعنوان «الحائريات».
31 ـ المسائل الحلبية، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص345) وقال: ذكرت في الفهرست.
32 ـ مسائل الخلاف (أو كتاب الخلاف)، ذكر هذا المؤلف، العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221) باسم كتاب الخلاف، وقال: «كتاب الخلاف الذي ناظر فيه المخالفين، وذكر فيه ما اجتمعت عليه الفرقة من مسائل الدين»، كما ذكره له الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396) وقال: «وله في الفقه كتاب الخلاف الذي ناظر فيه المخالفين…»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص235، الرقم 1137) وقال: «الخلاف في الأحكام، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى بالغري سنة 460هـ، ويقال له «مسائل الخلاف» أيضاً، وهو مرتب على ترتيب كتب الفقه، أوله: الحمد لله حق حمده… سألتم أيدكم الله إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء، وذكر مذهب كل من خالف على التعين، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد، وأن أقرن كل مسألة بدليل يجتمع به على كل من خالفنا ويوجب العلم من ظاهر القرآن أو السنة المقطوع بها، أو دليل خطاب أو استصحاب حال على ما ذهب إليه الأكثر من أصحابنا، أو دلالة أصل أو فحوى خطاب، وأن أذكر خبراً عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي يلزم المخالف العمل به والانقياد له، وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقة ذكرت ذلك، وإن كان فيها خلاف بينهم أو مأتى إليه…
وقد صرح فيه بأنه ألفه بعد كتابي «التهذيب» و«الاستبصار» وناظر فيه المخالفين جميعاً، وهو في مجلدين يوجدان جميعاً في نسخة عتيقة في تبريز في مكتبة الحاج ميرزا باقر القاضي الطباطبائي التبريزي، وفي النجف [الأشرف] في مكتبة الشيخ هادي كاشف الغطاء، ومكتبة السماوي [الشيخ محمد طاهر السماوي]، ويوجد خصوص مجلده الأول إلى مبحث أمهات الأولاد في مكتبة الشيخ مشكور، والمجلد الثاني في المكتبة (التسترية) من وقف المرحوم الشيخ مهدي القمشهي، ومجلد من أول كتاب الظهار إلى آخر الكتاب في مكتبة «الصدر» [السيد حسن صدر الدين الكاظمي الأصفهاني العاملي المتوفى رحمه الله سنة 1354هـ]… وآخر هذه النسخة ناقصة وهي أقدم نسخة رأيتها، لأن على ظهر الصفحة الأولى إجازة مؤرخة في سنة 668هـ)[1091](، ونسخة «الشيخ هادي كاشف الغطاء» بخط شهريار بن الله داد الفراهاني فرغ من مجلده الثاني سنة 1082هـ، وقطعة من العدد إلى الحدود في [المكتبة] الرضوية [بمشهد] بخط صدر الدين بن جمال الدين محمد بن نور محمد بن عبدالرحيم من وقف ابن خاتون [الشيخ أسد الله بن محمد] في سنة 1067هـ، وقطعة منه بخط قديم في مكتبة (سلطان القرائي) كما في فهرسها»، ثم كرر الشيخ آغا بزرك الطهراني ذكر هذا المؤلف مرة أخرى في (ج20، ص346) باسم: «مسائل الخلاف» وذكر شرحاً اختصره من شرحه السابق.
33 ـ المسائل الرجبية، ذكرها له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص348، الرقم 3347) وقال: «في تفسير آي من القرآن لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المتوفى سنة 460هـ، ذكره في الفهرست».
34 ـ مسائل الفرق بين النبي والإمام، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص362، الرقم 3413) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة، كما في الفهرست».
35 ـ المسائل القيمة، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص363، الرقم 3418).
36 ـ المسائل الكلامية، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص364، الرقم 3427) وقال: «في أصول الدين وهي ثلاث وثلاثون مسألة مختصرة لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ عنوانها: مسألة مسألة أولها مسألة معرفة الله واجبة على كل مكلف…، مسألة الله تعالى موجود…، مسألة الله تعالى واجب الوجود…، وآخرها مسألة جميع ما جاء به النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من أهوال القيامة والحشر والنشر والبعث وغيرها. تقرب من مأتي [مائتي] بيت وعليها حواش مفيدة لبعض الأعلام في نسخة وجدتها عند سيدنا أبي محمد الحسن صدر الدين، ورأيت منه نسخاً أخرى، وقد شرحها بالفارسية السيد عزيز الله الحسيني المدرس بمقبرة الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الصفوية باسم الشاه طهماسب»، وترجمت هذه المسائل إلى اللغة الأردوية وطبعت هذه الترجمة بالهند (انظر الذريعة، ج25، ص197، الرقم 237).
37 ـ مسألة في الأحوال، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص382، الرقم 3541) وقال: «قال في الفهرست، أنها مليحة».
38 ـ مسألة في تحريم الفقاع، ذكرها له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص385، الرقم 3560) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره في الفهرست، وموجود منها نسخة بسامراء بخط مولانا الميرزا محمد الطهراني، وفي خزانة الحاج علي محمد في النجف، وفي مكتبة راجه فيض آبادي بالهند».
39 ـ مسألة في الحسن والقبح، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص386، الرقم 3569) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، [في] مكتبة «راجه فيض آباد الماري 3»».
40 ـ مسألة في العمل بخبر واحد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص 221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص390، الرقم 3604) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ».
41 ـ مسألة في وجوب الجزية على اليهود، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص397، الرقم 3251).
42 ـ المسائل المرادية في الوعيد، ذكرها له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293).
43 ـ مائلة مسألة مختلفة، المصدر أعلاه.
44 ـ مختصر في عمل يوم وليلة، المصدر أعلاه، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221).
45 ـ كتاب مقتل الإمام الحسين عليه السلام، المصادر أعلاه.
46 ـ كتاب ما لا يسع المكلف الإخلال به، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص211)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج19، ص25، الرقم 127) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره الفهرست والنجاشي».
47 ـ ما يعلل ولا يعلل، ذكره له صاحب منهج المقال (ص292)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص49)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج19، ص36، الرقم 185) وقال: لشيخ الطائفة، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره النجاشي، والفهرست».
48 ـ كتاب المجالس (وهو غير الكتاب المذكور في التسلسل 9 فيما سبق)، ويعرف بكتاب «الأمالي» ذكره له صاحب الذريعة (ج2، ص313، الرقم 1248) وقال: «الأمالي، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، هذا هو المجلد الثاني منه [والمجلد الأول هو ما ذكرناه في التسلسل 9 فيما سبق] المرتب على المجالس المطبوع مع الأجزاء الثمانية عشر التي مر أنها المنسوبة إلى الشيخ أبي علي بن الشيخ الطوسي في المشهور، ومر تصريح السيد ابن طاووس بأن الشيخ الطوسي أملى تمام السبعة والعشرين جزءاً على ولده الشيخ أبي علي، وكلها بخط الشيخ حسين بن رطبة وغيره كانت عند السيد، وهو يرويها عن والده عن الشيخ حسين بن رطبة عن الشيخ أبي علي عن والده الشيخ الطوسي، إلا أن الثمانية عشر جزءاً منها ظهرت للناس أولاً برواية الشيخ أبي علي لها عن والده وصدرت تلك الأجزاء باسم الشيخ أبي علي والبقية إلى تمام السبعة والعشرين جزءاً رواها أيضاً الشيخ أبو علي للناس بعد الأولى بعين ما أملاه والده عليه في مجالس كل يوم. ولم يظهر المجالس باسم الشيخ أبي علي. فظهر أن تلك المجالس المطبوعة التي تنتهي إلى خمسة وأربعين مجلساً كلها من إملاء الشيخ لولده أغلبها في سنة 457هـ وبعضها سنة 458هـ وفي أول كل مجلس، حدثنا محمد بن الحسن بن علي الطوسي، فقائله هو الشيخ أبو علي بن الشيخ الطوسي. ثم الشيخ يروي عن مشايخه ابن الغضائري أو ابن عبدون، أو ابن شاذان، أو ابن الصلت، أو غيرهم. لكن المطبوع من المجالس هذا ليس تمام المجالس، لأنه توجد في زنجان (إيران) في مكتبة شيخ الإسلام الزنجاني نسخة من تلك المجالس وهي تزيد على النسخة المطبوعة بأكثر من ثلثها، وهي نسخة معتبرة استكتبها سنة 1048هـ المولى خليل بن الغازي القزويني وكتب على ظهر النسخة بخطه شهادة أنها أمالي الشيخ أبي جعفر الطوسي، وهي مع ذلك ناقصة الآخر، ولعله توجد نسخة أتم منها والله أعلم».
49 ـ كتاب مشيخة التهذيب والاستبصار، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص72، الرقم 4004) وقال: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، جعله في آخر الكتابين [انظر التسلسل 5 و15 فيما سبق] وهو فيهما واحداً [واحداً] ووجه الحاجة إليه أنه رحمه الله في الكتابين قد يذكر جميع السند مثل الكافي، كذلك قد يقتصر على بعضه بحذف الأول كما في «الفقيه»، فذكر في «المشيخة» جملة من الطرق إلى أصحاب الأصول والكتب الذين صدر الحديث باسمهم، لكنه لم يستوف الطرق إحالة إلى كتاب فهرسته وساير فهارس الأصحاب».
50 ـ كتاب المفصح في الإمامة، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50) وقال: «وهو من الآثار الهامة، توجد نسخة منه في مكتبة راجه فيض آبادي في الهند، وحصلت نسخة منه للميرزا حسين النوري، وجدها مع (النهاية) وهي بخط أبي المحاسن ابن إبراهيم بن الحسين بن بابويه وكان تاريخ كتابته للنهاية [يوم] الثلاثاء 15 ربيع الآخر سنة 517هـ»، وذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج21، ص369، الرقم 5496)، وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، أوله بعد الخطبة المختصرة: «سألت أيها الشيخ الفاضل أطال الله بقاك وأدام تأييدك إملاء كلام في صحة إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه من جهة النصوص المروية في ذلك، إلى قوله: وأن أردف ذلك بالكلام في صحة إمامة الاثنى عشر من جهة النظر، إلى قوله: باب الدلالة على إمامة أمير المؤمنين…» والنسخة حصلت بيد شيخنا النوري في ظهر كتاب «النهاية» للشيخ الطوسي بخط أبي المحاسن فانتسخ منها نسخاً، منها بخط الميرزا محمد الطهراني، ونسخة منه في مكتبة راجه فيض آبادي في الهند».
51 ـ مقدمة في المدخل إلى علم الكتاب والكلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص51)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج22، ص91، الرقم 6218) وقال: «مقدمة الكلام، عبر عنه في «النجاشي» و«الفهرست» بمقدمة في المدخل إلى علم الكلام. وقال في الفهرست: إنه لم يعمل مثلها».
52 ـ كتا مسائل مناسك الحج، ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص51).
53 ـ كتاب النقض على ابن شاذان، في مسألة الغار، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص51)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، وصاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص287، الرقم 1472) وقال: «ذكره هو في «الفهرست» وزاد بحر العلوم في «الفوائد» أنه في مسألة الغار ومسألة العمل بخبر واحد، فيظهر أنه رآه».
54 ـ كتاب النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ذكره له الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج48، ص51)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص403، الرقم 2141) وقال: «النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ومتون الأخبار من الطهارة إلى الديات. لشيخ الطائفة محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، مشتمل على كتب، وكل يشتمل على أبواب. أحصيت فهرس مخطوطة منها فكانت 22 كتاباً، و214 باباً، و36 ألف مسألة. وكان «النهاية» كتاباً مدرسياً حتى ألّف المحقق الحلي [هو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الشهير بالمحقق الحلي المتوفى سنة 676هـ وهو خال العلاّمة الحلي وأستاذه] «الشرائع» المذكور في ح13، ص47 ـ 50، من الذريعة، وللنهاية نسختان عربية وفارسية. أول العربية: الحمد لله مستحق الحمد وموجبه، وصلّى الله عليه خيرته من خلقه محمد وآله الطاهرين من عترته، كتاب الطهارة، باب ماهية الطهارة… وأول الفارسية: الحمد لله مستحق… من عترته. مجلد أول وابن مجلد ده كتاب است. كتاب الطهارة وابن كتاب ده باب است، باب أول در آنكه چه باشد…
[وأضاف صاحب الذريعة قائلاً]: طبع العربي بطهران على الحجر سنة 1276هـ.ش، ثم على الحروف بمطبعة جامعة طهران عام 1373هـ.ق، ثم ببيروت مع مقدمة لصاحب الذريعة. ثم طبعه الدكتور مهدوي مع الترجمة القديمة بالفارسية ولعلها للمؤلف نفسه في سنة 1382هـ بمناسبة المهرجان: لألفي للمؤلف بطهران في مجلدين مع مقدمة لدانش پزوه، وتصحيحه للنسخة العربية على خمس نسخ والفارسية ثماني نسخ. أولى النسخ الخمس العربية نسخة المهدوي الناشر له وهي بخط أبي الفرج مسعود، تاريخها 18/ جمادى الأولى/ 546هـ، وقد قابلها علي بن أحمد السديد في 3/ ربيع الثاني/ 663هـ مع نسخة كان كتبها علي بن سكون، وقابلها ابن إدريس المتوفى سنة 598هـ مع نسخة خط المؤلف الطوسي وعلى نسخة مسعود هذه إجازة أبي البركات نصر بن محمد تاريخها 3/صفر/ 726هـ.
ثانيها: نسخة أمين الخنجي بطهران وهي بخط أبي القاسم علي بن محمد بن علي الجاسبي القمي المتوفى في سنة 579هـ ولعله المذكور في الثقات العيون ص201، وعلى هذه النسخة إجازة أبي الفضل محمد بن قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي لكاتب النسخة.
ثالثها: نسخة (الملك) وهي بخط محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن، وعليها إجازة من أبي طالب بن الحسين الحسيني تلميذ الراوندي المذكور لكاتب هذه النسخة تاريخها 1/جمادى الأولى/ 633هـ.
رابعها وخامسها: هما للخادمي بأصفهان و(فخر الدين النصيري).
وأما النسخ الثمان الفارسية فأقدمها نسخة كلية الحقوق تاريخها محرم سنة 686هـ، ونسخة التقوى [وهي نسخة قديمة في مكتبة السيد الجليل نصرالله التقوى بطهران، وقد كتب حولها فهرساً لطيفاً، وفيها ست وثلاثون مسألة، انظر الذريعة ج4، ص143، الرقم 700، ترجمة النهاية] وهي بخط شهاب بن عزيز بن فضل الله الحسيني الراوندي كتبها سنة 891هـ، ونسخة (الملك) تاريخها سنة 1008هـ. هذا وأقدم نسخة رأيتها أنا من النهاية العربية بخط أبي الحسن علي بن إبراهيم بن الحسن بن موسى الفراهاني فرغ منها في 1/رجب/591هـ، كتبها لنفسه بقلم جيد يشبه بعض حروفه بالكوفي وعليها تملك بعض العلماء، وهي في مكتبة (الطهراني بكربلاء)، وأقدم منها نسخة «شهاب الدين بِقُمْ» كتبت سنة 507، ونسخة في المكتبة الرضوية [بمشهد] كتابتها سنة 985هـ، ونسخة (الشيخ هادي كاشف الغطاء) كتابتها سنة 1060هـ، ونسخة قاسم محيي الدين بالنجف بخط عاشور بن الحسن لنفسه فرغ من المجلد الأول سنة 1084هـ ومن الثاني سنة 1089هـ، ونسخة شيخنا النوري بخط إسماعيل الهرقلي وعليها إجازة العلاّمة الحلي لكاتب النسخة».
55 ـ كتاب هداية المسترشد وبصيرة المتعبد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص 51) وقال: «ذكره الشيخ في الفهرست»، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج25، ص191، الرقم 209) وكرر ما ذكره صاحب أعيان الشيعة.
56 ـ كتاب الاختيار، ذكره له الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، ص364، الرقم 1909) وسماه: «الاختيار من المصباح»، وقال: «الذي ألّفه الشيخ الطوسي للسيد علي بن حسان بن باقي القرشي، ذكر اسمه كذلك في الجزء الثاني منه كما في «الرياض»، لكن العلاّمة المجلسي ينقل عنه في البحار بعنوان علي بن الحسين بن باقي القرشي، وقال صاحب «الرياض» رأيت منه نسخاً في آخر بعض نسخة أنه فرغ من تأليفه سنة 653هـ، (أقول): فهو معاصر للسيد ابن طاووس صاحب «الأقبال» الذي ألّفه سنة 650هـ، أوله: «احمد لله ولي الحمد ومستحقه وصلاته وسلامه على خير خلقه محمد النبي الأمي الهاشمي المكي المدني…، إلى قوله: إني عمدت إلى المصباح الكبير لشيخنا الطوسي (قدّس سرّه) فاخترت كل ما ذكره من الأدعية المختصة في عمل يوم وليلة من الفرائض والسنن، وما جاء في عمل السنة والأسبوع، وأضفت إلى ذلك أدعية وجدتها زيادة على ما اخترتها وجعلتها في مظانها وحذفت منه ما لا يحتاج إلى ذكره من الخطب والمناسك والفقه».
وانظر كتاب «اختيار معرفة الرجال» له في التسلسل 58 فيما يلي.
57 ـ كتاب أخبار الرجال، ذكره له صاحب منهج المقال (ص293)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص329، الرقم 172) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، صرح به نفسه في الفهرست، بعدما ذكر كتابه «الرجال» المرتب على الطبقات في أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وكل واحد من الأئمة عليهم السلام، ومن بعدهم ممن لم يُرْوَ عنهم».
58 ـ اختيار معرفة الرجال، ذكره له الشيخ العلاّمة آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، 365، الرقم 1912)، و(ج10، ص141، الرقم 262).
59 ـ كتاب أصول العقائد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص48)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص198، الرقم 761) وقال: «أصول العقائد، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، قال في فهرسه عند ذكر تصانيفه: «وكتاب في الأصول كبير، خرج منه، الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل».
أقول: هو غير الشرح في الأصول الذي ذكره تلميذه الحسن بن مهدي السليقي (السيلقي)، وصرح: «بأنه غير مذكور في الفهرست، وأنه أملى علينا شيئاً صالحاً منه، ولم يتمه، ولم يصنف مثله»، حكى ذلك عنه الشهيد في تعليقته على الخلاصة».
60 ـ كتاب أنس الوحيد، ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص48)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص368، الرقم 1496) وقال: «عده في فهرسه من تصانيفه».
61 ـ كتاب رياض العقول، ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص49) وسماه: «رياضة العقول»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج11، ص340، الرقم 2020) وقال: «رياضة العقول في شرح المقدمة للمدخل إلى علم الكلام [انظر التسلسل 51 فيما سبق]، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460هـ، ذكره النجاشي».
المصادر
1 ـ إتقان المقال في أحوال الرجال لمحمد طه نجف، ص121.
2 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج6، ص315.
3 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج44، ص33، الرقم 9809.
4 ـ البداية والنهاية لابن كثير، ج12، ص97، حوادث سنة 460هـ.
5 ـ تاريخ أدبيات إيران (بالفارسية) للدكتور ذبيح الله صفا، ج2، ص197، 262، 264.
6 ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر، ص313.
7 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله الممقاني، ج3، ص105.
8 ـ خزائن الكتب القديمة في العراق لكوركيس عواد، ص134.
9 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال لحسن بن يوسف الحلّي، ص148.
10 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني:
ج1: ص248،307 ، 329، 364.
ج2: ص14، 123، 129، 198، 269، 309، 313، 358، 368، 486.
ج3: ص328.
ج4: ص53، 64، 65، 193، 423، 425، 433، 440، 504.
ج5: ص9، 145.
ج7: ص235.
ج10: ص120.
ج11: ص340.
ج13: ص332.
ج15: ص227.
ج16: ص79، 246، 374.
ج19: ص25، 36، 54، 355.
ج20: ص173، 177، 209، 331، 336، 343، 345، 346، 347، 348، 362، 363، 364، 382، 385، 390، 397.
ج21: ص72، 98، 118، 201، 369.
ج22: ص91.
ج24: ص287، 403.
ج25: ص191.
11 ـ كتاب الرجال لأحمد بن علي النجاشي (طبعة بومباي 1317هـ) ص287.
12 ـ الرجال لابن داود الحلّي (طبعة جامعة طهران) ص306.
13 ـ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات لمحمد باقر الموسوي الخوانساري الأصفهاني، ج6، ص216.
14 ـ ريحانة الأدب لمدرس التبريزي، ج3، ص325.
15 ـ سفينة البحار للشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ج2، ص97.
16 ـ طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (طبعة مصر 1324هـ)، ج3، ص51.
17 ـ الفوائد الرجالية للعلاّمة الطباطبائي، ج3، ص227.
18 ـ الفوائد الرضوية للشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ص470.
19 ـ قاموس الرجال للشيخ العلاّمة تقي التستري، ج8، ص134.
20 ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث سنة 449هـ، ج9، ص637.
21 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج2، ص395.
22 ـ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، ج5، ص135.
23 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف بن أحمد البحراني، ص292.
24 ـ مجلة المجمع العربي، 24: 268.
25 ـ مجمع الرجال للعلاّمة زكي الدين عناية الله بن شرف الدين علي القهپائي، ج5، ص191.
26 ـ مستدرك الوسائل للشيخ نوري الطبرسي، ج3، ص505.
27 ـ مصفى المقال لآغا بزرك الطهراني، ص402.
28 ـ معالم العلماء لابن شهر آشوب، ص102.
29 ـ معجم لغت نامه دهخدا «بالفارسية» للعلاّمة على أكبر دهخدا، «الطوسي».
30 ـ المنتظم لابن الجوزي، ج8، ص252، الرقم 300، حوادث 460هـ.
31 ـ منتهى المقال لمحمد بن إسماعيل، ص270.
32 ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال لمحمد بن علي الأسترآبادي، (طبعة طهران)، ص292.
33 ـ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، ج5، ص82، حوادث سنة 460هـ.
34 ـ وله أخبار في، تحفة الأحباب (ص325)، والقابس (4)، والفهرست (ص188).
قيس آل قيس
- () ثم طبع في مدينة تبريز «إيران» بدون تاريخ. ↑
- () وهي اليوم باسم «مدرسة عالي شهيد مطهري». ↑
- () العنوان بالأصل: ابن تيمية في صورته الحقيقية. وقد آثرنا إبداله بما هو مثبت أعلاه. ↑
- () التوسل والوسيلة، ص105 ـ 106. ↑
- () المصدر، ص18. ↑
- () كتب الزيارة، ص12 ـ 13. ↑
- () م.س: ص 22 ـ 38. ↑
- () مقدمة في أصول التفسير، 31 ـ 36. ↑
- () م.س: ص51. ↑
- () رأس الحسين، ص205. ↑
- () الرد على المتعصب العنيد لابن الجوزي، ص16، الإتحاف بحب الأشراف للشيرازي: ص63 ـ 64. ↑
- () الحموية الكبرى، ص15، التفسير الكبير، ج2، ص249 ـ 250، منهاج السنة، ج1، ص250، 260، 261. ↑
- () التفسير الكبير، ج1، ص270. ↑
- () تفسير سورة النور لابن تيمية، ص178. ↑
- () العقود الدرية، ص248. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، ص95، الدرر الكامنة، ج1، ص154. ↑
- () شواهد الحق، ص130. ↑
- () كشف الظنون، ج1، ص1438. ↑
- () منهاج السنة، ج1، ص260 ـ 261. ↑
- () الحموية الكبرى، ص94، شرح حديث النزول، ص59. ↑
- () رأس الحسين، ص200 ـ 201. ↑
- () سير أعلام النبلاء، ج3، ص132. ↑
- () م.س، ج14، ص125، وفيات الأعيان، ج1، ص77. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج3، ص487، حوادث سنة 51هـ، ذكر مقتل حُجْر بن عدي، تهذيب تاريخ دمشق، ج2، ص384. ↑
- () رأس الحسين، ص207. ↑
- () شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، ج1، ص68، 69، وانظر الإتحاف بحب الأشراف للشيرازي، ص62، 66. ↑
- () رأس الحسين: ص207، الوصية الكبرى: ص53. ↑
- () م.س: ص206. ↑
- () م.س: ص198. ↑
- () م.س: ص206. ↑
- () انظر ما نقله عنهم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه «الرد على المتعصب العنيد» وما جاء في ترجمة الإمام الحسين من طبقات محمد بن سعد المنشورة في مجلة (تراثنا ـ العدد 15) علماً أن هذه الترجمة سقطت من كتاب الطبقات. ↑
- () رأس الحسين، ص197. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص226. ↑
- () رأس الحسين، ص208. ↑
- () الرد على المتعصب العنيد: ص49 ـ 50، ترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد: ص192. ↑
- () راجع تاريخ الطبري والكامل في التاريخ والبداية والنهاية. ↑
- () صحيح مسلم، ج2424، سنن الترمذي، ح3205، 3787، 3871 وغيرهما. ↑
- () صحيح مسلم، ج2408، سنن الترمذي، ح3788، مسند أحمد، ج3، ص17. ↑
- () منهاج السنة، ج3، ص269. ↑
- () م.س: ج2، ص117. ↑
- () الطبقات الكبرى لابن سعد، ج3، ص22، سيرة ابن هشام، ج2، ص109، السيرة النبوية لابن حيان، ص149، الاستيعاب، ج3، ص35، أسد الغابة، ج2، ص221، ج4، ص16، 29، عيون الأثر، ج6، ص167، البداية والنهاية ج7، ص348، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج6، ص167، تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص135، وأخرجه أيضاً: الترمذي في السنن، ح3720، والبغوي في مصابيح السنة، حج3769، والحاكم في المستدرك، ج3، ص14. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص119. ↑
- () م.س: ج4، ص75، 96. ↑
- () م.س: ج2، ص84. ↑
- () سنن الترمذي، ح3788، مسند أحمد، ج3، ص17، المستدرك، ج3، ص148، وغيرها. ↑
- () صحيح مسلم، ح2408، أخرجه بعدة طرق. ↑
- () منهاج السنة، ج4، ص85. ↑
- () شرح نهج البلاغة للمعتزلي، ج4، ص64. ↑
- () انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء، ج3، ص390، 393. ↑
- () راجع منهاج السنة، ج2، ص202، 205، 232، 234. ↑
- () وهذا حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند، ج3، ص82، وابن حبان في صحيحه، ح6898، والحاكم في المستدرك، ج3، ص123، ووافقه الذهبي فقال: صحيح على شرط الشيخين، الخطيب في تاريخ بغداد، ج8، ص423، وابن كثير في البداية والنهاية، ج7، ص375. ↑
- () سنن الترمذي، ح3870، سنن ابن ماجه، ح145، مسند أحمد، ج2، ص442، مصابيح السنة للبغوي، ج4، ص190. ↑
- () انظر منهاج السنة، ج2، ص234. ↑
- () م.س: ج4، ص142 ـ 143. ↑
- () طبقات الفقهاء، ص42. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص241. ↑
- () عباس محمود العقاد، أبو الشهداء، ص106. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص247. ↑
- () العقود الدرية في مناقب ابن تيمية، ص235. ↑
- () الفقيه المعذب ابن تيمية، عبدالرحمن الشرقاوي: ص152. ↑
- () الوافي بالوفيات للصفدي، ج7، ص18، 19، وقد دون ذلك من سماعه المباشر عن ابن تيمية في دروسه. ↑
- () الوصية الكبرى لابن تيمية، ص5. ↑
- () الدرر الكامنة ج1: ص86. ↑
- () الفتاوي الحديثية: ص86. ↑
- () اليافعي: مرآة الجنان، ج2، ص375. ↑
- () وفيات الأعيان، ج4، ص424. ↑
- () مارون عبود: أدب العرب، ص292. ↑
- () ويكنّى أيضاً أبا الحسن. ↑
- () أجمع المؤرخون على أن والد الشاعر هو هاني بن محمد إلاَّ أن الصفدي سمّاه خطأً إبراهيم بن هاني (الوافي بالوفيات، ج1، ص352)، وقد وقع في الخطأ نفسه بروكلمان (تاريخ الأدب العربي، ج2، ص101). وفي هدية العارفين (ج2، ص47) جاء اسمه علي بن هاني وهو خطأ لا شك فيه. ↑
- () نسبةً إلى المهلّب بن أبي صفرة الأزديّ. ↑
- () ابن سعيد الأندلسي: رايات المبرزين، ص86. ↑
- () ابن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، ج2، ص288. ↑
- () إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين، ج2، ص47. وهي نسبة تفرّد بها البغدادي دون غيره من المؤرخين. ↑
- () الباخرزي: دمية القصر، ج1، ص203. ↑
- () ابن منظور: نثار الأزهار، ص130. وذلك نسبةً إلى المُعز لدين الله حاكم المغرب لكثرة مدائحه فيه. ↑
- () ابن الأبّار: التكملة لكتاب الصلة، ج1، ص268، ابن سعيد المغربي: المُغرب في حلى المغرب، ج2، ص97، ابن الخطيب: الإحاطة، ج2، ص293. ↑
- () التكملة، ج1، ص368. ↑
- () لم يرد اسمه في المصادر المعنية بالموضوع، إلاَّ أنه يحتمل أن يكون إسماعيل بن بدر بن إسماعيل بن زياد من ولاة الدولة الأموية بالأندلس والمتوفى سنة 351هـ، وقد ولي إشبيلية زمن الناصر عبدالرحمن وكان له في الحديث والشعر يد (الحُلّة السيراء، ج1، ص154). ↑
- () وفيات الأعيان، ج4، ص422. ↑
- () ابن بسام: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ج1، ص164. ↑
- () مطمح الأنفس، ص84. ↑
- () مسالك الأبصار، السفر السابع عشر، ص9. ↑
- () الإحاطة: ج2، ص289. ↑
- () الإحاطة: ج2، ص290. ↑
- () كنز الدرر وجامع الغرر، ج6، ص240. ↑
- () أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، ج1، ص112. ↑
- () تاريخ المغرب والأندلس، ص157. ↑
- () ديوان ابن هاني، ص150، 151. ↑
- () نفس المصدر، ص245. ↑
- () نفس المصدر، ص383. ↑
- () وفيات الأعيان، ج4، ص422. ↑
- () معجم الأدباء، ج19، ص93. مرآة الجنان، ج2، ص376. ↑
- () الإحاطة، ج2، ص293. ↑
- () ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص379. ↑
- () المُغرب، ج2، ص98. ↑
- () مسالك الأبصار، السفر السابع عشر، ص9. ↑
- () كنز الدرر، ج6، ص254. ↑
- () كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، ج2، ص102. ↑
- () حسن الصدر: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص207. ↑
- () منير ناجي: ابن هاني الأندلسي درس ونقد، ص10. ↑
- () ديوان ابن هاني، ص201. ↑
- () نفس المصدر، ص90. ↑
- () نفس المصدر، ص202. ↑
- () ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص379، ابن كثير: البداية والنهاية، ج11، ص310. ↑
- () ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب، ج1، ص160. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج5، ص379. ↑
- () البداية والنهاية، ج11، ص310. ↑
- () شهداء الفضيلة، ص20. ↑
- () عبدالله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ج1، ص210، 211 ↑
- () هدية العارفين، ج2، ص47. ↑
- () تاريخ التراث العربي، ج5، ص10. ↑
- () تاريخ الأدب العربي، ج2، ص102. ↑
- () ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب، ج4، ص5. ↑
- () اليافعي: مرآة الجنان، ج2، ص378. ابن العماد: شذرات الذهب، ج3، ص43. وذكر ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (ج12، ص187) إن خطيب سوسة أنشد أبياتاً عندما فتح تميم بن المعز لدين الله الفاطمي قابساً، والأبيات هي:ضحك الزمان وكان يلقى عابساً
لمّا فتحت بحدّ سيفك قابسا
وأتيتها بكراً وما أمهرتها
إلاَّ قناً وصوارماً وفوارسا
الله يعلم ما جنيت ثمارها
إلاَّ وكان أبوك قبلاً غارسا
من كان في زرق الأسنّة خاطباً
كانت له قلل البلاد عرائسا
↑ - () الخفاجي: ريحانة الألبا، ج1، ص260، 261. المحبّي: خلاصة الأثر، ج1، ص137. ↑
- () ابن المستوفي: تاريخ أربل، ج1، ص36، وقد أضاف المؤلف بعد أن ذكر الأبيات قائلاً: «وجدت هذه الأبيات في آخر ديوان من دواوين شعر أبي القاسم محمد بن هانىء المغربي، وذكرها أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي في كتاب أنموذج شعراء المغرب لمحمد بن أبي سعيد بن أحمد ويعرف بابن شرف». وتجدر الإشارة إلى أنَّ الشيخ عباس القمي نسبَ البيت الأول لأبي الحسن علي بن الفضال القيرواني المفسر اللغوي النحوي صاحب التفسير العميدي المتوفى سنة 479هـ (الكنى والألقاب، ج3، ص145). ↑
- () الصفدي: الغيث المسجّم، ج1، ص153. ↑
- () ابن الأبّار: الحلة السيراء، ج1، ص305. ↑
- () لا نوافق العلاّمة العسكري في التعويل على مثل هذا الحديث ويبدو أنه من وضع الرواة، (وما آفة الأخبار إلا رواتها) ـ تعليقة الحسني. ↑
- () يعني آية الله الإمام الشيخ آغا بزرك الطهراني، رحمه الله. ↑
- () حبر الأمة وترجمان القرآن وخريج مدرسة أمير المؤمنين علي عليه السلام. وكان أكثر الصحابة تفسيراً. قال الجلال السيوطي في الأتقان: ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة. وقد طبع مؤخراً ما روي عنه من تفسير باسم «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس»، وقد حمل عليه كثيراً وزيد فيه ما ليس منه. وما صحّ عنه من تفسير قليل، حتى قال الإمام الشافعي: لم يثبت عن ابن عباس إلاّ شبيه بمائة حديث. توفي ابن عباس بالطائف سنة 68هـ. ↑
- () في كونها أول سورة نزلت خلاف. فقد روي من عدة طرق أنّ سورة الفاتحة هي أول سورة نزلت، فلاحظ. ↑
- () هو تلميذ أبي الحسن الشاذلي المنتسب إلى الإمام الحسن السبط عليه السلام وخليفته. قيل إنه من أولاد الأنصار. وقد ذكرناه عرضاً في كتابنا (القول الحاسم) بمناسبة ذكر أستاذه الشاذلي. ونقلنا ثمة أقوال النسّابين في نسب الشاذلي. ↑
- () الجوهر: هو ما قام بنفسه غير محتاج إلى غيره، ويطلق عليه الذات، مثل: زيد وشجرة. والعرض هو ما قام بغيره، فلا وجود له في الخارج مستقلاً، ويطلق عليه المعنى كالعلم. ↑
- () أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (467هـ 558هـ) كان من أكابر علماء اللغة والنحو، وله في التفسير باع طويل، وهو معتزلي العقيدة حنفي الفروع. لقّب جار الله لأنه جاور بيت الله الحرام. له مؤلفات كثيرة، منها: تفسير الكشاف، والفائق، والمفصل، وأساس البلاغة، وربيع الأبرار، وغيرها. وكانت له صلات مع أشراف العلويين كالسيد أبي السعادات الشجري والسيد عُلي بن حمزة الحسني، وفيه يقول الأخير:جميع قرى الدنيا سوى القرية التي
تبوأها داراً فداء زمخشرا
وحسبك أنّ تزهو زمخشر بامرىء
إذا عُدَّ من أسُدِ الشرى زمخ الشرى
↑ - () العلامة الشهير السيد أبو الثناء محمود شهاب الدين الألوسي البغدادي (1217هـ 1270هـ) ابن السيد عبدالله صلاح الدين بن السيد محمود جمال الدين بن درويش بن عاشور بن محمد بن الحسين الطاهر بن علي بن الحسين المعتزي بن كمال الدين بن شمس الدين بن محمد بن شمس الدين بن حارس شمس الدين بن شهاب الدين بن أبي القاسم بن أمير بن محمد أبي الفضل بن بيداء (بندار) الأستدرجاني بن عيسى بن محمد بن أحمد جمال الدين (أمير زادة) بن موسى بن أحمد نقيب قمّ بن محمد الأعرج بن أحمد بن موسى المبرقع ابن الإمام محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. تعرف أسرته قديماً بآل عاشور، ويلتقي نسبهم بالسادة الغوالب الساكنين في مختلف أنحاء العراق بالسيد بيداء الأستدرجاني، وهم غير آل الألوسي المنتسبين إلى الشيخ عبد الباقي الطيار من ذرية الشيخ عبدالقادر الجيلي وقد ذكرناهم في (القول الحاسم في أنساب بني هاشم). من مؤلفات السيد الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن، والسبع المثاني، وشرح سلَّم العروج في المنطق، وكشف الطرة عن الغرة في اللغة. ↑
- () هو الفقيه الحنبلي محمد بن أبي بكر الزرعي المتوفى سنة 751هـ تفقه على ابن تيمية فنسج على منواله في التعصب على أمير المؤمنين وآله. وقيل له ابن القيم لأنّ أباه كان قيم المدرسة الجوزية، وقد قال له ابن قيم الجوزية فإذا دخلت الألف واللام عليها امتنعت الإضافة. وفي هذا يغلط كثير من الكتاب فيقولون ابن القيم الجوزية. من مؤلفاته بدائع الفوائد، وزاد المعا في هدي خير العباد. ↑
- () هذا هو الفصيح في تعدية الفعل أجاب. ويغلط من يعديه بحرف الجر (على)، بخلاف تكلّم، فإنّ الفصيح فيه أنّ يقال: تكلم على، لا تكلّم عن. وكلام الناس اليوم بخلافه. ↑
- () كذا في أصل البحار، والصواب: ولن يسمى إذ لا موجب للجزم هنا. ↑
- () اعترض عليَّ أحد العلماء الأفاضل في إثباتي لأبيات ابن أبي الحديد المعتزلي بأنها تنفي معرفة الأنبياء والرسل والملائكة المقربين بربهم، وهذا ينافي عقيدتنا فيهم حيث أنهم عرفوا الله حقّ معرفته. قلتُ: «حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء»، إنَّ ابن أبي الحديد في هذه الأبيات لم ينفِ معرفة الرسل والأنبياء بالله تعالى وإنما حصر معرفتهم به جلّ شأنه بكونه «أوحدي الذات سرمد». وهاتان الصفتان هما عنوان صفاته الكمالية، فكأنه بذكرهما نفى ما يضادهما من الصفات عن ذات المولى عز اسمه. وهذا الأسلوب شائع في كلام العرب جارٍ على طريقتهم في مخاطباتهم. تقول في جواب مَنْ سألك عن زيد وهو شاك فيه: لا أعرف عنه غير أنه رجل صالح تقي، فأنت بهذا نفيت ما اختلج في نفس السائل وأثبت له العكس من اتصافه بالصلاح والتقى، ولم تنف مما عداهما من الصفات المحمودة. ↑
- () الصفة المشبهة: هي الصفة المصوغة لغير تفضيل لإفادة الثبوت كحسن، وإنما سمّيت هذه الصفة مشبهة لمشابهتها اسم الفاعل في العمل، لكنها تختلف عنه في موارد، منها: أنَّها تدلّ على الثبوت واسم الفاعل يدل على الحدوث. ولا خلاف في أنها في الأصل لا تنصب باعتبار أنها مأخوذة من فعل لازم. وتتمة الكلام في كتابنا (خلاصة النحو). ↑
- () العلاَّمة الحر العاملي من أكابر علماء الإمامية، وذريته اليوم في لبنان تُعرف بآل الحر: نسبة إلى الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي المستشهد مع أبي عبدالله الحسين عليه السلام، فهم العلماء والأدباء والشعراء. وقد ذكرنا نسبهم متصلاً ببكير بن الحر في كتابنا: «إغاثة اللهفان في نسب قحطان وعدنان». ↑
- () كلمة (سائر) تدلّ على بقية الشيء، قلّ أو كثر. ويستعملها أهل العصر بمعنى جميع، بل هو غلط قديم. قال الحريري في «درة الغواص»: فمن أغلاطهم الواضحة وأوهامهم الفاضحة أنهم يقولون: قدم سائر الحاج واستولى سائر الخراج فيستعملون (سائراً) بمعنى جميع، وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، ومنه قيل لما يبقى في الإناء سؤر. ↑
- () أبو عبدالله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم ورفع بعضهم نسبه إلى قحطان. تتلمذ على ابن عباس وأخذ عنه الفقه والتفسير والحديث فكان من أعلام التابعين، وهو من حواريي الإمام زين العابدين عليه السلام، قتله الحجاج سنة 95هـ، وقبره اليوم بواسط. ومن ذريته الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان بن عبدالسلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير رضوان الله عليهم. ↑
- () محمد بن كعب بن سليم القرطبي الأوسي. وبنو قريظة حلفاء الأوس. كان أبوه سبي بني قريظة. ومحمد هذا من كبار التابعين كما نص ابن عبدالبر في ترجمة أبيه من (الاستيعاب) قال فيه ابن عون: ما رأيتُ أحداً أعلم بتأويل القرآن من القرظي. كانت وفاة القرظي سنة 117هـ. ↑
- () الأعشار أو التعشير هو وضع علامة عند نهاية كل عشر آيات. ↑
- () الصفحة (31)، الطبعة الأولى، مصطفى البابي الحلبي بمصر، سنة 1356هـ/1937م. ↑
- () سيأتي ذكر الروايات الآحادية الدالة على عدم قرآنية البسملة وتفنيدها. ↑
- () مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني من مشاهير القراء، توفي سنة 437هـ. ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب. ↑
- () لم يَرد في الأصل كلمة ـ وآله ـ، وإنما أثبتناها ووضعناها بين معقوفين التزاماً بالسنة، فإنَّ الصلاة على النبي دون (آله) صلاة بتراء كما ورد في أحاديث كثيرة، رواها جمع من علماء الإسلام، منهم ابن حجر الهيثمي في كتابه (الصواعق المحرقة). ↑
- () هذه (الحاء) تعرف بحاء التحويل في مصطلح المحدثين، يثبتونها إذا كان للحديث طريقان أو أكثر إلى راوٍ واحد، ثم ينهون طرق الأسناد إليه كما تلاحظ هنا في رواية مسلم عن علي بن مسهر. ↑
- () الإتقان، ج1، ص136. ↑
- () البيهقي، ج2، ص45. ↑
- () تفسير الرازي، ج1، ص105. ↑
- () نيل الأوطار، ج2، ص93. ↑
- () الحاكم، ج1، ص231. ↑
- () الحاكم، ج1، ص232. ↑
- () سنن ابن داود، ج1، ص182. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص3. ↑
- () الحاكم، ج1، ص234. ↑
- () الحاكم، ج1، ص232. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص7. ↑
- () كما في الدر المنثور، ج1، ص7. ↑
- () الشافعي، الأم، ج1، ص93 ـ 94. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص269. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص8. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص7. ↑
- () الشوكاني، ج2، ص92. ↑
- () كذا في (مدارك التنزيل). والصحيح مائة وثلاث عشرة آية، لأنّ سورة براءة لا بسملة لها. ↑
- () الإمام أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبدالله بن حيّان بن عبدالله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان الشيباني، أحد أئمة المذاهب الأربعة، ومن أئمة المحدثين. وهو الذي امتُحِن بمسألة خلق القرآن أيام المأمون. تُوفي سنة 241هـ، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد. وباب حرب منسوب إلى حرب بن عبدالله أحد أصحاب المنصور الدوانيقي، ولا أثر لقبره اليوم، حيث انحازت إليه المياه وجرفته. وقد غلط من نسبه إلى ذي الثدية زهير بن حرقوص، وتحقيق ذلك في كتابنا (بوادر الإيحاء في نقد فقهاء الفيحاء). وممن دفن في مقبرة باب حرب العلاَّمة أبو الفرج ابن الجوزي، كما نصّ على ذلك ابن الساعي وغيره. والمرقد القائم على نهر دجلة مقابل محلة السنك ليس له، وإنما هو محل تدريسه ويعرف بمدرسة السيدة نفيسة، والقبر قائم إلى هذه السنة أعني سنة 1391هـ. ↑
- () جشم بن معاوية بن كبر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو قبيلة كبيرة من عدنان، ومن ذريته دريد بن الصمة، ومن رهطه سعد بن بكر بن هوازن جدّ بني سعيد قوم حليمة السعدية أم رسول الله من الرضاعة. ↑
- () عبدالله بن مغفل بن عبد غنم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عداء بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب بن سعد بن عداء بن عثمان بن عمرو بن أد بن طانجة، كان من أصحاب الشجرة. سكن المدينة ثم تحول عنها إلى البصرة. يُكنى أبا سعيد، وقيل أبو عبدالرحمن. توفي بالبصرة سنة (60هـ) روى عنه جماعة من التابعين بالكوفة والبصرة، وكان له سبعة أولاد. ذكره أبو عمرو في الاستيعاب. ↑
- () وهذا شبيه بموقفه من أمير المؤمنين عليه السلام حينما استنشدهُ الله هل سمع حديث الغدير من النبي صلى الله عليه وآله: فقال نسيتُ. قلتُ: صدق الله العلي العظيم إذ يقول: {وَمَا أَنسَانِيهُ إلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}. ↑
- () الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر بن أحمد الكناني العسقلاني، من أكابر علماء الشافعية وأئمة الجرح والتعديل، توفي بمصر سنة 852هـ. وهو غير سميه أحمد بن علي بن حجر السعدي صاحب (الصواعق المحرقة)، وكان هذا شافعياً أيضاً. ومن مؤلفات الأخير (تطهير الجنان) في مناقب معاوية. ويعجبني ما قاله فيه العلاّمة الشريف السيد أبو بكر بن شهاب العلوي الحضرمي العريضي:لا تعجبوا جمع (تطهير الجنان) ولا
مدحاً به كذباً فيمن بغى وفجرْ
فإنما طينة الشيخين واحدة
ذاك ابن صخرٍ وهذا المادح ابن حجرْ
↑ - () سورة هود، الآيات: 105 ـ 108. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 119. ↑
- () سورة التوبة، الآيتان: 88 ـ 89. ↑
- () سورة هود، الآيات: 105 ـ 108. ↑
- () سورة النجم، الآية: 39. ↑
- () سورة التحريم، الآية: 7، وسورة الطور، الآية: 16. ↑
- () سورة المدثر، الآية: 38. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 7. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 119. ↑
- () سورة الشعراء، الآيات: 87 ـ 89. ↑
- () سورة الأعلى، الآيتان: 14 ـ 15. ↑
- () سورة الشمس، الآية: 9. ↑
- () سورة التوبة، الآيتان: 88 ـ 89. ↑
- () تُرجمت عناوين الكتب المكتوبة بالفارسية بين مقوستين، ليتضح مضمون الكتاب. ↑
- () حول طبع المجموعة «الكتب الأربعة» ينظر في حاشية رقم 59 من المقالة. ↑
- () أو: في نقض ↑
- () تأليف المولوي حيدر علي فيض الله الآبادي الهندي. ↑
- () ألف هذا الكتاب العلامة المجاهد العظيم مير حامد حسين قبل «عبقات الأنوار»، وعلى قول آغا بزرگ التهراني: عشر مجلدات طبع منها اثنان. حافل بالتحقيقات العلمية والفنية في مسائل تتصل بتحريف الكتاب. أحوال حضرت حجت عليه السلام وإثبات وجوده، وشرح حال كثير من علماء أهل السنة وبعض الأصول الإسلامية وفروعها. (الذريعة: 2/31. نقباء البشر: 1/349). ↑
- () للمؤلف نفسه: «البشارات والمقارنات بين الكتب السماوية». النجف. مطبعة الغري الحديثة/1388. ↑
- () للمؤلف نفسه: «البشارات والمقارنات بين الكتب السماوية». النجف. مطبعة الغري الحديثة/1388. ↑
- () حول ما كتب عن حديث «الثقلين» يُنظر ج8 من «عبقات الأنوار». طبعة إصفهان، ضمائم، ص1245 بقلم الأستاذين السيد محمد علي روضاتي والفقيه الإيماني. ↑
- () كتاب ثمين يقول حول هذا الموضوع: «تُرى، في السنة التي جرت وقعة الطف (العاشوراء) ماذا كان من خبر على وجه البسيطة؟ ومن هم الملوك الذين كانوا يحكمون في الممالك الإسلامية آنئذ؟ كتب هذا الكتاب المشهور من كتب التاريخ القديمة المكتوب بعدد من اللغات. وتعبوا حتى حصلوا على نسخه النادرة من مكتبات العالم وألفوه. وطبع مرتين: رصاصي وحجري (نقلاً عن مقدمة كتاب «عظمة الحسين بن علي»). ↑
- () عُرف هذا الكتاب في صفحة العنوان كذا: «كتاب يؤلف بين الشيعة والسنة على أساس التفاهم وضوء الدليل».سها كاتب المقال عن «الجوهرة في نسب الإمام وآله» تأليف محمد بن أبي بكر التلمساني، تحقيق الدكتور محمد التونجي، دمشق: مكتبة النوري/1982، وترجمة الدكتور فيروز حريرجي، تهران «رئاسة التحرير». ↑
- () الشيخ المفيد، معلم الأمة، محمد بن محمد بن نعمان العكبري، من أكبر علماء الشيعة في التاريخ، ومن أعظمهم في معرفة آل محمد وحقائق الشيعة. إنه يكتب كتاباً بعنوان: «إنه لو اجتمع على الإمام بضعة عشر رجلاً لوجب عليه الخروج». لك الآن أن تقايس هذا المنطق الأصيل الشيعي بأقوال السفهاء المتحدثين عن وضع الأئمة الاجتماعي عليهم السلام ممن أنكروا هدايتهم، وفقط من يعرِّفون بمرآة إعلان الحق، ويوضحون مثل هذه السياسة الاجتماعية القويمة. وهناك من يُسهم في نشر كتب ضالة تُنقص من حق الإمام. وهذا انحطاط في مدرسة التعليم الشيعية وفي تغييرها وفي منزلتها. (والحق مع المفيد ـ رضوان الله عليه ـ وعلى هذا يكون نائبه أيضاً كذلك. وهذا هو السر في حركة الإمام.. الإصلاحية في الآونة الأخيرة لحفظ نواميس الله تعالى ومناهج العباد ومصالح البلاد، حيث اجتمعت عليه جماعات وأفراد. وقد ترتب عليها آثار اجتماعية وتسلية هامة سوف تتبين شواهدها).بحث في الغيبة، عميق التكليف في هذه المرحلة وفلسفة أمل وحماسة الانتظار، ومستقبل العالم من وجهة نظر الشيعة. ↑
- () في هذا المجلد مقدمة لكاشف الغطاء (ت1373). ومقدمة للمرحوم ميرزا محمد علي الأردوبادي (ت1380) في ترجمة المؤلف. ومقدمة وجيزة للمرحوم السيد حسن الصدر (ت1354)، ومقدمة للمؤلف نفسه وشمل بحوثاً منها: (تقدير الكتاب والكتابة ـ الكتاب الفاضل في ناموس الاعتدال ـ الكتاب وأصنافه الجوهرية ـ الكتاب وأحكامه الشخصية ـ الشيعة والكتابة ـ الرواة من الشيعة ـ مشايخ الشيعة الإمامية). ↑
- () في هذا المجلد من الرقم 1261 ـ 1363 ذكر فيها كتب الإمامة عن كتاب «الإمامة الصغير» وكتاب «الإمامة الكبير» تأليف إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي (ت283) والذي يبدأ بأبناء عمومة المختار بن أبي عبيد الثقفي. وهو الكتاب الوحيد الذي تحدث عن الإمامة بهذا الاسم أو بدون اسم محدد. في حين أن الكتب التي تحدثت عن الموضوع وذات اسم آخر فإن ذكرها يرد في موضعه الهجائي. ويقدَّر جيداً التتبع العلمي للشيعة في هذا الأصل الحياتي وتوضيح شكل الحكومة والتعقيب على الحكومة العادلة. ↑
- () ضمن هذا التعداد يرد 700 تفسير مدروس من تفاسير الشيعة (راهنماي كتاب، السنة: 4/526). ↑
- () في هذا المجلد عرَّف المؤلف بـ763 كتاباً في الأحاديث والتي هي من مصادر حقوق الشيعة، ويرجع تأليف أغلبها إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين (راهنماي كتاب، السنة: 4/527). ↑
- () من هنا فما بعد، التزيينات والإضافات التي تُرى في الكتاب هي من عمل ابن المؤلف (علينقي منزوي). ↑
- () من هنا فما بعد، التزيينات والإضافات التي ترى هي من عمل ابن المؤلف الآخر (أحمد منزوي). ↑
- () نقباء البشر: ج1/273. ↑
- () وارجع كذلك إلى «مرآة العقول». ↑
- () كتب حول «نهج البلاغة» أكثر من سبعين شرحاً وتفسيراً (الغدير: ج4/186 ـ 193). وأكثر هذه الشروح قام بها علماء شيعة أحبّها ما ذكر، وعملت بمناسبات البحث حول مباني الشيعة. ↑
- () عرف هذا الكتاب في صفحة العنوان كذا: «كتاب فني، تاريخي، أدبي، مبتكر في موضوعه، يتضمن تراجم شهداء علمائنا ـ الأعلام، من القرن الرابع الهجري إلى العصر الحاضر، وهم: مائة وثلاثون شهيداً». ويقول العلامة المؤلف في المقدمة بعد ذلك: «فهذا ما بذلت في جمع شتاته من تاريخ الشهداء من علمائنا الأعلام، الذين بذلوا مهجهم في سبيل الحقائق الدينية، أقدمه لطلاب الفضائل ورواد الكمال، إحياء لذكرى أولئك الكرام ولما كان العلماء المستشهدون في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة المقدسة قد دونت أخبارهم في المعاجم الكثيرة لأصحابنا وغيرهم، ابتدأت في كتابنا هذا من شهداء القرن الرابع إلى العصر الحاضر». ↑
- () فهرست الكتب الفارسية المطبوعة، ج2/ عمود 2511. ↑
- () ترجمة هذا الكتاب «كفاية الخصام» بقلم محمد تقي بن علي الدزفولي. طبع حجري/1377. ↑
- () يقول الشيخ آقابزرگ التهراني عن هذا الكتاب: «كتاب اجتماعي وسياسي، ومن أفضل الكتب في الإمامة والسياسة. 4 مجلدات، ويضم حياة النبي وأسرته حتى المهدي القائم عليه السلام. مقدمته مستقلة في كتاب. وقد طبع الكتاب سنة 1332هـ ثم أعيد طبعه في كربلاء سنة 1378». (نقباء البشر: ج3/1087). ↑
- () أو: إحياء الأحياء. ↑
- () ثقة الإسلام أبو الفضل علي الطبرسي، توفي في أوائل المئة السابعة للهجرة، وهو ابن أبي النصر رضيّ الدين حسن الطبرسي مؤلف «مكارم الأخلاق». وأبو النصر الرضي، ابن أمين الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهور مؤلف تفسير «مجمع البيان» (مقدمة صالح الجعفري، على «مشكاة الأنوار»). ↑
- () طبعت دار الكتب الإسلامية (الآخوندي) بتهران جميع الكتب الأربعة والتي عنوانها: «الكتب الأربعة من حديث أهل البيت، في ستة وعشرين مجلداً:من ج1 ـ 8، الأصول؛ الفروع والروضة الكافية.
من 9 ـ 12، من لا يحضره الفقيه.
من 13 ـ 22، تهذيب الأحكام.
من 23 ـ 26، الاستبصار. ↑
- () كتاب تربوي عظيم، يحسُن بكل جامعي وأستاذ ومعلم ورجل دين أن يداوم على مطالعته. وقد قيل فيه إنه: «من أحسن الكتب الإمامية في كيفية البلوغ إلى أقصى الغاية والترقي إلى المقامات العالمية الإنسانية وبين فضل العلم وأهله وآداب تعليمه وتعلمه وشرائط الفتوى والمفتي وآدابهما وشرائط المستفتي وغير ذلك مما يتعلق بالعلم والعمل وتهذيب الأخلاق النفسية والوصول إلى الدرجات الملكية واللحوق بالنفوس الكاملة القدسية».وقد قال الميرزا الشيرازي الكبير بشأنه: «إنه من اللائق كثيراً أن يواظب أهل العلم على مطالعة هذا الكتاب الشريف، ويتأدبوا بآدابه المذكورة فيه». وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية. ↑
- () شارب، فرمانهاي شاهنشاهان هخامنشي، كتبية بيستون، السطر الأول، البند 6، ص37. ↑
- () تاريخ أرمينيا: ص26. ↑
- () تاريخ هيرودس. ↑
- () تاريخ أرمينيا: الفصل 4، ص76. ↑
- () فتوح البلدان: ص283 ـ 284. ↑
- () صورة الأرض: ص81. ↑
- () المسالك والممالك: ص158. ↑
- () أحسن التقاسيم: القسم الأول، ص554 ـ 555. ↑
- () صورة الأرض: ص92. ↑
- () صورة الأرض: ص92. ↑
- () معجم البلدان: ج1، ص160 وتقويم البلدان: ص443. ↑
- () تقويم البلدان: ص455. ↑
- () صورة الأرض: ص93. المسالك والممالك: ص159. ↑
- () المصدر السابق: ص91. ↑
- () مجلة الدراسات التاريخية السنة 12، العدد 2، الصفحة 59. ↑
- () انقارض السلالة الصفوية: ص129. ↑
- () سفارتنامه هاي إيران: ص62. ↑
- () انظر: رشيدو، بي نن، سقوط بغداد وحكم المغول في العراق، ترجمة أسد الله آزاد انتشارات استان قدس رضوي، طهران، 1368هـ.ش. ↑
- () بعد سقوط بغداد ومقتل الخليفة والعائلة العباسية، هرب أحد أفراد هذه العائلة ـ واسمه أبو القاسم أحمد المستنصر بن الظاهر ـ إلى مصر وفي اليوم الثالث عشر من رجب 659هـ نصبه المماليك خليفة عليهم، وبذلك أسست الخلافة العباسية في مصر، حكم فيها 17 شخصاً من أفراد هذه العائلة، وكان المتوكل ثالثهم، ومات في اسطنبول سنة 923هـ لمعرفة أسماء هذه السلسلة من الخلفاء راجع: زاميارو، نسب نامه خلفا وشهرياران، ترجمة محمد جواد مشكور، انتشارات كتابفروشي خيام، طهران، 1356هـ ش، 4 و5. ↑
- () فيما يتعلق بمساعي السلطان محمد خوارزمشاه للاستيلاء على عراق العجم انظر، الجويني، علاء الدين عطاملك، تاريخ جهانگشا، تصحيح محمد بن عبدالوهاب القزويني، انتشارات بامداد وأرغوان، طهران، ط 3 ، 1327هـ.ش، 120 وما بعدها. ↑
- () في المسائل الفقهية الخاصة بالخلافة، انظر: الماوردي، أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، والقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، صححه محمد حامد الفقي، مركز النشر، مكتب الإعلام الإسلامي، طـ2، 1406هـ الخنجي الأصفهاني، فضل الله بن روزبهان، سلوك الملوك تصحيح محمد علي الوحد، انتشارات خوارزمي، طهران 1362هـ. ↑
- () انظر: نظام الملك، سير الملوك (سياست نامه) باهتمام هيوبرت داكر، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، طـ2، 1364هـ.ش، 201 ـ 210. الجويني، تاريخ جهانگشا، 1327هـ.ش، ج، 120. ↑
- () توفي الميرزا جعفر سنة 1298هـ، وتُوفي والده بعده عام 1300هـ/1883م. ↑
- () توفي السيد حسين سنة 1325هـ/1907م. أمّا أخوه السيد محمد فقد تُوفي سنة 1335هـ/1916م. ↑
- () ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق هارون، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ، ج1، ص109. ↑
- () الحلي، حسن بن يوسف، الباب الحادي عشر، تحقيق محقق، مشهد، استان قدس رضوي، 1368هـ. ش، ص2. السيوري، مقداد بن عبد الله، ارشاد الطالبين، تحقيق الرجائي، قم، مكتبة آية الله المرعشي العامة، 1405هـ، ص14. ↑
- () ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص319. ↑
- () الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، ط1، بيروت، دار مكتبة الحياة، ج9، ص208. ↑
- () انظر: شرح المصطلحات الكلامية، إعداد ونشر مجمع البحوث الإسلامية، طـ1، مشهد، 1415هـ، ص24. ↑
- () انظر: التهانوي، محمد علي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، طـ1، بيروت، مكتبة لبنان 1996م. ج1، ص213 ـ 215. ↑
- () الطهراني، آقا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت، دار الأضواء 1983م، ج2، ص181 ـ 196. ↑
- () انظر: يزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة الإسلامية، طـ 2، طهران، منظمة الإعلام الإسلامي، 1993م، ج1، ص26. ↑
- () انظر: المرجع السابق، ج1، ص29. ↑
- () سورة البقرة، الآيتان: 23 ـ 24. ↑
- () الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، طـ2، قم. مؤسسة آل البيت، (لا.ت)، ج2، ص58 ـ 59. ↑
- () انظر: يزدي، محمد تقي دروس في العقيدة الإسلامية، ج1، ص28. ↑
- () انظر: الغروي، علي، التنقيح، ج2، ص63. ↑
- () لا يخفى أن أصل الأصول هو الإيمان بوجود الله تعالى، ولكن لم يذكر هنا مع الأصول: لأنه متضمن في التوحيد الذي هو فرع الوجود. ↑
- () انظر: ترحيني، محمد حسن، الأحكام في علم الكلام. طـ1، بيروت دار الأمير 1993م. ص7. ↑
- () الغروي، علي، التنقيح، ج2، ص59. ↑
- () الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، تحقيق النوراني، قم، مؤسسة النشر الإسلامية، (لا.ت)، ج1، ص277. ↑
- () السيوري، مقداد، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، تحقيق الرجائي قم، مكتبة آية الله المرعشي العامة 1405هـ، ص438. ↑
- () السبزواري، عبدالأعلى، مهذّب الأحكام، ط 4، قم، مؤسسة المنار، 1413هـ، ج1، ص273. ↑
- () اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، طـ2، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1984، ج1، ص67. ↑
- () المرجع السابق، ص67. ↑
- () المرجع السابق، ص67. ↑
- () الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي، تحقيق الغفاري، بيروت، دار الأضواء. (لا.ت)، ج2، ص38. ↑
- () انظر: السبزواري مهذَّب الأحكام، ج1، ص372. ↑
- () يُعبَّر عن هذه الرواية باصطلاح علم الدراية بالموثَّقة: لكون راويها من الثقاة غير الإماميين. ↑
- () الكليني، الأصول من الكافي، ج2، ص25. ↑
- () انظر: كتاب الطهارة من مصباح الفقيه، طهران مكتبة الصدر، (لا.ت)، ص566. ↑
- () الطباطبائي، علي، رياض المسائل، طـ1، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1412هـ، ج2، ص357. ↑
- () الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق، طـ2، قم، مؤسسة دار الكتاب، 1413هـ. ج3، ص205 ـ 206. ↑
- () الكليني، الأصول من الكافي، ج2، ص30 ـ 39. ↑
- () الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، ج1، ص277. ↑
- () انظر: كاشف الغطاء، محمد حسين، أصل الشيعة وأصولها، تحقيق علاء آل جعفر. طـ1، قم، مؤسسة الإمام علي عليه السلام، 1415، ص21.ـ الخونساري، محمد باقر، تلويح النوريات، تقديم الروضاتي الأصفهاني ص62 (المقدمة).
ـ الغروي، علي، التنقيح، ج2، ص59.
ـ الحسني، محمد علي، دراسات في عقائد الشيعة الإمامية، طـ1، بيروت مؤسسة النعمان، 1409هـ، ص28.
ـ اليزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة الإسلامية، ج1، ص23.
ـ الأنصاري، عبدالواحد، هذه عقيدتنا، بغداد، مطبعة المعارف 1967م، ج1، 138. ↑
- () انظر التنقيح، ج2، ص59. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 228. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 232. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 177. ↑
- () الخوئي، التنقيح، ج2، ص59. ↑
- () الصدر، محمد باقر، بحوث في العروة الوثقي ـ طـ2، قم، مجمع الشهيد الصدر العلمي، 1408هـ، ج3، ص292. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 228. ↑
- () الصدر، محمد باقر، بحوث في العروة الوثقى، ج3، ص293. ↑
- () الجوهري، محمد مرتضى، تاج العروس، طـ1، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1306هـ، ج1، ص257. ↑
- () ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر (لا.ت)، ج1، ص394.واعتبره الجوهري في تاج العروس أنه استعمال مجازي، انظر: ج1، ص257.
موسى، حسين، والصعيدي، عبدالفتاح، الإفصاح، ط 4، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1410هـ، ج2، ص1258. ↑
- () شرح المصطلحات الكلامية ص235. ↑
- () والعدل أيضاً أصل من أصول المذهب المعتزلي الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لذا سمي كلّ من مذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة الإمامية بـ«العدلية» (انظر: الكلبايكاني، علي، القواعد الكلامية، طـ1، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1418هـ، ص146). ↑
- () قال الحلي رحمه الله: «اعلم أن هذا (أي العدل) أصل عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً وبدونه لا يتم شيء من الأديان، ولا يمكن أن يعلم صدق نبي من الأنبياء على الإطلاق…) (نهج الحق وكشف الصدق، تعليق الآرموي، طـ1، قم، دار الهجرة، 1407هـ، ص72). ↑
- () انظر: ترحيني، محمد حسن، الإحكام في علم الكلام، طـ1، بيروت، دار الأمير، 1993م، ص9. ↑
- () آشناي باعلوم إسلام، ج2، ص25 (نقلاً عن الكلبايكاني، علي رباني، القواعد الكلامية، طـ1، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1418هـ، ص147). ↑
- () سيرة ابن هشام 1: 4. ↑
- () انظر تهذيب التهذيب 9: 44. ↑
- () مغازي الواقدي: 29. ↑
- () مقدمة المحقق للمغازي: 1: 31. ↑
- () تأريخ مدينة دمشق 11: 5، وتأريخ بغداد 3: 6، وعيون الأثر 1: 18. ↑
- () انظر الطبقات 5: 315. ↑
- () الطبقات 7: 77. ↑
- () تأريخ بغداد 3: 4. ↑
- () الطبقات 5: 315. ↑
- () تاريخ بغداد: 3: 20. ↑
- () الطبقات 7: 77. ↑
- () تاريخ بغداد 3: 5، وعيون الأثر: 1: 18، والوافي بالوفيات 4: 238، وسير أعلام النبلاء 7: 118. ↑
- () الطبقات 5: 315، وتأريخ بغداد 3: 20، وتأريخ دمشق 11: 3، والوافي بالوفيات 4: 238. ↑
- () الطبقات 7: 77. ↑
- () الطبقات 5: 144. ↑
- () الفهرست: 144. ↑
- () تأريخ بغداد 3: 13. ↑
- () عيون الأثر 1: 20. ↑
- () سير الأعلام 7: 117. ↑
- () الفهرست: 144. ↑
- () أعيان الشيعة 46: 171. ↑
- () الذريعة 3: 293. ↑
- () شرح نهج البلاغة 3: 339. ↑
- () معجم الأدباء 18: 7. ↑
- () تهذيب التهذيب 9: 364. ↑
- () عيون الأثر 1: 18. ↑
- () الفهرست: 144. ↑
- () هامش تاريخ گيني گشا: ص391. ↑
- () صدر التواريخ: ص12. ↑
- () محمود محمود: ج1. ↑
- () آخرين روزهاي لطف علي خان زند: ص68. ↑
- () ذيل تاريخ گيتي گشا: ص339. ↑
- () فارسنامه ناصري: ج1، ص645. ↑
- () نفس المصدر: ص645. ↑
- () صدر التواريخ: ص645. ↑
- () فارسنامه ناصري: ج1، ص647. ↑
- () صدر التواريخ: ص19. فارسنامه ناصري: ج1، ص647. ↑
- () مآثر السلطانية: ص21. أحسن التواريخ: ص197. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص248. ↑
- () صدر التواريخ: ص21. ↑
- () أحسن التواريخ: ص263. صدر التواريخ: ص21. ↑
- () محمود محمود: ج1. ↑
- () راجع نص المعاهدة المصدر السابق. ↑
- () صدر التواريخ: ص32 ـ 33. ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص369. صدر التواريخ: ص33. ↑
- () صدر التواريخ: ص33. ↑
- () متلقي الرواتب الإنجليزية في إيران: ص38. ↑
- () البعلبكي منير، قاموس المورد، انجليزي عربي، حرف (A). ↑
- () قصص العرب، طبع مصر ج4، ص91 (النص والحاشية). ↑
- () مجلة آخر ساعة المصرية، في تحقيق عن مصير الأمويين ونسلهم في الأندلس في أواخر سنة (1960)، ولم يرد شرح عمن بقي من نسل بني أمية في كتاب (صبح الأعشى) للقلقشندي مع أنه جاء شرح عمن بقي من نسل بقية القبائل. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، طبع دار التعارف، بيروت، سنة 1393هـ،ق، ج4، من الصفحة الثالثة حتى الصفحة 32 (عن دولة الأدارسة في الأندلس) وفي الجزء الثالث، من الصفحة 318 حتى الصفحة 327 (عن دولة الموحدين في الأندلس). ↑
- () شبر، السيد جواد، أدب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام، طبع بيروت، ج4، ص11. ↑
- () المصدر السابق، نقلاً عن مجلة العرفان اللبنانية، مجلد 59. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج4، ص24. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () تخرم، في الأصل: تتخرم، بمعنى تتشقَّق من شدة الحزن، المعجم الوسيط، ص230. ↑
- () يُلَمْلِمُ: يجمع ما تناثر منه، المعجم الوسيط، ص230. ↑
- () كيف تعقم: كيف يكون نسلها أبتر. ↑
- () تُسجَمُ: تجري. ↑
- () قرع عليه سنه: صكّها ندماً، المعجم الوسيط، ص728. ↑
- () تَلثِمُ: تُقَبِّلُ. ↑
- () شبّر، السيد جواد، أدب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام، ج4، ص11 وص12 وص13 نقلاً عن: اعلام الأعلام، لابن الخطيب، وهو مخطوط في جامعة القرويين، ص37 و38. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج3، ص324. ↑
- () مُتهِماً: ذاهباً إلى منطقة تهامة، مُنجِداً: ذاهباً إلى نجد وكلتا المنطقتين في شبه الجزيرة العربية، المعجم الوسيط، ص90 و92. ↑
- () تمائم: جمع تميمة، وهي: الكتابة التي تعلق في العنق لدفع العين، المعجم الوسيط، ص89، الَمُحْوِل: هو الذي مضى عليه حول (أي سنة)، المعجم الوسيط، ص208، ومعنى عجز البيت: لا تنظر إلى الشخص الذي في عنقه تميمة وقد مضى عليه عام. ↑
- () يقال «ضلفة» أو «ضرفة» أو «درفة» انظر:Dozy: Supplإment aux Dictionnaires Arabes (Paris, 1927), Vol. II, p.12. ↑
- () A Guide of the Gayer-Anderson Pasha Museum (Preface by Sir Robert Greg, K.C.M.G.) Cairo 1946.محمود الحديدي: متحف بيت الكريتلية (متحف أندرسون): دليل موجز (القاهرة 1962). ↑
- () بصرف النظر عن ترتيب التسجيل في سجلات متحف جاير أندرسون إذ أن النص في الواقع يبدأ أولاً من الضلفة المسجلة برقم 580 وتكملة النصوص في الضلفة رقم سجل 568. انظر سجلات متحف جاير أندرسون مجلد 1 ص44 غرفة الحريم حرف N (مقتنيات مسجلة سنة 1943). ↑
- () التعشيق هو اصطلاح دارج في صناعة الأخشاب العربية وهو يعني تثبيت قطع الأخشاب بعضها ببعض بعمل «نقر» في قطعة «ولسان» في أخرى وجمع اللسان في داخل النقر بطريق الغراء أو المسامير الخشبية المغراة وهو ما نلاحظه هنا في تجميع قوائم وعوارض وحشوات هذا الباب من غير استعمال المسامير الحديدية في تثبيت أجزائه. ↑
- () عن تعدد الأشكال النجمية في الفنون الإسلامية. انظر:Bourgoin: Le Trait des Entrelaces (Paris, 1879) PL. 12. Théorie de l’Ornament (Paris, 1883) Pl. 12. No. 4. ↑
- () زهرة عباد الشمس واسمها العلمي Helianthus annuus انظر معجم بديفيان ص309 رقم 1794. ↑
- () زهرة الأقحوان واسمها العلمي Anthemis Cotula انظر معجم بديفيان ص64 رقم 384 وورود الحشوات المربعة «البقج» في هذا الباب تقرب من الأقحوان بشكل أكثر لاستدارة أوراق الأقحوان بينما أوراق زهرة عباد الشمس مدببة قليلاً. ↑
- () انظر الألواح الخشبية بمتحف الفن الإسلامي رقم سجل 11596 ورقم 9956 وانظر حشوات من منبر جامع الجزائرKuhnel, Maurische Kunst. وسعيد الديوه جى: الموصل في العهد الأتابكي (بغداد 1958) شكل 18. ↑
- () انظر زكي محسن: فنون الإسلام ص561. ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية (ترجمة أحمد عيسى) ص149 وانظر شكل 82 حيث نجد مثل هذه الوريدات على علبة من هراة ترجع إلى القرن 6هـ/12م. ↑
- () من المعروف أن الطبق النجمي الكامل الذي اشتهرت به الفنون الإسلامية يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية من الحشوات أولها شكل النجمة التي تتوسط الطبق وتمثل مكان البؤرة فيه وتسمى الترس وثانيها اللوزة المضلعة التي يشترك فيها عدد من الحشوات لكل منها أربعة أضلاع وترتب هذه الحشوات حول النجمة في ترتيب إشعاعي بحيث تقع أطرافها على محيط دائرة حقيقية وثالثها حشوة ذات شكل خاص تسمى في الاصطلاح الصناعي الدارج «كنده» لها ستة أضلاع عادة ويوزع عدد منها مساوٍ لعدد اللوزات في توزيع إشعاعي وفي نظام دائري تام حول اللوزات.انظر، فريد شافعي: مميزات الأخشاب المزخرفة في الطرازين العباسي والفاطمي في مصر، مجلة كلية الآداب ـ جامعة القاهرة (م16 جـ1 مايو 1954 ص83 وص84 وشكل 25). ↑
- () عن تفاصيل التقاسيم الهندسية في محراب السيدة رقية رقم سجل 446 بمتحف الفن الإسلامي. انظر:Pauty: Les Bois Sculptés jusqu’a l’Epoque Ayyoubide. Pls. LXXX-LXXXII ↑
- () Creswell: Mus. Arch. of Egypt, Vol. I. PL. 29c. ↑
- () Ibid. Pl. 123, d.G. Wiet, L’Exposition Persane de 1931 (Caire 1933) P.11 ff., Pl. XII.
حيث نلاحظ عقدين مماثلين على تحفة خشبية مؤرخة 363هـ/974م، كما نلاحظ عقوداً قريبة الشبه على شاهد رخامي مؤرخ 507هـ (1114م) وآخر مؤرخ 533هـ (1138م) وثالث مؤرخ 545هـ (1150م) Ibid. Pls IX, X. محمد مصطفى: سجاجيد الصلاة التركية (القاهرة 1953) لوحة 21 (رقم 1) وانظر G. Griffin Lewis, The Practical book of Oriental Rugs (London 1920) p.322, No.21. ↑
- () وقد وجدت هذه الظاهرة قبل الإسلام في فنون الشرق الأوسط وخاصة في زخارف الشام في العصر المسيحي ولكنها نضجت نهائياً وتمّت وانتشر استعمالها إلى حد كبير في الفن الإسلامي وصارت من أهم مميزاته الصريحة. انظر:Creswell, E.M.A. Vol. I. Figs. 49, 50.
Herzfeld: Arabesque (Encycl. of Islam), 1910, Vol. I, pp.363-67;Kuhnel (E.): Die Arabeske, (1949); Reigl: Stilfragen, (Berlin 1893). ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية (ترجمة أحمد عيسى) ص125. ↑
- () انظر A. Speltz. The Styles of Ornament (London 1910) Pls., 60/2, 4, 6, 62/16. ↑
- () Pauty; Bois Sculptés PLs., LXXV, LXXVI. ↑
- () Ibid., Pls., LXXVII, LXXVIII. ↑
- () Creswell, Mus. Arch. of Egypt. Vol. I., pl. 93 d,e. ↑
- () Pauty, op.cit., Pls. LXXXII, LXXXIII, LXXXIV. ↑
- () سعيد الديوه جي: الموصل في العهد الأتابكي ص129 وجوامع الموصل في مختلف العصور ص33 وانظر:Sarre, E. Herzfeld, Archaologische Reise im Euphrat und Tigris- Gebiet Band II (Berlin 1920) pp. 222, 223. ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية (الترجمة العربية) ص124. ↑
- () Flury, Le Décor Epigraphique des Monuments de Ghazna (Syrie, T.6 1925 Pls. X, XIII, XVI, XVII). ↑
- () لوحة مقابلة Creswell, Mus. Arch. of Egypt Vol. I.P. 222.وانظر أيضاً Pope, Survey of Persian Art. Vol. IV, pp.320, 322.
وهو محراب مؤرخ 447 ـ 450هـ «1055 ـ 1058م». ↑
- () سجلها الحفار في النص «الله» والصواب «لله» كما وردت في المتن هنا مصححة حتى تستقيم مع ما قبلها أي «نصحت» وما بعدها أي «ولرسوله». ↑
- () شكراً لزميل الفنان الأستاذ عبد المجيد وافي على المعاونة الفنية الصادقة في تحبيرها. ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية (ترجمة أبو ريده وحسين مؤنس) ص143. ↑
- () يعتقد فلهوزن Welhausen أن هذا العدد 12000 اثنا عشر ألفاً. انظر المرجع السابق ص143. ↑
- () شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء (تحقيق د. محمد أسعد أطلس) جـ3 ص201. ↑
- () أبو الفدا: البداية والنهاية في التاريخ ص154 (مطبعة السعادة بمصر) ويقصد باتهامه بأنه حرورى أنه من الخوارج الذين ينتسبون إلى حروراء وهي موضع غير بعيد عن الكوفة اجتمع فيه أول الخوارج عندما بدؤا الخروج على سيدنا علي بن أبي طالب وسرعان ما قضى عليهم إلى آخر رجل تقريباً في موقعة النهروان. انظر مادة: حروراء بدائرة المعارف الإسلامية (الترجمة العربية). ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية (الترجمة العربية) ص144، وانظر الطبري: تاريخ ج 6 حوادث سنة 60هـ ص199 ـ ص214 (المطبعة الحسينية). ↑
- () حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج1 (1934) ص418 وص419، ابن طباطيا: الفخري في الآداب السلطانية ص107 والطبري: تاريخ ج6 ص214 حيث أورد هذه الأبيات مع تغيير طفيف:إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري
إلى هانىء في السوق وابن مقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه
وآخر يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا
أحاديث من يسري بكل سبيل
↑ - () عريب بن سعيد القرطبي: صلة تاريخ الطبري (لندن 1897) ص، وانظر أيضاً الأغاني جـ13، ص37، ج 14، ص98. ↑
- () عن إنشاء مسجد الكوفة وتطورات إصلاحه انظر:Creswell: A Short Account of Early Muslim Architecture (London 1958) pp.9, 13, Early Muslim Architecture (Oxford 1932) Vol. I, pp.36, 37.
وانظر أيضاً سالم الألوسي: الكوفة (بغداد 1965) من ص6 ـ ص10. ↑
- () رحلة ابن جبير (طبعة بيروت 1964) ص187. ↑
- () رحلة ابن جبير (طبعة بيروت 1964) ص188. ↑
- () وردت إليّ نصوص هذه الزيارة الموجودة بالضريح الحالي مصورة ومنقولة فوتوغرافياً من الزميل الدكتور محمد باقر الحسيني رئيس قسم المسكوكات بالمتحف العراقي ببغداد فله مني خالص الشكر ونصها كالآتي (92 كلمة):بسم الله الرحمن الرحيم
«شلام الله العظيم وصلواته عليك يا هانىء بن عروة، السلام عليك أيها العبد الصالح، الناصح لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام أشهد إنك قتلت مظلوماً، فلعن الله من قتلك واستحل دمك وحشى قبورهم ناراً أشهدأنك لقيت الله وهو عنك راضٍ بما فعلت وأشهد أنك قد بلغت درجة الشهداء وجعل روحك مع أرواح السعداء بما نصحت لله ولرسوله مجتهداً، وبذلت نفسك في ذات الله ومرضاته فرحمك الله ورضي عنك وحشرك مع محمد وآله الطاهرين وجمعنا وإياك معهم في دار جنان النعيم، سلام الله عليك ورحمة الله وبركاته». ↑
- () عبدالرحمن فهمي: دراسة لبعض التحف الإسلامية (1) تحفة فاطمية من مدفن شجرة الدر مجلة آداب القاهرة م21 العدد الأول مايو 1959 ص202 وص203 واللوحات من 1 ـ 12. ↑
- () الكتاب التذكاري لكرزويل (1965) مقال جرومان: ص86 وص92.Hassan Hawary and Hussein Rashid: Stèle Funeraire T.3. (Caire 1939) Pls. V, XLVIII.
وشواهد رقم سجل 7253 و1040.
Kamel Osman Ghaleb, Le Mikyas ou Nilometre de L’Ile de Rodah (Caire 1951) Pl. IV. Creswell. Early Muslim arch. Vol. II, p.293, Marcel, Description de l’Egypte, Etat Moderne, Vol. II, Paris, 1823.
حيث وردت أول دراسة للكتابات بمقياس النيل. وانظر إبراهيم جمعة: دراسة في تطور الكتابات الكوفية (القاهرة 1969) شكل 1 ص47 وشكل 18 من الشاهد المؤرخ 343هـ، ص163 وص176 وما بعدها إلى ص204. ↑
- () زكي حسن: الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي ص299 ـ ص301، وفنون الإسلام ص477 وص478. ↑
- () Flury: Le Décor Epigraphique des Monuments de Ghazna (Syrie, T.6, Paris, 1925) pp. 80, 82. ↑
- () زكي حسن. فنون الإسلام، ص475 وص476 (شكل 392). ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية ص114 (الترجمة العربية)، زكي حسن: الفنون الإيرانية، ص301 وص478. ↑
- () نفس المرجع، ص115.Wiet, Inscriptions Coufiques de Perse (Mem. de l’Inst. Franc. I.) – نفس المرجع ص 125. ↑
- () ترجم هذا المقال عن مجلة «مسجد» الفارسية، العدد 32. ↑
- () الإمام، السيد كاظم: «مرحلة بداية الفقه وفقهاء الإمامية في الصدر الأول، والأصول الأربعمائة». المهرجان الألفي للشيخ الطوسي (بدون تاريخ)، ص374 ـ 376. ↑
- () الأمين، السيد حسن: «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1406هـ، ج2، ص33. ↑
- () البهبهاني، وحيد: «الفوائد الرجالية» بسعي السيد محمد صادق بحر العلوم، مطبعة الآداب، النجف، 1388هـ، ص 34. ↑
- () ذكر في «الذريعة» بين أصحاب الأصول، بعد ذكر مبحث تعريف الأصول الأربعمائة. ↑
- () الطهرني، آقا بزرگ: «الذريعة»، دار الأضواء، بيروت، 1403هـ/ 1983م، ج2، ص125 و126. ↑
- () محسني، محمد آصف: «بحوث في علم الرجال»، مطبعة سيد الشهداء، قُم، 1403هـ، ص165 و166. ↑
- () المامقاني، عبدالله: «تنقيح المقال» (بدون تاريخ ولا مكان ولا مطبعة)، ص160 و161 وموحد ابطحى، محمد علي: «تهذيب المقال» (بدون تاريخ ولا مكان الطبع)، ص89. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص33. ↑
- () الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن: «الفهرست» بسعي السيد محمد صادق آل بحر العلوم، منشورات الشريف الرضي، قُم (بدوت تاريخ)، ص1 2. ↑
- () «الفهرست» ص41، ابن شهرآشوب المازندراني، محمد بن علي: «معالم العلماء»، المطبعة الحيدرية، النجف، 1380هـ/ 1961م، ص29. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص34. ↑
- () «معالم العلماء»، ص3. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص159. ↑
- () أي، كما سبق القول، نقل من «الذريعة»: «إن الكتاب اسم عام يشمل الأصل أيضاً، لذلك فإن بيان الفَرق بين الاثنين، على هذا النحو، لا يخلو من إشكال». ↑
- () «تهذيب المقال»، ص89. ↑
- () «الفهرست»، ص37. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص33 و34. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص160. ↑
- () هذه العبارة مقتبسة من حديث يصرح فيه بلفظ «عن فلان» في سلسلة سند كل من الرواة، من دون أن يقول «سمعت» وما إلى ذلك في روايته. انظر «مدير شانه چي» 1363هـ.ش، ص57. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص33 و34. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص160. ↑
- () «تهذيب المقال»، ص90. ↑
- () «تهذيب المقال»، ص90. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص33. ↑
- () انظر بداية هذا المقال. ↑
- () يصدق هذا على جميع المحدّثين من أصحاب الأصول الذين لهم، فضلاً عن ذلك، كتاب أو كتب أخرى، وعددهم ليس بالقليل. ↑
- () «الفهرست»، ص11 و«دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» ج2، ص34. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص160 و161. ↑
- () الشيخ البهائي، بهاء الدين محمد العاملي: «مشرق الشمس». (بلا تاريخ ولا مكان الطبع)، ص3 و4. ↑
- () مير داماد، محمد باقر الحسيني: «الرواشح السماوية في شرح أحاديث الإمامية»، مكتبة آية الله المرعشي، قُم، 1405هـ، ص99. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص127 و128. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص127 و128. ↑
- () «الرواشح السماوية في شرح أحاديث الإمامية»، ص98. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص128. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص142 و143. ↑
- () نقل عن إلامامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ثم أصبح واقفياً ومن أهم دعائم هذه الفرقة. انظر: النجاشي، أحمد بن علي: «رجال النجاشي» بسعي محمد جواد النائيني، دار الأضواء، بيروت، 1408هـ، ج2، ص69. ↑
- () زياد بن منذر، أبو الجارود الهمداني الخارقي الحوفي، مولاه، من أهالي الكوفة، تابعي من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وروى عنهما، ولكن بعد خروج زيد، غيّر مذهبه وروى عنه. وهو رئيس الفرقة الجارودية وهي منسوبة إليه. ينقل الكشي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام في ذمه وصفه فيها بأنه (سُرحوب) (اسم شيطان أعمى يسكن البحار). محمد بن علي في «جامع الرواة»، مكتبة آية الله المرعشي، قُم، 1403هـ، ج2، ص339. ↑
- () كان فطحي المذهب وله كتاب ضخم امتدحه الشيخ الطوسي. انظر: «الفهرست» ص117. ↑
- () يشير إليه الشيخ الطوسي تحت رقم 4 من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام ويقول عنه إنه واقفي، ولكن المامقاني يعتبره إمامياً لأن النجاشي وثَّقه مرتين ولم يشر إلى كونه كان واقفياً. انظر: «رجال النجاشي»، ص431 و432. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص35. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص39. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص35 و36. ↑
- () «رجال النجاشي»، ج1، ص108. ↑
- () «الفهرست»، ص54. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص179. ↑
- () «بحوث في علم الرجال»، ص167. ↑
- () الشهيد الثاني، زين الدين بن علي «الرعاية في علم الدراية» بسعي عبدالحسين محمد علي البقال، مكتبة آية الله المرعشي، قُم، بلا تاريخ ص72. ↑
- () المصدر نفسه، ص73. ↑
- () «بحوث في علم الرجال»، ص166 و167. ↑
- () «الفهرست»، ص3. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص129. الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، «أعلام الورى بأعلام الهدى» بسعي علي أكبر الغفاري، دار المعرفة بيروت، 1399هـ، ص276 و277. ↑
- () المحقق الحلي، جعفر بن الحسن: «المعتبر في شرح المختصر» بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ص5 ↑
- () ابن عبد الصمد، حسين: «الدراية» بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ص40. الشهيد الأول، محمد بن جلال الدين المكي العاملي، «ذكرى الشيعة»، بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ص5 و6. ↑
- () «الرواشح السماوية في شرح أحاديث الإمامية»، ص98. ↑
- () «الفهرست»، ص142. ↑
- () المصدر نفسه، ص60. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص41. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص130 ـ 133. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»،ج2 ص40. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص135 وما بعدها. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص40 و41. ↑
- () «الرعاية في علم الدراية»، ص72 و73. ↑
- () «الفهرست»، ص37. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص134 و135. ↑
- () حسن زاده آملى، حسن «دروس معرفة الوقت والقبلة» من منشورات جامعة مدرسي الحوزة العلمية في قم، الدرس 56. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 145. ↑
- () ناصر خسرو «سفرنامه» الطبعة الحجرية، طهران، ص153. ↑
- () «جام جم» الطبعة الحجرية الأولى، ص615 و616. ↑
- () «الرحلة» طبع مصر، ص86. ↑
- () «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة، طبع مكة (ملحق «شفاء الغرام» للفاتني) ج2، ص356. ↑
- () حسن زاده الآملي، حسن «دروس هيئت وديگر رشته هاى رياضى» مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، الحوزة العلمية في قم، ج2، ص662. ↑
- () راجع «دروس هيئت وديگر رشته هاى رياضى» ج2، ص578. والدرس الثامن في «دروس معرفة الوقت والقبلة». ↑
- () راجع «بحار الأنوار» طبعة كمپانى، ج2، ص413 نقلاً عن «الكافي». ↑
- () «جامع بهادرى» طبع الهند، ص690. ↑
- () سورة لقمان، الآية: 28. ↑
- () «دروس معرفة الوقت والقبلة» ص56. ↑
- () المصدر نفسه، ص20 ـ 64. ↑
- () أبو الوفاء، محمد بن يحيى بن إسماعيل البوزجاني، من كبار علماء الرياضيات في القرن الرابع الهجري. ابن النديم في «الفهرست» يقول عنه: «وُلد في يوم الأربعاء غرة رمضان سنة 328هـ مدينة بوزجان (تربت جام الحالية)». ابن خلكان في «وفيات الأعيان» يقول: «كانت ولادته يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بمدينة بوزجان، وتوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى». ↑
- () «تحفة الأجلّة في معرفة القبلة» الطبعة الأولى (بالفارسية) ص6. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 7. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 285. ↑
- () رواه البخاري ومسلم. ↑
- () رواه البخاري ومسلم. ↑
- () سورة النساء، الآية: 136. ↑
- () سورة الحجرات، الآية: 14. ↑
- () سورة النساء، الآية: 116. ↑
- () سورة النساء، الآية: 94. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 7. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 52. ↑
- () الآثار الباقية عن القرون الخالية، 64، طبعة ليبزك، 1923. ↑
- () تسهيل المجاز إلى فن المعنى والألغاز: 53 دمشق 1303هـ. ↑
- () المصدر نفسه: 53 ـ 54. ↑
- () تاريخ الطبري، ج1، ص80. ↑
- () الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص10. ↑
- () تاريخ لبنان للأب مارتين اليسوعي، ص106. ↑
- () بحار الأنوار، المجلد الثاني والعشرون. ↑
- () إشارة السبق إلى معرفة الحق، قم، 1414هـ/1994م، ص107. ↑
- () معجم البلدان، ج2، ص120. ↑
- () تاريخ لبنان، ص108. ↑
- () تاريخ لبنان للأب مرتين اليسوعي، ص114. ↑
- () الإشارات، ص15. ↑
- () Ingrams, D., The Survey of Social and Economic in the Aden Protectors, Asmara, 1949. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 73. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج1، ص50. ↑
- () الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص7. ↑
- () العقد الثمين في فضائل البلد الأمين، (النجف 1377هـ/ 1958م)، ص102. ↑
- () تاريخ الطبري، ج1، ص119. ↑
- () مراقد المعارف، ج2، ص363. ↑
- () ماضي النجف وحاضرها، ج1، ص96. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص387. ↑
- () السيد جواد شبّر، الضرائح والمزارات، ج1 ـ مخطوط. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص286. ↑
- () الذريعة، ج13، ص41. ↑
- () اليعقوبي، البابليات، ج4، ص61. ↑
- () حرز الدين، مراقد المعارف، ج1، ص297. ↑
- () المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، ج4، ص82؛ ابن بابويه القمي، الإمامة والتبصرة، ص23. ↑
- () نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق، ص234. ↑
- () خطط جبل عامل، ص146. ↑
- () بلدان جبل عامل، ص458. ↑
- () سورة الصافات، الآية: 142. ↑
- () ترجمة الأولياء في الموصل الحدباء، ص39. ↑
- () مراقد المعارف، ج2، ص378. ↑
- () المقرّم، زيد الشهيد، ص166. ↑
- () شبّر، الضرائح والمزارات، ج2 ـ مخطوط. ↑
- () مشاهد العترة الطاهرة، ص208. ↑
- () مراقد المعارف، ج2، ص380. ↑
- () بلدان جبل عامل، ص562. ↑
- () طوني مفرّج، موسوعة قرى ومدن لبنان، ج9، ص76. ↑
- () سورة الأنبياء، 83. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص173. ↑
- () الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص13. ↑
- () خطط جبل عامل، ص156. ↑
- () معجم البلدان، ج3، ص80، ص323. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص372. ↑
- () يُنظر بهذا الصدد: الخوانساري، روضات الجنّات، ج2، ص94؛ الصالحي، عبدالحسين، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، للسيد حسن الأمين، موضوع «آية الله». وكذلك ينظر:Classe, Cyril, The Concise Encyclopaedia of Islam, (Ayatollah), p.59. ↑
- () يقول مطهري في بيان (التمام) و(الكمال) في تفسير الآية الكريمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} يقول: القرآن يطرح أمري إتمام النعمة وإكمال الدين؛ وهو بذلك يحاول التأكيد على وجود مفهومين متميزين لكلمتي (التمام) و(الكمال). ↑
- () التكامل الاجتماعي، ص21. ↑
- () التكامل الاجتماعي، ص13 ـ 16. ↑
- () يناقش مطهري الماركسيين في عدم أصالة «العلم والفلسفة والأدب والدين والأخلاق والفن» باعتبارها مظاهر للواقع الاقتصادي بأن هذه النظرية تؤكد على أصالة «حيوانية» الإنسان دون «إنسانيته» للذين ينكرون وجود ميزات أساسية بين الإنسان والحيوان، ويعتبر أن هذه النظرية لا تنفي أصالة الدوافع الإنسانية فحسب، إنما تنفي أصالة الاتجاه للواقع في رؤية الإنسان الكونية. وعلى ذلك يكون تكامل إنسانية الإنسان مرافقاً بل مقدماً على تكامل وسائل إنتاجه مما يُنتج الحد من مدى ارتباطه، وتبعيته للبيئة الطبيعية والاجتماعية.يُنظر: الإنسان والإيمان ص21 ـ 23. ↑
- () الإنسان والإيمان، ص21 ـ 22. ↑
- () التكامل الاجتماعي، 26 ـ 31. والإنسان والإيمان، ص 23. ↑
- () يُقارن الإنسان والإيمان، ص24. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية 23. ↑
- () نعتقد نحن ـ معشر الإمامية ـ إن إدارة أمورنا السياسية منوطة كإدارة أمورنا الشرعية بالإمام عليه السلام أو من يأذن له الإمام بإدارتها فيديرها نيابة عنه. وعليه تكون كل هذه المناصب مأخوذة بالغصب من صاحبها الأصلي وهو الإمام أو نائبه حيث لم يستلمها ذووها من أحدهما ومما ينقل في هذا المقام: أن سلطان إيران فتح علي شاه كان قد تنازل عن كرسيه الملوكي لشيخنا الأكبر جدنا الأعلى الشيخ جعفر صاحب كشف الغطا قدس سره لأنه علم أن هذا المنصب شرعاً للشيخ لا غير ـ وقد انحصرت به آنئذٍ الزعامة الجعفرية والنيابة الإمامية ـ فأجلسه الشيخ في مكانه، مقدراً له قيامه بذاك الواجب الديني الخطير، وأذن له في التصرّف وبإدارة الشؤون السياسية، بشروط أخذها عليه، كجعل مؤذن في كل فوج عسكري وإمام جماعة للعسكر. وجعل يوم خاص في الأسبوع لوعظهم وإرشادهم إلى آخر ما ذكره في باب الجهاد. (الجعفري). ↑
- () يعني بذلك على عهد محمد علي شاه القاجاري. ↑
- () سورة الرعد، الآية 11. ↑
- () سورة الشعراء، الآية 22. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية 47. ↑
- () سورة الأعراف، الآية 127. ↑
- () الحديث في مسند أحمد 3/80. ↑
- () الطريحي: مجمع البحرين 5/367. ↑
- () الخطبة القاصعة أطول خطب أمير المؤمنين عليه السلام على ما ذكره الشارحون لها وهي في عدة فصول في المواعظ والزواجر، والنهي عن التكبّر والتعصّب وأمثالهما من الرذائل التي كانت قد فشت بين شبان أهل الكوفة فوعظهم بهذه الخطبة وهو راكب على ناقة يصقع بجرتها (أي تملأ فاها عما في جوفها ثم ترده إلى جوفها) راجع الخطبة محققة ومفسّرة في مصادر نهج البلاغة وأسانيده (3/29 ـ 58) بيروت ط 3 (1985). ↑
- () وهي: اللهم اجعله الداعي إلى كتابك. والقائم بدينك. استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله. مكّن له دينه الذي ارتضيته له أبدله من بعد خوفه أمناً يعبدك ولا يشرك بك شيئاً. والآية المذكورة من سورة النور، الآية 55 وما بعدها. ↑
- () سورة التوبة، الآية 31. ↑
- () لوّح المؤلف لرواية علماء السوء تلويحاً غير أنه يحسن بنا إيرادها تتميماً للفائدة أولاً، ولصدقها على البعض من أولئك الذين نظر الإمام عليه السلام إليهم من قبل اثني عشر قرناً ثانياً، قال في الاحتجاج عن تفسير العسكري عليه السلام في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} الآية إنه قال رجل للصادق عليه السلام فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود والنصارى لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعون من علمائهم ولا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم…! وهل عوام اليهود كعوامنا يقلدون علماءهم..؟؟ فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة، أما من حيث استووا فإن الله ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم بتقليدهم علماءهم وأما من حيث افترقوا فلا.. قال بين لي يابن رسول الله قال: إن عوام اليهود قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح وبأكل الحرام والرشا وبتغيير الأحكام عن وجهها بالشفاعات والنسابات والمصانعات وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون الله في أديانهم وإنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم وظلموهم وعلموهم يتفارقون (يكتسبون) المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلا أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله فلذلك ذمهم لما قلّدوا من عرفوا ومن علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه ولا العمل بما يؤديه إليهم عما لا يشاهدونه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى أو أشهر من أن لا تظهر لهم وكذلك عوام أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم النسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكاليف على حطام الدنيا وحرامها وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً وفي الترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه وذلك لا يكن إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم وأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لتلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم ويضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم وآخرون إلى نار جهنم ومنهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون عند شيعتنا وينتقصون بنا عند أعدائنا ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوا أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي.! ↑
- () سورة طه، الآية 47. ↑
- () سورة آل عمران، الآية 187. ↑
- () سورة النمل، الآية 32. ↑
- () سورة طه، الآية 62. ↑
- () سورة القصص، الآية 4. ↑
- () سورة الشورى، الآية 38. ↑
- () سورة البقرة، الآية 101. ↑
- () حاصل هذه الشبهة التي ألقيت أن وكالة المنتدبين عن الأمة غير منطبقة على الوكالة الشرعية لأمور:1 ـ إن من شروط الوكالة أن يكون الموكل ذا حق في الأمر الذي يريد أن يوكل فيه مع أن عموم الأمة لا حق لها شرعاً في السلطنة لأن السلطنة حق إلهي يتعلّق بالمعصوم أو من كان منصوباً من قبله فلا دخل للعموم فيه أصلاً.
2 ـ الوكالة في الشرع عقد جائز وعليه فللموكل أن يعزل موكله في كل وقت شاء، وليست المسألة هنا كذلك إذ لا يعزل الوكيل إلا إذا انقضى دور وكالته.
3 ـ إن الوكالة الشرعية عبارة عن أن فعل الوكيل ممضي كفعل الأصيل لا إن الموكل الذي هو الأصل يكون مخلوعاً عن العمل بالمرة بعد أن يوكل وكيلاً وفيما نحن فيه لا حق للموكل أن يتداخل في أمر المجلس مع أنه أصيل.
4 ـ في الشريعة المطهرة كل بالغ عاقل يجوز أن يكون وكيلاً في كل أمر سواء كان رجلاً أو امرأة، شاباً أو شيخاً، وفيما نحن فيه ليس كذلك، فإن قانون التوكيل يقول: يجب على الموكل أن يكون رجلاً أولاً وأن لا يكون في سن أقل من الواحد والعشرين ولا أكثر من السبعين ثانياً.
وبالأخير أن هذه الوكالة إنما تنطبق على قانون الألمان أو الإنجليز لا غير ولا ربط لها بالقانون الإسلامي أصلاً… (الجعفري). ↑
- () سورة النساء، الآية 58 ـ 59. ↑
- () سورة التوبة، الآية 31. ↑
- () سورة القصص، الآية 4. ↑
- () سورة النحل، الآية 125. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية 2، 3. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية 62. ↑
- () سورة الحج، الآية 11. ↑
- () سورة الأنعام، الآية 65. ↑
- () سورة الدخان، الآية 12. ↑
- () يبدو أنها محرفة من كلمة (شرط) العربية بمعنى أن تكون الحكومة القائمة مشروطة أي مقيدة بشروط تجاه الشعب، ولعل الكلمة الفرنسية (Charte) وتعني (الميثاق أو العهد) هي الأخرى لفظة عربية الأصل. ↑
- () (Hamid Algar) باحث بريطاني مسلم وأستاذ بجامعة بيركلي (أمريكا) مؤلف كتاب (الدولة والدين في إيران){Religion and the State in Iran} وغير ذلك من الدراسات في الشؤون السياسية. ↑
- () سعد الأنصاري: الفقهاء حكّام على الملوك 183 ـ 184 بيروت 1988. ↑
- () شعراء الغري 4/301 ـ 302. ↑
- () مجلة العرفان، المجلد 43 ص1032 (سنة 1956م). ↑
- () أعيان الشيعة 6/54 بيروت 1986. ↑
- () آغا بزرك الطهراني: الذريعة 4/440 رقم 1960. ومن رغب في معرفة المزيد من تاريخ النائيني وأحواله فليراجع أعيان الشيعة 26/215 والطبعة الحديثة 6/54 ـ 57 أحسن الوديعة 2/996، ريحانة الأدب 4/162، طبقات أعلام الشيعة 2/996، مشهد الإمام 3/113، الذريعة (بالإضافة للإشارة السابقة) 6/149، 11/150، 14/183، 18/294. ↑
- () حامد الغار، دور العلماء المعارض في السياسة الإيرانية المعاصرة (إيران 1900 ـ 1980) ص180. ↑
- () فاضل رسول، هكذا تكلم على شريعتي ص17. ↑
- () عباس زنجاني، الثورة الإسلامية في إيران ص35. ↑
- () الغار: دور العلماء المعارض/184، إيران من الداخل: 65 ـ 68 (ط 2 ـ القاهرة 1988). ↑
- () ولد في النجف سنة 1325هـ/1907 وتوفي بها في أواخر السبعينات، نشر له في العراق ديوان شعره في جزأين، عرّب رباعيات الشاعر قدس نخعي وهو من أسرة آل كاشف الغطاء المعروفة في النجف، له ترجمة في شعراء الغري 4/296 ـ 350. ↑
- () ابن الأثير: المبارك بن محمد بن محمد بن عبدالكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات مجد الدين صاحب كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول (عشرة أجزاء)، ولد سنة 544هـ في الموصل، وهو غير علي بن محمد بن عبدالكريم الشيباني الجزري صاحب الكامل في التاريخ. ↑
- () كما أشار إلى هذا الموضوع العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص110) أيضاً. ↑
- () ذكر هذه الإجازة صاحب الذريعة (ج1، ص247، الرقم 1303) وقال: «إجازته (أي الشهيد الأول) للشيخ، زين الدين أبي الحسن علي بن أبي محمد الحسن بن شمس الدين محمد الخازن بالحائر الشريف مبسوطة (أولها: اللَّهم إنا نحمدك والحمد من نعمك) تاريخها 12/ رمضان 784هـ أوردها في الرياض عن خط الأمير محمد أمين الشريف عن خط المولى محمود بن محمد بن علي الجيلاني عن خط الشيخ بهاء الدين محمد بن علي الشهير بابن بهاء الدين العودي عن خط الشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي عن خط الشهيد طاب ثراه». ↑
- () ذكر هذا الكتاب آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج23، ص208، الرقم 8656) وقال: «(منية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد)، كتاب كبير للميرزا محمد الأخباري هو أبو أحمد، الميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع الأخباري النيسابوري المقتول سنة 1232هـ صاحب كتاب «معاول العقول»، رد على المجتهدين». ↑
- () الصحاح الست هي: أ ـ صحيح أبي داود السجستاني. ب ـ صحيح الترمذي محمد بن عيسى السلمي. جـ صحيح البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم. د ـ صحيح ابن ماجه محمد بن محمد القزويني. هـ صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري. و ـ صحيح النسائي أحمد بن شعيب. (انظر دائرة المعارف للأعلمي: ج2، ص175) وجميع هؤلاء من أبناء إيران الإسلامية (سجستان ـ ترمذ ـ بخارى ـ قزوين ـ نيسابور ـ فساء شيراز). ↑
- () وخاصة. ↑
- () جامع أسرار العلماء، ويسمى «جامع أحاديث الأقوال» تأليف الشيخ محمد قاسم بن محمد الشهير بابن الوندي والفقيه الكاظمي ثم النجفي» المتوفى رحمه الله بعد سنة 1100هـ، في ثلاثة مجلدات: (انظر التفضيل في الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج5، ص39 ـ 40، الرقم 166). ↑
- () انظر ما ذكره الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص371 ـ 372، الرقم 1498) حول كتاب الأنساب. ↑
- () للتوسع، انظر: الفضلي، عبدالهادي، تاريخ التشريع الإسلامي، ص237 ـ 332. ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، الجزء الأول، ص120. ↑
- () الأمين، محسن، أعيان الشيعة، المجلد التاسع، ص137. ↑
- () القزويني، جودت، الحركة الأخبارية وحقيقة الصراع الأصولي، مجلة الفكر الجديد، العدد الأول، ص208. ↑
- () الطباطبائي، عبدالعزيز، ترجمة الشيخ يوسف في مقدمة كتابه الحدائق الناضرة، الجزء الأول، ص (طـ، ي). ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، الجزء الثامن، ص204. ↑
- () الأمين، محسن، أعيان الشيعة، المجلد العاشر، ص317. ↑
- () المقصود هو العلامة البهبهاني بدليل أنه ذكره في موضع آخر من الكتاب نفسه (روضات الجنات) بقوله «سمينا العلامة المروج البهبهاني»، الجزء السابع، ص139. ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، الجزء الثامن، ص203. ↑
- () الطباطبائي، عبدالعزيز ترجمة الشيخ يوسف في مقدمة كتاب الحدائق الناضرة، الجزء الأول، ص(ز ج). ↑
- () البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة، مقتطفات من المقدمة الثانية عشرة الجزء الأول، ص167 ـ 170. ↑
- () انظر، القزويني، جودت، الحركة الأخبارية وحقيقة الصراع الأصولي، مجلة الفكر الجديد، العدد الأول، ص220. ↑
- () الفضلي، عبدالهادي، تاريخ التشريع الإسلامي، ص460. ↑
- () المصدر السابق، ص461. ↑
- () الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص98. ↑
- () الأنصاري، سعد، الفقهاء حكام على الملوك، ص45. ↑
- () الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص98. ↑
- () الفضلي، عبدالهادي، محاضرات في علم الحديث، المحاضرة 15، شريط فيديو (بتصرف). ↑
- () رياض العلماء، ج2، ص114. ↑
- () الأفندي، ج2، ص117. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، ج4، 47 ـ 97. ↑
- () نُقلَ النص في رياض العلماء، ج2، ص118. ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص163. ↑
- () المهاجر، الهجرة العاملية، ص146. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص343. ↑
- () الأفندي، رياض العلماء، ج2، ص120. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص341. ↑
- () عالم آراي عباسي، ص44. ↑
- () يُنظرُ النص في رياض العلماء، ج2، ص120. ↑
- () الأفندي، ج2، ص120. ↑
- () القراءة على الشيخ إحدى أنواع طرق إجازة الحديث، وتسمّى العرض؛ لأنَّ القارىء يعرض على الشيخ ما يقرأهُ من حفظه، أو من كتاب. وهي من طرق الرواية الصحيحة. أمَّا بقية طرق تحمل الحديث فهي: السماع من لفظ الشيخ، والإجازة، والمناولة، والكتابة والإعلام، والوجادة. ↑
- () الأفندي، ج2، ص118. ↑
- () أعيان الشيعة، ج6، ص59. ↑
- () الذريعة، ج1، ص186. ↑
- () أُقبر الشيخ حسين في البحرين. ويقع ضريحه اليوم على بُعد ستمائة متر من قرية المُصلّى. وبجانب قبره المسجد الذي كان قد أمَّ المُصلين جماعةً فيه أيام إقامته القصيرة في هذه المنطقة. ↑
- () الأفندي، ج2، ص121. ↑
- () نُقلَ أنَّ الشيخ حسين رأى مناماً مفاده أنَّ يوم القيامة قد قام، وجاء الأمر من الله أنْ تُرفع أرض البحرين بما فيها إلى الجنة. عندها آثر الجوار فيها، والموت في أرضها. (أعيان الشيعة، ج9، ص240). ↑
- () أعيان الشيعة، ج6، ص384. ↑
- () طُبعتْ بتحقيق شاكر شبع في قم سنة 1412هـ/ 1992م بعنوان «مناظرة الشيخ حسين بن عبدالصمد الجبعي العاملي مع أحد علماء العامَّة في حلب». ↑
- () رياض العلماء، ج2، ص117. ↑
- () النواقض لبنيان الروافض، الورقة 124. ↑
- () ذكر الطهراني أكثر من ثلاثين شرحاً على «الألفية» في (الذريعة، ج2، ص296). ↑
- () طُبعَ كتاب «وصول الأخيار» بتحقيق السيد عبداللطيف الكوهكمري في (قم، 1401هـ/ 1981م). ↑
- () طبع كتاب «الرعاية في علم الدراية» بطهران سنة 1310هـ/ 1893م، وعليه حواش للشيخ عبدالواحد العاملي، والميرزا محمد التنكابني. (الذريعة، ج3، ص58). كما طُبع بتحقيق الشيخ عبدالحسين محمد علي البقّال في (قم، 1408هـ/ 1989م). ↑
- () الأفندي، ج2، ص116. ↑
- () الحبر العاملي، أمل الآمل، ج1، ص74؛ والأمين، أعيان الشيعة، ج6، ص64. ↑
- () نُشرت بعنوان «رسالة الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي (والد البهائي) إلى أستاذه الشهيد الثاني»، مجلّة المنهاج، العدد (29)، ربيع 1424هـ/ 2003م، ص153 ـ 195، تحقيق: الدكتور يوسف طباجة. ↑
- () ابن العديم، كمال الدين: زبدة الحلب من تاريخ حلب، 1/142، طـ دمشق، 1951، ابن تغري بردي، جمال الدين: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، 3/335. ↑
- () ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد: تجارب الأمم، 6/20، طـ مصر، 1914. ↑
- () تجارب الأمم، 6/228. ↑
- () راجع ديوان أبي فراس الحمداني، ص25، طـ دمشق (المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية)، 1408هـ/ 1987م، حيث ذُكرت هذه القصيدة كاملة (26 بيتاً من المتقارب فعولن 4 مرات). ↑
- () ابن نباتة: ديوان خطب ابن نباتة، تح: الشيخ طاهر الجزائري/202 وما بعدها. يقول ابن نباتة في معرض استقباله لهذه القوات: «قد أوضح الله لكم أسباب السلامة من الأبعاد، وفتح لكم أبواب دار الكرامة بمفاتيح الجهاد، وأزاح عللكم بتظافر أخوانكم الأنجاد الذين أموا نصرتكم من أقطار البلاد، وأراكم من قدرته ما لم تؤملوه، وأظهركم من ألطافه الخفية ما لم تستأصلوه، أتاكم بالغوث شرقاً وغرباً، وأمدكم بجنوده، رجلاً وركباً، عصائب حفزتها إليكم غيرة الحمية وكتائب حثتها عليكم رحم الحنيفية، جعلوا مقدماتهم صدق نياتهم وساقاتهم طهارة طوياتهم». ↑
- () الكيالي، سامي: سيف الدولة وعصر الحمدانيين، 71، طـ مصر، لا.ت. ↑
- () الصولي، أبو بكر: أخبار الراضي بالله والمتقي بالله، 318، طـ مصر، لا.ت. ↑
- () كانار، ماريوس: نخب تاريخية وأدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة، 376، طـ الجزائر، 1934. ↑
- () الحنبلي، ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 3/350، طـ بيروت، لا.ت. ↑
- () الترمانين، عبدالسلام: أحداث التاريخ الإسلامي، 1/613، طـ دمشق، 1991. ↑
- () شذرات الذهب، 2/350، سيف الدولة وعصر الحمدانيين، 172. ↑
- () يعد ابن خالويه من اللغويين والنحاة الكبار. خلط في مجال النحو بين المذهبين الكوفي والبغدادي. وألّف في هذا المجال كتاب «الاشتقاق» وكتاب «الجمل» وفي مجال النحو صنف ابن خالويه كتباً عديدة، منها «أطر غش في اللغة»، «المقصور والممدود»، «المذكر والمؤنث»، «الألفات»، «كتاب في أسماء الأسد»، ذكر فيه خمسمائة اسم. (نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، 214، أعلام النبلاء في حلب الشهباء، 4/54، معجم الأدباء، 9/204). ↑
- () ابن خلكان، شمس الدين، وفيات الأعيان، 1/434، طـ مصر، 1948. ↑
- () الحموي، ياقوت: معجم الأدباء، 9/202. ↑
- () راجع رأي الدكتور حسن الحاج حسن في كتابه النقد الأدبي في آثار أعلامه، 224، طـ بيروت، 1996م. ↑
- () الشكعة، مصطفى: سيف الدولة الحمداني أو مملكة السيف ودولة الأقلام، 241، طـ بيروت، لا.ت. ↑
- () الثعالبي، أبو منصور عبدالملك: يتيمة الدهر في محاسن العصر، 1/15، طـ بيروت، 1973. ↑
- () الطباخ، محمد راغب: أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، 4/3، طـ حلب، 1923. ↑
- () ولد أبو الطيب عبدالواحد بن علي في عسكر مُكْرِم بالأهواز. ولذلك يعرف بالعسكري، تلقى علومه مع أبي هلال العسكري على أبي أحمد البلغوي العسكري خال أبي هلال، من مؤلفاته: كتاب «الإبدال» و«مراتب النحويين» و«الفرق» أو «الفروق» و«طبقات الشعراء» و«الأتباع». (تاريخ الأدب العربي لعمر فروخ، 2/456). ↑
- () الترمانيني، عبدالسلام: أحداث التاريخ الإسلامي، 1/675، طـ دمشق، 1991. ↑
- () اشتغل أبو علي الفارسي ببغداد واستجلبه أبو شجاع فناخسرو الملقب بعضد الدولة لبني أخيه خسرو يؤدبهم، ثم توجه إلى شيراز وتقدم عنده وعلت منزلته. من مؤلفاته: «التذكرة» و«المقصور والممدود» وكتاب «الحجة» وكتاب «الإغفال» فيما أغفله الزجاج من المعاني و«العوامل المئة» و«المسائل البغداديات والشيرازيات والقصريات والعسكرية والبصرية والمجلسيات» و«الإيضاح» و«التكملة في النحو». (وفيات الأعيان، 1/361، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، 79). ↑
- () الصدر، حسن: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، 79، طـ العراق، لا.ت. ↑
- () وفيات الأعيان، 1/361. ↑
- () المصدر السابق، 3/410. ↑
- () المصدر السابق، 1/361. ↑
- () الشكعة، مصطفى: فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين، 151، ط، بيروت، 1981. ↑
- () ضيف، شوقي: المدارس النحوية، 256، طـ مصر، 1968. ↑
- () يتيمة الدهر في محاسن العصر، 1/108. ↑
- () ولد أبو بكر محمد الخوارزمي سنة 323هـ في خوارزم، فلما شبّ بدأ يتطوف في البلاد، فأقام حيناً في الشام واتصل بسيف الدولة ثم غادر حلب إلى بخارى ونيسابور وسجستان وبعدها قصد الصاحب بن عباد في أرّجان والوزيرين العتبي والزمني.. توفي الخوارزمي في نيسابور في منتصف رمضان من سنة 382هـ في الأغلب. (عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي (بتصرف) 2/544). من مؤلفاته «رسائل الخوارزمي» وجُمع له ديوان شعر طُبع مؤخراً في طهران. ↑
- () يتيمة الدهر، 141. ↑
- () الخوارزمي، أبو بكر: رسائل الخوارزمي، 318، طـ بيروت، 1970م. ↑
- () صدقي، حامد: ديوان أبي بكر الخوارزمي، 125 طـ طهران، 1997. ↑
- () وفيات الأعيان، 2/468. ↑
- () سيف الدولة الحمداني للشكعة، 187. ↑
- () عاصي، حسن: أبو الفرج الأصفهاني، 30، طـ بيروت، 1993م. ↑
- () العزاوي، ج1، ص539؛ ج2، ص25، ص77. ↑
- () العزاوي، ج2، ص78. ↑
- () كان السلطان أويس بهادرخان، كثير البر، محباً للفقراء معتمداً بالعلماء والكبراء، دامتْ ولايته تسع عشرة سنة، وتوفي سنة 776هـ/ 1374م عن 37 عاماً، بعدما ورث ملك العراق وآذربيجان عن أبيه. (العزاوي، ج2، ص137 ـ 139). ↑
- () العزاوي، ج2، ص223. ↑
- () العزاوي، ج2، ص254. ↑
- () العزاوي، ج2، ص291. ↑
- () بعد وفاة تيمورلنك عام 807هـ/ 1404م تمكّن ولده الرابع شاه رُخ بعد حروب بين أولاده الأربعة المتنازعين على السلطة من السيطرة على الحكم، وبقي حتى سنة 850هـ/ 1446م.وقد حكم شاه رُخ خراسان، وأغلب مدن إيران وكان ذا ميول شيعية. وكانت زوجته كوهرشاه قد شيَّدتْ مسجداً فخماً قرب ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مدينة مشهد الإيرانية. وقد حكم آخر السلاطين التيموريين وهو السلطان حسين بن بايقرا من سنة 875هـ، حتى سنة 911هـ، (1470 ـ 1505م). ↑
- () العزاوي، ج3، ص21. ↑
- () أولاد قره يوسف هم:1 ـ پير بوداق ـ تُوفي في حياة أبيه. 2 ـ الأمير إسكندر: قاتلَ شاه رخ ابن تيمورلنك 27 رجب سنة 824هـ/ 28 تموز 1421م. 3 ـ ميرزا جهان شاه ـ مكث في بغداد، ثم مضى إلى تبريز، ثم عاد فحكم العراق في 14 ربيع الأول سنة 850هـ. قتل جهان شاه سنة 872هـ/1467م، وتولّى ابنه السلطان حسن علي (الذي قتل في شوَّال سنة 873هـ/ نيسان 1468م)، حكم بغداد، وانقرضت به دولة قره قوينلو من آذربيجان والعراقين. 4 ـ الأمير شاه محمد. 5 ـ الأمير آسبند، (مكث في بغداد). 6 ـ الأمير أبو سعيد، ذهب إلى جصَّان. ↑
- () العزاوي، ج3، ص84. ↑
- () لما وصل شاه رُخ إلى منطقة (الري) لحق به ميرزا جهان شاه بن قره يوسف، ومعه ابن أخيه ميرزا علي بن شاه محمد بن قره يوسف، والأمير بايزيد أوغلو، من كبار أمراء قره قوينلو، في منتصف ذي الحجة سنة 838هـ/12 تموز 1435م، فأكرمهم شاه رُخ، وبالغ في احترامهم. ↑
- () سورا: موضع من أرض بابل، قريبة من الحلّة. ↑
- () روضات الجنّات، ج7، ص171. ↑
- () للمقداد السيوري مؤلفات في علم الفقه، وأصوله، وعلم الكلام، والتفسير، منها:1 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية: رتَّبَ فيه أبواب الفقه والأصول لكتاب أستاذه الشهيد الأول (القواعد والفوائد) دون أنْ يضيف على أصل مادة الكتاب شيئاً إلاَّ في مسألة (القسمة). وقد طبع (نضد القواعد الفقهية) بتحقيق السيد عبداللطيف الكوهكمري، قم 1403هـ/ 1983م.
2 ـ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين فرغ منه سنة 792هـ/ 1390م، وهو شرح على كتاب (نهج المسترشدين في أصول الدين) للعلاَّمة الحلّي، وقد طبع في بومباي سنة 1303هـ/ 1886م.
3 ـ التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، طبع سنة 1404هـ/ 1984م في أربع مجلدات، بتحقيق السيد عبداللطيف الحسيني الكوهكمري.
4 ـ كنز العرفان في فقه القرآن، طبع في ثلاثة أجزاء عام 1384هـ/ 1965م.
5 ـ النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر (في علم الكلام)، أحد الكتب الدراسية المقرَّرة التي حظيت بالاهتمام منذ عصر مؤلفه حتى الآن. ↑
- () أعيان الشيعة، ج27، ص291. ↑
- () البابليات، ج2، ص122. ↑
- () البيتان من قصيدة للشاعر السيد حيدر الحلي يهني بها السيد مهدي في بعض المناسبات، وهي تقع في (38) بيتاً مثبتةً في (ديوان السيد حيدر، ج1، ص150). ↑
- () هكذا ورد في الأصل. ↑
- () السيد جواد الطباطبائي من العلماء ذوي النفوذ بمدينة بروجرد، وهو جدّ المجتهد السيد حسين البروجردي المتوفى سنة 1380هـ/ 1961م. توفي السيد جواد سنة 1242هـ/ 1827م. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () الشيخ موسى كاشف الغطاء، الملقّب «بالمصلح بين الدولتين» حيث توسّط في إطلاق سراح الأسرى العثمانيين المعتقلين لدى الإدارة القاجارية. وقيل إنَّه كان أحد الساعين في إبرام الصلح بين الدولتين الإيرانية والعثمانية سنة 1237هـ/ 1822م. ومن أعماله تجديد بناء سور النجف. تُوفي سنة 1241هـ/ 1826م، ودُفن بمقبرتهم مع أبيه، وعمره قارب الستين عاماً. ↑
- () الشيخ علي كاشف الغطاء. انتهت إليه الرئاسة العلمية بالنجف، تخرّج على يديه مئات العلماء، منهم: الشيخ مرتضى الأنصاري، والسيد مهدي القزويني (صهرُه على ابنته)، وغيرهما. وقد اشتهر بكتابه الخيارات. تُوفي سنة 1253هـ/ 1837م. ↑
- () تُوفي الشيخ حسن كاشف الغطاء سنة 1262هـ/ 1846م. وقد كتب عنه ولده الشيخ عباس ترجمة فصّل فيها أحواله، ومجريات حياته، وفتاواه سمّاها «نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري». ↑
- () الخِرّيت: الحاذق، أو الدليل. ↑
- () تُوفي السيد باقر القزويني سنة 1246هـ/ 1831م. ↑
- () السيد محمد تقي القزويني من كبار علماء إيران، له مؤلفات فقهية ومكانة مرموقة بين علماء عصره. تُوفي سنة 1270هـ/ 1856م. ↑
- () ذكر الطهراني هذه الإجازة بقوله: «إجازة السيد محمد تقي بن مير مؤمن بن مير محمد تقي بن مير رضا بن أبو القاسم الحسيني القزويني المتوفى سنة 1270هـ للعلاَّمة السيد مهدي القزويني النجفي الحلّي المتوفى سنة 1300هـ، وهي مبسوطة تأريخها سنة 1241هـ، (ذكرها سيدنا في التكملة). وقال شيخنا شيخ الشريعة إنَّها تقرب من (لؤلؤة البحرين). (الذريعة، ج1، ص163). ↑
- () لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين، طبعت بتحقيق العلاَّمة السيد محمد صادق بحر العلوم. ↑
- () في نسخة (ب): مُبسّط. ↑
- () من إضافات السيد باقر القزويني على النصّ. والصواب أنْ يقال: خمس عشرة مجلداً، لأنَّ مفردها (مجلدة)، وليس مجلّداً، كما هو الشائع عند الكتّاب المحدثين. ↑
- () في نسخة (ب): خرج. ↑
- () زيادة من السيد باقر على النصّ. ↑
- () زيادة غير موجودة بالأصل. ↑
- () البيتان من قصيدة طويلة للسيد حيدر الحلّي يرثي بها العلاّمة السيد محمد تقي الطباطبائي، ويعزّي السيد مهدي القزويني، طلعها:ماذا تريدين بالدنيا يدّ القدر
لقد ذهبتِ بسمع الدهر والبصر
وهي مثبة في (ديوان السيد حيدر الحلّي، ج2، ص109). ↑
- () وهي رسالته العملية طبعت سنة 1298هـ/ 1880م. ↑
- () نشرت بتحقيقنا سنة 1405هـ/ 1985م. ↑
- () في نسخة (ب): المكرّمة. ↑
- () غير موجودة في الأصل. ↑
- () زيادة عن الأصل. ↑
- () سمَّاها «البحر الزاخر في أصول الأوائل والأواخر». ↑
- () سمَّاها «نزهة الألباب في شرح حديث ابن طاب». ↑
- () في نسخة (ب): تُحمل على الثمانين. ↑
- () زيادة عن الأصل. ↑
- () من إضافات السيد باقر القزويني. ↑
- () توجد نسخة منه في مكتبة المتحف العراقي برقم (3366) من تعداد الكتب الخطيّة. وهو كتاب موسع في بيان العقائد، يقع في (650) صفحة. ↑
- () من إضافات السيد باقر القزويني. ↑
- () طبعت بتحقيقنا سنة 1392هـ/ 1972م. ↑
- () في نسخة (ب): الرد على فرق الإسلام الهاوية. ↑
- () طُبعت بتحقيقنا سنة 1393هـ/ 1973م. ↑
- () ما بين المعقوفتين من إضافات السيد باقر القزويني على الأصل. وقد طُبعت هذه الرسالة تحت عنوان «أنساب القبائل العراقية وغيرها»، مرّات عديدة، كانت الطبعة الأولى بتحقيق العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، والثانية بتحقيق البحّاثة الشيخ عبد المولى الطريحي. ↑
- () غيّر السيد باقر القزويني النصّ على هذه الشاكلة: «هذا ما وقفنا عليه من تصانيفه الموجودة المحفوظة، وأمَّا ما لم نقف عليه مما عُرض له التلف والاضمحلال لكونه تداولته أيدي المشتغلين للمطالعة والمراجعة، وقد حلَّ الفناء عليهم بسبب الطاعون المبين فتلفت في أيديهم أيدي سبأ، فمن ذلك:». ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () هذا البيت للشاعر الشيخ صالح الكواز من قصيدة يرثي بها الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1281هـ/ 1864م، ويعزّي بها السيد مهدي القزويني. ومن أبيات القصيدة:فلا تشمت الحساد في فقد ذاهب
فللّه فينا حجّةً غير ذاهب
أبو صالح (المهدي) واحد عصرنا
فأكرم به من واحد العصر (صاحب)
يهتّك أستار الغيوب بفكرة
إذا هي زجت أحضرت كلّ غائب
ينبؤنا بالمشكلات صريحةً
فيشكل فينا أمره بالعجائب
والقصيدة طويلة طبعت في (ديوان الكواز، ص85). ↑
- () هذه العبارة من إضافات السيد باقر على النصّ. وفي الأصل «فشمّر تشمير الأبي، وأقدمَ إقدام الكمي». ↑
- () في نخسة (ب): الله. ↑
- () الوجيف والأرقال: نوعان من سير الأبل، على غرار المشي السريع. ↑
- () سورة الحج، الآية: 27. ↑
- () العيس: الإبل. ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () السيد محمد سعيد الحبّوبي: شاعر الفقهاء، وفقيه الشعراء، تُوفي سنة 1333هـ/ 1915م. ↑
- () يُلاحظ أنَّ بعض الشعراء جمعوا في قصائدهم بين الرثاء والتهنئة؛ الرثاء بفقدان الأب، والتهنئة بعودة الابن، الذي كان يُرافق أباه في رحلته إلى بيت الله الحرام. ↑
- () وهي موجودة أيضاً على المجلد الثالث من كتابه المذكور من الشرح الموسّع، ولعلَّ السيد باقراً رآه مكتوباً على المجلد الأول من الشرح المختصر. ↑
- () إشارة إلى نقص العدد (1) من مادة التاريخ، فتكون ولادته عام (1222هـ). ↑
- () ترجم هذا المقال عن مجلة «ماهنامه دانش جويان» الفارسية، العدد 38. ↑
- () لعله يقصد ببحر فارس الخليج الفارسي الحالي، ويقصد بالخليج الفارسي في كتابه بحر عمان والخليج الفارسي معاً، إذ إن هذا الاسم كان يطلق يومئذٍ عليهما كليهما معاً. ↑
- () نقلاً عن كتاب «الخليج الفارسي عبر القرون والأمصار» ص 23. ↑
- () لمزيد من الاطلاع راجع كشف الغمة للأربلي، ج2، ص245 ـ 250. ↑
- () وهما صراع الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم على التنزيل لتكسير الأصنام وعبادة الرحمن، وقتال علي عليه السلام على التأويل لدفع الضلال والنهي عن الفحشاء والفساد بناء على ما قاله النبي الأعظم صلَّى الله عليه وآله وسلم: «أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعلي يقاتل على تأويله». فضائل الخمسة من الصحاح الستة للفيروزآبادي، ج2، ص391. ↑
- () كما قال الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم فيه: «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط». ينابيع المودة للقندوزي، ج1، ص162؛ كشف الغمة، ج2، ص222. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك للطبري، ج6، ص229؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج4، ص48. ↑
- () تاريخ الطبري، ج6، ص329. ومع اختلاف يسير: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، ج2، ص39؛ تحف العقول لابن شعبة الحراني، ص245؛ كشف الغمة، ج2، ص244؛ بحار الأنوار للمجلسي، ج44، ص192، 381؛ ناسخ التواريخ (6) ج2، ص166. ↑
- () بحار الأنوار، ج44، ص329 ـ 330؛ ناسخ التواريخ (6) ج2، ص9 ـ 10. ↑
- () معاني الأخبار للصدوق، ص289. ↑
- () انظر: سورة آل عمران، الآية: 61. ↑
- () راجع: سورة الأحزاب، الآية: 33. ↑
- () الإرشاد للمفيد، ص231. ↑
- () الكامل في التاريخ ج4، ص48 ـ 49. ومع اختلاف في الألفاظ وعدد الأبيات: الإرشاد، ص225، تاريخ الطبري، ج6، ص330؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص69؛ اعلام الورى بأعلام الهدى لأبي علي الطبرسي، ص230؛ بحار الأنوار، ج44، ص192؛ ناسخ التواريخ (6) ج2، ص161 ـ 162؛ أعيان الشيعة للأمين ج1، ص581، 597؛ البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، ج8، ص187. ↑
- () يمكن الرجوع إلى تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، ص240. ↑
- () مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصفهاني، ص113. واختلاف يسير: تاريخ الطبري، ج6، ص347؛ الكامل في التاريخ، ج4، ص58؛ الإرشاد، ص232؛ أعلام الورى، ص235 ـ 236؛ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص244؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص99؛ بحار الأنوار، ج45، ص2؛ البداية والنهاية، ج8، ص191؛ بحار الأنوار، ج45، ص2؛ البداية والنهاية، ج8، ص191؛ ينابيع المودة، ج2، ص164؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص169؛ أعيان الشيعة، ج1، ص601. ↑
- () تاريخ اليعقوبي، ج2، ص244. ↑
- () مقاتل الطالبيين، ص113. راجع تفصيل ذلك في تاريخ الطبري، ج6، ص347؛ الإرشاد ص232؛ الكامل في التاريخ، ج4، ص58 ـ 59؛ أعلام الورى، ص236؛ بحار الأنوار، ج45، ص2 ـ 3. ↑
- () الاحتجاج لأبي منصور الطبرسي، ج2، ص300. ومع اختلاف في بعض الكلمات وعدد الأبيات: بحار الأنوار، ج45، ص8 ـ 9، 83. وقد جاء نصّ الخطبة مختصراً في مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص110؛ كشف الغمة، ج2، ص231؛ أعيان الشيعة، ج1، ص603. ↑
- () راجع: السيرة النبوية لابن هشام، ج4، ص169. ↑
- () كشف الغمة، ج2، ص238 ـ 239. ومع اختلاف في الألفاظ وعدد الأبيات: احتجاج الطبرسي، ج2، ص301؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص79 ـ 80؛ ينابيع المودة، ج2، ص172 ـ 173؛ بحار الأنوار، ج45، ص48؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص368 ـ 372. ↑
- () ينابيع المودة، ج2، ص172. ↑
- () مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص80. ومع اختلاف في عدد الأبيات والألفاظ: احتجاج الطبرسي، ج2، ص301 ـ 302؛ كشف الغمة، ج2، ص231؛ ينابيع المودة، ج2، ص169؛ بحار الأنوار، ج45، ص49؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص365 ـ 366. ↑
- () مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص110. ومع اختلاف أو زيادة: كشف الغمة، ج2، ص244؛ بحار الأنوار، ج44، ص192، وج45، ص50؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص373؛ أعيان الشيعة،/1، ص581، 608. ↑
- () أعيان الشيعة، ج1، ص581. ↑
- () مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص68؛ بحار الأنوار، ج44، ص192. وقد أشار أبو نصر بن نباتة إلى مضمون الحديث قائلاً:والحسين الذي رأى الموت في العزّ
حياة والعيش في الذل قتلا
(أعيان الشيعة 585) ↑
- () بحار الأنوار، ج45، ص49؛ أعيان الشيعة، ج1، ص608. ومع اختلاف يسير في ترتيب المصاريع؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص110؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص373. ↑
- () بحار الأنوار، ج45، ص50. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، ج22، ص240. ↑
- () Momen, p.98. ↑
- () الشيبي، ج2، ص150. ↑
- () لاحظ بعض الدارسين أنه بالرغم من صعوبة التمييز بين الشيعة (الغُلاة)، والاثنا عشرية، والنزعات الموالية للتشيع ضمن المنظومة السُنية فإنه من الواضح أنَّ حوادث كبيرة حدثت بين الشعوب في الجهة الغربية من إيران، والجهة الشمالية في العراق، والجهة الشرقية في الأناضول، والشمالية السورية، والتي كانت جميعها قد تسرّب إليها الفكر الشيعي الإسماعيلي. فقد ظهر العلويون (النصيرية) في شمال سوريا، كما ظهر أهل الحق في غرب إيران، واستطاع البكتاشيون أنْ يتكيَّفوا مع الدولة العثمانية كطريقة من الطرق الصوفية. (Momen p.98). ↑
- () الشيبي، ج2، ص223. ↑
- () الأمين، دائرة المعارف الشيعية (الصفويون)، ص218. ↑
- () الشيبي، ج2، ص295. ↑
- () شيباني، نظام الدين مجير، تشكيل شاهنشاهي صفويه، (طهران، 1966م)، ص56. ↑
- () تشكيل شاهنشاهي صفويه، ص65. ↑
- () تزوج الشيخ جُنيد أخت الشيخ أوزون حسن (857 ـ 883هـ/ 1453 ـ 1478م) حاكم ديار بكر السُني، وزعيم أسرة (آق قوينلو). ↑
- () القبائل القزلباشية السبعة المُعاضدة للصفويين هي قبيلة: إستاجلو، شاملو، بنكالو (روملو)، بهارلو (توكلوا)، ذو القدر، القاجار، الأفشار. حول هذه القبائل يُراجع: تشكيل دولت، ص93. ↑
- () ولد إسماعيل في 25 رجب 892هـ/ 17 تموز 1487م، وتوفي في تبريز 19 رجب 930هـ/ 23 أيار 1524م، ودفن بمقبرة جدّه صفي الدين بأردبيل، عن عمر 38 عاماً. ↑
- () العمدة 1/28. ↑
- () خزانة الأدب 1/206. ↑
- () العمدة 1/29. ↑
- () الأغاني 5/30 عراق: مضلة لا نهاية لها ولا غاية. ↑
- () السيرة النبوية 1/467. ↑
- () السيرة 2/11 ـ 12. ↑
- () المصدر السابق 2/166. ↑
- () السيرة 2/197 ـ 198. ↑
- () مروج الذهب 2/373. ↑
- () مروج الذهب 2/376. ↑
- () مروج الذهب 2/393. ↑
- () نفس المصدر 2/366. ↑
- () نفس المصدر 2/416. ↑
- () نفس المصدر 2/417. ↑
- () نفس المصدر 2/418. ↑
- () نفس المصدر 2/420. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () تاريخ الآداب العربية، ص98 ـ 99. ↑
- () أدب العرب، ص252 عن نالينو المصدر السابق. ↑
- () وينسبون إلى علي القصيدة الزينبية في الحكم والمواعظ والتي من نظم صالح ابن عبد القدوس المقتول أيام المهدي سنة 167هـ. ↑
- () انظر الاستيعاب 1/341. ↑
- () معجم الأدباء 5/263. ↑
- () العقد الفريد 5/283. ↑
- () انظر تفصيل ذلك في كتابنا (شعر المخضرمين). ↑
- () العقد الفريد 5/287. ↑
- () الأخبار الطوال ص146 ـ 147 وفي كتاب وقعة صفين، ص86 ـ 87 زيادة وخلاف. المحزئل: المرتفع المتلئب: المطرد المستقيم من قولهم اتلأب الأمر أي استقام. ↑
- () الطبري 3/477 طـ الاستقامة وفي مروج الذهب 2/371 منسوبة لعمار بن ياسر قالها قبل معركة الجمل. وفيها رواية أخرى، ينظر الكامل 3/80 جاءت بستة أبيات. ↑
- () الطبري 3/482 و2/3121 طـ أوروبا. ↑
- () المصدر السابق والصفحة والكامل 3/83. ↑
- () مروج الذهب 2/378 ـ 379. وعنسكر: هو جمل عائشة. ↑
- () مروج الذهب 2/373. ↑
- () المصدر السابق 2/373 ـ 374. قيل رماه بسهم حين هم بالرجوع. ↑
- () نفس المصدر 2/374 يقال أن علياً قال: (هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته له) ينظر 3/99. ↑
- () الأخبار الطوال، ص144 ـ 145 طـ حنفي. ↑
- () الطبري 2/3258طـ أوروبا و3/562طـ الاستقامة وانظر الكامل 3/111. السدم: المغتاط المحنق. ابيروا: هلكوا. ↑
- () الأخبار الطوال، ص151 ووقعة صفين ـ نصر بن مزاحم، ص63. ↑
- () الأخبار الطوال، ص151 ـ 152 ووقعة صفين، ص65 ـ 66 وفيه خلاف عما هنا. ↑
- () وقعة صفين، ص253 ـ 254 والكامل 3/117. ↑
- () الأخبار الطوال، ص168. ووقعة صفين، ص256. ↑
- () وقعة صفين 257. بجل: حسب. قمل: أي نفخ يريد هنا تضخمت بطنه بعد الموت. انجعل: انقلب وسقط. ↑
- () مروج الذهب 2/393 ووقعة صفين، ص337. ↑
- () مروج الذهب 2/392. ↑
- () المصدر السابق 2/400. ↑
- () نفس المصدر 2/405. ↑
- () نفس المصدر 2/418. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () مروج الذهب 2/428 وانظر الكامل 3/157. وفي شذرات الذهب ـ لابن العماد 1/51 ورد الشعر في مخاطبة الخوارج مع خلاف في بعض الأبيات:ألا قل للخوارج أجمعينا
فلا قرت عيون الشامتينا ↑
- () ينظر في مروج الذهب 2/426 ـ 428 شعر عمران بن حطان ونقيضه ظاهر بن عبدالله الشافعي. ↑
- () قال الإمام علي عليه السلام: «الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان». شرح نهج البلاغة. ج19، ص51. ↑
- () قال الإمام الصادق عليه السلام: «… حتى جاء محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة…» أصول الكافي، ج2، ص17، ح2. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () من كلام الإمام رحمه الله في 15/6/62هـ.ش. ↑
- () من كلام الإمام رحمه الله في 10/10/57هـ.ش. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () الوصية الإلهية ـ السياسية للإمام رحمه الله. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 98. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 178. ↑
- () سورة النساء، الآية: 78. ↑
- () سورة المنافقون، الآية: 7. ↑
- () كنز العمال، الحديث 28، ص689. ↑
- () بداية المجتهد، ج1، ص2. ↑
- () نهج البلاغة، الخطبة 110. ↑
- () المصدر نفسه، الحكمة رقم 10. ↑
- () الإمام الخميني رحمه الله، كتاب البيع، ج2، ص276، 282، 286. ↑
- () اصطلاحات رسالة. انظر رساله نوين، ج1. ↑
- () المكاسب المحرمة، رساله نوين، ج3، ص21، 211. ↑
- () الإمام الخميني رحمه الله، رسائل إمام خميني رحمه الله ج2، ص94. ↑
- () المكاسب المحرمة، ج1، ص198، 245. ↑
- () من كلام للإمام الخميني رحمه الله في 10/10/1357هـ.ش. ↑
- () من كلام للإمام الخميني رحمه الله في 10/8/1367هـ.ش. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () رساله نوين، ج4، ص85. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () المصدر نفسه، ج21، ص88. ↑
- () المصدر نفسه، ج21، ص61. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () أعيان الشيعة، ج2، ص114. ↑
- () الأفندي، ج2، ص71. ↑
- () الأفندي، ص73. ↑
- () روضات الجنَّات، ج2، ص322. ↑
- () الأفندي، ج2، ص74. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص323. ↑
- () روضات الجنات، ج2، ص323. ↑
- () نقل النصّ الأفندي في رياض العلماء، ج2، ص72. ↑
- () الأفندي، ج2، ص66. ↑
- () ذكر الأفندي ج2، ص76 أنَّ كتاب «دفع المناواة» كتبه للسلطان شاه طهماسب الصفوي، أو السلطان شاه عباس الماضي الصفوي، يظهر ذلك من ديباجة الكتاب. والأمر ـ كما يقول الأفندي ـ سهل، إذ إنَّ أمثال هذه التغييرات في خطب الكتب، وديباجتها شائعة! ↑
- () الأفندي، ج2، ص68. ↑
- () الأفندي، ص68. ↑
- () ذكر الأفندي ج2، ص69: «العلماء في غيبته لا يسلّمون له هذه الدعوى، وإنْ كان لم يقدر أحد من فحول العلماء على التكلم في ذلك بحضرته، ولا على مباحثته». ↑
- () كان السلطان طهماسب قد خصّ السيد علاء المرعشي بالمصاحبة أكثر من غيره من العلماء، وكان مشاركاً مع الخواجة أفضل الدين محمد تركة المعروف بأفضل التركة الإصفهاني المتوفى سنة 991هـ، في قضاء العسكر. (الأفندي، ج3، ص314). ↑
- () طبقات أعلام الشيعة، ج4، ص142. ↑
- () زندكاني شاه إسماعيل صفوي، ص39، مستدركات أعيان الشيعة، ج8، ص39. ↑
- () عالم آراي عباسي، ج1، ص19. ↑
- () زندكاني شاه إسماعيل؛ مستدركات أعيان الشيعة، ج8، ص39. ↑
- () العزاوي، ج3، ص201. ↑
- () العزاوي، ج3، ص256. ↑
- () العزاوي، ج3، ص260. ↑
- () كان السيد حيدر ابن عمّة السلطان يعقوب، لأنَّ حسن بيك كان قد زوّج السيد جنيد الصفوي (والد الشيخ حيدر) بأخته فولدت له السيد حيدر. (العزاوي، ج3، ص272). وقد وردت في بعض المصادر المناوئة للصفويين أنَّ السلطان يعقوب لما يتميّز به من رأفة ورحمة لم يكن قاسياً في استئصال شأفة أولاد السيد حيدر، وكان الأولى أنْ يقتلهم، ولا يبقي أحداً منهم، لكنَّ المقدّر كائن، وسوف تظهر للوجود دولة يصفو بها العيش، ويدوم لها الحكم. (العزاوي، ج3، ص271، نقلاً عن منتخب التواريخ، وحبيب السير). ↑
- () قُتل رستم بيك سنة 902هـ/ 1497م على يد السلطان أحمد بن أوغلو بن السلطان حسن الطويل. وكان قد لجأ إلى بلاد الروم، مملكة العثمانيين، هرباً من عمّه يعقوب بعد مقتل أبيه، فحلَّ لاجئاً في حمى السلطان بايزيد خان العثماني، وصاهره السلطان، وزوَّجه ابنته.وقد تولّى السلطان أحمد باد شاه الحكم، وقُتل سنة 903هـ/ 1498م على يد الأمراء بعد ستة شهور من حكمه. وقد تولّى الحكم بعده محمد بن يوسف بن حسن الطويل (903 ـ 905هـ/ 1498 ـ 1500م)، وبعد مقتله تولّى السلطة مراد بك بن يعقوب. (العزاوي، ج3، ص298، 300، 313). ↑
- () قُتل مراد بيد القزلباشية في ديار بكر، وكان عمره 25 سنة، وقد حكم تسع سنوات. ↑
- () الأسترآبادي، حسين، من الشيخ صفي إلى الشاه صفي، مستدركات أعيان الشيعة، ج2، ص59. ↑
- () العزاوي، ج3، ص316. ↑
- () زندكاني شاه إسماعيل، مستدركات أعيان الشيعة، ج8، ص45. ↑
- () الكشفية: هم أتباع السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي الگيلاني الحائري (1212 ـ 1259ق) عالم الفرقة «الشيخية» المعروف المشهور بالكشفي، كان تلميذاً ونائباً للشيخ زين الدين أحمد الإحسائي. [مشكور، محمد جواد، فرهنگ فرق إسلامي، بنياد پژوهشهاى مشهد، 1372 ش]. ↑
- () يصطلح القدماء على البيت ما اشتمل على خمسين حرفاً وهو ما يساوي سطراً [هامش تفسير القرآن الكريم ـ سيد عبدالله شبّر، ص34]. ↑
- () حسن بن علي الطوسي، رجال الكشي، طبع دانشگاه مشهد، 1348هـ،ش، منشورات مركز تحقيقات ومطالعات دانشگاه الهيات، ص136 ـ 343. ↑
- () محمد بن الحسن الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412هـ، ج10، ص465. ↑
- () البغدادي، خزانة الأدب، الطبعة الثانية، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، ج1، ص70. ↑
- () وسائل الشيعة، جزء 14، ص594. ↑
- () نفس المصدر، ج12، ص132. ↑
- () الدكتور محمود البستاني، تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، منشورات، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1410هـ، ق، ص392 و393. ↑
- () محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج49، ص236. ↑
- () حسن الأمين، دائرة المعارف الإسلامية، الجزء الأول، الطبعة الرابعة، منشورات دار التعارف للمطبوعات، ص37. ↑
- () ترجم هذا المقال من الفارسية. ↑
- () القرآن الكريم تفسير البيضاوي، القاضي البيضاوي، ج2، 1303، في غير موضع، ج1، ص79. ↑
- () نهج البلاغة، السيد الرضي، ترجمة فيض الإسلام وشرحه، طهران، قصار الحكم، ش60. ↑
- () الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، طـ3 بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. 1391 ـ 1971، ج10، ص10. ↑
- () . الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، قم، إيران، 1403، ج1، ص 362. ↑
- () تفسير الميزان، ج8، ص134. ↑
- () كشف الارتياب، ص193 و198. ↑
- () الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص186. ↑
- () مطهري، مرتضى، العدل الإلهي، طهران، 1349، ص190. ↑
- () رسالة أربع القواعد، محمد بن عبدالوهاب، ص25. كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبدالوهاب، السيد محسن الأمين، بيروت 1411 ـ 1991، ص194. ↑
- () أمل الآمل، ج1 ص104. ↑
- () أيضاً، ص105. ↑
- () رياض العلماء، ج5، ص189. ↑
- () تكملة أمل الآمل، ص365. ↑
- () غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج2، ص265. ↑
- () مقدمة المختاري على كتاب غاية المراد، ص84. ↑
- () تكملة أمل الآمل، ص367. ↑
- () الصدر، تكملة أمل الآمل، ص365. ↑
- () المستدرك، ج3، ص459. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج107، ص177. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص4. ↑
- () خطط جبل عامل، ص80. ↑
- () ذكر إجازته التي حرَّرها للشهيد سنة 758هـ/ 1357م المجلسي في (بحار الأنوار، ج107، ص183). ↑
- () البحار، ج107، ص200. ↑
- () بحار الأنوار، ج107، ص191. ↑
- () ذكر الشهيد في إجازته المؤرخة 770هـ لتلميذه الشيخ شمس الدين محمد بن تاج الدين عبدالعلي ابن نجدة الكركي (ت: 808هـ/ 1405م) أنَّ من مشايخه الذين يروي عنهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الحسن الحنفي النحوي (المُلقّب بملك النُحاة) فقيه الصخرة الشريفة ببيت المقدس، (بحار الأنوار، ج107، ص193). ↑
- () أمَّا مصنفات العامة ومروياتهم فأني أرويها عن نحو من أربعين شيخاً من علمائهم بمكة والمدينة، ودار السلام (بغداد)، ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم عليه السلام. (بحار الأنوار، ج107، ص190). ↑
- () التاريخ الصحيح يصادف يوم الأحد (وليس الاثنين) الموافق 13 تشرين الأول 1343م. ↑
- () الدرر الكامنة، ج2، ص119. ↑
- () البداية والنهاية (حوادث سنة 755هـ). ↑
- () الدرر الكامنة ج3، ص109، ص168. ↑
- () القلقشندي، صبح الأعشى، ج13 (القاهرة، 1928م)، ص13 ـ 20. ↑
- () الهجرة العاملية، ص75. ↑
- () الصدر، المحنة، (قم، 1982م)، ص42. ↑
- () الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، ج2، ص79. ↑
- () Madelung, W., Authority in Twelver Shi’isim in the Absence of the Imam, p.186. ↑
- () شذرات الذهب، ج6، ص284. ↑
- () يقول الأمير صالح بن يحيى: «لما تحركت الشيعة ببيروت وأظهروا القيام بالسُنَّة، ومعهم مرسوم سلطاني، وكانوا في الباطن قائمين بمذهب أهل الشيعة، جرت في بيروت بذلك حركة ردّية»، (تاريخ بيروت، ص195). مما يؤكد على أنَّ النشاط الشيعي الذي يتزعمه الشهيد كان مجازاً من قبل المماليك أنفسهم. ↑
- () الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج1، ص23. ↑
- () الأفندي، ج5، ص189. ↑
- () البحراني ص146. ↑
- () الهجرة العاملية، ص70. ↑
- () الصلة بين التصوف والتشيع، ج2، ص141. ↑
- () يُراجع نص الإجازة في روضات الجنَّات، ج7، ص8 ـ 9. ↑
- () قسَّم المماليك بلاد الشام إلى ست ممالك؛ (مملكة دمشق، مملكة حلب، مملكة طرابلس، مملكة حماة، مملكة صفد، مملكة الكرك)، وكان على رأس كل واحدة من هذه الممالك (نائب سلطنة) يُعيّن من قبل السلطان في القاهرة. أمَّا التنظيم العسكري والإداري فكان لكلّ مملكة من هذه الممالك عسكرها، ودواوينها الخاصة، وكانت القرارات السياسية التي تصدر في القاهرة يُطبقها نوّاب الممالك في بلاد الشام كلٌّ في مملكته. (صليبي، ص129). ↑
- () تولّى الأمير بيدمر ولاية دمشق للمرّة الخامسة أو السادسة، وهذه هي آخر مرَّة يتنعم فيها بالحكم قبل مقتله على يد برقوق عام 788هـ/ 1386م. وقيل توفي مسجوناً سنة 789هـ/ 1387م. (ابن حجر، الدرر الكامنة، ج1، ص513). ↑
- () كان الشيعة في هذه الفترة منتشرين في جزّين، وأرنون، وصور، كما كانوا منتشرين في المنطقة الممتدة بين جبيل، وبيروت.. أمَّا مدينة بعلبك فكانت هي الأخرى مدينة شيعية. كما ذكرت المنقولات أن النصيرية كانوا قد انتشروا في منطقة الشمال (اللاذقية)، وامتدوا إلى المناطق القريبة من طرطوس، وكانت طرابلس مزيجاً منهم، ومن السُنَّة أيضاً. ↑
- () ذكر الآصفي أنَّ الشهيد اتصل بالبلاط المملوكي وأقنعه بضرورة محاربة اليالوش، فجهَّزت حكومة دمشق جيشاً، واصطدموا بمعسكر اليالوش بمقربة من النبطية الفوقا، فَقُتلَ اليالوش، (مقدمة الآصفي على كتاب اللمعة الدمشقية، ص137)، ظنّاً منه أنَّ الحادثة كانت قد وقعت في فترة المماليك الأتراك (البحرية). إلاَّ أنَّ النصوص الواردة تؤكد على أنَّ المعركة وقعت زمن تولي برقوق السلطة. كما لا يوجد نصّ تأريخي يُشير إلى ذلك. ↑
- () خطط جبل عامل، ص242. ↑
- () المهاجر، ص72. ↑
- () أورد الخوانساري نقلاً عما أسماه (عن بعض الحواشي المعتبرة على شرح اللمعة)، ما يلي: عند بلوغ الكلام في باب المحرمات من المكاسب إلى قول المصنف (رحمه الله): «وتعلّم السحر»، ثم إتباعه من الشارح المرحوم بقوله: ولا بأس بتعلّمه ليتوقّى به، أو يدفع سحر المتنبّىء به ما صورته كما دفع المصنف (قُدِّس سرُّهُ) نبوة محمد اليالوش (الجالوشي) لمّا ادعى النبوة في جبل عاملة، وبلغ أمره ما بلغ، فقتله المصنف (قُدِّس سرُّهُ) في سلطنة برقوق بعد إبطال سحره.وفيه من الدلالة على عظم قدر الرجل، وجلالة شأنه، ونفاذ كلماته الصادرة في تلك المملكة ما لا يخفى. مضافاً إلى دلالة كثرة حاسديه ومعانديه، واشتهار رأيه المنير بين العرب والعجم، وأهل المشرق والمغرب من العالم. (الخوانساري، ج7، ص4). ↑
- () الأمين، خطط، ص242. ↑
- () يقول الأمين: إنَّ قرية برج يالوش هي الآن من القرى الخربة، وفيها برج لا يزال قسم منه مائلاً، وإليها ينتسب الشيخ محمد اليالوش. وتبعد ميلاً عن منطقة الزريرية أو الزرارية. (خطط جبل عامل، ص242). ↑
- () الخوانساري، ج7، ص12. ↑
- () ذكر الأمين أنَّ هؤلاء الشيعة حملتهم الشقاوة لبعض الأغراض الدنيوية التي باعوا بها دينهم، وإنَّ قول المقداد السيوري: «إنهم ارتدّوا» استبعاد منه لأنْ يكونوا باقين على عقيدتهم، ويفعلوا هذا مع مثل الشهيد، ولكن لا استبعاد في ذلك، (خطط جبل عامل، ص242). ↑
- () ذكر الدكتور علي نقي المنزوي في تعليقته على كتاب والده أغا بزرك الطهراني (طبقات أعلام الشيعة) أنَّ فشل الشهيد في خططه إنَّما نتج عن أنه كان يحارب في جبهتين (ويقصد بهما الجبهة الداخلية المتمثلة بالانقسامات الشيعية والجبهة الخارجية المتمثلة بالسلطة السياسية). فقد كتب ردوداً على بعض الشيعة المتطرفين من الأكراد أمثال الشيخ محمد اليالوشي. وكان التفرق والاختلاف هو سبب الفشل في كثير من محاولات الشيعة في التاريخ. فنراهم يحارب بعضهم الآخر على خلاف في عدد الأئمة، أو على المقدار الواجب من (التقيّة) والتأويل، أو في معنى العصمة، أو معنى روحانية المعاد، مع اتفاقهم في أصل هذه الآراء الفلسفية الباطنية في قبال الظاهريين المتزمتين. (الطهراني ج3، ص207. والنص لولده الدكتور علي نقي المنزوي).إلاَّ أنَّ المُلاحظ في صراع الشهيد مع خصومه أصحاب المذهب الواحد أنه كان صراعاً سياسياً بحتاً، اتخذ من السلطة المملوكية الجديدة مبرراً للنزاع المسلح. ↑
- () شذرات الذهب ج6، ص284. وذكرهُ ابن حجر في ج2، ص181 باسم محمد بن مكي العراقي، وكرَّر القول أنه قتل على الرفض، ومذهب النصيرية. كما ذكر ذلك أيضاً ابن العماد عبدالحي بن أحمد بن محمد الحنبلي الدمشقي في (شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب، ج8، ص505 دمشق، 1992م). وتكررت العبارات نفسها في النجوم الزاهرة، ج11، ص303، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ج3، ص245. ↑
- () العسقلاني، ابن حجر، إنباء الغمر بأبناء العمر، ج1 (بيروت، 1986م)، ص311. ↑
- () تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص130. ↑
- () الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ج2، ص141. ↑
- () النجوم الزاهرة، ج11، ص262. ↑
- () يُراجع: نصر الله، تاريخ بعلبك، ج1، (بيروت، 1984م)، ص199. ↑
- () بقي التنوخيون آل بحتر الدروز في الغرب على ولائهم للسلطان الظاهر برقوق. أمّا المماليك التركمان في كسروان المعروفون باسم أولاد الأعمى فكانوا من الفئات المعارضة. وعند قيام الثورة على برقوق سنة 791هـ/ 1389م، واعتقاله استغلَّ زعيم التركمان الأمر وغار على منطقة الغرب وبيروت، وأحدث فيهما بعض القتل والنهب.وعندما عاد برقوق إلى السلطة حاصر دمشق، وردَّ مؤيدوه من بني الحنش بقيادة زعيمهم علاء الدين بن الحنش التركمان الكسروانيين، وقتلوا زعيمهم علي بن الأعمى، ولم يعد لآل عساف التركمان (أولاد الأعمى) أي ذكر بعد هذه الواقعة حتى آخر عهد المماليك. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص12 ـ 13. ↑
- () تكملة دُرَّة الأسلاك، لطاهر بن حسن المعروف بابن حبيب، (من مخطوطات مكتبة المرعشي النجفي 2/6280). نقل النص المختاري في مقدمته على كتاب (غاية المراد في شرح نكت الإرشاد). ↑
- () ابن الجزري، محمد بن محمد، غاية النهاية في طبقات القرّاء ج2 (القاهرة، 1935م) باعتناء ج. برجشتراسر، ص265. ↑
- () تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص134. ↑
- () كتب ولد الشيخ الشهيد: «استشهد والدي الإمام العلاَّمة، كاتب الخط الشريف، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مكي بن محمد بن حامد شهيداً، حريقاً بعده بالنار يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ست وثمانين وسبعمائة، وكلّ ذلك فُعل برحبة قلعة دمشق». (مستدرك الوسائل، ج3، ص438، والذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج1، ص247).وقد ورد في كتاب (نظام الأقوال في معرفة الرجال) لنظام الدين محمد بن الحسين الساوجي، (المُتوفى بعد وفاة الشاه عباس الصفوي بقليل سنة 1038هـ) نزيل الري، وتلميذ الشيخ البهائي، إلى أنَّ يوم وفاته كان التاسع من جمادى الأولى. (الذريعة، ج24، ص191، والنوري، مستدرك وسائل الشيعة، ج3، ص247). ↑
- () تاريخ ابن شهبة، ج3، ص134. ↑
- () ذكر القاضي نور الله المرعشي هذا النصّ: «قُتل حضرة الشيخ ضُحى يوم الخميس التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة 786هـ في ميدان القلعة بدمشق المجاور لسوق الخيل، ثم صُلب، وأُنزل جثمانه عصراً، وأُحرق» (التستري، مجالس المؤمنين، ج1، ص579).كما ذكر الأمين النصّ نفسه نقلاً عن بعض المخطوطات، قال: رأيتُ في آخر نسخة مخطوطة في كتاب (البيان) للشهيد: «قُتل المُصنّف بدمشق في رحبة القلعة مما يلي سوق الخيل ضحى يوم الخميس 19 جمادى الأولى سنة 786هـ، وصُلب، وبقي معلّقاً هناك إلى قرب العصر، ثم أُنزل وأُحْرق»، (أعيان الشيعة، ج1، ص60). ↑
- () روضات الجنّات، ج7، ص12. ↑
- () الآصفي، ص142. ↑
- () ولد ابن جماعة في مصر منتصف ربيع الآخر سنة 725هـ/ 31 آذار 1325م، وتوفي والده سنة 739هـ/ 1338م، وقد نشأ بدمشق، وسكن القدس، وولى قضاء الديار المصرية مرّات عديدة. ونقل أنَّه صنَّفَ تفسيراً في عشر مجلّدات.ونقل ابن طولون في أحواله أنَّ بعض فقهاء البلد يعيبه بأنه قليل العلم، فأحضر ابن جماعة بعض مَنْ قال ذلك، ونكَّل به، ثم أوقع بآخرين، فهابه الناس. (قضاة دمشق، ص113). وتُوفي في 18 شعبان سنة 790هـ/ 21 آب 1388م، وهو على منصبه في القضاء بدمشق، (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج1، ص314، وابن طولون، قضاة دمشق، ص113). ↑
- () ابن طولون، ص112 ـ 115. ↑
- () بحار الأنوار، ج107، ص190. ↑
- () دخل برهان الدين ابن جماعة دمشق قاضياً في مستهل محرم سنة 786هـ/ 24 شباط 1384م، قادماً من مصر، وخرج نائب الشام لتلقيه إلى قُرب خان العقبة، وهو شيء لم يُعهد في تلك الأزمان.وكانت صبيحة ليلة مطيرة، والأرض كثيرة الوحل والماء من كثرة المطر. وكان قد وُلّي في الرابع عشر من شهر ذي القعدة سنة 785هـ بعد موت ولي الدين ابن أبي البقاء، ثم لبس الخلعة. (إنباء الغمر، ج2، ص155؛ النجوم الزاهرة، ج11، ص314؛ تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص130). ↑
- () يقول المختاري: الظاهر أنَّه هو الذي شارك في محاكمة الشهيد، وإراقة دمه، (مقدمة رضا المختاري على كتاب غاية المراد في شرح نُكت الإرشاد، ص221). ↑
- () التستري، مجالس المؤمنين، ج2، ص2؛ الأفندي، رياض العلماء، ج5، ص189. ↑
- () جرى يوماً بين ابن جماعة والشهيد كلام في بعض المسائل، وكانا متقابلين وبين يدي الشهيد دواة يكتبُ بمدادها، وكان ابن جماعة كبير الجثّة جدّاً بخلاف الشهيد فإنَّه كان صغير البدن في الغاية.فقال ابن جماعة (في ضمن المُناظرة تحقيراً لجثّة الشيخ الشهيد): إني أجد حسّاً من وراء الدواة، ولا أفهمُ ما يكون معناه!
فأجابه الشيخ من غير تأمل قائلاً: نعم، ابنُ الواحد لا يكون أعظم من هذا.
فخجل ابن الجماعة من هذه المقالة كثيراً، وامتلأ منه غيظاً، وحقداً، إلى أنْ فعل به ما فعل. (الخوانساري، ج7، ص14).
وقد ذكر الخوانساري أنَّ هذه الواقعة كانت قد وقعت بين القاضي عبدالرحمن بن أحمد المعروف بالعضد الإيجي (ت: 756هـ/ 1355م)، وبين أحد علماء الشيعة، وهو بادشاه اليزدي البيابانكي. ↑
- () ورد عنه أنَّه كان عفيفاً له عناية بالعلم مع قصور فهم، ونقص عقل. (ابن طولون، ص249). ↑
- () ولد سنة 746هـ/ 1345م، وولّي قضاء العسكر مدة، ثم ناب في الحكم، فاستقلَّ سنة 785هـ/ 1383م، وتُوفي سنة 803هـ/ 1401م، (قضاة دمشق، ص203). ↑
- () ابن طولون، ص286 ↑
- () . وفي هذه الولاية عصى بيدمر، واستولى على القلعة، (ابن طولون، إعلام الورى، ص25). ↑
- () بلاد الشام تشمل بلاد سوريا، لبنان، فلسطين، شرقي الأردن، وقسماً من بلاد تركيا. ↑
- () كانت أطول فترة تمتعت بها بلاد الشام هي فترة حكم الناصر بن قلاوون (709 ـ 742هـ/ 1309 ـ 1341م) الذي جعل الحكم بعده وراثياً حتى سقوط المماليك الأتراك عام 784هـ/ 1382م. ↑
- () ذكر ابن طولون ما يلي: وقع في بلاد حلب عام 775هـ/ 1373م غلاء زائد حتى أكلت الكلاب والميتة، وحضر إلى دمشق من بلاد الشمال خلقٌ كثيرون، وغلا الخبز أيضاً بدمشق حتى وصل الرطل إلى درهمين ونصف، وبيدمر بدمشق قد أهمل مصالح المسلمين، مشغول بأخذ أموالهم. (إعلام الورى، ص27). ↑
- () ابن طولون، إعلام الورى، ص27. ↑
- () برقوق (738 ـ 801هـ/ 1338 ـ 1398م)، الملك الظاهر سيف الدين العثماني اليلبغاوي. أول مَنْ ولّيَ عرش مصر من المماليك البرجية (الشراكسة) عام 784هـ/ 1382م، وانقادت إليه مصر والشام، توفي سنة 801هـ/ 1399م. وقد استمرت دولة الشراكسة منذ عهده إلى سنة 922هـ/ 1516م. ↑
- () تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص131. ↑
- () ابن طولون، إعلام الورى، ص25 ـ 30. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص20. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص20. ↑
- () أورد القصيدة كاملة الخوانساري في روضات الجنات، ج7، ص20، والأمين في أعيان الشيعة، ج10، ص61. وذكر الخوانساري أنَّ الشهيد كان قد ضمّن فيها أبياتاً للسيد أحمد الحافي الشافعي. وقوام القصيدة عشرون بيتاً. ↑
- () ذكرَ الشهيد الثاني (شارح اللُمعة الدمشقية) أنَّ الصلة بين الشهيد الأول، وعلي بن المؤيد كانت صلة قديمة تمتدُّ جذورها إلى أيام دراسة الشهيد في العراق. أي قبل أنْ يتولّى ابن المؤيد السلطة في بلاد خراسان (الروضة البهية، ج1، ص23). فقد ترك الشهيد مدينة الحلّة عام 758هـ/ 1357م، أمَّا علي بن المؤيد فتولَّى السلطة عام 766هـ/ 1365م، وقد انتهى حكمه سنة 783هـ/ 1381م، وتُوفيَ سنة 795هـ/ 1393م، وقيل 788هـ/ 1386م. ↑
- () نُقل كذلك أنَّ السلطان ابن المؤيد أرسل إلى الشهيد نسخة خطّية معتبرة من القرآن الكريم، عُرفت «بهدية ابن المؤيد».وفي وثيقة مخطوطة عَثرَ عليها الشيخ محمد رضا شمس الدين (ت: 1377هـ/ 1958م) أنَّ نسخة هذا القرآن كانت قد وصلت إلى السيدة فاطمة بنت الشهيد في 3 رمضان 823هـ/12 أيلول 1420م. (شمس الدين، حياة الإمام الشهيد الأول، ص8).
ورد في الرسالة المنسوبة إلى ابن المؤيد حثّ للشهيد للسفر إلى خراسان، ومما جاء فيها:
»إنَّ شيعة خراسان (صانها الله تعالى من الحدثان)، متعطشون إلى زلال وصاله، والاغتراف من بحار فضله وإفضاله، وأفاضل هذه الديار قد مزَّقت شملهم أيدي الأدوار، وفرّقَ جُلّهم بل كلهم صنوف صروف الليل والنهار، وقال أمير المؤمنين عليه سلام رب العالمين: «ثلمة الدين موت العلماء». وإنّا لا نجد فينا مَنْ يوثق بعلمه في فتياه، أو يهتدي الناس برشده في هداه.
ونحن نخاف غضب الله على هذه البلاد لفقدان المرشد، وعدم الإرشاد، والمفضول من إنعامه وكرمه أنّ يتفضل علينا، ويتوجه إلينا، متوكلاً على الله القديم، غير متعلل بنوع من المعاذير، فأنا، بحمد الله، نعرف قدره، ونستعظم أمره». ↑
- () السربداريون سلالة من قادة الشيعة حكمت منطقة خراسان لما يقرب من السبعين عاماً. وقد نشأت دولتهم عقب وفاة السلطان المغولي أبي سعيد سنة 736هـ/ 1236م، وانهارت أمام غزوات تيمورلنك.كان مركز حكمهم مدينة سبزوار، وأول أمرائهم هو عبدالرزاق بن شهاب الدين فضل الله باشتيني العلوي (نسبة إلى قرية في ناحية بيهق)، الذي استطاع أنْ ينال الحظوة لدى السلطان أبي سعيد بعدما ولاَّه الإشراف على جباية ضرائب مدينة كرمان.
وبعد وفاة أبي سعيد حارب عبدالرزاق الوزير علاء الدين محمد فريمدي (الذي كان حاكماً في المنطقة)، وتغلّب عليه، ثم استولى عام 738هـ/ 1237م على مدينة سبزوار. قتل عبدالرزاق على يد أخيه وجيه الدين مسعود في شهر صفر، أو ذي الحجة سنة 738هـ/ آب، أو حزيران 1338م. وقد لُقب وجيه الدين مسعود بالسلطان، وكان شيعيّاً غيوراً، استمال إليه الدرويش حسن جوري، وتوسَّعا معاً في الحملات العسكرية على مدينة نيسابور.
وقد ذُكر أنَّ لقب (سربدار) يعني الفدائي. وحاول بعض الكتّاب أنْ يُقلّل من أهميتهم السياسية فجعلهم بمصاف الشطّار (اللصوص) ـ كما يطلق عليهم في العراق ـ. أو (الصقورة) ـ كما يُطلقُ عليهم في بلاد المغرب ـ. (الشيبي، ج2، ص126). ↑
- () الصلة، ج2، ص140. ↑
- () الهجرة العاملية، ص70. ↑
- () الأمين، الشهيد الأول، (بيروت، 1998م). ↑
- () الروضة البهية، ج1، ص23. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الشيعية، (السربداريون). ↑
- () النوري المستدرك، ج3 ص439، والطهراني، الطبقات، ج4، ص24. ولا يزال الكتاب في عداد الكتب الخطية غير المطبوعة. أمَّا كتاب الدروس فقد طُبع في طهران سنة 1269هـ/1853م، وأُعيدتْ طباعته في قم سنة 1400هـ/ 1980م. وهو شرح لكتاب (إرشاد الأذهان) للعلاَّمة الحلّي. ↑
- () الذريعة، ج4، ص511، ج13، ص168. وقد نقَّح هذا الشرح وهذّبه الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي (ت: سنة 984هـ/ 1576م)، وطبع بطهران سنة 1308هـ/ 1891م. (الذريعة، ج4، ص513). ↑
- () (غاية المراد في شرح نُكت الإرشاد) فرغ منه سنة 757هـ/ 1356م بالحلّة، وقد طُبع في تبريز أولاً سنة 1271هـ/ 1855م، ثم في طهران سنة 1302هـ/ 1885م. كما طُبع بتحقيق لجنة متخصصة بإشراف رضا المختاري في قم سنة 1414هـ/ 1993م، ومعه حاشية الإرشاد للشهيد الثاني أيضاً، مع مقدمة إضافية. وحول قيمة كتاب (غاية المراد) والتفاصيل الواردة حوله يُراجع ما كتبه المختاري، ص261 ـ 292.وللشهيد الثاني شرحٌ لكتاب (إرشاد الأذهان) اسمه (روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان). ↑
- () (الرسالة الألفية) في فقه الصلاة، من أوائل مؤلفاته. طُبعتْ في طهران سنة 1308هـ/ 1891م، وفي قم سنة 1408هـ/ 1989م، بتحقيق الشيخ علي الفاضل القائيني، ومعها (الرسالة النفلية) للشهيد الأول أيضاً المتضمنة على ذكر ثلاثة آلاف نافلة تتعلق بالصلاة. وقد شرحها الشهيد الثاني أيضاً برسالة عنوانها (الفوائد الملّية لشرح الرسالة النفلية) المطبوعة بطهران سنة 1314هـ/ 1896م باهتمام الشيخ أحمد الشيرازي.كما شرح الشهيد الثاني الرسالة (الألفية) بكتاب أسماه «المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية»، طبع بطهران سنة 1314هـ/ 1896م، باهتمام الشيخ أحمد الشيرازي. ↑
- () المسائل المقداديات، وهي (27) مسألة فقهية مختلفة سألها تلميذ الشهيد المقداد السيوري الحلّي (ت: 826هـ/ 1423م)، ويُعبَّرُ عنها (أجوبة مسائل الفاضل المقداد)، طبعت بتحقيق الشيخ عباس الحسّون في عشرين صفحة (مجلة تراثنا ـ العددان (7، 8)، 1407هـ/ 1988م. ↑
- () طبع كتاب (القواعد) في إيران سنة 1308هـ/ 1891م، وعليه حواش للشيخ البهائي، وحواش أخرى للشيخ محمد الحرفوشي، وحاشية للسيد محمد الطهراني. كما طبع على الحجر عام 1308هـ/1891م أيضاً. وقد اختصره الشيخ إبراهيم الكفعمي (الذريعة ج1، ص357). وطبع أولاً في سنة 1270هـ/ 1854م. (الذريعة ج17، ص193). ونشره الدكتور السيد عبدالهادي الحكيم (المقتول عام 1984 بالعراق) محقّقاً في جزأين. ↑
- () ذكر الطهراني أنَّ المقداد السيوري فرغ من تأليفه في 6 محرم سنة 808هـ، وذكر ما وقف عليه من نسخه المخطوطة. الذريعة، ج24، ص187. وقد طبع الكتاب سنة 1983م بتحقيق عبداللطيف الكوه كمري. ↑
- () الذريعة ج17، ص194. ↑
- () طبع بإيران سنة 1272هـ/ 1856م. (الذريعة ج4، ص433). ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص183. ↑
- () الأفندي، ج5، ص190. ↑
- () الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج1، ص23. ↑
- () رياض العلماء، ج5، ص190. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص11. ↑
- () شمس الدين، محمد رضا، حياة الإمام الشهيد الأول، (النجف، 1957م) ص73. ↑
- () طبع عام 1976م في عشر مجلدات، بتحقيق السيد محمد كلانتر. ↑
- () ذكر الشيخ محمد تقي الفقيه أنَّ الفقهاء قبل الشهيد كانوا يخصُّون بعض المباحث الفقهية كمبحث الخيارات، وموانع الإرث بعدد مخصوص من المسائل، فزاد الشهيد في هذين المجالين مسائل أخرى. كما كان الفقهاء قبله يعنونون بعض المباحث بعنوان قد لا ينطبق على المُعَنْون كما في مبحث «خيار ما يفسده ليومه» فنبّه أنّه إذا فسد فلا مجال للخيار، وعنونه بمبحث «خيار ما يفسدهُ المبيت». (جبل عامل في التاريخ، ص110).وامتازت (اللمعة الدمشقية) أيضاً بتهذيب العبارات وتخلّيها عن السجع، والمُحسنات البديعيّة التي كانت شائعة في كتابات تلك المرحلة، مضافاً إلى الدقة في تحديد المصطلحات الفقهية، واختصار الجمل الطويلة بعبارات قويّة أخاذة. إنَّ جميع هذه الميزات جعلت (اللمعة الدمشقية) محتفظة بطابعها الرسمي في معاهد الفقه الإمامي. (مقدمة الآصفي على اللمعة الدمشقية)، ص102. ↑
- () المستدرك، ج3، ص437. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص4. ↑
- () أعيان الشيعة، ج10، ص59. ↑
- () المختاري، المقدمة، ص97. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص147. ↑
- () قصص العلماء، ص361. ↑
- () خطط الشام، ج2، ص199. ↑
- () الأفندي، ج2، ص368. ↑
- () الطبقات، ج4، ص90. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص144. ↑
- () نُشرتْ في الدر المنثور للعاملي، ج2، ص149 ـ 198. وقد ذكر الشهيد الثاني في الترجمة التي كتبها عن حياته أسماء مشايخ فقهاء المذاهب الأربعة الذين درس عليهم في مصر مع تفصيل الكتب التي قرأها عليهم، قال: أول اجتماعي بالشيخ شمس الدين ابن طولون الدمشقي الحنفي، قرأتُ عليه جملة من الصحيحين، وأجازني روايتهما.ومنهم: الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي قرأتُ عليه منهاج النووي في الفقه، وأكثر مختصر الأصول لابن الحاجب، وشرح العضدي مع مطالعة حواشيه، منها السعدية والشريفية، وسمعتُ عليه كتباً كثيرة في الفنون العربية والعقلية وغيرهما، فمنها: شرح التلخيص، والمختصر في المعاني والبيان لملا سعد الدين.
ومنها: شرح تصريف العربي، ومنها: شرح الشيخ المذكور لورقات إمام الحرمين الجويني في أصول الفقه. ومنها: أذكار النووي، وبعض شرح جمع الجوامع المحلّى في أصول الفقه، وتوضيح ابن هشام في النحو، وغير ذلك. وأجازني إجازة عامة بما يجوز له روايته سنة 943هـ/ 1536م.
ومنهم: الملاَّ حسين الجرجاني، قرأنا عليه جملة من شرح التجريد للملاّ علي القوشجي مع حاشية ملاَّ جلال الدين الدواني، وشرح أشكال التأسيس في الهندسة لقاضي زاده الرومي، وشرح الجغميني في الهيئة له. ↑
- () عبَّر زين الدين عن سفره إلى عاصمة الخلافة العثمانية بقوله: «برزت إليَّ الأوامر الإلهية، والإشارات الربانية بالسفر إلى جهة الروم والاجتماع بمن فيها من أهل الفضائل والعلوم، والمتعلق بسلطان الوقت والزمان، السلطان سليمان بن عثمان، وكان ذلك على خلاف مقتضى الطبع، ومساق الفهم. لكن ما قُدِّر لا تصل إليه الفكرة الكليلة، والمعرفة القليلة من أسرار الحقائق وأحوال العواقب». ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص162، الخوانساري، ج3، ص355. ↑
- () وصف الشهيد الثاني هذه المرحلة بقوله: «أقمنا ببعلبك، ودرَّسنا فيها مدَّةً في المذاهب الخمسة، وصاحبنا أهلها على اختلاف آرائهم أحسن صحبة، وعاشرناهم أحسن عشرة. وكانت أياماً ميمونة، وأوقاتاً بهجة ما رأى أصحابُنا في الأعصار مثلها». ↑
- () العزاوي، ج4، ص53، ومحمد فريد بك، ص247. ↑
- () فريد بك، ص248. ↑
- () محمد فريد بك، ص246. ↑
- () طُبع في مجلدين بمدينة قم سنة 1398هـ/1978م. ↑
- () الطهراني، الذريعة، ج11، ص291. ↑
- () بحار الأنوار، ج108، ص137. ↑
- () بحار الأنوار، ج18، ص139. ↑
- () روضات الجنَّات، ج3، ص359. ↑
- () عقد ابن العودي تلميذ الشهيد الثاني في رسالته «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد» فصلاً، وهو الفصل العاشر من كتابه، لم يبق منه إلاَّ عنوانه، وهو «في اضطراب الأخبار في تحقيق الأحوال بعد أخذه من الحجاز إلى الروم، وما انتهى إليه الحال حتى صار من المعلوم». (الدر المنثور، ج2، ص153). ↑
- () بحار الأنوار، ج108، ص143، الذريعة، ج1، ص193. ↑
- () الخوانساري، ج3، ص382. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص90. ↑
- () بحار الأنوار، ج109، ص79. ↑
- () الكواكب السائرة، ج2، ص161. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص34. ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص189. ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص190. ↑
- () الطهراني، الطبقات، ج4، ص242. ↑
- () أحسن التواريخ، ص406، إسكندر بيك تركمان، عالم آراي عباسي، (حوادث سنة 965هـ). ↑
- () ذكر حسن بيك روملو ما يلي: «قال جماعة من أهل السُنَّة لرستم باشا، الوزير الأعظم، إنَّ الشيخ زين الدين يدَّعي الاجتهاد، ويتردد إليه الكثير من علماء الشيعة يقرأون عليه كتب الإمامية، وغرضهم إشاعة الرفض، الذي هو بعينه الكفر المحض. فأرسل رستم باشا الوزير لطلب الشيخ زين الدين، وكان بمكة المكرمة، فقُبضَ عليه، وجيء به إلى إسلامبول، فقُتلَ دون أنْ يعرض على السلطان سليمان» (أحسن التواريخ، ص520). ↑
- () النواقض لبنيان الروافض، الورقة 91 ـ (نسخة مخطوطة). ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص189 ـ 200. ↑
- () نقد الرجال، (طهران، 1318هـ/ 1900م)، ص145. ↑
- () نصُّ عبارة الأردبيلي: «قُتلَ لأجل التشيّع في قسطنطينية في سنة ست وستين وتسعمائة». وكتاب الأردبيلي «جامع الرواة» هو تكملة لكتاب تلخيص المقال للميرزا محمد الأسترآبادي. (جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد، ج1، طهران، 1331هـ/ 1913م، ص346). ↑
- () فهرست نسخ خطي كتابخانة آستانة مقدسة قم، ص122. وتُراجع: مقدمة رضا المختاري على منية المريد، ص15. ↑
- () روملو، أحسن التواريخ، ص520. ↑
- () عدَّ السيد محسن الأمين (14) تلميذاً من تلامذة الشهيد الثاني في أعيان الشيعة، ج7، ص154. ↑
- () يقول ابن العودي: «أمَّا رغبته في الشروح المزج فإنَّه لما رآها للعامة، وليس لأصحابنا منها، حملته الحمية على ذلك، ومع ذلك فهي في نفسها شيء حسن»، (الدر المنثور، ج2، ص157). ↑
- () الذريعة، ج11، ص291. وقد اعتقد السيد محسن الأمين أنَّ كتاب الروضة البهية هو آخر تآليف الشهيد الثاني، وقد فاته أنَّه كتب عدَّة مؤلفات بعد سنة 957هـ/ 1550م، وهي سنة تأليفه للكتاب. (أعيان الشيعة، ج7، ص155). ↑
- () رسالة في صلاة الجمعة، طُبعتْ في مدينة قم، 1410هـ/ 1990م. ↑
- () الذريعة، ج1، ص378. ↑
- () الذريعة، ج11، ص275. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص155. ↑
- () الذريعة، ج5، ص278. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص155. ↑
- () طبع كتاب مسكن الفؤاد، في قم، 1407هـ/ 1987م، وكان المؤلف قد اختصره بكتاب أسماه «مبرّد الأكباد مختصر مسكن الفؤاد»، كما ذكر ذلك حفيدُهُ في (الدر المنثور ج2، ص189). وترجمه إلى الفارسية إسماعيل خان، وطبع سنة 1321هـ/1903م بعنوان «تسليه العباد في ترجمة مسكّن الفؤاد». (الذريعة، ج4، ص179). انتهى الشهيد الثاني من تأليفه كتاب «مسكّن الفؤاد» نهار الجمعة غرَّة رجب (الصواب 2 رجب) سنة 954هـ/ 19 آب 1547م. ↑
- () تُلاحظ دراسة الدكتور عبدالأمير شمس الدين، وتحقيقه للنصّ: زين الدين ابن أحمد في «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد»، موسوعة الفكر التربوي العربي الإسلامي، (بيروت، 1983م). ↑
- () ورد هذا التاريخ في نسخة مخطوطة من الكتاب نسخها نصر الله بن فضل الله الهمداني سنة 1259هـ، وقفتُ عليها عند بعض الباعة للمخطوطات بلندن. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، (دمشق، 1972م)، ص8. ↑
- () الشهيد الثاني، الدراية، (طهران، 1404هـ/1984م)، ص9. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص145. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص89. ↑
- () عوالي اللئالي، ج1، ص10. ↑
- () نُقل أنَّه قال: «أكثرَ المتأخرون التأليف، وفي مؤلفاتهم سقطات كثيرة، وقد أدَّى ذلك إلى قتل جماعة منهم». (أمل الآمل، ج1، ص89). ↑
- () يقول الأمين: «أخطأ مَنْ ظنَّ المفسدة في ذلك فإنه ضمَّ ما وجده نافعاً من طريقتهم ـ مما لو يتوسع فيه الإمامية ـ إلى طريقة الإمامية كالدراية، والشروح المزجية، وتمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع الأحكام الشرعية». (أعيان الشيعة، ج7، ص145). ↑
- () بحار الأنوار، ج107، ص190. ↑
- () سورة الحج، الآية: 40. ↑
- () المدرسة القرآنية، ص205. ↑
- () المصدر السابق، ص205. ↑
- () المصدر السابق، ص206 ـ 207. ↑
- () المصدر السابق، ص257 ـ 208. ↑
- () المصدر السابق، ص211. ↑
- () المصدر السابق، ص212 ـ 217. ↑
- () المصدر السابق، ص226. ↑
- () المصدر السابق، ص227 ـ 228. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 31. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 127. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 49. ↑
- () سورة القصص، الآية: 5. ↑
- () سورة النساء، الآية: 123. ↑
- () الصحيفة السجاديّة هي مجموعة أدعية وأذكار كان يدعو بها الإمام السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويُعبر عنها بـ«أخت القرآن» و«إنجيل أهل البيت» و«زبور آل محمد» وللشيعة الإمامية اهتمام كبير بقراءتها وروايتها. وعليها شروح كثيرة جداً. ↑
- () هو الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي، استشهد رحمه الله سنة 966هـ. ↑
- () انظر الذريعة، ج23، ص253، بعد الرقم 8858، وج25، ص51، الرقم 265. ↑
- () وهو غير الشاعر المتنبي المعروف (أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي الكوفي الكندي ـ أبي الطيّب). ↑
- () انظر ترجمة البيضاوي في المجلد الأول (رجال علوم القرآن) من هذا المؤلف. ↑
- () مكتبة آية الله شهاب الدين التبريزي المرعشي المعروف بآقا نجفى، وهي اليوم مكتبة عظيمة جداً تحتوي على آلاف المجلدات في مختلف العلوم. ↑
- () وقد ذكر الأستاذ خان بابا مشار في كتابه «الكتب العربية المطبوعة» ص679. إن الشرح الصغير قد نشر في طهران سنة 1270هـ.ق. في 172 صفحة. ↑
- () طبع كتاب المخلاة في مصر سنة 1317هـ.ق. بالحروف الرصاصية، وبالحجم الوزيري الكبير، في 328 صفحة. وطبع على هامشه كتاب أسرار البلاغة. ↑
- () كان يقول أولاً بالوعيد (يعني: عدم جواز عفو الله سبحانه وتعالى عن الكبائر عقلاً من غير توبة) كما عليه جماعة الوعيدية مثل أبي القاسم البخلي وأتباعه. ↑
- () وأورد هذا الحديث صاحب روضات الجنّات (ج6، ص217) نقلاً عن خلاصة الأقوال، ص148. ↑
- () لو قابلنا هذا الشطر مع جدول حساب الجمل مع الأرقام لحصل لنا تاريخ وفاة صاحب الترجمة رحمه الله تعالى. ↑
- () راجع (ج2، ص129) من كتاب الذريعة: مكتبة ساپور التي أُسست للشيعة بكرخ بغداد. ↑
- () وله شرح آخر كتبه قبل معاهد التنبيه (من أوّله إلى شكوك الركعات) منه مخطوطة في مكتبة السيد حسن صدر الدين. ↑
- () وللسيد نعمة الجزائري شرح آخر في 8 مجلدات واسمه «غاية المرام». ↑
- () وهي إجازة الشيخ أحمد بن محمد الموصلي للسيد الأجل فخر الدين الرضي علي بن أحمد بن هاشم العلوي الحسيني كتبها له في 17/ جمادي الأولى سنة 668هـ. (انظر الذريعة، ج1، ص142، الرقم 673). ↑
ابن بابويه القمي
المعروف بالشيخ الصدوق (ت: 381هـ)
هو الشيخ العلم الأمين، عماد الملّة والدين، ورئيس المحدثين، أبو جعفر الثاني، محمد بن الشيخ المعتمد الفقيه النبيه أبي الحسن علي بن الحسن بن موسى بن بابويه القمي المشتهر بالشيخ «الصدوق» أصله من مدينة «قم» ببلاد فارس إيران.
عالم فقيه ومحدث كبير من علماء الشيعة الكبار في القرن الرابع الهجري، لم يُرَ في القميّين مثله، وهو أحد الأربعة المشهورين بجمع أخبار الشيعة، نزل في الري بعد أن اشتهر وارتفع شأنه في خراسان. وقيل فيه: «سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن» (انظر أعيان الشيعة، ج46، ص153). ورحل من خراسان إلى بغداد سنة 355هـ/966م، ودرس فيها فتخرّج عليه عدد من العلماء.
قال بروكلمن في تاريخ الأدب العربي: «أشهر مؤلفي الإمامية في المائة الرابعة للهجرة أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، الصدوق، وكان أبوه شيخ الشيعة في قُم، قدم بغداد وصحب ركن الدولة بن بابويه الذي استعان بتعاليمه في الإمامة على تدبير سياسته».
وقال الشيخ عباس القمي في الكُنى والألقاب: «شيخ الحفظة، ووجه الطائفة المستحفظة، رئيس المحدثين والصدوق فيما يرويه عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام، وُلد بدعاء مولانا صاحب الأمر عليه السلام، ونال بذلك عظيم الفضل والفخر، فعمت بركته الأنام، وبقيت آثاره ومصنفاته مدى الأيام… قال ابن إدريس في حقّه: إنّه كان ثقة جليل القدر، بصيراً بالأخبار، ناقداً للآثار، عالماً بالرجال، وهو أستاذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان.
وقال العلاّمة في ترجمته: «شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، ورد بغداد سنة 355هـ وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، كان جليلاً، حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم ير في القميّين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف ذكرنا أكثرها في كتابنا الكبير».
وقال العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات: «أمره في العلم والعدالة، والفهم والجلالة، والثقة وحسن الحالة، وكثرة التصنيف، وجودة التأليف، وغير ذلك من صفات البارعين، وسمات الجامعين، أوضح من أن يحتاج إلى بيان، أو يفتقر إلى تقرير القلم في مثل هذا المكان.
قال في حقّه سمينا العلاّمة المجلسي رحمه الله فيما نقل عن بعض تحقيقاته: وثّقه ابن طاووس رحمهما الله صريحاً في كتاب النجوم، بل وثّقه جميع الأصحاب، لما حكموا بصحة جميع أخبار كتابه، يعني صحّة جميع ما قد صحّ عنه من غير تأمل، بل هو ركن من أركان الدين، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء.
وكان أخوه الحسين بن بابويه ثقة أيضاً، وخلف ولداناً كثيرة من أصحاب الحديث.
أقول: وقد مرّ في ترجمة أبيه علي بن بابويه المشهور أنّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام كتب إليه في جواب ما سأل عنه، ستُرزق وَلَدَين خَيِّرَين، وفيه أيضاً من الدلالة على غاية جلالة الرجلين ما لا يخفى، ولنعم ما أفاده الشهيد الثاني رحمه الله في مثل هذا المقام، من شرح درايته، من أن مشايخ الإجازات لا يحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم، لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وورعهم.
ومن المنقول عن شيخنا العلاّمة الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي الأوالي البحراني أنّه قال في بعض حواشيه على كتابه «البلغة»، كان بعض مشايخنا يتوقف في وثاقة شيخنا الصدوق عطّر الله مرقده، وهو غريب، مع أنه رئيس المحدثين المعبّر عنه في عبارات الأصحاب بالصدوق، وهو المولود بالدعوة الموصوف في التوقيع المبارك بالمحدث الثقة، وصرح العلاّمة في «المختلف» بتعديله وتوثيقه، وقبله السيد ابن طاووس في كتاب «فلاح السائل» وغيره (يعني به كتاب «كشف المحجة») و«كتاب الإقبال» وكتابه «الغياث»، ولم أقف على أحد من الأصحاب يتوقف في روايات الفقيه، إذا صحّ طريقها بل رأيت جمعاً من الأصحاب يصفون مراسيله بالصحّة، ويقولون إنها لا تقتصر عن مراسيل ابن أبي عمير منهم العلاّمة في «المختلف»، والشهيد رحمه الله في «شرح الإرشاد»، والسيد المحقق الداماد رحمه الله.
وقال [محمد بن إسماعيل] صاحب «منتهى المقال» بعد نقله هذه الحاشية عن صاحب «التعليقات» مع زيادة قوله: وقال جدّي العلاّمة المجلسي رحمه الله: وثّقه ابن طاووس صريحاً في كتاب «النجوم» بل وثّقه جميع الأصحاب لما حكموا بصحة أخبار كتابه وظاهر كلامه (عليه السلام) في التوقيع توثيقهما، فإنهما لو كانا كاذبين لامتنع أن يصفهما المعصوم بالخيرية.
وما مرّ من استغراب الشيخ سليمان من بعض المشايخ المتوقفين في وثاقته، غريب، وأغرب منه قوله، لم أقف على أحد الأصحاب… إلى آخر، وأغرب من ذلك كلّه قول المقدس المجلسي، لو كانا كاذبين…، أمّا الأول فلأنك خبير بأنّ الوثاقة أمر زائد على العدالة، مأخوذ فيه بالضبط والمتوقف في وثاقته لعلّه لم يحصل له الجزم به، ولا غرابة في ذلك أصلاً، وأما الثاني فلأن الحكم بصحة الرواية لا يستلزم وثاقة الراوي كما هو واضح، وأمّا الثالث فلأنّا لم نر مؤمناً موحداً ينسب إلى هذا الشخص الربّاني الكذب، وكأن هؤلاء توهموا التوقف في عدالته طاب مضجعه وحاشاه أن يكون كذلك، ولقد أطال الكلام شيخنا الشيخ سليمان في «الفرائد النجفية» وجملة ممن تأخر عنه، وحاولوا الاستدلال على إثبات عدالته قدس سره، وهو كما ترى يضحك الثكلى، فإن عدالة الرجال من ضروريات المذهب، ولم يقدح في عدالته عادل، وإنما الكلام في الوثاقة ولعلّه لا ينبغي التوقف فيها أيضاً فلا تغفل.
وقال [الحرّ العاملي] صاحب «أمل الآمل» بعد ذكره بعنوان محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه يكنى أبا جعفر، كان جليلاً حافظاً للأحاديث، بصيراً ناقداً للأخبار لم ير القميّون مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف ـ قاله الشيخ، ونحوه العلاّمة والنجاشي وذكرا جملة من كتبه يطول بيانها.
وقال [يوسف بن أحمد البحراني] صاحب «لؤلؤة البحرين»، قال العلاّمة في «الخلاصة»، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، أبو جعفر نزيل الري شيخنا وفقيهنا وجه الطائفة بخراسان، ورد بغداد سنة 355هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة…
وقال الشيخ [الطوسي] في «الفهرست» بعد وصفه والثناء عليه بنحو ما ذكره العلاّمة، له نحو من ثلاثمائة مصنف، وفهرست كتبه معروف، أنا أذكر ما يحضرني في الوقت من أسماء كتبه، [ثمّ ذكر عدداً من مصنفاته]، إلى أن قال: بعد عدّهِ نحواً من ثلاثين كتاباً من مشاهير مصنفاته المفصلة في غالب كتب الرجال، أخبرني بجميع كتبه ورواياته جماعة منهم الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان (يريد شيخنا المفيد المرحوم) وأبو عبدالله الحسين بن عبيدالله وأبو الحسين جعفر بن الحسين بن حسكة القمي، وأبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، كلّهم عنه.
ثم إنّ صاحب «لؤلؤة البحرين» لما فرغ من نقل عبارة الشيخ [الطوسي] بتمامها، وتفصيله كتب الصدوق المتداولة في هذه الأزمان، أخذ في نقل عبارة النجاشي ببسطها الكامل، في تعديد مصنفات الرجل إلى أن وصل إلى قول كتاب «تفسير القرآن»… وكتاب «تفسير قصيدة في أهل البيت عليهم السلام»، أخبرني بجميع كتبه وقرأت بعضها على والدي أحمد ابن العباس النجاشي رحمه الله، وقال لي أجازني جميع كتبه لما سمعناها منه ببغداد (انظر لؤلؤة البحرين ص300 ـ 309).
ومن جملة طرق الرواية عن شيخنا الصدوق رحمه الله لهذه الكتب وغيرها وهو غير سبيلهم المشهور، ودون الذي يقع عليه معظم المرور وعمدة عبور الجمهور، هو ما وقع في أسانيد الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر الحلّي، والد مولانا العلاّمة على الإطلاق من رواية ذلك كلّه عن شيخه الشيخ برهان الدين محمد بن محمد بن علي الحمداني القزويني، عن الشيخ ءمنتخب الدين بن بابويه القمي، صاحب كتاب فهرست رجال المتأخرين عن جماعة من الفضلاء الأجلاء، منهم والد الثقة الجليل المؤتمن عبيدالله بن الحسن، عن والده الحسن بن الحسين الملقّب بين العجم حسكا، وقد كان من تلامذة شيخنا الطوسي المشتهر ذكره في الورى.
ومن جملة كراماته التي قد ظهرت في هذه الأعصار، وبصرت بها عيون جم غفير من أولي الأبصار، وأهالي الأمصار، أنه قد ظهر في مرقده الشريف الواقع في رباع مدينة الري المخروبة ثلمة وانشقاق من طغيان المطر، فلما فتشوها وتتبعوها بقصد إصلاح ذلك الموضع، بلغوا إلى سردابة فيها مدفنه الشريف، فلما دخلوها وجدوا جثته الشريفة هناك مسجاة عارية، غير بادية العورة، جسيمة وسيمة، على أظفارها أثر الخضاب، وفي أطرافها أشباه الفتائل من أخياط كفنه البالية على وجه التراب، فشاع هذا الخبر في مدينة طهران، إلى أن وصل إلى سمع الخاقان، السلطان فتحعلي شاه قاجار، جد والد ملك زماننا هذا الناصر لدين الله، وذلك في حدود ثمان وثلاثين بعد المائتين والألف من الهجرة المطهرة تقريباً، وأنا أتذكّر الواقعة ملتفتاً مستريباً، فحضر الخاقان هناك بنفسه لتشخيص هذه المرحلة، وأرسل جماعة من أعيان البلدة وعلمائهم إلى داخل تلك السردابة بعد ما لم يرَ أمناء دولته مصلحة الدولة في دخول الحضرة السلطانية ثمة بنفسه، إلى أن انتهى الأمر عنده من كثرة من دخل وأخبر إلى مرحلة عين اليقين، فأمر بسد تلك الثلمة، وتجديد عمارة تلك البقعة، وتزيين الروضة المنورة بأحسن التزين، وإني لاقيت بعض من حضر تلك الواقعة، وكان يحكيها أعاظم أساتذتنا الأقدمين، من أعاظم رؤساء الدنيا والدين».
وقال العلاّمة التستري في قاموس الرجال: وفي «الإكمال» حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود قال: سألني علي بن الحسين بن بابويه بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي، أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله أن يرزقه ولداً فسألته ذلك ثم أخبرني بعد ثلاثة أيام أنه دعا لعلي بن الحسين، وأنّه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به، وبعده أولاد، فولد لعليّ تلك السنة ابنه محمد، وبعده أولاده.
وفي «الغيبة» عن ابن نوح عن أبي عبدالله الحسين بن محمد الصيرفي المعروف بابن الدلال وغيرهما من مشايخ أهل قم أن علي بن الحسين ابن بابويه كانت تحته بنت عمه (محمد بن موسى بن بابويه) فلم يرزق منها ولداً فكتب إلى أبي القاسم بن روح أن يسأل الحضرة أو يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب إنّك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين، قال أبو عبدالله بن سورة، ولأبي الحسين بن بابويه ثلاثة أولاد، محمد، والحسين، فقيهان ماهران في الحفظ يحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل قم، ولهما أخ اسمه الحسن وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد، ولا يختلط بالناس، ولا فقه له. قال ابن سورة [المذكور] كلما روى أبو جعفر [صاحب الترجمة]، وأبو عبدالله، ابنا علي بن الحسين شيئاً يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما: «هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام». وهذا الأمر مستفيض من أهل قُمْ.
أقول: وقال في إكماله، كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه كثيراً ما يقول لي إذا رآني اختلف إلى مجالس شيخنا ابن الوليد وأرغب في كتب العلم وحفظه، «ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت ولدت بدعاء الإمام».
وكما ولد بدعاء الحجة عليه السلام، أشار الحجة عليه في النوم بتأليف كتاب في غيبته، ففي أول إكماه (غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأقبله فأرى مولانا القائم عليه السلام واقفاً بباب الكعبة فأدنو منه على شغل قلب وتقسيم فكر فعلم عليه السلام ما في نفسي بتفرسه في وجهي، ثم قال لي لِمَ لا تُصنف كتاباً في الغيبة تكفي ما قد همك، فقلت له يا ابن رسول الله قد صنف في الغيبة أشياء، فقال عليه السلام، ليس على ذلك السبيل، آمرك أن تُصنف، ولكن صنف الآن كتاباً في الغيبة، واذكر فيه غيبات الأنبياء عليهم السلام، ثم مضى عليه السلام فانتبهت فزعاً إلى الدعاء والبكاء، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً أمر ولي الله).
وكان أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله يقول: «سمعت أبا جعفر يقول، ولدت بدعوة صاحب الأمر عليه السلام ويفتخر بذلك».
وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: نزل بغداد وحدث بها عن أبيه، وكان من شيوخ الشيعة ومشهوريهم، حدثنا عنه محمد بن طلحة النعالي.
ثم قال: أخبرنا محمد بن طلحة بن محمد، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي إملاءً، حدثني أبي، حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن سلم، عن جعفر بن محمد، عن آبائه قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: مَن عَدّ غداً مِن أجلهِ فَقَد أساءَ صحبةً الموتِ».
وفاته
توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته بالرّي (من ضواحي طهران الحالية) سنة 381هـ، ودفن فيها في منطقة أطلق فيما بعد عليها «بابويه»، وقبره مزار لكافة أبناء الشيعة حتى يومنا هذا.
ورأيت في كتاب ريحانة الأدب بعد ذكر وفاته الشعر التالي نقله عن كتاب «نخبة المقال»:
عَدْلٌ جَليلٌ حافِظٌ قد صَنْفا
رَوَى المفيدُ عَنْهُ قَبْضُهُ شَفَا
وكلمة «شفا» هنا تقابل العدد 381 حسب تقابل الحروف مع الأرقام وهو سنة وفاته رحمه الله.
مصنفاته
خلّف الصدوق رحمه الله للمكتبة العربية والإسلامية عدداً كبيراً من المصنفات بلغ عددها نحو 300، منها:
1 ـ كتاب التوحيد، طبع في إيران سنة 1285هـ، ثم في بمباي سنة 1321هـ)[1](، وذكره له البُستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص153) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج4، ص482، الرقم 2154) وقال: «وله شروح كثيرة منها: شرح المحقق السبزواري المولى محمد باقر بن محمد مؤمن المتوفى بالمشهد الرضوي [إيران] سنة 1090هـ، فارسي موجود في كتب المولى على محمد الخوانساري في النجف، وشرح القاضي محمد سعيد ابن محمد مفيد القمي (1049هـ 1103هـ) في عدة مجلدات، وشرح الأمير محمد علي نائب الصدارة بقم، وشرح المحدث الجزائري الموسوم بـ«أُنس الوحيد» وقال في (ج2، ص368، الرقم 1497) ويظهر أنّ اسمه «أُنس الفريد».
ولكتاب التوحيد نسخ خطية في مكتبات: برلين برقم 3269Oct، و«مدرسة عالي سپه سالار»)[2]( برقم 2 :229 ـ 230، ومكتبة ضريح الإمام «الرضا عليه السلام كما جاء في فهرسها.
2 ـ كتاب الأمالي، ويسمى المجالس، ذكره له الحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504) والبُستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وقال: «كتاب مطبوع يعرف بالمجالس»، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص315، الرقم 1251) وقال: «الأمالي، المعروف بالمجالس أو عرض المجالس، للشيخ الصدوق أبي مجعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الرازي المتوفى بها سنة 381هـ، «طبع بطهران سنة 1300هـ» وهو في سبعة وتسعين مجلساً، والحديث الأول من المجلس الأول بالإسناد عن علي بن الحسين عليه السلام في فضل القول الحسن. والسند العالي إلى هذا الكتاب كما رأيته في صدر نسخة السيد محمد الطبطبائي اليزدي هكذا: «حدثني الشيخ أبو محمد عبدالله بن جعفر بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس ابن الفاخر الدوريستي، عن جدّه محمد بن موسى، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن أحمد، عن مؤلفه الشيخ الصدوق»، والشيخ عبدالله هذا ممن أدرك أوائل المائة السابعة كما في عنوان «دوريست» في معجم البلدان، قال: إنّه توفي بعد الستمائة بيسير» فروايته عن الصدوق المتوفى سنة 381هـ بثلاث وسائط سند عال كما لا يخفى.
والنسخة العتيقة منه بخط الشيخ الجليل المعروف بابن السكون وهو علي بن محمد بن محمد بن علي بن السكون رأيتها في المشهد الرضوي عند المحدث الشيخ عباس القمي، تاريخ كتابتها يوم الخميس الرابع عشر من ذي الحجة سنة 563هـ، وتوجد في كتب مدرسة فاضل خان بالمشهد الرضوي نسخة من المجلس الحادي والخمسين إلى آخر الكتاب بخط الشيخ المحدث الحرّ العالمي».
كما ذكره له مرة أخرى في (ج19، ص354، بعد الرقم 1581) تحت عنوان «المجالس» وقال: «للشيخ الصدوق، مرّ بعنوان الأمالي «ج2، ص315»، وذكرنا نسخته [الخطّية] المؤرخة سنة 563هـ، [وله نسخة] أخرى في النجف (البروجردي) وهي إلى المجلس الثالث والتسعين في يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان 368هـ حين سُئِل عن وصف دين الإمامية، وهي مستنسخة عن نسخة خط الشيخ أبي مسعود عبدالجبار بن علي بن منصور النقاش الرازي الذي فرغ من كتابتها في يوم الاثنين 5 ذي القعدة سنة 507هـ ثم قرأها على شيخه الشيخ علي بن محمد بن الحسين القمي، وكتب الشيخ بعد سبعين يوماً على ظهر نسخته الإجازة له في الخامس عشر من المحرم سنة 508هـ، ولفظ الإجازة هكذا: سمع منّي هذا الكتاب من أوله إلى آخره وهو أمالي الشيخ الفقيه أبي جعفر بن بابويه بقراءته عليَّ، وعارضه بِنُسَخي وصححه بجهده وطاقته، صاحبه الشيخ الفقيه الجليل الزاهد أبو مسعود عبدالجبار بن علي بن منصور النقاش الرازي، أيده الله تعالى ومتّعه به، كتبه علي بن محمد بن الحسين القمي بخطّه في منتصف المحرم سنة 508هـ.
ثم نسخة النقاش قد حصلت عند السيد الإمام أبي الرضا فضل الله الراوندي المتوفى بعد سنة 548هـ، فكتب السيد خطّه عليها، ونقلت صورة خط السيد أيضاً على نسخة البروجردي.
والمجلس الثالث والتسعون الذي انتهى به «الأمالي» الموجود في مكتبة مدرسة البروجردي قد استقل بالطبع مُلحقاً بآخر كتابي «المقنع» و«الهداية» المطبوعين معاً في سنة 1380هـ بعنوان «وصف دين الإمامية»…».
كما وللكتاب المذكور مخطوطتان في مكتبتي: برلين برقم 1269، ومكتبة «آستان قدس رضوي» بمشهد، انظر فهرستها «904، رقم 276» «بعنوان مجالس المواعظ» وفي مدرسة «سپه سالار» برقم 2: 24 ـ 25، «بعنوان الأمالي في الأحاديث والأخبار».
كما ذكر هذا الكتاب له الأستاذ خير الدين الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص343).
3 ـ كتاب الخصال (محمودة ومذمومة)، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347)، والبُستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص162، برقم 876) وقال: «أوله: الحمد لله الذي توحّد بالوحدانية، وتفرّد بالإلهية ـ إلى قوله ملخصاً وجدت مشايخي قد صنفوا في فنون العلم، ولكن غفلوا عن تصنيف كتاب يشتمل على أعداد الخصال المحمودة والمذمومة مع كثرة نفعه فصنفتها» وابتدأ بباب الواحد، ثم الاثنين، ثم الثلاثة، وهكذا إلى باب الخصال الأربعمائة).
وللكتاب المذكور نسخ خطية في مكتبات: آصفية برقم 2 :262، 308، وباتنة برقم 1 :147 رقم 1416، والمشهد الرضوي (إيران) 4 :34، 109.
وطبع هذا الكتاب بطهران سنة 1302 هـ، ش، و1304هـ، ش.
كما تُرجم «الخصال» إلى الفارسية وطبع في طهران أيضاً (انظر التسلسل 190 فيما يلي).
4 ـ تفسير العسكري، ذكره له البستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج4، ص285 الرقم 1295) وقال: تفسير العسكري الذي أملاه الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام المولود سنة 232هـ، والقائم بأمر الإمامة في سنة 264هـ، والمتوفى [رحمه الله] سنة 260هـ، وهو برواية الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي نزيل الري المولود بدعاء الحجة عليه السلام بعد سفارة أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي في سنة 305هـ… والمتوفى [رحمه الله] بالري في سنة 381هـ. ونسخه متداولة، فطبع أولاً في طهران سنة 1268هـ. ش، وكرر طبعه ثانياً في سنة 1313هـ. ش، وثالثاً في هامش تفسير القمي في سنة 1315، وقد فصل القول باعتباره شيخنا [نوري الطبرسي] في خاتمة المستدرك في (ص661) فذكر من المعتمدين عليه الشيخ الصدوق في «الفقيه» وغيره من كتبه، والطبرسي في «الاحتجاج»، وابن شهرآشوب في «المناقب» والمحقق الكركي في إجازته لصفي الدين، والشهيد الثاني في «المنية»، والمولى محمد تقي المجلسي (قدّس سرّه) في «شرح المشيخة»، وولد العلاّمة المجلسي في «البحار» وغيرهم، وذكر بعض الأسانيد المذكورة في صدر نسخ هذا التفسير المنتهية جميعاً إلى الشيخ أبي جعفر بن بابويه: ومنها ما في أول المطبوع، فإن في أوله بعد التسمية والتحميد وإنهاء السند إلى ابن بابويه، «قال ـ ابن بابويه ـ أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم المفسّر الأسترآبادي الخطيب (رحمه الله) [انظر الملحوظة فيما يلي] قال، حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار، وكانا من الشيعة الإمامية، قالا: كان أبوانا إماميين (فكان تشيع الولدين عن أبويهما لا استبصارهما بدواً)، وكان الزيدية هم الغالبون في أسترآباد، وكنّا في إمارة الحسن بن زيد العلوي الملقّب بالداعي إلى الحق إمام الزيدية (قال ابن النديم في ص274 أنه ظهر بطبرستان سنة 250هـ، ومات مملكاً عليها سنة 270هـ) وكان كثير الإصغاء إلى الزيدية، فخشيناهم على أنفسنا، فخرجنا بأهالينا إلى حضرة الإمام أبي محمد الحسن بن علي بن محمد أبي [الإمام] القائم عليهما السلام، وأنزلنا عيالنا في بعض الخانات، ثم استأذنا على الإمام الحسن بن علي، فلما رآنا قال، مرحباً بالآوين إلينا الملتجئين إلى كنفنا (خاطبهم بالخطاب العام، ثم خص الوالدين بالخطاب، تشريفاً لكبرهما) قد تقبّل الله سعيكما، وآمن روعتكما، كفاكما أعداءكما، فانصرفا آمنين على أنفسكما وأموالكما. فعجبنا من قوله… فقلنا فماذا تأمرنا أيها الإمام أن نصنع… فقال عليه السلام، خلّفا عليَّ ولديكما هذين، لأفيدهما العلم الذي يشرفهما الله به…، قال أبو يعقوب وأبو الحسن، فأتمرا لما أُمرا، وخرجا وخلّفانا هناك، فكنّا نختلف إليه… فقال لنا ذات يوم إذا أتاكما خبر كفاية الله عزَّ وجلَّ أبويكما، وصدق وعدي إيّاهما، جعلت من شكر الله أن أفيدكما تفسير القرآن ففرحنا وقلنا يا ابن رسول الله( صلَّى الله عليه وآله وسلم)…، قالا فلم نبرح من عنده حتى جاءنا فيج من عند أبوينا بكتاب فيه أنّ الداعي أرسل إلينا ببعض ثقاته بكتابه وخاتمه بأمانة لنا، وضمن لنا ردّ أموالنا… فلما كان في اليوم العاشر جاء كتاب من أبوينا بأنّ الداعي قد وفا لنا بجميع عداته…، فلما سمع الإمام بهذا قال: هذا حين إنجازي ما وعدتكما من تفسير القرآن، وقد وظفت لكما كل يوم شيئاً منه فاكتبانه، فالزماني وواظباً عليَّ.
فأول ما أملى علينا أحاديث في فضل القرآن وأهله، ثم أملى علينا التفسير بعد ذلك، فكنا في مدة مقامنا عنده وذلك سبع سنين في كل يوم بمقدار ما ينشط له، فكان أول ما أملى علينا وكتبناه: حدثني أبي علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، إلى أن ينتهي إلى النبي الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين، قال حملة القرآن المخصوصون برحمة الله. وقد خرج الجزء الأول من هذا التفسير مرتباً من تفسير الاستعاذة والبسملة وتمام سورة فاتحة الكتاب، والبقرة إلى آخر قوله تعالى: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزّيٌّ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الآية 114)، وثم لم يوجد في النسخ تفسير عدة أيات تقرب من ثلث جزء واحد من الأجزاء الثلاثين للقرآن، خرج من الجزء الثاني متفرقاً من تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} (البقرة ـ 158) إلى آخر {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة ـ 197) وثم تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً} (البقرة ـ 109) إلى قوله: {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} (البقرة ـ 210)، ثم تفسير جزء من أطول الآيات، آية الكتابة (البقرة 282) من قوله: {أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ} ـ إلى قوله تعالى ـ {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} وهو آخر الموجود من هذا التفسير الذي أملاه الإمام أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام على الولدين المتخلفين عنده المعلومين اسماً وكنيتاً [كنيةً] ونسبةً ومذهباً بشهادة العالم الجليل العارف بخصوصياتهما حيث أنه تلميذهما المجاز في الرواية عنهما، وهو المعروف في عصره بالمفسّر الخطيب الأسترآبادي كما يظهر من إرسال الشيخ الصدوق تلك الأوصاف له إرسال المسلمات، وقد كتبه الولدان عن إملائه عليه السلام وروياه عنه بغير وساطة أحد كما هو صريح عبارات خطبة الكتاب التي تلوناها وكذا عبارات أثناء الكتاب منها في هامش (الصفحة 168)، من المطبوع في سنة 1315هـ. ش. ذكر هاروت وماروت ما لفظه «قال أبو يعقوب وأبو الحسن، قلنا للحسن أبي القائم (عليه السلام) فإن قوماً عندنا يزعمون أنّ هاروت وماروت ملكان…، فقال الإمام: معاذ الله» فإنه صريح في أنّ الولدين وهما أبو يعقوب وأبو الحسن، يرويان عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أفلا يكفي التصريح برواية الولدين عنه عليه السلام في أثناء الكتاب زائداً على التصريحات في أوله لحصول الجزم بأن الأبوين قد رجعا إلى بلدهما ائتماراً لأمر الإمام أبي محمد عليه السلام وخلّفا ولديهما عنده ليعلمهما، والولدان هما اللذان كانا يكتبان التفسير من إملائه في سبع سنين تقريباً، وغير ذلك من التفاصيل، أفلا يصير ذلك كله قرينة على زيادة كلمة «عن أبويهما» في جميع الأسانيد التي ذكرت فيها هذه الكلمة، ولذا أسقط الشيخ الطبرسي لفظة «عن أبويهما» عند ذكر إسناده إلى هذا التفسير في أول «كتاب الاحتجاج» حين نقل عنه أحاديث كثيرة كلها بهذا الإسناد «الصدوق، عن الولدين، عن الإمام عليه السلام، ولم يذكر في الإسناد لفظة «عن أبويهما» أصلاً في جميع نسخ «الاحتجاج» ومنها المطبوعة في طهران «سنة 1269هـ.ش» الذي يظهر من مباشر الطبع أنّه صححها مع نسخ عليها خطوط العلماء وتصحيحاتهم، ثم إنّ من عجيب الاتفاق أنه مع هذه التصريحات الأكيدة قد وقعت زيادة لفظة «عن أبويهما» في الأسانيد الكثيرة المتفرقة من الكتب المتعددة من تصانيف الصدوق، والذي يخطر بالبال في منشأ حدوث هذه الزيادة هو أن المفسر الراوي للصدوق عن الولدين قد وصفها بعد ذكر اسمهما بقوله: «كانا من الشيعة الإمامية من أبويهما، أو مع أبويهما، أو عن أبويهما» توصيفاً لهما بالتشيّع ولادة، ثم ذكر قوله» قالا: حدثنا الإمام عليه السلام» يعني قال الولدان فكان مراد المفسر بيان أنهما ولدا على التشيّع، ولم يكن تشيعهما باستبصارهما بل اتخذا التشيّع عن أبويهما، وفهم الصدوق مراده وحدث عنه كما سمعه منه، لكن السامعين عن الصدوق قد صحفوا الكلام لفظاً أو معنى وزعموا أنّ مراده الإخبار بأنّ الولدين اتخذا الحديث عن أبويهما، وإنّ الفاعل في قوله بعد ذلك «قالا حدثنا الإمام عليه السلام» هو (الأبوان) حتى فيما لم يوصف فيه الولدان بأنهما كانا من الشيعة وزعموا أن في الزيادة إحساناً وتصحيحاً لكلام الصدوق، فطلبوا بذلك الأجر والثواب، غفلة منهم عن أنّ الصدوق إنما يروي هذا التفسير الذي كان مشهوداً له وموجوداً عنده، وهو يرى ببصره ما في خطبته في اثناء من التصريحات بأن الإمام أملاه على الولدين المتخلّفين عنده بعد رجوع أبويهما إلى أسترآباد فكيف يجعل الأبوين واسطة بين الولدين والإمام عليه السلام».
ملحوظة: «اعلم أنه ليس طريق الصدوق إلى هذا التفسير منحصراً في محمد بن القاسم الخطيب هذا المنسوب جرحه إلى ابن الغضائري، بل يوجد في بعض تصانيف الصدوق طريق آخر له إلى رواية هذا التفسير عن الولدين كما في «الأمالي ـ ص105»، ففي أول المجلس الثالث والثلاثين روى الصدوق عن محمد بن علي الأسترآبادي رضي الله عنه قال، حدثنا يوسف بن محمد بن زيد، وعلي بن محمد بن سيار، والنسخة صحيحة ظاهراً، واحتمال وقوع التصحيف من الناسخ وتبديله القاسم بعلي خلاف الأصل، مع أنّ ظاهر أول التفسير أنّ مقام الولدين بسامراء كان حدود سبع سنين ولا محالة بعد الرجوع إلى أسترآباد رويا التفسير لأهلها فما المانع من أن يكون منهم محمد بن علي الأسترآبادي الجليل القدر الذي تنكشف جلالته عن الدعاء له بالترضية من تلميذة الصدوق، ولم يثبت كون رواية الولدين في أسترآباد مخصوصة بمحمد بن القاسم المفسر الخطيب.
وأيضاً ليست رواية الولدين منحصرة برواية خصوص التفسير المملى عليهما فقط، بل نرى أنّ علي بن محمد بن سيار الذي هو أحد الولدين يروي أيضاً الندية المشهورة لسيد الساجدين عليه السلام التي خصّها العلاّمة الحلّي بذكر طرق روايتها في إجازته الكبيرة لبني زهرة فذكر من تلك الطرق رواية ابن سيار هذا للندبة عن أبي يحيى (محمد) بن عبدالله بن زيد المقرىء، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عنه عليه السلام، وذكر أنّه يروي الندية عن علي بن محمد بن سيار المذكور أبو محمد القاسم بن محمد الأسترآبادي الذي هو أيضاً أحد الخمسة من مشايخ الصدوق الذين أدركهم وروى عنهم في أسترآباد وجرجان «ومن هؤلاء الخمسة» أبو محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني الذي يعبّر عنه أيضاً بأبي محمد العباس الجرجاني، وقد روى الصدوق عن أبي محمد القاسم هذا، الندية كما في الإجازة المذكورة، وأبو محمد القاسم هذا، غير أبي الحسن محمد المفسر الأسترآبادي الخطيب الذي أكثر الصدوق الرواية عنه لاختلاف الكنية والاسم والوصف، وإن اشتركا في بعض المشايخ حيث أنهما يرويان عن أبي الحسن علي بن محمد بن سيار، فيروي المفسّر عنه التفسير، ويروي أبو محمد عنه الندية، ولهما مشايخ خاصة أيضاً، فيختص أبو محمد القاسم بن محمد بروايته الندبة عن عبد الملك بن إبراهيم أيضاً كما في الإجازة المذكورة، ويختص أبو الحسن محمد بن القاسم المفسر الخطيب بمشايخ كثيرة أخرى ويروي عنهم روايات كثيرة غير تفسير العسكري عليه السلام، وهي في كتب الصدوق، كالفقيه، والعيون، والأمالي، والإكمال، والتوحيد، وغيرها.
ولأجل معروفية الخطيب المفسّر وكثرة طرقه ومروياته قد أكثر الصدوق من الرواية عنه دون محمد بن علي، وأبي محمد القاسم بن محمد، الأسترآباديين، لعدم بلوغهما رتبة الخطيب، وإكثار الرواية عنه أوجب وقوع التفنن من الصدوق في التعبير عنه بذكر كنيته مرة وتركها أخرى، وبذكر وصف الخطيب وتركه، وبذكر المفسر وعدمه، وبتقديم المفسر على الأسترآبادي وعكسه، وبتبديل الأسترآبادي بالجرجاني، أو التعبير عنه بمحمد بن أبي القاسم المفسّر وغير ذلك مما يعلم أنّ كلّها تعبيرات مختلفة عن رجل واحد ذي شأن، كان شيخ مثل الشيخ الصدوق العارف بشؤون أساتذته حقّ المعرفة بأوصافه المشهور بها، ولا سيما المفسّر، بل الظاهر من التوصيف به أنه ممن ألّف كتاباً في التفسير، ولو لم يكن مصنفاً فلا أقل من أنّه من مشايخ الإجازة لمثل الصدوق، فلا يحتاج إلى التصريح بأنه ثقة كما قرر في محله ولذا يبالغ الصدوق في تجليله ولا يترك الدعاء له بالرحمة والترضية كلّما ذكر اسمه عند روايته التفسير عن الولدين، أو روايته أحاديث أُخر عن سائر مشايخه ومن تلك الأحاديث رواية الخطيب عن شيخه جعفر بن أحمد عن أبي يحيى محمد بن عبدالله بن زيد المقرىء في الأمالي (ص271).
ومنها روايته عن شيخه عبدالملك بن أحمد بن هارون، عن عثمان بن رجاء أيضاً في الأمالي (ص217)، ومنها الروايات الكثيرة من الخطيب عن شيخه أحمد بن الحسن الحسني الذي هو ممن يروي عن الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام، لكنه غير مذكور في كتب الرجال، كما لم يذكر فيها ترجمة الولدين الراويين للتفسير عنه عليه السلام، قال الشيخ الصدوق في أول الباب الثلاثين الذي هو أول الجزء الثاني من كتابه «عيون أخبار الرضا» حدثنا أبو الحسن محمد بن القاسم المفسّر الجرجاني رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسين بن علي (أبي محمد العسكري)، عن أبيه، عن محمد بن علي (التقي الجواد)، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عليهم السلام، إلى آخر السند والحديث، ثم أورد بهذا الإسناد ثمانية أحاديث أُخر مما ليس في تفسير العسكري، وبعين هذا السند أورد حديثاً في الأمالي (ص67) هكذا: الصدوق، عن المفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى عليهم السلام، ومن هنا ظهر أن السند الآخر المذكور في الأمالي (ص215) فيه سقط وتصحيف. حيث جاء هكذا: الصدوق، عن المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي بن الناصر، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عليهم السلام، فإنّ من يروي عن أبيه الرضا ليس إلاَّ محمد بن علي الجواد، فالناصر تصحيف منه والواسطة ساقطة.
فقد ظهر مما ذكرناه أنّ المفسر المذكور كان من المعروفين في عصره، وكان من مشايخ الإجازة الكثير المشايخ، والواسع الرواية.
ونقول الآن أنّه كان أهلاً للوثوق برواياته والاعتماد عليها، وحقيقاً حرياً بالاطمئنان بصحتها والجزم بحجيتها، وقد دلّنا على ذلك ما علمناه من سيرة تلميذه الراوي عنه (الشيخ الصدوق) وسوانحه من ولادته إلى وفاته، وما عرفنا من أحوال تلميذه من أنّه لم يكن من أوساط العلماء بل كان في جانب عظيم من التفقه والوثوق والتقى، وكان غاية في الورع والتصلّب في أمور الدين، ولم يكن ممن يتساهل فيها، أو في أخذ الحديث عن غير الموثقين فضلاً عن الكذابين، بل كان بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار كما في الفهرست، فلم يكن ليأخذ ناقص العيار كيف لا وهو الذي ولد بدعاء الحجة عليه السلام، ووصفه بأنّه فقيه خيّر مبارك، وقد جال في البلاد طول عمره لطلب الحديث، وأدرك في أسفاره نيفاً ومائتي شيخاً من شيوخ أصحابنا ومنهم هذا المفسر، وقد استقصاهم شيخنا في خاتمة المستدرك في (ص713) ولم يترجم في كتب رجالنا إلاَّ قليل منهم. وإنما نعرفهم ونعتد عليهم لأنهم من مشايخ الصدوق الذين يروي عنهم مع الدعاء بالرحمة والرضوان لهم، لأنه عاشرهم وحقق أحوالهم وعرف استحقاقهم الدعاء، وقد سمع منهم أو قرأ عليهم تلك الأحاديث التي أودعها في كتبه وتصانيفه البالغة إلى نحو الثلاثمائة مؤلف كما في الفهرست، وصرح هو بنفسه في أول «من لا يحضره الفقيه» أنّ له حال تأليفه مائتين وخمسة وأربعين كتاباً، كما صرح فيه أيضاً بأنه يذكر فيه من الأحاديث إلاَّ ما هو حجة بينه وبين ربّه، ومع ذلك أورد في كتاب «الحج» منه في باب التلبية الرواية الطويلة عن هذا المفسّر، ومنه يظهر غاية اعتماد الصدوق على هذا المفسر الراوي لتفسير العسكري عليه السلام حتى أنّه يرى قوله حجة بينه وبين ربّه.
ولكن مع الأسف أنّه ليس لهذا المفسر ترجمة في الأصول الأربعة الرجالية المحققة الثابتة النسبة إلى مؤلفيها من أئمة الرجال، ولم يتعرض له أحد من الرجال، ولم يتعرض له أحد من قدماء الأصحاب لا بالمدح ولا بالقدح، وإنما وجدت ترجمته المختصرة في «كتاب الضعفاء» المنسوب إلى ابن الغضائري رحمه الله فلا بدَّ لنا من الفحص عن تاريخ بدو ظهور هذا الكتاب، وعن أحوال مؤلفه، وعن صحة انتسابه إلى ابن الغضائري وعدمه فنقول:
أمّا أصل «كتاب الضعفاء» وتاريخ ظهوره، فقد ظهر بعد التتبع أن أول من وجده هو السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني الحلّي (المتوفى سنة 673هـ) فأدرجه السيد موزعاً له في كتابه «حل الأشكال» في معرفة الرجال الذي ألّفه (سنة 644هـ) وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجالية وهي «رجال الطوسي» و«اختيار الكشي» و«النجاشي» و«كتاب الضعفاء» المنسوب إلى ابن الغضائري، قال السيد في أول كتابه بعد ذكر الخمسة بهذا الترتيب «ولي بالجميع روايات متصلة عدا كتاب ابن الغضائري فيظهر منه أنّه لم يروه عن أحد، وإنما وجده منسوباً إلى الغضائري وإلاَّ لكان يدرجه أيضاً ولم يقتصر على «الضعفاء»، ثم تبع السيد في ذلك تلميذه العلاّمة الحلّي (المتوفى رحمه الله سنة 726هـ) في «الخلاصة» وابن داود في رجاله المؤلف في سنة 707هـ، فأوردا في كتابيهما عين ما أدرجه أستاذهما السيد ابن طاووس في «حل الأشكال»، وصرح ابن داود عند ترجمة أستاذه المذكور بأن أكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشارات هذا الأستاذ وتحقيقاته، ثم أنّ المتأخرين عن العلاّمة الحلّي وابن داود كلهم ينقلون عنهما لأنّ نسخة (الضعفاء) التي وجدها ابن طاووس قد انقطع خبرها عن المتأخرين عنه، ولم يبق من الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري إلاَّ ما وزعه السيد ابن طاووس في كتابه «حل الإشكال» ولولاه لما بقى منه أثر، ولم يكن إدراجه فيه من السيد لأجل اعتباره عنده بل ليكون الناظر في كتابه على بصيرة، ويطلع على جميع ما قيل أو يقال في حقّ الرجال، حقاً أو باطلاً ليصير ملزماً بالتتبع والاستعلام عن حقيقة الأمر، فلم يدرجه السيد إلاَّ بعد الإيماء إلى شأنه أولاً بحسب الترتيب الذكري، فأخره عن الجميع ثم تصريحه بأنّها ليست من مروياته، بل وجده منسوباً إلى ابن الغضائري، فيتبرأ من عهدته بصحة النسبة إليه، ولم يكتفِ بذلك أيضاً بل أسس في أول الكتاب ضابطة كلية تفيد وهن التضعيفات التي وردت في هذا الكتاب حتى لو فرض أنّه كان معلوم النسبة إلى مؤلفه وعنونها بقوله:
« قاعدة كلية في الجرح والتعديل لا يستغنى عنها في هذا الباب» وحاصلها أنّ السكون إلى قول المادح مع عدم المعارض راجح، وأما السكون إلى قول الجارح ولو كان بدون معارض فهو مرجوح، واستدل على ذلك بقوله لأن التهمة في الجرح شايعة ولا يحصل بإزائها في جانب المادحين، فالسكون إليهم ما لم يحصل معارض راجح، والسكون إلى القادحين ما لم يحصل معارض مرجوح، ومراده أنّ ما يوجده من القدح في «كتاب الضعفاء» لا أثر له ولا يحصل الاطمئنان به على تقديري وجود المعارض معه وعدمه أما مع وجود المعارض فيسقط بالمعارضة، ومع عدم وجود المعارض أيضاً يسقط إلحاقاً له بالغالب لشيوع التهمة في القدح ولا شيوع لها في المدح.
وبالجملة فكتاب «حل الإشكال» المدرج فيه «كتاب الضعفاء» كان موجوداً بخط مؤلفه السيد ابن طاووس إلى سنة نيف وألف فكان أولاً عند الشهيد الثاني كما ذكره في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد، وبعده انتقل إلى ولده صاحب «المعالم» فاستخرج منه كتابه الموسوم بـ«التحرير الطاووسي»، ثم حصلت تلك النسخة بعينها عند المولى عبدالله التستري (المتوفى بأصفهان سنة 1021هـ) وكانت مخرقة مشرفة على التلف، فاستخرج منها خصوص عبارات «كتاب الضعفاء» المنسوب إلى ابن الغضائري مرتباً على الحروف، وذكر في أوله سبب استخراجه فقط، ثم وزع تلميذه المولى عناية الله القهبائي [معرب كوه پايه = سفح الجبل] تمام ما استخرجه المولى عبدالله المذكور في كتابه «مجمع الرجال» المجموع فيه الكتب الخمسة الرجالية حتى أنّ خطبها بعينها ذكرت في أول هذا المجمع.
أمّا ابن الغضائري المنسوب إليه «كتاب الضعفاء» فليست له ترجمة مستقلة في «الفهرست» ولا في «رجال النجاشي»، وإنما المراد منه هو أبو الحسين أحمد بن أبي عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري الذي كان والده الحسين بن عبيدالله (المتوفى سنة 411هـ) من أجلاء مشايخ الطوسي وأبي العباس النجاشي، وأما هو فكان معاصراً لهما بل عدّه الشيخ في أول «الفهرست» من شيوخ الطائفة وأصحاب التصانيف، وكان مشاركاً مع النجاشي في القراءة على والده الحسين بن عبيدالله كما ذكره النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين بن عمر، واشتركا أيضاً في القراءة على أحمد بن عبدالواحد كما ذكره في ترجمة علي بن الحسن بن فضال، بل قد يستظهر من ترجمة علي بن محمد بن شيران (المتوفى سنة 410هـ) أنه، كان أبو الحسن أحمد أيضاً من مشايخ النجاشي، لأنه يجتمع النجاشي مع ابن شيران المذكور عند أبي الحسين أحمد بن الغضائري، والاجتماع عند العالم والحضور في مجلسه لا يكون إلاَّ للاستفادة العلمية عنه، ولعل ذلك وجه استظهار آية بحر العلوم رحمه الله في «الفوائد الرجالية» أنه كان من مشايخ النجاشي كوالده، ولكنه بعيد لقصر عمره، وإن استظهره القهبائي أيضاً في «مجمع الرجال».
وعلى أي حال فقد كانت وفاته في حياة الشيخ الطوسي والنجاشي وقبل تأليف كتابيهما، بل ظاهر الشيخ الطوسي التأسف عليه بسبب وفاته قبل بلوغ الأربعين، فإنه ذكر في أول «الفهرست» أن شيوخ الطائفة من أصحاب الحديث عملوا فهرس تصانيف الأصحاب وأصولهم، لكنه لم يجد فيهم من استوفى ذلك أو ذكر أكثره إلاَّ ما عمله ابن الغضائري هذا، فإنه ألّف كتابين أحدهما في ذكر المصنفات والآخر في الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا، واخترم هو رحمه الله فعمد بعض ورثته إلى إتلاف هذين الكتابين وغيرهما من الكتب، فعبّر عن وفاته باخترم، وفي الحديث «من مات دون الأربعين فقد اخترم»، ومن اخترمته المنية أي أخذته، ولعلّه من شدة الجزع والوجد على قصر عمره عمد بعض جهال ورثته إلى إفناء آثاره من الكتابين وغيرهما من كتبه الأُخر، لئلا يرى أثره بعده فتجدد أحزانه.
وبالجملة، صريح كلام الشيخ أنه ألّف الكتابين لكن التلف شملهما مع غيرهما من كتبه، والنجاشي لم يذكر له تصنيفاً غير «التاريخ» [ويشتمل هذا التاريخ على ذكر عامة الرواة والوفيات، أطلبه في الذريعة ج3، ص224، الرقم 718]، ولكن ظهر بعد التأمل عدم صراحة كلامه في أن له كتاب التاريخ لاحتمال عودة الضمير في «تاريخه» إلى موت البرقي بأن يكون مراده أنّه «قال ابن الغضائري في تاريخ موت البرقي كذا» ثم عطف عليه قول «ماجيلويه» في تاريخ موته. وبعد عصر الشيخ والنجاشي لم نجد نسبة «كتاب الضعفاء» أو غيره لابن الغضائري إلى عصر السيد ابن طاووس الذي وجد الكتاب المذكور وأدرجه في كتابه للغرض الذي أشرنا إليه مصرحاً بعدم تعهده صحة النسبة.
فتبين أنّ ابن الغضائري هذا وإن كان من الأجلاء المعتمدين ومن نظراء شيخ الطائفة والنجاشي وكانا مصاحبين معه ومطلعين على آرائه وأقواله وينقلان عنه أقواله في كتابيهما إلاَّ أنّ نسبة كتاب «الضعفاء» هذا إليه مما لم نجد له أصلاً حتى أنّ ناشره قد تبرأ من عهدته بصحته فيحق لنا أن ننزه ساحة ابن الغضائري عن الإقدام على تأليف هذا الكتاب والاقتحام في هتك هؤلاء المشاهير بالعفاف والتقوى والصلاح المذكورين في الكتاب والمطعونين بأنواع الجراح بل جملة من جراحاته سارية إلى المبرئين من العيوب كما في جرح هذا المفسر الأسترآبادي بأنه ضعيف كذّاب، أفلا يلزم من كونه كذّاباً والحال أنّ الصدوق قد أكثر من الرواية عنه وبالغ في الاعتماد عليه بجعله حجة بينه وبين ربّه، أحد أمرين إما تكذيب للشيخ الطوسي في توصيفه الصدوق بأنه كان بصيراً بالرجال نقّاداً للأخبار فيما إذا كان أخذ الصدوق عنه وشدة اعتماده عليه عن جهله بحالة من أنه كذّاب إذ يظهر منه أنّه ليس كما وصفه الطوسي بصيراً ونقاداً، وإما تكذيب لتوصيف الحجة عليه السلام إياه في التوقيع بكونه خيّراً فقيهاً في الدين كما حكاه آية الله بحر العلوم رحمه الله في «الفرائد الرجالية» إن كان أخذه عنه عن عمد وعلم بحاله.
ثم أنّه كيف خفي على الشيخ الصدوق المتلمذ عليه والمعاشر له كونه كذّاباً ولم يطلع عليه، ولكن اطلع عليه من وُلِدَ بعد وفاة الصدوق بسنين كثيرة، وكيف يطلع على كذبه والد ابن الغضائري؟ فرواه عنه بسنده مع سائر العلماء الذين ذكرهم المحقق الكركي في إجازته، واطلع على كذبه ولده بعد موت أبيه، كلّ ذلك قرائن تدلنا على أنّ هذا الكتاب ليس من تأليفه، وإنما ألّفه بعض المعاندين للإثني عشرية المحبين لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، أدرج فيه بعض أقوال نسبها الشيخ الطوسي والنجاشي في كتابيهما إلى ابن الغضائري، ليتمكن من النسبة إليه، وليروج منه ما أدرجه فيه من الأكاذيب والمفتريات، ومن تلك الأكاذيب قوله، بأنّ المفسر الأسترآبادي روى هذا التفسير عن رجلين مجهولين، إذ لا يبقى جهالة في الراوي بعد معرفة اسمه وكنيته ونسبه ونسبته ومذهبه ونحلته ومقره وبلدته، ومنها قوله، أنّ المجهولين يرويانه عن أبويهما عن الإمام مع صراحة الكتاب في أوله وأثنائه بعدم الواسطة، ومنها قوله، إنّ الإمام هو أبو الحسن الثالث مع التصريح في مواضع كثيرة منه بأنه أبو محمد أبو الحسن أبو الحجة عليهما السلام، ومنها قوله، إنّ التفسير موضوع عن سهل الديباجي عن أبيه، مع أنّه ليس له ولا لأبيه اسم في سند التفسير، ومنها قوله، إنها تشتمل على المناكير، مع أنّه ليس فيه إلاَّ بعض غرائب المعجزات مما لا يوجد في غيره. وما ذكرناه هو الوجه للسيرة الجارية بين الأصحاب قديماً وحديثاً من عدم الاعتناء بما تفرد به ابن الغضائري من الجرح، فإن ذلك لعدم ثبوت الجرح منه لا لعدم قبول الجرح عنه كما يسبق إلى بعض الأذهان» عن الذريعة ج4، هامش ص285، 286، 287، 288، 289، 290، 291».
5 ـ كتاب إكمال (كمال) الدين وإتمام النعمة، ذكره له البستاني في دائرة المعارف (ج2، ص156)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347، الرقم 14) وقال: «في إثبات الغيبة وكشف الحيرة…، ومنه القطعة الأولى في بحث «مللر» عن نظرية المهدي عليه السلام.
E Moeller, Beitr, Zur Mahdilehre ds Ist. I, Heidelberg 1901.
وفيه بنص عن برلام ويواساف، وأغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص283، الرقم 1147) وقال؛ «إكمال الدين وإتمام النعمة، يقال له «كمال الدين وتمام النعمة» أيضاً، في غيبة الحجة المنتظر عليه السلام، وما يتعلق بها للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، أوله: الحمد لله الواحد الحيّ الفرد الصمد».
وللكتاب المذكور نسخ خطية في مكتبات، باريس أول برقم 1231، مانشستر برقم 807، مشهد الرضوي برقم: 78 رقم 239 ـ 242، وآصفية برقم1 :610 رقم 197، سپه سالار (طهران) برقم1 :204، پاتنة برقم 114:1 رقم 1151.
وطبع الكتاب المذكور طباعة حجرية سنة 1301هـ.
6 ـ كتاب معاني الأخبار، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص413)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، 344)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج21، ص204، الرقم 4622) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ذكر فيه الأحاديث التي وردت في تفسير معاني الحروف والألفاظ، أوله: «الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله وآله الطاهرين» ومنه نسخة بخط الشيخ الحرّ في المكتبة الرضوية بمشهد (إيران). وحكى الشيخ عبدالله السماهيجي في حاشية نسخة من «معاني الأخبار» أنّ السيد ابن طاووس ذكر في «الطرائف» أنّ فراغ مصنفه عن نسخه كان في سنة 331هـ، وتلك النسخة كتبت لخزانة العالم الشيخ لطف الله ابن الحاج علي بن الحاج إسماعيل السماهيجي الأوّالي، وعليها حواشٍ للشيخ عبدالله السماهيجي، رأيتها عند الشيخ أسد الله بن محمد بن عيسى المعروف بالشيخ أسد حيدر، أهداها أخيراً إلى مكتبة أمير المؤمنين، وهي نسخة نفيسة كلها بخط أحمد بن محمد بن أحمد بن وليد وفيه «جامع الأخبار» «المرتب الأبواب».
ولكتاب معاني الأخبار نسخ خطية أخرى في مكتبات: عليجرة (بالهند) برقم 98 رقم 13، وآصفية 2 :620 ، والمكتب الهندي أول برقم 145.
وطبع في مجموعة مع كتاب «علل الشرائع والأحكام ـ الآتي» في إيران سنة 1301هـ، وقبلها في سنة 1289هـ في إيران أيضاً. وللكتاب المذكور ترجمة فارسية بقلم آغا محمد إبراهيم بن محمد علي محمد آبادي، «راجع فهرست كتابخانه دانشكده معقول ومنقول در مدرسه عالى سپه سالار، تأليف ابن يوسف شيرازي، 1: 196، ج2: 35، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمن ج3، ص344».
7 ـ كتاب علل الشرايع والأحكام، ذكره له الحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154، 155)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135) وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص36، الرقم 5) وقال: «كتاب العلل، أو علل الشرائع والأحكام، وهو يتناول طائفة من الأبواب المختصرة، أسباب التشريفات وعللها وأغراضها، ويتعرض في ذلك لكثير من شؤون الحياة والطبيعة والتاريخ والعلم»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج15، ص313، الرقم 2005) وقال: «للشيخ الصدوق…، أوله: «بعد الحمد لله رب… قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين…»، نسخة منه في مكتبة السلطان محمد الفاتح، وطبع على الحجر بإيران مع «معاني الأخبار» في سنة 1301هـ، واختصره الشيخ إبراهيم الكفعمي»، وقد أشار صاحب الذريعة (ج1، ص356، الرقم 1876) أيضاً إلى هذا الاختصار وقال: «اختصار علل الشرائع تأليف الشيخ الصدوق…، للشيخ إبراهيم الكفعمي، كانت نسخة هذا الاختصار عند صاحب الرياض في مجموعة». ولكتاب علل الشرائع نسخ خطية في مكتبات: برلين برقم 1196، 8326، 8327، المتحف البريطاني أول برقم 1996، مكتبة سپه سالار برقم 278:1، 279، ورامپور 1: 96، 231، 232، ومانشستر برقم 95 وطُبع كتاب علل الشرائع مترجماً إلى الفارسية في طهران سنة 1297هـ.
8 ـ كتاب صفات الشيعة، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347، الرقم 15)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج15، ص45، الرقم 287) وقال: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين…، أوله: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي…، إلى قوله: «حدثني أحمد بن محمد بن يحيى العطّار عن أبيه… »، إلى قوله: «عن أبي بصير، قال [الإمام] الصادق عليه السلام: شيعتنا أهل الورع…». ينقل عنه في «الدمعة الساكبة»، والمجلسي في «البحار»، والحرّ في «الوسائل»، وشيخنا في «المستدرك»، توجد منه نسخة بخط قديم وقطع كبير عند «الدكتور نوع پرست» بطهران، وأخرى عند «الأُردبادي» في النجف، ومكتبة الطهراني بسامراء، ومعه «كتاب فضائل الشيعة» له أيضاً وبخط شيخنا النوري عند حفيده ميرزا علي بهزادي بطهران».
«وانظر في كتاب الشيعة المذكور، مجلة لغة العرب 7، سنة 1920، ص223».
9 ـ كتاب فضائل الشيعة، وهو غير كتاب صفات الشيعة المذكور في المادة 8 أعلاه، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص260، الرقم 1056)، وقال: للشيخ الصدوق المتوفى سنة 381هـ، صرح في خاتمة «الوسائل» وأول «البحار» وغيرهما بأنه غير «صفات الشيعة»، له أيضاً.
ويقال [لكتاب فضائل الشيعة] «فضل الشيعة» أيضاً و[العلاّمة] المجلسي ينقل عن «فضائل الشيعة» و«صفات الشيعة» وكلاهما كانا موجودين عنده، كما أنّ الشيخ الحرّ ينقل عنهما كانا عنده، وبتصريحه في الفائدة الرابعة من خاتمة «الوسائل» هما موجودان اليوم في أصفهان، ومشهد خراسان، عند الشيخ حسين المعروف بالمقدس المشهدي، وأخذه [أي فضائل الشيعة] منه الميرزا محمد الطهراني، واليوم موجود في مكتبة سامراء [بالعراق]». ثم ذكره الشيخ آغا بزرك مرة ثانية في (ج16، ص278، الرقم 1117) تحت عنوان «فضل الشيعة».
10 ـ كتاب عيون أخبار الرضا، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص503)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، 156)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (ج2، ص1174) وسماه: «عنوان أخبار الرضا»، وقال: «للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه»، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص334، الرقم 4) وقال: «وهو يتناول حياة علي [بن موسى] الرضا عليه السلام وأقواله»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج15، ص375، الرقم 2367) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، في أحوال الإمام الرضا في 139 باباً، طبع منها 73 باباً في سنة 1317هـ.
كتبه للوزير الصاحب إسماعيل بن عباد الديلمي لما دفع إليه قصيدتين من قصائده في إهداء السلام إلى الإمام علي بن موسى الرضا. وذكر فيه زيارته لمشهد في سنة 352هـ، أوله: الحمد لله الواحد القهار العزيز الجبار الرحيم الغفّار…».
وللكتاب المذكور نسخ خطية في مكتبات: برلين برقم 9663، ميونخ برقم 456، باريس أول برقم 146، ليننغراد AM Nov.39، آصفية 3 :270 الرقم 95، رامپور2 :137 الرقم 461، پانته1 :277، سپه سالار بطهران1 :282، 283، 2 :550، المكتبة الرضوية بمشهد4 :57 الرقم 171 ـ 181 ـ 60، ودار الكتب بالقاهرة 275:5.
وطبع كتاب أخبار الرضا عليه السلام في طهران سنة 1275هـ، و1287هـ، و1317هـ.
ولهذا الكتاب تراجم فارسية، منها:
أ ـ «تحفه ملكي»، لعلي بن طيفور (في عهد قطب شاه 1035 ـ 1083هـ الموافق 1620 ـ 1672م)، منها نسخ خطية في مكتبات: بنكيپور 6 :507 مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال برقم 1108، وانظر: كتالوك هاراسو فيتز 405 رقم 893، 415، 1283.
ب ـ ومنه تفسيرات مختصرة لحسن علي شمس الدين علي خان، مخطوط منه في مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال برقم 1109.
جـ كاشف النقاب لمحمد تقي بن محمد باقر صاحب حاشية «المعالم»، وطبع على الحجر سنة 1297، وفي طهران سنة 1317هـ.
(انظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمن، ج3، ص344، 345، والذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج15، ص376، ج17، ص240، الرقم 72).
د ـ وله شرح فارسي للسيد علي أصغر بن السيد الحكيم ابن السيد علي التُستري الأخلاقي المعروف، وصي العلاّمة الأنصاري (انظر الذريعة ج13، ص375، الرقم 1402).
هـ وشرح للشيخ محمد علي الحزين ابن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني الأصفهاني المتوفى ببنارس الهند سنة 1181هـ (المصدر أعلاه، الرقم 1403).
و ـ وشرح للمحدث الجزائري السيد نعمة الله بن عبدالله بن محمد بن الحسين الجزائري التستري المتوفى سنة 1112هـ، وهو شرح عربي اسمه «لوامع الأنوار» (المصدر أعلاه، بعد الرقم 1403)، ثم ذكره صاحب الذريعة أيضاً في (ج18، ص363، الرقم 480) وسماه «لوامع الأنوار في شرح عيون الأخبار» وقال للسيد المحدث الجزائري السيد نعمة الله بن عبدالله التستري المتوفى سنة 1112هـ، موجود في الخزانة (الرضوية)، وعند السيد علي أصغر بن السيد حسين الحكيم بن الحاج سيد علي التستري من أحفاد الشارح، وقطعة من أوله في خزانة شيخنا الميزان محمد تقي الشيرازي، أوله: «الحمد لله ربّ العالمين حمداً كثيراً..» وهو شرح مزج ذكر في أوله اسمه واسم الشرح، وأنه كتبه بعد شرح «التوحيد» للصدوق، وفي «الضوية» نسخة مدونة مستقلة بخط محمد صالح بن محمد رشيد في شعبان سنة 1106هـ وهو بعينه تاريخ فراغ المصنف كما كتبه في الهامش بخطّه، ونسخة أخرى في حاشية كتاب «العيون» كتابتها في سنة 1125هـ بخط السيد علي أدهم الحسيني الشيرنكي السبزواري، ونسخة منقولة عن نسخة خط المصنف في مكتبة الميرزا أبي الفضل شيخ الإسلام الزنجاني».
ز ـ وشرح للمولى هادي البُنابي الراوي عن العلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ (انظر الذريعة، ج13، ص375، الرقم 1404).
ح ـ وشرح للمولى محمد صالح القزويني (الذريعة، ج15، ص376).
11 ـ كتاب من لا يحضره الفقيه، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص503)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص345، الرقم 4) وقال: «وهو مرجع في تطبيق أحكام الفقه، صنفه باقتراح الشريف محمد بن الحسن نعمة الله الذي لقيه في بلخ، وسمّاه بهذا الاسم مجاراة لكتاب الرازي الطبيب: «كتاب من لا يحضره الطبيب». وهو أحد الكتب الأربعة الأساسية عند الشيعة»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج22، ص232، الرقم 6841) وقال: «كتاب من لا يحضره الفقيه، أحد الأصول الأربعة للشيعة المعتمد عليها عندهم، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف نحو 300 كتاب، والمتوفى سنة 381هـ، وهو أربعة أجزاء، أوله: «اللَّهمّ إني أحمدك وأشكرك وأؤمن بك وأتوكّل عليك…».
وأحصى من روى عنهم في من لا يحضره الفقيه في 510 رجال، وله نسخ خطية قديمة عليها خطوط العلماء، منها نسخة الطريحي، وهو الشيخ محمد علي بن طريح بن خفاجي بن فياض بن حمة بن حميس بن جمعة، فرغ من نسخها سنة 1036هـ، وقرأ فيه وصححه ولده الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي، وكتب علي ظهره إجازة لولده الشيخ صفي الدين بن فخر الدين في يوم الجمعة […] من جمادي الثاني سنة 1072هـ، وإحصاء المجلدات والأبواب والأحاديث والمسانيد والمراسيل على ما هو منقول عن خط شيخنا البهائي، هكذا صورته:
| التسلسل | أبوابه | أحاديثه | مسانيدها | مراسيلها |
| المجلد الأول | 87 | 1618 | 777 | 841 |
| المجلد الثاني | 228 | 1667 | 1094 | 573 |
| المجلد الثالث | 173 | 1810 | 1295 | 515 |
| المجلد الرابع | 178 | 903 | 777 | 126 |
| المجموع | 666 | 5998 | 3943 | 2055 |
وهذا الإحصاء بعينه مكتوب على نسخة موجودة في مكتبة الحسينية في النجف، والجزء الأول من نسخة عند السيد مصطفى الصفائي، بقلم الميرزا علي السلطان، فرغ منه في شعبان سنة 981هـ، وقفها الكاتب في التاريخ المذكور كساير كتبه فيظهر أنه من العلماء وصاحب المكتبة أوقفها لتكون صدقة جارية بعده».
كما وللكتاب المذكور نسخ خطية أخرى في مكتبات: برلين برقم 4782 ـ 4783، وبطرسبرج أول برقم 250، وباريس أول برقم 1108، 6615 ـ 6616، 6659، 6662، والمتحف البريطاني أول 330، 905، المكتب الهندي أول برقم 289، بودليانا2 :84 ـ 86، كمبردج ثالث 1247، مانشستر برقم 185، الرضوية بمشهد4 :82 رقم 252 ـ 262، 95 رقم 288 ـ 298، بورها برقم 50، بنكيپور 5 رقم 1263،5 :2 رقم 479، آصفيه1 :474 رقم 605، رامبور1 :254 رقم 583، عليجره 101 رقم 3، پاتنه1 :64 رقم 663 ـ 665،2 :254 رقم 2707.
وطبع على الحجر بدون ذكر المكان سنة 1324، وفي لكنو سنة 1307هـ، وفي إيران سنة 1325، وفي بمبي.
وعليه شرح ونوادر وترجمة ذكره بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص345) وهي:
أ ـ شرح روضة المتقين، لمحمد تقي بن مقصود علي المجلسي المتوفى سنة 1070هـ/1659م، منه نسخ خطية في4 :39 رقم 120، 40 رقم 122، ومكتبة سپه سالار بطهران1 :254 ـ 257.
ب ـ وعليه: نوادر من لا يحضره الفقيه، والظاهر أنّه لولي الله الحسيني مصنف تحفة الملوك، نسخة منه في مكتبة سپه سالار بطهران1 :334.
جـ ومنه أيضاً: تفسير سورة الحمد، نسخة مخطوطة منه في المكتب الهندي أول برقم 1157.
د ـ وله ترجمة فارسية، لوامع صاحب قرآني، قدمت إلى عبابس الثاني (انظر كشف الحجب للكنتوري 2714)، منه نسخ خطية في مكتبات: المتحف البريطاني ثاني Pers.13 بطرسبرج خامس برقم 253، المكتبة الرضوية بمشهد2 :81، 247، بنكيپور 14 رقم 1258 ـ 1260، مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال 2: 384، 2. وطبعت هذه الترجمة في طهران سنة 1322 و1324هـ.
12 ـ كتاب الاعتقادات ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والمدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص225، الرقم 887) وقال: «الاعتقادات، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الشيخ الصدوق المتوفى بالرّي سنة 381، طبع مكرراً، أوله: «الحمد لله ربِّ العالمين وحده لا شريك له»، أملاه في مجلس يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سن 368هـ لما سأله المشايخ الحاضرون أن يملي عليهم وصف دين الإمامية على وجه الإيجاز، ولذا سمّاه الشيخ بدين الإمامية، ذكر فيه جميع اعتقادات الفرقة الناجية الضرورية منها وغير الضرورية، الوفاقية منها وغير الوفاقية وقال في آخره «وسأملي شرح ذلك وتفسيره إذا سهل الله عزّ اسمه عليَّ العود من مقصدي إلى نيسابور»، ولم يذكر شرح له في فهرس تصانيفه الكثيرة، ولعلّه لم يتيسر له، ولذا عمد الشيخ المفيد إلى شرح الكتاب (وانظر الذريعة ج13، ص100، الاعتقادات).
وللكتاب المذكور مخطوطات في مكتبات المتحف البريطاني أول برقم 851، بطرسبرج ثالث برقم 61، آصفية 610:1 رقم 333 (بعنوان: عقائد الإمامية) ـ و2 :1296: رقم 102، والرضوية بمشهد1 :63، 208 ـ 209، وانظر كتالوك براون (C,9,I 16) .
وطبع كتاب الاعتقادات في طهران سنة 1300هـ.
وقد اهتم أصحاب القلم بكتاب الاعتقادات حيث شرحه عدد من الفضلاء، كما ترجم إلى أكثر من لغة، ومن هذه الشروح والتراجم:
أ ـ ترجمة فارسية لعبدالله بن حسين رستم داري، مخطوطة منها في مكتبة بنكيپور14 :1328، ذكرها له صاحب الذريعة في (ج4، ص79، الرقم 336) تحت عنوان «ترجمة اعتقادات الصدوق» وقال: «للمولى عبدالله بن الحسين الرستم داري المازندراني، قال في الرياض: «رأيت نسخة منه بتبريز، ألّفه المؤلف بها لبعض أصدقائه ولم أعلم عصره». ثم ذكرها له مرة أخرى في (ج13، ص101، بعد الرقم 318) وسماه «شرح اعتقادات الصدوق» وقال: «للمولى عبدالله بن الحسين الرستمداري المازندراني وقد مرّ بعنوان الترجمة».
ب ـ وللاعتقادات ترجمة أخرى ذكرها صاحب الذريعة تحت عنوان: «منهاج المؤمنين» في (ج23، ص177، الرقم 8549) وقال: «ترجمة لاعتقادات الصدوق، لم أعرف المترجم، أوله: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين». (وانظر الذريعة ج4، ص79، بعد الرقم 336).
جـ وله ترجمة أخرى باسم «وسيلة النجاة» ذكرها له صاحب الذريعة في (ج4، ص79، ذيل الترجمة السابقة)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346) وقال: «وله (أي الاعتقادات) ترجمة فارسية لعلي بن حسين بن الزواري»، ثم ذكرها له صاحب الذريعة أيضاً في (ج25، ص88، الرقم 482) وقال: «وسيلة النجاة، ترجمة لاعتقادات الصدوق، (ذكرناها في ج2: 226 ـ و13: 100 ـ 102) للملاّ علي بن الحسن الزواري المفسر تلميذ المحقق الكركي، وأستاذ الملاّ فتح الله المفسر الكاشاني، قال صاحب الرياض: «رأيته ببلده أمل وغيرها»، أقول، ورأيت منه نسخة عند جلال الدين المحدث أستاذ كلية الإلهيات بطهران وصاحب وسيلة القربة».
د ـ وله ترجمة أخرى ذكرها صاحب الذريعة (ج4، ص79، الرقم 337) وقال: «ترجمة اعتقادات الصدوق، لميرزا علي المدرس ابن السيد علي رضا بن زين العابدين بن السيد محمد بن السيد مرتضى بن السيد محمود المعروف بالأخباري بن السيد صدر الدين بن محمد نصير بن ميرزا محمد صالح الطباطبائي اليزدي المتوفى سنة 1240هـ، ذكره في «آئينه دانشوران» (وانظر الذريعة ج13، ص101، بعد الرقم 318) حيث ذكرها تحت عنوان «شرح اعتقادات الصدوق».
هـ – وله ترجمة فارسية لأبي الفتح الحسيني (في عهد شاه طهماست 930 ـ 984هـ/1521 ـ 1576م)، ذكرها له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346). منها مخطوطة في مكتبة الجمعية الآسيوية في البنغال 2: 386.
و ـ وترجمة فارسية أخرى لمحمد بن شمس الدين محمد الأسترآبادي (المصدر أعلاه)، مخطوطة منها في بنكيپور برقم 14 :1329.
ز ـ وترجمة أردية بعنوان «هديه جعفريه» بقلم إعجاز حسين ذكرها له صاحب الذريعة (ج25، ص207، الرقم 297).
ح ـ كما ذكر له بروكلمن أيضاً في المصدر السابق ترجمة إنكليزية وقال: وله ترجمة إنجليزية من عمل أ. فيضي في: Ist. Res. Ass. 1932.
ط ـ وللاعتقادات شرح للشيخ المفيد (أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان). (انظر الذريعة ج4، ص193 «تصحيح الاعتقاد»، وج13، ص103 «شرح اعتقادات الصدوق»).
ي ـ شرح اعتقادات الصدوق، بالفارسية، ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص102، الرقم 319) وقال: «مرتب على أربعة وأربعين باباً، عبّر فيه الشارح عن نفسه بقوله: فقير واثق بفضل الله وبرجاء تعييني ابن ولي القزويني رزقه الله حسن الاعتقاد… إلخ. رأيت النسخة في «مكتبة مدرسة النواب» الموقوفة في مشهد الرضا عليه السلام بخراسان، والمظنون: أنّ اسمه فضل الله بن ولي الله القزويني، ولم يكن فيه تاريخ، وأظنه من أفاضل القرن الثاني عشر أو قبله بقليل».
ك ـ شرح اعتقادات الصدوق، وترجمتها إلى الفارسية، للسيد محمد مهدي الموسوي المجاور بالمشهد الرضوي، كتبه باسم الشاه عباس الصفوي المتوفى سنة 1078هـ، ذكره له صاحب الذريعة (ج13، ص102، الرقم 320) وقال: «رأيته في مكتبة الشيخ محمد سلطان المتكلّمين في طهران».
ل ـ شرح اعتقادات الصدوق، للسيد المحدث نعمة الله بن عبدالله الموسوي التستري الجزائري المتوفى سنة 1112هـ، ذكره له صاحب الذريعة، ج13، ص102، الرقم 321.
13 ـ كتاب المقنع، في الفقه، ذكره له المدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص347)، وخير الدين الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج22، ص123، الرقم 6365) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، أوله: «الحمد لله الذي حجب الأبصار عن رؤيته، وتفرد بكبريائه، وعز في ذاته وعلا في صفاته…».
قال فيه: «إني صنفت كتابي هذا وسمّيته كتاب «المقنع» لقنوع من يقرأ بما فيه، وحذفت الإسناد لئلا يثقل حمله ويصعب حفظه ولا يمله قاريه…». وهو كتاب متداول شائع، وينقل عنه في «الوسائل»، ونقل عنه في «الأفعال» عن نسخة عصر المصنف. منه نسخة عند الميرزا محمد علي الأوردبادي.
بدأ فيه بالوضوء وأورد كثيراً من أبواب الفقه حتى الديات، ونقل في آخره عن رسالة والده إليه».
طبع المقنع في طهران ضمن «جوامع الفقه» سنة 1276هـ. (راجع آخر التسلسل 22 فيما يلي).
وللكتاب المذكور نسخة خطية في: المكتبة الرضوية بمشهد برقم 5: 126 رقم 40.
14 ـ كتاب اللباس: ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج18، ص293، 162) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، المتوفى 381هـ».
ولم يزد على ذلك شيئاً.
ولكني رأيته قد استدرك ما قاله وذكر في (ج22، ص124) عند الكلام عن «كتاب المقنع في الفقه» آنفاً، وقال في آخر الشرح: «وله» آداب ليس الثوب الجديد «عندي نسخة ملكها الحاج حسين كبه وهي بقلم محمد بن خضر في سنة 1233هـ».
15 ـ كتاب المصابيح: ذكره له الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص80، الرقم 4043) وقال: «كتاب المصابيح» في من روى عن النبي والأئمة عليهم السلام، للشيخ الصدوق أبي جعفر بن بابويه القمي، وهو خمسة عشر مصباحاً وكل مصباح كتاب على حده، كما يظهر من النجاشي، فالمصباح الأول ذكر من روى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من الرجال، المصباح الثاني ذكر من روى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من النساء، الثالث ذكر من روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، الرابع ذكر من روى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، الخامس ذكر من روى عن أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام وهكذا لكل إمام مصباح إلى المصباح الخامس عشر وذكر فيه الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات» كما ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، ثم ذكر ما قاله آغا بزرك الطهراني في الذريعة، وأضاف قائلاً: «المصباح السادس فيمن روى عن أبي عبدالله الحسين عليه السلام، المصباح السابع فيمن روى عن علي بن الحسين عليهما السلام، المصباح الثامن فيمن روى عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، المصباح التاسع فيمن روى عن أبي عبدالله الصادق [جعفر بن محمد] عليه السلام، المصباح الحادي عشر فيمن روى عن أبي الحسن الرضا [علي بن موسى] عليه السلام، المصباح الثاني عشر فيمن روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، المصباح الثالث عشر فيمن روى عن أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام، المصباح الرابع عشر فيمن روى عن أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام، المصباح الخامس عشر في الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات»، وانظر الذريعة (ج10، ص146)، رجال الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه.
16 ـ كتاب السلطان، ذكره له النجاشي في الرجال (ص276)، والزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص217، الرقم 1437).
17 ـ تاريخ ابن بابويه، ذكره له الزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، والنجاشي في الرجال (ص276)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج3، ص222، الرقم 812)، وقال: (لابن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ذكره النجاشي في كتاب الرجال في إعداد كتبه، ويحتمل أن يكون مراده الكتاب المشتمل على تراجم عامة الرواة، من الخاصة والعامة وأخبارهم ووفياتهم، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
18 ـ كتاب الشعر، ذكره له النجاشي في الرجال (ص276)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والزركلي في الأعلام (ج7، ص159)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج14، ص192، الرقم 2142) وقال: «لأبي جعفر ابن بابويه القمي، قاله النجاشي في الرجال».
19 ـ كتاب مناظرة ركن الدولة مع الشيخ الصدوق، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155) وسمّاه: المجلس الذي جرى له بين يدي ركن الدولة، ثم ذكر له المجلس الثاني، والثالث، والرابع والخامس. فيظهر من هذا أنّ المناظرة قد تمت في خمسة مجالس. كما ذكر هذه المناظرة له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346، الرقم 8) وسمّاها: مناظرة الملك ركن الدولة مع الصدوق ابن بابويه، في من هو الخليفة بعد علي عليه السلام، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج22، ص192، الرقم 7151) وقال: «مناظرة ركن الدولة، مع الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ جمعها الشيخ ركن الدين الدوريستي، وذلك لما اطلع الملك ركن الدولة على رياسة الصدوق لمذهب الشيعة وغزارة علمه، اشتاق إليه، فلما قدم إليه الصدوق عظّمه ورحّب به وأجلسه في جنبه وناظر معه. أولها: «قال الملك: أيها الشيخ العالم اختلف الحاضرون في القوم الذين يطعن عليهم الشيعة، قال بعض يجب الطعن عليهم، وقال آخرون لا يجب ولا يجوز فما عندك…». وذكر في «مجالس المؤمنين» ترجمة هذه المناظرة وهي في خزانة «الصدر»، والمكتبة «الرضوية».
كما ولها نسخ خطية أخرى غير التي ذكرها صاحب الذريعة منها: نسخة خطّية في المتحف البريطاني أول برقم 886 رقم 3، وفي كتالوك براون {y,5,1} وانظر:
Strothmann, Islam XXI, 307
20 ـ كتاب ثواب الأعمال، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص135)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وصاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص18، الرقم 77) وقال: «للشيخ الصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381هـ ذكره النجاشي، وطبع مكرراً مع «كتابه عقاب الأعمال» في مجلد في إيران».
منه نسة خطّية في مكتبة مانشستر برقم 94، ونسخة خطّية أخرى جاء ذكرها في «كتالوك براون ـ C10» وطبع الكتاب المذكور مع كتابه عقال الأعمال «الآتي ذكره» في طهران سنة 1299هـ.
21 ـ كتاب عقاب الأعمال، نفس المصادر المذكورة في التسلسل «20» أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج15، ص280، الرقم 1228) وقال: للشيخ الصدوق ابن بابويه القمي، طبع بإيران سنة 1299هـ مع «ثواب الأعمال» [المذكور أعلاه] وعندي منهما نسخة كتابتها سنة 1067هـ.
وللكتاب المذكور مخطوطة جاء ذكرها في «كتالوك براون ـ C10» تحت عنوان «عقاب العمل».
22 ـ كتاب الهداية، في الأصول، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص136)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج25، ص174، الرقم 115) وسمّاه «الهداية بالخير»، وقال: «في الأصول والفروع، للصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، مرتب على أبواب، ابتدأ فيه بالأصول، وأول أبوابه ما يجب اعتقاده في توحيد الله، ثم النبوّة، ثم الإمامة إلى آخر باب النيّة. ثم شرع في الفروع من باب المياه، ثم الوضوء، والغسل، و…، حكى عنه أنّه جوز فيه الوضوء والغسل بماء الورد…، أوله: الحمد لله الذي له الخلق والأمر وهو أحسن الخالقين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيين…». ينقل عنه المجلسي في البحار، وقال في أوله أنّ اشتهاره ليس كاشتهار كتب الصدوق.
رأيت منه نسخة ناقصة إلى أواخر الحج في خزانة «الصدر»، ونسخة أخرى إلى الميراث عند السيد أبي القاسم الأصفهاني في النجف، وأخرى عند الميرزا محمد علي الأردبادي، وأخرى عند «هادي كاشف الغطاء»، ونسخة عنوانها «هداية المتعلّمين» في مكتبة مدرسة «البروجردي» وهي بخط تاج الدين حسين بن عوض شاه الكاشاني فرغ منها يوم الثلاثاء 1 رجب سنة 687هـ وهي إلى آخر الميراث، ونسخة في مكتبة راجه فيض آبادي بالهند».
وله نسخ خطّية أخرى في مكتبات: برلين برقم 1779 Qu، والمكتب الهندي أول برقم 4632.
وطبع “الهداية” ضمن جوامع الفقه في طهران سنة 1276هـ، أما جوامع الفقه المذكور فهو مجلد كبير طبع فيه اثنا عشر كتاباً في الفقه من تأليفات القدماء وهي:
أ ـ المقنع في الفقه للشيخ الصدوق (راجع التسلسل 13 فيما سبق).
ب ـ الهداية، للشيخ الصدوق أيضاً.
جـ ـ الانتصار، للمرتضى.
د ـ الناصريات، له أيضاً.
هـ الجواهر، لابن البراج.
و ـ الإشارة، لعلاء الدين الحلبي.
ز ـ المراسم، لسلار.
ح ـ النهاية، للشيخ الطوسي.
ط ـ نكت النهاية، للمحقق الحلّي.
ي ـ الغنية، لابن زهرة.
ك ـ الوسيلة، لابن حمزة.
ل ـ عديمة النظير في ترجمة أبي بصير.
كما طبع في طهران مع كتابي «المجالس» و«المقنع» بعنوان «وصف دين الإمامية» سنة 1380هـ (انظر الذريعة، ج19، ص355، القسم الآخر من تعريف كتاب «المجالس» للصدوق.
23 ـ كتاب الاختصاص، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 18)، وآغا برزك الطهراني في الذريعة (ج1، ص358، الرقم 1889) وقال: «للشيخ الصدوق بن بابويه، حكى لي أمين الواعظين ميرزا إبراهيم بن محمد علي الأصفهاني المولود سنة 1275هـ أنّه موجود عنده بأصفهان، وقد سألته أن يكتب إليَّ خصوصياته، ولكن انقطع عنّي خبره إلى أن توفى رحمه الله».
24 ـ كتاب «الأربعون عن الأربعين من الأربعين»، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348) وقال: في مكتبة ملاّ علي آقا في تبريز (انظر مجلة لغة العرب 7: 159).
25 ـ كتاب فضائل شهر رجب، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 22) وقال: «في مكتبة ملاّ علي آقا في تبريز (انظر مجلة لغة العرب 7 :160)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص258، بعد الرقم 1042) وقال «كتاب فضائل رجب، للشيخ الصدوق مرّ بعنوان فضائل الأشهر الثلاثة»، ثم ذكره بعنوان فضائل الأشهر الثلاثة في (ج16، ص252، الرقم 1012) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد القمي المتوفى سنة 381هـ، ينقل عنه شيخنا النوري في كتبه، يوجد في تبريز في موقوفة الحاج السيد علي الأيرواني، وكان عند العلاّمة المجلسي وينقل عنه في «البحار»، ونسخة عتيقة عند الشيخ الميرزا أبي الهدى بن الميرزا أبي المعالي بن الحاج الكلباسي في النجف، واستنسخ منها نسخ أخرى، وهو في ثلاثة أجزاء:
أ ـ فضائل رحب.
ب ـ فضائل شعبان.
جـ فضائل رمضان.
وكلّ منها كتاب مستقل مختصر. كما أحال كل واحد منها (الشيخ الصدوق) في كتاب الصوم من كتابه «من لا يحضره الفقيه» معبّراً عنه بكتاب فضائل رجب، وكتاب فضائل شعبان، وكتاب فضائل رمضان، لكن لاختصارها واجتماع الأبواب الثلاثة في مجلد واحد، اشتهر الجميع باسم واحد يعني: «فضائل الأشهر الثلاثة»، وهذه الكتب الثلاثة مما غفل عنها الشيخ [الطوسي] في «الفهرست»، والنجاشي في «رجاله» وما ذَكَرَاها في عداد تصانيف الصدوق.
أوله: «الحمد لله ـ إلى قوله ـ أخبرنا أبو جعفر بن علي بن الحسين بن بابويه».
26 ـ كتاب فضائل شهر رمضان، راجع التسلسل 25 فيما سبق، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 23)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154، 156)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، و(انظر مجلة لغة العرب 7 :64).
27 ـ كتاب فضائل شهر شعبان، المصادر أعلاه وراجع التسلسل 25 فيما سبق، و(انظر مجلة لغة العرب 7: 65).
28 ـ فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 25).
وانظر مجلة لغة العرب (7: 82).
29 ـ كتاب مشيخة الصدوق، ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص72، الرقم 4006) وقال: «في ذكر من لقيه من أصحاب الحديث، وعن كل واحد منهم حديث، كما ذكره النجاشي»، وهو غير كتاب مشيخة ابن بابويه الآتي.
30 ـ كتاب حقوق الإخوان، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص134)، والحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص156).
31 ـ غنائم الأنام في مسألة الحلال والحرام، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 19) وقال: «طبع في طهران سنة 1319هـ».
32 – إثبات النص على الأئمة عليهم السلام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص346، الرقم 7) وسمّاه: النصوص على الأئمة الاثني عشر، وقال: «مخطوطة منه في باريس أول برقم 2018 رقم 2»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص102، الرقم 501) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381، وذكره النجاشي، وهو المشهور بنصوص الأئمة عليهم السلام»، ثم ذكره مرة ثانية بعنوان: نصوص الأئمة (ج24، ص179، الرقم 930) وقال: «للصدوق ابن بابويه محمد بن علي القمي المتوفى سنة 381هـ، ينقل عنه في «البحار»، وينقل عنه السيد هاشم البحراني في «الإنصاف» وجعل رمزه «نص»، وتوجد نسخة في المكتبة الأهلية بباريس ذكر في فهرسها بعنوان «النصوص على الأئمة» فلعلّه هذا، وقطعة من آخر النصوص موجودة عند السيد أبي القاسم المحرر الأصفهاني بالنجف بخط المولى حسين بن علي الخيري من أعمال فارس، كتبه في شعبان سنة 695هـ، ثم قرأه علاء الدين محمد، على أستاذه عز الدين حسين بن عبدالصمد وكتب ذلك علاء الدين المذكور بخطّه على آخر تلك القطعة، وهذا لفظه: «قد فرغت من قراءة الأحاديث المباركة الشريفة الموسومة بالنصوص، عند شيخي ومولاي ومقتداي ومخدومي وأستاذي مفتي الزمان وفقيه العصر والأوان زبدة العلماء المتشرعين خلاصة الفقهاء المحدثين الشيخ الأجل الأعلم الأورع الأعظم الشيخ حسين بن عبدالصمد غفر الله له ولوالديه. وأنا الفقير إلى الغني علاء الدين محمد بن هداية الله الحسني الحسيني الخيروي عفا الله عنهما، في ذي القعدة 967هـ»، والنسخة التامة موجودة عند السيد محمد بن مرتضى الكشميري في النجف، ورسالة منتخبة منه موجودة بجامعة طهران برقم 8970 الرسالة التاسعة وهي لمحمد باقر ولي الأسترآبادي، كتبت في القرن 12».
33 ـ كتاب مشيخة ابن بابويه، ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348، الرقم 20)، وقال: «مخطوطة منه في مكتبة مشهد 4: 39 رقم 121»، كما ذكره له آغا بزرك الطهران في الذريعة (ج21، ص72، الرقم 4007) وسمّاه: مشيخة الفقيه، وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ولما بنى في [كتاب من لا يحضره] «الفقيه» المذكور آنفاً على اختصار الأسانيد وحذف أوائلها ذكر في المشيخة طريقه إلى من روى عنه، وهؤلاء المذكورون في «المشيخة» صاروا مخصوصين بالتنفيذ عند العلماء وامتازوا بمزيد البحث والفحص عن حالهم، وذيّله صاحب «المعالم» وغيره».
وهناك «مشيخة» لكتاب «الاستبصار» و«من لا يحضره الفقيه» و«التهذيب»، كتبها المولى الشريف علي بن الحسن ساكن الروضة الرضوية، أولها: «حامداً مصلياً على الرسول وآله الذين كل واحد منهم بالمؤمنين رؤوف…، وقال: لما أجلت النظر في الأحاديث الإمامية ورجالها المرضية، استخرجت أحوال عدّة طرق للشيخين، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ومحمد بن بابويه القمي في هذا الكتاب. مثبتاً فيه الأسماء على ترتيب الحروف مكتفياً بكتابة «ص، ح، ث، م، ض» عن قولي «صحيح، حسن، موثق، مجهول، ضعيف».
(انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج21، ص71، الرقم 4002).
34 ـ كتاب الأحكام والأسباب، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135)، وأظن أنه كتاب علل الشرائع المذكور وأظن أنه كتاب علل الشرائع المذكور آنفاً انظر التسلسل 7 فيما سبق).
35 ـ كتاب أبطال الاختيار، في أمر الإمامة وإثبات النص فيها، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص67، الرقم 327) وقال: «وهو في إثبات الوصية، وإثبات الخلافة، وإثبات النص على الأئمة، بتصريح النجاشي وغيره».
36 ـ ابطال الغلو والتقصير، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص69، الرقم 341) وقال: «ذكره النجاشي، ويأتي في حرف الراء تحت عنوان الرد على الغالية» وبعد مراجعتي إلى مجلد حرف الراء (ج10) لم أعثر عليه مع الأسف الشديد.
37 ـ كتاب إثبات الخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص90، الرقم 434) وقال: «لرئيس المحدثين الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمي المتوفى في الري سنة 381هـ، ذكره النجاشي وغيره، وهو غير كتاب إثبات النص عليه، عليه السلام، وغير كتاب إثبات النص على الأئمة عليهم السلام، فإن كل واحد منها ذكر مستقلاً في الفهارس».
38 ـ كتاب إثبات النص على أمير المؤمنين عليه السلام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص102، الرقم 502) وقال: «للشيخ الصدوق، ذكره النجاشي أيضاً بعد ذكر كتاب إثبات النص على الأئمة عليهم السلام، فكل منهما كتاب مستقل له، كما أنّ إثبات الوصية لعليّ عليه السلام، وإثبات الخلافة له عليه السلام، كتابان مستقلاّن للشيخ الصدوق، ذكرهما النجاشي».
39 ـ إثبات الوصية لعليّ عليه السلام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص111، الرقم 536) وقال: «ذكره له النجاشي».
40 ـ كتاب أخبار أبي ذر الغفاري وفضائله، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص 317، الرقم 1636) وقال: «أخبار أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، لرئيس المحدثين الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، ذكره النجاشي مع سائر تصانيفه».
41 ـ أخبار أبي طالب، وعبدالمطلب، وعبدالله وآمنة بنت وهب، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص317، الرقم 1637) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، كذا ذكره الشيخ [الطوسي] في الفهرست، وعبّر عنه النجاشي: بأخبار عبدالمطلب، وأبي طالب».
42 ـ أخبار سلمان الفارسي وزهده وفضله، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص333، الرقم 1738) وقال: «لرئيس المحدثين الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381هـ، ذكره النجاشي».
43 ـ أخبار عبدالعظيم بن عبدالله الحسين، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، ص339، الرقم 1773) وقال: «أخبار عبدالعظيم ابن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381هـ.
44 ـ أخبار المختار ابن أبي عبيدة، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص349، الرقم 1830) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكره النجاشي، كما ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473).
45 ـ أركان الإسلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص525، الرقم 2563) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد…، ذكره النجاشي».
46 ـ الاستسقاء، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص23، الرقم 76) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكره النجاشي في عداد تصانيفه».
47 ـ كتاب الاعتكاف، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص229، الرقم 902) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، ذكره النجاشي».
48 ـ كتاب الإمامة، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص335، الرقم 1337) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفى سنة 381هـ، ذكره السيد هاشم البحراني في أول كتاب المعاجز، وهو مذكور في النجاشي، والفهرست [للشيخ الطوسي]، نعم في النجاشي كتاب الإنابة فلعلّه تصحيف».
49 ـ كتاب امتحان المجالس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص345، الرقم 1375) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381هـ، ذكره النجاشي».
50 ـ كتاب الأواخر، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص470، الرقم 1829) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد…، ذكره النجاشي».
51 ـ كتاب الأوامر، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص470، الرقم 1830) وقال: «للشيخ الصدوق، ذكره النجاشي»، وكما ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
52 ـ كتاب أوصاف النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص478، الرقم 1870) وقال: «أوصاف النبي صلَّى الله عليه وآله، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى بالرّي سنة 381هـ، ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
53 ـ كتاب الأوائل، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان اليعة (ج46، ص154) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص471، الرقم 1838) وقال: للشيخ أبي جعفر الصدوق…، ذكره النجاشي».
54 ـ كتاب الأغسال، ذكره له صاحب الذريعة (ج2، ص252، الرقم 1014) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
55 ـ كتاب الاعتكاف، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص229، الرقم 902) وقال: «ذكره النجاشي».
56 ـ كتاب الإبانة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
57 ـ كتاب أبطال الغلو والتقصير، المصدر أعلاه، (ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص69، الرقم 341) وقال: «ذكره النجاشي».
58 ـ تفسير قصيدة في أهل البيت عليهم السلام، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص138)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج4، ص349، الرقم 1538) وقال: «ذكره النجاشي في آخر تصانيفه، ولم يصرح بأن القصيدة أيضاً له أم لغيره، وإن كان الأول أظهر».
59 ـ التفسير الجامع، (كبير)، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154، 156)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج4، ص279، الرقم 1284) وسمّاه: تفسير الصدوق، وقال: «له تفسير كبير ذكره النجاشي ووصفه بقوله كتاب «تفسير القرآن» جامع، وذكر تفسيره الصغير معبّراً عنه بقوله «كتاب تفسير القرآن».
60 ـ مختصر تفسير القرآن (التفسير الصغير)، وهو ملخص التفسير الجامع المذكور أعلاه، ذكره له صاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473) وانظر قول صاحب الذريعة في التسلسل 59 أعلاه و(ج20، ص191، الرقم 2524) مختصر تفسير القرآن.
61 ـ كتاب التجارات، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج3، ص346، الرقم 1247).
62 ـ كتاب تحريم الفقاع، ذكر له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج3، ص395، الرقم 1419) وقال: «عده النجاشي من كتبه».
63 ـ رسالة في تحريم الفقاع، أشار إليها آغا بزرك الطهراني في الذريعة عنه الكلام على كتاب «تحريم الفقاع» المذكور أعلاه.
64 ـ مسألة في تحريم الفقاع، أشار إليها آغا بزرك الطهراني في الذريعة عند الكلام على كتاب «تحريم الفقاع» المذكور في التسلسل 62 أعلاه.
65 ـ كتاب التقية، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
66 ـ كتاب التركات، المصدر أعلاه.
67 ـ كتاب جامع آداب المسافر للحج، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب الذريعة (ج5، ص31، الرقم 143) وقال: «ذكره النجاشي».
68 ـ كتاب جامع الأخبار، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473). والظاهر أنّ هذا الكتاب من تأليف محمد بن محمد الشاعري، وقيل من تأليف علي بن سعد الخياط «انظر: بحار الأنوار للمجلس «المقدمة»، وكشف الحجب للكنتوري للمجلسي، ص150، والذريعة ص33، الرقم 151».
69 ـ جامع تفسير المُنزَل في الحج، ذكره له المدرّس التبريزي في المصدر أعلاه، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص46، الرقم 180) وقال: «ذكره النجاشي».
70 ـ كتاب جامع الحج، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص48، الرقم 191) وقال: «ذكره النجاشي».
71 ـ جامع حجج الأئمة، ذكره له صاحب الذريعة (ج5، ص48، الرقم 192) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473).
72 ـ جامع حجج الأنبياء عليهم السلام، ذكره له صاحب الذريعة (ج5، ص48، الرقم 193) وقال: «ذكره النجاشي»، وصاحب ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
73 ـ كتاب الحج، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) (انظر التسلسل 155 فيما يلي).
74 ـ كتاب الجمعة والجماعة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص140، الرقم 583) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، يروي النجاشي كتبه بواسطة والده علي بن أحمد الذي هو من العلماء المحدثين الثقات الأعاظم بشهادة رواية ولده النجاشي عنه في مواضع من [كتاب] رجاله، منها في ترجمة الصدوق، ومنها في ترجمة عثمان بن عيسى الرواسي، ومنها في ترجمة محمد بن أبي القاسم، وفي جميعها يروي النجاشي عن والده عن الصدوق، وقال والده إنَّ الصدوق أجاز له أن يروي عنه جميع كتبه لمّا سمع منه ببغداد في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وقد تحقق وثبت عند الأصحاب من ديدن (عادة) النجاشي أنه لا يروي إلاَّ عن أعاظم المحدثين المعمّرين وأنّ له الأسانيد العالية، والعجب كل العجب أنّ مثل هذا المحدث الجليل في مشايخ أصحابنا الذي هو ممن سمع الحديث من الشيخ الصدوق ويروي عنه جميع كتبه، وأصحابنا حتى اليوم يروون عنه بواسطة ولده أبي العباس النجاشي، مع ذلك كلّه ليست في ترجمة مستقلة في الكتب الرجالية المؤلفة قبل سنة 1015هـ، نعم ترجمه القهبائي مستقلاً في هذا التاريخ في «مجمع الرجال» بغاية الاختصار».
75 ـ كتاب جوابات المسائل النيشابورية، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص240، الرقم 114) وقال: «ذكره النجاشي».
76 ـ كتاب جوابات المسائل الواسطية، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص240، الرقم 1146) وقال: «ذكره النجاشي»، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155).
77 ـ كتاب حجج الأئمة، (انظر التسلسل 69 فيما سبق)، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص263، الرقم 1441) وقال: «ذكره السيد هاشم البحراني في أول «مدينة المعاجز».
78 ـ كتاب الجزية، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص105، الرقم 442) وقال: «ذكره النجاشي».
79 ـ كتاب جامع زيارات الرضا عليه السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر المذكور أعلاه.
80 ـ كتاب جواب رسالة وردت في شهر رمضان، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر المذكور أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص180، الرقم 789) وقال: «للشيخ الصدوق…، كذا ذكره النجاشي في فهرس كتب الصدوق، والظاهر، أنّ ورود الرسالة كان في شهر رمضان، لا أنّ الرسالة كانت في كمية شهر رمضان، وأنّه تام أبداً، أو يدخله النقصان».
81 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من قزوين، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155) وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص230، الرقم 1098) وقال: «ذكرها النجاشي»، (وانظر الذريعة ج20، ص362، المسائل القزوينيات).
82 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من البصرة، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص215، الرقم 1013) وقال: «ذكرها النجاشي».
83 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من الكوفة، ذكرها له السيد محسن الأمين المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص231، الرقم 1110) وقال: «ذكرها النجاشي».
84 ـ جوابات المسائل الواردة عليه من المدائن في الطلاق، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، (وانظر التسلسل 162 فيما يلي).
85 ـ كتاب الجمل، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص141، الرقم 592)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
86 ـ كتاب جامع الحج والعمرة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص64، الرقم 248) وقال: «ذكرها النجاشي».
87 ـ جامع فضل الكعبة والحرم، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص64، الرقم 249)، وقال: «ذكرها النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
88 ـ جامع فقه الحج، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص65، الرقم 255) وقال: «ذكرها النجاشي بعد ذكره» جامع فرض الحج والعمرة [انظر التسلسل 86 فيما سبق]»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473).
89 ـ جامع نوادر الحج، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج5، ص75، الرقم 291) وقال: «ذكرها النجاشي».
90 ـ كتاب الروضة، ذكره العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص135) في ترجمته وقال: «وفي نسبة كتاب «الروضة» إليه نظر واضح، فإن وصفه لا يشبه شيئاً من مؤلفاته ولا إسناده أسانيدها، وإرساله مراسيلها، ولذا لم يسندها إليه صاحب «البحار» مع أنّ عدة منها نسختين مختلفتين، زعمها كتابين، ورمز لأحديهما «فض» وللأخرى «يل» وهذا مثل نسبة بعضهم إليه أيضاً كتاب «المجموع الرائق»، مع أنها مقطوع على خلافها»، وذكره له الحرّ العاملي في تذكرة المتبحرين (ص504)، كما ذكره صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج11، ص282، الرقم 1721) وقال: «الروضة»، في المعجزات والفضائل، لبعض علمائنا. وخطأ من نسبه إلى الصدوق لأنه يروي أول أحاديثه في سنة إحدى وخمسين وستمائة، قال ما نصه: «قال جامع هذا الكتاب: حضر الجامع بواسط يوم الجمعة سابع ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمائة وتاج العين نقيب الهاشميين يخطب في الناس…»، وهو من الكتب التي ينقل عنها في «البحار» ناسباً له كما ذكرنا إلى بعض علمائنا في الفصل الأول من أول مجلدات البحار عند عده للكتب المنقول عنها، وقال في الفصل الثاني «وكتاب الروضة ليس في محل رفيع من الوثوق…» وفي الفصل الثالث منه، جعل رمزه «فض» قال: لكونه في الفضائل. والشيخ المحدث الحرّ العاملي قال في أول فوائد خاتمة «أمل الآمل»: «إنّ من الكتب المجهولةِ المؤلف كتاب «الروضة» في الفضائل، وينسب إلى الصدوق ولم يثبت»… «وبناءاً على هذا فإن هذا الكتاب ليس لصاحب الترجمة وقد أخطأ من نسبه إليه.
91 ـ كتاب الحدود، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص296، الرقم 1584) وقال: كتاب الحدود، للشيخ الصدوق…، رواه النجاشي عنه بواسطة والده علي بن أحمد النجاشي بإجازته عن الصدوق في بغداد وبسماعه عنه بها»، (انظر التسلسل 156 فيما يلي).
92 ـ الحيض والنفاس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج7، ص126، الرقم 687) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكره النجاشي».
93 ـ كتاب الحداد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
94 ـ كتاب الحذاء والخف، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص391، الرقم 2433) وقال: «للشيخ الصدوق…، رواه النجاشي عنه بتوسط مشايخه»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
95 ـ كتاب خلق الإنسان، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج7، ص244، الرقم 1183) وقال: «ذكره النجاشي».
96 ـ كتاب الخمس، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج7، ص256، الرقم 1252) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
97 – كتاب حذو النعل بالنعل، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج 6، ص 392، الرقم 2435) وقال: «رواه عنه النجاشي»
98 ـ كتاب الخاتم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155) وصاحب الذريعة (ج7، ص131، الرقم 709) وقال: «ذكره النجاشي».
99 ـ كتاب الخواتيم، وهو نفس كتابه المذكور في التسلسل 98 أعلاه ذكره له بهذا الاسم آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص268، الرقم 1291) وقال: «كتاب الخواتيم، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، ذكر في تصانيفه بهذا العنوان في فهرس الشيخ الطوسي، ولكن النجاشي عبّر عنه بكتاب «الخاتم»».
100 ـ كتاب دعائم الإسلام في معرفة الحلال والحرام، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص153)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج8، ص197، الرقم 770) وقال «للشيخ الصدوق…، عده الشيخ الطوسي في الفهرست من تصانيفه، وذكره النجاشي أيضاً نقلاً عن فهرست الشيخ».
101 ـ كتاب الديات، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج8، ص287، الرقم 1240) وقال: «ذكره النجاشي»..
102 ـ كتاب دلائل الأئمة ومعجزاتهم، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج8، ص239، الرقم 1011) وقال: «عدّه النجاشي في فهرس تصانيفه»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
103 ـ كتاب الزكاة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص44، الرقم 268).
104 ـ كتاب زيارة قبور الأئمة عليهم السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص78، الرقم 531) وسمّاه «زيارات قبور الأئمة عليهم السلام» وقال: «ذكره النجاشي بعد كتاب المدينة، وزيارات النبي والأئمة وذكر بعدهما جامع زيارة الرضا عليه السلام».
105 ـ زيارة [الإمام] موسى بن جعفر عليه السلام، ذكره له صاحب الذريعة (ج12، ص80، الرقم 552) وقال: «للشيخ الصدوق».
106 ـ كتاب زيارة موسى ومحمد عليهما السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
107 ـ كتاب زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص89، الرقم 585) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
108 ـ كتاب الزهد، ذكره له النجاشي في الرجال (ص276)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص5د، الرقم 468). ويشتمل كتاب الزهد على ثلاثة عشر كتاباً وهي:
أ ـ كتاب زهد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
ب ـ كتاب زهد فاطمة عليها السلام.
جـ – كتاب زهد علي عليه السلام.
د ـ كتاب زهد الحسن عليه السلام.
هـ كتاب زهد الحسين عليه السلام.
و ـ كتاب زهد علي بن الحسين عليه السلام.
ز ـ كتاب زهد أبي جعفر الباقر عليه السلام.
ح ـ كتاب زهد أبي عبدالله الصادق عليه السلام.
ط ـ كتاب زهد أبي إبراهيم موسى الكاظم عليه السلام.
ي ـ كتاب زهد أبي الحسن الرضا عليه السلام.
ك ـ كتاب زهد أبي جعفر الثاني عليه السلام.
ل ـ كتاب زهد علي بن محمد الهادي عليه السلام.
م ـ كتاب زهد أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام.
109 ـ كتاب الرجال المختارين من أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وانظر الذريعة (ج10، ص83، الرقم 148).
110 ـ الرسالة الثالثة في الغيبة، وهي غير كتاب «إكمال الدين وإتمام النعمة» المذكور سابقاً، وغير كتاب «الغيبة» الآتي، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
111 ـ رجال ابن بابويه، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج10، ص83، الرقم 148) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، قال الشيخ الطوسي في الفهرست: «إنّ له كتاب الرجال لم يُتمّه».
112 ـ رسالة إلى أبي محمد الفارسي في شهر رمضان، ذكرها له صاحب الذريعة (ج11، ص107، الرقم 664) وقال: «للشيخ الصدوق…، ذكرها النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)».
113 ـ رسالة إلى أهل بغداد في معنى شهر رمضان، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج11، ص107، الرقم 666) وقال: «ذكرها النجاشي».
114 ـ كتاب الرجعة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج10، ص163، الرقم 295).
115 ـ كتاب السؤال، ذكره له السيد محسن الأمين في المرجع أعلاه.
116 ـ كتاب السواك، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص241، الرقم 1581) وقال: «ذكره النجاشي».
117 ـ كتاب السهو، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص265، الرقم 1762).
118 ـ كتاب السكنى والعمرى، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
119 ـ كتاب السُنة، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
120 ـ السر المكتوم إلى الوقت المعلوم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج12، ص170، الرقم 1133) وقال: «ذكره النجاشي».
121 ـ كتاب الصلاة سوى الخمس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
122 ـ كتاب الصيانة، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
123 ـ كتاب الطرائف، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج15، ص154، الرقم 1014).
124 ـ كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج15، ص217، الرقم 1430) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
125 ـ كتاب علامات آخر الزمان، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وصاحب الذريعة (ج15، ص311، الرقم 1983) وقال: «ذكره النجاشي».
126 ـ كتاب الغيبة، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وسمّاه: الرسالة الثانية في الغيبة، ولكن الشيخ الأستاذ آغا بزرك الطهراني قد ذكر في الذريعة (ج16، ص83، الرقم 412)، رسالة في غيبة الحجة (عج) وقال: «كتبها إلى أهل الري»، ثم ذكرها بعدها في الرقم 413، رسالة أخرى وقال: «رسالة ثانية في الغيبة، للشيخ الصدوق أيضاً، ثم أعقبها برسالة أخرى في الرقم 414 وقال: «رسالة ثالثة في الغيبة، أيضاً للشيخ الصدوق، ذكر الجميع النجاشي بعنوان «كتاب الرسالة الأولى والثانية والثالثة، وفي الفهرست للشيخ الطوسي ذكر رسالة الغيبة وصرح: إنّها إلى أهل الري». وبالإضافة إلى هذا فقد ذكر له الشيخ آغا بزرك (ج16، ص80، الرقم 402) أيضاً كتاباً باسم: «كتاب الغيبة» وقال: «ذكره الشيخ في الفهرست».
127 ـ كتاب غريب حديث النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص46، الرقم 191) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ».
128 ـ كتاب فرائض الصلاة، ذكره له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص149، الرقم 386) وقال: «للشيخ الصدوق»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
129 ـ كتاب الفرق، ذكره له آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص174، الرقم 524) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
130 ـ فضائل جعفر الطيّار، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، وصاحب الذريعة (ج16، ص257، الرقم 1035).
131 ـ كتاب فضائل الصلاة، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص261، الرقم 1059) وقال: «ذكره النجاشي».
132 ـ كتاب فضائل (فضل) العلوية، ذكره له صاحب الذريعة (ج16، ص261، الرقم 1063) وقال: «ذكره النجاشي»، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص156) وسمّاه: «كتاب الفضائل».
133 ـ كتاب فصائل العلوم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
134 ـ كتاب فضل الحسن والحسين عليهم السلام، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص266، الرقم 1106)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
135 ـ كتاب فضل الصدقة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص268، الرقم 1120).
136 ـ فضل الصدق، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
137 ـ كتاب فضل المساجد، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص273، الرقم 1155).
138 ـ كتاب فضل المعروف، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في المصدر أعلاه (الرقم 1158)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
139 ـ فضل الصوم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
140 ـ كتاب الفطرة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص276، الرقم 1180)، والسيد محسن الأمين في المصدر أعلاه وسمّاه «كتاب الفطر».
141 ـ كتاب فقه الصلاة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص293، الرقم 1287) وقال: «ذكره النجاشي».
142 ـ كتاب الفوائد، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص320، الرقم 1486) وقال: «ذكره النجاشي».
143 ـ كتاب فهرست ابن بابويه، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج16، ص374، الرقم 1438) وقال: «كان عند الشيخ الطوسي، وينقل عنه في فهرسه في ترجمة زيد الفرس، وزيد الزراد».
144 ـ كتاب العرض على المجالس، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
145 ـ كتاب القضاء والأحكام، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج17، ص140، الرقم 729)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
146 ـ كتاب القربان، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
147 ـ كتاب المجالس الخمسة، ذكره له صاحب الذريعة (ج19، ص360) وقال: «يأتي بعنوان: مجالس مع ركن الدولة، ثم ذكره بهذا العنوان في (ج19، ص367، الرقم 1635) وقال: «وهي خمسة مجالس كل واحد منها رسالة مفردة، كما عدها النجاشي كذلك». (انظر التسلسل 19 فيما سبق).
148 ـ كتاب اللعان، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج18، ص327، الرقم 307).
149 ـ كتاب اللقاء والسلام، ذكره له صاحب الذريعة (ج18، ص338، الرقم 372)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154).
150 ـ كتاب المتعة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج19، ص66، الرقم 362) وقال: «ذكره النجاشي».
151 ـ كتاب المحافل، ذكره له صاحب الذريعة (ج20، ص129، الرقم 2246)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
152 ـ كتاب المدينة وزيارة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، والأئمة عليهم السلام، ذكره له صاحب أعيان الشيعة في المصدر أعلاه، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص251، الرقم 2827) وقال: «ذكره النجاشي في عداد سائر تصانيفه».
153 ـ كتاب مدينة العلم، ذكره له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه وصاحب الذريعة (ج20، ص251، الرقم 2830) وقال: «وهو خامس الأصول الأربعة القديمة للشيعة الإمامية الاثني عشرية، قال الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي في درايته: «أصولنا الخمسة: الكافي، ومدينة العلم، وكتاب من لا يحضره الفقيه والتهذيب، والاستبصار»، بل هو أكبر من كتاب «من لا يحضره الفقيه» كما صرح به شيخ الطائفة في الفهرست، والشيخ منتخب الدين أيضاً في فهرسه، وقال ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» أنَّ «مدينة العلم» عشرة أجزاء، ومن لا يحضره الفقيه أربعة أجزاء. فالأسف على ضياع هذه النعمة العظمى بين أظهرنا وأيدينا من لدن عصر والد الشيخ البهائي الذي مرت عبارته الظاهرة في وجوده عنده أو في زمانه وفقده إلى يومنا هذا.
كما أنّ العلاّمة المجلسي (قدّس سرّه) صرف أموالاً جزيلة في طلبه وما ظفر به، وكذا من المتأخرين عنه، فمنهم المسمى باسمه: حجة الإسلام الشفتي السيد محمد باقر الجيلاني الأصفهاني، بذل كثيراً من الأموال ولم يفر بلقائه. نعم ينقل عنه السيد علي بن طاووس في «فلاح السائل» وغيره من كتبه وفي إجازته المدرجة في آخر مجلدات البحار، وينقل عنه الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلّي وابن طاووس، في كتابه «الدر النظيم» في مناقب الأئمة، بالجملة ليس لنا معرفة بوجود هذه الدرة النفيسة في هذه الأواخر إلاَّ ما وجدناه بخط السيد شبّر الحويزي وإمضائه الآتي وهو ما حكاه السيد الثقة معين الدين السقاقلي الحيدرآبادي، فإنه ذكر هذا السيد الموصوف بالسقاقلي للسيد عبدالعزيز المجاز بن الشيخ أحمد الجزاري وهو جد السادة آل الصافي في النجف وهو المباشر لبناء المسجد الجامع الذي صرفت عليه امرأته الصالحة الهندية على ما يذكره المعاصرون، فقال السقاقلي أنه توجد نسخة «مدينة العلم» للصدوق عنده، واستنسخ عنه نسختين أخريين، وذكر السقاقلي أنه ليس مرتباً على الأبواب، بل هو نظير «روضة الكافي»، وروى السقاقلي من حفظه حديثاً للسيد عبدالعزيز في فضل مجاورة أمير المؤمينن عليه السلام، نقل عنه السيد عبدالعزيز بالمعنى وهو أنّ مجاورة ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من عبادة سبعمائة عام، وعند الحسين عليه السلام، أفضل من سبعين عاماً. وحدث السيد عبدالعزيز المذكور بجميع ما مرّ للسيد شبّر بن محمد بن ثنوان الحويزي المتوفى بعد سنة 1186هـ، وكتب السيد شبّر جميع ما مرّ من الخصوصيات المذكورة بخطّه في حاشية فهرس وسائل الشيعة الذي ألّفه مصنف أصله الشيخ الحرّ، وكان الفهرس عند السيد الشبّر، وكان يكتب عليه الحواشي طول ثلاثين سنة. وأنا رأيت النسخة في النجف».
154 ـ كتاب المرشد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وصاحب الذريعة (ج20، ص304، الرقم 3101) وقال: «ذكره شيخ الطائفة الطوسي في الفهرست، وينقل عنه السيد علي بن طاووس في عمل يوم المبعث من «الإقبال» قائلاً: أنه كتاب حسن».
155 ـ مسائل الحج، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه (ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص343، الرقم 3315) (انظر التسلسل 73 فيما سبق).
156 ـ مسائل الحدود، ذكرها له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج20، ص344، الرقم 3318) وقال: «ذكره النجاشي» (انظر التسلسل 91 فيما سبق).
157 ـ كتاب مسائل الخمس، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج20، ص346، الرقم 3333).
158 ـ كتاب مسائل الآيات، ذكره له صاحب الذريعة (ج20، ص347، الرقم 3341)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
159 ـ مسائل الرضاع، ذكرها له السيد محسن الأمين في المصدر أعلاه، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص349، الرقم 3362).
160 ـ مسائل الزكاة، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص350، الرقم 3366).
161 ـ مسائل الصلاة، ذكرها له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص354، الرقم 3382).
162 ـ مسائل الطلاق، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص356، الرقم 3387)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، (وانظر التسلسل 84 فيما سبق).
163 ـ مسائل العقيقة، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص358، الرقم 3401)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
164 ـ المسائل المصريات، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص367، قبل الرقم 3446).
165 ـ كتاب مسائل المواريث، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة الى تصانيف الشيعة (ج20، ص369، الرقم 3457).
166 ـ مسائل النكاح، ذكرها له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155) وقال: «ثلاثة عشر كتاباً»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص372، الرقم 3474).
167 ـ المسائل النيشابورية، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص372، الرقم 2477)، راجع التسلسل 75 فيما سبق.
168 ـ مسائل الوصايا، ذكرها صاحب الذريعة، (ج20، ص372، الرقم 3480) والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155).
169 ـ مسائل الوضوء، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص372، الرقم 2481).
170 ـ مسائل الوقف، ذكرها له صاحب الذريعة (ج20، ص372، الرقم 2482).
171 ـ كتاب مصادقة الإخوان، (انظر مجلة لغة العرب 7: 82)، وذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص348)، آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص97، الرقم 4108) وقال: «للشيخ الصدوق…، نسبه إليه النجاشي في ترجمته، والكتاب الموجود والمعروف بهذا العنوان أوّل أبوابه باب أصناف الإخوان من إخوان الثقة وإخوان المكاثرة، وأول أحاديثه ما أسنده إلى أبي جعفر عليه السلام، قال: قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجل بالبصرة، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان…، وآخِر أحاديثه: يأتي زمان ليس فيه شيء أعزّ من أخ أنيس أو كسب درهم من حلال…، والظاهر أنّ الموجود ليس «مصادقة الإخوان» بل هو كتاب «الإخوان» لوالد الصدوق يعني الشيخ أبا الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفى سنة 329هـ، وقد نسب كتاب «الإخوان» إليه النجاشي والفهرست كلاهما كما مرّ [الذريعة ج1، ص382، الرقم 1979]، وأول رواياته عن محمد بن يحيى العطّار الذي هو من مشايخ الكليني، وعلي بن بابويه، وفيه الرواية عن علي بن إبراهيم القمي مكرر وبعضها بلفظ حدثني مع أنّه أيضاً من مشايخ الكليني وعلي بابويه. وفيه أيضاً الرواية عن سعد بن عبدالله الأشعري عن هؤلاء بلا واسطة، فهذا الموجود هو كتاب «الإخوان» لوالد الصدوق ينقل عنه في «الدمعة الساكبة». وكان عند شيخنا النوري وينقل عنه في «البحار» وموجود في خزانة سيدنا الحسن صدر الدين وغيرهما، مثل الحاج ميرزا علي الشهرستاني بكربلاء، والسيد علي الإيرواني في تبريز».
172 ـ كتاب مصباح المصلى، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص120، الرقم 4215) وقال: «ذكره النجاشي».
173 ـ كتاب المعايش والمكاسب، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب الذريعة (ج21، ص208، الرقم 4646).
174 ـ كتاب المعراج، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص226، الرقم 4737) وقال: «للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي المتوفى سنة 381هـ، ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست، وينقل عنه السيد ولي الله بن نعمة الله في كتابه «كنز المطالب» الذي ألّفه في سنة 981هـ، والسيد هاشم التوبلي الكتاني البحراني في بعض تصانيفه».
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن والد الصدوق الشيخ علي بن حسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى رحمه الله سنة 329هـ له كتاب باسم المعراج ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص226، الرقم 4733) نقلاً عن النجاشي.
175 ـ كتاب المعرفة، في فضل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص245، الرقم 4851)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، (وانظر التسلسل 134 فيما سبق).
176 ـ كتاب المعرفة برجال البرقي، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473) وسمّاه: «معرفة الرجال»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص249، الرقم 4874) وقال: «ذكره النجاشي».
177 ـ كتاب من لقيه من أصحاب الحديث، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
178 ـ المجموع الرائق، المصدر أعلاه (ص156).
179 ـ كتاب الملاهي، المصدر أعلاه (ص154)، والذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج22، ص194، الرقم 6655).
180 ـ كتاب المواعظ، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج23، ص255، الرقم 8729).
181 ـ كتاب المواعظ والحكم، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156).
182 ـ كتاب مواقيت الصلاة، ذكره له صاحب الذريعة (ج23، ص231، الرقم 8768)، والسيد محسن الأمين في المصدر أعلاه.
183 ـ كتاب الموالاة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج23، ص232، الرقم 8776).
184 ـ كتاب مولد أمير المؤمنين عليه السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج23، ص274، الرقم 8956) وقال: «ينقل عنه ابن طاووس في كتاب «اليقين» في الباب الثالث والأربعين».
185 ـ كتاب مولد فاطمة عليها السلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج23، ص275، الرقم 8960).
186 ـ كتاب مونس الحزين في معرفة الحق اليقين، ذكره له صاحب الذريعة (ج23، ص282، الرقم 8986) وقال: «ينقل عنه الشيخ حسن بن محمد بن الحسن القمي في كتابه «تاريخ قم» ناسباً له إلى الصدوق قضية بناء مسجد جمكران».
187 ـ كتاب المياه، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، وصاحب الذريعة (ج23، ص300، الرقم 9062).
188 ـ كتاب الناسخ والمنسوخ، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص156)، وأشار إليه صاحب الذريعة (ج4، ص279، الرقم 1284) عند الكلام على تفسير الصدوق، ثم ذكره في (ج24، ص11، الرقم 55) وقال: «الناسخ والمنسوخ، للصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381هـ، أوله: «الحمد لله لأفضائله…»، والنسخة بخط السيد أحمد بن حبيب زوين في مجموعة كلها بخطّه، عند الشيخ علي كاشف الغطاء، منسوباً إلى الصدوق مع أنّه متحد تماماً مع نسخة ابن العتايقي. [انظر كتاب الناسخ المنسوخ لعبد الرحمان بن محمد العتايقي الحلّي في الذريعة (ج24، ص11، الرقم 57)]، أوله يطابق الرقم 50 والمقصود بالرقم 50 هنا، كتاب الناسخ المنسوخ الذي ذكره في الذريعة (ج24، ص11، الرقم 50)، وقال: لبعض الأصحاب».
189 ـ كتاب النبوّة، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج24، ص40، الرقم 200) وقال: «ينقل عنه جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلّي، وينقل عنه أيضاً ابن طاووس في «الدرّ النظيم» و«الإقبال».
190 ـ نخبة الخصال، الأصل لابن بابويه الصدوق كما ذكرنا في التسلسل 3 فيما سبق، ذكر هذه النخبة صاحب الذريعة (ج24، ص94، الرقم 487) وقال: «لم يعلم الناخب، والنسخة في [مكتبة] سپه سالار في 38 ورقة آخرها: «تمت نخبة الخصال في سنة 1267هـ»، وأولها: «ترك خصلة موجودة بخصلة موعودة». «ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنّ صاحب الذريعة قد ذكر «نخبة الخصال» هذه تحت عنوان مختصر الخصال في (ج20، ص195، الرقم 2542)، وقال: «كان عند شيخنا العلاّمة النوري كما ذكره كذلك في فهرس كتبه، وتوجد في مكتبة سپه سالار نسخة منه موسومة بـ«نخبة الخصال» كتابتها سنة 1267هـ».
191 ـ كتاب نصوص الأئمة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص179، الرقم 930) وقال: «للصدوق ابن بابويه محمد بن علي القمي المتوفى سنة 381هـ، ينقل عنه في «البحار»، وينقل عنه السيد هاشم البحراني في «الإنصاف» وجعل رمزه «نص» وتوجد نسخة في المكتبة الأهلية بباريس، ذكر في فهرسها بعنوان «النصوص على الأئمة» (راجع التسلسل 32 فيما سبق «إثبات النص على الأئمة عليهم السلام»).
192 ـ كتاب النكاح، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج24، ص299، الرقم 1564) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
193 ـ كتاب النوادر، ذكره له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص341، الرقم 1811) وقال: «عبّر عنه النجاشي بنوادر النوادر».
194 ـ كتاب نوادر الصلاة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج24، ص347، الرقم 1861).
195 ـ كتاب نوادر الطب، ذكره له صاحب الذريعة (ج24، ص347، الرقم 1863)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155).
196 ـ كتاب نوادر الفضائل، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج46، ص155)، وصاحب الذريعة (ج24، ص348، الرقم 1869).
197 ـ نواد الوضوء ذكره له صاحب الذريعة (ج24، ص351، الرقم 1882).
198 ـ كتاب النهج، ذكره له صاحب الذريعة (ج24، ص410، الرقم 2163) وقال: ذكر في «معالم العلماء».
199 ـ كتاب النواهي، ذكره له المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج2، ص473)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وسمّاه: المناهي.
200 ـ كتاب المناهي، انظر التسلسل 199 أعلاه.
201 ـ كتاب الوصايا، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج25، ص،96 الرقم 527) وقال: «ذكره النجاشي»، (وانظر التسلسل 168 فيما سبق).
202 ـ كتاب الوضوء، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في المصدر أعلاه (ج25، ص112، الرقم 623) وقال: «ذكره النجاشي»، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154) وسمّاه «الوضوء والتيمّم».
203 ـ كتاب الوقوف وأحكامه، ذكره له صاحب الذريعة (ج25، ص139، الرقم 809)، وصاحب أعيان الشيعة (ج46، ص154)، و(انظر التسلسل 70 فيما سبق).
204 ـ كتاب الوقف والصدقة والنحل والهبة، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج46، ص154).
205 ـ كتاب الهداية بالخير، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة الى تصانيف الشيعة (ج25، ص174، الرقم 115) وقال: «في الأصول والفروع، للصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، مرتب على أبواب، ابتدأ فيه بالأصول، وأول أبوابه ما يجب اعتقاده في توحيد الله، ثم النبوّة، ثم الإمامة، إلى آخر باب النيّة. ثم شرع في الفروع من باب المياه، ثم الوضوء، والغسل، و…، حكى عنه أنّه جوّز الوضوء والغسل بماء الورد ليتصعد منه الجلاب لأنفس المتصعد.
أوله: «الحمد لله الذي له الخلق والأمر وهو أحسن الخالقين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيّين»، ينقل عنه المجلسي في البحار، وقال في أوله أنّ اشتهاره ليس كاشتهار كتب الصدوق.
رأيت منه نسخة ناقصة إلى أواخر الحج في خزانة (الصدر)، ونسخة أخرى إلى الميراث عند السيد أبي القاسم الأصفهاني في النجف، وأخرى عند الميرزا محمد علي الأردوبادي، وأخرى عند هادي كاشف الغطاء، ونسخة عنوانها «هداية المتعلّمين» في مكتبة البروجردي «وهي بخط تاج الدين حسين بن عوض اه الكاشاني فرغ منها يوم الثلاثاء 1 رجب سنة 687هـ وهي إلى آخر الميراث، ونسخة في مكتبة راجه فيض آبادي هذا وقد طبع ضمن جوامع سنة 1276هـ».
المصادر
1 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج7، ص159.
2 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج64، ص153، الرقم 2583.
3 ـ تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمن، ج3، ص343، وعليه استدنا في تثبيت الكتب الخطّية.
4 ـ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ج3، ص89، الرقم 1078.
5 ـ تذكرة المتبحرين للحرّ العاملي المطبوع في ذيل أمل الآمل في ذكر علماء جبل عامل له أيضاً، المطبوع في ذيل منهج المقال، ص503.
6 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله المَامَقاني، ج3، ص154.
7 ـ جامع الرواة للعلاّمة محمد بن علي الغروي الحائري، ج2، ص154.
8 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال للعلاّمة حسن بن يوسف الحلّي، ص147.
9 ـ دائرة المعارف الإسلامية (Strothmann)، ج4، ص380.
10 ـ دائرة المعارف الإسلامية بالألمانية، حسين هدايت، ج2، ص388.
11 ـ دائرة معارف الأعلمي، للشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، ج27، ص61.
12 ـ دائرة المعارف لفؤاد أفرام البستاني، ج2، ص356.
13 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آغا بزرك الطهراني:
ج1، ص67، 69، 90، 102، 111، 317، 333، 339، 349، 358، 525.
ج2، ص23، 156، 226، 229، 252، 283، 315، 335، 345، 470، 471، 478.
ج3، ص222، 346، 347، 395.
ج4، ص79، 193، 285، 349، 379.
ج5، ص18، 31، 33، 46، 64، 65، 75، 105، 140، 141، 180، 215، 230، 231، 240.
ج6، ص263، 296، 391، 392.
ج7، ص126، 131، 162، 244، 256، 268.
ج8، ص197، 239، 287.
ج10، ص83، 163.
ج11، ص107، 282.
ج12، ص44، 65، 78، 89، 170، 217، 241، 265.
ج13، ص101، 102، 375.
ج14، ص192.
ج15، ص45، 154، 217، 280، 311، 313، 375، 376.
ج16، ص46، 83، 149، 174، 257، 258، 260، 261، 266، 268، 273، 276، 293، 320، 374.
ج17، ص140، 240.
ج18، ص293، 327، 338، 363.
ج19، ص66، 360، 367.
ج20، 129، 191، 251، 304، 343، 346، 349، 350، 354، 356، 358، 367، 369، 372.
ج21، ص71، 72، 80، 97، 120، 204، 208، 226، 245، 249.
ج22، ص123، 192، 194، 232.
ج23، ص177، 231، 232، 274، 275، 282، 300.
ج24، ص11، 40، 94، 179، 299، 341، 347، 348، 351، 410.
ج25، ص88، 96، 112، 139، 174، 207.
14 ـ الرجال لأحمد بن علي النجاشي، ص276، وفي بعض الطبعات ص302.
15 ـ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، لمحمد باقر الموسوي الخوانساري، ج6، ص132، الرقم 574.
16 ـ ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب لمحمد علي التبريزي المعروف بـ«المدرّس» طبعة طهران، ج2، ص470، الرقم 856، الصدوق.
17 ـ الفهرست لابن النديم (طبعة طهران سنة 1391هـ) ج5، ص246.
18 ـ فهرست الشيخ الطوسي، ص156، وفي بعض الطبعات (ص661).
19 ـ فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية، ج5، ص275.
20 ـ الفوائد الرجالية لآية الله بحر العلوم، ج3، ص192.
21 ـ الفوائد الرضوية للشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ص560.
22 ـ قاموس الرجال للعلاّمة الشيخ محمد تقي التستري، ج8، ص283.
23 ـ كشف الظنون لحاجي خليفة، ج2، ص1174.
24 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج1، ص221، ابن بابويه.
25 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف البحراني، ص300 ـ 309.
26 ـ مجالس المؤمنين للقاضي نور الله الشوشتري، ج1، ص454.
27 ـ مجلة لغة العرب، 7: 64، 5د، 66، 82، 159.
28 ـ مجمع الرجال تأليف العلاّمة زكي الدين عناية بن شرف الدين علي القهپائي، ج5، ص629.
29 ـ مستدرك الوسائل للقاضي نور الدين الطبرسي، ج3، ص524.
30 ـ منتهى المقال لمحمد بن إسماعيل، ص282.
31 ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال لمحمد بن علي الأسترآبادي (طبعة طهران سنة 1304)، ص707.
32 ـ وله أخبار أيضاً في «تحفة الأحباب، ص335»، و«كشف المحجة، ص122».
قيس آل قيس
ابن تيمية: قراءة في نصوص مرتبكة)[3](
هو أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن الخضر ابن تيمية. ولد سنة 661هـ في مدينة حرّان في جزيرة الشام وتوفي سنة 728هـ بسجن القلعة في دمشق الشام. كان حاد الذكاء، وحاد الطبع أيضاً، دخل السجن ثلاث مرات بسبب بعض عقائده، وبعض فتاواه وبقي ابن تيمية مجهول الأصل لا يعرف. عاش 67 سنة ولم يتزوج، ولم يذكر هو ولا أحد غيره السر في عزوفه عن الزواج.
ترك كتباً كثيرة في العقائد والفقه، وأصبح فيما بعد الإمام الذي تنتسب إليه الفرقة الوهابية، فهي التي جددت عقائده وأفكاره وروجت لها. وأهم هذه الأفكار والعقائد سنقف عليها في الفقرات التالية:
1 ـ ابن تيمية والحديث الشريف
هل كان حقاً ما يقوله مقلدو ابن تيمية: إنه كان إماماً في الحديث؟ أم أن الحق مع الآخرين الذين أعرضوا عن طريقته في التعامل مع الحديث ووصفوه بالتسرع وعدم التثبت واتباع الهوى؟
لا ينبغي أن يطلب الجواب من هؤلاء ولا من أولئك، وإنما من كلامه هو الذي يظهر فيه بوضوح أسلوبه في التعامل مع الحديث الشريف.
وإليك من بطون مصنفاته هذه النماذج:
أ ـ في التوسل بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في الدعاء
نقل ابن تيمية جملة من الأحاديث التي شهد على صحتها، وردت عن بعض الصحابة والتابعين في توسلهم بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، كالدعاء المشهور: «اللَّهمَّ إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي» ونحوه، ونقل عمل السلف بها عن البيهقي وابن السني والطبراني، ثم قال: وروي عن ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه عن ابن أبي الدنيا في كتاب (مجاني الدعاء)… فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في (منسك المروزي) التوسل بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في الدعاء)[4](.
ولكنه في الصفحات الأولى من هذا الكتاب نفسه كان يقول: إنّ أحداً من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين لم يطلب من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً! ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم)[5](!! فأين إذن ما نقله هناك عن ابن أبي الدنيا وأحمد بن حنبل وابن السني والبيهقي والطبراني حتى صرح أنه كان من فعل السلف التوسل بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم؟
ب ـ في زيارة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وقبور الأنبياء والصالحين
قال ما نصه: ليس عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في زيارة قبره ولا قبر الخليل حديثاً ثابتاً أصلاً)[6](. وقال: والأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل موضوعة لم يرو الأئمة ولا أصحاب السنن المتبعة منها شيئاً)[7](.
ومع قوله هذا فهو ينقل بين الموضعين الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه والدارقطني في سننه أيضاً عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من زارني بعد مماتي كأنما زارني في حياتي»!! لكنه يعود فيتذكر له ويقول: لم يرو أحد من الأئمة في ذلك شيئاً ولا جاء فيه حديث في السنن!!
ج ـ في التفسير وأسباب النزول
قال: حديث عليّ في تصدقه بخاتمه في الصلاة موضوع باتفاق أهل العلم)[8](. ثم تكلم عن التفاسير فقال: أما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثانية وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين. ونحو هذا قاله في تفسير البغوي أيضاً)[9](.
لكن الطبري روى هذا الحديث من خمسة طرق بأسانيدها الثابتة عند تفسير الآية: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55)، ورواها البغوي أيضاً بل أجمع على روايتها أصحاب التفاسير قاطبة، فانظر هذه الآية في تفسير الطبري والبغوي والزمخشري والرازي وأبي السعود والبيضاوي والقرطبي والسيوطي والشوكاني والآلوسي وأسباب النزول للواحدي.
د ـ في جواز لعن يزيد بن معاوية أو عدم جوازه
ينقل حديث الإمام أحمد بن حنبل فيقول: قيل للإمام أحمد: أتكتب حديث يزيد؟
فقال: لا، ولا كرامة، أوليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل؟!
وقيل له إن قوماً يقولون: إنا نحب يزيد.
فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟!
فقال له ابنه صالح: لمَ لا تلعنه؟
فقال الإمام أحمد: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً. انتهى)[10](.
لكن الحق أن حديث الإمام أحمد لم ينته بعد، وإنما له تتمة صرح فيها بلعن يزيد.. والحديث بتمامه رواه أبو الفرج ابن الجوزي وغيره، وفيه:
فقال أحمد: ولم لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه؟!
فقيل له: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟
فقرأ أحمد قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي ألأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} ثم قال: فهل يكون فساد أعظم من القتل)[11](؟!
وعلى هذه الطريقة مضى مع أحاديث الرسول والسلف تكذيباً وتزويراً كلما جاء الحديث بخلاف رأيه وهواه. وفي الفقرات اللاحقة شواهد أخرى من كلامه وتعامله مع الحديث. فهذا هو الموقع الحقيقي للحديث عند ابن تيمية.
2 ـ ابن تيمية وصفات الله تعالى
يرى ابن تيمية أن جميع ما ورد في الصفات من الآيات والأحاديث يجب أن تفهم على ظاهرها وما يؤديه اللفظ من معنى، بلا تأويل..
وعلى هذا قال: إن الله تعالى في جهة واحدة هي جهة الفوق، وهو في السماء مستوٍ على العرش وقد امتلأ به العرش فما يفضل منه أربعة أصابع، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يعود، وأن له أعضاء وجوارح من أعين وأيدي وأرجل وغاية ما في الأمر أنها لا تشبه جوارح البشر وسائر المخلوقات)[12](!! ويقول: والذين يؤولون المعنى أولئك ما قدَّروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته)[13](.
والبرهان الذي يقدمه ابن تيمية على عقيدته هذه زعمه أنها عقيدة السلف من الصحابة والتابعين، فيقول: قد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مئة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد عن الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)[14](.
فَسَرَتْ هذه الكلمة بين مقلديه والمغرمين به سَرَيان الريح من غير أن يكلّفوا أنفسهم عناء النظر في كتب التفسير التي نقلت كلام الصحابة في آيات الصفات، ولو تفسير واحد من التفاسير التي أثنى عليها ابن تيمية، كتفسير الطيري والبغوي وابن عطية. فهذه التفاسير وغيرها مشحونة بما جاء عن الصحابة والتابعين في تأويل آيات الصفات بعيداً عن التجسيم الذي يقول به ابن تيمية والحشوية.
انظر مثلاً تفسير آية الكرسي، فقد نقل الطبري عن ابن عباس أن كرسيه يعني علمه، واستشهد لذلك بكلام العرب في هذا المعنى. وهو الذي نقله البغوي ونقله الشوكاني عن ابن عطية ونقله القرطبي وغيرهم أيضاً. وانظر تفسير الآيات التي فيها ذكر الوجه فلا تجد في هذه التفاسير كلمة واحدة تدل على عقيدة ابن تيمية وتشهد لقوله، بل كل ما فيها مما هو منقول عن السلف يشهد على ضده..
ففي قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (القصص) قالوا: أي إلا هو.
وكذلك في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} (الرحمن: 27).
وفي سائر الآيات الأخرى: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ} (البقرة: 272).
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} (الرعد: 22).
{ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} (الروم: 38).
{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} (الروم: 39).
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} (الدَّهر: 9).
{إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} (اللَّيل: 20).
في هذه الآيات جميعاً فسروا الوجه بالثواب. ولم يسرد عن أحد ولا كلمة واحدة تفيد المعنى الذي يريده ابن تيمية من ظاهر اللفظ، أي أن الوجه هو هذه الجارحة المعروفة من الجوارح كما للإنسان!!
أما قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقد أقر ابن تيمية بأن السلف قد أولوا الوجه هنا، فقالوا إن المراد من الجهة، لكنه جعل هذه الآيات ليست من آيات الصفات)[15](. وهكذا مع الآيات التي فيها ذكر العين والأيدي.
وهكذا نسب إلى الصحابة والسلف ما لم يقولوا به بل قالوا بعكسه تماماً، تبريراً لمذهبه! ورغم ذلك فإنه لم يستطع في كل ما كتب أن يأت بكلمة واحدة عن واحد من الصحابة تشهد لقوله!!
من كلامه في التجسيم
وله في التجسيم كلام صريح كان يقوله في خطبه، لكنه لم يذكر بنصه في كتبه التي وصلتنا، فمن ذلك:
أ ـ ما نقله ابن بطوطة وابن حجر العسقلاني، أنه قال وهو على المنبر: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا)[16](.
ب ـ ما نقله أبو حيان في تفسيريه (البحر المحيط) و(النهر) من أنه قرأ في (كتاب العرش) لابن تيمية ما صورته بخطه: )[17](
إن الله تعالى على الكرسي، وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله. ولكن هذا الكلام الذي نقله يوسف النبهاتي عن كتاب (النهر) لأبي حيان، ونقله صاحب كشف الظنون في كتابه)[18]( قد حذف من كتاب (النهر) المطبوع، كما حذف غيره من الكلام الذي تناول فيه عقائد ابن تيمية! ولكن ابن تيمية قد دافع عن هذا المعنى بإصرار من غير أن يذكر جلوس النبي معه على العرش، وذلك في كتابه (منهاج السُّنة) )[19](.
ج ـ قوله: رفع اليدين في الدعاء دليل على أن الله تعالى في جهة العلو)[20](. ترى إذا توجه المصلي نحو القبلة وقال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) فهل يستدل من هذا على أنه تعالى شأنه في جهة القبلة؟
سبحانه وتعالى عما يصفون. إن الجمود على ما يفهم من ظاهر اللفظ لأول وهلة يعد من أكبر الخطأ، وليس هو من شأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم. ففي قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} هل قال أحد أن الحبل هنا هو ما نفهمه من لفظ الحبل، فعلينا أن ننتظر حبلاً بأوصاف خاصة يتدلى من جهة الفوق كما يريد الحشوية، لتعتصم به؟! إنهم أجمعوا هنا على تأويل الحبل بمعاني أخرى، فقالوا: هو الإسلام أو القرآن، أو الثقلان. كتاب الله وعترة رسوله. اللذان ورد الأمر بالتمسك بهما.
إن من ينكر ضرورة التأويل في أمثال هذه الألفاظ فقد ارتكب جهلاً وخطأ كبيراً..
وإن من ينكر تأويل السلف لآيات الصفات فقد افترى عليهم فرية كبيرة.. وإن من ينكر ورود ذلك في كتب التفسير فهو كمن حفر جُبّاً لأخيه وقع هو فيه! فهذه كتب التفسير مشحونة بروايات التأويل عن الصحابة وكبار السلف، وباستطاعة كل من يحسن القراءة أن يقف على ذلك بنفسه.
3 ـ ابن تيمية وأهل البيت
إن لأهل بيت الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم منزلة عظمى أثبتها القرآن وأثبتها الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم وأيقن بها المسلمون، ولم يماري فيها إلا من كان في قلبه مرض.. وابن تيمية في بعض ما كتب يثبت مما ورد في منزلتهم العظمى وتقديمهم على سائر الأئمة، فيقول:
إن بني هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم، كما صح ذلك عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قوله في الحديث الصحيح: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش».
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال يوم غدير خُم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».
وفي السنن أنه شكا إليه العباس أن بعض قريش يحقرونهم، فقال: «والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي». ثم قال: «وإذا كانوا أفضل الخلائق فلا ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال»)[21](.
والسؤال كيف كانت عقيدته فيهم؟ وكيف كان موقفه الدائم منهم؟
لقد كشف ابن تيمية عن عقيدته في أهل البيت وموقفه منهم بكل صراحة وبوضوح لا غبار عليه، ويمكن إجمال ذلك بالنقاط التالية:
أ ـ الميل إلى جانب أعدائهم على الدوام
لقد كان ابن تيمية صريحاً في ميله إلى جانب أعداء أهل البيت، ودفاعه عنهم بكل ما يمتلك من قدرة على الجدل ولف في القول والتواء في الكلام، يكافح عنهم، ويختلق لهم الأعذار، ويبرر عداءهم لأهل البيت، ويكذب لأجلهم أحاديث الرسول وأئمة السلف من الصحابة والتابعين، ويكذب لأجلهم حقائق التاريخ التي تواتر نقلها وأجمع عليها أهل العلم قاطبة، ويزور لأجلهم حقائق أخرى بأسلوب يتنزه عنه العلماء، بل حتى العوام والبسطاء..
وله في هذا الكلام كثير لا يتسع به مثل العرض الموجز، لذا سنكتفي بذكر القليل من شواهد ذلك وبكل إيجاز:
صنف كتاباً أسماه (فضائل معاوية وفي يزيد وأنه لا يسب). هذا مع أن الذي ثبت عن السلف أنه لا يصح في فضائل معاوية ولا حديث واحد. نقل ذلك الحافظ الذهبي عن إسماعيل بن راهويه الذي كان يقرن بالإمام أحمد بن حنبل)[22](.
وثبت ذلك عن النسائي صاحب السنن، الذي طلب منه أهل دمشق أن يكتب في فضائل معاوية فقال: ما أعرف له فضيلة إلا: (لا أشبع الله بطنه))[23](.
وثبت عن الحسن البصري أكثر من ذلك، حيث قال: أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه يزيد؛ سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ»، وقتله حُجْراً، ويا ويلاً له من حُجْرٍ… وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حُجْراً:
تَرفَّعْ أَيّها القَمَرُ المنيرُ
تبصَّرْه ترى حُجْراً يسيرُ)[24](
والذي ثبت عن علي بن أبي طالب وسائر أئمة أهل البيت وابن عباس وأبي ذر وعمار وعبادة بن الصامت وغيرهم في طعن معاوية أشهر من أن يذكر.
بل الذي ثبت فيه عن صاحبه ورفيقه عمرو بن العاص وحده يكفي شاهداً عليه بارتكاب الموبقات ومجانبة الدين وأهل الدين.
أما في يزيد فقد رأينا كيف زور ابن تيمية حديث الإمام أحمد وبتره لأجل أن يمنع من لعنه!! ثم زور كل ما ثبت من حقائق التاريخ وكلام السلف فيه وافترى عليهم كثيراً لأجل أن يختلق عذراً ليزيد.
ـ فقال: إن يزيد لم يظهر الرضى بقتل الحسين، وأنه أظهر الألم لقتله)[25](! فهل أتى بهذا الكلام من إجماع السلف، أم هو من محض الهوى؟
لقد نقل التفتازاني إجماع السلف في هذه المسألة، فقال في كتاب (شرح العقائد النسفية) ما نصه: «اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. والحق أن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مما تواتر معناه وإن كان تفصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه»)[26](.
ـ قال ابن تيمية: إن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد)[27](.
وقال: إن القصة التي يذكرون فيها حمل الرأس إلى يزيد ونكته في القضيب كذبوا فيها)[28](.
فهل استند في هذا إلى أخبار الصادقين؟
إنه يقول: من المعلوم أن الزبير بن بكار ومحمد بن سعد صاحب الطبقات ونحوهما من المعروف بالعلم والفقه والاطلاع أعلم بهذا الباب وأصدق في ما ينقلونه من المجاهيل الكذابين)[29](.
ويقول: والمصنفون من أهل الحديث في ذلك كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم)[30](.
إذن ماذا قال هؤلاء؟ هل كذبوا بنقل رأس الحسين إلى الشام ونكت يزيد عليه بالقضيب؟
إن ابن تيمية لم ينقل عنهم حرفاً واحداً في ذلك.. ولسبب بسيط: وهو أنهم قد أثبتوا ذلك الذي أنكره ابن تيمية، أثبتوه بأسانيدهم التي قال عنها ابن تيمية أنها الأصدق بلا نزاع بين أهل العلم)[31](! وسنذكر بعد قليل نصاً جامعاً عنهم.
أما كل ما نقله ابن تيمية عنهم فهو قوله: إن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله مثل ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما، لم يذكر أحد منهم أن الرأس قد حمل إلى عسقلان أو القاهرة!! أليس هذا)[32]( من دواعي السخرية؟ وهل يصدر مثل هذا عمن ينتسب إلى العلم وأهل العلم؟
ـ قال ابن تيمية: ويزيد لم يِسْبِ للحسين حريماً، بل أكرم أهله وقال: ولا سبى أهل البيت أحد، ولا سبي منهنّ أحد)[33](.
فهل اعتمد في كلامه هذا على ما نقل من أحد سواء كان من الثقات أو من غيرهم؟
كلا أبداً، إنما أطلقها حميّة ليزيد..
أما أصحاب التاريخ فقد أجمعوا على صحة هذا الذي كذب به ابن تيمية، وهذه عبارة بن أبي الدنيا ومحمد بن سعد صاحب الطبقات اللذين صرح ابن تيمية بصحة ما نقلا من أحداث مقتل الحسين عليه السلام)[34](:
قال ابن أبي الدنيا ومحمد بن سعد. بعد أن ذكرا قتل الحسين وانتهابهم ثيابه وسيفه وعمامته. ما نصه: «وأخذ آخر ملحفة فاطمة بنت الحسين، وأخذ آخر حليّها..».
وبعث عمر بن سعد برأس الحسين إلى عبيدالله بن زياد، وحمل النساء والصبيان، فلما مروا بالقتلى صاحت زينب بنت عليّ: يا محمداه هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء.. يا محمداه وبناتك سبايا.. وذريتك قتلى تسفى عليها الصبا!
فما بقي صديق ولا عدو إلا بكى..
قالا: ثم دعا ابن زياد زحر بن قيس فبعث معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد. وجاء رسول من قبل يزيد فأمر عبيدالله بن زياد أن يرسل إليه بثقل الحسين ومن بقي من أهله..
قالا: ثم دعا يزيد بعلي بن الحسين والصبيان والنساء وقد أوثقوا بالحبال فأدخلوا عليه، فقال علي بن الحسين: يا يزيد، ما ظنك برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لو رآنا مقرنين بالحبال؟!
ودعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فقام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه. يعني فاطمة بنت الحسين. فأرعدت وظنت أنهم يفعلون فأخذت بثياب عمتها زينب فقالت زينب: كذبت ولؤمت، ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: والله إن ذلك لي لو شئت لفعلته!! قالت: كلا والله ما جعل الله عزّ وجلّ ذلك لك إلا أن تخرج من ملّتنا أو تدين بغير ديننا. ثم بعث بهم يزيد إلى المدينة)[35](. وهذا متفق عليه عند أصحاب التاريخ ولم يشذ فيه أحد)[36](.
أرأيت هذا الذي ضيّع الأمانة في نقل حقائق تواتر نقلها وأجمع عليها أهل الحديث والسير، اتباعاً للهوى والعصبية، أيكون مؤتمناً على الدين؟!
ب ـ تكذيبه بمنزلتهم العظمى
وله في هذا الباب كلام كثير يدل على عصبية لا حد لها.. وقد اخترنا منه هذه النماذج:
ـ مما جاء في منزلة أهل بيت الرسل عامة وأهل بيت نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم خاصة:
قوله تعالى في أهل بيت إبراهيم عليه السلام: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} (هود: 73).
وقوله تعالى وقد ذكر ثمانية عشر نبياً بأسمائهم ثم قال: {وَكُلاَّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِين، وَمِنْ آبَآئِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الأنعام: 86، 87).
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَّى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الَعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ} (آل عمران: 33. 34).
وقوله تعالى في إبراهيم عليه السلام: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} (العنكبوت: 27).
وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (الأنبياء: 72. 73).
وقوله تعالى في أهل بيت نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} (الأحزاب: 33).
وقوله تعالى: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} (الشورى: 23).
وقول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»)[37](.
وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم وقد سأله الصحابة (رض) عند نزول قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (الأحزاب: 56) فقالوا: كيف نصلّي عليك يا رسول الله؟
فقال: «قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» متفق عليه.
وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»)[38](.
والمطلوب هنا:
ما هو موقف ابن تيمية من هذه العقيدة المسطورة في الكتاب والسنة؟
إن ابن تيمية يقول بالحرف الواحد: إن فكرة تقديم آل الرسول هي من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء)[39](!!
إذن فاصطفاء الله تعالى لأهل البيت والأنبياء والرسل وجعلهم الأئمة والقادة والأوصياء من بعدهم وإنزاله إياهم تلك المنازل الرفيعة، وكل ما جاء بحقهم في السنة المطهرة هو من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرسول!!
إن لم يكن هذا هو التكذيب بالدين والسخرية بكتاب الله وسنة رسوله، فكيف سيكون التكذيب والسخرية؟
لما قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} دعا الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين فجلل عليهم كساء وقال: «اللَّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» وافق ابن تيمية على صحة ذلك، لكن ماذا رأى فيه؟
إنه لم ير فيه لأهل البيت أية مزية فقال: إن هذا مجرد إرادة من الله لهم بالتطهير، ودعاء من النبي لهم بذلك، ولا يعني هذا أن الله قد طهرهم حقاً)[40](.
إن ابن تيمية لم يرد ما أراده الله ورسوله، ولهذا فقط لم يؤمن به!!
ـ وكذب بكل ما ورد بحقهم في القرآن الكريم..
كآيات سورة الدهر: {وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} التي أجمع أصحاب التفسير على أنها نزلت فيهم.. وكقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الْزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} التي أجمع أصحاب التفسير على نزولها في علي حين تصدق بخاتمه وهو راكع.
وكذّب بما جاء في علي خاصة في السنة الصحيحة رغم ثبوتها بالأسانيد الصحيحة والطرق المتعددة. فكذب بحديث المؤاخاة وأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم آخا علياً عليه السلام، رغم أن هذا قد تواتر نقله وأجمع عليه أصحاب السير قاطبة)[41](. أما ابن تيمية فيكذب كله ويقول: أما حديث المؤاخاة فباطل)[42](. ويقول: والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يؤاخِ علياً)[43](.
وعلى هذا النحو سار مع عامة فضائل علي عليه السلام ولكن من دون أن يحمل معه أي دليل ومن دون أن يعتمد على نقل صحيح عن أئمة السلف، وإنما هو الهوى والعصبية..
ج ـ التنقص منهم وتجريحهم
لم يقف ابن تيمية عند الدفاع عن خصوم أهل البيت، ثم التكذيب بمنزلتهم ومناقبهم، بل تعدى وراء ذلك فأطلق عليهم لساناً لم تعرفه هذه الأمة إلا عند النواصب الذين امتلأت قلوبهم غيضاً وحقداً على آل الرسول.. وهذه نبذ من كلامه فيهم:
ـ إنه ينفي أن يكون هناك مصلحة من وجود أهل البيت، ويقول: «لم يحصل بهم شيء من المصلحة واللطف»)[44](. هذا والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»)[45](. وفي حديث آخر: «إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور.. وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»)[46](.
لكن ابن تيمية أتى على هذه الأحاديث فأولها تأويلاً يضحك منه حتى البسطاء.. فقال: «الحديث الذي في صحيح مسلم إذا كان النبي قد قاله فليس فيه إلا الوصية باتباع الكتاب، وهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي»)[47](.
ترى ألم يقل صلَّى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله»، ثم واصل الحديث حتى ذكر أهل البيت، فإن كان الأمر باتباع الكتاب وحده فأين هو الثقل الثاني إذن؟؟
حقاً إن الهوى يعمي ويصم!!
ـ استغراقه في الطعن على علي عليه السلام والنيل منه، متمسكاً بالقصة الموضوعة في خطبته ابنة أبي جهل، وفاطمة الزهراء عنده، وكرر الكلام فيها في أكثر من موضوع من كتابه «منهاج السنة» هذه القصة التي نسجها المسور بن مخرمة، أو كذبها عليه الكرابيسي. وكان الرجلان معاً ناصبين مشهورين ببغض علي والانحراف عنه وبتعظيم أعدائه وموالاتهم.. وهذا معلوم جداً من حال الكرابيسي)[48](.
أما المسور بن مخرمة، فكان لا يذكر معاوية إلا صلى عليه ومع ذلك فقد كان حليفاً للخوارج، يجتمعون عنده ويستمعون حديثه، بل كانوا ينتسبون إليه فيعدونه قدوة لهم)[49](!!
أليس من دواعي الشك والاستغراب أن تقبل رواية هؤلاء في النيل من علي بن أبي طالب؟!
أما ابن تيمية فتنبسط أساريره لهذه القصة المختلقة ظناً منه أنه سينال حقاً من منزلة علي.. أو على الأقل يشفي بعض ما في صدره!!
وفي حروب علي عليه السلام يقول:
عليّ إنما قاتل الناس على طاعته، لا على طاعة الله!!
ويضيف قائلاً: فمن قدح في معاوية بأنه كان باغياً قال له النواصب: وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً.. قاتل الناس على إمارته وصال عليهم.. فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة)[50](. وعلى هذا النحو مضى في صفحات عديدة من كتابه منهاج السنة هذا الكتاب الذي شحن بالبدعة من أوله إلى آخره كما هو واضح من كل ما نقلناه عنه في هذا المقتضب، هذا مع شرعية حروبه ووجوب نصرته فيها. ومن ذلك:
ـ قوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» فاستشرف له القوم وفيهم أبو بكر وعمر، فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لا».
قال عمر: أنا هو؟ قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لا، ولكن خاصف النعل» وكان علي يخصف نعل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. قال أبو سعيد الخدري: فأتيناه فبشرناه، فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم)[51](.
ـ وقوله صلَّى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: «أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»)[52](.
لكن ابن تيمية يكذب بهذا الحديث، وكعادته بلا أي دليل من نقل صحيح أو تحقيق علمي مقبول، وإنما يجادل فيه جدال امرىء عشق المراء حتى مع كلام الله وكلام رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم)[53](.
ـ وفي علم علي يتكلم ابن تيمية كلاماً يجل عنه أدنى طلبة العلوم قدراً.. فيقول: ليس في الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الفقهاء من يرجع إلى علي في فقهه.. فمالك أخذ علمه عن أهل المدينة، وأهل المدينة لا يكادون يأخذون عن علي.. وأبو حنيفة الشافعي وأحمد تنتهي طرقهم إلى ابن عباس، وابن عباس مجتهد مستقل، ولا يقول بقول علي)[54](!!
هكذا يفعل الهوى بصاحبه، فما زال الهوى يحمله على قول بعد قول حتى غاص في لجج العناد، فهو لا يدري ما يقول.. حتى يضع نفسه موضع سخرية العلماء. بل والسالكين طريق العلم.. اللهم إلا مقلديه الذين تمسكوا بأقوال أشد من تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم لقد صنف الإمام الشافعي كتاباً مفرداً أثبت فيه انتهاء علم أهل المدينة إلى علي وابن عباس.. ونقل ابن قُدامة في (المغني) عن ابن عباس أنه كان يقول: «إذا ثبت لنا عن علي قول لم نعده إلى غيره»، وعن ابن عباس أيضاً: «أعطي علي تسعة أعشار العلم، وإنه لأعلمهم بالعشر الباقي»)[55](.
ـ وفي الحسين السبط الشهيد له كلام لا تجد له نظيراً حتى عند وعاظ يزيد الذين كانوا يتزلفون له في حياته.. فيقول مرة في خروج الحسين على يزيد: «هذا رأي فاسد، فإن مفسدته أعظم من مصلحته، وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير»)[56](.
إذن يا طلاب الحرية وعشاق الاستقلال ما أنتم إلا مفسدون.. وما عليكم إلا أن تذلوا للسلطان، وتمدوا ظهوركم لجلاديه وأعناقكم لسيافيه، فإن الشيخ ابن تيمية يقول: إن مطالبتكم بالحرية عمل فاسد، مفسدته أعظم من مصلحته!! عجباً للباحث الكبير مالك بن نبي كيف غفل عن هذه المقولة في نظريته التي أسماها «القابلية للاستعمار».
لكن العقاد أجاد في تفسير هذه المقولة وأمثالها، فقال: «إن القول بصواب الحسين معناه إلقاء الذنب على يزيد، وليس بخاف كيف ينسى الحياء وتبتذل القرائح أحياناً في تنزيه السلطان القائم وتأثيم السلطان الذاهب»)[57](.
ـ ويقول مرة أخرى ومعتذراً ليزيد: «ويزيد ليس بأعظم جرماً من بني إسرائيل، كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء، وقتل الحسين ليس بأعظم من قتل الأنبياء»)[58](. أرأيت عذراً أقبح من فعل كهذا؟
نكتفي بهذا القدر خشية أن نكون قد أطلنا في هذا الباب، لنقف على جوانب أخرى من مواقف ابن تيمية وعقيدته.
4 ـ ابن تيمية وعلماء الإسلام
من السمات المميزة لشخصية ابن تيمية: حدته، وهجنة أسلوبه في الجدل..
ـ قال يصف حواراً له مع بعض الفقهاء في مجلس أمير دمشق:
قلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملّي، وهو أول اختلاف حدث في الملّة… فقال الشيخ الكبير: ليس كما قلت ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام.. قال ابن تيمية: فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للاجتماع، وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب)[59](.
فهذا هو أدب الخطاب عند الشيخ: «أخطأت، هذا كذب، لا أدب، لا فضيلة، لا تأديب» كلها في جملة من سطر واحد!
ـ أفتى ابن تيمية في مسألة، وأفتى فقيه آخر بخلافه، فرد عليه ابن تيمية قائلاً: من قال هذا فهو كالحمار الذي في داره)[60](.
كان كثير السب لابن عربي والعفيف التلمساني والإمام الغزالي والفخر الرازي، وكثير النيل منهم والتهكم عليهم ويصفهم بأنهم فراخ الهنود واليونان.. وإذا ذكر العلاّمة ابن المطهر الحلّي، يقول: ابن المنجس!! وإذا ذكر دبيران صاحب المنطق، لا يقول إلا «دبيران» بضم الدال)[61](.
هذا كل ما تحلى به ابن تيمية من أدب الخطاب.
5 ـ مع اليزيدية
إن لابن تيمية مع هذه الطائفة من الغلاة كلاماً يثير الكثير من الشكوك، ويضع العديد من علامات الاستفهام حول عقيدته..
من هذه الطائفة قوم غلوا بيزيد بن معاوية وبالشيخ عدي بن مسافر الأموي، فانضافوا إلى فرق الغلاة التي أجمع المسلمون على كفرها وخروجها من الإسلام لأنها أضافت إلى البشر صفات الإله جل جلاله، وهذه الفرقة التي غلت بيزيد وعدي بن مسافر عرفت بالعدوية، نسبة إلى عدي بن مسافر..
لقد عاصر ابن تيمية هذه الطائفة فكتب إليهم كتاباً استهله بكلام لا يشبه شيئاً من كلامه في مخالفيه وخاصة من أصحاب الفرق الأخرى وأهل البدع الظاهرة، أو حتى الذين عدهم هو من أهل البدع..
قد استهل كتابه بقوله: «من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، والمنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي، ومن نحى نحوهم، وفقهم الله لسلوك سبيله… سلام عليكم ورحمة الله وبركاته»)[62](.
هكذا مع علمه بأنهم من الغلاة، جعلهم من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة.. ودعا لهم بالتوفيق إلى سلوك السبيل. ورفع إليهم تحية الإسلام.. وليس ذلك لهم وحدهم، بل لمن نحى نحوهم أيضاً وسلك طريقتهم في الغلو!!
هذا الرجل هو الذي سلط لسانه الجارح على أهل البيت كما رأينا سابقاً.. وهو الذي عد الرازي والغزالي وابن سينا من فراخ الهنود واليونان، وأنهم أضل من اليهود والنصارى..
وهو صاحب ذلك الكلام الجارح في العلماء.. فلأي شيء خاطب هذه الطائفة من الغلاة بهذا الخطاب العذب الذي لم يخاطب به أياً من فرق المسلمين؟!
لعلّ السر في ذلك أن غلو هؤلاء كان في يزيد بن معاوية، وتعظيم يزيد عنده هو علامة الانتماء إلى أهل السنة والجماعة، وإن بلغ التعظيم حد الغلو.. فهل ينتهي العجب لهذا الرجل الذي يروي بنفسه حديث الإمام أحمد بن حنبل الذي قال فيه: «وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر!» بل لعله لأجل هذا ونحوه لم يتقي بمذهب أحمد بن حنبل!!
6 ـ أقوال العلماء فيه
بعدما رأيت من عقائده لم يعد غريباً عليك ما ستراه من فتاوي علماء المسلمين فيه بناء على تلك الأقوال والعقائد. ولقد صنف الحافظ ابن حجر العسقلاني هذه الفتاوي، فقال: أفترق الناس فيه شيعاً:
ـ فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقة، وإنه مستوٍ على العرش بذاته.
ـ ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله: إن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لا يستغاث به.
ـ ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي: إنه كان مخذولاً حيثما توجه، وإنه حاول الخلافة مراراً لم ينلها، وإنه قاتل للرئاسة لا للديانة. ولقوله: إنه كان يحب الرئاسة وإن عثمان كان يحب المال. ولقوله: علي أسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه، وبكلامه في خطبة بنت أبي جهل فإنه شنع في ذلك فألزموه بالنفاق لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: «ولا بغضك إلا منافق».
ـ ونسبه قوم إلى أنه كان يسعى في الإمامة الكبرى، فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه)[63](.
وهذه أقوال متعددة بتعدد آرائه. وأَجمَلَ القول فيه ابن حجر في «الفتاوي الحديثة» فقال: ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله.. وبذلك صرّح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله.. ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصره وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية.. قال: والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن، وأن يرمى في كل وعر وحزن… ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل غال، عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله، آمين)[64](.
رسالة الحافظ الذهبي إلى ابن تيمية
من أحسن ما قيل في ابن تيمية ذلك الخطاب الذي وجهه إليه الذهبي في رسالة شخصية ينصحه فيها ويعظه ويؤنبه ويوبخه، ويكشف فيها عن كثير من سجاياه وأخلاقه.. وهذا هو النص الكامل لتلك الرسالة:
«الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ عليَّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، وواأسفاه واحفظ عليَّ السنة وأهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على السنة وأهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، آهٍ على وجود درهم حلال وأخ مونس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتباً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينيك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» بل أعرف إنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وهو جهاد، بل والله عرفوا خيراً كثيراً مما إذا عمل به فقد فاز، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل بالله عليك كف عنّا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيك صلَّى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان» وكثرة الكلام بغير ذلل تقسي القلب إذا كان الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب، والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟ لنرد عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت «سموم» الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم وتكمن والله في البدن، واشوقاه إلى مجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما، بالله خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفره فهو أكفر من فرعون وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكوك، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم واللين باطولياً شهوانياً، لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم! أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخبار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟! إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح. والله. بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار، أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى. والله. ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول: البتة سكت فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك. والله. فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر، قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرّاً (فرحم الله امرءاً أهدي إليَّ عيوبي) فإني كثير العيوب غزير الذنوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين».
هذه هي خلاصة القول في الرجل الذي وجدت فيه البدعة الوهابية خير قدوة لها، فتمسكت بكل ما شذ وانحرف من أفكاره، ثم زادت فوق ذلك شذوذاً وانحرافاً.. الرجل الذي أخذ يروج له بعض دعاة السلفية، فاحتالوا لذلك بأن ستروا قبائح أفكاره وعقائده الضالة وانحرافاته فهم لا يعرجون على شيء منها بذكر رغم أنها تشغل أكثر من ثلاثة أربع ما كتب من كتب ورسائل، {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (البقرة: 9).
صائب عبد الحميد
ابن هاني الأندلسي
تأملات في سيرته وأدبه
على الرغم من التطور والازدهار الذي شهدته الأمّة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، فقد حفلت هذه الفترة بكثير من المفارقات والمغالطات التاريخية التي يعسر في كثير من الأحيان أن نجد لها تأويلاً صحيحاً أو تعليلاً منطقياً يتواءم والأحداث المروية. وقد كان لاتساع رقعة الطائفية وانتشار العصبية التي بلغت مبلغاً عظيماً في تلك الفترة الموطن الملائم والأرض الخصبة لنمو الروايات الملفقة والأقاويل الباطلة، الأمر الذي دفع المؤرخين السطحيين إلى تعمّد النقل الببغائي والسرد التقليدي غير الموضوعي دون التدبر في نقلهم والتدقيق في ما يروون من أخبار.
وتكثر المغالطات والتناقضات غالباً في الأحداث التي تحمل طابعاً سياسياً والأخبار ذات الجذور الدينية والمذهبية. ففي هذين الموردين يظهر التباين بأوضح صوره وقد يتعدى إلى أبعد حدود اللغط والاضطراب. وفضلاً عن هذا فإننا نلمس تجاهلاً وتغاضياً متعمّداً من قبل بعض المؤرخين تجاه بعض الشخصيات والأحداث التاريخية المهمّة. ومما لا يخفى أنّ هذا التجاهل والتغاضي لم يكن صادراً عن سهو أو نسيان بل كان نتيجة الضغوط السياسية الحاكمة وقتئذٍ.
ومن تلك الشخصيات التي اكتنفها الضباب وشابها الغاموض والإبهام، ابن هاني الأندلسي «حامل لواء الشعر بالأندلس»)[65]( والذي قال عنه ابن خلكان: «ليس في المغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا من متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين»)[66](. وفيه اشتهر قول الشاعر:
إن تكن فارساً فكن كعليٍّ
أو تكن شاعراً فكن كابن هاني
كلُّ من يدّعي بما ليس فيه
كـذّبته شواهد الامتحان)[67](
والمراد من هذا المقال هو تسليط الضوء على جوانب غامضة من سيرة ابن هاني وتبيين ما التبس على المؤرخين ـ عمداً أو سهواً ـ من أمر هذا الشاعر، بالإضافة إلى بعض الجوانب التي لم يتناولها الدارسون والباحثون لهذه الشخصية حرصاً على أن يأتي هذا العمل بجديد غير معاد.
وُلد أبو القاسم)[68]( محمد بن هاني)[69]( بن محمد بن سعدون المهلّبي)[70]( الأزديّ الأندلسي، وقيل الإلبيري)[71]( الغرناطي)[72](، وأيضاً البستي)[73]( المغربي)[74]( المُعزّي)[75](، سنة 320هـ أو 326هـ بقرية سكون من قرى إشبيلية، وقيل بإلبيرة)[76](، والقول الأول أصح بإجماع المؤرخين. نشأ ابن هاني في إشبيلية، واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر ومهر فيه. وكان حافظاً لأشعار العرب وأخبارهم وكان أكثر تأدبه في دار العلم بقرطبة)[77](. وأول من اتصل بهم ابن هاني من أهل الدولة كان صاحب إشبيلية)[78](. فأعزّه وأكرمه، وصار عنده ذا مكانة ومنزلة، وأقام معه زمناً ليس بالمديد. أمّا سبب مفارقته إياه فيبدو أن أهل إشبيلية نقموا على الملك لإقامة شاعر عنده يعتقد بإمامة الفاطميين. فانفصل عنه وكان سنّه يومئذٍ سبعة وعشرين عاماً.
ومن هنالك خرج ابن هاني إلى أرض المغرب فلقي القائد جوهر الصقلّي، مولى المعز لدين الله الفاطمي وأقام بجانبه، فنمي خبره إلى المعز فطلبه. وعندما انتهى إليه في المنصورية قرب القيروان امتدحه بغرر المدائح وعيون الشعر. فبالغ المعز في الإنعام عليه وظل عنده منعماً مكرماً إلى أن ارتحل المعز إلى مصر. وفي الجملة لم يكن هناك ممدوح أعزّ شاعره وأكرمه كما أعزّ المعز ابن هاني. وعندما بلغه خبر موته تأسف، وقال: «هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يُقدَّر لنا ذلك»)[79](.
وأقوال العلماء والأدباء في ابن هاني كثيرة، أذكر بعضها هنا لتبيين مكانة هذا الشاعر في الأوساط العلمية والأدبية. منها ما قاله ابن شرف القيرواني: «وأما ابن هاني محمد، الأندلسي ولادةً، القيرواني وفادةً وإفادةً؛ فَرَغديُّ الكلام، سرديُّ النظام؛ متين المباني، غير مكين المثاني»)[80](. وقال الفتح بن الخاقان: «علق خطير وروض أدب مطير. غاص في طلب الغريب حتى أدرج دره المكنون وبهرج بافتنانه فيه كل الفنون»)[81](. وقال ابن فضل الله العمري: «فحل الشعراء… الذي يَمُجُّ الشهد بلا مراء، وذو المعاني الفصيحة والمباني الصحيحة»)[82](. وفيه قال لسان الدين بن الخطيب: «كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يُدرك شأوه، ولا يُشَقُّ غباره، مع المشاركة في العلوم والنفوذ في فكّ المعمّى»)[83](. وقال أيضاً: «العُقاب الكاسرة، والصمصامة الباترة، والشوارد التي تهادتها الآفاق، والغايات التي أعجز عنها السباق»)[84](. وقال ابن الدواداري: «ابن هاني الأندلسي محمد الذي فضل في الإحسان أبناء جنسه، وسلك في مدح الخلفاء طريقاً لم يأنس فيها بغير نفسه، وأتى من المجالس الباهرة بما لم يعرف من قبله، وأبان بإعرابه عن غزارة طبعه وسعة فضله»)[85](.
ويواجه الباحث والمحقق ـ من خلال مراجعاته ودراسته للمصادر والمظان ذات الصلة بسيرة ابن هاني وتراثه الشعري الثرّ ـ صعاباً جمّة وعقبات كأداء كثيرة بسبب تناقض الأخبار واضطراب الأقوال والروايات. ومن خلال تأمّلات وئيدة في الموروث التاريخي والأدبي لهذا الشاعر النابغة كانت لنا بعض الملاحظات استخلصناها في النقاط التالية:
أولاً ـ تاريخ وفاة الشاعر وسبب موته ومدفنه
تواترت الأخبار في تاريخ وفاة ابن هاني. فقد أجمع المؤرخون بأنّ سنة 362هـ هي سنة وفاته. ومن المؤرخين من ذهب إلى أنّ ابن هاني توفي سنة 361هـ)[86](. والقول الأول أصحّ بتواتر الشواهد التاريخية.
أمّا سبب موته فموضع استغراب وتأمّل. فقد تضاربت الروايات وتناقضت الأخبار في علّة موت الشاعر. وليس غريباً أن يحدث مثل هذا التناقض والاضطراب. فكما مرّ آنفاً فإنّ للعوامل السياسية الدور الأكبر في حرف مسار التاريخ عن جادة الصواب وخنق الحناجر الداعية إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل. ويأتي ابن هاني من ضحايا الغدر السياسي الذي كان يطيح بأقطاب الفكر وأعلام الأمّة. ومن المناسب هنا أن نستشهد بمقالة الدكتور أحمد بدر حول الأجواء الخانقة وأعمال العنف والجاسوسية التي كانت سائدة في تلك الفترة: «وكان لدى الأمويين عمّالهم الذين يتقصون أتباع الفاطميين في الأندلس. وبالوقت نفسه قاموا ببث جواسيسهم في أراضي المغرب. وتورد الروايات بعض الأخبار التي تفيد بقيام هؤلاء بأعمال مشابهة لتلك التي تقوم بها الجاسوسية في العصر الحديث، كقيام البعض برصد تحركات الخصوم وشراء أتباعهم، وقيام البعض الآخر بنقل معلومات من البلاط المعادي أو قتل زعماء الخصوم أو اختطاف الخطرين»)[87](.
والمطالع لديوان الشاعر يجد أحياناً كثيرة وقصائد عديدة في قدح بني أمية والتنكيل ببني العباس. فمن قصيدة له يخاطب الفاطميين ويذم فيها الأمويين والعباسيين:
لو تلمسونَ الصَّخرَ لانبجستْ بهِ
وتفجّرَتْ وتدفّقَتْ أنهارُ
أو كان منكم للرُّفاتِ مُخاطِبٌ
لَبَّوا وظنّوا أنّه انشارِ
لستُمْ كأبناء الطليقِ المُرتدي
بالكفر حتى عضَّ فيه أسارُ
أبناءَ نَتْلَةَ مالكم ولمعشرٍ
هُم دوحةُ اللهِ الذي يختارُ
رُدُّوا إليهم حقَّهم وتنكَّبوا
وتَحَمَّلوا فقد استحمَّ بَوارُ
ودَعوا الطريق لفضلهم فهم الأُلى
لهُمُ بمَجْهَلةِ الطريقِ مَنارُ)[88](
وقد أحسّ ابن هاني بنقمة الأمويين وغضب العباسيين عليه، إلاَّ أنْ تمسكه الوثيق بمعتقداته وإيمانه العميق بمبادئه جعله يخطو نحو أهدافه خطواتٍ راسخة غير مبالٍ بسخط الساخطين وغضب الغاضبين:
وما نَقَموا إلاَّ قديمَ تَشَيُّعي
فَنجّى هِزَبْراً شَدُّهُ المُتداركُ)[89](
وهو القائل:
لم يَجْهلوا ما تُلاقي في التشيُّعَ من
تحريض شاريةٍ أو بأسِ شاريّ)[90](
ولا بدَّ هنا من استعراض الروايات التي ذكرت سبب موت ابن هاني. فهي وعلى اضطرابها وتنوعها تبيّن لنا مظلومية الشاعر الرسالي وما يتحمل من أهوال ومشاق في سبيل أهدافه ومبادئه:
1 ـ قيل: لما وصل إلى (برقة) أضافه شخص من أهلها، فأقام عنده أياماً في مجلس الأنس، فيقال أنّهم عربدوا عليه فقتلوه)[91](.
2 ـ قيل: خرج ليلة سكران من بيته، فلما أصبح الناس وجدوه ملقى في سانية من سواني البلد مخنوقاً بتِكّة سراويله)[92](.
3 ـ قيل: شرب ببرقة وسكر ونام عرياناً، وكان البرد شديداً فأُفلج)[93](.
4 ـ قيل: قتل غيلة فرؤيَ ملقى على جانب البحر قتيلاً لا يدرى من قتله)[94](.
5 ـ قيل: قتل في برقة في مشربة على صبي)[95](.
6 ـ قيل: مات فجأةً)[96](.
7 ـ قيل: إنَّ الأمير تميم بن المعز لدين الله حسده لجودة شعره فقتله لذلك)[97](.
8 ـ قيل: إنّه وقع فانكسرت رقبته)[98](.
وإذا رجعنا إلى من نثق في روايته ونأخذ بكلامه نجد قول من قال بأنّه قتل غيلة أقرب إلى الصواب من غيرها نظراً لما تقدم من تمسك الشاعر بعقائده ومبادئه. ومن هنا يذهب مؤرخو الشيعة إلى أنَّ ابن هاني قتل لتشيعه وولائه الخالص لمذهب أهل البيت عليهم السلام)[99](.
أمّا عن مدفنه فلا يزال قبر ابن هاني مجهولاً لا يعرف محلّه. وللدكتور ممدوح حقي كلمة في هذا الموضوع، يقول فيها: «ولقد بحثت عن قبر ابن هاني مراراً إذ كنت هناك [أي في ليبيا] مستشاراً للمعارف. وتحريت كثيراً ولكن جميع جهودي ذهبت عبثاً للبعد الزمني الفاصل بيننا وبينه، وما توالى على البلاد من حروب وكوارث وهزّات ضخمة، محت فيها معالم كبيرة بارزة… وإنّ كلمة «برقة» التي قيل أنّه قتل فيها لا تعني على إطلاقها مكاناً معيّناً محدوداً، فهي في ليبيا القطر الشرقي كلّه، أو منطقة بنغازي وإجرابيا والبادية المنحازة وراء الجبل الأخضر مما دون الصحراء ويسمّونها برقة البيضاء. أو المنطقة الشرقية من الجبل الأخضر وتسمّى برقة الحمراء»)[100](.
ثانياً ـ شكله وشمائله
إنّ النصوص التاريخية التي في متناول أيدينا والتي قُدّر لنا أن نعثر عليها لم تذكر من وصف الشاعر شيئاً، بل اقتصرت على إيراد صورة غامضة مبهمة لا تفصح عن حقيقة الشاعر إلاَّ القليل المضطرب. فلذا لم يكن أمامنا سبيل إلى معرفة ملامح الشاعر وشمائله من خلال كتب التاريخ سوى الرجوع إلى ديوان الشاعر الذي أصبح مرجعنا الأول والأخير في تحديد صورته وشكله. قال ابن هاني:
لقد أشبَهَتني شَمعَةٌ في صَبابةٍ
وفي هَوْلِ ما ألقى وما أتوقّعُ
نحولٌ وحُزنٌ في فناءٍ ووحدةٍ
وتسهيدُ عينٍ واصفرارٌ وأدمُعُ)[101](
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الشاعر كان جادّاً في كلامه هذا غير مبالغ في قوله فالظاهر من هذين البيتين أنّ ابن هاني كان نحيف البدن، رقيق الجسم، تعلو وجهه صفرة كاصفرار ضوء الشمعة. وفي إشارة أخرى أنشد ابن هاني:
والشيبُ يضربُ في فَوديَّ بارقَهُ
والدهرُ يقدَحُ في شملي بتبديدِ
ورابَني لونُ رأسي أنّه اختلفت
فيه الغمائمُ من بيضٍ ومن سودِ)[102](
وقال أيضاً:
فأمّا وقد لاحَ الصَّباحُ بلمَّتي
وانجابَ ليلُ عمايَتي وتكشَّفا)[103](
وهذه صفة أخرى هي الشيب الذي طرق رأس الشاعر فخالط سويدات شعره وهو لا يزال في عنفوان شبابه.
هذا هو كل ما حفظه الديوان من وصف الشاعر وشمائله. صورة غير وافية إلاَّ أنَّها تحدد بعض ملامح الشاعر وتكشف عن بعض سماته وأوصافه.
ثالثاً ـ في انتساب بعض الأبيات إلى ابن هاني
نُسب إلى ابن هاني هذان البيتان:
حَلَّ برقَّادة المسيحُ
حَلَّ بها آدم ونوحُ
حَلَّ بها الله ذو المعالي
فكلُّ شيءٍ سواه ريحُ)[104](
كثر الجدل واحتدم النقاش حول هذين البيتين، وقد كُفِّر ابنُ هاني بسببهما. إلاَّ أنَّ هذين البيتين لا يمكن نسبتهما إلى ابن هاني حسب الأدلة التالية:
الدليل الأول: إنّ البيتين كما ذكر ابن عذارى المراكشي هما لمحمد البديل كاتب أبي قضاعة، قالها إثر دخول عبيدالله المهدي رقّادة سنة 297هـ وقد أضاف بيتاً ثالثاً أورده بعد البيت الأول، وهو:
حَلَّ بها أحمد المصفّى
حَلَّ بها الكبش والذبيحُ)[105](
الدليل الثاني: إنّ الأبيات ليست في ديوان ابن هاني، ولا في شرح الديوان الموسوم بـ«تبيين المعاني في شرح ديوان ابن هاني» للمحقق الهندي زاهد علي الذي اعتمد على مخطوطات كثيرة لم ترد في جميعها هذه الأبيات.
الدليل الثالث: إنّ رواة هذين البيتين أكدوا على أنّهم وجدوا البيتين منسوبين إلى الشاعر وأنهم لم يعثروا عليهما في ديوانه. من هؤلاء المؤرخين ابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ الذي ذكر بأنّه لم يجد البيتين في ديوان الشاعر)[106](. وكذلك أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي قال بأنه لم ير البيتين في شعر ابن هاني ولا في ديوانه)[107](. ومن هنا يتضح أنّ هذه الأبيات ليست من شعر ابن هاني وإنما نسبت إليه سهواً وعن غير بيّنة، أو عمداً لأغراض خاصة تهدف إلى التنكيل بالشاعر والإطاحة به وإبعاده عن معترك التواجد السياسي والثقافي الفاعل في المجتمع.
رابعاً ـ وقفة مع كتاب شهداء الفضيلة للعلاّمة الأميني
عبّر العلاّمة الأميني عن ابن هاني الأندلسي في كتابه شهداء الفضيلة بـ«النحوي الشاعر»)[108](. ويبدو أنّ المؤلف قد خلط بين ابن هاني الشاعر الأندلسي وبين أبي عبدالله محمد بن هاني اللخمي السبتي المعروف أيضاً بابن هاني المغربي، أحد أكبر علماء العربية في المغرب، وصاحب المؤلفات الكثيرة في علوم العربية وخاصة النحو. فمن كتبه: «شرح التسهيل لابن مالك» و«الغرة الطالعة في شعراء المائة السابعة»، و«إنشاد الضّوال وإرشاد السؤال في لحن العامة». وقد قتل في حصار جبل طارق سنة 733هـ)[109](.
خامساً ـ هل لابن هاني مؤلفات أخرى غير الديوان؟
سبق وأن جاء في ثنايا المقال أنّ ابن هاني كان قد تعلّم بدار العلم بقرطبة، ونال حظاً وافراً من العلم والأدب. ومن المعروف أنّه لم يخلّف أثراً آخر غير ديوانه المشهور. إلاَّ أنَّ بعض المؤرخين ذكروا لابن هاني كتاباً في التاريخ سمّاه إسماعيل باشا البغدادي «تاريخ الأندلس»)[110](، وعبّر عنه فؤاد سزگين بـ«تاريخ ابن هاني»)[111](، وقال عنه كارل بروكلمان بأنه لا يزال محفوظاً في فاس)[112](. وقد تحرّيت عن هذا الكتاب مراراً وبحثت عنه في فهارس المخطوطات كثيراً دون أن أهتدي إلى شيءٍ يذكر. ويبقى هذا الأمر عالقاً بين الصحة والسقم حتى يثبت عياناً. لأنّ الشواهد المتوفرة حالياً لا تدل على نسبة مثل هذا الكتاب لابن هاني.
سادساً ـ مستدرك أشعار ابن هاني
من خلال البحث في كتب الأدب والمصادر المعنية بسيرة وأدب ابن هاني عثرنا على أبيات نسبت إلى الشاعر لم ترد في طبعات ديوانه القديمة ولا في ديوانه المطبوع حديثاً من تحقيق محمد اليعلاوي الذي اعتمد على كتاب الباحث الإسماعيلي زاهد علي «تبيين المعاني في شرح ديوان ابن هاني» الذي يعد من أكمل الدواوين المطبوعة مادة وأجودها تدقيقاً وتحقيقاً نظراً لاعتماد الباحث على عدد وافر من مخطوطات الديوان المنتثرة في أنحاء العالم وبعض المخطوطات الهندية النادرة. وقد أضاف المحقق اليعلاوي إلى طبعة الديوان الجديدة مخطوطة تونسية فيها إضافات وزيادات لم ترد في مخطوطات التبيين.
ونضيف هنا الأبيات التي عثرنا عليها من خلال تجوالنا في مجاميع الشعر وكتب الأدب لتسهم ولو بقدر ضئيل في لمّ شتات ما تناثر من سيرة هذا الشاعر الكبير وتراثه الشعري الغزير.
ــ الألف ـ
وخيرُ زادِ المَرءِ من بعد التُقى
حُبُّ التُقاةِ الغُرِّ أصحابِ الكِسا)[113](
ــ السين ـ
قال يمدح فاتح «قابس»:
ضحكَ الزمانُ وكان قدماً عابساً
لمّا فتحتَ بعزمِ سيفكَ قابسا
أنكحتها بكراً وما أمهرتَها
إلاَّ قناً وصَوارماً وفوارسا
من كانَ بالسُّمرِ العوالي خاطباً
فتحت له البيض الحصون عرائسا)[114](
ــ القاف ـ
عاطيتُه كأساً كأنّ شعاعَها
شمسُ النَّهارِ يضيئُهُ إشراقُها
انظر إليه كأنّهُ متنصّلٌ
بجفونهِ مما جنت أحداقُها
وكأنّ صفحةَ خدِّهِ وعذارَهُ
تفاحةٌ حفّت بها أوراقُها)[115](
ــ النون ـ
ما هذه الألفُ التي قد زدتُمُ
فدعوتم الخُوّانَ بالإخوانِ
ما صَحَّ من أحدٍ فأدعوه أخاً
في الله محضاً لا ولا الشيطانِ
أمّا مولٍّ عن ودادي ماله
وجه ولنا مَن له وجهانِ)[116](
* * *
علّمته بابَ المضافِ تفاؤلاً
ورقيبه يغريه بالتنوينِ)[117](
* * *
ويوم كأنّ الغيم تحت سمائه
حكى مقلتي سحّاً ولم يحكني ضنّا
كأنّ الغوادي بالمثاني نضحنه
وألبسنه ثوباً من الخزّ أدكنا)[118](
* * *
المصادر والمراجع
1 ـ ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ.
2 ـ أبو الفدا عماد الدين إسماعيل: المختصر في أخبار البشر، مصر، بدون تاريخ.
3 ـ أحمد بدر: تاريخ المغرب والأندلس، المطبعة الجديدة، دمشق، 1980.
4 ـ أحمد بن فضل الله العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 1988.
5 ـ أحمد بن محمد الخفاجي: ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، 1966.
6 ـ أحمد بن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس دار الثقافة، بيروت، بدوت تاريخ.
7 ـ إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين، المكتبة الإسلامية، طهران، 1967.
8 ـ إسماعيل بن كثير: البداية والنهاية، الطبعة الأولى، بيروت، 1988.
9 ـ حسن الصدر: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، العراق، بدون تاريخ.
10 ـ خليل بن أيبك الصفدي: الغيث المسجم في شرح لامية العجم، المطبعة الوطنية، الإسكندرية، 1290هـ.
11 ـ خليل بن أيبك الصفدي: الوافي بالوفيات، الطبعة الثانية، 1962.
12 ـ عباس القمي: الكنى والألقاب، المطبعة الحيدرية، النجف، 1970.
13 ـ عبدالحسين الأميني: شهداء الفضيلة، دار الشهاب، قم، بدون تاريخ.
14 ـ عبدالحي بن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، مصر، 1350هـ.
15 ـ عبدالله بن أسعد اليافعي: مرآة الجنان، حيد آباد الدكن، 1338هـ.
16 ـ عبدالله بن الدواداري: كنز الدرر وجامع الغرر، تحقيق صلاح الدين المنجد، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1961.
17 ـ عبدالله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1961.
18 ـ علي بن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، القاهرة، 1945.
19 ـ علي بن الحسين الباخرزي: دمية القصر وعُصرة أهل العصر، تحقيق الدكتور محمد التونجي، مؤسسة دار الحياة، بيروت، 1971.
20 ـ علي بن سعيد المغربي: رايات المُبرّزين وغايات المميّزين، تحقيق الدكتور النعمان عبدالمتعال القاضي، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1973.
21 ـ علي بن سعيد المغربي: المُغرب في حلى المغرب، تحقيق الدكتور شوقي ضيف، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.
22 ـ علي بن الأثير: الكامل في التاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1989.
23 ـ الفتح بن خاقان: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، مطبعة السعادة، مصر، 1325هـ.
24 ـ فؤاد سزگين: تاريخ التراث العربي، نقله إلى العربية الدكتور عرفة مصطفى، الطبعة الثانية، مكتبة السيد المرعشي، قم، 1412هـ.
25 ـ كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، ترجمة الدكتور عبدالحليم النجار، دار الكتاب الإسلامي، قم، بدون تاريخ.
26 ـ لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبدالله عنان، الشركة المصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1974.
27 ـ مارون عبود: أدب العرب، دار الثقافة، بيروت، 1960.
28 ـ المبارك بن المستوفي: تاريخ إربل، حققه وعلق عليه سامي بن السيد خماس الصقار، دار الرشيد، بغداد، 1980.
29 ـ محمد بن الأبّار القُضاعي: التكملة لكتاب الصلة، مصر، 1956.
30 ـ محمد بن الأبّار القُضاعي: الحلّة السيراء، تحقيق الدكتور حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، 1963.
31 ـ محمد بن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب، دار الأضواء، بيروت، 1985.
32 ـ محمد بن منظور: نثار الأزهار في الليل والنهار، مكتبة الحياة، بيروت، 1983.
33 ـ محمد بن هانىء: ديوان ابن هانىء الأندلسي، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.
34 ـ محمد المحبي: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، مصر، 1284هـ.
35 ـ منير ناجي: ابن هانىء الأندلسي درس ونقد، دار النشر للجامعيين، 1962.
36 ـ ياقوت الحموي: معجم الأدباء، الطبعة الثالثة، دار الفكر، بيروت، 1980.
حيدر محلاّتي
* * *
أبو علي مسكويه الرازي
هو أحمد بن محمد الرازي (توفي 421هـ/ 1030م) المؤرخ، والفيلسوف، والطبيب، والأديب الإيراني المبرز. اسمه بالفارسية (مُشكويه) وتعريبه هو (مِسْكَوَيْه). والاسم مأخوذ من اسم تابع من توابع الري، إلاَّ أن هناك خلطاً في اسم أبيه، فهو نفسه يقول في بعض كتبه إنه (أحمد بن محمد مسكويه) ومرة أخرى يقول (أحمد بن يعقوب مسكويه)، وقد أدى هذا إلى عدم تثبيت المؤرخين المحدثين، بل والمعاصرين له فسموه (ابن مسكويه) معتبرين مسكويه اسم أبيه أو جده. إلاَّ أن أبا علي في كثير من كتبه، مثل: العقل والمعقول، والشوامل، ورسالة في اللذات والآلام، ومقالة في النفس والعقل، يقول إنه (أبو علي مسكويه)، وكذلك أيضاً كان يعرفه بعض معاصريه، مثل أبي حيان التوحيدي، وأبي بكر الخوارزمي، والثعالبي.
لا يعرف شيئاً عن تاريخ ولادته، ولكن بما أنه يشير إلى كثرة تردده على أبي محمد المهلبي، وزير معز الدولة البويهي، وأنه استقى معلوماته عن سنة 320هـ وما بعدها شفاهاً من المهلبي، وفي موضع آخر يقول إنه كان مصاحباً للمهلبي سنة 341، فبديهي أن عمره يومئذ لم يكن ليقل عن عشرين سنة، فلا بدَّ أن تكون ولادته في حوالي سنة 320هـ ويكون قد توفي وهو في حوالي المئة سنة من عمره.
يقول ياقوت:
إنه كان مجوسياً ثم أسلم، ولكن بما أن اسم أبيه هو محمد، فيستبعد أن لا يكون مسلماً بالولادة، خاصة وأن هذا لم يرد في أي مصدر آخر.
يعتبر أبو علي مسكويه شيعياً، بدليل ما ورد عنه في بعض كتب المتأخرين، مثل الرواشح وغيره.
عن سنوات حياته الأولى لا يوجد ما يعتمد عليه، ولكن يبدو أنه لم يقض سنوات حداثته في راحة وطمأنينة، وهو يذم أسلوب أبويه في تربيته، والظاهر أن أباه كان يحمله على حفظ الشعر الجاهلي وروايته، وأنه كان في أوائل شبابه كثير اللهو، ولكنه سعى بعد ذلك إلى تهذيب نفسه ونجح فيه.
كانت لمسكويه علاقات وثيقة مع وزراء آل بويه وأمرائهم في شؤون الديوان والمكتبات والأمور المالية، وفي منادمتهم ومصاحبتهم، والأخذ والعطاء في ميدان العلم والأدب، ولهذا أمضى معظم سنوات حياته في مدن متفرقة مثل، الري، وبغداد، وشيراز، وأصفهان، وأحسب أن طلب العلم كان له دخل في تلك الرحلات.
كان مسكويه من الري أصلاً، ولعله قضى العقدين الأولين من عمره فيها، ثم التحق بالبويهيين في بغداد، وأمضى نحو اثنتي عشرة سنة مصاحباً ونديماً خاصاً لأبي محمد المهلبي، وزير معز الدولة. ثم قضى سبع سنوات بصحبة أبي الفضل ابن العميد، وزير ركن الدولة البويهي يدير مكتبته في الري. والظاهر أنه بعد ذلك دخل في خدمة أبي الفتح ابن العميد وزير ركن الدولة ومؤيد الدولة. وبعد مقتل أبي الفتح رفض مسكويه خدمة الصاحب بن عباد، الوزير الجديد لمؤيد الدولة، الذي كانت بينهما منافسة. وحتى بعد موت الصاحب بن عباد لم يغفر له وقدح فيه في شعره.
ثم التحق أبو علي بعضد الدولة، سلطان آل بويه الكبير، في شيراز وأصبح أحد ندمائه ورسله، وعهد إليه بإدارة مكتبته وبيت ماله، وبقي في منصبه هذا حتى مات عضد الدولة. كانت تلك المكتبة تجمع جميع مصنفات ذلك الزمان، وإلى هذا يشير مسكويه، كما ألّف باسمه كتاب تجارب الأمم، وفي المقدمة أشار إلى كونه من موظفيه. وكان عضد الدولة قد عين مكاناً في قصره وبالقرب منه لجمعية الحكماء والفلاسفة ليجروا مناقشاتهم العلمية فيه، وكان هو نفسه من أعضاء الجمعية البارزين.
وإذ تسنّم صمصام الدولة الحكم بعد أبيه ازدادت علاقة مسكويه به، وكان يحضر المجالس العلمية التي كان يعقدها ابن سعدان، وزير صمصام الدولة، حيث كان يحضر أيضاً أشخاص مثل ابن زرعة، وابن الخمار، وابن سمح، والقومسي، ونظيف الرومي، ويحيى بن عدي وعيسى بن علي. وبعد صمصام الدولة، ظل مسكويه في خدمة رجال الدولة الآخرين في بلاط الري. في أول الأمر كان هو وجمع آخر من العلماء، مثل ابن سينا والبيروني، في خدمة خوارزمشاه، ولكنه رفض الالتحاق بخدمة السلطان محمود الذي كان قد طلب تلك الجماعة من خوارزمشاه، إلاَّ أن هذا ليس مؤكداً ولا يعدو أن يكون مجرد أقاويل.
أمضى أبو علي أيامه الأخيرة في أصفهان وفيها توفي ودفن في محلة تسمى (خواجو)، إلاَّ أن القمي في السفينة، وفي الكنى قيل إنه دفن في محلة اسمها درب جناد أو جناب.
أساتذته وطلابه
لا يعرف الكثير عن أساتذة مسكويه، فهو يقول في التهذيب: في شبابي شجعني أبي لدراسة الأدب والشعر.
وفي مكان آخر يقول: إنه قرأ استطالة الفهم للجاحظ يقول: ابن حيان في الإمتاع إن مسكويه أبدى رغبة شديدة في الكيمياء وتتلمذ فيها على أبي الطيب الكيميائي الرازي، كما شغف بكتب محمد بن زكريا الرازي وجابر بن حيان. وكانت له التفاتات نحو التاريخ فدرس تاريخ الطبري. على ابن كامل الذي كان من أصحاب محمد بن جرير الطبري. ودرس علوم الأوائل (اليونان) عند ابن الخمار، وقد برع في هذه العلوم، وخاصة في المنطق والطب حتى لقب ببقراط الثاني.
بعض المؤرخين يعتبرون مسكويه أستاذ أبي حيان ودليلهم في ذلك كتاب الهوامل والشوامل الذي أجاب فيه مسكويه عن أسئلة ابن حيان، ودلائل أخرى، مثل رسالته ماهية العدل أو مقالته في ماهية الكيمياء، إذ إنهما أيضاً ردود أسئلة ابن حيان، التي يوردها بلحن التلمذة.
معاصروه
كانت لأبي علي علاقات وطيدة مع الحكماء والعلماء والأدباء في عصره. من هؤلاء كان أبو سليمان السجستاني الذي اعتبر مسكويه من كبار علماء العصر ومدحه كثيراً، كما جاء في كتابه صوان الحكمة الذي ألفه في حياة مسكويه عن رجال العلم والحكمة.
كان تعامل أبي حيان التوحيدي مع مسكويه، مثل تعامله مع سائر معارفه العلماء، متناقضاً، فمرة هو مسرور ومادح، وأخرى هو غير مسرور وقادح، متهماً مسكويه بالتقلب والبخل… وفي الوقت نفسه يصف شعره بالجمال وألفاظه بالطهارة، ويعتبره «كنز العلوم العجيبة وأسرار الحكمة».
ومن المقربين إليه كان أبو بكر الخوارزمي. أمّا بديع الزمان الهمداني الذي خاصم معاصريه، بمن فيهم الخوارزمي، أحنى رأسه احتراماً لمسكويه وتعظيماً ولم يهاجمه.
من معاصري مسكويه الآخرين في النصف الثاني من عمره كان ابن سينا، الذي وُلد يوم كان مسكويه في الخمسين من عمره. يقولون إن ابن سينا لم يجد مسكويه سريع الفهم. وفي يوم جمعهما مجلس حيث كان طلاب مسكويه حاضرين، فرمى ابن سينا جوزة نحو مسكويه وقال له: «احسب مساحتها!» فألقى إليه مسكويه رسالة له في الأخلاق وقال:
أبدأ أنت بتهذيب أخلاقك أولاً حتى أقوم أنا بحساب مساحة الجوزة، لأنك أحوج إلى تهذيب أخلاقك مني إلى استخراج مساحة الجوزة!
مؤلفاته
يذكر المؤرخون أن له مؤلفات كثيرة تشمل الكتب والرسائل والمقطوعات الشعرية العربية والوصايا، ولكنها لم تصل إلينا جميعها. أما المطبوع منها فيشمل:
1 ـ تجارب الأمم، وهو أشهر كتب أبي علي التاريخية، وتوجد منه عدة نسخ، كما طبعت فصول منه.
2 ـ ترتيب السعادات ومنازل العلوم. طبع هذا الكتاب في مصر تحت عنوان السعادة (1928)، وطبع في طهران تحت عنوان ترتيب السعادات (1314هـ ش) في حاشية مكارم الأخلاق للطبرسي، وفي السنة نفسها طبع ملحقاً بكتاب المبدأ والمعاد للملا صدرا.
3 ـ تهذيب الأخلاق وطهارة الأعراق في فلسفة الأخلاق، وقد نشر مرات عديدة في الهند والقاهرة واسطنبول وبيروت. وهو يبين نظريات مسكويه في الحكمة العملية.
4 ـ الحكمة الخالدة الذي ينسب إلى هوشنك بيشدادي، وقد ترجمه حسن بن سهل إلى العربية، وأكمله مسكويه. ويشتهر هذا الكتاب باسم آداب العرب والفرس، ويدور حول حكمة الإيرانيين، والهنود، واليونانيين والعرب.
5 ـ بعض الرسائل والمقالات القصيرة في الفلسفة، نشر بعضها في دمشق والقاهرة وليدن.
6 ـ رسالة في دفع الغم من الموت (لماذا أخاف الموت). هذه الرسالة جزء من تهذيب الأخلاق لمسكويه، ولكن مرن نسبها إلى ابن سينا ونشرها ضمن مجموعة رسائل الشيخ الرئيس. وأشار شيخو إلى هذا الخطأ في جملة المشرق. وقد نشر نص هذه الرسالة وترجمتها في قم سنة 1327هـ ش.
7 ـ الفوز الأصغر ويحتوي على ثلاث مسائل، ونشر في عدة مرات: في بيروت (1319هـ) والقاهرة (1325هـ). ونشر في طهران مع فوز السعادة (1314هـ).
8 ـ فوز السعادة، وهو، كما يقول الشيخ آقا بزرك في الذريعة، غير ترتيب السعادات.
9 ـ لغز قابس (لوح قابس). هذا في الواقع جزء من كتاب الحكمة الخالدة، وقد طبع عدة مرات، منها في مدريد (1793م) وفي باريس (1873م) وفي الجزائر (1898م).
10 ـ الهوامل والشوامل. (الهوامل) هي مجموعة أسئلة أبي حيان التوحيدي، والشوامل هي أجوبة مسكويه عنها. وقد طبع هذا الكتاب سنة 1370هـ/ 1951م في القاهرة برعاية أحمد أمين وأحمد صقر.
مؤلفاته الخطية
1 ـ رسالة في ذكر الحجر الأعظم، في الكيمياء، توجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران.
2 ـ رسالة في الكيمياء، توجد نسخة منه في مكتبة أصغر مهدوي الخاصة.
3 ـ رسالة في ماهية العدل، النسخة الوحيدة لهذا الكتاب موجودة في مكتبة آسنان قدس رضوي، تحت العنوان الكامل: رسالة الشيخ أبي علي أحمد بن يعقوب مسكويه إلى علي بن محمد أبي حيان الصوفي في ماهية العدل.
4 ـ كتاب الأشربة، في العقاقير الطبية. مختارات منه موجودة في مكتبة صائب في أنقرة.
5 ـ كتاب في ترتيب الباجات من الأطعمة (كتاب الطبيخ). توجد نسخة منه في مكتبة أحمد ثالث باسطنبول.
6 ـ الكنز الكنز، في الكيمياء. توجد نسخة منه في مكتبة بشير آغا.
7 ـ نديم الفريد (أنس الفريد). القندوزي الحنفي ينقل عن هذا الكتاب احتجاج المأمون في قضية ولاية عهد الإمام الرضا عليه السلام.
وهناك من مؤلفاته المفقودة التي لم يعثر عليها، منها:
1 ـ رسالة إلى بديع الزمانُ الهمداني، وهي نظم ونثر، جواباً عن رسالة بديع الزمان الاعتذارية.
2 ـ مجموعة شعرية تضم أمثلة لشعر أبي علي.
3 ـ عهد أبي علي مسكويه مع نفسه الذي يذكره الحموي تحت عنوان وصيته.
4 ـ وصية مسكويه، وهي نصائح يقدمها للباحثين عن الحكمة، وهي موجودة في صوان الحكمة لأبي سليمان. كما أن أبا علي قد ذكرها في الحكمة الخالدة في فصل حكمة حكماء الإسلام، من دون ذكر اسمه.
ومن مؤلفاته المفقودة الأخرى كتاب الفوز الأكبر.
أفكاره الفلسفية
بذل أبو علي جهوده في أكثر ميادين الحكمة النظرية والعملية، وخاصة في فن تهذيب الأخلاق، بحيث إن بعضهم وصفه بالمعلم الثالث… كان ينظر إلى التاريخ بصفته مختبراً للفلسفة العملية، وهو متأثر أكثر من غيره بأفكاره أرسطو وأفلاطون، فهو مرة أرسطوي ومرة أفلاطوني، بحسب الموضوع والبحث الفلسفي. في كتابيه «تهذيب الأخلاق» و«الفوز الأصغر» يشير أيضاً إلى سقراط وجالينوس وفيثاغورس وفرفريوس وبرقلس وينقل عنهم وينقدهم، ولكنه كان قليل الاهتمام بالرواقيين.
أمّا على صعيد الإسلام فقد عني بفلاسفة مثل الكندي وأبي عثمان الدمشقي وأبي الحسن العامري، كما كان يستند إلى القرآن والحديث. وفي الحكمة النظرية كتب كتابين: «الفوز الأصغر» و«الفوز الأكبر»، وهذا الأخير مفقود، ولكن يظهر أنه كتب على غرار الفوز الأصغر بتفصيل أوسع.
إقبال اللاهوري يرى أن فلسفة ما بعد الطبيعة عند مسكويه أكثر انتظاماً من فلسفة الفارابي. القسم الأول من «الفوز الأصغر» في عشرة فصول يدور حول إثبات الصانع. والقسم الثاني أيضاً في عشرة فصول مختصرة حول معرفة النفس وفي المعاد. القسم الثالث من الكتاب في عشرة فصول أيضاً وتدور حول النبوة.
أمّا في الحكمة العملية فلمسكويه ثلاثة كتب مهمة: «تهذيب الأخلاق» و«ترتيب السعادات» و«الحكمة الخالدة». إن الهدف من «تهذيب الأخلاق» هو الوصول إلى الإنسان الخيّر بالتعلم المستمر حتى يصبح ملكة من ملكات النفس.
الطب: من الميادين الأخرى التي ولجها أبو علي هو ميدان الطب. يقول الحموي إن له كتاباً في هذا الباب باسم الجامع، ويعتقد آخرون أنه كتبه على غرار كتاب الجامع الكبير المعروف بالحاوي لمحمد بن زكريا الرازي. وله كتاب آخر باسم «في الأدوية المفردة». وكتابه الآخر هو «تركيب الباجات من الأطعمة» أو كتاب الطبيخ، وكتابه الثالث هو «كتاب الأشربة».
الكيمياء: يقول أبو حيان التوحيدي إن مسكويه قد بذل جهوداً كبيرة في هذا الباب واشتغل زماناً طويلاً مع أبي الطيب الكيميائي الرازي. وله في هذا الميدان «رسالة في الكيمياء»، وذكر الحجر الأعظم، ولعله يقصد به حجر الفلاسفة أو الإكسير الأعظم. وثمة رسالة باسم رسالة الحكمة النادرة تنسب إليه أيضاً.
المصادر
ــ آقا بزرگ، الذريعة وطبقات أعلام الشيعة، برعاية علي تقي منزوي، بيروت، 1391هـ/1971م.
ــ ابن أبي أصيبعة، أحمد بن قاسم، عيون الأنبياء، برعاية أوغوست مولر، القاهرة، 1299هـ.
ــ أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، برعاية أحمد أمين وأحمد زين، القاهرة، 1942م.
ــ أبو سليمان السجستاني، محمد بن طاهر، صوان الحكمة، برعاية عبدالرحمن بدوي، 1974م.
ــ أبو علي مسكويه، أحمد بن محمد، تجارب الأمم، برعاية أبو القاسم إمامي، طهران، 1366هـ ش.
ــ إقبال اللاهوري، محمد، سير فلسفة در إيران، ترجمة أمير حسين آرين پور، طهران، 1349هـ ش.
ــ الأمين، محسن، أعيان الشيعة، برعاية حسن الأمين، بيروت 1403هـ/ 1983م.
ــ دفاع، علي عبدالله، إسهام العلماء العرب والمسلمين، بيروت 1406هـ/1986م.
ــ شيخو، لويس، رسالة في الخوف من الموت، المشرق، بيروت، 1908م، العدد 11.
جعفر صادق الخليلي
الاتجاه الفكري
لمدرسة الإمام جعفر الصادق
كثر الحديث في السنوات الماضية حول إمكانية الفكر الإسلامي في مواجهة التحديات المعاصرة وإمكانية تخليصه من الشوائب والمعوقات الموروثة. وفي هذا السياق برزت أسماء لمفكرين عرب ومسلمين حاولوا فهم مكونات «العقل العربي»، و«العقل الإسلامي»، كالدكتور محمد عابد الجابري، والدكتور محمد أركون، والدكتور عبدالرحمن الطريري، وغيرهم، والحديث عن «العقل»، هو الحديث عن قدرة الإنسان على إدراك الأشياء على حقيقتها، وقدرة الإنسان على تحديد رأيه في موضوع من المواضيع.
ويرتبط بمفهوم «العقل»، مفهوم «العقلانية» التي يقصد منها قدرة الإنسان على تحديد موقفه الفكري، وسلوكه تجاه الحياة الاجتماعية والمعرفة، وقضايا العلوم التطبيقية، فالإنسان يحقق هدف إنسانيته من خلال تحكيم نظام عقلي يقوم على مجموعة من المبادىء والمسلمات والقوانين الأولية التي تتفق عليها كل العقول السليمة، وإن تلك المبادى تتميز بالسمو والارتفاع، فوق الجزئيات، وفوق اعتبار الزمان والمكان. (انظر الطريري/1993).
ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، فإننا نرى الكثير من آياته تتحدث عن صيغ مشتقة أو مرادفة لكلمة العقل مثل {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (البقرة/242)، {وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (النمل/12)، ومن هذا المنطلق تناول علماء المسلمين مفهوم العقل وعلاقته بالشريعة وناقشوا المواضيع التي طرحت أسئلة في غاية الأهمية مثل: هل أنَّ الشرع هو أساس الإيمان؟ أم أن العقل هو الأساس؟ فكثير من أمور الشرع لا يمكن إثباتها بالحجة والبرهان، ولهذا فإن الإشكالية التي تطرح نفسها هي: هل الحجة والحاكمية للشرع أم للعقل؟
العلاقة بين الشرع والعقل مسألة تتعلق بموضوع المعرفة، لأن المعرفة هي الرابطة التي تصل الإنسان بعالمه الخارجي، ولولا المعرفة لظل الإنسان أسيراً لذاته مثل المخلوقات غير العاقلة، فالمعرفة هي التي تفتح عقل الإنسان على الطبيعة المحيطة به، وتفتح أمامه الأسئلة حول ما وراء الطبيعة. وعلى هذا الأساس فإن نظرية المعرفة لدى الفلاسفة تحاول تعريف الوسائل التي تزود الإنسان بالمعرفة وطبيعة القنوات التي تربطنا بالعالم الخارجي.
يتفق الفلاسفة المسلمون وغير المسلمين على أنّ التكوين المعرفي يعتمد على نوعين أساسيين من العقلنة الإنسانية؛ الاستدلال والاستقراء. الاستدلال يمكّن الإنسان من استخراج النتيجة العقلية بالاعتماد على مقدمات نظرية معروفة ومقبولة. أمّا الاستقراء فيُمَكّن الإنسان من الوصول إلى نتيجة عقلية من خلال تتبع الجزئيات باستخدام التجربة (المعتمدة على الحواس الخمس) للتوصل إلى حكم نهائي.
والفلاسفة الأوائل يرون أن اعتقاد الإنسان بشيء ما لا يمكن أن يكون يقينياً مطلقاً ما دام هناك أدنى احتمال خطأ في المقدمات التي أوصلت إلى تلك النتيجة، ولهذا، فإن الشك اعتبر المحفز الرئيسي لتكوّن المزيد من المعرفة. وقد سعى الفلاسفة للوصول إلى العلم الأساس والمعرفة التي لا تحتاج لدليل ولا تحتمل الشك للوصول إلى علم يقيني يمكن تأسيس العلوم والمعارف الأخرى عليه. وهنا يشير الإمام الصادق عليه السلام: «أما إذا خرجت من الأفكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة».
لا شك أنَّ وصول هذه الأفكار التشكيكية إلى المسلمين (بعد ترجمة الكتب اليونانية التي بدأت في عهد الإمام جعفر الصادق) كان لها أبلغ الأثر في دفع رواد الفكر الإسلامي لمواجهة الكثير من الإشكاليات التي طرحت نفسها على الساحة. ولقد ساعدت الأوضاع السياسية الإمام الصادق ـ كما عبَّر عن ذلك الأستاذ أسد حيدرـ، بين شيخوخة الدولة الأموية وطفولة الدولة العباسية إذ اتسع المجال للإمام الصادق(ع) لنشر العلم وبث الأحكام الشرعية والتعاليم النبوية، فبين ميلاد، ووفاة الإمام الصادق في 702 ـ 765م، عاصر ثمانية من ملوك بني أمية، واثنين من ملوك بني العباس. وبسبب تلك الظروف اشتهر الإمام الصادق في ذلك العصر، واتسع ذكره، وتوسَّعت مدرسته الفكرية التي كان يدرس فيها أربعة آلاف عالم، اشتهر عنها حرية القول وحرية النقض والإبرام في شأن الحقائق الدينية والعلوم الطبيعية.
وفي الوقت الذي ركز الفكر اليوناني على النظريات والعموميات والنهج الاستدلالي، كان الإمام الصادق يخضع بحوئه للنهج التجريبي معتمداً على القرآن الذي ركز على الاعتبار بالمحسوس المتمثل بالواقع، وحثَّ على رفض المسلمات والعموميات التي تحكم مقدماً على أي أمر واقع. ولذا فإن مدرسة الإمام الصادق بالمدينة المنورة احتوت على علماء ومتخصصين في جميع المجالات العلمية المتطورة في ذلك الحين، مثل الفيزياء والكيمياء والطب وعلوم الجغرافيا والفلسفة، بالإضافة للعلوم الدينية كعلم الحديث والفقه.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: «اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج»، ويقول لتلامذته: «اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا». (سليمان كتاني/ 1991). هذا التأكيد على الجانب التجريبي والبحث العلمي المستمر، مكن تلامذة الإمام الصادق من استيعاب الفكر اليوناني دون الإخلال بمرتكزات الفكر الإسلامي، ولذلك فإن الإمام الصادق واجه المشاكل المطروحة في عصره حول الجبر، والاختيار، والقضاء والقدر، بانفتاح وحرية لا زالت رمزاً لكل من طلب الانعتاق من الأغلال. فها هو الإمام الصادق يتحدث بطول نفس مع الزنادقة الذين لم يؤمنوا بالإسلام، ولا يغضب عندما يسأله بعض المشككين «كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟»، ويجيبه الإمام «رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون رؤيته. (انظر الجندي/ 1977).
ولهذا فإن الإمام الصادق يقول «اطلبوا العلم، فإنّه السبب بينكم وبين الله». ويؤسس الصادق نظرية عقلية بقوله: «الحسن الجوهر هو العدل، لأنّه علة كل حسن، والجور هو القبح لأنّه علة كل قبح»، وبهذا يتضح العمق الفكري والسياسي للصادق عندما يربط الظلم والجور بكل نتيجة قبيحة ويربط العدل بكل نتيجة حسنة.
على أنَّ الإمام الصادق وقف موقفاً رافضاً لمبدأ «القياس» لأنّه وجد ذلك تحديداً للمنهج الفكري الذي نشره بين تلامذته. فالإمام أبو حنيفة استخدم «القياس» كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي واستنبط أحكاماً شرعية على أساس مقارنة حالة معينة بحالة أخرى. إذا كان القياس منصوص العلة فهو مقبول، أمّا إذا كان مختلف العلة فيرفض قبوله. بمعنى أنَّ قياس الأحكام دون النظر إلى العلة مرفوض، فمثلاً: علة تحريم الخمر هو الإسكار، ولهذا فإنّ أي مسكر يصبح حراماً، ولكن القياس الشكلي قد يؤدي إلى تحريم كل شيء يشبه الخمر، وإن كان ليس مسكراً. وقد يحلل أيضاً كل مسكر لأنّه لا يشبه الخمر الذي ورد ذكره في القرآن والسنة، ولعلّ من أفضل الردود المعاكسة لمنهج القياس ما ورد على لسان جابر بن حيان، تلميذ الإمام الصادق عليه السلام، وأبي الكيمياء، وصاحب أقدم مختبر كيميائي عرفه التاريخ، فالقياس يشبه «المجانسة» و«مجرى العادة»، ويشرح جابر بن حيان ذلك بالقول «ومن دلالة المجانسة دلالة الأنموذج كمن يريك بعض الشيء دلالة على كله، وهو استدلال وغير قاطع: «إذ الأنموذج لا يوجب وجود شيء من جنسه يساويه تماماً في الطبيعة والجوهر» (انظر الجندي/1977).
ويشير إلى مجرى العادة قائلاً: «وكذلك دلالة مجرى العادة، فإنه ليس علم يقين اضطراري برهاني أصلاً، بل علم إقناعي يبلغ أن يكون: أجرى وأولى وأجدر لا غير. وليس في هذا الباب علم يقين واجب».
واستتباعاً لذلك فإن الإمام الصادق علّم تلامذته الأخذ بالدليل الاستقرائي لتحصيل المعرفة الإنسانية والكونية، معتبراً القرآن مصدراً إليهاً للمعرفة الدينية الموجهة للمعرفة الإنسانية، وليست البديلة عنه.
فجابر بن حيان هو القائل في حق الإمام الصادق: «وحق سيدي، لولا أن هذه الكتب باسم سيدي صلوات الله عليه لما وصلتُ إلى حرف من ذلك إلى الأبد». ويقول جابر مسترشداً بتعاليم الإمام الصادق: «أتعب أولاً تعباً واحداً، وأعلم، ثم أكمل، فإنك لا تصل أولاً ثم تصل إلى ما تريد». ويقول أيضاً: «من كان درباً مجرباً، كان عالماً حقاً، ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً، وحسبك الدربة في جميع الصنائع، لأن الصانع الدرب يحذق، وغير الدرب يعطل، ويقول جابر عملته بيدي وبعقلي، وبحثته حتى صح، وامتحنته حتى كذب (انظر الجندي/1977).
إن هذا الفكر المشرق للإمام الصادق يدحض ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي» عندما ذكر: إن الحركة الثقافية العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا حركة نقلة، وبالتالي فزمنها بعدها للسكون لا الحركة على الرغم من كل حركتها، والدليل أن الفكر الشيعي فقهاً وكلاماً وسياسة اكتمل مع جعفر الصادق». ولا بدَّ لنا من الاعتراض على من يُسمّي فكر الإمام الصادق «شيعياً»، لأنه فكر إسلامي عام تعاطى مع مفردات المعرفة كافة كالكيمياء والرياضيات والفلك والجغرافيا وغيرها مما سجل له أعلام الفكر سبقه إلى هذه الميادين الواسعة الآفاق، الإمام الصادق كان قائداً إسلامياً تعاطى مع جميع المسلمين دون تفريق وفتح آفاق العلم مستلهماً ما أنتجته الحضارة الإنسانية آنذاك، ومطوراً لها ـ بعد أسلمتها ـ ودافعاً نحو التجديد المستمر والبحث المعتمد أساساً على المنهج التجريبي الاستقرائي، والمستلهم هداه من وحي القرآن الكريم.
المصادر
1 ـ أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، دار الكتاب العربي، 1969م.
2 ـ المستشار عبدالحليم الجندي، الإمام الصادق، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1977م.
3 ـ د. محمد شريف، (مقال صحافي)، دعوة إلى تدقيق العلاقة بين العقل والإيمان، جريدة «الزمان» 10/11/1999م.
4 ـ سليمان كتاني، الجانب الاجتماعي والسياسي في شخصية الإمام الصادق، مؤتمر الإمام الصادق عليه السلام، دمشق 26/11/1991م.
5 ـ د. عبدالرحمن الطريري، العقل العربي وإعادة التشكيل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، 1993م.
6 ـ د. طراد حمادة، نقد الجابري للعقل العربي وسمعة الأبستمولوجيا، المنهاج، العدد الأول، 1996م.
7 ـ د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.
8 ـ د. زهير غزاوي التيار العلماني العربي ودراسة فكر الإمام الصادق، المنهاج، العدد السابع، 1997م.
الدكتور منصور عبد الأمير الجمري
إحكام المسألة في أحكام البسملة
هذه صفحة مخطوطة من بحث كتبه العلاّمة السيد عبدالستار الحسني الشهير بالنسابة البغدادي المعاصر المولود سنة 1368هـ/1949م والمقيم بمدينة النجف اليوم. كتبه سنة 1391هـ/ 1971م، وكان يزمع نشره يومذاك. وقد ضاعت النسخة المخطوطة التي كتبها مؤلفها ردحاً من الزمن في أيدي بعض المشتغلين. وقد استعدتُها يومذاك قبل ثلاثين عاماً. وها هي تصدر لأول مرّة بعد خمس وثلاثين سنة من زمن تأليفها دون أن يعلم عنها مؤلفها شيئاً. وكان عمر مؤلفها يوم تأليفه إياها يقارب الثانية والعشرين. وقد استهوته علوم الجدل وعلم الكلام والفقه والأصول وانعكست على كتاباته، كما يظهر ذلك على أسلوبه ومنحاه.
وللعلاّمة المؤلف كتابات رائقة، ومؤلفات لم تكتحل عينُ الزمان بمثلها، خصوصاً في الأنساب والتاريخ وعلم الكلام والجدل والتراجم والرجال والفكر والأدب. ومن مؤلفاته: القول الحاسم في أنساب بني هاشم (في عدّة مجلدات)، تحقيق المطالب في تذييل عمدة الطالب، وتحفة ذوي الألباب في طبقات النسّاب، وفصل القول في مسألة العول، وخاتمة المجددين السيد هبة الدين الشهرستاني، وشرح منظومة السيد محمد هادي الصدر في النسب، والسيد في المجتمع العراقي، وغيرها.
جودت القزويني
تقديم بقلم سماحة حجة الإسلام العلامة المتتبع
الميرزا نجم الدين العسكري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين لا يخفى على أهل العلم والفضل أن القرآن الكريم المنزل على النبي العربي الهاشمي أفضل كتاب نزل من الله الرؤوف الرحيم وقد حفظه الله تعالى من التغيير والتبديل قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وهو كتاب عظيم فيه تبيان كل شيء وقد علم ذلك كلّه من أنزل إليه وعلمه صلَّى الله عليه وآله وسلم لوصيه وزوج ابنته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كما يظهر ذلك من تصريحاته عليه السلام وقد قال عليه السلام ما مضمونه أنه ما نزل على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من علم إلاّ علمني ذلك وقال عليه السلام في بيان بعض ما علمه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن البسملة جزء من الحمد ويلزم قراءتها فيها.
قال جلال الدين السيوطي الشافعي في كتابه (الدر المنثور) ص(3) ج1 أخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال الحمد لله ربّ العالمين. فقيل له هي ست آيات فقال بسم الله الرحمن الرحيم آية.
وقال العلامة الشيخ عبدالكريم ابن سبط الشيخ عبدالقادر الجيلاني الحنبلي المولود سنة (767) كما في ظهر الكتاب طبع حيدرآباد الدكن سنة (1340)هـ قال ما هذا نصه في كتابه: (الكهف الرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم) في صفحة (4): ورد في الخبر عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال، كل ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن وكل ما في القرآن فهو في الفاتحة، وكلّ ما في الفاتحة فهو في بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وفي خبر آخر كلُّ ما في بسم الله الرحمن الرحيم فهو في الباء، وكل ما في الباء فهو في النقطة التي تحت الباء. وفي حديث رواه علماء الإمامية إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: وأنا النقطة التي تحت البآء)[119](. وعلا كلّ البسملة آية شريفة وهي جزء من كل سورة من سور القرآن المائة والثلاثة عشر.
ففي الدر المنثور ج1، ص(7) قال كان عبدالله بن عمر يقرأ البسملة عند قراءته لسور القرآن وكان يقول ما كتبت في المصحف إلا لتقرأ.
وفي الدر المنثور ج1، ص(7) قال أخرج الثعلبي عن علي عليه السلام أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول من ترك قراءتها فقد نقّص. وكان يقول هي تمام السبع المثاني.
وفي كنز العمال ج4 ص(209) طبع الأول في حيدرآباد: أخرج بسنده عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في السورتين جميعاً فمن هذا الحديث وما بمعناه يظهر أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم كان وفيه أيضاً عن علي عليه السلام قال كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر باسم الله الرحمن الرحيم في المكتوبات.
وفي نيل الأوطار ج2 ص(92) أخرج عن ابن عباس إن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم (أي إلى أن توفي صلَّى الله عليه وآله وسلم). وفي كنز العمال ج4 ص(209) عن جابر قال قال لي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: كيف تفتتح الصلاة يا جابر؟ قلت: بالحمد لله رب العالمين. قال لي: قل بسم الله الرحمن الرحيم.
وفي نيل الأوطار ج2 ص(92) قال أخرج الترمذي والدارقطني أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. فمن هذه الأحاديث وغيرها يظهر أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وابن عمه أمير المؤمنين عليه السلام والصحابة الكرام كانوا يفتتحون صلاتهم بالبسملة وذلك دليل واضح قوي على أن البسملة جزء من السور المذكورة في القرآن.
هذا وقد كتب في تفسير البسملة وشرحها كتب كثيرة (راجع حرف التاء والشين في كتاب الذريعة) لآية الله المغفور له)[120](، وإنّ حضرة السيّد السّند الفاضل النبيل خالنا المولى السيد عبدالستار الحسني زيد توفيقاته قد ذكر في كتابه الذي سماه «إحكام المسألة في أحكام البسملة» بعض ما ذكر في البسملة وشرحه وتفسيره وفضل قراءته نقلاً من كتب علماء الإمامية وعلماء أهل السنة. وقد أحسن وأجاد في بياناته ولو كان مختصراً، وإنْ كان حفظه الله فصّل ذلك كان أولى وأليق، فإنّ البسملة آية عظيمة من كلام الله المجيد، فما كتبه مقبول عند الله وعند الرسول والأئمة عليهم الصلاة والسلام، وكل ما أذكر في مدحه قليل في حقه، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح شأنه وأن يوفقه لمراضيه إنه على ما يشاء قدير. كتبه نجم الدين الشريف العسكري في 10/6/1391هـ.
مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم؛ حمداً يوافي نعمه ويستلزم المزيد من آلائه. والصلاة والسلام على سيد الرسل والأنبياء دعوة إبراهيم المبعوث رحمةً للعالمين محمد بن عبدالله؛ وعلى آله الغرّ الميامين أئمة الدين وأعلام الحق المبين الذين جعلهم المولى أئمة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. ورضي الله عن صحابته المرضيين من المهاجرين والأنصار وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول العبد الآثم المفتقر إلى رحمة ربه الغني عبدالستار السيد درويش الحسني النسّابة عفي عنه: إنَّ من موارد الخلاف بين فقهاء المسلمين اختلافهم في حكم البسملة؛ أهي آية منزلة في رأس كل سورة؟ أم أنها جملة مستقلة ليست من القرآن؟ فذهب أئمة أهل البيت الطاهر سلام الله عليهم إلى أنَّها جزءٌ من كل سورة عدا سورة براءة ـ التوبة ـ، وتبعهم في ذلك شيعتهم الإمامية في مختلف الأعصار والأمصار، وعلى ذلك الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي وأصحابه. وذهب آخرون إلى أنها ليست من القرآن وآخرون إلى أنها أنزلت للفصل بين السور ليس إلا. وثمّة أقوال شاذة لا يُعبأ بها، أوصلها بعضهم إلى العشرة، ولكن المشهور هو ما سمعت.
وقد حاولنا في هذه الرسالة الموجزة أنْ نعرض أدلّة المثبتين وأدلّة النافين، ونناقشَها على ضوء الكتاب الكريم والسنة المطهرة، رائدنا في ذلك كلّه الحق، وقائدنا الدليل والبرهان (وما ضلّ من كانا دليلَيه)، مراعين في ذلك الاختصار، مجانبين البسط والإكثار.
وقد صدّرنا هذه الرسالة بذكر فضل البسملة، وقفّينا على ذلك ببيان مفرداتها. وقد كنتُ نظمتُ ـ منذ مدة ـ أرجوزة في البسملة ولم أتمها، حيث عدلتُ عنها إلى النثر لأنه للبنان أطوع وللبيان أجمع. وذلك هجيّراي في كثير مما أكتب إذْ أشرع في النظم فإذا حرُن عدلت إلى النثر في قُلْ أو كُثُر. كما فعلتُ في كتابنا: «خلاصة النحو». ثم إني ارتأيتُ أنْ أضمّن الأرجوزة هذه الرسالة، وإن كانت غير تامة، حفظاً لها من الضياع وحرصاً على تسهيل الاطلاع.
على أني أعتذر سلفاً عمَّا عساه أنْ يكون في هذه الرسالة من الهنات، فالكمال لله وحده والعصمة لأهلها صلوات الله عليهم، لا سيما وأني رقمت طروسها وأنا أعاني من صروف الدهر ما يضيق به صدر الحليم، وأقاسي من الآلام ما الله به عليم، وإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل في الشدة والرخا.
شكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةٌ
ولكنْ تفيضُ الكأسُ عند امتلائها
نسأل الله تعالى أنْ ينتشلنا من كلّ مكروه، وصدق من قال ولله أبوه:
ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغيّرُ الله من حالٍ إلى حالِ
اللَّهم غيّر سوء حالنا بحسن حالك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، (وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب).
بغداد عبدالستار الحسني النسّابة
فضلها
وحسبك في عظيم فضلها ما رواه الفريقان من طرق يعضد بعضها بعضاً عن رسول الرحمة المبعوث من الرحمن الرحيم محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم وهو قوله: كل أمرٍ ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر وفي رواية أجذم؛ وهو المقطوع الآخر. وهل كانت كذلك إلا لما حوت من جليل المقاصد ودقيق الأسرار وعظيم المنافع. أجل لا ينكر ذلك لبيب ولا يجحده فاضل بعد أن صدع الوحي بها وبشر الله نبيّه محمداً، صلَّى الله عليه وآله وسلم ببعثه رحمة للعالمين وأدّبه بأدبه الكريم في قوله عز من قائل:«اقرأ باسم ربك الذي خلق». وبهذا أصبحت شعار الموحدين ودثار الصالحين يفتتحون بها أعمالهم ويزينون صدور كتاباتهم ولا يشرعون في أمر إلا وهي فاتحة كلامهم، وهي تعليم من الله الرب الودود الرؤوف بعباده الحريص على اللطف بهم ليتأدب العبد بأدب ربه، وذلك منه سبحانه لطف كبير وكرم هو به جدير.
ومما جاء في فضلها قول إمامنا أبي محمد الحسن العسكري الخالص صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه ـ فيما رواه ابن شعبة الحراني في تحف العقول ـ قال عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها.
وروى مثل ذلك الحافظ ابن مردويه وابن أبي حاتم بسندهما عن ابن عباس عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وروي مثله عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام، كما في عيون الأخبار مرفوعاً إلى محمد بن سنان. وعن ابن عباس)[121]( عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا قال المعلم للصبي قل: ـ بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة لأبويه وبراءة للمعلم.
وعن عبدالله بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فإنها تسعة عشر حرفاً ليجعل الله كل حرف منها جُنة من واحد منهم. رواه وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. ونقله الإمام القرطبي المالكي.
وروى الحافظ أبو بكر ابن مردويه بسنده عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال؛ أنزلت عليّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم». وروى نحو ذلك الإمام الثعلبي بإسناده عن أبي بردة عن أبيه فيما حكاه الإمام الفخر الرازي.
وفي (الوسائل) عن أبي محمد العسكري عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام قال: إنّ الله يقول: أنا أحقُّ من سئل وأولى من تضرع إليه فقولوا عند افتتاح من أمر صغير أو عظيم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا تحقّ العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث. وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: من حزنه أمر فقال (بسم الله الرحمن الرحيم) وهو مخلص لله يقبل بقلبه إليه لم ينفك من إحدى اثنتين، إما بلوغ حاجته في الدنيا وإما يعدّ له عند ربه ويدخر له لديه وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين.
وبالجملة فإنّ فضلها مما لا يأتي عليه الحصر، ولا يحيط به الوصف، وما ذكرناه هنا من فضلها كتحلة القسم إنما كان على سبيل التبرك.
شرح مفرداتها
الباء في بسم الله: حرف خافض لِما بعده مثل إلى وعن، والمتعلق به ضمير محذوف لوجود ما يدلّ عليه في الكلام، وتقديره باسم الله أبدأ أو أقرأ، والأول أصحّ. وأوجب بعضهم تأخير الفعل المقدّر عن اسم الجلالة لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به. ووجهوا قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} بأنها أول سورة أنزلت وكان الأمر بالقراءة أهم فكان تقديم الفعل أولى)[122](. وذهب بعضهم إلى أن التقدير ابتدائي بسم الله ثابت فحذف المبتدأ والخبر وأبقي معمول المبتدأ، وذلك غلط لأنّ المبتدأ هنا هو المصدر (ابتداء)، والشرط في إعمال المصدر أنْ لا يكون محذوفاً. قالوا: وإنما طولت الباء في بسم الله وأسقطت الألف طلباً للخفة. وقيل لما أسقطوا الألف ردُّوا طولها على الباء، ليدلْ طولها على الحرف المحذوف الذي هو الألف. وإنما أثبتت الألف في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} لقلّة استعماله.
وقيل: الباء حرف منخفض الصورة فلما اتصل باسم الله ارتفع واستعلى. وكلُّ ذلك، فيما أعتقد، من قبيل التكهن الذي شغف به كثير من العلماء والباحثين في بيان أسرار اللغة وخصائصها بل هو دأب كل باحث أيّاً كان نوع بحثه إذا ما وقع على معنى لطيف وصادف منه موافقة للموازين التي يقيس بها صحة الحكم أو عدمه. وما لنا نذهب بعيداً فهذا أبو العباس المرسي الصوفي الشهير)[123]( لما قرأ أقوال بعض المفسرين في أنّ (اللام) في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إنّما هي للعهد انقدح في ذهنه هذا المعنى الذي عبّر عنه بقوله: لما علم الله عجز خلقه عن حمده حمد نفسه في عالم أزله فلما خلقهم اقتضى منهم أن يحمدوه بذلك الحمد وبهذا تكون اللام للعهد.
وقد أغرب بعضهم في بيان مزايا الباء في البسملة، بل في نقطتها وأتى بأذني عناق، ولعلّ ذلك من وحي الباطنية أو تخريجات المتصوفين، حتى دخل ذلك في الأدب العربي. فهذا الشاعر الأديب عبدالباقي العمري يقول من قصيدة في مدح مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
أنت باءٌ مقلوبةٌ فوق تلك آل
نقطة المستحيلة التأويل
ووضعوا في ذلك حديثاً على لسان أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أنا النقطة التي تحت الباء.
ومَنْ جعل هذا الخبر من مناقب الإمام عليه السلام فإنما جعله كذلك بناءاً على قاعدتهم في التسامح في أحاديث الفضائل وأدلة السنن والكراهة كما فصلناه في كتابنا «الشهادة الثالثة في الميزان».
الاسم: هو اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض)[124](، كما عن ابن سيده صاحب المحكم. وأصله من السمو، وهو الرفعة لأنّ جمعه أسماء مثل قنو وأقناء وتصغيره سمي. وفي النسبة إليه سموي واسمي ومجيء فعله سميت همزته همزة وصل وليست من الحروف الأصليّة.
وبلحاظ كونه مأخوذاً من سمو يكون محذوف اللام كيد، وهمزته في الجمع همزة قطع، كقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا}، وقوله: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ}، هذا مذهب البصريين وقليل من الكوفيين. وذهب كثير من الكوفيين إلى أنّ أصله وسم لأنه من الوسم (العلامة)، فحذفت الواو وهي فاء الكلمة وعوض عنها الهمزة، فوزنه أعل، وهذا ضعيف لأنه لو كان مأخوذاً من السمة لكان جمعه على أوسام وتصغيره على وسيم، ومجيء فعله وسمت. ولا تدخله همزة الوصل.
قال الجوهري: والاسم مشتق من سموة لأنه تنويه ورفعة، وتقديره إرفع ذهب منه الواو، يعني لام الكلمة، لأنّ جمعه أسماء وجمع الأسماء أسامٍ وتصغيره سمي. واختلف في تقدير أصله، فقال بعضهم اسم، وقال آخرون فعل.
وفيه لغات كثيرة والمعروف منها أربع: اسم بالكسر واسم بالضم وسِم بالكسرة وسُم بالضم. وقد ضعّفوا الضم ونسبوه إلى الشذوذ.
وقال العلاَّمة الزمخشري)[125](، فيما حكاه عنه صاحب مجمع البحرين: والاسم واحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن، إذ دأبهم أن يبتدأوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن. فإن قيل لم حذفت الألف في بسم الله وأثبتت في (باسم ربك) قلتُ: قد ابتغوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال فقالوا طولت الباء في بسم الله تعويضاً من طرح الألف.
قال عبدالستار: جميع الصور التي يبتدأ فيها باسم الله تعالى عدا صيغة البسملة لا بد فيها من تحقيق الألف خطّاً، فتقول باسمه تعالى، وباسم الله الواحد الأحد. ولا تقول بسمه تعالى، وبسم الله الواحد الأحد.
هل الاسم عين المسمّى أو غيره؟
اختلفوا في ذلك وتعددت آراؤهم وبالغ بعضهم في ردّ خصمه المجانب له في الرأي. وما كانت هذه المسألة بالتي ينبغي أنْ يشغل بها العلماء أذهانهم ويغرقوا نزعاً في تحقيق وجه الصواب فيها بما لا طائل تحته. فوجه الحقّ فيها ظاهر للعيان وإليك ما قالوا ثم أحكم بعد ذلك.
ذهب جماعة إلى أنّ الاسم هو المسمى عينه وذاته واستشهدوا بمثل قوله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} ثم نادى الاسم فقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}، وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ}، و{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ}، وقوله عز اسمه: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}، وقوله: {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}، وقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. ووجه استدلالهم أنّ ذكر الله وذكر اسمه شيء واحد لأنّ اسمه عين مسماه، ولأنّ هذا دافع للقول بأنّ لفظ (اسم) زائد مقحم. ذهب إلى هذا القول أبو عبيدة ونسبه ابن كثير إلى الباقلاني وسيبويه وأبي بكر بن فورك. ونسبه السيد الألوسي)[126]( إلى أبي القاسم السهيلي، وقال بعد نقله عن السهيلي وابن فورك: وهما ممن يعض عليه بالنواجذ، وكأنه قوى هذا الوجه لذهاب هذين الرجلين إلى هذا القول على تفاهته.
ونحن لا نعرف الحق بالرجال، إنما نعرف الرجال بالحق. على أن العلاَّمة ابن قيم الجوزية)[127]( خطّأ من نسب إلى سيبويه القول بأن الاسم عين المسمى.
والقول الحق أنّ الاسم غير المسمى. وقد كفانا العلاّمة الخازن مؤونة الردّ على هؤلاء، فقال في تفسيره المسمى بـ (لباب التأويل) ما مثاله: والصحيح المختار أنّ الاسم غير المسمى وغير التسمية، فالاسم ما تعرف به ذات الشيء، وذلك لأنّ الاسم هو الأسماء المُنقطعة والحروف المؤلفة الدالة على ذات ذلك الشيء المسمّى به، فيثبت بهذا أنّ الاسم غير المسمى.
(قال): وأيضاً قد تكون الأسماء كثيرة والمسمى واحداً كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، وقد يكون الاسم واحداً والمسميات به كثيرة كالأسماء المشتركة، وذلك يوجب المغايرة. وأيضاً فقوله فادعوه بها أمرَ أنْ يُدعى الله تعالى بأسماء، فالاسم آلة الدعاء والمدعو هو الله تعالى فالمغايرة حاصلة بين ذات المدعو وبين اللفظ المدعو به. وأجيب عن قوله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} بأن المراد ذات الشخص المعبر عنه بـ(يحيى) لا نفس الاسم. وأجيب عن)[128]( قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} و{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} بأن معنى هذه الألفاظ يقتضي إضافة الاسم إلى الله تعالى، وإضافة الشيء إلى نفسِه محال. وقيل كما يجب تنزيه ذاته سبحانه وتعالى عن النقص فكذلك يجب تنزيه أسمائه. (قال): وكون الاسم غير التسمية هو أنّ التسمية عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف ذات الشيء، والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة، والفرق ظاهر، (اهـ).
وقال العلاَّمة المحدّث السيد محمد رشيد رضا بن السيد علي رضا الحسيني الطرابلسي الأصل في (مناره) في توجيه الآيات المذكورة: والصواب أنّ الذكر في اللغة ضد النسيان وهو ذكر القلب، ولذلك قرنه بالتفكر في سورة آل عمران (3 :190) وهما عبادتان قلبيتان وقال (18 :24 واذكر ربك إذ نسيت).
ويطلق الذكر أيضاً على النطق باللسان لأنه دليل على ذكر القلب وعنوان وسبب له. وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى كما يذكر من سائر الأشياء أسماءها دون ذوات مسمياتها، فإذا قال نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن (ماء) لا يحصل مسمى هذا اللفظ في فيه فينقع غلّته، فذكر الله تعالى في القلب هو تذكر عظمته وجلاله وجماله ونعمه. وورد التصريح بالأمر بذكر نعم الله. وآلاء الله وذكره باللسان هو ذكر أسماء الله الحسنى، وإسناد الحمد والشكر والثناء إليها.
ومما استدل به الرازي على مغايرة الاسم للمسمى أنّ الاسم قد يكون موجوداً، والمسمى مفقوداً، كلفظة العدم وبأنه قد يكون للشيء الواحد أسماء متعدد كالمترادفة وأنّ الاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتاً ممكنة أو واجبة بذاتها.
وأما قول لبيد بن ربيعة العامري الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذرْ
فإنه أضاف لفظة (اسم) إلى الله تعالى، فكأنه قال ثم اسم الله عليكما فإن من أسمائه تعالى السلام، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} ـ سورة الحشر ـ وإنما نقلنا كلام الخازن والسيد والرازي لأنّ غيرهم قد أكثروا الحزّ وأخطأوا المفصل. وفي بيان هؤلاء العلماء الأعلام ما لا يدع للباحث مجالاً للكلام على أنَّ شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي (قدس سره) قد حقق في الموضوع وأظهر وجه الصواب في (التبيان) ولكنه لا يحضرنا الآن.
ولا يحلّ دون فهمك لهذا المعنى قولنا إنّ صفات الله (التي قد يعبر عنها بالأسماء) هي عين ذاته وأنّ صفات سائر الموجودات غير ذواتها فإنّ هذا من سنخ آخر، لأنّ كون صفاته تعالى عين ذاته أنه متصف بها فهي غير منفكة عنه بحال وهي قديمة بقدمه، في حين أنَّ الموجودات قد تزايلها صفاتها بل إنّ ذلك من خصائصها. فقولنا: إنّ زيداً عالمٌ لا يعني أنه ولد عالماً بل إنه ولد وهو لا يعلم شيئاً ثم تدرّج حتى صار عالماً فصفة العلم زائدة على ذاته.
الله: اسم علم للذات العلية، المستجمعة لجميع صفات الكمال، لا يطلق إلاَّ عليه تبارك وتعالى. والمنقول عن سيبويه في أصله قولان:
أحدهما: أنه إلاّه على وزن فعال فحذفت الفاء التي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلية على لام التعريف في القسم والنداء في نحو قوله أفألله لتفعلن، ويا ألله أغفر لي. ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل، كما لم تثبت في غير هذا الاسم.
والقول الآخر: أنّ أصله لاه ووزنه فعل، فألحق به الألف واللام، يدلّ عليه قول الأعشى:
كحلقة من أبي رباح
يسمعها لاهه الكبارُ
وإنما أدخلت عليه الألف واللام للتفخيم والتعظيم فقط. ومن زعم أنها للتعريف فقد أخطأ لأنّ أسماء الله معارف والألف من لاه منقلبة عن ياء. فأصله ليه كقولهم في معناه لهي أبوك.
أما القول في كونه مشتقاً أو غير مشتق فقد اختلفوا في ذلك والقول الحق إنه جامد لا اشتقاق له، وإليه ذهب الشافعي والخطابي وإمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزالي وحكاه جماعة عن الخليل بن أحمد وسيبويه والحسين بن الفضل ومحمد بن الحسن وغيرهم. والدليل على عدم اشتقاقه قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}، فلا يقال لغيره الله، في حين يطلق على غيره اسم الإله في كلام المشركين كقولهم فيما حكاه القرآن الكريم عنهم: {لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} وهو كما مر علمٌ يوصف ولا يوصف به فتقول الله الخالق الرازق.
وأما من ذهب إلى اشتقاقه فقال: «إنه مشتق من الوله وهو التحير، يقال أله يأله إذا تحير، فمعناه أنه الذي تتحير العقول في كنه عظمته. ومنها: أنه مشتق من قولهم ألهت إلى فلان أي فزعت إليه لأنّ الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم فقيل للمألوه إله كما يقال للمؤتمّ به إمام. ومنها: أنه مشتق من ألهت إليه أي سكنت إليه. ومعناه أنّ الخلق يسكنون إلى ذكره. ومنها: أنه من لاه، أي احتجب فمعناه أنه المحتجب بالكيفية عن الأوهام والظاهر بالدلائل والأعلام».
وفي البحار: عن أبي محمد العسكري عليه السلام في قول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه وتقطع الأسباب من جميع من سواه.
وفيه عن مولانا زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليه السلام قال حدّثني أبي عن أخيه الحسن عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام: أن رجلاً قام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ما معناه؟ فقال: إن قولك (الله أعظم اسم من أسماء الله عز وجل وهو الاسم الذي لا ينبغي أنْ يسمى به غير الله ولن يسم)[129]( به مخلوق فقال الرجل: فما تفسير قوله (الله)، قال: هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع مَنْ دونه وتقطع الأسباب من كل من سواه.
ونقل أستاذنا العلاَّمة المجتهد آية الله، المرجوة له الرحمة السيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي الأصفهاني في دوائر معارفه عن الشيخ البهائي ناقلاً قول السيد الشريف عن نقل الاختلاف في لفظ الجلالة واشتقاقه ما صورته: كما تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته لاحتجابها بأنوار العظمة، تحيروا في لفظ الله كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين فاختلفوا أسرياني هو أو عربي، اسم أو صفة، مشتق ممَ اشتقاقه وما أصله؟ أو غير مشتق علم أو غير علم.
قلتُ ويرحم الله ابن أبي الحديد، شارح النهج، إذ يقول:
تاالله لا موسى الكليم
ولا المسيح ولا محمدْ
علموا ولا النفس البسيطة
لا ولا العقل المجردْ
كلا ولا جبريل وهو إلى
محل القدس يصعدْ
عن كنه ذاتك غير أنك
أوحدي الذات سرمدْ)[130](
وكان هذا الاسم معروفاً في الجاهلية يدلك على ذلك تسمية أولادهم بـ (عبدالله)، وما حكاه القرآن الكريم عنهم في قوله (ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى).
الرحمن الرحيم: صفتان ثبوتيتان من صفات الخالق المتعال وهما مشتقتان من الرحمة، وهي كل ما يبعث على الرأفة والعطف. وقد قيل في تفسيرهما أنهما بمعنى واحد وأن الثاني تأكيد للأول كنديم وندمان. قيل وكلمة (رحمان) أشد مبالغة من كلمة (رحيم) بناءاً على قاعدتهم زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى. وما أبعدهم عن الصواب. فلو كانت هذه القاعدة صحيحة مُطّردة لما قال النحويون نعش أفصح من أنعش، وحزن أرجح من أحزن، وما رأيت في صيغ المبالغة إنّ حذراً أفصح من حاذر، وهلمّ جرّا.
ونقل الطبرسي عن أبي عبيدة أنه قال: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم هو الراحم، وكرّر لضرب من التأكيد.
وقيل إنّ (الرحمن) هو المنعم بالنعم الكثيرة، والرحيم هو المنعم بالنعم القليلة. ونقل بعضهم عن الصادق عليه السلام أنه قال: الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة. وقيل الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم هو المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين. ويرد هذا ما جاء في الذكر الحكيم سورة الحج {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، ولم يقل بالمؤمنين.
والذي يقرب من الصواب وتطمئن إليه النفس هو ما نقله العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا الحسيني في مناره عن أستاذه العلاّمة المصلح الأستاذ الشيخ محمد عبده المصري رحمه الله حيث قال: إنَّ صيغة (فعلان) تدلّ على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كفعال، وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان. وأما صيغة (فعيل) فإنها تدلّ في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وحليم وجميل. والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله عزَّ وجل التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين. فلفظ (الرحمن) يدل على مَنْ تصدرُ عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان. ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة. وبهذا لا يُستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثاني مؤكداً للأول. فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفُهِمَ منه أنه المفيض للنعم فعلاً لا يعتقد منه أنّ الرحمة من الصفات الواجبة له دائماً لأنّ الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإنْ كان كثيراً. فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه.
ويعلم أنّ لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهاناً عليه.
وذهب السيد أبو الثناء في «روح المعاني» إلى أنّ هاتين الصفتين ليستا من الصفات المُشبّهة)[131]( بدليل إضافتهما إلى المفعول في جملة: (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما). والصفة المشبهة لا بُدّ من أنْ تؤخذ من اللازم. ورد عليه العلاَّمة السيد أبو القاسم بن السيد علي أكبر الخوئي المعاصر في (بيانه) بأنّ الإضافة في الجملة المذكورة ليست من الإضافة إلى المفعول، بل هي من الإضافة إلى المكان أو الزمان. ولا يفرق فيها بين اللازم والمتعدي.
وهذا صحيح إلاَّ أنّ السيد الألوسي مصيب في كون الصفة المشبهة لا بد من أن تؤخذ من اللازم، وأنّ (الرحمن الرحيم) ليستا من الصفات المشبّهة ولكن تنظيره بالجملة المذكورة ليس بسديد.
قرآنيتها: أجمع المسلمون على أنّ البسملة جزء من آية في سورة النمل ولكنهم اختلفوا في جزئيتها من سائر السور، فذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى أنها جزء من كل سورة عدا سورة براءة، وأنّ من تركها في الصلاة عمداً بطلت صلاته فريضة كانت أو نافلة، ويستحب الجهر بها فيما يخافت فيه.
نقل ذلك علماؤنا الأعلام، ومنهم الطبرسي في مجمع البيان.
وحسبك في تواتر ذلك عنهم ما قاله الإمام الفخر الرازي الشافعي في (مفاتح الغيب) وأما أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى.
وهناك بعض الأحاديث الواردة عن طريق الإمامية في إثبات قرآنيتها على سبيل التمثيل لا الحصر:
في البحار عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال سرقوا أكرم آية في كتاب الله (بسم الله الرحمن الرحيم)، وفيه عن تفسير العياشي عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا سمعها المشركون ولّوا مدبرين فأنزل الله: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً).
وفي البحار أيضاً عن تفسير العيّاشي عن علي عليه السلام قال: بلغه أنَّ أناساً ينزعون (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال هي آية في كتاب الله أنساهم إياها الشيطان. وفيه عن خالد بن المختار، قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها، وهي «بسم الله الرحمن الرحيم».
وعن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال إذا كانت لك حاجة فاقرأ المثاني وسورة أخرى وصلِّ ركعتين وادع الله، قلتُ: أصلحك الله وما المثاني؟ قال: فاتحة الكتاب، بسم الله الرحمن الرحيم.
وفي الاستبصار لشيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) عن صفوان قال: صلّيتُ خلف أبي عبدالله عليه السلام، فكان يقرأ في فاتحة الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يُجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك.
وفيه: عن معاوية بن عمار قال: قلتُ لأبي عبدالله عليه السلام: إذا قمتُ للصلاة اقرأ بسم الله في فاتحة الكتاب؟ قال: نعم قلتُ فإذا قرأتُ فاتحة الكتاب اقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال: نعم.
وفيه: عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: كتبتُ إلى أبي جعفر (يعني الباقر) عليه السلام، جُعلتُ فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة وحده في أمّ الكتاب، فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها، فقال: العيّاشي ليس بذلك بأسٌ.
فكتب عليه السلام بخطه: يعيدها مرتين على رغم أنفه، يعني العيَّاشي.
وجاءت هذه الرواية في (وسائل الشيعة) للشيخ الحر العاملي)[132](، إلاَّ أنّ لفظة العياشي جاءت بلفظ: العباسي بالموحدة التحتانية، والسين المهملة.
وبالجملة فإنّ تواترها المعنوي عند الإمامية مما لا غبار عليه، يتبع الخلف فيه السلف، وعلى ذلك العمل بينهم بل إنّ الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من علائم المؤمنين عندهم وقد تفرّع من ذلك أنَّ لكل سورة بسملة خاصة بها فإذا أراد المصلي أنْ يشرع في قراءة السورة التي بعد أمّ الكتاب في الصلاة فلا بُدّ من تعيين السورة قبل قراءة البسملة. قال العلامة المجتهد الأكبر، مرجع الطائفة الإمامية، السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) في رسالته العملية «منهاج الصالحين» ما نصّه: البسملة جزء من كل سورة فتجب قراءتها معها عدا سورة براءة، وإذا عينها لسورة لم تجز قراءة غيرها إلاَّ بعد إعادة البسملة لها، وإذا قرأ البسملة من دون تعيين سورة وجب إعادتها ويعينها لسورة خاصة وكذا إذا عينها لسورة ونسيها فلم يدر ما عين، وإذا كان متردداً بين السور لم يجز له البسملة إلاّ بعد التعيين.
هذه عقيدة الإمامية في البسملة لا يعدون أقوال أئمتهم الميامين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم أعدال الكتاب وأحد الثقلين.
ووال أناساً قولهم وحديثهم
روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري
وأما سائر)[133]( المسلمين فهم بين موافق للإمامية وبين مخالف لهم، فالإمام الشافعي يوافق الإمامية، في القول الأصح، في أنّ البسملة جزء من كلّ سورة ما خلا سورة براءة، فقرأها في الجهريات جهراً وفي الإخفاتيات إخفاتاً. قال أبو عيسى الترمذي:
وكان الشافعي يرى أنْ يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وأنْ يجهر بها إذا جهر بالقراءة. وقال الشافعي في (الأمّ): وإنْ أغفل أنْ يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) وقرأ من {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى يختم السورة كان عليه أن يعود فيقرأها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى يأتي على السورة.
قال الشافعي: ولا يجزيه أنْ يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} بعد قراءة {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولا بين ظهرانيها، حتى يعود فيقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ثم يبتدىء أمّ القرآن، فيكون قد وضع كلّ حرف منها في موضعه.
وممن قال بهذا ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاووس اليماني ومكحول، وحكاه ابن كثير الدمشقي عن أبي هريرة وعلي عليه السلام وسعيد بن جبير)[134]( والزهري ونقله البيهقي عن عمر، فيما حكاه الرازي. ومن المروي عنهم ذلك أبو قلابة وعكرمة ومجاهد وسالم بن عبدالله بن عمر ومحمد بن كعب القرظي)[135]( وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وعمر بن عبدالعزيز وعمرو بن دينار ومسلم بن خالد، وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك بن أنس. ويحكى عن ابن المبارك وأبي ثور، كما نص على ذلك الخازن في تفسيره.
وذهب مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود إلى أنها ليست من أوائل السور كلها قرآناً، فلم يجيزوا قراءتها في الفرائض، سواء أكانت في افتتاح الحمد أم في افتتاح السورة التي بعدها.
وأجازوا قراءتها في النافلة. وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف القاضي، ومحمد من الحسن الشيباني، وهو رواية عن أحمد بن حنبل. وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة وليست قرآناً في أوائل السور.
أما أبو حنيفة وسفيان الثوري فإنهما قرءآها في أول الفاتحة، لكنهما أوجبا إخفاتها بقول مطلق. وقد نقل الفخر الرازي في تفسيره (أنّ أبا حنيفة ليس له نصٌ في المسألة)، وإنما قال: يقرأ البسملة ويسرّ بها، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم، لا كما في (المنار). وستعرض عليك أدلة المثبتين وهي أدلة قوية تأخذ بالأعناق لا يجد المنصف بدّاً من الخضوع إلى حكمها والانقياد لها، ثم نقفّي عليها بذكر أدلة النافين، ونبيّن مواطن الوهن فيها. وما التوفيق إلاّ من عند الله العزيز الحكيم؛ فأول الأدلة في إثبات قرآنية البسملة وأنها جزء من كلّ سورة عدا «براءة».
خط المصحف الكريم
وهو أول الأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل، ولا تخضع لتعليل. ودلالته على ما نحن بصدده، أعني البسملة، كالشمس في رابعة النهار. قال البيهقي: أحسن ما أحتج به أصحابنا في أنّ «بسم الله الرحمن الرحيم» من القرآن، وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة: ما رويناه في جمع الصحابة كتاب الله عزّ وجل في المصاحف وأنهم كتبوا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) على رأس كلّ سورة سوى سورة براءة، فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن. وكان عبدالله بن عمر يقول: لم كتبت إن لم تقرأ. نعم كتب المصحف الأمام وكتبت فيه البسملة في أول كل سورة، عدا سورة براءة، وإنما لم تكتب في أولها لأنها نزلت في مقام التهديد والوعيد. قال الزمخشري في الكشّاف: سئل ابن عيينة في ذلك فقال اسم الله سلام وأمان فلا يكتب في النبذ والمحاربة. ومن قال إنَّ عدم إثبات البسملة في أول براءة إنما هو لكونها والأنفال سورة واحدة وأنهما تعدان السابعة من الطول فمردود بما رواه جماعة منهم الزمخشري عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: نزل عليّ القرآن آية آية وحرفاً حرفاً ما خلا سورة براءة و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
وقد جرّد الصحابة الكرام كتاب ربهم من كل شيء غير القرآن وكانوا يتشدّدون في ذلك حتى إنهم منعوا من كتابة التفسير ومن ذكر أسماء السور وكتابة الأعشار)[136]( والأخماس ولم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة لكونها ليست من القرآن. بل قد روى الجمهور عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه». ولما اضطروا إلى كتابة أسماء السور وعدد الآيات وما إلى ذلك كتبوها بغير خط المصحف وبمداد غير مداده حفظاً للقرآن وصيانة لكلام ربّ العالمين من أنْ يحرف أو يزاد فيه ما ليس منه وتمّ لهم ما أرادوا، وصدق الله العلي العظيم إذ يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
وقد حرص العماء على حفظ القرآن وأَوْلوه الكثير من عنايتهم، بل كان شغلهم الشاغل، وكانوا إلى أزمان متأخرة يحكمون بكراهة كتابة أسماء السور والأعشار والأخماس. قال العلامة أبو عبدالله الحليمي المتوفى سنة 403هـ: تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه، لقوله «جردوا القرآن».
وقال العلاَّمة أبو حامد الغزَّالي في: المستصفى: «حدُّ الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلاً متواتراً. ونعني بالكتاب القرآن المنزل. وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، حتى كرهوا التعاشير والنقط وأمروا بالتجريد؛ كيلا يختلط القرآن بغيره، ونقل إلينا متواتراً، فنعلم أنّ المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأنّ ما هو خارج عنه فليس منه؛ إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظه أنْ يهمل بعضه فلا ينقل، أو يخلط به ما ليس منه».
وقال العلاّمة الشوكاني في كتابه «إرشاد الفحول»)[137]( ما نصُّه: ذكر جماعة من أهل الأصول ما وقع من الاختلاف بين القرّاء في البسملة وكذلك ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم، هل هي آية من كل سورة أو آية من الفاتحة فقط أو آية مستقلة أُنزلت للفصل بين كل سورتين، أوليست بآية، ولا هي من القرآن؟ وأطالوا البحث في ذلك. وبالغ بعضهم فجعل هذه المسألة من مسائل الاعتقاد وذكرها في مسائل أصول الين. (قال): والحق إنَّها آية من كل سورة لوجودها في رسم المصاحف وذلك هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقراء، ثم الإجماع على ثبوتها خطاً في المصحف في أوائل السور ولم يخالف في ذلك من لم يثبت كونها قرآناً من القراء وغيرهم، وبهذا الإجماع حصل الركن الثاني وهو النقل مع كونه نقلاً إجماعياً بين جميع الطوائف. وأما الركن الثالث وهو موافقتها للوجه الأعرابي والمعنى العربي فذلك ظاهر، (قال): إذا تقرّر لك هذا علمت أنّ نفي كونها من القرآن مع تسليم وجودها في الرسم مجرد دعوى غير مقبولة وكذلك دعوى كونها آية واحدة أو آية من الفاتحة مع تسليم وجودها في الرسم في أول كلّ سورة فإنها دعوى مجردة عن دليل مقبول تقوم به الحجة.
وقال الأستاذ العالم الفاضل الشيخ محمود جميلة الأزهري المدرس في كلية اللغة العربية بالأزهر في مجلة الأزهر (الجزء العاشر سنة 1373هـ)، ما نصه: (والتوبة وحدها هي التي انفردت من بين سائر السور، قصيرها وطويلها، مكيها ومدنيها بإسقاط البسملة، وفي ذلك ما يؤنس به إلى قرآنية البسملة وأنها آية في كل سورة من سور القرآن سوى سورة التوبة (براءة) إذ الإثبات والإسقاط والترك والتلاوة ليس شهوة عند المثبتين والمسقطين والتاركين والتالين، وإنما التوقيف والنقل هما الدعامة والمنارة والحجة والدليل).
وقال العلامة الرضا في مناره: إنّ دلاة المصحف أقوى الدلالات، ترجح على كل ما عارضها من الروايات ودلالتها قطعية، تؤيدها الروايات المتواترة في إثباتها، والإجماع العملي على قراءتها (قال): ولا ينافيها عدم رواية بعضهم لها. فالمسألة قطعية في نفسها وإنما جعلوها اجتهاداً باختلاف الروايات الآحاديّة)[138]( في قراءتها، (انتهى).
وإنما نقلنا كلام هؤلاء الأعلام من أساطين أهل السُنَّة ليعلم وجه الحق في هذه المسألة وأنّ كلمة الحقّ يجب أنْ تقال. وأنّ هنالك منصفين لا يبالون أرضي الناس أم سخطوا ما دام رائدهم العدل، وضالتهم الحقيقة.
ومن الأدلة المتفرعة عن الدليل الأول؛ هو إجماع القراء على قراءة البسملة في أول الفاتحة وفي أول كل سورة، عدا (براءة)، ولم يجيزوا ابتداء القراءة بغير بسملة.
نعم اختلفوا في قراءتها بين السور عند الوصل، فابن كثير والكسائي وعاصم وقالون وابن محيصن يفصلون بالبسملة بين كل سورتين، وحمزة وخلف كانا يصلان السورة بالسورة من غير بسملة.
واختلف المنقول عن أبي عمرو وابن عامر وورش ويعقوب، فروي عنهم الفصل بالبسملة، والوصل بدونها.
ولأئمة القراءات ضابط مشهور في صحة القراءة أو عدم صحتها، وهو ذو أركان ثلاثة؛ فأول هذه الأركان موافقة أحد المصاحف العثمانية، ولو تقديراً وموافقته العربية ولو بوجه وصحة الإسناد، ولو كان عن غير العشرة من أئمة القراء.
قال العلاَّمة المحقق أبو الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة 833هـ في كتابه (النشر في القراءات العشر) ما هذا نصه: «كلّ قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها، ولا يحلّ إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة، أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمن هو أكبر منهم.
هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونصّ عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب)[139](، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبدالرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه. قال أبو شامة في كتابه (المرشد الوجيز): فلا ينبغي أنْ يغترّ بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة، وأنها هكذا أنزلت، إلاّ إذا دخلت في ذلك الضابط وحينئذٍ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل إنْ نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإنّ الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تُنسب إليه، فإنّ القراءات المنسوبة إلى كل قارىء من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أنّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. (انتهى).
وقال أيضاً في منظومته المسماة «بطيبة النشر في القراءات العشر»:
وكلُّ ما وافقَ وجهَ النحو
وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصحّ إسناداً، هو القرآنُ
فهذه الثلاثة الأركانُ
وحيثما يختل ركنٌ أثبتِ
شذوذه لو أنه في السبعةِ
وهذا هو التحقيق الحقيق بالتصديق. ولذا قال العلاَّمة المغفور له الشيخ أحمد محمد شاكر المصري في تعليقه على سنن الترمذي: «فإذا سلكنا جادّة الإنصاف في تطبيق القواعد الصحيحة على الأقوال والقراءات السابقة، وتنكبنا طريق الهوى والعصبية، علمنا علماً يقيناً ليس بالظن، أنّ القول الذي زعموا نسبته إلى مالك ومن معه، في أنها أي البسملة ليست آية أصلاً: قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة، وأنّ قراءة من قرأ بإسقاطها في الوصل بين السور قراءة غير صحيحة أيضاً لأنها فقدت أهم شرط من شروط صحة القراءة أو هو الشرط الأساس في صحتها، وهو موافقة رسم المصحف».
وقد يقال إنّ مقتضى هذا النقل أن يكون بعض أوجه القراءات السبع المتواترة غير صحيح، والجواب: إن مسألة تواتر القراءات السبع أو عدم تواترها مما طال فيه الكلام وكثرة الجدال. والتحقيق أنها غير متواترة تفصيلاً وإلاّ لما وجدنا للخلاف بين القراء أصلاً، إذ يكون التواتر حاكماً عليهم بعدم الاختلاف.
ويعجبني أن أختم الكلام في هذا الباب بما قاله العلاّمة الرشيدي في (مناره)، إذ قال ما نصّه: لم ينفِ أحدٌ من القراء كون البسملة من الفاتحة نفياً حقيقياً برواية عن المعصوم صلى الله عليه (وآله))[140]( وسلم تصريح بأنها ليست من الفاتحة ـ كما يقول بعض الناس بشبهة عدم رواية بعض القرّاء لها، وشبهة تعارض الروايات الأحادية التي ذكرناها والمخرج منها ـ أو ليست إلاّ جزء آية من سورة النمل كما زعم من لا شبهة لهم على النفي تستحق أنْ يجاب عنها.
وإنما أثبت بعض القراء بالروايات المتواترة أنّ البسملة آية من الفاتحة، وبعضهم لم يروِ ذلك بأسانيده المتواترة، وعدم الإثبات للشيء ليس نفياً لذلك الشيء لا رواية ولا دراية. وأعمّ من هذا ما قاله العلماء من أنَّ بين عدم إثبات الشيء وبين إثبات عدمه بوناً بعيداً كما هو معلوم بالضرورة. (قال) ولو أنّا فرضنا أنّ بعضهم روى التصريح بالنفي لجزمنا بأنّ روايته باطلة سببها أنَّ بعض رجال سندها اشتبه عليهم عدم الإثبات بإثبات النفي، ورواية الإثبات لا يمكن الطعن فيها، وناهيك وقد عززت بخط المصحف الذي هو بتواتره خطّاً وتلقيناً أقوى من جميع الروايات القوية وأعصى على التأويل والاحتمال.
ومن أدلة إثباتها:
الأحاديث الصحيحة، المتضافرة المروية عن طريق الفريقين المتواترة تواتراً معنوياً بصورة لا يجد المنصف مندوحة عن تسليمها والإذعان لمضامينها. ولئن صح قول بعضهم: إنها روايات آحادية. لنقولنّ: إنّ الثابت عند علماء الأثر وجهابذة الأصول: «إنّ خبر الآحاد يورث العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك».
وأيُّ قرينة أعظم؟ وأيُّ دالة أدلّ من خط المصحف الكريم وقراءة القراء خلفاً عن سلف؟ فإنْ كان بإمكان النافي أنْ يأتينا بأحاديث صحيحة لا تتوجه إليها علة يعارض بها أحاديث الإثبات الصحاح مع شرط المكافأة متناً وسنداً فليفعل:
وذاك له إذا العنقاءُ صارتْ
مربيَّةً وشَبَّ ابنُ الخصيّ
وإليك ما جاء فيها من أحاديث الإثبات مسندة عن الرواة الأثبات، فانظر إليها بعين الإنصاف وتجرد عن التقليد والتعصب، تكن مصداق قول ربّنا سبحانه {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}، فمنها:
ما رواه الإمام المحدّث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح المطبوع بحاشية الإمام السندي ج3 ص235 قال:
حدّثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: كانت مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ ببسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم قال الدارقطني: إسناده صحيح.
وروى هذا الحديث الإمام المحدث أبو عبدالله الحاكم النيسابوري في (المستدرك) والبيهقي في (السنن).
ومنها: ــ
ما رواه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه ج2 ص12 قال: حدثنا علي بن حجر العيدي، حدثنا علي بن مسهر، أخبرنا المختار بن فلفل عن أنس بن مالك ح)[141](، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له، حدثنا علي بن مسهر عن المختار عن أنس، قال: بينا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ: {إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. ثم قال أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجل على خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم، فأقول ربّ إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدثت بعدك. وهذا الحديث رواه النسائي وأبو داود في السنن والإمام أحمد بن حنبل في مسنده. وروى الدارقطني)[142]( بسند صحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها.
قال الدارقطني في رجال إسناده: كلهم ثقات. وهذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه باب الدليل على أنَّ (بسم الله الرحمن الرحيم) آية تامة)[143](.
وروى الإمام أبو عبدالله الحاكم النيسابوري في مستدركه والبيهقي في السنن الكبيرة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم)[144](.
وأخرج الدارقطني بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم)[145](.
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس، قال: كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الدارقطني: ليس في روايته مجروح. وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: إسناده صحيح، وليس له علّة.
وأخرج الدارقطني عن أنس: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الحريم. قال الدارقطني: إسناده صحيح. وقد روى هذا الحديث عن أنس الإمامان أبو عبدالله الحاكم والحافظ الذهبي وقالا: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. وجعلاه علّة لحديث قتادة عن أنس الذي سيأتي ردّه».
وأخرج الدارقطني عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال الدارقطني فيه: صحيح ليس في إسناده مجروح وأخرجه الحكيم الترمذي وقال: ليس إسناده بذلك قال الشيخ أبو شامة، فيما حكاه ابن الخازن: أي لا يماثل إسناده ما في الصحيح، ولكن إذا انضمّ إلى ما تقدم من الأدلة رجح على ما في الصحيح.
وأخرج أبو عبدالله الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنَّ ذلك سورة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)[146](.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علموا أنّ السورة قد انقضت.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وأورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في (التلخيص) وصحّحه على شرطهما)[147](.
وروى أبو داود في سننه ج1 ص182 عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن محمد المروزي وابن السرح يرفعون الحديث إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه (بسم الله الرحمن الرحيم))[148](. وهذا الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه والحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك وحكما بصحته على شرط الشيخين.
وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن علي عليه السلام أنه سئل عن السبع المثاني، فقال: الحمد الله رب العالمين، فقيل له: إنما هي ستُّ آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية كما في الدر المنثور)[149](.
وأخرج ابن خزيمة والثعلبي كما حكاه الرازي في تفسيره بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعِظِيمَ}، قال فاتحة الكتاب، فقيل لابن عباس فأين السابعة؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرجه البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه، وأورده الذهبي في التلخيص مصرحين بصحة إسناده.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك قال: صلّيتُ خلف النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم). قال الحاكم: إنما ذكرتُ هذا الحديث شاهداً لما تقدمه)[150](.
ففي هذه الأخبار التي ذكرناها معارضة لحديث أنس الذي يرويه عنه أئمتنا ـ ولفظه عن أنس ـ قال: صلّيتُ خلف النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن أُم سلمة قالت: كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ آلرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّيِنَ} إلى آخر السورة يقطعها حرفاً حرفاً، وقال: صحيح على شرط الشيخين)[151](.
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية. قالوا وفي إسناده عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف. ونقول: إنه مجبور بما تقدم من حديث أم سلمة الذي رواه الحاكم وصرح بصحته على شرط الشيخين البخاري ومسلم.
وروى الشافعي عن ابن جريج عن أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت قرأ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فاتحة الكتاب فعدّ بسم الله الرحمن الرحيم آية، الحمد لله رب العالمين آية، الرحمن الرحيم آية، وحكاه عن الشافعي الإمام الرازي في تفسيره.
وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة، كما حكاه الإمام الفخر في تفسيره الكبير، قال: كنت مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في المسجد والنبي يحدّث أصحابه إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصلاة وتعوّذ ثم قال: الحمد لله رب العالمين فسمع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال لم يا رجل قطعتَ على نفسك الصلاة أما علمت أنّ بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد فمن تركها فقد ترك آية منها، ومن ترك آية منها فقد قطع صلاته، فإنه لا صلاة إلاَّ بها، فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته. وهذا الحديث ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور عن تفسير الثعلبي)[152](.
قلتُ: ما أعظم الفرق بين هذا الحديث وحديث ابن عبدالله بن مغفل الذي سيأتي ذكره في أدلة النافين، وهو عمدة ما يحتجون به في أنّ البسملة ليست بآية.
وروى الثعلبي في تفسيره ـ كما ذكره الرازي ـ عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها.
وبإسناده)[153]( عن طلحة بن عبيدالله قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله.
وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال له كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول: الحمد لله رب العالمين قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم. وروى أيضاً بإسناده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول: مَنْ ترك قراءتها فقد نقص.
قال الرازي في تفسيره، وقد تقدّم قوله: وأما أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى. والدليل عليه قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ: «اللَّهم أدر الحق مع علي حيث دار».
وقال الإمام الشافعي في (الأم): «أخبرنا عبدالمجيد بن عبدالعزيز عن ابن جريج قال أخبرني عبدالله بن عثمان بن خثيم أنّ أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أنّ أنس بن مالك أخبره قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاةً فجهر فيها بالقراءة، فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) لأمّ القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبّر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلّم ناداه مَنْ سمع ذلك من المهاجرين: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) للسورة التي بعد أم القرآن، وكبّر حين يهوي ساجداً»)[154](.
قال العلاَّمة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر المصري رحمه الله، هذا إسناد صحيح. ثم صرّح بوثاقة رجال سنده.
وهذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم، وكذلك الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك ورواه البيهقي في سننه.
وفي الدر المنثور، عن أنس قال: قمت وراء أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فكلهم كانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة)[155](.
وفيه: أخرج أبو عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال؛ فاتحة الكتاب سبع آيات بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) )[156](.
وفي الدر المنثور أيضاً: أخرج البيهقي عن الزُّهري: قال: من سنة الصلاة أنْ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وإنَّ أول من أسر (بسم الله الرحمن الرحيم) عمرو بن سعيد بن العاص (الأموي) بالمدينة، وكان رجلاً حيياً.
وفيه: أخرج الثعلبي عن علي بن يزد أنَّ العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) يجهرون بها؛ عبدالله بن العباس، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير)[157](.
وفي (نيل الأوطار) للشوكاني: أخرج الدارقطني عن ابن عباس أنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم)[158](.
وفي (الدر المنثور) أخرج الطبراني في (الأوسط) والدارقطني والبيهقي عن نافع أنّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي السورة التي تليها، ويذكر أنه سمع ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. وفي كنز العمال ج4 ص208 عن أبي صالح أنه سمع أبا هريرة يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة.
وروى الحاكم في (مستدركه) ج1 ص233 ـ 234 عن محمد بن أبي السري العسقلاني قال: صلنا خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك. وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. قال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم كلهم ثقات. وأخرجه الدارقطني وقال: كلهم ثقات. وأخرج الحاكم ج1 ص232 عن نعيم بن عبدالله المجمر قال كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين قال: آمين فقال الناس آمين فلما سلّم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. وصرح الحاكم بصحته على شرط الشيخين وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان النسائي في سننه قلت: قول (آمين) بعد أم الكتاب لم يرد فيه أثر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وليس من القرآن بلا خلاف وإنما روى فيه الجمهور روايات كثيرة صحيحة على شروطهم. وقال البيهقي في الخبر المذكور صحيح الإسناد وله شواهد. وقال الخطيب: ثابت صحيح.
وقال العلامة النسفي في (مدارك التنزيل) المطبوع بهامش (لباب التأويل): وعن ابن عباس رضي الله عنهما من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة)[159]( آية من كتاب الله.
وهناك أحاديث أخرى في إثبات قرآنية البسملة تركناها رغبة للاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الهداية.
وأما أدلة النافين، فعمدة ما احتجوا بها رواية ابن المغفل، ورواية أنس. قال العلاّمة ابن الخازن: ولم يرد في صريح الأسرار بها عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم إلاّ روايتان، إحداهما ضعيفة وهي رواية عبدالله بن مغفل، والأخرى عن أنس وهي في الصحيح. وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها.
قلتُ: أما رواية ابن المغفل: فقد أسندها جماعة من المحدثين منهم الحكيم الترمذي. قال في سننه: حدّثنا أحمد بن منيع حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد بن أبي إياس الجريري عن قيس بن عباية عن ابن عبدالله بن مغفل، قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال لي: أي بني (محدث): إياك والحدث قال: ولم أرَ أحداً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه. قال وقد صلّيتُ مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها فلا تقلها. إذا أنت صلّيت فقل الحمد لله رب العالمين.
وفهم الإمام الشافعي لحديث أنس هذا هو الفهم الصحيح السليم، وقد استدلَّ به بعض العلماء على أنّ المصلّي لا يقرأ البسملة، وهو استدلال خطأ.
ومن أدلة النافين، ما رواه الإمام أحمد بن حنبل)[160]( في مُسنده وأصحاب السنن، واللفظ لابن داود، قال: حدّثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتّى يغفر له (تبارك الذي بيده الملك).
وهذا الاستدلال متهافت من وجوه، أو هو في الأقل لا يقوم حجة ناهضة أمام أدلة المثبتين الآخذة بعضها بحجزة بعضها بصحة سندها وصدق دلالتها، فمن وجوه توهينه، أعني الاستدلال بحديث عباس الجشمي:
الأول: إنّ هذا الحديث إنْ صحّ فإنما يكون عدد الآيات باعتبار ما هو خاص بالسورة فإنّ البسملة مشتركة بين جميع السور.
فجاء الحديث لبيان مزايا السورة دون البسملة التي يشاركها بها سائر السور.
الثاني: ما ثبت عند أهل التحقيق في علوم القرآن من أن السورة إذا زادت على ثلاثين آية بقليل يصح أن يقال عنها إنها ثلاثون آية.
الثالث: ما ثبت عن الإمام البخاري صاحب الصحيح من أنه أعلّ حديث عباس بن عبيدالله الجشمي)[161](، راوي الحديث، بأنه لا يعرف سماعه عن أبي هريرة، كما نصّ على ذلك الشريف الرضا في (المنار).
كما أنّ هذا الحديث إنْ صحّ فإنما أطلق فيه الثلاثون على سورة الملك باعتبار ما هو خاص بالسورة، فإن البسملة مشتركة بين جميع السور فجاء الحديث لبيان مزايا السورة الخاصة بها دون البسملة التي تشتمل عليها سائر السور، كما مرّ عليك.
وقد يضاف إلى ذلك أنّ لفظ الثلاثين قد يطلق ولا يراد به تعيين الثلاثين، فقد يزيد (العدد) قليلاً أو ينقص قليلاً. وقد ذكر أحد الباحثين في علوم القرآن من أعلام السنة، ولا يحضرني اسمه، ما يعضد قولنا ويؤيد مذهبنا في المسألة.
وقد يستدلّ الذاهبون إلى أنها أنزلت للفصل بين السورة ليس إلاّ بحديث حبر الأمة عبدالله بن عباس أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم».
وهذا حجة عليهم لا لهم، لأنّ التعبير بلفظ (تنزل عليه) يدلُّ على قرآنية البسملة فهل الإنزال إلاّ الوحي، وهل الوحي، في هذا المقام، إلاّ كلام الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. ثم إنْ لم تكن من الوحي، وحي الله بمعنى القرآنية، لزم ردّها من وجوه:
الأول: إنَّ ابن عبدالله بن مغفل)[162]( مجهول الحال. وقد نقل ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» عن حافظ المغرب ابن عبدالبر المالكي أنّ ابن عبدالله بن مغفل رجل مجهول. وقال الزيلعي في «نصب الرواية»، فيما نقله العلامة أحمد محمد شاكر في هامش سنن الحكيم الترمذي: «قال النووي في الخلاصة، وقد ضعّف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة وابن عبدالبر والخطيب، وقالوا إنّ مداره على ابن عبدالله بن مغفل وهو مجهول.
قلتُ: ذكر الترمذي في سننه بعد أنْ روى الحديث أنّ اسم ابن عبدالله بن مغفل: يزيد. وكأنه جعل تسميته من دواعي تحسين الحديث، وما أبعد ذلك. فكم من راوٍ عرف اسمه وقبيلته، ولكن لا عبرة بحديثه. على أنّ يزيد هذا ما زال مجهول الحال، وإنْ خلع عليه الترمذي وأمثاله ثوب المعرفة.
وقد تنكّب السيد الألوسي جادة الإنصاف وتجافى قواعد البحث والمناظرة، بل جنح إلى التعصب والمكابرة حين قال عن ابن عبدالله بن مغفل: لا نسلم ضعفه. ولم يأت بدليل على دعواه مع اقتضاء المقام ذلك:
والدعاوى ما لا يقام عليها
بينات أربابها أدعياءُ
وقول الألوسي المذكور هو من باب ما يسميه علماء (آداب البحث) بالمنع المجرد، وبإمكان كل أحد أنْ يتشبث به، فما أسهله على اللسان.
الوجه الثاني: ما نقله جماعة من الإثبات من تفرد سعيد بن أبي إياس الجُريري به كما نصَّ على ذلك علاّمة أهل السنة ومحدّثهم السيد محمد رشيد رضا في (المنار). وسعيد المذكور اختلط بآخره، قالوا عنه: وهو وإنْ كان ثقة في نفسه لكنه لا تصح روايته لاختلاطه ثلاث سنين من عمره.
قال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته فمن كتب عنه قديماً فهو صالح وقال يزيد بن هارون ربما ابتلانا الجريري وكان قد أنكر وقال يحيى بن معين عن ابن عدي: لا نكذب الله سمعنا من الجريري وهو مُختلط وقال ابن حبان: اختلط قبل أنْ يموت بثلاث سنين.
وقال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس أسمعت من الجُريري؟ قال نعم قال لا تروِ عنه، يعني لأنه سمع منه بعد اختلاطه. نصّ على ذلك العلاّمة الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (6:4) وحكاه عنه شيخنا الفقيد العلاّمة المحقق الأميني في الغدير (333 ـ 9).
الثالث: معارضتها للأحاديث الصحيحة المروية عن طريق أساطين السنة وسدنة الحديث. وقد سمعتَ طرقاً منها، وما قاله أئمة الجرح والتعديل في رجال إسنادها.
أمّا حديث أنس فقد رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه قال: صلَّيتُ مع رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم).
وقد روي عنه من طريق آخر أنه نسي)[163]( كيفية قراءة النبي في الصلاة هل كان يجهر بالبسملة أو يسرّ بها.
ومن هنا أعلّ حديثه فلم يلتفت إليه لاضطراب متنه. قال حافظ المغرب ابن عبد البرّ المالكي في الاستذكار بعد نقله لأحاديث أنس المضطربة في البسملة: هذا الاضطراب لا تقوم معه حجة.
وقال الإمام الشوكاني، فيما نقله السيد الرشيد في مناره:
«وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدّمت على نفيه. قال الحافظ ابن حجر)[164](: لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأنّ أنساً يبعد جداً أنْ يصحب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم مدّة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمساً وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة. بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه إلاّ الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهراً، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعيّن الأخذ بحديث من أثبت الجهر».
وقال الإمام الرازي في «مفاتيح الغيب»: «ونحن مهما شككنا في شيء فلا نشك في أنه إذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس وابن المغفل، وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بقي عليه طول عمره فإنّ الأخذ بقول علي أولى».
ثم إنَّ أنساً نفسه روى حديث الجهر بالبسملة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم . كما سمعته في أدلة المثبتين. وبالجملة فإنّ هذا الدليل ساقط عن درجة الاعتبار. وقد أعل الشافعي وأصحابهُ هذا الحديث بانفراد مسلم في أنّ النبي والخلفاء الثلاثة لم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم في حين رواه أكثر الحفاظ عن أنس أنّ النبي والخلفاء كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. ولم يذكروا (زيادة بسم الله الرحمن الرحيم). ثم إنّ في بعض طرق حديث أنس الوليد بن مسلم الدمشقي مولى بني أمية الذي روى عن مالك عشرة أحاديث لا أصل لها، كما في (ميزان الاعتدال)، وكان يأخذ الحديث عن أبي السفر، وأبو السفر كان كذاباً.
واستدل النافون بأمور أخرى منها:
ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال: أثنى عليّ عبدي.
ووجه الاستدلال أنه لم يذكر البسملة في القسمة فلو كانت آية لذكرها وردها من وجوه: ـ
الأول: أنه معارض بما رواه الثعلبي ـ كما ذكره الرازي في تفسيره ـ عن أبي هريرة نفسه عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله تعالى مجدني عبدي، وإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي.
الثاني: ما نقله الملاّ علي المتقي الهندي الحنفي في (كنز العمال) عن (شعب الإيمان) للبيهقي عن حبر الأمة عبدالله بن عباس عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: دعاني عبدي.
الثالث: ما صحَّ عن أبي هريرة نفسه من الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وقوله: إني لأشبهكم صلاة برسول الله. وكان يروي عن النبي الجهر بالبسملة، (كما مرّ عليك).
الرابع: ما ذكره العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا في (مناره) بعد نقله لحديث أبي هريرة الذي استدلّ به النافون على نفي قرآنية البسملة حيث قال رحمه الله: وهو استدلال سلبي لا يعارض القطعي المتواتر وهو إثباتها في المصحف وإجماع القراء على قراءتها معها في البدء والختمات، وثبوت التواتر بذلك على أنّ عدم ذكرها في الحديث قد يكون لتسبب اقتضى ذلك. ومما يخطر في البال بداهة أنه كما اكتفى من قسمة الصلاة بالفاتحة دون سائر التلاوة والأذكار والأفعال اكتفى من الفاتحة بما لا يشاركها فيه غيرها من السور، إذ البسملة آية من كل سورة غير (براءة) على التحقيق الذي يدلّ عليه خط المصحف. (قال): وثم سبب آخر لعدم ذكر البسملة في القسمة: وهو أنه ليس فيها إلاّ الثناء على الله تعالى بوصفه بالرحمة، وهو معنى مكرّر في الفاتحة وذكر في القسمة.
والعمدة في عدم المعارضة أنّ دلالة الحديث ظنية سلبية وإثبات البسملة إيجابي وقطعي. (قال): وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة، مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن أولى بسلب الصحة عنه، (أهـ).
الوجه الخامس: إنَّ في سند هذه الرواية العلاء بن عبدالرحمن الحرقي المكنى بأبي شبل وهو مختلف فيه، فوثقه جماعة وضعّفه آخرون. ومَنْ قال: وثاقته نسب إليه الوهم كابن حجر العِسقلاني في «تقريب التهذيب».
ومن أدلة النافين ما رواه جماعة منهم أبو عيسى الترمذي عن أنس وغيره عن عائشة قالا: إنّ رسول الله وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.
ولا حجة لهم بذلك لأنهما جعلا (الحمد لله) اسماً للسورة باعتبار ما تتميز به عن سائر السور حيث أنّ البسملة مشتركة بين جميع السور، عدا براءة. وقد جاء في جملة من الأحاديث التعبير عن سورة الفاتحة (بالحمد لله رب العالمين). فقد روى أبو داود عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم (الحمد لله رب العالمين) أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني. وروى عن أبي سعيد بن المعلّى عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم حديثاً يقول في آخره: لأعلمنك أعظم سورة من القرآن، أو في القرآن قال، قلتُ: يا رسول الله قولك، قال (الحمد لله رب العالمين)، وهي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم.
وهذا المعنى هو الذي فهمه الإمام الشافعي. قال في (الأم): ما نصّه: «يعني يبدأون بقراءة أمّ القرآن قبل ما يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم، لا يعني أنهم يتركون (بسم الله الرحمن الرحيم). ونقل الترمذي في سننه بعد ذكر الحديث عن الشافعي: إنما معنى هذا الحديث أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين)، معناه: أنهم كانوا يبدأون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة وليس معناه أنهم كانوا لا يقرأون (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال العلاّمة الشيخ أحمد محمد شاكر في هامش (سنن الترمذي) على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يبين ذلك لأنه في مقام بيان أحكام الله عزّ وجل لتكون الأمة على بصيرة من أمرها، ولو حدث ذلك لنقل إلينا متواتراً تواتر القرآن.
ثم إنّ ادعاء الذاهبين إلى أنّ البسملة إنما أنزلت للفصل بين السور يحتاج إلى بينة، وهي هنا الدليل القطعي الذي يصحّ أنْ تسلب بموجبه جزئية البسملة، وهو بعيد المنال بل من ضرب المحال. ولو كانت للفصل لكتبت في أول (براءة)، ولم تكتب في أول الفاتحة.
منظومتنا في البسملة
كنا قد نظمنا أرجوزة في البسملة، كما ذكرنا في المقدمة، ولم نتمَّها. ثم ارتأينا أنْ نثبتُها هنا، وإن كنا لم نهذبها، حفظاً لها من الضياع، وتسهيلاً للاطلاع وهي هذه:
أبدأ باسم الله ذي الجلالِ
والمنِّ والإنعام والإفضالِ
الواجب الوجود باري النَسَمِ
مدبر الأمر الكريم المنعمِ
فباسمه تُفتح الأمورُ
فيسهلنْ بذكره العسيرُ
ثم الصلاة والسلام المتصلْ
على الشفيع أحمد خير الرسلْ
وآله ذوي النفوس العالية
وصحبه من قدّروا مساعيه
وبعد: فالشريف نجل الشرفا
المنتمي إلى النبي المصطفى
المذنب الفقير لله الغني
(ستارٌ) النساب آل الحسني
يقول هاك هذه الأرجوزة
شاملة وافية وجيزة
تزري بعقد اللؤلؤ المنظوم
في نسجها بالكلم المنظوم
فيها ترى يا صاح حكم البسملة
وأنها في الآي جاءت منزلة
إلا ابتدا (براءةٍ) ففيها
رحمتُه عمن شقى ينفيها
وما أتى فيها من الوعيد
لمن رعى الكفار بالعهودِ
كما أتت بذلك الأخبارُ
ليس على رواتها غبارُ
ثابتة قطعية الصدور
كما وعته القومُ في الصدورِ
فإنّ فيها أكبر الدلالهْ
بأنها حقّ لذي الجلالهْ
وكيف لا تكون ذات شانِ
وقد أتت في محكم القرآنِ
وفي (الصحاح) ورد الأمر بها
فلا تكن في أمرها مشتبها
فقد روى حديثها (البخاري)
وهو خبير القوم بالأخبارِ
و(مسلمٌ) وهو لدى الجمهورِ
مسلّمْ الفضلِ بلا نكير
و(الشافعيّ) و(أبو داود)
و(أحمد) في (المَسند) المعهود
و(النسأيّ) والإمام (البهقي)
و(الدارقطنيّ) يليه (المتقي)
و(الحاكم) الخبير في (المستدرك)
في سفره هدىً لكل مُدركِ
و(الفخر) في تفسيره الكبير
لمن تملاّه شفا الصدور
و(بالسيوطي) استبان الرشدُ
وهو الفقيه الماهر المجدد
قد جاءنا في (درّه المنثور)
نصّ حديث المصطفى المأثور
و(الذهبي) نجل (قايمازِ)
(تلخيصه) من أبدع الإيجاز
والعالم المحقق (الشوكاني)
في (نيله) قد حقق الأماني
(وبابن حبان) و(بابن شيبة)
أخو المرا آب بكل خيبة
عن (الخطيب) الأيْد (البغدادي)
حديثها قد جاء بالإسناد
وهو على ما فيه من تعصب
وافق أهل البيت في ذا المطلبِ
وذا (الرشيد) بن (الرضا) الحسيني
في قوله نورٌ لذي عينينِ
وهو الذي يقال عنه السلفي
لأنه بقولهم لم يكتفِ
وجانب التقليد والتعصبا
وإنْ يكن في بعض ما قال كبا
فإنّ في (مناره) منارا
لمن يوالي العترة الأطهارا
فراجع الكلام حول البسملة
من ذلك التفسير أعني أوّله
تجدْ هناك حكمها مبينا
وأننا بذاك مفلحونا
وإنّ فيها تقبلُ الصلاة
كما روى الأئمة الهداةُ
ومن يصلّ وهو عنها راغبُ
فإنه عن الصراطِ ناكبُ
وكيف عنها يغفل المصلي
وهي سبيل اللطف والتجلي
ووصف (مولانا) بما يليقُ
بشأنه وهو به خليقُ
من صفة الرحيم والرحمان
لكي يكون القلبُ باطمئنانِ
فتركها تركُ الحديث في الأقل
في قول مَنْ يعدُّها من النَفَلْ
السيد عبدالستار الحسني النسّابة
الأخلاق في القرآن الكريم
القرآن الكريم والكمال البشري
عرفنا أن لكل نظام أخلاقي نظرية أخلاقية يعتمد عليها ويستمد قيمته منها، وعرفنا أيضاً أن لكل نظرية مبادىء تبتني عليها وتنطلق منها. والمبادىء هذه منها ما هو عام تشترك فيه كل النظريات الأخلاقية، ومنها ما تختص به كل نظرية لنفسها.
وعرفنا أن المبادىء العامة لكل النظريات الأخلاقية هي:
1 ـ إن الإنسان كائن حر في سلوكه.
2 ـ لكل إنسان هدف أقصى يسعى إليه في الحياة.
3 ـ قدرة الإنسان على الوصول إلى الكمال اللائق به.
4 ـ إن مصير الإنسان من سعادة أو شقاء معلولان لسلوكه الاختياري.
وقد عرفنا موقف القرآن الكريم من حرية الإرادة الإنسانية، ونريد الآن أن نعرف موقف القرآن الكريم من الكمال البشري كمبدأ أساسي من مبادىء النظرية الأخلاقية القرآنية، وموقفه من تعيين الكمال اللائق بالإنسان:
قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ})[165](.
وقال: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})[166](.
وقال: {لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَطِيمُ})[167](.
للكمال البشري مفهوم واحد واضح لا يختلف فيه اثنان كما لا يختلف الناس في فهم معنى الوجود والنور. وإنما الاختلاف كل الاختلاف في مصاديق الكمال. فقد يرى البعض شيئاً مصداقاً للكمال، ولا يراه الآخر مصداقاً لذلك.
إن لكل إنسان مثلاً أعلى في الحياة يسعى حثيثاً للوصول إليه، فهو يستهدفه في حياته، ويكون جامعاً لآماله، ويكون هو الدافع العميق والأصيل في وجوده في كل تصرفاته وطموحاته.
فالكمال هو القمة التي يتحرك باتجاهها الإنسان في حياته. ولا نكاد نجد إنساناً ليس له طموح في الحياة، أو له طموح لأمر مجهول في قرارة نفسه.
إن كل إنسان مفطور على حب ذاته، فهو يحب أن يكون سعيداً وفائزاً في كل شؤون الحياة. ولهذا يصح أن نقول إن كل إنسان ـ مهما كانت رؤيته نحو الكون والحياة ـ يريد الفوز والفلاح في الحياة.
إذاً الفوز والسعادة والفلاح كلمات تعبّر عن مفهوم مشترك يقصده كل إنسان حينما يبدأ حياته الشعورية، ويبدأ سعيه الحثيث نحو الكمال (نحو ما يراه كمالاً له وسعادة وفلاحاً).
إن الكمال مطلوب لكل إنسان، ولا يمكن أن نتصوّر مَن يغفل عن ذلك أو يتنازل عنه. إن الناس بالرغم من اختلاف درجات ثقافتهم واتجاهاتهم وعقائدهم في الحياة، فإنهم لا يختلفون في امتلاك هذا الطموح نحو الكمال.
إن الطموح نحو الكمال مع المثل الأعلى الذي يختاره الإنسان في حياته هو الذي يفسّر لنا كل عمل يصدر من الإنسان باختياره، ويكون هو الداعي القريب أو البعيد لإيجاده.
وقد أوضح لنا القرآن الكريم موقفه من هذا المبدأ من خلال:
1 ـ تعليله لضرورة اكتساب الإيمان بالله تعالى، والعمل الصالح في الحياة الدنيا بأنهما معاً ينتجان الفوز والفلاح الأبديين، وتعليله لضرورة اجتناب الكفر والشرك والنفاق والفسق بأنها توجب الخيبة والخسران والشقاء الأبدي.
2 ـ وهكذا تعليله لوجوب الصوم بأنه يحقق للمؤمن ملكة التقوى، ثم تعليله للزوم تحصيل التقوى بأنه يؤدي إلى الفلاح. بينما لم يعلّل القرآن ضرورة تحصيل الفلاح أو ضرورة التخلّص من الشقاء.
إن تعليل الأحكام الإلهية وتعليل السلوك البشري وتوجيهه وجهة تؤدي إلى الفوز والفلاح وتبعده عن الخسران والشقاء… إلى جانب السكوت عن تعليل لزوم تحصيل السعادة… كل هذا يفيدنا ما يلي:
1ـ إن مطلوبية السعادة والفوز والفلاح التي هي تعبير آخر عن الكمال المنشود لكل إنسان لا تحتاج إلى تعليل لأنها مطلوبية ذاتية. فإن كل إنسان ذي شعور وعقل وإرادة إنما يكدح في الحياة لأجل تحصيل الكمال الذي يتجسّد في السعادة والفوز والفلاح.
والكدح لغير هذا يكون لغواً وعبثاً. وإن اختلف الناس في تصورهم لمصداق السعادة والفلاح.
2 ـ والقرآن الكريم باعتباره كتاب هداية وإرشاد، فمن الطبيعي أن يرشد الإنسان إلى ما يكون فلاحاً له، ويُعدّ فوزاً حقيقياً وسعادة واقعية له، ما دامت الرؤى حول واقع السعادة وحقيقة الفلاح والفوز غير متقاربة ولا متّحدة.
3 ـ إن سلوك الإنسان يحتاج إلى توجيه وترشيد وتعليل. وإن الداعي الجدير بالتركيز عليه هو حب السعادة والفلاح وكراهة الشقاء والخسران، وهذان الداعيان أصيلان وفطريان ويستمدان فاعليتهما من عمق وجود الإنسان.
4 ـ إن الإنسان قد لا يكتشف ما هو كماله اللائق به بسهولة وبسرعة في بداية الشوط من حياته، وإن اكتشف ذلك فقد لا يقتنع به ولا يؤمن به إيماناً كاملاً. ومن هنا فالعقبة التي تقف عادة أمام وصول الإنسان إلى كماله اللائق به تتلخص في أحد أمرين:
أ ـ الجهل بالكمال اللائق بالإنسان، أو عدم الإيمان به باعتباره كمالاً لائقاً به.
ب ـ الجهل بما يؤدي إلى الوصول إلى هذا الكمال اللائق، أو عدم الإيمان به. ومن هنا يتصدّى القرآن بشكل حثيث ليوضح للإنسان مصداق كماله اللائق به. ويحاول ـ بشتّى الأساليب ـ أن يصوّره له بنحوٍ ينتج الإيمان به.
كما إنه يتصدى لتوجيه سلوكه الاختياري توجيهاً منبعثاً من حبه للكمال والسعادة، أو بغضه وخوفه من الشقاء والخسران، وبهذا لا يتحكّم في السلوك الاختياري للإنسان بلسان القانون الجاف، بل يحاول إيجاد الداعي المؤثر، ويهيّىء الظروف الكافية لتحصل للإنسان المفكر والواعي القناعة الكافية بلزوم اختيار هذا النوع من السلوك الذي يراه القرآن الكريم محقّقاً للسعادة الواقعية ومبعداً عن الشقاء الحقيقي.
ولأجل أن نستلهم رؤية القرآن في هذا المجال يجدر بنا أن ندقّق في الآيات التي أشرنا إليها في بداية البحث، وهي نموذج واحد من مجموعة النماذج التي قدّمها القرآن الكريم، وأكدها بشتى أنواع التأكيد، ليحصل الإنسان على الأهداف المرسومة له بملء إرادته وكامل اختياره.
لاحظ قوله تعالى في سورة هود: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا آلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ})[168](.
فلكل إنسان مصيره ونهايته (التي يحققها له عمله الاختياري وسلوكه الإرادي) كما صرح بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى})[169]( وقوله: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ})[170]( وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ})[171]( وقوله: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا})[172](.
والشقاء الحقيقي يتجسّد في استحقاق النار (فما خيرٌ بخير بعده النار) والسعادة الحقيقية تتجسد في استحقاق الجنة (وما شرّ بشرٍّ بعده الجنة).
أما كيف يحقّق سلوك الإنسان للإنسان مصيره النهائي؟ فنلاحظ قوله تعالى في سورة المائدة: {هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})[173](.
وقوله تعالى حكاية وتقريراً لكلام إبراهيم الخليل عليه السلام: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ})[174](.
وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى})[175]( وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا})[176](.
إن التعبير عن السعادة العظمى بالفلاح وبالفوز العظيم يستحق الانتباه. وقد جمع القرآن الكريم بين الفلاح والفوز العظيم في قوله تعالى في سورة التوبة: {لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})[177](.
هذا هو موقف القرآن الكريم من طموح الإنسان نحو الكمال، ومن الكمال اللائق بالإنسان ليطمح إليه بكل قواه ووجوده. والمصطلحات التي ترشدنا هنا لموقف القرآن الكريم من هذا المبدأ هي:
1 ـ السعادة والشقاء ومشتقاتهما وما يفيد مفادهما.
2 ـ الفوز ومشتقاته وما يقابله.
3 ـ الفلاح ومشتقاته وما يقابله.
4 ـ الآخرة.
5 ـ المنتهى.
6 ـ المصير.
7 ـ الجزاء.
8 ـ الربح والخسران والخزي.
9 ـ كل الآيات التي تكفّلت تطبيق المصير أو السعادة أو الفوز على المصاديق التي يرتضيها خالق الإنسان للإنسان.
10 ـ كل الآيات التي علّلت أنواع سلوك الإنسان، وأبرزت نتائج كل صنف بلام التعليل أو لعل المفيدة للترجّي… مثل قوله تعالى: {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} و{لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}.
إذن تشخيص الكمال اللائق بالإنسان وتعيين مصداقه الواضح بحيث لا يبقى للإنسان إبهام عند تصوّره هو من أهم ما تكرّم به القرآن الكريم في عطائه للإنسان الذي أراد له الهداية والوصول إلى كماله المنشود.
الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي
أربعمائة كتاب في معرفة الشيعة
1 ـ آثار الشيعة: عبدالعزيز جواهر الكلام وترجمته الفارسية. نهران، مطبعة المجلس/1307ش.
2 ـ آراء أهل المدينة الفاضلة: الحكيم أبو نصر الفارابي. ليدن/1895م.
3 ـ آغاز وأنجام جهان)[178](: (بدء العالم ونهايته) (في القرآن والبلاغة) محمد أمين رضوي. رضائية، مطبعة الفردوسي/1348ش.
4 ـ آلاء الرحمن: (تفسير) الشيخ محمد جواد بلاغي. صيدا، مطبعة العرفان/1351هـ.
5 ـ آينده بشريت أزنظر مكتب ما: (مستقبل البشرية من وجهة نظر مدرستنا) سيد محمود طالقاني. منشورات حكمة/ 1344ش.
6 ـ الأئمة الإثنا عشر: ابن طولون، شمس الدين محمد. تحقيق صلاح الدين المنجد. بيروت، صادر وبيروت/1377هـ.
7 ـ إبصار العين: (في أحوال أنصار الحسين) القاضي محمد السماوي. النجف/1343هـ.
8 ـ أبو طالب مؤمن قريش: عبدالله خنيزي. بيروت، مكتبة الحياة/1381هـ.
9 ـ أبو هريرة: سيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي. النجف، المطبعة الحيدرية/1385هـ.
10 ـ إثبات الهداة: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي. قم، المطبعة العلمية. ج6.
11 ـ أثر الشيعة الجعفرية: (في تطوير الحركة الفكرية في بغداد، ومنهم الفيلسوف الكندي). الشيخ عبدالواحد الأنصاري. بغداد.
12 ـ الاجتهاد والتقليد: آية الله السيد أبو القاسم الخوئي. النجف، مطبعة النعمان/1386هـ.
13 ـ أجوبة مسائل جار الله: السيد عبدالحسين شرف الدين. النجف، مطبعة النعمان/1386هـ. (طـ3).
14 ـ أحاديث عائشة أم المؤمنين: (القسم الأول ـ أدوار من حياتنا) السيد مرتضى العسكري. تهران، مكتبة صدوق والنجاح.
15 ـ الاحتجاج: أبو منصور الطبرسي. النجف، النعمان/ 1386هـ.
16 ـ إحقاق الحق: القاضي نور الله الشوشتري، مع تعليقات وافية للسيد شهاب الدين المرعشي. تهران، المكتبة الإسلامية (صدر حتى الآن 10 مجلدات/1351ش).
17 ـ أخبار شعراء الشيعة: أبو عبيدالله المرزباني (تلخيص السيد محسن الأمين العاملي؛ مؤلف «أعيان الشيعة»). تحقيق محمد الهادي الأميني. النجف، الحيدرية/1388ش.
18 ـ أخلاق آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم : محمد جواد السبيتي. بيروت، دار الفكر/1375م.
19 ـ أدب الدعاء في الإسلام: طاهر أبو رغيف. البصرة/1391 (طبع النجف، مطبعة الآداب).
20 ـ أدب الطفِّ: (أو شعراء الحسين عليه السلام من القرن الأول الهجري- القرن الرابع عشر). جواد شبر. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1388 (عدد من المجلدات).
21 ـ أديان ومهدويت: محمد بهشتي. ط3.
22 ـ الإرشاد: (في معرفة حجج الله على العباد) الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، تصحيح السيد كاظم الموسوي الميامي. تهران (دار الكتب الإسلامية)/1377.
23 ـ إرشاد الطالبين: (شرح وتعليق على «نهج المسترشدين» للعلامة الحلي). الفاضل مقداد السيوري. بومباي، طبع حجري.
24 ـ الأرض والتربة الحسينية: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. القاهرة، مطبوعات النجاح، ضمن «الوضوء في الكتاب والسنة». ط5.
25 ـ الاستبصار: (ـ فيما اختلف من الأخبار) شيخ الطائفة محمد بن حسن الطوسي. تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان. النجف، الشيخ محمد جعفر شمس الدين ـ دار التعارف للمطبوعات 1375 ـ 1376)[179](.
26 ـ استقصاء الإفحام: (ـ واستيفاء الانتقام في رد)[180]( منتهى الكلام)[181]() للعلامة مير حامد حسين الهندي النيسابوري؛ مؤلف «العبقات»)[182](. لكهنو/1315هـ.
27 ـ أسرار الصلاة: زين الدين بن الشهيد الثاني. طبع حجري/1305هـ.
28 ـ أسرار العقائد: ميرزا أبو طالب الحسيني الشيرازي. تهران، الآخوندي. أوفست عن طبع بومباي (2ج).
29 ـ الإسلام على ضوء التشيع: الدكتور حسين الخراساني. تهران، مطبعة الشمس (ج1).
30 ـ أشعة من بلاغة الإمام الصادق: (خطب. رسائل. مواعظ) عبد الرسول الواعظي. النجف، الآداب/1383.
31 ـ أصل الشيعة وأصولها: كاشف الغطاء. القاهرة، مطبوعات النجاح/1377/طـ 10.
32 ـ الأصول العامة للفقه المقارن: محمد تقي الحكيم. بيروت. دار الأندلس/1963.
33 ـ إعلام الورى: (ـ بأعلام الهدى) أمين الإسلام الشيخ الطبرسي، مع مقدمة للسيد محمد مهدي الخرسان. النجف، الحيدرية/1390.
34 ـ أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي. خمسة عشر مجلداً. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
35 ـ الإفصاح: (ـ في إمامة علي بن أبي طالب) الشيخ المفيد. النجف، الحيدرية/1368.
36 ـ الأفق الأعلى: (ـ نگاه به چهره محمد وعلي = نظرة في وجه محمد وعلي) الحاج ميرزا خليل الكمره اى. نهران، الإسلامية وشركة طبع الكتاب.
37 ـ اقتصادنا: السيد محمد باقر الصدر. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
38 ـ إلى المجمع العلمي العربي بدمشق: شرف الدين. النجف، نعمان ودار المحيط/1387.
39 ـ إلى مشيخة الأزهر: الشيخ عبدالله السبيتي. بغداد، مطبعة دار الحديث/1370.
40 ـ الألفين: (ـ في إمامة أمير المؤمنين) للعلامة الحلي، مع تعليقات محمد حسين المظفر. النجف، الحيدرية/1372. بيروت ـ دار التعارف.
41 ـ إمامة علي بين العقل والقرآن: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1390.
42 ـ الإمامة في التشريع الإسلامي: الشيخ محمد مهدي الآصفي. النجف، نعمان/1963. وبيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
43 ـ الإمامة الكبرى: (ـ والخلافة العظمى) الحاج آقامير القزويني، محمد حسن، مع تعليقات السيد مرتضى القزويني. النجف، النعمان/1378.
44 ـ الإمام الجواد: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية/ 1371.
45 ـ الإمام زين العابدين: المقرم. النجف، مطبعة الغري الحديثة/ 1374.
46 ـ الإمام الصادق: محمد حسين المظفري. النجف، الحيدرية/ 1386. ط2.
47 ـ الإمام الصادق ملهم الكيمياء: الدكتور محمد يحيى الهاشمي. القاهرة وحلب وبغداد. منشورات المؤسسة السورية العراقية/ 1959.ط2.
48 ـ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: أسد حيدر النجفي. بيروت، دار الكتاب العربي. 1390 ـ 1392 (3 مجلدات). ط2. ودار التعارف للمطبوعات 2003م في أربعة مجلدات.
49 ـ الإمام المهدي: محمد علي محمد الدخليل. النجف، الآداب/1385.
50 ـ الانتصار: (ـ في النص على الأئمة الأطهار) أبو الفتح الكراچكي، محمد بن علي. النجف، المطبعة العلوية/1346هـ.
51 ـ انتظار: الدكتور علي شريعتي. تهران، مكتبة حسينية الإرشاد.
52 ـ إنسان وسرنوشت: (الإنسان والقدر) المرتضى المطهري. تهران. شركت سهامي انتشار.
53 ـ الأنوار العلوية: (ـ والأسرار المرتضوية، في أحوال أمير المؤمنين وفضائله ومناقبه وغزواته) الشيخ جعفر النقدي. النجف، الحيدرية. (محمد كاظم الكتبي)/ 1382.
54 ـ أوائل المقالات: (ـ في المذاهب والمختارات) الشيخ المفيد. قدم له وصححه الشيخ فضل الله الزنجاني. تبريز، مكتبة الحقيقة.
55 ـ أهل البيت: محمد جواد مغنية. بيروت/ 1956.
56 ـ الإيضاح: الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري، حققه وخرَّج أحاديثه السيد جلال الدين المحدث الأرموي. تهران، منشورات الجامعة (رقم 1347)/1351.
57 ـ إيمان أبي طالب: (= الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) الفخار بن معدّ الموسوي، تحقيق السيد محمد بحر العلوم. النجف، الآداب/1387.
58 ـ بحار الأنوار: (ـ الجامع لدرر أخبار الأئمة الأطهار) العلامة المجلسي. تهران، دار الكتب الإسلامية. بإشراف الشيخ عبدالرحيم الرباني الشيرازي وبعض الفضلاء الآخرين. والمكتبة الإسلامية بإشراف محمد باقر البهبودي وبعض الفضلاء الآخرين (مجموع هذه الطبعة 110 مجلدات))[183](. وبيروت ـ دار التعارف للمطبوعات ـ تحقيق الشيخ جلال الصغير والشيخ محمود درياب النجفي.
59 ـ البراهين الجلية: (ـ في دفع التشكيكات الوهابية) السيد محمد حسن القزويني الحائري. النجف، الآداب.
60 ـ بردگي در إسلام: (العبودية في الإسلام) محمد صادق إيرجي. تهران، مكتبة المحمدي.
61 ـ برهان روشن: (البرهان اللامع) (البرهان على عدم تحريف القرآن) الحاج ميرزا مهدي البروجردي. تهران، مطبعة بوذر الجمهري/ 1374.
62 ـ البرهان: (ـ على وجود صاحب الزمان) السيد محسن الأمين العاملي. دمشق 1333هـ.
63 ـ البرهان: (تفسير) السيد هاشم البحراني. تهران، مطبعة آفتاب. (على نفقة الحاج أبو القاسم السالك)/ 1334ش. ط2.
64 ـ بشارات العهدين: الدكتور محمد الصادقي)[184](. تهران، دار الكتب الإسلامية.
65 ـ بشارة المصطفى: (ـ لشيعة المرتضى) أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. النجف، الحيدرية/ 1369.
66 ـ بصائر الدرجات: (ـ في فضائل آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم ) محمد بن حسن الصفار. تبريز، شركة مطبعة الكتاب/ 1381.
67 ـ البطل الأسدي: (ـ حبيب بن مظاهر) عبدالواحد المظفر. النجف، العلمية/ 1370.
68 ـ البطل العلقمي: (ـ العباس بن أمير المؤمنين) عبدالواحد المظفر. النجف، مطبعة دار النشر والتأليف والعلمية/ 1369 ـ 1374. 3 مجلدات.
69 ـ البطل الفخّ: (= أبو عبدالله الحسين بن علي بن الحسن المثلث من أصحاب حضرة الصادق عليه السلام ) محمد الهادي الأميني. النجف.
70 ـ بلاغة الحسين: (خطب. رسائل. مواعظ) جعفر عباس الحائري. النجف، الحيدرية/ 1374.
71 ـ بيان الفرقان: الشيخ مجتبى القزويني الخراساني: ج1 ـ توحيد القرآن. مشهد، مطبعة خراسان/1370. باهتمام عبدالله واعظ اليزدي. ج2 ـ نبوة القرآن. تهران، الآخوندي/1371. ج3 ـ معاد القرآن. تهران، مجتمع التعليمات الإسلامية/1373. ج4 ـ ميزان القرآن (الإمامة). مشهد، مطبعة زوار. (على نفقة الحاج ميرزا أسد الله الإسكندري)/ 1375. ج5 ـ الغيبة، الرجعة والشفاعة. مشهد، مطبعة طوس. بإشراف موسوي الخسروي/ 1380.
72 ـ پرتوي از قرآن: (شعاع من القرآن) السيد محمود الطالقاني: المجلد الأول ـ تفسير سورة البقرة. تهران، شركة الانتشار. في قسميه/1346 ـ 1350. المجلد الثاني ـ تفسير جزء آخر. تهران، شركة الانتشار/ 1348.
73 ـ پيشواي دوّم: (الزعيم الثاني) (ـ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام) عدد من العلماء. تهران، مكتبة الحسن، بمشاركة الانتشار/ 1349.
74 ـ تاريخ بردگي: (تاريخ العبودية) يد الله نياز الشيرازي. تهران، مطبعة الوطن/ 1349/ ط2.
75 ـ تاريخ الفقه الجعفري: هاشم معروف الحسيني. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
76 ـ تاريخ القرآن: أبو عبدالله الزنجاني. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1388/ ط2.
77 ـ تاريخ قرآن: الدكتور محمود راميار. تهران، الشركة المساهمة لنشر الفكر/ 1346ش.
78 ـ تاريخ كربلاء: (ـ وحائر الحسين عليه السلام) الدكتور السيد عبدالجواد كليد دار (آل طعمة). النجف، الحيدرية/ 1387. ط2.
79 ـ تأثير جانشيني در بناي إسلام: (تأثير الخلافة في بناء الإسلام) علي أصغر المعزي. تهران، مطبعة النصر وانتشاراتها/ 1337ش.
80 ـ تأسيس الشيعة: (ـ لعلوم الإسلام) السيد حسن الصدر ـ كاظمين، دار الكتب العراقية/ 1370.
81 ـ التبيان: (تفسير البيان) الشيخ الطوسي، تصحيح أحمد حبيب القصير العاملي. النجف، العلمية 1376 ـ 1383 (10 مجلدات).
82 ـ تجريد العقائد: الخواجه نصير الدين الطوسي (مع شرح العلامة الحلي «كشف المراد»). مشهد، مكتبة الجعفري.
83 ـ تحت راية الحق: (ـ في الرد على الجزء الأول من «فجر الإسلام») الشيخ عبدالله السبيتي. تهران، مطبعة پاكت چى/ 1364.
84 ـ تحفة الأحباب: (ـ في نوادر آثار الأصحاب) الحاج عباس القمي. تهران، دار الكتب الإسلامية.
85 ـ تحف العقول: (ـ عن آل الرسول) ابن شعبة الحراني. تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري. تهران، دار الكتب الإسلامية/ 1376.
86 ـ تشريح ومحاكمة: (ـ در تاريخ آل محمد) القاضي زنگه زوري (بهلول بهجة أفندي) ترجمة ميرزا مهدي أديب. تهران، إسلامية/ 1322ش.
87 ـ تظلُّم الزهراء: (ـ من إهراق دماء آل العباء) الرضي بن نبي القزويني. النجف، الحيدرية/ 1375. ط2.
88 ـ التفسير: محمد بن مسعود العياشي. تصحيح وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي. قم، العلمية (مجلدان).
89 ـ تفسير أبي الفتوح: (= روض الجِنان وروح الجَنان) الشيخ أبو الفتوح الرازي. تهران/ 1325ش.
90 ـ التفضيل: أبو الفتح الكراچكي. باهتمام جلال الدين المحدث الآرموي. تهران، الآخوندي/ 1370.
91 ـ تلخيص الشافي: الشيخ الطوسي. تحقيق السيد حسين بحر العلوم. النجف، الآداب/1383/ ط2.
92 ـ تنزيه الأنبياء: علم الهدى السيد المرتضى. النجف. الحيدرية/ 1380. ط2.
93 ـ التوحيد: الشيخ أبو جعفر الصدوق. تصحيح وتعليق السيد هاشم الحسيني التهراني. تهران، مكتبة صدوق/1387.
94 ـ تهذيب الأحكام: (ـ في شرح «المقنعة») الشيخ الطوسي. النجف، دار الكتب الإسلامية/ 1377 ـ 1382 (10 مجلدات). ودار التعارف ـ بيروت.
95 ـ الثقلان: الشيخ المفيد. النجف.
96 ـ الثقلان: الشيخ محمد حسين المظفر. النجف/1367)[185](.
97 ـ ثواب الأعمال: (ـ وعقاب الأعمال) الشيخ الصدوق. تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري. تهران، مكتبة صدوق/ 1391.
98 ـ ثورة الحسين: محمد مهدي شمس الدين. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
99 ـ جاذبه ودافعه علي: المرتضى المطهري. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1349.
100 ـ جامع الأحاديث: أبو محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي. تهران، إسلامية (السيد أحمد الكتابچي)/ 1369.
101 ـ جامع الرواة: (ـ وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد) محمد بن علي الأردبيلي الغروي. تهران، مطبعة الألوان/ 1331 (بأمر حضرة آية الله البروجردي، ونفقة الحاج محمد حسين گوشانپور).
102 ـ جامع السعادات: محمد مهدي النراقي. تصحيح وتعليق السيد محمد كلانتر. النجف، دار النعمان. (3 مجلدات).
103 ـ جبر واختيار: محمد تقي الجعفري التبريزي. تهران، شركة الانتشار/ 1347.
104 ـ الجمل: (= النصرة على أهل البصرة) الشيخ المفيد. النجف، الحيدرية/ 1368 (ط2).
105 ـ جنة المأوى: كاشف الغطاء. تحقيق السيد محمد علي القاضي الطباطبائي. تبريز، مكتبة الحقيقة/ 1380.
106 ـ الجواهر السنية: (ـ في الأحاديث القدسية) الشيخ الحر العاملي. النجف، نعمان وبغداد، المكتبة الأعلمية/ 1384.
107 ـ جواهر الكلام: (ـ في شرح شرائع الإسلام) الشيخ محمد حسن النجفي. النجف، دار الكتب الإسلامية/ 1377 فما بعد. ط 6 .
108 ـ جهاد الإمام الحسن: محمد حسن القبيسي العاملي. بيروت، مكتبة الأنصار/1387.
109 ـ حجة السعادة: (ـ في حجة الشهادة))[186]( اعتماد السلطنة/ 1304هـ.
110 ـ حجر بن عدي: حسن أكبري. تهران. شركة الانتشار/ 1349.
111 ـ الحدائق الناضرة: (ـ في أحكام العترة الطاهرة) الشيخ يوسف البحراني.
112 ـ مسّاسترين فراز تاريخ: (ـ أو قصة الغدير) عدد من مدرسي مشهد. تهران، شركة الانتشار/ 1348 فما بعد (ط 4 و5 و6).
113 ـ الحسن بن علي: (ـ دراسة وتحليل) كامل سليمان. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
114 ـ الحسنيون في التاريخ: محمد الساعدي. النجف/ 1375.
115 ـ الحسين في طريقه إلى الشهادة: علي بن الحسين الهاشمي الخطيب. بغداد، مطبعة الزهراء/ 1377.
116 ـ الحصون المنيعة: (ـ في ردِّ ما أورده صاحب «المنار» في حق الشيعة) السيد محسن الأمين العاملي. دمشق، مطبعة الإصلاح/1327هـ.
117 ـ الحقائق: (ـ في الجوامع والفوارق))[187]( الشيخ حبيب آل إبراهيم المهاجر العاملي. صيدا، العرفان/ 1356 ـ 1357 (مجلدان).
118 ـ حقوق المرأة وشؤونها الاجتماعية: محمد علي الزهيري النجفي. النجف، مطبعة الغري الحديثة/ 1373.
119 ـ الحق اليقين: (ـ في لزوم التأليف بين المسلمين) السيد محسن أمين العاملي (مؤلف «أعيان الشيعة»).
120 ـ الحق اليقين: (ـ في معرفة أصول الدين) السيد عبدالله آل شبر الحلي. صيدا/ 1353هـ. (مجلدان).
121 ـ حليفُ مخزوم: (شرح حال عمار بن ياسر) السيد صدر الدين شرف الدين. صيدا، العرفان/ 1373.
122 ـ حماسة الغدير: عدد من الأساتذة، والمحققين، والناقدين، والأدباء، والشعراء. تهران، بالاشتراك مع شركة الانتشار.
123 ـ حياة إبراهيم بن مالك بن الأشتر: ميرزا محمد علي الأردوبادي. تهران/ 1365 (ضمن «حياة مالك بن الأشتر»).
124 ـ حياة أبي ذرّ: الشيخ عبدالله السبيتي. تهران/1364.
125 ـ حياة الإمام الحسن: باقر شريف القرشي. النجف، الآداب/ 1384. (ط2، مجلدان).
126 ـ حياة الإمام موسى بن جعفر: (ـ دراسة وتحليل) باقر شريف القرشي. (على نفقة الحاج محمد رشا عجينة)/ 1389 ـ 1390. النجف، الآداب. (مجلدان)، (ط2).
127 ـ حياة زينب الكبرى: الشيخ جعفر النقدي/ 1361.
128 ـ حياة الصادق: الشيخ موسى السبيتي. النجف، الحيدرية/ 1356هـ.
129 ـ حياة مالك بن الأشتر: السيد محمد تقي الحكيم. النجف/1365.
130 ـ حياة المختار: (= تنزيه المختار، ابن أبي عبيد بن مسعود الثقفي) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم (ضمن «زيد الشهيد»).
131 ـ خاتميَّت: علي أمبرپور. تهران، مؤسسة مطبوعات مرجان/ 1347. ط2.
132 ـ الاسلام وإيران : مرتضى المطهري. بيروت، دار التبليغ ودار التعارف.
133- خصائص أمير المؤمنين: ابن البطريق ـ طبع حجري.
134 ـ خصائص أمير المؤمنين: الشريف الرضي. النجف، الحيدرية.
135 ـ الخصائص الحسينية: الشيخ جعفر الشوشتري. النجف، الحيدرية (محمد كاظم الحاج شيخ محمد صادق الكتبي/ 1375 (ط 4).
136 ـ الخصائص الزينبية: السيد نور الدين الجزائري. النجف/ 1341.
137 ـ خصائص الشيعة: الموسوي الكاظمي القزويني. بغداد/ 1341هـ.
138 ـ الخصائص الفاطمية: الملا باقر بن الملا إسماعيل الكجوري 1311/ 1318هـ.
139 ـ الخصال: الشيخ الصدوق. بتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق/1348 ش.
140 ـ الخطاب المنير: (في ذكرى عيد الغدير) الشيخ حبيب آل مهاجر العاملي/ 1350هـ.
141 ـ الخلاف: الشيخ الطوسي. تهران، الطبع الملون/ 1377 (على نفقة الحاج محمد حسين گوشانپور)، (ط2).
142 ـ الخلافة الكبرى: محمد رضا قمشه اى. تهران/1315.
143 ـ الخلافة والدستور الإسلامي: محمد جواد البغدادي. بيروت/ 1366.
144 ـ خلافت وولايت: (من نظرة القرآن والسنة) محمد تقي الشريعتي المزيناني، محمد تقي الشريعتمداري، مرتضى المطهَّري، إرشاد بالاشتراك مع شركة الانتشار/1349.
145 ـ خلافت وولايت در إسلام: (الخلافة والولاية في الإسلام) (ـ من الكتب العامة) صدر الأفاضل دانش.
146 ـ خمس رسائل في إثبات الحجة: الشيخ المفيد: 1) الفصول العشرة في الغيبة. 2) من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية. 3) إنه لو اجتمع على الإمام بضعة عشر رجلاً لوجب عليه الخروج)[188](. 4) ما السبب الموجب لاستتار الإمام وغيبته؟ 5) ما الدليل على وجود الإمام صاحب الغيبة؟ النجف، دار الكتب التجارية/1370.
147 ـ خمسون ومئة صحابي مختلق: (ـ القسم الأول) السيد مرتضى العسكري. بغداد، منشورات مكتبة أصول الدين وبيروت، دار الكتب/ 1387 (ط1).
148 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: السيد حسن الأمين. بيروت، ثلاثون مجلداً 2004م دار التعارف للمطبوعات.
149 ـ دائرة المعارف العلوية: الدكتور جواد تارا. قم، المطبعة العلمية (ج1).
150 ـ دادگستر جهان: (حاكم العالم) إبراهيم الأميني. ط3 مع إعادة النظر. قم، دار الفكر/ 1350.
151 ـ دراسات في الكافي والصحيح: هاشم معروف الحسني. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
152 ـ دراسات في نهج البلاغة: محمد مهدي شمس الدين. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
153 ـ الدرجات الرفيعة: (ـ في طبقات الشيعة) السيد عليخان المدني الشيرازي. النجف. الحيدرية/ 1381.
154 ـ در فجر ساحل: محمد الحكيمي. تهران، شركة الانتشار/ 1350.
155 ـ دروس في فقه الشيعة: تقرير آية الله السيد أبو القاسم الخوئي. كتابة محمد مهدي الخلخالي، وإشراف مرتضى الحكيمي. النجف، الآداب/ 1378.
156 ـ الدعوة الإسلامية: (ـ إلى وحدة أهل السنة والإمامية) الشيخ أبو الحسن الخنيزي. بيروت، المطبعة التجارية/1376 (3 مجلدات).
157 ـ دلائل الإمامة: أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. النجف، الحيدرية/1369.
158 ـ دلائل الصدق: محمد حسن المظفر. النجف، الحيدرية وتهران. بوذر الجمهري/ 1372 و1373 (3 مجلدات).
159 ـ دولة الشجرة الملعونة: (= بنو أمية) السيد مهدي بن صالح آل كيشوان/ 1345.
160 ـ الذريعة: (ـ إلى تصانيف الشيعة) الشيخ آقابزرگ التهراني. ج1 ـ (ماء الحياة ـ إزهاق الباطل. النجف، الغري/ 1355هـ. وتهران، إسلامية/ 1387 (ط2) (1 ـ 2607) )[189](. ج2 ـ (كتاب الأسارى ـ إيوان المدائن) )[190](. النجف، الغري/1356 (1 ـ 2045). ج3 ـ (البائية ـ التحية). النجف الغري(1357. (1 ـ 1918). ج4 ـ (التجبير ـ التيمية) )[191](. تهران، مطبعة المجلس/ 1340هـ (1 ـ 2304). ج5 ـ (ثابت نامه ـ چيني سازي). تهران، مطبعة المجلس/ 1323ش (1 ـ 1514). ج6 ـ (الحائريات ـ حزن المؤمنين) )[192](. تهران، مطبعة البنك الوطني/ 1325 ـ 1326ش (1 ـ 2473). ج7 ـ (الحساب ـ خيمة شب بازي). تهران، مطبعة المجلس/ 1327ش (1 ـ 1417). ج8 ـ (دائرة ـ ديو وبري نامه). تهران، مطبعة المجلس/ 1329ش. ج9 ـ يضم هذا المجلد الشعر والشعراء، وهو ذو أربعة أقسام: في القسم الأول (ديوان آيينه ـ ديوان ديهيم). تهران، مطبعة المجلس/ 1332 ـ 1333ش (1 ـ 1991). وفي القسم الثاني (ديوان ذاتي)[193]( ـ ديوان عبدالصمد). تهران، مطبعة دولة إيران/ 1338ش. (1992 ـ 4790). وفي القسم الثالث (ديوان عبدالصمد ـ ديوان مينوي الهمداني) تهران، مطبعة الجامعة/ 1342ش (4791 ـ 7376). وفي القسم الرابع (ديوان النائب ـ ديوان يونس) تهران، مطبعة الجامعة/ 1345ش (7377 ـ 8488). ج10 (ذائقة ـ الرسائل والمكاتيب) تهران، مطبعة المجلس/ 1335ش (1 ـ 885). ج11 (رسالة آب ـ ريگستان) تهران، مطبعة دولة إيران/ 1337ش/ 1378هـ. (1 ـ 2042). ج12 (الزائرية ـ سيهكاران) تهران، مطبعة الجامعة/ 1340ش (1 ـ 1974). ج13 (شاپور وشهناز ـ شرح قصيدة) النجف، القضاء/ 1378 (1 ـ 1477. ج14 (شرح قصيدة ـ الشينية) النجف، الآداب/ 1381 (1478 ـ 2573). ج15 (صابون ـ عيون) تهران، مطبعة الجامعة/ 1343ش. (1 ـ 2394). ج16 (الغارات ـ فيه ما فيه) )[194]( تهران، مطبعة الجامعة/ 1346ش (1 ـ 1969). ج17 (قائد القوات العلوية ـ الكسوف والخسوف) تهران، الإسلامية/ 1387 (1 ـ 1248) إلى آخر حرف القاف: القيود الوافية. ومن أول الكاف حتى آخر الجلد (1 ـ 380). ج18 (كشف ـ ليلى والمجنون) تهران، الإسلامية (1387 (381 ـ 627). ج19 (المآب ـ المجاهدات) تهران، الإسلامية/ 1389. (1 ـ 1680). ج20 (المجتبى ـ المسبل) تهران، الإسلامية/ 1390. (1681 ـ 3658). ج21 (المستبين ـ المقالة) تهران، الإسلامية/ 1392. (3659 ـ 5719).
161 ـ راز بعثت: (سرُّ البعثة) أبو تراب الهدائي. تهران، مطبعة الذكرى.
162 ـ الراعي والراعية: (ـ المثل الأعلى للحكم الديموقراطي في الإسلام ـ شرح كتاب عهد مالك بن الأشتر) الدكتور توفيق الفكيكي. بغداد، مكتبة المعارف/ 1962.
163 ـ رجال الطوسي: الشيخ الطوسي. تحقيق وتعليق ومقدمة للسيد محمد صادق بحر العلوم. النجف، مكتبة ومطبعة الحيدرية/ 1381.
164 ـ رجال الكشي: أبو عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي. تصحيح وتعليق السيد أحمد الحسيني. كربلاء، مؤسسة الأعلمي.
165 ـ الرحلة المدرسية: الشيخ محمد جواد البلاغي. النجف، النعمان/ 1382.
166 ـ رسالة الحقوق: (ـ للإمام زين العابدين) عبدالهادي المختار، منشورات حديث الشهر (رقم 6).
167 ـ الرسول الأعظم مع خلفائه: مهدي القرشي. تقديم باقر شريف القرشي. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1388.
168 ـ الرواشح السماوية: (ـ في شرح أحاديث الإمامية) الفيلسوف المشهور ميرداماد الحسيني. تهران، طبع حجري/ 1311هـ.
169 ـ روضات الجنات: (ـ في أحوال العلماء والسادات) ميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري. تهران، مكتبة إسماعيليان و…/ 1390 فما بعد (عدد من المجلدات).
170 ـ رهبر سعادت: (ليل السعادة) الحاج آقا حسين الخادمي الإصفهاني. تهران، المطبعة المركزية ومكتبتها/ 1321. (ط2).
171 ـ رياحين الشريعة: (ـ في شرح حال العلماء والسيدات الشيعة) الشيخ ذبيح الله المحلاتي. تهران، دار الكتب الإسلامية (مرتضى الآخوندي)/ 1349 (6 مجلدات).
172 ـ الزهراء: محمد جمال الهاشمي. بغداد، مطبعة النجاح/ 1369. من سلسلة منشورات «حديث الشهر» (رقم 9).
173 ـ زيد الشهيد: السيد عبدالرزاق المقرم. النجف، الحيدرية/ 1372.
174 ـ سراج الشريعة: (ـ في آداب الشريعة) الشيخ عبدالله المامقاني. النجف/ 1346هـ. و1374.
175 ـ سر السلسلة العلوية: الشيخ أبو نصر سهل بن عبدالله البخاري. تصحيح وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم. النجف، الحيدرية/ 1382.
176 ـ سعيد بن جُبير: (ـ أو شهيد واسط) علي بن الحسين الهاشمي الخطيب. بغداد، مطبعة الحكيم/ 1380.
177 ـ السقيفة: (ـ تاريخ وبحث) محمد رضا المظفر. النجف، الحيدرية/ 1373. تُرجم هذا الكتاب بيراع حجة الإسلام الشيخ محمد جواد حجتي الكرماني (أسرار السقيفة).
178 ـ سُكينة بنت الحسين: توفيق الفكيكي. منشورات حديث الشهر (رقم 5).
179 ـ سياسة الإمام الصادق: الدكتور توفيق الفكيكي البغدادي)[195](.
180 ـ سياسة الحسين: الشيخ عبدالعظيم الربيعي. تهران، أوفست الرشدية.
181 ـ السياسة الحسينية: كاشف الغطاء. النجف، الحيدرية/ 1372.
182 ـ السياسة الحسينية: ميرزا فضل علي الإيرواني. تهران/1328.
183 ـ السيدة سُكينة: (ـ بنت الحسين) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، مطبعة القضاء/ 1378 (ط3).
184 ـ سيرة الإمام العاشر علي الهادي: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم.
185 ـ سيرتنا وسنتنا: (سيرة نبينا وسنته) العلامة الأميني. النجف/ 1384 وتهران/1386.
186 ـ سيماي محمد: الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1350ش.
187 ـ الشافي: (ـ في الإمامة)، في النقض على المغني للقاضي عبدالجبار المعتزلي) السيد مرتضى علم الهدى. طبع حجري، الحاج مير محمد صادق الخوانساري/1301هـ.
188 ـ شخصية حضرة المجتبى: السيد علي أكبر قرشي البناني. رضائية، مطبعة ميهن.
189 ـ شرائع الإسلام: المحقق الحلي، جعفر بن حسن. بيروت. بإشراف الشيخ محمد جواد مغنية.
190 ـ شرح أصول الكافي: عبدالحسين المظفر. النجف، النعمان/ 1376.
191 ـ شرح أصول الكافي: المولى محمد صالح المازندراني. تهران، الإسلامية/ 1387.
192 ـ شرح أصول الكافي)[196](: (= الصافي) الملا خليل القزويني. لكهنو. طبع حجري (مجلدان).
193 ـ شرح الصحيفة: المير محمد باقر داماد الحسيني. طبع 1316هـ (ضمن «شرح صحيفة السيد نعمة الله الجزائري»).
194 ـ شرح عقائد الصدوق: الشيخ المفيد. تقديم وتصحيح السيد هبة الدين الشهرستاني. تبريز/ 1371 (ط2).
195 ـ شرح نهج البلاغة: (= منهاج البراعة) الحاج ميرزا حبيب الله الخوئي. قم، مطبوعات دينية ودار العلم، وتهران، المكتبة الإسلامية/ 1377 ـ 1388 (21 جزءاً).
196 ـ شرح نهج البلاغة)[197](: كمال الدين مِيثَم البحراني. تهران، منشورات مؤسسة نصر/ 1378 ـ 1384 (خمس مجلدات).
197 ـ شفاء الصدور: (ـ في شرح زيارة العاشور) الحاج ميرزا أبو الفضل. تهران، مكتبة المرتضوي.
198 ـ الشموس الطالعة: (ـ في شرح الزيارة الجامعة) السيد حسين الهمداني الدرود آبادي. تهران، مركز نشر الكتاب/ 1378.
199 ـ شهادت: (ـ پس از شهادت، وأكنون رسالت زينب: بعد الشهادة، والآن رسالة زينب) الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد/ 1350.
200 ـ شهداء الفضيلة)[198](: العلامة الأميني. النجف، مطبعة الغري/ 1355هـ.
201 ـ الشهيد مسلم بن عقيل: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية/ 1369.
202 ـ الشيعة: محمد صادق السيد محمد حسين الصدر. بغداد، مطبعة الكرخ/ 1352هـ.
203 ـ الشيعة: (ـ بين الأشاعرة والمعتزلة) هاشم معروف الحسيني. بيروت، دار النشر للجامعيين/ 1964. ودار التعارف للمطبوعات.
204 ـ شيعه چه مى گويد: (ماذا يقول الشيعة؟) الحاج الشيخ مهدي سراج الأنصاري، مع تصويبات وإعادة نظر قام بها السيد الهادي الخسروشاهي. تبريز، مكتبة بني هاشمي/ 1385 (ط3).
205 ـ شيعه در إسلام: (الشيعة في الإسلام) السيد موسى السبط. تهران، المطبعة العالية/ 1328 ـ 1329ش. (مجلدان).
206 ـ الشيعة في التاريخ: (= الشيعة والإمامة) الشيخ محمد حسين المظفر/ طبع 1352هـ.
207 ـ الشيعة في التاريخ: محمد حسين آل زين العاملي. صيدا، العرفان/ 1357.
208 ـ الشيعة والتشيع: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
209 ـ الشيعة والحاكمون: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
210 ـ الصحيفة السجادية: الإمام أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام. تهران. دار الكتب الإسلامية/ 1321ش (طبعة منقحة ومقابلة على نسخ نفيسة).
211 ـ الصراط المستقيم: (ـ إلى مستحق التقديم) الشيخ زين الدين علي البناطي البياضي. قدم له الحاج الشيخ آقا بزرگ التهراني (في شرح حال المؤلف ـ ج 2). تصحيح محمد باقر اليهبودي. تهران، مكتبة المرتضوي/ 1384 (ط1)، (3 مجلدات).
212 ـ الصراع: (ـ بين الأمويين ومبادىء الإسلام) الدكتور نوري جعفر. بغداد، مطبعة الزهراء/ 1956.
213 ـ صفات الشيعة: الشيخ الصدوق. النجف، الآداب.
214 ـ صلح الحسن: الشيخ راضي آل ياسين ـ الكاظمين، دار الكتب العراقية/ 1384 (ط2).
215 ـ الصوارم المهرقة: (ـ في نقد الصواعق المحرقة) القاضي نور الله الشوشتري. تصحيح السيد جلال الدين المحدث الآرموي. تهران، الشركة السهامية لطبع الكتاب/ 1367.
216 ـ الصواعق المحرقة: (ـ في فضائل آل الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم ) محمد المهدي (الأصل من أحمد بن حجر الهيتمي) كربلاء، منشورات هيئة شباب التبليغ.
217 ـ ضحايا العقيدة: السيد محمد بحر العلوم. النجف، مطبعة الباقر/ 1383.
218 ـ طبقات أعلام الشيعة: الشيخ آقا بزرگ التهراني. وما صدر من هذا الكتاب: 1 ـ نوابغ الرواة في رابعة المآت (في ج1: آدم بن محمد القلانسي ـ يعقوب بن يوسف الرازي). تحقيق علينقي المنزوي (ابن المؤلف). بيروت، دار الكتاب العربي/ 1390 (ط1). 2 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة (القسم الأول: الشيخ محمد إبراهيم الأصفهاني ـ الشيخ حيدر قلي النيسابوري) (مع إضافة استدراك) النجف، العلمية/ 1374. 3 ـ الكرام البررة (القسم الثاني: المير خدابخش الهندي ـ ميرزا محمد علي قائمة الدين) النجف، الآداب والقضاء/ 1377. 4 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر. القسم الأول (الشيخ إبراهيم الأردبيلي ـ الشيخ حسن يوسف الكشميري (مع مستدرك). النجف، العلمية/1373. 5 ـ نقباء البشر. القسم الثاني (السيد حسون البراقي ـ السيد صادق الهندي النجفي) النجف، العلمية/ 1375. 6 ـ نقباء البشر. القسم الثالث (الشيخ صالح الحريري ـ السيد علوي الحضري) النجف، الآداب/ 1381. 7 ـ نقباء البشر. القسم الرابع (الشيخ علي أبو الوردي ـ الشيخ غلامعلي البار قروشي) النجف، الآداب/ 1388.
توضيح
يعد كتاب «طبقات أعلام الشيعة» الكتاب الثاني الضخم للعلامة الشيخ آقا بزرگ التهراني. وهو في مساواة مع كتابه الآخر «الذريعة إلى تصانيف الشيعة». وقد كان المؤلف بينما يَرودُ المكتبات العامة والخاصة خلال عشرات السنين، ومن بين آلاف المجموعات الخطيَّة ليستنبط تعريفات الكتب ومؤلفات الشيعة ليدونها في «الذريعة».. بينما كان يقوم بهذا العمل كان يدون أسماء المؤلفين والكتاب والناسخين والمعلِّقين والمحشِّين والمُجيزين والمُجازين والشعراء. فزخرت دفاتره بهذا الموضوع حتى غدت عدة مجلدات.
لهذا، فقد طرأ على خاطره فكرة ترتيب هذه المعلومات، لكنه لم يشأ ترتيب هذه الأسماء والأعلام ترتيباً ألف بائياً على طريقته في «الذريعة». بل رأى أن يرتبهم على حسب القرون، وداخل كل مجموعة القرن الواحد يرتَّبون على الحروف. وأسمى الكتاب في البدء «وَفَيات أعلام الشيعة» وبدأهم بالقرن الرابع الهجري، وشرع بالمئة الرابعة، باعتبار أن علماء القرون الثلاثة الأولى تُرجم لهم في كتب الرجال، ولم يشأ الشيخ أن يكون عمله مكرراً.
وخصَّ القسم الثاني بأعلام المئة الخامسة، وهكذا حتى القرن الرابع عشر. وأسمى كل مئة سنة باسم محدّد، هكذا:
1 ـ نوابغ الرواة في رابعة المئات.
2 ـ إزاحة الحلك الدامس بالشموس المضيئة في القرن الخامس.
3 ـ الثقات والعيون في سادس القرون.
4 ـ الأنوار الساطعة في المئة السابعة.
5 ـ الحقائق الراهنة في تراجم أعيان المئة الثامنة.
6 ـ الضياء اللامع في عباقرة القرن التاسع.
7 ـ إحياء الدائر من مآثر أهل القرن العاشر.
8 ـ الروضة النضرة في علماء المئة الحادية بعد العشرة.
9 ـ الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة.
10 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة.
11 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر.
إلا أنه حين بلغ مرحلة الطبع اضطر إلى البدء بالقرن الرابع عشر، مما دفعه إلى تغيير الترتيب السابق، وأسمى القرن الرابع عشر «القسم الأول»، والقرن الثالث عشر «القسم الثاني» و… ولما صادف الشيخ أعلاماً ما زالوا أحياء في هذا القرن فقد عزف عن اسم الكتاب كاملاً، يعني كلمة «وَفَيات»، ووضع مكانها كلمة «طبقات». وهكذا أسمى الكتاب «طبقات أعلام الشيعة». (عن مقدمة «نوابغ الرواة» بقلم: علينقي منزوي. بيروت).
219 ـ طرائف: ابن طاووس الحسني. السيد رضي الدين علي. طبع حجري.
220 ـ الطراز المُذْهب: (ـ أحوال حضرة زينب عليها السلام) ميرزا عباسقلي سِپِهر. قم، مؤسسة مطبوعات رحيميان/ 1338.
221 ـ العباس: (ابن أمير المؤمنين) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية.
222 ـ عبدالله بن سَبأ: السيد مرتضى العسكري: ج1 ـ بيروت، دار الكتب/1388، (ط3). ج2 ـ (ابن سبأ وأساطير أخرى) بيروت، دار الغدير وتهران. انتشارات الغدير/ 1392، (ط1).
223 ـ عبدالله الرضيع: كاظم الحلفي. النجف، النعمان/ 1377.
224 ـ عبقات الأنوار: (ـ في مناقب الأئمة الأطهار) المير حامد حسين الموسوي الهندي النيسابوري.
توضيح
يقول العلامة الشيخ آقابزرگ التهراني (في كتابه الذريعة: ج15/214 ـ 215) [بتصرُّف]: «عبقات الأنوار في مناقب الأئمة الأطهار في مجلدات كبار ضخام لإثبات إمامة الأئمة، للسيد العلامة الإمام، مُبعد الشكوك والأوهام، بتأييد من الله الملك العلام، الثقة الضابط العين، المير حامد حسين بن السيد العلامة محمد قليخان صاحب بن محمد بن حامد النيسابوري الكنتوري، المتوفَّى في 18 صفر 1306هـ. هذا الكتاب رد على الباب السابع من «التحفة الاثنا عشرية» الذي هو في مبحث الإمامة. ورتبه على منهجين:
المنهج الأول: في إثبات دلالة الآيات القرآنية المستدل بها للإمامة، مثل الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}، والآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} و.. وهو في مجلد واحد غير مطبوع لكنه موجود في مكتبة المؤلف في لكهنو، وفي مكتبة المولى السيد رجبعلي خان سحبان الزمان في «جكراوان» و..
المنهج الثاني: في إثبات دلالة الأحاديث الاثني عشر حول الإمامة والجواب على اعتراضات مؤلف «التحفة». وقد جاء هذا المنهج في اثني عشر جزءاً؛ كل حديث في جزء (وبعض هذه الأجزاء طبعت في عدة مجلدات)، على هذا الترتيب:
فالجزء الأول من المنهج الثاني، في حديث الغدير. في مجلدين ضخمين/ 1293 و1294هـ.
والجزء الثاني، في حديث «المنزلة»/ 1295.
والجزء الثالث، في حديث «الولاية»/ 1303.
والجزء الرابع، في حديث «الطير». لكهنو. مطبعة البستان المرتضوي/ 1306.
والجزء الخامس، في حديث «مدينة العلم» (في جزءين)/ 1317 و1327.
والجزء السادس، في حديث «التشبيه». لكهنو/ 1301.
والجزء السابع، في حديث «من ناصب علياً الخلافة» (ما زال هذا الجزء غير تام وغير مبيَّض).
والجزء الثامن، في حديث «النور». لكهنو/ 1303.
والجزء التاسع، في حديث «الراية».
والجزء العاشر، في حديث «علي مع الحق».
والجزء الحادي عشر، في حديث «قتال علي التأويل والتنزيل».
وما زالت الأجزاء الثلاثة الأخيرة قيد التبييض.
والجزء الثاني عشر، في حديث «الثَّقَلين». لكهنو/ 1314. [وطبع ثانياً بإيران في 1381 في ستة مجلدات].
ويُذكر أن الجزء الأول من مجلدات حديث غدير العبقات طُبع كذلك في تهران بأمرٍ من المرحوم آية الله السيد صدر الدين الصدر (ساكن قم والمتوفى سنة 1373)، في قطع رملي، بهمة فضلاء الروضة العلمية بقم. مطبعة الشركة التضامنية العلمية (في 600 صفحة، قبل حوالي 30 سنة).
كما أن أجزاء حديث «الثقلين» طبعت بستّ مجلدات في إصفهان من سنة 1380 فما بعد بمساعي ثلَّة من الفضلاء والمحسنين. وفي النهاية صدر الجزء الثامن مع شرح مبسوط حول «العبقات» وصاحب العبقات وتحفة الاثني عشرية، والذي أفدته منه في هذا التوضيح، بالإضافة إلى الذريعة. ونذكر فيما يلي (ج6/1212 ـ 1213) أسماء الكتب التي تتعلق بعبقات الأنوار:
الأول: تتميم العبقات: بقلم السيد ناصر الحسين، ابن المؤلف.
الثاني: التذييل على العبقات: بقلم السيد ذاكر الحسين، الابن الآخر للمؤلف.
الثالث: تعريب المجلد الأول لحديث «مدينة العلم» بقلم السيد محسن نواب اللكهنوي، المولود سنة 1329هـ (الذريعة ج4. رقم 1061).
الرابع: تكميل الجزء السابع للعبقات، لأن الجزء السابع في الأصل ناقص وعلى المسوَّدة. كمَّله حفيد المؤلف العالم السيد محمد سعيد بن السيد ناصر الحسين.
الخامس: تلخيص الأجزاء الثاني والخامس والسادس وبعض الأول، وتعريب كل هذه المجلدات باسم «الثمرات» بقلم السيد محسن النوّاب المذكور (الذريعة: ج4. رقم 42).
225 ـ عدل إلهي: مرتضى المطهَّري. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1349. العدل الإلهي، بيروت ـ الدار الإسلامية.
226 ـ عظمت حسين بن علي: الحاج ميرزا أبو عبدالله الزنجاني، مع ملحقات الواعظ الچرندابي. تبريز، مكتبة سُروش/ 1374. (ط3).
227 ـ عقائد الإمامية: محمد رضا المظفر، مع مقدمة للدكتور حامد مغني داود. القاهرة، مطبوعات النجاح/ 1381. (ط2).
228 ـ عقائد الإمامية الاثنا عشرية: السيد إبراهيم الموسوي الزنجاني. النجف، الآداب/ 1387.
229 ـ عقائد الشيعة: الملا علي أصغر نيرالبروجردي. طبعات متعددة، من جملتها: تهران، الإسلامية (حجري). وتبريز (حجري)/ 1322هـ)[199](.
230 ـ عقيدة الشيعة الإمامية: (ـ عرض ودراسة) السيد هاشم معروف الحسني. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
231 ـ عقيدة الشيعة: (ـ في الإمام الصادق وسائر الأئمة عليهم السلام) السيد حسين يوسف مكي العاملي. بيروت، دار الأندلس/ 1382، (ط1).
232 ـ علل الشرائع: الشيخ الصدوق. تصحيح وتعليق السيد فضل الله الطباطبائي اليزدي. قم، مكتبة الطباطبائي/1378.
233 ـ علم الإمام: الشيخ محمد حسين المظفر النجفي.
234 ـ علي الأكبر: سيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، الحيدرية/1368 (ط2).
235 ـ علي من المهد إلى اللحد: (ـ صوت العترة) السيد محمد كاظم القزويني. النجف، الآداب/ 1387.
236 ـ علي والحاكمون: (ـ دراسة تحليلية مقارنة حول مختلف الحكومات العالمية وحكم الإمام عليه السلام) الدكتور محمد الصادقي. بيروت، مؤسسة الأعلمي/ 1389.
237 ـ علي والخلفاء: (ـ برواية أهل السنة) نجم الدين شريف العسكري. النجف، الآداب.
238 ـ علي والسنة: نجم الدين شريف العسكري. بغداد.
239 ـ علي والشيعة: نجم الدين شريف العسكري. النجف، الآداب.
240 ـ علي ومُناوئوه: الدكتور نوري جعفر. طبع 1956.
241 ـ عنصر شجاعت: (ـ اثنان وسبعون شخصاً وشخصاً) الحاج ميرزا خليل الكمره اى. تهران، الإسلامية/ 1381، (3 مجلدات).
242 ـ عيدالغدير في عهد الفاطميين: محمد الهادي الأميني. النجف، مطبعة القضاء/ 1382.
243 ـ عين الحياة: العلامة المجلسي. تهران، الشركة السهامية لطبع الكتاب/ 1347ش.
244 ـ عين العبرة في غبن العترة: السيد بن طاووس. النجف، مكتبة الحيدرية ومطبعتها.
245 ـ عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق. قم، دار العلم وتهران. دار الكتب الإسلامية/ 1377.
246 ـ غاية المرام: (ـ وحجة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام))[200]( السيد هاشم البحراني. بيروت، دار القاموس الحديث، ومكتبة البيان، أوفست طبع حجري، تهران/1282.
247 ـ الغدير: (ـ في الإسلام) الشيخ محمد رضا فرج الله النجفي. طبع/ 1362.
248 ـ الغدير: (ـ في الكتاب والسنة والأدب) العلامة الأميني، عبدالحسين أحمد. الطبعة الأولى حتى المجلد التاسع. نجف/1364 ـ 1371. والطبعة الثانية حتى المجلد الحادي عشر. تهران، دار الكتب الإسلامية/1372 فما بعد. والطبعة الثالثة حتى المجلد الحادي عشر. بيروت، دار الكتاب العربي/ 1387.
249 ـ الغيبة: الشيخ الطوسي. النجف، النعمان/ 1385 (ط2).
250 ـ الغيبة: النعماني، أبو زينب محمد بن إبراهيم. تبريز، مكتبة صابري/ 1382.
251 ـ فاطمه، فاطمه است: (فاطمةٌ فاطمةٌ) الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد/ 1350.
252 ـ فايده ولزوم دين: محمد تقي شريعتي المزيناني. تهران، شركة الانتشار/ 1347 (ط3).
253 ـ فَدَك في التاريخ: السيد محمد باقر الصدر. النجف، الحيدرية/ 1374. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
254 ـ فرحة الغرى: (ـ في تعيين قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام) ابن طاووس، غياث الدين. النجف، الحيدرية/ 1382 (ط2).
255 ـ الفردوس الأعلى: كاشف الغطاء، مع تعليقات بقلم السيد محمد علي القاضي الطباطبائي. تبريز، مطبعة الرضائي/ 1372.
256 ـ فرق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي. النجف، الحيدرية/ 1355.
257 ـ الفصول المختارة: (ـ من العيون والمحاسن) الشيخ المفيد. النجف، الحيدرية (ط2).
258 ـ الفصول المهمة: (ـ في أصول الأئمة) الشيخ الحر العاملي. طبع حجري/ 1304هـ.
259 ـ الفصول المهمة: (ـ في تأليف الأئمة) السيد شرف الدين. النجف، دار النعمان (ط5).
260 ـ الفصول النصيرية: الخواجه نصير الدين الطوسي (مع ترجمة عربية مرافقة للكتاب بقلم ركن الدين الجرجاني). باهتمام محمد تقي دانش پزوه. تهران/ 1375.
261 ـ فضائل الإمام علي: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، مكتبة الحياة/ 1381.
262 ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة: السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي. النجف، مطبعة النجف/ 1383 ـ 1384 (ثلاث مجلدات).
263 ـ فقه الإمام جعفر الصادق: (ـ عرض واستدلال) الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت. دار العلم للملايين/ 1965 ـ 1966 (ستة أجزاء).
264 ـ الفقه على المذاهب الخمسة: (الجعفري، الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي) الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار العلم للملايين/ 1962 (ط2).
265 ـ فلاسفة الشيعة: (ـ حياتهم وآراؤهم) الشيخ عبدالله نعمة. بيروت، مكتبة الحياة.
266 ـ فلسفة التوحيد والولاية: الشيخ محمد جواد مغنية. قم، طبع حكمة.
267 ـ فلسفة الحكم عند الإمام: الدكتور نوري جعفر. بغداد، ومطبعة الزهراء/ 1957.
268 ـ فلسفة الميثاق والولاية: السيد عبدالحسين شرف الدين. كربلاء، دار المحيط/ 1387.
269 ـ فلسفتنا: السيد محمد باقر الصدر. بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
270 ـ فلسفة حقوق وأحكام در إسلام: (ـ من ناحية التجزئة والتحليل العقلي والآثار المترتبة عليها) الدكتور جواد تارا. قم. المطبعة العلمية/ 1345 (مجلدان).
271 ـ الفوائد الرضوية: (ـ في أحوال علماء المذهب الجعفرية) الحاج الشيخ عباس القمي. تهران، المكتبة المركزية.
272 ـ الفهرست: الشيخ الطوسي. تصحيح وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم. النجف، الحيدرية/ 1380 (ط2).
273 ـ فهرست أسماء مصنفي الشيعة: (= رجال النجاشي) أبو العباس أحمد بن علي النجاشي. بتصحيح جلال الدين الغروي. تهران، مركز نشر الكتاب.
274 ـ في ظلال الوحي: علي فضل الله الحسيني. بيروت. دار مكتبة الحياة.
275 ـ قاطع البرهان: (ـ في الرد على الجبهان) أحمد بن عزيز الموسوي الغالي. كربلاء، مطبعة سيفان/ 1388.
276 ـ قرب الأسناد: (ـ وكتاب الجعفريات والأشعثيات) عبدالله بن جعفر الحميري. تصحيح الحاج الشيخ مرتضى الأردگاني والحاج الشيخ محمد حسن النجف آبادي. تهران، الإسلامية (بأمر من حضرة آية الله البروجردي، ونفقة السيد باقر راست گردار.
277 ـ قضاء أمير المؤمنين: الشيخ محمد تقي الشوشتري. النجف، مكتبة الحيدرية ومطبعتها/ 1383 (ط 4).
278 ـ قلائد الدرر: (ـ في بيان آيات الأحكام بالأثر) الشيخ أحمد الجزائري. النجف، دار الثقافة/ 1382 (ثلاث مجلدات).
279 ـ قمر بني هاشم: السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، العلمية/ 1365.
280 ـ قواعد الحديث: محيي الدين الموسوي الغريفي. النجف، الآداب.
281 ـ القيادة الإسلامية: (ـ في الفلسفة والتشريع) جواد كاظم. بيروت/ 1391.
282 ـ قيام سادات علوي: علي أكبر تشيد. تهران. مطبعة المجلس/ 1331ش.
283 ـ قيس: (ابن سعد بن عبادة) محمد رضا الحكيم. تهران، على نفقة شالچي لر/1367.
284 ـ الكاشف: (ـ عن ألفاظ «نهج البلاغة» في شروحه) السيد جواد المصطفوي الخراساني. تهران، الآخوندي (دار الكتب الإسلامية).
285 ـ الكافي: (أصول) أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني. تهران، دار الكتب الإسلامية/ 1388. ودار التعارف للمطبوعات ـ بيروت.
286 ـ كامل الزيارات: ابن قولويه، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد. تصحيح وتعليق العلامة الأميني. النجف، المطبعة المرتضوية/ 1356.
287 ـ كتاب سليم بن قيس: (ـ الكوفي الهلالي، صاحب أمير المؤمنين) النجف، الحيدرية.
288 ـ كتاب العمدة: ابن البطريق. طبع حجري.
289 ـ كتاب نصر بن مزاحم: (ـ المنقري الكوفي) طبع حجري.
290 ـ كحل البصر: (ـ في سيرة سيد البشر) الحاج الشيخ عباس القمي. قم، مؤسسة نشر الكتب المذهبية.
291 ـ كشف الارتياب: (ـ في أتباع محمد بن عبدالوهّاب) السيد محسن الأمين العاملي. دمشق، مطبعة ابن زيدون/ 1347هـ. وبضمنه «العقود الدرية في رد شبهات الوهابية» للمؤلف).
292 ـ كشف الحق: (ـ ونهج الصدق) العلامة الحلي. بغداد/ 1344هـ.
293 ـ كشف الغمة: (ـ في معرفة الأئمة) أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي. تبريز، مكتبة بني هاشمي/ 1381. (ثلاث مجلدات).
294 ـ كشف الفوائد: (ـ في شرح قواعد العقائد، للخواجه نصير الدين الطوسي) العلامة الحلي. طبع حجري.
295 ـ كشف اليقين: (ـ في فضائل أمير المؤمنين) العلامة الحلي. النجف. دار الكتب التجارية/ 1371.
296 ـ الكشكول: (ـ فيما جرى على آل الرسول) السيد حيدر الآملي. النجف، الحيدرية/ 1372 (ط1).
297 ـ كفاية الأثر: (ـ في النص على الأئمة الاثني عشر) أبو القاسم علي بن محمد بن الخزاز الرازي/ 1305ش (ضمن «الخرائج والجرائح».
298 ـ كفاية الموحدين: السيد إسماعيل العلوي العقيلي الطبرسي النوري: ج1 ـ في التوحيد، والعدل، والنبوة. ج2 ـ في الإمامة. ج3 ـ في المعاد. قم، مكتبة الصحفي ومكتبة الطباطبائي و… ط 4.
299 ـ كشف القناع: المحقق الشيخ أسد الله التستري. مؤسسة آل البيت.
300 ـ كشف الريبة: الشهيد زين الدين الجبعي العاملي.
301 ـ الكلمة الغراء: (ـ في تفضيل الزهراء) السيد شرف الدين. النجف، دار النعمان (ط 5، ضمن «الفصول المهمة»).
302 ـ كمال الدين وتمام النعمة: (أو: «إكمال الدين وإتمام النعمة» الشيخ الصدوق، وتصحيح علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق/ 1390.
303 ـ كميل بن زياد النخعي: علي بن الحسين الهاشمي الخطيب. بغداد، مطبعة الإرشاد.
304 ـ كنز العرفان: (ـ في فقه القرآن) أبو عبدالله مقداد السيوري الحلي. النجف، دار الأضواء (3 مجلدات).
305 ـ كنز الفوائد: أبو الفتح الكراچكي. طبع حجري.
306 ـ گفتار عاشورا: (بيان عاشوراء) الدكتور محمد إبراهيم آيتي، والسيد محمد بِهِشتي، والسيد محمود الطالقاني، ومرتضى مطهري. تهران، شركة الانتشار/ 1346 (ط2).
307 ـ لآلي الأخبار: محمد نبي التويسرگاني. قم، المكتبة المحمدية (4 مجلدات).
308 ـ لماذا اخترتُ مذهب أهل البيت؟: الشيخ محمد مرعي الأمين الإنطاكي. حلب (ط1).
309 ـ لمعة من بلاغة الحسين: (ـ خطب، رسائل، مواعظ) السيد مصطفى محسن الموسوي. كربلاء، منشورات الأعلمي/ 1380 (ط5).
310 ـ مالك بن الأشتر: محمد رضا الحكيم. تهران، الشركة السهامية لطبع الكتاب/ 1365.
311 ـ مالكيت: (ـ وتحديدها في الإسلام) الدكتور السيد حسن المرتضوي. تهران/ 1344ش.
312 ـ ما هو نهج البلاغة؟: السيد هبة الدين الشهرستاني. النجف، دار الثقافة/ 1380.
313 ـ مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام: السيد شرف الدين. بغداد، مكتبة الأندلس.
314 ـ المبادىء العامة للفقه الجعفري: هاشم معروف الحسني. بغداد، مكتبة النهضة ودار النشر للجامعيين. ودار التعارف للمطبوعات ـ بيروت.
315 ـ متعة وآثار حقوقي واجتماعي آن: الدكتور محسن الشفائي. تهران، مركز نشر الكتاب.
316 ـ المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي : الدكتور توفيق الفكيكي البغدادي. القاهرة منشورات مكتبة الحاج.
317 ـ المجالس الفاخرة: (ـ في مآتم العترة الطاهرة))[201]( السيد عبدالحسين شرف الدين، كربلاء/ 1378. (ط2).
318 ـ مجمع البيان: (تفسير) أمين الإسلام الشيخ الطبرسي. صيدا، وتهران، الإسلامية/ 1373 ـ 1374.
319 ـ مجمع الرجال: (ـ الحاوي لذكر المترجمين في الأصول الخمسة الرجالية: النجاشي، الكشّي، رجال شيخ الطائفة، فهرسته، رجال ابن النضائري) عناية الله القهپائي، تصحيح وتعليق السيد ضياء الدين العلامة الإصفهاني. إصفهان/ 1384 ـ 1378.
320 ـ مجموعة ورام: (= تنبيه الخواطر ونزهة النواظر) أبو الحسين ورام بن أبي فراس المالكي الأشتري. دار الكتب الإسلامية/ 1376.
321 ـ المحاسن: أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، تصحيح وتعليق السيد جلال الدين المحدث الآرموي. تهران، دار الكتب الإسلامية والمكتبة المصطفوية/ 1370.
322 ـ المحجَّة البيضاء: (ـ في تهذيب الإحياء))[202]( الملا مُحسن فيض الكاشاني، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق/1339 ـ 42(8ح).
323 ـ محمد بن الإمام الهادي: محمد علي الغروي الأردوبادي. النجف، منشورات مخزن الأميني.
324 ـ محمد خاتم پيامبران: (محمد خاتم النبيين) ج1 ـ مقالات: الدكتور السيد حسين نصر، الدكتور محمد جواد باهُنر، أكبر هاشمي رفسنجاني، الدكتور السيد جعفر الهشيدي، الدكتور علي شريعتي، الحاج السيد أبو الفضل مجتهد الزنجاني، العلامة الطباطبائي، الدكتور عطاء الله شهاب پور، مرتضى المطهري. ج2 ـ مقالات: محمد تقي الجعفري التبريزي، حسين نوري، الدكتور عبدالحسين زرِّين كوب مُجتبى مِينَوي، السيد غلامرضا السعيدي، السيد مرتضى الشبستري، السيد هادي الخسروشاهي، محمد تقي شريعتي، مرتضى المطهري. تهران، الإرشاد وشركة الانتشار/ 1388، (مهرماه 1347).
325 ـ المختار: (ـ في الجبر والاختيار) تقرير السيد علي فاني، تأليف محمد علي الصادقي. النجف، مطبعة النجف/1375.
326 ـ مختصر تاريخ الشيعة: أحمد عارف الزين. صيدا/ 1332هـ.
327 ـ مختلف الشعية: (ـ في أحكام الشريعة) العلامة الحلي. طبع حجري. إيران/1323هـ.
328 ـ مدارك نهج البلاغة: (ـ ودفع الشبهات عنه) الشيخ هادي كاشف الغطاء. النجف، مطبعة الراعي/ 1354. (ضمن «مستدرك نهج البلاغة»).
329 ـ مرآة العقول: (ـ في شرح أخبار آل الرسول؛ شرح أصول الروضة الكافية وفروعها) العلامة المجلسي طبع حجري، إيران/ 1321هـ.
330 ـ المراجعات: شرف الدين. النجف، دار النعمان/ 1383 (ط6). بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
331 ـ مرجعيت وروحانيت: (الرجعة والروح) السيد محمد حسين الطباطبائي، والحاج السيد أبو الفضاء الموسوي المجتهد الزنجاني، ومرتضى المطهري، والمهندس مَهدي بازَرگان، والسيد محمد بِهشتي، والسيد محمود الطالقاني، والسيد مرتضى الجزائري. تهران، شركة الانتشار (ط2).
332 ـ مَرد نامُتناهي: (الرجل اللامتناهي) (علي بن أبي طالب) حسن الصدر. تهران، أمير كبير/ 1350 (ط7).
333 ـ المسؤولية الجزائية: (ـ في الفقه الجعفري، قصاص) هاشم معروف الحسني . صور، المطبعة الحديثة. وبيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
334 ـ مسئوليت شيعه بودن: (مسؤولية وجود الشيعة) الدكتور علي شريعتي. تهران، الإرشاد/ 1350.
335 ـ مستدرك نهج البلاغة: الشيخ هادي كاشف الغطاء. النجف، مطبعة الراعي/ 1354.
336 ـ مستدرك الوسائل: الحاج ميرزا حسين النوري. النجف، المكتبة العلمية وتهران، المكتبة الإسلامية/ 1382 ـ 1383 (ثلاث مجلدات).
337 ـ المسترشد: (ـ في إمامة علي بن أبي طالب) أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. النجف، الحيدرية.
338 ـ مسلم بن عقيل: (ـ وأسرار العاصمة الثائرة الكوفة) الحاج ميرزا خليل الكمره اى. تهران، منشورات ابن سينا/ 1328ش.
339 ـ مسند الإمام الرضا: الشيخ عزيز الله العُطاردي الخراساني. تهران، مكتبة صدوق/ 1392 (مجلد 1).
340 ـ مشاهد العترة الطاهرة: (ـ وأعيان الصحافة والتابعين) السيد عبدالرزاق كمونة الحسيني. النجف، الآداب/ 1387.
341 ـ مشكاة الأنوار: (ـ في غرر الأخبار) أبو الفضل علي الطبرسي. النجف، الحيدرية/ 1385 (ط2) )[203](.
342 ـ مصابيح الأنوار: (ـ في حلِّ مشكلات الأخبار) السيد عبدالله شِّبر، تصحيح وتعليق السيد علي شبر. بغداد، مطبعة الزهراء/ 1371. وقم، أوفست، مكتبة البصيرتي (مجلدان).
343 ـ مصادر نهج البلاغة: (ـ وأسانيده) السيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب. النجف، القضاء/1386 ـ 1389، (ثلاث مجلدات).
344 ـ المطالب المهمة: (ـ فيما يتعلق بالقرآن والحديث والنبي والأئمة). الشيخ حبيب آل مهاجر العاملي. صيدا، العرفان/ 1354 (ضمن كتابه «الحقائق»).
345 ـ معادن الحكمة: (ـ في مكاتيب الأئمة) علم الهدى محمد بن محسن (فيض) الكاشاني. تهران، مكتبة صدوق/ 1388.
346 ـ معالم العلماء: (ـ في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين منهم قديماً وحديثاً) ابن شهرآشوب المازندراني. تهران، طبع المرحوم عباس إقبال والنجف. مع مقدمة السيد محمد صادق بحر العلوم. الحيدرية/1380.
347 ـ معالي السِّبطين: (ـ في أحوال السبطين الإمامين؛ الحسن والحسين) الشيخ محمد مهدي المازندراني. تبريز، مكتبة صابري. بيروت ـ دار التعارف للمطبوعات.
348 ـ معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، تصحيح علي أكبر الغفاري. تهران، مكتبة صدوق وقم، دار العلم/ 1379.
349 ـ مع ابن تيمية: (ـ في مُفترياته) عبدالمجيد حسن الحائري. النجف، مكتبة التربية وبغداد، المكتبة العلمية.
350 ـ مع أبي زُهرة: (ـ في كتاب «الإمام الصادق») الشيخ عبدالله السبيتي. مطبعة صور الحديثة.
351 ـ مع بطلة كربلاء: الشيخ محمد جواد مغنية. دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت.
352 ـ المعجزة الخالدة: السيد هبة الدين الشهرستاني. منشورات حديث الشهر. (رقم 8).
353 ـ معراج السعادة: الملا أحمد النراقي. تهران، المكتبة الإسلامية.
354 ـ مع الشيعة الإمامية: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت. مكتبة الأندلس/ 1956 (ط2).
355 ـ مع علماء النجف الأشرف: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، المكتبة الأهلية وبغداد، مكتبة النهضة/ 1962.
356 ـ مفاهيم إنسانية: (ـ في كلمات الإمام جعفر الصادق) الشيخ محمد جواد مغنية. بغداد، مكتبة النهضة.
357 ـ مفتاح الكتب الأربعة: محمود الموسوي الدِّهسرخي. النجف، الآداب/ 1386. (طبع منه حتى المجلد الخامس).
358 ـ مفتاح الكرامة: (ـ في شرح قواعد العلامة) السيد محمد جواد الحسيني العاملي. مصر، المطبعة الرضوية/ 1324هـ ومواضع أخرى، ومن جملتها مجلد آخر في تهران (عشر مجلدات).
359 ـ مفتاح الوسائل: (ـ معجم مفهرس لألفاظ 35862 حديثاً لكتاب «وسائل الشيعة» الحاوي للكتب الأربعة و180 كتاباً آخر) الدكتور السيد جواد المصطفوي الخراساني. مشهد، كلية الشريعة وتهران، مكتبة صدوق والمكتبة الإسلامية (مجلد واحد).
360 ـ المقالات والفرق: سعد بن عبدالله الأشعري القمي، تصحيح وتعليق الدكتور محمد جواد مشكور. تهران، مؤسسة عطائي للمطبوعات/1963.
361 ـ مقتضب الأثر: (ـ في النص على الأئمة الاثني عشر) أحمد بن محمد بن عياش الجوهري. قم، مكتبة الطباطبائي.
362 ـ مقتل الحسين: (ـ أو حديث كربلاء) السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم. النجف، منشورات مخزن الأميني و…/ 1376 (ط2).
363 ـ مكارم الأخلاق: رضي الدين أبو نصر الحسن الطبرسي (ابن الشيخ الطبرسي)، تصحيح وتعليق السيد علاء الدين العلوي الطالقاني. تهران، دار الكتب الإسلامية/ 1376.
364 ـ منّه إسلام فاطمه زهراء: الحاج ميزا خليل الكمره اى:
القسم الأول: أول محكمة قضائية بعد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم .
القسم الثاني: منبع ماء الحياة. تهران، المكتبة الإسلامية/ 1348ش.
365 ـ مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب المازندراني، تصحيح السيد هاشم الرسولي المحلاتي. قم، مكتبة الطباطبائي والصحفي/ 1379.
366 ـ من أمالي الإمام الصادق: (ـ وهو شرح ما أملاه الإمام على تلميذه الفضل بن عمر الجعفي) محمد الخليلي. النجف، مكتبة النجاح/ 1284 (4 مجلدات).
367 ـ منتخب الأثر: (ـ في الإمام الثاني عشر) لطف الله الصافي الگلپايگاني. تهران، مركز نشر الكتاب/ 1385.
368 ـ من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق، تحقيق السيد حسن الموسوي الخراساني. النجف، دار الكتب الإسلامية/1377 ـ 1378 (ط 4)، (4 مجلدات))[204](.
369 ـ منهاج الشريعة: (ـ في الرد على ابن تيمية) السيد محمد مهدي القزويني. النجف، العلمية/ 1347.
370 ـ منهاج الكرامة: (ـ في إثبات الإمامة) العلامة الحلبي. طبع حجري/1296هـ.
371 ـ منهج التربية عند الإمام علي: علي محمد الحسين الأديب. النجف، الحيدرية/1387.
372 ـ مُنية المريد: (ـ في آداب المفيد والمستفيد) )[205]( الشهيد الثاني زين العابدين العاملي. طبع حجري/ 1301هـ.
373 ـ موجز تواريخ آل البيت: القاضي الشيخ محمد السماوي. النجف، النعمان/ 1365 (ط2).
374 ـ موسوعة العتبات المقدسة: جعفر الخليلي، وعدد من المتتبعين، في عدد من الأقسام، من المدخل إلى:
قسم مكة (ج1)/ 1387.
قسم كربلاء (ج1)/ 1386.
قسم الكاظمين (ج1)/ 1387.
قسم خراسان (ج1)/ 1388.
قسم سامراء (ج1).
قسم النجف (ج1 و2)/ 1386. بغداد/ دار التعارف.
375 ـ مهج الدعوات: (ـ ومنهج العبادات) ابن طاووس، رضي الدين علي. تهران، مكتبة سنائي.
376 ـ المهدي: خندق آبادي.
377 ـ المهدي: زهير النجفي.
378 ـ المهدي: السيد صدر الدين الصدر. تهران، المطبعة العالية.
379 ـ مِيثم التمّار: محمد باقر البهبودي. مشهد/ 1334ش.
380 ـ النبوة والعقل: الشيخ محمد جواد مغنية. بيروت، دار النشر للجامعيين/ 1964 (ط3).
381 ـ النص والاجتهاد: السيد شرف الدين. كربلاء، مؤسسة الأعلمي/ 1386 (ط 4).
382 ـ نظام الحكم والإدارة في الإسلام: (ـ بحث منهجي مقارن) باقر شريف القرشي. النجف، الآداب/ 1386.
383 ـ نظام الحكم والإدارة في الإسلام: الشيخ محمد مهدي شمس الدين. بيروت، منشورات دار حمد للطباعة والنشر ومطبعة الإنصاف/ 1374.
384 ـ نظرة في شرح نهج البلاغة: محمد حسن القبيسي العاملي. بيروت، منشورات مكتبة الأنصار/ 1387 ـ 1388 (ثلاثة أجزاء).
385 ـ نَفَسُ المهموم: الحاج الشيخ عبّاس القُميّ. تهران، المكتبة الإسلامية/ 1368.
386 ـ النقض: الشيخ عبدالجليلي القزويني الرازي، تقديم وتصحيح السيد بلال الدين المحدِّث الأرموي. تهران/ 1331ش.
387 ـ نقض الوشيعة: السيد محسن الأمين العاملي. بيروت، مطبعة الإنصاف/ 1370.
388 ـ نور الثقلين: (تفسير) عبد علي ابن جمعة الحويزي، تصحيح وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي. قم، مطبعة الحكمة (على نفقة الحاج أبي القاسم السالك ـ والحاج حسين محزونيان)، (خمسة أجزاء).
389 ـ نهج البلاغة: الإمام علي بن أبي طالب/ جمعه الشريف الرضي، وشرحه الشيخ محمد عبده، وحقّقَهُ عبدالعزيز سيد الأهل. بيروت/ دار الأندلس/ 1382 وطبعات كثيرة أخرى.
390 ـ نهج السعادة: (ـ في مستدرك «نهج البلاغة») محمد باقر المحمودي. النجف، الآداب/ 1382.
391 ـ النهج السويّ: (ـ في معنى المولى والولي) محسن علي الپلستاني الباكستاني. النجف، الآداب/ 1388.
392 ـ نهضة الحسين: السيد هبة الدين الشهرستاني. النجف، النعمان/ 1958 (ط 4).
393 ـ الوافي: الملا محسن فيض الكاشاني. تهران/ المكتبة الإسلاية (طبع أوفست)/ 1375.
394 ـ وسائل الشيعة: (= تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) الشيخ الحر العاملي. قُم مكتبة المُحمدي. وتهران، المكتبة الإسلامية/ 1372 ـ 1389 (عشرون مجلداً).
395 ـ الوضوء في الكتاب والسنة: نجم الدين شريف العسكري. القاهرة، مطبوعات النجاح/ 1381، وضمنه:
1 ـ «المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء». السيد شرف الدين.
2 ـ «الأرضُ والتربةُ الحسينية». كاشف الغطاء.
396 ـ ولايت عهدى حضرت رضا: (ولاية عهد الإمام الرضا) علي الموحّدي الساوجي. قم مطبعة الحكمة/ 1350ش (تهران منشورات برهان، مشهد، منشورات طوس).
397 ـ الهدى: (ـ إلى دين المصطفى) الشيخ محمد جواد البلاغي. النجف، الحيدرية/ 1385.
398 ـ هشام بن الحكم: (ـ أستاذ القرن الثاني في الكلام والمناظرة) الشيخ عبدالله نعمة. بيروت/ 1378.
399 ـ الهيئة والإسلام: السيد هبة الدين الشهرستاني، تقديم وإشراف السيد أحمد الحسيني. النجف، الآداب/1384.
400 ـ اليقين: (ـ في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام) ابن طاووس، رضيّ الدين أبو القاسم الحسني. النجف، الحيدرية/ 1369.
محمد رضا الحكيمي
أرض البحرين
أرض البحرين وجزيرة البحرين
ما يفهم اليوم من كلمة (البحرين) هي تلك الجزيرة الواسعة نسبياً التي تقع جنوب غرب الخليج الفارسي، وحولها عدة جزر صغيرة تحيط بها إلى الشرق والغرب والشمال، وهي جزيرة أوال التي نسبت إلى البحرين لمجاورتها لها.
أما أرض البحرين أو البحرين المطلقة فهي أرض واسعة تقع عند الساحل الغربي للخليج الفارسي، وتمتد من خليج الكويت أو خليج كاظمة إلى شبه جزيرة قطر التي تحدّها في الجنوب الشرقي. ويحدّ البحرين من جهة الشرق البحر وأما من ناحية الشمال والغرب والجنوب فإنها تتصل بصحراء قاحلة.
البحرين القديمة
البحرين التي جاء ذكرها منذ صدر الإسلام في الوثائق والمصادر المختلفة من الحديث والأدب والتاريخ والمسالك والممالك وكتب الفتوح هي تلك الأرض الواسعة التي تحدها من الشمال البصرة، ومن الغرب اليمامة، ومن الجنوب الربع الخالي وعُمان. وطرق قوافلها تتصل بيثرب والحجاز واليمن وعمان.
سعة أرض البحرين
إن سعة مساحة اليابسة التي يطلق عليها اسم البحرين كانت تتفاوت حسب نفوذ وسيطرة القبائل التي تعيش فيها، فتارة كان تشمل جميع الصحارى المنتشرة حولها.
البحرين في العهد الساساني
في الهيكلية الإدارية للعهد الساساني كانت هذه المنطقة مقسمة إلى عدة ولايات ذات حكومة محلية عرفت باسم هگر أو هجر، ومعمورة أردشير أو الخط، ميشماغيغ أو أوال، أو جزيرة البحرين كما تسمّى حالياً. ولكل اسم من تلك الأسماء ارتباط مباشر بالهيكلية المركزية لجنوب غرب إيران.
البحرين والبحران والبحراني
(البحرين حسب الاصطلاح النحوي تنصب وتجر، فتكون (بحران) وهو الاسم الأصلي لتلك المنطقة، وقد ورد اسم بحران في بعض الوثائق اللغوية والجغرافية، ويقال لأهلها (بحراني) كما إن السكان الدخلاء الذين دخلوا هذه الأرض قبل مائة عام، فاستولوا عليها ما زالوا حتى اليوم يطلقون على السكان الأصليين للجزيرة اسم (بحراني) وجمعه (بحارنة) ويطلقون على أنفسهم اسم قبائلهم ومساكنهم الأصلية حتى لا يخلط بينهم وبين السكان الأصليين أو البحارنة الذين يتبعون مذهب الشيعة.
علة تسمية البحرين
افترض اللغويون والجغرافيون عدة افتراضات حول وجه تسمية هذه الأرض بـ البحران أو البحرين منذ (1200) عام. فاعتبر البعض أن وجه التسمية جاء بسبب وقوع هذه المنطقة بين نهر (محلّم) و(عين الجريب) في الشمال والجنوب، ولم يبق لهما اليوم أي أثر على الخريطة. واعتبر البعض أن وجه التسمية وقوعها بين البحر وبعض الأنهار الداخلية مما يجعلها في فصل الشتاء بحيرة. فيما أعاد البعض ذلك إلى وجود الماء الحلو والمالح على خط الساحل إلى جانب بعضهما البعض. ومنها من قال أنه الحد الفاصل بين البحر الحلو والمالح. وقال غيرهم لوقوعها بين بحر من الماء وبحر من الرمال. لكن أياً من تلك الافتراضات لا تبدو صحيحة، إلاَّ إذا قلنا أن الحدود الجانبية لها عند إطلاق هذه التسمية كانت ممتدة إلى شواحل بحر عُمان وحضرموت، وهذه الجزيرة من اليابسة تقع بين الخليج الفارسي وبحر العرب، وكانت تنسب إلى كلا البحرين فسمّيت بالبحران أو البحرين.
تاريخ اسم البحرين: إن وجود هذا الاسم في الأخبار المتعلقة بزمان دعوة الرسول الأكرم دليل على إطلاق اسم (بحران) على هذه الجزيرة قبل ظهور الإسلام.
رأي الكاتب في وجه التسمية
قبل عدة سنوات أجريت بحثاً لغوياً حول مصدر كلمة (البحرين) وطبعت الدراسة في نشرة وزارة الخارجية، النتيجة التي بلغتها هي أن (بحران) أصل (البحرين) وليست مثنّى البحر، بل إنها صفة منسوبة إلى البحر، و(ان) حرف نسبة فارسية، له نظيره في اللغتين العربية والسريانية أيضاً، ولفظ (بحران، يعني البحر. ووجود كلمات مثل: عبادات، سليمانان، قبان، داران، سرقان ونظائر ذلك حولها تفيد هذا المعنى، ويؤيد هذا حدسي أو استنباطي. والمقصود من البحرين أو البحران هو البحر وما ورائه وما يطلق عليه بالفرنسية (Maritime).
الاسم القديم لجزيرة البحرين
جزيرة البحرين ورد اسمها في الروايات القديمة للعهد الإسلامي (أوال)، وفي عهد الساسانيين (ميشماهيغ)، لكنها خلال القرون الأربعة الأخيرة فقدت اسم مصدرها الأساس، وأخذت اسم البحرين، ثم وللأسباب نفسها عادت ففقدت كل من: القطيف، اللحسا أو الإحساء بعد أن كانت تابعة لها.
كلمة (أوال) كانت جارية حتى القرن التاسع، وهناك اختلاف في تحديد أصل ومفهوم هذا الإسم، فاعتبر البعض أنه مأخوذ من (أوال) وهو اسم ضم قبيلة (بكر بن وائل) التي كانت تعيش في البحرين قبل الإسلام، واعتبر غيرهم أنه مشتق من (وال) أي السمك ذو الجناح لأن شكل الجزيرة يشبهه. لكني أرى أنه مشتق من أصلين فارسيين هما (آو) أو (آب) و(ال) وهي موجودة في كلمات مثل (چنگال، دنبال، پوشال، روال، هُمال) ونظارها، وهي تفيد النسبة، وهذا الوجه هو الأقرب.
المياه الحلوة في البحرين
توجد عيون ماء حلو في هذه الجزيرة عند ساحل المياه المالحة، ويستفاد من هذه العيون عند جزر البحر، ووجود هذه العيون وماءها هو السبب في عمران هذه الجزيرة، وتوجه البحارين إليها، لذلك فإن نسبتها إلى الماء الحلو (آب) أقرب من نسبتها إلى الصنم الموهوم للقبيلة التي كانت تقطن الساحل دون الجزيرة. كذلك فإنّ اشتقاق (المنامة) من (المنابه، المينابه، الميانابه) أكثر تصوراً من أن تكون بمعنى المنامة أو المنعمة أي مكان النوم والمكان المنعم، وجاء تفصيل ذلك في مقالة نشرت في مجلة وزارة الخارجية الإيرانية.
ميشماهيغ أو سماهيج
ويذكر أن بقاء الاسم الساساني للجزيرة على شكل (سماهيج) وهو مخفف (مسماهيج) والمعرب من (ميشماهيغ) الذي كان يطلع سابقاً على جزيرة (محرّق) الذي يطلق حالياً على قرية هناك. وكان نهر الفرات يصبّ بشكل مستقل في الخليج الفارسي، وهذا المصب المغلق كان يقع شمال جزيرة (بوبيان) ويسمى حالياً (هور الزبير) وهو منسوب إلى منطقة الزبير بالبصرة، لعله كان مصب نهر الفرات.
الطريق البحرية بين النهرين وعُمان
السفن التي كانت تتوجه من نهر الفرات لتدخل الخليج الفارسي كانت تتخذ طريقاً عربياً يجوز سواحل البحرين، كما ذكر ذلك (الياقوت) فيما بعد عند حديثه حول مصب نهر دجلة، وعند وصولها إلى جزيرة (ديلمون) أو (فيلكه) الحالية أو (إيغاروس) حسب التسمية اليونانية، كانت تصل إلى جزيرة (تاروت وساحر) خط (هغر) وجزيرة البحرين الحالية، ومن هناك تطوي الطريق الجنوبي للخليج الفارسي الذي كان صعباً جداً من حيث الماء والجو، وحتى تصل إلى (ماجان) البابلية أو (ماكا) الهخامنشية، و(مزون) الساسانية. وكانت منطقة معمورة ونهاية الخط البحري التجارية بين (جلغة سند) وسواحل الخليج الفارسي. هذه الحركة البحرية بين (جلغة بين النهرين) و(عُمان) و(سند) كانت تتم عبر طريق يعد الأكثر عمراناً في السواحل المجاورة لأرض البحرين.
سواحل البحرين أو موانىء الخط وجزر الديلمون أو الأيغاروس والأوال كانت تشكل المنطقة الأكثر استفادة من هذه العلاقات التجارية البحرية أكثر من سائر النقاط الساحلية في الخليج الفارسي، وكانت محط اهتمام البحارة والتجار.
الطريق البحرية بين الكارون والسند
السواحل الشمالية للخليج الفارسي تقع مباشرة عند تقاطع الطرق البحرية بين مصب كارون ودجلة ونهر السند، ولها وضع مشابه لموقع الطرق الغربية والجنوبية، لكن ارتباط ميناء (غرا) أو (جرها) عند ساحل البحرين مع سواحل البحر الأبيض المتوسط والجزيرة العربية عبر الطريق الصحراوية، جعل القسم الغربي من ساحل الخليج أو البحرين يرتبط بالتجارة الدولية أكثر من سواحل فارس وخوزستان. ذلك لأن (ريشهر) و(شيراز) ترتبط بداخل إيران فقط وعبر طرق جبلية وعرة. في حين أن (جرها) أو (غرا) تربط تجارة الخليج الفارسي بموانىء البحر الأبيض المتوسط.
هذا الوضع العمراني لأرض البحرين كان في زمان لم تطأ فيه بعد أقدام العنصر الآري والسامي سواحل بحر فارس، وكان السومريون والعيلاميون يرتبطون بدراويد هضبة السند وسود الماجان.
ويمكن الاستنباط من القرائن أن عمران السواحل الشمالية للخليج يرتبط بنشاط العيلاميين، وأن رونق السواحل والجزر الغربية والجنوبية للخليج يرتبط بنشاط السومريين. وأن مصب كارون ودجلة هما نهاية خط سير المجموعة الأولى، فيما أن مصب الفرات هو نهاية خط سير المجموعة الثانية.
إيغاروس هي الفيلكه وليست خارك
حتى السنين الأخيرة سعى الكتّاب الأوروبيون إلى إثبات أن جزيرة (خارك) أو (خرج) هي جزيرة (إيغاروس) اليونانية، وجزيرة البحرين هي جزيرة (ديلمون) البابلية. لكن الحفر والتنقيب الذي جرى قبل ثلاثة أعوام في جزيرة (فيلكه عند فتحة خور الكويت أظهرت آثار قيمة للباحثين، من بينها حجر يحمل كتابة يونانية (إيغاروس) وبعض الكتابات المسمارية، كلها تدل أن جزيرة (فيلكة) هي جزيرة (إيغاروس) اليونانية و(ديلمون) السومرية، وتثبت أن الخط البحري الذي كان يربط بين (عمان) و(بين النهرين) كان يمر بالجوار من أرض البحرين، وأن عمران هذه المنطقة كان مرتبطاً بمستوى النشاط الاقتصادي لكل عصر.
هذه الأسفار المنسوبة للملوك الآشوريين والسلوكيين في الخليج الفارسي لا شك أنها كانت تعود إلى مرورهم على امتداد الطريق البحرية قرب البحرين، وكان الطريق الشمالي للخليج خارج إطار نفوذهم.
العنصر المحلي للخليج الفارسي
الأهالي الذين كانوا يقطنون سواحل الخليج الفارسي وخاصة عند السواحل البحرينية كانوا خليط من العنصر المحلي للخليج الفارسي والتجار السومريين والعيلاميين والدراويديين ومن بعدهم الفرس، وقد تخالطوا فيما بينهم حتى شكلوا عنصراً خاصاً.
البحث حول العنصر القديم للخليج الفارسي لا يزال غير ميسور لقلة الوثائق والأدلة المكتشفة، لكن يمكن القول أن العنصرين الإيراني والعربي هما أحدث العناصر التي وصلت إلى سواحل هذا البحر، كما إن تاريخ وصول الآريين إلى هذه المنطقة يسبق وصول العرب إليها بألف عام تقريباً.
وما ورد سابقاً في الوثائق اليونانية حول هجرة الفينيقيين من أرض البحرين إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط لم تؤيد الاكتشافات التاريخية والبحث في أوضاع هذه المنطقة وأحوالها.
كما إن وجود أسماء مشتركة محلية بين مناطق في البحرين وفينيقيا لا يعدّ دليلاً كافياً على أن الفينيقيين قاموا بعد هجرتهم من البحرين إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط بتسمية الأماكن الجديدة باسم أماكنهم القديمة مثل (ديتروس) و(ناروت) و(عرادياارد) بل يمكن القبول أكثر برواية أن هذه الأسماء قد أطلقها الفينيقيون على مناطقهم بسبب الارتباط التجاري الفينيقي والسوري عبر الصحراء مع (جرها) وسائر أماكن أرض البحرين، كما فعل اليونانيون عندما استبدلوا اسم جزيرة (ديلمون) التاريخية الأثرية إلى (إيغاروس) وهو اسم جزيرة يونانية عند بحر إيجة (أغيا) وأطلقوا إيم (ارتمير) على المعبد القديم هناك.
علاقة السومريين والعيلاميين بالعرب
علاوة على هذا فإنّ البحث في أنّ السومريين والعيلاميين إضافة إلى الأكديين والفينيقيين يلحقون بالعنصر العربي رغم جميع المشاكل العلمية التي ترافق هذا الادعاء، فإنه كما لو ادعينا بأنّ التوتونيين من شمال أوروبا والسابينيين الإيطاليين والبنغاليين في هضاب الغنغ والسليتين في غرب أوروبا كانوا من العنصر الإيراني بسبب بعض العلائق الجغرافية واللغوية.
إنّ الشعوب التي كانت تعيش عند سواحل الخليج الفارسي قبل مجيء الآريين كانت شعوب نشطة تزاول الإبحار والتجارة بهدوء، مبتعدين عن المنازعات والمواجهات التي كانت من خصائص سكان الصحارى والبدو الرحل.
وكان عملهم في التجارة البحرية ذو رونق، والتبادل في بضائع جنوب آسيا مع بضائع غرب آسيا وسواحل البحر الأبيض المتوسط كان يعود عليهم بالثروة والقدرة الاقتصادية إلى حد وإن كنّا اليوم لا نعرف شيئاً عن حياتهم المرفهة لكن المقابر الفاخرة الصخرية لأمواتهم تدل على مستوى وضعهم الاقتصادي.
القبور الأثرية في البحرين
جزيرة البحرين أو (أوال) وهي أقرب جزر الخليج الفارسي إلى أرض البحرين توجد فيها غرب رفاع والمراقيب أعداد كبيرة من قبور فخمة يصل عددها إلى عدة آلاف، ولم تستطع الحوادث أن تمحو أثرها. وقد ظهرت هذه المقابر في أرض البحرين خلال تنقيب شركة (أرامكو) عن النفط ومدّ أنابيبه ووضع أساسات المباني، وهي على هيئة تلال كتلال مراقيب، وقد ملئت بمقابر صخرية.
الحاج عبدالله الفليبي الإنجليزي اعتبر أن وجود هذه القبور عند ساحل أرض البحرين يدل على أن أصحابها قد أتوا من وسط جزيرة العرب. لكنه تناسى بذلك أن هجرة العرب كانت تتم من جنوب الجزيرة إلى شمالها وعلى شكل هجوم بدوي. وقد يصدق هذا الظن إذا ما وجدنا نظير تلك المقابر في (نجد) و(الحجاز) و(اليمن) و(حضرموت). في حين أن وجود نظير لها في (خارك) و(ريشهر) و(سيراف) وبعض النقاط الأخرى في شمال الخليج الفارسي، يدل على وجود علاقة وثيقة بين سكان سواحل الخليج الفارسي وجزره في الشمال والغرب والجنوب، ووجود مدينة تجمعهم.
سجايا أهالي الخليج الفارسي
أساساً كان هناك اختلاف كبير جداً بين روحية السكان الأصليين لأرض البحرين ووضعهم المعيشي ومستوى تمدنهم مع الأقوام التي عاصرتهم ثم تغلبت عليهم، حيث كانوا بعيدين عن صفات العدوانية والمواجهة. فعندما جاء (أنتيوغوس الثالث) ليحتل مدينة (غرا) كان جواب أهلها يدل على روح المسالمة لدى السكان الأصليين للبحرين. حيث طلب أهلها من (أنتيوغوس) أن لا يحرمهم من موهبتين إلهيتين هما: الأمان والحرية. وهما أكبر نعمتين إلهيتين منحهما للبشر.
البحرين في العهد الهخامنشي
استولت الحكومة الهخامنشية على السواحل الشمالية للخليج الفارسي بعد أن هزمت العيلاميين، ثم استولت على السواحل الغربية والجنوبية، وأخرجت البابليين من هناك، بل وحتى الفينيقيين على احتمال. وبعد سقوط حكومة فارس ومجيء اليونانيين كان طريق الخليج الفارسي هو الرابط بين جنوب آسيا والبحر الأبيض المتوسط، واكتسبت البحرين في هذه الفترة أهمية قصوى، وقد دونت آثار العمران والتقدم الذي شهدته في الكتب اليونانية، كما إن الآثار الهلنية ما زالت موجودة تحت التراب.
وقد عكست كتب الآريين وغيرهم اهتمام الإسكندر واستخدامه لطريق الخليج الفارسي في الشؤون التجارية. وقبل عدة سنوات قامت لجنة آثار دنماركية بالبحث في جزيرة فيلكة عند مدخل خور الكويت فعثرت على الأثار اليونانية التي تعود إلى عصر الإسكندر، ووجدت صخرة (إيغاروس) المعروفة، وهي الآن في متحف الكويت، فعلم بذلك أن جزيرة (فيلكة) الحالية هي جزيرة (إيغاروس) وهي القاعدة البحرية اليونانية التي كانت عند الخليج الفارسي، وأن هذا الاسم قد أطلق علي الجزيرة بأمر من الإسكندر نفسه، ليخلّد بذلك جزيرة (إيغاروس) في بحر إيجة، ويذكر بحارته اليونان بها. كما أن قالب تمثال رأس الإسكندر الذي وجد في الجزيرة يثبت تعلق الجزيرة باسم الإسكندر.
البحرين الإشكانية
خلال العهد الإشكاني بلغت اعتداءات السود الزنوج في سواحل الخليج الفراسي حداً دفع بالحكومة الإشكانية إلى إرسال جيوشها إلى (مزون) أو (عمان) ففتحت (الحبشة) مركز السود في الجبال الشرقية لجزيرة العرب، وانسحب السود إلى سواحل اليمن وحضرموت ومضيق باب المندب، ومن هناك إلى أفريقيا.
اهتمام العرب بسواحل الخليج الفارسي وعمان
تشير القرائن أن العرب توجهوا نحو الخليج الفارسي من طريقين: الأول من جهة سواحل حضرموت والشجر ووقعت المواجهة بينهم وبين طلائع المهاجرين الإيرانيين، والجهة الأخرى من اليمن واليمامة إلى الصحاري الغربية لأرض البحرين ومن الجنوب باتجاه الشمال بموازاة مجرى نهر الفرات، حيث توغلوا في البادية.
وما يستنبط من الروايات القديمة للتواريخ العربية أيضاً لا يختلف كثيراً عن هذه الرواية، ويتضح أن العرب قد توجهوا من صحارى عمان والبحرين نحو الخط الساحلي خلال عهد (أردشير الساساني) واختلطوا مع السكان الأصليين.
اختلاف العرب مع السكان الأصليين للخليج الفارسي
لكن من هم السكان الأصليون، ومع أي القوميات كان لهم ارتباط أوثق، وما هي حضارتهم؟ لا بد من انتظار تقدم البحوث الأثرية في سواحل وجزر الخليج الفارسي، لنرى نتيجة البحث حول السكان الأصليين لبعض الجزر والشحوح في شمال عمان التي ما تزال داخل حاويات صخرية، والذين بقوا متخلفين عن الحضارة رغم بياض الوجه واتضاح لون العين، واللهجة الخاصة التي كانت لديهم، ومعرفة تاريخ انتقال اللغة الفارسية إلى كمزار سحار أو صحار وظفار.
شيهو
للأسف فإننا اليوم لا نعرف عن ماهية وجود الجاشوات القديمة التي كانت تحمل اسم (جاشك) وحول (جاسك) عند حدود الخليج الفارسي، إلاّ من خلال ما ورد في بعض المصادر القديمة على شكل أسطوري، وما يمكن قوله هو أنه عند بداية القرن السابع الهجري كان هناك اختلاف حول أصل وقومية أولئك، فاعتبر البعض أنهم من أصل ديلمي ومن قومية الشبانكاره. فيما اعتبر آخرون أنهم نتيجة امتزاج وتزاوج بين البيض والسود.
على أي حال يمكن الاستنباط من شحوح أو شيهويات عمان الحالية والجاشوات السابقة في جزيرة كيش القديمة و(سياهجي) التي ذكرت في كتب التاريخ والسير القديمة كسكان سواحل الخليج، يستنبط أن هناك قومية محلية كانت موجودة إلى جانب النبط والعرب واليونانيين واليهود والغات والزنوج والخوزيين والكيلانيين والديلم الذين كانوا يقطنون الهجر والخط والصفا والمشقّر، وقد أضحت القومية الأصلية نواة لقومية ساحلية تنتشر اليوم من الخليج الفارسي إلى رأس أميد في سواحل وجزر غرب المحيط الهندي وسواحل والجزر الجنوبية والشرقية للجزيرة العربية وبعض النقاط الداخلية.
وكما قد أظهرت الحفريات الجديدة أن جزيرة (إيغاروس) ليست جزيرة (خارك) وأن (الديلمون) هي (الفيلكة) الحالية وليست البحرين، فليس مستبعداً أن تظهر شواهد في المستقبل تثبت أن (الديلوس) أو (التيروس) اليونانية ليس لها علاقة بجزيرة البحرين أيضاً، وأن المقابر الأثرية الموجودة في أرض البحرين وجزيرة البحرين وخارك تعود إلى تلك القومية الأصلية التي لا علاقة لها بالقومية العربية ولا بالساميين. وعلى فرض أن أحفاد تلك القومية موجودون اليوم في سواحل وجزر الخليج الفارسي ويتكلمون اللغة العربية، لكن التاريخ يشهد أنهم لم ينالوا من نسبهم العربي سهماً وافراً.
ابن مقرب وعرب أرض البحرين
ابن مقرب هو شاعر إحسائي قديم عاصر (أتابك أبو بكر سعد الزنجي) وردت في ديوانه أبيات شعر يهجو فيها مواطنيه في الإحساء والقطيف متعرضاً لأنسابهم، وأورد شارح الديوان نفس التوضيحات التي أوردها الياقوت الحموي حول العمال الذين بنوا قلعة (مشقّر) فيقول إن الملوك الساسانيين عندما أرادوا بناء قلعتي الصفا والمشقّر اللتين شكلتا نقطة حدودية وسوقاً مشتركاً للتعامل بين ساحل البحرين وأرضها، استقدموا عمالاً من إيران، ولما طال بقاءهم في تلك الأرض وشكلوا الوحدة، فأرسلوا لهم نساءاً لتلد لهم أبناءاً بقوا في تلك الأرض، وتكلموا العربية. إن وضعهم في أرض البحرين تماماً كوضع الديلميين الذين رافقوا (وهرز) الديلمي إلى (اليمن) لكن الفرق هو أن الديالمة الذين استقروا في اليمن سمح لهم بالزواج من اليمنيات، فولدن لهم ما سمّي فيما بعد بأبناء الأحرار أو أبناء اليمن. في حين أن عمال البناء في البحرين تزوجوا من نسوة قدمن من (غيلان وخوزستان وفارس) وجاء نسلهم الجديد. لكن كلا النسلين كانا متشابهين من حيث النطق بالعربية.
ويضيف شارح ديوان ابن المقرب أن هذا النسل الجديد الناطق بالعربية أو المستعرب الذي بقي في أرض البحرين، قد تمكن اقتصادياً بعد ظهور الإسلام ومحو التعصب الجاهلي، حتى أصبح طائفة عربية ينسب نفسه إلى القبائل العربية.
سكان أرض البحرين
في عصر الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم
عندما أرسل الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلم علاء الحضرمي لدعوة أهالي البحرين إلى الإسلام كان معظم أهالي البحرين وعمان من المجوس وأتباع العقيدة الزرادشتية، وطلب الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم من أبو العلاء أن يعاملهم كأهل كتاب، ولهم البقاء على دينهم إذا دفعوا الجزية. ومن بين الأسماء التي ترددت حينها (المنذر بن ساوي) حاكم البحرين و(السيبخت) الذي ورد اسمه كحاكم للبحرين أيضاً مما جعل البعض يظن أنهما شخص واحد. كما حصل التوهم نفسه حول (الإسبذي) الذي أعاده البعض إلى (أسبيذ) لغة وإلى (الأسبنذية) زماناً، وأن بعض الأهالي الأصليين للخليج الفارسي كانوا يعتنقون الأسبذية أو عبادة الخيل كما هو الحال في العقيدتين الهندوسية والدراويدية.
وقد قامت عدة انتفاضات من البحرين ضد الخلفاء واجتمع فيها معارضو الخلافتين الأموية والعباسية، وحل فيها مزيج قومي، حتى أضحت البحرين مقراً للمعارضين المسلمين من جنوب آسيا وغربها.
حصة الفرس والزنوج في انتفاضات البحرين
كان للفرس والزنوج الدور الأساس في هذه الانتفاضات، ورغم أن قادة هذه الانتفاضات كانوا من الناطقين بالعربية، لكن أتباعهم كانوا يعيشون حالة شعوبية، كما هو الحال مع خوارج عمان وقطر الذين كانوا يرفضون تولي قريش وحجازيين لإمامة المسلمين. فالعلوي صاحب الزنج رغم ادعائه بالنسب الهاشمي مما اعتبره البعض ناقضاً لامتيازاته وحدوده المكتسبة، وكان أقارب الخلفاء في أرض البحرين وجنوب ما بين النهرين يدعون الرياسة لهم، لكن هذا التفاعل بين الأهالي وأي حركة وانتفاضة ضد دمشق وبغداد، والمقاومة المستميتة تدل على شخصية أهالي الخليج الفارسي وامتيازهم الروحي في مواجهة القبائل القادمة عليهم والنفوذ المادي والمعنوي للخلفاء.
اختلاف اتجاه انتفاضات الخليج الفارسي
قد نقول أن روح التمرد والعصيان هي بقايا انتفاضات طوائف عبد قيس وبني تميم والأياد التي كانت تدفع الملوك الساسانيين لقمع المعارضين. لكن علينا أن لا ننسى أن هذا النوع من الانتفاضات كان يختلف بشدة عن التحركات التي لم تتعدى النظرة المادية والاقتصادية. فعندما قام أردشير الساساني) بمواجهة حملات العرب ضد سواحل عمان والبحرين، وقام بتغيير أماكن تواجدهم، لم تقع أية حادثة تذكر بعد ذلك حتى عهد طفولة (شاهبور). أما (شاهبور الثاني) فكان تحركه موجهاً نحو الشمال في ناحية السواد وعشائر (أياد) وقصة محاصرة (الحصُر) واعتقال (خيزن) التي وقعت في محل آخر قد ألحقوها خطأ بالجنوب وعمموها على (تميم) و(عبد قيس). لكن منذ عهد شاهبور حتى ظهور الإسلام لم تكن هناك أية حركة لعرب إيران ضد حكومة إيران. أما عرب (الحيرة) فكانوا يبدون أفضل التعاون مع حكومة إيران المركزية، أما (المناذرة) في الحيرة فقد كانوا ملوك عرب البادية، وكانوا حماة حدود السواد وأرض البحرين في مواجهة البدو الرحل.
إذاً فروح الانتفاضات التي جرت في العقود الهجرية الأولى وحتى الرابع كانت تعبيراً عن الآمال القلبية والعقد الروحية الخفية لشعب أراد أن يحرك سفنه بحراً بحرية، وأن يستخرج رزقه من البحر دون منّة من الغير، ويمارس حريته واستقراره كما كان آبائه.
قبيلة (ربيعة) إحدى أكبر القبائل الحدودية في بلاد ما بين النهرين، كانت تستقر على ساحل الفرات وتسمَّى بربيعة الفرس، لأنها كانت على تعاون مع حكومة فارس بإيران، وكان زعيمها يقيم في المدائن، وما تزال قبائل منتسبة إلى (ربيعة) تعيش في بادية الشام والعراق تحت رئاسة آل فضل وآل مهنّا وآل عيسى، ويتصل نسبهم بخالد البرمكي البلخي.
البحرين ضد الأمويين
فشل الخلفاء الأمويون والعباسيون في تحطيم روح المقاومة لدى أهالي أرض البحرين، فأصدر هشام بن عبدالملك الأموي أمراً بردم عيون ماء الشرب لجزيرة أورال بالحجاز والكلس لأنها كانت الملجأ البحري للخوارج، وسدّت لوأد روح المقاومة لدى البحرينيين، لكن عين روح معارضتهم تصاعدت، وبقوا يترصدون الوقت المناسب للانتفاضة والتحرك.
البحرين ضد العباسيين
انتفاضة الزنوج التي شارك فيها مليون إنسان من العبيد والفلاحين في جنوب بلاد ما بين النهرين وخوزستان شكلت أكبر نهضة زراعية ضد مالكي الأراضي، وحركت روح التمرد في البحرين. وقامت الخلافة العباسية ومؤيدوها في إيران وفي بلاد ما بين النهرين بقمع هذه الانتفاضة طوال (15) عاماً بشدة ودون رحمة، وأبعدوها عن سواحل دجلة والفرات وكارون. لكنها تركت غضباً ورفضاً لأجهزة الخلافة في البحرين، إلى أن قام (أبو سعيد) وأهل (غناوة) دفاعاً عن مذهب الإسماعيلية، واتخذ من مدينة (هجر) القديمة مركزاً لنشاطه، وغير اسمها إلى الإحساء والقطيف، فاجتمع حوله الساخطون على الخلافة، واستفاد بدوره من وجود القبائل العربية اليمنية التي تتبع العقيدة الإسماعيلية، فأشعل انتفاضة في أرض البحرين استمرت مدة (150) عاماً، وقدم مشروع حكومة ومجتمع جديد كان مشروعه فريداً من نوعه.
الحكومة الاجتماعية لأبو سعيد في أرض البحرين
الذين خلفوا (أبو سعيد) واتبعوا أفكاره وصل بهم الحد في المبالغة أن تجاوزوا حدود الأدب، وامتدت أيديهم لتطال بيت الله والحجر الأسود، فنقلوا الحجر الأسود إلى الإحساء، وأرادوا أن يبنوا هناك كعبة للمسلمين. لكن ما أن خبت حركتهم التمردية، وأدركوا أنهم خسروا دعم إمام الإسماعيلية أيضاً، حتى اضطروا إلى إعادة الحجر الأسود إلى الكعبة، وأقلعوا عن مهاجمة قوافل الحجاج وإيذاء المسلمين، وانكفأوا إلى تدعيم مواقعهم في أرض البحرين والخليج الفارسي.
خلال ذلك استولى الديالمة على بغداد، وسيطروا على الخليفة، ولم يواجهوا الحكومة الإسماعيلية في البحرين، وصرفوا النظر عن إرسال الجيوش إلى عمان عبر البحرين، وتركوا المجال أمام حكومة أبو سعيد أن تبني أسسها لحياة اجتماعية جديدة في البحرين.
في عام أربعمائة وثلاثين وبضع سنين كان (ناصر خسرو) عائداً من الحج، فمرّ من (الإحساء) فأثنى على وضع الحكومة البوسعيدية في البحرين، وبدا أن مؤسسي هذا القسم من الحكومة لم يكونوا يستلهمون من مصادر الإمامة الإسماعيلية واجتهاد الخليفة الفاطمي فقط، بل إنهم كإخوان الصفا في البصرة كانوا ينظرون إلى مباني الحكمة الاجتماعية اليونانية، وكان لحكومتهم تلك درجتين مشتركتين استخرجتا من الأفكار اليونانية.
ما يزال الوقت مبكراً جداً لنصدر حكمنا بشكل كامل حول حكومة البوسعيدية في البحرين، أو بعبارة أخرى حكومة القرامطة من أسرة أبو سعيد، ذلك لأنّ معظم ما هو موجود لدينا حولها مأخوذ من مصادر مختلفة دونها مخالفوا الإسماعيلية، ولم يتورعوا عن كيل الشتائم لهم. والعجيب أن نوع الحكومة الاجتماعية في أرض البحرين لم يكن أمراً خالياً من الغرابة والأهمية في نظر (ناصر خسرو) الذي كان من الدعاة لمذهب الإسماعيلية، فهو يعتبرها أمراً نادراً وبديعاً.
روح السماحة والحيادية في الحكومة البوسعيدية
بلغت قدرة النفوذ والرسوخ الفكري لخلفاء أبو سعيد لدى أهالي البحرين حداً لم يعودوا يخشون معه نشاط العناصر المخالفة لهم وترددها بين داخل وخارج منطقة نفوذهم، وكانوا يسمحون لكل من يريد بناء مسجد للعبادة أن يبني حتى لو كان من غير مذهبهم، كما تحدث ناصر خسرو عن مسجد بني حديثاً في الإحساء. وفي ذلك الوقت كان في جزيرة البحرين أو (الأوال) أبو البهلول عوام بن محمد بن يوسف الزجاج الذي كان يتصدى للجمارك في الجزيرة، وكانت تعرف أصالته من اتخاذه لقباً مهنياً بدل نسبه العربي، قام بالتعاون مع أخويه جعفر ومسلم بأخذ الإجازة من حاكم الجزيرة لبناء مسجد جديد لإصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور للجزيرة بسبب تغيير خط سير حجاج خراسان والعراق وفارس من البحرين واليمامة إلى طرق أخرى، مما أوجد أزمة اقتصادية وشحة في الموارد.
أبو البهلول وأخوته والتمهيد للمواجهة
أراد أبو البهلول من بناء المسجد وكسب الإجازة لإقامة صلاة الجمعة فيه أن يجرّ الحجاج إلى الجزيرة، لترتفع بذلك عائدات الجمارك من تردد الحجاج والتجار. فأخذ حاكم الجزيرة الإجازة من أولياء الأمور في الإحساء، وبنى المسجد، وعندما تم بناؤه وأرادوا إقامة أول صلاة جمعة فيه، ارتقى (أبو الوليد مسلم) أخو (أبو البهلول) المنير وخطب الجمعة بلغة محببة وبيان لطيف ذاكراً اسم القائم بأمر الله الخليفة العباسي.
اعتبر البحارنة أنّ فعله ذاك دسيسة، وطالبوا بمنعه من تكرار ذلك، لكن أولياء الأمور في الإحساء طلبوا عدم التعرض له، وتركه وقومه ليعملوا طبق مذهبهم.
صلح أبو البهلول مع آل سعيد
بعد فتنة البساسيري في بغداد وإسقاطه لاسم الخليفة من الخطبة، وإنشاء الخطبة باسم الخليفة الفاطمي المصري، مال أبو البهلول وأخويه نحو الفاطميين، وصالحوا مجلس السيدة البوسعيدية، واستخدموا لطائف الحيل وسلسلة من الحوادث والدسائس تمكنوا فيها تدريجياً من إخراج زعامة الجزيرة من يد مجلس السادة في الإحساء. وعيّن أبو البهلول أخوه مسلم للوزارة، وربطه ببلاط الخلافة العباسية لأخذ المساعدات منه.
حركة المعارضين في القطيف والإحساء
برزت للقرامطة في أرض البحرين أوضاع مشابهة لوضع البحرين الجديد، فالقبائل العربية التي كانت تؤيدهم بدأت تعارضهم، ومنعتهم من إرسال الجيوش إلى الخارج، إلى أن استولى (يحيى بن عياش) على القطيف، وحاول أخذ جزيرة البحرين أيضاً.
وبعد عدة محاولات استطاع ابنه (زكريا) أن يأخذ الجزيرة من ابن أبو البهلول ويلحقها بالقطيف. رغم أن حكومة السادة البوسعيديين كانت قائمة في الإحساء، إلى أن استولى السلجوقيون على بلاد ما بين النهرين وخوزستان وفارس وكرمان، وبدأت مقارعة أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة بدعم من أهل العامة.
استغاثة عبدالله العيوني بالسلاجقة
عبدالله العيوني من أهالي العشرة عيون في الإحساء، عاش خلال فترة ضعف حكومة القرامطة، فشكل قوة وجمع حوله البعض، وكان الملك السلجوقي العدو اللدود للإسماعيليين، فأرسل له العيوني رسالة يطلب منه العون للقضاء على حكومة القرامطة في أرض البحرين، فأرسل له أحد قادته (أكسك) على رأس ستة آلاف مقاتل، فوصلوا إلى الإحساء، وقاتلوا تحت إمرة عبدالله العيوني حتى استطاع أخذ (القطيف) من (زكريا بن يحيى العياش) وهرب الأخير إلى جزيرة (أوال) ليعود فيشن هجومه على الإحساء ويحاصرها. فأبدى المحاصرون مقاومة شديدة، حتى حل فصل الصيف والحر، ولم يعد الجو مساعداً لبقاء جند إيران، فقام القائد العسكري بإبقاء أخيه مع مائتي مقاتل ليدعموا عبدالله العيوني للإبقاء على الحصار في الإحساء، وعاد هو إلى بغداد فطلب العون من الخليفة لإكمال المحاصرة، فأحضر ما يلزم، واستجاز الخليفة، وعاد إلى البصرة. فوصلته رسالة من أخيه (بغوش) يبشره فيها باحتلاله الإحساء، وأن معركة شديدة وقعت بينه وعبدالله وبين المحاصرين انتهت باستسلام المحاصرين.
ضم أرض البحرين إلى الدولة السلجوقية
بعد انفصال أرض البحرين عن الحكومة العباسية مدة (150) عاماً ضمت إلى الدولة العباسية ثانية أو الأجدر قوله أنها ضمت إلى حكومة إيران السلجوقية إثر التدخل العسكري السلجوقي. لكنها هذه المرة كما حصل في العهد الساساني خضعت أرض البحرين وعمان وجزر الخليج الفارسي وخوزستان وفارس وكرمان إلى حكومة (قاورد) السلجوقي، وبقيت السيادة على البحرين وعمان بيد الحكام السلجوقيين في (كرمان).
أرض البحرين في حكومة العيوني
لم يكن نسب العيونيون قبل تسلطهم على الإحساء معروفاً من أي قبيلة من القبائل المعروفة مثل: بني سليم وبني عقيل وبني ثعلب وبني عامر. وانتسابهم إلى قرية (العيون) يدل على ضياع نسبهم السابق. لكنهم استطاعوا بدعم من الحكومة السلجوقية أن يوحدوا الإحساء والقطيف والأوال بعد عدة مواجهات، مستعيدين بذلك وحدة أرض البحرين لكن تحت سيادة الحكومة السلجوقية في كرمان، لكن يبدو أن الوزراء وموظفوا جمع الخراج كانوا يعيّنون من قبل السلاجقة كما هو الحال مع (محمد حفيد عبدالله العيوني) الذي حكم أرض البحرين لمدة (18) عاماً كان وزيره (حاجي علي بن فارس) من أهالي (كازرون) الفارسية. إلى أن تولت أسرة (بني قيصر) الحكم في جزيرة كيش، وحاولوا الاستيلاء على السيادة البحرية للخليج الفارسي في الجزر والسواحل الشمالية والجنوبية والغربية وبحر عمان. فقاموا بإضعاف نفوذ حكام كرمان وفارس بشكل تدريجي، ومنعوهم من التدخل في شؤون الخليج الفارسي وبحر عمان، وأرادوا ضم أرض البحرين إلى منطقة نفوذهم.
الحرب من أجل ضم البحرين
بدأ هذا الصراع في النصف الثاني من القرن السادس، وكان العيونيون قد ألحقوا الإحساء حديثاً ببلاط الخلافة في بغداد، وأضحوا حماة طريق الحج نيابة عن الخلفاء، في بداية الأمر لم يسلّموا بأن لملوك جزيرة كيش حقاً قديماً في البحرين وأنها تعود إلى حكام فارس وكرمان، لكنهم بعد عدة مواجهات وتردّد ملوك كيش إلى جزيرة أوال، إلى أن وقع الأمير فضل بن محمد العيوني عام (606) هجري عهداً يعترف فيه أن حق السيادة يعود إلى (غياث الدين شاه) حاكم كيش، وبعد نصف قرن من التجاذب على أرض البحرين بين أسرة العيوني وأمراء بني ماجد في الإحساء، عادت إلى مجموعة الممالك المحروسة لإيران بعد إقرارهم بالطاعة لحكام كيش.
في هذا العهد أقسم (عماد الدين أبو سلطان الفضل بن أحمد بن محمد بن فضل بن عبدالله بن علي العيوني) أقسم بالله وبالقرآن وبالرسول وتعهد أن لا يقيم أية علاقة لا كتابة ولا مخاطبة ولا مراسلة مع ملك كرمان وحاكم فارس وأمير البصرة، وحسب العرف أن لا يخطب خطبة في جزيرة البحرين إلا باسم ملك كيش، وأن يقدم اسم ملك كيش على اسمه في القطيف التي كانت مركز حكومة الفضل، وأن تضرب الطبول الملكية في (أوال) و(القطيف) خمس مرات باسم ملك كيش، وأن يجعلوا الأفضلية في شراء الخيول العربية لمندوبي ملك كيش، وأن يعود مندوبو ملك كيش لاستلام خراج (أوال) كما في السابق، وهي عبارة عن نصف خراج التمور وناتج غوص اللؤلؤ وصيد السمك في الأوال والقطيف.
مدلول عهد ملك كيش والأمير العيوني
تذكر في هذه المعاهدة عدة أمور بصراحة، ومنها أنّ أوال (جزيرة البحرين) وسماهيج (محرّق) وجزيرة آكل وجزيرة الطيور والقطيف وجزيرة تاروت تعدّ من الأملاك الخاصة لملك كيش، وأنّ العيوني يتعهد في سائر موارد الخراج بدفع أكثر من نصف الخراج السنوي إلى ممثلي ملك كيش.
وفي مقابل هذه التعهدات فإنّ (غياث الدين شاه) يقسم مؤكداً للأمير فضل العيوني ويطمئنه أنه لن يستقبل أعداء الفضل ومعارضيه ما دام ملتزماً بعهده، ولن يحاربه ولن يناله ولا أقاربه وأعوانه وأتباعه بسوء، وأنه لن يتعامل مع أمير الإحساء محمد بن ماجد وعلي بن ماجد والأمراء الآخرين تعاملاً يلحق الضرر بالفضل.
وقد شملت المعاهدة تفاصيل المواد والصلح والتعامل بين الطرفين، وتمت الإشارة دوماً إلى ما كان عليه الأمر سابقاً، للإشارة إلى أنها ليست بالأمر المستحدث، بل إنها إحياء لعادات سابقة. ويفهم من ذلك أنه في عهد السلاجقة بكرمان أيضاً وفي عهد الملوك القدامى لجزيرة هرموز وقبل ذلك أيضاً كان حكام أرض البحرين كانوا يقرون بالسيادة لدولة إيران ويدفعون سهما من الخراج إليهم.
شاهد عيان على تنفيذ المعاهدة في عام 624 هجري
في عام (624) هجري أي (18) عاماً بعد توقيع هذه المعاهدة كان (ابن مجاور البغدادي) ماراً من جزيرة كيش والبحرين، وشاهد تنفيذ مواد هذه المعاهدة، حيث يقول:
«توجد في البحرين سفن ترفع الراية لملك كيش، وتدق الطبول باسمه خمس مرات في أوال، ويقدم أصحاب الأراضي في البحرين عشرين ألف ليرة ذهبية سنوياً».
ويضيف: «يقال لجزيرة البحرين جزيرة أوال، وفيها 360 قرية، وأهلها جميعاً من أتباع المذهب الشيعي الإمامي الاثنا عشري، سواى قرية واحدة. طعام أهلها من التمور والأسماك، ويقال أن جزيرة الأوال تقع وسط خط صيد اللؤلؤ في البحرين 7 وليس هناك لؤلؤ أكثر نقاءاً من لؤلؤها ويحيط بها برّ عربي وآخر فارسي».
ويؤكد (ابن مجاور) أن ملوك كيش يتلقون من الأمير العيوني الخراج سنوياً وفق معاهدة وقعها (غياث الدين) وتعلن نوبة السلطنة في أرض البحرين والأوال باسم ملك كيش، حتى جاء (أتابك أبو بكر سعد الزنجي).
تغلب الأمير أبو المظفر الهرموزي على سلطان كيش
هاجم (سيف الدين أبو نصر) كيش بتجهيزاته البحرية بأمر من (أتابك أبو بكر) ودخل الجزيرة في 12 جمادى الأول عام 626 هجري، وقُتل خلال المواجهة الملك سلطان، وانقرضت بذلك حكومة بني قيصر بعد سيادتها على بحر فارس وعمان إلى سواحل الهند وزنجبار لمدة (120) عاماً. وكان (ابن مجاور) قد زار جزيرة كيش قبل ذلك بأربعة أعوام، وتحدث عن حكومة بني قيصر فقال: «إنَّ سلطتهم اسم دون جسم، ففي يوم الجمعة عندما بدأ الخطيب خطبته باسم السلطان وقال: سلطان الشرق والغرب، ملك الأرض… قام رجل وقال: بل سلطان الطاس والمنكاس…».
انتقال سيادة البحرين من كيش إلى هرموز
عندما فتح (سيف الدين كيش عيّن فوراً مندوبين عنه وأرسلهم إلى البحرين لجمع الخراج المقرر ليتسلمها حسب الأصول مع ملك كيش في عهد الفضل بن محمد. لكن سيف الدين امتنع عن تسليم كيش إلى مندوبي الأتابك أبو بكر بعد فتحها، وأخذ يقود بنفسه وحسب هواه، واستبعد على السفن وقاطع بحارتها. فاستعان أتابك ببحارة كيش واستخدم سفنهم التي وضعوها تحت أمره، وأرسل جيشاً من اللر والشول إلى جزيرة كيش بقيادة (صلاح الدين اللر) فأخرجوا (أبو المظفر) وأتباعه من هناك، واحتلوا جزيرة كيش وتوابعها.
عمال أتابك في البحرين
وأرسل أتابك كلاً من: شهاب الدين خسرو الكيشي، ونجيب الدين عثمان إلى جزيرة أوال كعامل ومشرف على الخراج، وليتسلموا الناتج السابق لملوك كيش باسم أتابك. وقد تم له ذلك، لكن أحد الأمراء العيونيين واسمه (محمد) كان حديث العهد بالإمارة، امتنع عن تنفيذ أمر أتابك، ومنع عماله عن أداء مهمتهم، وخلع الأمير منصور بن علي العيوني من مصبه لأنه أطاع أتابك وسلّم عماله الخراج. وبقي بنفسه على حكومة القطيف والأوال مدة خمسة أعوام وخمسة أشهر، إلى أن استطاعت جيوش أتابك التغلب عليه عام (633) بعد عدة معارك كر وفر، واحتلوا جزيرة أوال وقتلوه.
احتلال أبو بكر سعد الزنجي لأرض البحرين
في عام 641 تحرك جيش أتابك من جزيرة البحرين إلى أرض البحرين، ففتحوا بداية (قلعة تاروت) التي كانت مبنية من الحجر الصم قرب القطيف، وأخذوا القطيف. وتفاهموا مع أمراء عرب البادية ومشايخهم ليضمنوا بذلك عدم تعرضهم للمدن والقرى الساحلية، وأغدقوا عليهم الأموال والهدايا. وفي عام 654 أوكل حكومة القطيف إلى (عصفور بن راشد عمير) وحكومة الإحساء إلى (مانع بن علي بن ماجد بن عمر) واستمر دفع الخراج إلى الأتابكيين حتى استيلاء المغول على بلاد فارس.
بني عصفور في البحرين
يعود نسب بني عصفور إلى بني عامر، وقد حكموا أرض البحرين باسم الأتابكيين في فارس. وبذلك انقطع الحكم عن العيونيين بعد أن حكموا لمدة تتجاوز (170) عاماً بمساعدة السلاجقة، بعد دفع البوسعيديين. وقد ترافقت حكومة بني عصفور مع تغييرات مهمة في العالم الإسلامي.
تغيير الوضع العام في الخليج الفارسي
تغلب المغول على الدولة الخوارزمية ثم على الدولة العباسية، والأتابكيين داروا المغول نصف قرن، ورغم ذلك انقرضوا على يد المغول، وامتدت سلطة المغول على طول الخط الساحلي للخليج الفارسي إلى عمق البحر، وظهرت آثار اعتداءاتهم في عمان والبحرين.
وخشي صاحب ميناء هرموز على نفسه من هجمات المغول، فنقل عرشه إلى جزيرة (جرون) في مضيق هرموز، وبنى هناك مدينة باسم هرموز تخليداً لذكره، واستطاع أن يرث بذلك القدرة البحرية لقادة هذه المنطقة السابقين، ثم وسع دائرة نفوذه لتشمل عمان وأرض البحرين، ثم لتصل إلى سواحل زنجبار.
الجرونيون ونفوذهم الجديد في الخليج الفارسي والمحيط الهندي
بعد سقوط بغداد وشيراز على يد المغول، وقف المماليك بوجه المغول فسعى بني عصفور في البحرين للارتباط بالمماليك، لكن حكومة جزيرة هرموز تمددت بسرعة وقوة وبسطت سلطتها البحرية حتى استطاعت خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين من بسط نفوذها لتحل محل سلطة ملوك كيش، وقد بلغت الأهمية البحرية لهرموز وجرون حداً جعلتهم يمسكون بزمام التجارة والإبحار من سواحل الموزامبيق إلى جزر الهند الشرقية قبل أن يصل الملاحون البرتغال.
الهجرة الفارسية إلى سواحل المحيط الهندي
خلال فترة النفوذ الواسع لسلاطين هرموز قامت مجاميع كبيرة من المهاجرين الفرس بالهجرة غرباً هرباً من تعديات المغول وأذنابهم، فتوجهوا نحو البحر حتى بلغوا نتوء الكاب وسومطرا، وما زال أحفاد المهاجرين الشيرازيين يعيشون في زنجبار وتانغانيكا وجزر القمر في سواحل الموزامبيق ومدغشقر والصومال، مستقرين في سواحل وجزر شرق أفريقيا.
الجراونة هم الهرمزيون
واستمرت إدارة أرض البحرين بيد حكام وأمراء محليين خاضعين لحكومة جرون أو الهرموز. واستعمال مصطلح الجراونة في بعض الكتب التاريخية للقرن التاسع أوجد شبهة لدى بعض المعاصرين حيث ظنوا أن بسط نفوذ الجراونة في البحرين يعود إلى سلالة من بني عامر، في حين أن المقصود من الجراونة حكام دولة هرموز، وكانت البحرين خاضعة لنفوذهم السياسي حتى وصول البرتغال، والجراونة هو عرف منسوب لجرون كالبحارنة المنسوبين للبحرين.
في أواخر القرن التاسع بلغت القدرة البحرية لجراونة جرون أو الهرموز أوجها، وكان بحاروها يبحرون من نتوء جنوب أفريقيا إلى سواحل اليابان. والبحارة من أمثال (ابن ماجد الجلفاري) أو الجرفالي القبطان والدليل البحري المعروف كان من مسؤولي تلك الحكومة. لكن حصل تحول في أرض البحرين حيث ضعف نظام حكم بني عصفور الخاضعين لحكم الجراونة، وكان آخر حاكم لهذه الأسرة تولى الحكم بولاية من الجراونة على أرض البحرين قد واجه تحركاً معارضاً بقيادة (سيف بن زامل بن حصين العامري العقيلي) فحاول الحاكم القضاء عليه، لكنه قتل خلال المواجهة، واستولى سيف المذكور على أرض البحرين، وتحولت حكومة بني عصفور الشيعية على الإحساء والقطيف.. إلى حكومة بني جبر المالكية المذهب (وسيف هذا كان له جد اسمه جبر، لذلك سميت أسرته بالجبريين أو بني جبر).
استغاثة صرغل شاه الهرموزي باجود الجبري
أخو سيف اسمه (أجود بن زامل) كان قد ولد في بادية مجاورة للبحرين، وتسلم السلطة بعد أخيه. في نفس الوقت توفي طورانشاه حاكم هرموز، ووقع النزاع بين أولاده وأولاد أخيه على السلطة من بعده، فاستنجد (صوغل بن طورانشاه) بأجود بن زامل العقيلي الجبري ضد أخيه، ووقع معه معاهدة يعترف فيها برسمية ولاية أجود على أرض البحرين وتوابعها، ويعتبره الوريث القانوني لبني عصفور.
فهبّ (أجود) لنصرة (صرغل) فاستولى على جرون أو هرموز، فمنحه صرغل عام 880 هجري حكومة جزيرة البحرين والقطيف، وأعطاه حرية التحرك الداخلي أكثر مما كان يسمح لإسلافه.
بني أجود في أرض البحرين
خلال حكومة أجود على أرض البحرين أقر المذهب المالكي في القضاء مكان المذهب الشيعي، واستقدم قضاة مالكيين من الخارج، وتوجه إلى الحج على رأس وفد قوامه ثلاثين ألف، ووزع أموالاً كثيرة على مجاوري الحرم، وتلقى متعصبو مصر والحجاز والشام غلبة عنصر العامة على التشيع في أرض البحرين بالبشرى والذكر الجميل.
عاش (أجود) حتى عام (912) هجري معاصراً الشاه إسماعيل، والتزم بوفائه لسلاطين هرموز ضمن المعاهدات الموقعة، وبعد وفاته وقع الصراع بين أبنائه، وتسلّم الحكم (المقرّن).
يجدر ذكره هنا أن حكومة عمان استقلت عن حكومة أرض البحرين في عهد العيونيين، واتصلت حكومة عمان بحكومة كرمان، في حين كان ارتباط العيونين مع كيش وهرموز أكثر من فارس.
عمان من عهد العيونيين فما بعد ذلك
خلال عهد (الخواجه رضي الدين قوام الملك أبو بكر الزوزني) ملك كرمان ومكران وفارس وقلهات وسائر النواحي التابعة لكرمان، خضعت عمان لحكومة الخواجه. وكان عماله ونوابه يجمعون الخراج منها مباشرة، ويأتون بالحرير من كرمان ويبيعونه في عمان، ويشترون بثمنه خيول يرسلونها إلى ملك خوارزم.
وبعد موت الملك زوزن ـ الذي كان يعتبره سعدي بالخواجه كريم النفس ـ بقيت في عمان ثمانون ألف مِنٌّ من الحرير وخمسمائة رأس من الخيل المشتراة له عام (615) وبعد عامين استولى (الشيخ مالك بن فهم بن مالك) على قلهات مركز حكومة عمان آنذاك، وتحولت عمان بعد ذلك إلى (بني نبهان).
إلحاق عمان بأرض البحرين وإيران
في عام (893) استولى (ابن أجود بن زامل) على عمان بالسيف بعد تغلبه على (آل نبهان) وعين عليهم إماماً من الأباضيين الخوارج، وأمرهم بدفع الخراج له، لأن الخوارج أزروه في حربه مع بني النبهان، وبعد مدة عادت عمان وأرض البحرين لتشكل وحدة جغرافية ترتبط سياسياً مع إيران عبر ملوك هرموز.
وقد وقعت هذه الحوادث خلال فترة ضعف القدرة السياسية والعسكرية لملوك هرموز، حتى أضحت سلطتهم على المساحة القديمة صورية، وكانت القوة العسكرية لبني جبر سريعة توقفت بعد موت (أجود) وفي نفس العام (912) استولى البرتغاليون على جزيرة هرموز، واتخذوا منها مقراً لنشاطهم في الخليج الفارسي.
البرتغال في الخليج الفارسي
واجهت أرض البحرين ومسقط المهاجمين المحتلين الأوروبيين بشكل منفرد، ففي عام (927) هجري تغلب البرتغاليون على (المقرّن بن أجود) وأخذوا جزيرة البحرين منه. في أثناء ذلك دب الخلاف بين أمراء بني جبر أيضاً، ونحي الواحد بعد الآخر، كما إن المواجهة والصراع بين إيران والعثمانيين على بلاد ما بين النهرين والحروب المتوالية بين البلدين في شمال غرب إيران سمح للبرتغال بتثبيت أقدامهم في الخليج الفارسي، فرفضوا حتى السيادة الإسمية للملك الصفوي على هرموز وتوابعها، وقاموا بتعيين ملك هرموز وتوابعها من جزر وسواحل الخليج الفارسي باسم حكومة البرتغال. وبقي الخليج الفارسي والمحيط الهندي مدة نصف قرن ساحة تجاذب بين البرتغال والعثمانيين.
التجاذب العثماني البرتغالي في أرض البحرين
في عام (951) استولى الأتراك على البصرة، فيما قام البرتغاليون بإنشاء قواعد بحرية وقلاع عسكرية لهم في القطيف والإحساء وجزيرة البحرين، ما زالت آثارها باقية في المنامة وتاروت وعنك وسيهات ترى من الساحل.
عام (958) احتل العثمانيون القطيف والإحساء، ولأول مرة في تاريخ أرض البحرين انفصل الجزء الساحلي للبحرين عن جزيرتها. خلال هذه المدة اضطر بعض أهالي وعلماء القطيف والإحساء ورجالهما إلى الهجرة إلى جزيرة البحرين والسواحل الإيرانية هرباً من بطش وتعصب العثمانيين لأنهم كانوا من أتباع مذهب التشيع.
إلحاق جزيرة البحرين بإيران
منذ عام (927) خضعت البحرين لحكم البرتغاليين، وكانت تدار بيد عمال حكومة جزيرة هرموز، وبعد عدة محاولات للتحرر من الأجنبي، ضمّت عام (1031) إلى إيران.
تجزئة أرض البحرين
هنا انتهى تاريخ أرض البحرين التي كانت تضم: القطيف، الإحساء، جزيرة أوال أو البحرين. وتمت إدارة هذه المناطق بشكل منفصل، ولم يعد يطلق اسم البحرين على الأراضي الساحلية، وعاد الاسم، القرمطي لولايات الهجر والخط أي الإحساء والقطيف ليطلق على اسم جزئين من أرض البحرين، ونسي الاسم التاريخي وبقي يطلق على الجزيرة منفردة.
وحدة المذهب في القطيف والإحساء وجزيرة البحرين
وبموازاة ذلك تم نسيان اسم (أوال) المرادف لاسم جزيرة البحرين، ليترك المجال أمام اسم البحرين، بحيث إذا ذكر اسم البحرين حالياً، يتبادر للذهن جزيرة (أوال) في حين أن هذه الأجزاء الثلاثة كانت متحدة دوماً عدا بعض الفواصل القليلة حتى أواسط القرن العاشر الهجري، وكانت تشترك في مصيرها السياسي. لكن الذي ما يزال يحافظ على وحدتها المعنوية هي الهوية الشيعية الغالبة لسكانها رغم سوء المعاملة والضغوط التي انهالت عليهم من قبل الأتراك العثمانيين والشيوخ العتوبيين وحكام نجد لا تزال أكثرية سكان أرض البحرين أي القطيف والإحساء وجزر البحرين من الشيعة الإمامية الإثناء عشرية.
إن البحث حول جزيرة البحرين بعد انفصالها عن أرض البحرين وحتى اليوم حيث مرت أربعمائة عام على ذلك يعد موضوعاً مستقلاً، نأمل أن نكتب أو يكتب غيرنا عنه في المستقبل.
السيد محمد محيط الطباطبائي
أرمينيا
نالت أرمينيا الإهتمام الواسع في المصادر القديمة من قبل المؤرخين والجغرافيين في العهود القديمة والإسلامية. فكانت هذه الأرض في الألف الثاني قبل الميلاد موطناً للاسيانيين الهوريين، ثم احتلها بعد مدة وخلال النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد أقوام من الهند والأوروبيين ثم الآشوريين والهيتيين.
وفي القرن التاسع قبل الميلاد عادت أرمينيا لتكون موطناً لفئة أخرى من الأقوام الآسيانية أطلق عليهم اسم (اورارتو) أو (الخلدية). هؤلاء المهاجرون الجدد أسسوا في أرمينيا دولة (اورارتو) المشهورة. لكنها انقرضت بعد أن هاجمها الكميريين والسكيين في أواسط القرن السابع قبل الميلاد. فتوجهت إليها مجموعة الهند والأوروبيين من قبيلة (فروغيا).
المصادر الهخامنشية أطلقت على السكان الجدد لأرمينيا اسم الأرمن)[206](. وفي كتاب بيستون ذكر داريوش الكبير صراحة أن أرمينيا هي جزء من الإمبراطورية الهخامنشية. وكانت أرمينيا قبل ذلك أيضاً من مجموعة (مادحات)[207](. واعتبر (هيرودوس) أن أرمينيا هي الجزء الثالث عشر من إيران. وكتب أن أرمينيا كانت ملزمة بدفع الضرائب من البضائع والخيول والأنعام، إضافة إلى دفع خمسة طالان من الأموال سنوياً)[208](. ومع سقوط الإمبراطورية الهخامنشية انتقلت أرمينيا إلى سيطرة السلوكيين، وبعدها حكمها حكام محليون طوال العهدين الأشكاني والساساني، وقد تفاوتت سلطتهم وسعة استقلالهم طوال هذين العهدين الطويلين، ولم تحصل أرمينيا على استقلالها الحقيقي لمدة طويلة بعيداً عن مواجهة القوى بين امبراطوريتي إيران والروم، فطول هذه المدة الطويلة كانت تقع تحت سلطة الإيرانيين أو الروم، ويمكن القول إن السيطرة على أرمينيا كانت سبباً مهماً في النزاعات بين امبراطوريتي إيران والروم. وقد اقتضت مصلحتهما أحياناً تقسيم أرمينيا فيما بينهم، ويتراضون عليها، وطبق معاهدات قصيرة الأمد كانت أرمينيا مقسمة بين إيران والروم)[209](… بعد سقوط الساسانيين وتقدم العرب المسلمين نحو إيران، وفتح أذربيجان، توجه (حبيب بن مسلمة الفهري) من (الشامات) في عهد (عثمان بن عفان) لفتح أرمينيا، واستطاع أن يفتح أجزاء من أرضها)[210](. وفي القرون الهجرية الأولى كان حكام آذربيجان وولاتها يحكمون (آران) و(ارمينيا) أيضاً. لذلك فإن بعض علماء الجغرافيا اعتبروا آذربيجان وآران وأرمينيا اقليماً واحداً.
فهذا (ابن حوقل) يكتب: «أبدأ بالقسم الأول ويشمل: أرمينيه والران (آران) وآذربيجان. وهي اقليم واحد، لأني وجدتها يحكمها شخص واحد. وفي العهود الأخيرة تشير إلى أن أشخاصاً من قبيل/ ابن أبي الساج، وغلام ومفلح، وديسم ابن شاذلويه، ومرزبان بن محمد المعروف بسالار كانوا يحكمونها معاً»)[211](.
في القرن الرابع كان الاشتهار والتقسيمات الجغرافية أساس لتعريف وتحديد الأراضي، كتب (الإصطخري) في باب مواصفات وحدود أرمينيا: «أغلب أهل أرمينيا من النصارى، ويحدّها من جهة بردع، ومن جهة ثانية الجزيرة، ومن جهة ثالثة آذربيجان وجبال والري، ومن جهة رابعة ثغور الروم»)[212](.
و(المقدسي) ذكر أن أرمينيا تقع إلى حدود آران وآذربيجان، وتعد أحد ثلاثة مناطق من القفقاز أو الرحاب. وعندما عدد مدن أرمينيا ذكر بعض مدن آذربيجان خطأ)[213](.
وأشار (ابن حوقل) إلى أن أرمينيا تعاني من الخلل كما هو حال سائر الأقاليم في زماننا)[214](. (طبعاً أحد أهم أسباب ذلك الخلل هو تحديد حدود ومواصفات الأقاليم على أساس حدود السلطة الحاكمة أو المزج والفصل الضرائبي).
وهناك علماء جغرافيا آخرون اعتبروا أن أرمينيا مركبة من قسمين داخلي وخارجي، وكتبوا أن مدن أرمينيا الداخلية الخاضعة لسيطرة المسلمين الآن هي: أرجيش، منازجرد (ملازغرد)، خلاط. وحدود أرمينيا الخارجية محدودة أيضاً: «أي من الشرق برذعه، ومن الغرب الجزيرة، ومن الجنوب آذربيجان، ومن الشمال نواحي الروم لجهة قاليقلا»)[215](.
(الياقوت الحموي) نقل اختلاف الرأي في زمانه حول أرمينيا فقال: «أرمينيا تشمل قسمان، أي أرمينيا الكبرى والصغرى، وحدودها هي من برذعة إلى باب الأبواب (دربند) وتمتد من جهة أخرى حتى أرض الروم وجبل قبق. ويقال أن أرمينيا الكبرى هي عبارة عن خلاط ونواحيها، وأرمينيا الصغرى تشمل تفليس ونواحيها. فيما ذكر البعض ثلاثة بلدان لأرمينيا، والبعض أربعة، فالأولى هي: بيلقان وقبله وشروان وما يضم إليها. والثانية: خزران وصفديل وباب فيررز قباد وكز. والثالثة: بسفرجان ودبيل وسراج الطير وبغروند وتشوي. والرابعة: شمشاط وقاليقلا ارجيش وباجنيس»)[216](.
ورغم التقارير المتفاوتة في باب حدود أرمينيا، لكن يمكن الاستنتاج من جميع المصادر الجغرافية والتاريخية أن أرمينيا منذ القدم كانت أرض تقع عند أطراف بحيرة وان، وتمتد من شرق تركيا الحالية إلى جنوب غرب القفقاز.
وبعد أن احتل المسلمون أجزاء من هذه الأرض بشكل تدريجي وطوال أربعة قرون، سميّت هذه الأجزاء بأرمينيا الداخلية)[217](. هذه الأجزاء من أرمينيا كانت في القرون اللاحقة وطناً لسكان من الآرمن والمسلمين، وفيها عدة قبائل إيرانية مختلفة، ويتكلم سكانها لغات متعددة)[218](.
وبعد تصاعد قدرة الجورجيين قاموا باحتلال أجزاء منها بعد أن كان معظمها تحت سيطرة المسلمين)[219]( فالحروب الصليبية وظروفها وضعت شمال أرمينيا الحالية أو أوراتوريا التاريخية تحت سيطرة الجورجيين.
وفي منطقة كيليكية أو سيلسيلة (عند سواحل إسكندرون الحالية) قامت دولة أرمينيا، وسميت المناطق الخاضعة لها بأرمينيا الصغرى. في حين أن أرض أوراتوريا القديمة التي كان معظمها بيد المسلمين وشمالها بيد الجورجيين سميت بأرمينيا الكبرى.
وعند قيام الأمبراطورية العثمانية خضعت جميع أراضي أرمينيا القديمة أو أورارتو الواقعة حول بحيرة “وان” للحكم العثماني. وخرجت من يد الحكام المحليين الإيرانيين وبقايا السلالات العربية الأصل والجورجيين. فالعثمانيين عندما انتصروا في حرب شالدران قاموا بتثبيت انتصاراتهم ووضعهم في القفقاز ومن ضمنها أرمينيا. ومع تجدد النزاع بين إيران والعثمانيين في عهد الملك طهماسب، وعقد عدة معاهدات وعهود في (آماسيه واسطنبول وذهاب) اعتبرت أرمينيا بلداً تابعاً لإيران، وكان حاكم الشرع الصوفي يقضي في (إيروان) بين المتخاصمين المحليين.
لكن بعد سقوط الدولة الصفوية)[220](. ولما كان العثمانيون يطمعون من قبل بكل أقسام شمال إيران، وقعوا معاهدة مع الروس لتقسيم إيران)[221](، وسعوا إلى السيطرة على منطقة القفقاز وضمنها أرمينيا الكبرى عبر الجهود السياسية، ثم عبر الحملات العسكرية، لكن ظهور (نادر) أنهى هذه الاعتداءات، وأعاد العثمانيون قلعة إيروان لإيران، لتعود أرمينيا ثانية إلى إيران تحت سيطرة الحكومة الأفشارية)[222](. وخلال الفترة الفاصلة بين مقتل (نادر شاه) وظهور (آقا محمد خان) شهدت مدن أرمينيا ومنها (إيروان) حكاماً محليين أكثرهم من الإيرانيين، وسعوا لتجنب التبعية لأية قوة خارجية، وشكلوا أقطاباً صغيرة. وكان أشهرهم (إبراهيم خليل خان جواشير) الذي اتخذ من (شوش) مقراً له، وتسلط على إيروان أيضاً، ومع ظهور (آقا محمد خان القاجاري) بدأ جهوده لاستعادة كل منطقة القفقاز وضمها لإيران ثانية، لكن مقتله أفشل تلك الجهود، وفشلت الجهود التي بذلت بعده، ثم بدأت حروب إيران وروسيا، وتعاون بعض الخوانين المحليين في (قرا باغ) و(شوش) و(إيروان) مع الروس، وخاصة السكان الأرمن منهم، ليتخلصوا من نفوذ القاجاريين والخوانين المحليين، ووقعت أرمينيا تحت الاحتلال الروسي، ففقد الأرمن وأرمينيا كل استقلالهم لمدة قرنين من الزمان هذه المرة.
أزمة الحضارة الإسلامية في عصر المغول
نظر المؤرخون المسلمون في القرن السابع الهجري إلى حملة المغول على العالم الإسلامي، أكثر ما نظروا، إلى بعدين اثنين منها، الأول قتل الناس، والثاني القضاء على الخلافة العباسية في بغداد. ولكن بعد استقرار حكمهم، كان منعهم الناس من أداء الواجبات الشرعية، وعلى الأخص فريضة الحج، جلبت انتباه المؤرخين أكثر من أي أمر آخر. وأخيراً بقبول المغول الإسلام، ومن ثم إزالة موانع أداء الفراض الشرعية، أعيد التشرف بالحج، وإن ظلت معارضتهم للخلافة العباسية في مصر باقية كما هي.
لذلك، فإن المصادر التاريخية من القرن الثامن تعتبر هجوم المغول على العالم الإسلامي وعملية تقبلهم الإسلام الطويلة أزمة قصيرة في حياة الحضارة الإسلامية الخالدة.
على الرغم من عدم اتفاق مصادر التاريخ على تحديد فترة عصر المغول في الحضارة الإسلامية، فإنهم متفقون على أنه لم يرَ سوى القتل والخراب والتخريب والاضطرابات ولا شك في أن هجوم المغول وتسلطهم على العالم الإسلامي لم يكن أقل من فاجعة عظيمة في تاريخ الحضارة وكارثة مروّعة في تاريخ الملل الإسلامية، فالمسلمون لم تمر بهم فترة أمرّ، وظروف أقسى، من تلك الفترة وتلكم الظروف. ابن الأثير، المؤرخ المسلم (المتوفى 629هـ) الذي أرّخ في كتابه القيم، الكامل في التاريخ، للإسلام منذ البداية حتى زمانه، عندما يصل إلى فاجعة المغول يراها على درجة من الهول حتى إنه لا يرى في نفسه القدرة على تدوين تاريخ تلك الكارثة، فهو يقول:
منذ سنوات وأنا أتجنب ذكر هذه الحادثة لأني كنت أراها مخيفة مرعبة وكنت أكره تذكرها، لذلك كنت في هذا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى. من يستطيع أن يكون ناقل خبر مجزرة المسلمين؟ من يستطيع أن يرى هذه الحادثة صغيرة؟ ليت أمي لم تلدني، وليتني مت قبل وقوع هذا الحدث وعفيت آثاري. أشار عليّ جمع من الأصحاب أن أدون هذه الحادثة، ولكني كنت أتباطأ في ذلك. ثم رأيت أن ذلك لا نفع فيه، لذلك نقول إن هذا العمل، أي كتابة التاريخ، يشمل ذكر مثل هذا الحدث العظيم والمصيبة الكبرى التي لن ترى الأيام والليالي التالية مثيلاً لها، بل قد لا يرى الناس حتى انقراض الدنيا مثل تلك الحادثة ولا مثل أولئك القوم (المغول) المتعطشين للدماء… هؤلاء المفترسون لم يتركوا أحداً حباً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وبقروا بطون الحوامل وأخرجوا أجنتها. إنا لله وإنا إليه راجعون…» [ابن الأثير، 1355هـ ش، ج26، 124 ـ 126].
ابن واصل، مؤلف مفرج الكروب (المتوفى سنة 698هـ) الذي يحذو حذو ابن الأثير في كتابة التاريخ، لا يقل وصفه لفاجعة المغول عن بشاعة وصف ابن الأثير لها، فهو يقول:
لم ينكب المسلمون بأكبر من المصيبة التي أصابتهم هذه السنة (616هـ). لقد جرى في هذه السنة على المسلمين من التقتيل والعبودية وتسلط العدو على أكثر بلادهم، مما لم يكن له نظير ولا وقع مثل ما وقع في هذه السنة… من وقائع هذه السنة الصدمة الكبيرة والمصيبة العظمى بظهور المغول وتسلطهم في فترة قصيرة على بلاد المسلمين وقلاعهم وإهراق دماء المسلمين، وأسر نسائهم وأبنائهم. منذ ذلك الوقت الذي بعث الله فيه محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم وأظهر دينه على الناس ونصره على المشركين، لم يبتل المسلمون بفاجعة أكبر ولا أعظم من آفة المغول [ابن واصل، 1369هـ ش، 29 ـ 30].
القاضي منهاج سراج الجوزجاني (متوفى بعد 672هـ) الذي ألّف كتابه المشهور باسم طبقات ناصري في 658هـ، أي بعد سنتين من سقوط بغداد، شبّه حملة المغول بيوم القيامة، وذكر عدداً من الأحاديث في ذلك [الجوزجاني، 1362هـ ش، ج2، ص92 وما بعدها]. يكرر الجوزجاني في كتابه الإشارة إلى مذابح المسلمين وخراب بلادهم على أيدي المغول.
هكذا نلاحظ أن هجوم المغول، في نظر العلماء والعارفين في القرن السابع الهجري، كان كارثة من جهتين، الأولى مقتلة الناس وتخريب بلادهم، الثانية القضاء على العباسيين أو قتل الخليفة العباسي على يد الكفار المغول. هذان الحدثان لا يمكن تقويمهما تقويماً متساوياً من وجهة نظر المؤرخين وكبار رجال العلم والأدب في القرن السابع، لأن الفترة ما بين بداية حملة المغول وانتهائها تبلغ نصف قرن تقريباً، والتطورات الأخرى التي حدثت بعد ذلك.
حملة المغول على العالم الإسلامي بدأت في 616هـ/1219م، واستمرت مدة أربعين سنة حتى أدت سنة 656هـ/ 1258م إلى سقوط بغداد وقتل الخليفة العباسي المستعصم (640 ـ 656هـ/ 1242 ـ 1258م). بعد ذلك، حتى بداية القرن الثامن، المغول، أو بكلام أدق، الدوة الإيلخانية المغولية في إيران، استمر عداؤها ومجالداتها ذات الخسائر الكبيرة مع دولة المماليك في مصر (648 ـ 922هـ/ 1250 ـ 1517م).
دولة المماليك التي أسسها عبيد الأيوبيين من الأتراك والجركس (564 ـ 648هـ/1169 ـ 1250م) ـ كانت الدولة الإسلامية الوحيدة التي استطاعت أن تقف بوجه المغول، ولم تضع حداً لفتوحات المغول فحسب، بل هزمتهم هزيمة بعد هزيمة. أول انتصار للمماليك على المغول كان في معركة عين جالوت (658هـ/1259م) التي تعتبر هزيمة حاسمة للمغول. ثم في سنة (676هـ/1277م) في أبلستان تحمل المغول هزيمة منكرة أخرى على أيدي المماليك. وقعت هذه المعركة في أيام آباقاخان، ثاني إيلخان مغولي. وفي أيامه سنة 680هـ/ 1281م، مرة أخرى انتصر المماليك على المغول في معركة حمص. وآخر معركة بينهما جرت على عهد غازان خان (694 ـ 703هـ/ 1295 ـ 1304م)، سادس ملك مغولي. في سنة 699هـ/1300م، في معركة المروج استطاع المغول أن يهزموا جيش سيف الدين قلاوون (678 ـ 689هـ/1279 ـ 1290م)، سلطان المماليك. ولكن المماليك، في سنة 702هـ/1303م، انتصروا انتصاراً باهراً في معركة مرج الصفر وانتقموا لهزيمتهم السابقة [إقبال اشتياني، 1356هـ ش، 193، 208، 216، 272 ـ 282]. على كل حال، خلال تلك الاشتباكات الصغيرة والكبيرة بين الإيلخانيين والمماليك، كان المنتصرون هم المماليك. في الواقع، إن رجولة المماليك وصمْدَهم كانا من أكبر المشكلات الداخلية والخارجية للإيلخانيين [مرتضوي، 1307هـ ش، 39]، كما أن المماليك كانوا يمثلون مشكلة داخلية للإيلخانيين بإحيائهم الخلافة العباسية في مصر وتفاقم الأزمات الداخلية. أكثر أهل السنة الذين كانوا يعيشون تحت الحكم الإيلخاني ظلوا على ولائهم للخليفة الذي استقر في مصر، ولم يكن بمقدور الإيلخانيين تحطيم ذلك الولاء مطلقاً.
بناء على ذلك، في تقويم أوّلي لقضية المغول وتاريخ الحضارة الإسلامية، ثمة نقطتان ـ وهما المجازر البشرية، والقضاء على الخلافة ـ تفقد موضوعيتها بصفتها أمراً كلياً يضم فترة خاصة، متخذة شكلاً مستمراً. إن المجازر البشرية وتخريب البلاد يتعلقان بفترة قصيرة في أوائل الحملة المغولية التي يمكن الحصول على معلومات موثوقة كثيرة عنها. وبالنظر إلى أن المغول في الفترات اللاحقة لحملتهم، قرروا استيطان الأرض التي استولوا عليها، لم يعد اللجوء إلى قتل الناس مبدأ أساساً في سياستهم العسكرية. أما قضية الخلافة فقد دامت ثلاث سنوات فقط، ومن ثم أحييت وعادت إلى الظهور. وقد استأثرت قضية الخلافة العباسية في عصر المغول، أكثر من قتل المسلمين وتخريب بلادهم، باهتمام المؤرخين. المرحوم الدكتور عبدالهادي الحائري، في بحث له تحت عنوان دور المغول في إيجاد الانسجام والشقاق في العالم الإسلامي يضع آراء بعض الباحثين المعاصرين بشأن مقام سقوط بغداد في الحضارة الإسلامية على طاولة الدرس والتمحيص بمهارة العالم، ونظر نظرة شك وترديد إلى نظريات أطلقها أشخاص مثل هاچسن، أحمد أمين، حسن إبراهيم حسن، علي أكبر فياض، عبدالحسين زرين كوب، عباس إقبال اشتياني، بثمان، برنز حبيب الله (الهندي)، كاهين وغيرهم ممن اعتبروا سقوط بغداد فصلاً أساساً في تاريخ الحضارة الإسلامية، وسعى إلى الكشف عن الملامح الفعالة الحية والإيجابية في تاريخ الحضارة الإسلامية في عصر المغول [الحائري، 1368هـ ش، 39 ـ 44].
عند تقويم وضع الخلافة العباسية وهي على وشك السقوط على أيدي المغول يصفونها بأنها كانت شكلية، رمزية وتفتقر إلى أي قوة سياسية وعسكرية، ويرون أن سقوط بغداد جاء نتيجة للانحطاط الذي أصابها منذ أمد وانهارت بضربة من المغول. لذلك فهم لا يرون في هجوم المغول العامل الأصلي في الموضوع)[223](. ولكن العجيب هو أن إحياء الخلافة العباسية في مصر، إحياءاً شكلياً ورمزياً دون شك ـ لأنها استمرت قروناً من دون أن تتمتع بأي قوة سياسية أو عسكرية ـ لم يحظ بأي اهتمام)[224](، إذ في هذه الحالة لن تبقى لسقوط بغداد أية أهمية. أي إن ما حدث كان مجرد انتقال حكومة شكلية من بغداد إلى القاهرة، لا غير. مع ذلك فإن أهمية مسألة سقوط بغداد ما زالت باقية على قوتها، ولا تؤدي إلى وضع النظريات فحسب من جانب المؤرخين، بل تعتبر سبباً لإذكاء الجدل بين فرق المسلمين.
في الواقع، يقوم الغموض والتعقيد في المسألة على أن الخلافة العباسية، في أيامها الأخيرة كانت ضعيفة وشكلية ومفتقرة إلى كل محتوىً قابل للتأمل. على الرغم من أن هذا السبب كاف لبيان علل سقوط دولة ما والاقتناع به، إلاَّ أن حقيقة الأمر ليست كذلك، وذلك لأنه منذ أواسط القرن السادس الهجري، وعلى أثر انهيار سلطة السلاجقة الكبيرة، واتت العباسيين فرصة استعادة قدرتهم السياسية والعسكرية، ومنذئذٍ زادت استعادة هاتين القوتين، السياسية والعسكرية، مركزهم المعنوي والديني. إن أهمية قوة العباسيين في أواخر ذلك القرن يمكن استنتاجها من شاهدين مشهورين جداً، الأول هو لجوء الإسماعيليين في عصر جلال الدين حسن الحديث الإسلام (توفي 618هـ/1221م) إلى الخلافة العباسية من أجل أن يكونوا مقبولين لدى عامة المسلمين [الجويني، 1327هـ ش، ج2، ص343 وما بعدها. والثاني هو سعي السلطان تكش الخوارزمشاهي (568 ـ 596هـ/ 1172 ـ 1199م) لدفع العباسيين عن نواحي إيران المركزية [الجويني، ج2 ص32 وما بعدها] في تلك الأيام، خاصة في عصر خلافة الناصر (575 ـ 622هـ/ 1180 ـ 1225م) كان العباسيون يسعون إلى توطيد نفوذهم في المناطق الغربية والمركزية في إيران، وقد وفقوا إلى حد كبير في غربي إيران، حيث سخّروا ملوك لر الصغرى (تأسست سنة 548هـ) ولر الكبرى (تأسست سنة 543هـ)، وكذلك الأتراك الإيرانيين الأقوياء [مستوفي، 1361هـ]. ولكن في النواحي المركزية من إيران، بعد فترة من التشاحن المعقد، وجدوا أنهم مع مماليك عراق العجم وأتابكان فارس وأتابكان آذربايجان، يواجهون السلطان محمد خوارزمشاه وجهاً لوجه)[225](، السلطان محمد، الذي كان في أوائل القرن السابع، يحكم أكبر دولة إسلامية، أي الدولة الخوارزمشاهية، على الرغم لمن له قوته وقدرته، كان يجد نفسه بحاجة إلى تأييد العباسيين، غير أن الخليفة الناصر كان يرى تلك القدرة في نفسه على مخالفته. فتلك الحاجة وهذه القدرة كانا دليلاً على مكانة العباسيين المكينة في القرن السابع الهجري. إن أهمية التأييد من جانب الخلافة حمل السلطان محمداً الخوارزمشاهي، أخيراً على إعلان خلافة أحد العلويين من سادات ترمذ [الجويني، ج2، ص122]، الأمر الذي حمل الخليفة الناصر (حسب رأي بعضهم)، بتحريض من چنگيزخان على مهاجمة إيران الخوارزمشاهية [مير خواند، 1339هـ. ش ج5، ص79]. فعليه لا بدَّ من الالتفات إلى أنه في عصر فتوحات المغول، بقيادة چنگيزخان (كما جاء في تاريخ سرى مغولان) كان من أهداف حملة چنگيز خان على إيران هو القضاء على العباسيين [Woodman Cleaves, vol. 1, p. 202, 1982] مما يدل أيضاً على أهمية تلك الدولة.
لم تكن حملة المغول الأولى (616 ـ 621هـ/ 1219 ـ 1224م) ذات خطر كبير على العباسيين. بعد ذلك بذل السلطان جلال الدين الخوارزمشاهي (622 ـ 628هـ/ 1225 ـ 1231م)، الذي كان يحكم بقايا الدولة الخوارزمشاهية في إيران، جهوداً مستميتة للحصول على تأييد الخلافة [النسوي، 1365هـ ش، 200 ـ 206] وهو ما يدل أيضاً على أهمية أصل الخلافة التي كانت يومئذٍ هي الخلافة العباسية.
بعد خروج السلطان جلال الدين الخوارزمشاهي من ميدان معركة المسلمين ضد المغول، ابتدأت حملات المغول، من سنة 628 حتى 656هـ، على العباسيين مباشرة. يومذاك كان الخليفة المستنصر (623 ـ 640هـ/ 1226 ـ 1242م) يحكم في بغداد ومثلما كان عصر الناصر عصر استعادة قدرة العباسيين السياسية، كان عصر المستنصر عصر إحياء العلم والثقافة وازدهارهما. كما أن جهوده العسكرية قمينة بالدراسة، إذ إنه حتى سنة 656هـ/ 1256م التي وقعت فيها حملة المغول النهائية على بغداد، كان النصر حليف العباسيين فيما سبق ذلك من حملات [ابن الفوطي، 1351هـ، 194 وما بعدها]. في الوقت الذي كان المغول قد مدوا سيطرتهم على القسم الأعظم من آسيا، كانت خلافة العباسيين ودولتهم معضلة تقض عليهم مضاجعهم، لأن العباسيين كانوا من جهة يحولون دون توسع المغول وتقدمهم في غرب آسيا، ومن جهة أخرى ارتباطهم المعنوي مع المسلمين في الوقت الذي كان المغول يسيطرون على كاشغر حتى همدان، وبذلك كان العباسيون خطراً بالقوة على المغول. لذلك سعت الحكومة المغولية المركزية إلى التغلب على ذلك الخطر بإجراءات سياسية وعسكرية (مما لا يتسع صدر هذا المقال لذكر تفاصيلها). في ذلك الوقت، كانت الدولة المغولية في روسيا بإدارة أولاد جوچي بن چنگيزخان، ومنافسة لدولة المغول المركزية، ترجو أن تستعين بالعباسيين ولجلب تعاون عالم الإسلام [الغساني، 1359هـ ش، 542].
إن هذا الاتجاه لدى أولاد جوچي دليل آخر على قوة العباسيين اللافتة للنظر في أواخر سنوات حكمهم في بغداد. إن مؤرخي عصر المغول يرون أن سبب سقوط بغداد سنة 656هـ/ 1258م وانقراض العباسيين هو عدم قدرتهم على الإدارة والمنازعات الداخلية وضعف نفسية الخليفة المعتصم، ولم يذكروا شيئاً عن انحطاط الدولة العباسية وضعفها، أو أصل الخلافة [الجويني، ج3، ص380 وما بعدها].
إن طرح المفكرين الإسلاميين، مثل الإمام محمد الغزالي (توفي 505هـ) الذي قدمه قبل ذلك بزمن حول الاستعاضة عن الخليفة بسلطان [الغزالي، 1283هـ، 180 وما بعدها]، وكذلك، قبل ذلك بقرون، فوضت الخلافة الكثير من صلاحياتها إلى الأمراء والوزراء، وعهدت بمنصب القضاء إلى أهله)[226](، أحال الخلافة العباسية في أواخر أيامها إلى مجرد قشرة وصورة شكلية، ولا تلقي ضوءاً على المسألة، لأن مباحث من هذا القبيل كانت ذات صفة مدرسية بحتة، ولم تفتح لها طريقاً بين جموع الشعب. وكما يقول الدكتور الحائري، لم يكن الناس قد اعتادوا على عدم وجود الخلافة [الحائري، 39]، كما أن أهل السنّة أيضاً لم يسعَ أحدٌ، نظرياً، إلى حذف الخلافة، سوى أنهم كانوا يرون وجود تمهيدات ومقدمات لظروف يحذف فيها وجود الخليفة، أو يصعب الوصول إليه، تلك الظروف التي لم تكن قد تحققت بعد، ولكن افتراضها عقلاً لم يكن مستحيلاً، أي إن أبحاثاً كهذه كانت بحثاً في المفاهيم وليس في المصاديق التي لم تكن قد تحققت بعد، من ذلك بحث إقامة السلطان مقام الخليفة الذي كان مسبوقاً دائماً بأداة الشرط «إذا»، أي إذا لم يكن هناك خليفة، كان يمكن أن يقوم السلطان مقامه، لا أحد يكون خليفة.
نحن نعلم أن في تاريخ الإسلام، حتى بداية القرن السادس عشر، عندما انقرضت الخلافة العباسية في مصر على يد السلطان سليم العثماني (918 ـ 926هـ/ 1512 ـ 1520م)، لم يصب الخلافة أي خلل أو فتور أساس. إن الفترة بين سقوط بغداد في 656هـ. حتى عودة الخلافة في مصر مرة أخرى في 659هـ لا تزيد عن ثلاث سنوات ولا يمكن أن تكون ذات أهمية تذكر. قبل ذلك أزمات مماثلة، وحتى أشد منها، قد حصلت. المستعصم لم يكن الخليفة الوحيد الذي قتل، والعباسيون لم يكونوا السلسلة الوحيدة من الخلفاء الذين كان القتل من نصيبهم. كما أن المجالدات الخطرة ذات الخسارة الكثيرة بين السلاطين والخلفاء قد حصلت كثيراً، مثل ما جرى بين السلطان محمود الغزنوي (388 ـ 421هـ/ 998 ـ 1030م) والخلافة، وما جرى بين أهل الديلم (320 ـ 447هـ/ 932 ـ 1055م) والخلافة، وصراع الخوارزمشاهيين مع الخلفاء)[227](.
إن الحدثين المهمين اللذين وقعا في العالم الإسلامي على عهد المغول (قتل المسلمين وانقراض الخلافة في بغداد) لا يمكن اعتبارهما بمثابة وضع النهاية للحضارة الإسلامية، وذلك، كما قلنا، لأنه لا الخلافة انتهت ولا المسلمون قضي عليهم قضاءاً مبرماً، ولا توقف التقدم العلمي والأدبي وساير فروع الثقافة والحضارة الإسلامية، بل ظل الخواجة نصير الدين والعلامة الحلي، وابن أبي الحديد، ومؤرخين مثل الجويني ورشيد الدين، وصاف، وأبي الفداء، والمقريزي وعشرات مثلهم في فروع أخرى، يرجعون جميعاً إلى ذلك العصر نفسه.
إن الذين أولوا أهمية كبيرة لسقوط بغداد، كل منهم كان يروم شيئاً من ذلك. فالمسيحيون الذي فقدوا مركزهم منذ القرن الأول الهجري وعلى أثر فتوحات المسلمين، وهبوط مقامهم في آسيا الغربية، رأوا في سقوط بغداد دليلاً حاسماً على زوال المسلمين، ولذلك أعانوا المغول في حملتهم على بغداد، ثم أقاموا سياستهم على الاتحاد مع المغول ضد العالم الإسلامي [ويلتس، 1353هـ ش، 139 وما بعدها]. ومؤرخون مثل الجويني وصاف ورشيد الدين قبل أن يعنوا ببيان قوة المغول، سعوا إلى بيان تأييد الحظ لهم. السبكي، مؤلف طبقات الشافعية الكبرى يتابع المماحكات المذهبية [السبكي، 1383هـ]، ومن بين المعاصرين يحاول أحمد أمين الإشارة إلى عظمة العباسيين [الحائري، 40] وعباس العزاوي، صاحب كتاب تاريخ العراق بين احتلالين، يسعى في الدرجة الأولى للحصول على قوميته الخاصة وهويته [العزاوي، 1410هـ، ج1].
بالرجوع إلى المصادر التاريخية والأدبية الأصيلة للقرن السابع الهجري يمكن أن نعرف بدقة أن المسألة الأساس في العالم الإسلامي في تلك الأيام الحافلة بالرعب والخوف كانت مسألة الاحتفاظ بالهوية الإسلامية وإدامتها. على أثر هجوم المغول وانقراض الدولة الخوارزمشاهية والخلافة العباسية، استولى كفار المغول على الأرض الإسلامية. منذ ظهور الإسلام وانتشاره لم يسبق للبلاد الإسلامية أن وقعت بهذا الشكل تحت سيطرة الكفار. لقد كان المسلمون موفقين في الحفاظ على الثغور والتخوم، وفي الفتح والتقدم، باستثناء بعض نواحي الحدود والجزائر البعيدة.
نحو قرن قبل سيطرة المغول على العالم الإسلامي، وعلى أثر هزيمة السلطان سنجر السلجوقي في معركة قطوان (536هـ/ 1141م) على يد القراختائيين والبوذيين وقع قسم كبير من النواحي الشرقية من العالم الإسلامي تحت سيطرة الكفار [الجوزجاني، 94 وما بعدها]. كانت هذه هي المرة الأولى التي تقع فيها دار الإسلام بهذا الشكل الواسع تحت سيطرة الكفار، حتى أن الدولة الخوارزمشاهية القوية أصبحت من دافعي الخراج للقراختائيين. أما مسلمو المناطق المحتلة فسرعان ما كيفوا أنفسهم مع الظروف الجديدة، كما أن الدولة القراختائية أدركت أن عليها أن ترعى حال أتباعهم المسلمين. [الجويني، ج2، 86 وما بعدها]. لا توجد قرينة على أن تسلط الكفار على بلاد المسلمين كان بمثابة خروجها من دار الإيمان، كما أن روزبهان الخنجي في القرن العاشر الهجري، أي في الوقت الذي كانت هناك تجربة مماثلة لتسلط المغول على العالم الإسلامي، لم يعتبر احتلال الكفار للأرض الإسلامية بمثابة خروجها من دار الإسلام [الخنجي الأصفهاني، 1362، 394 وما بعدها]. قضية القراختائيين واستيلاء الصليبيين القصير على بعض أرض الشام وفلسطين، كانت من الأمثلة القليلة على هزيمة المسلمين قبل حملة المغول، بينما خلال القرون الستة كان للمسلمين حضور مظفر مقرون بالعزة والاستقلال. إلاَّ أن المغول أوجدوا في هذا الميدان تغييراً فاحشاً وخلقوا ظروفاً أخرى، لأنهم كانوا ضد الإسلام ومنعوا أداء الفرائض الشرعية والقيام بالشعائر والسنن الإسلامية.
من المشهور أن چنگيزخان لم يظهر أي تعصب ضد أي من الأديان. وهو نفسه كان على دين الرهبان البوذيين القائم على عبادة الظاهرات الطبيعية وتنبؤات الرهبان. كان المغول يؤمنون بإله أعلى اسمه (ألغ تتگري)، ولكنهم لم تكن لهم أية قوانين شرعية أو خصائص تتميز بها الأديان الكبرى المعروفة، بل كانوا يعملون طبقاً لسنن مكتوبة وغير مكتوبة مبنية على الحياة القبيلية والبدوية والعقائد البوذية التي كانوا يسمونها (ياسا). إلى ما قبل چنگيزخان لم يظهر لمذهب الرهبان البوذيين أي استخدام سياسي، ولكن في سنة 603هـ/ 1206م أعلن كوكوجوي شمن أنه جاء خبر من السماء أن إرادتها هي أن يحكم تموچين، وأهنا أطلقت عليه لقب ابن السماء چنگيز، وهكذا، لأول مرة ودائماً، نال چنگيزخان وعائلته بصورة خاصة به قدرة سياسية قوية لم تتحمل أي منافس أو عدو. وبعد سيطرة المغول على العام الإسلامي، أصبحت الخلافة عدوة ومنافسة شديدة لهم ولمقامهم. وعلى أثر نيل هذا المركز والمقام، أدعى چنگيزخان أنه ملك غير قابل للإنكار على جميع القبائل التركية والمغول من شمال الصين حتى مغولستان وإيران. وقبيل موته بنحو عشرين سنة (624هـ/ 1224م) سعى دون هوادة لفرض إطاعته عليهم، فقد هاجم مناطق مختلفة في الصين وإيران وسيبريا وروسيا، وأباد مدناً كثيرة، وقتل كثيراً من الناس [رشيد الدين، 1367هـ ش، 215 وما بعدها].
في أوائل تأسيس حكم چنگيزخان كان هناك عدد من التجار المسلمين الذين قدموا خدماتهم بصفة مشاورين وسفراء وغير ذلك. وعلى حد قول الجويني، مؤرخ عصر المغول المبرز، كان المسلمون يومذاك محترمين معززين [الجويني، ج1، ص608]. وبعد التحاق عدد من القبائل المسلمة ورؤسائهم بچنگيزخان، بدأ الخصام بين الدولة الخوارزمشاهية التي كانت تدعي الزعامة السياسية على المسلمين (بما فيهم قبائل مناطق كاشغر وبلاساغون)، ودولة چنگيزخان التي كانت تدعي الرئاسة على قبائل الترك والمغول (بصرف النظر عن العقيدة والدين). وفي أواخر أيام چنگيزخان فقد الرجل صبره بشكل واضح نحو المسلمين، لذلك، ففضلاً عن مقتلة مسلمي ما وراء النهر وخراسان، لأسباب عسكرية ولطبيعة السلب والنهب، أصبحت معتقدات المسلمين عرضة للإهانة والتحقير [الجويني، ج1، 80]. لقد كان للدوافع الدينية في إثارة مسلمي تلك المناطق للدفاع ضد المغول دور مهم، لأنهم لم يكونوا مستعدين لتقبل سلطة الكفار عليهم، لذلك فإن الأبعاد السياسية للعقائد الإسلامية غدت سداً محكماً في وجه چنگيزخان، ولا شك في أن الأبعاد السياسية لتلك المواجهة أدت في النهاية إلى مسألة الخلافة، يقولون إن چنگيزخان، بعد فتح ما وراء النهر، طلب علماء المسلمين وسألهم عن الإسلام وأيد كل الذي قالوه له عن التوحيد والنبوة والصلاة والصوم، إلاَّ الحج فإنه أنكره إنكاراً شديداً، وتكلم على غرار الصوفيين، قائلاً إن عبادة الله لا حاجة بها إلى قطع تلك المسافة الطويلة للوصول إلى مكان خاص، وهكذا رفض، بمهارة، قبول أهم مظهر سياسي للعقيدة الإسلامية، الحج، عند المسلمين تحت حكمه [بياني، 1367، ج1].
أصبح الحج، في العصر العباسي، وسيلة سياسية مؤثرة جداً بيد جهاز الخلافة. كانت قوافل الحج تتحرك عادة من نواحي خراسان وما وراء النهر إلى بغداد، وبعد لقاء الخليفة تتوجه إلى مكة، تحت قيادة أمير الحاج، الخليفة، إذ كانوا يسرجون محملاً خالياً على بعير، على اعتبار أنه محمل الخليفة، وتسير القافلة خلفه [الخنجي الأصفهاني 364 ـ 365]. وفي العودة كان الحجاج عادة يعرجون لرؤية الخليفة، وكان ذلك وسيلة مناسبة جداً لإبلاغ وجهات نظر الخلافة السياسية إلى طبقات واسعة من العالم الإسلامي من ذلك مثلاً حركة يعقوب بن ليث الصفاري (247 ـ 256هـ/ 861 ـ 878م) ضد العباسيين، فاستخدموا قوافل الحج لمقاومته [تاريخ سيستان، 1366هـ. ش، 228].
على امتداد سفر الحج وحركة القوافل كان لترتيب القوافل المختلفة أهمية سياسية، وأحياناً أدى إلى المشاحنة. وبالنظر لفعالية الحج السياسية لم يلقها چنگيزخان ببشاشة، وفي الوقت الذي جعل من جيحون حداً لبلاده مع العالم الإسلامي عاد إلى مغولستان (621هـ/ 1224م).
أول من خلف چنگيزخان كان ابنه اكتاي (624 ـ 679هـ/ 1227 ـ 1282). ونظراً لعزمه على الاستيلاء على المزيد من أراضي العالم الإسلامي، اتخذ سياسة التقارب مع المسلمين، وقام بعدد من الإجراءات السياسية والإعلامية المؤدية إلى ذلك. من ذلك أنه قام بسلسلة من العمليات العسكرية أزاح بها السلطان جلال الدين الخوارزمشاهي الذي كان أكبر سد في طريق المغول إلى العالم الإسلامي (628هـ/1239م)، فكانت النتيجة أن أصبحت المناطق من جيحون حتى النواحي الغربية من إيران تحت سيطرة المغول، ومعها الكثير من المسلمين. وعلى الرغم من أن المغول لم يتعرضوا كثيراً للمسلمين، ولا كانت سياسة حكومة المغول المركزية قتل الناس، إلاَّ أن قضيتين اثنتين عمّقتا تدريجياً الخلاف بين المسلمين والمغول. الأولى استقرار حكم المغول في إيران كان يواجه المنافسة بين القاآنيين المغول والخلفاء العباسيين للحصول على تأييد الدول الإيرانية المحلية، مثل السلغريين في قارس، قتلغ خانية كرمان، أتابكية يزد وملوك لرستان. الثانية هي أنه في سنة 636هـ/ 1238م قام المسلمون بانتفاضة في بخارا بقيادة محمود التارائي ضد المغول [الجويني، ج1، ص85 ـ 90] مما حمل المغول على التشدد مع المسلمين. لذلك عهد بما وراء النهر إلى ابن چنگيزخان، جغتاي [بارتولد، 1366هـ، ج2، ص983]، إضافة إلى وجود تركستان تحت إمرته، وبذلك أصبح جميع مسلمي آسيا الوسطى تحت حكمه، جغتاي كان معروفاً باستعمال الشدة مع المسلمين وفي إجراء القوانين والسنن المغولية. لذلك وقع المسلمون تحت ضغط شديد وامتد ذلك إلى نقاط أخرى من بلاد المسلمين، حيث منعت إقامة الفرائض الشرعية والقوانين الدينية، وكان على الجميع أن يحيوا وفق السنن المغولية [بارتولد، 975 وما بعدها].
لم يسبق للمسلمين طوال تاريخهم أن واجهوا حالة بهذه الشدة، بحيث لم يبق من دار الاسلام سوى اسم وإيمان في طي الكتمان. إن محنة المسلمين ومصيبتهم في ذلك الزمن يفوقان حد الوصف، كما أن الحالة كانت تزداد سوءاً، فبعد أكتاي جاء ابنه گيوك (644 ـ 646هـ/ 1246 ـ 1248م) وكان عدواً للمسلمين كذلك، فأولى عنايته للمسيحيين والبوذيين، وسمح لأعداء المسلمين أن يستعرضوا عضلاتهم [رشيد الدين، 1267هـ، ص573]. إن السياسة التي وضع گيوك أسسها استمر الحكام المغول في تطبيقها ضد المسلمين. حكم المغول أوجب تقوية البوذيين واستعراض المسيحيين لقوتهم. إن الاستمرار على هذه السياسة أدى أخيراً إلى حملة هولاكو التي قضت نهائياً على كل مقاومة للمسلمين في إيران والعراق. الإسماعيليون الذين كانت قلاعهم وحصونهم في جبال البرز تعتبر عصيّة على الاقتحام، هزمهم المغول سنة 654هـ/ 1256م وأخضعوهم ثم أبادوهم سنة 656هـ/ 1258م. سلطان العباسيين في بغداد، على الرغم من الجهود الجبارة، تحطم أخيراً في 656هـ/ 1258م، وبدأت مذابح المسلمين في بغداد ونهبت أموالهم، كما قتل الخليفة وأولاده. كان المسلمون يمرون بظروف حالكة الظلام. ولكن في الوقت الذي كان هولاكو وخليفته أباقاخان (663 ـ 680هـ/ 1265 ـ 1281م). يضطهدان المسلمين، ويزيدان من قوة المسيحيين والبوذيين، ويشيدان معابد النار في إيران ويتحدان مع الصليبيين ضد المماليك الذين أعلنوا الخلافة العباسية في القاهرة، ظهر التوجه بين المغول نحو الإسلام، ومن أوائل كبار حكام المغول الذين اعتنقوا الإسلام كان بركاي (654 ـ 664هـ/ 1256 ـ 1266م) بن جوچي بن چنگيزخان. كان هذا يحكم أيضاً المنطقة المغولية في روسيا ووادي قيچان، وبقبوله الإسلام قام لحماية العباسيين. وقد أظهر المؤرخ الجوزجاني السرور لإسلام بركاي، ورأى فيه بارقة أمل تحت تلك الظروف المخيفة التي لم يكن قد بقي من الإسلام إلاَّ رسمه [الجوزجاني، 212 ـ 218]. وبعده، براق خان (664 ـ 668هـ/ 1266 ـ 1270م) حاكم ما وراء النهر، من أحفاد جغتاي، اعتنق الإسلام أيضاً. اتخذ هذان أسلوب الوفاق مع المماليك والخليفة العباسي في مصر، وعن طريق التعاون مع المماليك، أصبحا خطراً على الإيلخانيين في إيران.
إن معاداة الإسلام والمسلمين كلفت الدولة الإيلخانية في الداخل والخارج غالياً، لذلك اعتنق تكودار، الإيلخان المغولي الثالث (680 ـ 683هـ/ 1281 ـ 1284م) الإسلام واتخذ اسم السلطان أحمد. ولكن قبل أن يستطيع تثبيت نفسه، قام المغول الذين كانوا يعادون الإسلام بخلعه وقتله [رشيد الدين، ج2، 784 وما بعدها]. قاتله وخليفته، أرغون خان، (683 ـ 690هـ/ 1284 ـ 1291م) زاد من عدائه للمسلمين ووطد علاقته بالصليبيين أكثر، ولكن بما أن وجود حكومة مغولية بين المسلمين لم يحظ بأي استقبال وقبول، ولم تزل ظروف الخصومة والعداء مطلقاً، بدأت بالظهور بوادر الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أحاطت المشكلات الداخلية والخارجية، بالتوافق، بالدولة الإيلخانية. كانت الصلة الأصلية وجذورها في معاداة الإسلام مما لم يسمح بحصول أي تفاهم بين الحكومة والأمة. إن احتقار ثقافة الشعب ومعتقداتهم لم تجعل من السهل إيجاد أساليب خاصة بالظروف الجديدة لإصلاح الوضع الاقتصادي والإداري لذلك، في تلك الظروف الصعبة أمام الإيلخانيين الناجمة عن معاداة العقيدة الإسلامية وإخفاقاتهم المتتالية في سياساتهم الداخلية والخارجية، قبول غازان خان (694 ـ 703هـ/ 1295 ـ 1304م) الإسلام كان خطوة أساساً على طريق حل تلك المشكلة [رشيد الدين، 1358هـ ش، 76 وما بعدها]. وهكذا، باعتناق المغول الإسلام في أواخر القرن السابع، هدأت الأزمة الدينية العقائدية الكبرى التي أخذت بخناق المجتمع الإسلامي نحو قرن من الزمن. وعلى الرغم من أن الطريق كان لا يزال طويلاً أمام المغول ليتعرفوا قوانين الشرع الإسلامي تعرّفاً كاملاً وأن يعملوا بتعاليمه، إلاَّ أن ذلك اعتبر حياة جديدة للمسلمين.
على أثر إسلام المغول تهيأ لإيران القيام بإصلاحات إدارية واقتصادية واجتماعية على يد السلطان محمود غازان، تلك الإصلاحات التي مكنت في الأساس تطابق أحكام المغول المسلمين مع المجتمع الإسلامي. وفي الوقت نفسه سعى غازان للجعل من اعتناق المغول للإسلام أمراً منفصلاً عن المواجهة مع المماليك والعباسيين في مصر. لذلك فعلى الرغم من الصراع مع المماليك (العباسيين) فإنه واصل بجد أسلمة المغول. في تلك الظروف الجديدة، كان الحج هو المشكلة الوحيدة بين المغول والمسلمين، فقد كان سفر المسلمين الواقعين تحت حكم المغول إلى مكة ممنوعاً، إذ كان الحجاز تحت حكم مماليك مصر. في كل سنة كانت قافلة الحج تقصد من مصر إلى مكة وأمامها محمل الخليفة [ابن بطوطة، 1359هـ ش، 40 و177]. وهكذا ظلت مشكلة الحج السياسية قائمة أمام المغول بمثلما كانت على أيام چنگيزخان، حتى كان عهد أبي سعيد، بهادر خان (716 ـ 736هـ/ 1316 ـ 1336م)، آخر إيلخان مغولي، فتصالح مع مماليك مصر وأنهى تلك المشكلة. لقد وافق أبو سعيد على إرسال قوافل الحج إلى مكة، وفي مكة ذكر اسمه في الخطبة [ابن بطوطة 179]. على الرغم من أن الإيلخانيين المغول لم يعتبروا هذا التعامل مع المماليك بمثابة إعلان الطاعة للعباسيين، إلاَّ أنه كان إعلاناً بانتهاء فترة من التأزم في الحضارة الإسلامية حيث كانت الاعتقادات الإسلامية والتجمع في الحج قد وضعتها في ضيق وحرج شديدين نتيجة لسلطة المغول الكفار. لذلك نرى المصادر التاريخية لأواخر عصر المغول تخلو من تلك المقاضاة الشديدة للمغول، كالسابق.
كان مثل المغول مثل المهاجرين الذين سبقوهم إلى الإسلام واعتنقوه وذابوا في المجتمع الإسلامي تحت ظل الإيمان الجديد واندمجوا مع ساير الأقوام الأخرى. إن مؤرخين مثل ميرخواند، صاحب روضة الصفاء وخواندمير مؤلف حبيب السير لم يكونوا أشداء في إصدار أحكامهم على المغول كما فعل المؤرخون السابقون عليهم، وهذا يدل على أن المؤرخين المسلمين في عصر المغول كانوا ينظرون إلى حضور المغول مجرد أزمة عابرة في الحضارة الإسلامية لا نقطة النهاية فيها، إذ إن تفتح الحضارة الإسلامية وعزتها كانت مستمرة حتى في ذلك العصر، ولم يكن عصر المغول سوى نقطة تحول من نقاط التحول المتوالية في تاريخ الحضارة الإسلامية المديد. إن اتساع رقعة دولة الإسلام وعمق الحضارة الإسلامية أذابا العنصر المغولي، كما أذابا من قبل العناصر والثقافات الأخرى وخلقا بينهم وحدة عقائدية وإيمانية.
المصادر
* ابن الأثير، عز الدين علي، الكامل في التاريخ، ترجمة أبو القاسم حالت، مؤسسة مطبوعاتي علي أكبر علمي، طهران، 1355هـ ش، ج2.
* ابن بطوطة، سفرنامه ابن بطوطة، ترجمة محمد علي الموحد، بنگاه ترجمه ونشر كتاب، طـ2، طهران، 1359هـ ش.
* ابن الفوطي، أبو الفضل عبدالرزاق، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المئة السابعة، مطبعة الفرات، بغداد، 1351.
* أبو عمر عثمان منهاج الدين سراج الجوزجاني، طبقات ناصري، تصحيح عبدالحي الحبيبي، طهران، انتشارات دنياي كتاب، 1362هـ. ش، ج2.
* السبكي، تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبدالفتاح محمد الجلو، حلب، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1383هـ/ 1964م.
* العزاوي، عباس، تاريخ العراق بين احتلالين، قم، منشورات الشريف الرضي، 1410هـ، 1369هـ ش، ج1.
* الغساني، الملك الأشرف، العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك، تحقيق شاكر محمود النعم، بغداد، دار البيان، 1395هـ/ 1975م.
* إقبال آشتياني، عباس، تاريخ مغول، انتشارات أمير كبير، ط 4، طهران، 1365هـ. ش.
* بارتولد، و.و.، تركستان نامه (تركستان در عهد مغول)، ترجمة كريم كشاورز، انتشارات آگاه، ط2، طهران، 1366هـ ش، ج2.
* بياني، شيرين، دين ودولت در ايران عهد مغول (از تشكيل حكومت منطقه أى مغولان تاتشكيل حكومت ايلخاني)، ط2، طهران، 1366هـ ش، ج2.
* تاريخ سيستان، تصحيح ملك الشعراي بهار، انتشارات پديده (خاور)، طهران، ط2، 1366هـ ش.
* جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، تاريخ أيوبيان (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب)، تصحيح حسين محمد ربيع، ترجمة پرويز أتابكي، طهران، انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي، 1369هـ ش.
* الجويني، علاء الدين عطا ملك، تاريخ جهانگشا، محمد بن عبدالوهاب القزويني، انتشارات بامداد وارغوان، ط3، طهران 1327هـ ش، على أساس طبعة بريل، ليدن، 1355هـ/ 1937م.
* الحائري، عبدالهادي، إيران وجهان إسلام (بژهش هاي تاريخي پيرامون جهره ها، أنديشه ها وجنبش ها)، انتشارات قدس رضوي، مشهد، 1368هـ ش.
* الخنجي الأصفهاني، فضل الله بن روزبهان، سلوك الملوك، تصحيح محمد علي الموحد، انتشارات هوارزمي، 1362 هـ ش.
* خواندمير، تاريخ حبيب السير، بعناية دبير سياقي، كتابفروشي خيام، ط3، 1362هـ ش.
* سعدي، مشرف الدين مصلح بن عبدالله الشيرازي، كليات شيخ سعدي، تصحيح محمد علي فروغي، طهران، كتابفروشي وچاپخانه محمد علي علمي، 1336هـ ش.
* مرتضوي، منوچهر، مسايل عصر إيلخانان، انتشارات آگاه، طهران، ط2، 1370هـ ش.
* مستوفي القزويني، حمدالله، تاريخ گزبده، تصحيح إدوارد براون، انتشارات دنياي كتاب، طهران، 1361هـ ش.
* مير خواند، مير محمد ابن ان السيد برهان الدين خاوند شاه، تاريخ روضة الصفاء، انتشارات كتابفروشي هاي مركزي، خيام وپيروز، 1339هـ ش، ج5.
* النسوي، شهاب الدين محمد خرندزي زبدري، سيرت جلال الدين منكبرني، تصحيح مجتبى مينوي، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، ط2، 1365هـ ش.
* ويلتس، دوراكه، سفي ران پاپ به دربار خانان مغول، مسعود رجب نيا، انتشارات خوارزمي، طهران، 1353هـ ش.
* الهمداني، رشيد الدين فضل الله، جامع التواريخ، باهتمام بهم كريمي، انتشارات إقبال، طهران، ط3، 1367هـ ش.
* الهمداني، رشيد الدين فضل الله، تاريخ مبارك غازاني، تصحيح كارل يان، مطبعة استيفن أويستن، هركفورد، بريطانيا، 1358هـ/ 1940م.
* Cleaves, Francis Woodman, The Secret History of the Mongolos, vol. 1, London, Harvard University Press, Cambridge, 1982.
الدكتور عبد الرسول خير أنديش
الأسرة الطباطبائية
(1) الأسرة الطباطبائية: لعلّها أكبر السلائل الحسنية. وينتهي شريف نسبهم إلى إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم القمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه وعلى أولاده الطاهرين وهي طائفة كبيرة منتشرة في عواصم الإسلام وحواضرها وأطرافها وتوابعها ولكن إذا أطلق الطباطبائي في العراق وبالأخص النجف الأشرف فإنما يذهب الذهن إلى تلك الأسرة التي تتفرع من ذلك العلاّمة الكبير والسيد الشهير الذي يلقب (وحقّ له ذلك) ببحر العلوم، السيد مهدي الطباطبائي رضوان الله عليه، المتولد في السنة الخامسة والخمسين بعد الألف والمائة، الموافق تاريخها هذه الحروف (لنصرة آي الحق قد ولد المهدي)، وتوفي في الثانية عشر بعد الألف والمائتين الموافق (بغري) أو (يغرب)، وله عدّة مؤلفات شريفة أشهرها وأشرفها «المصابيح» في عدّة مجلدات، ومنظومة الفقه المشهورة «بالدرّة» المشروحة بعدّة شروح.
أمّا مقاماته العالية وكراماته الباهرة ومساعيه المشكورة وعلومه الغزيرة لهذا الاستطراد دون أنْ يأتي على شيء منها مع وضوحها واشتهارها وسطوع أنوارها.
والسيد محمد الطباطبائي هو حفيد ذلك السيد الكبير وسيد تلك الأسرة الكريمة وكبيرها، وكان من زعماء الرئاسة الدينية في النجف والمتربعين على منصة القضاء النافذ فيها. وكان له كثير شغف بالعلم والبحث والمذاكرة والتحقيق، وكتابه (بُلْغَة الفقيه) يبلغك عن طول باعه في الفقاهة أحسن البلاغ. وقد تقلبت عليه أدوار، ودالت عليه دول وأحوال ومرّت عليه شؤون حتى توفاه الله فجأة في الرابعة أو الخامسة بعد الألف والثلاثمائة والعشرين، وقد ناهز السبعين من العمر.
محمد حسين كاشف الغطاء
الأسرة القزوينية
(1) الأسرة القزوينية: من أشراف الأسر الكريمة، وبدءُ سلسلتهم في العراق تبتدىء من السيد الشريف السيد أحمد القزويني الكبير المعاصر للعلامة بحر العلوم الطباطبائي والمصاهر له على كريمته. لكن نبغ في وفور العلم وكثرة التأليف والتصنيف حفيده العلامة السيد مهدي القزويني (قدّس سرّه)، فقد منحه الله عمراً طويلاً نقده جميعاً في الكتابة والتأليف. بيد أنّ تأليفاته (طاب ثراه) ما كانت مقصورة على الفقه والأصول، بل توسّع فيها على سعة علمه، فصنَّف وأكثرَ في الفقه والأصول والرجال والحكمة والكلام والأخلاق وما يتصل بذلك بل العلوم العربية من النحو والصرف والمعاني والبيان ونظائرها. سوى أنّ من الأسف أنّ تلك الكتب الطائلة لم ينتشر شيء منها إلاَّ أقلّ القليل الذي لا يُذكر في جنب سائرها، وكلها مودوعة في خزانة كتبه عند عائلته، ولم نطلع إلاَّ على أسمائها وعلى نبذ قليلة منها.
ثم نبغ في وسط حياته الشريفة أولاده الأماثل، فذاع لهم من الصيت في العلم والشهامة والمجد والشرف والسخاء والبراعة في الآداب نظماً ونشراً وخطابةً ما لا يتسع المقام لذكر القليل منه فضلاً عن الكثير. أولئك الأعلام الأربعة الذين لا يستطيع الفضل تقديم بعضهم على بعض (إلاَّ بما يقتضيه السنّ تقديماً) على تقارب ما بينهم، فهم كأسنان المشط لا بل كنجوم الجوزاء في وسط السماء. أولئك السيد الميرزا جعفر، والسيد الميرزا صالح، والسيد محمد، والسيد حسين، وكلّهم من كريمة الشيخ العلاّمة المحقق الشيخ علي، سليل الشيخ الكبير كاشف الغطاء. وكان أكثر تحصيل أبيهم العلاّمة القزويني على الشيخ علي جدّهم المذكور، وقد انتقلوا إلى رضوان الله جميعاً. فكانت وفاة الميرزا جعفر في حياة أبيه في أواخر القرن الثالث عشر، وتوفي أبوه العلاّمة بعده)[228](.
وتُوفي بعده الميرزا صالح بسنتين أو ثلاث، وتوفي السيد حسين في السنة الرابعة أو الخامسة والعشرين بعد الثلاثمائة والألف، ولم يبق من صلب السيد إلى عصرنا هذا سوى العلامة السيد محمد، وقد أناف على السبعين)[229](.
ولو ذهبنا إلى إحصاء مؤلفاتهم ومساعيهم وجميع ما قالوا من النظم والنثر، وما قيلَ فيهم لاحتجنا إلى تأليف أكبر كتاب.
وقد قامَ للأدب في أيامهم سوقٌ راجتْ به تجاراتُهُ، ونفقتْ فيه بضائعه. وهذا ديوان الشاعر الشهير السيد حيدر الحلي رحمه الله الذي طبع قبل أعوام يشهدُ لك بذلك، فإنَّ الكثير أو الأكثر منه في تهانيهم ومراثيهم ومراسلاتهم كما تَجدُ كثيراً من القصائد الغُرر فيهم.
وقاعدة بيتهم ومركز تحصيلهم (النجف الأشرف) ويوجد الكثير منهم أعلاماً في ضواحيه ونواحيه من الحلّة وغيرها. وكانت وفاة العلامة السيد مهدي (قدّس سرّه) عند عوده من الحج في إحدى المنازل القريبة من النجف في أول القرن الرابع عشر وكان معه بعض أولاده الكرام، وقد تفنّنت الشعراء في الجمع بين التهنية والعزاء.
الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء
أصل الدين
المعنى اللغوي
الأصل: له عدة معانٍ، منها: أساس الشيء)[230](، والمراد به ما يبتني عليه غيره)[231](.
الدين: له عدة معانٍ أيضاً، منها: الانقياد)[232](، وبهذا المعنى سميت الشريعة ديناً)[233](، وباعتبار هذين المعنيين يكون المعنى اللغوي لأصول الدين هو: الأسس التي تبتني عليها الشريعة.
المعنى الاصطلاحي
لعلَّ الانبساط الأول إلى ذهن الباحث عن معنى لمصطلح في علم ما هو الرجوع إلى الكتب المتخصصة في بيان مصطلحات ذلك العلم، أو الجامعة لها، وعليه، وللوصول إلى تحديد المعنى الاصطلاحي لأصول الدين، كان لا بد من مراجعة الكتب المتخصصة باصطلاحات علم الكلام ككتاب «شرح المصطلحات الكلامية»، لكن عند مراجعته اتضح أنه يقتصر في بيان المصطلح بأمرين، الأول: تعداد أصول الدين، والثاني: تعريف أصول الدين بعلم الكلام، من دون التعرُّض لتحديد المعنى المصطلح)[234](. ولم يكن الحال أفضل عند مراجعة موسوعة «كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم» التي اكتفى مؤلفها التهانوي بذكر المعنى اللغوي للأصل، وعقَّبه بأن أصول الدين هي علم الكلام)[235](.
أما أصحاب المؤلفات الكلامية، فإنهم أكثروا من ترداد مصطلح «أصول الدين» في كتبهم، بل أكثروا من تسمية كتبهم الكلامية بهذا العنوان حتى عرض آقا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة إلى تصانيف الشيعة اثنين وثمانين عنواناً لكتب كلامية، كل منها يحمل عنوان «أصول الدين»)[236](، إضافة إلى عدد كبير من الكتب المعنونة بعناوين شبيهة، كأصول العقائد.
رغم ذلك لم ألحظ فيما قرأته من كتب علم الكلام تحديداً هندسياً واضحاً لهذا المصطلح، فعمَّمه بعضهم لكل العقائد التي تمثل القاعدة للدين، كما يظهر من كلام محمد تقي مصباح يزدي ـ وهو أحد أساتذة الفلسفة المعاصرين في إيران ـ حيث قال: «إن الدين يتألف من قسمين رئيسين:
1 ـ العقيدة أو العقائد التي تمثل الأساس والقاعدة له.
2 ـ التعاليم والأحكام العملية الملائمة لذلك الأساس، أو الأسس العقائدية، والمنبثقة في واقعها من تلك الأسس.
ومن هنا كان من المناسب أن يُسمَّى قسم العقائد من الدين بـ«الأصول»، وقسم الأحكام العملية بـ«الفروع»)[237](.
ويُلاحظ على هذا التعميم لمصطلح أصول الدين ـ أنه شاع بين العلماء التفريق بين أصول الدين، وأصول المذهب، رغم كون أصول المذهب من المسائل العقائدية، وكذا بينه وبين ضرورة الدين، إضافة إلى ضرورة المذهب، رغم كون جملة من ضرورات الدين والمذهب من العقائديات أيضاً، وهذا يعني أن مصطلح أصول الدين يستعمل بمعنى لا يشمل الأمور العقائدية كلها، بل قسماً خاصاً منها، وهذا ما اعترف به محمد تقي مصباح يزدي في كلام آخر له حيث ذكر أن هناك اصطلاحاً خاصاً لأصول الدين يختص بالمعتقدات الأساسية دون غيرها)[238](.
وهذا ما يفتح لنا نافذة لتحديد المعنى الاصطلاحي لأصول الدين الذي لم يرد في الكتاب الكريم ولا في أحاديث المعصومين عليهم السلام: ولعل هذا من أسباب عدم اهتمام العلماء بتحديد هذا المصطلح.
وهناك نافذة أخرى نطلُّ من خلالها لتحديد المعنى الاصطلاحي لأصول الدين، وهو تتبع كلام الفقهاء في أبحاثهم الاستدلالية عند الكلام عن الكافر الذي بحثوا عن الأحكام الشرعية المتعلقة به في مواطن عديدة من كتبهم، كباب الارتداد، والإرث والنجاسات، والملاحظ في هذه الكتب أن بحث الفقهاء فيها عن تحديد معنى الكافر ساقهم للبحث عن مكوِّنات الهوية الإسلامية بما يفسِّر بشكل واضح سرَّ اختلاف العلماء في تحديد عدد أصول الدين.
ومن خلال ما تقدم يمكن الإطلالة على ما اختزنه الكثير من العماء من معنى اصطلاحي لأصول الدين دون التصريح عنه، مع التأكيد أن بعضاً منهم استعمل هذا المصطلح بما ينسجم مع المعنى اللغوي العام دون تحديد معنى خاص به.
وقبل صياغة التعريف الاصطلاحي لأصول الدين يحسن إلقاء الضوء على أمرين مهمَّين:
الأمر الأول: بما أن هذا البحث يقتصر على الدين الإسلامي، فإن أصول هذا الدين هي عبارة عن العناصر الأساسية التي يحقِّق الإيمان بها الهوية الإسلامية.
الأمر الثاني: أن هذه العناصر التي يحقِّق الإيمان بها الهوية الإسلامية على نوعين:
النوع الأول: عناصر لا بد من الإيمان بها على كل حال لتحقيق هوية الإسلام، من دون فرق بين صورة وأخرى، فلو لم يتحقق الإيمان بهذه العناصر من الإنسان، فإنه لا يحكم بإسلامه، حتى لو كان عدم تحققها عن جهل، أو غفلة، أو شبهة، وغيرها. ومثالها: الإيمان بنبوّة خاتم الأنبياء محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم ، فلو أن شخصاً آمن بوحدانية الله تعالى، لكنه لم يؤمن بنبوّته: لشبهة اعترته، أو لجهل دون عناد، فإنه لا يكون مسلماً.
ويعبَّر عن هذه العناصر بأنها التي يكون للإيمان بها موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية، والمقصود من «لها موضوعية» أنها لا بد أن تتحقق على كل حال.
النوع الثاني: عناصر قد يكون لها دخالة في تحقيق هوية الإسلام، لكن في بعض الحالات دون بعض آخر. ومثالها: الإيمان بضغطة القبر؛ فإن عدم الإيمان بها لا يُخرِج من الإسلام في جميع الحالات والصور، بل القدر المتيقَّن هو أن منكر ضغطة القبر يَخرُج من الإسلام إذا كان إنكاره يرجع إلى تكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، أو إنكار رسالته.
لذا فإن الإيمان بضغطة القبر ليس له موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية.
وأصول الدين كما يفهم من كلمات العلماء هي ما كانت من النوع الأول.
قال أبو القاسم الخوئي رحمه الله ـ على ما قرَّره تلميذه علي الغروي رحمه الله ـ: «قد اعتُبِرَ في الشريعة المقدسة أمور على وجه الموضوعية في تحقق الإسلام، بمعنى أن إنكارها، أو الجهل بها يقتضي الحكم بكفر جاهلها، أو منكرها، وإن لم يستحق بذلك العقاب؛ لاستناد جهله إلى قصوره وكونه من المستضعفين.
«فمنها»: الاعتراف بوجوده جلت عظمته، ووحدانيته في قبال الشرك، وتدل على اعتبار ذلك جملة من الآيات والروايات، وهي من الكثرة بمكان.
«ومنها»: الاعتراف بنبوة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ورسالته، وهو أيضاً مدلول جملة وافية من الآيات والروايات، منها: قوله عزَّ من قائل: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، وَادَّعُواْ شُهَدَاءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ*})[239](.
«ومنها»: الاعتراف بالمعاد)[240](.
إن عرض تمام الكلام السابق لأبي القاسم الخوئي رحمه الله كان لإعطاء مثال على ما مرَّ سابقاً، فأبو القاسم الخوئي رحمه الله ـ وهو من الفقهاء الكبار ـ قد ورد كلامه كتعليق على حكم فقهي بنجاسة الكافر، فناسب ذلك الحديث عن محدِّدات الهوية الإسلامية، ثم عقَّب ذلك ببيان الأمور التي تحقِّق هذه الهوية، فحصرها بالعناوين الثلاثة المتقدمة التي من الواضح انطباق مصطلح أصول الدين عليها. وهي ـ أي العناوين الثلاثة ـ التي اعتبرها محمد تقي مصباح اليزدي العقائد الأساسية، والأصلية التي يطلق عليها أصول الدين بالاصطلاح الخاص)[241](.
بعدما تقدم يمكن لنا صياغة تعريف لمصطلح أصول الدين هو التالي: «العناصر التي يكون للإيمان بها موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية».
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن أبا القاسم الخوئي رحمه الله أثناء حديثه عما يحقق الهوية الإسلامية ميَّز في تحقق هذه الهوية بين عالمي الدنيا والآخرة، حيث تكون الهوية الإسلامية في عالم الآخرة نتاج الإيمان الحقيقي الواقعي، بينما المقصود من هذه الهوية في الدنيا هو ما يترتب عليه آثار الإسلام فيها من حرمة المال، والدم، والعرْض، وأحكام الزواج، وغير ذلك، وقد اعتبر الخوئي رحمه الله أن الأصول الثلاثة التي ذكرها وعرضناها سابقاً هي ما يحقق هوية الإسلام في الدنيا)[242](.
عدد أصول الدين
وعلى كلٍّ فإن المتتبع لكلمات العلماء، لا سيَّما الكلاميين منهم، يلاحظ أن عدد أصول الدين يتراوح عندهم بين الأعداد التالية:
1 ـ خمسة، هي: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، والمعاد.
2 ـ ثلاثة، هي: التوحيد، النبوة، والمعاد.
3 ـ اثنان، هي: التوحيد، والنبوة.
والبحث الأساس سيدور حول كون أصول الدين ثلاثة أو اثنين؛ وذلك لأن نتيجة هذا البحث ستوضِّح حال الاتجاه الأول (إن عددها خمسة)، فضلاً عن أن الكثير ممن أفاد بكون أصول الدين خمسة لم يرد المعنى الاصطلاحي السابق، بل خلط في بعضها بين أصول الدين وأصول المذهب، وفي بعضها الآخر بين أصول الدين وفروع أخرى، كما سيتبيَّن لاحقاً.
وبحصر البحث ودورانه بين الأصول الثلاثة، والأصلين، فإن السؤال الأساس سيتوجه نحو «المعاد»: هل هو أصل ديني بالمعنى الاصطلاحي المتقدم، أم لا؟
وقبل الجواب لا بدَّ من التأكيد على عدم الخلاف بين علماء الإسلام في كون منكر المعاد، وهو ملتفت إلى أن إنكاره ملازم لتكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، أو إنكار رسالته، هو كافر بلا شك، إلا أن الكلام هو في كون المعاد من العناصر التي لها موضوعية في تحقيق هوية الإسلام، بحيث يقال: إن من لا يؤمن به ولو لجهل، أو غفلة، أو شبهة، مع إيمانه بالتوحيد وبنبوة محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم هو كافر، وليس بمسلم.
والجواب الذي يقتضيه السير العلمي الصحيح هو أن أصول الدين الإسلامي بالمعنى الاصطلاحي السابق تنحصر بالتوحيد)[243]( والنبوة الخاصة (نبوة محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم)، فيكفي الإقرار بهذين الأصلين للحكم على المقرِّ بهما بأنه مسلم)[244](، وإن لم يعتقد بالمعاد لجهل، أو غفلة، ونحوهما، مع التأكيد أن لا يكون ذلك مستلزماً لتكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو إنكار رسالته.
وهذا هو مفاد كلام الكثير من علماء الإسلام، حتى أن أبا القاسم الخوئي رحمه الله نفسه الذي اعتبر المعاد أصلاً ـ كما تقدم ـ اعترف أن الفقهاء أهملوا عدَّ المعاد من جملة أصول الدين)[245](.
ونتعرض هنا لكلام نخبة من كبار العلماء الذين لم يعدُّوا المعاد من جملة أصول الدين ـ بحسب المعنى المحدّد سابقاً ـ:
قال مرتضى الأنصاري (ت1281هـ) ـ وهو من كبار علماء الشيعة وأبرزهم ـ: «… فإن المقصود أنه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد، والتصديق بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وبكونه رسولاً صادقاً فيما يبلِّغ»)[246](.
أكَّد الفقيه والمتكلِّم مقداد بن عبدالله السيروي الحلي (ت826هـ) أن الإسلام هو الإقرار بالشهادتين)[247](.
وقال عبدالأعلى السبزوراي رحمه الله: «لا ريب أنه (أي الإسلام) عبارة عن الشهادتين فمع الإقرار بهما يتحقق أصل الإسلام»)[248](.
وقال محمد كاظم الطباطبائي اليزدي في كتابه المعروف «العروة الوثقى»: «والمراد بالكافر من كان منكراً للألوهية، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ضرورياً من ضروريات الدين، مع الالتفات إلى كونه ضرورياً، بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة»)[249](.
فهو قد حدَّد الكافر بإنكار الألوهية، أو التوحيد، أو الرسالة، ثم تعرَّض لإنكار ضروريات الدين مقيِّداً الحكم بكفر المنكر بها بالالتفات إلى كونها من ضرورياته بحيث يرجع إنكارها إلى إنكار الرسالة، وما ذلك إلا لخصوصية في هذه العناوين الثلاثة التي يمكن اختصارها بعنوانين هما: التوحيد والرسالة؛ لكون التوحيد يتضمن الإيمان بوجود الله تعالى. وهذه الخصوصية هي كونهما أصلي دين، لا ضرورتين من ضرورياته.
من هنا علَّق أبو القاسم الخوئي رحمه الله على كلام اليزدي رحمه الله بعد كلمة «أو الرسالة» مباشرة بقوله: «أو المعاد»)[250]( لكونه يعتبره أصلاً ثالثاً.
وكذلك فعل حسن القمي رحمه الله في تعليقته على هذه العبارة في العروة الوثقى)[251](.
وكلام اليزدي المذكور آنفاً لا يمثل رأيه فقط، بل إضافة إليه يمثِّل آراء ثمانية من فقهاء الشيعة ـ بعد استثناء أبي القاسم الخوئي وحسن القمي ـ وهم: روح الله الموسوي الخميني، محمد رضا الكلبايكاني، شهاب الدين المرعشي النجفي، محمد كاظم الشريعتمداري، أبو الحسن الرفيعي، محمود الشاهرودي، محمد الهادي الميلاني، وأحمد الخونساري، وذلك لأن كتاب العروة الوثقى هو رسالة عملية علَّق عليها عشرة فقهاء متَّبعين منهجاً مفاده أن عدم التعليق على المتن يفيد تبنِّي الرأي الموجود فيه.
وعليه يكون ما ذكره اليزدي رحمه الله من تحديد الكفر، والذي لازمه تحديد الهوية الإسلامية بالأصلين يمثل آراء الفقهاء الثمانية الآخرين.
أدلة القائلين بثنائية أصول الدين
وقد استدل على انحصار أصول الدين بالتوحيد والنبوة الخاصة بعدة أدلة منها:
الدليل الأول: السيرة المشهورة للنبي الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلم من أنه كان يقبل الإسلام ممن تشهَّد بالشهادتين، من دون أن يلزمه بأية إضافة أخرى.
الدليل الثاني: رواية جميل بن درَّاج ـ وهي صحيحة سنداً ـ قال: سألت أبا عبدالله (أي الإمام الصادق عليه السلام) عن الإيمان، فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»)[252](.
فمقتضى إطلاق هذه الرواية عدم اعتبار الإقرار بشيء آخر في تحقق الهوية الإسلامية)[253](.
الدليل الثالث: رواية سماعة عن الإمام الصادق عليه السلام ـ وهي رواية معتبرة السند)[254]( ـ: «الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، به حُقِنَت الدماء، وعليه جرت المناكح، وعلى ظاهره جماعة الناس»)[255](.
وقد استدلَّ بهذه الرواية على أن الهوية الإسلامية تتحقق فقط بهذين الأصلين ثلة من العلماء الكبار من بينهم: الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه)[256](، وعلي الطباطبائي في رياض المسائل)[257]( ومحمد صادق الروحاني في فقه الصادق)[258](.
ويؤيد انحصار أصول الدين بالتوحيد والنبوة رواية محمد بن سالم عن الإمام أبي جعفر (أي الإمام الباقر عليه السلام) أنه قال: «… ثم بعث الله محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشرين سنة أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم رسول الله، إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذِّب الله أحداً ممن مات، وهو متَّبِع لمحمد صلَّى الله عليه وآله وسلم على ذلك إلا من أشرك بالرحمن»)[259](.
وقد علَّق مرتضى الأنصاري على هذه الرواية قائلاً: «وهو إيمان التصديق؛ فإن الظاهر أن حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حدِّ الكفر الموجب للخلود في النار لم تتغيَّر بعد انتشار الشريعة»)[260](.
وخلاصة ما تقدم أن العناصر التي لها موضوعية في تحقيق الهوية الإسلامية تنحصر بأصلين هما: التوحيد، ونبوة محمد بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
أدلة القائلين بثلاثية أصول الدين
ورغم الأدلة السابقة على انحصار أصول الدين بأصلين، فإن بعض العلماء صرَّح بكونها ثلاثة، بإضافة المعاد إلى التوحيد والنبوة)[261](، وإن كان بعض هؤلاء أطلق قوله من دون تحديد دقيق للمعنى المراد من الأصل.
ومن هؤلاء الأعلام القائلين بثلاثية أصول الدين أبو القاسم الخوئي رحمه الله الذي استدل على كون المعاد أصلاً ثالثاً بعدة آيات قرآنية قرن الله تعالى فيها الإيمان به بالإيمان بالمعاد)[262](.
والآيات التي عرضها رحمه الله هي التالية:
1 ـ قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[263](.
2 ـ قوله تعالى: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[264](.
3 ـ قوله تعالى: {مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[265](.
4 ـ قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[266](.
وبعد استعراض هذه الآيات قال الخوئي رحمه الله: «ولا مناص معها من اعتبار الإقرار بالمعاد على وجه الموضوعية في تحقق الإسلام»)[267](.
وكأنَّ الخوئي رحمه الله استظهر «من عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله أنه كالإيمان به في كونه دخيلاً في الإسلام، وكفر منكره»)[268](.
لكن يُلاحظ على ما قدَّمه أن مجرد عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله لا يدل على أنهما من قبيل واحد، وأن كلاًّ منهما له موضوعية في تحقيق هوية الإسلام، بل قد يُحمل العطف على معنى آخر، كأن يُحمل على التهديد كما في الآية الثانية، وهو ما قد يفهم من خلال مطلع هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ})[269](.
فالعطف في هذه الآية قد يكون من باب تهديد من يكتُمنَ ذلك بعقاب يوم القيامة. وعلى هذا النحو تُحمل باقي الآيات.
فدخالة الإيمان بالمعاد في الإسلام «إنما هو باعتبار كونه من أوضح، وأبده ما اشتملت عليه الرسالة، وليس قيداً مستقلاً في الإسلام»)[270]( أي لا موضوعية له في تحقيق الهوية الإسلامية.
والنتيجة أنه لم يستقم ما طرح كدليل على وجود أصل ثالث للدين الإسلامي لِيُضاف إلى التوحيد، والنبوة الخاصة.
أكرم بركات
أصل المذهب
المعنى اللغوي
لـ«الأصل» لغةً عدة معانٍ منها أساس الشيء، أي: ما يبتني عليه غيره.
أما «المذهب» فهو مَفْعل من الذهاب)[271](، يأتي بمعنى الطريقة، فيقال: ذهب فلان مذهباً حسناً، أي طريقة حسنة، ويستعمل أيضاً بمعنى «المعتقد الذي يذهب إليه»)[272](.
وقد استفاد المرتضى رحمه الله ـ وهو من كبار علماء الشيعة المتقدمين ـ من هذا المعنى ليعرفه بأنه «اعتقاد يستمر عليه صاحبه على جهة التدين»)[273](.
لذا سميت الاتجاهات الفكرية التي يعبَّر كلٌّ منها عن فهم خاص للدين الإسلامي بالمذاهب، فيقال: مذهب الأشاعرة، ومذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة.
المعنى الاصطلاحي
من خلال ملاحظة تعريف مصطلح أصول الدين يمكن معرفة المعنى الاصطلاحي لأصول المذهب، بل يمكن صياغة تعريف له على نفس منوال التعريف لأصول الدين، وهو:
أصول المذهب هي «العناصر التي يكون للإيمان بها موضوعية في تحقيق الهوية المذهبية». وإن أريد تعريف أصول المذهب الإمامي يقال: «الإمامية» مكان «المذهبية»، أو بعدها.
ويتمثل أصل المذهب عند الإمامية في إمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام فإن لاعتقاد إمامتهم موضوعية في تحقيق هوية التشيع الإمامي، فلو لم يتحقق هذا الإيمان والاعتقاد في شخص، فإنه لا يكون إمامياً، ولا تترتب عليه آثار هذا التشيع، كجواز تقليده، ونحوه، حتى لو كان عدم إيمانه بالأئمة عليهم السلام عن جهل، أو شبهة، ونحوهما.
وهذا بخلاف بعض المعتقدات التي طرحتها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فإن عدم الإيمان بها لجهل، ونحوه قد لا يُخرِج عن المذهب الحقّ.
عدد أصول المذهب
تعارف القول بأن أصول الدين عند الشيعة الإمامية خمسة: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.
وقد فصَّل البعض في ذلك فقال: إن ثلاثة من هذه الخمسة تتحقق بها هوية الإسلام وهي: التوحيد، والنبوة، والمعاد، وإن اثنين منها تتحقق بهما هوية التشيّع الإمامي، وهما: العدل والإمامة.
وقد تقدم الكلام تحت عنوان أصل الدين عن العناصر التي تحقق الهوية الإسلامية، وفي أنها ثلاثة، أو اثنان.
بقي الكلام فيما تتحقق به هوية التشيع الإمامي، وهي العناصر الزائدة على أصول الدين، فمما لا شك فيه ولا خلاف أن الاعتقاد بالأئمة الإثني عشر عنصرٌ له موضوعية في تحقيق الهوية الشيعية ـ كما تقدم ـ فمن لا يؤمن به عمداً، أو جهلاً، أو لشبهة، أو لغير ذلك، فهو خارج من المذهب الإمامي.
أما العدل فهو ـ باعتباره صفة من صفات الله تعالى ـ من صميم الدين عند كل المذاهب الإسلامية، بدون إنكار من أحد، فهو بهذا الاعتبار ليس من أصول المذهب بالمعنى الاصطلاحي، بل حاله حال باقي صفات الله تعالى. وعليه قد يتساءل عن السرَّ في عدِّه أصلاً من أصول مذهب الشيعة الإمامية)[274](.
والجواب هو أنه حصل خلاف بين المذاهب الإسلامية في تفسير عدله تعالى، وبالتحديد اختلفوا في أن الأفعال الصادرة عن الفاعل المريد، هل تتصف بالحسن والقبح، بحيث يستطيع العقل البشري أن يُدرك حسنها وقبحها؟ أي هل يوجد في الواقع حسن ذاتي للأشياء وقبح ذاتي لها؟ أم أنه لا يوجد حسن ذاتي، ولا قبح كذلك، وإنما الحسن ما حسَّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه.
اختار المذهب الشيعي وكذا المعتزلة الرأي الأول المثبت للحسن والقبح العقليين، بينما اختار الأشاعرة الرأي الثاني النافي للحسن والقبح العقليين.
وهذا الخلاف له أهمية بالغة في البناء العقائدي)[275](، فمن باب المثال، فإنه على مذهب الأشاعرة لو كلَّف الله العباد بما لا يقدرون عليه، فليس قبيحاً، بل هو حسن؛ لأنه فعل الشارع، بينما قالت العدلية (الشيعية والمعتزلة): إن العقل يدرك أن هذا قبيح، ولا يمكن أن يصدر من الله الغني الحكيم، وعليه، فإن مذهب الأشاعرة، وإن ذهب ظاهراً إلى أن الله عادل، إلا أنه ينكر العدالة الواقعية القائمة على أساس يكتشفه العقل من خلال معرفته بالحسن والقبح.
لذا أضحى من سمات المذهب الإمامي القول بعدل الله، حتى سمي الإماميون بالعدلية كما تقدم.
من هنا نعلم أنَّ «العدل» هو كغيره من صفات الله تعالى كالعلم، والقدرة، والحياة، إلا أنه عُنْون بعنوان «أصل» لوقوع النزاع فيه، وإلا لولا هذا الخلاف القائم فيه لما كان على قائمة أصول المذهب، كما هو حال غيره من صفات الله تعالى)[276](.
يقول المطهري رحمه الله: «عدله تعالى باعتباره من مسلّمات القرآن، وضروريات الدين، من أصول العقيدة، وصميم الدين، لكن هذا ليس مما يختص به، بل الأمر في العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة كذلك، إلا أن العدل إنما عُدَّ من أصول مذهب العدلية؛ ليكون مميِّزاً ومعرِّفاً لمذهبهم»)[277](.
والنتيجة: أن العدل ليس أصلاً مذهبياً بالمعنى الاصطلاحي السابق بحيث يكون الاعتقاد به هو المحور الأساس الذي يقرِّر الهوية الإمامية للمسلم.
وعليه فأصول المذهب الإمامي ـ بالمعنى الاصطلاحي السابق ـ تنحصر بالإيمان بالأئمة الإثني عشر سلام الله تعالى عليهم.
أكرم بركات
أصول السيرة النبوية
وتطوراتها في القرنين الأول والثاني
لا شك في الأهمية الكبرى التي كانت لأقوال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأعماله في حياته، وأكثر منها بعد وفاته.
ومن الطبيعي أن تورث هذه الأهمية عناية بتدوين تفاصيل حياته وجمع الأخبار والأحاديث عنه صلَّى الله عليه وآله وسلم، وطبيعي أيضاً أن تكون القصص الشعبية عن سيرته موجودة في حياته، معتنىً بها ـ كحال الناس في العناية بقصص الأنبياء من قبل ـ وطبيعي أن يكون بعض الصحابة قد تفوَّق على أقرانه في علمه بسيرته ومغازيه.
كتّاب السيرة الأوائل
إن أول من صنّف فيها هو عُروة بن الزبير بن العوام (ت92هـ) وذكر ابن سعد في كتابه «الطبقات» ما يفيد: إن أول من تخصص فيها هو أبان بن عثمان بن عفان (ت105هـ)، روى بعضها عنه المغيرة بن عبدالرحمن. ثم تنبه إلى جمع أخبارها والتحديث بها وهب بن منبّه اليمني (ت110هـ) ثم عاصم بن عمر بن قتادة (ت120هـ) الذي يروي عنه ابن إسحاق بعض أخبار سيرته ـ كخبره عن دعاء النبي للاستسقاء في طريق تبوك، وكثرة النفاق ـ ثم شرحبيل بن سعد الشامي (ت123هـ) ثم عبدالله بن أبي بكر بن حزم القاضي (ت135هـ) الذي طلب منه عمر بن عبدالعزيز أن يكتب إليه ما عنده من الأحاديث فنشرها بين الناس. ثم موسى بن عقبة (ت141هـ) ثم معمر بن راشد (ت150هـ) ثم محمد بن إسحاق بن يسار المدني ـ وقيل بشار ـ بن خيار من سبي عين تمر بالعراق (ت153هـ) ثم راويته زياد بن عبدالملك البكّائي الكوفي العامري (ت183هـ) ثم محمد بن عمر بن واقد المعروف بالواقدي صاحب كتاب المغازي (ت207هـ) ثم راوية ابن زياد البكّائي عن ابن إسحاق: عبدالملك بن هشام الحِمْيَري اليمني البصري (ت218هـ).
ولم يصلنا من كُتب هؤلاء شيء سوى سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام عن البكّائي عن ابن إسحاق، ومغازي الواقدي، اللهم إلا روايات في طيات أمهات المصادر التأريخية فيما بعد.
المؤرخون الأوائل
وإلى جانب هؤلاء ظهر من لم يقتصر على أخبار سيرة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم، بل جمع إليها أخبار الجاهلية قبل الإسلام، ثم أخبار الخلفاء بعده، أو جمع أخبار بعض الخلفاء، أو الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فقط، فكانوا مؤرخين بالمعنى العام. منهم: محمد بن السائب الكلبي الكوفي النسّابة (ت146هـ) وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الكوفي (ت157هـ) وهشام بن محمد الكلبي الكوفي (ت206هـ) ونصر بن مزاحم المنقري الكوفي (ت212هـ) وعبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت274هـ) وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري(ت 279هـ) وإبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي الأصبهاني (ت283هـ) وأبو الفرج علي بن الحسين الأموي الأصبهاني (ت284هـ) وأحمد بن واضح بن يعقوب البغدادي (ت292هـ) ومحمد بن جرير الطبري (ت310هـ) وعلي بن الحسين المسعودي البغدادي (ت346هـ) ومحمد بن محمد بن النعمان التَّلعكبري المفيد (ت413هـ).
الأثر الباقي في السيرة
عرفنا أن الكتابة في سيرة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كانت قد حصلت في التابعين وتابعي التابعين، كما رأينا قائمة أسمائهم وتواريخ وفياتهم، ولكنها لم تكن كثيرة، بل هي مهما أطلنا الحديث عنها كانت قليلة جداً، لا تعدو أن تكون صحفاً فيها بعض الأخبار عن سيرة المختار صلَّى الله عليه وآله وسلم.
أما الكتاب الذي كُتب له الموفّقية والنجاح وشهرة الاعتماد والوثوق فهو سيرة محمد بن إسحاق، التي ألّفها في أوائل أيام العباسيين.
يروون أنه دخل يوماً على المنصور وبين يديه ابنه المهدي، فقال له المنصور: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين: فقال: اذهب فصنّف له كتاباً منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى يومنا هذا. فذهب ابن إسحاق فصنّف له الكتاب وأتاه به فلما رآه قال: لقد طوّلته يا ابن إسحاق فاذهب فاختصره. فاختصره، وأُلقي الكتاب الكبير في خزانة الخليفة.
وفي هذا المعنى رُوي عن ابن عَدي الرجالي المعروف أنه كان يقول في ابن إسحاق: «لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ومبعثه ومبتدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق، وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد ما تهيأ أن يُقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ واتهم في الشيء كما يخطىء غيره. ولم يتخلَّف في الرواية عنه الثقات والأئمة الأثبات، أخرج له مسلم في المبايعات، واستشهد به البخاري في مواضع، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة».
ثم أصبح ابن إسحاق في الحقيقة عمدة المؤلفين في السيرة، فما من كاتب في السيرة إلا وهو مستمد منه وراوٍ عنه، اللهم إلا ما نأتي عليه من مغازي الواقدي ورواية كاتبه ابن سعد عنه، وما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكذلك أصبح كتاب ابن إسحاق عُمدة الكتب في السيرة لقرائها منذ أن «كتبه إلى يومنا هذا ـ ولا سيما بعد تهذيبها من قبل ابن هشام ـ بحيث أنك لا تكاد تجد رجلاً يدرس سيرة الرسول الكريم إلا وكتاب ابن إسحاق كتابه الأول والأُم في ذلك.
عمل ابن هشام في سيرة ابن إسحاق
وقد جاء بعده عبدالملك بن هشام الحميري البصري (ت218هـ) بنصف قرنٍ تقريباً، فروى سيرة ابن إسحاق برواية زياد بن عبدالملك البكّائي العامري الكوفي (ت183هـ) ولكنه لم يروها كما هي بل تناولها بكثير من التمرير والاختصار والإضافة والنقد أحياناً، والمعارضة بروايات أُخر لغيره، عبَّر عن أعماله هذه بقوله في صدر سيرته: «وأنا إن شاء الله مبتدىء هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن وَلد رسول الله من وُلده، أولادهم لأصلابهم الأول فالأول من إسماعيل إلى رسول الله، وما يعرض من حديثهم ـ وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل للاختصار ـ إلى حديث سيرة رسول الله. وتارك بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شيء. وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيراً له ولا شاهداً عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أرَ أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به (!) وبعض يسوء بعض الناس ذكره (!) وبعض لم يُقرّ لنا البكّائي بروايته (!) ومُستَقصٍ ـ إن شاء الله تعالى ـ ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به»)[278](.
إذاً فقد أسقط ابن هشام من عمل ابن إسحاق: تأريخ الأنبياء من آدم إلى إبراهيم، ومن ولد إسماعيل من ليس في عمود النسب النبوي الشريف، كما حذف من الأخبار ما يسوء بعض الناس! ومن الشعر ما لم يثبت لديه. ولكنه زاد فيه مما ثبتت لديه من رواية، ولذلك نُسبت السيرة إليه وعُرفت به، حتى لا يكاد يذكر ابن إسحاق معه، فقد عُرفت سيرة ابن إسحاق بين العلماء منذ عهد بعيد باسم سيرة ابن هشام، لما له فيها من رواية وتهذيب، وبهذا الصدد قال ابن خلكان في ترجمة ابن هشام: «وابن هشام هذا هو الذي جمع سيرة رسول الله من المغازي والسير لابن إسحاق وهذَّبها ولخّصها، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هشام».
ولم تنقطع العناية بالتأليف في السيرة إلى يومنا هذا، إلا أن الموضوع في ذاته ليس أمراً يقوم على التجارب، أو فكرة يقيمها برهان وينقصها برهان، شأن النظريات العلمية التي نرى تجديدها وتغييرها على مر السنين، وإنما هو من العلوم النقلية لا العقلية، فكان المشتغلون به أولاً محدّثين ناقلين، ثم جاء من بعدهم جامعين مبوِّبين ثم ناقدين معلِّقين.
ولم يكن قابلاً للتجديد في جوهره، إلا بمقدار قليل حسب النقد الدقيق، وإنما كان التجديد في أشكاله وصوره شرحاً أو اختصاراً، أو شيئاً من النقد قليلاً مشيراً إلى ما فيه من أخطاء.
ولعلَّ الذين تناولوا السيرة بالتلخيص والاختصار، إنما خفَّفوا من ثقل الكتاب بعض أخباره التي استبعدوها غير مؤمنين بصحّتها، ناقلين من الأخبار ما يرون فيها القرب من الحقّ، ومستبعدين ما لا يجري في ذلك مع فكرتهم وعقيدتهم مفنَّدين إياه رادِّين له.
ولعل من علل انتشار أخبار ابن إسحاق ثم كتابه في السيرة كثرة رحلاته، فالراجح في تأريخ مولده في المدينة أنه كان سنة 85هـ، ولا يرتاب الرجاليون وأصحاب الطبقات في أنه أمضى شبابه في المدينة فتىً جميلاً «فارسي الخلقة» جذّاب الوجه له شعرة حسنة، ولذلك حكى ابن النديم بشأنه في فهرسته: أنه اتهم بأنه يجلس في مؤخر المسجد للصلاة فيُغازل بعض النساء، فأمر أمير المدينة بإحضاره وضربه أسواطاً ونهاه عن الجلوس في مؤخّر المسجد. ولعله لهذا لم يروِ عنه من أهل المدينة غير راوٍ واحدٍ هو إبراهيم بن سعد فحسب)[279](.
ولعلَّه لهذا رحل منها سنة 115هـ. أي في الثلاثين من عمره إلى الإسكندرية في مصر، ويُظنّ أنها أُولى رحلاته، فانفرد بروايته أحاديث عن عدة من رجال الحديث بها. ثم رحل إلى الكوفة والبحيرة، ولعله بها التقى بالمنصور فصنَّف لابنه المهدي كتاب السيرة كما سبق، فرواها عنه زياد بن عبدالملك البكّائي العامري وغيره، ورحل إلى الجزيرة أي الموصل، والرّي حتى إذا بُنيت بغداد فرجع إليها وفيها ألقى عصا الترحال، وله من كل هذه البلدان رواة كثيرون. وعاش في بغداد حتى توفّي بها فدُفن في مقابر الخيزران.
وقد كان ابن إسحاق يُعد في طبقة تلامذة عبدالملك بن شهاب الزُّهري وأقرانه، وله عنه روايات، ونقل أصحاب الطبقات أن شيخه ابن شهاب الزهري لم يكن يتّهمه بشيء بل كان يوثّقه، وتبعه في توثيق ابن إسحاق من الفقهاء الأئمة سفيان الثوري وشعبة، بالإضافة إلى رواية زياد بن عبدالملك البكّائي عنه. وإن كان هشام بن عروة بن الزبير من رواة السيرة، ومالك بن أنس من أئمة الفقهاء يتحاملان عليه بالجرح والتضعيف ويتّهمانه بالكذب والدجل والتدليس، والقول بالقدر، والنقل عن غير الثقات، وأخطاء في الأنساب. ولكن لعله لأن ابن إسحاق كان يطعن في نسب مالك وعلمه ويقول: إيتوني ببعض كتبه حتى أُبين لكم عيوبه، فأنا بيطار كتبه! إذاً فالحملة متقابلة من الطرفين، والتضعيف ضعيف لأنه معلوم الوجه والعلة «الشخصية».
مغازي الواقدي
أما الواقدي محمد بن عمر بن واقد مولى بني سهم، فقد ذكر تلميذه ابن سعد في (الطبقات الكبرى) أنه ولد في المدينة سنة 130هـ أي بعد خروج ابن إسحاق منها بخمسة عشر عاماً، ولذلك لم يَرْوِ عنه وإن كان قد روى عن سائر رواة الأخبار عن الزهري، مع تشابه كبير بين فقرات كتاب السيرة لابن إسحاق وكتاب المغازي للواقدي، ولذلك زعم مستشرقان هما (فلهوزن وهورفتس) أنه سرق منه ولم يسنده إليه، وفنّد زعمهما مستشرق آخر هو (مارسدن جونس) محقق المغازي كما في مقدِّمته للكتاب)[280](، ثم احتمل أن يكون الواقدي قد أعرض عن الرواية عن ابن إسحاق نظراً إلى عدم توثيق علماء المدينة له.
ثم قال: يبدو واضحاً للقارىء الحديث أن من أهم السِّمات التي تجعل الواقدي في منزلة خاصة بين أصحاب السير والمغازي تطبيقه المنهج التأريخي العلمي الفنّي، فإنا نلاحظ عند الواقدي ـ أكثر مما نلاحظ عند غيره من المؤرخين المتقدمين ـ أنه كان يرتّب التفاصيل المختلفة للحوادث بطريقة منطقية لا تتغير، فهو مثلاً يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار، ثم يذكر المغازي واحدة واحدة مع تأريخ محدد للغزوة بدقة، وغالباً ما يذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة، ثم يذكر المغازي التي غزاها النبي بنفسه، وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته، وأخيراً يذكر شعار المسلمين في القتال، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه لكل غزوة بأسلوب موحد: فيذكر أولاً اسم الغزوة وتأريخها وأميرها.
وكثيراً ما يقدِّم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع، أي يجمع الرجال والأسانيد في متن واحد، وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيات كثيرة من القرآن الكريم، فإن الواقدي يفردها وحدها مع تفسيرها ويضعها في نهاية أخبار الغزوة، وفي المغازي المهمة يذكر الواقدي أسماء الذين استشهدوا فيها.
وإن ما أورده في الكتاب من التفاصيل الجغرافية ليوحي بجهده ومعرفته للدقائق في الأخبار التي جمعها في رحلته إلى شرق الأرض وغربها طلباً للعلم)[281](. وقد روى ابن عساكر والخطيب البغدادي وابن سيد الناس)[282]( عن الواقدي أنه قال: ما أدركت رجلاً من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء، ولا مولى لهم إلاَّ سألته: هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قُتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأُعاينه، وما عَلِمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع فأُعاينه، حتى لقد مضيت إلى «المريسيع» فنظرت إليها.
ورووا عن هارون الغروي قال: رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة فقلت: أين تريد؟ قال: أريد أن أمضي إلى حُنين حتى أرى الموضع والوقعة.
ويشهد لنباهة الواقدي بهذا الشأن ما قصّه تلميذه وراويته ابن سعد في الطبقات: أن هارون الرشيد ويحيى بن خالد البرمكي حين زارا المدينة في حجتهما، طلبا من يدلهما على المشاهد وقبور الشهداء، فدلّوهما على الواقدي، فصحبهما في زيارتهما فلم يدع موضعاً من المواضع ولا مشهداً من المشاهد إلا مر بهما عليه. فمنحه هارون الرشيد عشرة آلاف درهم، فصرفها في قضاء ديون كانت قد تراكمت عليه وزوّج بعض ولده وبقي في يسر وسعة)[283](.
ولكنه يعود فيقول: إنه لحقه دين بعد ذلك فذهب إلى العراق سنة 180هـ)[284](. ويفصّل الخطيب عن الواقدي يقول: كانت للناس في يدي مئة ألف درهم أُضارب بها في الحنطة، وتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد البرمكي)[285](. ويفصّل ابن سعد عنه أيضاً يقول: ثم إن الدهر أعضّنا، فقالت لي أُمُّ عبدالله: يا أبا عبدالله ما قعودك وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تسير إليه حيث استقرت به الدار. فرحلت من المدينة. ولما دخل بغداد وجد الخليفة والبلاط قد انتقلوا إلى الرقة بالشام فرحل إليهم حتى لحق بهم)[286]( فيقول: صار إليّ من السلطان ستمائة ألف درهم ما وجبت عليّ فيها الزكاة)[287](، ثم رجع معهم إلى بغداد وبقي بها، حتى قدمها المأمون فجعله قاضياً لعسكر المهدي)[288](، وكان العسكر في الجانب الشرقي وكان الواقدي في الجانب الغربي فلما انتقل حمل كتبه على عشرين ومئة وقر)[289](، فولّي القضاء مدة أربع سنوات قبل وفاته، وأوصى إلى المأمون فنفّذ وصيته وأرسل إليه بأكفانه وقضى دينه)[290](.
ذكر ابن سعد ـ وهو تلميذه وكاتبه وراويته ـ يقول: مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين ودُفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران، وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة)[291](.
مكانة الواقدي في الرواية والعلم
وتتجلّى مكانته في الرواية والعلم في وصف كاتبه وتلميذه ابن سعد له يقول: كان عالماً بالمغازي والسيرة والفتوح واختلاف الناس في الحديث والأحكام، واجتماعهم على ما أجمعوا عليه، وقد فسّر ذلك في كتب استخرجها ووضعها وحدّث بها)[292](.
وقال عنه ابن النديم في الفهرست: إنه كان عنده غلامان يعملان ليلاً ونهاراً في نسخ الكتب، وقد ترك عند وفاته ستمائة قِمَطْر من الكتب يحتاج كل منها إلى رجلين لحمله)[293](.
ونقل الخطيب البغدادي عن علي بن المديني: إن ما جمع الواقدي من الأحاديث بلغ عشرين ألف حديث)[294](، ونقل ابن سيد الناس عن يحيى بن معين أنه قال: أغرب الواقدي على رسول الله في عشرين ألف حديث. ثم قال ابن سيد الناس: وقد روينا عنه من تتبُّعه آثار مواضع الوقائع وسؤاله من أبناء الشهداء والصحابة ومواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفراداً بالروايات وأخباراً لا تدخل تحت الحصر)[295](. ونقل الذهبي عن إبراهيم الحربي أنه كان يقول عنه: إنه كان أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما أمر الجاهلية فلم يعلم منها شيئاً)[296](، ثم ذكروا له زهاء ثلاثين كتاباً.
ونرى في قائمة كتبه كتاب الطبقات، ولنا أن نتمثله في كتاب الطبقات الكبرى لتلميذه وكاتبه محمد بن سعد، فقد نقل عنه كثيراً ولا شك أنه صنفه على غرار كتاب شيخه وروى فيه عن غيره أيضاً.
ومن كتبه كتاب الردة، ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ومحاربة الصحابة لطلحة بن خويلد الأسدي ومسيلمة الكذّاب وسجاح في اليمامة والأسود العنسي في اليمن. وقد نقل عنه تلميذه ابن سعد في الطبقات والطبري في تأريخه أخبار الأحداث التي تلت وفاة النبي، وإنما هو من كتابه في الرّدة.
ويمكن القول بأن ما نقله ابن سعد، والطبري عنه عن الواقدي من أخبار الجاهلية فهو من كتاب سمّوه: كتاب التأريخ والمغازي والمبعث، هكذا بتقديم المغازي على المبعث وتأخير المبعث عن المغازي، الذي عدّوه غير كتاب المغازي. والطبري ينقل المغازي عن الواقدي مباشرة، ولكنه حين يورد أخبار الجاهلية وما قبل الإسلام فإنه يرويها عن ابن سعد عن الواقدي، مما يدل على أنه اعتمد في المغازي على كتاب المغازي للواقدي، وأما في أخبار الجاهلية فهي من كتاب آخر له لعله هو التأريخ والمبعث.
ومن كتبه فتوح الشام وفتوح العراق، وقد نقل البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» عن الواقدي كثيراً، وهو من تلامذة ابن سعد كاتب الواقدي، فهو قد روى كتاب شيخه له، ورواه البلاذري كما نقل ابن كثير في (البداية والنهاية) كثيراً من حوادث سنة 64هـ، والطبري نقل عنه كثيراً من حوادث النصف الثاني من القرن الثاني أي التي عاشها الواقدي.
حول تشيع الواقدي وابن إسحاق
قال ابن النديم في فهرسته عن الواقدي: كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقيّة، وهو الذي روى أن علياً كان من معجزات النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كالعصى لموسى وإحياء الموتى لعيسى بن مريم عليه السلام، وغير ذلك من الأخبار)[297](.
ونقل هذا القول عنه السيد الأمين العاملي صاحب (أعيان الشيعة) وترجم له)[298](. وكذلك ذكره آغا بزرك الطهراني في (الذريعة إلى تصانيف الشيعة))[299]( عند الحديث عن تأريخ الواقدي. بينما لم يذكره الشيخ الطوسي في فهرسته ولا رجاله ولا ذكر كتاباً من كتبه حتى مقتل الحسين عليه السلام.
وابن أبي الحديد حينما ينقل فقرة طويلة عن الواقدي ثم يورد رواية أخرى مختلفة عن الأولى يبدؤها بقوله: «وفي رواية الشيعة»)[300]( مما يدل على أنه لم يعتبره شيعياً ولا ممثلاً لهم.
ومن الطريف أن يلاحظ أن ابن إسحاق أيضا كان يتّهم بالتشيّع)[301](.
ولعل السبب في وصفهما بالتشيع لا يرجع إلى عقيدتهما الشخصية، بل إلى ما ورد في كتابيهما من الأخبار التي يعرضانها مما تقتضيه طبيعة التأليف في مثل هذه الموضوعات لا عن عقيدة صحيحة بها، وإلى ما أورداه في بعض المواضع من كتابيهما بشأن جماعة من الصحابة منهم بعض الخلفاء فيذكرانهم بعبارات لا تضعهم في الموضع المعتبر لهم عند كثير من المسلمين.
ولذلك فإن أكثر النقاد من المحدثين الأوائل كانوا يضعّفون الواقدي في الحديث.
فقد قال البخاري والرازي والنسائي والدارقطني: إنه متروك الحديث، ولكنهم لم يُجمعوا على ذلك، فقد وصفه الدرآوردي بأنه: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال يزيد بن هارون: الواقدي ثقة.
ووثّقه مصعب الزبيري، ومجاهد بن موسى، والمسيّب وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو بكر الصغاني)[302](.
وقال إبراهيم الحربي: هو آمن الناس على أهل الإسلام)[303](.
وقال ابن النديم: كان عالماً بالمغازي والسِّير والفتوح واختلاف الناس في الحديث والفقه والأحكام والأخبار)[304](.
أما بالنسبة لابن إسحاق: فقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه (تأريخ بغداد) وكذلك ابن سيد الناس في كتابه (عيون الأثر) فصلين فنّدا فيهما جميع المطاعن التي وجّهت إليه.
وبالنسبة لتشيّعه وقوله بالقدر قالا ما ملخصه: أما ما رمي به من التدليس والقدر والتشيّع فلا يوجب رد روايته، ولا يوقع فيها كبير وهن، أما التدليس فمنه القادح وغير القادح، ولا يُحمل ما وقع هنا من مطلق التدليس على التدليس المقيد بالقادح في العدالة، وكذلك القدر والتشيّع لا يقتضيان الرد إلا بضميمة أُخرى لم نجدها هنا.
والعجيب أنك لا تجد شيئاً من هذا التشكيك في عبدالملك بن هشام مهذَّب سيرة ابن إسحاق، فلو كان العيب في هذا الباقي من سيرة ابن إسحاق لشمل الشك ابن هشام أيضاً.
وعندئذٍ تطمئن إلى أن العيب ليس في هذا الباقي بل فيما قال عنه ابن هشام: «وتاركٌ بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب… أشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقرّ لنا البكّائي بروايته، ومُستقصٍ ما سوى ذلك».
وعندئذٍ تجد محور اتهام التشيّع أيضاً. وقد رأينا أنّا إذا استثنينا هذين المتّهمين بالتشيّع لم يبقَ لعامة المسلمين شيء يذكر في السيرة ولا المغازي. وعندئذٍ ندرك أيضاً أن السابقين الأوّلين إلى تدوين سيرة الرسول ومغازيه أي الصدر الأول من تأريخ الإسلام هم من شيعة أئمة أهل البيت عليهم السلام أو المقاربين لهم المتّهمين بهم.
الشيخ محمد هادي اليوسفي
اعتماد الدولة
الحاج محمد إبراهيم خان كلانتر الشيرازي
الحاج محمد إبراهيم خان الملقب باعتماد الدولة هو ابن الحاج هاشم الشيرازي وأحد أشهر رجال أواخر العهد الزندي وصدر العهد القاجاري. ورغم شهرته الكبيرة في تاريخ إيران المعاصر إلاَّ أنه لم يكتب بحث جدّي ومستقل حوله. الأحكام المتفاوتة والمتضادة أحياناً وردت في النصوص المتقدمة والمتأخرة حول أول صدر أعظم (آقا محمد خان) تدل على استمرار الإبهام حول الشخصية المعقدة للحاج إبراهيم خان، وبقاء ماهية نشاطه السياسي طوال حياته مجهولاً.
فمؤرخو الزنديين نالوا من (كلانتر الشيرازي) بسبب خيانته المشهورة للطف علي خان زند، مخالفين بذلك أسلوب مؤرخي العهد القاجاري، حتى أن بعضهم كال له أقبح الشتائم وأركّ العبارات)[305](. فالنيل من الحاج إبراهيم خان على أن أصل أجداده من اليهود كانت أقل الشتائم الموجهة لكلانتر الشيرازي. وعلى العكس من المواقف السلبية لمصادر العهد الزندي فإنّ مؤرخي العهد القاجاري اعتبروا الميرزا إبراهيم خان أو اعتماد الدولة: «رجل التدبير وبُعد النظر»)[306](. أو صدراً أعظماً مدركاً وذكياً وحساساً تجاه المصالح الوطنية، وشخصية معادية للأجانب)[307](.
اللطيف أن أحد الدبلوماسيين الإنجليز (السير هارفورد جونز) وقف إلى جانب مؤرخي الزنديين في النيل من (كلانتر الشيرازي) وكال له أسوأ الشتائم. علماً بأنّ حقد وشتائم (السير هارفورد جونز) ضد الحاج إبراهيم خان)[308](. ليست بسبب ميله نحو لطف علي خان، بل يمكن اعتبارها نتيجة لمصالح بريطانيا. كما يمكن الاستنتاج أن بُغض الدبلوماسيين الإنجليز لكلانتر الشيرازي دليل على صدق ما نقله الكتّاب من أنّ اعتماد الدولة كان حساساً تجاه المصالح الوطنية ومعادياً لسلطة الأجانب على إيران، مما جعله محطاً لحقد الدبلوماسيين الإنجليز الشديد عليه.
الحاج إبراهيم خان مهما كانت ماهيته السياسية والآراء حول سيرته، فإنه كمعظم رجال السياسة في تاريخ إيران المعاصر، كان رجلاً انطلق في مسيرته السياسية من حياة بسيطة وأسرة عادية، ليرتقي أعلى رتب الشهرة والسلطة. وأقدم معلومات قدمها المؤرخون حول أسرة (كلانتر الشيرازي) أن أسرته كانت من يهود (قزوين) الذين تشرفوا بالإسلام، وأن جدّه هاجر من (قزوين) إلى (شيراز) وأقام في (ملك فارس) )[309](. وقد أقبل الحظ على هذه الأسرة المسلمة حديثاً في (شيراز) فصاهر (الحاج هاشم) الحاج قوام الشيرازي، وربط مصيره بمصير هذه الأسرة المقتدرة في (فارس). بعد هذه العلاقة أصبح الحاج هاشم مختاراً لشيراز، ومن بعده ارتقى ابنه (الحاج الميرزا إبراهيم خان) منصب كلانتر شيراز. وبعد مدة قليلة مات (كريم خان زند) وبدأ نزاع السلطة بين أفراد الأسرة الزندية، ثم تحول إلى صراع بين الزنديين والقاجار، مما عقد الظروف السياسية في شيراز. كما إن منافسي أسرة كلانتر شيراز قاموا خلال عهد (لطف علي خان) بالسعاية ضد الحاج إبراهيم خان)[310](. وعلى أثر تلك السعاية اتهم كلانتر شيراز بالتآمر ضد (لطف علي خان) وزعم بعضهم أنه يحلم بالتربع على العرش، وأنه يخطط لتحقيق حلمه. بسبب هذه السعاية بدأ (لطف علي خان) يقتنع تدريجياً بصدق كلام السعاة، وأن كلانتر شيراز يخطو باتجاه خيانته)[311](. وكان على (الحاج إبراهيم خان) أن يفكر ويتدبر حتى لا يفقد روحه سهولة في حرب السلطة هذه مما دفعه إلى عدو (لطف علي خان) أي (آقا محمد خان). ففي الخطوة الأولى بعث (الحاج ميرزا إبراهيم خان) برسالة سرية إلى (آقا محمد خان) يدعوه فيها إلى احتلال شيراز)[312](. وفي الخطوة اللاحقة قام خلال غياب (لطف علي خان) بدعوة شخصيات الزنديين إلى اجتماع بحجة التشاور، واعتقلهم جميعاً وأودعهم السجن)[313](. وفي الخطوة الثالثة بعث برسائل إلى إخوته (عبدالرحيم خان) و(محمد علي خان) اللذين كانا في معسكر (لطف علي خان) ليقوموا بتحريك الاضطراب داخل المعسكر قبل أن يشن (لطف علي خان) هجومه ضد (فتح علي خان) القريب من معسكرهم، ليمنعوه من مهاجمة القوات القاجارية)[314](. واستمراراً في تدابيره هذه ضد (خان زند) قام بغلق بوابات (شيراز) بوجه (خان زند) وذلك بعد ظهور العصيان داخل القوات الزندية وفرار (لطف علي خان) إلى شيراز، مما جعل (خان زند) يغض الطرف عن (شيراز). واضطراره للتوجه إلى (دشستان))[315](.
بهذه الخطوات نجا (الحاج إبراهيم خان) بنفسه من الموت المحتمل، وفتح طريق ارتقاء أعلى منصب في حكومة (آقا محمد خان) لكن أهالي (شيراز) كانوا الضحايا لحرب السلطة بينه وبين (خان زند). وبعد مدة اعترف (الحاج ميرزا إبراهيم خان) للآقا محمد خان أنه لم يكن ينوي في البداية تسليم السلطة للآقا محمد خان بسهولة)[316](، وأنه كان تماماً كما أدرك ذلك (آقا محمد خان) بذكائه ينوي دعوة (آقا محمد خان) لاحتلال (شيراز) لتقع المواجهة بين خاني زند والقاجار، وأن يتغلب عليهما بعد أن يضعفا، ويستولي بذلك على السلطة ويتربع على العرش. لكن (الآقا محمد خان) أدرك ذلك منذ البداية، ولم يقع في فخ (كلانتر الشيرازي) بل نظم تحركه بذكاء شديد بحيث يخرج (لطف علي خان) من الساحة، ويخضع (كلانتر الشيرازي) لسلطته. وعند احتلال القوات القاجارية لمدنية شيراز منح (آقا محمد خان) لقب (اعتماد الدولة) لكلانتر الشيرازي)[317](. ثم توجه معه إلى (طهران) ليكون مساعداً للملك الجديد من ناحية، وليضمن الملك أنه لن يثير فتنة جديدة في (شيراز). وبعد وصول (آقا محمد خان) إلى (طهران) تولى (الحاج إبراهيم خان) منصب (الصدر الأعظم))[318](.
ومنذ ذلك الحين لم يبعد (آقا محمد خان) كلانتر عنه مطلقاً، خشية أن يستغل الفرصة ويستثمر خلافات الخوانين فيما بينهم. وقد بذل (كلانتر الشيرازي) جهوداً لا تنكر في تثبيت سلطة ابن أخ آقا محمد منذ بدء ولاية (فتح علي شاه) لذلك فإنّ (بابا خان) قد منحه ثقته كما فعل عمه من قبل، وفوض إليه شؤون الحكومة والديوان.
ومع بداية المنافسة بين الأوروبيين في أوائل القرن التاسع عشر، وسعي الإنجليز لتوقيع معاهدة مع إيران، كلّف (كلانتر الشيرازي) بالتفاوض مع (السير جون مالكوم) ووقعت أول معاهدة بين إيران وإنجلترا)[319](. وحسب ادعاء بعض الكتاب فإنّ (اعتماد الدولة) قد نظم هذه المعاهدة بذكاء، لكن هذا الادعاء غير واقعي، ذلك لأن إيران تعهدت في هذه المعاهدة عملياً بقمع الأفغان نيابة عن الإنجليز، مما جعل الإنجليز مرتاحي البال مطمئنين من تعرض أمراء شرق إيران لمصالحهم في الهند)[320](، لا شك أن (السير جون مالكوم) كان فرحاً جداً لتمكنه من خداع مسؤولي إيران. وإذا كان (اعتماد الدولة) بتوقيعه للمعاهدة مع الإنجليز ينوي عملياً إلى منع الملك من التعرض لأمراء الشرق، وهذا ما أثار حفيظة الإنجليز، ودفع بالسير جون مالكوم إلى الاعتراض)[321](. لكن ذلك لا يقلل من النقائص التي حملتها هذه المعاهدة. لكن جهود (الحاج إبراهيم خان) لتحقيق الأمال الشخصية والأهداف القومية خلال عهد (فتح علي شاه) لم تدم أكثر من خمس سنوات، ففي السنة الخامسة بلغت التقارير الواقعية وحسد الحساد حول قدرة (اعتماد الدولة) والخشية من منازعته السلطة مع الملك حدّاً دفع بملك القاجار الثاني لاتخاذ قرار باجتثاث جذور أسرة اعتماد الدولة. ففي مطلع شهر ذي الحجة عام 1215هـ أمر الملك جنوده بقتل أعضاء أسرة اعتماد الدولة في زمان محدد وفي جميع نقاط البلد)[322](. وفي نفس اليوم اعتقل (الحاج إبراهيم خان) وفقئت عيناه، ولفظ أنفاسه بعد مدة قصيرة من شدة الحزن في (قزوين) أو (طالقان))[323](. ولم ينجو من أسرة (كلانتر شيراز سوى شخص واحد هو (الحاج ميرزا أبو الحسن خان الشيرازي) ابن أخت اعتماد الدولة، حيث فرّ إلى (الهند) ثم صدر عفو بحقه)[324](. وإذا اعتبرنا أن (اعتماد الدولة) كان رجلاً سالماً ومعافاً من معايب السلطة، فإنّ هذا الشخص بدوره لم يكن السلف الصالح للصدر الأعظم القاجاري، ذلك لأنه بعد صدور العفو وصل إلى منصب سفير وزارة خارجية إيران، لكنه كان خادماً للأجنبي، ويتسلم أجراً سنوياً طوال عمره من حكومة الإنجليز في الهند)[325](. ولم يترك من بعده ذكراً حسناً عنه. وحسب أصل الوثيقة الموجودة في أرشيف منظمة وثائق إيران فإن (الميرزا أبو الحسن خان) قبل موته أوصى الإنجليز أن يدفعوا راتبه من بعده لورثته.
آغا أسد الله
هو أحد الأفاضل الأشراف في النجف الأشرف، واسمه الكريم السيد محمد باقر، من أسرة عريقة بالمجد والزعامة، والنهوض بأعباء الإمامة. طليعتها جدّه السيد الشهير (بحجة الإسلام) السيد محمد باقر صاحب المآثر الكريمة والمؤلفات الطائلة في الفقه والأصول وخاصة علم الرجال، فإنّ له فيه تحقيقات أبكار، وخرائد أفكار، ومؤلفاً له الميزة على كثير مما ألف في هذا العلم ثم خلفه بعدُ سليله السيد العلاّمة الشهير السيد أسد الله، وهو والد الممدوح الذي نحن في ذكره وطيب نشره. وله فضلاً عن فضله في العلم ميل إلى الشعر والآداب العربية، وطبع يساير النسيم في الرقة واللطف.
أمّا السيد آغا وآباؤه فمحل هجرتهم وتحصيلهم النجف، وقاعدة مرجعيتهم ومنبسط رئاستهم والاقتداء بهم أصفهان. والسيد أسد الله هو الذي بذل الأموال الطائلة لإجراء الماء من مسافة أكثر من عشرة أميال من عمود الفرات إلى النجف في قناة ونفق في الأرض. وبقي يرتوي الضرع منه والزرع والحيوان والإنسان مدة تناهز العشرين سنة. ثم من إهمال الحكومة كسائر أحوالها سالت عليه السيول، وانهالت فيه الرمول، فأوسعته هدماً وطمّاً ولم يمكن إصلاحه بعد، أو خان المصلحون. وعادت النجف إلى بلائها الأول تقاسي كظّة الظماء وشحة الماء في الصيف والشتاء، لا يجيب دعوتهم مجيب، ولا يسمع شكيتهم سامع إذا صرخت أجابتها بمثل صراخها جارتها بل دوحتها (كربلا)، فأذكرتها عطش ساداتها وأئمتها الذين صُرّعوا من الظمأ على حصبائها، وطلبتْ منهم التأسي بهم، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
(الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء)
الإمام الحسين عليه السلام في أدب الأندلس
خلاصة البحث
بعد أن ضعفت دولة الأمويين في الأندلس ظهرت دول يحكمها السادة الحسنيون ومنهم آل (حمود) ودولة الموحدين… وظهر بينهم شعراء محبون لأهل البيت عليهم السلام فمدحوهم ورثوا الإمام الحسين عليه السلام بأشعارهم وهجوا بني أمية لظلمهم وفسقهم، ومن أولئك الشعراء: علي بن بسام وصفوان بن إدريس ومحمد بن هاني الأندلسي وغيرهم ونظم بعضهم أشعاراً تضاهي أشعار دعبل والكميت والسيد الحميري وكثير عزّة، وقد أوردت في هذا البحث قسماً من أشعار هؤلاء الشعراء الملتزمين بحب أهل البيت وبصورة خاصة بحب الحسين عليه السلام.
الكلمات المهمة
الحسين عليه السلام، الأندلس، بنو أمية.
مواضيع البحث
المقدمة:
1 ـ الأندلس لغةً وتاريخاً وأدباً.
2 ـ أدب الشيعة في الأندلس.
3 ـ تقاليد أهل الأندلس في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام.
4 ـ الشعراء الأندلسيون الذين رثوا الإمام الحسين عليه السلام وهجوا بني أمية.
ــ أولاً: أحمد بن درّاج القسطلي.
ــ ثانياً: أبو البحر صفوان بن إدريس المرسي.
ــ ثالثاً: الجراوي.
5 ـ قصيدتان في مدح الإمام الحسين عليه السلام نظمهما الدكتور حسن چوبين.
المقدمة
المئات والمئات من الشعراء رثوا الإمام لحسين عليه السلام وخير كتاب أُلِّفَ في هذا الميدان كتاب: (أدب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام) ومؤلفه: حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد شبر النجفي وقد طبع هذا الكتاب النفيس في النجف الأشرف وفي بيروت عدة مرات وذُكِرَت فيه أسماء شعراء أندلسيين رثو الإمام الحسين عليه السلام ومنهم: صفوان بن إدريس الذي ذم في أشعاره بني أمية ومدح أهل البيت والحسين عليه السلام بصورة خاصة.
كما جاء في كتاب: (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) للأستاذ حسن الأمين اللبناني أسماء عدد من الشعراء الشيعة في الأندلس ومنهم: محمد بن هاني الأندلسي وأبو عبد الله الرعسيني(ورد الرعيني) وعبادة ابن السماء وأحمد القسطلي وعبدالرحمن الأشبوني وأبو البحر المرسي والجراوي، وفي هذا التحقيق نقدم مجموعة من القصائد الحسينية التي نظمها هؤلاء الشعراء الأندلسيون.
1 ـ الأندلس لغةً وتاريخاً وأدباً
الأندلس (Andalusia) )[326](
مقاطعة تقع في جنوب إسبانيا، ولها اسم آخر في بعض الكتب العربية وهو المغرب)[327](، وقد فتحت في عهد الوليد بن عبدالملك، في أواخر القرن الهجري الأول، وكان فاتحها موسى بن نصير الذي أهمله الأمويون فمات منسياً!
في النصف الأول من القرن الهجري الثاني وبعد سقوط الأمويين في الشام فرَّ عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان بن الحكم الأموي إلى الأندلس وأسس هناك الدولة الأموية المروانية الثانية، واستمرت حوالي أربعة قرون، وحكمت دول الطوائف الأندلس بعد سقوط الأمويين، وتعرف هذه الفترة بفترة الطوائف واستمرت حوالي أربعة قرون أيضاً، وبعد سقوط الأندلس بيد الإفرنج في أواخر القرن التاسع الهجري تحول الأمويون فيها إلى نصارى ويهود)[328](، والذي يؤيد هذا أننا لم نسمع لهم أي صوت إسلامي بعد سقوطهم، كما أننا لا نرى اليوم أي نسل إسلامي منهم لا في الأندلس ولا في شمال أفريقيا.
أما الأدب في الأندلس فقد بقي تقليدياً طيلة أربعة قرون ثم ارتقى مدة قرنين، وبعدئذٍ انحط طيلة قرنين تقريباً، ونشير هنا إلى حقيقة ناصعة وهي أن الأدب الأندلسي لم يكن أموياً بصورة كلية، بل إننا نرى أن قسماً من أدب الأندلس كان أدباً إسلامياً أصيلاً ومنه أدب حسيني، بعيداً عن الخلاعة والمجون، فهناك مدائح في حق أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام ومراثٍ حسينية.
2 ـ أدب الشيعة في الأندلس
أدب الشيعة له تاريخ عريق وخير شاهد على ما نقول: كتاب «الغدير» للعلامة الأميني النجفي رضوان الله عليه وكتاب «أدب الطف» لحجة الإسلام السيد جواد شبر النجفي، وقد ظهرت للشيعة دول في بلدان مختلفة بما فيها الأندلس، كدولتي الأدارسة والموحّدين)[329](، ومن الشعراء الشيعة في الأندلس:
1 ـ محمد بن هاني بن محمد بن سعدوان الأندلسي.
2 ـ أبو عبدالله الرعسيني(ورد الرعيني).
3 ـ عبادة بن عبدالله الأنصاري المعروف بلقب ابن السماء.
4 ـ أحمد بن درّاج القسطلي.
5 ـ عبدالرحمن الأشبوني.
6 ـ أبو البحر صفوان المرسي.
7 ـ الجراوي.
3 ـ تقاليد أهل الأندلس في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام
قبل أن نقدم نماذج من أشعار الشعراء الأندلسيين نشير إلى مخطوط أثري لكتاب مهم في هذا الميدان وهو موجود في جامعة القرويين، واسمه: (إعلام الأعلام فيمن بويع بالخلافة) ومؤلفه: (لسان الدين الخطيب) وذكر فيه عادات الأندلسيين في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام من التمثيل بإقامة الجنائز وإنشاد المرائي، وذكر أن هذه المرائي كانت حسينية)[330](، ونبادر إلى نقل وصف المآتم الحسينية في الأندلس على لسان ابن الخطيب كما ذكر في كتابه المخطوط بجامعة القرويين، حيث قال: (لم يزل الحزن متصلاً على الحسين، والمآتم قائمة في البلاد يجتمع لها الناس ليلة يوم قتل فيه ـ أي ليلة عاشوراء ـ ولا سيما بشرق الأندلس، يقيمون رسم الجنازة في شكل من الثياب ويُحتفل بالأطعمة والشموع، ويُوقد البخور، ويُجلب القرّاء ويُتغنى بالمراثي الحسينية، وبقية من هذا لم تنقطع بعد)[331]().
4 ـ الشعراء الأندلسيون الذين رثوا الإمام الحسين عليه السلام وهجوا بني أمية
من أبرز وأشهر الأندلسيين الذين رثوا الإمام الحسين عليه السلام ونظموا أشعاراً في هجاء بني أمية:
أولاً: أحمد بن درّاج القسطلي، وكان من الشعراء الأفذاذ في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري، وكان معاصراً لآل «حمود» وهم من السادة الأدارسة الحسنيين في الأندلس، وقد نظم قصيدة أشار فيها إلى ما عاناه أهل البيت عليهم السلام من مصائب ورزايا، وقال الناقد المشهور أبو الحسن علي بن بسام في كتابه: «الذخيرة» عن تلك القصيدة الغراء: (قصيدة طويلة وهي من الهاشميّات الغرّ، لو قرعت سمع دعبل بن علي الخزاعي والكميت بن زيد الأسدي لأمسكا عن القول، بل لو رآها السيد الحميري وكثير ـ عزّة ـ لأقاماها بينة على الدعوى، وتبدأ هذه القصيدة ببكاء شجيء، بكاء تجهش به قلوب الشيعة في كل مكان)[332]().
يقول هذا الشاعر الأندلسي في قصيدته التي تزيد على سبعين بيتاً مشيراً إلى الحسين وإلى آل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم:
إلى الهاشميّ إلى الطالبي
إلى الفاطميّ العطوف الوصول
إلى ابن الوصيّ إلى ابن النبيّ
إلى ابن الذبيح إلى ابن الخليل
فأنتم هُداةُ حياة وموت
وأنتم أئمة فِعلٍ وقيل
وسادات من حلَّ جناتِ عدنٍ
جميع شبابِهِمُ والكهول
وأنتم خلائف دنيا ودين
بحكم الكتاب وحكم العقول)[333](
ثانياً: أبو البحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي، وهو من شعراء القرن السادس الهجري، وقد ذكره أحد أعلام الفكر في القرن الثامن الهجري وهو لسان الدين بن الخطيب، وقال المحقق المعاصر حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد شبّر النجفي في كتابه القيم: «أدب الطف»: (أفادنا ابن الخطيب وعرَّفنا بأحد شعراء الشيعة في الأندلس، الذي اشتهر برثاء سيدنا الحسين عليه السلام وهو أبو البحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي (561 ـ 598)، وهذه القصيدة منه كانت مشهورة ينشدها المسلمون وهي:
سلام كأزهار الربى يتنسَّمُ
على منزل منه الهُدَى يتعلَّمُ
على مصرعٍ للفاطميّين غُيِّبَتْ
لأوجهِهِم فيهِ بُدورٌ وأنجُمُ
على مشهدٍ لو كُنتَ حاضرَ أهلِهِ
لعايَنتَ أعضاءَ النبيِّ تُقَسَّمُ
على كربلا لا أخلَفَ الغيثُ كربلا
وإلاّ فإنّ الدمعَ أندى وأكرَمُ
مصارع ضجّت يثربٌ لمصابها
وناحَ عليهِنَّ الحطيمُ وزمزمُ
ومكةُ والأستارُ والركنُ والصَّفا
وموقفُ جمعٍ والمُقامُ المُعظَّمُ
وبالحَجَرِ الملثومِ عنوانُ حَسرةٍ
ألستَ تراهُ وَهْوَ أسودُ أسحَمُ
وروضةُ مولانا النبيِّ محمدٍ
تَبدّى عليها الشكلُ يَومَ تَخَرَّمُ)[334](
ومنبرُهُ العلويُّ والجذاعُ أعوَلا
عليهِمْ عويلاً بالضمائرِ يُفهَمُ
ولو قَدَّرَتْ تلك الجماداتُ قَدرَهُمْ
لَدُكَّ حراءٌ واستُطيرَ يُلَمْلِمُ)[335](
وما قدرُ ما تبكِي البلادُ وأهلُها
لآلِ رسولِ الله والرزءُ أعظَمُ
لو أنَّ رسولَ الله يحيى بُعَيْدَهُمْ
رأى ابنَ زيادٍ أُمُّهُ كيفَ تُعقَمُ)[336](
وأقبلتِ الزهراءُ قُدّسَ تُربُها
تُنادي أباها والمدامعُ تُسْجَمُ)[337](
سقوا حسناً بالسمّ كأساً رويةً
ولم يقرعوا سناً ولم يتندَّمُوا)[338](
وهم قطعوا رأسَ الحسين بكربلا
وكأنَّهم قد أحسنوا حينَ أجْرَمُوا
وأسرُ بنيهِ بعدَهُ واحتمالُهم
كأَنَّهُمُ من نسلِ كسرى ويُغنَمُوا
ونقرُ يزيدٍ في الثنايا الَّتي اغتدَتْ
ثناياكَ فيها أيُّها النورُ تَلثِمُ)[339](
هُمُ القومُ أمّا سعيهم فَمُخَيَّبٌ
مَضاعٌ وأمّا دارُهم فَجَهنَّمُ
قِفوا ساعدونا بالدموع فإنَّها
لَتصغُرُ في حقِّ الحسينِ ويَعظُمُ
ومهما سمعتم في الحسين مراثياً
تُعبِّرُ عن محضِ الأسى وتُتَرجِمُ
فمُدّوا أكفّاً مُسعَدينَ بدعوةٍ
وصَلُّوا على جَدِّ الحسينِ وسَلَّموا)[340](
ثالثاً: الجراوي وهو من شعراء دولة الموحدين الحسنية التي تأسَّست في القرن الخامس الهجري في المغرب، ثم امتدَّت إلى الأندلس، وقال المحقق اللبناني المعاصر الأستاذ حسن الأمين في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية عن الشاعر الجراوي: (ومن قصائده ملحمة في رثاء الحسين عليه السلام وهي تختلف عن تلك المرائي التي تعرفها الشيعة، تُقرأ صبيحة يوم عاشوراء)[341]() وجاء فيها:
أقولُ لحزنٍ في الحسين تأكّدا
تَملَّكْ فؤادي مُتهِماً فيه مُنجِدا)[342](
ولو غيرُ هذا الرزء راح أو اغتدى
لناديتُهُ قبلَ الوصولِ مُردّدا
عقرتُ بعيري يا امرأ القيس فأنْزِلِ
وركبٌ إذا جاراهُمُ البرقِ يَعثَرُ
تذكَّرتُ فيهِمْ كربلا فَتَحَيَّروا
وغيداءُ لا تدري الأسى كيف يَخطُرُ
بَثثتُ لها ما كنتُ بالطفِّ أضمرُ
فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُحوِلِ)[343](
أيا فاساً قادر الغُرورُ شكائمَهْ
فأوردَ في صدرِ الحسينِ صوارِمَهُ
تَهيَّأ ليومِ الحشرِ تَجزَعْ علاقِمَه
فما لكَ مَنجى من خصومةِ فاطِمَه
وما أن أرى عنك العمايةَ تنجلي
رابعاً: محمد بن هاني الأندلسي الذي تحدث عنه المحقق المعاصر العلامة الشيخ الأميني في كتابه الخاص بالشهداء برقم (6)، كما جاء عنه بحث وافٍ في كتاب (أدب الطف) في خمس وعشرين صفحة، ومن أشعاره في هجاء بني أمية:
واعذِرْ أميَّةَ إنْ تَغُصّ بريقِهَا
فالمهل ما سُقِيَتْهُ والغسلينُ
قدْ قادَ أمرَهُمُ وقلَّدَ ثغرَهُمْ
منهُمْ مهينٌ لا يكادُ يبينُ
أبني لؤي أين فضل قديمكم
بل أين حلم كالجبال رصينُ
لو تتّقون الله لم يطمح لها
طرف ولم يشمخ لها عرنينُ
لكنكم كنتم كأهل العجل لم
يُحفظ لموسى فيهمُ هارونُ
لو تسألون القبرَ يومَ فرحتم
لأجاب أنَّ محمداً محزونُ
ويقول العلامة الأميني رحمه الله في كتابه الخاص بشهداء الفضيلة إن الشاعر ابن هاني الأندلسي استشهد بأيدي أعداء الله في 23 رجب سنة 362 رضوان الله عليه، وعلى جميع شهداء الفضيلة وعشاق الحسين عليه السلام في كل زمان ومكان.
خامساً: ناهض الوادي الأندلسي وهو من شعراء القرنين السادس والسابع، وقد ورد ذكره في كتاب (نفح الطيب) لأبي العباس المقري الذي يُعَدُّ مصدرنا الفريد عنه ـ والمؤلف ـ اكتفى بذكر اسمه ونسبه دون تطويل، وأثبت نصّ قصيدته في رثاء الحسين عليه السلام دون تعليق كما ذكر سنة وفاته ومكانها ولم يزد شيئاً… ـ وقد ـ توفي رحمه الله سنة 615هـ ببلدة وادي آش، وبذلك يكون معاصراً لمجموعة من أدباء عصره الذين عاشوا خلال القرنين السادس والسابع للهجره، واشتركوا معه في الموضوع نفسه وهو بكاء سيد الشهداء الحسين بن علي شعراً أو رجزاً أو نثراً وتأليفاً وكانوا حلقة وصل بينهم وبين غيرهم… ومنهم على سبيل المثال السلطان النصري الشاعر يوسف الثالث من ملوك بني الأحمر، فقد ضمَّ ديوانه قصيدتين في رثاء الحسين والتعبير عن الولاء لآل ابيت عليهم السلام والدفاع عن التشيع.
وأما ملوك بني الأحمر الذين نظم أحدهم وهو يوسف الثالث قصيدتين في رثاء الإمام الحسين عليه السلام فهم آخر أسرة إسلامية حاكمة في الأندلس حكمت غرناطة من عام 1235م وإلى عام 1492م مؤسسها محمد الغالب (توفي عام 1273م.هـ) الذي بنى قصر الحمراء في غرناطة.
وأما قصيدة الشاعر ناهض الأندلسي في رثاء الإمام الحسين عليه السلام فهي تقع في ستة عشر بيتاً على وزن الكامل ورويّها الكاف المكسورة ويستهلها الشاعر بتساؤل يتوجه به إلى حمامة يتصورها باكية مولهة مثله على غرار شعراء الوجدانيات مثل أبي فراس الحمداني وابن شهيد الأندلسي وابن خفاجة وغيرهم ليستفسر عن سبب بكائها… وقد وفق الشاعر في اختيار السياق العام لصياغة تجربته مستغلاً ما ترمز إليه الحمامة في التراث الشعري العربي قبله من حزن وأسى ولوعة، ولكنه يجعل مصابه فوق مصابها لأنه يبكي الحسين قتيل الطف، فرع النبوة الزاكي ويتوعد قاتله بمصيره المظلم في قعر جهنم… ويبدو الشاعر الأندلسي موفقاً أيّما توفيق في اختيار معجمه الشعري وحسن توظيفه لمجموعة من الألفاظ ذات الظلال والإيحاءات الخاصة مستعيناً في تصوير انكساره بإيثار الكسرة لحرف الرويّ وبمناجاة الحمامة التي حاول معرفة حزنها الدفين لعلّه يصل إلى اكتشاف سببه معظماً مصابه لأنه فوق كل مصاب وحين تتأزّم نفسه يصرّح لها بسر معاناته فيقول:
لو كنتِ مثلي ما أفقتِ من البكا
لا تحسبي شكواي من شكواكِ
ايهٍ حمامةٌ خبّريني أنّني
أبكي الحسينَ وأنتِ ما أبكاكِ؟
وقد كتب الباحث المغربي علي الغزيوي الذي يدرّس الأدب الأندلسي في جامعة سيدي محمد في مدينة فاس في المملكة المغربية كتب بحثاً مهماً عن هذه القصيدة الغراء في مجلة النور التي تصدر في لندن في عدد جمادى الثانية سنة 1421هـ ق، وذكر في بحثه هذه القصيدة متنوعة الأساليب، ما بين الخطاب الذي هيمن على معظم أبياتها الأولى في شكل تساؤل، من الحمامة، والبوح الذي يتلو ذلك بما فيه من وصف وتصريح بالصور المفزعة الدامية لمقتل الشهيد الحسين فرع النبوة وكيف تعفّر ومُزّقت أشلاؤه عدواناً وظلماً… ـ ففي القصيدة ـ رقة في العاطفة وحرارة في الأحاسيس وصدق فني وانسياب وتلقائية في العبارة ومتانة في البناء مع إيمان قوي بإحقاق الحقّ والانتصاف من الجُنَاة وهذه مقتطفات من تلك القصيدة:
إيهٍ حمامة خبّريني إنَّني
أبْكي الحسينَ، وأنتِ ما أبكاكِ؟
أبكي قتيلَ الطّف فرع نبيّنا
اكرمْ بفرعٍ للنبوة زاكي
ويلٌ لقومٍ غادروهُ مضرّجاً
بدمائه نضواً صريعَ شكاكِ
متعفِّراً قد مُزّقت أشلاؤهُ
فرياً بكل مُهنّدٍ فتّاكِ
ثم يخاطب الشاعر يزيد قائلاً:
أيَزيدُ لو راعَيْتَ حُرمَة جَدِّهِ
لم تقتنص ليثَ العرينِ الشاكي
أترومُ وَيْكَ شفاعةً من جَدِّهِ
هَيْهاتَ! لا، وَمُدَبِّرِ الأفلاكِ
ولسوفَ تُنْبَذُ في جَهَنّمَ خالداً
ما اللَّهُ شاءَ ولاتَ حينَ فكاكِ
(مصدر القصيدة: كتاب نفح الطيب ج5، ص70 ـ 71).
(2) قصيدة من بحر الرمل المقصور، في كل مصراع «فاعلاتن فاعلاتن فاعلان» نظمها كاتب المقالة (د. حسين جوبين).
ندبتي طول حياتي يا حسين
وإلى حينَ مماتي يا حسين
إنّني مذ كنتُ في صُلب الوجود
قلتُ في روحي وذاتي يا حسين
كنتُ في الرحم جنيناً وأقول
هامساً في حركاتي يا حسين
وإلى الدنيا أتيتُ في صراخ
هاتفاً في صرخاتي يا حسين
ثمَّ أُمي أرضعتني وتقول
دائماً في رضعاتي يا حسين
صرتُ أحبو وأقومُ لأسير
قائلاً في حبواتي يا حسين
ثمَّ أمّي علّمتني بالكلام
كانت أولى كلماتي يا حسين
وأبي علّمني كيف الصلاة
قلت من بعد صلاتي يا حسين
وقد أمضيتُ بعمري سنوات
نادياً في سنواتي يا حسين
وإذا معضلةٌ جاءت أقول
أنت حَلُّ المعضلاتِ يا حسين
هكذا كنتُ بليلٍ ونهار
في صباحي في سباتي يا حسين
وإذا موتي أتى في الاحتضار
قولي من قبل وفاتي يا حسين
ثم بعد الدفن في لحدٍ مخوف
يأتي صوتٌ من رفاتي يا حسين
وبيوم النشر إذا أحيى أقول
يا غريب الغربات يا حسين
الدكتور حسين چوبين
أمين آغا ابن نظام الدولة
سلالة نظام الدولة إحدى السلاسل الشهيرة المنتشرة في إيران وفي العراق، وجدُهم الأول الذي تفرْعوا منه هو الحاج محمد حسين خان الأصفهاني، كان في بدء أمره من أهل الحرف والمكاسب والمهن التي ليس لها شأن فساعده التوفيق بثروة طائلة، ثم ارتقى من العيار والقبان إلى صدارة السلطان، فجاز مرتبة الصدارة لجد الملوك القاجارية الخاقان فتح علي شاه الذي كان يكلله تاج سلطنة إيران في أوائل القرن الثالث عشر. ثم توفي الحاج محمد حسين الصدر في حياة مخدومه، ورب رفعته ونعيمه، فقلّد الصدارة لولده أمين الدولة، وكان من رجال إيران المشهورين المعدودين في المرتبة الأولى من الحزم والكياسة وحسن التدبير والإدارة، وكان على جانب عظيم من التمسك بالدين وحبّ العلم والعلماء ونشر المعارف، ولا سيما المعارف الدينية. وتزوج بإحدى بنات العائلة الملوكية فأعقب منها (نظام الدولة) فنشأ في سرداق الملك نشأة صالحة وتمكّن حبّ العلم والدين في نفسه. ولما بلغ أشدّه أنهى إليه السلطان محمد شاه القاجاري بعض المناصب والإيالات السامية فاستعفى فلم يعفه فتولاها أياماً قليلة، ثم فرَّ هارباً بنفسه تحت أستار الليل حتى جاء إلى النجف الأشرف واستوطنها وانقطع لتحصيل العلم والكمال والاشتغال بتهذيب نفسه وعبادة ربه ثم لحق به أهله وعائلته بما تركه آباؤه له من الثروة والنعمة، وأكبَّ على الدراسة والتأليف، ونال في العلم والفضل حظّاً ليس بالقليل.
وله تأليفات جميلة لا تخلو من التحقيق ودقة النظر، وأكثرها لم ينتشر. وأعقب عدّة أولاد من زوجات له أحداهن ملوكية. وأكثر أولاده من الأعيان والمشاهير، وفيهم من له حظ من الآداب العربية والنظم والنثر على نحو لا يمتاز به عن العرب. وأشهرهم في الفضيلة والأدب العربي والفارسي الفاضل مرتضى قليخان الذي تجد بعض شعره وكثيراً من مدائحه في ديوان عبدالباقي الشهير بنظام العلماء أسد خان، وكان أحد أعيان العراق وذوي الجاه والوجاهة.
وبالجملة أنَّ للصدر وسلالته مساعي حميدة وآثاراً في الدين مشيدة، وذكراً حسناً. ومن آثارهم مدرسة كبيرة في النجف تعرف إلى اليوم بمدرسة (الصدر)، فأحسن الله جزاءهم، وأكثر أمثالهم من ذوي الآثار والمآثر.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
باب ضريح هانىء بن عروة
المؤرخ (543هـ 1148)
من روائع التحف الخشبية
ضلفتان لباب واحد
أتيحت لي فرصة طيبة منذ بضع سنوات (1963) لفحص مجموعات متحف جاير اندرسون (بيت الكريتلية) بحي طولون بالقاهرة. حيث لاحظت في إحدى قاعاته المعروفة بقاعة الحريم N ضلفتين)[344]( لدولابين حائطيين لم يتنبه لأهميتهما أحد من قبل كما لا يرد أي ذكر لأحدهما أو كليهما في دليلي المتحف في سنة 1946 وسنة 1962)[345](، وتحمل كل واحدة منهما رقم تسجيل يختلف عن الآخر فبينما سجلّ الأولى 568 تحمل الثانية سجلّ 580 ولعل هذا التباعد بين رقمي التسجيل يرجع إلى اقتناء المرحوم جابر اندرسون لهاتين التحفتين في فرصتين مختلفتين، أو لعل اللجنة التي قامت على تسجيل مجموعات هذا المتحف سنة 1943 قد أعطت لكل تحفة رقماً مستقلاً دون أن تفطن إلى أن التحفتين تكمل الواحدة منهما الأخرى، واعتقاداً بأن الضلفتين لدولابين حائطيين، كما استعملهما وثبتهما في مكانهما بقاعة الحريم جاير اندرسون باشا بنفسه، ولكنني لاحظت أن هناك تماثلاً زخرفياً تاماً بين كل من الضلفتين، وما أن بدأت في فحص أشرطة الكتابات فيهما حتى تأكدت من أن النصوص متكاملة وهي تسير في سطور عرضية تبدأ من ضلفة وتنتهي بأخرى على التوالي، فالتحفتان في ضوء هذه الاعتبارات وفي حقيقة أمرهما عبارة عن تحفة واحدة في هيئة باب خشبي مكون من ضلفتين)[346]( من خشب الجوز التركي طول كل ضلفة 179سم وعرضها 72سم، وعرض الرؤوس الأفقية أي العوارض 9سم وهي عوارض تحصر بينها في كل ضلفة ست حشوات: أربعة منها مربعة تقريباً 22سم × 21سم وتسمى الواحدة منها «بقجة» واثنتان مستطيلتان تسمى الواحدة منهما في عرف الاصطلاح الدارج «تمساح» بمقياس 82.5سم طولاً في 22.5سم عرضاً.
ولكي يسهل علينا تغطية كل مواصفات هذا الباب رأيت أن تحمل الضلفة اليمنى حرف A (شكل 1 و2) وتحمل الضلفة اليسرى حرف B بينما تحمل الضلفة اليسرى من 5 ـ 8 أما الحشوات المستطيلة «التمساح» فتحمل الرقمين 9 و10 في الضلفة اليمنى و11 و12 في الضلفة اليسرى أما العوارض الأفقية أي الرؤوس فتسير أرقامها وفق ترتيب النصوص الكتابية من ضلفة إلى خرى على التوالي فتبدأ من العارضة العليا في الضلفة اليمنى بحرف (أ) ثم العارضة العليا بالضلفة اليسرى بحرف (ب) وهكذا تسير الأرقام الأبجدية من عارضة إلى أخرى على التوازي إلى أن تنتهي النصوص عند العارضة الثامنة السفلى بالضلفة اليسرى وهي تحمل حرف (ح) وفي ضوء هذا التخطيط سنسير في دراسة هذه التحفة الفنية (لوحة 1 و2).
العناصر الزخرفية
تتألف كل ضلفة من ضلفتي الباب من قائمين أي اسطامتين في الاصطلاح الصناعي وأربعة عوارض أي رؤوس مجمعة كلها بطريقة التعشيق أي طريقة النقر واللسان)[347]( ويدور على الاسطامات في محيط كل ضلفة شريط بعرض 3.5 سم من زخارف هندسية عبارة عن جديلة من أربعة أفرع بالحفر البارز تدور مستمرة على أرضية القائمين والعارضتين العلوية والسفلية في كل ضلفة لتحصر بينها كافة الزخارف الداخلية للضلفة الواحدة، (لوحة15)، أما الحشوات المربعة أي البقج من 1 ـ 4 في الضلفة A ومن 5 ـ 8 في الضلفةB فتزينها زخارف هندسية بالحفر البارز يتوسط كلاً منها شبه طبق نجمي مجمع بطريقة التعشيق تحدده أشرطة خشبية بارزة تُعرف في الاصطلاح الصناعي باسم «القنانات» وهي أشرطة مزينة بقنوات متوازية محفورة غائرة للتحلية. ويتألف كل طبق نجمي من ست بكشات أو كندات سداسية الأضلاع تنتظم كلها حول ترس نجمي الشكل له ستة أطراف)[348](. وتمتلىء أرضية الشكل الهندسي النجمي بوردة يختلف عدد وريقاتها من حشوة إلى أخرى فتبلغ في بعضها ثمان أو تسع وريقات بينما تصل في البعض الآخر إلى إحدى عشرة وأربعة عشرة وخاصة في بؤرة الشكل النجمي حيث يخرج من أسفل الزهرة ست أوراق نباتية مدببة. وتنبثق وريقات الورود كلها من الدائرة المركزية لكل وردة، فتشبه في تكوينها العام زهرة عباد الشمس)[349]( أو زهرة الأقحوان)[350]( إلى حد كبير، (لوحة 22)، وللوريقات أشكال بيضاوية متعددة بطريقة الأويمة أي الحفر والنقش الدقيق بالأزميل، ومن ثم نرى سطوح هذه الوريقات قد كشطت من أوساطها فبدت البتلات مقعرة وكأنها مفرغة من الوسط، ولا تخرج هذه الوردات المنتشرة في أرضية حشوات هذا الباب ـ بين كل من العناصر الكتابية والنباتية ـ لا تخرج عن كونها تصرفاً هندسياً يمكن حدوثه في كثير من الفنون الإسلامية)[351]( وترك للفنان حرية التشكيل والتنويع في عدد الوريقات كيفما شاء ورغم ذلك اتخذت مثل هذه الوريدات رنكاً أو شعاراً كما حدث في زهرة المرجريت Marguerite ذات الخمس تويجات)[352]( في عهد أسرة بني رسول باليمن وكما حدث أيضاً كذلك بالنسبة للوريدة ذات الوريقات الست حول دائرة مركزية والتي أضحت كما يقرر الأستاذ ديماند Dimand )[353]( بمثابة العلامة التجارية لصناع التحف المعدنية بإقليم خراسان ولكن هذه الوريدات في بابنا الخشبي هنا على أي حال لا تخرج عن حد التصرف الهندسي الزخرفي.
ويزين زوايا الحشوات المربعة «البقج» مثلث يتجه برأسه إلى الداخل وتزخرف أرضيته ورَيدة من أربع وريقات تخرج من دائرة مركزية، ويحيط باقنانات أو السدايب المعشقة بعض الفروع والأوراق النباتية المحفورة حفراً بارزاً والتي تنتشر على أرضية كل بَقْجة مربعة لتشغل ما بها من فراغات (لوحة 3).
ومن الملاحظ أن الشكل الهندسي النجمي الذي يزين كل حشوة من الحشوات المربعة في الضلفتين يشبه إلى حد كبير ذلك التقسيم الهندسي الذي يزين واجهة وظهر محراب السيدة رقية الخشبي بالمتحف الإسلامي سنوات 549 ـ 555هـ (1154 ـ 1160م). إذ لا يحتوي هذا التقسيم الهندسي في باب هانىء أو في محراب السيدة رقية على طبق نجمي حقيقي)[354]( بل يتكون من تكرار وحدة زخرفية في وسطها نجمة سداسية حولها ست حشوات كل منها مسدس منتظم تماماً وهذه الوحدات موزعة بحيث تقع مراكز النجوم في قمم مثلثات وهمية متساوية الأضلاع، أما المسطحات المحصورة بين هذه الوحدات فقد مُلئت بحشوات أخرى بعضها نجمي ممطوط)[355](. ويعني هذا كله أن المجموعات الهندسية الزخرفية في البُقج المربعة بضلفتي الباب ليست أطباقاً نجمية تامة التكوين بل هي مرحلة من مراحل التنويع الهندسي في القرن 6هـ/12م الذي لم يصل بعد إلى المرحلة التي تظهر فيها الأطباق النجمية الحقيقية.
أمّا الحشوات المستطيلة (التمساح) رقم 9 و10 في الضلفة اليمنى ورقم 11 و12 في الضلفة اليسرى فيزين كلاً منها شكل محراب ذو عقد جمالوني مدبب ومخنوق أسفل الشكل الجمالوني تماماً (لوحة 3) وقد عرفت مصر مثل هذه العقود في العمارة الفاطمية منذ القرن 4هـ إذ يقترب شكله من بعض فتحات النوافذ الحجرية في المئذنة الغربية بجامع الحاكم 393هـ وهو نموذج سابق تاريخياً على عقود محراب بابنا الخشبي بأكثر من قرن كما يشبه بعض فتحات النوافذ في القسم العلوي المثمن من مئذنة مشهد أبي الغضنفر (662هـ/ 1157م) اللاحقة لتاريخ هذا الباب.
وقد ورد على بعض التحف الخشبية والشواهد الحجرية والرخامية الإيرانية بعض عقود مشابهة لهذا العقد الجمالوني وهي تحف مؤرخة يرجع أقدمها إلى القرن الرابع الهجري ويشير بعضها إلى ضريح شيعي ربما أُقيم في إيران في عهد عضد الدولة البويهي)[356]( (لوحة 14) كما شاع استعمال هذا العقد فيما بعد في سجاجيد الصلاة المتأخرة كأبرز العناصر الزخرفية المميزة لسجاجيد ميليس Meles في آسيا الصغرى ولعله إحدى التأثيرات الإيرانية في سجاجيد تركيا)[357](.
ويزين كوشتي كل عقد في حشوتي الباب المستطيلتين زخارف محفورة لا أثر للتجميع فيها وقوام عناصرها الزخرفية فروع نباتية مورقة تخرج منها وريدات متفتحة ذات خمس وست وريقات تخرج من دائرة مركزية وكلها منفذة بالحفر البارز، أما حقل المحراب في كل حشوة فتزينه زخارف محفورة بالبارز من فروع نباتية يخرج بعضها من بعض بمعنى أن يمتد طرف من الفروع حتى يصبح عرقاً نباتياً ينبت منه عنصر آخر يتحول طرفه إلى عرق وهكذا)[358]( فضلاً عن وجود أوراق متشابكة بهذه الفروع المحورة عن الطبيعة تحويراً كبيراً كما تتصل بعض أطراف هذه الفروع بأزرار تنتهي عندها المراوح النخيلية، ويمكن رؤية هذه العناصر الزخرفية في بعض الأخشاب السلجوقية المحفورة والتي ترجع إلى القرن 6هـ/ 12م أي المعاصرة لبابنا الخشبي تقريباً مثل منبر جامع علاء الدين بقونية (550هـ/ 1155م) الذي تزينه زخارف نباتية تنتهي أوراقها ومراوحها النخيلية بأشكال أزرار كما «يمكن تتبعها في زخارف الخشب المحفورة من القرن الثامن الميلادي عند قبائل الأويغور التركية بوسط آسيا»)[359](.
أمّا طاقية المحراب فيملؤها عنصر نباتي مركب من مراوح نخيلية لعلها تطوراً للعناصر البصلية الشكل التي ألفناها في عناصر الزخرفة الهلينستية التي أورد Speltz كثيراً منه)[360]( (لوحة 4).
ويبدو الحفر البارز في كل هذه العناصر الزخرفية بالباب على مستويات ثلاث مع توفيق كبير في التنفيذ وقوة في التعبير عن حركات الفروع وانثناءاتها ومراعاة التماثل التام بين كل حشوة وأخرى من الحشوات الأربعة في الضلفتين، بحيث يمكن اعتبار هذه الزخارف نموذجاً رائعاً لزخرفة الأرابسك Arabesques (لوحة 4) التي نضجت تماماً في القرن 6هـ/12م في العالم الإسلامي كله وخاصة في شرقيّه حيث نراها ممثلة في زخرفة أخشاب هذا القرن بالذات في مصر الفاطمية في محراب السيدة نفيسة)[361]( (532 ـ 541هـ (1137 ـ 1147م) (لوحة 13 وفي ضلفتي باب من مشهد السيدة نفيسة بمتحف الفن الإسلامي رقم سجل 1646)[362]( وفي حشوات باب جامع الفكهاني 543هـ/1148م)[363]( وفي الحشوات الجانبية والخلفية لمحراب السيدة رقية)[364]( 549 ـ 555هـ (1154 ـ 1160م).
وفي العراق رغم أنه لم تصلنا نماذج مماثلة من الحفر على الخشب لها نفس هذه الحربة في تنفيذ أشغال الأويمة وحفر الفروع والتعريقات إلاَّ أننا نجد ما يماثل هذه الزخارف في أشغال المرمر بكثرة وخاصة في زخرفة محراب الجامع الأموي بالموصل الذي نقل إلى الجامع النوري حيث هو الآن وهو محراب صنعه سنقر البغدادي)[365]( في سنة 543هـ أي أنه محراب معاصر لبابنا الخشبي بل وفي نفس تاريخ صنعه (لوحة 13 و18).
أمّا إيران فقد اشتهرت بهذا النوع من الزخارف النباتية المحفورة حفراً عميقاً والموزعة على عدة مستويات مختلفة حتى أن الأستاذ ديماند Dimand ليقرر أن هذه الطريقة ـ أي طريقة الحفر بعدة مستويات ـ إيرانية الأصل)[366](، وقد وردت أقدم أنواع هذه الزخارف الإيرانية المحفورة على الباب الخشبي لضريح محمود الغزنوي المحفوظ حالياً بمتحف أجرا بالهند بعد أن نقله الإنجليز إلى هناك سنة 1842 وهو باب يرجع إلى القرن 5هـ/11م وقد انتشر هذا النوع من الزخارف النباتية بعروقها ووريقاتها المتشابكة في التحف الإيرانية غير الخشبية فنراه على المحاريب الجصية التي ترجع إلى القرنين 5 و6هـ (11/12)م.
وقد بحث فلوري Flury كثيراً من زخارف هذه المحاريب وكتاباتها)[367]( كما أشار الأستاذ كريسويل Creswell إلى بعضها في كتابه عن العمارة الفاطمية بمصر وردها إلى أصولها فيما نشر عن بعض المحاريب الإيرانية الجصية المسطحة بأردستان (لوحة 14) ومصر والتي ترجع إلى القرن 5هـ/11م)[368](.
والمهم أن زخارف الأرابسك التي تملأ حقل كل محراب من المحاريب الأربعة في حشوات بابنا الخشبي المستطيلة ترجع في أصولها إلى تأثيرات إيرانية واضحة، وقد وفق نجار فنان في تجريد عناصرها النباتية فابتعد بها عن أصولها الطبيعية ونجح في جمعها وربطها وتوزيعها جمعاً وربطاً وتوزيعاً تجلى فيه التعقيد، مع البراعة الفنية والابتكار، دون أن يؤثر ذلك في المظهر العام للعناصر الزخرفية نفسها، بحيث أبعدها عن الملل، وأضفى عليها من الائتلاف والتلاؤم ما وفق بين أجزائها جميعاً.
النصوص الكتابية
سبق أن أشرت إلى أن النصوص تسير على التوالي من ضلفة إلى أخرى فوق العوارض المتوازية فيبدأ النص من العارضة العليا بالضلفة اليمنى ويكمله النص التالي في العارضة العليا من الضلفة اليسرى وهكذا تسير بقية النصوص متوازية حتى نهايتها فوق العارضة السفلى من الضلفة اليسرى حيث يتمم التاريخ هذه النصوص الكتابية جميعها. ويعنينا الآن قبل تحليل حروف وزخارف هذه النصوص الكتابية أن نقوم بقراءتها لنتبين ما تشير إليه كلماتها من مدلولات وسنسير في تلك القراءة على الوجه التالي:
النص فوق العارضة 2 (في الضلفة اليمنى، لوحة 5):
بسم الله الرحمن الرحيم السلام على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الله.
النص فوق العارضة ب (في الضلفة اليسرى لوحة 6):
العظيم وصلواته عليك يا هانىء بن عروة السلام عليك أَيها العبد الصالح.
النص فوق العارض جـ (في الضلفة اليمنى لوحة 7):
المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين عليهم السلام.
النص فوق العارضة د (لوحة 8):
أَشهد أَنك قُتِلْتَ مظلوماً فلعن الله من قتلك واستحل دمك وحشا الله.
النص فوق العارضة هـ (لوحة 9):
قبورهم ناراً أَشهد لك أَنك لقيت الله وهو راض عنك بما فعلت ونصحت لله و)[369](.
النص فوق العارضة و (لوحة 10):
لرسوله مجتهداً وبذلت نفسك في ذات الله ومرضاته قل حمداً لله.
النص فوق العارضة ز (لوحة 11):
ورضى عنك وحشرك مع محمد وآله الطاهرين وجمعنا الله.
النص فوق العارضة ح (لوحة 12):
[و] إياك معهم في دار النعيم في شهر محرم سنة ثلاث [و] أربعين [و] وخمسماية.
ومن الملاحظ أنه بينما يفصل الحشوات الزخرفية الهند سية في البقج المربعة والحشوات المستطيلة ذات الزخارف النباتية، قوائم رأسية تزينها زخارف هندسية محفورة بالأويمة في هيئة سهام متتابعة تتجه رؤوسها إلى أسفل، نرى أن النصوص الكتابية فوق العوارض الخشبية لا تفصلها مثل هذه القوائم الرأسية بل يغطى النص الكتابي كل مساحة العارضة وهكذا تشتمل كل ضلفة على أربعة سطور من النصوص أمكن تصويرها وتفريغها وتحبيرها)[370]( (اللوحات من 5 ـ 12) وهي نصوص كما يبدو من دراستها شيعية تماماً تشير إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وإلى سيدنا علي بن أبي طالب الذي رمزت إليه النصوص «بأمير المؤمنين» في النص رقم (جـ) فوق العارضة الثانية بالضلفة اليمنى، كما تشير إلى الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين وتنص على الدعاء لهانىء بن عروة بالجنة دار النعيم مع الرجاء بأن يحشر مع سيدنا محمد وآله الطاهرين جزاء ما بذل هانىء بن عروة من نصح وطاعة لله ولرسوله وآل بيته وأخيراً جزاء ما بذل من نفسه في ذات الله ومرضاته حتى قتل شهيداً في سبيل ذلك. وتشير بعض هذه النصوص إلى الدعاء باللعنة على من قتل هانىء بن عروة مظلوماً واستحل دمه.
فمن هوذا هانىء بن عروة العبد الصالح الذي صنع لضريحه هذا الباب الخشبي المؤرخ بشهر المحرم سنة 543هـ (مايو 1148م)؟
الواقع أن شخصية هانىء بن عروة ترتبط بذلك الصراع الدامي الذي كان بين الأمويين والعلويين من شيعة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه منذ معارضة الحسين بن علي لبيعة يزيد بن معاوية سنة 60هـ فكاتب الحسين شيعته وأتباعه بالكوفة فاجتمعوا وأرسلوا إليه كتباً كثيرة يطلبون منه فيها الانتقال إلى الكوفة)[371]( ولكنه رأى أن يختبر مدى عمق الجبهة التي سينتقل إليها حيث يقاوم يزيد بن معاوية وعماله بالعراق، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل فبايعه أهل الكوفة على النصر والتف حوله الناس إلى درجة لم يستطع معها عامل يزيد على الكوفة وهو النعمان بن بشير الصمود أمام ثمانية عشر ألفاً من الشيعة)[372]( فعزله يزيد لعدم نجاحه في قمع هذه الحركة الشيعية وولى مكانه عامل البصرة «عبيد الله بن زياد» الذي استعمل أقصى أنواع الشدة لتفريق كثير من أتباع مسلم بن عقيل فلما رأى مسلم تفرُق أهل الكوفة عنه استجار (بهانىء بن حميد بن عروة المرادي)، فأجاره هانىء في داره، غير أن عبيدالله بن زياد نمّ على هانىء أحد عبيد هانىء نفسه)[373]( فأخبر هذا العبد ابن زياد باجتماع الشيعة في دار «هانىء بن عروة» فبعث عبيدالله بن زياد إلى هانىء وهو شيخ آنذاك وأحضره وطلب منه تسليم مسلم بن عقيل فرد عليه هانىء: «والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه».
فوثب إليه عبيدالله بن زياد بالعنزة (الحربة) حتى غرز رأسه بالحائط «فشجه على حاجبيه وكسر أنفه وقال له عبيدالله قد أحل الله لي دمك لأنك حروري» (من الخوارج))[374]( ثم أمر بحبسه، ولما علم مسلم بذلك ذهب ببعض رجاله إلى قصر ابن زياد لإنقاذ هانىء ولكن كانت تهديدات عبيدالله ورجاله كافية لصرف الناس عن مسلم بن عقيل حتى أصبح بمفرده فقبض عليه وضرب عنقه وهو في أعلى القصر فسقطت رأسه إلى الشارع فأتبعها جسده، وأُرسلت رأسه إلى دمشق وصُلبت جثته في الكوفة فكان كما ذكر «فلهوزن» أول رأس أُرسل إلى الشام وأول جثة صُلبت من بني هاشم)[375](.
أمّا هانىء بن عروة فقد أحضره عبيدالله بن زياد وضرب عنقه في سوق الغنم بالكوفة ثم صلبه بعد ذلك، وبعث برأسه إلى يزيد. وفي رثاء هانىء ومسلم بن عقيل ينشد الفرزدق)[376](:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري
إلى هانىء في السوق وابن عقيل
أصابهما أمر الإمام فأصبحا
أحاديث من يغشى بكل سبيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه
وآخر يهوى من طمار قتيل
وهكذا انتهت حياة بطل من أبطال الشيعة بالكوفة هانىء بن حميد بن عروة المرادي الذي يذكر عنه صاحب الأغاني أنه كان «من القراء الأشراف» وقد انطفأت بقتله مظلوماً بعد أن استحل عبيدالله بن زياد دمه، شعلة رواد الطليعة الذين كان يأمل فيهم الحسين رضي الله عنه نشر الدعوة الشيعية وتوطئة الأمور له بالكوفة قبل انتقاله إليها، ولكن سنرى أن الشيعة في القرن السادس الهجري (12م) لم تنس لهانىء بن عروة جهاده فتقيم له ضريحاً يزار بمسجد الكوفة فوق جثته تخلف عنه هذا الباب الخشبي الرائع موضوع بحثنا.
وآخر عهدنا برأس هانىء بن عروة هو ما أورده عريب بن سعيد في صلة تاريخ الطبري من أن رأس هانىء قد وصل سنة 304هـ إلى خراسان حيث وجد في قندهار بأفغانستان الحالية وفي أحد أبراج سورها خمنسة آلاف رأس في سلال ومن هذه الرؤوس ستة وعشرون رأساً في أذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط أبريسم (الحرير) باسم كل رجل منهم ومن بين هذه الأسماء اسم هانىء بن عروة)[377](.
وإذا كان رأس هانىء بن عروة قد لحق به النقلة من دمشق إلى خراسان بإيران فإن جثته الطاهرة قد دُفنت بالكوفة حيث يقع ضريحه اليوم في الناحية الشرقية من مسجد الكوفة عند الطرف الشمالي ويحاذيه ضريح مسلم بن عقيل عند الطرف الجنوبي من الناحية الشرقية بعينها. وعلى أسس المسجد الأصلي الذي أنشىء بالكوفة سنة 27هـ (638م) وأُعيد بناؤه في عهد زياد بن أبيه 51هـ/ 670م يقوم مسجد الكوفة الحالي على مساحة مربعة تقريباً 116 × 111 متراً ويحيطه سور من الآجر تدعمه أبراج مستديرة من الخارج (بارتفاع 20 متراً عن سطح الأرض))[378]( ومن الناحية القبلية من المسجد يقع مقام الإمام علي رضي الله عنه حيث اغتيل في محرابه سنة 40هـ. ويحيط بصحن الجامع من جهاته الأربع رواق واحد ذو بلاطة واحدة يحيطها صف واحد من العقود ويفتح في الرواق الشرقي بابان يوصل أحدهما إلى ضريح مسلم والآخر إلى ضريح هانىء بن عروة، ويثبت الباب الخشبي الذي نعرض له الآن أن ضريح هانىء بن عروة قد أُقيم أو على الأقل قد جدد سنة 543هـ (1148م) في الناحية الشرقية من المسجد (لوحة 16).
غير أن هذا الضريح كان قد تهدم عند زيارة ابن جبير للكوفة سنة 580هـ/1184م إذ يذكر أن الكوفة قد «استولى الخراب على أكثرها فالغامر منها أكثر من العامر ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها فهي لا تزال تضربها.. والجامع العتيق آخرها مما يلي شرقي البلد ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق»)[379]( وإن كان قد عاد إلى تأكيد وجود عمارة واحدة صغيرة حين يذكر «وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعد إليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه»)[380]( ولا أثر هنا لذكر ضريح هانىء بن عروة ولولا تهدم هذا الضريح في فترة تقع ما بين 543هـ وسنة 580هـ لما وصلنا هذا الباب من مخلفاته ويحمل تاريخاً يقوم دليلاً على وجود ضريح هانىء في المحرم من سنة 543هـ وهو الضريح الذي جدد بعد ذلك تجديداً شاملاً مع المسجد الجامع الحالي وأُقيمت فيه حول القبر مقصورة من الفضة الخالصة، تجلل بالسواد في كل سنة من العاشر من المحرم، أي يوم عاشوراء في ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه، وخارج هذه المقصورة علقت الزيارة اللازم قراءتها على روح هانىء بن عروة من الزائرين لضريحه، وتتضمن هذه الزيارة 92 كلمة أي تطابق تماماً عدد كلمات النصوص الكتابية المنقوشة على باب ضريح هانىء الخشبي وهو 92 كلمة أيضاً، كما تتفق النصوص في غالبها فيما عدا استبدال بعض كلمات بأخرى أو تقديم بعضها على الآخر مما يقوم دليلاً لدينا على أن نصوص الباب الخشبي كانت المصدر الذي استقى منه كاتب نصوص هذه الزيارة الموجودة بالضريح الحالي)[381]( (لوحة 21).
وبعد مناقشة النصوص الكتابية في ضلفتي الباب ومضمونها، ننتقل إلى تحليل الخصائص الزخرفية والفنية لحروف هذه النصوص. فمن الثابت أن هذه النصوص الكتابية كلها ترجع إلى القرن 6هـ/12م وعلى وجه التحديد إلى سنة 543هـ (1148م) وإذا حاولنا أن نقارن خصائص الحروف الكتابية في هذه النصوص الشيعية بباب هانىء بخصائص الحروف الكتابية الشيعية الأخرى في الأخشاب الفاطمية بمصر والتي ترجع إلى نفس القرن 6هـ/12م كأخشاب قاعة الدردير (النصف الأول من القرن 6هـ) وتابوت السيدة رقية 533هـ/ 1138م والأخشاب الفاطمية بضريح شجرة الدر منتصف القرن 6هـ/12م وأخشاب الصالح طلائع 555هـ/1160م لخرجنا من هذه المقارنة بحقيقة علمية واحدة هي أن حروف النصوص الكتابية المعاصرة لباب هانىء في مصر الفاطمية تبدو فيها الرشاقة والليونة رغم سمك الحروف المحفورة في هذه الأخشاب في القرن 6هـ/12م فضلاً عن امتزاج الحروف الكتابية الفاطمية في هذه الفترة بالحلزونات والتوريقات العربية الملتفة حولها على الأرضيات بحيث تتشابك معها فيصعب تخليص الحروف من مهادها الزخرفي الذي يتألف من الفروع النباتية وأوراق العنب الثلاثية كما يتضح ذلك من نصوص وزخارف الأمثلة التي سبق لي القيام بدراستها)[382](.
والواقع أن الحروف الكتابية في باب هانىء قد نفذت بالحفر البارز بطريقة تبدو فيها الصلابة والسمك مع شيوع الزوايا عند بدايات ونهايات الحروف وهي خصائص الكتابات التي ترجع إلى القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي والتي شاعت في كتابات شواهد القبور وكتابات مقياس النيل بالروضة وكتابات جامع بن طولون)[383]( فقد ظهرت مثلاً النسارة في بداية الألفات فضلاً عن ذيل يشكل زاوية قائمة في نهايتها — وهكذا الحال في بداية اللام وإن كان اتجاه السنارة في الألف دائماً إلى اليمين وفي اللام غالباً إلى اليسار في كتابات باب هانىء — وكذلك حرف الراء نراه ينكسر في زاويتين إحداهما في أعلا الراء والثانية في أسفلها- – -.
كما في لفظ (لرسوله) وفي كلمة (الأمير). أمَّا الصاد فقد نفذت بطريقة صلبة كذلك فبدت سننها كحرف الطاء أو الظاء وأمّا العين فقد بدت مفتوحة من أعلى أشبه بحرف العين في كتابات فجر الإسلام وحتى حرف العين البادئة تبدو فيها صلابة العين في الكتابات العباسية والطولونية في القرن 3هـ/9م وكذلك الحال في حرف الهاء الأخيرة الـتـي تشبه إلى حد كبير كتابات مقياس النيل بالروضة 247هـ وكتابات جامع بن طولون رمضان 265هـ (مايو 879م) ومع ذلك فقد بدت في كتابات باب هانىء مميزات جديدة متطورة تبتعد بها عن خصائص كتابات القرن 4هـ/9م فمثلاً حرف الميم امتاز في كتابات باب هانىء بخروج زائدة أشبه بقائم حرف الطاء كما في لفظي (لأمير المؤمنين) وكذلك الحال في حرف الهاء فقد امتاز بهذه الزائدة كما في لفظ (عليهم السلام) أمّا حرف الواو فقد توج رأسه بمثلث أشبه برأس الحربة كما يبدو في لفظ (المؤمنين) ونرى كذلك عناصر زخرفية هندسية في هيئة المثلثات لتصل ما بين الحروف وبعضها كما في كلمة (السلام) واسمي «الحسن والحسين» .
والحق أن هذه العناصر الزخرفية في الحروف الكتابية كالقوائم الزائدة أو رؤوس الحراب أو المثلثات الهندسية قد ظهرت لأول مرة في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي في إيران في بعض التحف الخشبية المؤرخة 363هـ (974م) ويحتفظ متحف الفن الإسلامي ببعضها)[384]( (لوحة 17) وظلت هذه المميزات تظهر في الكتابات الغزنوية ثم السلجوقية حتى القرن 6هـ/12م كما يبدو من تلك المجموعة من الكتابات التي درسها فلوريFlury )[385]( على التحف الإيرانية مما يحملنا على الاعتقاد بأن هذا الباب تحفة إيرانية ليس غير في ضوء زخارفه وكتاباته صنع في سنة 543هـ بهذه الدقة والجمال وقد أوردت جدولاً لتحليل كتابات الباب ومقارنته بالكتابات الإيرانية والعراقية منذ القرن 4هـ. (انظر اللوحات رقم 19 و20 و23) ومن هذه الكتابات يتضح لنا مدى ارتباط كتابات باب هانىء بالكتابات الإيرانية بقدر ابتعادها عن الكتابات العراقية حتى المعاصرة لها.
ولكن بقيت نقطة أخيرة وهي أين كان موضع هذا الباب الخشبي من ضريح هانىء بن عروة المرادي؟
إننا نلاحظ أن ارتفاع هذا الباب بمصراعيه لا يزيد عن 1.79 متر كما لا يعدو عرضه 1.44 متر وإذا كان العرض يتناسب واتساع بعض فتحات الأبواب العامة للمشاهد والأضرحة القائمة إلاَّ أن ارتفاعه لا يسمح بأي حال أن يكون هذا الباب هو الباب العمومي لضريح هانىء بن عروة بل إن أنسب مكان لتثبيت هذا الباب فيما بين 543هـ و580هـ هو المقصورة الداخلية، التي تحيط بلحد هانىء والتي غالباً ما كان يوضع داخلها تابوت أشبه بتابوت الحسين المحفوظ بمتحف الفن الإسلامي، أو تابوت السيدة رقية القائم حالياً بمشهدها، ليحدد مكان الجثة واتجاه وضعها في القبر داخل المقصورة، وقد كانت مثل هذه الأبواب الخاصة بالمقصورة محددة الاستعمال فلا تفتح إلاَّ عند إجراء أعمال النظافة حول اللحد أو تفتح للخاصة عند الزيارة مبالغة في تكريمهم وتبركهم.
وبعد: هذا باب ضريح هانىء بن عروة المرادي أحد شهداء الشيعة وحماتهم صنع لضريحه في شهر المحرم سنة 543هـ (مايو 1148م) وليفخر متحف بيت الكريتلية باقتنائه، وإذا كان باب ضريح محمود الغزنوي 388هـ 421هـ (998 ـ 1030م))[386]( المحفوظ بمتحف أجرا بالهند حالياً من القطع الهامة في تاريخ الحفر على الخشب في عصر السلاجقة بالذات، فإن باب ضريح هانىء بن عروة يعتبر التحفة الخشبية الفريدة التي صنعت في شهر وفي سنة محددة من القرن 6هـ/12م ولعل هذا الباب من بين تلك التحف التي بقيت لنا من الخشب المحفور بإيران إلى جانب تلك التحفة التي يفخر بها متحف المتروبوليتان بنيويورك وهي حشوة كبيرة من أحد المنابر تحمل اسم علاء الدين كليجار كرشاسب عامل السلاجقة على يزد وهي مؤرخة 546هـ (1151م))[387]( أي بعد باب هانىء بن عروة بثلاث سنوات.
اللوحة 1: رسم يوضح أبعاد الباب وعدد حشواته في كل من الضلفة اليمنى A واليسرى B.


اللوحة 2: صورة الباب الخشبي لضريح هانىء بن عروة بعد وضع الضلفتين متجاورتين
والواقع أننا لا نعرف الكثير كما يقول الأستاذ ديماند)[388]( عما بقي من أخشاب العصر السلجوقي ويحتمل أن تكون بعض مخلفاته الخشبية لا تزال خبيئة في مساجد غير معروفة أو في مجموعات خاصة وها نحن اليوم نسهم في إبراز أهم تحفة خشبية من تحف ذلك العصر في مجموعات القاهرة ومتاحفها.
الدكتور عبد الرحمن فهمي
بحث في الأصول الأربعمائة)[389](
مقدمة
الفريق الأول من المحدّثين وفقهاء الإمامية، بعد الأئمة عليهم السلام، هم أصحابهم وتابعوهم. ونقصد بالتابعين الذين عايشوا أئمة الهدى عليهم السلام أو كانوا معاصرين لهم، ولكنهم لم ينالوا شرف صحبتهم، فسمعوا أحاديثهم من ألسنة ثقاة آخرين وعملوا بها. وقد اتسم هذا الفريق بسمة القيادة واعتبروا من واضعي أسس فقه الإمامية، إذ يمكن القول بأن الدورة الكاملة والجامعة لفقه الإمامية وحديثهم قد بنيت على ما قام به هؤلاء من الجهد العلمي الحثيث.
.
لقد كان من أهم الخدمات العلمية التي قدّمها هؤلاء هو وضع «الأصول»، وذلك لأن معظم أفراد هذا الفريق كانوا من أصحاب الأئمة عليهم السلام، وكان كل واحد منهم المرجع الشيعي للناس في منطقة سكناه. فإذا ما صادفته مسألة جديدة شد رحاله بنفسه لمقابلة الإمام عليه السلام أو أصحابه الموثوق بهم. وكانوا يسجلون أحاديث المعصومين عليهم السلام في أوراقهم ومكتوباتهم.
لم تكن هذه المدونات الروائية تخضع لتبويب أو ترتيب معيَّن، فإذا واجه أصحابها سؤالاً أو أسئلة عن أمور فقهية أو عما يتعلق بالأئمة المعصومين من حيث أخلاقهم وآدابهم وتواريخ ولادتهم ووفياتهم ومناقبهم وفضائلهم وأمثال ذلك، كانوا يسمعون إجابات أسئلتهم مباشرة عن الأئمة عليهم السلام أو من أصحابهم، ثم يدونونها في أوراقهم، فتألّف من هذه الكتابات نحو 400 مجموعة روائية اشتهرت فيما بعد باسم «الأصول الأربعمائة)[390](».
إن الذين يحصرون فترة تدوين الأصول بزمان الإمام الصادق عليه السلام على أيدي تلامذته، يقولون عن «الأصول الأربعمائة»: «لقد وصل نشاط الشيعة الثقافي إلى أوجه على عهد الإمام الصادق عليه السلام، وذلك لأن انتقال السلطة من الحكم الأموي إلى الحكم العباسي أوجد فرصة من التراخي في الضغط السياسي على الشيعة على وجه العموم. في مثل تلك الفرصة المناسبة أقبل أهل العلم والمعرفة إقبالاً شديداً على مدرسة الإمام الصادق عليه السلام حتى وصل عدد طلابه والرواة عنه 4000 شخص. وقد قام عدد كبير من هؤلاء بتدوين الروايات التي سمعوها منه حول مواضيع شتى، كالفقه، والتفسير، والعقائد وغيرها. وقد أطلق على هذه الكتابات في تاريخ الشيعة اسم الأصول التي بلغت 400 عدداً»)[391](.
تعريف «الأصل»
يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني [صاحب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»]: «تعبير الأصل لا يصدق إلا على بعض الكتب الروائية، بمثلما أن «الكتاب» اسم يطلق على جميع كتب الحديث. كثيراً ما يلاحظ في عبارات علماء الرجال قولهم: الراوي الفلاني له كتاب «أصل»، أو أن له «أصلاً» وكتاباً وأنه يقول في «الأصل» كذا وكذا، أو أنه صاحب كتاب وأصل وأمثال ذلك.
وإطلاق «الأصل» على الكتب الروائية من جانب العلماء ليس ظاهرة حديثة، بل سبق اطلاق اللفظة، استناداً إلى معناها اللغوي، على أمثال هذه الكتب. أي إذا كانت جميع أحاديث كتاب روائي قد سمعها المؤلف من الإمام عليه السلام، يعتبر هذا الكتاب كتاب «أصل» من بين سائر كتب المؤلف نفسه، لأنه لا يعتمد على كتابات شخص آخر، ولهذا السبب يُقال إن له كتاب «أصل». أما إذا اقتبس كتابٌ كل أحاديثه أو بعضها من كتاب آخر، وإن يكن «أصلاً» ومؤلفه سمع تلك الأحاديث من الإمام عليه السلام مباشرة، وأن الإمام قد أجازه بروايتها وتدوينها، فإن هذا الكتاب المقتبس لا يعتبر «أصلاً» لأن مؤلفه لم يسمع الأحاديث من الإمام مباشرة، بل استنسخها من مدونة أخرى، فهو «فرع» منها. وهذا يتفق مع قول المرحوم وحيد البهبهاني: «إن الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي سمعها من المعصوم أو من راويه»)[392](.
فبناء على ذلك، «الأصل» من بين كتب الحديث هو الكتاب الذي يضم بين دفتيه ما سمعه مؤلفه من المعصوم أو ممن سمعه من المعصوم، لا الكتاب الذي يأخذ من كتاب آخر، إذ في هذه الحالة لا يكون جديراً بإطلاق اسم «الأصل» عليه، بل يكون فرعاً له. وكلام النعماني عن الأصل السليم ـ كما سيأتي)[393]( ـ إشارة إلى لزوم سماع الروايات في الأصل. وهكذا يكون أصل كل كتاب هو ما كتبه المؤلف فيه أولاً، وكل ما استنسخ منه يكون فرعاً له، ولذلك يطلق على المكتوب الأولي اسم النسخة الأصلية، أو الأصل)[394](.
في ذلك يقول صاحب «إتقان المقال»: «إن من الأقوال في «الأصل» هو أنه كتاب حديث يضم كلام المعصوم فقط. وثمة قول آخر يقول: الأصل هو الكتاب الذي يحتوي على الأحاديث المسموعة من المعصوم عليه السلام دون واسطة».
في أقوال علماء الرجال ترد عبارات مثل قولهم عن إبراهيم بن مسلم: «إن شيوخنا يعتبرونه من أصحاب الأصول». أو عن كتاب أحمد بن حسين يقولون: «يرى بعض من أصحابنا أنه من الأصول». وبشأن كتاب حريز قالوا: «جميع كتبه تعتبر من الأصول» وعن كتاب الحسين بن أبي العلاء قالوا: «له كتاب يُعد من الأصول». وأمثال هذه الأقوال، وهي تدلّ على أن الأصل عندهم هو كتاب حديث يعتمد عليه ويعمل به.
وليس ببعيد القول بأن «الأصل» هو الكتاب الذي يتصف بكونه يُعتمد عليه ويضم روايات مسموعة من المعصوم عليه السلام بدون واسطة، كما يتضح ذلك من كثير من التراجم: «له كتاب يعتمد عليه» أو «للراوي الفلاني كتب عديدة، مثل الحسين بن سعيد وأمثاله».
بديهي أننا لا يمكن أن نقول إن كتاب كل شخص ثقة هو «أصل» وذلك لأننا لا نجد أكثر الرواة المعتمدين والموثوق بهم بين أصحاب «الأصول»، حتى إن بعضهم، مثل زرارة، الذين لا يرقى الشك إلى وثاقتهم وكونهم من أصحاب الإجماع، لا نجدهم بين أصحاب «الأصول». يتبيَّن من هذا القول أن ليس كل كتاب معتمد «أصلاً»)[395](.
يقول أحد العلماء المعاصرين في تعريف «الأصل» ما يلي: «الأصل هو الكتاب الذي يحوي الأخبار والآثار التي جمعت بقصد ضبطها وحفظها من التلف ومن النسيان، ولكي يرجع إليه الجامع أو غيره عند الحاجة»)[396](.
السيد محسن الأمين، بعد استعراض بعض التعاريف، يقول: «كل هذه التعاريف لا تعدو أن تكون مبنية على الحدس والتخمين»)[397](.
وربما تكون هذه النظرة ناجمة عن كون هذه التعاريف لا تستند إلى دراسة نصوص تلك الأصول. إننا من الناحية التاريخية، لا نجد هذا الاصطلاح إلا في كتب الشيعة من القرن الخامس الهجري وما بعده، وعلى وجه الخصوص في كتب ثلاثة منهم، وهم: محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد (توفي 412هـ)، وأبو العباس النجاشي (توفي 450هـ) وأبو جعفر محمد الحسن الطوسي (توفي 460هـ)، وذلك لأننا عند دراسة فهرست الطوسي والنجاشي نستنتج أن «الأصل» صفة مستقلة تطلق على بعض كتب الحديث، ولعل الاستعمال الأول استند إلى المعنى اللغوي للفظة «أصل» والتي كانت تطلق على كتب أخرى أيضاً ثم تبلور مفهومها في اصطلاح جديد. ودليلنا على ذلك نموذجان نكتفي بهما من فهرست الطوسي:
1 ـ جاء في مقدمة الكتاب: «إنني عندما بحثت بدقة عن أعمال عدد من كبار المحدثين الشيعة ـ والتي تسرد كتب محدثي الإمامية والأصول التي رووها ـ لم أجدها فيها، ما عدا ما جمعه أبو الحسن بن الحسين بن عبيدالله الغضائري، وذلك لأنه ألف كتابين تحدث في أحدهما عن الكتب، وفي الآخر عن الأصول»)[398](.
2 ـ في أحوال بندار بن محمد بن عبدالله يقول: «له عدَّة كتب، منها كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج، وكتاب الزكاة، وغيرها مما كتبت بترتيب كتب الأصول وعلى نسقها»)[399](.
على الرغم من أن الطوسي استعمل لفظة «أصل» أكثر من غيره، إلا أننا لا نجد في أي موضع من كتابه، ولا من كتب معاصريه، تعريفاً لمفهوم «الأصل»)[400](.
واستناداً إلى أقدم المصادر، فإن أول من استعمل تعبير «الأصل» في قبال: كتاب، مصنف، رسالة، نوادر وغير ذلك، هو الشيخ المفيد، إذ ينقل عنه ابن شهر آشوب قوله إن الإمامية، منذ أيام أمير المؤمنين علي عليه السلام، حتى عهد أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام ألّفوا 400 كتاب تسمى الأصول، والهدف من ذلك هو أن يقولوا إن الراوي الفلاني له مؤلف في الأصول)[401](.
إذن، إذا أخذنا بنظر الاعتبار تقدم الشيخ المفيد على الشيخ الطوسي والنجاشي، وأنه في آخر كلامه يقول إن هدف علماء الإمامية هو تبيان كون الراوي الفلاني كتب «أصلاً»، فإننا نستنتج من ذلك أن هذا الاصطلاح كان متداولاً بين المحدثين وعلماء رجال الشيعة، على الرغم من أن شيئاً عن هذا لم يصلنا منه. وبناء على ذلك ليس من السهل إثبات أن مصطلح «الأصل» قد استعمله بصورة مستقلة هؤلاء العلماء الثلاثة، وإن كان النقد موجهاً إلى كل تعريف من تلك التعاريف. إلا أن البحث في التعاريف الماضية، وما سيأتي فيما بعد، لا يبقي مجالاً للشك في أن «الأصل» عنوان مستقل يطلق فقط على بعض كتب الحديث التي لها ميزة خاصة.
الفَرق بين «الأصل» و«الكتاب»
الشيخ عبدالله المامقاني، العالم الكبير بالرجال، يقول في هذا الباب: «ليس ثمة شك في اختلاف «الأصل» عن «الكتاب»، وذلك لأننا كثيراً ما نشاهد في كتابات علماء الرجال أنهم يقولون بشأن أحد الرواة: «كان له (أصل) وله كتاب».
ينبغي أن نقرأ ما يقوله الشيخ الطوسي بشأن زكريا بن يحيى الواسطي: «له كتاب (الفضائل) وله (أصل) أيضاً». فلو كان الكتاب والأصل شيئاً واحداً لما كان كلامه دقيقاً. كما أننا نقرأ له بعض العبارات يقول فيها: «للراوي الفلاني كتابان أو عدد من الكتب». ولكنه لا يقول أبداً أن الراوي الفلاني كان له أصلان أو عدة أصول)[402](. بل يذكر أصلاً مفرداً لأي صاحب أصل، لا تثنية ولا جمعاً.
لعلنا نستطيع أن نعثر على العلة في الرأي القائل: بالنظر لأن الأصول غالباً ما تكون عديمة الترتيب والتبويب، وأن صاحب الأصل يجمع جميع الروايات التي سمعها من المعصوم عليه السلام أو من أحد أصحابه في كتاب واحد، فمن الطبيعي أن يكون صاحب مجموعة روائية واحدة تسمى «الأصل«. أما الكتاب الذي غالباً ما يكون جامعاً لروايات تخص موضوعاً خاصاً، يكون متعدداً بحسب تعدد أبوابه ورواياته المختلفة.
ويضيف صاحب الرأي قائلاً: ثم إن كتب المحدّثين الشيعة ومصنفاتهم أكثر من 400 عدداً، فقد ذكر علماء الرجال لابن أبي عمير 94 كتاباً، ولعلي بن مهزيار 35 كتاباً، وللفضل بن شاذان 180 كتاباً، وليونس بن عبدالرحمن أكثر من 300 كتاب، ولمحمد بن محمد بن إبراهيم أكثر من 90 كتاباً، ومجموعها يفوق 679 كتاباً لخمسة أشخاص فقط، فما بالك بما لسائر العلماء الآخرين. لذلك لا بدَّ من وضع عنوان خاص لبعض كتب الحديث واستثناء غيرها من هذه التسمية.
أما الفروق التي ذكرت للتمييز بين (الأصل) و(الكتاب) فهي:
1 ـ ينقل وحيد الهبهاني عن عالم لا يذكر اسمه قوله: «الأصل هو المجموعة التي تضم كلام المعصوم عليه السلام فقط، أما في الكتاب فبالإضافة إلى كلام المعصوم عليه السلام قد يضم بين تلافيفه كلام المؤلف أيضاً». ولتأييد هذا الكلام يستشهد القائل بقوله للشيخ الطوسي في ذكر أحوال زكريا بن يحيى الواسطي جاء فيه «له كتاب (الفضائل) وله أصل أيضاً». يقول المرحوم وحيد البهبهاني إن الاستشهاد بكلام الشيخ بقصد تأييد هذا الرأي يدعو للتأمل، إلا أن رأيه قريب إلى الواقع إلى حدٍ ما وله بعض التأثير في إثباته. ثم يشير إلى ناقدي الدعوى فيقول: ثمة اعتراض على هذا الأمر بالنظر إلى أن الكتاب أعم من الأصل)[403](، ولكنه يعود ليقول إن هذا الاعتراض غير صحيح، لأن القصد هو بيان الفَرق بين الكتاب الذي ليس أصلاً ويقف مقابلاً له، والكتاب الذي هو أصل، كما أن حصر تسمية الـ400 مجموعة بالأصول يعود إلى هذا الأمر.
والاعتراض الآخر الموجه إلى هذا القول هو أن في كثير من الأصول نجد كلاماً للمؤلف أيضاً، ولكن في كثير من الكتب لا وجود لكلام المؤلف إضافة إلى كلام المعصوم، مثل كتاب سليم بن قيس)[404](، فيرد على ذلك قائلاً: «إن هذا الاعتراض، كما ترون، ليس سوى مجرد ادعاء، كما أن شذوذه عن الواقع لا يخفى على كل مطلع على أحوال الأصول. نعم إذا ادعي أن كلام الكاتب قد شوهد بين طيّات بعض الأصول، فإنه لا يكون احتمالاً بعيداً عن الواقع، ولا يتعارض مع الدعوى المذكورة». ولكن ما الدليل على أن كتاب سليم بن قيس ليس من كتب الأصول؟ من الملاحظ أن كثيراً من التراجم تدل على أن جميع كتب الأصول لم تكن متعينة عند القدماء. يتبيَّن من كلام الشيخ على أحمد بن محمد بن نوح)[405](، أن كتب الأصول كانت تمتاز بترتيب خاص)[406](.
2 ـ يستخرج المرحوم المامقاني من ذيل كلام وحيد اختلافاً آخر، وهو أنه يتضح من كلام الشيخ أن كتب الأصول، بحسب رأي أصحابها، كانت ذات ترتيب خاص، إلا أنه يرد هذا قائلاً إن معظم الكتب هي هكذا، فإذا كان يقصد بالترتيب الخاص شيئاً غير ترتيب الكتاب، فالكلام إجمالي غامض)[407](.
3 ـ ثمة فرق آخر بين الأصل والكتاب، وهو أن الكتاب ينتظم في أبواب وفصول، بينما الأصل مجموعة من الأخبار والروايات لا ينتظمها تبويب ولا ترتيب. إلا أن هذا الرأي مردود أيضاً، لأن كثيراً من الأصول مبوبة.
4 ـ بعد الإشارة إلى النظريتين المذكورتين وبيان الاعتراض عليهما وأجوبتها، يقول وحيد البهبهاني: «إنني أعتقد أن الأصل كتاب جمع فيه المؤلف الأحاديث التي يرويها عن المعصوم عليه السلام أو عن رواته. أما الكتاب أو المصنف، إذا ضم إحاديث موثوق بها، فإنها تكون غالباً مقتبسة من الأصول. وبقولنا «غالباً» نشير إلى أن بعض الأحاديث ترفع إلى المعصوم عن طريق العنعنة)[408](، وأن وجود أمثال هذه الأحاديث في المجموعة الروائية يعني أنها ليست أصلاً)[409](».
5 ـ روايات الأصول تكون مروية عن المعصوم عليه السلام وجهاً لوجه وبدون واسطة، وكتب غير الأصول تقتبس منها. وعليه فإن هذه المصادر تعتبر أصولاً لأن الكتب الأخرى تقتبس منها)[410](.
والاعتراض على هذا الكلام هو وجود كتب كثيرة لأصحاب الأئمة عليهم السلام مستقاة من السماع وبالمواجهة، وفيهم من لم يأخذ عن الأئمة عليهم السلام بالواسطة، ومع ذلك فلم تعتبر كتبهم من الأصول)[411](.
6 ـ الاختلاف السادس أشبه بالخامس. يقول العلاّمة الطباطبائي: «إن الأصل في اصطلاح المحدّثين الإمامية هو الكتاب الموثوق به والذي لم يأخذ من كتاب آخر، كما أنه يستعمل بمعنى الكتاب مطلقاً)[412](».
أما هل الأصل أهم من الكتاب، وهل جميع الأصول موثوق بها، وهل أهمية الأصل تعتبر اختلافاً رئيساً معترفاً به، أم لا، فهي أسئلة سوف نجيب عنها في المستقبل.
7 ـ صاحب «أعيان الشيعة» يرى ميزة الأصل عن الكتاب في كثرة عدده أو في شهرة صاحبه)[413](.
إن عدد الأصول يبلغ نحو 400 وهو أقل، قياساً إلى كتب الأصحاب)[414](. لذلك فإن كثرة عدد الأصول لا تكون امتيازاً لها على سائر المجموعات الروائية)[415](. كما لا يمكن قبول شهرة مؤلفي الأصول امتيازاً لها، وذلك لأن بعض كتب مؤلِّف ما يعتبر أحياناً أصلاً وأحياناً كتاباً. فالشيخ الطوسي، مثلاً، ينسب إلى إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي النصر السكوني كتباً عديدة، ثم بعد بيان كيفية توصله إلى كتبه، يقول: «وله أصل» ويعتمد عليه في إسناده)[416](.
يرى أحد العلماء المعاصرين البارزين أن جميع هذه الأقوال، وخاصة في تفسير «الأصل» ترجع إلى أمر واحد، ويخلص إلى القول: «إن الأصل عبارة عن مجموعة من الأخبار والروايات جمعت حفظاً لها من الضياع والنسيان والتلف وما إلى ذلك لكي يرجع إليها المؤلف أو غيره عند الحاجة. ولما كان هذا هو الهدف من تدوينها، فإن أغلب ما يدون في الأصل أو في كتاب آخر، من أجل حفظه، لا ينقل في الأصل، ولا يكون لكلام المؤلف أو غيره وجود فيه إلا على أدنى حد. وهذه الميزة لا توجد في الكتاب)[417](.
أهمية الأصول الأربعمائة
إن من أهمية الأصول هو أن احتمال الخطأ والسهو والنسيان وأمثال ذلك في كتب الأصول المقتبسة شفاهاً من الإمام أو ممن سمع منه أقل بكثير مما يرد في كتاب مقتبس من أصل آخر. ثانياً الاطمئنان من أن الألفاظ المذكورة في الأصل قد صدرت من الإمام نفسه. فإذا كان مؤلف الأصل من المحدثين الموثوق بهم والجامع للشروط، فإن حديثه يكون صحيحاً وحجة، وهذا ما تعارف عليه القدماء أيضاً.
يعدد الشيخ البهائي خصائص الحديث الصحيح كما يلي:
1 ـ وجود الحديث في كثير من الأصول الأربعمائة التي رواها أساتذة الحديث بالطرق المتصلة بأصحاب الأئمة عليهم السلام، والمقصود هي الأصول التي كانت متداولة عندهم يومذاك، وكالشمس في رائعة النهار مشهورة عندهم.
2 ـ تكرار الحديث في أصل واحد أو أصلين بإسناد مختلف وعن طرق متعددة.
3 ـ وجود الحديث في أصل منسوب إلى من أجمع على صدقه، مثل زرارة، ومحمد بن مسلم، وفضيل بن يسار، أو أن يكون في أصل أجمع علماء الإمامية على صحة نقله الروايات عن طرق صحيحة، مثل صفوان بن يحيى، ويونس بن عبدالرحمن، وأحمد بن محمد بن أبي النصر البيزنطي، أو أن يكون في أصول أشخاص أجمع العلماء على العمل برواياتهم، مثل عمار الساباطي وأمثاله الذين ذكرهم الشيخ الطوسي في كتابه «العُدة» كما أن المحقق أيضاً قد ذكرهم في بحث (التراوح) نقلاً عن كتاب الشيخ الطوسي)[418](.
يقول المحقق الداماد في هذا: «لا بدَّ من ملاحظة أن الاقتباس من الأصول الصحيحة الموثوق بها ركن من أركان صحة الرواية»)[419](.
بناءً على ذلك، كان مجرد وجود الحديث في أحد الأصول الصحيحة الموثوق بها لدى العلماء قديماً يدعو للحكم عليه بالصحة. أما فيما يتعلق بسائر الكتب المعتمدة فقد كانوا يصدرون الحكم بصحة رواياتها بعد دفع الاحتمالات المخلة بالاطمئنان إلى صدورها من المعصوم، إذ إن مجرد وجودها في تلك الكتب والوثوق بمؤلفيها وبحسن عقائدها لم يكن كافياً لهم. لذلك فإن كتب الأصول، من حيث الاطمئنان القوي بصدورها عن المعصوم وكونها حجة وصحيحة، تمتاز على سائر الكتب بأهمية خاصة.
ينبغي أن لا يغرب عن البال، على كل حال، أن ميزة الأصول ناجمة من الميزة الموجودة في مؤلفيها، لأنهم كانوا على درجة عالية من الدقة في ضبط تدوين الأحاديث وحفظها، مما لم يكن يتوافر لدى الآخرين، ولهذا السبب كانوا ممدوحين لدى الأئمة ومقربين إليهم. لذلك إذا قال علماء الرجال في ترجمة أحدهم «… وله أصل» فذلك يدل على المدح، لأن القول بأنه مؤلف أصل يعني اتصافه بالدقة والضبط والحفظ والاحتياط من النسيان والسهو والاستعداد لاستيعاب كل ما يصدر عن معادن العلم والحكمة.
يروي السيد رضي الدين علي بن طاووس في «منهج الدعوات» بسنده عن نفسه وعن محمد بن عبدالله بن زيد النهشلي عن أبيه أنه قال: «كان عدة من أصحاب الامام الكاظم عليه السلام من شيعته ومريديه يحضرون مجلس درسه حاملين معهم أقلاماً من الآبنوس اللطيف الناعم، وعندما كان الإمام يتفوه بكلمة أو يصدر فتوى في مسألة ما، سرعان ما كان هؤلاء يدونون ذلك بكل دقة»)[420](.
الشيخ البهائي يقول: «قال لنا كبار العلماء إن طريقة أصحاب الأصول كانت أن يدونوا ما يسمعونه من حديث من الإمام في أصولهم لكي يتجنبوا الفقدان والنسيان بمرور الزمان»)[421](.
المحقق الداماد، في الراشحة الحادية والعشرين من رواشحه، يقول: «يقال إن أصحاب الأصول عندما كانوا يسمعون حديثاً من أحد الأئمة كانوا يبادرون إلى تسجيله فوراً في أصولهم»)[422](.
إن المزايا التي كانت في الأصول وفي مؤلفيها حملت علماء الإمامية على الاهتمام الكبير بالقراءة والرواية والحفظ والتصحيح وترجيحها على المؤلفات الأخرى. إن الذين يؤيدون هذه الدعوى يطلبون تخصيص الأصول بفهرست يختص بها وبيان كون علماء الإمامية قد وضعوا التراجم والشروح لمؤلفي الأصول، بصورة مستقلة ومنفصلة عن سائر المؤلفين والرواة، كما فعل الشيخ أبو الحسن أحمد بن حسين عبيدالله الغضائري، المعاصر للشيخ الطوسي.
لقد جمع الشيخ الطوسي في فهرسته أصحاب الأصول والمؤلفين الآخرين، لأن بين المؤلفين أناساً من أصحاب الأصول، ويلزم تكرار أسمائهم في كلا الكتابين. فللحيلولة دون هذا التكرار جمع المؤلفين وأصحاب الأصول في مجموعة واحدة)[423](.
وحيد البهباني لا يرتضي القول بأن مجرد كون الشخص صاحب أصل يميزه عن غيره، ويقول: «على ما أتذكر، خالي وجدّي (المجلسي الأول والثاني، رحمهما الله (تعالى) كانا يعتبران أصحاب الأصول متميّزين عن غيرهم، إلا أن هذا عندي موضع تأمل وتفحص، إذ إن كثيراً من المؤلفين الشيعة وأصحاب الأصول يميلون إلى مذاهب باطلة، على الرغم من أن كتبهم ـ حسب تصريح الشيخ الطوسي ـ تقف على رأس قائمة الكتب المعتمدة. كما أن حسن بن صالح بن حي، على الرغم من أنه صاحب أصل، إلا أنه (بتري))[424]( المذهب وينبغي أن لا يعمل بالروايات التي تأتي عن طريقه وحده، كما يقول الشيخ الطوسي في «التهذيب»، كذلك علي بن أبي حمزة البطائني الذي وردت بشأنه عبارات ذم»)[425](.
أما الشيخ المفيد، في مدحه لجماعة رداً على كلام الشيخ الصدوق، يقول في رسالته: «إنهم من أصحاب الأصول المدونة». إلا أن الاستفادة الحسنة من هذا القول لا تخلو من تحفظ، خاصة بعد التدقيق فيما قلنا.
وفضلاً عن أن من بين أصحاب الأصول أشخاص مثل أبي الجارود)[426](، وعمر السباطي)[427](، وسماعة)[428](، فمن الواضح أن الأضعف من ذلك هو اعتبار كون الراوي وأصحاب الكتب من أسباب الحسن».
يقول صاحب «المعراج»: «كون الراوي صاحب كتاب لا يخرجه من المجهولية، إلا عند بعض ممن لا أهمية لرأيهم»)[429](. القهبائي، مثلاً، يقول: «يتبيَّن من خطبة النجاشي أن مدح الراوي لكونه صاحب كتاب ومصنف أكثر من مدحه لكونه صاحب أصل… إلاَّ أن هذا الاستنتاج من كلامه غير صحيح، لأن النجاشي في مقدمة فهرسته، إنما هو يرد على المخالفين الذين انتقدوا الشيعة واتهموهم بأنهم يفتقرون إلى علماء كبار»)[430](.
وأخيراً يقول وحيد البهبهاني: «الظاهر أن كون الراوي صاحب أصل يسبغ نوعاً من الحسن عليه، ولكن ليس الحسن المصطلح عليه في علم الرجال، بل هو مثل وصفه بأن له مؤلفات كثيرة، أو جيدة وما إلى ذلك، فوصفه بأنه صاحب كتاب يعتبر حسناً في المؤلف. ولعل قصده مما قيل في هذا الشأن يشبه ما قيل في حسن بن أيوب من أن «كون الراوي صاحب كتاب يعد مدحاً له»)[431](.
هناك تفسير آخر لأقوال علماء الرجال مضمونه يدل على مدح صاحب الأصل وحسن حاله، وذلك لأن هذا الزعم يمكن إثباته في أحوال جميع أصحاب الأصول، باستثناء أفراد قليلين منهم، مثل أبي الجارود، إذ إن إضعافه ناجم عن انتمائه إلى مذهب منحرف، ولذلك يترك العمل برواياته الخاصة، وليس لاتهامه بالكذب وأمثال ذلك مما يسقط جميع رواياته على وجه الإطلاق.
وهكذا يمكن أن نصل إلى النتيجة الكلية القائلة ـ كما سبق في نقل قول صاحب الذريعة ـ بأن كون الراوي صاحب أصل يعتبر قرينة على حسنه ووثاقته. وعلة ذلك تكمن في أن منزلة صاحب الأصل عند علماء الحديث أرفع من منزلة مؤلف كتاب النجاشي مثلاً، في ترجمة إبراهيم بن مسلم عزيز يقول: «ثقة، وعده شيوخنا من أصحاب الأصول»)[432](.
الشيخ الطوسي يقول عن حسن بن أبي العلاء: «له كتاب يعتبر من الأصول»)[433](. وهكذا يمكن استنتاج الرأي المذكور من اهتمامه واعتبار كتابه أصلاً ومن فحوى كلامه.
إلا أن الأمر المهم الآخر هو: هل هذا الاهتمام الفائق ورفع منزلة الأصول على منزلة الكتاب يعني أن تلك الأصول مستقاة مباشرة من المعصومين عليهم السلام بحيث لا تكون هناك حاجة إلى مزيد من التحقيق والبحث عن القرائن في سند الرواية ونصها؟
الجواب هو إن هذه العناية الفائقة ليست دليلاً على حتمية صدور تلك الروايات عن الأئمة عليهم السلام، وذلك لأنه بعد مضي القرون ووقوع الحوادث المؤلمة على امتداد تاريخ التشيع، وكثرة الأخطاء والاشتباهات والزلات، واحتمال تداخل بعض الأصول المعتمدة في غيرها، لا يمكن القبول بهذه الفكرة أبداً)[434](. لذلك فليس ثمة فرق بين الروايات المنقولة من الأصول والكتب، ولا بين الأصول والكتب من حيث ضرورة التحقيق فيها.
يقول العلامة المجلسي: «إن الأصول الأربعمائة معتبرة، بل هي أوضح من الشمس في رائعة النهار»)[435](.
على فرض إمكان قبول هذا بشأن الأصول، إلا أن القبول بآحاد رواياتها واحدة واحدة بحيث لا نحتاج إلى تصحيحها ولا التحقيق عن راويها غير ممكن، إذ على الرغم من امتياز الكتب الأربعة على سائر الكتب، فإننا ما زلنا مضطرين إلى التحقيق في أسانيدها ونصوصها.
قد يوجه النقد إلى هذا استناداً إلى قول الشهيد الثاني: «لقد استقر رأي العلماء المتقدمين على المصنفات الأربعمائة التي يسمونها الأصول وأصبحت معتمدة عندهم»)[436](. كانت تلك الأصول موضع ثقة القدماء ويستندون إليها، ولذلك فعلينا نحن أن نقتدي بهم، ونعمل بها.
في الرد على هذا نقول إنه يقول بعد ذلك: «أفضل الكتب المستقاة من الأصول هي: الكافي، والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه»)[437](. إلا أن اعتمادهم على تلك الأصول لا ينفي الضعف عن بعض رواياتها. إننا الآن نعتمد تلك الكتب الأربعة، على الرغم من أننا نعلم الضعف في بعض رواياتها، وهذا ما يمكن أن نستخلصه من أسلوب الشهيد الثاني نفسه في الفقه)[438](.
عدد الأصول
إن مما يؤسف له عدم معرفة عدد الأصول وأصحابها لا تحقيقاً ولا تقريباً. يقول الشيخ الطوسي في بداية كتابه «الفهرست»: «إنني لا أضمن ذكر جميع أصحاب الكتب والأصول بصورة مستوفاة، وذلك لأن انتشار المحدّثين الشيعة وتشتتهم في مختلف المدن يجعل من الصعب جمع مصنفاتهم وضبطها»)[439](.
في الوقت الذي يعترف فيه شيخ الطائفة، ذلك المحقق المتتبع الكبير، بعجزه عن استقصاء أصحاب الأصول، فإننا أجدر بمثل هذا الاعتراف، لأنه كان أقرب جداً من زمان أصحاب الأصول وكان أقدر على الوصول إلى الأصول نفسها، خاصة إن مكتبة سابور بن أردشير الكبيرة ومكتبة أستاذه السيد مرتضى العظيمة ذات الثمانين ألف كتاب، كانتا تحت تصرفه.
إلا أن المشهور المقطوع به لدى علماء الإمامية يدل على أن عدد أصحاب الأصول لم يكن يقل عن 400. يقول المرحوم الطبرسي (توفي 548هـ): «4000 عالم مشهور رووا عن الإمام الصادق عليه السلام، ومن إجاباته عن مختلف الأسئلة دوّن 400 كتاب معروف [أطلق عليها اسم الأصول]، وقد رواها أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وأصحاب أبيه الإمام الباقر عليه السلام وأصحاب ابنه الإمام الكاظم عليه السلام»)[440](.
المحقق الحلي (توفي 676هـ) يقول: «من أجوبة جعفر بن محمد عليه السلام دوّن 400 كاتب 400 كتاب سميت بالأصول»)[441](.
يقول الشيخ حسين بن عبدالصمد: «من الأجوبة التي كان الإمام الصادق عليه السلام يرد بها عن مختلف الأسئلة لم يدون سوى 400 كتاب بأيدي 400 كاتب، سميت بالأصول، وهي في مختلف العلوم»)[442](.
يقول مير داماد في هذا الشأن، «المشهور بين العلماء هو أن عدد الأصول يبلغ 400 كتاب كتبها 400 كاتب من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ممن كان يحضر دروسه، وقد بلغ عدد أصحابه 4000 ألّفوا الكثير من الكتب والمصنفات. أما الكتب التي حازت الثقة والاعتماد فكانت تلك الأصول الأربعمائة»)[443](.
يصف أحد الكُتّاب المعاصرين الأصل بأنه «كتاب روائي منقول عن الإمام الصادق عليه السلام عن طريق السمع» ويقول إنها كانت نحو 100 كتاب، وهو يبرهن على ذلك بقوله إنه على حد تتبعه لم يجد أكثر من سبعين ونيف من الكتب التي أطلق عليها اسم الأصول، وإن الشيخ الطوسي، الذي وعد بجمع كل الكتب والأصول، لم يشر إلا إلى 59 أصلاً في فهرسته. ويأتي هذا الكاتب بدليلين آخرين لإثبات مدعاه:
الأول: هو أن الشيخ الطوسي، في ترجمة محمد بن أبي عمير (توفي 217هـ) يقول: «بعد نقل هذا الخبر، رواه مئة من الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام»)[444](. ثم بعد ذلك يضيف قائلاً إن ابن أبي عمير هو الراوي لأكثر نسخ الأصول.
الثاني: هو ما قاله الشيخ الطوسي في ترجمة حميد بن زياد نينوس (توفي 310هـ): «له عدد كبير من الكتب بعدد كتب الأصول»)[445](. ثم يقول: «لم يذكر عدد كتبه، إلا أن النجاشي قد أورد له 16 مؤلفاً». إذن، على أقوى الاحتمالات، لا بدَّ أن يكون له مئة كتاب. وعليه فإن القول المشهور ناجم عن تعريف الأصل على أنه كتاب يعتمد عليه، أو أنه مصدر روائي منقول عن كتاب آخر، وأمثال هذه التعاريف. وليس ثمة شك في أن مصادر أحاديث الشيعة، على ما يقول السيد محسن الأمين، تبلغ 6600. ويمكن أن يكون عدد الكتب المعتمدة 400 كتاب، وهي التي يعبرون عنها بالأصول الأربعمائة)[446](.
يرى الكاتب أن هناك عدداً من الاعتراضات على ذلك:
1 ـ إن تعريف الأصل بكونه كتاباً يضم أحاديث جمعت عن طريق السماع فقط، مرفوض، وذلك لأن كثيراً من كتب الأصحاب ـ بحسب ما مر من تعريف الأصل واختلافه عن الكتب ـ تضم أحاديث مدونة من السماع، ولكنها لا توصف بكونها أصلاً، بالنظر لتصريحات علماء، مثل الشيخ المفيد، بأن أربعة آلاف راوٍ موثوق بهم قد رووا عن الإمام الصادق عليه السلام. وقد كان كثير من هؤلاء من أصحاب الكتب التي دونوا فيها الأحاديث التي سمعوها من الإمام، وهؤلاء يتجاوز عددهم 400 مؤلف، ومع ذلك لم توصف كتبهم بأنها من الأصول، سوى عدد قليل منها، لوجود خصائص سبق ذكرها، أطلق عليها اسم الأصول.
2 ـ إن عدم ذكر سبعين ونيف من الأصول في فهارس الشيخ الطوسي والنجاشي ليس دليلاً على حصر الأصول في هذا العدد أو أكثر منه، وذلك، خلافاً لادعاء الشيخ الطوسي والنجاشي، لم يقم هذان بالاستقصاء التام لآثار الإمامية، خاصة الشيخ الطوسي الذي يصرح في بداية فهرسته أنه لا يضمن استيفاء جميع كتب الأصحاب وأصولهم، بسبب كونهم مشتتين في مختلف البلدان. لذلك فإن عدد الأصول المذكور في الفهرستين ليس هو العدد الواقعي.
3 ـ أما كون أحمد بن محمد بن عيسى قد روى عن محمد بن أبي عمير كتب مئة من رواة الإمام الصادق عليه السلام فأمر لا يعني أننا يجب أن نقول إن عدد كتب الأصول هو 100، إذ يحتمل أن يكون من بين أولئك الرواة من كتب عدداً من الكتب، وفي هذه الحالة تتجاوز كتبهم المئة، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام لم توصف كتبهم بالأصول، كما سبق القول. وقد يكون بعضهم، أو حتى كلهم، لم يكونوا من أصحاب الأصول.
4 ـ إذا كان حميد بن زياد قد ألف كتباً بعدد الأصول، بينما لم يذكر النجاشي سوى 16 منها، كيف يمكن أن نخمن أن عدد الأصول كان مئة؟ ثم ما العلاقة بين 16 و100؟ وإذا وافقنا على أن عدد كتبه كان أكثر بكثير مما ذكره النجاشي، فلا يمكن أن يكون هناك تفسير منطقي للعدول عن 400 إلى 100.
5 ـ وأخيراً، إنه في تسويغ العدد المشهور للأصول يستحسن وجهة نظر معيَّنة. إننا بقبول وجهة النظر هذه وكثير غيرها مما لم يذكرها، لا نجد ما يمنع من القبول بالرأي المشهور، ولا يبقى أي دليل على حصر عدد الأصول بمئة.
تاريخ تدوين الأصول
إن تواريخ تأليف الأصول وتواريخ وفاة أصحابها ليست مذكورة بصورة دقيقة في كتب الرجال عند الإمامية، على الرغم من أننا على معرفة بهذه الأمور بشكل إجمالي. إن ما يمكن القول به قاطعين هو أن هذه الأصول لم تجمع قبل زمان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ولا بعد عهد الإمام العسكري عليه السلام، وذلك لأن تسميتها بالأصول تقتضي أن تكون مروية في أيام الأئمة المعصومين عليهم السلام وأنها مأخوذة من الأئمة مباشرة أو من أصحابهم الذين سمعوها منهم. في هذه الحالة يمكن القول بأن تأليف هذه الأصول قد جرى منذ أيام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حتى أيام الإمام العسكري عليه السلام. وهذا هو ما قصد إليه الشيخ المفيد من العبارة التي نقلت عنه في «معالم العلماء» وخلاصتها هي أن الإمامية قد دونت 400 كتاب باسم الأصول من زمان أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام الإمام العسكري عليه السلام، وقوله: «إن فلاناً له كتاب أصول» يرمي إلى هذا المعنى.
لا بدَّ من الانتباه إلى أن الشيخ المفيد لم يكن قصد حصر جميع كتب الإمامية ومصنفاتهم خلال تلك الفترة في كتب الأصول فقط، وذلك لأنه كان، دون شك، على علم بكبار محدثي الشيعة الذين صنفوا الكتب الكثيرة، مثل هشام الكلبي الذي ألف أكثر من 200 كتاب، وابن شاذان الذي كتب 180 كتاباً، وابن دؤل الذي ألف نحو مئة كتاب، وابن أبي عمير الذي كان صاحب 90 كتاباً، وكثيرين ممن ألفوا ثلاثين أو أكثر، وهذه الكتب أكثر بكثير من العدد المذكور.
وهو لم يقصد أيضاً أن يقول إن تأليف تلك الكتب وجمعها تدريجياً لم يكن ضمن تلك الفترة كلها، وإنما هو أراد أن يخبر عن تأليف تلك الأصول فيما بين الزمانين المذكورين. فبناء على ذلك ليس هناك أي تعارض بين كلام الشيخ المفيد وتصريحات الشيخ الطوسي والمحقق الحلي والشهيد الأول والشيخ حسين عبدالصمد والمحقق الداماد وأمثالهم من كبار علماء الإمامية الذين قالوا: إن الأصول الأربعمائة قد ألفت في زمن الإمام الصادق عليه السلام من تدوين إجاباته عن أسئلة كانت تُطرح عليه. كما أن أحداً من علماء الإمامية لم يقل ما يخالف ذلك.
لذلك يمكن القول إجمالاً إن تاريخ تأليف أكثر هذه الأصول ـ إلا القليل منها ـ قد تم في زمان أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، سواء أكان أولئك من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام نفسه، أو من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام قبله، أو ممن أدركوا الإمام الكاظم عليه السلام بعده. إن ما يؤكد هذا العلم الإجمالي ـ بعد أن علمنا أن أيّاً من كبار علماء الإمامية لم يقل خلال ذلك ـ هو السيرة التاريخية لرواتها ومؤلفيها في أصعب الظروف وأشقها والمصائب والمحن التي تحملوها يومذاك. كثيراً ما كان يتفق أنهم لم يكونوا قادرين على استقاء معلوماتهم الدينية من منابعها مباشرة إلى أن هيأ الله تعالى لهم الفرصة في فترة الرحمة وانتشار علوم آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم. وما تلك الفترة سوى فترة ضعف الحكومات الأموية والعباسية، وانصراف رجال الحكم عن أهل الدين ورجاله.
بدأت تلك الفترة في أواخر الحكم الأموي بعد هلاك الحجاج بن يوسف في 95هـ حتى انقراضه بموت مروان في 113هـ وأوائل الحكم العباسي إلى أوائل حكم هارون الرشيد الذي تسلم الحكم في 170هـ. وقد شملت هذه الفترة أواخر زمان الإمام الباقر عليه السلام الذي توفي في 114هـ. وكل عصر الإمام الصادق عليه السلام الذي توفي في 148هـ، وبعضاً من أيام إمامة الإمام الكاظم عليه السلام الذي توفي في 184هـ.
ومما يؤكد هذا القول أيضاً الدقة التي نراها في مؤلفي الكتب والأصول في كتب الرجال والفهارس التي ذكروا فيها عناوين مصنفاتهم. وقد جاء في عدد من هذه الكتب أن عدد أصحاب الأئمة عليهم السلام بلغ نحو 4500 شخص، وعدد المؤلفين منهم لا يتجاوز 1300 من الرواة. فإذا فرضنا أن عدد طلاب الإمام الصادق كان 4000، فلا يبقى للأئمة الآخرين سوى 500. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار نسبة المؤلفين إلى مجموع المؤلفين، فسوف يتبيَّن لنا إجمالاً أن تاريخ أكثر الأصول كان في زمان الإمام الصادق عليه السلام)[447](.
في محاولة للتوفيق بين قول الشيخ المفيد وكبار علماء الإمامية الآخرين، يقول صاحب «أعيان الشيعة»: «بقولنا كون عدد الأصول أربعمائة، يمكن الجمع بين الكلامين بقولنا إن أصولاً أربعمائة قد رويت عن جميع الأئمة عليهم السلام وإن أصولاً أربعمائة أخرى قد رويت عن الإمام الصادق عليه السلام وحده»)[448](.
إلا أن هذا التوفيق يبدو بعيداً، إذ في هذه الحالة يكون مجموع عدد الأصول 800 وبالنظر إلى أن عصر الإمام الصادق عليه السلام كان جزءاً من عصر سائر الأئمة عليهم السلام فيلزم من ذلك أن يكون عدد ما كتب من الأصول في عصر الأئمة عليهم السلام، خلافاً لقول الشيخ المفيد، أكثر من 400 أصل، هذا فضلاً عن أن مثل هذا العدد لم يقل به أحد من علماء الإمامية، إذ لو كان هذا صحيحاً لنقلت إلينا أخباره.
والاعتراض الآخر هو أن معظم أصحاب الأصول، كما سبق قوله، هم من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وافتراض وجود 400 أصل بين أصحاب سائر الأئمة عليهم السلام خلاف البديهيات الأولية في تاريخ تدوين أحاديث الشيعة.
أصحاب الأصول
سبق القول إن فترة إمامة الإمام الباقر عليه السلام والإمام الصادق عليه السلام اتسمت بظروف ملائمة لنشر أقوال أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم. في هذه الفترة كان العلماء والرواة الشيعة في أمان من دسائس الأعداء، وعرفوا بين الناس بأنهم من محبي أهل البيت عليهم السلام وولايتهم، ولم يكن هناك ما يعترض طريق الأئمة المعصومين عليهم السلام في نشر الأحكام، وكان الشيعة يحضرون مجالسهم العامة والخاصة للتزود من علومهم، واستطاعوا خلال تلك الفترة القصيرة أن يدونوا مصنفاتهم عن قادتهم، وكان لمساعيهم تلك أكبر الأثر في نشر علوم آل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وقد وردت تراجم هؤلاء بعد ذلك في كتب الرجال القديمة، مثل كتاب «رجال» عبدالله بن جبلة الكناني (توفي 219هـ) و«مشيخة» حسن بن محبوب (توفي 224هـ) و«رجال» حسن بن فضال (توفي 224هـ) و«رجال» ابنه علي بن حسن، و«رجال» محمد بن خالد البرقي، و«رجال» ابنه أحمد بن محمد بن خالد (توفي 274هـ) و«رجال) أحمد العيقي (توفي 280هـ) إلا أن هذه الكتب، كما جاء في فهرست الشيخ الطوسي، لا تضم جميع أسمائهم، لذلك فقدت أسماء كثيرين من أصحاب الأصول، ولم يذكر الشيخ الطوسي سوى تراجم عدد قليل من الذين اشتهروا بأنهم من أصحاب الأصول، فذكر بعضهم في رجاله وبعضهم في فهرسته. أما الرواة الآخرون الأجلاء من الشيعة، الذين عاشوا قبلهم أو بعدهم، ولعل عددهم كان مساوياً لهم أو أكثر منهم، فقد كانت ظروفهم القاسية وحالتهم السياسية الصعبة قد جعلتهم يعيشون في الخفاء بعيدين عن الأئمة عليهم السلام، بحيث لم يستطع إلا القليل النادر منهم أن يتلقى بعض معلوماته شفاهاً منهم. ولهذا السبب لم يظهر منهم سوى عدد قليل من الكتب، وقد ورد ذكرهم في كتب الرجال المذكورة آنفاً. غير أن كبار المحدثين الشيعة الذين عاشوا في الخفاء كانوا يكتفون بأخذ الأحاديث من رواة يثقون بهم ويكتبونها عندهم، وكثير منهم كان يفارق الدنيا وهو في حالة الاختفاء ولم يبقَ لنا من آثارهم شيء سوى ما ورد ذكره في الأسانيد والأحاديث، ولا نعرف شيئاً عن أحوالهم ومكانتهم سوى ما يذكره الذي أخذ الأحاديث منهم ورواها عنهم)[449](.
وبعد كتب الرجال التي سبق ذكرها، كانت هناك كتب أخرى في هذا الباب، مثل كتاب حميد بن دهقان (توفي 310هـ) و«رجال» الكشي (توفي 328هـ) و«رجال» الكليني (توفي 329هـ) و«رجال» أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة (249 ـ 333هـ) الذي أورد في كتابه أسماء 4000 من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام الموثوق بهم، وقد ذكرهم أيضاً الشيخ الطوسي في رجاله، وكذلك ذكرهم الحاج ميرزا حسن النوري في «خاتمة المستدرك» وشرح أحوالهم بصورة مفصلة. بعد ذلك، وحتى القرن الخامس الهجري، كتبت كتب في الرجال تعد من الأصول بين كتب الرجال، مثل «رجال» النجاشي، و«اختيار معرفة الرجال» للكشي و«رجال» الشيخ الطوسي وفهرسته، وكتاب «الضعفاء» المنسوب إلى الغضائري، وقد جمعهم وغيرهم الأسترآبادي في كتابه «منهج المقال».
بالتدقيق في كتب الرجال والفهارس المذكورة يمكن التوصل إلى معرفة عدد من أصحاب الأصول. وتجنباً للإطالة نكتفي في هذا البحث بذكر أصحاب الأصول الذين ما زالت أصولهم باقية، ونرجع القارىء الكريم إلى «الذريعة» بالإضافة إلى المصادر التي سبق ذكرها. وهؤلاء هم: زيد بن زراد، أبو سعيد عباد العصفوري، زيد الرسي، جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي، عاصم بن حميد الحناط، محمد بن مثنى الحضرمي، جعفر بن محمد القرشي، عبدالملك بن حيكم، مثنى بن وليد الحناط، خلاد السندي، حسين بن عثمان بن شريك، سلام بن أبي عمرو، عبدالله بن يحيى الكاملي، علي بن أسباط الذي تعتبر «نوادره» من الأصول، عبدالله صاحب أصل يعرف باسم «الديات»، ودرست بن أبي منصور الذي بقي جزء من كتابه الذي اعتبر من الأصول)[450](.
عاقبة الأصول
يقول الشهيد الثاني في هذا الباب: «استقر أمر العلماء القدامى على مجموعة الأربعمائة الروائية التي جمعها 400 كاتب، وأطلقوا عليها اسم الأصول واعتمدوها. وعلى مرّ الزمان أصاب تلك الأصول التلف، وقام فريق بتلخيصها وإدراجها في مؤلفاتهم الخاصة لتيسير الوصول إلى الروايات. إن أفضل كتب الأحاديث المجموعة هي: «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (المتوفى 328 أو 329هـ)، و«التهذيب» للشيخ أبي جعفر الطوسي (المتوفى 469هـ)، وهما من الكتب التي لا يستغني الإنسان بأحدهما عن الآخر، إذ إن «الكافي» يجمع بين دفتيه نصوص أحاديث مختلفة، بينما «التهذيب» يختص بالأحكام الشرعية. والكتاب الآخر هو «الاستبصار» الذي وردت أكثر أحاديثه في «التهذيب»، لذلك يمكن الاستغناء عنه بوجود كتاب «التهذيب». وعلى الرغم من أن «الاستبصار» يعقد بحثاً عن الجمع بين الأخبار المتعارضة، إلا أنه بحث خارج عن أصل الحديث. والكتاب الآخر هو «من لا يحضره الفقيه» وهو كتاب جيد، إلا أن معظم أحاديثه موجودة في «الكافي» و«التهذيب»)[451](.
لا بد من القول إن بعض كتب الأصول ما زالت باقية حتى الآن كما سبق ذكرها من قبل، وبعضها الآخر أدخل في الكتب الروائية القديمة بحذافيرها، مبوبة ومنظمة. والسبب في تنظيم الأصول وتهذيبها هو تسهيل جعل الأحاديث في متناول الأيدي والرجوع إليها، وذلك لأن أكثرها من أحاديث الأئمة عليهم السلام والتي كانوا يلقونها على طلابهم في شتى المواضيع، أو يجيبون بها عن أسئلة تتعلق بمختلف أبواب الفقه.
لذلك فإن قول الشيخ الطوسي في الفهرست، في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح: «وله كتب في الفقه على ترتيب الأصول»)[452](. لا يقصد منه القول إن لكتب الأصول ترتيباً خاصاً، بل أراد أن يقول إن كتبه الفقهية ليست على غرار ترتيب أبواب الفقه الذي اتبعه القدامى في مجموعاتهم الفقهية، بل كتبت على أساس نظام الأصول الذي كان يفتقر إلى ترتيب خاص به.
بعد جمع الأصول في مجموعات روائية، ضعفت الرغبة في استنساخها لصعوبة الاستفادة منها، ولذلك أصبحت نسخ الأصول نادرة الوجود، واختفت نسخها القديمة بالتدريج. وعند احتراق مكتبة شابور لأول مرة عند دخول طغرل بيك ـ أول ملك سلجوقي ـ إلى بغداد سنة 448هـ تعرضت كتب الأصول في هذه المكتبة إلى التلف. إلا أن هذه الحادثة وقعت بعد تأليف «التهذيب» و«الاستبصار» اللذين تم تأليفهما من كتب الأصول. بعد هذه الحادثة انتقل الشيخ الطوسي من الكرخ إلى النجف التي أحالها خلال 12 سنة إلى مركز للعلوم الدينية، وتوفي في المدينة نفسها في 460هـ.
بقيت كتب الأصول، في معظمها، على الحال التي كانت عليها حتى زمان محمد بن إدريس الحلي الذي اعتمد في كتابة جانب من كتابه «مستطرفات السرائر» على تلك الأصول. وبقي قسم منها عند السيد رضي الدين بن طاووس (توفي 664هـ) حسب قوله هو في «كشف المجة»، فكان يقتبس منها في كتبه المختلفة.
ثم أصاب النسخ الأربعمائة من الأصول التلف والفقدان بحيث لا يمكن العثور اليوم إلا على القليل منها. بالطبع، ربما كان بعضها ما يزال موجوداً في بعض أركان العالم وزواياه، مما لا علم لنا به)[453](.
بناء مسجد المدينة
وتعيين القبلة فيه
بأمر من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم واستنباط المبادىء الرياضية من ذلك.
الفصل الأول
محراب المسجد وتعيين اتجاه القبلة فيه
بعد أن بعث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بالرسالة بقي مدة ثلاث عشرة سنة في مكة وسنة وبضعة أشهر في المدينة يولي وجهه إلى بيت المقدس في صلاته. وقد فصلنا ذلك في كتابنا «دروس معرفة الوقت والقبلة»)[454]( ثم جاء أمر الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ})[455](. أي اترك التوجه إلى بيت المقدس واستقبل الكعبة التي أصبحت قبلة المسلمين. إن المسافة بين المدينة ومكة تقرب من مئة فرسخ. وقد وقف رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم متوجهاً إلى الكعبة وقال «محرابي على الميزاب». إن تعيين هذا الاتجاه نحو القبلة في مواجهة ميزاب الكعبة، من دون الاستعانة بأدوات تعيين النجوم، أو القواعد الرياضية والهيئة، أو من دون وجود الزيح وغير ذلك من آلات قياس الطول والعرض الجغرافيين، قد تم بكل دقة واستواء. يضاف إلى ذلك أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر بالناس متجهاً إلى بيت المقدس عندما جاءه أمر الله بالتوجه إلى الكعبة. إلاَّ أن أحداً لم ينقل إلينا أن الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم قد استعان في تعيين جهة القبلة بالقواعد الرياضية وآلات التنجيم، مع أن الناس كانوا يراقبون حركاته وسكناته بكل انتباه، فكتب السير شهود عدول، مثل «الشمائل المحمدية» للترمذي الذي هو حجة دامغة على ما نقول، إذ فيه أربعة وخمسون باباً، خصص باباً منها بنعلي رسول الله، وباباً آخر بخاتمه. أقصد إذا كانت حتى هذه الأمور لم يفت المؤرخين تدوينها، فلا شك أنهم كانوا لا بدَّ أن يسجلوا استعانته بأية وسيلة من وسائل تعيين الجهات، كالآلات والأدوات الرياضية والكتب الخاصة بهذا الفن.
إن قبلة المدينة التي اتجه إليها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في صلواته ما زالت باقية على حالها حتى اليوم. وقد قام كبار الرياضيين، بعد وفاة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم بحساب القبلة وفقاً للقواعد الرياضية فوجدوا قبلة المدينة هي بالضبط مثلما عينها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من دون الاستعانة بالقواعد الرياضية وآلات الرصد وخرائط الطول والعرض وما إلى ذلك. وهذا ما لا يمكن إلاَّ بالوحي والإلهام من ما وراء الطبيعة المادية.
العلامة الكبير، أبو ريحان البيروني، المعاصر للشيخ الرئيس ابن سيناء يقول في كتابه «القانون المسعودي» وهو «المجسطي» الإسلامي، إن خط طول مكة من ساحل الأقيانوس الغربي هو 67 درجة وخط عرضها 21 درجة و20 دقيقة، وخط طول المدينة هو 67 درجة و30 دقيقة وعرضها 2 درجة. كما أن الأوروبيين يقولون إن مكة تقع على خط الطول 39ْ و50 من (غرينيتش) وعلى خط العرض 21ْ و25، وإن المدينة تقع على خط الطول 40ْ وعلى خط العرض 25ْ وإن مكة والمدينة تقعان ضمن دائرة واحدة من خط الزوال، وإن انحراف قبلة المدينة من الجنوب إلى الغرب هو 14 و53، باختلاف أقل من ربع درجة، فلا بدَّ إذن أن تكون قبلة المدينة نحو نقطة الجنوب.
كذلك يقول العالم الشهير (ناصر خسرو العلوي) الذي كان قريب العهد بأبي ريحان وابن سينا، وأستاذ علي النسائي تلميذ أبي سينا، في «سفر نامه»: «المدينة مدينة تضطجع على حافة الصحراء، ذات أرض سبخة، وفيها ماء جار قليل، ونخيل، والقبلة فيها تقع إلى لجنوب»)[456](.
وفي أطلس لاروس العام Larousse General Atlas أن مكة والمدينة تقعان على خط زوال واحد تقريباً.
كذلك يقول العالم الشهير (فرهاد ميرزا) في كتابه القيم «جام جم» إن خط عرض مكة هو 33 21ْ شمالاً وخط طولها من مرصد (غرينيتش) في لندن هو 10 40ْ شرقاً، وخط عرض المدينة هو 25 درجة شمالاً، وخط طولها هو 55 39ْ، فيكون الاختلاف في زوالي مكة والمدينة 15 دقيقة فلكية)[457](. هذان القولان في «جام جم» وفي أطلس لاروس العام هما ما قاله (ناصر خسرو العلوي) قبل ألف سنة في «سياحتنامه»: «قبلة المدينة تقع باتجاه الجنوب»، أو (البيروني) في «القانون المسعودي» الذي يختلف عن «جام جم» بمقدار 15 دقيقة فلكية.
لقد وفق الله كاتب هذه السطور لزيارة بيته سنة (1381هـ)، حيث أمضى عشرة أيام في المدينة بجوار قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، فتفحص أمر القبلة في المدينة بكل دقة. فوجد أنّ العلامة (البيروني) وناصر خسرو (العلوي) والمتأخرين من الأوروبيين قد أجمعوا على أن المدينة ومكة تقعان على دائرة زوال واحدة تقريباً، وجميعهم يجمعون على أن قبلة المدينة هي نفسها التي عينها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بدون الاستعانة بأية وسيلة للرصد والحسابات الفلكية والقواعد الرياضية، يوم وقف وقال: «محرابي على الميزاب».
وعلى هذا الأساس الثابت الذي ذكرناه عن قبلة المدينة، قال العلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ مبيناً وجهة النظر الفقهية في ذلك في كتابه العظيم الشأن «تذكرة الفقهاء»:
«المصلي بالمدينة يجعل محراب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قبلته من غير اجتهاد لعدم الخطأ في حقه، عليه السلام».
وتشبه وجهة نظر العلامة الحلي في رصانتها ووثاقتها، وجهة نظر (السمهودي) المتوفى سنة 911هـ التي ذكرها في «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى»، إذ قال: «والذي ذكره أصحابنا إنه لا يجتهد في محراب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لأنه صواب قطعاً، إذ لا يقر على خطأ فلا مجال للاجتهاد فيه…».
وبحسب تعبير ابن بطوطة في رحلته: «قبلة مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قبلة قطع لأنه صلَّى الله عليه وآله وسلم أقامها»)[458](.
ومثل ذلك كان قول الشيخ الحافظ محمد بن النجار المتوفى سنة 647هـ في «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة»: «… فأتاه جبريل صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة… وصارت قبلته الميزاب»)[459]( كانت معرفة طول البلاد وعرضها، وخاصة تعيين الطول، مسألة صعبة للقدامى، ولذلك فقد ظهر في جداولهم التقريب والتخمين وأحياناً الخبط والسهو الكبير في أرقام الطول والعرض. أما اليوم، بعد اختراع الآلات ووسائل الاتصال كاللاسلكي والتلغراف وغيرهما، فقد ذللت تلك الصعوبة وتحول التخمين إلى يقين.
يرى العالم الجليل (شاذان بن جبريل) في رسالته «إزاحة العلة في معرفة القبلة» وبحسب بعض جداول الطول والعرض القديمة التي كانت في يده، أن قبلة المدينة منحرفة من الجنوب إلى الشرق بمقدار 10 73ْ، وقد تابعه في ذلك صاحب «البحار» وآخرون، مع أنه أمر ضعيف جداً، بل خطأ. إن أشخاصاً مثل العلامة الحلي والسمهودي وابن بطوطة ممن جعلوا الأساس قيام رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في تعيين قبلة المدينة تعييناً بالقطع ورفضوا قبول الاجتهاد في ذلك، ولم يلقوا بالاً إلى جداول الطول والعرض التي كانت موجودة يومذاك بهذا الشأن خاصة، قد قالوا الحق وفعلوا الصواب.
وباختصار، إن قبلة المدينة تقع على الجنوب، وهي كما عيّنها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم واتجه بوجهه نحوها في صلواته، بعد أن قال بوحي من نور الله تعالى: «محرابي على الميزاب» وهي قبلة مقطوع في أمرها، وهي من معاجز رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الفعلية، ولا يجوز الاجتهاد فيها.
الفصل الثاني
تعيين الزوال الحقيقي في المدينة
بعد بيان تعيين قبلة المدينة لا بدَّ من ذكر تعيين الزوال الحقيقي في المدينة، الأمر الذي يزيد من أهمية إعجاز رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
هنالك في كتب الهيئة طرق عديدة لتعيين الظهر الحقيقي.
ونحن في «دروس معرفة الوقت والقبلة» أوردناه، ابتداء من الدرس الثاني والأربعين حتى الخامس والخمسين، ثلاثين طريقاً لتعيين ذلك مع الأدلة والبراهين الرياضية.
إذا أردنا تعيين الظهر الحقيقي لأفق معظم أرجاء المعمورة لا بدَّ من نصب شاخص، والشاخص على نوعين: الشاخص المخروطي والشاخص الصفيحي. إن كيفية استعمال الشاخص المخروطي وطريقة نصبه متداولة في سطح الدائرة الهندية وأمثالها. إنما نحن الآن بصدد نصب الشاخص الصفيحي وتعيين الظهر الحقيقي به.
الشاخص الصفيحي شاخص عريض كصفيحة من المعدن أو قطعة حجر مسطحة أو من الآجر أو من الخشب مستوية الوجهين تقام عمودية على سطح الأرض.
بعد أن تعين خط نصف النهار، أو خط الزوال، على سطح أرض مستوية بإحدى طرق تعيينه، ونقيم شاخصاً صفيحياً على طول ذلك الخط وامتداده بصورة مستقيمة، يكون ذلك الشاخص واقعاً على سطح دائرة نصف النهار وبما أن خط نصف النهار نفسه يقع على سطح دائرة النهار فلا بدَّ أن يقع ظل الشاخص الصفيحي، منذ طلوع الشمس حتى وصولها إلى دائرة نصف النهار، على جهة الغرب. وعند بلوغ مركز جرم الشمس دائرة نصف النهار، فلا يكون هناك ظل لصفحة الجانب الغربي للشاخص ولا لصفحة الجانب الشرقي منه، بل يقع خط الظل على خط نصف النهار نفسه وينطبق عليه، أي أن ظل الشاخص الصفيحي يقع على خط الزوال، ويكون هذا عند أول الظهر الحقيقي في الأفق الذي أقيم الشاخص الصفيحي، أي أن الجدار نفسه يقوم مقام الشاخص الصفيحي.
وأول من استعمل الشاخص الصفيحي لتعيين الظهر الحقيقي هو خاتم الأنبياء محمد المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلم، وكان من معجزاته الفعلية الأخرى أنه أمر بإقامة جدار على جهة غرب مسجد المدينة فوق خط نصف النهار، الذي يقع على سطح دائرة نصف النهار، وأعلن للناس أو أول الظهر الحقيقي هو الزوال عند انعدام ظل الجانب الغربي، وعودته إلى جانب الشرق، وعندما يشاهدون ظل الجانب الشرقي من الجدار لهم أن يؤدوا صلاة الظهر.
مرة أخرى يطرأ السؤال: كيف استطاع رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يعرف خط نصف النهار على سطح الأرض المستوية ليأمر بإقامة الجدار على الجانب الغربي من المسجد على امتداده فوق سطح دائرة نصف النهار؟
نعم، إن ما قلناه في الفصل الأول حول تعيين جهة القبلة، صادق هنا أيضاً. إذ لو أنه كان قد استخدم آلات وأدوات لتعيين خط نصف النهار لما غفل المؤرخون عن ذكر ذلك، ولكن أحداً لم يتفوه بكلمة عن ذلك، والحقيقة هي أن هذه معجزة أخرى لم تحصل إلاَّ بنور الوحي الإلهي.كان الأستاذ أبو الفضائل، العلامة الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني يقول: «إنهم اليوم في المراصد الغربية، مثل (غراينيتش وپاريس) يقيمون الجدران على الطراز نفسه قائلين إنه أفضل وسيلة لتعيين الظهر الحقيقي. إذن، طريقة تعيين الظهر الحقيقي في مسجد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كانت خير طريقة يقلدها اليوم العلماء في أوروبا».
لتيسير العمل بالشاخص الصفيحي وتعيين الأوقات المذكورة على سطح الدائرة الهندية، أو الرخامة (جاء بيان ذلك في الدرس 95 من كتاب «دروس هيئت وديگر رشته هاي رياضى»))[460]( تقام لوحة معدنية أو لوحة من الخشب المسطح المستوى بشكل (ا ب ج د) على خط نصف النهار (هـ د)، أي على امتداده واستقامته، وتطبيق التعليمات الأخرى.
الفصل الثالث
ارتفاع جدار مسجد المدينة
جعل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ارتفاع جدار المسجد لتعيين أوقات الصلاة بارتفاع قامة إنسان متوسط القامة، وهو بين ست أقدام ونصف إلى سبع أقدام.في الكتب الرياضية والتنجيم يطلق على طول الشاخص القائم على سطح الأفق اسم الظل الثاني، أو الظل المستوى، أو الظل المبسوط)[461]( ويقسم إلى سبعة أقسام أو ستة أقسام ونصف، ويطلقون على تلك الأقسام اسم (الأقدام) ويسمى ظلها (ظل الأقدام). وعليه فإن من يريد أن يعلم إن كان ظل شيء ما قد بلغ طوله أم لا، فإنه يتخذ من ظل قامته مقياساً، ويقال إن ذلك قد أقيم على غرار بناء الجدار.
قلنا في الفصل الثاني إن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أمر ببناء جدار في الجانب الغربي من مسجد المدينة على خط نصف النهار بحيث لا يكون له ظل عند الظهر، ثم عند الزوال يظهر ظل الجدار في الجانب الشرقي، وقد جعل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ظهور الظل في الجانب الشرقي علامة لوقت صلاة الظهر، فعندما كان الناس يشاهدون ظل الجدار من الجانب الشرقي يقفون لأداء صلاة الظهر. من البديهي إن ظل بعد الزوال يتدرج في الامتداد، وعلى ذلك فقد أمر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يقيم الناس صلاة العصر عندما يبلغ طول هذا الظل بمقدار ارتفاع الجدار، فكان الناس يقيسون من أسفل الجدار حتى مسافة سبع أقدام، فإذا غطى الظل تلك المسافة علموا أن وقت صلاة العصر قد حل، فيقومون لأدائها. وقد عين النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم آخر وقت صلاة العصر ببلوغ الظل ضعف الشاخص.
في البداية كان لمسجد المدينة أربعة جدران فقط، وبعد مدة جعل له غطاء ومظلة، وبعد ذلك بني فوقه سقف كالمتعارف، كما هو مذكور في الكتب بالتفصيل)[462]( فإذا اعترض معترض كيف كان يحدث الظل في الجانب الشرقي للجدار داخل المسجد، نقول في الجواب إن ما نأخذه بعين الاعتبار هو حال المسجد قبل بناء السقف.
إنه مما يدعو للعجب أن نلاحظ أن الكتب الفقهية التي تتناول الدائرة الهندية وتبحث في تعيين خط نصف النهار والقبلة، لا تشير إلاَّ إلى الشاخص المخروطي، وإني لم أر في أي كتاب فقهي إشارة إلى الشاخص الصفيحي، ولا إلى الزوال على النحو الذي وصفناه في مطلق الآفاق (سواء الآفاق التي تصل فيها الشمس إلى جهة الرأس عند دائرة نصف النهار أو لا تصل، بل تبقى في جهتي شمال الرأس وجنوبه لتعيين أول الظهر، على الرغم من أن أول من استخدم الشاخص الصفيحي لتعيين الظهر وموعد صلاتي الظهر والعصر هو رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
إذا ما أقيم الشاخص الصفيحي على سطح دائرة نصف النهار، أي على امتداد خط نصف النهار، فإن زوال ظل سطحه الغربي يكون علامة، في جميع الآفاق وجميع الأيام، على وصول مركز جرم الشمس إلى حلقة نصف النهار (إلى دائرة نصف النهار). في هذا الوقت يقع ظل الصفيحة نفسها في جميع الآفاق على خط نصف النهار، فإذا كان منصوباً في الآفاق الشمالية، فإن ظله على خط نصف النهار يكون باتجاه القطب الشمالي، وإذا كان منصوباً في الآفاق الجنوبية، فإن ظله على خط نصف النهار يكون متجهاً نحو القطب الجنوبي.
ولكن الشاخص المخروطي ليس كذلك بحيث لا يكون له ظل في جميع الآفاق وجميع الأيام عند وصول الشمس إلى دائرة نصف النهار، وذلك لأنه إذا كان خط عرض البلد بقدر الميل الكلي ـ وهو الآن يقدر بنحو 52 32ْ سواء أكان البلد في الشمال أم في الجنوب، فإن الشمس في كل دورة سنة شمسية تصل مرة واحدة إلى جهة الرأس، وعندئذٍ لا يكون للشاخص المخروطي ظل. وإذا كان خط عرض البلد أقل من الميل الكلي، أو كان عديم العرض، فإن الشمس في كل دورة سنة شمسية تصل مرتين إلى جهة الرأس، وفي هاتين المرتين لا يكون للشاخص المخروطي ظل، سواء أكان البلد شمالياً أم جنوبياً وإذا كان عرض البلد أكثر من الميل الكلي، بصرف النظر عن كونه شمالياً أو جنوبياً فإن ظل الشاخص المخروطي لا ينعدم أبداً، وبعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار، يرجع ظل الشاخص إلى الشرق، ويسمى (الفيء) ومعناه في اللغة (الرجوع).
يقول الرصدي الكبير المولى (غلام حسين جونپوري) الشيرازي الأصل، في كتابه القيم «جامع بهادري»:
«ينقل محمد الخفري، في شرح «الزيج الإيلخاني» من كتاب «تاريخ الفلاسفة» الذي هو ترجمة كتاب قانيطس اليوناني، فيقول إن أول من نظر في أحوال الكواكب كان آدم عليه السلام. أقام على قمة جبل القمر مقياساً لرصد ظل الشمس، فعند وصول الظل إلى أقصره كان يعرف إن النهار قد انتصف، فكان يقضي الصبح حتى منتصف النهار في إعداد الثمار المأكولة الجبلية. وعن منتصف النهار كان يحمل تلك الثمار إلى أطفاله في البيت.
وكان يراقب التزايد والتناقص وانعدام الظل، وينتظر تكرار ذلك، حتى إذا رأى انعدام الظل ثانية علم أن الشمس قد عادت إلى وضعها الأول، وبعد حساب أيام العودة رأى أنها ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وأدرك أن الشمس تقوم بدورة كاملة خلال تلك المدة…» )[463](.
إن قوله «عند وصول الظل إلى أقصره» يدل على أن المقياس الذي كان قد نصبه على قمة جبل القمر هو الشاخص المخروطي، لا الصفيحي. وقوله «وكان يراقب التزايد والتناقص وانعدام الظل…» فيدل على أن عرض جبل القمر كان بقدر الميل الكلي في ذلك اليوم.
إن الميل الكلي آخذ بالانتقاص، ومقدار هذا الانتقاص في كل سنة شمسية يقرب من نصف ثانية فلكية، وبدقة 0.468 من الثانية، فيكون الانتقاص خلال عشر سنوات شمسية بمقدار (680. 4ً)، وبعد حوالي «186000» سنة شمسية تتحد منطقة البروج مع معدل النهار، أي تقع على مستوى واحد وينمحي الميل في تلك الحالة.
نقول في ختام هذا الفصل: إن بناء جدار الجانب الغربي من مسجد المدينة بأمر من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم على مستوى الزوال في المدينة، كمثل تعيين القبلة فيها، من معاجز النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الفعلية حتى الآن والتي تشتمل على العديد من المسائل الرياضية والعلمية. إن أكثر المعاجز الفعلية تقوم على التصرف في مادة الموجودات وتسخيرها بقوة الولاية التكوينية بإذن من الله تعالى. والمعجزات القولية هي علوم ومعارف وحقائق نزلت من حضرة القدس الإلهي عليهم، وعلى رأس سلسلة معاجز رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم القولية يأتي القرآن الكريم كمعجزة ما تزال حية باقية.
معظم المعاجز الفعلية تكون موقتة ومحدودة بالزمان والمكان وسريعة الزوال، وتصبح بعد الوقوع حدثاً تاريخياً يتصف بالخبرية، وغالباً ما تنفع العامة من الناس ذوي الإحساسات فيألفون إليها، وهؤلاء يدركون بالحواس قبل أن يؤمنوا، بخلاف المعجزات القولية التي يبقى إعجازها على مدى الأعصار والقرون، وهي ذات تأثير في الخاصة من ذوي القوى العاقلة المفكرة التي تؤلف هيكل المدينة الفاضلة الإنسانية. هذا الفريق الذي يطلب المعجزات القولية، أي العلوم والمعارف والحقائق، وهي الموائد السماوية والمآدب الروحانية، إنما هو الفريق الذي يدرك النكتة ويفهم اللغة ويعرف الجواهر، ويعلم مآتي بضاعة العلم وكيفيتها، كما يقول الشيخ الطوسي في الفصل الرابع من النمط التاسع من شرح (الإشارات) للشيخ الرئيس ابن سينا: «الخواص للقولية أطوع والعوام للفعلية أطوع».
أو على حد قول المولى الرومي في الدفتر الرابع من المثنوي:
النصيحة الفعلية أشد جذباً للبشر.
فهي تنفذ في روح كل ذي أذن طرشاء
إن من بين معجزات النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الفعلية الباقية هي معجزة تعيين قبلة المدينة، وكذلك بناء جدار مسجد المدينة كنموذج مرشد لاستنباط المسائل الرياضية للظل ـ التي يعبر عنها بالمماس والظل ـ بالتفصيل الآتي في الفصل القادم.
ملاحظة: يقوم علماء الرياضيات والهيئة، بالاستناد إلى ارتفاع الجدار الذي أمر ببنائه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، بتقسيم كل شاخص ـ سواء كان بطول قامة إنسان متوسط القامة أو لم يكن ـ إلى سبعة أقسام، ويقدرون ظله مطابقاً لأقسام طوله، ويطلقون اسم (القدم) على كل قسم، فتبصّر!
الفصل الرابع
جدار مسجد المدينة الهادي إلى استنباط قوانين الظل الرياضية
علم المثلثات المعروف اليوم قائم على «الجيب» (sine) و«الظل» (tangent) ومأخوذ من العلماء المسلمين الذين اخترعوا الجيب والظل.
قبل الإسلام كان اليونانيون يرجعون في حل مسائل علم التنجيم ـ الذي يستند إلى المثلثات، إلى شكل القطاع الذي يستفاد منه في الأشكال المستوية والكروية كالقطاع السطحي والقطاع الكروي، وقد ورد في أهم كتاب عندهم باسم «أكرمانا لاؤوس» وهو من كتب الرياضيات المتوسطة، أي بالنسبة للمستوى العلمي عندنا يعتبر من دروس الرياضيات في الدراسة المتوسطة التي تقرأ بعد كتاب «مبادىء إقليدس» وقبل كتاب «المجسطي» ويعبّر عن هذه الكتب التي تقرأ في الدورات المتوسطة باسم المتوسطات.
لقد قرأ كاتب هذه السطور كتاب «أكرمانا لاؤوس» بتحرير الشيخ الطوسي على العلامة ذي الفنون، آية الله الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني رحمه الله في طهران، واستوعبه عنده، ثم قام بتصحيحه على عدد من النسخ الخطية وشرحه وقام بتدريسه في الحوزة العلمية في أربع عشرة دورة كاملة.
كان (مانالاؤوس) أو (مِنِلاؤوس Menelaus) من أهل الإسكندرية ومن علماء الرياضيات المرموقين. وقد عاش قبل ميلاد المسيح عليه السلام.
وقد جاء في بعض المذكرات أن (مانالاؤوس) عاش في حوالي سنة 100م. ويحتوي كتابه على ثلاث مقالات في الأشكال الكروية: شكل القطاع، وهو قضية (مانالاؤوس) المعروفة نفسها، القضية الأولى من المقالة الثالثة يقول الشيخ الطوسي في أواخر تحرير هذه القضية: «ومن هذا الموضع استحدث الأمير أبو النصر شكلاً يقوم مقام القطاع ولقّبه بالمغني. يتبين فيه أن كل مثلث من قسيّ دوائر عظام تكون فيه زاوية قائمة وأخرى أصغر من قائمة، فإن نسبة جيب وتر القائمة إلى جيب وتر الزاوية، التي هي أصغر من قائمة، كنسبة الجيب كله، وهو جيب الزاوية القائمة، إلى جيب الزاوية المذكور…»:
الجيب الأعظم جيب وتر الزاوية القائمة
ــــــــ = ــــــــــــــ
جيب الزاوية الأصغر من قائمة جيب وتر الزاوية الأصغر من قائمة
البيان، وتر كل زاوية مثلث هو الضلع الذي يقابلها، سواء أكان ذلك الوتر خطاً مستقيماً، كما في مثلث على سطح مستو، أم كان خطاً مستديراً (أي قوساً)، كما في مثلث على سطح كروي (أي المثلث الكروي). في المثلث الكروي يجب أن تكون الأوتار ـ وهي أضلاع المثلث ـ أقواساً من الدوائر العظام.
ثم في المثلث على السطح المستوي مجموع زواياه الثلاث يساوي مجموع قائمتين، ولا يمكن أن تكون فيه أكثر من زاوية قائمة واحدة، وهذا مبرهن عليه في الشكل من المقالة الأولى من مبادىء إقليدس.
أمّا المثلث الكروي فمجموع زواياه الثلاث يساوي أكثر من قائمتين، كما هو مبرهن عليه في الشكل من مقالة (أكرمانا لاؤوس) الأولى، ويمكن أن تكون فيه زاويتان قائمتان، بل يمكن أن تكون كل واحدة من زواياه قائمة، وفي تصوير ذلك نقول:
إن دائرة نصف النهار دائرة عظيمة قائمة على دائرة الأفق، ودائرة أول السموات دائرة عظيمة أيضاً وقائمة على دائرة الأفق، ودائرة نصف النهار دائرة عظيمة قائمة على دائرة الأفق، إذن كل واحدة منها تقاطع الأفق في زوايا قائمة، ومن تقاطع العظيمات الثلاث المذكورة تحدث أربعة مثلثات فوق الأفق، وأربعة أخرى تحت الأفق، والزوايا الثلاث لكل واحدة من هذه المثلثات الثمانية زوايا قائمة، ووتر كل زاوية يساوي ربع العظيمة.
وفي الآفاق المستوية، تتطابق دائرة أول السموات مع دائرة الاستواء السماوي التي هي دائرة معدل النهار، ومن تقاطعها مع دائرة نصف النهار، ومن تقاطع هاتين مع دائرة الأفق، تنشأ ثمانية مثلثات كما سبق ذكرها.
نعود إلى كلام الشيخ الطوسي بخصوص الشكل المغني. بعد ذلك يقول الشيخ: «وهذا شكل عظيم الغنا، وله تفاريع وأشباه، وتفصيل هذه المسائل يحتاج إلى كلام أبسط موجود في مواضعها من الكتب، وهذا الموضوع لا يحتمل أكثر مما ذكرنا، ولي فيه وفي ما يغني عنه كتاب جامع سميته (كشف القناع عن أسرار شكل القطاع).
وكتاب (كشف القناع) قد طبع قبل هذا في فرنسا، وطبع مرة أخرى في تركيا. وقد رأى الكاتب نسخة خطية منه عند أحد الأصحاب ولكنه لم يوفق بعد للحصول عليه.
يقول العلامة نظام الدين النيشابوري في «شرح المجسطي» لبطليموس فيما يتعلق بالقطاع على سطح مستو: «والدعاوى الواقعة في هذا الشكل هي 497664، فانظر في هذا الشكل الصغير كيف استلزم جميع تلك المسائل؟ ولا نعجب من قوله عزَّ من قائل: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ})[464](.
كان لشكل القطاع الكروي في مسائل الرياضيات والهيئة والتنجيم أهمية كبيرة، وبحث القطاع طويل وعريض.
إن هدفنا الرئيس الآن هو أنه لما كان العمل بالقطاع في مسائل الرياضيات والهيئة والتنجيم صعباً (حسبما ذكرنا في الدرس الثالث عشر من «دروس معرفة الوقت والقبلة»))[465]( استنبط العلماء المسلمون المتأخرون الشكلين المغني والظلي، وكلاهما من القطاع.
كل قاعدة يرد فيها «الجيب» تكون من شكل المغني وفروعه، وكل قاعدة يرد فيها «الظل» تكون من شكل الظل وفروعه. في الدروس من الخامس حتى الرابع عشر من كتاب «دروس معرفة الوقت والقبلة» نتناول الجيب والظل وشكل المغني وشكل الظل وفروعهما والبراهين الهندسية عليها)[466](.
سبق القول إن حائط الجانب الغربي من مسجد الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم في المدينة قد بُني بأمر منه بارتفاع قامة إنسان متوسط القامة، محاذياً تماماً لدائرة نصف النهار (أي على سطحه). تقع المدينة على خط العرض 25 شمالاً، وبمقدار الميل الكلي تقريباً. ولما كان خط عرض المدينة ثابتاً، والميل الكلي أخذاً بالتناقص، كان لا بدَّ من القول بأن الشمس في نصف النهار الصيفي في أيام النبي الأكرم كانت تكاد تصل إلى جهة رأس أهل المدينة وكان ارتفاعها 90 درجة، وهي الآن لا تكاد تختلف عن ذلك، كما لا يخفى على أهل المعرفة بالهيئة والنجوم.
وعرفنا أنه لما كان حائط الجانب الغربي من مسجد المدينة قد بني على مستوى سطح النهار، لم يكن له ظل عند الظهر، وبعد الزوال كان الظل يظهر عند أقدام الجانب الشرقي من الحائط. وكان الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم يعتبر ظهور ذلك علامة على حصول وقت صلاة الظهر، فإذا امتد الظل لمسافة سبع أقدام، أي بطول ارتفاع الجدار، كان ذلك حصول وقت صلاة العصر، وآخر وقت صلاة العصر كان عندما يبلغ الظل ضعف ارتفاع الشاخص، ويكون ذلك عندما تبلغ الشمس في ارتفاعها في الأفق 26 درجة تقريباً. لذلك قام الرسوم الأكرم بتنصيف ارتفاع الشمس، جاعلاً نصفه وقت حصول فضيلة صلاة الظهر، ونصف الباقي وجعله وقت فضيلة العصر.
من عادة أهل الحساب أن يجعلوا الخالص والكامل من كل شيء أصلاً ومبدأ، فمثلاً من أجل قياس مقدار النور جعلوا ضوء القمر في الليلة الرابعة عشرة هو الوحدة القياسية لأنه يكون ثابتاً في تلك الليلة، لا في الليالي الأخرى، ولوحدة الوزن اختاروا الماء النقي المقطر. كذلك قام الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلم باتخاذ أطول نهار في مدينة تصل فيها الشمس عند الظهر إلى غاية ارتفاعها ـ أي 90 ـ مبدأ، ذلك لأن هذه الأيام وهذه المدن ليست متشابهة.
أبو الوفاء البوزجاني)[467]( تنبه إلى الحكم الشرعي وأوامر الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم فيما تعلق بأوقات صلاتي الظهر والعصر، وأدرك أنه اعتمد على متوسط الزمان بين الظهر وغروب الشمس، فقسمه إلى نصفين، النصف الأول يبدأ من الظهر حتى يصبح طول الظل بطول الشاخص، والنصف الآخر هو الوقت الذي يصبح فيه طول الظل بطول الشاخص حتى الغروب، وهو ما خصصه بصلاة العصر. وأدرك أيضاً أنه عندما يصبح ظل الشاخص بطول الشاخص تكون الفترة بين الظهر والغروب قد انتصفت. وقام البوزجاني بتطبيق أمر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عينه في العلاقة بين الظل والزاوية، واستنتج الشكل الظلي، أي النسبة بين الظل والزاوية.
إن ارتفاع الشاخص، وهو ارتفاع حائط مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، هو في الواقع شعاع دائرة المثلثات الذي تقاس به خطوط المثلثات، ويعتبرونه اليوم وحدة قياسية، والكتب الإسلامية تقدر الشعاع بستين درجة.
عندما يتساوى الظل والقامة، أي إن طول الظل يساوي شعاع الدائرة، فإن الزاوية والقوس المقابلان له يكونان 45 درجة، وذلك لأنها الزاوية المركزية والقوس المقابل لها، أي وترها، يكون مساوياً لها، و45 نصف القوس 90 درجة والذي يمكن تصوره من الأفق الغربي، أي من موضع غروب الشمس حتى وسط السماء.
يطلق الرياضيون المسلمون اسم الظل على مماس المثلث، والسبب في هذه التسمية قد اتضح مما قلناه، إذ كان الظل أصلاً هو الذي نبه العلماء الرياضيين إلى فائدة هذا الخط، وضعوا اسمه الأصلي عليه واستعملوه.
أمّا الأوروبيون فقد أطلقوا عليه اسم المماس، لأن لفظة الظل ما كانت تعني عندهم شيئاً، ولا كانوا يعرفون شيئاً عن أصله.
إن علماء الرياضيات المسلمين استنتجوا من مسجد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وظل جداره، الذي كان يساوي شعاع الكرة، خصائص الظل ووضعوا الجداول للظل والجيب لمعرفة درجات الزوايا المقابلة للجيب والظل.
جداول المثلثات التي وضعها المسلمون واستخدموها كانت جداول ستينية وهي جداول مرتبة للأقواس والزوايا من درجة الصفر حتى 90ْ دقيقة فدقيقة مع المقدار الحقيقي للجيب والظل، وما زالت تلك الجداول تستعمل في الزيجات السابقة، وعند اختراع اللوغاريتم رتب الأوروبيون تلك الجداول معه وهي الآن متداولة بين الناس.
للوغاريتم أهمية كبيرة في تسهيل العمليات الرياضية، مثل تحويل الضرب إلى الجمع والقسمة إلى الطرح، والقوة والتكعيب وما فوقها إلى الضرب، والجذر التربيعي والتكعيبي إلى القسمة، والعمليات بذلك لا تتطلب الكثير من الوقت بالقياس إلى الطريقة الستينية، لذلك فإن تسهيل العمليات الرياضية للحاسب أهمية مشهودة.
في مكتبة الكاتب نسخة من «تسهيل الزيج» للمحمد شاهي، حوّل بعض جداولها إلى لوغاريتمات، وقد كان مؤلفه الكبير عالماً رياضياً يدعى عبدالله بن محمد، ومن علماء الإمامية الاثني عشرية.
في الزيجات الستينية الأخرى كانوا في استخراج عدد، مثلاً، يقولون: «اضرب جيب العدد الفلاني في جيب العدد الفلاني الآخر، أو اقسمه عليه». ولكن في تسهيل زيج محمد شاهي، نستخرج أولاً العدد نفسه، ثم ننظر في جدول اللوغاريتمات الخاص به ونكتب العدد المكتوب بإزائه على حده، ثم مقابل ذلك العدد الآخر نكتب العدد المكتوب بإزائه أيضاً. فإذا كان علينا أن نضرب جيبي ذينك العددين أحدهما في الآخر ففي هذه الحالة، أي في حالة التسهيل هذه، نجمع العددين المكتوبين مقابلهما. أما إذا كان المطلوب في تلك الزيجات هو التقسيم، تقوم بالطرح، والحاصل من هذا الجمع والطرح نبحث عنه في موضع آخر، فيكون العدد المقابل له هو جيب القوس المطلوب.
وهذه العملية تقوم على قاعدة مضاعفة المراتب العددية بالترتيب ونتقدم إلى الأمام، ومن بداية ذلك العدد نجمعه بالترتيب مع كل مرتبة ونتقدم كما في الفرضية التالية:
2 4 8 16 32 64 128 256 512
في هذا التسلسل ابتداء من العدد 2 كل عدد يجمع مع 2:
2 4 6 8 10 12 14 16 18
فإذا ضربنا، مثلاً، 8 في 16 الفوقانية يكون الناتج 128، وإذا جمعنا 6 و8 وهما تحت 8 و6 يكون الناتج 14 الذي يقابل 128.
كذلك إذا ضربنا 16 في 4 الفوقانية يكون الناتج 64، وإذا جمعنا 8 و4 اللذين هما تحتهما يكون الناتج 12 وهو مع 64.
وإذا جمعنا 10 و8 التحتانية يكون الناتج 18 وهو مع 512، وإذا ضربنا 32 في 16 اللذين هما فوق الـ(10 و8) يكون الناتج 512، وهكذا إذا ضاعفنا مراتب كل عدد ثلاث، أربع، خمس مرات وإلى ما لا نهاية له.
يقول العلامة (حيدر قلي سردار) الكابلي رحمه الله في «تحفة الأجلّة في معرفة القبلة»:
«كان قدماؤنا يستعملون الجداول الستينية، ولكن المتأخرين عندما رأوا أن العمل بالأرقام الستينية صعب، حولوها إلى الكسور العشرية، وإني أعتقد أن أول منجم مسلم قام بتحويلها إلى كسور عشرية هو العلامة الفاضل (تقي الدين محمد بن معروف زين الدين) وهو الراصد الشهيد المتوفى سنة 993هـ (1586م) حسبما جاء في كتابه «جريدة الدرر وخريدة الفكر»، ثم قام المتأخرون من أهل أوروبا بتحويلها إلى جداول لوغاريتمية. (اللوغاريتم Logarithm كلمة يونانية تعني نسبة العدد)، وذلك بعد أن لاحظوا صعوبة الجداول العشرية. وأول من التفت إلى هذا السر كان الفاضل الشهير (يوحنا النيبير،957 ـ 1026هـ 1550ـ 1617م) وبذلك سهلت العمليات الرياضية:
«إذن على من يود الدخول في هذه الأعمال لا بدَّ أن يكون على معرفة بالنسب، أي اللوغاريتم، وأن يضع في متناول يده جداول لوغاريتم الأعداد وجداول الجيوب والمماسات والقواطع وغيرها، طبيعية كانت أم لوغاريتمية لتسهيل الأمر. إن الجداول الستينية للجيوب والمماسات وغيرها مذكورة في الزيجات الإسلامية، وأدقها هو الزيج البهادري»)[468](.
كانت هذه كلمات المرحوم (سردار كابلي) التي تبركنا بذكرها.
ملاحظة: جداول الجيوب مثل (ا ج) في الشكل التالي:

في هذا الشكل جيب القوس (ا د) وإن شئت قلت جيب الزاوية (ا ب د) وهي الزاوية المركزية، والمقصود بالمماس هو خط الظل، مثل (د هـ) أو (و ز) وكل منهما مماس الدائرة (د ا و)، والمقصود بالقاطع هو الظل (ب هـ) وتفصيلات ذلك في الدرسين الرابع والخامس من كتابنا «دروس معرفة الوقت والقبلة».
في بداية هذا الفصل قلنا إن واضعي الجيب والظل والشكل المغني والظلي وفرعيهما هم علماء مسلمون. يقول المرحوم السيد جلال الطهراني في «گاهنامه 1311»:
«من مخترعات بطليموس في المثلث الكروي هو شكل القطاع الذي يحل مثلنا على الكرة بوساطة ست نسب، فبمكان الأربعة المتناسبة يقيم الستة المتناسبة، وكان العمل بذلك في الفلك صعباً للغاية حتى خطر لعدد من العلماء المسلمين أن يجروا بعض التسهيلات في البراهين الرياضية في المثلث الكروي، فأجهدوا أنفسهم حتى وفقوا إلى اكتشاف بعض المسائل وحل بعض القضايا في المثلث الكروي ورسموا بعض الأشكال تحت أسماء مختلفة:
1 ـ الشكل المغني، وقد أطلقوا عليه هذا الاسم لكون العمل به يغني العامل عن العمل بشكل القطاع، وفي هذا الشكل يتم حل المثلث عن طريق الأربعة المتناسبة وجيب الأقواس.
لقد أثار هذا الشكل نزاعاً في تاريخ العلم بين أبي نصر، منصور بن علي بن عراق وأبي الوفاء، محمد بن محمد البوزجاني، وأبي محمود، حامد بن خضر الخجندي، وكوشيار بن لبان الجيلي.
2 ـ من مستحدثات العلماء المسلمين الأخرى في المثلثات الكروية هو الشكل الظلي الذي فيه يستعمل الظل، وقد أجمع على أن مخترعه هو أبو الوفاء البوزجاني وبرهنه بعدة براهين.
3 ـ والمخترع الآخر من مخترعات القدماء هو الشكل السهمي الذي يتم حله بسهم القوس، وقد اخترعه كوشيار بن لبان الجيلي.
وبالإضافة إلى شكل القطاع البطليموسي، والمغني لأبي نصر بن عراق والشكل الظلي لأبي الوفاء البوزجاني، والشكل السهمي لكوشيار بن لبان الجيلي، هناك أربعة أشكال أخرى هي من فروع المغني والظلي، وقد أوردنا البراهين الهندسية عليها في الدرسين الثالث عشر والرابع عشر في كتابنا «دروس معرفة الوقت والقبلة».
لقد طرأ هذا الموضوع حول القطاع والمغني والظلي في غضون البحث، فيما كان أساس بحثنا هو أن أصل مسائل الظل الرياضية قد نشأ من مسجد المدينة حتى وصل إلى أيدي أبي الوفاء، ومنه انتشر إلى مختلف أرجاء العالم. الأوروبيون يعرفون أبا الوفاء عن طريق هذا الشكل الظلي. ولكن تبديلهم الظل بالمماس أولاً، ثم قيام الغربيين بتبديل لفظة الظل بمصطلح Tangent ثانياً جعلهم يظنون أن الظل ومسائله غربية الأصل، مع أنه قد تبين أن قيام الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم ببناء جدار مسجد المدينة كان نموذجاً أدى إلى استنتاج الظل واختراعه.دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام.
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
حسن حسن زادة الآملي
بيان حكم بث الفرقة بين
الجاليات الإسلامية وأمر الشيعة
فتوى للإمام شيخ الأزهر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد ورد في مجلة أكتوبر بالعدد رقم 4601 الصادر بتاريخ 25 من أغسطس 1985م تحت عنوان «الأزهر ملاذهم الديني الأول» للسيد عبدالعزيز صادق رسالة موجّهة إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وخلاصتها كما يلي:
في هذا الأسبوع وصلتني رسالة من بعض من يعملون بالمركز الإسلامي بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة، مضمونها أن بعض أعداء الإسلام يعملون على بث الفرقة بين الأقليات المسلمة في أفريقيا وآسيا، وأمريكا، يحاولون صبغ الخلافات ـ أياً كان نوعها ـ بالصبغة الطائفية، ويكفرون الشيعة على اختلاف فرقها، وهي هجمة شرسة تستهدف التفرقة بين المسلمين. وأن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم ـ لكي تقع عباداته ومعاملاته صحيحة ـ أن يقلد أحد المذاهب الأربعة فقط.
فهل توافقون يا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر على هذا الرأي على إطلاقه؟
ثم إن بعض الناس قد أخذوا يكفرون الشيعة، ويرون إن الإسلام منهم براء، ترى ما هو ردّ فضيلتكم على هذا القول؟ وهل يجوز لمسلم أن يكفر غيره من المسلمين؟
ونفيد بالآتي:
أولاً: عن حكم التقليد، وهل يلزم تقليد مذهب معين؟
وبيان ذلك كما يلي:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن العامي وهو الذي ليس له أهلية الاجتهاد في الأحكام وإن كان محصلاً لبعض العلوم يجب عليه أتباع قول المجتهد والأخذ بفتواه استناداً إلى قوله تعالى:
{فَسَأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ})[469](.
وهي عامة لكل المخاطبين الذين لم تتوافر لهم وسائل العلم بالأحكام، ولأن العامة في زمن الصحابة والتابعين كانوا يستفتون المجتهدين منهم ويتبعونهم فيما بينوه لهم من الأحكام، وكان المجتهدون يبادرون إلى إفتائهم والكشف لهم عما جهلوا ولم ينكروا عليهم استفتاءهم إياهم فكان ذلك إجماعاً على مشروعية التقليد في الفروع، غير أن العامي في الاستفتاء مقيد باستفتاء من عرف بالعلم والعدالة وأهلية النظر فيما يستفتى فيه ـ احتياطاً في أمر الدين.
كما ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب على العامي التمذهب بمذهب مجتهد معين والتزام جميع عزائمه ورخصه ـ بحيث لا يجوز له الخروج عنه ـ بل له أن يعمل في مسألة بقول مجتهد، وفي أخرى بقول مجتهد آخر، وعلى ذلك استقر عمل المفتين في كل عصر من زمن الصحابة ومن بعدهم وقد اختار ذلك من علماء الأصول (الآمدي)، (ابن الحاجب) و(الكمال) في تحريره و(الرافعي) وغيره؛ لأن التزام مذهب معين في كل المسائل غير ملزم، إذ لا واجب إلاَّ ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب رجل معين من الأئمة فيقلده في دينه، يأخذ كل ما قال فيه ويذر غيره.
وقد قال ابن أمير حاج من علماء الأصول ـ «لا يصح للعامي مذهب: لو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتباً في فروع ذلك المذهب ـ وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا حنفي، أو شافعي، أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول».
ومما تقدم يعلم أنه لا يجب تقليد مجتهد معين، وأن التلفيق بمعنى العمل بقول مجتهد في مسألة، وبقول آخر في أخرى لضرورة ولغيرها في العبادات والمعاملات جائز تخفيفاً ورحمة بالأمة، بل ذهب الجمهور إلى جواز تتبع رخص المذاهب في المسائل المختلفة، لأن للمكلف أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمل بقول مجتهد آخر في ذات المسألة التي يريد التقليد بها.
والخلاصة أن التقليد واجب على غير المجتهد المطلق لضرورة العمل، وأنه لا يجب على المقلد التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً غير إمامه وأن مذهب العامي فتوى مفتيه المعروف بالعلم والعدالة وأن التلفيق بمعنى العمل في كل حادثة بمذهب جائز.
ثانياً: حكم التكفير، وهل يجوز للمسلم أن يكفر غيره من المسلمين؟
وللإجابة على هذا نذكر أولاً بيان حقيقة الإيمان والإسلام، وبيان معنى الكفر. وذلك كما يلي:
(أ) الإيمان وحقيقته:
الإيمان لغة: هو التصديق مطلقاً.
وفي الشرع: هو التصديق بالله وبرسله وبكتبه وبملائكته وباليوم والآخر وبالقضاء والقدر.
قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ})[470](.
والإيمان بهذا تصديق قلبي بما وجب الإيمان به، وهو عقيدة تملأ النفس بمعرفة الله وطاعته في دينه ويؤيد هذا دعاء الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم: «اللَّهم ثبت قلبي على دينك» وقوله لأسامة وقد قتل من قال: لا إله إلاَّ الله (هلا شققت قلبه))[471](.
(ب) الإسلام وحقيقته:
يقال في اللغة أسلم: دخل في دين الإسلام.
وفي الشرع: كما جاء في الحديث الشريف: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً»)[472](.
فالإسلام هو العمل بالقيام بفرائض الله من النطق بالشهادتين وأداء الفروض والانتهاء عما حرم الله سبحانه ورسوله.
فالإيمان تصديق قلبي، فمن أنكر وجحد شيئاً مما وجب الإيمان به فقد خرج من الإسلام قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً})[473](.
أمّا الإسلام فهو العمل والقول، عمل بالجوارح ونطق باللسان، ويدل على المغايرة بينهما قول الله ـ سبحانه: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيْمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ})[474](.
(جـ) متى يكون الإنسان مسلماً؟
حدد هذا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في قوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله).
هذا هو المسلم، فمتى يخرج عن إسلامه؟ وهل ارتكاب معصية بفعل أمر محرم أو ترك فرض من الفروض ينزع وصف الإسلام وحقوقه؟
قال ـ سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً})[475](.
(د) ما هو الكفر؟
الكفر لغة: كفر الشيء: غطاه وستره.
وشرعاً أن يجحد الإنسان شيئاً مما أوجب الله الإيمان به بعد إبلاغه إليه، وقيام الحجة عليه.
وقد شاع الكفر في مقابلة الإيمان، لأن الكفر فيه ستر الحق، بمعنى إخفائه، وطمس معالمه، ويأتي هذا اللفظ بمعنى كفر النعمة، وأعظم الكفر جحود وحدانية الله باتخاذ شريك له وجحد نبوة رسول الله محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وشريعته.
والكافر متعارف فيمن يجحد كل ذلك.
وإذا كان ذلك هو معنى الإيمان والإسلام والكفر مستفاداً من نصوص القرآن والسنّة: كان المسلم الذي ارتكب ذنباً وهو يعلم أنه مذنب عاصياً لله ـ سبحانه وتعالى ـ معرضاً نفسه لغضبه وعقابه، لكنه لم يخرج بما ارتكب عن ربقة الإيمان وحقيقته ولم يزل عنه وصف الإسلام وحقيقته وحقوقه.
وأياً كانت هذه الذنوب التي يقترفها المسلم خطأ وخطيئة، كبائر أو صغائر فإنه لا يخرج بها عن الإسلام ولا من عداد المؤمنين، ذلك مصداقه قول الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}.
(هـ) هل يجوز تكفير المسلم بذنب ارتكبه؟ أو تكفير المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه؟ ومن له الحكم في ذلك إن كان له وجه شرعي؟
قال الله سبحانه. {وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلكِن لاَّ تَشْعُرُونَ})[476](.
وفي حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي رواه أبو داود أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: (ثلاث من أصل الإيمان: وعد منها: الكف عمن قال «لا إله إلاَّ الله»، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل).
وما رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسق، أو يرميه بالكفر إلاَّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك).
ومن هذه النصوص يتضح أنه لا يحل تكفير مسلم بذنب اقترفه سواء كان الذنب ترك واجب مفروض، أو فعل محرم منهي عنه، وأن من يكفّر مسلماً أو يصفه بالفسوق، يرتد عليه هذا الوصف إن لم يكن صاحبه على ما وصف.
(و) من له الحكم بالكفر أو الفسق.
قال الله ـ تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ})[477](.
وقال سبحانه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لَيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ})[478](.
{فَسَأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ})[479](.
وفي حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي رواه الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قوماً يتمارون في القرآن (يعني يتجادلون في بعض آياته) فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً، فما علمتم منه فقولوا: وما جهلتم منه فكِلوه إلى عالمه».
هذا هو القرآن، وهذه هي السنة كلاهما أمر بأن النزاع في أمر من أمور الدين يجب أن يرد إلى الله ورسوله، وأن من يتولى الفصل وبيان الحكم هم العلماء بالكتاب والسنّة، فليس لمسلم أن يحكم بالكفر أو الفسق على مسلم، وهو لا يعلم ما هو الكفر ولا ما يصير به المسلم مرتداً كافراً بالإسلام، أو عاصياً مفارقاً لأوامر الله. إذ الإسلام عقيدة وشريعة له علماؤه الذين تخصصوا في علومه تنفيذاً لأمر الله ورسوله فالتدين للمسلمين جميعاً، ولكن الدين وبيان أحكامه وحلاله وحرامه لأهل الاختصاص به وهم العلماء قضاء من الله ورسوله.
هذا: ولا ينبغي اتخاذ المذاهب الفقهية الإسلامية وسيلة لكسب سياسي أو تأييداً لدولة، أو فئة من الناس، وأولى بالمسلم بدل أن يدعو أخاه المسلم إلى مذهبه ـ والمذاهب الصحيحة كلها من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ملتمسة ـ أن ينشر الإسلام وفضائله، عقيدة وشريعة بين غير المسلمين.
والأزهر ينكر على هؤلاء ـ الذين يجاهدون في غير عدو ـ صفتهم. فليس للمسلم الشيعي أن يطلب إلى المسلم السني ترك مذهبه الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي، ليتابعه على المذهب الشيعي، وليس للسني ـ أيضاً ـ ذلك الصنيع، وما دام الكل من المسلمين فعليهم أن يكونوا أخوة وأن يعملوا على نشر الإسلام بين غير المسلمين، ويكفوا عن توسيع شقة الخلاف والفرقة بين صفوف الأمة وعن اتخاذ المذاهب الإسلامية الفقهية، مذاهب سياسية للدول، فإن المسلمين الأوائل لم يفعلوا ذلك، لأنه يتناقض مع قوله تعالى: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ})[480](.
التاريخ بالكسور
سبق أن نشرت مقالاً بعنوان «تاريخ ابن كمال باشا في المخطوط الإسلامي» وقد سُمّي هذا النوع من التاريخ بهذا الاسم، لأنه يُعزى إلى ابن كمال باشا، العالم التركي المعروف (ت940هـ). وهذا التأريخ استعمله الكثير من الكتّاب والنسّاخ في تأريخ كتابة المخطوط، ونسخه بدل التأريخ الهجري المعروف، كأن يقول الناسخ مثلاً: وتم الفراغ من كتابته في العُشر الثاني، من الثلث الأول، من السدس السادس، من النصف الثاني، في العُشر الخامس، من العُشر السادس، من العُشر الأول؛ من الألف الثاني، من هجرة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم. ويقصد بهذا التأريخ اليوم الثاني، من شهر ذي الحجة، من سنة ألف وخمس وخمسين من الهجرة.
وقد أخذ بهذه التسمية ـ أي تأريخ ابن كمال باشا ـ العلماء المسلمون، والغربيون الذي اطلعوا على هذه الطريقة، اعتقاداً منهم أن ابن كمال باشا هو أول من وضعه. وقد كنت اقترحت في مقالي السابق الذكر، تسمية «التأريخ بالكسور» لهذه الطريقة من التأريخ، ولم أذكر آنئذٍ سبباً لذلك الاقتراح. وقد رأيت أن أذكر هنا الأسباب التي دفعتني إلى اقتراح هذه التسمية، والميل إليها، بدل تسميته بـ «تأريخ ابن كمال باشا». وهذه الأسباب تتلخص بالآتي:
1 ـ أن تسمية هذا التأريخ بتأريخ ابن كمال باشا، قد يؤدي لأول وهلة إلى الخلط بين هذا النوع من التأريخ، الذي يؤرخ به المخطوط العربي، وبين كتاب ابن كمال باشا، المعروف بـ: «تاريخ سلاطين آل عثمان»، وهو كتاب ضخم في عدة مجلدات.
2 ـ كنت قد عثرت على مخطوطة مؤرخة بهذه الطريقة من التأريخ، يرجع تأريخها إلى عام 922هـ، وهذا التأريخ يسبق السنة التي أرخ بها ابن كمال باشا مخطوطته (926هـ) بأربع سنوات. وإذا ما ثبت ذلك ـ وهو شيء ما زال يحتاج إلى كثير من التقصي والتحقيق؛ فإنه لا يصح أن تُعزى هذه الطريقة لابن كمال باشا.
3 ـ إلى جانب تسمية هذا التأريخ بـ: «تأريخ ابن كمال باشا» فقد سماه الباحثون الغربيون؛ Dating by Fractions، والتسمية التي أقترحها هي ترجمة ملائمة للمصطلح الإنجليزي ومناسبة له.
وبعد هذا العرض السريع، لأسباب التسمية التي اقترحتها، أود أن أذكر أيضاً بأنني عندما كتبت مقالي، المشار إليه أعلاه، كنت أعتقد بأن هذا النوع من التأريخ قد اقتصر استعماله على مخطوطات قليلة في بلدان معينة، ولكنني لم ألبث بعد ذلك أن اطلعت على نماذج أخرى أكثر مما كنت أتوقع. فإلى جانب النماذج التي جمعتها، عثرت منذ فترة قصيرة على مجموعة مسجلة في فهرس المخطوطات العربية بمكتبة كوبرلي بتركيا، الذي صدر عام 1986.
وقد لاحظت من جُماع هذه النماذج أن تطوراً قد طرأ على هذه الطريقة من التأريخ، في الفترة التالية لنشأتها، وتبين لي أن هذا التطور أكثر ما يكون في التفصيل، وأقل ما يكون في استعمال المصطلح (مثل: العقد، القرن)، وتبين لي أيضاً بأن التفصيل في هذا التأريخ غالباً ما يزيده تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى جهد أكبر، ووقت أطول، من أجل التوصل إلى معرفته. لذلك رأيت من المفيد والنافع، أن أختار واحداً من هذه النماذج التي احتوت على شيء من التفصيل، وأجعله موضوعاً لمقال قصير، قد يستفيد منه الباحثون، والمحققون، آملاً أن أجمع هذه المقالات في كتيب، أنشره في القريب، ليكون مرجعاً عملياً يتوسل به من يُعنى بالمخطوط العربي، إلى معرفة هذه الطريقة من التأريخ.
والنموذج الذي اخترته لهذا المقال جاء من القرن الرابع عشر الهجري، وهذا يعني أن استعمال هذه الطريقة، استمر ما يقرب من خمسة قرون، إذا قلنا بأنها بدأت في الربع الأول، من القرن العاشر الهجري. وقد وجدت هذا التأريخ في نهاية إحدى نسخ كتاب «شجر الدر» لأبي الطيب عبدالواحد بن علي اللغوي، المتوفى عام 351هـ، المطبوع بالقاهرة، عام 1957، بتحقيق محمد عبدالجواد.
وقد جاء فيها ما يلي: تمَّ كتاب «شجر الدر» في متداخل اللغة، والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على من كملت محاسنه، باطناً وظاهراً، وعلى آله وأصحابه آمين. وقد وقع الفراغ من نسخه على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى الزاد يوم المعاد، راجي عفو مولاه المعطي، الحقير محمد مراد الشطي، في وقت مبارك، إن شاء الله تعالى، وهو الجزء الأول، من السدس الخامس، من النصف الأول، من السبع الأول، من العشر السابع، من الثلث الثاني، من الربع الأول، من الثلث الثاني، من العشر الثامن، من الخمس الأول، من النصف الأول، من القرن الرابع عشر، من هجرة خير البشر. وأول ما نلاحظه على هذا التأريخ هو أن الناسخ لم يبتدىء بذكر موقع اليوم من الشهر، كما هو الأكثر والأشيع في التأريخ بالكسور، حيث يذكر أحد أثلاث الشهر، (إذ إن الشهر يقسم إلى ثلاث أثلاث) ثم يذكر أحد أعشار الثلث، (حيث يقسم الثلث إلى عشرة أعشار)، فيقال مثلاً: في العشر الثاني، من الثلث الثالث، (أي اليوم الثاني والعشرين من الشهر)، بل ذكر أول ما ذكر جزء الساعة، وهو الجزء الأول منها، ثم أعقب ذلك بذكر النص على الساعة، ضمن النصف الأول. فالناسخ قد قسّم اليوم إلى نصفين، في كل نصف ست ساعات. فالسدس الخامس، من النصف الأول من اليوم، هو الساعة الخامسة قبل الظهر.
وتقسيم ساعات اليوم بهذه الطريقة كان معروفاً عند المسلمين، ولكنه أُهمل. فقد ذكر القلقشندي في: «صبح الأعشى» تحت عنوان: «أن يؤرخ بأجزاء اليوم أو الليلة» ما نصه: «وقد سبق في الكلام على الأيام أن كل واحد من الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة زمانية، تطول بطول أحدهما، وتقصر بقصره، ولكل ساعة منها وقت يخصها، كالشروق، وهو أول ساعات النهار، والغروب، وهو آخر ساعاته، والشفق، وهو أول ساعات الليل، والصباح وهو آخر ساعاته… ثم يقول: وهذا الترتيب قد تركه كتّاب زماننا، وصاروا يؤرخون بالساعات المشهورة عندهم، كالأولى من النهار، أو الثانية، أو وقت الظهر، أو وقت العصر، ونحو ذلك».
ولكن يجب أن أضيف إلى هذا أن هذا التقسيم ـ الذي يتحدث القلقشندي عن ترك الكتَّاب له ـ قد استعمل في الدولة العثمانية، على الأقل في بلدان الشرق الأوسط، وظل مستعملاً إلى حوالي منتصف هذا القرن، جنباً إلى جنب مع التوقيت الأوروبي، الذي سمي بالتوقيت الإفرنجي، عندما دخل البلاد الإسلامية حيث كان يطلق على الأول: التوقيت العربي. وقد غلب الإفرنجي العربي، فأزاحه، وألغاه، وظل الناس يستعملون الأوروبي إلى يوم الناس هذا. واستعمال الناسخ ـ وهو من دمشق، كما يذكر محقق «شجر الدر» ـ لهذا التقسيم العربي يأتي ضمن هذا الذي ذكرته. ولا شك أن الباحث أو المحقق سيجد صعوبة كبيرة في تمييز السدس الخامس، على أنه إشارة إلى الساعة الخامسة، إذا لم يكن ذا خبرة ومعرفة بمثل هذا الموضوع. بعد هذا انتقل الناسخ إلى تحديد موقع اليوم ضمن الأسبوع، فقال: في السبع الأول، حيث إن الأسبوع سبعة أيام، وكل يوم بالنسبة إليه سبع، فيقال: السبع الأول، أو السبع الثاني، أو الثلث… إلخ.
ويظهر أن الأسبوع كان يبدأ بيوم الأحد، وينتهي بيوم السبت، ونحن نذكر هنا ما وجدناه في كتب التراث عن هذا الموضوع:
«قال الفرّاء: فأول الأيام: الأحد، والتثنية: الأحدان، والجمع القليل: آحاد…. والاثنان، نثنية، لا يثنى، والجمع الأقل: أثناء، وجمع الأثناء: أثان… والثلاثاء: ممدود، والجمع: الثلاثاوات، بقلب الهمزة واواً، وإن قلت: الثلاثاءات، جاز… والأربعاء: مكسور الباء، ممدود، والتثنية: الأربعاوان، والجمع: الأربعاوات…. والخميس: والتثنية الخميسان، والجمع: الأخمسة…. والجمعة: بتسكين الميم وتحريكها، فمن سَكّن وَجُمَعْ، ومن حرك، قال: جُمعات…. والسبت: والتثنية: السبتان، والجمع: أسبتة، وأسبت، والكثير: السبوت، ثم قال: ومن العرب من يسمي الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: جبار، والأربعاء: دبار، والخميس: مؤنس، والجمعة: العروبة، والسبت: شيار».
وقال البيروني: وقد كانوا ـ أعني العرب ـ يستعملون فيها الأسابيع، وهذه أسماؤها القديمة: أول: وهو الأحد، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شيار، وذكرها شاعرهم:
أؤمل أن أعيش وأن يومي
بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته
فمؤنس أو عروبة أو شيار
ثم أحدثوا إليها أسماء أُخر، هي هذه: الأحد، الاثنان، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، الجمعة، السبت)[481](.
وقال السيوطي: الأحد: هو أول الأيام، وفي شرح المهذب ما يقتضي أنه أول أيام الأسبوع، وروى ابن عساكر في تاريخه، بسنده إلى ابن عباس قال: أول ما خلق الله الأحد، فسماه: الأحد، وكانت العرب تسميه: الأول، وقال متأخرو أصحابنا: الصواب أن أول الأسبوع السبت، وهو الذي في الشرح، والروضة، والمنهاج.
وروى ابن جرير، عن السدي، عن شيوخه: «ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، واختاره، ومال إليه طائفة. قال ابن كثير، وهو أشبه بلفظ الأحد، ولهذا أكمل الخلق يوم الجمعة، فاتَّخَذَه المسلمون عيدهم».
وقد وجدت في بعض المخطوطات ـ وإن كانت متأخرة ـ ما يدعم هذا. فقد جاء في إحداها ما نصه: اتفق الشروع لترتيب جميل في شرح التركيب الجليل، في السُّبع السادس…. ووافق تبييضه أيضاً في السُّبع الثالث…. وقد جاء في شرح ذلك: «قوله في السُّبع السادس، يعني يوم الجمعة»، لأنه واحد من سبعة أيام الأسبوع، وسادس من الأحد (أي اليوم السادس من الأسبوع، إذا بدأنا من يوم الأحد).
ويستمر شارح التاريخ أعلاه، ويقول: ووافق تبييضه أيضاً في السُّبع الثالث، يعني يوم الثلاثاء».
وسنرجع إلى هذه المخطوطة، في مكان آخر. وكذلك وجدت في حاشية على المخطوطة موضوع مقالنا ما ينص على أن السُّبع الأول هو يوم الأحد. وقد وجدت استعمال السُّبع، إشارة إلى أحد أيام الأسبوع، بدل النص على اليوم غير قليل بين من يؤرخون بالتأريخ بالكسور، وإن قسماً من هذه المخطوطات، التي أرخت بهذه الطريقة، يرقى تاريخها إلى القرن العاشر الهجري، وهو تاريخ مبكر بالنسبة إلى بداية استعمالها. وعلى الرغم من أن هذا الاستعمال (استعمال السُّبع) أصبح معروفاً لدى الكثير من النساخ، فإن النص على اليوم، كالأحد، والاثنين، ظل أكثر أُلفة وشيوعاً لديهم، وقد يعود ذلك إلى رغبتهم في تعريف اليوم للقارىء، بشكل أكثر وضوحاً.
نعود إلى مخطوطتنا ونقول: إن الناسخ ذكر اليوم، بعد أن ذكر الساعة، ثم ذكر بأن اليوم ضمن الشهر، هو العُشر السابع من الثلث الثاني، وهو اليوم السابع عشر، وهذا التكسير، أي تقسيم الشهر إلى ثلاثة أقسام، في كل ثلث عشرة أعشار هو الأكثر استعمالاً في هذه الطريقة. ثم يحدد الناسخ الشهر، فيذكر بأنه الربع الأول من الثلث الثاني. فالسنة هنا من حيث شهورها، لم تقسم إلى نصفين، في كل نصف، ستة أشهر، كما هو الشائع في هذه الطريقة من التأريخ، بل أنها قسمت إلى ثلاثة أثلاث، في كل ثلث، أربعة أشهر. وتقسيم شهور السنة بهذه الطريقة، ليس شائعاً ولكنه غير نادر. وقد ذكر الشيخ طاهر الجزائري، احتمالات تقسيم السنة إلى شهور، بطريقة الكسور، فقال: «وإذا أردت أن تميز الشهر عن غيره من الشهور، فجزىء أولاً الاثني عشر إلى أحد كسورها الصحيحة، وهي النصف، والثلث، والربع، والسدس، فإذا اعتبرتها نصفين، اشتمل كل نصف على ستة، والستة لها نصف، وثلث، وسدس»)[482](.
والثلث الأول من السنة، يبدأ بمحرم، والثاني يبدأ بجمادى الأولى، والثالث يبدأ بشهر رمضان، فيكون الربع الأول من الثلث الثاني هو جمادى الأولى. أما بالنسبة إلى تحديد السنة، فقد ذكرها الناسخ بقوله: في العُشر الثامن، من الخُمس الأول، من النصف الأول، من القرن الرابع عشر. وهنا نلاحظ أن المائة سنة قد قُسمت إلى نصفين، في كل نصف خمسون سنة، وقُسمت الخمسون سنة إلى خمسة أخماس، في كل خُمس عشرة أعشار (عشر سنين).
فالنصف الأول من القرن الرابع عشر، هو الخمسون سنة الأولى من القرن، وخُمسها الأول، هو العَشْر الأولى التي هي مقسمة إلى عَشرة أعشار، والعُشْر الثامن منها هو السنة الثامنة، فيكون عام النسخ هو عام 1308هـ.
والتقسيم الأكثر لسني هذا التاريخ هو هكذا: في العشر الثامن، من العشر الأول، من القرن الرابع، من الألف الثاني، من هجرة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم. وقد ذكر الطريقتين الشيخ طاهر الجزائري، فقال: «وإذا أردت تعيين السنة، يقتضي أن تبين من أي عشر من أعشار القرن هي، وذلك القرن أي قرن هو؟ ومن أي ألف؟ وحيث إن القرن في الاصطلاح مائة سنة، والمائة سنة لها نصف، وربع، وخمس، وعشر، فإذا اعتبرتها نصفين، اشتمل كل نصف على خمسين، وهي لها نصف، وخمس، وعشر، فإذا اعتبرتها (الخمسين) أخماساً، اشتمل كل خمس على عشر سنين»)[483](.
هذا آخر ما أردنا الحديث عنه حول هذا النموذج، أرجو أن تكون لنا عودة قريبة لهذا الموضوع.
د. جعفر هادي حسن
تراجم الأنبياء عليهم السلام
وتعيين مراقدهم
(1) آدم أبو البشر
نُقل أنَّ آدم مات بمكة، ودفن في غار أبي قبيس، ثم حمل نوح تابوته في السفينة، ولمَّا خرج منها دفنه في بيت المقدس)[484](.
وذكر الهروي أنَّ قبر آدم ونوح وسام وإبراهيم وإسحاق ويعقوب في أرض القدس بالمغارة)[485](.
قال أحد المحدثين: إنَّ الزبداني المرتفعة عن مساواة البحر 1067 متراً تحتوي على نحو ثلاثة آلاف ساكن نصفهم نصارى والنصف الآخر مسلمون. ولديهم تقليد يجعل قبر آدم في هذا المكان)[486](.
وورد في النصوص الشيعية أنَّ مدفنَهُ بالنجف. قال المجلسي: يظهر من الأخبار أنَّ رأس الحسين، وجسد آدم، ونوح وهود وصالح مدفونون عند علي عليه السلام فينبغي زيارتهم جميعاً بعد زيارته)[487](.
ووردت قصة آدم عليه السلام، بالقرآن، وأنّه خُلقَ من طين، وألدّ أعدائه هو إبليس الذي اعترضَ على خلقه. كما خلق الله له (حوّاء)، أم البشر وأسكنهما الجنّة، إلاَّ أنَّ إبليس أغواهما فهبطا إلى الدنيا.
كما قصَّ القرآن قصة ولديه قابيل وهابيل، وأنَّهما اختلفا فيما بينهما فقتل قابيل أخاه هابيل، ولم يكن أحدٌ قبلهما يعرفُ القتل.
وذُكر في المنقولات الحديثيّة أنَّ النبي نوحاً نقل عظام آدم قبل الطوفان إلى النجف الأشرف.
(2) النبي نوح
النبي نوح (من ذرية شيث بن آدم) ـ (3993 ـ 3043ق.م). بُعث بالعراق سنة 3650 قبل الميلاد. ذكره القرآن في ثلاثة وأربعين موضعاً. وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع الفلك ليغرق الكافرون، وينجو المؤمنون بعد تكذيب قومه له، ولبثه معهم زماناً طويلاً يبثُّ دعوته فيهم.
ذكر أبو المجد الحلبي (من أعلام القرن السادس الهجري): أنَّ آدم ونوح مدفونان عند الإمام علي (ع) )[488](.
وقد تعددت الأقوال في وفاة النبي نوح عليه السلام، ومدفنه، فقيل إنّه تُوفي بإحدى القرى القريبة من الموصل)[489](، وقيل بمكة، أو الهند، أو بابل.
وللنبيّ نوح قبرٌ ومشهد بمنطقة كَرَك، وهي قرية أسفل جبل لبنان من جهة الجنوب، منسوبة إليه. فيقال عنها كرك نوح تمييزاً لها عن غيرها.
ورد في «تاريخ لبنان» تحت عنوان «نوح والطوفان».
السائح مريسون زار المشرق في القرن السابع عشر الميلادي، وقد نقلَ تقليداً وطنياً منطوقه أنّ الجبل هو المكان الذي صنع فيه نوح سفينته التي نجا بها مع عائلته من مياه الطوفان.
وورد بالهامش: قال البعض: «إنّه صنعها في الكوفة من العراق، وذلك قول ضعيف».
وقيل: إن الخشب الذي بُني منه فلك نوح، ولو أنَّه غير معروف إلاَّ قليلاً يقدّم لأهل العلم بمجرّد تسميته «جفُر» دليلاً نفيساً يستعينون به على تعيين المكان الذي صُنع فيه الفلك)[490](.
أما حول مقرّ نوح بعد الطوفان فقد قيل إنَّه لا يزال سهل (وادي البقاع) الذي يسمى سهل نوح مشهوراً بقبر نوح، ومركزه قريب من زحلة فوق رسوم حصن الكرك القديم.
وقد تشرّف هذا القبر أيضاً بزيارة كثير من عظماء الأرض.
أمَّا بنايته على ما هو عليه فهي من آثار البندقداري الذي رقى عرش الملك سنة 1258 ملقباً بالملك الظاهر)[491](.
مرقد النبيين هود وصالح عليهما السلام ـ النجف
(3) النبي هود
النبي هود عليه السلام من ذرية سام بن نوح، بُعث إلى قوم عاد بين سنة 2450 وسنة 2320 قبل الميلاد، وبعثته كانت حدود عام 2400 قبل الميلاد. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سبعة مواضع، كما وردت سورة باسمه (سورة هود). ونُقل أنَّ وفاته كانت شرق حضرموت، وله مقام فيها.
نقل الهروي أنَّ قبر هود بدمشق في الحائط القبلي، وقال: الصحيح إنَّ قبر هود في حضرموت شرقي عدن)[492](.
وأورد بعض الباحثين أنَّ المناطق الداخلية من حضرموت تُعتبر من المناطق المقدسة لكونها تحتوي على قبر النبي هود)[493](.
(4) النبي صالح
النبيّ صالح عليه السلام من ذرية سام بن نوح، بُعث حدود سنة 2100 قبل الميلاد إلى قوم ثمود القبيلة العربية بالحجر (مدائن صالح). وقد ورد ذكره في تسعة مواضع من القرآن الكريم. وعُرف بالناقة المعجزة التي ورد خبرها بالقرآن {هذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً})[494](.
وقد اشتهر أنَّ وفاته كانت بمكّة المكرمة.
أُختُلفَ في مدفنه، فقيل بفلسطين، وقيل في حضرموت، وقيل في مكة.
ذكر ابن الأثير أنَّ النبيّ صالحاً سار إلى الشام، فنزل فلسطين، ثم انتقل إلى مكّة، فأقام بها حتى مات)[495](.
وذكر الهروي أنَّ النبي صالحاً كان بأرض اليمن، وقبرُهُ في شَبْوَة باليمن، وقيل إنّه كان بالحجر ما بين وادي القرى والشام، وقبره بمكة)[496](.
ونقل أحمد بن محمد الخضراوي في كتابه (العقد الثمين) نصّاً مفاده: أنَّ وفاة الأنبياء، نوح وهود وصالح وشعيب كانت بمكة، وقبورهم بين زمزم والحجر الأسود)[497](.
وذكر الشيخ عبدالوهاب النجّار أنَّ قبر النبي صالح بحضرموت، وأنَّه مات وعمره مائة وخمسين سنة.
وورد في كتاب الطبري بعد ذكر نسب هود وصالح: إنَّ بعض أهل العلم زعم أنَّ صالحاً تُوفي بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وكلّ هؤلاء لم يجزموا بمدفنه، حيث لم يحصل ما يُوجب القطع)[498](.
وذكر الساعدي في ردّه على النصّ الذي أورده الخضراوي في «العقد الثمين» أنَّ الخضراوي ذكر ما ورد في خبر وفاة هؤلاء الأنبياء في الحجر. والحِجر اسم ديار ثمود بوادي القُرى بين المدينة والشام. وهناك كانت مساكن ثمود، وهي بيوت منحوتة في الجبال مثل المقابر. وتسمّى تلك الجبال الأثالث وقد خفي على الخضراوي التمييز بين الحجرين، فأرسل روايته، والصحيح أنَّ قبورهم بالنجف الأشرف. وهذا ما اتفقت عليه المأثورات الشيعيَّة.
وقد أظهر الإمام السيد مهدي بحر العلوم (ت: 1212هـ/1797م) هذين القبرين، واهتمَّ بتشييدهما.
نقل المؤرخ السيد حسون البراقي في «اليتيمة الغروية» بروايته عن العلاَّمة أبي المعزّ السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335هـ/1916م عن أبيه السيد مهدي القزويني أنَّه قال: «إنَّ السيد مهدي بحر العلوم هو الذي أظهر قبري هود وصالح عليهما السلام، وأنَّ قبريهما قبل ذلك كانا قريبين من هذا القبر بقليل، وهو الذي قال: ليس ذلك بقبريهما، ودلَّ الناس على قبري هود وصالح».
ووردت في جميع كتب المزارات الشيعية هذه العبارة في السلام على أمير المؤمنين علي عليه السلام: «السلام عليك، وعلى ضجيعيك آدم ونوح، وعلى جاريك هود وصالح».
كما ورد في كتب الحديث ما نُقل عن الإمام علي عليه السلام أنَّه قال: «إذا متُّ فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخويّ هود وصالح». وقد أصبحت هذه الروايات مسلّمة في التراث الشيعي.
قال المؤرّخ حرز الدين: إنَّ مرقدي هود وصالح في الغري بوادي السلام (مقبرة النجف الأشرف)، خلف سور المدينة في الشمال الشرقي في حرم واحد، عليه قبّة متوسطة الحجم والارتفاع، فُرشت بالقاشي الأزرق وكان أمام قبريهما صحن دار صغير فيه نخلة.
ونقل حرز الدين عن بعض المُعمّرين أنَّ أول مَنْ وضع على قبريهما صندوقاً من الخشب هو العالم الرباني السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم النجفي.
كما أنَّ زوجة الملاَّ يوسف بن الملاّ سليمان، نقيب وخازن مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، المتوفى سنة 1270هـ/1854م، واسمها الملّة ضفيرة شيّدت قُبَّة من آجُرّ على قبريهما.
ولمَّا تُوفي الفقيه الشيخ سلطان العلماء، ودُفن خارج باب مرقدي هود وصالح من جهة مدينة النجف بُنيت قبّة عليه بالقاشي الأزرق فوق هذه القبّة)[499](.
وذكر الشيخ جعفر محبوبة أنَّ عمارةً ثالثة طرأت على المرقدين شيّدت سنة 1337هـ/1917م، وأرَّخ بعض الأدباء عام تشييده بأبيات، بيتُ التاريخ منها هو:
فدع واحدَ الدنيا وأرّخْ (مجدد
ضريح الهدى هود الزكي وصالح)
وقد جُعلت تولية المرقد بيد الشيخ محمد علي قسَّام (جدّ أسرة آل قسّام النجفية) )[500](.
(5) إبراهيم الخليل
ولد إبراهيم الخليل في أرض (أور) بالعراق أيام الملك النمرود بن كنعان. وتعرّض للأذى من قبل قومه (الكلدانيين)، وكانت سنة بعثته 1900 قبل الميلاد في أور مسقط رأسه.
هاجر إبراهيم عليه السلام من العراق إلى بلاد الشام، ونزل أرض مصر، وعاد إلى الشام ثانية. وقد أسكن زوجته هاجر وولده إسماعيل أرض مكة بواد غير ذي زرع، وبنى مع ولده إسماعيل الكعبة المشرّفة، ثم عادَ إلى بيت المقدس، فبنى المسجد الأقصى بعد بناء المسجد الحرام بأربعين عاماً.
لُقّب إبراهيم الخليل بأبي الأنبياء. وذكر القرآن الكثير من أخباره في آيات متفرقة.
وقد ورد ذكره تسعةً وستين مرَّة في القرآن. ونُقل أنَّ مكان وفاته كان بالخليل.
(6) النبي إسحاق
بُعثَ النبي إسحاق إلى الكنعانيين سنة 1800 قبل الميلاد بمنطقة الخليل بفلسطين. وهو من الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم سبعة عشر مرّة. تُوفي بالخليل، وأُقبرَ فيها.
(7) النبي يعقوب
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، بُعث سنة 1750 قبل الميلاد إلى بني إسرائيل. ومكان بعثته بلاد الشام. وهو من الأنبياء الذين ذكرهم القرآن في ستة عشر موضعاً.
(8) النبي يوسف الصديق
يوسف الصديق ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. بُعث إلى بني إسرائيل حدود عام 1715 قبل الميلاد، وكانت بعثتُه بمصر، ووفاتُه بنابلس (فلسطين). ورد ذكره في سبعة وعشرين موضعاً بالقرآن.
ووردت سورة في القرآن باسمه وهي (سورة يوسف)، وفيها تفصيل عن قصته كاملة مع أخوته، وزوجة ملك مصر.
ويؤثر لنبيّ الله يوسف مقام في مدينة (الهرمل)، وهو مقام جميل تمتدُّ أمامه حديقة ذات أشجار وأعناب، وفيه عائلة قيّمة على المرقد.
داخل المرقد يوجد القبر المنسوب إلى النبيّ يوسف محاطاً بشباك، ويُغطي أرضه السجّاد. وعلى يمين القبر يوجد قبر الشيخ علي بن الشيخ محمد الوشاحي الأسدي المُتوفى سنة 1222هـ، وقبر حفيده الشيخ علي بن الشيخ حسين محفوظ المتوفى سنة 1274هـ.
زرتُ المقام مع حضرة أستاذنا العلاَّمة الدكتور حسين علي محفوظ في 5 جمادى الثانية 1422هـ/24 آب 2001م، وأرقفني على مدافن آبائه في هذا المكان.
وُضعتْ فوق مدافن آل محفوظ لوحة رخامية بيضاء، حُفرت حروفها بالسواد، كُتب عليها: «جنب سرير النبي يوسف عليه السلام سرير، وضريح العالم الفاضل الشيخ علي بن الشيخ محمد الوشاحي الأسدي المتوفى سنة 1222هـ، وحفيده العالم الورع الشيخ علي بن العلاَّمة الشيخ حسين محفوظ المتوفى سنة 1274هـ. رحمة الله عليهم».
وخارج المقام، وُضعت لوحة أخرى فيها بعض المعلومات التاريخية حول صيانة المقام وتجديده، وقد امتدّت إليها يدُ التجديد، فأزالتْ سطرين منها، والنص المكتوب هو كالآتي: «جدّد بناء مقام النبي يوسف عليه السلام مع قبّته المرحوم الحاج كاظم بليبل سنة 1311هـ تقريباً، ثم تولاه المجاهد الشيخ عبدالغني محفوظ بتاريخ سنة 1353 تقريباً حفيد جدّه العالم الفاضل الشيخ علي محفوظ المتوفى سنة 1222هـ، المدفون داخله مع حفيده الشيخ علي محفوظ المتوفى سنة 1274هـ، فصَبَّ سقفه بالباطون، وأصلح جنينته وصونها ـ كذا ـ ، وبنى غرفته مع منافعها.
مقام النبي يوسف (الهرمل 2001م)
جدّد حزب الله سريره بالحديد، وبلّط أرضه مع رواقه، وغلّف جدرانه ودهنها، وغيّر منافذه بالحديد، وفرش أرض المقام بالسجّاد. لا يجوز دفن أو تغسيل الموتى».
(9) إبراهيم بن عبد الله*
إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب. أحد زعماء آل البيت عليهم السلام الذين تولّوا الحكم والسلطة إلاَّ أنَّ تاريخهم حُرّف، ومُلىء بنصوص مُبتدعة.
ذكرت المنقولات أنَّ الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور إستعان بجيوش الري وأفريقيا للقضاء على ثورة محمد ذي النفس الزكية، وأخيه إبراهيم ذي النفس الزكية.
ونقل أنَّ مقتل إبراهيم تمَّ بمنطقة باخمرا القريبة من الكوفة بعد معارك متواصلة سنة 145هـ/762م. كما تمَّ اعتقال والده عبدالله المحض وقتله مع جماعة آخرين من أخوته، وبني عمومته من آل الحسن، وهم: الحسن بن الحسن بن الحسن السبط، وإبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط، وأمهما فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام، وعلي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط، والعباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي يقال له (طباطبا).
وفي دراستنا لمفاصل هذا التاريخ وأحداثه لم نتَّفق مع مثل هذه النصوص المبثوثة في كتب المؤرخين لأنَّها جميعاً نصوص كُتبت في العصور المتأخرة بأقلام المتخصصين من كتَّاب التزوير.
* ترجمة إبراهيم ليست في ضمن السياق العام للموضوع وهو ترجمة للانبياء ولا يتناسب معه إذ أن المذكور إبراهيم بن عبد الله ليس من الأنبياء. وهذا من إضافات الكاتب في مستدركات الدائرة. وقد أبقينا عليها ولم نحذفها حفاظا على السياق والترتيب العام (المدقق والمحقق).
(10) نبي الله شعيب
نبي الله شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل كانت بعثتُه سنة 1550 قبل الميلاد. وعُرف قومه بأصحاب الأيكة، ومكان بعثته مدين، ذكره القرآن في أحد عشر موضعاً.
قيل إنَّ مكان وفاته بمدين.
بُعثَ بعد هود وصالح عليهما السلام، وقُبيل أيام النبي موسى عليه السلام.
قال السمعاني: قبرُه في حطّين بفلسطين، ووافقه النووي.
ذكر القرآن أنَّ قومه بني مدين أكثروا الفساد، وجاءتهم الرسل، فكذّبوا بها. ولُقّبوا بأصحاب الأيكة لأنَّ بعضهم كان يصلي لشجرة.
وصف المؤرخ الشيخ محمد حرز الدين مرقده بقوله: مرقد النبي شعيب قديم البناء بالحجارة القديمة في عشائر الفرات الأوسط بموضع يسمّى «الدغّارة» من توابع «عفك» ضمن لواء الديوانية من المنطقة الوسطى بالعراق.
ويبعد المرقد عن مجرى الفرات حدود الفرسخين، وهو مشهور عندهم، وعليه قبّة بالية، تزوره الناس، وتنذر له النذور)[501](.
(11) النبي دانيال
دانيال: هو النبي الرابع من الأنبياء العبرانيين. ومعنى اسمه قاضي الله، ويُنسب إليه «سِفر دانيال». قيل إنَّه أُسر، ونُقل إلى بابل سنة 606 قبل الميلاد، وبقي حيّاً إلى سنة 534 قبل الميلاد. وله قبرٌ يُزار قرب مدينة الحلّة. ذكر ذلك السيد جواد شبّر الخطيب في كتابه «الضرائح والمزارات»)[502](.
نُقلَ أنَّ وفاته كانت ببيت المقدس (فلسطين)، وقيل في الشوش بخوزستان. وذكر حرز الدين أنَّ مرقده عامرٌ مشيّد، عليه قُبَّة مخروطة الشكل أشبه ببنايات المقابر في العهد السلجوقي. ويجري نهر الشوش مقابل مرقده، ويصدّ بجدرانه، ثم ينحرف قليلاً خلفه وله حَرمٌ أثري التصميم والبناء في جوانبه نقوش وكتابات. ولرسم قبره شباك صنع بأصفهان سنة 1196هـ، وبجنب قبره رواقان، ويحيط بقبرَهُ صحنٌ واسع)[503](.
وينسبُ للنبيّ دانيال كتاب، في علم الرمل بعنوان «الشجرة والثمرة» كُتبَ باللغة اليونانية، وقام بشرحه عثمان بن علي العمري، وعليه شروح عديدة. حكى ذلك الشيخ الطهراني)[504](.
(12) ذو الكفل
ذو الكفل (1500 ـ 1425ق.م): بشر بن أيوب (من ذرية إسحاق بن إبراهيم). بُعثَ سنة 1460 قبل الميلاد بدمشق، وعُرف قومُه بلقب العموريين. نُقلَ أنَّ وفاته كانت بدمشق. وقد ورد ذكره مرتين بالقرآن.
وقيل إنَّ اسمه يهوذا، وهو ابن النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
ويعتبر مشهد ذي الكفل من المزارات المقدّسة التي يشترك فيها المسلمون واليهود على حدّ سواء، وقد تناوب الطرفان على سدانته تبعاً للظروف السياسية التي تحيط بهما. ويُعتبر المسجد الإسلامي ومنارته الأثرية إلى جانب مرقد النبيّ ذي الكفل من الآثار الدينية والتاريخية النادرة.
وقبر ذي الكفل من المزارات المقدّسة عند اليهود يتردّدون إليه للصلاة، والدعوات، خصوصاً أيام رأس السنة، وعيد الكفَّارة. وعندهم هو حزقيال النبي.
وكانت تقام المواسم في المناسبات من قبل الجالية اليهودية بالعراق حتى منتصف القرن العشرين الميلادي حيث هُجّر اليهود العراقيون عن بلادهم بعد احتلال فلسطين وأُخليت القرية منهم. وكان القبر يستقبل الزوّار اليهود كلّ عام في أيام صوم الأسابيع من بعض المناطق في العراق وإيران للاحتفال الديني بهذه المناسبة.
وقرية ذي الكفل بلدة قائمة على ضفة الفرات اليسرى، تبعد ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة الحلّة، وفيها مدفن نبي الله حزقيال المسمَّى بذي الكفل، وتُعرف القرية قديماً باسم (بئر ملاحة) )[505](.
وفي القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي زار المرقد بنيامين التطيلي، ووصفه بقوله: «هناك في صدر الكنيس ستون برجاً، والغرفة التي تقع بين كلّ برج وآخر اتخذت كنيساً. ويستقرّ في فناء أوسع واحد منها ـ الناووس، وهو مدفن حزقيال بن موسى الكوهيني.
هذا الأثر مسقّف بقبّة عظيمة، وبناؤه رائق في الجمال، يُعزى تشييده لبعض ملوك اليهود. ويقع بين نهر الخابور، ونهر آخر. وعلى الجدار وُضع اسم الملك اليهودي وبعض أسماء مرافقيه، كما وُضع اسم حزقيال في آخر الجدار.
وقد اهتَّم السلطان الإيلخاني أولجايتو خان، محمّد خدابندة (703 ـ 716هـ/ 1303 ـ 1316م) بعمارة المشهد فأمر ببناء مسجد ومنارة، ومنبر.
قال حرز الدين: مرقد ذو الكفل في «برملاحة» بقرية القسونات، المعروفة باليوم بقرية الكفل، التابعة إلى الحلّة بالعراق، ويقع منتصف الطريق بين الكوفة والحلّة على الضفة الشرقية للفرات جنب مسجد النخيلة. وله حرمٌ وأروقة سميكة البناء مرتفعة الدعائم، قديمة الإنشاء، تظلّل قبره قبّة قديمة مخروطيّة الشكل.
مرقد نبي الله ذي الكفل
وفي شرقي المسجد منارة قديمة فخمة البناء كانت قائمة سنة 1310هـ/1892م نقشت عليها كتابة كوفية بخط عريض من الحجارة مستديرة على طول المنارة. الموجود منها في الجانب الشرقي الشمالي «أحمد، محمد، علي، حسن، حسين»، وعليها كتابة أخرى مستديرة في رأس ثلثي المنارة بخط عربي في سطرين بينهما خط يطوّق المنارة. وفي بعض جدران المسجد الشمالية تاريخ بنائه القائم، واسم مَنْ بناه. والموجود منه اليوم هذا: «بنى هذا البرج المشيّد أبو الفرج المنصور».
يقول حرز الدين: بنى اليهود جداراً إلى جانب الكتابة هذه، في المسجد، وضيّعوها بين جدارين. والظاهر أنَّ الكتابة لا تزال موجودة لمن أراد التنقيب عنها.
قصة منارة الكفل
حدث نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، نزاع بين الشيعة واليهود في قرية الكفل، حيث ادّعى الشيعة أن مرقد الكفل هو مسجد إسلامي لوجود منبر ومحراب فيه، مضافاً إلى منارة يؤذن عليها، وكان اليهود قد تملكوه، وبنوا فيه بيوتاً وغرفاً يأوي إليها الزائرون.
وقد تفاقم النزاع بين الطرفين، وكان هدف الشيعة طرد اليهود عن قرية الكفل وتخليص المنطقة منهم.
وتصدَّى للمنازلة الشيخ علي خيري (ت: 1320هـ/ 1902م) العالم الديني بالقرية، والوكيل عن مرجعيَّة النجف. فما كان من اليهود إلاَّ وألصقوا به تهمة الفرار من الخدمة العسكرية التركية لدى ولاة الأمور ببغداد، فطُرد الشيخ علي من القرية.
وبعد مدَّة قام الشيعة بإرسال شكوى إلى الأستانة، فأمرت السلطة هناك بفتح ملف التحقيق من جديد، والوقوف على منشأ النزاع، وأسبابه فأُرسل وفدٌ إلى قرية الكفل، وانتهى التحقيق لصالح اليهود حيث قام الوفد بالتقاط صور للمكان، أظهرت معالم المنطقة التي تختصّ باليهود، وغيّبت (المنارة) التي هي رمز المسلمين في ذلك المكان.
وقد أصبحت قصة منارة الكفل مضرب المثل لدى العراقيين بكافة طبقاتهم، واشتهرت اشتهاراً واسعاً فإذا أرادوا أنْ يضربوا مثلاً للشيء الماثل للعيان الذي ينكره الإنسان، وهو نصب عينيه يقولون: «مثل منارة الكفل».
قال الشيخ حرز الدين: «أنكر الوفد أنَّ في المنطقة أثراً إسلامياً، ولم تكن هناك منارة، ولا مسجد النخيلة. وقد صوّر الوفد منظر القرية من خارجها، فظهرت في الصورة منارة المسجد، وقبّة القبر المخروطيَّة. ثم قصّوا المنارة من الصورة الأولى، وصوّروها ثانية، فلم يظهر أثر لمنارة المسجد فيه. فصار التصوير شاهد حال الوفد»)[506](.
(13) النبي يوشع
النبي يوشع بن النون. رُويَ أنَّ الشمس رُدّت عليه)[507](. وقيل: إنَّه وصي النبيّ موسى بن عمران ويوشع أوصى إلى داود النبي.
له قبرٌ يُؤثر في جانب الكرخ من بغداد مشهور. وهو من المزارات التي يقصدها اليهود للزيارة ويُسمَّى عندهم النبي يوشع أو ربن يوشع، أو يوشع كوهين كادول (الكاهن العظيم)، وقبره قرب مدفن الشيخ معروف الكرخي، وجوار المرقد المعروف بمرقد الست زبيدة.
يقول البحَّاثة يوسف غنيمة: وَهمَ مَنْ نسبَ هذا الضريح إلى النبيّ يوشع بن نون آخذاً بقول العامة. فاليهود أنفسهم لم يذهبوا هذا المذهب، وليس من أدلة تاريخية على منشأ هذا المزار، والراقد في ثراه. لهذا يصعب على المؤرّخ إبداء آرائه فيه، وكلّ ما يُقال في هذا الشأن رجم في الغيب. وغاية ما يقول الشعب اليهودي أو المتفقون منهم أنَّ هناك مدفن أحد الصالحين، أو أحد الرؤساء من الكهنة (الكوهينيين)، ولم يعرفوا عنه شيئاً)[508](.
ونُقل أنَّ قبره ببابل في مشهد الشمس، (وهو الموضع الذي قيل إنَّ الشمس رُدت فيه للإمام علي بن أبي طالب للمرّة الثانية)، بحديث منقول عندما أراد الإمام عليه السلام، أن يعبر نهر الفرات مع أصحابه في بابل.
وفي لبنان مشهدٌ منسوب إلى النبيّ يوشع بن نون، وصفه السيد محسن الأمين بقوله: «له مشهد فوق الحولة، عليه قبّة شاهقة. كان يجتمع فيه الألوف من الزوار من العامليين في مواسم الزيارات، لا سيَّما نصف شعبان، ويكثر فيها الدبك والصفق من النساء والرجال، وإطلاق البنادق والضرب على المجوز والشبّاب، وغير ذلك من أنواع اللهو.
والبعض يشتغل بالعبادة من الدعاء والزيارة والصلاة وذكر الله. هذا قبل إلحاقه بفلسطين، وبعدها انقطع ذلك)[509](.
ويقع المزار في قرية تسمّى باسمه، قرية يوشع. وأوّل مَنْ بنى عليه قبّة هو الشيخ ناصيف النصّار لحمد البك، ثم أوصى أنْ يدفن هناك. وعلى قبره قبّة شرقي قبر يوشع. وأرّخ بناءه الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي سنة 1187هـ بأبيات)[510](، منها بيت التاريخ:
وقُلْ عند إهداء السلام مؤرخاً
عليك سلام الله يا ثاوي القبرِ
(14) النبي يونس
النبي يونس بن متى من ذريّة بنيامين بن يعقوب. بُعث بمدينة نينوى بالعراق سنة 780 قبل الميلاد وتوفي بها، ولقّب قومه بالآشوريين. ورد ذكرُه ست مرّات بالقرآن. وهو الذي التقمته الحوت، ثم نبذته)[511](.
مرقد النبي يونس (ع) ـ الموصل
قال المؤرخ الموصلي أحمد بن الخياط المُتوفى سنة 1285هـ/1868م: «هو مدفون في قرية نينوى في بطن الجبل الذي فيه القرية. معلوم مكانه قبل الإسلام. وقد بنى بعض الملوك على متن البيعة مسجداً جامعاً، ووضعَ عليه صندوقاً وقبراً على موازاة ذلك القبر القديم»)[512](.
ثم ذكر أنَّه: قد تواتر النقل بأنَّ قبره الشريف المحترم فيما هو الآن فيه. ووجدنا أمارات كثيرة دالة على صحة ذلك، منها: نزول النور على قبّته الشريفة، ومنها: أنَّ القلوب تخشع، والجلود تقشعر عند مشاهدته.
قال الشيخ حرز الدين: «مرقد يونس بن متى بالعراق في نينوى (الموصل) مشيّد بعمارة قديمة، وعليه قبّة لا تُرى من بعيد لانخفاضها، وإلى جنبه رواق للزائرين».
ثم قال: «روى بعض أصحابنا أنَّ قبر يونس عليه السلام عند الغري الأقدس بستة عشر فرسخاً قريب من الفرات»)[513](. مشيراً فيه إلى قول السيد مهدي القزويني في تعيين قبره.
ونينوى اسم يشترك فيه أكثر من مكان، قيل إنَّها إحدى القرى التي كانت بالطفّ من سواد الكوفة، وموقعها شرقي بلدة كربلاء قريبة من نهر الفرات، وقد درست الآن)[514](.
وذكر سيد الخطباء البحَّاثة الشهيد السيد جواد شُبّر المقتول في سجون العراق سنة 1402هـ/1982م في كتابه المخطوط «الضرائح والمزارات»: «مقام النبي يونس على شاطى الفرات بالكوفة في المسجد المعروف بمسجد الحمراء. اشتهر بين الناس أنَّه موضع دفن يونس النبي. ذكره المحدّث القمي في مفاتيح الجنان، ولكن اعترف المجلسي أنَّه لم يثبت دفنه هناك. وذكر السيد مهدي القزويني في «فلك النجاة»، والبراقي في «تاريخ الكوفة» أنَّه الموضع الذي نبذته هناك الحوت. وأمَّا قبره فمعروفٌ بالموصل». (انتهى كلامه رفع الله بالخلد مقامه) )[515](.
وذكر المحقق السيد عبدالرزاق كمّونة تعليقاً على نصّ السيد مهدي القزويني ما نصّه: إنَّ المشهد الذي في الكوفة المنسوب إلى يونس بن متى قديم منذ عهد تمصير الكوفة. ففي بداية القرن السادس للهجرة كان مشهده مدرسةً بالكوفة حوت مجموعة من الأساتذة ممن أحدث نهضة دينيّة)[516](.
ويروى معتضداً بالأثر أنَّ المشهد والمقام الذي في الكوفة على شريعة نهر الفرات (مما يقرب من مسجد الكوفة حدود ربع فرسخ شمالاً) ـ هو الموضع الذي ألقته فيه الحوت، وأنبتَ الله عليه شجرةً من يقطين تظلّلهُ عن حرارة الشمس.
وإلى جنب مقام يونس في الكوفة مسجد الحمراء، ويعرف بمسجد النبي يونس، وهو أحد المساجد الخمسة المباركة في الكوفة)[517](.
نقل لي الشيخ أسعد كاشف الغطاء أنَّ المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي انتدب جماعةً لترميم المقام والمسجد وإعادة بنائه من جديد. وقد تمَّ هدم المقام والمسجد نهاية سنة 1409هـ/1989م بشكل كامل، ولم يُبنَ حتى يومنا هذا.
ولا تخفى خسارة هذا التراث الفخم، بمثل هذا العمل.
مشهد النبي يونس بين كفرا والجيّة
للنبيّ يونس مشهد في (كفرا) بلبنان، وله مقام وقبّة. نقل الشيخ إبراهيم آل سليمان عن بعض العلماء أنَّه قال: «نذرُهُ لا يخطىء»)[518](.
وفي منطقة الجيّة التابعة لقضاء ساحل إقليم الخرّوب من الشوف، والتي تبعد عن بيروت مسافة ثلاثة وثلاثين كيلومتراً كشفت الحفريات عن حيٍّ روماني تبلغُ مساحته أربعة آلاف متر مربع، يحتوي على ثروة أثرية كبيرة.
وكانت هذه الأرض تعود لبعض المستثمرين عندما استحصل رخصة لتحويلها إلى أرض زراعية. وعندما باشر العمل بدت المكامن الأثرية بالظهور.
وقد تمَّ العثور على قطعة فسيفساء طولها ثمانية أمتار، وعرضها ستة، (مساحتها الكلية تبلغ ثمانية وأربعين متراً مربعاً) تمثل النبي يونس خارجاً من بطن الحوت، كما وردت قصته في التوراة. وقد أكّد خبير الآثار السيد أحمد نصر الله أنَّ الموزاييك هذا يمثّل النبي يونس. مستنداً على أنَّ الصورة تُظهر الرجل خارجاً من بطن الحوت، وكذلك المنطقة التي وُجدت فيها القطعة الأثرية تقع على بُعد مائة متر عن مقام النبي يونس. ويُعتقد أنَّها كانت تشكّل أرضية لمركز عبادة، لوجود بلاطة على مدخل المكان الذي كان الناس يدخلونه حُفاةً. وهذا دليل على قداسة المكان.
ويقدّر أنَّ عمر هذه القطعة الأثرية يرجع إلى حدود ألفي عام باعتبار أنَّ القطع النقدية البرونزية التي وُجدت معها، تعود إلى نهاية العهد الروماني.
وذكر الدكتور أنيس فريحة أنَّ لفظ يونس من الألفاظ العربيّة المنقولة من الفعل المضارع (يؤنس)، وهو تعريف لاسم النبي يونان، الذي ابتلعه الحوت ثلاثة أيام، ثم لفظهُ على هذا الشاطىء، ويوجد تقليد لدى سائر البلدان الواقعة شرق البحر المتوسط، مفاده أنَّ الحوت أطلق النبي يونس على شاطىء كلّ منها، لكنَّ التسمية كانت من حظ الشاطىء اللبناني.
ويبدو أنَّ فريحة عندما وضع هذا النصّ لم يكن قد تمَّ اكتشاف معبد النبي يونس في منطقة الجيّة)[519](.
(15) النبي أيوب
النبي أيوب من ذرية إبراهيم الخليل، عاش بين سنة 1540 ـ 1420 قبل الميلاد. وكانت بعثتُه حدود عام 1500 قبل ميلاد السيد المسيح. وعُرف قومُهُ باسم (العموريين)، وكانت بعثته في بلاد الشام (أرض حوران)، وقد ذُكر في القرآن الكريم أربع مرَّات. قيل إنَّ مكان وفاته بأرض حوران.
قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَّنِيَ الضُّرُّ})[520](.
قال حرز الدين: يُعرفُ مرقدُه بمرقد النبي أيوب بالقرب من أرض الرازنجيّة على يمين الذاهب من الكوفة إلى الحلّة (يبعد أربع فراسخ عن بابل في الجانب الشرقي للفرات. فهو يقع إذن شرقي الحلّة وغربي قرية الكفل).
علّق الشيخ حرز الدين على قول العلاَّمة القزويني: «الأصح إنَّه مقامه الذي أجاب الله فيه دعوته» ـ بقوله: يقع هذا المقام المنسوب إلى أيوب ضمن ناحيّة القاسم قرب نهر الجربوعيّة)[521](.
(16) موسى بن عمران
موسى بن عمران (من ذرية يعقوب بن إسحاق)، أحد الأنبياء الخمسة من أولي العزم. بُعث سنة 1450 قبل الميلاد إلى الفراعنة، وبني إسرائيل. ومكان بعثته مصر.
جاء بالتوراة، الكتاب المقدس، وهو كليم الله. تُوفي بأرض التيه كما أُشتهر ذلك.
بعثه الله رسولاً بشريعة بني إسرائيل، وقد أنقذته آسيا امرأة فرعون من القتل الذي كان قد قرّره فرعون مصر لكلّ أطفال أمته. وهجر موسى مصرَ إلى مدين، واتصل بشعيب، وتزوج ابنته وأقام عند شعيب عشر سنين، قبل أن يُبعث نبيّاً. وقد جاء ذكره كثيراً في القرآن الكريم في مائة وستة وثلاثين موضعاً.
ويُستفاد من بعض الأخبار، بل جُلّها أنّه تُوفي في التيه. وسُئل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم عن قبره فقال: «عند الطريق الأعظم عند الكثيب الأحمر»، (كما نُسب ذلك للعلاَّمة المجلسي في بحار الأنوار، المجلّد الثالث عشر) وهذا الحديث المنسوب إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لا يقال فيه سوى أنَّه أشبه ما يكون بالأحاديث التي لا تُوصل قارئها إلى نتيجة لإبهامه أولاً، وعدم الوصول إلى هدف منه ثانياً. وتكثر مثل هذه المنقولات الرديئة في كتب التاريخ بشراهة بالغة، وهي جزء من مشروع تهشيم التاريخ الإسلامي، وإخفاء معالمه الواقعية.
وفي قرية (القدس) قبرٌ معروف أنه قبر موسى بن عمران، وهو الآنَ يُزار من قبل الناس عامة.
وذكر الهروي أنَّ بمدينة دمشق يوجد مشهد الأقدام به آثار أقدام في الصخر، يُقال إنَّها أقدام الأنبياء، ويُقال إنَّ القبر الذي به قبر موسى بن عمران، وليس بصحيح، والصحيح أنَّ قبره لا يُعرف)[522](.
ويوجد مشهد هارون في (خرطوم) من ساحل صيدا، منسوب لهارون أخي موسى عليه السلام، تزوره اليهود، كما حكاه السيد محسن الأمين العاملي)[523](.
(17) النبي داود
النبي داود (من ذرية يهوذا بن يعقوب) بُعث إلى بني إسرائيل عام 1010 قبل ميلاد السيد المسيح، ومكان بعثته فلسطين. ورد ذكره في ستة عشر موضعاً بالقرآن الكريم. تُوفي ببيت المقدس حيث مدفنه هناك. وقد عُرف بالحكمة.
(18) النبي سليمان
سليمان ابن النبي داود، من أنبياء بني إسرائيل، بُعث بفلسطين سنة 970 قبل ميلاد السيد المسيح، وورد ذكره في (17) موضعاً بالقرآن. وقد عُرف أنَّه ورث المُلك عن أبيه فكان نبيّاً ملكاً، وعلّمه الله منطق الطير، وسخّر الرياح والجنّ. وقصته مع أميرة سبأ معروفة.
أورد الحموي أنَّ قبر سليمان في بيت لحم. كما ذكر في موضع آخر أنَّ في بحيرة طبرية حجراً ناتئاً يُزعمُ أنَّه قبر سليمان بن داود (؟!))[524](.
ولسليمان مرقد مشيّد في جنوب العراق بمنطقة (الدير) في الجزيرة بين البصرة والقرنة، وهو إلى البصرة أقرب. يقول حرز الدين: في عصرنا عليه قبّة صغيرة قديمة جدّاً)[525](.
ونقل أنَّ النبيّ سليمان تُوفي وهو متكىء على عصاه في محرابه ببيت المقدس، أو في قصره.
(19) النبي زكريّا
النبي زكريا من ذريّة النبيّ سليمان، من أنبياء بني إسرائيل بُعثَ بمدينة فلسطين السنة الثانية للميلاد. ذكره القرآن في ثمانية مواضع. وهو الذي أشارت إليه الآية بأنَّ رأسه اشتعل شيباً، وطلب من ربّه ولداً يعينه على شيخوخته. تُوفي ببلاد الشام.
(20) يحيى بن زكريا
يحيى بن زكريا، من أنبياء بني إسرائيل بُعث بفلسطين سنة 28 للميلاد، وتُوفي بدمشق وورد ذكره في القرآن الكريم أربع مرَّات.
(21) يوحنا الديملجي*
يوحنا الديملجي من حواريي النبي عيسى عليه السلام
*[ليس المذكور من انبياء الله ولم يرد اسمه معهم ولا يتناسب مع سياق الموضوع الذي هو ترجمة للانبياء وهذا من إضافات الكاتب، وقد ابقينا عليها ولم نحذفها حفاظا على السياق والترتيب العام (المدقق والمحقق)].
جودت القزويني
تطور الألقاب والرتب الدينية للفقهاء
أول من لُقّب «آية الله» هو الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، ولم يُعرف أحد سواه بهذا اللقب طوال قرون عديدة.
ولُقّب بلقب آية الله بعد العلاَّمة الحلّي، المحدّث الشيخ محمد باقر المجلسي المُتوفى سنة 1111هـ/ 1699م، بسبب مواقفه في مجابهة الحركة الصوفية التي تسرّبت إلى الفكر الشيعي. كما لُقّب بنفس اللقب الشيخ محمد باقر بن أكمل البهبهاني المعروف بالوحيد المُتوفى سنة 1205هـ/1791م لتصديه للحركة الأخبارية الناشطة في مُدن العتبات المقدسة الشيعية بالعراق، وتمكَّنه من حدّ نشاطها.
وقد بدأ إطلاق هذا اللقب مرة أخرى على فقهاء آخرين في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي في خصم الصراع بين الفقهاء الأصوليين، ونظرائهم من الفقهاء الأخباريين.
استمر إطلاق لقب «آية الله» على الفقهاء المتصدين للتيارات الفكرية والسياسية المناوئة للنشاط الديني. ويتجلّى ذلك في صراع الفقهاء مع الحركة البهائية في إيران، ومقاومتهم السلطة القاجارية في حادثة (التنباك) بقيادة السيد محمد حسن الشيرازي (ت:1312هـ/ 1894م)، ومطالبتهم بالحركة الدستورية في صراع المشروطة والمستبدة بقيادة الشيخ محمد كاظم الخراساني (ت: 1329هـ/1911م)، ثم مقاومتهم للجيوش البريطانية بالعراق، وإفتاء الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت: 1338هـ/1920م)، والشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة (ت: 1339هـ/1920م) بالمواجهة المسلحة ضدهم. وقد لُقّب كلٌّ من هؤلاء الفقهاء بلقب «آية الله».
ثم أُستخدم اللقب على الفقهاء غير المتصدّين للعمل السياسي، أو المعلنين معارضتهم للأنظمة التي يختلفون معها.
كما أُطلق اللقب على الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي (ت: 1340هـ/1922م) الذي جدّد النشاط العلمي في مركز مدينة (قم) حتى اقترن تأسيسه به.
وفي بداية القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي كان لقب «حجة الإسلام والمسلمين، آية الله في العالمين» يطلق على المرجع الأعلى بشكل خاص.
وبعد استقلال السيد حسين البروجردي (ت: 1380هـ/1961م) بالزعامة الدينية في مدينة (قم) أُطلق عليه لقب «آية الله العظمى»، تمييزاً له عمن يحمل لقب آية الله. وقد أصبح لقب «آية الله العظمى» مختصّاً بالمجتهدين المتصدّرين للمرجعية الدينية العليا بعده.
وفي خضمّ الصراع الديني، الذي كان الإمام السيد محسن الحكيم (ت: 1390هـ/1970م) واجهةً له، مع التيّار الشيوعي الذي غزا العراق، وظهر مؤثراً أوائل الستينات الميلادية، أُطلقَ لقب «المرجع الأعلى» على الإمام الحكيم كلقب سياسي في المنشورات التي كانت تُصدرُها جماعة العلماء بالنجف. إلاَّ أنَّ هذا اللقب لم ينسحب على أحدٍ من الفقهاء المعاصرين له، أو الذين جاؤوا بعده.
وفي إبّان اندلاع أحداث الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1398هـ/1978م، اختص لقب «آية الله»، إعلامياً، بقائد الثورة السيد روح الله الخميني بسبب مواجهته السياسية مع النظام الملكي الإيراني. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1399هـ/ 1979م أُطلق على قائد الثورة رسمياً ـ ومن قبل أجهزة الدولة ـ لقب «الإمام» دون غيره من المراجع الدينيين.
أمّا الألقاب المستخدمة حسب تدرّجها فهي:
1 ـ ثقة الإسلام: يستخدم لطلاب المرحلة الأولى من الدراسات (مرحلة المقدمات).
2 ـ حجة الإسلام: يستخدم لمدرسي المرحلة الأولى.
3 ـ حجة الإسلام والمسلمين: يستخدم للطلاب الذين أنهوا شطراً كبيراً من دراسة (مرحلة الخارج).
4 ـ آية الله: يستخدم لأساتذة البحث الخارج، المجتهدين، الذين هم في طريقهم إلى المرجعية.
5 ـ آية الله العظمى: يستخدم لمراجع التقليد ممن لهم أتباع يرجعون إليهم، ولهم رسالة عملية متداولة تعبّر عن آرائهم الفقهية.
أما ما يتعلّق بلقب (العلاَّمة)، ففي عُرف الفقهاء أنه اختص به الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلّي أيضاً، وأصبح يعرف به دون سواه.
أما في العصر الحاضر ففي إيران بقي هذا اللقب محتفظاً بخصوصيته، ولم يحظ به إلاَّ أشخاص قلائل، منهم: مُفسّر القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي المُتوى سنة 1402هـ/1981م، في حين أنَّ العُرف السائد بين علماء العراق، ولبنان في استخدام هذا اللقب أصبح شاملاً على طبقة الروحانيين، دون التمييز في مراتب دراستهم العلمية.
وفي التراث الشيعي اختص لقب «ثقة الإسلام» بالمحدث الشيخ محمد بن يعقوب الكليني. أما لقب «حجة الإسلام» فقد عرف به ـ أول مَنْ عُرف من الفقهاء ـ الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي المتوفى سنة 940هـ/1543م بعدما لقّبه به الشاه طهماسب الصفوي)[526](.
د. جودت القزويني
تفسير
بيان السعادة في مقامات العبادة
للعارف الشهيد السلطان محمد الجنابذي
الملقب بسلطان علي شاه
جولدزيهر في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»
من الحري في بداية هذا البحث أن أُشير إلى المستشرق جولدزيهر في تعيين أول تفسير شيعي حيث يقول: «من القرن الثالث إلى القرن الرابع الهجري، وربما كان أقدمها هو كتاب (بيان السعادة في مقام العبادة) للسلطان محمد بن حجر البجختي الذي أرخ الانتهاء عن عمله بسنة 311هـ 932م، وقد ظهر مطبوعاً في طهران سنة 1314هـ».
يعتقد المستشرق إنّ أول تفسير شيعي بالمأثور هو هذا الكتاب، فإني أراه لم يَرَ هذا التفسير قط، إذ أنه أخطأ ألف سنة في تاريخ تأليف هذا التفسير، فالمفسر قد انتهى من تأليفه سنة 1311هـ لا سنة 311هـ وهو السلطان محمد الجنابذي لا السلطان محمد بن حجر البجختي، وإن هذا التفسير هو تفسير صوفي شيعي لا تفسير شيعي بالمأثور، وظني إن مثل هذه الأخطاء ليست قليلة في أبحاث علماء العالم حول الشيعة.
لم يعثر الذهبي على ترجمة للمؤلف
يقول الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» (مؤلف هذا التفسير هو السلطان محمد بن حيدر الجنابذي الخراساني أحد متطرفي الإمامية الاثني عشرية في القرن الرابع عشر الهجري، لم نقف له على ترجمة أكثر من هذا).
وهذا لعدم وجود ترجمة باللغة العربية لمفسرنا الجنابذي، وأما ترجمته باللغة الفارسية فهي كثيرة، منها كتاب «نابغه علم وعرفان» وفيه ترجمة كاملة له ولعقائده وسلسلته الصوفية. وأما ترجمته باللغة العربية فقد جاءت جديداً في طبعات التفسير الجديدة فمن أراد فليراجعها.
حياته
كانت ولادته على ما كتبه والده المرحوم المولى حيدر محمد بخطه في ظهر القرآن الكريم الموجود صورته الفتوغرافية في كتاب «نابغه علم وعرفان» في الثامن والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (1251هـ). فقد أباه وهو في الثالثة من عمره، فتولاّه أخوه المولى محمد علي. بادر في حداثة سِنّه بتعلم القرآن، ثم سافر إلى مدينة مشهد طلباً للعلوم الأدبية ثم إلى النجف الأشرف لأخذ العلوم الدينية ثم إلى مدينة سبزوار لأخذ العلوم العقلية من الحكيم الشهير الحاج ملاّ هادي السبزواري، وهنا أدركته جذبة من جذبات الحق فترك سبزوار متوجهاً إلى أصفهان طالباً مقصوده فالتقى بالعارف الشهير الحاج محمد كاظم الملقب بسعادة علي شاه فتلقى الأذكار القلبية منه ودخل في سلك الصوفية وفي السلسلة المشهورة بـ (النعمة الإلهية)، وفي العودة من أصفهان تزوج ابنة الحاج ملاّ علي البيدختي حيث أمره مرشده بإطاعة أمر أُمّه في الزواج، وبعد مدة قليلة تهيجت أشواقه لزيارة شيخه مرة ثانية، فسافر إلى أصفهان، وفي سنة (1284هـ) مُنِحَ درجة شيخ أي إجازة الإرشاد وتلقين الأذكار القلبية والأوراد المأثورة ولقب بـ (سلطان علي شاه) وفي سنة (1293هـ) تُوفي شيخُهُ وبوفاة الشيخ انقسمت السلسلة إلى سلاسل متعددة، فترأس سلطان علي شاه السلطة الجنابذية وأصبح قطبها ومؤسسها، فاستقر في قرية (بيدخت) في ضواحي مدينة (جنابذ) الواقعة في مقاطعة خراسان، وفي سنة (1305هـ) حج بيت الله الحرام وزار العتبات المقدسة في العراق والتقى بكثير من العلماء كالحاج ميرزا حسن الشيرازي وفي ليلة السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (1327هـ) تُوفي مخنوقاً غريقاً فدفن في (بيدخت).
ولهذه السلسلة (الجنابذية) آدابها ورسومها في حلقات الذكر العملي ولها اعتقاداتها الخاصة بها أيضاً لها زوايا وتكايا كثيرة منتشرة في جميع بلاد إيران، وهنا نترك الكلام حول هذا الموضوع مخافة الإطالة والخروج عن مادة البحث.
أقطاب هذه السلسلة
انشعبت السلسلة الجنابذية من السلسلة «النعمة الإلهية» بعد وفاة سعادة علي شاه فترأسها سلطان علي شاه وسميت باسمه (الجنابذية) وبعد وفاة سلطان علي شاه استخلفه ولده الملقب بنور علي شاه الثاني وبعد وفاته سنة (1337هـ) استخلفه سليله الملقب بصالح علي شاه ثم استخلفه ابنه سلطان حسين تابنده الملقب برضا علي شاه ثم استخلفه ابنه الملقب بمحبوب علي شاه، ثم استخلفه عمه القطب الحالي لهذه السلسلة الملقب بتابندة والسلسلة هذه هي من أكبر السلاسل الصوفية الشيعية عدداً في إيران، ولها آدابها الخاصة ومن أهمها اختصاصهم بحالة البسط دون القبض المصطلح عند الصوفية، وذلك لتركهم الانزواء المنتج للقبض ومعاشرة الناس المنتج للبسط.
مؤلفاته
للجنابذي مؤلفات باللغتين العربية والفارسية، والمشهور منها باللغة العربية هو الإيضاح، وبيان السعادة في مقامات العبادة، وبالفارسية، سعادتنامه، مجمع السعادة، ولايتنامه، بشارة المؤمنين وتنبيه النائمين.
ولما كان المؤلف شديد العلاقة بشيخه سعادة علي شاه سمى ثلاثة من مؤلفاته باسمه وهي سعادتنامه، بيان السعادة، مجمع السعادة.
طبعات التفسير
طبع للمرة الأولى سنة (1314هـ) بنفقة الحاج محمد حسن خطيب الطهراني وميرزا محمد حسين خان سر رشته دار الأصفهاني وغلام رضا خان مصدق السلطان المشهدي في مجلد واحد كبير. وطبع للمرة الثانية سنة (1385هـ) في مطبعة (دانشگاه تهران ـ جامعة طهران) في أربعة مجلدات كبيرة.
مراجع التفسير في بيان السعادة
نرى في خطبة الكتاب، أنّ المفسر يذكر مراجعه في التفسير والحديث بشكل يكاد يختفي على من لا بصيرة له بأسلوب البيان بين هؤلاء القوم، فيقول في خطبة التفسير بعد الحمد والثناء على الله: (… والصلاة والسلام على ملائكته وأنبيائه ورسله خصوصاً على من أنزل عليه القرآن، الذي هو مجمع البحرين للوجوب والإمكان، ومجمع البيان لكل ذكر وكتاب وتبيان، الصافي عن كلّ مين وخلف وارتياب، والوافي بكل وعد في خير وصواب والشافي لكلّ مرض وعناء في النفوس والأجسام، والكافي للبصير عن كل كتاب وخطاب وكلام،…)، فها هو يذكر مراجعه بشكل ظريف، مجمع البحرين في اللغة، مجمع البيان والتبيان والصافي في التفسير، الوافي والشافي والكافي في الحديث.
وبالإضافة إلى هذه المراجع، نراه يستشهد في الأبحاث الفلسفية والعرفانية بالأشعار الفارسية للشاعر الشهير والعارف الكبير مؤسس السلسلة المولوية المولى جلال الدين الرومي المولوي.
منهجه في التفسير
لهذا التفسير مقدمة جعلها المفسّر في أربعة عشر فصلاً ولعلّه جعلها أربعة عشر فصلاً تيمّناً بالأربعة عشر المعصومين عليهم السلام، يذكر المفسر في هذه الفصول مجموعة من علوم القرآن على طريقة صوفية الشيعة وعلى سبيل المثال أنقل قسماً من الفصل الثاني من هذه المقدمة وهي في العلم والجهل، فيقول: «اعلم أن الإنسان واقع بين داري الرحمن والشيطان، ولنفسه وجه إلى الله ويقال له وجه الربّ ووجه إلى الشيطان ويقال له وجه النفس أي أنانيته، ولا يكون رؤية الوجود من النفس ونسبته إليها إلاَّ بهذا الوجه، وهذان الوجهان للنفس هما الآخرة والدنيا اللتان هما الضرتان، والإقبال إلى كلّ أضرار بالأخرى، وهما العقل والجهل في العالم الصغير، ويطلق العقل والجهل على مدركاتهم أيضاً، وسعة كلّ من الوجهين بزيادة مدركاته وسعتها، لأنّ فعلية الإنسان بفعلية مدركاته، فكلما ازداد المدركات الجهلية ازدادت الأنانية وضعفت الوجهة الربانية، وكلما ازداد المدركات العقلانية قويت الوجهة الربانية وضعفت الوجهة الجهلانية والأنانية، وكلما ازدادت الجهالات في الإنسان ازداد فيه تصرف الشيطان بل لا تكون تلك المدركات إلاَّ بإمداد الشيطان وإفاضته، فهي في الحقيقة فضلاته على وجه النفي، فالإنسان إن لم يكن ذا وجه إلى الربّ كأن لا محالة ذا وجه إلى الشيطان وكانت صفحة نفسه بتصرف الشيطان فيلقي عليها ما يشاء بحسب استعدادها…».
كما ولهذا التفسير أمور مختصة به قلَّ ما توجد في غيره من التفاسير منها:
1 ـ ربط الآيات وجعل الآيات اللاّحقة مربوطة بالسابقة والحال إن جمع الآيات لم يكن بترتيب نزولها بل المشهور هو الاجتهاد في ترتيب الآيات، والمؤلف أيضاً قائل به، ولكنّه مع ذلك يقول إنّ تآلف الآيات القرآنية وجمعها بالترتيب الموجود بين الدفتين دليل على أنّ العلم الإلهي والإرادة الأزلية قد تعلقتا بجمعها كذلك، كما قال الله تعالى شأنه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} وعلى هذا ربط المؤلف أكثر الآيات بسابقها وذكر وجه الربط وإن لم تكن مربوطة في ظاهر المعنى والمفهوم.
2 ـ تفسير جميع الآيات المرتبطة بالعقائد والإيمان والكفر، بالإيمان والكفر بالولاية، والاهتمام التام بشأن ولاية علي عليه السلام والأئمة المعصومين من ولده، وإنّ الإيمان بالله عين الإيمان بالولاية، والكفر بها مستلزم للكفر به» وفي هذا أيضاً استند إلى الآخبار النبوية المتفق عليها لدى الفريقين والأحاديث المروية عن الأئمة عليهم السلام، وهذا النظر وإن كان في الظاهر غلواً حتى زعم بعض أهل اللجاج أنّ هذه العقيدة من الغُلاة والشيعة منهم، ولكنها ليست كذلك، بل مستندة إلى الأخبار وإلى الدليل العقلي، لأنّ الولي في اصطلاح الأخبار ولدى العرفاء أي الأولى بالتصرف كما قال تعالى شأنه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ}.
وقال عزَّ وجلَّ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}.
وهذا المعنى أيضاً حقيقة مشككة ذات مراتب متفاوتة باختلاف المظاهر الكاملة في كل زمان ويشمل جميع الأنبياء والأولياء والكُمَّل المطاعين في كلّ زمان وهم بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم الأئمة المعصومون عليهم السلام والمرتبة العليا من هذه الحقيقة متحدة مع مقام المشيئة والواحدية وتجلّي الأسماء والصفات ومقام الجامعية المسماة بالله والفيض المقدس الذي كان محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وبعده علي عليه السلام مظهراً تاماً ومرآة له، وهذه المرتبة محيطة بما سوى الله فكذلك مظهره التام وهو الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم وبعده خلفاؤه وأوصياؤه المعصومون، فكما يكون الإيمان والكفر في المقام العالي منتسباً إلى هذه المرتبة كذلك في مقام المظهر والمرآة. والإيمان بالمظهر إيمان بالظاهر والكفر به كفر به، والأخبار أيضاً دالة عليه بل يمكن أن نقول هو من أُصول الشيعة.
3 ـ تحقيق وجود الجن وإثبات وجوده ببيان فلسفي عرفاني مليح.
4 ـ رأي المفسر بطهارة أهل الكتاب وترجيحه القول بالنجاسة العرضية عند تفسير الآية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوُتواْ الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ…}.
5 ـ القول باختصاص حلّية عقد الكتابية بالتمتع والانقطاع وعدم جواز نكاحها بالعقد الدائم وذلك عند تفسير الآية {… إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.
6 ـ تحريم السفر في يوم الجمعة على من كانت المسافة بينه وبين مجتمع الناس للجمعة أقل من فرسخين أو بقدر فرسخين، بل لزوم ترك البيع فيه استناداً إلى الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ…} وللمفسر كثير من الإشارات والتأويلات والرموز العرفانية كتفسير الصدّ عن سبيل الله بالصدّ عن سبيل الولاية، وغيرها من التأويلات وهي مستندة غالباً إلى الأحاديث الشيعية أو إلى البرهان العقلي الفلسفي، ونحن نكتفي بنقل أهمها على سبيل المثال. تفسيره للمساجد في الآية {… وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ…}:
يقول المفسر إنّ المساجد الحقيقيّة هي الصدور المنشرحة المستنيرة ويقصد بها أولياء الله فيقول: «والمساجد جمع المسجد وهو محل السجود وهو غاية الخضوع فتمام الأرض مسجد بهذا المعنى لأن جملة ما فيها ليس لها إلاَّ التذلل فجملة وجه الأرض محلل لتذلل ما فيها وقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً لشهوده صلَّى الله عليه وآله وسلم سجود الكلّ في كلّ الأرض وبهذا المعنى صارت الصدور المنشرحة بنور الإسلام والقلوب المستنيرة بنور الإيمان مساجد حقيقية لسجود كل ما فيهما وتذللهما حقيقة، وامتياز المساجد الصورية من بين بقاع الأرض باسم المسجد واسم بيت الله ليس لهذا المعنى ولا خصوص البقعة ولا خصوص اللبنة والطين والجصّ وسائر آلات البناء، ولا خصوص البنا والعملة وإلاَّ لشاركها في هذا كلما شاركها في هذه بل الامتياز بنية الواقف لأن الواقف إذا كانت نيته صحيحة خالصة لوجه الله غير مشوبة بأغراض النفس صار صدره منشرحاً وقلبه مستنيراً وصارا مسجدين لله وبتوجيهه إلى تلك البقعة تصير البقعة مستنيرة وتمتاز بالمسجدية وبكونها بيت الله، فإذا صار الإنسان متمكناً في ذلك الانشراح والاستنارة صار مسجداً وبيتاً لله على الإطلاق، وإن لم يكن متمكناً فيها كان مسجداً وبيتاً لله وقت الاتصاف بهما. وكلما ازداد واشتدّ الاتصاف به ازدادت واشتدت المسجدية والبيتية لله، وكلما اشتدت مسجديته لله اشتدت مسجديه ما بناه لله، فالمساجد حقيقية والبيوت التي أذِنَ الله أن تُرفَع هي الصدور والقلوب المنشرحة المستنيرة وبعدها أصحاب تلك الصدور والقلوب، وأما المساجد الصورية فهي مساجد حقيقة باعتبار المعنى الأول الذي به تكون جملة بقاع الأرض مساجد لكن امتيازها عن سائر بقاع الأرض باسم المسجدة فليس إلاَّ بتوجه المساجد الحقيقية التي هم الواقفون لها ولذلك فسروا ـ أي الأئمة ـ المساجد والبيوت التي أذن الله أن ترفع في أخبار كثيرة بأنفسهم…» وإني لأظن أنّ من لا خبرة له بالإشارة والرموز العرفانية لا يستطيع فهم هذا التفسير، بل على القارىء أن يكون له إلمام بهذه الرموز والإحاطة بالأحاديث الشيعية للاستفادة من هذا التفسير، فهو تفسير عرفاني مشحون بالأبحاث العرفانية والبراهين العقلية الفلسفية مستندة بالأحاديث المروية عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.
علم القرآن جميعه عند محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام
يعتقد المؤلف ـ كما يعتقد جميع الشيعة ـ إنَّ علم القرآن جميعه عند النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، وذلك لأنّ القرآن هو شرح لدرجات الوجود بأجمعها والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام هم الذين قد جمعت فيهم جميع هذه الدرجات، ففي الحقيقة علم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بالقرآن هو علمهم بأنفسهم ودرجاتهم، وأما من عداهم فعلمهم بمعاني القرآن قاصر لا يبلغ المبلغ الذي خصَّ به النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام وذلك، في نظر المفسر، راجع إلى تفاوت المقامات التي يتفاوت العلم بتفاوتها فيقول المؤلف في هذا المجال في الفصل العاشر من مقدمته ما نصه: «قد مضى أنَّ بطون القرآن وحقائقه كثيرة متعددة وأنّ بطنه الأعلى وحقيقته العُليا هو محمدية محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وعلوية عليّ عليه السلام وهو مقام المشيئة التي هي فوق الإمكان وكلّ نبي ووصي كان لا يتجاوز مقامه إلى مكان سوى محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه ومن لم يبلغ إلى مقام المشيئة لا يعلم ما فيه ولا يبين من ذلك المقام شيئاً، لأن المفسر لا يتجاوز في تفسيره حد نفسه فكل من علم من القرآن شيئاً أو فسر منه شيئاً وإن بلغ ما بلغ من المقامات لا يكون علمه وتفسيره بالنسبة إلى علم القرآن إلاَّ كقطرة من بحر محيط، فإن حقيقة القرآن التي هي حقيقة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام هي مقام الإطلاق الذي لا نهاية له، والممكن وإن كان أشرف الممكنات الذي هو العقل الكلّي يكون محدوداً ولا يتصور النسبة بين المحدود وغير المتناهي الغير المحدود، فعلم كلّ عالم ومفسر للقرآن بالنسبة إلى علم القرآن كقطرة إلى البحار، ولما كان مقام محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وأولاده المعصومين مقام المشيئة كان علم القرآن كلّه عندهم وكان علي عليه السلام هو مَن عنده علم الكتاب كما في الولاية بإضافة العلم إلى الكتاب المفيد للاستغراق… وكان إبراهيم عليه السلام ابتلاه ربّه بكلماتٍ محدودةٍ لا بجملة الكلمات مع أنه كان أكمل الأنبياء بعد نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم وكان محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم يؤمن بالله وكلماته جميعاً كما في قوله تعالى: {آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فإن الكلمات جمع مضاف مفيد للاستغراق وليس المراد به الإيمان الإجمالي وإلاَّ لشارَكَهُ غيره فيه بل الإيمان التفصيلي، والإيمان التفصيلي لا يكون إلاَّ بإدراك المؤمن به شهوداً أو عياناً).
فضيلة الصلاة على النبي
صلَّى الله عليه وآله وسلم
يعتقد المفسر بأن لجميع الرسل والأنبياء مراتب ودرجات من مقام النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الكامل فلهذا كلّ من بايع الرسل والأنبياء من الأمم السالفة في الحقيقة قد بايع نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم وحقيقة صلاة كل سالك هو التذكر والتوجه إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وجعل صورة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو شيخه نصب عينه في كلّ عبادة بل في كلّ آن ولحظة وغاية كلّ سالك في شتى عباداته ظهور صورة الشيخ أو النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم واتصاله حالاً مع روحانية النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو شيخه إلاَّ أنَّ هناك خلاف بين من يرى من السلاسل الصوفية أن غاية السالك في عباداته اتصاله روحياً مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو شيخه وهو يجعل تذكر صورة الشيخ كقنطرة ومجاز للوصول إلى هذا الاتصال مع العلم بأنّ تمثل صورة الشيخ نوع من عبادة الأصنام إلاَّ أنهم لا يرون طريقاً إلى هذا الاتصال إلاَّ عن طريق هذا المجاز.
وفي هذا المجال يقول المفسر: «ولما كان محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم أصل جميع الخلفاء وكلّ الخلفاء كانوا أضلاله وشئونه [شؤونه] كان كل ما يحصل من جميع الخلفاء يحصل منه صلَّى الله عليه وآله وسلم وكل ما يلزم لجميع الخلفاء من النظر والخدمة والتعظيم والتذكر والتأمل في شؤونهم يلزم له وحده وكان كلّ من بايع واحداً من الخلفاء كان كمن بايع محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم فكان كل من دخل في الإسلام أو الإيمان لم يكن له عمل أعظم قدراً وأفخم أجراً من التوجه إلى محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم والتذكر له والدعاء له وطلب الرحمة عليه والانجذاب إليه بحيث يظهر هو إليه يظهر هو أو أحد من خلفائه بحسب ملكوته على صدره ولذلك ورد عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: أجعل نصف صلواتي لك؟ قال: نعم، ثمن قال: أجعل صلواتي كلّها لك؟ قال: نعم، فلما مضى قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم : كُفي هَمّ الدنيا والآخرة، وفي خبر عنه صلَّى الله عليه وآله وسلم: إنّ رجلاً أتى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إنّي جعلت صلواتي لك، فقال: إذن يكفيك الله عزَّ وجلَّ ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك، فقال له رجل: أصلحك الله كيف يجعل صلواته له؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام لا يسأل الله عزَّ وجلَّ إلاَّ بدأ بالصلوات على محمد وآله، وأمثال هذه الأخبار كالقرآن ذات وجوه وهي مرادة بكل وجهها بحسب مراتب الناس فإنَّ الصلاة تكون بمعنى الدعاء، والغائب عن الحضور لا تكون صلواته لمحمد صلَّى الله عليه وآله وسلم إلاَّ دعائه له، ويكون بمعنى الصلاة المشروعة مشتملة على الأفعال والأذكار المخصوصة، والحاضر عند محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم يجوز أن يكون دعاؤه له وأن يكون معنى صلواته له أن يكون في صلواته المشروعة غير ناظر إلى غيره، ويكون مخاطباً في الصلاة بل المتكلم بل الفاعل محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلم كما هو شأن من حصل له حالة حضور عند شيخه، ومن حصل له هذه الحالة كفى جميع مهماته، بل حصل له جميع خيرات الدنيا والآخرة، بل يكون له الغناء عن الدنيا والآخرة، ولذلك كان المشايخ رضوان الله عليهم مهتمين بتحصيل هذه الحالة للسالكين ولم يكن للسالكين منظور إلاَّ حصول هذه الحال، وكان مشايخ العجم يأمرون السُلاّك بجعل صورة الشيخ نصب عيونهم تعملاً حتى يحصل بذلك التعمل هذه الحال، وبعدما يقال لهم: إنَّ هذا كفر وتقيد بالصورة واشتغال عن المعبود والمسمى بالاسم، يجيبون بأنَّ هذا كفر وتشبه بعبادة الأصنام لكنه كفر فوق الكفر والإيمان، وإليه أشار المولوي قدّس سرّه:
آ ينه دل چون شود صافى وپاك
نقشها بينى برون از آب وخاك
هم ببينى نقش وهم نقاش را
فرش دولت را وهم فراش را
چون خليل آمد خيال يار من
صورتش بت معنى او بت شكن
شكر يزدان راكه چون او شد پديد
در خيالش جان خيال او نديد
وهذا الشعر إشارة إلى أنّ الحضور لدى الشيخ وإن كان ظاهره قيداً وكفراً لكنه بحسب المعنى والواقع إطلاق عن القيد لا إنّه تقيد به».
الوالدان والأقرباء
يعتقد مفسرنا بأن العلل هي الآباء والمعلومات هي الأولاد، ففي قوس النزول للوجود عند من يعتقد بوحدة الوجود، العقل هو المعلول الأول لذات الله تعالى والنفس هي حاصلة من تجلي وإشراق العقل كما نرى في قصة آدم وحواء، إذ آدم العقل هو المحصول الأول وحواء النفس قد ظهرت من تجلي آدم العقل، فالذات والد العقل والنفس مولود العقل، فعندما يأمر الله الإنسان في كتابه العزيز بإطاعة الوالدين يستنتج من له هذه العقيدة بأن النفس التي هي مولودة العقل عليها إطاعة العقل الذي هو الوالد، فعلى النفوس إطاعة العقول وعلى العقول إطاعة الله، أي على الناس الذين هم مصاديق النفس أن يعبدوا الله عن طريق إطاعة العقول التي هي وجوه الله، وبعبارة أخرى لا يمكن لمسلم أن يطيع الله إلاَّ بإطاعة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم وخلفائه.
وإليك باختصار ما يقوله المفسر: «… فالأفلاك والعناصر آباء للمواليد، والعقل والنفس الكيان والدان لعالم الطبع إذ بإلقاء الأفلاك بحركاتها الدورية وكواكبها التي هي كالقوى الإنسانية الآثار على العناصر وقبول العناصر لها كتأثر النساء عن الرجال وقبول أرحامهم لنطفهم يتولد المواليد وتنمو وتبقى وهي في بقائها ونمائها أيضاً محتاجة إلى تلك الآباء بخلاف حاجة الحيوان إلى آبائها الجسمانية فإنها بعد حصول مادتها وحصول قوام ما لمادتها مدة كونها في الرحم غير محتاجة إلى آبائها، وبإلقاء العقل الكلّي نقوش العالم على لوح النفس الكلية التي هي كالبذور يوجد عالم الطبع وعالم الطبع في بقائه محتاج إلى ذينك الوالدين، هذا في العالم الكبير وأما في العالم الصغير الإنساني فبعد تسويته يوجد آدم الصغير وحواء الصُغرى بازدواج العقل والنفس وبازدواجهما يولد بنو آدم وذريتهما، وبازدواج الشيطان والنفس الأمارة يولد بنو الجان وذرية الشيطان؛ هذا بحسب التكوين في العالمين، وأما بحسب الاختيار والتكليف وهو مختص بالإنسان الضعيف فقد جرت السُنَّة الإلهية أن يكون توليد المواليد الاختيارية من القلب ومراتبه وجنوده الخلقية والعلمية والعيانية بتعاضد نفسين مأذونتين من الله وإيصالهما إثر الأمر الإلهي إلى المكلف بتعاضدها لتطابق التكليف والتكوين فإن الأوامر التكوينية موافقة لها، وإن لم ندرك في بعضها كيفية التوافق لعدم العلم بالتكوين وتلك السُنَّة كانت جارية من لدن آدم عليه السلام إلى زماننا هذا وتكون باقية إلى انقراض العالم، وإن لم يبق لها أثر ولا بين العامة منها ذكر ولا خبر، فإن صحة الإسلام في الصدر ودخول الإيمان في القلب ما كان إلاَّ بتعاضد شخصين يكون أحدهما مظهراً للعقل الكلّي، والآخر مظهراً للنفس الكلّية».
في معنى السُكر
يعتقد مفسرنا بأنّ السكر لا يقتصر على الحالة الحاصلة من شرب الخمر، بل كل حالة تمنع العقل في تدبيره السليم للأمور هي كالخمر المحرم في الشرع، ففي اعتقاده إن الحرص والحسد وحبّ الدنيا هي أحوال تطرأ على النفس فتمنع العقل من تدبيره الصحيح، فهذه الصفات حالها كحال الخمر وصاحبها سكران ما دامت هذه الصفات متعلقة بنفسه، وإليك ما يقوله في هذا المجال: «والسكر من السكر بمعنى السد ويسمى الحالة الحاصلة من استعمال شيء من المسكرات سكراً، لسدها طرق تصرف العقل في القوى وطرق انقياد القوى للعقل، ولا اختصاص لها بالخمر العينيّة المعروفة بل كل ما يحصل من تلك الحالة شرباً أو أكلاً أو تدخيناً أو غير ذلك فهو خمر النفس سواء حصل منه السكر المعروف كالفقاع والعصيرات… أو لا كالحرص والأمل والحبّ والشهوة والغضب والحسد والبخل…».
وبإمكاننا أن نستخرج الكثير من اعتقادات المؤلف في أصول الدين وفروعه من خلال عباراته وإشاراته المجملة في تفسيره هذا، إلاَّ إننا نترك التفصيل ونحيل القارىء إلى مطالعة التفسير بدقة، وإني لا أعتقد بأن مطالعة هذا التفسير ليس سهلاً على من لا خبرة له برموز القوم، فمن الواجب على القارىء الكريم أن يقف على رموزهم وإشاراتهم قبل مطالعة هذا التفسير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الصفحة الأولى من التفسير بخطّ مؤلّفه البارع طاب ثراه
* ذكر هذا النصّ في أصل المقالة في فصل «مراجع التفسير».
الدكتور عادل نادر علي
التكامل الاجتماعي
في فكر الشهيد مرتضى مطهري
عندما يتحدث الشيخ مرتضى مطهري في موضوع التكامل الاجتماعي يعرض رأيين في التكامل الإنساني يعتمد ثانيهما على الأول، وهما التكامل الطبيعي (الحياتي)، والتكامل التاريخي أو الاجتماعي.
تحديد المصطلحات أولاً
وقبل أن نستدرج في بيانهما نعرّج على مصطلح (التكامل) لنرى ماذا يعني عنده. يحاول مطهري أن يفكك (التكامل) لِنسبٍ مُقارنة ليستنطق النص القرآني)[527]( في مفردتي (التمام) و(الكمال) مستنتجاً أن مفهوم الكمال أوسع دائرة من سابقه؛ فحينما يُولدُ الطفل ناقصاً لبعض أعضائه ـ مثلاً ـ كان مفهوم عدم التمام مصداقاً منطبقاً عليه، أما إذا وُلِدَ تامَّ الخلقة فسيكون كماله متعلقاً بالدرجات والمراحل. فهو ما لم يطوِ مراحله بالتعليم، والتربية فلن يكون له سُلّم يوصلُهُ إلى درجات التكامل.
إنَّ مفهوم التكامل يتضمّن مفهوم «التسامي»، فالتكامل حركة ولكنها إلى الأعلى)[528](، حركة عمودية من مستوى إلى آخر أعلى منه. وبذلك ميَّز مطهري ـ من جهة أخرى ـ بينه، وبين مفهوم «التقدم» الذي اعتبره حركة على مستوى واحد لا نقلة فيه إلى الأعلى.
التكامل الطبيعي والاجتماعي
والتكامل الإنساني يمرُّ بمرحلتين:
الأولى: مرحلة التكامل الطبيعي التي توجدها الحركة الطبيعية دون تدخل الإرادة الإنسانية، وهي مرحلة (حتمية) يشترك فيها الإنسان مع سائر المخلوقات الأخرى، وتتحكم فيها قوانين الوراثة.
الثانية: مرحلة التكامل التاريخي (الاجتماعي) وهي المرحلة التي لا تتدخل الطبيعة فيها (أي في حركتها)، ويُعتبرُ هذا التكامل «اكتسابيّاً» لأنه يكتسب بالجهد.
ويتم التكامل في المرحلتين: الطبيعية، والاجتماعية (التاريخية) متدرجاً إلا أنه في المرحلة الثانية يكون أسرع مما عليه في المرحلة الأولى التي تأخذ نمطاً رتيباً في الحركة، يعني أن الحركة الاجتماعية (التاريخية) «حركة مقرونة بسرعة متزايدة تزداد تدريجاً»)[529](.
أثار مطهري في موضوع التكامل أصلاً مشتركاً بين الإنسان، وسائر الأحياء، وجعل للإنسان حياة مادية، وأخرى ثقافية عدّهما من البُنى الفوقية. وهو بذلك طرح النظرة الإسلامية قبال المنظور الماركسي في العلاقات الإنتاجية)[530](. بعبارة ثانية حاول الحديث عن «أصالة الإنسان، التي تختلف باختلاف وجهات النظر في المدارس الفلسفية، ويرجع الحديث في افتراق الأصالة بين «حيوانية» الإنسان و«إنسانيته» وهو بهذا ينحو منحىً تقليدياً بالاعتماد على الفلسفة الإسلامية التي تعتمد على الحركة الجوهرية في حل إشكالات كهذه.
إن الإنسان في نظره يبدأ مسيرة التكامل من نقطة الحيوانية، ويتكامل متجهاً نحو الإنسانية، وهي قاعدة تنطبق على الفرد والمجتمع في آنٍ واحد.
فالإنسان في بدء وجوده جسمٌ مادي يتحول بالحركة الجوهرية التكاملية إلى «الروح» أو «الجوهر الروحي»، وفي جسمه تولد الروح، وتتكامل حتى تصل إلى الاستقلال.
إن هذه النظرة لا تخصُّ الفرد وحده، وإنما تشمل المجتمع أيضاً. فالتكامل الاجتماعي يحدث مساوقاً لتكامل الروح داخل الجسد. فالمجتمع (الجنين) يتعلّق بالمؤسسات الاقتصادية التي تُعتبر جسداً له، كما تُعتبر المناحي المعنوية والثقافية بمنزلة الروح، ولما كان بين الجسم والروح تأثير متبادل فإن هذا التأثير يبقى فاعلاً بين روح المجتمع وجسمه.
ولما كانت الحركة التكاملية للفرد تتجه نحو الحرية والاستقلال، والسيطرة الروحية؛ فإن مسيرة المجتمع التكاملية تزداد استقلالاً، وثقافة كلما ازداد تكاملاً. ولذا كان «إنسان المستقبل حيواناً ثقافياً، وليس حيواناً اقتصادياً»)[531]( بمعنى أن الاتجاه الأيديولوجي هو الأساس في تركيبته.
وإذا كان واقع الإنسان سارياً من خلال التكامل المادي فهذا لا يعني بالقطع انعكاساً لهذا التكامل، بل هو واقع مستقل يبحث عن التكامل، وكما أنه قابل للتأثير من الجوانب المادية فإن له قابلية التأثير فيها على حد سواء.
التكامل الصناعي
وعندما يتحدث المفكر مطهري عن «التكامل الصناعي» يتحرّج في إطلاق لفظ (التكامل) عليه، ويُعدُّ هذه التسمية من المشكلات. إن مفهوم التكامل على ما يبدو يُلصقُه مطهري بالجوانب المعنوية دون المادية، وإن كان يُعطي للتقدم الصناعي الصفة التاريخية المُعبّرة عن نقلة حضارية جبّارة؛ لكنه يشير إلى إمكان «تحطم الإنسانية على يد الإنسان» في وقفة تأريخية يُسمّيها «بالفاجعة» بالرغم من الأشواط البعيدة التي استطاعت التجارب الإنسانية أن تقطعها في تقدم مسيرتها مع الطبيعة.
إن التحوّل في مجال الروابط الاجتماعية، والبناء الاجتماعي، والروابط الإنسانية من حالة بسيطة إلى حالة تزداد تعقيداً جعل التشكيلات الاجتماعية تعيش وكأنها «ماهيات مختلفة» لأن الأفراد في البناء الاجتماعي لم تفتأ متعاملة مع نظائرها في أعمال جداً مختلفة. وهذا الاختلاف يسبب اختلافاً بيّناً في «الوحدة النوعية الإنسانية» لأنه «اختلاف في البناء الفكري والروحي» الأمر الذي جعل التقدم الصناعي عاملاً في اغتراب الإنسان عن ذاته، ووجوده الحقيقي.
إن التقدم في مجالي الفن، والصناعة، وغيرهما لا يعني بالضرورة «كمال القيم الإنسانية»؛ فالتقدم حركة على خطٍ مستقيم، والبشرية تتقدم في مجموع حركاتها على هذا الأساس خلافاً للحركة التكاملية ـ المعنوية ـ التي تتسم بالدوران يميناً وشمالاً وربّما بالتوقف في مرات أخر، ولكنها في مجموعها حركة تكاملية وتقدمية ينبثق من خلالها «إنسان المستقبل»، إنسان الفكر، الثقافة، وليس إنسان المأكل، والملبس وهو ما يعنيه مطهري بقوله «إنسان المستقبل هو الحيوان الثقافي، وليس الحيوان الاقتصادي»)[532](.
إن واقعية الإنسان الأصلية، وثقافته يحددان مصيره النهائي في مسيرته التكاملية، وليس المسير التكاملي لوسائل الإنتاج لأنه واحد من الشؤون الحياتية التي تخصُّه. فمطهري يرفض أن تكون وسائل الإنتاج متكاملة بذاتها، وإن إنسانية الإنسان تتبع نظاماً إنتاجياً في التحوّل والتغيير، وإنما صفة التكامل إلى «إنسانيته» تُضاف عندما تصبح هذه «الإنسانية» موجهة لنظام إنتاجي أكثر تكاملاً)[533](.
إن النسبة بين التكامل (الداخلي)، والسيطرة (الخارجية) عكسية، فكلّما كان حظ الإنسان من التكامل في ازدياد كانت سيطرته وتأثيره في بيئته أبلغ وأشدَّ.
وحالة التوازن في عملية التكامل تكمن في السيطرة الذاتية على «النوازع»، والسيطرة الخارجية على «البيئة». ولذا يُعتبر الفرد المتكامل متحرراً من سيطرة البيئة الخارجية، والدوافع الداخلية ليكون فرداً «بسطَ سلطانه على أعماق ذاته، وعلى بيئته الخارجية».
إن حظ السيطرة على الطبيعة يتعلَّق بانبثاق المواهب الكامنة في الإنسان، وتفتقها. فكما أن إنسان «الماضي» لم يُطلق مواهبه بشكل كافٍ وسليم، كان في كل ما كان ـ عبداً للطبيعة، وأسيراً لذاته؛ إلا أن إنسانَ المستقبل في الوقت الذي يستغل مواهبه للسيطرة على الطبيعة كان أكثر تحرراً من أسر القُوى التي تحاول الضغط عليه من (الداخل).
ويحدد مطهري (الأخلاق) في علاقة الإنسان بذاته، يعتبرها أساساً للتكامل، فإذا لم يستطع الإنسان أن يتكامل من الناحية الأخلاقية، ويتحرر من أسرار نوازعه (الداخلية) لن يكون بالمستطاع إقامة علاقات حسنة مع الآخرين. إن التكامل هذا موازنة دقيقة في العملية الاجتماعية وهي بالتالي تعني تحرره من الآخرين، من جهة، وعدم دخولهم في أسرِه من جهة ثانية.
جودت القزويني
تنبيه الأمة وتنزيه الملة
تأليف
الشيخ محمد حسين التائيني
(1273 ـ 1355هـ)
المقدمة
* شرح حقيقة استبداد الدولة ومشروعيتها.
* تحقيق القانون الأساسي.
* المجلس النيابي الشوروي.
* توضيح معنى الحرية والمساواة.
إن ما اتفقت عليه جميع الأمم الإسلامية بل عقلاء العالم أجمع هو أن استقامة نظام العالم وتعيُّش نوع البشر متوقف على وجود سلطنة وحكومة سياسية سواء قامت بشخص واحد أو بهيئة جمعية، وسواء كان المتصدي لها غاصباً قاهراً أو وارثاً أو منتخباً، فكذلك (مما هو معلوم بالضرورة أيضاً) لا يمكن حفظ شرف استقلال أية أمة أو قومية أي قوم سواء فيها امتيازاتهم الدينية والوطنية إلا إذا كانت حكومتهم منهم وإمارتهم من نوعهم، وإلا كانت جهات امتيازاتهم وناموسهم الأعظم ـ دينهم ـ وشرف استقلالهم وقوميتهم هباء منثوراً وإن بلغوا أعلى درجات الثروة والقوة ونالوا ما نالوا من عمران المملكة وترقباتها، ولهذه الجهة كان عليها حفظ بيضة الإسلام من أهم التكاليف المقررة في الشريعة الإسلامية من وظائف الإمامة وشؤونها وتفصيل المبحث موكول إلى مباحث الإمامة وخارج عن هذا المبحث، ومن الواضح أيضاً أن كل الجهات الراجعة لتوقف نظام العالم على أصل السلطة وتوقف حفظ شرف الاستقلال على كون الحكومة من نوع الأمة تنتهي لأصلين:
الأول: حفظ أنظمة المملكة الداخلية وتربية نوع الأهلية وإيصال كل ذي حق إلى حقه ومنع تطاول آحاد الشعب بعضهم على بعض إلى غير ذلك من الوظائف النوعية الراجعة لمصالح المملكة الداخلية.
الثاني: التحفظ ضمن مداخلة الأجانب والتحذر من الحيل المعمولة في هذا الباب وتهيئة القوة الدفاعية والاستعدادات الحربية وغير ذلك، وهذا المعنى هو المعبر عنه في لسان المتشرعة ـ بحفظ بيضة الإسلام ـ ويعرف عند سائر الأمم الأخرى ـ بحفظ الوطن ـ والأحكام المقررة في الشريعة لإقامة هذه الوظائف تسمى بالأحكام السياسية والتمدنية والجزء الثاني من الحكمة العملية.
ومن هنا كان اهتمام عظماء السلاطين المتقدمين من الفرس والروم شديداً في انتخاب الوزراء من علماء كاملين في العلم والعمل، وكذلك كان قبول هؤلاء وتصديهم من كمال التورع والاحتياط وربما كان ابتداء جعل السلطنة ووضع الخراج وترتيب سائر القوى النوعية ـ سواء أكانت من الأنبياء أو الحكماء ـ لإقامة هذه الوظائف وتمشي هذه الأمور أيضاً، وكذلك كان في الشريعة المطهرة (مع تكميل كل النواقص وبيان جميع الشروط والقيود) مقرراً على هذا الوجه أيضاً، وأما كيفية استيلاء السلطان وتصرفه في المملكة باعتبار كونه من باب التملك أو من باب الولاية فهي متصورة على وجهين لا ثالث لهما أبداً:
الأول: أن يتصرف سلطان في المملكة تصرف الشخص في ملكه الخاص به، ليرى المملكة بما فيها كما يرى ملكه وعقاره، حاسباً أهلها كالأغنام والأنعام والعبيد والإماء، لم يخلقوا إلا له فيستعملهم في سبيل شهواته وإراداته ويسخّرهم لإدراك أغراضه الحيوانية وشهواته البهيمية فمن كان منهم وافياً بهذا الغرض متفانياً في مقام تحصيل هذا المقصد كان عنده من المقربين المنعمين ومن لم يرقه نفاه عن مملكته التي هي ملكه الشخصي، وربما أعدمه وقطعه قطعة قطعة فأطعمه من حوله من تلك الذئاب الضارية المعتادة الولوغ بتلك الدماء الطاهرة والأنفس الزكية، وسلّطهم بعده على نهب أمواله، وسلب عياله، إلى غير ذلك من التعذيبات القاسية والمصائب النازلة، ينتزع الأموال من أصحابها متى شاء ومهما شاء فيوزعها على من أراد ظلماً وعدواناً يأخذ كل حق من أهله غصباً فيضمه إلى ماله، يتصرف في المملكة مختاراً، يستوفي الخراج كما يستوفي المؤجر مال إجارته وصاحب الأرض حقه الشخصي من أرضه فيصرفه في سبيل مصالحه الشخصية وأغراضه النفسية، لا يهتم لحفظ مملكته وانتظامها إلا كما يهتم سائر المالكين بالنسبة لمزارعهم ومستغلاتهم وكل هذه منوطة بإرادته وميله، فإن شاء حفظها وإن شاء وهبها بأدنى تزلّف وأقل تملّق، وإن شاء باعها أو رهنها في سبيل تهيئة مصارفه اللهوية وربما زاد في الطنبور نغمة فتطاول على الناموس الأعظم وأظهر للملأ عامة أنه غير مقيد بناموس من النواميس ولا ينقاد لدين من الأديان، زد على ذلك أيضاً أنه ربما تحلّى بالأسماء الإلهية وقدّس نفسه بتلك الصفات القدسية فساعده على ذلك أعوانه وأصحابه..! وبالجملة فهو يرى أن كل قوى المملكة مستهلكة في سبيل قهره واستيلائه وشهوته وغضبه مطبقاً على نفسه قوله تعالى: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ})[534](.
وهذا القسم من السلطنة حيث ابتنى على الإرادات التحكمية وكان من باب تصرف أحد المالكين في ملكه الشخصي تابعاً لإرادات السلطان وميوله يسمى استبداداً وتحكّماً وربما يسمى اعتسافاً واستعباداً وتصرفاً وتملّكاً وجهة التسمية ونسبة هذه الأسماء إلى مسمياتها ظاهرة واضحة، وصاحب سلطنة كهذه يسمى الحاكم المطلق والحاكم بأمره ومالك الرقاب والظالم والقهار وأمثال ذلك والأمة المبتلاة، بهذا الأسر والقهر والذلة تسمى أسيرة وذليلة ورقيقة، وبملاحظة أن حالها حال الأيتام والصغار الذين لم يشعروا بحقوقهم المغصوبة تسمى المستصغرة أيضاً، أي المعدودة في عداد الصغار والأيتام، بل بمناسبة أن هذه الأمة مسخّرة وفانية في سبيل إرادات السلطان وميوله، ولم يكن حظها من حياتها ووجودها إلا من قبيل حظ النباتات التي لم تخلق إلا لغيرها وليس لها حظ استقلالي أبداً تسمى لجهلها بحقوقها وظلمها لنفسها بالأمة المستنبتة أي المندرجة في عداد النباتات البرية والحشائش الصحرائية.
ثم إن درجات هذا النوع من السلطنة التحكمية مختلف أيضاً باختلاف الملكات النفسانية وإدراكات السلاطين وعقول أعوانهم ولاختلاف إدراكات الأمة وعلمها وجهلها بوظائف السلطنة وحقوق الأمة ولاختلاف درجات توحيدهم وشركهم في فاعلية ما يشاء وحاكمية ما يريد وعدم المسؤولية عما يفعل إلى غير ذلك من الأسماء الإلهية وصفات الذات الأحدية وآخر هذه الدرجات ادّعاء مقام الإلهية..!! ويقف هذا السيل الجارف الآخذ بالطغيان والازدياد عند السد الذي تبنيه درجة القوة العلمية في الأمة، وينتهي إلى الحد الذي تستنكف فيه الأمة بواسطة قوتها العلمية أن تمكّن السلطان منه وإلا فهو ينتهي إلى الدرجة الأخيرة، كما يظهر من سيرة الفراعنة السابقين.
وبمقتضى (أن الناس على دين ملوكهم) تكون معاملة نوع الشعب مع من دونهم بتلك المعاملة السلطانية الاعتسافية مهما اختلفت طبقاتهم.. وأصل هذه الشجرة الخبيثة مبني على أساس جهل الأمة بوظائف السلطنة وحقوقها الشرعية المشتركة. وقوامها الوحيد عدم وجود محاسبة السلطان في البين وعدم وضع المسؤولية الكاملة والمراقبة التامة على إهماله وارتكاباته المنافية لمقامه.
الثاني: أن لا يكون في البين عنوان مالكية ولا قاهرية ولا فاعلية ما يشاء ولا حاكمية بما يريد وأن يكون أساس السلطنة مبنياً على إقامة تلك الوظائف والمصالح النوعية المتوقفة على وجود السلطنة لا غير، وأن يكون استيلاء السلطان محدوداً بذاك الحد وتصرفه مشروطاً بعدم تجاوزه عن ذاك الحد…!
وهذان القسمان من السلطنة بحسب الحقيقة والواقع متضادان، كما أن آثارهما ولوازمهما متباينان متناقضان حيث إن مبنى القسم الأول بجميع مراتبه ودرجاته على القهر والتسخير واستخدام الأمة لإرادات السلطان التحكمية وصرف قوى النوع من المالية وغيرها في سبيل نيل مراداته وأغراضه وعدم المسؤولية عما يرتكب السلطان.. فإن فتك فقد فتك بمملوكه، وإن عفا فهو أهل العفو عن عبيده وإمائه، وكذا إن قتل ولم يمثل أو لم يقطع المقتول قطعة قطعة فيطعمه من حوله من الذئاب الضارية، أو قنع بنهب الأموال ولم يتعرض للناموس فقد فعل ما يستحق الشكر ويستوجب المنّة.. نسبة الأهلين للسلطان كنسبة العبيد والإماء بل وبمنزلة الأغنام والأحشام وربما كانوا أقل وأحقر فكانوا بمنزلة النباتات التي لم يكن لها من وجودها الاستقلالي أقل نصيب فهي موجودة لرفع حاجة الغير فحسب.
وبالجملة فهذه السلطنة عبارة عن إلهية محضة وكلما اختلفت طبقات الشعب اختلفت درجات هذه الألوهية لاختلافها بخلاف القسم الثاني، فإن حقيقته الواقعية ولبّه العاري عن القشور عبارة عن ولاية على إقامة هذه الوظائف الراجعة لتنظيم المملكة وحفظها لا مالكية. وبعبارة ثانية هي عبارة عن أمانة نوعية في صرف قوى المملكة النوعية في هذه المصارف والمصالح، لا في الشهوات والميولات النفسية، ولهذه الجهة كان استيلاء السلطان محدوداً بمقدار الولاية على هذه الأمور المذكورة وتصرفه ـ سواء كان بحق أو بغير حق ـ مشروطاً بعدم تجاوزه ذاك الحد، آحاد الشعب شركاء مع شخص السلطان في جميع القوى النوعية ـ مالية وغير مالية ـ ونسبتها لهم بالسوية لا تتفاوت بتفاوت درجاتهم.
يعتبر المتصدّون للأمور أمناء للنوع لا مالكين ومخدومين وهم في القيام بوظيفة هذه الأمانة كسائر الأمناء والأجراء مسؤولون لكل فرد من أفراد الأمة ومأخوذون بكل تجاوز يتجاوزونه. ولكل فرد من أفراد هذه المملكة حق السؤال والاعتراض كما أن له تمام الحرية في إلقاء اعتراضاته أيضاً، غير مقيّد بإرادات السلطان التحكّمية، وميوله القلبية وهذه السلطنة تسمى: المحدودة، والمقيدة، والعادلة، والمشروطة، والمسؤولة، والدستورية، ووجه تسميتها بكل من هذه الأسماء ظاهر، والقائم بهذه السلطة يسمى الحافظ والحارس، والقائم بالقسط، والمسؤول، والعادل، والأمة المتنعمة بظل هذه النعمة تسمى: أمة محتسبة، وأبية، وحرة، وحية، ومناسبة كل من هذه الأسماء لمسمياتها معلومة أيضاً.
وحيث إن حقيقة هذا القسم من السلطنة من باب الولاية والأمانة وكسائر الأمانات والولايات المشروطة بعدم التجاوز والمقيدة بعدم التفريط، إذاً لا محالة من أن يكون الحافظ لحقيقتها والمانع عن تبديلها بالمالكية المطلقة. والرادع عن التعدّيات والتجاوزات فيها منحصراً بتلك المراقبة والمحاسبة والمسؤولية الكاملة لا غير.
وأعلى وسيلة يمكننا تصورها في مقام حفظ هذه الحقيقة وأداء هذه الأمانة، والردع عن الارتكابات الشهوانية، والاستئثارات الاستبدادية، هي العصمة العاصمة فحسب، وقد قامت على اعتبارها في الولي النوعي أصول مذهبنا ـ طائفة الإمامية ـ ومن الواضحات الضرورية أن مرحلة إصابة الواقع والصلاح وعدم الوقوع في المعصية حتى من باب الخطأ والاشتباه.. وكذلك المحاسبة والمراقبة الربانية، وإيثار الوالي تمام الأمة على نفسه إلى غير ذلك تنتهي ـ بواسطة العصمة والعلوم الدينية والانخلاع عن الشهوات البهيمية، واجتماع سائر الصفات الخاصة بذلك المقام الأعلى، والخارجة عن حدود العقول البشرية والإدراكات النوعية ـ إلى درجة لا يصل إلى كنهها أحد، ولا يدرك حقيقتها العقل البشري.
ومع عدم وصول أيدينا إلى ذلك المقام ـ وإن أمكن نادراً وجود حكومة سلطانها هو كـ(أنو شيروان) مستجمع لجميع الصفات الكاملة، وحاشيته أمثال (أبي ذر) أولو قوة علمية، ورأي سديد وفكر صائب.. قد أخذت على عاتقها المراقبة الكاملة والمحاسبة التامة ـ لكن فضلاً عن أن تكون أيضاً وافية بتمام المقصود، من مشاركة آحاد الأمة ومساواتها مع شخص السلطان وسد أبواب الاستئثارات ـ في المالية وغير المالية ـ وكذلك حرية الأمة في إظهار اعتراضاته وغير ذلك علاوة على هذا كله هي رابعة المستحيلات، وأندر من بيضة الأنوق وأعزّ من الكبريت الأحمر، وكونها مطّردة وشائعة من الممتنعات أيضاً.
وغاية ما يمكن أن يوجد من هذا القبيل.. بحسب القوة البشرية، ونهاية ما يتصور اطّراده في مكان تلك العصمة العاصمة (حتى مع مغصوبية المقام))[535]( مجاز عن تلك الحقيقة وظل عن تلك الصورة. وهو مع ذلك موقوف على أمرين:
1 ـ إيجاد دستور وافٍ بالتحديد المذكور، وتميز المصالح النوعية اللازمة الإقامة، من تلك الأمور التي لا حق للسلطان أن يتدخل فيها أو يتصرّف بها.. يتضمن هذا الدستور رسمياً كيفية إقامة تلك الوظائف ودرجة استيلاء السلطان وحرية الأمة. وتشخيص الحقوق الكلية لجميع طبقات الأمة على وجه يكون موافقاً لمقتضيات المذهب. بحيث يكون الخروج عن عهده حراسة هذه الوظيفة، ومراعاة هذه الأمانة.. من طريقي الإفراط والتفريط… ـ من حيث إنه خيانة بالنوع ـ كالخيانة في سائر الأمانات موجب (رسماً) للانعزال الأبدي واستحقاق سائر العقوبات المترتبة على الخيانة.. وهذا الدستور المذكور في الأبواب السياسية والنظامات النوعية بمنزلة الرسالة العملية للمقلدين في أبواب العبادات والمعاملات، يبتني أساس حفظ المحدودية المذكورة على مراعاته والعمل به، وعدم تخطّيه في الجزئيات والكلّيات.. لهذا يطلق عليه النظام الدستوري، والقانون الأساسي.. ويكفي لصحته ومشروعيته (بعد اشتماله على الجهات الراجعة للتحديد المذكور، واستقصاء جميع المصالح اللازمة النوعية) عدم مخالفة فصوله للقوانين الشرعية فقط، ولا يعتبر أي شرط آخر في صحته ومشروعيته غير هذا. وسيأتي فيما بعد مزيد توضيح في بيان الجهات التي يلزم رعايتها إتماماً لهذا المشروع الخطير.
2 ـ إحكام أساس المراقبة والمحاسبة، وإيكالها إلى هيئة مسددة من عقلاء الأمة وعلمائها خبيرين بالحقوق المشتركة بين الأمم، متنبهين لوظائف العصر السياسية ومقتضياته ولوضع المحاسبة التامة والمراقبة الكاملة على القائمين بهذه الوظائف اللازمة النوعية، والصدّ عن أقل ثقة وأدنى تجاوز وتفريط.. وهؤلاء هم مندوبو الأمة، والمبعوثون عنها، والمجلس النيابي الشوروي عبارة عن مجمعهم الرسمي، ولا تتحقق المحاسبة التامة والمراقبة الكاملة، وحفظ هذا التحديد، وعدم تحويله من الولاية إلى المالكية إلا في صورة ما إذا كان الموظفون قاطبة ـ الذين هم القوة الإجرائية ـ تحت نظارة ومراقبة هذه الهيئة المنتدبة، ومسؤولية هؤلاء المنتدبين عن الأمة على وجه تكون هذه الهيئة مسؤولة أيضاً لكل فرد من أفراد الأمة المنتدبة هي عنها..
وعلى هذا يكون الفتور والتهاون في كل من هاتين المسؤوليتين موجباً لبطلان هذا التحديد، وتبديل حقيقة الولاية والأمانة بتحكّم الموظفين واستبدادهم في صورة انتفاء المسؤولية الأولى.. وداعياً لتحكم هيئة المبعوثين واستبدادهم في صورة انتفاء المسؤولية الثانية..
وأما مشروعية نظارة هذه الهيئة المبعوثة عن الأمة وصحة تدخلها في الأمور السياسية، فهي بناء على أصول أهل السنة والجماعة، حيث كان المعتبر عندهم إجماع أهل الحل والعقد لا غير متحققة بنفس هذا الانتخاب فقط وغير مشروطة بوجود شرط آخر أصلاً، وأما بناء على مذهبنا ـ طائفية الإمامية ـ حيث نعتقد أن هذه الوطائف النوعية، وسياسة أمور الأمة، هي من وظائف النواب العموميين لعصر الغيبة، فيكفي لصحتها اشتمال هذه الهيئة المنتدبة على عدة من المجتهدين العدول أو المأذونين من قبلهم.. ومجرد تصحيحهم الآراء الصادرة، وموافقتهم على تنفيذها كافٍ لمشروعية هذه النظارة لا غير وسيأتي فيما بعد مزيد توضيح لهذا المطلب.
ظهر لك بما قدّمناه أن أساس القسم الأول من السلطنة (الذي هو عبارة عن مالكية مطلقة وفاعلية ما يشاء وحاكمية بما يريد) مبني على تسخير الأمة. وقهرها بالإرادات السلطانية من جهة، وعدم مشاركتها ـ فضلاً عن مساواتها مع شخص السلطان في كل القوى النوعية ـ واختصاصها كلها بشخص السلطان، وإيكال كل الإجراءات إلى إراداته من جهة ثانية. وعدم مسؤولية السلطان عن ارتكاباته فرع عن هذين الأصلين وكل ما نراه اليوم في إيران من هذه الشنائع المدمرة للدين والدولة)[536](، والتي لم تقف عند حد (أصلاً) هي من هذا الباب، ولا بيان بعد العيان، ولا أثر بعد عين..!!!
كما أن أساس القسم الثاني (الذي هو عبارة عن ولاية على إقامة المصالح النوعية) على العكس من القسم الأول فهو مبني على تحرير رقاب الأمة من هذه الرقية المنحوسة الملعونة من جهة، ومشاركة أفراد الأمة بعضهم لبعض، ومساواتهم مع شخص السلطان في جميع نوعيات المملكة من المالية وغير المالية من جهة أخرى، وكون أن الأمة لها حق المحاسبة والمراقبة، ومسؤولية الموظفين أيضاً من جملة فروع هذين الأصلين..!
وقد بلغ استحكام هذين الأصلين في صدر الإسلام مبلغاً عظيماً حتى قيل للخليفة الثاني ـ مع تلك الأبّهة والهيبة ـ وكان قد رقى المنبر يستنفر الناس للجهاد: لا سمعاً ولا طاعة لأنه كان عليه ثوب يمان يستر جميع بدنه مع أن حصة كل واحد من المسلمين من تلك البرود اليمانية لم تكن كافية لستر جميع بدنه.
وما استطاع أن يدفع اعتراضهم هذا عنه إلا بعد أن أثبت لهم أن عبدالله (ابنه) هو الذي وهبه حصته من تلك البرود وثوبه هذا هو من حصته وحصة عبدالله ابنه، وكذلك قيل له في جواب الكلمة الامتحانية الصادرة عنه: لنقوّمنك بالسيف، وما كان أشد فرحه عند رؤيته هذه الدرجة من استقامة الأمة..
وقد كان الإسلام في مدة بقاء هذين الأصلين والفروع المترتبة عليهما محفوظة على ما جعلها الشارع وبقاء السلطنة الإسلامية على النحو الثاني غير مبدلة بالنحو الأول، يتّسع نطاقه ويسير نحو التمدّن والترقّي بتلك السرعة المحيّرة للعقول، وكذلك كان بعد استيلاء معاوية وبني العاص، وتبدل هاتيك الأصول والفروع المذكورة بأضدادها، وانقلاب السلطنة الإسلامية في مدة ابتلاء سائر الملل الأجنبية بمثل المأسورية والمقهورية المبتلين نحن بها الآن ـ في حالة وقوف ـ ولا أقل من أنه لم يفقد ما عنده من المبادىء الطبيعية والقوى الغريزية..!!لكن تبصّر الملل الأجنبية، وتتبعها تلك المبادىء الطبيعية لذلك الترقي الهائل، وإحاطتها بالقوانين الإسلامية من جهة.. وسير طواغيت الأمة المسلمة القهقرى من جهة أخرى، أدّى إلى الحالة الراهنة، من رجوع المسلمين إلى جاهليتهم الأولى، وابتلائهم بهذه الرقية الوحشية ونشأتهم على هذه النشأة الخسيسة النباتية، صدق الله العلي العظيم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}!!)[537](.
وبالجملة فكما أن أساس القسم الأول من السلطنة مبني على أصل استعباد الأمة واسترقاق رقابها، وانقيادها للإرادات التحكمية، وعدم مشاركتها ـ فضلاً عن مساواتها ـ للسلطان وعدم المسؤولية متفرّع عن هذين الأصلين أيضاً كذلك يكون أساس القسم الثاني مبنياً على أصل تحرير الأمة من هذه العبودية، ومشاركة آحاد الأمة ومساواتها حتى مع شخص الولي النوعي في جميع النوعيات، والمسؤولية التامة من فروع هذا الأصل أيضاً.
وقد عبّر في كلام الله المجيد والأوامر الصادرة من المعصومين عليهم السلام في مواقع عديدة عن المقهورية تحت إرادات الجائرين التحكمية بالعبودية التي هي النقطة المقابلة للحرية المطلقة. وقد حذروا عليهم السلام المسلمين من الوقوع في هذه الهلكة. كما أرشدوهم إلى طرق تخليص رقابهم من هذه الذلة. وذلك مثل ما يظهر من كيفية استيلاء فرعون على بني إسرائيل مع أنهم لم يقروا لفرعون كما أقرّ له الأقباط بالعبودية ومن هذه كانوا في مصر معذبين ومحبوسين وممنوعين عن الوصول للأرض المقدسة من هذا قال تعالى في سورة الشعراء عن لسان الكليم مخاطباً فرعون: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا علَّي أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ})[538](، وفي الآية الثانية عن لسان قوم فرعون: {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ})[539](، ويظهر من قوله تعالى عن لسانهم أيضاً: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ})[540]( أن عبودية بني إسرائيل عبارة عن هذه المقهورية التي كانوا بها مبتلين.. وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم في الرواية المتواترة بين الأمة مخبراً عن استيلاء الشجرة الأموية الملعونة، والدولة المروانية الخبيثة: «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين اتخذوا دين الله دولاً وعباد الله خولاً))[541](. قال في مجمّع البحرين)[542](: إن المراد من كلمة (خول) هم العبيد وعمّمها في القاموس حتى على النعم والمواشي واستدلّ بقوله تعالى: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}.
وحاصل مفاد هذا الحديث الشريف المتضمن للأخبار الغيبية هو أنه إذا بلغ عدد بني العاص ثلاثين بدلوا دين الله تعالى بالدولة، واتَّخذوا عباد الله عبيداً لهم وإماء.
وقد عيّن صلَّى الله عليه وآله وسلم، في هذا الحديث الذي هو من دلائل النبوة مبدأ تحويل السلطنة الإسلامية من النحو الثاني إلى النحو الأول. أي من الولايتية إلى التملكية. واغتصاب رقاب المسلمين وناطه صلَّى الله عليه وآله وسلم بكمال هذا العدد المشؤوم..!
وكذلك يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبته القاصعة)[543]( في شرح محنة بني إسرائيل وابتلائهم بأسر الفرعونيين وتعذيبهم: (اتخذتهم الفراعنة عبيداً) ثم فسرها عليه السلام بقوله: (فساموهم العذاب، وجرّعوهم المرار، فلم تبرح بهم الحال في ذلك الهلكة، وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع، ولا سبيلاً إلى دفاع) وكذلك يقول عليه السلام في تلك الخطبة عن استيلاء الأكاسرة والقياصرة على بني إسرائيل وبني إسماعيل. ومع أنهم ما كانوا مدعوين إلى دعوى ألوهية ولا إلى عبادة أحد. وما كانوا مبتلين ومقهورين إلا بالتبعيد عن مساكنهم الواسعة في الشامات وأطراف دجلة والفرات. ومطرودين إلى صحراء قاحلة لا فيها ماء ولا كلأ، كما هي سيرة الجائرين في كل الأعصار والأمصار، نعم مع هذا نرى الأمير عليه السلام يسمي هذه المحنة بالعبودية ويعرف هذه المقهورية بالربوبية القاهرة فيقول: (كانت القياصرة والأكاسرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق إلى منابت الشيح) وقال في خطبة أخرى بعد أن أظهر شيئاً من ملالة قلبه، من عصيان أهل العراق ونفاقهم وبعد أن أخبرهم عليه السلام بما سيلاقونه بعده ـ مكافأة على عملهم هذا معه ـ حرمانهم من هذه النعمة العظمى التي بأيديهم وابتلائهم ومقهوريتهم تحت حكم بني أمية: و{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ثم يقول بعدها: (وايم الله لتجدن بني أمية أرباب سوء من بعدي) وفي عدوله عليه السلام عن التعبير بالولاة إلى التعبير بالأرباب ما يفيد هذا المعنى أيضاً..!! وهو متحد المفاد مع النبوي السابق المتواتر بين الأمة.
وكذلك نرى سيد المظلومين عليهم السلام يعدُّ الانقياد لحكم دعي بني أمية من باب ذل العبودية ويقول في جواب أرجاس أهل الكوفة ـ وقد عرضوا عليه النزول على حكم بني عمه ـ: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد وهيهات هيهات منّا الذلة، أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)..!!
باللَّه عليك تأمل في هذه الجملة وانظر كيف يرى عليه السلام أن طاعة الفجرة والانقياد لحكمهم عبودية محضة، وكيف أبت نفسه القدسية ذاك..!!
كيف يلوي على الدنية جيداً
لسوى الله ما لواه الخضوع؟؟
وكيف فدى جميع ما عنده في سبيل حفظ حريته وتوحيد ربه..! وكيف أحكم هذه السنة الكريمة لأحرار أمته ونزهها من شوائب العصبية المذمومة..! ولهذا الأمر عينه نرى التواريخ الإسلامية تسمي أصحاب النفوس الأبية المقتدين بهذه السنة المباركة الحاذين حذوه عليه السلام في تضحية ما عندهم: أحراراً وأباة الضيم وتعدهم غيضاً من فيض وقطرة من ينبوعه الطاهر.
ونراه هو سلام الله عليه يقول للحر بن يزيد الرياحي (رضي الله عنه) بعد خلعه طوق الرّقية وخروجه عن ربقة عبودية آل أبي سفيان وإدراكه شرف الحرية وفوزه بالشهادة في ذلك الركب المبارك: أنت الحر كما سمّتك أمك، أنت الحر في الدنيا والآخرة.
وأيضا يظهر من الأحاديث الواردة في تفسير الآية المباركة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخِلَفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَف الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} إلى قوله تعالى: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} وانطباق فقرات آخر دعاء الافتتاح على مندرجاتها)[544](.
إن الموعود بهذه الكرامة هو الإمام الثاني عشر أرواحنا فداه، وإن المراد بهذا الشرك بالذات الأحدية تقدّست أسماؤها هو تلك المقهورية ببيعة طواغيت الأمة والانقياد لطاعة جبابرتها كما يظهر من قوله عليه السلام: (وليس في عنقي بيعة لطاغية زماني). إنه ممتاز بذلك فحسب بل يظهر من الأخبار الصادرة في تفسير الآية المباركة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهَبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} الواردة في بيان أن عبادة النصارى لأحبارهم ورهبانهم عبارة عن انقيادها الأعمى لطاعة باباواتها وقسيسيها، كما أن معبودية السلطان عبارة عن انقياد الأمة لإرادته التحكمية في باب السياسة والملكية كذلك يكون الانقياد والخضوع لرؤساء المذاهب والملل بعنوان أنه من الديانة معبودية محضة… والرواية المروية في الاحتجاج المتضمنة ذم تقليد علماء السوء المتّبعين أهواءهم الطالبين الرياسة الدنيوية. تفيد هذا المعنى أيضاً غير أن الاستعباد في القسم الأول مستند إلى القهر والغلبة، وفي القسم الثاني مبني على الخدعة والتدليس، واختلاف التعبير في الآيات والأخبار ناتج عن هذا المعنى أيضاً حيث عبّر في القسم الأول بـ (عبدت بني إسرائيل) و(اتخذتهم الفراعنة عبيداً) وفي القسم الثاني: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ})[545]( وفي الحقيقة منشأ الاستعباد في القسم الثاني هو تملك قلوب الأمة لا غير)[546](…
ومن هنا تظهر عندك جودة استنباط بعض علماء الفن حيث قسم الاستبداد إلى سياسي وإلى ديني وربط كلاًّ منهما في الآخر وفرضهما توأمين متآخيين يتوقف حفظ أحدهما على وجود الآخر… وكما عرفت أيضاً أن قلع هذه الشجرة الخبيثة والتخلّص من هذه الرّقية الخسيسة لا يكلفنا مؤونة أكثر من التفات الأمة وتنبهها، وهو في القسم الأول أسهل منه في القسم الثاني وعلاج هذا في غاية الصعوبة من العسر، وربما أدّى إلى صعوبة في القسم بالتبع أيضاً.
ولولا ما نراه من ائتلاف هاتين الشعبتين الاستبداديتين السياسية والدينية واتفاقهما، وتقوم إحداهما بالأخرى لما أصبح استعبادنا نحن الإيرانيين اليوم واضحاً مشهوداً، وسيأتي في الخاتمة بيان تقوم كل من هاتين الشعبتين بالأخرى وكشف حقيقة هذا الائتلاف الذي بينهما، وجهة الصعوبة في علاج الشعبة الثانية، وسراية هذه الصعوبة أيضاً إلى علاج الشعبة الأولى، كما يأتي شرح قوى الاستبداد وطرق التخلص منها.
وبالجملة فانقياد الشعب إلى تحكم طواغيت الأمة وقطاع طرق الملة ليس فقط ظلماً وحرماناً لنفس الشعب من أعظم المواهب الإلهية، بل هو بنص الكتاب المجيد وأوامر المعصومين المقدسة عبارة ثانية عن مبعودية أولئك الجبابرة. ومن مراتب الشرك بالذات الأحدية ـ في المالكية، والحاكمية بما يريد، والفاعلية لما يشاء، وعدم المسؤولية عما يفعل ـ إلى غير ذلك من الصفات الخاصة بالإلوهية والأسماء القدسية الخاصة به جل شأنه.
كما أن غاصب هذا المقام ليس يعتبر ظالماً للعباد وغاصباً لمقام الولاية من صاحبها فقط، بل هو غاصب للرداء الكبريائي وظالم للساحة الأحدية… وهذا على العكس من تحرير الأمة من هذه الرّقية الخبيثة فإنه (علاوة على أنه موجب لخروج الشعب من دائرة النشأة النباتية والورطة البهيمية إلى عالم الشرف ومجد الإنسانية) مندرج في مراتب التوحيد وشؤون الإخلاص بالعبادة، ومن لوازم الإيمان بالوحدانية في مقام الأسماء والصفات الخاصة الإلهية.
ولهذه الجهة كان استنقاذ حرية الأمم المغتصبة وتخليص رقابها من هذه الرّقية وتمتعها في ظل نعمتها الربانية من أهم مقاصد الأنبياء… وما كان غرض الكليم وهارون عليهم السلام بنص الكلام المجيد {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ})[547]( إلا تخليص رقاب بني إسرائيل من ذل عبودية الفراعنة وما كان مرادهما إلا أن يأخذا بني إسرائيل معهما أحراراً للأرض المقدسة وقد كانا ضمنا لفرعون دوام ملكه وبقاء عزّته على فرض إجابته إلى طلبتهما ـ كما في خطبة أمير المؤمنين ـ القاصعة لكن تعقب الفرعونيين بني إسرائيل لإرجاعهم إلى مصر في ذل الأسر أدّى إلى غرقهم ونجاة بني إسرائيل وحرّيتهم من قيود المأسورية والمقهورية التي كانوا فيها مقيدين.
وقد نسب أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الخطبة القاصعة بعد ما نقلناه منها سابقاً تخليص بني إسماعيل وبني إسرائيل من رقّية الأكاسرة والقياصرة إلى بعثة خاتم النبيين صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى غير ذلك مما هو مثبوت في التواريخ الإسلامية ومستفاد من أخبار المعصومين عليهم السلام..
وأما مساواة الأمة مع شخص الوالي في جميع الحقوق والأحكام فتعرف من سيرة النبي المقدسة وأحكامه أساس السعادة لأمته ويجدر بنا ونحن في هذا الصدد أن نذكر في كل باب شاهداً لما نقول من سيرته المقدسة:
1 ـ المساواة في الحقوق
وتعرف هذه من بعث زينب ابنته حليها وزبورها الموروثة لها من أمها خديجة عليها السلام لفكاك أسر زوجها ابن العاص من أمير المسلمين وبكائه عند رؤيته حلي خديجة وإسقاط جميع المسلمين حقوقهم لتلك المحترمة.
2 ـ المساواة في الأحكام
ويمكننا أن نفهمها من أمره صلَّى الله عليه وآله وسلم بالتسوية فيما بين عمه العباس وابن عمه عقيل، وبين سائر قريش حتى في تربيقهم وشد أكفّهم مع أنهما كانا مجبورين على الخروج للحرب.
3 ـ المساواة في التقاص والمجازاة
وتعرف من حسره عن كتفيه وهو على المنبر مع ما به من اشتداد مرض وقرب ارتحال وأمره بإحضار عصاه الممشوق ليقص منه (سواد) بمجرد ادّعائه عليه صلَّى الله عليه وآله وسلم بدعوى أني كنت بخدمتك في بعض أسفارك عرياناً فرفعت عصاك لتضرب بها الناقة فأهوت العصا على كتفي وبالآخرة قنع سواد منه بتقبيل خاتم النبوة المضروب على كتفه. وكذلك قوله في الجمع العام لاستحكام هذا الأساس الشريف وفرضه المحال حيث قال لو ثبت على ابنتي سيدة النساء فاطمة سرقة لقطعت يدها..!!
بالله عليك تأمل في هذه المواضع لترى مبلغ الدقة المتجلية في الأول وعدم وجود الفارق المائز بين المسلمين في الثاني، وإلى أي درجة أنهى المسألة لأمته في مطالبتها بحقوقها وحريتها في إبداء اعتراضاتها في الثالث… ولما أراد أمير المؤمنين إحياء هذه السنة الشريفة والسيرة المباركة، وإقامة أساس المساواة بين المسلمين في جميع الحقوق من محو بدعة التفضيل بين المسلمين، واسترداد القطائع قامت تلك الفتن الطاحنة والحروب الهائلة في عصر خلافته على قدم وساق حتى استدعاه أكابر أصحابه كعبد الله بن العباس ومالك بن الأشتر وغيرهما إلى أن يسير بسيرة المحدثين السابقين في العطايا والقسم وتفضيل البدريين السابقين والمهاجرين الأولين على التابعين اللاحقين والإيرانيين الجديدين عهداً بالإسلام! إطفاء لنائرة الفتن ومضرمة الحوادث وما كان من جوابه لهم إلا أن أجابهم بالخيبة في طلبتهم هذه وأسمعهم تلك الأجوبة الخشنة الصلبة…
وما قضية الحديدة المحماة في جواب طلب أخيه عقيل منه صاعاً من الحنطة، ولا تلك العتابات المكملة لمقام العصمة التي ألقاها على ولده سيد الشهداء حين ما طلب أن يأخذ مد عسل من بيت المال لطعم بها ضيوفاً كانوا عنده ـ تلك التي أبكت معاوية حين ما سمعها على ما به من حقدٍ وعداوةٍ ـ ولا الكلمات الشديدة التي ألقاها على ابنته لما أرادت استعارة عقد لؤلؤ كان في بيت مال المسلمين عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام إلى غيرها مما هو مسطور في كتب السير والتواريخ ويدعو لأن يخجل من نفسه إزاءها كل من يدّعي القسط والعدل والمساواة. أجل ما هذه كلها إلا حفظاً لهذا الركن الأعظم ـ المساواة ـ وخروجاً عن هذه المسؤولية المترتبة عليه.
ولإقامة هذه السنة المباركة ولإحياء هذه السيرة المقدسة المأخوذة عن الأنبياء والأوصياء في هذا العصر الأخير ـ عصر التمدّن والسعادة، عصر التنوّر واليقظة، عصر انتهاء دورة سير المسلمين القهقرائي، عصر انقضاء دور الأسر والعبودية… قامت قيامة الربّانيين من الفقهاء الروحانيين (رؤساء المذهب الجعفري) لتخليص رقاب المسلمين من ذل الرّقية واستنقاذ حرّيتهم المغتصبة وحقوقهم المستلبة، وبذلوا ما وسعهم من تلك الهمّة الشماء، والعزمة القعساء، طبقاً للسيرة المقدسة النبوية ووفقاً للدستور المقرر في الشريعة (ما لا يدرك كله لا يترك كله) لتحويل السلطنة الجائرة الغاضبة من النحو الأول الذي أشرف على الانقراض العاجل وتبديلها بالنحو الثاني الذي هو حاسم لأكثر مواد الفساد. ومانع من استيلاء الكفرة على البلاد، وألزموا أنفسهم بوجوب الجهاد اللازم حفظاً لبيضة الإسلام.
وحيث كان تنبه غيوري المسلمين لتحرير رقابهم من رقّية الجائرين ومساواتهم ومشاركتهم لهم في جميع نوعيات المملكة أعظم وسيلة، وأقوى سبب لجدهم واجتهادهم في هذا الصدد وإقبالهم على هذا الوجه الوجيه، لهذا رأت الشعبة الاستبدادية الدينية أن من الواجب عليها بمقتضى وظيفتها المقامية المتكفلة بالاحتفاظ على شجرة الاستبداد الخبيثة ـ باسم حفظ الدين..؟؟ قديماً وحديثاً، عدم الإصغاء للخطاب الشريف ـ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ـ ونبذت كلام الله وراء ظهورها اقتداء بأولئك المخاطبين الأولين. وأخذت تقاوم بكل ما في وسعها هذين الأصلين اللذين هما منبع السعادة ورأس مال حياة الأمة والمرتب عليهما حفظ حقوق الشعب ومسؤولية الولاة وغيرهما وما اكتفت أن أطلقت عليها اسم (التحريم) بل اجتهدت في أن تبرزهما بأشنع الصور وأقبحها لتنفر قلوب العامة وتصرف أنظار سواد الشعب عن تتبع هذه الطرق الصالحة.
أما الحرية والمراد منها تحرير الأمة رقابها من رقّية الجائرين وقد عرفت أنها من أعظم المواهب الإلهية على هذا الإنسان البائس وأن اغتصابها في الإسلام من بدع معاوية وابن العاص. وأن استنقاذها من غاصبيها من أهم مقاصد الأنبياء والأوصياء وقادة الشعوب المصلحين، فلم تقنع من عدها لها في عداد المستحيلات بل فرضتها أساساً تبني عليه الأمور غير المشروعة كعدم ارتداع الفجرة الملاحدة عن إظهار ما عندهم من المنكرات، وإشاعة الكفريات وتجرؤ المبتدعين في إظهار بدعهم، وزندقتهم وإلحادهم. وربما زادت في الطين بلّة فجعلت من لوازم هذه الحرية ومقتضياتها أن تخرج النساء المسلمات سافرات الوجوه. وغير ذلك مما لم يربطه بقضية الاستبدادية والديمقراطية أقل ربط..
ولم تدر أن الملل المسيحية سواء كانوا استبداديين كروسيا أو ديمقراطيين كفرنسا وإنجلترا إنما لم تمتنع من أمثال هذه الارتكابات لعدم تحريمها في مللهم وأديانهم لا لأنهم استبداديون أو ديمقراطيون…
وأما المساواة في جميع الحقوق وقد سمعت أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لمجرد استحكام مثل هذا الأساس لسعادة أمته جرّد كتفيه المباركين بتلك الحالة الشديدة لاستيفاء قصاص ادّعائي، كما عرفت أيضاً أن علياً عليه السلام لم يحمل من تلك المحن والمصائب ما حمل إلا للجري على ذاك المنوال والتسوية فيما بين السابقين البدريين وبين الإيرانيين الجديدين عهداً بالإسلام حتى جرع كأس الشهادة في محراب العبادة، فقد صوّرتها بصورة مساواة المسلمين مع أهل الذمّة في أبواب التناكح والتوارث والقصاص والديّات، بل زادت في الطنبور نغمة فجعلت من مقتضياتها المساواة بين أصناف المكلفين كالبالغ وغير البالغ والعاقل والمجنون والصحيح والمريض والمختار والمضطر والموسر والمعسر والقادر والعاجز وغير ذلك مما كان اختلافها منشأ لاختلاف التكاليف والأحكام ويبعد عن قضية الاستبداد والديمقراطية بعدنا عن الفلك الأطلس…
وبالجملة فحيث إن رأس مال سعادة الأمة وحياتها ومحدودية السلطنة، والمسؤولية المقومة لها، وحفظ حقوق الشعب كلها تنتهي لهذين الأصلين ـ لهذا تراها ـ الشعبة الاستبدادية الدينية صبغت هاتين الموهبتين العظيمتين بهذه الصبغة القبيحة..!
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن جهله وخطاب من لا يفهم
مهما بلغت درجة الغباوة في الأمة الإيرانية، ومهما عمّت وصمّت، ومهما كانت ـ كما نظنها ـ جاهلة بمقتضيات دينها، وضروريات مذهبها، غير متحرية في طلب حقوقها الملية، وتحرير رقابها من هذه الرقّية الملعونة ومساواتها مع غاصبي حقوقها وغامطي حريتها، غير متصورة لحياتها معنى إلا أنها مسخّرة لرفاهية عيش أولئك ـ المعممين والمتطربشين ـ المتطفلين على موائد الشعب وحقوقه… ومهما انتهى بها الحال من الجهل حتى بعدم ارتباط مسائل كهذه بأساس الاستبدادية والديمقراطية فهي مع هذا كله تفهم جيداً أن ليست الغاية من كفاح هؤلاء العقلاء الخبيرين وغيوري الشعب بطبقاتهم من العلماء والأخيار والتجّار وغيرهم في سبيل استنقاذ حريتهم المغتصبة ومساواتهم مع جميع الولاة في جميع الحقوق. نعم، ليست الغاية من هذه الأمور هي أن يبعثوا نواميسهم للأسواق سافرات الوجوه، ولا أن يتواصلوا مع اليهود والنصارى، ولا أن يسووا بين البالغ وغير البالغ ونحو ذلك في التكاليف. كلا ولا أن يبيحوا للفسقة المبدعين تجاهرهم بمنكراتهم، وإشاعتهم لكفرياتهم وأشباه هذه الترهات… كما تعرف حسناً أن غرض رؤساء المذهب وزعمائه من إصدارهم الأحكام الأكيدة وتصريحهم بأن مخالفتها محاربة لإمام الزمان، هو حفظ بيضة الإسلام وحراسة الممالك الإسلامية لا غير…!!
كيف لا وقد نظرت بأم رأسها إلى تلك الفرقة من الجبابرة والطواغيت الماحين بسيرتهم أحكام الشريعة المطهرة، والمروجين أنحاء الفسوق والفجور في المملكة، وعرفت ما انطوت عليه ضمائرهم.. وإن ليس القصد من ارتكاباتهم الشنيعة الجنكيزية، إلا الحفظ على مقام ـ مالكية الرقاب وفاعلية ما يشاء والحاكمية بما يريد، وعدم المسؤولية عما يفعل ـ ولعلها شعرت مع هذا كله باتّصافنا نحن الحاملين لشعبة الاستبداد الديني وعبيد ظلمة العصر إجمالاً في الأوصاف المذكورة في الاحتجاج لعلماء السوء ولصوص الدين المبين ومضلي ضعفاء المسلمين التي يقول عليه السلام في آخرها: «أولئك أضر على ضفعاء شيعتنا من جيش «يزيد لعنه الله» على الحسين» واستنبطت سر اتفاقنا مع الظالمين واندراجنا في عنوان الآية المباركة {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ})[548]( وعدم حصولنا بالآخرة إلا على ما يعود علينا بالافتضاح الأبدي والخزي في الدارين، سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
ويجدر بنا بعد بلوغنا هذا المقام أن نمسك من عنان القلم عن شرح هذه الفضائح التي لا بد وأن تعود على جميع النوع بالعار والشنار، ونحيل كشف حقيقة هذه المغالطات إلى موقفنا الحالي، ونختم هذه المقدمة بذكر فهرست الفصول الخمسة على سبيل الإجمال وهي على هذا الترتيب:
أولاً ـ في أن حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي وسائر الشرائع والأديان بل وعند الحكماء والعقلاء في العالم قديماً وحديثاً مجعولة على الوجه الثاني وتحويلها إلى الوجه الأول مطلقاً من بدع ظالمي الأمم وطواغيت الأعصار…
ثانياً ـ في أنه هل يجب علينا في عصر الغيبة (مع قصور أيدينا عن التمسك بمقام العصمة ومع كون الولاية والنيابة العمومية في إقامة هذه الوظائف مغتصبة، ومع أن انتزاعها من غاصبيها غير مقدور لنا أيضاً) إرجاع هذه السلطنة من النحو الأول الذي هو ظلم زائد وغصب في غصب إلى النحو الثاني الذي هو عبارة عن تحديد هذا الاستيلاء الجوري بقدر الإمكان وأن مجرد مغصوبية المقام موجبة لسقوط هذا التكليف عنا لا غير.
ثالثاً ـ في أنه على فرض لزوم هذا التحديد المذكور، هل هذه الشروط الرسمية التي عرفت أن ركنها المقوم عبارة عن أمرين، وأن وسيلة التحديد منحصرة فيها لا غير متعينة وخالية من كل محذور أولاً..؟؟
رابعاً ـ في ذكر بعض وساوس ومغالطات ألقيت لصرف قلوب العوام ودحضها بأدلة وبراهين كافية..؟؟
خامساً ـ في ذكر شرائط صحة تدخل المبعوثين عن الأمة في هذا الباب وبيان وظيفتهم العملية على وجه الإجمال..
الفصل الأول
في حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي وسائر الشرائع والأديان بل وعند الحكماء والعقلاء في العالم قديماً وحديثاً مجعولة على الوجه الثاني وتحويلها إلى الوجه الأول مطلقاً من بدع ظالمي الأمم وطواغيت الأعصار.
الغرض من هذا الفصل توضيح الأمر الأول ويقع الكلام عليه في مقامين:
1 ـ في بيان تحديد الاستيلاء والسلطنة التي أمرت بها جميع الشرائع والأديان لإقامة الوظائف والمصالح النوعية.
2 ـ في الكشف عن درجة هذا التحديد وبيان حقيقته.. أما الأمر الأول فظاهر مما مرَّ عليك في المقدمة إذ عرفت أن المقصود من السلطنة وتأسيسها وترتيب القوى ووضع الخراج وغير ذلك هو حفظ نظام المملكة وتنظيم الشعب وتربية النوع ورعاية الرعية وأن ليس المقصود هو إضاعتها في سبيل الشهوات والإرادات الوحشية الهمجية النفسانية وتسخير الرقاب واستعباد الشعب وولولته تحت نير التحكم البحت.. إذن فلا محالة من أن نتصور أن السلطنة التي صرحت بها الأديان وأقرها كل عاقل ـ سواء كان المتصدي لها محقاً أو مبطلاً ـ عبارة عن وديعة يجب الاحتفاظ بها. وإن شئت فقل هي إقامة وظائف لازمة لرعاية المصلحة العامة لا على سبيل القهر والتحكم بمقتضى الإرادات النفسية في البلاد وفيما بين العباد. وفي الحقيقة هي من قبيل تولية بعض الموقوف عليهم على حفظ العين الموقوفة. والتسوية فيما بين أرباب الحقوق وإيصال كل ذي حق إلى حقه وليست هي من قبيل التملّك والتصرّف الشخصي الدائر مدار ميول المتصرف وإراداته القلبية.
ومن هذه الجهة سمي السلطان في لسان العلماء والأئمة الإسلاميين بالوالي والولي والراعي والشعب بالرعية. وعلى هذا المبنى أيضاً كان نصب السلطان (من حيث إن سلطنته عبارة عن الحفظ والتنظيم) موقوفاً على أمر من المالك الحقيقي والولي بالذات ومعطي الولايات عز اسمه وتفصيل المطلب موكول إلى مباحث الإمامة.
وإذا عرفت أن القهر والضغط على رقاب الشعب (علاوة على أنه من أشنع أنحاء الظلم والطغيان والعلو في الأرض) هو عبارة عن اغتصاب الرداء الكبريائي ومنافٍ لأهم مقاصد الأنبياء ظهر لك أن السكوت عنه وإهمال شجرته الخبيثة حتى تنمو وتكبر لا يكاد يجوز في دين من الأديان أو مذهب من المذاهب.
بل يظهر من قوله تعالى حكاية عن لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُوا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ})[549](. إن قومها ـ مع أنهم كانوا يعبدون الشمس من دون الله ـ ممتعون بظل حكومة دستورية شوروية عمومية (لا استبدادية) كما يمكننا أن نستفيد من قوله تعالى حكاية عن تشاور الفرعونيين في أمر موسى وهارون وانتهاء مذاكراتهم العلنية في شأنهما إلى المذاكرة السرية: {فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى})[550]( إنه كما أن الوضع الإنجليزي اليوم مبعض فهو بالنسبة إلى الشعوب الإنجليزية من حيث إنها خاملة وراقدة ـ مع ما بها من أسر وذل ـ استعبادي واستبدادي… كذلك كان الوضع الفرعوني ـ مع ادّعاء الألوهية ـ مبعضاً فبالنسبة إلى القبائل القبطية قوم فرعون الأقربين شوروي وبالنسبة إلى أسباط بني إسرائيل استعبادي واعتسافي والآية الشريفة {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ})[551]( تفيد هذا المعنى أيضاً.
وعلى كل حال رجوع حقيقة السلطنة التي أمر بها الإسلام بل التي صرّحت بها كل الأديان إلى باب ولاية أحد المشركين في الحق النوعي بدون أية ميزة لشخص المتصدي من أظهر الضروريات. وكذلك تحديدها وعدم اختلاط الاستبدادات والتحكّمات والإرادات النفسية بها من البديهيات الإسلامية ورجوع كل هذه التحكّمات والإرادات النفسانية واستنادها إلى تغلب وطغيان الفراعنة ـ قديماً وحديثاً ـ من أوضح الواضحات.
وأما بموجب الحديث النبوي المتواتر بين الأمة الذي اتفقت التواريخ الإسلامية مؤكدة ومصدقة وقوع ما انطوى عليه من الإخبارات النبوية الغيبية فيكون تحويل مبدأ السلطنة الإسلامية من النحو الثاني إلى الأول ناشئاً من استبداد معاوية واستيلائه وبلوغ أغصان الشجرة الملعونة في القرآن ثلاثين نفراً ـ العدد المشؤوم ـ.
وما هذه السلطنة الاستبدادية المشؤومة التي بأيدينا إلاّ أثر من آثار أولئك وبعض من مواريثهم.
وأما المرحلة الثانية فقد تقدم ما يوضحها لك إجمالاً إذ عرفت أن بمقتضى مذهبنا (طائفة الإمامية) واعتبارنا كلياً كون الوالي السياسي للأمة معصوماً عدم وقوف هذا التحديد عند رفع التحكمات والإرادات النفسية فقط، وليس هو مقصوراً على تركها فحسب، بل ربما تجاوزها إلى درجات أخر سبقت الإشارة إليها إجمالاً.
وأما بمقتضى مذهب أهل السنة حيث لم يشترطوا في الوالي (مطلقاً) أن يكون معصوماً ولا أن يكون منصوباً من الله. بل يكفي فيه إجماع أهل الحل والعقد عليه فهو وإن لم تنته درجة المحدودية فيه إلى حيث انتهت بمذهبنا، إلا أن عدم تخطّي الوالي الكتاب والسنة النبوية من الشروط التي اعتبروها لازمة الذكر في نفس عقد البيعة عندهم. وكذلك يرون أن أقل تحكم أو تخلّف أو إرادة نفسية منافٍ لمنصبه وموجب لعزله ونصب آخر مقامه.
وعلى هذا فتحديد السلطنة الإسلامية بالدرجة الأولى التي هي عبارة عن ترك التحكّمات والاستئثارات، مع الإغماض عن أهلية المتصدي والسكوت عن لوازم مقامه من العصمة الألوهية خصوصاً على مذهبنا هو القدر المتفق عليه بين الفريقين والمتسالم عليه بين الأمتين ومن الضروريات الإسلامية أيضاً..
ولما كان حفظ هذه الدرجة المسلمة بين الأمة بحسب القوة البشرية ممكناً عادة وليس هو من قبيل سائر الدرجات المخصوصة بمذهبنا المتعذّر القيام بها لتوقفها على قوة عاصمة إلاهية كان لزوم حفظها بكل وسيلة أمكن استعمالها (خصوصاً إذا كان المتصدي لها غاصباً) متيقناً ومسلماً ولا يمكن أن ينكره كل من أقرّ بالشهادتين إلا أن يخرج من ملّتنا أو يدين بغير ديننا.
الفصل الثاني
هل يجب علينا في عصر الغيبة ـ مع قصور أيدينا عن التمسك بمقام العصمة ومع كون الولاية والنيابة العمومية في إقامة هذه الوظائف مغتصبة، ومع أن انتزاعها من غاصبيها غير مقدور لنا أيضاً ـ إرجاع هذه السلطنة من النحو الأول الذي هو ظلم زائد وغصب في غصب إلى النحو الثاني الذي هو عبارة عن تحديد هذا الاستيلاء الجوري بقدر الإمكان أو أن مجرد مغصوبية المقام موجبة لسقوط هذا التكليف عنّا لا غير.
غرضنا من هذا الفصل هو تنقيح الأمر الثاني ويحسن بنا ذكر ثلاثة مطالب من باب المقدمة:
1 ـ من المعلومات بالضرورة من الدين في باب النهي عن المنكر هو أن الشخص الواحد لو ارتكب في الوقت الواحد منكرات عديدة كان نهيه عن كل واحد من تلك المنكرات واجباً مستقلاً برأسه غير مقيد بالقدرة على نهيه عن سائر تلك المنكرات وردعه عن كل ما ارتكب.
2 ـ إن من قطعيات مذهبنا «طائفة الإمامية» هو أن ما كان من الولايات العمومية «الوظائف الحسبية» محرزاً عدم رضاء الشارع المقدس بإهمالها في هذا الوقت موكولة كلها لفقهاء عصر الغيبة حيث نعتقد أن نيابتهم فيها قدر متيقن وثابتة في الضرورة حتى مع عدم ثبوت النيابة العامة في جميع المناصب. وحيث كان عدم رضاء الشارع باختلال النظام وذهاب بيضة الإسلام من الواضحات الضرورية واهتمامه بحفظ الممالك الإسلامية وانتظامها أكثر من اهتمامه في سائر الأمور الحسبية. لهذا كان ثبوت نيابة الفقهاء والنواب العموميين في عصر الغيبة على إقامة الوظائف المذكورة من أوضح القطيعات في مذهبنا.
3 ـ إنه قد ثبت في باب الولايات على أمثال الأوقاف العامة والخاصة وغيرها عند كل علماء الإسلام أن الغاصب عدواناً لو وضع يده على بعض الموقوفات ولم يمكن رفع يده رأساً عنها غير أنه يمكن بواسطة التدبيرات العملية واتّخاذ التدابير اللازمة من جهة هيئة ناظرة تنعقد لهذا الغرض لتحديد تصرفه هذا وصيانة هذه الموقوفة المغتصبة مثلاً كلاًّ أو بعضاً من الحيف والميل والصرف في الشهوات وغير ذلك. فالبينة عند العلماء المشترعين بل وعند العلماء الدهريين أيضاً.
وإذا عرفت هذه المطالب الثلاثة اتّضح لك وجوب تحويل السلطنة الجائرة الغاصبة من النحو الأول إلى النحو الثاني «مع عدم التمكّن من أزيد منه» حيث تبين لك أن النحو الأول عبارة عن اغتصاب الرداء الكبريائي عن اسمه وظلم للساحة القدسية أولاً واغتصاب مقام الإمامة وظلم لناحية الإمامة المقدسة ثانياً. واغتصاب الرقاب والبلاد وظلم في حق العباد ثالثاً بخلاف النحو الثاني الذي هو عبارة عن ظلم واغتصاب مقام الإمام المقدس فقط بعيد عن حدود الظلمين والاغتصابيين الباقيين.
وعلى هذا تكون حقيقة تبديل السلطنة الجائرة وتحويلها عبارة عن قصر الاستيلاء الجوري وتحديده والردع عن ذينك الظلم والغصب الزائدين وليس هو كما يتوهّم عبارة عن رفع فرد من الظلم وجعل فرد آخر أخف وأقل منه مكانة. وبعبارة أوضح أن تصرفات القسم الأول أضعاف تلك التصرفات وأزيد منها وليست تقف عند حد أصلاً. وليس المقصود من هذه السلطنة وتبديلها إلا الردع عن تلك التصرفات الزائدة لا غير. وبتقريب آخر: إن تصرفات القسم الثاني هي تلك التصرفات الولايتية التي قلنا فيما سبق إن الولاية فيها ثابتة لأهلها شرعاً ومع عدم أهلية المتصدي تكون من قبيل مداخلة غير المتولي الشرعي في أمر الموقوفة التي يمكن أن تصان عن الحيف والميل بواسطة نظارة النظار..
ولا يبعد أن صدور الإذن فيها عمن له ولاية الإذن يلبسها مع ذلك لباساً شرعياً. وكما يمكن أن تخرج عن دائرة الظلم واغتصاب مقام الولاية والإمامة بوسيلة الإذن المذكورة. كذلك تكون من قبيل المتنجس بالعرض القابل لأن يطهر بهذه الإذن أيضاً. وهذا بخلاف تصرفات القسم الأول لأنها عبارة عن ظلم قبيح بالذات وغير لائقة لأن تلبس لباس مشروعية أصلاً وصدور الإذن غير ممكن فيها بتاتاً وهي من قبيل تملك الغاصب في نفس العين الموقوفة وإبطاله رسم وقفيتها ولنفس أعيان النجاسات التي ما دامت باقية في المحل فالمحل نجس وغير قابل للتطهير إلا بعد إزالتها عنه، وقضية تبديل السلطنة وتحويلها عبارة ثانية عن اجتماع هيئة النظار للعمل بموجب صلاح العين الموقوفة المغصوبة، من قبيل صيانتها وتحديد تصرفات الغاصب لها، ورفع يده التملكية التي هي غصب زائد وإلزامه بالعمل بمقتضى الوقفية وردعه من الحيف والميل والصرف في الشهوات وما أشبههما بإزالة العين النجسة عن المحل المتنجس التي رآها هذا الحقير أقل خدام الشرع الأنور. ويحسن بنا درجها هنا لما تضمنته من التشبيه المناسب لما نحن بصدده..
قبل بضع ليالٍ رأيت فيما يرى النائم كأني تشرّفت بخدمة المرحوم آية الله الحاج ميرزا حسين الطهراني نجل المرحوم الحاج ميرزا خليل طاب ثراهما وبعد التفاتي إلى رحلته من عالم الدنيا وتمسّكي بردائه للاستفادة منه وامتناعه من أن يجيبني عن المسائل التي وجهتها نحوه مما يتعلق بعالم الموت ونشأة البرزخ والآخرة وسماحه في الجواب عن غير هذه المسائل عرضت عليه بعض الأسئلة فجعل يسرد أجوبتها عليّ نقلاً عن لسان ولي العصر، وبعد أن أتم سرد الأجوبة سألته عن رأي الإمام في الاهتمام الذي كان يبديه في حياته رضي الله عنه بخصوص المشروطية (الديمقراطية) فكان حاصل جوابه أن قال، قال لي الإمام عليه السلام: إن كان لفظ المشروطة جديداً فالمطلب قديم مثّل عليه السلام مثالاً يتضمن التشبيه بالماء ذكره لي الميرزا المرحوم غير أني لم أستحضره الآن ثم قال: قال الإمام عليه السلام: إن المشروطة كجارية سوداء قذرة اليدين وقد كلّفوها بغسل يديها وتنظيفهما… اهـ.
ما أجمل هذا المثال، وما أحسن ارتباطه بالمقصود بسهل ممتنع لم يخطر ببال أحد أبداً. وهو علاوة على القرائن الأخر القطعيّة إمارة واضحة على صحة الرؤيا وصدقها.
سواد الجارية رمز إلى غصب أصل التصدّي وقذارة يديها إشارة إلى الغصب الزائد. وحيث كانت المشروطية مزيلة له لهذا شبهها الإمام عليه السلام يتنظيف الغاصبين المتصدّين أيديهم من القذارة التي عرضت عليها.
وبالجملة فإن حفظ تلك الدرجة المسلمة تحديد السلطنة الإسلامية ـ التي عرفت اتفاق الأمة عليها ـ وإنها من ضروريات الإسلام علاوة على أنها في نفسها من أهم التكاليف الواردة على نوع المسلمين ومن أعظم نواميس الدين المبين في صورة مغصوبية المقام وتعدّي الغاصبين وتجاوز المتصدّين ـ كما هي حالة إيران الحالية ـ من ضروريات مذهبنا كما أنها مندرجة من جهات أخر عديدة سبقت الإشارة إليها تحت عنوان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ نفوس المسلمين من الهلكة وأموالهم من التلف وأعراضهم من الهتك ودفع تطاول الظالمين إلى غيرها من الواجبات.
ومع الإغماض عن كل هذه المذكورات فإن جميع السياسيين والمطّلعين على أحوال العالم من المسلمين وغيرهم متّفقون على هذا المعنى. وهو كما أن المبدأ الطبيعي لرقي الإسلام الهائل ونفوذه في الصدر الأول وانتشاره ذلك الانتشار في أقل من نصف قرن ناشىء عن عدل السلطنة الإسلامية وشورويتها وحرية آحاد المسلمين ومساواتهم مع أشخاص الخلفاء وبطانتهم في جميع الحقوق والأحكام كذلك يكون المبدأ الطبيعي لتنزل المسلمين هذا وتفوق الملل المسيحية عليهم، وقد أخذوا معظم ممالكهم ولم يبق ما يحول بينهم وبين أخذهم البقية الباقية ناشئان عن خلود المسلمين لذل الأسر واسترقاقهم لحكومة استبدادية موروثة عن معاوية وفوز أولئك بحكومة شوروية مسؤولة مأخوذة عن شريعة المسلمين.
وما بقي المسلمون لاهين بسكرتهم غير شاعرين بغفلتهم مضطهدين كما في السابق تحت ذلّ عبودية فراعنة الأمة منقادين لناهبي روح المملكة فلا يمر عليهم زمان يسير إلا وهم: ـ لا سمح الله ـ كمسلمي معظم أفريقيا وأغلب آسيا فاقدون نعمتهم «الحرية» وشرف استقلال قوميتهم ودولتهم الإسلامية ومأسورون لحكومة النصارى. وبمرور جيلين يصبحون كأهالي الأندلس وغيرها: إسلاميتهم نصرانية، ومساجدهم كنائس، وآذانهم نواقيس، وشعائرهم الإسلامية زنانير. بل ويبدل لسانهم وتصبح روضة إمامهم الثامن المنورة موطأ لأرجل النصارى. وقى الله المسلمين منهُ ولا أرانا الله ذلك.
وقد أصبح هذا الأمر أقرب من قاب قوسين خصوصاً وقد تمّت مبادئه ومقدماته القريبة حتى أخذت الجارتان الشمالية والجنوبية ـ الروسيا وإنجلترا ـ خريطة إيران وقسمتا مملكتها بينهما مع كثرة ما هنالك من النظائر والأشباه. إذن فلا أقل من لزوم الحيطة والحذر.
وعلى هذا فمن البديهي الواضح أن تحويل السلطنة الجائرة الغاصبة من نحوها الظالم الأول إلى نحوها العادل الثاني علاوة على سائر المذكورات موجب لحفظ بيضة الإسلام وصيانة حوزة المسلمين من استيلاء الكفرة الجائرين. ومن هذه الجهة عينها هو من أهم الفرائض وأولها.
جمع الله على التقى كلمتنا، وعلى الهدى شملنا، ولا جعلنا من الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت بمحمد وآله الطاهرين.
الفصل الثالث
في أنه على فرض لزوم التحديد المذكور ـ في الفصل السابق ـ هل هذه الشروط الرسمية التي عرفت أن ركنها عبارة عن أمرين، وأن وسيلة التحديد منحصرة فيها لا غير متعينة وخالية من كل محذور أم لا؟
وهو مسوق لتحقيق الأمر الثالث وتوضيحه موقوف على بيان ثلاثة مطالب:
1 ـ وهو كما أن حقيقة السلطنة الإسلامية عبارة عن ولاية على سياسة أمور الأمة ومحدودة بحد معين كذلك يكون أساسها نظراً إلى تساوي تمام الأمة في نوعيات المملكة مبنياً على التشاور مع عقلاء الأمة عموماً ـ وبهذا تتحقق الشوروية الملية العمومية ـ لا مع البطانة وخواص شخص الوالي فقط، كما يطلق عليها البعض أنها الشوروية (وذلك من المسلّمات الإسلامية بنفس الكتاب المجيد والسيرة المقدسة النبوية التي بقيت محفوظة حتى زمان استيلاء معاوية).. ودلالة الآية المباركة و{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ})[552]( المخاطب بها نفس العصمة وعقل الكل وقد كلف بالمشورة مع عقلاء الأمة على هذا المطلب في كمال البداهة والظهور. حيث يعلم بالضرورة أن مرجع ضمير الجمع هو عموم الأمة وقاطبة المهاجرين والأنصار والقرائن المقامية لا من باب الظهور اللفظي كما أن دلالة كلمة ـ في الأمر ـ وهي مفرد محلى باللام ومفيد للعموم الإطلاقي على أن متعلق المشورة المقررة في الشريعة الطاهرة هو كلية الأمور السياسية في غاية الوضوح أيضاً. وخروج أحكام الله عزَّ اسمه من هذا العموم من باب التخصص لا التخصيص. والآية المباركة {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وإن لم تدل في نفسها على أكثر من رجحان المشورة غير أن دلالتها على أن المنبع في وضع الأمور النوعية هو تشاور النوع في كمال الوضوح.
وأما سيرة النبي المقدس في مشورة أصحابه وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم (في الحوادث أشيروا علي أصحابي) فقد تضمنتها السير والتواريخ وشرحتها شرحاً وافياً لائقاً بمقامها.
وقد بلغ من موافقتهِ لأكثرية آراء أصحابه أنه في غزوة أُحد مع أن رأيه المبارك الشخصي ورأي جماعة من عقلاء أصحابه كان على عدم الخروج من المدينة المنورة، وقد تبين بعد ذلك أنه هو الصلاح والصواب مع هذا وحيث رأى أكثرية الآراء مستقرة على الخروج وافقهم في هذا الوجه حتى تحمل ما تحمل من تلك المصائب الجليلة وفي عدم تخطّي الخلفاء الراشدين عن هذه السيرة المقدسة والترقيات غير المعتادة عليه في وقائع الصدر الأول من الإسلام كما هو معلوم تفصيلاً برهان ساطع على ما نقول.
وقد صرَّح به أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الواردة في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي التي أنشأها في صفين حيث يقول بذلك المجمع العظيم الذي أجمع المؤرخون على أنه لم يكن أقل من 50000 نسمة: (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني با يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما عليه أثقل، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل)اهـ.
كما يحسن بنا ونحن ندّعي التشيّع أن نقف متأملين قليلاً عندما نمر على هذه الجمل، وأن نصغي لها بآذاننا وقلوبنا وأن نتعقل هذه المعاني من باب إدراك الواقع وبلوغ الحقيقة وإلغاء الأغراض النفسية..
على ما يهتم هذا الرجل العظيم في رفع أبهة الخلافة وهيبتها عن قلوب الأمة؟ أي غاية يرمي حين ما يريد أن يصعد بهم لأعلى درجات الحرية؟ ما الذي يدعوه إلى ترغيبهم وتحريضهم على أن يعرضوا عليه اعتراضاتهم ومشورتهم وعدها مع ذلك من حقوق الرعية على الوالي أو حق الوالي على الرعية؟ نريد أن نفهم حسناً ما هو السر في قول أشرف الكائنات لأصحابه (أشيروا علي أصحابي؟).
فإذا كان اهتمامهم حتماً هذا مع وجود العصمة العاصمة واستغنائهم عن جميع العالم في إصابة الواقع رعاية للتحفظ عن الوقوع في الخطأ والاشتباه ـ وحاشاهم عن ذلك ـ فيلزمنا إذن ولا أقل لرفع التجاوزات العمدية أحكام هذا الأساس من السعادة..! وإذا كان المقصود من هذه الأوامر هو تنزيه السلطة الحقة عن مجرد تشبهها الصوري بسلطنات الفراعنة وطواغيت الأمم الاستبدادية، وحفظ أساس مسؤوليتها وشورويتها والإبقاء على الأصلين الطاهرين حرية الأمة ومساواتها مع شخص الخليفة في الحقوق النوعية، كما هو الظاهر بل المتيقن منها فيلزمنا حينئذٍ التحفظ على السلطنة الإسلامية فيما إذا كان المتصدّي لها مغتصباً بقدر ما عندنا من القوة والاستعداد. وإذا كان الغرض منها إرشادياً وأنها صدرت لمحض تعليم الأمة ولأجل أن تكون نموذجاً ومستقى لسير الولاة والقضاة والعمّال وبغرض إلزامهم بالسير على هذا النهج وبعدم التخلف عن هذا الدستور العملي فيلزمنا تعلمها على أي حال حتماً. وعلى كل حال ومع مزيد الأسف والحسرة ما أشد جهلنا ـ عبدة الظالمين وحاملي شعبة الاستبداد الديني ـ بمداليل الكتاب والسنة وأحكام الشريعة وسيرة النبي المطهر والإمام المكرم.. وترانا عوضاً من أن نقول في حق الشوروية العمومية: هذه بضاعتنا ردّت إلينا نعدها مخالفة للقانون الإسلامي فكأننا لم نقرأ تلك الآيات الواضحة الدلالة أو لم نحصل على مفادها..! لا والله بل فهمناها وتعلقناها ولكن بواسطة منافاتها لشهواتنا وشعبة استبدادنا جددنا قضية {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ})[553](.
2 ـ في هذا الزمان وقد أصبحنا قاصرين ليس من وجهة عدم إمكاننا أن نتمسك بالعصمة العاصمة فقط بل حتى من وجهة عدم اتّصاف المتصدّين للأمور بملكة التقوى والعدالة والعلم الحقيقي وبالعكس مبتلين بالضد المقابل لها. فكما أن الضرورة قائمة على أن حفظ تلك الدرجة المسلمة من تحديد السلطة الإسلامية التي عرفت أنها من الأمور التي اتّفقت عليها الأمة وأنها من ضروريات الدين الإسلامي ـ والتحفّظ على أساس الشوروية الثابت بنص الكتاب والسنة النبوية وللسيرة المقدسة لا يتصور ولا يتحقق وجودهما إلا إذا استندتا على قوة خارجية رادعة ومسددة تقوم بقدر القوة البشرية مقام القوة العاصمة الإلهية ولا أقل من أن تحل محل القوة العلمية وملكة العدالة.. مع ملاحظة أنها لو تركت وطبع المتصدّين والموظفين لكانت من المستحيلات ولما كانت أقل قباحة من توصية الذئب بالشاة خيراً لا أقل فظاعة من تبريد العين الساخنة بالنار الموقدة. ومن هنا كان وجوب تكون الهيئة المذكورة على الغرار السابق من الأمور البديهية غير القابلة للإنكار والخلاف كذلك مما هو معلوم بالضرورة أن هذه القوة المسددة والرادعة الخارجية لا تكون مؤثرة ومفيدة وقائمة مقام القوى النفسية إلا إذا كانت سارية في عموم طبقات الموظفين والمتصدّين الذين هم القوة الإجرائية وكما تكون الإرادات النفسية للهيئة المسددة منبعثة عن الملكات والإدراكات كذلك تكون إرادات هؤلاء منبعثة عن ترجيحات علمية ورادعة مسددة وكذلك تكون مقبولة ومطّردة وغير قابلة لأن يتخلّف عنها في وقت ما إذا كان أساس السلطنة مبتنياً بصورة رسمية على أوضاعها وقوانينها. وحينما يكون تنبه الأمة شعورها نحو واجبها سبباً لأن تسحق به جميع القوى الاستبدادية الآتي شرحها في الخاتمة بحيث تكون أبواب التخلّص والتملّص والحيل مسدودة في وجوه كل من أراد مناوءة هذه القوانين ومقاومتها. وألا تكون مدعاة لأن تحشر القوى الاستبدادية والفظائع الطاغوتية فيؤول أمرنا لا محالة نحن الإيرانيين ـ إلى أشنع وأفظع من الأول كما نكون قد قضينا على أنفسنا بالهلاك والبوار..!
3 ـ بعد أن عرفت بموجب هذا التفصيل وبين لك أن هذه القوة العاصمة والهيئة المسددة بناء على أصول مذهبنا طائفة الإمامية، قدر مقدور من القوة العاصمة الإلهية وبناء على مذهب أهل السنة هي في مقام القوة العلمية وملكة التقوى والعدالة. وعرفت أن حفظ كيان السلطنة الإسلامية من التبذّل ومراقبتها في عدم تجاوز حدودها متوقف على تلك القوة ومنحصر فيها، إذن فاعلم بأن الركن الأعظم لهذا التحفّظ والأصل لهذه المراقبة هو وضع الدستور المحدد على الترتيب السابق في المقدمة إجمالاً بحيث يكون وافياً بتميز الوظائف النوعية اللازمة من غيرها مما لا حق لأحد أن يتدخّل في شؤونها متضمناً بطور قانوني وبوجه رسمي لتفصيل الحدود المذكورة والمحافظة على التحديد السابق من دون أن يكون هناك دستور موضوع لهذا الغرض من قبيل المحمول بلا موضوع.
وبالجملة فكما أن ضبط أعمال المقلدين في أبواب العبادات والمعاملات بدون أن يكون بيدهم رسالة عملية يطبقون أحكامها على أعمالهم اليومية في المحالات والممتنعات كذلك تكون المسألة في الأمور السياسية وأوضاع المملكة النوعية، فإن ضبط سير المتصدّين والموظفين وكونهم تحت المراقبة التامة والمسؤولية الكاملة من غير أن يكون بيدهم دستور يأخذون منه منهاجهم العملي من الممتنعات الأولية، وفي الحقيقة أن أساس حفظ التحديد والمسؤولية مبني على وضع الدستور وهو الأصل لهذا الباب ومن قبيل المقدمة التي يتوقف عليها وجود هذا المطلب فهي واجبة لازمة من هذه الجهة.
وإذا تبينت لك هذه المطالب الثلاثة وعرفت أن حفظ الوضعية الإسلامية من التبدّل والتحفّظ على المحدودية والمسؤولية والشوروية وسائر مقومات الولاية عليها لا تتحقق في الخارج إلا بترتيب الدستور المحدد وانعقاد الهيئة المسددة ونظارتها وتحققه عادة من دون هذين الأمرين من الممتنعات القطعية، ثم عرفت أن ليس الغرض من انعقاد هذه الهيئة المسددة منحصراً في إقامة الوظائف اللازمة ومنع التجاوزات غير المعتادة فقط، ولا أن الغاية من نظارة هذه الهيئة هي من قبيل الغاية من النظارة على حفظ العين الموقوفة المغصوبة من تطاول ونهب المعتدي الغاصب فحسب، بل هناك أمر أدقّ وأعلى وألطف من كل هاتيك الأغراض والمقاصد وهو بناء على مذهبنا قدر مقدور من القوة التي تحل محل القوة العاصمة وبناء على مذهب أهل السنة هو في محل العدالة والقوة العلمية. وعرفت أيضاً أن هذه القوة إنما تكون متحققة ومؤثرة ومفيدة في وقت ما تكون الإرادات النفسية منبعثة من الملكات والإدراكات وكانت القوة الإجرائية في المملكة متأثرة بهذا الأمر ومنقادة لهذا الترتيب لا غير إذا عرفت هذه المطالب وتنبّهت إلى هذه المعاني على هذا الترتيب من أن حفظ السلطنة الإسلامية متوقف على وجود هذين الأصلين الحرية والمساواة والمسؤولية المترتبة عليهما. وأن القوة التي اعتبرناها في محل العصمة العاصمة لا يتمّ تأثيرها إلا بتجربة من مقتضيات مذهبنا ـ طائفة الإمامية ـ وذلك بعد إرجاع كل فرع منها إلى أصله طبعاً. ومن الضروري الواضح أن تحديد الاستيلاء الجوري وقد عرفت وجوبه فيما تقدم وتطبيقه من غير هذا الطريق من المتعسّر جداً.
ولا يسعنا في هذه المقام إلا الاعتراف بجودة استنباط أول حكيم التفت إلى هذه المعاني وبنى السلطنة العادلة الولايتية وكونها مسؤولة وشوروية ومشروطة على أساس الأصلين الأولين الحرية والمساواة مع مراعاة أنهما ركنان مقوّمان لها لا ينفكّان عنها أبداً ورتبها على الوجه الرسمي والاطّراد من طريق القانون والدستور الأساسي. واستنبط مع ذلك إمكان وضع القوة الرادعة الخارجية في موضع القوة العاصمة على مذهبنا. ولا أقل من وضعها في موضع ملكة التقوى والعدالة من كيفية انبعاث الإرادات النفسية عن الملكات ـ على مذهب العامة ـ وأوجدها في الخارج وسيلة تجزئة قوى المملكة وقصر شغل الموظفين على القوة الإجرائية وتحت إشراف القوة المسددة. ومسؤوليتها ومسؤوليتهم مع ذلك لإيجاد الأمة وأفراد الملة بخ. بخ. ما أجدره بالافتخار وأحرانا بأن نخجل من أنفسنا حينما نرى أنا بحمد الله وحسن تأييده نستخرج كل تلك القواعد اللطيفة من كلمة ـ لا تنقض اليقين بالشك ـ ونغفل مع ذلك عن مقتضيات مذهبنا وأصول عقائدنا وجهة امتيازنا عن سائر الفرق الأخرى فنحجم عن الدخول في هذا الوادي، حاسبين أن ابتلاءنا بأسارة الطواغيت ورقّية الفراعنة داء لا دواء له إلا ظهور قائمنا عجل الله فرجه. مع أن غيرنا شعر بهذا الداء فأخذ بطريق العلاج وحاز قصب السبق بتتبعه تلك المعاني والمباني لتخليص رقبته من نير تحكّم الظالمين. وما برح أن عمل بسياسات الدين الإسلامي وبجودة الاستنباط وحسن التفريع رتب عليها هكذا فروعاً صحيحة أدّت إلى تفوقه علينا وعجزنا عن الوصول إلى غايته.
أما اليوم وقد حصلنا بعد اللتيا والتي على شيء من التنبّه والشعور وقمنا نأخذ مقتضيات ديننا من الأجانب مع تمام الخجل قائلين هذه بضاعتنا ردّت إلينا. فقد أنهت الفرقة الجاهلة الخاملة عبدة الظلمة وحاملة شعبة الاستبداد الديني إعانتها للظالمين للنقطة الأخيرة والدرجة النهائية. وأصبحت تعد سلبنا للظالمين صفات الذات الأحدية كالفعال لما يشاء والحاكم بما يريد والمالك للرقاب وعدم المسؤولية عما يفعل منافياً للدين الإسلامي والقرآن المجيد، كما أنها اخترعت لها ديناً خاصاً طبقاً لإراداتها الاستبدادية ولمجرد مد يد المعونة للجائرين.. وجعلت عنوانه مع ذلك دين الإسلام ورتبت أساسه على تشريك الفراعنة مع الذات الأحدية تقدّست أسماؤه في الصفات الخاصة به وأخذت أحكامه من كتاب الجور والاستبداد الذي نزل عليها من روسيا الجائرة الكافرة بمقتضى أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم وضمّنته دستور الأعمال الجورية تماماً وأسمته القرآن السماوي أيضاً. مستظهرة بمد يد الإعانة والمساعدة للظالمين ومتاجرة في بلاد المسلمين بأمر كهذا مخالف للضرورة ومباين للعقل الناضج وضربت على وتر أجعل الإلهة إلهاً واحداً أن هذا لشيء عجاب ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق.. عصمنا الله من غلبة الهوى.
الفصل الرابع
في ذكر بعض وساوس ومغالطات أُلقيت لصرف العوام ودحضها بأدلة وبراهين.
نقتصر في هذا الفصل على ذكر جملة من الوساوس والشبهات ألقيت لصرف قلوب العامة وتنفيرها وبيان دفعها. ومع وضوح أن أساسها مبتنٍ على الاتحاد مع الجبابرة والطواغيت وناشىء عن تلك الشعبة الاستبدادية الدينية بغرض حفظ شجرة الاستبداد. ومحض استرقاق واستعباد رقاب العباد نكون قد استغنينا عن بيانها والجواب عنها. والاعتناء بها خروج عن الوظيفة. ولكن بملاحظة أن الملل الأجنبية وغير المطلعين على الأحكام الشرعية إذا سمعوا بمثل هذه الأباطيل التي لفقها الاستبداديون المغرضون عدوّها في عداد أقوال علماء الإسلام وحسبوا أن مثل تلك الأمور الواضحة الضروري مما هو قابل للاختلاف في الشريعة المطهرة، ومحل للاختلاف عند المتشرعة. فتذرعوا بها على الطعن في الدين المبين وللقدح في شريعة سيد المرسلين. رأينا أن نكتفي في هذا المختصر بذكر الوساوس المتعلقة بأصول هذا الأساس من السعادة تاركين تبعة الشبهات ودفعها مع أن الأوقات أشرف من فنائها في أباطيل كهذه إلى أن تسنح الفرصة بكتابة مقال على حدة. وحيث عرفت أن أساس الولايتية وعدل السلطنة سواء كان المتصدي لها محقاً أو غاصباً مبطلاً يبتني على الأصلين الطاهرين الحرية والمساواة. كما أن حفظ الشوروية والمحدودية وسائر مقوّماتها متوقف على ترتيب الدستور الأساسي وعقد مجلس الشورى النيابي لهذا نذكر المغالطات التي تخص كلاًّ من ذينك الأصلين وهذين الركنين المقومين على حدة ثم ندفعها حسب ترتيبها.
(المغالطة الأولى)
وهي المغالطة التي تخص أصل الحرية. ولعمر الحق هي من أولى المغالطات وأعجبها في العالم كما أن كشف حقيقتها من أهمها حيث عرفت في المقدمة أن حقيقة السلطنة التملكية عبارة والديمقراطية كنسبة الأرض للسماء، ولا تجتمع معها إلا كاجتماع الظباء مع الضفادع في الماء، وفوق هذا أيضاً فإن كل ذي شعور يعرف أن الملل المسيحية من أول تتبعها لهذا الأساس من السعادة وتقدّمها في استفادته من الكتاب والسنة النبوية كانت تناضل وتدافع وتجاهد في سبيل تحصيله والعثور على رشحة منه مع أن مشاربها متّسعة ومذاهبها قليلة التقييد.
حتى أن الملل التي لا تتقيد بدين أصلاً وأنها في كمال الاتّساع من المشرب لعدم ارتباطها بمذهب ما كانت مبتلية بأشد مما نحن فيه الآن من التلازم والتصادم مع من تعرفه غاصباً لحريتها مستولياً على سعادتها وما زالت تبذل من النفوس والأموال أضعاف ما نبذله نحن في هذا الصدد، حتى نالت ما طلبت وحصلت ما أرادت.. هذا ومما يشاهده كل أحد حتى الأعمى أن الأمة الروسية مع ابتلائها باستبداد طواغيتها وقهرها تحت ذل العبودية، وبذل ما يمكنها بذله في سبيل تخليص رقابها من أيدي زعمائها المتشربين بحب الاستبداد والاستعمار.
مع هذا كله هي متّحدة وسائر الملل المسيحية الأخرى في اتّساع المشرب والالتزام بقواعد التحليل والتحريم ـ مع أن هذه الأمم الأخرى في أعلى درجات الديمقراطية ـ ومتّفقة معها على بذل الأموال في سبيل ترويج الديانة النصرانية والشعائر المسيحية إلى غير ذلك من لوازم مذهبها، وبعد وضوح هذه المعاني ومشاهدة الفرقتين المسيحيتين «مع ما بينهما من الاختلاف في الأمور الأخرى ككون هذه استبدادية وتلك ديمقراطية..» متحدّتان في اتّساع المشرب يتبين لك تماماً عدم ارتباط تلك الأمور بقضية الاستبداد وعدم الاستبداد وستعرف إن شاء الله تعالى نتيجة كل هذه المغالطات والمخادعات، وبذل الجهود في سبيل انتشار كل هذه المكابرات والمناكرات وإن ليس ثمة عاقبة مستفادة أصلاً.
أما اليوم فالأمة الإيرانية ـ بحمد الله ـ في كمال التنبّه واليقظة إلى أمور ديانتها، والعمل بقواعد شريعتها، ولا أخالها تجهل أن مقتضيات دين المسيحية التي هي مشتركة بين كل فرقها غير مرتبطة بحرية رقابها من رقّية فراعنتها وطواغيتها أو تقع في أسر رقّية الجبابرة بهذه المغالطات وأشباهها مرة ثانية ـ فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ـ كلا ولا تلوي رؤوسها عن إطاعة زعماء دينها بنظير كلمة الكفر التي يقولها بقايا خوارج النهروإن: (لا حكم إلا لله) ولا تسل سيف الكفر والإلحاد في وجه إمام زمانها. هذا ويجب علينا عبدة الظالمين أن نقطع الرجاء من أن يعود لنا بعد هذا زمان كنا نموه فيه على الحقيقة، ونضلل في الطريقة عن اغتصاب رقاب الأمة في التحكمات النفسية. وأن مبدأ هذا الاغتصاب بمقتضى الحديث النبوي المتواتر بين الأمة ـ شيعيها وسنيها ـ كان عند بلوغ بني العاص ثلاثين نفراً وعرفت أن أساس الولايتية مبتنٍ فيما إذا كان المتصدّي للولاية غاصباً لتحرير الأمة من هذه الرقّية. إذن فحقيقة تبديل السلطنة الجائرة وتحويلها عبارة عن تحصيل هذه الحرية لا غير… كل المنازعات والمشاجرات الواقعة بين كل أمة وحكومتها التملكية هي للحصول على هذا المطلب فحسب. ولا دخل لها برفع يد الأمة عن أحكام الدين ومقتضيات المذهب أصلاً مقصد كل أمة سواء كانت متدينة بدين من الأديان أو لم تكن قائلة حتى بوجود الصانع العالم هو التخلّص من هذه الرقّية والإسارة لا خروجها عن ربقة عبودية ربها ورفع الالتزام بأحكام شريعتها وكتابها المتدينة به. الطرف المقابل لكل أمة في تنازعها وتشاجرها هي فقط حكومتها التي اغتصبت رقابها لا مالكها وصانعها وإلاهها وحيث كانت جل المنازعات والمشاجرات الواقعة فيما بين الأنبياء والأولياء مع فراعنة السلف وكذلك الواقعة فيما بين أتباعهم وأخلافهم مع طواغيت الخلف هي كلها من أجل استنقاذ هذه الموهبة العظمى من مغتصبيها لا غير.. ولما كان حقيقة تبديل السلطنة الغاصبة هو عبارة عن ظفر الأمة بهذه الموهبة الربانية قام عبدة الظالمين يصرفون همهم في صرف قلوب الأمة عن إدراك هذه الحقيقة.. ويلقون بأذهانهم من لوازم هذه الحرية التديّن بدين المسيحية كأنهم يحاولون أن يتسلّطوا على قلوب العامة ويتسيطروا على أفكارهم..
ولكن هيهات هيهات، مضى الزمان الذي كانت فيه الأمة الإيرانية صماء بكماء تلعن المرحوم قدوة المتألهين ملا محراب الحكيم لأنه كان يقول بوحدة واجب الوجود. وترى وجوب التبري من الكليم لأنه نبي اليهود وربما كانت تتجاسر على ساحة الإمام السابع أيضاً لاشتراكه مع الكليم بالاسم، وتبتعد عن كل أمر حق بسماع كلمة واهية ينعق بها كل ناعق. أما اليوم فقد تفتحت بحمد الله عيونهم وآذانهم وفهموا حقيقة الحرية المظلومة المغصوبة واهتمام الأولياء والأوصياء في استنقاذها من أيدي غاصبيها، وعرفوا أن روح استبداد الدولة الغاصبة عبارة عن اغتصاب هذه الحرية، وأن مشروطية الدولة ـ ديمقراطيتها ـ عبارة عن انتزاعها من غاصبها لا غير. وأن هذه الاتساعات في المشرب والتوسعات الخارقة خارجة عن حقيقة الحرية ووجودها وعدم وجودها ناشئين عن الاختلاف في المذاهب والطرائق، ونسبتها للاستبدادية يوم كنا نعد الطلب بالحرية خروجاً عن الدين ومروقاً عن المذهب ونزوعاً إلى مذهب الملاحدة والزنادقة البابية. ونقول إن الديمقراطية دين جديد مبتدع في مقابل الديانة الإسلامية، ونحول بين المسلمين وبين حرية رقابهم المنشودة، ونستلم على حسن خدماتنا هذه الجوائز والأوسمة والنعم والهدايا وغير ذلك. اللهم إلا أن نزوره في الخيال أو نحلم به في المنام.
(المغالطة الثانية)
وهي متعلقة بأصل المساواة، ومن الظاهر الواضح أنه كما أن ولايتية السلطنة وخروجها عن دائرة التملكية الجائرة يبتني على الأصل الأول الذي هو عبارة عن تحرير رقاب الأمة من الرقيّة الجائرة (ومن هنا كان معرضاً لكل تلك المغالطات) كذلك كونها عادلة ومحفوظة آحاد الأمة بعضهم لبعض ومع شخص الوالي أيضاً في جميع النوعيات. وكلمة (وأنت القاسم بالسوية والعادل في الرعية) المخاطب بها سيد الأوصياء في زيارة يوم الغدير ناظرة لهذا المعنى أيضاً.
ولما عرفت الشعبة الاستبدادية الدينية ما لهذا الركن العظيم الذي هو رأس مال السعادة الثاني من التأثير الحسن في حياة الأمة لاشتماله على مسؤولية المتصدين للوظائف العمومية، وردعهم عن الاستئثارات النفسية والتجاوزات العمدية الاستبدادية أخذت على عاتقها أن تصوره للعامة بأقبح الصور التي ينفر منها كل متدين على وجه الأرض فضلاً عن المسلمين منهم.. وأنت تعرف أن مسألة اختلاف أصناف المكلفين بأنحاء التكاليف غير مختصّة بالدين الإسلامي فحسب، بل هي مطّردة وجارية في جميع الأديان والشرائع بل وموجودة حتى عند منكري جميع الأديان أيضاً، لقطع الضرورة باختلاف الأحكام العقلانية اللازمة للنشأة البشرية باختلاف قدرة الإنسان وعجزه واختياره واضطراره وعقله وجهله وثروته وإفلاسه إلى غير ذلك من المستقلات العقلية. وكذلك تكون رجال كل ملة وطبقات كل دولة مختلفة أيضاً ولكل صنف منها وظيفة خاصة وحكم مخصوص مقرر له لا يتجاوز إلى غيره..
وبعد وضوح هذا المعنى يمكنك أن تفهم حسناً أن ليس المقصود من كلمة المساواة هو التسوية فيما بين الأصناف المختلفة الأحكام ورفع امتياز بعضهم عن بعض، طبعاً لمخالفة هذا المعنى جميع الشرائع والأديان بل وحكم المستقل أيضاً. ولأنه موجب لإبطال القوانين السياسية عند جميع الأمم، وهدم أساس نظام العالم. ولا يوجد عند أي أمة متمدنة كانت أو غير متمدنة صورة خارجية لهذا المعنى أصلاً.. فكيف جاز لهؤلاء حمل كلمة (المساواة) على هذا المعنى وتفريعهم عليها كل تلك المغالطات..؟!
إن قانون المساواة من أشرف القوانين المأخوذة عن السياسات الإسلامية. بل هو مبنى العدالة وأساسها وروح كل هاتيك القوانين. وقد تقدّم عندك في المقدمة إجمالاً شدّة اهتمام الشارع المقدس في إحكام هذا الأساس الثاني من سعادة الأمة. وحقيقته في الشريعة المطهرة عبارة عن هذا المعنى وهو: إن الأحكام المترتبة على موضوع من المواضيع أو عنوان من العناوين بطور القانونية وعلى وجه الكلية تكون في مرحلة الإجراء بالنسبة إلى المصاديق والأفراد متساوية بدون تفاوت أصلاً، غير ملحوظ فيها الجهات الشخصية والإضافات الخاصة رأساً، مسلوب فيها حق الاختيار في الوضع والرفع والإغماض والعفو وغير ذلك، مسدود فيها باب التخلّف والارتشاء والإرادات القلبية التحكمية، نسبتها إلى العناوين الأولية المشتركة بين العموم كالأمنية على النفس والعرض والمال والمسكن وعدم التعرّض بدون سبب وعدم التجسس على الخفايا وعدم الحبس والنفي بدون موجب وعدم الممانعة عن الاجتماعات المشروعة ونحو ذلك مما هو مشترك بين العموم وليس له أقل اختصاص بفرقة دون فرقة على حد سواء بلا تفاوت في عموم المجرى أصلاً. وكذلك تكون المسألة في العناوين الخاصة على تقدير دخول العامة فيها. فالنسبة بين مصاديقها وأفرادها وبين عموم الشعب على حد سواء وبدون امتياز لأحد أبداً..
مثلاً: يؤتى بالمدّعى عليه للمحاكمة سواء كان وضيعاً أو رفيعاً جاهلاً أو عالماً مسلماً أو غيره. وكذلك بالنسبة للسارق والزاني وشارب الخمر والراشي والمرتشي والجائر في الحكم والمغتصب للمقام والغاصب للأموال العامة أو الخاصة. وأكل أموال الأيتام وغير الأيتام والمفسد والمرتد أياً كان يجري عليه الحكم الشرعي الصادر عن حاكم الشرع النافذ الحكومة بدون تعطيل رأساً. والأحكام المخصوصة بخصوص المسلمين أو أهل الذمة تجري على أشخاص كل من الفريقين بلا تفاوت في الإجراء إلى غير ذلك من العناوين المختلفة..
هذه هي حقيقة المساواة، وهذا هو معنى التسوية في أساس العدالة. وما روح كل القوانين السياسية إلا عبارة ثانية عن روح هذه المساواة، وقيام الضرورة من الدين الإسلامي على عدم جواز التخطّي عن هذا المعنى من الضروريات البديهية وانطباق كل من فصلي الدستور الأساسي للملتين الإسلاميتين ـ وقد اتحدا مفاداً وأصبح كل منهما بمنزلة الترجمة الحرفية للآخر وقد تكفلا بيان هذا الروح من السياسة والأساس من العدالة ـ على هذا المعنى الضروري على تلك المغالطات الإلحادية المخالفة لضروريات تمام الشرائع والأديان حتى عند غير أهل اللسان من الواضحات البديهية. وبعد أن كان صريح عبارة كل من الدستوريين هو تساوي تمام الملة في الحقوق نسبة للقوانين الدستورية المتضمن كل منها بيان حكم خاص لعنوان عام أو موضوع مخصوص. فلا محالة من أن يكون مفادها هو انطباق الأحكام المترتبة على كل من العناوين الخاصة أو العامة نسبة لأشخاص موضوعاتها على حد سواء، على وجه لا يكون في البيّن أقل نفوذ لسلطة الإرادات الشهوانية والتحكّمات الحيوانية..
وما غرض الملل الأجنبية من قانون المساواة إلا عين هذا المعنى وإلا لانهارت أسس قوانينهم وتناقضت بعضها مع بعض. وأما منشأ الاختلافات المشهورة فيما بين سياستهم وبين شرع الإسلام ـ قانون محمد بن عبدالله ـ فهو عدم انطباق فصول قوانينهم التفصيلية على جزئيات الشريعة الإسلامية لالتزامهم بالعدل والمساواة وما أشبهها في مرحلة الإجراء وتطبيق الأحكام وغيرها. ومع انطباق الدساتير التفصيلية على الأحكام الشرعية كما هو شأن كل الدساتير الإسلامية لا يمكننا أن نتصور بالضرورة فائدة ونتيجة لأصل المساواة إلا عدم امتياز الوضيع عن الشريف والقوي عن الضعيف وإحياء السنة المقدسة والسيرة النبوية وأحكام أساس المسؤولية عن التجاوزات وسلب الجائر من إرادتهم واختياراتهم الجائرة الطاغوتية في دائرة الإجراء.
ولكن لما كان روح مطلبهم وتمام مقصدهم هو تخلصهم من المساواة مع آحاد الملة وإطلاق الظالمين من قيد المسؤولية والتحفّظ على هذه الدرجة من الحاكمية. أظهروا هذا الأصل من العدالة بهذا المظهر القبيح وألبسوه لباس رفع الامتياز فيما بين الأصناف المختلفة الأحكام (وقد عرفت أن هذا المعنى مما تضجر منه جميع الأمم والملل) فجددوا لهم قضية قوله: يحرفون من بعدي ما عقلوه وهم يعلمون وأصبحوا مصداقاً مشهوداً لقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}… والأعجب من هذا كله أنه مع وضوح أن هذا الدستور لم يعقد إلا لضبط سير الموظفين وتحديد استيلائهم وتعيين وظائفهم وتشخيص الوظائف النوعية اللازمة الإقامة عن غيرها. وأن الدساتير التفصيلية هي إما سياسات عرفية محضة قررت حفظاً للنظام وإما شرعيات وضعت على سبيل الاشتراك بين العموم لرفع الامتيازات الناشئة عن اختلاف الأصناف فهي دائماً أجنبية عن التكاليف التعبدية والتوصلية وأحكام المعاملات والمناكحات وسائر أبواب العقود والإيقاعات والمواريث والقصاص والديات ونحو ذلك مما يكون المرجع فيه الرسائل العملية وفتاوى المجتهدين ومتابعته موكولة للديانة الإسلامية وخارجة عن وظائف الموظفين وتداخل هيئة المبعوثين وغير مرتبطة بوظائف الحكومة الشرعية وتفصيل موارد الحكم فيها كاستيفاء القصاص والدية وإجراء الحدود الإلهية على المسلم والكافر الأصلي والمرتد الفطري والملي وغير ذلك مما هو موكول إلى نظر المجتهد النافذ الحكومة ولا ربط له بالقوة الإجرائية إلا في مقام تنفيذ الأحكام الصادرة ولا يمكن أن يترتب على ضم قانون المساواة إلى قانون المحاكمات غير الرجوع إلى المجتهد النافذ الحكومة وإجراء الأحكام الصادرة مهما كانت على المحكوم عليه أياً كان بلا توقف أي أثر ثاني أو نتيجة أخرى.
ومع هذا كله لأجل تتميم المغالطة المذكورة نراهم يعددون الموضوعات المختلفة والأحكام الشرعية المذكورة في أبوابها ويحكمون بأنها متنافية مع قانون المساواة وقد عرفت مفاده ونتيجته ليأخذوا بها مظهراً لهم ومفخراً يفخرون به. نعم وأعجب من هذا أنه مع تصريح قانون المساواة بأنه موضوع لتساوي آحاد الشعب وأهل المملكة بالنسبة للقوانين الموضوعة لضبط سير الموظفين وأعمالهم لا لرفع الامتياز كليةً فيما بينهم، ومن البديهي عدم اختلاف تلك القوانين ويُعد كل تلك المغالطات التي لفقوها أمام الغرض المقصود ضربوا على وتر مغالطة أخرى، حاصلها أن هذه القوانين لا تخلو أمّا أن تكون مطابقة للإسلام أو مخالفة له، فإن قلتم بأنها مطابقة فكيف يمكن التساوي مع الاختلافات المشهودة في الأبواب المذكورة؟ وإن قلتم بأنها مخالفة للإسلام فكيف يمكن تقنينهما وجعلهما قانوناً واحداً..؟!
لا ينقضي عجبنا وايم الحق إزاء هذه الترهات والأباطيل. هذه القوانين بمرأى منا ومسمع. وفضلاً عن ذلك كان البناء على أن تكون القوانين الموضوعة لتحديد الاستيلاء وضبط أعمال الموظفين غير مخالفة للإسلام. لا على أن تكون أحكام الإسلام من ابتداء كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات من جملة السياسات النوعية التي يجب أن تذكر في دستور عمل الموظفين والمتصدّين وأن يكونوا مسؤولين عن جزئياتها وأجزائها. وليت شعري هل بلغ بكم التغرض وكتم الحقيقة إلى درجة نسيتم عندها المثل المعروف «كل جوزة مدورة لا كل مدورة جوزة..؟!» الذي طالما كنا نعلمه للأطفال والصغار. والحق أن الأوقات لأشرف من هذا والتعرض إلى هذا.
(المغالطة الثالثة)
هذه هي المغالطة العظيمة التي ألقاها الاستبداديون في مقابل وضع الدستور والتي ضرب على وترها محبذو الاستبداد بالألحان المختلفة والنغمات المتعددة ليرفعوا بها لجام التقييد عن أفواه أولئك الظلمة العريضة وحاصلها أنا مسلمون وديننا الإسلام وقانوننا القرآن السماوي والسنة النبوية لا غير… ووضع قانون آخر غير هذين القانونين في بلاد المسلمين بدعة ومقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية. ثم الالتزام به من حيث إنهُ بلا ملزم شرعي بدعة ثانية. ثم وضع المسؤولية على من تخلّف عنه بدعة ثالثة. ونتيجتها بعد تهذيبها وتقريبها للأفكار أن هذا القانون بدعة من الوجوه الثلاثة المتقدمة، ولكشف حقيقة هذه المغالطة وتوضيحها لدى كل أحد، ولبيان أنها من باب رفع أهل الشام مصاحفهم في صفين. وعن قول الخوارج: (لا حكم إلا للَّه) بل ولبيان أنها أعظم من هذه وتلك يلزمنا بيان مطلبين:
أولاً ـ أنه من أظهر البديهيات الإسلامية، ومما اتّفقت عليه إرادة الأمة، بل ومن الضروريات أيضاً أن المقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية المعبر عنها في لسان الأخبار (بالبدعة) والتي اصطلح عليها الفقهاء (بالتشريع) لا تظهر ولا تتحقق إلا في صورة إظهار أمر غير مجعول شرعاً سواء كان شخصياً جزئياً أو كلياً عاماً بمظهر أنه مجعول شرعاً، وأنه حكم من الأحكام الإلهية.
نعم وفي صورة الإلزام والالتزام به كذلك… وإلا ففي صورة عدم اقترانه بهذا العنوان لا يكون بدعة ولا تشريعاً، سواء كان شخصياً كالتزام أو إلزام الشخص نفسه أو غيره بالنوم والانتباه والأكل والشرب في ساعات معينة وأوقات مخصوصة. أو نوعها قليل الأفراد كإلزام أو التزام أهل بيت واحد أو قرية واحدة أو بلدة واحدة مثلاً بتنظيم أمورهم على وجه خاص وطرز مخصوص، أو نوعياً كثير الأفراد كإلزام أو التزام أهل قطر أو إقليم بتنظيم أمورهم على الوجه المذكور. ولا فرق بين أن يكون منشأ ذلك الإلزام والالتزام مجرد صدور قرار خارجي وسيرة عملية، وبين أن يكون بوضع قانون خاص أو دستور مخصوص به حيث تقضي الضرورة أن ملاك تحقق التشريع والبدعة وعدم تحققها منوط باقترانهما بالعنوان والقصد المذكورين وعدم اقترانهما بهما بوجود كتاب خاص أو قانون مخصوص أو نظام معين وعدم وجودها…
ثانياً ـ أنه كما تكون الأمور غير الواجبة بالذات واجبة ولازمة العمل بمجرد أن يتعلق بها يمين أو نذر أو أمر الآمر اللازم الإطاعة أو الاشتراط في ضمن العقد اللازم أو غير ذلك تكون كذلك لازمة العمل وواجبة بالعرض أيضاً إذا توقف عليها وجود الواجب، وهذا من الضروريات العقلية. ونحن وإن كنا غير قائلين بوجوب المقدمة وجوباً استقلالياً عارفون بالضرورة أن توقف ذي المقدمة على المقدمة مما يلزم الإتيان بها على كل حال، وهذا المقدار من اللزوم مما اتّفقت عليه كلمات العلماء الإسلاميين.
وإذا تبين عندك هذان المطلبان عرفت أن وجوب ترتيب الدستور الأساسي علي الكيفية السابقة متضمناً لتحديد الاستيلاء الجوري على وفق مقتضيات المذهب والشريعة من البديهيات الواضحة نظراً إلى أن حفظ النظام وأساس المحدودية ومسؤولية السلطنة متوقفة على وجوده وعدم اندراجه من عند نفسه بدون إرادة وادّعاء أن مندرجاته من عند الله تحت عنوان التشريع والبدعة ظاهر واضح.
وكون هذه المغالطة العامية مأخوذة بعينها من جهلة الأخباريين وقد لفقوها عيناً لجهلهم بحقيقة التشريع والبدعة في مقابل الرسائل العملية التي يكتبها الفقهاء في عصر الغيبة وعدُّوها مقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية من أوضح الواضحات.
سبحان الله!! شدة الانهماك في التغرض وقضية أخلد إلى الأرض واتّبع هواه توصلان الإنسان إلى هذا الحد وبغرض أن يبطل تحديد الاستيلاء وأن يهدم أساس مسؤولية الجائرين عن ارتكاباتهم الشهوانية في نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم يلقي على أسماع الخلق أمثال هذه الترهات والمفتريات، ويحيي شبهات جهلة الأخبارية ثانياً، ويجعل أساس الديانة الإسلامية وزحمات حفاظ الدين المبين خصوصاً مجددي القرن الثالث عشر هباءً منثوراً. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وما أدري وليتني كنت أدري هل كانت حقيقة التشريع والبدعة مع كمال وضوحها مجهولة لديهم؟ أو أن السير أصبح على الخطة السابقة التي عبر عنها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: (ولقد سمعوها ووعوها ولكن حلّت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها)، ويحتمل أن تكون المساعدات غير الاعتيادية التي بذلتها (روسيا) على إجراء قانونها النظامي في إيران مع ما به من أحكام مخالفة لضروريات الدين الإسلامي ومن تسليط الوحش الروسي على نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وقد اهتموا في إجرائه وقطع نفس الملة الإيرانية أكثر من اهتمامهم بالأحكام الإسلامية والآيات القرآنية هي التي أوجبت عليهم تعيين الشق الثاني والسير على خطته.
(المغالطة الرابعة)
ومرماها نحو إيجاد الهيئة الناظرة وعقد مجلس الشورى الملّي. وحيث كان هذا المطلب هو الجزء الأخير لعلة تحديد الاستيلاء الجوري ولجام أفواه الظالمين. لهذا كان اهتمامهم في إبطاله أكثر من اهتمامهم بإبطال غيره فقد بذلوا ما تمكّنوا في قذف المنتخبين الأولين وسبهم ولفقوا ما استطاعوا من الشبهات التي هي أوهى من بيت العنكبوت.
أولها: ـ هفوات جملة من جهلة أهل تبريز ومتنسكيهم وقد طيروا جملة من المنشورات والكتب الحافلة بالأخبار والآيات الدالة على عدم جواز مداخلة الأمة في أمر الإمامة إلى النجف الأشرف ـ كناقل التمر إلى هجر وداعي مسدده إلى النضال ـ وكلها تصبح بلسان واحد ما شأن الرعية والمداخلة بشؤون الإمامة؟ وما أظنهم إلا أن تخيلوا (فجسمت لهم المخيلة) أن طهران هي الناحية المقدسة لإمام الزمان أو هي الكوفة المشرفة. وعصرنا هذا عصر خلافة علي عليه السلام ومغتصبي مقام الخلافة منه، والمنتخبين مبعوثون إلى أحد ذينك المركزين لاغتصاب الخلافة أو التدخل في أمر الولاية المطلقة الحقة… اللهم إنا نستمد منك ومن رحمتك نفساً من أنفاس عيسى يغيث أسراء إيران وأذلاءها ويحيي ميت ضواحيها وقراها من هذا الجهل المميت ونستنجد بروح القدس منك لنستطيع إفهام هذه الأمة الجاهلة وتقنيعها بأن طهران لا هي الناحية المقدسة ولا هي الكوفة المشرفة، ولا العصر عصر خلافة ومغتصبي خلافة. وليس الغرض من بعث المبعوثين إلا تحديد الاستيلاء الجوري وكف الغصب والظلم، فلعلنا بعد كل هذي المحسوسات العيانية نستطيع أن نحل هذه الشبهة التي هي أشكل من شبهة ابن كمونة وأصعب من الجذر الأصم إن شاء الله تعالى.
ثانيها: ـ وساوس فريق آخر جاءت من بعد التسليم بأصل وجوب التحديد للاستيلاء الجوري بقدر القوة والإمكان، ولزوم انعقاد هيئة النظار للنظارة، ومنع الموظفين عن التجاوزات ومع هذا فقد ألقيت لدهم أساس التحديد المذكور وحاصلها: أنه مهما يكن كل من هاتين المقدمتين مسلماً وغير محل للإنكار، لكن لما كان القيام بسياسة أمور الأمة من الوظائف الحسبية ومن باب الولاية فقد انحصر النظر فيها بالنواب العموميين والمجتهدين العدول، وليس هو من شغل العوام ومداخلتهم في هذا الأمر بلا محل أصلاً. وانتخابهم للمندوبين من باب اغتصاب المقام، وحيث كانت هذه الشبهة في البيان بلسان علمي ولم تكن كسائر التلفيقات التي لا معنى لها أصلاً، وحيث كانت متضمنة مع ذلك للتسليم بوجوب أصل التحديد وانعقاد هيئة النظار ولم تكن منكرة أصل المطلب لهذا فهي موجبة لكمال التشكر والامتنان. ولكن مع هذا هي من مصاديق المثل المعروف (حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء) لما عرفت من أن الوظائف السياسية هي من الأمور الحسبية لا من التكاليف العمومية أولاً وبالذات من المسلمات التي لا مجال للإنكار فيها أصلاً، ولكن فضلاً عن أن عموم الملة لها حق المراقبة والنظارة نظراً إلى أن أصل السلطنة شوروية كما عرفت سابقاً هي مشتركة في الجهات المالية التي تدفعها لإقامة المصالح النوعية.
ومن باب منع التجاوزات المندرجة في باب النهي عن المنكر التي تكون واجبة بكل وسيلة يمكن استعمالها. وقد توقف التمكّن منها في هذا الباب على أن تكون الملة لها حق الانتخاب والانتداب. وعلاوة على هذا كله من الجهة السياسية بما أن الوظيفة الفعلية نظراً إلى مغصوبية المقام وعدم التمكّن من التحديد الصحيح منحصرة في هذا الوجه يتعيّن علينا استعماله، حيث ذكروا في باب الوظائف الحسبية أمرين آخرين هما من الوضوح بدرجة مسلمة.
أولاً: عدم لزوم تصدي شخص المجتهد بل تكفي أذنه في الصحة والمشروعية. وهذا المطلب من البديهيات الغنية عن البيان حتى إن عمل عوام الشيعة على هذا الأمر.
ثانياً: إن عدم تمكّن النواب العموميين كلاًّ أو بعضاً من القيام في أمر لا يوجب سقوطه، بل ربما تسري نوبة الولاية فيه إلى العدول من المؤمنين، ومع عدم تمكّن هؤلاء ربما تنتهي إلى عموم المؤمنين بل إلى فسّاق المسلمين أيضاً، وهذا مما اتفقت عليه كلمة علماء الأمة الإمامية…
وحيث كانت إقامة هذه الوظائف اللازمة والتحديد المذكور منحصرة في هذه الديمقراطية الرسمية بين الملل وانتخابات نوع الملة نظراً لاشتراكهم في الجهات العمومية. وبغير هذه الصورة الرسمية يتعسّر على فقهاء عصر الغيبة تشكيل هيئة ناظرة، وعلى فرض تشكيلها لا يترتب عليها أي أثر، اللهم إلا التبعيد والإهانة ولا يمكن مع ذلك أن تكون مطّردة ورسمية، مع أن رسميتها هي الوسيلة الوحيدة للتحديد المذكور.
لهذا مع الإغماض عن الجهات العمومية المشتركة والخارجة عن باب الولايات يتعين علينا طريق المسألة من هذه الجهة الولايتية على هذا الوجه أيضاً. وغاية ما أمكننا وقوعه بمحض رعاية هذه الجهة اللازم رعايتها مع كمال الاحتياط أيضاً هو تكوين أصل الانتخاب ومداخلة المنتخبين بإذن المجتهد النافذ الحكومة، وبعد أن تكون الهيئة المنتخبة مشتملة على عدة من المجتهدين العظام على وجه الاطراد والرسمية لتنفيذ وتصحيح الآراء الصادرة. كما أن الفصل الثاني جاء متضمناً للدستور الأساسي كاملاً نكون قد راعينا جميع الجهات والاحتياطات ولم نبق مجالاً لشبهة تنطوي على عامي من عوام الشيعة فضلاً عن عالم من علمائها!
ثالثاً: مضحكات لفقوها على وتيرتهم وغرضهم زاعمين فيها عدم انطباق الوكالة الشرعية على هذه الهيئة الناظرة مناقشين في صحة إطلاق الوكيل على الشخص المنتدب عن الأمة)[554]( وأصبحوا كناقل التمر إلى هجر يطيرون المناشير الشرعية (بزعمهم) إلى النجف الأشرف كعبة العلم وقطب الفضيلة. ولكن فضلاً عن أن إمكان تطبيقها على باب الوكالة الشرعية من جهة المالية التي إنما تعطي لصرفها في إقامة المصالح النوعية ومن جهة سائر المشتركات النوعية التي لا بدَّ فيها من ولي منصوب من الله أوضح من أن يخفى، وعلاوة على هذا كله ليت شعري ما الذي دعانا ـ نحن المعممين العوام ـ بمعنى الوكالة اللغوي أو العرفي الذي هو مطلق إسناد زمام الأمر، وإطلاق عقد الوكالة عليه بهذه المناسبة أيضاً وغير عارفين بمفاد الآية الشريفة أيضاً ـ {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ـ والآية ـ {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} ـ والآية ـ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} ـ التي أطلق الوكالة فيها كلها مع وضوح أن الوكالة الشرعية غير منطبقة عليها. وغافلين حتى عن أن المناقشة في انطباق وعدم انطباق الوكالة الشرعية على الهيئة المذكورة بعد التسليم في صحة المطلب ولزوم إيجاد هيئة كهذه مناقشة لفظية بحتة لا يترتب عليها أي أثر كان، وكون هذا الإطلاق حقيقة أو مجازاً معنى من المعاني الفارغة.
أجل ولو لم يكن تحديد الاستيلاء الجوري منافياً لأغراضهم وأمراضهم الشخصية لما وصلت المسألة لحدود الختم على القلوب والإعماء على العيون لمجرد مساعدة الظالمين وإعانتهم ولكانوا مكتفين من هذه الترهات على الأقل في تشويش أذهان العوام. ولما آل الأمر إلى إرسالها إلى المحطة القدسية والدائرة العلمية ـ النجف الأشرف ـ.
رابعها: ترهات لفقوها على أساس عدم مشروعية التهويل على أكثرية الآراء وكون هذا التعويل بدعة من البدع الكبيرة. أما فساد أنه بدعة فظاهر مما مرَّ عليك في بيان حقيقة التشريع والبدعة ولسنا محتاجين إلى إعادته هنا.
إن من لوازم أساس الشورية ـ وقد عرفت أنها ثابتة بنص الكتاب والسنة ـ الأخذ بالترجيحات عند التعارض والأكثرية عند الدوران لأنها أقوى المرجحات. ولأن الأخذ بطرف أكثرية العقلاء أرجح من الأخذ بالشاذ كما لا يخفى. وعموم التعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة يشعر بهذا المعنى أيضاً. ومع اختلاف الآراء والتساوي في جهات المشروعية يتعين علينا الأخذ بالأكثرية ودليلنا الملزم هو حفظ النظام وبث السلام ومع هذا كله نرى السيرة النبوية والخلفاء على هذا. فإن من المأثور عندنا بتواتر نقل الرواة من الفريقين موافقة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لأكثرية آراء أصحابه في مواقع عديدة. ومنها فعله في غزوة أحد وقد سبقت الإشارة إليه. ومنها في غزوة الأحزاب وقد عول في مصالحة قريش بمقدار من تمر المدينة على أكثرية آراء أصحابه أيضاً وكذلك هي سيرة علي عليه السلام فإن موافقته في قضية التحكيم المشؤومة أكثرية آراء أهل السوء وقد انطلت عليهم حيلة رفع المصاحف أوضح من أن تخفى. وقد قال علي عليه السلام: (كلا لم يكن نصب الحكمين ضلالاً وإنما هو سوء رأي لا غير وحيث كانت الأكثرية متفقة عليه وافقت أنا أيضاً) إلى غير ذلك مما هو خارج عن وضع هذه الرسالة. وما تقدم كان لإبطال الدعوى المذكورة وهو بمثابة حجر تلقم به أفواه أولئك المغرضين.
ولما كان الغرض الوحيد من هذه الترهات هو هدم أساس السعادة وركنها المقوم رأينا أن نقوم نحن بالواجب فنكشف هذه الحقيقة المستورة فيظهر للملأ عامة مبلغ ما يصل إليه التعصّب الأعمى وأما حال بقية الهفوات فظاهر مما مرَّ عليك، كما أن الأوقات أشرف من التعرّض لها والرد عليها.
ويحسن بنا في هذا المقام ذكر جملة كان كتبها بعض الإيرانيين المقيمين في الآستانة عن لسان حالة المشيخة الإسلامية إلى حضرة آية الله الشيخ محمد كاظم الخراساني دام ظله العالي وليس لها علاقة بما نحن فيه اللهم إلا علاقة الضدية التامة للآراء التافهة والهفوات والشنائع الصادرة عن جملة من الإيرانيين الذين ما انفكّوا عبدة للظالمين والجائرين ـ كانت الجملة الآتية في طي البيانات المفصلة الصادرة عن لسان هذا الرجل الوحيد في الاهتمام بتشييد هذا الأساس من السعادة قال: إن هذا السيل الجارف الذي ينحدر علينا من الغرب باسم التمدن والتنور البشري لمن أقوى الأسباب التي يوشك أن تطوح بالدين الإسلامي، فإذا لم نتخذ نحن رجال الدين الاحتياطات الكاملة بإزائه ولم نجعل التمدّن الإسلامي في مقابلته وفي مرحلته كان أساس الدين ـ الدين الإسلامي تجاه هذا التيار الجارف هباءً منثوراً ـ تأمل الفرق من أين إلى أين ـ ترى هذا الرجل الكبير في مقام الاحتفاظ بكيان الدين الإسلامي مع أن استقلال الدولة العلية العثمانية بحمد الله في أعلى ما يتصوّر كيف يتّخذ التدابير ويفكر في العواقب حفظاً للإسلام ويعد هذا الأساس من السعادة لبداهة كونه مأخوذاً من الكتاب والسنة في عداد أجزاء التمدّن الإسلامي ونحن عبدة الظالمين في إيران ندّعي التشيّع على المذهب الجعفري ثم نظهر للملأ بهذا المظهر من الجهل بمداليل الكتاب والسنة النبوية وخصوصاً جهلنا بقيام ضرورة مذهبنا على كون هذه الفرقة من الموظفين مغتصبة جائرة وعلى لزوم تحديد هذا الاستيلاء الجوري وقصر تصرفهم بقدر القوة والإمكان.
في حين أننا نرى عياناً ما كان عليه أمرنا أمس يوم كنا نعد في أول الأمم وفي طليعة الملل، وما آل إليه أمرنا اليوم من المحنة والوقوع في الهلكة القريبة التهلكة، وما ذلك إلا لأنا أخذنا بيد طواغيت الأمة مساعدتهم ورفعنا عنهم المسؤولية عن فعالية ما يشاؤون. ومع ذلك فقد مددنا يد المعونة للظالمين الغاصبين ووافقنا على هدر دماء الأمة، ونهب أموالها وهتك أعراضها، طمعاً منا في أن نقضي الأربعة أو الخمسة أيام الباقية من أعمارنا كما كنا عليه من النهب والسلب والتطاول على أموال يحظرها علينا الشرع لو عملنا به، وما اكتفينا بهذا بل زدنا في الطين بلة فاتحدنا مع أولئك الأجانب الذين لم يألوا جهداً في أن يهدموا أساس سعادتنا، وقد علموا أن بقاءه موجب لخفوق كل مساعيهم التي بذلوها لرفع لجام التحديد عن أفواههم، وأخذنا نضرب في كل يوم على وتر مخصوص وطريقة خاصة، فيوماً نسعى لنشر بذور الفتنة والفساد فنُعَنْون مسألة نظارة هيئة المجتهدين العظام بعنوان المسألة التي هي على الطراز الأول والتي ما فتىء تعيين مصداقها معرضاً للتنازع والتشاجر، ولم نقتنع بهذا بل تقحمنا موضوع كون هيئة المجتهدين أعضاء ولزوم كونهم خارجين عن المجلس، وما ذاك إلا لإخفاق مشروع المجلس النيابي وإبطال رسميته ومع تصريح الفصل الدائر بنظارة هيئة المجتهدين وإمضاء مطاغيهم وحاكميتهم بالنسبة لمخالفة المواد القانونية المعنونة في المجلس وموافقتها مع الأحكام الشرعية وبداهة تأخّر أكثرية الآراء عن هذا المطلب، مع هذا كله لتمويه وجه الحيلة على السذج البسطاء وطمعاً في أن ينضموا إلينا أخذنا نكرر إلقاء شبهة واهية أخرى وهي:
إذا دخلت هيئة المجتهدين في زمرة الأعضاء كان تصديقهم لمخالفة الشرعيات وعدم المخالفة مغلوباً إزاء الأكثرية، وقد عرفت أنها مدار المجلس وعليها التعويل.
ولما لم يروا لهذه وأمثالها رواجاً، ولما لم يخف على كل ذي شعور ما تنطوي تحتها من التغرّض أخذوا يسعون في حيلة رفع المصاحف على الرماح إبطالاً للمشروطية الرسمية ومع قيام الضرورة من مذهبنا على حرمة تصدّي الغاصبين. فقد كتبوا لفظة ـ مشروع ـ على هذه الأعمال السوداء فأثاروا الفتن من كل حدب وصوب، وكان ظاهرهم الاهتمام بالشرعيات وباطنهم إلغاء تحديد الاستيلاء الجوري.
وبالجملة فكلما كان أولئك الظلمة يشتغلون في رفع هذا القيد عنهم بإثارة الفتن والحوادث الداخلية والخارجية لانصراف قلوب السواد العام عن الديمقراطية، كنا نحن عبيد الظلمة نضرب على ذلك الوتر أيضاً، فنأتي بضروب الحيل وفنون المكر والخداع والتزوير والبهتان، إلى غير ذلك مما تقف عنده أهل الحيل، ليس من عرب القرى فقط، بل من كل العالم حائرة مبهوتة وما ذلك إلا لهدم هذا الأساس من السعادة.
وبعد أن يئست الشعبتان الاستبداديتان من نجاح طرق الحيل والمكر أخذتا بسفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال، وبعبارة أخرى بعد أن أخفقتا في سيرة عمرو بن العاص أخذتا بسيرتي جنكيز والضحاك.
كل هذا ونحن واقفون للدفاع عنهم وتصحيح أعمالهم، فنعد سلب الصفقات الأحدية عنهم خروجاً عن ربقة الدين والقيام في وجوههم كفراً وإلحاداً.
يا لنا من فئة طاغية وصمنا الدين الإسلامي بهذه الوصمة المخالفة للضرورة عند كل الملل الأخرى بمرأى من العالم غير مستنكفين ولا خجلين، وألبسنا المذهب الجعفري بفعلنا لهذا المنكر ثوباً يعود عليه بالخزي والشنار عند سائر الفرق الإسلامية الأخرى.
أجل، هي نتيجة طلب العلم لطلب الدنيا، وما ظنك بعاقبة من نثر بذور أكل الأموال بالباطل، وبغاية من حمل مصباح السرقة معه، ونتيجة من رفع علم النهب والسلب؟؟ أفتظن أنها تكون أحسن من هذا؟؟ كلا ثم كلا!! وحاشا لله، ولنعم ما قيل، ولئن تعطي الزنجي الأسود سيفاً يقطع به الطريق خير من تعليمك الجاهل الخبيث علماً.
الفصل الخامس
في ذكر شرائط صحة تدخل المبعوثين عن الأمة في هذا الباب وبيان وظيفتهم العملية على وجه الإجمال.
نريد أن نبين للقارىء في هذا الفصل (الشروط) التي تلزم لصحة تدخل المنتدبين عن الأمة في أمورها السياسية أولاً وحقيقة وظيفة المنتدبين العملية ثانياً.
(المقام الأول)
أما المقام الأول والشروط المعتبرة في عالم صحة ومشروعية تدخل المنتدبين عن الأمة في هذه الوظائف الحسبية العمومية فقد ظهر لديك أن الشرط الوحيد فيها هو حصول الإذن من المجتهد النافذ الحكومة، واشتمال المجلس النيابي على عدّة من المجتهدين العدول العالمين بطرق السياسة لتصحيح الآراء وتنفيذها، كما أن الفصل الثاني من هذا الكتاب جاء بحمد الله متضمناً للدستور الأساسي كاملاً وفوق المأمول. نعم وأنَّا نظن أن قد أدّينا الموضوع حقه هناك فلم يبق عندنا إلا ذكر العمدة والأصل في كل هذه المطالب كاجتماع الشرائط اللازمة والاتصافات في الكمالات النفسية المعتبرة في هذا الباب وهي أمور:
1 ـ العلمية الكاملة في باب السياسات وهي عبارة ثانية عن أن يكون المندوب مجتهداً في فن السياسة ومطّلعاً على الخفايا والحيل المعمولة بين الدول في هذا الباب وخبيراً بخصوصيات الوظائف اللازمة ودقائق مقتضيات هذا العصر حيث نأمل من الله سبحانه أن نحصل من انضمام هذا المقدار الكافي من الاجتهاد في علم السياسة إلى فقاهة المجتهدين المنتخبين لتنفيذ الآراء وتطبيقها على الموارد الشرعية، على قوة علمية لازمة في باب السياسات ليست بأقل من القوة البشرية الكاملة ونكون قد ظفرنا بالنتيجة المقصودة إن شاء الله.
2 ـ الخلو من الأغراض والأطماع وإلا فلو كان في البين أقل غرض شخصي في سلب مال أو ذخيرة أو شائبة طمع وطموح لنيل رياسة أو تطاول لنفوذ رأي ـ لا سمح الله ـ انعكست الآية وانقلبت المسألة من استبداد شخصي إلى استبداد جمعي وهو أقبح من الأول وأفظع. وربما التزمنا بأن يكون المنتدب مهذباً مع ذلك عن سائر الأوصاف الرذيلة كالبخل والجبن والحرص وهذا ما يظهر من العهد الذي عهده علي عليه السلام إلى مالك الأشتر حين ما فوض إليه ولاية مصر حيث قال: ولا تدخلن مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشرة بالجور..
3 ـ الغيرة الكاملة وتحري الخير وطلبه للدين والوطن الإسلامي ونوع المسلمين على وجه يرى المنتدب فيه أن جميع ما يتعلق بالمملكة الإسلامية من حدودها وثغورها هو أعزّ بكثير من حدود داره وثغور عقاره. وأن جميع أموال آحاد المسلمين وأعراضهم ونواميسهم كماله وعرضه وناموسه، يطرب لطرب أفراد المسلمين كما يحزن لحزنهم، معتقداً أن ناموس المسلمين الأعظم ـ دينهم ـ من أهم النواميس التي يجب الاحتفاظ بها مراعياً في منصبه هذا استقلال الدولة الإسلامية، عارفاً أنه ما جلس في مجلسه هذا إلا محافظة على الاستقلال.
وتتمشى هذه الصفات حتى مع الفرق غير الإسلامية نظراً إلى أن لهم حق الانتخاب أيضاً. وذلك لاشتراكهم في المالية وغيرها أولاً ولتوقف تمامية الشوروية الرسمية على دخولهم فيها ثانياً. وأنها وإن لم يترقب من الشخص المنتدب عنها المحافظة على ناموس الدين الإسلامي ـ طبعاً ـ يرجى منها مع ذلك ومن منتدبها، تطلبه الخير للوطن وللنوع، ومجرد اتّصافه بالصفات المذكورة كافٍ لصلاحيته لأن يكون عضواً في المجلس النيابي.
وبالجملة فالمسألة مسألة مجلس نيابي شوروي يتطرق شأن المتصدي للسلطنة ويبحث في صالح الأمة ويقيم الوظائف اللازمة لذلك من حفظ وتنظيم وتعديل وتبديل وإحقاق حقوق ورد مظالم وغير ذلك لا مسألة حكومة شرعية وفتوى وصلاة جماعة. والشروط المعتبرة في هذا الباب ـ باب الأمور الدينية ـ أجنبية وغير معتبرة في ذاك ـ الانتخاب الملي ـ الأمور التي ذكرنا أهمها سابقاً غير مرتبطة هنا أبداً.
ويكفي لكمال المراقبة في عدم صدور أحكام وآراء مخالفة لأحكام الشرع وجود عضوية الهيئة المجتهدة وانحصار وظيفتها الرسمية في هذا الأمر لا غير فيما إذا لم يتعلق بالمسألة أقل غرض أو مرض..
إذاً فأول وظيفة يعتد بها بعد استحكام هذا الأساس من السعادة والذي هو في عهدة المنتدبين من الوطنيين الإيرانيين هي: أن يفتحوا أعينهم وآذانهم في مسألة الانتخاب النيابي تماماً. وأن يتجنبوا في هذا الباب كل غرض شخصي كقرابة زيد وصداقة عمر وعداوة بكر. وأن لا يكونوا مصداقاً لقوله: شر الناس من باع دينه بدنيا غيره كما فعلها غير واحد من منافقي العصر وشياطينه وعبدة ظالميه وفاسقيه. وأن يجعلوا سر الانتخاب نصب أعينهم تماماً ليعرفوا لأي شيء هو هذا الانتخاب وعلى ما يتجمع هؤلاء المنتخبون وما المقصود من هذا كله..!!
فكل من رأوه فيما بينهم وبين الله جامعاً لهذه الأوصاف المذكورة ووجدوه وافياً بالمقصود بحيث يتمكّنون من الخروج من عهدة الجواب لو سئلوا عنه في محكمة العدل الإلهية الكبرى فينتخبوه. أولاً فلا يأخذوا على أنفسهم عهدة مسؤولية انتخاب خمسة عشر مليون نسمة علاوة على سائر المسؤوليات الأخر المترتبة على محض القرابة والصداقة والعداوة وسائر الأغراض الشخصية.. هذا وليقدموا حفظ ناموس الدين المبين والتحفظ على استقلال دولتهم وقوميتهم وحراسة الممالك الإسلامية وحوزة المسلمين على كل غرض آخر كما نشاهده اليوم من سائر الملل الأخرى نسأله سبحانه وتعالى أن يؤيدنا ويسددنا وأن يجمع على الهدى كلمتنا وعلى التقى شملنا بمحمد وآله.
(المقام الثاني)
في بيان وظائف المنتدبين العملية على وجه الإجمال ويلزمنا أن نبين الوظائف السياسية اللازمة لعصر الغيبة مع الإغراض عن المنصب مغصوباً لنقتبس منها وظائف عصرنا الحالي. فالأولى وهي أهمها: ضبط الخراج وتعديله وكيفية تطبيق ما يدخل للمملكة وما يخرج منها.
ومن البديهيات الأولية أن حفظ النظام والتحفظ على حوزة الاسلام غير ممكن إلا بترتيب القوى النظامية وتهيئة الاستعدادات الداخلية وحفظ الثغور والحدود. ومن الواضحات أيضاً أن جميع هذه الترتيبات متوقف على ضبط الخراج وتعديله وحفظه من الصرف في سبيل الشهوات النفسية والإرادات القلبية والميول الطاغوتية. كما صرّح به علي عليه السلام في العهد القديم حيث قال: ـ وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم. ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال للخراج وأهله ـ إلى أن قال: ـ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً.. إلخ ـ وظاهر كما أن في صدر الإسلام من بعد الهجرة وقبل الفتوحات الإسلامية واستيلاء المسلمين على الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة كانت السيرة النبوية المقدسة مستقرة على بسط وتوزيع المصارف النوعية اللازمة على عموم المسلمين والمعاهدين من اليهود وغيرهم وبمقدار تمكّنهم وثروتهم على نسبة متساوية.
والالتزام بهذا كان من جملة شروط معاهدة المعاهدين أيضاً وما كان ارتحاله إلى حصن يهود بني نضير وتشريفه صلَّى الله عليه وآله وسلم إياهم بقدومه إلا لأجل المطالبة بالحصة من الدية الواردة على المسلمين حيث كانت واردة عليهم أيضاً بموجب نص المعاهدة التي بأيديهم وما قضية نقضهم تلك المعاهدة والجلاء المترتب على ذلك النقض بخافية على أحد.
كذلك في هذا العصر أيضاً حيث إن الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة علاوة على أنها مجهولة عيناً غير قابلة لإجراء أحكام الأراضي الخارجية المفتوحة عنوة عليها وذلك (أولاً) لاستقرار أيدي مالكين متصرفين عليها (ثانياً) لاحتمال أن يكون تصرفهم هذا مستنداً إلى نقل صحيح شرعي على فرض معلوميتها. لهذا ترانا تصحيحاً للأعمال المتعلقة بالمالية مضطرين للسير على تلك السيرة المقدسة النبوية في صدر الإسلام في تعيين المصارف اللازمة لحفظ وتنظيم الشعب، وإخراجها من أفواه أولئك الخلق الذين ابتلعوها بواسطة خيانة الخائنين، وتوزيعها بتعديل صحيح ومميز علمي على أرباب المستغلات والتجارات المواشي وغيرهم على نسبة متساوية وبمقدار انتفاعهم من تمكّنهم وثروتهم، وإيصالها إلى طبقات الموظفين والعمّال بمقدار لياقتهم وخدمتهم للنوع، وحفظها من الحيف والميل ومن أن تصرف في أنحاء الفجور والفسوق والطرق التي أدّت إلى ما نحن فيه من الحالة الراهنة..
ومن صحح أمر الخراج بهذه الكيفية وطبق على السيرة المقدسة النبوية وجب أداء الخراج على كل مسلم نظراً لتوقّف حفظ البلاد الإسلامية عليه. وجاز لكل موظف أن يأخذ منه مقداراً لا يتجاوز درجة خدمته ولياقته بدون شبهة فيه.
وإن كان من المستحيل إعادة تلك الطائفة المتلصصة الشريرة ـ المتعممة والمتطربشة ـ بهذا المقدار المذكور بعد أن اعتادت على ما اعتادت عليه من السلب والنهب والعبث بأموال الأمة والتطاولات التي لم تعد على الشعب إلا بالخراب والبوار. وما تحفزهم وتحشدهم وتظاهرهم هذا ضد المنتخبين إلا لأن هؤلاء عزموا على قطع جذور التجاوزات والتطاولات التي هي فوق العادة. ومع هذا كله فإننا نعلق الآمال الجسام على دخول المنتدبين في هذا الباب من طريق السياسة والكياسة والحكمة والمعرفة وتأسيس هذا الأساس صحيحاً وتشييد هذا البناء محكماً أن يمكننا إرجاع عموم الموظفين ونوع المسلمين في البطون اللاحقة والأجيال المقبلة إلى فطرتهم الإسلامية الأصلية وذلك بواسطة إحداث مكاتب ومدارس كافية في كل الجهات لتربية العقول وتهذيب الأخلاق وتكميل القوى العلمية والعملية كما يمكننا أيضاً تهذيبهم عن هذه الرذائل التي ورثوها عن معاوية وسائر أغصان شجرته الأموية المعلونة.
وتفهيم نوع المسلمين بوجوب أداء الخراج المفروض عليهم حفظاً لنظام الممالك الإسلامية وجواز بل لزوم أخذه وصرفه في المصارف المذكورة بعد تعديله وتوزيعه على النهج المذكور وتفريقه على مستحقيه بمقدار خدمتهم للنوع، وحفظه من الحيف والميل إلى غير ذلك.
وكما أنهم غير متكاسلين ـ بحمد الله ـ في أداء سائر الحقوق الواجبة الإلهية بمقتضى ديانتهم الإسلامية. كذلك يكون شأنهم وتكليفهم الديني بالنسبة للخراج بعد تطبيقه على السنة النبوية يؤدّونه غير متهاونين ولا متوقفين في أدائه. أما في الحالة الحالية وحيث يكون أخذه واستيفاؤه طبقاً للشهوات الجائرة الطاغوتية والمظالم الاستبدادية فهو حرام في حرام، وأما بعد هذا التصحيح والتعديل والضبط والتسوية فلا تقل أهميته عن أهمية سائر الواجبات النوعية المشروعة حفظاً للنظام وصيانة لحوزة الإسلام ويكون بمثابة التكاليف المحضة لا غير.
ويحسن بنا ونحن في هذا الصدد ذكر أوامر ودستورات كلية صادرة عن علي لأجل أن يعرف أن كل ما عند الأقوام الأجنبية هو غيض من هذا الفيض. ولنعرف إلى أي درجة ظلمنا أنفسنا فقنعنا من التشيع بمحض الادعاء قال عليه السلام في خطبته الواردة في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي:
«أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف، لا تجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه، وتوسعاً منه بما هو من المزيد أهله، ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض، وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق، حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاماً لأنفسهم، وعزّاً لدينهم فليست تصلح إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرعية واليها وأجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور، وكثر الأدغال في الدين وتركت محاج السنين، فعمل بالأهواء، وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، فعليكم بالتناجح في ذلك، وحسن التعاون عليه، فليس لأحد وإن اشتدّ على رضاء الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة له، ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم، ـ إلى أن قال عليه السلام ـ وإن أسخف حال الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوزع أمرهم على الكبر ـ إلى قوله ـ فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة..».
بربك أجل بطرفك في الفوائد والقواعد المستفادة من كل فقرات هذه الخطبة لتعرف منها أصل مأخذ علم الحقوق الذي دوّنته علماء أوروبا وافتخرت به على سائر الأمم الأخرى وهل علم الحقوق وفصوله وأصوله إلا من أشباه ونظائر هذه الخطبة وقد وكّلنا شرح ذلك إلى رسالة أخرى نكتبها بعد هذه إن شاء الله تعالى.
ـ من أصول وظائف المنتدبين ومهامها تشخيص كيفية وضع الدساتير وتقنين القوانين وضابط تطبيقها على الشرعيات وتمييز المواد القابلة للنسخ والتغيير من غيرها، اعلم أن كل الوظائف الراجعة لحفظ المملكة وتدبيرها وتنظيم أمور الأمة وسياستها ـ سواء كانت دساتير أولية متكفلة أصل القوانين العملية الراجعة للوظائف النوعية أو ثانوية متضمنة عقوبات مترتبة على مخالفة الدساتير الأولية ـ على كل تقدير لا تخرج من أحد قسمين لأنها بالضرورة إما أن تكون منصوصات وظيفتها العملية معيّنة وحكمها في الشريعة المطهرة مضبوط أو غير منصوصات ووظيفتها العملية بواسطة عدم اندراجها تحت ضابط خاص وميزان مخصوص غير معيّنة وإنما هي موكولة إلى نظر الوالي النوعي وترجيحاته، وكما أن القسم الأول لا يختلف ـ طبعاً ـ ولا يتغير باختلاف الأعصار وتغير الأمصار ولا يجزي فيه غير التعبّد بمنصوصه الشرعي إلى قيام الساعة ولا يتصوّر فيه أي وضع آخر أو وظيفة أخرى كذلك يكون القسم الثاني تابعاً لمصالح ومقتضيات الأعصار والأمصار ويختلف باختلافها ويتغير بتغيرها، وكما يكون موكولاً إلى نظر المنصوبين من الولي المنصوب من الله وترجيحاتهم مع حضوره وبسط يده كذلك يكون في عصر الغيبة موكولاً إلى نظر وترجيحات النواب العموميين أو من كان مأذوناً عمّن له ولاية الإذن بإقامة هذه الوظائف المذكورة وبعد وضوح هذا المعنى وبداهة هذا الأصل تترتب عليه الفروع السياسية على هذا الترتيب:
1 ـ هو أن القوانين والدساتير التي يجب المراقبة والتدقيق في تطبيقها على الشرعيات كما ينبغي مقصورة على القسم الأول ولا موضوع لها في القسم الثاني بتاتاً.
2 ـ هو أن أصل الشوروية التي عرفت أنها أساس السلطنة الإسلامية بنص الكتاب والسنة التي ابتنيت عليها السيرة النبوية هي من القسم الثاني لا غير. وأما القسم الأول ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ فخارج عن هذا العنوان رأساً ولا محل للمشورة فيه أصلاً.
3 ـ هو أنه كما أن ترجيحات الولاة والعمّال المنصوبين بإذن الولي في عصر حضور الولي وبسط يده تكون ملزماً شرعياً على الوجه الثاني لا يجوز التخلّف عنه، ومن هنا كانت إطاعة الولي في عرض إطاعة الله ورسوله كما في الآية المباركة {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولِ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ})[555]( بل كانت إطاعة مقام الرسالة والولاية معاً في عرض إطاعة الله عز اسمه. بل كان هذا الأمر من الوجوه والمعاني لإكمال الدين بنصب ولاية يوم الغدير..
كذلك تكون ترجيحات النواب العموميين أو المأذونين من جانبهم في عصر الغيبة لا محالة ملزماً شرعياً بمقتضى نيابتهم الثابتة القطعية. فانكشف لك بما قدّمناه فساد حال الهفوات والأراجيف التي ضرب على وترها المغرضون بكل نغمة حيث قالوا إن الإلزام والالتزام بهذا القانون بدعة من البدع زاعمين أنه بلا ملزم شرعي كما ظهر لك أيضاً أن لا منشأ لكل هذه إلا التغرّض السيىء وعدم الاطّلاع على مقتضيات أصول المذهب.
4 ـ حيث إن معظم السياسات النوعية داخلة في القسم الثاني ومندرجة تحت ولاية ولي الأمر أو نائبه الخاص أو نائبه العام وترجيحاتهم وأصل تشريع الشوروية في الشريعة المطهرة بهذا اللحاظ لهذا يجب علينا تدوينها بصورة قانونية نظراً لتوقف حفظ النظام وضبط أعمال المغتصبين عليها كما أن منع هؤلاء عن التجاوز والتعاون منوط بتدوينها كذلك. وأما القيام بهذه الوظيفة الحسبية مع ملاحظة ما نحن فيه من الحالة الحالية وتوقف رسميتها ونفوذها على صدورها عن المجلس النيابي الرسمي فهو موكول إلى دراية المنتدبين عن الأمة وكفايتهم ومأخوذ على عهدتهم وهو مع إمضاء وإذن من له ولاية الإذن كما تقدّم سابقاً جامع لجميع شروط الصحة وجهات المشروعية وخالٍ من كل شائبة إشكال أو شبهة. وما قولنا إن الهيئة المنتخبة هي هي المقننة ولها القوة العملية إلا نظراً لهذا المعنى لا غير..
وقد ظهر لك مما ذكرناه فساد شبهة المغرضين القائلين ـ تحكّماً ـ إن نفس تقنين هذه القوانين هي مقابلة لصاحب الشريعة الغراء.
5 ـ كما أن القسم الثاني من السياسات النوعية غير مندرج تحت قانون معيّن ولا محدود بميزان مخصوص. وإنما يختلف باختلاف الأعصار والأمصار ويتغير بتغير المصالح والمقتضيات ولهذه الجهة لم ينص عليه بالشريعة المطهرة بل أوكل إلى ترجيح من له ولاية النظر، كذلك كانت القوانين المتعلقة بهذا القسم مختلفة باختلاف المصالح والمقتضيات وواقعة في معرض النسخ والتغير، وليست مبنية على الدوام والتأييد شأن القسم الأول. ومن هنا نعرف أن قانوناً متكفلاً جميع هذه المصالح والمقتضيات واقعاً في معرض النسخ والتغيير منطبقاً على الوظيفة الحسبية لهو من الأهمية بمكان كبير.
يحار الإنسان عندما يرى أن هذا الأجنبي الغير المطّلع على الدقائق الإسلامية استطاع أن يستفيد من هذه الوظائف المهمة استفادة دقيقة صحيحة. وأعجب من هذا أولئك المنتحلون للدين الإسلامي وجهلهم أو تجاهلهم بمقتضيات الأصول المذهبية وترديدهم المغالطات السوفسطائية والتي ضربوا عليها بألحان مختلفة تشويشاً لأذهان العوام والبسطاء حيث قالوا موردين على هذا النسخ والتغيير: ـ هل هو عدول عن الواجب للحرام؟! وعن الحرام للواجب؟ أو عن المباح للمباح؟ ـ وقد عرف أن هذا العدول خارج عن جميع هذه التشقيقات وليس هو إلا من قبيل العدول عن الفرد الواجب لفرده الآخر الواجب والقدر المشترك بينها الذي هو حفظ النظام وسياسة أمور الأمة واجب حسبي واختيار الأفراد تابع لخصوصيات الأعصار ومقتضيات الأمصار وموكول إلى ترجيح من له ولاية الأمر ولزوم العدول عن الفرد الأول للفرد الثاني مع أصلحية هذا وأرجحيته من أوضح الواضحات.
ويجدر بنا أن نتمثل في شأن تلك الإصابة المحيرة للعقول وهذه المغالطة المضادة للمأمول يقول القائل: لقد حن قدح ليس منها.
6 ـ من الوظائف السياسية اللازمة تجزئة قوى المملكة بحيث تنضبط كل شعبة من الوظائف النوعية تحت ضابط صحيح وقانون علمي. وأما النظر فيها فهو موكول إلى دراية المجربين وكفاية الخبيرين في تلك الشعبة مع المراقبة التامة في عدم التجاوز والتعاون. ويعرف مؤرخو الفرس هذه التجزئة عن جمشيد وقد أمضاها علي عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر إذ يقول: ـ واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة. ومنها قضاة العدل. ومنها عمّال الإنصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات ـ إلى أن يقول عليه السلام ـ فالجنود بإذن الله حصون الرعية. وزين الولاة وعز الدين. وسبل الأمن. وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم. ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم. ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتاب لما يحكمون من المعاقد. ويجمعون من المنافع. ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات.
7 ـ ومن الواضح اندراج جميع وزارات الدولة المتمدنة اليوم في هذه الأصناف المذكورة إذ بالضرورة شغل وزارة المالية والداخلية والدفترية مندرج تحت عنوان الكتاب وجميع المحاكم داخلة تحت عنوان القضاة. وأما الوزارة الخارجية فهي في ذلك العصر بلا محل ولا فائدة. وقد شرع عليه السلام بعد هذا الفصل فذكر طبقة طبقة وصنفاً صنفاً ووصف كل طبقة من هذه الطبقات وكل صنف من هذه الأصناف المنتدبة للرياسة بأوصاف وهي في عصرنا أندر من الكبريت الأحمر. وبالحري بنا وقد كان (المرحوم آية الله الشيرازي) مشغوفاً بمطالعة هذا العهد والمواظبة على الاقتباس من أنواره الساطعة أن نجعله أنموذجاً لنا في جميع أعمالنا السياسية والشرعية كل على مقدار أعماله ومزاولته لهذه السيرة الحسنة، وأن لا نهمله نحن وينقله الأوروبيون ويترجمه موثقوهم إلى لغاتهم أجمع، ولنختم هذا الفصل مكتفين بما قدّمناه من استقصاء أصول الوظائف السياسية موكلين بقيته لعهدة المنتدبين وكفايتهم ودراية هيئة المجتهدين النظّار على المجلس بعد تجديده وتشييده بعون الله تعالى.
الخاتمة وفيها مقصدان
المقصد الأول
وهو في استقصاء جميع القوى الملعونة في الدولة الحالية.
(الأولى) وهي روح كل القوى الآتية ومنشأ كل تلك المدمرات جهل الأمة وعدم اضطلاعها بوظائف السلطنة وحقوق الملة. ومن الواضح البديهي كما أن العلم ينبوع كل الفيوضات والسعادات كذلك الجهل منبع كل الشرور الفيّاض ومنشأها الحقيقي وهو الموصل الوحيد إلى أسفل الدركات…
جهل ـ ما يدعو الإنسان إلى عبادة الأوثان وتشريك الفراعنة والطواغيت مع الذات الأحدية في جميع الصفات والأسماء الخاصة به عز اسمه.
جهل ـ ما ينسي هذا الإنسان المسكين حريته الإلهية ومساواته من ربه مع جميع الطواغيت والجبابرة وغاصبي حريته وحقوقه النوعية ويدعوه إلى أن يصنع بنفسه طرق رِقِّيَّته المشؤومة على عاتقه فيئن تحته ويضج وربما كانت حريته أعظم المواهب الربّانية والنعم الإلهية وأهم مقاصد الأنبياء والأولياء.
جهل ـ ما يدعو هذا الإنسان بالصورة والبهيمة بالسيرة إلى بذل جميع ما يملك من القوى في احكام أساس رقيته واستعباده وعوضاً عن أن يجدّ ويجتهد في سبيل خلاصه واستنقاذ أخوته بالدين والوطن من أنياب تلك الاستعبادية الاسترقاقية وعوضاً من أن يطلب حريته وسعادتهم تراه يريق دماءهم وينهب أموالهم ويهتك أعراضهم زاعماً أن التملّص من الدين والناموس من لوازم الشجاعة، وعبادة الظالمين وارتكاب أشنع أنحاء الظلم والفسوق والفجور وقطع الطريق من متعلقات الشهامة والأريحية. ولو استطعت أن تسأله معترضاً لما أجابك إلا أني ما ارتكبت الذي ارتكبته إلا خدمة لديني ووطني. فما أشبهه إذن بأراذل الكوفة وأوباش الشام يفتخر بقتل العلماء والسادات وأسر الأخيار والأحرار وهتك الأعراض ونهب الأموال غير مبالٍ إذا ما عد في عداد يزيد من وإلى يزيد.
جهل ـ ما يدعو هذا الصنف من الحيوان على رجلين والذي هو كالأنعام بل أضل سبيلاً أن يتّحد مع أعدائنا الروس الذين لم يكن همهم إلا إعدام الدين والدولة واستئصال الملّة والشعب وعوضاً عن أن يبذل نفسه ونفيسه في سبيل حفظ دينه وحراسة وطنه الإسلامي نراه يرتكب هذه الشنائع باسم الدين وحب الدين وبعنوان الدولة وخدمة الدولة.
وما مسجودية الفراعنة والطواغيت، ومعبودية البقر في الهند. وتملك الأمويين والعباسيين وأخلافهم في الرقاب، واتّباع الإيرانيين بل ونوع المسلمين كل ناعق وميلهم مع كل هوى وغفران الباباوات ذنوب أمّتهم الخاطئة، وجلوس اليهود منتظرين النبي الموعود. واعتقاد الأزليين والبهائيين في صاحبهم أنه خالق العالم وفاعل لما يريد، وتبعية المسلمين لعبدة الظلمة في آخر الزمان وبقايا خوارج النهروان إلى غير ذلك من الشنائع والفضائح إلا نتيجة من نتائج الجهالة (أم الشرور والأمراض) وكل بلاء وقع على رأس أمة أو يقع من ابتداء العالم إلى انقراضه إلا وهو متولد من هذه الأم الخبيثة، وناشىء عن هذا الداء العياء، وإحصاء شمة منه يحتاج إلى دفاتر وطوامير وخارج عن وضع هذه الرسالة الموضوعة على سبيل الاختصار.
(الثانية) هي شعبة الاستبداد الديني ويعتبر علاج هذه القوة بعد علاج سابقتها من أعسر الأمور وأصعبها وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولاً، ولاعتبارها جزءاً من أجزاء الدين ثانياً، وقد عرفت حقيقتها في المقدمة إجمالاً، وعرفت أيضاً أنها عبارة عن الإرادات التحكمية لا غير، وقد أظهرها المنسلكون في زي الرياسة الروحانية بعنوان الديانة، وخدعوا الشعب الجهول لفرط جهالته وعدم خبرته بمقتضيات دينه بوجوب إطاعتهم، وعرفت أيضاً أن هذه الإطاعة والاتّباع الأعمى حيث لم تستند على حكم إلهي معدودة في مراتب الشرك بالذات الأحدية بنص الآية المباركة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ})[556]( والأخبار الواردة في تفسيرها دالة على عبادتهم لهم، وفي عنوان الرواية المندرجة في الاحتجاج داخلة أيضاً.
أما أصل هذه القوة المشؤومة واختراعها وأعمالها في الإسلام فهي من بدع معاوية بن أبي سفيان وقد استعملها مقابلة لعلي عليه السلام حين جمع حوله عدّة من عبيد الدنيا من قبيل عمرو بن العاص، ومحمد بن مسلمة، ومسلمة بن مخلد، والمغيرة بن شعبة، وأشباههم من الذين كانوا يعدّون في أنظار العوام في عداد الصحابة، وقد حصلوا على نفوذ ومطاعية لدى عوام الناس بهذا الاعتبار أيضاً وبواسطة اتفاقهم على تفريق الكلمة عن علي عليه السلام ـ هؤلاء من جهة ـ ومن جهة أخرى أبو موسى الأشعري، ومعاوية وإن كان مأيوساً من معونة أبي موسى الأشعري العلنية كان مقتنعاً منه باعتزاله وتقاعده عن نصرة الحق وخذلانه علياً عليه السلام وتزهّده الصوري الذي طالما خدع به عوام الأمة وجهلاءها.. وقام معاوية حينذاك يحكم أساس الاستبداد في الإسلام ويبنيه على معية تلك الطائفة التي قادها عرض الحياة الدنيا إليه وعلى سكوت هذه الطائفة الأخرى واعتزالها عن عالم السياسة.
ومن ثم أخذ استبداده واستعباده رقاب الأمة يتشيّد شيئاً فشيئاً إلى أن انتهى برواج سب أمير المؤمنين على منابر المسلمين وقد سمعوه ووعوه تماماً غير أن حفظ اعتبارهم ورعاية منفعتهم كانت عندهم أهم وأدعى للملاحظة فانقسموا بين معين له على هذا الكفر العلني وبين من آثر السكوت على أية حركة أخرى..
وقد استعان بهذه القاعدة غير واحد من طواغيت الأمويين وفراعنة العباسيين من أخلاف معاوية على تملّك رقاب الأمة ومحو أحكام الشريعة الإسلامية وأخذوا من سيرته هذه أنموذجاً لعملهم فقد كانوا دائماً يستعينون بمساعدة قوم وسكوت آخرين.. ولم تمر العصور والأجيال حتى أصبح الارتباط والاتحاد بين الاستبداد السياسي المأخوذ من سيرة معاوية على أتم ما يكون حتى انتهت المسألة من اتحاد هاتين الشعبتين الاستبداديتين إلى درجتها المشهودة وحالتها الحالية، فقد أصبح الاتحاد مع الظلمة والطواغيت سبباً لنفوذ الكلمة والمطاعية الكاملة كما أصبحت مساعدتهم بالسكوت وعدم الإعانة على رفع الظلم رأس مال يشترى به ويباع فيضلل به هؤلاء العوام الذين هم كالأنعام أو أضل سبيلاً ولا بيان بعد العيان ولا أثر بعد عين، ولنعم ما قيل: ـ يتمشى عرق الماء المالح مع عرق الماء العذب في هذه الخلائق من أول خلق الدنيا إلى يوم النفخ بالصور ـ ومضمون هذا مأخوذ من أخبار الطينة..
(الثالثة) من تلك القوى الملعونة نفوذ معبودية السلطان في المملكة، وجعلها فوق مراتب الدرجات العلمية والعملية وسائر الجهات الموجبة للتفوق والامتياز بأسرها وتقريرها مرجعاً لأمور الجيش والجند وسائر نوعيات المملكة بحيث تكون هذه تابعة لتلك الخصلة الرذيلة الخبيثة بكل معنى الكلمة بمقدار مراتبها ودرجاتها تعطي المناصب.
وبدرجة رسوخها في القلوب يفوض زمام أمور المملكة وشؤونها…
أعمال هذه القوة من أهم المقدمات لاستعباد رقاب الأمة ودرجاتها مختلفة أيضاً باختلاف درجات تملك الملّة واسترقاقها.
إن نفوذ معبودية السلطان في المملكة هو ما جعل الجهل والخمول بحالة لا يرجى معها علاج ناجع. وهو ما دعا لقلع جذور العلم والمعرفة وسائر موجبات السعادة والحياة الملية عن المملكة كلها. لأنها أضحت غير مفيدة بل مضرة بترقيات الشعب وتقدمه بواسطتها. وهو ما أدّى إلى اضمحلال القوى الملية وعدمها وجعلها بإزاء هذا المغتنم الخارجي كالصعوة في مخالب الأجدل حتى أصبحت الأمة ليلاً ونهاراً محتاجة إلى أشياء طالما كانت متنعمة بها على أحسن حال…
إن رسوخ معبودية السلطان في جذور الأمة وعروقها هو ما جعل حتى المنسلكين في زي أهل العلم ـ فضلاً عن العوام ومع العلم بقيام الضرورة من الدين الإسلامي على حرمة إعانة طواغيت الأمة في فاعلية ما يشاء والحاكمية بما يريد باقتضاء جبلتهم الثانية ـ يزينون للناس ويحبذون لهم مشاركتهم في هذه الإعانة (وقد عرفت أنها من أعظم مراتب الشرك بالذات الأحدية) ومع هذا كله فهم يظهرون لهم أنه دين أو أنه من الدين فيقدمون على هذه الوصمة الشائنة في ساحة الدين الإسلامي ويحملون هؤلاء على أن يبذلوا جميع ما في أيديهم في سبيل هذه العبادة الصنمية من حيث لا يشعرون… إن تقريرهم كون نوعيات المملكة تابعة لدرجات هذه الرذيلة الخبيثة هو ما أدّى إلى أن يصبح كل رذيل ساقط، بكل معنى الكلمة مالكاً زمام مهام المملكة ورقاب الأمة، ومنتزعاً بكمال القوة والشوكة من دون أي تعب واستحقاق أو مالكية كل ما تحت يد هؤلاء الأرقاء والأذلاّء.
وليته يقنع بهذه وأشباهها وأنّى لنا بهذا فهو يبيع مدخل المملكة ومخرجها وشعب ثروتها وعمرانها وجميع جهات حفظ استقلالها وكل مقومات استقلال المسلمين معها بأقل تملّق وتزلّف وما ذلك إلا أنه عار عن العملية والشعور مسلوب الغيرة إزاء وطنه. جاهل بالواجبات التي تفرضها الوطنية والقومية عليه. وبأقل نفع يصوره له الطمع والجشع يعطي امتيازات المملكة ويعقد المعاهدات المنحوسة التي لا تعود على مملكته وملته وحياة قوميته الإيرانية إلا بالخراب والدمار والويل والبوار..
إن تفرق كلمة الدولة والملّة وتنفر قلوب الأمة عن سلطانها وتوحش قلب سلطانها منها، وهلاك كل سلطنة قديمة تؤول إلى أعمال هذه القوة الخبيثة، وتستند إلى هذه الفرقة من الناس المتّصفة بهذه الصفة الرذيلة، فعدم وقوفهم في اغتصاب ثروة الأمة ومكنتها على أي حد يوجب تنفر قلوب الأمة من سلطانها وبالعكس اهتمامهم في تظاهرهم بمظهر عبادة السلطان وحب الدولة والتحفّظ على السلطنة، وإهمالهم مع ذلك هجوم الأمة واغتيالاتها مدعاة لأن يتوحّش قلب السلطان من رعيته، وبالضرورة وتكرر التجربة وملاحظة تواريخ الأعصار السابقة يكون مثال هذا التوحّش والتنفر ونتيجة إعطاء هذا النفوذ لهذه العبادة الوثنية عادة إلى زوال المملكة وانقراضها فتصبح كخبر كان وأمس الدابر، ولم يغفل أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر هذه الفرقة بل قال محذراً منها ومن مساعدتها وإعانتها:
«وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك معهم..) المراد من كلمة (أهل الخاصة) هو هذه الفرقة الساقطة الذين لا يألون جهداً في أن يتصلوا ويتقرّبوا إلى السلطان وولاة الأمور ومراجع الحكومات بعنوان أنهم من عبيد السلطان ومحبي الدولة، ويقول أيضاً في لزوم حسم مادة هؤلاء في ذلك العهد المتقدم: «ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحاميتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تقر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك، يحملون مؤنته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة، والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد… إلخ».
(الرابعة) من تلك القوى الملعونة إلقاء الخلاف فيما بين الملة وتفريق كلمة الأمة، وهذه القوة الخبيثة وإن كانت مستندة إلى القوة الأولى ـ الجهالة ـ وفعليتها الخارجية مبنية على تلك الشعبة الاستبدادية الدينية ومعبودية السلطان فليس لها وجود خارجي تستقل به في عرض هذه المقدمات الثلاث، ولكن حيث إن الاستعبادات الواقعة في الأمم السابقة والحاضرة وهذه الأمة منها منتهية ـ طبعاً ـ إلى تفرّق الكلمة الملية، وليست القوى الثلاث المتقدمة إلا من قبيل المقدمات لها، وفي الحقيقة هي بالنسبة لها نتيجتها المطلوبة والجزء الأخير للعلة وكل الأصول السابقة معدّات لها، ومن هذه الجهة كانت جهات الاستعباد في لسان الآيات والأخبار مستندة إلى تفريق الكلمة وتشتت الأهواء، واختلاف الآراء، قال عز من قائل: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفَ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ})[557]( ـ وكلمة شيعاً ـ مفسرة بمتفرقين ودلالة هذه الآية على أن فرعونية السلطنة وكونها استعبادية مبتنية على تفريق الكلمة ظاهرة واضحة..
ولعلي عليه السلام في خطبته السابقة القاصعة التي نقلنا منها في المقدمة ما يتعلق بحقيقة السلطنة الاستعبادية تصريحات مهمة أحببنا نقلها هنا حبّاً لتشخيص الداء وتتبع الدواء وطمعاً في أن نطلع أولئك المتشيعين المخلصين الخالين من شوائب الأغراض الاستبدادية الاستعبادية على أوامر إمامهم ودستور عمله الذي فرضه عليهم لنكون قد نبّهناهم على شناعة التزلّف إلى الظلمة والتقرّب إليهم، وقباحة عدم موافقتهم على استنقاذ حريتهم المغتصبة قال:
«واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا مثالهم، فإذا تفكّرتم في تفاوت حالهم، فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم، وزاحت الأعداء له عنهم ومدت العادية فيه عليهم، وانقادت النعمة به معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة، واللزوم للإلفة والتحاض عليها، والتواصي بها، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم، وأوهن متنهم من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الأيدي، وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء وأجهد العباد بلاء وأضيق أهل الدنيا حالاً، اتّخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب وجرعوهم المرار، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة، وقهر الغلبة لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلاً إلى دفاع، حتى إذا رأى الله جد الصبر على الأذى في محبته والاحتمال للمكروه من خوفه جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً فأبدلهم العز مكان الذل والأمن مكان الخوف فصاروا ملوكاً حكاماً وأئمة أعلاماً وبلغت الكرامة من الله لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم، فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة والأهواء متفقة والقلوب معتدلة والأيدي متوافدة والسيوف متناصرة والبصائر نافذة والعزام واحدة، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين وملوكاً على رقاب العالمين، فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة وتشتتت الإلفة واختلفت الكلمة والأفئدة وتشعبوا مختلفين وتفرّقوا متحاربين قد خلع الله عليهم لباس كرامته وسلبهم غضارة نعمته، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين منكم واعتبروا بحال ولد إسماعيل وابن إسحاق وإسرائيل عليهم السلام فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال.. تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرّقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريق الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين أخوان دبروا بأرذل الأمم وأجدبهم قراراً لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ولا ظل ألفة يعتمدون على عزّها فالأحوال مضطربة والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل وأطباق جهل من بنات مؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً فعقد بملّته طاعتهم وجمع على دعوته إلفتهم كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها والتفت الملّة بهم في عوائد بركتها فأصبحوا في نعمتها غرقين وعن خضرة عيشها فكهين قد تربعت الأمور بهم في ظل سلطان قاهر وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب وتعطفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت فهم حكام على العالمين وملوك في أطراف الأرضين».
وفي مواقع أخر عديدة من خطبه المباركة والأخبار الواردة في هذا الشأن تصريحات لطيفة يؤخذ منها كلها أن حجر الزاوية الأساسي لكل الاستعبادات والاستبدادات هو تفرّق كلمة الأمة وما تضمحل قومية أي أمة حتى تتفرق كلمتهم وتختلف أهواؤهم، وهي من وجهة الدليل والبرهان من البديهيات الأولية أيضاً فإن الضرورة قائمة على أن الجهة الحافظة لحقوق الشعب النوعية ومن أعظمها حرية رقابهم وناموسهم الأكبر ـ دينهم ـ واستقلال قوميتهم منحصرة في تلك الجامعة النوعية ومتوقفة على استحكام أساسها الأول كل الآفات المترتبة على الفتور والتهاون في مراعاة تلك الجامعة في ذهاب حيرة رقابهم وابتلائهم بقهر طواغيت الملة وأقويائهم الداخلية إذ يستولون بقوتهم وقهرهم على ضعفاء الأمة وفقرائها بعد أن تكون قد انعدمت من البين قوة دفاع هؤلاء التي هي وحدتهم واتّفاق كلمتهم ـ طبعاً ـ وأصبحوا ولا ملجأ لهم إلا الخضوع لتحكّمات أقويائهم ومتجبريهم.. ويكون المتجبرون بعملهم هذا وبغرض استئصال كل قوة يمكن أن تستعملها الأمة لتخليص رقابها من أيديهم قد أعدموا تدريجاً من أمّتهم جامعتها النوعية وقواها الدفاعية وكل قوة يمكن للأمة أن تستخدمها في سبيل دفع عوادي الأمم الأجنبية المهاجمة..
وآخر ما ينشأ من أعمال القوى الاستبدادية الاستعبادية ونبذ جذور العلم والمعرفة من المملكة وإعطاء النفوذ لمعبودية السلطان وغيرها من القوى الملعونة وشدة المواظبة على المنع من الاجتماعات وسائر ما هو موجب لحياة الملّة وتيقّظ الأمة هو وقوع كل هاتيك القوى النوعية في مخالب الأجانب حتى تنتهي المسألة إلى حالة تخافون أن يتخطفكم الناس وما حالتنا الحالية في إيران إلا عيان هذا البيان ووجدان هذا البرهان.
(الخامسة) من تلك القوى الملعونة قوة الإرهاب والتخويف والتعذيب والتنكيل وهذه مأخوذة من سيرة فراعنة السلف وطواغيت الأمم مع دعاة الحرية والموهوبة الإلهية بأنواع التعذيبات النازلة على تلك الأنوار الطيبة من القتل والأسر والتنكيل والتمثيل والحبس في المضائق ودس السموم وهتك الأعراض ونهب الأموال إلى غير ذلك مما لم يبق على أحد منهم أبداً..
أعمال هؤلاء القساة الطغاة ناشئة عن تشفيهم من أولئك الأشراف والأمجاد أولاً وعن طمعهم في قلع وقمع شجرة الإباء والحرية لئلا تتسرى للعموم ثانياً وعن غرض تخويف الأمة لتمكّنهم من أسرها ورقيتها ثالثاً، ودرجات هذه الأعمال مختلفة أيضاً باختلاف مراتب القسوة والانسلاخ من الفطرة الإنسانية وعدم الاعتقاد بالمبدأ والمعاد والقيامة والعذاب. وكما انتهت دورة فراعنة الأمة وطواغيتها وابتلاء الملة بأسرها وقهرها وذلّة عبوديتها في هذه الأيام إلى نقطتها الأخيرة كذلك وصلت درجة القساوة والصلافة والتملّص من الدين الحنيف والسير على مبدأ الفراعنة والطواغيت لأعلى مراتبها، حتى أن الأمور التي لم يكن لها في التاريخ سابقة أبداً أصبحت مشاهدة متعارفة. وأصبحت الكلمة المترددة على الألسن دائماً من أن يزيد وابن زياد وشمر وعمر بن سعد وسنان وغيرهم في كل وقت كثيرون ومنتشرون وليس في مقابلتهم إلا الحسين فقط مشهورة عياناً لها منها عليها شواهد كثيرة، وفي الأخبار الواردة في الطينة من تشابه مكنونات النفوس ومكموناتها شاهد على ما نقول..
(السادسة) من تلك القوى الملعونة ارتكاز رذيلة الاستبداد والاستعباد في قلوب الأكابر وفطرة الأشراف وجبلة الأقوياء على اختلاف طبقاتهم وانتشار التزوير والمعاملات والتحميلات الناشئة عن الإرادات الشهوانية والتحكّمات النفسية انتشاراً هائلاً إلى حد أصبحت كأنها طبيعية فيهم لازمة لهم حتى صار نوع الأقوياء في المملكة وخاصة الملاكين منهم ـ بواسطة منافاة التسوية والعدالة لأغراضهم وجهلهم بأن حفظ دينهم وشرف استقلالهم متوقف عليها وغلبة حب العاجلة على الآجلة والأهواء الزائلة على الإدراكات العقلائية ـ متّفقين متّحدين مع منشأ الاستبداد وأصل الاستعباد منهم بمنزلة الأغصان والفروع لهذه الشجرة الخبيثة.
في ابتداء ظهور الديمقراطية في إيران وفي أول هبوب نسيم العدل على القرى والضواحي التي دمّرتها كف الجور والطغيان، أي حينما كانت حقيقة الديمقراطية وراء الستار وحينما كان يظن أن سلب الاستبداد مخصوص برؤساء الحكومات فقط وأن هذا الأمر مخصوص بهلاك الجيران لا غير، كانت جميع طبقات (المعممين) الغاصبين لزي العلماء والملاكين وغيرهم تبذل جميع جهدها في إقامة هذا الأساس وتنفق جميع مساعداتها في تنفيذ هذا المشروع حتى إذا ما ارتفع الستار وتجلّى ضوء النهار، وعرفوا روح المطلب وحقيقة الديمقراطية قلبوا ظهر المجن وأظهروا من حقدهم ما يشيب له فؤاد الرضيع.
وقامت الشعبة الاستبدادية الدينية ـ باسم حفظ الدين ـ وتقدّمت عبدة السلطان ـ باسم حب الدولة ـ وشهر كل من سائر أولئك الأنذال سلاحه، وحملوا حملة واحدة على هذا الركن الركين فردوا أحكام حفّاظ الدين المبين واندرجوا تحت عنوان (فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو في حد الشرك بالله) وحدود وأقضية، نكثت طائفة وزهقت أخرى ومرق آخرون..!!
(السابعة) من تلك القوى الملعونة اغتصاب القوى الحافظة للملة من المالية والعسكرية وغيرهما وصرفها في القضاء على نفس الملّة وروحها كانتخاب رؤساء العساكر من الأجانب ومعاندي الدين المبين وإعطاء زمام العساكر الإسلامية بأيديهم وتفويضهم في تربية الجند، كل هذه الأوضاع هي لتميل هذه القوة وبغرض عدم المبالاة وعدم استنكاف أولئك الجهلة بوظائفهم وحقوق الملّة عليهم مخالفتهم الأحكام الشرعية وقتلهم النفوس المحرمة وهتكهم الأعراض ونهبهم الأموال وتهريشهم العشائر والقبائل الوحشية كل هذه لتكميل هذه القوة أيضاً وسببها الوحيد وعلّتها الحقيقية هي جهالة الأمة وخمولها، كما أن سائر الأمور التي أدّت إلى هذا الدمار والبوار مبنية على أساس الجهل وعدم المعرفة لا غير.
(المقصد الثاني)
في إشارة إجمالية لعلاج تلك القوى المعلونة..
(أولها) هو علاج ذلك الجهل المستولي على طبقات الملّة، وهذا بالنسبة إلى الجهل البسيط والدخول من طريق العلاج وشرح حقيقة الاستبداد والديمقراطية مع بيان وفهم كل ما ذكرناه في المقدمة والفصول الخمسة المتقدمة في كمال السهولة، ولكن بشرط الدخول من طريق الملاءمة ونبذ الخشونة وحفظ الأذهان مما فيه شائبة تغرض والتحرز عن موجبات التنفر وانزجار قلوب العامة وتوحشها قال عز من قائل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ})[558](.
إن حقيقة الدعاية للحرية وخلع طوق الرّقّية عبارة ثانية عن الدعاية للتوحيد بنص الآيات والأخبار السابقة وهذه من وظائف الأنبياء والأوصياء والأولياء، إذن فعلى من أراد أن يتقدم إلى هذا الميدان سواء أكان صحافياً أو منبرياً أو غيرهما أن يسير بتلك السيرة المقدسة النبوية، وأن يضع الآية السابقة أمام عينيه آخذاً منها أنموذجاً لخطته هذه، وأن يقتصر في خطته على رفع الجهل وتهذيب الأخلاق وتكميل العلميات وغير ذلك، وأن يتجنب بذاءة اللسان مطلقاً لما بها من الحمل على التغرّض والتعرّض، وأن لا يدخل هذا الوادي حتى يحرز من نفسه الكفاءة المطلقة.. وإلا إذا دخل مع عدم لياقته بغرض حب الظهور والتغلب على أفكار العوام وإيجاد المشاغبات وغير ذلك عادت بأشر مما كانت عليه كما منيت الأمة بجملة من الجرائد السابقة والمنبريين المتقدمين، وما ورد على رأس هذه الأمة المنكودة من اللطمات والصدمات شيء إلا بواسطتهم، ولكونهم كانوا أصدقاء جاهلين أو أعداء عارفين، وأن يأخذ على نفسه تنبيه هذه الأمة المنكودة إلى حقوقها وتفهيمها حريتها المغتصبة، وأن يحفظ شرف أرباب الشرف ولا يعين عليهم الظالمين ليفعلوا بهم ما يشاؤون استبداداً واعتسافاً، وأن لا يضيع حرية بيانه وقلمه اللذين هما من أعلى مراتب الحرية الموهوبة الإلهية، وحقيقتيهما عبارة عن إطلاق الأمة من قيد تحكّمات الطواغيت وتعسفاتهم ونتيجتها تفتح عيون الأمة وآذانها وتتبعها مبادىء الترقي وشرف الاستقلال الوطني واهتمامها في حفظ الدين والتحفّظ على الناموس واتحادهما لغرض انتزاع الحرية من غاصبيها، واسترجاع الحقوق المغتصبة وذيوع المعارف وتهذيب الأخلاق وأمثال هذه الصفات في معرض الهتك والسب وثلب الأعراض المحترمة وأخذ حق السكوت من زيد وأجرة التعرّض بعمرو أو التشفي من بكر أو غير ذلك أو أن لا يتعرّض في ذلك أقاويل الظالمين وأباطيلهم ـ مع اجتماعات جهات العلمية والأهلية فيه ـ إلى أكثر من ذكر كليات عامة تاركاً التعرّض بالشخصيات الخاصة ولو بالكناية والإشارة والتلويحات جانباً بعيداً مراعياً فيها وظيفته التي هي عبارة عن وصل الأمة بعضها ببعض لا فصلها عن بعضها هذا كله بالنسبة للجهل البسيط، وأما ما يعود إلى الجهل المركّب وخصوصاً ما كان بدرجة اللجاج والعناد وبلسان (النار ولا العار) فهو في كمال الصعوبة على أنه ربما يمكن أن ترتفع مباديه بالمسالكة والمباراة وعدم المقابلة ورفع مواد اللجاج من البين..
هذا وإن هناك طائفة مخصوصة أخذت على نفسها لا من باب الخطأ والاشتباه بل من باب غلبة الهوى وشدّة التغرّض لمساعدة الظالمين ومدّ يد المعونة لهم إبقاء لشجرة الاستبداد الخبيثة فهي تسعى السعي الحثيث بكل ما يمكنها استعماله من القساوة والصلافة والهمجية إلى استعباد رقاب الأمة وانقيادها للفراعنة والطواغيت فلا يمكننا أن نتصور لها علاجاً إلا أن تنقطع آمالها ويغلب عليها يأسها والمقابلة لها، والتعرّض لأشخاصها وإن أوجب تنبّه الأمة لها وتحذرها من مكائدها إلا أننا نرى الاكتفاء في مقابلتها بتلك الكليات أولى وأعود نفعاً من جهات عديدة..
(ثانيها) وهو أصعب وأشكل منها كلها وربما كان في حدود الامتناع أيضاً وهو علاج الشعبة الاستبدادية الدينية حيث تقضي الضرورة أن لا رادع ولا مانع من الاستبداد وإظهار المرادات الشخصية بعنوان الديانة إلا ملكة التقوى والعدالة، ولا عاصم إلا اجتماع الأوصاف المذكورة في رواية الاحتجاج من كونه (صائناً لدينه. حافظاً لنفسه. مخالفاً لهواه. مطيعاً لأمر مولاه) إلى آخر الأوصاف المعتبرة في من ترجع إليه الأمور الشرعية..
ومع الاتّصاف بأضداد الأوصاف المار ذكرها أو بالأخص مع اجتماع الأوصاف المذكورة في آخر تلك الرواية عيناً في حق علماء السوء وقطّاع طريق الدين المبين ومضلّي ضعفاء المسلمين التي يقول عليه السلام في آخرها: (أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين) فلا نتصور مانعاً من أعمال الاستبداد والاستعباد، وإظهار الإرادات والتحكّمات النفسية بعنوان أنها من الدين كما لا يتيسر لضعفاء العوام من الأمة أن يميزوا فيما بين تلك الأوصاف وأضدادها المذكورة، وأن يتَّخذوا الحيطة من الوقوع في حبائل أولئك الصيادين وشراكهم المنصوبة على قارعة الطريق باسم الدين، كما لا يمكنهم التملّص من بين فرجها على فرض وقوعهم فيها من جهتي القصور أو التقصير، وذلك لحسبانهم أن من لوازم ديانتهم انقيادهم الأعمى لهم، ذلك الانقياد الذي أقل ما يتصور من ضرره أنه أوقعهم بحيث لا يمكنهم التفلّت وقادهم إلى حيث يكون الجهل المركّب ثابت الأساس. وصار بهم إلى مراكز الشرك بالذات الأحدية تعالى شأنها. ولهذه الجهات وأشباهها أصبح طريق العلاج مسدوداً والتخلّص من هذه الورطة في بادىء الأمر صبعاً غير ميسور، ولكن مع هذا كلّه حيث كانت الفاعلية لما يشاء والحاكمية بما يريد وأشباهها من الأمور التي لا يمكن تطبيقها على دين من الأديان ولا كتاب من الكتب ولا مذهب من المذاهب فضلاً عن الدين القويم الإسلامي.. وحيث كانت الإعانة على هذه العبادة الوثنية بنص من الكتاب والأخبار السابقة سواء كانت بالاتحاد ومساعدة الظالمين، أو بالسكوت والاعتزال وترك النصرة وخذلان الحق على كل حال من المطاليب التي لا يمكن إظهارها بصورة الإعانة على حفظ الدين وحفظ كيان المسلمين لهذا أصبحنا نعقد وطيد الأمل على الأمة الشيعية والملّة الإيرانية خصوصاً وقد تفتحت عيونهم من العمى وتخلّصت آذانهم من الصمم أن يستقصوا آثار هذه الأمراض المزمنة المهلكة للنوع الجعفري ويتتبعوا علائم حريتهم من هذا الاستعباد الذي هم على أشد ما يكونون من أضراره والأمة لتصبح الشعبتان الاستبداديتان السياسية والدينية معدومتي التأثير إن شاء الله..
وبمقتضى الحديث المأثور: (يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال) الذي مفاده من المستقلات العقلية الموجبة لإلقاء الحجة وعدم المعذورية يكون هذا النوع من التزلّف للظالمين سواء كان بإعانتهم أو عدم الموافقة على سلب الصفات الخاصة الإلهية منهم كاشفاً لأسرار مكنونات طالما خفي علينا أمرها. وهذا التقابل بين الحق والباطل محك في الحقيقة لامتحانهم ومعرفة صحيحهم من فاسدهم، قال عز من قائل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ})[559](.
(ثالثها) قلع جذور عبادة السلطان من المملكة وقطع شجرة أولئك الذين طالما باعوا المملكة وأهلها بمقدار من الطمع والجشع، وترويج سوق العلم والمعرفة، وتقرير كون الأمور النوعية تابعة لمقدار اللياقة والكفاية والدراية.. وبالضرورة ما دامت أساس الاستعباد ثابتة وجذور الاستبداد محكمة نابتة فقلع شجرة الجهل من الوسط وتبديلها بالعلم والمعرفة من المحالات التي لا يتنازع فيها اثنان. وما دام السلطان نفسه لشدة اتّباعه لهواه جاهلاً بحقيقة سلطته التي هي ولاية على الحفظ والنظام وبمنزلة الحراسة والعسس على الاحتفاظ بكيان الشعب، وحاسباً أن سلطته عبارة عن المشاركة مع الذات الأحدية في أغلب الصفات الخاصة بها كالمالكية والقاهرية والفاعلية لما يشاء وعدم المسؤولية عما يفعل.. إلخ. زاعماً أن عدم تمكّن الأمة إياه من مقهوريتها وجدها في تخليص رقابها هو تمرّد على السلطنة، وخروج عن الانقياد للسلطان. وظاناً أن المساعدة على هذه الفرعونية إخلاص للدولة وحب للملك فلا مناص له حينئذٍ من أن يصرف جميع ما أوتي من القوى والاستعداد في استئصال الفرقة الأولى التي هي عنوان التمرّد على زعمه، ويبذل جميع أزمة المملكة للفرقة الثانية التي هي نموذج الإخلاص والتفاني في سبيل الأمة والدولة على ظنه.. فتكون نوعيات المملكة كلها في أيدي أولئك الذين يدعون الحب له والولاء لشخصه، وكيف كان فهذه وأشباهها مما تنفر الأمة من السلطان وتوحش السلطان من الأمة، وينتهي أخيراً بانزواء السلطان عن الناس واختفائه عن العيون بحيث يصرف فكره ليلاً ونهاراً في إعدام الأمة وشنق كبارها وإتلاف أوليائها ـ طبعاً ـ صارفاً همّته عن موجبات السعادة، جاهلاً بأوضاع الملوك وسيرتها العالمية محروماً من التمتّع بملاذ السلطنة مستسلماً لأفكار أولئك الفسدة المردة المتزلفين له بحبه وإظهار عبوديته..
وبملاحظة النص المجرّب القائل (الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم) والذي هو من أوضح الواضحات وبرهانه محسوس عياناً ومندرج في صريح خطاب الأمير عليه السلام إلى مالك الأشتر في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي من أن بقاء الملك ودوام الدولة منوط باتحاد الرعية مع الوالي ومجاراته لهم، كما أن الإجحافات والاستئثارات مما توجب زوال الملك وتودي به إلى الانقراض العاجل ومن هذا الباب ما ذكر في الأخبار الشريفة من أن السموات قامت بغير عمد بعدل الباري جلت عظمته.. نعم بملاحظة هذه كلها وبحكم الضرورة والتجربة تكون عاقبته ونتيجة سلطنته إلى الفناء العاجل، ويكون بمساعدة تلك الفئة الوحشية كمن سعى لحتفه بظلفه، وبعد بضع ليالٍ يقضيها بهذه الحالة يصبح عنوان السباب والشتيمة ومدعاة اللعنة والويلات، وما أمر الضحاك ويزيد وجنكيز وأشباههم بخافٍ. {سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً})[560]( وما أشد انطباق الآية الشريفة عليه: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ})[561](.
وبالجملة فعلاج هذه القوة الخبيثة مع وجود الاستبداد السياسي والديني في البين من الممتنعات المسلمة الامتناع وحيث ان الأمة المسلمة المعتقدة بأحاديثها النبوية وأخبارها الإمامية القائلة: (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب). أصبحت بواسطة إهمالها هذين الركنين العظيمين وتركها هاتين الوظيفتين المهمتين الشرعيتين اللتين هما بنص الأخبار والأحاديث من دعائم الإسلام ومباني الإيمان محرومة من سعادة دائمة كهذه، وحظ عالٍ يتنزل معه السلطان من مقام أنا ربكم الأعلى ـ باقتضاء إسلامه وفطرته الإنسانية ـ إلى أن يدع الأمة وحريتها مكتفياً عن غصب الرداء الكبريائي بغصب مقام الولاية لا غير. حاثّاً الأمة على استنقاذ حقوقه الشرعية المغتصبة. داعياً لها إلى أن تحافظ على استقلالها وقوميتها بالاتفاق الملي والغيرة الوطنية بحيث تكون معهما من أرقى الأمم المتمدنة معتقدة أن التعاون في أحدهما موجب لعكس المسألة رأساً على عقب، وإرجاعها إلى الفرعونية السابقة..
ولنا وطيد الأمل أن لا يدعوا هذه اللحظة تمر دون أن يغتنموها فرصة سانحة لهم ليستعيدوا بها مجدهم ويحكموا أساس نشاطهم فيتمسكوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحكموا أساس العدل الموجب لبقاء الملك، ويهدموا أساس الظلم لأنه موجب لانقراض الدولة وزوالها ويستنقذوا رقابهم المغصوبة وحقوقهم الملية، ويقلعوا جذور معبودية السلطان التي هي مدعاة لزلزال كل هذه الأساس العمرانية، ويجرعوا من سلسال عدله وإحسانه، ويستعيضوا بترقيه على عرش المملكة عادلاً منصفاً عن كونه جزاراً للبشرية وقصاباً للأمة، يفتك بها فتك الذئب بالشاة الضعيفة.. وبمجرد أن يذوق حلاوة العدل، يدرك حب استمالة قلوب الأمة ـ أياماً ـ فلا بد من أن ينبذ عالم السبعية وقطع الطريق مستعيضاً عنه بعالم الإنسانية وحفظ المملكة وترقي النوع، ولإعانة من يسعى إذ لم يكن منسلخاً عن الفطرة إلى رفع موجبات التوحش والتنفر فيما بينه وبين الأمة، ويستأصل مواد التفرقة بأن لا يألو جهداً في أن لا يستسلم ـ طبعاً ـ مرة ثانية لأولئك الجهال المفسدين الذين هم على المملكة أشد وقعاً من النار على الحطب اليابس.
(رابعها) علاج تفريق الكلمة والسعي وراء الاتحاد وهذا المطلب مستفاد من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام البرهانية، وبرهاناً هو من الواضحات البديهية أيضاً، ليست فائدة الاتحاد منحصرة في حفظ حرية الرقاب وصيانة حقوق الملّة من الاغتصاب ومنع تعدّيات الأشرار ورفع التجاوزات التي تقوم بها ذئاب إيران الضارية ـ آكلة لحوم البشر ـ فقط، أجل إن حفظ تمام الموجبات للشرف والتحفّظ على النواميس الدينية والوطنية، واستقلال القومية، وعدم الوقوع في أشد من محنة بني إسرائيل، كل ذلك منوط باتحاد الكلمة وعدم تشتت الآراء ومرتب على عدم اختلاف الأهواء، ولهذه الجهة كان الاهتمام في الشريعة المطهرة لحفظ هذه الدرجة ورفع موجبات الاختلاف في أشد ما يكون، ومن جملة الحكم المنصوصة لتشريع الجمعة والجماعة حيث يجتمع المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة ويحيط كل منهم خبراً بحال الآخر هو نفس هذا الاتحاد والاحتفاظ بهذه الدرجة وكذلك الحال في تشريع سائر الجهات الموجبة للإلفة والاتحاد والتحريض عليها، كالترغيب على الولائم غير المتكلّف فيها، والإحسان بلا من، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وتعزية المصاب، والإعانة على قضاء الحوائج، وإجابة الأخ المؤمن، والصفح عن الزلل ونسخ الانزواء والرهبانية، وتحريم النميمة والإيذاء والفتن والإفساد، إلى غير ذلك مما يدعو إلى الإلفة والاتحاد ويمنع من التنافر والتباغض فإنما هو لتحصين هذا الحصن وتشييد هذا الصرح للمسلمين لا غير.. وما اهتمام الشارع المقدس في تهذيب الأخلاق وأن لا يكون الإنسان معجباً بنفسه منقاداً لهواه على اختلاف مرتبته ودرجاته وأن يكون متخلّفاً بخلق المساواة والإيثار على نفسه إلا لرفع تفرّق الكلمة، ورفع منار الاتحاد..
ومن الواضحات الضرورية أن مبدأ تفرّق الكلمة وتشتت الآراء واختلاف الأهواء ناشىء عن الإعجاب بالنفس، والاغترار بها، ومستند على التحرك بالحركات الملائمة للأغراض الشخصية وتقديمها على المصالح النوعية، وما بقيت هذه الرذائل والملكات البهيمية وحب النفس والإعجاب بها مسيطرة على أصل العمل، وما دامت المبادىء الشريفة كالمواساة وإيثار الغير ولا أقل من سحق الأغراض الشخصية وتقديم النوعيات عليها عند الدوران معدومة من البين ومفقودة من عالم الوجود، فإحكام هذا الحصن الحصين وتشييد هذا الأساس من المحالات الأولية، وعبثاً تحاول إقامة الصرح العالي على أساس من رمل ينهار من كل جانب ومكان.. أو ما ترى إلى البزّات التي تتجدد كل يوم والخروق التي تزداد كل آن توسّعاً، فتارة بعد سلب الصفات الخاصة الإلهية عن الطواغيت والمردة منافياً للقرآن والإسلام وتسمّى عبادة الظالمين حباً للدولة وحفظاً للدين، وأخرى يرون من الواجب عليهم أن يظهروا الحيرة المغتصبة مظهر الموهومات، وعوضاً عن أن يلبسوها الإباحة المذهبية يلقون عليها ستار المنكرات وحجاب المبتدعات ويصورون آحاد الأمة مع غاصبي حريتهم وحقوقهم بصورة رفع الامتياز عن جميع الأصناف المختلفة الأحكام، ولم يستنكفوا من تجديد مغالطات معاوية وتمويهات عمرو بن العاص مع علي عليه السلام بشأن مقتل عمار بن ياسر، وذلك حين استشهد في ركابه المقدس ولم يستحيوا من نسبتهم إراقة الدماء وسفكها الناشىء عن انضمامهم للظلمة المستعبدين إلى الطلب بالحقوق الشرعية المغتصبة والحرية المنشودة ورفع الظلم عن الأمة المهضومة إلى غير ذلك من المضحكات المبكيات..
إذن فعلى دعاة الحرية والتوحيد وحماة الدين والوطن، ورافعي منار العدل ومخمّدي نار الظلم أن يوجهوا نظرتهم بعد رفع الجهل وشرح حقيقة الاستبداد والمشروطية والمساواة والحرية إلى تهذيب أخلاق الأمة من هذه الرذائل والملكات الخبيثة، وتطهر نفوسهم من المواد المضرّة كالإعجاب بالنفس، والاغترار بها والآثار المترتبة عليها كاختلاف الآراء وتضارب الأهواء وتحكيم الأغراض الشخصية وتقديمها على المصالح النوعية وأهم المقدمات التي تجب مراعاتها هو تشكيل المنتديات الصحيحة والمجامع العلمية الأخلاقية التهذيبية وترتيبها على الوضع الصحيح تماماً، من انتخاب أعضاء مدبرين مهذبين كاملين في العلم والعمل، أولي خبرة ودراية ومعرفة وكفاية همهم الوحيد إحياء الجامعة الإسلامية والرابطة النوعية. ولا أريد به أن يكون كالنوادي الحالية الموضوعة بالوضع الشاذ الساقط والمبنية على أساس حب النفس وأكل أموال الخلق، وقصد الرفعة وطلب الرياسة وقول الزور وأعمال الأغراض والأمراض الشخصية العقيمة الإنتاج، اللهم إلا ما تنتجه من عكس المقصود وانصراف قلوب الملّة عن الدخول في وادي الاتحاد إلى القبول بذلك الاستبداد والاستعباد الذي هو أخفّ كثيراً عليها من الخنوع لهذا الاستبداد الثاني، وربما انقادت لذلك مستأنسة به راضية بوقعه على نفسها من باب أهون الشرين وأخف الأمرين متوسلة بالخنوع لتلك الرّقّية البهيمية مع كمال شوق وطيب نفس تخلصاً من مخالب هذا الاستبداد الوحشي.
وبالجملة فالغرض الوحيد من تكوين هذه المنتديات وعقد تلك المؤتمرات ويمين الإخلاص ووضع القرآن المجيد وسائر المعظمات الدينية في مبادئها هو رفع الأغراض الشخصية ووضع المصالح النوعية وحفظ الجامعة العمومية وإعلاء الكلمة الإسلامية، وترقّي نوع الأمة ورفع مستوى الملّة عملياً، لا أن المقصد هو التآزر على قضاء الشهوات الحيوانية وتنجيز المرادات الشخصية وصرف قلوب العقلاء ونفوس البسطاء عن الدخول في هذا الميدان.
ومن أكبر آفات هذا المشروع هو تدخّل أولئك المغرضين المتّسمين بسمة حب الأمة وطلبة الخير للملّة فإنهم بصفتهم محبين ومخلصين قد لعبوا الدور المهم والفصل الأكبر لقلب هذا العرش وذلك الكيان، وكيف لا ولم تمر عليهم فرصة إلا اغتنموها لسحق الشعب ومحو ذكر الدولة. كل ذلك باسم المحبة وعنوان الإخلاص.
وكما كان عنوان معبودية السلطان وسيلة لأولئك الذين كان وقعهم على قلب الدولة أشد من وقع الجراد على الزرع، وكما كان اسم الدين شبكة لأولئك الذين يعكّرون المياه ليصطادوا ما أرادوا ويفعلوا ما تحبّذه همجيتهم ووحشيتهم.
كان كذلك شعار حب الأمة والإخلاص للشعب طريقة لتذرع هؤلاء إلى الاتحاد مع الطواغيت والانضمام إلى الفراعنة المستبدين، ولعمري إن كل هذه الشنائع وتلك الفظائع مستندة إلى أعمال هؤلاء المدلسين المرائين، فإذا اجتمعوا بالرجال المخلصين قالوا: إنّا معكم نحبذ المشروطية ونسعى وراء الديمقراطية وإذا خلوا إلى أنفسهم أخذوا يجدون ويكدحون وراء الطريقة الاستبدادية الاعتسافية فهم من هذه الجهة أضر على الشعب المسكين من كل تلك القوى الملعونة وأقوى منها شأناً، فعلى محبي الخير والمخلصين لوطنهم المحبوب أن يسدّوا هذه الثلمة ويطفئوا هذه النائرة قبل أن يثور بركانها فيلتهم ما حولهم من زرع وضرع وما ذلك على كفاية الرجال ومقدرة الأبطال بعزيز.
وبالجملة فإن أساس تفرّق الكلمة وخذلان الجامعة النوعية من صدر التاريخ إلى هذا اليوم مبني على إظهار الغرض الشخصي بلباس المصلحة النوعية، وفروعه أكثر من أن تحصى ولوازمه الفاسدة أزيد من أن تحصر، ويظهر من الأخبار الواردة في تفسير الآية المباركة: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ})[562]( أن أنواع العذابات والابتلاءات السماوية والأرضية التي كانت الأمم السابقة مبتلية بها قد رفعت عن هذه الأمة المرحومة بواسطة دعاء نبي الرحمن لها ولم يبق عليها إلاّ واحد منها وهو تفرّق كلمتها واختلاف أهوائها وما يترتب على ذلك من المصائب الدنيوية من الفتك والقتل والأسر وهتك النواميس والأعراض وإذاقة بعضهم بأس بعض إلى غير ذلك من التنكيلات الشديدة.
إن هذه الاختلافات والمفاسد سواء أكانت من الاستبداد السياسي والاستبداد الديني ومن عبودية السلطان وإظهار حب الدولة أو غير ذلك مما هو منشأ التفرّق والنزاع هي من جملة العذابات الإلهية على هذه الأمة المنكودة وعلاجها خارج عن قدرة العلماء والعقلاء والخبيرين والمدبرين وليس لأحد أن يقف دونها أو يحول بينها وبين من أرسلت عليه، ولم يجد فيها أي وسيلة غير وسيلة التوبة والإنابة والتوسل والإلحاح والاستشفاع بمظاهر الرحمة، {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ})[563]( واجمع على التقى كلمتنا وعلى الهدى شملنا بمحمد وآله.
وأما علاج بقية القوى الملعونة فلا يتم إلا بقلع شجرة الاستبداد الخبيثة وسلب فعالية ما يشاء وانتزاع القوى الفعالة المغتصبة من غاصبيها، فما دامت هذه الشجرة باقية نامية، وما بقي هذا الوضع الشاذ مبنياً على حجر التحكّمات النفسية وكانت الأمة مع ذلك فاقدة جميع قواها الفعالة فلست ترى للقتل والنهب والأسر والحبس واستئصال النفوس الأبية وأحرار الأمة وأمجادها حداً أصلاً كما لا تنتهي حالة اغتصاب ما تحت يد الشعب إلى نقطة محدودة ولم تكن حالة الدولة وما فيها إلا كما عبرت عنها البومة الخاطبة لرفيقتها:
إذ الملك هذا وهذي الحياة
سأعطيك ما شئت أرضاً موات
يجب أن ينشر الدستور العادل في الأمة
وإلا فما دام القانون الجامع لتمام الوظائف غير جارٍ في المملكة ولم يعدم الفرق بين القوي والضعيف في الأحكام القانونية إلى حد أن لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من حقه فليس هناك علاج يستأصل به تزوير الأقوياء على ضعفاء المملكة وفقرائها.
يجب على الشعب أن يحافظ على ماليته وعسكريته
وإلا فما دام فاقداً جميع قواه الفعالة من المالية والعسكرية وغيرها ولم تكن ماليته مصونة عن الحيف والظلم والصرف في المشتهيات النفسية بنظارة وكلاء الأمة ـ مندوبيها ـ وبقيت عسكريته.. ومما جاء في عرض الكتاب وتقييمه:
بين يدي الكتاب
البشر في هذه الحرب فريقان يصطرعان في سبيل فكرتين (الديمقراطية والاستبدادية)، ولكل من هاتين الفكرتين تعاليم أفاض فيها أنصارها من الشراع، والمؤلفين، والفلاسفة، ووضعوا لها قواعد وأصولاً على أسس علمية، ليبينوا أفضليتها في حكم الشعوب، ولما كانت البشرية اليوم تقف على حافة الهاوية ـ لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها ـ ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم، وإزاء هذا الوضع الخطير يتحتم على الإسلام أن يؤدي دوره في قيادة البشرية، لأنه وحده هو الذي يملك القيم والمنهج الذي يضبط سلوكها ويوجّه غاياتها إلى إنقاذ هذه البشرية، وهذه هي الفكرة الأساسية التي يقوم عليها كتاب الشيخ النائيني هذا، ويتناول بالاجابة على كل الإشكالات التي ترد بهذا الخصوص حيث يقدم لنا دراسة حافلة بالمادة الغزيرة المستمدة من الكتاب والسنة مؤداها «التصوّر الإسلامي لنظام الحكم»، كما يوضح مدى علاقة الإسلام بالأفكار الوضعية في ضوء الفكرتين المذكورتين، وكان الإمام المؤلف قد خاض غمار حرب ضروس دارت رحاها بين حركتي (المشروطية، والمستبدة) وهما حركتان سياسيتان لعبتا دوراً كبيراً في الأحداث التي عصفت بإيران في أواخر الحكم القاجاري وبقيت نتائج الصراع بعد ذلك لمدة طويلة «والمشروطية»)[564]( التي أيّدها الإمام النائيني هي الحركة التحررية التي كانت تعبّر عن النظام المخالف للنظام الاستبدادي المطلق، ولهاتين الحركتين جذور ضارية في العراق وبخاصة في مركز المرجعية الدينية العليا (النجف الأشرف) حتى أن الأحداث السياسية في إيران كانت تتوقف على إشارة مراجع النجف وتوجيهاتهم، وقد مثّل التيار الدستوري أو الحركة المشروطية في النجف الإمام الراحل الملاّ محمد كاظم الخراساني صاحب كتاب (كفاية الأصول) وتجمع حوله مجموعة من علماء النجف وأدبائها المبرزين وانعكس ذلك على الأدب والشعر فأقيمت يومذاك أسواق للمباراة الأدبية والشعرية يتبارى فيها الشعراء على مختلف مشاربهم في تأييد المشروطية أو الدفاع عن المستبدة، فالكل له رأيه في ظل حرية الفكر التي عرفت بها الجامعة النجفية، وكان تجاوب الرأي العام العلمي النجفي مع الحركة المشروطية أكبر، وفي أدب تلك الفترة شواهد حيّة على ذلك، يقول السيد عبد المطّلب الحلي (ت1339هـ) مخاطباً الإمام الخراساني:
لك الأمر فاحكم بالذي أنت عالم
فمن ذا يرد الحكم والله حاكم
وطأت صماخ الجور حتى تركته
ومعطسه من تحت نعلك راغم
غداة لطمت (المستبد) بلطمة
على تاجه منها غدا وهو لاطم
فولى وقد أعطاك للطعن كتفه
فما أنت إلاّ العدل للجور هادم
نصرت وراح الجور خزيان واجماً
فما ذ مظلوم ولا عزّ خادم
غزوت دعاة الجور لكن بغارة
هي القول لا الجرد العتاق الصلادم
وللشاعر السيد مهدي البغدادي (1277 ـ 1329هـ) أكثر من قصيدة في هجاء أنصار الاستبداد ومن ذلك قوله:
خان الذين استبدوا وانتهى الأمل
لكن لهم زين الشيطان ما عملوا
أليس قولهم ما شاء حاكمهم
وما يراه وهل هذا هو الخبل
وكيف يحصر أمر الخلق في رجل
وفي محمد تمّت عندنا الرسل
ردّوا إلى الحق لا يجديكم أبداً
طول الغواية ضاقت فيكم السبل
ويقول في قصيدة أخرى:
وكم من قائل صف مستبداً
فقلت: وكيف وصف المستبد؟
إذا تدعوه حرّاً فهو نائي
ويرضى أن يقال أخس عبد
فقل للمستبد وراك فابعد
فأنت أحق في موت ولحد
أتأبى العدل في الدنيا وترضى
بحكم الجور فينا والتعدّي؟
وهناك شعر كثير يصح الاستشهاد به، ولو جمع لأصبح ديواناً، وما ألمحنا إليه نموذج يعكس الجو المحموم الذي كان يغلي بالصراع بين حركتي المشروطية والمستبدة، وفي خضم ذلك صدر كتاب الإمام النائيني وكان له وقعه وصداه الكبير في إيران والعراق بل كان تعبيراً واضحاً عن وجهة نظر علماء الشيعة في الحكومات الدستورية، ووثيقة نادرة، كما يقول ـ حميد الغار ـ عن النظرية السياسية للشيعة الإمامية، التي حاولت التوفيق بين الوعي المستمر لمفهوم غيبة الإمام المهدي. مع استحالة قيام حالة الشرعية المرجوة وبين الحاجة العملية لتبنّي شكل من أشكال الحكم الذي لا تتعارض مبادئه مع أحكام الشريعة كثيراً)[565](.
ونظراً لأهمية أطروحة الشيخ النائيني في تقليص مبدأ «لا شرعية الدولة» إلى الحد الأدنى الذي لا مفر منه في ظروف (الغيبة الكبرى) استحصل بحثه بتعريف واجبات (الدولة) العصرية، الداخلية منها والخارجية. وقال: إن السلطة الوحيدة التي تحتاجها الدولة هي التي تساعدها على الوفاء بمتطلبات هذه الواجبات والالتزامات. وإذا ما انحرف الحكّام بالحكم عن جادة الصواب، بواقع الأنانية، وأقاموا سلطة استبدادية مطلقة، فقد خرجوا على تطبيق القوانين الإلهية المنزّلة. وإذا ما رغب رئيسها المنحرف في اغتصاب الحقوق الإلهية. وإضفاء صفات الألوهية على نفسه، صار طغيانه والحالة هذه، أبشع صور الطغيان، وأكثر شبهاً بحكم الفراعنة الطغاة. وعند المرجع النائيني:
إن أفضل طريقة لإبعاد السلطان عن الطغيان هي عصمة الحاكم، أي تحرره من ارتكاب الخطيئة والخطأ، والخضوع لإرادة الله. وفي غضون غيبة الإمام المهدي لا بد من استخدام وسائل أخرى لبناء حكم صالح، وأمامنا في الوقت الحاضر وسيلتان:
(الأولى): دستور يحدد حقوق وواجبات الدولة، ويفرض أتباعها.
(والثانية): مجلس يضم الأذكياء والحكماء في الأمة، المعروفين بحبهم للشعب ولمطالبه الخيرة، ويتولون الإشراف على تطبيق الدستور، والرقابة على أعمال الحكومة، شريطة ألاّ يتضمّن الدستور أي بند يعارض أحكام الشريعة الإسلامية)[566](.
ويستحسن هنا أن أُلَخِّص بعض ما قاله عدد من المؤرخين والأدباء المعاصرين لحادثة صدور الكتاب وما أثاره من ضجة كبيرة في الأوساط الروحية والشعبية للشعبين العراقي والإيراني خاصة، ليلم القارىء بتفاصيل هذا الحدث من مصادره الموثوق بها، وليتعرف من خلالها على قيمة هذه الأطروحة الفريدة والمتميزة في وقتها، والخطوة الشجاعة التي لم يتأتى الاستفادة منها وتطويرها حتى الآن.
فمما قاله الشيخ علي الخاقاني:
«رسالة (تنبيه الأمة وتنزيه الملّة) كتبها الإمام النائيني أيام حركة المشروطية والمستبدة عندما كان أحد دعاتها في عهد أستاذه الإمام الخراساني الذي عرف بتبنيه لهذه الحركة التحريرية. وقد بيَّن فيها أن الدين الإسلامي يدعو إلى الشورى وتشكيل المجالس النيابية لأخذ آرائهم في مقررات الدولة، وأن الدين الإسلامي دين الحرية لا دين التعسفية والذلّة، وأنه يدعو إلى التعليم العام للنساء والرجال، وأنه يدعو إلى وجوب التعبير عن الآراء بصراحة ومنه وجوب إصدار الصحف والنشرات إلى غير ذلك من الأمور التي كانت محظورة عند بعض أهل الدين المتطرفين بالرجعية، وعندما تقدم النائيني للزعامة الدينية وامتطى صهوة التقليد والمرجعية صار يرى أن وجود هذه الرسالة بيد خصومه من حملة ذكرة الاستبداد حجر عثرة في سبيل توطيد أمور الزعامة والإمامة له إذ كان يتَّخذها خصومه وسيلة لإيغار صدور السواد من الناس عليه، وتصويره لهم رجلاً من رجال السياسة لا رجلاً من رجال الدين، ولما رأى صالح الجعفري أن في هذه الرسالة ما يفتح عيون الناس، وما يحبب إليهم تعليم المرأة، ويحبب لهم تناول العلم الحديث، استغلّ ذلك ليصادم الفئة التي تحاملت عليه وراح يفتّش بكل قوة وإلحاح عن هذه الرسالة التي اختفت من الأسواق والمكتبات إذ بلغ سعرها يومذاك خمس ليرات ذهبية مع أنها تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط، وشاءت الصدف المباركة أن توقف الجعفري عليها بدون ثمن فقد عثر عليها صدفة في «مكتبة الحسينية الشوشترية» الواقعة بمحلة العمارة في النجف ضمن مجموع، ومن الغريب أنها كانت يومئذٍ تحت إشراف الإمام النائيني ونظارته، ابتدأ بترجمتها إلى العربية رغم صعوبة ترجمتها إذ كانت بأسلوب فارسي عالم جداً بأسرار اللغة الفارسية الفصحى وألفاظها الغريبة، وحرص أن تكون الترجمة مطابقة للأصل تمام المطابقة لئلا يدعي مشايعو النائيني وحاشيته بأنها ليست له أو على الأقل يتّهم المعرب بالتحريف، ومن ثم أخذ ينشرها بمجلة العرفان الصيداوية تباعاً، وبذلك أثار ضجة وصخباً، وحاول الاتباع من الجعفري أن يقلع عن الاستمرار، وأغروه بشتى المغريات، وطبعاً في مقدمتها المال فلم يجد ذلك حتى التجؤوا إلى مداهنة صاحب العرفان بأساليب مختلفة، ومنها طبع كتاب (العروة الوثقى) بمطبعته، وطبيعي أن ثمن الطبع إذ ذاك كبير جداً، ولكن الشيخ أحمد عارف الزين طبع العروة، واستمر في نشر الموضوع بمحله البارز من مجلته نظراً إلى أن العالم الإسلامي والعربي كان يتلقّى الرسالة بلهفة وشوق إذ كانت معبرة عن رأي أبرز علماء الشيعة في ذلك الوقت في الأوضاع الحديثة.
كان تعريبه هذا، ومساندة صاحب العرفان له صفعة قوية على جبين الرجعية الخائرة من جهة، ومن جهة أخرى أنه كان بعمله هذا يقرب من نفس الزعيم الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني الذي كان يشعر بمضايقة من وجود الإمام النانئيني…»)[567](.
وقال جعفر الخليلي:
«كنت قد أزمعت النية على نشر ترجمة لرسالة كان ألَّفها بالفارسية المرحوم الميرزا حسين النائيني ـ قبل أن يصبح مرجعاً دينياً كبيراً ـ وكان قد نقلها الأستاذ صالح الجعفري إلى العربية لتنشر تباعاً في الفجر الصادق، وكانت هذه الرسالة عنواناً للحضارة الإسلامية التي تنظر إلى الأمور فيما يتعلّق بثقافة المرأة والرجل، وفيما يتعلّق بالحرية والعمل، وفيما يتعلق بالمسؤوليات نظرة مستقيمة تدل على منتهى النضج والاعتدال مما يعبر عن رأي ـ النائيني ـ المصلح المدرك الذي يفهم مقتضيات المسلم المعاصر فهماً صحيحاً، ولكنه حين بدأ يخطو إلى الزعامة الدينية وجد أن هناك مجالات واسعة سيستغلها خصومه لمهاجمته بسبب هذه الآراء التي تضمّنتها رسالته، والتي تتنافى مع الزعامة الروحانية التي يريدها الرجعيون والجهلة خلواً من كل تفكير حر مستقيم، فسعى النائيني رحمه الله إلى جمعها، وبذل على ما قيل يومذاك لشراء كل نسخة ما لا يقل عن ليرتين ذهبيتين، وهو مبلغ جد كبير كثمن لرسالة لم تزد على عشرات الصفحات، وهذا ما حفّزني على نشرها والإشادة بها، وتوجيه الناس إلى مطاليبها، ولكن هذه المحاولة قد حملت المرحوم النائيني على بذل مجهود كبير (..) للحيلولة دون نشرها.
وكان من هذا المجهود قيام الشيخ عبد الحسين الحلّي بالتوسط لسحب الرسالة وحملي على العدول عن نشرها»)[568](.
أما السيد محسن الأمين، فقد ذكر الرسالة في ترجمته للميرزا النائيني وقال:
«بعد إعلان السلطنة المشروطة في إيران سنة 1324 كان من أكبر الدعاة إليها وألّف في ذلك كتاباً بالفارسية أسماه تنبيه الأمة وتنزيه الملّة في لزوم مشروطية دستورية الدولة لتقليل الظلم على أفراد الأمة وترقية المجتمع وطبع وعليه تقريض للشيخ ملاّ كاظم الخراساني، والشيخ عبدالله المازندراني، ثم بعد ذلك بمدة بعد وفاة الخراساني جمع ما أمكن جمعه من نسخه، بل كان يشتريها بقيمة غالية وأتلفت بأمره، وبقيت منه نسخ لم يمكن إتلافها وقد عرّب بعض الفصول وأدرجت في مجلة العرفان»)[569](.
وجاء في الذريعة:
«تنبيه الأمة وتنزيه الملّة في لزوم مشروطية (دستورية) الدولة المنتجة لتقليل الظلم على أفراد الأمة، وترقية المجتمع ألّفه العلاّمة الحجة الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني المتوفى 1355 بالفارسية في أوائل الحركة الدستورية وطبع في 1327هـ وقد قرظه آية الله الخراساني والمازندراني وغيرهما من الأجلاّء»)[570](.
وقال فهمي هويدي:
بعد مقتل ناصر الدين شاه، تولّى الملك مظفر الدين، الشاه مظفر الدين، الذي حاول أن يستفيد من تجربة سلفه المرّة، فدعا إلى تبنّي سياسة ليبرالية جديدة، في ذلك الوقت ـ آخر القرن التاسع عشر حيث كانت الأقطار الغربية تزحف على أرجاء العالم الإسلامي، الذي كان في منتهى تدهوره وضعفه، بينما كان الغرب في ذروة قوته. وكما مرّت تركيا بتجربة «التنظيمات» فإن قضية الدستور، أو «المشروطية» كانت أبرز ما طرح في الساحة الإيرانية، مع تلك النسائم الليبرالية التي هبّت في بداية حكم مظفر الدين شاه.
ولأن القاجار كان لهم موقفهم المتحفّظ من الفقهاء والمؤسسة الدينية، ربما شعوراً منهم بأن الفقهاء ينازعونهم السلطان في البلاد، فإن الوزير المسؤول عن الإصلاحات التي سعى إليها مظفر الدين شاه أعلن بصورة حاسمة معارضته «تدخل الفقهاء في شؤون الدولة»)[571]( وكانت تلك إشارة لاتجاه السلطة إلى إبعاد الفقهاء عن موقفهم المتقدم الذي اكتسبوه في الخريطة السياسية للبلاد، بالإضافة إلى أن كلامه كان محملاً برياح أخرى «علمانية» من الطراز الذي هبّ في تركيا على يد كمال أتاتورك وتياره.
في تلك الظروف طرحت القضية الدستورية، وجاءت المبادرة الأولى من «المجلس العام للأحرار» الذي تكون في عام 1902 من بعض الدعاة الإسلاميين (جمال الدين الواعظ، وميرزا نصر الله، ملك المتكلمين) مع بعض الشخصيات الوطنية والليبرالية الأخرى)[572](. وما لبثت الدعوة أن لقيت تأييد قطاعات عديدة من المثقفين، لكنها اكتسبت ثقلاً خاصاً بعدما وقف إلى جانبها الفقهاء والتجار بوجه أخص، وهما أقوى مؤسستين فاعلتين تتمتعان بالاستقلال عن السلطة.
بحكم موقفهم بين الجماهير وبحكم موقفهم المعارض للسلطة، تصدر الفقهاء الدعوة الدستورية، وكان من مقدمة هؤلاء ثلاثة من علماء النجف هم: الملاّ محمد كاظم خراساني، والملاّ عبدالله مازاندراني والحاج ميرزا حسين خليلي طهراني. وبينما وقف أحد كبار الفقهاء في إيران، الشيخ فضل الله نوري، إلى جانب القضية الدستورية في البداية، إلا أنه انتقل إلى معارضتها، تخوفاً من تكرار تجربة كمال أتاتورك في إيران، وتوجساً من اتجاهات الليبراليين الإيرانيين الذين دعوا إلى اقتباس الدساتير الغربية. ومما قاله في هذا الصدد: إن هذا الدين (الإسلام) معروف بالعدل والشورى.. لماذا (إذن) نقلّد الدستور الأجنبي ونجلب نسخاً جاهزة من الدستور من باريس وإنجلترا؟.. وقوله: «إن هؤلاء باستخدامهم كلمات مغرية مثل العدالة والشورى والحرية، يريدون خداع المسلمين وجذبهم إلى الإلحاد. وتحت شعار الحرية المزعومة يريدون الترويج للفساد وإباحة المنكرات وشرب الخمر، وغيرها من الأعمال المنافية للإسلام، حتى يترك الناس الشريعة والقرآن»)[573](.
كان الشيخ فضل الله نوري من دعاة هيمنة الشريعة الإسلامية وجعلها قانوناً للدولة لا لبس فيه. بينما كان الرأي السائد في حوزة النجف ـ معقل الفكر الشيعي آنذاك ـ أن التطبيق السليم للشريعة مستحيل خلال اختفاء الإمام عن الأنظار. لكن رأياً ثالثاً ظهر في الساحة يدعو إلى العمل على الحد من الأعمال القمعية التي تقوم بها السلطة، إلى أن يعود الإمام الغائب إلى الظهور للعيان.
كان علماء النجف الثلاثة: خراساني ومازندراني وطهراني، في مقدمة أصحاب ذلك الرأي الثالث. وشكّلت فتاواهم المؤيدة للدستور دفعة قوية للحركة. ولكن أهم تنظير لهذا الموقف صدر عن الشيخ محمد حسين نائيني (1860 ـ 1936) الذي أصدر في تلك الظروف كتابه الشهير «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» وهو الكتاب الذي يعدّ وثيقة نادرة تعبّر عن النظرية السياسية الشيعية. فضلاً عن أنه يعدّ منذ صدوره في أوائل القرن الحالي، وإلى الآن، المنطلق الأساسي لموقف الأغلبية الساحقة من فقهاء الشيعة.
في كتابه ذاك، طرح نائيني تصوّره على النحو التالي: في غيبة الإمام المعصوم، فإن أفضل وسيلة لتجنّب انحراف السلطة هي إلزام الحاكم بدستور يحدد حقوق وواجبات الدولة، ثم إنشاء مجلس يضم «الأذكياء والحكماء في البلاد الذين يضمرون الخير للشعب»، من أجل الإشراف على تطبيق الدستور ومراقبة أعمال الدولة. ويجب ألا يتضمن الدستور أية مواد تتعارض والإسلام.
كما يجب أن يضم المجلس من بين أعضائه «عدداً من المجتهدين» الذين يراقبون التزام قوانينه بالإسلام.
وقال الشيخ نائيني وهو يعزز موقفه: إن منع الحكم المطلق من خلال وضع دستور وإنشاء مجلس شيعي، هو فريضة دينية، على الرغم من اختفاء الإمام عن الأنظار ومن انسحاب الشرعية في الوقت ذاته من المستوى الدنيوي.
ورغم أن الفقه الشيعي يعتبر أن أي حكم في غيبة الإمام هو بمثابة اغتصاب لسلطانه مما يجرح شرعيته، إلا أن الشيخ نائيني عالج هذه النقطة بذكاء بالغ لصالح الحكم الدستوري. فقال: إن الحاكم الظالم الذي لا يقيّد بدستور أو مجلس شعبي «برلمان» يغتصب أمرين في آن واحد: حق الإمام الغائب، وحرية الناس. أما الحاكم الذي يقيد بالدستور والمجلس الشعبي فهو يغتصب حق الإمام وحده، بينما يؤمن حريات الناس. ولذا فيجب أن يظل حكمه هو المفضل، طالما أن غيبة الإمام مستمرة)[574](.
ويتّضح جلياً من خلال هذه الملاحظات أهمية رسالة الإمام النائيني، فأردت تزيين المكتبة العربية بمراجعة تعريبها ونشرها كاملة لتكون في متناول الدارسين والباحثين والمثقفين المعاصرين، وحرصت على أن تكون نسختنا أكمل النسخ. وكان جل اعتمادي على النسخة المعربة لأستاذ الجيل الراحل الشيخ صالح الجعفري رحمه الله)[575]( مع النظر للنسخ الأصلية المخطوطة التالية:
1 ـ النسخة المصورة عن النسخة المخطوطة في خزانة الدكتور عبدالله الفياض في بغداد، محفوظة بمكتبة المجمّع العلمي العراقي رقم (7/ موضوعات شتى) بخط النسخ تحتوي على 95 صفحة، وفي كل صفحة 22 سطراً جاء في آخرها: (… قد ختم بيد مصنفه في شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين من الهجرة المقدسة..).
2 ـ النسخة المخطوطة في مكتبة الوزيري بمدينة يزد (إيران) رقم 1202 نسخ محمد علي كمتيان في 1332 شمسي وتقع في 93 صفحة، 18 سطراً قياس 11×17سم.
كلمة أخيرة:
هذه الرسالة تحفة نادرة فاحرص على الاستفادة منها، خاصة في هذه الظروف التي يمرّ بها العالم المعاصر ويشهد سقوط الأنظمة الوضعية، ففي الرسالة توضيح للمنهج الإسلامي الذي يحقق لكل أمة مصالحها وما يلائم بيئتها وما يثبت أن الشريعة الإسلامية ليست أرستقراطية ولا دكتاتورية، وإنما هي ديمقراطية، وقد انفردت في ديمقراطيتها عن الأشباه، وتنزّهت عن النظائر.
والشريعة الغرّاء ناطقة ونصوصها صريحة بأنها ديمقراطية بأتم معاني الديمقراطية وأوفاها، فإن كانوا يريدون من الديمقراطية أنها هي الحرية والإخاء والمساواة والعدالة، فالشريعة الإسلامية لم تترك مطمعاً لمستزيد في هذه الأشباه الأربعة بل هي المثل الأعلى في كل ذلك.
نفعني الله وإياكم، وأسأله العفو والعافية في الدين والدنيا وهو المستعان.
محمد سعيد الطريحي
ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني
(ت: 329هـ/ 939م)
هو ثقة الإسلام وشيخ المحدثين الأعلام وقدوة الأنام وملاذ المحدثين ومروّج المذهب في غيبة الإمام عليه السلام، أقدم الجامعين وأعظم البارعين وأنور الطالعين وثقة العارفين أبو جعفر محمد بن يعقوب إسحاق الكليني (بضم الكاف) الرازي، وقيل يعرف بالسلسلي لنزوله درب السلسلة ببغداد. نسبته الأولى إلى «كُلين» (بضم الكاف) قرية من نواحي الري قرب «طهران».
ولادته
القدر المسلّم عند بعض الأعلام أن مولده كان بعد وفاة الإمام العسكري (الحسن بن علي الهادي المتوفى سنة 260هـ) عليه السلام، في حالة الغيبة الصغرى.
ويظهر أن نشأته كانت في (كُلين) ثم توجه إلى بغداد لطلب العلم حتى توفى فيها، فإن والده يعقوب كان من علماء الري ساكناً في (كُلين) ودفن فيها وصار قبره معروفاً مشهوراً يُزار، وذكر الشيخ عباس القمي في كتابه «تحفة الأحباب» الفارسي أن قبره صار الآن في أحد دور طهران بالقرب من «حسن آباد» على الطريق المنتهى إلى هذه القرية.
ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة وقال: «ثقة الإسلام شيخ المحدثين الأعلام، قال النجاشي: شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنف الكافي في عشرين سنة. وقال الشيخ الطوسي: جليل القدر عالم بالأخبار. وقال ابن طاووس: الشيخ المتفق على ثقته وأمانته. وقال الحافظ بن حجر العسقلاني: هو من رؤوس فضلاء الشيعة في أيام المقتدر [العباسي]. وعن ابن الأثير في جامع الأصول: هو الفقيه الإمام على مذهب أهل البيت عالم في مذهبهم كبير فاضل مشهور. وعده في حرف النون من كتاب النبوة من المجددين لمذهب الإمامية على رأس المئة الثالثة. وكذلك الطيبي في شرح المشكاة.
وقال المحقق الكركي [الشيخ عبدالعالي المتوفى سنة 993هـ]: لم يعلم في الأصحاب مثله.
وقال والد الشيخ البهائي [العلامة عز الدين حسين بن عبدالصمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن علي]: هو شيخ عصره ووجه العلماء، كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به.
وقال النجاشي [أحمد بن علي صاحب كتاب الرجال]: كنت أتردد على مسجد اللؤلؤي أقرأ القرآن على صاحب المسجد وجماعة من أصحابنا يقرأون الكافي على أبي الحسن أحمد ابن الكوفي الكتاب.
وقال بحر العلوم الطباطبائي: ثقة الإسلام شيخ المشايخ الأعلام، ذكره أصحابنا وغيرهم واتفقوا على فضله وعظيم منزلته.
وقال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: «وشرح [أي ابن الأثير])[576]( ما ذكره هو في الباب الرابع من كتاب النبوة من جامع الأصول حيث خَرْجَ حديثاً من صحيح أبي داود عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن الله يبعث لهذه الأمة عند رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
ثم قال في شرح غريب هذا الباب: والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهديهم وأئمتهم ونحن نذكر المذاهب المشهورة في الإسلام التي هي مدار المسلمين في أقطار الأرض: مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، ومذهب الإمامية، ومن كان المشار إليه من هؤلاء كان رأس كل مائة.
ثم إنه عد ممن كان مجدداً لمذهب الإمامية على رأس المائة الأولى، محمد بن علي الباقر عليه السلام، وعلى رأس المائة الثانية علي بن موسى الرضا عليه السلام، وعلى رأس المائة الثالثة أبا جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، وعلى رأس المائة الرابعة المرتضى الموسوي أخا [الشريف] الرضي)[577](.
وذكر العلاّمة الخوانساري في روضات الجنان فقال: «فشأن الرجل أجل وأعظم من أن يختفي على أعيان الفريقين، أو يكتسي ثوب الاجمال لدى ذي عينين، أو ينتفي أثر إشراقه يوماً من البين، إذ هو في الحقيقة أمين الإسلام، وفي الطريقة دليل الأعلام، وفي الشريعة جليل جليل قدّام، ليس في وثاقته لأحد كلام، ولا في مكانته عند أئمة الأنام، وحسب الدلالة على اختصاصه بمزيد الفضل، وإتقان الأمر، اتفاق الطائفة على كونه أوثق المحمّدين الثلاثة [المقصود صاحب الترجمة، والشيخ الصدوق (قدّس سرّه) والشيخ الطوسي (قدّس سرّه)] الذين هم أصحاب الكتب الأربعة [الكافي، من لا يحضره الفقيه، الاستبصار، وكتاب التهذيب].
كما نقل عن شيخنا الشهيد الأول [هو الشيخ الأجل الأفقه أبو عبدالله محمد بن الشيخ العالم جمال الدين مكي بن شمس الدين محمد الدمشقي العاملي الجزيني، ولد سنة 734هـ] الذي عليه من هذه الطائفة كل المعوّل أنه رحمه الله قال في إجازته للشيخ الفقيه علي بن الخازن الحائري)[578](، وبه مصنّفات صاحب كتاب «الكافي» في الحديث، الذي لم يعمل في الإمامية مثله (راجع بحار الأنوار 107: 190). وقال قبله العلاّمة [حسن بن يوسف الحلي] في كتاب الخلاصة [خلاصة الأقوال في علم الرجال طبع بطهران سنة 1310هـ]، تبعاً لشيخنا النجاشي المسلّم كلامه في أحوال الرجال عند ذكره له بعدما ترجمه ويجله وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنف الكتاب الكبير المعروف بـ«الكافي» في عشرين سنة، وقال الشهيد الثاني [هو الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الجبعي] في شرح رسالته في الدراية ما نصه: كان قد استقر على أربعمائة مصنّف سموها الأصول، فكان عليها اعتمادهم، ثم تداعت الحوادث إلى ذهاب معظم تلك الأصول، ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريباً على المتناول، وأحسن ما جمع منها «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني، و«التهذيب» للشيخ أبي جعفر الطوسي، ثم قال: وأما «الاستبصار» فإنه أخصر من «التهذيب» ويمكن الاستغناء به عنه، وكتاب «من لا يحضره الفقيه» حسن أيضاً، وقال الشيخ علي ابن الشيخ محمد سبط شيخنا الشهيد الثاني [المذكور أعلاه] رحمهم الله تعالى، في كتاب «الدر المنظوم»، هذه حواش يسيرة على أصول «الكافي» والمنهل العذب الصافي، للثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني أنار الله برهانه، وأعلى في عليين مكانه، فلعمري لم ينسج ناسج على منواله، ومنه يعلم قدر منزلته وجلالة حاله.
وقال شيخنا المروّج علي بن العالي الكركي العاملي فيما نقل عن إجازته الكبيرة للقاضي صفي الدين عيسى ما لفظه: «ومنها جميع مصنّفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد الحافظ المحدث الثقة جامع أحاديث أهل البيت عليهم السلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكتاب الكبير في الحديث المسمى «بالكافي» الذي لم يعمل مثله…»، إلى أن قال: «وقد جمع هذا الكتاب من الأحاديث الشرعية والأسرار الدينية ما لا يوجد في غيره، وهذا الشيخ يروي عمن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت عليهم السلام ورجالهم ومحدثيهم مثل علي بن إبراهيم، وهو يروي عن أبيه، ومثل محمد بن علي بن محبوب وهو يروي عن محمد بن أحمد العلوي عن السيد الأجل أبي الحسن علي بن الإمام أبي عبدالله المعصوم جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليه، عن أخيه موسى الكاظم، عن آبائه عليهم السلام » [أنظر بحار الأنوار، 108: 75 ـ 76].
وفي إجازة الفقيه الثقة الجليل السيد حسين ابن السيد حيدر الكركي العاملي شيخ إجازة مولانا المحقق السبزواري، عن ابن قولويه: جميع مصنفات ومرويات الشيخ الإمام ثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني التي من جملتها كتاب «الكافي» وهو خمسون كتاباً بالأسانيد التي فيه لكل حديث، متصلة بالأئمة عليهم السلام.
أقول: وهذا ينافي ما نقل عن شيخنا الطوسي رحمه الله في فهرسته أنه قال من بعد توثيقه للرجل: «له كتب منها كتاب «الكافي» مشتمل على ثلاثين كتاباً، أخبرنا بجميع رواياته الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان [بن عبدالسلام البغدادي المعروف بالشيخ المفيد] رضي الله عنه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عنه» [انظر بحار الأنوار، 108: 75 ـ 76].
وجاء في مقدمة كتاب «الكافي» المطبوع في إيران (الطبعة الرابعة ـ 1392هـ) من قبل «المكتبة الإسلامية بطهران» مع شرح وترجمة باللغة الفارسية بقلم الأستاذ العلاّمة آية الله الحاج الشيخ محمد باقر الكمرئي نزيل الري، ما ترجمته: «محمد بن يعقوب الكليني، ينتسب إلى عائلة عريقة الأصل طيبة النسب في كُلين (إحدى قرى الري)، كان في زمانه زعيم وشيخ الشيعة ومرجعهم الديني في تلك الناحية، ثم رحل إلى بغداد وأقام فيها بمحلة درب السلسلة بباب الكوفة، وفي سنة 327هـ شرع بنشر الحديث حتى صار رئيس فقهاء الإمامية ببغداد أيام المقتدر بالله العباسي. كان مجلسه نادي العلماء ومحفل الأعيان ومحط عشاق العلم الذين قدموا إليه للبحث والمناظرة وأخذ العلم، من البلدان والأقطار والأمصار المختلفة.
وكان الكليني رحمه الله عالماً فقيهاً محدثاً حجة عادلاً، محكم القول صحيحه، وعُدَّ من أفاضل أهل الأدب وأكابر العلماء وأستاذ رجال الفقه وعلم من أعلام علماء الإسلام، إضافة إلى زهده وورعه وعبادته وإخلاصه».
أساتذة ومشايخ الكُليني
تلقى العلوم على أساتذة كبار لا يمكن حصرهم، ومنهم:
1 ـ أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الأشعري القمي المتوفى سنة 306هـ.
2 ـ أحمد بن عبدالله بن أُمية.
3 ـ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمذاني المعروف بابن عقدة المتوفى سنة 333هـ.
4 ـ أبو عبدالله أحمد بن عاصم العاصمي الكوفي.
5 ـ أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى بن عبدالله بن سعد بن مالك بن أحوص… الأشعري القمي.
6 ـ أحمد بن مهران.
7 ـ إسحاق بن يعقوب.
8 ـ حسن بن خفيف.
9 ـ حسن بن فضل بن يزيد اليماني.
10 ـ حسين بن حسن الحسيني الأسود.
11 ـ حسين بن حسن الهاشمي.
12 ـ حسين بن علي العلوي.
13 ـ أبو عبدالله الحسين بن محمد بن عمران بن أبي بكر الأشعري القمي المعروف بابن عامر.
14 ـ حميد بن زياد النينوائي المتوفى سنة 310هـ.
15 ـ أبو سليمان داود بن كورة القمي.
16 ـ أبو القاسم سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي المتوفى سنة 300هـ.
17 ـ أبو داود سليمان بن سفيان.
18 ـ أبو سعيد سهل بن زياد الآدمي الرازي.
19 ـ أبو العباس عبدالله بن جعفر الحميري القمي.
20 ـ علي بن إبراهيم بن هاشم صاحب التفسير المتوفى سنة 307هـ.
21 ـ علي بن الحسين السعد آبادي.
22 ـ أبو الحسن علي بن عبدالله الخديجي.
23 ـ علي بن محمد الكليني المعروف بعلان.
24 ـ علي بن محمد بن أبي القاسم بندار.
25 ـ علي بن محمد البرقي القمي.
26 ـ علي بن موسى بن جعفر الكمنداني.
27 ـ قاسم بن علاء الآذربايجاني.
28 ـ محمد بن إسماعيل النيشابوري الملقب ببندفر.
29 ـ محمد بن جعفر الرزاز المتوفى سنة 301هـ.
30 ـ محمد بن أبي عبدالله الأسدي الكوفي نزيل الري.
31 ـ محمد بن حسن بن فروخ الصفار القمي المتوفى سنة 290هـ صاحب كتاب بصائر الدرجات.
32 ـ محمد بن حسن الطائي.
33 ـ محمد بن عبدالله الحميري القمي.
34 ـ محمد بن عقيل الكليني.
35 ـ محمد بن علي بن معمر الكوفي.
36 ـ محمد بن يحيى العطار الأشعري القمي.
[أنظر مقدمة كتاب «الكافي» طبعة دار الكتب الإسلامية، ص20 ـ 23].
مدرسة الكليني من أين بدأت وإلى أين انتهت
من النقاط المبهمة في تاريخ الكليني دراساته وكتبه، فالظاهر أن ولادته كانت في زمن المعتمد العباسي وفي حدود أيام ولادة إمام العصر [الحجة بن الحسن العسكري] عليه السلام. وهو لم يسمع من الأئمة المعصومين [عليهم السلام] بدون واسطة وقد تلقى علومه ودروسه على يد الرواة والمحدثين.
من المسلّم به أنه كان في الري وبغداد، ويظهر من فهرست أسماء أساتذته أنهم من علماء قم والري وبغداد، ولكن أين وفي أي وقت أخذ الكليني العلم والحديث من هؤلاء الأساتذة الكبار، وأين أخذ دروسه الابتدائية، الجواب هو الإبهام، حيث لم يتطرّق إلى ذلك أحد.
ومن بين أساتذته الستة والثلاثين، اثنا عشر أستاذاً قميّاً، وأربعة أساتذة من الري وكُلين، والبقية من الكوفة ونينوى، أو من مجهولي الوطن. ولم يدون في تاريخ حياته بأنه رحل إلى قم أو الكوفة أو نينوى، والأمر الذي لا يدعو إلى الشك هو أن حوزة الأشعريين بقم كانت في تلك الحقبة من الزمن من أهم المناهل الفكرية للشيخ الكليني التي نشرها في الري وبغداد والكوفة، ومن أجل معرفة سبب انتشار مبادىء الشيخ الكليني يجب إلفات النظر إلى تلامذته النجباء، اعتباراً من تاريخ ولادتهم ونشأتهم إلى مراكز نشاطهم ونشر علومهم الشرعية، ومن هؤلاء:
1 ـ أبو عبدالله أحمد بن إبراهيم المعروف بابن أبي رافع الصميري.
2 ـ أبو الحسين أحمد بن أحمد الكاتب الكوفي.
3 ـ أبو الحسن أحمد بن علي بن سعيد الكوفي.
4 ـ أبو الحسين أحمد بن محمد بن علي الكوفي.
5 ـ أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن حسن بن جهم بن بكير بن أعين بن سنسن الزرّاري (285 ـ 368هـ).
6 ـ أبو الحسن عبدالكريم بن عبدالله بن نصر البزاز التنيسي.
7 ـ علي بن أحمد بن موسى الدقاق.
8 ـ أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني المعروف بابن أبي زينب، من خواص صاحب الترجمة وكاتب كتاب «الكافي».
9 ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة بن صفوان بن مهران، الصفواني نزيل بغداد المجاز من الشيخ الكليني في رواية الحديث، وأحد كتّاب كتاب «الكافي».
10 ـ أبو عيسى محمد بن أحمد بن محمد بن سنان السنائي الزاهري نزيل الري.
11 ـ أبو المفضل محمد بن عبدالله بن مطلب الشيباني.
12 ـ محمد بن علي ماجيلويه.
13 ـ محمد بن محمد بن عصام الكليني.
14 ـ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد الشيباني التلعكبري المتوفى سنة 385هـ.
في الوقت الذي كان أكثر أساتذة الشيخ الكليني من قم والري، نرى أن أقل تلامذته منهما، وأغلب تلامذته كانوا من الكوفة وبغداد وبين النهرين، حيث أخذ هؤلاء العلم والحديث منه أثناء إقامته، ببغداد، وعلى الخصوص خاصة تلامذته الذين كتبوا ورووا كتاب «الكافي» مثل النعماني [التسلسل 8 أعلاه]، والصفواني [التسلسل 9 أعلاه]، والزرّازي [التسلسل 5 أعلاه] الذي يظهر أنه اتصل به في بغداد، وبناءاً على هذا يظهر أن الشيخ الكليني قد أقام مدة طويلة في بغداد تمكن خلالها من تعليم وترْبية تلامذته، وتكميل كتابه «الكافي».
وفاته
توفي الشيخ الكليني رحمه الله سنة 329هـ في شهر شعبان ببغداد، وصلّى عليه محمد بن جعفر أبو قيراط الحسني ودفن رحمه الله فيها بباب الكوفة في زاوية المسجد.
قبره
ذكر قبره الأصفهاني الكاظمي في كتاب أحسن الوديعة، ضمن «مزارات الجانب الشرقي من بغداد» وقال: «في هذا الجانب قبور كثيرة قد اندرست ونحن نذكر ما بقيت حتى اليوم وتواترت الأخبار بصحتها، فمنها قبر الشيخ الأجل الأكرم الفقيه الأعظم ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني البغدادي صاحب الكافي المتوفى ببغداد سنة ثمان أو تسع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة.
قال العلاّمة [حسن بن يوسف الحلي] في الخلاصة [خلاصة الأقوال في علم الرجال]، ودفن بباب الكوفة بمقبرتها. وقال ابن عبدون، ورأيت قبره في صراط الطائي وعليه لوح مكتوب عليه اسمه واسم أبيه. وقال العلاّمة محمد مهدي الطباطبائي النجفي، وهو الآن مزار معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة وعليه قبة عظيمة. وفي رجال أبي علي، وقبره (قدّس سرّه) معروف في بغداد الشرقية مشهور تزوره الخاصة والعامة في تكية المولوية، وعليه شباك من الخارج إلى اليسار العابر من الجسر. وقال العلاّمة مهدي القزويني الحلّي في ص337 من فلك النجاة: «والكليني في الجامع مما يلي جسر بغداد، معه قبر آخر يقال أنه الكراجكي أو الكيدري». وما نقله السيد هاشم البحراني في روضة الواعظين من الكرامة يؤيد ذلك.
مصفناته
خلف الكليني رحمه الله للمكتبة العربية والإسلامية مصنفات في غاية الأهمية منها:
أولاً: كتاب الكافي، تصدى جمع من الأعلام لجمع الأخبار الواردة عن الأئمة عليهم السلام وبذلوا قصارى جهدهم في تحقيق ألفاظها وتهذيبها وتبويبها وإيداعها كتبهم المؤلفة لهذه الغاية الشريفة وهي كثيرة جداً، والمعروف منها بين الإمامية هي الكتب الأربعة للمتأخرين (وهي: الوافي، والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل)، والأربعة للمتقدمين (وهي: من لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، وكتاب الكافي المذكور)، فهذه الجوامع الثمانية هي المصادر المهمة للأحاديث المروية عنهم عليهم السلام في الأحكام وغيرها، أما كتاب الكافي مورد بحثنا هذا فيتألف من أربعة وثلاثين كتاباً:
1 ـ كتاب العقل والجهل. 2 ـ كتاب فضل العلم. 3 ـ كتاب التوحيد. 4 ـ كتاب الحجة. 5 ـ كتاب الإيمان والكفر. 6 ـ الدعاء. 7 ـ كتاب فضل القرآن. 8 ـ كتاب العشرة. 9 ـ كتاب الطهارة. 10 ـ كتاب الحيض. 11 ـ كتاب الجنائز. 12 ـ كتاب الصلاة. 13 ـ كتاب الزكاة. 14 ـ كتاب الصيام. 15 ـ كتاب الحج. 16 ـ كتاب الجهاد. 17 ـ كتاب المعيشة. 18 ـ كتاب النكاح. 19 ـ كتاب العقيقة. 20 ـ كتاب الطلاق. 21 ـ كتاب العتق. 22 ـ كتاب الصيد. 23 ـ كتاب الذبائح. 24 ـ كتاب الأطعمة. 25 ـ كتاب الأشربة. 26 ـ كتاب الزي والتجمّل. 27 ـ كتاب الدواجن. 28 ـ كتاب الوصايا. 29 ـ كتاب المواريث. 30 ـ كتاب الحدود. 31 ـ كتاب الآيات. 32 ـ كتاب القضاء والأحكام. 33 ـ كتاب الإيمان والنذور والكفارات. 34 ـ كتاب الروضة.
وقد ذكر كتاب الكافي له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص114) وقال: «قال شيخنا البهائي [محمد بن الحسين بن عبدالصمد] في وجيزته [الوجيزة، في الدراية ـ طبع بإيران مكرراً]: أما الكافي فهو تأليف ثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي عطّر الله مرقده، ألّفه في مدة عشرين سنة…، وعن سمينا العلاّمة المجلسي قدس الله تعالى سره القدوسي أنه قال في مفتتح شرحه على أصول «الكافي» وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ ثقة الإسلام، مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام، محمد بن يعقوب الكليني، حشره الله مع الأئمة الكرام عليهم السلام، لأنه كان من أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها… إلى آخره. وقال والده الفاضل الورع الأمين في مفتتح شرحه العربي على «الفقيه» الموسوم بـ«روضة المتقين» والذي يظهر من التتبع أن الاعتماد على الكليني أكثر، وبعده على الصدوق، وبعده على الشيخ [الطوسي] وإن كان فضل الشيخ غير مخفي، وليس لأحد فضله، ولكن باعتبار كثرة التصانيف قد يقع عنه السهو، أو عن نساخ كتابه باعتبار الإهمال، بخلاف الكليني، فإنّه صنّف «الكافي» في عشرين سنة، والصدوق وسط بينهما، وقال في الفائدة الحادية عشرة من شرحه الفارسي «وهمچنين أحاديث مرسله محمد بن يعقوب كليني ومحمد بن بابويه قمي، بلكه جميع أحاديث إيشان كه در «كافى» و«من لا يحضر» است، همه را صحيح ميتوان گفت، چون شهادات ابن دو شيخ بزرگوار كمتراز شهادات رجال نيست يقيناً، بلكه بهتر است… إلخ» وترجمة هذا النص: وأيضاً، أحاديث محمد بن يعقوب الكليني، ومحمد بن بابويه القمي المرسلة، وحتى يمكن القول أن جميع أحاديثهما المدونة في «الكافي» و«من لا يحضره الفقيه» صحيحة، لأن شهادة هذين الشيخين ليس أقل أهمية عن شهادة الرجال، بل هي أفضل… إلخ.
وقال المحدث النيسابوري في كتابه الموسوم بـ«منية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد»)[579](، ومنهم ثقة الإسلام، قدوة الأعلام، والبدر التمام، جامع السنن والآثار في حضور سفراء الإمام، عليه أفضل السلام، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة، المؤلف لجامع «الكافي» في مدة عشرين سنة… وكتابه مستغن عن الإطراء لأنه رضي الله عنه كان بمحضر من نوّابه عليه السلام، وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب «الكافي لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنّف وشنّف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا، (انتهى)».
وفي رجال سيدنا العلاّمة الطباطبائي نقلاً عن شيخنا الشهيد [محمد بن جمال الدين مكي بن شمس الدين محمد الجزيني العاملي الشهيد في سنة 786هـ] رحمه الله في الذكرى [ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة] أنه قال: «إن ما في «الكافي» من الأحاديث يزيد على ما في مجموع الصّحاح الست للجمهور)[580](، وعدة كتب «الكافي» اثنان وثلاثون كتاباً [ولكن المطبوع منه في طهران (المكتبة الإسلامية) سنة 1329هـ، يشتمل على 34 كتاباً أشرنا إليها كاملة قبل قليل]، ثم أخذ في عد تلك الكتب وبدأ بكتاب العقل والجهل، وختم بكتاب الوصايا وكتاب المواريث وكتاب الروضة…».
وذكره له صاحب دائرة معارف الأعلمي (ج27، ص145)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، والزركلي في الأعلام (ج8، ص17)، والمدرّس التبريزي في ريحانة الأدب (ج3، ص379)، والنجاشي في الرجال (266)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120) وقال: «ألّف الكافي الذي هو أجل الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامية والذي لم يعمل للإمامية مثله»، كما ذكر له الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج17، ص245، الرقم 96) وقال: «الكافي في الحديث، وهو من أجلّ الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليه، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول، لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ابن أِخت علاّن الكليني، والمتوفى سنة 328هـ [329هـ] مشتمل على أربعة وثلاثين كتاباً، وستة وعشرين باباً، وأحاديثه حُصِرَت في ستة عشر ألف حديث، الصحيح 5072، الحسن 144، الموثوق 178، القوي 302، الضعيف 9485. مائة وتسعة وتسعون حديثاً أزيد من جميع الصحاح الستة، لأن الصحيحين أقل من سبعة آلاف.
أولاً: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المحمود لنعمته، المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى ودنى فتعالى، وارتفع فوق كل منظر، الذي لا بدء لأوليته ولا غاية لأزليته القائم قبل الأشياء والدائم الذي به قوامها، والقاهر لا يؤوده حفظها، والقادر الذي بعظمته تفرد بالملكوت ولقدرته توحد بالجبروت وبحكمته أظهر حججه على خلفه، اخترع الأشياء إنشاء وابتدعها ابتداء بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحداً بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته. لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار، وضل فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية ووصف بغير صورة ونعت بغير جسم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، ضلت الأوهام عن بلوغ كنهه وذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته، لا يبلغه حد وهم ولا يدركه نفاذ بصر وهو السميع العليم، احتج على خلقه برسله وأوضح الأمور بدلائله وابتعث الرسل مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروه ويوحدوه بالإلهية بعدما أضدّوه، أحمده حمداً يشفي النفوس ويبالغ رضاه ويؤدي شكر ما وصل إلينا، من سوابغ النعماء وجزيل الآلاء وجميل البلاء… إلخ.
وأضاف صاحب الذريعة قائلاً: وكتبه في الغيبة الصغرى في مدة عشرين سنة، ولم يصنف مثله في الإسلام…، ثم أشار إلى النسخ الخطية وقال: نسخة في غاية النفاسة ممتازة من جهة الخط والورق والتهذيب والتجليد في ستة مجلدات من أول «الأصول» إلى آخر الروضة، تاريخ إتمام الأخير في سنة 1062هـ، وكلها من وقف الحاج إبراهيم خان في سنة 1095هـ للخزانة الرضوية [بمشهد]، ونسخة تامة نفيسة أيضاً في مجلد كبير، كلها بقلم الشيخ عبدالله بن حسن علي شيخ زقة من توابع ثون، كتب تمامه في مشهد الرضا عليه السلام، وشرع في كتابة الأصول في 23 صفر سنة 1056هـ وفرغ من كتاب «الروضة» أواخر ربيع الآخر سنة 1057هـ، ثم وصلت النسخة إلى السيد المير مرتضى بن السيد مصطفى التبريزي في مشهد خراسان فصححها وقابلها بنسخة مصححة بقدر الوسع والطاقة، وكتب في هامش آخر كتاب «الحج» أنه فرغ من التصحيح في مشهد في العشر الثاني من رجب…، وانتقلت النسخة إلى الحاج الشيخ محمد جواد الواعظ العراقي الكرهرودي في سنة 1374هـ وأهداها إلى مكتبة أمير المؤمنين في سنة 1375هـ»، كما ذكره له بروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص339) وقال: «وهو يتناول جميع عقايد الإمامية ومذاهبها، ويعد أحد الكتب الأربعة الكبرى للشيعة، ويشتمل على أكثر من ستة عشر ألف حديث، عنى المتأخرون بإحصائها وتصنيفها على أصول علم الدراية بين الصحيح والحسن والقوي والضعيف… إلخ».
ولكتاب الكافي نسخ خطية في أمهات مكتبات الدنيا، منها: برلين برقم 1855، جاريت 1608 ـ 1609، الإسكندرية 10 فرق، باتنه برقم 1 :57 الرقم 570 ـ 574، عليجره 99 رقم 29، 100 رقم 35، 38. هايدلبرج، باريس أول برقم 6656، المتحف البريطاني الثاني برقم 152 ـ 153، كمبرج أول برقم 878 ـ 879، مانشستر برقم 93، 801، مشهد 4: 164 رقم 194 ـ 213 (انظر ما ذكره صاحب الذريعة الذي أشرنا إليه قبل قليل)، بشاور برقم 623 ألف، مدرسة كلكتا برقم 296، آصفية 1: 656 رقم 416، 597، پرنستون 295، ومنه قطعة في القاهرة أول7: 509، وفي طهران1: 288، 297، 2 :34.
وطبع الكتاب المذكور مكرراً في طهران، منها:
سنة 1281هـ بخط محمد شفيع التبريزي، وسنة 1307هـ، وسنة 1377هـ، وسنة 1392هـ (المكتبة الإسلامية بطهران مع ترجمة فارسية).
كما طبع في لكنو بالهند سنة 1302هـ، 1886م.
وللكتاب المذكور شروح وتعليقات وحواش ذكرها الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج6، ص179- 184) و(ج13، ص94) و(ج14، ص26، 28)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص340 ـ 341)، ومقدمة كتاب الكافي طبعة (المكتبة الإسلامية) سنة 1392، وهي:
1 ـ شرح أصول الكافي (عقل وجهل وعلم توحيد) للملاّ صدرا محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيرازي الملقب بصدر الدين وصدر المتآلهين المتوفى سنة 1050هـ/1640م. منه مخطوطة في مكتبة طهران الوطنية 1: 527 ـ 528، 2: 30 ـ 32، ومشهد4: 46 ، 128، (وانظر كتالوك براون 19، والذريعة ج13، ص99، الرقم 313). وطبع على الحجر في طهران سنة 1865م. (انظر ريحانة الأدب للمدرس التبريزي ج2، ص458، التسلسل 841 «صدرا» الرقم 38).
2 ـ شرح محمد صالح بن أحمد المازندراني المتوفى في أصفهان سنة 1080هـ/ 1675م، اعتبره الفقهاء من أحسن شروح الكافي، وذكر الشرح المذكور صاحب الذريعة وقال: «للمولى الأجل الصالح، محمد صالح بن أحمد بن شمس الدين السروي المازندراني صهر المولى محمد تقي المجلسي، أوله: نحمدك يا مروج عقول العارفين بمظاهر كمالك ليلاً ونهاراً، نشكرك يا مفرج قلوب السالكين… إلخ. خرج منه شرح كتاب العقل والجهل والتوحيد والحجة والإيمان والكفر والدعاء والزكاة والصوم والخمس وجميع كتاب الروضة».
وللشرح المذكور نسخ خطية في مكتبات: طهران الوطنية 1: 258 ـ 260، المتحف البريطاني الثاني 1544، مشهد4: 42، 127 ـ 131.
وطبع طباعة حجرية دون ذكر المكان سنة 1310 ـ 1311هـ.
3 ـ شرح الكافي بالعربية، واسمه «الشافي» للشيخ الجليل خليل بن غازي القزويني المتوفى سنة 1089هـ/ 1675م، صنفه سنة 1065هـ/ 1655م، نسخة خطية منه في مكتبة طهران الوطنية1: 265، رقم 8، ومشهد4: 50، رقم 147 ـ 148.
وترجمة الشارح نفسه إلى الفارسية بعنوان: «الصافي في أصول الكافي»، ولهذه الترجمة مخطوطات في مكتبات: طهران الوطنية2: 33، ومشهد4: 50، رقم 149 ـ 158، بنكيپور14: 1221. وطبع هذا الشرح إلى الكتب السبعة الأولى من الكتاب على الحجر في لكنو سنة 1890 ـ 1891م، وطبع إلى آخر الكتاب أيضاً سنة 1302 ـ 1303هـ مع كتاب الروضة في الإمامة. وذكر هذه الترجمة صاحب الذريعة وقال: «شرح الكافي، فارسياً اسمه الصافي» للمولى خليل القزويني أيضاً في مجلدات كثيرة، شرع فيه سنة 1064هـ، وخرج منه إلى سنة 1074هـ، شرح خمسة عشر كتاباً وشرع في السادس عشر في يوم الخميس من شوال سنة 1074هـ، وهو كتاب المعيشة وشرحه كبير، رأيت هذا المجلد في مكتبة سيدنا المجدد الشيرازي، أوله: الحمد لله الذي جعل لعباده في الأرض معايش ليشكروه. وعنوانه أصل وشرح، وفي المكتبة الرضوية شرح كتاب الروضة منه وقد فرغ منه سنة 1084هـ، وفيها أيضاً شرح التوحيد وشرح النكاح وشرح العقل وشرح الإيمان والكفر وشرح الدعاء، شرح أصوله، تماماً في نسخ متعددة. وعلى هذا الشرح حواش لأخ الشارح المولى محمد باقر بن الغازي القزويني الذي كان حياً في سنة 1103هـ».
4 ـ شرح الكافي للعلامة المجلسي المولى محمد باقر بن محمد تقي المتوفى سنة 1111هـ وسماه: «مرآة العقول»، مخطوطة منه في مكتبة طهران الوطنية،1: 269 ـ 270. وطبع هذا الشرح في طهران بدون تاريخ.
5 ـ شرح الكافي الموسوم بـ (الرواشح السماوية) للمحقق الداماد المير محمد باقر بن محمد الحسني الأسترآبادي، طبع في بومباي سنة 1312هـ، ذكره له صاحب الذريعة (ج11، ص257، الرقم 1571) وقال: «خرج منه شرح خطبته ثم عقد تسعاً وثلاثين «راشحة» في مسائل علم دراية الحديث وأحوال بعض الرواة، والراشحة الأخيرة في بعض مباحث علم أصول الفقه من بعدها شرع في شرح أحاديث أصول الكافي من كتاب العقل والجهل، ثم كتاب التوحيد إلى باب البيان والتعريف ولزوم الحجة عند حديث [الإمام] الصادق عليه السلام في جواب السؤال عن تفسير آية {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ} قال عليه السلام نجد الخير والشر… وما بعد شرح هذا الحديث ليس في النسخة الموجود في كتب (الطهراني بكربلاء) فلا أدري أنه بعد بلوغ هذا المقام هل جف قلمه أم لا. وهو كتاب جيد لطيف في بابه، أوله: الحمد لله رب العالمين حمداً ينبغي لكرم وجهه ويليق لعز جلاله… طبع بطهران في سنة 1311هـ من أول شرح الخطبة إلى آخر الراشحة الأخيرة المذكورة…».
6 ـ وعليه حواش لميرزا رفيع الدين بن السيد حيدر الحسيني الطباطبائي الكائني المتوفى سنة 1080هـ/ 1669م (وقيل 1082هـ/ 1671م) مخطوطة في مكتبة طهران1: 245 ـ 247. وصاحب هذه الحواشي هو من أجداد السيد الحكيم الإلهي الميرزا أبي الحسن الملقب بجلوه. وروى أن الميرزا رفيع الدين محمد بن السيد حيدر المذكور كان من مشايخ العلامة المجلسي.
7 ـ وله شرح بعنوان هدي العقول في شرح أحاديث الأصول لمحمد بن عبد علي بن محمد بن علي بن عبدالجبار القطيفي، صنفه سنة 1218هـ/ 1813م، مخطوطة منه في مكتبة طهران الوطنية1: 260 ـ 261. (انظر الذريعة، ج13، ص100، الرقم 314).
8 ـ وله شرح بعنوان الروضة على فروع الكافي لمحمد بن علي الموسوي طبع على الحجر في 3 أجزاء سنة 1302هـ وما بعدها.
9 ـ ولكتاب الكافي مختصرات في المكتب الهندي برقم 144، والمتحف البريطاني أول برقم 980.
10 ـ شرح الكافي، من أول أصوله إلى آخر كتاب الجهاد وقسم من كتاب المعيشة للشيخ رفيع الدين محمد بن مؤمن الجيلاني مؤلف كتاب «الذريعة إلى حافظ الشريعة»، وهو شرح تعليق على هوامش نسخة كانت في تصرفه فكتب عليها التعليقات. راجع الذريعة ج14، ص28، الرقم 15889). و(انظر التسلسل 6 فيما سبق).
11 ـ شرح الكافي للشيخ يعقوب بن إبراهيم بن جمال البختياري الحويزي المتوفى سنة 1147هـ، نسخة منه في مدرسة السيد البروجردي في النجف الأشرف.
12 ـ شرح أصول الكافي، هو شرح مزجي لمجهول، شرع فيه مؤلفه في حرم الله تعالى بجوار الكعبة المعظمة سنة 1057هـ وأهداه إلى الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، نسخة منه في كتب العلامة عبدالرضا آل الشيخ راضي النجفي، (أنظر الذريعة، ج13، ص95، الرقم 303).
13 ـ شرح أصول الكافي، للأمير إسماعيل الخواتون آبادي ذكره الشيخ عبد النبي القزويني في «تتمة أمل الآمل للحر العاملي».
14 ـ شرح أصول الكافي لمحمد أمين بن محمد شريف الأخباري الأسترآبادي المتوفى بمكة المكرمة سنة 1036هـ.
15 ـ شرح أصول الكافي، للحكيم المتكلم السيد الميرزا رفيع الدين محمد بن حيدر الحسني النائيني الشهير بميرزا رفيعاً أستاذ العلامة المجلسي والمتوفى سنة 1082هـ. ناقص لم يتم. (انظر التسلسل 6، 10 فيما سبق).
16 ـ شرح أصول الكافي للسيد الميرزا محمد باقر بن محمد إبراهيم بن محمد باقر بن محمد علي بن محمد مهدي الحسيني الرضوي القمي الهمذاني المتوفى في 18 صفر سنة 1218هـ.
17 ـ شرح أصول الكافي للمولى حسين السجاسي الزنجاني المتوفى في نيف وعشرين وثلاثمائة وألف، ذكره العلامة الشيخ محمد علي الأوردبادي في مجموعته «الحديقة المبهجة» وقال: رأيت مجلداً منه، ويعتمد فيه مؤلفه على شرح المولى صدرا كثيرا» (أنظر التسلسل 1 فيما سبق). وقال صاحب الذريعة: وهو في ثلاثة مجلدات، الأول في شرح كتابي العلم والعقل، والثاني شرح كتاب التوحيد، الثالث في شرح كتاب الحجة، وكان الجزء الأخير بخط مؤلفه في مكتبة شيخ الإسلام الزنجاني في زنجان [إيران] كما كتبه إلينا. (أنظر الذريعة ج13، ص96، الرقم 305).
18 ـ شرح أصول الكافي للمولى محمد حسين بن يحيى النوري وهو شرح متوسط عبر عنه في آخره بالتعليقات.
19 ـ شرح أصول الكافي للمولى محمد زمان التبريزي (راجع الذريعة، ج13، ص97، الرقم 308).
20 ـ شرح أصول الكافي مع ترجمة فارسية للشيخ عباس بن المولى حاجي الطهراني (1298 ـ 1360هـ)، طبع منه المجلد الأول في شرح كتاب العقل، وكان فراغه منه يوم المباهلة سنة 1357هـ.
21 ـ شرح أصول الكافي للشيخ علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد العاملي، وسماه الدر المنظوم في كلام المعصوم، ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج8، ص79، الرقم 283) وقال: «خرج منه مجلد في شرح كتاب العقل وكتاب العلم، هذا وقد فرغ منه في آخر ذي الحجة سنة 1061هـ، أوله: هذه حواش يسيرة وتعليقات حقيرة على أصول الكافي… للثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني… وقد كتبتها فعن لي أن أجعلها متسقة مع إضافة ما تيسر وعدم التعرض بما أشكل وتعسر بحسب ما وصل إليه نظري القاصر… قوله المحمود لنعمته المعبود لقدرته… إلخ.
نسخة عصر المصنف في طهران بمكتبة «المشكاة» عليها إجازة المصنف بخطه لابن أخيه الشيخ علي بن زين الدين ابن الشيخ محمد بن الحسين بن زين الدين الشهيد المعروف بالشيخ علي الصغير، وتاريخ الإجازة 18/ ربيع الأول/1085هـ، ورأيت منه نسخاً أخرى في مشهد خراسان والعراق وفي جبع نسخة عند الشيخ عبدالله بن عبدالسلام الحر المعاصر، وهي بخط محمد بن جعفر بن محمد الطيسي كتابتها سنة 1096هـ، وفي طهران نسخة عند مرتضى المدرس الجهار دهي». ولهذا الشرح مخطوطة في جامعة طهران أيضاً.
22 ـ شرح أصول الكافي للشيخ محمد علي بن محمد البلاغي النجفي المتوفى سنة 1000هـ ذكره حفيده الشيخ حسن بن عباس بن محمد علي في كتابه «تنقيح المقال في علم الرجال».
23 ـ شرح أصول الكافي، بالفارسية، ذكره آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص99، الرقم 331) وقال: «شرح أصول الكافي، فارسي، رأيته في (مكتبة الخوانساري) في النجف وقد انمحى اسم مؤلفه فلا يقرأ منه إلا: «… ابن شفيع»، أوله: الحمد لله رب العالمين… إلخ. ذكر في أوله: أنه لما فرغ من شرح كتاب العقل شرع في شرح كتاب التوحيد وكان ديدنه [أي عادته] في شرح الثاني كديدنه في شرح الأول، حيث يشرح في كل باب الحديث الأول منه مفصلاً، ويشرح في ضمنه ما يحتاج إلى الشرح من بقية أحاديث الباب. ويعبر فيه عن السيد الميرزا رفيعاً النائيني المتوفى سنة 1081هـ: «بسيد المحققين طاب ثراه» فلا يستبعد أن يكون من تلاميذه.
والنسخة بخط محمد إبراهيم بن محمد لاجين القزويني، فرغ من كتابتها في يوم الإثنين غرة رجب سنة 1104هـ، ويوجد بخط هذا الكاتب في مكتبة سپه سالار في طهران «شرح فروع الكافي» للمولى خليل القزويني من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الصلاة فرغ منه في سنة 1101هـ».
24 ـ شرح أصول الكافي وترجمته باللغة الأردية، للسيد محمد شبر بن الحسين بن محمد عابد الحسيني الجنفوري المولود سنة 1308هـ، نشر مقدار من أوائله في مجلة «الدين» الصادرة في جنفور لصاحبها علي مهدي رئيس المدرسة الإيمانية الناصرية بها.
25 ـ شرح أصول الكافي الموسوم بـ«بيانات الوافي» ذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج3، ص184، الرقم 156) وقال: (بيانات الوافي، لأحاديث أصول الكافي)، وهو شرح لأصول الكافي من المولى محسن الفيض المتوفى سنة 1091هـ، لكنه ليس من تدوينه بل هو مجموع من بياناته المدرجة في كتابه الوافي من خصوص)[581]( المتعلقة منها بأحاديث أصول الكافي استخرجها بعض الأصحاب من كتاب الوافي مرتباً على أبواب أصول الكافي فصار المجموع شرحاً مستقلاً لأصول الكافي من تصنيف محسن الفيض المذكور وتدوين هذا البعض الذي أخلص عمله هذا لله تعالى وأهمل ذكر اسمه ونسبه وتاريخ عصره، رأيت النسخة في مكتبة السيد عبدالحسين الحجة الطباطبائي الحائري، وأظن أنها كتبت قبل مئة سنة».
26 ـ شرح أصول الكافي للشيخ محمد ابن الشيخ عبد علي آل عبدالجبار البحراني القطيفي معاصر السيد كاظم الرشتي والمحاكم معه، قال صاحب الذريعة (ج13، ص100، الرقم 314): «وهو 14 مجلداً منها عشرة مبيضة والباقي مسودة ورأيت مجلداً منه في مكتبة الشيخ جواد بن الشيخ مشكور بالنجف».
27 ـ عليه حاشية، (أصولاً وفروعاً) للشيخ إبراهيم ابن الفقيه الكاظمي الشيخ قاسم الشهير بابن الوندي مؤلف «جامع أسرار العلماء»)[582](. قال صاحب الذريعة الشيخ آغا بزرگ الطهراني (ج6، ص180، الرقم 984): «رأيتها بخطه على حواشي نسخة من «الكافي» التي هي بخط السيد نعمة الله بن حمزة العميدي الحسيني فرغ من استنساخها في (سنة 994هـ) وهي في مكتبة السيد مهدي آل حيدر الكاظمي وعليها حواشي والده الشيخ قاسم، وأخيه الشيخ محمد بن قاسم أيضاً، ويظهر من بعض تلك الحواشي أنَّه كتبها في حياة والده، وينقل فيها عن [كتاب] «الجامع» [المذكور أعلاه] لوالده».
28 ـ حاشية للمولى ابن الحسن الشريف العاملي الغروي ابن الشيخ محمد طاهر بن عبدالحميد بن موسى بن علي بن محمد بن معتوق بن عبدالحميد الأفتوني العاملي النباطي المتوفى سنة 1138هـ، صاحب كتاب الأنساب)[583](. قال صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص180، الرقم 985): «رأيتها على هوامش نسخة من كتاب الصلاة من «الكافي»، التي كتبها المولى عبدالمطلب كليددار (الخازن) للحضرة الغروية وهو ابن المولى عبدالله بن المولى طاهر الكليددار وفرغ من الكتابة في سنة 1128هـ، والحواشي بخط غيره، وإمضاؤها «أبو الحسن».
29 ـ حاشية للسيد المير أبي طالب بن ميرزا بيك الفندرسكي.
30 ـ حاشية للمولى أحمد بن إسماعيل الجزائري المتوفى سنة 1149هـ. قال صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص181، الرقم 987): «رأيتها بخطه على هوامش نسخة «فروع الكافي» عند الشيخ صالح الجزائري في النجف».
31 ـ حاشية على الأصول فقط، للسيد بدر الدين أحمد الأنصاري العاملي تلميذ الشيخ البهائي.
32 ـ حاشية للمولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي الأخباري المتوفى بمكة سنة 1036هـ. (انظر التسلسل 14 فيما سبق).
33 ـ حاشية على الأصول فقط للعلاّمة المجلسي الشيخ محمد باقر بن محمد تقي قدّس الله سره، المتوفى رحمه الله سنة 1111هـ. (أنظر التسلسل 4 فيما سبق).
34 ـ حاشية للأمير محمد باقر بن محمد الحسيني الأسترآبادي الشهير بميرداماد المتوفى رحمه الله في سنة 1040هـ. قال صاحب الذريعة (ج6، ص182، الرقم 991): «والظاهر أنها غير شرحه للكافي الموسوم بالرواشح السماوية». (أنظر التسلسل 5 فيما سبق).
35 ـ حاشية على الأصول فقط، للمولى محمد حسين بن يحيى النوري تلميذ العلاّمة المجلسي. (وانظر التسلسل 18 فيما سبق).
36 ـ حاشية للمولى حيدر علي بن الميرزا محمد بن الحسن الشيرواني.
37 ـ حاشية متفرقة على أصوله وفروعه، للسيد نور الدين علي بن أبي الحسن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي المتوفى سنة 1068هـ.
38 ـ حاشية للشيخ زين الدين أبي الحسن علي بن الشيخ الحسن صاحب كتاب «المعالم».
39 ـ حاشية على بابي التوحيد من قسم الأصول من الكافي، للشيخ علي الصغير ابن الشيخ زين الدين أخي الشهيد علي الكبير (صاحب الدر المنثور)، وهما ابنا الشيخ محمد السبط ابن صاحب المعالم. قال الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج6، ص183، الرقم 997): «توجد نسخة من هذه الحاشية بخط المحشي في مكتبة (الخوانساري) ذكر في آخرها أنه فرغ من تأليفه في سنة 1085هـ، وفرغ من كتابة هذه النسخة في سنة 1088هـ».
40 ـ حاشية الشيخ علي الكبير (انظر التسلسل 39 فيما سبق) بن محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد مؤلف كتاب «الدر المنثور» المتوفى سنة 1104هـ.
41 ـ حاشية للشيخ قاسم بن محمد بن جواد الكاظمي الشهير بابن الوندي والفقيه الكاظمي المتوفى بعد سنة 1100هـ. (انظر التسلسل 27 فيما سبق).
42 ـ حاشية على الأصول فقط، للشيخ محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد المعروف بالشيخ محمد السبط العاملي (980 ـ 1030هـ).
43 ـ حاشية للأمير رفيع الدين محمد بن حيدر الحسيني الطباطبائي النائيني (أنظر الذريعة، ج6، ص184، الرقم 1001).
44 ـ حاشية للشيخ محمد بن الشيخ قاسم بن محمد جواد الكاظمي، (انظر التسلسل 41 فيما سبق)، ذكرها له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص184، الرقم 1002).
45 ـ حاشية للشيخ العالم نظام الدين بن أحمد الدشتكي، ذكرها آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج6، ص184).
وهناك شروح شملت جزءاً من الكافي، منها:
46 ـ حثيث الفلجة في شرح حديث الفرجة، للسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر الحسني المختاري النائيني من علماء القرن الثاني عشر الهجري.
47 ـ هداية النجدين وتفضيل النجدين، في شرح حديث جنود العقل وجنود الجهل من الكافي، للسيد حسن الصدر المتوفى رحمه الله سنة 1354هـ.
48 ـ وللكافي مختصر بقلم محمد جعفر بن محمد صفي الناعسي الفراسي.
ثانياً:
كتاب الرد على القرامطة: ذكره له المدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج3، ص380)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، وبروكلمن في تاريخ الأدب العربي (ج3، ص341)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120)، والشيخ الطوسي في الفهرست (ص135)، والنجاشي في الرجال (ص267)، والشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج10، ص218، الرقم 620). وللكتاب المذكور نسخة خطية في الأمبروزيانا، راجع: {ZDMG 69,82}.
ثالثاً:
رسائل الأئمة عليهم السلام، ذكرها له الزركلي في الأعلام (ج8، ص17)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120)، والنجاشي في الرجال (ص276)، كما ذكره له الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج10، ص239، الرقم 766) وقال: «وقد نقل عنه [أي كتاب رسائل الأئمة] السيد رضي الدين علي بن طاووس في «كشف المحجة، ص159، 173» رسالة أمير المؤمنين عليه السلام تأليف علم الهدى ابن الفيض الكاشاني، الذي أول مكاتيبه رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام، نقلها عن كتاب «رسائل الأئمة» للكليني وظاهرة النقل عنه بغير واسطة، وعليه فلا يبعد وجود الكتاب اليوم في بعض المكتبات».
رابعاً:
كتاب في «الرجال» ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120)، والنجاشي في الرجال (ص267)، والشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج10، ص103، الرقم 219) وسماه: «رجال ثقة الإسلام لكليني).
خامساً:
كتاب تعبير (تفسير) الرؤيا، ذكره له المدرس التبريزي في ريحانة الأدب (ج3، ص380)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج47، ص153) والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص117)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج3، ص120) وآغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج4، ص208، الرقم 1042) وقال: تعبير الرؤيا، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329هـ يرويه النجاشي مع سائر تصانيف الكليني عن عدة مشايخ وكلهم عن ابن قولويه وهو عن الكليني».
سادساً:
ما قيل في الأئمة عليهم السلام من الشعر، راجع ريحانة الأدب للمدرس التبريزي (ج3، ص380)، وروضات الجنات للخوانساري (ج6، ص117)، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين (ج47، ص153)، والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي (ج3، ص120).
وتجد أخبار الشيخ الكليني في:
1 ـ أحسن الوديعة في تراجم أشهر مشاهير ومجتهدي الشيعة لمحمد مهدي الكاظمي الموسوي الأصفهاني، ج2، ص226، مزارت الجانب الشرقي من بغداد.
2 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج8، ص17.
3 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج47، ص152، الرقم 10851.
4 ـ الأنساب لعبدالكريم السمعاني، 486 «الكليني».
5 ـ تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدي، ج9، ص322.
6 ـ تاريخ الأدب العربي لبروكلمن، ج3، ص339، وعليه اعتمدنا في تدوين كتبه الخطية.
7 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله المامقاني، ج3، ص179.
8 ـ جامع الرواة للعلامة محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، ج2، ص218.
9 ـ خلاصة الأقوال للعلامة حسن بن يوسف الحلي، ص 145.
10 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرگ الطهراني.
ج3: ص184.
ج4: ص208.
ج6: ص179 ـ 184.
ج8: ص79.
ج10: ص103، 218، 239.
ج13: ص94 ـ 100.
قيس آل قيس
ثورة العشرين
في الثلاثين من حزيران من كل عام يحتفل العراقيون بالذكرى السنوية لثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي للعراق، التي مثّلتْ إحدى الصفحات المشرقة في تاريخ العراق الحديث، والتي شارك فيها الشعب العراقي بمختلف طبقاته وفئاته وطوائفه من أجل التحرر والاستقلال. ولأهمية هذا الحدث الوطني الكبير في تاريخ العراق سوف أستعرض بعض مقدماتها وأحداثها وما رافقها من ملابسات وما حققته من نتائج.
لم تنتج ثورة العشرين من فراغ ولم تكن مجرد أحداث عابرة، وفي ذات الوقت لم تكن منزهة من الأهواء والمصالح ومجردة عن الأخطاء التي رافقتها. وككل ثورة شعبية لا بدَّ وأنْ تكون لها عوامل ذاتية وأخرى موضوعية، داخلية وخارجية، تؤثر فيها، وهي عوامل مهدت لقيامها وتحركها وانفجارها.
كان العراق ولعدة قرون جزءاً من الدولة العثمانية وبقي كذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وعندما حاول العراقيون التحرر من الحكم العثماني، وقعوا فريسة للاحتلال البريطاني عام 1917م.
حركة الجهاد
عندما دخلت قوات الاحتلال الإنكليزي البصرة كان العراقيون يعتبرون أن الإنكليز هدفهم محاربة الإسلام وهدم عقيدته وتزييف أخلاق أبنائه، بينما كان الإنكليز يضعون في حساباتهم الاعتماد على الشيعة في العراق، بسبب نبذ الأتراك لهم وحرمانهم من بعض حقوقهم الدينية والمدنية لا سيما أنهم وقفوا إلى جانب الشيعة، في الأحيان التي تعرضوا فيها لمشاكل مباشرة خلال الحكم العثماني كما حدث في الهجوم على مدينة كربلاء المقدسة عام 1843 حين تدخل القنصل البريطاني لتسوية النزاع بينهما.
وفي الوقت الذي لم يتحرك فيه بعض علماء أهل السّنة في العراق لنصرة الأتراك عند وصول الإنكليز إلى مشارف البصرة أصدر المجتهدون الشيعة فتوى الجهاد ضد الإنكليز، باعتباره فرضاً واجباً على جميع المسلمين وقد واجه الإنكليز مقاومة شديدة قادها علماء مسلمون كان في مقدمتهم الشيخ مهدي الخالصي والسيد مهدي الحيدري والشيخ عبدالكريم الجزائري والسيد محمد سعيد الحبوبي وغيرهم ومعهم قوافل عديدة من المجاهدين من مدن النجف والكاظمية وبغداد والشامية وأبو صخير. وكذلك قوافل من المجاهدين الأكراد بقيادة الشيخ كاكه أحمد الذين انطلقوا في 19 تشرين الثاني عام 1914 نحو البصرة في الوقت الذي قرر فيه القائد التركي الانسحاب من مدينة العمارة ثم إخلاؤها، وذلك بسبب الضغط العسكري عليها غير أن السيد مهدي الحيدري رفض الانسحاب وأعلن أنه لن يتحرك حتى يقتل أو ينتصر، مما اضطر القائد العسكري التركي إلى إلغاء قراره بالانسحاب من العمارة وتشجيع أهالي العمارة للتطوع للجهاد. غير أن الحرب تطورت لغير صالح المجاهدين بعد انكسار الجيش التركي وانسحابه من البصرة مما اضطر المجاهدين إلى الانسحاب أيضاً بعد أن تمّ حرق بعض السفن وغرق الأخرى منها.
وإذا فشلت حركة الجهاد في صد هجوم الجيش الإنكليزي واحتلال العراق، فإنّها كانت حدثاً سياسياً بارزاً في تاريخ العراق الحديث ومؤشراً هاماً لاتجاه القوى الاجتماعية الضاغطة آنذاك، بيّنت بوضوح فيما بعد وقادت إلى ثورة العشرين، والتي كانت استمراراً للحركات الاجتماعية والانتفاضات الثورية التي قامت في العراق على طول تاريخه الطويل، مثلما رسمت خارطة العراق الجديدة، وإعلان الاستقلال الوطني للعراق.
الاحتلال الإنكليزي للعراق
في 11 آذار 1917 سقطت بغداد بأيدي الإنكليز. وقد أطلق العراقيون على الاحتلال الإنكليزي بـ«عهد السقوط» وأخذ الإنكليز يستخدمون سياسة التقرب والتحبب إلى المواطنين من أجل كسبهم إلى جانبهم، في محاولة لدحض الدعايات التي كان الأتراك يروجونها ضدهم وبدأوا ببعض الإصلاحات الإدارية والعمرانية واحترام المساجد والمراقد المقدسة وزيارة علماء الدين وإغراء البعض منهم بقبول الوظائف الحكومية وإغراق الأموال على البعض الآخر منهم.
غير أن شرارة التذمر بدأت بالاشتعال من جديد بعد أن أخذ الإنكليز بتشكيل «الشبانة» وهي قوات محلية كان هدفها قمع أي تحرك شعبي ضدهم والسيطرة على الأوضاع الداخلية سيطرة تامة، وأخذوا يتصرفون مع المواطنين بالطريقة التي كانوا يتعاملون بها مع الهنود، في توجيه الإهانات المباشرة والشخصية إليهم. وقد أشارت “المس بيل” إلى أن معاملة القوات الإنكليزية الفظة كانت قد سادعت على إشعال فتيل الثورة ضدهم في العراق.
وفي جانب آخر بدأ العراقيون يعانون من تبعات التضخم النقدي الذي فرضته السياسة الاقتصادية الإنلكيزية في العراق عن طريق غمر الأسواق بعدد هائل من الأوراق النقدية مما سبب حركة تجارية قوية ساعدت على تشكيل فئة من التجار وأغنياء الحرب والمنتفعين، كما اتبعت سلطات الاحتلال الإنكليزي سياسة جديدة مع العشائر العراقية، فبينما كان الأتراك يستخدمون سياسة تشجيع الصراعات والمنازعات العشائرية لتلافي اتحادها وإضعافها والوقوف ضدها، وكذلك إشعال روح العداء بين الحكومة والعشائر، مما سبب نزاعات وصراعات دامية بين الطرفين، مما دفع الإنكليز إلى انتهاج سياسة جديدة أخرى هدفها توحيد العشائر عن طريق دعم بعض الشيوخ المقربين إليهم ومدهم بالمال والسلاح والنفوذ، وبالتالي بسط نفوذهم وسيطرتهم على العشائر العراقية. غير أن هذه السياسة أغضبت بدورها أفراد العشائر العراقية وشيوخها. وقد اتضح خطأ تلك السياسة خلال ثورة العشرين، التي شارك فيها معظم رؤساء عشائر الفرات الأوسط، إضافة إلى عدم تنفيذ الوعود الخلابة التي وعد بها الإنكليز العرب والعراقيين على وجه الخصوص. وكان الجنرال (مود) قد أعلن عقب احتلاله للعراق ودخوله بغداد قائلاً: «جئناكم محررين لا فاتحين». غير أن الحقيقة أصبحت واضحة، وهي أن العراق أصبح خاضعاً خضوعاً كلياً للسيطرة الإنكليزية المباشرة.
كما كان للدعايات الخارجية تأثير كبير في إثارة روح التمرد والثورة ضد قوات الاحتلال التي كانت تصل إلى العراق من تركيا وإيران ومصر وسوريا والاتحا السوفييتي. وقد قام علماء الدين والمثقفون ووجهاء المدن والتجار بدور بارز في إعلان الاستياء ضد الاحتلال الإنكليزي.
ولكن، بالرغم من فشل حركة الجهاد واحتلال العراق من قبل الإنكليز فقد تضاعفت حركة المجاهدين واشتد عزمهم على مواجهة الاحتلال الإنكليزي وتنفيذ حركة التحرر العربية ـ الإسلامية التي هدفت إلى إقامة حكومة عربية مستقلة في العراق. وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي تأسيس أول حزب سياسي في العراق أطلق عليه «جمعية النهضة الإسلامية». وكان على رأسه السيد محمد علي بحر العلوم. وكان للجمعية جناحان، أحدهما سياسي، ثقافي ينهض به العلماء والمثقفون، وآخر عسكري يعتمد على الكفاح المسلح. وقد استفحلت أساليب الإرهاب والقمع والسيطرة على المواطنين إلى تصرفات فظَّة من قبل الحكام والعسكريين الذين لم يميزوا بين سكان المدن وأفراد العشائر العراقية مما سبب حدوث اصطدامات فردية بين العسكريين الإنكليز وبين بعض المواطنين، مثلما حدث في النجف الأشرف حين صفع الحاكم العسكري الإنكليزي «بلفور» كاظم صبي رئيس إحدى المحلات الشعبية في النجف الأشرف الذي أعاد بدوره الصفعة إليه فرميت قبعته وخرجت من الشباك. وكان كاظم صبي أول المتطوعين في «ثورة النجف» عام 1918 وأول من أُعدم من الثوار. والمثال الآخر هو أنه حين صفع الحاكم العسكري الإنكليزي الشيخ ضاري الحمود، شيخ عشيرة زوبع، أعاد الشيخ ضاري هذه الإهانة برصاصة استقرت في رأس الحاكم العسكري الإنكليزي فأوقعته صريعاً.
ثورة النجف
اندلعت الثورة في النجف في 19 آذار 1918 على أثر اغتيال الحاكم العسكري البريطاني. وقد أمرت قوات الاحتلال بمحاصرة المدينة من قبل ثمانية آلاف جندي بريطاني. وقد استمرت الثورة حوالي خمسة وأربعين يوماً واشترك فيها حوالي عشرة آلاف مسلح، وانتهت بإعدام قادة الجناح العسكري ونفي عدد آخر من العلماء، والمجاهدين إلى الهند.
وقد أشار عدد من الكتّاب إلى أن التسرع في إعلان الثورة في النجف قبل تنفيذ الاتفاق مع عشائر الفرات الأوسط كان قد ساعد على فشل الثورة، إلى جانب عوامل أخرى عديدة. ولكن من المؤكد أن ثورة النجف، رغم الأخطاء التي رافقتها. كانت حدثاً هاماً، لأنها كانت أول عصيان مسلح ضد قوات الاحتلال البريطاني في العراق، وقدمت أحد عشر بطلاً إلى المشنفة ببسالة مثلما كانت أول تجربة للكفاح المسلح في العراق في العصر الحديث.
وعندما أصبح الشيخ محمد تقي الشيرازي، المرجع الديني الأعلى، الذي خلف السيد كاظم اليزدي، وذلك بدخول العلماء طرفاً في الصراع من جديد، مما دفع بالحاكم العسكري البريطاني في العراق (السير ولسن) إلى إجراء استفتاء يعبر فيه العراقيون عن رأيهم في إقامة دولة مستقلة وأن يرأسها ملك عربي من الشرفاء يختارونه بأنفسهم. وقد جرى الاستفاء في 13 كانون الثاني عام 1918 في النجف أولاً ثم في كربلاء والكاظمية وبعدها في بغداد وغيرها من المدن العراقية. وكان ذلك الاستفتاء في الحقيقة أول تجربة في تاريخ العراق السياسي الحديث، التي حاول فيها الشعب العراقي الإدلاء برأيه في تقرير مصيره، كان من نتائجه بلورة وعي وطني جديد أنتج حركة سياسية ظهرت بواكيرها الأولى بتأسيس الأحزاب الوطنية وانطلاقة ثورة العشرين. كما كان لإعلان الدستور في تركيا أثر هام في تأسيس فروع لجمعية الاتحاد والترقي وجمعيات وأحزاب أخرى في بغداد والنجف والبصرة، حيث تأسس «الحزب النجفي» عام 1918 بعد فترة قصيرة من تأسيس «جمعية النهضة الإسلامية». كما تمّ تأسيس «الجمعية الإسلامية» في كربلاء. أما في بغداد فقد تأسست عام 1919 «جمعية حرس الاستقلال». وكان من بين أعضائها المؤسسين الشيخ محمد رضا الشبيبي وعلي البازركان والحاج جعفر أبو التمن والسيد محمد الصدر والشيخ يوسف السويدي وجلال بابان وغيرهم. وقامت بنشاطات سياسية وثقافية هامة. كما ضمت علماء دين ووجهاء مدن ورؤساء عشائر من المسلمين الشيعة والسُنّة معاً.
وقد انتهز العراقيون حركة الثورة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي في الحجاز ودعوته للاستقلال والتحرر من السيطرة الاستعمارية فكتبوا إليه طالبين تأسيس حكومة عربية دستورية في العراق على أن يكون أحد أنجاله ملكاً عليه. وقد وقّع الرسالة عدد كبير من علماء الدين ورؤساء العشائر ووجهاء المدن وأرسلت إلى الحجاز بيد الشيخ محمد رضا الشبيبي، وفي الوقت ذاته أرسل المرجع الديني الأعلى الإمام محمد تقي الشيرازي رسائل إلى الأمير فيصل بن الشريف حسين وإلى الرئيس الأميركي ولسن يعرب لهما فيها عن مطالب العراقيين في تشكيل حكومة عربية مستقلة تكون الموصل جزءاً لا يتجزأ من العراق، على أن يكون أحد أنجال الشريف حسين ملكاً على العراق.
وفي 28 أيار عام 1920 تشكلت هيئة اجتماعية. قانونية عليا ضمت عدداً من علماء الدين وزعماء العشائر ورجال السياسة لتمثيل العراق في التفاوض مع سلطات الاحتلال البريطاني والهيئات الدولية. كما أقيمت اجتماعات جماهيرية حاشدة في النجف وكربلاء وبغداد والكاظمية وكذلك في الحلة والبصرة والشامية. وقد أصدر الإمام الشيرازي تعليمات إلى كافة العراقيين بالتحرك السياسي والمطالبة بالاستقلال، وترأس مؤتمراً عقد في داره بكربلاء أوصى فيه أنْ يكون التحرك السياسي سلمياً، فإذا استكمل هذا الجانب أغراضه ولم تتحقق مطاليب الأمة فإنّ الخطة التالية ستكون إعلان العمل المسلح.
إعلان الاستقلال
عندما رفضت سلطات الاحتلال الاستجابة لمطالب الشعب المشروعة. قررت المرجعية الدينية بمساندة من شيوخ العشائر السياسيين ووجهاء المدن التحرك السريع لانتزاع الحقوق المشروعة وإعلان الاستقلال الوطني وذهب المجتمعون في دار الإمام الشيرازي بكربلاء إلى ضريح الإمام الحسين عليه السلام وأقسموا بالقرآن الكريم على إنجاز ما اتفقوا عليه. وفي 6 مايس عام 1920 طلب زعماء الحركة الوطنية التفاوض مع سلطة الاحتلال الإنكليزي في العراق وقدموا لها مطاليبهم المشروعة التي نوجزها بما يلي:
1 ـ الإسراع بتأليف مؤتمر يمثل الأمة العراقية ويعيّن مصيرها ويقرر شكل إدارتها في الداخل والخارج.
2 ـ منح الحرية للمطبوعات ليتمكن الشعب من التعبير عن إرادته ورغباته.
3 ـ رفع القيود الموضوعة على البريد والبرق بين المدن العراقية وبينها وبين الدول الأخرى حتى يستطيع المواطنون من التفاهم والاطلاع على السياسة الدولية الراهنة في العالم.
غير أنَّ رفض الحاكم العسكري العام للتفاوض وانتشار الخبر بين الناس سريعاً ساعد على إشعال فتيل الثورة في منطقة الفرات الأوسط.
إندلاع الثورة
انطلقت الشرارة الأولى من الرميثة في 20 آب 1920 بعد أن ألقت الطائرات الإنكليزية منشورات تدعو فيها العراقيين إلى العودة للمفاوضات.
وفي اليوم الثاني لإعلان الثورة اعتقلت السلطات الإنكليزية في كربلاء محمد رضا ابن الإمام الشيرازي لنشاطه السياسي بين العشائر العراقية ونُفي إلى جزيرة هنجام مع عشرة آخرين من المجاهدين. وقد أثار نفي محمد رضا ضجة كبيرة في الفرات الأوسط وكوّن عاملاً من عوامل إندلاع الثورة، حيث قام رؤساء العشائر وعلى رأسهم السيد علوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر وعدد آخر من شيوخ العشائر بعقد اجتماع حضره رؤساء عشائر الفرات الأوسط وبعض وجهاء المدن والسياسيين للمداولة في الأمر. وكتب المجتمعون في 28 حزيران عريضة موجهة إلى الميجر نوربري احتجاجاً على نفي محمد رضا الشيرازي ومن معه. كما كتبوا إلى شعلان أبو الجون وغيره من رؤساء عشيرة بني حجيم في الرميثة يشرحون لهم فيها ما قام به الإنكليز من أعمال جائرة واستهانتهم بحقوق المواطنين في العراق ويذكرونهم بوجوب الثورة عليهم والتخلص من ظلمهم. وقد حمل الرسالة إليهم السيد محسن الياسري. وحالما وصلت الرسالة إلى الرميثة في 1 تموز 1920 كانت الشرارة الأولى للثورة قد انطلقت منها، بعد أن وجه معاون الحاكم العسكري في الرميثة «هياث» إلى شعلان أبو الجون إهانة، في 30 حزيران 1920، فرد عليه بأشد منها، فأمر هياث باعتقاله وسرعان ما انطلق عشرة رجال من أفراد عشيرته فكسروا أبواب السجن وأطلقوا سراح شعلان أبو الجون ثم عادوا إلى ديارهم بعد أن اقتلعوا أخشاب سكة الحديد من الأرض المارة بأراضيهم. وعندما توجهت نحوهم قوة صغيرة من قوات الاحتلال الإنكليزي للقبض عليهم انتصروا عليها وأبادوها وسرعان ما امتدت الثورة إلى مختلف أنحاء العراق، بعد أن أصدر المرجع الديني الإمام الشيرازي فتواه، بأن المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم رعاية السلم والأمن. كما يجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم. وقد أيد الفتوى ودعمها جميع العراقيين من الأحرار والوجهاء والشيوخ ومن مختلف المدن العراقية.
وفي 11 تموز 1920 أعلنت الثورة في المشخاب حيث هجم الثوار على مخفر «أبو شورة» واستولوا على ما فيه من عتاد. وكان ذلك بادرة جدية لانطلاق الثورة من الشامية ومنها إلى جميع أنحاء الفرات الأوسط أولاً، وإلى جميع أنحاء العراق ثانياً.
كانت معركة «الرارنجية» نقطة تحول حاسمة في ثورة العشرين حيث انتصر الثوار انتصاراً كبيراً على الجيش الإنكليزي وحصل الثوار فيها على غنائم وفيرة. وقد أثار هذا الانتصار حماس الثوار وزاد في اندفاعهم لمزيد من الانتصارات والغنائم بعد أن نجحوا في مجابهة قوات الاحتلال بأسلحة تقليدية وأبدوا فيها شجاعة كبيرة وهم يرددون أهازيج شعبية منها «الطوب أحسن لو مكواري»، كما شكلت معركة الرارنجية «كارثة كبيرة» للجيش الإنكليزي، كما وصفها هالدين. كما لعب وعاظ المساجد وخطباء المجالس الحسينية والشعراء والخطباء دوراً هاماً في إثارة المشاعر وبخاصة في بغداد والمدن المقدسة وكذلك بين العشائر العراقية. كما كان للشعر الشعبي وبخاصة الأهازيج و«الهوسات» دور هام في إذكاء روح الثورة في النفوس والاستجابة لفتاوى العلماء وانخراطهم في صفوف الثوار. وعند رفع العلم العراقي فوق سطح بلدية كربلاء في 6 تشرين الأول 1920 ألقى خليل عزمي قصيدة حيا بها العلم العراقي نورد مطلعها:
بشراك يا كربلا قومي انظري العلما
على ربوعك خفاقاً ومبتسما
وفي 31 تموز 1920 هجم الثوار على مدينة الحلة تحت قصف الطائرات والمدافع. وكان هجوماً ضارياً أبدى فيه الثوار بطولات فريدة. غير أن القوات الإنكليزية كانت قد أجبرت الثوار على التراجع بعد أن استعدت للدفاع عن المدينة بعد هزيمتهم في معركة الرارنجية.
وفي الوقت الذي كان فيه الثوار قد وصلوا شرق مدينة الديوانية واستولوا على بلدة عفك، بعد أن دمروا، في طريقهم إليها، أجزاء أخرى من سكة الحديد، اندلعت الثورة في مدينة تلعفر في شمال العراق حيث سيطر الثوار على المدينة، بعد أن احتلوا السراي ورفعوا العلم العربي فوقه، كما وقعت أحداث هامة في دير الزور في أعالي الفرات، بسبب التذمّر الشديد الذي رافق الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى واحتلال الإنكليز لها. حيث شنت بعض العشائر بمساعدة «حزب العهد العراقي» غارات عديدة على معسكرات الإنكليز في الصالحية والبو كمال، مع هجمات متواصلة على سكة حديد الشمال، مما شجع على انتشار الثورة بين العشائر في شمال العراق.
نتائج ودروس
لقد كانت لثورة العشرين أهمية كبيرة في تاريخ العراق الحديث باعتبارها أول حدث شاركت فيه جميع فئات الشعب العراقي وأغلب مدنه وتضامنت فيما بينها لمجابهة سلطات الاحتلال البريطاني، وبخاصة العشائر العراقية وعلماء الدين وسكان المدن والأرياف الذين كانوا يهتفون معاً. ولأول مرة «يحيا الوطن»!
غير أن ثورة العشرين لم تحقق في الواقع نجاحاً سياسياً هاماً. وقد ظهر ذلك في ردود فعل عديدة وكذلك في مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، وبخاصة، بعد إبعاد زعماء المعارضة الوطنية إلى خارج العراق وعلى وجه الخصوص عدداً من المجتهدين، كالشيخ مهدي الخالصي، وبعض السياسيين، الذي شكل ضربة قوية وجهت إلى الحركة الوطنية، مثلما شكلت أول محاولة لاحتواء ثورة العشرين والالتفاف حولها. وبهذا الخصوص نظم الشيخ علي الشرقي قصيدة عام 1926 عبّر فيها عن خيبة أمله بحصيلة ثورة العشرين، منها:
وثورة أعقبتها
ندامة الثوار
ووحدة وزعتها
الأطماع بالأعشار
كانت قلادة مجد
ففوجئت بانتثار
ومع إخفاقها السياسي فقد مثلت بداية الوعي الديني والوطني الذي أخذ ينمو ويمتد إلى جميع أنحاء العراق. ومنذ ذلك التاريخ بدأ العراقيون يتداولون المفاهيم والشعارات الوطنية والسياسية الجديدة التي لم تكن مألوفة آنذاك كمفهوم الوطنية والاستقلال والتحرر والوحدة والوطنية.
وكان للعامل الديني دور رئيسي في تحريك الشعور الوطني باعتبار أن ثورة العشرين إنما هي امتداد لحركة الجهاد التي قادها المجتهدون الشيعة ضد سلطات الاحتلال البريطاني للعراق وإعلانهم الجهاد كواجب ديني مقدس، كما كانت حركة الجهاد وثورة العشرين تعبيراً حياً لدعوة علماء الدين للاستقلال الوطني وتشكيل حكومة عربية ـ إسلامية، وفي ذات الوقت، امتداداً للتقاليد الحية للحركات الاجتماعية الثورية التي كان الفكر الشيعي أحد منابعها الأساسية.
وفي الأخير، يمكننا القول بأن ثورة العشرين، مع ما رافقها من ملابسات، كانت مدرسة شعبية ووطنية علمت العراقيين كيف يكون الإنسان وطنياً يستطيع الدفاع عن أرضه ودينه، وما زال تأثيرها يرفد الحركة الوطنية بأسلحة فكرية للوقوف أمام الاستعمار والاستبداد والتبعية.
الدكتور إبراهيم الحيدري
الجواهري
في موازين المحافل النجفية
ــ 1 ــ
في أواسط الأربعينيات بدأت حكايتنا مع الجواهري، كنا جيلاً من ناشئة العلوم الدينية متقارب الأعمار والأذواق، يفترض في أمثاله أن يصرف جل وقته في دراساته الدينية الخالصة، وإن كان ذلك لا يمنع أن ينصرف في يومي الخميس والجمعة إلى شيء من لهوه البريء الذي كان من أجلى مظاهر براءته تصيد النادرة وتتبع الشعر والأدب. ولكن جيلنا ـ والظاهر أنها طريقة الأجيال الأدبية قبلنا ـ كان يوسّع من دائرة الخميس والجمعة فيتابع هذا الذي يسمى (لهواً بريئاً) في أكثر أيام الأسبوع، وإن كان ذلك على حساب دراساته الخاصة أحياناً:
ولم تكن متابعتنا للشعر، مثلاً، مقصورة على اختياراتنا مما هو مطبوع من دواوين الشعراء، ولا على ترصد ما ينشد في الحفلات العامة ـ الدينية منها والوطنية ـ أو الحفلات الخاصة كالأعراس والمآتم، بل أن كثيراً من الشعراء الذين نحبهم لم تكن لهم دواوينهم المطبوعة، لذلك كان العثور على قصيدة للشرقي أو للشبيبي الكبير، أو السيد رضا الهندي، أو حتى بدوي الجبل وبشارة الخوري مثلاً يتطلب منا جهداً ليس باليسير لنستخرجها من بين المجاميع المخطوطة، أو المجلات القديمة.
وما يكاد ينتهي دور الاختيار هذا، فتتكون لدى كل منا مجموعته الخاصة، حتى تبدأ أدوار أُخر ليس أيسرها الاستظهار والحفظ، أو الجدل في تفضيل قصيدة على أخرى، أو التعصب لشاعر دون صاحبه.
إذن فقد كنا جيلاً ناشزاً بين لداته، يوسع من وظيفة عطلته الأسبوعية على حساب درسه الرسمي، كان يصرف من وقته في الموازنة بين شعر شوقي وشعر حافظ أكثر مما يصرفه في المقارنة بين رأي المعتزلة ورأي الأشاعرة.
ــ 2 ــ
ولم يكن الجواهري يومها شاعراً يجهله جيلنا أو الأجيال التي عشنا معها في النجف، فقد كانت مجاميع الناشئة تضم من قصائده: المحرقة، والرجعيون، والقرية العراقية، وسامراء، وأمثالها إلى جنب شعر شوقي وحافظ والرصافي والشبيبي والشرقي وغيرهم. ولكن الذي أريد قوله: إن محافل النجف الأدبية، في تلك الحقبة، كانت مأخوذة برباعيات الشرقي وعمق صوره وبديباجة الشبيبي وبراعة أدائه، فإذا تجاوزت سور المدينة تخطفها بريق شوقي ورهج الرصافي.
حتى إذا بلغنا أواسط الأربعينات، وخرج الجواهري على الناس بأمثال جمال الدين الأفغاني وستالينغراد، وأبو العلاء المعري، وذكرى أبي التمن، ودجلة في الخريف، وبنت رسطاليس، والمقصورة، تغيّر الخط البياني لموازين هذه المحافل، فوجدت من يقارن بين الجواهري وكل هؤلاء بل وجدت من لا يقارن بينه وبين أكثرهم، أما على مستوى الجمهور الأدبي فكلكم تعرفون ما بلغه الجواهري بعد وثبة كانون من مكانة شعرية نسي فيها هذا الجمهور أن هناك شعراء كان يذكرهم بخير.
ويتساءل جيلنا الناشز بين لداته، عن سر هذا التبدل في الموازين، وبشيء من الدقة يسأل: ما الذي جدّ في شعر الجواهري، حتى جعل الناس يعدّونه مع هؤلاء الشعراء في الثلاثينات ولا يعدّونهم معه في الأربعينات؟]! فالجواهري شاعر (القرية العراقية)، هو نفسه شاعر (أم عوف). والجواهري الذي قال: (لا أكذبنك إنني بشر) هو نفسه الذي قال: (تهضمني قدّك الأهيف)، بل أن قصيدة (افروديت) مثلاً وهي من مشهورات شعر الأربعينات كانت بداياتها، أو معظمها في أوائل الثلاثينات.
ولا ينسى هذا الجيل، في تساؤله، أن الجواهري ـ كأي شاعر موهوب ـ كان في تطور مستمر سواءً في اللغة، أم الأسلوب، أم الفكرة، وإذا ركّز في وصف القرية العراقية على بساطة الطباع في المجتمع الريفي وقارنها بتعقيدها في المدينة، فمن الطبيعي أن يكون تناوله لنفس الموضوع، في قصيدة أم عوف، أكثر طرافةً وأوسع شمولاً، وأدق تفكيراً، إلاَّ أن الذي يؤخذ على ذلك أن الشعراء الآخرين ـ أو بعضهم في الأوقل ـ لم يقف حيث كان، فكما تطور الجواهري تطوّر البدوي وبشارة الخوري مثلاً. إنك لا تقرأ قصيدة:
الهوى والشباب والأمل المنشود
توحي فتبعث الشعر حياً
ثم تخرج منها بنفس الانطباع الذي تخرج به من قصيدة:
ولد الهوى والخمر ساعة مولدي
وسيحملان معي على ألواحي
إذن فلا بدَّ أن يكون السر الذي قلب الموازين لصالح الجواهري لم يكن كامناً في التطور الطبيعي لكل شاعرٍ موهوب، فلنبحث عن سر جديد.
ويبحث جيلنا الناشز بين لداته، عن هذا الجديد في شعر الجواهري فلا يجده ماثلاً إلاَّ في شعره السياسي، ليس معنى ذلك أن الجواهري مبتدع هذا الفن، وإلاَّ فكيف صار الرصافي، وحافظ إبراهيم ومهدي البصير وغيرهم من روّاد نهضتنا الشعرية، مع أنهم، فنيّاً، لا يمكن أن يصلوا إلى موضع الريادة لولا هذا الطابع السياسي في شعرهم.
ــ 3 ــ
كان الشعر السياسي، قبل الجواهري، مجموعة من القصائد تستدعيها مناسبات المعارك القومية والوطنية، وهي لا تخرج، شكلاً ومحتوى، عن خط الحماسة في شعرنا العربي عامة، وإذا دخلت السياسة في بعض نماذج هذا الشعر الحماسي فليس إلاَّ لتفسد صفاء التعبير فيها، فتحيلها خبراً أو تعليقاً صحفياً عابراً أقرب إلى روح النثر منه إلى رهافة الحس وترف الخيال، وإذا كان للمثل المشهور (ما دخلت السياسة شيئاً إلاَّ أفسدته) من واقع ملموس، فهي تلك النماذج الحماسية التي حاول شعراء النهضة في بدايات هذا القرن أن يدخلوا السياسة العربية مضموناً جديداً فيها.
نجد ذلك واضحاً في سياسيات الرصافي، والشيخ عبد المحسن الكاظمي وحافظ إبراهيم وأمثالهم:
إن الوزارة ـ لا أباً لك ـ عندنا
ثوب يفصّل في معامل لندنا
لا يرتديه سوى امرىءٍ أضحى به
طبعاً وداد الإنجليز وديدنا
كلام لا تستطيع بعد سماعه إلاَّ أن تهتف: صحيح أو مضبوط ولا يمكن أن تستبدل هذا الهتاف بكلمة (رائع) مثلاً، لأن الرصافي فيه كان معلقاً صحفياً صادقاً على طبيعة النظام السياسي والإداري في العراق ولم يكن فناناً يفجأك بروعة أدائه، قبل أن تعجبك صحة معادلاته. وأمثال ذلك كثير في شعره وشعر زملائه، باستثناء النادر من شعر حافظ. إلاَّ أنك تجد من جانب آخر في قصائد: (صغير العسس) و(الشمعة) و(الأحلام) و(مكوى العتب) وأمثالها من سياسيات الشرقي في النجف، تجاوزاً لكثير من نثرية الشعر السياسي عند الرصافي والكاظمي وغيرهم أمثال قوله:
شعبك من غفلته ما ارعوى
يا سمكاً في كل يوم يصاد
لم يبق من تمرك غير النوى
واكتست الجمرة ثوب الرماد
ولكنه في الأعم الأغلب يخرج من نقطة ضعف زملائه في الأسلوب النثري، ليقع في نقطة ضعف خاصة به، هي عدم وضوح القصد فيما يكتب، وفقدان الترابط العضوي بين الصور المطروحة، ولعل ذلك ناشىء فيما يبدو لي من ولعه بالرمز والأسطورة، ولأني من المعجبين بشعر الشرقي، ولئلا يكون حديثي عن شعره السياسي حديثاً غير مسؤول، أستميحكم أن أطيل الوقوف أمام هذه النقطة فأضرب بذلك مثلاً بقصيدة له مشهورة كتب في مقدمتها أنها: «نظمت عام 1912 على أثر تشاح ونفرة وقعت بين بعض الأحياء الفراتية فاستغل ذلك الحادث الحكام الاتحاديون وفتكوا بجانب من تلك العشائر… انتقاماً من انتشار الحس القومي في إحيائهم». وإذ تنتهي المقدمة هنا تفاجأ به يقول:
وأشفقت يلذع خدّ الحبيب
فؤاد على وجنتيه التهب
وما التهبت قطعات القلوب
إلاَّ لتسبك هذا الذهب
شيء غريب.. ولكنك قد تعتذر لهذه الغرابة بأنها أثر من آثار القصيدة العربية التي كان عمودها الشعري يتطلب شيئاً من التخطيط يختلف عن شعرنا الحديث، وتأمل أن (يتخلص) من غزله ليدخل صميم موضوعه، فإذا به يظفر من هذا الغزل الرائع إلى رائع آخر مثل قوله:
خليليّ مثل جناحي حمام
أعينا وهبّا إذا الشوق هب
يداً بيد لا المعين الزلال
مشوباً، ولا الملح فوق الركب
أو مثل قوله:
ولي صاحب هل صحبت الخيال
لم نلتفت عنه إلاَّ ذهب
مسحت الجفون له خافقاً
مضى، لا مضى، حلماً تقتصب
انتقال من رائع إلى رائع ولكنك لا تستطيع أن تضع يدك على شيء يمكن أن يكون صورة واضحة للحس القومي المنتشر الذي جعل الحكام الاتحاديين يفتكون بهذا الشعب!!
وتبقى ميزة الرمز غير الموحي، وعدم وضوح القصد، وانبتار الصلة بين صورة وأخرى نلح على قصيدة الشرقي السياسية من بدء (النهضة) حتى يوم (الوثبة). انظر على سبيل المثال قصائده في المجلس التأسيسي وانقلاب بكر صدقي وفي سقوط أوروبا أمام الزحف النازي، وفي وثبة كانون وغيرها.
ليس هذا حطاً من قيمة الرجل، فأنا ـ كما قلت ـ من المعجبين به فناناً أصيلاً تجاوز حدود جيله بمراحل، ولكني أتحدث الآن عن تطور الشعر السياسي في بلد كان الشرقي من أنصع وجوهه وإذا أخذنا على الرصافي وأضرابه تناولهم السياسة بأداة الصحفي العادي، فلم يتقدموا بهذا النوع من الشعر خطوة واحدة عما كنا نسميه شعراً حماسياً، وجدناه هو الآخر تجاوز فن الحماسة والتعليق، الصحفي الباهت، ولكنه وقف في سلم هذا التطور على خشبة مائلة لا ترقى به إلى السطح ولا تهبط به إلى القاع.
ــ 4 ــ
ونحن الآن، في أواخر الأربعينات، أمام الجواهري رأساً ضخماً بين هذه الرؤوس، وقامة تجاوزت حدود الأفق الذي طالت فيه إلى أفق اختلطت به علينا، نحن النظّارة، صورة الشجرة المألوفة التي عاشت الأجيال الصاعدة تحت ظلها في الثلاثينات، بصورة الشجرة الأسطورة التي ظلت الجماهير تهتف: إنها غابة ولكن من شجر مسحور.
ثم ماذا عن الجديد من ثمار هذه الشجرة المسحورة؟
كنا نقول: إن الجديد هو شعره السياسي، والشاخص الأساسي فيه يتميز في ظاهرتين متداخلتين:(الظاهرة الأولى: إن الجواهري استطاع أن يخضع المضمون السياسي ـ خبراً كان أو تعليقاً ـ لما يخضع له المضمون الوصفي والوجداني في مقاييس فنية يغلب عليها طابع الغناء، فيعطيك أخشن ما يطرقه من مواضيع السياسة والاجتماع بأرق ما يمكنه من رشاقة الأسلوب وترف الروح، لا أريد أن أعدد الأمثال، فشعر الجواهري على كل لسان، ولكني أريد فقط أن تتصور كيف يتناول شاعر ـ من جيل الجواهري ـ صورة مجموعة من حكام العهد المباد، يرفلون بالحديد في قفص الاتهام، أمام محكمة عسكرية خاصة، لا أظن، مهما بالغنا بحسن الظن، إن هذا الشاعر يمكن أن يوفق لمثل الصورة الجواهرية:
الناعمون المترفون أجالهم
وسط الحديد كما تجال قِداحُ
والسادة الوقحون هذّب طبعهم
زرد يعضّ على اليدين وقاح
والأذؤب الأقحاح في جبروتهم
وسط السجون أرانب أقحاح
كانت قباحاً في الرؤوس وجوههم
واليوم وهي على الصدور ملاح
زادت ملامحهم غباءً وانجلى
زيف الغموض بها فهن فصاح
أمثال هذا التناول للحدث السياسي كثير في شعر الجواهري، وقد انفرد بخصائصه الفنية من بين جل الشعراء العرب.
الظاهرة الثانية: التي قلت إنها تتداخل مع الأولى: إن الجواهري حين يريد أن يعرض لك فكرة سياسية بهذا الأسلوب الفني الرائع، فإنه يحاول أن يعرضها لك في صورة لوحة مكتملة بكل ما يلابسها من ألوان وظلال، حتى ليعجزك أن تقول بعد ذلك: لو أضاف هنا ظلاً، أو خفّف هنا لوناً. خذ مثلاً لذلك عَرْضه في قصيدة (النحّاس باشا) لتذبذب المواقف السياسية في العراق بعد وثبة كانون وتحليله لذلك:
بين اثنتين فساسة قد أوثقوا
بالأجنبي وساسة جبناءُ
ومحايدون يفاخرون بأنهم
عما يحيق بأهلهم غرباءُ
ومناوشون يبادلون خصومهم
غزلاً فلاعنت ولا إيذاءُ
ومهذّبون خصومة وطريقةً
مرنون في أسلوبهم ظرفاءُ
يدرون من معنى السياسة أنها
كأس بها يتقارع الندماءُ
متسامحون يميلهم ترف الصبا
وتشيع فيهم رخوها النعماءُ
ثم يستمر في تقسيم الفئات العراقية وتحليل مواقفها، في صور مترابطة تشمل مختلف مظاهر الجو السياسي الخامل يومها، حتى لا ينسى صورة الشاعر والمصوّر والفقيه:
واستأثر الفنان يرسم بطةً
حسناء تمسح ريشها حسناء
وتنافس الفقهاء: أيّ منهم
عند الصلاة الضارع البكّاء
هذه الشمولية في عرض الفكرة السياسية، مع ما يداخلها من ظاهرة التناول الجواهرية، هي التي جعلت منه شاعراً تجاوز في تطور الشعر السياسي مراحل الذين سبقوه، حتى عدّ بحقٍ رائد الشعر السياسي، لا على مستوى القطر، بل على مستوى الشعر العربي عامة.
ــ 5 ــ
لقد كان موقفي يتطلب أن أرحب باسم جمعية الرابطة الأدبية بضيفها الكبير وأن أشيد بما له من الحق على أجيال هذه المدينة الخالدة التي كان الجواهري واحداً من أصفى منابع ثقافتها. ولكن الحديث عن المنبع وشدة تدفقه، يستلزم الحديث عن المصب وقوة احتماله وتشعب فروعه، من أجل ذلك وجدتني منساقاً للحديث عن الجواهري في موازين المحافل النجفية أولى مصابّ هذا المنبع.
وبعد لقد أعطى الجواهري وطنه وأمّته كلَّ ما يمكن أن يعطيه شاعر مناضل من كلمةٍ خيّرة وكفاح مستمر، ولم يتلق ـ مع الأسف ـ من وطنه وأمته، طيلة سنوات كفاحه، غير النسيان والجحود، ولم يحزن لذلك لأنه كان يقول:
فإن تجاراً أن تعوّض مؤمناً
جنان وولدان بها وكعاب
يتمّم مجدَ التضحيات وأهلها
وآثارها أن لا يكون ثواب
وأبلغ منه أن يحلَّ بمنعم
من المرتجى منه الثوابُ عقاب
ثم يتصاعد فيقابل هذا العقاب بإنسانية عالية:
ويا وطناً ردّت علي ظلالُه
مصوّحةً روّى ثراكَ سحاب
ندى المسك فيما غبرتني عجاجة
وفيما سيحثى بالحمام تراب
أليس من الغريب أن تقوم دولة كالاتحاد السوفيتي، لا تربطها بشاعر العرب غير وشائج الإنسانية فتدعو منظمة الدولة الآسيوية الأفريقية لأن تقدم له أكبر جوائزها التقديرية، في حين تصمت أمته العربية عن التفكير بجزء يسير من حقه عليها.
حفظ الله قلب أبي فرات منبعَ خيرٍ ومصدرَ إضاءة.
مصطفى جمال الدين
الحركة الأخبارية
الحركة الأخبارية التي نحن بصدد الحديث عنها لم تكن لتظهر على الساحة لولا التطورات التي طرأت على الحركة الفقهية الإمامية بدخول علم الأصول في الواجهة الأمر الذي يفسر لنا ظهور الحركة الأخبارية على أنها ردة فعل طبيعية لظهور الحركة الأصولية المدعومة من قبل المرجعية. وإذا أردنا الحديث من الناحية الفكرية فإن ظهور الحركة الأخبارية يعتبر أمراً طبيعياً وضرورياً أيضاً بلحاظ التعدد الفكري والاختلاف في الآراء الذي يساهم في إثراء الموضوع والوصول للفكرة المثلى في نهاية المطاف. إن تعدد الآراء ظاهرة سليمة تنم عن وصول المجتمع إلى الحالة المدنية التي تتسع للاختلاف وتقر به وتسمح للرأي الآخر بأن يأخذ دوره. فظهور الحركة الأخبارية من الناحية الفكرية ليس تقهقراً أو رجعية بقدر ما هو تنوع قد يساهم في بلورة أفكار جديدة لو حسن استثماره.
أمّا من ناحية أسلوب الصراع فهو النقطة السوداء في تاريخ هذه الحركة التي قادها الاسترآبادي فهو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين وتابعه على ذلك الفيض الكاشاني الأمر الذي دفع المجتهدين لرد الطعن بمثله وازداد الأمر عنفاً وسوءاً عندما قتل الميرزا الأخباري في معركة كان الخاسر الوحيد فيها هم الإمامية بعمومهم.
إن مثل هذا الأسلوب في التعامل مع الخصوم يجعل المسألة تدور في فلك العواطف الغاضبة وتبتعد المسيرة شيئاً فشيئاً عن الفكر الذي كان أساس الاختلاف والصراع، ولو تصورنا أن الاختلاف الفكري تم التعامل معه بالأسلوب الحضاري الذي يحترم الرأي الآخر ويناقشه بهدوء بعيداً عن عبارات التسقيط والإهانة لكان الاختلاف نعمة وليس نقمة.
إننا في هذا البحث البسيط حاولنا تسليط الضوء على الصراع بين الطرفين من الناحية الفكرية ومن ناحية الأسلوب أيضاً، وكان بإمكان الاختلاف الفكري أن لا يتطور لمستوى كهذا الذي وصل إليه، وحتى الباحثون في هذا المجال يرون أن الخلاف كان لفظياً، وعلى أساس من ذلك فإن ظهور الحركة الأخبارية من الناحية الفكرية لا يعتبر محطة سيئة في التاريخ الإمامي بغض النظر عن أسلوب الصراع بين الحركة الأخبارية والحركة الأصولية.
لقد وجدت في الحركة الأخبارية خير حقل للخوض فيه، ويرجع ذلك للمحيط الذي عشت فيه وجعلني رهيناً لأسئلة لا تنتهي عن معنى هذه الحركة وأغراضها ورجالاتها وكل ما يتعلق بها.
1 ـ من تاريخ الحركة الفقهية عند الإمامية
إن من أبرز معالم الإثني عشرية هو الوجود المرجعي النشيط الذي يمثل صمام الأمان لسلامة المسيرة الشيعية خصوصاً والإسلامية بشكل عام. إن المرجعية المعاصرة لم تكن بنت ساعتها ويومها وإنما هي امتداد طبيعي للحركة الفقهية ذات الجذور العميقة التي كانت بداياتها الأولى منذ عهود الأئمة عليهم السلام.
لقد كانت البدايات الأولى لهذه الحركة منذ عهد الإمامين الصادقين (الباقر والصادق) حيث قاما بتأسيس القاعدة التي ينطلق على أساسها الفقيه فظهرت مدرسة الفقهاء الرواة التي تعتمد أساساً على الرواية، فكان منهج هذه المدرسة هو الإفتاء بالرواية حين تكون هذه الرواية ناظرة في المسألة نفسها أو الإفتاء من خلال تطبيق إحدى القواعد الكلية المستفادة من الروايات على المسألة المراد معرفة حكمها.
وتنقل كتب الرجال أسماء ثمانية عشر فقيهاً أطلق عليهم اسم أصحاب الإجماع لإجماع العلماء على وثاقتهم. إن هؤلاء الفقهاء كانوا يمثلون البذرة الأولى للحركة الفقهية وبهم بدأت مسيرة العمل الفقهي الذي ظهرت الحاجة الشديدة إليه مع بداية الغيبة الكبرى للإمام المنتظر عليه السلام.
إن العلاقة التواصلية بين المعصوم والأمة مرت بثلاث مراحل عند الإمامية، فالأولى كانت تتميز بالاتصال المباشر بالمعصوم والثانية تميزت بالاتصال غير المباشر به عن طريق الوكلاء المنصوص عليهم وهي ما يطلق عليها الغيبة الصغرى أما الفترة الثالثة فهي فترة انعدام الاتصال المباشر وغير المباشر بالمعصوم وتكون النيابة عنه عامة للفقهاء وهي ما يطلق عليها (الغيبة الكبرى).
إن بداية الغيبة الكبرى تعتبر الانطلاقة القوية التي دفعت الحركة الفقهية للواجهة وفرضت على علماء الإمامية محاولة سد الفراغ الحاصل لفقد الاتصال المباشر وغير المباشر بالإمام. وقد بدأ العلماء هذه المسيرة بتأسيس القواعد التي لا بدَّ منها لبناء الحركة الفقهية المطلوبة، فقاموا بجمع الحديث وكتبوا المتون الفقهية والاستدلالية وألفوا في الأصول والرجال وكل ما يحتاجه الفقيه ليعتمده أساساً يبني عليه حركته الفقهية.
مع بداية الغيبة الكبرى ظهرت الحركة الفقهية على شكل اتجاهين يختلف كل واحد منهما عن الآخر في منهجه ويتفقان في الهدف وهو الوصول للحكم الشرعي. كان الاتجاه الأول يمثله القديمان ابن أبي عقيل وابن الجنيد والاتجاه الثاني كان يمثله الصدوقان الأب والابن. فقد اعتمد الاتجاه الأول طريق العقل والبحث والنظر فكان يماثل مدرسة الرأي عند أهل السنّة حتى نقل عن ابن الجنيد أنه قال بالقياس، أما الاتجاه الثاني فكان ملتزماً بالحديث فكان يماثل مدرسة الحديث عن السنّة.
إن هذين الاتجاهين لم يكونا ليلتقيا لولا الشيخ المفيد الذي مثل الاتجاه الوسط بينهما، فتمسك بالسنّة كما فعل الصدوقان ولكنه لم يهمل البحث والنظر الذي تمسك به القديمان. فأخذ من كلا الاتجاهين ورفض أن يكون نسخة طبق الأصل لأحدهما. لقد تتلمذ المفيد على يد ابن الجنيد كما تتلمذ على يد الصدوق فصار بذلك النهر الذي يأخذ ماءه من منبعين، وخط بذلك اتجاهاً وسطاً عمل على إرسائه اعتماداً على تلامذته الذين ساروا على نهجه وأكملوا مسيرته، فجاء بعده الشريف المرتضى والشيخ الطوسي وابن إدريس الحلي وغيرهم من الأعلام الذين التزموا نهج المفيد وطوروه حتى وصلت الحركة الفقهية لما نراه اليوم)[584](.
2 ـ الميرزا الأسترآبادي وظهور الحركة الأخبارية
ظهر في القرن الحادي عشر الهجري الداعية المحدث محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي كشخصية معارضة للتطورات التي لحقت بمسار الحركة الفقهية ونادى بالرجوع عن هذه الأفكار التي لا تتفق ـ كما يرى ـ مع ثوابت الفقه الإمامي.
إن ظهور هذه الشخصية يعتبر بداية للحركة الأخبارية التي تستمد جذورها من الحركة الفقهية البدائية التي تمثلت في الكليني والصدوق مع بداية الغيبة الكبرى وأصبح الأسترآبادي داعياً للجذور الأولى ورافضاً للحركة الأصولية الفتية. لقد كان الأسترآبادي مجتهداً في بداية المطاف ولكنه مال إلى الأخبارية تأثراً بأستاذه الميرزا محمد بن علي الأسترآبادي)[585](، يقول السيد محسن الأمين في أعيانه مترجماً للميرزا محمد أمين الأسترآبادي بقوله: رأس الأخباريين في القرن الحادي عشر وأول من حارب المجتهدين وتجرد للرد عليهم داعياً إلى العمل بمتون الأخبار طاعناً على الأصوليين بلهجة شديدة زاعماً أن أتباع العقل والإجماع وأن اجتهاد المجتهد وتقليد العامي بدع ومستحدثات إلى غير ذلك من آراء الأخباريين المتأخرين، وقد أودع آراءه هذه في كتاب سماه (الفوائد المدنية في الرد على من قال بالاجتهاد والتقليد) )[586](.
أمّا الخوانساري فيقول عنه: أخذ في تخريب قواعد الدين، وشرع في تثريب جماعة المجتهدين ولم يألُ جهداً في حماية الحشوية ولا ترك صنعاً لصناعة الأخبارية، وأسس بين أهل الحق أساس الخلاف، وأوقد فيهم نائرة الفتنة.
لقد ظهر الأسترآبادي في الفترة التي اتسمت بالصراع بين الشاه عباس الكبير والفقهاء المجتهدين الذين كانوا يحتفظون بنفوذهم في المجال الديني والسياسي والاجتماعي الأمر الذي دفع ببعض الباحثين للقول بوجود علاقة وتخطيط مسبق بين الحركة الأخبارية والسياسة الصفوية (إن ظهور الحركة الأخبارية وتمركزها بشكل عنيف في قلب الأحداث كان عاملاً من عوامل تقوية السياسة الصفوية المتمثلة بالشاه عباس الكبير، وإضعاف خصومه التقليديين من الفقهاء، لذا بدأت عوامل دعم لأقطاب هذا الاتجاه حتى ظهر الداعية الأخباري محمد أمين الأسترآبادي (1033 ـ 1623) محاولاً القضاء على خط الفقهاء قضاء تاماً ومبرماً. إن حياة الأسترآبادي، وإن كانت غامضة إلاَّ أن نشأته في (إيران)، وهجرته إلى (العراق)، ثم استقراره في (الحجاز) تدل على أن الرجل كان مدعماً بخطة هادفة من شأنها أن توقف تيار الاجتهاد (الأصولي)، وتستأصل المؤسسة الاجتهادية من الأساس)[587](.
وتعليقاً على هذا الرأي نقول: إنه لمن المستبعد أن يكون الأسترآبادي متعاوناً مع السلطة الصفوية للقضاء على المؤسسة الاجتهادية بدليل أن أصحاب التراجم لم يذكروا في سيرة الأسترآبادي ما يوحي بهذه العلاقة رغم ذكرهم لما قام به من طعن على المجتهدين، فلو كان الأسترآبادي متعاوناً مع السلطة الصفوية لتم فضحه ونشر أمره ولكان الأولى بالمجتهدين أن يظهروا ارتباطه المشبوه بالسلطة بدلاً من الرد عليه عملياً، نعم، من الممكن أن يقال بأن الصفويين استغلوا هذه الحركة لمصالحهم الخاصة وحاولوا توفير أفضل المناخ لتقويتها، أما أن تكون الحركة ذات أهداف سياسية من أساسها فهذا ما لم يعاضده الدليل.
ثم إن ظهور الحركة الأخبارية يعتبر أمراً طبيعياً في مسار الحركات التجديدية بشكل عام، إن الحركة الأخبارية كانت رد الفعل الطبيعي للحركة الأصولية الجديدة في الفقه الإمامي ومن الطبيعي فإن أي حركة تطورية تصاحبها عادة حركة مضادة تدعو للبقاء على حالة ما قبل التطور، فكل فكرة جديدة وكل رأي جديد يصبح مجالاً للقبول والرفض وهذه حالة طبيعية في كل مجتمع سليم.
3 ـ الشيخ يوسف البحراني الأخباري المعتدل
وُلد الشيخ يوسف في البحرين في قرية الماحوز، وقد بدأ فيها دراساته الأولى في سن مبكرة، وبسبب الظروف السياسية المضطربة في البحرين آنذاك فقد اضطر للهجرة منها فتوجه للقطيف ثم إلى مناطق مختلفة من إيران وانتهى به المطاف في كربلاء التي أرادها أن تكون مقره الأخير.
«لما هبط كربلاء رحب بقدومه أعلامها، وسُرّ به فطاحلها، فتوسط أندية العلم وحلقات التدريس، وانضوى إليه غير يسير من أولئك الأفذاذ يرتشفون من بحر علمه المتدفق… وازداد أولئك النياقد خبراً بغزارة علمه وفضله ومكانته المرموقة في الفقه والحديث، بعد أن وقفوا عليه من كثب، ودارت بينه وبين الأستاذ الأكبر المحقق الوحيد (نور الله ضريحيهما) مناظرات كثيرة طويلة في الأبحاث العلمية العميقة، ربما استوعب بعضها الليل كله»)[588](.
«كان الشيخ يوسف أخبارياً صرفاً ثم رجع إلى الطريقة الوسطى وكان يقول أنها طريقة العلامة المجلسي غواص «بحار الأنوار»)[589](.
ويوضح السيد محسن الأمين المقصود من الطريقة الوسطى بأنها «ترك بعض ما يقوله الأخباريون من أنهم لا يعملون إلاَّ بالقطع وأن الأخبار قطعية وغير ذلك من الأمور وإلاَّ فالرجل أخباري صرف لا يدخل في شيء من طرق المجتهدين كما تشهد بذلك مصنفاته. نعم ربما يكون قد ترك شيئاً من مقالاتهم فقيل فيه أنه على الطريقة الوسطى»)[590](.
ويذكر الخوانساري في ترجمته أيضاً: «لم يعهد مثله من بين علماء هذه الفرقة الناجية في التخلق بأكثر المكارم الزاهية (إلى أن يقول) والعجب من سمينا العلامة المروج)[591](، كيف أنكر سير هذا الرجل الجليل في زمن حياته وشدد الملامة والتبخيل على من حضر في مجلس إفاداته، بحيث قد نقل: أن ابن أخته الفاضل صاحب «رياض المسائل» كان من خوفه يدخل على ذلك الجناب سراً ويقرأ عليه ما كان يقرأ عليه ليلاً ومتخافتاً لا جهراً»)[592](.
إن كتب التراجم التي اشتملت على هذه المواقف التي وجهها بعض المجتهدين للشيخ البحراني لم تشتمل على مواقف له مشابهة من قبيل الرد بالمثل، بل بالعكس من ذلك فقد ذكر السيد عبدالعزيز الطباطبائي في ترجمته للشيخ البحراني في مقدمة كتابه الحدائق الناضرة، ذكر أن الشيخ يوسف أوصى بأن يقوم الوحيد البهبهاني بالصلاة عليه بعد وفاته)[593]( مما يدل على عظم أخلاق هذا الشيخ ومدى تسامحه مع خصومه.
ومن النصوص التي توضح نظرة الشيخ يوسف للنزاع الحاصل آنذاك بين الأخباريين والمجتهدين ما ذكره الشيخ يوسف نفسه في المقدمة الثانية عشرة من كتابه الحدائق الناضرة، ونظراً لاشتمال النص على فوائد قيمة آثرنا عرض مقتطفات منه رغم طولها:
يقول الشيخ يوسف البحراني «كنت في أول الأمر ممن ينتصر لمذهب الأخباريين، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين… إلاَّ أن الذي ظهر لي ـ بعد إعطاء التأمل حقه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام ـ هو إغماض النظر عن هذا الباب وإرخاء الستر دونه والحجاب، وإن كان قد فتحه أقوام وأوسعوا فيه دائرة النقض والإبرام.
أمّا أولاً ـ فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين والإزراء بفضلاء الجانبين كما قد طعن به كل من علماء الطرفين على الآخر، بل ربما انجر إلى القدح في الدين سيما من الخصوم المعاندين.
وأمّا ثانياً ـ فلأن ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جله بل كله عند التأمل لا يثمر فرقاً في المقام.
وأمّا ثالثاً ـ فلأن العصر الأول كان مملوءاً من المحدثين والمجتهدين، مع أنه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف، وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل.
وحينئذٍ فالأولى والأليق ـ بذوي الإيمان، والأحرى والأنسب في هذا الشأن. هو أن يقال: إن علماء الفرقة المحقة. والشريعة الحقة أيدهم الله تعالى بالنصر والتمكين ورفع درجاتهم في أعلى عليين سلفاً وخلفاً. إنما هم على مذهب أئمتهم (صلوات الله عليهم) وطريقهم الذي أوضحوه لديهم. فإن جلالة شأنهم ـ وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مر الأيام والدهور ـ يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة والطريقة المستقيمة، ولكن ربما حاد بعضهم ـ أخبارياً كان أو مجتهداً ـ عن الطريق غفلة أو توهماً أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً. وجميع تلك المسائل ـ التي جعلوها مناط الفرق ـ من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فإنا نرى كلاً من المجتهدين والأخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه. مع أنه لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً، وقد ذهب رئيس الأخباريين الصدوق (رحمه الله تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا أخباري، مع أنه لم يقدح ذلك في علمه وفضله)[594](.
4 ـ الميرزا الأخباري ونهاية الحركة الأخبارية
بعد أن استطاع الوحيد البهبهاني القضاء على الحركة الأخبارية في كربلاء ظهرت في النجف شخصية الميرزا محمد بن عبد النبي الأخباري الذي أراد إحياء الحركة من جديد، وكان ذلك في ظل مرجعية الشيخ جعفر الكبير الذي تصدى لهذا التحرك واستطاع الحفاظ على سلامة النجف من هذا التوجه، عندها سافر الأخباري لإيران ولقي الحفاوة من الشاه الذي أعجب بشخصية الميرزا القوية وأصبحت إيران مركزاً للحركة الأخبارية الأمر الذي دفع الشيخ الكبير للتوجه إلى إيران وعقد مناظرات مع الميرزا الأخباري في بلاطات الشاه نفسه. ونتيجة للتحرك الفاعل للشيخ جعفر فقد صار الإيرانيون ضد الميرزا الأخباري بعدما كانوا معه، فهاجر إلى الكاظمية ولم يزل فيها على مواقفه حتى تمّ قتله مع ابنه الأكبر بعد أن أصدر مجموعة من الفقهاء فتاوى بإباحة دمه وكان ذلك عام 1232 هجرية)[595](.
لقد كان منهج الميرزا الأخباري لا يختلف عن منهج الأمين الأسترآبادي إلاَّ بإضافة أن التقليد لا يكون إلاَّ للأئمة المعصومين، ففي عصر الغيبة يقلد الإمام المهدي عليه السلام وليس الفقهاء)[596](.
ومع مقتل الميرزا الأخباري انتهت الحركة الأخبارية التي كانت تمثل الخصم القوي والعنيد للحركة الأصولية ولم يبق من الأخبارية سوى بعض المنتسبين الذين استطاعوا الحفاظ على خطهم رغم اتساع رقعة التوجه الأصولي.
5 ـ أسباب اندثار الفكر الأخباري من الحوزات العلمية
يرى الدكتور الفضلي أن انتهاء الوجود الدراسي للفكر الأخباري وفق مناهجه وفي كتبه بمراكز الدراسات الإمامية من حوزات علمية وغيرها، يرجع إلى العوامل التالية:
1 ـ عدم تدوين منهج كامل ـ من ناحية نظرية ـ يحتوي الخطى والقواعد للدراسة الفقهية في إطار الفكر الأخباري. إذ كل ما ذكروه هو نقد للمنهج الأصولي توزع في ثناياه شيء من قواعد المنهج الأخباري.
2 ـ حملات الطعن بالتبديع والتكفير التي شنها أمثال الأمين الأسترآبادي والفيض الكاشاني. ذلك أن التجربة التاريخية المتكررة أثبتت أن سلاح الطعن بالتبديع والتكفير لا يكون في صالح قضية من يستعمله.
3 ـ مناهضة الوحيد البهبهاني والشيخ الكبير بما لهما من زعامة قوية فاعلة)[597](.
وتعليقاً على ما ذكره الدكتور الفضلي هناك عدة ملاحظات:
أولاً: إن المنهج الفقهي الأخباري رغم أنه لم يدون إلاَّ أنه كان موجوداً خصوصاً وأن الحركة الأخبارية كانت تدعو للرجوع إلى التحرك الأول في المسيرة الفقهية والمتمثلة في الشيخ الكليني والصدوق وغيرهما، فالمنهج الذي سار عليه الكليني والصدوق هو المنهج المطلوب للسير عليه عند الأخبارية.
من جهة أخرى إن حملات الطعن والتشنيع لم تقتصر على المناصرين للحركة الأخبارية، فقد كان المجتهدون يواجهون الطعن بالطعن.
ثانياً: إن المرجعية بما كانت تحمله من رصيد جماهيري كبير جعلها نقطة الحسم في مواجهة الحركة الأخبارية، وهذه من حسنات الفكر الأصولي التي يفتقدها الفكر الأخباري. إن المرجعية التي قادت ثورة العشرين في العراق واستطاعت إلغاء امتياز التنباك في إيران لهي قادرة على مواجهة التحرك الأخباري. إن فقدان المرجعية في المذهب السني بعد القضاء على جامع الزيتونة وتحويل الأزهر إلى مؤسسة حكومية جعل المناخ مناسباً لظهور الجماعات التكفيرية السلفية المتطرفة التي لم تحصل على الإرشاد والتوجيه المطلوب فأخذت تتخبط في ظلام دامس لا نور فيه. أما الشيعة الإمامية فقد التزموا الطريق السوي عندما انصاعوا لأوامر المرجعية واتخذوها قائداً للمسيرة ولذا صار المراجع حفاظاً للشريعة واستطاعوا بوقوفهم في وجه الحركة الأخبارية أن يوقفوا زحفها وينتصروا عليها.
6 ـ هل كان الخلاف لفظياً؟
ومن أجل بيان موارد الوفاق التي اختلفوا فيها نورد هذه الأمثلة:
أولاً ـ مصطلح الاجتهاد
بدأ استخدام هذا المصطلح في الفقه الإمامي بمعنى بذل الجهد في عملية استنباط الحكم الشرعي منذ القرن السابع الهجري على يد المحقق الحلي. ولكن هل فعلاً كان الأخباريون يرفضون الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي؟
يعرف السيد الصدر في كتابه الفتاوى الواضحة، الاجتهاد بقوله: «هو القدرة العلمية على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرر له»)[598]( فإذا كان الشيخ يوسف قادراً على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرر له فما الفرق بينه وبين الأصوليين من هذه الناحية؟
إن الاجتهاد الذي مر تعريفه هو الطريقة التي كتب بها البحراني آراءه وفتاواه في كتابه الحدائق الناضرة وقد مرت الإشارة إلى أن البحراني يقول بالاجتهاد بشرط الرجوع للكتاب والسنة فقط دون الإجماع والعقل، فالاجتهاد في حد ذاته متفق عليه بين الأصوليين والبحراني الذي يمثل الخط المعتدل عند الأخبارية الذين يرفضون الاجتهاد في عمومه. وحتى هؤلاء الأخباريون المتشددون فإنهم يقرون الاجتهاد بالمعنى السابق بدليل أنهم يطالبون بالسير على سيرة العلماء المتقدمين أمثال الكليني والصدوق، ومن المعروف أن الصدوق كان قد ضمّ فتاواه في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي يعتبر من الكتب الحديثة المعتبرة لأنه كان يفتي بنص الرواية، فمجرد الإفتاء ولو كان بنص الحديث يتطلب بذل الجهد الأمر الذي يجعل الصدوق مجتهداً بمعنى أنه قادر على استخراج الحكم الشرعي من أدلته المقررة)[599](.
ومما سبق نستنتج، أن الأخباريين رفضوا الاجتهاد كمصطلح وإن كانوا يعملون به واقعاً ولذا يرى كثير من علماء الإمامية أن النزاع بين الأصوليين والأخباريين لفظي، ونسبة حرمة الاجتهاد لهذه الطائفة نسبة غير صحيحة لأن عملهم يخالف هذا الاجتهاد)[600](.
ثانياً ـ تربيع مصادر التشريع بإضافة الإجماع والعقل
قال الأصوليون بأن مصادر التشريع أربعة وهي الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، وقال الأخباريون بالكتاب والسُنّة فقط، وفي هذا الشأن يتحدث السيد الصدر عن مصادر التشريع بأنها «الكتاب والسُنّة الشريفة المنقولة عن طريق الثقاة المتورعين في النقل مهما كان مذهبهم، أما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغاً شرعياً للاعتماد عليها. وأما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا فنحن وإن كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به ولكننا لم نجد حكماً واحداً يتوقف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى بل كل ما ثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنّة. وأما ما يسمى بالإجماع فهو ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسُنّة وإنما لا يعتمد عليه إلاَّ من أجل كونه وسيلة إثبات في بعض الحالات»)[601](.
إن قول السيد الصدر إن (كل ما ثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنّة) وقوله عن الإجماع أنه (ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسُنّة) يجعل الأمر محصوراً في الكتاب والسُنّة، وهذا الرأي لفقيه أصولي يتفق مع الرأي الأخباري وهذا ما يجعل المسألة تدور في فلك البحث العلمي الذي لا يفرض على الأخباري التمسك برأي وكذلك لا يفرض على الأصولي التمسك برأي آخر فقد يتفق أحد الأصوليين مع الأخباريين والعكس صحيح وما دام الأمر هكذا والمسألة علمية بحتة فلماذا كل ذلك على أمر اجتهادي يكون لكل عالم فيه رأيه؟
ثالثاً ـ تقسيم الحديث لأقسامه الأربعة المعروفة
كان الحديث يقسم إلى صحيح معتبر وضعيف غير معتبر وبقي هذا التقسيم الثنائي معمولاً به حتى قيام السيد ابن طاووس في القرن السابع الهجري بتربيع أقسام الحديث إلى الصحيح والحسن والموثق والضعيف. وقد اعتمد في تقسيمه هذا على أساس المذهب والعدالة فأنشأ بذلك تقسيماً جديداً عمل تلميذه العلامة الحلي على تركيزه واستمر العمل بهذا التقسيم حتى يومنا هذا. لقد أصبح الأصوليون من أنصار التقسيم الحديث فيما بقي الأخباريون متمسكين وداعين للتقسيم القديم.
من المسلم به أن ما قام به ابن طاووس هو حركة تطورية في مجال علم الحديث تؤدي إلى إثراء العلم وتطرح أمام العلماء خيارات متعددة في الأخذ بأي تقسيم أرادوا، إن تعدد الخيارات يفتح أمام العلماء مجالاً أرحب وموضوعاً خصباً للبحث العلمي المنصف حيث يحاول كل باحث إثبات أفضلية التقسيم الذي يراه أنسب من غيره، وبعد تتالي البحوث يحصل اليقين أو الاطمئنان بصحة أحدهما أو صحة الاثنين معاً، مما يجعل العلم في تطور مستمر وبحوث دائمة.
إن أخذ الأصوليين بالتقسيم الحديث وتمسك الأخباريين ودعوتهم للرجوع للتقسيم القديم لا تستدعي أي نوع من أنواع الصراع، لأن المسألة يجب أن تدور في فلك البحث العلمي، فقد يتوصل بعض الأخباريين لأفضلية التقسيم الحديث والعكس صحيح، حيث قد يتوصل بعض الأصوليين لأفضلية التقسيم القديم، فالتقسيم القديم ليس حكراً على الأخباريين وكذلك التقسيم الحديث ليس حكراً على الأصوليين، يقول الدكتور الفضلي: «لم تكن للقدامى أبحاث كثيرة في علم الحديث، وفي الآونة الأخيرة وبسبب مدرسة السيد الخوئي الأصولية التي أكد فيها على علم الرجال وعلم الحديث أصبحت هناك دراسات مقارنة بين التقسيم القديم والتقسيم الحديث، وهناك اختلاف في نتائج الأبحاث، فهناك من يؤكد على التقسيم الحديث وهناك من يرجح الرجوع للتقسيم القديم ومن القائلين بالرجوع للتقسيم القديم محمد آصف محسني صاحب كتاب (فوائد رجالية) وهو كتاب في علم الرجال وفيه بحث عن علم الحديث للصلة التي بين العلمين، فهو يقارن بين التقسيمين ويؤيد اختيار التقسيم القديم حيث يرى أننا حين نعرف الحديث الصحيح نجد أنه من كان رواته كلهم من الإماميين العدول، فإذا أردنا التعرف على أحوال الرواة نرجع لكتب الرجال وفي هذه الكتب ينص على إمامية الراوي فيقال أن زيداً إمامي، ولكن لا ينص على عدالته، فلا يقال أن زيداً عادل، وإنما يقال أنه ثقة أو ثقة ثقة للتوكيد، فلم ترد صفة (عادل) في وصف الرجال وإنما جاءت صفة (ثقة) وهناك فرق بين العدل والثقة فالأول بمعنى الملتزم والثاني بمعنى الصادق. وإذا عرفنا أن كلا اللفظين كانا يستخدمان منذ العصر الأول للإسلام وورد اللفظان في القرآن الكريم، فلماذا لم يقل الرجاليون صفة (عادل) ولم ترد هذه الصفة في الأحاديث أيضاً، وإنما جاءت صفة (ثقة)، ونتيجة لذلك علينا أن نقسم الحديث إلى موثق وغير موثق، فالموثق هو الصحيح وغير الموثق هو الضعيف، وعليه فهناك تقسيمان فقط للحديث هما الصحيح والضعيف والنتيجة أن التقسيم الحديث صحيح نظرياً ولكن التقسيم القديم أفضل من الناحية التطبيقية».
رابعاً ـ حكم تقليد الميت ابتداء
قال الأصوليون بعدم تقليد الميت ابتداء أما الأخباريون فجوزوا ذلك على اعتبار أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة.
إن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها الفقهاء فكما يحق لهم الاختلاف في بعض مسائل الصلاة مثلاً فكذلك يحق لهم الاختلاف في هذه المسألة، والدليل على ذلك أن الأصوليين أنفسهم لم يستقروا على رأي واحد بخصوص هذه المسألة. إذ المشهور بينهم هو حرمة تقليد الميت ابتداء ولكن وفي الآونة الأخيرة ظهر من الفقهاء من يجوز ذلك.
حسن البلادي
حسين بن عبد الصمد
شيخ الإسلام في الدولة الصفوية
بين عاصمة الخلافة وعاصمة الصفويين
أحسَّ علماء جبل عامل أنَّ السياسة التي اتَّبعها الشهيد الثاني في إظهار التقرُّب من الدولة العثمانية، أو القطيعة مع الصفويين لم تكن إلاَّ طريقاً أوصله إلى التشرد والقتل، بخلاف ما كان يقصده من السلامة له، وللشيعة عموماً في بلاد الشام.
وكان زميله الشيخ حسين بن عبدالصمد (918 ـ 984هـ/ 1512 ـ 1576م) أول شخصيَّة علمية كبيرة تهاجر إلى إيران في تلك الظروف السياسية الحالكة التي أصابت الشيعة في جبل عامل من الاضطهاد العثماني.
وقد تضاربت المصادر في تحديد الفترة التي هاجر بها الشيخ حسين بن عبدالصمد إلى إيران، هل كانت قبل مقتل شيخه زين الدين، أم بعد مقتله عام 965هـ/ 1558م؟!
والسبب في هذا الاضطراب يعود إلى أنَّ أخبار الشيخ حسين بن عبدالصمد أصابها الغموض في السنوات التي قضاها في العراق، وفي بلاد الشام.
وقد اقترنت بعض الأحداث السابقة لهذه الفترة به عندما كان قد توجَّه مع أستاذه الشهيد الثاني إلى مصر للدراسة هناك عام 942هـ/1535م، كما كان مع أستاذه أيضاً في رحلته الأولى إلى القسطنطينية عاصمة الخلافة العثمانية عام 951هـ/1544م.
وبعد رجوع حسين بن عبدالصمد برفقة أستاذه الشهيد الثاني تولَّى التدريس في إحدى المدارس الرسميّة ببغداد، في حين أنَّ أستاذه زين الدين كان قد تولّى التدريس في المدرسة النورية ببعلبك. وعندما ترك زين الدين الانتظام في سلك الوظيفة الرسميّة في المدرسة النورية بعدما يقرب من ثلاث سنوات، لم تتوفر المعلومات التأريخية عن الشيخ حسين بن عبدالصمد، وعن حياته في ظلِّ مدينة بغداد، وهل استمر في العمل بسلك التدريس الرسمي، أم أنه تركه من غير رجعة؟!
إلاَّ أنَّه من خلال ما نُقل عن خط الشهيد الثاني أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد كان في بلاد الشام قد قابل مع أستاذه بعض كتب الرجال ـ لغرض مطابقة النسخة المخطوطة من الكتاب، وضبطها ـ في منتصف شهر رمضان سنة 954هـ.
ذكر الأفندي، في ترجمة الشيخ حسين بن عبدالصمد قوله: رأيتُ نسخة من فهرس الشيخ الطوسي، قرأها هذا الشيخ على الشهيد الثاني، فكتب (رحمه الله) بخطّه له في آخرها هكذا: «أنهاه، أيَّدهُ الله تعالى وسدَّده، وأدام مجده، وأسعده ـ قراءةً وتصحيحاً وضبطاً في مجالس آخرها يوم الأحد منتصف شهر رمضان المبارك سنة أربع وخمسين وتسعمائة، وأنا الفقير إلى الله تعالى زين الدين علي بن أحمد الشامي العاملي حامداً مصلياً مسلّماً»)[602](.
أما بعد هذا التأريخ فقد رجع إلى العراق، وكان سنة 958هـ/ 1551م قد قرأ عليه بعض تلامذته شرحه لكتاب الألفية الشهيدية لأستاذه الشهيد الثاني عندما كان مقيماً في مدينة كربلاء)[603](.
ورُبَّما يُترجح أنَّه كان لا يزال منتظماً في سلك التدريس ببغداد في هذه الفترة أيضاً، بخلاف أستاذه الذي تخلّى عن التدريس بعد بضع سنوات من توليه هذا المنصب.
والسبب الداعي لهذا الافتراض أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد لو كان قد أصابه ما أصاب أستاذه من الحيف والمطاردة في بغداد لما عاد إليها مرَّةً أخرى، إلاَّ أنَّ بغداد كما يبدو كانت أكثر أماناً من بلاد جبل عامل في هذه الفترة بالذات، ربَّما بسبب صراع الولاة وتعاقبهم على السلطة، حيث حكم ستةُ ولاة خلال عقد واحد من الزمن (من سنة 951هـ/ 1544م، إلى سنة 963هـ/ 1556م) )[604](.
أمَّا ما قيل عن هجرة الشيخ حسين إلى إيران فقد ذهب بعض المؤرخين إلى أنَّها حدثت حدود سنة 960هـ/ 1553م، أي قبل مقتل أستاذه الشهيد الثاني بخمس سنوات، في حين أنَّ مؤرخين آخرين ذكروا أنَّ هجرته كانت بعد مقتل أستاذه زين الدين عام 965هـ/ 1558م.
ذكر إسكندر بيك منشي ما يلي: «بعدما استشهد الشهيد الثاني لتشيعه على أيدي الرومية (الأتراك)، ارتحل الشيخ حسين بن عبدالصمد (قُدِّس سرُّه) من وطنه إلى بلاد العجم، وصار مصاحباً للسلطان شاه طهماسب الصفوي»)[605](.
واعتماداً على النصّ الذي كتبه ابن العودي المعاصر لتلك المرحلة فإنَّه ذكر أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد كان قد اتَّجه من العراق مباشرة إلى إيران، وأقام في مدينة (خراسان) بعدما فارق أستاذه ربما في لقائه الأخير معه عام 954هـ/1547م.
ذكر ابن العودي أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي الهمداني كان رفيق الشهيد الثاني إلى مصر في طلب العلم، وإلى أسطنبول (في المرَّة الأولى)، وفارقه إلى العراق، وأقام بها مدَّة، ثم ارتحل إلى خراسان، واستوطن هناك الآن (أدام الله توفيقه) )[606](.
وقد افترض بعض الكُتَّاب المعاصرين أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد أقام في بغداد فترة قصيرة التحق بعدها بأستاذه الشهيد الثاني في بعلبك، فأقام فيها، أو في بعض القرى المجاورة لها مدَّة طويلة امتدت ثلاث عشرة سنة. وبعد مقتل الشهيد شدَّ رحاله إلى إيران)[607](. ولا دليل بيّن على مثل هذه الدعاوى.
واستند القائلون الذين ذهبوا إلى أن هجرته كانت قبل مقتل أستاذه زين الدين أنَّه انتقل بولده الشيخ بهاء الدين محمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي إلى إيران عندما كان في السابعة من عمره.
وقد ثبت أنَّ ولادة البهائي كانت سنة 953هـ/ 1546م، فعلى ذلك تكون الهجرة مقاربة لسنة 960هـ/ 1553م.
من إصفهان إلى مشهد وهراة
استقر الشيخ حسين في مدينة إصفهان برهة من الزمن، إلاَّ أنَّ مجيئه إلى إيران (على فرض صحّة هذه الرواية) لم يُلفت النظر إليه إلاَّ بعد مقتل أستاذه الشهيد الثاني زين الدين العاملي حيث أحسَّتْ بعض الأجهزة الإيرانية بالظُلامة التي أصابت الشيعة العرب في بلاد الشام، والتي تمثَّلتْ بمقتل الشهيد الثاني كما أحسَّتْ بخطأ الاتهامات التي صدرت من الشيعة الموالين للدولة الصفوية ضده، واتهامه بالتهم المُنفّرة كرميه بالتسنن، وما شابه ذلك.
كلُّ هذه الأسباب، وغيرها جعلت قضية مقتل الشهيد الثاني قضيَّة شعبيّة ورسمية في وقت واحد، استغلّتها الإدارة الصفوية سياسياً للتعبئة ضد العثمانيين.
ويبدو أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد، ضمن هذا التوجُّه الجديد، كان قد حظي برعاية الشيخ علي بن أحمد العاملي المعروف بالمنشار (ت: 993هـ/ 1585م) الذي كان شيخ الإسلام في مدينة إصفهان، وانتظم عن طريقه بمناصب الدولة الدينيَّة، فعُيِّنَ سنة 968هـ/ 1561م شيخاً للإسلام في مدينة قزوين)[608](.
وكانت هذه المدينة عاصمة الخلافة الصفوية يومذاك، وقد أقام فيها سبع سنوات متواصلة، وكان من جهوده في هذه المرحلة إقامته صلاة الجمعة التي يقول بوجوبها العيني، كما هو مسلك أستاذه الشهيد الثاني.
وقد انتقلت إقامته بعد ذلك إلى مدينتي مشهد، وهراة، وكان في كلا المدينتين قد تولّى المنصب نفسه. ففي مشهد بقي منذ عام 970هـ/1563م حتى عام 975هـ/1567م، أي ما يقرب من خمس سنوات، في حين بقي بمدينة هراة منذ عام 975هـ/1567م حتى عام 983هـ/1575م، أي ما يقرب من ثمان سنوات.
ويُذكر في سبب انتقاله إلى (هراة) أنَّ هذه المدينة كانت مسرحاً للصراع بين الإمبراطورية الأوزبكية القائمة في وسط آسيا، وبين الصفويين. وبعد سيطرة الشاه طهماسب عليها كان الشيخ حسين أول شيخ للإسلام يحلُّ في هذه الحاضرة الكبيرة لإحداث نهضة علميّة فيها.
وقد حفلتْ مدينة هراة بدراسة منهجية كان الشيخ حسين بن عبدالصمد قد استحدثها على غرار المناهج الدراسية التي تحفل بها المراكز التعليمية الإمامية في حواضرها العلمية، وأخذ طلبة العلوم من الفقهاء والعلماء يتوافدون على المدينة لغرض مقابلة الحديث، وتحقيق المعارف الشرعية)[609](، مضافاً إلى دراسة الفقه والتفسير والعلوم الرياضية التي كان يتقنها، ويتميّز بها)[610](.
وقد أحدث نشاطه الفكري موجةً في صفوف سكان المدينة حتى انتشر التشيع بينهم، واعتنقه الكثير من الأهالي السُنيّين في وقت قصير.
ذكر إسكندر بيك منشي في كتابه «عالم آراي عباسي» أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد كان يشتغل في مدينة هراة بترويج الشريعة الغراء، وإفادة العلوم الدينية، وإفاضة المعارف اليقينيَّة، وتصنيف الكتب والرسائل وحلّ المشكلات، وكشف غوامض المعضلات)[611](.
وذكر بعض معاصريه أنَّ توجهه إلى هراة كان لغرض إرشاد ضُلاّل أهل الضلال لتلك الناحية، فتشيَّع خلق كثير ببركة أنفاسه (بهراة ونواحيها)، وأصبحوا في عداد مذهب الإماميّة، حتى تطهَّرتْ تلك الناحية عن لوث المخالفين)[612](.
وكان هذا النشاط مدعوماً من الشاه طهماسب نفسه حيث أغدق على الشيخ حسين بالنفوذ الروحي والمادي فأمر حاكم خراسان أنْ يُحضِرَ ولده السلطان محمد خدابندة لصلاة الجمعات، والاستماع إلى مواعظ الشيخ حسين، وأحاديثه لغرض أنْ ينقاد هذا السلطان لسلطة الشيخ حسين الروحية ليكون رمزاً للطاعة من قبل الجميع)[613](.
كما اقتطع له الشاه طهماسب ثلاث قرى من تلك البلدة لتقويم أوضاع معيشته واحتياجاته الشخصيَّة.
ويبدو أنَّ فترة إقامته في هراة كانت من أهم فترات نشاطه الاجتماعي والعلمي معاً. وكان الشيخ حسين في حدّ ذاته صاحب تجربة اجتماعية واسعة، وشخصيَّة معطاءة يمكن أنْ تتناسب مع جميع الأدوار. فمضافاً إلى علومه الدينية التي يتميز بها فقد كان مطلعاً على التواريخ، وماهراً في اللغات كما يصفُهُ معاصروه، الذين اعتبروه أيضاً ممن جدَّد قراءة كتب الأحاديث ببلاد العجم)[614](.
ونُقلَ أنَّ الشيخ حسين عند إقامته في عاصمة الصفويين طلب منه الشاه طهماسب أنْ يُحرّر كتاباً إلى السلطان سليمان القانوني جواباً عن الرسالة التي كتبها إلى الشاه طالباً منه إرجاع ولده بايزيد الذي عصاه، والتجأ إلى الشاه طهماسب التزاماً بالتعهد الذي تمَّ بين الدولتين سنة 961هـ/1554م، والذي من شروطه إعادة الأمراء، وقادة الجيش وغيرهم الملتجئين إلى البلد الآخر. فكتب الشيخ حسين جواباً له سنة 967هـ/ 1560م، طلب منه على لسان الشاه أنْ يسامح ولده، ويهبه الأمان للعودة إلى بلاده مرَّةً أخرى. إلاَّ أنَّ بايزيد قُتل في ديار الصفويين بعد هذه الرسالة مباشرة، هو وأولاده جميعاً.
كما يُلاحظ أيضاً أنَّ مثل هذه المراسلات كانت تتمُّ باللغة العربية، لغة القرآن لتكشف الادعاء بالتزام هاتين الدولتين كل منهما بأحكام القرآن.
وقد ورد في أول الرسالة: «الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، المخاطب بما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين، محمد رسول الله، والذين آمنوا معه، أشدَّاء على الكفَّار، ذلك جدُّنا سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه»)[615](.
وإذا صحَّ تاريخ هذه الرسالة، ونسبتها إلى الشيخ حسين فإنَّ ذلك يعني أنَّ الشيخ حسين كان قد التقى الشاه قبل توليه منصب شيخ الإسلام، الأمر الذي ينبىء على أنَّ مكانته بعد مقتل أستاذه الشهيد الثاني كانت قد عُرفت على أعلى مستويات أجهزة الدولة.
رحلة إلى مكة
وفي سنة 983هـ/ 1575م استأذن الشيخ حسين من الشاه طهماسب للتوجه إلى زيارة بيت الله الحرام، له، ولولده، إلاَّ أنَّ الشاه قرَّر أنْ ينوب البهائي، وكان ابن الثلاثين يومذاك، مناب أبيه في منصب شيخ الإسلام بهراة)[616](، وهو أول المناصب الحكومية التي يتولاّها البهائي الابن داخل جهاز الدولة الرسمي.
أمّا الشيخ حسين فتوجَّه إلى الحج. ومن خلال بعض إجازاته الصادرة فإنّه كان أواخر السنة المذكورة هناك. ففي اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة 983هـ صدرت عنه بمكة إجازة للسيد الحسن بن علي بن الحسن المشهور بابن شدقم المدني، ولأولاده)[617](.
ثم عطف على البحرين، فاستقرَّ في قرية المُصلّى، إحدى قرى البحرين التي شهدت وجود حركة دراسية فيها.
وفاته في البحرين
تسارعت الأحداث في هذه المرحلة المليئة بالمفاجئات، فقد تُوفيَ الشاه طهماسب في 15 صفر سنة 984هـ، ثم تُوفيَ هو نفسه بعد ثلاثة وعشرين يوماً فقط من وفاة الشاه، أي في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول من السنة ذاتها)[618](.
لم تَطُلْ إقامة الشيخ حسين بن عبدالصمد في البحرين أكثر من شهرين. وقد فُسِّرَ سفرُهُ لأداء فريضة الحج أنَّه كان ذريعة اتَّخذها ابن عبدالصمد لترك إيران بما فيها مناصبه الرسمية من دون رجعة.
وقد اعتمدت المنقولات الشيعيَّة في تأكيد هذه المقولة على ما نُقلَ من رغبة ابن عبدالصمد لحثّ ولده الشيخ البهائي للتخلي عن الإقامة في إيران وتخييره بالسكن بين الهند، والبحرين، وهو في البحرين، الموطن الجديد الذي انتخبه.
قيل إنَّه كتب لولده هذه المقولة التي اشتهرت في كتب التراجم والتواريخ: «إذا كنتَ تطلب الدنيا فاذهب إلى الهند، وإنْ كنتَ تُريدُ الآخرة فالحقْ بنا إلى البحرين، وإنْ كنتَ لا تريد الدنيا ولا الآخرة فتوطّن بلاد العجم»)[619](.
وبناءاً على هذه المقولة بُني افتراض توطُّنه في البحرين الذي لم يطل، وربما لو امتدَّ الزمن به لرجع إلى مكانه مرَّةً أخرى.
ومما يقلّل من صحة هذه الفرضية المُتَنَاقلة أنَّ ولده البهائي لم يلتزم بأي شيء يخرجه عن سلطان الصفويين، ولو كانت هذه المقولة من المقولات الصحيحة لما خالفها هذا الفقيه التابع لسلطان أبيه الروحي، والملتزم بنهجه.
حاول بعض مؤرخي التأريخ الشيعي أنْ يجتهد في تفسير الأسباب التي دعت الشيخ ابن عبدالصمد للسفر عن إيران، بناءاً على صحة فرضية خروجه منها إلى حاضرة أخرى، فنُسب ذلك إلى مسلكه العرفاني حيث كان يبتعد عن حياة الترف التي تنعّم بها في إيران.
كما أنَّ منافذ السياسة التي أصبح من خلال منصبه الديني السياسي جزءاً منها، تختلف في تقلّباتها تمام الاختلاف عن عوالمه الروحية الثابتة.
وأخيراً لم يكتف هؤلاء الدارسون بتفسير حقائق الأشياء بما يسعها من الافتراضات بل لجأوا أيضاً إلى عالم الأحلام، فنقلوا مناماً كان الشيخ ابن عبدالصمد قد رآه، وعليه قرَّرَ أنْ يتخذ البحرين وطناً له بدلاً عن إيران)[620](.
إلاَّ أنَّ هذه الافتراضات لا تصمد أمام المناصب الرسمية التي تولاّها خلال عشرين عاماً، متنقلاً بين المدن الإيرانية بدعم من الشاه طهماسب نفسه، وكذلك أمام الفترة القصيرة جداً من إقامته في البحرين، التي لم تتجاوز الشهرين فقط، والتي تُعَدُّ من المراحل المتعارفة التي يقطعها المسافرون في تلك الأيام.
وتبقى فرضية واحدة فيما إذا صحَّتْ مقولة هجرته عن إيران إلى أنَّ دوافعها كانت رسميّة متعلّقة بالسلطة نفسها التي رغبت إمَّا أنْ تُجرّد هذا الفقيه من منصبه ـ بطريقة ما ـ. وتسترد قراه وأملاكه التي وهبتها له من قبل، أو كانت السلطة نفسها قد أرسلته إلى البحرين ممثّلاً عنها ليقوم بدوره التثقيفي فيها.
وليس هناك سياق تاريخي يؤيد هذين الافتراضين أيضاً.
وقد اجتهد الشيخ جعفر المهاجر إلى أنَّ هذه الهجرة كانت قد تمَّتْ بسبب معارضة القزلباش لهذا الفقيه الذي ارتبط مسلكه بمسلك سلفه شيخ الإسلام الكركي المقتول قبل أكثر من ثلاثة عقود على أيديهم. وكان نقله إلى مدينة هراة النائية يرتبط بصراع القزلباش معه في مدينة مشهد.
إلاَّ أنَّ هذه الاجتهادات المهمة تحتاج إلى ما يوثّقها من سياقات تأريخية، وإلاَّ فأنها تبقى ضمن الفرضيات غير المدعمة بالشواهد.
نُقلتْ عن الشيخ حسين إحدى الوقائع التي تكشف عن تذمره من بعض المشايخ المتخصصين في علم الجدل والمناظرة في البحرين بعد دعوته إلى بعض المساجد هناك، ومناقشة الشيخ داود بن شافيز (ت: 1020هـ/1611م) له في بعض المسائل التي لم ترق له، فعبَّر عن حالته تلك ببيتين من الشعر نُسبا إليه، قال في أولهما:
أناسٌ في (أُوالٍ) قد تصدّوا
لمحو العلم، واشتغلوا (بلَمْ) (لَمْ))[621](
جهود الشيخ حسين بن عبدالصمد العلمية
لم يكن الشيخ حسين قد تفرَّغ للكتابة والتأليف كما تفرَّغ أستاذه الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي، وكانت المؤلفات التي صدرت عنه مرتبطة بما تفرضه عليه الظروف التدريسيَّة، أو غيرها في تحرير الرسائل، والكتابات الدالة على تفوّقه العلمي في الكثير من المجالات.
وقد نُسبتْ له رسالة قيل إنّه سجَّل فيها بعض ما وقع له من المناظرات، كمناظراته مع أحد علماء حلب السُنِّيين في موضوع الإمامة، وغيرها سنة 951هـ/1544م، والتي انتهت، كما تُشير المناظرة، باعتناق هذا العالم السُني للمذهب الشيعي)[622](.
وكتب أيضاً رسالة مختصرة أخرى بطلب من الشاه طهماسب سمَّاها «العقد الطهماسبي»، أو «العقد الحُسيني» تناول فيها ما يتعلّق ببعض الموارد الفقهية، وبمرض (الوسواس) الذي قيل إنَّ الشاه طهماسب كان قد ابتليَ به.
وقد وردت تسمية هذه الرسالة بالعقد الطهماسبي، وبالعقد الحُسيني مما أوهمَ بعض المترجمين إلى وجود رسالتين مختلفتين للشيخ حسين بن عبدالصمد.
والحال أنَّ هاتين الرسالتين رسالة واحدة. وقد وقفتُ على نسختين خطيتين منها، الأولى: كُتبتْ سنة 1153هـ/1740م، وتقع في (17) ورقة كبيرة، وهي من مقتنيات مكتبة المتحف البريطاني، وتحمل اسم «العقد الحُسيني».
والثانية: كُتبتْ سنة 1318هـ/1900م، وتقع في (32) ورقة، وهي من مقتنيات مكتبة الإمام الشيخ علي كاشف الغطاء في النجف (العراق)، وتحمل اسم «العقد الطهماسبي».
قال الأفندي: إنَّ للشيخ حسين رسالة سمَّاها «العقد الطهماسبي، وقال: إنَّه رآها في بلدة رشت من بلاد جيلان، وكانت في مسائل عديدة، منها: مسائل الطهارة وأحكامها، ومنها: ما يجوز فيه الصلاة من الثوب النجس والبدن ونحوهما، ومن جملتها أيضاً مسألة (الوسواس). قد ألَّفها بأمر السلطان طهماسب، وأورد فيها مسألة الوسواس، وأطال الكلام في المنع عنه، حيث كان ذلك السلطان مبتلى به.
وأمَّا العقد الحسيني فلم أظفر به، والظاهر أنَّه بعينه «العقد الطهماسبي»)[623](.
يقول الشيخ حسين بن عبدالصمد في أولها: «لما وردت الأوامر العالية الغالبة المسدّدة المؤيدة الظاهرة الطاهرة القاهرة الباهرة الحيدرية الصفوية الحسينية أدام الله تسديدها وتأييدها، وأجزل على العالمين برَّها ومزيدها، أنْ أكتب شيئاً يتعلق بالوسواس، وبالطهارة وأحكامها التي تعمُّ بها البلوى بين الناس، وما تجوز به الصلاة نجساً من البدن واللباس، قابلت الأوامر المطاعة بالقبول، وذكرتُ أشياءاً مع مأخذها من الأحاديث المطهرة والأصول، وأتبعتُها بأشياء من طهارة القلب التي توجب إقباله بالكلية على الربّ، شكراً لما له عليَّ، وعلى كل المؤمنين من الفضل الواسع والإحسان المبين، وسميتُه «العقد الحُسيني»، (وفي نُسخة: العقد الطهماسبي) ليدوم الذكر الجميل، والأمر الجزيل.
وورد في آخر الرسالة قوله: «هذا آخر ما تيسَّرَ كتابته امتثالاً للأوامر العالية لا زالت غالبة (عالية) إلى يوم الدين. كتبناه على عجالة الوقت مع شغل البال، وتشتت الحال، ليكون نموذجاً للحضرة المؤيدة المُسددة، ليترقى بفكره الصائب وفهمه الثاقب إلى ما هو أعلى مرتبة من ذلك، فإنَّه غصن الشجرة النبوية، بل ثمرة تلك الأغصان العلوية. جعله الله في الدنيا محفوظاً برعاية آبائه الطاهرين، وفي الآخرة ملحوظاً بالعناية في الدرجة العالية مع الأولياء والمقربين».
وبالرغم أنَّ بعض المناوئين للسياسة الصفوية اتَّهم الفقهاء بما يُشبه التبريرات الرعية بإسقاط الصلوات عن الشاه طهماسب لابتلائه بالوسواس فإنَّ هذه الرسالة تُنبىء بعكس هذه الدعوى، بل هي تحثّ الشاه طهماسب على الالتزام بالعبادات التي فرضها الإسلام باعتباره «غصن الشجرة النبوية، بل ثمرة تلك الأغصان العلوية».
ذكر الميرزا مخدوم في باب التشنيع على الشاه، أنَّ الشاه طهماسب قد انقضتْ من عمره خمسةً وستون عاماً، ولم يُصلِّ إلاَّ صلاة يوم (عاشورا). وكان يُعتذرُ عنه خوفاً من طعن المسلمين بأني موسوس تتعسر الصلاة عليّ، ولو اشتغلتُ بها كلّتْ عليَّ السلطنة)[624](.
إلاَّ أنَّ الشيخ حسين بن عبدالصمد ذكر في رسالته «العقد الطهماسبي» حثّاً للشاه طهماسب على التمسك بإقامة الصلاة، يقول بالنصّ:
«والجناب الأعلى أدام الله دولته، وأظهر على أهل النفاق صولته، قد أنعم الله عليه بأكمل النعم وأجلّها، فينبغي أنْ يكون شكرُه أتمَّ وأكمل من شكر كل أحد، في المواظبة على وظائف المراقبة لله تعالى، والعبادة على النهج الذي قرَّره آباؤه عليهم السلام، خصوصاً الصلاة التي هي أفضل الأعمال، ليزيده الله من نعمته في الدنيا، ويجعله في الدرجة العليا مع آبائه المعصومين في الآخرة».
كما ذكر في آخر رسالته هذه قوله: «كتبناه على عجالة الوقت مع شغل البال، وتشتت الحال ليكون أنموذجاً للحضرة المؤيدة المُسدَّدة ليترقى بفكره الصائب، وفهمه الثاقب إلى ما هو أعلى مرتبة من ذلك، فإنَّه غصن الشجرة النبوية، بل ثمرة تلك الأغصان العلوية. جعله الله في الدنيا محفوظاً برعاية آبائه الطاهرين، وفي الآخرة ملحوظاً بالعناية في الدرجة العالية مع الأولياء والمقربين».
أما في مجال الفقه فقد اشتهر كتابه شرح (الألفية) للشهيد الأول في فقه الصلاة، وهو شرح مزجي كان قد فرغ منه في هراة سنة 981هـ/1573م، وهو مجموعة دروس كان قد ألقاها على طلبته في العراق، ويبدو أنَّه تفرغ لكتابتها بعد تلك السنين عندما أعاد تدريسه في هذه المدينة للطلاب الذين حضروا عليه)[625](.
وفي مجال دراية الحديث عُدَّ كتابه «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار»)[626](، ثاني مُؤلَّف مستوعب على طريقة الإماميّة في علم الدراية بعد كتاب «الرعاية في علم الدراية»)[627]( لأستاذه الشهيد الثاني الذي ألَّفه سنة 959هـ/1552م.
ذُكرتْ له مؤلفات أخرى في نطاق علم الفقه والحديث)[628](.
ومن مؤلفات الشيخ حسين بن عبدالصمد رسالة ألّفها عند هربه من العراق يمكن أنْ يطلق عليها (رحلة الشيخ حسين بن عبدالصمد)، قيل إنَّه ذكر فيها وقائع ما اتفقَ له من أسفاره)[629](. وكان قد وجَّهها إلى أستاذه وزميله الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي، ولكنْ لا أثر لها بين المؤلفات العاملية، ولا غيرها.
وقد عثرَ بعض الباحثين على نسخة منها، ونشرها محقّقةً في إحدى الدوريات المهتمة بشأن الدراسات الشيعية)[630](.
إلاَّ أنَّ هذه النسخة لم تكن الرحلة التي كتبها الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي بقلمه، وإنَّما هي رحلة ليس للعاملي فيها سوى العنوان دون المضامين التي حاول كاتبها أنْ يتخيّل مشاهد الرحلة، وأماكنها، وشخوصها ليملأ فراغاتها على لسان مؤلفها، وهو منها براء.
والأغرب من ذلك أنَّ محقّق النصّ لم يُشر إلى النسخة المخطوطة التي اعتمدها ولا مكانها، ولا شيء عن ناسخها، أو ما يتصلُ بها، أو كيف حصل عليها بعد غيابها هذه القرون الطويلة؟
ولتهافت النصّ المنسوب للشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي، وظهور آثار الوضع عليه أعرضتُ عن الأطناب في تحليله، وتشريحه، والإشارة فقط إلى تهافته، واستحالة نسبته إلى مؤلفه الكبير الذي يُجلّ عمَّا احتوت عليه هذه الرسالة المزوّرة من ثلبه، والإساءة إليه، وإلى أطراف أخرى معه.
د. جودت القزويني
الحضور الإيراني في بلاط
سيف الدولة الحمداني
مَنَّ الله على العرب والإيرانيين إذ جعلهم أمة واحدة لا تفصل بينها حدود جغرافية ولا يميّز بين أبنائها لغة أو أصل أو لون. وكانت هذه الأمة كلها متشاركة في الآلام والآمال، ومتعاطفة ومتواسية حين يشتد الخَطْبُ، ومتفاعلة ثقافياً وعلمياً وفكرياً، حتى لا ترى عالِماً من علمائها أو أديباً من أدبائها إلا وهو متأثر بغيره من أصقاع العالم الإسلامي.
وتشكل حلب سيف الدولة واحدة من أبرز بقاع هذا التلاحم الرائع للأمة الإسلامية، وفي هذا البحث أُسلط الضوء على الحضور الإيراني في بلاط سيف الدولة في حقل الدفاع المشترك وفي حقل التفاعل الثقافي وهو حضور يعتبر نموذجاً جيداً لهذا التلاحم.
الدفاع المشترك
من مظاهر التلاحم تواكب الإيرانيين وبخاصة من خراسان على حلب، وتوافد الآلاف من جنودهم مجهزة بالسلاح بين فرسانٍ ورجالةٍ على الثغور الإسلامية للانضمام إلى الجيوش الحمدانية المسلمة وللدفاع عن ثغور المسلمين أمام هجمات الصليبية.
بدأت القوات الخراسانية ـ وبغض النظر عن الحواجز الجغرافية والعنصرية والمذهبية ـ تتدفق على حلب، وفي أحرج الظروف منذ سنة 352هـ واستمر إرسال النجدات من خراسان حتى سنة وفاة سيف الدولة 356هـ وأخذت هذه القوات الإيرانية ـ ومن منطلق إسلامي بحت ـ تدافع عن سيف الدولة العربي وقواته المقاتلة في الثغور، وتدفع عن المسلمين الخطر الصليبي الغاشم.
في المصادر التاريخية، تطالعنا روايات، تؤكد على تواجد الجموع الخراسانية في حلب سنة 352هـ تريد الدفاع عن الحمدانيين تجاه الغارات الصليبية. التقت هذه الجموع بسيف الدولة، وكان مريضاً، فطلب منهم الرجوع لشدة الغلاء والوباء في المصيصة وطرسوس فرجعوا)[631](.
في سنة 353هـ وصلت إلى حلب جموع من القوات الخراسانية في نحو خمسة آلاف، وصاروا في ركب سيف الدولة، فمضوا إلى المصيصة للجهاد، ولكنهم وجدوا جيش الروم قد انصرف عنها، وتفرّقت جموع الخراسانيين لشدة الغلاء في الثغور بحلب، ورجع أكثرهم إلى بغداد وعادوا إلى خراسان)[632](.
وفي سنة 355 ـ 356هـ قطعت القوات الإيرانية ـ وللمرة الثالثة ـ مسافات طويلة بين خراسان وحلب، وجاءت لتخدم المصالح الإسلامية والأمة المتورطة بعدو ينال من عزتها وشرفها وشرف أهلها.
وفي هذه المرة غزت القوات الخراسانية مع لؤلؤ الجرّاحي من أنطاكية إلى ناحية المصيصة، فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الصليبيين، فنصر الله هذه القوات، وقتلوا ألفاً من الجيوش الصليبية، وأسروا جماعة منهم، وعادوا بالغنائم إلى أنطاكية، ورواية تجارب الأمم)[633]( تنص على دفاع الإيرانيين المستميت عن الثغور الإسلامية، وسقوط عدد كبير منهم شهداء إلى جوار إخوانهم المسلمين من العرب.
وعند دراسة حياة الأمير أبي فراس الحمداني وما عاناه في الأسر تستوقفنا رواية أخرى وأبيات شعرية لتؤكد على علاقة الحمدانيين بأبناء الأمة المسلمة في خراسان، فيُروى أن سيف الدولة بلغه أن بعض أسرى المسلمين عند الروم قالوا:
«إن ثَقُلَ على الأمير دفع فدية الأسرى كاتبنا بهذا الأمر صاحب خراسان».
ويُروى: أن سيف الدولة اتهم ابن عمه أبا فراس الحمداني بهذا القول وقال: ومن أين يعرفه صاحب خراسان؟ فأنشد أبو فراس قصيدة)[634]( يعاتب فيها سيف الدولة، ويشير إلى خراسان التي كانت آنذاك في عون الأمير الحمداني، وصارت مطمح الأسرى ورجاءهم لأمر الفداء أيضاً فيقول:
فإنَّ خُراسانَ إنْ أنكَرَتْ
عُلايَ، فَقَدْ عَرَفَتْها حَلَبْ
ومن أينَ يُنكرني الأبعدونَ
أمِنْ نَقْصِ جَدٍّ أمِنْ نَقْصِ أبْ
وفي ديوان الخطيب ابن نباتة)[635](، خطبة، يذكر فيها موافاة الجيوش الخراسانية التي يقول عنها: أنها كانت في أحسن ما يكون من العُدة والأجهزة التي لم يرَ مثلها، وأنها وفدت ابتغاء وجه ذي الجلال والتماساً للشرف الأكبر يوم المآل. ويتطرق إلى ما عاناه الخراسانيون في طريق وصولهم إلى حلب.
الأدباء الإيرانيون في البلاط الحمداني:
انتعشت العلوم والثقافة في حلب وسائر بلاد الشام، وفاقت حركة الثقافة والأدب على عهد سيف الدولة نظيراتها في مصر والعراق، فصار المجتمع الثقافي والعلمي مفعماً بكل أسباب النماء العلمي والنتاج العقلي والتطور الأدبي، ثريّاً بكوكبة عظيمة من العلماء والكتّاب والشعراء، العرب منهم والإيرانيون الذين اعتلى بعضهم قمة الشهرة وذروة المجد، وأسدوا إلى التراث الإسلامي بإسهامهم المحمود في مسيرة الأدب العربي وتطويره.
جدير بالذكر أن القصور الحلبية كانت مزخرفة بأبيات مختارة لأعاظم الشعراء بأحرف فارسية بديعة مما تدل على أن الأمير العربي كان معجباً أيما إعجاب بالخطوط الفارسية)[636]( وفنون شريك العرب الحضاري، وذلك بغض النظر عن الفوارق اللغوية والمذهبية والعنصرية وبدافع عظيم منه للمثاقفة والتبادل الفني.
ومن أهم العوامل التي ساعدت على إثراء الثقافة الإسلامية وآدابها في حلب، اهتمام الأمير الحمداني، بالأدباء والعلماء، فقد كان سيف الدولة أديباً، ذا ذوق وقدرة على فهم الأدب، تتلمذ لدى أدباء كبار، ومؤلفين عظام في ذلك العصر، منهم الأديب الفارسي واللغوي، النحوي الإيراني ابن خالويه، وأبو بكر الصولي الذي يقول عن سيف الدولة أنه قرأ عليه علماً كثيراً، وكان ملازماً له في حداثته)[637]( وتؤكد الروايات على أن سيف الدولة لا يفتأ يُنمي ثقافته، وما كان ينقطع عن الاطلاع والقراءة، بل كان ينتهز جميع الفرص حتى فترات ما بين المعارك، فينصرف فيها إلى تزويد عقله وفكره بالقراءة والاستيعاب)[638](.
كان سيف الدولة راعياً عظيماً للعلوم والآداب والفنون مما جعل حلب عاصمته كعبة للقصاد من الفلاسفة الإيرانيين أمثال الفارابي المعلم الثاني، أكبر فلاسفة المسلمين، الذي تخرج بتآليفه أبو علي ابن سينا، ويقال إنه حقق كتاب أرسطاطاليس وكتب عنه في شرحه سبعون سفراً، ولم يكن في وقته مثله ولم يكن أحد أبصر منه في هذا الفن)[639](.
أقام الفارابي في كنف سيف الدولة لا يأخذ منه من المال إلاّ ما يسد رمقه (أربعة دراهم في اليوم) لأنه كان يقتصر على القناعة، ولا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن. وأخذ يُعلم طلابه ويكتب كتبه في المنطق والإلهيات ومباحث ما بعد الطبيعة فبلغت مؤلفاته المائة)[640](.
أنِسَ الفارابي بلُقيا سيف الدولة، كما أنِسَ الأمير العربي بلُقيا هذا الفيلسوف الإيراني الذي لم تمنعه شيخوخته وهو في الثمانين من عمره أن يصحبه في إحدى غزواته إلى دمشق سنة 339هـ وكأنما هذا السفر الطويل قد أنهك قوى الشيخ الجليل فلم يكد يصل إلى دمشق حتى وافته منيّته، فحزن عليه الأمير الحمداني حزناً عميقاً، ولمكانة هذا العالم الإيراني عند سيف الدولة صلّى بنفسه عليه في أربعة من خواصه)[641](.
ومن الأدباء الإيرانيين الذين قصدوا سيف الدولة، ابن خالويه)[642](، ولد هذا العالم في همذان، ثم استقر به المقام في حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم، وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وآل حمدان يكرمونه ويدرسون عليه، وذلك ليضموا علوم الإيرانيين الوافدين إلى علومهم العربية والتقليدية ويستوعبوا آدابهم الجمّة.
ألّف ابن خالويه كتباً كثيرة في مجال اللغة والنحو، منها كتاب «لَيْس» الذي يدل على اطلاع هذا العالم الإيراني العظيم، فإن هذا الكتاب مبني من أوله إلى آخره على أنه لَيْسَ في كلام العرب كذا ولَيْسَ كذا)[643](.
ساهم ابن خالويه مساهمة كبيرة في تنشيط حركة العلم والنقد بحلب، وتربى على يديه ثُلّة من الطلاب، تخرج منهم قارىء كبير وهو أبو الطيب عبدالمنعم بن غلبون الحلبي المتوفى سنة 389هـ، وله كتاب «الإرشاد في القراءات السبع»)[644](.
خاض ابن خالويه في قصور الأمير أبي فراس مناظرات نقدية، اتصف بعضها بالحدة ضد المتنبي وابن جني. وخلافاً لزعم بعض المؤلفين)[645]( لم يجر الطرفان وراء الدوافع القومية في هذه المناظرات، ولم تكن هذه الأفكار في الحسبان، بل شكل ابن خالويه الفارسي مع الأمير العربي أبي فراس جبهة أدبية، خاضا فيها مباحث نقدية مع المتنبي وأنصاره ساعدت على انتعاش الأدب والذوق الرفيع عند الشعراء والأدباء في القرن الرابع والقرون التي تلته. وربما التحاسد والتغاير على قرب المنزلة من سيف الدولة وعدم تقدير المتنبي لعلم ابن خالويه التقدير الجليل كانا من دوافع الطرفين لخوض هذه المجالس الأدبية ـ النقدية.
ويقصد عالم إيراني آخر وهو علي بن عبدالعزيز الجرجاني بلاط راعي الأدب، الأمير العربي سيف الدولة)[646](، ليوثّق التواصل الثقافي بين العرب والإيرانيين، ويزيد لبنة إلى صرح الحضارة الإسلامية، فيفيد علماءها وأدباءها ويتأثر بحصيلة علومهم وآدابهم.
تأثر الجرجاني بالبيئة الأدبية في حلب كما يخبرنا الثعالبي بقوله: «وممن خرّجته تلك البلاد وأخرجته وكلامه مقبول محبوب، آخذ بمجاميع القلوب القاضي أبو الحسين علي بن عبدالعزيز الجرجاني، فإنه جنى ثمارها واستصحب أنوارها حتى ارتقى إلى المحل العلي وتطبع بطبع البحتري)[647](.
استعان الجرجاني بما أخذه من الآمدي والصولي ليؤلف كتاباً، رادّاً فيه على الوزير البويهي الصاحب بن عباد، ومتوسطاً بين المتنبي وخصومه، وذلك بنقد منهجي وموضوعية نقدية، أحسن فيها الجمع بين الآراء النظرية والعرض التطبيقي، واستبدل موازنة الآمدي بالمقايسة، فتحرى الإنصاف وقاس الشعراء على ما كان في تاريخ الشعر والشعراء فلم يستهجن خطأهم ولم يفرد عيوب الشعراء أو حسناتهم بالتمييز)[648](.
اتخذ الجرجاني تجاه المتنبي موقفاً ثالثاً، فلم يرفعه إلى درجة العصمة ولم ينف عنه كل فضل، بل وضع الأشياء في نصابها، وعلل الأمور تعليلاً منطقياً مبرراً، وأظهر الحسنات والإيجابيات من جهة، وبيّن الهفوات والسلبيات من جهة أخرى.
وقف الجرجاني أمام القضايا المختلفة في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» وقفة واضحة، ففتح في ذلك العصر أمام النقد العربي منافذ جديدة، أخذ النقاد القادمون يهتدون بها من بعده.
ومن الأدباء الإيرانيين الذين وفدوا على حلب واستوطنوها أبو الطيب اللغوي)[649]( تابع هذا العالم الإيراني في هذه المدينة توسعه في العلم، ثم اتصل ببلاط سيف الدولة ووقف بجانب المتنبي وابن جني في وجه ابن خالويه وأنصاره. وفي حلب عُرف هذا الأديب بلقب اللغوي الحلبي، ولمكانته العلمية الأدبية العظيمة لُقّب هذا الإيراني بـ (حجة العرب) )[650](.
ومن الأدباء الإيرانيين الكبار الذين وفدوا على سيف الدولة أبو علي الفارسي)[651]( المولود بمدينة فسا سنة 288هـ.
كان أبو علي الفارسي إمام وقته في العلم، درس عليه الشريفان الرضي والمرتضى)[652](، وعن مكانته العلمية قال عضد الدولة: «أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو»)[653](.
دخل أبو علي الفسوي حلب في سنة 341هـ، ومعه تلميذه ابن جني الذي شغف به حباً، ولازمه أربعين سنة ولم يترك حلقته العلمية حتى تمهّر)[654](.
أملى الفارسي في حلب «المسائل الحلبيات» على طلبة العلم. وكانت له مع المتنبي مساجلات ومجالس)[655](، ولم تكن العلاقة بينهما على ما يرام، ولم تتحسن إلا في آخر حياة المتنبي عندما التقيا بشيراز لدى عضد الدولة)[656](. وساعد حضوره في البلاد العربية ولا سيما حلب على انتعاش الأدب ورونقه، وتربية ثُلّة من الأدباء والعلماء، ومنهم إمام العلوم العربية ابن جني، الذي أتاحت له رفقته بهذا الأستاذ الكبير أن يتعرّف في بلاط سيف الدولة على المتنبي وأن تنعقد بينهما صداقة رفيعة، فيشرح ديوانه، وأتاحت له تلك الرفقة أيضاً أن يحظى برعاية البويهيين، وأن تعلو مكانته عندهم، وقد خلّف أستاذه في التدريس ببغداد حين لبى نداء ربه)[657](.
ألّف ابن جني «اللمع في العربية»، جمعه من كلام شيخه الفارسي، وأفاد في كتابه المشهور ـ الخصائص ـ من ملاحظات أستاذه الفارسي، وسجّل كل خواطره ولفتاته النحوية والصرفية، وهي لفتات وخواطر اندفع ينميها ويضيف إليها من عقله الخصب النادر ما جعله يتقن ظواهر التصريف والنحو علماً وفقهاً وتأويلاً وتحليلاً، بل ما صيّره. كما يقول الثعالبي)[658]( القطب في لسان العرب، وصاحب الرياسة في الأدب.
وفي أواسط القرن الرابع غادر الأديب الإيراني أبو بكر الخوارزمي)[659]( بغداد متوجهاً إلى حلب فأقام بها وتأثَّر ببيئتها الثقافية كما صرّح بذلك في قوله: «ما فتق قلبي وشحذ فهمي، وصقل ذهني وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي وغصن الشباب وطيب، ورداء الحداثة قشيب»)[660](.
شارك الخوارزمي في ندوات سيف الدولة العلمية، ونهل من علم أقطابها العظام، وتركت هذه المجالس أثرها في حياته، حتى أنه كان يتذكرها ويحن إليها ويتحسر عليها، فقد سُلبت تلك الأيام سلباً ونُزعت من يديه غصباً، فكأنه يقطع تلك الفترة وثباً)[661](.
وفي بلاط الحمدانيين درس الخوارزمي شعر المتنبي، وتدبّر معانيه، وقد نقل عنه تلميذه الثعالبي فصلاً كاملاً في اليتيمة، يتضح من خلاله، تأثر الخوارزمي البالغ بالمتنبي.
اتصل الخوارزمي في بلاط سيف الدولة بابن خالويه والشمشاطي والبكتمري، والعجلي والناشىء الأصغر، والخليع الشامي، والوأواء الدمشقي، والتلعفري، والنحوي الرقي. فكانوا يُنشدون أشعارهم له، فيحفظ ما شاء منها وما يتذوقه، فيرويها في مجالس درسه بنيسابور، وبلغ به الأمر أنه انفرد من بين علماء نيسابور برواية أشعار بعض الشعراء الحمدانيين كأبي طالب الرقي)[662](.
ومن الأدباء الإيرانيين الذين كانوا على ارتباط بالبلاط الحمداني، أبو الفرج الأصفهاني. أهدى أبو الفرج كتابه المشهور ـ الأغاني ـ إلى سيف الدولة، فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه)[663]( ورغم ما أخذه البعض على الأمير هذا العطاء المحدود)[664](، إلا أن هذا الكتاب نال إعجاب الباحثين والمؤلفين الحمدانيين في حلب، فأخذوا يروون أخباره كما فعل ذلك الأديبان علي بن دينار ومحمد بن أحمد المغربي)[665](.
استنتاج
1 ـ عاش الحمدانيون والإيرانيون في القرن الرابع الهجري في ظل أخوّة الإسلام والتاريخ والأدب، رغم بُعد الحدود الجغرافية وتنوع الأعراق، لم تحُل الحساسيات العرقية والمذهبية واللغوية دون لقاء أبناء الأمة في إيران وبلاد الحمدانيين.
2 ـ حقق الإيرانيون والحمدانيون ما نطمح إليه اليوم، فكأن الفواصل الجغرافية واللغوية والثقافية بينهما قد زالت، وكأن العالم الإسلامي آنذاك صار تلك القرية الصغيرة التي نرجو الحياة فيها، ونتمنى أن تربط أبناءها أواصر ثقافية وثقى، ويتبادل أصحابها المعلومات، ويتعرّف بعضهم على البعض الآخر، ويتعاون أبناؤها ويتعاضدون على أساس الإيمان والتقوى، بغض النظر عن النزعات الطائفية والقومية التي تنخر عروتها الوثقى.
3 ـ كان المسلمون في القرن الرابع على وعي سياسي ـ ثقافي كبير، تبلور في مواقف كشفوا من خلالها عن روح دفاعية مشتركة وغيرة إسلامية مدهشة، فتحركت قواتها من أقصى شرق العالم الإسلامي لتدافع عن إخوانها العرب، وهذا هو مظهر الحياة فيها، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى.. فأين نحن من هذه الحالة التي كانت سائدة في القرن الرابع الهجري؟ أيحدث مثل هذا (التداعي) في عالمنا الإسلامي اليوم بعد عشرة قرون مضت على تلك الحياة الإسلامية.
4 ـ لم تكن ثمة حساسيات عنصرية تسود المناقشات النقدية في البلاط الحمداني، فهناك أديب إيراني يخالف المتنبي، والآخر يدافع عنه، ويأتي ثالث ليتوسط ويؤلف كتاباً راداً فيه على الوزير الإيراني دفاعاً عن المتنبي. وإيراني يدرِّس الأمير العربي وأبناءه وآخر يملي مسائله الحلبية وثالث يعلّم أبناء حلب دون أن يحفل بمكسب وأمر مسكن. وإيراني يؤلف مصنفات يقوّم بها لسان أبناء الأمة العربية، وآخر يرضى بملازمة ابن جني له ليسجل آراءه وتعليلاته ويثريها. حدث كل ذلك في ظل أمير عربي مسلم يرعى العلم والأدب ويستقطب كبار العلماء من أقصى العالم بسماحته وثقافته التي تقوم على المثاقفة والتبادل الفكري والأدبي بين الأمة المسلمة.
الدكتورة بتول مشكين فام
الحلّة في القرن الثامن الهجري
على مدى الفترة التي أعقبتْ مقتل الشهيد الأول لم تتميز أيَّة نهضة في بلاد الشام، وبقي ثقل المؤسسة الدينية الشيعيّة في مركزها الأول (مدينة الحلة) منقطعاً إلى الدراسة والتدريس خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الثامن للهجرة، وبالتحديد بعد وفاة فخر المحققين عام 771هـ/1370م.
وقد مرّت مدرسة الحلّة خلال هذه الفترة بثلاث مراحل سياسية:
المرحلة الأولى: تمثّلت بالحكم الجلايري الذي انتهى عام 814هـ/1411م.
والجلاير هي إحدى القبائل المغولية الكبرى التي تمكنت من السيطرة على بغداد سنة 738هـ/1337م، وانتزاع السلطة من حكومة المغول الإيلخانيين على يد الشيخ حسن الجلايري (ت: 757هـ/1356م).
ففي عام 744هـ/1343م زالتْ حكومة المغول من إيران، وآذربيجان فانقرضت الدولة المغولية الكبرى، وتكونت مكانها حكومات متفرقة، وكان الجلائريون إحدى هذه الدول.
بدأتْ الدولة الإيلخانية بالتفكك بموت السلطان أبي سعيد بن السلطان أولجايتوخان بعد ظهور الخلاف بين الأمراء في الإدارة والسلطنة. وقد أصبح كلّ أمير ومتنفذ يدعو لنفسه، أو يتخذ أحد أفراد الأسرة المالكة سنداً لدعوته.
ولم يكتف هؤلاء المتنازعون بذلك، بل بدأ كل منهما بمهاجمة الحكومات المجاورة لغرض السيطرة عليها الأمر الذي دعا إلى استمرار الاضطرابات والمنازعات طوال هذه السنوات)[666](.
ولم يظهر أيُّ نشاط سياسي يُذكر لفقهاء الحلّة خلال هذه المرحلة سوى ما نقل من الاستمرار العلمي الدراسي فيها.
كان السلطان حسن الجلايري قد سعى لتنظيم المملكة، مما حقّق ازدهاراً علمياً فيها، ونظراً لعدالته ومحافظته على النظام فقد سُمِّي بالشيخ حسن)[667](.
وبعد وفاته سنة 757هـ/1356م تولّى ولدُه السلطان معز الدين أويس بهادرخان (ت: 776هـ/ 1374م) الحكم، وقد وصفته المصادر التاريخية بالملك العادل)[668](.
وقد تولّى ولده السلطان جلال الدين حسين بهادر خان الحكم بعده فترةً من الزمن، ثم نُحّي، فتولّى أخوه السلطان أحمد الحكم سنة 784هـ/1382م.
ونظراً لنفوذ تيمورلنك، ومحاولة توسّعه لتوحيد الدولة المغولية من جديد فقد سيطر على بغداد سنة 795هـ/1393م التي كانت خاضعة في هذه الفترة لحكم السلطان أحمد الجلايري ابن السلطان أويس، فرحل السلطان أحمد عن بغداد إلى مدينة الحلّة التي كانت تُشكّل قاعدتها العشائرية قوة مقابل مناطق النفوذ العراقية الأخرى، ثم غادرها إلى بلاد الشام، ثم إلى مصر مُلتجأً إلى الملك الظاهر أبي سعيد برقوق. وقد رجع السلطان أحمد الجلايري إلى بغداد مرّة أخرى عام 797هـ/1395م)[669](.
ونظراً لمحاولات تيمور للسيطرة على العراق فقد أصبحت الحكومة الجلائرية ذات علاقة وثيقة مع المماليك في مصر، وبلاد الشام الذين كانوا مهددين أيضاً بالهجوم التيموري على أراضيهم.
كانت هذه المرحلة الزمنيّة بالذات، أسوة بباقي المراحل السياسية الأخرى، من أشدّ المراحل اضطراباً. ففي سنة 802هـ/1400م فرَّ السلطان أحمد الجلايري مرَّة أخرى، ولكن إلى بلاد الروم (مملكة العثمانيين قبل أنْ يوحّدوا دولتهم كامبراطورية عامة)، بعدما سقطت بغداد للمرة الثانية بيد قوات تيمورلنك سنة 803هـ/1401م. وبعد عامين من هذه السيطرة، أي سنة 805هـ/ 1403م توجَّه الأمير تيمور إلى بلاد الروم (الأناضول) لضمّها إلى مملكته، فرجع السلطان أحمد الجلايري إلى بغداد، واستولى عليها بعدما فرغت من النفوذ العسكري التيموري.
وقد نصَّب السلطان أحمد الجلايري ولده السلطان طاهراً حاكماً على مدينة الحلّة، وبقية البقاع المجاورة لها)[670](.
وفي سنة 806هـ/1403م خرج السلطان أحمد عن بغداد ملتجأ إلى سلطان المماليك، الملك الناصر أبي السعادات فرج (801هـ/808هـ/ 1399 ـ 1405م) ابن السلطان برقوق)[671](.
إلاَّ أنَّ وفاة تيمورلنك سنة 807هـ/1404م)[672]( أعادته إلى الحلّة أولاً فمال إليه أعوانه، ثم إلى بغداد ثانية بعدما سيطر على الحكم فيها سنة 808هـ/1405م. وبقي في السلطة حتى وفاته سنة 813هـ/1410م.
المرحلة الثانية: الدولة البارانية (قره قوينلو) 814 ـ 874هـ/ 1411م ـ 1470م).
بعد مقتل السلطان أحمد الجلايري استولت قبائل القره قوينلو على بغداد في 5 محرّم سنة 814هـ/ 29 نيسان 1411م عندما دخلها الشاه محمد بن قره يوسف وأصبح والياً عليها بالنيابة عن والده، واستمر في هذه الولاية حتى مقتله في 18 ذي الحجّة سنة 837هـ/26 تموز 1434م.
وكانت هذه الحكومة البارانية قد تمكنت من السيطرة على بعض المناطق العراقية كالموصل في الفترة التي أعقبت وفاة السلطان أويس الجلايري سنة 778هـ/1376م.
كما امتلك الأمير قره يوسف قبل هذه المرحلة، وبالتحديد سنة 805هـ/1403م بغداد لمدة قصيرة بعدها أُزيح عنها في العام نفسه بواسطة أحد أمراء آل تيمور)[673](.
وبعد وفاة الأمير قره يوسف عام 823هـ/1420م تقاسم أولاده السلطة في مناطق مختلفة، ولم يستقر أحدٌ منهم بسبب الصراعات التي كانت تدور للسيطرة على المنطقة نفسها)[674](.
وأهم أمير من أولاد قره يوسف ارتبط تأريخه بتأريخ فقهاء الحلّة هو الأمير آسبند الذي تولى حكم بغداد من سنة 836هـ/ 1432م، حتى وفاته سنة 848هـ/1444م.
وقد سيطر هذا الأمير على كافة مناطق بغداد سنة 836هـ/1432م، وتوجه إلى مدينة الحلّة فضبطها، وكانت الحلّة حتى عام 826هـ/1423م خاضعة للحكم الجلايري، وبذلك انقرضت الدولة الجلايرية بتمامها، ولم يبق لها ذكر إلاَّ في بطون الكتب التأريخية)[675](.
وفي سنة 832هـ/1428م انكسر الأمير إسكندر، وهرب إلى جهات الروم فرجع شاه رُخ إلى خراسان، وولّى على آذربيجان الميرزا أبا سعيد بن قره يوسف فعاد الأمير إسكندر، واستعاد آذربيجان، وقتل أخاه أبا سعيد.
وكان أبو سعيد قد ولاه شاه رُخ أوائل عام 833هـ/1430م آذربيجان، إذ كان قد التجأ إليه هارباً من أخيه إسكندر)[676](، وكانت مدّة ولايته نحو سنة واحدة.
وفي سنة 837هـ/ 1433م أغار الأمير إسكندر على شروان فتوجَّه شاه رخ لقتاله لكنَّ الأمير إسكندر فرَّ إلى بلاد الروم، وعاد مرة أخرى لقتال أخيه جهان شاه الذي تولى الحكم على بلاد آذربيجان من قبل شاه رخ، فانكسر جيشه قرب مدينة تبريز، وهرب إلى إحدى القلاع الحصينة، لكنه قُتل فيها سنة 841هـ/ 1437م.
وقد بقيت الحلّة طوال القرنين الثامن والتاسع الهجريين/ الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين زاخرةً بحركة علميّة وأدبيّة تمثّلت في شخصيات فقهية كبيرة، وأدبيّة متميزة أمثال:
1 ـ صفي الدين ابن الطقطقا (ت: 709هـ/ 1309م)، المؤرخ الشهير صاحب كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية».
2 ـ صفي الدين الحلي، عبدالعزيز بن سرايا الطائي (ت: 750، أو 752هـ/ 1349، أو 1351م)، أحد شعراء العربية الكبار.
3 ـ السيد حيدر الحُسيني الآملي (كان حيّاً سنة 794هـ/ 1392م)، الفقيه العارف المتصوّف.
4 ـ كمال الدين عبدالرحمن العتايقي المعروف بابن العتايقي، الفقيه المعاصر لطبقة الشهيد الأول، أو ممن يُعدُّ من بعض تلامذة فخر المحققين.
5 ـ علاء الدين الشيخ علي الشفهيني (المُتوفى في الربع الأول من القرن الثامن الهجري).
6 ـ الشيخ رضيّ الدين رجب البرسي.
وأهم فقيه ظهر في هذه المرحلة بالذات هو الشيخ جمال الدين المقداد بن عبدالله السيوري)[677]( الحلّي الأسدي (ت: 826هـ/1423م) الذي كان أحد تلامذة الشهيد الأول (إبّان دراسته الأولى في مدينة الحلّة قبل عام 750هـ/1349م). ويُعبّر عن المقداد السيوري في كلمات فقهاء الشيعة بالفاضل السيوري)[678](، أو الفاضل المقداد)[679](.
وقد تتلمذ على يديه جملة من الشخصيات العلمية الشيعية أمثال الحسن بن راشد الحلّي (كان حيّاً سنة 830هـ/1427م)، وأبو الحسن علي بن هلال الجزائري.
إلاَّ أنَّ هذه النهضة المُتفجّرة في الحلّة بالرغم من المشاكل السياسية، والصراعات على السلطة فإنها بقيت محتفظة باستقلاليتها طوال مرحلة زعامة فخر المحققين الدينيَّة حتى أواخر سنيّ حياة الفقيه الشيخ جمال الدين أحمد ابن محمد المعروف بابن فهد الحلّي (757هـ 841هـ/ 1356 ـ 1437م)، الذي وجد نفسه فجأة وسط الأحداث السياسية نتيجة للتقلّبات في إدارة السلطة بالعراق.
المرحلة الثالثة: حكم دولة المشعشعين.
وقد بدأتْ باحتلال علي بن السيد محمد بن فلاح (قُتل 861هـ/1457م) مدينة الحلّة عام 857هـ/ 1453م، وبقيت تحت سيطرتهم حتى عام 872هـ/ 1467م.
د. جودت القزويني
حياة السيد مهدي القزويني
كتبَ هذه الترجمة ولده العلاَّمة السيد حسين القزويني، وهو الابن الثالث له. كان عالماً مجتهداً، وشاعراً جزلاً، له مجموعة شعرية رائقة. ولولا اشتغالُه بالفقه، وظروف عصره التي تُعدُّ موهبة الشعر وصناعته منقصةً على صاحبه لكان من شعراء العربيّة المبرّزين في عصره، وما بعده من العصور.
قال عنه معاصره السيد محسن الأمين: كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً بليغاً، من الحفّاظ، كريم الأخلاق، جهبذاً مهيباً. وكانت داره بالنجف مجمع الفضلاء والأدباء، تلقى فيها المحاضرات، وينشد فيها الشعر. ومجلسه ملتقط الفوائد والفرائد. المهابةُ تعلوه، والجلالة رداؤه، والرقّة تتقاطر من ألفاظه)[680](.
ووصفه المؤرّخ اليعقوبي بقوله: رأيتُه بالحلة في نادي أخيه أبي المعزّ السيد محمد، فما رأيتُ أملأ للعين منه. وكان كما وصفه السيد الأمين في الأعيان، بل وفوق ذلك)[681](.
وقد رثاه شعراء عصره بمراث عديدة، جمعها الشيخ جواد الشبيبي، وقدَّم لكلّ قصيدة مقدّمة عرّف بشاعرها بطراز أدبي مسجّع. واحتفظُ بنسخة الأصل، وهي تشكّل ديواناً لشعراء العراق أوائل القرن العشرين.
ومن مؤلفاته تعليقات على كتاب الرسائل للأنصاري، وحاشية اللمعة، وكتاب في الفقه، ورسالة في مقدمة الواجب. وله ديوان شعر جمعه تلميذه السيد مهدي البغدادي.
ومن آثاره رسالة في ترجمة حياة والده السيد مهدي القزويني، وهي لم تُنشر من قبل، وفيها من براعة مزج التاريخ بالأدب أو كتابة التاريخ كما أراد أنْ يتميّز بكتابته بمراعاة فنون الوصف، ما يجعل هذه الرسالة مختصّةً به، ودالةً عليه لفظاً ومعنى.
السيد باقر القزويني (1304 ـ 1333هـ/ 1887 ـ 1915م).
ظفر بنسخة هذه الرسالة السيد باقر بن السيد هادي بن السيد صالح بن السيد مهدي القزويني، فأحبَّ أنْ يذيْلها بمقدْمة وبعض التعليقات، ويختمها بملحق شعري، فأصبحت رسالة جامعة لفوائد تاريخية وأدبية عديدة.
كان السيد باقر شاباً طموحاً، من نوابغ الشبان المتطلّعين الذين جمعوا مواهب عدّة، ألّف وكتب، وهو لم يزل بعد في أدوار نشأته الأولى. وقد اخترمه الأجل، فعصفَ بغصن شبيبته الغضّ، فتُوفي وهو ابن الثامنة والعشرين بمرض التدرن الرئوي الذي اجتاح بعض المدن العراقية أوائل القرن العشرين الميلادي.
تزوّج السيد باقر سنة 1329هـ/ 1911م من ابنة عمَّته السيدة ملوك (العلوية الحبَّابة) بنت السيد موسى بن السيد جعفر القزويني. ولم تدم حياتُه معها سوى سنوات أربعة، وليس له عقب.
وخلال حياته القصيرة ترك آثاراً مهمة، منها:
1 ـ متن مختصر في المعاني والبيان، لم أقف عليه.
2 ـ منظومة في الصرف تنيف على (500) بيت، مع شرحها. وقفتُ على نسخة تالفة، طُمست كتابتها بسبب فيضان الفرات، أولها:
قال فقيرُ الزاد للمعادِ
محمد الباقر نجل الهادي
3 ـ منظومة في نسبه.
4 ـ الأدعية والأحراز. مجموع صغير جمعَ فيه الأحراز والأدعية التي يرويها مباشرة عن عمّ والده أبي المُعزّ السيد محمد القزويني، وجدّه السيد صالح بالواسطة. قال في مقدمتها: «جمعتُ في هذه الأوراق صور وأدعية وأحراز، وبعض الأخبار المروية جميعاً عن أهل بيت العصمة، الواصلة إليَّ إجازةً روايتُها، وقراءتها، وكتابتها، حذراً على شموسها من الأفول، وإشفاقاً على أورادها من الذبول».
5 ـ ديوان عمّه السيد أحمد القزويني (جمع وتقديم).
6 ـ ديوان شعره. نسخة مكتوبة في حياته تقع في (110) صفحات، ونسخة ثانية جمعها أخوه العلاَّمة السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1366هـ/1947م، سمَّاها «اللؤلؤ النظيم، والدر اليتيم».
7 ـ ترجمة السيد مهدي القزويني لعمّ والده السيد حسين القزويني (إضافة وتقديم).
قدّم السيد باقر مقدّمة مختصرة لها، ثم أفرد النصّ الذي كتبه عمّ أبيه. وقد عمد على إيضاح بعض المفردات استطراداً دون أنْ يشير لها، كإضافة عدد المجلدات إلى اسم الكتاب، أو تقديم بعض المؤلفات على بعضها الآخر، كما فعل في تقديم كتب التفسير على كتب العقائد. وقد أشرتُ إلى هذه الزيادات بالهوامش، كما حافظتُ على النصّ الكامل للمؤلف الأول.
الصفحة الأولى ـ نسخة السيد حسين القزويني بخطه
ومن جملة النصوص التي أرجعتُها إلى مكانها في الترجمة الأصلية أبيات السيد حيدر الحلّي في رثاء السيد مهدي القزويني. وقد اقتطع السيد باقر هذه المرثية عن مكانها الأول، وأدرجها ضمن الشعراء الذين أورد أسماءهم، ومطالع قصائدهم كإضافة على النصّ الأصلي.
وقد رمزتُ لنسخة السيد باقر بالحرف (ب)، وطابقتها مع الأصل.
وكنتُ قد عثرتُ على نسخة السيد باقر التي كتبها بخطه محفوظة لدى السيد حميد القزويني (ت: 1400هـ/ 1980م) بمدينة طويريج، وفرغتُ من نسخها في اليوم الرابع من شهر صفر 1393هـ/ 10 آذار 1973م.
أمَّا نسخة الأصل التي هي بخط مؤلفها السيد حسين القزويني فقد كانت بحيازة الشيخ محمد حسن الشيخ طاهر الكعبي، وهي تقع في أربع عشرة صفحة، وفّرها لي صديقي البحَّاثة الأستاذ كامل سلمان الجبوري. وكُتب على صفحتها الأولى بقلم حائزها: «رسالة في ترجمة السيد مهدي القزويني (كاملة)، بقلم السيد حسين الحسيني القزويني. في حيازتي، وأنا الفقير إلى عفو ربّه الغني: محمد حسن الشيخ طاهر الكعبي. (1 ذي الحجة 1385هـ).
أمَّا العناوين الفرعية الموجودة في المطبوع فهي من الإضافات التي أوردتُها على النصّ لغرض تسهيل المطالب لمن يستهوي مثل هذه الدراسات، ويُتابعها.
الصفحة الأخيرة ـ نسخة السيد حسين القزويني بخطه
ترجمة السيد مهدي القزويني
المتوفى سنة 1300هـ/ 1883م
بقلم ولده السيد حسين الحسيني القزويني
المتوفى سنة 1325هـ/ 1907م
حرّرها وأضاف إليها السيد باقر القزويني
المتوفى سنة 1333هـ/ 1915م
الحمد لله الذي أوضح سبل الهداية بإقامة الحجج والبراهين، وأشرق أنوار الدراية على قلوب أحبّائه من العلماء الراشدين، وأوصلهم بصحاح الأدلة وحسان القواعد إلى أعلى مقامات العلم واليقين، وجعلهم ورثة الأنبياء والأوصياء، وفضَّلَ مدادهم على دماء الشهداء، وأزال بأشعة أنوارهم ظلمة الجهل عن الدين القويم، وسلك المقتفي آثارهم في أعلى محل من النعيم المقيم، ونظم الملتقط للئالي بحار أفكارهم في سلك عقد العلماء العاملين، ووسم المتجلبب بشعارهم بسمة أهل الشرع المبين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله بمعالم الشريعة الغراء إلى جميع العالمين، ومنحه الشفاعة الكبرى لكافة الخلق أجمعين، وآله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين، وعلى أصحابه وعلى المحسنين من التابعين.
وبعده:
فيقول الفقير إلى رحمة ربّه الغني، محمد باقر نجل السيد سيد هادي الحُسيني الشهير بالقزويني: هذا ما رسمه جناب العمّ الفاضل، العالم العامل، النحرير الكامل، حجة الإسلام، وملاذ الأنام، السيد سيد حسين القزويني (قدّس سرُّه) من ترجمة والده (قدّس سرُّه)، ما هذا لفظه:
إنَّ ممن فتق أكمام أزهار الفضل بنوّار فكره، وسرّح في رياض خمائل العرفان إنسانَ نظره، وحلّق في جوّ العلوم العقلية حيث لا يحلق للعقل طائر، واقتطفَ ثمار العلوم النقلية من أغصانها النواضر، وجرى في حلبات تحقيقها فحاز قصب رهانها، وسبقَ الأوائلَ وإنْ تقدَّمته بأزمانها، وامتطى غاربَ الفضائل فكان فحل لقاحها، وعرج ثاقب فكرته إلى سماء الغيب فكان ضوء مصباحها؛ معزّ الدين، أبو جعفر، محمد بن الحسن المدعو بالسيد مهدي الحُسيني الشهير بالقزويني مُشيّد قواعد الأحكام، وكاشف غطاء الشبهات عن شرائع الإسلام، الهادي بمصابيح هدايته مَنْ ضلّ، والمرغم بقاطع برهانه آناف المبتدعين من أهل الملل والنحل:
لُجّةُ علم عذبت مورداً
كلُّ ذوي الفضل غدتُ ورَّادها
وروضةً لو كشفَ الله الغطا
رأيتَ أملاكَ السما روّادها)[682](
الولادة والنشأة
ولد في المشهد الغروي واستمدَّ الفيض من المرقد العلوي سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين والألف من هجرة جدّه، وناسج شرفه ومجده ـ فاغتذى لبن الفضل وليدا، وترعرع في حجر الكمال حتى ارتداه مطارفاً وبرودا.
ابتدأ بتصنيف العلوم وهو ابن عشر سنوات، واستقلَّ بالرأي والعمل باجتهاده والفراغ من معقوله ومنقوله، وهو ابن ثمانية عشر، وكان تحصيله من موهبياته وتأييداته أكثر من كسبياته وتوفيقاته «والله يُؤتي الحكمة مَنْ يشاء».
كما شاهده بعضُ السادة الطباطبائيين النجباء من أخواله العلماء في عالم الرؤيا. والحال أنَّه لم يعلم بخروجه إلى الدنيا فضلاً عن رؤيته بشخصه، ومعرفته باسمه. حيث كان الرائي في بلاد العجم، والمرئي في بلاد)[683]( النجف الأشرف، وكان في ذلك الوقت لم يبلغ من السنَّ إلاّ مقدار عشر سنوات.
إنّه رأى في منامه أنّه واقف على ساحل بحر من البحور، وجآء صبيٌ بصورته إلى ذلك البحر، فشرب ماء البحر كلّه فتعجَّبَ الرائي من ذلك.
وإذا برجل واقف، فقال له: أتعرف هذا الصبي؟! فقال: لا. فقال: هذا ولد ولد أختك فلان ابن فلان، فإنّه يكون عالماً محيطاً.
فانتبه من منامه متعجّباً حيث لم يسمع باسمه، وإنْ عرف اسم أبيه، حتى اتفق توفيق ذلك السيد النجيب، وهو السيد جواد الطباطبائي)[684]( ـ شقيق بحر العلوم خاله العلاَّمة، السيد محمد مهدي الطباطبائي (أعلى الله مقامه)، لتقبيل تراب أبي تراب، وزيارة والد الأئمة الأطياب في بلاد النجف الغروي، فلمَّا اتصل بهم ودخل على أخته، وهي جدَّة السيد (نوَّر الله مرقده)، أخذ يحدّثها عمّا شاهده في المنام، وسألها عن وجود الغلام، فما استتمَّ الحديث معها، إذُ دخل عليه مع جماعة من أقرانه وأخوته وأولاد أعمامه، فنظر إليهم فعرفه من بين الجميع، وناداه باسمه.
وكان ذلك من أعظم الشواهد على ما ادّعاه، وهذه من أقل عطاياه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ})[685](.
ولا شكَّ أنَّ رياضة النفس ترتقي بصاحبها إلى حظيرة القدس، وتجريدها عن الشهوات الدنيوية يبلغ به أعلى المنازل الأخروية. وغير عجيب أنْ ينال المرءُ على حداثة سنّه غايته، فالله أعلم حيثُ يجعل رسالته.
أساتذته
ولقد قرأ، وحضر وتلمّذَ حتى اشتهر على أساتيذ عصره، وفحول مصره من العرب والعجم.
منهم: العلم العلاَّمة الفقيه النبيه الشيخ موسى)[686]( نجل المرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ جعفر النجفي (صاحب كشف الغطاء).
وممن أخذ منه، وروى عنه من مَهَرة الفنّ، النحرير المدقّق، والنيقد المحقق الأستاذ الوحيد، والعلاَّمة الفريد الشيخ علي)[687]( ابن الشيخ جعفر المتقدّم الذكر، وهو يومئذٍ متحلي بحلية الاجتهاد، ومرتقي أعلى مراتب الاستعداد، فقلّد جيد (نفائسه) بحلية إجازته، وطرَّزَ جبهة هذا الكتاب بما نسجته بديهة فصاحته، بعد أنْ أجال نظرَه فيه، وأحاط بظاهره وخافيه، فأجازه وأذنَ له أنْ يروي عنه كلّ ما يرويه.
وهذا الكتاب هو كتاب «نفائس الأحكام»، حسنٌ جدّاً، غزير الفروع سلك فيه مسلك التفريع مع الإشارة إلى الدليل، كما سيجيء في تعداد مصنّفاته.
ومنهم: صاحب(أنوار الفقاهة) العالم الفاضل، والوحيد الذي ليس له من مساجل، الشيخ حسن)[688]( نجل الشيخ جعفر (المتقدّم الذكر) حضرَ عليه تمام الفقه استدلالاً من أول كتاب الطهارة إلى آخر الديّات، وروى عنه، وأُجيز منه.
ومنهم: خِرّيت)[689]( الفقاهة والأصول، وفارس ميدان المعقول والمنقول عمُّه وأستاذه الشريف الماهر، السيد باقر القزويني (أعلى الله مقامه)، قرأ عليه الجم الكثير، واقتنى من بحر فضائله الدرّ النثير، وروى عنه، وأُجيز منه)[690](.
وممن حضر عليه، واقتطفَ من فوائده: الورع الفاضل المدقّق الألمعي عمُّه الشريف السيد علي القزويني.
وممن روى عنه، وأُجيز منه بحقّ روايته عن مشايخه بجميع طرقهم ورواياتهم عن مشايخهم: الفاضل الكامل والعالم العامل السيد النجيب الحسيب، صاحب الكرامات السيد تقي القزويني)[691](. وهذه الإجازة شبيهة (بلؤلؤة))[692]( المحدّث البحراني، صاحب الحدائق، الشيخ يوسف (قدّس سرُّه))[693](.
مؤلفاته
وله (أعلى الله مقامه) تصانيف في الفقه والأصول والرياضي والطبيعي، وغير ذلك ما بين كتب ورسائل.
فمنها في (الفقه):
كتاب «بصائر المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين» لآية الله في العالمين، العلاَّمة الحلّي (رفع الله مقامه)، وهو كتاب شافي وافي مبسوط)[694]( في الاستدلال، كثير الفروع غزير الإحاطة، لا سيّما في المعاملات. استوفى به تمام الفقه (في ضمن خمسة عشر مجلداً))[695](، من أول الطهارة إلى آخر الديات عدا الحج.
وله أيضاً مختصر هذا الكتاب اختصره في ضمن ثلاث مجلّدات. وعلى اختصاره كثير النفع والفائدة، لا يكاد يشذّ عنه فرعٌ مع الإشارة إلى الدليل.
وله كتاب «مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام» برز)[696]( منه أكثر كتاب الطهارة (في سبع مجلدات))[697](، وهو كتاب في الاستدلال مبسوط جداً، لا يكاد يوجد في كتب المتأخرين أبسط منه. وعلى هذا البسط جمعَ فيه بين طريقتي الاستدلال والتفريع، وما يقتضي له التعرض من أحوال رجال الحديث.
وله كتاب «نفائس الأحكام» برز منه أكثر العبادات وبعض المعاملات، وهو كتاب حسن التأليف والتصنيف، كثير الفروع، جيّد الترتيب، واسع الدائرة لا ينفك عن الإشارة إلى أدلة الأحكام مع ما اشتملت عليه مقدّمته من المسائل الأصولية، عظيم الفائدة جداً.
وإلى هذا الكتاب يشيرُ بعض (الشعراء))[698]( المادحين له (رفع الله مقامه) بقوله شعراً:
له (نفائسُ) علم كلُّها دُررٌ
والبحرُ يبرزُ عنه أنفس الدُرر
لو أصبحتْ علماءُ الأرض واردةً
منه لما رغبتْ عنه إلى الصَدَر)[699](
وله كتاب «القواعد الكلية الفقهية» حسن الترتيب، جاعلاً للقواعد كلاً في بابها للسهولة على طلاّبها.
وله عدة رسائل وكتب، منها:
كتاب «فلك النجاة في أحكام الهداة»)[700](، وافية بتمام العبادات.
ومنها: «وسيلة المقلدين إلى أحكام الدين»، برز منها كتاب الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف، حسنة الاختصار.
ومنها: رسالة في المواريث، وافية بتمام أحكامه عميمة النفع، جيّدة التفريع، نافعة أيضاً في غير المواريث من الأحكام الفقهية.
ومنها: رسالة في الرضاع، وتسمّى «اللمعات البغدادية في الأحكام الرضاعية» لطيفة في بابها.
ومنها: رسالة تشتمل على بيان أحوال الإنسان في عوالمه، وما يكون فيه سبباً في تكليف غيره من الأحكام الشرعية الفقهية، وهي على اختصارها جيّدة النفع في بابها)[701](. وهي آخر تأليفاته وتصنيفاته، وعليها جفَّ قلمه الشريف، كتبها في مكة المشرّفة)[702](.
وله منسك في أحكام الحج كبير. ومنسك آخر في أحكام الحج صغير.
وله منظومة في الفقه، برز منها تمام العبادات.
وكتاب «شرح اللمعة الدمشقية» برز منه أكثر، العبادات على اختصار، ولم يتمه.
وأمَّا كتبه «الأصولية»، فله:
كتاب «الفرائد» البارز من أول الأصول إلى آخر النواهي (في جملة خمس مجلدات ضخام) )[703](، وهو مبسوط جدّاً حسن التصنيف، على طريقة المتأخرين مشبع ممتع، كثير التحقيق.
وكتاب «الودائع» وافي بتمام المسائل الأصولية، سلك فيه مسلك القدماء (في التأليف )[704](، لا بالمختصر المخلّ، ولا بالمطنب الممل.
وكتاب «المهذب» جمع فيه كلمات الوحيد الأغا البهبهاني مرتّباً لها من أول علم الأصول إلى آخر التعادل والتراجيح، مع تهذيب منه وتنقيح واختيارات وزيادات تمس إليها الحاجة في إكمال الكتاب.
وكتاب «الموارد»، وهو متن حسن الاختصار تام.
ورسالة في «علم الاستعداد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد»، لم يُعملْ مثلها في بابها، ولم يسبقه إلى التأليف بهذا الفن على هذه الكيفيّة والترتيب والوضع سابق، بل هو من مخترعاته. اشتملت هذه الرسالة على فوائد جليلة.
ورسالة في حُجّية الخبر الواحد، بل وغيره من الطرق الظنية.
وله منظومة وافية بتمام علم الأصول، حسنة السبك، جيدة النظم، وقد سمّاها «بالسبائك المُذهّبة».
ورسالة في «آيات الأصول» مبتكرة في بابها. جمع فيها كلّ آية يمكن أنْ يُستدلّ بها على مطلب أُصولي، مرتباً لها على أبوابه، من أول المبادىء اللغوية إلى آخر التعادل والتراجيح. والكثير منها لم يذكره الأصوليون في كتبهم)[705](.
ورسالة في شرح الحديث المشهور المعروف بحديث ابن طاب، المروي عن الإمام الصادق عليه السلام)[706](. وقد أشار إلى هذا الحديث السيد بحر العلوم في منظومته حيث يقول:
ومشي خير الخلق بابن طاب
يفتحُ منه أكثر الأبواب
وحيث أنَّ الكثرة في لسان الشرع فُسِّرت بالثمانين)[707]( استنبط منه (قُدس سرُّه) )[708]( ثمانين باباً، منها: أربعون في الأصل. وأربعون في الفقه. وله كتب ورسائل (في علوم) )[709]( متفرقة، منها:
كتاب «مضامير الامتحان في علمي الكلام والميزان» برز منه علم الميزان، وتمام الأمور العامة، وأكثر الجواهر والأعراض.
وكتاب «آيات المتوسمين في أصول الدين»)[710](، (في ضمن مجلدين) )[711](.
ورسالة تسمّى بـ«قلائد الخرائد في أصول العقائد»)[712](.
ورسالة تسمى بـ«القلائد الحلّية في العقائد الدينية».
ورسالة في إبطال الكلام النفسي.
وله في الرد على العامّة)[713]( كتاب «الصوارم الماضية في رقاب الفرقة الهاوية وتحقيق الفرقة الناجية»، وهو كتاب جليل القدر، عظيم الشأن، اشتمل على تحقيقات في علم الإمامة فائقة، وتدقيقات رائقة، ونَهجَ فيه منهجاً لم يسبقه إليه سابق، اشتمل على مباحثات جليلة مع فرق الإسلام أجمع، وإبطال حججهم، وردّ شبهاتهم، وتحقيق الفرقة الناجية من بين الفرق، وهي فرقة الإمامية. وإلى هذا الكتاب يشير الشاعر المفلق السيد حيدر الحلّي في قصيدة يمدحه بها (أعلى الله مقامه)، حيث يقول:
حامى عن الدين فسدَّ ثغرةً
ما ضمَّنوا عنه له انسدادها
فاستلّها صوارماً فواعلاً
فعل السيوف ثكلت أغمادها
وله رسالة في شرح كلمات أمير المؤمنين عليه السلام من خطبة من «نهج البلاغة»، وهذه الكلمات هي قوله عليه السلام: «لم تحط به الأوهام، بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها»)[714](.
وله كتاب «مشارق الأنوار في حلّ مشكلات الأخيار» لم يتمه، برز منه شرح جملة من الأحاديث المشكلة كحديث «مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربه»، وليته لو أتمّه.
وله رسالة في شرح الحديث المشهور: «حبُّ علي حسنة لا تضر معها سيئة».
وله في التفسير: رسالة في تفسير الفاتحة، ورسالة في تفسير سورة القدر، ورسالة في تفسير سورة الإخلاص.
وله رسالة في أسماء قبائل العرب مرتبة على الحروف (الهجائية، وهي في غاية الحسن، لم يكتب إلى الآن مثلها، وإنْ كان (قدّسَ سرُّه) لم يبسط فيها القلم تمام البسط) )[715](.
وكتاب شرح قوانين الميرزا أبو القاسم القمي. برز منه جملة من الأدلة العقلية، وبعض التعريف، (ولم يشتغل بإتمامه).
وكتاب شرح «اللمعة الدمشقية»، برز منه أكثر العبادات على اختصار، ولم يتمّه.
هذا ما وقفتُ عليه من تصانيفه الموجودة المحفوظة. وأمَّا ما لم أقف عليه مما عُرض له التلف لكونه بأيدي المشتغلين، وحلول الفناء عليهم بسبب الطاعون المبين، وغير ذلك من أسباب التلف، ولكن وجدتُه مذكوراً في ترجمته، فمن ذلك كتاب)[716](:
الفوائد الغروية في المسائل الأصولية.
وكتاب «معارج النفس إلى محل القدس»، (في علم الأخلاق والطريقة)، ومنظومة تسمى «مسارب الأرواح» في علم الحكمة، وكتاب «معارج الصعود» في علم الطريقة والسلوك.
ومنها: كتاب مختصر الأمور العامة والجواهر والأعراض (في علم الكلام).
ومنها: شرح منظومة تجريد العقائد.
ومنها: كتاب «قوانين الحساب»، في علم الحساب.
ومنها: «شرح ألفية ابن مالك» في النحو.
ومنها: مفتاح الأقفال، في النحو.
ومنها: حاشية على شرح التفتازاني في الصرف.
ومنها: حاشية على المُطوّل في المعاني والبيان.
وجميعها لم نقف منها على رسم، ولا سمعنا منها سوى الاسم، تلف جلّها، بل كلّها بسبب تفرّق أوراقها عن المشتغلين، واضمحلالهم في الطاعون المبين.
صفاته
وهو (رحمه الله) مع ذلك في جميع حالاته محافظاً)[717]( على أوراده وعباداته في لياليه وخلواته، مدئباً)[718]( نفسه في طلب مرضاة ربّه، وما يقرّبه إلى الفوز بجواره وقربه، لا يفترّ عن إجابة المؤمنين في دعواتهم، وقضاء حقوقهم وحاجاتهم، وفصل خصوماتهم في منازعاتهم حتى أنّه في حال اشتغاله بالتأليف ليوفي الجليس حقّه، والسائل مسألته، والطالب دعوته، ويسمع من المتخاصمين، ويقضي بينهم بعد الوقوف على كلام الفريقين، فما أولاه بما قيل فيه:
يحدّثُ أصحاباً ويقضي خصومةً
ويرسمُ منثورَ العلوم الغرائبِ)[719](
ومَنْ أبصر أحواله بعيانها، عرف أنّها أكبر من سماعها. وما هو إلاَّ من التأييدات الربانية، والألطاف الإلهية.
بين النجف والحلّة
مكثَ زماناً طويلاً بالغري، ومجاورة جدّه علي، مكبّاً على التحصيل والتدريس والتصنيف، ثم اتفقت له الهجرة إلى فيحاء بابل، ومجتمع فضل الأواخر والأوائل، فمكثَ فيها برهة من الزمان، صادعاً بما أُمرَ به من هداية الناس إلى الإيمان، فاستنقذَ جمّاً غفيراً من قبائل العرب من الضلالة والغواية، وأرشدهم إلى الهداية والولاية، وكشف عنهم غياهب العماية، ورفعَ لهم منار الصدق، فأصبحوا وكلّهم يشهدون «علي مع الحق».
وكتبَ فيها وألّف ودرس وصنّف إلى أنْ نادته الأسرار من مطالع الأنوار، فشمّر (أذيال الزعامة، ملبياً دعاء الإمامة))[720]( لا يعرج على مجاذب، ولا يثنيه عذل قريب أو مجانب، حتى إستاف كافورة أعتاب المرقد المعلّى، ومطاف زمر الملأ الأعلى، فتقبّل حماهُ وطنا، ولم يكن فارقه، ولا شام لسوى بوارقه بارقة، فأنشدَ متمثّلاً، بعد أنْ راقه مقاماً ومنزلاً، شعراً:
تركتُ هوى ليلى وسُعدى بمعزلِ
وعدتُ إلى مصحوب أوّل منزلِ
فنادتْ بي الأشواق مهلاً فهذه
منازلُ مَنْ تهوى رويدكَ فانزلِ
فألقى عصى الإقامة، واستمد الفيض من مطلع شمس الإمامة، فأنفق باقي أيامه الغرّ، مقبلاً على ما ليس فيه تضييع للعمر. لا يرى سوى التأليف أنيسْ، ولا يبتغي بغير الكتاب جليس، ولا يرغب بلذة سوى التدريس. قد ألقى زمام نفسه ليد التقوى، فلا يعوقه عن طاعة ضعف قوى.
سفره إلى بيت الله الحرام
حتى إذا قارب انقضاء مدّة الأجل المبهم، وما خطَّه القلم)[721]( في لوح القضاء المحتم، ولم يبقَ منهجٌ للطاعة إلاّ اتخذه سبيلا، ولا غاية للانقياد إلاّ وكان إليها وصولا، تاقتْ نفسُه إلى حجّ بيت الله الحرام، واشتاقت إلى زيارة قبر النبي والأئمة عليهم السلام، فأيقظ طرف عزمه فذُلل له كلُّ صعب، واستشعر لباس النسك فأورده المنهل العذب. فامتطى غوارب النجائب، ونكب عن ذكر العواقب جانب. فسرتْ تقدُّ بأخفافها نصب السير وجيفاً وإرقالاً)[722](، ملبّياً قوله عزَّ من قائل: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا»)[723](، فمرّت به مرور النسائم، تترامى بها النجود والتهائم، جاعلاً لهب الهجير لحرّ وجهه مقيلاً، صارفاً إلى الآخرة وإنّها لأعظمُ درجات وأكبر تفصيلاً، حتى تسنّم ذروة الأباطح عند أول بيت وُضعَ للناس، وتنسم نسائم القبول من مهابط الحي بين منازل آبائه الذين أذهب الله عنهم الأرجاس. فأدّى بين هاتيك المشاعر فرضه ونفله، وأقام صدور العيس)[724]( يتجاذبن رداء البيد نزولاً ورحلة، معرّجاً على مثوى الرسالة، ومرقد الصفوة من خير سلالة، فطابت نفسه بطَيْبَة، واستنشقَ من أرج النبوة نشرَهُ وطِيْبَه.
وفاته ومدفنه
حتى إذا قضى منها وطر العميد، وكرّتْ به قوافلاً بناتُ العيد، ظهرت مخائل السقام، وأعتاقه دون الوصول إلى الغري شرك الحِمام، فدُعي فأجاب، وكانت وفاته بعد الحجّ في الإياب على مرحلة من (السماوة)، من أرض العراق.
ونقل إلى النجف الأشرف، والغري ذي الشريف، حيث قبرهُ الآن مشهور، وبالزائرين معمور. وكان ذلك سنة الثلاثمائة بعد الألف من الهجرة، فتكون مدّة عمره من يوم ولادته إلى حين وفاته ثمانية)[725]( وسبعين سنة.
وقد رثاه شعراء العصر بمراثي فائقة جيدة عديدة، فمن ذلك ما رثاه به الشاعر المفلق، ومَنْ هو في الفصاحة والبلاغة معرق، السيد حيدر الحسيني الحلّي بقصيدة مطلعها:
أرى الأرض قد مارت لأمر يهولها
فهل طرق الدنيا فناءٌ يزيلها؟!
وأسمعُ رعداً قد تقصّف في السما
لمن زمر الأملاك قام عويلها
وهي قصيدة طنَّانة، أجاد فيها كلّ الإجادة، منها قوله (عليه الرحمة):
تجلّلتها يا دهرُ سوداء فانبرت
عليكَ ليوم الحشر تضفو ذيولها
خطمت بها قصراً عرانين (هاشم)
فقِدْها تساوى صعبُها وذلولها
وقل لعوادي الدهر دونك والورى
مضى الفضل، والباقون منها فضولها
فما جولة عند الردى فوق هذه
فنخشاه يوماً في كريم يجولها
تمَّتْ بيد الأقل نجل العلاَّمة السيد أعلى الله مقامه، حسين الحسيني القزويني.
انتهى ما رسمه العم المولى عطَّر الله مرقده الشريف مع بعض زيادات ونقائص مني أضفتها إليه.
* * *
مراثيه
ثم أنَّ شعراء عصر السيد (قدّس سرُّه) رثوه بمراث لم يتفق مثلها لإمام قبله.
منهم: العالم العامل والفاضل الكامل الأديب اللبيب والحسيب النسيب السيد محمد سعيد حبوبّي (سلّمه الله تعالى) )[726]( بقصيدة مطلعها:
سرى وحداءُ الركب حمد أياديه
وآبَ ولا حادٍ له غير ناعيه
وعهدي بهم يستمطرون بنانه
فلِمْ وبماذا استبدلوا دمع باكيه؟!
وهي طويلة.
ومنهم: الكامل الأديب الشيخ حسن آل شيخ عبدالله، حيث رثاه في قصيدة مطلعها:
طرق الزمان بنكبة صمّاء
عمَّتْ جميع الخلق بالأرزاء
من هولها بكت السماء وأوشكتْ
أفلاكها تهوى على الغبراء
وهي طويلة.
ومنهم الشيخ طاهر الدجيلي من قصيدة مطلعها:
لمن تستبقي مذخور البكاء
جرى المحتوم من صرف القضاء
وتحبس في العيون لمَنْ دموعاً
أذِلْها مثل مُنهلّ الحياء
وهي طويلة.
والسيد جعفر الحلي من قصيدة مطلعها:
أأُعزي الكون أنَّ البدرَ غابا
أم أهنيه بأنَّ السعد آبا؟!
أعلى آيبه أحسو طِلا
أم على غائبه أجرعُ صابا؟!)[727](
وهي طويلة حسنة.
والشيخ كاظم ابن شيخ حسن سبتي النجفي من قصيدة طويلة جيدة مطلعها:
إنَّ رزءاً ألسمَّ فيك ونابا
بحشى الدين صرَّ سنّاً ونابا
وبها شبَّ من لظى الوجد ما لو
شبَّ في مهجة الجنين لشابا
وهي طويلة.
والحاج عباس البغدادي راثياً، ومؤرّخاً في قصيدة مطلعها:
ناعٍ نعى مضراً فآلمَ يعربا
والحجر والبيت الحرام ويثربا
وفي التاريخ يقول:
من بعد عام حجَّ فيه أرخوا
(مهدي آل محمد قد غيّبا)
والشيخ حسون نجل المرحوم الشيخ أحمد قفطان النجفي من قصيدة مطلعها:
العلمُ أصبح مقفر العرصات
والحلم أمسى دائم الحسرات
والدين أضحى والكآبة شأنه
لعظيم ما قاسى من النكبات
والشيخ محمد قفطان من قصيدة مطلعها:
بفقدك أوحشتَ الهدى والمساجدا
وآنستَ فيه حورها والملاحدا
ولما أتى الناعي بموتك معلناً
أجابت دموعي للنداء بلا ندا
وفي التاريخ يقول:
فزدْ بيَ في القول الجميل مؤرّخاً
(عجبتُ لبيت الجود بالترب ملحدا)
والشيخ حسين الدجيلي النجفي من قصيدة مطلعها:
إن تقصر اللؤمَ في شأني وإنْ تزد
فما بقي موضعٌ للصبر في كبدي
وللشيخ حسون خلف المرحوم الشيخ أحمد قفطان أيضاً راثياً ومؤرخاً في قصيدة مطلعها:
يا للرجال فهل بنا من منجد
ينجي من الدهر الخؤون ومسعد
يا دهرُ، مالك والكرامُ جعلتهم
غرضاً لسهمك بالقنا المتأود
وفي التأريخ يقول:
لله يوم قبل ذا أرّختُه
أضحى الهدى ينعى بفقد السيد
والشيخ حسن ابن ملا محمد الحلي القيّم من قصيدة مطلعها:
أيعذل مَنْ كان لم يسعد
على ما أذاب حشى المكمد
أفي كلّ يوم خيول الردى
تصول على سيدٍ سيدِ
والشيخ علي ابن ملا حمزة البغدادي من قصيدة مطلعها:
أقبل الناعي إلينا بالردى
ناعياً مولى الورى دين الهدى
ناعياً كهف المعالي والتقى
ذاكَ منْ للدين ركناً شيّدا
والشيخ محمد الملاّ الحلّي من قصيدة مطلعها:
ماذا جنى الدهر على المجد
فافلق العالم بالوجد
وما الذي ساق لأم العلى
من مؤلم الأرزاء والجهد
والشيخ محسن الشيخ محمد الشيخ خضر النجفي من قصيدة مطلعها:
بمن صات ناعيك هلاّ درى
بفَرق العلى، وبفيه الثرى
أصات بنعيك لا بل أشاط
بنفسي فسالت دماً أحمرا
وهي طويلة، حسنة جيدة.
وله أخرى مطلعها:
جاء بك صارخةً سيَّارة الإبل
تعجُّ بالويل في حل ومرتحل
خوص العيون كريه الشكل منظرها
شوهاً وبوهاً لها من إينق بُزل
والشيخ محسن ابن الشيخ علي العذاري من قصيدة مطلعها:
نعيتَ فأشجيت الورى أبدَ الدهر
أتدري لمن تنعاه، أم لم تكن تدري؟!
والشيخ حسين بن عبدالله الحلّي من قصيدة مطلعها:
خطبٌ أطلَّ على الإسلام مبتكرُ
كادتْ له النيّرات الشهب تنتثرُ
والشيخ صالح المهدي من قصيدة مطلعها:
قضى ماجد كان في عصره
بمنزلة النور من بدره
والشيخ محمد الشيخ عبدالله العذاري من قصيدة مطلعها:
هلاّ كففت لحاكَ الله يا قدرُ
قد أوشكت تتلف الأرواح والصورُ
وله أيضاً من قصيدة مطلعها:
لقد طرقَ الناعي بقاصمة الظهر
أيدري لمنْ ينعاه أم هو لم يدر؟
والشيخ علي الحسين الحلّي من قصيدة مطلعها:
منك الفراق، ومني الوجد والحرقُ
وشأن شاني عليك الدمعُ والأرقُ
والشيخ حسن المصبح الحلّي من قصيدة مطلعها:
قلبٌ يذوب وعبرة تترقرقُ
وجوى بأسناء الضلوع يؤرقُ
والشيخ عبود قفطان من قصيدة مطلعها:
لقد بكر الناعي فيا ليت لا نعى
فزعزع ركن الدين والمجد أفزعا
من أدب التاريخ
هذا ما عثرتُ عليه من مراثيه، وهي قليل في كثير.
وقد رأيتُ مكتوباً على ظهر المجلد الأول من كتابه المسمّى بـ«بصائر المجتهدين» ما هذا لفظه:
للفاضل الكامل الشيخ عبدالحسين نجل الشيخ إبراهيم العاملي مؤرخاً عام ولادة السيد المرحوم المبرور (أعلى الله مقامه) )[728](:
برزتْ محجَّبةَ السعود
تفترُّ عن ثغر نضيد
والكونُ جرَّ على المجرّ
ة بالعلى فضل البرود
والدهر بعد الظن بالا
حسان طوّق كلّ جيد
يوماً به سفرَ العلى
عن غرَّة الشرف الحميد
وبدا به سرُّ الإله
بهيكل اليفع الوليد
لولا العيون لما استهلَّ
بغير فرقانٍ مجيد
ولما رقى غير المنا
بر لا يغالط بالمهود
ولفاه بالأحكام حتى
ما عليها من مزيد
وقضى بما بين الأنا
م بعلمه لا بالشهود
أنّى وفي عرنينه
سمة الإمامة بالحدود
وله المناقب هتّفٌ
بالخلق من بيض وسود
ظهر الهدى تأريخه
(بظهور مهدي الوجود)
1222هـ
وللكامل الأديب الشيخ جواد شبيب مؤرخاً عام ولادته (أعلى الله مقامه):
أبعقد جيد الوجود تحلّى
أم ببدر وجه الزمان تجلّى
وعلى المهد أيّ قبلة قدس
لعلاها وجه المكارم صلّى
جُلَّ مهدٌ يقلُّ للحجّة (المهد
ي) جسماً أحاله الله فضلا
يتحرى الإسلام منه إماماً
آيةُ الدين عن معانيه تُتلى
سوف يُردي دجّال جور الليالي)[729](
أرّخوهُ (ويملأ الأرضَ عدلا)
1223هـ
أقول: وهذان الفاضلان متأخران عنه (قدّس سرُّه)، بل أدركا آخر أيامه، ولكنّهما (سلّمهما الله) لما فاتهما الانتظام في سلك مَنْ رثاه أحبَّا الانتظام في سلك مَنْ مدحه، وزادا على ذلك تاريخ ولادته وفقهما الله تعالى لمراضيه.
* * *
هذا آخر ما وجدناه من النسخة المخطوطة. وقد انتهى من كتابتها الفقير إلى رحمة ربّه الغني السيد جودت الحسيني الشهير بالقزويني في شهر صفر من سنة الثلاث والتسعين بعد الثلاثمائة وألف هجرية على مهاجرها أفضل الصلاة وأزكى التحية. وكان نقلها عن نسخة بخط السيد باقر بن السيد هادي (قدّس الله أسرارهم)، وهي محفوظة عند فضيلة العمّ السيد حميد بن السيد أحمد القزويني، وانتهيت من كتابتها في بلدة الهندية (طويريج) يوم السبت، والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله وصحبه المنتجبين آمين.
الخليج الفارسي
في كتب التاريخ والجغرافيا العربية
قديماً وحديثاً)[730](
مقدمة
الهدف من تدبيج هذه المقالة هو تبيان حق من حقوق الشعب الإيراني في هذه المنطقة الواسعة على امتداد التاريخ القديم، استناداً إلى حضارة عميقة الجذور في منطقة يشهد رجال العالم في أقوالهم وكتاباتهم على صحة الأدلة النقلية التي تستدل بها إيران ويعتبرونها محقة فيما تدعيه. واليوم إذ نرى الاستعمار الغربي، والأميركي على وجه الخصوص، يبذل جهوداً مستميتة للحفاظ على مصالحه الخاصة، يعلن عداءه الصريح للجمهورية الإسلامية في إيران، ويعمد إلى تخويف دول ساحل الخليج الفارسي واستثارتها ـ وما حرب الثماني سنوات التي شنها العراق على إيران الإسلامية إلاَّ وجه من وجوه تلك التحركات الاستعمارية ولو أنها لم تنتج سوى خروج إيران الإسلامية منها أصلب عوداً وأعظم قدرة ـ نراه يسعى مرة أخرى إلى إثارة الفتنة بتحريك إحدى هذه الدول بادعاء ملكية بعض الجزر الصغيرة في الخليج الفارسي ليصطنع حالة من عدم الاستقرار في هذه المنطقة التي هي أصلاً من أرض إيران وملكها المطلق. هدف الاستكبار من كل هذا هو أن يستفيد من المخلاة والمعلف كليهما، كما يقول المثل الفارسي، فيبيع السلاح من جهة، ويضمن تدفق النفط المجاني إلى عجلات اقتصاده، من جهة أخرى، وهو في هذا يرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية حجر عثرة في طريق مصالحه، فيخلق لها تحركات عسكرية واقتصادية وثقافية شتى، ولكني أرى أن العدو يحاول أن يحقق أهدافه هذه المرة بسلاح ثقافي يشوه به وجه شعب من الشعوب، لكي يتمكن بعد ذلك من أن يعطي لنفسه الحق في العدوان بأي شكل من الأشكال.
وهكذا أوحت أميركا لأصدقائها في الخليج الفارسي، بالطرق الثقافية استعمال تعبير (الخليج العربي) بدلاً من (الخليج الفارسي)، وقد ازداد استعمال هذا البديل تفاقماً بعد سقوط الحكم البهلوي الذي كان يحميه. لذلك فإنك تسمع اليوم هذا الاسم البديل في الإذاعات المرئية والمسموعة للحكومات العربية وفي الكتابات والمطبوعات التي تصدر عن المحافل العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في البلدان العربية، وعلى الأخص في دول ساحل الخليج الفارسي، عن عمد أو غير عمد، لتجريح ملكية اسم الخليج الفارسي وهذه الأرض المقدسة، ولكيلا يجرؤ أحد بعد ذلك على الاعتراض على من تسوّل له نفسه من الدول العربية أن يدعي ملكية جزيرة صغيرة أخرى من جزر إيران استناداً إلى أن اسم الخليج أصبح الخليج العربي، أي إن المسمى، وهو الخليج العربي، غدا ملكاً للعرب، وفي هذه الحالة تكون إيران هي الدولة الغاصبة، ويكون عليها ـ على حد قولهم ـ أن تخرج من جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى.
بناء على ذلك، هدفنا في هذه المقالة هو إثباب أحقية السند التاريخي العلمي القديم الذي نجده في كتابات العلماء العرب أنفسهم، والتي تعتبر عندهم من أوثق المصادر العربية ورمز مفاخرهم الثقافية والعلمية والأدبية.
الخليج الفارسي في المصادر العربية القديمة
1 ـ كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبه، يشير إلى مدينة البصرة وخصائصها الجغرافية، فيقول:
«فمن البصرة إلى جزيرة خارك خمسون فرسخاً». ثم يتكلم على سواحل خليج فارس، والمزارع الموجودة في أطرافه، بما فيها النخيل والأعناب وغيرها من مزروعات المناطق الحارة، ويذكر جزائر أخرى مثل (لاوان)، ويقول إن المسافة بين البصرة و(لاوان) تبلغ 80 فرسخاً، كما يعين مساحتها «ثم إلى جزيرة كيش سبعة فراسخ وهي أربعة فراسخ في مثلها، وفيها نخل وزرع وماشية ولها غوص اللؤلؤ الجيد…»، ويقول إن اللؤلؤ المستخرج من خليج فارس يعد من أجود الأنوات. وينتقل إلى جزيرة أخرى في الخليج الفارسي هي جزيرة (ابن كاوان) التي تسكنها الفرقة الأباضية «ومن جزيرة ابن كاوان إلى جزيرة أزموز سبعة فراسخ…
ويقول أيضاً:
إن شط العرب (أروندرود) ينقسم قسمين، الجهة اليمنى منه تسمى شط العرب، والجهة اليسرى تسمى شط فارس، ويذكر طول الشط وعرضه ومساحته: «فشطه الأيمن للعرب وشطه الأيسر لفارس وعرضه سبعون فرسخاً».
2 ـ كتاب الأعلاق النفيسة لابن رستة، وقد جاء فيه إن الخليج الفارسي من البحار الخمسة المعروفة في العالم، وإن طوله 1400 ميل وعرضه 500 ميل. ويشير الكتاب إلى الأنهر التي تصب في الخليج الفارسي، ويقول إن أهمها كارون ودجلة والفرات. فيقول:
ويخرج منه خليج إلى ناحية فارس يسمى الخليج الفارسي، طوله ألف وأربعمائة ميل وعرضه في الأصل خمسمائة ميل… ومخرج دجيل نهر الأهواز من أرض أصفهان وجبالها فيصب في بحر البصرة وفارس بجنبه، ومخرج نهر جندي شابور، .. قنطرة الرود، من جبال أصفهان أيضاً ومصبه في دجيل الأهواز…
3 ـ كتاب الخراج لقدامة بن جعفر، تحت عنوان (في الأنهار والعيون والبطائح) يقول:
ثم يصب الجميع إلى بحر فارس، ومقدار مسافة دجلة منذ ابتدائها إلى منتهاها ثماني مائة ميل ونيف…
4 ـ في كتاب المسالك والممالك للإصطخري يرد ذكر أسماء البلدان الإسلامية في ذلك العصر، ويتحدث خلال ذلك عن الخليج الفارسي، ويصفه بأنه من أكبر بحار المحيط الهندي، ويقول:
فأما مملكة الإسلام… وما اتصل بها من بلاد الأتراك وجنوبها بحر فارس… ثم يتناول حدود الخليج الفارسي وثغوره ومدن المنطقة وقراها ومعادنها، ومن ذلك صيد اللؤلؤ من البحر.
5 ـ وفي مروج الذهب للمسعودي يرد اسم الخليج الفارسي مرات عديدة.
يقسم المسعودي الخليج الفارسي إلى عدة شعب، ويطلق على إحدى الشعب اسم بحر فارس)[731]( ويشير إلى أسماء المدن والقرى والأماكن المعروفة، ويتناول المحصولات الزراعية والمعادن في تلك المنطقة، ويقول إن اللؤلؤ والعقيق والياقوت والماس وحجر المسن من المعادن المعروفة في تلك المنطقة. كما أنه يشير إلى كرمان ومعادنها الغنية، ويخص بالذكر النحاس والحديد والذهب والفضة، وأخيراً يعدد المحصولات الصيفية لتلك المنطقة:
«ويتشعب من هذا البحر خليج آخر وهو بحر فارس وينتهي إلى بلاد الأُبُلّة والحبشان وعبادان من أرض البصرة وعمان إلى رأس الجمجمة… وحوله معادن الحديد مما يلي بلاد كرمان والنحاس بأرض عمان وفيه أنواع الطيب والأفاويه والعنبر والساج والخشب المعروف بالرداسبحي والقنا والخيزران…».
ويتحدث المسعودي في كتابه هذا عن المد والجزر في الخليج الفارسي ويشير إلى عدده في الصيف والشتاء، ويشرح الغوص وأهمية ما يستخرج من اللؤلؤ من الخليج الفارسي.
6 ـ في كتاب التنبيه والإشراف يتحدث المسعودي (متوفى 346هـ) مرة أخرى عن الخليج الفارسي، ويشير إلى بحر فارس ضمن تحديد حدود أرض السواد)[732](.
7 ـ في كتاب البدء والتاريخ لابن طاهر المقدسي (متوفى 355هـ) جاء: «ويسمون بحر فارس الخليج الفارسي، طوله مائة وخمسون فرسخاً وعرضه مائة وخمسون فرسخاً» (ج4، ص54 ـ 57).
8 ـ في كتاب صورة الأرض لابن حوقل (متوفى 367هـ)، في معرض كلامه على بلاد الإسلام يشير إلى الخليج الفارسي فيقول:
… واتبعت ديار العرب بعد أن رسمت فيها ما اشتملت عليه من الجبال والرمال والطرق، وما يجاورها من الأنهار المنصبة إلى بحر فارس ببحر فارس، لأنه يحتف بأكثر ديارها وشكلت عطفة عليها ولأن بحر فارس يعطف من جزيرة مسقط مغرباً إلى مكة وإلى القلزم… (ص15 و16).
ويشير ابن حوقل في هذا الكتاب إلى خليج فارس والأنهار والطرق التي تنتهي إليه، وفي الصفحات 20 ـ 24 يرد اسم الخليج الفارسي تحت عناوين «حدود مملكة الإسلام» و«حدود الهند» و«أشهر البحار وأعظمها» و«التعزز والصين» و«التبت» و«الحبشة والهند» و«ديار العرب» وغير ذلك في الصفحات 29، 30، 48، 49، 51، و52. ثم يصف هذا البحر الفارسي، وخاصة «اللؤلؤ في بحر فارس».
9 ـ في كتاب «أحسن التقاسيم» للمقدسي البشاري (متوفى 380هـ) بحث عن الخليج الفارسي وحدوده.
10 ـ في كتاب «ما للهند» لأبي الريحان البيروني (متوفى 440هـ) يرد اسم الخليج الفارسي ضمن التعريف ببلاد الهند.
وفي كتابه الآخر «نهايات الأماكن» يشير أيضاً إلى بحر فارس.
11 ـ في كتاب «أنس المهج وحدائق الفرج» للشريف الإدريسي (متوفى 1165م) يرد وصف المدن والقرى والجزائر الموجودة في الخليج الفارسي، ويخص جزيرة كيش ببحث واف ويعين بعدها عن ساحل الخليج الفارسي.
12 ـ في كتاب «معجم البلدان» لياقوت الحموي (متوفى 626هـ) جاء عن بحر فارس قوله:
«وهو شعبة من بحر الهند الأعظم واسمه بالفارسية كما ذكره حمزة…».
ويصف حدود الخليج الفارسي وسواحله ومدنه الساحلية وموانئه وجزائره، وخاصة جزيرة (خارك). ثم يتناول خصائص الخليج الفارسي الجغرافية ومراكزه المهمة، ويذكر المناطق القريبة من بحر فارس وخارك وكرمان ومكران وسجستان وعبادان.
13 ـ في كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (متوفى 630هـ)، يرد اسم الخليج الفارسي في فصل بعنوان «الدعوة إلى الطاعة»، فيقول: «كان في سواحل بحر فارس ملك اسمه أسيون، يعظم، فسار إليه أردشير فقتله هو ومن معه، واستخرج له أموالاً عظيمة…».
14 ـ في كتاب التذكرة النصيرية للخواجة نصير الدين الطوسي (متوفى 672هـ) وصف للخليج الفارسي جاء فيه: «… خليج مثلث الشكل عند الأكثرين، طوله من الجنوب إلى الشمال… وعلى رأسه عبادان، وليس بين عبادان إلى البحر عمارة، ولهذا قيل في المثل السائر: ليس وراء عبادان قرية. وهناك مصب دجلة والفرات…».
15 ـ في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني (متوفى 682هـ) جاء إن ماء خليج فارس شديد الملوحة.
16 ـ وفي كتابه عجائب المخلوقات يصف الخليج الفارسي بقوله:
هو شعبة من بحر الهند الأعظم ومن أعظم شعبه، وهو بحر مبارك كثير الخير، لم يزل ظهره مركوباً واضطرابه وهيجانه أقل من سائر البحار… وأما بحر فارس فإنه يكون على مطالع القمر، وكذلك بحر الصين والهند…
17 ـ في كتاب نخبة الدهر لشمس الدين الدمشقي (متوفى 727هـ) جاء ما يلي:
… قال أهل العلم بذلك بحر فارس مبارك مأمون كثير الخير، لم يزل مركوباً وهيجانه واضطرابه أقل من سائر البحر، وهو شعبة من بحر الهند… وهو مثلث الشكل على هيئة القلع أحد أضلاعه من البصرة إلى رأس الجمجمة من بلاد مهرة… وفي هذا البحر من الجزائر المشهورة على ألسنة التجار تسعة، أربعة منها عامرة وهي جزيرة خارك يحيط بها عشرون ميلاً وبها مدينة لها جامع حسن، وجزيرة كاس وتسمى جزيرة قيس (كيش)…
18 ـ في كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء (متوفى 732هـ) يعرّف بحر فارس فيقول:
وهو بحر ينبعث من بحر الهند شمالاً بين مكران وهي على فم بحر فارس من شرقيه… ثم يمتد مشرقاً حتى يصل إلى هورموز…
ويواصل المؤلف وصف حدود بحر فارس الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية وقراه وجزائره المشهورة، مثل خارك وكيش ولار وغيرها مثل جزيرة أبو موسى.
(19 ـ في كتاب نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري (متوفى 732هـ) يرد وصف شكل الخليج الفارسي وسواحله ومساحته وأضلاعه.
20 ـ في كتاب خريدة العجائب لابن الوردي (متوفى 749هـ) يذكر الخليج الفارسي فيقول:
ويسمى البحر الأخضر، وهو شعبة من بحر الهند الأعظم وهو بحر مبارك كثير الخير… وفي جزائره معادن أنواع اليواقيت والأحجار الملونة النفيسة ومعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وحجر المسن والعقيق وأنواع الطيب والأفاويه….
21 ـ في كتاب صبح الأعشى للقلقشندي (متوفى 821هـ) جاء عن الخليج الفارسي ما يلي: «فأما بحر فارس فهو بحر ينبعث من بحر الهند المتقدم ذكره من شماليه…» ثم يتحدث عن حدوده وسواحله وجزائره.
22 ـ وفي كتاب الخطط المقريزية تأليف تقي الدين المقريزي (متوفى 845هـ) ورد اسم الخليج الفارسي أيضاً.
* * *
فيما يلي نورد أسماء مؤلفات لمؤلفين عرب خلال القرنين الأخيرين:
1 ـ التعريبات الشافية للطهطاوي (متوفى 1290هـ). يرد اسم الخليج الفارسي تحت عنوان (الأنهر الكبيرة) ص28 و(أوصاف عامة) ص170 و171.
2 ـ تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان (متوفى 1331هـ). يشير إلى الخليج الفارسي تحت عنوان (جغرافيا مملكة السلام في عصر المأمون وحدودها) ج1، ص41.
3 ـ حقائق الأخبار عن دول التجار تأليف إسماعيل سرهنك (متوفى 1343هـ) تحت عنوان (اكتشافات شواطي آسيا) يقول:
إن أسطول الإسكندر المقدوني تحت إمارة نيارك اكتشف شواطي آسيا من نهر السند إلى الخليج الفارسي… ج1، ص7.
4 ـ مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا (متوفى 1353هـ) في باب (شبه جزيرة العرب) يتحدث عن الخليج الفارسي.
5 ـ التحفة النصوحية لحسن نصوح، وتحت عنوان (مملكة الفرس أو حكومة إيران) يقول: «مملكة العجم عبارة عن هضبة عالية محاطة بجملة جبال شاهقة الارتفاع… على طول الخليج الفارسي» (ص274 و336).
6 ـ في كتاب النخبة الأزهرية لإسماعيل علي، كلام على مضيق هرمز وجزيرة قشم والبحرين والخليج الفارسي، ودراسة عن حدود الخليج وموقعه الجغرافي، وهناك إشارة إلى ميناءين مهمين في الخليج الفارسي. (ص461 ـ 520).
7 ـ في كتاب تاريخ البصرة لعلي ظريف الأعظمي، بحث عن البصرة ووصف للخليج الفارسي (ص3 ـ 10).
8 ـ في كتاب تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم حسن، إشارة إلى الخليج الفارسي ضمن وصف الدول العربية جغرافياً (ج1، ص21 و77).
9 ـ في كتاب جغرافية شبه جزيرة العرب تأليف عمر رضا كحالة، يرد اسم الخليج الفارسي في صفحات عديدة. يتناول الكتاب حدود شبه الجزيرة العربية وثغورها وحضرموت والأحساء وقطر وعمان، وما يتعلق بصيد اللؤلؤ والمحصولات الصيفية والطول والعرض الجغرافيين، حيث يتكرر ورود اسم الخليج الفارسي في هذا الكتاب القيم.
10 ـ في كتاب جهود المسلمين في الجغرافيا لنفيس أحمد، إشارات مختلفة للخليج الفارسي تحت عناوين متنوعة (ص119، 120، و134).
11 ـ في كتاب جولة في ربوع الشرق الأدنى تأليف محمد ثابت، وفي الصفحات 108، 109 و112 إشارات إلى الخليج الفارسي وميناء بوشهر ومدن الخليج الفارسي الأخرى، كما يشير إلى مدينة كازرون التي تقع على الطريق بين شيراز وبوشهر. (ص212 و213).
وفي أواخر هذا الكتاب إشارة إلى الملاحة في الخليج الفارسي وإلى ثروة النفط العظيمة فيه (ص213 و214).
12 ـ في كتاب المجتمعات الإسلامية بقلم شكري فيصل، إشارة إلى الخليج الفارسي في عدد من الصفحات تحت عنوان «الجزيرة»، كما يتكرر اسم الخليج الفارسي عند الكلام على حدود جزيرة العرب وجغرافيتها ورياحها الموسمية وحرّها الشديد.
13 ـ في كتاب العراق بين احتلالين لعباس العزاوي، إشارات عديدة إلى الخليج الفارسي (خاصة في ج1، ص189 وج4، ص85 وج7، ص80) وإلى المعاهدات بين العراق وإيران وتحديد الحدود بينهما في العهدين القاجاري والعثماني، حيث يرد اسم الخليج الفارسي في أكثر صفحات الكتاب.
14 ـ في كتاب مباحث عراقية ليعقوب سركيس يرد اسم الخليج الفارسي مرات عديدة في صفحات هذا الكتاب. (ج2، ص295…).
15 ـ في كتاب تاريخ العرب لفيليب حتي، في كثير من صفحاته يرد اسم الخليج الفارسي.
16 ـ في كتاب النظم الإسلامية تأليف الدكتور صبحي الصالح، (ص37 و38) يدور الكلام على البحر الفارسي.
17 ـ في كتاب الشارقة تأليف محمود بهجت سنان، يرد اسم الخليج الفارسي في ص96.
نصر الله شامي
الخواجة نصير الدين الطوسي
هو أبو جعفر محمد بن فخر الدين محمد بن حسن المعروف باسم نصير الدين الطوسي، الملقب بأستاذ البشر والعقل الحادي عشر. كان من أعاظم رجال القرن السابع ومن كبار العلماء الإيرانيين، وُلد سنة 597هـ، إلاَّ أن هناك اختلافاً في مسقط رأسه، فبعض المؤرخين يقول إنه وُلد في (جهرود) من أعمال قم، وآخرون يقولون إنه ولد في (طوس) وغيرهم يقولون إنه أصلاً من (جهرود) ولكنه وُلد في طوس وعلى ذلك نسب إليها. درس العلوم النقلية والعقلية على والده وخاله، ومن ثم على فريد الدين الداماد النيشابوري، ودرس العلوم الرياضية على كمال الدين محمد الحاسب، وحضر فترة من الزمن حلقات درس بعض العلماء، مثل قطب الدين المصري وكمال الدين يونس الموصلي وأبي السعادات الأصفهاني، حتى أصبح أستاذاً في معارف عصره وعلى الأخص في الحكمة والرياضيات، ولقب بأستاذ البشر، حتى استدعاه ناصر الدين عبدالرحيم (أو عبدالرحمن) المكنى بأبي الفتح، حاكم (قهستان) إلى بلاطه. وكان هذا من رجال الإسماعيلية المحبين للعلم والعلماء وهناك ألّف كتابه المعروف «أخلاق ناصري» على اسمه.
وأرسله ناصر الدين إلى قلعة (الموت) عند علاء الدين محمّد، الخليفة السابع لحسن الصباح، ومن ثم لازم ركن الدين خورشاه، آخر الحكام الإسماعيليين. لقد أمضى الطوسي هذه الفترة عند الإسماعيليين سجيناً أو موقوفاً محترماً، وهو نفسه يقول عن ذلك في مقدمة «الزيج الأيلخاني»: «في الوقت الذي استولى فيه هولاكو على زمام الملحدين، كنت أنا، نصير الدين من طوس، تحت سيطرة الملحدين فأنقذني منهم». وقد بقي تحت تلك السيطرة حتى استسلام ناصر الدين، وعندئذٍ قدمه إلى هولاكو. ولما كان المغول يؤمنون بالتنجيم وحساب الأفلاك إيماناً عميقاً، ولما كان الخواجة مشهوراً بمعرفة هذه العلوم، فقد أكرمه هولاكو، ومنذئذٍ بقي الخواجة نصير الدين الطوسي في خدمة المغول حتى وفاته سنة 672هـ. وخلال حياة هولاكو كان الخواجة من المقربين والملازمين له ويحظى باحترامه وتكريمه حتى اعتبر أحد وزرائه.
وفي سنة 657هـ باشر، بطلب من هولاكو، بإنشاء مرصد مراغة، كما أصدر أمراً في السنة نفسها بجعل جميع أوقاف الدولة تحت تصرف الخواجة. وعلى أثر ذلك رحل الخواجة إلى بغداد مرتين، الأولى سنة 662هـ والأخرى قبيل وفاته، وذلك لكي يشرف على شؤون الأوقاف هناك، وأرصد ما زاد على مصاريفها لبناء مرصد مراغة، واستطاع خلال رحلاته هذه أن يجمع ما كان يحتاج إليه من الكتب والأدوات والآلات الخاصة بالرصد.
قام الخواجة نصير الدين الطوسي بتدوين خلاصة أعماله وأعمال زملائه في الرصد في كتابه «الزيج الأيلخاني». وبعد موت هولاكو بقي الخواجة موضع حفاوة (أباقاخان). وبالإضافة إلى مركزه العلمي وتآليفه القيمة في العلوم المختلفة، كان وجوده خدمة عظيمة للمعارف الإنسانية، وذلك أنه عن طريق نفوذه في بلاط هولاكو استطاع أن يستنقذ عدداً كبيراً من كتبه التي كانت معرضة للتلف على يد التاتار، وجمعها في مكتبة، وقد قيل إن الكتب التي استطاع الخواجة نصير الدين الطوسي جمعها في تلك المكتبة بلغت أربعمائة ألف مجلد. كما أنه بمركزه ونفوذه استطاع أن يخلص أرواح عدد من العلماء والفضلاء من الإزهاق على أيدي التاتار.
توفي الخواجة نصير الدين الطوسي في بغداد سنة 672هـ. وقد كان ينظم الشعر أحياناً، وثمة أبيات من الشعر الفارسي تنسب إليه. معظم مؤلفاته كتبها بالعربية وبعضها بالفارسية. من أهم كتبه:
1 ـ تحرير إقليدس.
2 ـ الرسالة الشافية من الشك في الخطوط المتوازية.
3 ـ تحرير المجسطي.
4 ـ كشف القناع عن أسرار شكل القطاع.
5 ـ تحرير كتاب مانالاوس في الأشكال الكروية.
6 ـ تحرير كتاب أكثرثا وذوسيوس.
7 ـ تحرير كتاب مأخوذات أرخميدس.
8 ـ تحرير كتاب المناظر لإقليدس.
9 ـ تحرير كتاب المساكن لثا وذوسيوس.
10 ـ تحرير كتاب الكرة المتركه لأطولوقس.
11 ـ تحرير كتاب في الأيام والليالي لثا وذوسيوس.
12 ـ تحرير كتاب ظاهرات الفلك لإقليدس.
13 ـ تحرير كتاب في الطلوع والغروب لأطولوقس.
14 ـ تحرير كتاب في المطالع لأسيقلاوس.
15 ـ تحرير كتاب الفروضات لأرخميدس.
16 ـ كتاب أرسطرخس في جرمي النيرين وبعديهما.
17 ـ تحرير كتاب معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكروية.
18 ـ تحرير الكرة والأسطوانة عند أرخميدس.
19 ـ تحرير كتاب المعطيات.
20 ـ ترجمة ثمرة الفلك.
21 ـ كتاب انعكاسات الشعاعات.
22 ـ التذكرة النصيرية في الهيئة.
23 ـ ترجمة صور الكواكب.
24 ـ رسالة في الشعاع.
25 ـ الرسالة المعينية في الهيئة.
26 ـ الزيج الأيلخاني.
27 ـ عشرون باباً في معرفة الأسطرلاب.
28 ـ زبدة الهيئة، وهو في الهيئة واستكشاف أحوال الأفلاك والأجرام.
29 ـ ثلاثون فصلاً في الهيئة ومعرفة التقويم.
30 ـ رسالة في الحساب والجبر والمقابلة.
31 ـ زبدة الإدراك في هيئة الأفلاك.
32 ـ مدخل في علم النجوم.
33 ـ مئة باب في معرفة الأسطرلاب.
34 ـ استخراج قبلة تبريز.
35 ـ أخلاق ناصري.
36 ـ أوصاف الأشراف.
37 ـ تنسوق نامه ايلخاني، في معرفة المعادن.
38 ـ جواهر الفرائض، في الفقه.
39 ـ آداب المتعلمين، في التربية.
40 ـ معيار الأشعار، في العروض.
41 ـ أساس الاقتباس.
42 ـ تجريد المنطق.
43 ـ تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار.
44 ـ رسالة معقولات ياقاطيغورياس.
45 ـ حل مشكلات الإشارات في الفلسفة.
46 ـ رسالة في الجوهر المفارق، أو رسالة نفس الأمر أو إثبات العقل.
47 ـ رسالة في العلم والعالم والمعلوم.
48 ـ رسالة في بقاء النفس بعد فناء الجسد.
49 ـ رسالة في كيفية صدور الموجودات.
50 ـ رسالة في النفي والإثبات.
51 ـ رسالة في العلل والمعلولات.
52 ـ تجريد العقايد في الكلام.
53 ـ الفصول النصيرية.
54 ـ تلخيص المحصل.
55 ـ مصارع المصارع.
56 ـ رسالة في الجبر والتفويض.
57 ـ رسالة في إثبات الواجب.
58 ـ رسالة في الإمامة.
وعدد آخر من التحريرات والرسائل والكتب.
مصادر البحث
1 ـ سرگذشت وعقائد فلسفي خواجه نصير الدين طوسي. محمّد مدرس. طبع جامعة طهران.
2 ـ منتخب أخلاق ناصري. طبع وزارة الثقافة.
3 ـ تاريخ المغول. عباس أقدام، ص501 وما بعدها.
4 ـ تاريخ أدبيات در إيران. الدكتور صفا، ج3.
5 ـ مجالس العشاق، ص323.
6 ـ هفت إقليم. إقليم چهارم.
7 ـ طرايق الحقايق، ج2، ص291.
8 ـ حبيب السير، ج3، ص105.
9 ـ نگارستان سخن، ص123.
10 ـ مجمع الفصحاء، ج1، ص633.
11 ـ رياض العارفين، ص234.
12 ـ مجلة «يادگار» السنة الثالثة، العددان 6 و8.
13 ـ مجلة «أرمغان» السنة 19.
14 ـ تحريرات الخواجة نصير الدين الطوسي الدكتور صفا، مجلة كلية الآداب، السنة الثالثة، العدد 4، طهران.
15 ـ خواجه نصير الدين طوسي ورصدخانه مراغه.
16 ـ آثار الشيعة الإمامية، ج4، ص55.
17 ـ أحوال وآثار أستاذ بشر وعقل حادي عشر محمّد بن محمد بن الحسن الطوسي. مدرس الرضوي.
18 ـ ديباجة أخلاق محتشمي. دانش پژوه.
19 ـ از سعدي تا جامي. ترجمة على اصغر حكمت.
20 ـ أساس الاقتباس، ومقدمة مدرس الرضوي.
21 ـ سرگذشت وعقائد فلسفي خواجة نصير الدين طوسي ـ مقدمة المدرسة الزنجاني.
جعفر صادق الخليلي
دراسة في الأرجاز الحسينية
إن للإمام الحسين عليه السلام أشعار رقيقة قيّمة تفوح منها رائحة الحرية والحكمة والشجاعة والإيمان، وقد جمعها عددٌ من رجال العلم والأدب كأبي مخنف الأزدي المؤرخ المتوفى عام 157هـ وابن الخشاب النحوي)[733]( الشاعر المتوفى سنة 567هـ لفصاحتها وبلاغتها وعذوبتها، منها أرجازه الحربية التي انطلقت من حنجرة طيبة واثقة بلقاء الله سبحانه وهي تحتوي على مضامين عالية ومعارف سامية تدعو الإنسان إلى السيادة الدنيوية والسعادة الأخروية، وتكون درساً للإيثار والتضحية والثورة على الظالمين، وتدلّ على أن جهاده كان لأجل إحقاق الحق وإحياء الدين والدفاع عن مبادئه الأصيلة، وتكشف عن قناع الزيف الأموي ومساراته المنحرفة عن جادة الإسلام وكتاب الله وسنّة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم.
ولا شك أنّ الأرجاز الحسينية تعتبر مادة أدبية شيّقة لعشاق هذا الفن ومريديه، والتي لا تخرج من قسمين رئيسين: الأول ما يُقال منها على الخاطر والبديهية في ساحة القتال، والثاني: ما يتمثل به الإمام من أشعار غيره من الشعراء بأن يختار ما يناسب الحال معتمداً على محفوظاته الشعرية.
ولا يغيب عن البال أن هذه الأرجاز تمثّل عنصراً مهماً من عناصر الحرب، وشاهداً تاريخياً على الأحداث، كما تشتمل على مفاهيم عقائدية لا يستغني عنها من يرغب البحث عن أحوال الإمام النفسية ودوافعه الذاتية في وقعة الطف، تلك الوقعة التي تعدّ المعركة الفاصلة الثالثة في تاريخ الإسلام الجهادي امتداداً للصراعين على التنزيل والتأويل)[734](، وكان بطلها الإمام الحسين عليه السلام، وقد واجه فيها وضعاً متردياً عاشته الأمة المسلمة في زمان طغاة بني أمية الذين انحرفوا عن مسار الإسلام الصحيح، ثم استهتروا بقيم وتعاليم الدين، وتركوا معالم القرآن ومحكم التنزيل والتبيان، وأسرفوا في تعاطي المنكرات، ومارسوا أبشع أنواع البغي والجور مع الصالحين والأبرياء، وتألبوا لحرب الإمام الحق مطالبين بثارات بدر وضغائن الجاهلية التي تكنّها صدورهم للإسلام، فخذلوه بعد أن كاتبوه، ونكثوا بيعتهم بعد أن عاهدوه، وقاتلوه بعد أن دعوه لينصروه.
وبما أنّ الحسين عليه السلام يمثل الصورة المثلى للإسلام في سيرته وسلوكه وخطّه الرسالي الأصيل وهو اختصار لشخص النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم)[735]( وسنّته ونهجه وكتاب ربّه، لما أحس به من مسؤولية عظيمة بالنسبة إلى الشؤون العامة وزعامة الأمة، وتسلط الفسقة الفجرة من الأمراء والولاة على الأمة والملة، فعند ذلك قام حامياً للدين وحافظاً لحقوق المسلمين ونادى نداء أيقظ به الناس وحذّرهم من السلطات الجائرة المؤدية إلى الذلة والدنيّة والسقوط من غير خوف ولا مداهنة ولا تقية، ثم ذكر ما ينوّر قلوبهم وأفكارهم في إصلاح المجتمع وردّ الحكومة الأموية الجاهلية إلى حكومة صالحة عادلة يعيش في ظلّها المسلمون في رخاء ورفاهية وسلام، آمنين على نفوسهم وحقوقهم وشؤونهم.
فليس ثمة أحدٌ أحق بالنهضة لأجل إصلاح وتغيير الوضع المتردي في الأمة غير الإمام الحسين عليه السلام فحدّد سلفاً أهداف ثورته الخالدة، فكانت إحياء معالم الحق وإماتة البُدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقطع أيدي الظلمة عن حوزة الدين ومجتمع المسلمين، وطلب الإصلاح في الأمة والعمل بكتاب الله وسنّة رسوله، كما خطب الإمام الحسين عليه السلام في أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيّها الناس، إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله».
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفي، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر)[736](…
ولما خرج الإمام الحسين عليه السلام مصمّماً على تحقيق أهداف نهضته، قام خطيباً في أصحابه بذي حُسُم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها واستمرت جداً، فلم يبق منها إلاَّ صُبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاَّ شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلاَّ برماً)[737](.
وقد روي أنّ الإمام الحسين عليه السلام حينما منعه أخوه محمد بن الحنفية من الخروج إلى الكوفة، دعا بدواةٍ وبياضٍ وكتب له وصية، قال فيها:
إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الصلاح في أمة جدي صلَّى الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين)[738](.
وقد جاء في رواية لمّا اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام يوم عاشوراء، التفت إلى أصحابه وقال لهم:
صبراً بني الكرام، فما الموت إلاَّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وما هو لأعدائكم إلاَّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب)[739](.
ومن هنا يبدو أن أرجاز الحسين عليه السلام في معركة الطف التي كانت في حساب الزمن ساعات من نهار، لكنّها في حساب المبادىء والمُثل العليا ثورة استغرقت الزمن كله، وستبقى مناراً لكلّ من استشهد في سبيل عقيدته، فضلاً عن احتجاجاته العديدة مع القوم، يفتح باباً جديداً لأن يعرّف لهم الإمام نفسه وجدّه وأباه وأمّه وأقرباءه من الشهداء الذين لهم عظمة بين المسلمين، وجلالة فيهم، ويتكلّم معهم بلسان العواطف والإحساسات الإنسانية ليرشدهم إلى سبيل الحق وينقذهم من الضلالة والجهالة، حتى يصرفهم عن سفك دماء الذرية الطاهرة، ثم يفتخر بأنه كلام الله الناطق، ووديعة نبوية عند أمته، وابن الخيرتين، وهدىً للناس)[740]( إلى الإيمان، وفاتحة مصحف الشهادة، وأبو الأئمة الأطياب، والإمام الحق، والقائد الرسالي، وخامس أهل الكساء الذين اختارهم الله تعالى لمباهلة نصارى نجران، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً)[741](.
وكل ذلك لم يكن إلاَّ إتماماً للحجّة ليهلك من هلك عن بيّنة، كما رأينا أن الإمام لمّا وجد أعداءه مثلاً للشرّ بشتّى جهاته ومظهراً للفساد بجميع خصائصه، قام بتبيين شقاوتهم وعداوتهم، وانحرافهم عن الأخلاق والفضيلة، وإعراضهم عن الدين والحقيقة، حتى ينعكس في حياتهم ويثبت في التاريخ.
وبما أن هذه الأرجاز تشتمل على شفقة الإمام على الأمة، ونبوغ حريته، وسمو هدفه وعظمته وشخصيته وأدبه وحماسته، فهي تعدّ من أهم أدوات الإعلام الفعّالة التي تقف إلى جانب السيف في الذود عن الإسلام مقابل الطغاة والمفسدين والمنافقين، ومن هنا يمكن جعل الأرجاز الحربية أحد أدوات الحكم على عقيدة صاحبها، بالإضافة إلى أنها تعتبر مادة تاريخية وأدبية رائعة لا يستغني عنها المؤرخ والأديب على السواء.
إنّ للإمام الحسين عليه السلام سبعة أرجاز نجد فيها بعض المقارنات بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، كما وصف معسكر الحق بأنهم أنصار الله ورسوله وشيعة الرحمن، وأنهم أهل البصيرة والصبر والوفاء؛ ووصف معسكر الباطل بأنهم أعداء الله ورسوله وشيعة الشيطان، وأنهم فجار فسّاق ناكثون غادرون.
وممّا لا شك فيه أن غرض الإمام من بيان الأرجاز في ساحة الحرب يوم عاشوراء لم يكن تفاخراً بالآباء فقط، بل يريد أن يعرّفنا طريق التضحية والفداء في سبيل الحق، والتقدم إلى الشهادة، والتسابق إلى نيل الرضوان، كما عبّر عن وفاء أصحابه وأهل بيته وتفانيهم في نصرته بقوله:
«أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي.. )[742](.
فمن المعلوم أن الإمام الشهيد عليه السلام عبّر بأرجازه عن حماسته وشجاعته، ومسؤوليته الإلهية، وقيادته الرسالية، وقوة شكيمته في لقاء الأعداء، وإنكاره الشديد على الظلمة، والتعبير بهم، والتغيير عليهم وعلى أفكارهم المظلمة وسياستهم الموحشة كما يلي:
1 ـ حين قصد الإمام الطف ولاقى الحرّ، فقال له الحرّ: إنّي أذكرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ. فقال له الحسين عليه السلام:
أبالموت تخوّفنى؟ هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وما أدري ما أقول لك! ولكني أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول! فقال:
سأمضِي وما بالموتِ عارٌ على الفتى
إذا ما نوى خيراً وجاهدَ مُسلِما
وواسَى رجالاً صالحينَ بنفسِهِ
وخالفَ مثبوراً وفارقَ مُجرما
فإنْ عشتُ لم أندمْ وإن متُّ لم أُلَمْ
كفى بكَ ذُلاًّ أنْ تعيشَ وتُرْغَما)[743](
أصل الشعر لشاعر من الأوس وقد استحسنه الإمام الحسين عليه السلام وتمثل به في موارد عديدة)[744]( يشير إلى أنه خرج لنصرة الدين والدفاع عن الإسلام والمسلمين، كما كان لا يرى في سبيل أهدافه، وإزالة العدو عن مقره ومقامه إلاَّ التضحية والفداء والقتل والشهادة.
2 ـ روى عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة (أي ليلة عاشوراء)، وأنا عليل، وهو يعالج سهاماً له، وبيني يديه جون مولى أبي ذر الغفاري، إذا ارتجز الحسين:
يا دهرُ أفٍّ لكَ مِنْ خليلِ
كم لكَ في الإشراقِ والأصيلِ
مِنْ صاحبٍ وماجدٍ قتيلِ
والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ
والأمرُ في ذاكَ إلى الجليلِ
وكلُّ حيٍّ سالكُ السبيلِ)[745](
ففهمت ما قال وعرفت ما أراد وخنقتني عبرتي، ورددت دمعي، وعرفت أن البلاء قد نزل بنا)[746](.
وأمّا عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع، فشقت ثوبها، ولطمت وجهها، وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه! واحزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه، يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت ويئست من الحياة؛ اليوم مات جدي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأمي فاطمة الزهراء، وأخي الحسن، يا بقية الماضين، وثمال الباقين. فقال لها الحسين: لو تُرِك القطا لنام. قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي، وخرّت مغشياً عليها؛ فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء)[747](.
3 ـ لمّا استكف الناس بالحسين عليه السلام ركب فرسه واستنصت الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً وبؤساً لكم! استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفاً كان في أيدينا، وحمشتم علينا ناراً أضرمناها على عدوّكم وعدوّنا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم ويداً على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم، فهلاّ لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لمن يستحصف ولكنّكم أسرعتم إلى بيتنا كطيرة الدبا، وتهافتّم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفهاً وضلة، فبعداً وسحقاً لطواغيت هذه الأمة، وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون.
أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون! أجل والله خذل فيكم معروف، نبتت عليه أصولكم، واتزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلاً.
ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلّة، وهيهات له ذلك منيّ! هيهات منّا الذلّة! أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طهرت وجدود طابت، أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد، وكثرة العدو وخذلة الناصر، ثم تمثّل فقال:
فإنَّ نَهزِمْ فهزَامونَ قِدْماً
وإنْ نُهزَمْ فغيرُ مُهَزَّمينا
وما إنْ طِبُّنا جبنٌ ولكِنْ
مَنايانا ودولةُ آخَرينا
فلو خلدَ الملوكُ إذاً خَلَدْنا
ولو بَقِيَ الكرامُ إذاً بَقينا
فقُلْ للشّامتينَ بِنا أفيقوا
سيلقَى الشّامتون كما لَقينا)[748](
وممّا يجدر ذكره أنّ بعض تلك الأبيات لغرورة بن مسيك المرادي أنشدها يوم الردم في وقعة بين مراد وهمدان، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، وكما هو واضح استحسنها الإمام الحسين عليه السلام وتمثّل بها يوم عاشوراء، مشيراً إلى أن الفتح والنصر والغلبة والعزّة والعظمة له ولأصحابه الأبرياء، وإن قلتوا في ذلك اليوم.
4 ـ لمّا أحاط بالحسين عليه السلام جموع ابن زياد وقتلوا من قتلوا من أصحابه، ومنعوهم الماء، دعا بابنه الرضيع عبدالله)[749](، فاحتضنه وجعل يقبّله، فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله، فنزل الإمام عن فرسه، وحفر له بسيفه، ورمّله بدمه، وصلّى عليه، ودفنه، ثم وثب قائماً وهو يقول:
غدرَ القومُ وقِدْماً رغبوا
عن ثوابِ اللهِ ربُ الثَّقَلَيْن
قتلوا قِدْماً عليّاً وابنَهُ
حسنَ الخيرِ كريمَ الطَّرَفَيْن
حسداً منهُمْ وقالوا أجمِعوا
نُقبِل الآنَ جميعاً بالحُسَيْن
يا لَقومٍ لأُناسٍ رُذَّلٍ
جمعُوا الجمعَ لأهلِ الحَرَمَيْن
ثمَّ ساروا وتواصَوْا كلُّهُمْ
لاجتياحى للرضا بالمُلْحِدَيْن
لم يخافُوا اللَّهِ في سفكِ دَمي
لعُبَيْدِ اللَّهِ نسلِ الفاجِرَيْن
وَابْنُ سعدٍ قد رَماني عَنْوَةً
بجنودٍ كَوُكوفِ الهاطِلَيْن
لا لِشيءٍ كانَ منًى قبلَ ذا
غيرِ فخرى بضياءَ الْفَرقَدَيْن
بعلّي خيرِ مَنْ بعدَ النَّبي
والنّبيِّ القرشيِّ الْوالِدَيْن
خَيْرَةُ اللَّهِ مِنَ الخلقِ أبي
ثمَّ أمّي فأنَا ابْنُ الْخَيْرَتَيْن
فضّةٌ قد صُفِيتْ من ذهب
فأنّا الفضّةُ وَلبْنُ الذَهَبَيْن
مَنْ لَهُ جدٌّ كجدّي في الورى
أو كَشَيْخى فأنَا ابْنُ القُمَرَيْن
فاطمُ الزّهراء أمّي وأبي
قاصمُ الكفرِ ببدرٍ وحُنَيْن
ولَهُ في يومِ أُحْدٍ وقعةٌ
شَفَتِ الغِلَّ بفَضِّ الْعَسْكَرَيْن
ثمَّ بالأحزابِ والفتحِ معاً
كانَ فيها حتفُ أهلِ الْقِبْلَتَيْن
في سبيلِ اللهِ ماذا صَنَعَتْ
أمَّةُ السّوءِ معاً في الْعِتْرَتَيْن
عترةِ البَرِّ النّبيِّ المصطفى
وعليّ الوَرْدِ بينَ الْجَحْفَلَيْن)[750](
وقد جاء في بعض الروايات)[751]( أن الإمام الحسين عليه السلام أنشأ هذه الأرجوزة بعد ما دنا من القوم وقال: يا ويلكم أتقتلوني على سنّة بدلتها، أم على شريعة غيرتها: أمّ على جرم فعلته، أم على حقّ تركته، فقالوا له:
إنّا نقتلك بغضاً لأبيك، فلما سمع كلامهم حمل عليهم فقتل منهم في حملته مائة فارس ورجع إلى خيمته وهو يقول هذا الشعر.
على وجه عام هذه الأبيات الطريفة الرائعة تدلّ على أن أدب الحسين عليه السلام لا يتوقف على التكرار والدرس ولا يتّسق بالقياس والفكر والحدس، بل كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره طائعة، لأنه يرى عالم الغيب في عالم الشهادة ويقف على حقايق المعارف في خلوات العبادة، فسماء معارفه بعيدة عن الإدراك، ومن أراد ستر فضائله كان كمن أراد ستر وجه الشمس، ولنعم ما قيل: الشمس بالتطيين لا تُغطّى.
5 ـ بعد أن قُتل أصحاب الحسين وأقاربه، وبقي فريداً، تقدم حتى وقف قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيساً من نفسه، عازماً على الموت وهو يقول:
أنّا ابنُ عليّ الخيرِ مِنْ آلِ هاشمٍ
كَفاني بهذا مَفخّراً حينَ أفخَرُ
وجدّي رسولُ اللَّهِ أكرمُ خلقِهِ
ونحنُ سراجُ اللَّهِ في الأرضِ يزهَرُ
وفاطمُ أمّي مِنْ سُلالةِ أحمد
وعمّي يُدعى ذَا الجناحينِ جعفَرُ
وفينا كتابُ اللَّهِ أُنزِلَ صادقاً
وفينَا الهدى والوحيُ بالخيرِ يُذكَرُ
ونحنُ أمانُ اللَّهِ للخلقِ كلِّهِمْ
نسرُّ بهذا في الأنام ونجهَرُ
ونحنُ ولاةُ الحوضِ نسقي وليَّنا
بكأسِ رسولِ اللَّهِ ما ليسَ يُنكَرُ
وشيعتنا في النّاسِ أكرمُ شيعةٍ
ومبغضُنا يومَ القيامةِ يخسَرُ)[752](
وممّا جاء في هذه الأبيات يبدو لنا أن الإمام الحسين عليه السلام الذي كان نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، يباهي بجدّه وأبيه وأمّه وعمّه، ثم يقدّم نفسه بأنّه كلمة التقوى ومصباح الهدى، ومنار العلم والإيمان ومفسّر أحكام القرآن، وعلم المهتدين ورجاء المؤمنين: ذلك الكهف الحصين، والصراط الأقوم، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والإمام المبين الذي نراه معجزة التاريخ بنوره ورأسه ودمه وترابه، كما أن محبّته شفاء والبكاء له عبادة.
6 ـ استوى الحسين عليه السلام على راحلته، ثم دعا الناس على البراز، فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثم حمل على الميمنة وهو يقول هذا الرجز:
الموتُ خيرٌ مِنْ ركوبِ العارِ
والعارُ أولى مِنْ دخولِ النّارِ)[753](
هذا هو شأن من لا يرى الموت في سبيل المجد والعزّ إلاَّ حياة خالدة، ولا الحياة مع الذّل إلاَّ عاراً مفجعاً، وبما أن الإمام الحق كان خصماً للظالم وعوناً للمظلوم، برّز موقفه الحاسم قائلاً:
لست أخاف الموت، إن نفسي لأكبر من ذلك، وهمتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت.. مرحباً بالقتل في سبيل الله)[754](.
ولذلك نراه في وقعة الطف بطلاً حرّاً شجاعاً لم يعط العدوّ بيده إعطاء الذليل ولم يفرّ فرار العبيد، فاختار المنية على الدنية والسلة على الذلة، وقال: موت في عزّ خير من حياة في ذلّ)[755](.
7 ـ إنّ الإمام الحسين عليه السلام بعد أن حمل على الميمنة وقتل كثيراً من الأعداء، حمل على الميسرة وأنشد مرتجزاً:
أنّا الحسينُ بنُ عليّ
آليتُ أن لا أنثَني
أحمي عيالاتِ أبي
أمضي على دينِ النّبي)[756](
فوالله ما رأيتُ مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشد عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكمّلوا ألفاً، فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله العلي العظيم)[757](.
يظهر من هذه الأرجاز أن نهضة الحسين عليه السلام قد تمّت في مخطط جذري لإنقاذ الإسلام من براثن الكفر والفسق والضلالة التي أشاعها الحكم الأموي في المجتمع آنذاك للخروج عن سلطان الدين، ومحق الرسالة الإسلامية، والقضاء على سنّة النبي؛ كما يتجلَّي أيضاً أنه لم تكن في تضحية الحسين عليه السلام وتفديته يوم الطف داعية ولا باعثة إلاَّ الإيمان بالله، والثقة برسوله، والعقيدة الثابتة بما وعد الله المجاهدين في سبيله، والدفاع عن حوزة المسلمين بعدما نسي الدنيا ومتاعها، وشغل عن الأهل والأولاد بالآخرة ونعيمها، وبذل مهجته في سبيل الحق، ونصرة الدين، وإحياء السنن، وإماتة البدع، وقطع أيدي الظلمة بكلّ سخاء وطيبة نفس، ولم تأخذه في الله لومة لائم، ولم تمنعه سطوة ظالم، ثم صبر على طعن الرماح وضرب السيوف وقذف الحجارة حتى فاز فوزاً عظيماً.
ألم ترَ كيف اضطره نكد الدنيا إلى إيثار الموت على الحياة، وقام بما لم يقم بمثله أحد قبله ولا بعده، وأظهر من إباء الضيم وعزّة النفس ما بهر العقول وحيّر الألباب.
فهرس المراجع
ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، 1399هـ/ 1979م.
ابن شعبة الحراني: تحف العقول عن آل الرسول، صحّحه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الثانية، 1404هـ/ 1363ش.
ابن شهراشوب: مناقب آل أبي طالب، عني بتصحيحه والتعليق عليه السيد هاشم الرسولي المحلاتي، قم انتشارات علامه، بدون تاريخ.
ابن كثير الدمشقي: البداية والنهاية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1413هـ/ 1993م.
ابن هشام المعافري: السيرة النبوية، قدم لها وعلق عليها وضبطها طه عبدالرؤوف سعد، مصر مكتبة الكليات الأزهرية، 1391هـ/ 1971م.
أبو الفرج الإصفهاني: مقاتل الطالبيين، شرح وتحقيق السيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بدون تاريخ.
أبو نعيم الإصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، بيروت، دار الفكر، 1412هـ/1992م.
الإربلي: كشف الغمة في معرفة الأئمة، علّق عليه السيد هاشم الرسولي، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1403هـ/ 1983م.
سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص، قدّم له السيد محمد صادق بحر العلوم، طهران، مكتبة نينوى الحديثة، بدون تاريخ.
سپهر ميرزا محمد تقى: ناسخ التواريخ در احوالات حضرت سيد الشهداء عليه السلام، تهران، كتابفروشى اسلاميه، 1351ش.
الصدوق: معاني الأخبار، عني بتصحيحه علي أكبر الغفّاري، بيروت، دار المعرفة، 1399هـ/ 1979م.
الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن: إعلام الورى بأعلام الهدى، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، بيروت، دار المعرفة، 1399هـ/ 1979م.
الطبرسي، أبو منصور أحمد: الاحتجاج، تعليقات وملاحظات السيد محمد باقر الموسوي الخرسان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ومؤسسة أهل البيت عليهم السلام، 1401هـ/ 1981م.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك، بيروت، دار الفكر، 1407هـ/ 1987م.
الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الرابعة، 1402هـ/1982م.
القرآن الكريم (بالرسم العثماني)، الخطاط: طه عثمان، دمشق، دار الفجر الإسلامي ومكتبة عبدالوهاب ميرزا، الطبعة العاشرة، 1405هـ.
القندوزي: ينابيع المودة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بدون تاريخ.
المجلسي: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1403هـ/ 1983م.
المفيد: الإرشاد، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، 1399هـ/ 1979م.
اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، بدون تاريخ.
الدولة الصفوية
يُعتبر قيام الدولة الصفوية أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي أكبر حدث في تأريخ التشيّع الاثنا عشري بعد تلك التجربة الفريدة التي خاضها السلطان الإيلخاني أُلجايتوخان (خدابندة) بعد إعلانه التشيّع رسمياً في أطراف الإمبراطورية المغولية العظمى.
كان السلطان خدابندة رجلاً عقائدياً متسامحاً، لكنه لم يستطع أنْ ينشر التشيّع على صورته التي كان العلاَّمة الحلّي قد نظَّرها له في مؤلفات عديدة لعدم وضع منظومة متكاملة تتبنى تطبيق السياسة العقائدية الشيعية بعده.
بيد أنَّ النجاح الذي حقَّقه يكمن بتبنّي أغلب القبائل التي سيطرت على الدول المنفصلة عن الإمبراطورية الإيلخانية الشيعيّة رغم الاختلاف الناشىء في تطبيق التشيّع مذهباً رسمياً لهذه الدول تبعاً لتقلّب سياساتها والصراعات التي كانت تعصف بداخلها.
فعندما تمزقت أوصال الإمبراطورية الإيلخانية في إيران والعراق بعد وفاة آخر السلاطين الإيلخانيين، السلطان أبي سعيد بن السلطان خدابندة عام 736هـ/ 1336م، أصبحتْ أغلب الدول المنفصلة عن الإمبراطورية الأمّ واقعة تحت سلطة قبائل ذات نزعات شيعية.
وفي نهاية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي شهد العالم الإسلامي حركة جديدة انبعثت على يد تيمورلنك، فقد استطاع أنْ يسيطر على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي حتى استولى على العراق عام 795هـ/ 1393م، وعلى بلاد الشام سنة 803هـ/ 1401م، واتَّجه إلى بلاد الروم (الأناضول) معقل دولة العثمانيين، ثم سيطر على أقسام كبرى من الهند أيضاً.
كان تيمور ذا نزعة تميل إلى التشيّع، وبالرغم من كل ما نُسب إليه، إنَّ مدّة حكمه التي قضَّاها بالفتوحات لم تدعه يتخذ مشروعاً عقائدياً لحكمه، بل كان دورُه دور الشخصيّات الأسطورية التي تسعى للسيطرة على العالم وإخضاعه لها، إلاَّ أنَّ وفاته عام 807هـ/ 1405م أنهت حركته، وأعادت صراعات الأمراء التيموريين من جديد.
وصفت بعض المصادر تيمور بأنَّه كان شيعياً، ونُقل بعد فتحه الثاني لبغداد سنة 803هـ/ 1400م أنَّه زار المراقد الدينيّة في مدينتي الكاظمية والنجف، وكان قبل ذلك قد زار مشهد الإمام علي الرضا في طوس)[758](.
وذكرت بعض المصادر أنَّ تيمور كان سنيّاً، وكان متعاطفاً مع الشيعة أيضاً، لذلك ترك الدولة السربدارية الشيعية في سبزوار في الحكم على أنهم تابعون له. كما كان يفضّل العلويين المنحدرين من نسل الإمام علي بن أبي طالب، ويتسامح معهم)[759](.
وذكر بعض الدارسين أنَّ تيمور كان شيعيَّاً بالمعنى السني الشامي، وذلك بموالاة علي، واحترام الشيخين، فقد جمعَ العاطفة الشيعيَّة مقترنة بالفكر السُني حتى اعتُبرَ نائب الخلفاء الراشدين، وحارس السنة)[760](.
والواقع أنَّ تجرّد تيمورلنك عن الصبغة المذهبية، وطموحاته الكبرى في السياسة والحكم هي التي جعلت الأطراف تتنازع عليه، وتدَّعيه لنفسها.
بعد وفاة تيمور سنة 807هـ/ 1405م تولّى حفيده خليل بن ميران شاه الحكم بعده، لكنّه لم يستمر طويلاً فقد مات مسموماً سنة 809هـ/ 1406م ليتولّى منصبه شاه رُخ بن تيمور (809 ـ 851هـ/ 1406 ـ 1447م) وقد بقيت الصراعات تتزايد بين الأمراء التيموريين حتى قيام نهضة الصفويين وتوحيدهم للمناطق التي أصبحت إمبراطورية تابعة لهم.
وقد بقي نصيب الدول المنفصلة عن الإمبراطورية الإيلخانية (والذي خضع بعضها للحكم التيموري) من العقائد الشيعية محدوداً، وسيطرت عليها النزعات الصوفية التي حاولت أن تكوّن إطاراً يضمُّ مختلف الاتجاهات المتنافرة. وبسبب ازدهار هذه الحركات الشيعيّة المتسمة بالتصوف وتناميها مقابل السلطات الحاكمة، فإنّ بعض الحكام حاول الانتقال إلى التشيّع الاثنا عشري للحدّ من تنامي مقدّمات التصوف ذات النزعات الشيعية البدائية التي اتسمت بها بعض هذه الدول، كما يلاحظ ذلك في محاولة استقدام السلطان علي بن المؤيّد سلطان الدولة السربدارية للشهيد الأول لنشر التشيع مقابل الحدّ من سلطة الدراويش المتنامية في البلاد.
سبق قيام الدولة الصفوية تشكيل حركات قويّة اختلطت فيها مفاهيم التصوف بمفاهيم التشيع، كما ظهرت نزعات موالية للتشيع ضمن الإطار السُني أيضاً)[761](.
فقد ظهرت الحركة الحروفية التي أسسها فضل الله الأسترآبادي في إيران كتيّار انتشر بعد مقتل مؤسسها عام 804هـ/ 1401م إلى العراق والشام. وقد أصبح الحروفيون فرقة مستقلة اعتمدت على أصول الحروف العددية، والتصرف في الأرقام. وقد تنامى النفوذ السياسي لهذه الفرقة في عهد الشاه عباس الصفوي مما دعا إلى الإيقاع بزعمائهم في (مذبحة إصفهان) سنة 1002هـ/1594م.
وقد اعتمدت أغلب الفرق التي ظهرت بعد هذه الفترة على عقائد الحركة الحروفية، مع مزيج من بعض التيارات التي ربطت التشيّع بالتصوّف والتي تمثلت بأفكار الشيخ رجب البرسي (من أعلام القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي)، وأفكار الشيخ محمد بن علي الأحسائي المعروف بابن أبي جمهور (كان حيَّاً سنة 901هـ/ 1496م)، وأهم هذه الفرق هي الشيخية، الرشتية، البابيّة، ثم البهائية.
كما ظهرت طريقة صوفية أخرى بزعامة نعمة الله الولي العلوي (731 ـ 834هـ/1330 ـ 1431م) ضمت اثني عشر ألفاً من المريدين تحت قيادته التي أجهضها التيموريون بعد نفي مؤسسها إلى سمرقند. وانتقل السيد نعمة الله إلى الهند، وحظي برعاية الملك أحمد شاه (ح828 ـ 838هـ/ 1425 ـ 1435م) ملك الدكن، وبقي بعض أحفاده فيها)[762](.
وظهرت طريقة أخرى هي الطريقة النوربخشية، التي قيل إنَّها تأسست على يد أحد تلامذة الفقيه الشيخ أحمد بن فهد الحلي، وهو السيد محمد بن عبدالله الملقب بنور بخش (795 ـ 869هـ/ 1393 ـ 1465م) بإيران.
كان زعماء الطرائق الصوفية من الشعراء البليغين، والأدباء المتميزين. وكان بعضهم يجمع بين صَنْعتي الشعر والنثر، فالسيد نعمة الله الولي له ديوان شعري طبع بطهران عام 1356هـ/ 1937م، ضمن مجلدين. كما كان السيد محمد نور بخش شاعراً بليغاً، وله رسائل كثيرة، ومؤلفات.
أمَّا السيد محمد بن فلاح فقد عُرف بفقاهته، وتمكّنه بالعلوم العقلية مضافاً إلى بلاغته التي تميَّزت بها خُطبه.
واشتهر إسماعيل الصفوي (مؤسس الإمبراطورية الصفوية) بالشعر، فكان شاعراً مُكثراً، قيل إنَّه نظم اثني عشر ألف بيت.
كما تميزت كل الطرائق الصوفية بتقاليدها الخاصة، وكان طابعها لبس الصوف.
فقد عُرفَ الحرفيون بارتداء اللباس الأبيض الذي يرمز إلى الكفن، وكان أنصار نعمة الله الولي يتزيون بهذا الزي، ويضيفون إليه تاجاً من مادة اللباد تطوَّر فيما بعد إلى وضع شعار رأس مخمس الشقق يرمز إلى أصحاب أهل الكساء الخمسة، ثم أصبحت الشقق اثنتي عشرة (إشارة إلى الأئمة الاثني عشر).
وكان أتباع محمد نور بخش يتميزون بلبس السواد، ويضعون العمامة السوداء التي يختص بها الفقهاء العلويون من الشيعة الآن، وقد منعت السلطات التيمورية ارتداءها.
أمَّا الطريقة الصفوية فقد اختار شيخها حيدر بن جُنيد بن إبراهيم الصفوي 883هـ/ 1478م قلنسوة حمراء ذات اثنتي عشرة شقة تُلف حولها العمامة ليضعها أتباعُه على رؤوسهم. ونسبةً إلى هذا الشعار الذي كان أحمر اللون سُمي أتباع السيد حيدر بالقزلباش، (أي أصحاب الرؤوس الحمراء). وقد زال استعمال هذا المصطلح تقريباً بعد قيام الدولة الصفوية)[763](.
اقترن التصوّف بالتشيّع حتى خشيَ بعض الصوفية أن يندمج هذان التيَّاران معاً فتختص الولاية بالعلويين فقط، الأمر الذي دعا بهاء الدين محمد البخاري (717 ـ 791هـ/ 1318 ـ 1389م) بإنشاء الطريقة النقشبندية التي ألغت السلسلة التي كانت ترجع في مجموعها إلى الانتساب للإمام علي بن أبي طالب)[764](.
أمَّا الطريقة التي نمت ضمن الاتجاهات الشيعية في إيران، والتي أصبحت في نظر المؤرخين أهم الطرائق الصوفية، فهي الطريقة الصفوية التي نشأت على يد الشيخ صفي الدين (650 ـ 735هـ/ 1252 ـ 1334م) في مدينة أردبيل ـ (أشهر مدن آذربيجان الجبلية)، الواقعة على السواحل الغربية لبحر قزوين (بحر الخزر) في الشمال الغربي من إيران ـ خلال الفترة الإيلخانية، والتي استطاعت أنْ توحّد البلدان الإيرانية فيما بعد تحت حكمها بعدما تفرَّقتْ إلى دويلات متعددة.
تتلمذ الشيخ صفي الدين على يد أحد كبار العرفانيين الإيرانيين، وهو الشيخ تاج الدين إبراهيم زاهد الكيلاني (ت: 700هـ/1301م)، واقترن بابنته أيضاً. وكان لهذا الشيخ مكانة كبيرة يومذاك، فأصبح صفي الدين بعد وفاته خليفةً له.
ورث صفي الدين عن أبيه ثروة كبيرة تتمثل بالمقاطعات الزراعية. وهو بفضل أملاكه الشاسعة، وطريقته الروحية أصبح زعيماً يفدُ إليه المريدون من مختلف الأقطار)[765](.
وقد تعاقب على رئاسة الطريقة ولده صدر الدين موسى (735 ـ 794هـ/ 1334 ـ 1392م). ثم الخواجة علي بن صدر الدين (794 ـ 830هـ/ 1392 ـ 1427م) الذي تولى رئاسة الطريقة ستة وثلاثين عاماً.
كان لخواجة علي (736 ـ 807هـ/ 1336 ـ 1404م) صلة بتيمورلنك، وقد جعل تيمور له أردبيل وضواحيها، واصفهان، وهمدان وقفاً له، ولأعقابه من بعده.
وبعد هزيمة السلطان بايزيد الأول بن مراد الأول على يد تيمورلنك سنة 804هـ/1402م، ووقوع الأتراك في الأسر طلب الخواجة علي من تيمور إطلاق سراح الأسرى، فاستجاب له. وقد أصبح هؤلاء الأسرى السنيون بعد إطلاق سراحهم من أهم مريدي الأسرة الصفوية، والمستميتين بالدفاع عنها)[766](.
حافظ الزعماء الصفويون جميعاً على هذه الطريقة بنفس التوجيه، ونالوا احترام الحكام الجلايريين، والتيموريين. وانتشر تلامذتهم ومريدوهم في جميع أنحاء إيران والعراق وأناضوليا، وحتى في بعض المناطق في سوريا.
وبعد تنصيب الشيخ الرابع بعد صفي الدين، السلطان الشيخ جُنيد)[767]( (851 ـ 865هـ/ 1447 ـ 1461م) لمنصب الزعامة عام 851هـ/ 1447م بدأت مرحلة جديدة في تطور هذه الطريقة عندما تحوَّلت من طريقة سلمية إلى طريقة قتالية.
أصبح جنيد الحاكم الفعلي لدولة صغيرة تمركزت بمدينة أردبيل التي كانت تابعة لحكم آق قوينلو، وقد أصبحت في هذه المرحلة ساعيةً للربط بين السلطتين الدينيّة والدنيوية.
وقد تحولت الطريقة الصفوية على يد ولده السلطان حيدر (865 ـ 893هـ/ 1461 ـ 1488م) إلى طريقة تعتمد على سياسة الفتوحات والتوسع التي انتهجها أبوه قبله. وقد نظَّم السيد حيدر أتباعه الحركيين في جماعات قتالية تُدعى (القزلباش)، أو أصحاب الرؤوس الحمراء لارتدائهم قبعات حمراء مع إشارة إلى اثنتي عشرة عقدة مختلفة الألوان تُشير إلى عدد الأئمة الاثني عشر.
إلاَّ أنَّ هذا الزعيم القوي قُتل في بعض الوقائع في إحدى فتوحاته، وقد أصبح إسماعيل فيما بعد رمزاً للقبائل القزلباشية، وتراثاً يذكرهم بسلسلة آبائه الصفويين.
التفَّت القبائل القزلبائية)[768]( حول الفتى إسماعيل)[769]( المولود عام 892هـ/ 1497م، واستطاعت أنْ توحّد به الأراضي الإيرانية، وأنْ تتقدم في توسعها إلى دول مجاورة ليُكتب لهذا الفتى اليافع أنْ يكون أول حاكم يتولى السلطة في أكبر إمبراطورية قامت على مبادىء العقيدة الشيعيّة في القرن العاشر الهجري، والتي امتد حكمُها 233 سنة، ابتدأ من عام 906هـ/ 1501م، وانتهى بسقوطها على يد الأفغان عام 1139هـ/ 1727م. وقد توالى عشرة من الملوك على الحكم، أولهم إسماعيل، وآخرهم طهماسب الثاني ابن الشاه حسين.
د. جودت القزويني
ديوان الإمام علي بن أبي طالب
الشعر في عهد علي بن أبي طالب
الحديث عن الشعر في عهد علي رضي الله عنه لا بدَّ أن يتعرض لثلاثة جوانب كل منها يكمل الآخر ويتمه: أولها ميل علي بن أبي طالب إلى الشعر وبصره به وحكمه عليه ونظرته إلى الشعراء وتشجيعهم وصلتهم. وثانيها أن علياً عرف بشعر وشاعرية وقال الأبيات والمقطعات في مناسبات شتى ونُسب إليه ديوان وشعر كثير فيه قليل مما يصح وكثير مما لا تصح نسبته إليه. وثالثها أن خلافته حفلت بأحداث سياسية وحربية كان الشعر معبراً عنها ومصوراً لأحداثها.
ولكي نستطيع أن نجلو صورة الشعر في عهد علي لا بدَّ من التأكيد على كل من هذه الجوانب وربطها بأحداثها وظروفها.
علي والشعر
كان الإمام علي يقدر الشعر ويحبه ويتمثل به ويرويه وينظمه ويحكم عليه، روى ابن رشيق أن علياً كان يقول: (الشعر ميزان القول) )[770]( ورواه بعضهم: (الشعر ميزان القوم) وفي كلتا الروايتين يعطي للشعر قيمته الرفيعة وإن كنت أرجح الرواية الأولى وأنحي الثانية، إذ لا يصح أن يكون الشعر ميزاناً للناس، فقد يرفع الشعر وضيعاً ـ وكثيراً ما رفع ـ وقد يضع رفيعاً أو يهون من قدره، وخير الشعر أكذبه، كما يقول زهير. ولكن الشعر بما له من موسيقى تزن الكلام وتنغمه وتساوق العبارة وتنسقها، يكون ميزاناً للقول المهذب الجميل.
وعلى الرغم من أن عهد الإمام لم يكن عهد دعة واستقرار كي نجد أحداثاً كثيرة له معه الشعراء، فإن ذلك لا يعني أن علياً كان يعرض عن الشعر أو يهمل الشعراء، إذ لو صح هذا الفرض لمنع غالب بن صعصعة من تعليم ابنه الشعر، فقد دخل غالب على عليّ أيام خلافته ـ وغالب شيخ كبير ـ ومعه ابنه همام (الفرزدق) وهو غلام يومئذٍ، فقال علي: من هذا الغلام معك؟ قال: هذا ابني، قال: ما اسمه؟ قال: همام وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً)[771](.
وقد كان علي يعطي على الشعر والكلام الحسن، ففي رواية أذكرها بتمامها لطرافتها: إن أعرابياً)[772]( وقف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن لي إليك حاجة رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى وعذرتك، فقال له علي: حط حاجتك على الأرض فإني أرى الضر عليك، فكتب الإعرابي على الأرض: إني فقير. فقال علي: يا قنبر ادفع إليه حلتي الفلانية، فلما أخذها مَثُلَ بين يديه فقال:
كسوتني حلة تبلى محاسنها
فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه
كالغيث يحيي نداء السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به
فكل عبد سيجزى بالذي فعلا
فقال علي: يا قنبر أعطه خمسين ديناراً، أمّا الحلة فلمسألتك، وأمّا الدنانير فلأدبك، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: (انزلوا الناس منازلهم).
وكان يسمع الشعر ينشد بين يديه، وبخاصة ذلك الشعر الذي يدعو إلى مكرمة أو يثبت حقاً يدحض باطلاً، فمن ذلك ما كان ينشده النابغة الجعدي في طريقه إلى صفين بين يدي الإمام)[773](:
قد علم المصران والعراق
إن عليا فحلها العتاق
أبيض جحجاح له براق
وأمه غالى بها الصداق
أكرم من شد به نطاق
إن الأولى جاؤوك لا أفاقوا
لكن سياق ولهم سياق
قد علمت ذلكم الرفاق
سقتم إلى نهج الهدى وساقوا
إلى التي ليس لها عراق
في ملة عادتها النفاق
وقد سَخَّر علي بن أبي طالب الشعر في سبيل المصلحة الإسلامية، والأهداف الحربية وإن كانت هذه الأهداف قد غطتها الفتنة ووقفت في سبيلها المصالح والأطماع، ونحاول هنا أن نظهر دور الشعر الذي استخدمه علي متمثلاً أو قائلاً، ونثبت هنا من أقواله ما نثبت صحته أو تُرَجَّح، معرضين عن الأشعار الموضوعة أو المشكوك في صحتها.
جاء في السيرة أن علياً كان يرتجز أثناء بناء مسجد الرسول في المدينة:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يدأب فيه قائماً وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
وقد عقّب ابن هشام على هذا بقوله: (سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا: بلغنا أن علي بن أبي طالب ارتجز به فلا يدري أهو قائله أم غيره) )[774](. وقد روى ابن إسحاق ثلاث قصائد منسوبة لعلي فإذا لم تصح له فلعله كان قد تمثل بها وأنشدها، ويرجح أنها قيلت في المعارك الإسلامية الأولى من قبل أحد المسلمين، وقد نظروا في معانيها فرأى الرواة أنها تناسب علياً فنسبوها إليه، وأرى أن من الخير أن نتعرف على هذا الشعر ففيه روح إسلامية، وفيه جزالة تناسب ما عُرف عن الإمام من فصاحة وأسلوب مشرق بليغ، ولا بدَّ أن يكون المصدر الذي نقل عنه ابن إسحاق هذا الشعر ونسبه إلى علي، على قدر كبير من العلم بالشعر وبالرجال، بحيث يوفق هذا التوفيق في إضافة الأشعار لمن يمثلون معانيها في أقوالهم وخطبهم.
فأما القصيدة الأولى فقد قيلت في بدر، وهي من جياد القصائد التي تصور بلاء المسلمين ونصرهم، وظهور دين الله على دين الشرك والوثنية، وفيها ذكر لهزيمة المشركين من قريش، وتذكيرهم بعذاب الآخرة، قيل)[775](:
ألم ترَ أن الله أبلى رسوله
بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل
بما أنزل الكفار دار مذلة
فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره
وكان رسول الله أرسل بالعدل
ويذكر فيها المشركين وما ينتظرهم من عذاب الآخرة:
دعا الغيّ منهم من دعا فأجابه
وللغيّ أسباب مرقعة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل
عن الشغب والعدوان في أشغل الشغل
وكان الحارث بن هشام قد أجابه بنقيضة منها:
عجبت لأقوام تغنى سفيههم
بأمر سفاه ذي اعتراض وذي بطل
تغنى بقتلى يوم بدر تتابعوا
كرام المساعي من غلام ومن كهل
وقد قال ابن هشام في القصيدتين: ولم أرَ واحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها وإنما كتبناهما لأنه يقال: إن عمرو بن عبدالله بن جدعان قُتل يوم بدر ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى وذكره في هذا الشعر.
أمّا الموضع الثاني الذي ورد فيه شعر منسوب لعلي بن أبي طالب في السيرة، ففي أحداث أُحد، حيث ذكر له رجز، نبّه ابن هشام إلى أن بعض أهل العلم بالشعر يقول: أن رجلاً من المسلمين قاله، والشعر هو هذا الرجز)[776](:
لا هم أن الحارث بن الصمه
كان وفيا وبنا ذا ذمه
أقبل في مهامه مهمه
كليلة ظلماء مدلهمه
بين سيوف ورماح جمه
يبغي رسول الله فيها ثمه
أمَّا القصيدة الثالثة فقد قيلت يوم إجلاء بني النضير، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي، قال:
عرفت ومن يعتدل يعرف
وأيقنت حقاً ولم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء من
لدى الله ذي الرأفة لا رأف
والقصيدة من خمسة عشر بيتاً تفيض بالمعاني الإسلامية. وقد وردت نقيضة لها لسماك اليهودي، حيث يقول)[777](:
إن تفخروا فهو فخر لكم
بمقتل كعب أبي الأشرف
غداة غدوتم على حتفه
ولم يأت غدراً ولم يخلف
وكذلك عقب ابن هشام على هذا الشعر، بأن أحد المسلمين قال القصيدة، غير علي بن أبي طالب. وعلى كل حال فالمروي للإمام علي في السيرة هو من الشعر الجيد المتين، على خلاف الشعر الذي ورد في الكتب المتأخرة فأكثره شعر ضعيف ركيك.
أمّا أكثر ما روي له من الشعر، ففي الأحداث الحربية التي خاضها إبان خلافته، في مواقع الجمل وصفين والنهروان. يروى أنه مرَ بين القتلى بعد معركة الجمل، فوجد بينهم طلحة ـ وكان رماه مروان بن الحكم في أكحله، حين رجع عن قتال علي، بعد أن علم أن الزبير رجع ـ فوقف عليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كارهاً لهذا، أنت والله كما قال القائل)[778](:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
كان الثريا علقت في يمينه
وفي خده الشعرى وفي الآخر البدر
وكان الإمام قد أعطى الراية إلى ابنه محمد بن الحنفية، فدفعه إلى الحومة وهو يحثه ويقول)[779](:
اطعنهم طعن أبيك تحمد
لا خير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفي والقنا المسرد
وفي صفين سقط قتلى وجرحى من الفريقين، وكان من جند علي المرقال وناس من الأسلميين، فوقف عليهم علي ودعا لهم وترحم عليهم وقال من أبيات)[780](:
جزى الله خيراً عصبة أسلمية
صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيد وعبدالله بشر بن معبد
وسفيان وابنا هاشم ذي المكارم
وعروة لا ينفد ثناه وذكره
إذا اخترطت يوماً خفاف الصوارم
وكانت الحملة الشديدة على جيش معاوية، حيث تفرق وتقهقر، حتى ظهر جيش علي على قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلاَّ قده وهو يقول)[781](:
أضربهم ولا أرى معاوية
الأخزر العين العظيم الحاويه
تهوى به في الناء أم هاويه
قال المسعودي: وقيل أن هذا الشعر لبديل بن ورقاء قاله في ذلك اليوم، ولا يمنع أن يكون علي قد تمثّل به وكثيراً ما كان يتمثل بالشعر في حروبه.
وفي حروب النهروان، يخرج أحد الخوارج يترجز بقوله)[782](:
أضربهم ولو أرى عليا
ألبسته أبيض مشرفيا
فيخرج إليه علي مجيباً:
يا أيهذا المبتغي عليا
إني أراك جاهلا شقيا
قد كنت عن كفاحه شقيا
هلم فابرز ها هنا اليا
ويحمل عليه عليّ فيقتله. ويخرج آخر فيحمل على الناس يفتك بهم ويقول)[783](:
أضربهم ولو أرى أبا الحسن
ألبسته بصارمي ثوب غبن
ويخرج إليه علي وهو يقول:
يا أيهذا المبتغي أبا الحسن
إليك فانظر أينا يلقى الغبن
وحمل عليه علي وشكه بالرمح تاركاً الرمح فيه قائلاً: (لقد رأيت أبا حسن فرأيت ما تكره).
وكان الإمام علي رضوان الله عليه كثيراً ما يتمثل)[784](:
تلكم قريش تمناني لتقتلني
فلا وربك ما بروا وما ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم
بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وكأنه كان يحس ويتوقع أن تعاجله يد الغدر، فكان يتأهب للموت ويقول)[785](:
أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا
وقد أنشد هذين البيتين عندما طعنه ابن ملجم، وكان قد خرج إلى المسجد وقد عسر عليه فتح الباب ـ باب داره ـ وكان من جذوع النخل فاقتلعه وجعله ناحية وانحل أزاره فشده وقال: (أشدد حيازيمك للموت).
ومما يذكر هنا أن ابن ملجم كان أيضاً ينشد قوله الذي يوضح فيه سبب غدره بعلي حيث كانت جريمته ثمناً لمهر (قطام) ابنة عمه ـ وكانت أجمل أهل زمانها ـ الموتورة بقتل أبيها وأخيها في النهروان، وقد فرضت على ابن ملجم ثلاثة آلاف وعبداً وقينة وقتل علي فقال في ذلك)[786](:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة
وقتل علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولا فتك ألا دون فتك ابن ملجم
فإذا صحت هذه الرواية، يكون دافع ابن ملجم بعيداً عن عقيدة الخوارج، بل يكون مرتكساً في شهوة امرأة.
نسبة الديوان
لقد درج المتأخرون على عد علي بن أبي طالب في الشعراء، ونسبوا إليه شعراً كثيراً، بل جمعوا ذلك الشعر في ديوان وضعوا عليه اسم الإمام. والمتصفح لذلك الديوان يجد فيه ميزتين: الأولى بعد تلك القصائد ومجافاتها لروح العصر. والثانية اختلاف تلك القصائد قوة وضعفاً، مما يدل على أن الذين نسبوا إليه تلك القصائد مختلفون تتباين ثقافاتهم، وتختلف أزمانهم، على خلاف ما يشير إليه كارلو نالينو)[787](، من أن الديوان من صنع الشريف الرضي أبي القاسم علي بن طاهر المتوفى سنة 436هـ، وقد كان أول من زعم هذا الزعم السيد مستقيم زاده أحد مؤلفي الأتراك، وكذلك ذهب كليمان هوار)[788]( وقد ذهب بعض الكاتبين إلى أن واضعه هو الشريف الرضي، جامع نهج البلاغة، إلاَّ أن شعر الشريف الرضي أقوى، وأسلوبه أكثر إشراقاً. أما الديوان المنسوب فضعيف الصنعة ركيك السبك، واهي العبارة، لا يرقى إلى كلام الإمام علي بن أبي طالب، ولا إلى كلام شاعر مجيد كالشريف الرضي)[789](.
وقد ظن الذين نسبوا إلى الإمام ما لم يقل، أنهم يحسنون صنعاً ويرفعون من قدره ـ كما نسبوا إليه أموراً كثيرة هي في عداد الأساطير ومن نسج الخرافة ـ وعندنا أن ذلك الصنيع ليسيء كثيراً إلى الإسلام والمسلمين وإلى شخصية الإمام، ولئن كان خليفة المسلمين منزهاً عن الشعر وأوهام الشعراء وأهواءهم، خير له وللدين من أن يحسب في عداد الشعراء. إلاَّ أن نزعة التقرب إلى العوام تأبى إلاَّ أنّ تحوك الأكاذيب والأباطيل حول آل البيت، وتحملهم ما هم بريئون منه، ومن تلك الأباطيل الكاذبة نسبة الديوان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومما يدعم ما نذهب إليه ما جاء في الأخبار أن قائلاً قال لعلي ـ إبان المعركة بين المسلمين وقريش قبل إسلامها ـ: (اهج عنا القوم الذين يهجوننا) فقال: (إن أذن لي رسول الله فعلت) قالوا: يا رسول الله إئذن له، فقال الرسول: (إن علياً ليس عنده ما يراد في ذلك منه) أو قال: (ليس في ذلك هنالك) )[790](. ولم يعرف عن علي أنه كان يهاجي المشركين في الغزوات الإسلامية، حين اشتدت المعركة الشعرية بين شعراء المسلمين وشعراء المشركين مثلما عرفنا عن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبدالله بن رواحة وغيرهم من شعراء المسلمين، اللهم إلاَّ ما ذكر ابن إسحاق في السيرة النبوية من قصائد يناقض فيها ابن الزبعري وقد تعقب ابن هشام ابن إسحاق، فصحح وهم ابن إسحاق فقال: إنها لم تصح مع نقائضها وقد أنكرها علماء الشعر.
وقد ذكر ياقوت الحموي عن أبي عثمان المازني، أنه لم يصح أن علياً تكلم عن الشعر بشيء غير بيتين)[791](. على أنني أذهب إلى أن لعلي أكثر مما يظن أبو عثمان المازني، فقد كانت لعلي شاعرية، وكان يقول الأبيات والمقطوعات تدعوها المناسبة، أو يجيش بها صدره ولكن لم تكن تلك الشاعرية منصرفة إلى الشعر بحيث تؤلف ديواناً. وكذلك كان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فإذا ما قورنت شاعرية علي بشاعرية أبي بكر وعمر، كان علي أخصب شاعرية، وأكثر شعراً، ذكر أن سعيد بن المسيب قال: (كان أبو بكر شاعراً، وعمر شاعراً، وعلي أشعر الثلاثة) )[792](.
والملاحظ أن شعر الفترة النبوية يكثر فيه الوضع)[793]( فلا يصح أن يؤخذ دون فحص وتمحيص، وقد كان هم الواضعين أن يحملوا أصحاب رسول الله وآل بيته كثيراً من ذلك التشعر الفاسد المصنوع، فقد نسبوا ديواناً لعلي بن أبي طالب، كما نسبوا ديواناً لأبيه أبي طالب وكذلك وضعوا قصائد على لسان حمزة عم رسول الله، وكذلك فعلوا مع طالب بن أبي طالب وغيرهم، وإن كنا لا ندفع أن يكون لهم شعر وتكون لهم شاعرية. إلاَّ أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى كل ما يروى لهم.
وإذا كان لا بدَّ من أن نورد مثالاً لذلك الشعر الفاسد المصنوع، فنذكر هنا ما يقال من أن علياً كان إذا سار بأرض الكوفة ارتجز)[794](:
يا حبذا السير بأرض الكوفة
أرض سواء سهلة معروفة
تعرفها جمالنا المعلوفة
فتجد هنا ضرباً من الكلام لا يرقى إلى بلاغة الإمام، ويتضح هنا أن أهل الكوفة قد صنعوا ذلك في تفضيل بلدهم.
الشعر في عهده
لقد بويع الإمام علي، بعد أن صرعت الفتنة عثمان بن عفان، وقد ورث علي تركة سياسية ـ وغير سياسية ـ ثقيلة باهظة، فأتباعه ومناصروه ناقمون على ما كان من حكم عثمان والأمويون يطالبون بدم عثمان ثم هم ينقمون على الهاشميين أن تؤول الخلافة إليهم، على ما كان بين الحيين من منافسة وخلاف في الجاهلية تجدد في الإسلام. وأنصار عثمان من أهل المدينة يتهمون علياً بقعوده عن نصرة الخليفة، ثم أن كثيراً من المسلمين لم يبايعوه إلاَّ على ضيم، ومنهم من نقض بيعته وولى وجهه شطر البصرة ليعلن الثورة عليه، كما فعل طلحة والزبير.
وكان من أمر الشعر في عهد علي أن سجل الحروب الداخلية بين المسلمين، وصوّر نزعات المحاربين من أنصار علي وأنصار معاوية، وعرض العصبية القبلية التي كانت تظهر خلال تلك الحروب. ثم سجل الشعر قصة التحكيم وما رافق ذلك من خروج الخوارج على الخليفة، وتذمر الجند، وسخط الساخطين، ثم حكى الشعر مؤامرة اغتيال خليفة المسلمين وحزن الناس عليه.
والشعر في هذه الفترة ينبض بالحيوية، ويحفل بالمشاركة الواسعة في الأحداث، والشعر نفسه خير ما يعرض الأحداث ويترجمها ويفسرها. فلنرو منه ما يصلح لتمثيل الدين أو السياسة في هذا العهد.
ذهب النعاة إلى معاوية في الشام بقتل الخليفة عثمان، ولصقوا جريمة قتله بأعناق بني عبدالمطلب، وحرضوا معاوية على أن يثأر له فهو وليه، وقد عبّر عن ذلك الحجاج بن خزيمة بن الصمة حين خاطب معاوية قال)[795](:
أن بني عمك عبدالمطلب
هم قتلوا شيخكم غير الكذب
وأنت أولى الناس بالوثب فثب
وسر مسير المحزئل المتلئب
وقد صار الناس شيعتين، الأولى سخطت على الحكم وثارت عليه تطالب بدم عثمان، وأخرى مع علي تريد تثبيت كيان الخلافة واستتباب أمر المسلمين، فكان أن تجددت الفتنة ثانية بعد عثمان، وكان بخروج عائشة زوج الرسول الأثر السيّىء في إثارة حمية الناس وسخطهم كذلك، فقد لقيها ـ وهي في طريقها إلى مكة لتنضم إلى الأمويين ـ عبد بن أبي سلمة، وحاورها في قتل عثمان، ثم عبّر عن حيرته من موقف أم المؤمنين فقال)[796](:
منك البداء ومنك الغير
ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإما
م وقلت لنا أنه قد كفر
وإذا كان الناقمون قد استغلوا خروج أم المؤمنين وعواطفها وسخروا ذلك لمآربهم السياسية، فقد كبر ذلك الموقف على تقاة المسلمين الذين لم تدفعهم شهوات السياسة ومكائدها، فها هو ذا جارية بن قدامة السعدي يلومها ويدعوها أن تقر في بيتها فيقول: (يا أم المؤمنين: والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك، على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح))[797](. وقد لام سعدي آخر طلحة والزبير على إخراجهما عائشة، ثم اعتزل القتال وقال)[798](:
صنتم حلائلكم وقدتم أمكم
هذا لعمرك قلة الأنصاف
أمرت بجر ذيولها في بيتها
فهوت تشق البيد بالإيجاف
ثم كانت الحرب شديدة منحوسة سقط فيها من سقط من كلا الفريقين، وقد قتل لامرأة من عبدالقيس ابنان، فقالت تندب ابنيها وتبدي أسفها وندمها على ما حل بالناس في يوم الجمل)[799](:
شهدت الحروب فشيبتني
فلم أرَ يوماً كيوم الجمل
أضر على مؤمن فتنة
وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها
وليتك عسكر لم ترتحل
ويعتزل الزبير القتال، بعد أن ذكّره علي بن أبي طالب بأحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وفي طريقه خرج إليه نفر من بني تميم ـ وكان الأحنف بن قيس قد اعتزل القتال مع قومه ـ فقتله غدراً عمرو بن جرموز، فبكته زوجه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل قالت)[800](:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة
يوم اللقاء وكان غير مسدد
يا عمرو لو نبهته لوجدته
لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
هبلتك أمك أن قتلت المسلما
حلت عليك عقوبة المتعمد
ونلاحظ هنا ذكراً لحكم الإسلام في القتل العمد.
وكذلك قتل في وقعة الجمل طلحة بن عبيدالله، قالوا: قتله مروان حين هم بالرجوع واللحاق بصاحبه الزبير)[801](. وفي هذا اليوم قتل محمد بن طلحة مع أبيه وكان يدعى السجاد، وفيه يقول قاتله: إن صريعه كثير العبادة، يتلو آيات الله وسط المعركة، وقد قتله واستحل ذلك القتل لا لشيء إلاَّ لأنه لم يتبع علياً. ويبدو أن محمداً كان يذكر قاتله بكتاب الله، وكان يذم الحرب ويكرهها للناس، وما خرج إلاَّ براً بأبيه)[802]( قال قاتله:
وأشعث سجاد بآيات ربه
قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه
فخر سريعاً لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعاً
علياً ومن لا يتبع الحق يندم
يذكرني (حاميم) والرمح شارع
فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وبعد وقعة الجمل توجه علي نحو الكوفة، وقد قال الشنى يحرض على حرب معاوية الذي وصفه بالحية الصماء، بعد القضاء على طلحة والزبير)[803](:
قل لهذا الإمام قد خبت الحر
ب وتمت بذلك النعماء
وفرغنا من حرب من نكث العهد
وبالشام حية صماء
تنفث السم ما لمن نهشته
ــ فارمها قبل أن تعض ـ شفاء
وكما حرض الشنى في العراق علياً، كان الوليد بن عقبة قد كتب إلى معاوية بالشام يحرضه على حرب علي والمطالبة بدم عثمان، قال)[804](:
ألا أبلغ معاوية بن حرب
فإنك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسدم المعنى
تهذر في دمشق فما تريم
وليس أخو التراث بمن توانى
ولكن طالب الترة الغشوم
وقومك بالمدينة قد أبيروا
فهم صرعى كأنهم الهشيم
وقد توجه علي تلقاء الشام لمقاتلة معاوية، وقد وقف العراق مع علي والشام مع معاوية فسجل الشعر هذا الصراع والخلاف بين الفريقين، وترادّ الشعراء، فكتب معاوية إلى علي بأبيات كعب بن جعيل)[805](:
أرى الشام تكره ملك العراق
وأهل العراق له كارهونا
وكل لصاحبه مبغض
يرى كل ما كان من ذاك دينا
وقالوا علي إمام لنا
فقلنا رضينا ابن هند رضينا ..إلخ
فكتب علي يجيبه بلسان النجاشي، قال)[806](:
دعّن معاويَ ما لن يكونا
فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم علي بأهل العراق
وأهل الحجاز فما تصنعونا
فإن يكره القوم ملك العراق
فقد ما رضينا الذي تكرهونا .. إلخ
وتهيأ الفريقان للحرب وخوض معركة صفين، ولا شك أن المسلمين كانوا في محنة وحرج وبلاء كبير، وقد عبّر عن ذلك البلاء ووصف المحنة كعب بن جعيل، حين كان يطوف على الجند وهم يصلحون سيوفهم ورماحهم، قال)[807](:
أصبحت الأمة في أمر عجب
والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولاً صادقاً غير كذب
إن غداً يهلك أعلام العرب
غداً نلاقى ربنا فنحتسب
يا ربّ لا تشمت بنا ولا تصب
من خلع الأنداد كلاً والصلب
غداً يكونون رماداً قد كتب
بعد الجمال والحياء والحسب
ويلتقي الجيشان ويكون من أمرهما ما يكون، ويترادّ الشعراء، فيقف عمرو بن العاص في جيش معاوية يستثير همم الجنود، ويتهم علياً بدم عثمان)[808](:
يا أيها الجيش الصليب الإيمان
قوموا قياماً فاستعينوا الرحمن
إني أتاني خبر فأبكان
إن علياً قتل ابن عفان
ردوا علينا شيخنا كما كان
ويصيح رجل من أهل الشام)[809](:
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
أو لا تكونوا جزرا من الأسل
فيجيبه رجل من أهل العراق:
كيف نرد نعثلاً وقد قمل
نحن ضربنا رأسه حتى انجعل
لما حكى حكم الطواغيت الأول
وجار في الحكم وجار في العمل
وأبدل الله به خير البدل
أقدم للحرب وأنكى للبطل
ولا شك أن هذا الشعر ـ ككثير من الشعر الوارد في كتاب وقعة صفين ـ مزور مصنوع تظهر فيه النزعة المتعصبة المتأخرة، فهو إلى كونه ضعيفاً ركيكاً، فيه نقمة من عثمان وشتيمة له، في وقت لم تبلغ العصبية ضد عثمان هذا المبلغ، بل كانت نقمة المقاتلين ضد معاوية الذي خرج على طاعة الخليفة علي، وليس على عثمان خليفة المسلمين.
والشعر في هذه الموقعة كثير، وكان للنقيضة مكان بارز، فها هو ذا عبيدالله بن عمر يرتجز في جيش معاوية محرضاً على قتال علي، فيرد عليه الأشتر النخعي في جيش علي)[810](. وفي هذا الشعر ضرب من التمجد بالعصبية القبلية والزهو الذي يقتضيه المقام، ولا نجد فيه بعد ذلك أثراً للمحاجّة السياسية أو الدينية، كالشعر الذي سبقه في التحريض على القتال والدعوة للحرب.
وفي صفين سقط عمار بن ياسر صريعاً، فرثاه الحجاج بن غزية الأنصاري، بأبيات يشير فيها إلى حديث الرسول بأن عماراً تقتله الفئة الباغية، قال)[811](:
قال النبي له تقتلك شرذمة
سيطت لحومهم بالبغى فجار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم
أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما التحم الناس واشتد القتال وأوشك النصر أن يحالف علياً، رفع الشاميون المصاحف على أسنة الرماح ليكون بينهما كتاب الله، فوصف النجاشي الحارثي ذلك بقوله)[812](:
فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا
عليها كتاب الله خير قران
ونادوا عليا: يا ابن عم محمد
أما تتقي أن يهلك الثقلان
وقد خدع أهل العراق وتفرقوا، وقد سئم الفريقان القتال لكثرة ما سقط من القتلى، وفتر حماس الناس، والأحداث الكبرى ـ ومنها الحروب ـ عندما تستمر وتكثر الخسائر، يفقد الناس كثيراً من معنوياتهم ونشاطهم. وكذلك كان الأمر في صفين، فقد ظهر التذمر بين الجند وثار السخط، ويسر ذلك للعصبية أن تظهر وتجد لها متنفساً، فهذه امرأة عراقية تندب أولادها الثلاثة الذين سقطوا في صفوف جيش علي تقول)[813](:
أعيني جودا بدمع سرب
على فتية من خيار العرب
وما ضرّهم غير حين النفوس
بأي امرىء من قريش غلب
فهذه المرأة لا تنظر للمعركة على أنها في سبيل الله وتثبيت كيان الخلافة ومصلحة المسلمين، بل تراها معركة في سبيل السلطة بين حيين من قريش، أو رجلين منهما.
وكانت هذه النزعة المتذمرة الساخطة قد تفشت بين الناس. وبخاصة في جند علي، حيث بدأ أصحابه يتخاذلون وينفضون من حوله، يلتمسون الأعذار للرجوع أو الهزيمة، وقد كلم الأشعث بن قيس علياً فقال: (يا أمير المؤمنين قد كلّت سيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فدعنا نستعد بأحسن عدتنا))[814]( وصار العراقيون يتسللون إلى أوطانهم، فلم يبق معه إلاَّ نفر قليل، وبلغ السخط واليأس بالناس أن ارتد جماعة من المسلمين إلى دين النصرانية، فقد قيل: أن الحارث بن راشد الناجي قد سار في ثلاثمائة من الناس، فاردتوا إلى النصرانية)[815]( وقد حارب علي هؤلاء المرتدين كما حارب الخوارج.
حتى إذا بلغ علي بن أبي طالب أجله، تصدى له عبدالرحمن بن ملجم المرادي، فضربه ضرباته اللئيمة الآثمة. وقد بكى الشعر علياً ـ وما زال يبكيه حتى يومنا هذا ـ فمما قيل عند قتله شعر لأبي الأسود الدؤلي، يعنف فيه معاوية، ويحمله دم علي، ويذكر فضائله وسجاياه)[816](:
ألا أبلغ معاوية بن حرب
فلا قرّت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا
وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها
ومن قرأ المثاني والمبينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين
رأيت النور فوق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت
بأنك خيرهم حسباً ودينا
وبعد علي يظهر شعر الخوارج وينشط مناقضاً شعراء الشيعة العلويين، وفي الكتب التاريخية طرف من تلك النقائض القائمة على الحجاج الديني والمفاضلة في البر والتقوى)[817](.
وبعد، فقد كان للشعر في عهد الإمام علي أثر وخطر، تمثل في إقبال الإمام على الشعر والشعراء وتشجيعهم وصلتهم، كما تمثل في هذه الحيوية التي عرف بها شعر الفترة فاستطاع أن يصور الأحداث، ويحكي الوقائع، وينقل حجج المتخاصمين، ويمثل الحروب ويصور هولها وفجيعتها، ويرسم صورة للعهد حافلة بكل ما فيها من وقائع دامية وأحداث حزينة مؤلمة.
الدكتور يحيى الجبوري
رسالة في تصنيف العلوم وأحوال
مشاهير العلماء
لمؤلفه سلطان محمود بن غلامعلي الطبسي
تعود هذه الرسالة القيمة إلى القرن الحادي عشر في تصنيف العلوم والعلماء المشهورين، وخاصة المعاصرين للمؤلف. والرسالة مقسمة إلى قسمين اثنين، الأول يتناول علماء ما قبل الإسلام، والثاني يتناول علماء الإسلام. لهذه الرسالة أهمية في دراسة آراء العلماء في تصنيف العلوم في الإسلام لتنظيمها في فهارس موضوعية، وعلى الأخص في مجال الكتب الخطية ومطابقتها مع الفهارس الموضوعية الجديدة في المكتبات.
لقد جرى هذا التصنيف، دون شك، بتأثير مباشر لأفكار أرسطو الذي قسم العلوم إلى قسمين: علوم عملية وعلوم نظرية، وجعل لكل قسم أصولاً وفروعاً. من ذلك أنه قسم العلوم النظرية إلى ثلاثة فروع: الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وقسم العلوم العملية إلى الأخلاق والتدبير المنزلي، والسياسة، وعلوم الشعر، والجدل، والخطابة.
هنالك بالطبع كتب كثيرة لعلماء مسلمين تقسم العلوم والمعارف تقسيمات خاصة.
أما مؤلف هذا الكتاب فقد قسم العلوم المدونة إلى ما دوّنه العلماء المسلمون باسم العلوم الشرعية، والذي دوّنه الفلاسفة قبل بعثة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم باسم العلوم غير الشرعية، ثم ينتقل إلى فروع كل قسم.
في القسم الأول نجده يصنف العلوم في سبعة عشر صنفاً، كالعلوم العربية، والتفسير، والحديث، وأسماء الرجال، والقراءة، وعلم الأمثال، والفقه، وأصول الفقه، والجدل، والخلاف، وآداب البحث، وعلم الآخرة. ويقرر لكل من هذه أصولاً وفروعاً.
وفي القسم الثاني يقسم الحكمة إلى قسمين، كما فعل القدماء: الحكمة العملية والحكمة النظرية، ويقرر لهذين أيضاً أصولاً وفروعاً.
هذه الرسالة هي الخامسة عشرة من مجموعة تضم ثماني عشرة رسالة بالفارسية والعربية وفي موضوعات شتى، وكلها خطية محفوظة في خزانة المكتبة المركزية في جامعة طهران تحت رقم 2936. والمخطوطات الأخرى مختارات من كتب مهمة أخرى في الأدب والعقائد والتاريخ والفقه وديوان علي عليه السلام وغير ذلك.
في قسم مسرد الكتب نسبت هذه المجموعة إلى السلطان محمود بن علي الطبسي، إذ أن اسمه يرد في الرسائل الثالثة والرابعة والثامنة، وقد ثبت تاريخ 1080 و1081 في الرسائل الثلاث.
إن التشابه بين خط الرسائل الثلاث وخط هذه الرسالة دليل يقوي من افتراض أن هذه الرسالة أيضاً للسلطان محمود بن علي الطبسي. إلا أن السواد الطبيعي أو العمدي على اسم السلطان محمود في النص يثير الشك في احتمال تغيير اسم الطبسي، وهل الطبسي الكاتب هو السلطان محمود، أم أنه شخص آخر؟
على كل حال، وعلى الرغم من الدراسات الدقيقة والمطابقات بين العديد من مسارد الكتب والفهارس والرسائل الخاصة بتصنيفات العلوم، فقد ظلت هذه الرسالة مجهولة، إذ ليس هناك في نص الرسالة ولا في هوامشها ما يدل على مؤلفها، وكل ما هنالك من دلائل هو وجود تصحيحات في النص وإضافات في الحاشية، ونوع الخط والورق اللذين يعودان إلى القرن الحادي عشر واقتران ذلك مع زمان حياة الكاتب وغير ذلك من الأمور. كان مولانا السلطان محمود بن غلامعلي الطبسي فقيهاً وقاضياً في (مشهد) وقد تتلمذ على يد المجلسي. ألّف عدداً من الكتب، منها «شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد» و«رسالة في إثبات الرجعة» و«رسالة في العروض» و«مختصر الأذكار بالمسائل الفقهية» و«مختصر الأشباه والنظائر النحوية».
أسلوب هذا الكاتب هو الاختيار والاختصار، كما فصل فيما اختاره من «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، و«أذكار بالمسائل الفقهية» لأبي القاسم الزجاجي النحوي، و«الأشباه والنظائر النحوية» لجلال الدين السيوطي، وهذا الأسلوب نشهده في الرسالات الثالثة والرابعة والثامنة من المجموعة. وفي هذه الرسالة التي نحن بصددها يختار نظرات من علماء متعددين في تقسيم العلوم وطبقات العلماء وتصنيفهم.
ترجمة: رقية رستم پور ملكي وآلهه روحي دل
الزمان والمكان
في نظر الإمام الخميني
المقدمة
كان المصلحون الخيّرون، على امتداد التاريخ، يفكرون في وضع أسس مجتمع يحترم القيم ويتجنب القبائح. للوصول إلى تحقيق هذه الغاية وإقامة مثل هذا المجتمع الذي يطلقون عليه اسم «المدينة الفاضلة»، كانوا يفكرون أيضاً في وضع قوانين وأنظمة تهدي الفرد في حياته الفردية والاجتماعية وكيفية الاستفادة من الطبيعة والعلاقات الإنسانية إلى طريق الصواب. والإسلام، بصفته آخر الأديان الضامن لسعادة الإنسان، يجعل العقيدة الصحيحة أساساً لمثل هذا المجتمع، ويؤمن بمبادىء معينة في بناء الفكر السليم وعقائد الإنسان، تبين مبدأ الوجود ومنتهاه، وتخلص الإنسان من الأفكار الفارغة والتخيلات التافهة، وتقود طريقه نحو حياة هادفة.
بديهي أن الإسلام لا يرى أن العقيدة الصحيحة هي وحدها المعوّل عليها، بل على الناس أن يعرفوا، في العمل والسلوك، الصواب وغير الصواب، فيعملوا بالصالح ويبتعدوا عن الطالح)[818](.
إن المسؤول عن هذا الجانب من المنهج الإسلامي هو «الفقه» أو «الأحكام الفقهية»، وهي في الحقيقة مجموعة من القوانين العملية الإسلامية المستقاة من الوحي الإلهي، والتي تفسرها بيانات الأئمة المعصومين عليهم السلام. إنها قوانين ثابتة وغير قابلة للتغيير أبداً، وتشمل جميع المواضيع والمصاديق الخارجية والوقائع والأحداث، من دون أن يصيب جذورها أي تلف)[819](.
إن شخصية الإمام الخميني رحمه الله العلمية والعملية، وعلى العموم، الشخصيات البارزة التي تترعرع في المراكز العلمية في العالم، وبعد سنوات عديدة يقومون بتربية تلامذتهم بالفكر والبيان والقلم، ينقسمون إلى قسمين اثنين:
القسم الأول هم الذين يقتصرون على استيعاب علم واحد فيتخصصون في ذلك العلم تخصصاً عميقاً، ولكنهم فيما يتعلق بالعلوم الأخرى ليس لديهم سوى معلومات عامة سطحية، ويطلق على أمثال هؤلاء العلماء صفة «ذوي الفن»، مثل سيبويه (ت180هـ) الذي اختص بالأدب العربي، والكليني (ت329هـ) الذي اختص بالحديث، والمحقق الحلي (ت676هـ) الذي اختص بالفقه.
القسم الثاني كان يعنى بعدد من العلوم ويتبحر فيها، مثل ابن سينا (ت426هـ) والفارابي (ت339هـ) والشيخ المفيد (ت413هـ) والسيد المرتضى (ت436هـ) و(الشيخ الطوسي) (ت460هـ) ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني رحمه الله.
بالنظر لتمتع هؤلاء العلماء بمواهب إلهية كثيرة، عملوا في ميادين مختلفة من العلوم فمثلاً مؤلفات شيخ الطائفة [الشيخ المفيد] الباقية منه تكشف لنا عن أبعاده العلمية المختلفة، من ذلك تفسير البيان في علوم القرآن الذي يدل على طول باعه في هذا الفن وتخصصه الفائق فيه بحيث إن أحداً من الشيعة لم يستطع حتى الآن أن يقدم تفسيراً للقرآن بذلك المستوى. لقد قام بتأليف ذلك التفسير عندما كان يعيش في بغداد وفي آخر سنة من بقائه هناك. وبناء على ذلك يكون قد مضى نحو تسعة قرون ونصف على تأليف ذلك التفسير وهو ما يزال مضيئاً كنجمة لامعة. وإذا ما تصفحنا آثاره الأخرى نراه محدثاً بارعاً يورد أحاديث أهل البيت عليهم السلام من المشايخ وبأسانيد مختلفة، وله كتابان قيمان في الحديث: التهذيب والاستبصار. وعندما ندرس أبحاثه القيمة العظيمة في الكلام والفلسفة نجده متكلماً متمكناً. كتابه الرسائل العشر دليل تسلطه في ميدان البحث والجدل والاستدلال في علم الكلام. وعلى الرغم من كل ما قيل فإنه لم يزد على كونه صورة جانبية مبهمة لشخصية الشيخ العلمية. لقد كان في علم الفقه أستاذاً لا يجارى، وكتاباه: المبسوط والخلاف ينبئان عن سعة اطلاعه على الأسس الفقهية عند العامة والخاصة.
كذلك هي الموهبة والاستعداد واللياقة التي وهبها الله للإمام الخميني رحمه الله، مؤسس الجمهورية الإسلامية، والتي أعانته على التعمق في دراسة كثير من العلوم. إن تآليف الإمام الموجودة بين أيدينا كفيلة بإزاحة الستار عن هذا السر والكشف عن أبعاده العلمية.
دور الزمان والمكان في نظر الإمام الخميني
رحمه الله
1 ـ الإمام الخميني رحمه الله والفقه القديم والمتقدم:
كان الإمام الخميني رحمه الله يهتم كثيراً بالفقه القديم ويعتقد أنه إذا تقدم الفقه القديم وفق ضوابط معينة، يمكن أن يتقدم ليجيب عن جميع حاجات المجتمع كان يرى أن فهم الدين وتطبيقه في حياة الإنسان المعاصر، وأخذ دور الزمان والمكان بنظر الاعتبار في أسلوب الاستنباط كمبدأ أصلي وأساس وواقعي في الفقه. في ذلك كان يقول:
«فيما يتعلق بأسلوب الدرس والبحث في الحوزة العلمية، إنني أؤمن بالفقه القديم والاجتهاد الجواهري، ولا أرى أن من الجائز إغفال ذلك. والاجتهاد بالأسلوب نفسه صحيح، إلاَّ أن هذا لا يعني أن الفقه الإسلامي لا يتقدم في البحث. الزمان والمكان عنصران مؤكدان في الاجتهاد، فالمسألة التي كان لها في السابق حكم معين، يمكن أن يكون لها حكم جديد بسبب العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة في نظام ما. أي عند معرفة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للموضوع السابق نفسه معرفة دقيقة، من دون وجود اختلاف ظاهري مع القضية القديمة، تصبح هذه قضية جديدة تتطلب حكماً جديداً. لذلك على المجتهد أن يحيط بقضايا زمانه»)[820](.
وهكذا نجد أن القول بالتعارض بين الفقه القديم والفقه التقدمي، إنما هو قول فارغ يستغله الجهلة. إن الشريعة الإسلامية لا تتغير، وكل بدعة في نظر الأدلة الأربعة ممنوعة، ولكن القوانين، في الوقت نفسه، مرنة وجامعة بحيث تغنينا عن اللجوء إلى القوانين الأجنبية والغربية.
2 ـ شمولية الفقه ونظرة الإمام الخميني رحمه الله:
بما أن مصادر الفقه ليست وليدة العقل، ولا التجربة المحدودة، ولا الأذواق البشرية المختلفة، بل هي تستند إلى الوحي الإلهي، فهي لذلك مصادر خالدة ودائمة الحركة والتفاعل لتشمل الجغرافيا المدنية والقومية والسياسية والثقافية البشرية.
إن القوانين البشرية ضيقة ومتغيرة وزائلة لأنها قائمة على الفكر والقدرة وقوة التحليل للأحداث ووسائل المعرفة المحدودة. أمّا مصادر الفقه الإسلامي فجذورها تمتد إلى الوحي الإلهي العالم بكل أبعاد الإنسان وحاجاته الحقيقية، والتي لم تواجه أي نقص في التخطيط لها، بل تمَّ وضعها تحت تصرف الإنسان في أكمل وجه ممكن وأليقه، وهي تبقى جديدة عند كل قوم وعنصر في كل زمان.
لو كانت الظروف مواتية لفقهاء الإسلام، ولو أنهم استطاعوا أن يدرسوا جيداً تلك المصادر على نحو واسع ووفق ضوابط مقننة، لأمكن للفقه الإسلامي والحقوق الإسلامية أن تصبح مظهراً لإعجاز الوحي وصدق الرسالة الإسلامية بالإضافة إلى المباحث الكلامية والفلسفية التي تعتبر عادة من طرق الكشف عن حقيقة الدين وأصوله العقائدية، وبيان حياة الفقه الإسلامي وتقدمه في البحث وقدرته وتطبيقاته العملية على امتداد تاريخ تطور الحياة الإنسانية. ولكن مما يدعو إلى الأسف هو أن الحكومات غير الدينية التي ألقت بمعظم ثقلها على المجتمعات الإسلامية خلال فترات طويلة من التاريخ، سلبت منها كل فرصة للنشاط في مختلف الميادين الحكومية والقضائية والحقوقية والاقتصادية وغير ذلك، ومنعتها من القيام بعمل أعمق وأجدر.
يقول الإمام رحمه الله في ذلك:
«مع الأسف جامعاتنا ومدارسنا الدينية كانت مصابة بالنقص في جوانب مختلفة دون أن تستطيع سد تلك النواقص. إنهم لم يستولوا على المدارس الدينية مباشرة، كما فعلوا بالنسبة للجامعات، ولم يستطيعوا. إنها استطاعت أن تتحمل الكثير من الأذى على عهد رضا خان، وثابروا على مسيرتهم، وبعد ذلك كان الأمر كذلك، ولكننا كنا محصورين في مجموعة من الكتب وفي عقائد خاصة. كتبنا كانت تتحدث غالباً، من حيث التعليم والتعلم، عن الطهارة والتجارة والصداق ولا تتعداها. أمّا العلوم القضائية والحدود والديات وأمثالها فقد كانت علوماً غريبة. بالطبع كتب الأساتذة عنها كتابة مسهبة، ولكن في الحوزات فقط لأن القضاء لم يكن في أيديهم، ولم تكن الحدود والديات والقصاص من الأمور العملية، لذلك لم تكن تلقى على بساط البحث»)[821](.
الفقه يحتاج اليوم إلى عنصرين اثنين:
الأول هو الحضور في الساحة العملية للنظام الاجتماعي وحاجات الأمة الإسلامية. وقد صاغ الإمام رحمه الله ذلك في عبارة جميلة: «الحكومة هي الفلسفة العملية للفقه كله».
الثاني هو وضع نظام للمباحث الفقهية وجعلها في تنظيم قديم قابل للبيان.
3 ـ استجابة الفقه للأحداث ورأي الإمام الخميني رحمه الله:
الفقه علم حقيقي، والعلم الحقيقي، كما قال الإمام علي عليه السلام، هو العلم الذي يؤدي إلى بناء الحياة المادية والمعنوية. إن فقهنا، من حيث مادته ومصادره، كما قال الإمام رحمه الله:
«أغنى فقه وقانون في العالم. إن فقهاً كهذا لا وجود لمثله في العالم، لا بين المسلمين ولا بين غير المسلمين»)[822](.
بيد أن الفقه يجب أن يكون إلى جانب عنصر اجتهاد تقدمي رفيع كي يستفيد منه على مختلف الصُّعُد الشرعية التي يحتاجها الإنسان، لأن الأحداث إما أن تكون من «المصاديق العامة» وإما أن تكون من «فروع الأصول»، وهي موجودة في المصادر الفقهية، والاجتهاد يرجع الفروع الجديدة إلى الأصول الأساس وينطبق العام على المصاديق. على أي حال، مشكلة الفقه، كما قلنا، هي أن فقه المدارس وفقه المواضيع الفكرية إما أنها عتيقة مضى زمانها، وإما إذا كان الموضوع باقياً فإن المحتوى قد تغير كلياً. بعض الفقهاء، بدلاً من أن يقوموا بدراسة الموضوعات الجديدة، وبيان محتوى الموضوعات القديمة، يكتفون بتكرار المكررات ولا يتقدمون خطوة وراءها.
قبيل رحيل الإمام رحمه الله أشار إلى هذه النقطة الدقيقة، مخاطباً الحوزات العلمية، فقال:
«الزمان والمكان عنصران مصيريان في الاجتهاد»)[823](.
أي إنهما يؤديان دوراً مهماً في الاجتهاد، ولذلك فللمكان والزمان خصوصياتهما التي تغير الموضوع، وتكون النتيجة أن يتغير الحكم القديم تبعاً لذلك، كالسفر الذي له تأثير كبير في نظر الفقهاء والمجتهدين واستنباطاتهم، ومنهم محمد بن إدريس صاحب المذهب الشافعي الذي غير 90 نظرية من نظرياته وفتاواه على أثر سفره من بغداد إلى مصر، وظهر مذهبه الجديد.
لذلك إذا ما كنا نشهد اليوم تحقق الثورة الإسلامية في إيران وتوافر الأرضية لإجراء الأحكام والقوانين الإسلامية، فقد أظهر ذلك فراغاً عظيماً في معرفة نظريات الإسلام في الشؤون القضائية، الحقوقية، الدولية، والاقتصادية وغيرها. أحد العوامل المهمة في ذلك هو أن بعض الفقهاء، بدلاً من الإبداع واكتشاف الموضوعات وتعرّفها عيناً، وبدلاً من التفقه الاجتهادي، يكتفون بالاجتهاد التقليدي. هؤلاء لا هم قادرون على الاستجابة لجميع الأحداث، ولا تكون نظرياتهم قابلة للتنفيذ في عالم اليوم.
إذا أرادت الحوزات العلمية أن تدير اليوم مجتمع الأمة الإسلامية وأن تقوم بدورها بأداء رسالتها الفقهية الإسلامية، عليهم أن يتحولوا من الفقه التقليدي إلى الفقه الاجتهادي الجواهري. كما وصفه الإمام رحمه الله. مع الاحتفاظ بالأصول العلمية ومبادىء التحقيق الدقيقة، بصرف النظر عن المسائل الفقهية القائمة على القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة، والسعي الصادق لفهم روح قوانين الإسلام الأصيلة وتطبيقها على الموضوعات الجديدة.
يقول الإمام الخميني رحمه الله:
«على العلماء والأساتذة المحترمين في الدروس الفقهية والحوازات الفقهية والأصولية أن لا ينحرفوا عن طريقة المشايخ العظام التي هي الطريقة الوحيدة للمحافظة على الفقه الإسلامي. عليهم أن يسعوا كل يوم أن يزيدوا من دقتهم وبحثهم ونظرهم وابتكاراتهم وتحقيقاتهم، وحفظ الفقه التقليدي الذي هو إرث السلف الصالح، والانحراف عنه يؤدي إلى ضعف أركان التحقيق والتدقيق، ولا بدَّ من تراكم الدراسات والتحقيقات»)[824](.
إن مقصوده من حفظ الفقه والفقه الجواهري والفقه التقليدي لم يكن أبداً الحفاظ على أبحاث غير ضرورية ومعوقة. إن حذف الأبحاث غير الضرورية لا يقصد به حذف الأبحاث اللازمة والعميقة للطلبة، بل المقصود هو الحفاظ على الدقة في أسس الأبحاث اللازمة في استنباط الأحكام والاجتهاد فيها.
يدافع الإمام رحمه الله عن فقه يضمن نضج الملل ومصلحتها، إنه لا يدافع عن فقه يؤدي إلى إهدار الإمكانات الحوزوية والطاقات البشرية. الإمام رحمه الله، في وصيته الإلهية السياسية، يشير إلى ذلك فيقول:
لا تنحرفوا قيد شعرة عن الفقه التقليدي مظهر المدرسة والرسالة والإمامة ونضج الملل وعظمتها، والأحكام الأولية والثانوية كلتاهما من الفقه الإسلامي….
النقطة اللافتة هنا إنه كان يخالف نظرية المتطرفين في الإفراط، والذين كانوا يستنبطون أحكام الحوادث الواقعة استناداً إلى آرائهم الخاصة، أو إلى مصادر غير موثّقة، بمثلما كان يرفض آراء المفرطين الذين كانوا يكتفون في إصدار أحكامهم بالاستناد إلى ظاهر ألفاظ عناصر خاصة. إن الفن الذي امتاز به تمثل في أنه لم يكن مثل ذوي الأفكار الجامدة والسطحيين الذين يتهربون من الإجابة فيما يتعلق بالأحداث الواقعة، ولا كان مثل المشاهير الجهلة الذين لم يكونوا يقيمون أحكامهم على مصادر شرعية موثوق بها. في هذا يقول الإمام:
على المجتهد أن يكون متمتعاً بالبراعة والذكاء والفراسة والقدرة على إدارة مجتمع إسلامي وغير إسلامي كبير، وبالإضافة إلى التقوى والخلوص والزهد المطلوبة في المجتهد، يجب أن يكون مديراً ومدبراً. إن الفقه هو النظرية الواقعية الكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد… والذي يخشاه الاستكبار هو أن يتخذ الفقه والاجتهاد صفة العينية والعملية وأن يخلقا بين المسلمين القدرة على النضال)[825](.
4 ـ لفظة الفقه في النصوص والمصادر الشرعية:
النصوص والمصادر الشرعية هي المواضع التي يمكن العثور فيها عن بيانات الشارع ووجهات نظره الأصيلة. لا شك في أن أهم نص أصيل ومصدر شريف يمكن الرجوع إليه هو القرآن المجيد الذي يصرح في مواضع متعددة بالفقه والتفقه ومحتواه. من تلك المواضع التي وردت فيها لفظة «فقه» في القرآن، حيث لها علاقة وثقى بموضوع البحث، هي الآية: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ})[826](.
إن التفقه في الدين بالشكل الذي يضمن التحذير من الانحرافات العقائدية الفكرية والعملية، له مكانه في مجموعة المعارف الإسلامية، ولا ينحصر في الأحكام الشرعية العملية. لذلك فإن صدر المتألهين، في شرحه لأصول الكافي وبعد بيان أن لفظة «فقه» عند ظهور الإسلام لم تقتصر على الأحكام الشرعية الفرعية العملية، يقول:
وإن الفقه أكثر ما يأتي في الحديث بمعنى البصيرة في أمر الدين، وإن الفقيه هو صاحب البصيرة.
في الواقع، لفظة «فقه» في القرآن ترد بمعنى الفهم والإدراك العميق لحقائق الدين والخلق {قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ})[827]( و{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا})[828]( و{فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً})[829]( و{وَلكِنَّ الُمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ})[830](.
وفي الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام نجد للفقه والتفقه ميداناً واسعاً، ومن ذلك قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم:
إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وزهده في الدنيا وبصّره عيوبه)[831](.
وقال أيضاً:
من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)[832](.
وعن علي عليه السلام أنه قال:
تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب)[833]( والفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يأيسهم من روح الله… ولم يأمنهم من مكر الله)[834](.
وهناك روايات كثيرة أخرى تدل على أن الفقه والفقاهة لا يمكن حشرهما ضمن حدود محدودة بمعرفة الأحكام الفرعية الشرعية، فالفقه الذي يدعونا إليه القرآن والمعصومون عليهم السلام هو فقه أعم من الأحكام الفرعية الشرعية العملية، إنه فقه الزهد ومعرفة نقائص النفس، فقه يخلق في قلب الإنسان ربيعاً من معرفة الله، فقه ليس فيه بأس ولا تجرّؤ. بديهي إن أبحاث معرفة الذات واليأس والتجرؤ لا علاقة لها بالمسائل الشرعية الفرعية العملية، بل تكون ضمن دائرة المعارف الإلهية الواسعة. قصدنا من فهرسة هذا البحث هو معرفة المفهوم الحقيقي للفقه في بيان الشريعة والمحافظين عليه، لأننا اليوم نشهد أن لفظة الفقه قد ابتعدت عن معناها الكلي الشامل ومحتواها الغني، واستخدمت بمعناها الخاص، بل الأخص، مع أنه لإثبات عظمتها ومكانتها يستند إلى الآيات والأحاديث التي تعبّر عن معنى أوسع وأغنى. إن هذا عدول عن الكلية الشاملة الواقعية إلى أمر ثانوي يسبب أحياناً إهمال الأبعاد والأجزاء الأخرى، بحيث أن الفقاهة والاجتهاد ومعرفة الإسلام تجعل أدعياءها عرضة للأذى ومفتقرين إلى الاعتدال والإتقان.
5 ـ معنى الفقه في الاصطلاح الشرعي:
سبق القول إن مصادر الشريعة الأصلية لم تضع للفظة الفقه معنى خاصاً غير المعنى اللغوي ولكن بمضي الزمان اتخذت هذه اللفظة معنى محدداً آخر عند المتشرعين، أو عند بعضهم بحيث أنها أصبحت اصطلاحاً جديداً، وهذا الاصطلاح هو إطلاق لفظة الفقه على جزء من المعارف الدينية التي تخص الأحكام العبادية، وهو خلاصة ما نجده اليوم في الرسائل العملية وكتب الفقه. الفقاهة في هذا المصطلح تعني أن يقوم المجتهد باستخدام وسيلة الاستنباط في بعض المصادر الخاصة لمعرفة أسس هذه المسائل، لأن صفة الفقيه تطلق على من يتحدد ميدان اجتهادهم وفقاهتهم وفهمهم بهذه الأمور الخاصة.
بالطبع وضع المصطلحات ليس جرماً ولا يعتبر معصية، ولكنه إذا أدى إلى نقص مجموعة كاملة ذات أبعاد ممتدة لتصبح ذات بعد واحد فسوف تحصل بعض المشاكل.
هناك إحساس اليوم إن هذا الاصطلاح الخاص، بمفهومه ومحتواه قد جرح جماع الثقافة الإسلامية واتجاهها وشموليتها. إن العناية بجزء وإهمال الأجزاء الأخرى، أظهر جسم الثقافة الإسلامية أشبه بوليد معلول ذي رأس ثقيل وجسد خفيف. إن عدم الانسجام هذا والنقص ليسا من طبيعة الإسلام ولا من أصوله، بل هو نتيجة الجهل والسذاجة والسطحية عند أولئك الذين يدعون أنهم يشرحون الشريعة لأهل الشريعة وأنهم حاملو رسالة الوحي للعالم برمته.
6 ـ الفقيه الصادق:
الفقيه الصادق هو ذلك الذي يسعى لإحياء المجتمعات الإسلامية، والتمهيد لتطبيق الفقه الإسلامي عملياً ولنموه وتفتحه، وإلى جانب ذلك كله يجب أن يتحلى بالفضائل الأخلاقية، وعلو الهمة، وكرامة النفس، ومعرفة الزمان والإنسان والتدبير، والمديرية وحسن الإدارة. إن فقيهاً كهذا يمكن أن يكون مثالاً لفقهاء الحوزة العلمية، إن الفقهاء في النظام الإسلامي، حتى إذا كان الحكم ضدهم، فإن دورهم في عمق مسيرة الأحداث الاجتماعية لا يقل أهمية عن الحكام أنفسهم، وذلك لأن حياة المجتمع الإسلامي العبادية تحيا بالفقه الإسلامي. وحملة الفقه هم الفقهاء الذين يجب عليهم تطبيق أحكام الشرع الكلية على الفروع، بل قد يقتضيهم الأمر أن يشرحوا للناس بعض المواضيع المهمة السياسية والاجتماعية. إن قوة حاكمية الفقهاء وضعفهم في المسائل الجارية في المجتمعات الإسلامية على امتداد التاريخ في كثير من الأمور تكون مبنية على وجهات نظر الفقهاء ومواقفهم وقدراتهم وتدابيرهم الاجتماعية والسياسية والدينية.
الإمام الخميني رحمه الله بنظرته الشاملة وبفهمه العميق لروح الإسلام السامية، وفي ظل مزاياه الشخصية القيمة، كالحرية والشجاعة والإيثار والمثابرة والإدارة والجرأة والحزم وتحمل الشدائد والمصائب، لم يقم بتحرير الإسلام والفقه والثقافة والمعارف الإسلامية من حكم طغاة التاريخ فحسب، بل تمكن من إيصالها إلى قمة الحكم، ورد القوى اللادينية على أعقابها.
أسس الإمام الخميني رحمه الله في المسائل المستحدثة وتدوين رسالته
1 ـ التقوى الكاملة في التحقيق والاجتهاد:
الإمام الخميني رحمه الله، مثل سائر الفقهاء العظام، كان يتقي التقوى كلها ويلتزم الاحتياط الكامل في الاجتهاد واستنباط الأحكام، لئلا يعزو من نفسه شيئاً إلى الله ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم، أو أن يمزج القوانين الإلهية بالنظريات البشرية، بل كان في أبحاثه يستدل بروايات وأحايث مبيناً صحتها وسقمها من دون أي تحيز. يقول في أبحاثه حول ولاية الفقيه إن هذه الرواية، على الرغم من قوتهاالاستدلالية، فهي إما ضعيفة في سندها، أو مرسلة، أو مقبولة)[835](. أو يستعمل اصطلاحات مثل: الأقوى والأولى والأحوط، في تحرير الوسيلة، مما يدل على تقواه ودقته في بيان المسائل)[836](، على النقيض من المحققين العاديين الذين يعتبرون كل ما يؤيد وجهة نظرهم صحيحاً، وكل ما يخالفها ضعيفاً أو غير صحيح، أو أنهم لا يشيرون بشيء إلى درجة صحته أو سقمه، أو يسبغون عليه لحن الخطابة، ويستدلون به بحجة أنه مذكور في الكتاب الفلاني القديم)[837](.
2 ـ التزام الأدب في البحث والاقتباس:
التزام الأدب والاحترام التام للعلماء والفقهاء ووجهات نظرهم وأقوالهم كان أحد الخصائص الأخرى التي تميز بها على مختلف الصُّعُد، خاصة في المسائل المستحدثة ومواضع الاختلاف. كان الإمام رحمه الله يوصي طلابه دائماً بالتزام الأدب والاحترام تجاه العلماء، فمثلاً، عند بحثه في موضوع بطاقات اليانصيب، قال:
إن قضية بطاقات اليانصيب قضية اجتهادية في الفقه، وقد تكون آراء المجتهدين بشأنها مختلفة، إذ إن هذه ليست من مسائل الفقه الضرورية والواضحة التي يمكن أن يتفق الجميع عليها. لقد اشتهر في هذه القضية أن المرحوم الخونساري والمرحوم الميرزا سيد يونس الأردبيلي (رضوان الله عليهما) قد أجازا ذلك. طبعاً كان ذلك هو اجتهادهما الذي أجازا بطاقات اليانصيب، وهذا لا يعني أننا يجب أن نطعن في حكمهما لأنهما أجازا ذلك، بمثلما أنهما ليس لهما أن يطعنا فينا لأننا لا نجيز ذلك، بل ينبغي في أمثال هذه المسائل أن نواصل البحث. إنكم ينبغي أن تكونوا على حذر من أمثال هذه المسائل الدقيقة، ومن استعمال عبارات قد تؤدي ـ لا سمح الله ـ إلى سلب توفيقاتهم، أو إلى إخراجهم من زمرة الطلاب (الواقعيين)، أو إلى ابتعادهم عن طريق الله والصراط المستقيم.
وفي الموسيقى يقول الإمام رحمه الله:
يطعن بعضهم في المرحوم الملا محسن فيض الكاشاني رحمه الله والمحقق الخراساني رحمه الله بزعم أن هذين الفقيهين أنكرا حرمة الموسيقى والغناء، وإنما حرّما الأفعال المحرمة التي ترتكب معها… الأفضل هو الالتفات إلى الأدلة التي أورداها لتقسيم الغناء والموسيقى…
3 ـ اتساع دراسات الإمام الخميني رحمه الله:
إن أساس البحث والاجتهاد عند الإمام الخميني رحمه الله ـ مثل الشيخ الطوسي رحمه الله وآية الله البروجردي (قدّس سرّه) ـ هو دراسة جميع الأقوال والنظريات، ولم يتحدد بنظريات علماء الشيعة. في كتابه «رسائل» يقول إن من مقدمات الاجتهاد دراسة فتاوى أهل السنّة وأخبارهم)[838](، ومن ذلك أنه درس آراء الغزالي والشافعي وأبي حنيفة ونقلها)[839](.
4 ـ أقوى فقه وقانون عند الإمام رحمه الله:
يرى الإمام الخميني رحمه الله أن فقه الشيعة أغنى فقه وقانون في العالم، وفي هذا قال الإمام رحمه الله:
فقه الشيعة أغنى فقه وقانون في العالم، إنه قانون بذل علماء جهوداً كبيرة في شرحه وتفريعه. إن مثل هذا القانون لا مثيل له في العالم سواء بين المسلمين أو غير المسلمين، وهو ما تحقق بالجهود الجبارة التي بذلها علماء الشيعة. منذ البداية، زمان النبي، وبعد ذلك الأئمة، كان العلماء هم الذين يتحلقون حول الأئمة عليهم السلام ويأخذون عنهم الأحكام، وقد دونت في أربعمائة كتاب (الأصول الأربعمائة) وفي غيرها)[840](.
فقه الشيعة يستقي من نبي الإسلام العظيم صلَّى الله عليه وآله وسلم ومن الأئمة مثل الإمام علي عليه السلام والإمام الباقر عليه السلام والإمام جعفر الصادق عليه السلام، وهم، باعتراف الشيعة وأهل السنّة، أتقى الناس وأعلمهم بالدين الإسلامي بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
فقه الشيعة، كما يعبر عنه الإمام رحمه الله عمره (1400) سنة، أي أنه خلال أكثر من 14 قرناً قام أفضل علماء المسلمين بالاجتهاد فيه، وصرفوا كل طاقاتهم في تصفية الأحكام وتصنيفها والحصول على أحكام المسائل الجديدة والفروع.
الدكتور صبحي المحمصاني، في كتابه فلسفة التشريع في الإسلام يقول إنه بعد سقوط بغداد وبعد أن توقف الاجتهاد منذ القرن السابع الهجري، خلافاً لسائر المذاهب، اكتفى فقهاء أهل السنّة، في أواسط القرن السابع الهجري، بالمذاهب الأربعة المعروفة، وأجمعوا على غلق باب الاجتهاد. ومنذئذٍ أخذت حضارة العرب بالتقهقر وأصابها الجمود والتحجر المَرضي على التقليد الأعمى، وفقد الناس روح الشريعة الإسلامية، واتجهوا إلى البدع والخرافات حتى كان القرن الرابع عشر الهجري، ونهض السيد جمال الدين الأفغاني (الأسد آبادي) والشيخ محمد عبده وتلامذتهما، ودعوا الناس إلى توحيد المذاهب وترك التقليد، والرجوع إلى مصادر الشريعة الأصلية وتجنب البدع والخرافات.
أما فقه الشيعة فقد بقي فيه باب الاجتهاد مفتوحاً حتى اليوم وازداد توسعاً بتطورات الزمان وتحولاته. الإمام الخميني رحمه الله في آخر وصاياه يؤكد قائلاً:
في الحكومة الإسلامية لا بدَّ أن يبقى باب الاجتهاد مفتوحاً دائماً. إن طبيعة الثورة والنظام تقتضي عرض الاجتهادات والنظرات الفقهية في مختلف الميادين بكل حرية، ولو كانت متعارضة فيما بينها، وليس لأحد الحق والقدرة على الحيلولة دون ذلك)[841](.
5 ـ عظمة الفقه واتساعه في نظر الإمام رحمه الله:
يرى الإمام الخميني رحمه الله أن الفقه الإسلامي متسع جداً ويشمل جميع أبعاد الحياة الإنسانية، ويقول:
الفقه هو النظرية الواقعية لإدارة الإنسان من المهد إلى اللحد)[842](.
ويقول أيضاً:
أرسل الله، بوساطة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم، قوانين يصاب الإنسان بالدهشة من عظمتها. لقد وضع القوانين والتعليمات لكل أمر من الأمور. لقد وضع قوانين للإنسان قبل انعقاد نطفته حتى إنزاله في القبر، وهذه القوانين ليست مقصورة على الأعمال العبادية، بل هناك قوانين مترقية ومتكاملة وجامعة للشؤون الاجتماعية والسياسية والحقوقية والعائلية. إن المسائل التي وردت منذ زمن بعيد على الصُّعُد الاقتصادية والحقوقية والسياسية والحقوق الدولية في الحرب والسلم والحقوق تمثل جانباً من القوانين الإسلامية ورسالته العملية. ليس هناك أي شأن من شؤون الحياة لم يقرر له الإسلام حكماً أو قانوناً.
6 ـ حاجة العالم اليوم إلى القوانين الإسلامية:
في رأي الإمام الخميني رحمه الله أن العالم في الحاضر والمستقبل، بكل التطورات والمستجدات التي تقع فيه ومنجزاته، لا يمكن أن يستغني أبداً. وهو في هذا يقول:
لو أنهم ذهبوا إلى المريخ، ووضعوا أقدامهم في المجرات الأخرى يظلون عاجزين عن بلوغ السعادة والفضائل الأخلاقية والسمو الروحي، وعن حل مشكلاتهم الاجتماعية، لأن مشكلاتهم الاجتماعية وتعاستهم بحاجة إلى طرق حل عقائدية وأخلاقية، ولا يمكن أن يحلها اكتساب القوة المادية وتسخير الفضاء. إن الثروة والقدرة المادية وتسخير الفضاء تتطلب الإيمان والعقيدة والأخلاق السامية حتى تتكامل وتسمو وتكون في خدمة الإنسان، لا لكي تصبح مصيبة تنزل على الإنسان)[843](.
7 ـ توكيد الإمام الفقه الجواهري:
كان الإمام الخميني رحمه الله يهتم كثيراً بهذا الأمر، قال: يجب تأييد الفقه الجواهري)[844](.
في القرن الثالث عشر الهجري ظهر في الحركة العلمية في النجف وكربلاء تحول جديد على يد آية الله محمد باقر وحيد البهبهاني (توفي سنة 1208هـ). في هذا القرن نشر كثير من الشخصيات المهمة الدينية تآليفهم القيمة في الفقه والأصول، مثل كتاب كشف الغطاء ومفتاح الكرامة والرياض والمكاسب في الفقه، والقوانين والفصول والضوابط والحاشية على المعالم للشيخ محمد تقي الأصفهاني رحمه الله والرسائل للشيخ الأنصاري في أصول الفقه، وعلى رأس هذه الكتب الفقهية كان كتاب جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي في شرح شرائع الإسلام وهو دورة معارف كاملة وجامعة تحتوي على أقوال العلماء وأدلتهم، بحيث أن أي كتاب أو مجتهد لا يمكن أن يستغني عن جواهر الكلام وهو يكشف عن ذروة النهضة الفقهية وتدوين الفقه بصورة واسعة وبأسلوب حديث متكامل، فكان مثالاً في التحقيق والنقد ودراسة أقوال الفقهاء القدامى والقدرة على الاستدلال استناداً إلى القرآن والحديث، بعد ضعف خلال القرنين 11 و12هـ، ومن دون أن يخرج عن أصل الفقه التقليدي وجوهره، ولا أن يمتزج بالقوانين البشرية والجواهرية البديلة التي كانت قد أثرت في دول تلك الأيام من عثمانية وعراقية ومصرية وإيرانية، بل كان اسماً على مسمى، أي إنه كان جواهرياً خالصاً مأخوذاً من أحكام الله ورسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام والفقهاء. إن أهمية توكيد الإمام الخميني رحمه الله الفقه الجواهري تتضح إذا ما علمنا أن الفقه الجواهري قد دوّن في عصر أوشكت الشريعة المحمدية أن تمتزج على أيدي الأجانب بالقوانين البشرية، وأن يسلب منها جانبها المعنوي والثوري، وتصبح في خدمة المطامع الاستعمارية. بالنسبة لهذه الحركة الانحرافية في إيران يقول الإمام رحمه الله:
في أوائل الحركة الدستورية، عندما أرادوا أن يدونوا قانوناً، قام عملاء الإنجليز، بأمر من أربابهم، باستقراض مجموعة القوانين الحقوقية البلجيكية من السفارة البلجيكية، ووضعوا الدستور على أساسه وسعوا إلى ترميمه بالقوانين الحقوقية الفرنسية والإنجليزية، ثم لكي يخدعوا الأمة أدخلوا فيه بعض الأحكام الإسلامية.
الاجتهاد وقدرة الفقه
1 ـ الاجتهاد في اللغة والاصطلاح
لفظة الاجتهاد مأخوذة من مادة جهد، ومعناه اللغوي هو جدَّ وتعبَ في الأمر، وهذا المعنى يُجمع عليه أساتذة اللغة. أما في الاصطلاح فإن معناها عند بعض علماء الأصول هو الاستفادة التامة من جميع إمكانات المجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي في الأحداث الواقعة والوقائع الجديدة بوساطة عناصر خاصة ومشتركة وأسس المعرفة من المصادر الشرعية الموثوق بها.
الفرق بين الجهاد والاجتهاد
جذور هاتين اللفظتين واحدة، بفارق أن الجهاد يعني الاستفادة من قدرة المرء للوقوف في وجه العدو. أما الاجتهاد فهو الاستفادة من القدرة والجهد لاستخراج الأحكام من مصادرها.
أنواع الاجتهاد عند الإمامية
أ ـ الاجتهاد النظري، وهو المستخدم في المعرفة الأصولية والأسس المعرفية والعقائدية.
ب ـ الاجتهاد العملي، وهو العلم بمطابقة علم المرء مع الأوامر الشرعية الصادرة إليه وعدم مطابقته معها. ويصطلح بأنه «مطابقة المأتي به مع المأمور به».
ج ـ الاجتهاد الأصولي، وهو الذي يسعى لمعرفة الدليل والحجة، وهو يرمي إلى استحصال الدليل والحجة والسند لإصدار الأحكام الشرعية في الأحداث الجديدة.
د ـ الاجتهاد الفقهي، وهو معرفة الحكم الشرعي فقط عن طريق الأسس الأصلية للاستنباط.
هـ الاجتهاد التفريعي المقارن، وهو معرفة فروع الأصول ومصاديق قوانين الأحكام الكلية، والعلاقة بين الفروع والأصول، وبين المصاديق وقوانين الأحكام الكلية. نتيجة هذا الاجتهاد هو رجوع الفروع والأحداث الجديدة في الحياة والحكم، مهما يكن نوعها، إلى الأصول الأساس، وانطباق القوانين الكلية على مصاديقها الخارجية.
لا بدَّ أن نضيف أن لكل واحد من هذه الأنواع أقساماً، وكل قسم له فروعه، مما يخرج عن حيز كلامنا هنا.
أنواع الاجتهاد عند أهل السنّة
للاجتهاد عند علماء أهل السنّة أنواع ثلاثة:
الاجتهاد البياني، وهو الذي يستخدم في النصوص لبيان الأحكام الشرعية في الحوادث الواقعة والمواضيع المستحدثة.
الاجتهاد القياسي، وهو اجتهاد يستخدم في النصوص الواردة في الشريعة، لاستخراج الأحكام الشرعية لمواضيع جديدة لا يوجد نص يخصها.
الاجتهاد الاستصلاحي، وهو الاجتهاد القائم على الرأي وقاعدة الاستصلاح لتشريع أحكام شرعية للأحداث الجديدة التي لا يوجد لها نص يخصها.
الإمام رحمه الله يؤيد الاجتهاد الأول القائم على نصوص موثوق بها. أما الاجتهاد الثاني إذا كان قائماً على أساس القياس التشبيهي والتشكيلي فلا يؤيده. ولكن إذا كان على أساس القياس المنصوص العلة مع الأولوية فإنه مقبول عنده. أما الثالث فهو يرفضه.
2 ـ اختلاف اجتهاد الإمامية عن اجتهاد أهل السنّة
الاجتهاد في فقه الإمامية وسيلة في الفقه لاستخراج أحكام الأحداث الواقعة والوقائع الجديدة في الحياة على مدى الزمان، وتستنبط من عناصر خاصة.
بناء على ذلك، فإن الاجتهاد في نظر فقه الإمامية ليس هدفاً ولا أصلاً مستقلاً في مقابل الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، بل هو وسيلة جعلها الله كينيوع دفاق يفيض في قلب الفقه. أما عند أهل السنّة فالاجتهاد في الفقه هدف وأصل مستقل إلى جانب الكتاب والسنّة، وفي الحالات التي ليس فيها نص خاص، يتم الاجتهاد بالرأي لوضع أحكام شرعية للأحداث الجديدة.
3 ـ الاجتهاد الذي فيه دور للزمان والمكان
الاجتهاد الذي فيه دور للزمان والمكان يعتبر النوع الخامس من الاجتهاد عند الإمامية، وهو اجتهاد تفريعي مقارن، لا من أنواع الاجتهاد الأخرى. وهذا لأن دور الزمان والمكان يكون في تغيير مواضيع الأحكام أو خصائصها وظروفها، وكذلك في تعيينها عند التفريع والمقارنة، وليس في الأحكام نفسها وأدلتها. لذلك فهما ليس لهما دور في الاجتهاد الفقهي الخاص بمعرفة الحكم والاجتهاد الأصولي لمعرفة الدليل والحجة، وهذا يتبين واضحاً في أصل البحث.
لذلك فإن الاختلاف بين رأي الإمام رحمه الله ورأي علماء أهل السنّة يتبين في مسألة تحول الاجتهاد. الباحثون من أهل السنّة يرون أن للزمان والمكان والأصول الجوزية دوراً في تحول الاجتهاد. هذا الموضوع يذكره ابن قيم الجوزية في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين وغيره في تآليفهم. يقول الدكتور محمد المحمصاني في كتابه المجتهدون في القضاء: «وقد أصاب جمهور الفقهاء بقولهم إن الأحكام المبتنية على الاجتهاد تتحول بتحول الزمان والمكان والأحوال…» وهذا يطابق الواقع، ولكن يجب أن نعرف أن التأثير الذي يراه الإمام للزمان والمكان في الاجتهاد يختلف عن التأثير الذي يراه أهل السنّة. فيما يلي نذكر هذه الاختلافات بصورة إجمالية:
1 ـ يؤيد الإمام رحمه الله الدور المهم الذي يلعبه الزمان والمكان في تحول الموضوعات وتغيير الأحكام الإلهية في مقام التفريع والمقارنة بعد معرفة الموضوع وخصائصه. إلاَّ أن فريقاً من أهل السنّة يقولون بدخالتهما في تحول الأحكام في مقام استنباط الحكم الشرعي.
2 ـ يرى الإمام رحمه الله أن للزمان والمكان، استناداً إلى المصادر الشرعية الموثّقة، دوراً مهماً، بينما أساس عقيدة مؤيدي قانون تحول الاجتهاد هو الرأي الشخصي.
3 ـ بحسب نظرية الإمام رحمه الله إصدار حكم على أساس دور الزمان والمكان للموضوع الجديد ليس مخالفاً للنص، بل هو ضمن إطار النص، بفارق أن الموضوع الأول يرجع إلى نص، والموضوع الجديد يرجع إلى نص آخر. ولكن الآخرين يقولون إن الحكم عن طريق قانون تحول الاجتهاد استناداً إلى ظروف الزمان والمكان يكون أحياناً خلافاً للنص.
4 ـ بهذا التحول الاجتهادي الذي يراه الإمام رحمه الله عن طريق دور الزمان والمكان، يعتبر نوع الأحكام في الموضوعات من الأحكام الأولية لا الثانوية. وذلك لأن الحكم الثانوي يكون في حالة وجود حكمين للموضوع، أولي وثانوي، الأولي منهما للاختيار والثانوي للاضطرار. فاستناداً إلى رأي الإمام رحمه الله في أن للزمان والمكان دوراً في تغيير الموضوع وخصائصه وتعيينه، لا يكون هناك مجال لحكم ثانوي، لأن الحكم الثاني الناجم عن تحول الاجتهاد يعود لموضوع آخر، والحكم الأول الموجود قبل تحول الاجتهاد يعود للموضوع الأول، ولهذا، كلا الحكمين يكونان حكماً أولياً لموضوعهما، لذلك فإن هذا التغيير والتحول في الحكم بسبب تغير الموضوع وتحوله لا يتنافى مع الحديث المعروف: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة». هكذا، بهذا التحول، يخرج الموضوع من تحت الدليل والحكم السابقين، ويصبح ضمن نطاق دليل وحكم آخرين من أحكام الشريعة الإسلامية. إذن، ليس حكم الشريعة هو الذي يتغير بتحول الزمان والمكان وظروفهما، بل في الحقيقة إنه الموضوع الذي يتغير شكله تحت ظروف الزمان والمكان مما يؤدي إلى تغيير حكمه. أما إذا عاد الموضوع، بعد فترة من الزمن، إلى حالته الأولى من حيث القيود والظروف، عاد إليه الحكم السابق، إلاَّ أنه بالتحول الذي يقول به الآخرون فإن نوع أحكام الموضوعات تعتبر ثانوية.
5 ـ نتيجة نظرية الإمام رحمه الله في قانون التحول هي خضوع أحداث الحياة للفقه الاجتهادي، لأنه يقبل بقانون تحول الاجتهاد بتحول الزمان، لا تحول الأحكام بتحول الزمان والمكان وظروفهما. أما النظرية المقابلة في قانون التحول فهي إخضاع الفقه الاجتهادي في قبال الأحداث، لأنهم قد قبلوا بقانون تحول الأحكام بتحول الزمان.
أمّا رأي آية الله الخامنئي (دام ظله) في نظرة الإمام رحمه الله إلى دور الزمان والمكان في الاجتهاد فيقول:
إن قانون تحول الاجتهاد بتحول الزمان والمكان باب يفتح منه ألف باب.
قدرة الفقه الاجتهادي وحشد من المسائل
يقف الفقه الاجتهادي اليوم، بعد قيام الحكومة الإسلامية، في مواجهة حشد من المسائل التي تتطلب الجواب. إن الادعاء منذ قرون بأن للفقه القدرة على إدارة الحكومة والمجتمع والعالم، وعلى الإجابة عن جميع الأسئلة عن الظاهرات من أي نوع كانت، يوضع اليوم موضع الامتحان وعليه أن يثبت دعواه.
بناء على ذلك، المجتهد في الحكومة الإسلامية هو الذي أدرك، أولاً، أبعاد الحكومة الإسلامية وعالمية الفقه.
ثانياً أن يكون قادراً، بإجاباته المناسبة على الصُّعُد الفردية والعبادية والاجتماعية والحاكمية، على الملاءمة بين الفقه الاجتهادي والأحداث المختلفة وعلى حل المشكلات.
في غير هذه الحياة لا يكون مجتهداً متبحراً ماهراً في النظام الإسلامي، حتى وإن كان قبل الحكومة الإسلامية منسجماً مع ظروف ذلك الزمان الذي لم تكن فيه حاجة إلى الفقه الحكومي، ومجتهداً نافعاً في المسائل الفردية والعبادية، والشخص الذي لا يعرف الفقه الحكومي ولا يعرف مسائله ولا يستطيع أن يستخدم الاجتهاد مع معايير الأسلوب الجديد في مصادره، لا يكون في الحكومة الإسلامية مجتهداً بالمعنى الحقيقي. وعلى فرض أنه كان مجتهداً فيما يتعلق بالمسائل الفردية والعبادية مما يرد في الرسائل العملية، فإنه يكون من المصاديق البارزة للمجتهد المتخصص، لا المطلق، إذ إن «الفقيه لا يكون فقيهاً إلاَّ إذا عرف معاريض كلامنا».
ولكي يتناسب الاجتهاد مع الفقه العالمي، ويكون له تأثيره المطلوب والبناء، لا بدَّ من الانتباه إلى النقاط التالية:
أولاً: يجب أن يكون الاجتهاد وفقاً لحاجات الحكومة الإسلامية والمسائل المطلوبة فعلاً في المجتمع الحاضر والمجتمعات المتمدنة بشكل دقيق.
ثانياً: يجب التطابق على أساس النظرة العالمية وواقعيات الزمان وعينيتها في الخارج، مع خصائصها في المصادر الموثوق بها والأصيلة.
ثالثاً: بيان أحكام الموضوعات الخاصة بالمسائل الحكومية المطلوبة اليوم بياناً منظماً.
رابعاً: استخدام الاجتهاد بعد دراسة موضوعات الأحكام الشرعية وملاحظة خصائصها الباطنية والظاهرية في مصادرها.
خامساً: أن يكون الاجتهاد ملائماً للمنظور الزماني والمكاني.
فإذا لم تؤخذ هذه الظروف بعين الاعتبار، فلن يتمكن الفقه الاجتهادي من الإجابة عن المشكلات النازلة بمجتمعنا المتغير اليوم. وهذه رسالة خطيرة ومهمة جداً وجديرة بالدرس والملاحظة الدقيقين.
يقول الإمام الخميني رحمه الله مؤسس الجمهورية الإسلامية، في بعض من تصريحاته المهمة في هذا الأمر: «لا يمكن للناس والشباب وحتى العوام قبول قول مرجع مجتهد إنه لا يبدي وجهة نظره في القضايا السياسية. إن معرفة أسلوب التعامل مع حيل الثقافة السائدة في العالم وتزويراتها، وامتلاك النظرة والبصيرة الاقتصادية، والاطلاع على كيفية تناول الاقتصاد العالمي، ومعرفة السياسة وغير ذلك، هي من مميزات المجتهد الجامع»)[845](.
«الأهداف الأساس هي كيف نستطيع تطبيق أصول الفقه المكينة في عمل الفرد والمجتمع، وأن يكون عندنا جواب للمعضلات. إن كل ما يخشاه الاستعمار هو أن يصبح للفقه والاجتهاد بُعداهما العيني والعملي»)[846](.
«عليكم أن بتذلوا جهودكم لكيلا يتهم الإسلام ـ لا سمح الله ـ في خضم التعقيدات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية، بأنه غير قادر على إدارة العالم»)[847](.
مجيد أميني
الشاه إسماعيل الثاني
بعد وفاة الشاه طهماسب الذي دام حكمه أكثر من نصف قرن تولّى السلطة بعده ولده إسماعيل الثاني.
وبالرغم أنَّ هذا الحاكم الجديد لم يبقَ في السلطة إلاَّ تسعة عشر شهراً فقط (حكم من 27 جمادى الأولى 984هـ/ 22 آب 1576م، حتى 5 ذي الحجة 985هـ/13 شباط 1578م)، إلاَّ أنَّ الأحداث التي ارتبطت بحكمه كانت أحداثاً مثيرة.
قيل إنَّ إسماعيل الثاني كان قد سجنه أبوه في قلعة قهقهة الإيرانية مدّة من الزمن بسبب الصراعات القائمة بين قبائل القزلباش، وبعد توليه السلطة أراد الانفراد بالحكم أمام المنافسين من أبناء عائلته، فأوقع فيهم القتل، وتتبعهم في البلدان، ولم يسلم منه إلاَّ أخوه محمد خدابندة (الذي كان يعاني من ضعف البصر)، وولده الصغير عباس (الذي أصبح فيما بعد الشاه عباس الكبير).
أراد الشاه إسماعيل الثاني أن يُغيّر بعض الممارسات التي سادت في الدولة الصفوية من مظاهر اعتقادية معادية للسُنَّة، والتي أصبحت جزءاً من الحياة العامة فأُتُّهم من قبل خصومه بالتسنُّن، وخروجه عن المذهب الإمامي الذي التزم به آباؤه وأجدادُه.
ففي الشهور الأولى من حكمه نُقلَ أنَّه قتل الكثيرين من أبناء أسرته الذين كانوا يتولّون مناصب مهمة في عهد أبيه طهماسب.
وممن قُتل على يديه الأمير إبراهيم ميرزا الصفوي بن بهرام بن الشاه إسماعيل (قتل في 5 ذي الحجة سنة 984هـ/ 24 شباط 1577م)، وكان هذا الأمير قد اقترن بابنة الشاه طهماسب كوهر سلطان خانم، والتي هي أخت الشاه الحالي (إسماعيل الثاني).
وكان الأمير إبراهيم من كبار العلماء والشعراء، صاحب مواهب مُبهرة، شغل حكومة خراسان حتى عام 979هـ/ 1572م، ولمدّة اثنتي عشرة سنة، كما قُتل معه أحد عشر شخصاً من أبناء العائلة المالكة.
نقلت بعض المصادر الفارسية أنَّ الأمير إبراهيم ميرزا الصفوي كانت له معرفة بالفنون، وأغلب الصنائع والأعمال اليدوية، مضافاً إلى العلوم العقلية التي يُتقنُها، وكانت له أيضاً معرفة في العلوم الرياضية من الحساب والنجوم، والأدبية من العروض والشعر، وله ديوان شعر كبير في اللغتين الفارسية والتركية. كما أنَّ له مؤلفات مهمة أصبحت من المصادر التي اعتمد عليها المؤلفون بعده مثل كتابه (فرهنك إبراهيمي) في تراجم الشعراء.
ويقال إنَّه كتب للشاه إسماعيل الثاني قبل مقتله شعراً بالفارسية معناه: لا تُلطِّخ يدك بالدماء، ففوق يدك يد، والفَلكُ لم يصنع تاجاً ذهبياً لأحد، إلاَّ ووضع التراب على رأسه آخر المطاف.
وبسبب أعمالك القبيحة لا يمكن أنْ يطول عُمرك. إنَّ كلّ ما بيني وبينك هو أنْ يكون قبري بعد شهور أعتق من قبرك. لقد بنيتَ بناءاً قلعتَ به ركائز أسرتنا، يا صاحب الأساس الخرب، ما الذي بنيته)[848](؟!
وبسبب مبدأ العنف الذي انتهجه الشاه إسماعيل الثاني وصراع أطراف القوى القتالية القزلباشية فيما بينها للاستيلاء على العرش، فقد حدث تنافر بينه وبين الأجنحة القوية الأخرى التي تقف على رأسها بعض الشخصيَّات الدينيَّة المُتنفّذة.
إنَّ أهم فقيه اقترن بمواجهته للشاه إسماعيل الثاني هو السيد حسين المجتهد (ت: 1001هـ/ 1593م)، كما نُسبت قصة مقتل الشاه إليه.
تعاظم نفوذ السيد حسين المجتهد في الدولة الصفوية أيام الشاه عباس الكبير حتى أصبح الشخصيَّة الدينية الرسمية الأولى في الدولة، ولُقِّب بلقب «خاتم المجتهدين»، كما لُقِّب بالمفتي أيضاً.
والسيد حسين المجتهد هو سبط المحقق الكركي الذي كان له دور في الأحداث الدائرة قبل هذه المرحلة بما يقرب من نصف قرن حتى قيل إنَّه قُتلَ بالنجف على يد بعض أمناء الدولة عام 940هـ/1534م.
وكان الشاه إسماعيل الثاني قد صادر مكتبة السيد حسين المجتهد مع جميع أملاكه مما سبَّب غلياناً شعبيَّاً تجاه سياسته هذه لما يتمتع به هذا المجتهد من قاعدة شعبية واسعة.
ورد في النصوص المتناقلة أنَّ إسماعيل الثاني ساء ظنُّه بجميع علماء الإمامية، خاصة بالسيد حسين المجتهد، وسائر علماء الشيعة من أهل استراباد الغالين في التشيع، والتبري من أعداء آل محمد، وكان يؤذيهم، ويظهر لهم العداوة، وأخرج بعضهم من معسكره.
كما أمر بجمع كتب الأمير السيد حسين المجتهد، والختم عليها. وقد أخرجوه من منزله، وجُعلَ بيتُه من البيوت العامة التي يأوي إليها النزلاء)[849](.
كما ورد نصٌ آخر يذكر أنَّ الشاه أخرج بالقوة صناديق مقفلة مملوءة بالكتب من بيت السيد المجتهد، واستولى عليها، ولما تُوفيَ حملها أصحاب السيد المجتهد إليه مرَّة أخرى)[850](.
والسبب فيما نُقل أنَّ السيد حسين المجتهد كان قد عارض الشاه في مسألتين:
الأولى: محاولة الشاه لمنع «التبرائيين» الذين كانوا بمثابة جماعة تُشكِّل موكباً يسير أمام بعض الشخصيَّات الرسميّة، ومن مهامهم الهتاف بالصلوات على آل البيت، ولعن خصومهم من الخلفاء، وغيرهم.
والتبرَّائيون كلمة مأخوذة من (التبرِّي)، أي إظهار النفرة من خصوم أئمة أهل البيت عليهم السلام ومغتصبي الخلافة الإسلامية.
وقد نقل الخوانساري: «أنَّ الشاه إسماعيل أرسل إلى السيد حسين المجتهد أحد (جلاوزته) الملعونين يأمره بمنع (التبرائيين) الذين كانوا يمشون قدّام مواكب شرفاء تلك الأيام باللعن والسلام ـ عن ذلك العمل، ويهدّده بالقتل والضرر الشديد، متى لم يقبل. فأجاب جناب السيد المعظم لو شاء الملك أنّ يأمر بقتلي فليفعل، حتى يقول أناس سيأتون من بعدنا: لقد قتل يزيدٌ ثانٍ حسيناً ثانياً، ويلعنوه كما يلعنون يزيدهم الزنيم الأول»)[851](.
الثانية: تغيير العملة المنقوش عليها أسماء الأئمة الاثني عشر، والتي لم ينجح بتغييرها)[852](.
فقد نقلت المصادر الشيعية ـ كما هي عادتها في تفسير الأحداث السياسية تفسيراً مذهبياً بحتاً ـ أنَّ الشاه إسماعيل الثاني لما أراد تغيير (السكَّة) المنقوش عليها أسماء الأئمة المعصومين برَّر عمله في محضر أمرائه وقوَّاده أنَّ هذه (النقود) قد تقع في أيدي الكفرة الأنجاس وتمُسُّها جوارح غير المتدينين من الناس مما يخالف قدسيتها.
وكان السيد حسين المجتهد حاضراً، فاقترح على الشاه أنْ يكتب بيتاً لأحد شعراء الفارسية في لعن الخلفاء الثلاثة حتى لا يضرَّ وقوعه في أي (كنيف).
يُنقل أنَّ الشاه ازداد عليه غيظاً، وتحيَّنَ الفرصة للخلاص منه)[853](.
كما نُقل أنَّ الشاه حاول قتل المجتهد بإحدى الطرق غير المثيرة للشكّ، حيث حُبس في حمّام حار حتى زُعمَ هلاكه، لكنه نجا من ذلك بأعجوبة)[854](.
وقد ارتبطت قصة مقتل الشاه إسماعيل بالسيد المجتهد، وعُدّت من كراماته الدينية، حيث كان مقرّراً ـ كما تنقل النصوص ـ أنْ يُقتلَ السيد حسين المجتهد على يد الشاه إسماعيل الثاني، إلاَّ أنَّ الشاه مات قبل أنْ يُحقق مأربه فيه.
حاولت المصادر المكتوبة بعد مقتل الشاه إسماعيل الثاني أنْ تجتهد في تفسير مقتله بما يقلل من مكانته الاجتماعية، ويزيد في نفوذ خصومه، فنُقلَ أنَّ السيد حسين المجتهد كان قد اشتغل بقراءة دعاء العلوي المصري الذي هو مجرب في دفع الأعداء، ثم لمَّا دخل شهر رمضان (ليلة الثالث منه)، خرج الشاه في الليل من بيته إلى السوق تنزُّهاً مع معشوقه المعروف (بحلواجي أوغلي)، وأكل من البنبج، ومن سائر الغيرات المحرّمة شيئاً وافراً، فاختنق وضاق عليه التنفس في الطريق، ولذلك لما أرجعوه إلى بيته خرج من أنفه وحلقه دمٌ كثير، وكان أوان وفاته طلبوا السيد الجليل الأمير السيد حسين المجتهد في ذلك السحر إلى جنازته، فلما دخل السيد أمر بتغسيله وتكفينه، (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا) )[855](.
ومثل هذه المنقولات، وغيرها هي صدى للإشاعات السياسية التي كانت تتناقلها الأطراف المتنازعة في تلك المرحلة، إذا لم تكن قد وُضعتْ بعدها.
وبسبب السياسة التي انتهجها الشاه إسماعيل الثاني في التعامل مع خصومه السياسيين المتعددي المشارب فإنَّ الاتهامات المذهبية وُجِّهتْ إليه بقوة في محاولة لأضعاف سلطته وإجهاضها. فقد أُتُّهم بالتسنن، ومحاولة القضاء على مذهب آبائه وأجداده.
وهذه الاتهامات نشأت طبقاً لبعض الممارسات التي حاول الشاه أنْ يحدّ منها في محاولة للقضاء على نفوذ الشخصيَّات التي ما زالت تتمتع بسلطة خارج سلطته في منظومة الدولة الجديدة التي تحاول أنْ تُضخِّم أدواره، وتنقلها من مدار المواجهة السياسية إلى مدار المواجهة المذهبية.
كما إنَّ بعض الشخصيَّات التي استغلَّتها الدولة العثمانية تجاه الصفويين ممن كان لها الارتباط بالشاه إسماعيل الثاني، أمثال رئيس وزرائه أشرف معين الدين المعروف بالميرزا مخدوم الجرجاني (947 ـ 995هـ/ 1541 ـ 1587م) كان لها الأثر في ترديد مقولة تسنّن الشاه.
وقد نُقلتْ هذه النصوص في الكتب التأريخية نتيجة للصراعات المحتدمة دون أنْ تفرز حقيقة هذه الصراعات وأسبابها السياسية لغرض معرفة تفسير الأحداث بشكلها الواقعي.
إنَّ كُلَّ هذه المُدَّعيات المنقولة من جهة، وصراعات الفقهاء الكبار مع الشاه من جهة ثانية جعلت صورة إسماعيل الثاني المتمرد الأول في سلسلة الملوك الصفويين. كما إنَّ عدم استمراره في الحكم لمدة طويلة كان سبباً آخر لنمو هذه المدّعيات لاندحاره السياسي أمام خصومه داخل الجهاز المعارض، والقضاء على حكمه بعد تلك الفترة الوجيزة التي حكم فيها، والتي لا تتجاوز تسعة عشر شهراً فقط.
ازداد نفوذ السيد حسين المجتهد بعد مقتل الشاه إسماعيل الثاني. وبالرغم أنَّ أخباره السياسية خَفَتَتْ بعد هذه الفترة، إلاَّن أنَّ نتاجاته العلمية الزاخرة تناقل أسماءها المؤلفون، ومدونو التاريخ والتراجم لرجال تلك المرحلة.
فقد عُرف بغزارة الكتابات والتأليف، وله من المؤلفات الفقهية والكلامية والعقائدية، وغيرها الشيء الكثير. ومن مؤلفاته رسالة «اللمعة في أمر صلاة الجمعة» ألَّفها للشاه طهماسب سنة 966هـ/1559م، وكان يومذاك بمدينة أردبيل)[856](.
وقد نُسبت إليه بعض المؤلفات المذهبية المندرجة تحت عنوان الصراع الطائفي بين السُنَّة والشيعة في محاولة لإظهار الطائفية السياسية للدولة من خلال تنظير قادتها. من ذلك: كتاب «دفع المناواة عن التفضيل والمساواة» في شأن الإمام علي ابن أبي طالب بالنسبة لمقارنته بالنبيّ والأئمة والملائكة والأنبياء)[857](، كتبه سنة 959هـ/1552م، ورسالة في جواب مَنْ سأله عن «نجاسة أهل السُنَّة، وحرمة ذبيحتهم»، وكذلك كتابه «نقض دعامة الخلاف في كفر عامة أهل الخلاف»، وكان هذا الكتاب جواباً لسؤال وجَّهه الشاه طهماسب إليه لمعرفة الأصول التي يستند عليها الإفتاء في هذا المجال.
وكان الشاه طهماسب قد كتب في سؤاله رسالة أثنى فيها على السيد المجتهد، وعظَّمه غاية التعظيم)[858](.
ومن جوابات استفتاءاته الكثيرة رسالة بعنوان «في بيان حال أهل الخلاف في النشأتين»، حيث حكم بكفرهم، ونجاستهم)[859](.
ويبدو أنَّ المكانة العلمية التي اشتهر بها منذ عهد الشاه طهماسب جعلت المصادر الرسمية تُضفي عليه ألقاباً كبيرة، حيث لُقِّب بسيد المحقّقين، وسند المدققين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، خاتم المجتهدين. ونُقلَ أنَّ اسمه في السجلات الرسمية كان يُكتب مقروناً بهذه الألقاب.
إلاَّ أنَّ معاصريه من المجتهدين لم يكونوا مُسلِّمين له هذه الدعاوى، وإنْ لم يقدر أحد على مواجهته)[860](.
كان السيد حسين المجتهد معاصراً لطبقة عالية من المجتهدين أظهرهم خاله الشيخ عبد العالي (926 ـ 993هـ/1520 ـ 1585م) ابن المحقق الكركي، وعبدالله التستري، والسيد علاء الملك المرعشي.
وكان هؤلاء المجتهدون من المقرَّبين إلى الشاه طهماسب، ويشغل بعضهم مناصب قضائية في الدولة)[861](. كما كان آباء هؤلاء الفقهاء هم أيضاً من أركان الدولة الصفوية قبل هذه المرحلة)[862](.
تقلَّد الشيخ حسين المجتهد منصب شيخ الإسلام في مدينة (أردبيل) في عهد الشاه عباس الصفوي، وبعد مضي أربع سنوات من تقلُّده المنصب تُوفيَ بالطاعون الجارف الذي أصاب مدينة قزوين عام 1001هـ/ 1593م، وانطوت بموته صفحة من صفحات الصراع بين الفقيه والسلطان، والتي كانت نتائجها مُنْصَبَّةً لصالح الفقهاء.
د. جودت القزويني
الشاه إسماعيل الصفوي
يعتبر أبو المظفر الشاه إسماعيل الصفوي أول الملوك الصفويين الذين توحَّدت البلاد الإيرانية تحت سلطتهم. فقد تولّى الحكم عام 906هـ/ 1501م، وهو ابن الخامسة عشرة، واستطاع وهو بتلك السن أنْ يوطّد دعائم إمبراطورية كبيرة جمعت القبائل الموالية تحت مظلته الروحانية، المستمدة قوّتها من سلسلة آبائه التأريخيين. فبدأ زعماء القزلباش منذ عام 905هـ/ 1500م، مستمدّين من الرمز الصفوي طريقاً لفتوحاتهم بتوحيد الأراضي، وضمّها إلى بلاد فارس، فبدأ بفتح شيروان عام 906هـ/1501م، ثم آذربيجان عام 907هـ/1502م، واستولى على أكبر مدنها تبريز، واتخذها عاصمة لحكمه.
وعندما دخل موكب الشاه إسماعيل أوائل سنة 907هـ/1502م مدينة تبريز هبَّ أهلها لاستقباله، وتقديم فروض الطاعة له، وجلس على العرش متوِّجاً نفسه ملكاً لإيران.
وقرَّر الشاه أنْ تكون الخطبة باسم الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، والأئمة الاثني عشر، ومن ثم اسمه.
كانت تبريز يومذاك يتقاسمها الشيعة والسنة، ورغم كثرة الشيعة إلاَّ أنَّ المناصب الدينية والقضائية كانت بأيدي علماء السُنّة من الشافعيين والحنفيين حيث كان موقف حكامها داعماً للتيار السني وتقويته مقابل نفوذ القزلباش الذي بدأ يظهر في صراعه مع السلطان يعقوب بن السلطان أوزون)[863](.
ثم زحف عام 914هـ/1508م على بغداد، وقضى على حكم الدولة البايندرية (آق قوينلو التركمانية) الذي دام أربعين عاماً، أي منذ عام 874هـ/ 1470م.
كما استطاع أنْ يقضي على قوة الأوزبك في هراة وخراسان بعد اندحار زعيمها محمد الشيباني عام 916هـ/1510م، وسقوط مدينة مشهد)[864](.
بالغت النصوص في نسبة الاضطهاد المذهبي لخصوم الصفويين، فذكرت أنَّ جنود القزلباش كانوا يلازمون المساجد أيام الجمعة، وأوقات الصلاة في الأيام الأخرى طوال ثلاثة أشهر لمراقبة الخطباء، وما يلقونه من خطب. فإذا أتى أحدهم بعمل مخالف للأوامر الصادرة، أو أنكر شيئاً من تعاليم الشيعة بادروا إليه بسيوفهم أمام أعين الحاضرين.
ونُقل أيضاً أنَّ بعض الخطباء رفض الانصياع للأوامر فضُربت أعناقهم على رؤوس الأشهاد، فأصيب الخطباء الآخرون بالخوف والهلع فلاذ بعضهم بالفرار، واختفى آخرون، وانصاع بعضهم للأمر الواقع فخطبوا باسم الأئمة الاثني عشر، وأدخلوا في الأذان عبارة (أشهدُ أنَّ علياً وليّ الله) )[865](.
والواقع أنَّ نسج مثل هذه القصص الموهومة هي في حدّ ذاتها تكذب ذاتها. خصوصاً إذا تضمنت مشاهد درامية كالتي تحملها هاتان المرويتان.
وسيتكرّر الحال بتطبيق المرويات نفسها على العثمانيين أيضاً.
كانت مدينة بغداد قد وقعت تحت سلطة الدولة البايندرية (آق قوينلو) عندما فتح السلطان حسن الطويل (ت: 882هـ/ 1477م) بغداد على يد ابنه الأمير مقصود بيك في عام 874هـ/ 1470م، وهي السنة التي ابتدأ حكم الدولة البايندرية (آق قوينلو) فيها.
كان حسن الطويل ـ المعروف بأوزن ـ حاكماً في أنحاء ديار بكر، وعندما وقعت مدينة بغداد تحت سلطته لُقِّب بـ (ملك العراق) )[866](.
وقد تولّى السلطة بعده بعض أولاده السبعة، منهم السلطان خليل (882 ـ 883هـ/ 1477 ـ 1478م) الذي كان والياً بفارس، وولياً للعهد. وقد حكم ثمانية شهور فقط، جلس على تخت آذربيجان، وملكَ جميع ما ملكه أبوه من البلاد، وقد فوّض إيالة ديار بكر لأخيه يعقوب بك، كما جعل بغداد لابن عمه مراد بن جهانكير)[867](.
ثار يعقوب على أخيه السلطان في ديار بكر، وسار إلى آذربيجان، ووقعت بينهما معركة انتصر فيها يعقوب بعدما قتل أخاه السلطان خليل، وقطَّع جسده)[868](.
واستقر أبو المظفر السلطان يعقوب بهادرخان على سرير الملك في دار السلطنة (تبريز) حتى وفاته سنة 896هـ/1491م.
كانت الصراعات دائرة بين الصفويين قبل تشكيل إمبراطوريتهم، وبين هؤلاء الزعماء الناشئين؛ فقد حدثت معركة بينه وبين السيد حيدر الصفوي عام 893هـ/1488م عندما سار بجيشه للسيطرة على مدينة شيروان، وكانت شيروان تحت سلطة السلطان فرخ يسار ابن الأمير خليل الله، فاستجار بالسلطان يعقوب الذي جهَّز قوة قوامها أربعة آلاف فارس بقيادة سليمان بيك التركماني. وفي حدود طبرستان وقعت الحرب بين الطرفين، فقُتل السيد حيدر، وأُلقي القبض على أولاده)[869](.
كما حدثت معركة ثانية في مرحلة حكم رستم بيك بن مقصود بيك بن الأمير حسن الطويل (898 ـ 902هـ/ 1493 ـ 1497م)، كان السلطان علي بن السيد حيدر يقود الصفويين فيها، وكانت الغلبة هذه المرَّة لرستم أيضاً، حيث قُتل السلطان علي مع أخوته، ولم ينجُ منهم سوى إسماعيل)[870](.
وبعد تولّي السلطان مراد بن يعقوب حفيد حسن الطويل (905 ـ 914هـ/ 1500 ـ 1508م) ظهرت في عهده الدولة الصفوية، بعدما أخضع الشاه إسماعيل العراق لسيادته بعد سيطرته على بلاد فارس، وآذربيجان، كردستان، خراسان، وديار بكر. وقد استطاع أنْ يتغلّب على مراد بك)[871](، ويقضي على دولة الخروف الأبيض (آق قوينلو) بعد حكم دام أربعين عاماً.
أصبحتْ مدينة بغداد بعد مقتل السلطان مراد تحت سلطة باريك بيك البايندري، ولم يخضع باريك لنفوذ الشاه إسماعيل في محاولة للانفراد بالسلطنة.
وعندما توجَّه الشاه إسماعيل لفتح بغداد أرسل أحد قوّاده إلى باريك فأبدى له الطاعة لكنَّه حاول التحصّن، فألقى القبض على مجموعة من الموالين للصفويين، كان على رأسهم السيد محمد كمونة (نقيب أشراف بغداد). إلاَّ أنَّ باريك هرب عن بغداد عندما دخل الجيش الصفوي المدينة فاحتفل أهالي بغداد بالفتح الصفوي الجديد.
عند انهيار سلطة باريك بيك أطلق أهالي بغداد سراح السيد محمد كمّونة، وسُلِّمت مقاليد الأمور إليه ببغداد. وقد خطب باسم الشاه إسماعيل، وقدَّم له الولاء.
وعندما وافى الشاه إسماعيل بغداد في 25 جمادى الثانية سنة 914هـ/ 21 تشرين الأول 1508م، نحرَ أهالي بغداد له الذبائح، وفرح بمقدمه السواد الأعظم، واحتفلوا بقدومه)[872](.
وفي اليوم التالي من قدوم الشاه إسماعيل ذهب لزيارة المراقد المقدّسة في كربلاء، والنجف، والكاظمين، وسامراء، وقد أمر بصنع الصندوق المذهب للحضرة الحُسينية، وأوقف فيه اثني عشر قنديلاً من الذهب، وفرش رواق الحضرة بأنواع المفروشات القيّمة)[873](.
وقد ورد في كتاب (زندكاني شاه إسماعيل)، بعض التفصيل عن هذه الزيارات التي تكشف عن تصرفات الشاه في تلك الأماكن الشيعية المقدسة، منها: أنه دخل روضة سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، واشتغل بالدعاء والمناجاة، وكان يشارك في القيام بأعمال فرش الحرم بسجاد من الحرير، مثله في ذلك مثل الخدم والبوّابين، وقد اعتكف في الحرم منشغلاً بالعبادة.
ومنها: أنَّه عندما توجّه إلى النجف الأشرف، ولاحت لناظريه مشارف القباب ترجّل مسرعاً إلى المرقد المقدس، وتشرّف بزيارته، والدعاء تحت قبته، وأجزل عطاءه على جميع سكان النجف)[874](.
د. جودت القزويني
الشُبَّرُ محدّثاً
ملخص البحث
كمال الإنسانية رهين الجهود والنشاطات المتواصلة لأبنائها الأفذاذ الممتازين الذين وقفوا أعمارهم على المطالعة والبحث والتحقيق كي يكشفوا عنها غياهب الظلمة والديجور ويفتحوا أمامها أبواب الضياء والنور.
الاطلاع على أحوال العلماء الماضين وسبر آثارهم يساعد الباحثين كثيراً على مضاعفة جهودهم في مواصلة الطريق التي قطعها أولئك العلماء في ظروف صعبة حالكة جداً.
يعتبر المرحوم السيد عبدالله شبّر من علماء الشيعة الأفذاذ الذين احتضنهم القرن الثالث عشر، إلاَّ أنّ الكثير لا يعرفه إلاَّ بتفسيره المختصر السهل للقرآن الكريم أو على الأكثر بكتابه «الأخلاق»، أما بالنسبة إلى اضطلاعه بأكثر العلوم الدينية وتبحّره فيها، وورعه ونشاطه المتواصل الجادّ ضد الانحرافات الفكرية في زمانه فالكثير لا يعرف عن ذلك شيئاً، وهدفنا في هذه الوريقات:
1 ـ تبيين أبعاد شخصيته العلمية بصورة مجملة مشيرين إلى ذكائه في معرفة الطريق المناسب والأفضل في هداية الناس وإرشادهم والجهاد ضد انحراف الأخباريين، ثم بيان الكتب والآثار العديدة التي خلفها في ميدان العلوم الإسلامية المختلفة.
2 ـ تبيين شخصيته العلمية في مجال «معرفة الحديث» ثم تبيين آثاره العلمية في الحديث وخاصة بيان أثرين مخطوطين هما «جامع الأخبار» و«دراسة الحديث» اللذين لم يُطبعا بعد.
إلمامةٌ بحياته
في سنة 1188 للهجرة فتح السيد عبدالله شبّر عينيه على هذه الدنيا في مدينة النجف الأشرف في عائلة عرفت بالعلم والفضيلة، فاحتضنته هذه المدينة مدة من الزمان، ثمن ارتحل مع أبيه إلى مدينة الكاظمية، وكان أبوه السيد محمد رضا من العلماء من أحفاد الإمام زين العابدين عليه السلام.
فلمّا استقرّ به المكان في هذه المدينة تتلمذ لكبار علمائها أمثال (المقدّس الكاظمي) و«السيد محسن الأعرجي» واستطاع أن يحصل على إجازة رواية الحديث من مشايخ علماء عصره أمثال «الشيخ جعفر كاشف الغطاء».
وقد تتلمذ لديه عشرات الطلبة الذين أصبحوا فيما بعد الأساتذة الكبار في العلوم الإسلامية ومن أساطين العلماء.
لمع اسم السيد عبدالله شبّر في عصره في مضمار العلوم الإسلامية كالفقه والأصول والحديث والتفسير والفلسفة والكلام واللغة والأدب والتاريخ حيث أصبح مركز الدائرة للعلماء ومرجعاً فقهياً لعامة الناس، يؤمّهم في الصلاة ويفتي بينهم في القضاء ويتعهدهم في إصلاح ما فسد من أمورهم.
أغمض السيد عبدالله شبّر عينيه غمضتهما الأخيرة في مساء يوم من أيام الأربعاوات من شهر رجب سنة 1242 للهجرة عن عمر ناهز أربعة وخمسين عاماً، ودفن في مثواه الأخير إلى جانب مرقد أبيه في غرفة خزانة رواق الحرم الكاظمي الشريف. [الطهراني طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص777 و778].
تآليفه
عند النظر في المصادر والمراجع المختلفة نعثر على فهرس طويل لآثار وتأليف هذا العالم الشهير يتجاوز السبعين أثراً [انظر المامقاني، تنقيح المقال، ج2، ص212، 213، الطهراني، الذريعة ج1، ص286 و376 و520، ج2، ص52 و178 و189 و190 و248 و428 و456، ج3، ص100 و101 و438 و…، طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص777 ـ 778، رسالة محمد بن مال الله معصوم في مقدمة الأخلاق، ص5 ـ 17، شبّر، تفسير وجيز، ص32 ـ 36].
جاء في مقدمة ترجمة كتابه (الأخلاق) ما معناه:
«عندما يقف المرء على النتاج العلمي الذي خلّفه هذا الرجل الفذّ وعندما يتصور عدد مؤلفاته التي تتجاوز السبعين وعندما ينظر في مدة عمره التي لم تستغرق أكثر من 54 عاماً، يستولي عليه إعجاب لا حدّ له بحيث يتمثّل له في مخيلته أساطين العلماء، أمثال «العلاّمة الحلّي» و«العلاّمة المجلسي» وفي الحق يجب أن نذعن بأنّ النموذج الثالث لهذين العالمين الممتازين لا يمكن أن يتوفر إلاَّ في المرحوم السيد عبدالله شبّر». [الأخلاق، ص8 ـ 9].
تقسيم آثاره
خلّف لنا المرحوم السيد عبدالله شبّر آثاراً ومؤلفات مختلفة يمكن تقسيمها على النحو التالي:
له في الأخلاق والعبادات والدعاء ما يقارب من 20 أثراً وهي تشكّل ثلث آثاره.
له في أصول الدين والعقائد ما يقارب من 10 آثار وهي تشكل سدس آثاره.
له في أصول الفقه والفقه ما يقارب من 15 أثراً وهي تشكل خمس آثاره.
له في الحديث وعلم الرجال والدراية 10 آثار وهي تشكل سدس آثاره.
له في التاريخ والقصص 5 آثار وهي تشكل 14/1 من آثاره.
وله في علوم القرآن والتفسير 4 آثار.
وله رسائل أيضاً في بعض العلوم الأخرى كالطبّ والنجوم وكذلك له رسالة في تقديم التعازي والسلوان في المصائب، كما تجدر الإشارة إلى أن بعض آثاره يحوي موضوعين أو أكثر كما نجد ذلك في مؤلفه «الأنوار الساطعة في العلوم الأربعة» الذي يبحث في الفقه والأخلاق والعقائد وعجائب المخلوقات.
مما تجدر ملاحظته أن بعض مؤلفاته التي ذكرتها كتب الفهارس والرجال تتشابه من حيث الاسم، وباعتبارها غير مطبوعة ولا يمكن الحصول عليها بسهولة فمن الممكن أن تكون مؤلفاً واحداً مثل «تحيّة الزائر» و«نخبة الزائر» و«تحفة الزائر» وكذلك الحال في الأرقام السابقة الذكر فإنها لا تخلو من التقريب والتخمين.
الموهبة الموسوية أو الحسينية
ذكر المحدث النوري في «دار السلام» نقلاً عن المرحوم شبّر ما معناه:
«إنّ سبب كثرة مؤلفاتي راجع إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام بذلك فقد رأيته في المنام وقد أعطاني قلماً وقال لي أكتب، وقد ورد عنهم عليه السلام من رآنا فقد رآنا فإن الشيطان لا يتمثل بصورنا ومن ذلك الوقت بدأت في كتابة هذه الآثار القيّمة وكل هذه الآثار التي كتبتها هي من بركة ذلك القلم المبارك». [القمي، الكنى والألقاب، ج2، ص352، سفينة البحار، ج2، ص137، دار السلام، ج2، ص250].
جاءت هذه الموهبة في مقدمة كتاب «الأخلاق» منسوبة إلى الإمام الحسين عليه السلام على النحو التالي:
«لقد اجتمع السيد مع بعض العلماء «وكان قد فرغ من قراءة الفاتحة للشيخ المفيد وشيخه ابن قولويه، فقال له ذلك العالم: يا سيدنا إني أريد أن أسألك عن مسألتين: عن أمر المعيشة، وسرعة التصنيف، فأجابه السيد بأن أمر المعيشة موكول إلى الله عزَّ وجلَّ، وأما سرعة التصنيف: فإني قد رأيت الإمام سيد الشهداء أبا عبدالله الحسين عليه السلام في عالم الرؤيا، فقال لي: أُكتب وصنّف، فإنه لا يجفّ قلمك حتى تموت. وهذه الرؤيا صحيحة لأنه ورد عنهم عليهم السلام: «أن الطّيف جزء من سبعين جزءاً من النبوّة». ويضيف الكاتب قوله: وكان الأمر كذلك فإنه رحمه الله إلى مرض موته كان يكتب ويصنّف. [محمد بن مال الله، مقدمة الأخلاق، ص11].
شهرته بالمجلسي الثاني
نُقل أنه قد ذُكر اسم العلاّمة «الحلّي» في مجلس العلاّمة المجلسي، وقيل عنه إنه إذا أردنا أن نجمع آثار العلاّمة الحلّي ونعدها من يوم ولادته إلى حين وفاته، فيجب أن يكون قد كتب في كل يوم كراساً إضافة إلى أنه كان يتعهد الناس في رفع احتياجاتهم وإنه كان يجتمع بولاة الأمر وغير ذلك من الأعمال والمقابلات. فقال العلاّمة المجلسي: إن كتاباتنا وآثارنا بحمد الله لا تقل عن كتاباته. [مقدمة الأخلاق، ص10].
ويضيف السيد محسن بن مال الله قائلاً:
«وسيدنا المذكور إذا تأملت في تصانيفه تراها لا تقصر عن ذلك مضافاً إلى عبادته ومخالطته للناس وقيامه بمطالبهم وفصل دعاويهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم ومراجعة الملوك لما يتعلق بمصالحهم، فهو آية من آيات الله للعباد وهادٍ لهم إلى طريق الرشاد، ولقد كان يجلس في المجلس العام ويصنف والناس جالسون عنده وهو يلاطفهم ويكلّمهم كل بما يليق بما له، وتأتي في خلال ذلك الدعاوي فيفصلها ويقضي بها على وفق أوامر الله، كل ذلك لا يشغله عن التصنيف والتأليف. [مقدمة الأخلاق، ص10].
إذن فأحد وجوه الشبه بينه وبين العلاّمة المجلسي هو كثرة التآليف وهناك وجه آخر في سبب شهرته بالمجلسي الثاني هو أنه ألّف موسوعة على أسلوب «بحار الأنوار» اسمها «جامع المعارف والأحكام».
إن هذه الموسوعة «جامع المعارف والأحكام» التي ألّفها على أسلوب «بحار الأنوار» تبيّن بشكل واضح أنه رحمه الله كان قد حذا في تأليفها حذو المرحوم المجلسي في كل النواحي سواء في ذلك الناحية الفكرية والناحية الأدبية، بحيث اكتسب بسبب ذلك لقب «المجلسي الثاني». [الأخلاق، ص8 و9].
ذكر ذلك المرحوم الشيخ عباس القمي (صاحب مفاتيح الجنان) في كتاب سفينة البحار فقال: «المولى الأجل السيد عبدالله بن السيد محمد رضا الحسيني الشبّري الكاظمي، الفاضل الجليل والعالم النبيل والمتبحّر الخبير والفقيه النبيه، العالم الرّباني المشتهر في عصره بالمجلسي الثاني». [سفينة البحار، ج6، ص78، الأخلاق، ص9، طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص777 و778].
أرجحيته بالنسبة إلى العلاّمة المجلسي
على أساس النقل العام والمشهور عن العلاّمة المجلسي أنَّه كان يستخدم جماعات خاصة ـ حسب الحاجة ـ للكتابة والتحقيق والبحث العلمي في حين أن العلاّمة السيد شبّر كان يقوم بهذه المهام بمفرده. [الأخلاق، ص10].
شهرته العلميّة
ومع أنّ أغلب الذين يعرفون اسم المرحوم شبّر ـ في هذا العصر ـ إنّما يعرفونه من خلال تفسيره الموجز المتوفر في أغلب مكتبات العلماء والباحثين، لكن شهرته العلمية البارزة في حياته كانت تتأتى إليه بسبب معرفته الحديث الشريف وتبحّره فيه.
وفي الحق أن اشتهاره ـ رحمه الله ـ بهذه الناحية العلمية الخاصة يعني [معرفة الحديث] ليس بمعنى أنّه كان ضعيفاً في باقي الفروع العلمية الأخرى، بل إنه كان يتعمد تقوية هذه الناحية العلمية وينمّيها ويركز عليها، ودليل عمله هذا، غير خاف على الواقفين على أوضاع الزمن آنذاك وعلى أحوال الفترة التي كان يعيشها رحمه الله.
ظروف حياته
من العوامل التي تسبب نجاح بعض علماء الدين في أعمالهم وشهرتهم في زمنهم هي تفهّم شروط الزمان والمكان ومعرفة نقاط الضعف والنقصان، والسعي الدائب في سبيل سدّ الحاجة ورفع النقص.
والمرحوم شبّر كان ينمّي ملكته في مجال الحديث الشريف وحذقه فيه ـ حسب مقتضيات زمنه ـ مستفيداً في ذلك كثيراً من نبوغه الخاص واستعداده الذاتي.
يصف المرحوم «محمد رضا المظفر» شروط الزمان وأوضاع الفترة التي عاشها المرحوم شبّر قائلاً:
«يمضي القرن الثاني عشر للهجرة على العتبات المقدسة في العراق، بل على أكثر المدن الشيعية في إيران التي فيها مركز الدراسة الدينية العالية ـ كأصفهان وشيراز وخراسان ـ وتطغى فيه ظاهرتان غريبتان على السلوك الديني: الأولى: النزعة الصوفية التي جرّت إلى مغالاة فرقة الكشفيّة)[875](، والثانية: النزعة الأخبارية.
وهذه الأخيرة، خاصة، ظهرت في ذلك القرن قوية مسيطرة على التفكير الدراسي، وتدعو إلى نفسها بصراحة لا هوادة فيها، حتى أن الطالب الديني في مدينة كربلاء خاصة أصبح يجاهر بتطرفه ويغالي، فلا يحمل مؤلفات العلماء الأصوليين إلاَّ بمنديل خشية أن تنجس يده من ملامسة حتى جلدها الجاف، وكربلاء يومئذٍ أكبر مركز علمي للبلاد الشيعية».
وفي الحقيقة إن هذا القرن يمرّ والروح العلمية فاترة إلى حدّ بعيد. [مقدمة جامع السعادات، ص: د، هـ].
ويضيف المرحوم المظفر قائلاً:
«وتنشأ الأخبارية الحديثة التي أول من دعا إليها أو غالى في الدعوة إليها المولى أمين الدين الأسترآبادي المتوفى 1033 للهجرة. ثم يظهر آخر شخص لهذه النزعة له مكانته العلمية المحترمة في الفقه هو صاحب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. [الشيخ يوسف البحراني، ح1186هـ ق].
وهذا الثاني ـ وإن كان أكثر اعتدالاً من الأول وأضرابه ـ كاد أن يتم على يديه تحول الاتجاه الفكري بين طلاب العلم في كربلاء إلى اعتناق فكرة الأخبارية هذه.
وعندما وصلت هذه الفكرة الأخبارية إلى أوجها، ظهر في كربلاء علم الأعلام الشيخ الوحيد الآقا البهبهاني، الذي قيل عنه بحق: مجدد المذهب على رأس المائة الثالثة عشرة. [المظفر، محمد رضا، مقدمة جامع السعادات، ص: ز].
إقدام السيد عبدالله شبّر
لقد جاهد المرحوم السيد عبدالله شبّر هذه الأفكار الباطلة وكافحها بأقصر الطرق وأقوى الأسلحة يعني بواسطة الإحاطة التامة بالأخبار والروايات ووعيها بصورة كاملة فهو ـ رحمه الله ـ قد استفاد من إحاطته بالأخبار والروايات وإدراكه إيّاها وتعمّقه في فهمها، قد استفاد من ذلك كسلاح قوي في صراعه الفكري والعقائدي ضد هؤلاء وقد خرج من هذا الصراع ـ خلافاً لغيره من الصراعات المملوءة بالهرج والمرج والصراخ والعويل ـ ظافراً منتصراً مكللاً بالنجاح لأنه استفاد من سلاح الخصم في صراعه معه.
إن السبب المهم في نجاحه الباهر في هذا الصراع هو اضطلاعه العجيب بالأحاديث والروايات وتسلطه عليها وتخصّصه التام في معرفتها ووعيها وتمحيصها، هذا الاضطلاع العجيب الذي أذعن الكل واعترف به وخاصة شيوخ الفرقة الأخبارية. قال تلميذه محمد بن مال الله:
«إنّه ـ طيّب الله ثراه ـ لكثرة ممارسته للأحاديث والروايات ومراجعته إيّاها بشكل دائم مستمر أصبح مضطلعاً بها اضطلاعاً كاملاً دراية ورواية، وقد اختبره في هذا المضمار جماعة من العلماء الممتازين المعاصرين له وذلك بقراءة نص الرواية وحذف سندها، فكان ـ قدس سره ـ يذكر تمام السند ويوصله بآل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وقد تكرر مثل هذا الاختبار كثيراً حتى خرج عن الحد والحصر وأثار اهتمام العلماء في ذلك الوقت بشكل بحيث اطمأنّوا إلى أن الإحاطة بسند الأحاديث بهذه الصورة ليست إلاَّ كرامة وموهبة منه تعالى خصّه بها». [مقدمة الأخلاق، ص9].
موقفه من الأخبارية
بهذا الاضطلاع والتبحّر وبهذا الحذق والمهارة التي استطاع عالمنا أن يحصل عليها في فهم الحديث دراية ورواية وبواسطة التآليف والرسائل التي دوّنها في الفقه الاستدلالي مثل «منية المحصّلين وأحقيّة طريقة المجتهدين» ومثل رسالة «فتح باب العلم والردّ على من يزعم انسداده» وكذلك «بغية الطالبين في صحة طريقة المجتهدين» بهذا الاضطلاع، استطاع أن يقف في وجه آفة الأخباريّة وأن يقاومها.
تآليفه في الحديث
وكما مرّ بنا سابقاً أن أحد الأسباب في تشبيه المرحوم شبّر بـ«العلاّمة المجلسي» كتابه «جامع المعارف والأحكام» الذي ألّفه على أسلوب وطريقة «بحار الأنوار».
ذكر الشيخ عباس القمي في سفينة البحار قائلاً ما مضمونه:
العلاّمة شبّر هو صاحب «شرح المفاتيح» وهو يضم عدة مجلدات وهو صاحب كتاب «جامع المعارف والأحكام في الأخبار» وهو يشبه «بحار الأنوار» لأنه يحوي جميع أخبار أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام وأنّه كتاب غريب على طراز عجيب، يستغني به من كان عنده عن جميع كتب الأخبار. [سفينة البحار، ص9، مقدمة الأخلاق، ص9].
ويذكر الشيخ آغا بزرك قائلاً: وهذا الكتاب هو أحد المجاميع الكبيرة المتأخرة عن «الوافي» و«الرسائل» و«بحار الأنوار». [طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص778].
وذكر المامقاني هذا الكتاب ـ في صدد الكلام عن المرحوم شبّر ـ في تنقيح المقال قائلاً:
«.. وله كتاب جامع المعارف والأحكام في الأخبار، جمع فيه أحاديث الأصوليين والفقه من الكتب الأربعة وغيرها، يشتمل على أربعة عشر مجلداً، مجلد التوحيد ثلاثون ألف بيت)[876](، مجلد الكفر والإيمان ثلاثة وثلاثون ألف بيت، مجلد المبدأ والمعاد خمسة وعشرون ألف بيت، مجلد الأصول الأصليّة اثنا عشر ألف بيت، الطهارة أربعة وعشرون ألف بيت، الزكوة والخمس والصوم عشرون ألف بيت، الحج خمسون ألف بيت، المزار عشرون ألف بيت، المطاعم والمشارب إلى الغصب خمسة عشر ألف بيت، الغصب والمواريث إلى الديات سبعة وعشرون ألف بيت، النكاح ثلاثون ألف بيت، المعاملات أربعة وعشرون ألف بيت، الخاتمة الرجاليّة عشرة آلاف بيت، ثم إنه اختصره بحذف الأسانيد وإسقاط المكرر وسمّاه ملخص جامع الأحكام يبلغ أربعين ألف بيت، ثم اختصره اختصاراً آخر يبلغ ثلاثين ألف بيت.
مجلد قصص الأنبياء عليهم السلام يقرب من مائتي ألف بيت، مجلد في أحوال خاتم الأنبياء صلَّى الله عليه وآله وسلم يقرب من أربعين ألف بيت، مجلد القرآن والدعاء يقرب الى ستين الف بيت، مجلد الطبّ المروي ثلاثمائة واثنين وستين ألف بيت، مجلد المواعظ والرسائل والخطب يبلغ سبعين ألف بيت». [تنقيح المقال، ج2، ص213].
تآليفه الأخرى في الحديث
كتب الأدعية والزيارات:
للسيد عبدالله شبّر رحمه الله آثار حديثيّة أخرى، بعضها يرتبط بشرح الزيارات والأدعية مثل «الأنوار اللاّمعة في شرح زيارة الجامعة» و«كشف الحجاب للدعاء المستجاب» في شرح دعاء السمات، وبعضها الآخر يرتبط بالآداب والأعمال مثل آداب الاستخارة وأعمال الليل والنهار. [انظر مقدمة تفسير وجيز، ص34 و35 ومقدمة الأخلاق، ص9].
شرح نهج البلاغة:
المرحوم شبّر هو واحد من علماء الشيعة المعدودين الذين وعَوا نهج البلاغة وعرفوا أهميته وقيمته لذلك أعاره اهتماماً خاصاً من حيث إنه يجب أن يطرح على الصعيدين العام والخاص ويجب أن يطّلع عليه العوام والخواص وكانت نتيجة ذلك الاهتمام أن شرحه شرحين أحدهما مفصل وكبير والآخر موجز وصغير. [الذريعة، ج14، ص134].
مشكل الحديث:
إنّ واحداً من فروع العلوم الحديثية التي أعارها العلماء سنّة وشيعة ـ من قديم الأيام ـ أهمية خاصة وألّفوا فيها كتباً عديدة هو شرح توضيح الأحاديث المشكلة أو المعضلة.
أكثر آراء علماء الحديث الشيعة المتقدمين ـ في هذا المضمار ـ توجد في ثنايا الكتب الحديثية، ولكن المرحوم شبّر ألّف كتاباً مستقلاً في هذا الموضوع تحت عنوان «مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار» يبلغ 22 ألف بيت، وقد طبع مرات وأخيراً في جزئين. [مقدمة تفسير وجيز، ص35].
دراية الحديث:
هناك أثر هامّ من آثار المرحوم شبّر المهمة هو كتاب «دراية الحديث» لكن المصادر التي أحصت آثاره لم تذكر اسم هذا الكتاب في فهرس آثاره، إلاَّن أنَّ اسمه في فهارس النسخ الخطّية لبعض المكتبات كما عثر على ست نسخ خطّية له، نسختان منها في مكتبة آية الله المرعشي ونسختان منها في مكتبة مهدوي الشخصية في طهران ونسخة في المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة ونسخة أخرى في مكتبة مجلس النواب المعروفة بـ«مكتبة مجلس شوراي ملي». ومن الجدير بالذكر أن هناك اختلافاً جزئياً بين هذه النسخ.
جاء في مقدمة هذا الكتاب ما يلي:
«أمّا بعد، فيقول المذنب الجاني والأسير الفاني، أفقر الخلق إلى ربّه الغني عبدالله بن محمد رضا الحسيني ختم الله لهما بالحسنى ورزقهما خير الآخرة والأولى: إنّ بعض العلماء الأعلام والفضلاء الكرام قد حثّني على تأليف مختصر نافع في علم الدراية ومعرفة رجال الرواية يكون كالمقدمة لكتابنا الكبير، ليس له مثيل ولا نظير وذلك من فضل ربّي اللطيف الخبير الجامع للأحكام في معرفة الحلال والحرام الذي قد جمع شوارد الأخبار ومتفرقات الآثار الواردة عن النبيّ والأئمة الأطهار عليهم صلوات الملك الغفّار…، يشتمل هذا الكتاب على 15 مقاماً ومقدمة تضم موضوعات علم الدراية بصورة كليّة.
المقام الأول: في إثبات الحاجة إلى علم الرجال وردّ أدلّة الذين ينكرونه.
المقام الثاني: في تعريف مصطلحات علم الدراية.
المقام الثالث: في تعريف الكتب المهمة في علم الدراية وبقية الكتب التي ترتبط به.
المقام الرابع: في بيان كثرة رواة أئمة الشيعة وكثرة المصنّفين، وتوثيق عدد منهم وتفاوت مراتب كل واحد.
المقام الخامس: في طرق معرفة الرواة ونقدها وتمحيصها.
المقام السادس: في الجرح والتعديل والأصل أو الملاك المعتبر المقبول في ذلك.
المقام السابع: في وجوب العمل بالأخبار والآثار الموجودة في الأصول المعتبرة.
المقام الثامن: بيان المصطلحات المتداولة في فن الجرح والتعديل.
المقام التاسع: في شرح الملل والنحل والفِرَق والمذاهب وبيان مختصر لعقائد كلّ منها.
المقام العاشر: في شرح عدد من الفوائد التي ترتبط بعلم الحديث.
المقام الحادي عشر: بيان مختصر لسيرة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام صلَّى الله عليه وآله وسلم.
المقام الثاني عشر: ترجمة لعدد من نوّاب الأئمة وسفرائهم في زمن الغيبة.
المقام الثالث عشر: في بيان بعض المصطلحات والضمائر التي ترتبط بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام.
المقام الرابع عشر: في بيان عدد من الرواة الذين تتشابه أسماؤهم.
المقام الخامس عشر: في ذكر جملة من أسانيد المرحوم شبّر وطرقه إلى أرباب الأصول المعتبرة والكتب المعتبرة المشتهرة.
ملخص المقال:
هناك العديد من علماء الشيعة الذين قدّموا خدمات جُلّى في المجالين العلمي والعملي وكانوا نبراساً يُهتدى بهم في زمانهم، لكن تطاول الأيّام غطّى على آثارهم المهمة فلم تقف عليها وعليهم الأجيال التي جاءت بعدهم إلاَّ من خلال بعض منها، ومن هؤلاء العلاّمة المرحوم السيد عبدالله شبّر موضوع هذه المقالة التي حاولنا فيها التركيز على أمرين هامين:
الأول: ترجمته الشخصية وخدماته العملية وتصدّيه لفرقة الأخبارية التي استفحل أمرها في زمانه.
2 ـ آثاره العلمية وخاصة في مجال علم الحديث رواية ودراية والكشف عن كتابه الهامّ الذي لم يتهيأ له بعد من العلماء من ينفض عنه غبار الزمن ويفكّه من أسر خزائن المكتبات ويخرجه في طبع لائق يستفيد منه الباحثون جميعاً.
فهرس المنابع والمآخذ:
ــ الشبّر، السيد عبدالله، الأخلاق، مقدمة محمد بن مال الله، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ. ق.
ــ الشبّر، السيد عبدالله، تفسير القرآن الكريم، مؤسسة دار الهجرة، قم، 1408هـ. ق.
ــ الطهراني، الشيخ آغا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، دار المرتضى للنشر، مشهد، 1404هـ. ق.
ــ الطهراني، الشيح آغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الطبعة الثانية، دار الأضواء، بيروت، 1403هـ.ق.
ــ القمي، الشيخ عباس، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، دار الأسوة للطباعة والنشر التابعة لمنظمة الأوقاف والشؤون الخيرية، طهران، 1414هـ.ق.
ــ القمي، الشيخ عباس، الكنى والألقاب، منشورات مكتبة الصدر، طهران، بدون تاريخ.
ــ المامقاني، عبدالله، تنقيح المقال، المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف، 1350هـ.ق.
ــ مشكور، محمد جواد، فرهنگ فرق إسلامي، بنياد پژوهشاى آستان قدس رضوى، چاپ دوم، مشهد، 1372هـ.ش.
ــ النراقي، مولى مهدي، جامع السعادات، قدم له الشيخ محمد رضا المظفر، مطبعة النجف، النجف الأشرف، 1383هـ.ق.
ــ النوري، ميرزا حسين، دار السلام، (فيما يتعلق بالرؤيا والمنام)، شركة المعارف الإسلامية، قم، بدون تاريخ.
الدكتور محمد باقر حجتي
الدكتور حمد انيان
شعر المدح والرثاء
من منظار أئمة أهل البيت عليهم السلام
موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام
من الرثاء والمدح في الشعر
الرّثاء والمدح من الأغراض الهامة في الشعر العربي قديماً وحديثاً، فما من شاعر إلاَّ وله قصيدة أو مقطوعة في هذين الفنّين مما يدل على أهمية المدح والرثاء في الصرح الأدبي.
أمّا الموضوع الذي نتناوله في هذه العجالة فهو الرثاء والمدح من منظار أئمة أهل بيت الرسالة عليهم السلام ونبدأ أولاً من موقفهم من شعر الرثاء:
1 ـ شعر الرثاء من منظار الأئمة (عليهم السلام):
يأخذ شعر الرثاء أهميته لدى الأئمة (عليهم السلام) نظراً للأثر الديني الذي يتركه في نفوس المتلقّين، فهذا النوع من الشعر لا يثير الحزن في النفوس فحسب بل يثير حماساً وعصياناً على الظلم والطغيان. فرثاء الحسين (عليهم السلام) لا يعبّر عن السخط العنيف فقط بل يدفع السامع الرشيد إلى الكفاح ضد الظالمين وعدم الركون إلى الطغاة.
لذلك نرى الأئمة (عليهم السلام) يثنون على شعر وشعراء الرثاء. فعن سفيان بن مصعب العبدي أنه قال: «قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) قل شعراً تنوح به النساء»)[877]( والشعر الذي ينوح الناس به هو الرثاء طبعاً ويستحبون رثاءهم ولو في شهر رمضان وليل الجمعة أو أية مناسبة دينية أخرى.
وعن أبي بكر الحضرمي، قال: «استأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) في أيام التشريق بمنى، فأذن له، فقال له الكميت: جُعلت فداك! إني قلت فيكم شعراً أحبّ أن أنشده. فقال: يا كميت! اذكر الله في هذه الأيام المعلومات، فأعاد عليه الكميت القول. فرقّ له أبو جعفر (عليه السلام) فقال: هات. فأنشد قصيدته:
ألا هل عمٍ في رأيه متأمّلُ
وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبلُ
حتى بلغ:
يصيبُ بهِ الرّامونَ عَنْ قَوْسِ غيرِهِمْ
فيا آخراً أسدى لهُ الغيَّ أوّلُ
فرفع أبو جعفر (عليه السلام) يديه إلى السماء وقال: «اللَّهمّ اغفر للكميت».
وعن أهمية هذا النوع من الشعر، تتحدث هذه الرواية: عن أبي عمارة المنشد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا عمارة! أنشدني شعر العبدي في الحسين بن علي (عليه السلام) قال: فأنشدته، فبكى. قال: فوالله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت بكاء من في الدّار. فقال لي: يا أبا عمارة! «من أنشد في الحسين شعراً، فأبكى خمسين فله الجنة. ومن أنشد في الحسين شعراً، فأبكى أربعين فله الجنَّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنّة ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنّة حتى قال: ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً، فله الجنّة ومن أنشد في الحسين شعراً، فبكى فله الجنّة ومن أنشد في الحسين شعراً، فتباكى فله الجنة»)[878](. وروى هذا الخبر «البغدادي» في «خزانة الأدب» وأضاف:
… كثر البكاء وارتفع:
لأنّ حسيناً والبهاليلُ حولَهُ
لأسيافهم ما يختلي المتقبّلُ
وغابَ نبيُّ اللَّهِ عنهُم وفقدُهُ
على النَّاسِ رزءٌ ما هناكَ مُجَلِّلُ
فَلَم أرَ مخذولاً أجلَّ مصيبةً
وأوجبَ منه نُصْرَةً حينَ يُخْذَلُ
فرفع الإمام يديه وقال: اللَّهمّ اغفر للكميت ما قدّم وأخّر وما أسرّ وأعلن وأعطه حتى يرضى)[879](.
وهذا دعاء جليل للكميت، لم يذكره الإمام (عليه السلام) إلاَّ بسبب معرفته بأهمية شعر الرثاء وما له من أثر بعيد في وجدان طيّبي السريرة، أجل أنه يثير العاطفة في النفوس ومن ثم يرفع هممهم للدفاع عن الحق والعدل والإنسانية. الرواية التي تقول: قال أبو عبدالله، لجعفر بن عفّان الطائي: «ما من أحد قال في الحسين (عليه السلام) شعراً، فبكى وأبكى به، إلاَّ أوجب الله له الجنة وغفر له»)[880](.
وبهذا يأخذ شعر الرثاء عامة والحسيني منه بوجه خاص مكانته العالية على صعيد الأدب الرسالي، وذلك انطلاقاً من الموضوع الهام الذي يتناوله أولاً والأثر التربوي والعقائدي الذي يتركه في النفوس ثانياً.
إنَّ الشعر الحسيني ينظر إلى الإنسان نظرة شاملة واعية تزخر بالثورة على كل من ينتهك حقاً من حقوق الإنسان ويرمز إلى هذه الحقوق بكلمة «الحسين» وأما «يزيد» و«زياد» في هذا الضرب من الشعر فهما رمزان لكل من يسعى في الأرض فساداً.
2 ـ شعر المدح:
المدح أيضاً شأنه شعر الفخر. للأئمة لهم مواقف مؤيدة منه وأخرى رافضة له.
فإذا كان المدح للملق والتزلّف إلى أصحاب الدنيا والأمراء والسلاطين فهو مردود رفضته الشريعة لأنَّ ذلك يجعل الممدوح يفقد شخصيته الحقيقية، كما يخلق فيه نوعاً من التعاظم النفسي يخرجه عن طوره كإنسان متّزن واقعي.
قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: «أحثّوا التراب في وجوه المداحين»)[881]( وهذا إشارة واضحة إلى المدح في صورته المرذولة إذ تمنع الممدوح، إذا كان ملتزماً أن يواجه أشدّ المواجهة.
أما إذا كان المدح لسان الواقع ويهدف إلى نشر الفضيلة وإحياء السنن المحمودة والخصال الكريمة، فهو ليس مرفوضاً فحسب وإنما يُجزى به كما فعل الأئمة (عليهم السلام) حيث نراهم يثنون على مادحي أهل البيت (عليهم السلام) إما بالهدايا المادية وإما بالدّعاء، فهم لم يفعلوا ذلك بدوافع فردية أو حاجة نفسية نابعة من حبّ المدح والثناء وإنما قاموا بإكرام الشعراء سعياً في نشر فضائل النبي (ص) وفضائل أهل البيت (عليهم السلام) وللأستاذ الدكتور محمود البستاني تعليل رائع في هذا المجال، حيث يشير إلى نوعين من المديح السلبي والإيجابي في عصر الأئمة (عليهم السلام) مشيراً إلى العوامل النفسية في نزوع الشاعر نحوهما قائلاً: «إن أدب المديح، يصب أحياناً في ما هو سلبي من السلوك وحيناً آخر في ما هو إيجابي منه».
أما المديح السلبي فقد اقترن بمدح السلاطين الدنيويين الذين أعادوا أمجاد الجاهلية إلى الميدان، والواقع أن المديح في جانبه السلبي لا ينحصر في كونه مجرد تعبير عن موقف فكري انحرافي، بل يتجاوز ذلك إلى كونه تعبيراً عن ضعف الشخصية وإحساسها بالقصور، فقد يكون الشاعر مقتنعاً فكرياً بعدم جدارة الممدوح، إلاَّ أنه يمتدح السلطان إحساساً منه بالموقع الاجتماعي الذي يحتله، وقد يمتدحه أيضاً، طمعاً بجوائزه، أو يمتدحه خوفاً من بطشه، أو يمتدحه جهلاً بواقع شخصيته.
أما المدح الإيجابي فكونه لا يصدر عن أحد النوازع الفكرية والنفسية ذات الطابع المرضي بقدر ما يصدر عن إدراك سليم لطبيعة الشخص الممتدح، فإذا كانت الشخصية الممتدحة لا تعنى بالسلطة الدنيوية ولا تملك وسائل البطش ولا الجوائز بغير حق، بحيث لا يواكب مديحها أي رهبة أو رغبة دنيوية، حينئذٍ يستخلص الملاحظ بوضوح بأن هذا المديح إيجابي لا غبار عليه بخاصة إذا اقترن ذلك بخوف من السلطان أو إذا اقترن ذلك بإجماع الناس على نظافة الشخص الممتدح)[882](.
بعد هذا التحليل النفسي لطبيعة المدح في عصر الأئمة (عليهم السلام) نذكر بعض مواقفهم تجاه المدح الإيجابي.
عن محمد بن يحيى الفارس، قال: «نظر أبو نؤاس إلى أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ذات يوم وقد خرج من مجلس المأمون على بغلة له، فدنا منه أبو نؤاس، فسلّم عليه وقال: يا ابن رسول الله! قد قلت فيك أبياتاً، فأحبّ أن تسمعها منّي، قال (عليه السلام) هات! فأنشأ يقول:
مطهّرون نقيّاتٌ ثيابهم
تجرى الصَّلاةُ عليهم أينما ذُكروا
مَن لم يكن علويّاً حين تنسبهُ
فما له من قديم الدّهر مفتخرُ
فاللَّه لمّا بدا خلقاً فأتقَنه
صفَّاكم واصطفاكم أيّها البشرُ
فأنتم الملأُ الأعلى وعندكم
علمُ الكتابِ وما جاءَت به السُّورُ
فقال الرضا (عليه السلام) قد جئتنا بأبياتٍ ما سبقك إليها أحد، ثم قال: «يا غلام هل معك شيء، فقال: ثلاث مائة دينار، فقال: أعطها إيّاه، ثم قال: لعلّه استقلّها، يا غلام سق إليه البغلة»)[883](.
فيحكم الإمام على القصيدة بالجودة بتعبير: «ما سبقك إليها أحد».
«وروي أنه عندما أنشد الفرزدق قصيدته المعروفة في مدح الإمام زين العابدين (عليه السلام):
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ
والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحرمُ
غضب هشام بن عبدالملك وأمر بحبس الفرزدق في منطقة بين مكة والمدينة، فبعث إليه عليّ بن الحسين (عليه السلام) بألف دينار، فردّها وقال: إنّما قلت غَضِباً لله ولرسوله فما آخذ عليه أجراً، فقال (عليه السلام): نحن أهل البيت لا يعود إلينا ما أعطينا، فقبلها الفرزدق»)[884](.
المصادر:
1 ـ البستاني، محمود، تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، منشورات مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1410هـ، ق.
2 ـ البغدادي، خزانة الأدب، الطبعة الثانية، منشورات مكتبة النانجي، القاهرة.
3 ـ الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، الطبعة السادسة، 1412هـ، ق. منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت.
4 ـ الرافعي، محمد محمود، شرح هاشميات كميت بن زيد الأسدي، الطبعة الثانية.
5 ـ الطوسي، حسن بن علي، رجال الكشي، طبع دانشگاه مشهد، 1348هـ، ق. منشورات مركز تحقيقات ومطالعات دانشكده إلهيات.
6 ـ علي بن أبي طالب، الديوان، الطبعة الأولى، 1995م، منشورات دار الجليل، بيروت.
7 ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، الطبعة الثانية، 1402هـ، ق. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8 ـ البلاغة الواضحة، علي الجارم ومصطفى أمين، 1414هـ، مطابع دار المعارف، مصر.
9 ـ تكوين البلاغة ـ علي الفرج، الناشر: دار مصطفى لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم المقدسة.
رضا حيدري نور
الشفاعة في المنظور القرآني)[885](
مقدمة
الانحرافات الفكرية والعقائدية على امتداد تاريخ البشر قد صورت تصويراً غلطاً مسائل ومبادىء مهمة، وقد نفذت أقوالهم وآراؤهم بين السذّج والجهلة، حتى اتخذت بمرور الزمان شكل العقيدة الراسخة.
والشفاعة من تلك المسائل المهمة الواردة في القرآن الكريم والتي كان مصيرها ذاك المصير. وعلى الرغم من أن الأديان الإلهية قد ذكّروا بها، وتقبلتها الفُرق والمذاهب المختلفة، كل بشكل من الأشكال، إلاَّ أن التشتت والتباين في هذه العقائد على درجة بحيث أن كل طرف يخطىء عقيدة الطرف الآخر، بل إن بعضهم قد تجاوز ذلك إلى اتهام الآخرين بالكفر والشرك. لذلك كانت ضرورة دراسة هذا الأمر الديني المهم وإعادة النظر فيه جلية للجميع، لكي يمكن بنشر الكلام الحق إزالة غبار الانحرافات، وتتخذ العقائد والمفاهيم الإسلامية الطاهرة مكان الإعوجاجات، والرد على الأسئلة والاعتراضات الواردة بحق الشفاعة.
ما الشفاعة
الشفاعة في العرف هي توسط شخصية مرموقة وذات مقام لدى شخص ذي قدرة لمصلحة شخص ثالث أقدم على ما يستوجب المؤاخذة، لكي يغفر له ذنبه أو تقصيره، أو لمصلحة شخص له حاجة لكي تقضى له حاجته.
وجذر الكلمة هو (شَفَعَ) أي جعله زوجاً بإضافة مثله إليه، ويقابله (الوَتْر) وهو الفرد. لذلك فإن اللجوء إلى الشفيع يعني أن طالب الشفاعة لا يرى الكفاية في قدرته وحده للوصول إلى هدفه، فيعمد إلى دعم قدرته بقدرة الشفيع فيضاعفها ويبلغ مرامه، أي أنه إذا لم يتوسل بشفيع وحاول قضاء حاجته اعتماداً على قدرته وحده لما استطاع نيل مبتغاه، لأن قدرته ضعيفة وناقصة. يقول البيضاوي: الشفاعة من الشفع، أي الزوج. فالشيء منفرد فينضم الشفيع إليه)[886](.
وقد قال الإمام علي (عليه السلام): «الشفيع جناح الطالب»)[887]( أي إن الشفاعة أشبه بالجناح للطالب.
أنواع الشفاعة
للشفاعة أنواع بعضها صحيح ومطابق للتعاليم الإسلامية، وبعضها غير صحيح وباطل ولا وجود له في تلك التعاليم. الشفاعة الباطلة غير الصحيحة هي أن يسعى امرؤ إلى التذرع بالمحسوبية أو المنسوبية لمنع القانون من أن يأخذ مجراه. وهذا الضرب من الشفاعة ظلم في هذه الحياة الدنيا، ولا مكان له في الآخرة، ويرفضه القرآن الكريم. والظاهر أن الاعتراضات الموجهة إلى الشفاعة إنما تقصد هذا النوع من الشفاعة.
أمّا الشفاعة الصحيحة الحقة فهي التي ليس فيها استثناء ولا محاباة، ولا تنقض القوانين. إن القرآن الكريم يؤيد هذا النوع من الشفاعة تأييداً صريحاً.
إن الاختلاف الرئيس بين الشفاعة الصحيحة والباطلة في جهاز الخليقة هو أن الشفاعة الحقة تبدأ من الله تعالى وتنتهي بالمذنب. أما في الشفاعة الباطلة، فإن الشفيع يقع المشفع له تحت تأثير المذنب، ويقع لديه تحت تأثير الشفيع. يقول القرآن الكريم: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ…} (البقرة/255).
تقسم الشفاعة الصحيحة إلى قسمين اثنين: الشفاعة التكوينية، والشفاعة التشريعية.
1 ـ الشفاعة التكوينية
بما أن الله تعالى هو المبدأ الأول لكل علة ومعلول، وأن كل علة ترجع في النهاية إليه، فإن جميع العلل والأسباب أمور وسيطة بينه وبين غيره الذي يوصل رحمته الواسعة إلى الكائنات. وبناء على ذلك يكون الله، من الناحية التكوينية، مبدأ كل خير ورحمة. ثمة آيات من القرآن الكريم تحكي عن هذا القسم من الشفاعة: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ}. {مَا مِن شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} (يونس/3).
الحقيقة هي أن كل تدبير ينتهي إلى الله، من دون أي عون من الآخرين. لذلك فما من أحد بقادر على التوسط والتشفع إلاَّ بإجازة من الله، وما من سبب إلاَّ وكان هو مسببه، والشفعاء إنما يشفعون بإذنه.
إن المقصود بالشفيع في الآية هو العلل والأسباب الطبيعية. فما من علة أو سبب يمكن أن يكون مؤثراً من دون إرادة الله الحكيمة ومن دون الاستعانة بقدرته غير المتناهية)[888](.
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيًّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة/4).
وهذا يعني أن المقصود هو مالك تدبير الشيء، وأن الأمور تقع تحت تدبير نظام، مهما يكن، من الخصائص الموجودة في خلق كل شيء، والخلق، مهما يكن، يستند إلى الله تعالى. فإذا كان خالق الأسباب وأجزائها والرابط فيما بينها هو الله، فإذن يكون هو الشفيع الحقيقي الذي يكمل نقص كل علة، فلا شفيع سوى الله شفاعة تكوينية. كما يمكن أن يقال أيضاً إن الله يشفع ببعض أسمائه لدى بعض من أسمائه الأخرى. أي إحدى صفاته الكريمة تتوسط بين الشخص المحتاج وصفة أخرى من صفاته تعالى، مثلما هو ديدننا كل يوم في اللجوء إلى رحمته من غضبه. أمّا القول بأن الله يتشفع لشخص عند غيره فأمر لا وجه له من الصحة إطلاقاً:
{قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَه مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (الزمر/44): {اللَّهُ لاَ إِلهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ… مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ…} (البقرة/255).
هذه الآيات التي تتحدث عن خلق السموات والأرض والقدرة الإلهية تدل على الشفاعة التكوينية، وهي العلل والأسباب بين الله والمعلولات، والتي يدبر الله أمورها وينظم بقاءها.
2 ـ الشفاعة التشريعية
إن الله تعالى، على علو مقامه، قد تفضل علينا بتشريع الدين لنا وإرسال الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين في إبلاغ دينه ليتم الحجة علينا. لذلك فهذه الأسباب والوسطاء هي وسائل للشفاعة، كما جاء في الآيات التاليات:
{يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طه/109).
{وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف/86).
{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} (سبأ/26).
{وَكَم مِّن مِّلَكٍ فِي السَّماوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم/26).
هذه الآيات تشير إلى موضوع الشفاعة وتشفع عدد من عباد الله بشرط أن يأذن الله لهم. وهذا النوع من الشفاعة على قسمين اثنين: الأول تلك الشفاعة التي يحصل أثرها في هذه الدنيا، كقولهم لأبيهم: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا… قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكمْ رَبِّي…} (يوسف 97 و98). مما يستتبع غفران الله تعالى، أو التقرب من أعتابه. الثاني تلك الشفاعة التي تتحقق في الآخرة.
إن الأعمال التي يرتكبها الإنسان في الدنيا، والعلائق المعنوية التي تربط بين الناس في هذه الدنيا، تظهر ظهوراً عينياً في الدار الآخرة. إذا ما قام امرؤ بهداية شخص ما أو بتضليله، تظهر هذه العلاقة ظهوراً عيانياً يوم القيامة.
{يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمامِهِمْ} (الإسراء:7).
لقد كان الأنبياء، والأئمة، والقرآن، والأولياء والعلماء، شفعاءَهم، وهي شفاعة الهداية التي تتحقق في هذه الدنيا. بديهي أنه لما كانت آيات القرآن تختص بالشفاعة يوم القيامة، فهي على الظاهر لا تشير إلى هذا النوع من الشفاعة.
إن القرآن الكريم يعد من الشفعاء في الدنيا، لأن شفاعته تؤدي إلى هداية الشخص والتوسط له في بلوغ مراتب أعلى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ…} (الاسراء: 9).
إن الرحمة الإلهية من السعة بحيث أنها تشمل جميع الكائنات، وكل كائن ينال منها على قدر لياقته واستعداده.
إن حملة العرش يعلمون أن رحمة الله واسعة، فيسألونه أن يسبغ بعض رحمته، التي تشمل غفران الذنوب والوقاية من النار، على من يستحقونها من عباده:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم}. (المؤمن/7)، وهذا النوع من الشفاعة التشريعية.
من الناحية العقلية ليس ثمة ما يمنع المولى من أن يقبل شفاعة شافع بحق عبده لإعفائه من عقاب أو منع الرحمة به ما دام كلا الأمرين من حق المولى. لذلك فإن قبول المولى شفاعة الشافع هو تنازله عن حقه، لا عن حق الآخرين.
آيات الشفاعة
ترد مشتقات (شَفَعَ) في القرآن الكريم كما يلي:
(يشفع) ترد ثلاث مرات.
(يشفعوا) مرة واحدة.
(يشفعون) مرة واحدة.
(شافعين) مرتين.
(شفيعٌ) خمس مرات.
(شفيعٍ) مرة واحدة.
(شفعاء) ثلاث مرات.
(شفعاءكم) مرة واحدة.
(شفعاؤنا) مرة واحدة.
(شفاعةٌ) إحدى عشر مرة.
(شفاعتهم) مرتين.
(الشفعِ) مرة واحدة.
ويمكن تصنيف آيات الشفاعة إلى ثلاثة أصناف: آيات إنكار الشفاعة، آيات إنكار شفاعة غير الله وآيات إثبات الشفاعة.
1 ـ آيات إنكار الشفاعة والشفيع كليا
في القرآن الكريم آية واحدة تنفي الشفاعة كلياً يوم القيامة، إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة/254).
تشير هذه الآية إلى عدم وجود تجارة ولا صداقة ولا شفاعة في يوم القيامة، وذلك لأن جميع المذنبين الآثمين أعداء بعضهم بعضاً، وقيل إن كل فرد في ذلك اليوم يكون مشغولاً بنفسه وبمصيره. وهناك آيات أخرى تؤكد عدم وجود الناصر والمعين يومئذٍ. {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَوْلًى شَيْئاً} (الدخان/41).
{يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} (الانفطار/19).
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْناكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُاْ لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (الأنعام/94).
تبين هذه الآية أن لا يتعلق بمتاع الدنيا ولا بالروابط المادية ولا بالأصدقاء والشفعاء، إذ إن الإنسان إذا ما فارقت روحه بدنه انفصمت كل عراه المادية بجسمه، وعندئذٍ ينتبه إلى أن الاستقلالية التي قال بها للعلل المادية كانت باطلة، ويدرك أن ليس معه من شفعائه أحد وييأس منهم. {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبلِسُ الْمُجْرِمُونَ}، {وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاؤوا وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} (الروم/12 ـ 13). هؤلاء يائسون بما ارتكبوا من أعمال، وقانطون من شفاعة الآلهة التي أشركوها مع الله… {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (البقرة/48).
يقول المفسرون إن حكم هذه الآية يخص اليهود الذين كانوا يقولون إنهم أبناء أنبيائهم، وإن آباءهم سوف يشفعون لهم.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاؤُواْ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهِ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكمُ بِذُنُوبِكُم} (المائدة/18).
إنكار شفاعة غير الله
ثمة آيات في القرآن الكريم تنكر كل شفيع سوى الله:
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهَواً وغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الْدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلِ لاَّ يُؤخَذْ مِّنْهَا أُؤلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (الأنعام/70).
في مواجهة المشركين عبدة الأصنام الذين كانوا يزعمون أن الله قد أوكل تدبير أمور هذا العالم إلى الأصنام، لذلك فإننا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله. يقول القرآن:
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس/18). يقول القرآن إن قول هؤلاء يكون صحيحاً لو أن الأصنام كانت قادرة على أن تنفع أو تضر وهي ليست كذلك بالطبع. {… أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ. قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} (الزمر/43). {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بضُرِّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ} (يس/23). هذه الآية تشير إلى أن أحداً لا يقدر على أن يقف في وجه إرادة الله، وأن ليس لأحد أن يشفع لأحد بدون إذن من الله. ثم لكي يحيي الأمل في قلوب المؤمنين وتذكيرهم بأن ليس لهم ولي ولا شفيع غير الله، يقول: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأنعام/51) {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة/4). فالشفاعة لله جميعاً وليس المالك الحقيقي لكل شيء سوى الله، له القدرة الكاملة والملك والسلطان على جميع السموات والأرض.
3 ـ آيات إثبات الشفاعة
بالإضافة إلى الشفاعة الإلهية، يشير القرآن الكريم إلى شفاعة غيره، فهو يقول: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ… مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} (يونس/3) و{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة/255). يقول الطبرسي تعليقاً على هذه الآية: هذا استفهام استنكاري، أي إن أحداً لا يشفع لأحد يوم القيامة إلاَّ بإذن من الله)[889](. {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء/100 و101). يقول العلامة الطباطبائي:
إن قوله: «فما لنا من شافعين»، إشارة إلى أن هناك شافعين في ذلك اليوم، وإلاَّ فليس ثمة ما يقتضي ذكر الشافع وبلفظ الجمع، وكان الأولى أن يقول: لا شافع لنا، بمثلما قال:
{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي إن هناك شفعاء وشفاعة، ويقول أيضاً: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف/86). {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْداً} (مريم/87). و{يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طه/109). و{وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (سبأ/23). و{وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم/26).
النتيجة هي أن شفاعة غير الله موجودة يوم القيامة، ولكنها لا تكون إلاَّ بعد أن يأذن الله بذلك.
يلاحظ أنه كلما ورد الكلام على الشفاعة، ترد أيضاً صفات للشفيع وللمشفع له. فالشفاعة مرتبطة بالصفات الباطنية والظاهرية للشافع، وكذلك بنيّاته وأعماله. ينبغي أن تكون أقواله وأعماله مما يرضي الله تعالى حتى يتقبل شفاعته. {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء/28). وفي آيات أخرى يذكّر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم صراحة بالتشفع والتوسط، فيقول: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (محمد/19). و{وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} (النور/62). أو يقول ذلك على لسان نبي: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (يوسف/98).
أو يقول: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا…} يقول… {فَهَل لَنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا} (الأعراف: 51 ـ 52).
يقول العلامة الطباطبائي «اللهو هو ما يحول بين المرء بما هو لازم وضروري، واللعب هو ما يتم تخيلاً، ولا حقيقة له إلاَّ في الخيال»)[890](. والآية تشير إلى حال الكافرين الذين يجعلون الدين وسيلة للهو واللعب، ويغترون بالحياة الدنيا. وتلك هي حال أهل النار الذين {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَع الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (المدثر/ 43 ـ 48).
إن الانغماس في اللهو واللعب في الحياة يمنع المرء من التفكير في الآخرة، والضالين يقولون: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء/99 ـ 101). وفي توكيد هذا يقول: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} (المؤمن/18)، ولكنه أيضاً يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء/116). ونلاحظ أن الجزء الأول من الآية مطلق أما جزؤها الآخر فمشروط بمشيئة الله. ورب مذنب تناله إشاءة الله وتقبل شفاعة شافعه.
الشبهات التي تؤخذ على الشفاعة
الشفاعة من المسائل التي أحاطت بها الشبهات على امتداد التاريخ بسبب النظرة السطحية وعدم التعمق في الآيات وفلسفتها. من تلك الشبهات ما يلي:
1 ـ الشفاعة تناقض التوحيد في العبادة، وإن الاعتقاد بها ضرب من الشرك. كما أنها لا تنسجم مع التوحيد في الذات أيضاً، وذلك لأنها تعني أن رحمة الشفيع وشفقته أوسع من رحمة الله)[891](.
رد الشبهة
إن رحمة الشفيع ليست سوى قبس من رحمة الله يصل عن هذا الطريق إلى المشفع له، وما شفقة الشفيع إلاَّ جزء من شفقة الله، وليس في هذا أي تناقض مع التوحيد في العبادة أو في الذات. إن قدرة الشافع تقع في طول قدرة الله لا في عرضها حتى يمكن أن يقال إنها تناقض التوحيد في العبادة.
2 ـ الاعتقاد بالشفاعة يدعو بعض الناس إلى الجرأة على الميل نحو الإثم، بل قد يكون شوقاً لهم على ارتكاب الإثم.
رد الشبهة
الاعتقاد بالشفاعة يخلق الأمل في نفوس الآثمين ويدعوهم إلى الرجوع من منتصف طريق الحياة إلى الله، ولا يكون هذا مدعاة إلى التجرؤ والمعاندة، بل يحمل بعضهم على الأمل بأن طريق العودة إلى الله مفتوح أمامهم وأنهم بترك العصيان والمعاندة يستطيعون العودة إلى الله، بينما اليأس والقنوط من النجاة يجعلان إضبارة حياتهم تزداد سواداً ويزداد ثقل آثامهم. يظهر من الآيات المذكورة أن للشفاعة شروطها، على الرغم من أنها لم تشرح شرحاً جلياً، ولكن بما أنها ترتبط بأفعال الإنسان الظاهرية والباطنية، لذلك ما من أحد يمكن أن يكون واثقاً من أنه ممن تشملهم الشفاعة.
إن الفرد المسلم يكون دائماً عرضة للقلق لئلا يفقد أثمن رأس مالٍ له في النجاة، وهو في الوقت نفسه، يحدوه الأمل بأنه بالتوبة وجبر ما فات قد ينجو بنفسه من العذاب. إنه، بهذا يكون في حالة من الخوف والرجاء، ويقضي حياته بين اليأس، الذي يسبب الخمود، والثقة بالشفاعة التي تسبب التقصير والكسل)[892](.
3 ـ تتنافى الشفاعة مع قول القرآن بأن {لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (النجم/ 39).
رد الشبهة
من الضروري الانتباه إلى أن العمل لا يتنافى مع الشفاعة، لأن العمل يكون بمثابة العلة القابلة، والرحمة الإلهية بمنزلة العلة الفاعلة)[893](. إن من لم يقطع صلته بالله وأوليائه كلياً يبقى فيه الأمل بالشفاعة، وهذا من نتائج عمله هو.
4 ـ الشفاعة تستلزمنا أن نعتقد بأن الله تعالى يقع تحت تأثير الشفيع، وأن غضبه يتحول إلى رحمة، مع أن الله لا ينتابه الانفعال، ولا يتأثر بأي عامل كان.
رد الشبهة
قلنا إن الشفاعة الصحيحة تبدأ من الله، وأن الشفاعة تكون بإذن الله وأمره، ولهذا فلا تأثير للشفيع في الله، بل الله هو المؤثر في الشفيع.
5 ـ الشفاعة نوع من الاستثناء ومخالف للعدالة، مع أنه ليس في حضرة الله أي خلاف للعدالة، وبعبارة أخرى، الشفاعة استثناء في القانون الإلهي، في حين أن قوانين الله كلية وغير قابلة للتغيير {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الفتح/23).
رد الشبهة
ليس في الشفاعة والمغفرة استثناء ولا مخالفة للعدالة، فرحمة الله لا حدود لها، وكل حرمان منها سببه فقدان القابلية الفردية واللياقة الشخصية. وبناء على ذلك فإن مقولة محمد بن عبدالوهاب «الشفاعة شفاعتان: منفية ومثبتة، فالمنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله»)[894]( إن تعريف الشفاعة الذي تحدث عنه يدحضه ما أوردناه من قبل، وكذلك الآيات: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} (الأنبياء/28) و{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة/255). فمن حيث وجوب حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، يصح القول بأن الشفاعة ليست إلاَّ للذي أذن له الله، ولا يعني هذا أنه ليس لأحد أن يشفع أساساً غير الله.
النتيجة
الشفاعة حقيقة قرآنية لا يمكن إنكارها، على الرغم من أن نظرة سطحية إلى آيات القرآن الكريم في هذا الشأن قد تظهرها متعارضة، وبعضها ينفي الشفاعة. ولكن بتمحيص أدق نلاحظ أن جميعها تدل على أمر واحد هو أن الشفاعة ممكنة بإذن من الله، وأن وجودها يبعث على فتح باب الأمل للذين أثموا وزلت أقدامهم.
إلاَّ أن بعض المذاهب سعت إلى التشكك في مفهومها من جهة، وإيجاد الشبهة في أصلها، وحتى في حدها وحدودها، من جهة أخرى.
الدكتورة نهلة الغروي النائيني
الشهيد الأول
بين المماليك الأتراك والمماليك الشراكسة
تحدّر الشهيد الأول؛ الشيخ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مكي من أسرة علمية، فقد كان والده جمال الدين أبو محمد مكي أحد العلماء المتتلمذين على يد نجم الدين طومان بن أحمد العاملي (ت: 728هـ/1328م)، والمترددين عليه حتى سافر أستاذه إلى الحجاز)[895](. أمَّا جدُّه الشيخ طه بن محمد بن فخر الدين فهو الآخر كان من العلماء الذين وصفوا بالثقات الزهّاد)[896](.
ولد الشهيد الأول في قرية جزّين سنة 734هـ. وقد ذكر سنة ولادته ولدُهُ رضيْ الدين أبو طالب كما سجّله على كتاب (الذكرى) لوالده أنّه ولد في شهور سنة أربع وثلاثين وسبعمائة)[897](.
وعلى هذا النصّ اعتمد مترجموه. قال السيد حسن الصدر: «تولّد رضي الله عنه سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بلا خلاف»)[898](.
إلاَّ أنَّ العالم الديني السُني شمس الدين محمد بن محمد ابن الجزري المُتوفى سنة 833هـ/1430م ذكر أنَّه ولد بعد العشرين وسبعمائة)[899](.
وقد استظهر بعض الباحثين، وهو رضا المختاري ـ اعتماداً على تاريخ سفر الشهيد إلى مدينة الحلة سنة 750هـ/1449م، واستحصاله على الإجازات في تلك السنّ المبكرة، والأوصاف العلمية التي خصَّه بها أساتذته ـ أنَّ تاريخ ولادته يُرجّح أنْ يكون حوالي سنة 724هـ/ 1324م)[900](.
بينما اعتبر السيد حسن الصدر أنَّ نبوغ الشهيد بهذه السن المبكرة من المميزات الشخصية التي تبهر العقول عند التأمل)[901](.
ويترجحّ لدينا أنَّ تاريخ ولادته المكتوب بخط ولده رضيّ الدين هو ألصق بسنة 724هـ/ 1324م منه إلى سنة 734هـ/1334م لتكون الأحداث التي ارتبطت بالشهيد أوائل سني حياته أقرب إلى الواقعيّة.
في ظلّ زعامة فخر المحققين
هاجر الشهيد الأول في أوائل أيام شبابه إلى مدينة الحلّة للدراسة فيها. وكانت الحلّة يومذاك ما زالت مزدهرة بنشاطها العلمي تحت زعامة فخر المحققين ابن العلاَّمة الحلّي.
وكانت الحلّة قد مرَّتْ بتغيّرات سياسية منذ وفاة السلطان المغولي أبي سعيد سنة 736هـ/1335م حيث استولى عليها الشريف أحمد بن رميثة ابن أبي نُمي، المقتول سنة 740هـ/1339م على يد الشيخ حسن الجلايري.
وفي ظل الحكم الجلايري كانت المؤسسة الدينية الشيعية بمدينة الحلّة بعيدة عن حلبة الصراع السياسي إذْ لم تسجّل الأحداث أنَّها كانت طرفاً في النزاعات السياسية، أو قريبة من مقاليد السلطة ومنافذها.
في وسط هذه الأجواء كانت هجرة فتى جزّين الشهيد إلى العراق عام 750هـ/ 1349م)[902](، وكان فقيه الشيعة فخر المحقّقين مهتماً بهذا الشاب المتفتح، فلازمه مستفيداً من مناهج دروسه أولاً، ومن تجربته السياسية تلك، التي خَبَرها من ملازمته لوالده العلاَّمة الحلّي طوال سنوات عديدة في ظل البلاط المغولي لإمبراطورية خدابندة الإيلخانية.
ذكر الميرزا النوري: أنَّ فخر المحققين كان من أجلّ مشايخ الشهيد وأعظم أساتيذه، وأكثرهم دراسة عليه)[903](. وقد أجازه عام 756هـ/1355م بالرواية عنه)[904](.
كتب فخر المحققين على ظهر نسخة (القواعد) بعد قراءة الشهيد عليه، ما يلي: «قرأ عليَّ مولانا الإمام العلاَّمة الأعظم أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بني آدم، مولانا شمس الحقّ والدين، محمد بن مكي بن محمد بن حامد من هذا الكتاب مشكلاته»)[905](.
وذكر السيد محسن الأمين أنَّ الشهيد الأول هاجر إلى العراق ليقرأ على العلاَّمة فوجده قد تُوفي، فقرأ على فخر المحققين تيمناً، وتبركاً، ولعلّه كان أفضل منه بدليل ما حُكي عن فخر المحققين أنَّه قال: «استفدتُ منه أكثر مما استفاد مني»)[906](.
والواقع يشهد بخلاف ذلك فوفاة العلاَّمة الحلّي كانت قبل ولادة الشهيد الأول بما يزيد على ست سنوات على القول المشهور، أو أنَّ عمر الشهيد كان سنتين عند وفاة العلاَّمة على القول الآخر.
أمَّا فخر المحققين فكان في أوج زعامته الدينيّة، ويبلغ من العمر يومذاك ثمانية وستين عاماً، أمَّا الشهيد فكان لا يزال يرفل في سني شبابه الفتية الأولى.
ولا يُستغرب نقل مثل هذه المتوارثات المسموعة، كما سبق نقل ما يُشبهُ هذه الواقعة بين نصير الدين الطوسي وتلميذه العلاَّمة الحلّي عندما نسبت المصادر الشيعيّة أنَّ أستاذه الطوسي كان قد تتلمذ عليه في العلوم الفقهية، في الوقت الذي تتلمذ العلاَّمة عليه في العلوم العقلية والفلسفية.
وكلا هاتين المقولتين عاريتان عن الصحة.
غادر فتى جزّين مدينة الحلّة عام 758هـ/ 1356م متوجهاً إلى بلاد الشام، وقد أقام في مدينة بغداد برهةً من الزمن استجاز بعض علمائها. فممن استجازهم في بغداد شمس الأئمة محمد بن يوسف القرشي الكرماني الشافعي (717 ـ 786هـ/ 1317 ـ 1384م)، ومؤلف كتاب (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) )[907](. وشمس الدين أبو عبدالرحمن محمد بن عبدالرحمن المالكي المدرّس بالمدرسة المستنصرية ببغداد، ذكره في بعض إجازاته)[908](، وشمس الدين محمد بن عبدالله البغدادي الحنبلي، روى عنه صحيح البخاري، وقرأ عليه كتاب الشاطبيّة)[909](.
ثم تنقّل في دمشق، القاهرة، مكة، المدينة، والقدس)[910](. ورجع إلى جزّين قريته التي غادرها قبل ما يقرب عقداً من الزمن.
وقد ذكر أنَّه يروي عن أربعين شيخاً من مشايخ علماء السُنّة في بعض ما كتبه من الإجازات)[911](.
العودة إلى جزّين
بدأ نشاط الشهيد ممتدّاً على أكثر من محور، إلاَّ أنَّ الجامع لكلّ هذه النشاطات هو العمل الثقافي. فقد أسس مدرسة في جزّين لتدريس العلوم الدينية على كافة المستويات، وتخريج الطلبة المتخصصين في المجالين الديني والاجتماعي.
حاولت النصوص أنْ تصوّر جميع الصراعات القائمة بين الدول في هذه المرحلة بالذات، وفي المراحل السابقة لها واللاحقة أيضاً، على أنَّها صراعات قائمة على الاختلاف المذهبي الإسلامي.
من هنا كانت مشاهد واقعة كسروان، قبل هذه الفترة، قد تركّزت على الصراع المذهبي بشكله الحاد، حيث تضخّم دور شيخ الإسلام ابن تيميّة في الفتك بالشيعة، وقتلهم.
كما صوَّرت المنقولات (المنسوبة إلى ابن الأثير، وغيره) نماذج من الفتك الطائفي ضد الشيعة في دولة المماليك بعرض صور لمقتل بعض الشخصيّات ذات الألقاب الكبيرة، (غالباً ما تكون أسماءاً موهومة، أو شخصيَّات غير معروفة).
نُقل أنَّه في سنة 744هـ/1343م قُتلَ في دمشق الحسن بن محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني الدمشقي السكاكيني، وفي سنة 755هـ/1354م قُتلَ علي بن أبي الفضل بن محمد بن الحسين ابن كثير الحلّي.
كما قُتلَ سنة 766هـ/1365م محمود بن إبراهيم بن محمد الشيرازي.
ويتشابه مقتل هؤلاء جميعاً في التهمة، وطريقة الفتك الجماهيري بهم. أمَّا التهمة فكانت سب الشيخين (أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب)، وقد وقعت هذه الحوادث المتفرقة كلها في زمن سلطة المماليك البحرية الأتراك.
أمَّا طريقة الموت فكانت بقطع الرأس، ثم إحراق الجثة في محفل جماهيري عام.
قال ابن كثير في حوادث عام 744هـ ما يلي: «صبيحة يوم الاثنين 21 جمادى الأولى قُتل بسوق الخيل الحسن بن الشيخ السكاكيني»)[912](.
وذكر العسقلاني: قُتلَ بضرب عنقه في دمشق بعد ثبوت رفضه، وتكفيره للشيخين عند القاضي شرف الدين المالكي)[913](.
وقال ابن كثير في حوادث سنة 755هـ: يوم الاثنين 16 جمادى الأولى اجتاز علي ابن أبي الفضل بجامع دمشق، وهو يسبُّ أول مَنْ ظلم آل محمد، ولم يُصلِّ على الجنازة، فلمَّا فرغنا نبّهتُ عليه الناس فأخذوه، وكان قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضراً فجئتُ إليه، واستنطقته مَنْ الذي ظلم آل محمد؟ قال: أبو بكر، وشتم الخلفاء، فسجن. ثم استحضره المالكي، وجلده، وهو يصرخ بالسبّ. ثم كان يوم الخميس 19 عقد له مجلس بحضور القضاة الأربعة فحكم المالكي بقتله، فضُربت عنقُه، وأُحرق، وطيفَ برأسه.
وقد ناظرتُه، وإذا عنده شيء، وقد تلَّقى عن أصحاب ابن مُطهّر أشياء في الزندقة)[914](.
وذكره العسقلاني مرتين في الدرر الكامنة)[915](. وقال ابن كثير: إنَّه كان من أهل الحلّة، وأنَّه من تلاميذ العلاَّمة الحسن بن يوسف المطهر الحلّي.
وقال ابن كثير في حوادث سنة 766هـ عند الحديث عن أحد علماء دمشق، وهو الشيخ محمود بن إبراهيم بن محمد الشيرازي: ظهر عليه الرفض فسجنه القاضي الحنبلي أربعين يوماً، فلم ينفع ذلك، وما زال يصرّح بلعن الشيخين فوجدَ يوم 17 ربيع الأول في أول النهار بالجامع الأموي يسب الشيخين، ويصرّح بلعنهما أُخذَ إلى ظاهر البلد، وضربت عنقه، وأحرقته العامة، (كما فعلت بالذي قبله سن 755هـ).
وكل هذه المنقولات لا يمكن الاعتماد على وثاقتها، لأنَّها تحملُ عناصر تهافتها معها.
ومن سياق الأحداث التاريخية غير الموثّقة، فإنَّ النصوص حاولت أن تُشكّل تصوّراً للتركة الثقيلة التي خلَّفتها الدول الشيعيّة المنهارة في بلاد الشام، وعهود القهر الطائفي الذي أصاب الشيعة بكافة فصائلها الإسماعيلية، النصيرية، والإمامية الاثني عشرية، حتى أصبح الشيعة ـ كما تصوّر الروايات ـ في مناطق عديدة يتظاهرون باعتناق المذاهب السُنيّة، خصوصاً أهل الساحل (ساحل البحر الأبيض المتوسط) المتسننين الذين كانوا طُعمة للصراعات السياسية التي تنشب بين أصحاب النفوذ من نواب المقاطعات.
ومرَّة أخرى، فإنَّ مثل هذه النصوص يكتنفها الغموض، وعدم الوثاقة.
وبناءاً على مثل هذه المنقولات يمكن أنْ يُقال إنَّ الشهيد بدأ بحمل أعباء هذه التركة في محاولة لإعادة الهوية المفقودة للشيعة في بلاد الشام، واستردادها بعد سنيّ القهر التي عانوا منها طويلاً.
ويبدو ـ ضمن هذا السياق ـ من نسخة توقيع صادرة عن نوّاب السلطنة المملوكية في 25 جماى الآخرة سنة 764هـ/11 نيسان 1363م أنَّ الوجود الشيعي في هذه المرحلة بالذات كان قد أصبح له امتداد يقوم به رجال مدرّبون على العمل الاجتماعي، وأصبحت الحركة الشيعية تعبّرُ عن نفسها بعد سنيّ الاضطهاد التي لازموها طوال هذه الفترة.
وقد تضمَّن نصّ (الأوامر والنواهي الدينيّة) تحذيراً للشيعة، وتأكيداً على إباحة دمائهم بنصّ القرآن بسبب معتقداتهم. إلاَّ أنَّ (النصّ) أرجأ توجيه العساكر إليهم واستباحتهم بعد صدور هذا التحذير لهم. ويبدو أنَّ الامتداد الشيعي كان في هذه السنة بالذات قد أصبح له كيان يمكن الإشارة إليه.
جاء في نص الأوامر والنواهي: «بلغنا أنَّ جماعةً من أهل بيروت وضواحيها وصيداً ونواحيها، وأعمالها المضافة إليها، وجهاتها المحسوبة عليها، ومزارع كل من الجهتين وضياعها، وأصقاعها، وبقاعها قد انتحلوا هذا المذهب الباطل، وأظهروه، وعملوا به وقرّروه، وبثّوهُ في العامّة ونشروه، واتخذوه ديناً يعتقدونه، وشرعاً يعتمدونه، وسلكوا منهاجه، وخاضوا لجاجه».
«وغَضبنا لله تعالى أنْ يكون في هذه الدولة للكُفر إذاعة، وللمعصية إشارة وإشاعة».
وأردنا أنْ نجهّز طائفة من عسكر الإسلام، وفرقةً من جنُد الإمام تستأصل شأفةَ هذه العصبة الملحدة، وتطهّر الأرض من رجس هذه المفسدة.
ثم رأينا أنْ نقدّم الإنذار، ونسبق إليهم بالأعذار فكتبنا هذا الكتاب ليُقرأ على كافتهم، ويُبلّغ إلى خاصتهم وعامتهم، يُعلمهم أنَّ هذه الأمور التي فعلوها، والمذاهب التي انتحلوها، تُبيح دماءهم وأموالهم، وتقتضي تعميمهم بالعذاب واستئصالهم».
إنَّ الاتهامات التي استند عليها (النصّ) في إباحة دماء الشيعة وسلب أموالهم هي اتهامات عامة غير محددة، وأخرى خاصّة ومحددة.
فمن الاتهامات العامة:
1 ـ الفرية على كتاب الله، وتفسيره بخلاف المراد، والتّجرؤ على تأويله بما لم يُرده الله، ولم يَرد عنه، (فإنهم افتروا على الله كذباً قدّمهم وأباح دَمَّهم. وقال لسان حال أمرهم أرى قدَمهم أراق دمهم، وهان دَمُهم فها ندمهم).
2 ـ الخروج عن جادة الصراط المستقيم.
3 ـ الكفر الصراح الذي يبيح القتل على فاعله.
أمَّا الاتهامات الخاصة فهي أنَّ الشيعة:
1 ـ يسبون أصحاب النبي (عليه أفضل الصلاة والسلام)، ويدّعون أنهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو بريء منهم، منزّه عما يصدرُ عنهم، (وسبّ الصحابة رضوان الله عليهم مخالف لما أمر به رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من تعظيمهم ومخالفته عليه الصلاة السلام فيما شَرعه من الأحكام الموجبة للكفر).
2 ـ يستحلون دمَ أهل السُنّة من المسلمين.
3 ـ يستبيحون نكاح المتعة ويرتكبونه. (ونكاح المتعة منسوخ، ومَنْ ارتكبه بعد علمه بتحريمه واشتهاره فقد خرج عن الدين بردّه الحق وإنكاره، وفاعله إنْ لم يتب فهو مقتول).
4 ـ يجمعون بين الأختين في النكاح.
5 ـ يأكلون مال مخالفيهم، وينتهبونه)[916](.
وقد رجَّح جعفر المهاجر أنْ يكون تاريخ صدور هذا الفرمان هو 784هـ/ 1382م)[917](، معتمداً على نصّ أورده ابن يحيى في تاريخ بيروت ينصّ على أنَّ والده الأمير يحيى بن زين الدين صالح أمير الغرب جرت عليه حركة ردّية من والي الشام بَيْدمر الخوارزمي لمَّا تحركت الشيعة في بيروت، وأظهروا القيام بالسُنَّة.
وظنَّ المهاجر أنَّ بيدمر لم يلِ الشام إلاَّ في سنة 780هـ/1378م، والأمير يحيى صدر منشور إقطاعه (أي صار أميراً مسؤولاً تجاه السلطة المركزية في دمشق) في سنة 774هـ/ 1372م.
إلاَّ أنَّ بيدمر الخوارزمي كان قد تولّى ولاية الشام عدّة مرَّات أولها كان في عام 761هـ، 763هـ، 775هـ. 780هـ، 783هـ، 786هـ، وتختلف سنيُّ حكمه، فيعزل في بعضها ثم تُرَدُّ له الولاية مرَّة أخرى.
ولا يخفى أنَّ حال هذا (النصّ) في وثاقته كحال النصوص الأخرى التي لا يمكن التسليم بها، لما تتضمَّنهُ من مفردات، واتهامات خارجة عن صراعات تلك المرحلة أولاً، ولتهافت مضامينها ثانياً، وأنها لا يمكن أن تصدر عن سلطة رسميّة ثالثاً.
وبناءاً على فرضيّة وثاقة «نص الأوامر والنواهي الدينيّة»، فإنَّ طبيعة الأحداث لم تتعدّ (التحذير). فقد بقي النشاط الشيعي قائماً طوال السنين القادمة التي تزخر أحداث المماليك فيها بالمشاكل الداخلية، والتغيرات الإدارية، وتقلّب النوّاب الحاكمين عن مناصبهم تبعاً لمتغيرات الحكم المركزي في مصر.
أصبح نشاط الشهيد في السنوات القادمة أكثر امتداداً مما كان عليه في السابق، ولم يكن عمله هذا إلاَّ محاولة لتجميع القوى الشيعية، وإعادة هويتها المفقودة التي سلبتها الأنظمة السياسية في الدولتين الأيوبية والمملوكية.
ويُعيدُ موقفُ الشهيد هذا، موقف سلفه الشيخ المفيد ـ أيام العهد البويهي ـ الذي عانى الشيعة فيه من ضياع الهوية العقائدية التي اختلطت في زحمة التيارات المتناقضة ابتداءاً من التيارات الكلامية، وانتهاءاً بتيارات الغُلاة وغيرهم، كما صوّرت المنقولات حالة تلك الفترة التاريخية الملتفّة بالغموض والتحريف.
إلاَّ أنَّ الضياع الذي أصاب الشيعة في بلاد الشام، بناءاً على هذه الفرضية، كان ضياعاً سياسياً بحتاً مصطبغاً بالصبغة المذهبيّة التي يظهر أثرُها ويشتدّ في المواقف المتعلقة بالسلطة والحكم، ويخبو أوارُها في حالات الهدوء السياسي، وسيطرة الدولة على الأوضاع.
ويبدو أنَّ سني السبعينات الهجرية (770هـ) كانت قد شهدت نشاطاً كبيراً للشهيد في مشروعه الذي يهدف إلى (توحيد الطائفة الشيعية)، فقد نشر المدارس، في المناطق المختلفة، وعيّنَ الوكلاء في مساجد البلدان وقراها، وفرض جباية الزكاة والخمس على أتباعه في محاولة لتنظيم قواعد المؤسسة الدينية.
وقد استظهر الفقيه المعاصر السيد محمد باقر الصدر أنّ بسط ذراع الفقيه بتعيين الوكلاء، وما يتعلق من جباية الموارد المالية هو أول تطبيق عملي، من الناحية التاريخية، كان الشهيد الأول قد اتّبعه لإنشاء كيان مترابط في تاريخ الزعامة الشيعية)[918](.
وقد لاحظ الشيخ زين الدين الجُبعي العاملي الملقب بالشهيد الثاني، المقتول سنة 965هـ/ 1558م عند شرحه لكتاب (اللمعة الدمشقية) أنَّ الشهيد الأول رأى لزوم دفع الأخماس إلى (نائب الإمام)، أي الفقيه الجامع لشرائط الحكم)[919](.
ويبدو أنَّ هذه العبارة الفقهية قد استُعملتْ لأول مرة على لسان الشهيد الأول من بين فقهاء الإمامية.
وقد استظهرَ البروفيسور Madelung أنَّ لقب (نائب الإمام) أول ما ظهر خلال العصر الصفوي اعتماداً على (الفرمان) الذي أصدره الشاه طهماسب الكبير إلى الشيخ المحقق الكركي، والذي لقّبهُ فيه بنائب الإمام)[920](.
ويمكن الجمع بين النصّين أنَّ هذا اللقب ظهر نظرياً في النصوص الفقهية قبل قيام الدولة الصفوية بما يقرب من القرن ونص القرن من الزمن، أما استعمال اللقب فإنه لم يطبق عملياً قبل مرحلة الصفويين.
وقد وردت في المصادر غير الشيعية ما يؤيد صحة هذه الاستنتاجات، فقد اعتبر مؤرخٌ سنيٌّ كبير أنَّ من أسباب مقتل الشهيد الأول أنَّه كان مرتبطاً بهذا التحرك عندما شرع بالعمل في منطقته الجبلية بعيداً عن أعين السلطان في دمشق، وعيَّنَ له نوّاباً على المناطق في طرابلس، وغيرها)[921](.
وبمقدار ما في هذا النصّ من صحة، إلاَّ أنَّ الشهيد الأول، كان قد أصبح رقماً في معادلة سلطة المماليك البحرية (الأتراك)، فلم يستطيع نوّاب دمشق إلاَّ التعامل معه على أساس يضمن الحرية المعتدلة له ولأتباعه مقابل الحفاظ على مصالح الدولة الأمنية، بل أصبح جزءاً من تشكيلة السلطة المملوكية (التركية) ومن المحافظين عليها، وعلى أمنها.
أما مقتلُهُ فلم يكن قد تمَّ على يد السلطة المملوكية التركية التي تحالف معها، وإنما كان قد تمَّ على يد المماليك الشراكسة الذين أسقطوا حلفاءه الأتراك، واستولوا على بلاد الشام بعد تسلّم الظاهر برقوق زمام السلطة في مصر.
شهدت سنوات الثمانينات الهجرية (780هـ) ازدهاراً للشيعة وتشكّلهم كقوة يُحسب لها حساب بقيادة الشهيد الأول.
ونظراً للعلاقة بين الشهيد، ونوّاب دمشق فقد اتخذ الشهيد في السنوات الأخيرة من حياته دمشق محلّ إقامةٍ له، وكان من الشخصيات التي يتعامل معها رجال الدولة على وفق المسؤوليات الرسميّة.
وقد ظهر في نصّ معاصر منسوب لمؤرخ لتلك الفترة ما يؤكد على هذه النتيجة)[922](.
ومن خلال ما نُقل من تأليف رسالته الفقهية «اللمعة الدمشقية» التي ألّفها سنة 782هـ/ 1380م، والتي يدلُّ عنوانُها على أنَّها كُتبتْ بدمشق كما نصّ على ذلك مترجموه أيضاً، فإن المنقولات الشيعية المتوارثة أوردت أنَّ كتابة (اللمعة) تمّت في سبعة أيام فقط، ولم يدخلْ على الشهيد أحدٌ من علماء دمشق السُنّيين خلال مدّة التأليف.
إلاّ أنَّ هذه المنقولات لم تتوصل إلى حلّ لغز توافد علماء السُنة (الرسميين) على الشهيد في تلك الفترة الزمنية، التي قيل إنَّ مجلسه اليومي لم يكن يخلو منهم أبداً.
نقلت المصادر الشيعية أنَّ مجلس الشهيد بدمشق لم يكن يخلو من علماء الجمهور (السُنة) لخلطته بهم، وصحبته لهم. ونُقل عن الشهيد نفسه أنَّه قال: «لمَّا شرعتُ في تصنيف الكتاب كنتُ أخاف أنْ يدخل عليَّ أحد منهم فيراه. فما دخل عليَّ أحدٌ منذ شرعتُ في تصنيفه إلى أنْ فرغتُ منه».
وعلّق شارح اللمعة زين الدين الشهيد الثاني على هذه الرواية التي أوردها في مقدمة شرحه على الكتاب بقوله: «كان ذلك من خفي الألطاف، وهو من جملة كراماته، قدَّس الله روحه، ونوَّر ضريحه»)[923](.
واعتماداً على هذه المنقولات وردت في بعض المصادر الشيعية أنَّ الشهيد كان يقوم بتدريس كتب الفقه السُني، ويتجنب تدريس الكتب الشيعيّة إلاَّ في بعض الأوقات المخصوصة والأماكن التي لا يصلُها أحد.
ونصّ الرواية التي نقلها الأفندي هي على هذه الشاكلة:
كان الشهيد يشتغل بتدريس كتب المخالفين (أي الكتب الفقهية السُنية)، ولم تحصل له فرصة لتدريس كتب الشيعة لشدة التقيّة، إلاَّ في الليل بقدر ما بين المغرب والعشاء، فكان يُدرّس في تلك الشدَّة حين الخلوة في بيت معين عمله تحت الأرض)[924](.
والرواية وأنْ اعتمدتْ جانباً من أسلوب المبالغة والتهويل، وعدم المُعاصَرة، إلاَّ أنَّها تكشف عن علاقة الشهيد الرسميّة بجهاز السلطة المملوكية الحاكمة.
وبالرغم من أنَّ المصادر لم تُشِرْ إلى تقلّد الشهيد لأي منصب رسميّ، إلاَّ أنَّ وظيفته في المناطق الشيعية الخاضعة لسلطته الروحية جعلته من الشخصيات المتنفذة التي يرقى عملها إلى عمل (العمّال) الذين كانت الدولة تعينهم في المناصب الرسمية في بعض المقاطعات.
أوردت المصادر الشيعية أنَّ التهمة التي أُلصقتْ بالشهيد الأول لدى السلطة المملوكية الشركسية من قبل المرتدين عليه، أو المختلفين معه هي أنَّه كان (عاملاً) أي من ذوي المناصب الرسمية في الدولة المملوكية التركية، مما يكشف أنَّ سلطته على المنطقة كانت بإقرار من المماليك الأتراك أنفسهم.
وقد ورد النص على هذه الصيغة: «تعصَّبَ جماعة كثيرون (ضد الشهيد) بعد أنْ حُبسَ في القلعة الدمشقية سنة كاملة، وكان سبب حبسه أنْ وشى به تقي الدين الجبلي الخيامي بعد ظهور أمارة الارتداد منه، وأنَّه كان عاملاً»)[925](.
وقد حار بعض المؤرخين للوصول إلى هذه الكلمة، فظنَّ السيد محسن الأمين أنّ سياق الجملة يقتضي أنْ تكون الكلمة (عاملاً) محرّفة من كلمة (عاملياً) لأنَّ تقي الدين الخيامي كان أحد أبناء جبل عامل، كما يظهر ذلك من لقبه. والخيام هي إحدى قرى جبل عامل أيضاً.
وهذا التفسير لا علاقة له بمضمون الرواية التاريخية المنقولة.
وحاول الشيخ جعفر المهاجر أنْ يستظهر من النصّ الذي أورده القلقشندي: (أنَّ لقب العامل يقع على الأمير المتولي العمل)، إلى أنَّ تهمة (العامل) التي أُلصقت بالشهيد كانت نتيجة لصلته بالسلطان علي بن المؤيد، التي اعتبرها الوشاة نوعاً من تولّي العمل له، خصوصاً أنَّ ابن المؤيد كان قد فتح أبواب خراسان لتيمورلنك عدو المماليك اللدود)[926](.
وهي نفس المقولة التي استظهرها من قبل الدكتور كامل مصطفى الشيبي)[927](.
ومن خلال هذا التفسير لكلمة (عامل) استوحى المهاجر تفسيراً معاصراً لهذه الكلمة يُقرّبها إلى كلمة (عميل) التي تُطلقُ على مَنْ يقوم بعمل لمصلحة دولة أجنبية فيقال في العبارات: «عميلٌ لدولة أجنبية، أو عميل من عملاء الاستعمار، أو عميل مزدوج»، وما إلى ذلك من الاستعمالات لهذا اللفظ.
إلاَّ أنَّ النصوص التاريخيّة، التي نُقلتْ في محاكمة الشهيد، وإدانته لم تورد أية تهمة تتعلق بعلاقة الشهيد مع سلطان خراسان إبن المؤيد.
أمّا مكاتبة ابن المؤيد للشهيد، والتي سيأتي الحديث عنها، فكانت قبل سيطرة تيمورلنك على بلاد خراسان، وليس بعدها.
وقد بقي الشهيد مستقراً بدمشق طوال هذه الفترة الزمنية، وآخر تأريخ يدلُّ على وجوده فيها هو يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر رمضان سنة 784هـ، أي قبل استيلاء المماليك الشراكسة على مقاليد السلطة في مصر بأسبوع واحد.
وقد ظهر ذلك في إجازة منحها الشهيد للشيخ زين الدين علي بن الخازن الحائري أحد مشايخ الرواة المعتمدين، بدمشق كما صرّح الشهيد نفسه بذلك)[928](.
المواجهة مع المماليك الشراكسة
ابتدأت صفحة جديدة في نشاط الشهيد بعد وصول المماليك الشراكسة إلى السلطة في القاهرة. فقد تكتّل الأمراء المماليك الأتراك في بلاد الشام ضد السلطان برقوق، وأصبحت الممالك في بلاد الشام منقسمة فيما بينها في تأييد السلطة الجديدة أو عدمه)[929](.
إنَّ مملكة دمشق التي كانت تحت سلطة الأمير بَيْدمر الخوارزمي)[930]( في أيام الحكم الجديد سارعت لتأييد برقوق، ومال الأمراء التنوخيون إلى جانب دمشق في دعم السلطة الشركسية.
أمَّا مماليك كسروان من التركمان، ومماليك طرابلس من الأتراك فوقفوا ضدها.
كما كانت الحركة الشيعيّة التي تزعّمها الشهيد الأول هي أولى الحركات المعارضة للسلطة في القاهرة.
نهض الجزينيّون بقيادة الشهيد الأول ضد الحكم المملوكي الجديد، ويبدو أنَّ الشيعة في جزّين كانوا قد توحَّدوا تحت قيادة الشهيد، إلاَّ أنَّ الشيعة في المناطق الأخرى، خصوصاً مناطق الجبل، والمناطق الساحلية (ساحل البحر الأبيض المتوسط) لم يكونوا قد تكتّلوا تحت زعامة واحدة، إنَّما كانت آراؤهم غير متّفقة فيما بينهم في تأييد السلطة المملوكية الجديدة، أو معارضتها)[931](.
كان الشيعة بشكل عام قد أظهروا ولاءهم للشهيد الأول في ظل حكومة المماليك الأتراك التي كانت داعمة لمشروعه السياسي.
أمَّا انقلاب شيعة الجبل عليه ـ كما نقلت الأخبار، فيدلُّ على أنَّ طاعتهم له كانت طاعة متغيّرة طبقاً للتقلبات السياسية، وليست طاعة صادرة عن سلطة دينية عُليا يخضع لها القطاع الشيعي بكلّ فصائله. وهذا ما يُميّز شيعة (جزّين) والمناطق المحيطة بها عن شيعة المناطق الأخرى بضميمة أهل السواحل الذين لجأوا ـ قبل هذه المرحلة على فرض صحّة المنقولات ـ، للتظاهر باعتناق المذهب الشافعي تخلّصاً من الظلم الذي قد يقع عليهم من قبل خصومهم المذهبيين.
إنَّ تمرد القطاع الشيعي على نفسه في ظل الظروف السياسية الجديدة يوضّح، دون أيَّ شك، أنَّ الزعامات الشيعية غير الدينية (الإقطاعية) كانت مختلفة مع الشهيد، إلاَّ أنَّ هذا الخلاف لم يظهر على السطح بسبب سلطة المماليك (الأتراك)، التي كان الشهيد متنفّذاً فيها.وبعد قضاء المماليك الشراكسة على هذا الحكم أخذ الخلاف حجمه الطبيعي في المواجهة المسلحة التي وقعت بين الأطراف الشيعية المختلفة على تقاسم النفوذ.
معركة الشهداء
لم تُشر المصادر التاريخية إلى مواجهة عسكرية جرت بين حكومة المماليك الجددة، وبين المقاطعات الشيعية إلاَّ أنَّ الذي حصل، حسب النصوص التأريخية، أنَّ معركةً طاحنة قد وقعت داخل الكيان الشيعي نفسه متمثلاً بالشهيد الأول من جهة، وبعض الشخصيات المتنفذة التي كانت متحالفةً معه، أو من التي لم تكن متحالفة.
إنَّ الاختلاف في قبول السلطة الجديدة وعدمها هو الذي هيّأ لمثل هذه المعركة.
وقعت المعركة التي سُمّيت بـ (معركة الشهداء) في الشهور الأولى من سنة 785هـ/1383م في قرية النبطية الفوقا ـ التي تقع جنوب جزّين ـ، وليس هناك أيُّ تفصيل عن هذه المعركة، وعن المدّة التي استغرقها الطرفان في القتال. إلاَّ أنَّ نتيجة المعركة ـ حسب ما ورد في النصوص المنقولة ـ كانت انتصاراً للشهيد الأول على خصومه المرتدين عليه، ومقتل زعيمهم الشيخ محمد اليالوش)[932](. وقد تكبَّد الطرفان خسائر بشرية كبيرة.
ويذكر السيد محسن الأمين (ت: 1371هـ/ 1952م) أنَّ قبور شهداء تلك الواقعة لا تزال معروفة في جبل عامل، قرب النبطية الفوقا)[933](.
كما ذكر باحث آخر، هو الشيخ جعفر المهاجر، أنَّ المقبرة التي ضمَّت رفاتهم تتَّسع لقبور يصل تعدادها بين الألفين أو الثلاثة آلاف قبر)[934](.
ذكرت المصادر الشيعية أن الشيخ محمد اليالوش كان من تلامذة الشهيد الأول، ثم صرَّحت هذه المصادر أنَّه انقلب على أستاذه الشهيد بعد انحراف في عقيدته وادعائه النبوة، وممارسته السحر والشعوذة)[935](.
ونُقل في هذه المصادر أيضاً ـ في محاولة للنيل من اليالوش ـ أنَّ الشهيد وقع بيده أحد كتب السحر والشعوذة فأعطاه لتلميذه اليالوش لغرض إتلافه، فأخفاه التلميذ عنه، وتعلَّم منه الشعوذة، فحاربه الشهيد، وقتله)[936](.
وينتسب محمد اليالوش إلى برج يالوش)[937](، إحدى القرى الواقعة في إقليم التفاح، والذي يترجح أنَّه كان من المشايخ الملاّكين الإقطاعيين، وليس من المشايخ الدينيين. وإنَّ ما نُسب إليه من تلمذته على يد الشهيد يبدو أنَّها لم تكن تلمذة بالمعنى الفعلي، وإنَّما هي نوع من إظهار التواصل الثقافي في حضور بعض محاضرات الشهيد أو دروسه العامة التي اعتاد على إقامتها في المناطق الشيعية.
لم تنته معركة الشهداء بقتل الشيخ محمد اليالوش، بل تحوّلتْ إلى حرب بين الشهيد وأتباع اليالوش من القيادات الشيعيَّة، ولكنها حرب من نوع آخر.
فقد كان الجو السياسي العام في منطقة الجنوب خاضعاً بشكل أو بآخر للسلطة الجديدة، وكانت حكومة دمشق تحت ولاية بيدمر الضعيفة تابعة لمماليك القاهرة، أصحاب السلطة الجديدة.
وقد تقلّد المشيخة بعد الشيخ محمد اليالوش أحد أعوانه وهو تقيُّ الدين الجبلي الخيامي (نسبة إلى الخيام إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون) إلاَّ أنَّ الخيامي لم يدخل في مواجهة عسكرية مع قوات الشهيد، وإنَّما ـ كما يظهر من سير الأحداث ـ أنَّ الشهيد كان قد تمَّ اعتقاله بعد معركة الشهداء من قبل السلطة دون أنْ تثير جدلاً كبيراً في الأوساط التابعة له.
ويبدو أنَّ السلطة الجديدة، وفقاً لتسلسل الأحداث التاريخية المُتنَاقَلة، سعت للتخلص من الشهيد بطريقة مرحلية بعد الحدّ من نفوذ أتباعه أولاً، فكانت أنْ أودعته سجن القلعة بدمشق في محاولة لدراسة ردود الفعل التي يخلّفها هذا الاعتقال.
إلاَّ أنَّ مسار الأحداث لم يجر لصالح الشهيد وأتباعه حيث أنَّ الدمار الذي خلّفته معركة الشهداء، وما سبَّبته من المقاتل في صفوف الشيعة أثار حفيظة الشيعة الذين يقفون في الصف المقابل لجزّين، وقائدها الشهيد الأول.
ويظهر أنّ الأطراف السلطوية تدخَّلتْ في الحدّ من سلطة جزّين السياسية، فاستخدمت الذريعة المذهبية للفتك بقيادة الحركة الشيعية الثورية التي خلّفها الشهيد في نفوس أتباعه، بعد الشرخ الذي أحدثته هذه النزاعات في الوسط الشيعي عندما عجزت عن مواجهته عسكرياً قبل هذه الأحداث.
وقد نُقلَ أقدم نصّ عن هذه الحادثة رواه تلميذ الشهيد الأول، وهو الفقيه المقداد السيوري الحلّي ذكر فيه أنَّ السبب في إيداع الشهيد السجن، ثم قتله كان قد حصل بوشاية من تقي الدين الجبلي الخيامي، وأنَّه كان عاملاً.
وبعد وفاة تقي الدين حلَّ يوسف بن يحيى مكانه، وقد كتب هذا القائد الجديد محضراً شنَّع فيه على الشهيد الأول، وكتب في ذلك المحضر سبعون شخصاً من أهل الجبل ممن كان يقول بالإمامة والتشيع، وارتدَّوا عن ذلك، وكتبوا خطوطهم تعصباً مع ابن يحيى في هذا الشأن، كما كتب في المحضر نفسه أكثر من ألف شخص من أهل السواحل الشيعة الذين كانوا يتظاهرون بالتسنن، وأثبتوا ذلك عند القاضي، قاضي صيدا أولاً، ثم رُفعَ المحضر إلى قاضي بيروت، وانتهى إلى قاضي القضاة ابن جماعة)[938](.
وبناءاً على الرواية الشيعيّة المنقولة عن تلميذ الشهيد، فقيه الحلّة في زمانه، الشيخ المقداد السيوري (ت: 826هـ/ 1423م) فإنَّ انقلاب بعض شيعة جبل عامل على الشهيد هو الذي مهَّد لإيقاعه في مورد التهلكة، والتخلص منه.
ويظهر ذلك من خلال محضر التشنيع الذي وقّع فيه سبعون شخصاً ممن يقول بالإمامة والتشيّع من أهل جبل عامل ضد الشهيد الأول، كما وُضعتْ خطوط ما ينيف على الألف شخص من أهل السواحل الشيعة، الذين وصفتهم المصادر الشيعيّة بالشيعة المتخاذلة، أو الشيعة المتسنّنة ـ الذين ارتدوا عن التشيّع ـ في المحضر نفسه.
إنَّ وصف المقداد السيوري لهؤلاء الشيعة بالمرتدين عن التشيّع ابتداءاً من الشيخ محمد اليالوش، وأتباعه تقي الدين الجبلي، ويوسف بن يحيى، وانتهاءاً بالشيعة المُتخاذلة ـ سواءً أفراد أهل الجبل السبعين، أم أهل السواحل الألف ـ الذين وضعوا خطوطهم في محضر التشنيع ضد الشهيد الأول، هو وصفٌ لم يقبْله السيد محسن الأمين، وإنَّما اعتبرَ ذلك ناشئاً من السعي للأغراض الدنيوية، وذكر أنَّ أهل جبل عامل لم يُسْمَع أنَّ أحدهم رجع عن مذهب الشيعة، وإنْ صدرت منه أعظم الموبقات)[939](.
وكما يُلاحظ فإنَّ الدور الذي قام به تقي الدين الجبلي، وخَلَفُهُ يوسف بن يحيى في الإيقاع بالشهيد عند السلطة السياسية كان في مرحلة إعتقال الشهيد وإيداعه سجن القلعة بدمشق.
وفي هذه المرحلة بالذات لم تكن الثورة الشيعية قد استطاعت أنْ تفرض نفسها على الأحداث بعد موجات التفكك والإحباط اللذين حلاّ بها.
وقد بدأ فصلٌ جديد للتخلص من قائد هذه الثورة في خطوة للقضاء على حركته المعارضة)[940](.
الاتهامات الموجّهة للشهيد الأول
وجَّهتْ كتب التاريخ للشهيد اتهامات عديدة يمكن أنْ تنحصر بما يلي:
1 ـ إنَّ الشهيد كان يُعتبرُ جزءاً من النظام المملوكي الرسمي الذي ما زال العديد من أمرائه ـ في مرحلة اعتقال الشهيد ـ معارضين للسلطة الجديدة. وقد اتُّهمَ على أنَّه كان عاملاً على المناطق التي تنفّذ بها، والتي كانت تحت دعم المماليك الأتراك ورعايتهم له. لذلك كان في هذه المرحلة قد عيَّنَ له نواباً على المناطق، ونظَّم القوى الشيعية تنظيماً مكّنها من أنْ تكون قوة يُحسب لها حساب.
2 ـ التحالف مع النُصيرية في الوقوف ضد السلطة المملوكية الشركسية. وكان قد سبق للشهيد أنْ امتد في أوساط النصيريين في طرابلس، والمناطق المتاخمة لها، كما صوّرت الروايات، في عملية لاستعادة وجودهم التاريخي المضطهد، وتقريبهم إلى التشيع الاثني عشري. كما ورد ذلك في عبارة الدمشقي أنَّه: «عيّنَ له نواباً على المناطق في طرابلس، وغيرها»)[941](.
وتظهر هذه الاتهامات في النص الذي نقله ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ/ 1449م) في حوادث سنة 781هـ، وكرَّره في حوادث 786هـ حيث قال: قتل محمد بن مكي الرافضي بدمشق بسبب ما شهد به عليه من الانحلال، واعتقاد مذهب النصيرية، واستحلال الخمر الصرف، وغير ذلك من القبائح، وضُربتْ عنق رفيقه (عرفة) بطرالس، وكان على معتقده)[942](.
ويظهر أنَّ (عرفه) ـ كما يصوّره هذا النصّ ـ كان أحد زعماء النصيريين الثائرين ضد السلطة في تلك الفترة.
3 ـ اتهامُهُ بالرفض، وإطلاقه في عائشة وأبيها، وعمر ( رض) عبارات منكرة، بل مكفرة)[943](.
4 ـ في الكتابات المعاصرة استظهر بعضُ الباحثين المتخصّصين الأكفاء، وهو الدكتور كامل مصطفى الشيبي وجود صلة بين الشهيد الأول، وعلي بن المؤيد (سلطان خراسان) جعلت الظاهر برقوق يُظهر غيرته على الدين بعد اكتشافه لها، فتخلّص من خصم كان يؤلب القوى عليه، وأرضى الفقهاء السُنّة بإعدام رجل كانوا يعتبرونه عدواً هادماً لعقائدهم)[944](.
أمَّا لماذا عارض الشهيد السلطة الجديدة فربما يرجع إلى علاقاته الوثيقة بنواب المماليك السابقين، وشعور الجميع بالقوة في مواجهة المماليك الشراكسة الذين لم تزل سلطتهم مستغرقة بالضعف، والمشاكل الداخلية.
وقد ظهر عنصر التمرد في صفوف المماليك الأتراك تجاه المماليك الشراكسة بعد بضع سنين من مقتل الشهيد الأول، وقد أعلن الأمير يلبغا الناصري الخاصكي، والأمير تمربغا المعروف بمنطاش (قتل سنة 795هـ/ 1393م) عن تمردهما على الظاهر برقوق فأخضعا معظم مدن بلاد الشام باستثناء قلاع دمشق، بعلبك، الكرك التي بقي عمالها تابعين لبرقوق)[945](. وقد أنظم إلى العصيان أمير التركمان، وأمير العربان، كما مال تركمان كسروان إلى الحركة المنطاشية، وكذلك مماليك طرابلس)[946](.
وتمكّن مماليك الأتراك من خلع برقوق سنة 791هـ/ 1389م، والسيطرة على الدولة، وقيدَ الظاهر برقوق، إلى أحد السجون في قلعة (كرك).
إلاَّ أنَّ السلطان برقوق عاد بعد عام واحد مستعيداً مكانته في الحكم، ومنتقماً من خصومه في معركة (شقحب) ـ هكذا ورد اسمُها ـ، التي وقعت بالقرب من دمشق سنة 792هـ/ 1390م)[947](.
وبعد حياة حافلة بالاضطرابات السياسية، والحروب الخارجيّة والداخلية تُوفي الظاهر برقوق سنة 801هـ/ 1398م.
محاكمة الشهيد الأول وقصة مقتله
لم تصدر أيَّةُ ردود فعل من جراء اعتقال الشهيد خلال عام كامل من قبل أصحابه بعد كسر شكوتهم، والقضاء على تحركهم، الأمر الذي دعا بالسلطة إلى التخلص منه بإجراء محاكمة له كان أبطالها خليطاً من قضاة المذاهب الإسلامية السُنّية.
ويبدو من أحداث المحاكمة، ووقائعها، وطريقة الإعداد لها أنَّ هؤلاء القُضاة كانوا قد اتفقوا فيما بينهم على إدانة الشهيد، والتخلّص منه بالقتل.
وفعلاً فقد صدر الحكم بإراقة دمه. فضُربتْ عنقُه تحت قلعة دمشق في شهر جمادى الأولى سنة 786هـ/ حزيران 1384م، حسب نصوص الروايات السنية. أمَّا الروايات الشيعية فتضيف إلى أنَّه صُلبَ، وأُحرق. وفي رواية أخرى أنَّه صُلبَ، ورُجمَ، ثم أُحرق.
وقد وردت بعض النصوص التي تشرح طريقة المحاكمة، وتسلسل مجرياتها. وأقدم نصّ شيعي نُسبَ إلى تلميذ الشهيد المقداد السيوري الحلّي، أحد كبار فقهاء الحلّة المُتوفى سنة 826هـ/1423م، بعد أنْ ذكر طريقة المحضر الذي كتبه أهل السواحل ضده، وبعض أبناء جبل عامل، ودفعوه إلى قاضي بيروت، وهو كالآتي:
«أتوا بالمحضر إلى القاضي عبّاد بن جماعة بدمشق، فَنفذَهُ إلى القاضي المالكي، وقال له تحكم فيه بمذهبك، وإلاَّ عزلتُك.
فجمع الملك (بيدمر) الأمراء، والقضاة، والشيوخ (لعنهم الله جميعاً)، وأحضروا الشيخ محمد (قُدِّس سرُّهُ بحظيرة القدس)، وقُرأ عليه المحضر، فأنكر ذلك، وذكر أنَّه غير معتقد له مُراعياً للتقية الواجبة، فلم يُقبل منه، وقيل له: قد ثبتَ ذلك عليك شرعاً لا ينتقض حكم القاضي.
فقال: الغائب على حجّته، فإنْ أتى بما يُناقض الحكم جاز نقضُهُ، وإلاَّ فلا، وها أنا أُبطل مَنْ شهد بالجُرح، ولي على كلّ واحد حجَّةٌ بيّنة.
فلم يُسمع ذلك منه، ولم يُقبل.
فقال الشيخ للقاضي عبَّاد بن جماعة: إني شافعي المذهب، وأنتَ الآن إمام هذا المذهب وقاضيه، فأحكمْ فيَّ بمذهبك.
وإنَّما قال الشيخ ذلك لأنَّ الشافعي يُجوِّزُ توبة المرتد.
فقال ابن جماعة: على مذهبي يجب حبسك سنة، ثم استتابتك. أمَّا الحبس فقد حبستُك، ولكنْ تُبْ إلى الله، واستغفرْ حتى أحكم بإسلامك، فقال الشيخ: ما فعلتُ ما يُوجبُ الاستغفار حتى أستغفر. (خوفاً من أنْ يستغفر فيثبت عليه الذنب).
فاستغلظهُ ابن جماعة، وأكَّدَ عليه، فأبى عن الاستغفار.
فسَّاره ساعة ثم قال: قد استغفرتَ، فثبتَ عليك الحق.
ثم قال للمالكي: قد استغفر، والآن ما عاد الحكم إليَّ.
ثم قال: الحكم عاد إلى المالكي.
فقام المالكي: وتوضَّأ، وصلّى ركعتين، ثم قال: قد حكمتُ بإهراق دمه.
فألبسوه اللباس، وفُعل به ما قلناه من القتل، والصلب والرجم، والإحراق. (لعنهم الله جميعاً؛ الفاعل، والراضي، والآمر).
وممن تعصَّب، وساعد في إحراقه رجلٌ يقال له محمد بن الترمذي مع أنه ليس من أهل العلم، وإنَّما كان تاجراً، فاجراً)[948](.
إما الرواية المنسوبة إلى المؤرخين السُنَّة فهي قريبة من الرواية الشيعيّة، فقد وردت بثلاثة نصوص. وأقدم نص فيها هو النص الذي نقله المؤرخ ابن حبيب ظاهر بن الحسن المُتوفى سنة 808هـ/1405م حيث قال في حوادث سنة 786هـ/1384م: وفيها قُتل محمد بن مكي، وعرفة كبيرا الرافضة بدمشق وطرابلس حتى تجاهرا بالمعاصي والعناد، وتظاهرا بالزندقة في مخالفة الله ورسوله، وموافقة المَرَدة من العباد، ونأيا عن الحقّ في استماع الأمر، ورأيا رأي النُصيريّة في تحليل الخمر، وقالا بتعظيمها كالمجوس، وأهل الفجور، واعتقدا مُعتقدهم في أنَّها من النور، وخرجا بما عندهما من الرفض، ونَصَبا أنفسهما اللعينة لرفع مقالة أولي الخفض، وَدَعوَا إلى إجابة دعوة (نُصير)، والركون إليها.
وتغاليا في محبّة ابن مُلجم، وجمع قلوب الناس عليها، وتماديا في الضلال والإضلال، وناديا على نفوسهما بُقبح الخلال والإخلال.
ولا برحا كذلك إلى أنْ وصل كلٍّ منهما أسباب غيّه بأسباب حتفه، وكان ـ كما قيل ـ كالباحث عن حتفه بظلفه.
وكان قتل محمد بن مكي تحت قلعة دمشق، وقتل عرفة بطرابلس (عليهما من الله ما يستحقانه))[949](.
أمَّا النصّ الثاني المنسوب إلى معاصره ابن الجزري المُتوفى سنة 833هـ/ 1430م فقد نُقلَ على هذه الشاكلة: «محمد بن مكي بن محمد بن حامد أبو عبدالله الجزّيني الشافعي. كذا كتبَ بخطّه لي في استدعاء. ولكنَّه شيخ الشيعة، والمجتهد في مذهبهم.
ولد بعد العشرين وسبعمائة ورحل إلى العراق، وأخذ عن ابن المُطَهَّر وغيره، وقرأ القراءات على أصحاب ابن مؤمن.
وذكر لي ابنُ اللبَّان أنَّه قرأ عليه. وهو إمامٌ في الفقه، والنحو، والقراءة. صحبني مدة مديدة فلم أسمع منه ما يُخالف السُنّة. ولكنْ قامتْ عليه البيّنة بآرائه، فعقد له مجلسٌ بدمشق، واضطرَّ فاعترف ليحكم بإسلامه الشافعي، فما حكم، وجعل أمره إلى المالكي، فحكم بإراقة دمه. فضُربتْ عنقُه تحت القلعة بدمشق. وكنتُ إذ ذاك بمصر. وأمرُهُ إلى الله تعالى»)[950](.
قد وردت في النص الثالث المنسوب إلى القاضي ابن شهبة الدمشقي المُتوفى سنة 851هـ/ 1447م، بعض التفصيلات لإيقاع الشهيد مورد التهلكة، والحرص على اشتراك جميع الفقهاء من المذاهب الأربعة بالحكم بكفره، وإهراق دمه.
ذكر ابن شهبة في أحداث اليوم العاشر من شهر جمادى الأولى سنة 786هـ ما يلي:
(وفي عاشره: عقد مجلس للشمس محمد بن مكّي العراقي الأصل، المقيم بقرية جزِّين، وكان له في السجن مدة، وأثبت في حقه محضر عند قاضي بيروت يتضمن رَفْضَهُ وإطلاقه في عائشة وأبيها وعمر (رض) عبارات منكرة، بل مكفرة، على ما أفتى به جماعة من الشافعية والحنفية وغيرهم. فاجتمع القضاة والعلماء بدار السعادة، وادعى عليه عند القاضي المالكي، فأنكر أنْ يكون قال شيئاً من ذلك؛ فتوقف المالكي توقفاً زائداً فقُدِّر أنَّهم استدرجوا ابن مكي حتى اعترف وأقرَّ ظناً منه أنَّ ذلك ينفعه، ثم أتى بكلمتي الشهادتين، فسئل المالكي حينئذٍ الحكم بكفره وإراقة دمه فقال: حتى تفتوا بزندقته بما وقع منه، فأفتى بذلك المالكية وبعض الشافعية، فلما رأى ابن مكي الجدَّ رجع وقال كلاماً لم يُسمع منه، ولم يلتفت إليه، ثم حكم القاضي المالكي بكفره وإراقة دمه وإن تاب، بعد أنْ استخار الله تعالى، وجعل حكمه مقيداً بشرطين، أحداهما: ألاَّ يكون سبقه حكم بإسلامه، الثاني: أنْ ينفذ القضاة حكمه ويوافقه الحنبلي أيضاً، فحكم الحنبلي أيضاً بزندقته وإراقة دمه، ونفذه القاضيان، فأخرج إلى تحت القلعة فضُربتْ عنقه بعد أنْ صلَّى ركعتين، وأتى بكلمتي الشهادة، وأظهر الترضي عن الشيخين والصحابة.
قال ابن حِجّي: «ولم يظهر منه جزع ولا خوف، نسأل الله العافية» قال: «وهو مشهور بالرفض لكنه عالم في الأصول والقراءات وغير ذلك»)[951](.
وقد اتفقت جميع الروايات أنَّ مقتل الشهيد الأول كان في شهر جمادى الأولى من عام 786هـ/ 1384م. ووقع الاختلاف في اليوم الذي قُتل فيه الشهيد، فقيل اليوم التاسع)[952](، أو العاشر، أو السابع عشر)[953](، أو التاسع عشر)[954]( من الشهر نفسه.
من خلال هذه النصوص تتضح عدّة أمور:
1 ـ صوّرت النصوص أنَّ قضية مقتل الشهيد الأول هي قضية مذهبية أكثر مما هي قضية سياسية. وحقيقة مجريات الأحداث تدعو إلى نقيض هذه الدعوى حيث أن قضيّة مقتل الشهيد هي قضيّة سياسية اتخذت من محاكمة الشهيد المذهبية واجهة لها، بعد معارضته للسلطة المملوكية الشركسية.
2 ـ صَمَتت المصادر السُنيّة في إيراد أسماء القضاة الذين حكموا بإهدار دم الشهيد، بل اكتفت بالإشارة ـ فقط ـ إلى اتجاهاتهم المذهبيّة. أمَّا المنقولات الشيعيّة فقد أوردت أسماء بعض القُضاة بشكل غير دقيق، مثل برهان الدين المالكي، والقاضي عبّاد ابن جماعة.
لم يرد اسم عبّاد لأيّ قاض في تلك المرحلة من خلال ما أورده ابن طولون في أسماء قضاة دمشق.
وقد نقل الخوانساري: أنَّ الشهيد الأول قُتل بفتوى برهان الدين المالكي، وعبّاد بن جماعة الشافعي)[955](.
وظنَّ الشيخ محمد مهدي الآصفي في مقدمته على «اللمعة الدمشقية» أنهما شخصٌ واحد)[956](، اعتماداً على ما أورده ابن طولون من أسماء قضاة دمشق. والسبب في هذه المظنة أنَّ ابن جماعة يُلقّب ببرهان الدين. والحال أنَّ هذين الشخصين هما شخصان مختلفان أحدهما مالكي، والآخر شافعي، وعدم الدقة في إيراد الاسم، كما كان شائعاً في تلك المرحلة لا يعني اتحادهما معاً على أنّهما شخصٌ واحد.
أمَّا القُضاة الأربعة الذين ضمَّتهم تلك المحاكمة، فمن خلال ما كتبه، ابن طولون عن قُضاة دمشق فإنّه أورد أسماء القُضاة المعاصرين لهذه المرحلة على هذه الشاكلة:
1 ـ قاضي القُضاة برهان الدين إبراهيم بن عبدالرحمن ابن جماعة الكناني الشافعي)[957](، والذي ذكرت المصادر الشيعيّة أنَّه هو الذي كان المُسبّب الأول لقتل الشهيد.
وكان هذا القاضي يشغل أعلى الوظائف الدينية رتبةً في القضاء، وهي رتبة قضاء القُضاة، حيث كان بدمشق أربعة قضاة من المذاهب الأربعة أعلاهم القاضي الشافعي الذي يختص بتولية النواب في جميع نواحي دمشق وأعمالها، ويليه في الرتبة القاضي الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي.
وكان القاضي برهان الدين ابن جماعة قد تولّى منصب القضاء في مصر والشام خلال فترة حكم المماليك الأتراك. وبعد سقوطهم عام 784هـ/ 1382م على يد المماليك الشراكسة وُلّي قضاء دمشق في شهر ذي القعدة سنة 785هـ/ كانون الأول 1383م، وأضيفت له مشيخة الشيوخ بعد سنة من ولايته)[958](.
وقد تسلّم ابن جماعة مهامه الجديدة في ولاية دمشق أول شهر محرم سنة 786هـ/ 24 شباط 1384م)[959](، وكان الشهيد الأول في هذه الفترة بالذات مسجوناً في قلعة دمشق منذ شهور تقارب الثمانية، بعد الحوادث التي أعقبت معركة الشهداء، أوائل عام 785هـ/ 1383م، أو قبلها بقليل.
وكانت للشهيد الأول علاقة قديمة مع القاضي ابن جماعة حيث أورد في إجازته لتلميذه ابن الخازن الصادرة عام 784هـ/ 1382م، أنَّه قرأ كتاب (الشاطبيّة) على جماعة من علماء السنّة منهم قاضي قُضاة مصر برهان الدين إبراهيم بن جماعة)[960](.
كما كانت له صلة علميّة كما تظهر من خلال ما ورد من بعض أسئلة الشهيد الموجهة لابن جماعة. فقد نقل شمس الدين محمد بن علي الجباعي المُتوفى سنة 886هـ/ 1481م ـ في مجموعة له مخطوطة (نقل فيها بعض الرسائل الخطية للشهيد الأول) ـ هذا السؤال:
سؤال الشيخ شمس الدين بن مكي للقاضي ابن جماعة:
ما قول مولانا، وسيدنا الإمام العلاَّمة، قاضي القُضاة (أجلَّهُ الله تعالى وأسماه) في رجل مات، وعليه دَيْنٌ لأحد ورّاثه، هل يسقط من دينه ما يلزم أداؤه من ذلك الدين لو كان لأجنبي أم لا؟
وبتقدير السقوط هل يؤثر في نقصان مجموع المأخوذ أم لا؟
فقد حكى بعض الأفاضل مصير بعض العلماء إلى كلّ واحد من أقسام المنفصلة، وتوجيه ذلك مما يعسر على غير المولى الإمام برهان الدنيا والدين)[961](.
اجتهدت بعض المصادر الشيعية في تفسير أسباب منشأ العداء بين القاضي ابن جماعة والشهيد ـ رغم العلاقة القائمة بينهما ـ، فقد ذكر القاضي نور الله التستري أنّ قاضي دمشق ابن جماعة كان شريكاً أيام الشباب بمجلس الدرس مع الشهيد، فلما شاهد أنَّ الشهيد برع بين أقرانه، وامتاز بينهم بمزيد الفضل والكمال غلبهُ الحسد ونسب إليه (الرفض)، وحصل حكم قتل الشهيد من والي الشام، فقتله)[962](.
أمّا الخوانساري فقد نقلَ نصَّاً آخر نسب فيه وقوع مشاجرة كلامية أيام الزمالة الأولى بين القاضي ابن جماعة، والشهيد)[963](.
وكلا هذين النصّين يُحَمّلان ابن جماعة مسؤولية مقتل الشهيد.
يظهر من سياق المنقولات أنّ مقتل الشهيد، وإنْ اشتركتْ به فتاوى قضاة السُنّة الرسميين بإشراف ابن جماعة، إلاَّ أنَّ هذه الفتاوى هي جزءٌ من مخطط كان قد أعدَّ لقتله.
ومن المُستبعد ـ من خلال النصوص المتوفرة ـ أنْ يكون ابن جماعة قد ضمَّته حلقات درس مع الشهيد، وكلّ ما ورد، بناءاً على ما أورده الشهيد نفسه: أنَّه كان قد قرأ على ابن جماعة بعض المؤلفات، وإنَّ إيراد اسم القاضي في إجازات الشهيد مصحوباً بعبارات التجلّة والاحترام يعارض الرواية التي نقلها الخوانساري، والتي تسيء بحدّ ذاتها لمقام الشهيد، ولمقوماته الأخلاقية التي لا يمكن أنْ تصدر عنه.
3 ـ القاضي المالكي المعاصر لهذه الفترة هو علم الدين محمد الدمشقي المالكي الذي تولى قضاء دمشق أحد عشر مرَّة في مدة خمس وعشرين سنة ابتداءاً من سنة 779هـ/ 1377م، وباشر فيها ثمان سنين وعشرة أشهر، ومات وهو لا يزال في منصبه عام 805هـ/ 1403م)[964](.
4 ـ القاضي الحنفي المعاصر لهذه الأحداث هو تقي الدين عبدالله بن يوسف الكفري الحنفي (ت: 803هـ/ 1401م) الذي وُصف بأنه قاضي الحنفية، وابن قاضيهم بدمشق)[965](.
5 ـ القاضي الحنبلي المعاصر لهذه الأحداث هو علاء الدين بن المنجا الحنبلي (ت: 800هـ/ 1398م) )[966](.
6 ـ والي دمشق بَيْدَمر الخوارزمي. هو النائب السابع والعشرون للمماليك الأتراك في دمشق، تولّى نيابة دمشق مرات عديدة، وكان في كلِّ مرة يُعزل، ثم يعود للنيابة مرة أخرى.
ونظراً للصراعات المستمرة بين الأمراء المماليك فقد كان بيدمر يُعزل في كل نيابة يتولاها، ثم يعود إليها مرة أخرى. وكانت أولى تولّيه نيابة دمشق عام 761هـ/ 1360م)[967](.
وكانت بلاد الشام مكونة من ولايات سبعة)[968](. تعتمد كلّ ولاية على نائبها ومصادر القوة التي يتمتع بها. وكان السلطان المملوكي يعمد إلى استبدال النُواب في الولايات والنيابات تجنباً لاحتمال التمرد عليه إذا ما بقي الحاكم طويلاً في منصبه)[969](.
لذلك يحاول النواب كسب رضا السلطان لغرض استمرارهم في مناصبهم الإدارية.
تولى بيدمر نيابة الشام أوّل مرة سنة 761هـ/ 1360م. ثم تكرر توليه النيابة عام 763هـ/ 1362م، 775هـ/ 1373م، 779هـ/ 1377م، 783هـ/ 1381م، وكان بيدمر في كل المراحل التي تولّى بها النيابة يسعى لإرضاء السلطة المملوكية العليا في القاهرة لغرض الاستمرار في منصبه.
ويتجلَّى ذلك عند تولّيه نيابة دمشق للمرة الثالثة سنة 775هـ/ 1373م حيث وقع قحط، وحلّت المجاعة على الناس)[970](. وكان بيدمر مشغولاً بتوفير بعض المُعدّات المشغولة بالذهب والفضة والأحجار المُطعّمة كالأبواب والشبابيك والصفائح وغيرها لإرسالها إلى السلطان. قال ابن طولون: إنها حُملتْ على مائة وستين جملاً)[971](.
وبعد انقلاب الحكم المملوكي التركي عام 784هـ/ 1382م، قيلَ إنّ بيدمر أيَّد السلطة المملوكية الشركسيّة الجديدة، خلافاً لبعض النواب المماليك، وقد بقي في منصبه مُعْتَمداً من برقوق هذه المرة.
وكان السلطان برقوق)[972]( قد طلبه في شهر ربيع الأول سنة 786هـ/ نيسان 1384م، فتوجَّه إلى القاهرة حاملاً الهدايا الثمينة معه)[973](.
ويلاحظ أنَّ مقتل الشهيد الأول كان قد أعقب زيارة بيدمر إلى القاهرة، ورجوعه منها إلى دمشق مباشرة.
فقد كانت الزيارة في شهر ربيع الأول، ومقتل الشهيد حصل في الأيام العشرة الأولى من شهر جمادى الأولى، أو في العشرة الثانية ـ على رواية أخرى ـ، وليس هناك أيَّةُ إشارة إلى المدة التي قضاها بيدمر في القاهرة، إلاَّ أنَّ احتمال عودته إلى دمشق كان قبيل مقتل الشهيد الأول بأيام ليست بالطويلة.
حكم بيدمر في ولايته الأولى عام 761هـ/ 1360م أقلَّ من سنة، وفي الثانية عام 763هـ/ 1362م حكم ما يقارب السبع سنوات، أي حتى عام 770هـ/ 1369م، كما حكم في ولايته الثالثة عام 775هـ/ 1373م ثلاث سنوات، أي حتى عام 778هـ/ 1376م.
وفي ولايته الرابعة عام 779هـ/ 1377م حكم بضعة شهور. وفي الخامسة عام 783هـ/ 1381م حكم أشهراً وعزل.
أمَّا الولاية السادسة فقد تولاّها في العام نفسه عام 783هـ/ 1381م، وبقي فيها حتى وفاته سنة 787هـ/ 1385م)[974](.
وفي ظلّ هذه الولاية الأخيرة قُتل الشهيد الأول.
أمَّا الفترة المهمة في نشاط الشهيد الأول فقد بدأتْ بعد عام 770هـ/ 1369م، وكانت السلطة تحت حكم الأمير سيف الدين منجك حتى عام 775هـ/ 1373م.
وقد ظهر من خلال نصّ للشهيد الأول نفسه أنَّ الأمير منجك كان من المساندين له خلال فترة حكمه التي دامت ما يقرب من الخمس سنوات، ولم تستطع الشخصيّات المتنفذة داخل الجهاز المملوكي من الوقيعة به نظراً للتأييد الذي كان يحظى به من الأمير منجك)[975](.
وخلال العقد الأخير من حياة الشهيد تولّى بعض نوّاب دمشق الحكم لمدّة شهور قصار، وهم: طشتمر الدوادار، والأمير أقطمر الحنبلي، والأمير كمشبغا اليلبغاوي الحموي، والأمير اشقتمر.
وتُظهرُ فترات حكم هؤلاء النوَّاب حركة الاضطراب التي اعتاد المماليك إثارتها لغرض السيطرة على الولاة بالفوضى لشلّ قدرتهم على الاستقلال عن الحكم المركزي.
ويظهر كذلك أنَّ حركة الشهيد وامتداده في صفوف مريديه من الشيعة في الولايات الجنوبيّة والساحلية كانت قد نمَتْ وتعاظمت في مجملها تحت ظل حكم بيدمر الخوارزمي.
ومن خلال فترة الازدهار التي عاشها الشهيد الأول في العقد الأخير من حياته كان التعاون بين سلطة المماليك الأتراك، والشهيد وأتباعه قد بلغ ذروته حتى سقوطهم على يد الشراكسة.
إلاَّ أنَّ انتقال الأمير بيدمر ـ كما صوّرته المنقولات ـ، من موقعه السياسي في ظل المماليك الأتراك إلى ظل السلطة الجديدة بُغية الاحتفاظ بمنصبه في الحكم هو الذي قلب المعادلات جميعها، وجعل توجهاته السياسية خاضعة لإرادة الحكم الجديد بشكل مطلق.
وعلى وفق هذه المرويات فإنّ اعتقال الشهيد الأول، وإيداعه السجن، ثم محاكمته، وقتله كان خاضعاً لموجة الاضطراب التي عمَّت جميع ولايات بلاد الشام بعد سقوط المماليك الأتراك، وبعد تمرّده هو وأتباعه على السلطة الجديدة، وما حصل من قتال بين مؤيديه من أبناء جزّين وطرابلس، وبعض مناطق جبل عامل، والمخالفين له من الشيعة، (الذين اختلفوا معه سياسياً فانساقوا لتأييد السلطة الشركسية)، بقيادة الشيخ محمد اليالوش، وتقي الدين الجبلي، ويحيى بن يوسف.
وكان قرار مقتله ـ كما يظهر من استدعاء الأمير بيدمر إلى القاهرة قبل مقتل الشهيد ببضعة شهور ـ صادراً عن سلطة برقوق العليا.
وقد صدر قرار الحكم بإهدار دم الشهيد بفتاوى سياسية كان أبطالُها مزيجاً من الفقهاء الرسميين للمذاهب السُنيَّة الأربعة عند رجوع بيدمر إلى دمشق مباشرة.
هكذا صوّرت النصوص قصّة مقتل الشهيد الأول.
وإمعاناً بالسخرية فقد نُقلَ في الفترة التي كان فيها الشهيد سجيناً في زنزانات دمشق سنة 785هـ/ 1383م، أنَّه كتب إلى بيدمر أبياتاً شعرية ينفي التُهم المذهبية التي وُجّهتْ إليه في محاولة لدعوة الأمير بيدمر إلى التدخل لإطلاق سراحه.
يقول الشهيد الأول:
يا أيُّها الملك المَنْصُورُ (بَيْدَمرُ)
بكم (خوارزمُ)، والأقطارُ تفتحرُ
أني أُراعي لكم في كُلّ آونةٍ
وما جنيتُ لعمري كيفَ أعتذرُ؟
لا تسمعنْ فيَّ أقوال الوشاةِ فقَدْ
باؤوا بزورٍ، وإفكٍ ليسَ ينحصرُ
والله والله إيماناً مؤكَّدةً
إني بريٌ من الإفك الذي ذكروا)[976](
ويمكن الاستنتاج من الإشارة في أبيات الشهيد هذه أنَّه ذكّرَ بيدمر بالدعم الذي كان يحظى به الشهيد في ظلَّ حكم الأمير سيف الدين منجك (الذي كان يُلقب بالأمير العادل)، وإبطال دعاوى الوشاة الذين حاولوا الوقيعة به في تلك الفترة، ممن وقف الأمير أمامهم بقوة.
وأول مَنْ تنبّه إلى استنتاج بعض المسائل التأريخية من قصيدة الشهيد التي كتبها إلى الأمير بيدمر هو السيد محسن الأمين، حيث قال: «وشي بالشهيد إلى الأمير منجك فلم يقبل الوشاية. وإنَّ الأمير حاجب، وأستاذ الدار كانا يعلمان ذلك. وأنَّه كان يحج في كلّ سنة. وكان في السنة التي استشهد فيها قد حجَّ. وكان أمير الحج محمد بن بيدمر. وإنَّ الشهيد كانت له خلطة «مع أرباب السلطنة، وأركان الدولة»)[977](.
وقد ظنَّ السيد الأمين أنَّ نسبة الأبيات إلى الشهيد الأول صحيحة. إلاَّ أنَّ شيئاً من ذلك لم يقع أبداً.
يقول الشهيد الأول، في الأبيات المنسوبة إليه، مخاطباً بيدمر:
فكُنْ (كَمنجك) ـ بلَّ اللَّهُ أعظمهُ
وزادَكَ اللَّهُ عزّاً ليس ينحصرُ
أتى إليه رُواةُ السُوءِ إذْ أفكوا
فحينَ حقّقَ أرداهُم بما ذكروا!
إلاَّ أنَّ بيدمر، تبعاً لمجريات الأخبار، لم يستمع لنجاوى الشهيد له، فقضية اعتقال الشهيد، وسجنه ـ كما يُستنتج من الأحداث ـ كانت أكبر من نفوذ بيدمر، الذي يُعتبرُ عند خصومه أميراً من بقايا النظام المملوكي القديم. وفعلاً فقد أُزيح هو نفسُه عن الحكم عام 788هـ/ 1386م، أي بعد مقتل الشهيد بأقل من عامين، كما ذكرت النصوص أخباره.
وفي القصيدة أبيات أخرى في مدح الخلفاء الراشدين الثلاثة، وجملة من الصحابة أيضاً.
بين الشهيد الأول والسلطان علي بن المؤيد
كان علي بن المؤيد قد طلب من الشهيد أنْ يتوجّه إلى خراسان في محاولة لاستقدام فقهاء الإمامية لتوجيه الدولة ضمن الخط العقائدي الشيعي مقابل التيار الصوفي السياسي الذي لم ينقطع بالوقيعة بالسلطة السربدارية، والتحالف مع خصومها.
وقد شهدت مرحلة حكم علي بن المؤيد صراعات بينه وبين نفوذ الدراويش، إلاَّ أنَّه تمكّن من كسر شوكتهم عام 780هـ/ 1378م بعد سيطرته على سبزوار وقضائه على الدراويش المتحصنين فيها.
وبعد انقضاء المهام الحربيّة ضد الدراويش بدا للسلطان علي بن المؤيد أنْ يُقوّم مملكته على أساس مغاير للطريقة الصوفية التي قيل إنَّها عمّت الدول الشيعية المنفصلة عن المملكة المغولية، فوقع اختياره على الشهيد الأول.
ولم تكن هناك أيَّةُ نصوص تأريخية تُشير إلى وجود صلة بين علي بن المؤيد والشهيد بالرغم من الإشارة التي وردت عن مراسلات وقعت بينهما في فترة أولى من حياة الشهيد نفسه)[978](.
والنصّ الوحيد الذي يُذكِّر بوجود هذه الصلة هي الرسالة التي بعثها السلطان ابن المؤيد إلى الشهيد يحثه فيها للمجيء إلى خراسان لتولّي توجيه البلاد عقائدياً على وفق العقيدة الدينية الاثني عشرية)[979](.
وكان مبعوث السلطان ابن المؤيد إلى بلاد الشام هو شمس الدين محمد الآوي الذي يُرَجَّح أنَّه كان من علماء الشيعة في تلك المرحلة، وأحد المقربين للسلطان علي بن المؤيد، الذين يقفون ضد التوجه السياسي والروحي لجناح التصوف السَرْبَداري)6[980](، الذي يتمثَّل بالتيار القوي المنافس لابن المؤيد على السلطة.
أمَّا لماذا لم يستجب الشهيد لطلب السلطان ابن المؤيد للتوجه إلى خراسان، وتولّي مهامه الدينيّة هناك فيرجع إلى ما حقّقه من نفوذ سياسي ضمن دائرة السلطة في بلاد الشام، خصوصاً في المناطق التي بسط سلطانه الروحي عليها بلحاظ سياسة التوازن التي اتخذها حيال توجهات السلطة المملوكية، وضرورة المحافظة على هذا الكيان الشيعي الذي يتزعمه، ويشرف عليه.
استظهرَ بعض الكتَّاب المُعاصرين أنَّ مقتل الشهيد كان خاضعاً لصلته بابن المؤيد. فقد اعتقد الدكتور كامل مصطفى الشيبي أنَّ الشهيد الأول عندما كان في العراق كان يتلقّى توجيهات علي بن مؤيد الخراساني (اعتماداً على ما ذكره الشهيد الثاني من وجود مكاتبات بينهما في تلك الفترة). وبهذا يبدو أنَّ قتل الشهيد الأول ـ كما يقول الشيبي ـ كان أدخل في السياسة منه إلى العقيدة. وإنَّ هذه الحماسة في الشهادة ربما كانت محركة من الحكومة نفسها، وحتى من أتباعه خوفاً على أنفسهم، وربما اختلافاً في الرأي في التسليم لتيمور، وكان منشغلاً بفتوحه في الشرق)[981](.
كما تبنّى الشيخ جعفر المهاجر الرأي نفسه عندما ذكر أنَّ التهمة التي أُلصقت بالشهيد هي من جرَّاء الصلة التي قامت بينه وبين علي بن المؤيد والتي اعتبرها الوشاة نوعاً من تولّي العمل له، خصوصاً أنَّ ابن المؤيد كان قد فتح أبواب خراسان لتيمورلنك عدو المماليك اللدود)[982](.
ونقل السيد حسن الأمين المعنى نفسه فيما كتبه عن الشهيد الأول)[983](.
إلاَّن أنَّ تهمةً كهذه لم تُوجَّه للشهيد في تلك المرحلة التي انقلب فيها الحكم بيد المماليك الشراكسة. في حين أنَّ رسالة السلطان ابن المؤيد كان قد تسلّمها الشهيد قبل هذه المرحلة، أي في ظل حكم دولة المماليك الأتراك التي زالتْ قبل مقتل الشهيد بعامين من الزمن.
* * *
لم يترتب على مكاتبة ابن المؤيد للشهيد الأول شيء سوى الأثر الخالد الذي تركه الشهيد في تأليفه رسالة فقهية جامعة أسماها (اللمعة الدمشقية) بعثها إلى السلطان ابن المؤيد. وقد قيل إنَّ الشهيد ألّفها في سبعة أيام فقط معتمداً على منهجه الفقهي، ومستنداً على بعض مؤلفات المحقق الحلّي المختصرة.
ولم يكن ابن المؤيد قد تلقّى هدية فقيه بلاد الشام، الشيخ محمد بن مكي أو ربَّما تلقّاها، ولم يترتب شيءٌ عليها، بسبب ما كانت البلاد تُعانيه من اضطراب خارجي على جبهات هراة واستراباد، وداخلي من معارضة خصومه الدراويش له.
ولم تنتهِ الحال إلاَّ بدخول تيمورلنك، واحتلاله سبزوار، حيث سلّم ابن المؤيد مقاليد السلطة له بعدما كفَّ عن التفكير نهائياً في أمر استقلاله بغية أنْ تصبح مملكته جزءاً من دولة الفاتح المغولي الجديد، لعلَّها تكون بعيدة عن تنازع الأطراف الطامعة بها، في محاولة للتخلص من الخصوم أولاً، وللبقاء في السلطة ثانياً.
إلاَّ أنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث، فقد نقل تيمورلنك ابن المؤيد إلى بلاطه، وبقيت مدينة سبزوار بيد خصومه.
وقد قيل إنَّ ابن المؤيد بقي في صحبة تيمورلنك حتى قُتل سنة 788هـ/1386م في إحدى المعارك التي نشبت في الحويزة، بناءاً على الرواية التي نقلها الشهيد الثاني)[984](، أو أنَّه تُوفي حدود سنة 795هـ/ 1393م على رواية أخرى)[985](.
كان ابن المؤيد من الشخصيَّات التي سعت إلى خلق منظومة عقائدية لنشر الفكر الشيعي في صفوف جميع مناطق خراسان، في عملية لمواجهة ممارسات الطرق الصوفية. وقد بدأ بالترويج للفكر الإمامي ابتداءاً من سكّ النقود بالشعارات الشيعيّة التي ضربها في مملكته، وانتهاءاً باستدعاء علماء الشيعة وفقهائهم لتولّي المناصب الدينيّة فيها، والدعوة العامة للتشيع مقابل الحركات الصوفية السياسية الداعية لضرب السلطة السربدارية، والإحلال محلها.
مؤلفات الشهيد الأول
أمَّا جهود الشهيد العلّمية الأخرى فإنَّ مؤلفاته الغنيّة والمتنوعة بوَّأتْهُ منزلةً خاصة لدى فقهاء الطائفة الإمامية، وكان من بين هذه المؤلفات:
1 ـ كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية. حفظ فيه الشهيد الكثير من آراء فقهاء الإمامية القُدامى، أمثال: ابن الجنيد، ابن بابويه القمي، العماني، وغيرهم. وقد خرج منه جزءآن ـ حسب تقسيم المؤلف ـ من كتاب (الطهارة إلى كتاب الرهن). وفرغ منه في 12 ربيع الثاني سنة 784هـ. ذكره الشهيد في إجازته لابن الخازن التي كتبها في 12 شهر رمضان من العام نفسه.
إلاَّ أنَّ تلاحق الأحداث التي أعقبت هذه الفترة بالذات لم تترك مجالاً للشهيد لإكمال هذا الكتاب، فقد غادر الشهيد دمشق إلى جزّين، وعاد إليها معتقلاً ليقتل في قلعتها، ويُحرق جثمانه فيها، على ما تعارف من قصّة مقتله.
وقد وضع السيد جعفر الملحوس بن السيد أحمد الحُسيني تكملةً لهذا الكتاب، فرغ منها في 26 رجب 836هـ/ 19 آذار 1433م)[986](.
2 ـ شرح التهذيب الجمالي، أو «جامع البين في فوائد الشرحين»، جمع فيه ـ إبّان شبابه ـ بين شرحي السيدين عميد الدين الأعرجي، وأخيه ضياء الدين الأعرجي على كتاب خالهما العلاَّمة الحلّي: «تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول»)[987](.
3 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، في الفقه)[988](.
4 ـ الرسالة الألفية في الصلاة)[989](.
5 ـ خلاصة الاعتبار في الحج والاعتمار.
6 ـ المسائل المقداديات)[990](.
7 ـ القواعد والفوائد)[991](، وغيرها.
أُعتبر كتابه الأخير (القواعد والفوائد) أول مُصنَّف لفقيه إمامي جمع القواعد الفقهية والأصولية التي يحتاجها الفقيه في مناهج استنباط الأحكام الشرعية. وقد احتوى الكتاب على ثلاثمائة وثلاثين قاعدة أُلحقت بها أكثر من مائة فائدة، وبعض التنبيهات والفروع. وقد استوعبت هذه القواعد والفوائد أكثر المسائل الشرعية.
وقد غلب الطابع الفقهي على الكتاب بمجموعه بالرغم من تضمّنه بعض القواعد الأصولية، واللغوية.
ولم يقتصر الشهيد على إيراد رأي الإمامية في المسائل المنتقاة، وإنما كان منهجه مُعتمداً على المُقارنة في أغلب الفروع الفقهية مما يدلُّ على سعة تتبعه، في مناهج فقه المذاهب السُنية، وإحاطته بها.
ونظراً لبعض الملاحظات التي تخصُّ منهجية الكتاب، وتداخل (القواعد) بعضها بالآخر سواءً أكانت فقهية أم أصولية، أو لغوية فقد عمدَ تلميذه الفقيه الشيخ المقداد بن عبدالله السيوري الحلّي (ت: 826هـ/ 1423م) إلى ترتيبها وتهذيبها تبعاً لترتيب الكتب الفقهية، وأفردها في كتاب مستقل سمّاه «نضد القواعد الفقهية»)[992](.
وعلى غرار هذا النمط من التأليف فصلَ الشيخ زين الدين العاملي (المعروف بالشهيد الثاني) القواعد الأصولية عن قواعد اللغة العربية في كتاب صنّفه لهذه الغاية بعنوان (تمهيد القواعد الأصولية والعربية)، ورتَّبَ له فهرساً كاملاً للمسائل الفرعية التي تندرج تحت منهجية هذه القواعد)[993](.
وذكر الشهيد الثاني في مقدمة كتابه: أنَّه لما رأى كتاب «التمهيد في القواعد الأصولية»، وما يتفرع عليها من الفروع المؤلَّف سنة 768هـ/ 1367م، والكوكب الدري في القواعد العربية كذلك، وقد ألفهما الأسنوي الشافعي المتوفى سنة 772هـ/1361م أراد أنْ يحذو حذوه، ويجمع بين تلك القواعد في كتاب واحد مع إسقاط ما بين الكتابين من الحشو والزوائد، فألَّفَ (تمهيد القواعد)، ورتَّبه على قسمين، في أولهما مائة قاعدة من القواعد الأصولية مع بيان ما يتفرّع عليها من الأحكام، وفي ثانيهما مائة قاعدة من القواعد العربية كذلك. ورتب لها فهرساً مبسوطاً لتسهيل التناول)[994](.
اللمعة الدمشقية
ثبت أنَّ عام تأليف «اللمعة الدمشقية» هو سنة 782هـ/ 1380م، وكان تأليفها ـ كما يُستظهر من عنوانها ـ في مدينة دمشق التي كان الشهيد يتمتع بالحرية السياسية تحت ظلّ نظام الحكم المملوكي التركي في هذه الفترة.
وقد اعتقد بعض المؤلفين أنَّ الشهيد كان قد ألَّف اللمعة عندما كان مسجوناً في قلعة دمشق، ولم يكن يحضره من كتب الفقه سوى كتاب (المختصر النافع) )[995](.
وبالرغم أنَّ هذا الاعتقاد عار عن الصحة تماماً فإنَّ بعض مترجمي الشهيد تنبَّه إلى أنَّ اسم «اللمعة» ورد في إجازة الشهيد لابن الخازن (علي بن الحسن) التي كتبها سنة 784هـ/ 1382م، أي قبل مقتله بسنتين)[996](.
ذكر أبو طالب الشيخ محمد بن الشهيد الأول أنَّ علي بن المؤيد طلب من الشهيد التوجه إلى بلاده في مكاتبةٍ أكثر فيها من التعظيم وحثّ الشهيد على ذلك، فاعتذر الشهيد، وصنَّف له كتاب (اللمعة) بدمشق في سبعة أيام. وأخذ شمس الدين الآوي نسخة الأصل، ولم يتمكن أحد من نسخها لضنته بها، وقد نَسخَها بعض الطلبة، وهي في يد الرسول تعظيماً لها، وسافر بها قبل المقابلة (أي مقابلة النسختين ومراجعتهما)، فوقع فيها بسبب ذلك بعض الخلل الذي أصلحه الشهيد فيما بعد. وربَّما كان مغايراً للأصل بحسب اللفظ، وذلك في سنة 782هـ)[997](.
وذكر الأفندي أنَّ تأليف «اللمعة الدمشقية» في الحبس هو قول غير صحيح لأنَّه يتعارض مع ما ورد من مراسلة السلطان علي بن المؤيد، وجواب الشهيد لرسوله، وتصنيف اللمعة)[998](.
وعلّق الخوانساري على ما ورد في مقدمة الشهيد الثاني على (اللمعة) بقوله: فيه من الدلالة على بطلان ما ذكره صاحب (الأمل) من كون تأليفه كتاب (اللمعة) في سنة حبسه التي كانت خاتمة لسني حياته)[999](.
وأراد بعض الباحثين أنْ يجمع بين القولين، فذهب إلى القول بأنَّ الشهيد سُجنَ مرتين؛ الأولى قبل مقتله بأربع أو خمس سنين، حيث ألَّف اللمعة في هذه الفترة، والثانية قبل مقتله بعام واحد، وهي المرحلة التي استشهد بعدها عام 786هـ/ 1384م)[1000](، وليس لهذا الافتراض أيُّ مستند تاريخي، كما أنَّ طبيعة الأحداث تدلّ على بطلانه.
وقد ارتبط اسم علي بن المؤيد بكتاب (اللمعة الدمشقية) الذي كثُر الحديث عنه بين مؤلفات الشهيد الأخرى لما تضمّن:
أولاً: من بُعد سياسي يتصل بالأحداث المتشابكة التي ضمّتها تلك الفترة.
وثانياً: لأنَّه أصبح مصدراً رسمياً من مصادر الفقه الإمامي في المراكز الشيعية حتى الوقت الحاضر، بعدما شرحه الشيخ زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني بعد مقتله على يد العثمانيين سنة 965هـ/ 1558م في كتابه (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) )[1001](.
وقد ساير الشهيد في كتابه (اللمعة الدمشقية) منهج المحقق الحلّي في ترتيب كتابه (المختصر النافع)، بالرغم من الإضافات التي أدخلها على الأبواب الفقهية، أو تأخيرها، وإلحاق المسائل الجديدة التي لم تكن قد أصبحت جزءاً من الكتابات الفقهية قبل هذه المرحلة)[1002](.
ومن خلال اتباع هذه المنهجيّة، فقد ورد في النصوص الشيعيّة أنَّ الشهيد ألف اللمعة الدمشقية، ولم يكن في متناوله سوى كتاب (المختصر النافع) للمحقق الحلّي.
إنَّ منهجية (اللمعة) لم تكن قد سايرتْ منهجية المحقق في كتابه (المختصر النافع) فحسب، بل كانت هناك عدّة مؤلفات اعتُمدتْ يومذاك كمنهج للتصنيف الفقهي الإمامي، وهذه المؤلفات هي كتاب «شرائع الإسلام» للمحقق نفسه، وكتابا العلاَّمة «قواعد الإحكام»، و«إرشاد الأذهان».
الشهيد الأول: الفقيه المتفرّد
وبالرغم من منهجية اللمعة المتأثرة بمرحلة التطور الفقهي الذي ساد مدرسة الحلّة إلاَّ أنَّ الاجتهادات الفنّية والفقهية، والصياغات الإسلوبية التي أضافها الشهيد لمؤلفاته الفقهية جعلت الفقهاء يعدونه الفقيه الإمام الأول الذي فاق مَنْ تقدّمه من الفقهاء، وربَّما مَنْ أتى بعده أيضاً.
ذكر النوري أنَّ الشهيد لُقِّب بأفقه الفقهاء عند جماعة من الأساتيذ)[1003](.
كما اعتبره الخوانساري أفقه جميع الفقهاء بعد المحقق الحلّي، وتوحده في حدود الفقه وقواعد الأحكام مثل تفرّد الشيخ الصدوق في نقل أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ومثل تسلّم الشيخ المفيد والسيد المرتضى في الأصول والكلام)[1004](.
وذكر الأمين أنَّ الشهيد الأول فقيه من أعاظم فقهاء الشيعة الذين يُضربُ المثل بفقاهته، ومحقق متفنن تشهد بجلالة قدره تآليفهُ المتنوعة كالقواعد التي جمعت على صغر حجمها ما لم يوجد في المطوَّلات، و(الذكرى) التي امتازت على أشباهها، و(اللمعة) التي صنَّفها في سبعة أيام، وجمعتْ على اختصارها فأوعت)[1005](.
ونُقل عن الفقيه المعاصر السيد حسين البروجردي المُتوفى سنة 1380هـ/ 1961م قوله: «امتاز فقه خمسة من الفقهاء بإحاطتهم لأقوال فقهاء الشيعة والسُنّة معاً، وهم: المحقق، العلاَّمة، فخر المحققين، والشهيدان».
ونُقل قوله: إنَّ الشهيد الأول أفضلهم بالفقه)[1006](.
وذكر الأمين في المفاضلة بين الشهيد الأول والثاني أنَّ الأول أفقه وأدقّ نظراً، وأبعد غوراً، وأكثر وأمتن تحقيقاً وتدقيقاً من الشهيد الثاني. يظهر ذلك لكلّ مَنْ تأمّل تصانيفهما مع الاعتراف بجلالة قدر الشهيد الثاني، وعظم شأنه، وعلو مقامه)[1007](.
وذكر التنكابني أنّ الشهيد الأول لم يأت مثله فقيه في الإحاطة بأبواب الفقه إلاَّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وولداه الشيخ موسى والشيخ علي.
وقد نُقل عن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1228هـ/ 1813م) قوله: «بقي الفقه على بكارته لم يمسَّهُ أحدٌ إلاَّ أنا، والشهيد الأول، وولدي موسى»)[1008](.
تلخيص مفردات البحث
ظهر من ثنايا البحث:
1 ـ إنَّ شخصيَّة الشهيد الأول كانت من الشخصيَّات ذات المكانة الدينيَّة والسياسيَّة في عصره.
2 ـ استطاع الشهيد الأول أنْ ينقل تجربة أُستاذه فخر المحقّقين الحلّي العلمية والسياسية إلى بلاد الشام، ويقوم بتطبيقها عملياً ضمن برنامج ثقافي كان قد أدَّاه لتخريج النُخبة، وإعداد الكوادر.
3 ـ أصبح الشهيد الأول بعد نجاحه في مشروعه السياسي الديني رقماً مهماً في معادلة السلطة ببلاد الشام، فخضعت له الشيعة بالعموم، ومنطقة جزّين بالخصوص.
4 ـ نظراً لمواهبه في العلم والإدارة فقد تولّى السلطة على منطقة جزّين من قِبل الدولة المملوكية التركية، وكان يُطلقُ على حاكم المدينة اسم (العامل).
5 ـ غُيّبت أخبار الشهيد الأول السياسيّة بشكل كامل ومُتَعمّد، ودوره ضمن إطار السلطة، وقد بالغت النصوص في الوقت نفسه بطائفيّة الدولة، وعدائها للشيعة التابعين لها. والموقع السياسي للأحداث دلَّ على نقيض ذلك.
6 ـ بعد سقوط دولة المماليك (الأتراك) سنة 784هـ على يد المماليك الشراكسة، لم تخضع غالبية ممالك بلاد الشام للحكم الجديد.
ويبدو أنَّ معركة الشهداء التي وصفتها المصادر بأنَّها معركة حدثت داخل الكيان الشيعي نفسه، هي في واقع الأمر كانت بين المماليك الأتراك، أصحاب الحكم، والمماليك الشراكسة أصحاب التوسّع الجديد.
إلاَّ أنَّ التعبئة الشيعيّة للمواجهة كانت قد بلغت ذروتها في القتال مما أضفى صبغة التشيّع على هذه المعركة، وأطلق عليها «معركة الشهداء» لكثرة القتلى من أتباع جزّين، وما يحيط بها من المناطق.
7 ـ اتَّهمت النصوص بعض أتباع الشهيد الأول من الشيعة، وشيعة جبل عامل، والسواحل بالسعي لمقتل زعيمهم الديني بمعركة الشهداء أولاً، وإيراده مورد التهلكة بالوشاية للسلطة ثانياً. والغرض من ذلك إظهار الخيانة داخل الجسم الشيعي نفسه.
8 ـ ورد أنَّ الشهيد الأول حارب الشيخ محمد اليالوش (اليالوشي) بمعركة الشهداء وقتله. واليالوش هذا كما نقلت المصادر الشيعيّة كان من تلامذة الشهيد الذين ارتدّوا عليه بعد نسبة فساد العقيدة إليه، وادعائه النبوة، وممارسة السحر والشعوذة.
ومن المحتمل جدّاً أنْ يكون محمد اليالوش ممن قرأ على الشهيد في بعض الأوقات. وظهر، طبقاً لدرسنا التاريخي، أنَّه من مشايخ الإقطاع، وليس من المشايخ الدينيين. ونسبة السحر والشعوذة إليه، وادعاء النبوة، وما شابه ذلك من الأساطير دليل على تهافت دوره التاريخي، ومحاولة ملئه بمثل هذه المرويات.
والذي يظهر أنَّ دور اليالوش كان قد تضخّم عمَّا هو عليه. ومن المحتمل جدّاً أنْ يكون اليالوش نفسه قد حارب الشهيد ملتحقاً بالجيش المملوكي الشركسي، وقُتلَ بالمعركة.
9 ـ اتَّهمت المنقولات أيضاً زعماء المذاهب الإسلامية الأربعة، وقضاة الإسلام بالتآمر على الشهيد وقتله، بالتلاعب بالفتاوى الشرعيّة ليبقى لغز مقتله مستعراً في القلوب على مدى الدهور.
والغرض من ذلك أنَّ النصوص المزوّرة حاولت أن تفسّر دوافع مقتل الشهيد الأول تفسيراً مذهبياً بحتاً يُظهر مصاديق الحقد الديني بين قادة المذاهب الإسلامية لإظهار القطيعة فيما بينهم، والتأكيد على أنَّ قضية الصراع الطائفي بالإسلام ليست وليدة العصور المتأخرة، وإنَّما لها جذورها الضاربة في أعماق التاريخ.
10 ـ جميع المجريات التاريخية المنقولة في محاكمة الشهيد وقتله هي موهومات محضة يكذّبها سياق الأحداث التاريخية. فلم تجرِ للشهيد أيَّة محاكمة تُذكر، ولم تُوجَّه له أيَّة تهمة من تلك الاتهامات الطائفية المزعومة المُلَفَّقة.
11 ـ حاولت النصوص أنْ تُوعز مقتل الشهيد الأول إلى فتوى أستاذه عبّاد ابن جماعة الشافعي. وقد ورد اسمه ملفَّقاً في نصوص الكتب. كما ورد اسمه على لسان أحد تلامذة الشهيد الكبار في محاولة لتثبيت أنَّ مقتله كان بفتوى ابن جماعة.
والحال أنَّ النصوص التي نقلت أخبار ابن جماعة، وتلميذه الشهيد هي في حدّ ذاتها تُبطل مثل هذه المزاعم.
12 ـ ربطت المنقولات أنَّ مقتل الشهيد الأول كان قد تمَّ بقرار من الأمير بيدمر الخوارزمي. ومن خلال سياق الأحداث فإنَّ السلطة العليا بالقاهرة، المتمثّلة بالسلطان برقوق، كانت قد طلبت الأمير بيدمر في شهر ربيع الأول سنة 786هـ (أي قبل مقتل الشهيد بأقل من شهرين). وعند عودته إلى دمشق تمَّ تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد. مما يوحي أنَّ قرار الإعدام كان قد تلقَّاه بيدمر من السلطان مباشرة.
والحال أنَّ الأمير بيدمر لا يمكن أن يُعتمد في ظلّ السلطة الجديدة مطلقاً، لمقامه المتنفّذ في ظلّ دولة المماليك الأتراك من جهة، ولمقاومته لهم مقاومة عسكرية جنباً لجنب مع حليفه الشهيد الأول، من جهة ثانية.
13 ـ ثبت طبقاً للنصوص المتوفرة أنَّ الشهيد قُتلَ بقلعة دمشق، ثم صُلب، ثم أُحرق. وقد صوَّرت المرويات الملفَّقة أنَّ القتلة هم مزيج من أتباع المذاهب السُنيّة الأربعة.
والذي دلَّ عليه سياق الأحداث أنَّ الشهيد الأول لم يُقتل بقلعة دمشق، ولم يُصلب، ولم يحرق. ولم يُفتِ أحدٌ من علماء الإسلام بقتله. وأمَّا قصص محاكمته، وإيراده موارد الهلكة على يد الفقهاء السُنَّة فهي لم تقع إلاَّ في عقول مخترعيها.
ويُرجح أنَّ مقتله وقع في معركة «الشهداء» التي نشبت بين قوات المماليك الشراكسة الغازية، وقوات المماليك الأتراك أصحاب السلطة، التي كان الشهيد جزءاً منها، وقد شارك فيها أتباع الشهيد مشاركة فعَّالة.
14 ـ لم يُعرف للشهيد الأول قبر معلوم، حسبما وردَ أنَّ جسده تمَّ إحراقه، بعد مقتله وصلبه. وقد نقل الشيخ محمد رضا شمس الدين أنَّ رفاة الشهيد جُمعت، ودفنت ببلاد الشام.
كانت مدينة جزّين مدينة إسلامية تقطنُها غالبية شيعيّة، وقد تحوَّلت أوائل القرن العشرين أو قبله بقليل إلى مدينة مسيحيّة غالبية أهلها من الموارنة. وكانت للشهيد الأول آثار باقية بها، منها مسجده الذي يُنسبُ إليه، وداره أو مدرسته العلمية العتيدة وقد حُوّل المسجد إلى كنيسة، والدار (أو المدرسة) إلى طريق عام، تُعرف اليوم بمنطقة الساحة.
ويبدو أنَّ مقام الشهيد الأول كان معروفاً لدى أهل المدينة منتصف القرن العشرين، يدل على ذلك تقديس الأهالي له، وتبرّكهم به.
أمَّا اليوم فقد اختفت جميع تلك المعالم الدالة على وجود مثل هذه الآثار، خصوصاً بعد الحرب الأهلية التي تطاحنَ فيها اللبنانيون على مدى عشرين عاماً فيما بينهم، ثم إعادة الإعمار من جديد نهاية العقد الأخير من القرن العشرين مما غيّر الكثير من ملامح المدن وآثارها.
وعلى وفق ما ذهبنا إليه من إبطال قصة صلب الشهيد، وإحراقه؛ فإنَّ قبره لا بُدَّ وأنْ يكون في بعض المواضع الأثرية المنسوبة له. ويُرجّح أنَّه في مسجده الذي تحوّل إلى كنيسة.
أمَّا سبب إخفاء قبره، وتغييبه، شأن إخفاء الكثير من المراقد الأخرى وتغييبها، فهو متعلّق أيضاً بقصة تشويهه، ومسخه لكي تُنسى أفعاله، وتبقى القصة المتعلّقة بطائفية المرحلة مهيمنةً على تاريخه.
15 ـ بعد مقتل الشهيد الأول تفَتّتت الحركة الشيعيّة في بلاد الشام، ولم تظهر قيادة بديلة تتمكن من لمّ أوصال الجسم الشيعي الذي أمضّتْ به انقسامات نفوذ القوى، وسلطة الحكم المملوكي الجديد. وقد أصبح الإقطاع الشيعي مسيطراً في الجنوب بظهور بعض الأسر الشيعية كأسرة ابن بشارة، التي استقر الحكم الإقطاعي فيها حتى دخول العثمانيين بلاد الشام عام 923هـ/ 1516م، والتي ما زال اسم بلاد بشارة نسبة لهذه الأسرة مستخدماً حتى الآن على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني في الجنوب)[1009](.
د. جودت القزويني
الشهيد الثاني
زين الدين بن أحمد العاملي
خفتتْ أخبار النهضة الشيعيّة في منطقة جبل عامل بعد مقتل زعيمها الشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي سنة 786هـ/ 1384م على يد المماليك الشراكسة.
وفي هذه الفترة بالذات كانت مدرسة الحلّة قد اقتعدت زعامة الشيعة طوال أكثر من قرن من الزمن منذ رحيل العلاَّمة الحلِّي سنة 726هـ/ 1326م حتى رحيل ابن فهد الحلّي سنة 841هـ/ 1437م.
أمّا فقهاء جبل عامل فبالرغم من الأجواء التي طرأت عليهم من التغيرات السياسية العاصفة فإنَّ الحركة العلمية بقيت بعد رحيل الشهيد الأول محسورة في أوساط خاصة تتوارثها العوائل الشيعية، وتحافظ عليها.
وقد ظهر أثر هؤلاء الفقهاء عند قيام الدولة الصفوية أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، واكتساحها العراق، حيث تأثَّرت المناطق التي يكثر فيها الوجود الشيعي بتحرك الصفويين، وامتدادهم، إلاَّ أنَّ ذلك لم يظهر على شكل تمرد في بلاد الشام كما ظهر في تأييد العراقيين لدخول القوات الصفوية سنة 914هـ/ 1508م في الحملة التي قادها محمد كمونه أحد الشخصيَّات الشيعية العراقية في تأييد الشاه إسماعيل وتهيئة العراقيين لحكمه.
فقد بقي فقهاء الشيعة في بلاد الشام بعيدين عن مدار التقلبات التي أفرزتها السياسة الجديدة التي ظهرت بعد قيام الدولة الصفوية.
إلاَّ أنَّ الموقف المحافظ لهؤلاء الفقهاء بدأ يتغيَّر منتصف القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي بشكل واضح إلى تأييد العثمانيين، ومحاولة الظهور بمظهر الاستقلال في ربط الشيعة ـ في بلاد الشام وغيرها من المناطق العربية ـ بسياسة الدولة الصفوية الإيرانية في محاولة للمحافظة على الوجود الشيعي في هذه المناطق بعد الصراعات التي جرت بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين، والاضطهادات التي طالت الشيعة في البلاد الخاضعة للعثمانيين، والتي نظّمها السلطان سليم العثماني في المرحلة التي سبقت معركة جالديران سنة 920هـ/ 1514م.
ولم يظهر أيّ تغيير في هيكلية المؤسسة الدينيّة إلاَّ بالأحداث التي ارتبطت بسيرة الفقيه الشيخ زين الدين بن أحمد العاملي المعروف بعد مقتله عام 965هـ/ 1558م بالشهيد الثاني تمييزاً له عن سلفه الشيخ محمد بن مكي الذي قُتل على يد المماليك الشراكسة عام 786هـ/ 1384م، أي قبل مائة وتسعة وسبعين عاماً من مقتله.
يُعتبر الشهيد الثاني إحدى الشخصيَّات العلمية المتميزة في تاريخ الفقهاء الإماميين، فقد جمع الثقافة المنهجية من طرفيها، كما قدَّم مؤلفات علمية زاهرة تسالم عليها فقهاء الإماميّة بالقبول. وأصبحت بعضُ مؤلفاته أمثال «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية»، التي شرح فيها المتن الفقهي لسلفه الشهيد الأول، من الكتب المُعتمدة في المراكز الدراسية الشيعيَّة.
لم يظهر أيّ نشاط سياسي للشهيد الثاني في جميع مراحل حياته التي بلغت خمسة وخمسين عاماً. فقد كان هذا الفقيه امتداداً لسلسلة فقهاء عامليين بقوا يتوارثون التراث الشيعي جيلاً بعد جيل، ويحافظون عليه رغم انقطاعهم في قرى وأماكن نائية، ومعاناتهم من الظروف السياسية والمعيشية الصعبة.
إلاَّ أنَّ مكانة الشهيد الثاني المؤثرة في الوسط الشيعي جعلت الولاة التابعين للسلطة العثمانية يضعونه في حساباتهم السياسية في بلاد الشام على طول الأزمات العاصفة بينهم وبين الإمبراطورية الصفوية، والحروب التي قامت بين الطرفين. وكانت النهاية أنْ سقط زين الدين ضحيةً لهذا الصراع دون أنْ يكون طرفاً فيه.
الرحلة العلمية: دمشق، القاهرة، بيت المقدس
ولد الشهيد الثاني في قرية (جُبع)، إحدى قرى بلاد جبل عامل سنة 911هـ/ 1505م، وقرأ فيها الفقه إبَّان نشأته على يد والده (ت: 925/1519م)، وكان يُعرف بابن الحجة، أو ابن الحاجَّة، وإنَّ اسم والده في بعض الإجازات هو الشيخ علي بن أحمد بن الحجة، فلعلَّ جدهم الأعلى كان اسمه الحجة، أو أنَّ الحجة لقب جدّ والده)[1010](.
واعتقد الدكتور علي نقي المنزوي في تعليقته على كتاب والده «إحياء الداثر من القرن العاشر»، (طبقات أعلام الشيعة) أنَّ لقب ابن الحاجة لعلّه مُعَرَّب خواجه بمعنى السيد العظيم)[1011](. وهو افتراض بعيد.
غير أنَّ الأمين ذكر أنَّ المُلقَّب بابن الحاجَّة، أو الحجة هو ووالده معاً. والحاجة هي المرأة التي حجّت، فلعلَّ إحدى جداته كانت تُعرف بالحاجة، وعُرفَ هو وأبوه بالانتساب إليها.
أمَّا الحُجَّة فيمكن كونها (بضم الحاء) فتكون لقباً لرجل، ويمكن كونها مخفف الحاجة)[1012](.
وتعتبر أسرة آل زين الدين من الأسر العلمية التي أشرقت في سماء جبل عامل منذ عهد العلاَّمة الحلّي الذي يُعَدُّ جدّ الشهيد الثاني الشيخ صالح العاملي أحد تلامذته.
وكانت سلسلة آباء زين الدين قد امتدت نحو قرنين من الزمن حتى ظهر هو زعيماً لشيعة بلاد الشام في عصره.
وكان أخوه الشيخ عبدالنبي، وابن أخيه الشيخ حسن، وبعض بني عمومته من العلماء، وقد استمرَّ توارثهم للعلم وحفاظهم على الزعامة ما بعد مقتل الشهيد أيضاً، وحتى عصرنا الحاضر.
وسُمِّيتْ سلسلتُهم هذه من جرَّاء هذا التواصل العلمي، والتحصيل المعرفي المتوارث جيلاً بعد جيل بالسلسلة الذهبية.
ارتحل الشهيد الثاني إلى قرية ثانية هي قرية (ميس) وهو ابن الرابعة عشرة، وواصل دراسة الفقه على زوج خالته الشيخ علي بن عبدالعالي الميسي (ت: 938هـ/ 1532م) طوال ثمان سنوات ونصف. ثم سافر إلى قرية (كرك نوح) سنة 933هـ/ 1527م، ولازم السيد حسن السيد جعفر الحسيني الأعرج (ت: 933هـ/1527م) أكثر من عام حيث قرأ عليه جملة من العلوم الكلامية، وأصول الفقه، وقواعد اللغة.
وقد بدأت مرحلة جديدة في حياة زين الدين حيث توجَّه للدراسة في المراكز السُنيَّة المزدهرة يومذاك بالشخصيَّات العلمية في دمشق، والقاهرة، وبيت المقدس. ففي دمشق التي دخلها سنة 937هـ/ 1531م حضر على يد الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي (ت: 938هـ/ 1532م) في علوم الطب والهيئة وحكمة الإشراق، وأخذ القراءات القرآنية على متخصص آخر.
كما واصل دراسته المنهجية منذ عام 942هـ/ 1535م في القاهرة طوال (18) شهراً على يد كبار الشخصيَّات العلمية، في الفقه وأصوله، والتفسير، وعلم الحديث، وعلم المنطق والكلام، والهندسة والهيئة، وقواعد اللغة، وعلم البلاغة والصرف، والعروض.
وقد ذكر زين الدين أساتذته، وأثنى عليهم ثناءاً عاطراً في الترجمة التي كتبها عن حياته بقلمه، والتي نقلها عنه أحد تلامذته الملازمين له، وهو الشيخ بهاء الدين محمد بن علي بن حسن العودي العاملي الجزِّيني المعروف بابن العودي، وأودعها كتابه «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد»، والذي ألّفه بعد مقتله)[1013](.
وتبدو أنَّ هذه الفترة هي من أغزر فترات المعرفة التي حصل عليها زين الدين في سني نضجه العلمي، وهو ابن الحادية والثلاثين، والتي استمرت عاماً، ونصف العام.
واصل الشهيد الثاني رحلته من مصر إلى الحجاز في 17 شوَّال سنة 943هـ/ 29 آذار 1537م، ورجع إلى وطنه في 14 صفر 944هـ/ 22 تموز 1537م، وأقام فيه حتى سنة 946هـ/ 1539م حيث سافر إلى العراق، ثم إلى بيت المقدس منتصف سنة 948هـ/ 1541م. وقد قرأ في بيت المقدس على يد الشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي بعض صحيح البخاري، وبعض صحيح مسلم، وحصل على إجازة عامة منه.
الرحلة السياسية: عاصمة الخلافة العثمانية
عاد زين الدين إلى وطنه مرَّة أخرى، وبقي مشغولاً بالكتابة والتأليف حتى أواخر سنة 951هـ/ 1544م حيث سافر إلى (القسطنطينية) عاصمة الخلافة العثمانية يرافقه زميله وتلميذه الفقيه الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي (ت: 984هـ/ 1576م)، ووصلها بعد أكثر من ثلاثة شهور في 17 ربيع الأول سنة 952هـ/ 28 أيَّار 1545م.
ومن خلال ما ذكره صاحب الرحلة نفسه عن توجّهه إلى عاصمة الخلافة فإنَّ سفره لم يكن مسألة هيّنة، فيبدو أنَّ زين الدين كان قد تدارس موضوع رحلته مع عدد من الشخصيَّات العلمية والاجتماعية في بلاد الشام، في محاولة لتصحيح الفهم السائد الذي يقرّر ربط الشيعة العرب بعجلة الإمبراطورية الصفوية، وحفظ الكيان الشيعي فيها من الاضطهاد والتبعية، ومن ثَمَّ إقامة الروابط السليمة مع فقهاء البلاط العثماني، وتحسين صورة الشيعة العرب)[1014](.
ويبدو أنَّ حوادث العنف كانت قد طالت بعض رجال الشيعة في بلاد الشام في هذا العام نفسه حيث وُجدَ الحاج شمس الدين محمد بن هلال مقتولاً في داره مع زوجته وولديه. وكان الحاج محمد بن هلال أحد الممولين الشيعة الذين أمدّوا الشهيد الثاني بالأموال في أسفاره، وفي مختلف مراحل دراسته الأخرى)[1015](.
ومهما يكن من أمر سواءً أكان مقتل محمد بن هلال قبل سفر الشهيد أم بعده، ـ والذي يُرجَّح أنه كان قبله ـ، فإنَّ السلطة الحكومية في بلاد الشام كانت تمارس العنف ضد الشيعة بسبب الأوضاع السياسية المضطربة التي يمر بها العثمانيون في قبالة الحكم الصفوي، الأمر الذي دعا الشهيد الثاني أنْ يقرّر السفر إلى عاصمة الخلافة الإسلامية في محاولة لإفهام السلطة العُليا بضرورة حفظ كيان الشيعة، وعدم انخراط علمائهم في المشاريع السياسية للدولة الصفوية.
وبعد ثلاثة أشهر ونصف قضاها زين الدين في عاصمة الخلافة العثمانية رجع منتصف شهر صفر 953هـ/16 نيسان 1546م إلى بلاد الشام حيث أُوكلتْ إليه مهمة تدريس الفقه على المذاهب الخمسة في المدرسة النورية، إحدى مدارس مدينة بعلبك الرسمية، كما أُوكلَ لزميله الشيخ حسين بن عبدالصمد التدريس في إحدى مدارس مدينة بغداد.
وليس من المستبعد أنْ يكون هذا القرار الصادر من الجهات الرسمية العليا يستهدف وضع هذين الفقيهين الكبيرين تحت الأنظار في محاولة لتحديد نشاطهما ورصده، ودراسة علاقتهما بالقطاع الشيعي العام في هاتين المنطقتين.
أمضى زين الدين عمله في تدريس الفقه على المذاهب الخمسة مضافاً إلى تدريسه بعض العلوم الأخرى سنوات معدودة كانت آخر ما تمتع به هذا الفقيه من أوقات الأمان والسلامة، حيث ترك التدريس سنة 955هـ/ 1548م، وعاد إلى بلدته (جُبع) ليتفرَّغ للدراسة والتأليف.
تجدد الصراع الصفوي ـ العثماني
يظهر من شريط الأحداث التي مرَّ بها هذا الفقيه أنَّه عاصر فترة تاريخية حرجة من فترات الصراع الصفوي ـ العثماني المتمثِّل بالشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل، والسلطان سليمان القانوني.
فقد ولد طهماسب سنة 919هـ/1513م وتُوفي سنة 984هـ/ 1576م، ودام حكمه 54 عاماً. أمَّا سليمان القانوني فقد وُلدَ سنة 900هـ/ 1495م، وحكم 48 عاماً حتى وفاته عام 974هـ/ 1566م.
أمَّا الشهيد الثاني فإنَّه زامنَ فترة حكم هذين الحاكمين، وقُتل عام 965هـ/ 1558م قبل رحيل السلطان سليمان بتسع سنوات، ورحيل الشاه طهماسب بتسعة عشر عاماً.
مرَّت هذه المرحلة بنزاعات مسلَّحة بين هاتين الإمبراطوريتين القويتين.
كان الشيعة ـ قبل هذه المرحلة ـ قد تعرَّضوا للاضطهاد في النزاع الصفوي ـ العثماني الذي كان قائماً بين الشاه إسماعيل والسلطان سليم، والذي راح ضحيته الكثير من الضحايا مُوَزَّعين في العديد من المناطق الواقعة تحت النفوذ العثماني.
ويبدو من عبارة الشهيد الثاني التي وصفَ فيها فترة تدريسه في بعلبك: «كانت أياماً ميمونة، وأوقاتاً بهيجة ما رأى أصحابنا في الأعصار مثلها»)[1016]( أنَّ الشيعة في بلاد الشام قبل سفر الشهيد الثاني إلى إسلامبول كانوا قد طالتهم آثار النزاع الدموي بين الإمبراطوريتين الكبيرتين، والذي راح ضحيّته جملة من الشخصيات الشيعيَّة سواءاً بالعنف المباشر، أو عن طريق الاغتيالات كما حدث ذلك في قتل الحاج محمد بن هلال، وعائلته.
ويبدو أيضاً أنَّ التصعيد العسكري الصفوي ـ العثماني الذي خَفَتَ بعد الصلح الذي تمَّ بين الطرفين سنة 942هـ/ 1535م، والذي اندلع مرَّةً أخرى أوائل سنة 955هـ/ 1548م عندما هاجم طهماسب الدولة العثمانية، هو الذي حمل الشهيد الثاني في العام نفسه إلى ترك التدريس في المدرسة النورية، والاعتكاف في بلدته (جُبع) متفرغاً للتأليف والتدريس حتى زوال شبح هذه الأحداث التي باتت تنعكس أشعتها بمرآة الصفويين على شيعة بلاد الشام عامة، وعلى العامليين خاصة.
وقد تلاحقت الأحداث في الأعوام التي تلت هذه الفترة الزمنية حتى عام 962هـ/1555م حيث تمَّ الصلح بين الطرفين على أنْ يُباح للأعاجم الحج إلى بيت الله الحرام، وأنْ يزاولوا مذهبهم دون تعرض.
وكان الصراع بدأ يتجدّد بين الصفويين والعثمانيين عام 954هـ/ 1547م بعد الهدنة التي عقدها الطرفان عام 942هـ/ 1535ك خصوصاً عند هروب ميرزا القاضي (أخو الشاه طهماسب) من أخيه ملتجأ إلى السلطان سليمان، الأمر الذي حمل طهماسب سنة 955هـ/1548م أنْ يتخذ ذلك مبرراً للهجوم على الدولة العثمانية. وقد استمرت الوقائع بدخول السلطان سليمان الأراضي الإيرانية عام 956هـ/1549م، ووصوله إلى تبريز واستيلائه على مناطق شاسعة، ثم سيطرة الشاه طهماسب على بلاد أرضروم سنة 959هـ/1552م. وهكذا كانت محصلة التطاحن بين هاتين الإمبراطوريتين القويتين.
وقد هدأت الحالة سنة 962هـ/1555م بعد إبرام الصلح بين الطرفين)[1017](.
إلاَّ أنَّ الأزمة عادت مرَّةً أخرى عام 965هـ/ 1558م بعد قيام الأمير بايزيد بن السلطان سليمان القانوني بالتمرد على أخيه الأمير سليم، والاستيلاء على ولاية (صاروخان) الواقعة تحت نفوذه.
وقد التجأ بايزيد إلى الشاه طهماسب، وطلب الحماية مع أولاده الخمسة إلاَّ أنَّ والده تابعه بعد سنين وقتله مع أولاده الخمسة اغتيالاً في مدينة قزوين سنة 969هـ/1561م)[1018](.
وسبق للسلطان سليمان القانوني أنْ قتل ولده الأكبر الأمير مصطفى سنة 960هـ/1553م بعد الفراغ من بعض حروبه مع الصفويين، كما أرسل إلى مدينة بورصة لقتل ولده الرضيع، فقُتل أيضاً، مما جعل بعض المؤرخين يُعبّرون عن حادثة قتل السلطان سليمان لولده مصطفى بأنَّها نقطة سوداء في تأريخه)[1019](. هذا، إذا صحَّ نقل مثل هذه الروايات.
إلاَّ أنَّ هذه النقاط التي يعتبرها المؤرخون نقاطاً سوداء تجمّعتْ من استقطاب الأحداث، هي في حدِّ ذاتها تُفصحُ عن المنطق الوحيد السائد الذي يمارسه أصحاب السلطة للحفاظ على مقاليد نفوذهم على مرِّ التاريخ، فهي ـ والحال هذه ـ من النقاط البيضاء الناصعة، في أعراف رجال الحكم، وإنْ كانت على خلاف ذلك عند غيرهم من رجال الفكر والقلم.
الشهيد الثاني: سنوات الاضطهاد والتخفي
لم ينفع الشهيد الثاني زين الدين بن أحمد مسلكُ التوازن الذي نهجه أمام العثمانيين في السير على وفق النظام المؤسساتي الديني للدولة، وظهوره بمظهر المُستقل عن أيّ تدخل معارض يكون ضحيَّته الوجود الشيعي في بلاد الشام.
ويبدو أنَّ مسلك المعارضة لتوجُّه الشهيد بين صفوف الشيعة كان له تياره، إلاَّ أنَّ هذا التيار لم يكن متصدّراً من قبل الفقهاء الذين مالوا إلى التكيّف في بيئة مستقلّة ضمن أجواء سياسية متقلبة.
وفي المحاولة التي أقدم عليها الشهيد الثاني في التقرب من كبار المسؤولين في الإدارة الدينية العثمانية، وإبداء الاستعداد للعمل ضمن التشكيلات الرسمية لهذه الإدارة، والتي كان مظهرها التدريس في المدرسة النورية ببعلبك، فإنَّ الأحداث بعد هذه المرحلة التي مرَّتْ على الشيعة في بلاد الشام باعتبارهم وجوداً عربياً مستقلاً عن الوجود الشيعي الإيراني عادت مرَّةً أخرى لتُغلّف سماءهم بغمامة جديدة بعد تأزُّم العلاقة بين هاتين الإمبراطوريتين المتصارعتين.
من هنا فإنَّ العقد الأخير من حياة زين الدين بن أحمد كان عقداً يلفُّهُ أكثر من غموض، وقد بدت أخباره تتضاءل شيئاً فشيئاً في المصادر المُتَناقَلة عنه بسبب ندرتها، أو فقدانها ضمن المؤلفات التي فقدتها مكتبات جبل عامل في بعض فترات تاريخها الحافل بالمتغيرات.
إنَّ أهم ما نُقلَ من أخبار الشهيد الثاني كان مصدره تلميذه ابن العودي في الرسالة التي كتبها عن حياة أستاذه، والتي سمّاها «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد».
وعلى الرغم أنَّ هذه الرسالة المهمة كان قد أفردها ابن العودي في فصول عشرة، إلاَّ أنَّ ثلاثة فصول منها فقط عَثرَ عليها أحدُ أحفاد الشهيد الثاني، وهو الشيخ علي العاملي، وأودعها في كتابه «الدر المنثور من المأثور وغير المأثور»)[1020](.
وكان ابن العودي قد عمل (فهرساً) بمضامين رسالته هذه من خلاله يظهر أنَّ الكثير من القضايا التأريخية التي ترتبط بحياة الشهيد، وما جرى له من الأحداث خلال السنوات العشرة الأخيرة من حياته كانت قد فقدت، ولم يبقَ منها سوى المضامين الدالة على الوقائع التي ألمَّتْ به.
ويبدو أنَّ انعكاس الصراع الصفوي ـ العثماني في أحداث سنة 955هـ/ 1548م بعد الهجوم العسكري الذي قام به الشاه طهماسب على السلطنة العثمانية كان بداية لتعميم الورقة الطائفية في المواجهة العسكرية بين الإمبراطوريتين القائمتين على التعصب الطائفي المذهبي، الأمر الذي عمَّ على الشيعة العرب الذين يرضخون للسلطنة العثمانية.
ومن خلال ما ورد في «بغية المريد» فإنَّ زين الدين كان في تلك الفترة قد التجأ إلى منزل تلميذه ابن العودي متخفياً من الأعداء ليلة الاثنين الحادي عشر من شهر صفر سنة 956هـ/ 1549م، (كما ينص على ذلك تلميذه نفسُه).
وقد صمتت المصادر التي تناقلت أخبار الشهيد الثاني عن بقية المجريات التي حدثت بعد هذه الفترة، إلاَّ أنَّ ما خرج من نشاطه العلمي دلَّ على أنَّ زين الدين بقي يمارس التدريس، والتأليف، ومنح الإجازات العلمية لطلابه طوال الفترة التي قيل إنه كان مطارداً فيها، ومغيّباً نفسه عن الأنظار.
ففي هذه الفترة كتب مؤلّفاً من أهم المؤلفات التي اشتهر بها، وهو (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية)، حيث فرغ من شرح المجلد الأول أوائل شهر ربيع الأول سنة 956هـ/ أوائل نيسان 1549م، في مدة ثلاثة أشهر، وستة أيام، وأنهى المجلد الثاني ليلة السبت 21 جمادى الأولى سنة 957هـ/ 7 حزيران 1550م)[1021](. كما صدرت عنه إجازة لتلميذه الشيخ إبراهيم بن علي بن عبدالعالي الميسي تأريخها 14 رجب 957هـ/29 تموز 1550م)[1022](، وإجازة أخرى لتلميذه السيد علي الصائغ في 11 جمادى الأولى سنة 958هـ/18 أيار 1551م)[1023](. وأنهى في 8 رجب سنة 958هـ/ 13 تموز 1551م كتابه «تمهيد القواعد».
كان الشيخ زين الدين مَعْلماً من معالم التشيع في بلاد الشام بأجمعها، وكان من أظهر الشخصيات العلمية في زمانه، وقد جمع بين الثقافة الإسلامية المذهبية المتمثّلة بالتيارين الشيعي والسُني على حدِّ سواء. وقد مارس التدريس على الصعيدين التقليدي الشيعي في المعاهد الشيعية العلمية، والرسمي السُنّي في المدرسة النورية ببعلبك.
ومن خلال المؤلفات التي تركها، والتلامذة الكبار الذين تخرَّجوا على يديه أصبح الشخصيّة الشيعيّة الأولى في البلاد.
وهو من جرّاء هذه الشهرة، فإنَّ الحوادث التي كانت تدور رحاها في صراع الأمبراطوريتين الصفوية الإيرانية، والعثمانية التركية تنعكس أحداثها بشكل أو بآخر على شيعة بلاد الشام، وعلى الزعامة المتمثلة به.
وبالرغم من العلاقات التي كانت تربطه مع الشخصيّات العلمية السُنيّة داخل جهاز المؤسسة الدينية الرسمية وخارجها، ومعرفة الجهاز الحاكم بنواياه وتحركاته، فإنَّ مراكز بعض المتنفذين تمكنت من استغلال الخلافات المذهبية من الوقيعة به أكثر من مرة.
ويبدو أنَّ السنوات العشرة الممتدة من سنة 955هـ/ 1548م حتى مقتله سنة 965هـ/ 1558م كانت تتخللها أيامٌ عانى منها زين الدين من المخاوف ومتابعة السلطة له، الأمر الذي ألجأه إلى التستر، والاختباء في بعض الأوقات العصبية.
ذكر ابن العودي في رسالته «بغية المريد» ما يلي: «الفصل الثامن في ذكر ما عُرض له من الأخاويف، وما نزل به من الأراجيف، وما يتبع ذلك من التستر وإخفاء نفسه في النازلات من الأعداء وأهل السعايات، وما وقع في خلال ذلك بيننا من المراسلات».
إلاَّ أنَّ جميع التفصيلات التي وردت عناوينُها في هذا الفصل فُقدتْ، وضاعت الكثير من الحوادث التي يمكن أنْ تكون شواهد على حياته خلال الفترة التي عاصرها ابن العودي معه منذ سنة 940هـ/ 1534م، حتى سفره إلى إيران في 10 ذي القعدة سنة 962هـ/ 27 أيلول 1555م.
وبالرغم أنَّ انقطاع التلميذ ابن العودي عن أستاذه زين الدين منذ أواخر سنة 962هـ/1555م)[1024]( فإنه استطاع أنْ يفرد فصلاً كاملاً عن مقتله متتبعاً فيه الأخبار التي وصلته.
وقد فصَّل الحديث ـ كما ظهر من عنوان الفصل الذي عقده لهذه الغاية ـ عن الأسباب التي دعت لاعتقاله والأشخاص الذين يقفون وراء ذلك، كما ذكر أيضاً الرسائل التي بعثها أعيان العلماء السنيين في بلاد الشام لغرض التوسط في إطلاق سراحه، ودفع المظالم عنه.
إلاَّ أنَّ هذا المبحث الثمين لم يبقَ منه سوى عنوانه، وضاع فيما ضاع من هذه الرسالة التي أصبحت المصدر الأول عن حياة الشيخ زين الدين العاملي.
قصة مقتل الشهيد الثاني
بقيت قصة مقتل الشيخ زين الدين العاملي يكتنفها الغموض، وأصبحت أحد الألغاز التي لم يُبَتَّ بحلّها، وإنّما رويت بعض المرويات الدائرة حول تلك الأحداث يومذاك، والتي تُشير جميعها إلى مقتله. فبعد اعتقاله في مكة غُمّت أخباره)[1025](.
ذكرت النصوص الشيعية المتناقلة أنَّ الشيخ زين الدين ترك بلاده متخفّياً لغرض حج بيت الله الحرام بعد المضايقات الأمنية التي طالته. ومن خلال تاريخ إجازته التي منحها للشيخ علي بن هلال الجزائري بمكّة، فإنه يدل على أنَّ زين الدين كان موجوداً في مكة بتاريخ 14 من شهر ذي الحجة سنة 964هـ/ 19 كانون الثاني 1556م)[1026](.
ولقصة مقتله روايتان:
الرواية الأولى: أنَّه قُتلَ في طريقه إلى القسطنطينية (إسلامبول)، عاصمة الخلافة الإسلامية، دون أن تكون للعثمانيين يد في قتله. ويبدو أنَّ هذه الرواية كانت قد اشتهرت في بلاد الشام.
أوعزتْ بعض النصوص أنَّ هجرة الشيخ زين الدين من بلاده إلى مكة كانت بسبب وشاية صدرت من قاضي صيدا السُنِّي متهماً إياه بالبُدع الطائفية التي يندرج أقلُّها بالابتداع، والخروج عن المذاهب الأربعة.
ويُلاحظ أنَّ المنقولات المتسرّبة للكتب الشيعيّة التزمت الجوانب الشخصيَّة البحتة منطلقاً لتفسير الأحداث السياسية، كما ورد ذلك في قصة مقتل الشهيد الأول سابقاً، وما ذكر في قصة مقتل الشهيد الثاني مع قاضي صيدا.
فقد ورد أن الشهيد الثاني عند سفره إلى عاصمة الخلافة العثمانية سنة 952هـ/ 1545م لم يلتفت بما كان عليه من مراعاة المراتب الرسمية في الوصول إلى المراتب العليا في إسلامبول، وكان عليه أنْ يُزَكَّى من قبل قاضي صيدا، لكنَّه ترفعاً منه أرسل إليه أحد تلامذته لإخباره بالرحلة. وقد صوَّرت هذه الرواية أنَّ الشهيد الثاني كان معتمداً على مكانته العلمية الذاتية البحتة التي تمكّنه من تجاوز المراتب الرسمية. ومنذ تلك السنين تحيّن قاضي صيدا الفرصة لإيقاع الشهيد الثاني بالتهلكة، يقول النص: «كان القاضي معروف الملعون الموصوف هو الذي أرسل إليه الشهيد (رحمه الله) تلميذه ابن العودي بمدينة صيدا، ولم يتوقع منه العرض إلى سلطان الروم استغناءاً عنه. والظاهر كون ذلك العمل أيضاً منشأ لتشدّد غيظه عليه، وحسده منه حتى أن فعل به مقام الفرصة)[1027](.
كما يذكر (النص) أيضاً أنَّ مقتله لم يكن في عاصمة الخلافة العثمانية بأمر المسؤولين هناك، وإنما كان تصرُّفاً شخصيّاً، حيث قتله الشخص المُوَكَّل به، كما قُتلَ القاتل أيضاً قصاصاً عادلاً من قبل العثمانيين أنفسهم.
ذكر الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ/ 1693م في كتابه (أمل الآمل) هذا النص كما يلي: كان سبب قتله على ما سمعتُه من بعض المشايخ، ورأيتُه بخطّ بعضهم أنه ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه، وذهب إلى قاضي صيدا، فأرسل القاضي إلى (جُبع) مَنْ يطلبه، وكان مقيماً في كَرْم له مدة، فخطر ببال الشيخ أنْ يسافر إلى الحج، وكان قد حجَّ مراراً لكنه قصد الاختباء فسافرَ في (محمل) مُغطّى.
وكتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم أنه قد وُجد ببلاد الشام رجل مبتدع خارج عن المذاهب الأربعة، فأرسل السلطان رجلاً في طلب الشيخ، وقال له: آتني به حيَّاً، حتى أجمع بينه وبين علماء بلادي، فيبحثوا معه، ويطَّلعوا على مذهبه، ويخبروني، فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي.
فجاء الرجل فأخبرَ أنَّ الشيخ توجَّه إلى مكة، فذهب في طلبه، فاجتمع به في طريق مكة، فقال له، تكون معي حتى نحج بيت الله، ثم افعلْ ما تريد، فرضي بذلك، فلمَّا فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال: رجل من علماء الشيعة الإمامية أريد أنْ أوصله إلى السلطان. فقال أوما تخاف أنْ يخبر السلطان بأنك قد قصَّرتَ في خدمته وآذيته، وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سبباً لهلاكك. بل الرأي أنْ تقتله، وتأخذ برأسه إلى السلطان. فقتله في مكانه من ساحل البحر. وكان هناك جماعة من التركمان فرأوا في تلك الليلة أنواراً تنزل من السماء، وتصعد، فدفنوه هناك، وبنوا عليه قبة، وأخذ الرجل رأسه إلى السلطان، فأنكر عليه، وقال: أمرتك أنْ تأتيني به حيَّاً فقتلته. وسعى السيد عبدالرحيم العباسي في قتل ذلك الرجل فقتله السلطان)[1028](.
والسبب الذي دعا للاعتقاد أنَّ العباسي كان قد سعى للانتقام من القاتل ملاقاته للشهيد الثاني في سفرته الأولى سنة 952هـ/ 1545م إلى إسلامبول، ثم مراسلته له بعدها. كما نقل الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني أنَّ والده كان قد التقى بالعباسي في القسطنطينية، وكان الشيخ حسن قد رأى له كتابة إلى والده «تدل على كثرة مودته له، ومزيد اعتنائه بشأنه»)[1029](.
وبغض النظر عن إقحام اسم السيد عبدالرحيم العباسي، أو عدمه فإنَّ القصاص كان قد حلَّ بالقاتل ـ حسب ما تفرضه هذه الرواية ـ. أمَّا العباسي فهو، الذي أُقحمَ اسمُه في هذه الرواية، فهو أبو الفتح عبدالرحيم بن عبدالرحمن الأديب المحدّث صاحب كتابي «معاهد التنصيص في شرح شواهد التلخيص»، و«فيض الباري بشرح غريب صحيح البخاري»، وغيرهما من المؤلفات، المولود في مصر سنة 867هـ/1463م، والمتوفى سنة 963هـ/1556م)[1030](، أي قبل مقتل الشهيد الثاني بما يقرب من العامين.
ونقلت الرواية نفسَها أنَّ أهل تلك المنطقة دفنوا جسده، وبنوا عليه قُبَّة.
كما أوردَ البحراني نصّاً آخر يذكر أنَّ جسد زين الدين بعد مقتله بقي مطروحاً ثلاثة أيام، ثم أُلقيَ في البحر)[1031](.
وقد عزَّز حفيد الشهيد الثاني الرواية الأولى بما تناقله ـ فيما بعد ـ شيعة بلاد الشام حول مقتله من قصص، ونسب إلى أنَّ الشهيد نفسه كان قد تنبّأ بمقتله إبَّان سفره الأول عام 952هـ إلى عاصمة الخلافة، وفي الموضع الذي قيل إنه قُتل فيه.
وقد نُسبتْ إلى زميله الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي هذه الرواية في بعض الاستفتاءات الصادرة عنه.
ذكر الشيخ علي العاملي حفيد الشهيد الثاني، هذا النص، قال: مما سمعتُه في بلادنا مشهوراً، ورأيتُه أيضاً مشهوراً في غيرها أنَّه (قدَّسَ الله روحه) لمَّا سافر السفر الأول إلى أسطنبول، ووصل إلى المكان الذي قُتل فيه تغيَّر لونه، فسأله أصحابه عن ذلك فقال ما معناه: إنَّه يُقتل في هذا المكان رجلٌ كبير، أو عظيم له شأن. فلما أُخذَ قُتل في ذلك المكان.
وقد وُجد بخطّ المرحوم المبرور الشيخ حسين بن عبدالصمد (رحمه الله) بعد سؤاله، وصورة السؤال والجواب: سُئل الشيخ حسين عبدالصمد (رحمه الله): ما يقول مولانا شيخ الإسلام فيما روي عن الشيخ المرحوم المبرور الشهيد الثاني أنه مرَّ بموضع في أسطنبول، ومولانا الشيخ سلَّمه الله معه، فقال: يُوشك أن يُقتل في هذا الموضع رجلٌ له شأن، أو قال شيئاً قريباً من ذلك. ثم أنه استشهد (رحمه الله) في ذلك الموضع. ولا ريب أنَّ ذلك من كراماته. رحمه الله، وأسكنه جنان الخلد.
فأجاب: نعم، هكذا وقع منه (قدّسَ الله سرَّه)، وكان الخطاب للفقير، ويقال إنَّه استشهد في ذلك الموضع، وذلك مما كُشفَ لنفسه الزكية حشره الله مع الأئمة الطاهرين. كتبه حسين بن عبدالصمد الحارثي ثامن عشر ذي الحجة سنة 983هـ في مكة المكرمة المشرفة زادها الله شرفاً وتعظيماً)[1032](.
الرواية الثانية: إنَّه قُتلَ بأمر الوزير الأعظم رستم باشا (962 ـ 968هـ/ 1555 ـ 1561م) في عاصمة الخلافة العثمانية. وهذا ما أُشتُهر عند الإيرانيين، وصرَّح به مؤرخوهم.
فقد اتفقتْ هذه الروايات على أنَّ اعتقال الشهيد تمَّ بمكة في اليوم الخامس من شهر ربيع الأول سنة 965هـ، ثم أُقتيدَ أسيراً إلى استنبول، وقُتلَ بأمر الوزير الأعظم رستم باشا.
وذُكرَ أنَّ إلقاء القبض على الشيخ زين الدين كان قد تمَّ بعد فراغه من صلاة العصر، وأُسر وهو طائف في البيت)[1033](.
وقيل إنَّه بقي محبوساً شهراً وعشرة أيام في بعض دور مكة قبل أنْ يُسيَّر به عن طريق البحر إلى القسطنطينية.
ذكر القاضي أحمد الغفاري القزويني (ت: 975هـ/ 1567م) في كتابه (تاريخ جهان آراي) الذي ألفه بالفارسية حدود عام 972هـ في حوادث عام 965هـ/ 1558م ما يلي: أخذ الروم (الأتراك) سنة خمس وستين وتسعمائة الشيخ زين الدين العاملي من الحرم المكي، وجاؤوا به إلى القسطنطينية، وقتلوه تعصُّباً لمذهبهم الباطل يوم الخميس في العشر الأوسط من شهر رجب من السنة المذكورة.
ومن النصوص المهمة التي تكشف بعض ملابسات تلك المرحلة أنَّ حملةَ اعتقال طالتْ بعض الشخصيات الشيعية في بلاد الحجاز تزامنت مع اعتقال الشهيد الثاني.
فقد تعرَّض تلميذه محمود بن محمد اللاهجاني للاعتقال، وأودع الحبس معه. ويذكر اللاهجاني على ظهر نسخة مخطوطة من الجزء الثالث من كتاب الشهيد «مسالك الأفهام» والذي كتبه اللاهجاني بخطِّه: «إنَّ الشهيد بعد أنْ قضى اثنين وأربعين يوماً في السجن سُفِّر إلى تركيا».
فإذا صحَّ ما نُقلَ من تاريخ اعتقال زين الدين في مكة أنه وقع يوم 5 ربيع الأول سنة 965هـ/ 27 كانون الأول 1557م فإنَّ سفره إلى عاصمة الخلافة سيكون في منتصف شهر ربيع الثاني من العام نفسه.
وإذا صحَّ أنَّ إطلاق سراح تلميذه اللاهجاني كان قد وقع في اليوم العشرين من شهر جمادى الأولى، فإنَّ اللاهجاني كان قد أُطلقَ سراحُه بعد أكثر من شهر من سفر أستاذه إلى عاصمة الخلافة العثمانية. وبعد انقضاء خمسة شهور من ترحيل زين الدين إلى تركيا، وصل خبر مقتله إلى اللاهجاني.
ويبدو أنَّ خبر مقتله أثار حفيظة الشيعة في مكة مما دعا إلى حملة اعتقالات نظَّمتْها السلطة في صفوفهم. وبالرغم أنَّ المعلومات التي تناقلتها المصادر حول ردود الفعل الشيعية بعد مقتل الشهيد تكاد تكون معدومة إلاَّ أنَّ ما نقله تلميذه اللاهجاني ينبىءُ عن ذلك. فقد تعرَّض اللاهجاني مرَّةً أخرى للمطاردة مما اضطره إلى التخفّي أولاً، ثم السفر عن مكة في شهر صفر من عام 966هـ/ تشرين الثاني 1558م)[1034](.
إنَّ انعكاس أحداث سنة 965هـ/ 1558م على الشيعة في المناطق العثمانية جدَّدت الأزمة السياسية مرة أخرى بين الدولتين الصفوية والعثمانية بعد الشرخ الذي أحدثه الأمير بايزيد ابن السلطان سليمان بالاستيلاء على ولاية (صاروخان) التي كانت تقع تحت حكم أخيه سليم، واتهام الدولة العثمانية أعداءها من جهة إيران بمساعدته بالوقوف إلى جانبه، خصوصاً بعد انهزامه أمام جيوش أبيه السلطان سليمان ولجوئه إلى إيران، ربما كان لها تأثير على الشيعة العرب الذين كانوا يومذاك قاطنين أرض الحجاز، الأمر الذي عجَّلَ باعتقال الشيخ زين الدين، وقتله غيلةً بعد تلك الأحداث.
كما ذُكر أيضاً أنَّ الوزير الأعظم كان قد عرض قضية زين الدين على السلطان سليمان القانوني، فأمر السلطان بقتله)[1035](.
نقل مؤرخ البلاط الصفوي حسن بيك روملو المُتوفى بعد عام 985هـ/ 1577م صدى المسموعات المُتناقَلة يومذاك، والتي تشير إلى أنَّ مقتل الشيخ زين الدين كان بسبب دعواه الاجتهاد الشيعي مقابل المذاهب السُنية، ونشاطه في التدريس على المذهب الإمامي، وتخريج طلبة العلوم الدينية مقابل المدارس الدينية الرسمية للدولة العثمانية)[1036](.
ومما يؤيد شيوع مقتل الشهيد الثاني ـ بأمر الوزير الأعظم رستم باشا ـ في إيران على الأقل في تلك المرحلة، ما نقله الميرزا مخدوم الجرجاني الذي كان يشغل منصب الوزارة في فترة حكم الشاه إسماعيل الثاني، والذي التجأ إلى العثمانيين بعد مقتل الشاه إسماعيل سنة 985هـ/ 1577م، وشغل بعض المناصب الرسمية في الدولة العثمانية ـ في كتابه «النواقض لبنيان الروافض» الذي ألَّفه سنة 987هـ/ 1579م، والذي هاجم فيه السياسة الصفوية خاصة، والمذهب الإمامي بشكل عام.
وفي معرض حديثه عن تأليفات الإمامية في أصول الحديث ذكر أنَّ أول من ألَّف منهم في هذا العلم الشهيد الثاني زين الدين العاملي، وأشار ـ ضمن سياق حديثه ـ إلى أنَّ مقتله كان قد تمَّ على يد رستم باشا.
ونصُّ عبارته هي: «وأمَّا تأليفهم في أصول الحديث فقد كان معدوماً حتى ظهر زين الدين العاملي (الذي ظفر رستم باشا بقتله). فعُلمَ أنَّ هذا عيب فاحش، وتصوُّرٌ بيّن، فاشتغل به للفرار من ذاك العار، فخرج بعد حين، ومعه ما هو مُشرق من خلاصة جدّي السيد الشريف (قُدِّس سرُّه) فقد زاد العار على العار»)[1037](.
وتكاد المصادر المعاصرة للحدث تُجمع على أنَّ مقتله كان قد تمَّ سنة 965هـ/ 1558م، كما ورد ذلك عن ولد الشهيد الثاني الشيخ حسن العاملي (ت: 1011هـ/ 1602م) )[1038](، وغيره من المعاصرين.
إلاَّ أنَّ السيد مصطفى التفريشي (كان حياً سنة 1044هـ/ 1635م) ذكر أنَّ مقتل الشهيد الثاني كان قد وقع سنة 966هـ/ 1559م في القسطنطينية)[1039](. وتابعه محمد بن علي الأردبيلي (ت: 1101هـ/ 1690م) في ذلك)[1040](.
أمَّا من المتأخرين فقد ذهب الطهراني إلى أن مقتله كان سنة 966هـ/ 1559م، وأثبتَ ذلك في جميع ما ورد من مواضع فيها ذكر للشهيد الثاني في كتابيه (الذريعة)، و(طبقات أعلام الشيعة).
أمَّا تحديد يوم مقتله فقد وردت فيه أكثر من رواية تبعاً لما اكتنفته قصة مقتله من غموض.
فقد ذكر تلميذه السيد علي الصائغ أنَّه كان يوم الجمعة في شهر رجب سنة 965هـ/ نيسان، وأيَّار 1558م. (يصادف يوم الجمعة الأيام 3، 10، 17، 24، 29 من شهر نيسان، و6، 13 من شهر أيَّار). وذكر المنشي أنَّه كان يوم الخميس الأوسط من رجب سنة 965هـ/ 5 أيَّار 1558م، في حين أنَّ أحد معاصريه، وهو السيد محمد بن أحمد ناصر الدين الحسيني العاملي كتب على أحد مؤلفات الشهيد الثاني الذي نَسخَهُ بخطِّه، وهو «شرح اللمعة الدمشقية»: إنَّ الشهيد قُتلَ في 17 من شهر رمضان عام 965هـ/ 4 تموز 1558م)[1041](.
والمُرجَّح من هذه الأخبار أنَّ مقتله كان قد تمَّ على يد الإدارة العثمانية في منتصف شهر رجب سنة 965هـ/ 4 أيّار 1558م، كما يلاحظ ذلك من سياق الأحداث، وتسلسلها الزمني.
ويظهر مما كتبه ابن العودي في ترجمة أستاذه الشهيد أنَّ خبر اعتقاله كان قد انتشرَ في الأوساط، وتدخَّلتْ شخصيَّات سُنيّة سواءً أكانت داخل جهاز المؤسسة الرسمية، أم خارجها للتوسط بإطلاق سراحه.
كما ذكر ابن العودي ملابسات السعي للإيقاع به، ومَنْ يقف وراء ذلك. إلاَّ أنَّ هذه المطالب البالغة الأهمية لم تصل تفصيلاتها بسبب تلف النسخة الخطيَّة في تلك الأيام، أو استئثار بعض المعنيين بها.
الجهود الثقافية للشهيد الثاني
بالرغم أنَّ الشيخ زين الدين كان قد مارس النزعة الاستقلالية في تحرُّكه تجاه الأحداث السياسية المعقدة، دون أنْ تكون له الغَلَبة لطرف من الأطراف منذ سيطرة العثمانيين على بلاد الشام سنة 922هـ/ 1516م فإنَّه، والحال هذه، كان قد اختطَّ نوعاً جديداً من السياسة في مواجهة المتغيرات.
ويمكن ملاحظة نشاطه على صعيدين:
الأول: النشاط العملي
ويتلخَّصُ في سعيه الدائب للحفاظ على شيعة بلاد الشام، وإبعادهم عن الدخول في الأزمات السياسية. وفي هذا المنحى كان سفره إلى إسلامبول، عاصمة الخلافة الإسلامية يومذاك، لغرض تأمين الغطاء الآمن للشيعة داخل السلطنة العثمانية. فليس كلُّ شيعي ـ كما تعتقد الإدارة العثمانية ـ هو مُمالىء للصفويين، أو تابع لهم.
وقد نجح زين الدين في ذلك، ومارس هو، وأحد أصحابه، التدريس على المذاهب الخمسة ضمن التشكيلة الرسمية العثمانية، وحصل الشيعة من جرّاء ذلك على الأمن والأمان، كما يشير زين الدين نفسه إلى ذلك في وصف تلك الأيام بأنَّها «أيام ميمونة، وأوقات بهجة، ما رأى أصحابنا في الأعصار مثلها».
لكنَّ الصراع المحتدم بين الصفويين والعثمانيين لم يترك لتجربة الشهيد أنّ تمتدَّ أكثر مما امتدّتْ منذ عام 952هـ/1545م، حتى عام 955هـ/1548م.
إنَّ استجابة الإدارة العثمانية لرغبة زين الدين في العمل ضمن إطارها الرسمي كان في حدّ ذاته يهدف إلى وضع رأس السلطة الدينية الشيعية تحت رصدها لفهم نشاطاته النظرية والعملية من قريب.
إلاَّ أنَّ زين الدين من جانبه كان قد حقّق امتداداً شيعيّاً نظرياً ضمن التشكيلة الرسمية الدينية للبلاد بإقدامه على تدريس الفقه على المذاهب الخمسة في دولة لا تعترف إلاَّ بالمذاهب الإسلامية الأربعة، وموافقة الإدارة العثمانية على ذلك بنفسها.
ظهر ضمن هذه الأجواء اتجاه جديد للفقه الإمامي في محاولة للتوافق مع المؤسسات الدينية الرسمية المستحدثة لتنظيم الدراسة، والإفتاء، والقضاء.
وقد أصَّل هذا الاتجاه الثوابت المستوعبة للفقه الشيعي في أحكام العبادات والمعاملات لتكون مرشداً عملياً في الأحكام على المذهب الشيعي في دولة لا تعترف رسميّاً إلاَّ بالمذاهب الأربعة، كما تقتصر المراتب العُليا على مذهب واحد هو المذهب الحنفي.
وهذه المحاولة في حدّ ذاتها كانت تهدف إلى فسح المجال للمذهب الشيعي لأنْ يكون واحداً من المذاهب المُتَّبعَة، التي ينتشر أتباعها في طول السلطنة العثمانية وعرضها.
وقد انتبهت الإدارة العثمانية على نشاط زين الدين، وعدَّتْهُ ضَرْباً من ضروب الاجتهاد مقابل المذاهب الأربعة، وهي إحدى التُهم التي أُلصقتْ بالشيخ زين الدين قبل مقتله)[1042](.
الثاني: النشاط العلمي
أمَّا نشاط زين الدين العلمي فقد تمثَّل:
أولاً: في مجال التدريس، حيث تخرَّج على يديه نُخبة من الفقهاء الذين أصبح الكثير منهم فقهاء المذهب الإمامي)[1043](. وأظهر تلامذته: الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي (ت: 984هـ/1576م)، والد الشيخ البهائي، الذي كان رفيقه في أسفاره إلى مصر سنة 942هـ/ 1535م، وإلى إسلامبول (القسطنطينية) سنة 952هـ/ 1545م.
ثانياً: في مجال التأليف والتصنيف. حيث زخرت حياة زين الدين بالنشاط العلمي، فأخرج للمكتبة الإسلامية بشكل عام، وللمكتبة الشيعيَّة بشكل خاص مؤلفات غزيرة في علوم مُتفرّقة.
كما عُدَّ في نظر الباحثين أول مَنْ كتب من الشيعة في علم دراية الحديث. وكذلك عُدَّ أيضاً بأنه أول مَنْ أدخل الشرح المزجي في الفقه في كتب الإماميّة. كما ذكر تلميذه ابن العودي، في الرسالة التي كتبها عن حياة أستاذه زين الدين الشهيد)[1044](.
وكان للشهيد الثاني زين الدين اهتمامٌ خاص بمؤلفات سلفه الشهيد الأول محمد بن مكي، فقد وضع عدَّة شروح، وتعليقات على جملة من مؤلفاته أمثال:
1 ـ الفوائد الملّية في شرح الرسالة النفلية (في مستحبات الصلاة). وقد راعى في شرحه الاختصار، واعتمد على الشرح المزجي، كما تعرَّض في بعض الأحيان إلى بيان الأدلة.
2 ـ المقاصد العليّة في شرح الألفية. وهو من الكتب التي صنَّفها سنة 950هـ/ 1543م. وله على (الألفية) شروح ثلاثة؛ الشرح الاستدلالي الكبير، والشرح المتوسط، والمختصر الذي أشبه ما يكون بحاشية الفتوى على الكتاب الذي يُقرِّبه إلى الرسائل العملية المعتمدة لدى مقلديه.
3 ـ الروضة البهيَّة في شرح اللمعة الدمشقية. وهو من أهم مؤلفات الشهيد الثاني الفقهية، فرغ من تأليف الجزء الأول منه أوائل ربيع الأول سنة 956هـ/ أوائل نيسان 1549م، كما انتهى من جزئه الثاني في 21 جمادى الأولى سنة 957هـ/ 7 حزيران 1550م)[1045](.
استطاع الشهيد الثاني أنْ يمزج بين النص الأصلي (المتن)، وبين شرحه لهذا النص بطريقة يكاد يصعب التفكيك بينها.
وقد راعى مؤلفُه الاختصار، ومراعاة الأدلة، وسلاسة التعبير وسهولة اختيار العبارة اللغوية الواضحة، والنظر في الآراء الفقهية والموازنة بينها.
وقد احتلَّ كتاب «الروضة البهية» موقعه الخاص بين الكتب الفقهية، وأصبح محوراً للدراسة والتدريس لدى جمهور العلماء وطلاب العلوم الدينية منذ زمان تأليفه حتى الآن ككتاب دراسيّ مقرّر في مدارس الفقه الإمامي.
ومن خلال اهتمام الشهيد الثاني بمؤلفات سلفه الشهيد الأول فقد دعا ذلك تلميذه ابن العودي أنْ يكشف عن الصلة الروحية بين هاتين الشخصيتين المتباعدتين زماناً، المتقاربتين في الثقافة والتصنيف الفقهي، وكأنَّه من المعاصرين له، حتى أنَّ الشهادة جمعت بينهما في خاتمة المطاف، فَلُقِّب محمد بن مكي بالشهيد الأول، ولُقِّب زين الدين العاملي بالشهيد الثاني، وعُرف كلُّ منهما بلقبه حتى طغى على اسمه الحقيقي.
يقول ابن العودي في رسالته التي ألَّفها في ترجمة أستاذه الشهيد الثاني: «لما علم الله النسبة بينه وبين الشهيد من المشاركة في نيل درجة السعادة بخاتمة الشهادة ألقى في قلبه الميل إلى إحياء آثاره، والتعليق بشرح مصنفاته، وإظهار تحقيقاته، كانت نفسُهُ كأنَّها ممزوجة بنفسه، وكان من أنسه به كأنه معاصره».
ومن خلال أجوبة المسائل الشرعية التي كانت تصله من مختلف البلدان أمثال: جواب المباحث النجفية، جواب المسائل الهندية، جواب المسائل الشامية، أجوبة شيخ زين الدين، جواب المسائل الخراسانية، وأجوبة مسائل جبل عامل، التي تحتوي على مسائل متفرقة في الفقه، والعقائد، وغيرها، فأنها تكشف عن مقدار القاعدة الشيعيَّة التي كان يتمتّع بها هذا الفقيه من قبل قطاعات العالم الشيعي في المناطق.
ورسالته في وجوب صلاة الجمعة: بحث فيها حكم صلاة الجمعة حال الغيبة، وهي من مؤلفاته المهمة حيث ذهب فيها إلى وجوب إقامة صلاة الجمعة وجوباً عينيَّاً في زمن الغَيْبَة خلافاً لفقهاء الإمامية الذين حكموا بعدم وجوبها التعييني. ألَّفها الشهيد في ربيع الأول سنة 963هـ/ كانون الثاني 1556م.
قال في أولها: «هذه جملة تشمل على بيان حكم صلاة الجمعة في هذا الزمان، الذي قد مُني فيه بالبلية أهل الإيمان، وخذلهم ببغيه وحسده الشيطان، حتى هدموا أعظم قواعد الدين بالشُبهة لا بالبرهان، وها أنا محقق لوضع الخلاف فيها، ومرشد إلى ما هو الحق من وجوبها يومئذٍ بالدليل الواضح، والبرهان اللائح لمن أخرج رقبته من ربقة التقليد للأسلاف، وسلك سبيل الحق بالإنصاف»)[1046](.
إنَّ مؤلفات الشهيد الثاني الفقهية لم تقتصر على شرح كتب الشهيد الأول فحسب، بل تعدَّتْ إلى شرح المؤلفات التي وضعها فقهاء مدرسة الحلّة، والتي اعتُبرتْ من المصادر الرئيسية للفقه الإمامي في عصوره اللاحقة، أمثال كتب المحقق الحلي، والعلاَّمة فظهر منها:
مسالك الافهام إلى تنقيح شرائع الإسلام للمحقق الحلّي الذي يُعتبرُ أوسع مؤلفات الشهيد الثاني. قال ابن العودي عنه: «تفجرت منه ينابيع الفقه». وكان الشهيد نفسه يعتبره من أهم مؤلفاته، فقد ذكر في إجازته للشيخ تاج الدين بن هلال الجزائري المؤرخة 14 ذي الحجة سنة 964هـ هذه العبارة: «أجزتُه جميع ما جرى به قلمي من المصنَّفات، ومن أهمها كتاب «مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام». وقد طبع الكتاب طبعة حجرية سنة 1310هـ/ 1893م، وأعيد طبعه محققاً من قبل مؤسسة المعارف الإسلامية في قم سنة 1413هـ/ 1984م، في (13) مجلداً.
وذكر الطهراني في (الذريعة)، أنَّ الشهيد الثاني فرغ من شرح الجزء الأول سنة 951هـ، وفرغ من جزئه الرابع سنة 963هـ. وقد ذكره بعنوان «مسالك الافهام في شرح شرائع الإسلام»، وقال: شرح بالقول على سبيل الحاشية في العبادات، ثم بسط البحث في المعاملات)[1047](.
ومنها: روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان للعلاَّمة)[1048](.
وكلاهما من الشروح المزجية التي أصبحت معتمدة عند الفقهاء، وعليها عوّل المؤلفون والمدرسون والمجتهدون، كما يقول الأمين)[1049](.
وقد بلغت مؤلفات الشهيد الثاني الفقهية فقط ما بين كتاب ورسالة أربعين مؤلفاً وضع على بعضها شروحاً مطوَّلة، وعلى بعضها الآخر حواشيَ مختصرة، كحاشيته على «قواعد الأحكام» للعلاَّمة، وحاشيته على «شرائع الإسلام» للمحقق، بضميمة حاشيته على «المختصر النافع» له أيضاً.
وأفرد في الفقه كذلك مواضع مستقلة ككتاب «نتائج الأفكار في حكم المقيمين في الأسفار» الذي ألَّفه سنة 950هـ/ 1543م، وهو من عنوانه يتعلّق بمسائل شرعية تختص بأحكام المسافر، ورسالة في أحكام الحبوة ألَّفها سنة 956هـ/ 1549م، و«جواهر الكلمات في صيغ العقود والإيقاعات»)[1050](.
وقد اعتبرَ بعضُ المتخصصين أنَّ الشهيد الثاني كان قد تفرَّد بكتاباته في مواضيع لم يطرقها غيره، أو طرقها ولم يستوف الكلام فيها)[1051](، حيث عُدَّ كتاباه «مُسكّن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد»)[1052](، و«مُنية المريد في آداب المفيد والمستفيد» نموذجين على مثل هذا التأليف. ونال كتابه الأخير عناية الباحثين الذين اعتبروه من الكتب النادرة في موضوع التربية والتعليم)[1053](.
أمَّا مؤلفاته الأخرى فقد توزعت على شتى حقول المعرفة، فمنها: «تمهيد القواعد الأصولية والعربيّة لتفريع الأحكام الشرعية» الذي يقع في قسمين، تضمَّنَ الأول منهم مائة قاعدة في علم الأصول. أمَّا القسم الثاني فتضمَّنَ مائة قاعدة لقواعد اللغة. كما احتوى على فهرست يُسهّل اختيار القواعد واستخراجها. فرغ منه في شهر محرم سنة 958هـ/ 1551م)[1054](.
وكان الشهيد الثاني قد استفاد من بعض المؤلفات التي سبقت إلى وضع مثل هذا التأليف خصوصاً مؤلفات جمال الدين عبدالرحيم الأسنوي الشافعي (ت: 772هـ/ 1371م) في كتابيه (التمهيد في القواعد الأصولية وما يتفرع عليها من الفروع) الذي ألَّفه الأسنوي سنة 768هـ/ 1367م، «والكوكب الدريّ في القواعد العربيّة»، فقد جمع بين قواعد هذين العلمين في كتاب واحد مع تهذيب وإضافة.
أمَّا كتاباه «بداية الدراية»، و«غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين» فقد فتح بهما تأليفاً جديداً لم يسبقه من الإمامية إلى التصنيف به أحد، فهو أول من فتح بابه، وذلّل صعابه، هكذا وصفه تلميذه ابن العودي.
كتب الشهيد الثاني مختصراً في علم دراية الحديث سمّاه (الدراية)، وكان الشهيد قد وضعه على شكل فهرست لمطالب هذا العلم لخَّصه من مقدمة أبي عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري الشهير بابن الصلاح الشافعي المتوفى سنة 642هـ/ 1244م. وقد عمدَ فيما بعد إلى شرح هذا المختصر شرحاً مزجيّاً ظهر في كتب الهداية في شرح الدراية»، وقد اعتمد في شرحه الأخير على ما كتبه الطيبي المُتوفى سنة 743هـ/ 1342م في كتابه «الخلاصة في أصول الحديث».
ومن خلال المقارنة بين هذه المؤلفات يظهر أنَّ الشهيد الثاني كان قد استفاد من نهج علم الدراية الذي بلغ مبلغه لدى ابن الصلاح والطيبي، في محاولة تطبيقه على مرتكزاته الثقافية، وتأصيله منهج إمامي لهذا العلم، مستفيداً من كتابات الفقهاء الإماميين في هذا المجال كالشيخ الطوسي والمحقق الحلّي، والشهيد الأول.
ومثال على تطبيق هذا المنهج فقد عرَّف ابن الصلاح الحديث (الصحيح) على هذه الصورة: «الحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسنادُه بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً، ولا معللاً، وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل، والمنقطع، والمعضل، والشاذ، وما فيه علّة قادحة، وما في روايته نوع جرح»)[1055](.
أمَّا الشهيد فقد عرَّف الحديث الصحيح على هذه الشاكلة: هو ما اتصل سندُه إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات.
وعليه فالحديث المقطوع السند ـ في أيِّ مرتبة اتّفق القطع ـ لا يُسمّى صحيحاً، وإنْ كان رواته من رجال الصحيح.
وقد عُرِّف الصحيح عند العامة بما اتصل سندُهُ بنقل العدل الضابط عن مثله، ومع ملاحظة اكتفائهم في تحقق العدالة بعدم ظهور الفسق، والبناء على ظاهر حال المسلم، تكثرُ أحاديثهم الصحيحة»)[1056](.
* * *
إنَّ المنحى العلمي المتطور الذي قدَّمه الشهيد الثاني في مؤلفاته الغزيرة أثار إعجاب بعض الفقهاء الذين عاصروه، أو الذين جاؤوا بعده.
وقد أشار تلميذه ابن العودي في رسالته التي كتبها عنه إلى ما كان يُعانيه الشهيد في السنوات العشرة الأخيرة من حياته من الظروف التي أحاطت به، من مطاردة السلطة له، وتعريض سلامته للخطر. وكان في فترة المطاردة والتستّر والاختفاء قد وضع أغلب مؤلفاته هذه. كما وصف بعض مؤلفاته أنَّها «ظهرت في زمن الخوف».
إنَّ تصدي الشهيد الثاني للتأليف ـ في زمن الخوف، والمطاردة، والخشية من القتل ـ بهذه الكيفية المتينة من التصنيف تدل على رسوخ قدمه في العلم وتمسّكه بأصالة المعرفة، وهو اتجاه أثار دهشة بعض مترجميه الذين وصفوا مؤلفاته المكتوبة في هذه الفترة بأنَّها مؤلفات خالدة.
يقول السيد محسن الأمين: «وما ظنُّك برجل يؤلّف مؤلفاته الجليلة الخالدة على مرّ الدهور والأعوام في حالة الخوف على دمه لا يشغله ذلك عنها مع ما تقتضيه هذه الحالة من توزع الفكر، واشتغال البال عن التفكير بمسألة من مسائل العلم، يؤلفها بين جدران البيوت المتواضعة لا في قصور شاهقة، ورياض فاخرة، ولا مساعد له، ولا معين حتى على تدبير معاشه، ونقل الحطب لدفئه، وصنع طعامه»)[1057](.
علماء الشيعة تلامذة علماء السنة
لم تنعكس الأحداث المذهبية على مؤلفات الشهيد الثاني، وكتاباته، بل اتسمت تصانيفه بغزارة المعرفة وشموليتها.
فمن خلال ما قدَّمه من مؤلفات، كان زين الدين يسعى لخلق منظومة إسلامية عامة تجمع جهود علماء الإسلام من شتى نحلهم لتُكوّن جهداً موحّداً في تطوير نظرية العلم الديني من خلال مزج مناهج العلوم السُنيَّة بالمأثورات الشيعية لصياغة نظرية جديدة تساهم في تطوير مناهج البحث على مرتكزات علمية.
سبَّب هذا الانفتاح الذي تميَّز به أفقُ الشهيد الثاني انتقاداً وجَّهه له بعض الدارسين من الشيعة أنفسهم لمثل هذه الطريقة في التأليف، كما نُسِبَ ذلك لولده الشيخ حسن، وبعض أحفاده أيضاً.
نقل الحر العاملي أنْ إجازات الشهيد الثاني، وولده الشيخ حسن العاملي أظهرت أنَّ الشهيد الثاني كان قد قرأ على جماعة من علماء العامة (السُنَّة) كثيراً من كتبهم في الفقه، والحديث، والأصولين، وغير ذلك، وروى جميع كتبهم. وكذلك فعل الشهيد الأول، والعلاَّمة.
ولا شك أنَّ غرضهم كان صحيحاً، لكن ترتَّبَ على ذلك ما يظهر لمن تأمل وتتبع كتب الأصول، وكتب الاستدلال وكتب الحديث.
ويظهر من الشيخ حسن عدم الرضا بما فعلوا)[1058](.
كما أنَّ دراسة الشهيد الثاني على يد علماء المذاهب السنية الأربعة، وقبوله التدريس في المدارس الرسمية السُنيَّة، ثُمَّ إقدامه لاقتباس المناهج السُنيّة وتطبيقها على الشروح التي وضعها على الكتب الشيعية، جعلت التيار الشيعي المعاصر له، والمناهض لطريقته يتهمه في زمن حياته بالتسنّن)[1059](.
وهذه التهمة بحدِّ ذاتها ربما كان يقف وراءها الاتجاه الشيعي الموالي للسياسة الصفوية، أو غيره ممن يجهل الأطروحة العلمية والعملية التي سعى زين الدين إلى تنفيذها.
وقد نُقلَ أنَّ حفيده الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني (ت: 1064هـ/ 1654م) كان يُبدي استغرابه من دراسة جدِّه الشهيد الثاني، والشهيد الأول، والعلاَّمة الحلّي على يد العلماء السُنين، وتتبع مؤلفاتهم في الفقه وأصوله، والحديث، وعلم الكلام. وكان يُنكر عليهم، ويقول «قد ترتب على ذلك ما ترتب»!
وكان هذا الشيخ الحفيد قد درس في بلاده، ثم سافر إلى العراق وإيران وأدرك الشيخ بهاء الدين محمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي (ت: 1030هـ/ 1621م)، ثم استقر بمنطقة الحجاز حتى تُوفيَ في مكة، ودُفنَ بها.
وبالرغم من غزارة علمه فإنَّه لم يترك مؤلّفاً بعده. وعلّلَ مترجموه ذلك بأنَّه يعود إلى «شدّة احتياطه، ولخوف الشهرة»)[1060](.
إلاَّ أنَّ السيد محسن الأمين انتقد مَنْ ذهب إلى تخطئة هؤلاء العلماء الشيعة في دراستهم على يد أشباههم من العلماء السُنَّة، حيث اعتبرَ أنَّ هؤلاء العلماء استفادوا من تطبيق مناهج البحث السُنيّة في تأسيس طريقة إمامية في عدّة مواضيع كعلم دراية الحديث، والشروح المزجية، والاستفادة من وضع القواعد الأصولية والعربية)[1061](.
* * *
أما ما اشتهر من دراسة هؤلاء الفقهاء الثلاثة على يد العلماء السُنيّين فإنَّ الأمر يختلف فيما بينهم في طبيعة العلوم التي تلقوها عن هؤلاء المشايخ، وفي الظروف الموضوعية التي دعتهم إلى مثل هذا الانفتاح العلمي.
كان العلاَّمة الحلّي في بداية نشأته قد انخرط في العمل مع أستاذه الفيلسوف نصير الدين الطوسي، ورافقه في مدينة (مراغة) قرابة العقد من الزمن، وكان نصير الدين في هذه المرحلة أحد المُشرفين على الشؤون الثقافية في ظل الدولة الإيلخانية.
وفي ضمن التشكيلة الثقافية العامة في مدينة مراغة، وبأجواء جامعتها العلمية التي ضمَّت علماء المذاهب على اختلاف مذاهبهم، واتجاهاتهم الدينية فإنَّ الفوارق المذهبية لم تأخذ طريقها لسدِّ أبواب المعرفة.
فقد درس العلاَّمة في هذه الجامعة على يد مشايخ علماء السُنَّة الذين ذكرهم في إجازاته العلمية. وبالمقابل فإنَّ الكثير من المتكلمين السُنَّة كانوا قد تخرَّجوا على نصير الدين في هذه المرحلة، وعلى العلاَّمة أيضاً.
فطبيعة الدراسة والتدريس في ظل أجواء مدينة (مراغة) المزدهرة بالعلم كانت تتّسم بالمنهجية ضمن دائرة الإسلام الثقافي. وكانت النُخبة المُعدَّة لهذه المهمة من علماء المذاهب على اختلاف اختصاصاتهم تهدف إلى خلق جيل متخصص في العلوم العقلية، والفلسفية، والدينية على اختلاف مناهجها.
لذا لم يكن لفقهاء (السلب) الذين يقفون دائماً بمعارضتهم أمام التجديد أيُّ أثر في ظل أجواء العصور الذهبية للثقافة، سوى ما ظهر لاحقاً على ضفة دولة المماليك في بلاد الشام من قيام الفقيه الحنبلي ابن تيميَّة الحرَّاني من الردِّ على بعض مؤلفات العلاَّمة الحلي، وهو كتاب «منهاج الكرامة في الإمامة»، الذي لم يلق أيَّ صدى عند العلاَّمة الحلي، ولم يردَّ على شيء مما كتبه فقيه المماليك يومذاك، واكتفى بالعبارة التي استشهد بها: «لو كان يفهم ما أقول أجبتُه»، وذلك لانشغال العلاَّمة يومذاك بمهام السلطة في ظل حكومة أُولجايتوخان (خدابندة) الشيعية، المزدهرة بالعلم، والتسامح الديني والمعرفي.
أمَّا الفقيه الشيخ محمد بن المكي المعروف بالشهيد الأول المقتول سنة 786هـ/ 1384م، فلم تكن دراسته على يد علماء السُنَّة دراسة منهجية سوى ما نُقل من استحصاله لإجازات الرواية، وما يصاحبُها من قواعد في القراءة، وغيرها مما لا يُعَدُّ ذلك دراسةً منهجية منظَّمة. وقد ذكر الشهيد في بعض إجازاته أنه يروي مصنَّفات الحديث السُنيَّة، عن نحو أربعين شيخاً من علماء السُنَّة في مختلف البقاع الإسلامية التي كانت مزدهرة بهم في مكة، المدينة، بغداد، مصر، دمشق، بيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم)[1062](.
أمَّا الشهيد الثاني فهو الفقيه الوحيد من بين هؤلاء الفقهاء الثلاثة الذين انخرط في سلك الدراسة المنهجية على علماء من المذاهب السُنيَّة الأربعة.
وبالرغم أنَّ الشهيد الثاني كان قد درس جميع العلوم الإسلامية المُتعارفَة يومذاك في القاهرة، إلاَّ أنَّ دراسته هذه كانت قد انعكست على كتاباته الرزينة المنفتحة، ومحاولاته في تطبيق مناهج البحث التي ألَّفَ فيها العلماء السُنَّة على الكتابات الشيعيَّة.
فخرج بذلك بمنظومة فكرية جديدة أضافت إلى الكتابات الفقهية الشيعية، وقواعد الأحكام إضافات علمية نافعة.
أمَّا لماذا اندفعَ الشهيد الثاني لدراسة العلوم الإسلامية من مصادرها المذهبية المغايرة؟ فربما يعود ذلك ـ إذا استثنينا دوافعه الفطرية لتحصيل العلم وهو ابن الثلاثين عاماً يومذاك ـ إلى الثقل الذي تتميز به المعاهد الدراسية بمصر ومنحاها الأكاديمي، مضافاً إلى الشخصيَّات العلمية الذائعة الصيت، ذات الإلمام بالعلوم في جميع روافدها المذهبية.
وعليه فالاعتراض الذي ساقه بعض أحفاد الشهيد الثاني على العلاَّمة والشهيدين (الأول، والثاني) لم يكن مُوزَّعاً عليهم التساوي. والفقيه الوحيد الذي تنطبق عليه مقولة الدراسة على يد العلماء المذهبيين المخالفين هو الشهيد الثاني فقط.
إلاَّ أنَّ دراسة الشهيد الثاني على العلماء السنيين لم تكن قد أثَّرت على منحاه الإمامي في الفقه وأصوله، أو الحديث وعلم الكلام إذ لم ينعكس شيء من ذلك على مؤلفاته، وإنما أضافت دراسته هذه أبعاداً جديدة إلى ثقافته الدينية أولاً، وعلى المنظومة الفكرية التي حاول أن يُجدّل بها الثقافتين المذهبيتين بجديلة واحدة، ويُوحِّد بينهما ثانياً.
تلخيص المفردات
1 ـ اكتنف الغموض حياة الشهيد الثاني في جميع مراحلها، سوى ما ورد من خبر ولادته ونشأته ودراسته، ورحلاته. وهي معلومات تقريرية مقتضبة.
2 ـ نُقلت عن أخبار مقتل الشهيد الثاني روايات مبهمة مفادها أنَّه كان قد غُيّب بعد اختطافه بمكّة، ولم يُعرف عنه أكثر من ذلك. وقد تخرَّصت الروايات المتناقلة إلى أنَّه قُتل في طريقه إلى دار الخلافة العثمانية (اسطنبول)، أو نُقل إليها ثم قُتل فيها بأمر من المسؤولين هناك. ويبقى سرُّ مقتله لغزاً في كلتا الحالتين.
3 ـ نظراً لتبوّء الشهيد مكانة علمية في سلسلة علماء الإمامية بما خلَّفه من مؤلفات اكتسبت أهميتها من خلال الإقبال عليها، وإحلال بعضها مناهج مقررة في المراكز الدراسية الشيعية، فإنَّ استمرار حضوره بقي مُتتابعاً جيلاً بعد جيل دون أنْ يطرأ على تاريخه العلمي ما يُبعدُهُ عن حركة الأجيال، أو يُعرّضه للنسيان.
4 ـ ما خلَّفه الشهيد الثاني من نظريات في التربية والتعليم من خلال بعض مؤلفاته جعل نتاجه العلمي متميزاً بين فقهاء الإمامية في عصره والعصور التي تلت بالأصالة والتفرّد، خصوصاً في كتابه «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد».
د. جودت القزويني
الشهيد الصدر ودينامية الصراع الاجتماعي
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضِ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ})[1063](.
منذ أن قتل هابيل والتناقض البشري قاعدة مضطردة من قواعد الحياة. ذلك التناقض المصلحي أو النفسي أو العقائدي يرتدي ثياباً متغيرة ويستخدم أدوات تتطور بتطور الحياة. وكما يقول (الشهيد الصدر قدّس سرُّه):
«وهذا التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغاً متعددةً وألواناً مختلفةً ولكنه يظل في حقيقته وجوهره شيئاً ثابتاً وحقيقةً واحدةً وروحاً عامةً وهي التناقض بين القوي والضعيف بين كائن في مركز القوة وكائن في مركز الضعف»)[1064](.
(قد يكون هذا القوي فرداً فرعونياً، قد يكون عصابةً، قد يكون طبقةً، قد يكون شعباً، قد يكون أمةً، كل هذه ألوان من التناقض، كلها تحتوي روحاً واحدةً وهي روح الصراع روح الاستغلال من القوي الذي لم يحل تناقضه الداخلي وجدله الإنساني) )[1065](.
(ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني فسوق يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض والصيغة تلو الصيغة حسب الظروف والملابسات، حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة، إذن النظرة الإسلامية من زاوية المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان نظرة واسعة منفتحة معمقة لا تقتصر على لون من التناقض ولا تهمل ألواناً أخرى بل هي تستوعب كل أشكال التناقض على مرّ التاريخ وتنفذ إلى عمقها وتكشف حقيقتها الواحدة وروحها المشتركة ثم تربط كل هذه التناقضات بالتناقض الأعمق بالجدل الإنساني الداخلي المنبع الأساس لتلك التناقضات الاجتماعية) )[1066](.
هذا ما نسميه بدينامية الصراع الاجتماعي الذي يتحرك على عدة محاور وتتداخل وتتجدَّد وتتنوع.
صحيح أن العناصر التي تكون الحياة البشرية ثابتة منذ القدم ولكن تغير العصور والأزمنة وتغير الوعي البشري بل وتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية يدفع ببعض العوامل إلى الأمام ويدفع بأخرى إلى الخلف وهو ما يحتم على الباحثين والمهتمين بشؤون مجتمعهم وأمتهم تجديد نظرتهم التحليلية لواقعهم وعدم الجمود أمام تحليل ثابت متكلس سواء كان تحليلاً عقائدياً أو اجتماعياً.
نمضي مع الشهيد الصدر رضوان الله عليه
(فلا بدَّ للرسالة التي تريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة أن تعمل على كلا المستويين جهاد سماه الإسلام بالجهاد الأكبر هو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الاجتماعي في وجه كل ألوان استئثار القوي للضعيف دون أن نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معينة من صيغ هذا الاستئثار لأن الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغته) )[1067](.
هذه النظرة المنفتحة الواقعية التي تخالف تلك التفسيرات المحدودة ضيقة الأفق للتناقضات التي تواجهها الإنسانية سواء كانت تناقضاً طبقياً كما ادَّعت النظرية الماركسية فالتناقض الطبقي ليس هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض بل هناك صيغ كثيرة للتناقض على الساحة الاجتماعية وليدة تناقض رئيسي هو جدل الإنسان، ذلك الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان وهو الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددةً من التناقض) )[1068](.
إذن فالنظرية التي يتبناها الشهيد الصدر تقوم على تعدد عوامل الصراع والتناقض فالانقسام الاجتماعي لا يتمحور حول عنصر واحد بالضرورة هو العنصر الطبقي أو العقائدي بل هناك عوامل متعددة وأحياناً متداخلة للصراع. إنها ليست مباراة في كرة القدم حيث يلتزم كل فريق بأن يلعب في ناحية واحدة من الملعب وارتداء لون مميز يختلف عن لون الفريق الآخر وهو ما ينطبق على نظرية الصراع الطبقي (الراحلة إلى الأمجاد التاريخية) حيث يقول رضوان الله عليه:
(كنا ننتظر ونتوقع أن يزداد يوماً بعد يوم التناقض الطبقي والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية التي تطورت فيها الآلة تطوراً كبيراً ولكن ما وقع هو عكس ذلك تماماً فقد ازداد النظام الرأسمالي رسوخاً بل وجرى استبدال الصراع الطبقي الأوروبي إلى تحالف داخلي في مواجهة الشعوب الفقيرة في العالم أي شعوب العالم الثالث التي أصبحت مثل القطب الثاني في هذا التناقض) )[1069](.
هذا ما قاله السيد الصدر عن أطروحة الصراع الطبقي قبل أكثر من عشرين عاماً ولكنه رضوان الله عليه لم يطل به العمر حتى يرى كيف نجح البعض في تعريب هذه النظرية بطريقة بلهوانية من خلال ما أسموه بتحالف قوى الشعب العاملة وكيف نجح بعض أولئك (المسحوقين!!) في التحول إلى (حيتان!!) وهو المرادف العربي اللفظي لمصطلح الرأسماليين ولكن شتان ما بين رأسمالية منتجة تمارس الظلم والإنتاج ورأسمالية طفيلية تمارس السلب والنهب وكفى إنها رأسمالية عربية على وزن الاشتراكية العربية بينما اضمحل أو تلاشى الوجود الاجتماعي الاقتصادي لكثير من أولئك الذين جرى تصنيفهم سابقاً باعتبارهم من الطبقات المترفة.
ليس هذا رأينا وحدنا بل هو رأي كثير من علماء الاقتصاد عن الرأسمالية المعاصرة في مصر على سبيل المثال وحتى لا نخرج عن الإطار الأكاديمي البحت يمكن مراجعة حديث الدكتور إسماعيل صبري عبدالله جريدة العربي عدد 720 الصادر في 27/8/2000م.
تبقى أطروحة الصراع الطبقي بالنسبة لنا أطروحة أجنبية المصدر بالأساس بالرغم من أنها وجدت من يؤسس لها داخل مجتمعاتنا بل ويقوم بتعريبها ويؤسس عليها نظريات ونظم وقوانين وهي نظرية لا يمكن إثباتها بالكلية ولا رفضها بالكلية إنها رؤية جزئية لواقع موجود بالفعل ولكنها وبكل تأكيد لا تقدم تفسيراً لكل الظواهر الاجتماعية والتاريخية التي عرفتها المجتمعات البشرية.
أمّا إذا انتقلنا إلى التقسيم العقائدي الذي اعتمدته التيارات الإسلامية المعاصرة حيث قسمت العالم إلى قسمين عالم إسلامي وعالم كافر بل وانطلقت في صراعها الداخلي من نفس النقطة أي تصنيف القوى الاجتماعية والسياسية إلى قسمين إسلام وكفر.
ويتأكد هذا الأمر لنا عندما نرجع إلى تاريخنا الإسلامي لنجد أن الحالة النفسية والقبائلية قد لعبت دوراً حاسماً في تحويل صراعات عقائدية ومذهبية ومن هنا تأتي أهمية التشخيص الدقيق لطبيعة التناقض حتى يكون التفاعل الصائب مع هذه الظواهر ممكناً وإلاَّ صرنا كمن يحرث في البحر.
إنَّ قراءة التاريخ تظهر لنا بوضوح أن وقوع بعض الطبقات في دائرة الظلم لم يكن مبرراً كافياً لدى هؤلاء يدفعهم للثورة ضد هذا الظلم ولا حتى لرفضه قلبياً حيث تداخلت العوامل العنصرية القبائلية لتدفع ذلك الفرد المقهور للوقوف في وجه من يدافع عن مصالحه وحقوقه بل وللوقوف في صف هؤلاء الغاصبين لمجرد أنّ هؤلاء كانوا شيوخاً للقبائل ورؤساء للعشائر وهو ما يتكرر الآن وقد يتكرر غداً مع اختلاف بسيط في المسميات.
كيف يمكننا أن نفسر أن معاوية بن أبي سفيان الذي كان يعطي الكبار ويمنع الصغار نجح في استمالة هؤلاء الأتباع تلك القوى البشرية الضاربة التي لا تأنس إلاَّ بالعبودية بينما لم ينجح الإمام علي عليه السلام في تحقيق ذلك الهدف لأنه كان يفعل الصواب أي الأصل وهو المساواة في العطاء بين الغني والفقير وبين الرئيس والمرؤوس وبين التابع والمتبوع بينما كان من المفترض أن تقف تلك الجماهير المسحوقة بجوار من يعمل لصالحها ويريد إقامة دولة العدل الإلهي.
يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج عن المدائني قائلاً:
(آكد الأسباب في تقاعد العرب عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام أَمر المال فإنه لم يكن يفضل شريفاً على مشروفٍ ولا عربياً على عجميٍّ ولا يصانع الرؤساء وأمراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميل أحداً إلى نفسه، وكان معاوية بخلاف ذلك، فترك الناس علياً والتحقوا بمعاوية فشكى علي عليه السلام إلى الأشتر تخاذل أصحابه وفرار بعضهم إلى معاوية فقال الأشتر:
يا أمير المؤمنين إنَّا قاتلنا أهل البصرة وأهل الكوفة ورأي الناس واحد، وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت النية وقل العدد وأنت تأخذهم وتعمل فيهم بالحق وتنصف الوضيع من الشريف [لاحظ!!] فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به واغتموا من العدل [لاحظ!!] إذ صاروا فيه ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا وقل من ليس للدنيا بصاحب وأكثرهم يحتوي الحق ويشتري الباطل ويؤثر الدنيا فإن تبذل الأموال يا أمير المؤمنين يمل إليك أعناق الرجال وتصفُ نصيحتهم لك ويستخلص ودهم صنع الله لك يا أمير المؤمنين. فقال الإمام عليه السلام أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساءَ فعليها وما ربك بظلام للعبيد وأنا من أن أكونَ مقصراً فيما ذكرت أخوف وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ولا لجؤوا إلى عدل ولم يلتمسوا إلاَّ دنيا زائلة عنهم كانوا قد فارقوها وليسئلن يوم القيامة أللدنيا أرادوا أم لله عملوا، وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتي أحداً من الفيء أكثر من حقه. (شرح نهج البلاغة ج1 ص180).
إنّ هذا النموذج التاريخي يؤكد أطروحة الشهيد الصدر عن (تلك الصيغ المتعددة للتناقض) فهؤلاء الذين انحازوا إلى المعسكر الأموي قد انحازوا ضد مصالحهم الطبقية والمادية لصالح مستعبديهم من رؤساء القبائل الذين حصدوا القسم الأكبر من رشاوي معاوية بن أبي سفيان بينما لم تحصل طبقة (الخدم المستعبدين) على نصيب مماثل لما كانوا سيحصلون عليه حال بقائهم في معسكر العدل والمساواة، فلا التفسير القائم على الصراع الطبقي يصلح لسير ذلك المسلك العجيب، ولا التفسير العقائدي يشفي الغليل، إنه سلوك بشري يقوم على تقديس الآلهة البشرية المزيفة وهو في نفس الوقت نموذج متكرر يقوم على إسباغ هالة زائفة من القداسة الأبوية المبهمة وحتمية الرضوخ والخنوع للظالم الذي هو امتداد طبيعي للقدر الكوني كله ـ منطق ما زال يتحكم في الأداء السياسي لكثير من المسلمين ـ منطق قادر على اختراق أكثر الأفكار الإسلامية ثورية من خلال غلالة رقيقة من القداسة وتحويلها إلى ثقافة ثورية الشكل أموية المضمون.
لقد كان الإمام علي عليه السلام حريصاً دائماً أبداً على أن تكون التقسيمات والتصنيفات التي هي في حقيقة الأمر (تحليل سياسي وقراءة لمعطيات الواقع) قائمة على المضامين لا على العناوين.
فالتقسيم العقائدي المعتمد في مدرسة أهل البيت يقسم إلى قسمين: حزب الله وحزب الشيطان.
وحزب الله من أهم صفاته موالاة أهل البيت عليهم السلام هذا هو الجانب العقائدي في المسألة ولكنه ليس الجانب الوحيد فالموالاة الحقيقية لا بدَّ أن تقترن بحالة من الزهد في هذه الدنيا ولذاتها الفانية وإلاَّ فلا معنى على الإطلاق أن يدعي إنسان موالاة محمد وآل محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم بينما هو عبد حقير من عبيد الدنيا ونعيمها وملذاتها.
لا يمكن للإنسان أن يدعي أنه من حزب الله الفائزين وهو يسلك سلوكاً اجتماعياً لا يختلف عن سلوك المترفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ولنسمع لقوله عليه السلام: (طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وتركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون).
إذن فالشعارات العقائدية وحدها لا يمكنها أن تميز بين الغث والسمين فالجماعات البشرية لا تتحرك دائماً بوحي من عقائدها مهما كان ذلك العامل قوياً وراسخاً فربما كان هناك بعض المصلحين وراء ذلك السلوك أو ذاك.
إذن فلا التقسيم المصلحي يكفي لتفسير حركة التاريخ، ولا التقسيم العقائدي يقدم جواباً لكل سؤال، فكثيراً ما غلب المصلحي أو العرقي أو النفسي على العقائدي واستتر وراءه لتحقيق أهدافه والعبرة بالأداء لا بالعناوين.
ومن هنا نأتي إلى التقسيم الذي اعتمده الشهيد الصدر رحمه الله وهو تقسيم مستمد من القرآن الكريم إنه تقسيم يعتمد على الموقف من قضية الظلم والعدل وعياً وأداءاً تلك المسألة الأساس التي هي نظام الكون والتي تنعكس على العلاقة بين الإنسان والطبيعة (كلما جسدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالة، والابتعاد عن أيّ لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان. كلما وقع ذلك، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وتفتحت الطبيعة عن كنوزها وأعطت المخبوء من ثرواتها ونزلت البركات من السماء وتفجرت الأرض بالنعمة والرخاء) )[1070](.
إن علاقة الإنسان مع الطبيعة تتناسب تناسباً طردياً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.
فلكما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وكلما انحسرت العدالة مع الخط الأول انحسر الازدهار عن الخط الثاني وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط ولكنها سُنَةٌ من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم لأن مجتمع الظلم مجتمع ممزق مشتت. الفرعونية كانت ـ على مدى التاريخ ـ تستهدف تمزيق طاقات المجتمع وتشتيت فئاته وبعثرة إمكاناته بينما يعمل المثل الأعلى على توحيد البشرية)[1071](.
من هنا نلج إلى قراءةٍ عمليةٍ للتقسيم الفرعوني للمجتمع:
1 ـ الظالمون المستضعفون أو الظالمون الثانويون (أعوان الظلمة): الذين يشكلون الحماية والسند لبقاء الفرعونية واستمرار وجودها وإطارها {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ})[1072](.
2 ـ الطائفة الثانية من الظالمين، الحاشية والمتملقون الذين لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل ولكنهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهواته ورغباته يسبقونه بالقول والتحريض {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ})[1073]( إنهم يقومون بدور الإثارة ويضربون على الوتر الحساس في قلب فرعون ويعرفون أنه في حاجة لمثل هذا الكلام.
3 ـ الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، الذين عبر عنهم الإمام علي عليه السلام بأنهم همج رعاع أتباع كل ناعق، إنهم مجرد آلات مستسلمة للظلم فاقدة للإحساس لا تدرك حتى أنها مظلومةٌ ولا تحسُّ ظلماً في مجتمعاتها أشبه ما تكون بآلات ميكانيكية، لم يعودوا بشراً يفكرون ويتدبرون، وكلما اتسعت الرقعة التي تملأها هذه الطبقة كلما ازداد الخطر الذي يهدد المجتمع بالفناء والموت.
4 ـ الطائفة الرابعة هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم لكنهم يهادنونه ويسكتون عنه فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم، وهذه الحالة أبعد ما تكون عن حالة تسمح بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان بالطبيعة، هؤلاء يسميهم القرآن الكريم (ظالمي أنفسهم) هؤلاء لم يظلموا الآخرين إنهم يدركون واقعهم لكنهم كانوا مهادنين ولهذا عبر القرآن بأنهم ظلموا أنفسهم. ولذا هل يترقب منهم أن يساعدوا المجتمع بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة؟ الإجابة هي لا بكل تأكيد.
5 ـ الطائفة الخامسة هي الطائفة التي تهرب من مسرح الحياة، تهرب وتترهب، وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مدى التاريخ (ورهبانية ابتدعوها) إنها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الله في الأرض.
6 ـ الجماعة السادسة هم المستضعفون. إنها الطائفة التي يتوسم فيها الخطر حال تحركها {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ})[1074](.
لقد علَّمنا القرآن الكريم أن موقع أيّة طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم يتناسب تناسباً عكسياً مع موقعه بعد انحسار الظلم وهذا معنى قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ})[1075]( تلك الطائفة التي كانت هي منحدر التركيب يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
نعود إلى القضية الأم: وجوب الجهاد الأكبر في مواجهة قوى الظلم الاجتماعي الداخلي، السبب الأساس لكل المصائب والويلات التي عانت وتعاني منها مجتمعاتنا بسبب الهزائم والجرائم وأم المعارك، مدركين أننا لسنا بعيدين عن دائرة الخطر التي دمرت من سبقونا وأن الصيغ الجامدة للتحليل السياسي والاجتماعي التي تمنح البعض صكوكاً جاهزة للبراءة وتجعل الآخرين دائماً في موقع الإدانة لم تمنع حركة التاريخ ولن تحول دون زوال من حكمت عليه الإرادة الإلهية بحتمية استبداله ومجيء من هو أصلح منه، إنها السنن التاريخية الحاكمة التي لا تعدلها الرغبات والأماني {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيَّاً وَلاَ نَصِيراً})[1076](.
ولو أن القيادات الدينية والسياسية لمجتمعاتنا وعت دروس الماضي بصورة جيدة ولم تتجمد أمام تجارب الحاضر المتجدد لكنا بحقٍّ أمة حيّة متجددة ولتقلصت الصراعات الداخلية التي تنهك قوى الأمة ولحلّ محلها تحالف داخلي كذاك الذي حلّ في الغرب محل الصراع الطبقي ولكن يبدو أن الذين يذهبون لدراسة الماضي يعيشون فيه ويتجمدون عنده وتتوقف حلقات تطورهم الفكري والسياسي وأن الذين يعيشون الحاضر يذهبون بعيداً محاولين الانسلاخ من ماضيهم، اللَّهم لا ذا ولا ذاك.
الدكتور أحمد راسم النفيس
الشيخ البهائي العاملي بهاء الدين
«953 ـ 1031»
هو بهاء الدين، محمد بن حسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي الجبعي المعروف بالشيخ البهائي.
عالم أديب إمامي، من الشعراء، فارسي الأصل، وُلد ببعلبك «لبنان» سنة 953هـ وانتقل به أبوه إلى إيران، واتّجه العاملي منذ نعومة أظافره إلى كسب العلوم والمعارف حيث درس علم التّفسير والحديث والفقه وآداب اللغة العربية على والده، ودرس علم الكلام وقسماً من العلوم العقلية على عبدالله المدرس اليزدي، وتعلم العلوم الرياضية على الملاّ عليّ المذهّب والمولى أفضل قائلى المدرّس، وقرأ علم الطب وقانون ابن سينا على الحكيم عماد الدين محمود حتى صار علماً من أعلام العلوم والأدب يشار إليه بالبنان. فلما اشتدّ كاهله وصفت له من العلم مناهله، رحل رحلة واسعة، ونزل بإصفهان فولاه سلطانها «شاه عباس» مشيخة الإسلام (رياسة العلماء) فأقام مدة ثم رغب في الفقر والسياحة. فترك المناصب ومال لما هو لحاله مناسب، فحجّ بيت الله الحرام، وزار النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ثم استمر في السياحة فساح ثلاثين سنة واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أهل الفضل، ثم عاد وقطن إيران، وهناك همى غيث فضله، فألّف وصنف وقرظ المسامع وشنف، وقصدته علماء تلك الأمصار واتّفقت على فضله الأسماع والأبصار، وكانت له دار مشيدة رحبة الفناء يلجأ إليها الأرامل والأيتام ويفدُ عليها الآمل والراجي، وهو يقوم بنفقتهم، ولم يزل آنفاً من الانحياز إلى السلطان راغباً في الغربة عن الأوطان يؤمل العودة إلى السياحة فلم يقدّر له حتى وافاه الأجل المحتوم في إصفهان.
ذكره العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات وقال:
«شيخنا الإمام العلاّمة، ومولانا الهمام الفهامة، أفضل المحقّقين، وأعلم المدقّقين، خلاصة المجتهدين، شيخنا بهاء الملة والحق والدين، محمد بن الشيخ العلم العلاّمة عزّ الملّة والحق والدين حسين بن عبدالصمد الحارثي الجبعي قدس الله روحه ونوّر ضريحه.
أورده السيد السند الجليل، وتلميذه الثقة النبيل، عز الدين حسين بن السيد حيدر الكركي العاملي في بعض إجازاته المبسوطة، بعد ذكر أحد عشر من مشايخه المضبوطة… وقال:
وشيخنا هذا طاب ثراه قد كان أفضل أهل زمانه بل كان متفرداً بمعرفة بعض العلوم التي لم يحم حولها أحد من أهل زمانه، ولا قبله على ما أظن من علماء العامة والخاصة، يميل إلى التصوف كثيراً، وكان منصفاً في البحث، كنت في خدمته منذ أربعين سنة في الحضر والسفر، وكان له معي محبة وصداقة عظيمة، سافرت معه إلى أئمة العراق عليهم الصلاة والسلام، فقرأت عليه في بغداد والكاظمين، وفي النجف الأشرف وحائر الحسين عليهم السلام والعسكريين عليهم السلام، كثيراً من الأحاديث، وأجازني في كل هذه الأماكن جميع كتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها، وكنت في خدمته في زيارة الرضا [علي بن موسى] عليه السلام فقرأت عليه هناك تفسير الفاتحة من تفسيره المسمّى بـ«العروة الوثقى» وشرحيه على «دعاء الصباح» و«الهلال» من الصحيفة السجادية)[1077](.
ثم توجهنا إلى بلدة هراة التي كان سابقاً هو ووالده فيها شيخ الإسلام، ثم رجعنا إلى المشهد المقدس، ومن هنا توجهنا إلى إصفهان، ومن جملة ما قرأت عليه أولاً في عنفوان الشباب «ألفية ابن مالك» في النحو، ثم قرأت عليه رسائل متعددة من تصانيف والده، وسمّعت عليه «مختصر النافع» وجملة من كتاب «قواعد الأحكام» بقراءة جماعة من المؤمنين وقرأت عليه «الاثني عشريات الثلاث» التي هي من تصانيفه، و«شرح الأربعين حديثاً» الذي هو من تصانيفه وهذا التصنيف كان بإمداد الفقير والتماسه ـ وهذا التصنيف كان في غاية الجودة ونهاية الحسن، وقرأت عليه المجلد الأول من كتاب «تهذيب الأخبار» وكذا المجلد الأول من كتاب «الكافي» لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، وكذا المجلد الأول من كتاب «من لا يحضره الفقيه» وأكثر كتاب «الاستبصار» إلاَّ قليلاً من آخره قراءة وسماعاً، وقرأت عليه «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال» وقرأت عليه «دراية» التي جعلها كالمقدمة من كتاب «حبل المتين» وقرأت عليه كتاب «حبل المتين» الذي خرج منه، وأربعين حديثاً التي ألّفها الشهيد رحمه الله، وقرأت عليه الحديث المسلسل «ألقمني الخبز والجبن» وألقمني لقمة منها، وقرأت عليه الرسالة المسماة بـ«تهذيب البيان» و«الفوائد الصمدية» كلاهما من مصنفاته في النحو.
وهو قدّس الله روحه يروي عن والده المحقق قراءة وسماعاً أجازه لجميع ما للإجازة فيه مدخل من سائر العلوم النقلية والعقلية سيما كتب الحديث والتفسير والفقه من طرقنا وطرق العامة، بحق روايته عن شيخنا الإمام قدوة المحققين الشهيد الثاني)[1078](، طاب ثراه».
وممّا يستحق الذكر هنا هو أن العلامة الخوانساري قد أطال ترجمته في الروضات وذكر أخبار وحوادث وتفاصيل متعددة وأشعاراً بالعربية والفارسية نرجو من يرغب الاطلاع عليها مراجعة كتاب روضات الجنات طبعة دار المعرفة ببيروت ـ لبنان، المجلد السابع، ص56 ـ 83.
وذكره الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل وقال:
«الشيخ الجليل بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبدالصمد… حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق ووجلالة القدر وعظم الشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحّراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضيات وغيرها».
كما ذكره السيد علي بن ميرزا أحمد في سلافة العصر، وقال:
«علم الأئمة الأعلام، وسيد علماء الإسلام، وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه، وفحل الفضل النابحة لديه أفراده وأزواجه، وطرد المعارف الراسخ، وفضاوها الذي لا نحدّ له فراسخ، وجوادها الذي لا يؤمل له لحاق، وبدرها الذي لا يعتريه محاقّ، الرحلة التي ضربت إليه أكباد الإبل، والقبلة التي قطر كل قلب علي حبها، فهو علاّمة البشر ومجدّد دين الأمة على رأس الحادي عشر [المقصود القرن الحادي عشر]، إليه انتهت رياسة المذهب والملّة، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة، جمع فنون العلم، وانعقد عليه على الإجماع، وتفرّد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع، فما من فن إلاَّ وله فيه القدح المعلّى، والمورد العذب المحلّى، إن قال لم يدع قولاً لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل، وما مثله ومن تقدّمه من الأفاضل والأعيان، إلاَّ كالملة المحمديّة المتأخّرة عن الملل والأديان، جاءت آخراً ففاقت مفاخراً وكل وصف قلت في غيره فإنَّه تجربة الخاطر.
مولده بعلبك سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وانتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجميّة. فنشأ في حجره بتلك الديار المحمية. وأخذ عن والده وغيره من الجهابذ، حتى أذعن له كل مناضل ومنابذ فلما اشتد كاهله. وصفت له من العلم مناهله. صار بها شيخ الإسلام. وفوضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام.
ثم رغب في الفقر والسياحة. واستهب من مهاب التوفيق رياحه، فترك تلك المناصب، ومال لما هو بحاله مناسب، فقصد زيارة بيت الله الحرام. وزيارة النبي وأهل بيته الكرام، عليهم أفضل التحية والسلام، ثم أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة. وأوتي في الدنيا وفي الآخرة حسنة. واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل والحال، ونال من فيض صحبتهم ما تعذر على غيره واستحال، ثم عاد وقطن بأرض العجم، وهناك همى غيث فضله وانسجم، فألّف وصنف وقرظ المسامع وشنف».
وقد أطال في وصفه بفقرات كثيرة، وذكر وفاته في سنة إحدى وثلاثين بعد الألف وذكر قسماً من مؤلفاته.
نموذج من أشعاره
قال في رثاء والده رحمه الله.
قف بالطُّلول وسَلها أين سَلماها
وَرَوِّ من جَرع الأجفان جَرعاها
ورَدّد الطَوْفَ في أطراف ساحتها
ورَوِّح الرُّوحَ من أرواح أرجاها
فَإن يفتك من الأطلال مخبرها
فَلا يَفُوتك مرآها ورَيّاها
رُبُوع فضل تَباهى التِّبْر تُربتها
وَدَارُ أنس تَخال الدُرّ حصَباها
عدا على جيرة حلّوا بساحتها
صَرفُ الزَّمان فأبلاهم وأبلاها
بُدوُر تَمٍ غمَامُ المَوتِ جَلّلها
شُموسُ فضلٍ سَحابُ التُّرب غشّاها
فالمجد يَبكى عَليهَا جازعاً أسفاً
وَالدّينُ يندبها وَالفَضل يَنعاها
يا حَبّذا أزمُن في ظلّهم سَلَفت
ما كانَ أقصَرَها عُمراً وأحلاها
أوقات عمر قَضيناها فَما ذُكرت
إلاَّ وقَطَع قَلبُ الصّب ذكراها
يا جيرة هَجَروا واستوطنوا هَجراً
واهاً لقلبي المُعنى بَعْدَكُم واها
رَعياً لليلات بالحِمَى سَلَفت
سَقياً لأيّامنا بالخيف سُقياها
لفُقدكم شُق جَيبُ الصّبر وانصدَعت
أركانُهُ وبكم ما كان أقواها
وخَرَّ من شامخات العلم أرفَعُها
وِانهدّ مِن باذخات الحِلم أرساها
يا ثاوياً بالمُصلى من قُرى هجر
كُسيتَ من حُلل الرّضوان أصفاها
أقمتَ يا بَحر بالبَجرين فاجتمعت
ثلاثةٌ كُنّ أمثالاً وَأشباها
حَويتَ مِن دُرَرِ العلياء ما حويا
لكنّ دَرَّكَ أعلاها وَأغلاها
إلى آخر القصيدة ومن جملة أشعاره الفاخرة قوله:
إنّ هَذا الموت يَكْرَهُهُ
كُلُّ مَن يَمشى عَلى الغَبرا
وَبِعَين العَقل لَو نَظَرُوا
لَرأوه الرّاحَة الكبرى
وقوله قدّس سره:
وثَورين حاطا بهذا الوَرى
وَثَور الثُّرَيّا وَثَور الثَرى
وَهُم فوقَ هذا ومِنْ تحتِ ذاك
حمير مُسرجة في قُرى
وقوله نور ضريحه:
ومائسة الأعطاف تَستركم وَجهها
بمعصمها لله كَم هَتكَت سترا
أرادت لتُخفي فِتنة مِن جَمالها
بمِعْصَمِهَا فَاستأنَفت فتنة أخرى
وقوله طيّب الله تعالى رمسه:
وثِقتْ بعَفو الله عَنّي في غدٍ
وَإن كُنتُ أدري أنّني المُذنب العاصي
وَأخلَصتُ حُبّي في النَّبي وَآله
كَفى في خَلاصي يَوم حشري إخلاصي
وكان يجتمع مدة إقامته بمصر بالأستاذ محمد بن أبي الحسن الكبري وكان الأستاذ يبالغ في تعظيمه. فقال له مرة: يا مولانا أنا درويش فقير كيف تعظمني هذا التعظيم: قال شممت منك رائحة الفضل ومدح الأستاذ بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
يا مصر سقياً لك من جنة
قطوفها يانعة دانيه
ترابها كالتّبر في لطفه
وماؤها كالفضّة الصّافيه
قد أخجل المسك نسيم لها
وزهرها قد أرخص الغاليه
دقيقة أصناف أوصافها
ومالها في حسنها ثانيه
مُنْذُ أنَخْتُ الرَّكْبَ في أرضها
أنسيت أصحابي وأحبابيه
فيا حماها الله من روضة
بهجتها كافية شافيه
فيها شفاء القلب أطيارها
بنغمة القانون كالدّرايه
ومنها أيضاً:
مَنْ شَاءَ أنْ يحيا سعيداً بها
منعّماً في عيشة راضيه
فليدع العلم وأصحابه
وليجعل الجهل له غاشيه
والطّبّ والمنطق في جانب
والنّحو والتّفسير في زاويه
وليترك الدّرس وتدريسه
والمتن والشرح مع الحاشيه
إلى مَ يا دهر وحتّى متى
تشقي بأيّامك أيّاميه
تحقّق الآمال مستعطفاً
وتوقع النقص بآماليه
وهكذا تفعل في كلّ ذي
فضيلة أو همّة عاليه
فإنْ تكن تحسبني منهم
فهي لعمري ظنّة واهيه
دع عنك تعذيبي وإلا فأشـ
كوَك إلى ذي الحضرة العاليه
وكتب إلى والده وهو بهراة:
يا ساكني أرض الهراة أما كفى
هذا الفراق بلى وحقّ المصطفى
عودوا عليَّ فربع صبري قد عفى
والجفن من بعد التّباعد ما غفا
نرجو من يرغب التفصيل والاطلاع على أشعاره مراجعة خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبّى، طبعة مصر، سنة 1284هـ. ج3، ص440 ـ وما بعدها.
وفاته
توفّي رحمه الله وقدس روحه بمدينة أصفهان في شهر شوّال سنة 1030هـ. وقيل سنة 1031هـ. وقت رجوعه من زيارة بيت الله الحرام، ثم نقل إلى مدينة مشهد (مشهد الإمام الرضا ـ علي بن موسى ـ عليه السلام ودفن في بيته قرب الحضرة المقدسة، وقبره رحمه الله هناك مشهور يزوره الخاصّة والعامة.
وقد رثاه أحد تلامذته بقصيدة قال فيها:
شيخ الأمام بهاء الدّينِ لا بَرحت
سَحائب العفو ينشها لَه الباري
مَوْلى بِه اتّضحَت سُبل الهدى وغدا
لِفَقْدِهِ الدّين في ثَوبٍ من الفارِ
والمجدُ أقسَم لا تَبدو نَواجِذُهُ
حُزناً وشقَّ عَلَيه فَضل أطهاري
وَالعلم قد دَرَست آياتُه وَعَفَت
عنهُ رسوم أحاديث وأخبارِ
كَم بِكْر فكر غَدَت للكون فاقدة
ما دَنَّسْتها الورى يوْماً بأنظارِ
كم خر لما قضَى لِلْعلمِ طودٌ علاَ
ما كنتُ أحسبُه يوماً بمنهار
وَكَم بكنه مَحاريبُ المَساجدِ
إذ كانَت تُضيء دمّي منه بأنوارِ
فاقَ الكرَام ولَم تَبرح سَجيته
إطعام ذي سَغَبٍ مَع كسوة العارِي
جَلَّ الذي اختارَ في طوسٍ له جَدثاً
في ظلّ حامي حماها بخل أطهارِ
الثّامن الضّامن الجنّات أجمعها
يَومَ القيامَةِ مِن جُودٍ لِزُوّار
مصنفاته
صنّف الشيخ البهائي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته كتباً في ضروب علوم زمانه المختلفة أدت إلى سطوع نجمه في سماء الأدب والعلوم، وإليك أخي القارىء أسماء كتبه التي توصلنا إليها مرتبة حسب مواضيعها، عربية كانت أم فارسية.
أولاً: الفقه والحديث:
1 ـ كتاب الإثني عشريات الخمس، وهو في الطّهارة والصّلاة والحجّ، ذكر المصنّف كُلاً منها منفرداً.
ولهذا المصنّف نسخ خطية ذكرها صاحب الذريعة (ج1، ص113، الرقم 547) وقال:
«النسخة المجموع فيها الكل بخطّ تلميذ البهائي «الشيخ محمد هاشم بن أحمد بن عصام الدين الأتكاني» وعليها إجازة البهائي له بخطه في رجب سنة 1030هـ. في الخزانة الرضوية. ونسخة أخرى أيضاً بخطّ تلميذه المجاز منه «الشيخ علي بن أحمد النباطي العاملي» وعليها إجازة البهائي له في جمادى الأولى سنة 1012هـ. توجد في المدرسة الفاضلية بالمشهد الرضوي».
2 ـ كتاب «الأربعون حديثاً» شرح الشيخ البهائي فيه أربعين حديثاً شرحاً وافياً، أوله: «إنَّ أحسن حديث يحلي اللسان بجواهر حقائقه، وخير خبر يجلي الإنسان في زواهر حدائقه… إلخ» فرغ منه سنة 995هـ.
طبع الكتاب المذكور طباعة حجرية في طهران سنة 1274هـ. في 362 صفحة. وسنة 1310هـ. باهتمام الميرزا محمد بن ملاّ إسماعيل القراباغي في 192 صفحة.
ولهذا الكتاب نسخ خطية ذكرها صاحب الذريعة (ج1، ص425. الرقم 2180) وقال:
«أصحّ النّسخ وأقدمها عهداً ما رأيته في كتب شيخنا آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي وهي بخط السيد شاه مير الحسيني (مستنسخة من خط المصنّف)، وعليها إجازة الشيخ البهائي بخطّه الشريف للسيد شاه مير الحسيني المذكور وشهادة أنه قرأها عليه بتمامها، وعليها آثار التّصحيحات الكثيرة. ونسخة أخرى كتبت في سنة تأليفه وهي 995هـ. وكتب الشيخ البهائي بخطه الشريف في سنة 999هـ. إنَّه وقّفها للروضة الرضويّة [بمشهد] وهي موجودة الآن في الخزانة الرضويّة».
وترجم كتاب الأربعين حديثاً تلميذ المصنّف الشيخ شمس الدين أبو المعالي محمد بن علي بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون العاملي العينائي تزيل حيدر آباد الهند والمتوفى سنة 1055هـ. وتُعرف هذه الترجمة بـ«ترجمة قطب شاه» لأن المترجم كتبها باسم محمد قطب شاه الذي توفي سنة 1035هـ وكان التأليف في حياة الشيخ البهائي، فكتب البهائي بخطه تقريظاً لطيفاً عليه في سنة 1028هـ.
وعلى كتاب الأربعين حديثاً حواش كثيرة منها:
أ ـ حاشية إسماعيل بن محمد حسين بن محمد رضا بن علاء الدين محمد المازندراني الخواجوئي الأصفهاني المتوفى في 11 شعبان سنة 1173هـ.
ب ـ حاشية أخي المؤلف الشيخ عبدالصمد بن الحسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي المتوفى سنة 1020هـ. والمدفون في النجف الأشرف. وهي حاشية مبسوطة.
ج ـ حاشية السيد عبدالله بن نور الدين بن المحدث الجزائري المتوفى سنة 1173هـ فرغ منها في سنة 1135هـ.
د ـ حاشية لتلميذ مصنّف الأصل وهو الشيخ مظفر الدين علي، وهي تعليقات كتبها في حاشية الشيخ البهائي، مخطوطة منها في المكتبة الرضوية تاريخ وقفها سنة 1067هـ.
3 ـ كتاب الجامع العباسي، وهو كتاب في الفقه كتبه بالفارسية باسم الشاه عباس، وهو مرتب على عشرين باباً، خرج منه خمسة أبواب في العبادات إلى آخر الحجّ فأدركه الأجل، فتمّمه بعده تلميذه نظام الدين الساوجي بإلحاق خمسة عشر باباً إليه.
وقد طبع هذا الكتاب مرات عديدة منها:
أ ـ طبع في طهران سنة 1230هـ. وتكرّر طبعه سنة 1263هـ.
ب ـ طبع في طهران سنة 1312هـ. طباعة حجرية، من قبل الناشر سليمان ركن الدين، في 354 صفحة.
ج ـ طبع في طهران سنة 1325هـ. طباعة حجرية، في 567 صفحة وعليه حواش للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
د ـ طبع في طهران سنة 1327هـ. طباعة حجرية، بخط جمال الدين بن أبي طالب الأصفهاني، في 303 صفحات.
هـ طبع في طهران سنة 1329هـ. طباعة حجرية، في 204 صفحات.
و ـ طبع في طهران سنة 1331هـ. طباعة حجرية، بخط جمال الدين بن أبي طالب الأصفهاني، في 345 صفحة.
ز ـ طبع في إيران سنة 1285هـ. طباعة حجرية، في 343 صفحة.
ح ـ طبع في إيران سنة 1304هـ. طباعة حجرية، في 156 ورقة.
طـ طبع في تبريز سنة 1309هـ. طباعة حجرية، في 386 صفحة.
ي ـ طبع في تبريز سنة 1354هـ. طباعة حجرية، 80 صفحة (خلاصة).
ك ـ طبع في تبريز سنة 1323هـ. طباعة حجرية، في 448 صفحة.
ل ـ طبع في تبريز سنة 1322هـ. طباعة حجرية، في 303 صفحات.
م ـ طبع في تبريز سنة 1341هـ. طباعة حجرية، في 487 صفحات.
ن ـ طبع في النجف الأشرف بالعراق، سنة 1346هـ. طباعة حجرية، بخط محمد علي التبريزي، مع حواشي الشيخ عبدالله المامقاني.
س ـ طبع في بومباي بالهند، سنة 1319هـ. طباعة حجرية، في 464 صفحة مع حواشي السيد إسماعيل الصدر.
ع ـ طبع في بومباي أيضاً، سنة 1323هـ. طباعة حجرية، في حواشي السيد محمد كاظم الطباطبائي، في 464 صفحة.
ف ـ طبع في بومباي أيضاً، سنة 1298هـ. طباعة حجرية، في 439 صفحة، وفي سنة 1301هـ. طباعة حجرية، في 440 صفحة.
ص ـ طبع في لكنو بالهند، طباعة حجرية، في السنوات: 1318هـ. في 300 صفحة، و1298هـ. في 440 صفحة، و1898م ـ في 446 صفحة، وسنة 1262هـ. ـ و1305هـ. خلاصة في 94 صفحة.
4 ـ جوابات الشاه عباس الصفوي المتوفى سنة 1038هـ. وهي خمس عشرة مسألة فارسية مع أجوبتها. قال صاحب الذريعة (ج5، ص207، الرقم 963):
منها نسخة [خطية] في خزانة السيد حسن الصدر في الكاظمية [بالعراق].
5 ـ جوابات المسائل الجزائرية (جوابات الشيخ صالح الجزائري): وهي اثنتان وعشرون مسألة سأله عنها تلميذه الشيخ صالح بن الحسن الجزائري، فأجابه الشيخ عن هذه المسائل، فجمعت الأسئلة والأجوبة في كتاب، قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص218، الرقم 1209).
«رأيته في خزانة كتب الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي بسامراء [بالعراق]، وهي نسخة عصر المصنف. وتملكها الشيخ يحيى بن عيسى بن محمد الأميني النجفي في سنة 1048هـ. ثم تملكها السيد علي خان المدني، في سنة 1088هـ.
6 ـ حاشية لكتاب الرجال للنجاشي، الأصل هو كتاب الرجال المعروف تأليف أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد النجاشي «372 ـ 450هـ». والحاشية للشيخ البهائي العاملي صاحب الترجمة، ذكرها له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص88، الرقم 459) وقال:
«قال الشيخ عبدالنبي الكاظمي تلميذ السيد عبدالله شبر في أوائل كتاب «تكملة نقد الرجال»: وجدت تلك الحواشي بخطّه [أي خط صاحب الترجمة] الشريف معلقة على هامش نسخة من كتاب النجاشي، فجمعتها كلها ودونتها.
7 ـ حاشية شرح مختصر الأصول، الشرح للعضدي، والحاشية لصاحب الترجمة.
8 ـ حاشية على من لا يحضره الفقيه، الأصل (هو أحد الأصول الأربعة للشيعة الإمامية) تأليف الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ. والحاشية لصاحب الترجمة.
9 ـ كتاب الحبل المتين، في أحكام الدين. جمع الشيخ البهائي العاملي فيه الأحاديث الصحاح، والحسان، والموثّقات، مع الشرح والبيان والتوفيق بين متنافياتها بأحسن وجه. أوله: «الحمد لله الذي دلنا على الطريق القويم… إلخ».
وقد رتّبه على أربعة مناهج:
أ ـ في العبادات، ويشمل على خمسة كتب، أولها كتاب الصلاة.
ب ـ في العقود.
ج ـ في الإيقاعات.
د ـ في الأحكام.
وطبع هذا الكتاب في طهران سنة 1319هـ. طباعة حجرية، مع الفرائض البهائية، ومشرق الشمسين، والعروة الوثقى، وتتكون هذه المجموعة من 407 صفحات. كما طبع مرة أخرى في طهران أيضاً سنة 1321هـ.
وللكتاب المذكور نسخ خطية ذكرها الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج6، ص240، الرقم 1327) وقال:
«رأيت منه نسخاً نفيسة، منها في النجف الأشرف في مكتبة السيد محمد علي بحر العلوم المتوفى سنة 1355هـ. وهي بخط جيد كتبه العالم الفاضل المولى محمد حسين بن محمد هادي وفرغ من كتابتها في 23/ذي القعدة/ 1114هـ. وكتب لها فهرساً لطيفاً يظهر منه فضله.
وقال في آخر الفهرس:
إنَّ مجموع أحاديث الكتاب بعد حذف المكررات ألف وخمسة وثمانون حديثاً من الصحّاح والحسان والثقات. ورأيت نسخة أخرى في مكتبة «سلطان المتكلمين» وهي بخط جيد كتبها الفاضل العالم المولى رشيد الدين محمد بن صفي الدين محمد السپهري، وفرغ من كتابتها في 5/ جمادى الأول/ 1023هـ».
10 ـ رسالة في أحكام السّجود.
11 ـ رسالة في ذبائح أهل الكتاب.
12 ـ كتاب الوجيزة، ألّفه ليكون كالمقدمة لكتاب الحبل المتين المذكور في التسلسل 9 فيما سبق، وله موجز في منظومة للشيخ عبدالرحيم بن عبدالحسين مطبوعة سنة 1343هـ)[1079](.
13 ـ رسالة في الفقه والصّلاة.
14 ـ رسالة في الميراث.
15 ـ رسالة في طبقات الرجال.
16 ـ رسالة في القصر بالصّلاة والتّخيير في السفر.
17 ـ رسالة في مباحث الكر.
18 ـ رسالة في معرفة القبلة.
19 ـ كتاب الزّبدة في أصول الفقه، ويشتمل على جلّ أصول الفقه، أوله: «أبهى أصل يبنى عليه الخطاب، وأولى قول فصل يمن إليه أولوا الألباب حمد من ينزه… إلخ»، رتّبه المصنّف على خمسة مناهج ذات مواضيع.
طبع هذا الكتاب في طهران سنة 1309هـ. في 128 صفحة.
20 ـ الرسالة الاثني عشرية، طبعت في طهران سنة 1307هـ. وسنة 1309هـ.
ولهذه الرسالة شروح ذكرها صاحب الذريعة في (ج13، ص62، وص63، من الرقم 195 ـ 200) وهي:
أ ـ شرح للشيخ زين العابدين بن الحسن العاملي أخ الشيخ المحدث العاملي، سمّاه «المناسك المروية».
ب ـ شرح للشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ. صاحب كتاب «المعراج».
ج ـ شرح للعلاّمة الشيخ عبدالحسن بن قاسم الحلّي النجفي المتوفى سنة 1375هـ. نسخة الأصل بخطه في مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة في النجف.
د ـ شرح للشيخ عبدالله السماهيجي، وهو شرح منظوم، (انظر الذريعة ج24، ص197، الرقم 1034ب).
هـ شرح للشيخ علي بن أحمد بن موسى العاملي النباطي.
و ـ شرح للسيد نور الدين علي بن أبي الحسن علي بن الحسين الموسوي الجبعي العاملي المتوفى سنة 1068هـ. سماه «الأنوار البهية ـ انظر الذريعة، ج2، ص421».
ز ـ شرح للشيخ حسام الدين بن جمال الدين بن طريح النجفي.
ح ـ شرح للمولى الحسين بن موسى الأردبيلي الأسترآبادي، وحين اشتغاله بالشرح أتاه نعي الشيخ البهائي، كما قاله صاحب «أمل الآمل».
21 ـ شرح رسالة في الصوم، وهي القسم الخامس من كتاب «الإثني عشريات» المذكور في التسلسل 1 أعلاه.
22 ـ كتاب مجمع النورين ومطلع النيرين، راجع التسلسل 24 فيما يلي.
23 ـ شرح كتاب «من لا يحضره الفقيه» انظر التسلسل 8 فيما سبق، والذريعة (ج2، ص109، بعد الرقم 2156) ـ مجموعة رسائل الشيخ البهائي.
24 ـ كتاب مشرق الشمسين واكسير السعادتين، أو «مجمع النورين ومطلع النيرين» ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص50، الرقم 3908) وقال:
«للشيخ البهائي محمد بن الحسين المتوفى سنة 1030هـ ذكر فيه آيات الأحكام وتفسيرها وما يناسبها من الأحاديث الصحاح والحسان مع التوضيح والبيان، خرج منه كتاب الطهارة فقط إلى أواخر غسل الأموات، كتبه بعد كتاب الحبل المتين [انظر التسلسل 9 فيما سبق] ورتّبه كترتيبه على أربعة مناهج بعد مقدّمات، ما ذكر فيه من الأخبار إلاَّ ما هو الصحيح باصطلاح المتأخّرين وقليل من الحسان، وفيه أربعمائة حديث.
أوله: «الحمد لله الذي هدانا بأنوار كتابه المبين ووفقنا لاقتفاء سنّة نبيّنا صلَّى الله عليه وآله وسلم إلخ» وفرغ منه بمدينة قم في 17/ذي الحجة/1015هـ وطبع مع «الحبل المتين» [والفرائض البهائية، والعروة الوثقى طباعة حجرية في مجموعة تتكون من 407 صفحات بطهران سنة 1319هـ. و1321هـ. ـ انظر التسلسل 9 فيما سبق].
ونسخة [خطّية] منه بخط المولى محمد طاهر بن حسن علي الكوسازى، فرغ من الكتابة في 17 محرم الحرام سنة 1102هـ. وهي عند السيد علي شبّر.
وأخرى بخط تلميذ المؤلف السيد بهاء الدين علي الحسيني الطوسي [كتبها سنة] 1017هـ. ثم كتب الوقفية عليها الشيخ البهائي بخطه للخزانة الرضوية [بمشهد] سنة 1021هـ. وعليها تقريظ السيد محمد المدني المعروف بابن جويبر، وتقريظ صدر الدين محمد بن محب علي التبريزي، وهما تلميذا الشيخ البهائي.
ونسخة السيد محمد التهجدي بقلم إبراهيم بن عبدالجليل الشيرواني، كتبها في أردبيل [إيران]، وفرغ منها في رجب سنة 1031هـ. ووصف المؤلف [الشيخ البهائي] فيها بقوله:
«العلاّمة الواصل إلى أعلى فراديس الجنان إلخ» فهو صريح في أن البهائي توفي قبل هذا التاريخ».
25 ـ كتاب مصباح العابدين، ذكره له صاحب الذريعة (ج21، ص113، الرقم 4184). وقال:
«ينقل عنه الشيخ محمد باقر البروجردي في كتاب «فاكهة الذاكرين».
26 ـ كتاب مفتاح الفلاح، وهو في الأعمال والأدعية في اليوم والليلة، رتّبه مصنفه على ستة أبواب بحسب تقسيم أعمال اليوم والليلة:
أ ـ ما يعمل بين الطلوعين.
ب ـ ما يعمل من طلوع الشمس إلى الزوال.
ج ـ ما يعمل من الغروب إلى وقت النوم.
هـ ما يعمل من وقت النوم إلى انتصاف الليل.
و ـ ما يعمل من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر.
أوله:
«الحمد لله الذي دلّنا على جادة النجاة وهدانا إلى ما يوجب إلخ». وفرغ من تأليفه في شهر صفر سنة 1015هـ.
طبع هذا الكتاب في طهران سنة 1317هـ. طباعة حجرية بتصحيح الشيخ علي اليزدي، في 305 صفحات. كما طبع في مصر سنة 1324هـ. في 315 صفحة، وفي بومباي بالهند، طباعة حجرية، سنة 1304هـ.
27 ـ حواش على القواعد الشهيدية.
28 ـ حاشية على كتاب «مختلف الشيعة ـ في أحكام الشريعة»، الأصل للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي المطهر العلاّمة الحلّي المتوفى سنة 726هـ. رحمها الله تعالى، والحاشية لصاحب الترجمة.
29 ـ مقالة في امتناع الزوجة عن مطلق الاستماع. «انظر الذريعة، ج21، ص397، الرقم 5652».
30 ـ مقالة في سجدات القرآن وأحكامها وآدابها. «انظر الذريعة، ج21، ص401، الرقم 5679».
31 ـ مقالة فيما لا تتم به الصلاة من الحرير، «انظر الذريعة، ج21، ص404، الرقم 5698».
32 ـ مقالة في وجه التغلّب في قوله سبحانه وتعالى: {مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} «الآية 10، سورة الملك 67» «انظر الذريعة، ج21، ص407، الرقم 5714».
33 ـ رسالة في نجاسة ذبائح الكفّار وصنائعهم. «انظر الذريعة ج24، ص65، الرقم 324».
34 ـ رسالة في وحدة الوجود، ذكرها له صاحب الذريعة (ج25، ص57، الرقم 305)، منها مخطوطة بالمكتبة الخديوية بمصر كما ذكر في فهرستها.
35 ـ الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان (عج). قال صاحب الذريعة (ج16، ص373، الرقم 1733):
قصيدة من البحر الطويل مطلعها:
سَرَى البرقُ مِن نَجْدٍ فَجَدَّدَ تَذْكَاري
عُهُوداً بِجَرْوَى وَالعَذِيْبِ وَذِي قَارِ
وشرحها الشيخ أحمد بن علي الشهير بالمتنبي)[1080]( المتوفى سنة 1151هـ، أوله:
«الحمد لله الذي فتح خزائن المعاني بمفاتيح العناية إلخ».
وعارضها جماعة، منهم الشيخ جعفر الخطي البحراني بأمر الشيخ البهائي، أوله:
هِي الدَّارُ يَسْتَقِيكَ مَدْمَعُكَ الْجَارِي
فَسَقْياً فَخَيْرُ الدَّمِعُ مَا كَانَ لِلدَّارِ
ومنهم الأمير محمد إبراهيم بن الأمير محمد معصوم الحسيني القزويني المتوفى سنة 1145هـ.
ولها تشطير للسيد عبدالله سبط المحدث الجزائري، أوله:
سَرَى الْبَرْقُ مِن نَجْدٍ فَجَدَّدَ تَذْكَاري
سَوَالِفَ أنْسَتْها تَصارِيْفُ وأَعْصَارِ
فَألَّفَ مِنْ بَعْدِ انْتِبَاهٍ مُجَدَّداً
عُهُوداً بِجَرْوَى وَالْعَذِيْبِ وَذِي قَارِ
ولها شرح طبع مع كتابه «الكشكول» الآتي في سنة 1288هـ. كما ولها شرح أيضاً اسمه «من الرحمان» في شرح قصيدة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان (عج) للشيخ جعفر النقدي، طبع سنة 1334هـ. (انظر الذريعة، ج23، ص152، الرقم 8462).
ثانياً: «التفسير» وله فيه مصنفات منها:
36 ـ حاشية على تفسير البيضاوي)[1081](.
37 ـ كتاب حلّ الحروف القرآنية.
38 ـ حواش على تفسير الكشّاف.
39 ـ شرح تفسير البيضاوي (انظر التسلسل 36 فيما سبق).
40 ـ تفسير العروة الوثقى، وهو تفسير لسورة الحمد، طبع في طهران، طباعة حجرية سنة 1319هـ. في 260 صفحة، وبذيله كتاب «الحبل المتين» في 107 صفحات، وبعده كتاب «مشرق الشمسين» في 40 صفحة. انظر التسلسلين 9، 24، فيما سبق).
41 ـ تفسير «عين الحياة» وهو تفسير مزجي بدأ فيه بسورة الفاتحة، ثم البقرة، له نسخ خطية في مكتبة الشيخ الشيرازي بسامراء، والمكتبة الرضوية لمشهد، «انظر الذريعة، ج15، ص369، الرقم 2330».
ثالثاً: «الرياضيات، والنجوم، والطبيعيات، وعلم الهيئة»
42 ـ كتاب بحر الحساب، وهو كتاب كبير في الحساب الذي لخّصه في كتابه «خلاصة الحساب» التالي.
43 ـ كتاب خلاصة الحساب، وهو خلاصة كتابه المذكور في التسلسل 42 أعلاه، ذكره له صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص224، الرقم 1078) وقال:
«أجمع كتاب لفنون الحساب على اختصاره، مرتب على مقدمة وعشرة أبواب في عاشرها مسائل تمرينية، وفي الخاتمة أورد سبع مسائل لا تنحل لغموضها، وفي آخره وصيّة.
أوله: نحمدك يا من لا يحيط بجميع نعمه عدد…. إلخ، وقد أصبح هذا الكتاب من لدن تصنيفه إلى هذه الأواخر مرجعاً في التدريس والبحث…
«أما نسخه المخطوطة فكثيرة منها وشحت خطبتها باسم السلطان حمزة بهادر خان كما في المطبوعة، وبعضها مصدرة باسم السلطان حسن بهادر خان، وبعضها مطرزة باسم السلطان شاه عباس، والسلطان حمزة، والسلطان حسن، وكلاهما أخوان للشاه عباس، وفي بعض النسخ لم يصدر باسم أحد وهذه النسخ الأربعة موجودة في مكتبة المحيط».
طبعات الخلاصة: طبع هذا الكتاب مرات متعددة منها:
أ ـ في طهران، سنة 1276هـ. طباعة حجرية، بخط السيد محمد بن محمد باقر الخوانساري.
ب ـ في طهران، سنة 1281هـ. طباعة حجرية.
ج ـ في طهران، سنة 1283هـ. طباعة حجرية، بخط الملاّ محمد علي بن محمد حسين الخراساني.
هـ – في طهران، بدون تاريخ، طباعة حجرية، مطبعة محمد قلي ومحمد حسين.
و ـ في طهران، سنة 1311هـ طباعة حجرية، في 147 صفحة.
ز ـ في طهران، سنة 1291هـ. طباعة حجرية، بخط محمد علي بن محمد حسين الخراساني.
ح ـ في طهران. سنة 1319هـ. طباعة حجرية، مع تشريح الأفلاك باهتمام السيد محمد علي أديب العلماء، في 173 صفحة.
ط ـ في طهران، سنة 1279هـ. طباعة حجرية، بخط محمد علي بن محمد الخراساني.
ي ـ في طهران، سنة 1276هـ. طباعة حجرية.
ل ـ في طهران، سنة 1269هـ. طباعة حجرية.
م ـ في طهران، سنة 1267هـ. طباعة حجرية، بخط السيد محمد علي بن محمد حسين الخراساني.
ن ـ في طهران، سنة 1286هـ. طباعة حجرية، مطبعة محمد قلي ومحمد حسن.
س ـ في طهران، سنة 1301هـ. طباعة حجرية، بخط السيد أحمد ابن الملاّ محمد حسين التفرشي.
ع ـ في تبريز، سنة 1293هـ. طباعة حجرية، كطبعة عبدالرحيم.
ف ـ في كلكتا، سنة 1218هـ. و1829م.
ص ـ في كشمير، سنة 1285هـ. طبعة گلستان.
ق ـ في الآستانة، سنة 1268هـ. و1311هـ.
ر ـ في برلين، سنة 1843م. مع ترجمة بالألمانية.
ش ـ في مصر، سنة 1299هـ. طباعة حجرية، باهتمام الأستاذ حسن الطويل المصري.
ث ـ في مصر، سنة 1311هـ. مع حاشية للشيخ محمد حسين العدوي.
وقد اهتم العلماء والكتّاب بهذا المصنّف اهتماماً بالغاً منهم:
أ ـ الميرزا قوام الدين محمد بن مهدي الحسيني السّيفي القزويني المتوفى بعد سنة 1150هـ. بقليل، حيث نظم كتاب «خلاصة الحساب» في أرجوزة، أولها:
الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيْم الْوَاحِدِ
حَمْدَاً يَشُقُّ قَلْبَ كُلّ جَاحِدِ
ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ السَّرْمَدِي
على النَّبيَ المُصْطَفى مُحَمَّدِ
وآلِه الْخُزّانِ لليَقِيْنِ
أَئِمَّة بِهِمْ قُوامُ الدّينِ
وآخرها: فَهذِهِ خلاصةُ الْحِسَابِ
قَدْ نُظمت كالدُّرِ في النّصَابِ
مَخْتُومَة بأحْسَنِ الْخِتَامِ
بالْحَمْدِ والصَّلاةِ والسَّلامِ
قال صاحب الذريعة: (ج7، ص225، الرقم 1079):
«توجد نسخة منه [أي النظم المذكور] في مكتبة «سلطان القّرائي».
وقام تلميذ الناظم الملاّ محسن النحوي بشرح الأرجوزة المذكورة، وسُمِّيَ شرحه «رشحُ الحساب».
انظر الذريعة: ج7، ص225، الرقم 1076، وج24، ص209، الرقم 1088، وج11، ص236، الرقم 1433).
ب ـ الميرزا علي رضا الرضائي تبيان الملك التبريزي حيث ترجم أصول القواعد الحسابية الأربعة من كتاب «خلاصة الحساب المذكور» (الذريعة: ج35، ص190، الرقم 203).
ج ـ السيد محمد أمين القمي، حيث كتب عليه حاشية، منها مخطوطة عند السيد محمد تقي المدرس الرضوي بطهران: (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 428).
د ـ المولى محمد تقي الهروي، حيث كتب عليه حاشية سماها «توضيح الحساب». (الذريعة: ج4، ص492، الرقم 2209).
هـ الميرزا محمد رضا، حيث كتب عليه حاشية، (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 429).
و ـ الشيخ الميرزا محمد علي المدرسي الچهاردهي الرشتي المتوفى رحمه الله سنة 1334هـ حيث كتب عليه حاشية في 40 صفحة، منها نسخة خطية عند حفيده الشيخ مرتضى المدرسي. (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 430).
ز ـ السيد صدر الدين محمد بن مجد الدين بن إسماعيل بن الأمير علي أكبر (الشهير بشاه مير) الطباطبائي التبريزي، حيث كتب عليه حاشية أيضاً. (الذريعة: ج6، ص84، الرقم 453).
وعلى «خلاصة الحساب»، المذكور شروح كثيرة تطرق إلى قسم منها الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص227 ـ 234، الرقم 810 ـ 845) وهي:
شرح خلاصة الحساب بالفارسية، للمير أبي طالب بن ميرزا بيك سبط المير الفندرسكى سمّاه: «توضيح المطالب ـ تجده في الذريعة أيضاً ج4، ص498، الرقم 2231».
شرح خلاصة الحساب، للسيد الميرزا أبي القاسم بن الميرزا كاظم الموسوي الزنجاني المتوفى رحمه الله في زنجان «إيران» سنة 1292هـ مخطوط منه عند أحفاده بزنجان.
شرح خلاصة الحساب، للأمير معين الدين محمد أشرف بن حبيب الله بن عماد الدين لطف الله الشيرازي الحسيني الطباطبائي تلميذ الشيخ البهائي والمجاز منه في سنة 1021هـ، وهو شرح مزجى مختصر. توجد نسخة الأصل بخط الشارح في مكتبة «السيد محمد المحيط» في طهران ولهذا الشرح مخطوطات أخرى في مكتبات العراق.
شرح خلاصة الحساب، لمجهول، ألّف في مدينة قزوين في السادس من رجب سنة 1106هـ باللغة الفارسية، مخطوط منه في مكتبة «المجدد الشيرازي» في سامراء «العراق».
شرح خلاصة الحساب، للعلاّمة محمد جعفر الأسترآبادي المتوفى روَّح الله روحه في سنة 1263هـ.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ جواد بن سعد الله الكاظمي، طبع سنة 1273هـ.
شرح خلاصة الحساب للمولى حسن النيسابوري.
شرح خلاصة الحساب، للمولى حسين اليزدي الأردكاني، وهذا الشرح موجود عند الشيخ محمد بن المولى حسن الأردكاني، وعليه تقريظ الشيخ البهائي، ومنه نسخة أخرى في المكتبة الرضوية بمشهد بخط محمد علي السجستاني كتبها في سنة 1109هـ وهو شرح مزجي.
شرح خلاصة الحساب، للمولى حسين بن الحاج إبراهيم الشريفي الشاهرودي، وهو شرح فارسي مبسوط له ديباجة طويلة، ألّفه باسم السلطان عبدالله قطب شاه بن محمد قطب شاه من ملوك الدّكن بعد وفاة والده في سنة 1035 إلى وفاته سنة 1083هـ مخطوطة منه عند الشيخ عز الدين بن محمد جواد الجزائري في النجف، وهي قديمة جداً وعليها حواشي الشارح ولا يستبعد أن تكون نسخة الأصل.
شرح خلاصة الحساب، للسيد حيدر بن علي العاملي.
شرح خلاصة الحساب، للمولى رمضان (لا يعرف عنه شيء أكثر من هذا الاسم) مخطوطة منه في مكتبة جامع مرجان (المكتبة المرجانية) في بغداد.
شرح خلاصة الحساب، فارسي، للسيد مير صادق الموسوي الخوانساري مؤلف كتاب «ضياء التفاسير» طبع سنة 1398هـ.
شرح خلاصة الحساب للسيد الميرزا زين العابدين بن أبي القاسم الموسوي الخوانساري الأصفهاني، ذكره ولده الميرزا محمد هاشم الچهارسوقي في كتابه «معدن الفوائد».
شرح خلاصة الحساب، للمولى محمد طالب بن حيدر الجيلي الأصفهاني، فارسي في مقدمة وعشرة أبواب، وفيه زيادات وفوائد عما في «الخلاصة» مخطوطة منه في مكتبة «سلطان المتكلمين» في طهران، تاريخ كتابتها سنة 1042هـ.
شرح خلاصة الحساب، للسيد عبدالرحمن بن أبي بكر المرعشي، نسخة مخطوطة منه في مكتبة «قوله» استانبول «تركية» تحت رقم 112 رياضيات، كما في فهرسها.
شرح خلاصة الحساب، للمولى عبدالرزاق الهمداني المحدث، وهو شرح بالفارسية، لم يتم.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ عبدالله بن الشاه منصور القزويني تلميذ المصنّف ونزيل مشهد.
شرح خلاصة الحساب، للسيد الأمير شمس الدين علي الحسيني الخلخالي من العلماء الأفاضل ومن أجلاء تلاميذ الشيخ البهائي، وهو شرح مزجي كتب الأصل منه بمداد أحمر والشرح بمداد أسود، ورتبه على مقدمة وعشرة أبواب كأصله.
منه نسخة خطية في مكتبة المرحوم «الشيخ علي كاشف الغطاء» في النجف الأشرف، تاريخ كتابتها سنة 1097هـ.
شرح خلاصة الحساب، للسيد علي الفودجاني من نواحي خوانسار «إيران» وهو شرح جيد استخرج فيه مسائل ما فوق الست، مخطوطة منه عند السيد أبي القاسم الخوانساري الرياضي في النجف الأشرف.
شرح خلاصة الحساب، المسمّى «أنوار خلاصة الحساب» وهو شرح لعصمة الله بن أعظم بن عبدالرسول سكن (نهار نفور) ألّفه سنة 1084هـ. طبع في كلكتا سنة 1829م. (راجع الذريعة: ج3، ص36، س6، بعد الرقم 23269، بعد الرقم 830).
شرح خلاصة الحساب، المسمى «إيضاح الحساب» (راجع الذريعة ج2، ص493، الرقم 1939م. وج13، ص232، س5) ألّف هذا الشرح الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي النجفي المتوفى رحمه الله سنة 1085هـ.
شرح خلاصة الحساب، المسمى «مقاصد الحساب» وهو شحر مزجى للسيد مرتضى الموسوي، أوله: الحمد لله الذي هدانا إلى صواب الصواب… إلخ.
خرج منه إلى آخر أبواب الكسور (الباب الثالث في استخراج المجهولات بالأربعة المتناسبة)، مخطوطة منه عند الآغا التستري (انظر الذريعة، ج21، ص379، الرقم 5552).
شرح خلاصة الحساب، المسمى «كنز الحساب»، وهو شرح فارسي للشاه زاده فرهاد ميرزا بن عباس ميرزا بن فتح علي شاه القاجار المتوفى رحمه الله سنة 1305هـ. طبع بطهران في سنة 1279هـ. ثم سنة 1288هـ. (انظر الذريعة، ج18، ص150، الرقم 1147).
شرح خلاصة الحساب، للمولى فرج الله بن محمد بن درويش.
شرح خلاصة الحساب، فارسي للعلاّمة الشيخ الميرزا محمد علي بن محمد نصير الرشتي النجفي، مخطوطة منه عند السيد محمد صادق بحر العلوم في النجف الأشرف.
شرح خلاصة الحساب، للسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر المختاري.
شرح خلاصة الحساب، فارسي للميرزا محمد بن سليمان التنكابني.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ محمد بن الشيخ عبد علي آل عبدالجبار البحراني القطيفي.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ محمد بن علي الحائري الساوجي، وهو شرح بالفارسية، قال صاحب الذريعة: «رأيته في بعض مكتبات كربلاء».
شرح خلاصة الحساب، وهو شرح مزجي للشيخ محمد بن فتاح بن عبدالله القومشهى أوله: «الحمد لله الذي عجز من إحصاء أعداد نعمه العقلاء… إلخ».
خرج منه إلى آخر بحث القسمة، منه مخطوطة في المكتبة العامة بالنجف الأشرف مع بعض رسائله الأخرى ضمن مجموعة.
شرح خلاصة الحساب، للسيد محمد بن السيد هاشم الشرموطي الحلّي صاحب كتاب «شرح تشريح الأفلاك».
شرح خلاصة الحساب، للشيخ محمد النادري.
شرح خلاصة الحساب، لمختار، كذا نقل عنه في بعض هوامش شروح خلاصة الحساب، ولا نعرف عنه أكثر من هذا.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ مسيّب السبزواري، ألّفه في حيدرآباد الدّكن بالهند في 25 شوَّال، سنة 1152هـ وهو شرح بالفارسية، أوله:
«حمديكه هيچ عددى أحصاى آن نكند، وشكريكه فكر هيچ كسى… لخ».
مخطوطة منه عند الميرزا محمد تقي بن محمد باقر المدرس الرضوي المشهدي في طهران.
شرح خلاصة الحساب، للسيد محمد مهدي بن السيد جعفر الحسيني الحائري المعروف بحكيم زاده المتوفى سنة 1231هـ.
شرح خلاصة الحساب، للمولى وحيد الدين، نقل عنه كذلك في بعض شروح الخلاصة.
شرح خلاصة الحساب، للشيخ هاشم بن زين العابدين التبريزي المتوفى بالنجف الأشرف سنة 1323هـ. وهو شرح مبسوط، مخطوطة منه عند ولده الشيخ هادي، وأخرى عند تلميذه الشيخ عبدالله المامقاني في النجف الأشرف. فرغ الشارح من الشرح في سنة 1304هـ. أوله: «الحمد لله الواحد الفرد الصمد… إلخ. وقد عبر عن نفسه: بالعبد هاشم بن زين العابدين».
44 ـ الأسطرلاب، لفظ يوناني معناه ميزان الشمس، وقيل أن هذا اللفظ معرّب الفارسية «اتساره ياب». وهذا اللفظ مركّب من زساتاره» ومعناها «النجم الكوكب» و«ياب» ومعناه «الواجد». وللشيخ البهائي (صاحب الترجمة) فيه كتابان.
الأول: كتاب الأسطرلاب «بالعربية».
الثاني: كتاب الأسطرلاب «بالفارسية».
45 ـ رسالة تضاريس الأرض.
46 ـ رسالة حساب (بالفارسية).
47 ـ رسالة في تحقيق جهة القبلة.
48 ـ رسالة في أن أنوار سائر الكواكب تستفاد من الشمس.
49 ـ رسالة در حل أشكال عطارد وقمر (بالفارسية).
50 ـ رسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض، ذكرها له صاحب الذريعة: ج24، ص144، الرقم 721) وقال:
«للشيخ محمد بن الحسين بن الحسين العاملي، فيها ردّ على شرح الجغميني [المذكور في التسلسل 51 فيما يلي] طبع في آخر كتاب «شرح الملخص» لقاضي زاده الرومي لأنه شرح على هذا لمبحث منه، وقدّم على شرحه ثلاث مقدمات، كتبه بأصفهان سنة 990هـ. كما في النسخة الخطية منه التي كتبها محمد رضا بن محمد معصوم عن خط الشيخ البهائي في سنة 1108هـ. وهي في كتب محمد الخامنه اي في المكتبة «التسترية» وهناك نسخة عند (السيد شهاب الدين بقم) )[1082](.
51 ـ شرح لشرح كتاب الملخص في الهيئة، الأصل للجغميني (هو المحقق محمود بن محمد بن عمر، من علماء القرن التاسع). والشرح الأول المعروف: بـ«شرح الجغميني» للخوارزمي الرّومي (موسى بن محمود المعروف بقاضي زاده الرومي) قد طبع هذا الشرح في طهران سنة 1311هـ. طباعة حجرية، وقد كتب صاحب الترجمة (الشيخ البهائي) شرح على الشرح المذكور ويعرف: «شرح شرح الجغميني» (انظر ريحانة الأدب ج1، ص297، الرقم 735، والكنى والألقاب ج2، ص148 (الجغميني)، والذريعة ج13، ص177، 333).
52 ـ شرح حقّ المبين.
53 ـ الصحيفة الأسطرلابية، وهي رسالة صغيرة الحجم وجيزة النّظم، فيها زبدة أعمال الأسطرلاب، ونظم هذه الصحيفة السيفي القزويني المتوفى سنة 1113هـ.
(انظر الذريعة، ج15، ص716 بعد الرقم 85، ج24، ص216، الرقم 1121).
54 ـ كتاب لغز القانون، أوله بعد ترجمة نفسه:
«أيّها الأصحاب الكرام والإخوان العظام إنَّ لي حبيباً جالينوسي المشرب… إلخ».
ونسخ هذا الكتاب شايعة في المجامع. (الذريعة ج18، ص336، الرقم 361).
وللكتاب المذكور موجز كتبه الميرزا محمد إمام الحرمين ابن عبدالوهاب بن داود الهمداني الكاظمي المتوفى سنة نيف وثلاثمائة وألف، سمّاه «الموجز في شرح القانون الملغّز» فرغ منه في كربلاء سنة 1295هـ.
وشرح كتاب لغز القانون السيد سليم الرازي فرغ من الشرح في سنة 1060هـ.
55 ـ وله «رسالة في التقويم» منها مخطوطة عند شيخ الإسلام الزنجاني (الذريعة: ج21، ص251، الرقم 4885).
56 ـ كتاب ميزان المقادير، فارسي ويسمّى «أوزان شرعي» رتّبه على اثني عشر فصلاً، تكلم فيه حول وحدات الأوزان والمساحات الشرعية والمقادير المختلفة وأوزانها (ذو الزوايا ـ الدائري ـ الهلالي ـ النّعلي ـ وغيرها).
نسخة خطية منه كتبت في شهر محرم الحرام سنة 1202هـ. في جامعة طهران برقم 3/957.
ونسخة خطية أخرى مع شروح لقطب الدين علي في مكتبة تبريز برقم (أدبيات ـ 21) وعليها تاريخ سنة 1216هـ.
57 ـ رسالة في القطر إلى المحيط، ذكرها له صاحب الذريعة، ج24، ص146، الرقم 731.
رابعاً: «الآداب والحكمة»:
58 ـ كتاب أسرار البلاغة، نسب إليه مع «المخلاة» المنسوبة إليه في النسخة المطبوعة بمصر سنة 1317هـ. «الذريعة: ج2، ص42، الرقم 163».
59 ـ وله ديوان شعر جمّعه ولدا رضا الحر (انظر روضات الجنات، ج7، ص67، س17).
60 ـ كما جمع الأستاذ غلام حسين جواهري أشعاره الفارسية ونشرها في طهران بكتاب أسماه «كليات أشعار وآثار فارسي شيخ بهائي» طبع في مطبعة سنائي بطهران، كما طبعت «كليات أشعار فارسي» مع كتابه «موش وگربه» الآتي ـ في طهران سنة 1336هـ.ش. من قبل «كتابفروشي محمودي ـ مكتبة المحمودي» بتصحيح الأستاذ مهدي توحيدي پور.
61 ـ كتاب «پند اهل دانش وهوش بزبان گربه وموش». ومعناه: «تذكرة (نصيحة) أهل العلم والذكاء على لسان القطة والفأر» وهو كتاب بالفارسية نشره فرج الله زكي في مصر سنة 1346هـ. في 272 صفحة. وطبع في ذيله كتاب «نان وپنير» الآتي، مطبعة السعادة ـ مصر.
62 ـ كتاب مثنوي نان وپنير، ذكره له صاحب الذريعة (ج19، ص319، الرقم 1390)، كتبه في 309 أبيات.
طبع في إيران ـ أصفهان سنة 1328هـ.ش. كما طبع في مصر (انظر التسلسل 61 فيما سبق)، ومعنى «نان وپنير» الخبز والجبن.
63 ـ كتاب مثنوي نان وحلوا، أي الخيز والحلوى. ذُكره له صاحب الذريعة (ج19، ص319، الرقم 1392) وقال:
«مثنوي في 408 أبيات، طبع مكرراً بطهران في سنة 1303هـ مع كتاب «شير وشكر» الآتي، بمباشرة عبدالغفار وبعدها بالهند ومصر وتركيا، وفي إيران بشيراز وأصفهان».
64 ـ مثنوي شير وشكر، ومعناه: «اللّبن والسّكر»، للشيخ البهائي أيضاً، طبع في طهران كما ذكرنا في المادة السابقة.
65 ـ مثنوي نان وخرما، ومعناه: «الخبز والتمر» لصاحب الترجمة طبع مع كتاب «شير وشكر» وكتاب «نان وپنير» المذكورين أعلاه بأصفهان سنة 1328هـ. جمعاً في 56 صفحة.
66 ـ كتاب تهذيب البيان، وهو متن مختصر في النحو والإعراب، أوله:
«باسمك يا ربّ يبتدى الكلام، وبحمدك يختم كل أمر يرام…» طبع في الهند ضمن مجموعة. ولهذا الكتاب شروح منها:
أ ـ شرح الشيخ محمد بن علي الحرفوشي المتوفى سنة 1059هـ.
ب ـ شرح السيد نعمة الله الجزائري الموسوم بمفتاح اللّبيب.
ج ـ شرح العلاّمة السيد علي محمد بن محمد بن العلاّمة السيد دلدار علي التقوي اللّكهنوي المتوفى سنة 1312هـ. الموسوم بإرشاد اللّبيب في شرح التهذيب.
67 ـ كتاب «سوانح سفر الحجاز». وهو نفس كتابه الموسوم: «مثنوي نان وحلوا» المذكور في التسلسل 63 فيما سبق.
68 ـ كتاب الفوائد الصمدية في علم العربية، في النحو والإعراب، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص345، الرقم 1606) وقال:
«في خمس حدائق، كتبه لأخيه عبدالصمد».
ولهذا الكتاب شروح منها:
أ ـ الفرائد الشمسيّة في شرح الفوائد الصمدية، للشيخ جمال الدين أحمد بن محمد الّلاهيجاني أحد تلامذة الشيخ البهائي (صاحب الترجمة)، مخطوطة منه في مكتبة مدرسة البروجردي (الذريعة: ج16، ص138، الرقم 315).
ب ـ الفرائد العسجدية في شرح الفوائد الصمدية، للسيد رضا بن السيد محسن الحلّي الحسيني الأعرجي، ألّفه قبل سنة 1151هـ. ثم لخّصه وسماه «تهذيب الفرائد في شرح الفوائد الصمدية». ونسخة من هذا التهذيب في مكتبة آية الله السيد شهاب الدين المرعشي في مدينة قم ـ إيران، وفرغ من التهذيب هذا في سنة 1151هـ أوله:
«الحمد لله الذي هدانا إلى كلمة باقية هي الإسلام، وشرّفنا بالكلام المهذب المفضل المحفوظ من تطرق التحريف وتبديل الأحكام… إلخ. انظر «الذريعة: ج16، ص139، الرقم 320».
ج ـ الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية، للسيد صدر الدين علي خان ابن نظام الدين أحمد الحسيني الدّشتكي المدني الشيرازي (1052 ـ 1118هـ أو 1120هـ) ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج6، ص290، الرقم 1559) وقال:
«هو شرحه الكبير للصمدية، وله شرحان آخران، الشرح المتوسط. والشرح الصغير، أول الحدائق:
«الحمد لله الصّمد بما له من المحامد الأبدية» طبع في سنة 1297هـ)[1083]( رأيت نسخة عصر المصنّف بالخطّ الجيد (والمظنون أنها خطّ المصنّف) عند «سلطان المتكلمين» ثم اشتراها «مجد الدين» لمكتبته، وفيها ذكر تاريخ فراغ المصنّف في صبيحة يوم الإثنين (13/ جمادى الثاني 1079هـ). وفي النسخة المطبوعة ذكر التاريخ بجميع الخصوصيات من الساعة، واليوم، والشهر والسنة، 1099هـ وهو من باب تصحيف السبعين بالتسعين».
د ـ شرح الصمدية، للشيخ جواد بن محرم علي بن كلب قاسم الطّارمي المتوفى بزنجان (إيران) سنة 1325هـ والنسخة عند ولده العالم الشيخ الميرزا يحيى.
هـ – شرح الصّمدية بالفارسية، قال صاحب الذريعة (ج13، ص362، الرقم 1341): «طبع في إيران ولا نعرف مؤلّفه».
و ـ شرح الصّمدية، للسيد حسين بن السيد علي بن السيد أبي طالب الحسيني الهمداني.
ز ـ شرح الصّمدية، الكبير، للسيد بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد باقر الحسيني المختاري النائيني، وهو شرح مزجى في خمس مجلدات وعليه حواش كثيرة، أوله: أولى كلام يستعان به على جملة المهام بعد التبريك باسم الله الملك العلاّم حمده جزيل على الإنعام… إلخ.
المجلد الأول منه في مكتبة آية الله السيد شهاب الدين التبريزي المرعشي في قم.
ح ـ وللسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر الحسيني المختاري النائيني المذكور شرحان آخران، متوسط وصغير.
طـ شرح الصّمدية، للمولى محمد مؤمن بن شاه مرتضى الكاشاني، ألّفه في حياة المصنّف الشيخ البهائي، فرغ منه يوم الجمعة 20 صفر سنة 1027هـ. نسخة منه بخط المؤلف بتاريخ 1032هـ. عند السيد محمد الجزائري في النجف الأشرف.
ي ـ شرح الصّمدية، للمولى محمد مؤمن بن الحاج محمد قاسم الجزائري الشيرازي، اسمه: «جامع المسائل النحويّة».
ذكره له صاحب الذريعة (ج5، ص70، الرقم 277) وقال:
«كتب هذا الشرح قبل بلوغه، ثم كتب عليه حواش، دوّنها بنفسه، وسمّاه «الدرّ المنثور…».
ك ـ شرح الصّمدية، للميرزا محمد بن سليمان التنكابني المتوفى سنة 1302هـ كتبه في أحد عشر يوماً وهو مشغول في شرب الدواء. «انظر الذريعة: ج13، ص361 ـ 363، الرقم 1340 ـ 1350».
69 ـ كتاب الكشكول، وهو في فنون شتى أوله الحمد لله الواحد المعين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين… إلخ. جمع المؤلف فيه نوادر تتحرك لها الطباع، وتهش لها الأسماع وطرائف كثيرة.
طبع هذا الكتاب مرات عديدة منها:
أ ـ في طهران، سنة 1266هـ، طباعة حجرية، باهتمام ملاّ عباس، خط عبدالله الطالقاني، لم يدوّن تسلسل للصفحات.
ب ـ في طهران سنة 1296هـ. طباعة حجرية، باهتمام عبدالغفار نجم الدولة في 648 صفحة.
ج ـ في طهران، سنة 1321هـ. طباعة حجرية، الطبعة الثانية للطبعة المدوّنة في «ب» أعلاه.
د ـ في طهران، سنة 1291هـ. طباعة حجرية، في 396 صفحة.
هـ – في بومباي الهند طباعة حجرية.
و ـ في قم (إيران) سنة 1337 ـ 1339هـ.ش. بتصحيح وتعليق سيد مهدي لاجوردي.
ز ـ في بولاق سنة 1288هـ. في 435 صفحة، مع شرح الشيخ أحمد المنيني على قصيدة مدح إمام الزمان (عج).
ح ـ في بولاق سنة 1339هـ. في 431 صفحة.
طـ في مصر ـ المطبعة الميمنة، سنة 1305هـ. في 352 صفحة.
ي ـ في مصر ـ المطبعة البهية، سنة 1302هـ.
ك ـ في مصر ـ المطبعة الشرقية، سنة 1302هـ.
ل ـ في مصر ـ سنة 1318هـ. في 535 صفحة.
70 ـ كتاب المخلاة، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص232، الرقم 2728) وقال:
«كتاب جليل نفيس عزيز النسخة، جمع فيه من كل شيء أحسنه من اللّطائف والطّرائف والأخبار والأشعار والمواعظ والأخلاق، وهو غير هذا الموسوم؛ «المخلاة» والمطبوع في مصر)[1084]( والمنسوب إلى الشيخ البهائي، جزماً، فقد رأى نسخة من المخلاة البهائية شيخنا العلاّمة النوري [هو الحاج ميرزا بهاء الدين ابن الحاج ميرزا جواد ابن الحاج الملاّ محمد علي النوري الأصفهاني من أكبر علماء أصفهان، توفي رحمه الله يوم الخميس 20/جمادى الأولى/ 1343هـ.ق. في أصفهان، ودفن في مقبرة «تخت فولاد ـ أصفهان»]، ونسخة أخرى من «المخلاة» رآها الشيخ عبدالنبي النوري وسمعت بعض الفضلاء من أحفاد عبدالصمد التستري أنه موجود في خزائنهم مستور عن الأنظار، ثم حدثني صديقي السيد أحمد الشهير آغا التستري أنه رآه عندهم ونقل عنه أشياء منها تفصيل دعاء عبدالله بن استنطال الصحابي.
وقال: السيد آغا [المذكور]:
«إنه قد وقع هذا الكتاب عند الأمير عبدالصمد بعد ما كان عند السيد عبدالله الطبيب ابن السيد حسين بن العلاّمة الأجل المير السيد علي التستري».
71 ـ وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان، أو (الفوز والأمان)، راجع التسلسل 25 فيما سبق.
72 ـ مكتوب الشيخ البهائي، بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبدالصمد، إلى السيد الميرزا إبراهيم الهمداني، أوله:
يا غَائِبَاً عَنْ عَيْنِي لا عَنْ بَالِي
والْقُرْبُ إليكَ مُنْتَهَى آمالِي
قال صاحب الذريعة (ج22، ص162، الرقم 6511): «والنسخة في مجموعة عند المولى الخوانساري مع جواب الميرزا إبراهيم له، وفي [الخزانة] الرضوية [في مشهد ـ إيران] أيضاً». وتسمّى هذه الرسالة «منشآت البهائي» أيضاً.
73 ـ رسالة في الوجود الذهني، قال صاحب الذريعة (ج25، ص38، الرقم 188): «نسخة منها في مكتبة بشير آغا باستنابول».
خامساً: «الأدعية»:
74 ـ حدائق الصالحين، ذكرها له صاحب الذريعة في (ج6، ص288، الرقم 1551) وقال: في شرح صحيفة سيد الساجدين [الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين]، جعل شرح كلّ دعاء في حديقة، وقد خرج شرح عدّة من حدائقه، وكانت تلك العدّة موجودة في المشهد الرضوي في عصر العلاّمة المجلسي [انظر ترجمته في هذا المجلد]، كما ذكره بعض معاصريه أو تلاميذه في رسالة كتبها إليه، والرسالة بصورتها مدرجة في آخر إجازات البحار [كتاب بحار الأنوار]، ولكن الموجود المتداول منها اليوم هو «الحديقة الهلالية» فقط، وهو في شرح دعائه عند رؤية الهلال الذي هو الدعاء الثالث والأربعون، وأوله:
«نحمدك يا من أطلع في فلك الهداية شمس النبوة وقمر الولاية».
وقال في آخره:
«تمّ تأليف «الحديقة الهلالية» من كتاب «حدائق الصالحين» ويتلوها بعون الله تعالى «الحديقة الصّوفية» وهي في شرح دعائه عليه السلام عند دخول شهر رمضان».
وذكر أنه قال في أثناء الهلالية ما لفظه: «وقد قدمنا في «الحديقة الأخلاقيّة» في شرح دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق كلاماً».
ثمّ أورد الكلام بعينه، ودعاء المكام هو الدعاء العشرون، فظهر أن ما خرج من قلم الشيخ البهائي لم يكن منحصراً بالحديقة الهلالية حتى يقال أن استعمال «حدائق الصالحين» مجاز لا حقيقة له».
75 ـ الحديقة الهلاليّة انظر التسلسل 74 فيما سبق.
76 ـ الحديقة الصوفيّة انظر التسلسل 74 فيما سبق.
77 ـ الحديقة الأخلاقيّة انظر التسلسل 74 فيما سبق.
78 ـ شرح دعاء الصباح، وهو من أدعية الصحيفة السجّاديّة، الأصل للإمام السجّاد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، والشرح لصاحب الترجمة «انظر الذريعة، ج13، ص256، بعد الرقم 938».
79 ـ مفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، وهو في الأدعية في اليوم والليلة (انظر التسلسل 26 فيما سبق).
80 ـ كما وله رسائل أخرى لو أخذنا بنظر الاعتبار لتجاوزت مؤلفاته المائة مؤلّف. وتجد أخباره في:
1 ـ آتشكده آذر (بالفارسية)، ص170.
2 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج6، ص334.
3 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج44، ص216.
4 ـ أمل الآمل للحرّ العاملي، ج1، ص155.
5 ـ تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان، ج3، ص353.
6 ـ تاريخ عالم آراي عباسي (بالفارسية)، ج2، ص 967.
7 ـ تذكره نصر آبادي (بالفارسية)، ص150.
8 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله الماماقاني، ج3، ص107.
9 ـ جامع الرواة للعلاّمة الشيخ محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، ج2، ص100.
10 ـ حديقة الأفراح لأحمد بن محمد الهمداني الشيرواني اليماني، ص81.
11 ـ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبّي، ج3، ص440.
12 ـ دائرة المعارف الإسلامية، (البهائي ـ العاملي).
13 ـ دائرة المعارف للشيخ الأعلمي، ج13، ص250.
14 ـ دائرة المعار البستانية، ج11، ص462.
15 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آغا بزرك الطهراني.
ج1 ـ ص113، 425.
ج2: ص42، 109، 421، 493.
ج3: ص36.
ج4: ص492، 498.
ج5: ص70، 207، 218.
ج6: ص84، 88، 240، 288، 290.
ج7: ص224، 225.
ج11: ص236.
ج13: ص177، 227، 232، 256، 261، 262، 263.
ج15: ص16، 369.
ج16: ص138، 139، 345، 337؟.
ج18: ص150، 336.
ج19: ص319.
ج20: ص232.
ج21: ص50، 251، 379، 397، 401، 404، 407.
ج22: ص162.
ج23: ص152، 253.
ج24: ص65، 144، 146، 197، 209، 216.
ج25: ص38، 51، 57، 190.
17 ـ روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات، للعلامة الشيخ محمد باقر الموسوي الخوانساري، ج7، ص57، الرقم 599.
18 ـ رياض العارفين للميرزا رضا قلي خان بن محمد الهادي النوري المتخلّص بهدايت، ص58.
19 ـ ريحانة الأدب للمدرّس التبريزي، ج3، ص301.
20 ـ سفينة البحار للشيخ عباس القمي، ج1، ص113.
21 ـ سلافة العصر للسيد صدر الدين علي بن نظام الدين أحمد الحسيني الشهير بالسيد علي خان المدني الشيرازي، ص289.
22 ـ طرائق الحقائق، للميرزا معصوم بن رحمة علي شاه القزويني، ج1، ص137.
23 ـ الغدير، ج11، ص244.
24 ـ فلاسفة الشيعة لعبدالله نعمة، ص398.
25 ـ الفوائد الرضوية للشيخ عباس القمي، ص503.
26 ـ قاموس «لغت نامه دهخدا ـ بالفارسية»، للأستاذ الكبير علي أكبر دهخدا، «شيخ بهائي».
27 ـ كتاب «كليات أشعار وآثار فارسي شيخ بهائي» باللغة الفارسية، طبعة مطبعة «سنائي» بطهران بتصحيح واهتمام الأستاذ غلام حسين جواهري.
28 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج2، ص100.
29 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف البحريني، الرقم: 16.
30 ـ مجمع الفصحاء، لرضا قلي خان المتخلّص بهدايت، ج2، ص8.
31 ـ مستدرك الوسائل لنوري الطبرسي، ج3، ص417.
32 ـ مقدمة كتاب «گربه وموش» باللغة الفارسية، طبعة مطبعة السعادة بمصر سنة 1346هـ. بإشراف الأستاذ فرج الله زكي.
33 ـ نجوم السماء للمولوي الميرزا محمد علي الكشميري، ص28.
34 ـ نزهة الجليس للشيخ عباس بن عليّ العاملي المكي، ج1، ص377.
35 ـ نفحة الريحانة، ج2، ص291.
36 ـ نقد الرجال للمير مصطفى التفرشي، ص302.
37 ـ هدية الأحباب للشيخ عباس القمي، ص109.
38 ـ وله أخبار أيضاً في: كتاب منتخب التواريخ، ومعجم المطبوعات العربية والمعربة ليوسف سركيس، وقصص العلماء، والتنبيهات، ومطلع الشمس.
39 ـ كما نرجو مراجعة ما ذكرناه عنه في ترجمة المير داماد (الشيخ محمد باقر بن محمد الأسترآبادي) المتوفى سنة 1041هـ. في هذا المجلد.
قيس آل قيس
الشيخ جعفر الشوشتري
هذا هو أعظم واعظ بأفعاله وأقواله في العصور الأخيرة، بل هو خاتمة الواعظين الذين كانت عظاتهم كأنها تدخل إلى الجنان قبل أنْ تمرّ على الآذان، وتؤثر في الطبع قبل أن تجري على السمع. وقد طبقت شهرته آفاق العراق والهند وإيران، وكل رقعة من الأرض فيها نسمة من الشيعة الإمامية. وخرج من مسقط رأسه شوشتر وهو غلام فتوطن دار هجرة العلم (النجف)، وحضر على الأعلام من أولاد كاشف الغطاء، ثم حضر قليلاً على وطنيّه العلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري، وكان يباحث في الفقه ويؤلف، ولكن تغلّب عليه اشتهاره بالموعظة لامتيازه فيها وبراعته بها فكانت تجتمع الألوف تحت منبره والدموع تسيل من السامعين كلّ مسيل، وأكثر ما بلغ به إلى ذلك خلوصه وانقطاعه إلى الله ورغبته عن الدنيا على الجد والحقيقة.
وقد جمع بعض ملازميه عدة كتب ضخام من مواعظه، وغريب أساليبه. والذي خرج من قلمه الكريم هو كتاب «الخصائص الحسينيّة»، وهو رسالة جليلة، وكتاب في الفقه أشبه بالرسالة العملية.
وبالجملة إنّ هذا الإمام (قدّس سرّه) من حسنات الأيام ونوابغ الدهور. وفي آخر عمره قصد زيارة الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام فكان له من الشان والعظمة في إيران، ما لا يتسع المقام لبيانه، وفي عوده قافلاً أجاب داعي الله الذي لم يزل هو داعياً له، ثم حملت جنازته الطاهرة إلى النجف، فكان يوم وروده إليها يوماً مشهوداً ورزؤه رزءاً عظيماً أخرج المخدّرات من الحجال، وأهاب بعامة الرجال فاستقبلوه بالعويل من عدّة أميال فعطر الله مرقده، ومنَّ على الأمة بأمثاله إن شاء الله.
وكانت وفاته قدّس الله سره في أخريات صفر من السنة الثالثة أو الثانية بعد الثلاثمائة وألف.
واتفق في ليلة وفاته قبل العشاء أنَّ الشُهب والنيازل صارت تتهاوى في الجو حتى ملأت الفضاء، وأدهشت الخلق.
وكنتُ ممن رأى ذلك بعيني رأسي، واستمرت ما يقربُ من نصف ساعة.
ثم بعد ثلاثة أيام وردَ نعيُهُ إلى (النجف) فعُدّتْ كرامةً به كما اتفق عند موت كثير من أكابر العلماء مثل ذلك. والله أعلم.
(الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء)
الشيخ الطوسي
(385 ـ 460هـ)
شيخ الطائفة الحقة، ورئيس الفرقة المحقة أبو جعفر بن الحسن بن علي المعروف بالشيخ الطوسي (قدّس سرّه) القدوسي. وهو شيخ جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب. وهو المهذب للعقائد والأصول والفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل صنف في كُلّ فنون الإسلام، نعته السبكي بفقيه الشيعة ومصنفهم، وقال صاحب الذريعة هو أول من جعل النجف الأشرف مركزاً علمياً تأوي إليه الناس. (انظر الذريعة (ج2، ص14)، وطبقات الشافعية للسبكي (ج3، ص51)، وروضات الجنات (ج6، ص216)، انتقل من خراسان إلى بغداد سنة 408هـ واستقر بها أربعين سنة، ثم رحل إلى الغري «بالنجف الأشرف» فاستقر إلى أن تُوفي رحمه الله تعالى.
قال الأسترآبادي في منهج المقال: «كان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، ولد (الطوسي) (قدّس سرّه) في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة في طوس وقدم العراق في شهور سنة ثمان وأربعمائة، كان يقول أولاً بالوعيد)[1085]( ثم رجع وهاجر إلى مشهد أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام] خوفاً من الفتن التي تجددت ببغداد وأحرقت كتبه وكرسي كان يجلس عليه للكلام»)[1086](.
وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: «فقيه الشيعة، له مصنفات كثيرة في الكلام على مذهب الإمامية، وجمع تفسير القرآن وأملى أحاديث وحكايات في مجلسه، حدث عن [الشيخ] المفيد، وهلال الحفار وغيرهما، روى عنه ابنه الحسن وغيره».
وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: «فقيه الإمامية وعالمهم وهو صاحب «التفسير الكبير» وهو عشرون مجلداً، وله تصانيف أخر، وكان قوي التشيّع».
وقال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: «عماد الشيعة ورافع أعلام الشريعة شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام، وقد ملأت تصانيفه الأسماع، ووقع على قِدَمِهِ وفضله الإجماع، ومن أكبر جهابذة الإسلام، ومن يرجع إلى قوله في الحلّ والإبرام والحلال والحرام.
تتلمذ على الشيخ المفيد [محمد بن محمد بن النعمان]، والسيد المرتضى، وأبي الحسين علي بن أحمد بن محمد ابن أبي جيد القمي.
وثقة جمع من العلماء وغيرهم رحمهم الله، وكان فضلاء تلامذته الذين كانوا مجتهدين يزيدون على ثلاثمائة من الخاصة، ومن العامة ما لا يحصى. كان مقامه في بغداد مع الشيخ المفيد رحمه الله نحواً من خمس سنين، ومع السيد المرتضى نحواً من ثمان وعشرين سنة، وبقي بعد السيد [المذكور] أربعاً وعشرين سنة اثنتي عشرة سنة منها في بغداد ثم انتقل إلى النجف الأشرف وبقي هناك إلى أن تُوفي».
وقال أستاذنا العلاّمة التستري رحمه الله في قاموس الرجال: «هو شيخ الطائفة بالاستحقاق، وهو المراد من التعبير بالشيخ ممّن بعده في الفقه والأصول والرجال بالإطلاق، وعلى كتبه صار بعده المدار في جميع الأعصار والأدوار. وحكى جماعة أنه وشيَ بالشيخ إلى الخليفة العباسي…، فرفع الخليفة شأنه وانتقم من الساعي وأهانه. [وأضاف العلاّمة التستري قائلاً]: وقد أكثر ياقوت الحموي في معجم أدبائه عن فهرسته في من كان من الرواة أديباً.
وقال آية الله السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: «ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385، وهاجر إلى العراق فهبط ببغداد سنة 408هـ، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاماً، وفيها لقي محمد بن محمد بن النعمان الشهير بالشيخ المفيد وتتلمذ عليه، وأدرك شيخه الحسين بن عبيدالله بن الغضائري المتوفى سنة 411هـ، وشارك النجاشي [أحمد بن علي] في جملة من مشايخه، وبقي على اتصاله بشيخه «المفيد» حتى اختار الله للأستاذ دار لقائه سنة 413هـ، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، وعين له في كل شهر اثنى عشر ديناراً، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة، إلى أن تُوفي المرتضى، فاستقل المترجم بالإمامة والرياسة، وكانت داره في [جانب] الكرخ [ببغداد] مأوى الناس، ومقصد الوفَّاد، يأتونها لحل المشاكل وإيضاح المسائل، وقد تقاطر إليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه، والحضور تحت منبره وقصدوه من كلّ بلد ومكان، وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة. وبلغ الأمر من الاعتناء به والأكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر الله عبدالله بن القادر بالله أحمد كرسي الكلام والإفادة، وقد كان لهذا الكرسي يوم ذاك عظمة وقد قدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلاّ لمن برز في علومه، وتفوق على أقرانه، ولم يكن في بغداد يوم ذاك من يفوقه قدراً أو يفضل عليه علماً، فكان هو المتعين لذلك الشرف.
هجرته إلى النجف الأشرف
أورى السلجوقيون نار الفتن المذهبية في بغداد، وأغرى أول ملوكهم طغرل بيك العوام بالشر حتى أدى الأمر أول وصوله إلى بغداد سنة 447هـ إلى إحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي، وكانت من دور العلم المهمة في بغداد، بناها هذا الوزير الأديب في محلة السورين في الكرخ سنة 381هـ على مثال «بيت الحكمة»، الذي بناه هارون الرشيد، وقد جمع فيها ما تفرق من كتب فارس والعراق، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم كما قاله الأستاذ محمد كرد علي (انظر خطط الشام ج6، ص185)، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين، قال ياقوت الحموي [في معجم البلدان] وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة… إلخ. وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم، فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد، وقد احتُرقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بيك، وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى المُتَرْجَم وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام.
وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 448هـ: وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره. ثم قال في حوادث سنة 449هـ: وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع… إلخ.
ولما رأى الشيخ الخطر محدقاً به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف لائذاً بجوار أمير المؤمنين عليه السلام، وصيرها مركزاً للعلم وجامعة كبرى للشيعة الإمامية، وأخذت تشدّ إليها الرحال وتعلق بها الآمال، وأصبحت مهبط رجال العلم ومهوى أفئدتهم.
تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيد المترجم ركنها الأساسي ووضع حجرها الأول، وقد تخرج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين الدين وأعاظم الفقهاء وكبار الفلاسفة ونوابغ المتكلّمين، وأفاضل المفسرين وأجلاء اللغويين وغيرهم ممّن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها وبرعوا فيها أيما براعة، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمة التي هي طليعة التراث الإسلامي.
ومما يشيد بمركز المُتَرْجَم الديني الاجتماعي أنه هو المؤسس لجامعة النجف ومركزها الديني، فإنَّ الذي يبدو أنّ النجف قبل أن ينتقل إليها لم تكن إلاّ مزاراً ومدفناً وحول القبر جماعة من المجاورين لا عمل لهم إلاّ خدمة الزوار والقاصدين، وهي يومئذٍ قرية في طرفٍ ناءٍ عن العمران والبلاد المأهولة، والكوفة التي هي أقرب بلدة إليها كان قد شملها الخراب ودكت صروحها، ولم يصل إلينا تاريخياً سعة رقعة النجف يومئذٍ، وعلى أي مورد كان يعتاش أهلها، وكيف كان يتم إرواؤها وهو أهم مشاكل النجف من القديم، ولكن لا شك أنّ البلاد القريبة منها كالحلة والعشائر الفراتية القريبة كانت تمدها بالمعونة فيما تحتاج.
أضف إلى أنّ الشيخ لما ألقى عصا الترحال فيها وهو زعيم الشيعة الأول يومئذٍ لا بدّ أن تصير مقصداً لجميع المسلمين الشيعة مرجعاً لحقوقهم المالية من جميع أقطار الأرض، ويظهر أنّ الزعامة الدينية استقرت في النجف قبل أن تنتقل إلى الحلة مدة قرن على الأقل واستمرت في بيته بالذات، فإن ولده أبا الحسن الملقب بالمفيد الثاني كان من أفذاذ العلماء وصار مرجعاً للشيعة، وكان قد أجازه والده سنة 455هـ، أي قبل وفاة والده بخمس سنين وبقي في النجف مرجعاً إلى أن تُوفي وإن لم نتحقق من سنة وفاته ولا مدفنه. وكذلك حفيده أبو الحسن محمد بن الحسن بن محمد أيضاً بقي في النجف وصار مرجعاً للشيعة إلى أن تُوفي سنة 540هـ، وهذا الشيخ محمد ليس له ذكر في تاريخنا وهو من العجب، ولكن قد ذكره أبو الفلاح عبد الحي بن عماد الحنفي [الحنبلي] المتوفى سنة 1089هـ في كتابه شذور الذهب [شذرات الذهب] فإنه قال عنه ج4، ص126 بهذا النص: «وفيها ـ أي سنة 540هـ تُوفي أبو الحسن محمد بن أبي علي الحسن بن أبي جعفر الطوسي شيخ الشيعة وعالمهم وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق وحملوا إليه الأموال. وكان ورعاً كثير الزهد، وأثنى عليه السمعاني. وقال العماد الطبري، لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه.
مكانته العلمية
مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهيّن على أحد منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلاً مسلّماً، ويكتفون بها، ويعدون التآليف في قبالها وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسراً على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس فكان يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه، وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى إن المحقق، وابن أخته العلاّمة الحلّي، ومن عاصرهما بقوا لا يعدُونَ رأي شيخ الطائفة.
نعم، لما ألف المحقق الحلّي «شرايع الإسلام» استعاضوا به عن مؤلفات شيخ الطائفة، وأصبح من كتبهم الدراسية، بعد أن كان كتاب «النهاية» هو المحور وكان بحثهم وتدريسهم وشروحهم غالباً فيه وعليه.
ويقول الشيخ محمد رضا المظفر: ومما يلفت النظر عن مقامه العلمي إنّ كل ما جاء بعده من العلماء إلى مدة قرن كاد أن يكون مقلداً له في آرائه لا يتخطى قوله ويحيد عن رأيه حتى كاد يخشى أن ينسد باب الاجتهاد عند الشيعة».
وقال العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات نقلاً عن الفوائد الرجالية للعلاّمة الطباطبائي: «شيخ الطائفة المحقة، ورافع أعلام الشريعة الحقة، وإمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين، وعماد الشيعة الإمامية بالمذهب والدين، ومحقق الأصول والفروع ومهذب فنون المعقول والمسموع، صنف في جميع علوم الإسلام، وكان في ذلك القدوة والإمام.
[وأضاف الخوانساري قائلاً]: ثم ليعلم أن ههنا بقي شيئان ينبغي أن ينبه عليهما… أحدهما أنّ لهذا الشيخ المتقدم العميد من المشايخ والمحدثين والأساتذة ما لا يوجد لأحد من الطائفة مثله، ومن كثرة فضائل أولئك أيضاً يظهر لك فضله ونبله، فليحط عملك في مثل هذه الترجمة بأسمائهم لا محالة، كيلا تكون على العمة تيهاء جلالة مقداره؟ بعد هذه الحالة، وكذلك له من التلاميذ ورجال الحوزة وطلاّب الحضرة والآخذين من بركاتة ذلك النفس الذي قد شرحنا لك نواله، وحضرة جماعة فوق كثير من الجماعات، جميعهم من أرباب المراتب والمناعات، مع الاعتقاد الكامل لهم بصحة طريق استنباطاته بحيث قد عدوا من مقلدته فيما وافقوه من مسائل خلافاته.
وثانيهما إنّ تبويب مصنفاته الموجودة إلى هذا الزمان وترتيبها وبديع كل ما اشتملت عليه وحوشها وغريبها ما هي، وما الملحوظ له في كثير من تلك المصنفات والداعي له إليها حتى يكون المطالع لها على بصيرة من الأمر، غير مسند إليه ما ليس له من القول، ويشكر سعيه الجميل في تنقيح ما صنعه على سبيل التفصيل، فأما الكلام على المرحلة الأولى منها بحسب ما هو المحقق لدينا أو المنقول إلينا فهو إنّا نقول بعد التوكل على إلهنا الغاية للسؤال، ثم التوسل بأذيال الرسول وآل الرسول، أما القبيلة الأولون ومشيخته المحللون المفضلون، فمنهم بعد شيخنا المفيد، وسيدنا المرتضى، وجماعة أخرى لهم عنوانات على حدة فيما يجيء أو ما مضى هو: أحمد بن إبراهيم القزويني، وأحمد بن عبدون الفراز، وأحمد بن محمد بن موسى الأهوازي، وجعفر بن الحسين القمي والحسين بن القاسم العلوي، والحسين بن إبراهيم القزويني، والحسين بن عبيدالله الغضائري، وعلي بن أحمد بن أبي جيد، وعلي بن شبل بن راشد، ومحمد بن سليمان الحمداني، وهلال بن محمد الحفار، وأبو طالب بن غرور، وأبو علي بن شاذان، وجماعة من علماء العامة المشار إلى أسمائهم وصفاتهم في كتابه «المجالس» وغيره، مثل أبي محمد الفحام علي بن محمد بن خنيس، وأبي القاسم بن الوكيل، والفجيع العقيلي، وأبي عمير بن المهدي، فليلاحظ.
وأما تلامذة مجلسه المنيف فمن جملة مشاهيرهم المستنبطة أسماؤهم من التضاعيف بعد ولده الجليل الثقة العين أبي علي الحسن بن الشيخ، صاحب كتاب «المجالس» وغيره، هو أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسين بن بابويه القمي، وأخوه أبو طالب إسحاق بن محمد، والشيخ العدل الثقة آدم بن يونس بن المهاجر النسفي، والشيخ الفقيه الدّين أبو الخير بركة بن محمد بن بركة الأسدي، والشيخ العلم العين المشهور أبو الصلاح الحلبي، والسيد الثقة المحدث أبو إبراهيم جعفر بن علي بن جعفر الحسيني، وشيخ الإسلام الحسن بن بابويه القمي، والفقيه الثقة الوجيه الكبير محي الدين أبو عبدالله الحسن بن المظفر الهمداني، والشيخ الثقة الفقيه أبو محمد الحسن بن عبدالعزيز الجبهاني، والفقيه الثقة الشيخ الإمام موفق الدين، والفقيه الثقة الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني، والسيد الفقيه أبو محمد زيد بن علي بن الحسين الحسني، والسيد أبو الصمصام ذو الفقار بن معبد الحسيني، والشيخ سلمان بن الحسن بن سلمان الصهرشتي، والشيخ الفقيه الثقة صاعد بن ربيعان، والشيخ الفقيه أبو الصلت محمد بن عبدالقادر، والشيخ الفقيه المشهور سعد الدين ابن البراج، والشيخ عبدالرحمن بن أحمد النيسابوري، وعبدالجبار بن علي المقرىء الرازي، والشيخ علي بن عبدالصمد التميمي السبزواري، والشيخ عبيدالله بن الحسن بابويه القمي، والأمير الفاضل الزاهد الورع غازي بن أحمد بن أبي منصور الساماني، والشيخ الثقة الفقيه كردي بن عكبري بن كردي الفارسي، والسيد المرتضى أبو الحسن المطهر ابن أبي القاسم الديباجي، والشيخ الثقة الفقيه أبو عبدالله بن هبة الله الوراق، والشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن محسن الحلبي، والشيخ أبو سعد منصور بن الحسين الآبي، والشيخ الإمام جمال الدين محمد بن أبي القاسم الطبري، والسيد الفقيه المحدث الثقة ناصر الدين الرضي بن محمد الحسيني، ومحمد بن الحسن بن علي الفتال…
أما الكلام على المرحلة الثانية إلتي هي بيان أوضاع بعض ما له من المصنفات فمن جملة ذلك إن المستفاد من تتبع كتابه المعروف الكبير «تهذيب الحديث» إن وضعه إنما هو لمطلق جمع الأحاديث ما ورد منها على سبيل الوفاق أو الخلاف، بخلاف كتاب «الاستبصار» فإنه مقصور على جميع المخالفات من الأخبار، وكل منهما في بيان أحاديث أهل بيت العصمة، المتعلقة بفقههم وفروعهم في ضمن ثلاثين كتاباً من أبواب الفقه، كما عرفت إن كتابه المبسوط كان قد اشتمل على ثمانين كتاباً منها، إلا أن «التهذيب» أبسط من الاستبصار بكثير، وقد كتبه بإشارة أستاذه المفيد، وبعنوان الشرح لكتاب «المقنعة» الذي هو في الفقه كتاب سديد، وذلك لما سمعه يقول إن أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث، وترك المذهب، ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها، وإنه إذا كان الأمر على هذه الجملة فالاشتغال بشرح كتاب يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية من أعظم المهمات في الدين، ومن أقرب القربات إلى الله تعالى لما فيه من كثرة النفع المبتدي والريّض في العلم، وقد أسقط من الرسالة المذكورة بابها المتقدم الذي هو في أصول العقائد بإشارته أيضاً. لأنه كان خارجاً عن مقصوده، نعم هو مع ذلك كله اسم خالف المسمى، ولفظ لم يطابق المعنى لأن أخباره منثورة غير منتظمة، ومنشورة غير ملتئمة، وترتيبه مشوش عسير التناول، ومهوش كثير التساهل، تطلب منه أحاديث المسألة في غير موضعها كثيراً، فليكن المجتهد عند مراجعته إياه بمناسبات هذه المواضع بصيراً، وإن كان أصحاب «الوسائل»، و«البحار»، و«الوافي» كفونا بجوامعهم الثلاثة الباهرة النظام، مؤنة الرجوع إلى الكتب الأربعة الخالية تمامها عن التهذيب التام، ولا سيما هذا الكتاب الذي بلغ إليه منّا الكلام، وهو بعكس ما عرفته منه متّسم عند المؤلف له بـ«تهذيب الأحكام»، وسوف يأتي في ذيل ترجمة السيد هاشم البحراني إن شاء الله تعالى أيضاً أنه رتب كتاب تهذيب الشيخ أحسن الترتيب، غير أنه كما قيل سماه بعض علماء تلك الديار وتلك الأعصار بتخريب التهذيب، وليس ذلك من البلدي والمعاصر بعجيب.
هذا ومن جملة ما ذكر أيضاً، هو مما ينفع المراجعين إلى الكتب الأربعة علمه، ويضرُّ بهم فوق حد الرقم كتمه وجهله، هو إن بناء شيخنا المرحوم في كتابي حديثه اللذين هما من تلك الأربعة المتناسبة، نسبة الروايات إلى مصنفي الكتب التي وقع فيها النقل عنها من الأصول الأربعمائة وغيرها المؤلفة زمن الصادقين ومن بعدهما في أحاديث الإمامية الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام لا إلى عيون تلك الكتب والأصول كما هو دأب جماعة من قدمائنا الفحول، ولا إلى مشايخ نفسه المتصلة الإسناد إلى أولئك المصنفين، كما هي طريقة ثقة الإسلام في كتابه «الكافي»، ولا إلى رواة الأصل الذين تلقوها بدون الواسطة من بيان المعصوم، كما هو عمل شيخنا الصدوق في كتاب «من لايحضره الفقيه» ولما كان غير طريقة «الكافي» في أخذ الرواية يلحقها بباب المرسل، الذي ليس عليه منا المعول، لصدق عدم اتصال الإسناد بالنسبة إليه، وعدم حصول العلم لنا بكون النقل فيه بطريق الوجادة المعتبرة عند أهل الدراية، ومن جملة طرقهم السبع في تجويز الرواية، ولا أقل من كون هذه الطريقة مع عدم تمهيد الجابر لأضرارها في القطع بصدور مروياتها عند معتبريه أو معتقديه، وفي ظهور أدلة حجية خبر الواحد الظني المعتبر بالنسبة إلى أمثالها عند غيرهم، مع مخالفتنا الأصل الأصيل الأولى المسلم عند الكل الذي هو عدم حجية الظنون تدليساً في نسبة التحديث إلى المشايخ الأعلام، ومخالفاً لما أذن لنا في الرواة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، فلا جرم تدارك شيخنا الصدوق، ومولانا الشيخ المرحومان، ما كان قد ورد على جوامعهم الثلاثة من مقولة هذا النقصان بوضع كل منهما في خاتمة كتابه الأخير جزءاً أخيراً يذكر فيه مشيخة نفسه، بمعنى شيوخ روايته من ابتداء من أخذ عنه إلى أن يوصل إلى أحد من رواة الأصل، أو أصحاب تلك الكتب والأصول، وإن كان لا يتدارك بمشيخة كتاب التهذيب، ما وقع فيه من المدالسة والتجنيب، من جهة أنه أسقط المؤلف في جملة من أساتيذ أحاديثه راوياً أو راويين، لا يتصل منها السند إلا بعد تخلّل أحد منهما في البين، فصارت تلك الأخبار من هذه الجهة مرسلة بالمعنى الأعم مع أن أسانيدها في الظاهر متصلة على الوجه الأتم، وكذا من جهة كون جملة من الأخبار الواقعة فيه بعض الكتب التي قد أخذت هي أيضاً من كتب جماعة أخرى لا يكون اتصالاً بين مؤلفي تلك الكتب ومؤلفي هذه، فترى الشيخ ينقلها عنهم على سبيل العنعنة، وإسقاط تلك الوسائط المعينة، تعويلاً على ذكرها في أول كتابه، كما وقع هذا بالنسبة إلى كثير مما نقله عن موسى بن القاسم العجلي، عن بعض أصحاب تلك الكتب، من غير إشارة إلى ذكر الواسطة الواقعة بينهما لا محالة، فيظن الغافل عن حقيقة هذا الأمر الاتصال، مع أن الواقع عنهما هو الإرسال ومثل ما ترى منه أيضاً في خصوص ما نقله عن كتاب «الكافي» لثقة الإسلام الكليني رحمه الله أنَّه كثيراً ما أسند الحديث الذي ينقله عن ذلك الكتاب إلى من أورده هو في أول السند من غير التفات إلى أنه إنما أسقط من أوله ذكر شيخه الأول لكونه مذكوراً فيما تقدم عليه، فكان إليه الأمر قد حول عليه من العمول فليتأمل ولا يغفل.
ثم ليعلم أن من جملة ما ذكرناه قد ظهر لك أيضاً الوجه من شدة اهتمام الطائفة وغيرهم في إبقاء سلسلة الإجازات، وعدم التجاوز عن الطرق السبع المقررة عندهم في تحمل الروايات، من قراءة الشيخ على السامع منه مطلقاً، جميع كتاب الحديث مثلاً، كما ذكروها في المرتبة أولاً، ثم قراءته عليه حديثاً من أول الكتاب، وحديثاً من وسطه وحديثاً من آخره، كما رُوي في الصحيح عن عبدالله بن سنان قال، قلت لأبي عبدالله عليه السلام يجيئني القوم فيسمعون مني حديثكم، فأضجر ولا أقوى، قال فاقرأ عليهم من أوله حديثاً، ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثاً.
ثم ما كان بعكس الأول وهي قراءة الراوي على الشيخ، كما ذكروها تالية الأولى في الاعتلاء والاعتداد والاكتفاء به في الرواية عن الأستاذ، وقد نقل الإجماع على جواز الرواية بهذا الوجه، وكذا بالطريقة الأولى، وفيه أيضاً من الدلالة على عدم حجية خبر الواحد المعتبر مطلقاً ما لا يخفى.
ثم سماع الراوي حين قراءة غيره على الشيخ، ثم المناولة، ثم الإجازة بالمعنى الأخص، وهي تصريح الشيخ بلفظه أو بكتابته لأحد بالرخصة في الرواية عنه، لما عينه من مؤلفاته ومروياته، ثم الوجادة بالكسر التي هي من اللغات المولدة لأصحاب الدراية، تمييزاً عن سائر مصادر وجد يجد، وهي أنزل وجوه التجمل بمعناها الذي سوف تظفر عليه، حتى أن قيل والذي جعلوه من القدح في محمد بن سنان المشهور، أنه روى بعض الأخبار بالوجادة، فالأخبار التي نقلوها جلها بالوجادة انتهى. وقد عدَّ بعض محقي أرباب الدراية المناولة مع الإجازة من أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق ومقدماً على السماع الذي قد عرف لك منه السياق، والمراد بالمناولة هو أن يناول الشيخ كتاباً إلى الراوي، ويقول له: هذا الكتاب عن مروياتي عن الإمام أو الشيخ إلى الإمام عليه السلام فاروه عني مثلاً، أو لم يقل لكن علم الراوي أنه من مروياته، أو يرسل إليه ما أذن له في روايته وإن لم يصرح بالإذن في الرواية للمرسل إليه. فإنّ الظاهر الاكتفاء به أيضاً، بل الظاهر الاكتفاء بمحض إعلامه للمطالب بأن هذا الكتاب مثلاً من جملة رواته أو سماعه، وإن سكت عن الإذن له في الرواية، وإن جعلوه والكتابة إلى الطالب قسمين للمناولة بمعنييها المتقدمين كما روى في الكافي بإسناده عن أحمد بن عمر الحلاّل، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول إروه عني، يجوز لي أن أرويه عنه، قال: فقال إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه.
وكان من هذه الجهة قيد بعض أعاظم المحدثين قوله واعلم أن المشهور بين العلماء أنه يشترط الإجازة بأحد الطرق الستة أو السبعة، في نقل الخبر بقوله والظاهر الاحتجاج إليها في الكتب غير المتواترة، كالكتب الأربعة للمحمدين الثلاثة )رض(، كالكتب المشهورة عند الأئمة الثلاثة، فلا يكون ذكرهم الطريق إليه حينئذٍ إلا لمجرد التيمّن والتبرّك، مع أن في كلام البعض أيضاً النظر من جهة أنه ظن انحصار فائدة الإجازة في تصحيح النسبة، أو محض التيمّن والتبرّك، وهو في حيز المنع، فإن الظاهر من كلمات القوم فحاوي الأخبار الواردة في هذا المقام عدم جواز الرواية تعبداً، أو سجداً لثغور الشريعة المطهرة إلا بعد حصول الرخصة فيها من المشايخ بأحد من الوجود المقررة، كما لا يجوز الفتوى إلا بعد حصول درجة الاجتهاد، وإن كان مما يطابق الواقع مضافاً إلى عدم انطباق لفظة «جاءكم» المذكور في آية النبأ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْماً بِجَهَالَةِ} (الحجرات/6)، على غير ما كان من الخبر منقولاً بهذه النسبة، فينبغي العمل بما ألقاه الرجل من غير هذه الطرق تحت أصالة المنع عن العمل بمطلق الظنون فليتأمل.
قال مولانا الفقيه المتبحر الشيخ إبراهيم القطيفي (قدّس سرّه) في ذيل إجازته الطويلة للشيخ شمس الدين محمد بن الحسن الأسترآبادي، عند جرّه الكلام إلى ذكر غاية اهتمام علماء الإسلام بأمور الإجازة، وكونها أعم طرق الرواية منفعة، وأسهلها تناولاً لا يقال ما فائدة الإجازة، فإن الكتاب تصح نسبته إلى قائله ومؤلفه، وكذا الحديث لأنه مستفيض ومتواتر، وأيضاً فالإجازة لا بد فيها من معرفة ذلك، وإلاّ لم يجز إذ ليس كلّ مجيز يعيّن الكتب وينسبها، بل يذكر إن ما صح أنه من كتب الإمامية ونحو هذه العبارة لأنا نقول نسبة الكتاب إلى مؤلفه لا إشكال في جوازها، لكن ليس من أقسام الرواية والعمل والنقل للمذاهب توقف على الرواية، وأدناها الإجازة، فما لم تحصل لم تكن مروية، فلا يصح نقلها ولا العمل بها، كما لو وجد كتاباً كتبه آخر فإنه وإن عرف أنه كتبه، لم يصح أن يرويه عنه، (انتهى).
فالظاهر أن المناولة بالمعنى المذكور، كما أنها من أقسام الإجازة بالمعنى الأعم الشاملة لجميع الطرق المذكورة، كذلك هي من جملة أفراد الإجازة بالمعنى الأخص التي جعلوها قسيماً للقراءة والسماع والمناولة وغيرها، وذلك أن الإجازة بهذا المعنى أيضاً عندهم أعم من أن يكون متعلقها جميع مرويات الرجل ومصنفاته، أو كتاباً من كتب الحديث وغيره بالخصوص يشير إليه بالمكاتبة وغيرها في مقام إعطاء الرخصة في الرواية، بأن يقول الشيخ مثلاً أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب، أو جميع كتبي في رواياتي أو جميع ما صح عندك، أنه من روايتي. وأما المراد بالوجادة: فهو أن يجد الراوي كتاباً يعلم أنه من خط شيخه أو من روايته، كما إنا نعلم أن الكتب الأربعة من مصنفات ومرويات الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم، وقد استدل على جواز الاكتفاء بها في مقام الرواية: أولاً، بعموم الجواب الواقع في الرضوي السابق، واستقرار عمل الأصحاب على النقل من الكتب المعلومة الانتساب إلى مؤلفيها، من غير نظر منهم في رجال السند إليها ولا تمهيد لبيان المشيخة الواقعة بين الناقل وبينها، وثانياً بخصوص الخبر الذي رواه ثقة الإسلام الكليني في الصحيح عن محمد بن الحسن بن أبي خالد قال، قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام، وكانت التقية شديدة، فكتبوا كتبهم، قلما نَرْوِ عنهم فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال حدثوا بها، فإنها حقّ.
وفي الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة قال، قال أبو عبدالله عليه السلام: أكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متّ فاورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأمنون فيه إلاَّ بكتبهم، بل قال بعضهم إن هذا الخبر كما يظهر من عمومه العمل بالوجادة يدل على رجحان الكتابة والنقل، إما على الوجوب كما هو ظاهر الأمر، أو على الاستحباب على احتمال.
ويدل عليه أيضاً ما رواه في الصحيح عن أبي بصير قال، سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا، ورواه في الصحيح أيضاً عن أبي عبدالله عليه السلام قال: القلب يتكل على الكتابة.
والذي يدل على مرجوحية الإرسال ما رواه مرفوعاً قال، قال أبو عبدالله عليه السلام: إياكم والكذب المفترع، قيل له: وما الكذب المفترع؟ قال: أن يحدثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن الذي حدثك عنه، وبإسناده عن السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا حدثتم بحديث، فاسندوه إلى الذي حدثكم به، فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه.
وقال أيضاً المولى إسماعيل الخاجوئي (قدّس سرّه)، في ديباجة كتابه «الأربعين» وهو أنفع خزائن المجتهدين والمتتبعين، إني لم أطول الكلام كغيري في اتصال طريقي إلى الكتب الأربعة، لأن من الواضح بل الأوضح منه أن أمثال هذه الطرق ليست لذكرها فائدة تعتد بها إذ لا حاجة في زماننا وما يشبهه من الأزمنة التي اشتهر فيها «الكافي» و«التهذيب» وما شاكلهما من الكتب المشهورة اشتهار الشمس وسط السماء إلى الإسناد ببعض المشايخ إلى تلك الكتب، لأنها مشهورة معروفة بين عامة العلماء، ومعلوم يقيناً أن «التهذيب» مثلاً من الشيخ الطوسي، وأنه راض بالنقل عنه، فلا ثمرة للمشيخة إلا تشبهاً بالسلف، وتيمناً واتصالاً للسند فجهالة بعض هؤلاء وهم من مشايخ الإجازة والحافظين للأخبار غير ضارة إذا كان ما في أصل السند معتبراً، ولهذا لا يوصف الطريق الذي هم فيه بالصحة إن لم يكن فيه قادح من غير جهتهم. تم كلامه رَفَعَ الله مقامه.
ولكن مجال النظر باقٍ بعد فيما ذكره من الدليل على كفاية الوجادة مطلقاً في جواز العمل بالرواية، ومن نفي الفائدة في ترتيب الطرق إلى الأصول المعتبرة، والمصنفات المشتهرة، سوى محض التيمّن بتعديدها في ضمن المشيخات، والتبرّك بتفصيلها في ذيل الإجازات، وذلك لما قدمناه لك من التقرّب والتقرير وعدم الاتفاق على جواز الرواية على النحو الأخير، بل غير الأوليين مع السبع المعتبرة عند الأكثر كما صرح بهذه المرحلة بعض من تأخر.
ومن جملة ما يحقق المحصول لك أيضاً من هذا المرام ويبصرك في مضمار المسابقة إلى إتمام هذا الإكرام، كلام سيدنا العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) بما يكون هذا لفظه ولله درّه: فائدة، قد سلك كل من مشايخنا الثلاثة ـ أصحاب الكتب الأربعة رضوان الله عليهم ـ في أسانيد كتابه مسلكاً غير ما سلكه الآخر، فالشيخ الإمام ثقة الإسلام الكُليني رحمه الله جرى في «الكافي» على طريقة القدماء: من ذكر جميع السند، غالباً وترك أوائل الإسناد على سبيل الندرة، اعتماداً على ذكره الأخبار المتقدمة عليه في الباب، وقد يتفق له الترك بدون ذلك أيضاً، فإن كان المبتدأ بذكره في السند طريق معهود متكرر في الكتاب كأحمد بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد أو سهل بن زياد، فالظاهر البناء عليه، وإلا كان الحديث مرسلاً، ومثله في اصطلاح المحدثين (معلقاً).
والصدّوق رئيس المحدثين بنى في «الفقيه» من أول الأمر على اختصار وحذف أوائل السند، ووضع في آخره مشيخة يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال سنده في أخبار هذا الكتاب، وربما أخل فيها بذكر الطريق إلى البعض نادراً، فيكون السند باعتباره (معلقاً).
وأما شيخ الطائفة (قدّس سرّه)، فاختلفت طريقته في ذلك، فإنه قد يذكر في «التهذيب والاستبصار» جميع السند كما في «الكافي» وقد يقتصر على البعض بحذف الصدور كما في «الفقيه» واستدراك المتروك في آخر الكتابين فوضع له مشيخته المعروفة، وهي فيها واحدة غير مختلفة، وقد ذكر فيها جملة من الطرق إلى أصحاب الحديث والأصول والكتب ممّن صدر الحديث بذكرهم وابتدأ بأسمائهم ولم يستوف الطرق كلها، ولا ذكر الطريق إلى كل من روى عنه بصورة التعليق، بل ترك الأكثر لقلة روايته عنهم، وأحال التفصيل على فهارست الشيوخ المصنفة في هذا الباب، وزاد في «التهذيب»، الحوالة على كتاب «الفهرست» الشيوخ بذهاب كتبهم، ولم يبق منها الآن إلا القليل، كمشيخة الصدوق، وفهرست الشيخ الجليل أبي غالب الزراري، ويعلم طريق الشيخ منهما بوصل طريقه إليهما بطريقهما إلى المصنفين.
إلى أن قال رحمه الله: وذهب جماعة من المتأخرين إلى عدم الحاجة إلى الطريق فيما روى بصورة التعليق من أحاديث الكتب الثلاثة، لما قاله الصدوق في أول كتابه: إن جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المراجع. وما صرح به الشيخ في «المشيخة» إن ما أورده بحذف الإسناد إلى أصحاب الأصول والكتب قد أخذه من أصولهم وكتبهم. ففي «التهذيب» اقتصرنا في إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا الخبر من كتابه وصاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله، وفي «الاستبصار» نحو ذلك.
وعلى هذا فلا يضر الجهل بالطريق، ولا اشتماله على مجهول أو ضعيف، لأن الاعتماد على نقل الشيخين لهذه الأخبار من تلك الأصول والكتب، وقد كانت مشهورة معروفة في تلك الأعصار متواترة النسبة إلى أصحابهما عندهما كاشتهار كتبهما وتواترها عندنا، والوسائط بينهما وبينهم كالوسائط بيننا وبينهما، والجميع من مشايخ الإجازة، ولا يتوقف عليهم صحة الحديث، ولأنهم مع الذكر لا يقدح جهالتهم وضعفهم، فمع الترك والتصريح بالمآخذ أولى. ولذا لم يتعرض الشيخ في مقام الطعن في السند لرجال الواسطة، ولو كانوا من الرواة لتعرض لهم في بعض الأحيان.
ويضيف هذا القول إطباق المحققين من أصحابنا والمحصلين منهم على اعتبار الواسطة والاعتناء بها وضبطه المشيخة وتحقيق الحال فيها، والبحث عما يصح وعما لا يصح منها، وقدحهم في السند بالاشتمال على ضعيف أو مجهول وقد أوردهما العلاّمة وابن داود، في كتابيهما منوعة إلى أنواع الحديث، من الصحيح، والحسن، والموثق والضعيف، مع بناء السند على هذا التنوع، ووافقهما على ذلك سائر علماء الرجال والحديث والاستدلال، إلاَّ من شذَّ، ومقتضى كلام الشيخين في الكتب الثلاثة، إن الباعث على حذف الوسائط قصد الاختصار مع حصول الغرض بوضع الشيخة، لا عدم الحاجة إليها (كما قيل) وإلا لما احتيج إلى الاعتذار من الترك، بل كان الذكر هو المحتاج إلى العُذر، فإنه تكلف أمر مستغن عنه على هذا التقدير.
وقد صرح الشيخ في مشيخة التهذيب بأن إيراد الطرق لإخراج الأخبار بها عن حد المراسيل وإلحاقها بالمسندات، ونص فيها وفي مشيخة الاستبصار على أن الوسائط المذكورة طرق يتوصل بها إلى رواية الأصول والمصنفات.
وفي كلام الصدوق ما يشير إلى ذلك كله، فلا يستغني عن الوسائط في أخبار تلك الكتب، ودعوى تواترها عند الشيخ والصدوق كتواتر كتبهما عندنا ممنوعة، بل غير مسموعة كما يشهد به تتبع الرجال والفهارست والظن بتواترها مع عدم ثبوته، لا يدخلها في المتواتر، فإنه مشروط بالقطع، والقطع بتواترها البعض لا يجدي مع فقد التميز، وكون الوسائط من شيوخ الإجازة فرع تواتر الكتب، ولم يثبت.
وعدم تعرّض الشيخ لها في مقام الضعيف، ربما كان للاكتفاء بضعف غيرها ولثبوت الاعتماد عليها لغير التوثيق، أو لعدوله عما قاله في «الفهرست» و«الرجال» من الحكم بالضعف، فإن الشيخ قد يضعف الرجل في موضع ويوثقه في آخر، وآراؤه في هذا وغيره لا تكاد تنضبط على أنا لو سلّمنا تواتر جميع الكتب فذلك لا يقتضي القطع ما تضمنته من الأخبار فرداً فرداً، لما يشاهد من اختلاف الكتب المتواترة في زيادة الأخبار ونقصانها، واختلاف الروايات الموردة فيها بالزيادة والنقيصة والتغييرات الكثيرة في اللفظ والمعنى فالحاجة إلى الواسطة ثابتة في خصوص الأخبار المنقولة بألفاظها المعينة، وإن كان أصل الكتاب متواتراً، وأيضاً فالاحتياج إلى الطريق إنما يرتفع لو علم أخذ الحديث من كتاب من صدر الحديث باسمه، إلى أن قال:
من الجائز أن يكون أخذ الحديث من كتاب من تأخر عنه ونسبه إليه، اعتماداً على نقله له من كتابه، ثم وضع المشيخة ليدخل الناقل في الطريق ويخرج عن عهدة النقل عن الأصل، والاعتماد على الغير شايع معروف.
ثم إلى أن قال: ولا أقل من الاحتمال الناشىء من اختلاف عبارات الشيخ فلا يسقط اعتبار الطريق الذي وصفه لأخبار الكتابين، بل يجب اعتباره عملاً بالأصل، وظاهر الوضع المقتضي للاحتجاج، مع انتفاء القطع بخلافه إلى آخر ما ذكره رحمه الله (راجع: الفوائد الرجالية، ج4، ص72 ـ 80).
وقال مولانا المجلسي الأول (قدّس سرّه) الأجل الأبجل في ذيل ترجمته لأحوال محمد بن عيسى العبيدي الذي ضعفه الشيخ والصدوق واستثناء الثاني منهما من رجال كتاب «نوادر الحكمة» والذي يخطر ببالي، أن تضعيف الشيخ باعتبار تضعيف ابن بابويه، وتضعيفه باعتبار ابن الوليد كما صرح به مراراً، وتضعيف ابن الوليد لكون اعتقاده أنه يعتبر في الإجازة أن يقرأ على الشيخ، أو يقرأه الشيخ ويكون السامع فاهماً لما يرويه، وكان لا يعتبر الإجازة المشهورة بأن يقول: أجزت لك أن تروي عنّي، وكان محمد بن عيسى صغير السن لا يعتمدون على فهمه عند القراءة، ولا على إجازة يونس له، ولهذا ضعّفه، وأنت خبير بأنه لا يشترط ذلك، بل يكفي الإجازة في الكتب، بل لا يحتاج في الكتب المتواترة إلى الإجازة، فلهذا الاشتراط ضيق على نفسه بعض ما عاصرناه رحمه الله في أمثاله، والحق أحق بالأتباع، انتهى.
ولما بلغ الكلام إلى هذا المقام فلا جناح علينا أن نعطف لك أيضاً عنان العزيمة إلى نقل عين عبارة الشيخ في «مشيخة التهذيب» قبل شروعه في ذكر المشيخة لما في بين ذلك من المنافع المديحة، فنقول: قال ابتدأ منه رحمه الله تعالى في تقرير كنا شرطنا في أول هذا الكتاب أن نقتصر على إيراد شرح ما تضمنته الرسالة «المقنعة» وأن نذكر مسألة مسألة، ونورد فيها الاحتجاج من الظواهر والأدلة المفضية إلى العلم ونذكر مع ذلك طرفاً من الأخبار التي رواها مخالفونا، ثم نذكر بعد ذلك ما يتعلّق بأحاديث أصحابنا رحمهم الله، ونورد المختلف في كل مسألة منها والمتفق عليها، ووفينا بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة، ثم رأينا أن نخرج بهذا البسط عن الغرض، ويكون مع هذا الكتاب مبتوراً غير مستوفٍ، فعدلنا عن هذه الطريقة إلى إيراد حديث أصحابنا رحمة الله [عليهم] المختلف فيه والمتفق. ثم رأينا بعد ذلك أن استيفاء ما يتعلق بهذا المنهاج أولى من الأطناب في غيره، فرجعنا وأوردناه من الزيادات ما كنا أخللنا به، واقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا الخبر من كتابه، أو صاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله، واستوفينا غاية جهدنا ما يتعلق بأحاديث أصحابنا رحمة الله [عليهم] المختلف فيه والمتفق، وبينّا عن وجه التأويل فيما اختلف فيه على ما شرطناه في أول الكتاب، وأسندنا التأويل إلى خبر يقضي على الخبرين، وأوردنا المتفق منها ليكون ذخراً وملجأ لمن يريد طلب الفتيا من الحديث. والآن فحيث وفق الله تعالى الفراغ من هذا الكتاب، نحن نذكر الطرق التي نتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات، ونذكرها على غاية الاختصار ليخرج الاخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات، ولعلّ الله تعالى يسهل لنا الفراغ أن نقصد بشرح ما كنا بدأنا به على المنهاج الذي سلكناه، ونذكره على الاستيفاء والاستقصاء بمشية الله وعونه.
فما ذكرناه في هذا الكتاب عن محمد بن يعقوب الكُليني رحمه الله فقد أخبرنا به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب.
وأخبرنا به أيضاً الحسين بن عبيدالله بن أبي غالب أحمد بن محمد الزراري، وأبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، وأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي عبدالله أحمد بن أبي رافع الصيمري، وأبي الفضل الشيباني، وغيرهم، كلهم عن محمد بن يعقوب الكُليني، وأخبرنا به أيضاً أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر عن أحمد بن أبي رافع، وأبي الحسين عبدالكريم بن عبدالله بن نصر البزاز، بتنيس، وبغداد، عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكُليني، جميع مصنفاته وأحاديثه سماعاً ببغداد بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وما ذكرته عن علي بن إبراهيم بن هاشم، فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، وأخبرني أيضاً برواياته الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري، عن علي بن إبراهيم بن هاشم. إلى أن قال بعد إيراد سائر سبله الجياد إلى المشايخ والأمجاد الواقعة أسماؤهم الشريفة على أوائل الإسناد، قد أوردت جملاً من الطرق إلى هذه المصنفات والأصول لتفصيل ذلك شرح يطول وهو مذكور في الفهارس المصنفة في هذا الباب للشيوخ رحمهم الله، من أراده أخذه من هناك إن شاء الله.
وقد ذكرناه نحن مستوفى في كتاب «فهرست كتب الشيعة» والحمد لله رب العالمين والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. «راجع كتاب تهذيب الأحكام، ج1، ص4 ـ 88».
وقد يستفيد المتأمل فيما نقلناه من المشيخة مراد شيخنا المبرور أيضاً من باب الزيادات المتكرر وقوعه في أبواب العبادات من «التهذيب»، ولا يبعد اتحاده مع ما ذكره بعض أعاظم شرّاح الكتاب المذكور في تحقيق مراده من اللفظ المزبور بقول رحمه الله في ذيل ترجمة حديث منه، وقد كان الأولى ذكر هذا الحديث مع حديث فارس، وذكره هنا لا مناسبة تقتضيه، ولكن مثل هذا في هذا الكتاب كثير، وكنت كثيراً ما أبحث عن السبب فيه حتى عثرت به، وهو أن الشيخ (قدّس الله روحه) كان قد رزق الحظ الأوفر في مصنفاته واشتهارها بين العلماء، وإقبال الطلبة على نسخها وكان كل كراس يكتبه يبادر الناس إلى نسخه وقراءته عليه، وتكثر النسخ من ذلك الكراس، ثم يطلع بعد ذلك الكراس وكتابته على أخبار تناسب الأبواب السابقة، ولكنه لم يتمكن من إلحاقها بها لسبق الطلبة إلى كتابته وقراءته، فهو طاب ثراه تارة يذكر هذا الخبر في أبواب غير مناسبة له، وتارة أخرى يجعل له باباً ويسميه باب الزيادات والنوادر، وينقل به الأخبار المناسبة للأبواب السابقة، وقد وقع مثل هذا لشيخنا وأستاذنا صاحب «بحار الأنوار» أدام الله أيامه فإن مؤلفاته مما رزقت من الاشتهار حظ لا تدانى فيه، وكان كل كراس يصنفه تسارع الطلبة إلى أخذه منه للنسخ والقراءة، وهو الآن بحمد الله موجود في دار السلطنة أصفهان، يملي على العلماء من فوائده تدريساً ووعظاً، وقد كنت ملازماً لحضرته ليلاً ونهاراً تقريباً من عشر سنين، ونقلت منه قراءة عليه وسماعاً من فيه الأصول الأربعة وغيرها من كتب الحديث، وكتب الفقه، والتفسير، والعربية، والمنطق، وسائر مؤلفاته، وخصوصاً كتابه البديع الموسوم بـ «بحار الأنوار» المشتمل على أربعة وعشرين مجلداً، وأجاز لي إجازة خاصة وعامة جميع ما صح له روايته والحمد لله على منّنا بهذا التوفيق، ونرجو منه سبحانه أن يمن علينا بالوصل إلى زيارته.
هذا ومن جملة ما يؤكد هذا المطلب أيضاً مع زيادة فائدة فيه متعلق بأصل كتاب «التهذيب» هو ما ذكره الشارح المذكور في ذيل شرح قول المصنف في أول خطبة الكتاب المسطورة الحمد لله ولي الحمد ومستحقه بقوله: وفي كثير من النسخ، الحمد لولي الحمد ومستحقه، والمعنى واحد، واعتمادنا على نسختنا للتهذيب أكثر من غيرها وذلك إنا كتبناها في أصفهان حال قراءتها وقابلناها تصحيحاً وتوضيحاً على نسخة المولى التقي، محمد تقي المجلسي، تغمده الله برحمته، وهو قد قابل نسخته على نسخ متعددة من نسخ المحدثين والمجتهدين، وبعض «التهذيب» قوبل من نسخة شيخنا الطوسي رضوان الله عليه، وتلك النسخة كانت موجودة في خزانة الشهيد الثاني (نوّر الله مضجعه) فانتقلت بعده إلى أولاده وهي الآن عند ولده الفاضل شيخنا وأستاذنا الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن شيخنا الشيخ زين الدين في أصفهان أدام الله أيام سلامته، وضاعف عليه بركات سعادته، فمن أجل هذا قوي الاعتماد على هذه النسخة، لأن كتب الحديث سيما كتاب «التهذيب» قد وقع فيه من التصحيف والتحريف والزيادة والنقصان، ما لم يقع في غيره من كتب الأصول، وأقوى الأسباب فيه ما أشار إليه المحقق صاحب «المنتقى» في مواضع كثيرة، وهو أن النسخة التي كتبها الشيخ الطوسي التي هي أصل النسخ كلها قد كانت كتابتها مضطربة ومشوشة، وفيها التباس بعض الكلمات ببعض أُخر، وكثير من الحروف بعضها ببعض، ومن هذا وقع في الأسانيد إقامة الواو مقام عن، ولفظ «أنْ» مكان «عن» أيضاً، وقد وقع في نسخة الأصل بعض الزيادة، فتداركها بالخط عليها، لكنه خطّ غير بين، فلم يتضح الحال، وكان في الأسانيد يكتب فلان عن فلان وفلان، ويكون الواو غلطاً، والصواب لفظ عن، فيتداركه بأن يضيف إلى رأس الواو حلقة حتى يصير عيناً، فلا تصير عيناً ظاهرة، فيشتبه الحال على الناسخين، فمنهم من يكتبه واواً، ومنهم من يكتبه عيناً إلى غير ذلك من الاشتباه، فسرى الاشتباه في أكثر الكتب ونشأ التحريف والزيادة والنقصان، وأما الشيخ طاب ثراه فإنه لم يرجع النظر مرة أخرى على ذلك، وذلك لأنه كان كل كراس يؤلفه يأخذه منه طلبة العلم، ويبادرون إلى كتابته وقراءته، ومن هنا لما عثر على بعض الأخبار المناسبة للأبواب لم يمكنه إلحاقها معها، فوضع لها باب النوادر، فجاء كتاباً مشوشاً، قد تداخل بعضه ببعض، بخلاف كتاب «الكافي» فإنه جيد الترتيب، لم تتداخل أخباره كـ«التهذيب» وكذلك «الاستبصار» أيضاً، انتهى.
وما ذكره (قدّس سرّه) في المقصود من باب النوادر الواقع في كتاب «التهذيب» و«الكافي» كثيراً ما ينافي ما ذكره صاحب «السرائر» في باب النوادر من كتاب القضاء منه في ذيل رواية جعفر بن عيسى أنه قال، كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: جُعلت فداك، المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم، أتقبل دعواه بلا بينة؟ فكتب إليه، يجوز بلا بينة، حيث قال: قال محمد بن إدريس، أول ما أقول في هذا الحديث أنه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً، إلى أن قال، ثم لم يورد هذا الحديث إلاّ القليل من أصحابنا، ومن أورده في كتابه ما أورده إلا في أبواب النوادر، وشيخنا المفيد، والسيد المرتضى، لم يتعرضا له، ولا أورداه في كتبهما، وشيخنا أبو جعفر رحمه الله ما أورده في جميع كتبه، بل في كتابين منهما فحسب، إيراداً لا اعتقاداً كما أورد أمثاله من غير اعتقاد بصحته على ما بينّاه وأوضحناه في كثير مما تقدم في كتابنا هذا، ثم شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله رجع عنه وضعفه في جواب المسائل الحائريات المشهورة عنه المعروفة، وقد ذكر شيخنا المفيد محمد بن النعمان رحمه الله في الرد على أصحاب العدد الذاهبين إلى أن شهر رمضان لا ينقص، قال: فأما ما تعلق به أصحاب العدد من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً، فهي أحاديث شاذة، وقد طعن نقاد الآثار من الشيعة في سندها وهي مثبتة في كتاب الصيام في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها، هذا آخر كلامه. وهذا الحديث من رواه في كتابه ما يثبته إلا في باب النوادر (انظر السرائر، ص 199 ـ 200).
ثم أنه قد ظهر أيضاً مما قد ذكره الشارح المتقدم اللبيب في حق كتاب «التهذيب» صدق ما نسب إلى مصنفه المنيف، من عدم التهذيب له في أمر التأليف والتصنيف، وكثرة ما يقع له في ذلك من الخطأ والتحريف، إما لشدة حرصه على محض الجمع والجباية، أو لسعة دائرته في ميدان الفتوى والرواية، مضافاً إلى ما نمي إليه من الإهمال في مرحلة تعريف الرجال، مع أن الظاهر كون علم الرجال من جملة مسلماته وآل معظم رجوع الطائفة إلى توثيقاته، قال مولانا إسماعيل الخاجوئي المحقق في هذا المجال، بل في سائر السجال، لا يسوغ تقليد الشيخ في معرفة أحوال الرجال، ولا يفيد اخباره ظناً بل ولا شكاً في حال من الأحوال، لأنّ كلامه في هذا الباب مضطرب، ومن اضطرابه أنه يقول في موضع أن الرجل ثقة، وفي آخر أنه ضعيف، كما في سالم بن مكرم الجمال، وسهل بن زياد من رجال علي بن محمد الهادي عليه السلام، وقال في الرجال، محمد بن علي بن بلال ثقة. وقال في كتاب «الغيبة» أنه من المذمومين. وفي عبدالله بن بكير: أنه ممن عملت الطائفة بخبره بلا خلاف، وكذا في «العدة» وفي «الاستبصار» في أواخر الباب الأول من أبواب الطلاق منه صرح بما يدل على فسقه وكذبه، وأنه يقول برأيه، وفي عمار الساباطي أنه ضعيف لا يعمل بروايته، وكذا في «الاستبصار» وفي «العدة» أن الطائفة لم تزل تعمل بما يرويه، وأمثال ذلك منه كثير جداً، وأنا إلى الآن لم أجد أحداً من الأصحاب غير الشيخ في هذا الكتاب يوثق علي بن أبي حمزة البطائني، أو يعمل بروايته إذا انفرد بها لأنه خبيث واقفي كذّاب مذموم. قال سيدنا الرضا عليه السلام بعد موته أنه أقعد في قبره فسئل عن الأئمة فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إليَّ فوقف، فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره ناراً، وقال أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري علي بن أبي حمزة لعنه الله أصل الوقف، وأشد الناس عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم عليه السلام، وقال محمد بن مسعود، سمعت علي بن الحسين يقول: إن ابن أبي حمزة ملعون، قد رويت عنه أحاديث كثيرة إلا أني لا أستحل أن أروي عنه حديثاً واحداً.
وأما الكلام على كتاب فقهه المشهور المرسوم بـ«نهاية الأحكام» فقد تقدمت الإدارة إليه في صدر العنوان، نزيدك هنا بياناً ما أورده الفاضل الأمير محمد صالح الحسيني الخواتون آبادي رحمه الله في كتابه الموسوم بـ«حدائق المقربين» في حق كتابه المذكور، وهو أنه قال:
رأيت على ظهر كتاب عتيق من «نهاية» الشيخ: حدثني جماعة من الثقات أن جمعاً من أجلاء الشيعة، مثل الحمداني القزويني، وعبدالجبار بن عبدالله المقري الرازي، والحسن بابويه الشهير بحسكا المتوطن بالري، تكلموا في بغداد على «نهاية» الشيخ وترتيب أبوابه وفصوله، واعتراض كل منهم على الشيخ في مسائل ذلك الكتاب، وقالوا لا يخلو هذا الكتاب من خلل وقصور، فانتقلوا جميعاً إلى النجف الأشرف لأجل الزيارة، وكان هذا في حياة الشيخ، فتذاكروا هناك لما جرى بينهم، فتعاهدوا أن يصوموا ثلاثة أيام ويغتسلوا ليلة الجمعة، ويدخلوا الحرم المطهر ويصلوا هناك لعل أمر الكتاب ينكشف عليهم، ففعلوا ذلك فرأوا أمير المؤمنين عليه السلام في منامهم أنه قال: ما صنف في فقه أهل البيت كتاب يحق الاعتماد عليه والاقتداء به والرجوع إليه مثل «النهاية» التي أنتم تتنازعون فيها، وذلك لأن مصنفه قد أخلص النية فيه لله سبحانه، فلا ترتابوا في صحة ما ذكر فيه واعملوا به وافتوا بمسائله فإنه مغنٍ من جهة حُسن ترتيبه وتهذيبه عن سائر الكتب، ومشتمل على المسائل الصحيحة، وتكلم فيه على أطرافها، فلما قاموا قال كل واحد منهم للآخر أنا رأيت رؤيا تدل على صحة كتاب «النهاية» والاعتماد على مصنفه، فاستقرت آراؤهم على أن يكتب كل منهم واقعته قبل أن يحكيها، ثم يوازنها مع ما رآه الآخر، فلما كتبوا وقابلوها ما وجدوا فيها اختلافاً بمقدار كلمة، فأظهروا السرور من أجل ذلك، ودخلوا جميعاً على الشيخ المصنف بالتحية والإكرام، فلما رآهم الشيخ قال: أما كفاكم الذي كنت أقول لكم في فضل كتاب «النهاية» حتى سمعتم من لفظ أمير المؤمنين عليه السلام في المنام، مثل ما ظهر لكم، وحكى لهم ما رآه، فأوجب ذلك علماء الشيعة بفتاوي «النهاية» في الأعصار المتمادية، حتى إن جماعة من العلماء ذكروا أن الشيعة لم يكن فيهم مجتهد بعد زمن الشيخ إلى ثمانين سنة، وكان علماء الشيعة يعملون «بنهاية» الشيخ في تمام هذه المدة، ويعتمدون على فتاويه».
وفاته
لم يبرح شيخ الطائفة في النجف الأشرف مشغولاً بالتدريس والتأليف، والهداية والإرشاد مدة اثنتي عشرة سنة حتى توفي رحمه الله سبحانه وتعالى ليلة الاثنين والعشرين من محرم الحرام سنة ستين وأربعمائة (460هـ)، بالمشهد المقدس الغروي على ساكنه السلام، عن خمس وسبعين سنة، وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي، والشيخ أبو محمد الحسن بن عبدالواحد العين زربي، والشيخ أبو الحسن اللؤلؤي ودفن في جواره بوصية منه.
وأرخ وفاته بعض المتأخرين بقوله مخاطباً مرقده الزاكي كما هو مسطور على جدار المسجد، وقد ذكره الشيخ جعفر نقدي في كتابه «ضبط التاريخ بالأحرف» ص13:
أودى بشهرِ مُحَرَّمٍ بإضافة
حُزْناً بِفاجِعِ رِزْئِهِ المُتَجَدِّدِ
إلى أن قال:
إِبْكِ شيخَ طائفةِ الدُعاةِ إلى الهُدى
وَمُجَمِّعُ الأحكامِ بَعْدَ تَبَدّدِ
إلى أن قال:
وبكى لَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ مُؤرِّخاً
«أَبكى الهُدَى والدَّيْنَ فَقْدُ مُحَمَّدِ»
وتحولت الدار بعد ذلك مسجداً في موضعه اليوم حسب وصيته أيضاً، وهو مزار يتبرّك به الناس من العوام والخواص ومن أشهر مساجد مدينة النجف الأشرف، عقدت فيه منذ تأسيسه حتى اليوم عشرات حلقات التدريس من قبل كبار المجتهدين وأعاظم المدرسين فقد كان العلماء يستمدون من بركات قبر الشيخ لكشف غوامض المسائل ومشكلات العلوم، ولذلك كان مدرس العلماء ومعهد تخريج المجتهدين إلى عصر شيخ الفقهاء الشيخ محمد حسن صاحب «الجواهر» الذي كان يدرس فيه أيضاً، حتى بعد أن بنوا له مسجده الكبير المشهور باسمه. واستمرت العادة كذلك إلى عصر الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب «الكفاية» فقد كان تدريسه فيه ليلاً إلى أن توفي رحمه الله، وكذلك شيخ الشريعة الأصفهاني فقد كان يدرس فيه عصراً إلى أن توفي رحمه الله.
وموقع مسجد الشيخ في محلة المشراق من الجهة الشمالية للصحن المرتضوي الشريف، وسُمّي باب الصحن المنتهي إلى مرقده بـ (باب الطوسي)، وقد طرأت عليه بعد عمارته الأولى عمارتان إحداهما سنة 1198هـ، والثانية سنة 1305هـ وهي العمارة الموجودة اليوم. وفي سنة 1369هـ هدمت الحكومة ما يقرب من ربع مساحته فأضافتها إلى الشارع الذي فتحته بجنبه في نفس العام وسمته «شارع الطوسي» أيضاً، فصار للمسجد بابان، أحدهما وهو الأكبر والأوجه، على الشارع الجديد العام من جهة الشرق، والثاني هو الباب الأول من جهة الغرب على الطريق القديم مقابل «المدرسة المهدية»، (انظر أعيان الشيعة، ج44، ص52).
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو المهرجان الذي عقد في كلية الإلهيات بجامعة مشهد بخراسان «إيران» حيث حضره ممثلون من علماء إيران، وأندونيسيا، وأفغانستان، وألمانيا، وأمريكا، وإنجلترا، وإيطاليا، وروسيا، وتركية، وباكستان، والعراق، وفرنسا، ولبنان، وسورية، والأردن، ومراكش، واليمن، والهند، وبعض الدول الأخرى، وأُلقيت في هذا المهرجان أكثر من أربعين كلمة، وطبعت هذه الكلمات والخطابات والمحاضرات في ثلاثة مجلدات يشتمل الأول على المقالات الفارسية، نشر بمشهد «إيران» سنة 1349هـ.ش، والمجلد الثاني يشتمل على المقالات العربية، طبع بمشهد أيضاً سنة 1351هـ.ش، والثالث يشتمل على بقية المقالات الفارسية، والخطب والمحاضرات التي أُلقيت باللغات الأجنبية، وطبع بمشهد أيضاً سنة 1354هـ.ش، ومما جاء في هذا المجلد رسالة الشيخ آغا بزرك الطهراني مؤلف موسوعة الذريعة إلى تصانيف الشيعة التي أرسلها إلى المؤتمر، ولعلّها كانت آخر رسالة كتبها بيده باللغة الفارسية، وقد قُرأت هذه الرسالة في أولى جلسات المؤتمر بعد 28 يوماً من وفاة مرسل الرسالة وهو يوم 28/12/1348هـ.ش. المصادف 19 مارس سنة 1968 من هذا المجلد تصريح الأستاذ محمد واعظ زادة أستاذ كلية الإلهيات بجامعة مشهد والقائم بنشر المجلدات الثلاثة المذكورة أعلاه، بأن العلاّمة الشيخ آغا بزرك الطهراني كان أول من اقترح إقامة المهرجان الألفي للشيخ الطوسي، حيث قدم اقتراحه المذكور إلى عميد كلية الحقوق بطهران والإمام السيد حسين البروجردي في سنة 1375هـ.
مصنفاته
خلّف الشيخ الطوسي للمكتبة العربية والإسلامية مؤلفات سامية في قيمتها العلمية لا تزال خالدة مع الزمن، وهي مرجع للمجتهدين والباحثين منذ أكثر من تسعة قرون بل هي من عيون المؤلفات النادرة التي من شأنها أن توضع على أعلى رفوف المكتبة العربية والإسلامية إذا وضعنا مؤلفات الكتاب على رفوف متصاعدة حسب قيمتها العلمية، حيث لصاحب الترجمة في كل فن ألّف فيه مؤلف هو الأول من نوعه وكل من جاء بعده كان عيالاً. وإليك ما توصلت إليه من مؤلفات هذا العلاّمة الفريد:
1 ـ كتاب الغيبة، طبع هذا الكتاب طبعاً صحيحاً جيداً في مدينة تبريز سنة 1324هـ، بنفقة الحاج محمد صادق التبريزي وهو المعروف بالقاضي بن الحاج محمد علي بن الحاج علي محمد.
ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222) وقال: «كتاب حسن مشهور، وهو في إثبات غيبة صاحب الزمان [عج] وبيان شواهدها وأسبابها، وسائر ما يتعلق ببابها فيما يقرب من «إكمال» شيخنا «الصدوق»، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص296)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص79، الرقم 399) وقال: «كتاب الغيبة ـ للحجة، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد الطوسي، أوله: الحمد لله الذي هدانا لحمده وجعلنا من أهله ووفقنا للتمسك بدينه، والانقياد لسبيله ـ إلى قوله ـ فإني مجيب ما رسمه الشيخ الجليل أطال الله بقاءه من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان وسبب غيبته، والعلة التي لأجلها طالت غيبته وامتدّ استتاره مع شدة الحاجة إليه…
وأورد في (ص85) من النسخة المطبوعة، جواب الاعتراض عن طول عمر الحجة إلى هذا الوقت الذي هو سنة 447هـ.
فظهر منه سنة التأليف، وعلى هذا فليس مراده من الشيخ الجليل أطال الله بقاءه، الشيخ السعيد أبي عبدالله المفيد الذي توفي سنة 413هـ، «كما قاله البعض»، كما ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49).
2 ـ كتاب الإيجاز، في الفرائض، ذكره له النجاشي في الرجال (ص287)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص486، الرقم 1905) وقال: «أوله: الحمد لله رب العالمين ـ إلى قوله ـ سألتَ أيدكَ الله إملاء مختصر في الفرائض والمواريث يحيط بجميع أبوابه على طريقة الإيجاز. وإنما سمي بـ«الإيجاز» لأن غرضه فيه الإيجاز كما عمله في الجمل والعقود في العبادات وأحال فيه التفصيل إلى كتابه «النهاية»، وتوجد نسخة كتابتها سنة 968هـ في مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، ورأيت منه نسخاً أُخر، وهو من مآخذ البحار كما في أوله».
وقال في الرياض: رأيت نسخة عليها تملك السيد حسين بن حيدر الكركي، كما ذكره له الأستاذ خير الدين الزركلي في الأعلام (ج6، ص315، س2 وس21)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48).
3 ـ كتاب الجمل والعقود، في العبادات والاقتصاد، ذكره له الشيخ عباس القمي في الكُنى والألقاب (ج2، ص396)، والنجاشي في الرجال (ص287)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221) وقال: «في العبادات والاقتصاد والعقائد والأصول»، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج5، ص145، الرقم 615) وقال: «في العبادات لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المولود سنة 385هـ، والمهاجر إلى العراق في سنة 408هـ والمجاور للغري «بالنجف الأشرف» سنة 448هـ، والمتوفى بها في (22 المحرم سنة 460هـ)، رأيت منه في النجف نسخاً في خزانة كتب شيخنا «شيخ الشريعة الأصبهاني»، وفي موقوفة المولى محمد مهدي القومشهي بعد موته في سنة 1281هـ، وفي مكتبة الشيخ عبدالحسين بن قاسم الحلّي النجفي، وفي طهران في مكتبة السيد محمد المشكاة كتابتها سنة (927هـ). أوله: الحمد لله حق حمده ـ إلى قوله ـ فإني مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل أطال الله بقاءه (المراد بالشيخ الفاضل: القاضي عبدالعزيز بن نحرير بن البراج قاضي طرابلس، كما في هامش بعض النسخ القديمة منه) من إملاء مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات، وذكر عقود أبوابها، وحصر جملها، وبيان أفعالها، وانقسامها إلى الأفعال والتروك، وما يتنوع إلى الوجوب والندب وأن أضبط أبوابها بالعدد ليسهل على من يريد حفظها. ثم شرع في الفقه من أول كتاب الطهارة إلى آخره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، كما ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49).
4 ـ كتاب التبيان الجامع لعلوم القرآن، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48)، والعلاَّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص220)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص395)، والعلاّمة الشيخ التستري في قاموس الرجال (ج8، ص134)، والنجاشي في الرجال (ص287)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج3، ص328، الرقم 1197) وقال: «في تفسير القرآن لشيخ الطائفة بقول مطلق الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، وصفه في فهرسه عند ذكر تصانيف بقوله، وله كتاب تفسير القرآن لم يعمل مثله» ولكن النجاشي صرح باسمه، قال: «وكتاب التبيان في تفسير القرآن»، وقال آية الله بحر العلوم في فوائده الرجالية في وصفه: «إن كتاب التبيان الجامع لعلوم القرآن كتاب جليل كبير عديم النظير في التفاسير، وشيخنا الطوسي إمام التفسير في كتبه، إليه يزدلف ومن بحره يغترف».
وأضاف قائلاً: «نعم هو أول تفسير جمع فيه أنواع علوم القرآن» وقد أشار إلى فهرس مطوياته في ديباجته، أوله: «الحمد لله اعترافاً بتوحيده، وإخلاصاً لربوبيته، وإقراراً بجزيل نعمه» إلى قوله: «فإن الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب إني لم أجد في أصحابنا من عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن ويشتمل على فنون معانيه»، ثم ذكر اختلاف سيرة جمع من المفسرين في تأليف تفاسيرهم وأشار إلى جهة الاختلال فيها، إلى أن قال: «وأصلح من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصداً، محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني، وعلي بن عيسى الرماني، فإن كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى غير أنهما أطالا الخطب فيه وسمعت جماعة من أصحابنا يرغبون في كتاب مقتصد يشمل على جميع فنون علم القرآن، من القراءة، والمعاني، والإعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين، كالجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم. وذكر ما يختص أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها. وأنا إن شاء الله أشرع في ذلك على وجه الإيجاز وأقدم أمام ذلك فصلاً يشتمل على ذكر جمل لا بد من معرفتها».
ثم عقد فصلاً بيَّن فيه إن مجموع ما بين الدفتين ـ المنتشر في الآفاق المعروف لدى كل أحد أنه كتاب الإسلام ـ وحي منزل بجميع آياته وبسوره وليس بين الدفتين شيء غير الوحي الإلهي وهو القرآن المعجز باتفاق جميع المسلمين وبلا خلاف بينهم في شيء من ذلك أبداً إذ احتمال الزيادة فيه مجمع بطلانه بين المسلمين، وكذا احتمال نقص وما روي من طريق الآحاد أنه من آي القرآن، مدفوع بمذهب المسلمين، إن الآحاد لا يوجب علماً ولا عملاً، إلى قوله: «ولو صح ذلك لما كان طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه» إلى قوله: «فإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه».
أقول: هذا التفسير النفيس عزيز الوجود في الغاية وقد كان عند العلاّمة المجلسي وذكره من مآخذ كتاب البحار في أوله ولكني لم أطلع على وجود تمام مجلداته في مكتبة واحدة في عصرنا هذا، نعم يظهر من فهرس مكتبة الأزهر بمصر ومكتبة السلطان محمد الفاتح ومكتبة السلطان عبدالحميد خان وغيرها إن في كل منها نسخة منه، وحكى الشيخ صادق الكتبي وجود نسخة في طهران في مكتبة الحاج حسين آغا الملك، وحدثني الشيخ محمد صالح آل طعان القطيفي بوجود نسخة في القطيف في مكتبة الشيخ جعفر بن محمد القطيفي الأخباري، وذكر شيخ الإسلام الزنجاني أنه توجد في زنجان في مكتبته قطعة منه من أول سورة إبراهيم إلى أول سورة الكهف عليها خط المولى خليل القزويني في سنة 1048هـ: وحكى أن ثلاثة مجلدات منه كانت في الخزانة الغروية بخط قديم عليها تملك السيد محمد بن عميد الدين عبدالمطلب الأعرجي ابن أخت العلاّمة الحلّي، وأنه استنسخ عنها الفاضل مؤيد الأطباء المعاصر نسخة جعلها في مجلدين لكني لم أرَ منها إلا مجلداً واحداً وهو الجزء الثاني منه من أول قوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ} الآية (130) من سورة البقرة إلى الآية (116) من آل عمران، بخط محمد بن محمد بن علي ابن الدري فرغ منه يوم السبت 29 شعبان سنة 576هـ وقابله بأصله الشيخ علي بن يحيى وفرغ في شوّال سنة 576هـ، وعليه تملك السيد محمد بن عبدالمطلب والنسخة موقوفة من تركه السيد جلال الدين عبدالله بن شرف شاه الحسيني سنة (810هـ) للخزانة الغروية وعليه بلاغات كثيرة بعنوان «عرض على البصير»، ومما رأيته منه أيضاً مجلد ضخم كبير من أواسط سورة هود إلى أواسط سورة الكهف وهو بخط محمد بن محمد بن علي فرغ منه في آخر شعبان سنة 566هـ كان عند مجيد الدين النصيري ابن صدر الأفاضل ميرزا لطف علي الشيرازي نزيل طهران، ويوجد عندي من وقف سنة 1140هـ مجلداً ضخماً كبيراً مشتملاً على ثلاثة أجزاء من «التبيان» الجزء الأول والرابع والسادس كلها في 824 صفحة بخط جيد جلي كل صفحة في ثلاثين بيتاً، يزيد المجموع على أربعة وعشرين ألف وخمسمائة بيت، تاريخ كتابته سنة 1087هـ ولم يذكر الكاتب اسمه.
وفي الروضات: حكى عن صاحب تاريخ مصر أنه ذكر الشيخ الطوسي وقال: «هو صاحب التفسير الكبير الذي هو في عشرين مجلداً».
فما وقع في «الشيعة وفنون الإسلام» من أنه في عشرة مجلدات غير مبني على الحصر الحقيقي، ولعله أراد المجلد الضخم الحاوي لثلاثة مجلدات. وقد اختصره الشيخ محمد بن إدريس ويقال له مختصر البيان.
وذكر صاحب الذريعة المختصر المذكور في «التسلسل 2504 ص184 ج2» وقال: «مختصر التبيان: ـ للشيخ الفقيه أبي جعفر بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي «صاحب السرائر» المتوفى سنة 598هـ، حكى بعض الثقات أنه موجود بكربلاء عند الفاضل الطبيب مؤيد الأطباء، واستنسخه هو من نسخة كانت للسيد محمد شرف الدين البحراني نزيل بندر لنجه «بندر لنگه ـ إيران» المتوفى بها حدود سنة 1314هـ».
5 ـ كتاب الاستبصار، فيما اختلف فيه من الأخبار، ذكره القمي (ص395)، والعلاّمة التستري (ص135)، والنجاشي (ص287)، وصاحب منهج المقال (ص292)، وصاحب الذريعة (ج2، ص14، الرقم 43) وقال: «هو أحد الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الإثنى عشرية منذ عصر المؤلف حتى اليوم يقع في ثلاثة أجزاء، جزأين منه في العبادات والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والإيقاعات والأحكام إلى الحدود والديات، أوله «الحمد لله ولي الحمد ومستحقه» مشتمل على عدة كتب تهذيب الأحكام غير أن هذا مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينها والتهذيب جامع للخلاف والوفاق وقد أحصى بعض العلماء عدة أبوابه في 925 أو 915 باباً وأحصرت أحاديثه في ستة آلاف وخمسمائة وواحد وثلاثين حديثاً، وقال حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان وقد طبع بالهند وفي إيران، والنسخة المقابلة بخط الشيخ الطوسي توجد في خزانة كتب الشيخ هادي آل كاشف الغطاء لكنها ليست تامة بل الموجود من أول الكتاب إلى آخر كتاب الصلاة بخط الشيخ جعفر بن علي بن جعفر المشهدي وفرغ من الكتابة في يوم السبت الثامن من ذي القعدة الحرام سنة 573هـ، وكتب بخطه على عدة مواضع منه «بلغ قراءة وعرضاً بخط مصنفه» وكتب على ظهر النسخة فائدة منقولة عن خط الشيخ الطوسي حكاية عن أستاذيه الشيخ المفيد وابن الغضائري في تعيين رجال العدة الذين يعبِّر عنهم ثقة الإسلام الكليني في كتابه «الكافي» بقوله عدة من أصحابنا.
وللاستبصار شروح وحواش وتعليقات، ولا بأس بسرد أسماء جمع من الشارحين له والمعلقين عليه:
أ ـ المولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي المتوفى سنة 1041هـ.
ب ـ السيد مير محمد باقر بن شمس الدين محمد الحسيني الشهير بداماد المتوفى سنة 1041هـ.
جـ السيدة الفاضلة حميدة بنت المولى محمد شريف الرويدشتي المتوفاة سنة 1087هـ.
د ـ السيد مير محمد صالح بن عبد الواسع الخواتون آبادي المتوفى سنة 1116هـ.
هـ المولى عبدالرشيد بن المولى نور الدين التستري المتوفى في حدود سنة 1078هـ.
و ـ السيد عبد الرضا بن عبد الصمد الحسيني معاصر المحدث الجزائري.
ز ـ المولى عبدالله بن الحسين التستري المتوفى سنة 1021هـ.
ح ـ السيد عبدالله بن نور الدين الجزائي التستري المتوفى سنة 1173هـ.
ط ـ الشيخ عبداللطيف بن الشيخ نور الدين علي الجامعي العاملي المتوفى سنة 1050هـ.
ي ـ السيد مير شرف الدين علي بن حجة الله الشولستاني المتوفى بعد سنة 1060هـ.
ك ـ الشيخ زين الدين علي بن سليمان أم الحديث البحراني المتوفى سنة 1064هـ.
ل – السيد ماجد بن السيد هاشم الجد حفصي البحراني المتوفى سنة 1021هـ.
م ـ المقدس الكاظمي صاحب المحصول (السيد محسن بن الحسن الأعرجي المتوفى 1227هـ).
ن ـ الشيخ محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد الشامي العاملي المتوفى بمكة 1030هـ.
س ـ السيد ميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي الرجالي المتوفى 1028هـ.
ع ـ السيد محمد بن علي بن الحسين الموسوي العاملي المتوفى سنة 1009هـ.
ف ـ المحدث الجزائري السيد نعمة الله بن عبدالله الموسوي التستري المتوفى 1112هـ.
ص ـ السيد يوسف الخراساني المكتوبة تعليقاته سنة 1030هـ.
6 ـ كتاب الاقتصاد: قال عنه صاحب الذريعة (ج2، ص269، الرقم 1089): «الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، فيما يجب على العباد من أصول العقايد والعبادات الشرعية على وجه الاختصار، أوله «الحمد لله على سوابغ نعمه وتتابع مننه…»، فبدأ بما يجب على العباد معرفته بإقامة البراهين الواضحة بلا طول ممل أو إيجاز مخل واتبعه بما يجب العمل به من العبادات الشرعية على وجه الاختصار وبعد تمام مسائل الأصول والعقايد، فشرع في أفعال الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد. ولما فرغ من الجهاد قال «وتفصيل ذلك بينّاه في النهاية والمبسوط، رأيت منه نسخاً منها في كتب الشيخ الفقيه المولى محمد حسين بن محمد قاسم القومشهي النجفي وهي من موقوفة المولى مهدي القومشهي سنة 1281هـ، ومنها نسخة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، ومنها نسخة السيد محمد باقر حفيد آية الله الطباطبائي اليزدي»، كما ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293) وسماه: «الاقتصاد فيما يجب على العباد». وكذلك صاحب منهج المقال (ص293).
7 ـ كتاب المبسوط: ذكره صاحب الذريعة (ج19، ص54، الرقم 283) وقال: «وهو في الفقه، طبع بإيران بخط محمد علي الخوانساري، وتصحيح الحاج ميرزا مسيح سنة 1270هـ، أوله: «الحمد لله الذي أوضح لعباده دلائل معرفته…» وهو من أجل كتب الفقه مشتمل على جميع أبوابه في نحو سبعين كتاباً)[1087](، قال فيه: «أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، وأقتصر على مجرد الفقه دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب، وأقتسم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر، وأستوفيه غاية الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون، وأقول ما عندي على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجيه أصولنا بعد أن أذكر أصول المسائل، إلى آخر كلامه…»، رأيت الجزء السادس من كتاب الطلاق إلى المكاتب والجزء السابع من المكاتب إلى آخر الديات كتابته في 4 رجب سنة 614هـ وقوبل بمدينة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم في سلخ رجب سنة 614هـ وعليه تملك السيد سالم بن حمد، وقبله الشيخ حسن بن علي بن سالم وتملكه في سنة 743هـ، عند الشيخ علي بن المولى حسينقلي الطهراني الأخلاقي الشهير، وفي «الرضوية» نسخة عليها إجازة الشيخ أحمد بن محمد لابن أبي هشام العلوي الحسيني في سنة 659هـ، ويوجد الرابع منه من أول كتاب الصداق وكتاب القسم إلى آخر كتاب الولاء في تسعة عشر كراساً بخط الشيخ مرشد الدين أبي الحسن علي بن الحسين بن أبي الحسين المكنى بأبي الحسن الواراني فرغ من الكتابة ضحوة يوم الجمعة 18/ ربيع الثاني/ 586هـ، وهذا الجزء منضم إلى الجزء الثالث من أول كتاب المساقات إلى آخر النكاح، لكنه بخط آخر، وكان هذا المجلد من كتب السيد خليفة وعليه تملك السيد نصرالله المدرّس الحائري الشهيد ثم تملكه السيد محمد الصنديد في سنة 1187هـ ثم تملكه الشيخ مبارك بن علي الجارودي في سنة 1189هـ وبيعت مكتبة السيد خليفة في محرم سنة 1371هـ فاشترى النسخة الشيخ محمد بن الشيخ عبدالحسين الرشتي «النجفي»، كما ذكره له صاحب روضات الجنات، (ج6، ص221)، والقمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، وصاحب أعيان الشيعة (ج4، ص50)، والعلاّمة التستري (ج8، ص136).
8 ـ كتاب العدة، في الأصول، ذكره له صاحب الذريعة (ج15، ص227، الرقم 1488) وقال: «(أوله) الحمد لله وحده ـ إلى قوله ـ إن الناس قالوا لم يصنف في هذا الباب إلا ما ذكر الشيخ أبو عبدالله في المختصر الذي في أصول الفقه ولم يستقص وشذَّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حررها. وإن السيد المرتضى أدام الله علوه وإن أكثر في «الأمالي» إليه فأنا مجيبكم إلى ما سألتم عنه… إلخ» وقسمه إلى قسمين وكلها في أصول الفقه، وهو مطبوع في بومباي في سنة 1312هـ وفي إيران مع الحواشي الخليلية عليه في سنة 1314هـ»، كما ذكره له صاحب منهج المقال (ص292)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49)، والقمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396).
9 ـ كتاب المجالس والأخبار، ذكره له صاحب الذريعة (ج19، ص355، الرقم 1585) وقال: «وهو المعروف بالأمالي المنسوب إلى شيخ الطائفة» «الشيخ الطوسي» تارة وإلى ابنه الشيخ أبي علي أخرى، في سبع وعشرين جزءاً ظهر للناس 18 جزءاً منها أولاً ثم أملى بعدها تمام 27 وكلها يرويها ولده كما ذكره السيد ابن طاووس». كما ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48) وقال طبع بطهران سنة 1313هـ.ش.
10 ـ كتاب تلخيص الشافي، الأصل في علم الكلام والإمامة، تأليف الشريف المرتضى علم الهدى، والتلخيص لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، طبع في آخر كتاب «الشافي» بطهران سنة 1301هـ. ذكره له صاحب الذريعة (ج4، ص423، الرقم 1866)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص48) والقمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص211).
11 ـ كتاب أسماء الرجال: ذكره صاحب الذريعة تحت عنوان «رجال شيخ الطائفة» في (ج10، ص120، الرقم 246) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، وقد يسمى «كتاب الأبواب» لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأصحاب كل واحد من الأئمة عليهم السلام وفي آخره باب من لم يرو عنهم، أوله «الحمد لله حق حمده والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين عترته وسلم تسليماً» وإن ابن داود أول من جعل الرمز له ولأبوابه فتلقاه من بعده بالقبول. رأيت منه نسخة عند الشيخ أمين ابن الشيخ محمد بن الحاج كاظم الكاظمي بالكاظمية «العراق» مؤرخة في «26 جمادى الأولى سنة 973هـ» بخط علي بن إدريس ويظهر من مطاويه أنه ألّفه بعد الفهرست لأنه يحيل فيه إلى الفهرست، منها في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى، صاحب «نوادر الحكمة». وكتب الفهرست بأمر الشيخ المفيد على ما يحتمل من آوله وإن لم يُصرح باسمه، لكن يبعده الاقتصار في توصيفه بالشيخ الفاضل مع جلالة المفيد وكونه من مشايخه. ونسخة منه مصححة ومقابلة بخط ابن إدريس الذي كتبها عن خط الشيخ الطوسي رأيتها في كتب الشيخ عبدالله المامقاني في النجف». كما ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221) وسماه: الأبواب وكذلك الشيخ القمي في الكنى والألقاب.
12 ـ مصباح المتهجد: ذكره صاحب الذريعة (ج21، ص118، الرقم 4210) وقال: «مصباح المتهجد الكبير، في أعمال السنة، للشيخ الطوسي ذكر فيه ما يتكرر من الأدعية وما لا يتكرر، وقدم فصولاً في أقسام العبادات وما يتوقف منها على شرط وما لا يتوقف، وذكر في آخره أحكام الزكاة والأمر بالمعروف. أوله «الحمد لله ولي الحمد ومستحقه» وهذا الكتاب من أجل الكتب في الأعمال والأدعية وقدوتها، ومنه اقتبس كثير من كتب الباب فهو أصلها، كاختيار المصباح لابن باقي، و«إيضاح المصباح» للفيلي، وتتمات المصباح في عشرة مجلدات كل منها في كتاب مستقل وله عنوان خاص للسيد بن طاووس، و«قبس المصباح» للصهرشتي، و«منهاج الصلاح» للعلاّمة الحلي، و«مختصر المصباح» للمولى حيدر علي، وللسيد عبدالله الشبر، ولنظام الدين علي بن محمد.
وألحق المولى فتح الله بن المولى مسيح الدين رسالته في أحوال أبنية الكعبة بآخر كتاب الحج والعمرة من «المصباح» وأدرج فيها تمام «مفرحة الأنام» الذي كتبه معاصره السيد زين العابدين».
كما ذكر له صاحب الذريعة في «التسلسل 4209 ص118 ج21» أيضاً المتهجد الصغير، وهو مختصر من «المصباح الكبير» المذكور، وقال: ذكر الطوسي فيه أنه لما صنف «المصباح الكبير» في عبادات السنّة فكر في أنه ربما استثقل الناظر فيه العمل بجميعه فرأى أن يختصر ذلك ويقتصر على ذكر أدعية مختارة جامعة للأغراض». وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص50)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، والقمي في الكُنى والألقاب (ج2، ص396)، والعلاّمة التستري في قاموس الرجال (ج8، ص135).
13 ـ كتاب مصارع المصارع، وهو في الرد على كتاب المصراع للشهرستاني الذي انتقد فيه بعض أقوال ابن سينا وآرائه، نسبه له الأستاذ خير الدين الزركلي في أعلامه (ص315، ج6) وهذا خطأ وقع به الزركلي حيث أن الكتاب المذكور للخواجه نصر الدين الطوسي ذكره له صاحب الذريعة في «التسلسل 413، ص98، ج21» وقال: «مصارع المصارع للخواجه نصر الدين الطوسي في رد «المصارعات» لمحمد بن عبدالكريم الشهرستاني، الذي فيه ردوده على الشيخ أبي علي بن سينا، فانتصر الخواجه لابن سينا في هذا الكتاب، ورد جميع ردود الشهرستاني. توجد في المكتبة الرضوية نسخة كتابتها في سنة 1021هـ، عن نسخة كتابتها سنة 707هـ، ونسخة بمكتبة عارف حكمت بالمدينة».
14 ـ كتاب الفصول في الأصول، ذكره الزركلي في أعلامه (ج6، ص315) ونسبه إلى صاحب الترجمة، وهذا خطأ وقع فيه الزركلي أيضاً حيث إن الكتاب المذكور للخواجه نصير الدين الطوسي، كتبه بالفارسية وهو مرتب على أربعة فصول في التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد والموجود نسخة منه في النجف عند السيد أبي القاسم الخوانساري، وترجم هذا الكتاب من الفارسية إلى العربية من قبل المولى ركن الدين محمد بن علي الجرجاني، وعلى هذا المعرب شروح كثيرة. انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة «التسلسل 980، ص246، وص247، ج716 الفصول النصيرية».
15 ـ كتاب تهذيب الأحكام: وهو كتاب «مطبوع» ذكره له الزركلي في الأعلام (ج6، ص315) وصاحب الذريعة (ج4، ص504، الرقم 2263) وقال: «أحد الكتب الأربعة المجاميع القديمة المعول عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتى اليوم، ألفه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، استخرجه من الأصول المعتمدة للقدماء التي هيأها الله له وكانت تحت يده من لدن وروده إلى بغداد في سنة 408هـ إلى مهاجرته منها إلى النجف الأشرف في سنة 448هـ ومن تلك الأصول ما كانت في مكتبة أستاذه الشريف المرتضى المحتوية على ثمانين ألف كتاب كما هو مذكور في التواريخ في وجه تسميته بالثمانيني ومنها ما كانت في مكتبة «ساپور» المؤسسة للشيعة بكرخ بغداد التي لم تكن في الدنيا مكتبة أحسن كتباً منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة)[1088](، وقد خرج من قلمه الشريف تمام كتاب الطهارة إلى أوائل كتاب الصلاة بعنوان الشرح على «مقنعة» أستاذه الشيخ المفيد المتوفى «سنة 413هـ» وذلك في زمن حياة المفيد، ثم تممه بعد وفاته، وقد أنهيت أبوابه إلى 393 باباً وأحصيت أحاديثه في «13590» حديثاً، أوله «الحمد لله ولي الحمد ومستحقه» وقد طبع تهذيب الأحكام في مجلدين كبيرين في «سنة 1317هـ» ويوجد في تبريز الجزء الأول منه بخط مؤلفه شيخ الطائفة وعليه خط الشيخ البهائي في مكتبة السيد الميرزا محمد حسين بن علي أصغر شيخ الإسلام الطباطبائي المتوفى في «سنة 1293هـ» واليوم بيد أحفاده، وكان تمام الأجزاء بخط المؤلف إلا قليلاً موجوداً إلى أواخر القرن العاشر بخطه، فرغ من الكتاب في سنة 949هـ وكتب في آخره شهادة المقابلة هكذا «بلغت المقابلة والتصحيح بنسخة الأصل التي هي بخط مؤلف الكتاب الشيخ الطوسي إلا النزر القليل».
ثم كتب السيد الصدر علاء الملك المرعشي نسخة «التهذيب» بخطه في سنة 974هـ عن نسخة خط الشيخ حسين بن عبدالصمد، وفرغ من مقابلة نسخته مع نسخة الشيخ حسين بن عبدالصمد في قزوين سنة 986هـ، وشحن هوامشه بالتحقيقات الرجالية من نفسه.
وبعد ذلك كتب المولى سلطان حسين الندوشني اليزدي أستاذ سلطان العلماء بخطه نسخة من «التهذيب» في سنة 1206هـ عن نسخة خط علاء الملك المرعشي، وكتب في آخره تمام ما كتبه المرعشي ونقل جميع حواشي المرعشي على نسخته وقد رأيت نسخة الندوشني في النجف الأشرف وهي من موقوفات شيخنا العلاّمة المولى علي النهاوندي. أما الكتب المتعلقة بكتاب تهذيب الأحكام فهي:
أ ـ كتاب انتخاب الجيد من تنبيهات السيد للشيخ حسن بن محمد بن علي بن خلف بن إبراهيم بن ضيف الله البحراني الدمستاني. «انظر الذريعة التسلسل 1445، ص358، ج2».
ب ـ كتاب ترتيب التهذيب: للسيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل التوبلي الكتكاني البحراني المتوفى سنة «1107هـ». «انظر الذريعة التسلسل 370، ص64 وص65، ج4».
جـ كتاب تصحيح الأسانيد: للمولى محمد بن علي الأردبيلي «انظر الذريعة التسلسل 960، ص193، ج4».
د ـ كتاب تنبيه الأريب وتذكرة اللبيب في إيضاح رجال التهذيب للعلاّمة التوبلي السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الكتكاني البحراني المتوفى سنة «1107هـ»، «انظر الذريعة التسلسل 1957، ص 440، ج4». أما شروح وحواشي تهذيب الأحكام، فهي كثيرة لا تحصى، فمن الشروح:
أ ـ شرح الشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري المتوفى سنة 1149هـ.
ب ـ شرح المولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي المتوفى بمكة 1036هـ.
جـ شرح العلاّمة محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1111هـ اسمه «ملاذ الأخيار».
د ـ شرح المولى محمد تقي المجلسي اسمه «إحياء الأحاديث»، «الذريعة ص307، ج1».
هـ شرح المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي القمي.
و ـ شرح المولى عبدالله بن محمد تقي المجلسي.
ز ـ شرح المولى عبدالله بن الحسين التستري المتوفى سنة 1021هـ.
ح ـ شرح المولى عبداللطيف الجامعي تلميذ الشيخ البهائي منه مخطوطة في مكتبة المعارف بطهران.
طـ شرح المدقق الشيرواني الميرزا محمد بن الحسن المتوفى سنة 1099هـ.
ي ـ شرح الشيخ محمد السبط المتوفى في سنة 1030هـ، اسمه معاهد التنبيه منه مخطوطة في مكتبة السيد حسن صدر الدين)[1089](.
ك ـ شرح السيد محمد بن علي صاحب «المدارك» ويطلق عليه الحاشية.
ل ـ شرح السيد نعمة الله الجزائري اسمه «مقصود الأنام»)[1090]( في 12 مجلداً.
م ـ شرح القاضي نور الله بن السيد شريف الدين المرعشي التستري المتوفى سنة 1019هـ واسمه تهذيب الأكمام «انظر الذريعة التسلسل 216، ص53، ج4».
أما الحواشي عليه فهي كثيرة أيضاً نذكر بعضاً منها مختصراً بذكر مؤلفيها:
أ ـ حاشية المولى إسماعيل الخواجوئي.
ب ـ حاشية الأستاذ آغا باقر بن محمد أكمل البهبهاني.
جـ حاشية المولى محمد باقر بن محمد تقي المجلسي.
د ـ حاشية السيد محمد بشير الگيلاني معاصر الوحيد البهبهاني.
هـ – حاشية بعض المتأخرين عن الشيخ عبدالنبي الجزائري أخذه من حاشية الجزائري.
و ـ حاشية المحقق آغا جمال الدين الخوانساري.
ز ـ حاشية الشيخ حسن صاحب «المعالم».
ح ـ حاشية الشيخ سليمان الماحوزي.
طـ حاشية الشيخ صلاح الدين بن الشيخ علي أم الحديث.
ي ـ حاشية الميرزا عبدالله صاحب «الرياض».
ك ـ حاشية الشيخ عبد النبي بن سعد الجزائري.
ل ـ حاشية المولى عزيز الله، أكبر أولاد المجلسي.
م ـ حاشية السيد الصدر علاء الملك المرعش.
ن ـ حاشية الشيخ زين الدين علي أم الحديث.
س ـ حاشية السيد ماجد الجد حفصي.
ع ـ حاشية الشيخ محمد بن الحسن سبط الشهيد.
ف ـ حاشية السيد ميرزا محمد بن علي الأسترآبادي الرجالي.
ص ـ حاشية الشيخ محمد علي البلاغي المتوفى سنة 1000هـ.
ق ـ حاشية السيد نجم الدين الحسيني الجزائري.
ر ـ حاشية القاضي نور الله الشهيد، وهي غير شرحه المذكور سابقاً». كما ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص220)، والعلاّمة الشيخ محمد تقي التستري في قاموس الرجال (ص135).
16 ـ كتاب فهرست كتب الشيعة، ذكره الزركلي في أعلامه (ج6، ص315)، وصاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49)، والشيخ عباس القمي في الكنى (ج2، ص396)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج16، ص384، الرقم 1790) وسماه كتاب «فهرست شيخ الطائفة» وقال: «هو أحد الأصول الأربعة الرجالية، أوله: الحمد لله ولي الحمد ومستحقه…» وقد طبع في كلكته في سنة 1271هـ وفي آخره ما ذكر ما روعي في طبع الكتاب، باللغة الإنجليزية، ملخصه أن المصحح قابله مع أربع نسخ، وبين مواضع اختلافها، وأدرج فيه غالباً من كلام النجاشي أو ابن داود، وجعل علامتها «جش» و«ن» إلى آخر كلامه، ولكنه روعي فيه حروف الأسماء ثم الآباء ثم الأجداد، وأصل الفهرست ليس بهذا الترتيب». ولخص «الفهرست» المحقق الحلّي، وقد ترك المصنفات، واقتصر على المصنفين بالترتيب المألوف، انظر الذريعة، ج4، ص425، الرقم 1872، كما ذكر الفهرست له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221) والعلاّمة التستري في قاموس الرجال (ج8، ص134).
17 ـ معالم العلماء ذكره له الزركلي في أعلامه (ج6، ص315) وهذا خطأ آخر وقع فيه الزركلي حيث أن هذا الكتاب للشيخ الإمام رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني المتوفى سنة 588هـ جعله تتمة لفهرست شيخ الطائفة المذكور في المادة «16» أعلاه، «انظر الذريعة التسلسل 4606، ص201، ج21».
18 ـ ثلاثون مسألة على مذهب الشيعة، ذكره صاحب الذريعة في (ج5، ص9) وقال: كتاب «ثلاثون مسألة» كلاميه للشيخ أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ضمن مجموعة في مكتبة السيد راجه محمد مهدي في ضلع فيض آباد ذكر في فهرسها المخطوط أنه ضم حديثاً عربياً، في نمرة «92»، وتوجد في مكتبة الميرزا محمد الطهراني في سامراء «العراق».
19 ـ كتاب اصطلاحات المتكلمين، ذكره له صاحب الذريعة (ج2، ص123 الرقم 495) وقال: «لشيخ الطائفة الحقة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وقد شرحه القاضي الشريف محمد سعيد بن محمد مفيد القمي الذي فرغ من بعض تصانيفه سنة 1099هـ، وتوجد النسخة مع الشرح في خزانة كتب السيد راجه محمد مهدي في ضلع فيض آباد كما في فهرسها المخطوط».
20 ـ كتاب تمهيد الأصول: وهو شرح على كتاب «جمل العلم والعمل تصنيف الشريف المرتضى علم الهدى» شرحه شيخ الطائفة أبو جعفر بن محمد بن الحسن الطوسي، ولم يخرج منه إلا شرح ما يتعلق بالأصول كما صرح به في الفهرست، ولذا عبر عنه النجاشي بـ«تمهيد الأصول» ويوجد منه نسخة في الخزانة الرضوية «إيران»، أوله: «الحمد لله كما هو أهله ومستحقه» ولم يعلم تاريخ كتابة النسخة لنقص آخرها لكن تاريخ وقفها سنة 1067هـ كما في فهرس المكتبة، «انظر الذريعة التسلسل 1922، ص433، ج4». كما ذكر هذا الكتاب له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص49).
21 ـ كتاب شرح الشرح في الأصول، ذكره له صاحب منهج المقال (ص292)، وصاحب الروضات (ج6، ص22)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص49)، وقال: كتاب شرح الشرح، في الأصول، قال تلميذه الحسن بن مهدي السليقي: إن من مصنفاته التي لم يذكرها في الفهرست كتاب شرح الشرح في الأصول، وهو كتاب مبسوط أملى علينا منه شيئاً صالحاً، ومات رحمه الله ولم يتمه، ولم يصنف مثله»، كما ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج13، ص332، الرقم 1219) وذكر نص ما جاء في أعيان الشيعة المذكور أعلاه.
22 ـ المسألة (المسائل) الرازية، ذكرها له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50) وسماها: «المسائل الرازية» وقال في «الوعيد»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص347، الرقم 3343) وقال: «المسائل الرازية، في الوعيد، للشيخ أبي جعفر محمد ابن الحسن الطوسي شيخ الطائفة كما في «الفهرست».
23 ـ المسائل الدمشقية، ذكرها السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص347، الرقم 3338) وقال: «المسائل الدمشقية، اثنتا عشرة مسألة، أجاب عنها الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة المتوفى سنة ستين وأربعمائة، قال في «الفهرست» إنها اثنتا عشرة مسألة في تفسير القرآن لم يعمل مثلها».
24 ـ كتاب المختصر في أصول الدين، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص173، الرقم 2458) وقال: «لكنه لم يتم، ذكر في تصانيفه».
25 ـ كتاب أخبار المختار (ويسمى مختصر أخبار المختار)، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، وصاحب منهج المقال (ص293)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، ص348، الرقم 1829) وقال: «أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره في فهرسته بعنوان مختصر أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ويعبر عنه بأخبار المختار».
26 ـ مختصر المصباح، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص209، الرقم 6217) وقال: «مختصر المصباح الكبير» قال فيه بعد ذكره «المصباح الصغير»، اختصره شيخ الطائفة نفسه عن «المصباح الكبير» قال فيه بعد ذكره «للمصباح» [انظر التسلسل 12 فيما سبق] واستصعابه على بعض الناس: رأيت أن أختصر ذلك وأجمع منه جملاً، لئلا يستثقلها العامل بها ولا يستصعبها الناظر، وأقتصر على أدعية مختارة جامعة للأغراض، أوله: الحمد لله…، توجد نسخة منه عند الشيخ هادي كاشف الغطاء وغيره».
27 ـ مسائل ابن البراج، ذكرها له العلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص331، الرقم 3257) وقال: « لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره في «الفهرست»».
28 ـ المسائل الألياسية، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص336، بعد الرقم 3283) وقال: «مائة مسألة في فنون المختلفة [مختلفة] للشيخ [ لشيخ] الطائفة أبي جعفر محمد الطوسي، المتوفى سنة 460هـ».
29 ـ المسائل الجنبلائية، أربع وعشرون مسألة، ذكرها له صاحب روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50) وقال: «في الفقه»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص343، الرقم 3313) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، والجنبلاء بليد بين واسط والكوفة وفي بعض النسخ «الجنبلائية» والأول أصح قال في الفهرست أنه أربع وعشرين مسألة».
30 ـ المسائل الحائرية، ذكرها له صاحب منهج المقال (ص293)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص434) وقال: لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، وهي نحو ثلاثمائة مسألة، كما في الفهرست، وحكى عنه ابن إدريس بعنوان «الحائريات».
31 ـ المسائل الحلبية، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص345) وقال: ذكرت في الفهرست.
32 ـ مسائل الخلاف (أو كتاب الخلاف)، ذكر هذا المؤلف، العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221) باسم كتاب الخلاف، وقال: «كتاب الخلاف الذي ناظر فيه المخالفين، وذكر فيه ما اجتمعت عليه الفرقة من مسائل الدين»، كما ذكره له الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396) وقال: «وله في الفقه كتاب الخلاف الذي ناظر فيه المخالفين…»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج7، ص235، الرقم 1137) وقال: «الخلاف في الأحكام، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى بالغري سنة 460هـ، ويقال له «مسائل الخلاف» أيضاً، وهو مرتب على ترتيب كتب الفقه، أوله: الحمد لله حق حمده… سألتم أيدكم الله إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء، وذكر مذهب كل من خالف على التعين، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد، وأن أقرن كل مسألة بدليل يجتمع به على كل من خالفنا ويوجب العلم من ظاهر القرآن أو السنة المقطوع بها، أو دليل خطاب أو استصحاب حال على ما ذهب إليه الأكثر من أصحابنا، أو دلالة أصل أو فحوى خطاب، وأن أذكر خبراً عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي يلزم المخالف العمل به والانقياد له، وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقة ذكرت ذلك، وإن كان فيها خلاف بينهم أو مأتى إليه…
وقد صرح فيه بأنه ألفه بعد كتابي «التهذيب» و«الاستبصار» وناظر فيه المخالفين جميعاً، وهو في مجلدين يوجدان جميعاً في نسخة عتيقة في تبريز في مكتبة الحاج ميرزا باقر القاضي الطباطبائي التبريزي، وفي النجف [الأشرف] في مكتبة الشيخ هادي كاشف الغطاء، ومكتبة السماوي [الشيخ محمد طاهر السماوي]، ويوجد خصوص مجلده الأول إلى مبحث أمهات الأولاد في مكتبة الشيخ مشكور، والمجلد الثاني في المكتبة (التسترية) من وقف المرحوم الشيخ مهدي القمشهي، ومجلد من أول كتاب الظهار إلى آخر الكتاب في مكتبة «الصدر» [السيد حسن صدر الدين الكاظمي الأصفهاني العاملي المتوفى رحمه الله سنة 1354هـ]… وآخر هذه النسخة ناقصة وهي أقدم نسخة رأيتها، لأن على ظهر الصفحة الأولى إجازة مؤرخة في سنة 668هـ)[1091](، ونسخة «الشيخ هادي كاشف الغطاء» بخط شهريار بن الله داد الفراهاني فرغ من مجلده الثاني سنة 1082هـ، وقطعة من العدد إلى الحدود في [المكتبة] الرضوية [بمشهد] بخط صدر الدين بن جمال الدين محمد بن نور محمد بن عبدالرحيم من وقف ابن خاتون [الشيخ أسد الله بن محمد] في سنة 1067هـ، وقطعة منه بخط قديم في مكتبة (سلطان القرائي) كما في فهرسها»، ثم كرر الشيخ آغا بزرك الطهراني ذكر هذا المؤلف مرة أخرى في (ج20، ص346) باسم: «مسائل الخلاف» وذكر شرحاً اختصره من شرحه السابق.
33 ـ المسائل الرجبية، ذكرها له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص348، الرقم 3347) وقال: «في تفسير آي من القرآن لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المتوفى سنة 460هـ، ذكره في الفهرست».
34 ـ مسائل الفرق بين النبي والإمام، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص362، الرقم 3413) وقال: «للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة، كما في الفهرست».
35 ـ المسائل القيمة، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص363، الرقم 3418).
36 ـ المسائل الكلامية، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص364، الرقم 3427) وقال: «في أصول الدين وهي ثلاث وثلاثون مسألة مختصرة لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ عنوانها: مسألة مسألة أولها مسألة معرفة الله واجبة على كل مكلف…، مسألة الله تعالى موجود…، مسألة الله تعالى واجب الوجود…، وآخرها مسألة جميع ما جاء به النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من أهوال القيامة والحشر والنشر والبعث وغيرها. تقرب من مأتي [مائتي] بيت وعليها حواش مفيدة لبعض الأعلام في نسخة وجدتها عند سيدنا أبي محمد الحسن صدر الدين، ورأيت منه نسخاً أخرى، وقد شرحها بالفارسية السيد عزيز الله الحسيني المدرس بمقبرة الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الصفوية باسم الشاه طهماسب»، وترجمت هذه المسائل إلى اللغة الأردوية وطبعت هذه الترجمة بالهند (انظر الذريعة، ج25، ص197، الرقم 237).
37 ـ مسألة في الأحوال، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص382، الرقم 3541) وقال: «قال في الفهرست، أنها مليحة».
38 ـ مسألة في تحريم الفقاع، ذكرها له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص385، الرقم 3560) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره في الفهرست، وموجود منها نسخة بسامراء بخط مولانا الميرزا محمد الطهراني، وفي خزانة الحاج علي محمد في النجف، وفي مكتبة راجه فيض آبادي بالهند».
39 ـ مسألة في الحسن والقبح، ذكرها له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج20، ص386، الرقم 3569) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، [في] مكتبة «راجه فيض آباد الماري 3»».
40 ـ مسألة في العمل بخبر واحد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص 221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص390، الرقم 3604) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ».
41 ـ مسألة في وجوب الجزية على اليهود، ذكرها له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج20، ص397، الرقم 3251).
42 ـ المسائل المرادية في الوعيد، ذكرها له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293).
43 ـ مائلة مسألة مختلفة، المصدر أعلاه.
44 ـ مختصر في عمل يوم وليلة، المصدر أعلاه، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221).
45 ـ كتاب مقتل الإمام الحسين عليه السلام، المصادر أعلاه.
46 ـ كتاب ما لا يسع المكلف الإخلال به، ذكره له العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص211)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج19، ص25، الرقم 127) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره الفهرست والنجاشي».
47 ـ ما يعلل ولا يعلل، ذكره له صاحب منهج المقال (ص292)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص49)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج19، ص36، الرقم 185) وقال: لشيخ الطائفة، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ذكره النجاشي، والفهرست».
48 ـ كتاب المجالس (وهو غير الكتاب المذكور في التسلسل 9 فيما سبق)، ويعرف بكتاب «الأمالي» ذكره له صاحب الذريعة (ج2، ص313، الرقم 1248) وقال: «الأمالي، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، هذا هو المجلد الثاني منه [والمجلد الأول هو ما ذكرناه في التسلسل 9 فيما سبق] المرتب على المجالس المطبوع مع الأجزاء الثمانية عشر التي مر أنها المنسوبة إلى الشيخ أبي علي بن الشيخ الطوسي في المشهور، ومر تصريح السيد ابن طاووس بأن الشيخ الطوسي أملى تمام السبعة والعشرين جزءاً على ولده الشيخ أبي علي، وكلها بخط الشيخ حسين بن رطبة وغيره كانت عند السيد، وهو يرويها عن والده عن الشيخ حسين بن رطبة عن الشيخ أبي علي عن والده الشيخ الطوسي، إلا أن الثمانية عشر جزءاً منها ظهرت للناس أولاً برواية الشيخ أبي علي لها عن والده وصدرت تلك الأجزاء باسم الشيخ أبي علي والبقية إلى تمام السبعة والعشرين جزءاً رواها أيضاً الشيخ أبو علي للناس بعد الأولى بعين ما أملاه والده عليه في مجالس كل يوم. ولم يظهر المجالس باسم الشيخ أبي علي. فظهر أن تلك المجالس المطبوعة التي تنتهي إلى خمسة وأربعين مجلساً كلها من إملاء الشيخ لولده أغلبها في سنة 457هـ وبعضها سنة 458هـ وفي أول كل مجلس، حدثنا محمد بن الحسن بن علي الطوسي، فقائله هو الشيخ أبو علي بن الشيخ الطوسي. ثم الشيخ يروي عن مشايخه ابن الغضائري أو ابن عبدون، أو ابن شاذان، أو ابن الصلت، أو غيرهم. لكن المطبوع من المجالس هذا ليس تمام المجالس، لأنه توجد في زنجان (إيران) في مكتبة شيخ الإسلام الزنجاني نسخة من تلك المجالس وهي تزيد على النسخة المطبوعة بأكثر من ثلثها، وهي نسخة معتبرة استكتبها سنة 1048هـ المولى خليل بن الغازي القزويني وكتب على ظهر النسخة بخطه شهادة أنها أمالي الشيخ أبي جعفر الطوسي، وهي مع ذلك ناقصة الآخر، ولعله توجد نسخة أتم منها والله أعلم».
49 ـ كتاب مشيخة التهذيب والاستبصار، ذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج21، ص72، الرقم 4004) وقال: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، جعله في آخر الكتابين [انظر التسلسل 5 و15 فيما سبق] وهو فيهما واحداً [واحداً] ووجه الحاجة إليه أنه رحمه الله في الكتابين قد يذكر جميع السند مثل الكافي، كذلك قد يقتصر على بعضه بحذف الأول كما في «الفقيه»، فذكر في «المشيخة» جملة من الطرق إلى أصحاب الأصول والكتب الذين صدر الحديث باسمهم، لكنه لم يستوف الطرق إحالة إلى كتاب فهرسته وساير فهارس الأصحاب».
50 ـ كتاب المفصح في الإمامة، ذكره له صاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص50) وقال: «وهو من الآثار الهامة، توجد نسخة منه في مكتبة راجه فيض آبادي في الهند، وحصلت نسخة منه للميرزا حسين النوري، وجدها مع (النهاية) وهي بخط أبي المحاسن ابن إبراهيم بن الحسين بن بابويه وكان تاريخ كتابته للنهاية [يوم] الثلاثاء 15 ربيع الآخر سنة 517هـ»، وذكره له الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج21، ص369، الرقم 5496)، وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، أوله بعد الخطبة المختصرة: «سألت أيها الشيخ الفاضل أطال الله بقاك وأدام تأييدك إملاء كلام في صحة إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه من جهة النصوص المروية في ذلك، إلى قوله: وأن أردف ذلك بالكلام في صحة إمامة الاثنى عشر من جهة النظر، إلى قوله: باب الدلالة على إمامة أمير المؤمنين…» والنسخة حصلت بيد شيخنا النوري في ظهر كتاب «النهاية» للشيخ الطوسي بخط أبي المحاسن فانتسخ منها نسخاً، منها بخط الميرزا محمد الطهراني، ونسخة منه في مكتبة راجه فيض آبادي في الهند».
51 ـ مقدمة في المدخل إلى علم الكتاب والكلام، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص51)، وآغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج22، ص91، الرقم 6218) وقال: «مقدمة الكلام، عبر عنه في «النجاشي» و«الفهرست» بمقدمة في المدخل إلى علم الكلام. وقال في الفهرست: إنه لم يعمل مثلها».
52 ـ كتا مسائل مناسك الحج، ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص51).
53 ـ كتاب النقض على ابن شاذان، في مسألة الغار، ذكره له صاحب أعيان الشيعة (ج44، ص51)، وصاحب روضات الجنات (ج6، ص221)، وصاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص287، الرقم 1472) وقال: «ذكره هو في «الفهرست» وزاد بحر العلوم في «الفوائد» أنه في مسألة الغار ومسألة العمل بخبر واحد، فيظهر أنه رآه».
54 ـ كتاب النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ذكره له الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج48، ص51)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج24، ص403، الرقم 2141) وقال: «النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ومتون الأخبار من الطهارة إلى الديات. لشيخ الطائفة محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، مشتمل على كتب، وكل يشتمل على أبواب. أحصيت فهرس مخطوطة منها فكانت 22 كتاباً، و214 باباً، و36 ألف مسألة. وكان «النهاية» كتاباً مدرسياً حتى ألّف المحقق الحلي [هو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الشهير بالمحقق الحلي المتوفى سنة 676هـ وهو خال العلاّمة الحلي وأستاذه] «الشرائع» المذكور في ح13، ص47 ـ 50، من الذريعة، وللنهاية نسختان عربية وفارسية. أول العربية: الحمد لله مستحق الحمد وموجبه، وصلّى الله عليه خيرته من خلقه محمد وآله الطاهرين من عترته، كتاب الطهارة، باب ماهية الطهارة… وأول الفارسية: الحمد لله مستحق… من عترته. مجلد أول وابن مجلد ده كتاب است. كتاب الطهارة وابن كتاب ده باب است، باب أول در آنكه چه باشد…
[وأضاف صاحب الذريعة قائلاً]: طبع العربي بطهران على الحجر سنة 1276هـ.ش، ثم على الحروف بمطبعة جامعة طهران عام 1373هـ.ق، ثم ببيروت مع مقدمة لصاحب الذريعة. ثم طبعه الدكتور مهدوي مع الترجمة القديمة بالفارسية ولعلها للمؤلف نفسه في سنة 1382هـ بمناسبة المهرجان: لألفي للمؤلف بطهران في مجلدين مع مقدمة لدانش پزوه، وتصحيحه للنسخة العربية على خمس نسخ والفارسية ثماني نسخ. أولى النسخ الخمس العربية نسخة المهدوي الناشر له وهي بخط أبي الفرج مسعود، تاريخها 18/ جمادى الأولى/ 546هـ، وقد قابلها علي بن أحمد السديد في 3/ ربيع الثاني/ 663هـ مع نسخة كان كتبها علي بن سكون، وقابلها ابن إدريس المتوفى سنة 598هـ مع نسخة خط المؤلف الطوسي وعلى نسخة مسعود هذه إجازة أبي البركات نصر بن محمد تاريخها 3/صفر/ 726هـ.
ثانيها: نسخة أمين الخنجي بطهران وهي بخط أبي القاسم علي بن محمد بن علي الجاسبي القمي المتوفى في سنة 579هـ ولعله المذكور في الثقات العيون ص201، وعلى هذه النسخة إجازة أبي الفضل محمد بن قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي لكاتب النسخة.
ثالثها: نسخة (الملك) وهي بخط محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن، وعليها إجازة من أبي طالب بن الحسين الحسيني تلميذ الراوندي المذكور لكاتب هذه النسخة تاريخها 1/جمادى الأولى/ 633هـ.
رابعها وخامسها: هما للخادمي بأصفهان و(فخر الدين النصيري).
وأما النسخ الثمان الفارسية فأقدمها نسخة كلية الحقوق تاريخها محرم سنة 686هـ، ونسخة التقوى [وهي نسخة قديمة في مكتبة السيد الجليل نصرالله التقوى بطهران، وقد كتب حولها فهرساً لطيفاً، وفيها ست وثلاثون مسألة، انظر الذريعة ج4، ص143، الرقم 700، ترجمة النهاية] وهي بخط شهاب بن عزيز بن فضل الله الحسيني الراوندي كتبها سنة 891هـ، ونسخة (الملك) تاريخها سنة 1008هـ. هذا وأقدم نسخة رأيتها أنا من النهاية العربية بخط أبي الحسن علي بن إبراهيم بن الحسن بن موسى الفراهاني فرغ منها في 1/رجب/591هـ، كتبها لنفسه بقلم جيد يشبه بعض حروفه بالكوفي وعليها تملك بعض العلماء، وهي في مكتبة (الطهراني بكربلاء)، وأقدم منها نسخة «شهاب الدين بِقُمْ» كتبت سنة 507، ونسخة في المكتبة الرضوية [بمشهد] كتابتها سنة 985هـ، ونسخة (الشيخ هادي كاشف الغطاء) كتابتها سنة 1060هـ، ونسخة قاسم محيي الدين بالنجف بخط عاشور بن الحسن لنفسه فرغ من المجلد الأول سنة 1084هـ ومن الثاني سنة 1089هـ، ونسخة شيخنا النوري بخط إسماعيل الهرقلي وعليها إجازة العلاّمة الحلي لكاتب النسخة».
55 ـ كتاب هداية المسترشد وبصيرة المتعبد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص 51) وقال: «ذكره الشيخ في الفهرست»، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج25، ص191، الرقم 209) وكرر ما ذكره صاحب أعيان الشيعة.
56 ـ كتاب الاختيار، ذكره له الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب (ج2، ص396)، والعلامة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، ص364، الرقم 1909) وسماه: «الاختيار من المصباح»، وقال: «الذي ألّفه الشيخ الطوسي للسيد علي بن حسان بن باقي القرشي، ذكر اسمه كذلك في الجزء الثاني منه كما في «الرياض»، لكن العلاّمة المجلسي ينقل عنه في البحار بعنوان علي بن الحسين بن باقي القرشي، وقال صاحب «الرياض» رأيت منه نسخاً في آخر بعض نسخة أنه فرغ من تأليفه سنة 653هـ، (أقول): فهو معاصر للسيد ابن طاووس صاحب «الأقبال» الذي ألّفه سنة 650هـ، أوله: «احمد لله ولي الحمد ومستحقه وصلاته وسلامه على خير خلقه محمد النبي الأمي الهاشمي المكي المدني…، إلى قوله: إني عمدت إلى المصباح الكبير لشيخنا الطوسي (قدّس سرّه) فاخترت كل ما ذكره من الأدعية المختصة في عمل يوم وليلة من الفرائض والسنن، وما جاء في عمل السنة والأسبوع، وأضفت إلى ذلك أدعية وجدتها زيادة على ما اخترتها وجعلتها في مظانها وحذفت منه ما لا يحتاج إلى ذكره من الخطب والمناسك والفقه».
وانظر كتاب «اختيار معرفة الرجال» له في التسلسل 58 فيما يلي.
57 ـ كتاب أخبار الرجال، ذكره له صاحب منهج المقال (ص293)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1، ص329، الرقم 172) وقال: «لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى سنة 460هـ، صرح به نفسه في الفهرست، بعدما ذكر كتابه «الرجال» المرتب على الطبقات في أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وكل واحد من الأئمة عليهم السلام، ومن بعدهم ممن لم يُرْوَ عنهم».
58 ـ اختيار معرفة الرجال، ذكره له الشيخ العلاّمة آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج1، 365، الرقم 1912)، و(ج10، ص141، الرقم 262).
59 ـ كتاب أصول العقائد، ذكره له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص48)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص221)، والأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص198، الرقم 761) وقال: «أصول العقائد، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، قال في فهرسه عند ذكر تصانيفه: «وكتاب في الأصول كبير، خرج منه، الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل».
أقول: هو غير الشرح في الأصول الذي ذكره تلميذه الحسن بن مهدي السليقي (السيلقي)، وصرح: «بأنه غير مذكور في الفهرست، وأنه أملى علينا شيئاً صالحاً منه، ولم يتمه، ولم يصنف مثله»، حكى ذلك عنه الشهيد في تعليقته على الخلاصة».
60 ـ كتاب أنس الوحيد، ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص293)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص48)، والعلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص222)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (ج2، ص368، الرقم 1496) وقال: «عده في فهرسه من تصانيفه».
61 ـ كتاب رياض العقول، ذكره له الأسترآبادي في منهج المقال (ص292)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج44، ص49) وسماه: «رياضة العقول»، والشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج11، ص340، الرقم 2020) وقال: «رياضة العقول في شرح المقدمة للمدخل إلى علم الكلام [انظر التسلسل 51 فيما سبق]، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460هـ، ذكره النجاشي».
المصادر
1 ـ إتقان المقال في أحوال الرجال لمحمد طه نجف، ص121.
2 ـ الأعلام لخير الدين الزركلي، ج6، ص315.
3 ـ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج44، ص33، الرقم 9809.
4 ـ البداية والنهاية لابن كثير، ج12، ص97، حوادث سنة 460هـ.
5 ـ تاريخ أدبيات إيران (بالفارسية) للدكتور ذبيح الله صفا، ج2، ص197، 262، 264.
6 ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر، ص313.
7 ـ تنقيح المقال للشيخ عبدالله الممقاني، ج3، ص105.
8 ـ خزائن الكتب القديمة في العراق لكوركيس عواد، ص134.
9 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال لحسن بن يوسف الحلّي، ص148.
10 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني:
ج1: ص248،307 ، 329، 364.
ج2: ص14، 123، 129، 198، 269، 309، 313، 358، 368، 486.
ج3: ص328.
ج4: ص53، 64، 65، 193، 423، 425، 433، 440، 504.
ج5: ص9، 145.
ج7: ص235.
ج10: ص120.
ج11: ص340.
ج13: ص332.
ج15: ص227.
ج16: ص79، 246، 374.
ج19: ص25، 36، 54، 355.
ج20: ص173، 177، 209، 331، 336، 343، 345، 346، 347، 348، 362، 363، 364، 382، 385، 390، 397.
ج21: ص72، 98، 118، 201، 369.
ج22: ص91.
ج24: ص287، 403.
ج25: ص191.
11 ـ كتاب الرجال لأحمد بن علي النجاشي (طبعة بومباي 1317هـ) ص287.
12 ـ الرجال لابن داود الحلّي (طبعة جامعة طهران) ص306.
13 ـ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات لمحمد باقر الموسوي الخوانساري الأصفهاني، ج6، ص216.
14 ـ ريحانة الأدب لمدرس التبريزي، ج3، ص325.
15 ـ سفينة البحار للشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ج2، ص97.
16 ـ طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (طبعة مصر 1324هـ)، ج3، ص51.
17 ـ الفوائد الرجالية للعلاّمة الطباطبائي، ج3، ص227.
18 ـ الفوائد الرضوية للشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ص470.
19 ـ قاموس الرجال للشيخ العلاّمة تقي التستري، ج8، ص134.
20 ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث سنة 449هـ، ج9، ص637.
21 ـ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج2، ص395.
22 ـ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، ج5، ص135.
23 ـ لؤلؤة البحرين ليوسف بن أحمد البحراني، ص292.
24 ـ مجلة المجمع العربي، 24: 268.
25 ـ مجمع الرجال للعلاّمة زكي الدين عناية الله بن شرف الدين علي القهپائي، ج5، ص191.
26 ـ مستدرك الوسائل للشيخ نوري الطبرسي، ج3، ص505.
27 ـ مصفى المقال لآغا بزرك الطهراني، ص402.
28 ـ معالم العلماء لابن شهر آشوب، ص102.
29 ـ معجم لغت نامه دهخدا «بالفارسية» للعلاّمة على أكبر دهخدا، «الطوسي».
30 ـ المنتظم لابن الجوزي، ج8، ص252، الرقم 300، حوادث 460هـ.
31 ـ منتهى المقال لمحمد بن إسماعيل، ص270.
32 ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال لمحمد بن علي الأسترآبادي، (طبعة طهران)، ص292.
33 ـ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، ج5، ص82، حوادث سنة 460هـ.
34 ـ وله أخبار في، تحفة الأحباب (ص325)، والقابس (4)، والفهرست (ص188).
قيس آل قيس
- () ثم طبع في مدينة تبريز «إيران» بدون تاريخ. ↑
- () وهي اليوم باسم «مدرسة عالي شهيد مطهري». ↑
- () العنوان بالأصل: ابن تيمية في صورته الحقيقية. وقد آثرنا إبداله بما هو مثبت أعلاه. ↑
- () التوسل والوسيلة، ص105 ـ 106. ↑
- () المصدر، ص18. ↑
- () كتب الزيارة، ص12 ـ 13. ↑
- () م.س: ص 22 ـ 38. ↑
- () مقدمة في أصول التفسير، 31 ـ 36. ↑
- () م.س: ص51. ↑
- () رأس الحسين، ص205. ↑
- () الرد على المتعصب العنيد لابن الجوزي، ص16، الإتحاف بحب الأشراف للشيرازي: ص63 ـ 64. ↑
- () الحموية الكبرى، ص15، التفسير الكبير، ج2، ص249 ـ 250، منهاج السنة، ج1، ص250، 260، 261. ↑
- () التفسير الكبير، ج1، ص270. ↑
- () تفسير سورة النور لابن تيمية، ص178. ↑
- () العقود الدرية، ص248. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، ص95، الدرر الكامنة، ج1، ص154. ↑
- () شواهد الحق، ص130. ↑
- () كشف الظنون، ج1، ص1438. ↑
- () منهاج السنة، ج1، ص260 ـ 261. ↑
- () الحموية الكبرى، ص94، شرح حديث النزول، ص59. ↑
- () رأس الحسين، ص200 ـ 201. ↑
- () سير أعلام النبلاء، ج3، ص132. ↑
- () م.س، ج14، ص125، وفيات الأعيان، ج1، ص77. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج3، ص487، حوادث سنة 51هـ، ذكر مقتل حُجْر بن عدي، تهذيب تاريخ دمشق، ج2، ص384. ↑
- () رأس الحسين، ص207. ↑
- () شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، ج1، ص68، 69، وانظر الإتحاف بحب الأشراف للشيرازي، ص62، 66. ↑
- () رأس الحسين: ص207، الوصية الكبرى: ص53. ↑
- () م.س: ص206. ↑
- () م.س: ص198. ↑
- () م.س: ص206. ↑
- () انظر ما نقله عنهم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه «الرد على المتعصب العنيد» وما جاء في ترجمة الإمام الحسين من طبقات محمد بن سعد المنشورة في مجلة (تراثنا ـ العدد 15) علماً أن هذه الترجمة سقطت من كتاب الطبقات. ↑
- () رأس الحسين، ص197. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص226. ↑
- () رأس الحسين، ص208. ↑
- () الرد على المتعصب العنيد: ص49 ـ 50، ترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد: ص192. ↑
- () راجع تاريخ الطبري والكامل في التاريخ والبداية والنهاية. ↑
- () صحيح مسلم، ج2424، سنن الترمذي، ح3205، 3787، 3871 وغيرهما. ↑
- () صحيح مسلم، ج2408، سنن الترمذي، ح3788، مسند أحمد، ج3، ص17. ↑
- () منهاج السنة، ج3، ص269. ↑
- () م.س: ج2، ص117. ↑
- () الطبقات الكبرى لابن سعد، ج3، ص22، سيرة ابن هشام، ج2، ص109، السيرة النبوية لابن حيان، ص149، الاستيعاب، ج3، ص35، أسد الغابة، ج2، ص221، ج4، ص16، 29، عيون الأثر، ج6، ص167، البداية والنهاية ج7، ص348، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج6، ص167، تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص135، وأخرجه أيضاً: الترمذي في السنن، ح3720، والبغوي في مصابيح السنة، حج3769، والحاكم في المستدرك، ج3، ص14. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص119. ↑
- () م.س: ج4، ص75، 96. ↑
- () م.س: ج2، ص84. ↑
- () سنن الترمذي، ح3788، مسند أحمد، ج3، ص17، المستدرك، ج3، ص148، وغيرها. ↑
- () صحيح مسلم، ح2408، أخرجه بعدة طرق. ↑
- () منهاج السنة، ج4، ص85. ↑
- () شرح نهج البلاغة للمعتزلي، ج4، ص64. ↑
- () انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء، ج3، ص390، 393. ↑
- () راجع منهاج السنة، ج2، ص202، 205، 232، 234. ↑
- () وهذا حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند، ج3، ص82، وابن حبان في صحيحه، ح6898، والحاكم في المستدرك، ج3، ص123، ووافقه الذهبي فقال: صحيح على شرط الشيخين، الخطيب في تاريخ بغداد، ج8، ص423، وابن كثير في البداية والنهاية، ج7، ص375. ↑
- () سنن الترمذي، ح3870، سنن ابن ماجه، ح145، مسند أحمد، ج2، ص442، مصابيح السنة للبغوي، ج4، ص190. ↑
- () انظر منهاج السنة، ج2، ص234. ↑
- () م.س: ج4، ص142 ـ 143. ↑
- () طبقات الفقهاء، ص42. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص241. ↑
- () عباس محمود العقاد، أبو الشهداء، ص106. ↑
- () منهاج السنة، ج2، ص247. ↑
- () العقود الدرية في مناقب ابن تيمية، ص235. ↑
- () الفقيه المعذب ابن تيمية، عبدالرحمن الشرقاوي: ص152. ↑
- () الوافي بالوفيات للصفدي، ج7، ص18، 19، وقد دون ذلك من سماعه المباشر عن ابن تيمية في دروسه. ↑
- () الوصية الكبرى لابن تيمية، ص5. ↑
- () الدرر الكامنة ج1: ص86. ↑
- () الفتاوي الحديثية: ص86. ↑
- () اليافعي: مرآة الجنان، ج2، ص375. ↑
- () وفيات الأعيان، ج4، ص424. ↑
- () مارون عبود: أدب العرب، ص292. ↑
- () ويكنّى أيضاً أبا الحسن. ↑
- () أجمع المؤرخون على أن والد الشاعر هو هاني بن محمد إلاَّ أن الصفدي سمّاه خطأً إبراهيم بن هاني (الوافي بالوفيات، ج1، ص352)، وقد وقع في الخطأ نفسه بروكلمان (تاريخ الأدب العربي، ج2، ص101). وفي هدية العارفين (ج2، ص47) جاء اسمه علي بن هاني وهو خطأ لا شك فيه. ↑
- () نسبةً إلى المهلّب بن أبي صفرة الأزديّ. ↑
- () ابن سعيد الأندلسي: رايات المبرزين، ص86. ↑
- () ابن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، ج2، ص288. ↑
- () إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين، ج2، ص47. وهي نسبة تفرّد بها البغدادي دون غيره من المؤرخين. ↑
- () الباخرزي: دمية القصر، ج1، ص203. ↑
- () ابن منظور: نثار الأزهار، ص130. وذلك نسبةً إلى المُعز لدين الله حاكم المغرب لكثرة مدائحه فيه. ↑
- () ابن الأبّار: التكملة لكتاب الصلة، ج1، ص268، ابن سعيد المغربي: المُغرب في حلى المغرب، ج2، ص97، ابن الخطيب: الإحاطة، ج2، ص293. ↑
- () التكملة، ج1، ص368. ↑
- () لم يرد اسمه في المصادر المعنية بالموضوع، إلاَّ أنه يحتمل أن يكون إسماعيل بن بدر بن إسماعيل بن زياد من ولاة الدولة الأموية بالأندلس والمتوفى سنة 351هـ، وقد ولي إشبيلية زمن الناصر عبدالرحمن وكان له في الحديث والشعر يد (الحُلّة السيراء، ج1، ص154). ↑
- () وفيات الأعيان، ج4، ص422. ↑
- () ابن بسام: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ج1، ص164. ↑
- () مطمح الأنفس، ص84. ↑
- () مسالك الأبصار، السفر السابع عشر، ص9. ↑
- () الإحاطة: ج2، ص289. ↑
- () الإحاطة: ج2، ص290. ↑
- () كنز الدرر وجامع الغرر، ج6، ص240. ↑
- () أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، ج1، ص112. ↑
- () تاريخ المغرب والأندلس، ص157. ↑
- () ديوان ابن هاني، ص150، 151. ↑
- () نفس المصدر، ص245. ↑
- () نفس المصدر، ص383. ↑
- () وفيات الأعيان، ج4، ص422. ↑
- () معجم الأدباء، ج19، ص93. مرآة الجنان، ج2، ص376. ↑
- () الإحاطة، ج2، ص293. ↑
- () ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص379. ↑
- () المُغرب، ج2، ص98. ↑
- () مسالك الأبصار، السفر السابع عشر، ص9. ↑
- () كنز الدرر، ج6، ص254. ↑
- () كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، ج2، ص102. ↑
- () حسن الصدر: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص207. ↑
- () منير ناجي: ابن هاني الأندلسي درس ونقد، ص10. ↑
- () ديوان ابن هاني، ص201. ↑
- () نفس المصدر، ص90. ↑
- () نفس المصدر، ص202. ↑
- () ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص379، ابن كثير: البداية والنهاية، ج11، ص310. ↑
- () ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب، ج1، ص160. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج5، ص379. ↑
- () البداية والنهاية، ج11، ص310. ↑
- () شهداء الفضيلة، ص20. ↑
- () عبدالله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ج1، ص210، 211 ↑
- () هدية العارفين، ج2، ص47. ↑
- () تاريخ التراث العربي، ج5، ص10. ↑
- () تاريخ الأدب العربي، ج2، ص102. ↑
- () ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب، ج4، ص5. ↑
- () اليافعي: مرآة الجنان، ج2، ص378. ابن العماد: شذرات الذهب، ج3، ص43. وذكر ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (ج12، ص187) إن خطيب سوسة أنشد أبياتاً عندما فتح تميم بن المعز لدين الله الفاطمي قابساً، والأبيات هي:ضحك الزمان وكان يلقى عابساً
لمّا فتحت بحدّ سيفك قابسا
وأتيتها بكراً وما أمهرتها
إلاَّ قناً وصوارماً وفوارسا
الله يعلم ما جنيت ثمارها
إلاَّ وكان أبوك قبلاً غارسا
من كان في زرق الأسنّة خاطباً
كانت له قلل البلاد عرائسا
↑ - () الخفاجي: ريحانة الألبا، ج1، ص260، 261. المحبّي: خلاصة الأثر، ج1، ص137. ↑
- () ابن المستوفي: تاريخ أربل، ج1، ص36، وقد أضاف المؤلف بعد أن ذكر الأبيات قائلاً: «وجدت هذه الأبيات في آخر ديوان من دواوين شعر أبي القاسم محمد بن هانىء المغربي، وذكرها أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي في كتاب أنموذج شعراء المغرب لمحمد بن أبي سعيد بن أحمد ويعرف بابن شرف». وتجدر الإشارة إلى أنَّ الشيخ عباس القمي نسبَ البيت الأول لأبي الحسن علي بن الفضال القيرواني المفسر اللغوي النحوي صاحب التفسير العميدي المتوفى سنة 479هـ (الكنى والألقاب، ج3، ص145). ↑
- () الصفدي: الغيث المسجّم، ج1، ص153. ↑
- () ابن الأبّار: الحلة السيراء، ج1، ص305. ↑
- () لا نوافق العلاّمة العسكري في التعويل على مثل هذا الحديث ويبدو أنه من وضع الرواة، (وما آفة الأخبار إلا رواتها) ـ تعليقة الحسني. ↑
- () يعني آية الله الإمام الشيخ آغا بزرك الطهراني، رحمه الله. ↑
- () حبر الأمة وترجمان القرآن وخريج مدرسة أمير المؤمنين علي عليه السلام. وكان أكثر الصحابة تفسيراً. قال الجلال السيوطي في الأتقان: ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة. وقد طبع مؤخراً ما روي عنه من تفسير باسم «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس»، وقد حمل عليه كثيراً وزيد فيه ما ليس منه. وما صحّ عنه من تفسير قليل، حتى قال الإمام الشافعي: لم يثبت عن ابن عباس إلاّ شبيه بمائة حديث. توفي ابن عباس بالطائف سنة 68هـ. ↑
- () في كونها أول سورة نزلت خلاف. فقد روي من عدة طرق أنّ سورة الفاتحة هي أول سورة نزلت، فلاحظ. ↑
- () هو تلميذ أبي الحسن الشاذلي المنتسب إلى الإمام الحسن السبط عليه السلام وخليفته. قيل إنه من أولاد الأنصار. وقد ذكرناه عرضاً في كتابنا (القول الحاسم) بمناسبة ذكر أستاذه الشاذلي. ونقلنا ثمة أقوال النسّابين في نسب الشاذلي. ↑
- () الجوهر: هو ما قام بنفسه غير محتاج إلى غيره، ويطلق عليه الذات، مثل: زيد وشجرة. والعرض هو ما قام بغيره، فلا وجود له في الخارج مستقلاً، ويطلق عليه المعنى كالعلم. ↑
- () أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (467هـ 558هـ) كان من أكابر علماء اللغة والنحو، وله في التفسير باع طويل، وهو معتزلي العقيدة حنفي الفروع. لقّب جار الله لأنه جاور بيت الله الحرام. له مؤلفات كثيرة، منها: تفسير الكشاف، والفائق، والمفصل، وأساس البلاغة، وربيع الأبرار، وغيرها. وكانت له صلات مع أشراف العلويين كالسيد أبي السعادات الشجري والسيد عُلي بن حمزة الحسني، وفيه يقول الأخير:جميع قرى الدنيا سوى القرية التي
تبوأها داراً فداء زمخشرا
وحسبك أنّ تزهو زمخشر بامرىء
إذا عُدَّ من أسُدِ الشرى زمخ الشرى
↑ - () العلامة الشهير السيد أبو الثناء محمود شهاب الدين الألوسي البغدادي (1217هـ 1270هـ) ابن السيد عبدالله صلاح الدين بن السيد محمود جمال الدين بن درويش بن عاشور بن محمد بن الحسين الطاهر بن علي بن الحسين المعتزي بن كمال الدين بن شمس الدين بن محمد بن شمس الدين بن حارس شمس الدين بن شهاب الدين بن أبي القاسم بن أمير بن محمد أبي الفضل بن بيداء (بندار) الأستدرجاني بن عيسى بن محمد بن أحمد جمال الدين (أمير زادة) بن موسى بن أحمد نقيب قمّ بن محمد الأعرج بن أحمد بن موسى المبرقع ابن الإمام محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. تعرف أسرته قديماً بآل عاشور، ويلتقي نسبهم بالسادة الغوالب الساكنين في مختلف أنحاء العراق بالسيد بيداء الأستدرجاني، وهم غير آل الألوسي المنتسبين إلى الشيخ عبد الباقي الطيار من ذرية الشيخ عبدالقادر الجيلي وقد ذكرناهم في (القول الحاسم في أنساب بني هاشم). من مؤلفات السيد الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن، والسبع المثاني، وشرح سلَّم العروج في المنطق، وكشف الطرة عن الغرة في اللغة. ↑
- () هو الفقيه الحنبلي محمد بن أبي بكر الزرعي المتوفى سنة 751هـ تفقه على ابن تيمية فنسج على منواله في التعصب على أمير المؤمنين وآله. وقيل له ابن القيم لأنّ أباه كان قيم المدرسة الجوزية، وقد قال له ابن قيم الجوزية فإذا دخلت الألف واللام عليها امتنعت الإضافة. وفي هذا يغلط كثير من الكتاب فيقولون ابن القيم الجوزية. من مؤلفاته بدائع الفوائد، وزاد المعا في هدي خير العباد. ↑
- () هذا هو الفصيح في تعدية الفعل أجاب. ويغلط من يعديه بحرف الجر (على)، بخلاف تكلّم، فإنّ الفصيح فيه أنّ يقال: تكلم على، لا تكلّم عن. وكلام الناس اليوم بخلافه. ↑
- () كذا في أصل البحار، والصواب: ولن يسمى إذ لا موجب للجزم هنا. ↑
- () اعترض عليَّ أحد العلماء الأفاضل في إثباتي لأبيات ابن أبي الحديد المعتزلي بأنها تنفي معرفة الأنبياء والرسل والملائكة المقربين بربهم، وهذا ينافي عقيدتنا فيهم حيث أنهم عرفوا الله حقّ معرفته. قلتُ: «حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء»، إنَّ ابن أبي الحديد في هذه الأبيات لم ينفِ معرفة الرسل والأنبياء بالله تعالى وإنما حصر معرفتهم به جلّ شأنه بكونه «أوحدي الذات سرمد». وهاتان الصفتان هما عنوان صفاته الكمالية، فكأنه بذكرهما نفى ما يضادهما من الصفات عن ذات المولى عز اسمه. وهذا الأسلوب شائع في كلام العرب جارٍ على طريقتهم في مخاطباتهم. تقول في جواب مَنْ سألك عن زيد وهو شاك فيه: لا أعرف عنه غير أنه رجل صالح تقي، فأنت بهذا نفيت ما اختلج في نفس السائل وأثبت له العكس من اتصافه بالصلاح والتقى، ولم تنف مما عداهما من الصفات المحمودة. ↑
- () الصفة المشبهة: هي الصفة المصوغة لغير تفضيل لإفادة الثبوت كحسن، وإنما سمّيت هذه الصفة مشبهة لمشابهتها اسم الفاعل في العمل، لكنها تختلف عنه في موارد، منها: أنَّها تدلّ على الثبوت واسم الفاعل يدل على الحدوث. ولا خلاف في أنها في الأصل لا تنصب باعتبار أنها مأخوذة من فعل لازم. وتتمة الكلام في كتابنا (خلاصة النحو). ↑
- () العلاَّمة الحر العاملي من أكابر علماء الإمامية، وذريته اليوم في لبنان تُعرف بآل الحر: نسبة إلى الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي المستشهد مع أبي عبدالله الحسين عليه السلام، فهم العلماء والأدباء والشعراء. وقد ذكرنا نسبهم متصلاً ببكير بن الحر في كتابنا: «إغاثة اللهفان في نسب قحطان وعدنان». ↑
- () كلمة (سائر) تدلّ على بقية الشيء، قلّ أو كثر. ويستعملها أهل العصر بمعنى جميع، بل هو غلط قديم. قال الحريري في «درة الغواص»: فمن أغلاطهم الواضحة وأوهامهم الفاضحة أنهم يقولون: قدم سائر الحاج واستولى سائر الخراج فيستعملون (سائراً) بمعنى جميع، وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، ومنه قيل لما يبقى في الإناء سؤر. ↑
- () أبو عبدالله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم ورفع بعضهم نسبه إلى قحطان. تتلمذ على ابن عباس وأخذ عنه الفقه والتفسير والحديث فكان من أعلام التابعين، وهو من حواريي الإمام زين العابدين عليه السلام، قتله الحجاج سنة 95هـ، وقبره اليوم بواسط. ومن ذريته الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان بن عبدالسلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير رضوان الله عليهم. ↑
- () محمد بن كعب بن سليم القرطبي الأوسي. وبنو قريظة حلفاء الأوس. كان أبوه سبي بني قريظة. ومحمد هذا من كبار التابعين كما نص ابن عبدالبر في ترجمة أبيه من (الاستيعاب) قال فيه ابن عون: ما رأيتُ أحداً أعلم بتأويل القرآن من القرظي. كانت وفاة القرظي سنة 117هـ. ↑
- () الأعشار أو التعشير هو وضع علامة عند نهاية كل عشر آيات. ↑
- () الصفحة (31)، الطبعة الأولى، مصطفى البابي الحلبي بمصر، سنة 1356هـ/1937م. ↑
- () سيأتي ذكر الروايات الآحادية الدالة على عدم قرآنية البسملة وتفنيدها. ↑
- () مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني من مشاهير القراء، توفي سنة 437هـ. ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب. ↑
- () لم يَرد في الأصل كلمة ـ وآله ـ، وإنما أثبتناها ووضعناها بين معقوفين التزاماً بالسنة، فإنَّ الصلاة على النبي دون (آله) صلاة بتراء كما ورد في أحاديث كثيرة، رواها جمع من علماء الإسلام، منهم ابن حجر الهيثمي في كتابه (الصواعق المحرقة). ↑
- () هذه (الحاء) تعرف بحاء التحويل في مصطلح المحدثين، يثبتونها إذا كان للحديث طريقان أو أكثر إلى راوٍ واحد، ثم ينهون طرق الأسناد إليه كما تلاحظ هنا في رواية مسلم عن علي بن مسهر. ↑
- () الإتقان، ج1، ص136. ↑
- () البيهقي، ج2، ص45. ↑
- () تفسير الرازي، ج1، ص105. ↑
- () نيل الأوطار، ج2، ص93. ↑
- () الحاكم، ج1، ص231. ↑
- () الحاكم، ج1، ص232. ↑
- () سنن ابن داود، ج1، ص182. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص3. ↑
- () الحاكم، ج1، ص234. ↑
- () الحاكم، ج1، ص232. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص7. ↑
- () كما في الدر المنثور، ج1، ص7. ↑
- () الشافعي، الأم، ج1، ص93 ـ 94. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص269. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص8. ↑
- () الدر المنثور، ج1، ص7. ↑
- () الشوكاني، ج2، ص92. ↑
- () كذا في (مدارك التنزيل). والصحيح مائة وثلاث عشرة آية، لأنّ سورة براءة لا بسملة لها. ↑
- () الإمام أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبدالله بن حيّان بن عبدالله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان الشيباني، أحد أئمة المذاهب الأربعة، ومن أئمة المحدثين. وهو الذي امتُحِن بمسألة خلق القرآن أيام المأمون. تُوفي سنة 241هـ، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد. وباب حرب منسوب إلى حرب بن عبدالله أحد أصحاب المنصور الدوانيقي، ولا أثر لقبره اليوم، حيث انحازت إليه المياه وجرفته. وقد غلط من نسبه إلى ذي الثدية زهير بن حرقوص، وتحقيق ذلك في كتابنا (بوادر الإيحاء في نقد فقهاء الفيحاء). وممن دفن في مقبرة باب حرب العلاَّمة أبو الفرج ابن الجوزي، كما نصّ على ذلك ابن الساعي وغيره. والمرقد القائم على نهر دجلة مقابل محلة السنك ليس له، وإنما هو محل تدريسه ويعرف بمدرسة السيدة نفيسة، والقبر قائم إلى هذه السنة أعني سنة 1391هـ. ↑
- () جشم بن معاوية بن كبر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو قبيلة كبيرة من عدنان، ومن ذريته دريد بن الصمة، ومن رهطه سعد بن بكر بن هوازن جدّ بني سعيد قوم حليمة السعدية أم رسول الله من الرضاعة. ↑
- () عبدالله بن مغفل بن عبد غنم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عداء بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب بن سعد بن عداء بن عثمان بن عمرو بن أد بن طانجة، كان من أصحاب الشجرة. سكن المدينة ثم تحول عنها إلى البصرة. يُكنى أبا سعيد، وقيل أبو عبدالرحمن. توفي بالبصرة سنة (60هـ) روى عنه جماعة من التابعين بالكوفة والبصرة، وكان له سبعة أولاد. ذكره أبو عمرو في الاستيعاب. ↑
- () وهذا شبيه بموقفه من أمير المؤمنين عليه السلام حينما استنشدهُ الله هل سمع حديث الغدير من النبي صلى الله عليه وآله: فقال نسيتُ. قلتُ: صدق الله العلي العظيم إذ يقول: {وَمَا أَنسَانِيهُ إلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}. ↑
- () الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر بن أحمد الكناني العسقلاني، من أكابر علماء الشافعية وأئمة الجرح والتعديل، توفي بمصر سنة 852هـ. وهو غير سميه أحمد بن علي بن حجر السعدي صاحب (الصواعق المحرقة)، وكان هذا شافعياً أيضاً. ومن مؤلفات الأخير (تطهير الجنان) في مناقب معاوية. ويعجبني ما قاله فيه العلاّمة الشريف السيد أبو بكر بن شهاب العلوي الحضرمي العريضي:لا تعجبوا جمع (تطهير الجنان) ولا
مدحاً به كذباً فيمن بغى وفجرْ
فإنما طينة الشيخين واحدة
ذاك ابن صخرٍ وهذا المادح ابن حجرْ
↑ - () سورة هود، الآيات: 105 ـ 108. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 119. ↑
- () سورة التوبة، الآيتان: 88 ـ 89. ↑
- () سورة هود، الآيات: 105 ـ 108. ↑
- () سورة النجم، الآية: 39. ↑
- () سورة التحريم، الآية: 7، وسورة الطور، الآية: 16. ↑
- () سورة المدثر، الآية: 38. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 7. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 119. ↑
- () سورة الشعراء، الآيات: 87 ـ 89. ↑
- () سورة الأعلى، الآيتان: 14 ـ 15. ↑
- () سورة الشمس، الآية: 9. ↑
- () سورة التوبة، الآيتان: 88 ـ 89. ↑
- () تُرجمت عناوين الكتب المكتوبة بالفارسية بين مقوستين، ليتضح مضمون الكتاب. ↑
- () حول طبع المجموعة «الكتب الأربعة» ينظر في حاشية رقم 59 من المقالة. ↑
- () أو: في نقض ↑
- () تأليف المولوي حيدر علي فيض الله الآبادي الهندي. ↑
- () ألف هذا الكتاب العلامة المجاهد العظيم مير حامد حسين قبل «عبقات الأنوار»، وعلى قول آغا بزرگ التهراني: عشر مجلدات طبع منها اثنان. حافل بالتحقيقات العلمية والفنية في مسائل تتصل بتحريف الكتاب. أحوال حضرت حجت عليه السلام وإثبات وجوده، وشرح حال كثير من علماء أهل السنة وبعض الأصول الإسلامية وفروعها. (الذريعة: 2/31. نقباء البشر: 1/349). ↑
- () للمؤلف نفسه: «البشارات والمقارنات بين الكتب السماوية». النجف. مطبعة الغري الحديثة/1388. ↑
- () للمؤلف نفسه: «البشارات والمقارنات بين الكتب السماوية». النجف. مطبعة الغري الحديثة/1388. ↑
- () حول ما كتب عن حديث «الثقلين» يُنظر ج8 من «عبقات الأنوار». طبعة إصفهان، ضمائم، ص1245 بقلم الأستاذين السيد محمد علي روضاتي والفقيه الإيماني. ↑
- () كتاب ثمين يقول حول هذا الموضوع: «تُرى، في السنة التي جرت وقعة الطف (العاشوراء) ماذا كان من خبر على وجه البسيطة؟ ومن هم الملوك الذين كانوا يحكمون في الممالك الإسلامية آنئذ؟ كتب هذا الكتاب المشهور من كتب التاريخ القديمة المكتوب بعدد من اللغات. وتعبوا حتى حصلوا على نسخه النادرة من مكتبات العالم وألفوه. وطبع مرتين: رصاصي وحجري (نقلاً عن مقدمة كتاب «عظمة الحسين بن علي»). ↑
- () عُرف هذا الكتاب في صفحة العنوان كذا: «كتاب يؤلف بين الشيعة والسنة على أساس التفاهم وضوء الدليل».سها كاتب المقال عن «الجوهرة في نسب الإمام وآله» تأليف محمد بن أبي بكر التلمساني، تحقيق الدكتور محمد التونجي، دمشق: مكتبة النوري/1982، وترجمة الدكتور فيروز حريرجي، تهران «رئاسة التحرير». ↑
- () الشيخ المفيد، معلم الأمة، محمد بن محمد بن نعمان العكبري، من أكبر علماء الشيعة في التاريخ، ومن أعظمهم في معرفة آل محمد وحقائق الشيعة. إنه يكتب كتاباً بعنوان: «إنه لو اجتمع على الإمام بضعة عشر رجلاً لوجب عليه الخروج». لك الآن أن تقايس هذا المنطق الأصيل الشيعي بأقوال السفهاء المتحدثين عن وضع الأئمة الاجتماعي عليهم السلام ممن أنكروا هدايتهم، وفقط من يعرِّفون بمرآة إعلان الحق، ويوضحون مثل هذه السياسة الاجتماعية القويمة. وهناك من يُسهم في نشر كتب ضالة تُنقص من حق الإمام. وهذا انحطاط في مدرسة التعليم الشيعية وفي تغييرها وفي منزلتها. (والحق مع المفيد ـ رضوان الله عليه ـ وعلى هذا يكون نائبه أيضاً كذلك. وهذا هو السر في حركة الإمام.. الإصلاحية في الآونة الأخيرة لحفظ نواميس الله تعالى ومناهج العباد ومصالح البلاد، حيث اجتمعت عليه جماعات وأفراد. وقد ترتب عليها آثار اجتماعية وتسلية هامة سوف تتبين شواهدها).بحث في الغيبة، عميق التكليف في هذه المرحلة وفلسفة أمل وحماسة الانتظار، ومستقبل العالم من وجهة نظر الشيعة. ↑
- () في هذا المجلد مقدمة لكاشف الغطاء (ت1373). ومقدمة للمرحوم ميرزا محمد علي الأردوبادي (ت1380) في ترجمة المؤلف. ومقدمة وجيزة للمرحوم السيد حسن الصدر (ت1354)، ومقدمة للمؤلف نفسه وشمل بحوثاً منها: (تقدير الكتاب والكتابة ـ الكتاب الفاضل في ناموس الاعتدال ـ الكتاب وأصنافه الجوهرية ـ الكتاب وأحكامه الشخصية ـ الشيعة والكتابة ـ الرواة من الشيعة ـ مشايخ الشيعة الإمامية). ↑
- () في هذا المجلد من الرقم 1261 ـ 1363 ذكر فيها كتب الإمامة عن كتاب «الإمامة الصغير» وكتاب «الإمامة الكبير» تأليف إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي (ت283) والذي يبدأ بأبناء عمومة المختار بن أبي عبيد الثقفي. وهو الكتاب الوحيد الذي تحدث عن الإمامة بهذا الاسم أو بدون اسم محدد. في حين أن الكتب التي تحدثت عن الموضوع وذات اسم آخر فإن ذكرها يرد في موضعه الهجائي. ويقدَّر جيداً التتبع العلمي للشيعة في هذا الأصل الحياتي وتوضيح شكل الحكومة والتعقيب على الحكومة العادلة. ↑
- () ضمن هذا التعداد يرد 700 تفسير مدروس من تفاسير الشيعة (راهنماي كتاب، السنة: 4/526). ↑
- () في هذا المجلد عرَّف المؤلف بـ763 كتاباً في الأحاديث والتي هي من مصادر حقوق الشيعة، ويرجع تأليف أغلبها إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين (راهنماي كتاب، السنة: 4/527). ↑
- () من هنا فما بعد، التزيينات والإضافات التي تُرى في الكتاب هي من عمل ابن المؤلف (علينقي منزوي). ↑
- () من هنا فما بعد، التزيينات والإضافات التي ترى هي من عمل ابن المؤلف الآخر (أحمد منزوي). ↑
- () نقباء البشر: ج1/273. ↑
- () وارجع كذلك إلى «مرآة العقول». ↑
- () كتب حول «نهج البلاغة» أكثر من سبعين شرحاً وتفسيراً (الغدير: ج4/186 ـ 193). وأكثر هذه الشروح قام بها علماء شيعة أحبّها ما ذكر، وعملت بمناسبات البحث حول مباني الشيعة. ↑
- () عرف هذا الكتاب في صفحة العنوان كذا: «كتاب فني، تاريخي، أدبي، مبتكر في موضوعه، يتضمن تراجم شهداء علمائنا ـ الأعلام، من القرن الرابع الهجري إلى العصر الحاضر، وهم: مائة وثلاثون شهيداً». ويقول العلامة المؤلف في المقدمة بعد ذلك: «فهذا ما بذلت في جمع شتاته من تاريخ الشهداء من علمائنا الأعلام، الذين بذلوا مهجهم في سبيل الحقائق الدينية، أقدمه لطلاب الفضائل ورواد الكمال، إحياء لذكرى أولئك الكرام ولما كان العلماء المستشهدون في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة المقدسة قد دونت أخبارهم في المعاجم الكثيرة لأصحابنا وغيرهم، ابتدأت في كتابنا هذا من شهداء القرن الرابع إلى العصر الحاضر». ↑
- () فهرست الكتب الفارسية المطبوعة، ج2/ عمود 2511. ↑
- () ترجمة هذا الكتاب «كفاية الخصام» بقلم محمد تقي بن علي الدزفولي. طبع حجري/1377. ↑
- () يقول الشيخ آقابزرگ التهراني عن هذا الكتاب: «كتاب اجتماعي وسياسي، ومن أفضل الكتب في الإمامة والسياسة. 4 مجلدات، ويضم حياة النبي وأسرته حتى المهدي القائم عليه السلام. مقدمته مستقلة في كتاب. وقد طبع الكتاب سنة 1332هـ ثم أعيد طبعه في كربلاء سنة 1378». (نقباء البشر: ج3/1087). ↑
- () أو: إحياء الأحياء. ↑
- () ثقة الإسلام أبو الفضل علي الطبرسي، توفي في أوائل المئة السابعة للهجرة، وهو ابن أبي النصر رضيّ الدين حسن الطبرسي مؤلف «مكارم الأخلاق». وأبو النصر الرضي، ابن أمين الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهور مؤلف تفسير «مجمع البيان» (مقدمة صالح الجعفري، على «مشكاة الأنوار»). ↑
- () طبعت دار الكتب الإسلامية (الآخوندي) بتهران جميع الكتب الأربعة والتي عنوانها: «الكتب الأربعة من حديث أهل البيت، في ستة وعشرين مجلداً:من ج1 ـ 8، الأصول؛ الفروع والروضة الكافية.
من 9 ـ 12، من لا يحضره الفقيه.
من 13 ـ 22، تهذيب الأحكام.
من 23 ـ 26، الاستبصار. ↑
- () كتاب تربوي عظيم، يحسُن بكل جامعي وأستاذ ومعلم ورجل دين أن يداوم على مطالعته. وقد قيل فيه إنه: «من أحسن الكتب الإمامية في كيفية البلوغ إلى أقصى الغاية والترقي إلى المقامات العالمية الإنسانية وبين فضل العلم وأهله وآداب تعليمه وتعلمه وشرائط الفتوى والمفتي وآدابهما وشرائط المستفتي وغير ذلك مما يتعلق بالعلم والعمل وتهذيب الأخلاق النفسية والوصول إلى الدرجات الملكية واللحوق بالنفوس الكاملة القدسية».وقد قال الميرزا الشيرازي الكبير بشأنه: «إنه من اللائق كثيراً أن يواظب أهل العلم على مطالعة هذا الكتاب الشريف، ويتأدبوا بآدابه المذكورة فيه». وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية. ↑
- () شارب، فرمانهاي شاهنشاهان هخامنشي، كتبية بيستون، السطر الأول، البند 6، ص37. ↑
- () تاريخ أرمينيا: ص26. ↑
- () تاريخ هيرودس. ↑
- () تاريخ أرمينيا: الفصل 4، ص76. ↑
- () فتوح البلدان: ص283 ـ 284. ↑
- () صورة الأرض: ص81. ↑
- () المسالك والممالك: ص158. ↑
- () أحسن التقاسيم: القسم الأول، ص554 ـ 555. ↑
- () صورة الأرض: ص92. ↑
- () صورة الأرض: ص92. ↑
- () معجم البلدان: ج1، ص160 وتقويم البلدان: ص443. ↑
- () تقويم البلدان: ص455. ↑
- () صورة الأرض: ص93. المسالك والممالك: ص159. ↑
- () المصدر السابق: ص91. ↑
- () مجلة الدراسات التاريخية السنة 12، العدد 2، الصفحة 59. ↑
- () انقارض السلالة الصفوية: ص129. ↑
- () سفارتنامه هاي إيران: ص62. ↑
- () انظر: رشيدو، بي نن، سقوط بغداد وحكم المغول في العراق، ترجمة أسد الله آزاد انتشارات استان قدس رضوي، طهران، 1368هـ.ش. ↑
- () بعد سقوط بغداد ومقتل الخليفة والعائلة العباسية، هرب أحد أفراد هذه العائلة ـ واسمه أبو القاسم أحمد المستنصر بن الظاهر ـ إلى مصر وفي اليوم الثالث عشر من رجب 659هـ نصبه المماليك خليفة عليهم، وبذلك أسست الخلافة العباسية في مصر، حكم فيها 17 شخصاً من أفراد هذه العائلة، وكان المتوكل ثالثهم، ومات في اسطنبول سنة 923هـ لمعرفة أسماء هذه السلسلة من الخلفاء راجع: زاميارو، نسب نامه خلفا وشهرياران، ترجمة محمد جواد مشكور، انتشارات كتابفروشي خيام، طهران، 1356هـ ش، 4 و5. ↑
- () فيما يتعلق بمساعي السلطان محمد خوارزمشاه للاستيلاء على عراق العجم انظر، الجويني، علاء الدين عطاملك، تاريخ جهانگشا، تصحيح محمد بن عبدالوهاب القزويني، انتشارات بامداد وأرغوان، طهران، ط 3 ، 1327هـ.ش، 120 وما بعدها. ↑
- () في المسائل الفقهية الخاصة بالخلافة، انظر: الماوردي، أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، والقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، صححه محمد حامد الفقي، مركز النشر، مكتب الإعلام الإسلامي، طـ2، 1406هـ الخنجي الأصفهاني، فضل الله بن روزبهان، سلوك الملوك تصحيح محمد علي الوحد، انتشارات خوارزمي، طهران 1362هـ. ↑
- () انظر: نظام الملك، سير الملوك (سياست نامه) باهتمام هيوبرت داكر، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، طـ2، 1364هـ.ش، 201 ـ 210. الجويني، تاريخ جهانگشا، 1327هـ.ش، ج، 120. ↑
- () توفي الميرزا جعفر سنة 1298هـ، وتُوفي والده بعده عام 1300هـ/1883م. ↑
- () توفي السيد حسين سنة 1325هـ/1907م. أمّا أخوه السيد محمد فقد تُوفي سنة 1335هـ/1916م. ↑
- () ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق هارون، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ، ج1، ص109. ↑
- () الحلي، حسن بن يوسف، الباب الحادي عشر، تحقيق محقق، مشهد، استان قدس رضوي، 1368هـ. ش، ص2. السيوري، مقداد بن عبد الله، ارشاد الطالبين، تحقيق الرجائي، قم، مكتبة آية الله المرعشي العامة، 1405هـ، ص14. ↑
- () ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص319. ↑
- () الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، ط1، بيروت، دار مكتبة الحياة، ج9، ص208. ↑
- () انظر: شرح المصطلحات الكلامية، إعداد ونشر مجمع البحوث الإسلامية، طـ1، مشهد، 1415هـ، ص24. ↑
- () انظر: التهانوي، محمد علي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، طـ1، بيروت، مكتبة لبنان 1996م. ج1، ص213 ـ 215. ↑
- () الطهراني، آقا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت، دار الأضواء 1983م، ج2، ص181 ـ 196. ↑
- () انظر: يزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة الإسلامية، طـ 2، طهران، منظمة الإعلام الإسلامي، 1993م، ج1، ص26. ↑
- () انظر: المرجع السابق، ج1، ص29. ↑
- () سورة البقرة، الآيتان: 23 ـ 24. ↑
- () الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، طـ2، قم. مؤسسة آل البيت، (لا.ت)، ج2، ص58 ـ 59. ↑
- () انظر: يزدي، محمد تقي دروس في العقيدة الإسلامية، ج1، ص28. ↑
- () انظر: الغروي، علي، التنقيح، ج2، ص63. ↑
- () لا يخفى أن أصل الأصول هو الإيمان بوجود الله تعالى، ولكن لم يذكر هنا مع الأصول: لأنه متضمن في التوحيد الذي هو فرع الوجود. ↑
- () انظر: ترحيني، محمد حسن، الأحكام في علم الكلام. طـ1، بيروت دار الأمير 1993م. ص7. ↑
- () الغروي، علي، التنقيح، ج2، ص59. ↑
- () الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، تحقيق النوراني، قم، مؤسسة النشر الإسلامية، (لا.ت)، ج1، ص277. ↑
- () السيوري، مقداد، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، تحقيق الرجائي قم، مكتبة آية الله المرعشي العامة 1405هـ، ص438. ↑
- () السبزواري، عبدالأعلى، مهذّب الأحكام، ط 4، قم، مؤسسة المنار، 1413هـ، ج1، ص273. ↑
- () اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، طـ2، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1984، ج1، ص67. ↑
- () المرجع السابق، ص67. ↑
- () المرجع السابق، ص67. ↑
- () الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي، تحقيق الغفاري، بيروت، دار الأضواء. (لا.ت)، ج2، ص38. ↑
- () انظر: السبزواري مهذَّب الأحكام، ج1، ص372. ↑
- () يُعبَّر عن هذه الرواية باصطلاح علم الدراية بالموثَّقة: لكون راويها من الثقاة غير الإماميين. ↑
- () الكليني، الأصول من الكافي، ج2، ص25. ↑
- () انظر: كتاب الطهارة من مصباح الفقيه، طهران مكتبة الصدر، (لا.ت)، ص566. ↑
- () الطباطبائي، علي، رياض المسائل، طـ1، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1412هـ، ج2، ص357. ↑
- () الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق، طـ2، قم، مؤسسة دار الكتاب، 1413هـ. ج3، ص205 ـ 206. ↑
- () الكليني، الأصول من الكافي، ج2، ص30 ـ 39. ↑
- () الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، ج1، ص277. ↑
- () انظر: كاشف الغطاء، محمد حسين، أصل الشيعة وأصولها، تحقيق علاء آل جعفر. طـ1، قم، مؤسسة الإمام علي عليه السلام، 1415، ص21.ـ الخونساري، محمد باقر، تلويح النوريات، تقديم الروضاتي الأصفهاني ص62 (المقدمة).
ـ الغروي، علي، التنقيح، ج2، ص59.
ـ الحسني، محمد علي، دراسات في عقائد الشيعة الإمامية، طـ1، بيروت مؤسسة النعمان، 1409هـ، ص28.
ـ اليزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة الإسلامية، ج1، ص23.
ـ الأنصاري، عبدالواحد، هذه عقيدتنا، بغداد، مطبعة المعارف 1967م، ج1، 138. ↑
- () انظر التنقيح، ج2، ص59. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 228. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 232. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 177. ↑
- () الخوئي، التنقيح، ج2، ص59. ↑
- () الصدر، محمد باقر، بحوث في العروة الوثقي ـ طـ2، قم، مجمع الشهيد الصدر العلمي، 1408هـ، ج3، ص292. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 228. ↑
- () الصدر، محمد باقر، بحوث في العروة الوثقى، ج3، ص293. ↑
- () الجوهري، محمد مرتضى، تاج العروس، طـ1، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1306هـ، ج1، ص257. ↑
- () ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر (لا.ت)، ج1، ص394.واعتبره الجوهري في تاج العروس أنه استعمال مجازي، انظر: ج1، ص257.
موسى، حسين، والصعيدي، عبدالفتاح، الإفصاح، ط 4، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1410هـ، ج2، ص1258. ↑
- () شرح المصطلحات الكلامية ص235. ↑
- () والعدل أيضاً أصل من أصول المذهب المعتزلي الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لذا سمي كلّ من مذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة الإمامية بـ«العدلية» (انظر: الكلبايكاني، علي، القواعد الكلامية، طـ1، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1418هـ، ص146). ↑
- () قال الحلي رحمه الله: «اعلم أن هذا (أي العدل) أصل عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً وبدونه لا يتم شيء من الأديان، ولا يمكن أن يعلم صدق نبي من الأنبياء على الإطلاق…) (نهج الحق وكشف الصدق، تعليق الآرموي، طـ1، قم، دار الهجرة، 1407هـ، ص72). ↑
- () انظر: ترحيني، محمد حسن، الإحكام في علم الكلام، طـ1، بيروت، دار الأمير، 1993م، ص9. ↑
- () آشناي باعلوم إسلام، ج2، ص25 (نقلاً عن الكلبايكاني، علي رباني، القواعد الكلامية، طـ1، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1418هـ، ص147). ↑
- () سيرة ابن هشام 1: 4. ↑
- () انظر تهذيب التهذيب 9: 44. ↑
- () مغازي الواقدي: 29. ↑
- () مقدمة المحقق للمغازي: 1: 31. ↑
- () تأريخ مدينة دمشق 11: 5، وتأريخ بغداد 3: 6، وعيون الأثر 1: 18. ↑
- () انظر الطبقات 5: 315. ↑
- () الطبقات 7: 77. ↑
- () تأريخ بغداد 3: 4. ↑
- () الطبقات 5: 315. ↑
- () تاريخ بغداد: 3: 20. ↑
- () الطبقات 7: 77. ↑
- () تاريخ بغداد 3: 5، وعيون الأثر: 1: 18، والوافي بالوفيات 4: 238، وسير أعلام النبلاء 7: 118. ↑
- () الطبقات 5: 315، وتأريخ بغداد 3: 20، وتأريخ دمشق 11: 3، والوافي بالوفيات 4: 238. ↑
- () الطبقات 7: 77. ↑
- () الطبقات 5: 144. ↑
- () الفهرست: 144. ↑
- () تأريخ بغداد 3: 13. ↑
- () عيون الأثر 1: 20. ↑
- () سير الأعلام 7: 117. ↑
- () الفهرست: 144. ↑
- () أعيان الشيعة 46: 171. ↑
- () الذريعة 3: 293. ↑
- () شرح نهج البلاغة 3: 339. ↑
- () معجم الأدباء 18: 7. ↑
- () تهذيب التهذيب 9: 364. ↑
- () عيون الأثر 1: 18. ↑
- () الفهرست: 144. ↑
- () هامش تاريخ گيني گشا: ص391. ↑
- () صدر التواريخ: ص12. ↑
- () محمود محمود: ج1. ↑
- () آخرين روزهاي لطف علي خان زند: ص68. ↑
- () ذيل تاريخ گيتي گشا: ص339. ↑
- () فارسنامه ناصري: ج1، ص645. ↑
- () نفس المصدر: ص645. ↑
- () صدر التواريخ: ص645. ↑
- () فارسنامه ناصري: ج1، ص647. ↑
- () صدر التواريخ: ص19. فارسنامه ناصري: ج1، ص647. ↑
- () مآثر السلطانية: ص21. أحسن التواريخ: ص197. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص248. ↑
- () صدر التواريخ: ص21. ↑
- () أحسن التواريخ: ص263. صدر التواريخ: ص21. ↑
- () محمود محمود: ج1. ↑
- () راجع نص المعاهدة المصدر السابق. ↑
- () صدر التواريخ: ص32 ـ 33. ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص369. صدر التواريخ: ص33. ↑
- () صدر التواريخ: ص33. ↑
- () متلقي الرواتب الإنجليزية في إيران: ص38. ↑
- () البعلبكي منير، قاموس المورد، انجليزي عربي، حرف (A). ↑
- () قصص العرب، طبع مصر ج4، ص91 (النص والحاشية). ↑
- () مجلة آخر ساعة المصرية، في تحقيق عن مصير الأمويين ونسلهم في الأندلس في أواخر سنة (1960)، ولم يرد شرح عمن بقي من نسل بني أمية في كتاب (صبح الأعشى) للقلقشندي مع أنه جاء شرح عمن بقي من نسل بقية القبائل. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، طبع دار التعارف، بيروت، سنة 1393هـ،ق، ج4، من الصفحة الثالثة حتى الصفحة 32 (عن دولة الأدارسة في الأندلس) وفي الجزء الثالث، من الصفحة 318 حتى الصفحة 327 (عن دولة الموحدين في الأندلس). ↑
- () شبر، السيد جواد، أدب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام، طبع بيروت، ج4، ص11. ↑
- () المصدر السابق، نقلاً عن مجلة العرفان اللبنانية، مجلد 59. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج4، ص24. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () تخرم، في الأصل: تتخرم، بمعنى تتشقَّق من شدة الحزن، المعجم الوسيط، ص230. ↑
- () يُلَمْلِمُ: يجمع ما تناثر منه، المعجم الوسيط، ص230. ↑
- () كيف تعقم: كيف يكون نسلها أبتر. ↑
- () تُسجَمُ: تجري. ↑
- () قرع عليه سنه: صكّها ندماً، المعجم الوسيط، ص728. ↑
- () تَلثِمُ: تُقَبِّلُ. ↑
- () شبّر، السيد جواد، أدب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام، ج4، ص11 وص12 وص13 نقلاً عن: اعلام الأعلام، لابن الخطيب، وهو مخطوط في جامعة القرويين، ص37 و38. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج3، ص324. ↑
- () مُتهِماً: ذاهباً إلى منطقة تهامة، مُنجِداً: ذاهباً إلى نجد وكلتا المنطقتين في شبه الجزيرة العربية، المعجم الوسيط، ص90 و92. ↑
- () تمائم: جمع تميمة، وهي: الكتابة التي تعلق في العنق لدفع العين، المعجم الوسيط، ص89، الَمُحْوِل: هو الذي مضى عليه حول (أي سنة)، المعجم الوسيط، ص208، ومعنى عجز البيت: لا تنظر إلى الشخص الذي في عنقه تميمة وقد مضى عليه عام. ↑
- () يقال «ضلفة» أو «ضرفة» أو «درفة» انظر:Dozy: Supplإment aux Dictionnaires Arabes (Paris, 1927), Vol. II, p.12. ↑
- () A Guide of the Gayer-Anderson Pasha Museum (Preface by Sir Robert Greg, K.C.M.G.) Cairo 1946.محمود الحديدي: متحف بيت الكريتلية (متحف أندرسون): دليل موجز (القاهرة 1962). ↑
- () بصرف النظر عن ترتيب التسجيل في سجلات متحف جاير أندرسون إذ أن النص في الواقع يبدأ أولاً من الضلفة المسجلة برقم 580 وتكملة النصوص في الضلفة رقم سجل 568. انظر سجلات متحف جاير أندرسون مجلد 1 ص44 غرفة الحريم حرف N (مقتنيات مسجلة سنة 1943). ↑
- () التعشيق هو اصطلاح دارج في صناعة الأخشاب العربية وهو يعني تثبيت قطع الأخشاب بعضها ببعض بعمل «نقر» في قطعة «ولسان» في أخرى وجمع اللسان في داخل النقر بطريق الغراء أو المسامير الخشبية المغراة وهو ما نلاحظه هنا في تجميع قوائم وعوارض وحشوات هذا الباب من غير استعمال المسامير الحديدية في تثبيت أجزائه. ↑
- () عن تعدد الأشكال النجمية في الفنون الإسلامية. انظر:Bourgoin: Le Trait des Entrelaces (Paris, 1879) PL. 12. Théorie de l’Ornament (Paris, 1883) Pl. 12. No. 4. ↑
- () زهرة عباد الشمس واسمها العلمي Helianthus annuus انظر معجم بديفيان ص309 رقم 1794. ↑
- () زهرة الأقحوان واسمها العلمي Anthemis Cotula انظر معجم بديفيان ص64 رقم 384 وورود الحشوات المربعة «البقج» في هذا الباب تقرب من الأقحوان بشكل أكثر لاستدارة أوراق الأقحوان بينما أوراق زهرة عباد الشمس مدببة قليلاً. ↑
- () انظر الألواح الخشبية بمتحف الفن الإسلامي رقم سجل 11596 ورقم 9956 وانظر حشوات من منبر جامع الجزائرKuhnel, Maurische Kunst. وسعيد الديوه جى: الموصل في العهد الأتابكي (بغداد 1958) شكل 18. ↑
- () انظر زكي محسن: فنون الإسلام ص561. ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية (ترجمة أحمد عيسى) ص149 وانظر شكل 82 حيث نجد مثل هذه الوريدات على علبة من هراة ترجع إلى القرن 6هـ/12م. ↑
- () من المعروف أن الطبق النجمي الكامل الذي اشتهرت به الفنون الإسلامية يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية من الحشوات أولها شكل النجمة التي تتوسط الطبق وتمثل مكان البؤرة فيه وتسمى الترس وثانيها اللوزة المضلعة التي يشترك فيها عدد من الحشوات لكل منها أربعة أضلاع وترتب هذه الحشوات حول النجمة في ترتيب إشعاعي بحيث تقع أطرافها على محيط دائرة حقيقية وثالثها حشوة ذات شكل خاص تسمى في الاصطلاح الصناعي الدارج «كنده» لها ستة أضلاع عادة ويوزع عدد منها مساوٍ لعدد اللوزات في توزيع إشعاعي وفي نظام دائري تام حول اللوزات.انظر، فريد شافعي: مميزات الأخشاب المزخرفة في الطرازين العباسي والفاطمي في مصر، مجلة كلية الآداب ـ جامعة القاهرة (م16 جـ1 مايو 1954 ص83 وص84 وشكل 25). ↑
- () عن تفاصيل التقاسيم الهندسية في محراب السيدة رقية رقم سجل 446 بمتحف الفن الإسلامي. انظر:Pauty: Les Bois Sculptés jusqu’a l’Epoque Ayyoubide. Pls. LXXX-LXXXII ↑
- () Creswell: Mus. Arch. of Egypt, Vol. I. PL. 29c. ↑
- () Ibid. Pl. 123, d.G. Wiet, L’Exposition Persane de 1931 (Caire 1933) P.11 ff., Pl. XII.
حيث نلاحظ عقدين مماثلين على تحفة خشبية مؤرخة 363هـ/974م، كما نلاحظ عقوداً قريبة الشبه على شاهد رخامي مؤرخ 507هـ (1114م) وآخر مؤرخ 533هـ (1138م) وثالث مؤرخ 545هـ (1150م) Ibid. Pls IX, X. محمد مصطفى: سجاجيد الصلاة التركية (القاهرة 1953) لوحة 21 (رقم 1) وانظر G. Griffin Lewis, The Practical book of Oriental Rugs (London 1920) p.322, No.21. ↑
- () وقد وجدت هذه الظاهرة قبل الإسلام في فنون الشرق الأوسط وخاصة في زخارف الشام في العصر المسيحي ولكنها نضجت نهائياً وتمّت وانتشر استعمالها إلى حد كبير في الفن الإسلامي وصارت من أهم مميزاته الصريحة. انظر:Creswell, E.M.A. Vol. I. Figs. 49, 50.
Herzfeld: Arabesque (Encycl. of Islam), 1910, Vol. I, pp.363-67;Kuhnel (E.): Die Arabeske, (1949); Reigl: Stilfragen, (Berlin 1893). ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية (ترجمة أحمد عيسى) ص125. ↑
- () انظر A. Speltz. The Styles of Ornament (London 1910) Pls., 60/2, 4, 6, 62/16. ↑
- () Pauty; Bois Sculptés PLs., LXXV, LXXVI. ↑
- () Ibid., Pls., LXXVII, LXXVIII. ↑
- () Creswell, Mus. Arch. of Egypt. Vol. I., pl. 93 d,e. ↑
- () Pauty, op.cit., Pls. LXXXII, LXXXIII, LXXXIV. ↑
- () سعيد الديوه جي: الموصل في العهد الأتابكي ص129 وجوامع الموصل في مختلف العصور ص33 وانظر:Sarre, E. Herzfeld, Archaologische Reise im Euphrat und Tigris- Gebiet Band II (Berlin 1920) pp. 222, 223. ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية (الترجمة العربية) ص124. ↑
- () Flury, Le Décor Epigraphique des Monuments de Ghazna (Syrie, T.6 1925 Pls. X, XIII, XVI, XVII). ↑
- () لوحة مقابلة Creswell, Mus. Arch. of Egypt Vol. I.P. 222.وانظر أيضاً Pope, Survey of Persian Art. Vol. IV, pp.320, 322.
وهو محراب مؤرخ 447 ـ 450هـ «1055 ـ 1058م». ↑
- () سجلها الحفار في النص «الله» والصواب «لله» كما وردت في المتن هنا مصححة حتى تستقيم مع ما قبلها أي «نصحت» وما بعدها أي «ولرسوله». ↑
- () شكراً لزميل الفنان الأستاذ عبد المجيد وافي على المعاونة الفنية الصادقة في تحبيرها. ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية (ترجمة أبو ريده وحسين مؤنس) ص143. ↑
- () يعتقد فلهوزن Welhausen أن هذا العدد 12000 اثنا عشر ألفاً. انظر المرجع السابق ص143. ↑
- () شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء (تحقيق د. محمد أسعد أطلس) جـ3 ص201. ↑
- () أبو الفدا: البداية والنهاية في التاريخ ص154 (مطبعة السعادة بمصر) ويقصد باتهامه بأنه حرورى أنه من الخوارج الذين ينتسبون إلى حروراء وهي موضع غير بعيد عن الكوفة اجتمع فيه أول الخوارج عندما بدؤا الخروج على سيدنا علي بن أبي طالب وسرعان ما قضى عليهم إلى آخر رجل تقريباً في موقعة النهروان. انظر مادة: حروراء بدائرة المعارف الإسلامية (الترجمة العربية). ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية (الترجمة العربية) ص144، وانظر الطبري: تاريخ ج 6 حوادث سنة 60هـ ص199 ـ ص214 (المطبعة الحسينية). ↑
- () حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج1 (1934) ص418 وص419، ابن طباطيا: الفخري في الآداب السلطانية ص107 والطبري: تاريخ ج6 ص214 حيث أورد هذه الأبيات مع تغيير طفيف:إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري
إلى هانىء في السوق وابن مقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه
وآخر يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا
أحاديث من يسري بكل سبيل
↑ - () عريب بن سعيد القرطبي: صلة تاريخ الطبري (لندن 1897) ص، وانظر أيضاً الأغاني جـ13، ص37، ج 14، ص98. ↑
- () عن إنشاء مسجد الكوفة وتطورات إصلاحه انظر:Creswell: A Short Account of Early Muslim Architecture (London 1958) pp.9, 13, Early Muslim Architecture (Oxford 1932) Vol. I, pp.36, 37.
وانظر أيضاً سالم الألوسي: الكوفة (بغداد 1965) من ص6 ـ ص10. ↑
- () رحلة ابن جبير (طبعة بيروت 1964) ص187. ↑
- () رحلة ابن جبير (طبعة بيروت 1964) ص188. ↑
- () وردت إليّ نصوص هذه الزيارة الموجودة بالضريح الحالي مصورة ومنقولة فوتوغرافياً من الزميل الدكتور محمد باقر الحسيني رئيس قسم المسكوكات بالمتحف العراقي ببغداد فله مني خالص الشكر ونصها كالآتي (92 كلمة):بسم الله الرحمن الرحيم
«شلام الله العظيم وصلواته عليك يا هانىء بن عروة، السلام عليك أيها العبد الصالح، الناصح لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام أشهد إنك قتلت مظلوماً، فلعن الله من قتلك واستحل دمك وحشى قبورهم ناراً أشهدأنك لقيت الله وهو عنك راضٍ بما فعلت وأشهد أنك قد بلغت درجة الشهداء وجعل روحك مع أرواح السعداء بما نصحت لله ولرسوله مجتهداً، وبذلت نفسك في ذات الله ومرضاته فرحمك الله ورضي عنك وحشرك مع محمد وآله الطاهرين وجمعنا وإياك معهم في دار جنان النعيم، سلام الله عليك ورحمة الله وبركاته». ↑
- () عبدالرحمن فهمي: دراسة لبعض التحف الإسلامية (1) تحفة فاطمية من مدفن شجرة الدر مجلة آداب القاهرة م21 العدد الأول مايو 1959 ص202 وص203 واللوحات من 1 ـ 12. ↑
- () الكتاب التذكاري لكرزويل (1965) مقال جرومان: ص86 وص92.Hassan Hawary and Hussein Rashid: Stèle Funeraire T.3. (Caire 1939) Pls. V, XLVIII.
وشواهد رقم سجل 7253 و1040.
Kamel Osman Ghaleb, Le Mikyas ou Nilometre de L’Ile de Rodah (Caire 1951) Pl. IV. Creswell. Early Muslim arch. Vol. II, p.293, Marcel, Description de l’Egypte, Etat Moderne, Vol. II, Paris, 1823.
حيث وردت أول دراسة للكتابات بمقياس النيل. وانظر إبراهيم جمعة: دراسة في تطور الكتابات الكوفية (القاهرة 1969) شكل 1 ص47 وشكل 18 من الشاهد المؤرخ 343هـ، ص163 وص176 وما بعدها إلى ص204. ↑
- () زكي حسن: الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي ص299 ـ ص301، وفنون الإسلام ص477 وص478. ↑
- () Flury: Le Décor Epigraphique des Monuments de Ghazna (Syrie, T.6, Paris, 1925) pp. 80, 82. ↑
- () زكي حسن. فنون الإسلام، ص475 وص476 (شكل 392). ↑
- () ديماند: الفنون الإسلامية ص114 (الترجمة العربية)، زكي حسن: الفنون الإيرانية، ص301 وص478. ↑
- () نفس المرجع، ص115.Wiet, Inscriptions Coufiques de Perse (Mem. de l’Inst. Franc. I.) – نفس المرجع ص 125. ↑
- () ترجم هذا المقال عن مجلة «مسجد» الفارسية، العدد 32. ↑
- () الإمام، السيد كاظم: «مرحلة بداية الفقه وفقهاء الإمامية في الصدر الأول، والأصول الأربعمائة». المهرجان الألفي للشيخ الطوسي (بدون تاريخ)، ص374 ـ 376. ↑
- () الأمين، السيد حسن: «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1406هـ، ج2، ص33. ↑
- () البهبهاني، وحيد: «الفوائد الرجالية» بسعي السيد محمد صادق بحر العلوم، مطبعة الآداب، النجف، 1388هـ، ص 34. ↑
- () ذكر في «الذريعة» بين أصحاب الأصول، بعد ذكر مبحث تعريف الأصول الأربعمائة. ↑
- () الطهرني، آقا بزرگ: «الذريعة»، دار الأضواء، بيروت، 1403هـ/ 1983م، ج2، ص125 و126. ↑
- () محسني، محمد آصف: «بحوث في علم الرجال»، مطبعة سيد الشهداء، قُم، 1403هـ، ص165 و166. ↑
- () المامقاني، عبدالله: «تنقيح المقال» (بدون تاريخ ولا مكان ولا مطبعة)، ص160 و161 وموحد ابطحى، محمد علي: «تهذيب المقال» (بدون تاريخ ولا مكان الطبع)، ص89. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص33. ↑
- () الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن: «الفهرست» بسعي السيد محمد صادق آل بحر العلوم، منشورات الشريف الرضي، قُم (بدوت تاريخ)، ص1 2. ↑
- () «الفهرست» ص41، ابن شهرآشوب المازندراني، محمد بن علي: «معالم العلماء»، المطبعة الحيدرية، النجف، 1380هـ/ 1961م، ص29. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص34. ↑
- () «معالم العلماء»، ص3. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص159. ↑
- () أي، كما سبق القول، نقل من «الذريعة»: «إن الكتاب اسم عام يشمل الأصل أيضاً، لذلك فإن بيان الفَرق بين الاثنين، على هذا النحو، لا يخلو من إشكال». ↑
- () «تهذيب المقال»، ص89. ↑
- () «الفهرست»، ص37. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص33 و34. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص160. ↑
- () هذه العبارة مقتبسة من حديث يصرح فيه بلفظ «عن فلان» في سلسلة سند كل من الرواة، من دون أن يقول «سمعت» وما إلى ذلك في روايته. انظر «مدير شانه چي» 1363هـ.ش، ص57. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص33 و34. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص160. ↑
- () «تهذيب المقال»، ص90. ↑
- () «تهذيب المقال»، ص90. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص33. ↑
- () انظر بداية هذا المقال. ↑
- () يصدق هذا على جميع المحدّثين من أصحاب الأصول الذين لهم، فضلاً عن ذلك، كتاب أو كتب أخرى، وعددهم ليس بالقليل. ↑
- () «الفهرست»، ص11 و«دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» ج2، ص34. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص160 و161. ↑
- () الشيخ البهائي، بهاء الدين محمد العاملي: «مشرق الشمس». (بلا تاريخ ولا مكان الطبع)، ص3 و4. ↑
- () مير داماد، محمد باقر الحسيني: «الرواشح السماوية في شرح أحاديث الإمامية»، مكتبة آية الله المرعشي، قُم، 1405هـ، ص99. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص127 و128. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص127 و128. ↑
- () «الرواشح السماوية في شرح أحاديث الإمامية»، ص98. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص128. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص142 و143. ↑
- () نقل عن إلامامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ثم أصبح واقفياً ومن أهم دعائم هذه الفرقة. انظر: النجاشي، أحمد بن علي: «رجال النجاشي» بسعي محمد جواد النائيني، دار الأضواء، بيروت، 1408هـ، ج2، ص69. ↑
- () زياد بن منذر، أبو الجارود الهمداني الخارقي الحوفي، مولاه، من أهالي الكوفة، تابعي من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وروى عنهما، ولكن بعد خروج زيد، غيّر مذهبه وروى عنه. وهو رئيس الفرقة الجارودية وهي منسوبة إليه. ينقل الكشي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام في ذمه وصفه فيها بأنه (سُرحوب) (اسم شيطان أعمى يسكن البحار). محمد بن علي في «جامع الرواة»، مكتبة آية الله المرعشي، قُم، 1403هـ، ج2، ص339. ↑
- () كان فطحي المذهب وله كتاب ضخم امتدحه الشيخ الطوسي. انظر: «الفهرست» ص117. ↑
- () يشير إليه الشيخ الطوسي تحت رقم 4 من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام ويقول عنه إنه واقفي، ولكن المامقاني يعتبره إمامياً لأن النجاشي وثَّقه مرتين ولم يشر إلى كونه كان واقفياً. انظر: «رجال النجاشي»، ص431 و432. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص35. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص39. ↑
- () «الفوائد الرجالية»، ص35 و36. ↑
- () «رجال النجاشي»، ج1، ص108. ↑
- () «الفهرست»، ص54. ↑
- () «تنقيح المقال»، ج1، ص179. ↑
- () «بحوث في علم الرجال»، ص167. ↑
- () الشهيد الثاني، زين الدين بن علي «الرعاية في علم الدراية» بسعي عبدالحسين محمد علي البقال، مكتبة آية الله المرعشي، قُم، بلا تاريخ ص72. ↑
- () المصدر نفسه، ص73. ↑
- () «بحوث في علم الرجال»، ص166 و167. ↑
- () «الفهرست»، ص3. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص129. الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، «أعلام الورى بأعلام الهدى» بسعي علي أكبر الغفاري، دار المعرفة بيروت، 1399هـ، ص276 و277. ↑
- () المحقق الحلي، جعفر بن الحسن: «المعتبر في شرح المختصر» بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ص5 ↑
- () ابن عبد الصمد، حسين: «الدراية» بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ص40. الشهيد الأول، محمد بن جلال الدين المكي العاملي، «ذكرى الشيعة»، بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ص5 و6. ↑
- () «الرواشح السماوية في شرح أحاديث الإمامية»، ص98. ↑
- () «الفهرست»، ص142. ↑
- () المصدر نفسه، ص60. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص41. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص130 ـ 133. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»،ج2 ص40. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص135 وما بعدها. ↑
- () «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ج2، ص40 و41. ↑
- () «الرعاية في علم الدراية»، ص72 و73. ↑
- () «الفهرست»، ص37. ↑
- () «الذريعة»، ج2، ص134 و135. ↑
- () حسن زاده آملى، حسن «دروس معرفة الوقت والقبلة» من منشورات جامعة مدرسي الحوزة العلمية في قم، الدرس 56. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 145. ↑
- () ناصر خسرو «سفرنامه» الطبعة الحجرية، طهران، ص153. ↑
- () «جام جم» الطبعة الحجرية الأولى، ص615 و616. ↑
- () «الرحلة» طبع مصر، ص86. ↑
- () «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة، طبع مكة (ملحق «شفاء الغرام» للفاتني) ج2، ص356. ↑
- () حسن زاده الآملي، حسن «دروس هيئت وديگر رشته هاى رياضى» مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، الحوزة العلمية في قم، ج2، ص662. ↑
- () راجع «دروس هيئت وديگر رشته هاى رياضى» ج2، ص578. والدرس الثامن في «دروس معرفة الوقت والقبلة». ↑
- () راجع «بحار الأنوار» طبعة كمپانى، ج2، ص413 نقلاً عن «الكافي». ↑
- () «جامع بهادرى» طبع الهند، ص690. ↑
- () سورة لقمان، الآية: 28. ↑
- () «دروس معرفة الوقت والقبلة» ص56. ↑
- () المصدر نفسه، ص20 ـ 64. ↑
- () أبو الوفاء، محمد بن يحيى بن إسماعيل البوزجاني، من كبار علماء الرياضيات في القرن الرابع الهجري. ابن النديم في «الفهرست» يقول عنه: «وُلد في يوم الأربعاء غرة رمضان سنة 328هـ مدينة بوزجان (تربت جام الحالية)». ابن خلكان في «وفيات الأعيان» يقول: «كانت ولادته يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بمدينة بوزجان، وتوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى». ↑
- () «تحفة الأجلّة في معرفة القبلة» الطبعة الأولى (بالفارسية) ص6. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 7. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 285. ↑
- () رواه البخاري ومسلم. ↑
- () رواه البخاري ومسلم. ↑
- () سورة النساء، الآية: 136. ↑
- () سورة الحجرات، الآية: 14. ↑
- () سورة النساء، الآية: 116. ↑
- () سورة النساء، الآية: 94. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 7. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 52. ↑
- () الآثار الباقية عن القرون الخالية، 64، طبعة ليبزك، 1923. ↑
- () تسهيل المجاز إلى فن المعنى والألغاز: 53 دمشق 1303هـ. ↑
- () المصدر نفسه: 53 ـ 54. ↑
- () تاريخ الطبري، ج1، ص80. ↑
- () الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص10. ↑
- () تاريخ لبنان للأب مارتين اليسوعي، ص106. ↑
- () بحار الأنوار، المجلد الثاني والعشرون. ↑
- () إشارة السبق إلى معرفة الحق، قم، 1414هـ/1994م، ص107. ↑
- () معجم البلدان، ج2، ص120. ↑
- () تاريخ لبنان، ص108. ↑
- () تاريخ لبنان للأب مرتين اليسوعي، ص114. ↑
- () الإشارات، ص15. ↑
- () Ingrams, D., The Survey of Social and Economic in the Aden Protectors, Asmara, 1949. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 73. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج1، ص50. ↑
- () الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص7. ↑
- () العقد الثمين في فضائل البلد الأمين، (النجف 1377هـ/ 1958م)، ص102. ↑
- () تاريخ الطبري، ج1، ص119. ↑
- () مراقد المعارف، ج2، ص363. ↑
- () ماضي النجف وحاضرها، ج1، ص96. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص387. ↑
- () السيد جواد شبّر، الضرائح والمزارات، ج1 ـ مخطوط. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص286. ↑
- () الذريعة، ج13، ص41. ↑
- () اليعقوبي، البابليات، ج4، ص61. ↑
- () حرز الدين، مراقد المعارف، ج1، ص297. ↑
- () المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، ج4، ص82؛ ابن بابويه القمي، الإمامة والتبصرة، ص23. ↑
- () نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق، ص234. ↑
- () خطط جبل عامل، ص146. ↑
- () بلدان جبل عامل، ص458. ↑
- () سورة الصافات، الآية: 142. ↑
- () ترجمة الأولياء في الموصل الحدباء، ص39. ↑
- () مراقد المعارف، ج2، ص378. ↑
- () المقرّم، زيد الشهيد، ص166. ↑
- () شبّر، الضرائح والمزارات، ج2 ـ مخطوط. ↑
- () مشاهد العترة الطاهرة، ص208. ↑
- () مراقد المعارف، ج2، ص380. ↑
- () بلدان جبل عامل، ص562. ↑
- () طوني مفرّج، موسوعة قرى ومدن لبنان، ج9، ص76. ↑
- () سورة الأنبياء، 83. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص173. ↑
- () الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص13. ↑
- () خطط جبل عامل، ص156. ↑
- () معجم البلدان، ج3، ص80، ص323. ↑
- () مراقد المعارف، ج1، ص372. ↑
- () يُنظر بهذا الصدد: الخوانساري، روضات الجنّات، ج2، ص94؛ الصالحي، عبدالحسين، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، للسيد حسن الأمين، موضوع «آية الله». وكذلك ينظر:Classe, Cyril, The Concise Encyclopaedia of Islam, (Ayatollah), p.59. ↑
- () يقول مطهري في بيان (التمام) و(الكمال) في تفسير الآية الكريمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} يقول: القرآن يطرح أمري إتمام النعمة وإكمال الدين؛ وهو بذلك يحاول التأكيد على وجود مفهومين متميزين لكلمتي (التمام) و(الكمال). ↑
- () التكامل الاجتماعي، ص21. ↑
- () التكامل الاجتماعي، ص13 ـ 16. ↑
- () يناقش مطهري الماركسيين في عدم أصالة «العلم والفلسفة والأدب والدين والأخلاق والفن» باعتبارها مظاهر للواقع الاقتصادي بأن هذه النظرية تؤكد على أصالة «حيوانية» الإنسان دون «إنسانيته» للذين ينكرون وجود ميزات أساسية بين الإنسان والحيوان، ويعتبر أن هذه النظرية لا تنفي أصالة الدوافع الإنسانية فحسب، إنما تنفي أصالة الاتجاه للواقع في رؤية الإنسان الكونية. وعلى ذلك يكون تكامل إنسانية الإنسان مرافقاً بل مقدماً على تكامل وسائل إنتاجه مما يُنتج الحد من مدى ارتباطه، وتبعيته للبيئة الطبيعية والاجتماعية.يُنظر: الإنسان والإيمان ص21 ـ 23. ↑
- () الإنسان والإيمان، ص21 ـ 22. ↑
- () التكامل الاجتماعي، 26 ـ 31. والإنسان والإيمان، ص 23. ↑
- () يُقارن الإنسان والإيمان، ص24. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية 23. ↑
- () نعتقد نحن ـ معشر الإمامية ـ إن إدارة أمورنا السياسية منوطة كإدارة أمورنا الشرعية بالإمام عليه السلام أو من يأذن له الإمام بإدارتها فيديرها نيابة عنه. وعليه تكون كل هذه المناصب مأخوذة بالغصب من صاحبها الأصلي وهو الإمام أو نائبه حيث لم يستلمها ذووها من أحدهما ومما ينقل في هذا المقام: أن سلطان إيران فتح علي شاه كان قد تنازل عن كرسيه الملوكي لشيخنا الأكبر جدنا الأعلى الشيخ جعفر صاحب كشف الغطا قدس سره لأنه علم أن هذا المنصب شرعاً للشيخ لا غير ـ وقد انحصرت به آنئذٍ الزعامة الجعفرية والنيابة الإمامية ـ فأجلسه الشيخ في مكانه، مقدراً له قيامه بذاك الواجب الديني الخطير، وأذن له في التصرّف وبإدارة الشؤون السياسية، بشروط أخذها عليه، كجعل مؤذن في كل فوج عسكري وإمام جماعة للعسكر. وجعل يوم خاص في الأسبوع لوعظهم وإرشادهم إلى آخر ما ذكره في باب الجهاد. (الجعفري). ↑
- () يعني بذلك على عهد محمد علي شاه القاجاري. ↑
- () سورة الرعد، الآية 11. ↑
- () سورة الشعراء، الآية 22. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية 47. ↑
- () سورة الأعراف، الآية 127. ↑
- () الحديث في مسند أحمد 3/80. ↑
- () الطريحي: مجمع البحرين 5/367. ↑
- () الخطبة القاصعة أطول خطب أمير المؤمنين عليه السلام على ما ذكره الشارحون لها وهي في عدة فصول في المواعظ والزواجر، والنهي عن التكبّر والتعصّب وأمثالهما من الرذائل التي كانت قد فشت بين شبان أهل الكوفة فوعظهم بهذه الخطبة وهو راكب على ناقة يصقع بجرتها (أي تملأ فاها عما في جوفها ثم ترده إلى جوفها) راجع الخطبة محققة ومفسّرة في مصادر نهج البلاغة وأسانيده (3/29 ـ 58) بيروت ط 3 (1985). ↑
- () وهي: اللهم اجعله الداعي إلى كتابك. والقائم بدينك. استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله. مكّن له دينه الذي ارتضيته له أبدله من بعد خوفه أمناً يعبدك ولا يشرك بك شيئاً. والآية المذكورة من سورة النور، الآية 55 وما بعدها. ↑
- () سورة التوبة، الآية 31. ↑
- () لوّح المؤلف لرواية علماء السوء تلويحاً غير أنه يحسن بنا إيرادها تتميماً للفائدة أولاً، ولصدقها على البعض من أولئك الذين نظر الإمام عليه السلام إليهم من قبل اثني عشر قرناً ثانياً، قال في الاحتجاج عن تفسير العسكري عليه السلام في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} الآية إنه قال رجل للصادق عليه السلام فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود والنصارى لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعون من علمائهم ولا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم…! وهل عوام اليهود كعوامنا يقلدون علماءهم..؟؟ فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة، أما من حيث استووا فإن الله ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم بتقليدهم علماءهم وأما من حيث افترقوا فلا.. قال بين لي يابن رسول الله قال: إن عوام اليهود قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح وبأكل الحرام والرشا وبتغيير الأحكام عن وجهها بالشفاعات والنسابات والمصانعات وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون الله في أديانهم وإنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم وظلموهم وعلموهم يتفارقون (يكتسبون) المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلا أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله فلذلك ذمهم لما قلّدوا من عرفوا ومن علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه ولا العمل بما يؤديه إليهم عما لا يشاهدونه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى أو أشهر من أن لا تظهر لهم وكذلك عوام أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم النسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكاليف على حطام الدنيا وحرامها وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً وفي الترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه وذلك لا يكن إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم وأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لتلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم ويضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم وآخرون إلى نار جهنم ومنهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون عند شيعتنا وينتقصون بنا عند أعدائنا ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوا أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي.! ↑
- () سورة طه، الآية 47. ↑
- () سورة آل عمران، الآية 187. ↑
- () سورة النمل، الآية 32. ↑
- () سورة طه، الآية 62. ↑
- () سورة القصص، الآية 4. ↑
- () سورة الشورى، الآية 38. ↑
- () سورة البقرة، الآية 101. ↑
- () حاصل هذه الشبهة التي ألقيت أن وكالة المنتدبين عن الأمة غير منطبقة على الوكالة الشرعية لأمور:1 ـ إن من شروط الوكالة أن يكون الموكل ذا حق في الأمر الذي يريد أن يوكل فيه مع أن عموم الأمة لا حق لها شرعاً في السلطنة لأن السلطنة حق إلهي يتعلّق بالمعصوم أو من كان منصوباً من قبله فلا دخل للعموم فيه أصلاً.
2 ـ الوكالة في الشرع عقد جائز وعليه فللموكل أن يعزل موكله في كل وقت شاء، وليست المسألة هنا كذلك إذ لا يعزل الوكيل إلا إذا انقضى دور وكالته.
3 ـ إن الوكالة الشرعية عبارة عن أن فعل الوكيل ممضي كفعل الأصيل لا إن الموكل الذي هو الأصل يكون مخلوعاً عن العمل بالمرة بعد أن يوكل وكيلاً وفيما نحن فيه لا حق للموكل أن يتداخل في أمر المجلس مع أنه أصيل.
4 ـ في الشريعة المطهرة كل بالغ عاقل يجوز أن يكون وكيلاً في كل أمر سواء كان رجلاً أو امرأة، شاباً أو شيخاً، وفيما نحن فيه ليس كذلك، فإن قانون التوكيل يقول: يجب على الموكل أن يكون رجلاً أولاً وأن لا يكون في سن أقل من الواحد والعشرين ولا أكثر من السبعين ثانياً.
وبالأخير أن هذه الوكالة إنما تنطبق على قانون الألمان أو الإنجليز لا غير ولا ربط لها بالقانون الإسلامي أصلاً… (الجعفري). ↑
- () سورة النساء، الآية 58 ـ 59. ↑
- () سورة التوبة، الآية 31. ↑
- () سورة القصص، الآية 4. ↑
- () سورة النحل، الآية 125. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية 2، 3. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية 62. ↑
- () سورة الحج، الآية 11. ↑
- () سورة الأنعام، الآية 65. ↑
- () سورة الدخان، الآية 12. ↑
- () يبدو أنها محرفة من كلمة (شرط) العربية بمعنى أن تكون الحكومة القائمة مشروطة أي مقيدة بشروط تجاه الشعب، ولعل الكلمة الفرنسية (Charte) وتعني (الميثاق أو العهد) هي الأخرى لفظة عربية الأصل. ↑
- () (Hamid Algar) باحث بريطاني مسلم وأستاذ بجامعة بيركلي (أمريكا) مؤلف كتاب (الدولة والدين في إيران){Religion and the State in Iran} وغير ذلك من الدراسات في الشؤون السياسية. ↑
- () سعد الأنصاري: الفقهاء حكّام على الملوك 183 ـ 184 بيروت 1988. ↑
- () شعراء الغري 4/301 ـ 302. ↑
- () مجلة العرفان، المجلد 43 ص1032 (سنة 1956م). ↑
- () أعيان الشيعة 6/54 بيروت 1986. ↑
- () آغا بزرك الطهراني: الذريعة 4/440 رقم 1960. ومن رغب في معرفة المزيد من تاريخ النائيني وأحواله فليراجع أعيان الشيعة 26/215 والطبعة الحديثة 6/54 ـ 57 أحسن الوديعة 2/996، ريحانة الأدب 4/162، طبقات أعلام الشيعة 2/996، مشهد الإمام 3/113، الذريعة (بالإضافة للإشارة السابقة) 6/149، 11/150، 14/183، 18/294. ↑
- () حامد الغار، دور العلماء المعارض في السياسة الإيرانية المعاصرة (إيران 1900 ـ 1980) ص180. ↑
- () فاضل رسول، هكذا تكلم على شريعتي ص17. ↑
- () عباس زنجاني، الثورة الإسلامية في إيران ص35. ↑
- () الغار: دور العلماء المعارض/184، إيران من الداخل: 65 ـ 68 (ط 2 ـ القاهرة 1988). ↑
- () ولد في النجف سنة 1325هـ/1907 وتوفي بها في أواخر السبعينات، نشر له في العراق ديوان شعره في جزأين، عرّب رباعيات الشاعر قدس نخعي وهو من أسرة آل كاشف الغطاء المعروفة في النجف، له ترجمة في شعراء الغري 4/296 ـ 350. ↑
- () ابن الأثير: المبارك بن محمد بن محمد بن عبدالكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات مجد الدين صاحب كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول (عشرة أجزاء)، ولد سنة 544هـ في الموصل، وهو غير علي بن محمد بن عبدالكريم الشيباني الجزري صاحب الكامل في التاريخ. ↑
- () كما أشار إلى هذا الموضوع العلاّمة الخوانساري في روضات الجنات (ج6، ص110) أيضاً. ↑
- () ذكر هذه الإجازة صاحب الذريعة (ج1، ص247، الرقم 1303) وقال: «إجازته (أي الشهيد الأول) للشيخ، زين الدين أبي الحسن علي بن أبي محمد الحسن بن شمس الدين محمد الخازن بالحائر الشريف مبسوطة (أولها: اللَّهم إنا نحمدك والحمد من نعمك) تاريخها 12/ رمضان 784هـ أوردها في الرياض عن خط الأمير محمد أمين الشريف عن خط المولى محمود بن محمد بن علي الجيلاني عن خط الشيخ بهاء الدين محمد بن علي الشهير بابن بهاء الدين العودي عن خط الشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي عن خط الشهيد طاب ثراه». ↑
- () ذكر هذا الكتاب آغا بزرگ الطهراني في الذريعة (ج23، ص208، الرقم 8656) وقال: «(منية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد)، كتاب كبير للميرزا محمد الأخباري هو أبو أحمد، الميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع الأخباري النيسابوري المقتول سنة 1232هـ صاحب كتاب «معاول العقول»، رد على المجتهدين». ↑
- () الصحاح الست هي: أ ـ صحيح أبي داود السجستاني. ب ـ صحيح الترمذي محمد بن عيسى السلمي. جـ صحيح البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم. د ـ صحيح ابن ماجه محمد بن محمد القزويني. هـ صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري. و ـ صحيح النسائي أحمد بن شعيب. (انظر دائرة المعارف للأعلمي: ج2، ص175) وجميع هؤلاء من أبناء إيران الإسلامية (سجستان ـ ترمذ ـ بخارى ـ قزوين ـ نيسابور ـ فساء شيراز). ↑
- () وخاصة. ↑
- () جامع أسرار العلماء، ويسمى «جامع أحاديث الأقوال» تأليف الشيخ محمد قاسم بن محمد الشهير بابن الوندي والفقيه الكاظمي ثم النجفي» المتوفى رحمه الله بعد سنة 1100هـ، في ثلاثة مجلدات: (انظر التفضيل في الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج5، ص39 ـ 40، الرقم 166). ↑
- () انظر ما ذكره الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج2، ص371 ـ 372، الرقم 1498) حول كتاب الأنساب. ↑
- () للتوسع، انظر: الفضلي، عبدالهادي، تاريخ التشريع الإسلامي، ص237 ـ 332. ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، الجزء الأول، ص120. ↑
- () الأمين، محسن، أعيان الشيعة، المجلد التاسع، ص137. ↑
- () القزويني، جودت، الحركة الأخبارية وحقيقة الصراع الأصولي، مجلة الفكر الجديد، العدد الأول، ص208. ↑
- () الطباطبائي، عبدالعزيز، ترجمة الشيخ يوسف في مقدمة كتابه الحدائق الناضرة، الجزء الأول، ص (طـ، ي). ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، الجزء الثامن، ص204. ↑
- () الأمين، محسن، أعيان الشيعة، المجلد العاشر، ص317. ↑
- () المقصود هو العلامة البهبهاني بدليل أنه ذكره في موضع آخر من الكتاب نفسه (روضات الجنات) بقوله «سمينا العلامة المروج البهبهاني»، الجزء السابع، ص139. ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، الجزء الثامن، ص203. ↑
- () الطباطبائي، عبدالعزيز ترجمة الشيخ يوسف في مقدمة كتاب الحدائق الناضرة، الجزء الأول، ص(ز ج). ↑
- () البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة، مقتطفات من المقدمة الثانية عشرة الجزء الأول، ص167 ـ 170. ↑
- () انظر، القزويني، جودت، الحركة الأخبارية وحقيقة الصراع الأصولي، مجلة الفكر الجديد، العدد الأول، ص220. ↑
- () الفضلي، عبدالهادي، تاريخ التشريع الإسلامي، ص460. ↑
- () المصدر السابق، ص461. ↑
- () الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص98. ↑
- () الأنصاري، سعد، الفقهاء حكام على الملوك، ص45. ↑
- () الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص98. ↑
- () الفضلي، عبدالهادي، محاضرات في علم الحديث، المحاضرة 15، شريط فيديو (بتصرف). ↑
- () رياض العلماء، ج2، ص114. ↑
- () الأفندي، ج2، ص117. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، ج4، 47 ـ 97. ↑
- () نُقلَ النص في رياض العلماء، ج2، ص118. ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص163. ↑
- () المهاجر، الهجرة العاملية، ص146. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص343. ↑
- () الأفندي، رياض العلماء، ج2، ص120. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص341. ↑
- () عالم آراي عباسي، ص44. ↑
- () يُنظرُ النص في رياض العلماء، ج2، ص120. ↑
- () الأفندي، ج2، ص120. ↑
- () القراءة على الشيخ إحدى أنواع طرق إجازة الحديث، وتسمّى العرض؛ لأنَّ القارىء يعرض على الشيخ ما يقرأهُ من حفظه، أو من كتاب. وهي من طرق الرواية الصحيحة. أمَّا بقية طرق تحمل الحديث فهي: السماع من لفظ الشيخ، والإجازة، والمناولة، والكتابة والإعلام، والوجادة. ↑
- () الأفندي، ج2، ص118. ↑
- () أعيان الشيعة، ج6، ص59. ↑
- () الذريعة، ج1، ص186. ↑
- () أُقبر الشيخ حسين في البحرين. ويقع ضريحه اليوم على بُعد ستمائة متر من قرية المُصلّى. وبجانب قبره المسجد الذي كان قد أمَّ المُصلين جماعةً فيه أيام إقامته القصيرة في هذه المنطقة. ↑
- () الأفندي، ج2، ص121. ↑
- () نُقلَ أنَّ الشيخ حسين رأى مناماً مفاده أنَّ يوم القيامة قد قام، وجاء الأمر من الله أنْ تُرفع أرض البحرين بما فيها إلى الجنة. عندها آثر الجوار فيها، والموت في أرضها. (أعيان الشيعة، ج9، ص240). ↑
- () أعيان الشيعة، ج6، ص384. ↑
- () طُبعتْ بتحقيق شاكر شبع في قم سنة 1412هـ/ 1992م بعنوان «مناظرة الشيخ حسين بن عبدالصمد الجبعي العاملي مع أحد علماء العامَّة في حلب». ↑
- () رياض العلماء، ج2، ص117. ↑
- () النواقض لبنيان الروافض، الورقة 124. ↑
- () ذكر الطهراني أكثر من ثلاثين شرحاً على «الألفية» في (الذريعة، ج2، ص296). ↑
- () طُبعَ كتاب «وصول الأخيار» بتحقيق السيد عبداللطيف الكوهكمري في (قم، 1401هـ/ 1981م). ↑
- () طبع كتاب «الرعاية في علم الدراية» بطهران سنة 1310هـ/ 1893م، وعليه حواش للشيخ عبدالواحد العاملي، والميرزا محمد التنكابني. (الذريعة، ج3، ص58). كما طُبع بتحقيق الشيخ عبدالحسين محمد علي البقّال في (قم، 1408هـ/ 1989م). ↑
- () الأفندي، ج2، ص116. ↑
- () الحبر العاملي، أمل الآمل، ج1، ص74؛ والأمين، أعيان الشيعة، ج6، ص64. ↑
- () نُشرت بعنوان «رسالة الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي (والد البهائي) إلى أستاذه الشهيد الثاني»، مجلّة المنهاج، العدد (29)، ربيع 1424هـ/ 2003م، ص153 ـ 195، تحقيق: الدكتور يوسف طباجة. ↑
- () ابن العديم، كمال الدين: زبدة الحلب من تاريخ حلب، 1/142، طـ دمشق، 1951، ابن تغري بردي، جمال الدين: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، 3/335. ↑
- () ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد: تجارب الأمم، 6/20، طـ مصر، 1914. ↑
- () تجارب الأمم، 6/228. ↑
- () راجع ديوان أبي فراس الحمداني، ص25، طـ دمشق (المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية)، 1408هـ/ 1987م، حيث ذُكرت هذه القصيدة كاملة (26 بيتاً من المتقارب فعولن 4 مرات). ↑
- () ابن نباتة: ديوان خطب ابن نباتة، تح: الشيخ طاهر الجزائري/202 وما بعدها. يقول ابن نباتة في معرض استقباله لهذه القوات: «قد أوضح الله لكم أسباب السلامة من الأبعاد، وفتح لكم أبواب دار الكرامة بمفاتيح الجهاد، وأزاح عللكم بتظافر أخوانكم الأنجاد الذين أموا نصرتكم من أقطار البلاد، وأراكم من قدرته ما لم تؤملوه، وأظهركم من ألطافه الخفية ما لم تستأصلوه، أتاكم بالغوث شرقاً وغرباً، وأمدكم بجنوده، رجلاً وركباً، عصائب حفزتها إليكم غيرة الحمية وكتائب حثتها عليكم رحم الحنيفية، جعلوا مقدماتهم صدق نياتهم وساقاتهم طهارة طوياتهم». ↑
- () الكيالي، سامي: سيف الدولة وعصر الحمدانيين، 71، طـ مصر، لا.ت. ↑
- () الصولي، أبو بكر: أخبار الراضي بالله والمتقي بالله، 318، طـ مصر، لا.ت. ↑
- () كانار، ماريوس: نخب تاريخية وأدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة، 376، طـ الجزائر، 1934. ↑
- () الحنبلي، ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 3/350، طـ بيروت، لا.ت. ↑
- () الترمانين، عبدالسلام: أحداث التاريخ الإسلامي، 1/613، طـ دمشق، 1991. ↑
- () شذرات الذهب، 2/350، سيف الدولة وعصر الحمدانيين، 172. ↑
- () يعد ابن خالويه من اللغويين والنحاة الكبار. خلط في مجال النحو بين المذهبين الكوفي والبغدادي. وألّف في هذا المجال كتاب «الاشتقاق» وكتاب «الجمل» وفي مجال النحو صنف ابن خالويه كتباً عديدة، منها «أطر غش في اللغة»، «المقصور والممدود»، «المذكر والمؤنث»، «الألفات»، «كتاب في أسماء الأسد»، ذكر فيه خمسمائة اسم. (نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، 214، أعلام النبلاء في حلب الشهباء، 4/54، معجم الأدباء، 9/204). ↑
- () ابن خلكان، شمس الدين، وفيات الأعيان، 1/434، طـ مصر، 1948. ↑
- () الحموي، ياقوت: معجم الأدباء، 9/202. ↑
- () راجع رأي الدكتور حسن الحاج حسن في كتابه النقد الأدبي في آثار أعلامه، 224، طـ بيروت، 1996م. ↑
- () الشكعة، مصطفى: سيف الدولة الحمداني أو مملكة السيف ودولة الأقلام، 241، طـ بيروت، لا.ت. ↑
- () الثعالبي، أبو منصور عبدالملك: يتيمة الدهر في محاسن العصر، 1/15، طـ بيروت، 1973. ↑
- () الطباخ، محمد راغب: أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، 4/3، طـ حلب، 1923. ↑
- () ولد أبو الطيب عبدالواحد بن علي في عسكر مُكْرِم بالأهواز. ولذلك يعرف بالعسكري، تلقى علومه مع أبي هلال العسكري على أبي أحمد البلغوي العسكري خال أبي هلال، من مؤلفاته: كتاب «الإبدال» و«مراتب النحويين» و«الفرق» أو «الفروق» و«طبقات الشعراء» و«الأتباع». (تاريخ الأدب العربي لعمر فروخ، 2/456). ↑
- () الترمانيني، عبدالسلام: أحداث التاريخ الإسلامي، 1/675، طـ دمشق، 1991. ↑
- () اشتغل أبو علي الفارسي ببغداد واستجلبه أبو شجاع فناخسرو الملقب بعضد الدولة لبني أخيه خسرو يؤدبهم، ثم توجه إلى شيراز وتقدم عنده وعلت منزلته. من مؤلفاته: «التذكرة» و«المقصور والممدود» وكتاب «الحجة» وكتاب «الإغفال» فيما أغفله الزجاج من المعاني و«العوامل المئة» و«المسائل البغداديات والشيرازيات والقصريات والعسكرية والبصرية والمجلسيات» و«الإيضاح» و«التكملة في النحو». (وفيات الأعيان، 1/361، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، 79). ↑
- () الصدر، حسن: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، 79، طـ العراق، لا.ت. ↑
- () وفيات الأعيان، 1/361. ↑
- () المصدر السابق، 3/410. ↑
- () المصدر السابق، 1/361. ↑
- () الشكعة، مصطفى: فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين، 151، ط، بيروت، 1981. ↑
- () ضيف، شوقي: المدارس النحوية، 256، طـ مصر، 1968. ↑
- () يتيمة الدهر في محاسن العصر، 1/108. ↑
- () ولد أبو بكر محمد الخوارزمي سنة 323هـ في خوارزم، فلما شبّ بدأ يتطوف في البلاد، فأقام حيناً في الشام واتصل بسيف الدولة ثم غادر حلب إلى بخارى ونيسابور وسجستان وبعدها قصد الصاحب بن عباد في أرّجان والوزيرين العتبي والزمني.. توفي الخوارزمي في نيسابور في منتصف رمضان من سنة 382هـ في الأغلب. (عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي (بتصرف) 2/544). من مؤلفاته «رسائل الخوارزمي» وجُمع له ديوان شعر طُبع مؤخراً في طهران. ↑
- () يتيمة الدهر، 141. ↑
- () الخوارزمي، أبو بكر: رسائل الخوارزمي، 318، طـ بيروت، 1970م. ↑
- () صدقي، حامد: ديوان أبي بكر الخوارزمي، 125 طـ طهران، 1997. ↑
- () وفيات الأعيان، 2/468. ↑
- () سيف الدولة الحمداني للشكعة، 187. ↑
- () عاصي، حسن: أبو الفرج الأصفهاني، 30، طـ بيروت، 1993م. ↑
- () العزاوي، ج1، ص539؛ ج2، ص25، ص77. ↑
- () العزاوي، ج2، ص78. ↑
- () كان السلطان أويس بهادرخان، كثير البر، محباً للفقراء معتمداً بالعلماء والكبراء، دامتْ ولايته تسع عشرة سنة، وتوفي سنة 776هـ/ 1374م عن 37 عاماً، بعدما ورث ملك العراق وآذربيجان عن أبيه. (العزاوي، ج2، ص137 ـ 139). ↑
- () العزاوي، ج2، ص223. ↑
- () العزاوي، ج2، ص254. ↑
- () العزاوي، ج2، ص291. ↑
- () بعد وفاة تيمورلنك عام 807هـ/ 1404م تمكّن ولده الرابع شاه رُخ بعد حروب بين أولاده الأربعة المتنازعين على السلطة من السيطرة على الحكم، وبقي حتى سنة 850هـ/ 1446م.وقد حكم شاه رُخ خراسان، وأغلب مدن إيران وكان ذا ميول شيعية. وكانت زوجته كوهرشاه قد شيَّدتْ مسجداً فخماً قرب ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مدينة مشهد الإيرانية. وقد حكم آخر السلاطين التيموريين وهو السلطان حسين بن بايقرا من سنة 875هـ، حتى سنة 911هـ، (1470 ـ 1505م). ↑
- () العزاوي، ج3، ص21. ↑
- () أولاد قره يوسف هم:1 ـ پير بوداق ـ تُوفي في حياة أبيه. 2 ـ الأمير إسكندر: قاتلَ شاه رخ ابن تيمورلنك 27 رجب سنة 824هـ/ 28 تموز 1421م. 3 ـ ميرزا جهان شاه ـ مكث في بغداد، ثم مضى إلى تبريز، ثم عاد فحكم العراق في 14 ربيع الأول سنة 850هـ. قتل جهان شاه سنة 872هـ/1467م، وتولّى ابنه السلطان حسن علي (الذي قتل في شوَّال سنة 873هـ/ نيسان 1468م)، حكم بغداد، وانقرضت به دولة قره قوينلو من آذربيجان والعراقين. 4 ـ الأمير شاه محمد. 5 ـ الأمير آسبند، (مكث في بغداد). 6 ـ الأمير أبو سعيد، ذهب إلى جصَّان. ↑
- () العزاوي، ج3، ص84. ↑
- () لما وصل شاه رُخ إلى منطقة (الري) لحق به ميرزا جهان شاه بن قره يوسف، ومعه ابن أخيه ميرزا علي بن شاه محمد بن قره يوسف، والأمير بايزيد أوغلو، من كبار أمراء قره قوينلو، في منتصف ذي الحجة سنة 838هـ/12 تموز 1435م، فأكرمهم شاه رُخ، وبالغ في احترامهم. ↑
- () سورا: موضع من أرض بابل، قريبة من الحلّة. ↑
- () روضات الجنّات، ج7، ص171. ↑
- () للمقداد السيوري مؤلفات في علم الفقه، وأصوله، وعلم الكلام، والتفسير، منها:1 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية: رتَّبَ فيه أبواب الفقه والأصول لكتاب أستاذه الشهيد الأول (القواعد والفوائد) دون أنْ يضيف على أصل مادة الكتاب شيئاً إلاَّ في مسألة (القسمة). وقد طبع (نضد القواعد الفقهية) بتحقيق السيد عبداللطيف الكوهكمري، قم 1403هـ/ 1983م.
2 ـ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين فرغ منه سنة 792هـ/ 1390م، وهو شرح على كتاب (نهج المسترشدين في أصول الدين) للعلاَّمة الحلّي، وقد طبع في بومباي سنة 1303هـ/ 1886م.
3 ـ التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، طبع سنة 1404هـ/ 1984م في أربع مجلدات، بتحقيق السيد عبداللطيف الحسيني الكوهكمري.
4 ـ كنز العرفان في فقه القرآن، طبع في ثلاثة أجزاء عام 1384هـ/ 1965م.
5 ـ النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر (في علم الكلام)، أحد الكتب الدراسية المقرَّرة التي حظيت بالاهتمام منذ عصر مؤلفه حتى الآن. ↑
- () أعيان الشيعة، ج27، ص291. ↑
- () البابليات، ج2، ص122. ↑
- () البيتان من قصيدة للشاعر السيد حيدر الحلي يهني بها السيد مهدي في بعض المناسبات، وهي تقع في (38) بيتاً مثبتةً في (ديوان السيد حيدر، ج1، ص150). ↑
- () هكذا ورد في الأصل. ↑
- () السيد جواد الطباطبائي من العلماء ذوي النفوذ بمدينة بروجرد، وهو جدّ المجتهد السيد حسين البروجردي المتوفى سنة 1380هـ/ 1961م. توفي السيد جواد سنة 1242هـ/ 1827م. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () الشيخ موسى كاشف الغطاء، الملقّب «بالمصلح بين الدولتين» حيث توسّط في إطلاق سراح الأسرى العثمانيين المعتقلين لدى الإدارة القاجارية. وقيل إنَّه كان أحد الساعين في إبرام الصلح بين الدولتين الإيرانية والعثمانية سنة 1237هـ/ 1822م. ومن أعماله تجديد بناء سور النجف. تُوفي سنة 1241هـ/ 1826م، ودُفن بمقبرتهم مع أبيه، وعمره قارب الستين عاماً. ↑
- () الشيخ علي كاشف الغطاء. انتهت إليه الرئاسة العلمية بالنجف، تخرّج على يديه مئات العلماء، منهم: الشيخ مرتضى الأنصاري، والسيد مهدي القزويني (صهرُه على ابنته)، وغيرهما. وقد اشتهر بكتابه الخيارات. تُوفي سنة 1253هـ/ 1837م. ↑
- () تُوفي الشيخ حسن كاشف الغطاء سنة 1262هـ/ 1846م. وقد كتب عنه ولده الشيخ عباس ترجمة فصّل فيها أحواله، ومجريات حياته، وفتاواه سمّاها «نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري». ↑
- () الخِرّيت: الحاذق، أو الدليل. ↑
- () تُوفي السيد باقر القزويني سنة 1246هـ/ 1831م. ↑
- () السيد محمد تقي القزويني من كبار علماء إيران، له مؤلفات فقهية ومكانة مرموقة بين علماء عصره. تُوفي سنة 1270هـ/ 1856م. ↑
- () ذكر الطهراني هذه الإجازة بقوله: «إجازة السيد محمد تقي بن مير مؤمن بن مير محمد تقي بن مير رضا بن أبو القاسم الحسيني القزويني المتوفى سنة 1270هـ للعلاَّمة السيد مهدي القزويني النجفي الحلّي المتوفى سنة 1300هـ، وهي مبسوطة تأريخها سنة 1241هـ، (ذكرها سيدنا في التكملة). وقال شيخنا شيخ الشريعة إنَّها تقرب من (لؤلؤة البحرين). (الذريعة، ج1، ص163). ↑
- () لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين، طبعت بتحقيق العلاَّمة السيد محمد صادق بحر العلوم. ↑
- () في نسخة (ب): مُبسّط. ↑
- () من إضافات السيد باقر القزويني على النصّ. والصواب أنْ يقال: خمس عشرة مجلداً، لأنَّ مفردها (مجلدة)، وليس مجلّداً، كما هو الشائع عند الكتّاب المحدثين. ↑
- () في نسخة (ب): خرج. ↑
- () زيادة من السيد باقر على النصّ. ↑
- () زيادة غير موجودة بالأصل. ↑
- () البيتان من قصيدة طويلة للسيد حيدر الحلّي يرثي بها العلاّمة السيد محمد تقي الطباطبائي، ويعزّي السيد مهدي القزويني، طلعها:ماذا تريدين بالدنيا يدّ القدر
لقد ذهبتِ بسمع الدهر والبصر
وهي مثبة في (ديوان السيد حيدر الحلّي، ج2، ص109). ↑
- () وهي رسالته العملية طبعت سنة 1298هـ/ 1880م. ↑
- () نشرت بتحقيقنا سنة 1405هـ/ 1985م. ↑
- () في نسخة (ب): المكرّمة. ↑
- () غير موجودة في الأصل. ↑
- () زيادة عن الأصل. ↑
- () سمَّاها «البحر الزاخر في أصول الأوائل والأواخر». ↑
- () سمَّاها «نزهة الألباب في شرح حديث ابن طاب». ↑
- () في نسخة (ب): تُحمل على الثمانين. ↑
- () زيادة عن الأصل. ↑
- () من إضافات السيد باقر القزويني. ↑
- () توجد نسخة منه في مكتبة المتحف العراقي برقم (3366) من تعداد الكتب الخطيّة. وهو كتاب موسع في بيان العقائد، يقع في (650) صفحة. ↑
- () من إضافات السيد باقر القزويني. ↑
- () طبعت بتحقيقنا سنة 1392هـ/ 1972م. ↑
- () في نسخة (ب): الرد على فرق الإسلام الهاوية. ↑
- () طُبعت بتحقيقنا سنة 1393هـ/ 1973م. ↑
- () ما بين المعقوفتين من إضافات السيد باقر القزويني على الأصل. وقد طُبعت هذه الرسالة تحت عنوان «أنساب القبائل العراقية وغيرها»، مرّات عديدة، كانت الطبعة الأولى بتحقيق العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، والثانية بتحقيق البحّاثة الشيخ عبد المولى الطريحي. ↑
- () غيّر السيد باقر القزويني النصّ على هذه الشاكلة: «هذا ما وقفنا عليه من تصانيفه الموجودة المحفوظة، وأمَّا ما لم نقف عليه مما عُرض له التلف والاضمحلال لكونه تداولته أيدي المشتغلين للمطالعة والمراجعة، وقد حلَّ الفناء عليهم بسبب الطاعون المبين فتلفت في أيديهم أيدي سبأ، فمن ذلك:». ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () هذا البيت للشاعر الشيخ صالح الكواز من قصيدة يرثي بها الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1281هـ/ 1864م، ويعزّي بها السيد مهدي القزويني. ومن أبيات القصيدة:فلا تشمت الحساد في فقد ذاهب
فللّه فينا حجّةً غير ذاهب
أبو صالح (المهدي) واحد عصرنا
فأكرم به من واحد العصر (صاحب)
يهتّك أستار الغيوب بفكرة
إذا هي زجت أحضرت كلّ غائب
ينبؤنا بالمشكلات صريحةً
فيشكل فينا أمره بالعجائب
والقصيدة طويلة طبعت في (ديوان الكواز، ص85). ↑
- () هذه العبارة من إضافات السيد باقر على النصّ. وفي الأصل «فشمّر تشمير الأبي، وأقدمَ إقدام الكمي». ↑
- () في نخسة (ب): الله. ↑
- () الوجيف والأرقال: نوعان من سير الأبل، على غرار المشي السريع. ↑
- () سورة الحج، الآية: 27. ↑
- () العيس: الإبل. ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () السيد محمد سعيد الحبّوبي: شاعر الفقهاء، وفقيه الشعراء، تُوفي سنة 1333هـ/ 1915م. ↑
- () يُلاحظ أنَّ بعض الشعراء جمعوا في قصائدهم بين الرثاء والتهنئة؛ الرثاء بفقدان الأب، والتهنئة بعودة الابن، الذي كان يُرافق أباه في رحلته إلى بيت الله الحرام. ↑
- () وهي موجودة أيضاً على المجلد الثالث من كتابه المذكور من الشرح الموسّع، ولعلَّ السيد باقراً رآه مكتوباً على المجلد الأول من الشرح المختصر. ↑
- () إشارة إلى نقص العدد (1) من مادة التاريخ، فتكون ولادته عام (1222هـ). ↑
- () ترجم هذا المقال عن مجلة «ماهنامه دانش جويان» الفارسية، العدد 38. ↑
- () لعله يقصد ببحر فارس الخليج الفارسي الحالي، ويقصد بالخليج الفارسي في كتابه بحر عمان والخليج الفارسي معاً، إذ إن هذا الاسم كان يطلق يومئذٍ عليهما كليهما معاً. ↑
- () نقلاً عن كتاب «الخليج الفارسي عبر القرون والأمصار» ص 23. ↑
- () لمزيد من الاطلاع راجع كشف الغمة للأربلي، ج2، ص245 ـ 250. ↑
- () وهما صراع الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم على التنزيل لتكسير الأصنام وعبادة الرحمن، وقتال علي عليه السلام على التأويل لدفع الضلال والنهي عن الفحشاء والفساد بناء على ما قاله النبي الأعظم صلَّى الله عليه وآله وسلم: «أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعلي يقاتل على تأويله». فضائل الخمسة من الصحاح الستة للفيروزآبادي، ج2، ص391. ↑
- () كما قال الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم فيه: «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط». ينابيع المودة للقندوزي، ج1، ص162؛ كشف الغمة، ج2، ص222. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك للطبري، ج6، ص229؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج4، ص48. ↑
- () تاريخ الطبري، ج6، ص329. ومع اختلاف يسير: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، ج2، ص39؛ تحف العقول لابن شعبة الحراني، ص245؛ كشف الغمة، ج2، ص244؛ بحار الأنوار للمجلسي، ج44، ص192، 381؛ ناسخ التواريخ (6) ج2، ص166. ↑
- () بحار الأنوار، ج44، ص329 ـ 330؛ ناسخ التواريخ (6) ج2، ص9 ـ 10. ↑
- () معاني الأخبار للصدوق، ص289. ↑
- () انظر: سورة آل عمران، الآية: 61. ↑
- () راجع: سورة الأحزاب، الآية: 33. ↑
- () الإرشاد للمفيد، ص231. ↑
- () الكامل في التاريخ ج4، ص48 ـ 49. ومع اختلاف في الألفاظ وعدد الأبيات: الإرشاد، ص225، تاريخ الطبري، ج6، ص330؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص69؛ اعلام الورى بأعلام الهدى لأبي علي الطبرسي، ص230؛ بحار الأنوار، ج44، ص192؛ ناسخ التواريخ (6) ج2، ص161 ـ 162؛ أعيان الشيعة للأمين ج1، ص581، 597؛ البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، ج8، ص187. ↑
- () يمكن الرجوع إلى تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، ص240. ↑
- () مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصفهاني، ص113. واختلاف يسير: تاريخ الطبري، ج6، ص347؛ الكامل في التاريخ، ج4، ص58؛ الإرشاد، ص232؛ أعلام الورى، ص235 ـ 236؛ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص244؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص99؛ بحار الأنوار، ج45، ص2؛ البداية والنهاية، ج8، ص191؛ بحار الأنوار، ج45، ص2؛ البداية والنهاية، ج8، ص191؛ ينابيع المودة، ج2، ص164؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص169؛ أعيان الشيعة، ج1، ص601. ↑
- () تاريخ اليعقوبي، ج2، ص244. ↑
- () مقاتل الطالبيين، ص113. راجع تفصيل ذلك في تاريخ الطبري، ج6، ص347؛ الإرشاد ص232؛ الكامل في التاريخ، ج4، ص58 ـ 59؛ أعلام الورى، ص236؛ بحار الأنوار، ج45، ص2 ـ 3. ↑
- () الاحتجاج لأبي منصور الطبرسي، ج2، ص300. ومع اختلاف في بعض الكلمات وعدد الأبيات: بحار الأنوار، ج45، ص8 ـ 9، 83. وقد جاء نصّ الخطبة مختصراً في مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص110؛ كشف الغمة، ج2، ص231؛ أعيان الشيعة، ج1، ص603. ↑
- () راجع: السيرة النبوية لابن هشام، ج4، ص169. ↑
- () كشف الغمة، ج2، ص238 ـ 239. ومع اختلاف في الألفاظ وعدد الأبيات: احتجاج الطبرسي، ج2، ص301؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص79 ـ 80؛ ينابيع المودة، ج2، ص172 ـ 173؛ بحار الأنوار، ج45، ص48؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص368 ـ 372. ↑
- () ينابيع المودة، ج2، ص172. ↑
- () مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص80. ومع اختلاف في عدد الأبيات والألفاظ: احتجاج الطبرسي، ج2، ص301 ـ 302؛ كشف الغمة، ج2، ص231؛ ينابيع المودة، ج2، ص169؛ بحار الأنوار، ج45، ص49؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص365 ـ 366. ↑
- () مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص110. ومع اختلاف أو زيادة: كشف الغمة، ج2، ص244؛ بحار الأنوار، ج44، ص192، وج45، ص50؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص373؛ أعيان الشيعة،/1، ص581، 608. ↑
- () أعيان الشيعة، ج1، ص581. ↑
- () مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص68؛ بحار الأنوار، ج44، ص192. وقد أشار أبو نصر بن نباتة إلى مضمون الحديث قائلاً:والحسين الذي رأى الموت في العزّ
حياة والعيش في الذل قتلا
(أعيان الشيعة 585) ↑
- () بحار الأنوار، ج45، ص49؛ أعيان الشيعة، ج1، ص608. ومع اختلاف يسير في ترتيب المصاريع؛ مناقب ابن شهرآشوب، ج4، ص110؛ ناسخ التواريخ (6)/ج2، ص373. ↑
- () بحار الأنوار، ج45، ص50. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، ج22، ص240. ↑
- () Momen, p.98. ↑
- () الشيبي، ج2، ص150. ↑
- () لاحظ بعض الدارسين أنه بالرغم من صعوبة التمييز بين الشيعة (الغُلاة)، والاثنا عشرية، والنزعات الموالية للتشيع ضمن المنظومة السُنية فإنه من الواضح أنَّ حوادث كبيرة حدثت بين الشعوب في الجهة الغربية من إيران، والجهة الشمالية في العراق، والجهة الشرقية في الأناضول، والشمالية السورية، والتي كانت جميعها قد تسرّب إليها الفكر الشيعي الإسماعيلي. فقد ظهر العلويون (النصيرية) في شمال سوريا، كما ظهر أهل الحق في غرب إيران، واستطاع البكتاشيون أنْ يتكيَّفوا مع الدولة العثمانية كطريقة من الطرق الصوفية. (Momen p.98). ↑
- () الشيبي، ج2، ص223. ↑
- () الأمين، دائرة المعارف الشيعية (الصفويون)، ص218. ↑
- () الشيبي، ج2، ص295. ↑
- () شيباني، نظام الدين مجير، تشكيل شاهنشاهي صفويه، (طهران، 1966م)، ص56. ↑
- () تشكيل شاهنشاهي صفويه، ص65. ↑
- () تزوج الشيخ جُنيد أخت الشيخ أوزون حسن (857 ـ 883هـ/ 1453 ـ 1478م) حاكم ديار بكر السُني، وزعيم أسرة (آق قوينلو). ↑
- () القبائل القزلباشية السبعة المُعاضدة للصفويين هي قبيلة: إستاجلو، شاملو، بنكالو (روملو)، بهارلو (توكلوا)، ذو القدر، القاجار، الأفشار. حول هذه القبائل يُراجع: تشكيل دولت، ص93. ↑
- () ولد إسماعيل في 25 رجب 892هـ/ 17 تموز 1487م، وتوفي في تبريز 19 رجب 930هـ/ 23 أيار 1524م، ودفن بمقبرة جدّه صفي الدين بأردبيل، عن عمر 38 عاماً. ↑
- () العمدة 1/28. ↑
- () خزانة الأدب 1/206. ↑
- () العمدة 1/29. ↑
- () الأغاني 5/30 عراق: مضلة لا نهاية لها ولا غاية. ↑
- () السيرة النبوية 1/467. ↑
- () السيرة 2/11 ـ 12. ↑
- () المصدر السابق 2/166. ↑
- () السيرة 2/197 ـ 198. ↑
- () مروج الذهب 2/373. ↑
- () مروج الذهب 2/376. ↑
- () مروج الذهب 2/393. ↑
- () نفس المصدر 2/366. ↑
- () نفس المصدر 2/416. ↑
- () نفس المصدر 2/417. ↑
- () نفس المصدر 2/418. ↑
- () نفس المصدر 2/420. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () تاريخ الآداب العربية، ص98 ـ 99. ↑
- () أدب العرب، ص252 عن نالينو المصدر السابق. ↑
- () وينسبون إلى علي القصيدة الزينبية في الحكم والمواعظ والتي من نظم صالح ابن عبد القدوس المقتول أيام المهدي سنة 167هـ. ↑
- () انظر الاستيعاب 1/341. ↑
- () معجم الأدباء 5/263. ↑
- () العقد الفريد 5/283. ↑
- () انظر تفصيل ذلك في كتابنا (شعر المخضرمين). ↑
- () العقد الفريد 5/287. ↑
- () الأخبار الطوال ص146 ـ 147 وفي كتاب وقعة صفين، ص86 ـ 87 زيادة وخلاف. المحزئل: المرتفع المتلئب: المطرد المستقيم من قولهم اتلأب الأمر أي استقام. ↑
- () الطبري 3/477 طـ الاستقامة وفي مروج الذهب 2/371 منسوبة لعمار بن ياسر قالها قبل معركة الجمل. وفيها رواية أخرى، ينظر الكامل 3/80 جاءت بستة أبيات. ↑
- () الطبري 3/482 و2/3121 طـ أوروبا. ↑
- () المصدر السابق والصفحة والكامل 3/83. ↑
- () مروج الذهب 2/378 ـ 379. وعنسكر: هو جمل عائشة. ↑
- () مروج الذهب 2/373. ↑
- () المصدر السابق 2/373 ـ 374. قيل رماه بسهم حين هم بالرجوع. ↑
- () نفس المصدر 2/374 يقال أن علياً قال: (هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته له) ينظر 3/99. ↑
- () الأخبار الطوال، ص144 ـ 145 طـ حنفي. ↑
- () الطبري 2/3258طـ أوروبا و3/562طـ الاستقامة وانظر الكامل 3/111. السدم: المغتاط المحنق. ابيروا: هلكوا. ↑
- () الأخبار الطوال، ص151 ووقعة صفين ـ نصر بن مزاحم، ص63. ↑
- () الأخبار الطوال، ص151 ـ 152 ووقعة صفين، ص65 ـ 66 وفيه خلاف عما هنا. ↑
- () وقعة صفين، ص253 ـ 254 والكامل 3/117. ↑
- () الأخبار الطوال، ص168. ووقعة صفين، ص256. ↑
- () وقعة صفين 257. بجل: حسب. قمل: أي نفخ يريد هنا تضخمت بطنه بعد الموت. انجعل: انقلب وسقط. ↑
- () مروج الذهب 2/393 ووقعة صفين، ص337. ↑
- () مروج الذهب 2/392. ↑
- () المصدر السابق 2/400. ↑
- () نفس المصدر 2/405. ↑
- () نفس المصدر 2/418. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () مروج الذهب 2/428 وانظر الكامل 3/157. وفي شذرات الذهب ـ لابن العماد 1/51 ورد الشعر في مخاطبة الخوارج مع خلاف في بعض الأبيات:ألا قل للخوارج أجمعينا
فلا قرت عيون الشامتينا ↑
- () ينظر في مروج الذهب 2/426 ـ 428 شعر عمران بن حطان ونقيضه ظاهر بن عبدالله الشافعي. ↑
- () قال الإمام علي عليه السلام: «الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان». شرح نهج البلاغة. ج19، ص51. ↑
- () قال الإمام الصادق عليه السلام: «… حتى جاء محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة…» أصول الكافي، ج2، ص17، ح2. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () من كلام الإمام رحمه الله في 15/6/62هـ.ش. ↑
- () من كلام الإمام رحمه الله في 10/10/57هـ.ش. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () الوصية الإلهية ـ السياسية للإمام رحمه الله. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 98. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 178. ↑
- () سورة النساء، الآية: 78. ↑
- () سورة المنافقون، الآية: 7. ↑
- () كنز العمال، الحديث 28، ص689. ↑
- () بداية المجتهد، ج1، ص2. ↑
- () نهج البلاغة، الخطبة 110. ↑
- () المصدر نفسه، الحكمة رقم 10. ↑
- () الإمام الخميني رحمه الله، كتاب البيع، ج2، ص276، 282، 286. ↑
- () اصطلاحات رسالة. انظر رساله نوين، ج1. ↑
- () المكاسب المحرمة، رساله نوين، ج3، ص21، 211. ↑
- () الإمام الخميني رحمه الله، رسائل إمام خميني رحمه الله ج2، ص94. ↑
- () المكاسب المحرمة، ج1، ص198، 245. ↑
- () من كلام للإمام الخميني رحمه الله في 10/10/1357هـ.ش. ↑
- () من كلام للإمام الخميني رحمه الله في 10/8/1367هـ.ش. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () رساله نوين، ج4، ص85. ↑
- () صحيفه نور، ج21، ص98. ↑
- () المصدر نفسه، ج21، ص88. ↑
- () المصدر نفسه، ج21، ص61. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () أعيان الشيعة، ج2، ص114. ↑
- () الأفندي، ج2، ص71. ↑
- () الأفندي، ص73. ↑
- () روضات الجنَّات، ج2، ص322. ↑
- () الأفندي، ج2، ص74. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص323. ↑
- () روضات الجنات، ج2، ص323. ↑
- () نقل النصّ الأفندي في رياض العلماء، ج2، ص72. ↑
- () الأفندي، ج2، ص66. ↑
- () ذكر الأفندي ج2، ص76 أنَّ كتاب «دفع المناواة» كتبه للسلطان شاه طهماسب الصفوي، أو السلطان شاه عباس الماضي الصفوي، يظهر ذلك من ديباجة الكتاب. والأمر ـ كما يقول الأفندي ـ سهل، إذ إنَّ أمثال هذه التغييرات في خطب الكتب، وديباجتها شائعة! ↑
- () الأفندي، ج2، ص68. ↑
- () الأفندي، ص68. ↑
- () ذكر الأفندي ج2، ص69: «العلماء في غيبته لا يسلّمون له هذه الدعوى، وإنْ كان لم يقدر أحد من فحول العلماء على التكلم في ذلك بحضرته، ولا على مباحثته». ↑
- () كان السلطان طهماسب قد خصّ السيد علاء المرعشي بالمصاحبة أكثر من غيره من العلماء، وكان مشاركاً مع الخواجة أفضل الدين محمد تركة المعروف بأفضل التركة الإصفهاني المتوفى سنة 991هـ، في قضاء العسكر. (الأفندي، ج3، ص314). ↑
- () طبقات أعلام الشيعة، ج4، ص142. ↑
- () زندكاني شاه إسماعيل صفوي، ص39، مستدركات أعيان الشيعة، ج8، ص39. ↑
- () عالم آراي عباسي، ج1، ص19. ↑
- () زندكاني شاه إسماعيل؛ مستدركات أعيان الشيعة، ج8، ص39. ↑
- () العزاوي، ج3، ص201. ↑
- () العزاوي، ج3، ص256. ↑
- () العزاوي، ج3، ص260. ↑
- () كان السيد حيدر ابن عمّة السلطان يعقوب، لأنَّ حسن بيك كان قد زوّج السيد جنيد الصفوي (والد الشيخ حيدر) بأخته فولدت له السيد حيدر. (العزاوي، ج3، ص272). وقد وردت في بعض المصادر المناوئة للصفويين أنَّ السلطان يعقوب لما يتميّز به من رأفة ورحمة لم يكن قاسياً في استئصال شأفة أولاد السيد حيدر، وكان الأولى أنْ يقتلهم، ولا يبقي أحداً منهم، لكنَّ المقدّر كائن، وسوف تظهر للوجود دولة يصفو بها العيش، ويدوم لها الحكم. (العزاوي، ج3، ص271، نقلاً عن منتخب التواريخ، وحبيب السير). ↑
- () قُتل رستم بيك سنة 902هـ/ 1497م على يد السلطان أحمد بن أوغلو بن السلطان حسن الطويل. وكان قد لجأ إلى بلاد الروم، مملكة العثمانيين، هرباً من عمّه يعقوب بعد مقتل أبيه، فحلَّ لاجئاً في حمى السلطان بايزيد خان العثماني، وصاهره السلطان، وزوَّجه ابنته.وقد تولّى السلطان أحمد باد شاه الحكم، وقُتل سنة 903هـ/ 1498م على يد الأمراء بعد ستة شهور من حكمه. وقد تولّى الحكم بعده محمد بن يوسف بن حسن الطويل (903 ـ 905هـ/ 1498 ـ 1500م)، وبعد مقتله تولّى السلطة مراد بك بن يعقوب. (العزاوي، ج3، ص298، 300، 313). ↑
- () قُتل مراد بيد القزلباشية في ديار بكر، وكان عمره 25 سنة، وقد حكم تسع سنوات. ↑
- () الأسترآبادي، حسين، من الشيخ صفي إلى الشاه صفي، مستدركات أعيان الشيعة، ج2، ص59. ↑
- () العزاوي، ج3، ص316. ↑
- () زندكاني شاه إسماعيل، مستدركات أعيان الشيعة، ج8، ص45. ↑
- () الكشفية: هم أتباع السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي الگيلاني الحائري (1212 ـ 1259ق) عالم الفرقة «الشيخية» المعروف المشهور بالكشفي، كان تلميذاً ونائباً للشيخ زين الدين أحمد الإحسائي. [مشكور، محمد جواد، فرهنگ فرق إسلامي، بنياد پژوهشهاى مشهد، 1372 ش]. ↑
- () يصطلح القدماء على البيت ما اشتمل على خمسين حرفاً وهو ما يساوي سطراً [هامش تفسير القرآن الكريم ـ سيد عبدالله شبّر، ص34]. ↑
- () حسن بن علي الطوسي، رجال الكشي، طبع دانشگاه مشهد، 1348هـ،ش، منشورات مركز تحقيقات ومطالعات دانشگاه الهيات، ص136 ـ 343. ↑
- () محمد بن الحسن الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412هـ، ج10، ص465. ↑
- () البغدادي، خزانة الأدب، الطبعة الثانية، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، ج1، ص70. ↑
- () وسائل الشيعة، جزء 14، ص594. ↑
- () نفس المصدر، ج12، ص132. ↑
- () الدكتور محمود البستاني، تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، منشورات، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1410هـ، ق، ص392 و393. ↑
- () محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج49، ص236. ↑
- () حسن الأمين، دائرة المعارف الإسلامية، الجزء الأول، الطبعة الرابعة، منشورات دار التعارف للمطبوعات، ص37. ↑
- () ترجم هذا المقال من الفارسية. ↑
- () القرآن الكريم تفسير البيضاوي، القاضي البيضاوي، ج2، 1303، في غير موضع، ج1، ص79. ↑
- () نهج البلاغة، السيد الرضي، ترجمة فيض الإسلام وشرحه، طهران، قصار الحكم، ش60. ↑
- () الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، طـ3 بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. 1391 ـ 1971، ج10، ص10. ↑
- () . الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، قم، إيران، 1403، ج1، ص 362. ↑
- () تفسير الميزان، ج8، ص134. ↑
- () كشف الارتياب، ص193 و198. ↑
- () الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص186. ↑
- () مطهري، مرتضى، العدل الإلهي، طهران، 1349، ص190. ↑
- () رسالة أربع القواعد، محمد بن عبدالوهاب، ص25. كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبدالوهاب، السيد محسن الأمين، بيروت 1411 ـ 1991، ص194. ↑
- () أمل الآمل، ج1 ص104. ↑
- () أيضاً، ص105. ↑
- () رياض العلماء، ج5، ص189. ↑
- () تكملة أمل الآمل، ص365. ↑
- () غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج2، ص265. ↑
- () مقدمة المختاري على كتاب غاية المراد، ص84. ↑
- () تكملة أمل الآمل، ص367. ↑
- () الصدر، تكملة أمل الآمل، ص365. ↑
- () المستدرك، ج3، ص459. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج107، ص177. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص4. ↑
- () خطط جبل عامل، ص80. ↑
- () ذكر إجازته التي حرَّرها للشهيد سنة 758هـ/ 1357م المجلسي في (بحار الأنوار، ج107، ص183). ↑
- () البحار، ج107، ص200. ↑
- () بحار الأنوار، ج107، ص191. ↑
- () ذكر الشهيد في إجازته المؤرخة 770هـ لتلميذه الشيخ شمس الدين محمد بن تاج الدين عبدالعلي ابن نجدة الكركي (ت: 808هـ/ 1405م) أنَّ من مشايخه الذين يروي عنهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الحسن الحنفي النحوي (المُلقّب بملك النُحاة) فقيه الصخرة الشريفة ببيت المقدس، (بحار الأنوار، ج107، ص193). ↑
- () أمَّا مصنفات العامة ومروياتهم فأني أرويها عن نحو من أربعين شيخاً من علمائهم بمكة والمدينة، ودار السلام (بغداد)، ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم عليه السلام. (بحار الأنوار، ج107، ص190). ↑
- () التاريخ الصحيح يصادف يوم الأحد (وليس الاثنين) الموافق 13 تشرين الأول 1343م. ↑
- () الدرر الكامنة، ج2، ص119. ↑
- () البداية والنهاية (حوادث سنة 755هـ). ↑
- () الدرر الكامنة ج3، ص109، ص168. ↑
- () القلقشندي، صبح الأعشى، ج13 (القاهرة، 1928م)، ص13 ـ 20. ↑
- () الهجرة العاملية، ص75. ↑
- () الصدر، المحنة، (قم، 1982م)، ص42. ↑
- () الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، ج2، ص79. ↑
- () Madelung, W., Authority in Twelver Shi’isim in the Absence of the Imam, p.186. ↑
- () شذرات الذهب، ج6، ص284. ↑
- () يقول الأمير صالح بن يحيى: «لما تحركت الشيعة ببيروت وأظهروا القيام بالسُنَّة، ومعهم مرسوم سلطاني، وكانوا في الباطن قائمين بمذهب أهل الشيعة، جرت في بيروت بذلك حركة ردّية»، (تاريخ بيروت، ص195). مما يؤكد على أنَّ النشاط الشيعي الذي يتزعمه الشهيد كان مجازاً من قبل المماليك أنفسهم. ↑
- () الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج1، ص23. ↑
- () الأفندي، ج5، ص189. ↑
- () البحراني ص146. ↑
- () الهجرة العاملية، ص70. ↑
- () الصلة بين التصوف والتشيع، ج2، ص141. ↑
- () يُراجع نص الإجازة في روضات الجنَّات، ج7، ص8 ـ 9. ↑
- () قسَّم المماليك بلاد الشام إلى ست ممالك؛ (مملكة دمشق، مملكة حلب، مملكة طرابلس، مملكة حماة، مملكة صفد، مملكة الكرك)، وكان على رأس كل واحدة من هذه الممالك (نائب سلطنة) يُعيّن من قبل السلطان في القاهرة. أمَّا التنظيم العسكري والإداري فكان لكلّ مملكة من هذه الممالك عسكرها، ودواوينها الخاصة، وكانت القرارات السياسية التي تصدر في القاهرة يُطبقها نوّاب الممالك في بلاد الشام كلٌّ في مملكته. (صليبي، ص129). ↑
- () تولّى الأمير بيدمر ولاية دمشق للمرّة الخامسة أو السادسة، وهذه هي آخر مرَّة يتنعم فيها بالحكم قبل مقتله على يد برقوق عام 788هـ/ 1386م. وقيل توفي مسجوناً سنة 789هـ/ 1387م. (ابن حجر، الدرر الكامنة، ج1، ص513). ↑
- () كان الشيعة في هذه الفترة منتشرين في جزّين، وأرنون، وصور، كما كانوا منتشرين في المنطقة الممتدة بين جبيل، وبيروت.. أمَّا مدينة بعلبك فكانت هي الأخرى مدينة شيعية. كما ذكرت المنقولات أن النصيرية كانوا قد انتشروا في منطقة الشمال (اللاذقية)، وامتدوا إلى المناطق القريبة من طرطوس، وكانت طرابلس مزيجاً منهم، ومن السُنَّة أيضاً. ↑
- () ذكر الآصفي أنَّ الشهيد اتصل بالبلاط المملوكي وأقنعه بضرورة محاربة اليالوش، فجهَّزت حكومة دمشق جيشاً، واصطدموا بمعسكر اليالوش بمقربة من النبطية الفوقا، فَقُتلَ اليالوش، (مقدمة الآصفي على كتاب اللمعة الدمشقية، ص137)، ظنّاً منه أنَّ الحادثة كانت قد وقعت في فترة المماليك الأتراك (البحرية). إلاَّ أنَّ النصوص الواردة تؤكد على أنَّ المعركة وقعت زمن تولي برقوق السلطة. كما لا يوجد نصّ تأريخي يُشير إلى ذلك. ↑
- () خطط جبل عامل، ص242. ↑
- () المهاجر، ص72. ↑
- () أورد الخوانساري نقلاً عما أسماه (عن بعض الحواشي المعتبرة على شرح اللمعة)، ما يلي: عند بلوغ الكلام في باب المحرمات من المكاسب إلى قول المصنف (رحمه الله): «وتعلّم السحر»، ثم إتباعه من الشارح المرحوم بقوله: ولا بأس بتعلّمه ليتوقّى به، أو يدفع سحر المتنبّىء به ما صورته كما دفع المصنف (قُدِّس سرُّهُ) نبوة محمد اليالوش (الجالوشي) لمّا ادعى النبوة في جبل عاملة، وبلغ أمره ما بلغ، فقتله المصنف (قُدِّس سرُّهُ) في سلطنة برقوق بعد إبطال سحره.وفيه من الدلالة على عظم قدر الرجل، وجلالة شأنه، ونفاذ كلماته الصادرة في تلك المملكة ما لا يخفى. مضافاً إلى دلالة كثرة حاسديه ومعانديه، واشتهار رأيه المنير بين العرب والعجم، وأهل المشرق والمغرب من العالم. (الخوانساري، ج7، ص4). ↑
- () الأمين، خطط، ص242. ↑
- () يقول الأمين: إنَّ قرية برج يالوش هي الآن من القرى الخربة، وفيها برج لا يزال قسم منه مائلاً، وإليها ينتسب الشيخ محمد اليالوش. وتبعد ميلاً عن منطقة الزريرية أو الزرارية. (خطط جبل عامل، ص242). ↑
- () الخوانساري، ج7، ص12. ↑
- () ذكر الأمين أنَّ هؤلاء الشيعة حملتهم الشقاوة لبعض الأغراض الدنيوية التي باعوا بها دينهم، وإنَّ قول المقداد السيوري: «إنهم ارتدّوا» استبعاد منه لأنْ يكونوا باقين على عقيدتهم، ويفعلوا هذا مع مثل الشهيد، ولكن لا استبعاد في ذلك، (خطط جبل عامل، ص242). ↑
- () ذكر الدكتور علي نقي المنزوي في تعليقته على كتاب والده أغا بزرك الطهراني (طبقات أعلام الشيعة) أنَّ فشل الشهيد في خططه إنَّما نتج عن أنه كان يحارب في جبهتين (ويقصد بهما الجبهة الداخلية المتمثلة بالانقسامات الشيعية والجبهة الخارجية المتمثلة بالسلطة السياسية). فقد كتب ردوداً على بعض الشيعة المتطرفين من الأكراد أمثال الشيخ محمد اليالوشي. وكان التفرق والاختلاف هو سبب الفشل في كثير من محاولات الشيعة في التاريخ. فنراهم يحارب بعضهم الآخر على خلاف في عدد الأئمة، أو على المقدار الواجب من (التقيّة) والتأويل، أو في معنى العصمة، أو معنى روحانية المعاد، مع اتفاقهم في أصل هذه الآراء الفلسفية الباطنية في قبال الظاهريين المتزمتين. (الطهراني ج3، ص207. والنص لولده الدكتور علي نقي المنزوي).إلاَّ أنَّ المُلاحظ في صراع الشهيد مع خصومه أصحاب المذهب الواحد أنه كان صراعاً سياسياً بحتاً، اتخذ من السلطة المملوكية الجديدة مبرراً للنزاع المسلح. ↑
- () شذرات الذهب ج6، ص284. وذكرهُ ابن حجر في ج2، ص181 باسم محمد بن مكي العراقي، وكرَّر القول أنه قتل على الرفض، ومذهب النصيرية. كما ذكر ذلك أيضاً ابن العماد عبدالحي بن أحمد بن محمد الحنبلي الدمشقي في (شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب، ج8، ص505 دمشق، 1992م). وتكررت العبارات نفسها في النجوم الزاهرة، ج11، ص303، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ج3، ص245. ↑
- () العسقلاني، ابن حجر، إنباء الغمر بأبناء العمر، ج1 (بيروت، 1986م)، ص311. ↑
- () تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص130. ↑
- () الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ج2، ص141. ↑
- () النجوم الزاهرة، ج11، ص262. ↑
- () يُراجع: نصر الله، تاريخ بعلبك، ج1، (بيروت، 1984م)، ص199. ↑
- () بقي التنوخيون آل بحتر الدروز في الغرب على ولائهم للسلطان الظاهر برقوق. أمّا المماليك التركمان في كسروان المعروفون باسم أولاد الأعمى فكانوا من الفئات المعارضة. وعند قيام الثورة على برقوق سنة 791هـ/ 1389م، واعتقاله استغلَّ زعيم التركمان الأمر وغار على منطقة الغرب وبيروت، وأحدث فيهما بعض القتل والنهب.وعندما عاد برقوق إلى السلطة حاصر دمشق، وردَّ مؤيدوه من بني الحنش بقيادة زعيمهم علاء الدين بن الحنش التركمان الكسروانيين، وقتلوا زعيمهم علي بن الأعمى، ولم يعد لآل عساف التركمان (أولاد الأعمى) أي ذكر بعد هذه الواقعة حتى آخر عهد المماليك. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص12 ـ 13. ↑
- () تكملة دُرَّة الأسلاك، لطاهر بن حسن المعروف بابن حبيب، (من مخطوطات مكتبة المرعشي النجفي 2/6280). نقل النص المختاري في مقدمته على كتاب (غاية المراد في شرح نكت الإرشاد). ↑
- () ابن الجزري، محمد بن محمد، غاية النهاية في طبقات القرّاء ج2 (القاهرة، 1935م) باعتناء ج. برجشتراسر، ص265. ↑
- () تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص134. ↑
- () كتب ولد الشيخ الشهيد: «استشهد والدي الإمام العلاَّمة، كاتب الخط الشريف، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مكي بن محمد بن حامد شهيداً، حريقاً بعده بالنار يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ست وثمانين وسبعمائة، وكلّ ذلك فُعل برحبة قلعة دمشق». (مستدرك الوسائل، ج3، ص438، والذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج1، ص247).وقد ورد في كتاب (نظام الأقوال في معرفة الرجال) لنظام الدين محمد بن الحسين الساوجي، (المُتوفى بعد وفاة الشاه عباس الصفوي بقليل سنة 1038هـ) نزيل الري، وتلميذ الشيخ البهائي، إلى أنَّ يوم وفاته كان التاسع من جمادى الأولى. (الذريعة، ج24، ص191، والنوري، مستدرك وسائل الشيعة، ج3، ص247). ↑
- () تاريخ ابن شهبة، ج3، ص134. ↑
- () ذكر القاضي نور الله المرعشي هذا النصّ: «قُتل حضرة الشيخ ضُحى يوم الخميس التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة 786هـ في ميدان القلعة بدمشق المجاور لسوق الخيل، ثم صُلب، وأُنزل جثمانه عصراً، وأُحرق» (التستري، مجالس المؤمنين، ج1، ص579).كما ذكر الأمين النصّ نفسه نقلاً عن بعض المخطوطات، قال: رأيتُ في آخر نسخة مخطوطة في كتاب (البيان) للشهيد: «قُتل المُصنّف بدمشق في رحبة القلعة مما يلي سوق الخيل ضحى يوم الخميس 19 جمادى الأولى سنة 786هـ، وصُلب، وبقي معلّقاً هناك إلى قرب العصر، ثم أُنزل وأُحْرق»، (أعيان الشيعة، ج1، ص60). ↑
- () روضات الجنّات، ج7، ص12. ↑
- () الآصفي، ص142. ↑
- () ولد ابن جماعة في مصر منتصف ربيع الآخر سنة 725هـ/ 31 آذار 1325م، وتوفي والده سنة 739هـ/ 1338م، وقد نشأ بدمشق، وسكن القدس، وولى قضاء الديار المصرية مرّات عديدة. ونقل أنَّه صنَّفَ تفسيراً في عشر مجلّدات.ونقل ابن طولون في أحواله أنَّ بعض فقهاء البلد يعيبه بأنه قليل العلم، فأحضر ابن جماعة بعض مَنْ قال ذلك، ونكَّل به، ثم أوقع بآخرين، فهابه الناس. (قضاة دمشق، ص113). وتُوفي في 18 شعبان سنة 790هـ/ 21 آب 1388م، وهو على منصبه في القضاء بدمشق، (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج1، ص314، وابن طولون، قضاة دمشق، ص113). ↑
- () ابن طولون، ص112 ـ 115. ↑
- () بحار الأنوار، ج107، ص190. ↑
- () دخل برهان الدين ابن جماعة دمشق قاضياً في مستهل محرم سنة 786هـ/ 24 شباط 1384م، قادماً من مصر، وخرج نائب الشام لتلقيه إلى قُرب خان العقبة، وهو شيء لم يُعهد في تلك الأزمان.وكانت صبيحة ليلة مطيرة، والأرض كثيرة الوحل والماء من كثرة المطر. وكان قد وُلّي في الرابع عشر من شهر ذي القعدة سنة 785هـ بعد موت ولي الدين ابن أبي البقاء، ثم لبس الخلعة. (إنباء الغمر، ج2، ص155؛ النجوم الزاهرة، ج11، ص314؛ تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص130). ↑
- () يقول المختاري: الظاهر أنَّه هو الذي شارك في محاكمة الشهيد، وإراقة دمه، (مقدمة رضا المختاري على كتاب غاية المراد في شرح نُكت الإرشاد، ص221). ↑
- () التستري، مجالس المؤمنين، ج2، ص2؛ الأفندي، رياض العلماء، ج5، ص189. ↑
- () جرى يوماً بين ابن جماعة والشهيد كلام في بعض المسائل، وكانا متقابلين وبين يدي الشهيد دواة يكتبُ بمدادها، وكان ابن جماعة كبير الجثّة جدّاً بخلاف الشهيد فإنَّه كان صغير البدن في الغاية.فقال ابن جماعة (في ضمن المُناظرة تحقيراً لجثّة الشيخ الشهيد): إني أجد حسّاً من وراء الدواة، ولا أفهمُ ما يكون معناه!
فأجابه الشيخ من غير تأمل قائلاً: نعم، ابنُ الواحد لا يكون أعظم من هذا.
فخجل ابن الجماعة من هذه المقالة كثيراً، وامتلأ منه غيظاً، وحقداً، إلى أنْ فعل به ما فعل. (الخوانساري، ج7، ص14).
وقد ذكر الخوانساري أنَّ هذه الواقعة كانت قد وقعت بين القاضي عبدالرحمن بن أحمد المعروف بالعضد الإيجي (ت: 756هـ/ 1355م)، وبين أحد علماء الشيعة، وهو بادشاه اليزدي البيابانكي. ↑
- () ورد عنه أنَّه كان عفيفاً له عناية بالعلم مع قصور فهم، ونقص عقل. (ابن طولون، ص249). ↑
- () ولد سنة 746هـ/ 1345م، وولّي قضاء العسكر مدة، ثم ناب في الحكم، فاستقلَّ سنة 785هـ/ 1383م، وتُوفي سنة 803هـ/ 1401م، (قضاة دمشق، ص203). ↑
- () ابن طولون، ص286 ↑
- () . وفي هذه الولاية عصى بيدمر، واستولى على القلعة، (ابن طولون، إعلام الورى، ص25). ↑
- () بلاد الشام تشمل بلاد سوريا، لبنان، فلسطين، شرقي الأردن، وقسماً من بلاد تركيا. ↑
- () كانت أطول فترة تمتعت بها بلاد الشام هي فترة حكم الناصر بن قلاوون (709 ـ 742هـ/ 1309 ـ 1341م) الذي جعل الحكم بعده وراثياً حتى سقوط المماليك الأتراك عام 784هـ/ 1382م. ↑
- () ذكر ابن طولون ما يلي: وقع في بلاد حلب عام 775هـ/ 1373م غلاء زائد حتى أكلت الكلاب والميتة، وحضر إلى دمشق من بلاد الشمال خلقٌ كثيرون، وغلا الخبز أيضاً بدمشق حتى وصل الرطل إلى درهمين ونصف، وبيدمر بدمشق قد أهمل مصالح المسلمين، مشغول بأخذ أموالهم. (إعلام الورى، ص27). ↑
- () ابن طولون، إعلام الورى، ص27. ↑
- () برقوق (738 ـ 801هـ/ 1338 ـ 1398م)، الملك الظاهر سيف الدين العثماني اليلبغاوي. أول مَنْ ولّيَ عرش مصر من المماليك البرجية (الشراكسة) عام 784هـ/ 1382م، وانقادت إليه مصر والشام، توفي سنة 801هـ/ 1399م. وقد استمرت دولة الشراكسة منذ عهده إلى سنة 922هـ/ 1516م. ↑
- () تاريخ ابن قاضي شهبة، ج3، ص131. ↑
- () ابن طولون، إعلام الورى، ص25 ـ 30. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص20. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص20. ↑
- () أورد القصيدة كاملة الخوانساري في روضات الجنات، ج7، ص20، والأمين في أعيان الشيعة، ج10، ص61. وذكر الخوانساري أنَّ الشهيد كان قد ضمّن فيها أبياتاً للسيد أحمد الحافي الشافعي. وقوام القصيدة عشرون بيتاً. ↑
- () ذكرَ الشهيد الثاني (شارح اللُمعة الدمشقية) أنَّ الصلة بين الشهيد الأول، وعلي بن المؤيد كانت صلة قديمة تمتدُّ جذورها إلى أيام دراسة الشهيد في العراق. أي قبل أنْ يتولّى ابن المؤيد السلطة في بلاد خراسان (الروضة البهية، ج1، ص23). فقد ترك الشهيد مدينة الحلّة عام 758هـ/ 1357م، أمَّا علي بن المؤيد فتولَّى السلطة عام 766هـ/ 1365م، وقد انتهى حكمه سنة 783هـ/ 1381م، وتُوفيَ سنة 795هـ/ 1393م، وقيل 788هـ/ 1386م. ↑
- () نُقل كذلك أنَّ السلطان ابن المؤيد أرسل إلى الشهيد نسخة خطّية معتبرة من القرآن الكريم، عُرفت «بهدية ابن المؤيد».وفي وثيقة مخطوطة عَثرَ عليها الشيخ محمد رضا شمس الدين (ت: 1377هـ/ 1958م) أنَّ نسخة هذا القرآن كانت قد وصلت إلى السيدة فاطمة بنت الشهيد في 3 رمضان 823هـ/12 أيلول 1420م. (شمس الدين، حياة الإمام الشهيد الأول، ص8).
ورد في الرسالة المنسوبة إلى ابن المؤيد حثّ للشهيد للسفر إلى خراسان، ومما جاء فيها:
»إنَّ شيعة خراسان (صانها الله تعالى من الحدثان)، متعطشون إلى زلال وصاله، والاغتراف من بحار فضله وإفضاله، وأفاضل هذه الديار قد مزَّقت شملهم أيدي الأدوار، وفرّقَ جُلّهم بل كلهم صنوف صروف الليل والنهار، وقال أمير المؤمنين عليه سلام رب العالمين: «ثلمة الدين موت العلماء». وإنّا لا نجد فينا مَنْ يوثق بعلمه في فتياه، أو يهتدي الناس برشده في هداه.
ونحن نخاف غضب الله على هذه البلاد لفقدان المرشد، وعدم الإرشاد، والمفضول من إنعامه وكرمه أنّ يتفضل علينا، ويتوجه إلينا، متوكلاً على الله القديم، غير متعلل بنوع من المعاذير، فأنا، بحمد الله، نعرف قدره، ونستعظم أمره». ↑
- () السربداريون سلالة من قادة الشيعة حكمت منطقة خراسان لما يقرب من السبعين عاماً. وقد نشأت دولتهم عقب وفاة السلطان المغولي أبي سعيد سنة 736هـ/ 1236م، وانهارت أمام غزوات تيمورلنك.كان مركز حكمهم مدينة سبزوار، وأول أمرائهم هو عبدالرزاق بن شهاب الدين فضل الله باشتيني العلوي (نسبة إلى قرية في ناحية بيهق)، الذي استطاع أنْ ينال الحظوة لدى السلطان أبي سعيد بعدما ولاَّه الإشراف على جباية ضرائب مدينة كرمان.
وبعد وفاة أبي سعيد حارب عبدالرزاق الوزير علاء الدين محمد فريمدي (الذي كان حاكماً في المنطقة)، وتغلّب عليه، ثم استولى عام 738هـ/ 1237م على مدينة سبزوار. قتل عبدالرزاق على يد أخيه وجيه الدين مسعود في شهر صفر، أو ذي الحجة سنة 738هـ/ آب، أو حزيران 1338م. وقد لُقب وجيه الدين مسعود بالسلطان، وكان شيعيّاً غيوراً، استمال إليه الدرويش حسن جوري، وتوسَّعا معاً في الحملات العسكرية على مدينة نيسابور.
وقد ذُكر أنَّ لقب (سربدار) يعني الفدائي. وحاول بعض الكتّاب أنْ يُقلّل من أهميتهم السياسية فجعلهم بمصاف الشطّار (اللصوص) ـ كما يطلق عليهم في العراق ـ. أو (الصقورة) ـ كما يُطلقُ عليهم في بلاد المغرب ـ. (الشيبي، ج2، ص126). ↑
- () الصلة، ج2، ص140. ↑
- () الهجرة العاملية، ص70. ↑
- () الأمين، الشهيد الأول، (بيروت، 1998م). ↑
- () الروضة البهية، ج1، ص23. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الشيعية، (السربداريون). ↑
- () النوري المستدرك، ج3 ص439، والطهراني، الطبقات، ج4، ص24. ولا يزال الكتاب في عداد الكتب الخطية غير المطبوعة. أمَّا كتاب الدروس فقد طُبع في طهران سنة 1269هـ/1853م، وأُعيدتْ طباعته في قم سنة 1400هـ/ 1980م. وهو شرح لكتاب (إرشاد الأذهان) للعلاَّمة الحلّي. ↑
- () الذريعة، ج4، ص511، ج13، ص168. وقد نقَّح هذا الشرح وهذّبه الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي (ت: سنة 984هـ/ 1576م)، وطبع بطهران سنة 1308هـ/ 1891م. (الذريعة، ج4، ص513). ↑
- () (غاية المراد في شرح نُكت الإرشاد) فرغ منه سنة 757هـ/ 1356م بالحلّة، وقد طُبع في تبريز أولاً سنة 1271هـ/ 1855م، ثم في طهران سنة 1302هـ/ 1885م. كما طُبع بتحقيق لجنة متخصصة بإشراف رضا المختاري في قم سنة 1414هـ/ 1993م، ومعه حاشية الإرشاد للشهيد الثاني أيضاً، مع مقدمة إضافية. وحول قيمة كتاب (غاية المراد) والتفاصيل الواردة حوله يُراجع ما كتبه المختاري، ص261 ـ 292.وللشهيد الثاني شرحٌ لكتاب (إرشاد الأذهان) اسمه (روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان). ↑
- () (الرسالة الألفية) في فقه الصلاة، من أوائل مؤلفاته. طُبعتْ في طهران سنة 1308هـ/ 1891م، وفي قم سنة 1408هـ/ 1989م، بتحقيق الشيخ علي الفاضل القائيني، ومعها (الرسالة النفلية) للشهيد الأول أيضاً المتضمنة على ذكر ثلاثة آلاف نافلة تتعلق بالصلاة. وقد شرحها الشهيد الثاني أيضاً برسالة عنوانها (الفوائد الملّية لشرح الرسالة النفلية) المطبوعة بطهران سنة 1314هـ/ 1896م باهتمام الشيخ أحمد الشيرازي.كما شرح الشهيد الثاني الرسالة (الألفية) بكتاب أسماه «المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية»، طبع بطهران سنة 1314هـ/ 1896م، باهتمام الشيخ أحمد الشيرازي. ↑
- () المسائل المقداديات، وهي (27) مسألة فقهية مختلفة سألها تلميذ الشهيد المقداد السيوري الحلّي (ت: 826هـ/ 1423م)، ويُعبَّرُ عنها (أجوبة مسائل الفاضل المقداد)، طبعت بتحقيق الشيخ عباس الحسّون في عشرين صفحة (مجلة تراثنا ـ العددان (7، 8)، 1407هـ/ 1988م. ↑
- () طبع كتاب (القواعد) في إيران سنة 1308هـ/ 1891م، وعليه حواش للشيخ البهائي، وحواش أخرى للشيخ محمد الحرفوشي، وحاشية للسيد محمد الطهراني. كما طبع على الحجر عام 1308هـ/1891م أيضاً. وقد اختصره الشيخ إبراهيم الكفعمي (الذريعة ج1، ص357). وطبع أولاً في سنة 1270هـ/ 1854م. (الذريعة ج17، ص193). ونشره الدكتور السيد عبدالهادي الحكيم (المقتول عام 1984 بالعراق) محقّقاً في جزأين. ↑
- () ذكر الطهراني أنَّ المقداد السيوري فرغ من تأليفه في 6 محرم سنة 808هـ، وذكر ما وقف عليه من نسخه المخطوطة. الذريعة، ج24، ص187. وقد طبع الكتاب سنة 1983م بتحقيق عبداللطيف الكوه كمري. ↑
- () الذريعة ج17، ص194. ↑
- () طبع بإيران سنة 1272هـ/ 1856م. (الذريعة ج4، ص433). ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص183. ↑
- () الأفندي، ج5، ص190. ↑
- () الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج1، ص23. ↑
- () رياض العلماء، ج5، ص190. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص11. ↑
- () شمس الدين، محمد رضا، حياة الإمام الشهيد الأول، (النجف، 1957م) ص73. ↑
- () طبع عام 1976م في عشر مجلدات، بتحقيق السيد محمد كلانتر. ↑
- () ذكر الشيخ محمد تقي الفقيه أنَّ الفقهاء قبل الشهيد كانوا يخصُّون بعض المباحث الفقهية كمبحث الخيارات، وموانع الإرث بعدد مخصوص من المسائل، فزاد الشهيد في هذين المجالين مسائل أخرى. كما كان الفقهاء قبله يعنونون بعض المباحث بعنوان قد لا ينطبق على المُعَنْون كما في مبحث «خيار ما يفسده ليومه» فنبّه أنّه إذا فسد فلا مجال للخيار، وعنونه بمبحث «خيار ما يفسدهُ المبيت». (جبل عامل في التاريخ، ص110).وامتازت (اللمعة الدمشقية) أيضاً بتهذيب العبارات وتخلّيها عن السجع، والمُحسنات البديعيّة التي كانت شائعة في كتابات تلك المرحلة، مضافاً إلى الدقة في تحديد المصطلحات الفقهية، واختصار الجمل الطويلة بعبارات قويّة أخاذة. إنَّ جميع هذه الميزات جعلت (اللمعة الدمشقية) محتفظة بطابعها الرسمي في معاهد الفقه الإمامي. (مقدمة الآصفي على اللمعة الدمشقية)، ص102. ↑
- () المستدرك، ج3، ص437. ↑
- () الخوانساري، ج7، ص4. ↑
- () أعيان الشيعة، ج10، ص59. ↑
- () المختاري، المقدمة، ص97. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص147. ↑
- () قصص العلماء، ص361. ↑
- () خطط الشام، ج2، ص199. ↑
- () الأفندي، ج2، ص368. ↑
- () الطبقات، ج4، ص90. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص144. ↑
- () نُشرتْ في الدر المنثور للعاملي، ج2، ص149 ـ 198. وقد ذكر الشهيد الثاني في الترجمة التي كتبها عن حياته أسماء مشايخ فقهاء المذاهب الأربعة الذين درس عليهم في مصر مع تفصيل الكتب التي قرأها عليهم، قال: أول اجتماعي بالشيخ شمس الدين ابن طولون الدمشقي الحنفي، قرأتُ عليه جملة من الصحيحين، وأجازني روايتهما.ومنهم: الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي قرأتُ عليه منهاج النووي في الفقه، وأكثر مختصر الأصول لابن الحاجب، وشرح العضدي مع مطالعة حواشيه، منها السعدية والشريفية، وسمعتُ عليه كتباً كثيرة في الفنون العربية والعقلية وغيرهما، فمنها: شرح التلخيص، والمختصر في المعاني والبيان لملا سعد الدين.
ومنها: شرح تصريف العربي، ومنها: شرح الشيخ المذكور لورقات إمام الحرمين الجويني في أصول الفقه. ومنها: أذكار النووي، وبعض شرح جمع الجوامع المحلّى في أصول الفقه، وتوضيح ابن هشام في النحو، وغير ذلك. وأجازني إجازة عامة بما يجوز له روايته سنة 943هـ/ 1536م.
ومنهم: الملاَّ حسين الجرجاني، قرأنا عليه جملة من شرح التجريد للملاّ علي القوشجي مع حاشية ملاَّ جلال الدين الدواني، وشرح أشكال التأسيس في الهندسة لقاضي زاده الرومي، وشرح الجغميني في الهيئة له. ↑
- () عبَّر زين الدين عن سفره إلى عاصمة الخلافة العثمانية بقوله: «برزت إليَّ الأوامر الإلهية، والإشارات الربانية بالسفر إلى جهة الروم والاجتماع بمن فيها من أهل الفضائل والعلوم، والمتعلق بسلطان الوقت والزمان، السلطان سليمان بن عثمان، وكان ذلك على خلاف مقتضى الطبع، ومساق الفهم. لكن ما قُدِّر لا تصل إليه الفكرة الكليلة، والمعرفة القليلة من أسرار الحقائق وأحوال العواقب». ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص162، الخوانساري، ج3، ص355. ↑
- () وصف الشهيد الثاني هذه المرحلة بقوله: «أقمنا ببعلبك، ودرَّسنا فيها مدَّةً في المذاهب الخمسة، وصاحبنا أهلها على اختلاف آرائهم أحسن صحبة، وعاشرناهم أحسن عشرة. وكانت أياماً ميمونة، وأوقاتاً بهجة ما رأى أصحابُنا في الأعصار مثلها». ↑
- () العزاوي، ج4، ص53، ومحمد فريد بك، ص247. ↑
- () فريد بك، ص248. ↑
- () محمد فريد بك، ص246. ↑
- () طُبع في مجلدين بمدينة قم سنة 1398هـ/1978م. ↑
- () الطهراني، الذريعة، ج11، ص291. ↑
- () بحار الأنوار، ج108، ص137. ↑
- () بحار الأنوار، ج18، ص139. ↑
- () روضات الجنَّات، ج3، ص359. ↑
- () عقد ابن العودي تلميذ الشهيد الثاني في رسالته «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد» فصلاً، وهو الفصل العاشر من كتابه، لم يبق منه إلاَّ عنوانه، وهو «في اضطراب الأخبار في تحقيق الأحوال بعد أخذه من الحجاز إلى الروم، وما انتهى إليه الحال حتى صار من المعلوم». (الدر المنثور، ج2، ص153). ↑
- () بحار الأنوار، ج108، ص143، الذريعة، ج1، ص193. ↑
- () الخوانساري، ج3، ص382. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص90. ↑
- () بحار الأنوار، ج109، ص79. ↑
- () الكواكب السائرة، ج2، ص161. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص34. ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص189. ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص190. ↑
- () الطهراني، الطبقات، ج4، ص242. ↑
- () أحسن التواريخ، ص406، إسكندر بيك تركمان، عالم آراي عباسي، (حوادث سنة 965هـ). ↑
- () ذكر حسن بيك روملو ما يلي: «قال جماعة من أهل السُنَّة لرستم باشا، الوزير الأعظم، إنَّ الشيخ زين الدين يدَّعي الاجتهاد، ويتردد إليه الكثير من علماء الشيعة يقرأون عليه كتب الإمامية، وغرضهم إشاعة الرفض، الذي هو بعينه الكفر المحض. فأرسل رستم باشا الوزير لطلب الشيخ زين الدين، وكان بمكة المكرمة، فقُبضَ عليه، وجيء به إلى إسلامبول، فقُتلَ دون أنْ يعرض على السلطان سليمان» (أحسن التواريخ، ص520). ↑
- () النواقض لبنيان الروافض، الورقة 91 ـ (نسخة مخطوطة). ↑
- () الدر المنثور، ج2، ص189 ـ 200. ↑
- () نقد الرجال، (طهران، 1318هـ/ 1900م)، ص145. ↑
- () نصُّ عبارة الأردبيلي: «قُتلَ لأجل التشيّع في قسطنطينية في سنة ست وستين وتسعمائة». وكتاب الأردبيلي «جامع الرواة» هو تكملة لكتاب تلخيص المقال للميرزا محمد الأسترآبادي. (جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد، ج1، طهران، 1331هـ/ 1913م، ص346). ↑
- () فهرست نسخ خطي كتابخانة آستانة مقدسة قم، ص122. وتُراجع: مقدمة رضا المختاري على منية المريد، ص15. ↑
- () روملو، أحسن التواريخ، ص520. ↑
- () عدَّ السيد محسن الأمين (14) تلميذاً من تلامذة الشهيد الثاني في أعيان الشيعة، ج7، ص154. ↑
- () يقول ابن العودي: «أمَّا رغبته في الشروح المزج فإنَّه لما رآها للعامة، وليس لأصحابنا منها، حملته الحمية على ذلك، ومع ذلك فهي في نفسها شيء حسن»، (الدر المنثور، ج2، ص157). ↑
- () الذريعة، ج11، ص291. وقد اعتقد السيد محسن الأمين أنَّ كتاب الروضة البهية هو آخر تآليف الشهيد الثاني، وقد فاته أنَّه كتب عدَّة مؤلفات بعد سنة 957هـ/ 1550م، وهي سنة تأليفه للكتاب. (أعيان الشيعة، ج7، ص155). ↑
- () رسالة في صلاة الجمعة، طُبعتْ في مدينة قم، 1410هـ/ 1990م. ↑
- () الذريعة، ج1، ص378. ↑
- () الذريعة، ج11، ص275. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص155. ↑
- () الذريعة، ج5، ص278. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص155. ↑
- () طبع كتاب مسكن الفؤاد، في قم، 1407هـ/ 1987م، وكان المؤلف قد اختصره بكتاب أسماه «مبرّد الأكباد مختصر مسكن الفؤاد»، كما ذكر ذلك حفيدُهُ في (الدر المنثور ج2، ص189). وترجمه إلى الفارسية إسماعيل خان، وطبع سنة 1321هـ/1903م بعنوان «تسليه العباد في ترجمة مسكّن الفؤاد». (الذريعة، ج4، ص179). انتهى الشهيد الثاني من تأليفه كتاب «مسكّن الفؤاد» نهار الجمعة غرَّة رجب (الصواب 2 رجب) سنة 954هـ/ 19 آب 1547م. ↑
- () تُلاحظ دراسة الدكتور عبدالأمير شمس الدين، وتحقيقه للنصّ: زين الدين ابن أحمد في «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد»، موسوعة الفكر التربوي العربي الإسلامي، (بيروت، 1983م). ↑
- () ورد هذا التاريخ في نسخة مخطوطة من الكتاب نسخها نصر الله بن فضل الله الهمداني سنة 1259هـ، وقفتُ عليها عند بعض الباعة للمخطوطات بلندن. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، (دمشق، 1972م)، ص8. ↑
- () الشهيد الثاني، الدراية، (طهران، 1404هـ/1984م)، ص9. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص145. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص89. ↑
- () عوالي اللئالي، ج1، ص10. ↑
- () نُقل أنَّه قال: «أكثرَ المتأخرون التأليف، وفي مؤلفاتهم سقطات كثيرة، وقد أدَّى ذلك إلى قتل جماعة منهم». (أمل الآمل، ج1، ص89). ↑
- () يقول الأمين: «أخطأ مَنْ ظنَّ المفسدة في ذلك فإنه ضمَّ ما وجده نافعاً من طريقتهم ـ مما لو يتوسع فيه الإمامية ـ إلى طريقة الإمامية كالدراية، والشروح المزجية، وتمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع الأحكام الشرعية». (أعيان الشيعة، ج7، ص145). ↑
- () بحار الأنوار، ج107، ص190. ↑
- () سورة الحج، الآية: 40. ↑
- () المدرسة القرآنية، ص205. ↑
- () المصدر السابق، ص205. ↑
- () المصدر السابق، ص206 ـ 207. ↑
- () المصدر السابق، ص257 ـ 208. ↑
- () المصدر السابق، ص211. ↑
- () المصدر السابق، ص212 ـ 217. ↑
- () المصدر السابق، ص226. ↑
- () المصدر السابق، ص227 ـ 228. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 31. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 127. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 49. ↑
- () سورة القصص، الآية: 5. ↑
- () سورة النساء، الآية: 123. ↑
- () الصحيفة السجاديّة هي مجموعة أدعية وأذكار كان يدعو بها الإمام السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويُعبر عنها بـ«أخت القرآن» و«إنجيل أهل البيت» و«زبور آل محمد» وللشيعة الإمامية اهتمام كبير بقراءتها وروايتها. وعليها شروح كثيرة جداً. ↑
- () هو الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي، استشهد رحمه الله سنة 966هـ. ↑
- () انظر الذريعة، ج23، ص253، بعد الرقم 8858، وج25، ص51، الرقم 265. ↑
- () وهو غير الشاعر المتنبي المعروف (أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي الكوفي الكندي ـ أبي الطيّب). ↑
- () انظر ترجمة البيضاوي في المجلد الأول (رجال علوم القرآن) من هذا المؤلف. ↑
- () مكتبة آية الله شهاب الدين التبريزي المرعشي المعروف بآقا نجفى، وهي اليوم مكتبة عظيمة جداً تحتوي على آلاف المجلدات في مختلف العلوم. ↑
- () وقد ذكر الأستاذ خان بابا مشار في كتابه «الكتب العربية المطبوعة» ص679. إن الشرح الصغير قد نشر في طهران سنة 1270هـ.ق. في 172 صفحة. ↑
- () طبع كتاب المخلاة في مصر سنة 1317هـ.ق. بالحروف الرصاصية، وبالحجم الوزيري الكبير، في 328 صفحة. وطبع على هامشه كتاب أسرار البلاغة. ↑
- () كان يقول أولاً بالوعيد (يعني: عدم جواز عفو الله سبحانه وتعالى عن الكبائر عقلاً من غير توبة) كما عليه جماعة الوعيدية مثل أبي القاسم البخلي وأتباعه. ↑
- () وأورد هذا الحديث صاحب روضات الجنّات (ج6، ص217) نقلاً عن خلاصة الأقوال، ص148. ↑
- () لو قابلنا هذا الشطر مع جدول حساب الجمل مع الأرقام لحصل لنا تاريخ وفاة صاحب الترجمة رحمه الله تعالى. ↑
- () راجع (ج2، ص129) من كتاب الذريعة: مكتبة ساپور التي أُسست للشيعة بكرخ بغداد. ↑
- () وله شرح آخر كتبه قبل معاهد التنبيه (من أوّله إلى شكوك الركعات) منه مخطوطة في مكتبة السيد حسن صدر الدين. ↑
- () وللسيد نعمة الجزائري شرح آخر في 8 مجلدات واسمه «غاية المرام». ↑
- () وهي إجازة الشيخ أحمد بن محمد الموصلي للسيد الأجل فخر الدين الرضي علي بن أحمد بن هاشم العلوي الحسيني كتبها له في 17/ جمادي الأولى سنة 668هـ. (انظر الذريعة، ج1، ص142، الرقم 673). ↑