لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السادس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
العروض والقافية
الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أعلام الشيعة التاريخيين، وهو واضع علم العروض. وفي هذا البحث حديث عن العروض والقافية، ثم عن القافية في الشعر الحديث، ثم عن الرجز وحركة الشعر الحديث:
1 ـ مواقف اللغويين والبلاغيين:
منذ أن أرسى الخليل بنيان هذا العلم على قاعد ثابتة، طفق العلماء بعده يدرسونه دراسة تأمل وتفحص، فقبلوا أكثره وأنكروا بعضه واستدركوا عليه بعض الاستدراكات الطفيفة. فقد قالوا إن الجوهري أنكر عدد البحور فجعلها اثني عشر بحراً، كما أنكر تفعيلة (مفعولات) في الأجزاء، كذلك اعترض الأخفش والزجاج والمعرّي وآخرون على بعض الزحافات أو تسمياتها، وأنكر الأخفش بحري المقتضب والمضارع، واستدرك ببحر المتدارك، كما استدرك غيره ببعض الأعاريض والأضراب، كما أنكر بعضهم المشطور من بحري الرجز والسريع والمنهوك من بحري الرجز والمنسرح. وهذه الملاحظات جميعاً لم تبلغ مبلغ ما جاء عند الناقد اللامع حازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء من ملاحظات على قدر كبير من الأهمية، كما سنرى.
ولقد توالى علماء اللغة والأدب في وضع مصنّفات في علميّ العروض والقافية، بعضهم جمع بينهما في مؤلف واحد، وأكثرهم فصل بينهما، وذلك من عصر الخليل إلى يومنا هذا، وهي مصنفات لا جديد فيها غالباً، سوى بعض الاختلاف الطفيف في أسلوب العرض والتقديم والشرح. والملاحظة العامة على تلك الكتب أنها ظلت تتناقل الأمثلة نفسها، لكأنما هي نصوص مقدسة لا يجوز تبديلها أو استبدال أمثلة حية بها توافق العصر الذي تختار فيه. وكذلك الأمر فيما يخص القافية التي ألّف فيها كثير من لدن عمرو بن العلاء حتى العصر الحديث، وقد ترسم فيها اللاحق خطى السابق في الأسلوب والأمثلة والشرح، بل وصلت الحال في عصور الحواشي والمتون إلى إغراق علمي العروض والقافية في خضم من التعريفات والتقسيمات التي جنت بصورة مباشرة وغير مباشرة على المواهب الشعرية عند عشرات الأجيال.
ولقد أخرج المحققون المحدثون كثيراً من تلك الآثار القديمة ونشرت بين أيدي الدارسين، ومما استرعى انتباهي من تلك الآثار المحققة، كتاب «القسطاس» للزمخشري، الذي صرح فيه بأن «النظم على وزن مخترع خارج على أوزان الخليل لا يقدح في كونه شعراً، ولا يخرجه عن كونه شعراً». وكذلك ما جاء في كتاب «البارع» لابن القطاع الصقلي الذي استخرج فيه ما أهملته العرب من أبنية العروض وتبلغ عدتها سبعة وعشرين بناء، وقد عرف العروضيون كثيراً منها في العهود العباسية الأولى، ولكنها جميعاً لم تطرق من قبل شاعر حقيقي، بل إن ما ضرب لها من أمثلة هي من نحت العروضيين وصنعتهم، وإذا كانت الأوزان الشعرية في طبيعتها انعكاساً لإيقاع الحياة ونبضها في تركيب الإنسان وحركات الكائنات والموجودات، فإن تلك الأوزان المهملة لا تعكس شيئاً من ذلك ولا صلة لها بأي لون من إيقاعات الحياة والإحساس. يقول الدكتور إبراهيم أنيس «والذي أرجحه أن هذه الأوزان لم تكن من اختراع المولدين من الشعراء [كما يذهب أكثر مؤرخي الأدب] بل كانت من اختراع المولدين من أهل العروض».
أما النقاد والبلاغيون فلم يعتنوا بدراسة الأوزان كبير عناية، واكتفى معظمهم بالإشارة إلى كون الوزن والتقفية من الخصائص الرئيسة في تمييز الشعر عن النثر، معتبرين «الوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية، وهو مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة» وحد الشعر هذا يعني «اللفظ والوزن والمعنى والقافية». ولا نجد رأياً ذا قيمة خلا ما ساقه حازم القرطاجني في كتابه «منهاج البلغاء». ففي المنهج الثاني من هذا الكتاب يولي حازم كل عنايته قوانين الشعر من أوزان وأعاريض وقواف، ويتناول بغاية الدقة تحليل مقومات الوزن. فبيت الشعر عنده يتألف ضرورة من أجزاء تساعية وسباعية وخماسية، وليس كما اعتدنا عند سائر العروضيين من أنها سباعية وخماسية فقط، كما أن الأوزان العربية عنده إما بسيطة أو مركبة، بحسب نوع الأجزاء التي تنتظم منها. وقد تأثر حازم في تحليله للأوزان بطريقة أرسطو، حيث يتألف الجزء عنده من (أقدام Feet) هي المقاطع الصوتية، مثلما هو الأمر في العروض الإفرنجي، كما أن حازماً لا يرتكز في تحليله لبحور الشعر ارتكازاً مطلقاً على أصول المذهب الخليلي، فهو يرى تمايز الدوائر واستقلالها عن بعضها. وقد نبّه على خصائص الأوزان مقابلاً ومقارناً بينها، مبدياً في ذلك آراء عجيبة مفردة لها أهميتها في درس بحور الشعر العربي. وهو لا ينكر المولد والمستحدث منها، بل يبدي إعجابه به وينوّه بفضله، ولو وجد كتابه الذي وضعه في العروض ـ وقد ضاع ضمن تراث هذا الناقد الفذ ـ من اهتم به وفهمه، ونمّى أبحاثه من القدماء، لكان لعلم العروض شأن آخر، ولو جد باحثونا المحدثون الذين اكتشفوا قيمة الدراسة المقطعية للأوزان أخيراً ـ أرضية خصبة وأساساً أصيلاً انطلقوا منه، بدل اعتمادهم على المستشرقين في مبتدأ أبحاثهم.
وقد خالف حازم المتقدمين عنه من دارسي الأوزان، وانتهى إلى «أن الأوزان التي ثبت وضعها عن العرب أربعة عشر وزناً وهي: الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، والرجز، والرمل، والهزج، والمنسرح والخفيف، والسريع، والمتقارب، والمقتضب والمجتث»، كما لاحظ قلة استعمال العرب للمقتضب والمجتث، ويشك في وضع العرب للخبب، ويسكت عن المتدارك، وينكر إطلاقاً المضارع، ويقبل الدوبيت وإن لم يثبت للعرب أصلاً، ويقول: «ولا بأس بالعمل عليه فإنه مستطرف ووضعه متناسب». وقد وفق حازم ـ في رأيي ـ لقبوله الدوبيت باعتباره مجالاً رحباً وخصباً يمكن للشعراء التعبير من خلاله ولا سيما في القصائد الموضوعة للتلحين والغناء.
هذا، ولم يترك حازم في هذا الباب شيئاً يتعلق بتركيب الأبيات من أعاريض وأجزاء إلا عرض له، فبحث مقومات الوزن كلها، وتحدث عن الأسباب والأوتاد والدوائر والعمود ومقصرات الأوزان والأقطار [الفاصلة الصغرى والفاصلة الكبرى] وقد تميز عن سائر العروضيين والبلاغيين بألفاظ اصطلاحية جديدة خاصة، لكنه ساقها دون تفصيل أو شرح لدقائقها، محيلاً القارىء على مؤلف آخر له في العروض، وقد اتّسم تحليل حازم بطابع نظري غامض ـ كما يعلق محقق المنهاج ـ دال بوضوح على أسلوبه الفلسفي الخاص.
والحق أن الدارس لكلام حازم في هذا الموضوع، يقف مشدوهاً أمام شخصيته المنفردة وأسلوبه المميز، ونظراته العميقة المبتكرة، وهو بذلك يمثل اتجاهاً اختلف به عن سائر من سبقوه سواء في القضايا البلاغية والنقدية، أو في قضايا البناء الفني للشعر. وإن المطالع لآرائه، ليأخذه الأسف العميق حين لا يجد صدى لآرائه القيمة فيمن تلاه من علماء القرون التالية له، ولا يعثر بمصنّف ينتصر لتلك الآراء أو يردها أو حتى يرددها أو يضيف إليها. ولو تم ذلك ـ كما أسلفت ـ لتغيرت صورة النقد والبلاغة بعامة، ولاتخذ الشعر سبلاً غير تلك التي أدّت به إلى دركات الركود والعقم في عصور التأخر والانحطاط. ولا شك أن وراء هذه الظاهرة المؤلفة أسباباً كثيرة متشابكة، يضيق المجال هنا عن الخوض فيها وتحديد أبعادها.
وباستثناء هذه المحطة الوارفة الخصبة عند حازم. نجد الطريق طويلة قاحلة على امتداد القرون حتى أوائل هذا القرن العشرين، ليس بها ما يثير الاهتمام، إذ لم يتعد التصنيف التكرار المعاد، والتعقيد الملل العقيم.
2 ـ موقف الشعراء:
موسيقى الشعر هي روحه التي تتدفق فيه بالحياة، وبناء على هذه الحقيقة فإن الشعر يولد بها ويعيش بنبضها، ومعنى فصله عنها ـ في غير مجال التحليل العلمي ـ أذان بمواته وانتهائه. وعلى ضوء هذه المسلمة اعتبر التقنين للأشكال أو القواعد العروضية لأي لون من ألوان الشعر الإنساني، مرحلة تالية تعقب حالات الإبداع الشعري وتتبعها وتستقرئها لتتمكن فيما بعد من رصد أشكالها وقواعدها المختلفة.
وانطلاقاً من حقيقة مهمة أخرى وعاها الفكر النقدي مؤخراً في العصر الحديث ـ وهي أن الشعر ما دام هو ابن عصره وابن بيئته، فقد تحتم أن تواكب أشكاله تطور الحياة وتعقدها انطلاقاً من هذه الحقيقة، فإن الشعر لا يقبل التحجر عند عهد معين أو في شكل محدد أو صورة ثابتة، بل يقتضي أن يوائم تطور الفكر والذوق والعصر فيناسب عفوياً في أشكال يختارها وحده ـ أي من قبل مبدعيه ـ وليس من الخارج من قبل النقاد والدارسين، ولا شك أن لذلك شروطاً محددة، وكيفيات مفصلة رضيها جمهور النقاد، على ما بينهم من فروق في الفهم والتناول والتقويم
لكل ذلك لا يأخذنا العجب حين نستعرض مواقف الشعراء من عروض الخليل، بل ربما تساءلنا لماذا لم تتعدد اعتراضات الشعراء ولم تتكرر وتتعاظم؟ ولماذا لم تتعمق وتتوسع راسمة خطوطاً بارزة خارج الخط البياني الرئيس الذي سار عليه الشعراء واستسلموا لقوالبه الجاهزة ومقاساته المكررة؟
لقد تابع الشعراء بعضهم بعضاً في مسالك مطروقة، وندر من تجرأ منهم فخرج عن تلك المسالك، فبقيت الآفاق بكراً على جانبي الدروب، لم يتقدم لطرقها غير نفر قليل، وفي حدود! ونقف هنا مع محاولات أولئكم الشعراء في عرض سريع من لدن عصر الخليل حتى مطلع القرن العشرين.
إن القصيدة بشكلها التقليدي ظلت رأس الأشكال الشعرية عند العرب إلى منتصف القرن الثاني الهجري تقريباً، ثم حدث أن الحياة ازدهرت وتربعت بها ألوان التنعم والتحضر فانتشرت مجالس القصف والسمر والغناء، وشاعت ألوان من الموسيقى على أيدي الموالي فتأثرت بذلك القصيدة، ولانت لإيقاع الدفوف التي كانت تتابع حركات الرقص والغناء. ومن هنا اقتضت الحاجة وكذلك الإنشاد المرافق اقتضت الحاجة إبداع مقطوعات وأوزان تناسب الإنشاد المرافق للرقص في المجالس والحانات وكذلك الإنشاد المرافق للعمال والحرفيين في أعمالهم. وربما كان بشار أكبر من طوّع قصائده لإلحاح مقتضيات السمر والمنادمة والقصف. لذلك نجد في ديوانه عدولاً ظاهراً عن الأوزان المعقدة إلى الأوزان السهلة، وعن الطويل منها إلى القصير، مع الحرص على التفعيلات بإيقاعاتها في القوالب المألوفة. ويعلل أحد الدارسين المحدثين هذا الصنيع بأن «ما اهتم به الخليل من زحافات وعلل قد هيأ السبيل إلى التحرر من الأوزان القديمة أو إلى تحريفها، وانتهى هذا التحريف إلى استحداث أوزان جديدة». ثم يستشهد على هذا «بأن أبا العلاء وقد قال عن المضارع والمقتضب اللذين انتشرا في الفترة التي نؤرخ لها: إنهما ليس لهما أصل في الشعر القديم مع أن الخليل سجلهما [الفصول والغايات 132] ولم يسجل المتدارك فكانت أوزانه خمسة عشر جنساً [العمدة 1: 88]». بيد أن هذا التعليل ـ فيما رأى ـ بعيد، والأقرب أن نعزو ظاهرة التجديد إلى عوامل فنية وحضارية ونفسية، وكذلك لا أرى أي علاقة بين تسجيل الخليل لبحري المضارع والمقتضب، وشيوعهما في تلك المرحلة، إذ لم يتعد عمل الخليل استخراجهما من الدائرة رياضياً، ولعله استند في ذلك على بعض الأبيات الشاردة التي لم تصلنا، بينما شاع استخدام البحرين المذكورين لما فيهما من خصائص فنية تلبي احتياجات العصر ومدنيته التي جدّت بعد الخليل. وإذا كان هذا الرأي يعتبر اهتمام الخليل بالزحافات والعلل مهيأ وداعياً إلى التحرر، فإن من الدارسين المحدثين من اتهم الزحافات والعلل معتبراً إياها قيوداً أرهقت الشعراء وحبست انطلاقهم العفوي، يقول الدكتور محمد النويهي عن العروض والزحافات والعلل المقنتة: «هذا العلم فيما يبدو كان له أثر خبيث في تقليل فرص التحرر والانطلاق والتنويع الإيقاعي والتنغيمي أمام الشعراء، وفي إرغامهم على التقيد (بالرتابة التامة)». والحق أن كلا الرأيين بعيد عن الصواب، لأن تاريخنا الأدبي حافل بنماذج رائعة مع التزامها الدقيق بالقواعد العروضية، كما أنه به نماذج كثيرة لصور متعددة من التحرر (النسبي طبعاً) لشعراء لا صلة لهم بعلم العروض وتفصيلاته واصطلاحاته المرهقة.
وعلى الرغم مما يقال من أن الوليد بن يزيد قد اخترع المجتث، فإنه لم يحدث تغيير في أوزان الشعر خلال حكم بني أمية، ولكن أثر عن بشار ميله إلى الأوزان القصيرة في شعره اللاهي، والذين اتصلوا به كأبي الشمقمق كانوا يحتذونه. وكان أبان اللاحقي الذي قصر أغلب أشعاره على البرامكة والرشيد لا يصطنع إلا المجزوءة أو الأبحر القصيرة.
ولم ينحصر دور بشار عند اختيار الأوزان القصيرة، وإنما روي أنه قال المزدوج والمخمس، إذ يقول ابن رشيق عنه بأنه «كان يصنع المخمسات والمزدوجات عبثاً واستهانة بالشعر». وأصبح الرجز عنده ميداناً يظهر فيه براعته اللغوية، في حين كان عند رجاز بني أمية نوعاً من القصيد، واستحال عند أبي نواس طرداً، ثم انتهى إلى أن يكون شعراً تعليمياً، فينظم أبان اللاحقي «كليلة ودمنة»، وينظم مزدوجة الصوم والزكاة، وانتهى الأمر إلى استحداث المقتضب والمضارع والمتدارك، ومن أبرز شعراء هذه المرحلة إبراهيم العروضي كان مولى لقريش في البصرة، وقد أخذ العروض عن الخليل فشهر به، وكان يأتي بأوزان غريبة عن الأوزان التقليدية. هذا في البصرة أما في الكوفة، فوجد أبو العتاهية ومطيع بن إياس، يقول صاحب الأغاني عن أبي العتاهية إن له أوزاناً قالها مما لم يتقدمه الأوائل فيها، ويقول: قال محمد بن أبي العتاهية: سئل أبي هل تعرف العروض؟ فقال: أنا أكبر من العروض. وقد نظم أبو العتاهية من المزدوج أرجوزته الشهيرة «ذات الأمثال» وهي من بدائعه، ونظم في المزدوج كذلك ابن المعتز مزدوجة طويلة في ذم الصبوح، ونظم أخرى أطول منها في سيرة المعتضد. وكذلك شاعت المسمطات فنظمت مثلثات، ومخمسات.
ولم تقف محاولة التجديد عند تنويع القوافي بل تعدته إلى إسقاطها، ويذكر ابن رشيق في كتابه (العمدة) مثلاً لأبي نواس، كما أثبت الباقلاني مثلاً آخر في كتابه (إعجاز القرآن)، كما أثبت ابن سنان الخفاجي مثلاً ثالثاً في كتابه (سر الفصاحة).
وهكذا فقد أكثر العباسيون من النظم في الأوزان التي لم تستكثر منها العرب، كأبحر المضارع والمقتضب والمجتث والمتدارك ومخلع البسيط بالإضافة إلى الإكثار من مجزوءات الأبحر القابلة لذلك. كذلك وجد لديهم من أوجد أبحراً؛ كالمستطيل، والممتد، والمتوفر والمتئد، والمنسرد، والمطرد، وهي أبحر معكوسة للأبحر المعروفة، اصطنعها العروضيون، ولم يجر قط وزن منها على لسان شاعر حقيقي. فإذا جئنا إلى فئات الشعب المختلفة من عملة وحرفيين وفلاحين، وجدنا لديهم فنوناً أخرى بجانب الشعر الفصيح الرسمي، يعبّرون خلالها عن مشاعرهم ويجدون فيها حرية تناسب أقدارهم من التحصيل العلمي، وتوائم طبيعة أعمالهم وحياتهم الاجتماعية. هذه الفنون أطلق عليها مؤرخو الأدب الفنون السبعة، ويبدو أن رقم (7) ـ له شأن في تراث الإنسانية الأسطوري والأدبي والديني والشعبي. قد أثر بصورة أو أخرى في تحديد عدد تلك الفنون التي شاعت على مدى رقعة البلاد الإسلامية في تلك العصور.
ويقول صفي الدين الحلي: «ومجموع فنون النظم عند سائر المحققين سبعة فنون لا اختلاف في عدها بين أهل البلاد، وإنما الاختلاف بين المغاربة والمشارقة في فنين منها. والسبعة المذكورة هي عند أهل الغرب ومصر والشام: الشعر القريض، والموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان وكان والحمّاق، وأهل العراق وديار بكر ومن يليهم يثبتون الخمسة منها ويبدلون الزجل والحمّاق بالحجازي والقوما، وهما فنان اخترهما البغاددة للغناء بهما في سحور شهر رمضان. أما عذرهم في إسقاط الزجل فلأن أكثرهم لا يفرق بين الموشح والزجل والزنم، فاخترعوا عوضه الحجازي، وهو وزن بيتين من بحر السريع كما اقتطع الواسطيون المواليا بيتين من بحر البسيط، وهذا يشابه الزجل في كونه ملحناً وأنه أقفال كل أربعة منها بيت، ويخالفه بكون القطعة منه لو بلغ عدد أبياتها ما بلغ لا تكون إلا على قافية واحدة كقول أحدهم، مطلع قطعة:
بارقْ ثناياك اللوامع حقيقْ
منها العُسيلهْ تجتني والرحيقْ
عُذيبة الترشاف منها النقا
قد خلتها عند التبسم بريقْ
ثم يأتي بالقطعة جميعها على هذا الوزن والقافية بيتاً فبيتاً، فأما عذرهم في إسقاط الحماق فإنهم لم يسمعوه أبداً ولا طرق بلادهم فعوّضوا عنه بالقوما… «وعند جميع المحققين أن هذه الفنون السبعة: منها ثلاثة معربة أبداً لا يغتفر اللحن فيها وهي: الزجل والكان كان والقوما، ومنها واحد هو البرزخ بينهما يحتمل الإعراب واللحن وإنما اللحن فيه أحسن وأليق وهو المواليا، وإنما كان يحتمل الإعراب وهو من هذه الفنون الأربعة الملحونة، لأنه أول ما اخترعه الواسطيون اقتطعوه من بحر البسيط… وجعلوه معرباً كالشعر البسيط، إلا أنه كان للبيتين منها أربعة أقفال بقافية واحدة، وتغزّلوا به ومدحوا وهجوا والجميع معرب إلى أن وصل إلى البغاددة فلطفوه ولحنوه وسلكوا فيه غاية لا تدرك.
والحق أن الباحثين المحدثين قد صححوا بعض ما ساقه الحلي في كتابه المذكور، ولعل أوفى من كتب في هذا الموضوع الدكتور إبراهيم أنيس حيث خصص الفصل السابع من كتابه موسيقى الشعر تحت عنوان «أوزان المولدين» كما عالجه الدكتور جميل سلطان في مؤلفه «كتاب الشعر». وسبقهما إلى عرضه بصورة مقتضبة جداً السيد أحمد الهاشمي في كتابه «ميزان الذهب». والجدير بالإشارة هنا أن أكثر المحدثين يضعون مكاناً ما سماه الحلي «بشعر القريض» فناً سابعاً هو «السلسلة» على اعتبار أن الشعر الفصيح الرسمي مستثنى من هذه الفنون ـ وفي هذا أيضاً عند بعضهم نظر. ونكتفي في عرضنا هنا بإعطاء أمثلة لأوزان تلك الفنون السبعة معرضين عن تعليلات التسمية ومنشئها واختلاف وجهات المؤرخين في ذلك ـ ومن شاء ذلك فليقرأ ذلك بإفاضة لدى الدكتور أنيس وكذلك فيما أشار إليه من مراجع ومصادر لمادته العلمية:
1 ـ فالسلسلة أجزاؤه: فعلن ـ فعلاتن ـ متفعلن ـ فعلاتان ومنه:
السحر بعينيك ما تحرك أو جال
إلا ورماني من الغرام بأوجالْ
يا قامة غصن نشا بروضة إحسان
أيّان هفتْ نسمة الدلال به مالْ
وواضح أن وزنه مبتكر، كما أن قوافيه الأربع جاءت سواكن.
2 ـ الدوبيت، وأصله فارسي نسج على منواله العرب، و«دو» بالفارسية تعني اثنين: أي أنه مركب من بيتين. ويسميه الفرس الرباعي، وأوزانه كثيرة وأشهرها (فعْلن ـ متفاعلن. فعولن ـ فعلن) مرتين. وقد ألف فيه أحد الدارسين المحدثين هو الدكتور كامل مصطفى الشيبي مصنفاً كبيراً تحت عنوان [ديوان الدوبيت في الشعر العربي] ومنه قول الشاعر:
يا غصن نقا مكلّلاً بالذهب
أفديك من الردى بأمي وأبي
إن كنت أسأت في هواكم أدبي
فالعصمة لا تكون إلا لنبي
والملاحظ على الدوبيت طواعيته للتلحين والغناء بصورة انسيابية، وقد استغلّ فيه هذه الخاصية ملحنو الموشحات وأبدعوا في إخراجه وربطه بالطبوع العربية.
3 ـ كان وكان: هو ليس بوزن مخترع، وإنما هو مزيج من بحرين متقاربين هما: المجتث ومجزوء الرجز، مع مراعاة ما يناسب التحلل من الإعراب.
يا قاسي القلب مالكْ
تسمعْ وما عندك خبر
ومن حرارة وعظي
قد لانت الأحجار([1])
4 ـ القوما: ويتضح من وصف العروضيين إياه، أنه نظم غير جديد، إذ هو مجزوء الرجز في صورة عامية لا تراعي قواعد الإعراب، ومنه:
يا من جنابة شديد
ولطف رأيه سديد
ما زال برّك يزيد
على أقل العبيد
5 ـ المواليا: يميل الدارسون المحدثون إلى اعتباره الصورة القديمة لما عليه (الموّال) الشعبي الآن، لا سيما أن كليهما من بحر البسيط في أغلب الأحيان. ولا يعد المواليا تطوراً في وزن الشعر، وإنما هو تطور في القافية وتنويعها من ناحية، وترخص في قواعد الإعراب من ناحية أخرى، وقد يكثر الجناس في الموالي كقول أحدهم:
يار بع حبي من العذاب (إفضى لي)
يا من غمرتك بمعروفي و(أفضالي)
وقلت لما سمح يا بدر (إملالي)
والدهر ساهر ـ وطرف العاطلين شاهر
والحسن في الحب باهي ـ للعقول باهر
بوجه كالبدر زاهي ـ وسط روض زاهر
والفجر قلبو امتلا من غيظ (إملالي)
6 ـ الزجل: وهو شعر عامي نظم بلهجات العوام، لا مراعاة فيه لقواعد الإعراب أو لصيغ صحيحة للكلمات، وقد جاءت منظوماته في البحور الخليلية المعروفة، كما أن منها ما جاء في أوزان مشتقة عنها، وتشترك معها في الروح الموسيقية العامة التي تنتظم الكلام المنظوم في اللغة العربية. وكان فناً شعبياً شائعاً في الأندلس امتداداً لحركة التجديد في الموشحات، وعندما انتهت الموشحات، واصل الزجل مسيرته وعم الأقطار العربية كلها وظل مزدهراً بها حتى الآن. وهذا مثل تلك الأزجال ساقه ابن خلدون. يقول:
ورذاذ دق ينزلْ
وشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضض
وترى الآخرْ يذهبْ
والنبات يشرب ويسكرْ
والغصون ترقصْ وتطربْ
وتريد تجي إلينا
ثم تستحي وتهرب
وقد قام الدكتور إبراهيم أنيس بدراسة لأوزان الأزجال الحديثة في البيئة المصرية، وخرج بنتائج خالفت قول بعض القدماء «إن صاحب ألف وزن ليس بزجال!» تهويلاً لكثرتها وعدم إمكان حصرها، فوجد أن بحور الرمل، والبسيط، والمتدارك ومجزوء الرجز، والسريع (على قلة) والمتقارب والهزج والمجتث قد ورد بعضها بصورته في الفصحى، وبعضها مع قليل من التغيير، وبعضها لم يبعد عنها كثيراً. ولذلك فالأزجال في هذا ـ وكما يؤكد الدكتور أنيس ـ شأنها شأن الموشحات قد اشتملت على أوزان لم يشر إليها العروضيون، كما تضمن بعضها مزجاً بين وزن وآخر، وتفننت في تنويع القوافي وتغييرها.
7 ـ الموشحات: ونظراً لأهمية هذا الفن، ومحاولة كثير من الدارسين المحدثين الربط بينه وبين ما تم من حركات تجديدية في الشكل الشرعي في العصر الحديث، وخاصة في تجديدات المهجريين وجماعة أبولو في الشرق، نخصه هنا بتناول خاص ضمن ما سماه بعض المحدثين بجذور حركة الشعر الحر في حركات التجديد السابقة. هذا مع أن هناك من يوهن بل يقطع بين حركة الشعر الحر وحركة الموشحات ولا يعطيها كبير أهمية في هذا الموضوع.
ولقد نظر مؤرخو الأدب إلى هذه الفنون ـ باستثناء الموشحات ـ نظرة إصغار لاعتبارها ألواناً لا ترقى إلى مستوى الشعر الفصيح الرسمي، تماماً مثلما كانت نظرة العرب في الجاهلية وصدر الإسلام إلى فن الرجز بكونه أقل درجة ولا يليق إلا بموضوعات الحياة التافهة وخواطر العوام كما هي الحال الآن عند الزجالين المعاصرين. ونتيجة هذه النظرة لم يتبن شاعر لامع أي وزن من تلك الأوزان المستحدثة، فأتى فيه بقصائد تعد وتقدر، بل اعتبرت تلك الفنون أساليب شعبية عبر بها العوام في مراحل من تاريخهم، ثم اختفى معظمها أو لنقل تفاعل مع بعضه بعضاً، ونجده الآن متمثلاً في تلك الفنون الزجلية الشعبية التي تزخر بها بوادي البلاد العربية كلها. أما جمهور الشعراء المعتبرين فقد حافظوا على نهجهم السابق، وطرقوا كل أبواب المعاني بما كان في حدود فهمهم وطبائعهم وأذواق زمانهم من خلال الأشكال الخليلية المعروفة، وظل الحال كذلك حتى القرن التاسع عشر الميلادي حين عادت مدرسة البارودي بالشعر إلى ما كان عليه إبان ازدهاره في القديم، وتابعت أجيال السير على تلك الخطى دون تغيير كبير في فهمها لتطور مفهوم الشعر، حتى إننا لنجد بيننا الآن شعراء في النصف الثاني من هذا القرن لا يزالون ينظمون القصائد على أسلوب البارودي والزهاوي وشوقي وحافظ وأحمد الشارف ورفيق، على حين عمّت المفاهيم الحديثة والأساليب المعاصرة أو كادت تعم. ولا شك أن التطور الحضاري والتاريخي الذي مر بالأمة العربية منذ أواخر القرن الماضي، واشتد في هذا القرن، قد أنبت مدارس شعرية جديدة، فعرفنا شعراء المهجرين الشمالي والجنوبي بأميركا، وشعراء المدرسة الحرة، ولاحظنا تغييرات وثورات في الشكل والمضمون معاً، وتأثراً عميقاً بالتيارات العالمية، وقد رافق كل ذلك صراعات عنيفة أحياناً هادئة أحياناً أخرى في الصحف والمجلات ومقدمات الدواوين، وفي الدراسات العامة والأكاديمية، طبعت ثقافات العصر المتداخلة وتياراته المتصارعة، وغدت النظرة التقليدية للأوزان نظرة قاصرة، إذ لم تنفتح على الرؤية الجديدة والأفكار المطروحة والنظريات المقترحة، وغدت النظرة العلمية الصحيحة هي ما حللت وأضافت، لا تلك التي اعتادت التكرار والاستنساخ العقيم.
محمد مصطفى بلحاح
أنماط القافية في الشعر الحديث
تعتبر القافية عنصراً رئيسياً مهماً في القصيدة، ولم تتخل عن أهميتها على امتداد تاريخ تطور القصيدة العربية.
وإذا كنا اليوم نرى تحللاً من قيود القافية التقليدية التي تلزم الشاعر بروي واحد في قصيدته، فإن هذا الانفكاك من أسر القافية ليس نبتاً شيطانياً، بل له جذوره التراثية.
ولعل الموشحات كانت أول ثروة على نظام القافية العمودية المتصلة، حينما لجأ الموشحون إلى تنويع أحرف الروي في قوافيهم.
وفي مطلع هذا القرن لجأ الشعراء إلى تنويع القوافي في القصيدة الواحدة باستخدام الأسلوب المقطعي.
ثم وصل التطور في الشعر الحر إلى إرسال القوافي إرسالاً تاماً في بعض قصائده. وقد أطلق بعض النقاد صرخات الذعر خشية زوال القافية، بعد أن رأوا ذلك الفيض من الشعر الحر والقصائد النثرية، مما يوقع القارىء في اللبس لعدم تمكنه من التمييز بينهما.
ولكن متابعة نتائج الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر، يجعلنا نؤكد أن إهمالهم للقافية، يجب ألا يخيف أنصارها لأن الشعراء هم أكثر الناس إدراكاً لأهمية القافية (فالشاعر يتصرف في القواعد الصارمة للوزن، يستطيع أن يخرج من الوزن الواحد إيقاعات مختلفة من حيث صورتها المادية وتأثيرها النفسي. ولكن هذا التصرف في الوقت نفسه يجعل الشاعر محتاجاً إلى أداة تقيد الإيقاع الأصلي للوزن، ـ ذلك الإيقاع الذي يفترض حسن ثباته كجزء من الشكل الشعري ـ وهذه الأداة هي القافية).
والشعراء يدركون وظيفة القافية التي أشار إليها (أوستن وارين) بقوله: (إنها ظاهرة بالغة التعقيد فلها وظيفتها الخاصة في التطريب كإعادة ـ أو ما يشبه الإعادة ـ للأصوات) وهذه المهمة التي تحققها القافية تهم الشعراء إذ أن الإيقاع الجميل الذي تحققه القافية بتكرارها بعض مما يرويه الشعراء في شعرهم. وهكذا فإن الشعراء لم يهملوا القافية في القصيدة الحرة بل طوروها لتكون أكثر مواتية للبناء المركب في القصيدة الحديثة.
إن طرح القافية بشكلها التقليدي له ما يبرره، كما يرى الدكتور شكري عياد إذ يقول: «فإذا كانت قيمة القافية في الإيقاع هي ضبط خطواتنا في القراءة»، أي مساعدتنا على تحديد الأجزاء أو المقاطع التي تكون وحدة البناء في القصيدة، فطبيعي ألا تكون لها هذه القيمة إذا اختلفت الوحدات أو الأسطر في الطول. ومن هنا تيسر إخراج القافية في الشعر الحر، على حين فشلت تجارب الشعر المرسل. أو بالأحرى أن القافية في الشعر الحر لم تعد لها نفس الوظيفة الإيقاعية التي نعرفها في الشعر المتساوي الأسطر ويؤكد د. عياد على الدور الذي حققه الشعر الحر بتحرير القافية من ارتباطها بالوزن، وإذا كان تحرير الوزن من القافية يعني طرح القافية طرحاً تاماً في بعض المقاطع فإن تحرير القافية من الوزن يعني عدم الالتزام بموضع معلوم ترد فيه. وقد أتاح ذلك الفصل للشاعر فرصة صياغة القصيدة في أشكال أكثر شمولاً في البيت، إذ أن البيت فقد اكتماله القديم. (وتفتت إلى وحدات متفاوته الطول أشبه بالجمل الموسيقية التي يجب أن تلتئم في وحدات أكبر. وفقدان البيت لوحدته الراسخة هو مصدر الخطر، ومجال الإبداع في الوقت نفسه، للشاعر الحر).
ولكن التحرر الذي أصاب القافية لم يرق للتقليديين، واعتبروا التحرر في استخدامها خسارة فادحة وعجزاً كبيراً يعيب بنيان القصيدة. يقول د. شوقي ضيف: «ومن المؤكد أن أركاناً كثيرة من بنيان الإيقاع الشعري والموروث سقطت أو خرت من إيقاع الشعر الحر، فقد خر ركن البيت وركن الشطر وركن القافية، وهي أركان تحرم الأذن فيه أنغاماً كثيرة، بل إنها لتنقله نقلاً من عالم الأذن إلى عالم البصر وكأنه شعر ينظم ليقرأ لا ليسمع ولا لينشر أو يتغنى به، فقد حطمت فيه حدود القوافي والشطور والأبيات وأصبح سطوراً تطول وتقصر، والبصر ينحدر فيها من بدئها إلى نهايتها دون توقف أو تمهل أو خواتم منتظرة».
ولا يطلق د. شوقي ضيف قوله تعميماً على كل الشعر الحر حين يستبشر خيراً ببعض تجارب الشعر الحر التي استخدمت أشكالاً من التقفية إذ يقول: «إن عودة جرس القوافي في بعض تجارب الشعر الحر (تجعلنا نؤمن بأن إحساساً عميقاً أخذ يسري في نفوس أصحابها بأنه ينبغي أن يسعوا إلى الملاءمة بين إيقاع شعرهم الجديد، وإيقاع الشعر الموزون وهي ملاءمة يحسن أن تتسع، فتشمل الالتحام بين السطر، وبين الشطر والأبيات التحاماً من شأن الشاعر النابه أن يقيم نظامه، بحيث يصبح لهذا الإيقاع الشعري الجديد نظاماً دقيقاً من النسب النغمية واللحنية) ويطرح الحساني عبد الله مسألة التحرر من القافية بقوله: (وإذا اعترض الوزن أو استهوته ـ يقصد الشاعر ـ قافية آثر الوقوف والاستئناف غير مبال بالتبعثر لأنه لا يجد ما يدعوه إلى اجتياز العقبة أو مقاومة الإغراء).
ويمكننا القول بأن القافية لم تخر خرا كاملاً من موسيقى الشعر الحر ـ باعتراف د. شوقي ضيف ـ فما حدث أنها تحررت من رتوبها بتنوعها وليس كل الشعر ينظم لينشد أو يتغنى به (ومهما يكن فمن الخطأ الادعاء بأن كل الشعر يجب أن يكون منغماً وبأن النغم هو أكثر من جزء واحد في ذلك المركب الذي تتألف منه موسيقى الكلمات وإذا كان المراد ببعض الشعر أن يغنى فإن أكثره في الأدب الحديث معد ليتلى كما يتلى الكلام العادي).
وليست القافية في الشعر الحر مسألة اعتراض وزن أو استهواء قافية للوقوف عليها كما يرى الحساني عبد الله. فالقافية الجديدة «كلمة تتيح للقارىء الوقوف والحركة في آن واحد، في حين كانت القافية القديمة تلزم بالوقوف وتعينه حتى عندما لا يقف عنده القارىء». فالقافية الجديدة هي أفضل وأنسب كلمة تأتي في نهاية السطر. ولا يعتمد الشاعر فيها على ثقافته اللغوية بل تبعاً لحاجته الفنية إليها.
وإذ كان اعتبار القافية ركناً أساسياً في القصيدة ليس محل خلاف فلا يعني هذا وقوفنا أمام إبداع الشعراء، وتطويرهم لإمكانيات القصيدة. وإن نظرة فاحصة لإنتاج الشعراء الذين كتبوا القصيدة الحرة، تعطينا صورة واضحة لعنايتهم بالقافية بأشكالها المتنوعة وليس أدل على هذا من اقتراح د. شوقي ضيف بعودة القافية للقصيدة ـ وإن كانت لم تختف أصلاً ـ إذ يقول: «ولم تعد حقاً مكررة ولكنها عادت منوعة على شاكلة تنويعها في الأشعار الدوبيت (الموشحات) والمهم أنها عادت وأن أصحاب هذه التجارب أحسوا في عمق الحاجة إلى وقائعها حتى يرضوا الآذان».
وتؤكد الشاعرة نازك الملائكة على أهمية القافية في الشعر الحر: في كتابها قضايا الشعر المعاصر، إذ تقول «ومهما يكن من فكرة نبذ القافية وإرسال الشعر فإن الشعر الحر بالذات يحتاج إلى القافية احتياجاً خاصاً. وذلك لأنه يفقد بعض المزايا الموسيقية المتوافرة، في شعر الشطرين الشائع».
ثم تعود لتؤكد على ضرورة القافية في مقالة نشرتها بعد كتابها ذلك بأربعة عشر عاماً وفيها تعدد العوامل التي تجعل التقفية ضرورة نفسية وسيكولوجية ملحة لأنها تحدد نهاية السطر، وتلم شتات الجو بالنغم العالي الذي تحدثه وهي تهدي القارىء أثناء قراءته للقصيدة، وتعبر عن تحكم الشاعر فيما يقول كما تعبر عن أفكاره الداخلية التي لا يتعمدها. وهي ضرورية لأنها نغم، وهي تقيد الشاعر وتفيده إذ بحصره ما يقوي بصر الشاعر، وهي ذات موجة غامضة يستشعرها دون أن نشخصها.. وهي توحي بوضوح الفكرة حين تعزل شطراً عن شطر.
ولا يختلف اثنان على أهمية القافية أو فائدتها في القصيدة التقليدية أو الحرة. وإذا كانت تحقق في القصيدة التقليدية العزل بين الأبيات، فإنها تشكل في القصيدة الحرة عاملاً من عوامل التواصل النفسي.
ومن ثم فإن هناك نمطين من القافية هما:
القافية العمودية، والقافية الحرة وتحت هذين النمطين تندرج أنظمة من القوافي متعددة وهي:
أولاً: القافية العمودية ويندرج تحتها نظامان:
1 ـ القافية العمودية المتكررة.
2 ـ القافية العمودية المتعددة.
ثانياً: القافية الحرة ويندرج تحتها:
1 ـ القافية الحرة المقطعية.
2 ـ القافية الحرة المتغيرة.
3 ـ القافية الحرة المرسلة.
أنماط القافية
العمودية الحرة
المتكررة المتعددة المقطعية المتغيرة المرسلة
أولاً: القافية العمودية.
يعرف الخليل بن أحمد القافية بقوله:
«هي من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه مع حركة ما قبله».
وتجمع التعريفات للقافية بأنها التوافق في تكرار أصوات وأحرف متماثلة في أواخر الأبيات الشعرية.
واستخدم القافية العمودية شعراء عدة وكتبوا الشكلين الحر والتقليدي على السواء إذ نجد توفيق زياد قد جاء له 39 قصيدة مستخدماً فيها عمود الشعر التقليدي بنسبة 42% من مجمل قصائده، ومحمود درويش بنسبة 5.23% من مجمل شعره وسميح القاسم بنسبة 6% وفوزي الأسمر بنسبة 8.6%… وهذا يدل على أن القافية العمودية لم تفقد وظيفتها، وأن للشاعر الحرية في اختيار أسلوب التقفية الذي يراه مناسباً. ويمكننا في إطار القافية العمودية أن نلحظ نظامين يتدرجان تحتها.
1 ـ القافية العمودية المتكررة:
وهي القافية العمودية التي تسير على النهج الاتباعي بالتزام روي واحد على امتداد القصيدة كلها. ومن نماذج هذا النمط قصيدة «نحن بخير» للشاعر جورج نجيب خليل يقول فيها:
أي خير هذا الذي أنت فيه
وأخوك الحبيب عنك بعيد؟!
وجراح القلوب تزداد عمقاً
وبأغوارها دم وصديد؟
والهزار الطروب قد هجر الأيك
فمات الصداح والتغريد
والجنان الغناء أمست قفاراً
جف فيها ريحانها والورود؟
ونوادي السمار بددها الدهر
فبئس التبديد والتشريد
والصخور الصماء فتتها الحقد
فذاب الصوان والجلمود
وجاءت هذه القصيدة برويها «الدال» جامعة في ردفها حرفي اللين «الياء والواو» وهو جائز عروضاً. وتحقق القافية في هذا النموذج إيقاعاً معنوياً وموسيقياً في الوقت ذاته، ولكن الشاعر يقع في شرك الموسيقى في البيت الثالث والرابع والخامس والسادس، حينما يقول جف ريحانها والورود، ألا يمكن أن يجف الياسمين والبرتقال الخ… كذلك التبديد التشريد فكلمة التشريد جاءت لإقفال الإيقاع الموسيقى وكذلك كلمة الجلمود.
ولنأخذ نموذجاً آخر تلعب فيه القافية دورها المناسب موسيقياً ومعنوياً في قصيدة قصيرة بعنوان (قربان) من البحر الكامل يقول سميح القاسم.
هذه الحروف المدلهمة
يا سيدي أحزان أمه
سطرتها بتمردي
في فجرآت لم أضمه
وبها أروي غرسه
بلظى جحيمك مستحمه
لا صيد من وادي الأسى
والدمع، للأطفال، بسمة
لأرُدَّ للثكلى ابنها
لأُعيد للمفجوع أمه
يا سيد! فاغضب وثر
واقطع عليّ طريق لقمه
حسبي من الزاد الصمود
ومن جنى الإيمان نعمه
يا سيدي! أنا لن أجوع
وبي من الأحقاد تخمه
فاشحذ مداك على جراحي
إنني قربان كلمة
فالقوافي هنا، هي الكلمات الوحيدة المناسبة للمعاني، والتي لا يمكن الاستغناء عنها معنوياً وموسيقياً. وناسبت القافية العمودية هنا القصيدة القصيرة إذ أن «القافية الواحدة في الشعر العربي تناسب كل المناسبة شعر المقطوعات حيث يركز الشاعر معنى واحداً، أو شعوراً واحداً في أبيات قليلة، فيكون في حاجة إلى إحكام الربط بين بعضها، وتعاون القافية الواحدة، والوزن الواحد على ذلك إذ إن البيت الأول يحدث نمطاً من التوقع، يعالجه الشاعر بالإشباع والمفاجأة المقبولة إلى أن يتمثل المعنى أو الشعور كاملاً في آخر البيت» وقد استطاع الشاعر تصوير المعنى ـ الشعوري، من خلال هذه القافية الساكنة، التي تشبه الحشرجة، معبرة عن الغيظ المكبوت وتتكامل هذه القصيدة القصيرة باعتبارها دفقة نفسية متتابعة باختتامها بسخرية من العدو والاستهتار بإجراءاته.
«يا سيدي أنا لن أجوع
وبي من الأحقاد تخمة
فاشحذ مداك على جراحي
إنني قربان كلمة
2 ـ القافية العمودية المتعددة:
وهي القافية التي تتعدد فيها أحرف الروي بالتتابع، سواء أكان ذلك على أساس تنويع القافية في القصيدة العمودية غير المقطعية أو في القصيدة العمودية المقطعية.
وفي قصيدة «رسالة إلى جميلة» للشاعر (حنا أبو حنا) ينوع الشاعر قوافيه بشكل رباعي، في ثمانية مقاطع، باستثناء المقطع السادس وهو من ثلاث أبيات؛ يخاطب في المقطع الأول جميلة الجزائرية:
لا تقولي: كيف شقت دربها هذي الرسالة
قد هدتها فوق زنزانتك البيضاء هاله من ضياء اليأس والعزم زمن نور البسالة.
وصمود يصرع الظلم ويغتال رجاله.
ثم ينتقل من هذه القافية الساكنة الهادئة ـ التي تعتبر تمهيداً للرسالة التي بعضها للمناضلة ـ ينتقل إلى قافية أخرى في المقطعع الذي يليه، وهي برويها الرائي، تمثل صوتاً أعلى من التمهيد. حيث يبلغها تحيات شعبه. وإعجابهم بها مستخدماً روي الراء المتحرك.
«فإذا حياك في الزنزانة الرطبة عطر
وإذا شع بها دفء وإيناس وسر
إنها منا تحيات وإعجاب وفخر
وقلوب، كلها قلب خافق حولك نسر»
وباستثناء المقطع السابع فإن روي القصيدة يظل يتردد بين روي الحاء وروي الراء متعاقبين ومع اختلاف الحروف في كل قافية. إذ جاء بترتيب القوافي كما يلي:
ففي المقطع الثالث كانت مثل البطولة ـ القتيلة ـ الرجولة ـ جيله.
«المقطع الرابع كانت القافية هي نور ـ العبير ـ البصير ـ النفير.
المقطع الخامس المشنقة ـ محرقة ـ مغلقة ـ مطرقة.
المقطع السادس الجزائر ـ ثائر ـ الخناجر.
المقطع السابع وحدنا ـ السنا ـ كلنا ـ هنا.
المقطع الثامن يعود إلى قافية المقطع الثالث البطولة ـ الوسيلة ـ الخميلة ـ جميلة.
كذلك يتم التنويع في القافية العمودية عن طريق التتابع، وقد يأتي هذا التنويع متوائماً، مع تغير البحر كما جاء في قصيدة لجورج نجيب خليل بعنوان «نشيد السلام» حيث استخدم فيها الرجز ـ الرمل ـ ثم الرجز ـ ثم الرمل ـ ثم الرجز ـ وأخيرا الرمل. يبدأ الشاعر قصيدته ببحر الرجز:
في حضن كل واد
وفوق كل تل
يردد العباد
أنشودة الأزل
سلام… سلام
وكوننا أصم
لا يسمع النداء
فجردوا الهمم
ووحدوا الحداء
ثم ينتقل إلى «الرمل» بقافية جديدة:
يا بلاد الأنبياء الصالحين
كنت في الماضي مناراً للأمم
فلتظلي دائماً في كل حين
بسمة وضاءة في كل فم
ولنقم في أرضنا صرحاً مكين
مشرق الطلعة سامي الشمم
ولنكن رمز الوفا من كل دين
في شموخ يتسامى للقمم
وهكذا يستمر بتنويع القافية في القصيدة مع تنويع الأبحر.
ثانياً: القافية الحرة:
وهي ذات أنماط ثلاثة:
أ ـ القافية الحرة المقطعية.
ويتم فيها تنويع القوافي بحيث تقف كل قافية فيها عند حدود المقطع، وتتغير مع كل مقطع جديد.
وقد تتمثل بتكرار قافية أساسية، في كل مقطع سواء أكانت واحدة أو مزدوجة وتمثل قصيدة محمود درويش «يوميات جرح فلسطيني». من بحر الرمل نموذجاً لهذا النظام فالقصيدة تتكون من أربعة وعشرين مقطعاً تختلف أطوالها. سواء مقاطعها أو أسطرها الشعرية.
يقول فيها:
(1)
«نحن في حل من التذكار
فالكرمل فينا
وعلى أهدابنا عشب الجليل
لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها،
لا تقولي:
نحن في لحم بلادي… هي فينا
(2)
لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمام
ولذا لم يتفتت حبنا بين السلاسل
نحن يا أختاه، من عشرين عام
ونحن لا نكتب أشعاراً
ولكننا نقاتل
(3(
ذلك الظل الذي يسقط في عينك
شيطان إله
جاء من شهر حزيران
لكي يعصب بالشمس الجباه
إنه لون شهيل
إنه طعم صلاه
إنه يقتل أو يحيي
وفي الحالين آه».
وهذه المقاطع الثلاثة تكفي للدلالة على هذا الأسلوب، ففي المقطع الأول استخدم قافية واحدة هي «فينا» وأقفل بها المقطع.
وفي المقطع الثاني استخدم قافية مزدوجة وأقفل بإحداها المقطع.
وفي الثالث استعمل قافية واحدة محورية وبها أقفل المقطع.
ثم هناك نوع مقطعي ويتمثل بتنوع قوافي كل مقاطع القصيدة دون التزام بقافية واحدة أو بقافية محورية واحدة أو مزدوجة في كل مقطع. فقد يشمل مقطع على قافية واحدة أو مرسلة، ويشمل غيره على قافيتين أو ثلاث أو أكثر، وقد يشمل المقطع الواحد على قافيتين أو ثلاث أو أكثر، وقد يشمل المقطع الواحد على قافيتين أو ثلاث ولكن ذلك التنوع يتم بدون انتظام.
يقول سميح القاسم في قصيدته «من يوميات جوني جيتار» وهي من ستة مقاطع:
(1)
في البركة الدكناء
حيث التماسيح، وأفعى الماء
يبدأ يا حبيتي
دربي إلى خطيئتي
فهي لي الزاد والثياب والجيتار
ودفتر الأشعار
(2)
اغمس غرتي
في الحبر ـ يا حبيتي، وارسم الحداد
على جبيني الشمع
ومن خلال الدمع
أواصل الإنشاد
لحبي المتروك في مدينتي
لوجهك المودع المغمور بالبكاء
كزهرة الشتاء
فليرحم الرئيس
ولترحم السماء
وجهك والعودة يا حبيبتي
ففي المقطع الأول نرى أنه اشتمل على ثلاث قواف وهي:
الدكناء ـ الماء/ حبيبتي ـ خطيئتي/ الجيتار ـ الأشعار. أما المقطع الثاني فاشتمل على أربع قواف:
غرتي ـ مدينتي ـ حبيبتي/ الحداد ـ الإنشاد ـ الشمع ـ الدمع ـ البكاء ـ الشتاء ـ السماء.
كذلك يشتمل المقطع الثالث على قافيتين الخيال ـ الخيال ـ الشمال ـ القتال/ حبيبتي ـ حبيبتي.
المقطع الخامس يشتمل على قافيتين.
الميلاد والإنشاد ـ الرماد الرماد ـ الأولاد ـ الجدران ـ الميزان.
أما المقطع الأخير فيشتمل على خمس قواف:
1 ـ الكمين ـ حزين ـ حزين ـ كمين ـ كمين ـ حين ـ سكون/
2 ـ حبيبتي ـ حبيبتي ـ حبيبتي ـ حبيبتي ـ حبيبتي.
3 ـ طروب ـ جنوب.
4 ـ اليسار ـ الجيتار ـ الأزهار ـ الأزهار ـ المطار/ الجرحى ـ مرحى.
وهذا التنويع في القافية يكسب القصيدة إيقاعات مختلفة ويلاحظ أكثر استخدامها في القصائد الدرامية مما يتيح اليسر في التعبير عن المواقف الدرامية ومن القصائد التي استخدمت هذا اللون من القوافي قصيدتان طويلتان لتوفيق زياد وهما:
عمان في أيلول وهي في خمسة مقاطع حرف 5 ـ 68.
مئة سنة على كومرنه بأريس وهي في ثمانية مقاطع حرف 69 ـ 128 وفيها استفاد الشاعر من إمكانيات القافية المتنوعة حيث تنقل في قوافيه من استخدام القوافي المقطعية المحورية إلى القوافي المتنوعة المتغيرة.
ب ـ القافية الحرة المتغيرة.
النمط الثاني من أنماط القافية في الشعر الحر هو نمط القافية المتغيرة ويقوم فيه الشاعر باستخدام العديد من القوافي في القصيدة الواحدة دونما انتظام محدد في استخدامها.
وقد تتنوع القوافي وتتشابك وتتداخل في القافية المتغيرة بحيث يستعمل الشاعر القافية ويتركها وقد يعود إليها بعد أن يستخدم قافية أخرى وهكذا دونما انتظام استعمالها.
وهذا النوع هو أكبر الأنواع دوراناً في الشعر الحر.
وهذا نموذج الخليل توما من قصيدته «الطريق إلى عمان» يقول فيها:
أجفان الفاس الغافي في حضن الأرض.
تحلم بالأعماق المهجورة.
تحلم بالأسطورة.
والشجر الخاشع بالأنفاس المقهورة.
قنطرة تحلم بالجدول يأتيها يوماً.
وتجوع.
أجنحة تسترخي فوق الجسر المصدوع.
الطرقات، الكلمات، الجدران.
أعمدة الهاتف.
أعشاب الحقل، الإنسان.
أكوام الهشيم، عيدان الثقاب.
القفل والمفتاح والباب.
يلفها.
يلفها الضباب.
في ساحة الرعود والسحاب
في الليلة الأخيرة.
ونلمح هنا تغير القوافي في هذه القصيدة.
فالقافية الأولى في الأسطر 2 ـ 3 ـ 4 ـ 16.
فالقافية الثانية في الأسطر 6 ـ 7.
القافية الثالثة في الأسطر 8 ـ 10.
القافية الرابعة في الأسطر 11 ـ 12 ـ 14 ـ 15.
ونماذج هذا النمط كثيرة في دواوين الشعراء.
كما أن الشعراء استخدموا نوعاً من القافية المتغيرة الذي فيه تتنوع القوافي وتتغير مع احتفاظ الشاعر في قصيدته بقافية محورية أساسية.
يسول سميح القاسم في قصيدته «لا تحرميني».
(إذ صرت كفؤاً
لأن تسكبي دمعة واحدة
على جثتي العائدة
فلا توصدي باب سرك
ولا تحرمي زوجك الحب والمائدة
وحلماً قصيراً على دفء صدرك
أنا الرحلة الخالدة
أنا العودة الخالدة
فلا تحرميني…).
ونلحظ في هذه القصيدة قافيتين الأولى المحورية والثانية غير المحورية وقد جاءت المحورية في الأبيات:
الثاني والثالث والخامس والسابع والثامن «واحدة/ العائدة/ المائدة/ الخالدة/ الخالدة».
وغير المحورية جاءت في:
الرابع والسادس (سرك/ صدرك) أي أن القافية المحورية تكررت 5/9 من القصيدة. وفي قصيدة «جبين وغضب» لمحمود درويش نتعرف على القافية المحورية:
«وطني يا أيها النسر الذي يغمد منقار
اللهب
في عيوني
عبر قضبان الخشب
كل ما أملكه في حضرة الموت
جبين وغضب
وأنا أوصيت أن يزرع قلبي شجرة
وجبيني منزلاً للقبرة
أيها النسر الذي لست جديراً بجناحك
إنني أوثر إكليل اللهب
وطني إنا ولدنا وكبرنا بجراحك
وأكلنا شجر البلوط…
كي نشهد ميلاد صباحك..
أيها النسر الذي يرسف في الأغلال دون سبب
أيها الموت الخرافي الذي كان يحب
لم يزل منقارك الأحمر في عيني
سيفاً من لهب
وأنا لست جديراً بجناحك
كل ما أملكه في حضرة الموت
جبين وغضب
وجاءت القافية المحورية في الأبيات التالية:
الأول والثالث والخامس والتاسع والثالث عشر والرابع عشر والسادس عشر والتاسع عشر اللهب ـ الخشب ـ غضب ـ اللهب ـ سبب ـ يحب ـ لهب ـ غضب.
أما القوافي الأخرى غير المحورية فقد جاءت في:
الرابع والثامن عشر ـ الموت ـ الموت.
السادس والسابع ـ شجرة ـ قبرة.
الثامن والعاشر والثاني عشر والسابع عشر ـ جناحك ـ جراحك ـ صباحك ـ جناحك.
ونلحظ أن القافية المحورية هي التي تشكل دوماً أعلى نسبة من القوافي وتتكرر فيها بعض الكلمات أكثر من مرة وتختم بها القصيدة في أغلب الأحيان.
ونلاحظ أن القصيدة ابتدأت بالقافية المحورية بالسطر الأول (المطبقة) وانتهى بها في السطر الأخير بكلمة (الشفقة)، ونلاحظ كذلك تكراره بكلمة «الشفقة» وهي من القوافي المحورية وكررها متابعة.
وهذا التغير الذي نلحظه في القافية يفيد الشاعر منه في التعبير عن تجربته ويتيح للشاعر حرية في اختيار القافية الملائمة معنوياً وموسيقياً.
ج ـ القافية المرسلة:
تتمثل في تحرر القصيدة تحرراً كاملاً من القافية إلا ما جاء منها عرضاً. وإذا كانت القافية «المرسلة» تطرح قضية غياب هذا الإيقاع العذب الذي تحققه القافية فإن القصائد المرسلة تتراوح في جودتها باختلاف إمكانية الشعراء أنفسهم، فإرسال القافية يحتاج إلى إمكانيات شاعرية تحقق تعويضاً عن فقدان هذا العنصر الموسيقي الهام في القصيدة.
ولعل إحساس بعض الشعراء ـ بأن الجرس الموسيقي الذي تحققه القافية بتكرارها يقف حجر عثرة أمام انسياب الإيقاع الذي يتحقق باسترسال المعنى ـ هذا الإحساس هو الذي حدا بهم. بإرسال قوافيهم، ذلك لأنه لا يمكن فصل الجرس الموسيقي عن المعنى كما تقرر إليزابيت درو:
(إن الجرس يسند المعنى، وأنه ليست له قيمة جمالية مستقلة في ذاته وهذا هو أساس الزخرفة اللفظية صغيرة كانت أو كبيرة وليس الوزن إلا عنصراً واحداً من عناصر الجرس. ولا يمثل النظام الوزني في نفسه إلا الإطار الآلي أو العرفي، الذي يستطيع الشاعر في داخله أو بارتسامه له أن يبني الحركة الشعرية وينصب العرف المأثور زخرفة المؤثرات الصوتية المتكررة التي تمتع الأذن ولكن إذا لم تؤد القصيدة شيئاً سوى تكرار هذه المؤثرات في رتابة دائمة فإن النتيجة ستكون مجرد خلق شيء يثير الضجر والملل. إنما نقرة الوزن المنتظمة بالنسبة للشاعر الحاذق هي الأساس، أو القاعدة التي يتباعد منها ثم يعود إليها وهي عنصر في حركة أكبر، وتلك الحركة هي الإيقاع والإيقاع يعني التدفق أو الانسياب وهذا يعتمد على المعنى أكثر مما يعتمد على الوزن وعلى الإحساس أكثر من التفعيلات.
وهو يمثل الحرية التي يمكن أن يمارسها الشاعر في إطار الضرورة التي فرضها على نفسه، هي صوت الشاعر الخاص يتحدث من خلالها العرف التقليدي الوضعي).
ولعل خير تأكيد على ذلك أن كثيراً من القصائد التي أرسلت القوافي كانت من القصائد المدورة والتي تحتاج نفساً موسيقياً واحداً في قراءتها إذ تصبح بعض قوافيها إنما هي نوع من التقفية الداخلية.
بل ونجد نوعاً آخر من القصائد المركزة التي يمكن تسميتها بالتوقيعات والتي قد تأتي في سطر شعري واحد، هذه الأسطر (التوقيعات ـ القصائد) لا تحتاج إلى قافية.
يقول سميح القاسم في إحدى توقيعاته، وهي كثيرة جداً وتشكل ظاهرة في شعره يقول في قصيدته ـ التوقيعة: بعنوان (ضيق).
لمحاكم التفتيش أشكو (مفاعلن متفاعلان)
وبعنوان (يوم كنت سلعة)
قتلوني مرة
وانتحلوا وجهي مراراً
فعلاتن/ فاعلاتن/ فعلاتن/ فاعلاتن.
فإن هذه التوقيعات لقصرها الشديد لا تحتمل التقفية، فما جاء بعنوان (ضيق) هو شطر من بيت من مجزوء الكامل.
وما جاء بعنوان (يوم كنت سلعة) شطر من بيت مجزوء الرمل.
وإذا كانت هناك بعض (قصائد ـ توقيعات) لسميح القاسم وغيره، قد جاءت ذات قواف فإنها كانت تحتمل التقفية من ناحية شكلية بحتة، إذ أن طولها يتيح لها ذلك. أما النماذج التي مثلنا لها هنا فهي لا تدخل ضمن القصائد: وهذا نموذج القصيدة المرسلة:
تقول ليلى علوش في قصيدتها «جولة عادية في عالم غير عادي».
«بحر الرمل»
(أنقل الخطو على دقات قلبي
فإذا اشتط النهار
وتعالت
في تجاويف الطبول الثائرة
ألف صرخة
تلهب الأنفاس في الوجه النحاسي
وانطلق
نمرك الوحشي يا (أفريقيا)
من جنازير النخاسة
انقل الخطو إلى الأدغال فوراً).
وهنا تحررت الشاعر تماماً من القافية وهذا نموذج آخر من قصيدة «ومضة من رجع الصدى» لإدمون شحادة يقول:
(دروبي في انحدار الصمت تبقى متعبة
مثل تاج فوق رأس الملكة
ورياح الصبح في أيام حبي
تطلق الجني شوقاً… في الظهيرة
في الليالي الحالكة
وفتاتي خلف شباك البيوت المقفلة
يوم كان السور أعلى من رؤوس العاشقين
تتلظى في غضب… الخ).
ولعلنا نلحظ الفرق بين الموسيقى في القصيدتين ـ برغم أن كليهما من بحر الرمل ـ فإن القصيدة الأولى حاولت الاستعاضة عن القافية بنوع من القافية الداخلية الجزئية (الأنفاس النحاس ـ النخاسة).
تعالت ـ دقات…
بينما انعدمت القافية في قصيدة إدمون شحادة مع ضعف الصور الفنية في القصيدة، يحقق إرسال القافية طاقات كبيرة عند شاعر كمحمود درويش في قصيدته المرسلة (بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيئاً) يقول:
«باسمها أتراجع عن حلمها. ووصلت أخيراً إلى الحلم. كان الخريف قريباً من العشب. ضاع اسمها بيننا… فالتقينا. لم أسجل تفاصيل هذا اللقاء السريع أحاول شرح القصيدة كي أفهم الآن ذاك اللقاء السريع.
هي: الشيء أو ضده، وانفجارات روحي.
هي: الماء والنار كنا على البحر نمشي.
هي: الفرق بيني وبين… الخ.
ونرى أن هذه الأنماط المتعددة من القوافي كلها تتماشى مع طلاقة الشعر الحر وتلقائيته ولا يجوز لنا أن نفرض على شاعر ما التزام قافية ما، فإن ذلك يخالف التلقائية المبدعة، وإذا جاءت القوافي، فإنها في القصيدة الحرة الجيدة هي أفضل كلمة يمكن أن تكون محققة الإيقاع والمعنى معاً وهذه القافية التي أصبحت جزءاً من الإيقاع الكلي للقصيدة تقوم بوظيفة إيقاعية بالنسبة إلى القصيدة ككل لا بالنسبة إلى البيت الواحد في علاقته مما قبله وما بعده كما كان في القصيدة التقليدية.
نتائج
لقد حاولنا أثناء البحث أن نصنف أنماط القافية المستخدمة في الشعر الحديث وليس من شك أن التصنيف في حدّ ذاته ليس مجالاً للبحث بقدر ما يقدم تصوراً لأساليب الشعراء في التقفية مما يحفز القارىء والباحث إلى التساؤل ماذا حقق هذا النمط من التقفية أو ذاك في بناء القصيدة…؟
ومن خلال استقرائنا الأنماط القافية يمكننا أن نستخلص النتائج التالية:
أ ـ إن القافية العمودية المتكررة تحقق إيقاعاً موسيقياً ومعنوياً في الوقت ذاته لدى الشعراء المجيدين كما في قصيدة قربان لسميح القاسم ولكن الشاعر غير المجيد قد يقع في شرك الموسيقى حينما تضطره وحدة الإيقاع إلى إيراد قواف لا تضيف قيمة معنوية إلى النص.
ب ـ ويمكن للشاعر أن يستخدم القافية العمودية المتعددة كتعبير عن أحاسيس متنوعة ومعاني مختلفة.
كما يمكنه أن يستخدم تعدد القوافي لتتلاءم مع تغير الإيقاع الموسيقي بتغير الأبحر في القصيدة الواحدة.
ح ـ إن القافية الحرة في القصيدة المقطعية، تكسب القصيدة تلويناً محبباً في الإيقاع، مما يتيح اليسر في التعبير عن المعاني والمشاعر والمواقف الدرامية. وهي بذلك تتيح للشاعر حرية اختيار أنسب القوافي للمعنى والموسيقى في القصيدة.
د ـ إن إرسال القافية ليس انتصاراً للقصيدة، بمقدار ما هو عبء عليها. إذ يحتاج التخلص الكامل من القافية إلى قدرة شعرية كبيرة للاستعاضة عن هذا الإيقاع الذي تولده القافية.
وقد يستعيض الشاعر عن ذلك بأنواع من التقفية الداخلية والموسيقى الداخلية.
الدكتور صالح أبو أصبع
الرجز وحركة الشعر الحديث
حفلت دواوين القبائل ـ وقد وصلنا منها أشهرها وهو ديوان هذيل ـ بشعر الرجز، وتضمنت مجموعات الشعر العربي ومختاراته فيضاً من هذا اللون من الشعر منذ جمع المفضل بن محمد الضبي ـ رأس علماء الكوفة في عصره ورائد هذا اللون الأدبي ـ ما عرف بالمفضليات، ورواه تلميذه أبو عبد الله بن محمد بن زياد الأعرابي بشرح الأنباري ومنذ جمع الأصمعي الأصمعيات، وقدم أبو زيد أو محمد بن أبي الخطاب القرشي جمهرة أشعار العرب، وقدم أبو تمام حماسته، وتصدى لشرحها الكثيرون، وصنع صنعه هذا في الحماسة الصغرى أو الوحشيات. وتابعه في ذلك كثيرون واختاروا مثله، نذكر منهم البحتري والبصري، والخالديين ويضاف إلى ذلك ما قدمه هبة الله ابن الشجري في القرن السادس الهجري باسم: مختارات شعراء العرب، وما عرف باسم منتهى الطلب، وغير ذلك من مختارات الشعر ومجموعاته في قديم الأدب العربي وحديثه.
في ذلك كله تجتمع ذخيرة من أراجيز العرب، ذلك الشعر الذي تغنى به الراجز الجاهلي ارتجالاً حين كان يخرج للحرب أو يتصدى للمبارزة، أو ينطلق مع غناء ذاتي سهل، في سليقة شعرية حملها العرب في العصرين الإسلامي والأموي، وظهرت في الفتوحات، وإن سلكت مستوى فنياً دون مستوى الجاهليين، مما جعل كبار الشعراء ينأون عن هذا اللون إلى غيره من المقطعات والقصائد، وقد عنى به شعراء العصر الأموي وذهبوا به مذهب القصائد واتجه الشعر إلى الألفاظ الغريبة والتعبير المغرب، حتى فتح بذلك باب الزيادة والإقحام في المعجم العربي بإدخال صيغ جديدة مخترعة، كما أشار إلى ذلك كثير من الباحثين، ومن هنا تحولت الأارجيز من الأبيات المعدودة المرتجلة في مناسبات عارضة، إلى تناول لموضوعات جديدة كالمدح والوصف والهجاء، وإلى إطالة وعناية وصناعة وجرى وراء النادر والحوشي والغريب من الألفاظ، ثم اتجه إلى القصائد الوصفية الطويلة التي يعرض فيها الشعراء لما كان من خروجهم للصيد وإسراعهم إليه وإعدادهم أنفسهم له، وضربهم في الأرض، ومطاردتهم الصيد.
ويذكر المؤرخون والنقاد أن أول من نحا به منحى القصيدة فأطاله، هو الشاعر المخضرم: الأغلب بن عمرو بن عبيدة بن حارثة العجلي الذي قتل في نهاوند عام 21 هـ/641 م، وبعده نبغ شاعران أحدهما من قبيلته وهو أبو النجم الفضل بن قدامة العجلي الذي أجاد نظم القصائد كما يذكر ابن قتيبة والمبرد، وقد اشتهرت له أرجوزة لامية عرفت بأم الرجز، وقد أشار إليها «بروكلمان» وذكر أنها بمجموعة مكتبة إسماعيل صائب أفندي باستانبول، وصححها عبد العزيز الميمني في الطوائف الأدبية، وأنها نشرت أيضاً في مجلة المجمع العلمي العربي.
أما الثاني الذي جاء بعد الأغلب فهو منافس أبو النجم: العجاج ابن عبد الله بن رؤبة، وله ديوان مطبوع مشروح، وله أرجوزة اشتهرت باسم الغراء، وقيلت في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر، وقد عاصره من الرجاز أبو المرقال الزفيان (عطاء بن أسيد السعدي التميمي).
وكان رؤبة بن العجاج التميمي قد نشأ بالبادية ثم بالبصرة، ثم بدمشق، وصحب الجيوش الغازية، وكان أشعر من أبيه وأغزر رجزاً، وإن لم يمارسه إلا بعد أن تقدمت به السن وشعر بالحاجة، وله ديوان مطبوع مشروح، وإذا كان الأصمعي ينسب إليه السرقة الأدبية، ويعده مع غيره ساقة الشعراء أي أواخر الأصلاء منهم، فإنه لما مات قال الخليل بن أحمد: «دفنا الشعر واللغة والفصاحة اليوم…» نظراً لما كان يتمتع به من ثراء لغوي وقدرة فنية جعلت شعره موطن الاحتجاج اللغوي، ومن أراجزيه قوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
مشتبه الأعلام لماع الخفق
وقد بلغ الرجز على يديه مستوى فنياً جيداً، حتى صار عملا قصصياً تعليمياً في القرن الثاني الهجري، في يد أصحاب المدرسة اللغوية، أغرى الشعراء، ونال احترام اللغويين، حتى أطلق على الرجز حمار الشعر، ومطية الشعراء، لصلاحيته وسهولته في نظم المعارف والمعلومات في الفقه والنحو والمنطق، ومنه ألفية ابن مالك.
وكان ابن رؤبة أيضاً ـ واسمه عقبة ـ رجازاً، حتى نصل إلى ساقة الرجاز أي آخرهم محمد بن ذؤيب الفقيمي العماني.
وقد حفلت كتب النحو بالرجز، ومثالها كتاب سيبويه، وكتب اللغة ومثالها كتابا يعقوب بن السكيت: «إصلاح المنطق»، و«تهذيب الألفاظ» على نحو يكثر فيه الاستشهاد والاحتجاج بأراجيز قد لا تنسب إلى قائل بعينه.
واعتبر النحاة الأراجيز ممثلة للغة بيئتها، ممثلة للهجات قبائل بعينها، دائرة بين: الشذوذ، أو مخالفة القياس، أو الضرورة، أو الندرة، أو التزام لغة قوم أو قبيلة، كلغة بني الحارث بن كعب، أو لغة بني الهجيم، أو لغة طيىء، أو لغة هذيل.
ومع هذا الإقبال من جانب النحاة واللغويين على الأراجيز، كان هناك إقبال على أنواع البحور الأخرى، وعلى سبيل المثال نجد نسبة الاستشهاد بالرجز في أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك أقل من 15%، وشيوع الرجز في مرجع كالأغاني تقترب من 4% في اثني عشر جزءاً، منه، وفي دواوين الشعر نجد نسبة الرجز في ديواني جرير والمتنبي لا تزيد عن 2%، أما ديوان الفرزدق وعدد أبياته تسعمائة وسبعة آلاف بيت فإن الرجز فيه لا يزيد على ستة وثلاثين بيتاً فحسب.
والملاحظ أن الاستشهاد بالرجز. غالباً ـ يتجه إلى مغايرة الأصل ومخالفته، وفي علميه البارزين: العجاج ورؤبة نجد سمة الشخصية الحادة، الجريئة، فهذا رؤبة يقول عنه صاحب الأغاني (وقد أخذ عنه وجوه أهل اللغة، وكانوا يقتدون به ويحتجون بشعره ويجعلونه إماماً).
وهوذا العجاج أشعر الناس في نظر يونس، وأرجوزة العجاج التي مطلعها:
قد جبر الدين الإله فجبر جعلها موقوفة القوافي، ولو أطلقت كلها لكانت منصوبة، وكانت مائتي بيت.
ومن ناحية أخرى نجد سمات البداوة والخشونة فيهما مما يفتح آفاق البحث والتأمل النفسي عندهما، فقد روي أن رؤبة كان يصر على أكل الفأر ويقسم أنه: «أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللواتي يأكلن القذر… الخ»، كما روي أنه كان يصر على تسمية دار الصيارفة بالبصرة دار الظالمين، وهذا ما يؤذن بالاعتداد بالسليقة البدوية التي لا تتلاءم مع ما طرأ على المحضر من أساليب التطور.
وهنا نجد مخالفة القياس إما ناتجة عن تغيير أحدثه الرواة خدمة للقاعدة النحوية، وإما راجعة إلى ابتكار واختراع الراجز، مما يقوي الاحتمال الأول اختلاف رواية البيت في كتب النحو عنه في كتب اللغة، فبيت رؤبة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق، يروي شاهداً نحوياً في الأشموني وكتب النحو هكذا: المخترقين، بينما يروى في الأغاني ـ مثلاً بلا نون، وكذا في أراجيز العرب وغيرها، على مدى خمسة وثمانين بيتاً هي جملة أبيات الأرجوزة. وإذا كانت مخالفة القياس شائعة ومثالها قول الراجز:
لقلت: لبيه لمن يدعوني.
بإضافة لبيه إلى ضمير الغائب، فإنه إلى جانبها يرد الاستشهاد بلا شذوذ أي بالتزام القاعدة مثل: فصيروا مثل كعصف مأكول حيث نصبت صيروا مفعولين بلا شذوذ.
ومن ذلك كله حول الرجز ـ الذي سمي ديوان العرب ـ شبهات.
وروي أن الخليل لم يعده شعراً، ودعا أحد علماء الفقه المحدثين إلى عدم نسبة الشواهد إلى أقوال العرب المأثورة وأشعارهم.
ولم يقتصر أمر الرجز على كتب النحو والفقه واللغة، بل حفلت به كتب السيرة والتاريخ مثل: السيرة النبوية لمحمد بن إسحاق (تهذيب ابن هشام)، وفيها رجز كثير لثعلبة بن سعد بن ذبيان، وللغوث بن مر.
أما في مجال الأدب فإن رحلة الرجز مع التاريخ خصبة وواسعة المدى، نقف على أمهات الأمور فيها فنقول إن أوزان البحور مالت إلى ألوان من التجديد عبر العصور، لسنا في مجال تفصيلها، فقد راجت الأوزان القصيرة الخفيفة في شعر العصر العباسي مجاراة لشيوع فن الغناء، وابتكر بعضها مسلم بن الوليد، وبرز مسلم الخاسر ـ من شعراء القرن الثاني الهجري ـ مجدداً في الأوزان، وقد مدح الهادي بقصيدة كل بيت فيها على وزن (مستفعلن) واحدة وهي التفعيلة التي يقوم عليها بحر الرجز، ولم نسمع لمن قبله شعراً على جزء جزء»، ونقتطف هذا المثال مما قال:
موسى العطر
غيث بكر
كم اعتسر
وكم قدر
ثم انهمر
ألوى المدر
ثم غفر
عدل السير
وهي محاولة جديرة بأن يقف أمامها كل من يتصدى لدراسة محاولة الشعر الحديث التجديدية، التي عمّت اتجاهات الشعر العربي الآن فيما يشبه الثورة الجذرية.
ومن المجددين أيضاً على ما يذكر «بروكلمان» (17)» ـ رزيق ابن زندرون مولى طيفور بن منصور الحميري خال المهدي، وقد اشتهر بخروج الكثير من شعره عن العروض حتى لقّب بالعروضي.
ويذكر نشأة ضربين جديدين من الرجز دفعاً لملل الناس لكثرة ترديد أبيات رجزية ذات مصراع واحدة أو بفعل مؤثرات خارجية، فوجدت المزدوجات والمخمسات، واستعمل الازدواج كثيرون، منهم أبو العتاهية في زهدياته، ومنها أرجوزته المسماة: ذات الأمثال، وكان رائد التخميس بشار ابن برد، ومن أعلامه أبو نواس الذي استعمله كما استعمل الرجز ذا المصراع الواحد والقافية الواحدة.
كذلك قام أبان اللاحقي بنظم كليلة ودمنة رجزاً حتى رآه (يوهان فيك) مطابقاً للمثنوي الفارسي تمام المطابقة.
وتلك المحاولات ـ وغيرها كثير ـ عبر عصور الأدب المتعاقبة من التجديد والابتكار، هي التي مهدت الطريق ـ فيما نظن ـ إلى حركة التجديد الشعري في الوزن، المتمثلة في توافر الكثرة الكاثرة من الشعر العربي الحديث إلى تفعيلة الرجز استجابة لمبدأ الثورة العروضية في حركة الشعر الحديث المتمثل في التمسك بوحدة التفعيلة.
وتوفر هذه الوحدة دون الالتزام بكمها ودون التقيد بتوافر هذا الكم الذي ورثناه عن العرب من خلال ما ضبطه وفصله ووضعه على الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 ـ 174 هـ) في صورة أجزاء تتكون منها البحور، منها أربعة أصول هي: فعولن، ومفاعيلن، ومفاعلتن، وفاعلاتن، وأربعة فروع: وهي فاعلن، ومتفاعلن، ومستفعلن، ومفعولاتن على نحو ما هو واضح في الدوائر.
ويرى البعض أن الأراجيز ذات سمة فنية شعبية ـ إن صح التعبير ـ وقد يرون أن الرجز أول ما جرى على لسان الشاعر الجاهلي لسهولة وزنه، وعدم احتياجه إلى حركات الإعراب نظراً لسكون آخره، وسواء صح ما قاله الأقدمون من توهم هذه الأعاريض ومنها الرجز أو ما قاله المحدثون بإرجاع ذلك إلى حداء الإبل في الصحراء، الأمر الذي جعل البكري يشبه الرجز بالناقة الرجزاء التي تتحرك وتسكن، ثم تتحرك وتسكن، وجرجي زيدان الذي يشبه توقيع الرجز بمشي الجمل الهوينا، نقول سواء تابعنا هذه التفسيرات أو شجبناها كما صنع الدكتور طه حسين مرجعاً الأعاريض إلى التأثر بالموسيقى التي هي ملازمة للشعر والغناء، أو قلنا مع الدكتور إبراهيم أنيس بسبق بحر الكامل لسائر البحور، فإن مع القطع أن الرجز كان أقرب البحور إلى قلم الشاعر وأسرعها إليه وأكثرها وروداً، بما يتوافر له من سهول الارتجال فهذا رؤبة يرتجل حين يرى عجوزاً قد كبت:
تنح للعجوز عن طريقها
إذ أقبلت رائحة من سوقها
وقد جرى الرجز على لسان الرسول (ص) دون قصد إليه ـ كما يقرر ابن بري، مثل قوله حين جرحت يده:
ما أنت إلا أصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت
وقوله:
أنا النبي لأ كذب
أنا ابن عبد المطلب
ومما يؤكد صفة الشعبية بما يعني انتشار هذا الشعر افتخار فحول الشعراء في القرون: الثاني والثالث، والرابع بحفظ الآلاف منه، وكان من الوصايا الشهيرة قولهم: رووا أبناءكم الرجز فإنه يهرت أشداقهم.
ومن هذه الشعبية الاختلاف في نسبة الأراجيز لقائليها، حيث عده الشعراء مطية لهم وحماراً، وقام هو بتمثيل لهجات العرب من كشكشة، وعنعنة، وعجعجة، ولغات القبائل مثل: طيىء، وهذيل، وبني الغبر، وبني الهجيم، وبني الحارث.
وفي أدبنا الحديث ـ كما قلنا ـ يدور الزمن دورته لنجد لهذا البحر سلطانه الأدبي، ونجد لتفعيلته الغلبة في ديوان الشعر الحديث، بل في الشعر الشعبي أيضاً، وكان الرجز أحد البحور ذات التفعيلات الموحدة والمكررة بنصها كالكامل، والرمل مثلاً، ومع هذا فإنه يفوق هذين البحرين دوراناً على لسان الشعراء المحدثين، وهذه التفعيلة: (مستفعلن قد تأخذ الصور التالية:
مستفعل، متفعلن، مستعلن، متعلن (نادراً)، فعولن (وهي غير مقبولة)، ويأتي البيت تاماً، ومشطوراً، ومجزوءاً ـ ومنهوكاً، على نحو لا يشغلنا أمر ذكر مصطلحاته الفنية هنا، لأن ما يهمنا هو التأكيد على شيوع هذه التفعيلة في الشعر الحديث، ومن أمثلته قول الشاعر كامل سعفان في قصيدة:
«آن لنا أن ننفطم»:
الدمع في ذكراه دم.
هل بنيت الأزهار دم؟
الضوء لفه قتم
كيف السبيل في القتم؟!
الجرح لما يلتئم
ودورنا لما يلتئم
المجد ركنه انهدم
هذا إذن قد انهدم؟!
يا سادتي
آن لنا أن ننفطم!!
ولنحظ أن النسيج الموسيقي ساعد يسر العبارة على الانتقال، بما يؤكد أن لجوء الشاعر الحديث لهذه التفعيلة، متكئ إلى مبررات السهولة واليسر في النسيج الموسيقي، والسرعة في الاستجابة إلى المشاعر بأسرع عبارة وأقرب فكرة.
ومن تفعيلة الرجز ما يقوله نزار قباني في قصيدته: «أنا محرومة» في قالب (كلاسيكي):
لا أمه لانت ولا أمي
وحبه ينام في لحمي
إن خبأت أمي بصندوقها
شالي فلي شال من الغيم
أو أوصدوا الشباك كي لا أرى
فتحت شباكاً من الوهم
ما أشفق الناس على حبنا
وأشفقت مساند الكرم
ويطول بنا الأمر لو تابعنا نماذج الشعر الحديث في قالبيه التجديدي والمحافظ، مما يصل بنا إلى مقولة نطرحها في بحثنا، وهي أن الخطوط الأولى لمسرى التجربة الوزنية العروضية في حركة الشعر الحديث تدين بالكثير لتفعيلة الرجز (مستفعلن)، وفي تاريخ هذا البحر القديم ـ منذ حالة الارتجال عند الجاهلي إلى حالات:
التعليم القصصي، والعلمي، اللغوي، والديني، والتاريخي ـ في هذا التاريخ كان هذا البحر معطاء وسهل التناول، ومن هنا نذهب إلى أنه مفتاح التجديد الوزني الذي شهده واقتحمه شعراء العصر الحديث.
الدكتور يوسف حسن نوفل
وحين نذكر كل ما ذكرناه فيما تقدم، يجب أن نتذكر المشاركة الفعّالة لشعراء الشيعة في ذلك، منذ الفرزدق حتى الجواهري وحتى شعراء الشعر الحديث اليوم وفي القمة منهم نازك الملائكة.
عسقلان
هي المدينة التي دفن فيها رأس الحسين عليه السلام قبل نقله إلى القاهرة في تفاصيل تراجع في المجلد الأول في سيرة الحسين عليه السلام وفي هذا المقال دراسة عن المدينة:
عرفت عسقلان باسم أشقلون منذ أقدم العصور التاريخية، إذ ظهر اسمها للمرة الأولى في الكتابات الفرعونية العائدة إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد. كما ظهر في رسائل تل العمارنة المصرية التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وبقي الاسم نفسه شائعاً حتى العصر الهلليني، حين حرف إلى أسقلون. وأصبح الاسم عسقلان بعد الفتح الإسلامي. وورد هذا اللفظ في «لسان العرب» بمعنى أعلى الرأس، كما يورد المعجم نفسه معنيين آخرين هما: الأرض الصلبة المائلة إلى البياض، والكمأة (العسقل). ويشير ابن منظور في معجمه هذا إلى مدينة عسقلان، فيذكر أنها عروس الشام، وأنها من جند فلسطين. أما مصطفى مراد الدباغ فيعيد الاسم في موسوعته «بلادنا فلسطين» إلى أصل كنعاني يقول إنه يعني «المهاجرة».
وتدل الحفريات الآثارية حتى الآن على أن عسقلان واحدة من أقدم مدن فلسطين، وأنها كانت مشغولة منذ العصر الحجري الحديث. فقد عثر على بقايا أكواخ دائرية يتراوح قطر الواحد منها ما بين متر ومتر ونصف المتر على شكل أجراس، كما وجدت أدوات مصنوعة من العظم وأوان حجرية وزخارف صدفية وبقايا هياكل عظمية للثور والماعز والضأن وعظام أسماك. وتغطي خرائب عسقلان الحالية منطقة شبه دائرية مساحتها 12 فداناً، وتقع مباشرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وتؤشر بقايا سورها وأبراجه إلى حدودها في شكل واضح. وفي منتصف قطر الدائرة المطل على البحر يقع تل الخضرة على ارتفاع 13 متراً عن سطح البحر، وهو يحدد آثار مدينة عسقلان في العصرين البرونزي والحديدي. وإلى الجنوب، قليلاً، تقع بقايا ميناء المدينة القديم، وآثار أبراج السور مع أعمدة رخامية يميل لونها إلى الزرقة.
وتذكر الكتابات المصرية القديمة أن عسقلان كانت تابعة للحكم المصري، وإنها ظلت مخلصة لتحتمس الثالث وأمنمحوتب الثالث، واستمرت كذلك لعهود عدة في بلاد كنعان. كما تؤكد رسائل تل العمارنة تواصل تبعية المدينة لمصر في القرون اللاحقة. ولكن في عهد الفرعون رمسيس الثاني، حوالي العام 1220 قبل الميلاد. بدأت بالوصول إلى مصر الهجرة المعروفة بهجرة شعوب البحر الآتية ـ على الأرجح ـ من بحر إيجه، وأشهرها قبيلة «فالستا». غير أن المصريين دفعوا هذه الهجرة باتجاه جنوب فلسطين ليستقروا فيه، وليعطوا أرض كنعان اسماً جديداً هو: فلسطين، متعايشين مع سكان البلاد الأصليين من الكنعانيين، وكانت عسقلان أولى المدن التي حظيت باهتمام القادمين الجدد، فزادوا في عمرانها، وأنعشوا اقتصادياتها، كما فعلوا في المدن المجاورة: غزة وعقرون وجت وأسدود. وبقيت عسقلان جزءاً من حضارة البلاد المستقرة، وحافظت على استقلالها في ظل الغزوة العبرانية، حتى عندما تمكن هؤلاء من احتلال القوس لفترة قصيرة. ويرجّح أن المجدل نشأت في هذه الحقبة التاريخية، إلى الشرق من عسقلان كمركز متقدم للدفاع عنها بوجه الغزاة.
ويبدو أن الروح الاستقلالية التي برزت في عسقلان منذ عهد رمسيس الثاني، وفي مواجهة الهجوم العبراني تواصلت في العهد الآشوري الذي بدأ مع حملة الملك تغلات بلاصر العام 731 قبل الميلاد، إذ ثارت مرتين ـ في الأصل ـ ضد الآشوريين، لكن سيطرتهم استمرت عليها حتى نهاية وجودهم في فلسطين في عهد نبوخذ نصر الكلداني ( 652-602ق.م).
وخضعت المدينة لسلطان الإسكندر المقدوني العام 332 ق.م. ولما توفي وتنافس ورثته البطالمة والسلوقيون على السلطة، تداولوا السيطرة على عسقلان مرات عدة إلى أن فتح القائد الروماني بومبي فلسطين العام 640 قبل الميلاد. وظلت المدينة على وثنيتها حتى بداية العصر البيزنطي، ولم تدخل المسيحية إلاّ بعد مقاومة ضارية. وظلت على حالها هذا حتى دخلت في الإسلام، صلحاً العام 633 ميلادي، على يد معاوية بن أبي سفيان، في ولاية الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب.
وبعد الفتح الإسلامي، أصبحت عسقلان مركز الجيوش الإسلامية الرئيسي طوال فترة صدر الإسلام وسكنها بعض القبائل العربية.
ومع الحملات الصليبية على فلسطين واحتلال القدس العام 1099، تعرضت عسقلان لهجمات متكررة، كان أخطرها في العام نفسه عندما احتلها الصليبيون وقتلوا حوالي عشرين ألفاً من أهلها، لكنهم انسحبوا منها، فأصبحت مركزاً متقدماً لمقاومتهم على الحدود المصرية. وفي ظروف انشغال الفاطميين بفتنة داخلية حدثت في مصر، وموجة القحط التي حلّت بعسقلان بدءاً من العام 1125. تمكّن الصليبيون من الاستيلاء عليها في العام 1153، فلم يغيروا فيها شيئاً، بل أنها لم تفقد في ظلهم مركزها التجاري المهم. ووصفها الرحالة بنيامين التطيلي في هذه الحقبة، فقال: «هي، اليوم، مدينة عامرة جميلة الموقع على ساحل البحر، يؤم ميناءها عدد غفير من التجار لقربها من حدود مصر. ويتوسط البلدة بئر يقال إنها من عمل سيدنا إبراهيم منذ زمن الفلسطينيين. وهي على مسيرة يوم ونصف من البلد».
ومع أن المسلمين تمكنوا من تحريرها العام 1187، إلا أن الصليبيين عادوا إليها بعد أربعة أعوام فهدمها المسلمون قبيل انسحابهم لئلا تكون حصناً للفرنجة بقطع الطريق بين الشام ومصر، ولما دخلها القائد الصليبي ريتشارد قلب الأسد، شرع في إعادة بنائها وتحصين أسوارها. فأنشأ في كل زاوية برجاً وسماها بأبراج: العذراء. الأدميرال، البدو. الدم، الدروع. غير أن صلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد قضى بأن تكون عسقلان خراباً، وهذا ما كان، فبدأ نجم المدينة بالأفول، إلى أن دمرت نهائياً في عهد الظاهر بيبرس العام 1270، لينتقل دورها التاريخي إلى المجدل الواقعة على بعد ستة كيلومترات إلى الشمال الشرقي منها.
وقد مرّ بها الرحالة الشهير ابن بطوطة، بعد حوالي ستين سنة من خرابها. وقدم لنا الوصف التالي: «ثم سافرت من القدس الشريف برسم زيارة ثغر عسقلان وهو خراب قد عاد رسوماً طامسة وأطلالاً دارسة. وقل في بلد من المحاسن ما جمعته عسقلان إتقاناً وحسن مصنع وأصالة مكان، وجمعاً بين مرافق البحر والبر. وبها المشهد حيث كان رأس الحسين بن علي عليه السلام قبل أن ينقل إلى القاهرة، وهو مسجد عظيم، سامي العلو فيه جب للماء. أمر ببنائه بعض العبيد، وكتب ذلك على بابه. وفي قبلة المزار مسجد كبير يعرف بمسجد عمر، لم يبق منه إلا حيطانه، وفيه أساطين رخام لا مثيل لها في الحسن. وفي القبلة من المسجد بئر تعرف ببئر إبراهيم ينزل إليها في درج متسعة، ويدخل منها إلى بيوت (…) وماؤها عذب، وليس بالغزير».
ويضيف: «ويذكر الناس من فضائلها كثيراً، وبظاهر عسقلان وادي النمل، ويقال إنه المذكور في الكتاب العزيز. وبجبانة عسقلان من قبور الشهداء والأولياء ما لا يحصى لكثرتها.
وعسقلان ذات الشهرة التجارية والعسكرية، تميزت أيضاً بحياتها العلمية الحافلة منذ ظهرت فيها «أكاديمية عسقلان» التي أسسها الفيلسوف أنطيوخس العسقلاني بهدف نشر آراء الفلاسفة الأفلاطونيين والرواقيين. وتواصل هذا الدور العلمي للمدينة في الحقب الإسلامية المتتالية، فظهر فيها علماء اشتهروا بالحديث والفقه والأدب.
عبد الرحيم أحمد حسين
مجدل عسقلان
فتح المسلمون عسقلان في العام 23 وجاءها عدد من الفقهاء لتعليم الناس الدين والشريعة، فنزلوا خارج سور المدينة، وسموا المكان باسم المجدل نسبة إلى المكان الذي قدموا منه في منطقة مر الظهران. وأدى تداول السيطرة على عسقلان بين المسلمين والفرنجة، إبان الحروب الصليبية، إلى تدمير المدينة بكاملها، فأصبحت المجدل البقعة السكنية البديلة في تلك المنطقة.
ويعتقد أهلها أنهم يعودون في أصولهم إلى العسقلانيين الذين هدمت مدينتهم. ويعتبر بنو كنانة من أبرز العسقلانيين، إذ كانوا يشكلون الغالبية العظمى من السكان، إلى جانب آخرين من قبائل طيء وجذام وفزارة وكلاب. كما قدم البلدة كثيرون من سكان سوريا ولبنان والقدس خلال حملة المغول الأولى بقيادة هولاكو والثانية بقيادة تيمورلنك. واستوطنتها ـ أيضاً ـ جماعات من قبيلة الهنادي المصرية التي ثارت على حكم محمد علي باشا، ثم هربت إلى فلسطين.
وكانت المدينة، في الأربعينات (1940) تقسم إلى ست حارات تحمل كل منها اسم الحامولة الرئيسية المقيمة فيها. وهي: حارة أبو شرخ، وحارة المدهون، وحارة زقوت، وحارة شقورة، وحارة الطلسة، وحارة أبو مرسة. وعائلة أبو شرخ هي بطون قبيلة جذام التي كانت تسكن قرب مدينة العقبة الأردنية، وهاجر قسم كبير منها أيام الفتح الإسلامي إلى مصر، إلا أن بعضهم رحل في عهد الظاهر بيبرس إلى فلسطين، وسكن في قرية الظاهرية قرب الخليل، وفي المجدل أما عائلة المدهون فهم قوم من الأنصار كانوا يسكنون جبل المدهون وجبل الوشح ووادي جدعان بين مكة والمدينة، ورحلوا خلال الفتوح الإسلامية إلى المجدل ويافا وبيروت، ووصل بعضهم إلى ليبيا، وتعتبر عائلة زقوت فرعاً من قبيلة الصبحيين من زبيد الطائيين، قدم إلى فلسطين خلال الفتح الإسلامي، وانتشر أفراده ما بين رفح وبئر السبع في جنوب فلسطين، فيما سكن آخرون في مناطق أخرى مثل مرده ودير استيا وطوباس وباقة الواقعة حول نابلس، كما سميت باسمهم قرية الزقوت التي تعرف حالياً باسم الساكوت (قرب طوباس) ولكنهم رحلوا منها لأسباب غير معروفة، وتنتسب عائلة اليعقوبي إلى قبيلة بن صخر الجذامية التي كانت تسكن في جنوب شرق الأردن، وقدمت إلى المجدل، واستوطنت فيها. أما أصول عائلة الشريف فتعود إلى مدينة الخليل، ولكنها سكنت المجدل خلال العهد العثماني. وتتحدر عائلة نجم من الفقيه النجم العسقلاني المذكور في كتاب «الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة». و«الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل». وتنسب عائلة الخطيب إلى شمس الدين الحنفي الذي تعلم في مصر وتولى قضاء الحنفية أيام السلطان الغوري ثم سافر إلى الحجاز وتوفي في العقبة ودفن فيها. وعائلة مهدي هي فرع من قبيلة حجازية تعود أصولها إلى مدينة الليث الواقعة بين الطائف وحدود اليمن ولا تزال بقاياهم موجودة هناك. ويعتبر الأمير شرف الدين يحيى ابن شلوه الغزي جد عائلة شلايل، وهو كان ناظراً للحرمين الشريفين في القدس سنة 833 هجرية. وقدم جد عائلة شاتيلا من الشام، وكان عالماً أقام في المدرسة الصلاحية في دمشق ودرس فيها، ثم تحول إلى صفد ومات فيها.
واشتهرت المجدل، قبل نكبة 1948، بصناعة النسيج خصوصاً المنسوجات الحريرية والقطنية، مما جعلها تحوز على الجائزة الأولى في هذه الصناعة في المعرض العربي القومي في القدس سنة 1934. وبلغ عدد أنوال النسيج فيها 500 نول في أواخر العهد العثماني و1800 نول في العام 1940، وارتفع العدد إلى ما يزيد على 3000 نول خلال الحرب العالمية الثانية، كما امتلك معظم سكانها أرض زراعية بلغت مساحتها 15 ألف دونم كانت تغل التين والرمان والمشمش والخوخ والتفاح والقمح والسمسم والبرتقال والفول والعدس، إلا أن أشهر غلاتها العنب الذي كان يصدر إلى مصر عن طريق البحر. كما عرف أهلها بخبرتهم الواسعة في التجارة، فكانوا يشترون بضائعهم من المراكز الرئيسية في فلسطين وبلاد الشام ومصر، ويصدرون إليها المنسوجات والمنتجات الزراعية.
وشارك السكان في النضال ضد الانتداب البريطاني والمنظمات الصهيونية، ففي ثورة 1929 قاموا بتدمير وإحراق «بيار تعبيا» التي أقيمت في العام 1887. كما انخرطوا في إضراب ثوروة 1936، فتم تشكيل لجنة قومية من الأهالي أخذت على عاتقها تنظيم الإضراب والاتصال بالحمائل لتنتدب عدداً من أبنائها للالتحاق بالثورة، بعد أن تسلحهم على نفقتها الخاصة. وهكذا تشكلت قوة من 80 رجلاً.
وتولى الأهالي الدفاع عن مدينتهم قبل وخلال دخول الجيش المصري إليها، خلال حرب العام 1948، لكن القوات الصهيونية لجأت إلى قصفها بكثافة بالطائرات، ففي ساعة مبكرة من صباح 17 تشرين الأول (أكتوبر) أدّت غارة جوية عنيفة إلى تدمير حوالي 15 في المئة من عمران البلدة. وفي مساء اليوم نفسه أعادت الطائرات الكرة فقتلت عدداً كبيراً من السكان واللاجئين الذين احتموا في شمال المدينة وتكررت الغارات، وفي اليوم التالي، فهدمت القسم الغربي من المجدل، وجانباً من القسم الشرقي. وابتداء من 19 الشهر قصفت السفن اليهودية المجدل. واشتدت غارات الطائرات في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، فدب الذعر في قلوب الأهلين وأخذوا بالرحيل عنها، إلى أن بدأ الجيش المصري في الانسحاب، فتصاعدت وتيرة النزوح، وسقطت المجدل في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) وتركزوا في قطاع غزة خصوصاً، باستثناء حوالي خمسين عائلة بقيت في منازلها، فخيرها الإسرائيليون بين الرحيل إلى مناطق أخرى داخل الأراضي المحتلة في العام 1948 أو أي مكان آخر، فاختار الكثيرون الرحيل إلى غزة والقدس والخليل، فيما أقام الباقون (حوالي 20 عائلة) في مدينتي اللد والرملة. ومع الوقت انتشر أهل المجدل في مصر ودول الخليج والأردن وسوريا وغيرها، بالإضافة إلى المقيمين في القطاع والضفة الغربية، إلا أن الروابط لا تزال قائمة بينهم، تعززها علاقات القربى والتعاون والمودة خصوصاً في المناسبات والأفراح والأعياد.
تفاصيل
وبعض ما مر عن عسقلان خلال الحروب الصليبية يحتاج إلى شيء من التفصيل ففي عهد وزارة طلائع بن ابن زريك وذلك للخليفة الفاطمي الفائز ثم للعاضد، أرسل الوزير طلائع في ربيع الأول سنة 553 حملة عسكرية من مصر إلى غزة وعسقلان، وكان الصليبيون يحتلونهما فأغارت الحملة على أعمالها وخرج إليهم من كان بهما من الصليبين يقول (أبو شامة) في (كتاب الروضتين): وخرج إليهم من كان فيهما من الفرنج فأظهر الله تعالى المسلمين عليهم قتلاً وأسراً بحيث لم يفلت منهم إلاّ اليسير، وغنموا ما ظفروا به وعادوا سالمين ظافرين اهـ. ثم يذكر صاحب «الروضتين» القصيدة التي أرسلها الصالح طلائع إلى أسامة بن منقذ الذي كان قريباً من نور الدين في بلاد الشام يذكر له هذه الوقعة ويطلب إليه تحريض نور الدين على مهاجمة الصليبيين، كما أرسل عدة قصائد في نفس الموضوع فيما يأتي:
ويعلق ناشر الكتاب ومحققه الدكتور محمد حلمي أحمد مدرس التاريخ الإسلاميي في كلية دار العلوم في القاهرة على نشر ابن أبي شامة لهذه القصائد بقوله:
يسوق أبو شامة في هذه الصفحة وفي الصفحات التالية مجموعة من القصائد المتبادلة بين الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر وأسامة بن منقذ الذي كان عندئذ على صلة بنور الدين تيسر له القيام بمهمة إيجاد نوع من التحالف بين مصر الفاطمية الشيعية والشام العباسية ضد الفرنج. وتدل هذه الأشعار وبخاصة ما كتبه الصالح بن رزيك منها على المحاولات المتكررة التي بذلها هذا الوزير في محاولة تحسين علاقته ممثلاً لمصر بنور الدين سلطان الشام في سبيل مقاومة العدو المشترك. فهذه الأشعار إذن ليست واردة هنا على أنها مجرد أمر أدبي فني جميل أعجب به أبو شامة وإنما اقتبسها مؤرخنا لتصور مراحل التطورات السياسية في علاقة مصر بالشام.
هذا ما علق به الدكتور أحمد ثم يقول أبو شامة مشيراً إلى تلك الواقعة: وأرسل إلى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ من مصر وزيرها الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك قصيدة يشرح فيها حال هذه الغزاة ويحرض فيها نور الدين على قتال المشركين، ويذكر بما منّ الله تعالى عليه من العافية والسلامة من المرض.
فمما جاء في تلك القصيدة:
ألا هكذا في الله تمضي العزائم
وتنضى لدى الحرب السيوف الصوارم
ويستنزل الأعداء من طود عزهم
وليس سوى سمر الرماح سلالم
وتغزى جيوش الكفر في عقر دارها
ويوطى حماها والأنوف رواغم
ويوفي الكرام الناذرون بنذرهم
وإن بذلت فيها النفوس الكرائم
نذرنا مسير الجيش في صفر، فما
مضى نصفه حتى انثنى وهو غانم
بعثناه من مصر إلى الشام فاطعا
مفاوز وخد العيس فيهن دائم
فما هاله بعد الديار، ولا ثنى
عزيمته جهد الظما السمائم
يهجر والعصفور في قعر وكره
ويسري إلى الأعداء والليل نائم
يباري خيولاً ما تزال كأنها
إذا ما هي انقضت نسور قشاعم
يسير بها الضرغام في كل مأزق
وما يصحب الضرغام إلا الضراغم
ورفقته عين الزمان، وحاتم
ويحيى، وإن لاقى المينة حاتم
وواجههم جمع الفرنج بحملة
تهون على الشجعان فيها الهزائم
فلقوهم زرق الأسنة، وانطووا
عليهم، فلم ينجم من الكفر ناجم
وما زالت الحرب العوان أشدها
إذا ما تلاقى العسكر المتضاجم
يشبههم من لاح جمعهم له
بلجة بحر موجها متلاطم
وعادوا إلى سل السيوف، فقطعت
رؤوس، وحزت للفرنج غلاصم
فلم ينج منهم يومذاك مخبر
ولا قيل هذا وحده اليوم سالم
نقتلهم بالرأي صوراً، وتارة
تدوسهم منا المذاكي الصلادم
فقولوا النور الدين، لا فل حده
ولا حكمت فيه الليالي الغواشم
تجهز إلى أرض العدو ولا تهن
وتظهر فتوراً إن مضت منك حارم
فما مثلها تبدي احتفالاً به، ولا
يعض عليها للملوك الأباهم
فعندك من ألطاف ربك ما به
علمنا يقينا إنه بك راحم
أعادك حياً بعد أن زعم الورى
بأنك قد لاقيت ما لاقاه حاتم
بوقت أصاب الأرض ما قد أصابها
وحلت بها تلك الدواهي العظائم
وخيم جيش الكفر في أرض شيزر
فسيقت سبايا واستحلت محارم
وقد كان تاريخ الشآم وهلكه
ومن يحتويه إنه لك عادم
فقام، واشكر الله الكريم بنهضة
إليهم، فشكر الله للخلق لازم
فنحن على ما قد عهدت، نروعهم
ونحلف جهداً، إننا لا نسالم
وغاراتنا ليست تفتر عنهم
وليس ينجي القوم منا الهزائم
فأسطولنا أضعاف ما كان سائراً
إليهم فلا حصن لهم منه عاصم
ونرجو بأن يجتاح باقيهم به
وتحوى الأسارى منهم والغنائم
ومما كتب إليه أيضاً محرضاً لنور الدين:
يا سيداً يسمو بهمته
إلى الرتب العلية
فينال منها حين يحرم
غيره أوفى مزيه
أنت الصديق وإن بعدت
وصاحب الشيم الرضيه
ننبيك إن جيوشنا
فعلت فعال الجاهلية
سارت إلى الأعداء من
أبطالها مائتا سرية
فتغير هذي بكرة
وتعاد لأخرى عشية
فالويل منها للفرنج
فقد لقوا جهد البلية
جاءت رؤوسهم تلوح
على رؤوس السمهرية
وقلائع قد قسمت
بين الجنود على السوية
وخلائق كسرت من الأسرى
تقاد إلى المنية
فانهض فقد أنبيت مجد
الدين بالحال الجلية
والمم بنور الدين واعلمه
بهاتيك القضية
فهو الذي ما زال يخلص
منه أفعالاً ونية
ويبيد جمع الكفر بالبيض
الرقاق المشرفية
فعساه ينهض نهضة
يفني بها تلك البقية
أما لنصرة دينه
أو ملكه، أو للحمية
وكتب إليه أيضاً:
أيها المفتدي، لأنت على البعد
صديق لنا، ونعم الصديق
ليس فيما تأتيه من برأفعا
لك للطالب الحقوق عقوق
فلهذا نرى مواصلة الكتب
تباعاً إليك مما يليق
ونناجيك بالمهمات، إذ أنت
بإلقائها إليك خليق
وأهم المهم أمر جهاد الكفر
فاسمع فعندنا التحقيق
واصلتهم منا السرايا، فأشجاهم
بكور منالهم وطروق
وأباحت ديارهم، فأباد
القوم قتل ملازم وحريق
وانتظرنا بزحفنا برء نور الدين،
علماً منا بأن سيفيق
وهو الآن في أمان من الله،
وما يعتريه أمر يعوق
ما لهذا المهم مثلك مجد الدين
فانهض به فأنت حقيق
قل له، لا عداه رأي، ولا زال
له بكل خير طريق
أنت في حسم داء طاغية الكفار
ذاك المرجو المرموق
فاغتنم بالجهاد أجرك كي تلقى
رفيقاً له ونعم الرفيق
فأجابه أسامة بقصيدة منها:
يا أمير الجيوش ما زال للإسلام
والدين منك ركن وثيق
أسمعت دعوة الجهاد، فلباها
مليك بالمكرمات خليق
ملك عادل أنار به الدين،
فعم الإسلام منه الشروق
ماله عن جهاده الكفر، والعدل،
وفعل الخيرات شغل يعوق
هو مثل الحسام، صدر صقيل
لين مسه، وحد ذليق
ذو أناة يخالها الغر إهمالاً،
وفيها حتف الأعادي المحيق
فأسلما للإسلام كهفين ما طرز
ثوب الظلام برق خفوق
وكتب الصالح إليه أيضاً:
قل لابن منقذ الذي
قد حاز في الفضل الكمالا
فلذاك قد أضحى الأنام
على مكارمه عيالا
كم قد بعثنا نحوك الأشعار
مسرعة مجالا
وصددت عنها حين رامت
من محاسنك الوصالا
هلا بذلت لنا مقالا،
حين لم تبذل فعالا
مع أننا نوليك صبرا في
المودة، واحتمالا
ونبثك الأخبار أن
أضحت قصاراً أو طوالا
سارت سرايانا لقصد
الشام تعتسف الرمالا
تزجي إلى الأعداء جرد
الخيل اتباعاً توالى
تمضي خفافاً للمغار
بها، وتأتينا ثقالا
حتى لقد رام الأعادي
من يعهدوا فيها القتالا
لما نأت عمن يحف
بها يميناً أو شمالا
نهضت إليها خيلنا
من مصر تحتمل الرجالا
والبيض لامعة، وبيض
الهند، والأسل النهالا
فغدت كأن لم يعهدوا
في أرضها حياً حلالا
هذا وفي تل العجال
ملآن بالقتلى التلالا
إذ مر (مري) ليس يلوي
نحو رفقته اشتغالا
واستاق عسكرنا له
أهلاً يحبهم ومالا
وسرية ابن فرنج الطائي
طال بها وصالا
سارت إلى أرض الخليل،
فلم تدع فيها خلالا
فلو إن نور الدين يجعل
فعلنا فيهم مثالا
ويسير الأجناد جهراً،
كي ينازلهم نزالا
ووفى لنا، ولأهل دولته،
بما قد كان نالا
لرأيت للإفرنج طرا في
معاقلها اعتقالا
وتجهزوا للسير نحو
الغرب أو قصدوا الشمالا
وإذا أبى إلا اطراحا
للنصيحة واعتزالا
عدنا بتسليم الأمور
لحكم خالقنا تعالى
فأجاب ابن منقذ بقصيدة منها:
يا أشرف الوزراء أخلاقا،
وأكرمهم فعالا
نبهت عبداً طالما
نبهته قدراً وحالا
وعتبته، فأنلته فخراً،
وحمداً، لن ينالا
لكن ذاك العتب يشعل
في جوانبه اشتعالا
أسفاً لجد مال عنه
إلى مساءته ومالا
أما السرايا حين ترجع
بعد خفتها ثقالا
فكذاك عاد وفوداً بابك
مثقلين ثنا ومالا
ومسيرها في كل أرض
تبتغي فيها المجالا
فكذاك فضلك مثل عدلك
في الدنا سارا وجالا
فأسلم لنا حتى نرى
لك في بني الدنيا مثالا
واشدد يديك بنور
الدين وألق به الرجالا
فهو المحامي عن بلاد
الشام جمعاً أن تذالا
ومبيد أملاك الفرنج
وجمعهم حالاً فحالا
ملك يتيه الدهر والدنيا
بدولته اختيالا
جمع الخلال الصالحات
فلم يدع منها خلالا
فإذا بدا للناظرين
رأت عيونهم الكمالا
فبقيتما للمسلمين
حمى وللدنيا جمالا
وكتب إليه الصالح من قصيدة:
ولعمري أن المناصح في الدين
على الله أجره محسوب
وجهاد العدو بالفعل والقول
على كل مسلم مكتوب
ولك الرتبة العلية في الأمرين
مذ كنت إذ تشب الحروب
أنت فيها الشجاع، مالك في الطعن
ولا في الضرب يوماً ضريب
وإذا ما حرضت، فالشاعر المفلق
فيما يقوله، والخطيب
وإذا ما أشرت فالحزم لا ينكران
التدبير منك نصيب
لك رأي يقظان أن ضعف الرأي،
على حاملي الصليب صليب
فانهض الآن مسرعاً فبأمثالك
ما زال يدرك المطلوب
الق منا رسالة عند نور الدين
ما في إلقائها ما يريب
قل له، دام ملكه، وعليه
لإقبال يرد قشيب
أيها العادل الذي هو للدين
شباب، وللحروب شبيب
والذي لم يزل قديماً عن الإسلام
بالعزم منه تجلى الكروب
وغدا منه للفرنج، إذا لا قوه،
يوم من الزمان عصيب
أن يرم نزف حقدهم فلأشطان
قناه في كل قلب قليب
غيرنا من يقول ما ليس يمضيه
بفعل وغيرك المكذوب
قد كتبنا إليك ما وضح
بماذا عن الكتاب تجيب
قصدنا، أن يكون منا ومنكم
أجل في مسيرنا مضروب
فلدينا من العساكر ما ضاق
بأدناهم الفضاء الرحيب
وعلينا أن يستهل على الشام
مكان الغيوث مال صبيب
أو تراها مثل العروس، ثراها
كله من دم العدا مخضوب
لدنين السيوف من فلق الصبح
على هام أهلها تطريب
ولجمع الحشود من كل حصن
سلب مهمل لهم ونهوب
وكتب إليه أيضاً:
أيها السائر المجد إلى الشا
م تبارى ركابه والخيول
خذ على بلدة بها دار مجد
الدين، لا ريع ربعها المأهول
وتعرف أخباره، وأقره منا،
سلاما فيه العتاب يجول
قل له: أنت نعم ذخر الصديق
اليوم، لكنك الصديق الملول
ما صننا بأن حالك في القرب
ولا البعد بالملال يحول
لا كتاب، ولا جواب، ولا قول
به لليقين منا حصول
غير أنا نواصل الكتب إذا
اقصر منك البر الكريم الوصول
ذاكرين الفتح الذي فتح اللّه
علينا، فالفضل منه جميل
جاءنا بعدما ذكرناه في كتب
أتاكم بهن منا رسول
إن بعض الأسطول نال من الإفرنج
لا يناله التأميل([2])
سار في قلة، وما زال باللّه
وصدق النيات ينمى القليل
وبقايا الأسطول ليس له بعد
إلى جانب الشام وصول
فحوى من عكا وأنطرسوس
عدة لم يحط بها التحصيل
جمع ديوية، بهم كانت الإفرنج
تسطو على الورى وتصول
قيد في وسطهم مقدمهم، يهدى
إلينا، وجيده مغلول
بعد مثوى جماعة هلكوا بالسيف
منها الغريق والمغلول
هذه نعمة الإله، وتعديد
أيادي الإله شيء يطول
بلغوا قولنا إلى الملك العادل،
فهو المرجو والمأمول
قل له: كم تماطل الدين في الكفار،
فاحذر أن يغضب الممطول
سر إلى القدس، واحتسب ذاك في
اللّه، فبالسير منك يشفى الغليل
وإذا ما أبطأ مسيرك، فاللّه
إذا حسبنا ونعم الوكيل
فأجابه أسامة بقصيدة منها:
يا أمير الجيوش، يا أعدل الحكام
في فعله وفي ما يقول
أنت حليت بالمكارم أهل العصر
حتى تعرف المجهول
وقسمت الفرنج بالغزو شطرين:
فهذا عان: وهذا قتيل
بالغ العبد في النيابة والتحريض،
وهو المفوه المقبول
فرأى من عزيمة الغزو ما كادت
له الأرض والجبال تميل
وإذا عاقت المقادير فللّه
إذاً حسبنا ونعم الوكيل
وكتب الصالح إليه جواباً قصيدته الطائية التي أولها:
هي البدر، لكن الثريا لها قرط
ومن أنجم الجوزاء في نحرها سمط
ثم قال بعد وصف السيوف:
ذخرنا سطاها للفرنج، لأنها
بهم دون أهل الأرض أجدر أن تسطو
وقد كاتبوا في الصلح، لكن جوابهم
بحضرتنا ما تكتب الخط لا الخط
سطور خيول لا تغب ديارهم
لها بالمواضي والقنا الشكل والنقط
إذا أرسلت فرعاً من النقع فاحما
أثيثا، فأسنان الرماح لها مشط
رددنا به ابن الفنش عنا، وإنما
يثبته في سرجه الشد والربط
فقولوا لنور الدين: ليس لخائف
الجراحات إلا الكي في الطب والبط
وحسم أصول الداء في بعاقل
لبيب إذا استولى على المدنف الخلط
فدع عنك ميلاً للفرنج وهدنه
بها أبداً يخطى سواهم ولم يخطوا
تأمل، فكم شرط شرطت عليهم
قديماً، وكم غدر به نقض الشرط
وشمر فإنا قد أعنا بكل ما
سألت، وجهزنا الجيوش ولن يبطوا
وقال عماد الدين الكاتب عن طلائع بن رزيك: نفق في زمانه النظم وانثر واسترق بإحسانه الحمد والشكر. وقرب الفضلاء واتخذهم لنفسه جلساء، ورحل إليه ذوو الرجاء وأفاض على الداني والقاصي بالعطاء وله قصائد كثيرة مستحسنة. وله ديوان كبير وإحسان كثير وقال العماد أيضاً في الخريدة يتحدث عن مقتله:
وانكسفت شمس الفضائل ورخص سعر الشعر وانخفض علم العلم وضاق فضاء الفضل وعم رزء ابن رزيك وملك صرف الدهر ذلك المليك فلم تزل مصر بعد منحوسة الحظ منجوسة الجد منكوسة الراية معكوسة الآية.
وجاء في كتاب الوزراء المصرية لعمارة اليماني عن الصالح طلائع: لم يكن مجلس انسه ينقطع إلا بالمذاكرة في أنواع العلوم الشرعية والأدبية وفي مذاكرة وقائع الحرب وكان مرتاضاً قد شم أطراف المعارف وتميز عن أحلاف الملوك وكان شاعراً يحب الأدب وأهله يكرم جليسه ويبسط أنيسه ولكنه كان مفرط العصيبة في مذهب الإمامية. وكان مرتاضاً حصيفاً قد لقي في ولايته فقهاء السنة وسمع كلامهم.
وقال في النجوم الزاهرة: خلت القاهرة لطلائع ابن رزيك من مماثل، وأظهر مذهب الإمامية([3]).
ثم قال: وجعل له مجلساً في أكثر الليالي يحضره أهل الأدب ونظم هو شعراً دونه.
العَقْر
اسم عدة مواضع منها قرية في شمال شرقي كربلاء على نهر العلقمي قال ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان (… قال الخليل سمعت أعرابياً من أهل الصَّمان يقول كل فرجة تكون بين شيئين فهي عَقرُ وعُقرُ، لغتان… قال ووضع يديه على قائمتي المائدة ونحن نتغدى فقال ما بينهما عقرُ والعقر القصر الذي يكون معتمد لأهل القرية… منها عَقرُ بابل قرب كربلاء من الكوفة وقد روي أن الحسين رضي الله عنه لما انتهى إلى كربلاء وأحاطت به خيل عبيد الله بن زياد قال ما اسم تلك القرية وأشار إلى العقر فقيل له اسمها العقر. فقال: نعوذ بالله من العقر فما اسم الأرض التي نحن فيها قالوا كربلاء قال (أرض كرب وبلاء وأراد الخروج منها فمنع حتى كان ما كان…) ([4]).
يقول عبد الحسين الصالحي: وهي قرية محصّنة فيها قلعة ولها سور تقع بين نينوى والطف على نهر العلقمي نحو الشمال الشرقي من كربلاء وهي في عاقول حصينة والفرات يحدق بها الأمن وجه واحد كما وصفها زهير بن القين للحسين عليه السلام. قال الدينوري المتوفى سنة 282 هجرية (فقال زهير بن القين للحسين عليه… فها هنا قرية بالقرب منا على شط الفرات وهي في عاقول حصينة، الفرات يحدق بها الأمن وجه واحد قال الحسين عليه السلام: وما اسم تلك القرية، قال العقر، قال الحسين نعوذ بالله من العقر، فسار حتى أتوا كربلاء فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين عليه السلام ومنعوهم من المسير قال الحسين وما اسم هذا المكان قالوا له كربلاء، قال ذات كرب وبلاء…) ([5]) وقال أبي جعفر محمد الطبري (224 ـ 310 هجرية) من تاريخه: فقال زهير بن القين يا بن رسول الله… سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فإنها حصينة وهي على شاطىء الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء من بعدهم فقال له الحسين: وأية قرية هي؟ قال: هي العقر فقال الحسين اللهم إني أعوذ بك من العقر…)([6]) وجاء في اللغة العقر مصدر وفرج ما بين كل شيئين وما بين قوائم المائدة والمنزل والقصر والمتهدم منه والسحاب الأبيض أو غيم ينشأ في عرض السماء فيمر ولا تبصره ولكن تسمع رعدهُ من بعيد والبنآء المرتفع…) ([7]) قال أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356 هـ في الأغاني وياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هـ في معجم البلدان وغيرهما ثار يزيد بن المهلب في صفر سنة 102هـ وكان خلغ طاعة بني مروان ودعا إلى نفسه واطاعه أهل البصرة والأهواز وفارس وواسط وخرج في مئة وعشرين ألفاً… له يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة والتقى الفريقان في العقر قرب كربلاء وجرت بينهما حروب دامية وطاحنة حتى قتل يزيد بن المهلب وتفرقت قواه.
قال أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: (…ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر…) ([8]). قال الفرزدق يخاطب زوج يزيد بن المهلب وهي عاتكة بنت عمرو بن يزيد الأسدي قائلاً:
إذا ما المزونيات أصبحن حسَّرا
وبكين اشلاءً على عقر بابل
وكم طالب بنت الملاءة انها
تذكر ريعان الشباب المزايل
وقال ابن خلكان (608 – 681هـ) في وفيات الأعيان نقلاً عن الكليبي: (نشأت والناس يقولون ضحى بنو أمية بالدين يوم كربلاء وبالكرم يوم العقر…) ([9]) وقال أبو العباس محمد الميرد في الكامل (…كان يقال ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر فيوم كربلاء يوم الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه ويوم العقر يوم قتل يزيد بن المهلب وأصحابه) ([10]).
عبد الحسين الصالحي
عقرقوف
هو أقدم بناء موجود على وجه الأرض كلها مما بني باللبن الميبس. وهو أثر عربي يدل على عظمة مؤثره. فجدير أن يفتخر به العراق فيباهي أهرام مصر وعمره اليوم ينيف عن اثنين وثلاثين قرناً ونصف قرن.
الأقوال في تاريخ عقرقوف وأصله: اختلفت أقوال المؤرخين قديماً وحديثاً في تاريخه وأصله وذهبوا إلى مذاهب كثيرة لا يتأتى الترجيح بينها لرجوعها غالباً إلى الرجم بالغيب وعدم الاستناد إلى دليل بين.
فحكي عن ابن الفقيه: أنه مقبرة الكيانيين وهم ملوك كانوا قبل آل ساسان من النبط: وذكر أهل السير: أنه سمي باسم عقرقوف بن طهمورث: وقال ياقوت في المعجم في مادة عاقرقوفا: مركب من عاقر وقوفا فأما الأول فهو من الرملة العظيمة المتراكمة وقيل الرملة التي لا تنبت شيئاً والقوف الاتباع يقال قاف أثره: اهـ: وقال في مادة عقرقوف: هو عقر أضيف إلى قوف فصار مركباً مثل حضرموت وبعلبك والقوف في اللغة الكل فيقال أخذه بقوف قفاه إذاً أخذه بكله وقال قوم القوف القفا وقوف الإذن مستدار سمتها: اهـ. وقالت جماعة أنه كان مدفناً لأحد ملوك آشور وفي بعض رواياتهم أن الآشوريين بنوه مرقباً لهم لربيئتهم وكان أعلا مما هو عليه الآن ليمكن مد البصر منه إلى مدى بعيدة: وقال قوم أنه كان مرصداً لهم يرصدون به النجوم وقيل وهو قصر نمرود أو برج بابل وقيل إنها آثار مدينة من مدن نمرود. وذهب جمهور أهل الجغرافية أن موقعه هو موقع مدينة (أكمد) وخالفهم آخرون فقالوا هو موقع مدينة سينتاكي وقيل أنها آثار قلعة من بناء البابليين وقيل غير ذلك.
وكل هذه الأقوال التي طفحت بها أقلام المؤرخين من عرب وفرس وإفرنج لم تستند على دليل قاطع وبعضها مردود بردود واضحة لا نجد حاجة إلى تعمد التطويل فيها اللهم إلا القول الأخير الذي نقله في منجم العمران ج 1 ص 347 قال: وقيل إنها آثار قلعة من بناء البابليين وإلى الآن لم يقف على الحقيقة: انتهى. أقول وهذا هو الحقيقة ويمكننا أن نستدل لتصويب هذا الرأي:
أولاً: بإمعان النظر في معنى لفظة (عرقوف) التي لا ينبغي أن يناقش في عربيتها لأنها وضعت اسماً لهذا البناء منذ تأسيسه أي في أثناء الـ 245 عاماً من سنة 1518 ق.م ـ 1273 ق.م التي ملك فيها هذه الأرجاء تسعة ملوك عرب كما صرح به بروس لكاهن المتوفي في القرن الثالث ق.م واحد هؤلاء التسعة هو الملك قوريغالزو صاحب عقرقوف. فاللفظة عربية ووضعت لمسماها في عصر عربي وهي مركبة تركيباً إضافياً عربياً من كلمتين. إحديهما (عقر) وهو عند العرب بفتح أوله وسكون ثانيه القصر الذي يكون معتمداً لأهل القرية كما في المراصد في مادة عقر. وثانيتهما بالأصل (قوريغالزو) وهو اسم الملك الذي بناه وقد أسقط منه يغالزو تخفيفاً كما يعهد كثيراً في أمثاله مما يثقل لفظه فصار عقرقوف ثم أبدلت الراء فاء في آخره لاختلاف الألسن التي نطقت به مع تمادي الزمان كالآشورية والمادية والسلوقية والبرئية والساسانية وغيرها فصار (عقرقوف).
وفي تفسير العقر بالقصر المعتمد لأهل القرية كفاية في إفادة ما يعم معنى القلعة ونحوها مما يمنع الجائر ويحمي المستجير.
وثانياً: بما ورد في الزبر الذي كان مدفوناً في أرض عقرقوف واكتشفه الأثريون أخيراً فقد جاء اسمه فيه (دور كوريجالزو) ومعنى دور في اللغة الآشورية هو الحصن المنيع وقد استعمل عندهم في ذلك كثيراً ومنسوباً في الغالب إلى بانيه من الملوك مثل. دورصاريوكين. و. دور أسرحدون. وغيرهما من الحصون التي وردت أسماؤها في تاريخ الآشوريين ـ وعليه فيكون لهذا الأثر الجليل منذ عصوره الأولى اسمان وكلاهما منسوبان بالإضافة إلى اسم بانيه لأن كوريجالزو وقوريغالزو واحد فعقرقوف عربي وضع على لغة الملك يومئذ ودور كوريجالزو أشورى بلسان مجاورى هذا الموقع ولعله سمى به بعد استيلاء الآشوريين عليه وعلى تمام هذا الصقع وكل من الاسمين يفيد معنى واحداً وهو الحصن المنيع أو القصر المعتمد وإن شئت فقل القلعة.
وقد نص على ذلك أيضاً في السالنامة التركية المطبوعة ببغداد سنة 1329 هـ ص 212 قال ما معربه أن عقرقوف قلعة بناها قور يغالزو أحد ملوك بابل لمحافظة الحدود سنة 1350 ق.م (انتهى).
والملك قوريغالزو صاحب عقرقوف. هو من الملوك الكوسيين أو الكوشيين على الأصح نسبة إلى كوش بن حام الذي سكن أغلب أولاده بلاد العرب فاستعربوا وكانت بأيدي الملوك الكوشيين بلاد بابل وبنى الملك قوريغالزو قلعة عقرقوف لمحافظتها وفي عهده ساد الأمن وتمكن من التأنق في البناء ووجد اسمه في مواضع عديدة مطبوعاً على الآجر ولقي الباحثون في عقرقوف آجراً مكتوباً عليه ما مفاده: إلى الإله بعل ملك الأرض من الملك قوريغالزو حبر بعل باني أجال معبده المحبوب: وعثروا على غير ذلك مما فيه اسمه أيضاً.
وإلى جانب هذه القلعة كانت المدينة المعروفة بمدينة عقرقوف منسوبة إلى هذا الأثر الفخيم. ولم نعلم حقيقة تاريخ هذه المدينة وإنها هل كانت في هذه الأرض قبل بناء عقرقوف أو وجدت بعده.
أما تسميتها بمدينة عقرقوف فيقضي بأنها وجدت بعده وسميت باسمه لشهرته.
ويأتي على الذهن أن الأصوب هو وجودها قبله ولو بصفة قرية لا مدينة وذلك لما يشير إليه لفظ (عقر) المفسر كما سبق بالقصر المعتمد لأهل القرية. فيلزمنا بمفاد هذا اللفظ أن نقدر وجود قرية في هذه الأرض قبل بناء العقر وأنه إنما سمي عقراً لكونه المعتمد لأهلها فيثبت أن مدينة عقرقوف كانت قرية عند بناء القلعة ولعله كان لها اسم خاص لا نعرفه الآن ثم تغلب عليها اسم عقرقوف الذي أحدث إلى جنبها لعظمته وخطورته.
وبلغت مدينة عقرقوف في العصر الساساني في العراق الغاية في العظمة ولا تزال في هذا الصقع تلال مبثوثة تنطق عن سالف مجدها وقد عثروا فيها على نقود مختلفة من يونانية ورومانية وساسانية وبرثية وعربية تدل على تداول هذه الحكومات عليها كما تحكيه التواريخ العامة أيضاً.
وكانت هذه المدينة في العصر العباسي خاملة الذكر لا تعد في البلاد وذكرها ياقوت في المعجم ج 6 ص 97 قال وأنا أحسب أن هذا الموضع هو عقرقوف الذي من قرى السيلحين اهـ. ويوجد في كتب الرجال غير واحد منسوبين لعقرقوف منهم بنو عبد الواحد بن بشير بن موسى سكنوا هذه القرية في عصرها الإسلامي. ويفهم من ديوان الحسين بن الحجاج([11]) الشاعر المشهور أن عقرقوف كانت في عصره مقاطعة تجري في يده ثم صارت في ديوان أبي منصور محمد بن الحسن بن المرزبان فوعده بردها إليه أو يعوض عنها بغيرها فقال في ذلك:
يا سيدي دعوة مستهتر
يشكر أنعامك مشغوف
عقرت قلبي أمس قد قلت لي
وعدك في تل عقرقوف
وكنت أومأت إلى مرهم
مجرب للعقر موصوف
وجاء ذكر عقرقوف في شعر أبي نواس([12]) أيضاً في قوله:
إليك رمت بالقود هوج كأنما
جماجمها تحت الرحال قبور
رحلن بنا من عقرقوف وقد بدا
من الصبح مفتوق الأديم شهير
وقد وصفه ياقوت في مادة عقرقوف فقال) وإلى جانبها (أي جانب قرية عقرقوف) تل عظيم من تراب يرى من خمسة فراسخ كأنه قلعة عظيمة لا يدري ما هو اهـ. وقال في مادة عاقرقوفاً: وهو تل عظيم يرى من مسيرة يوم والله أعلم. والمظنون أن ياقوت نفسه لم ير عقرقوف ولذا جاء وصفه له مختلفاً كما ترى إلا أن تكون الخمس فراسخ عنده مسيرة يوم على أن قوله تل عظيم من تراب غير صحيح بل هو بناء رفيع كما يأتي بيانه. وأصح من هذا الوصف وصف صاحب المراصد قال: تل عظيم عال يرى من خمسة فراسخ وأكثر في وسطه بناء باللبن والقصب كأنه قد كان أعلى مما هو فاستهدم بالمطر فصار ما تهدم منه حوله تلاّ عالياً.
وأما وصفه في حالته الحاضرة فهو بناء من اللبن وقصب الخيزران على تل من تراب يرتفع البناء عن سطح الأرض 125 قدماً وتبلغ استدارته عند أصله 400 قدم وتقل استدارته مهما اتجه إلى العلو ويرى بعض الباحثين أن ارتفاعه هذا هو ارتفاعه الأول لم يطرأ عليه نقص بدليل التراب المتلبد في أعلاه حتى صار في صلابة الحجر ويرى بعضهم خلاف ذلك وأنه كان هائلاً أعظم مما رأيناه فاستهدمته معاول الدهر والشمس والمطر. ومواد هذا البناء من اللبن الميبس بالشمس… الواحدة منه ثلاث أصابع وطولها ثلاثة عشر إصبعاً في عرض مثلها وهي مستمسكة بعضها ببعض بملاط من جنس اللبن وبين كل سبعة سيفان من الآجر عرق من الخيزران. وفي أعالي البناء ثقوب كثيرة تمتد امتداداً أفقياً وبعضها يذهب عمودياً ويظهر أنها على ترتيب هندسي منتظم ينفذ بعضها على بعض ويستفيد البناء منها فوائد مهمة تطيل عمره لأنها في الغالب تداوي أضرار المطر والشمس. وظهر في بعض جهات البناء بعض الهدم والردم. ويوجد في أعاليه ما يشبه أن يكون باباً ولكنه لا يبلغ إليه إلاّ بعد جهد عنيف لصعوبة المرتقى وتضارس البناء.
العقل (دليل)
ـ 1 ـ
أصول الأدلة في المذهب الشيعي هي: القرآن والحديث والإجماع والعقل، فما هو دلل العقل؟
الاختلاف في تحديد العقل
والحديث حول العقل واعتباره من القواعد التي يستند إليها المجتهدون في مجالات استنباط أحكامهم كثر لدى الأصوليين، إلا أنه يتحدد المراد منه عند الجميع.
وكلماتهم في ذلك مختلفة جداً، وفي بعضها خلط بين العقل كمصدر للحجية في كثير من الأصول المنتجة للحكم الشرعي الفرعي الكلي أو الوظيفة وبين كونه أصلاً بنفسه يصلح أن يقع كبرى لقياس استنباط الأحكام الفرعية الكلية كالكتاب والسنة على حد سواء.
وقد عقدت في كتب بعض الشيعة والسنَّة أبواب لما أسموه بدليل العقل، وعند فحص هذه الأبواب تجد المعروض فيها التماس العقل كدليل على ما ينتج الوظائف أو الأحكام الظاهرية، أي أنك تجده دليلاً على الأصل المنتج، لا أنه بنفسه أصل منتج لها؛ يقول الغزالي في مبحث دليل العقل، وهو الأصل الرابع لديه: دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام، وتأييدهم بالمعجزات وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع»([13]).
فالعقل عنده هنا من الأدلة على البراءة، وهي أصل منتج للوظيفة، فهو دليل على الأصل لا دليل على الوظيفة مباشرة.
وفي الحدائق الناضرة: «المقام الثالث في دليل العقل، وفسّره بعض بالبراءة والاستصحاب، وآخرون قصروه على الثاني، وثالث فسّره بلحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب، ورابع بعد البراءة الأصلية والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج في مقدمة الواجب، واستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاص، والدلالة الالتزامية([14])» والذي يتصل من كلامه هذا بدليل العقل كأصل، هو خصوص ما يتصل بالتلازم بين الحكمين وإن كان اتصاله من حيث تشخيص الصغريات له، أما الباقي منها فحسابه حساب ما ذكره الغزالي وغيره.
ما يصلح منها لئن يكون أصلاً
وعلى أي حال فإن الذي يرتبط ببحوثنا هذه من المدركات العقلية، هو الإدراك الذي يتعلق بالحكم الشرعي مباشرة، وقد عرفه في القوانين المحكمة بأنه «حكم عقلي يوصل به إلى الحكم الشرعي، وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشرعي»([15]).
والذي يؤخذ على هذا التعريف من وجهة شكلية تعبيره بالحكم العقلي مع أنه ليس للعقل أكثير من وظيفة الإدراك وهو مقصوده حتماً، وأظن أن التعبير بالحكم وانتشاره هو الذي أوجب أن يلتبس على بعض الباحثين في أن القائلين باعتبار العقل من الأصول يرونه هو الحاكم في مقابل الله عز وجل.
العقل مدرك وليس بحاكم
والتعبير بالحكم العقلي – في المجالات التشريعية – وإن أوهم ذلك إلا أننا لا نعرف من يذهب إلى القول به من المسلمين على الإطلاق، وقد نسب ذلك على ألسنة بعض المشايخ إلى المعتزلة، ففي مسلم الثبوت “لا حكم من الله تعالى بإجماع الأمة، لا كما في كتب بعض المشايخ أن المعتزلة يرون أن الحاكم هو العقل، فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الإسلام”([16]) وفي محيط الزركشي “إن المعتزلة لا ينكرون أن الله هو الشارع للأحكام والموجب لها، والعقل عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي”([17]) نعم هناك مدركات عقلية لا تكشف عن حكم شرعي لاستحالة جعله من قبله وستأتي الإشارة إليها.
والخلاف الذي وقع في الحقيقة إنما هو في قابلية العقل لإدراك الأحكام الشرعية من غير طريق النقل، أي أن الخلاف واقع في خصوص المستقلات العقلية لا غير، ولإيضاح هذا الجانب نعرض للمسألة بشيء من الحديث.
تقسيم المدركات العقلية
لقد قسموا مدركات العقل إلى مستقلة وغير مستقلة، وأرادوا بالمستقلة ما تفرد العقل بإدراكه لها دون توسط بيان شرعي، ومثلوا له بإدراك العقل الحسن والقبح المستلزم لإدراك حكم الشارع بهما، وفي مقابلها غير المستقلة وهي التي يعتمد الإدراك فيها بيان من الشارع كإدراكه وجوب المقدمة عند الشارع بعد إطلاعه على وجوب ذيها لديه، أو إدراكه نهي الشارع عن الضد العام بعد اطلاعه على إيجاب ضده، إلى ما هنالك مما ذكروه من الأمثلة وأكثرها موضع نقاش.
والظاهر أن ما يدركه العقل من اللوازم على اختلافها من بينة بالمعنى الأخص أو الأعمّ، أو غير بينة إذا كانت لازمة لدليل لفظي، أي أن ما لا يستقل العقل به من المدركات، لا موضع لخلاف فيه لدى علماء الإسلام لا من حيث قابلية الإدراك العقلي، ولا من حيث حجية مدركاته.
وإذا كانت هناك خلافات فإنما هي في تشخيص صغريات القاعدة، كما يستفاد ذلك من عرضهم لمباحث غير المستقلات العقلية، وانتهائهم في الكثير منها إلى إثبات هذه اللوازم واعتبارها حجة من دون مناقشة في صلاحية العقل لهذا الإدراك.
والخلاف بعد ذلك إنما هو في خصوص المستقلات العقلية، أو قل في خصوص مسألة التحسين والتقبيح العقليين، والظاهر أنها في المصدر الوحيد لجل المدركات العقلية المستتبعة لإدراك الأحكام الشرعية.
والأمثلة التي أوردوها «كوجوب قضاء الدين وردّ الوديعة، والعدل والإنصاف، وحسن الإحسان واستحبابه)…» ([18]) ، إنما هي من صغريات هذه القاعدة.
وبما أن الحديث في هذه القاعدة، صغرى وكبرى بشكل أهم ما يتصل بمبحث العقل كدليل، فلا بد من صرف الحديث إليها وتشخيص مواقع النزاع فيها، ثم البحث عن حجيتها وعدمها.
أقسام الحسن والقبح
يطلق الحسن والقبح على معاني ثلاثة، اثنان منها موضع اتفاق الكلاميين والفلاسفة من المسلمين في إمكان إدراك العقل لها، وواحد منها موضع الخلاف.
اتفاق واختلاف
أما موضع الاتفاق منهما فهما:
1 ـ الحسن بمعنى الملاءمة للطبع والقبح بمعنى عدمها، فيقال مثلاً: هذا المنظر حسن جميل، وذلك المنظر قبيح، أو هذا الصوت حسن وذلك قبيح، ويريدون بذلك أنها ملائمة للطبع أو غير ملائمة.
2 ـ الحسن بمعنى الكمال والقبح بمعنى عدمه، فيقال بأن العلم حسن وأن الجهل قبيح، يعني أن العلم فيه كمال للنفس بخلاف الجهل.
وهذان المعنيان، هما اللذان كانا موضع الاتفاق، فالأشاعرة والمعتزلة وغيرهما، يؤمنون جميعاً بإمكان إدراك العقل لهما.
وموضع الخلاف بعد ذلك هو في المعنى الثالث وهو:
3 ـ الحسن بمعنى إدراك أن هذا الشيء أو ذاك مما ينبغي أن يفعل بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء، والقبح بخلافه، ولا ينافي ذلك أن يكون منشأ هذا الإدراك،أعني،إدراك أن هذا مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل هو أحد الإدراكين السابقين، بمعنى أن العقل بعد أن يدرك ملاءمة الشيء للنفس أو مجافته لها أو يدرك كمال الشيء أو نقصه، يدرك مع ذلك أنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل.
والإدراك بالمعنى الثالث، هو الذي يسمى على ألسنة الفلاسفة «بالعقل العملي» ويقابله ما يسمى «بالعقل النظري» كإدراك العقل أن الكل أعظم من الجزء، وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهما من حيث انتمائهما للعقل متحدان، إلا أنهما يختلفان بلحاظ متعلق إدراكهما، فإن كان مما ينبغي أن يعلم سمي بالعقل النظري، وإن كان مما ينبغي أن يعمل سمي بالعقل العملي([19]).
رأي الأشاعرة؛ أدلة ونقاش:
من رأي الأشاعرة أنه «ليس للفعل نفسه حسن ولا قبح ذاتيان ولا لصفة توجبهما، وإنما حسنه ورود الشرع بالإذن لنا فيه على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، وقبحه وروده بحظر من الشارع لنا منه على سبيل التحريم أو الكراهة، وإذا ورد الشرع بإطلاق الفعل لنا أو منعنا منه، على سبيل التحريم أو الكراهة، فقلنا: إن ما أذن لنا فيه الشارع فحسن وما منعنا عنه فقبيح، فإن هذا الوصف بالنسبة لأفعال المكلفين ليس منشؤه العقل وإنما منشؤه حكم الشارع، فمقياس الحسن والقبح عندهم هو الشرع لا العقل.
فالصلاة والصوم وأمثالهما مما أمر الله به حسن، وليس حسنه إلا من جهة أمر الشارع به فقط؛ والزنا والسرقة والقتل عدواناً بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك قبيح لنهي الشارع عنه فقط؛ فلو لم يكن أمر الشارع بما أمر، ونهي الشارع عما نهى، لما كان حسناً أو قبيحاً([20])».
وهذا الرأي الذي تبناه الأشاعرة يشبه إلى حدّ بعيد مذهب بعض علماء الأخلاق في دعواهم بأن الخير والشر لا مقياس لهما غير القانون، فما منع منه القانون كان شرّاً محضاً، وما أجازه أو ألزم به كان خيراً كذلك.
وقد استدل الأشاعرة على ذلك بعدة أدلة نذكر أهمها:
1 ـ قولهم: «لو كان الحسن والقبح عقليين، لاختلف الحكم على الأفعال من ناحية تحسينها وتقبيحها، إذ العقول متفاوتة في حكمها على الأفعال، فقد يعقل البعض حسناً فيما يقبحه الآخر والعكس، بل أن العقل الواحد قد يحكم على الفعل تارة بالقبح وتارة بالحسن، تحت تأثير الهوى والغرض أو مؤثرات أخرى([21])».
والجواب على هذا: أن العقول بما هي عقول لا تتفاوت في إدراكاتها وإنما يقع التفاوت بين الناس بتأثير الهوى والغرض والمؤثرات الأخرى.
والمدركات العقلية المدعاة هي التي يتطابق عليها العقلاء بما أنهم عقلاء، ومع فرض تطابقهم من حيث كونهم عقلاء، فإنه لا مسرح لافتراض الهوى والغرض والمؤثرات الأخرى، وإلا للزم الخلف.
وما أكثر ما تتطابق آراء العقلاء على شيء، وأمثلتها من العقل النظري كثيرة كالأوليات التي عرضناها في مبحث أصول الاحتجاج، وكون الكل أكبر من الجزء ومن العقل العملي إدراكهم لحسن النظام وقبح الفوضى وحسن الاستقامة في السلوك، وقبح الاستهتار والتعدّي على الآخرين إلى عشرات أمثالها.
ودليل تطابق العقلاء فيها أننا لا يمكن أن نتصور أمة من الأمم مهما كان شأنها من البداءة أو التحضر تستطيع أن تتبنى في دساتيرها الفوضى والكذب والاستهتار كمبدأ من مبادىء الدولة.
وأظن أن المستدل قد اختطلت عليه الكبريات العقلية بمجالات تطبيقها فوقع فيما وقع فيه من الخلط.
والظاهر أن تأثير الهوى والغرض والمؤثرات الأخرى إنما يكون في الغالب في مجالات التطبيق والتماس الصغريات لحكم العقل، وبها يكون الاختلاف، ولعل إدراك الكثير من هذه الصغريات يكون بقوى أخرى غير العقل وبخاصة إذا كانت جزئية لأن العقل لا يدرك غير الكليات.
قولهم: «لو كان الحسن والقبح من الصفات الذاتية لكان ذلك مضطرداً فيه ولما تخلف عنه، بل يبقى الفعل حسناً دائماً أو قبيحاً دائماً، والواقع غير ذلك لأن الكذب قد يكون قبيحاً وقد يكون حسناً بل يكون واجباً إذا ترتب عليه خير محقق كإنقاذ بري من يد سلطان جائر، أو من يد ظالم له بطش ونفوذ، ويقابل ذلك أن الصدق يكون قبيحاً في هذا المقام)»([22]).
والجواب على هذا يدعونا أن نتحدث قليلاً في واقع هذا القسم من الحسن والقبح وموقعه من الذاتية وعدمها ليتضح لنا الجواب على هذا الاستدلال.
ذاتية الحسن والقبح وعدمها
ذكرنا فيما سبق أن للحسن والقبح بالمعنى الثالث ـ أعني إدراك العقلاء بأن هذا الشيء مثلاً مما ينبغي أن يفعل ـ مناشىء تعود في واقعها إلى الحسن والقبح بمعنييهما السابقين أعني الكمال والنقص أو الملاءمة وعدمها.
ونسبة هذه المناشىء إلى الحسن والقبح بالمعنى الثالث تختلف من حيث ما لها من قابلية في التأثير، ويمكن تقسيمها استناداً لهذا السبب إلى ثلاثة أقسام.
أولها: ما كان علة تامة في التأثير «ويسمى الحسن والقبح فيه بالذاتيين مثل العدل والظلم، فإن العدل بما هو عدل لا يكون إلا حسناً أبداً، أي أنه ما صدق عنوان العدل فإنه لا بد أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعد عندهم محسناً؛ وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلا قبيحاً، أي أنه متى ما صدق عنوان الظلم، فإن فاعله مذموم عندهم ويعد مسيئاً([23])».
ثانيها: ما فيها اقتضاء التأثير أي لو خلي وطبعه لكان مؤثراً، ومثاله الصدق والكذب، فالصدق بما هو صدق فيه اقتضاء التأثير في إدراك العقلاء بأنه مما ينبغي أن يفعل ويمدحون فاعله عليه بخلاف الكذب فإنه مذموم لديهم ولكن هذا التأثير لا يتم عادة مع وجود مزاحم له يمنع من تأثيره لأهميته كأن يكون في الصدق ما يوجب قتل النفس المحترمة، أو انتهاك عرض، أو تسلط ظالم على مؤمن وهكذا.
ثالثها: ما ليس فيه اقتضاء ولا علية، فهو فاقد للتأثير لو خلي ونفسه، ولكنه يتقبل العناوين الأخر فقد يأخذ عنواناً له عليه التأثير في الحسن فيكون حسناً أو القبح فيكون قبيحاً، وأكثر المباحثات الشرعية من هذا القبيل، فشرب الماء مثلاً لو لوحظ بمعزل عن أي عنوان آخر قد لا يكون له التأثير في إدراك العقلاء لحسنه أو قبحه لا على نحو العلية ولا على نحو الاقتضاء، فوجوده لدى العقلاء كعدمه، ولكنه إذا عرض عليه عنوان إنقاذ حياة صاحبه أو عرض عليه عنوان هلاكه، كما لو كان ممنوعاً عن شربه يكون علة في إدراك العقلاء لحسنه أو قبحه.
وعلى هذا فمعنى «كون الحسن أو القبح ذاتياً: إن العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه وفي حد ذاته، يكون محكوماً به لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر، فلا يحتاج إلى واسطة في اتصافه بأحدهما»([24]). ومعنى العلية والاقتضاء هنا هو «أن المراد من العلية أن العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح، وأن المراد من الاقتضاء أن العنوان لو خلي وطبعه، يكون داخلاً فيما هو موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح، وليس المراد من العليه والاقتضاء ما هو معروف من معناهما أنه بمعنى التأثير والإيجاد، فإنه من البديهي أنه لا علية ولا اقتضاء لعناوين الأفعال في أحكام العقلاء إلا من باب العلية الموضوع لمحموله»([25]).
وبهذا العرض ـ فيما أعتقد ـ يتضح الجواب على استدلالهم هذا بأنه «لو كان الحسن والقبح من الصفات الذاتية، لكان ذلك مضطراً»، لأن هذا الإشكال لا يتم إلا على مبنى من يذهب إلى أحسن الحسن والقبح لا يكونان إلا ذاتيين ـ ولست أعرف قائلاً به على التحقيق ومثل هذا الدليل يصلح للنقض إذا أريد إثبات الذاتية لهما على سبيل الموجبة الكلية. أما على ما ذكرناه من التقسيم فلا يبقى له موضوع، والأمثلة التي ذكرناها مما تنتظم في القسم الثاني، أي ما فيه اقتضاء التأثير لا عليته.
والذي يبدو أن المستدل ينطوي في أعماقه على الإيمان بالحسن والقبح العقليين وإن لم ينتبه لذلك تفصيلاً وتعبيره بأن «الكذب قد يكون قبيحاً وقد يكون حسناً بل يكون واجباً» من إمارات ذلك الانطواء، وإلا فما معنى حكمه على الكذب بالقبح أو الحسن إن لم يكن هناك حسن وقبح عقليان!.
3 ـ قولهم: «لو قيل: إن الحسن والقبح عقليان للزم أن يكون الشارع الحكيم مقيداً في تشريعه للأحكام بهذه الأوصاف وإلا لكان التشريع مخالفاً للمعقول، وهذا نفسه قبح ينزه الله عنه([26])».
وبطلان اللازم في هذا الكلام لا أكاد أفهم له وجهاً ولا أعرف السر في نسبته إلى القبح.
وما هو المحذور في أن تكون تشريعاته ـ عز وجل ـ جارية على وفق المعقول؟! وهو ينتظر المستدل أن يجري في تشريعه على غير المعقول مع نسبته إلى الحكمة في لسان الدليل.
والظاهر أن لفظة التقيد التي ورد مضمونها في تعبيره هي التي أوهمته ببطلان اللازم.
وربما كان الوجه في ذلك شعوره أن طبيعة التقيد تنافي الاختيار فيمن تنسب إليه لانطوائها على ضرورة السير وفق ما تقيد به وفي نسبة عدم الاختيار إليه تعالى قبح ينزه عنه.
والحقيقة أن لفظة التقيد لم ترد على لسان العدلية ـ في حدود ما قرأت من كلماتهم ـ وإنما ورد ما يعطي نتيجتها، وهو السير على وفق المعقول واستحالة تخطّي الشارع له.
وهذا النوع من السير والسلوك لا ينافي طبيعة الاختيار في صاحبه، فالعاقل السوي مثلاً لا يقدم على التضحية جزافاً وهو مختار، وإحجامه عنها لا ينافي اختياره بل هو بنفسه اختار ذلك الإحجام.
وبما أن الله عزّ وجلّ ـ وهو الخالق العقل وواهبه القدرة ـ بل هو العقل المحض ـ لو صح هذا التعبير ـ فسيره على وفق مخططه وهو الذي يقتضيه اختياره، وليس من الممكن بالنسبة إليه اختيار المرجوح وترك الراجح، بل ليس من الممكن لأن عاقل مهما كان شأنه أن يختار المرجوح وهو سليم معافى ـ فكيف بخالق العقل ومدبره ـ؟
فالالتزام بتقيده في تشريعاته على وفق العقل إن أُريد به التقيد السالب للاختيار فليس بصحيح وهو ـ تعالى ـ مما ينزّه عنه، وإن أُريد نتيجة التقيد وهو ما يقتضيه عمل العاقل المختار، فليس فيه أي محذور.
4 ـ قولهم: «لو لم يكن الحسن والقبح في الأفعال بحكم الشارع نفسه، وكان بحكم العقل، لاستحق تارك الحسن وفاعل القبح قبل بعثة الرسل العقاب، وهذا مخالف لصريح الكتاب يقول الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}([27])، ويقول: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى}([28])، فإن احتجاج الكافرين برسالة محمد على إيقاع العذاب من غير إرسال رسل، لو فرض وقوعه، وعدم النكير من الله تعالى دليل على أنه لا عقاب ولا ثواب دون إرسال الرسل كما يدل عليه قوله تعالى: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}([29])»([30]).
وللإجابة على هذا الدليل وهو من أهم أدلتهم نحتاج إلى تمهيد أمور:
! ـ التذكير بما سبق أن ذكرناه من أن موضع الخلاف في معنى الحسن والقبح هو المعنى الثالث، وهو إدراك العقل أن هذا الشيء مما ينبغي أن يفعل أو لا ينبغي، ومدح الفاعل أو ذمه على ذلك.
ولازم هذا الإدراك الصادر منه ـ بما أنه العقل ـ هو تطابق العقلاء ـ بما أنهم عقلاء ـ على ذلك بما فيهم الشارع المقدس.
2 ـ إن إدراكنا لهذا اللازم وتصديقنا به، ليس هو من القضايا الضرورية، وإنما هو من الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية.
والقضايا التأديبية لا يجب أن يحكم بها العقل إذا لم يتأدب بقبولها والاعتراف بها بخلاف القضايا الضرورية التي يكفي في الحكم بها تصور طرفيها، ومقتضى ذلك أن الحكم بتطابق العقلاء في مسألة ما، يحتاج إلى تأدب به، ولا يجب أن يحكم به كل عاقل لو خلي ونفسه.
3 ـ التفرقة بين مدح الشارع وذمه ـ بما أنه سيد العقلاء ـ وبين ثوابه على الفعل وعقابه، فالذم والمدح يكفي فيهما صدور نفس الفعل من الفاعل بمنأى عن أي انتساب إلى جهة، والثواب والعقاب لا يكفي فيهما ذلك بل يحتاجان إلى أن يكون صدور الفعل وتركه منتسباً إلى المولى ليتحقق فيهما معنى الإطاعة أو العصيان، وهما لا يكونان عادة بدون أن تتنجز التكاليف بالوصول، وتوفر شرائطها بما فيها القدرة على الإداء، ومن هنا حكم العقل بقبح العقاب، بلا بيان واصل من المشرع.
فالثواب والعقاب، وليدا إطاعة أو عصيان التكاليف الواصلة من المشرع كما هو واضح بالبداهة.
4 ـ إن العقل وإن كانت له وظيفة الإدراك، إلاَّ أن إدراكه محدد بحدود خاصة لا تتجاوز الكليات من ناحية، ولا تعنى كثيراً بمجالات التطبيق والقضايا الجزئية من ناحية أخرى.
وفي البشر قوى أخرى كالحواس، والغرائز، وغيرها، مسؤولة عن ذلك، وهذه القوى عرضة لكثير من الأخطاء، وكثير من تصرفاتها لا منطقية.
ومن هنا نرى كثيرة الأخطاء في مجالات التطبيق لبعض المدركات العقلية، فالعدالة مثلاً مما تطابق على حسنها العقلاء، وأقاموا عليها دساتيرهم وأنظمتهم وشرائعهم، ولكنك لو حاولت التعرّف عليها في مجالات التطبيق، لرأيت التفاوت الكبير بينهما، فالشيوعية ـ مثلاً ـ ترى أن العدالة لا تتحقق إلا إذا أُلغيت الملكية الفردية إلغاءً تاماً، وعوضت بالملكية الجماعية، بينما يرى دعاة الحرية الاقتصادية فسح المجال للفرد في أن يتملك ما يشاء ويعمل مواهبه في إنماء ملكيته دون تعرض لتحكم السلطات في شأنه، وكل يدّعي تحقيق العدل فيما تبناه من تشريعات، وقد يكون بعضهم مخلصاً في ذلك.
ولكن النظرة التجزيئية للإنسان وتركيز النظر على بعض جوانبه الفردية أو الاجتماعية مع غفلة أو تغافل عن بقية الجوانب، وقصور عن استيعاب النظرة وشمولها، كل ذلك مما أوقعه بهذه التناقضات.
ومن هنا كان احتياج الإنسان إلى من يضمن له العدل في تشريعاته على أن تستوعب مختلف أبعاده المتشابكة، سواء ما يتصل منها بتحديد علائق الفرد بربه، أم بنفسه، أم بمجتمعه، أم المجتمعات بعضها ببعض.
وبالطبع لا يمكن أن يضمن ذلك غير خالق الإنسان، لأن خالق الشيء أخبر بمخلوقاته، وأعرف من غيره بمتطلبات حياتها.
فالأحكام ـ كما يقول العدلية بل جميع المسلمين على اختلاف في منشأ القول ومبناه ـ وليدة مصالح ومفاسد في المتعلقات والعقول لو استشرفتها واطلعت على واقعها لأقرّتها حتماً.
ولكن قصورها عن ذلك الإدراك وتطفلها على ما لا تحسن القول فيه، هو الذي أوقع بعض أربابها في كثير من المفارقات.
ومن هنا ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن دين الله لا يصاب بالعقول، أي ما ثبت أنه من الدين لا يمكن للعقول أن تدرك فلسفته ككل لقصور إمكاناتها عنها في مجالات الإدراك.
ولكن هذا لا يمنع، من أن يدرك العقل شيئاً ـ على سبيل الموجبة الجزئية ـ ومن إدراكه يدرك حكم الشارع فيه إذا كان إدراكه على سبيل القطع.
وإذا تمّت هذه التمهيدات اتضح عدم الوجه في دعوى التلازم بين المقدم والتالي في قولهم: «لو لم يكن الحسن والقبح في الأفعال بحكم الشارع نفسه وكان بحكم العقل، لاستحق تارك الحسن وفاعل القبح قبل بعثة الرسول العقاب».
إذ لا تنافي بين القول بأن الحسن بحكم العقل وبين عدم استحقاق العقاب.
فالعقول وإن قلنا بأن لها قابلية الإدراك إلا أن إدراكها منحصر في الكليات ولا يتناول الأمور الجزئية كما لا يتناول مجالات التطبيق إلاَّ نادراً، والكليات لا تستوعب شريعة ولا تفي بحاجة البشر ومع ذلك فالعقاب والثواب إنما يتولدان عن التكاليف الواصلة، ومجرد إدراك العاقل أن هذا الشيء مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، لا يستكشف منه رأي الشارع إلا إذا انتبه إلى أن العقلاء متطابقون على هذا المعنى بما فيهم الشارع، وإدراكه لتطابق العقلاء ليس من الأمور البديهية كما سبق أن قلنا، وإنما هو من الآراء المحمودة التي تحتاج إلى تنبه وتأدّب، وأين التأدب في أمثال هذه القضايا قبل بعثة الرسول؟!
فالتكاليف إذن، بالنسبة إلى نوع الناس غير واصل قبل البعثة، ولا تتم الحجة إلا بوصوله «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً».
ومن أوليات العقل تقبيحه للعقاب قبل وصول البيان، وعلى هذا فليس هناك ما يمنع من الالتزام بإدراك العقل للحسن وعدم الالتزام بالعقاب والثواب.
والذي يبدو من بعض الأحاديث أن هناك من أدرك حكم الشارع من طريق العقل وخالفه فاستحقّ لذلك العقاب، ففي بعض الأحاديث: «امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار»، وفي بعضها الآخر «رأيت عمر بن لحي يجر قصبه ـ أي أمعاءه ـ في النار» لأنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب. ومن المعلوم أنه لا عقاب بلا تكليف وأصل اللهم إلا أن يدعي وصول التكليف إليهم من الرسل السابقين على الإسلام.
وعلى أي حال فالثواب والعقاب وليدا وصول التكاليف وإدراك تطابق العقلاء الكاشف عن رأي المولى والموصل للتكاليف ليس البديهيات وكونه من الآراء المحمودة مما يحتاج إلى التأدب، وهو غير حاصل نوعاً في تلكم العصور السابقة على بعثة الرسل قطعاً، فلا تلازم إذن بين إدراك العقل وعدم العقاب، والقول بأن مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه لا أعرف له وجهاً، فمدحه وذمه باعتباره سيد العقلاء شيء، وباعتباره مشرعاً شيء آخر، فالأول لا يتوقف على وصول حكمه بخلاف الثاني، إذا الثواب والعقاب موقوف على وصوله وامتثاله أو عصيانه، ولا يكتفي فيه بصدور الفعل وعدمه.
رأي المعتزلة
والمعتزلة في الوقت الذي اتفقوا فيه على أن للأفعال في أنفسها حسناً وقبحاً اختلفوا في كونهما ذاتيين فيها أو لصفة عارضة عليها، فالذي عليه قدامى المعتزلة هو الأول منهما. وذهب الجبائية، وهم أتباع أبي علي الجبائي إلى الثاني، وقد عرفت من مناقشة الأشاعرة وجه الحق في المسألة، فقد ذكرنا أن إدراكنا للشيء بأنه مما ينبغي أن يفعل أو لا ينبغي يختلف باختلاف مناشئه من حيث العلية والاقتضاء وعدمهما، وأن كلاًّ من القولين هنا له منشأ سليم ولكن لا على سبيل الموجبة الكلية، وإنما يصدقان على سبيل الموجبة الجزئية فقط.
أقسام الحسن والقبح عندهم
وقد قسموا الحسن والقبح من حيث نوعية الإدراك إلى أقسام ثلاثة:
1 ـ ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكي، وشكر المعنم، ومعرفة حسن الصدق وكقبح الكفران، وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض فيه»([31]).
2 ـ ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر، وقبح الكذب الذي فيه نفع([32])».
3 ـ «ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات([33])»
واعتبروها «متميزة لصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه»([34]).
أدلة ونقاش
واستدلوا ـ أو استدلّ لهم ـ على نظريتهم في الحسن والقبح بعدّة أدلة نذكر أهمها:
1 ـ قولهم: إن الحسن والقبح لو لم يكونا عقليين لجاز الكذب على الله وأنبيائه، لأن الكذب ليس قبيحاً في ذاته وإنما صفة القبح ثبتت له بالشرع، وهذا باطل ويترتب عليه فساد الرسلات والأحكام»([35]).
وقد أجاب الأستاذ سلام على هذا الاستدلال بقوله: «ويمكن رد هذا الدليل، بأن الصدق والكذب ليسا من الحسن والقبح بالإطلاق الثالث الذي وقع فيه الخلاف، وإنما هو يدخل في الإطلاق الثاني وهو متفق عليه فالملازمة غير صحيحة»([36]).
والسؤال الذي يوجه إلى سلام، هل أن الكذب مما ينبغي صدوره من المولى مهما كانت مناشئه أو لا ينبغي، أو أن العقل لا يقول كلمة في ذلك، والظاهر أن القول بأن العقل لا يستطيع أن يقول كلمته في ذلك لا يخلو من مصادرة، وإذا افترضنا له القول فقد تمت الملازمة وصح الاستدلال لأن الحسن والقبح بالمعنى الثالث ليس هو إلاّ إدراك أن هذا الشيء مما ينبغي صدوره أو لا ينبغي من الفاعل كما سبقت الإشارة إليه.
2 ـ ما استدل به الماتريدية على ذلك من: «إن الحسن والقبح لو كانا شرعيين، ولم يكن ذلك وصفاً في الفعل، لكانت الصلاة والصوم والزنا والسرق وغير ذلك أموراً متساوية قبل ورود الشرع فجعل الشارع بعضها مأموراً به، والآخر منهياً عنه ترجيح لأحد المتساويين دون مرجح»([37])، وقالوا: «إنهما لو كانا شرعيين لكانت بعثة الرسل والأديان بلاء على الناس ومثار نزاع، وسبباً في المتاعب والمشاق والصد عن بعض الأمور والإلزام بالأخرى وترتب الثواب والعقاب على ذلك. وقد كان الناس قبلها في حرية مطلقة، يفعلون ما يرغبون في فعله ويحجمون عمّا لا يشتهون دون مخافة عقاب أو ترتب ثواب، وكون بعثة الرسل ضارة بالناس باطل منقوض، بقول الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}([38]).
ولكن هذا النوع من الاستدلال ـ بغض النظر عما يوهمه من الخلط بين أقسام الحسن والقبح ـ لا يتم إلا إذا افترض المفروغية عن أن فساد الرسلات أو الأحكام أو كونها ضارة بالناس، وليست رحمة لهم، والكذب وأمثالها مما لا ينبغي صدوره منه بحكم العقل وإلاّ فلا يبطل اللازم بداهة. ولعل محاولة إثبات ذلك بهذه الأدلة لا يخلو من شبهة الدور.
نعم، هذه الأدلة إنما تصلح لإلزام الأشاعرة ببطلان ما انتهوا إليه من المبنى في اعتبار الحسن والقبح شرعيين لبطلان اللوازم الفاسدة التي تترتّب عليها، لا في ثبات أصل المبنى لدى المعتزلة، ولعلها سيقت لهذا الغرض كما هو غير بعيد.
3 ـ وأكثر منها إلزاماً لهم ما ذكره العلامة المظفر وهو يصحح للعدلية بعض أدلتهم فيقول: «إنه من المسلم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر والنواهي الشرعية وكذلك وجوب المعرفة، وهذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم، فنقول لهم: من أين يثبت هذا الوجوب، لا بد أن يثبت بأمر من الشارع فننقل الكلام إلى هذا الأمر فنقول لهم: من أين تجب طاعة هذا الأمر، فإن كان هذا الوجوب عقلياً فهو المطلوب وإن كان شرعياً أيضاً فلا بد له من أمرٍ ولا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه وهكذا نمضي إلى غير النهاية ولا نقف حتى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع وهو المطلوب.
بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقف على التحسين والتقبيح العقليين، ولو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها لأنا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية، والنتيجة أن ثبوت الحسن والقبح شرعاً يتوقف على ثبوتهما عقلاً»([39]).
وخير ما يستدل به على أصل المبنى هو البداهة العقلية، وكل شبهة في مقابلها فهي شبهة في مقابل البديهة، وقد رأيت مثار الشبهة لدى الأشاعرة فيما عرضوه من دليل وعرفت الجواب عليه، وما أحسن ما قاله الشوكاني بعد عرضه لأدلتهم، وبالجملة «فالكلام في هذا البحث يطول، وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسناً أو قبيحاً، مكابرة ومباهتة([40]).
حجيته
وإذا صح ما عرضناه من إمكان إدراك العقل للحسن والقبح ـ بما أنه عقل ـ الملازم لإدراكه لتطابق العقلاء عليه ـ بعد تأدبه بذلك ـ بما فيهم سيدهم ـ فقد أدركنا قطعاً حكم الشارع فيه، وليس وراء القطع حجة كما سبق التأكيد على ذلك ولا حجة لإعادة الكلام فيه. وبهذا يتضح الجواب على:
مذهب الماتريدية
وهم أتباع أبي منصور محمد الماتريدي من الأحناف حيث أنكروا «ترتب حكم الشرع على حكم العقل لأن العقول مهما نضجت قد تخطىء، ولأن بعض الأفعال مما تشتبه فيه العقول»([41])، وذلك لأن العقول ـ بما هي عقول ـ لا تخطىء ولا تشتبه. نعم هناك تخيلات لأحكام عقلية وهي صادرة عن قوى أخرى في النفس وفيها يقع الخطأ والاشتباه.
على أن القطع مصدر الحجج ومنتهاها ومع فرض قيامه فلا يعقل تصور الخطأ والاشتباه من القاطع إذ ليس وراء الرؤية الكاملة شك أو احتمال اشتباه ـ نعم ربما أرادوا بذلك المناقشة من حيث تحقق الصغرى، أي إنكار حصول القطع بحكم الشارع على الدوام، وهذا صحيح كما سبق بيانه مفصلاً ـ ولكن ضيق التعبير هو الذي أدّى بهم إلى نسبة الخطأ والاشتباه إلى العقول، وما يقال عن مذهب الماتريدية يقال عن:
مذهب بعض الإخباريين من الشيعة
من القول: «بعدم جواز الاعتماد على شيء من الإدراكات العقلية في إثبات الأحكام الشرعية، وقد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم»:
«1 ـ إنكار إدراك العقل للحسن والقبح الواقعيين…».
«2 ـ بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل إنكار الملازمة بينه وبين حكم الشرع».
«3 ـ بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل وثبوت الملازمة إنكار وجوب إطاعة الحكم الشرعي الثابت من طريق العقل، ومرجع ذلك إلى إنكار حجية العقل»([42]).
لأن إنكار الإدراك العقلي للحسن والقبح مصادرة، كما سبق بيانه، وإنكاره الملازمة بينه وبين حكم الشرع بعد فرض تطابق العقلاء بما فيهم الشارع مصادرة أخرى.
وإنكار حجّية العقل إن كان من طريق العقل لزم من وجوده عدمه، لأنه الإنكار ـ لو تم ـ فهو رافع لحجّية العقل فلا يصلح العقل للدليلية عليه وعلى غيره، وإن كان من غير العقل فما هو المستند في حجية الدليل، فإن كان من غير العقل لزم التسلسل، وإن كان من العقل لزم من وجوده عدمه لانتهائه إلى إنكار حجيته أيضاً، لفرض قيامه بالآخرة على إنكار ثبوت الحجية له، هذا بالإضافة إلى ما سبق أن ذكرناه من ذاتية حجية القطع وعدم إمكان تصرف الشارع فيها رفعاً أو وضعاً.
والأحكام العقلية ـ موضع الحديث ـ كلها مقطوعة.
خلاصة البحث
1 ـ إن العقل مصدر الحجج وإليه تنتهي، فهو المرجع الوحيد في أصول الدين وفي بعض الفروع التي لا يمكن للشارع المقدس أن يصدر حكمه فيها كأوامر الإطاعة وكالانقسامات اللاحقة للتكاليف من قبيل العلم والجهل بها أو اعتبار التقرّب بها إذا أُريد اعتبارها بجعل واحد شروطاً للتكاليف للزوم الدور أو التسلسل فيها بداهة أن إطاعة أوامر الإطاعة مثلاً إما أن ترجع إلى العقل أو تتسلسل إلى غير النهاية، إذ لو كان شرعية لتوجه السؤال عن لزوم طاعتها، فإن كان شرعياً توجه السؤال عن لزوم طاعته، وهكذا فلا بد أن يفترض فيها أن تكون عقلية، وما ورد من الأوامر الشرعية بالإطاعة فإنما هو إرشاد وتأكيد لحكم العقل، لا أنها أوامر تأسيسية.
2 ـ قابليته لإدراك الأحكام الكلية الشرعية الفرعية بتوسط ـ نظرية التحسين والتقبيح العقليين ـ ولكن على سبيل الموجبة الجزئية وعدم قابليته لإدراك جزئياتها وبعض مجالات تطبيقها، لعجزه عن إدراك الجزئيات وتحكم بعض القوى الأخرى وتأثيرها في مجالات التطبيق.
3 ـ عدم إدراكه ـ وحده ـ لكثير من الأحكام الكلية كالعبادات وغيرها لعدم ابتناء ملاكاتها ـ على نحو الموجبة الكلية ـ على ما كان ذاتياً من معاني الحسن والقبح.
وما كان فيه اقتضاء التأثير أو ليس فيه حتى الاقتضاء لا طريق له غالباً إلى إحراز عدم المانع فيه أو إحراز عروض بعض العناوين الملزمة عليه ومع عدم الإحراز لا يحصل له القطع فلا يسوغ له الاعتماد عليه لعدم توفر عنصر الحجية فيه على أن هناك ما لا يمكن أن يدركه العقل من الملاكات لاتصاله بتنظيم قوى أخرى لا تسلط له عليها في مجالات الإدراك.
4 ـ الالتزام بالتحسين والتقبيح لا ينهي إلى إنكار الشرائع بل الاحتياج قائم على أتم صوره إليها لتدارك ما يعجز العقل عن الولوج إليه وهو أكثر الأحكام بل كلها مع استثناء القليل على اختلاف سبق عرضه في سبب هذا العجز.
محمد تقي الحكيم
العقل (دليل)
ـ 2 ـ
على المجتهد أن يستخرج أحكامه ـ قبل كل شيء ـ من أحد الأدلة الثلاثة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، فمع وجود واحد منها لا يبقى مجال لدليل العقل، وإذا فقدت جميعها لجأ الفقيه إلى الدليل الرابع.
مذاهب السنَّة والدليل الرابع
قال الحنفية والمالكية: هو القياس، والاستحسان والاستصلاح.
وقال الشافعية: هو القياس فحسب، ولا يعتمد على الاستحسان والاستصلاح.
وقال الحنبلية: هو القياس والاستصلاح.
والقياس هو إلحاق أمر غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه إلحاقه به في الحكم الشرعي لاتحاد بينهما في العلة([43]) مثلاً نص الشرع على أن الجدة لأم ترث، ولم ينص على الجدة لأب، فنورث الجدة لأب قياساً على الجدة لأم، لأن كلتيهما جدة، وهذا أشبه شيء بقياس المساواة، ومن أدلتهم على اعتبار القياس قوله تعالى {واعتبروا يا أولي الأبصار}([44]) والشيعة منعوا العمل بالقياس، ومن المأثور عنهم، والمشهور على ألسنتهم وفي كتبهم «فليس من مذهبنا القياس».
أما الاستحسان فقد عرفّه أبو الحسن الكرخي من الأحناف أنه العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر، لوجه أقوى يقتضي العدول، وقال ابن العربي من المالكية إنه العمل بأقوى الدليلين([45]). وفسره بعضهم بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته([46]).
ولم تستطع هذه التعاريف، ولا غيرها أن تحدد لنا حقيقة الاستحسان، وتبين مراد القائلين به، فهي كما ترى لا يفهم منها معنى معيناً يتميز عن غيره، يحملنا هذا على الظن أن القائلين بالاستحسان أنفسهم لم يفهموه فهماً صحيحاً يرتكز على أساس معقول.
والأمثلة التي ذكروها للاستحسان مختلفة أشد الاختلاف، فمنها ما تنطبق عليه قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» ومنها تنطبق عليه تقديم الأهم على المهم، ومنها ما يدخل في المصالح المرسلة، وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس للاستحسان ضابط معين، وإن اعتماد الفقيه عليه يؤدي إلى الفوضى في الأحكام، ولذا قال الشافعي: من استحسن فقد شرع، أي أحدث شرعاً من قبل نفسه([47]).
أما الاستطلاح أو المصالح المرسلة فهو أن يستخرج الحكم من طبيعة المصلحة على شريطة عدم وجود النص، مثل إنشاء الدواوين، وإقامة المحاكم للفصل بين الناس، وما إلى ذلك مما تستدعيه المصلحة([48]) ولم أر في أقوال العاملين بالمصالح المرسلة وأمثلتهم ما يتنافى مع شيء من مذهب الشيعة، لأنها في الحقيقة تطبيق للقواعد الكلية، والمبادىء الإسلامية عند فقدان النص.
الشيعة والدليل الرابع
إذا أراد الشيعة أن يستخرجوا حكماً شرعياً لمسألة تعرض لهم بحثوا ـ قبل كل شيء ـ في نصول الكتاب والسنّة وأقوال العلماء باذلين أقصى الجهد في الفحص والتنقيب، فإذا وجدوا نصاً خاصاً أو إجماعاً. وقفوا عنده وعملوا به، وإذا لم يجدوا ذلك لجأوا إلى العمومات والقواعد الكلية التي وردت في نصوص الكتاب والسنَّة، أو قام عليها الإجماع، مثل أوفوا بالعقود، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي، والولد للفراش، والحدود تدرأ بالشبهات، وكل شرط جائز إلا ما حلل حراماً أو حرم حلالاً، وما إلى ذلك فإذا جهلوا حكم معاملة وقعت بين اثنين، وأنه هل يجب الوفاء بالعقد الذي اتفقا عليه أولا يجب؟ حكموا بوجوب الوفاء تمسكاً بعموم أوفوا بالعقود، وإذا حامت الظنون حول مولود ولد من زوجة شرعية… حامت أنه ولد الزوج الشرعي أو غيره حكموا بأنه ابن شرعي للزوج عملاً بعموم الولد للفراش، وإذا ترددوا في جواز قتل مجرم حقنوا دمه أخذا بحديث الحدود تدرأ بالشبهات، وإذا تلف مال الغير في يد إنسان حكموا عليه بدفع البدل من المثل أو القيمة حتى يقوم الدليل على العكس، وإذا اشترط إنسان على نفسه شرطاً محللاً ألزموه به استناداً إلى حديث كل شرط جائز إلا ما يحلل حراماً أو يحرم حراماً، ومتى اعوزهم الإجماع والنصوص الخاصة والعامة لجأوا إلى الدليل الرابع، وهو عندهم الاستصحاب، والبراءة والاحتياط، والتخيير، وهذه الأصول الأربعة تشترك جميعها بأنها وظيفة الجاهل بحكم الواقعة بسبب فقدان النص والإجماع، قالوا إن المجتهد لو طبق عمله على مؤداها يكون معذوراً عند الله والناس غير مستحق للوم ولا عقاب أخطأ أم أصاب.
ومعنى الاستصحاب هو الأخذ بالحالة السابقة إلى أن يثبت العكس ـ مثلاً ـ استأجر زيد داراً من عمرو، وسكن فيها عشرات السنين حال حياة عمرو، ثم توفي عمرو، فطالب ورثته زيداً بالإجار، فقال: إني تملكت الدار من أبيكم، وسكنتها أمداً طويلاً في حياته دون أن أدفع له درهماً واحداً، لأنه انتقلت إلي بطريق مشروع، فهذا القول لا يسمع من زيد، وذلك عملاً بالاستصحاب، أي كنا نعلم أن زيداً وضع يده على الدار في بدء الأمر على سبيل الأجار، فنأخذ بالحالة الأولى لليد إلى أن تقوم البينة المعاكسة، فكما علمنا بالأجار السابق يجب أن نعلم بحدوث الملك اللاحق، لأن العلم لا يرفعه إلاّ العلم، والحجة لا تدفع إلا بالحجة، وهذا معنى قول الإمام الصادق «من كان على يقين ثم شك فلا ينقض اليقين بالشك أن اليقين لا ينقصه إلاّ اليقين».
أما أصل البراءة فمورده الشك بالتكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة، كحضور الأفلام السينمائية، وتسجيل الأصوات، وما إلى ذلك من المواضيع التي وجدت بعد عصر التشريع، والتي ستوجد، فنحكم بإباحتها استناداً إلى ما ثبت شرعاً من أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي، وعقلاً من أن العقاب بلا بيان قبيح.
أما الاحتياط فواجب مع العلم بوجود التكليف الملزم، واشتباه الشيء المكلف به مردداً بين أمرين أو أمور محصورة، كما لو علمنا أن شفاء المريض في شيء من شيئين، أحدهما ينفعه، والآخر لا يضره ولا ينفعه، ولم نستطع التمييز بين الاثنين، فيجب ـ والحالة هذه ـ الاحتياط بشربهما معاً، أو عملنا أن هناك أمرين، أحدهما يضره، والآخر لا يضره ولا ينفعه، وعليه يجب تركهما معاً، فالاحتياط يكون بالفعل كما يكون بالترك، ومستند الاحتياط حكم العقل بوجوب دفع الضرر والبعد عنه.
أما التخيير فواجب فيما إذا تردد فعل بين أن يكون إما واجب لا يجوز تركه، وإما محرم لا يجوز فعله، كما لو علمنا أن إنساناً حلف على شيء، ولكن لم يتذكر أنه حلف على فعله يوم الجمعة مثلاً أو على تركه، فيختار ـ والحالة هذه ـ الفعل أو الترك، أو فيما إذا كان هناك واجبان متساويان في الأهمية، ولا يستطيع المكلف الإتيان بهما معاً، فيختار حينئذ فعل أحدهما وترك الآخر، أو فيما إذا علم المكلف بوجوب أحد شيئين، وحرمة الآخر، لأنه إن تركهما معاً يقع في المخالفة القطعية بترك الواجب، وإن فعلهما معاً يقع فيهما بفعل المحرم، وإن فعل أحدهما دون الآخر يحتمل أن الذي أتى به هو الواجب، وبذلك يحصل الفرار من المخالفة القطعية إلى الموافقة الاحتمالية([49]) ومعنى المخالفة القطعية أن يعلم الإنسان أنه خالف الحق والواقع يقيناً، خالفه بتركه الواجب، أو بفعله المحرم، ومعنى الموافقة الاحتمالية أن لا يحصل له هذا العلم.
وقد أخذت مذاهب السنة بالاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير في كثير من الموارد كما أخذت الشيعة بالاستصلاح والعلة المنصوصة ومفهوم الموافقة، ولكن أركان الدليل الرابع وأقسامه الرئيسية عند أولئك هي القياس والاستحسان والاستصلاح، وعند هؤلاء الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير.
نكتفي بهذه الإشارة إلى أقوال المذاهب تاركين التفصيل في بيان الشروط والأقسام، والمقارنة، لأن المقام لا يتسع للمزيد، فقد وضع علماء الأصول من السنَّة والشيعة في هذا الدليل كتباً ضخمة مستقلة، على أن غرضنا ينحصر هنا في التعريف بالدليل الرابع فحسب، لنثبت أنه من أبرز مظاهر الاجتهاد، ولهذا سمي بالدليل الاجتهادي.
وقد وجد علماء الشيعة فيه ميداناً فسيحاً لاجتهادهم، فأحدث المتأخرون قواعد فقهية جديدة، وعدلوا كثيراً من القواعد القديمة، فنفوا أحكاماً أثبتها المتقدمون، وأثبتوا أحكاماً لم يعرفها أحد ممن سبقهم، قلموا وطعّموا جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات فمن القواعد التي اكتشفوها من عهد قريب: قاعدة مجهول التاريخ والأصل المثبت وقاعدة اليقين، والشبهة المصداقية، وما إلى ذلك مما يصدق عليه بحق أنه فقه جديد بالقياس إلى فقه المتقدمين وهذا كتاب رسائل الشيخ الأنصاري، وكفاية الخراساني، وتقريرات النائيني دليل على هذه الحقيقة.
والخلاصة أن الاجتهاد يكون مع وجود الأدلة الأربعة، فمع نصوص القرآن يكون في الفهم والاستنباط، ومع السنة يكون في سند الحديث، وفهم ألفاظه، ويكون في الإجماع في إمكان تحققه، وفي عدم الأخذ به إذا علم سببه، وإذا حصل في عصر أو عصرين، أما الدليل الرابع فكما قدمنا من أبرز مظاهر الاجتهاد، حيث لا نص ولا إجماع.
على هذا الأساس، أساس الاجتهاد في فهم الأدلة الأربعة، والعمل بمقتضاها نستخرج أحكاماً شرعية تتلاءم مع طبيعة الحياة، ولا تتنافى مع شيء من نصوص الكتاب والسنَّة، وإجماع الأمة ودليل العقل، وبهذا المقياس نقيس جملة من الأحكام الموجودة في كتب الفقه، فننفي منها ما تأباه الضرورة ولا يدل عليه دليل شرعي، ونقر ما أقرته الحاجة والشريعة الإسلامية.
محمد جواد مغنية
العقيق
العقيق ـ لغة ـ كل مسيل ماء شقّه السيل فأنهره ووسعه. وفي جزيرة العرب: أعقة، أي أودية عادية شقتها السيول ـ كما يقول معجم البلدان ـ من أشهرها:
1 ـ العقيق الممتد من الطائف إلى المدينة في شرق سلسلة الجبال والحرار التي تحد الحجاز شرقاً. ولهذا العقيق ذكر في الأخبار والأشعار.
2 ـ عقيق تمرة، وهو عقيق عُقيل وعقيق جَرْم، إليه تنحدر سيول السراة الواقعة في بلاد غامد وما حولها بعد مرورها بوادي بيشة ووادي رنية، غير أن الرمال تراكمت حتى صارت تحجز سيول هذه الأودية عن الانحدار إليه، وتحده سيول الأودية الواقعة جنوبه في شمال بلاد عسير وشرقها من بلاد قحطان مثل وادي تثليث وما حوله.
وهذا العقيق يعرف الآن باسم وادي الدواسر، فيه قرى كثيرة، ولهذا العقيق ذكر وشهرة في القديم وفيه أشعار وتتعلق به أخبار كثيرة.
3 ـ عقيق عارض اليمامة، قال المتقدمون: هو وادٍ واسع مما يلي العرمة تتدفق فيه شعاب العارض. ويظهر أنه الوادي المعروف الآن باسم (الشوكي).
4 ـ عقيق القنان: تجري فيه سيول قُلل نجد وجباله. وهذا من روافد وادي الرُّمة.
5 ـ عقيق البصرة: مما يلي سَفَوان (البلدة العراقية التي حرّفت العجمة اسمها إلى صَفْوان) يقطعه الطريق في البصرة إلى الكويت.
6 ـ عقيق غامد: وقد ورد ذكره في شعر جرير:
إذا ما جعلتُ السَّيَّ بيني وبينها
وحَرّة ليلى والعقيق اليمانيا
وفيه بلدة تدعى باسمه يقارب عدد المستقرين من سكانها ألف نسمة ويكثر فيه النخيل.
7 ـ عقيق المدينة: وهو وادٍ عليه أموال المدينة. كان عامراً بالقصور، والأبنية، والسكان في الجاهلية. ولأهل العقيق أخبار مستحسنة في الكتب، وأشعار رائعة، ويبدو أن العقيق ظل معموراً إلى أواسط زمن العباسيين لانتساب الكثير إليه كمحمد بن جعفر بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين عليه السلام بن علي بن أبي طالب عليه السلام المعروف بالعقيقي.
ويقول ياقوت الحموي عن محمد بن جعفر أن له عقباً، وفي ولده رياسة، ومن ولده أحمد بن الحسين بن أحمد بن علي بن محمد العقيقي أبو القاسم كان من وجوه الأشراف بدمشق، ومدحه أبو الفرج الوأواء، ومات بدمشق سنة 378 ودفن بالباب الصغير.
وفي هذا العقيق قصور، ودور، ومنازل، وقرى ـ كما يقول ياقوت ـ ويقول المسعودي في مروج الذهب: ولست ترى قبيلاً من العرب توغل عن الأماكن المعروفة لهم والمياه المشهورة بهم كماء ضارج، وماء العقيق، والسباط، وما أشبه ذلك من المياه.
يقول ابن النجار: وولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العقيق لرجل اسمه هيضم المزني، ولم تزل الولاة على المدينة يولون والياً من عهد النبي إلى زمن الرشيد والأمين، وهذا يدل على أهمية (العقيق) وبعد تاريخه، وقيام المنازل والقصور فيه قبل الإسلام.
قالوا: ومات سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، بالعقيق وحملا إلى المدينة فدفنا بها.
وقال ابن النجار: ووادي العقيق اليوم ليس به ساكن، وفيه بنيان خراب، وآثار تجد النفس برؤيتها أنساً كما قال أبو تمام:
ولا الخدودُ وإن أدمينَ من خجلٍ
أشهى إلى ناظري من خدها التَربَ
ما ربع ميّة معموراً يطيف به
غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
وابن النجار من أبناء القرن السادس الهجري ومعنى هذا أنه لم يبقَ من العقيق وواديه في هذا القرن وما بعده غير آثار خرائب الماضي.
ويبدو أنه كان للحسين عليه السلام ضيعة في العقيق، فقد كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على الحجاز أمره أن يخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك فقال عبد الله إن أمرها ليس إليّ إنما هو إلى الحسين عليه السلام وهو خالها فأخبر الحسين بذلك فقال أستخير الله تعالى اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين عليه السلام ومن عنده من الجلة وقال إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دين أبيها واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر من يغبطه بكم والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو من لا كفو له، وبوجهه يستسقى الغمام فرُدّ خيراً يا أبا عبد الله، فقال الحسين عليه السلام: الحمد لله الذي اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه… ثم قال: يا مروان قلت فسمعنا أما قولك مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بناته ونسائه وأهل بيته وهو اثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة وثمانين درهماً وأما قولك مع قضاء دين أبيها فمتى كن نساءنا يقضين عنا ديوننا، وأما صلح ما بين هذين الحيين فإنا قوم عاديناكم في الله فلم نكن نصالحكم للدنيا فلعمري لقد أعيا النسب فكيف السبب، وإما قولك العجب ليزيد كيف يستمهر فقد استمهر من هو خير من يزيد ومن أبي يزيد ومن جد يزيد، وأما قولك إن يزيد كفو من لا كفو له فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً، وأما قولك بوجهه يستسقى الغمام فإنما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما قولك من يغبطنا به أكثر ممن يغبطه بنا فإنما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا اهل العقل. ثم قال فاشهدوا جميعاً أني قد زوجت أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة أو قال أرضي بالعقيق وإن غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار.
وكتب رابح لطفي جمعة عن وادي العقيق ما يلي:
ويقع وادي العقيق إلى الغرب من المدينة وراء حرة الوبرة ويبعد عن المدينة بحوالي خمسة كيلومترات.
ويعد وادي العقيق من أجمل بقاع المدينة وألطفها جواً وأنداها نسمة وخاصة عندما تهطل الأمطار وتتجمع السيول فيه على شكل بحيرة صغيرة أو بركة كبيرة، فتهب الأنسام عليلة بليلة مضمخة بعبق الأشجار والخضرة، وقد اشتهر الوادي بجماواته الثلاثة، جماء تضارع وجماء أم خالد وجماء عاقل، والجماء مرتفع صخري أحمر اللون بارز تسيل منه مياه الأمطار وتنحدر في منظر بهيج كأنها شلالات مياه صغيرة ذات خرير، وإلى هذه الجماء التي تحيط بالوادي يشير الشاعر العربي القديم مفضلاً إياها على بعض الأماكن بدمشق فيقول:
القصر فالنخل فالجماء بينهما
أشهى على القلب من أبواب جيرون
وإلى الشمال من العقيق نجد العرصة الكبرى والعرصة الصغرى وهما من أفضل بقاعه وأكرم أصقاعه.
لذلك لم يكن من الغريب أن يتّخذ أهل المدينة، من وادي العقيق متنزهاً ومصطافاً، يخرجون إليه في أيام الصيف وقد ارتدوا أحسن ملابسهم، وركبوا خير دوابهم، يتفيؤون ظلال أشجاره ويبتردون بمائه يتحدثون ويتندرون ويضحكون ويغنون وينشدون الشعر، بل لقد ابتنى بعض أعيانهم دوراً لهم بهذا الوادي لاعتدال مناخه وكثرة الخضرة والمياه فيه، فعلى الضفة الغربية منه ابتنى سعد بن أبي وقاص داراً. «رفع سمكها ووسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات»، كما ابتنى طلحة داراً له بالجص والأجر وخشب الساج.
وكما تحدث الفونس دوديه عن حدائق اللكسمبورج وهيىء إليه أن تماثيلها المرمرية المنصوبة فيها تحني هاماتها في دلال ورشاقة ترحيباً بمقدمه، وكما تغنى فيكتور هيجو بأحراش الحديقة الكثيفة المتداخلة وأشجارها المرزكشة العتيقة الباسقة ونافوراتها ذات المياه الفضية وبركتها المزركشة بالزروع الخضراء كأنها جلد حية رقطاء، وكما تحدث الأدباء وتغنى الشعراء بغوطة دمشق. وكما تحدث المؤرخون عن حدائق جنة التعريف بغرناطة.
كذلك تحدث أبو الفرج الأصفهاني عن وادي العقيق بالمدينة المنورة، ولولا ما جاء في كتاب الأغاني عن هذا الوادي من أخبار وأحاديث لضاع علينا جانب هام من جوانب الحياة الاجتماعية والأدبية والفنية لأهل المدينة.
فمن الأغاني نعرف أن وادي العقيق كان ملتقى لأهل المدينة، يستمعون فيه إلى المغنين والمغنيات ممن زخر بأسمائهم والحديث عن ألحانهم وأصواتهم كتاب الأغاني من أمثال طويس وفند وسائب خاثر والدلال ومعبد وابن عائشة ومالك بن أبي السمح ويونس الكاتب ودحمان وعطرد وعزة الميلاء وجميلة وبرد الفؤاد ونومة الضحى ورحمة وهبة الله ونافع بن طنبورة وبديح المليح ونافع الخير وصبابة وسلامة القس وعقيلة العقيقية والشماسية وفرعة وبلبلة ولذة العيش وسعيدة وغيرهم كثير من المغنين والمغنيات الذين ذكرهم أبو الفرج الأصفهاني. يروي أبو الفرج أن وادي العقيق إذا سال أخذ المغنون يلقون فيه أغانيهم ولم تبق في المدينة مخبأة ولا شابة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره.
ويروي الأصفهاني أن ابن عائشة أحد المغنين المشهورين بالمدينة لعصر بني أمية غنى أهل المدينة يوماً في وادي العقيق فارتفعت أصواتهم: أحسنت أحسنت والتفوا حوله يزفونه إلى المدينة!.
هكذا كان وادي العقيق ملتقى لأهل المدينة يستمعون فيه إلى ألوان من الغناء يتنافس المغنون والمغنيات في أدائها.
كذلك نعرف من كتاب الأغاني أن وادي العقيق كان ملتقى يجتمع فيه الشعراء والأدباء والظرفاء يتناشدون الأشعار ويتجاذبون الأحاديث ويتندرون ويتسامرون ويتزينون عند الخروج للنزهة في أرجائه ويتأنقون في ملابسهم ويركبون أحسن ما لديهم من الدواب، يدلنا على ذلك ما رواه أبو الفرج من أن النصيب أبا محجن خرج هو وكثير عزة والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء فقال:
ـ هل لكم في أن نركب جميعاً فنسير حتى نأتي العقيق فنمتع فيه أبصارنا!
فقالوا: نعم.
فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدواب ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب! ويورد الأصفهاني عن اجتماع الأدباء والشعراء بوادي العقيق أخبار كثيرة لعل أطرفها ما رواه عن أبي السائب المخزومي من أنه مضى مع أحد أصحابه إلى العقيق فتناشدا وتحدثا ولم يلبث صاحبه أن أنشده بيتين للشاعر العرجي، فقال أبو السائب:
ـ أحسن والله امرأتي طالق إن نطقت بحرف غيره حتى أرجع إلى بيتي.
ومضى هو وصاحبه فلقيهما عبد الله بن حسن فسلم ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب، فردّد له أحد البيتين. فالتفت عبد الله إلى صاحبه وقال له:
ـ متى أنكرت صاحبك؟
فقال: منذ الليلة.
فقال: إنا لله! وأي كهل أصيبت منه قريش!!.
ثم مضى هو وصاحبه فلقيهما محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة فسلم ثم قال:
ـ كيف أنت يا أبا السائب؟
فردد أحد البيتين. فالتفت محمد بن عمران إلى صاحبه فقال له:
ـ متى أنكرت صاحبك؟
قال: آنفاً.
فلما أراد المضي قال له صاحب أبي السائب:
ـ أفتدعه هكذا؟ والله ما آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق!
قال: صدقت. يا غلام قيد البغلة.
فأخذ القيد ووضعه في رجل أبي السائب وهو ما زال ينشد البيت ثم قال:
ـ يا غلام احمله على بغلتي وألحقه بأهله!!!
وتدلنا هذه القصة الطريفة على ما كان يدور في وادي العقيق من أحاديث ويروى فيه من أشعار جعلت من رجل صالح زاهد كأبي السائب يبدو كأنه مسلوب اللب مختل العقل حتى يقيده صاحبه من رجليه بقيد الدابة ثم يحمله على تلك الحال على دابته إلى أهله خشية أن يلقي بنفسه في أحد آبار العقيق…
وكما اتخذ بعض أعيان المدينة دوراً لهم بوادي العقيق، فإن بعض المغنين والمغنيات اتخذوا هم أيضاً مساكن لهم بذلك الوادي مثل المغنية عقيلة العقيقية نسبة إلى الوادي، وقد شغف الشاعر الأحوص بها وتغزل فيها بأشعار من ذلك قوله:
يا للرجل لوجدك المتجدد
ولما تؤمل من عقيلة في غد
يومي ويومك بالعقيق، إذ الهوى
منا جميع الشمل لم يتبدد
كذلك اتخذ المغني طويس مسكناً له بوادي العقيق، وطويس على ما تروي الأخبار هو أول من تغنى في المدينة غناء يدخل في الإيقاع أو ما يسميه أبو الفرج بالغناء المتقن، وهو أيضاً أول من صنع الهزج والرمل من الإسلام، ويروي أبو الفرج أن عبد الله بن جعفر كان يتنزه ذات يوم مع بعض إخوانه في وادي العقيق فراحت عليهم السماء بمطر جود فأسال كل شيء، فقال عبد الله لإخوانه:
ـ هل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكن فيه ويحدثنا ويضحكنا، فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس.
وتوجهوا إلى المنزل حيث خرج طويس يتلقى عبد الله بن جعفر مقبلاً وجاء يمشي بين يديه حتى نزلوا فأخذوا يتجاذبون أطراف الحديث حتى جاء وقت الطعام فجاء طويس بمعزاة سمينة ورقاق فأكل وأكل القوم حتى امتلؤوا من كثرة الأكل!
بل إن عقد مجلس للغناء بوادي العقيق كان ـ على ما يبدو ـ مطمحاً يتطاول إليه المغنون والمغنيات، يدلنا على ذلك ما رواه أبو الفرج من أنه كان في المدينة جارية اسمها بصبص حلوة الوجه حسنة الغناء، خفيفة الظل حاضرة البديهة، وكان في المدينة رجل بخيل اسمه مزبد المديني يتحدث الناس عن نوادره في البخل، وذات يوم التقى أشراف من أهل المدينة عند مولى الجارية ومن بينهم عبد الله بن مصعب وتذاكروا نوادر مزيد في البخل فقالت بصبص:
ـ أنا آخذ لكم منه درهماً.
فقال عبد الله بن مصعب:
ـ أنت حرة لئن فعلت إن لم أشتر لك قلادة بمائة ألف دينار وإن لم أشتر لك ثوب وشي بما شئت وأجعل لك مجلساً بوادي العقيق وأنحر لك فيه ناقة لم يركبها أحد!!.
فكان عمل مجلس بوادي العقيق للمغنية ودعوة الناس إليه ونحر الذبائح فيه ـ يعدل عتق الجارية ومنحتها حريتها.
هذه بعض لوحات رسمها لنا أبو الفرج الأصفهاني عن وادي العقيق متنزه أهل المدينة في عصر بني أمية، صور لنا فيها بعض ألوان من الحياة الاجتماعية والأدبية والفنية عند المدنيين في العصر الأموي، ولولا تلك الأخبار التي بثها أبو الفرج هنا وهناك في كتابه عن ذلك الوادي لما عرفنا مكانته وشهرته التي اكتسبها في التاريخ والأدب. وفي القصيدة يقول الشاعر:
إن مررت على العقيق وأهله
يشكون من مطر الربيع نزوراً
ما ضركم إن كان جعفر جاركم
أن لا يكون عقيقكم مسطوراً
العُقيليون بنو عُقيل
هم أمراء (الجزيرة) العرب الذين سادوا فيها فترة من الزمن، وقبل الحديث عنهم لا بد من التمهيد لذلك بالحديث عن الجزيرة نفسها، وكنا قد نشرنا عنها بحثاً في موضعه من حرف الجيم، ولكي تطرد المعلومات أمام القارىء نرى أن نعرّف هنا بعض التعريف بالجزيرة ليستكمل المطالع معلوماته دون التنقل من صفحات إلى صفحات غيرها:
ـ الجزيرة: هي الأراضي الواقعة شمالي العراق، بين نهري دجلة والفرات، والتي تمتد من تكريت على دجلة إلى الحديثة وعانة على الفرات جنوباً، ثم تتجه شمالاً إلى منابع النهرين التي تقترب بعضها من بعض كثيراً، وهذا ما أجمعت عليه نصوص أكثر الجغرافيين والمؤرخين القدامى، في حين نسب البعض الآخر منهم إلى هذه الجزيرة مدناً وقرى بعيدة عن ضفتي النهرين، كالعمادية وإربل ومعلتاي والبوازيج وغيرها (الإصطخري، كتاب المسالك والممالك، ص 52 ـ ابن حوقل، صورة الأرض، ص 191).
ومع أن هذه الجزيرة هي في الواقع منطقة متشابهة من حيث الأوصاف الطبيعية، إلاّ أن العرب قسموها لاعتبارات سكانية وسياسية إلى مناطق ثلاث، لا تفصل بيها إلاّ مجارٍ مائية قليلة الأهمية… وهذه المناطق الثلاث عرفت بأسماء القبائل التي نزلتها قبل الإسلام. فالمنطقة الأولى عرفت بديار بكر، واشتملت على الأجزاء العليا من الجزيرة غربي دجلة. وهذه بمجملها عبارة عن صقع كثير الحصون والجبال، فيه أمصار جليلة وممالك عريقة، «شيخ الربوة الأنصاري، نخبة الدهر، ص 191». فالممالك والأمصار هي ميافارقين أرزن، ماردين، أسعرد، آمد. والحصون منها ما هو قديم رومي، ومنها ما هو محدث إسلامي (ابن شداد، الأعلاق الخطيرة 3: 1: 346). والثانية عرفت بديار مضر، والتي في وسط الجزيرة وتشتمل على السهول القريبة من شرقي الفرات. وتعتبر مدينة الرقة ـ وهي قصبتها ـ من أهم مدن ما بين النهرين العليا وتسيطر على تخوم الشام، وتليها في الأهمية مدينة حران، ثم الرها وسروج وسواها. (ابن شداد الأعلاق الخطيرة، 3: 1: مضر، مع امتداد نحو الجنوب، وهي عبارة عن صقع فيه عدة كُوَرْ (جمع كروة) مما يلي بلاد الموصل منها: كورة نصيبين، كورة قرقيسيا، رأس عين، ميافا رقين، آمد، بازبدي، ماردين، سمياط، بلد، سنجار، الخابور، جزيرة ابن عمر، أذرمة… وكلها بين الحيرة والشام. (البكري الأندلسي، معجم ما استعجم، 2: 568 ـ ابن شداد، الأعلاق الخطيرة، 3: 1: 4). هذا ومن الملاحظ من خلال ما أوردته المصادر التاريخية والجغرافية، هو أن ديار هذه الجزيرة بكر، مضر، ربيعة، وما تبع كلاًّ منها من المدن والقرى، لم تبق على حالها طوال العصور: وإنما تبدلت حسب الأوضاع السياسية والنظم المتبعة لطرق جباية الأموال والخراج. لذلك فإن بعض المدن التي كانت تحسب على إحدى هذه الديار في وقت ما، حسبها البعض الآخر على غيرها من الديار في وقت آخر… وخير شاهد على قولنا هذا هو وضع ميافا رقين وماردين ففي زمن البكري الأندلسي، أبو عبيد الله عبد الله بن عبد العزيز المتوفى سنة 1094 م/ 487 كانت ضمن ديار ربيعة أما في زمن ابن شداد المتوفى سنة 1285 م/ 684 هـ، وشيخ الربوة الأنصاري المتوفى سنة 1326 م/ 727 هـ. فقد حسبتا على ديار بكر.
1 ـ إن تعبير الجزيرة الذي ينطبق على الفترة الحمدانية، لم يكن مقصوراً على العراق الأعلى الواقع بين دجلة والفرات، أو الإقليم الذي أطلق عليه الاسم اليوناني القديم ميزو بوتامي Mesopotamie أي بلاد ما بين النهرين، وتشتمل على ديار ربيعة ومضر وبكر، بل إنه يمتد ليشمل مناطق أوسع تقع بين جبال أرمينية وكردستان شمالاً وشرقاً حتى الخط الوهمي الذي يفصل عانة وحديثه وتكريت على دجلة جنوباً. كذلك امتد نفوذ الحمدانيين فشمل مناطق من بلاد الشام باتجاه جهات حلب… (فيصل السامر، الدولة الحمدانية ـ، 1: 124).
وأما عن بني عقيل فنقول:
كان بنو عُقَيل وغيرهم من القبائل العربية (بنو كلاب وبنو نمير وبنو خفاجة) يقيمون بين الجزيرة والشام. ولما أسس الحمدانيون دولتهم في الموصل صاروا من رعاياهم يؤدون لهم الإتاوة ويخرجون معهم في الحروب. على أن بني عقيل سرعان ما تطلعوا إلى احتلال البلاد. بعد أن تطرق الضعف إلى دولة بني حمدان، فاستطاعوا أن يقيموا إمارتهم وقاعدتها الموصل سنة 386، واستمرت حتى سنة 489.
بنو عقيل بالموصل
1 ـ حسام الدولة أبو حسان المقلد بن المسيب… 386 هـ.
2 ـ معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلد (قتل في رجب 444 هـ)… 391 هـ.
3 ـ زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلد … 442 هـ.
(انتزع البساسيري الموصل منه سنة 448).
5 ـ شرف الدولة أبو المكارم سلم بن قريش (بحلب سنة 472 هـ)… محرم 453 هـ.
(توفي في 15 صفر 378 هـ).
6 ـ إبراهيم بن قريش (قتله تنش سنة 486 هـ)… 478 هـ.
7 ـ علي بن مسلم … 486 هـ عزله تتش 489 هـ.
وكان تطلع جنوبي بلاد الشام عموماً في فترة تتابع غير العرب من السلاجقة والتركمان والخوارزمية على حكم بلاد الشام، مثل تطلع شماليها إلى الأمير العقيلي شرف الدولة مسلم بن قريش أمير الموصل. وقد قامت فعلاً اتصالات بينه وبين بدر الجمالي في القاهرة للتعاون على طرد تنش بن ألب أرسلان من جنوب بلاد الشام والاستيلاء على القدس ودمشق. فقد كان مسلم يطمح إلى توسيع نفوذه في بلاد الشام، كما كانت مصالح الخلافة الفاطمية قد تضررت بسبب توسع النفوذ التركماني في هذه المنطقة. ثم إن وجود تنش بن ألب أرسلان في فلسطين كان يهدد الكيان الفاطمي في مصر في أية لحظة. ولكن تنش لم يقف مكتوف اليدين تجاه هذا التحالف بل سعى إلى حلف يتولى مجابهة مسلم العقيلي. وهاجم مسلم دمشق محاولاً تحقيق طموحه الكبير في تأسيس دولة عربية كبرى تضم الجزيرة الفراتية وبلاد الشام مع بعض أجزاء من العراق ولكنه أخفق في خطته.
وبنو عُقيل وقد يقال لهم: بنو المسيب، نسبة إلى أحد أجدادهم. كان أول استيلائهم على الموصل أن أبا الذواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل صاحب نصيبين سار إليها بعد قضائه على أبي طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة الحمداني سنة 380 وكاتب بهاء الدولة البويهي يسأله أن ينفذ إليه من يقيم عنده من أصحابه ليتولى الأمور، فسير إليه قائداً من قواده.
وأقام نائب بهاء الدولة وليس له من الأمر شيء ولا يحكم إلاّ فيما يريده أبو الذواد. وفي آخر سنة 381 أنفذ بهاء الدولة أبا جعفر الحجاج بن هرمز في عسكر كبير إلى الموصل فملكها…
فاجتمعت بنو عقيل وأميرهم أبو الذواد على حربه وجرت بينهم عدة وقائع عاد بعدها أبو جعفر إلى بغداد دون الظفر ببني عقيل لخلافات بين بهاء الدولة وحواشيه وفيهم أبو جعفر.
وفي سنة 386 توفي أبو الذواد فطمع أخوه المقلد بن المسيب في الإمارة فلم تساعده عُقيل على ذلك وقلّدوا أخاه عليّاً لأنه أكبر منه، فأسرع المقلد واستمال الديلم الذين كانوا مع أبي جعفر الحجاج بالموصل فمال إليه بعضهم، وكتب إلى بهاء الدولة يضمن له البلد بمليون درهم كل سنة، ثم حضر عند أخيه علي وأظهر له بهاء الدولة انه قد ولاه الموصل وسأله مساعدته على أبي جعفر لأنه قد منعه عنها. فساروا ونزلوا على الموصل فخرج إليهم كل من استماله المقلد من الديلم، وضعف الحجاج وطلب منهم الأمان فأمنّوه، وواعدهم يوماً يخرج إليهم فيه.
ثم أنه انحدر في السفن قبل ذلك اليوم، فلم يشعروا به إلاّ بعد انحداره فتبعوه فلم ينالوا منه شيئاً، ونجا بماله منهم، وسار إلى بهاء الدولة، ودخل المقلد البلد واستقر الأمر بينه وبين أخيه على أن يخطب لهما، ويقدم علي لكبره، ويكون له معه نائب يجبي المال، واشتركا في البلد والولاية. وجرى الأمر على ذلك مدة مديدة ثم تشاجروا واختصموا فقبض المقلد على أخيه علي، وأرسل إلى زوجته بأخذ ولديه قرواش وبدران واللحاق بتكريت قبل أن يسمع أخوه الحسن الخبر ففعلت ذلك وخلصت. وكانت في الحلة التي له على أربعة فراسخ من تكريت.
وسمع الحسن الخبر، فبادر إلى الحلة ليقبض أولاد أخيه، فلم يجدهم، وأقام المقلد بالموصل يستدعي رؤساء العرب ويخلع عليهم، واجتمع عنده زهاء ألفي فارس، وصار الحسن في حلل أخيه ومعه أولاد أخيه علي وحرمه واستنفرهم على المقلد فاجتمع معه نحو عشرة آلاف. وراسل المقلد يؤذنه بالحرب، فسار عن الموصل وبقي بينهم منزل واحد، ونزل بإزاء العلث، وحضره وجوه العرب واختلفوا عليه فمنهم من أشار بالحرب وفيهم رافع بن محمد بن مقن، ومنهم من أشار بالكف عن القتال وصلة الرحم وفيهم غريب بن محمد بن مقن، وتنازع هو وأخوه.
فبينما هم في ذلك قيل لمقلد: إن أختك رهيلة تريد لقاءك وقد جاءتك، فركب وخرج إليها فلم تزل معه حتى أطلق أخاه عليّاً ورد إليه ماله وأنزله في خيمة ضربها له:
فسر الناس بذلك، وعاد علي إلى حلته وعاد المقلد إلى الموصل وتجهز للمسير إلى أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي لأنه تعصب لأخيه علي وقصد ولاية المقلد بالأذى فسار إليه.
فلما خرج علي من محبسه اجتمع العرب إليه وأشاروا عليه بقصد أخيه الحسن المقلد فسار إلى الموصل وبها أصحاب المقلّد، فامتنعوا عليه ففتحها. فسمع المقلد بذلك فعاد إليه واجتاز في طريقه بحلة أخيه فخرج إليه ورأى كثرة عسكره فخاف على أخيه بالوقوف منه فأشار عليه بالوقوف ليصلح الأمر، وسار إلى أخيه علي وقال له: إن المقلد قد أتاك بحده وحديده وأنت غافل، وأمره بإفساد عسكر المقلد، فكتب إليهم، فظهر المقلد بالكتب فأخذها وسار مجداً إلى الموصل، وخرج إليه أخواه علي والحسن وصالحاه، ودخل الموصل وهما معه.
ثم خاف علي فهرب من الموصل ليلاً وتبعه الحسن. وترددت الرسل بينهم فاصطلحوا على أن يدخل أحدهم البلد في غيبة الآخر وبقوا كذلك إلى سنة 389.
ومات علي سنة 390 وقام الحسن مقامه، فقصده المقلد ومعه بنو خفاجة، فهرب الحسن إلى العراق وتبعه المقلد فلم يدركه فعاد.
ولما استقرّ أمر المقلد بعد أخيه علي سار إلى بلد علي بن مزيد الأسدي فدخله ثانية، والتجأ ابن مزيد إلى مهذب الدولة فتوسط ما بينه وبين المقلد وأصلح الأمر معه. وسار المقلد إلى دقوقا فملكها.
وفي سنة 391 قتل حسام الدولة المقلد بن المسيب غيلة قتله مماليك له ترك.
وكان سبب قتله أن هؤلاء الغلمان كانوا قد هربوا منه فتبعهم وظفر بهم وقتل منهم وأعاد الباقين فخافوه على نفوسهم فاغتنم غفلته وقتله بالأنبار، وكان قد عظم أمره وراسل وجوه العساكر ببغداد، وأراد التغلب على الملك فأتاه الله من حيث لا يشعر.
ولما قتل كان ولده الأكبر قرواش غائباً، وكانت أمواله وخزائنه بالأنبار، فخاف نائبه عبد الله بن إبراهيم بن شهرويه بادرة الجند فراسل أبا منصور بن قراد اللديد، وكان بالسندية، فاستدعاه إليه وقال له: أنا أجعل بينك وبين قرواش عهداً وأزوجه ابنتك وأقاسمك على ما خلفه أبوه، وتساعده على عمه الحسن إن قصده وطمع فيه. فأجابه إلى ذلك وحمى الخزائن والبلد وأرسل عبد الله إلى قرواش يحثه على الوصول، فوصل وقاسمه وأقام قراد عنده.
ثم إن الحسن بن المسيب جمع مشايخ عقيل وشكا قرواشاً إليهم وما صنع مع قراد، فقالوا له: خوفه منك حمله على ذلك. فبذل من نفسه الموافقة له والوقوف عند رضاه، وسفر المشايخ بينهما فاصطلحا واتفقا على أن يسير الحسن إلى قرواش شبه المحارب ويخرج هو وقراد إلى قتاله، فإذا لقي بعضهم بعضاً عادوا جميعاً إلى قراد فأخذه، فسار الحسن وخرج قرواش وقراد لقتاله.
فلما تراءى الجمعان جاء بعض أصحاب قراد إليه فأعلمه الحال فهرب على فرس له، وتبعه قرواش والحسن فلم يدركاه، وعاد قرواش إلى بيت قراد فأخذ ما فيه من الأموال التي أخذها منه قرواش فهي بحالها، وسار قرواش إلى الكوفة فأوقع بخفاجة عندها وقعة عظيمة فساروا بعدها إلى الشام فأقاموا هناك حتى أحضرهم أبو جعفر الحجاج.
وفي سنة 392 سير قرواش جمعاً من عقيل إلى المدائن فحصروها، فسير إليهم أبو جعفر نائب بهاء الدولة جيشاً. فأزالوهم عنها، فاجتمعت عقيل وأبو الحسن مزيد في بني أسد وقويت شوكتهم، فخرج الحجاج إليهم واستنجد خفاجة وأحضرهم من الشام فاجتمعوا معه واقتتلوا بنواحي باكرم فانهزمت الديلم والأتراك وأسر منهم خلق كثير واستبيح عسكرهم.
فجمع أبو جعفر من عنده من العسكر وخرج إلى بني عقيل وابن مزيد وقتل من أصحابهم خلق كثير وأسر مثلهم، وسار إلى حلل ابن مزيد فأوقع بمن فيها فانهزموا أيضاً فنهبت الحلل والبيوت والأموال ورأوا فيها من العين والمصاغ والثياب ما لا يقدر قدره.
وفي سنة 397 جرت وقعة بين قرواش وبين أبي علي بن ثمال الخفاجي وكان سببها أن قرواشاً جمع جمعاً كثيراً وسار إلى الكوفة، وأبو علي غائب عنها، فدخلها ونزل بها، وعرف أبو علي الخبر فسار إليه فالتقوا واقتتلوا فانهزم قرواش وعاد للأنبار مفلول وملك أبو علي الكوفة وأخذ أصحاب قرواش فصادرهم.
وفي سنة 401 خطب قرواش للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بأعماله كلها، وهي: الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها. وكان ابتداء الخطبة بالموصل: الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغصب وانهدّت بقدرته أركان النصب وأطلع بنوره شمس الحق من الغرب. فأرسل القادر بالله العباسي لقاضي أبا بكر بن الباقلاني إلى بهاء الدولة يعرفه ذلك، وأن العلويين والعباسيين انتقلوا من الكوفة إلى بغداد، فأكرم بهاء الدولة القاضي أبا بكر وكتب إلى عميد الجيوش يأمره بالمسير إلى حرب قرواش وطلب له مئة ألف دينار ينفقها في العسكر وخلع على القاضي أبي بكر وولاه قضاء عمان والسواحل. وسار عميد الجيوش إلى حرب قرواش فأرسل يعتذر وقطع خطبة الفاطميين وأعاد خطبة القادر بالله.
وفي سنة 411 اجتمع غريب بن مقن ونور الدولة دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأتاهم عسكر من بغداد فقاتلوا قرواشاً ومعه رافع بن الحسين عند كرخ سمراء فانهزم قرواش ومن معه وأسر في المعركة ونهبت خزائنه وأثقاله واستجار رافع بغريب وفتحوا تكريت عنوة وعاد عسكر بغداد إليها بعد عشرة أيام.
ثم إن قرواشاً خلص وقصد سلطان بن الحسين بن ثمال أمير خفاجة فسار إليهم جماعة من الأتراك فعاد قرواش وانهزم ثانية هو وسلطان وكانت الوقعة بينهم غربي الفرات. ولما انهزم قرواش مد نواب السلطان أيديهم إلى أعماله فأرسل يسأل الصفح عنه ويبذل الطاعة.
وفي سنة 417 اجتمع دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن حسان أمير بني خفاجة وجمعا عشائرهما وغيرهما وانضاف إليهم عسكر بغداد على قتال قرواش.
وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد قرواش منه فانحدر من الموصل لدفعهم فاستعانوا بدبيس فسار إليهم واجتمعوا فأتاهم عسكر بغداد فالتقوا بظاهرة الكوفة وهي لقرواش فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة.
وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم فسار ليلاً في نفر يسير وعلم أصحابه بذلك فتبعوه منهزمين فوصلوا إلى الأنبار، وسارت أسد وخفاجة خلفهم فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله فلم يمكنهم الإقدام عليه فاستولوا على الأنبار وتفرّقوا.
كان الأثير حاكماً في الدولة البويهية ماضي الحكم نافذ الأمر والجند من أطوع الناس له وأسمعهم لقوله. فلما كان (الآن) زال ذلك وخالفه الجند فزالت طاعته عنهم فلم يلتفتوا إليه، فخافهم على نفسه فسار إلى قرواش، فندم الجند على ذلك وسألوه أن يعود فلم يفعل وأصعد إلى الموصل مع قرواش فأخذ ملكه وأقطاعه بالعراق.
ثم إن نجدة الدولة ابن قراد ورافع بن الحسين جمعاً جمعاً كثيراً من عقيل وانضم إليهم بدران أخو قرواش وساروا يريدون حرب قرواش. وكان قرواش لما سمع خبرهم قد اجتمع هو وغريب بن مقن والأثير عنبر وأتاه مدد من ابن مروان، فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل، فالتقوا عند بلد واقتتلوا وثبت بعضهم لبعض، ففعل ثروان بن قراد فعلاً جميلاً وذاك أنه قصد غريباً في وسط المصاف واعتنقه وصالحه، وفعل أبو المفضل بدران المقلد بأخيه قرواش كذلك، فاصطلح الجميع وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين.
ومن الأحداث: أن منيع بن حسان أمير خفاجة سار إلى الجامعين. وهي لنور الدولة دبيس فنهبها، فسار دبيس في طلبه إلى الكوفة، ففارقها وقصد الأنبار وهي لقرواش كان استعادها بعدما ذكرناه قبل. فلما نزلها منيع قاتله أهلها فلم يكن لهم بخفاجة طاقة، فدخلت خفاجة الأنبار ونهبوها وأحرقوا أسواقها، فانحدر قرواش إليهم ليمنعهم وكان مريضاً، ومعه غريب والأثير غنبر، إلى الأنبار ثم تركها ومضى إلى القصر فاشتد طمع خفاجة وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ثانية.
وسار قرواش إلى الجامعين، فاجتمع هو ونور الدولة دُبَيْس بن مزَيْد في عشرة آلاف مقاتل، وكانت خفاجة في ألف، فلم يقدم قرواش في ذلك الجيش على هذا الألف، وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد، وأعانهم قرواش وأقام عندهم الشتاء، ثم إنّ منيع بن حسّان سار إلى الملك أبي كاليجار، فأطاعه، فخلع عليه، وأتى منيع الخفاجيُّ إلى الكوفة فخطب فيها لأبي كاليجار، وأزال حكم عُقيل عن سَقي الفرات.
ومن أخبار قرواش انتصاره على الغز: وذلك أنه أرسل إلى أصحاب الأطراف في طلب النجدة منهم على الغز.
فأما الملك جلال الدولة فلم ينجده لزوال طاعته عن جنده الأتراك، وأمّا دُبَيْس بن مزَيْد فسار إليه، واجتمعت عليه عُقيل كافة، وأتته أمداد أبي الشوك وابن ورّام وغيرهما، فلم يدركوا الواقعة، فإنّ قرواشاً لمّا اجتمعت عُقيل ودُبَيْس عنده صار إلى الموصل.
وبلغ الخبر إلى الغُزّ، فتأخروا إلى تلعفر وبُومارية، وتلك النواحي، وراسلوا الغُزّ الذين كانوا بديار بكر ومقدّمهم ناصغلي وبوقا، وطلبوا منهم المساعدة على العرب، فساروا إليهم.
وسمع قرواش بوصولهم، فلم يُعلم أصحابه لئلا يفشلوا ويجبنوا، وسار حتى نزل على العجاج، وسارت الغُزُ، فنزلوا برأس الأيل من الفرج، وبينهما نحو فرسخين، وقد طمع الغُزُّ في العرب فتقدّموا حتى شارفوا حلل العرب ووقعت الحرب في العشرين من شهر رمضان من أول النهار، فاستظهرت الغّزُّ، وانهزمت العرب حتى صار القتال عند حللهم، ونساؤهم يشاهدون القتال، فلم يزل الظفر للغُزّ إلى الظهر، ثم أنزل الله نصره على العرب، وانهزمت الغُزُّ وأخذهم السيف وتفرّقوا، وكثر القتل فيهم، فقتل ثلاثة من مقدميهم، وملك العرب حلل الغُزّ وحَركاتهم، وغنموا أموالهم، فعمتهم الغنيمة، وأدركهم الليل فحجز بينهم.
وسيّر قرواش رؤوس كثيرة من القتلى في سفينة إلى بغداد، فلمّا قاربتها أخذها الأتراك ودفنوها، ولم يتركوها تصل أنفة وحمية للجنس، وكفى الله أهل الموصل شرهم، وتبعهم قرواش إلى نصيبين، وعاد عنهم، فقصدوا ديار بكر فنهبوها، ثم مالوا على الأرمن والروم فنهبوهم، ثم قصدوا بلاد أذربيجان، وكتب قرواش إلى الأطراف يبشّر بالظفر بهم، وكتب إلى ابن ربيب الدولة، صاحب أرمية، يذكر له أنه قتل منهم ثلاثة آلاف رجل، فقال للرسول: هذا عجب! فإنّ القوم لمّا اجتازوا ببلادي أقمت على قنطرة لا بدّ لهم من عبورها، مَنْ عدّهم، فكانوا نيّفاً وثلاثين ألفاً مع لفيفهم، فلمّا عادوا بعد هزيمتهم لم يبلغوا خمسة آلاف رجل، فإمّا أن يكونوا قُتلوا أو هلكوا. ومدح الشعراء قرواشاً بهذا الفتح، وممّن مدحه ابن شبل بقصيدة منها:
بأبي الذي أرسَتْ نزارٌ بيتَها
في شامخٍ من عزّه المتخيّر
ثم اختلف جلال الدولة، ملك العراق، وقرواش.
وكان سبب ذلك أنّ قرواشاً كان قد أنفذ عسكراً سنة إحدى وثلاثين [وأربعمائة] فحصروا خميس بن ثعلب بتكريت، وجرى بين الطائفتين حرب شديدة في ذي القعدة منها، فأرسل خميس ولده إلى الملك جلال الدولة، وبذل بذولاً كثيرة ليكف عنه قرواشاً، فأجابه إلى ذلك، وأرسل إلى قرواش يأمره بالكفّ عنه، فغالط ولم يفعل، وسار بنفسه ونزل عليه يحاصره، فتأثر جلال الدولة منه.
ثم إنّه أرسل كتباً إلى الأتراك ببغداد يفسدهم، وأشار عليهم بالشغب على الملك وإثارة الفتنة معه، فوصل خبرها إلى جلال الدولة، وأشياء أخرى كانت هذه هي الأصل، فأرسل جلال الدولة أبا الحارث أرسلان البساسيري في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ليقبض على نائب قرواش بالسندية، فسار ومعه جماعة من الأتراك، وتبعه جمع من العرب، فرأى في طريقه جمالاً لبني عيسى، فتسرع إليها الأتراك والعرب فأخذوا منها قطعة، وأوغل الأتراك في الطلب.
وبلغ الخبر إلى العرب، وركبوا وتبعوا الأتراك، وجرى بين الطائفتين حرب انهزم فيها الأتراك، وأسر منهم جماعة، وعاد المنهزمون فأخبروا البساسيريّ بكثرة العرب، فعاد ولم يصل إلى قصده.
وسارت طائفة من بني عيسى، فكمنوا بين صَرْصَر وبغداد ليفسدوا في السواد، فاتّفق أن وصل بعض أكابر القوّاد الأتراك، فخرجوا عليه فقتلوه وجماعة من أصحابه، وحملوا إلى بغداد، فارتج البلد، واستحكمت الوحشة مع معتمد الدولة قرواش، فجمع جلال الدولة العساكر وسار إلى الأنبار، وهي لقرواش، على عزم أخذها منه، وغيرها من أقطاعه بالعراق، فلمّا وصلوا إلى الأنبار أغلقت، وقاتلهم أصحاب قرواش، وسار قرواش من تكريت إلى خُصَّة على عزم القتال، فلمّا نزل الملك جلال الدولة على الأنبار قلت عليهم العلوفة، فسار جماعة من العسكر والعرب إلى الحديثة ليمتاروا منها، فخرج عليهم عندها جمع كثير من العرب، فأوقعوا بهم، فانهزم بعضهم وعادوا إلى العسكر، ونهبت العرب ما معهم من الدوابّ التي تحمل الميرة، وبقي المرشد أبو الوفاء وهو المقدم على العسكر الذي ساروا لإحضار الميرة وثبت معه جماعة.
ووصل الخبر إلى جلال الدولة أنّ المرشد أبا الوفاء يقاتل، وأخبر سلامته وصبره للعرب، وأنّهم يقاتلونه وهو يطلب النجدة، فسار الملك إليه بعسكر، فوصولوا، وقد عجز العرب عن الوصول إليه، وعادوا عنه بعد أن حملوا عليه وعلى من معه عدّة حملات صبر لها في قلّة من معه. ثم اختلفت عُقيل على قرواش، فراسل جلال الدولة، وطلب رضاه، وبذل له بذلاً أصلحه به، وعاد إلى طاعته، فتحالفا وعاد كلٌّ إلى مكانه.
ثم اختلف قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية، وكان للحميدية عدّة حصون تجاور الموصل منها العَقْر وما قاربها، وللهذبانية قلعة إربل وأعمالها، وكان صاحب العَقْر حينئذ أبا الحسن بن عَيْسَكان الحميديّ، وصاحب إربل أبو الحسن بن موسك الهذباني، وله أخ اسمه ابو علي بن موسك فأعانه الحميدي على أخذ إربل من أخيه أبي الحسن، فملكها منه، وأخذ صاحبها أبا الحسن أسيراً. وكان قرواش وأخوه زعيم الدولة ابو كامل بالعراق مشغولين، فلما عادا الى الموصل وقد سخطا هذه الحالة لم يظهراها، وأرسل قرواش يطلب من الحميدي والهذباني نجدة له على نصر الدولة بن مروان. فأمّا أبو الحسن الحميدي فسار إليه بنفسه، وأمّا أبو علي الهذبانيُّ فأرسل أخاه، واصطلح قرواش ونصر الدولة، وقبض على أبي الحسن الحميدي، ثم صانعه على إطلاق أبي الحسن الهذباني، الذي كان صاحب إربل، وأخذ إربل من أخيه أبي علي وتسليمها إليه، فإن امتنع أبو علي كان عوناً عليه، فأجاب إلى ذلك، ورهن عليه أهله وأولاده وثلاثة قلاع من حصونه إلى أن يتسلم إربل، وأطلق من الحبس([50]).
وكان أخ له قد استولى على قلاعه، فخرج إليها وأخذها منه، وعاد إلى قرواش وأخيه زعيم الدولة، فوثقا به، وأطلقا أهله، ثم إنّه راسل أبا عليّ، صاحب إربل، في تسليمها، فأجاب إلى ذلك، وحضر بالموصل ليسلم إربل إلى أخيه أبي الحسن، فقال الحميدي لقرواش: إنني قد وفيت بعهدي، فتسلمان إليّ حصوني، فسلّما إليه قلاعه، وسار هو وأبو([51]) الحسن، وأبو علي الهذباني([52]) إلى إربل ليسلماها إلى أبي الحسن، فغدوا به في الطريق، وكان قد أحس بالشر، فتخلف عنهما، وسير معهما أصحابه ليتسلموا إربل، فقبضا على أصحابه وطلبوه ليقيضوه، فهرب إلى الموصل، وتأكدت الوحشة حينئذ بين الأكراد وقرواش وأخيه، وتقاطعوا، وأضمر كل منهم الشر لصاحبه.
وفي سنة 441 ظهر الخلاف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل ظهوراً آل إلى المحاربة، وقد تقدم سبب ذلك. فلمّا اشتدّ الأمر، وفسد الحال فساداً لا يمكن إصلاحه، جمع كلّ منهما جمعاً لمحاربة صاحبه، وسار قرواش في المحرّم، وعبر دجلة بنواحي بَلد، وجاءه سليمان بن نصر الدولة بن مروان، وأبو الحسن بن عَيْسَكان الحميديُّ، وغيرهما من الأكراد، وساروا إلى مَعْلَثَايَا فأخربوا المدينة ونهبوها ونزلوا بالمُغيِثيةِ، وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب وآل المسيّب، فنزلوا بمرج بابنيثا، وبين الطائفتَينْ نحو فرسخ، واقتتلوا يوم السبت ثاني عشر المحرّم، وافترقوا من غير ظفر، ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك، ولم يلابس الحرب سليمان بن مروان بل كان ناحيةً، ووافقه أبو الحسن الحُميديُّ، وساروا عن قرواش، وفارقه جمع من العرب، وقصدوا أخاه، فضعف أمر قرواش، وبقي في حلته وليس معه إلاّ نفر يسير، فركبت العرب من أصحاب أبي كامل لقصده، فمنعهم وأسفر الصبُّح يوم الاثنين وقد تسرّع بعضهم ونهب بعضاً من عرب قرواش، وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به ونقله إلى حلّته، وأحسن عشرته، ثم أنفذه إلى الموصل محجوراً عليه وجعل معه بعض زوجاته في دارٍ.
وكان مما فتّ في عضد قرواش وأضعف نفسه أنّه كان قد قبض على قوم من الصيادين بالأنبار لسوء طريقهم وفسادهم، فهرب الباقون منهم، وبقي بعضهم بالسَّنديّة، فلمّا كان الآن سار جماعة منهم إلى الأنبار، وتسلّقوا السور ليلة خامس المحرّم من هذه السنة، وقتلوا حارساً، وفتحوا الباب، ونادوا بشعار أبي كامل، فانضاف إليهم أهلوهم وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل، فكثروا، وثار بهم أصحاب قرواش، فاقتتلوا فظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش جماعة، وهرب الباقون فبلغه خبر استيلاء أخيه، ولم يبلغه عودة أصحابه.
ثم إنّ المسيّب وأمراء العرب كلّفوا أبا كامل ما يعجز عنه، واشتطوا عليه، فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش وإعادته إلى مملكته، فبادرهم إليه، وقبّل يده وقال له: إنني وإن كنت أخاك فإنّني عبدك، وما جرى هذا إلاّ بسبب من أفسد رأيك فيّ، وأشعرك الوحشة منّي، والآن فأنت الأمير وأنا الطائع لأمرك والتابع لك، فقال له قرواش: بل أنت الأخ، والأمر لك مُسلّم، وأنت أقوم به منّي. وصلح الحال بينهما، وعاد قرواش إلى التصرف على حكم اختياره.
وكان أبو كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن حَربَى، وأوَانَا، فلمّا اصطلح أبو كامل وقرواش أرسلا إلى حرَبَى من منع بلالاً عنها، فتظاهر بلال بالخلاف عليهما، وجمع إلى نفسه جمعاً وقاتل أصحاب قرواش، وأخذ حَربَى وأوَانَا بغير اختيارهما، فانحدر قرواش من الموصل إليهما وحصرهما وأخذهما.
ثم استولى زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلّد علي أخيه قرواش، وحجر عليه، ومنعه من التصرف على اختياره.
وسبب ذلك أنّ قرواشاً كان قد أنف من تحكّم أخيه في البلاد، وأنه صار لا حكم له، فعمل على الإنحدار إلى بغداد ومفارقة أخيه، وسار عن الموصل، فشقّ ذلك على بركة وعظم عنده.
ثم أرسل إليه نفراً من أعيان أصحابه يشيرون عليه بالعود، واجتماع الكلمة، ويحذّرونه من الفرقة والاختلاف، فلمّا بلّغوا ذلك امتنع عليهم، فقالوا: أنت ممنوع من فعلك، والرأي لك القبول والعود ما دامت الرغبة إليك؛ فعلم حينئذ أنّ يُمنع قهراً، فأجاب إلى العود على شرط أن يسكن دار الإمارة بالموصل، وسار معهم. فلمّا قارب حلّة أخيه زعيم الدولة لقيه، وأنزله عنده، فهرب أصحابه وأهله خوفاً، فأمّنهم زعيم الدولة، وحضر عنده وخدمه وأظهر له الخدمة، وجعل عليه من يمنعه من التصرف على اختياره.
ثم توفي زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلّد بتكريت، وكان انحدر إليها في حلله قاصداً نحو العراق لينازع النواب به عن الملك الرحيم، وينهب البلاد، فلمّا بلغها انتقض عليه جرحٌ كان أصابه من الغُزّ لمّا ملكوا الموصل، فتوفي ودُفن بمشهد الخضر بتكريت.
واجتمعت العرب من أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلّد، فعاد بالحلل والعرب إلى الموصل، وأرسل إلى عمه قرواش، وهو تحت الاعتقال يعلمه بوفاة زعيم الدولة، وقيامه بالإمارة، وأنّه يتصرف على اختياره، ويقوم بالأمر نيابة عنه، فلمّا وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش منازعة ضعف فيها قرواش، وقوي ابن أخيه، ومالت العرب إليه واستقرّت الإمارة له، وعاد عمه إلى ما كان عليه من الاعتقال الجميل، والاقتصار به على قليل من الحاشية والنساء والنفقة، ثم نقله إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل، فاعتقل بها.
ثم جرى خلاف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلّد، وكان قريش قد نقل عمه قرواشاً إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل وسجنه بها وارتحل يطلب العراق، فجرى بينه وبين أخيه المقلّد منازعة أدّت إلى الاختلاف. فسار المقلّد إلى نور الدولة دُبَيْس بن مَزْيد ملتجئاً إليه، فحمل أخاه الغيظ منه على أن نهب حلّته وعاد إلى الموصل، واختلّت أحواله، واختلفت العرب عليه، وأخرج نوّاب الملك الرحيم ببغداد إلى ما كان بيد قريش من العراق بالجانب الشرقي من عُكبرا، والعِلث، وغيرهما من قَبَضَ غلّته، وسلم الجانب الغربي من أوانا ونهر بيطر إلى أبي الهندي بلال بن غريب.
ثم إنّ قريشاً استمال العرب وأصلحهم، فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش، فإنّه توفي هذه الأيام، وانحدر إلى العراق ليستعد ما أخذ منه، فوصل إلى الصالحية، وسير بعض أصحابه إلى ناحية الحظيرة وما والاها، فنهبوا ما هناك وعادوا، فلقوا كامل بن محمد بن المسيّب، صاحب الحظيرة، فأوقع بهم وقاتلهم، فأرسلوا إلى قريش يعرّفونه الحال، فسار إليهم في عدّة كثيرة من العرب والأكراد، فانهزم كامل، وتبعه قريش فلم يلحقه، فقصد حلل بلال بن غريب، وهي خالية من الرجال، فنهبها، وقاتله بلال وأبلى بلاء حسناً فجرح ثم انهزم، وراسل قريش نواب الملك الرحيم يبذل الطاعة، ويطلب تقرير ما كان له عليه، فأجابوه إلى ذلك على كرهٍ لقوّته وضعفهم، واشتغال الملك الرحيم بخوزستان عنهم، فاستقرّ أمره وقوي شأنه.
ثم توفي قرواش، محبوساً بقلعة الجراحية، من أعمال الموصل، وحمل ميّتاً إلى الموصل، ودُفن بتل تَوبة من مدينة نينوى، شرقي الموصل.
وكان من رجال العرب، وذوي العقل منهم، وله شعر حسن، فمن ذلك ما ذكره أبو الحسن عليٍّ بن الحسن الباخرزي في دُمْية القصر من شعره:
لله درُّ النائباتِ، فإنها
صدأُ النفوس وصَيْقَلُ الأحرارِ
ما كنتُ إلاّ زُبرةً فطبعنني
سيفاً، وأأطلق شفرتي وغرارِي
ثم حصر قريش بن بدران، مدينة الأنبار وفتحها، وخطب لطغرلبك فيها وفي سائر أعماله، ونهب ما كان فيها للبساسيريُّ وغيره، ونهب حلل أصحابه بالخالص، وفتحوا بُثُوقَه، فامتعض البساسيريُّ من ذلك، وجمع جموعاً كثيرة، وقصد الأنبار وحَرْبَى فاستعادهما.
ثم كانت وقعة بين البساسيريّ ومعه نور الدولة دُبيس بن مَزيد، وبين قُريش بن بدران، صاحب الموصل، ومعه قتلمش، وهو ابن عم السلطان طغرلبك، وهو جدّ هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان، ومعه أيضاً سهم الدولة أبو الفتح بن عمرو، وكانت الحرب عند سنجار، فاقتتلوا فاشتدّ القتال بينهم، فانهزم قريش وقتلمش، وقتل من أصحابهما الكثير.
ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت، وبالغوا في أذاه وأذى أصحابه، وجرح قريش بن بدران، وأتى إلى نور الدولة جريحاً، فأعطاه خلعةً كانت قد نفذت من مصر، فلبسها وصار في جملتهم، وساروا إلى الموصل، وخطبوا لخليفة مصر بها، وهو المستنصر بالله، وكانوا قد كاتبوا الخليفة المصري بطاعتهم، فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري، ولنور الدولة دبيس بن مَزْيَد، ولجابر بن ناشب، ولمقبل بن بدران، أخي قريش، ولأبي الفتح بن ورام، ونصير بن عمر، وأبي الحسن بن عبد الرحيم، ومحمد بن حماد، وانضاف إليهم قريش بن بدران.
ولمّا ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طغرلبك، أرسل إليه نور الدولة وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان، ويصلح أمرهما معه، فسعى في ذلك، واستعطف السلطان عليهما، فقال: أما هما فقد عفوت عنهما، وأمّا البساسيري فذنبه إلى الخليفة، ونحن متبعون أمر الخليفة فيه؛ فرحل البساسيريُّ عند ذلك إلى الرحبة، وتبعه الأتراك البغداديون ومقبل بن المقلّد وجماعة من عُقَيْل.
وطلب دُبَيْس وقُريش أن يرسل طغرلبك إليهما أبا الفتح بن ورّام، فأرسله، فعاد من عندهما وأخبر بطاعتهما، وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلفهما، فأمره السلطان بالمضي إليهما، فسار واجتمع بهما، وأشار عليهما بالحضور عند السلطان، فخافا وامتنعا، فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر، وأنفذ دُبيس ابنه بهاء الدولة منصوراً، فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما، وكان لقريش نهر الملك، وبادوريا، والأنبار وهيت، ودجيل، ونهر بيطر، وعكبرا، وأوانا، وتكريت، والموصل، ونصيبين، وأعاد الرسل إلى أصحابهم.
وفي سنة 453 توفي قريش بن بدران، أصابه خروج الدم من فيه وأنفه وعينيه وأذنيه، فحمله ابنه مسلم شرف الدولة إلى نصيبين، حتى حفظ خزانته بها، وتوفي هناك.
وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير حاله، فسار من دارا إلى نصيبين، وجمع بني عقيل على أن يؤمروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم، وكان القائم بأمره جابر بن ناشب، فزوّجه فخر الدولة بأخت مسلم، وزوج مسلماً بابنة نصر بن منصور.
ثم ملك شرف الدولة مسلم مدينة حلب.
وسبب ذلك أنّ تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان حصرها مرة بعد أخرى، فاشتدّ الحصار بأهلها، وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلاّت وغيرها.
ثم إن تتش حصرها هذه السنة، وأقام عليها أياماً ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة، وأحرق رَبَضَ عَزَازَ، وعاد إلى دمشق.
فلمّا رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلموها إليه، فلمّا قاربها امتنعوا من ذلك، وكان مقدمهم يعرف بابن الحتيتي([53]) العباسي، فاتفق أن ولده خرج يتصيد بضيعة له، فأسره أحد التركمان، وهو صاحب حصن بنواحي حلب، وأرسله إلى شرف الدولة، فقرّر معه أن يسلم البلد إليه إذا أطلقه فأجاب إلى ذلك، فأطلقه، فعاد إلى حلب، واجتمع بأبيه، وعرفه ما استقر، فأذعن إلى تسليم البلد، ونادى بشعار شرف الدولة، وسلم البلد إليه، فدخله سنة ثلاث وسبعين [وأربعمائة]، وحصر القلعة، واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود بن مرادس، فلما ملك البلد أرسل ولده، وهو ابن عمة السلطان، إلى السلطان يخبره بملك البلد، وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها، وسأل أن يقرّر عليه الضمان. فأجابه السلطان إلى ما طلب، وأقطع ابن عمته مدينة بالس.
وفي سنة 475 جمع تاج الدولة تتش جمعاً كثيراً، وسار عن بغداد، وقصد بلاد الروم: أنطاكية وما جاورها، فسمع شرف الدولة، صاحب حلب، الخبر، فخافه، فجمع أيضاً العرب من عقيل، والأكراد، وغيرهم، فاجتمع معه جمع كثير، فراسل الخليفة بمصر يطلب منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق، فوعده ذلك فسار إليها. فلمّا سمع تتش الخبر عاد إلى دمشق، فوصلها أول المحرم سنة ست وسبعين [وأربعمائة]، ووصل شرف الدولة المحرم، وحصر المدينة وقاتله أهلها.
وفي بعض الأيام خرج إليه عسكر دمشق وقاتلوه، وحملوا على عسكره حملة صادقة، فانكشفوا وتضعضعوا، وانهزمت العرب، وثبت شرف الدولة، وأشرف على الأمر، وتراجع إليه أصحابه، فلمّا رأى شرف الدولة ذلك، ورأى أيضاً أن مصر لم يصل إليه منها عسكر، وأتاه عن بلاده([54]) الخبر أن أهل حران عصوا عليه رحل([55]) عن دمشق إلى بلاده، وأظهر أنّه يريد البلاد بفلسطين، فرحل أولاً إلى مرج الصفر، فارتاع أهل دمشق وتتش واضطربوا، ثم إنه رحل من مرج الصفر مشرقاً في البرية وجد في مسيره، فهلك من المواشي الكثير مع عسكره، ومن الدواب شيء كثير، وانقطع خلق كثير.
وفي سنة 446 عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم بن حلبة، وأرادوا هم وابن عطير النميري تسليم البلد إلى جبق، أمير التركمان، وكان شرف الدولة على دمشق، يحاصر تاج الدولة تتش بها، فبلغه الخبر، فعاد إلى حران وصالح ابن ملاعب، صاحب حمص، وأعطاه سلميّة ورفنية، وبادر بالمسير إلى حران، فحصرها، ورماها بالمنجنيق، فخرب من سورها، بدنة، وفتح البلد في جمادى الأولى، وأخذ القاضي ومعه ابنان([56]) له، فصلبهم على السور.
وكان فخر الدولة بن جهير قد سيّر العساكر السلطانية إلى ديار بكر، فلمّا كانت سنة 477 سير السلطان إليه أيضاً جيشاً فيهم الأمير أرتق بن أكسب، وأمرهم بمساعدته.
وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة وسأله نصرته على أن يسلم إليه آمد، وحلف كل واحد لصاحبه، وكل منهما يرى أن صاحبه كاذب لما كان بينهما من العداوة المستحكمة، واجتمعا على حرب فخر الدولة، وسارا إلى آمد، وقد نزل فخر الدولة، بنواحيه، فلمّا رأى فخر الدولة اجتماعهما مال إلى الصلح، وقال: لا أوثر أن يحلّ بالعرب بلاء على يدي. فعرف التركمان ما عزم عليه، فركبوا ليلاً وأتوا إلى العرب وأحاطوا بهم في ربيع الأول، والتحم القتال واشتدّ، فانهزمت العرب، ولم يحضر هذه الوقعة الوزير فخر الدولة، ولا أرتق وغنم التركمان حلل العرب ودوابهم، وانهزم شرف الدولة، وحمى نفسه حتى وصل إلى فصيل آمد، وحصره فخر الدولة ومن معه.
فلما رأى شرف الدولة أنه محصور خاف على نفسه، فراسل الأمير أرْتق، وبذل له مالاً، وسأله أن يمن عليه بنفسه، ويمكنه من الخروج من آمد، وكان هو على حفظ الطرق والحصار. فلما سمع أرْتق ما بذل له شرف الدولة أذن له في الخروج، فخرج منها في الحادي والعشرين من ربيع الأول، وقصد الرَّقة، وأرسل إلى أرْتق بما كان وعده به، وسار ابن جهير إلى ميافارقين، ومعه من الأمراء الأمير بهاء الدولة منصور بن مزيد، وابنه سيف الدولة صدقة، ففارقوه وعادوا إلى العراق، وسار فخر الدولة إلى خلاط.
ولما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب، وغنموا أموالهم، وسبوا حريمهم، بذل سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأموال، وافتكَّ أسرى بني عقيل ونساءهم وردهم إلى بلادهم، وأولادهم وجهزهم جميعهم وردهم ففعل أمراً فأكثروا، فمنهم محمد بن خليفة السنبسيُّ يذكر ذلك في قصيدة:
كما أحْرزت شُكرَ بَني عُقَيْلِ
بآمِدَ يومَ كَظّهُمُ الحِذارُ
غداةٌ رَمَتْهُمْ الأتراكُ طُرّاً
بشُهبٍ في حَوافِلِها أزوارُ
فما جَبُنُوا، ولكن فاضَ بحرٌ
عظيمٌ لا تقاومه البحارُ
فحِينَ تَنازَلُوا تحت المنَايا،
وفيهِنّ الرَّزِيْةُ والدَّمارُ
مننتَ علَيهِمُ، وفككتَ عَنهُم
وفي أثناء حبلِهِمُ انتشارُ
ولولا أنتَ لم يَنفَكُّ منهُم
أسِيرٌ، حينَ أعْلَقَهُ الإسارُ
ولمّا بلغ السلطان أنّ شرف الدولة انهزم وحصر بآمد لم يشك في أسره، فخلع على عميد الدولة بن جهير، وسيّره في جيش كثيف إلى الموصل، وكاتب أمراء التركمان بطاعته، وسيّر معه من الأمراء آقسنقر، قسيم الدولة، وهو الذي أقطعه السلطان بعد ذلك حلب.
وكان الأمير أرتق قد قصد السلطان، فعاد بصحبة عميد الدولة من الطريق. فسار عميد الدولة حتى وصل إلى الموصل، فأرسل إلى أهلها يشير عليهم بطاعة السلطان وترك عصيانه، ففتحوا له البلد وسلموه إليه، وسار السلطان بنفسه وعساكره إلى بلاد شرف الدولة ليملكها، فأتاه الخبر بخروج أخيه تكش بخراسان.
ورأى شرف الدولة قد خلص من الحصر، فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى شرف الدولة، وهو مقابل الرحبة، فأعطاه العهود والمواثيق، وأحضره عند السلطان، وهو بالبوازيج، فخلع عليه آخر رجب، وكانت أمواله قد ذهبت، فاقترض ما خدم به، وحمل للسلطان خيلاً رائقة، من جملتها فرسه بشار، وهو فرسه المشهور الذي نجا عليه من المعركة، ومن آمد أيضاً، وكان سابقاً لا يجارى، فأمر السلطان بأن يسابق به الخيل، فجاء سابقاً، فقام السلطان قائماً لما تداخله من العجب.
وأرسل الخليفة النقيب طراداً الزينبي في لقاء شرف الدولة، فلقيه بالموصل، فزاد أمر شرف الدولة قوةً، وصالحه السلطان، وأقرّه على بلاده وعاد إلى خراسان لحرب أخيه.
وكان سليمان بن قتلمش قد ملك مدينة أنطاكية، فلما ملكها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمله إليه الفردوس من المال، ويخوفه معصية السلطان، فأجابه:
أما طاعة السلطان، فهي شعاري، ودثاري، والخطبة له، والسكة في بلادي، وقد كاتبته بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد، وأعمال الكفّار.
أما المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي، فهو كان كافراً، وكان يحمل جزية رأسه وأصحابه، وأنا بحمد الله مؤمن، ولا أحمل شيئاً. فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية، فنهب سليمان أيضاً بلد حلب، فلقيه أهل السواد يشكون إليه نهب عسكره، فقال:
أنا كنت أشد كراهيةً لما يجري، ولكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت، ولم تجرِ عادتي بنهب مال مسلم، ولا أخذ ما حرمته الشريعة. وأمر أصحابه بإعادة ما أخذه منهم فأعاده.
ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب والتركمان، وكان ممن معه جبق أمير التركمان في أصحابه، وسار إلى أنطاكية ليحصرها. فلما سمع سليمان الخبر جمع عساكره وسار إليه، فالتقيا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من طرف من أعمال أنطاكية، واقتتلوا، فمال تركمان جبق إلى سليمان، فانهزمت العرب، وتبعهم شرف الدولة منهزماً، فقتل بعد أن صبر، وقتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب، وكان قتله يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين [وأربعمائة].
وكان قد ملك السنديّة التي على نهر عيسى إلى منبج من الشام، وما والاها من البلاد، وكان في يده ديار ربيعة ومضر من أرض الجزيرة والموصل وحلب، وما كان لأبيه وعمه قرواش، وكان عادلاً، حسن السيرة، والأمن في بلاده عام، والرخص شامل، وكان يسوس بلاده سياسة عظيمة بحيث يسير الراكب والراكبان فلا يخافان شيئاً. وكان له في كل بلد وقرية عامل، وقاضٍ، وصاحب خبر، بحيث لا يتعدّى أحد على أحد.
ولمّا قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش، وهو محبوس، فأخرجوه وملكوه أمرهم، وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث أنه لم يمكنه المشي والحركة لما أخرج؛ ولمّا قتل شرف الدولة سار سليمان بن قتلمش إلى حلب فحصرها مستهل ربيع الأول سنة ثمان وسبعين [وأربعمائة]، فأقام عليها إلى ربيع الآخر من السنة، فلم يبلغ منها غرضاً، فرحل عنها.
وفي سنة 482 استدعى السلطان ملكشاه إبراهيم بن قريش ليحاسبه، فلما حضر عنده اعتقله، وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد فملك الموصل وغيرها، وبقي إبراهيم مع ملكشاه وسار معه إلى سمرقند وعاد إلى بغداد، فلما مات ملكشاه أطلقته تركان خاتون من الاعتقال فسار إلى الموصل.
وكان ملكشاه قد أقطع عمته صفية مدينة بلد، وكانت زوجة شرف الدولة، ولها منه ابنها علي، وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة بأخيه إبراهيم، فلما مات ملكشاه قصدت الموصل ومعها ابنها علي، فقصدها محمد بن شرف الدولة وأراد أخذ الموصل فافترقت العرب فرقتين: فرقة معه، وأخرى مع صفية وابنها علي واقتتلوا بالموصل عند الكناسة، فظفر علي وانهزم محمد، وملك علي الموصل.
فلم وصل إبراهيم إلى جهينة، وبينه وبين الموصل أربعة فراسخ سمع أن الأمير عليّاً ابن أخيه شرف الدولة قد ملكها معه أمه صفية، عمة ملكشاه، فأقام مكانه وراسل صفية خاتون، وترددت الرسل، فسلمت البلد إليه فأقام به.
فلما ملك تتش نصيبين أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة ويعطيه طريقاً إلى بغداد لينحدر ويطلب الخطبة بالسلطنة فامتنع إبراهيم من ذلك، فسار تتش إليه، وتقدم إبراهيم أيضاً نحوه فالتقوا بالمضيع من أعمال الموصل في ربيع الأول، وكان إبراهيم في ثلاثين ألفاً وكان تتش في عشرة آلاف، وكان آقسنقر على ميمنته وبوزان على ميسرته، فحمل العرب على بوزان فانهزم، وحمل آقسنقر على العرب فهزمهم، وتمت الهزيمة على إبرهيم والعرب، وأخذ إبراهيم أسيراً وجماعة من أمراء العرب فقتلوا صبراً. ونهبت أموال العرب وما معهم من الإبل والغنم والخيل وغير ذلك. وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفاً من السبي والفضيحة.
وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها واستناب بها علي بن شرف الدولة مسلم، وأمه صفية عمة تتش، وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة، وساعده كوهرائين على ذلك. فقيل لرسوله: إننا ننتظر وصول الرسل من العسكر، فعاد إلى تتش بالجواب.
وفي سنة 489 في ذي القعدة ملك قوام الدولة أبو سعيد كربوقا مدينة الموصل، وكان تاج الدولة تتش قد أسره لما قتل آقسنقر وبوزان، فلما أسره أبقى عليه طمعاً في استطلاح الأمير أنر، ولم يكن له بلد يملكه إذا قتله، كما فعل بالأمير بوزان، فإنه قتله واستولى على بلاده الرّها وحرّان.
ولم يزل قوام الدولة محبوساً بحلب إلى أن قتل تتش وملك ابنه الملك رضوان حلب فأرسل السلطان بركيا رُق رسولاً يأمره بإطلاقه وإطلاق أخيه التونتاش، فلما أطلقا سارا واجتمع عليهم كثير من العساكر البطالين، فأتيا حرّان فتسلماها، وكاتبا محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، وهو بنصيبين ومعه ثروان بن وهيب وأبو الهيجاء الكردي يستنصرون بهما على الأمير علي ابن شرف الدولة، وكان بالموصل قد جعله بها تاج الدولة تتش بعد وقعة المضيع ـ كما تقدم ـ فسار كربوقا إليهم، فلقيه محمد بن شرف على مرحلتين من نصيبين واستحلفهما لنفسه، فقبض عليه كربوقا بعد اليمين وحمله معه وأتى نصيبين فامتنعت عليه، فحصرها أربعين يوماً وتسلمها، وسار إلى الموصل فحصرها فلم يظفر منها بشيء فسار عنها إلى بلد، وقتل بها محمد بن شرف الدولة وغرقه، وعاد إلى حصار الموصل، ونزل على فرسخ منها بقرية بحلافا، وترك التونتاش على شرقي الموصل، فاستنجد علي بن مسلم صاحبها بالأمير جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر، فسار إليه نجدة له، فلما علم التونتاش بذلك سار إلى طريقه، كربوقا وأعانه على حصر الموصل، وعدمت الأقوات بها وكل شيء، حتى ما يوقدونه، فأوقدوا القير وحب القطن.
فلما ضاق بصاحبها علي الأمر فارقها وسار إلى الأمير صدقة بن مزيد بالحلة، وتسلم كربوقا البلد بعد أن حصره تسعة أشهر، وخافه أهله لأنه بلغهم أن التونتاش يريد نهبهم وأن كربوقا يمنعه من ذلك فاشتغل التونتاش بالقبض على أعيان البلد ومطالبتهم بودائع البلدة، واستطال على كربوقا، فأمر بقتله فقتل في اليوم الثالث وأمن الناس شره.
ونترك الكلام بعد هذا للدكتور حسن شميساني لتفصيل بعض الإجمال وإن تكرر ذلك في بعض ما مر:
ـ قبيلة بني عقيل من القبائل التي نزحت من الجزيرة العربية لظروف اقتصادية واجتماعية إلى العراق والشام والخليج. سكنت البحرين، ثم غادرتها بعد مشاكل قبيلة تغلب إلى العراق، وفيها ملكت الكوفة والبلاد الفراتية. وعقيل هو ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر… بن قيس بن عيلان. استمروا في البقاء في ديار الجزيرة والكوفة إلى أن غلبهم عليها السلاجقة. فتحولوا عنها إلى البحرين حيث كانوا أولاً. فوجدوا فيها بني تغلب قد ضعف أمرهم فغلبوهم عليها، وسار الأمر لهم فيها.
ويفيد عمر كحالة أنه حتى سنة إحدى وخمسين وستمائة للهجرة، كان الملك في البحرين لا يزال لبني عامر بن عقيل. «عمر كحالة»، (معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، 2: 801).
بنو مروان: هؤلاء ليسوا من العرب، وإنما من الأكراد. حاولوا الاستيلاء على الجزيرة، ديار بكر، ربيعة مضر، وإقامة دولتهم فيها، فوقعوا في منازعات مع أمراء تلك البلاد من العقيليين إلى أن استطاع أبو علي المرواني من التمكّن بما كان لخاله ـ يادٍ([57]) بن دوستك ـ من أعمال في ديار بكر ونصيبين وماردين وأقام فيها. «ابن خلدون» (تاريخه، 4: 3: 542). أما أشهر أمرائهم فهم:
ـ أبو علي الحسن المرواني، 990 ـ 997 م/ 380 ـ 387 هـ.
ـ ممهد الدولة أبو منصور بن مروان، 997 ـ 1011 م/ 387 ـ 401 هـ.
ـ نصير الدولة أبو نصر أحمد، 1011ـ1061 م/ 401 ـ 453 هـ.
ـ نظام الدين (نظام الدولة) نصر بن أحمد، 1061 ـ 1079م 453 ـ 472 هـ.
ـ المنصور بن نظام الدين نصر، 1079 ـ 1096 م/ 472 ـ 489 هـ.
أ ـ أمراء الجزيرة من العقيليين والمروانيين:
والعقيليون كانوا في البداية من أعوان بني حمدان وأتباعهم، أدوا الإتاوة وخرجوا معهم للجهاد، مدافعين عن شرعية الخلافة، وحماة للديار التي أصبحت بضمانهم فيما بعد. هؤلاء سرعان ما تطلعوا إلى الجاه والسلطان، فما إن لمسوا تصدع الإمارة الحمدانية، وتفتتها، وتأكدوا من استمرار ضعف الخلافة وفساد السلطة المتحكمة فيها، حتى أزاح أبو الدرداء (الذؤاد) محمد بن المسيب العقيلي أبا طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة الحمداني ـ آخر من تبقى من أمراء آل حمدان ـ وقتله مع ذويه مستولياً على أعماله ومستقراً بدار الإمارة بالموصل. ولكي يضفي على حكمه الصفة الشرعية، كاتب دار الخلافة في بغداد وسألها إنفاذ من يقيم عنده من الحضرة الخلافية. قيل: إنه استجيب له لمدة، ثم خذل وعزل، وتسلم البويهيون ديار الجزيرة وحكموها. وتواصل ذلك إلى حين تمكن عقيلي آخر هو المقلد بن المسيب ـ أخو أبي الدرداء ـ من استرجاعها بفضل سياسته وتودده «…لسداد رأيه وحسن سريرته وشجاعته…»، فضمن البلاد وولي حمايتها وجبايتها، ولقب بحسام الدولة. وبه كان ظهور الإمارة العقيلية وتأسيسها في ديار الجزيرة، والتي عمرت إلى سنة 1096 م؛ 489 هـ. عندما أزالها السلاجقة واستولوا على أعمالها كافة.
اتّسع نفوذ الأمراء العقيليين فشمل في بعض الأوقات أرض الجزيرة بكاملها. كما امتد في وقت من الأوقات من بغداد إلى حلب، وأخذوا الإتاوة من الروم.
هذا النفوذ العقيلي الواسع لم يكن دائماً ومتصلاً على كل أرض الجزيرة، وكان يتبع لقدرة الأمير الحاكم ونوابه لذا نقول جوازاً أن بعض المدن الجزرية أو بالأحرى بعض الديار بكامل مدنها كانت تخرج بين الحين والحين عن دائرة هذا النفوذ، لتقع تحت نفوذ آخر. ففي حين يذكر ابن شداد أن ديار بكر ومعها ماردين ونصيبين لم تكن كذلك، وأن بادٍ لم يتملكها عندما سار إلى ديار بكر، وإنما تلك آمد وميافارقين والنصف من طور عبدين ـ حسب اتفاق الصلح بينه وبين البويهي والذي خرجت بموجبه نصيبين من يد بادٍـ([58]). وعليه فإن بلاد ماردين وأعمالها تأرجحت بين السيادتين العقيلية العربية والمروانية الكردية، وأن الأخيرة كانت وقتية حتمتها ظروف طارئة، من اختلاف الأمراء العقيليين فيما بينهم، إلى اختلافهم مع السلطة المركزية من بويهية وسلجوقية، أو مع رؤساء التجمعات العربية والكردية الأخرى المناهضة لسلطتهم في قلب الجزيرة وأطرافها. ولهذا كان وضع كورة ماردين أو نصيبين بأيدي المروانيين وضعاً مهتزاً، ينتهي بانتهاء الخلافات. وهكذا كان: وليس كما ذهب إليه ابن شداد في روايته من أن هذه الكور كانت ذات سيادة مروانية متصلة، قياساً على ما كان عليه وضع ديار بكر (ميافارقين، أرزن، آمد)، حيث اعتبرها من ضمن تلك الديار فأجمل أخبارها. وعليه أيضاً يكون قد تعاقب على حكم ديار الجزيرة وخصوصاً ديار ربيعة ومضر الأمراء العقيليون كافة، إلا أن هذا الحكم لم يكن حكماً متصلاً بالنسبة لبعض الكور فيها كماردين ونصيبين، حيث نقل أمر هذه الكور إلى أمراء آل مروان أصحاب ديار بكر المجاورين، وذلك تبعاً للأوضاع السياسية التي كانت تستجد على الساحة العراقية حيناً والجزيرة الفراتية أحياناً. ولربما امتدت إليها ولمدة قد تطول أو تقصر أيدي كافة أمراء بني مروان.
وهكذا فما إن مات عضد الدولة واضطربت أوضاع الجزيرة حتى انقض الكردي الحميدي بادٍ بن دوستك على ديار بكر وملك آمد وميافارقين وماردين وأرزن ونصيبين ـ حسب رواية ابن شداد ـ واستقرّ بها. وبقي عليها إلى مقتله في سنة 900 م/ 380 هـ من قبل الحلف الحمداني العقيلي. وآلت بعد ذلك تلك الديار مع سائر أصقاع الجزيرة إلى العقيليين بزعامة أبي عبد الله محمد بن المسيب، الذي كان قد أطاح بحليفه الحمداني المدعو أبا طاهر إبراهيم. وبعد عزل أبي عبد الله ـ من قبل البويهيين ـ في سنة 992 م/ 382 هـ، تقلّد الإمارة أخوه المقلد بن المسيب حسام الدولة واستمرّ بها إلى مصرعه في سنة 1001 م/ 391 هـ. ويبدو أن المروانيين بزعامة أبي علي الحسن المرواني كانوا آنذاك قد عادوا إلى السلطة في ديار بكر وبدؤوا تحرشاتهم على ممتلكات العقيليين منتهزين انشغال حسام الدولة بالصراع مع أخيه علي. فاقتطعوا جزءاً منها وبسطوا نفوذهم عليه وكان من جملته ديار ماردين. وبوصول معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلد إلى الإمارة، استرجع ذلك الجزء بعد قتل أبي علي المرواني في سنة 997 م /387 هـ. واختلاف المروانيين على الإمراة في ديارهم. وفي عهد أبي المنيع يرجح وحسب رواية ابن شداد أن يكون ممهد الدولة أبو منصور المرواني ـ أخو أبي علي ـ قد اقتطع من ممتلكات الإمارة العقيلية في السابق إلى السيادة المروانية حتى وفاته في سنة 1011 م/ 401 هـ. ويستنتج من النصوص أن الأمير قرواش استرجع ذلك الصقع ورتب أموره مدة من الزمن، إلى أن كان عصر أبي نصر أحمد بن مروان الملقب بنصير الدولة([59])، الذي جدّ في طلب ذلك الصقع واستحوذ عليه وامتدّ نفوذه إلى أبعد من ذلك مغتنماً انشغال الأمير العقيلي قرواش بالصراع مع العرب في الجزيرة من جهة، ومع السلطة المركزية البويهية من جهة ثانية، وكذلك مع أخيه بركة بن المقلد ثالثاً([60])، وترتب على ديار ماردين بعد نصير الدولة ابنه نظام الدين ـ وقيل نظام الدولة ـ نصر، وترافق ترتيبه مع قيام الأمير شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلد العقيلي بالإمارة في الديار الباقية من أرض الجزيرة وأعني ديار ربيعة ومضر وجهات أخرى خارج حدود الجزيرة. ونظراً لما وصف به هذا الأمير من شجاعة وإقدام استطاع أن ينتزع السلطة في الجزيرة كلها حتى من آل مروان بزعامة نظام الدين الذي يقال إنه دفع الإتاوة له وصار في خدمته. واستمر شرف الدولة في إدارة البلاد وبسط النفوذ إلى أن قُتل في المعركة التي جرت بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجوقي بظاهر أنطاكية سنة 1085 م/ 478 هـ.
وفي أثناء انشغال شرف الدولة بالصراع مع السلاجقة اضطرب وضع الجزيرة، وتضعضع شأن الإمارة، فاغتنم ابن نظام الدين المرواني الملقّب بالمنصور الفرصة واستخلص بعض النواحي من أيدي العقيليين بما فيها مدينة ماردين وأعمالها، وضمها إلى ملكه في ديار بكر، وظلت في يده إلى سنة 1084 م/ 477 هـ. وفيها أرسل السلطان السلجوقي ملكشاه وزيره وقائد عسكره فخر الدولة أبي نصر محمد بن جهير إلى الجزيرة، فأطاح ببني مروان واستولى على أموالهم وأعمالهم وبذلك كان انقراض دولتهم هناك. وفي حديث آخر، أنه بوفاة شرف الدولة أبي المكارم اجتمعت العشيرة العقيلية واتفقت على تولية أخيه أبي سالم إبراهيم بن قريش. فأخرج من سجنه في قلعة سنجار ـ حيث كان معتقلاً من قبل مسلم ولمدة زادت عن أربع عشرة سنة ـ وتسلم مقاليد الإمارة. وأنه لم يزل بها إلى سنة 1087 م/ 480 هـ حين قبض عليه من قبل السلطان ملكشاه، وأوعز هذا الأخير بتسليمها إلى أبي عبد الله محمد بن شرف الدولة العقيلي بعد أن أنعم عليه وزوّجه أخته زليخة ـ بنت ألب أرسلان ـ. وبقي أبو عبد الله إلى أن سخط عليه ملكشاه واعتقله في سنة 1089 م/ 482 هـ وولى مكانه فخر الدولة أبا نصر بن جهير الذي تملكها مع ديار بكر وبسط نفوذه على كامل تراب الجزيرة إلى مماته في سنة 1090 م/ 483 هـ عندها تسلمها نواب أبي عبد الله العقيلي. وبقي أبو عبد الله في الأسر إلى حين وفاة السلطان ملكشاه في سنة 1092 م/ 485 هـ. عند ذلك أطلقت تركان خاتون زوجة ملكشاه سراحه، مع عمه إبراهيم، وعاد العقيلي مجدداً إلى إمارته في الجزيرة حيث كان نوابه فيها فتسلمها منهم. ودانت أصقاع الجزيرة أجمع بكامل ديارها إلى السيادة العقيلية. وتستطرد الأخبار فتفيد أن إبراهيم ـ عم أبي عبد الله ـ انقلب عليه بعد مدة وتعاون مع العرب والأكراد الضاربين في الجزيرة على أخذ البلاد منه، وهكذا كان فتسلمها إبراهيم بعد أن غلب عليه وأسند إبراهيم إمرة الجزيرة إلى أخيه الآخر علي بن مسلم نيابة، وبقي إبراهيم في الإمارة وعلي في النيابة إلى أن نازلهما تاج الدولة تتش السلجوقي فقتل جملة من الأمراء والمقدمين، وأكثر السلب والسبي في أملاكهم وأموالهم وأبنائهم وذلك بحدود سنة 1093 م/ 486 هـ وبعد ذلك أنفذ ولاته إلى سائر مدن الجزيرة «… وأنفذ تتش ولاته إلى الموصل وسنجار… وغيرها وملك الأعمال، وانهزم بنو عقيل من منازلهم وبلادهم وتوجهوا نحو السلطان بركياروق يشكون ما نزل بهم من السلطان تاج الدولة…»([61]). ويلاحظ مما أتى به ابن شداد من أخبار أن أبا عبد الله محمد العقيلي عاد وبموافقة السلاجقة إلى تملك ديار الجزيرة ثانية. وإنه بقي في الملك إلى أن قتله الأمير السلجوقي كربوغا في وقعة جرت بينهما في سنة 1096 م/ 489 هـ، واستولى بعدها على كافة أملاكه بعد حصار وبذلك زالت سيادة العقيليين عن ديار الجزيرة وانقرضت دولتهم، كما انقرضت دولة المروانيين في ديار بكر من أرض الجزيرة من قبل.
ومما تجدر ملاحظته هنا أن أمراء العائلتين المالكتين لديار الجزيرة، العقيلية والمروانية، والذين ظهروا كقوى فاعلة على مسرح أحداث العراق والجزيرة، ثم انقرضوا في وقت واحد تقريباً ـ كانوا قد عايشوا الخلافتين العباسية والفاطمية مدة قرن ونيف وكانت علاقاتهم بهما متأرجحة، مع ميل إلى العباسيين، رغم التشيع الذي أظهروه، والذي كان أكثر وضوحاً عند العقيلين منهم، كما عاصروا أيضاً كلاًّ من البويهيين والسلاجقة([62]) الذين تحكموا باسم العباسيين، وكانت لهم مع هؤلاء مواقف مختلفة تأثرت بموقفهم من الخلافة نفسها. فمع أن كلاًّ من الإمارتين كان تدين بالطاعة والولاء لشرعية الخلافة العباسية، إلا أنهما كانتا تسعيان إلى اقتناص الفرص لتحقيق المكاسب ضمن المنهج الرامي إلى الاستئثار بالسلطة والاستقلال بما في أيديهم من أعمال وأصقاع. كما وأن كل واحدة منهما كانت تسعى إلى إضعاف نفوذ الأخرى من جهة، وإلى إضعاف نفوذ الآخرين ممن تسلّطوا على الخلافة وبشتى الوسائل([63]). فالبويهيون، ومن بعدهم السلاجقة؛ كانوا منذ أن وطؤوا أرض الخلافة يطمحون إلى السيطرة على الخلفاء أولاً، وعلى عمالهم من أمراء النواحي [حمدانيين، عقيليين، مروانيين]، ثانياً. والعقيليون والمروانيون وقبلهم الحمدانيون، وبحكم نزعة هؤلاء جميعاً إلى الملك، اتبعوا الأسلوب التقليدي في التودد والاستعطاف للتقرب من هؤلاء المتحكمين، فدفعوا إليهم الأموال الطائلة كضمان للبلاد، وزادوا في العطاء لكسب الرضى وتثبيت النفوذ. وكثيراً ما كان التأخير في دفع مال الضمان، أو الامتناع عن تأديته، أو الإخلال بشروط العقد من أسباب حدوث الخلافات والقلاقل معهم كما كان لفساد العلاقات بين العقيليين فيما بينهم من جهة، وبين هؤلاء ومن عاصرهم على أرض الجزيرة من أمراء الطوائف الأخرى، ومن سلاطين بويهيين وسلاجقة، وخلفاء عباسيين وفاطميين من جهة ثانية، أثره السيء على الوضع العام في ديار الجزيرة أجمع، زد على ذلك ما كان يحدثه تواجد الروم البيزنطيين في مناطق الثغور المتاخمة لحدودهم من متاعب.
أوضاع الجزيرة أيام العقيليين والمروانيين
من خلال المصادر التي أرخّت لهذه الفترة والتي تمدنا بالقدر الكافي من المعلومات الخاصة ببعض كور ديار الجزيرة الفراتية، استطعنا أن نستنتج ونترجم جملة من الوقائع والأحداث التي شهدتها تلك الديار والكور التابعة لها، والتي نتجت من الأمور التالية:
ـ الخلافات بين أبناء البيت العقيلي. وهذه استغرقت بل عايشت تاريخ الإمارة العقيلية بكامله. فنتج عنها حروب ووقائع دارت رحاها في طول الديار وعرضها وخصوصاً ديار ربيعة ومضر.
الخلافات بين أبناء البيت المرواني، وبين هؤلاء وبقية الأكراد في الجزيرة وبالطبع فإن نتائج هذه الخلافات عادت بالخسائر على أهل الجزيرة كافة من ربيعة ومضر وبكر.
ـ الخلافات بين العقيليين والمروانيين. وبين هؤلاء جميعاً والتجمعات التركمانية والعربية ومن ثم التجمعات الكردية الأخرى.
ـ الحملات ومن ثم الغارات التي كان يقوم بها الأتراك (الغز) على نواحي الجزيرة، وتصدي آل عقيل وآل مروان لها، والتي كانت شبه دائمة، اتّصفت بالعنف والشدة «… وسار بعضهم (أي الغز) إلى سنجار([64]) ونصيبين والخابور، فقتلوا ودمروا ونهبوا وعادو…»([65])… وقصدوا ديار بكر والموصل مروراً بماردين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ونزلوا جزيرة ابن عمر، ونهبوا باقردى وبازبدى والحسنية إلى أن غدر سليمان بن نصير الدولة بن مروان بأمير منهم، وهو منصور بن عَزَعْنَيل فقبض عليه وحبسه وافترق أصحابه في كل جهة…»([66]) «…وعاد الغز إلى جزيرة ابن عمر فحصروها، وخربوا ديار بكر نهباً وقتلاً…»([67]). فأذى الغز لحق بمدن وضياع ديار الجزيرة أجمع من ديار بكر بما احتوته من مدن آمد وارزن وميافارقين وطور عبدين وسواها إلى ديار مضر وقصبتها الرقة. إلى ديار ربيعة بمدنها سنجار ونصيبين والخابور وماردين وجزيرة ابن عمر. وكان هذا الأذى شديد الوطأة على الموصل وأطرافها حيث أفادت المعلومات أنهم ارتكبوا فيها مذابح دامية ومخيفة دامت أكثر من اثني عشر يوماً. وكانوا يومها بقيادة أمير منهم يدعى كوكتاش «…واستباحوها (أي الموصل) اثني عشر يوماً وانسدت الطرق من كثرة القتلى حتى واروهم جماعات في الحفائر…»([68]).
ـ حملات العقيليين والمروانيين لجهاد الروم([69])، والتي كانت بالغة التكاليف المادية والبشرية، والتي دفعها أهالي الجزيرة بالإجماع، كما كان للحملات المضادة التي قام بها الروم بالغ الأثر في إزالة العمران وإتلاف المحاصيل وإزهاق الأرواح في تلك الأصقاع والنواحي.
ـ خلافات حكام الجزيرة من عقيليين ومروانيين مع رجال السلطة المركزية من بويهية وسلجوقية. وهذه كانت شبه دائمة، أسهب ابن خلدون وغيره من المؤرخين القدامى في سرد تفاصيل حوادثها وإظهار نتائجها السلبية على مختلف أصقاع الجزيرة تشهد على ذلك المذبحة والمصيبة التي أنزلها السلاجقة في أيام طغرلبك سنة 1057 م/ 448 هـ، بمدينة سنجار، عندما أقدم أمير بني عقيل وهو أبو المعالي قريش بن بدران على مساندة أبي الحارث البساسيري، الذي خرج عن طاعة الخلافة العباسية وبايع الفاطميين ودعا لهم في العراق والجزيرة. وكانت تلك الحادثة من جملة الحوادث التي سببها التناحر الذي استفحل بين الخلافتين على أرض العراق والجزيرة والذي امتدت آثاره إلى كل صقع وناحية ومدينة جزيرية. فسيان أكان ذلك الاقتتال قد جرى على أرض سنجار أو غيرها من أرض المدن الفراتية لأن عساكر العرب والأكراد المتواجدين على أرض الجزيرة أجمع هم من أبناء تلك الأرض، فيها ولدوا وعليها نشؤوا في ديار ربيعة أم في ديار مضر أو في ديار بكر. فالكل قد اشتركوا بطريقة أو بأخرى فقدموا أنفسهم كجنود، وقدموا الأموال كنفقات، كما قدموا المؤن والمعلومات والذخائر، فتحملوا عبء ذلك كله. وخاصة إذا افترقوا وانقسموا وانتسبوا لهذا أو لذاك من رجالات السلطة وعمالها. فالمصيبة في هذه الأحوال تكون أكبر وأشد. قلت بأن وضع ديار الجزيرة استمر بين السيادتين العقيلية والمروانية المطلقة إلى أن كانت سنة 1084 م/ 477 هـ، وفيها عقد السلطان ملكشاه، لفخر الدولة محمد بن جهير على ديار بكر، وبعث معه العساكر، وأمره بأخذ البلاد من ابن مروان، وأن يخطب لنفسه بعد السلطان، وينقش اسمه على السكة، فسار لذلك([70]). ونقلت الأخبار بأن ابن مروان عندما أحس بمسير ابن جهير إليه، استنجد بالعقيلي مسلم بن قريش ـ صاحب ديار ربيعة ومضر ـ واعداً إياه بإعطائه كورة آمد ـ وكانت من أعماله ـ ثمناً، فاستجاب وأتى العقيلي آمد وفخر الدولة بنواحيها. فسارع إليه وحاصره فيمن معه من العساكر. وبعث مسلم المحاصر إلى الأمير أرتق بن أكسب ـ وهو مملوك سلجوقي ـ ليساعده على الخروج من آمد على مال بذله له. ففعل وخرج العقيلي إلى الرقة ـ قصبة ديار مضر ـ حيث كانت لا تزال من أعماله، بينما اتجهت العساكر السلجوقية في اتجاهين: إلى الموصل حيث سقطت في أيديهم بعد هزيمة عامل العقيلين فيها، وإلى ميافارقين بقيادة ابن جهير لأخذها من المروانيين. وتم ذلك. ومن ميافارقين بعث ابن جهير بالعساكر لحصار جزيرة ابن عمر، فحصروها وملوكها وأزالوا ملك آل مروان وانقرضت إمارتهم وبادت سيادتهم بالكامل، بعد أن لحق المدعو منصور بن نظام الدين آخر من تبقى من أمرائهم بالجزيرة حيث اعتصم في معتقل من معاقلها الصعبة المنال.
وأما مصير ابن عقيل أو بالأحرى مصير السيادة العقيلية الاسمية الهشة بعد سنة 1084 م/ 477 هـ. فيذكر أنه بعد أن مُلكتْ دياره وذهبت أمواله، راسل مؤيد الملك بن نظام الملك الطوسي ـ وزير ملكشاه ـ فتوسل به ليشفع له عند السلطان، مقدماً الطاعة وباذلاً الأموال، قيل: قُبل منه ذلك وعاد إلى إمارته إلى ديار ربيعة والموصل.
عودة الأمير العقيلي إلى تلك الديار كانت هذه المرة قصيرة الأمد. فبعد أن مات مسلم سنة 1085 م/ 478 هـ. وتسلم أخوه أبو سالم إبراهيم، ثم أبو عبد الله محمد بن مسلم من بعده، نفر السلطان ملكشاه من هذا الأخير واعتقله في غضون سنة 1089 م/ 482 هـ. وأوعز إلى ابن جهير أبي نصر ـ وكان يومئذ على ديار بكر ـ بالتوجه إلى ديار بني عقيل وتوليها ففعل «…وخطب له على منابر سنجار ونصيبين والموصل والرحبة والخابور وديار ربيعة أجمع…»، ودام فخر الدولة في الولاية إلى وفاته في سنة 1090 م/ 483 هـ وبعدها أعيد للأمراء العقيلين ما كان بأيديهم من ديار مع استمرار الوصاية السلجوقية عليهم.
وأثناء الصراع بين أبناء البيت السلجوقي ـ بعد وفاة ملكشاه في شوال من سنة 1095 م/ 485 هـ استطاع الأمير تتش أخو ملكشاه أن يهزم ابن أخيه بركياروق ويستولي على البلاد الجزيرية ويرسل عماله ونوابه إليها كما رأينا من قبل. ويعتقد أن الأمير أبا عبد الله محمد العقيلي كان من بين هؤلاء العمال: الذي عاد واحتضن ديار ربيعة ومضر وأناب فيها أخاه الأمير علي بن مسلم وآخرين من حاشيته. وظل هؤلاء جميعاً في السلطة الاسمية إلى أن أطاح بهما الأمير السلجوقي كربوغا بحدود سنة 1096 م/ 489 هـ. «…وتوجه (كربوغا) إلى حران فملكها، ثم إلى نصيبين فملكها، ثم إلى الموصل فملكها. وأزال عنها علي بن شرف الدولة العقيلي، الذي كان مالكاً لها… وسار إلى ماردين فملكها أيضاً فعظم شأنه وهو في طاعة بركياروق…»([71]).
ومنذ دخول ابن جهير ديار الجزيرة وقضائه على السيادتين العقيلية والمروانية اللتين تتحكمان فيها، بدأ السلاجقة يطبقون على تلك الديار أسلوبهم الجديد، وذلك بإقطاعها لذويهم وخواصهم من أمراء وولاة، شرط إخضاع هؤلاء جميعاً لإمرة الموصل فيما عرف بعصر الأمراء الذين حكموا باسم السلاجقة والذي امتد لفترة دامت من سنة 1085 م/ 477 هـ إلى سنة 1105 م/ 498 هـ. وطبقت على تلك الديار أيضاً كافة الأنظمة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت العصر السلجوقي في إطار مبسط بعيد عن التعقيد.
ومنذ ذلك التاريخ تمزّقت أوصال ديار الجزيرة، واستأثر عمال السلاجقة بأعمالها وأصقاعها ونواحيها، فاستقلوا بها وشكّلوا لأنفسهم فيها كيانات سياسية مختلفة، فمن أتابكيات للزنكيين في الموصل وسنجار، وممالك للأيوبيين في حران ونصيبين، وارتقيات «أي ممالك» للتركمانيين من بني أرتق بن أكسب، في ماردين وخرتبرت وجزيرة ابن عمر، إلى سيادة على هؤلاء للعباسيين، وإلى وصاية للإيلخانيين المغول، ثم التيموريين ثم التركمانيين من القرة قوينلو والآقا قوينلو، ثم الصفويين ومن بعدهم سلاطين آل عثمان.
وهكذا فإن تاريخ مدن ديار إقليم الجزيرة لم يكن أثناء السيادتين العقيلية والمروانية بأحسن مما كان عليه في الفترات السابقة أو اللاحقة، وإن تخللته حقبات زمنية نعمت فيها تلك المدن والديار بنوع من الاستقرار والازدهار، لكن تلك الحقبات كانت قصيرة الأجل ومحدودة الأثر والنتائج.
الدكتور حسن شميساني
عكبرا
مدينة قديمة معروفة مشهورة وأخبارها ضافية في كتب البلدان والتواريخ والسير، خرجت عدداً كبيراً من رجال العلم والأدب والحكم في العهود الخوالي. كما اجتذبت مباهجها الفاتنة الكثيرين من طلاب اللهو والقصف والطرب، فشاع ذكرها وذاع خبرها في أوساط المجان والخلعاء ووصفها شعراؤهم بما يحثّ إليها ركائبهم.
ولا تزال أطلال عكبرا قائمة تعرف باسمها القديم ممتدة في جنوب شرقي بلدة (دجيل) الحالية وتبدو على شكل تلول وركام من قطع الآجر والحجارة.
أما (تل عكبرا) فيظن أنه محلة من محلاتها والنسبة إليه (تلعكبري) ويعرف عدد من العلماء والمحدثين بهذه النسبة كأبي الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري الذي كان النجاشي صاحب كتاب الرجال يروي عنه عن أبيه.
وفي عكبرا ولد سنة 336 أو 338 هـ محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد.
ومن عكبرا انحدر أبوه إلى بغداد وهو بعد صبي.
وفيما يلي دراسة عن الشيخ المفيد بقلم السيد علي الخامنئي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السابق ومرشدها وقائدها اليوم الذي أثبت أنه كما هو رجل العلم والفكر والقلم، هو كذلك رجل الثورة ورجل الدولة، وكما جلّى في الميدان الأول كذلك جلّى في الميدان الثاني:
إن الشيخ المفيد في سلسلة علماء الشيعة لم يكن متكلماً وفقيهاً متفوقاً شامخاً فحسب، بل أكثر من ذلك فهو مؤسّس حركة علمية متكاملة في فرعي الكلام والفقه ومتواصلة حتى اليوم في حوزات الشيعة العلمية، وهذه الحركة لا تزال باقية في خصائصها الأصلية وخطوطها الأساسية رغم عدم انعزالها عن المؤثرات التاريخية والجغرافية والفكرية.
وتتبين أهمية هذه المسألة لو لاحظنا أن هذه الحركة العلمية في ما يقرب من نصف قرن بعد وفاة المفيد قد شهدت تحولاً وتكاملاً سريعاً هائلاً غطّى على الدور التأسيسي للشيخ المفيد. التأكيد الأساس في هذه المسألة على أن النشاط العلمي المتميز الباهر الذي نهض به تلميذ الشيخ المفيد السيد المرتضى علم الهدى (ت 436 هـ) والذروة الرفيعة التي بلغتها هذه السلسلة في عهد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (460 هـ) إنّما هو امتداد لتلك الحركة التي أسّسها ودفعها محمد بن محمد بن النعمان المفيد. ولتوضيح هذه المسألة لا بدّ أن نبيّن دور الشيخ المفيد فيما يلي:
1 ـ تثبيت ما لمدرسة أهل البيت عليهم السلام من هويّة مستقلة.
2 ـ تأسيس الإطار العلمي الصحيح لفقه الشيعة.
3 ـ ابتكار أسلوب الجمع المنطقي بين العقل والنقل في الفقه والكلام.
الصرح الشامخ الذي شيّده فقهاء الشيعة ومتكلموهم على مدى عشرة قرون والكنوز العلمية الفريدة التي قدّموها بآثارهم العلمية تقوم بأجمعها على قاعدة أرساها الشيخ المفيد بجهاده العلمي على الأبعاد الثلاثة المذكورة.
قبل أن نتطرق إلى الأبعاد الثلاثة يجدر أن نذكر أن ظاهرة الشيخ المفيد والحوزة العلمية الشيعية في بغداد آنذاك لم يسبق لها نظير حتى ذلك الزمان في تاريخ الشيعة.
قبل هذا التاريخ كانت حوزات الشيعة العلمية منتشرة طبعاً في جميع الأصقاع بين الشامات وما وراء النهر. حوزة «قم» التي كانت المركز الكبير للحديث ووارثة دور «الكوفة» في القرنين الثاني والثالث، وحوزة «الري» التي نشأ فيها الكليني وابن قبة وغيرهما من الأعلام، هاتان الحوزتان كانتا تعتبران فقط جزء من المراكز العلمية الشيعية. في الشرق، كانت الحوزة العلمية في ما وراء النهر ومن خريجيها المعروفين العياشي السمرقندي وأبو عمرو الكشيّ. وفي الغرب كانت حوزة حلب ومنها رجال من أمثال الحسن بن أحمد السبيعي الحلبي وعلي بن خالد الحلبي اللذين يُعدّان من مشايخ المفيد. وبالحدس المؤيد بالقرائن فإن هذه الأصقاع لا بد أنها كانت من المراكز الهامة لعلوم الشيعة ومعارفهم. ونظرة في فهرست مشايخ الكشي تبيّنْ أن منطقة خراسان وما وراء النهر، على بعدها من الحوزات العلمية الشيعية الأصلية، ربّت عدداً كبيراً من العلماء والمحدثين، ومن هنا يقوى الاحتمال بأن تلك المناطق كانت إلى جانب الحوزة العلمية مهتمةٌ بتربية وتخريج علماء من هذا القبيل. عشرة من المشايخ المذكورين ـ على الأقل ـ منسوبون إلى سمرقند أو كش (قرب سمرقند)، ومثل هذا العدد تقريباً منسوب إلى مدن بخارى، وبلخ، وهرات، وسرخس، ونيشابور، وبيهق، وفارياب ومدن أخرى من ذلك الصقع الإسلامي([72]) .
مشاهدةُ كلّ هذه الأسماء المنسوبة إلى مدن ما وراء النهر وخراسان، وهم على ما يظهر جميعاً أو ما يقرب من الجميع شيعةٌ، واستبعاد ذهاب شخص من قم أو الكوفة أو بغداد صوب كلّ هؤلاء المشايخ الخراسانيين والتركستانيين، لأن ذلك بعيد عن العادة، يقوّي احتمال وجود دار العياشي([73]) في سمرقند لا في بغداد([74])، وهي الدار التي قال عنها النجاشي إنها: «كان مرتعاً للشيعة وأهل العلم»([75]). «وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارىء أو معلّق مملوءة من الناس»([76]). وهذا يدل أيضاً على رواج علوم ومعارف أهل البيت ونشاط الحوزة العلمية الشيعية في تلك المدينة.
وفي حلب حيث كثرة الشيعة وحكومة الحمدانيين وهم شيعة ملتزمون بإقامة الشعائر الشيعية([77])، كانت توجد دون شك حوزة علمية لا يستهان بها، ولو أن قربها من العراق وحضور محدثيها وفقهائها في بغداد ثم في زمن الشيخ الطوسي في النجف، لا يجعلها من الحوزات الكبرى.
هذا هو باختصار وضع الحوزات العلمية للشيعة خلال العصر الذي انتهى بزمن الشيخ المفيد. حوزة بغداد في ذلك العصر كانت أيضاً تتعاطى العلوم والمعارف الإسلامية، ولكن بظهور الشيخ المفيد وانتشار صيته العلمي، فإن بغداد، وهي مركز العالم الإسلامي سياسياً وجغرافياً، قد أصبحت أيضاً مركزاً أصلياً لعلوم الشيعة ومعارفهم. ولم تعد مرجعاً لحل ما يواجه الشيعة من مسائل فكرية ودينية فحسب([78])، بل أصبحت أيضاً كعبة لطلاب العلم.
لا يتوفر لدينا فهرس كامل بأسماء تلاميذ الشيخ المفيد، ولا بد أن يكون عددهم أكثر بكثير ممّا ذكرته كتب التراجم. فما ذكر لا يتجاوز بضع أفراد وجهود المفيد العلمية تواصلت نصف قرن من الزمان. ولكن ثمة قرائن تبين لنا أن حوزة بغداد باشتهار الشيخ المفيد وتحركه العلمي قد احتلّت مكانة لم يبلغ شأوها أية حوزة علمية شيعية من قبل. من تلك القرائن: عزيمةُ نابغة مثل الشيخ الطوسي من طوس إلى بغداد، وعدم اختياره الحوزات العلمية القريبة من مسقط رأسه أي حوزات خراسان وما وراء النهر، وعدم توقفه في الريّ أو قم. ومنها أيضاً: عدم اشتهار علماء كبار في تلك الحوزات حتى مدة ليست بالقصيرة.
وهذا يعني أن حوزة بغداد قد استوعبت كلّ العلوم الرائجة في مجموع حوزات التشيّع، وغطّت على رونق سائر الحوزات الأخرى في العالم الإسلامي.. وظلت حتى ولادة حوزة النجف الأشرف (سنة 448 أو 449) درة التاج بين مراكز الشيعة العلمية.
محور هذه الحوزة وربّان سفينتها دون شك كان الشيخ المفيد. فهو بنبوغه وكفاءاته الفذّة ومساعيه الدائبة، وباستثمار مكانة بغداد الاستثنائية باعتبارها مركزاً سياسياً وجغرافياً للعالم الإسلامي ومحلاً لتردّد علماء المذاهب المختلفة، قد نال جامعيّة منقطعة النظير، وأصبح قطباً ومحوراً وعنصراً متميزاً في حوزة بغداد في زمانه. وممّا خلَّفه الشيخ الكبير من آثار علمية ومن سائر القرائن يتضح أن المفيد بؤرة قد التقت فيها بشكل مدهش كل الخصائص التي عُرف بها رجال الشيعة حتى ذلك الزمان: فقد اجتمع فيه فقه القديمين وابن بابويه وجعفر بن قولويه، وكلام ابن قبة وبني نوبخت، ورجال الكشي والبرقي، وحديث الصدوق والصفار والكليني، إلى قدرة الجدل والمقارعة الفكرية القويّة، إلى غيرها من الخصائص البارزة. كان كل واحد من أولئك الرجال ـ طبعاً ـ مشعلاً ينير درب واحد من معارف أهل البيت، لكن المفيد كان الثريّا التي جمعت كل تلك الأنجم الزاهرة. وهذا ما لم نجده في أية شخصية علمية شيعية قبله. وفي تفرّده يكفي أن يشهد بحقه ابن النديم (ت 380 هـ) أنه كان قبل الرابعة والأربعين من عمره([79]) شيخ كل الشيعة في الفقه والكلام والحديث. والذهبي الذي تحدّث عنه في تاريخ الإسلام بلغة حاقدة بعيدة عن الموضوعية، يروي عن ابن أبي طي بشأن المفيد ما يبين أنه كان فريداً في كل العلوم: في الأصولين، والفقه، والأخبار، ومعرفة الرجال، والقرآن، والتفسير، والنحو والشعر.. وكان يناظر أرباب جميع العقائد([80]).
المفيد اجتمعت فيه علوم السابقين متكاملة، وببركة هذه الشخصية الجامعة المستوعبة الشمولية استمرّت الحوزة العلمية لقرون بعده على النمط الذي أسّسه وكانت علوم الفقه والكلام والأصول والأدب والحديث والرجال فيها تدرس وتحقّق وتتكامل مقترنة ومنسجمة ويكمل بعضها الآخر. وهذه الحوزة نفسها أنجبت في مرحلة ناضجة من مراحلها السيد المرتضى، وفي قمة كمالها شيخ الطائفة ـ محمد بن الحسن الطوسي.
انطلاقاً ممّا ذكرناه عن عدم وجود سابق نظير لظاهرة الشيخ المفيد وحوزة بغداد في زمانه، فإن المفيد يعتبر حقاً مؤسّس الحوزات العلمية للشيعة بشكلها الذي تواصل بعده لقرون. أي بالشكل الذي يجعلها مركزاً لتدريس مجموعة من العلوم العقلية والنقلية الإسلامية ويجعل من خرّيجها متبحّراً في كل هذه العلوم أو أكثرها.
هذا الشكل بقي على الأقل حتى زمن الشهيد الأوّل، أي إلى زمن اتجاه أغلب الحوزات نحو الاختصاص بالفقه ومقدماته، وهذا استمرار لحركة دفعها الشيخ المفيد وحوزته في بغداد حتى سنة 413.
من هنا فلا عجب أن يُدَّعى أن هذه الشخصية الفريدة الممتازة عملت على فتح طريق جديد يمتدّ على ثلاثة محاور.
ونبدأ بتناول الأبعاد الثلاثة في شخصية الشيخ المفيد العلميّة:
1 ـ تثبيت ما لمدرسة أهل البيت عليهم السلام من هويّة مستقلة بعد عصر الغيبة، وخاصة بعد انتهاء مرحلة الأعوام الأربعة والسبعين من الغيبة الصغرى، وانقطاع الشيعة عن الإمام الغائب أضحى كيان مدرسة أهل البيت تتهدده أخطار منها: نقصان شيء من المدرسة أو زيادة شيء عليها نتيجة الأخطاء والانحرافات العمدية وغير العمدية الصادرة عمن ينتسبون إلى هذه المدرسة. ومنها: ضمور الخصائص المميزة الأساسية للمدرسة وبالتالي اختلاطها بالخطوط المنحرفة، وامتزاج انحرافات الاتجاهات العقائدية أو المذاهب المفتعلة بالحقائق. في زمن حضور الإمام عليه السلام، متى ما طرأت ظاهرة كهذه أو ظهرت بوادر خطر ظهورها فإن شخص الإمام كان المحور والمركز المطمئن الذي تقاس به الأمور وتصدر بعد ذلك الأحكام. بوجود الإمام ـ إذن ـ بين الناس لم يكتب للانحرافات بقاء، بل أنه يكشف عن الانحرافات الأساسية في الفترات الحساسة. وكانت الشيعة واثقة أن الخط العام لمدرستها لو تعرّض في زاوية من زواياه لانحراف، فإن الحجّة ستتضح وأن طالب الحقيقة سيجد في النهاية مبتغاه. في تاريخ حياة الأئمة عليهم السلام نرى أسماء أفراد تبرّأ منهم الأئمة وطعنوا فيهم بصراحة لاستحداثهم بدعة أو تأسيسهم طريقاً خاطئاً أو إشاعتهم عقيدة باطلة، مثل محمد بن مقلاص المعروف بابن أبي الخطاب، وابن أبي العذافر المعروف بالشلمغاني (وهذا المورد الأخير حدث في عصر الغيبة الصغرى)، وكثير من أمثالهم. ونرى في مواضع أيضاً أن اختلافاً ينشب بين جماعتين من أصحاب الإمام المخلصين الصادقين، وتعمد إحدى الجماعتين إلى طرد الجماعة الأخرى ولعنها بسبب اعتقاد من معتقداتها، فينبري الإمام للدفاع عن الفرد المطعون فيه أو الجماعة المطعون فيها، ويمدحها، وبذلك يؤيد معتقدها ويرد ما ظُنّ بشأن انحرافها.. كتأييد الإمام يونس بن عبد الرحمن حين طرده القيمون وروا عنه روايات منكرة، وإصداره بحقه عبارات ثناء مثل: «رحمه الله، كان عبدا صالحاً»… أو «إن يونس أول من يجيب علياً إذا دعا» (راجع رجال الكشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن). وأيضا بشأن أسرة بني فضّال، الذين كانوا مرجعاً لطلاب علوم أهل البيت لوثاقتهم وعلمهم، أصدر الإمام عبارة: «خذوا ما رووا وذروا ما دروا»، وبذلك منع نفوذ معتقدهم الانحرافي (الفطحية) بين جماهير الشيعة… وأمثال ذلك في موقف الأئمة من أصحابهم المعاصرين كثير.
بهذا المنظار، فإن الإمام عليه السلام في عصر الحضور كان الحارس اليقظ المتنبه الذي حمل بنفسه مهمة الحراسة عن الحدود التي تصون كيان المدرسة.
أمّا في عصر الغيبة، وخاصة في عصر الغيبة الكبرى فقد اختلفت المسألة تماماً. من جهة ثمة احتياجات متزايدة تحتاج إلى اتخاذ موقف، وهذا الموقف يتخذه في هذه المرحلة علماء الدين لا الإمام عليه السلام. ومن جهة أخرى هناك اختلاف وجهات النظر التي تبرز بشكل طبيعي بين العلماء والمفكرين ولم يكن لهذه الاختلافات من محور بارز وقاطع يبتّ فيها… وهذا يعني انفتاح الطريق أمام مختلف الآراء والأفكار والنظرات بشأن أصول الدين وفروعه. وبين مختلف الآراء هذه، لا بدّ أن تجد عناصر من المدارس المحرفة أو المذاهب التي خرجت عن خط الإمامية الشيعية، كالفطحية وغيرها طريقاً إلى مجموعة مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ممّا يهدد نقاءها وإتقانها… وقد يؤدي الأمر في المدى البعيد إلى تغيير مسار المدرسة بشكل كامل.
ومن هنا يتضح واحد من أهم واجبات قادة الأمة في تلك البرهة من الزمان. النهوض بهذا الواجب يستطيع أن يكون بمعنى صيانة الدين ويعادل الجهاد المصيري. وهذا الواجب عبارة عن تدعيم الخصائص المميزة للتشيع باعتباره نظاماً فكرياً وعملياً، ورسم إطاره العقائدي والعملي بالاستمداد مما تركه الأئمة عليهم السلام من تراث قيّم في أقوالهم. وبهذا الشكل يتشخّص ما لمذهب أهل البيت عليهم السلام من هوية مستقلة وخصائص مميّزة، ويتيسّر فهمه وتطبيقه لاتباعه. هذا العمل يتيح لعلماء الشيعة ومفكريهم إمكان الفرز بين الانحراف المبدئي أي: «الخروج عن أصول المذهب في الفقه والكلام، وبين اختلاف وجهات النظر التي تنشأ داخل إطار المدرسة.
مما لا شك فيه أن هذا العمل لم يتمّ حتى زمن المفيد (رض). ولا أدل على ذلك من وجود اتجاه قياس في فقه ابن الجنيد، وميول اعتزالية في كلام أسرة النوبخت. وهذان نموذجان فقط لنتائج وتبعات عدم تشخّص الخصائص المميزة لمدرسة التشيع في حقل أصول الدين وفروعه. في مجال الفقه، عدم الاستفادة من المباني العقلية والأصولية للاستنباط وتفريع الفرع على الأصل وهو من التعاليم القطعية للأئمة عليهم السلام، وفي الطرف المقابل الانزلاق إلى وادي القياس، لونان من الانحراف غير العمدي عن نهج المدرسة ونتيجة لعدم تشخص الخصائص وعدم رسم الإطار الواضح. وفي مجال الكلام، المظهر الأساس الانحرافي الناتج عن عدم تعيين حدود المذهب يتمثل بالخلط بين الكلام الشيعي والكلام المعتزلي. وفي هذا المجال الأخير كانت تبعات عدم تعيين حدود المذهب كثيرة وفادحة. من ذلك:
ـ المتكلمون الكبار المشهورون كأفراد أسرة النوبخت كانت لهم في كثير من مسائل علم الكلام اتجاهات اعتزالية، وكانوا كالمعتزلة في توجههم المفرط إلى العقل في فهم المباحث الكلامية.
ثمة شخصيات كبار الشيعة ادّعى المعتزلة أنها منهم، ومنهم العالم المتكلم الشيعي المعروف الحسن بن موسى النوبختي معاصر كبير أسرة النوبختيين أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي وابن أخته([81]).
الاعتقاد بإمكان الجمع بين التشيع والاعتزال في شخص واحد، وتعريف شخصيات معروفة وكبيرة بأنها شيعية ومعتزلة، وحتى أن بعضهم نفسه قبل هذا الادعاء وكرره واعتقد به. من ذلك قول الصاحب بن عبّاد:
«فقلت: إنّي شيعيٌّ ومعتزلي» بينما المعتقد الذي يميّز التشيّع هو إمامة أهل البيت عليهم السلام التي لا تقبل أي معتزلي. والمعتقد الذي يميز الاعتزال هو «المنزلة بين المنزلتين» وهو مما يتعارض ويتنافى مع بديهيات التشيّع.
بعض علماء الشيعة آمن بأصل من أصول المعتزلة الخمسة، دون أن يعتبره نفسه أو يعتبره أحد أنه معتزلي. محمد بن البشر الحمدوني ـ مثلاً ـ يقول عنه النجاشي: كان رجلاً حسن الاعتقاد، ويؤمن بالوعيد (النجاشي/ 381).
ـ بشكل عام هناك من اعتقد بأن الكلام الشيعي مأخوذ من المعتزلة. واستُدلّ على ذلك بأصل التوحيد والعقل، وهما ـ على زعمهم ـ انتقلا من الاعتزال إلى التشيّع. وتكرر هذا الزعم كثيراً في أقوال أرباب الملل والنحل والمتكلمين غير الشيعة منذ القديم حتى العصور المتأخرة، وهكذا في أقوال من استقوا معلوماتهم غالباً عن مصادر غير شيعية كالمستشرقين. حتى في زمن الشيخ المفيد نفسه، ظنّ الصاغاني (وهو المتكلم والفقيه المعتزلي الحنفي الذي يسميه الشيخ المفيد في «المسائل الصاغانية» بالشيخ الضال) مثل هذا الظن الباطل بالمفيد إذ يقول مشيراً إلى الشيخ المفيد: إنّ شيخاً في بغداد أخذ أفكاره من المعتزلة يقول كذا وكذا… (راجع: المسائل الصاغانية/ 41).
الباحثون المتعمقون وكتّاب الشيعة بقوا مصونين طبعاً من الوقوع في هذا الزلل. اللهم إلاّ أولئك الذين حذوا حذو المستشرقين في أنهم رجعوا أكثر ما رجعوا إلى مصادر استشراقية أو غير شيعية([82]).
مما تقدّم تتضح أهمية دور الشيخ المفيد في تعيين حدود مدرسة أهل البيت وخصائصها المميّزة. هذا النابغة تفهّم حاجات زمانه، واستند إلى مقدرة علمية فائقة، وورد هذا الميدان الصعب، ونهض بمهمّة على غاية الأهمية والحساسية، والحقُّ أنه على مستوى أداء هذه المسؤولية الكبرى.
لا نريد من هذا طبعاً أن ندّعي عدم وقوع أحد بعد عمل المفيد في خطأ أو جهالة في فهم محتوى التشيع، أو بعدم إمكان وقوعه. بل نرى أن فهم هذه المدرسة ومعرفة حدودها وخصائصها أضحى ميسّراً لمن يطلبه، وأصبح فقه مدرسة أهل البيت وكلامها معروضاً أمام الباحثين بخصائصه المتميّزة ويستطيعون أن يفهموه دون أن يشتبه عليهم الأمر أو يختلط بنحل أخرى.
لتحقيق هذا الهدف الكبير أنجز الشيخ المفيد مجموعة من الأعمال العلمية يستحق كل واحد منها بحثاً مستقلاً، ونكتفي بالإشارة إلى فهرس هذه الأعمال في مجالي الفقه والكلام.
في الفقه صنف «المقنعة» وهي دورة تكاد تكون كاملة في الفقه، وفيه نهج الصراط المستقيم والطريق الوسط في الاستنباط الفقهي، الذي هو مزيج من استخدام الأدلة اللفظية والقواعد الأصولية مع تجنب القياس والاستحسان والأدلة الأخرى غير المعتبرة (وسنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد).
وكذلك ألّف «التذكرة بأصول الفقه» ويمكن أن نقول عنه ـ بقدر ما نستطيع أن نستند إلى المدوّنات الموجودة ـ أنه جمع لأوّل مرة قواعد الاستنباط الفقهي وأفتى على أساسها (سنعود إلى الحديث عن هذا الكتاب أكثر). وإلى جانب هذا وذاك دوّن كتاب «الأعلام» وفيه ذكر مواضع من إجماع فقهاء الشيعة على حكم، وإجماع فقهاء السُّنة على عدم الإفتاء بذلك الحكم. عدد من أبواب فقه هذا الكتاب بُحثت وحُققت بقصد نقل الإجماع الموجود فيها. وفي حقل رسم الحدود الفقهية بين فقه الإمامية وفقه الحنفية دوَّن كتاب «المسائل الصاغانية» وهو كتاب قيّم يجيب فيه المؤلف على إشكالات فقيه حنفي على عدد من مسائل فقه الشيعة.
وفي هذا المجال يعتبر كتاب «النقص على ابن الجنيد» من الأعمال العلمية الأساسية للشيخ المفيد، ويظهر من عنوانه أنه نحا فيه نهج تبيين الخصائص المميزة القاطعة لفقه مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
لا يمكننا أن نصدر طبعاً حكماً قاطعاً على محتوى هذا الكتاب لعدم توفره بين أيدينا. ولكن معرفتنا بنهج الشيخ المفيد وحجته القوية في البحث والجدل وسعة إطلاعه على المصادر واستحكام فكره في ترتيب مقدمات الاستدلال العقلي وموقفه الحاسم من الاتجاه القياسي لابن الجنيد (نرى نموذج ذلك في المسائل الصاغانية)([83])… كل ذلك يؤدي بنا إلى الاستنتاج بأنّ الكتاب المذكور ذو مضمون ومحتوى علمي مُقنع. وكان لهذا الكتاب دون شك تأثير كبير على عدم استمرار اتجاه القياس بين فقهاء الشيعة.
كان للشيخ المفيد في مجال تثبيت الهوية المستقلة للتشيع على صعيد علم الكلام نشاط أوسع وأهم. وفي هذا الميدان تصدى شيخنا الكبير بدقَّة وذكاء إلى بيان الفاصل بين عقائد الشيعة وسائر النحل الكلامية. والحؤول دون ورود عناصر من معتقدات الفرق الإسلامية أو الشيعية إلى دائرة عقائد الإمامية، ودون نسبة أفكار خاطئة لا صلة لها بالشيعة الإمامية إلى مدرسة التشيّع. فهو في مقام مجادلة المذاهب الأخرى يتصدّى لمباحثة كل مدارس زمانه، فيناقش الأشعرية والمعتزلة والمرجئة والخوارج والمشبهة وأهل الحديث والغلاة والنواصب وغيرها من الفرق الصغيرة والكبيرة المنتسبة للإسلام… لكنه يواجه مدرسة الاعتزال وشعبها المعروفة مواجهة فكرية أكثر من غيرها، ويهتم في كتبه ورسائله الصغيرة والكبيرة العديدة بنقد وردّ نظرات المعتزلة في المباحث المختلفة. وسر هذا الاهتمام هو أن المعتزلة من بين الفرق الإسلامية ـ بسبب وجود تشابه بين بعض أصولهم وبين أصول التشيع ـ قد تعرّضوا إلى شبهة مفادها أن الاعتزال منشأ كثير من عقائد الشيعة، وأكثر من ذلك أن الاعتزال هو التشيّع مع بعض الاختلاف… وهذه الشبهات أدّت بدورها إلى ظن خاطىء يرى أن مجموعة كلام الشيعة وليدة الكلام المعتزلي، أو إن أصول كلام الشيعة هي نفسها أصول الكلام المعتزلي. وذكرنا من قبل ما ترتب على هذا الظن الخاطىء من تبعات.
تناول عقائد المعتزلة في كتب المفيد إنّما هو في الواقع مصداق بارز لما ذكرناه من دور الحراسة والمراقبة. لحدود وثغور مدرسة التشيّع وإثبات ما لها من استقلال وأصالة في النظام الكلامي.
أهم آثار الشيخ في هذا المجال كتابه المعروف «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات» وألفه لبيان الفرق بين الشيعة والمعتزلة. ويذكر في مقدمة الكتاب أنه تناول أيضاً الاختلاف بين ما اتّفقت عليه الفرقتان في بعض المسائل الأصولية كالعدل، والفرق في فهم كل فرقة لهذه الأصول([84]).
عبارة المفيد في هذه المقدمة القصيرة تدل على أن هدفه من تدوين هذا الكتاب تقديم مرجع موثوق عقائدي لمدرسة التشيّع تيسّر السبيل لمن يريد أن يؤمن بتفاصيل الأسس الفكرية لهذه المدرسة. وهو في هذا الكتاب ينقد حتى عقائد بعض علماء الشيعة الذين سبق أن التقطوا بعض نظرات المعتزلة وشابوا كلام الشيعة بها ومنهم بنو نوبخت. وهذا هو نفس دور حراسة النظام الفكري للتشيع والدفاع عنه، وهو دور رفع لواءه المفيد رضوان الله عليه لأوّل مرة على ما نعلم بالتفصيل.
ولا ينحصر تعيين الفاصل العقائدي بين الشيعة والمعتزلة بكتاب أوائل المقالات. والشيخ الكبير قد تناول هذه المسألة في كتب أخرى بأساليب مختلفة. بلغ في بعضها ذروة الروعة والتأثير، لكنه في «أوائل المقالات» قد تناول الموضوع بشكل كامل وشامل.
نرى أنه يصل في بعض المواضع إلى اشتراك في العقيدة بين الشيعة والمعتزلة. وفي بيان هذا الاشتراك ينتهج أسلوباً يوضّح استقلال مدرسة أهل البيت في تبني تلك العقيدة، وينفي تماماً احتمال تبعية الشيعة للمعتزلة في هذا التبني. يقول مثلاً في باب نفي رؤية الله سبحانه وتعالى: «أقول إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار وبذلك شهد العقل ونطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه جمهور أهل الإمامة وعامّة متكلميهم إلاّ من شذّ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار، والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك وجمهور المرجئة وكثير من الخوارج والزيدية وطوائف من أصحاب الحديث» (أوائل المقالات/ ص 62 ـ 63).
فالشيعة يستندون إلى الأدلة المعتبرة وهي الكتاب والسنّة المتواترة، والدليل العقلي يؤيّد ذلك أيضاً. فلا حاجة إذن أن يأخذوا هذا الكلام من المعتزلة أو غيرهم. بل إن المعتزلة هم الذين اتفقوا في هذه المسألة مع الإمامية، وهذا يعني أن المعتزلة في هذه المسألة مدينون للشيعة.
وفي باب علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها يقول:
«أقول: إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه وأنه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوماً إلاّ وهو عالم بحقيقته وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وبهذا اقتضت دلائل العقول والكتاب المسطور والأخبار المتواترة عن آل الرسول وهو مذهب جميع الإمامية، ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه، وعندنا أنه تخرص منهم عليه، وغلط ممن قلّدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه… ومعنا فيما ذهبنا إليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم بن صفوان من المجيرة وهشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة» (ص 60 ـ 61).
وهنا أيضاً نرى لحن الحديث في الاستناد إلى القرآن والحديث المتواتر يتجه إلى بيان استقلال الشيعة في منشأ الاستناد ولو أن المعتزلة مثل الفرق الأخرى قد قبلت ذلك أيضاً.
في بعض الموارد يشترك الشيعة والمعتزلة في قسم من مسألة واحدة. والشيخ المفيد في مثل هذه الموارد يبيّن نقاط الافتراق بين الشيعة والمعتزلة كي لا يؤدي اشتراك الفريقين في عنوان المسألة، إلى ظن الاشتراك في كل التفاصيل والجوانب. على سبيل المثال، كلا الشيعة والمعتزلة يقولون باللطف والأصلح، لكن المفيد يهتم برفع أي اشتباه يمكن أن يحدث في فهم المسألة، ويبعد عن الشيعة ما وقعت فيه المعتزلة من اشتباه حين يتحدث في باب اللطف. فهو بعد بيان الأصلح يقول مباشرة: «وأقول إن ما أوجبه أصحاب اللطف من اللطف إنما وجب من جهة الجود والكرم، لا من حيث ظنوا (المعتزلة وآخرون) أن العدل أوجبه (أي أوجب اللطف على الله) وأنه لو لم يفعل لكان ظالماً» (ص 65).
حتى في المواضع التي اتفق فيها رأي شاذ من آراء متكلمي الشيعة مع المعتزلة، يصرّ على ذكر الشواذ بالاسم أو الإشارة، كي لا يتخذ ذلك الرأي الشاذ طابع عقيدة شيعية ويُحسب على مدرسة التشيّع. في مسألة العصمة مثلاً بعد أن يبين رأي الإمامية في عصمة الأئمة عليهم السلام عن الصغائر وحتى عن السهو والنسيان، يقول: «وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم وتعلّق بظواهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوزون من الأئمة وقوع الكبائر والردّة عن الإسلام» (ص 74).
ويبدو أنه يشير إلى كلام الشيخ الصدوق في هذه الأمثلة وفي جميع كتاب أوائل المقالات يتبين الدور العظيم الذي نهض به الشيخ المفيد في تحديد معالم مدرسة أهل البيت وفي حراسة الإطار المميز لهذه المدرسة حراسة الذكي اليقظ المصرّ على حفظ عقائد المدرسة وكلامها من الاختلاط بأية فرقة أو نحلة أخرى.
نفس هذا الهدف ينشده في كتبه الأخرى أيضاً، ولو بأساليب متفاوتة تقريباً. في «الحكايات» مثلاً حيث اختص القسم الأكبر بردّ عقائد المعتزلة في الموضوعات الكلامية المختلفة، عقد فصلاً تحت عنوان: «اتهام التشبيه» وفيه يقول راوي الحكايات (ويبدو أنه السيد المرتضى): «فإني لا أزال أسمع المعتزلة يدّعون على أسلافنا: أنهم كانوا كلهم مشبهة… وأرى جماعة من أصحاب الحديث من الإمامية يطابقونهم على هذه الحكاية، ويقولون: إن نفي التشبيه إنما أخذناه من المعتزلة». ثم يطلب من الشيخ المفيد (رض) أن يروي حديثاً يرد به على هذه التهمة الباطلة..
والمفيد في الجواب بعد أن يبين جذور هذه التهمة وسوابقها ويذكر أن الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في ردّ التشبيه لا تعدّ ولا تحصى، يذكر رواية عن أبي عبد الله عليه السلام ثم يقول: «فهذا قول أبي عبد الله عليه السلام… فكيف نكون قد أخذنا ذلك عن المعتزلة؟! لولا قلّة الدين!؟» (أي لولا قلة الدين عند من يقول هذا الكلام) (الحكايات ص 79 ـ 81).
وهذا الاهتمام من الشيخ الكبير في ردّ تهمة التشبيه والجبر والرؤية عن عقائد الشيعة إنما هو مصداق بارز آخر على دور الشيخ المفيد في الحراسة وفي تثبيت الهوية المستقلة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو ما ندرسه في هذا البحث.
مما طرحه الشيخ المفيد في كتاب «أوائل المقالات» وسائر كتبه الكلامية مثل: «تصحيح الاعتقاد» و«الفصول المختارة» وغيرها في بيان عقائد التشيّع والفارق بينها وبين عقائد الفرق الكلامية الأخرى وخاصة المعتزلة نستطيع أن نستنتج أنه استهدف تقديم نظام فكري منسجم ذي حدود وخصائص واضحة للتشيع. ولا شك أن النقطة الشاخصة المميزة في هذا النظام الفكري هي مسألة الإمامة. أي أن أية نحلة أخرى لا تشترك مع الشيعة في هذه المسألة. والمناط في نسبة فرد أو جماعة إلى مذهب الشيعة هو الاعتقاد بهذه المسألة.
نعم، الشيعة في كثير من المسائل العقيدية تختلف مع سائر الفرق في روح هذه المسائل ومعانيها أو في بعض فروع وجزئيات هذه المسائل رغم وجود الاشتراك في العناوين مثل التوحيد والعدل والصفات وأمثالها، غير أن التمايز في مسألة الإمامة بين الشيعة وغيرهم أوضح من أية مسألة أخرى. لذلك افتتح الشيخ المفيد كتبه الضخمة مثل أوائل المقالات ونظائره بالكلام عن الإمامة، بل كتب رسائل صغيرة وكبيرة عديدة أيضاً في موضوع الإمامة تحت عناوين مختلفة.
ومن المناسب أن نشير هنا أن كون الإمامة «نقطة شاخصة» في فكر المفيد كما بيّنا هو غير ما ذهب إليه أحد المستشرقين في هذا المجال حين قرر أن الإمامة هي «محور النظام الفكري» لدى المفيد. محور النظام الفكري لدى الشيعة ومتكلميهم (المفيد وغير المفيد) هو مسألة الصانع وتوحيد الله سبحانه وتعالى. والمسائل المهمة الأخرى مثل: صفات الله تعالى، عددها ومعناها ونسبتها إلى ذات الباري عزّ اسمه، ومسألة النبوّة وفروعها، ومسألة العدل، وكذلك مسألة الإمامة والمسائل المرتبطة بالتكليف والقيامة وغيرها… كلها فروع تلك المسألة ومبتنية عليها.
المستشرقون ومن ليست له إحاطة علمية كافية بالمفاهيم الإسلامية يقعون مع الأسف في مثل هذه الاشتباهات عند دراستهم لأشخاص عظام مثل الشيخ المفيد. ولا بد لمثل هذه الجلسات والبحوث أن تصحح هذه الانحرافات وتلقي الضوء على الحقائق. الباحث الغربي الذي كتب عن أفكار الشيخ المفيد يقول عنه حيناً إنه يفتقد النظام الفكري المشخص، ويقول عنه حيناً آخر إنه صاحب نظام فكري يقوم على أساس الإمامة. وكلا القولين ـ كما ذكرنا ـ يجانبان الصواب. النظام الفكري للمفيد قد بيّنه في كتب ورسائل عديدة بوضوح. ومحوره، بعد مسألة «المعرفة» التي هي المقدمة الطبيعية للمسائل الاعتقادية، مسألة الذات وصفات الباري. سائر المسائل الأساسية متفرعة عنها حسب مراتبها. مسألة الإمامة كما ذكرنا شاخص هذه المدرسة ونقطة تميزها عن سائر المدارس، وعقيدة يعرف بها أتباع التشيع. لعلنا نستطيع أن نقارنها بمسألة «المنزلة بين المنزلتين» في مدرسة المعتزلة. في أصول المعتزلة الخمسة هذه المسألة ليست أهم المسائل وأولها وأعمقها، إذ هناك التوحيد والعدل أيضاً. لكن مسألة «المنزلة بين المنزلتين» قد أوجدها الاعتزال واختصّ وتميّز بها. وليس ثم معتزلي يصدق عليه هذا الاسم ولا يؤمن بهذه المسألة. هذه الخاصية في النظام الفكري الشيعي تتمثل بالإمامة.
مما تقدم نفهم أن الشيخ المفيد… النابغة الكبير في تاريخ التشيع… أول من رسم وضبط حدود مدرسة التشيع في الفقه والكلام. في علم الكلام بنى نظاماً فكرياً منسجماً من مجموع عقائد الشيعة، وحال دون أن يُشتبه بينه وبين المذاهب والفرق الأخرى بما في ذلك المذاهب الشيعية غير الإمامية. وفي علم الفقه قدم دورة في الفقه استناداً إلى طريقة الاستنباط القائمة على الأصول المتخذة من تعاليم أهل البيت عليهم السلام، وسدّ الطريق أمام الأساليب غير المعتبرة مثل القياس أو الأساليب الابتدائية والناقصة مثل أسلوب أهل الحديث.
بعبارة أخرى: إنه الرجل الذي ثبت الهوية المستقلة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام. وهذا هو البعد الأول من الأبعاد الثلاثة التي تبتني عليها شخصية الشيخ المفيد باعتباره المؤسس والحلقة الأولى للتيار العلمي المتكامل في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
2 ـ تأسيس الإطار العلمي الصحيح لفقه الشيعة:
الفقاهة، بمعنى استنباط حكم الشريعة من الكتاب والسنّة، لها جذور عريقة عند الشيعة. الإمام الباقر عليه السلام يقول لأبان بن تغلب: «اِجلس في المدينة وأفت الناس»([85]). ويقول لعبد الأعلى: «يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ. قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}»([86]). هذه وأمثالها من الروايات تدل على أن أصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا يمارسون استنباط الأحكام من القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلمات الأئمة. والفقه، بمعنى معرفة الأحكام، لم ينحصر في دائرة شيعة الأئمة بالتقليد والعمل بكلمات الأئمة عليهم السلام، بل اتّسع ليشتمل على مزيد من التفاصيل والتعقيد في الاستدلال. مع ذلك ثمة بون شاسع بين ما كان يمارسه فقهاء أصحاب الأئمة عليهم السلام في باب الفقاهة والإفتاء وبين الفقاهة في عصر ازدهار فقه الشيعة أي عصر ردّ الفروع على الأصول واستنباط مئات القواعد العامة وآلاف الأحكام الفقهية المعقدة والصعبة من الكتاب والسُنّة وحكم العقل، وتفريع الفروع الهائلة القادرة في زمن غيبة الإمام المعصوم أن تجيب على أسئلة المكلفين في حقول الشريعة وتبين الحلال والحرام في جميع الأبواب وبكل التفاصيل. وهذا البون الشاسع يجب أن يُملأ بمرور الزمان وعلى مدى التطور التدريجي للفقه.
مَن سبق المفيد من الفقهاء قطعوا دون شك أشواطاً قيمة على هذا الطريق. لكن هذا الشيخ الكبير بقدرة نبوغه الفكري يعتبر في هذا الصعيد مبدأ تطور تاريخي وبداية تيار خلاّق متنام متعمّق. ويظهر أنه بعد قرون من جمع المصادر الفقهية المتمثلة بنصوص المعصومين والإفتاء على أساس ظواهر هذه النصوص، استلزم الأمر في مرحلة من تاريخ الفقه أن تُصَبّ هذه الكنوز القيمة في قالب أفكار علمية وأن يُبتكر أسلوب فني للاستنباط.
قبل الشيخ المفيد كان ثمة اتجاهان متفاوتان في فقه الشيعة. أحدهما اتجاه برز فيه علي بن بابويه (ت 329)، وقد نستطيع تسميته اتجاه القميين. وأغلب الظن أن أستاذ المفيد في الفقه أعني جعفر بن قولويه (ت 368) هو من هذه المجموعة. الفقاهة في هذا الاتجاه تعني الإفتاء حسب نصوص الروايات، بحيث أن كل فتوى في كتب هؤلاء الفقهاء تحكي عن وجود رواية في مضمونها. ولذلك حين يكون صاحب الفتوى ثقة ثبتاً فإن فتواه تستطيع أن تقوم مقام حديث. من هنا قال الشهيد (رض) في الذكرى: «قد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن بن بابويه رحمه الله عند إعواز النصوص لحسن ظنّهم به وإن فتواه كروايته»([87]).
بديهي أن الفقاهة بهذه الكيفية ابتدائية جداً، وعارية عن الأسلوب الفني المعمّق. والفروع المذكورة في الكتب الفقهية لهذا الاتجاه، تنحصر بالفروع المنصوصة، وهي قليلة ومحدودة. وهذا هو الذي أدّى إلى أن يوجّه المخالفون طعونهم لفقه الشيعة متّهمين إياهم بقلة الفروع. والشيخ الطوسي رحمه الله ألف بعد ذلك كتاب «المبسوط» دفعاً لهذا الطعن.
الاتجاه الثاني يقع في النقطة المقابلة للاتجاه الأول ويستند إلى الاستدلال والظن الغالب، متخذاً من فقه أهل السُنة منطلقاً وقدوة. والشخصيتان المعروفتان في هذا الاتجاه الحسن بن أبي عقيل العماني (ت؟) وابن الجنيد الاسكافي (ت حوالي 381). لا تتوفر لدينا معلومات كافية عن هذا الاتجاه ولا حتى عن الفقيهين المعروفين، تستطيع أن توضح لنا بدقة طبيعة اجتهادهما في استنباط المسائل الفقهية، ولكن مما قال المفيد وآخرون عن ابن الجنيد يظهر أنه كان يميل إلى القياس والرأي وبذلك ابتعد عن الطريقة المعروفة والمقبولة لدى الشيعة. أمّا العماني فلم ينسب إلى هذا الاتجاه بل إنه كما يقول النجاشي: «وسمعت شيخنا أبا عبد الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه الله»([88]). ومما قاله هو والشيخ في الفهرستين حول كتابه([89]) نستطيع أن نفهم أنه فقيه مستقيم، ولعله كان قريباً من الطريقة التي انتهجها الشيخ المفيد وألّف وحقّق فيها وربّى تلاميذه عليها… ولكن مع ذلك تعتبر آراؤه غالباً في عداد الشذوذات الفقهية والمتروكة، ولعل هذا هو سبب عدم بقاء شيء من كتابه سوى الاسم بعد العلاّمة والمحقق (رض). ومما تقدم يمكن أن نحدس بأن فقاهته لم تكن سليمة ولا يمكن أن يكون قد خلف بعده اتجاهاً في الفقه. ولا شك أن هذا العالم الأقدم الذي يقول عنه بحر العلوم: «هو أول من هذب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى «فتاوى العلمين(13) كان له تأثير على ما توصل إليه الشيخ المفيد لأول مرة من قاعدة صحيحة للفقاهة؛ بل كان المقدمة لعمل المفيد العلمي.
وكما يلاحظ فإن كلُّ واحدٍ من الاتجاهين الفقهيين ناقص في جانب من الجوانب. في الاتجاه الأول الفتوى نفس نص الرواية دون تفريع ودون ردّ الفرع على الأصل ودون بحث ومناقشة ونقد واستنتاج. الاجتهاد بمعناه المصطلح لا دخل له في هذا اللون من الفقاهة ولا تأثير. والاتجاه الثاني، مع وجود النظر والاستدلال فيه، يبدو أنه ليس وفق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فهو يقترن بالقياس أو بنحو منحى ينتهي بالآراء الشاذة، ولا يقدر له البقاء في حوزة فقاهة الشيعة.
فقه المفيد مبرّأ من هذين العيبين، وله كلا المزيتين: مزية الاستناد إلى الأساليب المعتبرة لدى الإمامية، ومزية الاستفادة من الاجتهاد المصطلح وإدخال عنصر الاستدلال والاستنباط النظري في الفقه. من هنا فهو الذي توصل إلى القالب العلمي المقبول والمعتبر لدى الشيعة، وأكسب المواد المأثورة والأصول المتلقاة نظاماً علمياً، وأودعه حوزة الفقاهة الشيعية، وبعده استمرّ نظام الفقاهة هذا عبر القرون حتى وصل إلى ما )هو) عليه اليوم من نضج وازدهار.
ومن أجل الاطلاع بشكل إجمالي على قيمة عمل المفيد في حقل الفقه وأهميته، نتحدث فيما يلي عن العناوين الثلاثة التالية:
أ) كتاب المقنعة.
ب) رسائل فقهية صغيرة للمفيد.
ج) كتاب التذكرة بأصول الفقه.
أ ـ كتاب المقنعة:
«المقنعة» دورة كاملة في الفقه، لم يسبقه كتاب فقهي بهذه الخصائص. مقنع الصدوق لا يبلغ هذا الكتاب في جامعية مباحثه الفقهية على أنه مثل كتاب ابن بابويه يضمّ نصوص الروايات وأنّ مباحثه أكثر قصراً واختصاراً. المفيد لم يذكر أدلته في هذا الكتاب على فتاويه ولذلك ليس من السهل فهم طريقة استدلاله على هذه الفتاوى، ولكن بالقرينة المطمئنة يمكن القول إن ما أفتاه هذا الكتاب يستند إلى استدلال فقهي مستحكم. وإذا كان هذا الاستدلال غير مدوّن وغير معروض لاستفادة الخلّف، فإن تلاميذه وطبقة الفقهاء المتصلة به قد اتخذوه قدوة لأعمالهم وأضافوا إليه. والقرينة المطمئنة كتاب «التهذيب» للشيخ الطوسي. وكما نعلم أن التهذيب شرح للمقنعة، وبيانٌ لاستدلالاته الفقهية. الشيخ الطوسي (رض) في مقدمة ذلك الكتاب يبين دوافع تأليفه ويذكر أن الصديق الذي طلب منه تأليف كتاب «يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية…». اقترح عليه أن يقصد إلى رسالة «المقنعة» للمفيد لأنها كافية شافية خالية من الحشو والزوائد. ثم يبين طريقته في الاستدلال وهي باختصار كما يلي: الاستدلال على كل مسألة بظاهر أو صريح القرآن أو أنواع دلالاته المفهومية (مثل: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة والدلالة الالتزامية ونظائرها)، وهكذا الاستدلال بالسُنّة القطعية بمعنى الخبر المتواتر أو الخبر المحفوف بالقرينة، وهكذا إجماع المسلمين أو إجماع الإمامية، ثم ذكر الأحاديث المشهورة في كل مسألة، ثم النظر في الدليل المعارض (إن وُجد) والسعي في الجمع الدلالي بين الدليلين، وإن تعذّر الجمع الدلالي، يُردّ الدليل المقابل لضعف السند أو لإعراض الأصحاب عن مضمونه، وإن تساوى الدليلان في السند وأمثاله (مثل جهة الصدور أو الإعراض المشهور وغيره) ولا ترجيح لأحد على آخر فالترجيح الخبري الموافق للأصول والقواعد الكلية المستخرجة من الشريعة، وترك الدليل المخالف للأصل والقاعدة. وإن لم يكن ثمة حديث أصلاً بالحمل على ما يقتضيه الأصل، وترجيح الجمع الدلالي على الترجيح السندي، والجمع الدلالي وفق «شاهد الجمع» المنصوص، وعدم تخطّيه قدر الإمكان.
هذا هو أسلوب الشيخ الطوسي في الاستدلال على كتاب المقنعة كما ورد في مقدمة كتاب التهذيب. وأهل الفن يعلمون جيداً أنه الأسلوب الجامع في الاستدلال على مرّ عصورِ فقاهةِ الشيعة حتى يومنا هذا، والقالبُ العام للاستدلال الفقهي في جميع الأعصر التي تلت الشيخ الطوسي (رض) حتى عصرنا الراهن. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: هل إن الشيخ المفيد ـ مؤلف المقنعة ـ كان غافلاً عن طريقة الاستدلال الجامعة هذه التي تستطيع أن توصل الفقيه إلى فتاوي كل الكتّاب وهل توصل إلى تلك الفتاوى دون معرفة بطريقة الاستدلال هذه؟ بعبارة أخرى: هل إن الشيخ الطوسي (رض) مبتكر هذه الطريقة في الاستدلال؟ أو إنه تعلمها من أستاذه المفيد؟ يبدو أن الجواب واضح لو أخذنا كل جوانب الموضوع بنظر الاعتبار. نعلم أن الشيخ الطوسي بدأ بتأليف كتاب التهذيب في حياة الشيخ المفيد أي قبل سنة 413. وهذه المقدمة كتبها آنئذ. فقد ورد الشيخ الطوسي العراق سنة 408 حين كان شاباً في الثالثة والعشرين من عمره، وترقى في مدارج العلم والبحث على يد أستاذه الشيخ المفيد، ثم واصل تلقيه العلمي على السيد المرتضى مدة 23 سنة. ومن هنا لا يبقى مجال للشك أن الشيخ الطوسي تعلّم هذا الأسلوب الاستدلالي الفقهي على الشيخ المفيد، وبسبب تعرّفه على أسلوب استدلال أستاذه استطاع أن يجعل الكتاب مستدلاً وفق أصول استدلال الأستاذ نفسه.
هذا الاستنتاج يزداد قوة وقاطعية حين نلاحظ المباني الأصولية للشيخ المفيد في كتاب الأصول الذي سنتناوله فيما بعد. بملاحظة ذلك الكتاب وما نهج فيه المفيد من أسلوب الاستناد إلى الكتاب والسُنّة المتواترة والمحفوفة بالقرائن أو المرسلة المشهورة المعمول بها عند الأصحاب وغيرها من آرائه في الأصول، يتضح بجلاء أن الأسلوب الاستدلالي الذي بينه الشيخ الطوسي في مقدمة التهذيب هو نفس ما يؤمن ويعمل به أستاذه ويعلمه لتلامذته. مما تقدم نفهم أن كتاب المقنعة ـ وإن لم يقترن بالاستدلال ـ قد توصّل ذلك الفقيه الكبير إلى ما فيه من فتاوى بنفس الأسلوب الاستدلالي الذي تواصل ألف عام بعده في حوزة فقاهة الشيعة.
هذه الطريقة الاستدلالية هي نفس النهج الاستدلالي الكامل الذي لم يكن موجوداً دون شك في أي واحد من الاتجاهين الفقهيين للشيعة أي اتجاه ابن بابويه واتجاه القديمين ـ وشيخنا الكبير مبتكر هذا الاتجاه ومؤسسه وواضع قواعده.
ب ـ الرسائل الفقهية:
هذه الرسائل على قلة حجمها تعبر عمّا كان يتمتع به الشيخ الكبير من عمق علمي فقهي. بعض هذه الرسائل مثل رسالة «المسح على الرجلين» و«ذبائح أهل الكتاب» تشتمل على استدلالات جدلية شبه عقلية، لكن بعضها الآخر يحتوي حقاً على أسلوب مستحكم وقوي ومنظّم فقهي مثل رسالة «المهر» أو «جوابات أهل الموصل في الرؤية والعدد» أو «المسائل الصاغانية». في رسالة الرؤية والعدد التي تختص بردّ القول المنسوب إلى الصدوق (رض) وبعض الفقهاء القدماء بشأن عدد أيام شهر رمضان وأنها ثلاثون يوماً، الشيخ المفيد يقرن الاستظهار من الآيات، والاستنباط من اللغة، والاستشهاد بالأحكام الفقهية المسلمة، والبحث في فقه الحديث بشأن الروايات التي يستدل بها الخصم، والمناقشة في السند، وذكر أحوال الرجال، وذكر نكات كثيرة في فهم الأحاديث والاستنباط منها مستفيداً من كل واحد منها على أفضل وجه وأنضجه. ومن أعماله الرائعة في هذه الرسالة أنه في موضع منها بعد ذكر الحديث الذي يستدل به الطرف المقابل، يضعّفُ سنده، ويعتبرُ مضمونه غير معقول وبعيداً عن الأسلوب الحكيم للإمام وناتجاً عن جعل عامّي وجاهل، وإضافة إلى ذلك يثير احتمال إرسال سنده وهذه النكتة الأخيرة تدل على تبحّره وإحاطته بالحديث راجع الرسالة المذكورة، ص 23 وما بعدها. الفصل المرتبط برواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام). رسالة «المسائل الصاغانية»، التي يجيب فيها على إشكالات فقيه حنفي من أهل صاغان في عشر مسائل فقهية، نموذج آخر على ما في الشيخ الكبير من قوة استدلال وتبحّر فقهي. هذه الرسالة ـ وإن كانت ذات طبيعة كلامية أي إنه يواجه فيها الخصم غير الشيعي الذي يتهمه بالبدعة، بنسبة الافتراء والبدعة إليه وإلى إمامه ـ فهي تبين بوضوح لكل قارىء خبير قوة الاستدلال والروح العلمية والفقاهية الاجتهادية لدى الشيخ المفيد، لأن المسائل المعروضة فيها فقهية بشكل عام.
هذه الرسالة ورسالة «العدد والرؤية» تستطيع أن تكون أفضل شاخص لما بلغه الشيخ المفيد من مكانة إبداعية، وأحسن دليل على أن ما يشاهد في طبقة تلاميذه وتلاميذ تلاميذه من أسلوب علمي في الفقاهة إنما هو ناشىء تماماً عن الأسلوب الذي أسسه ووضع قواعده ذلك الرجل الكبير.
ج ـ كتاب التذكرة بأصول الفقه:
علم الأصول، منهج الاستنباط الفقهي… أسلوب للوصول إلى الأحكام العملية من الأدلة المعتبرة. تنظيم القوانين والقواعد الأصولية بمثابة وضع منهج للفقاهة. بدون مثل هذا المنهج تكون ساحة الفقاهة بدون حدود وعرضة للخلط والشوائب والاشتباه، والأحكام المستخرجة تفقد لا محالة اعتبارها المطلوب. أضف إلى ذلك أن أذواق الفقهاء وآراءهم الشخصية وفهمهم الفردي سيكون لها دور يتجاوز الحدّ في نتيجة الفقاهة، وتصاب آراء الفقهاء بالتشتت وعدم الانتظام.
صحيح أن علم الأصول كلما ازداد عمقاً ونضجاً وتعقيداً ساعد على سلامة الآراء الفقهية، غير أن الذي يؤثر في غاية الفقاهة ونتيجتها أكثر من ذلك، أصلُ إيجاد هذا العلم ووضعه. أساس علم أصول الفقه وبُنيته نجده دون شك في كلمات الأئمة عليهم السلام وفيما يطلق عليه اسم «الأصول المتلقاة». ولكن أول كتاب في الأصول لدى الشيعة دُوّن ـ على ما نعلم ـ بيد الشيخ المفيد. وهو الكتاب الصغير في الحجم الضخم في محتواه المسمى «التذكرة بأصول الفقه» وأنه أغلب الظن مختارات انتخبها تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي (ت 449 هـ) من أصل كتاب المفيد الذي كان هو أيضاً صغير الحجم.
هذا الكتاب على صغره له أهمية فائقة لأنه: أولاً ـ أول كتاب دوّن في أصول الفقه عند الشيعة. يقول الشيخ الطوسي رحمه الله في مقدمة كتاب عدة الأصول: «ولم يُعهد لأحد من أصحابنا في هذا المعنى إلاّ ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله في المختصر الذي له في أصول الفقه»([90]). وثانياً ـ فيه مباحث كثيرة بعبارات مقتضبة، وفي مباحث الألفاظ خاصة عناوين عديدة تشتمل على أبحاث هامة. وثالثاً ـ في بعض مباحثه توجد نظرات للشيخ الكبير تشبه إلى حد كبير ما ذكره المحققون الأصوليون في عصور متأخرة جداً. فما ذكره مثلاً في باب نسبة العام والخاص يشبه إلى حد كبير ما يسمى «الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية» في تحقيقات أسلافنا القريبين من زماننا. عبارة الشيخ المفيد في هذا المورد كما يلي: «والذي يخصّ اللفظ العام لا يُخرج منه شيئاً دخل تحته، وإنما يدل على أن المتكلم به أراد به الخصوص ولم يقصد به إلى ما بُني في اللفظ له في العموم…» (ص 37). رابعاً ـ الكتاب ـ وقد أريد له الاختصار([91]) ـ قُدمت فيه المباحث التي هي أكثر ضرورة وعملية في استنباط الأحكام الفقهية. وأُهملت المباحث التي يغلب عليها الطابع النظري مثل بحوث حقيقة العلم أو حقيقة الكلام التي تعمق وتوسّع فيها شيخ الطائفة في بداية عدّة الأصول. في اعتقادي أنه من الرائع جداً أن لا يغفل الكتاب ـ على اختصاره ـ عن ذكر مباحث من قبيل: أن العموم والإطلاق خص بالسنّة القولية، وليس للعموم والإطلاق مجال في السنة الفعلية([92])، أو أن الأمر عقيب الحظر لا يفيد أكثر من الإباحة([93]) أو أن الاستثناء عقيب الجمل المتعددة ـ إن لم توجد قرينة ـ يعود إليها جميعاً([94]) وأمثال ذلك… ولتأثيرها وتكررها في الاستنباطات الفقهية بينت بعبارات مناسبة.
مما ذكرنا يتضح أن شيخنا الكبير… بتدوينه كتاب الأصول كان يعكف على إعداد المقدمات اللازمة لإبداع قالب علمي وفنّي للاستنباط الفقهي. وعلم الأصول ـ بالنسبة له ـ ليس مجموعة من المعارف الذهنية وشبه الكلامية. بل هو ـ كما صرّح أيضاً تلميذه في مقدمة عدة الأصول ـ ما تبتني عليه أحكام الشريعة، ولا يكتمل علم الشريعة دون استحكام هذا الأساس، ومن لم تكن الأصول عنده مستحكمة فهو حاكٍ ومقلد وليس بعالم([95]).
3 ـ ابتكار أسلوب الجمع المنطقي بين العقل والنقل في الفقه والكلام:
هذا هو المجال أيضاً فتح الشيخ الكبير طريقاً جديداً بين الاتجاه العقلي المطلق للمعتزلة ومَنْ حذا حذوهم من الشيعة ـ مثل آل نوبخت ـ وبين الاتجاه الحديثي عند الشيخ الصدوق.
المعتزلة في عصر نشاط الاعتزال ـ أعني في أواخر العصر العباسي الأول (المنتهي بأواسط القرن الثالث الهجري) ـ تأثروا بشدة بتيار الأفكار الفلسفية الأجنبية (اليونانية، والبهلوية، والهندية، وغيرها) الوافدة على العالم الإسلامي وبترجمة آثارها. وفي ذلك الزمان كان ذلك التيار الوافد وهكذا أفكار المعتزلة موضع تشجيع الخلفاء وخاصة المأمون. ردة الفعل أمام هذا الاتجاه العقلي تمثلت في حركة أصحاب الحديث من أهل السنة والمحدثين الشيعة مثل الصدوق رحمه الله، الذين أرادوا أن يفهموا كل المعارف الكلامية والاعتقادية من الحديث.
واتجه المفيد في عمله العلمي الكبير إلى إثبات أن العقل ـ وهو مستقل ـ عاجز عن فهم جميع المباحث التي يتناولها علم الكلام. في باب صفات الباري ـ مثلاً ـ كالإرادة والسمع والبصر وأمثالها، العقل إنما يستطيع أن يلج باب المعرفة بمدد الوحي، ووروده لوحده في هذا الوادي المرتبط بحضرة الربوبية، هو ورود في التّيه والضلالة. وهذا في الواقع مضمون نفس الروايات التي نهت عن الخوض في صفات الله تعالى. لم يستهدف المفيد ـ إذن ـ حرمان العقل من أن يلج ساحته المرتبطة به ـ التي ليس للسمع والوحي فيها طريق ـ أي ساحة إثبات الصانع والاستدلال على وجود الباري أو التوحيد أو النبوة العامة بل استهدف حدّ العقل بنفس الحدود التي عينها له خالق العقل كي لا يسقط في التّيه والضلال.
جاءت عبارة أوائل المقالات في موضع: «إن استحقاق القديم سبحانه بهذه الصفات (أعني كونه تعالى سميعاً بصيراً ورائياً ومدركاً» كلها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول»([96]). وفي موضع آخر: «إن كلام الله تعالى محدث وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد الله صلى الله عليه وآله وسلم»([97]) وفي موضع آخر: «إن الله تعالى مريد من جهة السمع والاتباع والتسليم على حسب ما جاء في القرآن، ولا أوجب ذلك من جهة العقول»([98]) وفي موضع آخر في عبارة عامة: «اتفقت الإمامية على أن العقل يحتاج في عمله ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفكّ عن سمع ينبّه العاقل على كيفية «الاستدلال… وأجمعت المعتزلة… على خلاف ذلك وزعموا أن العقول تعمل بمجرّدها عن السمع والتوقيف…»([99]).
مثل هذه التصريحات كثيرة في كلمات المفيد. مع ذلك فهو يقبل سندية النقل حيث لم يقم برهان عقلي على امتناعه. ولذلك في باب ظهور المعجزات عن الأئمة عليهم السلام، قبل أن يذكر ورود دليل سمعي عليها يقول: «فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلاً ولا ممتنع قياساً»([100]) مثل هذا الكلام كرّره في مواضع أخرى([101]). ولكنه في «تصحيح عقائد الإمامية» الذي هو تعليق على «اعتقادات الشيخ الصدوق»، بعد أن يحكم بردّ الحديث المخالف للقرآن يعلن بصراحة تفوق صراحته في المواضع الأخرى، ويقول: «وكذلك إن وجدنا حديثاً يخالف أحكام العقول اطرحناه ، لقضية العقل بفساده»([102]) وفي هذا البيان ـ إضافة ـ إلى ردّه الحديث المخالف لحكم العقل ـ يرى أن أساس هذا الرد هو حكم العقل أيضاً. وبذلك يؤكد بشكل مضاعف على حجية الاستدلال العقلي.
الاعتماد على الاستدلال العقلي في مدرسة الشيخ المفيد تصل إلى حدّ نراه في بحث «الألم للمصلحة دون العوض» بعد بيان رأيه الفريد الذي لا يشاركه فيه العدلية ولا المرجئة، يقول بثقة قلّ لها نظير: «وقد جمعت فيه أصول يختص بي جمعها دون من وافقني في العدل والإرجاء، بما كشف لي في النظر عن صحّته ولم يوحشني من خالف فيه، إذ بالحجة لي أتمّ أنس ولا وحشة من حق والحمد لله»([103]) ولما كان قد استند في الألم والبحوث المتفرعة عن اللطف عامة إلى الأدلة العقلية لا السمعية، لذلك فإن قصده من (الحجة) في العبارة المذكورة هو الاستدلال العقلي نفسه.
ورود عنصر «السمع» في بناء المدرسة الكلامية للشيخ المفيد أدى ـ بالاستمداد من كلمات الأئمة عليهم السلام ـ إلى أن تأخذ كثيرٌ من المباحث الشائكة التي تتطلب مسيراً طويلاً للتوصل إلى كلام الحق فيها مكانها بسهولة في المجموعة الكلامية لذلك الشيخ الكبير، وأدّى إلى إنقاذ المسيرة الكلامية للشيعة بعد المفيد من الانحرافات والاضطرابات الفكرية.
على سبيل المثال نذكر أن المعتزلة في مسألة صفات الباري طوت طريقاً طويلاً ابتداءً من نفي الصفات كما جاء في كلام واصل بن عطاء ومروراً بنظرية نيابة الذات عن الصفات، حتى الوصول إلى نظرية التوحيد بمعنى عدم زيادة الصفات على الذات، وأن صفات الله تعالى عين ذاته في الوجود. بينما نرى هذه المسألة في كلمات المفيد متخذة من السمع أعني نهج البلاغة والروايات الصادرة عن الأئمة عليهم السلام. ومن هذه الروايات يُستفاد أيضاً أن هذه المباحث كانت متداولة في زمن الأئمة عليهم السلام بين الشيعة، وكانوا ينهلون بشأنها من النبع الخالد لعلم أهل البيت (راجع الكافي 1/107) باب صفات الذات والفصول المختلفة من توحيد الصدوق وخطبة نهج البلاغة).
ويلفت النظر أن الشيخ المفيد في الرسائل الكلامية المختصرة مثل: «النكت في مقدمات الأصول» يلجأ حتى في باب صفات الباري (حيث حصر استدلال هذا الباب في أوائل المقالات بالاستدلال السمعي) إلى الاستدلال العقلي إلى جانب الاستدلال السمعي.
يقول مثلاً:
«فإن قال: ما الدليل على أنه قادر؟ فقل: تعلّق الأفعال به مع تعذّرها في البداءة عن العاجز..» ويقول أيضاً: «ما الذي يدل على أنه عالم؟ فقل: الصفة في البداءة على الجاهل»، ونفس الترتيب في باب السميع والبصير والحكيم. (النكت في مقدمات الأصول ص 33 ـ 34).
وهذا لا يمكن اعتباره عدولاً عن الأصل المذكور في أوائل المقالات. لقد سبق أن ذكرنا أن الرسائل الموجزة التي دوّنها الشيخ المفيد على شكل سؤال وجواب هي بالاحتمال القوي منهج عملي لمتعلمي الجدل الكلامي من الشيعة القاصين الذين ما كان بإمكانهم أن ينالوا أستاذاً كالشيخ المفيد. والشيخ الكبير في تلك الرسائل، اختار طريق البحث العقلي باعتباره أجدى طريق لمواجهة أي مخاطب.
بهذا الشكل يتضح أن الجمع بين الحجة العقلية والدليل النقلي في المنهج الكلامي للشيخ المفيد من أبرز أعماله الكبيرة والمبتكرة.
آمل أن تحظى هذه العناوين الهامة والجوانب الوضّاءة الكثيرة الأخرى من الحياة العلمية للشيخ المفيد باهتمام ومتابعة هذا المجمع العلمي والتحقيقي.
في خاتمة هذا المقال يجدر أن نؤكد أن هذا النابغة الكبير قد قام ما قام به من جهاد علمي طويل وتأسيس صرح علم الفقه وشق الطريق الوسط في الكلام في ظروف وأوضاع اجتماعية صعبة.
حكومة آل بويه في بغداد، وإن استطاعت أن توجد جواً مناسباً للبحث العلمي الحر، لم تستطع أبداً أن تحل مشكلة المواقف المتعصبة لفقهاء الحنابلة، وضغوط جهاز الخلافة العباسية على الشيخ المفيد وعامة الشيعة. مظلومية شيعة الكرخ في بغداد والمحن العظيمة التي مرّت عليهم وعلى زعيمهم الكبير حقائق يشهد لها التاريخ بصراحة. المظنون أن الشيخ المفيد غير المرات الثلاث من النفي التي ذكرتها كتب التاريخ، قد تعرض لمحنة أخرى خلال مدة دامت سنتين تقريباً بين 405 و407 ولا نعرف طبيعة هذه المحنة. وهذا الظن يأتي من عدم وجود أي ذكر للشيخ المفيد في قضايا وفاة السيد الرضي تلميذه المحبوب سنة 406، مع أن الكتب ذكرت تفاصيل التشيع وخصوصياته، والقاعدة تقتضي ذكر الشيخ المفيد تكراراً في هذا الحادث. وثمة قرينة أخرى تبعث على هذا الظن هي أن أمالي الشيخ المفيد التي كان يُلقي حوالي شهر رمضان من كل سنة، عدد من مجالسها في بيت الشيخ أو في مسجده بباب الرباح واستمرت من سنة 404 إلى سنة 411، لم تلق خلال السنتين 405 و406، ولا يوجد أي مجلس يرتبط بهاتين السنتين في مجموعة أمالي الشيخ المفيد.
وأيضاً، هناك قرينة أخرى نتلمسها من قضايا محرم سنة 406 إذ اندلعت فتنة كبيرة أخرى من الفتن والمحن المكررة التي ألمّت بالشيعة. وفيها اختارت حكومة بغداد السيد المرتضى ليكون ممثل الشيعة ورئيسهم الذي يتحدث عندها عنهم، لا الشيخ المفيد، والحال أن الرئيس المطلق للشيعة بلا منازع في تلك الأيام وقبلها كان الشيخ المفيد، والسيد المرتضى يعتبر تلميذه ومريده المتواضع ومن اتباعه.
هذه القرائن تبعث على الظن بمحنة الشيخ المفيد في تلك السنتين مما أدّت إلى غيابه عن بغداد، ويجب التحقيق في ذلك. ومن المسلم أن الحياة في بغداد لعامّة الشيعة وزعمائهم في القسم الأعظم من زمن حكومة آل بويه على العراق وبغداد الذي استمرّ مائة وثلاثة عشر عاماً كانت قاسية مقرونة بالمحن والاشتباكات والمجازر والمظلومية([104]). والشيخ المفيد وسط هذه المشاكل المتفاقمة وبتحمل مسؤوليات قيادة الشيعة في العراق بل في جميع العالم حقق هذا النجاح الباهر في حقل معارف الشيعة.
العَلَم العربي
جريدة أسبوعية أصدرها في بيونس أيرس عاصمة الأرجنتين، عبد اللطيف الخشن المولود في سحمر (البقاع) والمتوفى (ببيونس أيرس) سنة 1984 عن عمر يناهز الثمانين.
درس في دمشق ثم هاجر إلى الأرجنتين فأقام في عاصمتها بيونس أيرس. وفيها أصدر جريدة (العَلَم العربي) التي كانت منارة من منارات الوطنية العربية في المهجر، تحارب الدعايات الصهيونية، وتقاوم عملاء الاستعمار، وتذيع الآدب والثقافة بين المهاجرين. وكانت مجالاً لنشر شعر الشاعرين المهجريين المبدعين إلياس فرحات والشاعر القروي الذين كانا مقيمين في البرازيل، فينتشر شعرهما في الأوساط المهجرية، ويصل بواسطتها إلى الوطن.
وعند قيام الاستقلال في سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الثانية، دعته حكومة الاستقلال لزيارة الوطن بعد الغيبة الطويلة عنه، فلقي في وطنه كل التكريم والحفاوة. وزار العراق فلقي فيه مثل ما لاقى في وطنه من إعزاز واحتفال. ثم عاد إلى مهجره مقيماً حتى وفاته.
وكانت فيه شاعرية حسنة، فنظم القليل من الشعر وهو ما يرى بعضه القارىء فيما يأتي، كما كانت له مؤلفات هي:
1 ـ الإسلام دين الوحدة. باللغة الإسبانية.
2 ـ عروة الاتحاد بين أهل الجهاد. باللغتين العربية والإسبانية.
3 ـ رصيد أربعين سنة في المهجر و14 شهراً في الوطن. باللغتين العربية والإسبانية.
من شعره
قال:
عروس لم تزل بكراً عوانا
نرى في شمس طلعتها الجنانا
تذيب رضابها خمراً حلالا
وتملأ منه للسكرى الدنانا
بها صغنا القوافي زاحفاتٍ
يناجز صولجان صولجانا
لتسمع جنة الدنيا دمشق
وتبسم للعروبة غوطتانا
وقفنا للعروبة كل جهد
وما ملكت من الدنيا يدانا
فما شدنا بها يوماً قصورا
كما شادت به أيدي سوانا
ولكنا ملأناها نضالا
كفانا ما نجود به كفانا
فلم نخفض جناح الذل يوماً
ولم نفتح لطاغوت لهانا
عدانا لم نزل في الساح جندا
وما برحت تدور به رحانا
نلبي للعروبة كل داع
ونسمع كل ذي صممٍ ندانا
فلم يطو الزمان لنا سجلاً
من الماضي المجيد وإن طوانا
نهش لوحدة ونبش شوقاً
عسانا أن نشاهدها عسانا
بنوها إن جهلتم ما بنوها
إليكم عن بنيها ترجمانا
إذا غضبوا استطار الشر منهم
وهزوا المشرفية والسنانا
فمن ذا نرتجيه لرفع ضيم
إذا داعي الجهاد غدا دعانا
رويداً ايكة في الشرق ناحت
وغنتنا على بُعدٍ أسانا
هي الأحداث كم عصفت عليه
ولم تهدم له يوماً كيانا
سنرجع للعروبة مهد عيسى
وننهل من دم الأعدا ظبانا
إذا لم نطرد الفجار منه
فلا عشنا كراماً في حمانا
وقال:
وقفت أمامه والقلبُ دامٍ
أديباً قاصداً عبد الفلوس
تغيّر وجههُ واصفرّ لمَّا
رأى قلمي وبصبص في طروسي
فما أشقى الحياة على أديب
إذا ما احتاج يوماً للخسيس
فمن يحيا بدنياه حقيراً
يهون عليه تحقير النفوس
وقال مودعاً العام المنصرم:
نصيبي منك أقلامي وطرسي
ومحفظة خلت من كل فلس
ولكن لست أخلو من حسودٍ
تمنَّى أن يكون شريك نحسي
ألا يا حاسدي لا الدار داري
ولا الكأس التي احتاس كأسي
رضيتُ بقسمتي الضئزى نصيباً
نهار غدٍ، وبعد غدٍ كأمسِ
وقال:
أنست في عزلتي من بعد ما سئمت
نفسي تجاريب أصحابي، وجيراني
ورحت أقبع في بيتي ولست أرى
سلوى صديق ولا نشوات ندمان
ما غنت الطير في أقفاصها وشدت
إلا على لحنها رددت ألحاني
غيري يغني على ليل الهوى طرباً
أما غنائي فترتيل لأوطاني
وقال:
شهدت ملجأ عميان فقلت بخٍ
لمعشر أنقذوا الأعمى من الخطر
ورحت أسأل من شادوه كيف نسوا
أن يجعلوه لعمي القلب لا البصر
أعمى البواصر يستهدي بمنساه
على الطريق بلا زيدٍ، ولا عُمر
وكم رأيت عميَّاً في بص
يرته
لم يهده دربه ألفٌ من البشر
وقال:
أمن مهدي أعيش إلى ضريحي
محاطاً بالأفاعي كالمسيح
أرى الستين عاماً من حياتي
فأحسبني ولدت بعصر نوح
إذا ضمدت جرحاً سال جرحُ
أنام واستفيق على جروحي
كأني للشقاء نذرتُ نفسي
وقلت لها على الداء استريحي
وقال بعد مرور 30 سنة على صدور جريدته القلم العربي:
بعد الثلاثين لا ملكٌ، ولا نشب
ولا «نياشين» تغريني ولا رتب
كزارع البُر في صحراء محرقة
حصاده اليأس، والإملاق والنصب
* * *
تشكو إلى العرب ما عانيت من ألم
وكل ما فيك من داء هو العرب
خفف عليك فأنت اليوم في زمن
سيَّان فيه رئيس القوم والذنب
وقال:
أبش إلى الخطُوب ولا أُبالي
لأني عشت في دنيا الخطوب
رأيت الخوف يفتك في البرايا
كفتك السيف في عصر الحروب
أمن قد عاش في الدنيا جباناً
كمن رضع الشجاعة في الحليب
أليست دولةُ الأقلام حرباً
يؤجج نارها قلمُ الأديب
* * *
تشكو إلى العرب ما عانيت من ألم
وكل ما فيك من داء هو العرب
خفف عليك فأنت اليوم في زمن
سيَّان فيه رئيس القوم والذنب
وقال:
قتلت الناس تمحيصاً ودرساً
وذقت مرارة منهم وبؤساً
أضعت العمر أبحث عن صديقٍ
لألمس منه روح الصدق لمسا
إذا احتاجوك كانوا كالثعالى
وكنت بعينهم كالنمر بأسا
وإن جار الزمان عليك كانوا
أشدّ من الزمان أذىً ودسَّا
وقال وقدم لها بما يلي:
قال لي مواطن متحمس (وهو من المثرين ومن اشح الأشحاء) طالع مقالة في «القلَم العربي» «لو كنت مكان الدول العربية لبنيت لك عرشاً من ذهب!» فأثار في النفس القريحة الكاسدة فأطلقت هذه «الآهات»:
بنى لي (أكرم الكرماء) عرشاً
من الألقاب لا من «بنكنوت»
أحاول بيعه من يشتريه
وأمنحه ألوفاً من نعوتي
وألقاب غدوت بها (مليكاً)
ولكن لا تدرُ عليّ قوتي
أفضل في ديار العرب كوخاً
عليها من نسيج العنكبوت
وقال:
ولي جارٌ إذا ما زار بيتي
تظاهر بالوفاء، وبالتأسّي
وإن جربته وطلبت فلساً
كقرض ضاع منه كل حس
فلم أرَ في الأعاجم جار سوءٍ
كما شاهدتْ من أبناء جنسي
إذا جافيتهم ضيَّعتُ صحبي
وإن خالطتهم ضيعتُ نفسي
وقال في مهجره يحن إلى العودة إلى الوطن:
زرعت بحقلك الخصب المريع
بذوراً بالدماء، وبالدموع
لقد ذهب الربيع، أمن إياب
إلى مغناك يا روض الربيع
إذا حنّ المقيم إلى اغتراب
حنيني لا يزال إلى الرجوع
وما جوعي لطيب الزاد لكن
لرؤية موطني ظمئي وجوعي
وقال:
حنينك للعروبة لا حنيني
ودينك في هواها غير ديني
إلى آفاقها وجهَّت وجهي
وفاضت عند ذكراها عيوني
أُعادي من يعاديها لأني
حلفتُ على محبتها يميني
عليّ لأُمتي دينٌ كدين
وإن كانت تماطلني ديوني
وقال بعنوان:
إلى من وعدتها في الأياب إلى الوطن
وعدتك أن أعود وهل يعود
غريب ليس في يده نقود
فكم من (مفلس)… قد عاد قبلي
غداً نسياً، وليس له وجود
وكيف يعيش في بلد سخيٌ
يكاد بنفسه كرماً يجود
رصدت لموطني فلسي، ونفسي
ولن يبقى لآخرتي رصيد
قال:
نظمت الشعر لا أبغي نوالاً
على نظمي ولا أبغي مديحاً
كفاني أنني لم أرث ميتاً
غنياً عاش في الدنيا شحيحاً
ولم أمسح من الدجال شهماً
وأجعل من (مسيلمة) مسيحا
ورب شويعر قد عاب نظمي
ولم أقرأ له بيتاً صحيحا
وقال:
دعني أمج كؤوس الراح من عرقي
مما أذبت على الأقلام، والورق
يا موطني، ويد الهجران تفتك بي
لم يبق في جسمي العاني سوى الرمق
أحنُّ للكوخ للأزهار أنشقها
من حوله لشذى الريحان والحبق
أحنُّ للحقل للأطيار راقصةً
في مطلع الشمس أو في حمرة الشفق
وقال:
تفاخرني بمالك وهو رهن
ستتركه لغيرك بعد حين
خفضت الرأس للدينار لكن
لغير اللَّه لم أخفض جبيني
أعيش كما تعيش، وأن زادي
كزادك من ثريد، أم عجين
سترجع للتراب ككل حيٍ
بلا مال يقيك من المنون
وقال:
تزخرف بالتحذلق كل بيت
لمسناه سراجاً دون زيت
بساح البذل تحكي سلحفاة
وفي ساح التشدق كالكُميت
فكم وكزوك وكز العير حتى
يجسُّوا فيك ميتاً أي ميت
إذا ما أمك ابتاعت رغيفاً
هجمت معاتباً: بكم اشتريت؟
وقال:
تعجب بعضهم مني لأني
لزيد لا أصفق أو أغني
فهذا راح يشتمني جهاراً
وذلك لا تسل ما قال عني
لقد مهدت للنمَّام طبعي
ليمعن بالتحامل، والتجني
سأنهل صابهم كالشهد نهلاً
وأحمد من أذاهم ألف طن
وقال:
أتجهر بالحقيقة كل يوم
وتملأ هذه الدنيا صياحاً
وتبحث في الزوايا عن قضاة
تردّ إليك حقاً مستباحا
أتقنع من يرى في الجور عدلاً
ويحسب كل تضليل صلاحا
فلذ بالصمت إن الصمت أولى
فكم ضمَّدت في صمتي جراحا
وقال:
على حسك اليراع حبست نفسي
ومن نغماته لقنَّت درسي
أعاقر خمرتي منه لأني
بفيض دموعه أترعت كأسي
سيبقى في المعارك صولجاني
أذود به وصمصامي، وترسي
إذا لم يرض بالمليون غيري
رضيتُ بقسمتي: قلمي وطرسي
وقال:
بحثت عن العدالة كل قطرٍ
فلم أر عادلاً في الناس طُرّا
يمزق سترها من يدّعيها
ولم يهتك لرب الظلم سترا
وأنكى ما يكون وجود طاغٍ
يُمزق أُمة ليعيش حُرا
يبيع بلاده من أجل فلسٍ
ويقتل ضيغماً ليقيت هرا
وقال:
حيارى في سياستهم سكارى
يرون اليوم بينهمو هزارا
فكيف يروقهم لحني وإني
أراهم ـ كلما كبروا ـ صغارا
هي الدنيا ألم ترها تضحِّي
حصاناً كي تقيت به حمارا
عليك بعزلة كحبيس ظلمٍ
وغدرٍ لن تزور، ولن تُزارا
وقال:
أداوي بعض طلاب النعوت
وعشاق التبجح بالسكوت
سأُبقي القرد قرداً دون نعت
دعوا غيري يشبههُ بحوت
ولست بماسخ الدجَّال شهماً
ولو غطَّى السما «بالبنكنوت»
ليمنع رفده من شاء عني
كفاني الخالق الرزاق قوتي
وقال:
مكانك تحمدي أو تستريحي
فلا تسترسلي مع كل ريح
نصيبي منك آلامٌ جنتها
علي صراحة القلم الصريح
دعي غيري يبوح بحب طاغٍ
تملَّك بغضه جسمي وروحي
فما صمتي عن الأعداء جبنٌ
ولكن هدنة الأسد الجريح
وقال مخاطباً الدُولار، وهو النقد الأمريكي:
على م على م تهزأ بالنقود
وترقص بين أقدام اليهود
كأنك سيد الأموال طراً
آله المال رفقاً بالعبيد
متى تجتاحك الأزمات حتى
نرى المخفوض يوماً في صعود
كأنك وحدك الذهب المصفى
وغيرك من رغامٍ أو حديد
وقال:
أرقصٌ في نواديكم وبسط
وحذلقةٌ، وتهريجٌ، و(نطٌ)
فكم في المهرجان رأيت عيَّاً
بفضل (فلوسه) أمسى (أرسطو)
يصول على منابركم خطيباً
يحيِّيه من البلداء رهط
وقال:
ذكرتك بعد ما ولَّى شبابي
وودعت التمرّد في التصابي
فما خفض انخفاضك لي جناحاً
ولم ترفعه ناطحة السحاب
أفاخر في أثاثك وهوقشٌ
وأهزأ بالأرائك والزرابي
وقال:
عجبتُ لطغمة من آل جنسي
لها رقصاتها في كل عرس
تحضُّ على السخاء وتدّعيه
وتأبى أن تجود بنصف فلس
أبوها حين تفخرُ حاتميّ
وفي ساح التبجُّح كابن عبس
تضنُ بدرهمٍ من أجل عانٍ
وتُرهن دورها من أجل كرسي
وقال:
سكارى، والعدو الوغد ضاحي
أفي هذا التردّد من صلاح
قرارتٌ تسطرُ كل يوم
على ورق تسطِر أو رياح؟
كأن طلاسما في الليل خطت
لوحدتهم لتمحى في الصباح
لكل عبارة كتبت بدمع
عهوداً للعروبة ـ ألف ماح
وقال:
أعبَّاد الدراهم كم عبدتم
آله المال دون اللَّه جهراً
لقد صليتمو للمال دهراً
فهل صليتمو للَّه شهراً؟
فلو أن الجبال الشُّمّ أمست
بأيديكم ـ بإذن اللّه ـ درا
لما شبعت نفوسكمو وقلتم
الهي صيّرْ الأبحار تبراً
عُمان
ـ 1 ـ
تقع على الخليج المسمى باسمها المنطلق من المحيط الهندي على مدخل الخليج الفارسي شرق شبه الجزيرة العربية، وهي محاطة من ثلاث جهات بشواطىء على امتداد 1700 كلم من حدود رأس الخيمة إلى قرب رأس مُسَنْترم على الخليج الفارسي إلى خليج عُمان عبر مضيق هرمز وبحر العرب وصولاً إلى حدود اليمن. وقد انقسمت سنة 1913 إلى إمامة عمان وسلطنة مسقط، ثم ألغي الآن هذا التقسيم وأصبحت تعرف باسم سلطنة عمان. وهي بلاد واسعة مترامية الأطراف تبلغ مساحتها 320 ألف كيلومتر مربع. وبعضهم يقول إن مساحتها أكبر من ذلك بكثير. ويبلغ عدد نفوسها مليوني نسمة تقريباً، وينتسب السكان إلى قبائل مختلفة يبلغ عددها 200 قبيلة رئيسية وعدد لا يحصى من القبائل الثانوية وعملهم الأساسي هو الزراعة. وخاصة زراعة النخيل والليمون الحامض والموز بأسلوب بدائي لم يتطور منذ أجيال عديدة…
أمّا الصناعة فلم تعرف طريقها إلى عمان بعد.. فتراهم يستوردون كل شيء من الخارج…
وعُمان هو اسم السلطنة بأكملها، ولا توجد مدينة بهذا الاسم… وعاصمة عمان هي مدينة مسقط منذ عام 1784 م فقط… أمّا قبل هذا التاريخ فكانت العواصم العمانية تنتقل بين مدن صحار ونزوى والرستاق.
ومسقط مدينة ساحلية تحيط بها سلسلة جبال عمان الجرداء، من الشمال والجنوب والغرب… وهي لا تكتفي بإحاطتها من ثلاث جهات وإنما تندفع الجبال وسط البحر على شكل فكين صخريين هائلين، أقام البرتغاليون عليهما قلعتين ضخمتين ما زالتا تستعملان إلى الآن رغم مضي نحو 500 سنة على بنائهما. القلعة الأولى واسمها «الجيلالي» حولوها إلى سجن رهيب. والقلعة الثانية «الميراني» أصبحت ثكنة لقوات الجيش العماني.
وبين هذين الفكين الكبيرين تمتد مباني مدينة مسقط.
وفي مسقط خليط من السكان الهنود مؤلف من فئتين رئيسيتين: الأول الهندوس ويطلق عليهم العمانيون لقب «البانيان»، والأخرى كاثوليك غوا، المقاطعة البرتغالية السابقة في الهند. إلى جانب عدد من الباكستانيين والبلوش والإيرانيين والهندوس يتعاطون التجارة إلى درجة الاحتكار. والكاثوليك هم طبقة الكتبة والخدم والطهاة. وفي مسقط معبد للهندوس هو الوحيد في كل الجزيرة
العربية. ويقدر عدد سكان مسقط بخمسة آلاف نسمة، منهم 30 في المئة فقط من العرب، يسكنون داخل السور القديم. أمّا الهنود والجاليات الأخرى فمعظمهم يسكن خارج السور. وترتفع نسبة الهنود في مطرح، العاصمة التجارية التي تبعد حوالي ستة كيلومترات عن مسقط، ويبرز نفوذ الهنود التجاري فيها. وبرغم هذا الخليط ـ الذي يكاد أن يكون سمة عامة في الخليج ـ فقد ظل التفوق للعنصر العربي، وظلت الثقافة العربية هي الثقافة السائدة. والإباضية هي المذهب الرسمي للدولة وجميع الأحكام تجري وفق هذا المذهب. هذا مع وجود السنة والشيعة في السلطنة. ويوجد الشيعة في مسقط وأكثرهم عرب ويوجد فيهم من هم من أصل إيراني وأكثر العرب فيها هم ممن نزح أجدادهم إليها من البحرين. ويوجد الشيعة كذلك في (مطرح) وأغلبهم فيها من أصل هندي. كما يوجدون في المنطقة الساحلية التي تسمي الباطنة وجمهورهم من العرب وفيهم من هم من أصل إيراني. وأكثر وجودهم في الباطنة هو في صحار. ويوجدون في كل من صحم والكابورة والسويق ومصنعة وبركة.
عُمان
ـ 2 ـ
لقد اكتسبت عُمان أهمية خاصة كمركز من مراكز الاستيطان وشهدت نشاطات قبلية هامة قبيل الإسلام وفي صدره. والواقع فإن تاريخ عُمان يتضح في ظل نفوذ قبائل الأزد اليمانية وآل الجلندي بن المشتقر منهم بصفة خاصة، فهؤلاء هم الذين صنعوا تاريخها.
إن أهمية الخليج والسواحل المحيطة به زادت بعد أن انتقل مركز الدولة في العهد العباسي من الشام إلى العراق. ولم يكن هذا الانتقال اعتباطاً، فقد كانت كل البوادر تشير إلى انتقال الأهمية التجارية من البحر المتوسط إلى الخليج والطرق البرية الواصلة إليه والمتفرعة منه. كما وأن العصر شهد ازدهاراً زراعياً في بلاد العراق والأقاليم الشرقية في الوقت الذي اضمحلت الأقاليم الغربية من الناحية الاقتصادية([105]) إن هذه الظاهرة بالذات هي التي دفعت بالدرجة الأولى الدولة العباسية إلى الاهتمام بالخليج بسواحله الشرقية والغربية لتأمين طرق التجارة وضمان سيطرة الدولة وبسط نفوذها على هذه المناطق.
ثم إن موقع عُمان الجغرافي التجاري وعذوبة مياهها كانا عاملين مهمين آخرين في توجيه تاريخها وازدهار اقتصادها. يقول ابن الفقيه الهمداني:
«إن أكثر السفن الصينية تُحمَّل من البصرة وعُمان وتعبأ بسيراف وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر وقلة الماء في مواضع منه فإذا عبر المتاع استعذبوا الماء إلى موضع منها يقال له مسقط وهو آخر عُمان…»([106]).
لا زال تاريخ عُمان، الوسيط منه والحديث على حد سواء، غير مكتوب فلم يكتب المؤرخون عن هذا التاريخ إلاّ في النادر، وربما كان ذلك يعود إلى جملة أسباب تذكر منها: عدم توفر مادة تاريخية أو وثائقية كافية، فلم يكن هذا الإقليم من الأقاليم المحظوظة بوجود مؤرخين قديرين من أبنائها كتبوا تاريخها وخلّدوه للأجيال عبر القرون. على أننا نستدرك فنقول بأن تاريخ عُمان ربما كتب ولم يصل إلاّ القليل منه إلى أيدينا حتى القرن الثامن عشر الميلادي حيث نجد أول كتاب متكامل نسبياً في التاريخ المحلي لعُمان([107]).
مشهد من عمان
إن كتب التاريخ العربي والإسلامي الحولية العامة كتاريخ الطبري واليعقوبي وابن الأثير وغيرهم تظهر اهتماماً بالأقاليم المركزية ولا تكترث كثيراً بمجريات الأحداث السياسية والتقلّبات الاجتماعية في الأطراف البعيدة من الدولة. ولا يتكلم المؤرخون العرب المسلمون عن عُمان مثلاً إلاّ حينما تعم فيها ثورة عارمة تهز الدولة وتؤثر على السلطة المركزية وهنا أيضاً لا يتعدّى هذا الكلام إلاّ أسطراً أو فقرات مقتضبة.
وهنا لا بد لنا أن نلاحظ بأن مؤرخي العرب والإسلام اهتموا بغربي الجزيرة العربية وأهملوا شرقيها. ولذلك فإن أخبارنا عن الحجاز واليمن أكثر نسبياً من أخبارنا عن البحرين واليمامة وعُمان. وسبب ذلك واضح يعود إلى عوامل دينية وحضارية وسياسية لا مجال للتفصيل فيه هنا.
أمّا كتب الجغرافيا والأدب فتقدم لنا معلومات مقتضية وقصيرة ولكنها ذات دلالات كبيرة أحياناً حول المظاهر الاقتصادية (التجارية منها خاصة) والاجتماعية وأخص منهم بالذكر ابن حوقل والإصطخري والهمداني وابن خرداذبه. وللجاحظ ملاحظات كثيرة في كتبه المتنوعة. كما أن اثنين من مؤلفاته تشير إلى التجارة في الخليج وهما التبصر بالتجارة ورسالة في مدح التجار…
الدكتور فاروق عمر فوزي
من تاريخ عُمان
يُعد نجاح البرتغاليين في الوصول إلى الهند بداية الاستعمار الأوروبي لشعوب الشرق في العصر الحديث. وقد وصل البرتغاليون إلى بحار الشرق في أعقاب حركة الاستكشافات البحرية الكبرى التي استهلها الأمير هنري الملاّح وما تبعها من عمليات استكشافية على سواحل غرب القارة الإفريقية تمكن من خلالها بارتلميو دياز من الوصول إلى أقصى الطرف الجنوبي للقارة الإفريقية عند منطقة الرأس، ونظراً للعواصف الشديدة التي تعرض لها والتي لم تمكنه من اجتيازها فقد أسماها برأس العواصف Cape of tembests. ولكن ملك البرتغال رأى تسميتها برأس الرجاء الصالح Cape of good hope تفاؤلاً بإمكان عبورها، ونجحت بعثة فاسكو دي گاما Vasco de gama في السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر في اجتياز المنطقة والوصول إلى الساحل الشرقي لإفريقيا، ومن ثم اتخذت البعثة طريقها إلى الهند وما كاد البرتغاليون يصلون إلى تحقيق هدفهم في الوصول إلى الهند حتى وضحت سياستهم الاحتكارية العنيفة وما اصطبغت به من أساليب قاسية وتعصب ديني بالغ ضد المسلمين بما تضمنه ذلك من إشعال حروب عنيفة وحرق السفن وإغراقها وتعذيب بحارتها ممن تسول لهم أنفسهم خرق سياسة الاحتكار التي فرضوها على تعاملهم مع الهند وتحويل تجارة الشرق إلى الطريق البحري المباشر «طريق رأس الرجاء الصالح».
وكانت النتيجة السريعة لهذا الانقلاب التجاري ثورة في تجارة أوروبا ومجداً عظيماً للبرتغال حتى أصبح ملوكها يطلقون على أنفسهم «سادة الفتح والملاحة والتجارة في الهند والحبشة وجزيرة العرب وفارس»، وسرعان ما صدق البابا على هذا اللقب. ولكن النتائج التي ترتبت على اكتشاف ذلك الطريق البحري بالنسبة للشعوب الإسلامية كان لها تأثيرها الخطير في التدهور الاقتصادي الذي حدث في أعقاب ذلك التحول، وانعكس هذا التدهور على منطقة الخليج التي كانت تعيش عصراً ذهبياً تجارياً طيلة ازدهار الملاحة الإسلامية في المحيط الهندي منذ القرن السابع حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي إذ كان الخليج الفارسي من الطرق البحرية الهامة التي كانت تصل بها تجارة الشرق إلى أوروبا.
بدأ البرتغاليون سيادتهم على بحار الشرق بالتصدي للقوى الإسلامية في معركة ديو البحرية الشهيرة (1509 م). والواقع أن هذه المعركة نقلت السيطرة الإسلامية والعربية على تجارة المحيط الهندي إلى أيدي البرتغاليين الذين لم يكتفوا بذلك بل اتجهوا في الوقت نفسه إلى السيطرة على سواحل الخليج والبحر الأحمر لخنق اقتصاديات العالم العربي والإسلامي التي كانت تعتمد في الدرجة الأولى على هذه الطرق تمهيداً للسيطرة عليها، وهو أمل كان يراود البرتغاليين في هذه الفترة انتقاماً من المسلمين الذين احتلوا أراضيهم. والأساليب العنيفة التي اتبعها البرتغاليون في سيطرتهم على بحار الشرق أعادت إلى الأذهان ذكرى الحروب الصليبية.
وبرز من القادة البرتغاليين في المراحل الأولى من الاستعمار البرتغالي فرانسيسكو دي ألميدا وأفونسو دي البوكيرك Offonso de albuguergues الذي تمّ تعيينه في عام 1506 حاكماً للمستعمرات البرتغالية في الشرق ونائباً لملك البرتغال في الهند. وكان اهتمامه منصباً على احتلال قواعد بحرية غربي الهند لتأمين الأمبراطورية البرتغالية ولذلك شهدت سواحل الخليج جانباً كبيراً من عملياته العسكرية التي تميزت بالقسوة وأبشع أنواع التعذيب. وقد بدأ عملياته هذه بالسيطرة على شبه جزيرة هرمز الواقعة عند مدخل الخليج إذ اعتبرها البرتغاليون مفتاحاً للسيطرة على الهند وأن من يمتلكها يمتلك كنوز العالم، ومن هرمز واصل عملياته للسيطرة على الساحل العُماني فوصل إلى قلهات واحتل كلاًّ من قريات وخورفكان ومسقط وصحار.
وقد استمرت السيطرة البرتغالية على القواعد البحرية التي أقاموها في الخليج نحو قرن ونصف قرن وفي خلال ذلك تعرضت الأمبراطورية البرتغالية لعوامل كثيرة من الضعف كان من أهمها قصور البرتغال ـ وهي دولة صغيرة محدودة الإمكانات من ناحية المساحة والسكان ـ عن الاحتفاظ بسيطرة احتكارية على منطقة واسعة كالمحيط الهندي يضاف إلى ذلك أن البرتغال نفسها لم تلبث أن أضحت مجرد مقاطعة من المقاطعات الإسبانية نحو ستين عاماً (1580 ـ 1640) أهملت في خلالها الأمبراطورية البرتغالية في الشرق وتركز الاهتمام على المستعمرات الإسبانية في العالم الجديد، كما ظهرت في خلال هذه الفترة قوى أوروبية جديدة على مسرح التجارة الشرقية تربّصت بالبرتغاليين وطمعت في وراثتهم وكان من أبرز هذه القوى إنجلترا التي تألق نجمها البحري بفضل الانتصار الذي أحرزه أسطولها على الأرمادا Armada الإسبانية في عام 1588 ونجاح نفر من تجارها في تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية في عام 1600. كما تعرض البرتغاليون أيضاً لمنافسة الهولنديين الذين أسرعوا ـ بعد تخلصهم من الحكم الإسباني في عام 1588 ـ إلى توجيه نشاطهم صوب تجارة الشرق وأسسوا من أجل ذلك شركة الهند الشرقية الهولندية. وجعلوا من بتافيا ـ في جزر الهند الشرقية ـ مركزاً لها.
وإذا كانت هذه هي أهم الأسباب التي تركز عليها الكثير من المصادر الأوروبية في تفسيرها لعوامل انهيار الأمبراطورية البرتغالية في الشرق فإن ما يلاحظ أن هذه المصادر أهملت عاملاً هاماً كان له في اعتقادنا في إقصاء البرتغاليين عن الكثير من قواعدهم وحسر نفوذهم من منطقة الخليج وهذا العامل هو الدور الهام الذي قام به يعاربة عُمان في الإطاحة بالنفوذ البرتغالي من الخليج والمحيط الهندي. وهذا الدور ما يزال يحتاج من المؤرخين العرب إلى مزيد من البحث عنه وإجلاء الكثير من معالمه خاصة لما قصدته معظم هذه المصادر ـ التي كتبت غالبيتها بوجهة نظر استعمارية ـ من تشويه الحقائق والتقليل من أهمية المواجهة العربية بل إلصاق الكثير من التهم بها والتأكيد على وصفها بأنها مقاومة غير مشروعة وأنها ليست إلاّ أسلوباً من أساليب السلب والقرصنة وتصوير القوى الاستعمارية الغازية بأنها رافعة رايات أمن وسلام. وليس من شك في أن اليعاربة قد استفادوا فائدة كبيرة من التصدّع الذي طرأ على الأمبراطورية البرتغالية نتيجة للأسباب التي ذكرناها. ففي عام 1622 نجح الإنجليز في إسقاط قلعة البرتغاليين في هرمز ومن الثابت مساعدة عرب الخليج للفرس والإنجليز في إسقاط تلك القاعدة البرتغالية الهامة. وكان سقوط تلك القلعة الحصينة إيذاناً ببداية مرحلة جديدة من مراحل التدهور الذي وصلت إليه الأمبراطورية البرتغالية في منطقة الخليج إذ لم يبق للبرتغاليين إلاّ عدّة مراكز بحرية متناثرة على الساحل العُماني باستثناء قاعدة مسقط وهي القاعدة الهامة الوحيدة التي بقيت لهم في منطقة الخليج ولذلك كان من الطبيعي أن يركز البرتغاليون اهتمامهم عليها بعد سقوط معقلهم الحصين في جزيرة هرمز. على أن البرتغاليين وإن تشبثوا بالبقاء في مسقط قرابة ثلاثين عاماً، بعد فقدانهم هرمز فإنهم مع ذلك لم يستطيعوا استرجاع مكانتهم الأولى.
وكانت النتيجة التي ترتبت على انهيار النفوذ البرتغالي في الخليج هو عودة القوى العربية للتجمع من جديد، إذ بادرت عُمان بإعلان استقلالها عن مملكة هرمز التي كانت تابعة للبرتغاليين، وأخذ الملاحون العرب يثبتون وجودهم بصورة متزايدة مع انحسار النفوذ البرتغالي وانفسح المجال أمامهم لاستعادة قدر كبير مما كانوا قد فقدوه من نشاط تجاري. وفي ذلك الوقت نمت القوة العُمانية البحرية وقد بلغ نشاط اليعاربة البحري درجة كبيرة من الخطورة مما حدا بالأوروبيين إلى وصف عرب عُمان بالقسوة والشراسة متجاهلين ما ارتكبه البرتغاليون في بحار الشرق من أعمال شاذة غير إنسانية.
استطاع ناصر بن مرشد من أسرة اليعاربة الوصول سنة 1623 إلى إمامة عُمان على المذهب الإباضي. وهو المذهب الذي ينتمي إليه معظم سكان عُمان لا سيما المقاطعات الداخلية. وقد وضعه نجاحه في الوصول إلى الحكم موضع التحدي ضد البرتغاليين الذين نظروا إلى شعبيته باستياء بالغ. وقد بدأ صراعه ضد البرتغاليين بتحرير صحار في عام 1643 ونجح في القضاء على الحامية البرتغالية الموجودة بها، ثم تبع ذلك في عام 1648 بحصاره للقاعدة البرتغالية الحصينة في مسقط وأرغم العُمانيون البرتغاليين على طلب الصلح والرضوخ لشروطهم التي قيدت سلطتهم تقييداً شديداً. ويستنتج من شروط الصلح مدى القوة التي وصل إليها العُمانيون فقد أصرّوا على أن يهدم البرتغاليون القلاع العسكرية في كل من مطرح وصور وسمد وقريات وتسويتها بالأرض! وأن تمر السفن العُمانية إلى البحر دون تفتيش وأن تكون التجارة حرة طليقة في الخليج والمحيط الهندي لمختلف الأجناس وأن يكف البرتغاليون عن الإتيان بأية حركات عدوانية ضد عرب الخليج، وأن يدفعوا جزية سنوية نظير إبقاء قاعدتهم في مسقط.
وعلى الرغم من أن البرتغاليين قبلوا هذه الشروط إلاّ أن ملك البرتغال حينما علم بها أصدر أوامره بإعلان الحرب على العرب معتبراً تلك الشروط إهانة شخصية له فنشب القتال مرة أخرى مركزاً على القاعدة البرتغالية في مسقط وهرب القائد البرتغالي تاركاً أسطوله الضخم تحت رحمة الهجمات العربية القوية التي انهالت عليه من كل جانب وذلك قبل أن تصل النجدات البرتغالية من «غوا» Goa وهي القاعدة الأم التي كان يرتكز عليها الاستعمار البرتغالي في الهند.
وقدر خلفاء ناصر بن مرشد طبيعة الحرب بينهم وبين البرتغاليين وهي حرب بحرية في الدرجة الأولى ومن ثم كان توجيه عنايتهم الفائقة إلى إنعاش البحرية العُمانية. وبرز في هذه الفترة سلطان بن سيف 1649 ـ 1668 الذي خلف ناصر بن مرشد وتمكّن من انتزاع مطرح والقضاء على القاعدة البرتغالية في مسقط قضاء مبرماً (1651 م). وهكذا تم طرد البرتغاليين من القاعدة الأخيرة التي كانت لهم في الخليج فقد أرغموا على التسليم الكامل لحصونهم التي لا تقهر ـ كما كانوا يسمونها ـ بعد احتلال دام مائة وأربعة وأربعين عاماً وذلك بفضل استجابة القبائل العربية لدعوة الإمام إلى الجهاد الديني. وأعيد بناء استحكامات مسقط لتكون قاعدة للعُمانيين.
ولقد كان للعدوان البرتغالي وما صحبه من تحطيم الاقتصاد الوطني وانتزاع المراكز والأسواق أثره البالغ في نفوس اليعاربة الذين قويت آمالهم وأنعش انتصارهم الرغبة في مواصلة حرب بحرية هجومية ضد البرتغاليين إذ كانت عملية إجلائهم عن مسقط إحدى الأعمال البطولية التي صاحبت نمو القوة العُمانية الذاتية وهي قوة استطاعت أن تحقق مركزاً تجارياً وملاحياً عظيماً إذ أصبح اليعاربة من القوة بحيث إنهم لم يكتفوا ـ بعد استعادتهم مسقط ـ بطرد البرتغاليين من البلاد بل أخذوا في العمل على توسيع نفوذهم السياسي والاقتصادي إلى ما وراء البحار وعلى تعقّب البرتغاليين في قواعدهم الأخرى في سواحل الهند وسواحل شرق إفريقيا. ففي عام 1655 قاموا بالهجوم على ديو وكأنهم بذلك يردون الصفعة للبرتغاليين كما امتدّت عملياتهم البحرية إلى ساحل كجرات.
وظهرت قمة التفوق البحري لليعاربة في عهد سيف بن سلطان (1670 ـ 1711) الذي استطاع بفضل بنائه لأسطول قوي أن يحقق الوحدة لمعظم سواحل الخليج. وقام اليعاربة بزعامة سيف بن سلطان في عام 1694 بشن غارة بحرية على ميناء كنج واستطاعوا إلحاق خسائر فادحة به، كما نجحوا في تحطيم الوكالات البرتغالية الموجودة في مانجالور وبارسالور على مقربة من بومباي. وحفظت لنا بعض المصادر المحلية عدة مراسلات تبودلت بين سيف والبرتغاليين وهي تتضمن الكثير من أنواع التحدي والعنف.
كما امتدّت عمليات التحرير العربية إلى سواحل شرق أفريقيا حينما استنجد العرب المقيمون فيها بالقوة البحرية الصاعدة في عُمان وأرسلوا من أجل ذلك وفوداً يطلبون مساعدة اليعاربة لهم في تحرير شواطئهم اقتداءً بما حققوه من نجاح في تحرير سواحل الخليج. واستجاب العُمانيون لإخوانهم إذ معظم العرب المقيمين في شرق إفريقيا كانوا أساساً من عرب الخليج والجزيرة العربية وظهر أن المراكز الاستيطانية التي أقامها العرب على الساحل الشرقي من إفريقية بين رأس جردفون شمالاً وخليج دلجادور جنوباً ـ كانت تنظر إلى عُمان باعتبارها الدولة الأم. وحول نهاية القرن السابع عشر الميلادي كان نجاح اليعاربة واضحاً في تخليص ساحل إفريقية الشرقي من النفوذ البرتغالي إذ يحدد عام 1698 تلك الملحمة العنيفة والرائعة في آن واحد، التي تمكّن فيها اليعاربة من إسقاط قلعة المسيح في ممبسة وكانت واحدة من أهم المعاقل التي بناها البرتغاليون في بحار الشرق. ففي عام 1696 أرسل اليعاربة أسطولاً ضخماً ضم ما يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل فاحتلوا ممبسة بعد أن حاصروها لفترة طويلة بلغت ثلاث وثلاثين شهراً هلك في أثنائها البرتغاليون مرضاً وجوعاً.
وكانت موزمبيق هي القاعدة الوحيدة التي قاومت أسطول اليعاربة بل كان من المتوقع أن ينجح العُمانيون في السيطرة عليها وبالفعل وصل أسطول اليعاربة على مقربة منها ولكنه لم ينجح في الاستيلاء عليها لما عمد إليه البرتغاليون من تفجير لغم كبير كما تؤكد ذلك إحدى الروايات المحلية. وقد حفظ لنا المؤرخ العُماني حميد الدين السالمي في كتابه «تحفة الأعيان بسيرة آل عُمان» شيئاً من أعمال سيف بن سلطان وجهاده ضد البرتغاليين.
وهكذا أخذت البحرية العُمانية في التألق من جديد كما أن اليعاربة بعد نجاحهم في طرد البرتغاليين من الخليج وسواحل شرق إفريقيا وتعقبهم في سواحل الهند ـ أصبحوا قوة بحرية لا يستهان بها وأصبح أسطولهم الملاحي يعاود السيادة العربية على بحار الشرق. وتؤكد تقارير الرحالة المعاصرين لتلك الفترة أن الأسطول العُماني أصبح في الواقع أضخم قوة بحرية محلية في المحيط الهندي. وكان مما ساعد على ازدهار القوة البحرية نجاح أئمة عُمان في ضمان الأخشاب اللازمة لبناء سفنهم بعقد اتفاقيات مع بعض حكام المقاطعات الهندية كما أخذوا يتخلون تدريجياً عن السفن التقليدية واستخدموا سفناً كبيرة الحجم على الطراز الأوروبي وما إن بدأ القرن الثامن عشر حتى كان اليعاربة يحكمون دولة يمتد نفوذها إلى مشارف وادي الأندلس في الشرق كما كان نفوذها الاقتصادي يمتد وراء شواطىء الخليج. أمّا الجبهة الغربية فقد وصل نفوذهم فيها إلى سواحل شرقي إفريقيا وتعداها إلى البحيرات الوسطى في داخل القارة الإفريقية وعلى الرغم من ظهور دول أوروبية كثيرة حلت محل البرتغاليين في بحار الشرق فإن هذه الدول كانت مشغولة في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في توطيد نفوذها في شبه القارة الهندية مما هيأ لعُمان الفرصة للمناورات السياسية والطموح في إنشاء أمبراطورية لها. ولعل ذلك مما وضعها أخيراً موضع التحدي أمام الدول الاستعمارية التي استفادت من القوة البحرية العُمانية في التخلص من منافسة البرتغاليين لكنها سرعان ما أدركت الأخطار التي يمكن أن تهددها من جراء وجود العُمانيين فبدأت في توجيه ضرباتها المتتالية إليهم كما أنها لإضعاف نفوذهم أقامت فيما بينها محالفات بحرية لتوحيد جهودها على الرغم مما كان يقوم بينها من منافسات.
ولكن العامل الهام الذي كان له أثره في تفويض القوة العُمانية هو التفكك الداخلي الذي أخذت تعاني منه أسرة اليعاربة مما هيأ الفرصة للقوى الخارجية كي تقوضها ولما كان اليعاربة قد فشلوا في تسوية ما نشب من خلافات بين القيم الدينية التي كانوا يمثلونها باعتبارهم أئمة على المذهب الإباضي وبعد متطلبات مجتمع تجاري وسياسي علماني فقد انهار حكمهم وتهيأت الظروف لأسرة جديدة وهي أسرة بو سعيد ـ التي لا تزال تحكم في عُمان حتى وقتنا الحاضر ـ أن تعيد المحاولة لاسترجاع وحدة البلاد السياسية وما ضاع من نفوذها ولكن هذه الأسرة الجديدة لم تلبث أن اصطدمت أيضاً بالاستعمار البريطاني الذي أخذ يقوى نفوذه في المنطقة منذ السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي.
جمال زكريا قاسم
الإباضيون في عُمان
بتوالي الضربات على الخوارج أخذوا بالابتعاد عن مراكز السلطة وتجميع أمورهم في مناطق نائية لا تقوى السلطات فيها على استئصالهم، وكانت العقيدة الإباضية هي التي بقي لها النفوذ فيهم، فعملوا على التخلص من الاسم القديم (الخوارج) واستمسكوا بالاسم (الإباضي)، فقامت لهم الدولة الرستمية في شمال إفريقيا، وتجمع من تجمع منهم في أقصى الجنوب الشرقي لجزيرة العرب، على مقربة من الربع الخالي ورمال الأحقاف.
ثم أجمعوا أمرهم بعدها (لأي؟) على أن يقيموا إمامتهم وينشئوا دولتهم فاختاروا سنة 135 جلندي بن مسعود بن جيفر الأزدي إماماً لهم، فكان أول إمام يتولى زمام الإباضيين في ذلك الصفع العربي البعيد (عُمان).
ولم تقتصر إمامته على إباضيي (عُمان)، بل إن من بقي من إباضيي الشمال الإفريقي كانوا يعدون أنفسهم من أتباع هذه الإمامة الإباضية التي ابتدأت سنة 135 ـ كما قلنا ـ ثم استمرت مع الزمن.
وبعد مقتل جلندي الذي استمرت إمامته سنتين وشهراً اختير مكانه محمد بن أبي عفان الأزدي الذي نشأ في العراق ثم استدعوه إلى عُمان سنة 177 وبايعوه إماماً، ثم خلعوه سنة 185 واستبدلوا به الوارث بن كعب الخروصي اليحمدي. وجاء بعد اليحمدي غسان بن عبد الله الفجحي، ثم عبد الملك بن مالك الأزدي ثم راشد بن النضر، ثم عز الدين بن تميم الخروصي الذي قتل سنة 220. ثم قامت الفتن بينهم حتى أنهم عقدوا في عام واحد ست عشرة بيعة لم يفوا بواحدة ثم تسلط عليهم غيرهم بقوة السلاح. وانتهت الإمامة بعد مائة سنة وثلاث وستين سنة.
في وسنة 317 تغلب القرامطة على عُمان وظلت في يدهم حتى سنة 375، ثم ضمها البويهيون إلى ملكهم. ثم حكمهم آل مكرم من منتصف القرن السادس حتى أوائل القرن التاسع.
وفي العام 832 عادت الإمامة الإباضية لمحاولة البروز ولكن بضعف. وفي سنة 1024 بعد الغزو البرتغالي عادت الإمامة إلى اليعاربة بشيء من القوة، وتولاها اثنا عشر إماماً أولهم ناصر بن المرشد وآخرهم بلعرب بن حمير سنة 1151. ومنهم انتقلت إلى آل (أبو سعيد) بعد مبايعة أحمد بن سعيد سنة 1167 وهو مؤسس الأسرة البوسعيدية التي لا تزال تحكم في عُمان.
وكان عزان بن قيس آخر من تولى الإمامة من هذه الأسرة وكان قد بويع بها سنة 1285. وقد قامت الحروب بينه وبين سلاطين مسقط من أسرته نفسها حتى قتل في معركة دارت بينه وبين ابن عمه (ثويني) حاكم مسقط على أسوار مطرح.
وخلا منصب الإمامة حتى سنة 1331 هـ/ 1913 م حيث تقلده سالم بن راشد الخزرجي، ثم خلفه محمد بن عبد الله الخليلي سنة 1338 ثم غالب بن علي الهنائي الذي قام النزاع بينه وبين سلطان مسقط وبه انتهى عهد الإمامة المنفصلة.
أول اتفاق إنكليزي خليجي
حاول الأتراك بعد استيلائهم على البلاد العربية أن يضموا عُمان إلى ما استولوا عليه، ولكن ذلك أعياهم، واستطاعوا سنة 1581 احتلال مسقط ولكنهم لم يلبثوا أن أخرجوا منها، وكانت هذه آخر محاولاتهم.
وعندما احتل نابليون مصر أرسل رسولاً إلى سلطان عُمان يحمل كتاباً هذا نصه: «أكتب إليكم هذا الكتاب لأبلغكم، مما لا شك أنكم علمتموه وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر. ولما كنتم أصدقاء لنا فعليكم أن تقتنعوا برغبتي في حماية جميع سفن دولتكم، وعليكم أن ترسلوها إلى السويس حيث تجد حماية لتجارتها».
وكان الكتاب مؤرخاً في 22 كانون الثاني سنة 1799.
ويبدو أن غاية نابليون من الاتصال بالسلطان كانت أبعد من مجرد إبلاغه خبر وصوله إلى مصر وتطمينه على السفن العُمانية التي يراد إرسالها إلى السويس.
بل إن الغاية كانت اتخاذ السلطان وسيلة للاتصال بالمناضل الهندي (تيبو) الذي كان يقاتل الإنكليز دفاعاً عن بلاده واستقلالها، وكان من أحلام نابليون الوصول إلى الهند، لذلك أراد تشجيع تيبو على محاربة الإنكليز العدو المشترك، ثم التمهيد للنزول في الهند.
ولم يكن اتصال نابليون بتيبو سهلاً، لذلك اختار نابليون سلطان عُمان ليكون طريق الاتصال، فأرسل مع رسالته إلى السلطان رسالة إلى تيبو يحرضه على الاستمرار في قتال الإنكليز حتى وصوله إلى الهند.
وكانت عيون الإنكليز المبثوثة في كل مكان قد علمت بأمر المحاولة الفرنسية إحكام العلاقة مع سلطان عُمان، فأرسل الإنكليز في الحال مندوباً هندياً مسلماً هو مهدي علي خان إلى مسقط فوصلها يوم 2 تشرين الأول سنة 1799 فزار السلطان أحمد وفاوضه في الأمر وبذل له باسم الإنكليز وعوداً مغرية أثمرت عقد اتفاق بتاريخ الرابع من أكتوبر يتضمن:
1 ـ تعترف إنلكترا باستقلال سلطان عُمان.
2 ـ يتعهد السلطان بعدم السماح للإفرنسيين بدخول بلاد.
3 ـ تنشأ صداقة بين البلدين.
وهذا الاتفاق هو أول اتفاق يعقد بين دولة أوروبية وإحدى الإمارات الخليجية.
وكان ما دفعه الإنكليز مبلغ 2820 ربية.
تطورات عُمانية
كانت الحالة في عُمان أواسط القرن الثامن عشر وأواخره، أي حين وصول الإنكليز والسعوديين ـ وقد وصلوا في زمن متقارب ـ مضطربة بسبب الخلاف الشديد الذي شجر بين عرب الشمال وعرب الجنوب، أي بين اليمانية والعدنانية، وقد تسمى الأولون باسم الهناوية والآخرون باسم الغافرية. فقد اختلفوا بعد انقضاء عهد اليعاربة على إمامة سيف بن سلطان بن سيف سنة 1735 إذ أبى الكثيرون الاعتراف بإمامته، فبويع ثانية سنة (1740) فلم تحمد سيرته فأقيل سنة 1748 وجرت بيعة بلعرب بن حمير بن سلطان اليعربي، فلجأ سيف إلى إيران يطلب مساعدتها فاستجابت له وأرسلت معه قوة عسكرية نزلت عليها واستولى على معظم أجزاء الساحل ونهب وقتل وسلب وفعل بأهل نزوى أفعالاً منكرة.
وهنا اقترح بعضهم أن يتنازل بلعرب عن الإمامة ويعيدها إلى سيف، فتنازل، ولكن تنازله لم يجد شيئاً، فبويع سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي، فازدادت النار اشتعالاً، وكثرت المعارك على الساحل.
ثم برز بعد ذلك أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي استطاع السيطرة على الأوضاع فبويع إماماً وهو مؤسس أسرة البوسعيديين الذين لا يزالون يحكمون عُمان حتى اليوم. وقد مات أحمد سنة 1296 هجرية وهو الذي أسس لعُمان أسطولاً بحرياً قوياً. ثم خلفه ولده سعيد، ولم يلبث سعيد هذا أن تنازل لولده أحمد الذي نقل العاصمة من مدينة الرستاق إلى مدينة مسقط.
وفي عهد أحمد وصل إلى مسقط مهدي علي خان رسول الإنكليز كما مرّ. على أن الفتنة وقعت بين العُمانيين لعوامل عديدة، فقامت سلطنة في مسقط ومطرح وبعض مناطق الساحل المجاورة. وقامت إمامة منفصلة في الداخل كله.
وفي سنة 1794 كان السعوديون يمتدون إلى واحة البريمي فحاول سلطان بن أحمد ـ وكان يتولى الحكم في مسقط ـ صدهم فما استطاع. ثم أدّى الأمر إلى أن يزحف سالم الحرق أمير المنطقة السعودي من البريمي إلى الباطنة وكاد يحتل البلاد. وسقط سلطان بن أحمد قتيلاً سنة 1219 هـ وحل محله بدر بن سيف، وكان هذا صديقاً للسعوديين فهدأت الحالة على أنه اغتيل بعد سنتين بيد ابن عمه سعيد بن سلطان الذي حل محله فاضطرب موقف السعوديين في داخلية عُمان وارتدت قواهم التي كانت متمركزة في الباطنة إلى البريمي.
ثم كانت معركة بين جيش سعيد بن سلطان وبين السعوديين في خوزفكان. (رأس الخيمة) وكانت القواسم مع السعوديين، فانهزم جيش سعيد وخضعت مسقط للسعوديين سنة 1223 هـ.
وفي سنة 1226 هـ حينما وصلت الحملة المصرية إلى الحجاز ونجد اضطر السعوديون للانسحاب من البريمي وغيرها لتجميع قواهم في مقاتلة المصريين الزاحفين.
على أنه في سنة 1340 هـ/ 1824 م بعد قيام تركي بن عبد الله بن سعود بأمر السعوديين من جديد اضطر سلطان مسقط سعيد بن سلطان للاتفاق مع السعوديين في شهر المحرم سنة 1249/ 23 أيار 1833 م على ما يأتي:
1 ـ يدفع للسعوديين كل سنة خمسة آلاف ريال.
2 ـ تمتد حدود عُمان إلى جعلان وحدود السعوديين إلى القطيف.
3 ـ يتعهد الفريقان بتبادل المعونة لقمع أية فتنة تقع في أراضي كل منهما.
وحاول فيصل بن تركي سنة 1261 هـ غزو عُمان بجيش قدر عدده بثلاثين ألف مقاتل بقيادة سعيد بن مطلق ولكن ظروفاً دولية حالت دون نجاحه، على أن الأمر تم بأن تدفع مسقط للسعوديين ستة آلاف ريال كل سنة.
ثم تطورت الأمور بعد ذلك فزيد ما يدفعه العُمانيون إلى 112 ألف ريال.
عُمان والإنكليز
كانت مسقط رأس الجسر الذي عبر منه الإنكليز إلى المنطقة العربية من الخليج بل إلى شرق الجزيرة العربية وشمالها، فقد بدؤوا أول ما بدؤوا سنة 1798 بموجب الاتفاق الذي عقد بين مهدي علي خان مندوب الإنكليز في بوشهر وبين السلطان أحمد بن سعيد.
الاتفاقية الأولى: عقدت في 4 تشرين الأول سنة 1798 تضمنت ما يلي:
1 ـ إنشاء مودة وصداقة بين مسقط وبريطانيا.
2 ـ مقاومة النفوذ الفرنسي.
3 ـ عدم السماح للإفرنسيين بالدخول إلى مسقط.
الاتفاقية الثانية: ـ وصل إلى مسقط سنة 1800 بعد بضعة عشر شهراً من توقيع الاتفاقية الأولى الكابتن جون مالكولم واجتمع إلى السلطان في مياه الخليج وأقنعه بتوقيع اتفاقية تقضي بإقامة ممثل سياسي لإنكلترا إلى جانب السلطان.
وكان يرافقه الطبيب الجراح (بوجل) فأبقاه في مسقط فكان أول ممثل رسمي لبريطانيا هناك.
ومن الطريف أن كاتب سيرة الكابتن مالكولم علق على هذا التعيين قائلاً: هناك بابان جانبيان في الشرق لبستان الديبلوماسية البريطانية، أولهما هو التجارة وثانيهما هو الطب، ونحن مدينون في أمبراطوريتنا الهندية لهما بالتأكيد. لقد كان على المستر بوجل أن يدخل إلى جزيرة العرب طبيباً وأن يبقى هناك وكيلاً سياسياً.
الاتفاقية الثالثة: ـ عقدت في أول كانون الثاني 1847 لمنع استيراد الرقيق إلى مسقط من ممتلكاتها في إفريقيا الشرقية.
الاتفاقية الرابعة: ـ عقدت سنة 1847 لأجل مد السلك البرقي من مسقط إلى ألفا ولوصله بالسلك البرقي في العراق.
الاتفاقية الخامسة: ـ أسموها معاهدة صداقة عقدت سنة 1863 وتعهد السلطان بموجبها بأن لا يمنع إصدار أو استيراد أي نوع من أنواع البضائع التجارية ولا يضع رسماً جمركياً إلاّ بعد الاتفاق مع إنكلترا.
الاتفاقية السادسة: ـ عقدت في 20 آذار سنة 1891 ويسمونها الاتفاق السري، وخلاصتها أن فيصل بن تركي بن سعيد سلطان مسقط وعُمان يعد ويتعهد عن نفسه وورثته وخلفائه بعدم التخلي عن ممتلكات مسقط وعُمان أو أي من ملحقاتهما أو بيعها أو رهنها أو السماح بامتلاكها لغير الحكومة البريطانية.الاتفاقية السابعة: ـ عقدت في 31 أيار سنة 1912 (أواخر المحرم 1320) تعهد فيها السلطان بعدم منح أي امتياز في مناطق الفحم بالقرب من صور لأية دولة أو شركة أجنبية على أن تمنح الحكومة البريطانية الفرصة للقيام بهذا العمل بالتضامن مع السلطان نفسه.
الاتفاقية الثامنة: ـ عقدت سنة 1913 تعهد بموجبها السلطان أن يستشير المعتمد البريطاني في جميع الأمور، وبأن لا يعقد مع أي دولة أخرى اتفاقاً إلاّ بعد موافقة الحكومة البريطانية مقدماً، وأن لا يمنح امتيازاً لأحد إلاّ بعد موافقتها.
وفي سنة 1883/ 1300 هـ شبت ثورة على السلطان تركي بن سعيد كان هدفها إبدال السلطان بإمام فأرسل الإنكليز البارجة (فيلوميل) للمساعدة في إنقاذ عرش السلطان.
ولمنع تكرار هذه الأحداث أصدرت الحكومة البريطانية سنة 1886 تصريحاً رسمياً: أعلنت فيه عزمها على تقديم مساعدة فعالة للسلطان تركي في حالة وقوع هجمات على مسقط.
وفي شهر شباط سنة 1895/ شعبان 1312 هـ هاجم رجال القبائل السلطان فيصل بن تركي في عاصمته ففر من القصر ولجأ إلى المعتمدية البريطانية فدرست حكومة الهند جدياً إمكانية ضم مسقط أو إعلان الحماية على عُمان، فأبلغت رؤساء عُمان قرار الحكومة البريطانية: «أنه نظراً إلى المصالح البريطانية الهامة في بلدتي مسقط ومطرح فإنها لن تسمح بأي هجوم على هاتين البلدتين يقوم به الشيوخ مهما كان الخلاف بينهم وبين السلطان).
وعلى أثر صدور هذا التصريح أقام السلطان حفلاً رسمياً كبيراً لإعلان بلاغ الحكومة البريطانية، وطبع إعلاناً بذلك بعد أن وافق على صيغته المعتمد البريطاني السياسي ووزعه على زعماء البلاد.
وقد أرسل الميجر نوكس الوكيل السياسي البريطاني إلى الإمام الخروصي([108]) كتاباً متهماً إياه بمقاومة السلطان فيصل بن تركي ومحذراً إياه بأن الحكومة البريطانية لن تسمح بمهاجمة مسقط أو مطرح فرد عليه الخروصي بالكتاب الآتي:
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي إلى حضرة الميجر نوكس نائب الدولة البهية الإنكليزية.
السلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى. أمّا بعد فقد وصلني كتابكم المؤرخ سادس شعبان من هذا العام وذكرتم فيه ما ذكرتم وأنتم تعلمون أن أمر عُمان عند علمائها من قديم الزمان وأن كل ملك خالف العلماء فهو خليع عند الدولة الإسلامية النبوية منبوذ عن أمر المسلمين لا تصرف له في دولتهم ولا نفاذ لحكمه، وإن فيصلاً قد قامت عليه الحجة مراراً عديدة بعد خلعه وعزله فأبى أن يعتزل وأنه قعد هذه المدة بين الغلبة والقهر، والمسلمون لم يرضوا سلطنته ولا أفعاله. وأنتم معشر هذه الدولة يجب عليكم أن تكفوا عن أمر المسلمين ويلزمكم أن لا تتعدوا علينا ومن تعدى علينا فالله يعيننا عليه وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً وحسبنا الله ونعم الوكيل ومن كان مع الله كان الله معه ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً. وإن ينصركم الله فلا غالب لكم.
حرر في 9 شعبان 1313
بين السلطان والإمام
ضعف شأن الإمامة كثيراً في عُمان بعد الاتفاق الذي عقده سلطان مسقط مع الإنكليز، وبعد أن انفصل الساحل عن الداخل مما كان سبباً في شغور منصب الإمامة.
فتذاكر الشيوخ والرؤساء بالأمر ورأوا إحياء الإمامة وتجديدها، فعقدوا سلسلة اجتماعات انتهت سنة 1285 هـ/ 1886 م أي بعد نحو 88 سنة من وقوع الانشقاق ـ بالاتفاق على مبايعة عزان بن قيس من قبيلة البوسعيد، قبيلة السلاطين نفسها، فقبل البيعة واتخذ مدينة الرستاق إحدى المدن الداخلية عاصمة له. ولم يلبث القتال أن دار في السنة التالية لولايته بينه وبين تركي بن سعيد عم السلطان سالم بن ثويني تحت أسوار مطرح فقتل الإمام عزان وشغر منصب الإمامة بعد مقتله لعدم اتفاق الكلمة على من يخلفه وبقي شاغراً مدة 43 سنة أي حتى سنة 1331/ 1913 ففي هذه السنة تم الاتفاق على مبايعة سالم بن راشد الخزرجي فنادى بالجهاد ورفع راية الثورة لطرد الإنكليز والتخلّص من سلاطين البوسعيديين، بيد أن عهده لم يطل فقد اغتاله أعرابي اسمه سليطن سنة 1333 أي في السنة التالية لإعلان الحرب العالمية الأولى، لأنه أراد إنقاذ حكم صدر عليه فتمت البيعة لمحمد بن عبد الله الخليلي فواصل القتال وتم له الاستيلاء على نزوى وأزكى وسمايل.
وزار اللورد هارودنج نائب الملك في الهند مسقط سنة 1915 وكانت المعارك دائرة بين السلطانيين والإماميين، فنصح السلطان بأن يسالم الإمام ويسعى للاتفاق والتفاهم معه، لأن إنكلترا في شغل شاغل من الحرب، وكان الألمان يومذاك يوالون انتصاراتهم، فالإنكليز عاجزون عن مساعدته وحمايته، فبذلت وساطات للتوفيق تكللت بالنجاح فعقد سنة 1915 اجتماع في جوار مدينة السيب حصره مندوب عن الإمام ومندوب عن السلطان والمعتمد البريطاني في مسقط ولكن الاجتماعات الطويلة انتهت بالفشل.
فاستؤنف القتال في شهر تموز سنة 1916 وانتصر جماعة الإمام فاستولوا على مدينة الرستاق إحدى المدن الرئيسية المطلة على ساحل الباطنة.
ثم استؤنفت المفاوضات وبعد أخذ ورد استمر أربع سنوات وقع الفريقان في 11 المحرم سنة 1339/ 25 أيلول سنة 1920 م على اتفاق وانتقل مقر الإمام إلى مدينة نزوى. وبعد وفاة الإمام الخليلي (1919 ـ 1954) أُختير مكانه سنة 1954 القاضي غالب بن علي الهنائي البالغ من العمر 45 عاماً.
وكان الخلاف على واحة البريمي بين السعوديين ومن ورائهم الأمريكان وبين الإنكليز المسيطرين على أبو ظبي وعُمان ـ كان الخلاف قد ظهر في بداية الثلاثينات من القرن العشرين، مع تزايد الصراعات النفطية الدولية. والواحة مؤلفة من ست قرى تابعة لأبو ظبي وثلاث تابعة لعُمان.
وفي العام 1949بدأت شركة آرامكو Arabian American oil Co. تنقيبهاعن النفط قرب حدود منطقة أبو ظبي مما أثار الخلاف بقوة. وفي تشرين الثاني سنة 1952 أرسل السعوديون مدعومين من آرامكو حاكماً على (حماسة) إحدى قرى البريمي. فأصبحت عُمان مؤيدة من بريطانيا على هذا التدخل الذي اعتبرته مساً بسيادتها. واحتشدت قوات عسكرية وحوصرت حماسة واستمرت الأزمة حتى نهاية العام 1954 وشكلت لجان للتحكيم وفض النزاع فلم تفعل شيئاً. وبقيت واحة البريمي محل خلاف بين عُمان وأبو ظبي من جهة والسعوديين من جهة ثانية. ولم يحل الخلاف إلاّ في الثمانينات.
ومع الدخول في عصر النفط شكلت عُمان المدعومة من الشركات البريطانية من جهة، والسعوديون المدعومون من شركة آرامكو الأميركية من جهة أخرى محوري صراع نفطي. فراهن السعوديون على الإمامة الإباضية للوقوف بوجه السلطنة في مسقط ويقول أحد الباحثين: «وهو الأمر الذي لا يخفى وجه المفارقة فيه. فالسعوديون الوهابيون هم الخصم العقائدي والتاريخي للإمامة الإباضية، إلاّ أن الصراعات النفطية جعلت من السعوديين الحليف الأول للإمامة.
وعندما احتدم الصراع من جديد بين الإمامة والسلطنة، واحتل جماعة السلطان (نزوى) مقر الإمامة، استقر الإمام غالب في الدمام عند السعوديين.
وانتهى أمر الإمامة بانتهاء غالب بن علي على عتبة العام 1965([109]).
مسقط([110])
عاصمة عُمان
زار سائح (مسقط) عاصمة عُمان في أواخر سنة 1988 فكتب عنها ما يلي:
أخذت من العاصمة القديمة اسمها، وتركت لها الموقع والبداية وبعض الآثار التاريخية، بعدما حطمت السور الذي كان يعزلها وسكانها عن داخل عُمان، حيث لم يكن يسمح لهم الاتصال بالآخرين حتى عام 1970 إلاّ بإذن خاص.
العاصمة مدينة تتمدّد في حضن الجبال التي تحيط بها من جهات ثلاث، تاركة لها الجهة الرابعة «الشرق» تعانق منها البحر بمياهه الزرقاء، وهي إن اشتركت مع العاصمة القديمة في النمط الدفاعي التي فرضته الأطماع الخارجية والنزاعات الدّاخلية ـ فأقيمت القلاع والأبراج على قمم مرتفعاتها ـ ولكنها تختلف في الامتداد والاتّساع والتنوع.
فمسقط الحديثة تبدأ من قصر البستان جنوباً، حتى قصر السيب السلطاني شمالاً، وتضمّ بين جنباتها العديد من الضواحي الجديدة التي تنهض على سفوح المرتفعات أو في الأودية: مدينة قابوس، والخوير، والوطية، والوادي الكبير، إلى جانب القرى القديمة التي نمت وتطوّرت مع النمو الحديث الذي تشهده سلطنة عُمان، كقرية «القرم» التي تحولت إلى ضاحية رائعة الجمال بخضرتها الزاهية، وتصميمات مبانيها، وقرية مطرح بأسواقها القديمة، وقلعتها الشهيرة التي فقدت مكانتها القديمة كمركز مالي وتجاري لصالح الحي التجاري الجديد «رُوى» بأسواقها الحديثة، ومبانيه المرتفعة. وتضم العاصمة كذلك المينائين والمنطقة الصناعية في «الرسيل» غرب «السيب» بمصانعها العديدة.
وتمتاز «مسقط» بشبكة طرق، تربط أقصاها بأقصاها، متجاوزة الموانع الطبيعة التي كانت تجعل الحركة بين أجزاء العاصمة صعبة، فالجبال شقت ومُهدت للطرق وعلى الأودية أنشئت الجسور، وزوّدت الطرق المزدوجة الاتجاه بكل الإمكانات التي تجعلها مأمونة الاستخدام، ففيها حواجز على الجانبين، وإشارات ضوئية تساعد على انسياب الحركة، ومسارب مياه الأمطار من المرتفعات إلى الأودية، ولذلك فالحوادث المروريّة في عُمان أقلّ من البلاد الأخرى بسبب انضباط السائقين، والصرامة في تطبيق القانون.
وعلى جوانب الطرق وفي قلب الميادين تنتشر الأشجار والزهور، فتبسط للرؤية منظراً جميلاً. إن شبكة الطرق الحديثة، بالإضافة أنها ربطت أطراف العاصمة، ويسرت الحركة الإنشائية والعمرانية من التمدّد والانتشار، بحيث حوّلت الأراضي المهجورة إلى ضواحٍ تعجّ بحركة الإنسان وحيويته.
ظفار وصلالة
كما تحدث عن ظفار وصلالة فقال: وظفار التي يقال إنها منطقة الأحقاف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، مساحتها ثلث مساحة عُمان (120 ألف كيلومتر) وتقع في الجزء الجنوبي الغربي في سلطنة عُمان، وتحدها من الشرق سهول عُمان الوسطى، ومن الغرب جمهورية اليمن الديمقراطية، ومن الشمال المملكة العربية السعودية (صحراء الربع الخالي) ومن الجنوب بحر العرب، وقبالة ساحلها تقع جزر «كوريا موريا».
ويسودها مناخ معتدل طوال العام، ولا تتعدّى درجة الحرارة 33 درجة مئوية في فصل الصيف، وبها إمكانيات رائعة لصناعة السياحة: الطبيعة الخلاّبة، المناخ المعتدل، الشوطىء الجميلة برمالها الناعمة النظيفة، عيون ومنتزهات رائعة (عين أرزات، عين حمران، عين حرزير، عين صحفوت)، طرق حديثة سهلت الحركة، آثار قديمة مثل آثار مدينة (البليد)، وميناء (سمهرم) الذي اشتهر بتصدير اللبان عند (خور روري)، وبها كذلك قبور الأنبياء هود، وأيوب وصالح.
وفي صلالة ومدينة «طاقة» الواقعة على البحر شرقي”صلالة” لاحظنا وجود كثافة من العمانيين ذوي البشرة الإفريقية السمراء، فأطل علينها التاريخ ليذكّرنا بالأمبراطورية العُمانية في شرق إفريقيا، وزنجيار (المملكة التي كانت).
عُمان التاريخ
وإذا كنا فيما تقدم من القول قد تحدثنا عن عُمان التاريخية غير الموغلة في البعد، فإننا نختم القول عن عُمان بإلمامة تاريخية تربط البعيد البعيد بما بعده.
هناك وجود لمواقع تاريخة في عُمان عاشت فترات ازدهار عبر العصور. فمنذ خمسة آلاف سنة كان النحاس يستخرج من بلاد حجان (وهو الاسم الذي أطلقه السومريون على عُمان) لكي يصدر إلى بلاد سومر. ومدافن بات والعين التي تضم ما يزيد عن 300 مقبرة ظل بعضها على حاله الأصلية وما زال صامداً في مواقعه.
وكانت بعثة للآثار من جامعة هارفارد الأميركية حددت في العام 1973 عشرين موقعاً أثرياً تمتد على مساحة 500 كيلومتر مربع، من بينها مواقع لصهر المعادن ومنشآت أقيمت فوق أطلال المقابر وأرصفة حجرية وتحصينات ومبان مستديرة من الحجر وقنوات للري.
منطقة روي الحي التجاري في مسقط
وقبل ذلك، عثر في محافظة ظفار الحالية في جنوب عُمان على منطقة مميزة. وابتداء من 1952 قامت بعثة «المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان» باستكشاف منطقة خور روري الواقعة إلى الشرق من صلالة. ونشرت بعض النصوص التي أكّدت أن ما تم العثور عليه هي أطلال «سمهرم» الاسم القديم الذي كان يطلق على أحد المراكز المتقدمة في مملكة حضرموت.
و«سمهرم» مدينة تقع في أقصى شرق شبه الجزيرة العربية، أسّسها في القرن الأول قبل الميلاد بعثة أوفدها ملك شبوة لتوفير الرقابة على البخور الذي كان يجمع من الجبال القريبة، ويشكل مورداً رئيسياً للتجارة العُمانية القديمة.
ويقال إن ملكة مصر، حتشبسوت، أرسلت أسطولها حوالي العام 1500 ق.م. إلى بلاد «بونت» التي عنت بالنسبة إلى المصريين القدامى جنوب الجزيرة العربية، وتظهر النقوش المحفورة على جدران معبد دير البحري في مصر المراكب العائدة وهي محملة بالكنوز المختلفة، ومن بينها كمية كبيرة من البخور واللبان العُماني.
وفي القرن الثامن الميلادي، أصبح أبو عبيدة (أحد الملاحين العُمانيين) أول من قام برحلة ذهاباً وإياباً من مسقط إلى كانتون. ويقال إنه في بداية القرن التاسع كان الأسطول العُماني يضم 300 وحدة بحرية.
واكتشفت بعثة تابعة لوزارة التراث القومي كنزاً يتكون من 900 قطعة نقدية في سناو بالقرب من واحة المضيبي، احتوى على عملات من جنوب شرقي إيران. ومن المحتمل أن تكون الإمارة استقلت في حدود العام 840 عن الخلافة العباسية في بغداد ما أدّى إلى استقرار التجارة في ذلك الوقت، ونمو الحركة النقدية في البلاد. وفي بداية القرن العاشر ظهرت للمرة الأولى العملة التي تسمى «عُمان»، وقد تكون صحار المدينة التي كانت العملة تسكّ فيها.
وفي القرن العاشر كانت صحار ومن بعدها مسقط ـ التي حلّت بصورة نهائية محل صحار في أواسط القرن الثامن عشر ـ آخر المراسي التي تمر بها المراكب المبحرة من الخليج متجهة إلى كالم مالي على ساحل مليبار، وذلك قبل عبورها المحيط متجهة إلى الصين.
وبدأت في هذه الفترة أيضاً تجارة منتظمة مع شرق إفريقيا. وذكر المسعودي، أحد العلماء العرب في القرن العاشر، أن العاج الذي كان يجمع في إفريقيا كان يشحن إلى عُمان قبل أن يرسل إلى الهند والصين.
وقد عرفت عُمان بأنها «بلد الألف حصن وحصن». فعلى طول خليج عُمان الذي يبلغ 300 كلم وحتى مضيق هرمز في الواحات الداخلية تظهر الحصون في جميع الأماكن الصالحة للدفاع عن القرية أو المدينة أو الميناء. وهناك حصنا الميراني والجلالي المخصصين لحراسة خليج مسقط، وهما من تشييد المهندس الإيطالي س.ب. كيرات بين 1586 و1588، في فترة الاحتلال البرتغالي لعُمان التي دامت أكثر من قرن ونصف القرن.
وكانت العمارة العسكرية البرتغالية تأثرت بمدرسة النهضة الإيطالية الأولى، إذ ظهر التغيير في التصميم الجديد للأبراج التي أصبحت مركز القوة في نظام يعتمد على استخدام عدد محدود من الحرس، في حين كانت الأبراج توزع قبل ذلك على زوايا الحصون وعلى طول الممرات، إذ لم يكن ممكناً توفير جهاز دفاعي قوي إلاّ بوجود حامية كبيرة.
وعندما فقد البرتغاليون هرمز في العام 1622، حظي ميناء مسقط بكل الاهتمام، فعززت التحصينات في العام 1626 للحماية ضد هجمات الفرس من جهة وضد هجمات الجنود العُمانيين الذين كانت عاصمتهم مدينة الرستاق من جهة أخرى. وتنسب إلى هذه الفترة الأبراج المشيدة على قمم المرتفعات الاستراتيجية المحيطة لمسقط والتي لا تزال تتحكم حتى اليوم بالممرات الثلاثة المؤدية إلى المدينة.
كتابات الرحالة عن عُمان خلال 25 قرناً
«عُمان: خمسة وعشرون قرناً من كتابات الرحالة» كتاب صدر أخيراً في باريس باللغتين الفرنسية والإنكليزية وتمهيد بالعربية، يقدم مقتطفات من نصوص لستين رحالة ينتمون إلى 22 جنسية مختلفة مع تعريف مختصر بحياتهم. وهؤلاء، منذ زمن الاسكندر الكبير (326 ق.م.) وحتى عصرنا الراهن، توقفوا في مسقط وتركوا شهادات مكتوبة عن مشاهداتهم أو تجاربهم الفريدة. والكتاب مزيّن بما يزيد عن 250 صورة ولوحة تستعيد العصور الغابرة والرحلات المختلفة.
عمل على جمع النصوص والصور ونشرها في كتاب أنيق الباحث الفرنسي كزافييه بيغان بيلكوك الذي أصدر العام 1991 كتاب «قنصل فرنسي في مسقط العام 1905».
كانت فكرته انطلقت من ألبوم صور خاص بجدّته التي كوّنته عندما كان زوجها يشغل منصب قنصل فرنسا في سلطنة عُمان. يقول بيلكوك: «بعد ثلاث سنوات من البحث والتقصّي توصلت يوماً بعد يوم إلى اكتشاف نصوص معروفة تارة ومجهولة تماماً أو غلّفها النسيان تارة أخرى، نصوص مثيرة للدهشة غالباً. مصدرها رجال ونساء ذوو شخصيات متنوعة وشيّقة. ويسمح تنوّع وأصالة هذه النصوص بإلقاء الضوء من خلال أقوال حقيقية، على الماضي العريق لشبه جزيرة عُمان منذ عهد الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد».
قلعة عُمانية
ويحتوي الكتاب ملحقين: الأول يذكر أسماء الممثلين الدبلوماسيين لكل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في عُمان منذ القرن التاسع عشر، في حين ينقسم الملحق الثاني إلى ثلاثة أجزاء: الأول يقدم المراجع الخاصة بالرحلات إلى عُمان، والثاني يجمع الرحالة الذين كتبوا عن مرورهم بعُمان والذين لم يخصّص لهم باب مستقل في الكتاب، والثالث مرجع عام للمؤلفات المتعلقة بعُمان.
تبدأ الرحلة الأولى في القرن الرابع ق.م.، ويستند بيلكوك على كتاب «رحلة نيارك» أميرال الاسكندر الكبير الذي وضعه العالم البريطاني وأحد كبار قضاة وستمنستر ويليام فينسينت (1379 ـ 1815)، وترجمه إلى الفرنسية جون باتيست بيلكوك العام 1800 نزولاً عند رغبة الجنرال بونابرت الذي كان لا يزال يشغل منصب القنصل الأول.
اشتهر نيارك بالرحلة التي قام بها من مصب الهندوس حتى بابل، فقد كانت المرة الأولى التي يبحر أسطول يوناني في المحيط الهندي. وعملية الاستشكاف هذه التي تعتبر أول حدث مهم في تاريخ الملاحة كانت تهدف إضافة إلى المغامرة البطولية، إلى غرض سياسي وتجاري كبير. وكان الإسكندر، في مشروعه الضخم لتأسيس أمبراطورية عالمية، يبحث في إقامة مواصلات مباشرة ومضمونة بين بابل والأقاليم البعيدة في أمبراطوريته، وكذلك وصل الشرق كله بأوروبا. وقام نيارك باستكشاف الساحل الجنوبي لبحر عُمان والخليج الفارسي، علماً بأن الإسكندر كان يريد الاستيلاء على شبه الجزيرة العربية وتأسيس المستعمرات على ضفتي الخليج من أجل السيطرة كلياً على التجارة بين بابل والهند مروراً بشبه الجزيرة العربية.
إلاّ أن وفاته العالم 323 ق.م. وضعت حداً لهذا المشروع الضخم الذي كان ينوي تسليمه إلى نيارك.
ومن الأميرال اليوناني، ينتقل بيلكوك إلى المسعودي، المؤرخ والجغرافي والفيلسوف العربي الذي ولد في بغداد في حدود العام 893 م وقام ابتداء من العام 915 برحلة كبرى شملت أرمينيا وبلاد فارس والهند، وعاد إلى بغداد مروراً بعُمان، كما زار سورية ومصر. ويعتمد بيلكوك على الترجمة التي وضعها الأب أوساب رونودو لجزء من كتاب «مروج الذهب».
وبعد المسعودي يأتي ماركو بولو التاجر والرحّالة الإيطالي الشهير الذي قام برحلة العام 1270 أوصلته إلى بكين حيث مكث أكثر من عشرين عاماً في بلاط قبلاي خان. وكان هذا الأخير يرسله في مهمات إلى الهند وبلاد فارس. وفي طريق العودة إلى مدينته، البندقية، العام 1295 مرّ بسومطرة والهند وعُمان…
ومن البحارة الذين توقفوا في عُمان الأميرال الصيني جانغ هي في القرن الخامس عشر. وكانت الرحلات البحرية الصينية المهمة بدأت في مطلع ذلك القرن مع سلالة «مينغ» لتظهر التفوّق التقني الصيني وتقدمه على البرتغال وإسبانيا اللتين لم تباشرا المغامرات البحرية إلاّ في نهاية القرن الخامس عشر. واشتهر جانغ هي (وهو مسلم صيني) في أنحاء البلاد بفضل رحلات أوصلته بين 1402 و1433 إلى أكثر من 35 بلداً، من سومطرة إلى سيلان وبحر عُمان والخليج الفارسي وشواطىء شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر وزنجيار.
والواقع أن عمل بيلكوك مثير للغاية لأنه يكشف عن رحّالة مجهولين، بينهم التاجر الروسي أتاناس نيكتين الذي قطع بلاد الفرس ثم توقف في مسقط ومنها عبر المحيط الهندي متوجهاً نحو الهند.
وبعد ثلاث سنوات في المنطقة، قرر العودة إلى روسيا إلاّ أن الأحوال الجوية أجبرته على الذهاب إلى أثيوبيا والتوقف مجدداً في مسقط قبل الرجوع إلى شيراز فقمّ وتبريز… وعبور البحر الأسود للوصول إلى بلاده. وعن رحلته التي دامت ست سنوات، خلّف نيكتين كتاباً عنوانه «رحلة عبر ثلاثة بحار» اكتشفه المؤرخ الروسي كرامزين في محفوظات أحد الأديرة في زاغورسك، فعمد إلى نشره. وتظهر رحلة نيكتين أن الروس ابتداء من القرن الخامس عشر كانوا يقيمون العلاقات مع الهند، في وقت كان البحار البرتغالي فاسكو دي غاما ما زال يفكر بوسيلة للوصول إلى تلك البلاد البعيدة من خلال طريق تلفّ حول إفريقيا.
ومن القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، يتابع الكتاب الرحلات الطريفة والشيّقة التي قام بها البرتغاليون والعثمانيون والإيطاليون والفرنسيون والبريطانيون والهولنديون والأميركيون… مركزاً على شخصية أو أخرى من هؤلاء المغامرين أو المغامرات الذين توقفوا في مسقط أو في مدينة عُمانية أخرى، وخلّفوا ذكرياتهم وانطباعاتهم في كتب أصبحت نادرة تثير اهتمام عدد كبير من المخصتين.
وينتهي الكتاب برحلتين ديبلوماسيتين إلى عُمان: الأولى زيارة الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا العام 1979، والثانية زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران العام 1992.
إحدى ضواحي عُمان الغربية
عُمان
ـ 3 ـ
تقع سلطنة عُمان في الطرف الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية بين خطي عرض 16 و26 درجة شمال خط الاستواء، وتنتمي إلى حزام الصحراء الشهير في نصف الكرة الشمالي، ولذا تتعرّض لتغيرات مناخية كبيرة، وتصل درجة الحرارة القصوى إلى حوالي49.5 درجة مئوية في مسقط العاصمة، وتتراوح الرطوبة ما بين 95 في المائة في المناطق الساحلية، وإلى حوالي 10 في المائة في المنطقة الصحراوية الداخلية، وتتركز الكثافة السكانية في السهول المجاورة للمناطق الجبلية شمال وجنوب البلاد.
ويتنوع المناخ في عُمان تنوعاً بيّناً ما بين البرودة الشديدة فوق المرتفعات الجبلية. لكي يصبح دافئاً ورطباً خلال المناطق الشمالية وسهل الباطنة، إلى دافىء قاري في الجنوب، إلى حار وجاف عبر الصحراء.
المنطقة الساحلية
تمتد المنطقة الساحلية على طول الشريط الساحلي لعُمان، من مضيق هرمز شمالاً، وحتى بداية ساحل المنطقة الجنوبية شاملاً ساحل الباطنة، ومسقط، وصور.
ومن المفيد معالجة ساحل المنطقة الجنوبية بصورة منفصلة نظراً لتفرده بظاهرة مناخية متميزة خلال فصل الصيف من شهر مايو إلى سبتمبر.
يتميز طقس هذه المنطقة الساحلية بأنه عموماً حار ورطب، مع شذرات قليلة من الأمطار، وتتراوح درجة الرطوبة النسبية صيفاً بين 5 إلى 100% مع متوسط يصل إلى حوالي 75% مما يعمل على إعاقة تخفيض درجة حرارة الجسم عن طريق تبخير العرق على جلد الإنسان، إلاّ إذا استخدمت وسائل لتنشيط حركة الهواء الملامسة للجلد.
ويصل متوسط درجة الحرارة في هذا الفصل لحوالي 33 درجة مئوية، مع حد أقصى حوالي 49.5 درجة مئوية، ويعمل البحر على تلطيف درجة الحرارة على الساحل بمقدار 2 إلى 3 درجات عن المناطق المجاورة.
ومن الملاحظ أن الأنماط المعمارية في هذه المنطقة قد استفادت لأقصى درجة من ظاهرة «التبادل الحراري» بين البحر واليابسة، فمن المعروف أن هناك تفاوتاً في اكتساب وفقدان الحرارة بين الأرض والبحر، فالأرض تكتسب الحرارة نهاراً أسرع من البحر، مما يسبب تياراً هوائياً تصاعدياً على الأرض، واستقطاباً للهواء البارد من سطح البحر إلى اليابسة، وكلما زاد فارق درجة الحرارة بين اليابسة والماء، زادت سرعة هذا التيار الهوائي المعروف بـ «نسيم البحر»، وتنعكس هذه الدورة خلال الليل نظراً لأن الأرض تفقد حرارتها المختزنة خلال النهار بمعدل أسرع من البحر، ولذا فقد صممت المباني للاستفادة من هذه الدورة الحرارية عن طريق تسهيل مرور تيارات الهواء الملطفة من البحر إلى هذه المباني، والتي أنشئت مواجهة للبحر مباشرة، وحاوية على أكبر عدد من فتحات التهوية.
ونظراً لأن الخط الساحلي يمتد من الشمال للجنوب فإن المباني قد تمحورت على نفس هذا الخط «شمال ـ جنوب».
ونظراً لأن موقع عُمان الجغرافي بين خطي 16 إلى 26 درجة شمالاً يتسبب في أن حوائط المباني في اتجاهي الشرق والغرب تتلقى قدراً أكبر من الإشعاع الحراري خلال النهار صيفاً، عن الحوائط في اتجاهي الجنوب والشمال مما أدّى إلى استخدام وسائل لاستجلاب الظل على الحوائط جهة الشرق، بينما تم تقليل عدد الفتحات خلال حوائط الجهة الغربية.
وتعتبر التذبذبات الحرارية بين ساعات الليل والنهار في المناطق الساحلية ضئيلة نوعاً ما، إذا ما قورنت بتلك التي في المناطق الصحراوية.
ساحل الباطنة
يأخذ ساحل الباطنة شكل الهلال، ويمتد من مناطق الحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة شمالاً إلى منطقة مسقط جنوباً، ومحصور بين سلسلة جبال الحجر غرباً وخليج عُمان شرقاً.
ويبلغ عرض سهل الباطنة في أقصاه ثلاثين كيلومتراً، وينحدر تدريجياً ناحية البحر، وبالقرب من الساحل فإن مستودعات المياه العذبة، والتي تتغذى من الأمطار الساقطة على سلسلة جبال الحجر تكون سطحية إلى حد بعيد، مما ساعد على استزراع شريط ضيق متصل قرب الساحل.
ولقد صاحب الزراعة نشاط سكاني في حرفتي الصيد والتجارة عبر البحر مما ساعد على الاستقرار السكاني والاستيطان في المناطق بكثافة نسبية، ولعل صحار هي أكثر الأماكن ازدحاماً بهذه الأنشطة المتعددة والسكان، ومن المعروف أن صحار ميناء قديم دأب الناس على استخراج النحاس من المنطقة المحيطة به وتصديره منه خلال فترة تقارب الألف سنة الآن.
وتتسم مستوطنات الشاطىء بأنها تتكون من صفوف من المنازل مواجهة للبحر للاستفادة من نسيم البحر، مع مسافات بينية كافية بين هذه الصفوف للسماح بمرور هذا النسيم للمنازل في الصفوف الخلفية، وتوجد عادة بين المباني الساحلية في منطقة المزارع مجموعة من البنايات ذات النفع العام مثل المسجد الجامع، وقلعة كبيرة، والسوق، بالإضافة إلى منازل التجار الأثرياء وأصحاب المزارع، وتتناثر خلال الشريط الزراعي البيوت الصيفية لأصحاب المزارع والزراع، وتستغل هذه المنازل عادة خلال فصل الصيف عند الحصاد، ولكونها تقع بين مناطق النخيل الكثيفة فإنها توفر جواً منعشاً ذا هواء معتدل كثير الظلال، وتنتشر، إلى الداخل قليلاً، من المنطقة الزراعية مجموعات متفرقة من المنازل الصيفية التي تستخدم بصورة مؤقتة غالباً بواسطة الأشخاص الذين يقومون بالقدوم إلى المنطقة لجني التمور.
كان «العريش» هو النمط السائد من المباني حتى عام 1975 على ساحل الباطنة، وكان يصنع من سعف وجريد أشجار النخيل، وهي المادة المتوفرة بوفرة في البيئة، كما أنها رخيصة الثمن، ومناسبة تماماً للتكيف مع جو المنطقة الحار والرطب.
وإذا تأملت المنطقة الآن فإنك ستجد أن عدد المباني المصنوعة من سعف النخيل قد تضاءل، نظراً لعدم مناسبتها للتمديد بالكهرباء، بالإضافة إلى أنها قابلة للاشتعال بسهولة، وغير مقاومة للسيول الناتجة عن الأمطار، وأنها ذات عمر قصير، وكذلك بسبب عدم توفيرها الخصوصية الكافية والأمان لقاطنيها.
منطقة مسقط
يشتمل الشريط الساحلي الضيق لهذه المنطقة على مدينتي مسقط، ومطرح القديمتين، وتقع كلتاهما عند التقاء المرتفعات الجبلية مع السهل الساحلي وهما تقابلان موانىء طبيعية جيدة.
ولقد أتاحت سلسلة الجبال المحيطة بالمنطقة والزخم الحراري لها إيجاد اتزان في درجة حرارة الهواء حول المناطق السكنية المأهولة، والتي تعاني عادة من ارتفاع درجة حرارتها بضع درجات عن المناطق الساحلية الأخرى في عُمان.
ونتج عن تلك البيئة الجغرافية أن تمتعت منطقة مسقط بانخفاض ظاهر في درجة الرطوبة النسبية خلال شهور الصيف القائظ إلى أقل من 60 في المائة.
ومن الواضح تأثر دورة النسيم بين البحر واليابسة بوجود سلسلة الجبال في هذه المنطقة، باعتبار أن الجبال عادة ما ترتفع درجات حرارتها بمعدل أبطأ من اليابس حولها، مما يؤخر هبوب نسيم البحر في المنطقة، وبالمثل فإن نسيم البر يتأخر لبضع ساعات عند المساء.
تأخذ مسقط شكل منخفض محاط بالجبال العالية، وهي ذات منفذ أحادي ناحية البحر.
صور
تقع منطقة «صور» على الطرف الجنوبي من سلسلة الجبال الشمالية في عُمان، أي بالتقريب، عند منطقة التقاء خليج عُمان والبحر العربي والمحيط الهندي، وتعتبر «صور» من كبريات مدن عُمان، وكانت ميناء مكتظاً بالحركة ما بين ساحل شرق إفريقيا والخليج الفارسي، وإيران والهند، ومقارنة بغيرها من المدن العُمانية، فإن «صور» ذات كثافة سكانية عالية، وقد انعكس هذا على التخطيط والأنماط المعمارية في المدينة.
يختلف جو «صور» عمّا عداها من مناطق الساحل العُماني نظراً لموقعها المفتوح وقربها من الصحراء (صحراء آل وهيبة على وجه الخصوص) فسرعة الرياح في منطقة صور أشد من مناطق الساحل الأخرى، ويوجد اتجاهان رئيسيان لحركة الرياح، وهي رياح شمالية خلال أشهر الشتاء، وجنوبية غربية خلال شهور الصيف، ويكون الطقس حاراً ورطباً خلال شهور الصيف.
المنطقة الجبلية
تشمل هذه المنطقة جغرافياً البلدان التي تقع حول، سلسلة الجبال الشمالية في عُمان ممتدة من الحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الجانب الشمالي الشرقي من عُمان، وتمتد تقريباً بمحاذاة الساحل، وتفصل هذه المنطقة الجبلية ما بين المنطقة الساحلية والصحراء، وتبلغ أعلى القمم الجبلية 3075 متراً فوق سطح البحر، وتقع ناحية جنوب الشرق في الجبل الأخضر.
تتساقط الأمطار بغزارة ولفترة زمنية محدودة خلال العام، وتنساب هذه الأمطار خلال الأودية الجبلية كمياه جارفة، وتكون هذه مع الطمي الخصب الذي تحمله أحواضاً زراعية خصبة عبر مسار الأودية ولهذا تقع معظم المستوطنات السكنية حول بطون هذه الأودية.
يتأثر الطقس إلى حد بعيد في هذه المنطقة بالجبال التي تتسم بسعتها الحرارية الكبيرة والتي تعمل على اعتدال درجة الحرارة.
إلاّ أن التغيرات في درجة الحرارة تتعدّى تلك الموجودة في المنطقة الساحلية، ولكنها أقل حدة من تغيرات درجة الحرارة في المنطقة الصحراوية.
تنخفض درجة الحرارة عموماً فوق منطقة المرتفعات إلاَّ أن كثافة إشعاع الشمس تتجاوز ذلك على الساحل، وربما يرجع هذا جزئياً إلى أن الرطوبة تقل عن رطوبة الساحل.
تكون اتجاهات الرياح شمالية خلال أشهر الشتاء، وجنوبية غربية خلال الصيف، ويطلق على الرياح الشمالية اسم «العلوي» وهي شديدة البرودة بالنسبة لمنطقة تتسم بجوها الحار، بينما تهب الرياح الجنوبية الغربية وتسمى «السموم» من منطقة الربع الخالي، وهي شديدة الجفاف وساخنة.
يوجد أيضاً نسيم خفيف يهب على المنطقة بصورة دورية يومية نتيجة التباينات الحرارية المحلية بين المنحدرات الجبلية والأودية.
يلاحظ أيضاً أن هناك فروقات في المناخ بين الجوانب المقابلة للبحر، وتلك المواجهة للصحراء، على جانبي المرتفعات الجبلية وتزيد الرطوبة في الجهة ناحية البحر.
تترامى البلدات ناحية الشرق من سلسلة الجبال
وتقع في الأودية المنخفضة أسفل المرتفعات مما يلقي عليها ظلالاً حانية خلال الساعات الأخيرة من النهار.
والأكثر أهمية أن المرتفعات تكفل حماية فعالة للمناطق المأهولة من الرياح الجنوبية الغربية والتي تهب جافة وساخنة من الصحراء.
تظهر المستوطنات السكنية في مناطق خصبة التربة وفيرة المياه، وتبنى المساكن عادةً فوق الأماكن المرتفعة نسبياً والتي لا تصلح للزراعة، ولذلك تبتعد عن أخطار السيول والفيضان.
تغطي أشجار النخيل أكثر من 80% من الأراضي المزروعة وتوجد التجمعات السكنية داخل المناطق المزروعة أو حولها.
نزوى
تقع هذه المدينة على أقدام الجبل الأخضر عند التقاء واديين. وتحظى بمساحة كبيرة من الأرض المنزرعة، وفيها حوالي 25 ألف من أشجار النخيل، وكانت يوماً عاصمة لعُمان، وتكتظ المساكن في المناطق القريبة من وسط المدينة، وإلى الشرق من الأراضي الزراعية، تقع سلسلة الجبال شرق المدينة، لذا فإن نسيم الهواء الناتج عن الاختلاف بين درجات الحرارة في منحدرات الجبال والأودية، يهب يومياً في اتجاه شرق ـ غرب غالباً.
قلعة الرستاق في عمان
ويكتسب الهواء الساخن والجاف برودة ورطوبة قبل وصوله للمنازل عند مروره على الحقول الزراعية الخضراء، وتقوم الحقول ومن خلال أشجار النخيل بها، بحماية مجموعات المنازل من الرياح الجنوبية الغربية الحارة التي تهب صيفاً.
الرستاق
تقع هذه المدينة أيضاً عند أقدام الجبل الأخضر، ولكن من الجهة المواجهة للبحر، وتتحكم في الطريق السريع الذي يربط ساحل الباطنة بعُمان الداخل.
الحمراء
تقع مدينة الحمراء على أقدام الجبل الأخضر، على الجانب المواجه للصحراء منه، وتشكل المنطقة السكنية شريحة ذات محور شرقي ـ غربي، على منحدر يواجه حقول أشجار النخيل، ومن خلف المدينة، ومن الجانب الشمالي ترتفع الجبال بحدة.
المسفاة
وهي قرية صغيرة تقع عالياً فوق الجبل وتعلو الحمراء مباشرة، وعند الارتفاع فإن الطقس لا يكون بالضرورة حار حتى في منتصف فصل الصيف.
المنطقة الصحراوية
يقصد بالمنطقة الصحراوية المدن والمناطق المأهولة في الصحراء أو قريباً منها، ويتأثر المناخ في هذه المنطقة بقربها من الصحراء التي تجعله حاراً جافاً صيفاً وبارداً شتاءً.
إلاّ أن وجود المساكن والمناطق المزروعة في هذه المدن يؤدي إلى مناخ معتدل نسبياً عن الصحراء المحيطة، وتكون درجة حرارة الهواء خلال النهار أكثر انخفاضاً والرطوبة أكثر ارتفاعاً.
وعلى وجه العموم، فإن المناخ في المنطقة الصحراوية أكثر حرارةً وجفافاً عن غيرها من مناطق عُمان، مع تذبذبات أكثر في درجات الحرارة بين الصيف والشتاء والليل والنهار.
وتقع مدن كثيرة في المنطقة الشرقية لعُمان على الحافة الشمالية الشرقية لهذه الصحراء الصغيرة نسبياً، وتقع شمالها سلسلة الجبال الشرقية وجنوبها البحر. ويؤدي الفرق في درجة الحرارة ما بين الجبال شمالاً والبحر جنوباً إلى توليد نسيم لطيف ليلاً عبر الصحراء، يعرف محلياً بـ «الكووس» والتي تهب من جهة البحر، ويبدأ هذا النسيم مساءً عندما تبرد الصحراء، ويستمر حتى شروق الشمس، ولا تحدث الدورة العكسية لذلك خلال النهار، وذلك لأن الهواء الساخن المتصاعد بتأثير التسخين السطحي للصحراء يعرقل هذه الدورة.
في بعض هذه المدن والتي يقع بعضها في الصحراء فإن السكان يستفيدون من هذا النسيم للراحة من عناء الجو الجاف الحار، ولذا فإنهم يقضون فترة ما بعد الظهر والمساء في الساحات الخارجية أمام منازلهم، وقد ينامون أيضاً على التلال الرملية المحيطة.
محافظة ظفار
يغلب على محافظة ظفار انتشار سلسلة جبال القرى التي تمتد تقريباً من الشرق إلى الغرب قريباً من خط عرض 17 درجة شمالاً، وتفصل السهل الساحلي (الذي لا يزيد عرضه عن 8 كيلومترات) عن الصحراء.
تقع معظم مدن هذه المنطقة على طول الساحل الجنوبي، ومدينة صلالة هي أكبر هذه المدن وتتكون من تجمعات سكنية متوازية بطول الساحل، ويمتد شريط نباتي ضيق، (يتكون أساساً من أشجار النارجيل) فاصلاً بين المساكن الواقعة على الشاطىء وتلك الداخلية.
تعتبر منطقة ظفار امتداداً للحزام الاستوائي الحار والرطب، وعلى خلاف شمال عُمان فإن الخضرة تستمر هنا منتشرة غالب العام، ويرجع هذا التأثير غير المباشر لرياح «المنسون» التي تمرّ قرب الشاطىء، وتتسبب هذه الرياح في تشبيع الهواء مكوّنة ندى وغيوماً منخفضة وتتساقط قطرات وبخّات من المطر على الجبال، وخلال هذا الفصل، ويعرف محلياً بالخريف، والذي يبدأ في شهر يونيو وينتهي في شهر سبتمبر، فإنّ المتوسط الشهري للرطوبة النسبية يتجاوز 85%.
وبسبب الغيوم السميكة المنتشرة، والرطوبة المتزايدة فإن الإشعاع الشمسي على السطح الأفقي ينخفض بشدة من 4 و23 ميجا جول متر مربع/ يوم، إلى حوالي 6 و3 ميجا جول متر مربع/ يوم (تتعامد الشمس على صلالة مرتين في السنة خلال الأسبوع الأول من مايو، والأسبوع الثاني من أغسطس) وتبعاً لذلك فإن متوسط درجة الحرارة الشهري ينخفض من حوالي 30 مئوية في شهر مايو إلى أقل من 25 م خلال شهر أغسطس، ويبقى إيضاح أن السبب الأساسي لعدم الشعور بالراحة خلال هذا الموسم هو الارتفاع الكبير في درجة الرطوبة.
هناك بشكل عام اتجاهان سائدان لحركة الرياح في محافظة ظفار، جنوبي خلال مايو وحتى أكتوبر وشمالي خلال شهور الشتاء.
ومن الملاحظ أن الرياح الشتوية الشمالية غير محببة لأنها باردة إلى حدٍ ما وجافة ومحملة بالأتربة وغالباً ما تكون شديدة، إلاّ أن الرياح الجنوبية تأتي بتأثير طيب خلال الصيف الرطب.
وهناك أيضاً الدورة المتراكبة للنسيم بين الأرض والبحر، وهي جنوبية خلال النهار وشمالية خلال الليل، إلاّ أن تأثير هذا النسيم يظل محدوداً بالنظر إلى انخفاض كثافة أشعة الشمس خلال هذا الموسم الرطب، وكذلك التفاعل بين رياح الصيف المتسيدة وهذا النسيم الذي تزيد من أثره في النهار وتجعل نسيم الليل الشمالي غير مؤثر.
اللغة الحميرية
واللغة الحميرية منطوقة في ريف ظفار، ولا يستطيع أحد أن يكتب خطها المسند القديم، وتعتبر من اللغات المنقرضة والتي كانت إحدى اللهجات المكوّنة للغة العربية. وأرقامها العشرة كالآتي: طاد (1)، ثروة (2)، شتافيت (3)، أربعوت (4)، خموش (5)، شتوت (6)، شيفيت (8)، تسعيت (9)، عشروت (10).
وبرغم الأصول الواحدة للحميرية والمهرية، إلاّ أن كلاًّ منهما تختلف عن الأخرى في أغلبية المفردات، وإن كان الناطق بأحدهما يستطيع فهم غالبية الحديث بالأخرى. فولد صغير بالأمهري معناها (قجين) بالحميري (إمبيري) وهنا لا توجد أية صلة بين الكلمتين. وطالما أن الثروة الرئيسية للمجتمع هي الحيوانات، فلنأخذ نماذج من تسميتها بالعربية والحميرية والأمهرية:
| عربي | أمهري | حميري |
| بقر | الهيتن | اللهوتي |
| إبل | أبير | أنيل |
| جمل | بعير | جول |
| ناقة | هاي بيت | أبيت |
| غنم | هارو | أبرو |
مجتمع رعوي
يعيش على فصل الخريف
ريف ظفار، مجتمع رعاة، يعتمد بشكل شبه كامل على تربية المواشي والأغنام والإبل ولا يعرف الزراعة(المستقر؟). وبرغم احتواء المناطق المحررة على مدينتين (ضلكوت ورخيوت) إلاّ أن القصف الدائم لهما، حولهما إلى مدينتين مهجورتين تماماً، وعاد جميع السكان إلى الجبال، بعد أن تعرّفوا على مهنة الصيد في مياه المحيط. ومنازل المواطنين، في أغلبيتها، من الكهوف، أو من أغصان الأشجار، التي تتطلب أدوات أولية جداً للحياة. وفصل الخريف يبدأ من 21 ـ 9 من كل سنة، وفيه تهطل الأمطار بشكل دائم، ويغطي الضباب المنطقة، وتتحول، أغلبية المناطق المحررة، إلى بساط أخضر، بسبب الغابات أو الأعشاب الطويلة. وفي هذا الفصل يقوم الرعاة بالزراعة المحدودة للدجر (اللوبي) والدخن (الذرة الرفيعة) والخيار. ويخزنون محصول الدجر والدخن لفصل الجفاف. أمّا الغذاء الرئيسي فهو حليب البقر أو الغنم أو الإبل، ووجبات محدودة من الأرز، ولا يعتمدون على القمح، كحبوب أو كطحين. لولا فصل الخريف لانتهت الحياة في ريف ظفار، أنهم يعتمدون عليه في إطعام المواشي وفي الزراعة المحدودة. وبعد انقطاع الأمطار، تظل الأشجار خضراء في فصل الصرب (أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر ـ تشرين أول، تشرين ثاني، كانون أول) ليدخل بعدها فصل الشتاء غير الماطر في أشهر (يناير، فبراير، مارس ـ كانون الثاني، شباط، آذار). أمّا فصل القيظ (الجفاف) فهو في (أبريل ومايو ـ نيسان، أيار) من كل عام. وهما أشهر رحلتي إلى ظفار!
وتمتاز المنطقة المحررة من إقليم ظفار، بأنها مكسوة بالغابات التي تحوي أشجاراً من كل نوع، والأشجار ليست فقط مظلات وقاية لتحركات المناضلين، إنها أيضاً وسيلة للعلاج والغسيل والأكل. ومن أبرز ما شاهدته من الأشجار حسب استخدامها هي:
أشجار تستخدم كصابون لغسل الملابس حيث تدق الأوراق، ثم تستخدم كالتايد وفان وأهمها سمرحوت (البامية!) وكثورة، وقمرزت، وشيراز وهدم وطور. 2 ـ أشجار تستخدم كالأديوين لعلاج الجروح مثل صيريفيت، طبقة، زبروات. 3 ـ أشجار تستخدم كقطرة للعيون ضد الحرارة مثل زبروات وصبر. 4 ـ أشجار تستخدم كحشيش للحيوانات مثل حور، لصف، شعر، عيلوب، أسفيت، عوقر، غاشور، عمهير، شربيت، أرير. 5 ـ أشجار تستخدم ضد الإمساك مثل صبر، حور. 6 ـ أشجار يصنع منها اللبان مثل طشقوت. 7 ـ أشجار تصنع منها النورة مثل راك. 8 ـ شجيرات تستخرج جذورها من تحت الأرض ويأكلها الإنسان مثل سيمثليج، كوم، أرير، زرفيت، فض، حرجوت. 9 ـ شجرة في الإقليم. 10 ـ أشجار لصناعة الحبر الأحمر مثل كليت.
الاكتشافات العُمانية
إن المكتشفات الأثرية في عُمان شملت مناطق متعددة من محافظة ظفار ورأس الجنز ورأس الحد وبهلا ونزوى وبات ورأس الحمراء والواسط وسمد الشأن والميسر والبليد وغيرها من المواقع التي تم التنقيب فيها عبر سنوات مختلفة.
فمع بداية الخمسينات بدأت المسوحات الأثرية الأولى في سلطنة عُمان لتدخل البلاد بذلك مرحلة التاريخ المبني على المكتشفات الأثرية والحقائق العلمية بعد أن أرّخ لها في كتب الرحالة أمثال ابن بطوطة وبرترام توماس وماركو بولو وغيرهم.
ومن هذه المسوحات ذلك المسح الأثري الذي قام به الدكتور وندل فيليبس في محافظة ظفار في عام 1952. ومسح بعثة جامعة هارفارد الذي عثر على سبع عشرة مستوطنة في منطقتي الداخلية والظاهرة أرخت إلى الألف الثالث قبل الميلاد ومسح الدكتور بياتريس ديكارتي والذي اكتشف خلاله المنطقة الأثرية الممتدة من أزكي إلى عبري وموقع بسيا الأثري بوادي بهلا.
وقد بلغت الاكتشافات الأثرية ذروتها بعد إنشاء وزارة التراث القومي والثقافة في عام 1976 حيث نظمت عمليات البحث والتنقيب والدراسة بتنسيق مع الجامعات والمؤسسات العلمية المتخصصة من العديد من دول العالم.
يمكن التعرف على أول العصور القديمة التي نشأت في العصر الحجري وهو العصر الأشولي حيث تم الكشف عن (67) موقعاً أشولياً يرجع تاريخها إلى العصر الحجري القديم وقد عثر فيها على ما مجموعه (2861) قطعة أثرية من الحجريات المتناثرة بعضها على السطح وبعضها الآخر داخل المدافن.. وينتهي بعضها إلى العصر الأشولي المبكر والذي يقدر عمره بـ 500.000 سنة أو أكثر.
فالمسوحات الأثرية التي بدأت منذ الخمسينات تم فيها الكشف عن خور روري (البليد وسمهرهم) ثم توالت المكتشفات بعد ذلك وتطورت إلى التنقيب الدقيق الفاحص داخل باطن الأرض مثلما حدث للكثير من المواقع الأثرية التي كانت مطمورة تحت الأرض من أمثال (رأس الجنز ورأس الحد) وهما حضارتان متقاربتان جغرافياً ومتباعدتان زمنياً.
مكتشفات رأس الجنز الجديدة
فالبعثة التنقيبية الإيطالية الفرنسية عثرت خلال العام 1998 على عدة مكتشفات بموقع رأس الجنز وهي عبارة عن قطعتين من قاعدة آنية حجرية «الحجر الستماقي» تعودان إلى الحضارة المصرية مما يدل على الصلات الحضارية بين عُمان ومصر الفرعونية في تلك الفترة.
كما عثرت البعثة على عقد يتكون من 34 خرزة وأيضاً عثرت على أختام أحدها من النحاس من نمط أختام وادي الأندس يعود إلى ما بين 2500 -2350ق.م. والختمان الآخران مصنوعان من كسر الحجر الصابوني الأملس. ويحمل كل منهما ثلاثة حروف من كتابة غير معروفة وقد أرخا بعام 2200 ق.م.
يقع رأس الجنز على رأس الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية. وينقب في الموقع فريق إيطالي فرنسي مشترك وقد بدأ العمل الميداني بإجراء المسوحات الأثرية الشاملة فيما بين عامي 1981 ـ 1984 م، نتج عنها التعرف على عدد من المستوطنات والمدافن التي تعود للعصر البرونزي.
وفي ديسمبر 1981 م تم العثور على قطعة فخارية وردية اللون ومزخرفة بأربعة نقوش تنتمي لحضارة وادي الأندلس وتعرف بنقش (الهارابان)، وقد استوردت هذه القطعة منذ أربعة آلاف سنة، ويعد النقش الذي يزخرفها أقدم نقش مكتوب تم اكتشافه في عُمان.
وقد بدأت عمليات التنقيب في رأس الجنز عام 1985. وتوالت لمدة تسعة مواسم كان آخرها الذي نفذ في الفترة ما بين 18/12/1995 ـ 22/2/1996 م. وحفل بالعديد من المكتشفات الأثرية وأثبتت نتائج الحفريات عموماً أهمية رأس الجنز كموقع أثري غطى النشاط البشري فيه خمس فترات زمنية هي عصر الهليوسين. الألف الرابع ق.م. بدايات الألف الثالث ق.م. الألف الثاني ق.م. العصر الحديدي.. الخ. والفترة الأكثر أهمية في رأس الجنز تعود إلى العصر البرونزي الحديث وتسمى أيضاً «فترة أم النار» ممثلة بالفترة الثانية: 2500 ـ 2200 ق.م. والفترة الثالثة: 2200 ـ 1200 ق.م. وهذه الفترة تمثل الصلات التي كانت قائمة مع حضارة وادي الأندس التي بدأت 2500 ق.م. ونشطت في عام 2200 ق.م. وتحتوي منطقة رأس الجنز على مجموعة من المباني مشيدة من الطوب بالقرب من شاطىء البحر نقب في تسعة منها حتى الآن، وقد قامت بداخلها نشاطات ارتبطت بالبيئة الطبيعية والحياة اليومية لسكان المنطقة. وحيث صنعوا صنارات الصيد الصدفية والنحاسية، والأثقال الحجرية لشباك الصيد والخواتم الصدفية والأدوات الحجرية الصوانية، وتنوعت مخططات غرف المباني كما يلي:
أ ـ مستطيلة: استخدمت كورش ومخازن.
ب ـ دائرية: استخدمت للسكن والتخزين وحظائر للحيوانات.
ويحتوي موقع رأس الجنز على العديد من المدافن التي ترجع إلى فترات مختلفة ولتسهيل عملية حصرها وتنقيبها صنفت من خلال قوائم، وقد حفر في إحدى المقابر اثنا عشر مدفناً يبدو أنها استخدمت في الألف الثالث قبل الميلاد ولوحظ أن بعض المدافن أقيمت على أنقاض مدافن مهجورة. كما اكتشفت مقبرة جماعية ضخمة ينتمي نمط قبورها إلى قبور أم النار.
ومن الحقائق المستوحاة من خلال حفريات رأس الجنز أن السكان اعتمدوا على البحر كمصدر رئيسي للرزق، كما توافرت معلومات عن عناصر شبكة التبادل التجاري والحضاري الكبيرة التي اتجه جزء منها إلى حضارة وادي الأندس، حيث تمّ تصدير السمك والأصداف، النحاس والحجارة. والأواني الفخارية المحلية واستورد العاج والخرز والفخار.
وبدأ موسم التنقيب التاسع في رأس الجنز منذ 18/12/1995 م حتى 22/2/1996. ومن أهم معطياته اكتشاف مبخرة من حجر الكلس لها أربعة قوائم وبداخلها مادة سوداء يعتقد أنها أثر لبان محروق وحدد تاريخ المبخرة فيما بين 2200 ـ 2000 ق.م. وهي بذلك تعد أقدم مبخرة عرفت في هذه الفترة، وقد أعطى اكتشافها دلالات على ما يلي:
أ ـ إن إنتاج اللبان والمتاجرة به كانت سائدة في النصف الثاني من الألف الثالث ق.م.
ب ـ معرفة أنماط السلع التي كان يتمّ المتاجرة بها عبر المحيط الهندي «ساحل مالابار» خلال فترة النصف الثاني من الألف الثالث ق.م. مثل الخشب والبخور، وأن البحارة العُمانية القدماء ساهموا في هذا المجال.
قراءات لأهم المواقع الأثرية المكتشفة
رأس الحمراء الألف الرابع ق.م
تتزين الهياكل العظمية النسائية بحلي مصنوعة من الأصداف كالخواتم والأساور والأقراط. وعقود الخرز الصدفي والحجري التي تتدلى منها أقراط صدفية تشبه أوراق النبات والحلق المصنوع من حجر البازلت.
رأس الجنز 2015 ق.م.
قطعة من فخار الهارابان الوردي اللون تنتمي إلى حضارة وادي الأندس وهي دليل على التجارة التي كانت قائمة بين الهند وعمان في فترة الألف الثالث ق.م.
كنز سناو
اكتشف عام 1979 وهو مكون من نقود فضية أقدمها:
6 قطع نقدية ساسانية، ترجع إلى عهد هرمز الرابع ـ كسرى الثاني (589 ـ 623 م).
عملتان ساسانية ـ عربية ترجعان إلى عام 48 هـ/ 661 ـ 679 م.
329 قطعة نقدية تعود إلى العصر الأموي 97 ـ 131 هـ/ 698 ـ 743 م.
قطعة نقدية واحدة تعود إلى العصر الأموي 154 هـ/ 770 م.
597 قطعة نقدية تعود إلى العصر العباسي 132 ـ 226 هـ/ 750 ـ 841 م.
كنز آدم
يتكون من 2836 درهماً فضياً سكت في جرون. يعود تاريخها لنهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر الهجريين. بالإضافة إلى دنانير ذهبية مجهولة السك يعود تاريخها إلى عامي 895 و902 هـ.
راكي 1200 ـ 300 ق.م
جرة راكي كانت تستخدم لتخزين المياه.
عبري/ عراقي سلمي 1000 ـ 400 ق.م
أوان وأساور يد وسكاكين من البرونز.
في عام 1979 م. اكتشف كنز من الأسلحة والأساور والخلاخل بلغ نحو 590 قطعة في مزرعة دار السلام بمنطقة السلمي في العراقي.
رأس الجنز 2400 ق.م
مشط عاجي ذو شكل هلالي مزخرف بإفريز من النقوش الغائرة لدوائر مزدوجة.
رأس الجنز 2200 ـ 2100 ق.م
مبخرة من حجر الكلس اكتشفت عام 1996 م. تدل على إنتاج اللبان والمتاجرة به في النصف الثاني من الألف الثالث ق.م.
سمد الشان 300 ق.م ـ 793 م
قلادة الجمل التي اكتشفت عام 1989 مكونة من خرزات من الأحجار الكريمة والزجاج والصدف.
حيث وجدت في وادي سمد شواهد على صناعة النحاس والتعدين يعود تاريخها إلى خمسة آلاف سنة. وأمكن التعرف على ثلاثة أنماط من المدافن.
1 ـ مدافن للرجال.
2 ـ مدافن للسيدات.
3 ـ مدافن للأطفال.
وفي عام 1989 م تمّ اكتشاف مدفن حوى هيكل جمل عمره ثلاث سنوات مدفوناً على جنبه الأيسر وتتدلى من عنقه قلادة مكونة من خرز من الحجر والصدف والزجاج وبعض الأحجار الكريمة كالعقيق. وبعد دراسة الخرز اتضح أن الجمل يعود إلى العصر الحديدي المتأخر فترة سمد 300 ق.م ـ 793 م. وبذلك يعتبر أول جمل مؤرخ في شبه الجزيرة العربية.
خور روري والعصر الهليوسيني
هو من المواقع التي تمّ المسح فيها خلال العام الماضي حيث اكتشف هذا الموقع سنة 1952 من قبل الدكتور/ وندل فيليبس، وخضع لعدة مسوحات، كالمسح الذي نفذته البعثة الأمريكية بقيادة الدكتور/ ألبريت، وركزت التنقيبات الحديثة على دراسة جغرافية المنطقة، وتمّ إجراء مسح طبوغرافي للقلعة في سمهرم تمهيداً لعمل خارطة طبوغرافية للموقع ومخطط للمباني القديمة في المدينة ومقارنتها بالخارطة التي وضعها ألبريت، كما أجرى مسح أثري جيولوجي للمنطقة المحيطة بخور روري لمعرفة تأثيرات البيئة خلال العصر الهليوسيني.
وتمّ رسم خارطة لشاطىء البحر وتبين أن مستوى سطح البحر في بدايات العصر الهليوسيني كان على ارتفاع 2 م أي بمستوى أعلى منه في الوقت الحالي مما أدى إلى توغله إلى المدينة القديمة والموقع الأثري.
والدليل على ذلك وجود بحيرة في الجزء الأعلى لوادي دربات. وأحواض صغيرة من الحجر الجيري على طول الوادي حتى بادية موقع خور روري، وبرغم ما أثبتته الحفريات القديمة من وجود المدن الأثرية مثل خور روري ومواقع أخرى، إلاّ أن المسح الأثري الجيولوجي حدد لنا 90 موقعاً أثرياً تبلغ مساحتها حوالي 15 كم تتمركز حول الخور وعلى طول وادي دربات.
ومن أهم المعثورات التي تمّ جمعها خلال المسح كميات من الصوان تتمثل في المكاشط والمطارق والأزاميل والشفرات بالإضافة إلى العديد من كسر الفخار والحجارة، ويعتبر المسح الأثري الجيولوجي بداية لحفريات شاملة في الموقع سوف تنفذ على مراحل لعدة مواسم مستقبلية.
موقع بات وسجل التراث العالمي
أسهم العدد الكبير من المباني «أبراج ومدافن» المؤرخة إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد في موقع بات الأثري في جعله من أهم المواقع الأثرية في سلطنة عُمان.
ونظراً لهذه الأهمية ودلالاتها أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونيسكو موقع بات ضمن سجل التراث العالمي.
الفن الشعبي العُماني
للصحراء المترامية الأطراف فنونها التي تلونها الرمال… وتصهرها حرارة الشمس صيفاً، ورياح تهب محملة بالرمل تارة، وبأريج نباتات الشيح والقيصوم والعنّاب والحنّاء تارة أخرى.
وللصحراء هلال يصير قمراً، ثم يعود هلالاً… ونجوم تضيء الدرب وتوقد الإحساس بالحياة. ثم البحر… وما فعل البحر بأهل عُمان، أو ما فعل العُمانيون بالبحر! هو الذي لوّن حياتهم بألف معزوفة ورقصة في رحلات صيد اللؤلؤ وصيد السمك، وغزو البحار باتجاهات أرجاء العالم المختلفة من طريق الحرير بحراً، إلى حُب الأرض والشوق إليها، فالعودة إلى حيث الأهل والأحباب، ليقص السندباد حكايات رحلاته على مسمع التاريخ…
هكذا تنوّعت الفنون العُمانية في مناطق البلاد المختلفة، واصطبُغت في كل منطقة بإيحاءاتها الخاصة.
زائر عُمان اليوم لا يمكنه إلاّ أن يعيش في عبق التاريخ… وربما كان العُمانيون من أوائل الشعوب العربية اعتزازاً بذلك التاريخ في أفراحه وأتراحه على حد سواء. لأنه يمثل التكوين العريق الذي تنطلق منه أنشطة الحياة المعاصرة، بالجمع الخلاّق بين الماضي والحاضر واستشراف آفاق المستقبل، وما حلم الإنسان من الأزل إلاّ العدالة والحرية والتكامل الاجتماعي المنبثق من المكوّنات الذاتية التي ما زال الناس، هناك، يفخرون بها.
الفنون العُمانية الحديثة ما زالت تعبر عن الذات العُمانية في أصالتها ومعاناتها التاريخية، في تجلياتها الإنسانية في حالات الفرح والحزن، العزيمة والقلق، الحب والهجر، والأمل الذي من غيره لا يكون الفن فناً جديراً بالبقاء.
ونظراً إلى أن عُمان تتكوّن من عدد من المناطق المتنوعة، صار الفن العُماني متنوعاً أيضاً، فثمة ألوان في الشمال وألوان في الجنوب، وثالثة في الوسط، وكذا مناطق البحر والشواطىء، ومناطق الداخل الصحراوي، أو تلك القريبة من الصحراء. وعلى رغم أن هذا التلوّن والتعدّد ملحوظ في كثير من البلاد العربية، إلاّ أن معظم تلك البلاد تركز على فنون العواصم وما يحيط بها، لأسباب ليس هنا مجال بيانها، غير أن الملاحظ في دول أخرى قليلة، ومنها عُمان، أن فنون المناطق المختلفة تتلاقى جميعاً، وتحظى بالاهتمام ذاته من قبل متذوقي الفن والمعتنين به.
ظفار والأداء الفني
ظفار المنطقة الجنوبية في عُمان. وبالنظر إلى أن هذه المنطقة تتكوّن من تجمعين سكانيين رئيسين هما الناطقون باللهجة العُمانية المعروفة، وباللهجة الجبلية، وبالنظر إلى تميّز المجموعتين وغيرهما ممن يشاركهما العيش في تلك المنطقة، فإن الفنون في ظفار اختصّت بألوان لا تجدها في المناطق الأخرى للسلطنة، منها (الهبوت) الذي وإن كان يشبه المسيرة الغنائية في الشمال إلاّ أنه يختلف عنها اختلافاً واضحاً في النص الشعري المستعمل فيها من حيث ألفاظه وتركيبها ومن حيث إيقاعاته وألحانه.
ومن أبرز صور التراث الشعبي المعبّر عن الذات المحلية الرقصة المسماة (البرعة) وهي من فنون الشباب بخاصة لما تحتاجه من جهد جسدي ربما لا يقدر عليه إلاّ الشباب، هي، إذاً، رقصة شبابية، ويؤديها اثنان معاً، وقد أمسك كل منهما في يده اليمنى بخنجره (الذي هو تعبير عن القوة والبأس) ويرقص كل منهما بحركة انسيابية منسجمة مع حركة صاحبه الذي يشاركه الرقصة. يتقدمان ويتقهقران، ويدور كل منهما على نفسه دورة كاملة، ثم يلتقي وجهاهما معاً ليكملا الدورة ثم يركعان سوية أمام الفرقة الموسيقية التي تنشد الشعر وتضبط الإيقاع ليضبط الراقصان حركاتهما على ذلك الإيقاع.
وأهم الآلات المستخدمة في ضبط موسيقى هذه الرقصة الجميلة هي القصبة والطبل المرواس والطبل الصغير وطبل المهجر والدف وذو الجلاجل، وكلها آلات موسيقية موروثة.
(والرعة) يغلب على كلمات أغانيها الغزل، حتى أنها تنقلك إلى ذلك الماضي البعيد، زمن الفراق والرحلات عبر البحار والصحراء، وما يصاحب ذلك من توقّد الحب في نفوس الراحلين والمترقبين عودتهم… تعبير أنيق عن الترابط الاجتماعي الودود… مثلما هي رقصة (الشرح) التي يؤديها رجلان أيضاً، ولكن على أنغام آلات موسيقية أقل عدداً، هي القصبة والمرواس والمهجر والدف ذو الجلاجل.
ومن هذه الرقصات (الربوية) وهي رقصة تحتاج إلى دقة كبيرة في ضبط الإيقاع كما في ترتيب حركة الراقصين… يصطف أربعة رجال في مواجهة أربع نساء… وعلى إيقاع الطبول وأنغام الغناء يتحرك الصفان، كل صف باتجاه الصف الآخر بحيث يمر كل رجل بين امرأتين، وكل امرأة بين رجلين، وبعد ذلك يلتف كل منهم حول نفسه، لتعود الحركة مرة أخرى… وهكذا جولة بعد جولة.
وأمّا الأدوات الموسيقية المستعملة في هذه الرقصة فهي الطبل الواقف، والطبل الجغيوب، والرحماني، والكاسر، وكلها أنواع من الطبول المختلفة الحجم ونوع المادة المصنوعة منها، تمتاز هذه الرقصة بالتصفيق والزغاريد، وكأنها احتفال بعودة الغائبين.
ويبدو أن كل رقصة من هذه الرقصات مناسبة في أساس انطلاقها وابتكارها القديم. وكلها، فيما أعتقد، انطلقت من كثرة أسفار العُمانيين ورحلاتهم، يزداد عدد الراقصين والآلات الموسيقية بازدياد المسافة التي سيرحل المسافرون عبرها، أو يقدمون منها.
حين شاهدت (البرعة) استولى عليّ إحساس بأن الراقصين سيرحلون في سفرة بحرية بعيدة طويلة للصيد أو التجارة. وأوحت لي رقصة (الشرح) بسفرة أقرب من ذلك. أمّا (الروبية) فإنها واضحة الدلالة على رحلة (قد تكون عائلية أو قبلية) عبر الصحراء، بملاحظة حركة الراقصين والآلات الموسيقية. وقد لجأ العُمانيون القدماء إلى هذه الرقصة بالذات تمهيداً لحروبهم، لما فيها من عاطفة ومظاهر القوة الجسدية.
تقاليد الفن في المنطقة الداخلية
المنطقة الداخلية من عُمان أكثر ارتباطاً بمفاهيم البادية وتقاليدها وعاداتها، فالمرأة لا تشارك في رقصات هذه المنطقة، كما أن أبرز ما يستعمل فيها من وسائل التعبير الراقص هو السيف، إشارة إلى طبيعة متطلبات حياة الصحراء من معارك كثيراً ما كانت تنشب في الماضي بين قبائل. وإذا كانت عُمان، وبقية الدول العربية ذات التراث المشابه، قد تخلصت من المعارك القبلية، فإنها احتفلت بهذا اللون من الفن كذكرى تاريخية أولاً، ولأنه لم يكن قاصراً على الحروب ثانياً، ولأن الناس ما زالوا بحاجة إلى استذكار صور القوة في تاريخهم، ثالثاً.
إضافة إلى هذه الرقصة، تتميز المنطقة الداخلية من عُمان بأغاني العمل الشائع في تلك المنطقة، وأعني به زرع النخيل، حيث تتضوع فيها روائح البساتين والتأبير وحلاوة التمور العُمانية المشهورة.
ومن الرقصات المعروفة في تلك المنطقة، أيضاً رقصة (القصافية) وتسمى الرقصة هناك (الرزحة) وهي رقصة سريعة الإيقاع، يؤديها الشباب، تمهيداً لرقصة الكبار، وهي بمثابة تدريب للشباب على إتقان أداء الرزحة، الإيقاع بسيط بساطة الصحراء، والشعر قصير الأوزان قليل الأبيات، كأنه لعب الخيل أو الفروسية والتدريب عليها… أو ألعاب الجمال ووقع أرجلها على الرمال. والشعر يدور غالباً في معاني الحب والغزل والوصف والفروسية، إضافة إلى تلوين محلي خاص عن طريق (العازي) و(الطارق) و(التغرود) و(الونّة) وكلها من تأثير البيئة الصحراوية ومعطياتها الفنية المتوارثة، بأصالة وتفرّد في المحافظة على التراث وتنميته.
المنطقة الشرقية والثراء الفني
بالنظر إلى أن منطقة (صور) بالذات تمثل ميناء متواصل العلاقات مع الأرجاء الإفريقية، وأجزاء من جنوب إيران وبعض شواطىء الهند والتي كانت تابعة لعُمان، في التاريخين القديم والوسيط فإن التراث الشعبي الموجود في المنطقة الوسطى يمثل أنماطاً كثيرة ومتنوعة، تجمع الخاص المحلي والعام المكتسب من تلك العلاقات. وكذا من كون أهالي المنطقة الوسطى يرحلون أيام القيظ إلى المناطق الجبلية فيؤثرون في فنونها ويتأثرون بها.
أغاني البحر، في هذه المنطقة، تمثل كمّاً هائلاً من أنواع الفنون، حتى أن بعض أهل عُمان يسميها الفنون الأفرو ـ عُمانية، وهي المتأثرة بالعلاقات مع القسم الإفريقي أيام الإمبراطورية العُمانية… تجد هناك (الرزحة) و(الطارق) و(التغرود) و(الونة) و(الطنبورة) أو (النوبان)، وقد كان العُمانيون يعتبرونها نوعاً من وسائل التطبيب الشعبي لبعض الأمراض، كما كان الحال عند السومريين والبابليين… وبتطور مستويات التعليم، أخذت هذه الرقصات مفهوم التراث الشعبي والتسلية والرياضة البدنية، بعيداً عما صاحبها تاريخياً من معتقدات طبية، فقد تقدمت البلاد بما فيه الكفاية للتخلص من تلك المعتقدات. على أن الأمر ما زال بحاجة إلى مزيد من العناية، فقد أثبت الطب الحديث، أن الموسيقى والغناء وأنواعاً معينة من الرقص تشارك في تطبيب أنواع محددة من الأمراض.
ونساء هذه المنطقة يؤدين رقصة (التشح شح) في المناسبات كالمواليد والأعراس والخطوبة والختان، وفي الآونة الأخيرة ظهرت فرق غنائية تؤديها، ويكافئها المدعوون بما يضعونه في إناء معدني تنصبه الفرقة في وسط حلبة الرقص.
وهناك (الجمبورة) وهي رقصة نسائية خاصة، تؤديها نساء المنطقة، حيث يجلسن القرفصاء ثم يتحركن بحركات إيقاعية، ومن شروط هذه الرقصة أن تقترب راقصتان الواحدة من الأخرى، وتلتصق الجبهتان في رقصة جماعية بديعة.
منطقة الباطنة بين الرقص والغناء
منطقة الباطنة من أكثر المناطق العُمانية تلوناً وتنوّعاً في بيئاتها المخالفة، وبالتالي في فنونها المتنوعة. فهناك المناطق الساحلية والمناطق البدوية، فعبر البحر انتقلت الفنون الإفريقية وتلوّنت بالألوان العُمانية المحلية… الليوا والسباتا والبوم والكتميري… وعلى رمال الصحراء تتثنى حياة الصيادين والتجّار التي تعبّر عنهم رقصة (الهمبل)… مسيرة غنائية راقصة يتقدمها طبلان على الكاسر والرحماني، وتشترك فيها صفوف من الرجال ببنادقهم وسيوفهم… ويشارك النساء والأطفال أيضاً في المسيرة إذا كانت ذات دلالة محلية كالتهنئة بعرس أو مولد أو ما إلى ذلك من مناسبات تتطلب هذه المشاركة.
والرزحة في هذه المنطقة ذات معنى تاريخي مهم لأنها تعبر، في بعض أشعارها، عن مطالب الأهالي التي يقدمونها إلى الولاة أو إلى الأئمة على أيام حكمهم، عبر المطارحة بالشعر والمبارزة بالسيف، وبقي منها اليوم معنى التضامن الاجتماعي والتكافل بين السكان.
وأمّا (العزي) فهو المديح والفخر، ويتم عادة بإلقاء الأشعار من دون تنغيم ولا غناء… وتصور طبيعة الإنشاد الشعري الموروث، حيث يتصدر الشاعر (العازي) جماعته ممسكاً بسيفه وترسه ويلقي القصائد، ويردد الرجال خلفه هتافات محددة موروثة أيضاً.
و(الطارق) من الفنون البدوية الأصيلة كذلك، يغنيه صاحبه وهو على ظهر هجينه ويشارك في غنائه مغنيان، يبدأ الأول ثم يتلقف الثاني الشعر والنغم في نهاية البيت الشعري ليعيد أداءه. وإذا كان (الطارق) ينشد من على ظهر الهجين، فإن (التغرود) ينشد من على ظهور الإبل لإثارة حماستها وحماسة راكبها، وواضح جداً المعنى العسكري في كل هذه الفنون. وللذكريات غناؤها الخاص في هذه المنطقة، يؤديه مغن بدوي منفرد يسلي نفسه في رحلته الليلية الطويلة.
وللبحر أيضاً وجوده فيما يسميه العُمانيون (غناء البحر) وهو يتضمن الأغاني المتعلقة بأعمال البحارة بدءاً من إعداد السفينة للإبحار وانتهاء بعودتها من رحلتها. وتتضمن هذه الأغاني الأمل بالعودة والحنين للأهل ومخاطبة السفينة والبحر، على ألوان من اللوعة والألم والشوق. كانت حياة صعبة يتغلب الإنسان عليها بالفن المعبر عن ذاته وآماله وآلامه، لأن الإنسان بالفن يعيش، وبه يكشف للتاريخ وقائع ما كان وما هو كائن وما يأمل أن يكون.
منطقة الظاهرة
وتشترك منطقة الظاهرة مع منطقة الباطنة في كثير من ألوان التراث الشعبي، ولكنها تنفرد عنها بظاهرتين، واحدة فنية، والأخرى اجتماعية، فالفنية تتجلى في استخدام الظاهرة لأنواع من الآلات الموسيقية غير المستعملة في الباطنة، مثل طبل الكاسر القصير، أو الفلطح، والمزمار المزدوج… وهذا الأخير يشيع عادة في البيئات الزراعية والبدوية.
أمّا الظاهرة الاجتماعية الجديرة بالدراسة فهي مشاركة المرأة في هذه الرقصات على عكس الحال في الباطنة، بمعنى أن المرأة في الظاهرة أكثر حضوراً في هذه الأعمال الفنية، التي تشترك مع الباطنة في غناء الطارق والتغرود والونة والرزحة بالسيف وبالشعر، ولكن مع مشاركة العنصر النسائي في أغلبها.
وأخيراً نزور مسندم
البحر والجبل يلتقيان لقاء الأزل الخالد في عُمان الجميلة المتوثبة… وهذا هو وصف مسندم. مزيج رائع ساحر بين فنون (الرواح) وفنون (البحر)… فنون السيف وفنون (الشحوح) في تكامل وتنسيق لا تجده في غير مسندم.
وعلى رغم أن بعض هذه الفنون يسميه أهل مسندم بأسماء ما يشابهه في مناطق البلاد الأخرى، فإنه في مسندم يبقى ذا نكهة خاصة هي مزيج هذه البيئة الساحرة. وقد كان لموقع مسندم المطل على الطريق البحري الموصل بين عُمان والمحيط الهندي أثره المهم في تلوين فنون مسندم وتنويعها فإن عدداً من الفنون التقليدية وطرق أدائها يفصح عن تأثير الجغرافيا على الفن في هذه المنطقة، كما رأينا تأثيرها في المناطق الأخرى من البلاد.
هنا تجد (المسيدرة) أو (الشلة) مسيرة شعبية غنائية تنطلق من بيت الشيخ أو أحد وجهاء المنطقة إلى مقر المحافظ أو الوالي، ولهذا معناه الخاص، كما أنها تقام عند الاحتفال بالعريس في ذهابه للحمام أو الاستحمام في البحر قبل توجهه إلى لقاء عروسه… يتقدم المسيرة في الحالين رجال يحملون التروس والسيوف ويتبارزون أثناء السير ويتقافزون في الهواء على أصوات الطبول.
هذا التنوّع الآخّاذ جدير باسم الفن، لأنه معبر عن بلاده وناسه.
هادي حسن حمودي
عَمّان عاصمة الأردن
في العام 1890 ظهرت إلى الوجود قرية صغيرة اسمها عَمان. لم تنشأ القرية الصغيرة من العدم إذ كانت البؤرة التي بدأت القرية في التشكل على مقربة منها مدينة رومانية قديمة، حملت خلال تاريخها الذي يناهز الألفي عام عدداً من الأسماء أشهرها فيلادلفيا وربة عمون. ومن الاسم الأخير القديم أخذت القرية الصغيرة اسم عمان.
لكن قرية عمان لم تكن بأي حال استمراراً لربة عمون بل إنها نشأت من جديد عندما بدأ يستوطنها بعض الشراكسة الهاربين من عسف السلطات الروسية القيصرية في أواخر القرن التاسع عشر، ويستقر فيها بعض البدو الذين كانت مضاربهم في الجوار. في ذلك الوقت لم يكن عدد سكان القرية يتجاوز الألف نسمة، واليوم يقدر عدد سكان عمان، التي تحولت خلال أقل من قرن من قرية صغيرة إلى حاضرة مترامية الأطراف، بنحو المليون ونصف المليون نسمة.
غير أن هناك نقطة مهمة لا بد من إيرادها في هذا المجال، وهي أن انتعاش المدينة الاقتصادي ونموها السكاني، كانا على الدوام مرتبطين بأحداث سياسية كبرى، تتمدد المدينة على أثرها وتزداد أهميتها في أعقاب حدوثها. فقد بدأت القرية في النشوء حول نهير صغير كان يجري في واد يفصل عدداً من التلال عن بعضها، عندما هاجر بعض الشركس من منطقة القفقاس التي كانت تشهد اضطرابات سياسية في نهاية القرن التاسع عشر.
في العام 1903 باشرت السلطات التركية التي كان الأردن تابعاً لها آنذاك، العمل في الخط الحديدي الحجازي الذي كانت قرية عمان إحدى محطاته. وقد وفر العمل في المحطة وفي الخط الحديدي الحجازي فرصة لكثير من الباحثين عن العمل للاستقرار في القرية التي ما لبث عدد سكانها أن ارتفع إلى نحو ثلاثة آلاف نسمة، وتحولت عمان إلى محطة ربط مع دمشق في الشمال والحجاز في الجنوب.
وفي العام 1917 زال الاحتلال التركي وصدر وعد بلفور وتأهبت البلاد لاستقبال القوات البريطانية التي كانت في طريقها إلى القدس، وكانت عمان أحد مراكز تجمع القوات البريطانية، فارتفع عدد سكانها إلى نحو خمسة آلاف نسمة. وفي العام 1921 وصل عدد سكانها إلى نحو 6400 نسمة. وفي العام التالي اختار الأمير عبد الله الذي كان أصبح لتوه أميراً على شرق الأردن، عمان عاصمة للإمارة الجديدة. في ذلك العام كانت مدينة السلط الواقعة على بعد 25 كيلومتراً شرقي عمان تعدّ نحو 20 ألف نسمة.
وخلال الفترة الفاصلة بين اختيار عمان عاصمة للإمارة الجديدة والعام 1948، وهو عام تشريد الشعب الفلسطيني، تضاعف عدد سكان عمان أكثر من مرة ليصل إلى نحو ثلاثين ألف نسمة. وكانت الأحداث والتطورات السياسية التي تشهدها المنطقة هي السبب في نزوح السكان من مناطق عديدة مجاورة إلى المدينة التي أصبحت عاصمة. فقد استقبلت عمان خلال تلك السنين بعض اللبنانيين الهاربين من المجازر التي شهدها لبنان في عهد الأتراك، ثم من الاستعمار الفرنسي الذي ما لبث أن حلّ محل الأتراك، واستقبلت بعض الأرمن الهاربين من مذابح الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى، واستقبلت الفلسطينيين الهاربين من مذابح الصهاينة في فلسطين، والسوريين الهاربين من ظلم الفرنسيين الذين احتلوا سوريا بعد معركة ميسلون، ثم الهاربين من المستعمرين الفرنسيين في أيام الثورة السورية الكبرى، ثم الفلسطينيين في أيام الثورة الفلسطينية الكبرى بين 1936 و1939. وبين العام 1940 و1948 لم تتوقف هجرة الفلسطينيين هرباً من الحرب المتقطعة بينهم وبين اليهود فقد كانت تلك فترة مضطربة.
خلال تلك السنين كانت المدينة تتمدد وتفيض عن الوادي الذي توسط المدينة وتتسلق سفوح التلال السبع المحيطة به، وهكذا حملت عمان اسم مدينة التلال السبع، أو مدينة الجبال السبعة.
لكن العام 1948 لم يكن عام انتهاء الهجرات إلى عمان، ففي العام 1951 انضم الجزء المتبقي من فلسطين إلى الأردن التي حملت اسم المملكة الأردنية الهاشمية. وخلال الفترة من 1948 وحتى 1967 هاجر كثير من الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية إلى العاصمة عمان. غير أن الهجرة الكبرى حدثت في العام 1967 عندما نزح مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين كانوا في ذلك الوقت قد أصبحوا مواطنين أردنيين، إلى الضفة الشرقية، وذلك بعد الهزيمة المدوية في حزيران (يونيو) من ذلك العام ليتضاعف سكان عمان مجدداً، فقد كان من نصيب عمان أن تستقبل القسم الأكبر من هؤلاء الذين أطلق عليهم فيما بعد اسم «النازحين».
وفي أواسط السبعينات استقبلت عمان اللبنانيين الهاربين من جحيم الحرب الأهلية اللبنانية، غير أن الهجرة الكبرى الأخيرة التي شهدتها عمان كانت في العامين 1990 و1991. عندما عاد من الكويت خصوصاً، ومنطقة الخليج عموماً، أكثر من ربع مليون مغترب كانوا يعيشون هناك، وذلك بعد أن غزا العراق الكويت مشعلاً فتيل حرب الخليج.
في مطلع عقد التسعينات زاد عدد سكان عمان على المليون، وهي التي كان عدد سكانها قد بلغ في أواسط الثمانينات نحو 850 ألف نسمة، واليوم يصل عدد سكانها إلى مليون ونصف المليون نسمة. وتتوقع دراسة أعدّها المهندس عبد الفتاح صبيح أن يصل عدد سكانها في العام 2005 إلى نحو المليونين.
إن التطور الذي شهدته مدينة عمان خلال قرن من الزمن فريد في نوعه، إذ تضاعف عدد سكان عمان أكثر من ألف مرة، وتضاعفت الرقعة التي قامت عليها المدينة مئات المرات، واتصل العمران الذي بدأ على جانبي الوادي الصغير وحول محطة السكة الحديد بالقرى المجاورة التي تحول كثير منها إلى أحياء وضواح لمدينة عمان الكبرى، وتحولت مناطق كانت إلى عهد قريب نائية تخلو من مقومات الحياة البشرية، إلى مناطق مأهولة بالعمران تضج بالحياة وترتفع فيها المباني الضخمة وتنتشر فيها المراكز التجارية، وبخاصة في الشطر الغربي من المدينة ومن يزور اليوم شارع الغاردنز في المنطقة الغربية من عمان لا يمكنه أن يتخيل أن هذا الشارع كان حتى مطلع الثمانينات منطقة نائية مهجورة لا أثر فيها للحياة المدنية، لكنه اليوم من أهم الشوارع التجارية في العاصمة. ويعود الفضل في هذا التحول إلى حرب الخليج، فالمغتربون السابقون في الكويت وبلدان الخليج الأخرى هم الذين عمّروا هذا الشارع وحولوه إلى مركز تجاري رئيسي في عمان.
ولم يكن غريباً على أي حال أن تتحول هذه المنطقة التي كانت مهجورة في مطلع الثمانينات كما ذكرنا، إلى منطقة تجارية يصل فيها سعر الدونم الواحد من الأرض إلى أكثر من مئة ألف دينار، ويتحول سكان هذه المنطقة التي كانت مهجورة إلى تجار للعقارات ويتحول جزء منهم إلى أثرياء حقيقيين.
الشيعة في عمان
كانت في عمان أكثرية شيعية. جاء في كتاب خطط الشام نقلاً عن المقدسي قوله عن مذاهب الشام في القرن الرابع الهجري وما بعده: «وأهل طبريا ونصف نابلس وقَدَس وأكثر عمان شيعة» أمّا اليوم ففي عمان قلة قليلة من الشيعة.
العمدة
كتاب لابن البطريق
ألف الشيعة في مناقب أهل البيت من أقدم العصور إلى زماننا هذا، ومما أُلّف في هذا الباب في أُخريات القرن السادس، كتاب «العمدة» لمحدّث عصره الحافظ: يحيى بن الحسن بن البطريق الأسدي الحلي (523 ـ 600 هـ). فقد دون جلّ ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد معلّقاً عليها كلّما استدعت الحاجة، قال في لسان الميزان نقلاً عن تاريخ ابن النجار: إن ابن الحسن بن الحسين بن علي الأسدي الحلّي الربعي المعروف بابن البطريق، قرأ على أخمص الرازي الفقه والكلام على مذهب الإمامية وقرأ النحو واللغة وتعلّم النظم والنثر، وجدّ حتى صارت إليه الفتوى في مذهب الإمامية، وسكن بغداد مدة، ثم واسط وكان يتزهّد ويتنسّك، وكان وفاته في شعبان سنة 600 وله سبع وسبعون سنة.
عنّابة
استوطن الإنسان منطقة عنّابة، أو بونة كما كانت تُعرف في القديم، منذ عصور غابرة، إذ تدل الآثار والحفريات على أن وجود حياة بشرية بها يمتد إلى حوالي 200 ألف سنة قبل الميلاد، أي منذ العصر الحجري القديم السفلي. كما وجدت شواهد على اضطلاع المنطقة بدور حضاري رائد في الحقب التالية بدءاً بالعصر الحجري الحديث وحتى بداية العصر التاريخي حيث بدأت ترتسم ملامح الحضارة النوميدية وبالضبط في الفترة الممتدة إلى نحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. ونشأ في هذه الحقبة كيان سياسي وثقافي ساعده عامل الاستقرار والرخاء الاقتصادي والانفتاح على الثقافات الشرقية والمتوسطية في الشروع بإرساء دعائم صرح حضاري سيكون له شأن في مملكة نوميديا والإمبراطوريات الأخرى المتعاقبة.
وفي عهد ماسينيسا وأسرته التي حكمت من بعده، ولا سيما ابنه مقبسة وابن أخيه بوغرطة وحفيده يوبا الأول، عرفت عنّابة رخاءً حضارياً وتنظيماً سياسياً وإدارياً لم تعرفه من قبل، وغدت مدينة ملكية أو «هيبورجيوس» كما كانت تُعرف في التسميات القديمة. وساعدتها ظروفها وموقعها الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط في أن تتبوأ مكانتها كأحد أهم المرافىء البحرية في الضفة الجنوبية الغربية للمتوسط وتنشط بها الحركة التجارية والفلاحة والصناعة، واتخذت تنظيمها السياسي الخاص المنفصل عن الاتحادات القبلية.
ومنذ القرن السادس عشر قبل الميلاد دخلت بونة تحت السيطرة البونيقية وأصبحت تسمى «هبون» واصطبغت بالصبغة البونيقية التي ظهرت آثارها في ثقافة الأهالي ولغتهم وعاداتهم ودياناتهم وبالجملة في كل مقوماتهم الشخصية التي أصبحت بونيقية خالصة. لكن هذا لم ينقص من دورها الريادي كحاضرة مزدهرة على طول الساحل الجنوبي للمتوسط، فقد تعاظمت أهمية مينائها مع ازدهار النشاط التجاري والتبادلات، وظلت مدينة مصرّة على البقاء حتى بعد أن نهبها الرومان في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد. وفي منتصف القرن الأول قبل الميلاد دخلت بونة تحت النفوذ الروماني بعد إخفاق يوبا الأول في تحالفه مع بومبيوس ضد الرومان لتصبح في عهد الأمبراطور أغسطس مدينة ذات كيان قانوني ثم ترتقي إلى مستعمرة رومانية.
ومن الناحية الاجتماعية ترسبت الخصوصية البونيقية لسكان بونة ونقل الرومان مظاهر حياتهم وعقيدتهم فبنوا المعابد والمسارح والقصور والأسواق على ما كان في سائر البلاد والمستعمرات الرومانية.
ووصلت المسيحية بونة في بداية القرن الثالث الميلادي فتجاوب بعض أهلها مع فكرة التوحيد التي تدعو إليها ردحاً من الزمن غير أنهم ما لبثوا أن ثاروا ضدها حين رأوا أنها لا تستجيب لآمالهم، فقاد العمال والفلاحون هذه الثورة بتأثير من مذهب الدوناتية وتراجعت المسيحية. لكن مجيء القديس أوغسطين في نهاية القرن الرابع الميلادي أعاد للمسيحية الكاثوليكية مكانتها في بونة، وقد استعان القديس باللوبي السياسي والاقتصادي الذي تضررت مصالحه من المذهب الدوناتي.
وفي الثلث الثاني من القرن الخامس الميلادي تعرضت بونة لهجمات الوندال حيث خرب جزء كبير منها واتخذت عاصمة لملكهم وخبت جذوة العمران التي ظلت متوقدة بها طوال قرون وهجرها كثير من أهلها. ولم يطرد الوندال منها إلاّ الجيش البيزنطي الذي دخلها سنة 533 م فاستعادت شيئاً من انتعاشها الاقتصادي والحضاري وانفصلت عن الإمبراطورية الرومانية.
وتشهد الآثار المائلة اليوم ببونة على أن فترة الوجود الروماني كانت من أخصب الفترات وأغناها في تاريخ المنطقة قبل الإسلام، ولا تزال آثار السوق الضخمة قائمة حيث يمكن الوقوف على ساحتها الواسعة وبقايا الدكاكين التي تحيط بالساحة من جهاتها الثلاث. كما لا تزال بونة تحتفظ بلوحات فسيفسائية في غاية الروعة والإتقان أهمها اللوحة التي تجسد منظراً عاماً لبونة حيث يظهر الشاطىء والخليج وحركة الصيد. وتشهد بقايا المسرح الروماني على عظمته إذ يداني مسارح اليونان في مدرجاته وهندسته.
ولا تكاد المصادر تشير على وجه التحديد إلى الفترة التي دخل فيها الإسلام بونة، غير أن الثابت أنه لم تكن فترة الفتوحات الإسلامية الأولى التي بدأت في إفريقيا منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري والثابت أيضاً أن المدينة لم تفتح بالسيف.
وكان أول دور تقوم به بونة في عهدها الإسلامي هو مساهمتها الفعّالة في قيام الدولة الفاطمية في القرن العاشر الميلادي. فقد اتخذها الفاطميون مرفأً ومركزاً لصناعة السفن الحربية وضمّوها إلى ملكهم، لكنها ظلت تتمتع ببعض الاستقلال إذ يذكر ابن حوقل أنه كان: «لها عامل قائم بنفسه ومعه من البربر عسكر لا يزول كالرابطة». وأصبحت بونة ومعها نوميديا القديمة تُعرف بإفريقيا الإسلامية.
ثم خلف الفاطميين عليها شيعتها الصنهاجيون ثم الحماديون الذين أولوا اهتمامهم للمراسي وحصنوا مواقعهم الدفاعية بها لانتقال فتيل الحروب الصليبية إلى الحوض الغربي من البحر المتوسط وبنى الملك الناصر سورها العتيق سنة 1058 م. ومكّن هذا النظام الدفاعي المدينة من أن تنعم بالأمن والرخاء وبقيت تحت الحكم الحمادي إلى غاية منتصف القرن الثاني عشر الميلادي حيث احتلها الصقليون بدعم من الهلاليين وخربوها ونكلوا بأهلها إلاّ علماءها فقد شملهم عفو القائد الصقلي فيليب المهداوي. وإذا كان شيء يحمد لهذه الحملة فهو تمكّن الهلاليين من تعريب بونة فكان ذلك إيذاناً بميلاد مرحلة بونة الإسلامية العربية. وشهدت المدينة في عهد الحمادي حركة علمية وثقافية عمرانية مزدهرة تشهد عليها المساجد المشيدة وعديد العلماء كمروان بن علي الأسدي القطان صاحب تفسير موطأ الإمام ومالك وعلي التدكشي البوني والولي الصالح أبي مروان الذي لا يزال مسجده قائماً إلى اليوم بعناية.
وبحلول منتصف القرن الثاني عشر الميلادي دخلت بونة تحت حكم الدولة الموحدية التي قام زعيمها عبد المؤمن بن علي بإجلاء الصقليين عنها وعزز نظامها الدفاعي فتحوّلت إلى نقطة تجارية وبحرية مهمة. وتقلصت في ظل قوة الموحدين، الأطماع التوسعية الأوروبية. وأصبحت سواحلها آمنة مزدانة بنشاط الصيد وحركة السفن التجارية التي كانت تأتيها من كل الجهات. أمّا وجود المرابطين بها فقد اقتصر على إمارة بني غانية التي تأسست في مستهل القرن الثالث عشر الميلادي والتي لم يفتأ الموحدون أن قضوا عليها بعد حملة أبي محمد بن أبي حفص ليبدأ عهد الدولة الحفصية ببونة سيما بعد تفتت دولة الموحدين. وتعاظمت في هذه الفترة أهمية المدينة من حيث إنها كانت واسطة بين نقاط كثيرة: الجمهوريات الإيطالية وإسبانيا وتلمسان عاصمة الزيانيين ومراكش عاصمة بني مرين، واضطلعت بدورها الاقتصادي والتجاري والعسكري، ولكن الأطماع الداخلية حولها تزايدت، إذ تنازعها الزيانيون وحال تحالف الحفصيين مع المرينيين دون سقوطها في أيديهم غير أنها انتهت كسائر بقاع الإمبراطورية الحفصية إلى حكم المرينيين ولم يستعدها الحفصيون إلاّ في منتصف القرن الثامن الهجري لتعود مرة أخرى إلى سيطرة المرينيين قبل أن يسيطر عليها الأوروبيون ثم العثمانيون منذ القرن السادس عشر، فالفرنسيون خلال القرن التاسع عشر.
طبعت الحقبة الإسلامية بونة بطابع مميز وأحدثت تحولاً جذرياً في بنى أهلها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، إذ تلاشت رواسب قرون عدة من الوجود الحضاري لمختلف الأمم والأجناس التي تعاقبت عليها ووجد أهلها في روح الحضارة الإسلامية تلك الحرية التي ظلوا ينشدونها حقباً من الزمن وفضاءً رحباً للإبداع والابتكار والبناء والعمران. وتظهر هندسة عمارتها الإسلامية تلك المواءمة بين الروحي والمادي وذلك التمثل العميق لروح الإسلام على مدى قرون من البناء الحضاري. والمعالم الدينية ببونة كثيرة أشهرها مسجد أبي مروان الذي بني خلال القرن الحادي عشر الميلادي والذي يبلغ طوله 86.5 م وعرضه 19.60 م ويتميز، شأن معالم الحقبة، بقبتين محمولتين على أعمدة مزخرفتين بحلقات منكسرة، وله ستة أبواب عرض الرئيسي منها نحو 2.20 م وعرض الآخر ما بين 1.40 م و1.80 م، ويضم سوار، وفي فنائه الرحب يرقد منذ بداية القرن السادس الهجري الوالي الصالح أبو مروان في ضريحه. ويحاط الفناء برواق يحمل جزؤه الجنوبي ثمانية أقواس مواجهة من الشرق إلى الغرب محمولة على أعمدة وتسعة أقواس مواجهة من الشمال إلى الجنوب. وعلى محور المحراب توجد قبة البهو. كما يتميز هذا المسجد بزخرفته النباتية والهندسية الرائعة والتي قوامها أشكال الأوراق والسيقان والدوائر والمثلثات ومختلف المضلعات.
وبالإضافة إلى هذا المسجد، هناك مسجد صالح باي المشيد في العهد التركي ومسجد الرمانات. وكانت الأسواق في غاية من التنظيم، كما وجدت هندسة دقيقة للأحياء السكنية ومباني عسكرية داخل سور المدينة. أمّا خارجه فكانت تنتشر الرياض والبساتين والسواقي. وكان لبونة معابدها وقبابها المشهورة والتي كانت مراكز للمتصوفة ومدافن للأولياء أشهرها معبد السبعة رقود عند أسفل قلعة القصبة التي بناها السلطان أبو زكريا بن أبي إسحاق سنة 1300 م، وعبد سيدي إبراهيم.
وزخرت المدينة على امتداد الحقبة الإسلامية بكثير من الأسماء العلمية والأدبية نذكر منها أبا الفرج البوني الذي تولّى إمامة محراب الحنفية في دمشق، وتقي الدين أبا العباس البوني الصوفي صاحب المصنفات الكثيرة والتي منها «إظهار الرموز وإبداء الكنوز»، و«تحفة الأحباب»، و«المشهد الأسنى» و«علم الهدى وأسرار الاهتداء»، والفقيه أبا العباس البوني وغير هؤلاء كثير.
خليل قرطي
العوالي
في الحجاز قرب المدينة المنورة أكثر أهلها شيعة، وفيها أشراف المدينة الحسينيون الذين كانوا أمراء المدينة.
عوالم العلوم والمعارف والأحوال
كتاب للشيخ أبو الحسن عبد الله بن نور الدين البحراني. وكان المؤلف من أعلام القرن الثاني عشر الهجري. وهو تلميذ المولى محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1111 هـ وله منه إجازة حديثية.
ويظهر من المقدمة أيضاً أنه كان يعيش في ضيق مادي عظيم، فإنه قد أظهر تبرمه الشديد من الدنيا والآلام التي يجدها في حياته.
ويبدو مما كتب عنه بعض الأعلام أنه كان قاضياً بأصبهان، وقد روى عنه جماعة من الأعلام منهم: المولى محمد رفيع الجيلاني، والمولى محمد أكمل والد الوحيد البهبهاني.
ولم يكن كتاب «العوالم» هو الجهد الوحيد للبحراني، بل له قبله كتاب «جوامع العلوم» الذي يجمع كل العلوم المتداولة في عصره وكتاب «جوامع الآداب» الذي يظهر من المقدمة أنه كتاب كبير ومهم جداً.
أمّا كتاب «العوالم» فهو موسوعة كبيرة في مائة وثمانية وعشرين جزءاً يجمع الآيات الكريمة والأحاديث المروية عن الأئمة عليهم السلام في كل موضوع اعتقادي وفقهي. فيذكر في كل باب الآيات المناسبة له أولاً، ثم يجمع ما ورد فيه من الأحاديث ويشرح ما يحتاج إلى شرح بصورة مختصرة بعنوان «بيان».
ألف هذا الكتاب بعد وفاة المجلسي ولكن ينقل عنه المؤلف كثيراً بعنوان «أستاذي العلامة». ويقال إنه قد صرّح باسم المجلسي في النسخ التي هي بخطه إلاّ أنه عدل عن التصريح باسم أستاذه فشطب على الاسم في تلك النسخ.
على أن الميرزا حسين النوري في كتاب (الفيض القدسي) يرى أن كتاب (العوالم) هو البحار نفسه ولكن غير البحراني منهجه في الترتيب وبدل اسمه.
ولم يطبع من «العوالم» إلاّ الكتاب السابع عشر منه الذي يختص بحياة الحسين عليه السلام ومقتله، فإنه طبع على الحجر بإيران سنة 1318 هـ.
وقد ترجم كثير من مجلداته إلى الفارسية.
العوامية
مدينة ملتصقة بالقطيف من ناحية الشمال، وقد قامت البلدة على أنقاض مدينة (الزارة) قاعدة المنطقة قديماً، والتي هدمها القرامطة وأشعلوا في ربوعها النار. ونسبت البلدة إلى أبي البهلول العوام بن محمد بن يوسف الزجاج أحد بني عبد القيس الذي أخذ البحرين من القرامطة.
وجميع سكان البلدة من الشيعة، ورجالها مشهورون بقوّة البأس والمواجهة مع العدو.. وقد تفرّد أهلها خلال التاريخ القريب بمقاومة طغيان الحكم السعودي.
أمّا أسرها فكثير منها من ينتمي إلى أصول قبليّة قريبة معروفة نزحت من نجد.. فآل نمر وآل فرج وآل زاهر عدنانيون، وقد نُسبوا متأخراً إلى القحطانية ـ كما يقول زعيم العوامية الراحل عبد الله بن مهدي الفرج ـ.
ويعود نسب هذه الأسر الثلاث (آل نمر وآل زاهر وآل فرج) إلى نمر بن عائد بن عفيصان.. وينقل النسّابون أن جدهم كان يتردّد بين العوامية وقرية عائد بن عفيصان…و… وينقل النسّابون أن جدهم كان يتردّد بين العوامية وقرية (الأسلمية) في نجد، وأنه اعتقد بالمذهب الشيعي، وزوّجه الشيخ محمد العرجان (المتوفى سنة 1019 هـ) ابنته (عدا)، فأولدها ثلاثة أبناء هم نمر وفرج وزاهر، وإليهم تنتسب الأسر الكبيرة الثلاث في العوامية.
وقيل إن آل عفيصان كانت لهم الزعامة في (الأسلمية) مع بني تميم، إلاّ أن استيلاء الأخيرين عليها واستفرادهم بالحكم، عجّل بنزوح الكثير منهم إلى المنطقة الشرقية.
حمزة الحسن
العيارون
العيارون ظهروا في القرن الرابع الهجري ولم تكن حركتهم إلا وليدة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة وقتذاك، والمؤرخون يصمون العيارين بأنهم لصوص وأن حركتهم لم تقم إلا لإكثار الفوضى والفساد، ولكننا بإمكاننا أن نتلمس في بعض أعمال كبار العيارين صفات الإنسانية والرجولة. ويبدو أن لحركة الفتوة صلة بحركة العيارين، فالعيارون يسمون طريقتهم الفتوة وربما حلف أحدهم بحق الفتوة فلم يأكل ولم يشرب. ومن مبادئهم أن الفتى لا يزني ولا يكذب ويحفظ الحرم ولا يهتك ستر امرأة، وقال الجنيد البغدادي: الفتوة كف الأذى وبذل الندى. وللعيارين مبادىء إنسانية جديرة بالتفحص والدراسة، واشتهر منهم، البرجمي العيار الذي استبد ببغداد من سنة 421 ـ 425 هـ/ 1030 ـ 1033 م وبلغ من عجز السلطة تجاهه أن العامة ثاروا بالخطيب في صلاة الجمعة وقالوا له إما أن تخطب للبرجمي وإلا فلا تخطب لسلطان ولا غيره. وكان البرجمي قد تعهّد سنة 425 هـ /1033 م بحفظ الأمن وكان يجبي الضرائب في الأسواق وارتفاع المواخير والقيان لنفسه، ويقول عنه ابن الأثير: وكان مع هذا فيه فتوة وله مروءة لم يعرض إلى امرأة ولا إلى من يستسلم إليه.
ولفظة العيار لغة: الكثير المجيء والذهاب في الأرض([111])، وقيل هو الذكي الكثير التطواف([112])، وحكى الفراء: رجل عيار إذا كان كثير التطواف والحركة ذكياً([113]). وقال ابن الأعرابي: والعرب تمدح بالعيار وتذم به، يقال غلام عيار نشيط في المعاصي، وغلام عيار نشيط في طاعة الله عزّ وجلّ([114]). وقد ركّز العيارون هجماتهم على بيوت الأغنياء وكبار التجار وأصحاب الشرط والمتنفذين فالعيار المعروف بعزيز ظهر في باب البصرة من محلات بغداد، التحق به كثير من الذعار([115]) وطرح النار في المحال، وطلب أصحاب الشرط ثم صالح أهل الكرخ وقصد سوق التمارين وطالب بضرائب الأمتعة وجبى ارتفاع الأسواق الباقية وكاشف السلطان وأصحابه ونادى فيهم، وكان ينزل إلى السقي فيطالب بالضرائب وأصحاب السلطان يرونه من الجانب الآخر ويبدو أن العيارين كانوا من السنة والشيعة ففي سنة 392 هـ/ 1001 م زاد أمر العيارين والفساد ببغداد وكان فيهم من هو عباسي وعلوي، فواصلوا العملات وأخذوا الأموال وقتلوا، وأشراف الناس معهم. وكانت للعيارين تنظيمات خاصة بهم، وتميزوا بدرجات، معلومة في السلّم الرئاسي، ومن درجاتهم، المتقدم، وكان البرجمي على ما يظهر يحمل لقب «متقدم» ودرجة القائد، ودرجة الرئيس، فقد كان لكل محلة رئيس وقد يجتمع فيها عدة رؤساء، وفي أواخر العصر البويهي أخذت الدولة تستعين بالعيارين ففي سنة 421 هـ/ 1030 م، تقلد أبو محمد النسوي النظر في المعونة ولقب الناصح واستحجب وخلع عليه، واستدعى جماعة العيارين فأقامهم أعواناً وأصحاب مسالح، وانتشر العيارون بكثرة في بغداد بشكل خاص، ومع وجود بعض العيارين من يحمل روح الفتوة ومبادئها السامية ولكن سوء الأوضاع وانهيار الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي جعل الكثير من العاطلين والشقاة ينخرطون في صفوف العيارين، الأمر الذي أدّى إلى أن تصطبغ هذه الحركة بصبغة اللصوصية والعدوان.
وقد كثر فساد العيارين في بغداد فصاروا يسلبون عمائم الناس ويأخذون ثيابهم من الحمامات ويقتلون من يظفرون به من أتباع صاحب الشرطة وينهبون الدكاكين.
العين (كتاب)
اسم كتاب للخليل بن أحمد الفراهيدي المولود في البصرة سنة 100 هـ والمتوفى سنة 160 وقيل عاش أربعاً وسبعين سنة.
وكتاب العين هو معجم للغة العربية.
ولم يكن في اللغة العربية حتى عصر الخليل معاجم لمعرفة صحة الكلمات ومعانيها. بل الأصح أن نقول إن اللغة العربية لم تكن مدوّنة قبل الخليل، فهو المدوّن الأول لها وواضع أول معجم فيها.
ومن بعد الخليل جاء الأزهري، فألّف كتاب التهذيب، وابن سيده فألّف كتاب المحكم، ثم الجوهري فألّف كتاب الصحاح، وأخذت كتب اللغة بعد الخليل بالتطور والتحسن حتى كان كتاب الصحاح المتقدم ذكره فكان أسهل ترتيباً لأنه راعى ترتيب الحروف الهجائية في أول الكلمة وآخرها وتبعه المؤلفون على ذلك. واستغنى الناس بهذا عن كتاب العين، ولكن بقي فضل الابتكار للخليل.
وكان السبب في تسمية الكتاب بالعين أن الخليل احتار بأي حرف يبدأ كتابه، إذ كان عليه أن يبدأ بحرف الألف ثم ما يليه من الحروف ولكنه رأى أن حرف الألف حرف معتل فلم يجز الابتداء به، ولما فاته حرف الألف، وهو أول الحروف، كره أن يجعل الثاني أولاً وهو الباء لا لسبب، وبعد استقصاء وجد أن مخرج الكلام كله من الحلق فجعل أولاها بالابتداء به أدخلها في الحلق، وقد وجد أن العين أقصاها في الحلق، فجعل حرف العين الحرف الأول، ثم ما قرب مخرجه منها ببعد العين. وإذا كانت الهاء أقصى في الحلق من العين فقد كان عذره أنها مهموسة خفية لا صوت لها ـ على حد قوله ـ ثم يقول: «فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به».
ويبدو أن الكتاب سمي كتاب (العين) لأن أول حرف كان فيه هو حرف العين، ولكن من غير المعلوم ما إذا كان هو نفسه سماه هذا الاسم أم أن بعض من جاء بعده هو الذي سماه.
ولم يسلم هذا الكتاب من تنازع فيه، فقد وجد من يقول إنه ليس للخليل أصلاً، ومن يقول إنه ابتدأ به وأكمله غيره وأن كل ما له فيه هو ما جاء عن حرف العين وأن الليث بن رافع بن نصر بن سيار هو الذي أكمله.
والذين قالوا هذا القول رووه بحكايات مختلفة، ومما قيل في ذلك: إن الخليل كان منقطعاً إلى الليث بن رافع بن نصر سيار وكان هذا أديباً بارعاً يكتب للبرامكة فأهداه الخليل كتاب العين، فعكف عليه مطالعة وتنقيباً، واشترى يوماً جارية جميلة أغارت زوجته فأرادت هذه إغاظته فلم تجد أجدى من أن تتلف الكتاب الذي كان لا يفارقه فأحرقته، وأن الليث أعاد كتابة نصف الكتاب ـ وكان الخليل قد مات ـ من حفظه، واجتمع مع فريق من الأدباء على إكمال الباقي على نسق النصف الأول([116])، وقيلت أقوال كثيرة غير هذا.
على أن هذه الأقوال لا تكاد تثبت أمام النظر الثاقب المنقب. وقد اجتهد فريق من العلماء في الاستدراك على الكتاب، كما فعل أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب الذي كتب (فتح العين) وغيرها. كما أن هناك من ألّف مدخلاً له وهو النضر بن شميل، ومن اختصره وهو محمد بن الحسن الزبيدي وأبو الحسن علي بن القاسم الخوافي.
دراسات لكتاب (العين)
الخليل هو رائد المعجمات الأولُ في العربية الذي ابتكر: التأليف المعجمي، واخترع المنهج الذي اتبعه، واخترع في ترتيب مواده سبيلاً بكراً هداه إليه اشتغاله بالموسيقى، فكان السابق في هذا المضمار دون منازع، فهو أول من جمع اللغة في معجم جدير بهذا الاسم.
وكان الخليل عبقرياً بعيد الأفق، عليماً واسع العلم والثقافة، ومخترع علم الموسيقى العربية. وجمع فيه أصناف النغم، وهو أول من جمع اللغة؛ وأول من ابتكر المعجم العربي، وبعض العلوم الرياضية، وما عُرِف في عصره أذكى منه وأعلم وأعفّ وأزهد.
وأعانه فهمه للإيقاع والنغم على ابتكار طريقة جديدة في «العين»، وعلمه بالموسيقى حمله على أن يختط طريقة في معجمه ناظراً إلى الأصوات اللغوية ومخارج الحروف، فبدأ بحروف الحلق لأن الحلق أبعد مخارج الحروف، وهكذا صنع سُلَّمَهُ اللغوي صاعداً فيه من أقصى الحلق حتى ينتهي إلى الشفة، وجعل ترتيب معجمه على الحروف بحسب المخارج، وقد كان موفقاً في منهجه، فتمييز الحرف بالصوت أوضح من الكتابة.
كتاب العين
منهج الخليل في العين منهج هداه إليه اشتغاله بالموسيقى والأنغام، وساعده كثيراً ذهنه الرياضي وعقله الكبير وعبقريته التي لم تشهد العربية لها مثيلاً إلا نادراً، ويكفي للدلالة على مواهبه الفذّة أنه ابتكر قواعد علم لم يدع لمن بعده فيه مجالاً، بل ابتكره كاملاًـ؛ وذلك علم العروض، واخترع علم النحو، واخترع علم الموسيقى العربية، فلا غرابة على هذا الذهن الجبار أن يكون أول مبتكر للمعجم العربي.
وهذا المنهج قائم على الصوت، لأنه أوضح في التمييز والدلالة على مخرج الحرف من الكتاب، فإذا كتبنا هذه الكلمة (نفر) دون نقط تعذر على القارىء أن يقرأه كما أراد الكاتب، أما النطق فلا يخطئه، وفي العربية خمسة حروف ذات صورة واحدة إذا لم ننقطها، فالباء والتاء والثاء والنون والياء في أول الكلمة ووسطها ذات صورة واحدة.
ولعل إيثار الخليل هذا المنهج يعود إلى رغبته في تمييز الحرف بالصوت لأنه أقوى دلالة وأكثر وضوحاً وتمييزاً من الكتابة، وهذا تفسير قريب من قريب، فالموسيقى صوت، والخليل مبتكر هذا العلم في تاريخ العرب، فإذا بنى معجمه عليه فلا غرابة ولا اتهام أنه اقتبس طريقة سُبِقَ إليها.
وصنع سلمه اللغوي، واختار أن يصعد فيه من أسفله لا أن يهبط من أعلاه، ورتب معجمه على الحروف بحسب مخارجها، فبدأ بحروف الحلق، لأنه أبعد مخارجها، ويبدأ بالصعود تدريجاً حتى ينتهي إلى الشفة وجعل ترتيب الحروف هكذا: ع، ح، هـ، غ، خ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، ت، د، ظ، ذ، ث، ر، ل، ن، ف، ب، م، و، ي، أ.
وسمى كل حرف كتاباً، وافتتح معجمه بحرف «العين» وسماه كتاب العين، فكتاب الحاء، فكتاب الهاء، فكتاب الغين، فكتاب الخاء وهكذا؛ وأطلق اسم كتابه الأول وهو «كتاب العين» على المعجم كله لاستهلاله به.
وتتبع الخليل أبنية كلام العرب تتبعاً علمياً دقيقاً، وحصرها بين الثنائي والخماسي، وفصل الألفاظ المعتلة جاعلاً الهمزة من حروف العلة، مُفرداً لها باباً بعد أبواب الثلاثي؛ ذكر فيه الثنائي المضاعف المعتل والثلاثي المعتل بحرف، والثلاثي اللفيف، وفرَّق الأبنية على كل باب، مبتدئاً بالثنائي المضاعف، فالمضاعف الثلاثي الصحيح، فالمضاعف الثلاثي اللفيف، فالرباعي والخماسي، وجعل الأخيرين في باب واحد لقلة الألفاظ التي وردت منهما، وأشار للمستعمل والمهمل في أبنية الثنائي والثلاثي، أما الرباعي والخماسي فأغفل الإشارة إلى المهمل منهما؛ لأنه فوق الحصر.
وابتكر بعد هذا كله نظاماً آخر اتّبعه بعض العلماء ممن جاء بعده وألّفوا معجمات لغوية، وهذا النظام يقوم على ذكر الكلمة وقلبها إلى كل وجه بحيث يتألف من مقلوباتها كلمات، ويذكرها جميعاً في موضع واحد، فكلمة «الضرم» ذكرها في حرف الضاد، وقلبها حتى تولدت منها هذه الكلمات: ضمر، مرض، مضر، رمض، فإذا لم يستعمل العرب شيئاً من هذه الاستعمالات أشار إليه، وإذا جاء إلى كتاب الراء والميم أغفل ذكر الرضم والرمض والمضر والمرض لأنه ذكرها في كتاب الضاد.
وزاد على هذا أنه يذكر كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة ليميز كل نوع من غيره([117]).
ولمنهج الخليل موقع عند من يرى أن الكلمات المشتركة في الحروف ـ وإن اختلفت في الترتيب ـ تشترك في المعنى أو المصدر الذي تتفرع منه، وهذا يدل على أن الخليل عُني بالتفسير الاشتقاقي للمواد التي يتناولها، ولم يقف عند شرح المادة ومقلوباتها وفروعها على طريق الاشتقاق الأكبر، بل كان يذكر في كل أصل ما تفرع عنه على طريق الاشتقاق الكبير([118])، ويعد الخليل أسبق من ابن فارس وابن جني إلى فهم الاشتقاق الكبير، وهو دلالة الحروف في كلمة من الكلمات ـ على اختلاف ترتيبها وتركيبها ـ على أصل معنوي واحد([119]).
ومنهج الخليل ليس سهلاً ميسور الاتباع، بل فيه عيوب؛ وصواه لا تهدي، بل لا صوى تأخذ بيد الباحث، وتوصله لمقصده، لصعوبة ترتيبه، وخلطه بين الثلاثي المضاعف والرباعي المضاعف، واختلاط الأصل بغيره، لذكره الكلمة وما ينشأ عنها بالقلب، مثل: حرب، وحبر، وبحر، وبرح، ورحب، وربح، ومن الصعب أن يعرف أيها الأصل وأيها المطلوب([120]).
وليس هذا كل ما في منهج الخليل من هنات؛ بل ثَمَّ هنات أخذها عليه العلماء، لا تتصل بالمنهج وأصوله وقواعده، بل تتصل ببعض المواد التي جاءت في كتابه، مثل: تفرده بذكر كلمات كثيرة لم يُسمَع ببعضها.
وفي «العين» هنات أخرى؛ منها: إهماله أبنية مستعملة، وعدم استيفائه الصيغ الواردة في كلام العرب، ووجود أخطاء صرفية، وتصحيف، وتحريف.
وقد أشار ابن منظور في مقدمة اللسان إلى ما يشبه طريقة الخليل في معرض النقد فقال: «كأن واضعه شرع للناس مورداً عذباً وحلاَّهم عنه، وارتاد لهم مرتعاً مريعاً ومنعهم منه، قد أخّر وقدم وقصد أن يعرب فأعجم، فرق الذهن بين الثنائي المضاعف والمقلوب وبدّد الفكرة باللفيف والمعتل، والرباعي والخماسيّ، فضاع المطلوب»([121]).
وعزا ابن منظور انصراف الناس عن التهذيب والمحكم وإهمالهم أمرهما وعدم الإقبال عليهما، حتى كادت البلاد تخلو منهما، إلى سوء الترتيب وتخليط التفصيل والتبويب.
الخليل مبتكر لا مقلد
زعم بعض الناس أن الخليل كان يعرف غير العربية، كان يعرف اليونانية، ولعلهم أرادوا من هذا الزعم أن يشيروا إلى أن معرفته باليونانية هدته إلى ابتكار منهجه في العين، واستدلوا بصلة حنين بن إسحاق المشهور في الطب بالخليل، فقد جاء في عيون الأنباء([122]) ترجمة حنين: «وكان شيخه في العربية الخليل بن أحمد، ثم انتقل بعد ذلك إلى بغداد» وفيه أيضاً([123]): «أن حنين بن إسحاق كان يشتغل في العربية مع سيبويه وغيره ممن كانوا يشتغلون على الخليل» وهذا يدل على أن حنيناً لزم الخليل وأخذ عنه العربية حتى برع فيها، وأدخل كتاب العين بغداد، وحنين كان يعرف اليونانية، وترجم منها كتباً ورسائل كثيرة لجالينوس وأبقراط، وترجم بعض قصص اليونان، والخليل معروف بالذكاء العبقري النادر، ولا بد أن تثمر هذه الصلة بينهما أن يعرف الخليل اليونانية([124]).
إلا أن هذا القول وهم، فالخليل توفي سنة 175 هـ وولد حنين سنة 194 هـ أي بعد الخليل بأكثر من خمس عشرة سنة، هذا على قول من قال: إن الخليل توفي سنة 175 هـ مع أن هناك من يقول: إنه توفي سنة 170 هـ.
وهذا لا يدع مجالاً للشك في أن الخليل لم يتصل بحنين، وبانتفاء هذه الصلة ينتفي أخذ الخليل اليونانية منه.
ولم يرد هذا الزعم إلا عن ابن أبي أصيبعة عن سليمان بن حسَّان.
وإذا افترضنا أن الخليل كان يعرف اليونانية فلا مجال لأن يزعم زاعم أن طريقته في العين تشبه طريقة مؤلفي المعاجم اليونانية، فلم يؤثر عن اليونان أن مؤلفاً صنّف معجماً جعل ترتيبه على الحروف بحسب مخارجها مبتدئاً من أقصى الحلق منتهياً بأحرف الشفة.
ونخلص من هذا إلى أن الخليل لم يقتبس منهجه من اليونان.
وهناك قول آخر: أن الخليل اتّبع في ترتيب معجمه طريقة الهند في ترتيب حروف هجائها([125])، فاللغة السنسكريتية ترتب حروف هجائها على حسب مخارجها مبتدئة بأبعد الحروف مخرجاً ومنتهية بأحرف الشفة، وهي آخر درجة في السلم الصوتي للحروف.
وكانت الصلة بين الهند وجزيرة العرب قديمة، وقويت بعد الإسلام كثيراً، وكان في الخليج الفارسي عدد كبير منهم، وكان «المحاسبون» لتجار العراق في البصرة وبغداد من السند، وفيهم علماء ومثقفون، وكانوا على صلة بأهل العلم من العرب.
ولعل هذا الرأي أقرب إلى التصديق من سابقه، ولكننا لا نميل إليه، فوجود طريقة لمؤلف في لغة من اللغات لا يمنع أن يصل مؤلف آخر إليها باجتهاده وجهده، ولا يكفي أن نقول: إن الخليل اتّبع طريقة الهند في الترتيب لمجرد وجود هذا الترتيب في لغة لم يذكر أحد أن الخليل كان يعرفها، وليس من السهل نقل ترتيب بحذافيره من لغة إلى لغة، لاختلاف النطق بالحروف بين الأمم واللغات والأجناس، بل إن ترتيب حروف الهجاء في السنسكريتية ليس ـ هو ـ ترتيب الخليل عينه.
وفوق هذا لم يكن للهند في ذلك الزمن معجم معروف([126]).
وطريقة الخليل تتفق مع علمه الواسع الدقيق بالموسيقى، فهي تقوم على أساس الصوت، وعلى ما يشبه السلم الموسيقي، فهو اعتمد على مخارج الحروف عندما يُنطَق بها، ونظر إلى الأوتار الصوتية والأصوات اللغوية، فصنع سلمه صاعداً عليه من أسفل حتى ينتهي إلى أعلاه، مبتدئاً بأقصى الحلق، متدرجاً في الصعود حتى يصل إلى الشفة.
وإذا صح قول من قالوا: إن الخليل اتّبع طريقة الهند في ترتيب معجمه فإنهم ينسون أن الخليل كان مختاراً فيما يؤثره من الطرق المختلفة لترتيب الحروف الأبجدية، فاختار ما وافق علمه الموسيقي، ولم يجبره على ذلك سلطان نافذ حتى يبطل فضله في الموازنة بين الطرق وإيثار ما هو أوفق منها لرأيه وأسبابه العلمية، ويجب ـ بعد هذا ـ ألا ننسى الفارق الكبير بين القول بترتيب الحروف الأبجدية على طريقة الهند ـ إن صح ـ والقول باقتباس المعجمات منهم.
وفي وسعنا أن نقول: إن الخليل مبتكر في معجمه المنهج والطريقة والترتيب حتى يثبت ثبوتاً علمياً أنه مقلّد لا مبتكر؛ ومتّبع لا مخترع.
نسبة كتاب العين
اختلف العلماء في حقيقة كتاب العين، أهو للخليل أم لغيره؟ وذهبوا في ذلك مذاهب شتى، فمنهم من أنكر النسبة ومنهم من أيّدها، ومنهم من وقف موقفاً وسطاً. والذين أنكروا النسبة كثير؛ منهم: النضر بن شميل، وأبو حاتم، والأزهري، وابن فارس، وابن جني، والقالي، وابن النديم، وأبو الطيب اللغوي، والفخر الرازي، والنووي، وأقوالهم متقاربة ذات دلالة واحدة لا تشير إلى غير الإنكار، فابن النديم يقول: «لم يرو هذا الكتاب عن الخليل أحد، ولا روي في شيء من الأخبار أنه عمل هذا البتة»([127]).
وقال أبو عبد الله بن فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين بن علي التيمي المعروف بابن الخطيب الرازي: «أصل الكتب المصنفة في اللغة كتاب العين وقد أطبق الجمهور من رجال اللغة على الطعن فيه»([128]).
وقال أبو علي القالي([129]): «لما ورد كتاب العين من بلد خراسان في زمن أبي حاتم؛ أنكره أبو حاتم وأصحابه أشد الإنكار، ودفعه بأبلغ الدفع، وقد غبر أصحاب الخليل بعد مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب ولا يسمعون به، منهم: النضر بن شميل، ومؤرج، ونصر بن علي، وأبو الحسن الأخفش وأمثالهم. ولو أن الخليل ألّف الكتاب لحمله هؤلاء عنه، وكانوا أولى بذلك من مجهول الحال غير مشهور في العلم تفرّد به وتوحّد بالنقل له، ثم درج أصحاب الخليل فتوفي النضر بن شميل سنة ثلاث ومائتين، والأخفش سنة خمس عشرة ومائتين، ومؤرج سنة خمس وتسعين ومائة، ومضت ـ بعدُ ـ مدةً طويلة ثم ظهر الكتاب بآخرة في زمان أبي حاتم وفي حال رياسته، وذلك فيما قارب الخمسين والمائتين، لأن أبا حاتم توفي سنة خمس وخمسين ومائتين، فلم يلتفت أحد من العلماء إليه يومئذ، ولا استجازوا رواية حرف منه، ولو صح الكتاب عن الخليل لبدر الأصمعي واليزيدي وابن الأعرابي وأشباههم إلى تزيين كتبهم، وتحلية علمهم بالحكاية عن الخليل والنقل لعلمه، وكذلك من بعدهم كأبي حاتم وأبي عبيد ويعقوب وغيرهم من المصنفين، فما علمنا أحداً منهم نقل في كتابه عن الخليل من اللغة حرفاً».
والمعتدلون من المنكرين كالأزهري وأبي الطيب اللغوي ـ الذي اختصر العين ـ وثعلب وإسحاق بن راهويه طعنوا في العين تنزيهاً للخليل وربأ به من خطأ لا يجوز على تلامذته.
فالأزهري يقول في مقدمة التهذيب عن أقوام يصفهم بقوله: «تسموا بسمة المعرفة وعلم اللغة وألّفوا كتباً أودعوها الصحيح والسقيم، وحشوها بالمزال المفسد، والمصحْف المغير الذي لا يتميز ما يصح منه مما لا يصح، إلا عند الثقات» وذكر من هؤلاء: «الليث بن المظفر الذي نحل الخليل بن أحمد تأليف كتاب العين جملة لينفقه باسمه، ويرغْب فيه من حوله»([130]).
وعن ابن راهويه: «كان الليث صاحب الخليل بن أحمد رجلاً صالحاً وكان الخليل عمل من كتاب العين باب العين وحده، وأحبَّ الليث أن ينفِّق سوق الخليل فصنَّف باقي الكتاب وسمى نفسه الخليل، وقال لي مرة أخرى: فسمى لسانه الخليل من حبه للخليل بن أحمد، فهو إذا قال في الكتاب: قال الخليل بن أحمد، فهو الخليل، وإذا قال: وقال الخليل مطلقاً فهو يحكي عن نفسه، فكل ما في الكتاب من خلل فإنه منه لا من الخليل»([131]).
وقال السيرافي: «عمل أول كتاب العين المعروف المشهور الذي به يتهيأ ضبط اللغة»([132]).
وقال ابن المعتز: «كان الخليل منقطعاً إلى الليث، فلما صنّف كتابه العين خصَّه به، وحظي عنده جداً، ووقع منه موقعاً عظيماً، ووهب له مائة ألف درهم، وأقبل على حفظه وملازمته، فحفظ منه النصف، وكانت تحبه ابنة عمه، واتفق أنه اشترى جارية نفيسة فغارت ابنة عمه فأحرقت الكتاب، فلما علم اشتد أسفه، ولم تكن عنده نسخة منه، وكان الخليل قد مات فأملى النصف من حفظه، وجمع علماء عصره وأمرهم أن يكملوه على نمطه، وقال لهم: مثَّلوا عليه واجتهدوا، فعملوا هذا التصنيف الذي بأيدي الناس»([133]).
وقال ثعلب: «إنما وقع الغلط في كتاب العين لأن الخليل رسمه ولم يحشّه، ولو كان هو حشّاه ما بقي فيه شيء، لأن الخليل رجل لم ير مثله، وقد حشا الكتاب أيضاً قوم علماء إلا أنه لم يؤخذ منهم رواية، وإنما وجد بنقل الورّاقين، فاختلَّ الكتاب»([134]).
وقال أبو بكر محمد بن حسن الزبيدي اللغوي مؤلف مختصر العين في أول كتابه: «ونحن نربأ بالخليل عن نسبة هذا الخلل إليه، أو التعرض للمقاومة له والرد عليه، بل نقول: إن الكتاب لا يصح له، ولا يثبت عنه فقد كان جِلَّة البصريين الذين أخذوا عن أصحابه وحملوا علمه من رواته ينكرون هذا الكتاب ويدفعونه، إذ لم يرد إلا عن رجل واحد غير معدود في أصحابه، وأكبر الظن فيه أن الخليل سبَّب أصله، ورام تثقيف كلام العرب، ثم هلك قبل كماله، فتعاطى إتمامه من لا يقوم في ذلك مقامه، فكان ذلك الخلل الواقع به، والخطأ الموجود فيه»([135]).
«ومن الدليل على ما ذكره أبو العباس([136]) من زيادات الناس فيه اختلاف نسخه، واضطراب رواياته، إلى ما وقع فيه من الحكايات عن المتأخرين، والاستشهاد بالمرذول من أشعار المحدثين؛ فهذا كتاب منذر بن سعيد القاضي الذي كتبه بالقيروان، وقابله بمصر بكتاب ابن ولاّد، وكتاب ابن ثابت المنتسخ بمكة قد طالعناهما، فألفينا في كثير من أبوابهما: أخبرنا المسعري عن أبي عبيد، وفي بعضها: قال ابن الأعرابي، وقال الأصمعي، هل يجوز )أن يكون الخليل يروي عن الأصمعي وابن الأعرابي وأبي عبيد فضلاً عن المسعري».
«وكيف يروي الخليل عن أبي عبيد وقد توفي الخليل سنة سبعين ومائة؛ وفي بعض الروايات سنة خمس وسبعين ومائة، وأبو عبيد يومئذ ابن ست عشرة سنة، وعلى الرواية الأخرى: ابن إحدى وعشرين سنة، لأن مولد أبي عبيد سنة أربع وخمسين ومائة، ووفاته سنة أربع وعشرين ومائتين، ولا يجوز أن يُسْمَع عن المسعري علمُ أبي عبيد إلاّ بعد موته، وكذلك كان سماع الخشني منه سنة سبع وأربعين ومائتين، فكيف يسمع الموتى حال موتهم؛ أو ينقلون عمَّنْ ولد بعدهم»([137]).
ويقول الزبيدي أيضاً: «ومن الدليل على صحة ما ذكرناه أن جميع ما وقع فيه من معاني النحو إنما هو على مذهب الكوفيين، وبخلاف مذهب البصريين، فمن ذلك ما بدىء الكتاب به، وبُني عليه من ذكر مخارج الحروف في تقديمها وتأخيرها، وهو على خلاف ما ذكره سيبويه عن الخليل في كتابه، وسيبويه حامل علم الخليل، وأوثق الناس في الحكاية عنه، ولم يكن ليختلف قوله، ولا ليتناقض مذهبه، ولسنا نريد تقديم حرف ـ خاصة ـ للوجه الذي اعتلّ به، ولكن تقديم غير ذلك من الحروف وتأخيرها، وكذلك ما مضى عليه الكتاب كله من إدخال الرباعي المضاعف في باب الثلاثي المضاعف ـ وهو مذهب الكوفيين خاصة ـ وعلى ذلك استمر الكتاب من أوله إلى آخره.
ولو أن الكتاب للخليل لما أعجزه ولا أشكل عليه تثقيف الثنائي الخفيف من الصحيح والمعتل، والثنائي المضاعف من المعتل، والثلاثي المعتل بعلتين، ولما جعل ذلك كله في باب سماه اللفيف، فأدخل بعضه في بعض، وخلط فيه خلطاً لا ينفصل منه شيء عمّا هو بخلافه، ولوضع الثلاثي المعتلّ على أقسامه الثلاثة ليستبين معتل الياء من معتل الواو والهمزة، ولما خلط الرباعي والخماسي من أولهما إلى آخرهما.
ونحن على قدرنا قد هذّبنا جميع ذلك في كتابنا المختصر منه، وجعلنا لكل شيء منه باباً يحصره، وعدداً يجمعه، وكان الخليل أولى بذلك وأجدر، ولم نحك فيه عن الخليل حرفاً، ولا نسبنا ما وقع في الكتاب عنه توخياً للحق؛ وقصداً إلى الصدق، وأنا ذاكر الآن من الخطأ الواقع في كتاب العين ما لا يذهب على من شدا شيئاً من النحو، أو طالع باباً من الاشتقاق والتصريف، ليقوم لنا العُذْر فيما نزَّهنا الخليل عنه».
لقد أطلنا في ذكر الشواهد، ووقفنا طويلاً عند أقوال الزبيدي لنخلص من كل ذلك إلى إعطاء صورة دقيقة صادقة لأدلة المنكرين الغلاة والمنكرين المعتدلين.
فابن النديم يذكر بوضوح أن العين ليس للخليل، والقالي يذكر أن أبا حاتم وأصحابه أنكروا العين ولا يعرفونه ولم يسمعوا به.
فأول الأدلّة على إنكار نسبة العين إلى الخليل: القول جملة بالإنكار، إلا أن الزبيدي أضاف ـ كما ذكر غيره ـ أدلة جديدة ذات قيمة في نظر النقد والعلم، فالخليل بصري، وسيبويه ـ حامل علم ـ الخليل شيخ نحاة البصرة وإمام مدرسة البصريين، وما في العين مما يتصل بالنحو على مذهب الكوفيين، فكيف يتفق للخليل ـ وهو شيخ إمام مدرسة البصرة ـ أن يترك مذهبه إلى مذهب آخر يختلف عنه.
إن هذا الدليل من أقوى الأدلة، فإذا اعتمدنا عليه في نفي نسبة العين إلى الخليل كان هو نفسه قائماً في نفي نسبة العين إلى الليث بن المظفر، لأنه ظل للخيل وتابع له في آرائه ومذهبه.
ثم من الأدلة: أن في العين أوهاماً وسقطات شنيعة وغلطات معيبة لا تصدر من طلبة الخليل، وهذا ما حمل العلماء على الشك في نسبته إليه، ومن الأدلة القوية: أن في العين روايات عن متأخرين ولدوا بعد الخليل بكثير.
ثم من الأدلة: أن العين لم يظهر إلاّ بعد موت الخليل بحوالي ستين سنة، فلو كان له لكان في أيدي الناس، ولعلم به العلماء، ولَلَهج به تلامذة الخليل، ولروى عنه الأصمعي وابن السكيت وغيرهما، أما وأن هذا لم يحدث، فالعين ليس للخليل.
هذه أدلة المنكرين، أما المعتدلون من المنكرين، فيرون أن الخليل عمل من معجمه كتاب العين وسار على نهجه تلميذه الليث بن المظفر وأكمله، ويرى بعضهم أن الخليل عمل نصف الكتاب فأكمل الليث نصفه الباقي، وبعضهم يرى أن الخليل عمله كله، وحفظ الليث نصفه، فلما أحرِقَت النسخة أملى الليث نصفه المحفوظ، وطلب إلى العلماء أن يكملوا النصف غير المحفوظ.
ونحن نسأل: إذا كان الليث صنف العين، فلماذا لم ينسبه إلى نفسه رغبة في الفخار والسمعة؟ لماذا ينزل عنه للخليل؟ ويجعل غيره مبتكر علم ومخترع فن؛ ويرضى أن يكون تابعاً وتلميذاً؟
أما أن الكتاب لم يعلم عنه تلاميذ الخليل فينقضه أن للنضر بن شميل([138]) كتاباً اسمه «المدخل إلى كتاب العين»([139]) والنضر من أخلص طلبة الخليل؛ فإذا صح أنه منكر العين، فكيف يؤلف كتاباً حوله، وللمفضل بن سلمة ردود على العين واستدراك، توفي المفضل سنة 250 هـ، وكان المبرد يرفع من قدر كتاب العين، ورواه ابن درستويه، وألّف كتاباً في الرد على المفضل بن سلمة مؤلف كتاب «استدراك على العين» ولا توجد لأبي إسحاق الزجاجي حكاية في اللغة إلا منه، وأبو علي القالي البغدادي أتى في كتابه «البارع» بما في العين وزاد عليه.
وإنكار نسبة العين إلى الخليل ليس صحيحاً، فهو له حقاً، وإن كان الإجماع لم ينعقد على أنه له، أما أدلة المنكرين القائمة على أن في العين من الخطأ والتصحيف ما لا يتفق مع علم الخليل، وعلى أن في كتابه روايات عن متأخرين عنه، وعلى أن مذهب العين يخالف مذهب الخليل، لأن ما يتصل بالنحو على مذهب الكوفيين، والخليل بصري ورائد مدرسة البصرة في النحو، وأن الكتاب لم يظهر إلا في سنة 250 أو حواليها، فإن بعض هذه الأدلة منقوض، فالخطأ والتصحيف والرواية عن المتأخرين من النسَّاخ، والذي يدل على أن الكتاب ظهر قبل سنة 250 هـ أن النضر بن شميل تلميذ الخليل ألّف كتاباً سمّاه المدخل إلى كتاب العين».
ومن ناحية التعليقات لا أستبعد أنها دخلت في صلب العين جهلاً من الناسخين فحسبت منه وهي خارجة عنه، وكذلك القول في الرواية عن المتأخرين.
ولعل اختلاف النسخ بعضها عن بعض يقيم الدليل على هذا.
أما ما روي من مسائل النحو على مذهب الكوفيين فلعله راجع إلى ما كان من خصومة بين الكوفيين والبصريين مما حمل بعض الكوفيين على التغيير في العين ليكون حجة لهم على البصريين عندما يستدلون على تأييد آرائهم بقول رائد مدرسة البصرة الأول الخليل بن أحمد.
كل هذا جائز.
وموجز القول: إن العين للخليل، وأنا مطمئن إلى ذلك كل الاطمئنان، ويجوز أنه ألّفه ولم يستطع إتمامه: فأتمّه غيره، ويجوز أن يكون أتمه كله فأضاف إليه الناسخون ما وجدوا من تعليقات وروايات عن متأخرين أدخلوها على متن الكتاب جهلاً منهم، وقد أثبت الدكتور عبد الله درويش ـ في رسالته التي ألّفها عن كتاب العين والتي قدمها لجامعة لندن ونال بها إجازة الدكتوراه ـ أن العين للخليل([140]).
وكتب ميشال زكريا:
قال الزجاجي في كتاب «إيضاح علل النحو».
«ذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد، رحمه الله سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها. واعتللت أنا بما عندي إنه علة لما عللته منه. فإن أكن أصبت فهو الذي التمست وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة يأتيها بالخبر الصادق وبالبراهين الواضحة والحجج اللائحة فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا وسنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك. فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق بالمعلول فليأت بها».
يتبين لنا من خلال إعادة قراءة هذا النص قراءة معاصرة في ضوء التطور الحاصل في مجال الألسنية أو علم اللغة الحديث أن الخليل نظر إلى اللغة نظرة متطورة جداً، واعتمد في تحاليله اللغوية منهجية علمية دقيقة ويكون هذا النص في الواقع جواباً قد يكون أراده الخليل وافياً لسؤال طرح عليه في ما يتعلق باستقراء القواعد العربية وتفسيرها. وما يجدر لفت الانتباه إليه هو أن هذا النص الموجز يقدم أجوبة دقيقة لمسائل مهمة هي في صميم الاهتمامات الألسنية الحالية، وبخاصة في إطار النظرية التوليدية والتحويلية لمؤسسها الألسني نعوم تشومسكي. وبإمكاننا بالاستناد إلى هذا النص التطرق إلى خمس مسائل ألسنية هي حالياً من أهم هذه المسائل: الملكة اللسانية وقواعد اللغة، اللغة بنية منتظمة، عمل اللغوي، اعتماد المنهجية التفسيرية في التحليل اللغوي، تعدد القواعد للمسألة الواحدة ومسألة تقييم القواعد.
الملكة اللغوية
يقول الخليل «إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، السجية عبارة عن ملكة ثابتة في النفس، والطباع عبارة عما طبع عليه الإنسان، فيكون معنى كلام الخليل هذا أن العربي حين يتكلم إنما يصدر كلامه عن سجية أي عن ملكة ثابتة قد طبع عليها، وهذه الملكة مقدرة كلامية جبل بها العربي فهي قائمة لديه بشكل طبيعي. وهذا ما يفسر إلمام العرب بشكل طبيعي بلغتهم. والعرب عرفت مواقع كلامها «فالعربي الذي يتكلم لغته على سجيته يعرف مواقع الكلام أي قواعد اللغة والمقدرة على التكلم عند العربي، أو الملكة اللغوية كما يمكن تسميتها، هي المعرفة بقواعد اللغة. وذلك لأن العرب يضيف الخليل «قام في عقولها عللها» (الهاء عائدة إلى الكلام). فالملكة إذاً هي في عقل العربي، وبالتالي، مقدرة عقلية قائمة في عقل المتكلم وفي رأي الخليل تفسر قدرة العربي على التكلم فالمتكلم من العرب امتلك، والحال هذه، ملكة لغوية قائمة في عقله هي كناية عن معرفة بمواقع الكلام أو بقواعد اللغة.
ويؤكد الخليل وجود هذه المعرفة بقواعد اللغة عن العرب «وإن لم ينقل ذلك عنها». والخليل يرى هنا أن هذه المعرفة معرفة ضمنية قائمة في عقل المتكلم وليست، في الواقع، معرفة مباشرة بالإمكان نقلها عن صاحبها. فالملكة اللغوية كما بمقدورنا الاستنتاج من قول الخليل هنا، معرفة ضمنية قائمة في عقل المتكلم من العرب وهي بالذات معرفة بقواعد الكلام. وعملية التكلم عند العربي إنما تتم على السجية والطباع أي بواسطة هذه الملكة اللغوية التي ـ هي كما توضح لنا ـ كناية عن المعرفة الضمنية بقواعد اللغة. نصل هنا إلى تحديد لعملية التكلم مشابه، عند الخليل، لتحديد هذه العملية عند تشومسكي مؤسس النظرية الألسنية التوليدية والتحويلية، أحدث نظرية السنية وأعمقها معمول بها حالياً.
يسمي تشومسكي المقدرة على التكلم بالملكة اللغوية فيقول: «يشير مصطلح الملكة اللغوية إلى قدرة المتكلم ـ المستمع المثالي على أن يجمع بين الأصوات اللغوية وبين المعاني، في تناسق وثيق مع قواعد لغته»([141]). وهذه الملكة اللغوية ينطبع عليها الإنسان منذ طفولته وخلال مراحل اكتسابه اللغة وترتبط بصورة وثيقة بقواعد اللغة كما يقول تشومسكي: «فمن الواضح جداً أن للجمل معنى خاصاً تحدده القاعدة اللغوية وأن كل من يمتلك لغة معينة اكتسب في ذاته وبصورة ما، تنظيم قواعد تحدد الشكل الصوتي للجملة ومحتوها الدلالي الخاص، فهذا الإنسان قد طور في ذاته ما نسميه بالملكة اللغوية الخاصة»([142]).
اللغة بنية منتظمة
يشبه الخليل بن أحمد الفراهيدي اللغة «بدار محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام»، ففي نظره تكون اللغة بنية قائمة على أصول ثابتة ومتينة وتتماسك عناصرها وتتسق. واللغة «عجيبة النظم والأقسام» فانتظام العناصر في هذه البنية عجيب بمعنى أنه يتم على نحو أقل ما يقال عنه إنه غير بسيط، ونفهم هنا كلمة عجيب بمعنى غير عادي، فالبنية اللغوية إذاً غنية جداً ومعقدة وأقسامها أيضاً «عجيبة» فهي بنية قائمة على عناصر منتظمة وعلى أقسام أو مستويات. وعجيبة من حيث انتظام العناصر وتماسك المستويات. وما لا شك فيه أنه ينبغي لمن يحاول دراستها القيام بمجهود قوي.
ينظر الخليل في هذا النص إلى اللغة من حيث أنها ملكة بشرية رائعة وخارقة يمتلكها الإنسان ويمتاز بها عن سائر المخلوقات، وبالتالي تشكل موضوع دراسة علمية ينبغي على العالم اللغوي أن يقوم بها لاكتشاف قوانينها وتفسيرها.
وبالإمكان ملاحظة هذه النظرة إلى اللغة في النظرية الألسنية التوليدية والتحويلية. يقول تشومسكي في هذا الصدد: «واضح أن اللغة التي يكتسبها كل إنسان هي بنية غنية ومعقدة ولا يمكن تحديدها عبر المظاهر اللغوية المتوافرة والمجزأة. لذلك يبدو البحث العلمي في طبيعة اللغة صعباً ومحددة نتائجه»([143]).
عمل اللغوي
«واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته» فعمل الخليل والحال هذه تحليل اللغة من خلال المادة الكلامية التي ينتجها العربي الذي «ينطق على سجيته وطباعه» فالعربي يتكلم بالعودة إلى ملكته اللغوية أو معرفته الضمنية بالقواعد، فيأتي بعد ذلك دور اللغوي الذي يحاول من خلال هذه المادة المتوافرة لديه والتي هي كلام العرب الموثوق بهم بطبيعة الحال، أن يتوصل إلى أُصول قواعد اللغة العربية، فالخليل إذا يعتلّ، أي يبين علة المسائل اللغوية فيذكر الأوجه من الإعلال، وهو في ذلك يقوم بتفسير اللغة. وما يجدر لفت الانتباه إليه أنه لا يجوز بأنه العلة التي يتبينها هي التفسير الوحيد إنما التفسير الذي توصل إليه من خلال تحليل المادة التي يتناولها.
اعتماد المنهجية التفسيرية
في التحليل اللغوي
«وقد صحّت عنده (الرجل الحكيم) حكمة بانيها بالخبر الصادق بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة. فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله».
يتبين لنا من قول الخليل هذا أنه يعتمد منهجية تفسيرية في مجال التحليل اللغوي. فاللغوي حين يقف على مسائل اللغة إنما يحاول أن يحللها ويفسرها، ويستند في عمله هذا على الخبر الصادق والبراهين الواضحة والحجج اللائحة. فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله».
يتبين لنا من قول الخليل هذا أنه يعتمد منهجية تفسيرية في مجال التحليل اللغوي. فاللغوي حين يقف على مسائل اللغة إنما يحاول أن يحللها ويفسرها، ويستند في عمله هذا على الخبر الصادق والبراهين الواضحة والحجج اللائحة.
تقوم منهجية الخليل التفسيرية بالذات على اعتماد الأدلة المتنوعة، وهي منهجية علمية دقيقة تركز على كل مسألة وتفسرها وتستخرج العلة والسبب ويتم إقرار المسائل من خلال تقديم البراهين والحجج التي بإمكانها إثباتها. فالخليل لا يكتفي بوصف المعطيات اللغوية إنما يحاول تفسيرها. والقواعد التي يستنبطها قواعد تفسيرية تضع الفرضيات التفسيرية لقضايا اللغة.
إذا تأملنا عملية التحليل الألسني، في ظل النظرية الألسنية التوليدية والتحويلية، وجدنا أن هذه العملية قائمة على منهجية اعتماد الأدلة والحجج المتنوعة لدراسة اللغة. الباحث في هذا الإطار ينطلق من وصف المعطيات اللغوية فيحاول وضع فرضيات تفسيرية لتفسير هذه المعطيات ويسعى إلى الإتيان بأكبر عدد ممكن من الأدلة لإقرار هذه الفرضيات وإخضاعها من ثم للتجربة ليتحقق منها ويعدل فيها إلى أن يصل إلى اعتماد الفرضيات التي بإمكانها تفسير المعطيات اللغوية، التحليل الألسني هذا يستند إلى الحجج والأدلة لإقرار التحليل. ومن النادر جداً أن يكتفي التحليل بإيراد الحجة الواحدة بل غالباً ما يقوم على تراكم الأدلة وتلاقيها. فالحجة إنما تكتسب قدرتها الإقناعية حين تندرج ضمن مجموعة من الحجج تبرهن مجتمعة ملاءمة التحليل للقضايا اللغوية. جملة القول إن التحليل الألسني في ظل النظرية التوليدية والتحويلية يتخذ شكل إقرار المعطيات استناداً إلى البراهين والحجج المتنوعة بهدف تفسير قضايا اللغة، ونلاحظ أن الخليل بن أحمد في نصه هذا يعتمد منهجية تفسيرية في مجال التحليل اللغوي لا تبتعد كثيراً عن المنهجية المعتمدة في إطار الألسنية التوليدية والتحويلية.
تعدد القواعد للمسألة الواحدة ومسألة تقييم القواعد.
«سنحت له (العلة) وخطرت بباله محتملة لذلك». واضح هنا أن الخليل لا يجزم بأن تفسيره للمسائل اللغوية هو التفسير الوحيد. وما يتطلبه من التفسير الذي يأتي به للقضايا اللغوية هو أن يكون محتملاً لهذه القضايا بكلام آخر ينبغي أن يكون هذا التفسير قابلاً لأن يعتبر تفسيراً مقنعاً للمسائل التي يحللها، وليس بالتالي التفسير الوحيد إذ بالإمكان أن يكون للمسألة الواحدة أكثر من تفسير واحد. يقول الخليل «فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره الرجل محتمل أن يكون علة لذلك». فالمسألة الأساسية في عملية استنباط القواعد ليست في اكتشاف القواعد الوحيدة التي تفسر مقدرة التكلم عند العرب إنما في اكتشاف قواعد متماسكة بالإمكان القول عند التحقق منها أنها صالحة لأن تكون قواعد للقضايا اللغوية التي أخضعت للبحث والتحليل، فالخليل وعى إمكان الإتيان بأكثر من قاعدة تفسر المسألة الواحدة، كما وعى أن تعدد القواعد التي تفسر المسألة الواحدة لا يسيء إلى البحث اللغوي. إلا أنه ينبغي في هذه الحال اعتماد معايير ثابتة لإتمام عملية الإختيار بين هذه القواعد.
نلاحظ أن الخليل يعتمد معياراً ثابتاً لاختيار القواعد الأنسب. يقول: «فإن سنح لغيري علة لما علله من النحو هي أليق بالمعلول فليأت بها «فالمعيار المعتمد هو مدى التصاق القاعدة بالقضايا اللغوية ومناسبتها لها. القاعدة ينبغي أن تكون أليق أي أكثر التصاقاً بالمعلول (لاق بالشيء بمعنى لاذ به ولصق به وعلق به) لكي يتبناها اللغوي.
وعى الخليل هذه المسألة التي ترتدي حالياً أهمية بالغة في التحليل الألسني. أكثر من ذلك اعتمد معياراً ثابتاً لتفضيل قاعدة على أُخرى، وهو معيار اللياقة أو الملاءمة، إذ ينبغي على القاعدة للأخذ بها أن تكون «أليق بالمعلول» أي ملائمة على نحو أفضل للمعلول، والمعلول هنا كلام العرب الصادر عن الملكة اللغوية والمناسب للقواعد المضنية القائمة في عقل المتكلم وضمن ملكته اللغوية.
تهتم النظرية التوليدية والتحويلية بموضوع تقييم القواعد والتأكد من صحتها. ويعود الفضل إلى هذه النظرية في وضع معايير ومبادىء عامة ودقيقة بالإمكان ـ وفقها ـ اعتماد القواعد الملائمة التي بإمكانها وصف المعطيات اللغوية. والسؤال المطروح في هذا المجال هو التالي: كيف بإمكان الباحث أن يختار بين قواعد عدّة صالحة لتفسير المعطيات اللغوية؟ والجواب على هذا السؤال يكمن في اختيار القواعد الأكثر ملاءمة للمعطيات اللغوية.
تميز النظرية في هذا المجال بين الملاءمة الخارجية والملاءمة الذاتية. ويقصد بالملاءمة الخارجية ملاءمة القواعد للمادة اللغوية التي تحللها هذه القواعد. وفي هذا الصدد يقول تشومسكي: «يمكن اعتبار القواعد بمثابة نظرية اللغة. تكون ملائمة من الناحية الوصفية حين تصف بشكل صحيح الملكة اللغوية الضمنية العائدة إلى متكلم اللغة المثالي»([144]) ولاحظنا أن الخليل يعتمد بالذات هذا المعيار. كما يُقصد في المقابل بالملاءمة الذاتية تناسب القواعد مع بعض المعايير المنهجية وأهمها البساطة والتعميم الألسني والشمول وسهولة التطبيق. إلا أننا لن نتطرق هنا إلى هذه المسألة.
بقي القول أخيراً إن إعادة قراءة التراث اللغوي العربي في ضوء التطور الحاصل في الفكر اللغوي العالمي، والمتمثل حالياً بالألسنية، ينبغي أن يتم بهدف إحياء التراث من خلال التركيز على المساهمات اللغوية المتطورة والمتعمقة التي أتى بها اللغويون العرب القدامى في مجال تحليل اللغة العربية والنهوض بها إلى واجهة اهتماماتنا الحديثة بتطوير ألسنية عربية ذاتية تهتم بدراسة قضايا لغتنا العربية وبحل مسائلها.
وقال هادي حسن حمودي:
مشهور القول: وراء كل عظيم امرأة، فإني أقول إن وراء كل مبدع عدد كبير من الحاسدين ومزيفي الوقائع والحقائق، وإلى جانبهم عدد أكبر ممن سار على ما يقتضيه العلم ورهافة الضمير والإخلاص للوقائع والحقائق.
وإذا صح هذا القول على أحد، فإنه أكثر ما يصح على الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 أو 175 هـ) وكتابه العظيم: العين.
فهذا الرجل الذي خلق من المسك والعنبر والذهب، بحسب ما كان يقوله معاصروه، والذي كان يحج سنة ويغزو سنة طيلة عمره، قدم للأجيال مفاتيح العلوم في اللغة والنحو والعروض وغيرها، فزاد في حاسديه ومناوئيه إلى أيامنا هذه.
وفي الوقت ذاته، ظهر علماء أجلاّء أخذوا كتاب العين وساروا به أشواطاً طويلة لييسروا مادته ويضعوها بين أيدي أهل زمانهم بما يفيد وينفع. فكان أن أصبح العين بؤبؤ الدراسات اللغوية العربية، منذ أن عرفه الناس وإلى أيامنا هذه.
لقد ظهر الكتاب في القرن الثالث للهجرة، بعد أن كان مؤلفه قد كتبه في أواسط القرن الثاني، وكان ظهوره أشبه بحجر كبير يلقى في بحيرة فتتموج مياهها وتنتقل التموجات عبر الزمان والمكان.
فالبصرة قد فوجئت بظهور كتاب عنوانه (العين) قال ناقلوه أنّ مؤلّفه هو الخليل بن أحمد الفراهيدي. فوجئت كما لم تفاجأ بظهور أي كتاب آخر. فأنكره بعض علمائها، وعلى رأسهم أبو حاتم السجستاني، لأنهم وجدوا في العين تخليطاً وغلطاً وتداخلاً في المواد، بما لا يصح أن يصدر من تلامذة الخليل، فكيف بالخليل الجليل نفسه؟ بحسب عبارة أحمد بن فارس (ت 395 هـ). وغني عن القول إن الخليل، عند القوم، أجلّ من أن يقع في ذلك.
ومن الواضح أن موقف العلماء من (العين) لم يكن مبنياً إلا على النسخة التي ظهرت إليهم. فقد نظروا فيها نظراً حداهم إلى اتّخاذ موقف من (العين).
فالنظر العلمي الدقيق في الكتاب، إذن، هو السبب الرئيسي في انقسام العلماء في قضية تصحيح نسبته للخليل، إلى ثلاثة أقسام هي:
1 ـ الفريق الأول: ويضمّ الذين أنكروا أن يكون للخليل أية علاقة بالكتاب الذي فاجأهم ظهوره والذي يحمل عنوان (العين).
ويمثل هذا الفريق كلّ من أبي حاتم السجستاني، وأبي علي القالي، وعلى رغم أننا لم نجد في آثارهما المتبقيّة ما يفيد إنكارهما الباتّ هذا، فإننا لا نجد ما يمنع من الاعتماد على ما رواه الآخرون عنهما وعن نظرائهما، محتملين أن يكون ذلك الإنكار، قد سمع منهما أو روي عنهما من غير أن يدوّناه في كتاب، أو أنّهما قد دوّناه وضاع فيما ضاع من تراثهما.
2 ـ الفريق الثاني: الذي يرى أن الخليل رسم الكتاب ولم يحشه، فحشاه من بعده من أوقع فيه من الأغاليط ما دفع الفريق الأول إلى رفضه. ومن أقدم القائلين بهذا أبو العباس ثعلب، وكذلك الأزهري في أحد أقواله حين يقرر: (… ولم أرَ خلافاً بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب العين لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد وأن ابن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقّفه الكتاب من فيه…). غير أن هذا القول يناقض بعضه بعضاً، فإذا كان الكتاب قد أكمله ابن المظفر، كما يسمّيه الأزهري، على الخليل وأنه تلقفه في فيْه، بحسب ما يقوله النص السابق، فليس لابن المظفر، إذن، دور في تأليف الكتاب إلا أنه كان يكتب ما يمليه عليه شيخه، ثم أن يتوثق مما شك فيه المملي، بحسب تفصيلات الليث لمراحل تأليف (العين) على ما سبق ذكره.
وللأزهري رأي آخر يذكره في نفس مورد كلامه السابق، يذهب به إلى إنكار نسبة العين للخليل إنكاراً تاماً، فيقول في تعداد مصادر كتابه: (…فمن المتقدمين الليث بن المظفر الذي نحل الخليل بن أحمد كتاب العين جملة لينفقه باسمه).
ثم له رأي ثالث يناقض الرأيين الأولين، يذكره في نفس مورديهما حين يتعرض لمن حاول المساس بكتاب العين، فيقول: (…حتّى توهم بعض المتحذلقين أن الخليل لم يف بما شرط، لأنه أهمل من كلام العرب ما وجد في لغاتهم مستعملاً… ولما قرأت هذا الفصل من كتاب البشتي ـ يعني صاحب كتاب التكملة لما في العين ـ استدللت به على غفلته، وقلّة فطنته وضعف فهمه، واشتففت أنه لم يفهم عن الخليل ما أراده، ولم يفطن للذي قصده). حيث يعترف بوضوح أن الخليل هو مؤلف (العين)، وأن بعض من لم يفهم مراد الخليل حاول الاعتراض عليه، وأن ذلك الاعتراض دالّ على الغفلة وقلة الفطنة!!
فمواقف الأزهري في هذا الموضوع متضاربة مضطربة، لا نستطيع أن نعوّل على أي منها. ويبدو أن الرجل كان حائراً أمام معطيات متضاربة مضطربة، منها جلالة قدر الخليل، ومنها رداءة النسخة، وربما صارت نسخاً في زمانه تحفل بمزيد من صور الاضطراب باعتبارها منتسخة عن أصل مضطرب، ومنها مواقف الآخرين من العلماء والشيوخ بهذا الشأن، ومنها اعتداد ابن دريد بالعين ونسجه (الجمهرة) بوحي منه، وتقليد له، وبين الرجلين الجليلين الأزهري وابن دريد ما بين جرير والفرزدق.
ولكن… ليس الأزهري بدعاً في هذا التناقض، خذ موقف الشيخ أحمد بن فارس فتراه مرّة يقول، وهو في صدد ذكر مصادره: (…فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، المسمّى كتاب العين، أخبرنا به…) ويعدّه واحداً من (الأصول الكبار) لكتاب (مجمل اللغة) فتراه تارة أخرى يقول: (… وأمّا الكتاب المنسوب إلى الخليل وما في خاتمته من قوله: هذا آخر كلام العرب، فقد كان الخليل أورع وأتقى لله، جلّ ثناؤه، من أن يقول ذلك… ثم إن في الكتاب الموسوم به من الإخلال ما لا خفاء به على علماء اللغة، ومن نظر في سائر الأصناف الصحيحة علم صحة ما قلناه).
3 ـ فأما المقتنعون بصحة نسبة (العين) للخليل فجمهور العلماء المدققين الصادقين مع أدواتهم العلمية، والجديرين بصفتهم.
وقصارى مواقف العلماء في هذا الموضوع وأشباهه، أن يعبّروا عن آرائهم بموجب معطيات خاصة، وظروف خاصة، وحين ندرك تلك المعطيات والظروف، نجد لمواقفهم المختلفة مسوّغاتها.
وكيفما يكن الأمر، فإن جميع مؤلفي المعجمات قد عوّلوا على كتاب العين، وعنه صدروا، فهذا ثاني معجم في العربية وهو (جمهرة اللغة) لابن دريد الأزدي نسخة أخرى من العين على تبويب مختلف، وإضافة هنا أو هناك.
ربما يعترض معترض على اعتبارنا معجم (جمهرة اللغة) ثاني معجم لفظي في تاريخ اللغة العربية.. وذلك لأن من الشائع بين الدارسين، اليوم، أن بينه وبين العين كتاب (الجيم) لأبي عمرو الشيباني المتوفى في سنة 206 هـ، وكتاب (التقفية) للبندنيجي المتوفّى في سنة 284 هـ، كما أن القدماء قد أشاروا إلى معجمات أخرى، غير أنها لم تقع إلينا…
غير أن هذا الرأي المستقر في ميادين الدرس اللغوي هذه الأيام لا يسلم من النقد والنقض… فكتاب (الجيم) مشكوك في صحة نسبته لأبي عمرو الشيباني… ويمكن بيان ذلك الشك في:
1 ـ أن القدماء أنفسهم قد اضطربوا في نسبته إلى النضر بن شميل المتوفى في سنة 203 هـ وإلى أبي عمرو شمر بن حمدويه الهروي المتوفى في سنة 255 هـ. ثم طبع الكتاب منسوباً إلى أبي عمرو الشيباني، وصدر في ثلاثة أجزاء ما بين سنتي 1974 ـ 1977 بعناية إبراهيم الأبياري وآخرين.
ومن الطبيعي أن نسبة كتاب واحد إلى أكثر من مؤلف تلقي ظلالاً من الشك على صحة نسبته إلى أي واحد منهم، ما لم تقم الأدلة الحاسمة في إثبات تلك النسبة… وهذا ما لم يتوفّر حتى في طبعته المشار إليها.. فقد جاء في مقدمة تحقيق (الجيم): (وهذا الترتيب الذي يدل عليه الكتاب، والذي هو بين أيدينا، لا شك من صنع صانع غير أبي عمرو الشيباني).
ويستمر محققو الجيم قائلين: (فهذا الترتيب المختل الذي لا تضبطه القواعد الأولى في سوق حروف المعجم، ثم هذا التكرار للأصل الواحد الذي يأباه أي نظام معجمي، ثم هذا الإقحام لمواد على مواد أخرى ليست من بابها، هذا كله وغيره يفيد أن هذا العمل بعيد أن يقع على يد رجل معجمي ناضج (؟!) كأبي عمرو).
وهم على حق فيما ذهبوا إليه، ولكنهم لم يقفوا على السبب الحقيقي الذي أدّى إلى وقوع الخلل في الكتاب…
ذلك السبب يتمثل في أن هذا الكتاب ليس معجماً وليس من تأليف أبي عمرو الشيباني، ولا النضر بن شميل، ولا علاقة له بأبي عمرو الهروي… وربما كان لأي من هؤلاء تأليف باسم (الجيم) ولكن لا يوجد دليل واحد على أن هذا التأليف، أن وجد، دالّ على عمل معجمي… ناهيك عن أن يكون ذلك العمل متمثلاً في هذا (الجيم) المنقود من أكثر من ناحية.
وقصارى القول إن هؤلاء، وقد سمعوا أن الخليل بن أحمد له تأليف اسمه (العين) وأنه يتصل باللغة، بألفاظها ومعانيها وروايتها. من غير أن يطلعوا على كتاب (العين) فأحبوا أن ينافسوا الخليل فيما كتب، فاصطنعوا لهم كتباً تحمل اسم حرف من حروف الألفباء على غرار العين، ثم وضعوا فيها مادة لغوية ما… فأما ما كتبه النضر وما كتبه الهروي فلا سبيل لمعرفة أي شيء عنهما. فقد ضاعا، وذكر القدماء أن السيل قد أتى على كتاب أبي عمرو الهروي، أما كتاب النضر فلم يذكره من القدماء أحد قبل ابن النديم في الفهرست.. لذا فلا يمكن معرفة مادة أي منها.
وربما كان في هذا ما ساعد بعض المتأخرين على أن يكتب (الجيم) وأن يعزوه لأبي عمرو الشيباني، اعتقاداً منه أن لا سبيل إلى اكتشاف الحقيقة، نظراً لضياع الأصل… وليس هذا مستغرباً في التراث، وإن كان مستنكراً…
فقد تحدث ابن سلام عن قضية النحل والانتحال في الشعر، بما لا يدع مجالاً للشك في وجود هذه القضية.
وكذلك اهتم علماء الحديث النبوي الشريف بالتدقيق في الحديث المروي، من حيث سلسلة الرواة، وكذا من حيث المضمون… قطعاً لدابر الكذب والانتحال والتزيّد.
وليس هنا مجال التوسع في عرض هذه القضية، وبحسبنا الإشارة إلى أخطاء نسبة الكتب، من مثل كتاب (نقد النثر) الذي عزاه محققوه، ومنهم الدكتور طه حسين إلى قدامة بن جعفر، إلى أن تبين لهم خطأ ذلك العزو، حين قام باحثون آخرون بالتدقيق في مادة الكتاب، ومعرفة مؤلفه… وما يزال كتاب المنجد، إلى اليوم، يذكر أن من مؤلفات قدامة بن جعفر، كتاب (نقد النثر).
وعلى رغم كل ذلك، فإن مؤلف كتاب الجيم، أياً كان، قد ارتكز على كتاب العين وأفاد منه فائدة جلّى، في المادة وفي الشواهد وفي الآراء اللغوية، أيضاً. ونجد في كتاب (الجيم) نصوصاً تكاد تكون منقولة حرفياً من كتاب العين.
2 ـ إن تسمية الكتاب بالجيم تسمية ملغزة، وقد تعجّب القدماء من خلوّ الكتاب من مقدمة تبين نهجه وسبب تسميته. على غرار ما درج عليه منهج التأليف في تلك الأيام.
وذلك لأن الكتاب ليس أكثر من كونه نسخة أخرى من (العين) مع تعديل هنا، وتغيير هناك، وتبديل في طريقة التأليف.
ولو كان أبو عمرو الشيباني هو الكاتب لفسّر هذه التسمية وبيّن سبب التأليف على ما هو ملحوظ في تآليفه الأخرى.
وأغلب الظن أن بعضاً من اللاحقين كان قد سمع أن للخليل كتاباً باسم العين، وأنه في اللغة بألفاظها ومعانيها، وأن لأبي عمرو الشيباني تأليفاً (ضائعاً) اسمه (الجيم) مجهول المادة، فاحتمل أن الجيم يندرج ضمن إطار ما عرفه عن العين… فقام بوضع خلاصة لكتاب العين ثم عزاها لأبي عمرو الشيباني، باسم (كتاب الجيم).
وإلا… فما معنى أن يوضع اسم (الجيم) عنواناً للكتاب، وهو لم يبدأ بحرف الجيم، على غرار كتاب (العين) الذي جاءت تسميته بسبب وقوع حرف العين أول حرف من الكتاب؟
ونعرض هنا عن التمحّلات التي ذهب إليها بعضهم من أن معنى (الجيم) هو الديباج، وبه سماه مؤلفه… فهذا المعنى لا نجده في أي من المعجمات المتقدمة، ونجزم أن أول من ذكر هذا المعنى هو الفيروز آبادي في القاموس المحيط… ومن المعلوم أن الفيروز آبادي قد توفي في سنة 817 هـ.
3 ـ ولذا لا يمكن اعتباره سابقاً لمعجم (جمهرة اللغة) لابن دريد.
«أما كتاب التقفية للبندنيجي فعلى فرض صحة نسبته للمؤلف، وفي هذا خلاف بين الدارسين، فإن اعتباره معجماً فيه تجوّز كبير، فإن مؤلفه، أياً كان ذلك المؤلف، قد نص في مقدمته أنه ألّفه على (الأفاعيل) يريد على الأوزان الصرفية، بحسب حروف (ألف، باء، تاء… إلخ) ولا ننسى أن الخليل بن أحمد الأزدي هو أول من وضع الأوزان الصرفية بضمن المادة النحوية التي قدمها لتلميذه سيبويه.
وحتى إذا سلّمنا، جدلاً، بأن كتاب التقفية هو للبندنيجي، وأنه معجم من معجمات الألفاظ، فهل من دليل واحد يشير إلى أنّه ألّف قبل كتاب (الجمهرة) لابن دريد؟!
الذين يزعمون ذلك يعتمدون على سنة وفاة المؤلف، فهو قد توفي في سنة 284 هـ وذلك دعاهم إلى اعتبار كتاب التقفية قد كتب قبل الجمهورة التي توفي مؤلفها في سنة 321 هـ. وهذا أمر لا سبيل إلى صوابه… فإن ابن دريد قد ألّف الجمهرة في عهد شبيبته بما لا يتجاوز سنة 255 هـ وهي السنة التي ظهر فيها كتاب العين حين قدم به ورّاق من خراسان… فأحدث ضجة كبيرة، وشغل الناس، ما بين معجب به، وما بين رافض له. وهنا تصدّى ابن دريد للإشادة بالكتاب ومؤلفه، وقام بتأليف كتابه (جمهرة اللغة) على غراره.
ونستدل من أخبار القدماء أن ابن دريد قد أملى الجمهرة مرات عديدة… وأن نسخها المروية عنه قد كثرت بين أيدي طلاب العلم، وهذا، إن دلّ على شيء، فعلى أن أول تأليف للجمهرة كان في مطلع حياة مؤلفه الذي ولد في سنة 223 هـ.
من هنا… نطمئن إلى أن (جمهرة اللغة) هو المعجم الثاني في تاريخ الدراسات اللغوية العربية بعد معجم العين. ولم يكن هذا المعجم الثاني إلا صورة أخرى من صور (العين).
وبعد ابن دريد والجمهرة يظهر مجموعة من العلماء الكبار الذين شيّدوا بناءهم على كتاب العين معترفين بفضل الخليل عليهم، ومنهم الجوهري صاحب (صحاح اللغة) وابن فارس صاحب (مجمل اللغة) و(مقاييس اللغة)… وغيرهم كثير.
وبمرور الأيام يظهر نهج آخر من التأليف، لا يقلد كتاب (العين) ولا يؤلف معجماً مثله، بل يعمد إلى الكتاب نفسه، فيلخصه، على أساس أن يقدم مادته مختصرة إلى من يريدها، نظراً لتطور العصور وتغير أذواق الدارسين.
وللعين مختصران مهمان جداً، أما أولهما فمختصر العين لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي (ت 379 هـ)، وأما ثانيهما فمختصر كتاب العين للخطيب الإسكافي (ت 420 هـ).
1 ـ فأما المختصر الأول وهو مختصر الزبيدي فإن نسخته حديثة نسبياً، نقلت عن أصل ضائع، لذا لم تسلم من الأخطاء والأغلاط والتصحيفات التي سقطت في كتاب (العين) نفسه نظراً لرداءة نسخه التي هي حديثة أيضاً.
ومن الطريف أن نذكر أن الزبيدي كان من الذين يشككون بنسبة العين إلى الخليل، ولكنه، وبأمر من الحكم المستنصر بالله كتب هذا المختصر، وقد وضح خطته فيه بقوله: (هذا كتاب أمر بجمعه وتأليفه أمير المؤمنين، الحكم المستنصر بالله… ذهبت فيه إلى اختصار الكتاب المعروف بكتاب العين، المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، بأن تؤخذ عيونه، ويلخّص لفظه، ويحذف حشوه، وتسقط فضول الكلام المتكررة فيه، لتقرب فائدته، ويسهل حفظه). ويبدو من كلامه أنه، على رغم قيامه باختصار العين، ما زال مشككاً به وناقداً له، ومعتقداً بخلله المنهجي وامتلائه بالحشو وما يجب إسقاطه من تكرار فضول الكلام. وليس هذا طريق من أعجب بكتاب فانصرف إلى اختصاره، ولذا فإن عمله هذا لم يقدم فائدة تذكر لتقويم عبارات نسخ العين السيئة، ولا تقويم ما اعوجّ منها.
وعلى رغم ادّعاء الزبيدي بأنه سيخلص العين مما وصفه بالحشو وفضول الكلام، نجده كثيراً ما يورد عبارة الخليل بنصها، كما في مادة (حوم) حيث جاء فيها: (الحوم: القطيع الضخم من الإبل. والحومة: مجتمع الماء في الحوض وغيره. وحومة القتال: معظمه. والحومان: نبات. والحومان: دومان الطائر إذا حام حول الشيء. والحوائم: الإبل العطاش تحوم. وهامة حائمة: أي عطشى). وهي عبارة الخليل في العين. وقد وقع هذا في كثير من مواد مختصر الزبيدي، حتى ليخيل لي أن مفهوم الاختصار عنده، يتمثل في تجريد الكتاب من شواهد القرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال الشعراء، فحسب. وقد يكون مبعث هذا أن الزبيدي لم يجد في نفسه رغبة لعقد صلة مع كتاب العين، وإنما اختصره بناء على أمر صدر إليه.
2 ـ على أن ثمة مختصراً آخر على درجة عالية من الإتقان والنفع، ونعني به مختصر العين للخطيب الإسكافي.
مخطوطة هذا الكتاب تقع في 490 لوحة، خطها قرآني قديم، وهي مكتوبة في سنة 383 هـ، أي أنها أقدم من نسخ مختصر الزبيدي بأكثر من خمسة قرون. ولذلك خلت في أكثر الأحوال من التنقيط، كما خلت معظم كلماتها من الحركات والشكل، وتشابهت بعض الحروف مع بعضها الآخر في الرسم، بحيث تحتاج قراءتها على الوجه الصحيح إلى عناء كبير، ولكنه عناء نافع جداً. ويبدو من مقارنة مادة كتاب (العين) ومادة كتاب المختصر، أن مفهوم الاختصار لدى الخطيب الإسكافي ليس هو المفهوم الشائع والذي يعتمد على (تلخيص) مادة الكتاب الأصل، وإنما هو أقرب إلى (إثراء) الكتاب، وتنقيحه من الزيادات التي أضيفت إليه خلال المدة الممتدة من أواسط القرن الثاني، تاريخ ظهور العين، إلى أواخر القرن الرابع، تاريخ كتابة المختصر. (توفي المؤلف في سنة 420، أو 421 هـ).
إن كتاب العين، معجم من معجمات الألفاظ، والمعجم لا يمكن اختصاره بحذف بعض مواده، أو بحذف بعض الشروح فيه، لأن ذلك سيكون مسخاً للكتاب، حتى يعود قاصراً عن الاستجابة الأساسية لهدف تأليفه، وهو جمع مفردات اللغة وذكر معانيها، وتيسيرها لمن يحتاج إليها من الطلاب والعلماء، فلا يمكن الاختصار، إذن، إلا بحذف ما يمكن أن يستغني عنه أبناء العصر الذي يكتب المختصر لهم. وإذا عدنا إلى طبائع طلبة العلم من أهل القرن الرابع، وبخاصة في مشرق الدولة آنذاك، لوجدنا أن الحاجة الأهم التي تدعوهم إلى العودة للمعجم، أي معجم، تتمثل في أنهم لا يطلبون منه سوى توضيح معاني الألفاظ التي تصادفهم في مضطربهم الثقافي والعلمي. وهم، في الأغلب الأعم، سرعان ما يغلقون دفتي المعجم ما إن يحصلوا على بغيتهم منه. فلم يعد الوقت متسعاً، ولا ملائماً لإعادة البحث في توثيق لفظة أو استعمال لغوي بالعودة إلى الشواهد المبرهنة على ذلك، فقد درج العلماء الرواة، ووضعوا الأصول الموثقة، فمن سمت همته إلى التعرف على ذلك فأمامه التأليفات الأولى التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث للهجرة. ولقد أدرك علماء القرون التالية، ابتداء منذ القرن الرابع هذه الحقيقة فجاءت كتبهم مطواعة لمواضعات عصورهم واحتياجاتها. فكتاب العين الذي وضع بحسب متطلبات القرن الثاني، أصبح من الضروري أن يبنى عليه عمل آخر يستجيب لمتطلبات القرن الرابع.
ولم يكن أمام الخطيب الإسكافي من سبيل لتطويع كتاب العين إلاّ باختصاره اختصاراً غير مخلّ بمادته وهدفه، ولذلك عمد إلى منهج ذي ثلاث شعب:
* الشعبة الأولى: إخراج مسائل النحو والصرف: فمن المعلوم أن الخليل يعد الواضع الأول لعلوم اللغة العربية في جوانبها المتعددة، اللغوية، والنحوية، والصرفية، والبلاغية… ولذا تضمن العين أشياء لا تتصل مباشرة بموضوع المعجم كما فهمه أهل القرن الرابع، وإنما انفصلت، بعد عصر الخليل، واستقرّت في ميادين متخصصة، كالنحو، والبيان، وفقه اللغة، وبقي المعجم مؤدياً وظيفة واحدة هي جمع الجذور اللغوية، وتوضيح معانيها، ومعاني ما يشتق منها من ألفاظ واستعمالات. لهذا فإن الخطيب الإسكافي، حينما أراد تلخيص العين استجاب لدواعي تغير النظرة إلى مهمة المعجم ووظيفته فجرده من النحو والصرف وما لا دخل له في العمل المعجمي بحسب رأي أهل عصره.
* الشعبة الثانية: حذف شواهد الشعر: حيث إن شواهد الشعر تفيد عادة توثيق معاني الألفاظ المعجمية، ومن أجل ذلك عني اللغويون الأوائل، وفي مقدمتهم الخليل بن أحمد بها. وبالطبع فإن مهمة المعجم في القرن الرابع قد تجاوزت التوثيق إلا إذا كان ثمة معنى جديد أو استعمال لغوي لم يعرفه المعجميون السابقون. ولما كان الخطيب الإسكافي لا يريد تقديم معانٍ جديدة ولا يهدف إلى توثيق مادة كتاب العين، ونظراً لشكّه في تصحيح نسبة كثير من ذلك الاستشهاد إلى الخليل، فقد قام بحذف شواهد الشعر، تلك الشواهد التي نجدها في نسخ العين المتأخرة التي أشرنا إليها.
والحقيقة أن في تلك النسخ، وفي المطبوع عنها من (العين) من الشواهد الشعرية الضعيفة والمفتعلة مما لا يصح حمل الاستشهاد بها على عالم جليل كالخليل بن أحمد، كقول القائل:
أعوذ بالله وبالأمير
من عامل الشرطة والأترور
وقول الآخر:
لمن زحلوقة زل
بها العينان تنهل
وقول الثالث:
ليس للحاجات إلا
من له وجه وقاح
ولسان صارفي
وغدو ورواح
إن تكن أبطأت
الحاجة عني واستراح
فعلي الجهد فيها
وعلى الله النجاح
بل إن التكلف والتصنع واضحان في شواهد معزوة في نسخ العين لشعراء كبار، وهي مما لم يقتنع بصوابه العلماء فلم يذكروها في دواوينهم، كالأبيات المنسوبة في نسخ العين إلى طرفة:
ما كنت مجدوداً إذا غدوت
وما رأيت مثلما لقيت
لطائر ظل بنا يحوت
ينصب في اللوح فما يفوت
يكاد من رهبتنا يموت
يرى الخطيب الإسكافي أن الخليل لأجل من أن يذكر هذه الشواهد، وأن الشعراء القدماء لأفصح من أن يقولوها، وقديماً اعترف ابن فارس: (…ولولا وجداننا ذلك في كتبهم، أي كتب المؤلفين الذين سبقوه، لكل الأعراض عنه أصوب).
ومن اللافت للنظر أننا نجد في كتاب المختصر مجموعة قليلة من الشواهد، وهي شواهد فصيحة عالية، غير أنها ليست موجودة في نسخ العين. فهل يمكن القول إن تلك الشواهد هي التي ذكرها الخليل في كتابه، وأن الشواهد الأخرى تزايدت من رواة العين وناسخيه؟ ربما كان ذلك صواباً بملاحظة أن الخطيب الإسكافي لم يذكر حذفه لشواهد العين ضمن وصف خطته في المختصر.
* الشعبة الثالثة: تركيز التركيب: لقد كان الخطيب الإسكافي، في اختصاره للعين، عالماً دقيقاً ومنظماً، فهو لم يقتصر الاختصار، كما لم يدخل على العين) ما ينقص من قيمته، فقد نظر في أسلوب الكتاب، ودرس الجملة (الخليلية)، فرأى كلاًّ منها يتركب من ألفاظ أساس، ومن ألفاظ تكميلية ثانوية، فأثبت الأسس، وحذف الألفاظ الثانوية، فأصبحت لغة المعجم لغة مركزة، علمية، وربما كانت أكثر دلالة على المراد منها. إذا أن شوط الخليل كان واسعاً، فاتّسع أمامه مجال التعبير، فأكثر من استخدام حروف التفسير، والألفاظ التي تمدد حجم العبارة. أما الخطيب، فقد كان يهدف إلى وضع مختصر لتلك المادة، فرسم حدود حركته، منذ السطر الأول إلى السطر الأخير من الكتاب، فأثبت أركان الجملة الخليلية، وأزال منها ما عده زخارف لا تتلاءم مع فكرة المختصر.
وللمقارنة بين عبارة (العين) وعبارة مختصره، نذكر هنا أمثلة على ذلك: العين: يقال حورته تحويراً أي بيضته. المختصر: وحورته بيضته. العين: وحال الشيء يحول حؤولاً في معنيين، يكون تغييراً ويكون تحويلاً. المختصر: وحال حؤولاً تحول وتغير. العين: الطهطاه الفرس الفني الرائع، قال (سليم الرجع طهطاه قبوص) وبلغنا في تفسير (طه) مجزومة أنه بالحبشية يا رجل. ومن قرأ (طاها) فهما حرفان من الهجاء. المختصر: الطهطاه الفرس الفتي الرائع. و(طه ما…) أي اطمئن. ونلاحظ في المختصر، أشياء نافعة مفيدة، وغير موجودة في العين، وربما كانت هي من أصل العين إلا أنها سقطت من نسخه المعروفة اليوم، ففي الجذر (تيم) من العين: تيم قبيلة. ثم تنتهي المادة. أما في المختصر فنقرأ: تيم قبيلة، وتيم الله عبد الله، والمتيم المستعبد عشقاً و(تامت فؤادك) استعبدته، وقيل ذهبت به. وهذه الزيادات التي نرجّح أنها من أصل كتاب (العين) تمتاز بما يمتاز به المختصر من تركيز العبارة، والبعد عمّا يطيلها ويكثر ألفاظها كأدوات التفسير، والأوصاف التي قد لا تكون ضرورية في العمل المعجمي الهادف إلى تقديم شرح مركز للألفاظ.
هادي حسن حمودي
مخطوطات (مختصر العين)
ألف أبو بكر الزبيدي مختصراً لكتاب (العين). وفي هذا البحث المكتوب بقلم الدكتور صلاح مهدي الفرطوسي تفاصيل عن مخطوطات كتاب (مختصر العين):
لا يختلف اثنان في أنَّ القرن الرابع الهجري هو أزهى عصور الحضارة العربية الإسلامية، إذ بلغت في العلوم درجة من الرُّقي لم تبلغها من قبل في مغرب الأمّة ومشرقها.
وقد كان لدخول أبي علي القالي الأندلسي أعمق الأثر في الحركة اللغويَّة التي شهدتها في هذا القرن، إذ كانت أماليه ومرويّاته وتآليفه اللّغوية مورداً لطلاَّب العربية وعلمائها، وقد شارك تلاميذه الذين تفرَّقوا في الفردوس المفقود في إذكاء تلك الحركة.
وكان أبو بكر الزبيدي (ت 379 هـ) أبرز تلاميذ القالي، وأبعدهم أثراً، إذ تميَّز بغزارة عمله، وقوَّة حافظته، وكثرة إنتاجه، وتنوُّعه. وقد درسه المستشرق لاثارو في رسالة قدَّمها إلى جامعة مدريد سنة 1968 بعنوان «أبو بكر الزبيدي نحويّ أندلسيّ من القرن الرابع» ودرسه الدكتور نعمة رحيم العزاوي في رسالة قدَّمها إلى جامعة بغداد بعنوان: «أبو بكر الزبيدي وآثاره في النحو واللغة» وقد طُبعت في مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة 1975. وطُبع من آثاره: لحن العامة، والواضح في النحو، وطبقات النحويين واللغويين، والاستدراك على سيبويه في كتاب الأبنية، ومقدِّمة كتاب استدراك الغلط الواقع في كتاب العين.
ولعلَّ أبرز مؤلفات الزبيدي وأعمقها أثراً كتابه «مختصر العين»، وقد حقَّق علال الفاسيّ ومحمد بن تاويت الطنجي فصلة منه معتمدين على نسختين خطّيتين منه. الأولى: في خزانة القرويين بفاس، والثانية: في خزانة علال الفاسيّ ـ وأمر عرض هذه الفصلة يحتاج إلى وقفة أخرى ـ وقد نوَّهت بقيمة مختصر العين وأهميَّته وأثره في أكثر من بحث، إذ تبيّن لي أن الكتاب ليس اختصاراً بالمعنى الذي يوحيه عنوانه ومقدَّمته وخاتمته، وإنما هو معجم متميِّز، اعتمد على مادة في أصل هو (العين) وهي المادة التي اعتمدت عليها المعجمات التي سارت على منواله: كالتهذيب، والمحيط، والمحكم.
وقد تجمَّعت لديّ في السنوات الخمسة الماضية معلومات عن مخطوطاته رأيت من المناسب أن أنوّه بها بسبب أهمية الكتاب.
أ ـ ألمانيا:
ذكر بروكلمان أنَّ في برلين نسخة برقم 6950 ـ 6952، وأخرى برقم دحداح 159، وذكر في معرض تعليقه على نسخة دحداح: (انظر أيضاً 193 في المكتبة نفسها). وقد بذلت جهداً كبيراً لكي أحصل على هذه النسخ، وخاصة نسخة دحداح، إذ علّق بروكلمان بشأنها: (وقيل: إن هذه النسخة هي الكتاب الأصلي للخليل، وهي في ثلاثة أجزاء). وتعليقه جدير بالاهتمام فقد تكون نسخة جديدة من كتاب العين، وقد تكون أيضاً النسخة الكبرى من مختصر العين الذي لم أعثر له على نسخة في ما رجعت إليه من مصادر.
وممّا يؤسف له أن مكتبة الدولة ببرلين أفادت بأن هذه النسخة لا وجود لها في المكتبة على الرَّغم من وجود إشارة في فهارسها إليها، وقد تكون احترقت في ما احترق من الآثار خلال الحرب العالمية الثانية. والمكتبة لا علم لها بمصيرها.
أمّا المخطوط رقم 6950، فقد تمَّ نسخه عام 600 هـ، وهو يحتوي على النصف الثاني من الكتاب، وهو في 154 ورقة، ذكر ذلك المستشرق لاثارو في رسالته التي سبق التّنويه بها، وقد استقى معلوماته عن هذه النسخة من:
AHLWARDT, W.V. erreichnis der arabischen Handschriften der Koniglichen Bibliotothek Zu Berlin, 1887-1889, No. 6950.
وقد تكرّم السيد لاثارو فأرسل لي ما جاء في رسالته من معلومات بشأن مخطوطات المختصر التي عثر على أخبار عنها، وبلغ عدد المخطوطات التي ذكرها في رسالته تسع عشرة مخطوطة.
ب ـ فرنسا:
أشار بروكلمان إلى وجود نسخة في المكتبة الوطنية بباريس برقم 5347، وقد تكرّم أحد الزملاء الأفاضل فصوَّر لي الصفحة الأخيرة منها على أمل تصويرها كاملة، إن كانت ذات فائدة، وقد تبيَّن لي أنها نسخة حديثة بخطّ مغربي سقيم منقولة عن نسخة كتبت في القرن العاشر.
وذكر المستشرق لاثارو في رسالته السابقة الذكر أن المخطوط المذكور تمّ نسخه عام 969 هـ، وهو بخطّ مغربي في 187 ورقة، يعود إلى مجموعة أرشينارد، التي ترجع إلى مكتبة قصر الملك أحمد ملك سيعو، وقد استقى معلوماته عنها من:
VAJDA, G. Index genral des manuscrits arabes musulmans de la Bibliotheque Nationale de Paris, Paris, 1953, p. 278.
BLOCHET, E. Catalogue des manuscrits arabes des nouvelles acquisitions(1884-1924), Pairs, 1925, p. 94.
وذكر السيِّد لاثارو أن في المكتبة نفسها نسخة أخرى برقم 5391، تمّ نسخها في القرن الثالث عشر، أقدم من النسخة السابقة، وهي بخطّ نسخيّ سوداني تقع في 149 ورقة تعود إلى المجموعة السابقة نفسها، وقد استقى معلوماته من المصدرين السابقين، ولا بد أن تكون هذه النسخة هي النسخة التي ذكرتها، وقد وقع فيها لبس لا أتذكر سببه.
ج ـ إسبانيا:
ذكر السيِّد لاثارو أن في مجموعة المخطوطات العربية المحفوظة في معهد ميغيل أسين (المجلس الأعلى للأبحاث العلمية) في مدريد نسخة من المختصر برقم 35، تمّ نسخها سنة 435 هـ، عثر عليها في مدينة (Almonacid)، تبدأ بحرف الغين، وتقع في 145 ورقة، وهي بخطّ مغربيٍّ مجهول الناسخ، وقد استقى السيِّد لاثارو معلوماته من:
RIBERA. J. YASIN, M. Manuscritor arabesy alijamiados de la Biblioteca de la Junta-Nolicias Yextractos de los alumnos de la seccionarabe bajo la direccion de.. Madrid, 1912, p. 134-135.
أشار بروكلمان إلى وجود نسخة برقم 49 مدريد ثالث. وذكر السيد لاثارو أن المخطوط المذكور من مجموعة المخطوطات العربية المحفوظة في معهد ميغل آسين، تمّ نسخه حوالي عام 740 هـ، عثر عليه في مدينة (Almonacid) تنقصه بعض الورقات في أوله، وهو بخطٍّ مغربيٍّ، وناسخه فرج بن عبد الله بن فرج بن عبد العزيز، وقد استقى السيِّد لاثارو معلوماته من المصدرين السابقين.
ـ أشار بروكلمان أيضاً إلى نسخة مخطوطة من المختصر في الإسكوريال، ثاني برقم 569. وقد تمَّ نسخ المخطوط المذكور في التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة 833 هـ، يقع في 106 ورقات بخطٍّ مغربي، مجهول الناسخ؛ ذكر ذلك السيّد لاثارو في رسالته السابقة اعتماداً على:
DERENBOURG, H. Les manuscrits arabes de L, Escurial, T. L, Paris 1884, no. 570.
ـ وأشار بروكلمان إلى نسخة ثانية في مكتبة الإسكوريال برقم 570 والمخطوط المذكور تمّ نسخه سنة 845 هـ، وهو بخطٍّ مغربيٍّ، مجهول الناسخ، وقد ذكر ذلك السيِّد لاثارو، اعتماداً على المصدر السابق.
ـ وأشار برولكمان إلى نسخة ثالثة في الإسكوريال برقم 571، نسخت في السادس والعشرين من شهر شوال عام 975 هـ، تقع في 165 ورقة، وهي بخطٍّ مغربيٍّ، مجهول الناسخ. ذكر ذلك السيِّد لاثارو في رسالته السابقة الذكر.
ـ ذكر السيِّد لاثارو أن في دير السكرمونية في غرناطة نسخة برقم (2)، تمَّ نسخها سنة 399 هـ، ناقصة من الأول، تبدأ بالورقة 19 وتقع في 199 ورقة، وهي بخطٍّ مغربيٍّ، مجهول الناسخ. ولعل هذه النسخة هي عين النسخة التي أشار بروكلمان إلى وجودها في غرناطة، وقد خبَّرني السيِّد لاثارو أنه يتعذَّر تصوير هذه النسخة أو الاطّلاع عليها بسبب موقف العاملين بالدير المذكور، وهي أقدم نسخة من المختصر تردنا أخبار عنها.
ـ وذكر السيِّد لاثارو أنَّ في المكتبة الوطنية بمدريد نسخة من المختصر برقم 5، نُسخت في مدينة ثيربيرا الإسبانية، في 24 من شهر شوال سنة 747 هـ عن نسخة موسى بن هارون بن موسى بن خلف بن عيسى بن أبي دره التُجيبي الأندلسي الذي نقلها عن نسخة أخرى تمَّ نسخها في شهر ربيع الأول سنة 368 هـ، وكان الزبيدي قد راجعها. وهي بخطٍّ مغربيٍّ في جزأين، ناسخها أحمد بن عبد الرحمن بن سالم بن محمد الأعمالي وقد استقى السيد لاثارو معلوماته من:
GUIENROBLES, F. Cataloge de los mauscritos arabes existentes en la Bibateca Nacional de Madrid, Madrid, 1887, p. 4-5.
DERENBOURG, H. Note Gitiques sur les Manuscrits arabes de la Bibliotheque Nationale de Madrid, opud.
»Homenaje a D.F. Rancirco Cordera» Zaragoza, 1904, p. 574.
وذكر السيد لاثارو أن في مكتبة جامعة سالامانكا الإسبانية مخطوطاً من المختصر برقم 294، نسخ سنة 652 هـ، في مدينة سرقسطة. ومن اللافت للنظر أن السيد لاثارو ذكر أيضاً أنَّ النسخة قد كتبت بحروف عبرية ناسخها مجهول. وقد استقى السيِّد لاثارو معلوماته من:
LLAMAS, J. LOs manuscritos hebroos de la Universidad de Salamanca apud »SEFARAD» X1250, p.278-279.
وهو مخطوط جدير بالدراسة، وقد راسلت بعض الأصدقاء لتيسير تصويره، إذ إنَّ كتابة معجم عربيٍّ بحروف عبرية أمر يدعو إلى التأمل.
د ـ تركيا:
أشار بروكلمان إلى وجود نسخة من المختصر في مكتبة كوبريلي برقم 1074.
ـ وفي مكتبة فيض الله نسخة برقم 2098، توجد مصوَّرة منها في معهد المخطوطات برقم 246 ذكر الأستاذ فؤاد السيِّد في فهرس المخطوطات العربية المصورة في معهد المخطوطات 1(371 أنها بقلم نسخ جميل بخط محمد بن حسن بن علي الحائكي، وقد كتبت برسم الجناب العالي أمير حسن، عدد أوراقها 420 ورقة.
هـ مصر:
توجد في دار الكتب المصرية (الخزانة التيمورية) نسخة من المختصر برقم (1) لغة. توجد مصوَّرة منها في معهد المخطوطات برقم 47، قال الأستاذ فؤاد السيِّد: إنّ الموجود منها النصف الأخير، وهو بخطٍّ قديم، وقد أكمل النسخة العلاَّمة برهان الدِّين إبراهيم البقاعي (ت 885 هـ) سنة 865 هـ، تقع في 338 ورقة (ينظر فهرس المخطوطات المصوَّرة 1(371).
ـ توجد في دار الكتب المصرية نسخة برقم 386، وهي بخطٍّ مغربيٍّ، منقولة من نسخة كتبت من نسخة المؤلف بأولها قصيدة لابن الحاجب مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ. توجد مصوَّرة منها في المكتبة المركزية بجامعة بغداد برقم (م خ 16 ـ 17) (ينظر فهرس دار الكتب المصرية 36/2 ).
ـ توجد في الدار نسخة أُخرى برقم 597، وهي في ثلاثة أجزاء، الموجود منها الجزء الثاني، كتبت سنة 576 هـ بهامشها تقييدات تبدأ من باب المضاعف من الهاء والخاء، وتنتهي إلى الباب الثاني المضاعف من حرف الجيم والسين.
و ـ تونس:
ـ توجد في خزانة جامع الزيتونة نسخة برقم 3944، بخطٍّ مغربيٍّ، نسخها محمد بن صالح بن محمد المعطي الشرفي سنة 1136 هـ تقع في 148 ورقة، (فهرس مخطوطات المكتبة الأحمدية بتونس ص 153).
ز ـ المغرب:
توجد في المغرب نسخ كثيرة من المختصر تيسر لي الاطِّلاع على قسم كبير منها لم تذكر في أيّ فهرس من فهارس المخطوطات أو الكتب التي اهتمَّت بوصف المخطوطات العربية، ويهمّني هنا أن ألفت النظر إلى أن بروكلمان أشار إلى وجود نسخة في خزانة القرويين بفاس برقم 1246 ـ 1247، اعتماداً على ما جاء في مجلة المجمع العلمي العربي/12:56 ، ولا وجود لنسخة بهذا الرقم في الخزانة.
وأشار السيد لاثارو في رسالته إلى نسخة في الخزانة نفسها برقم 71 اعتماداً على ما جاء في فهرس خزانة القرويين ونوادرها ص 15، ولا وجود لمخطوط بهذا الرقم في الخزانة.
1 ـ الخزانة العامة بالرباط، وفيها النسخ الآتية:
ـ نسخة الأوقاف برقم 28 ـ 1 وهي نسخة قديمة جداً متآكلة الأطراف بفعل الآفات، مكتوبة بخطٍّ مغربيٍّ قديم، كتبت أبوابها وموادُّها اللَّغوية بخطٍّ متميِّز. قسمها الناسخ على قسمين.
ينتهي القسم الأول بقوله: (الغين واللام: البلغم: خلط من أخلاط الجسد. انقضى الرباعي والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وبانقضائه تمَّ السَّفر الأول من كتاب العين يتلوه في الثاني إن شاء الله أوائل حرف القاف، والله المستعان والمعين).
وينتهي الجزء الثاني في حرف الباء (باب الثنائي المضاعف الباء والميم: بم العود: معروف).
الأوراق الثلاثة الأولى منها كُتبت بخطٍّ مغاير، والصفحات من 140 إلى نهاية ص 148، كُتبت بخطٍّ مغاير أيضاً، وهي نسخة غير صالحة بسبب الضرر الذي أصابها بفعل الرُّطوبة والآفات والترميم السيء، وقد عرضت بعض فصولها على النسخة التطوانية رقم 642 الآتي وصفها فوجدتها مطابقة لها.
ويلاحظ أنَّ ناسخها أخطأ في خاتمة الجزء الأول فقال: «تمَّ السَّفر الأول من كتاب العين».
ـ نسخة الأوقاف برقم 6/1، وهي نسخة قديمة متآكلة الأطراف بفعل الآفات، فيها صفحات كثيرة مطموسة بفعل الرطوبة لا تصلح للتصوير، بسبب تلاشي أغلب صفحاتها، وبسبب الضرر الذي لحقها بسبب الترميم السيّىء، وهي نسخة ناقصة، الباقي منها القسم الأول بحسب تقسيم ناسخها. قال في خاتمتها: «تمَّ حرف الخاء وبتمامه كمل السَّفر الأول من مختصر كتاب العين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيِّبين في يوم السبت من غرة ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة). عدد صفحاته 259، وقد قابلت بعض أبوابها بنسخة خزانة القرويين رقم 1238، فوجدتها مطابقة لها.
ـ نسخة الخزانة الكتَّانية برقم 1662، وهي نسخة حديثة كُتبت بخطٍّ مغربيٍّ في (يوم الخميس عند انسلاخ صفر عام 1263 هـ، رديئة الخط كثيرة التَّصحيف، جاء في خاتمتها: «نجز وكمل بحمد الله (وصلى الله على محمد وآله) على يد الفقير الذليل لمولاه عبيد الله تعالى إبراهيم بن الحاج مبارك الطيبي الهشتوي، عفا الله عنه كلّه لرفيقه سي محمد عبد الله بن عبد الله الماسي الخربد، في غرَّة يوم الخميس، عند انسلاخ صفر 1264 هـ».
2 ـ الخزانة الحسنية:
ـ توجد فيها أربع نسخ من المختصر أرقامها (4*، *19،3633، 781،623).**]يُحتمل:194[
وقد اخترت النسخة رقم 236، وهي بخطٍّ مغربيٍّ تتفرَّد بزيادات غير موجودة في النسخ التي اطَّلعت عليها، وقد تكرّم الأستاذ محمد العربي الخطبي بتصويرها لي وإهدائها.
3 ـ خزانة البلدية بتطوان:
وتوجد فيها نسختان:
ـ الأولى برقم 642 وهي نسخة عتيقة جداً كُتبت بخطٍّ أندلسيٍّ يغلب على الظنِّ أنه من خطوط القرن الخامس أو السادس، مقابلة على أصول عدَّة، وهي غاية في الإتقان والضبط، غير أنها لم تسلم من الأرضة والرطوبة، وقد رُمِّمت حواشيها ترميماً قديماً، لم يسلم من الأرض أيضاً.
في صحيفة العنوان: «كتاب مختصر كتاب العين، اختصار أبي بكر محمد بن حسن… الزبيدي «رحمه الله تعالى». وفي الصحيفة نفسها تمليكات عدة لعلي بن قاسم البياض، ومحمد بن أحمد، وعبد السلام بن عبد الله بن العباس بن أحمد الحسني الصقلي الكاظمي، اشتراه الأخير من كتب الفقيد ابن عزوق بمراكش الحمراء في أواسط رمضان المعظَّم عام 1308 هـ. جاء في أحد حواشيها: «ووقع في النسخ التي قابلت بها هذا المختصر، وثععت ولم أجد في الكبير إلاّ قوله: الثعع… وكذلك رأيته في شرح الحديث لأبي عبيد». وفي هذه النسخة زيادات تتفرَّد بها، وأُخرى موجودة في حواشي نسخة القرويين رقم 1238، الآتي وصفها. وقد تكرَّم الزميل الأستاذ محمد مفتاح بتصويرها لي وإهدائها.
ـ الثانية برقم 740 بخطٍّ أندلسيِّ أحدث من النسخة السابقة، وقد نبَّهني عليها محمد بو خبزة أمين قسم المخطوطات في الخزانة، ويسَّر لي تصويرها، وقد ساعدتني كثيراً في قراءة الكلمات المطموسة في النسخة السابقة، وهي لا تقلُّ أهمية عن النسخة السابقة، غير أنَّ فيها سقطاً بمقدار ملزمتين في أولها وآخرها، وقد أُكملت بخطٍّ مغربيٍّ حديث، كما أنها تتفرَّد ببعض الزيادات، جاء في خاتمتها: «انقضى حرف الياء وبتمامه كمل جميع الديوان والحمد لله كثيراً كما هو أهله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم». الصفحات من 1 وحتى نهاية الصحيفة 10، مكتوبة بخطٍّ حديث، وكذلك الصفحات من 381 وحتى نهاية المخطوط، وفيها سقط في مواضع عدة.
4 ـ خزانة القرويين بفاس:
توجد في خزانة القرويين نسخ عدَّة هي:
ـ نسخة برقم 1239 وهي نسخة عتيقة كُتبت بخطٍّ مغربيٍّ قديم يعود في الغالب إلى القرن السادس الهجري، وفي صحيفة العنوان تحبيس على ترميم قدي نصبه: «هذا السِّفر ممّا حبسه مولانا سيدي محمد بن مولانا عبد الله أمير المسلمين الحسيني العلوي على طلبة العلم في حضرة فاس ينتفع به هناك… جمادى الثانية عام 1174» وفي صحيفة العنوان تمليكات أخرى لم أتبينها بسبب الترقيع.
وفي صحيفة العنوان كتب: «كتاب مختصر العين تأليف: أبي بكر محمد بن حسين الزبيدي رحمه الله وكُتب فيها أيضاً قول لأرسطو، وأبيات من الشعر لمحمد بن أبي خيثمة في ترتيب حروف الهجاء.
والمخطوط مرمَّم ترميماً قديماً، غير أنه لم يسلم من الآفات التي أتلفته تقريباً على الرَّغم من الترميم.
عدد صفحاته 303 صفحات، كُتبت الصفحات 253 ـ 303 بخطٍّ حديث، ولم تسلم هذه الصفحات من الآفات أيضاً.
جاء في خاتمتها: «تمَّ مختصر العين من النسخة الكبرى من تأليف أبي محمد بن حسين الزبيدي رحمه الله بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقاً بجميله ويمنه، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده وعلى آله وصحبه الذين قاموا بنصرة الدين بعده». ويلاحظ أن الناسخ أخطأ، فهو أبو بكر محمد بن حسن.
وهي في الغالب منقولة عن النسخة رقم 1238 الموجودة في الخزانة نفسها بسبب مطابقتها لها في الرسم والشكل، ومشاركتها بالزيادات التي تتفرَّد بها.
ـ توجد في الخزانة نسخة أخرى برقم 537، وهي نسخة مكتوبة بخطوط مختلفة، تبدأ بحرف القاف. الصفحات 25 ـ 32 كُتبت بخطٍّ حديث وكذلك الصفحات 191 ـ 199، بخط ناسخ مجهول، ولا يُعرف تاريخ نسخها.
في صحيفة العنوان اسم الكتاب واسم مؤلفه وعدة تمليكات، وأبيات شعرية في ترتيب الحروف، وتحبيس على مكتبة القرويين نصه: «الحمد لله، هذا كتاب حبسه مولانا المنصور بالله سيدي محمد بن مولانا عبد الله على طلبة فاس لينتفعوا به».
وتوجد في قسم الخروم في الخزانة أوراق من نسخ عدَّة تكرَّم الأستاذ محافظ الخزانة السيد محمد بن عبد العزيز الدباغ فأطلعني عليها بعد أن بذل جهداً كبيراً في استخراجها، جزاه الله خير الجزاء، وهي تالفة تماماً، وهي:
ـ أوراق من نسخة مكتوبة بخطٍّ أندلسيٍّ جميل جدّاً الباقي منها أوراق من حرف العين واللام والنون والباء والميم والياء.
يتعذر معرفة عدد أوراقها، بسبب ما أصابها من عوادي الزمن وآفاته.
ـ أوراق من نسخة أخرى، بخطٍّ مغربيٍّ، رديء للغاية، الباقي منها أوراق من حرف العين والحاء والهاء والغين.
يتعذَّر معرفة عدد أوراقها بسبب ما أصابها من عوادي الزمن وآفاته.
ـ أوراق من نسخة أُخرى وضعت بملَّفين مستقلّين، بخطٍّ مغربيٍّ جيد، وقد اختلطت أوراقها، ويتعذر ترتيبها بسبب ما أصابها من عوادي الزمن وآفاته، الباقي في أحد الملفَّين قسم من حرف الحاء، والباقي في الملف الآخر أوراق من حرف الجيم والراء والتاء والذال والزاي والظاء والطاء والتاء والدال.
ـ أوراق من نسخة أخرى تالفة تماماً، بخطٍّ مغربيٍّ دقيق يصعب ترتيب أوراقها بسبب ما أصابها من عوادي الزمن وآفاته، الباقي منها أوراق من حرف الكاف والقاف والهاء والحاء والخاء.
ـ توجد في خزانة القرويين نسخة برقم 1238، وهي أوثق نسخة معروفة في العالم للكتاب، ومن أندر النسخ الخطَّية.
ـ توجد في خزانة علال الفاسي نسخة سبق وصفها في الفصلة التي طُبعت من المختصر، وقد رُمز لها بالرمز (ب).
بقيت عندي كلمة بشأن مخطوطات المختصر، وهي أنَّ الأستاذ محمد العربي الخطابي كتب لي مشكوراً بشأن مخطوطة أندلسيّة قديمة للمختصر ما نصَّه: «هذا وحينما وجهنا مخطوطة مختصر العين لأبي بكر الزبيدي الأشبيلي إلى المكتبة العامة قصد تصويرها لكم، تذكَّرت أن أحد أصدقائي العلماء في شمال المغرب يملك نسخة أندلسية قديمة من هذا الكتاب مكتوبة على الرّق ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، فهي لا تبعد عن عصر المؤلف إلاَّ بأقل من مائة عام، ولا أدري كيف انصرف ذهني عن هذه النسخة حينما كنتم بمكتبي حتى اختلط عليَّ أمر مختصر العين بكتاب آخر، وها أنا قد كتبت رسالة إلى صديقي بمدينة شفشاون، راجياً أن يتحفنا بصورة من النسخة التي عنده من المختصر لتكون سنداً لكم من بين النسخ الأخرى…».
غير أنَّ مالك هذه النسخة لم يشأ أن يكاتب الأستاذ الخطابي بشأنها، وأستاذنا العربي الخطابي شاء بما عرف به من دماثة وخلق علمي رفيع عدم اطلاعي على اسم مالك هذه النسخة، وقد حاولت في أثناء إقامتي في المغرب أن أعرف شيئاً عن أخبار هذه النسخة بوساطة أصدقائي في مدينة الشفشاون المغربية فلم أوفَّق.
مختصر آخر لكتاب (العين)
لمختصر كتاب العين نسخة وحيدة يتيمة، ثمينة جداً، مكتوبة سنة 383 هـ وربما كان ناسخها هو المؤلف نفسه الخطيب الإسكافي، وذلك أنه لم يكن عنده من يملي عليه كتابه كما لم يعرف عنه أنه كان يحاضر به طلابه. وليس من شأن الإسكافي، أي إسكافي، أن يكون له طلاب ينقلون عنه هذه الكتب ذات الموضوعات الدقيقة. كما لم يكن من شأن الخطيب، أي خطيب، أن يخطب في الموضوعات اللغوية التي لا يجول في ميدانها إلا علماء اللغة، وإلا طلاب اللغة الذين قطعوا شوطاً واسعاً في مراحل تلقيهم للعلم.
هذه النسخة الفريدة للكتاب موجودة في مدينة مشهد/ محافظة خراسان، حيث ظهر كتاب «العين» لأول مرة. وقد احتفظت بها مكتبة «آستانة قدس رضوي» برقم 7346.
تقع هذه النسخة الفريدة في 245 لوحة، في اللوحة الواحدة صفحتان (أ، ب) فيكون عدد صفحاتها 490 صفحة، في الصفحة الواحدة واحد وعشرون سطراً، في السطر الواحد ما بين اثنتي عشرة إلى أربع عشرة كلمة.
خطها قرآني قديم، والنسخة مكتوبة في سنة 383 هـ لذلك خلت ـ في كثير من المواضيع ـ من التنقيط، وتشابهت بعض الحروف مع بعضها الآخر في الرسم. فكانت مشكلة عويصة.
إصالة علم الأصوات
عند الخليل من خلال مقدمة العين
يهدف المؤلف أحمد قدور من هذا الكتاب، إثبات اهتمام العرب وإبداعهم في علم الأصوات منذ القرن الثاني الهجري، من خلال تحليل مقدمة «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي، والكشف عما تحتويه من أفكار يمكن تصنيفها اليوم ضمن مجال الصوتيات «اللسانيات» في المفهوم الحديث، وتأتي جهود المؤلف كمساهمة في حلّ نقطة خلافية قديمة ناتجة عن شكوك بعض المستشرقين والدارسين العرب حول أفكار الخليل، واتهامه بنقلها من اللغات الأخرى من دون إبداع خاص منه، ويتضح موقف المؤلف (النافي لهذه الشكوك) في عنوان الكتاب، إذ تتصدره كلمة «أصالة»، لتؤكد رأي المؤلف بـ «أصالة» علم الخليل، وجهوده العلمية، وينشغل الباحث عبر مسار بحثه بالبرهان على استقلالية أفكار الخليل وإبداعه لها، دون اقتباس ثابت أو مثال مسبق، وينطلق المؤلف قدور من نص المقدمة ويحلله على ضوء معلوماته في علم اللسانيات، واعتماداً على بعض المصادر العلمية المتطرقة إلى موضوع الصوتيات لدى الخليل أو تلامذته، ويقسم المؤلف كتابه إلى قسمين، يتناول الأول المقدمة، وفق قراءة المؤلف لها، بينما يضم القسم الثاني بعض نصوص مقدمة «العين»، يوردها الباحث كدليل على آرائه في القسم الأول.
ـ يبدأ القسم الأول بلمحة عن تاريخ علم الأصوات عند العرب، إذ نشأ هذا العلم في القرن الثاني للهجرة، ضمن الجو الحضاري الناهض عصرئذ، ويختلف علم الأصوات عن بقية العلوم، من ناحية الوضوح المصطلحي، والضبط المعرفي، حيث ظلّ محتاجاً إلى مصطلح ينبىء بما يضمه، وتداخل بعلوم اللغة والبلاغة والتجويد والطب، وما زال حتى اليوم، ولهذا بقي دون إطار معرفي يحدده كبقية العلوم العربية «الصرف، النحو، البلاغة…»، ورغم اهتمام كثير من النحاة واللغويين العرب بعلم الأصوات، مثل: سيبويه وابن جني وابن سينا، إلا أن الخليل يعتبر رائد هذا العلم، أثيرت حول كتابه «العين» قضايا متعددة بعضها ما يزال يثير سجالاً بين الدارسين حتى اليوم، وأهم ما يعرض في هذا الصدد البحث في شبه كتاب «العين» للخليل، فبعض الباحثين المحدثين رأوا أنه متأثر بنظام ترتيب الأصوات عند الهنود من نحاة السنسكريتية، مستغربين النضخ المبكر للعلوم العربية، ويتبنى شوقي ضيف هذا الاتجاه، معللاً أن الخليل عرف ذلك من بعض نازلة الهنود في موطنه، فيفترض أن الهنود عالمين بإنجازات علمائهم الدقيقة وإن كانوا تجاراً أو بحارة، بشكل يسمح لهم بنقلها إلى الأجانب وإيصالها سليمة، في زمن كان العلم لدى الشعوب غير الإسلامية حكراً على خاصة القوم (بحسب رأي المؤلف).
ـ إضافة لمزاعم الأخذ عن الهنود اعتقد بعض الدارسين أن الخليل أخذ ترتيبه من المعاجم اليونانية، ولا فضل له، إلا أسبقيته في النقل متذرعين بمعرفته اليونانية، كما يروي الزبيدي (379 هـ) في كتابه «الطبقات»، ويضيف أن الخليل تلقى من حنين بن إسحق (264 هـ) ما ترجمه من تراث اليونان، وهنا يوضح المؤلف قدور أن لقاء الخليل بابن إسحق غير ممكن باعتبار الخليل توفي عام (175 هـ) قبل أن يولد حنين، ولم يدرك الخليل عصر الترجمة الذهبي (205 ـ 256 هـ) ويخلو عمله الصوتي من أي مصطلح دخيل أو معرب، ما يسهم بنفي تأثره بالترجمات، إذ تحفل عادة العلوم المترجمة بالمصطلحات الدخيلة.
ـ دع أن ينفي المؤلف اقتباس الخليل من الحضارات السابقة، يبدأ بدراسة المسائل الصوتية النطقية في مقدمة «العين»، وفق علم اللسانيات الحديث، فيستنتج أن الخليل اهتدى إلى مبدأ اللغة الصوتي القائم على المشافهة، قبل تطور الكتابة، والتدوين، واهتم بالأصوات المنطوقة قبل الحروف المكتوبة، وعرض الخليل الترتيب الألفبائي، ثم نظر في الحروف على أساس صوتي منطوق، ووضع لها تسلسلاً بدءاً من الحلق وانتهاء بالشفتين، محدداً عدد الحروف المؤلفة لأبنية الكلام العربي، بتسعة وعشرين حرفاً أوردها وأملى ملاحظات تتصل بالأبنية والمخارج مرتباً الحروف بطريقة مخالفة لما اعتمده سيبويه وابن جني وغيرهما من علماء اللغة، ولم يكن الخليل يقصد ترتيب المعلومات الصوتية، كدراسة شاملة ضمن إطار تأليفي معهود، بل كان مهتماً بقواعد التشكيل الصوتي وصولاً إلى بناء معجم شامل، ويؤكد ذلك أن مقدمة «العين» تخلو من معلومات صوتية مهمة كان يُفترض ورودها في أول الكتب كالهمس والتفخيم والغنة، وإن وردت في مواقع أخرى متفرقة.
ـقسّم الخليل الأصوات التسعة والعشرين إلى قسمين: خمسة وعشرون حرفاً صحاحاً (صوامت) لها أحياز ومدارج، وأربعة أحرف جوف (صوائت)، وهي الواو والياء والألف والهمزة. ورأى الخليل أن الصحاح تقع في مدارج محددة من اللسان أو الحلق أو اللهاة، ولها حيّز تنتسب إليه وموضع تتسمى به، فتكون حلقية أو لهوية أو شجرية أو أسلية بينما العلل ليس لها مواقع محددة تخرج منها، ولا تنتسب إلى أي من الأحياز أو المدارج أو المخارج، إنما تنتسب إلى الجوف والهواء أما الحروف الصحاح فقرر لها الخليل مخارج محددة، وجمع ما تقارب منها في ألقاب استمدها من أعضاء النطق «الحلق، الشفتين..» من دون تحديد عدد المخارج كما فعل سيبويه ومن تلاه كابن جني وغيره. ويرى المؤلف قدور أن الخليل وتلاميذه لم ينقصهم من أعضاء النطق إلا الحنجرة وسيما الوترين الصوتيين، وربما كانوا يقصدون الحنجرة بقولهم «أقصى الحلق» حيث نسبوا الهمزة والياء وهما صوتان حنجريان وفق الدراسات الحديثة، ولعل عدم معرفتهم الوترين الصوتيين أدى لغموض تعريفهم للمجهود والمهموس من الأصوات.
ـ الفقرة الأخيرة من القسم الأول تحمل عنوان «مسائل صوتية تشكيلية»، ينظر فيها الباحث إلى مقدمة العين من زاوية علم الأصوات التشكيلي (الفونولوجيا)، الخاص بنظام تركيب الأصوات وائتلافها وما يتفرع من هذا النظام، ويرى قدور أن الخليل حدد الحروف باعتبارها أساس تركيب الكلام، وذكر أصناف كلام العرب كالثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وبيّن أقسام الكلام كالحرف (قد، لم، هل…) والفعل الثلاثي (ضرب، خرج…) والاسم (عمر، حجل…). وذكر الخليل مسائل تركيبية، كزيادة ألف الوصل في قولهم: اقشعرّ وما أشبهه، وأوضح أن الإسم، لا يكون أقل من ثلاثة أحرف، وإذا أردت جعل الثنائي (قد، هل..) اسماً أدخلت عليه التشديد ليصير ثلاثياً (قدّ، هلّ…)، وفصّل الخليل ما يحسن في أبنية الكلام من الذلاقة والطلاقة فالأولى عبارة عن صفة تتولد من انطلاق اللسان بالراء واللام والنون ومن خفة عمل الشفتين، وحروف الذلاقة (ر، ل، ن، ف، ب، م) أخف الحروف نطقاً، وأكثرها وروداً في الكلام، وأفضلها في البناء ولا يحسن بناء الرباعي المنبسط ولا الخماسي التام إلاّ بمخالطة بعض حروف الذلاقة، أما حروف الطلاقة فهما اثنين فقط، العين والقاف، وحرفي الاعتدال والتوسط هما الدال والسين، وتصنف الأحرف الباقية تحت اسم «الحروف المصمتة»، وبإسقاط الدراسات «الحاسوبية» الحديثة على قوانين الخليل الصوتية التشكيلية، سينتج المؤلف صواب أفكار الخليل. وإذ أظهرت الدراسات أن حروف الذلاقة هي الأكثر تردداً في الرباعي. والخماسي، إضافة لشيوعها في الثنائي والثلاثي، ما يؤكد فكرة كثرتها في الكلام بشكل عام.
ـ يتضمن القسم الثاني من الكتاب عرضاً لنصوص واقتباسات، من مقدمة كتاب «العين»، يوردها المؤلف في أربع فقرات، تحوي الفقرة الأولى نصاً للمقدمة نشره الشيخ محمد حسن آل ياسين عام 1977 في مجلة البلاغ، بينما الثانية عبارة عن انتقاء مما أورده الأزهري (متوفى 370 هـ). في مقدمة معجمه «تهذيب اللغة» وهو مقتبس من مقدمة «العين».
أما الفقرة الثالثة ففيها نصوص من «العين» مع بعض التفسيرات لأبي حيان الأندلسي (745 هـ)، ثم تأتي الفقرة الأخيرة بعنوان «بعض ما اقتبس من المقدمة». وتضمّ بعض ما ورد لدى ابن دريد (321 هـ) ومكي بن أبي طالب القبسي (437 هـ) والإسترآباذي (688 هـ) وأخيراً ما ورد لدى ابن منظور (711 هـ) في لسان العرب.
وسيم الأحمر
الخليل بن أحمد الفراهيدي
صاحب (العين)
الحديث عن العالم الجليل، الخليل بن أحمد الفراهيدي يثير في النفس مشاعر العبقرية الفريدة من نوعها فقد كان الخليل يقف عند ظواهر الأشياء وقفة المتعمق ويغوص في مكامنها غوص الواعي الحريص على استنباط كنهها واستخلاص النتائج مما غمض على عامة الدارسين من أسرارها فيبرزها في صورة جلية واضحة سرعان ما تغدو قواعد يحتذيها كل سائر على درب الفكر والعقل.
كانت عقلية الخليل بن أحمد من ذات النوع الدؤوب الذي تشغله القضايا حتى تملك عليه كيانه فيظل يصارعها وتصارعه حتى يجليها الجلاء الحسن ويطرحها للناس الطرح المفيد فيفيدون منها ويحتلبون مزاياها ويطورون فيها إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ولقد شغل الخليل نفسه بعلوم اللغة العربية وتراكيبها وأوزانها واستنبط لنفسه وسائله وأدواته الخاصة شأن كل صانع ماهر وعالم حصيف يعكف على تطوير أدوات العمل التي بين يديه حتى تستجيب لتطلعاته العلمية المتشوقة إلى الاستنباط والوصول إلى النتائج الأفضل للبحث الطويل المتعمق.
ولعل الدارسين يعرفون من أعمال الخليل عملين اشتهر بهما أيما شهرة وذاع صيته في الآفاق تأسيساً على قدرته الإبداعية الفذّة التي بدت معالمها في العملين كليهما أكثر من أعماله الأخرى التي لا تقل أهمية ولكن طالت يد الحدثان منها الكثير.
وكم كان يتبرم الخليل ويضيق صدراً بعجز الناس عن فهم ما يريد وعن إدراك ما يضع من أصول وقواعد، ولما كان يبلغ به اليأس مبلغه كان يلجأ إلى صرف الناس عما يشغله من هموم العلم وأبحاثه نظراً لما لمسه في هؤلاء الناس المحيطين به من قصور لا رجاء فيه وتقاعس لا يشفي غلته الظامئة إلى مواصلة البحث والتطلّع إلى بناء أركان علوم ثابتة الدعائم تعزز وجود اللغة العربية وتبقيها صحيحة وسالمة وطيعة الحرف لمن أراد قرض الشعر المنظوم أو نطق الكلام المنثور نطقاً صحيحاً مستقيماً يؤدي المعنى المراد في سلاسة ويسر.
حدث ذات مرة أن شعر الناس من حول الخليل بصعوبة ما يضع من قواعد وأوزان فقصده رجل ينوي الإقامة معه في داره يتعلم عنه علم العروض لعله بإقامته وملازمته للخليل ينجح في فهم ذلك العلم الذي ابتكره الخليل لضبط أوزان الشعر العربي.
ولما أقام الرجل ردحاً من الزمن ملازماً أستاذه دون أن يبلغ مراده. شعر الخليل بعجز الرجل عن إدراك مكامن ذلك العلم الوليد فأراد الخليل بأدب العالم أن يصرف تلميذه صرفاً حميداً عن دراسة ما تورط في دراسته دون رغبة صادقة في الوقوف على أسراره. فأعجزه عدم الرغبة عن تحصيل ما رافق أستاذه من أجله، فأتى له الخليل ببيت من الشعر على أنه مثال على إحدى قواعد العروض لكن البيت كان في الحقيقة يتضمن نصيحة إلى التلميذ غير المتحمس أن ينصرف عن دراسة علم العروض إلى شيء آخر أكثر نفعاً له أو يكون الرجل أكثر قدرة على الاستيعاب.
فقال له الخليل:
قطِّع هذا البيت تقطيعاً عروضياً
إذا لم تستطع شيئاً فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
ولعلنا نحاول أن نستوضح في عجالة ملامح العملين اللذين اشتهر بهما الخليل وهما «علم العروض» الذي عنى بضبط أوزان الشعر العربي، و«كتاب العين» الذي وضعه الخليل قاموساً لغوياً صوتياً يستند إلى مخارج الأصوات في وضعه وهي خاصة ميزت «قاموس العين» عن غيره من مختلف القواميس والمعاجم.
أولاً: علم العروض
الشعر فن جميل يمتلك قدرات خاصة في تحريك الوجدان واستمالة القلوب إلى الغرض الشعري الذي يخوض فيه، ومرد ذلك إلى خاصية الموسيقى اللفظية التي تتولد عن تواتر النغمات وتتابع المقاطع في جرس موسيقي شيق تتفتح له نفس المتلقي وتتلقاه المسامع في انسيابية تميزه عن النثر الذي لا يتمتع بتلك الخاصية الموسيقية التي ينفرد بها الشعر.
ولقد كان الشعراء فيما قبل عصر الخليل يمتلكون ناصية اللغة امتلاكاً فطرياً أعانهم على التعبير عن دخائل أنفسهم في قالب شعري رصين. وفي سليقة مطبوعة على النظم الصحيح من حيث ضبط الأوزان ونظم القصائد.
إلاّ أنّ مرور الأيام وتغاير الأزمان، وتفاوت النبوغ الفني لدى الشعراء المتأخرين أقعد عديداً من الشعراء عن الالتزام بضوابط القرض الشعري مما أدى إلى الإخلال بأوزان الشعر نتيجة ضعف الملكات الشعرية وهو الأمر الذي أزعج الخليل بصفته عالماً من علماء العربية المرهفي الحس، فكان أن تفاعلت حساسيته الشديدة مع غيرته على اللغة العربية وتوقد عبقريته الإصلاحية التوّاقة إلى الخلق والإبداع ونهض ليضع أمر الوزن الشعري في نصابه ويوفر له أسانيد الاستقامة والانضباط النغمي فشرع في تأسيس علم جديد على اللغة العربية بل ربما جديد على كل العلوم قاطبة في مجاله وهو علم «العروض» الذي يضع القواعد الحاكمة لميزان الشعر وموسيقاه ويقوم على ما اعوجّ من أوزان ونغمات، وقد اعتمد في وضع هذا العلم على مصطلحات لغوية كان العرب
يستخدمونها في حياتهم اليومية كما استمدّ من أسماء بعض الأدوات المألوفة وبخاصة تلك الأدوات التي كانت تشد بها الخيمة كالأوتاد والحبال والأسباب وغيرها ليكون قريباً من أذهان المتلقين فيتقلبون العلم الجديد بقبول حسن ويفيدون منه خير إفادة وحتى يقبل عليه أولئك الذين نسجوا أشعارهم على أوزان وقوالب لم يعرفها العرب، وبذلك يحتفظ الشعر العربي بخصوصياته الفريدة.
وتذكر كتب تاريخ الأدب في مناسبة إقدام الخليل على وضع علم العروض أنه لما أزعجه خروج الشعراء عن المألوف من الأوزان طاف بالكعبة ودعا الله أن يلهمه علماً لم يسبقه إليه أحد من السابقين، ثم اعتزل الناس وأغلق عليه بابه، وأخذ يقضي الساعات الطوال يجمع أشعار العرب ويزنها على أنغامها ويجانس بينها حتى حصر كل الأوزان الشعرية المألوفة وضبطها وحدد قوافيها فيما عرف بـ (عروض الشعر).
وبعد رحيل الخليل صار علم العروض مادة يتدارسها طلاب العربية حتى يومنا هذا دون إضافات تذكر اللهم إلا بعض الشروح والتفاسير والأوزان التي ظن اللاحقون أن الخليل قد أغفلها بالرغم من أنها لم ترتق إلى مصاف البحور الأصلية التي وضعها الخليل رغم احتفاظها بميزة الاجتهاد والابتكار.
وما يزال علماء اللغة والأدب في جلّهم ينكرون الخروج على أوزان الخليل ويعتبرون الشعر الذي يتحرر من الوزن والقافية خارجاً عن إطار الشعر ويلحقونه بالنثر نظراً لخلوِّه من أهم ما يميز الشعر عن النثر وهو الموسيقى النابعة من الأوزان التي عرفت بـ «بحور الشعر» تلك التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وقد دعا أحد الباحثين المعاصرين في «موسيقى الشعر» إلى مزيد من المحاولات لاكتشاف أخيلة شعرية واستعارات وتشبيهات ومجازات، وأن يؤلفوا من ذلك علماً وفناً لجمهور المتلقين مع الوضع في الاعتبار القيمة الأسمى لموسيقى الشعر. وأكّد الباحث على أن الشعر يفقد قيمته إذا خلا من موسيقاه التي تنفعل لها النفوس وتتأثر بها القلوب «موسيقى الشعر ـ د. إبراهيم أنيس» ومما يجدر ذكره أن بعض علماء اللغة لجأ إلى استخدام عروض الشعر كوسيلة لتسهيل حفظ قواعد اللغة العربية والدين والقراءات فعمدوا إلى نظم تلك القواعد على أوزان خليلية وبذلك أفادت علوماً أخرى غير الشعر من علم العروض الذي وضعه الخليل في الأصل ليكون أداة للحفاظ على موسيقى الشعر العربي وصيانة أوزانه.
ومن أشهر ما ورد من نظم في ذلك المجال ألفية ابن مالك الشهيرة في قواعد اللغة العربية التي تبدأ بقوله:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
واسم وفعل ثم حرف الكلم
وعلى نفس المنوال نسج واضعو أحكام القراءات القرآنية ليسهلوا على الطلاب حفظ تلك الأحكام إذ أن الوزن الموسيقي للقواعد يعين على استظهارها كما هو معروف وبخاصة منها ما كان صعب الاستظهار لتداخل القوانين وتشابك الأحكام، وقد تناقل الناس قصة طريفة عن طلاب الأزهر الذين لجأوا إلى نظم كل دروسهم نظماً عروضياً حتى مادة اللغة الإنجليزية وضعوها في قالب شعري كي يسهل عليهم حفظها ولم يكونوا يقبلون عليها لحداثة إقرارها كمادة من مواد الدراسة في الأزهر وأخذ بعضهم يردد:
القط «كات» والفأر «رات».
والنهر يدعى عندهم «ريفر».
وينهض علم العروض على بحور الشعر التي وضعها الخليل وعددها خمسة عشر بحراً يتكون كل بحر منها من «تفعيلات» هي بدورها اشتقاقات من الوزن الصرفي المعروف في النحو والمكوّن من الفاء والعين واللام «فعل».
والتفعيلة في العروض هي مقطع صوتي يشبه المقطع الموسيقي في عدم ارتباط نهايته بنهاية الكلمة فإذا انتهى المقطع الموسيقي قبل أن تنتهي الكلمة غُسلت حروف الكلمة عند انتهاء المقطع الموسيقي، وإذا تطابقت نهاية المقطع الموسيقي مع نهاية الكلمة فلا حاجة إذن إلى تفتيت حروف الكلمة، أما إذا تجاوزت المقطع الموسيقي الكلمة إلى التي تليها لحقت بعض حروف الكلمة الثانية بالكلمة التي تسبقها لتكوين المقطع الموسيقي المتكامل الذي تحدده حروف «التفعيلة». ويقتضي تركيب التفعيلة أيضاً فك التضعيف في الكلمة إلى حرفين وفك المد إلى همزتين وتجاهل حروف العلة الممدودة التي يليها حرف ساكن واستبدال التنوين بحرف النون وغير ذلك من الضرورات التي يقتضيها ضبط الوزن الشعري القائم على التفاعيل وهو ما يتَّضح من التقطيع العروضي للبيت التالي:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا
لعل على الجمال له عتابا
وقد جرى تقطيعه عروضاً على النحو التالي:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا
لعلل علل جمال لهو عتابا.
هنا نلاحظ توافقاً بين كلمات الشطر الأول والمقاطع الموسيقية للتفعيلة ومن ثم لم يكن هناك داع لتجزئة الكلمات أو لحاق بعض منها بالبعض الآخر.
أما في الشطر الثاني فقد استلزم الأمر فك التضعيف في «لعل» فصارت لَعلْلَ أي صارت أربعة أحرف الأول متحرك والثاني متحرك والثالث ساكن والرابع متحرك، كما تطلب الأمر أيضاً حذف حرف العلة من «على» وإلحاق أداة التعريف في الكلمة التي تليه به بعد حذف ألفها لأنه ساكن بعد ساكن فصارت الكلمة الجديدة «علل» وكونت مع الكلمة السابقة عليها مقطعاً صوتياً يقابله في البحر تفعيلة «مفاعلتن» وهي مقطع موسيقي متكامل فيكون وزنها هكذا «ل ع ل ل ع ل ل = م ف ا ع ل ت ن».
وعلى ذلك يكون تقطيع البيت كاملاً على النحو الذي أشرنا إليه ويقابله التفاعيل التالية:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
وهذا الوزن العروضي يقتضي شكلاً من أشكال الكتابة وإعادة ترتيب الحروف فيما يسمى بـ «الكتابة العروضية» وقد أشرنا إلى بعض مقتضياتها من خلال تقطيع البيت السابق.
وينقل أحد الباحثين في علم العروض عن علماء رسم الحروف في العربية قولهم: خطّان لا يقاس عليهما: خط المصحف العثماني لأنه يرتبط بالقراءات القرآنية وخط الكتابة عند العروضيين إذا أرادوا تقطيع بيت من الشعر، لأن الكتابة العروضية تقتضي أن كل ما ينطق به يرسم، سواء أوافق ذلك القواعد الهجائية أم لا، وكل ما تنطق به لا يرسم وإن اقتضت قواعد الهجاء كتابته.
(في علمي العروض والقافية د. أمين علي السيد).
وقد لاحظنا تلك القواعد مطبقة في تقطيع البيت السابق كما نلاحظ زيادة حرف واو في «لهو» وأصلها في البيت «له» وهو ما يسمى بـ «الإشباع» أي زيادة حرف علة للضمير ومثله «بهي» أي «به» وهكذا.
وهكذا اقتضى وضع أصول علم العروض الكثير من الاجتهاد في التخريج والضبط والتوصيف لكل حالة من حالات الإعراب والرسم والاشتقاق في اللغة وهنا عمد الخليل واضع هذا العلم إلى استخدام الكثير من المصطلحات التي تحدد كل حالة وكل خروج على المألوف في الأوزان أو تبيان في التفعيلات.
ونظراً لأن الخليل شبّه بيت الشعر «بكسر الشين» ببيت الشعر «بفتح الشين» أي الخيمة فقد استخدم أسماء الأدوات التي تشد بها الخيمة في تثبيت أركان العروض الشعري، فهناك الأسباب أي الحبال والأوتاد التي تشد إليها الحبال ولكل منها أيضاً أقسام وأنواع استخدمت في تبرير الخروج على القاعدة العروضية التي وضعها مما لا يتسع له المقام هنا، فقط نذكر بعض تلك المصطلحات وهي على سبيل المثال القصر ـ القطع ـ القطف ـ القضب ـ البتر ـ الخبن ـ القبض ـ الشكل ـ العطب ـ الكف ـ الحذف ـ … إلخ.
ولكل مصطلح من المصطلحات السابقة مدلول وتفسير وتعريف ودور يقوم به في علم العروض.
بحور الشعر
تقوم البحور عند الخليل على خمسة عشر وزناً تسمى «بحراً» وهي:
الوافر ـ الهزج ـ المتقارب ـ الكامل ـ الرجز ـ السريع ـ الرمل ـ الطويل ـ البسيط ـ الخفيف ـ المجتث ـ المنسرح ـ المديد ـ المضارع ـ المقتضب.
وقد ظلّت بحور وأوزان الخليل مثار بحث ودراسة من بعده، وقد زاد عليه الأخفش بحراً أسماه «المتدارك»، كما ظهر لعروض الخليل الكثير من التفاسير والشروح والاجتهادات جرياً على عادة الكتاب والباحثين في الأدب العربي قديماً وحديثاً وقد دأبت على أن تجعل من علم العروض علماً ميسوراً للدارسين والراغبين في قرض الشعر ونظمه نظماً سهلاً وعذباً محبباً ومنضبطاً في آن واحد ومن ثم تبرز مقدرة الشاعر وتمكّنه من ملكاته من خلال الجمع بين ضبط أوزان الشعر وتضمين القصيدة المعاني والأخيلة والصور التي تتناسب والغرض الشعري المراد.
وقد ظلت أوزان الخليل أحد أهم المقاييس لبيان حسن الشعر من رديئه من حيث الموسيقى والتنغيم، كما تحفل المكتبة العربية بالعديد والعديد من المؤلفات المتعلقة بذلك العلم القديم الجديد «علم العروض» الذي يعود الفضل في وضع أسسه وأركانه للعالم العماني الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أعجزت عبقريته من عاصره ومن جاء بعده على السواء حيث لم يجاريه في علمه أحد خلال عمره المديد الذي دام خمساً وسبعين سنة يضع القواعد والقوانين ويبتكر العلوم النافعة ويفسر ما غمض منها ويأتي بما لم يسبقه إليه سابق كما كان فطناً ذكياً لماحاً زاهداً في الدنيا وبهرجها متّسماً بتواضع العلماء وبلاغتهم وقد أثر عنه البيت التالي:
اِعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي
ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
وهو القائل تربع الجهل بين الحياء والكبر في العلم.
وقال أيضاً زلة العالم مضروب بها الطبل.
وغير ذلك من الأمثال والحكم المأثورة التي تدل على علم واسع وأدب وفير وتواضع جم حتى قال عنه ابن المقفع حين لقيه رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه.
فهل يلقى الخليل وعلومه القيِّمة مزيداً من البحث والتأصيل والتنقيب عما ضاع من علوم اختصّ بوضعها الخليل عن غيره وبعد عنها تلاميذه حتى لم يبق منها شيء؟
وإذا كان عملان فقط مما وضع الخليل قد اجتذبا كل هذا الاهتمام من العلماء والباحثين وهما «العروض والقافية» وكتاب «العين» فماذا لو طالت الأيدي كل أو جلّ ما صنعت يداه وعبقريته؟
إننا جد مطالبين بملاحقة الماضي واسترداد بعض أعمال الخليل ونفض ما تراكم عليها من سحائب النسيان.
ثانياً: الخليل ومعجم العين
لست أجد أي غضاضة أو مبالغة في وصف معاصري الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي له بأنه رجل خلقه من الذهب والعنبر. كذلك وصف سفيان بن عيينة الخليل فهما مادتان نفيستان في حياة البشر لا يضارع نفاستهما مادة أخرى ومن ثم اكتسبا هذه القيمة في أعراف الناس وتقديراتهم.
أما وصف المعاصرين بأنه كان يمثل بأعماله «نهضة» متكاملة الأركان فهو أيضاً وصف لا مبالغة فيه ـ في رأيي ـ إذ أنه نهض بإنجاز أعمال علمية وتأليف كتب أنهضت العقل العربي ونقلته من مستوى معين في صياغة فكره إلى مستوى آخر، وقد طالعنا في صدر هذا المقال كيف أنه بذل جهداً محموداً ليحفظ لـ «موسيقى» الشعراء أركانها ويضبط معالم الطريق لمن أراد أن يلج هذا المضمار الذي يعدّ ميداناً يتفرد فيه العرب بميزات شعرية خاصة بهم.
أما في الجانب اللغوي من تراث الخليل الخالد فهو الجانب اللغوي وأقصد به على وجه التحديد «كتاب العين».
وحريّ بنا أن نبذل الجهد لنقف على مزيد من جوانب شخصية الرجل الذي التفّ حوله التلاميذ المخلصون ينهلون من علمه ويسعون إلى مواصلة الإبداع الفكري الذي بدأه ويحفظون مسيرة الفكر العربي ناصعة متألقة فقد أصبح تلاميذه من بعده علماء مخلصين ظهرت عليهم معالم النبوغ فتوسدوا أعلى المراكز العلمية ثم التف من حولهم تلاميذ لهم يأخذون عنه ويطورون ما أخذوا وينشرون نتاج فكرهم في مختلف الأمصار العربية والإسلامية المعنية عناية قصوى بالكتب وحصائد الفكر النابه حتى جاء يوم يوزن فيه الكتاب بالذهب.
ولما كان تلاميذ الخليل قد بهروا بعلمه وفطنته لذا صار منهجه في البحث نبراساً لهم وسنّة يقتدون بها.
وكشأن كل العظماء عبر التاريخ ظلّت شخصية الخليل، كما ظلّت أعماله ـ وبخاصة كتاب العين ـ مثار جدل طويل ما بين اتفاق تارة واختلاف تارات.
فهناك من شكك في نسبة كتاب العين إلى الخليل وراح ينسبه إلى مؤلف آخر، وذلك على الرغم من وجود الشواهد التاريخية الثابتة على الإجماع على أن العالم الفذ الخليل بن أحمد الفراهيدي هو صاحب مؤلفاته وواضعها دون أدنى شك أو مراء.
كما لم يسلم كتاب العين ذاته ـ من حيث مادته ـ من بعض الافتراءات حتى في عباراته فكثرت عليه التصحيفات والحواشي ونال منه توالي الأيام والسنين.
وقد أقام الخليل ردحاً من الزمن في مدينة البصرة بالعراق حيث كانت يوماً حاضرة للثقافة العربية والأدب والفكر مثلما كانت ملتقى طرق برية وبحرية عديدة مما أَلِفه تجار ذلك الزمن الذين كان لعمان منهم الحظ الوافر ولقد جاب الخليل أصقاعاً كثيرة من العالم المعروف لديه آنذاك شأن كل الكثير من العمانيين الذين احترفوا الرحلة وعشقوا الإبحار.
وعلى كتاب العين بنى بعض المؤلفين القدامى كتباً بكاملها مثل نص «البارع» لأبي علي القالي الذي يقول محققه في صدر تحقيقه ما يثبت تلك المقولة إذ نراه يؤكد قائلاً: «ولكنني بعد أن حققت النص أي نص البارع للقالي وقعت على حقيقة طريفة جديرة بالإعلان وهي أن «البارع» ما هو إلاّ كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي «الخليل وكتاب العين ـ د. هادي حسن حمودي».
كما ينقل المصدر ذاته عن أبي بكر بن دريد مؤلف كتاب الجمهرة وهو أيضاً تلميذ الخليل بن أحمد قوله: «ولم أجر في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا ولا الطعن في أسلافنا، وأنّى يكون ذلك، وإنما على مثالهم نحتذي وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصلوا نبتني وقد ألّف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد «الفرهودي» رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدّى لغايته وعنى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلّف وكل من بعده تبع، أقرّ بذلك أم جحد، وفي معرض دفاعه عن نسبة كتاب العين إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول د. هادي حسن حمودي أن ابن دريد وهو صاحب ثاني معجم في العربية بعد كتاب العين، تاريخياً كان في وسعه أن ينكر كتاب الخليل، وأن يشن قوارع الكلام، ليجعل من كتابه هو «الجمهرة» ابتداعاً جديداً لم يسبق إليه ولكن ابن دريد كان يتمتع بذلك الخلق العلمي الرصين الذي يعترف بفضل من سبق وينزل الناس منازلهم التي يستحقونها.
ومثلما أورد الباحث نفسه مقولة ابن دريد راح في دأب الباحث الحصيف يفند الأقوال ويجمع الحجج الثابتة والشهادات الموثقة من الكتب وعلى لسان العلماء الثقات على أن كتاب العين هو للخليل بن أحمد بعينه وأنه من صنعه ونتاج فكره إلا ما وقع فيه بعض النساخين والورّاقين والشارحين من هفوات أثناء نسخهم للكتاب أو تعرّضهم له بالشرح والتعليق والتصحيف مما يتسامى عنه عقل الخليل وفطنته بصفته مؤلف الكتاب وواضعه حسب تأكيدات الباحثين الرواة والمستشرقين من أمثال «ليتمان».
ولما أكثر القارئون للقرآن من الأغلاط واللحن في القراءات قرر أبو الأسود الدؤلي أن يضع النقاط على الحروف لضبط مخارج الألفاظ ولكن الخليل هو الذي ابتكر الفتحة والضمة والكسرة كعلامات إعرابية وبذلك زال اللبس بين النقاط التي تميز الحروف عن بعضها وبين العلامات الإعرابية التي تختلف في مهمتها عن النقاط التي على الحروف وانتقلت ابتكارات الخليل النحوية إلى مختلف مدارس القرآن واللغة العربية عموماً مما أزال الغموض عن اللغة لدى جمهور المتأخرين من العرب ومن دخل في حوزتهم من المسلمين إذ أن العرب الأقدمين لم يكونوا بحاجة إلى نقاط على الحروف أو علامات إعرابية لكي يجيدوا النطق بلغتهم التي كانوا يمتلكون ناصيتها امتلاكاً ودونما جهد أو عناء.
وهكذا صار الخليل منعطفاً هاماً وضرورياً في تاريخ النطق باللغة العربية وصار بمثابة نهاية عصر وبداية عصر جديد في التعامل مع اللغة العربية بشكل سليم من خلال الضوابط التي وضعها بنتاج فكره الوقّاد. ولكي ندرك مدى أهمية ما صنع الخليل علينا أن ننزع العلامات والهمزات عن الحرف ثم نقرأ اللغة العربية. فهل لنا إلى ذلك إمكانية أو سبيل؟ بل لي أن أقول إن ما نعانيه من عثرات لغوية في عصرنا هو بسبب تجاهل ضوابط علماء اللغة كالخليل وأبي الأسود وتلاميذهما.
كيف وضع الخليل معجم العين؟
قام منهج تأليف «العين» على نظرية صوتية وضعها الخليل وهي الأخذ بالمخرج الصوتي لترتيب الحروف في المعجم ترتيباً يبدأ من الحروف التي تخرج من الحلق ثم يتقدم شيئاً فشيئاً حتى ينتهي بالحروف التي تخرج من الشفة ثم بعد ذلك حروف العلة ثم الهمزة.
وقد جعل الخليل لكل حرف من تلك الحروف كتاباً خاصاً به وقسم كل كتاب بدوره إلى أبواب أسماها:
باب المضاعف، باب الثلاثي الصحيح، باب الثلاثي المعتل، باب اللفيف، باب الرباعي، باب الخماسي.
ثم يأخذ في كل باب يركب الحرف الذي يبدأ به الباب مع ما يأتي بعده من حروف متناولاً كل حرف على حدة، وكان أول الكتب هو كتاب «العين» الذي اختير ليكون عنوان المعجم بكامله والذي يبدأ به ترتيب الحروف ترتيباً صوتياً كما يراه الخليل ويأتي على ذلك ترتيب الحروف الهجائية بكاملها على النحو التالي:
ع ـ ح ـ هـ خ ـ غ ـ ق ـ ك ـ ج ـ ش ـ ض ـ ص ـ س ـ ز ـ ط ـ د ـ ت ـ ظ ـ ذ ـ ن ـ ر ـ ف ـ ث ـ ب ـ م ـ و ـ أ ـ ي ـ ثم الهمزة.
وهكذا نلاحظ أن الترتيب الصوتي عند الخليل بدأ بحرف العين الذي يخرج من أعماق الحلق ثم انتهى بحرف الميم الذي يخرج من طرف الشفة وبعده حروف العلة الواو والألف والياء ثم الهمزة.
ثم من هنا يبدأ الترتيب المعتاد للمعاجم الأخرى المعروفة في العربية لكن على الطريقة الخليلية وحسب ترتيب الحروف وتواليها عند الخليل، فإذا كانت المعاجم الأخرى تبدأ بحرف الألف ثم الياء وهكذا، فإن معجم الخليل يبدأ بحرف العين ثم الحاء على طريق الكشف في المعاجم التي يدرسها الطلاب في قاعات الدرس.
رأي
حين يشذ عقل عن المطروق من اللغة المتداولة فيبدأ في التعامل مع اللغة على قدر نبوغه وتفرّده، يعجز الناس عن مجاراة ذلك العقل ويتقاصرون عن فهم مراميه ومراداته، ومن ثم ينفرون من التجاوب معه، قعوداً وتقاصراً، والتماساً للدّعة وأخذاً للحياة من مآخذها الهينة البسيطة، فلقد شهد التاريخ العربي قديمه وحديثه علماء وأدباء فاقوا أترابهم ومعاصريهم في القدرات العلمية والعقلية فأثاروا حولهم الأقاويل والنقد والانتقاد وقد نال الخليل من ذلك قسطاً وافراً على قدر وفرة التميز العقلي التي اتّسم بها، وإذا كان ذلك شأن الخليل في مجال اللغة فإن هناك أبا تمام في الشعر وقصته الشهيرة مع الرجل الذي بادره بقوله: لم لا تقول ما يفهم؟ فعاجله أبو تمام برد صار مثلاً يحتذى حين قال له: ولم لا تفهم ما يقال؟
إذاً فالذنب ليس ذنب العقل المبدع إن تقاصر الناس عن فهمه، وإنما من أراد من الناس أن يجهد عقله ويشحذ عزيمته ليجاري العالم في علمه حتى يرتقي إلى مستواه فيأخذ عنه ويواصل المسيرة من بعده وما بغير هذا تبنى الحضارات وتسمو صروح العلم والمعروفة، وقد شهد تاريخ الأدب الحديث أمثلة لذلك تمثلت في شخصيات اتّهمت من جانب الكثيرين بالألغاز والغموض في التأليف مثل العقّاد، فإذا أدركنا أن الرجل الذي أعجز الناس عن فهم نتاج عقله لم ينل من التعليم إلاّ شهادة الابتدائية لأدركنا كم من جهد بذل ليقف على ثقافته العربية وثقافات الأمم الأخرى دون معلم أو مدارس، فلماذا نستغرب إذن أن يسبق الخليل أبناء عصره ويضع من صنوف العلم والمؤلفات ما يعجز معاصروه عن فهمه ومن ثم يتقاصرون عن الاستمرار في رفع راية الابتكارات العلمية واللغوية لتنضج وتستوي على سوقها، وقد اتّضح من رواية الليث أن الخليل وضع كتاب العين وهو على فراش مرض ربما كان الأخير، أي أنه كان في أخريات حياته فلم يسعفه العمر لكي يوضح ما غمض ويشرح ما أجمل.
بل تركت هذه المهمة لمن جاء بعده فأخطأ من أخطأ وأصاب من أصاب وحُمل الخليل من ذلك كله الأوزار الثقال.
لقد توقفت مسيرة الخليل العلمية بوفاته إلا أننا ما نزال ننعم بنتاج عقله وإبداعات فكره التي طالتها أيدينا بعد رحلة الزمن الطويلة بين عصر الخليل وعصرنا، تلك الرحلة التي تزيد على الألف عام بكثير.
من شعر الخليل:
إني بليت بمعشر
نوكى أخفهم ثقيل
قوم إذا عاشرتهم
نقصت بقربهم العقول
وهم كثير بي
وأعرف إنني بهم قليل
محمد عبد الخالق
عين صيد
هذه العين قديمة ذكرها البلاذري المتوفى سنة 279 هـ وقال: إنها من عيون الطف وأن سبب تسميتها بعين الصيد أن السمك يجتمع فيها، وقال: إنها تعود لآل الحسن([145]) وذكر ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هـ فقال: عين صيد: من صاد يصيد صيداً سميت بذلك لكثرة السمك الذي كان يصاد بها وهي بين واسط العراق وخفان([146]) بالسواد مما يلي البر تعد في الطّف بالكوفة.. قال محمد بن موسى عين صيد: موضع من ناحية كلواذة من السواد بين الكوفة والحزن حكاه ابن حبيب، وفي كتاب العزيزي: من البصرة إلى عين صيد عمل ثلاثين ميلاً.. قال المتلمس:
ولا تحسبني خاذلاً متخلفاً
ولا عين صيد من هواي ولعلع([147])
وقد استغل هذا الاسم الشاعر الخطيب الشيخ يعقوب بن الحاج جعفر النجفي الحلي المتوفى سنة 1329 هـ في قصيدة له طويلة قافيتها (العين) وهي مثبتة في ديوان شعره المطبوع في النجف وذلك قوله منها:
وعيناء لم تبعث سوى السحر عينها
لعشاقها مما بها كان من عين
ولو لم يصد فيها القلوب صبابة
لما سميت بالأرض للصيد من عين
تقع هذه العين في بادية العراق الجنوبية مما يلي بلدة السماوة، وهي من حيث الإدارة تتبع ناحية الخضر. وهي عين كبيرة فوارة تنبع من جبل اسمه الحجرة([148]) ويقدر ماؤها من نفس المنبع بقوة أربعمائة حصان، وماؤها أجاج فيه ملوحة، ولها بركة كبيرة تقدر مساحتها بنحو دونمين، ويتعذر الدخول إلى هذه البركة لكثرة ما فيها من الكهوف، ويوجد فيها وفي نهرها الآتي ذكره سمك من النوع المعروف بالحمرى، وحصل في أحد فيضانات الفرات في السنين الأخيرة أن اختلطت مياه هذه العين بمياه الفرات ودخل إليها أنواع من الأسماك الأخرى. وتقع على حافة بركة العين قلعتان مبنيتان بالطابوق المشوي (الآجر) إحداهما قديمة لا يعرف بانيها وهذه لم يبق منها اليوم سوى أسسها، والثانية عامرة، ومنهم من يسميها قصر عبد الله.
ويخرج من بركة العين نهر عميق القعر لا يمكن عبوره إلا سباحة، ويقدر عرضه بنحو ستة أذرع، ويتجه شمالاً نحو الفرات، وهو بعد أن يقطع في جريانه مسافة تقدر بأكثر من ثمانية كيلومترات يصل إلى أرض اسمها الرميلة وفيها ينشطر إلى فرعين شرقي وغربي.
أ – أما الفرع الشرقي: فيسمى نهر أم الروج باسم الأرض التي ينحط إليها، وهي أرض واسعة تقدر مساحتها بنحو نصف مليون مشارة أكثرها غير صالح للزراعة، ويمر هذا الفرع البالغ طوله نحو ثمانية كيلومترات بمستنقعين كبيرين يطلقون عليهما اسم طختين([149]) فيهما بردى وقصب ويسكنهما جماعة من أصحاب الجاموس، وينتهي هذا الفرع بالقرب من حدود لواء الناصرية في نقطة تقع على بعد مسيرة ثلاث ساعات من الفرات.
ب ـ الفرع الغربي: يعتبر هو المجرى الرئيس لنهر العين، يبلغ طوله نحو عشرة كيلومترات والمسافة بين نهاية أرضه الزراعية وبين الفرات تقدر بستة كيلومترات، وفي بعض السنين تختلط مياهه بمياه الفرات عن طريق ترعة تخرج من الفرات لسقي بعض أراضيه يقال لها بدعة العسافية([150]) وتسمى الأراضي الواقعة على هذا الفرع وفي سقيه أراضي عين صيد، وهي أراضي صالحة للزراعة وتشتمل على مقاطعتين يقال لإحداهما الطليّ «مصغر طلى» وهي مقاطعة واسعة تقدر مساحتها بعشرين ألف مشارة، يوجد فيها آثار قرية مندرسة. والمقاطعة الثانية: تسمى غرير وهذه تقدر مساحتها أيضاً بعشرين ألف مشارة.
حمود الساعدي
عين الوردة
راجع: التوّابون.
عيناثا
بلدة في جبل عامل في طرفه الجنوبي كانت في القرن التاسع الهجري مقصداً لطلاّب العلم حتى من خارج جبل عامل فممن قصدها الشيخ ناصر الدين بن إبراهيم البويهي، الإحسائي المنشأ، العاملي العيناثي الخاتمة.
وقد وصفه الشهيد الثاني بالإمام المحقق، هاجر إلى عيناثا في شبابه واشتغل بطلب العلم وصنّف وألّف، ومات فيها بالطاعون سنة 853 ومن مؤلفاته رسالة في الحساب وحاشية على قواعد العلامة، وحواش كثيرة على كتب الفقه والأصول وغيرها، منها حاشية على تحرير العلاّمة.
وكان أبرز أساتذته في عيناثا الشيخ ظهير الدين بن علي بن زين العابدين بن الحسام، وكان فاضلاً عابداً فقيهاً من أجلاّء المشايخ، يروي عن الشيخ علي بن أحمد العاملي والد الشهيد الثاني.
وكان الشيخ ناصر الدين شاعراً فمن شعره قوله:
إذا رمقت عيناك ما قد كتبته
وقد غيبتني عند ذاك المقابر
فخذ عظة مما رأيت فإنه
إلى منزل صرنا به أنت صائر
وقوله:
أقيما فما في الظاعنين سواكما
لقلبي حبيب ليت قلبي فداكما
ولا تمنعاني من تعلل ساعة
فيوشك أني بعدها لا أراكما
فما حسن أن أبتغي الوصل منكما
وأن تقطعا حبل الوصال كلاكما
وإن تأبيا إلا جفائي فإنني
إلى الله أشكو رقتي وجفاكما
ويبدو أن جفوة حصلت بينه وبين أستاذه ظهير الدين، سببها أنه استشعر شيئاً من قلة الاهتمام به، وربما كان باعث هذا الاستشعار وهم مصدره شدة حساسية الغريب البعيد عن أهله، فقال معاتباً أستاذه:
أشاقك ربع بالمشقر أطل
فأضحت تهاداك الهموم النوازل
فأصبحت تستمري من العين ماءها
وهيهات قد عزت عليك الوسائل
تذكرت من تهوى فأبكاك ذكره
وأنت بعناثا على الكره نازل
كأنك لم تعهد بقطع نفانف
ولا نقلت يوماً لرحلك بازل
لعمر أبي من سامني غير منصبي
فموجبه نسيانه والتغافل
لقد رام يسقيني من الماء سؤره
وما خلقت إلا لمثلي المناهل
فما كل من أدلى إلى البئر دلوه
ساق ولا من صفح الكتب فاضل
كفيتك لو أنصفتني عن جماعة
وما أحد منهم لحملي حامل
ويبدو أن أستاذه ظهير الدين لم يكن شاعراً لذلك أجابه بدر الدين حسن أخو أستاذه على أبياته بهذه الأبيات:
لعمرك ما عزت عليك الوسائل
ولا أجدبت منا لديك المناهل
ولا زلت منظوراً بعين جميلة
ولو نظرت شزراً إليك القبائل
فنحن أناس لا يضام نزيلنا
عزيز علينا أن تطانا الجحافل
ندافع عن أحسابنا ومضيفنا
ولو نهلت منا الظبا والذوابل
لنا منه جم الفضائل ورده
تقل لديه في الزمان المناهل
تخوض إليه الناس في كل مجلس
إذا أشكلت بين الرجال المسائل
لئن ضنت الدنيا علينا بثروة
تفاضلها أشرارها والفواضل
وهاتان القطعتان الشعريتان من أجمل الشعر الإخواني العاملي في ذلك العصر، وإذا لم يكن البويهي عاملي الولادة والمنشأ فهو عاملي الدراسة والحياة والشاعرية، لذلك فإن لنا أن نعدّ شعره شعراً عاملياً.
وهاتان القطعتان هما من القليل القليل الذي سلم من تصاريف الزمن فلم تبده كما أبادت الكثير الكثير غيره من التراث الشعري والعلمي العامليين.
ومن العلماء الذين أنجبتهم عيناثا: الشيخ أحمد بن يوسف العيناثي من تلاميذ الشيخ محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني، والشيخ أحمد بن خاتون العيناثي الذي كان معاصراً للشيخ محمد حسن صاحب المعالم وجرت بينهما أبحاث انتهت إلى الغيظ والمباعدة، والشيخ أحمد بن علي العيناثي الذي يروي عن جعفر بن الحسام العاملي وعنه محمد بن خاتون العاملي. وأحمد بن محمد بن خاتون العيناثي المعاصر للشهيد الثاني. وأحمد بن نعمة الله بن خاتون العيناثي المعاصر للشهيد الثاني. وجعفر بن الحسام العيناثي. وجمال الدين بن يوسف بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون المعاصر لصاحب الوسائل. والشيخ حسن بن علي الظهيري العيناثي المعاصر لصاحب الوسائل أيضاً، سكن النجف ومات بأصفهان، والشيخ حسن بن علي بن خاتون العيناثي المعاصر لصاحب الوسائل أيضاً. والشيخ حسين بن جمال الدين بن يوسف بن خاتون العيناثي المعاصر له أيضاً. والشيخ حسين بن الحسن الظهيري العيناثي أحد مشائخ صاحب الوسائل، سكن جباع ومات فيها. والشيخ حسين بن شرف العيناثي يروي عن الشهيد الثاني والشيخ علي بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون. ومحمد بن الحسام. والشيخ محمد بن خاتون المعاصر لصاحب الوسائل. والشيخ محمد بن خاتون يروي عن المحقق الثاني. والشيخ محيي الدين بن خاتون معاصر لصاحب الوسائل. والشيخ ظهير الدين بن علي بن زين العابدين بن الحسام يروي عن الشيخ علي بن أحمد العاملي والد الشهيد الثاني. والشيخ نعمة الله بن خاتون والشيخ يوسف بن أحمد نعمة الله بن خاتون المعاصر لصاحب الوسائل.
وهكذا ترى أن معظم هذه الأسماء ينتمي إلى آل خاتون وهم الأسرة العلمية التي كانت عيناثا مقراً لهم، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى بلدة جويّا.
وإلى عيناثا انتقل من مكة الأشراف الحسنيون الذين عرفوا بآل فضل الله وهم بيت علم وعمل وشعر وأدب، يتصلون بالنسب بأشراف مكة، ومن أشهر من نبغ منهم في العصور المتأخرة السيد نجيب المتوفى في عيناثا سنة 1336 هجرية والذي كان من أبرز علماء جبل عامل وأجرأهم في قول الحق، وقد جمع إلى علمه الغزير الموهبة الشعرية. وترك بعد وفاته ذرية علماء شعراء عاملين.
ولما حج السيد نجيب في عهد الشريف عون شريف مكة مدحه بالقصيدة التالية باعتباره ابن عمه
عين مسهدة وقلب يخفق
ومدامع بجوى أميمة تنطق
فارقتها وتود نفسي أنني
فارقت أيامي ولا نتفرق
أأميم قد كلفت بحبك مهجتي
ومن الشباب علي روض مونق
وأخذت عندك في الصبا لي موثقاً
أتراك عندك يا أميمة موثق
هلا أميمة تستجيب لنا إذا
لهز القتير بنا وشاب المفرق
لم أنسها قبل الوداع وقد رنت
شزرا إلي بعبرة تترقرق
قالت أأزمعت السرى فأجبتها
مهلاً يحدثك الدجى والأينق
الدائسات بنا عرانين الفلا
والسابقات لغاية لا تلحق
من كل جائلة النسوع عملس
وجناء تصبح بالمسير وتغبق
صليت على وهج الظما أكبادها
ولحومها لقرى الفيافي تنفق
لما تشوفت الفلاة ولم تجد
إلا السراب لعينها يترقرق
تخذت لعاب الشمس نغبة وردها
وجرت على غلوائها تتدفق
ترمي بنا البلد الحرام كأنها
شهب تناثر أو سهام ترشق
تحدى بتلبية الإله فكلما
عج العجيج بها تخب وتعنق
حتى بلغن بنا على بعد السرى
حرماً لهيبته الملائك تفرق
طفنا به راجين عتق رقابنا
يوم القيمة في رقاب تعتق
وأتيت ذروة هاشم وسنامها
وأبر من تحدى إليه الأينق
فرأيت وضاحاً كان جبينه
برق بغاسقة الدجى بتألق
ملك تخر له الجبابر سجداً
قسراً ويهزم حين يدعى الفيلق
حلته من حلل الجلال مهابة
تعلوه لا الديباج والإستبرق
قد حل في سطة الذؤابة صاعداً
وسواه يقتحم الصعود فيزلق
فرع على جرثومة نبوية
أن الفروع على الجرائم تبسق
تلقى عليه من النبي وحيدر
وابنيه والزهراء نوراً يشرق
إني وجدتك يا بن بنت محمد
أرج الخلافة من ثيابك يعبق
لو قمت فينا ملهباً نار الوغى
خفت إليك بنا الجياد السبق
يحملن منا كل أشوس أقعس
بحسامه هام الكماة تفلق
«عطفاً عميد المسلمين فإننا
في دوحة العلياء لا نتفرق»
«ما بيننا يوم الفخار تفاوت
أبداً كلانا في المفاخر معرق»
«إلا الإمارة ميزتك فإنني
أنا عاطل منها وأنت مطوق»
فهي التي لك بالهدى معقودة
وعلى سواك لواؤها لا يخفق
ومن الطرائف التي تذكر عن عيناثا أن أحدهم اقترح في مجلس شعري عاملي على الحاضرين أن ينظم كل منهم بيتاً من الشعر تكون كل كلماته مبدوءة بحرف واحد، فارتجل شاعر هذا البيت:
على عين عيناثا عبرنا عشية
عليها عيون العاشقين عواكف
وفي عيناثا مكان يسمى (فريز) قال السيد محمد رضا فضل الله وهو في النجف يحنّ إليه:
سقى الله عيشاً في (فريز) تصرمت
لياليه والأيام غض جديدها
إذا ذكرتها النفس حنت كأنها
مرزأة بان عنها وحيدها
والسيد محمد رضا كان من علماء وشعراء جبل عامل الكبار الذين أنجبتهم عيناثا. توفي سنة 1336 هـ.
وفي عيناثا يقول الشيخ حسن الحانيني المتوفى سنة 1035 هـ.
مقامي بعيناثا مقام ابن مريم
لدى عصبة تنفي مقام ابن مريم
قطعت بها عمراً نشا بين عصبة
كرام وجمع في دلال ومغنم
فوا أسفاً لو كان للصبر موضع
ووا حرّ قلبي قد عفا بالتندم
يذكرني في هذا النكاد أوينة
مضت بين أحلاف الوفا والتقدم
فأصبح سكراناً بغير مدامة
أزج فؤادي في سعير التلوم
وما ضاقت الأرض الفجاج على امرىء
غدا بين قوم أمرهم غير مبهم
فما الأرض عيناثا ولا الناس أهلها
جميعاً وقلبي ليس فيها بمغرم
الغارات
كتاب لإبراهيم الثقفي
إبْراهيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفيّ، مؤرخ ومحدّث وفقيه ومفسّر جده الرابع سعد بن مسعود (شقيق أبي عبيد بن مسعود) عم المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي عيّنه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والياً على المدائن، ولجأ إلى بيته الإمام الحسن عليه السلام يوم ساباط.
ولا يعرف تاريخ ولادته بالضبط، ولكنه سمع الحديث من عدد من الرواة كعلي بن قادم (ت 213هج/ 828م) وإسماعيل بن أبان الأزدي (ت 216 هـ) ويوسف بن بهلول السعدي (ت 218 هـ). ولذلك من المحتمل جداً أن تكون ولادته حوالي 200هج/816م أو قبل هذا التاريخ، وذكر أكثر المؤرخين أن وفاته كانت في 283هج/ 896م. وكانت أول إقامة إبراهيم في الكوفة ثم توجّه إلى أصفهان. وفيها بادر إلى رواية كتابه المعرفة الذي كان قد ألّفه في الكوفة. وذكر الشيخ الطوسي أن جماعة من كبار القميين كأحمد بن محمد بن خالد البرقي وفدوا على إبراهيم الثقفي في أصفهان وسألوه الانتقال إلى قم، فأبى.
ولإبراهيم الثقفي تأليفات كثيرة، تبلغ كما يقول النجاشي 52 مجلداً وبرواية الطوسي 51 كتاباً، وأشار كل من ياقوت والصفدي إلى 50 مجلداً منها. وقد اقتبس رضي الدين ابن طاووس في كشف المحجّة. من كتابه المعرفة، وفي كتاب الإقبال من كتابه الحلال والحرام، ونقل غياث الدين ابن طاووس في فرحة الغري من كتابه مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا يدلّ على أن كتبه الثلاثة: المعرفة والحلال والحرام ومقتل أمير المؤمنين عليه السلام كانت لا تزال موجودة حتى القرن السابع، أما بقية كتبه فقد فقدت ما عدا (الغارات)، ودعي بهذا الاسم لأن الكاتب شرح فيه بالتفصيل غارات جيوش معاوية بن أبي سفيان ونهبهم للأموال في مناطق حكم أمير المؤمنين علي عليه السلام، كما ورد في الكتاب شرح لمواضيع مهمة ومسائل دقيقة وقيّمة أخرى. طبع هذا الكتاب بالاعتماد على نسخة مير جلال الدين الحسيني الأرموي (المحدّث) الفريدة وتمّ تحقيقه مرّتين في طهران.
الغاضرية
قرية عامرة في ضواحي كربلاء. قال ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان (..منسوبة إلى غاضرة من بني أسد وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء)([151]) وقال قريب من هذا الكلام صفي الدين البغدادي في مراصد الاطلاع([152]).
يقول عبد الحسين الصالحي: الغاضرية أراضٍ منبسطة عامرة تقع في الشمال الشرقي من كربلاء على الضفة الشرقية من نهر العلقمي بمحاذاة الشريعة الجعفرية التي نزل فيها الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام في سنة 144 هـ حين زيارته لكربلاء كما ضبطه المجلسي في بحار الأنوار، ومقامه مزار معروف حتى اليوم([153]) وفصلت عن ذلك في كتابي كربلاء في حاضرها وماضيها. وقد وصل الحسين عليه السلام إلى قرية الغاضرية في غرة المحرم سنة 61 هجرية وأراد النزول فيها ومنعه الحر من ذلك. وذكر أرباب المقاتل والمؤرخون منهم الشيخ المفيد في الإرشاد والدينوري المتوفى سنة 282 هجرية في كتابه الأخبار الطوال، أنه حين وصول الحسين عليه السلام إلى نينوى إذا براكب مقبل من الكوفة فوقفوا جميعاً ينتظرونه فلما انتهى سلم على الحر ولم يسلم على الحسين عليه السلام ثم ناول الحرّ كتاباً من عبيد الله بن زياد فقرأه فإذا فيه [أما بعد فجعجع بالحسين بن علي وأصحابه بالمكان الذي يوافيك فيه كتابي ولا تحلّه إلاّ بالعراء على غير خَمَر([154]) ولا ماء وقد أمرت حامل كتابي هذا أن يخبرني بما كان منك في ذلك والسلام] ([155]) فقرأ الحر: الكتاب ثم ناوله الحسين فقال له: دعنا ننزل نينوى أو الغاضرية أو هذه الأخرى التي تسمى الشُفية فقال الحر لا أستطيع فإن الرجل عين علي أن الأمير كتب إليّ أن أحلك على غير ماء ولا بد من الانتهاء إلى أمره… ([156]) وترك الحسين عليه السلام الغاضرية متوجهاً نحو كربلاء.
والغاضرية من قرى عصر الأمبراطورية الساسانية الواقعة على نهر العلقمي الذي حفره علقمة قبل حرب القادسية في سنة 14 هجرية جد مؤيد الدين محمد المعروف بابن العلقمي (591 ـ 656 هجرية) وزير آخر خلفاء بني العباس. وهذه المناطق كانت عامرة منذ عهد شاهپور (للجلوس 241 ـ المتوفى 273 م) ثاني ملوك الساسانيين الذي حفر خندقاً في هذه الناحية ووضع حراساً لمراقبة الحدود ولا تزال آثار الخندق باقية حتى اليوم.
عبد الحسين الصالحي
غدير خم
لما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناسكه بعد حجة الوداع قفل راجعاً إلى المدينة فوصل إلى الموضع المعروف بغدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة وهو مكان قريب من الجحفة بناحية رابغ وليس هو بموضع إذ ذاك يصلح للنزول لعدم الماء فيه والمرعى فنزل به ونزل المسلمون معه. وعلم أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم وبواديهم فأراد أن يجمعهم لسماع النص على علي وتأكيد الحجة عليهم فيه. فنزل بذلك المكان ونزل المسلمون وكان يوماً قائظاً شديد الحر وأمر بجمع الرحال ووضع بعضها فوق بعض ثم أمر مناديه فنادى في الناس: الصلاة جامعة فاجتمعوا إليه. فلما اجتمعوا صعد على تلك الرحال حتى صار في ذروتها ودعا علي بن أبي طالب فرقي معه حتى قام عن يمينه ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ووعظ فأبلغ في الموعظة ونعى إلى الأمة نفسه وقال: إني قد دعيت وأوشك أن أجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وأني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا. ثم نادى بأعلى صوته: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى. فقال لهم: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. ثم نزل وكان وقت الظهيرة وصلى ركعتين ثم أذّن مؤذنه لصلاة الظهر فصلى بهم الظهر وجلس في خيمته وأمر عليّاً أن يجلس في خيمة له بإزائه وأمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنؤوه ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك، وقد ورد ذلك في «الإرشاد» للمفيد و«أسباب النزول» للواحدي. و«مسند أحمد بن حنبل». و«المسند» للحاكم. و«التلخيص» للذهبي. وتاريخ ابن كثير. والسيرة الحلبية لابن هشام. وفي غير ذلك.
وفي السيرة الحلبية لابن هشام: لما وصل صلى الله عليه وآله وسلم إلى محل بين مكة والمدينة يقال له غدير خم بقرب رابغ جمع الصحابة فخطبهم (إلى أن قال): يا أيها الناس فقال: إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب (إلى أن قال) ثم حض على التمسك بكتاب الله وأوصى بأهل بيته فقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا، وقال في حق علي لما كرر عليهم: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ ثلاثاً وهم يجيبونه بالتصديق والاعتراف ورفع يد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره وأعن من أعانه واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار. ثم قال: وهذا حديث صحيح ورد بأسانيد صحاح.
وقال ابن كثير الشامي في تاريخه اعتنى بأمر هذا الحديث يعني حديث الغدير أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين وأورد فيهم طرقه وألفاظه، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 14 ص 277 وهو يترجم للطبري: جمع طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء، ورأيت شطره فبهرني سعة روايته وجزمت بوقوع ذلك، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة يعني خطبة يوم الغدير. ويقول في أعيان الشيعة: إن حديث الغدير متواتر ويكفي أن يكتب فيه مثل الطبري مجلدين.
ويقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين:
«ويحاول بعض المؤلفين أن يغمزوا في هذه النصوص الكثيرة بعدم صحة إسنادها، وهي محاولة نعجب لهم كيف يرتكبونها، لأنها تقضي عليهم بأن يطرحوا معظم التراث التشريعي الذي يتعلق بالأحكام الشرعية، فإن الحكم على هذا العدد العظيم من الرواة بالضعف والكذب يحتم طرح كل ما رووه، على أن هؤلاء يكتفون في غير هذه المسألة برواية واحدة فلماذا لا يقنعون فيها بهذا العدد العظيم من الروايات مع أنها مسألة تاريخية حكم الواقع فيها».
والشيعة يعتبرون أن هذا الحديث الذي يسمونه (حديث الغدير) هو نص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على استخلاف علي عليه السلام بعده، وقد اتخذوا من يوم 18 ذي الحجة من كل عام يوم عيد يحتفلون بذكراه ويسمونه عيد الغدير.
وقد أكثر الشعراء من ذكر (يوم الغدير) مما حمل الشيخ عبد الحسين الأميني في هذا العصر على أن يؤلف كتاباً في عدة مجلدات سماه (الغدير) جمع فيه كل الروايات والأقوال والأشعار التي أشارت إلى يوم الغدير.
ومن الشعر الذي قيل في هذا الموضوع ما قاله أبو تمام الطائي من قصيدة:
ويوم الغدير استوضح الحق أهله
بفيحاء لا فيها حجاب ولا ستر
أقام رسول الله يدعوهم بها
ليقربهم عرف وينآهم نكر
يمد بضبعيه ويعلم أنه
ولي ومولاكم فهل لكم خبر
ويقول الكميت بن زيد الأسدي من أبيات:
ويوم الدوح دوح غدير خم
أبان له الولاية لو أطيعا
ولكن الرجال تتابعوها
فلم أر مثلها خطراً أضيعا
ومن قبل ذلك استأذن حسان بن ثابت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أن ينشده على أثر قول النبي ما قال فأنشد حسان أبياتاً منها:
يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأسمع بالنبي مناديا
حديث الغدير
في كتب أهل السنة
يقول ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة): «إنّ حديث الغدير صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعليّ لما نوزع أيام خلافته.. وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا يلتفت لمن قدح في صحته ولا لمن رده»([157]).
أقول: وقد أخرج حديث الغدير شيخ الحديث عند أهل السنة الإمام مسلم في (صحيحه) وهذا نصه: «وعن زيد بن أرقم قال قام رسول الله يوماً فينا خطيباً بماء يدعى «خماً» بين مكة والمدينة، فحمد الله ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله.. ثم قال وأهل بيتي..»([158]). ولهذا يقول سبط بن الجوزي: «اتفق علماء السير على أنّ قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفاً، وقال: «من كنْتُ مولاه فعليّ مولاه»، الحديث، نص (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإشارة، وذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال ذلك طار في الأقطار وشاع في البلاد والأمصار..»([159]).
وفي (الخصائص) للنسائي، وهو أحد أصحاب الصحاح الستة عن زيد بن أرقم قال: «لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير «خم» أمر بدوحات فقممّن ثم قال: كأني دعيت فأجبت وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردّا علي الحوض.. ثم قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن: ثم أخذ بيد عليّ (رضي) فقال: من كنت وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نعم، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلا ورآه بعينه وسمعه بأذنيه..»([160]).
وفي (كنز العمال) للمتقي الهندي: «…إنّ الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه..» وقد أخرج المتقي الهندي هذا الحديث تارة عن زيد بن أرقم وهو الحديث رقم (954)، وأخرى عن أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم([161]).
وفي (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي عند تفسير قوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} من سورة المعارج الآية: 1، «قيل إنَّ السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنّه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عليّ (رضي): «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أنْ نشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبلناه منك، إلى قوله: ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شيء منك أم من الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والله الذي لا إله إلاّ هو ما هو إلاّ من الله» فولى الحارث وهو يقول: اللهم إنْ كان ممّا يقول محمد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله، فنزلت: {سأل سائل}([162]).
وفي شواهد التنزيل للحاكم النيسابوري عن أبي هريرة قال: «من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير «خم» لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد عليّ فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن، وأنزل الله: {اليوم أكملت لكم دينكم}([163]).
ويقول الشهرستاني في (الملل والنحل): «ومثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى:
{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}، فلما وصل غدير (خم) أمر بالدوحات فقمّمن، ونادوا: الصلاة جامعة، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو على الرحال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار. ألا هل بلّغت؟ ثلاثاً»([164]).
ويقول الغزالي: «أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير (خم) باتفاق الجميع وهو يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، فقال عمر: «بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى»، فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة، ولما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قبل وفاته ائتوا بدواة وبياض لأزيل لكم إشكال الأمر، وأذكر لكم من المستحق لها بعدي، قال عمر: «دعوا الرجل فإنّه يهجر..» فإذن بطل تعلقكم بتأويل النصوص فعدتم إلى الإجماع، وهذا منصوص أيضاً فإنّ العباس وأولاده وعليّاً وزوجته وأولاده، وبعض الصحابة، لم يحضروا حلقة البيعة.. وخالفكم أصحاب السقيفة في متابعة الخزرجي»([165]).
وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن زيد بن أرقم قال: «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير «خم» أمر بدوحات فقمّمن، فقال كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يفترقا حتى يردّا عليّ الحوض ثم قال: «إنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد عليّ (رضي) فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه..» يقول (الحاكم) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أخرجه الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك([166]).
وحديث الغدير أخرجه أهل السنة بطرق كثيرة، منهم ابن حجر العسقلاني في الإصابة([167]). والقندوزي في ينابيع المودة([168])، والمقريزي في خططه([169])، والسيوطي في تاريخ الخلفاء([170])، والمحب الطبري في الرياض النضرة([171])، وابن خلكان في وفيات الأعيان([172])، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد([173])، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة([174])، وابن تيمية([175])،، والمسعودي في مروج الذهب([176])،، وغير هؤلاء من حملة الآثار من علماء أهل السنة وغيرهم، اقتصر الباحث على ذكر جملة منهم ليرى الدكتور أحمد شلبي، وغيره، أنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة، فإنْ كان هذا الحديث من الموضوعات، فلازمه أنْ يكون هؤلاء الذين ذكرناهم، قد وضعوا الحديث، وبالتالي يصدق عليهم الحديث المتقدم: «من كذب عليّ»، ولكن ثبت عند أهل السنة أنّ هؤلاء هم رواة الحديث الموثوق بهم والمعتمد عليهم، فيكون الحديث حينئذٍ صحيحاً.
أما تكذيب هذا الحديث ـ أي حديث الغدير ـ أو المولاة ـ فقد أجاب عليه الدكتور أحمد محمود صبحي في قوله: «لما كان أهل الظاهر والسلفيون يوالون معاوية فإنّه لم يكن لديهم مفر من اختيار: إما ترك هذه الموالاة، أو القدح بشتى الوسائل في الحديث، وبالرغم من وجوب خضوع العقائد للنصوص إلا أنّ كثيراً من أصحاب المذاهب قد أخضعوا الأحاديث لأهوائهم ومذاهبهم» ويضيف: «…فإنّ الحديث لا يدين من حارب عليّاً فحسب، وإنّما يدين كذلك أولئك الذين اعتزلوه، وبذلك يلقي الضوء على حروب عليّ التي اشتبه في أمرها المسلمون والتبس فيها وجه الحق»([177]).
موقع غدير خُمّ
وقد زار موقع غدير خُمّ الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي فكتب عن ذلك ما يلي:
لأهميّة يوم الغدير تاريخياً وعقائدياً، رأيت أن أكتب عن موقع (غدير خُمّ) كمَعْلَمٍ من معالم الحجّ والزيارة، فقد ورد ـ كما سأُشير ـ استحباب الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواقع في غدير خُمّ، والذي شُيّد على أرض الموضع الذي وقف فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخطب بالناس خطبته المعروفة بـ (خطبة يوم الغدير)، ونصّ فيها على ولاية أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.
وإضافة لما تقدّم فإنّ موضع غدير خُمّ من المواضع الإسلامية التي شهدت أكثر من موقف من مواقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يمكننا تلخيصها بالتالي:
1 ـ وقوعه في طريق الهجرة النبويّة.
2 ـ وقوعه في طريق عودة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع.
3 ـ وقوع بيعة الغدير فيه.
وكلّ واحد من هذه المواقف الثلاثة يشكّل بُعداً مهماً في مسيرة التاريخ الإسلامي، فالهجرة كانت البدء لانتشار الدعوة الإسلامية وانطلاقها خارج ربوع مكّة، ومن ثم إلى العالم كلّه.
وحجّة الوداع والعودة منها إلى المدينة المنورة كانت ختم الرسالة حيث كمل الدين فتمّت النعمة.
وبيعة الغدير هي التمهيد لعهد الإمام حيث ينتهي عهد الرسالة والرسول.
ومن هنا اكتسب موضع (غدير خُمّ) أهميّته الجغرافية في التراث الإسلامي ومنزلته التكريمية كمَعْلَمة خطيرة من معالم التاريخ الإسلامي.
واشتهر الموقع بحادثة الولاية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام أكثر من شهرته موقعاً أو منزلاً من معالم طريق الهجرة النبويّة أو من طريق العودة من حجّة الوداع.
وقد أشار إلى الحادثة وتواتر روايتها غير واحد من علماء الحديث الثقات الأثبات.
وصحّ عن جماعة منهم ممّن يحصل القطع يخبرهم.
وبعد هذه التقدمة سيكون الحديث عن هذا الموضع الشريف في حدود النقاط التالية:
ـ اسم الموقع.
ـ سبب التسمية.
ـ تحديد الموقع جغرافياً.
ـ وصف مشهد النصّ بالولاية.
ـ الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموقع.
ـ وصف الموقع الراهن.
ـ الطرق المؤدية إليه.
ـ صور وخرائط.
اسم الموقع
1 ـ اشتهر الموضع باسم (غدير خُمّ)، ففي حديث السيرة لابن كثير 4/424: «قال المطّلب بن زياد عن عبد الله بن محمد بن عقيل: سمع جابر بن عبد الله يقول: كنّا بالجحفة بغدير خُمّ فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خباء أو فسطاط…».
وفي حديث زيد بن أرقم، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خُمّ تحت شجرات»([178]).
وكذلك في حديثه الاخر، قال: «لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خُمّ، أمر بدوحات فقممن…»([179]).
وفي شعر نُصيب:
وقالت بالغدير غدير خُمّ:
أُخَيَّ إلى متى هذا الركوبُ
ألم تَرَ أنّني ما دمتَ فينا
أنامُ ولا أنامُ إذا تغيبُ([180])
وفي قول الكميت الأسدي:
ويوم الدوحِ دوح غدير خُمّ
أبان له الولاية لك أُطيعا
وضبط لفظ «خُمّ» في لسان العرب ـ طبعة دار صادر ـ بفتح الخاء، ونقل عن ابن دريد أنّه قال: «إنّما هو خُمّ، بضم الخاء»([181]).
2 ـ كما أنّه يسمى بـ «وادي خُمّ»، أخذاً من واقع الموضع، قال الحازمي: «خُمّ وادٍ بين مكّة والمدينة عند الجحفة، به غدير، عنده خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة».
وقد ورد هذا الاسم في حديث السيرة لابن كثير 4(422 ونصّه: قال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبد الله، قال: قال زيد بن أرقم ـ وأنا أسمع ـ: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلاً يقال له: وادي خُمّ…».
3 ـ وقد يطلق عليه «خُمّ» اختصاراً، كما في كتاب «صفة جزيرة العرب» فقد قال مؤلفه الهمداني في ص 259 ـ وهو يعدّد بلدان (تهامة اليمن) ـ: «ومكّة: أحوازها لقريش ولخزاعة، ومنها: مرّ الظهران، والتنعيم، والجعرانة، وسَرِف، وفخّ، والعصم، وعسفان، وقديد ـ وهو لخزاعة ـ، والجحفة، وخُمّ، إلى ما يتّصل بذلك من بلد جهينة ومحالّ بني حرب».
وكما في شعر معن بن أَوس المزني:
عفا وخلا مِمّن عهدتَ به خُمُّ
وشاقّك بالمسحاء من سَرِفٍ رسمُ
وفي قول المجالد بن ذي مران الهمداني من قصيدة قالها لمعاوية بن أبي سفيان وقد رأى تمويهه وتمويه عمر بن العاص على الناس في دم عثمان:
ولَهُ حرمةُ الولاءِ على النا
سِ بِخُمّ وكان ذا القول جَهْرا([182])
4 ـ وأُطلق عليه في بعض الحديث اسم الجحفة من باب تسمية الجزء باسم الكلّ، لأنّ خُمّاً جزء من وادي الجحفة الكبير ـ كما سيأتي ـ.
وقد جاء هذا في حديث عائشة بنت سعد، الذي أخرجه النسائي في «الخصائص» ـ كما في المراجعات: 1219 ـ ونصّه: «عن عائشة بنت سعد، قالت: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجحفة…».
ورواه ابن كثير في السيرة 4/423 عن ابن جرير بسنده بالنصّ التالي: «عن عائشة بنت سعد، سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجحفة، وأخذ بيد عليّ…».
5 ـ ويقال له: «الخرّار».. «قال السكوني: موضع الغدير غدير خُمّ يقال له: «الخرّار»([183]).
ويلتقي هذا مع تعريف البكري في معجم ما استعجم 2/492 للخرّار حيث قال: «قال الزبير: هو وادي الحجاز([184]) يصب على الجحفة».
ويختصر ناسُنا اليوم الاسم فيطلقون عليه: «الغدير».
7 ـ الغُرَبَة، بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحّدة، هكذا ضبطه البلادي في معجم معالم الحجاز 3/159، وهو الاسم الراهن الذي يسمّيه به أبناء المنطقة في أيّامنا هذه، قال البلادي: «ويعرف غدير خُمّ اليوم باسم (الغُرَبَة)، وهو غدير عليه نخل قليل لأُناس من البلادية من الحرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة على (8) أكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرّار».
ويقيّد لفظ «الغدير» بإضافته إلى (خُمّ) تمييزاً بينه وبين غدران أُخرى، قيّدت ـ هي الأُخرى ـ بالإضافة، أمثال:
ـ غدير الأشطاط: موضع قرب عسفان.
ـ غدير البركة: بركة زبيدة.
ـ غدير البنات: في أسفل وادي خماس.
ـ غدير سلمان: في وادي الأغراف.
ـ غدير العروس: في وادي الأغراف أيضاً([185]).
وقد يطلق على غديرنا: «غدير الجحفة»، كما في حديث زيد بن أرقم: «أقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع حتى نزل بغدير الجحفة بين مكة والمدينة…»([186]).
سبب التسمية
نستطيع أن نستخلص من مجموع التعريفات التي ذكرتها المعجمات العربية للغدير التعريف التالي:
الغدير: هو المنخفض الطبيعي من الأرض يجتمع فيه ماء المطر أو ماء السيل، ولا يبقى إلى القيظ([187]).
ويجمع على: غُدُر ـ بضم أوَّلَيْه ـ، وغُدْر ـ بضم أوّله وسكون ثانيه ـ،. وأَغْدُرة، وغُدْران.
وعلّلوا تسمية المنخفض الذي يجتمع فيه الماء غديراً بـ:
1 ـ أنّه اسم مفعول لمغادرة السيل له، أي أنّ السيل عندما يملأ المنخفض بالماء يغادره، بمعنى يتركه بمائه.
2 ـ أنّه اسم فاعل «من الغَدْر، لأنّه يخوف ورّاده فينضب عنهم، ويغدر بأهله، فينقطع عند شدّة الحاجة إليه»([188]).
وقوّاه الزبيدي في معجمه «تاج العروس» بقول الكميت:
ومن غدره نبز الأوّلون
بأن لقّبوه الغديرَ الغديرا
وشرح معنى البيت: بأن الشاعر «أراد (أنّ) من غدره نبز الأولون الغديرَ بأن لقّبوه الغديرَ، فالغدير الأول مفعول نبز، والثاني مفعول لقّبوه».
وسبب التسمية للموقع بالغدير لأنّه منخفض الوادي.
أمّا خُمّ، فنقل ياقوت في معجم البلدان 2/389 عن الزمخشري أنّه قال: «خُمّ: اسم رجل صبّاغ، أُضيف إليه الغدير الذي بين مكّة والمدينة بالجحفة».
ثم نقل عن صاحب «المشارق» أنّه قال: «إنّ خُمّاً اسم غيضة هناك، وبها غدير نسب إليها».
والتعليل نفسه نجده عند البكري في معجم ما استعجم 2/368 قال: «وغدير خُمّ على ثلاثة أميال من الجحفة، يسرة عن الطريق، وهذا الغدير تصبّ فيه عين وحوله شجر كثير ملتف، وهو الغيضة التي تسمّى خُمّاً».
تحديد الموقع جغرافياً
نصَّ غير واحد من اللغويّين والجغرافيين والمؤرّخين على أنّ موقع غدير خُمّ بين مكّة والمدينة.
ففي لسان العرب ـ مادة: خم: «وخُمّ: غدير معروف بين مكّة والمدينة».
وفي النهاية، لابن الأثير ـ مادة: خم: «غدير خُمّ: موضع بين مكة والمدينة».
وفي معجم البلدان 2/389: «وقال الحازمي: خُمّ: وادٍ بين مكّة والمدينة».
وفي المصدر نفسه: قال الزمخشري: خُمّ: اسم رجل صبّاغ، أضيف إليه الغدير الذي هو بين مكّة والمدينة».
ويبدو أنّه لا خلاف بينهم في أنّ موضع غدير خُمّ بين مكّة والمدينة، وإنّما وقع شيء قليل من الخلاف بينهم في تعيين مكانه بين مكّة والمدينة، فذهب الأكثر إلى أنّه في (الجحفة)، ويعنون بقولهم (في الجحفة) أو (بالجحِفة) وادي الجحفة ـ كما سيأتي ـ.
من هؤلاء:
ابن منظور في لسان العرب ـ مادة: خُمّم، قال: «وخُمّ: غدير معروف بين مكّة والمدينة، بالجحفة، وهو غدير خُمّ».
والفيروزآبادي في القاموس المحيط ـ مادة: خم، قال: «وغدير خُمّ: موضع على ثلاثة أميال بالجحفة بين الحرمين».
والزخمشري في نصّه المتقدّم الذي نقله عنه الحموي في معجم البلدان 2/389 القائل فيه: «خُمّ»: اسم رجل صبّاغ، أُضيف إليه الغدير الذي بين مكّة والمدينة بالجحفة».
وفي حديث السيرة لابن كثير 4/42 ـ المتقدّم ـ: «قال المطّلب بن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله يقول: كنّا بالجحفة بغدير خُمّ…».
وكما قلت، يريدون من (الجحفة) في هذا السياق: الوادي لا القرية التي هي الميقات، وذلك بقرينة ما يأتي من ذكرهم تحديد المسافة بين غدير خُمّ والجحفة، الذي يعني أنّ غدير خُمّ غير الجحفة (القرية)، ولأنّ وادي الجحفة يبدأ من الغدير وينتهي عند البحر الأحمر فيكون الغدير جزءاً منه، وعليه لا معنى لتحديد المسافة بينه وبين الوادي الذي هو جزء منه.
وتفرّد الحميري في الروض المعطار ـ ط 1975 ص 156 ـ فحدّد موضعه بين الجحفة وعسفان، قال: «وبين الجحفة وعسفان غدير خُمّ».
وهو ـ من غير ريب ـ وَهُمٌ منه، وبخاصّة أنّه حدّد الموضع بأنّه على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق، حيث لا يوجد عند هذه المسافة بين الجحفة وعسفان موضع يعرف بهذا الاسم.
والظاهر أنّه نقل العبارة التي تحدّد المسافة بثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق من «معجم ما استعجم»، ولم يلتفت إلى أنّ البكري يريد بيسرة الطريق الميسرة للقادم من المدينة إلى مكّة، وليس العكس، فوقع في هذا التوهّم.
قال البكري في معجمه 2/368: «وغدير خُمّ على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق»، ـ وكما قلت ـ يريد بالميسرة جهة اليسار بالنسبة إلى القادم من المدينة إلى مكّة بقرينة ما ذكره في بيان مراحل الطريق بين الحرمين ومسافاتها عند حديثه عن العقيق في ج 3 ص 954 ـ 955، حيث بدأ بالمدينة، قال: «والطريق إلى مكّة من المدينة على العقيق: من المدينة إلى ذي الحليفة…».
ونخلص من هذا إلى أنّ غدير خُمّ يقع في وادي الجحفة على يسرة الطريق الحاجّ من المدينة إلى مكّة، عند مبتدأ وادي الجحفة حيث منتهى وادي الخرّار.
ومن هنا كان أنْ أسماه بعضهم بالخرّار ـ كما تقدّم ـ.
ولعلّ علّة ما استظهره السمهودي في كتابه وفاء الوفا 2/298 ط 1، من أنّ الخرّار بالجحفة هو ما أوضحته من أنّ غدير خُمّ مبتدأ وادي الجحفة، وعند منتهى وادي الخرّار.
ويؤيد هذا الذي ذكرته قول الزبير ـ الذي نقلته آنفاً عن معجم ما استعجم 2/492 ـ من أنّ الخرّار وادٍ بالحجاز يصب على الجحفة.
وقد يسير إلى هذا القول الحموي في معجم البلدان 2/350: «الخرّار… وهو موضع بالحجاز، يقال: هو قرب الجحفة».
وعبارة عرّام التالية تؤكد لنا أنّ الغدير من الجحفة، قال ـ كما نقله عنه الحموي في معجم البلدان 2/389 ـ: «ودون الجحفة على ميل غدير خُمّ، وواديه يصب في البحر»، حيث يعني بواديه وادي الجحفة لأنّه هو الذي يصب في البحر حيث ينتهي عنده.
أمّا المسافة بين موضع غدير خُمّ والجحفة (القرية = الميقات) فَحُدّدت ـ فيما لديَّ من مراجع ـ بالتالي:
ـ حدّدها البكري في معجم ما استعجم 2/368 بثلاثة أميال، ونقل عن الزمخشري أنّ المسافة بينهما ميلان ناسباً ذلك إلى (القيل) إشعاراً بضعفه.
وإلى القول بأن المسافة بينهما ميلان ذهب الحموي في معجمه 4/188 قال: «وغدير خُمّ بين مكّة والمدينة، بينه وبين الجحفة ميلان».
وقدّر الفيروزآبادي المسافة بثلاثة أميال، قال في القاموس ـ مادّة خم: «وغدير خُمّ: موضع على ثلاثة أميال بالجحفة([189]) بين الحرمين».
وقدّرها بميل كلّ من نصر وعرّام([190])، ففي تاج العروس ـ مادّة: خم: «وقال نصر: دون الجحفة على ميل بين الحرمين الشريفين».
وفي معجم البلدان 2/389: «وقال عرّام: ودون الجحفة على ميل غدير خُمّ».
وهذا التفاوت في المسافة من الميل إلى الاثنين إلى الثلاثة أمر طبيعي، لأنّه يأتي ـ عادة ـ من اختلاف الطريق التي تسلك، وبخاصّة أنّ وادي الجحفة يتّسع بعد الغدير، ويأخذ بالاتّساع أكثر حتى قرية الجحفة ومن بعدها أكثر حتى البحر، فربّما سلك أحدهم حافة الجبال فتكون المسافة ميلاً، وقد يسلك أحدهم وسط الوادي فتكون المسافة ميلين، ويسلك الآخر حافة الوادي من جهة السهل فتكون المسافة ثلاثة أميال.
وصف الموضوع تاريخياً
احتفظ لنا التاريخ بصورة تكاد تكون كاملة المعالم متكاملة الأبعاد لموضع غدير خُمّ، فذكر أنّه يضم المعالم التالية:
1 ـ العين:
ففي لسان العرب ـ مادة: خم: «قال ابن الأثير: هو موضع بين مكّة والمدينة تصبّ فيه عين هناك»([191]).
وفي معجم ما استعجم 2/368 والروض المعطار: 156: «وهذا الغدير تصبّ فيه عين».
وفي معجم البلدان 2/389: «وخُمّ: موضع تصبّ فيه عين».
وتقع هذه العين في الشمال الغربيّ للموقع كما سيتّضح لنا هذا من ذكر المعالم أُخرى.
2 ـ الغدير:
وهو الذي تصبّ فيه العين المذكورة كما هو واضح من النصوص المنقولة المتقدّمة.
3 ـ الشجر:
ففي حديث الطبراني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب بغدير خُمّ تحت شجرات([192]).
وفي حديث الحاكم: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع، ونزل غدير خُمّ أمر بدوحات فقممن»([193]).
وفي حديث الإمام أحمد: «وظُلِّل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوب على شجرة سَمُرَة من الشمس»([194]).
وفي حديثه الآخر: «وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرتين فصلّى الظهر»([195]).
والشجر المشار إليه هنا من نوع (السَمُر)، واحده (سَمُرَة) بفتح السين المهملة وضمّ الميم وفتح الراء المهملة، وهو من شجر الطَلَح، وهو شجر عظيم، ولذا عبّر عنه بالدوح كما في الأحاديث والأشعار التي مر شيءٌ منها، واحده دوحة، وهي الشجرة العظيمة المشتعبّة ذات الفروع الممتدّة.
وهو غير (الغيضة) الآتي ذكرها، لأنه متفرّق في الوادي هنا وهناك.
4 ـ الغيضة:
وهي الموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتفّ، وتجمع على غياض وأغياض.
وموقعها حول الغدير، كما ذكر البكري في معجم ما استعجم 2/368، قال: «وهذا الغدير تصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير ملتف: وهي الغيضة».
ومرّ بنا أن صاحب المشارق ذكر «أنّ خُمّاً اسم غيضة هناك، وبها غدير نسب إليها».
5 ـ النبت البَرّيّ:
ونقل ياقوت الحموي في معجمه البلداني 2/389 عن عرّام أنّه قال: «لا نبت فيه غير المرخ والثمام والأراك والعشر».
6 ـ المسجد:
وذكروا أنّ فيه مسجداً شُيِّد على المكان الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصلّى وخطب ونصب عليّاً للمسلمين خليفة وولياً.
وعيّنوا موقعه بين الغدير والعين، قال البكري في معجمه 2/368: «وبين الغدير والعين مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم».
وفي معجم البلدان 2/389 إنّ صاحب المشارق قال: «وخُمّ موضع تصبّ فيه عين، وبين الغدير والعين مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».
ويبدو أنّ هذا المسجد قد تداعى ولم يبق منه في زمن الشهيد الأول، المتوفّى سنة 786 هـ، إلاّ جدرانه، كما أشار إلى هذا الشيخ صاحب الجواهر ـ في الجواهر 20/75 طبعة النجف ـ نقلاً عن كتاب «الدروس في فقه الإمامية» للشهيد الأول، قال: «وفي الدروس: والمسجد باق إلى الآن جدرانه، والله العالم».
أمّا الآن فلم نجد له أثراً.. كما سأُشير إلى هذا فيما يعقبه.
7 ـ ونقل ياقوت في معجم البلدان 2/389 عن الحازمي أنّ «هذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة».
يقال: وخم المكان وخامة إذا كان غير ملائم للسكنى فيه.
8 ـ ومع وخامته ذكر عرّام ـ فيما نقله ياقوت عنه ـ أنّ به أُناساً من خزاعة وكنانة، ولكنهم قليلون، قال: «وبه أُناس من خزاعة وكنانة غير كثير».
وصف مشهد النصّ بالولاية
وينسق على ما تقدّم من وصف الموضوع تاريخياً وصف حادثة الولاية بخطواتها المتسلسلة والمترتّب بعضها على بعض لتكتمل أمام القارىء الكريم الصورة للحادثة التي أعطت هذا الموضوع الشريف أهمّيته كمعلم مهمّ من معالم السيرة النبوية المقدّسة، وتتلخص بالتالي:
1 ـ وصول الركب النبوي بعد منصرفه من حجّة الوداع إلى موضع غدير خُمّ ضحى نهار الثامن عشر من شهر ذي الحجّة الحرام من السنة الحاديثة عشرة للهجرة.
فعن زيد بن أرقم: «لمّا حجّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الوداع، وعاد قاصداً المدينة أقام بغدير خُمّ ـ وهو ماء بين مكّة والمدينة ـ وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام»([196]).
2 ـ ولأنّ هذا الموضع كان مفترق الطرق المؤدية إلى المدينة المنوّرة، والعراق، والشام، ومصر، تفرّق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متّجهين وجهة أوطانهم، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام أن يجمعهم بردّ المتقدّم وانتظار المتأخّر.
ففي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: «إنّ رسول الله نزل بخُمّ فتنحّى الناس عنه، وأمر عليّاً فجمعهم»([197]).
وفي حديث سعد: «كنّا مع رسول الله فلمّا بلغ غدير خُمّ وقف للناس، ثم رد من تقدّم، ولحق من تخلّف»([198]).
3 ـ ونزل الرسول قريباً من خمسة سَمُرات دوحات متقاربات، ونهى أنْ يجلس تحتهنّ.
يقول زيد بن أرقم: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكّة والمدينة عند سَمُرات خمس دوحات عظام»([199]).
وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أُسيد، قالا: «لَمّا صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع، ولم يحجّ غيرها، أقبل حتى إذا كان بالجحفة نهى عن شجرات بالبطحاء متقاربات لا ينزلوا تحتهنّ»([200]).
4 ـ ثم أمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يُقيم ما تحت تلكم السمرات من الشوك، وأنْ تشذّب فروعهنّ المتدلية، وأنْ ترشّ الأرض تحتهنّ.
ففي حديث زيد بن أرقم: «فأمر بالدوحات فقمَّ ما تحتهنّ من شوك»([201]).
وفي حديثه الآخر: «أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشجرات فقُمَّ ما تحتها، ورُشّ»([202]).
وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أُسيد: «وفقُمَّ ما تحتهنّ وشذّبن عن رؤوس القوم»([203]).
5 ـ وبعد أن نزلت الجموع منازلها وأخذت أماكنها، أمر صلى الله عليه وآله وسلم مناديه أن ينادي: «بالصلاة جماعةً».
يقول حبّة بن جوين العرني البجلي: «لمّا كان يوم غدير خُمّ دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «(الصلاة جماعة) نصف النهار…»([204]).
وفي حديث زيد المتقدّم: «فأمر بالدوحات فقُمَّ ما تحتهنّ من شوك ثم نادى: الصلاة جامعةً».
6 ـ وبعد أن تكاملت الصفوف للصلاة جماعة، قام صلى الله عليه وآله وسلم إماماً بين شجرتين من تلكم السمرات الخمس.
يقول عامر وحذيفة في حديثهم المتقدّم: حتى إذا نودي للصلاة غدا إليهنّ فصلّى تحتهنّ».
وفي رواية الإمام أحمد عن البراء بن عازب، قال: «كنّا مع رسول الله فنزلنا بغدير خُمّ فنودي فينا الصلاة جماعة، وكسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرتين، فصلّى الظهر»([205]).
7 ـ وظُلِّلَ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشمس أثناء صلاته بثوب، عُلّق على إحدى الشجرتين.
وفي رواية الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم:
وظُلِّل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس»([206]).
8 ـ وكان ذلك اليوم هاجراً شديد الحرّ.
يقول زيد بن أرقم: فخرجنا إلى رسول الله في يوم شديد الحرّ، وإنّ منّا من يضع بعض ردائه على رأسه، وبعضه على قدمه من شدة الرمضاء»([207]).
9 ـ وبعد أن انصرف صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته، أمر أن يصنع له منبر من أقتاب الإبل([208]).
10 ـ ثم صعد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر متوسّداً يد عليّ عليه السلام.
يقول جابر في حديثه المتقدّم: «وأمر عليّاً فجمعهم، فلمّا اجتمعوا قام فيهم وهو متوسّد يد عليّ بن أبي طالب».
11 ـ وخطب صلى الله عليه وآله وسلم خطبته التالية:
الحمد لله، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلّ لمن هدى.
وأشهد أنّ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.
أمّا بعد:
أيّها الناس: قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يُعَمَّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإني مسؤول، وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنّك قد بلَّغتَ ونصحتَ، وجهدتَ، فجزاك الله خيراً.
قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ جنّته حق، وناره حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللّهُمّ اشهد.
قالوا: أيها الناس ألا تسمعون؟
قالوا: بلى.
قال: فإنّي فرطكم على الحوض، وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبُصْرَى، فيه أقداح عدد النجوم من فضّة فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين؟!
فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟
قال: الثقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ، وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلّوا، والآخر الأصغر عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتى يردّا عَلَيَّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تَقَدَّموهما فتهلكوا، ولا تُقَصِّروا عنهما فتهلكوا.
ثم أخذ بيد عليّ فرفعها حتى رئي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال:
أيّها الناس: مَنْ أوْلى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فَعَليٌّ مولاه.
يقولها ثلاث مرات، وفي رواية الإمام أحمد: أربع مرّات.
ثم قال: اللّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وأحبب من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدرِ الحقّ معه حيث دار.
ألا فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ([209]).
12 ـ «ثم طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممّن هنّأه في مقدمة الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر، كلٌّ يقول: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ، وأمسيتَ، مَولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة»([210]).
13 ـ «وقال ابن عباس: وَجَبَتْ ـ والله ـ في أعناق القوم»([211]).
يعني بذلك البيعة بالولاية والإمرة والخلافة.
14 ـ ثم استأذن الرسول شاعرُهُ حسّان بن ثابت في أن يقول شعراً في المناسبة.
ففي رواية الغدير 1/11: فقال حسّان: ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ.
فقال: قلْ، على بركة الله.
فقام حسان فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة رسول الله في الولاية ماضية، ثم قال:
يناديهم يوم الغدير نبيُّهم
بخُمّ فأسمع بالنبي منادياً
يقول: فمن مولاكم ووليّكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت وليّنا
ولم ترى منا في الولاية عاصيا
فقال له: قم يا عليّ فإنّني
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
الأعمال المندوب إليها
شرعاً في هذا الموقع
الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموضع، هي:
1 ـ استحباب الصلاة في مسجده المعروف ـ تاريخياً ـ بمسجد رسول الله، ومسجد النبي، ومسجد غدير خُمّ.
2 ـ الإكثار فيه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى.
قال الشيخ صاحب الجواهر في كتابه جواهر الكلام 20/75 ط بيروت 1981: «وكذلك يستحبّ للراجع على طريق المدينة الصلاة في مسجد غدير خُمّ، والإكثار فيه من الدعاء، وهو موضع النصّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام».
ومن الحديث الذي يدلّ على ذلك: ما رواه الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل 3/548 ط 5، بيروت 1403 هـ:
1 ـ بإسناده عن حسّان الجمّال: قال: حملت أبا عبد الله [الصادق] عليه السلام من المدينة إلى مكّة، قال: فلمّا انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال: «ذاك موضوع قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه، اللّهُمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه».
2 ـ بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: سألت أبا إبراهيم [الكاظم] عليه السلام عن الصلاة في مسجد غدير خُمّ بالنهار وأنا مسافر؟
فقال: صلِّ فيه، فإنّ فيه فضلاً، وقد كان أبي عليه السلام يأمر بذلك.
3 ـ بإسناد عن أبان، عن أبي عبد الله [الصادق] عليه السلام قال: إنّه تستحبّ الصلاة في مسجد الغدير، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام فيه أمير المؤمنين عليه السلام وهو موضع أظهر الله عزّ وجلّ فيه الحقّ.
وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة 17/406، ط 2، بيروت 1405 هـ: «يستحبّ لقاصدي المدينة المشرّفة المرور بمسجد الغدير ودخوله والصلاة فيه والإكثار من الدعاء».
وهو الموضع الذي نصّ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة أمير المؤمنين وخلافته بعده، ورفع التكليف بها، وإنّ كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك اليوم، إلاّ أنّ التكليف الشرعي والإيجاب الحتمي إنّما وقع في ذلك اليوم، وكانت تلك النصوص المتقدّمة من قبيل التوطئة لتوطّن النفوس عليها وقبولها بعد التكليف بها.
فروى ثقة الإسلام في (الكافي) والصدوق في (الفقيه) عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: يستحبّ الصلاة في مسجد الغدير، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام فيه أمير المؤمنين عليه السلام، وهو موضع أظهر الله عزّ وجل فيه الحقّ.
وروى المشايخ الثلاثة ـ نوّر الله تعالى مضاجعهم ـ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن صلاة في مسجد غدير خُمّ وأنا مسافر، فقال: صَلِّ فيه، فإنّ فيه فضلاً كثيراً، وكان أبي يأمر بذلك».
وقد ذكر استحباب الصلاة في مسجد الغدير غير واحد من فقهائنا الإمامية، مضافاً إلى مَن ذكرتهم، منهم:
ـ الشيخ الطوسي في «النهاية»، قال: «وإذا انتهى [يعني الحاجّ] إلى مسجد الغدير، فليدخله، وليصلِّ فيه ركعتين»([212]).
ـ القاضي ابن البرّاج في «المهذّب»، قال: فمن توجه إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم من مكّة بعد حجّه فينبغي له إذا أتى مسجد الغدير… فليدخله، ويصلّي من ميسرته ما تيسّر له، ثم يمضي إلى المدينة»([213]).
ـ الشيخ ابن إدريس في «السرائر»، قال: وإذا انتهى [الحاجّ] إلى مسجد الغدير دخله وصلّى فيه ركعتين»([214]).
ـ الشيخ ابن حمزة في «الوسيلة»، قال: «وصلّى [يعني الحاجّ] أيضاً في مسجد الغدير ركعتين إذا بلغه»([215]).
ـ الشيخ يحيى بن سعيد في «الجامع» قال: فإذا أتى [الحاج] مسجد الغدير دخله وصلّى ركعتين»([216]).
ـ السيد الحكيم في «منهاج الناسكين»([217])، قال: «وكذا يستحبّ الصلاة في مسجد الغدير/ خُمّ والإكثار من الابتهال والدعاء فيه».
وهو الموضع الذي نصّ فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالولاية لأمير المؤمنين عليه السلام، وعقد البيعة له، صلّى الله عليهما وعلى آلهما الطاهرين».
وصف الموقع الراهن:
وصفه المقدّم عاتق بن غيث البلادي ـ المؤرّخ الحجازي المعاصر ـ في كتابه معجم معالم الحجاز 3/159، ط 1، قال: «ويعرف غدير خُمّ اليوم باسم (الغُرَبَة)، وهو غدير عليه نخل قليل لأُناس من البلادية من حرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة على (8) أكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرّار([218]).
وكانت عين الجحفة تنبع من قرب الغدير، ولا زالت فقرها ماثلة للعيان.
وتركبُ الغديرَ من الغرب والشمال الغربي آثار بلدة كان لها سور حجريّ لا زال ظاهراً، وأنقاض الآثار تدلّ على أنّ بعضها كان قصوراً أو قلاعاً، وربّما كان هذا حيّاً من أحياء مدينة الجحفة، فالآثار هنا تتشابه».
وقد استطلعتُ ـ ميدانياً ـ الموضع من خلال رحلتين:
ـ كانت أُولاهما: يوم الثلاثاء 7/6/1402 هـ = 2/3/1982 م.
ـ والثانية: يوم الأربعاء 18/6/1409 هـ = 25/1/1982 م.
الرحلة الأُولى:
غادرت مدينة جدّة شروق الشمس بسيارة جيب وبعد ساعتين تقريباً من مغادرتنا جدّة وصلنا إلى مفرق الجحفة قُبيل مدينة رابغ، والكائن عند مطارها المحلّي يمنة الطريق، نزلنا عن الطريق العام إلى طريق الجحفة، ولم تكن آنذاك مُزفَّتةً، وفي أكثر مواضعها غير ممهّدة.
وبعد نحو عشر كيلوات وصلنا إلى مسجد الميقات الذي شُيّد من قبل الحكومة السعودية ملاصقاً لأساس المسجد القديم المندثر.
ودخلنا المسجد، وكان خادمه نائماً ـ وهو من أعراب تلك البادية ـ، فأيقظناه، وسألناه عن الطريق إلى قصر علياء، وما في الطريق ممّا قد يصدّ السيّارة فيعرقل سيرنا.
ثم صعدت على سطح المسجد ـ وكان سُلّمه مليئاً بطيور الخفّاش ـ ونظرت الطريق وحدَّدت الجهة الميسّرة للسير فيها.
وانطلقنا على بقايا آثار طريق الهجرة وسط أكوام من الحجارة التي جرفتها السيول إليه، ووسط رمال عملت منها السيول ما يشبه السدود الحاجزة، شقّتها السيارة شقّاً.
وبعد أن قطعنا ما يقرب من خمسة كيلوات وصلنا إلى قصر علياء، ويقع هذا القصر على حدّ قرية الجحفة (الميقات) من جهة المدينة المنوّرة ورابغ، كما أنّ المسجد الذي ذكرناه يقع على حدّ القرية من جهة مكّة المكرّمة.
وبعد أن استرحنا قليلاً والتقطنا بعض الصور للقصر، انعطفت الطريق بنا إلى اليمين لانعطاف الجبال المطلّة عليه من جهة يمناها للقادم من مكّة، ويسراها للقادم من المدينة.
وفي متّسع من الوادي تشعّبت فيه الطرق على مدى عرضه، حتى وصلنا إلى رملة غزيرة انعدمت فيها آثار الطريق فوقفنا قليلاً، ولاح لنا راع مع غنيمات عند سفح الجبل، فنزلت قاصداً إيّاه، وكانت رجلاي تغوصان في الرمل إلى ما يقرب من الركبتين، ولوّحت له بعباءتي فوقف ثم اتّجه جهتي والتقينا غير بعيد من الجبل، وسألته عن طريق الغربة فقال: سيروا باستقامة سيّارتكم، وبعد قليل توافيكم حرّة تطّلعون فيها على مزرعة صغيرة جديدة، ومن على الحرّة يتبين لكم نخيل الغربة. فدلفنا بسيارتنا نشقّ الرمال شقّاً حتى انتهت بنا إلى مرتفع ارتقينا به الحرّة التي ذكرها الراعي.
وفي الحرّة التقينا سيارة نقل صغيرة (وانيت) يسوقها شابّ بدوي، وإلى جانبه شيخ كبير، فاستوقفتهما، وبعد السلام عليهما، سألتهما عن الأصل والوطن، فقالا: من البلادية من حرب، نسكن بعد الغربة بقليل.
قلت: الغربة هي مقصدنا.
قال الشيخ: أنتم من الشرقية تريدون الغدير؟
قلت: هَلَّهْ هَلَّهْ؛ أي: نعم نعم، بلهجة البادية.
قال: هي عند النزلة من الحرّة يمين الطريق مباشرة.
فودّعناهما ودخلنا الغدير حامدين الله توفيقه، وشاكرين على السلامة.
وبعد أن استقرّ بنا الجلوس تناولنا من القهوة والشاي، ثم قمنا وتجوّلنا بالوادي الفسيح والتقطنا من الصور من مختلف جهاته.
كان الوادي فسيحاً جدّاً، تتخلّله أشجار السَّمُر منتشرة في كلّ أبعاده.
ويقع بين سلسلة جبال من جنوبه وشماله.
ومسيله يمرّ مع سفوح جباله الجنوبية، وهي أعلى وأضخم من جباله الشمالية.
وعلى المسيل من جهة سهل الوادي ثلاث كوم من النخيل بين كلّ كومة وأُخرى نحو عشرين متراً، وكلّ كومة لا تتجاوز الآحاد.
ومن المظنون قويّاً أنّها نبتت هنا بفعل ما يرميه المارّون بالوادي من نودى التمر الذي يتناولونه مع القهوة.
وقريباً من منعطف الوادي إلى جهة الرغب غيضة، وسطها عين جارية، قد تكون هي عين الغدير التاريخية!
أمّا الغدير فلم نر له آثاراً، وكذلك المسجد، ولعلّهما عُفّيا بفعل تأثير عوامل التعرية والإبادة من أمطار وسيول ورياح وما إليها!
وبعد أن استكملنا استطلاعنا عدنا على الطريق نفسه إلى جدّة، ووصلنا إليها بعد الغروب بساعة تقريباً.
الرحلة الثانية:
وكانت بعد عودتنا من زيارة قبر السيّدة آمنة بنت وهب عليها السلام أُمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، في الأبواء (الخريبة)، ومبيتنا في منزل الحاجّ علي بن سالم العبيدي بوادي الفرع.
وبعد أن وصلنا إلى ميقات الجحفة قبيل الظهر سلكنا الطريق السابقة إلى الغدير، فرأيناها قد غيّر السيل العرم الذي جاء المنطقة بعد رحلتنا الأولى الكثير من معالم الطريق، وعَفّى القليل المتبقي من آثارها.
ورأينا قبيل وصولنا إلى الغدير، ومقابل الحرّة، على قمّة الجبل المحاذي لها، منازل من البناء الجاهز لشركة إنشائية، يسلك إليها طريق ممهّدة تتفرّع من طريق رابغ ـ الغدير.
وعندما وصلنا إلى الغدير رأينا السيل قد فعل مفعوله في تغيير شيء غير قليل من المعالم التي رأيناها سابقاً.
منها: أنْ أهار الجرف السابق المطلّ على المسيل بما لا يقلّ عن ثلاثة أمتار فأطاح ببعض النخيل التي كانت عليه.
ومنها: أنْ ذهب بالغيضة إلاّ بقايا منها.
ورأينا العين قد أصبحت تجري من تحت الجرف الجديد، ويسير مجراها بحافّته إلى كومة من الشجر لا تبعد عن منبع العين بأكثر من عشرين متراً.
وبعد أن التقطنا بعض الصور، وتناولنا التمر والقهوة، توجّهنا إلى رابغ عن الطريق الأُخرى التي لا تمرّ بالجحفة، والتي تقع شرقيّ رابغ.
الطريق المؤدّية إلى الموقع:
رأينا مما تقدّم أنّ هناك طريقين تؤدّيان إلى موقع غدير خُمّ، إحداهما من الجحفة، والأُخرى من رابغ.
ـ طريق الجحفة:
تبدأ من مفرق الجحفة عند مطار رابغ سالكاً تسعة كيلوات مزفّتة إلى أوّل قرية الجحفة القديمة، حيث شيّدت الحكومة السعودية، بعد أن هدمت المسجد السابق الذي رأيناه في الرحلة الأولى، مسجداً كبيراً في موضعه، وحمّامات للاغتسال، ومرافق صحّية ومواقف سيّارات.
ثم تنعطف الطريق شمالاً وسط حجارة ورمال كالسدود بمقدار خمسة كيلوات إلى قصر علياء، حيث نهاية قرية الميقات.
ثم تنعطف الطريق إلى جهة اليمين، قاطعة بمقدار كيلوين أكواماً من الحجارة وتلولاً من الرمال، وحرّة قصيرة المسافة.
ثم تهبط من الحرّة يمنة الطريق حيث وادي الغدير.
طريق رابغ:
وتبدأ من مفرق طريق مكّة ـ المدينة العامّ، الداخل إلى مدينة رابغ عند إشارة المرور، يمنة الطريق للقادم من مكّة، مارّةً ببيوتات من الصفيح، وأُخرى من الطين يسكنها بعض بدو المنطقة.
ثم يصعد على طريق قديمة مزفَّتة تنعطف به إلى اليسار ـ وهي الطريق العامّ القديمة التي تبدأ بقاياها من وراء مطار رابغ ـ.
وبعد مسافة عشر كيلوات، وعلى اليمين، يتفرّع منه الفرع المؤدّي إلى الغدير، ومسافته من رابغ إلى الغدير 26 كيلو تقريباً.
وفي ضوء ما تقدّم:
يقع غدير خُمّ من ميقات الجحفة مطلع الشمس بحوالي 8 كيلوات، وجنوب شرقي رابغ بما يقرب من 26 كلم.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
الدكتور علي شريعتي
يتحدث عن صاحب غدير خم
وفي الحديث عن يوم (غدير خم) كتب الدكتور علي شريعتي عن صاحب هذا اليوم علي بن أبي طالب عليه السلام ما نلخصه بالآتي:
الحديث عن علي عليه السلام عسير وصعب جداً، لأنّي أعتقد أن علياً لم يكن بطلاً ولم يكن شخصية تاريخية فحسب، وكل من أراد الاقتراب من دراسة الإمام علي عليه السلام في أبعاده وجهاته المختلفة يشعر بذلك، لأنه سوف لا يقف على شخصية ووجود إنساني في التاريخ فقط، وإنما يجد نفسه واقفاً أمام معجزة، بل يشعر بأنه يواجه قضية علمية… ولغز علمي حساس لأنه سوف يواجه لغز «هذا الخلق».
إذن فالحديث عن علي عليه السلام ليس حديثاً عن شخصية عظيمة قد ينقدح في الذهن ـ للوهلة الأولى ـ أنّه حديث ممكن ومتيسر لكل أحد. وإنما هو حديث عن المعجزة التي برزت في التاريخ باسم الإنسان وبصورة الإنسان!
لا بد من دراسة علي من جهاته المختلفة والتعرف إليه في أبعاده المتعددة.
ثلاث رؤى
الرؤية الأولى:
قد ننظر إلى علي باعتبارنا «شيعة» وندرسه من خلال عقائدنا وإيماننا به وبشخصيته ودوره في تاريخ الإسلام وحقه ومقامه.. ونريد أن نعرفه من خلال هذه الرؤية الخاصة.
وهذه الرؤية تطرح أمام الباحث سلسلة خاصة من الموضوعات والمسائل الخاصة، ومن حسن الحظ أنّ هذا البعد معروف أكثر، وقد سلّطت عليه الأضواء فأصبح أوضح وأجلى من الأبعاد الأخرى، وإن كان بَعْدُ ليس بالمستوى المطلوب الذي يتناسب مع شخصية علي عليه السلام حيث إنّه لم يعرّف بشكل مطلق حتى في هذا المجال!
الرؤية الثانية:
وقد ندرس علياً ونحاول معرفته بمنظار المؤرخين لنكتشف دوره في مرحلة مهمة وحساسة من تاريخ البشرية المتمثلة في تاريخ الإسلام. وهنا أيضاً تطرح أمامنا عدة نقاط جديدة.
مواقف علي والدور الذي أدّاه والمهام التي كانت ملقاة على عاتقه، ما حققه من نجاح وإخفاق، موقعه في مجتمعه الذي عاش فيه، قيادته الاجتماعية والسياسية، علاقته بالناس، رفعه لشعار الحرية، شخصيته الاجتماعية والسياسية، المقارنة بينه وبين خصومه السياسيين، مقامه وموقعه من خلال تواجده وحضوره ومواقفه في تاريخ الإسلام وفي أيام حياته، وكذلك حياته التي بدأها في التاريخ بعد موته واستشهاده.
كل هذه الأمور تعرض على الباحث، وينبغي له أن يدرسها بصورة خاصة.
الرؤية الثالثة: «علي والإنسان»
الرؤية الثالثة، لمعرفة علي ودراسته، تنطلق من منظار العالم المتخصص بدراسة الإنسان، بمعنى دراسته دراسة إنسانية فنحن لا نريد أن ننظر إلى شخصيته ودوره في التاريخ عامة وفي تاريخ الإسلام خاصة فحسب، كما أنّنا لا نريد التعرض لما له من مقام وموقع وحق وأولوية في تاريخ الإسلام باعتبارنا شيعة ونقف عند هذا الحد، وإنما نريد أن نقترب إليه من زاوية أخرى باعتباره موجوداً عجيباً رأيناه في البشرية باسم علي، ونحاول نحن التعرف عليه.
وهنا تواجهنا أمور تختلف تماماً عمّا واجهناها هناك ونحن ننظر إليه بمنظار المؤرخ أو المسلم أو الشيعي.
وينبغي لنا أن ندرس عدة قضايا تحت أضواء علم النفس والفلسفة، ونركز أكثر على علم دراسة الإنسان.
وبناءً على هذا فإنّنا سوف نضع هذه الشخصية العظيمة في موقعها من تاريخ البشرية ونجعلها في موضعها من الإنسانية ودورها كإنسان ثم ندرسها ونبدأ بحثنا عنها تحت عنوان «علي والإنسان».. الإنسان بكلّ خصوصياته، وطموحاته، ومثله، وآماله، وبنائه المعنوي وما له من خصال ومميزات خاصة به.. فالإنسان ذو آمال وطموحات خاصة، وعلي الشخصية العظيمة المعجزة لها موقعها الخاص في تلك الآمال والطموحات والخصال البشرية الخاصة.
ولهذا فمن العسير الإجابة على السؤال المهم التالي: ما هو موقع علي ومنزلته بين البشر جميعاً وفي الإنسانية عامة؟
وصعوبة الجواب تكمن في أننا يجب علينا أن نعرف علياً أولاً، وهو كما أسلفت معضل فلسفي ولغز علمي لا تنتهي قصته في ترجمته وقراءات في ببليوغرافياه وسيرته كشخصية عظيمة.
وثانياً: معرفته تتوقف على معرفة موجود معقد مجهول آخر باسم «الإنسان» وهو أكثر الموجودات غموضاً في علم الإنسان، وليس ثمة موجود يجهله الإنسان كما يجهل نفسه!
ومن هنا فإنني لا أبارك (عيد الغدير) هذا للشيعة أو المسلمين فقط، وإنما أباركه «للإنسان».
يعد علي إحدى الشخصيات العظيمة، بل إنّي أعتقد أنّه أعظم شخصية إنسانية على الإطلاق ـ عدا رسول الله ـ بيد أنّها مجهولة لم تعرف اليوم، ويا ليتها كانت شخصية مجهولة لم تعرف فحسب، بل لقد عرفت اليوم معرفة رديئة وفهمت فهماً سيّئاً، ويا ليتنا لم نكن نعلم ولا ندري من هو ثم يعثر عليه العلماء ويكتشفونه لأول مرة…
فعلي في الحروب بطل مقاوم مقاتل، وفي المدينة والسلام سياسي مثابر وحاذق حساس، وفي الحياة العادية أب وزوج حنون عطوف يمثل رجل الحياة بكل أبعاده… هكذا نراه أحياناً، ونراه أحياناً أخرى كما يحدثنا التاريخ: وحيداً، فريداً يتسلل إلى غابات النخيل المحيطة بالمدينة ويذهب هناك إذا جنّ عليه الليل، يلتفت يميناً وشمالاً ليأمن العيون والأسماع ثم يدلي رأسه في حلقوم البئر ويشكو ويئن!…
إن علياً يحمل روحاً أكبر بكثير من الكون كل الكون، ولهذا فإنني لا أستطيع أن أتصور أنّ معاناة المدينة ومعاناة العرب والمجتمع العربي بل حتى المجتمع الإسلامي وحتى أصحابه وأنصاره يمكن أن تضيق على علي وتجعله يئن بهذه الصورة. أبداً.. أبداً.. إنّ علياً أكبر من ذلك كله ولا بد أن يكون الألم والمعاناة من القوة بحيث أثرت في هذه الروح وجعلتها تتململ وتتضور.
لا شك أنّه ألم الإنسان ومعاناته وهو يرى نفسه سجيناً في هذا العالم ويشعر بالاختناق في هذه الدنيا، وكلما توغل الإنسان في الإنسانية شعر بعمق الحاجة لأن معيار الإنسانية ليس الرفاه وإنّما هو الشعور بالحاجة والتطلع.. فكلما أحس بالحاجة إلى السمو أكثر فهو إنسان، ولا شك أنّ عليّاً كان يشعر بالحاجة إلى الضرورات والتطلعات التي يفتقدها هذا العالم أكثر من أي إنسان آخر، ويشعر أعمق من أي شخص آخر بالغربة في هذه الدنيا، ويتضور ويئن أشد من أي شخص آخر أنين الغربة المدوي في هذا الكون.. وهذه هي المعاناة التي دعت روحاً كروح علي إلى هذا الأنين والتضور والشكوى…
شخصية جمعت أضداد التاريخ، نموذج في البيان، نموذج في الحرب وضرب السيف، «رب النوع» في التضحية المطلقة من أجل الإنسان.
تنازل عن سعادته، ومقامه، ومنصبه، ومنزلته، واستقراره، وقدرته، وقوته، وراحته،.. تنازل عن كل شيء شخصي من أجل الإنسان..
تحمل القهر هو وأهل بيته من أجل الآخرين.. من أجل مصلحة الآخرين، تحمل وصبر…
إنّه علي نموذج النماذج… إنّه الحلم الطموح الذي كان يراود البشرية دائماً وأبداً، وكان البشر يتطلّعون إليه ويتمنّون أن يروه فيقدسوه ولكنّهم لم يروه بتاتاً، حتى آمنوا باستحالة تحققه على التراب،… واعتقدوا باستحالة تحققه بهذا المستوى في صورة إنسان.. فاضطروا إلى تصويره في الخيال واختلاقه اختلاقاً…
علي.. استجابة لكل حاجات الروح الإنسانية… علي إشباع لكل الحاجات التي اضطرت الإنسان وجرّته إلى خلق النماذج الخيالية.. إشباع عيني حقيقي عاش في التاريخ.
ففي الحرب، يقاتل ببسالة، يسفك الدماء بإقدام وشجاعة وقوة وصرامة واقتدار، ويثبت أنّه يروي ظمأ الإنسان ويشبع حاجته للبطل… فيما يبدو أمام «اليتيم» الذي يواجهه في الزقاق ضعيفاً، مرتجفاً، واجفاً، مضطرباً، حنوناً، بشكل يصور تصويراً أسطورياً أرقّ وأرهف عواطف الأم…
في ساحات الوغى وميادين الحرب على الأعداء يبدو غاية في الإقدام والشجاعة والبسالة والخشونة والقسوة، حتى لكأنه نموذج الخشونة، وسيفه نموذج البتر والصرامة والسفك والقسوة على الأعداء… وفي البيت لا نجد أرقّ منه ناعماً لطيفاً ودوداً.. لا نجد أصبر منه.. لا نجد أكثر منه سماحاً وتضحية وإيثاراً.. لا نجد.. أبداً لا نجد..
صبر علي على الخلافة
حينما أحس عليّ بأن تجريد سيفه من أجل إحقاق حقه واسترداده يؤدي إلى إبادة مركز الخلافة الإسلامية والقضاء على القدرة الإسلامية لجأ إلى الصبر.. صبر ربع قرن كاملاً.. ربع قرن كاملاً يبقى منطفئاً صامتاً، وهو صاحب الروح الوثّابة الذي باشر العمل في النهضة الإسلامية منذ أن كان في العاشرة من عمره.
كلام علي
الكلام الجميل الفصيح في نهج البلاغة نموذج لجمال الكلام الرائع.. بيد أني أريد أن أنقل كلاماً قاله علي وهو ابن ثمان أو عشر سنين لتتذوقوا جمال التعبير، جمال التلقي، جمال البيان، جمال الروح، لتعرفوا عظمة البيان وحلاوة المنطق.
كان علي صبياً يعيش في بيت النبي.. دخل البيت مرة فرأى النبي وخديجة يصليّان.. فتعجب لأنه لم ير ذلك من قبل، فلما أتمّ النبي صلاته سأله علي عمّا رأى فقال النبي: إنّي بعثت بالنبوة وإنّي لأدعوك للإيمان بي..
يسمع هذه الدعوة.. فماذا سيجيب؟ حتى لو فرضناه عبقرياً؟! ماذا سيكون رد الفعل لديه؟
سيلوذ بالصمت ويطلق ساقيه إلى الريح أو يستسلم ويقول: كما تأمر سمعاً وطاعة، لأنني لا أفهم بالضبط ما تقول، ولكنه أجاب غير هذا الجواب، وكان ذلك قبل الإسلام.. بعد لم يكن ثمة إسلام ولا تاريخ ولا تربية إسلامية ولا حروب ولا نضوج.. إنّما كان علي الصبي العربي ذو السنين الثمانية أو العشرة.. هذا هو علي يومذاك من زاوية نظر التاريخ.. لم يكن علي أكثر من ذلك ـ بلحاظ التاريخ ـ.
قال: اِسمحوا لي، أمهلوني حتى أفكر وأستشير أبي ثم أعلمكم بالنتيجة…
ويسهر علي تلك الليلة يفكر بالأمر حتى إذا أسفر الصبح جاء للنبي وقال: فكرت البارحة فوجدت أن الله لم يستشر أبي حينما خلقني فلماذا أستشيره أنا حينما أريد عبادة الله؟! إذن فاعرض عليّ الإسلام([219]).
علي والشورى
شكل عمر ـ في ظروف حساسة جداً ـ شورى عجيبة، وجعل عبد الرحمن بن عوف رئيساً فيها لما يعتقده عمر من أنّه أكبر أصحاب النبي… ومن المعلوم جداً ماذا سيجري في ظل هذه الأوضاع! وماذا ستتمخص عنه الأحداث!
وجود علي وآل علي بالكامل يتوقف على كلمة: نعم… موافقة تصدر من علي.. كلمة واحدة.. لفظة واحدة.. بيد أنّها مشروطة بشرط.. يضع يده في يد علي ويقول:
أبايعك خليفة لرسول الله على أن تعمل بكتاب الله وسُنّة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر.. ويأتي جواب علي صريحاً صارماً فاصلاً حدّياً نظيفاً متواضعاً دقيقاً: أعمل بكتاب الله وسُنّة النبي ما استطعت.. وأعمل باجتهاد رأيي([220])…
كان علي يعلم جيداً عواقب موقفه هذا.. يعلم جيداً ماذا يعني رفضه لسيرة الشيخين.. يعرف تلك الشورى وبناءها السياسي المعدّ سلفاً، يعلم ماذا سيكلفه هذا الموقف.. يعرف الثمن.
يعرف الجو الذي عقدت فيه الشورى ويعرف أفرادها جيداً.. يعرف عبد الرحمن منذ ثلاثين سنة وهو صاحبه يعيش معه ويشاركه مسيرة الأحداث.. يعرف طلحة.. عثمان، سعد، الزبير.. يعرفهم جيداً ويعلم القصة والإعدادات المسبقة والأسباب التي دعتهم إلى تقييد البيعة بهذا الشرط…
وعبد الرحمن أيضاً يعرف علياً ويعلم أنّه لا يكذب مهما كان الكذب ظاهرياً.. لا يكذب.. ـ وإن كانت السياسة تجوّز الكذب الأكبر حتى على الواعين والأصدقاء..
قصة معاوية
ثم تأتي قصة معاوية: الخليفة بعد لم يسيطر على الأوضاع في المدينة، لا زالت الأحداث مرتبكة والوضع غير مستقر.. تواجهه أقوى الشخصيات وتقف أمامه، والشام بيد معاوية، والشاميون لا يعرفون قرابة للنبي سوى معاوية وأبي سفيان، وفي ظل هذه الظروف لا يمكن الإقدام على خطوات خطيرة وهذا من البديهيات التي يعرفها السياسي المتوسط.. والمفروض أن يأخذ بزمام الأمور ويعمل على تهدئة الأوضاع الداخلية واستتباب الأمر والقيام بعدة عمليات نصب وعزل للولاة وخدع العدو الخطير وتمويه الأمر عليه وتربص الدوائر به حتى إذا حانت الفرصة المناسبة انقضّ عليه وأباده ـ كما كان يفعل الخلفاء الآخرون ـ.
بيد أن عليّاً لم يصبر ولم يتحمل معاوية لحظة واحدة وهو يعلم ضريبة اشتباكه مع معاوية وعزله عن الحكم.. يعلم أنّ الثمن سيدفع غالياً.. الحرب، الحرب، وبالتالي أفول حكمه وانقراض ذريته وإبادة أهل بيته ومحو ذكرهم من صفحات التاريخ ـ التاريخ الإسلامي الذي سيقع بيد معاوية وبني أمية وبني العباس ـ.
إن هذه النتيجة واضحة جداً لمثل علي، إن لم يكن يدركها بعلم الإمامة فبعلم السياسة باعتباره رجلاً مطّلعاً تماماً على الظروف والأجواء والأوضاع، ويعرف العدو وأجنحته وتشكيلاته وقوَّته، وهو رجل عاش لهوات الحرب وترعرع في أحضان السياسة والصراع منذ أن كان في العاشرة من عمره.
وبديهي أن يكون عارفاً بالضريبة التي سيدفعها لقاء عزل معاوية؛ لأنه يستوعب الأحداث والخيوط كلها بيده؛ يعرف الساحة ويعلم بكل تفصيلاتها.. إلا أنّه يرضى بالهزيمة ـ الظاهرية ـ لئلا يرتكب عملاً يخالف الحق..!
لماذا يتحمل عليٌّ كل هذا؟! لأنه إمام.. عليٌّ إمام..
معنى الإمام
إنّني لا أفهم من كلمة «إمام» معنى القائد السياسي بل حتى القائد الاجتماعي في مجتمع ما، وإنّما «الإمام» يعني: ذلك النموذج الأعلى الذي كانت الإنسانية على طول تاريخها تشعر بالحاجة إليه، حيث كانت تبحث بدافع الحاجة الملحّة عن المثل والنماذج العليا للفضائل الإنسانية ـ المفقودة في هذا العالم ـ فلا تراها، وتلح الحاجة فتنطلق الإنسانية إلى صياغتها في عالم الذهن وتتخذ منها قدوة وأسوة وتحبها وتقدِّسها وتتعامل معها كنماذج مثالية تسمو على التراب وترتفع عن مستوى «الإنسان في الواقع»…
فكما كان هؤلاء الأبطال العظام في تاريخ الأساطير قدوات يقتدى بها، ويحتذى بحذوها، وتقلّد في فعالها، وتتخذ رمزاً ومَعلَماً في الحياة والعاطفة والشعور، والفكر والفضائل فكذلك علي.. لم يكن قائداً سياسياً واجتماعياً مؤطراً منحصراً باعتباره إماماً في مجتمع المدينة أو المجتمع العربي أو المجتمع الإسلامي يومذاك.. بل كان «إماماً» يخاطب التاريخ ويعلّم الإنسان…: أولستم تعيشون الحاجة للمثل والنماذج العليا للفضائل الكاملة بلا نقص؟ أو لستم تبحثون عن الفضائل المطلقة؟ مما حدى بكم إلى اختلاق نماذج في أذهانكم تصوِّرونها في صور أبطال مبرّزين لا يحدهم حدّ ثم اتخذتموهم «قدوات» للحياة المثالية التي تطمحون إليها… لقد جمعت جميع تلك النماذج والمثل والفضائل وجسّدتها لكم في فرد إنساني محقق له وجوده العيني لخارجي…
إن علي الإنسان تجسيد لكل طموحاتكم وتطلعاتكم وتصوير عملي للمثل الإنسانية العليا… «أنا الكتاب الناطق».. هذا هو معنى قول الإمام «أنا القرآن الناطق» وليس معناه «أنا قائدكم» وما دمتم كذلك فالمفروض أن «لا يغلب» القائد ولا يهزم.. القضية شيء آخر غير القيادة.. أنا «إمام».. نموذج مثالي أعلى.. والنموذج لا يزلّ.. لا يشطّ.. لا يضعف في حياته أبداً.. لا يعتري فضائله ولا عواطفه ولا أفكاره وأعماله أبسط صور النقص والتلوّث.. حياته صافية…
إنّه إمام.. والإمام يعني القدوة المثالية في جميع أبعاد الفضائل المثالية الرفيعة لدى الإنسان.. وعلى الإنسان أن يصمّم حياته على أساس «المدينة الفاضلة» و«الإنسان السامي ذي الفضائل المطلقة» التي يستحيل اجتماعها في فرد واحد، ولكنها تحققت الآن في «الإمام»، في طريق اتّباع هذا «القدوة الطموح».. القدوات السامية.. القدوات المثالية.. القدوات المطلقة.. لا تتحقق في العالم بيد أنها تحققت في علي.
علي إمام
وبناءً على ما مرّ لا يستطيع علي وباعتباره نموذج العدالة المثالي أن يرضى بظلم من أجل المصلحة… لأنّ المصلحة تلوث الحقيقة..
مصلحة علي في أن يتحمل معاوية.. يساومه اليوم لينتصر عليه فيما بعد.. وتحمُّل معاوية جائز للقائد السياسي.. ولكنه لا يجوز ـ مهما كلف الأمر ـ لمن يريد أن يكون مثال العدالة.. العدالة التي لا ينتابها أي ضعف وأي هزيمة ولا يشوبها ذرة ظلم ولا تتحمل الانحراف..
علي باعتباره «القدوة» و«النموذج» لإنسان المستقبل يريد أن يثبت عملياً للعالم وللمستقبل:
إنّنا حينما نؤمن بقضية عادلة ونعتقد أنّها الحق، وحينما نؤمن بفضيلة ما ونعتقد بأنها فضيلة، فالمفروض أن لا نرضخ لأي ضعف أو خيانة ولا نصبر أبداً على أي فساد مراعاة للمصلحة.. كل المصالح فداء للحق الذي نؤمن به مهما كلّف الأمر حتى لو أدّى بي إلى المصير الذي كان ينتظرني.. لا بد من تحمل ربع قرن كامل من العذاب… حتى لو كلفني الحرمان من المستقبل.. مستقبلي ومستقبل أبنائي وذريتي… يجب أن أرفض الضعف والنقص مهما كان ضئيلاً.
لماذا؟ لأني ـ أنا علي ـ نموذج النماذج و«رب النوع» لجميع المثل والفضائل الإنسانية التي كانت حلماً يراود الإنسان عبر التاريخ فيحاول الوصول إليها واكتسابها وتقليدها وتقديسها و.. بيد أنّها لم يكن لها وجود على وجه الأرض…
هذه النماذج الرفيعة يجب أن لا يشوبها ضعف ولا تلوّثها المصالح والابتزاز والانتهازية من أجل النجاح وتحقيق النصر.
فعلي ـ إذن ـ نموذج وليس قائداً فحسب.. دليل، مرشد، مَعْلَم على الطريق، إمام مبين، والإمام المبين لا يكون قائداً لمجتمع خاص محصور بالحدود الزمانية والمكانية، ليس قائداً لمجتمع يريد توجيهه وجهة معينة، فالمفروض أن يحقق أهدافه بدون تلكؤ ويمضي قدماً بدون هزيمة ولا انكسار حتى لو اقتضى الأمر المساومة.
إنّه نموذج رفيع مطلق، والنموذج المثالي لا يمكن أن يتحمل هذا الضعف.. لهذا نرى علياً بطل «البيان» المثالي.. نموذجاً في الكلام.. في جمال الكلام.. في صدق الكلام وطهارته ونزاهته..
هو نموذج أعلى في الشهامة والشجاعة والإقدام في الحروب..
نموذج أعلى في طهارة الروح بمستوى الخيال الفرضي الذي كان يراود ذهن الإنسان على طول التاريخ…
النموذج الأعلى للمحبة والرقة والرأفة وشفافية الروح..
النموذج الأعلى للمحبة بمستوى النماذج الأسطورية.
النموذج الأعلى للعدل الجاف الدقيق الحدي بمستوى لا يتحمله رجل طيب مثل عقيل ـ أخيه ـ.
النموذج الأعلى للصبر والتحمل في المواطن التي يعدّ فيها عدم الصبر خيانة.
النموذج الأعلى للجمال.. وجميع الفضائل التي كان الإنسان يحتاجها ويفتقدها..
علي إمام بهذا المعنى: إمام إنسان من ذلك النمط الذي كان ينبغي أن يوجد ولا يوجد، فكان الإنسان يصنعه صنعاً ويختلقه اختلاقاً..
علي إمام من ذلك النمط الذي ينبغي أن يوجد ويتمنى الإنسان أن يتحقق ولكنه تحقق في علي… علي نموذج فريد في التاريخ.. طموح الإنسان وأمنيته التي كان يحلم بها دائماً وأبداً.. علي نموذج تحقق في التاريخ مرة واحدة…
علي ليس إماماً فحسب، وإنما امتاز بخصيصة لم يشاركه فيها أحد في التاريخ قط: إنّه إمام.. وأهل بيته «إمام» وأسرته «إمام».. يعني أنها أسرة على غرار الأساطير… أسرة:
الأب: علي.
الأم: الزهراء.
الأبناء: الحسن والحسين.
البنات: زينب.
أبارك ميلاد الإمام علي لجميع المؤمنين بالعدالة والإنسانية والمحبة والفضيلة والعقيدة.. أبارك ميلاده لأمة علي.. لكل الأجيال المتعاقبة على مدى أربعة عشر قرناً وهي تلجأ إلى علي في خضم بحثها عن الحق والعدالة، وترفع شعار «ولاية علي» في فرارها من الظلم والقوى الجائرة، وتترنم بصرخات «علي، علي» تحت التعذيب وسياط الجور… أبارك ميلاده ـ أيضاً ـ للجيل المعاصر الذي يحتاج إلى علي أكثر من أي وقت مضى ولجميع بني البشر في أصقاع الأرض وأطراف العالم ممن يجاهدون اليوم من أجل العقيدة والعدالة والحق…
ليتني أتحدث عن علي في مكان آخر من هذا العالم… ليتني كنت أتحدث في وسط من الشباب في أي بقعة من هذه الأرض، في الشرق الأقصى، في أمريكا اللاتينية، في آسيا… ليستمعوا إليّ بأذهان خالية عن أي خلفيات وإلقاءات موروثة وأي تصورات سلبية وتشكيكات تاريخية حول التراث والعقيدة… ليتني كنت أتحدث لأولئك الشباب الذين يعيشون خارج دائرتنا فيستمعون الحديث لأول مرة عن رجل لا يعرفونه بيد أنّهم يعرفون المثل والقيم الإنسانية.. وحينئذٍ يتيسّر لي الحديث أكثر، ويتيسر لهم الفهم والإدراك أكثر…
ولكن ـ ومن حسن الحظ ـ إنّي أتحدّث هنا إلى مجموعة تتفق معي فكرياً وتمتلك القدرة على انتشال أفكارها ومشاعرها من قيود الإلقاءات والإيحاءات الموروثة والمعلومات السيئة التي زرّقت لنا عبر القرون باسم علي وباسم ولاية علي وحكومته ومدرسته وحياته وشخصيته.. يستطيعون التحرر من الخلفيات المريضة؛ لأنهم متدينون بدون تعصب ديني أعمى ومثقفون واعون بدون تعصب أعمى ضد الدين.. ثم إنّهم جميعاً يشتركون بقاسم مشترك واحد وهو معرفة المثل والقيم الإنسانية أينما كانت وفي أي دين وتحت أي عنوان كانت.. إنّها القيم الإنسانية التي يشترك فيها البشر جميعاً…
إنّني أخاطب جماعة تدرك جيداً أنّني سأتحدث معهم عن «وجه بديع» تماماً، وشخصية جديدة تماماً، ومنهج وقيم موضوعية مجرّدة عن أي خلفية ذهنية… أتحدث لهم عن كل هذا باسم علي الذي يملأ الآفاق، ويتكرر دائماً ذكره واسمه وحبه.
كان الإمام علي أول من استجاب لدعوة النبي وبقي مع الرسول حتى اللحظة الأخيرة من عمره، وبعد ذلك ظل علي جليس داره خمساً وعشرين سنة ـ من سنة إحدى عشرة إلى سنة خمس وثلاثين التي مات فيها عثمان ـ فيما كان الرجل المعد لإدامة الرسالة بعد رسول الله بدون تعثر ولا انقطاع ولكنه أصبح جليس داره، ولو كان قد استلم زمام الأمور بعد النبي مباشرة لقاد الناس ـ كما اعترف بذلك عمر نفسه ـ على المحجة البيضاء، ولباشر القضاء والمواجهة والقيادة بدلاً من قضاء خمس وعشرون سنة بحفر الآبار في ينبع والاشتغال بالزراعة وغرس النخيل. ولكانت سنوات حكمه الخمسة بالإضافة إلى هذه (25) عاماً ـ مدة ثلاثين عاماً كاملة أي سنوات حكم علي وقيادته المباشرة للمجتمع وحينئذٍ كانت المعادلة بشكل آخر (فلربما كانت حياته لا تنتهي بالشكل الذي انتهت به) ولكان مصير الإسلام مصيراً آخر، وكان عندنا اليوم إسلام آخر ومسلمون آخرون..
ولكفينا مؤونة (الفتوحات) وتجييش الجيوش وزحفها شرقاً وغرباً في عمليات نهب وغارات يقوم بها جنود يفتقرون إلى تعلم مبادىء الإسلام ولم يتقنوا ـ بعد ـ أولياته بيد أنّهم جرّدوا سيف الدعوة إلى الإسلام وقيادة البشرية جمعاء في وجه الناس شرقاً وغرباً، ولكانت بدلاً من ذلك «حركات بناء الإنسان» وكان «الإسلام الفاتح» بدل «السيف الفاتح» ولانتشر الإسلام في القلوب والأفكار كما تنتشر النار في الحطب اليابس…
علي ـ إذاً ـ كرّس وجود ثلاث وعشرين سنة في الجهاد إلى صفّ النبي، وشعاره في هذه الفترة «العقيدة والرسالة والمواجهة الفكرية من أجل نشر الإيديولوجية» والدعوة للعقيدة الإلهية وإيجاد بؤرة القوة العقائدية الفاعلة وإنجاز مهام الرسالة الاجتماعية والرسالة المعنوية النبوية للنبي…
لقد كان علي منذ انطلاقة الدعوة إلى نهاية حياة النبي ـ فترة البعثة ـ من السبّاقين في خطوط المواجهة الأولى خلال ثلاثة عشر عاماً في مكة وعشر سنوات في المدينة وبهذا قضى ثلاثة وعشرين عاماً من الجهاد من أجل العقيدة.
وبعد ذلك خمسة وعشرين عاماً من التحمّل والصبر.. خمسة وعشرين عاماً من الصمت.. ويعاني أقسى الآلام والشدائد.
لقد شهدت هذه الأرض والسماء.. وشهدت هذه الدنيا أنّ علياً كان يأخذ بزمام عدة جمال في ينبع، ويحفر هناك الآبار والقنوات ويحرث الأرض بيديه ويغرس النخيل، فيما كان كعب الأحبار يتربع على أريكة القضاء الإسلامي، ومروان وأضرابه يتربعون على دكّة القوة التنفيذية ويضعون أقدامهم على مواطىء قدم الرسول ويحتلون مواقعه!!
بيد أنّ رسالة علي الكبرى التي فاقت كل شهادة وكل جهاد وكل موقف، بل كانت أعظم من جميع المشاهد التي شهدها الإمام في بدر وأحد والخندق وحنين، تتلخص في السيوف والطعنات التي نالها في هذه الفترة صابراً محتسباً، لم يلفظ ببنت شفة حفاظاً على الإسلام كما قال هو نفسه «صبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى».
بقي خمسة وعشرين عاماً ساكتاً ليبقى الإسلام تماماً كطفل تنازعت فيه امرأتان والأم الحقيقية تعلم أنّ تلك المرأة الغريبة التي تحتضن الطفل لا يضرها مصيره أبداً وإذا ما جرّ النزاع إلى صراع مرير ومساجلات حادة تؤدي بحياة الطفل ومصيره فإنّ المرأة الغريبة مستعدة لكل شيء حتى للتضحية بالطفل، ولهذا تسكت الأم وتغض النظر وتترك المرافعة حفاظاً على وليدها.. تصبر لكي يبقى الولد ولو في أحضان الآخرين..
انقضت هذه السنون العجاف فحكم خمس سنوات بعد عثمان، وكانت هذه السنون تختلف عن الثلاثة والعشرين عاماً الأولى التي كانت جهاداً عقائدياً فكرياً واجتماعياً من أجل نشر الإسلام وتعميم الرسالة، كما كانت تختلف عن الخمسة والعشرين عاماً من التحمل والصبر وتسجيل أروع الصور وأسماها في الرشد الاجتماعي وإلغاء الذات والسكوت عن الحق الشخصي وحق الأسرة من أجل الحفاظ على الوليد الذي تولّى وصايته الآخرون.
لقد كانت هذه السنوات الخمسة جهاداً مستمراً في كل الميادين وعلى جميع الأصعدة من أجل استقرار العدالة([221]) على العكس تماماً من أغلبية القادة، حيث إنّ الغالب في قادة العالم أنهم يمرّون بمرحلتين:
إحداهما: المرحلة الثورية التي يقارعون فيها السلطة الحاكمة ويواجهونها ويحاربونها، وهم يحملون أفكاراً ونظريات ثورية ويمتازون بسلوكهم الثوري.
والأخرى: مرحلة استلام السلطة، حيث يبدأون بشكل أو بآخر بالميل نحو سلوك المحافظة والاعتدال، وعلى حدّ تعبيرهم تبدأ مرحلة الحياة الوديعة الهادئة والتفكير بالمصالح الوطنية والقومية.
هكذا هم غالب القادة في العالم، وعلي لم يكن كذلك بل كان على العكس تماماً.
فحينما كان علي يعيش في الفترة التي سبقت استلامه للحكم كان يصبر ويعيش ـ بلحاظ المسؤولية الاجتماعية ـ كفرد مجرد عن المناصب الرسمية.. يسكت ولا يمارس النشاط الثوري بالرغم من استلام السلطة من قبل الآخرين وهو قائد للأقلية المضطهدة في المجتمع.. يصبر ويتحمل من أجل «الوحدة».
وحينما يستلم زمام الحكم ويصبح في موقع رسمي تبدأ مرحلة الثورة وممارسة النشاط الثوري.
ولربما كان علي الإنسان الأول ـ في تاريخ البشرية ـ الذي يتجرع الغصّة ويسكت قبل فترة الحكم من أجل الحفاظ على قوة الأمة ووحدتها وسلامة العقيدة من تهديدات العدو الخارجي، وبعد أن يصل إلى الحكم يبادر إلى الثورة والتغيير.
ولهذا كانت السنوات الخمسة من حكم علي تمثل مرحلة الثورة في حياته، وهذا غير ما يقوله (جورج جرداق) حيث يقول: إنّ جميع القادة الأقوياء المعروفين في العالم كانوا يعيشون مرحلة الثورة قبل الحكم، وبعد استلام الحكم يخلدون إلى «المحافظة» في تصرفاتهم إلاّ علياً حيث عاش الثورة قبل وبعد الحكم.
فما أقوله يختلف قليلاً عما يقوله جورج جرداق، حيث إنّي أقول إنّه لم يمارس الثورة قبل الحكم حفاظاً على الوحدة وقوة الأمة وإنّما بدأ الثورة منذ استلام الحكم، فثورته تنطلق اجتماعياً منذ أن استلم زمام الأمر سياسياً.
وبناء على ما مرّ تنقسم حياة علي إلى فصول ثلاثة: 23 عاماً من الجهاد من أجل الرسالة، و25 عاماً من الصبر من أجل الوحدة، و5 سنوات من الثورة من أجل العدالة.
1 ـ علي، طليعة الجيل الأول في الثورة الإسلامية
لقد كان علي عليه السلام طليعة الجيل الأول الذي وجد في اللحظات الأولى من نزول غيث الوحي وانطلاق الإيديولوجية والنهضة الثورية، أي أنه انطلق مع النبي منذ بداية البعثة حيث نزلت «الكلمة» على قلب النبي أولاً ـ مؤسس هذه الإيديولوجية ـ ونزلت على قلب علي ثانياً.
2 ـ علي في بيت ابن عمه
من عجب أن تتدخل يد التقدير لرسم المصير في مثل ذاك المجتمع القبلي الغارق في التعصبات الأسرية الشديدة… تمتد يد التقدير لتأخذ هذا الطفل من أبيه ـ أبي طالب وكان شخصية بارزة جداً ـ وتنقله بحجة الفقر إلى بيت ابن عمه، فيعيش في كنف رجل قد خطط تخطيطاً عظيماً مدهشاً لمستقبل هذا الصغير.
3 ـ العلاقات المتبادلة بين النبي وعلي
إنّ ثمة علاقات متبادلة عجيبة بين النبي وبين علي: فالنبي ابن عبد الله وحفيد عبد المطّلب الرجل المبرّز الثري يصبح يتيماً فقيراً بحيث يضطر لدخول بيت أبي طالب (أبي علي عليه السلام) وتحتضنه فاطمة (أمّ علي عليه السلام)، وبعد أن يكبر النبي ويترعرع في أحضان أبي علي وأمه ويتحملان مسؤولية رعايته في صباه، تملق أسرة علي بحيث يضطر علي فيما بعد ـ وكأنه يرد الجميل ـ إلى دخول بيت النبي بحجة الفقر ويعيش في ظل النبي وخديجة، ويكبر هناك.
قضى النبي طفولته في أحضان أم علي وولاية أبي علي، وعلي يقضي طفولته في ولاية النبي وأحضان خديجة، أي أنّه كبر وترعرع في حماية أبي فاطمة وأمها… إنّها خطة مقررة من قبل، ومشروع مدوّن معدّ سلفاً.
المغلوب المنتصر
إننا لا نرى النصر إلاّ في الغلبة والانتصار ليس إلاّ، بيد أنّ علياً عليه السلام أعطانا درساً كبيراً جداً وهو كيف يكون المغلوب منتصراً؟… «الانتصار في الانكسار»…
علّمنا الإمام علي كيف يقدّم الإمام أو القائد أو القدوة الإنسانية درساً عملياً من خلال النجاح والفوز والنصر أحياناً، ومن خلال قبول أضدادها أحياناً أخرى.. علّمنا كيف يكون الإمام معلماً بالكلام مرة وبالسكوت أخرى… يتحدث فيقدّم الدرس في حديثه ويصمت فيقدم الدرس في صمته.
وقد أشرت في مقالة كتبتها عن أمير المؤمنين: إنّ نهج البلاغة يعدّ ثاني أعظم كتاب عندنا بعد القرآن، ونحن لا نعرفه ولا نقرأه ولا ندري ما فيه تماماً كالقرآن الذي نقدّسه ونقبّله ونتبرك به ليس إلاّ.
وهل ثمة فائدة تُتوخى وتأثير يُتوقّع من التقديس والتعظيم ونحن لا نعلم شيئاً مما فيها؟
وذكرت في تلك المقالة أيضاً أن أغلب العلماء والمؤلفين والأدباء العرب المعاصرين ـ حتى من غير الشيعة ـ يقرّون بأنّ نهج البلاغة أجمل وأروع نص عرفه الأدب العربي…
كلام إذا نظرت إليه بمنظار الأدب فهو في قمة الروعة والجمال والبلاغة، وإذا نظرت إليه بمنظار الفكر فهو في غاية العمق والمتانة، وإذا نظرت إليه بمنظار الأخلاق فهو نموذج مثالي ومنهج نموذجي… يحوي عبارات يذعن القارىء لها ويقرّ أن ليس لها مثيل ولا نظير في كلام البشر… كلام علي وكفى.
بيد أني أعتقد أنّ ثمة جملة أبلغ من جميع ما قاله علي مدة حياته.. تعبير واحد فقط أجمل وأعمق وأكثر تأثيراً ونفوذاً وقدرة على التعليم من كلّ تعبير وكلام قاله علي طيلة عمره.. تعبير واحد يتلخّص في:
«سكوته 25 عاماً!».
… 25 عاماً من الصمت خاطب بها كلّ من يعرف علياً.. خاطب بها الإنسان كل الإنسان.. 25 عاماً ثقيلة جداً، صمت في غاية الصعوبة والمشقة.. يثقل بعبئه على صدر الإنسان.. وأيّ إنسان؟!.. إنسان يتفجر عطاءً ونشاطاً وفاعلية اجتماعية.. وليس إنساناً منزوياً معتزلاً راهباً منكمشاً…
إن هذا الصمت… إن هذا السكوت بذاته جملة.. عبارة.. كلام بليغ.
فالإمام إذاً يتكلم مرة بحديثه ومرة بسكوته، وأحياناً يقدّم دروسه حينما يكون منتصراً وأحياناً حينما يكون مغلوباً.
إنّه خطاب موجّه لنا.. ورسالتنا محددة وموقفنا واضح أيضاً:
نعرف هذه الدروس.
ونقرأ هذه الأحاديث.
ونستمع لهذا السكوت. (انتهى)
الشاعر الفيتوري على قبر علي
وقال الشاعر السوداني المعاصر محمد الفيتوري عندما زار النجف ووقف على قبر صاحب غدير خم علي بن أبي طالب عليه السلام:
وقفتُ
والشمس ملقاةٌ على كتفي
وبيرقُ الشعر في عينيَّ غير خفي
وعاصفٌ يكنسُ التاريخ،
فهو دُمىً مستوحشات
وغيلانٌ من الخزف
وساحراتٌ يغربلن الفراغ
وقد تناسخ الموت
في الأشباح والنُّطَف
وكان موج الرجال الراقصين على حرائق العصر
ممتداً على الجُرُف
وكنت أرض في حلمي إليكَ..
وبي إليكَ..
ما بين من شوقٍ ومن شغفٍ
لعلّ بعض ارتحالي فيكَ..
بعض دمي
في طينةِ الأخضرين.. الماء والسَعَفِ
يسقي العظام التي جفّت
منابعُها الأولى..
وينفخُ روح الله في الجيَفِ
* * *
وقفتُ يا سيدي
يا قوس دائرة من النبوات..
منذ البدءِ لم تقفِ
أصغي
وأوغل في الأشياء..
منسكباً وسائلاً
في عناق الصخر والصدفِ
وقد أراك..
وأدري أن قدرك في معارج السرّ،
سرّ بالجلال حفي
وقد تباغتني رؤياكَ
معتكفاً
على بقايا سراج فيّ معتكفٍ
فأستبيح لنفسي
أن أقول لها
في خافت من جريح الصوت مرتجفِ
فيم اضطرابكِ أو شكواكِ؟
مطرقة همّاً،
وخائفة
يا نفس.. لا تَخَفي
هذا عراق أمير المؤمنين
وهذي الأرض أرض عليّ
ساكن النجفِ
هذا العراق،
وكم من غاصبٍ
كبرت أحلامه،
ثم لم يحصد سوى التّلفِ
هذا عراق العراقيين..
عزّتهم في النفس،
لا في حقول النفط والتّرفِ
هذا عراق الألى خطّت أناملهم
شريعة الله
في الأحجار والصُحُفِ
تكالبت حولهم دنيا مسيّجة
بالنار
والدم والصلبان والصلفِ
واستهدفوا رأس بغداد
فما انخفضت
رأس،
وزادت شموخاً وقفة الشرفِ
وقلت والغيم عبر الغيم ينسجني
برقاً،
وينفضني في دمعي الذرفِ
كم غائب حاضر
تحت القباب هنا
وكاشف بث شكواه ومنكشفِ
وساجد راعش الكفين..
مجمرة في مقلتيه،
وألوان من السّدفِ
وغارق في مقام الوجد
تحسبه
طيفاً لطيف زمان جدّ مختلفِ
وقلتُ يا نفسُ
ما أغلى البلاد..
وإن ضاق الحصار على أبنائها الأُنُفِ
وما أرق معانيها..
وإن خشنت
فيها الحياة،
وسالت دمعة الشظفِ
فامشي إلى قدر
لا تعرفين له
إلا الوفاء..
ومجنون النضال وفي
وأقري السلام
إذا جدّ السلام..
على دار السلام..
وبوسي الأرض،
وانصرفي
قصيدة الشريف الرضي عن يوم غدير خم:
نطقَ اللسانُ عن الضميرِ
والبشرُ عنوانُ البشيرِ
لأن أعْفَيْتَ القلو
بَ من التقلقلِ والنفورِ
وانجابتِ الظلماءُ عن
وضَحِ الصباح المستنيرِ
إلى أن قال:
غدرَ السرورُ بنا وكا
ن وفاؤه يومَ الغديرِ
يومُ أطافَ به الوصـ
ـيُّ وقد تلقّبَ بالأميرِ
فتسلَّ فيه ورُدَّعا
ريةَ الغرامِ إلى المعيرِ
وابتزّ أعمارَ الهمومِ
بطولِ أعمارِ السرورِ
فلِغَيرِ قلبِكَ من يعلّلُ
همَّهُ نُطَفُ الخمورِ
لا تقنَعنْ عندَ المطا
لب بالقليلِ من الكثيرِ
فتبرّضُ الأطماع مثل
تبرّض([222]) الثَمَدِ الجرورِ([223])
هذا أوان تطاول الحا
جاتِ والأملِ القصيرِ
فانحْ لنا من راحتيـ
ـكَ بلا القليلِ ولا النزورِ
لا تحوجنَّ إلى العصا
ب وأنت في الضرْعِ الدرورِ
آثارُ شكرِكَ في فمي
وسماتُ ودِّك في ضميري
وقصيدةٌ عذراءُ مثـ
ـلُ تألّقِ الروضِ النضيرِ
من قصيدة لمهيار الديلمي
هل بعدَ مُفترَقِ الأظعانِ مجتمعُ
أم هل زمانٌ بهم قد فاتَ يُرتجَعُ
تحمّلوا تَسَعُ البيداءُ ركبَهمُ
ويحملُ القلبُ فيهم فوقَ ما يَسعُ
مغرَّبين همُ والشمسَ قد ألفوا
ألاَ تغيبَ مغيباً حيثما طلعوا
شاكين للبَيْنِ أجفاناً وأفئدةً
مفجَعين به أمثالَ ما فجعوا
تخطو بهم فاتراتُ في أزمّتِها
أعناقُها تحت إكراهِ النوى خُضُعُ
تشتاق نعمانَ لا ترضى بروضتِهِ
داراً ولو طابَ مصطافٌ ومرتبَعُ
فداء وافين تمشي الوافياتُ بهمْ
دمعٌ دمٌ وحَشَاً في إِثرِهم قِطَعُ
الليلُ بعدهُمُ كالفجرِ متّصلٌ
ما شاء والنومُ مثلُ الوصلِ منقطِعُ
ليت اذين أصاخوا يومَ صاحَ بهمْ
داعي النوى ثوِّروا صمّوا كما سمِعوا
أوليتَ ما أخذَ التوديعُ من جسدي
قضى عليَّ فللتعذيبِ ما يدعُ
وعاذلٍ لجَّ أعصيه ويأمرُني
فيه وأهربُ منه وهو يتّبعُ
يقول: نفسَك فاحفظها فإنّ لها
حقّاً وإنّ علاقاتِ الهوى خدَعُ
روِّح حشاك بِبَردِ اليأس تسلُ به
ما قيل في الحبِّ إلاّ أنّه طمعُ
والدهرُ لونانِ والدنيا مقلّبةٌ
الآنَ يعلمُ قلبٌ كيف يرتدعُ
هذي قضايا رسولِ اللهِ مهملةٌ
غدراً وشملُ رسولِ اللّهِ مُنصدعُ
والناسُ للعهدِ ما لاقوا وما قربوا
وللخيانةِ ما غابوا وما شَسَعوا([224])
وآلُهُ وهمُ آلُ الإلهِ وهمْ
رُعاةُ ذا الدينِ ضِيموا بعده ورُعُوا
ميثاقُهُ فيهمُ ملقىً وأمّتُهُ
معْ من بغاهم وعاداهم له شِيَعُ
تُضاعُ بيعتُهُ يومَ الغديرِ لهمْ
بعد الرضا وتُحاطُ الرومُ والبِيَعُ
مقسّمين بأيمانٍ همُ جذبوا
ببوعها وبأسيافٍ همْ طبعوا
ما بين ناشرِ حبلٍ أمسِ أبرمه
تُعَدُّ مسنونةً من بعدِهِ البِدَعُ
وبين مُقتنصٍ بالمكرِ يخدعُهُ
عن آجلٍ عاجلٌ حلوٌ فينخدعُ
وقائل لي عليٌّ كان وارثَهُ
بالنصِّ منه فهل أَعَطَوه أم منعوا
فقلت كانت هَناتٌ لستُ أذكرُها
يجزي بها اللّهُ أقواماً بما صنعوا
أبلغْ رجالاً إذا سمّيتُهمْ عُرِفوا
لهم وجوهٌ من الشحناءِ تُمتقعُ
توافقوا وقناةُ الدين مائلةٌ
فحين قامتْ تلاحَوا فيه واقترعوا
وفيم صيّرتمُ الإجماعَ حجّتَكمْ
والناسُ ما اتّفقوا طوعاً ولا اجتمعوا
أَمْرٌ علي بعيد من مشورتِهِ
مستكرَهٌ فيه والعبّاس يَمتنعُ
وتدّعيه قريشٌ بالقرابة والـ
ـأنصار لا رُفُعٌ فيه ولا وُضُعُ
فأيّ خُلفٍ كخُلْفٍ كان بينكمُ
لولا تُلفَّقُ أخبارٌ وتصطَنَعُ
واسألهمُ يوم (خُمِّ) بعد ما عقدوا
له الولايةَ لِمْ خانوا ولِمْ خلَعوا
قولٌ صحيحٌ ونيّاتٌ بها نَغَلٌ
لا ينفع السيفَ صَقلٌ تحته طَبَعُ([225])
إنكارُهمُ يا أميرَ المؤمنينَ لها
بعد اعترافِهمُ عارٌ به ادّرعوا
ونكثُهمْ بكَ مَيْلاً عن وصيّتهمْ
شرعٌ لَعمرُكَ ثانٍ بعده شرعوا
تركتَ أمراً ولو طالبتَهُ لدرتْ
معاطسُ راغمته كيف تُجتدَعُ
صبرت تحفظُ أمرَ اللّهِ ما اطّرحوا
ذبّاً عن الدينِ فاستيقظتَ إذ هجعوا
جاهدتُ فيك بقولي يومَ تختصمُ الـ
ـأبطالُ إذ فات سيفي يومَ تمتصِعُ([226])
إنّ اللسانَ لو صَالٌ إلى طُرُقٍ
في القلبِ لا تهتديها الذُبّلُ الشُّرُعُ
آباي في فارسٍ والدينُ دينكمُ
حقاً لقد طاب لي أُسٌّ ومرتبعُ
ما زلتُ مذ يفعتْ سنّي ألوذُ بكمْ
حتى محا حقُّكمْ شكّي أنتجعُ
وقد مضتْ فُرُطاتٌ إن كفلت بها
فرّقت عن صُحفي البأسَ الذي جمعوا
سلمان فيها شفيعي وهو منك إذا الـ
ـآباءُ عندَكَ في أبنائِهم شفعوا
فكن بها منقذاً من هول مُطّلعي
غداً وأنت من الأعرافِ مطّلِعُ
سوّلتُ نفسي غروراً إن ضمنتُ لها
أنّى بذخرٍ سوى حبِّيك أنتفعُ
قصيدة الكيمت
نفى عن عينكَ الأرقُ الهجوعا
وهمٌّ يمتري منها الدموعا
دخيلٌ في الفؤادِ يهيجُ سُقماً
وحزناً كان من جَذَلٍ([227]) منوعا
وتوكافُ([228]) الدموع على اكتئابٍ
أحلَّ الدهر موجَعَهُ الضلوعا
ترقرق أسحماً دَرَراً وسكباً
يشبّه سحّها غرباً هَموعا([229])
لفقدانِ الخضارمِ من قريشٍ
وخيرِ الشافعين معاً شفيعا
لدى الرحمن يصدعُ بالمثاني
وكان له أبو حسنٍ قَريعا([230])
حَطوطاً في مسرّته ومولى
إلى مرضاة خالقِهِ سريعاً
وأصفاه النبيُّ على اختيارٍ
بما أعيا الرفوض له المذيعا
ويوم الدوحِ دَوحِ غديرِ خمٍّ
أبانَ له الولايةَ لو أُطيعا
ولكنَّ الرجالَ تبايعوها
فلم أَرَ مثلها خَطَراً مبيعا
أضاعوا أمرَ قائدِهم فضلّوا
وأقومهم لدى الحدثانِ ريعا
تناسَوا حقّه وبَغَوا عليه
بلا تِرةٍ وكان لهم قريعا
فقل لبني أميَّة حيثُ حَلُّوا
وإن خفتَ المُهنّد والقطيعا
ألا أُفٍّ لدهرٍ كنتُ فيه
هدانا طائعاً لكمُ مُطيعا
أجاع الله من أشبعتموهُ
وأشبع من بجوركُمُ أُجيعا
من قصيدة دعبل الخزاعي:
تجاوبنَ بالإرنان والزفراتِ
نوائحُ عُجمُ اللفظِ والنطقاتِ
يُخَبِّرنَ بالأنفاسِ عن سِرِّ أنفُسٍ
أُسارى هوىً ماضٍ وآخرَ آتِ
فأسعدن أو أسعفن حتى تقوّضت
صفوف الدجى بالفجر منهزماتِ
على العرصاتِ الخالياتِ من المَها
سلام شجٍ صبٍّ على العَرَصاتِ
فعهدي بها خُضْر المعاهد مألفاً
من العَطِرات البيضِ والخَفِراتِ
لياليَّ يعدينَ الوصال على القِلى
ويعدي تدانينا على الغُرُباتِ
وإذ هُنَّ يَلْحَظنَ العيون سوافراً
ويَستُرْنَ بالأيدي على الوَجناتِ
وإذ كلَّ يومٍ لي بلحظيَ نشوةٌ
يبيتُ بها قلبي على نشواتِ
فكم حسراتٍ هاجها بمُحَسِّرٍ([231])
وقُوفيَ يوم الجمع من عَرَفاتِ
ألم ترَ للأيّام ما جرَّ جورُها
على الناس من نقصٍ وطولِ شتاتِ
ومن دُوَلِ المستهزئين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلماتِ
فكيف ومن أنّى بطالبِ زُلفَةٍ
إلى الله بعد الصومِ والصلواتِ
سوى حبِّ أبناء النبيّ ورهطِهِ
وبُغضِ بني الزرقاء والعَبَلاتِ
وهندٍ وما أدّت سُميّةُ وابنُها
أولو الكفرِ في الإسلامِ والفَجَراتِ
هُمُ نقضوا عهدَ الكتاب وفرضَهُ
ومُحْكَمَهُ بالزورِ والشُبهاتِ
ولم تكُ إلاّ محنةٌ كَشَفتْهُمُ
بدعوى ضلال من هنٍ وهَناتِ
تراثٌ بلا قربى وملكٌ بلا هدى
وحكمٌ بلا شورى بغير هُداةِ
رزايا أَرَتنا خُضرةَ الأفقِ حْمرةً
ورَدّتْ أُجاجاً طعمَ كلّ فراتِ
وما سَهّلَتْ تلك المذاهبَ فيهمُ
على الناس إلاّ بيعةُ الفلَتاتِ
ولو قلّدوا الموصى إليه أمورَها
لزَمّتْ بمأمونٍ عن العثراتِ
أخي خاتَمِ الرُّسْلِ المصفّى من القذى
ومُفْتَرِسِ الأبطالِ في الغَمَراتِ
فإن جَحَدوا كان الغديرُ شهيدَهُ
وبدرٌ وأُحدٌ شامخُ الهضباتِ
وآيٌ من القرآن تُتلى بفضلِهِ
وإيثارهِ بالقوتِ في اللّزباتِ
وغُرُّ خِلالٍ أدركتْهُ بِسبقِها
مناقبُ كانت فيهِ مؤتنفاتِ([232])
قصيدة أبي تَمام الطائي
أظبيةُ حيث استنّتِ الكُتُب العُفْرُ
رُوَيدَكِ لا يغتالكِ اللومُ والزجرُ([233])
أسرّي حِذاراً لم تُقيِّدْك رِدّةٌ
فيحسِرُ ماءٌ من محاسنِكِ الهذرُ
أراكِ خلالَ الأمر والنهي بوّةً([234])
عَداكِ الردى ما أنتِ والنهيُ والأمرُ
أتُشْغلُني عمّا هُرِعتُ لمثلِهِ
حوادثُ أشجانٍ لصاحِبها نُكْرُ
ودهرٌ أساءَ الصُّنْعَ حتى كأنّما
يُقَضِّي نذوراً في مساءتيَ الدهرُ
له شجراتٌ خَيّمَ المجدُ بينها
اَمَرٌ جانٍ ولا ورقق نَضْرُ
وما زِلتُ ألقى ذاك بالصبرِ لابساً
رداءَيهِ حتى خِفْتُ أن يَجزَعَ الصبرُ
وإنَّ نكيراً أن يضَيقَ بمن لهُ
عشيرةُ مِثلي أو وسيلتُهُ مِصْرُ
وما لامرىءٍ من قائلٍ يومَ عثْرةٍ
لعاً([235]) وخَدِيناهُ الحداثةُ والفقرُ
وإن كانتِ الأيّامُ آضَتْ وما بها
لذي غُلَّةٍ وِردٌ ولا سائلٍ خُبْرُ
همُ الناسُ سارَ الذمُّ والحربُ بينهمْ
وحمّرَ أن يغشاهُمُ الحمدُ والأجرُ
صَفِيُّكِ منهمْ مُضمِرٌ عُنجهيَّةً([236])
فقائدهُ تِيْهٌ وسائِقُهُ كِبْرُ
إذا شام برقَ اليُسرِ فالقُربُ شأنُهُ
وأنأى من العَيّوقِ إن نالهَ عُسْرُ
أريني فتىً لم يَقْلِهِ الناسُ أو فتىً
يصحُّ له عَزْمٌ وليس له وَقْرُ
تَرَى كلَّ ذى فضلٍ يطولُ بفضلِهِ
على مُعتفيهِ والذي عنده نَزْرُ
وإنّ الذي أحذانيَ الشيبَ لَلَّذي
رأيتِ ولم تَكْمُلْ له السبعُ والعشرُ
وأخرى إذا استودعتُها السرَّ بيّنَتْ
به كَرَهاً ينهاض من دونها الصدرُ
طغى من عليها واستبدَّ برأيهمْ
وقولِهِمْ إلاّ أقلَّهمُ الكفرُ
وقاسَوا دُجى أمْرَيْهِمُ وكلاهما
دليلٌ لهمْ أولى به الشمسُ والبدرُ
سَيَحْدوكُمُ استسقاؤكمْ حَلَبَ الردى
إلى هُوّةٍ لا الماءُ فيها ولا الخمرُ
سَئِمتم عبور الضحل خوضاً فأيَّةً
تعدّونها لو قد طغى بكمُ البحرُ
وكنتم دماءً تحتَ قِدرٍ مفارةٍ
على جهلِ ما أمست تفورُ به القِدرُ
فهلاّ زجرتمْ طائرَ الجهل قبل أن
يجيءَ بما لا تبسؤون([237]) به الزجرُ
طَوَيْتُمْ ثنايا تخبؤون عُوارَها
فأين لكمْ خِبءٌ وقد ظهر النشرُ
فعلتمْ بأبناءِ النبيِّ ورهطِهِ
أفاعيلَ أدناها الخيانةُ والغدرُ
ومن قبله أخلفتمُ لوصيِّهِ
بداهيةً دهياءَ ليس لها قَدْرُ
فجئتم بها بِكراً عَواناً ولم يَكُنْ
لها قبلَها مِثْلٌ عَوانٌ ولا بِكرُ
أخوه إذا عُدّ الفَخارُ وصِهْرُهُ
فلا مثلُهُ أخٌ ولا مثلُه صِهْرُ
وشُدَّ به أزْرُ النبيِّ محمدٍ
كما شُدَّ من موسى بهارونِهِ الأزْرُ
وما زال كشّافاً دياجيرَ غَمْرَةً
يُمَزِّقُها عن وجهِهِ الفتحُ والنصرُ
هو السيفُ سيفُ اللّهِ في كلِّ مشهدٍ
وسيفُ الرسولِ لا ددانٌ ولا دثرُ([238])
فأيُّ يدٍ للذمِّ لم يَبْرِ زَنْدَها
ووجهِ ضلالٍ ليس فيه له أثرُ
ثوى ولأهلِ الدينِ أمنٌ بحدّهِ
وللواصمين الدينَ في حدِّه ذُعْرُ
يسدُّ به الثغرَ المخوفَ من الردى
ويعتاضُ من أرض العدوِّ به الثغرُ
بأُحْدٍ وبدرٍ حين ماجَ بِرَجْلِهِ
وفُرسانه أُحدٌ وماجَ بهم بدرُ
ويوم حُنينٍ والنضيرِ وخيبرٍ
بوالخندق الثاوي بعقوتِهِ عمرو([239])
سما للمنايا الحُمْر حتى تكشّفتْ
وأسيافُه حمرٌ وأرماحُهُ حُمْرُ
مشاهدُ كان الله كاشفَ كَرْبِها
وفارجَه والأمرُ ملتبسٌ إمْرُ
ويوم (الغدير) استوضح الحقَّ أهلُهُ
بضحياء([240]) لا فيها حجابٌ ولا سترُ
أقام رسول الله يدعوهمُ بها
ليقربَهمْ عُرْفُ وينآهمُ نُكْرُ
يَمُدُّ بضبعيه ويُعلِمُ([241]) أنّهُ
وليٌّ ومولاكمْ فهل كلُمُ خُبْرُ
يروحُ ويغدو بالبيانِ لِمَعْشرٍ
يروح بهم غَمْرٌ ويغدو بهمْ غَمْرُ([242])
فكان لهم جَهْرٌ بإثباتِ حقِّهِ
وكان لهم في بَزِّهِمْ حقَّهُ جَهْرُ
أثَمَّ جعلتمْ حظَّهُ حدَّ مُرْهَفٍ
من البيضِ يوماً حظُّ صاحبهِ القبرُ
بكفَيْ شقيَّ وجْهَتْهُ ذنوبُهُ
إلى مرتعٍ يُرعَى به الغَيُّ والوِزرُ
للشاعر العبدي
هذه القصيدة وجدت في مجموعة خطية قديمة لم يذكر فيها اسم صاحبها ولا تاريخ مولده ولا تاريخ وفاته، وإنما ذكر هو فيها لقبه (العبدي):
هل في سؤالِك رسمَ المنزلِ الخَرِبِ
بُرْءٌ لقلبك من داءِ الهوى الوَصِبِ
أمْ حُرُّهُ يوم وَشْكِ البَيْنِ يُبْرِدُهُ
ما اسْتَحْدَثَتْهُ النوى من دمعِك السَرِبِ
هيهات أن ينفدَ الوجد المثير له
نأي الخليط الذي ولّى ولم يَؤُبِ
يا رائد الحيِّ حسبُ الحيِّ ما ضَمِنَتْ
له المدامعُ من ماءٍ ومن عُشُبِ
ما خِلتُ من قبل أن حالت نوىً قَذَفٌ
أنّ العيون لهم أهمى([243]) من السُحُبِ
بانوا فَكم أطلَقوا دمعاً وكم أسَرُوا
لُبّاً وكم قَطَعوا للوصلِ من سَبَبِ
من غادرٍ لم أكن يوماً أسِرُّ له
غَدْراً وما الغدر من شأن الفتى العربي
وحافظُ العهدِ يُبدي صَفْحتَي فَرَحٍ
للكاشحين([244]) ويُخفي وجْدَ مُكتَئِبِ
بانوا قِباباً وأحباباً تصونُهُمُ
عن النواظر أطرافُ القنا السلبِ
وخلّفوا عاشقاً مُلقىً رمى خَلَساً
بطرفه خِدْر مَن يهوى فلم يَصِبِ
لهفي لما استودعَتْ تلك القبابُ وما
حَجَبْنَ من قُضُبٍ عنّا ومن كُثُبِ
وفي الخدورِ بدورٌ لو بَرَزن لنا
بَرَدن كلّ حشاً بالوَجْدِ مُلتهبِ
وفي حشاي غليلٌ بات يَضْرِمُهُ
شوقٌ إلى بَرْد ذاك الظَّلْم والشنَبِ([245])
يا راقد اللّوعةِ اهبُبْ([246]) من كَراكَ فقدْ
بان الخليط ويا مُضنى الغَرامِ ثُبِ
أما وعصر هوىً دبَّ العزاء له
ريب المنون وغالته يد النُّوَبِ
لأشرَقَنَّ([247]) بدمعي إن نأتْ بِهُمُ
دارٌ ولم أقضِ ما في النفس من إربِ
ليس العجيب بأن لم يبقَ لي جَلَدٌ
لكنْ بقائي وقد بانوا من العجبِ
شِبْتُ ابنَ عشرين عاماً والفراقُ لهُ
سهمٌ متى ما يُصِبْ شملَ الفتى يَشِبِ
ما هزّ عَطْفيَ من شوقٍ إلى وطني
ولا اعتَرانيَ من وَجْدٍ ومن طَرَبِ
مثل اشتياقيَ من بُعْدٍ ومُنتزَحٍ
إلى (الغريِّ) ([248]) وما فيهِ من الحَسَبِ
أزكى ثرىً ضَمَّ أزكى العالمين فذاً
خيرُ الرجال وهذا أشرفُ التُّرُبِ
إن كان عن ناظري بالغَيْبِ محتجباً
فإنّه عن ضميري غيرُ محتجِبِ
إلى أن يقول:
يا راكباً جَسْرةً تطوي مناسِمُها
مَلاءَة البِيد بالتقريب والجَنَبِ([249])
تُقَيِّدُ المُغْزِلَ الأدْماءَ في صَعَدٍ
وتطلَح الكاسرَ الفَتْخاءَ في صَبَبِ([250])
تُثني الرياح إذا مرّت بغايتها
حسرى الطلائح بالغِيطانِ والخَرِبِ
بلّغ سلاميَ قبراً بالغَرِيِّ حوى
أوفى البَرِيَّةِ من عُجمٍ ومن عَرَبِ
وأجعلْ شِعارَكَ للّهِ الخشوعَ بهِ
ونادِ خيرَ وصيٍّ صِنو خيرِ نبي
اِسمع أبا حسنٍ إنَّ الأُلى عَدَلوا
عن حُكمك انقلبوا عن شرِّ مُنْقَلَبِ
ما بالُهمْ نكبوا نهجَ النجاة وقد
وضَّحتَهُ واقتَفَوا نهجاً من العَطَبِ([251])
ودافعوك عن الأمر الذي اعتَلَقَتْ
زِمامَهُ من قُريشٍ كَفُّ مُغتصِبِ
ظلّت تُجاذبها حتى لقد خَرَمتْ
خَشاشها تَرِبَتْ من كفٍّ مُجتذِبِ([252])
وأنتَ توسِعُهُ صَبراً على مَضَضٍ
والحِلْمُ أحسَنُ ما يأتي مع الغَضَبِ
وكان أوّل من أوصى ببيعته
لك النبيُّ ولكن حال من كَثَبِ
حتى إذا ثالثٌ منهمْ تَقَمَّصَها
وقد تبدَّلَ منها الجدُّ باللعبِ
عادت كما بُدِئت شوهاءَ جاهلةً
تَجُرُّ فيها ذِئابٌ أكْلَة الغَلَبِ
وكان عنها لهم في (خُمِّ) مُزْدَجَرٌ
لمّا رَقَى أحمدُ الهادي على قَتَبِ
وقال والناسُ من دانٍ إليه ومن
ثاوٍ لديه ومن مُصْغٍ ومرْتَقِبِ
قمْ يا عليُّ فإنّي قد أُمرتُ بِأنْ
أُبلّغ الناس والتبليغُ أجدَرُ بي
إنّ نصبتُ عليّاً هادياً عَلَماً
بعدي وإنَّ عليّاً خيرُ منتصَبِ
فبايعوك وكلٌّ باسطٌ يدَهُ
إليك من فوق قلبٍ عنكَ مُنقَلِبِ
عافُوك لا مانعٌ طَولاً ولا حَصِرٌ
قولاً ولا لَهجٌ بالغِشِّ والريَبِ
وكنتَ قُطْبَ رحى الإسلامِ دونَهمُ
ولا تدور رحىً إلاّ على قُطُبِ
ولا تُماثِلُهمْ في الفضلِ مرتبةً
ولا تُشابههُمْ في البيتِ والنَسَبِ
إن تلْحَظِ القِرْنَ والعَسَّالُ في يدِهِ
يَظَلَّ مضطرباً في كفٍّ مُضطربِ
وإنْ هَزَزْتَ قناةً ظَلْتَ تُورِدُها
وريدَ ممتنع في الرَوع مُجتنبِ
ولا تَسُلُّ حُساماً يومَ مَلْحَمةٍ
إلاّ وتحجُبُه في رأسِ محتجبِ
كيومه خيبرَ إذ لمْ يمتَنعْ زُفْرٌ
عن اليهودِ بغير الفَرِّ والهرَبِ
فأغضبَ المصطفى إذ جرَّ رايتَهُ
على الثرى ناكِصاً يهوي على العَقِبِ
فقال إنّي سأُعطيها غداً لفتىً
يُحِبُّهُ اللّه والمبعوثُ مُنْتَجَبِ
حتى غدوتَ بها جذلانَ تَحْمِلُها
تِلقاءَ أرعنَ من جَمْعِ العدى لَجِبِ([253])
جَمُّ الصلادمِ والبيضِ الصوارم وا
لزرق اللهاذِم والماذيّ واليَلَبِ([254])
فالأرضُ من لاحقيّاتٍ مُطَهَّمةٌ
والمستظلُّ مَثارُ القَسْطَلِ الهَدِبِ
وعارَض الجيش من نقعٍ بوارقه
لمع الأسنَّةِ والهنديّة القُضُبِ
أقدمتَ تضربُ صبراً تحتَهُ فغدا
يُصَوِّبُ مُزْناً ولو أحجمتَ لم يُصِبِ
غادرتَ فرسانهُ من هاربٍ فَرِقٍ
أو مُقعصٍ([255]) بدمِ الأوداج مُختضبِ
لك المناقب يعيا الحاسبونَ بها
عَدّاً ويعجِزُ عنها كلُّ مُكتتِبِ
ففي براءةَ أنباءٌ عجائبُها
لم تُطوَ عن نازحٍ يوماً ومُقتربِ
وليلةَ الغارِ لمّا بتَّ ممتلئاً
أمْناً وغيرُك ملآنٌ من الرُعُبِ
ما أنتَ إلاّ أخو الهادي وناصرُهُ
ومُظْهِرُ الحقُّ والمنعوتُ في الكُتُبِ
وزوجُ بَضعتِهِ الزهراءِ يَكنُفُها([256])
دون الورى وأبو أبنائه النُّجُبِ
من كلِّ مجتهدٍ في الله مُعْتَضِدٍ
بالله معتقدٍ لِلّه مُحتسبِ
هادينِ للرُشدِ إن ليلُ الضَّلالِ دَجا
كانوا لطارقهم أهدى من الشُّهُبِ
لُقِّبتُ بالرفض لمّا إن منحتُهمُ
وُدِّي وأحسنُ ما أُدعى به لقبي
صلاة ذي العرشِ تَتْرى كلَّ آونةٍ
على ابن فاطمة([257]) الكشّافِ للكُرَبِ
وابنيه من هالكٍ بالسُمِّ مُخْتَرمٍ
ومن معفَّر خدٍّ في الثرى تَربِ
والعابدِ الزاهد السجّاد يتبعُهُ
وباقر العلم داني غايةِ الطَلَبِ
وجعفرٌ وابنه موسى ويتبعُهُ الـ
ـبرُّ الرضا والجواد العابد الدئبُ([258])
والعسكريَّينِ والمهديَّ قائمهمْ
ذي الأمر لابس أثوابِ الهدى القُشُبِ
مَنْ يملأُ الأرضَ عدلاً بعدما مُلِئَتْ
جوراً ويَقْمَعُ أهل الزَيْغِ والشَّغبِ
القائدُ البُهَمَ الشُوسَ الكماة إلى
حربِ الطغاة على قبِّ الكلا الشَّزِبِ([259])
أهلُ الهدى لا أُناسٌ باع بائعُهُمْ
دينَ المُهَيمنِ بالدنيا وبالرُّتَبِ
لو أنّ أضغانهم في النارِ كامنةً
لأغْنَتِ النار عن مُذْكٍ ومحتطِبِ
يا صاحبَ الكوثر الرقراقِ زاخره
ذُدِ النواصِبَ عن سَلساله العَذِبِ
قارعتُ منهم كُماةً في هواكَ بما
جرَّدتُ من خاطرٍ أو مِقْوَلٍ ذَرِبِ
حتى لقد وَسَمعتْ كَلْماً جباهَهمُ
خواطري بمُضاء الشعرِ والخُطَبِ
صَحِبْتُ حبّكَ والتقوى وقد كَثُرَتْ
ليَ الصحابُ فكانا خيرَ مُصْطَحِبِ
فاستَجْلِ من خاطرِ (العبديِّ) آنسةً
طابتْ ولَو جاوَزَتْكَ اليوم لم تَطِبِ
جاءتْ تَمايلُ في ثَوْبَيْ حَياً وهدىً
إليك حاليةً بالفضلِ والأدبِ
أتعَبتُ نفسيَ في مدْحِيكَ عارفةٌ
بأنّ راحتَها في ذلك التَعبِ
من قصيدة للجبري
وجدت هذه القصيدة في مجموعة مخطوطة قديمة بدون تاريخ ودون ذكر اسم صاحبها، سوى أنه قال في آخرها هذا البيت:
واجبر بها الجبري رب وبره
من ظالم لدمائه سفاك
فنسبت بذلك إلى (الجبري). ويستشهد ابن شهر آشوب في المناقب بأبيات منها، فعلم من ذلك أنه متقدم عليه. وابن شهر آشوب توفي سنة 588 هـ.
يا دارُ غادرني جديدُ بِلاكِ
رثَّ الجديدُ فهل رثيت لذاكِ
أم أنت عمّا أشتكيه من الهوى
عجماءُ مذ عجم البلى مغناكِ
ضفناك نستقري الرسومَ فلم نجدْ
إلاّ تباريحَ الهموم قِراكِ
ورسيسَ شوقٍ تمتري زفراتُه
عبراتِنا حتى تبلّ ثراكِ
ما بالُ ربعكِ لا يبلُّ كأنّما
يشكو الذي أنا من نحوليَ شاكِ
طلّت طلولُكِ دمعَ عيني مثلَما
سفكت دمي يومَ الرحيل دُماكِ
وأرى قتيلَك لا يَديهِ قاتلٌ
وفتورَ ألحاظِ الظباء ظُباكِ
هيّجت لي إذ عجتُ ساكنَ لوعةٍ
بالساكنيك تشبّهاً ذكراكِ
لمّا وقفتُ مسلّماً وكأنّما
ريّا الأحبّةِ سفت من رياكِ
وكفت عليكِ سماءُ عيني صيِّباً
لو كفَّ صوبُ المزنِ عنك كفاكِ
سقياً لعهدي والهوى مقضيّةٌ
أوطارُهُ قبل احتكامِ نواكِ
والعيش غضٌّ والشبابُ مطيّةٌ
للّهوِ غيرُ بطيئةِ الإدراكِ
أيّام لا واشٍ يُطاعُ ولا هوىً
يُعصى فنقصى عنكِ إذْ زرناكِ
وشفعينا شرخُ الشبيبةِ كلّما
رُمنا القصاصَ من اقتناصِ مهاكِ
ولئن أصارتكِ الخطوبُ إلى بلىً
ولحاك ريبُ صروفِها فمحاكِ
فلطالما قضَيتُ فيك مآربي
وأبحتُ ريعانَ الشبابِ حماكِ
ما بين حورٍ كالنجومِ تزيّنتْ
منها القلائدُ للبدورِ حواكي
هيفُ الخصورِ من القصورِ بدت لنا
منها الأهلّةُ لا من الأفلاكِ
يجمعنَ من مرحِ الشبيبةِ خفّة الـ
ـمتغزِّلين وعفّةَ النسّاكِ
ويصِدنَ صاديةَ القلوبِ بأعينٍ
نُجْلٍ كصيدِ الطيرِ بالأشراكِ
من كلِّ مخطفةِ الحشا تحكي الرشا
جيداً وغصنَ البان لينَ حراكِ
هيفاءَ ناطقةِ النطاقِ تشكّياً
من ظلمِ صامتة البُرين ضناكِ([260])
وكأنّما من ثغرِها من نحرها
درٌّ تباكره بعود أراكِ
عذبُ الرضابِ كأنّ حشو لثاتِها
مسكٌ يعلُّ به ذرى المسواكِ
تلك التي ملكتْ عليَّ بدلَّها
قلبي فكانت أعنفَ المُلاّكِ
إنّ الصبا يا نفسُ عزَّ طلابُهُ
ونهتْكِ عنه واعظاتُ نهاكِ
والشيبُ ضيفٌ لا محالةَ مؤذنُ
برداكِ فاتّبعي سبيلَ هداكِ
وتزوّدي من حبِّ آلِ محمدٍ
زاداً متى أخلصتِهِ نجّاكِ
فلنعم زادٌ للمعادِ وعدّةٌ
للحشرِ إن عقلتْ يداك بذاك
وإلى الوصيِّ مهمُّ أمركِ فوِّضي
تَصِلي بذاكَ إلى قصيِّ مُناكِ
وبه ادرئي في نحرِ كلّ ملمّةٍ
وإليه فيها فاجعلي شكواكِ
وبحبِّه فتمسّكي أن تسلكي
بالزيغِ عنه مسالكَ الهلاّكِ
وإذا تشابهتِ الأمور فعوِّلي
في كشف مشكلِها على مولاكِ
خيرُ الرجالِ وخيرُ بعلِ نسائِها
والأصلُ والفرعُ التقيّ الزاكي
وتعوّذي بالزُّهرِ من أولادِهِ
من شرِّ كلِّ مُضلّل أفّاكِ
لا تعدلي عنهمْ ولا تستبدلي
بهمُ فتحظَي بالخسارِ هناكِ
فهمُ مصابيحُ الدجى لذوي الحجا
والعروةُ الوثقى لذي استمساكِ
وهمُ الأدلّةُ كالأهلّةِ نُورها
يجلو عمى المتحيّرِ الشكّاكِ
وهمُ الصراطُ المستقيمُ فأرغمي
بهواهمُ أنفَ الذي يلحاكِ
يا أُمّةً ضلّت سبيلَ رشادِها
إنّ الذي استرشدتِه أغواكِ
لئن ائتمنتِ على البريّةِ خائناً
للنفس ضيّعَها غداةَ رعاكِ
أعطاكِ إذ وطّاكِ عشوةَ رأيهِ
خدعاً بحبلِ غرورِها دلاّكِ
فتبعتِهِ وسخيفَ دينِك بعتِهِ
مغترّةً بالنزرِ من دنياكِ
لقد اشتريتِ به الضلالة بالهدى
لمّا دعاكِ بمَكْرِهِ فدهاكِ
وأطعتِهِ وعصيتِ قولَ محمدٍ
فيما بأمرِ وصيِّه وصّاكِ
خلتِ اجتهادَكِ للصواب مؤدِّياً
هيهاتَ ما أدّاكِ بل أرداكِ
ولقد شققتِ عصا النبيِّ محمدٍ
وعققتِ من بعد النبيِّ أباكِ
وغدرتِ بالعهدِ المؤكَّدِ عقدُهُ
يومَ (الغديرِ) له فما عذراكِ
فلتعلمِنَّ وقد رجعت به على الـ
ـأعقاب ناكصةً على عقباكِ
أعَن الوصيِّ عدلت عادلةً به
مَن لا يساوي منه شسعَ شراكِ
قست المحيطَ بكلِّ علم مشكلٍ
وعرٍ مسالكُه على السُلاّكِ
بالمعتريهِ كما حكى شيطانُهُ
وكفاهُ عنه بنفسِهِ من حاكِ
والضاربَ الهاماتِ في يومِ الوغى
ضرباً يقَدُّ به إلى الأوراكِ
بالهاربِ الفرّارِ من أقرانِهِ
والحربُ يذكيها قناً ومذاكِ
والقاطع الليلِ البهيمِ تهجّداً
بفؤادِ ذي روع وطرفٍ باكِ
بالتاركِ الصلواتِ كفراناً بها
لولا الرياءُ لطالَ ما راباكِ
أبعدْ بهذا من قياسٍ فاسدٍ
لم تأت فيه أُمّةٌ مأتاكِ
أوَ ما شهدتِ له مواقفَ أذهبتْ
عنكِ اعتراكَ الشكِّ حين عراكِ
ودفاع أعظمِ ما عراكِ بسيفِهِ
في يوم كلِّ كريهة وعِراكِ
ومقامُهُ ثبتَ الجنانِ بخيبرٍ
ولا خوفُ إذ ولّيتِ حشوُ حشاكِ
مولاكِ راضية وغضبى فاعلمي
سيّانَ سخطُكِ عنده ورضاكِ
ومنعتِ إرثَ المصطفى وتراثَهُ
ووليتِهِ ظلماً، فمن ولاّكِ
وبسطتِ أيدي عبد شمسٍ فاغتدتْ
بالظلمِ جاريةً على مغناكِ
يا آلَ أحمد كم يكابدُ فيكمُ
كبدي خطوباً للقلوب نواكي
كبدي بكم مقروحةٌ ومدامعي
مسفوحةٌ وجوى فؤاديَ ذاكي
وإذا ذكرتُ مصابَكم قال الأسى
لجفونيَ اجتنبي لذيذَ كراكِ
يا ربِّ فاجعل حبَّهمْ لي جُنّةً
من موبقياتِ الظلمِ والإشراكِ
واجبر بها الجبريَّ ربِّ وبَرِّهِ
من ظالم لدمائهمْ سفَّاكِ
وبهم إذا أعداءُ آلِ مُحمدٍ
غلقتْ رهونهمُ فجدْ بفكاكِ
العام 1410 هـ/ 1990 م أقيم مهرجان في لندن لمرور 14 قرناً على (يوم الغدير) فكان للشاعر مصطفى جمال الدين فيه هذه القصيدة:
ظَمِيءَ الشِعرُ أم جَفاكَ الشّعورُ
كيف يَظما مَنْ فيه يجري الغديرُ
كيف تَعنو للجدبِ أغراسُ فِكرٍ
لِعليٍّ بها تَمُتُّ الجذورُ
نَبتَتْ ـ بين (نَهجِهِ) وربيعٍ
من بَنيهِ، غَمْرِ العَطاءِ ـ البُذورُ
وسقاها نَبعُ النَبيِّ، وهل بعـ
ـدَ نَمِيرِ القُرآن يحلو نَميرُ؟
فَزَهَتْ واحةٌ، وَرَفّتْ غصونٌ
ونما بُرعُمٌ، ونَمَتْ عُطورُ
وأعدّتْ سِلالَها، للقِطافِ الـ
ـغَضِّ مِنّا، قرائحٌ وثغورُ
هكذا يَزدهي ربيعُ عَليٍّ
وتُغنّي على هواه الطيورُ
شَرِبتْ حبَّةُ قلوبُ القوافي
فانتشتْ أحرفٌ، وجُنّتْ شُطورُ
وتَلاقى بها خيالٌ طَروبٌ
وَرُؤىً غَضّةٌ، ولفظٌ نضيرُ
* * *
ظامِىءَ الشِعرِ، ههنا يُولَدُ الشِعـ
ـرُ، وتَنمو نُسورُهُ وتطيرُ
ههنَا تَنشرُ البلاغةُ فَرعَيْـ
ـها، فَتَسْتافُ مِن شذاها الدهورُ
(هَدَرَتْ) حَولَهُ بكوفانَ يوماً
(ثُمَّ قرّتْ).. وما يَزالُ الهديرُ([261])
وَسَيبقى يَهُزُّ سَمْعَ الليالي
مِنبرٌ من بيانهِ مسحورُ
تتلاقى الأفهامُ من حوله شتّـ
ـى: فَفَهْمٌ عادٍ، وفَهمٌ نَصِيرُ
وَيَعودونَ.. لا العدوُّ قَليلُ الـ
ـزادِ منهُ، ولا الصديقُ فقيرُ
ظامِىءَ الشعرِ، ههنا: الشعرُ، والفَنُّ،
وصَوتٌ، سَمْحُ البيانِ، جَهِيرُ
بِدعَةُ الشعرِ أنْ تَشُوبَ الغديرَ الـ
ـعَذْبَ في أكؤسِ القصيدِ البُحورُ
وعَليٌّ إشراقَةُ الحبِّ، لو شِيـ
ـبَ بسُودِ الأحقادِ كادَتْ تُنيرُ
* * *
(أيُّها الصَّاعِدُ المُغِذُّ مع النَّجـ
ـم هنيئاً لكَ الجَناحُ الخبيرُ
قد بَهَرتَ؛ (النجومَ) مَجْداً وإِشعا
عاً، وإنْ ظُنَّ: أنكَ المَبهورُ
وبَلَغتَ المَرمى، وإنْ فُلَّ رِيشٌ
وانطوى جانِحٌ عليه كَسِيرُ
ومَلأتَ الدنيا دَوِيّاً، فلا يُسـ
ـمَعُ إلاّ هُتافُها المخمورُ
فقلوبٌ على هواكَ تُغنِّي
وأكفٌ إلى عُلاكَ تُشِيرُ
حِيَلٌ للخلودِ، قامرَ فيها
لاعِبِيهِ.. والرابحُ المَقْمُورُ!!
وسيبقى لكَ الخلودُ، وللغا
فِينَ، في ناعِم الحريرِ، الغُمورُ
وستُبنى لك الضَمائِرُ عُشّاً
ولدنيا سِواكَ تُبنى القصورُ
وستَبقى إمامَ كلِّ شَريدٍ
لَزَّهُ الظُلمُ، واجتواهُ الغُرورُ
وسيجري بمَرجِ عذارءَ من (حُجـ
ـرِكَ) نَحرٌ.. تقفو سَناهُ النحورُ([262])
* * *
سيّدي أيّها الضميرُ المُصفّى
والصِراطُ الذي عليه نسيرُ
لك مَهوى قلوبِنا، وعلى زا
دِكَ نُربِي عُقولَنا، ونَمِيرُ([263])
وإذا هَزّتِ المَخاوِفُ روحاً
وارتمى خَافِقٌ بها مَذعورُ
قَرَّبَتْنا إلى جراحِكَ نارٌ
وهَدَانا إلى ثَباتِكَ نُورُ
نحن عُشّاقُكَ المُلِحّونَ في العِشـ
ـقِ.. وإنْ هامَ في هواكَ الكثيرُ
باعَدَتْنا عن (قومِنا) لُغةُ الحـ
ـبِّ فظنّوا: أنّ اللُبابَ القُشورُ
بعضُ ما يُبتلَى به الحبُّ هَمْسٌ
من ظنونٍ.. وبعضُهُ تَشهيرُ
إنّ أقسى ما يحمِلُ القلبُ أنْ يُطـ
ـلَبَ مِنهُ لِنَبضِهِ تفسيرُ
نحن نهواكَ، لا لشيءٍ، سوى أنّـ
ـكَ من أحمدٍ أخٌ ووزيرُ
وحُسامٌ يحمي، وروحٌ تُفدِّي
ولسانٌ يدعو، وعقلٌ يُشِيرُ
ومفاتيحُ من علومٍ، حَباها
لكَ، إذ أنتَ كنزُها المذخورُ
ضَرَبَ الله بين وَهْجَيْكُما حَدَ
داً: فأنتَ المَنارُ وهوَ المُنِيرُ
وإذا الشمسُ آذنَتْ بمَغيبٍ
غَطّتِ الكونَ من سَناها البدورُ
* * *
نحن، يا قَومَنا، وأنتُمْ على دَر
بِ سَواءٍ، يَلَذُّ فيه المَسيرُ
غيرَ أنّا نَسري إلى (الوحدةِ الكبـ
ـرى) وندري: أنّ الطريقَ عَسيرُ
في مَتِيهٍ تناهَبَتْهُ الأعاصيـ
ـرُ، وجُنّت بجانبيهِ الصخورُ
وعلى دَربنا إلى القِمّةِ السمـ
ـحاءِ، شَوكٌ يُدمِي، ورملٌ يَمورُ
وبنو عمِّنا تُراوِحُ في السيـ
ـرِ، وتدري: أنّ الوقوفَ خَطيرُ
ويقولون: إنّ نهراً من الفُر
قَةِ يَنشَقُّ بيننا ويَغورُ
وعلى ضِفّتيهِ يمتَلىءُ التا
ريخُ حِقداً.. فيستحيلُ العُبورُ!
صَدَقوا… غيرَ أنّنا لا نُحِيلُ الـ
ـأمرَ ما طالَ حولَهُ التفكيرُ
بعضُ ما يُستحالُ من وَحْدَةِ الرأ
ي قُصورٌ، وبعضُهُ تقصيرُ
وإذا طابَتِ النوايا تلاقَتْ
في هوى الضِفّتينِ منا الجُسورُ
قارِبُونَا، نَقْرَبْ إليكمْ، وخلّوا
الحقدَ تَغلي قلوبُهُ وتفورُ
فسيصحو الطُّهاةُ يوماً، وقد ذا
بتْ بنارِ الأحقادِ، حتى القُدورُ
* * *
نحن، يا قومَنا، سُراةُ طريقٍ
يستوي بَدؤنا به والمَصيرُ
قد صَعِدنا به إلى ذُروةِ المجـ
ـدِ، فما عاقَنا اللظى والهجيرُ
واستثارَ الإسلامُ موتى مَوَاضِينا
فَهبّتْ.. وفي شَباها النُّشورُ
وَدَعَتْنا بدرٌ لصَحوَتِنا الأو
لى وأحدٌ، وخيبرٌ، والنَضِيرُ
فَركبْنا مَتنَ الزمانِ، وقُدنا الـ
ـموتَ أعمى، يَسير حيثُ نسيرُ
وأتَينا (هِرَقْلَ) ([264]) في ضِفّةِ (الير
موكِ) شُعثاً، فارتجّ فيه السريرُ
قد مَزَجنَا أمواجَهُ بالعِقاصِ الـ
ـشُقرِ فاندافَ طِينُهُ والحريرُ
واقتحَمْنا (الأيوانَ) هُوجاً فلا (رُسْـ
ـتُمُ) كَفَّ الردى، ولا (أردشير)([265])
اسألوه: هل شبَّتِ (النارُ) فيه
مُذْ دخلنا، وفي ظُبانا (النورُ)
يا لأمجادنا: أنَحنُ بقايا الـ
ـسيفِ منها، أم غِمدُهُ المكسورُ
هَدّنا ذُعرُنَا وحارَتْ سرا
يانا: أَغُولٌ يَقودُها أم أميرُ؟!
* * *
أيّها الخانِعونَ قد أَينَعَ الذُعـ
ـرُ، وأعطى ثِمارَهُ التذعيرُ
وملأتُمْ أَسواقَنا بغِلالِ الـ
ـجُبنِ، حتى استكانَ منّا الجَسورُ
فأَلِفْنا (العَوِيلَ) حين نَبا في الـ
ـسمعِ من جاثِمِ الأسودِ (الزَئيرُ)
واصطنَعتُمْ للفكر سُوقَ رقيقٍ
سِيمَ فيه النُهي، وبِيعَ الضميرُ
فقرأنا ما دبَّجوا من مَعاذِ
ير هُروبٍ، تَخزى عليها السُطورُ
وسَمِعنا صَوتَ الهزيمةِ، يُخفيـ
ـهِ ـ على بُؤسِهِ ـ خِطابٌ مُثيرُ
وعَلِمنا ـ كما تُريدونَ ـ: أنّ الـ
ـحَربَ في مثل حَالِنا تغريرُ
وبأنّ الجيشَ سَدَّ عينَ الـ
ـشمسِ ـ ما رَدَّ عادياً ـ مَعذورُ
والسلاحَ الذي حَشَدنا، فضاقتْ
بضحاياه من بَنِينا، القبورُ
قد عَذَرنا به الأساطيلَ لم تُر
هِبْ سَفيناً، ولم تَهَبُها بحورُ
وَعَذَرنا حتى (الأواكِسَ)، لم تَكـ
ـشِفُ مَغَاراً.. وكيف يَرنو ضَرِيرُ!!
حسبُكُمْ أيّها المَلِيئون نُصحاً
وانهزاماً، فسعيُكم مشكورُ!
اتركونا.. تُحارِب السيفَ أودا
جٌ، وتُردي الرُمْحَ اللئيمَ صُدورُ
وأريحوا سِلاحَكم، وأَعِدّو
هُ لشعبٍ، تَحتَ الرّمادِ، يثورُ
ودعونا نَرمي الحجارةَ من كفٍّ
صغيرٍ يَحمِيهِ عَزمٌ كبيرُ
فوراءَ (المِقلاعِ) بأسٌ وصِدقٌ
ووراءَ (الصاروخِ) رُعبٌ وزور
وللشاعر جودت القزويني:
(غديرُكَ، قد عادَ في (لندنا)
و(لندنُ) تَضحكُ من جهلنا
ولندنُ (شيعيّةٌ) لا تلين
ولا تبتغي غيرَ إرضائنا
سلامٌ على (التاج) في زهوهِ
سلام الورودِ لومضِ السنا
أبا حسنٍ، عادَ يومُ (الغَدير)
ليكشفَ داءً بنا مُزمنا
ليكشفَ أنَّ «السياسةَ» أمرٌ
تُدارُ خفاياهُ مِنْ «خلفنا»
وعادتْ (عمائمُنا) للمخاضِ
في الحربِ والسلمِ تُدمى بنا
متى احتجتَ أنْ يُطنِبَ المادحونَ
بمدحك، أو يلهجوا بالثنا
وهل وَجَد القومُ غاياتهم
وهل فَازَ جمعُهمُ بالمُنى؟!
وذاتُكَ من فيضِ هذا الوجودِ
أغلى، وأجملُ ما في الدُّنا
لقد جفَّ نَبعٌ بأرضِ (الحجاز)
فأصبحَ يَهدرُ في (لندنا)
فَوَاعجباً بين أرض الهجير
وأرض الثلوجِ مَلاذٌ لنا
وأنَّ «العمائمَ» مُلْتفَّةٌ
هناكَ، ومَرخيّةٌ هاهُنا
فما لمعَ البرقُ مِنْ «حاجرٍ»
ولا وَقَفَتْ خيلُنا في «مِنى»
وصرتَ شعاراً لنيل الحقوق
من معشرٍ خلتَه ديّنَا
فأينَ «فقارُكَ» في حدّهِ
وأينَ السيوفُ، وأينَ القنا؟!
* * *
أبا حسنٍ، عادَ يومُ (الغدير)
وعُدنا لنقطفَ منه الجَنى
وعُدنا أُسارى نَفكُّ القيود
نُقسّمُ أحزانَنا بيننا
فَهلْ آيةٌ منكَ تُنسي الجراح
وترجعُ للنازحِ الموطنا
فذكراكَ عطرٌ، ونفحُ الشذى
وذكرُك يستوقفُ الأزمنا
إذا أجدبَ المحَل كُنتَ الربيعَ
وإنْ يَبُسَ الربعُ فالسوسنا
تعيشُ العصورُ على شاطئيك
ويبقى (غديرُكَ) مُسْتَيقَنَا
وتبقى (الولايةُ) رهناً عليك
وحسبُ البريةِ أنْ تذعنا
وأخطرُ نازلةٍ في الخطوب
إذا أصبحَ النَبعُ مُسْتَهجنا
هنا حفنةٌ من بقايا الرجال
تُضَلِّلُ أفعالُها الأعينا
بنيتَ لهم صَرْحَ بيتٍ عتيقٍ
فعادوا يهدُّونَ ذاكَ البِنا
لقد حرَّفوا آيةً آيَةً
وما تركوا موطناً موطنا
عمائمُهم بين «سودٍ» و«بيضٍ»
تُعيدُ لنا الدفءَ والمأمنا
ولم ندرِ أنَّ وراء الستار
خفايا قد اتخذتْ مكمنا
فَواعَجَباً، والعجائبُ شتى
يُداوي جراحُكُمُ جُرْحَنَا
فأموالُكمْ قِبلةٌ للصلاة
و«إبليسُ» في جمعِكمْ أذَّنا
* * *
فيا عُصْبَةً شاعَ فيها الضَلال
ولم يكُ إصلاحُها مُمكنا
سلّبتمْ من العطر أشذاءهُ
ومن بُؤرةِ العينِ طيفَ السنا
فكُنْتُمْ، ولم تُدْرِكوا مطلباً
زُناةً تُبررُ فِعلَ الزنا
إذا أمَّ جمعكمُ غافلٌ
يُضَللُ من قبلُ أنْ يَفطنا
«عمائمكم» عُرْضَةٌ للخداعِ
و«آياتُكم» مَطْمَعٌ للغِنى
متى يظهرُ العدلُ في أمةٍ
تَسيرُ ركائبُها للفناء؟!
دعوا ساسةَ النفعِ أوهامكم
فكلٌّ على جهلهِ بَرْهَنا
الغديرية
قصيدة شعرية طويلة فيها نفس ملحمي للشاعر العاملي الشيخ محمد حسين شمس الدين المولود في قرية مجدل سلم بجبل عامل (لبنان) سنة 1280 هجرية والمتوفى سنة 1343 هجرية/ 1924م تدور على حياة علي عليه السلام ومناقبه ووقائعه ومحورها ما قاله النبي في حق علي يوم غدير خم.
وقد طبعت القصيدة أكثر من مرة ومما جاء فيها:
اليوم أكملت فيه دينكم نزلت
ونعمة اللّه في الإسلام قد كملت
وألسن الشكر آيات الثناء تلت
إذ حجة المرتضى بالنص فيه علت
يوم الغدير فأضحى للورى عيدا
يوم به المصطفى من فوق منبره
علا وأدنى إليه صنو عنصره
وظل يتلو عليهم طيب مخبره
وحياً تنزل فيه من مطهره
فيا له من مقام كان مشهوداً
يوم به قد أقام المرتضى علما
إذ كان من ذاته العليا يداً وفما
وقال من كنت مولاه فلا جرما
فالمرتضى هو مولاه الأمين كما
أوحى إلي به الرحمن تأييداً
فقال من قال في ذاك المقام بخ
أصبحت مولى الورى إذ كنت خير أخ
فكان أعلاهم حاشاه من بذخ
قدراً وقرآن حق غير منتسخ
والله مجده في الذكر تمجيداً
من مثله وسط بيت الله قد وضعا
ومن على كتف الهادي قد ارتفعا
ومن بتكسير أصنام محا البدعا
ومن بمرقد طه لم يبت فزعا
والكفر قد جاش إرعاداً وتهديدا
أما وعلياه لولا حد صارمه
ما انقض بنيان كفر من دعائمه
سبحانك الله راميه بهادمه
سل التاريخ تنبي عن ملاحمه
كم قط معترضاًبالسيف صنديدا
سل يوم بدر وهل يخفى على أحد
وسل ذوي العلم ماذا كان في أحد
وعج على خيبر مستعلماً تجد
من المآثر ما يأتي على العدد
وما يشق على الأفهام تحديدا
يوم به فر من قد فر من رجل
وعادت الراية العظمى على خجل
وقال طه سأعطيها إلى رجل
يكر ليس بهياب ولا وكل
قد صيغ صارمه للفتح إقليدا
فمد كل إليها عنقه أملاً
والمصطفى لا يرى منهم لها رجلا
فقال أين أخي الكرار وابن جلا
فجاءه لا يرى سهلاً ولا جبلا
فأبرأ الريق منه العين تضميدا
وكر حيدرة الكرار مبتهجاً
على اليهود يقد الهام والمهجا
فأسرعوا هرباً منه بغير حجى
استوثقوا دون باب الحصن مرتتجا
الحصن أمنع إحكاماً وتشييدا
وباب حصنهم نحو السماء دحا
براحة كم أدارت للحروب رحى
ومرحباً قده بالسيف فانكفحا
من بعد ما كان يثني عطفه مرحا
سرعان وسده الرمضاء توسيدا
سل ابن ود زعيم الشرك كيف جرى
به ففي أمره ما أوضح الخبرا
يوم استفز جيوش العرب مبتدراً
إلى المدينة لا يبقي لها أثرا
وجال مقتحماً تلك الأخاديدا
وظل يدعو إليه من يبارزه
ولا يرى أحداً ممن يحاجزه
والمصطفى يتوخى من يناجزه
فقام من بهرت فيهم معاجزه
يستلفت المصطفى بالإذن ترديدا
فقال خير الورى للمرتضى علناً
هذا ابن ود لدى الهيجاء ما وهنا
وكان في قوله للقوم ممتحناً
فقال حيدرة الهيجا له وأنا
أولى به دونهم قتلاً وتشريدا
واستلّ مرهف عزم دونه القدر
ما أن تخلف عنه في الوغى الظفر
وانقض ما مسه جبن ولا خور
إلى الوغى والوغى لها خطر
عدو الخماسي نحو الماء مورودا
فقال عمرو ومن ذا أنت فانتسب
فلا أبارز إلا واضح النسب
فقال صنو النبي المصطفى العربي
أنا ابن أكرم أم في الورى وأب
استجمع العزم تقريباً وتبعيدا
فقال عمرو أما يخشى ابن عمك إذ
دعاك لي فإلى ظل المثقف لذ
وأعطني السلم إشفاقاً عليك وخذ
نصيحتي وبسيفي من حمامك عذ
لا يرهب الجذع البزل الجلاعيدا
فقال يا عمرو إني لم أهم جزعاً
فكن لما أتوخى منك مستمعا
اِرجع بجيشك أو كن للهدى تبعاً
أو لا فها أنا والهيجا وأنت معا
انظر بأمرك تصويتاً وتصعيدا
فراغ كل إلى صمصامه غضباً
مستجمعاً عزمة منه أحد شبا
واستقبل المرتضى عمراً كما طلبا
وأوغل السيف في ساقيه منتصباً
فخر منعفراً كالطود مهدودا
فكبر القوم بشراً حين جدله
ضرباً وأكبرت الأحزاب مقتله
فدمر الكفر تاليه وأوله
واستأصل البغي أعلاه وأسفله
بضربة تركت أعلامهم سودا
فيا لها ضربة ما كان أبعدها
صيتاً وأجملها ذكراً وأحمدها
فاسأل به العرب من للحرب أخمدها
وسل عتات قريش كيف بددها
بذي الفقار أبو السبطين تبديدا
الغَرّاف
الغراف نهر ينشعب من دجلة قبالة بلدة الكوت كانت ولا تزال تعيش عليه أهم القبائل العراقية رفاهاً وأسعدها عيشة فهو سرة العراق وجنة عدنه وتدل آثاره القديمة البارزة وتلوله الكثيرة الشاخصة على أنه كان موطناً لحضارات كلدانية وفارسية وعربية عظيمة ولكن ليس في الكتب التي بأيدينا من قديمة وحديثة ما يرشدنا إلى تاريخه الصحيح فالكتب تذكر وجوده في زمن الكلدانيين وأكثر المؤرخين العرب متفق على أنه إن لم يكن من آثار المعتصم العباسي فهو من آثار العباسيين بدون شك.
كانت أكثر مياه دجلة تسيل في الغراف منذ أيام الساسانيين حتى سنة 1500 وكان القليل منها يسير ماراً بالعمارة الحالية فالقرنة. وفي سنة 1575 انقسمت مياهه بين هذين الطريقين إلى قسمين متساويين. وفي سنة 1650 رجعت المياه كلها إلى الطريق الشرقي. ويدعى فرع الغراف الآن شط الحي.
وطول الغراف حوالي الـ (150) ميلاً إنكليزياً ويبلغ عرضه أحياناً 50 متراً وهو بعد خروجه من دجلة يمر بأراضي أم حلانة فمحيرجه (التي سميت مؤخراً بالموفقية لوقوعها على نهر الموفق المنشعب من الغراف والمعروف في كتب المعاجم) فالحي المعروفة بحي واسط فقلعة سكر فالرفاعي فالشطرة. وهو قبيل دخوله الشطرة بثلاثة أميال ينشطر إلى شطرين: كبير يدعى البدعة ويذهب إلى هور الحمار وصغير يسمى باسم الشطرة وينحدر إلى ناحية الغراف التي تعرف قديماً بـ (سويج الدچة) وينشطر جنوب الناحية إلى شطرين: شط الكسر وشط آل إبراهيم حيث يختلط في الفرات من مصبين: مصب السديناوية الواقع في جنوب الناصرية لنهر الكسر ومصب شط آل إبراهيم الذي ينتهي إلى هور الحمار.
وتقطن على الغراف القبائل العربية الش… ىة الضخمة ذوات البطون والأفخاذ والعدة والعدد كآل سراج ومياح وبني ركاب وآل حميد والشويلات والعبودة وبني زيد والبو سعد وبني سعيد وخفاجة وآل أزيرج وآل إبراهيم وبني مالك وغير ذلك كعكيل والقراغول ممن هم أقل عدداً من أولئك.
وقد استدعت الحكومة التركية السير ويليمويلكوكس المهندس الإنكليزي الذي أقام القناطر الخيرية في القاهرة وطلبت إليه أن يدرس مشاريع الري في العراق بصورة مفصلة ويضع تقريراً مفصلاً عما يحتاج إليه عمران البلاد فجاء الرجل إلى بغداد عام 1908 ومكث فيها ثلاث سنوات يجوب البلاد تارة بالنهر وطوراً بالبر حتى انتهى به البحث أن يقدم مقترحات خطيرة لإصلاح طرق الري في العراق ومن جملتها إقامة سد على الفرات وآخر على دجلة في الكوت لإحياء الغراف ثم عهدت إليه الحكومة بإقامة سدة الفرات أو سدة الهندية فأتمها في أواخر عام 1913 وجاءت الحرب العالمية بكوارثها فحالت دون إنشاء سدة الكوت وانتقل العراق من الأتراك إلى الإنكليز ومن هؤلاء إلى العراقيين والغراف يضمحل سنة بعد أخرى وعشائر الغراف تظعن إلى البصرة وسائر الجهات تطلباً للزراعة وعمران الغراف يسير من سيىء إلى أسوأ حتى ألهم الله الرجال المسؤولين بوضع مشروع سدة الكوت في المناقصة لإحياء هذا النهر العظيم فرست المناقصة على شركة بلفور بيتي الإنكليزية وبوشر بالعمل الخالد في عام 1934 وانتهى منه في عام 1938 وجرى افتتاحه بصورة رسمية في 29 آذار 1939.
نهر الغَرّاف عند سد البدعة
وطول السد 500 متر وعرضه من رؤوس الدعامات إلى منتهاها 13 متراً و925 مليمتراً وله 56 باباً عرض كل منها ستة أمتار وارتفاعها 9.20 أمتار وهذه الأبواب من المعدن وهي تنزل إنزالاً كما ينزل السيف في القراب وأقربتها من الآهين «الحديد المصبوب» وتنزل فيه بواسطة مرافع «جمع مرفعة» مخصوصة تشتغل باليد بواسطة ثقالات وعلى الجانب الأيمن من السد درافتان متتاليتان عرضهما ستة عشر متراً ونصف المتر وطولهما 870 متراً وقد أنشئتا لتأمين عبور السفن من جهة إلى أخرى لأن الماء الذي في جهة السد اليمنى يعلو الماء الذي في الجهة اليسرى ولا سيما في أيام انخفاض الماء فإذا أريد عبور إحدى السفن فتحت باب الدرفة ليكون الماء الذي فيها موازياً لسطح الماء في الجهة التي يراد منها عبور السفينة فتدخل السفينة في الدرفة آمنة مطمئنة ويغلق بابها ثم يفتح الباب الثاني ليوازي الماء الذي فيها سطح الماء الذي في الجهة الذي يراد خروج السفينة إليها وهكذا تخرج السفينة آمنة مطمئنة وقد روعي في إنشاء السد آخر ما وصل إليه الفن الحديث ومن ذلك أنه أنشىء بجانب الدرافتين ممر لعبور الأسماك من خلف السد إلى مقدمه معاكساً لتيار المياه.
والسد كله مبني بالملاط وتفتح كافة أبوابه في موسم الفيضان فتجري المياه مجراها الطبيعي، أما في أشهر الصيف فلا يفتح من هذه الأبواب إلا ما يقول به نظام الري لتوزيع المياه توزيعاً عادلاً وتحقيق الغاية من إنشاء السد وقد بلغت نفقات البناء 948.000 دينار وبلغت كلفة الأعمال الحديدية الخاصة به 187.000 دينار([266]).
وفي الغراف يقول الشيخ علي الشرقي:
زهو القصور ونزهة الأرياف
غرف مطلات على الغرافِ
تلقى الحضارة والبداوة عندها
بإزاء أفرع أو بجنب طرافِ
شالت نوافذها كعين ملاحظ
وتطابقت كجفون عين الغافي
معمورة الأطراف كم من ليلة
بجوارها معمورة الأطرافِ
والنهر مضفور السلاسل فله
جرى النسيم وكف منه الضافي
يجري وتصدعه النسائم صدفة
فنثاره صدع من الأصداف
الغريب في القرآن
الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر: هو كتاب لأبان بن تغلب المتوفى سنة 141 هـ وهو أول من ألّف في هذا الموضوع.
والسيوطي في الأوائل يقول: إن أول من صنّف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر المثنى المتوفى سنة 208 أو 209 أو 210 أو 211. يقول ذلك مع نقله في (بغية الوعاة) عن ياقوت أن أبان بن تغلب صنّف غريب القرآن، وذكر أنه مات سنة 141. فكيف يقول إن أول من صنّف فيه أبو عبيدة مع تأخر وفاة أبي عبيدة عن وفاة أبان بسبع وستّين سنة على الأقل!!.
وجاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي فجمع من كتاب أبان ومحمد بن السائب الكلبي وأبي روق بن عطية فجعله كتاباً واحداً فيما اختلفوا منه وما اتفقوا عليه. فتارة يجيء كتاب أبان منفرداً وتارة يجيء مشتركاً على ما عمله عبد الرحمن.
وعن أبان يقول النجاشي: عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله عليه السلام وروى عنهم، وكانت لهم عندهم منزلة. وقدم.
قال له أبو جعفر عليه السلام: اِجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك.
ولأبان قراءة مقروءة مشهورة عند القراء.
غزة
من أقدم مدن العالم، ويقال إن الكنعانيين ـ وهم أول من استوطن أرض فلسطين ـ هم الذين بنوها. وكانت غزة عاصمة لدولة الفلسطينيين الساحلية التي امتدّت من أسدود شمالاً حتى رفح جنوباً.
وتطورت غزة على مر العصور كمدينة ذات موقع هام تربط ديار مصر بالشام، ومحطة تمر بها القوافل التجارية القادمة من مكة ومدن الحجاز إلى الشام في رحلتها الصيفية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.
وكان هاشم بن عبد مناف والد عبد المطلب جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد قريش وسادن الكعبة على رأس إحدى القوافل التجارية، فمرض ومات في غزة ودفن بها ولا يزال قبره فيها يزار، ويعتبر من أهم المعالم التاريخية في غزة، حيث أطلق عليها المؤرخون (غزة هاشم).
غزنة
على طريق كابول ـ قندهار، وعلى مسافة 135 كيلومتراً جنوب غرب كابول، تقع مدينة صغيرة تسمى (غزنة)، طبّقت شهرتها الآفاق.
وليست هذه المدينة من المدن التاريخية لأفغانستان وحسب، بل أنها كانت تعدّ من كبريات المدن والمراكز التجارية والصناعية في آسيا.
إن أقدم وثيقة تأريخية ورد فيها ذكر «غزنة» هي (الآوستا). واعتبرها بعض المؤرخين «گزاكه Gazaka» التي أشار إليها بطليموس الجغرافي اليوناني. وقال بعضهم إن غزنة أو غزني تعني الخزانة، كما ورد في نصوص (ياني).
وفي بدايات القرن السابع الميلادي، وفي المذكرات السياحية للرحالة الصيني المعروف «هيوان تسانغ» Hiuen tsiand الذي سافر إلى الغرب أي آيانا والهند؛ وعن بعض مناطق غزنة التي زارها يقول:
ومن تلك المناطق الجديرة بالتدقيق (هوسي نا) و(هوسالا)، وإنّ الوصول إلى هذين الموقعين يرشدنا في الوصول إلى آثار غزنة قبل الإسلام.
إنّ المحققين الأوروبيين يطلقون (هوس نا) على غزنة، ويعتبرون هواسالا إلى الشمال الغربي منها.
أما المؤرخون المسلمون فقد ذكروا غزنة بلفظة المثنى غير المرفوع (غزنَين) وكذلك بلفظة (غزنة) الذي يعني أنها مشتقة من كلمة Gazni وعلى أية حال، فإن شهرة غزنة وأهميتها التاريخية لأفغانستان والشرق، تبدأ مع ظهور السلالة الناصرية أي الملوك الغزنويين في القرن الحادي عشر (أواسط القرن الرابع الهجري).
كما أن المسلمين الذين تقدموا صوب كابول في أفغانستان، إنما وصلوا إليها من غزنين. ففي 351 هـ 963 م هزم الپتكين ـ من أمراء أحمد بن إسماعيل الساماني ـ اثني عشر ألفاً من فرسان الأمير منصور ـ أخ عبد الملك الساماني ـ في طريق عودته من بلخ، في أطراف وادي بلخ. وتحرك صوب غزنة. وبعد إلحاقه الهزيمة بـ (أبي بكر لاويك) ـ حاكم المنطقة ـ احتل قلعة غزنة، وأعلن الملكية فيها. وهكذا، ولأول مرة في تاريخ غزنة ـ تكون هذه المدينة مقراً لحكومة مستقلة. بعدها احتل الپتكين أجزاء من كابول وضمّها إلى غزنة. وتوالى على عرش غزنة كل من پلچاتبن وپرتيكين، وهما من أمراء وقادة جيش الپتكين. حتى وصل الدور إلى الأمير سبكتكين الذي كان هو الآخر من أمراء الپتكين في 977 م، حيث بلغت غزنة أوج مجدها في عهده.
أما السلطان محمود، الابن الثاني للأمير سبكتكين. فهذا الملك المشهور الذي فرغ تواً من إنقاذ أفغانستان (في فترة موت أبيه) من حملات پيشاور، وتوقف بجيشه المنتصر في خراسان، انطلق ـ بمجرد سماع نبأ وفاة أبيه ـ إلى غزنين. وفي عام 998 م، وبعد اشتباكات بسيطة استطاع أن يستلم عرش غزنة من أخيه إسماعيل.
وخلال 33 عاماً، نالت غزنة من التقدم والرقي والمدنية والعمران الإداري والصناعي والزراعي والعلمي والأدبي ما لم تنله في أي عصر. حتى لقد صارت غزنة مأوى لأهل العلم والأدب من كل حدب وصوب. فكان من بينهم: العنصري والعسجدي والغضائري والبيروني والفردوسي وأمثالهم.
لقد بلغت غزنة في عهد آل ناصر عصرها الذهبي. لكن فكما أن لكل حضارة أُفولاً ونهاية كذلك كانت حضارة غزنة آخذة بالتراجع زمن حكومة بهرام شاه الغزنوي، وذلك أثر معارك مع الحكام المحليين. فلم تمض فترة حتى استطاع (علاء الدين حسين الغوري) القضاء كلياً على سلطة (بهرام) واحتلال غزنة وإحراقها، باستثناء مرقد السلطان محمود. ولهذا سمّي علاء الدين هذا بالمحرِق.
كانت غزنة حتى 613 هـ من مراكز ملوك الغزنويين، وفي هذه السنة تعرضت لغزو علاء الدين السلطان محمد خوارزمشاه بعد موت (تاج الدين يلدز) آخر ملوك السلسلة الغورية ـ وظلّت غزنة تحت الاحتلال الخوارزمي حتى 618 هـ/ 1221 م حيث استولى عليها: جيش جنكيز خان بقيادة Ogotai ابن جنكيز، وأضاف إليها وألحق بها دماراً كاملاً.
وفي عام 634 وصلت ما وراء النهر وغزنين وكابول حتى نهر السند يد جغتاي خان الابن الثاني لجنكيز خان. واستمر تسلط المغول على غزنة حتى عهد أباقاخان الذي توفي 680 هـ.
لقد ألحقت غارات المغول وحروبهم ضربات كثيرة بمدينة غزنة وهدوئها وحياتها المدنية. ولم تستطع غزنة ـ منذ ذلك التاريخ ـ أن تنهض على قدميها وتعمر خرائبها وما لحقها من دمار.
فكما يقول ابن بطوطة الرحالة العربي الذي دخل غزنة حوالي 732 هـ/ 1332 م ـ أي بعد أكثر من قرن على استيلاء المغول عليها: أنه لم يجدها سوى خرائب.
وفي 666 هـ ضم أباقاخان ولايات هرات وغور وغزنة وكابول، إلى (شمس الدين محمد بن أبي بكر الكرتي) حفيد الملك (ركن الدين الغوري) من ابنته. وهكذا ظلت غزنة بعد أباقاخان حتى حوالي 785 هـ، تحت سيطرة الكريتين.
وفي السنة المذكورة تمكن الأمير تيمور گورگان (تيمور لنك) من السيطرة على ولاية خراسان (أفغانستان) ووضع نهاية لسلسلة ملوك الكريتين.
وفي 804 هـ/ 1401 م أودع حكمها إلى أحفاد (پير محمد).
بعد تيمور جلس على عرشها شاهرخ في 807 هـ.
وبعد شاهرخ ابنه (الغ بيكك) الذي كان كأبيه عالماً، وقاد الجيوش نحو خراسان. واسترد غزنين من ابن أخيه (علاء الدولة بن بايسنغر) وبعد (الغ بيكك) تصرف ابن (عبد اللطيف ميرزا) الذي لم يدم حكمه أكثر من سبعة أشهر، في ملك أبيه.
وعدنما قُتل عبد اللطيف، جلس مكانه (أبو القاسم بابر بن بايسنغر) وعندما قضى في 860 هـ، توجه السلطان أبو سعيد بن سلطان محمد بن ميران شاه بن تيمور إلى سمرقند واحتل خراسان وغزنين إلى حدود الهند.
وفي 875 هـ هجم السلطان (حسين بايقرا) على (ميرزا ياوكاز محمد بن ميرزا محمد علي بايسنغر) الذي كان يحكم بعد الشاه السلطان السابق (أبي سعيد) واحتل (بايقرا) خراسان كلها وغزنين حتى وفاته في 911 هـ. حيث وقع الخلاف بين ولديه (بديع الزمان ميرزا) و(مظفر حسين ميرزا) وتسلل إليهما الضعف. وتمكّن (ظهير الدين محمد بابر بن عمر بن الشيخ أبي سعيد) في 910 من احتلال «كابول» وغزنين ـ أولاً ـ ومن ثم: قندهار فالهند. ونقل دار السلطنة إلى دهلي.
والخلاصة، أن غزنين ظلّت تنتقل من يد إلى يد، وفقدت أهميتها التي كانت تحظى بها على عهد الغزنويين، وأخذت تزداد تدهوراً على مر الأيام. ولم يتوقف انهيارها وتوجيه الضربات إليها حتى في العصور الأخيرة. فعندما قُتل الوزير (فتح خان بن محمد خان) على يد الشاه (محمد بن تيمور) بن أحمد شاه باباي، ووقعت سلسلة من المعارك والحروب بين الشاه محمود وأخوة الوزير المقتول، تلك التي أدّت ـ في النهاية ـ إلى سقوط هرات بيد الشاه محمود، وبقيت كابول وغزنة بيد إخوة (فتح خان). فقد مات محمود في 1244 هـ ووصل ابن كاميران إلى السلطة في هرات. واستولى الأمير دوست محمد خان بن يابنده خان (محمد خان) على الأمراء السدوزائيين، وأخذ بيده زمام الأمور في غزنة وكابول.
أما في 1255 هـ فإن الملك (الشجاع) استطاع مجدداً أن يأتي إلى أفغانستان مع أمواج الإنكليز وأن يحتل كابول وغزنة. ووقعت اشتباكات شديدة في غزنين ضد القوات الإنكليزية الغازية تعرف باسم الحرب الأولى في أفغانستان أو حرب عام 1839 م بعدها تمركزت القوات الإنكليزية في غزنة في نوفمبر 1841 م حتى مارس 1843 م؛ لأن القوات الوطنية للشعب الأفغاني أجبرت القوات الأجنبية المهاجمة على التخلّي عن مدينة غزنة من جديد.
وفي ديسمبر عام 1843 م قام القائد الإنكليزي Nott بعد تركه المدينة ـ وبأمر من اللورد بورت ـ بنهب بوابات ضريح السلطان محمود ووضعها في أكره.
وقد سجّل Battrary أحد الكتّاب الإنكليزي تلك الوقائع في كتاباته قائلاً:
«لا تزال الآثار التاريخية العظيمة في غزنة قائمة».
وفي الفترات الأخيرة، وتحديداً في عام 1869 م قام الأمير (شير علي خان) بحبس الأمير (محمد أفضل خان) في غزنة، حتى استطاع الأمير عبد الرحمن خان أن يهزم الأمير شير علي خان بالقرب من سيد آباد ويطلق سراح أبيه.
وفي عام 1868 م تحوّلت غزنة مجدداً إلى ساحة للحرب، وهزمت قواتُ الأمير شير علي خان قواتِ الأمير محمد أعظم خان والأمير عبد الرحمن خان؛ هناك.
كانت هذه خلاصة لتاريخ مدينة (غزنة) ـ أحد أكبر المراكز الإسلامية في آسيا قديماً. وفي عهد السلطان محمود الكبير امتدّت رقعة حكمه فيها حتى نهر أكنج، ومن بحيرة (أورال) حتى المحيط الهندي والصحراء المسماة (راجيوتان).
لقد كانت غزنة مركزاً إدارياً وسياسياً وعلمياً إسلامياً مهماً. واليوم فإن غزنة تتألق تدريجياً لتستعيد أمجادها التاريخية وتجتذب إليها السوّاح من كل مكان.
وأكثرية سكان غزنة اليوم هم من الشيعة ويسكنون في القسم القديم منها في حي طقشة، وفي القسم الجديد في كل من: جادة ظاهر شاهي وكلاه سبنزواري ومندوي وسره كاريزي وخاجه أحمد.
أما في ضواحي غزنة فالضواحي الآتية كلها شيعية: منطقة خاجه عمري المشتملة على ثلاثين قرية بينها قريتان هما علي آباد ونه برجه، جميع أهلها سادة حسينيون. ومنطقة مالستان ومنطقة آلوه داني.
كما أن الشيعة يوجدون في ضواحي غزنة، في كل من بكاول، والشيعة فيها كلهم موسويون، وقلعة نووسره ريك وقره باغجي رنوغي ومونكر ولاشمك وجلوكير وأمد أوقياق وبيوكه وده خداد ادوزركر.
وصول المغول إلى غزنة
ذكرنا تفاصيل الزحف المغولي بقيادة جنگيز حتى انتهاء أمر علاء الدين خوارزم شاه في مكان آخر.
ذكرنا بعض ذلك في بحثي (بخارى) وسمرقند، فتراجع التفاصيل هناك.
وسنرى هنا ما كان من أمر المغول مع الخوارزميين بعد علاء الدين محمد خوارزم شاه:
نهاية علاء الدين محمد خوارزم شاه في (آب سكون) لم تكن نهاية المقاومة الخوارزمية للمغول، بل كانت نذير تلك النهاية.
فقد بقي من علاء الدين ولده جلال الدين منكبرتي، وبقي له ستون ألف مقاتل وصار جلال الدين في غزنة ومعه أولئك الجند ينتظرون ما سيصير إليه الأمر، ولم يكن جنگيز على الهزيمة، فقد تمثلت عنده أمراً جللاً ربما جرأ الناس عليه، وكانت فاتحة عهد من نضال ظافر!. لذلك عاود الكرة فأرسل هذه المرة جمعاً أعظم من الجمع الأول وجعل قيادته لأحد أولاده.
ومضت الحملة الجديدة تجر معها العديد من أسرى المعارك الأولى من المسلمين، ربما لتتخذ منهم دريئة، وربما لتهول بهم على المقاتلين نظير ما فعلته في معارك بخارى وسمرقند وغيرها من قبل. والتقاها جلال الدين في كابول وصمد الفريقان وقاتلوا أشد قتال فانهزم المغول هذه المرة أيضاً وخلفوا وراءهم ما لا يحصى من القتلى، وتخلوا مرغمين عن أسرى المسلمين وكانوا خلقاً عظيماً على حد تعبير صاحب (مفرج الكروب)، كما تركوا غنائم كثيرة.
ويبدو أن الغنائم كانت من الوفور بحيث أغرت بالتنازع عليها، ولم يحفل المنتصرون بعظيم ما جنوه من هزيمة الطغاة، وعظيم ما يرجى من وراء انتصارهم، ولا ازدهاهم ما تجرؤوا به على المغول من تكرار الهزيمة لهم والإيغال في قتالهم، ولا شغلهم التفكير في المستقبل الزاهي المنتظر لتكرار مثل هذه المعارك وتكرار النصر فيها، بل شغلهم عن كل ذلك عظم الغنائم فاختلفوا عليها.
وكان بين المسلمين أمير تركي يقال له سيف الدين بغراق، وكان من أشجعهم وأكثرهم مكيدة في الحرب، وكان له في تحقيق النصر الدور الأكبر، فوقع الخلاف بينه وبين أمير آخر يدعى ملك خان يمت إلى جلال الدين بعلاقة نسب، وقع الخلاف على الغنائم فعاد الاقتتال بين المسلمين أنفسهم، وقتل فيمن قتل أخ لبغراق. فعز ذلك على بغراق وأثاره فقال: «أنا أهزم الكفار ويقتل أخي لأجل هذا السحت»!.
ثم نادى بعسكره وفارق جلال الدين متجهاً إلى الهند، فتبعه ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً، فكانوا قوة ضخمة تترك المعركة المنتظرة.
وأدرك جلال الدين خطر ما جرى فتبع بغراق وتوسل إليه أن يرجع وبكى بين يديه وذكره الجهاد، ولكن بغراق أصر على التخلّي عن القتال وأوغل في السير، فكان ذلك كافياً لإنهاء الصراع وضمان الظفر للمغول الذين كانوا قد ساروا هذه المرة بقيادة جنگيز نفسه، فلم يقف لهم جلال الدين، بل سار قبل وصولهم متجهاً هو الآخر إلى الهند وفي طريق حجزه نهر السند فلم يستطع عبوره مع جنده لفقدان السفن، وكان جنگيز قد وصل إليهم فاشتبكوا في قتال ضار يقول عنه صاحب (مفرج الكروب): «إن ما مضى قبله من الحروب كان لعباً بالنسبة إليه»، واستمر القتال ثلاثة أيام لم ينهزم فيها أحد من الفريقين وكثر القتل فيهما جميعاً، وكان القتل في المغول أشد، وكان فيمن قتل ملك خان صاحب فتنة الغنائم.
ويبدو أن كلاًّ من الفئتين قد يئست من الظفر، وأدّى يأس المغول إلى انسحابهم إلى مكان بعيد، ورأى المسلمون أنهم منفردون في هذا المكان، وأن لا نجدات يحتمل وصولها إليهم، فانسحبوا هم الآخرون عابرين نهر السند، غير عارفين بما حل بالمغول أنفسهم من يأس وما نزل بهم من قتل وجرح.
ويرى بعض المؤرخين القدامى أن لو علم المسلمون حقيقة ما حل بالمغول لعاودوا الكرة عليهم ولكان لهم أمل كبير بالظفر بهم.
وهكذا خلا الجو لجنگيز فاستهدف هذه المرة مدينة غزنة فاقتحمها معيداً فيها فظائع بخارى وسمرقند وهرات وغيرها من قتل ونهب وهتك، ثم إحراق عام للمدينة.
لم يكن مضي جلال الدين إلى الهند مضياً دائماً، فبعد بضع سنين عاد إلى إيران فقصد أولاً إلى كرمان ثم إلى أصفهان التي كانت قد أعيت المغول، فاستولى عليها وسيطر على ما كان يسمى بعراق العجم أو بلاد الجبل. ثم وجه همه لا إلى قتال المغول بل للسيطرة والفتح داخل بلاد المسلمين واتجه إلى ما كان بأيدي الخليفة العباسي فحاصر (تستر) فلم يقدر عليها، ثم انتشر جنده حتى بلغوا أطراف بغداد وأطراف البصرة، وتقدم إلى دقوقا فافتتحها عنوة، فإذا به يُنسي المسلمين ما فعل المغول بهم فيعمل في أهل دقوقا المسلمين وفي مدينتهم أشنع من أفعال المغول من قتل ونهب وتخريب، واصطدم بعد ذلك بالكرج ـ غير المسلمين ـ فهزمهم ومضى رجاله في بلادهم نهباً وقتلاً وسبياً وتخريباً، ويقول صاحب مفرج الكروب: «فاستأصل أهلها قتلاً وسبياً»، واستولى على تفليس فسار فيها نفس السيرة الدموية.
ويبدو أن فريقاً من المغول قد انشقوا عن مركز السلطة واستقلوا بالعمل وحدهم، فخرجوا من جديد إلى البلاد الإسلامية فالتقوا بجلال الدين في وقائع لم يظفروا عليه فيها إلى أن تبلبل الموقف بينه وبين أخيه غياث الدين وبعض الأمراء في أحد المواقف مع المغول، ما جعل جلال الدين ينكفىء عن المغول الذين اتجهوا بعد ذلك إلى أصفهان فاتجه إليها جلال الدين واستطاع بمعاونة الأصفهانيين التغلب على المغول.
ثم عاود غزو المسلمين فحاصر مدينة (خلاط) واستطاع فتحها فارتكب فيها من الفظائع والأهوال إلى الحد الذي قال فيه محمد بن سالم بن واصل: «فقتل كل من وجد في البلد، وسبى عسكره الحريم وباعوا الأولاد كما يفعل بالكفرة ونهبت الأموال وجرى نظير ما جرى من التتر»!!
هذا القائد الذي لا يزال يواجه الخطر المغولي، والذي يتجه المسلمون إليه وإلى أمثاله ليحموهم من هجمة مغولية جديدة، هذا القائد المسلم تنسي أفعاله في المسلمين ما لقيه هؤلاء من المغول، ويستبيح في المسلمين مثل ما استباح المغول فيهم من قبل. هذا القائد ينسى أباه، وكان عليه ـ على الأقل ـ أن يذكره ويذكر ما لاقى من المغول، فينصرف إلى الإعداد للمعركة على المغول وجمع كلمة المسلمين وتطييب قلوبهم وجبر كسورهم!.. ولكنه كان على الضد من ذلك فكان عليهم أشد من المغول!.
وقيض الله له السلطان الملك الأشرف الذي اصطدم به في أرزنجان فهزمه، وهكذا كان هؤلاء يتقاتلون على مشهد من المغول المتحفزين، وكانت هذه المعارك تزيد المسلمين ضعفاً على ضعف وهواناً على هوان، وكان المغول يراقبونها فعندما تلوح لهم الفرصة يستغلونها أوسع الاستغلال.
ويبدو جلياً أنه لم يكن في هؤلاء الخوارزمية خير، فعلاء الدين محمد من قبل كان العامل المباشر للغزو المغولي بأطماعه وسوء رأيه، فلما بدأ هذا الغزو مليء رعباً وانهزم نفسياً وترك الأمة بأيدي المغول سائبة بلا رأس حتى فعلوا فيها ما فعلوا.
وهذا ابنه جلال الدين يرتكب ما ارتكب، ويمضي في ذلك إلى بلاد الإسماعيلية، فيقول صاحب مفرج الكروب عن فعله بهم: «نهب بلاد الإسماعيلية نهباً وخرّب ضياعهم وقتل أهلها وسبى الحريم واسترق الأولاد وعمل فيهم الأعمال الفظيعة».
ثم يصفه قائلاً: قبيح السيرة سيء التدبير جداً وهو الذي أفسد حاله وحال المسلمين».
وكان لا بد من النهاية الأليمة، فإن هزيمة جلال الدين أمام الملك الأشرف هيأت الأمر لانقضاض مغولي جديد فتتبعوا جلال الدين معيدين فيما يمرون به من بلاد سيرتهم الأولى، وجلال الدين يمضي أمامهم معلناً ـ بعد فوات الأوان ـ أنه يريد أن «يقصد الخليفة المستنصر بالله ملتجئاً إليه مستنجداً به وبملوك المسلمين على المغول».
وظل يمضي والمغول يطاردونه حتى نزل قرية من قرى ميافارقين، كان فيها رجل قتلت عساكر جلال الدين أباه وأخاه، فوثب الرجل على جلال الدين فقتله.
وبمقتل جلال الدين ونهايته انتهى كل تفكير في الإعداد لمقاومة المغول والتبصر في أمور المستقبل، وانصرف الناس إلى شؤونهم، وأمعنوا في نزاعاتهم، فتقدم المغول إلى أذربيجان وأرّان، وبلاد الجبل وكرمان وغيرها. ووصلوا إلى أصفهان، وكانوا من قبل قد عجزوا عنها، وكادوا يعجزون الآن لولا فتنة وقعت بين الأصفهانيين سهلت الأمر للمغول([267]) ومضوا بعد ذلك سائرين حتى بلغوا الفرات، وكان هذا أول وصول لهم إليه.
غمّاس
تقع مدينة غمّاس في العراق: في الجنوب الغربي من محافظة الديوانية والجنوب الشرقي من مدينة الشامية وتبعد عنها 20 كم.
استحدثت المدينة بموجب إرادة ملكية سنة 1922 م.
تبلغ مساحتها (480 كلم2) وبلغ عدد سكانها (46702) نسمة منهم (14809) نسمة يعيشون في المنطقة الحضرية و(31893) نسمة يعيشون في المناطق الريفية.
أسست هذه المدينة منذ زمن بعيد وكانت أول الأمر قرية تسمى «بـ (الخرم) لأن نهر الفرات أُحدث فيه خرم أدّى إلى تكوين النهر الذي تقع عليه المدينة ثم أطلق عليها اسم غمّاس وهناك عدة روايات حول هذا الاسم فمن هذه الروايات ترى أن أصل التسمية لمدينة غماس هو أن هذه الأرض كانت قديماً مجموعة من البحيرات التي جذبت طائراً مائياً يوجد على مسطحاتها المائية بكثرة يدعى الغمّاس ومن مواصفاته سرعة الانطلاق من علو شاهق لاصطياد السمكة ومنه جاءت التسمية، ومن الروايات الأخرى مفادها أن الصحراء التابعة لهذه المدينة يوجد على أطرافها موقع تاريخي يسمى الغماميس ويقع على الطريق بين الحجاز والكوفة ومنه اشتقت التسمية ورواية أخرى تقول إن هناك شخصاً يدعى غمّاس وكان يتّصف بالطرافة والوداعة بين الناس وهو أول الناس الذين قطنوا هذه الأرض منذ سنين طويلة.
وقد قيل إن اسم غمّاس مأخوذ من (غماس) وهو اليوم الثالث لمعركة القادسية، وهناك اعتقاد أن مؤسس مدينة غمّاس شخص يدعى السيد حسن السيد علي أبو طبيخ.
يوجد في المدينة حالياً (26) موقعاً وتلاً أثرياً يتراوح تاريخها ما بين العصر البابلي الحديث حتى العصر الإسلامي ومن أبرز هذه التلول، أبو شعير وتل ضاري وتلول بني إدريس، وتل الكزيز وغيرها من التلول والمواقع الأثرية.
تعتبر غماس مسك الختام لعذوبة نهر الفرات إذ تعتبر السدة النغيشية الحد الفاصل بين المياه العذبة والمياه المالحة لنهر الفرات، فيمكن للمرء أن يشرب ماءً عذباً من الجهة التي تقع عليها مدينة غمّاس بينما يشرب ماء مالحاً من الجهة الأخرى ويعود السبب في ذلك إلى المبازل الكثيرة التي تصب مياهها المالحة في نهر الفرات.
وتعتبر السدة النغيشية إحدى المعالم المهمة لهذه المدينة حيث تتألف من خمس بوابات كبيرة يمر من خلالها ماء الفرات إلى المدن الجنوبية.
تشتهر مدينة غمّاس بزراعة الرز وخاصة العنبر ذو الرائحة الطيبة والذي يميل لونه إلى الأخضر ويسمى «الخضيراوي» والذي تتم زراعته في أرض شديدة الخصوبة والعذوبة.
عباس السلطاني
غنائم الأيام
في مسائل الحلال والحرام ج 1 ـ 5
تأليف الفقيه الميرزا أبو القاسم القمّي (1152 ـ 1221 هـ) صاحب كتاب القوانين المحكمة.
من كتب الفقه الاستدلالي، يجمع بين إيراد الفروع، وإيراد الأدلّة العقلية، والأدلّة النقلية، ونقل الأقوال، مع رعاية الاختصار، مرتّب في أربعة أقسام، وكلّ قسم يضمّ كتباً، وكلُّ كتاب يضمّ فصولاً، وكل فصل يضمّ مقاصداً، وكلّ مقصد يشتمل على مباحث.
غنائم العارفين
في تفسير القرآن المبين
تأليف الشيخ محمد علي الشهير بالملا علي البرغاني شقيق الشهيد البرغاني ابن الشيخ محمد ابن الشيخ محمد تقي ابن الشيخ محمد جعفر ابن الشيخ محمد كاظم. ولد في برغان سنة 1175 هـ وتوفي فيما بين الطلوعين من يوم الأحد 12ربيع الثاني سنة 1269 هجرية.
من علماء الشيعة في القرن الثالث عشر للهجرة أخرج إلى البياض الجزء الأول منه في تفسير سورة فاتحة الكتاب في مجلد ضخم بالعربية وعندنا أيضاً قسم من سائر مجلداته على مذاق أهل العرفان في مسائل عرفانية غامضة لا يدركها إلا المتبحّر في هذه الشؤون وقد قال المؤلف في آخر المجلد الأول منها: (…اِعلم أني قد ملأت هذا التفسير بحول الله وقوته وبنور آثار محمد وآل محمد من أسرار عجيبة وإشارات غربية ورموزات أنيقة ولكن لا ينتفع منه كمال الانتفاع إلا من اتّصف بصفات العارفين…).
ويشتمل هذا التفسير على ديباجة تليها مقدمة في أربعة عشر فصلاً ثم تفسير الاستعاذة. وذكر المؤلف خصوصيات سورة الحمد وتفسير البسملة ثم شرع بتفسير سورة الفاتحة وراح يفرّع في تفسيره إلى إشارات وفصول يطول علينا شرحها ثم انتهى إلى خاتمة في صفات العارفين وتوسع في تفسير (مالك يوم الدين) في 374 صفحة ونقل عن أستاذه الشيخ أحمد الإحسائي آراءه وأفكاره ثم دافع عن الإحسائي في باب المعاد الجسماني ويعبر عنه: (شيخنا قطب العارفين أعني شيخنا الأوحد الشيخ أحمد…) وقد طلب منه بعض علماء العرفان أن يصنف كتاباً في تفسير المصطلحات العرفانية فصنف كتاباً وسمّاه (لسان العارفين) طبع في بمبئي سنة 1306 هجرية. وانتهى من تأليف المجلد الأول في ربيع الثاني سنة 1239 هجرية بقزوين وصرح بأنه ألّفه في مدة ستة وعشرين شهراً وعليه إجازة أستاذه الشيخ أحمد الإحسائي بخط المجيز وهو من مخطوطات كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي بقزوين وعندنا أيضاً نسخ مكررة منه.
وصرّح المؤلف في نسخة الأصل بأن مدة تأليفه كانت ستة وعشرين شهراً تقريباً فقد شرع بتأليفه في صفر سنة 1237 وانتهى في 5 ربيع الثاني سنة 1239 وفي هذه الفترات هاجر الشيخ أحمد الإحسائي المتوفى سنة 1241 من كرمانشاه وسكن قزوين وجرت مناظرته المعروفة التي انتهت بتكفيره من قبل الشهيد البرغاني وأجمع العلماء الشيعة على حكم التكفير ومما يجدر ذكره هنا أن المصنف ممن حضر تلك الاجتماعات وكان يميل إلى أستاذه الإحسائي كما ينقل في هذا التفسير بعض المواضيع التي كانت موضوع البحث والمناظرة مما يزيد أهمية هذه التفسيرات ومن آرائه في تفسير (مالك يوم الدين) الذي أطال البحث فيها قوله في تفسير كلمة الأجداث أن الأجداث هي الأبدان لا القبور ويعتقد أن الإنسان يخرج في يوم القيامة من جسده لا من قبره وهذا الجسم هو جسم ظلي وشبحي وروحاني له عرض وطول وعمق ولكن بدون مادة وهو جسم مثالي قابل للبقاء ويعرف كل واحد صاحبه أي صورته بشكل ما كان في هذه الدنيا ويستدل لإثبات قوله هذا بأحاديث وروايات كثيرة.
ويلاحظ أيضاً في تفسيره هذا اختلافه مع صدر المتألهين الشيرازي ومدرسته الفلسفية الشهيرة الذي يقول (إن باطن الأزمنة وحقيقتها هو الوجود) فيقول المصنف في تفسير (مالك يوم الدين) (إن باطن الأزمنة هو الولاية) لا الوجود وهذا الرأي يختلف كلياً معه حيث يقول صدر المتألهين الشيرازي (إن باطن الأزمنة وحقيقتها هو الوجود).
عبد الحسين الصالحي
غـور
تقع منطقة (غور) في أفغانستان بين هرات وفراه وزمين داورو گور گانان وغرجستان وناحية ميان([268]).
قال ياقوت في معجم البلدان: غُور: بضم أوله وسكون ثانيه وآخره راء: جبال وولاية بين هرات وغزنة: وهي بلاد واسعة موحشة وهي مع ذلك تنطوي على مدينة مشهورة. وأكبر منها قلعة يقال لها فيروز كوه يسكن ملوكهم فيها.
وقال حمد الله المستوفي القزويني:
«إن غور ولاية ويقال لمدنها (آهنگران) وهي من الإقليم الرابع وقريب سي پاره ديه من توابعها، ويوصف أهلها بالبلاهة».
وفي كتاب حدود العالم ورد حول ولاية غور ومنتوجاتها ما يلي:
«تقع غور في الجبال الوعرة ولها ملك يسمونه بالشاه وكان سكان غور القدماء كفّاراً، واليوم يقطنها المسلمون ولهم مدن عامرة وقرى كثيرة، وتتخذ فيها البردة والدروع والديوش والسلاح الممتاز، وسكّانها لؤماء وغير أليفين وجهلاء ولون بشرتهم أبيض وأسمر».
وهذا التعميم بالوصف على سكان غور شيء يتجافى مع الإنصاف ونشدان الحقائق…
وقال أبو إبراهيم الإصطخري عنها: إن غور ذات مساحة واسعة وأغلب سكانها مسلمون وهي منطقة جبلية عامرة ذات أودية وأنهار وعيون وبساتين خضراء.
وحدود غور من هرى درگبر وتامزه إلى أراضي داور ورباط كروان من أعمال ابن فريغون، وإلى حدود غرجستان إلى أن تنتهي بـ (هرى). وجبال غور من حدود خراسان وكذلك من حدود باميان وبنجهيبر وما وراء النهر إلى تركستان الداخلية وتصل إلى الشاش وخرخيز وتحتوي هذه الجبال على معادن الفضة وغيرها وأفخرها التي هي عند خرخيز وبولاية إيلام هي من حدود بنجهير.
وفي صورة الأرض لابن حوقل عن غور جاء ما يلي: «أما غور فهي بلد الكفار وسبب ذكرها في كتابات إيلام لوجود فئة من المسلمين فيها، وهي ذات جبال وعيون وبساتين وأنهار وسهول، ومن مدخل هذه الأراضي ومن الجهة التي يقطن فيها المسلمون فئة يتظاهرون بالإسلام ولكنهم ليسوا بمسلمين، ويحيط بغور عدة بلدان هي:
هرات إلى فره ومن هناك إلى بلدي داور ومن هناك إلى رباط كروان التي هي تحت سيطرة محمد بن فريغون صاحب جررزجانان ومن رباط كروان إلى غرجستان ومن هناك إلى هرات مما يحيط بغور، كلها للمسلمين، ومن بلاد المسلمين ليس من بلد يحيط به المسلمون وفي وسطه كفار غير بلد غور. ويجلب أغلب سبي غور إلى هرات وسيستان ونواحيها، وتمتد جبال غور إلى حدود خراسان وخارج باميان إلى بنجهيز([269]) ثم تدخل بلاد وخان وتمتد إلى الترك وحدود الشاش إلى خرخيز وتنتشر فيها معادن الذهب والفضة وأحسنها وأفخرها التي عند خرخيز وعند نواحي فرغان وأسروشنة ولو استغل لضاهى ما في بنجهير».
وبمقايسة أقوال صاحب المسالك والممالك مع أقوال ابن حوقل نرى ابن حوقل قد أخذ بأقوال الإسطخري من كتابه.
سلسلة الغوريين
أصلهم ونسبهم
يقول منهاج السراج الجوزجاني مؤلف طبقات ناصري([270]) الذي ألّف كتابه في سنة 658 هـ في دلهي، نقلاً عن ملك الكلام مولانا فخر الدين مباركشاه المروزي الناظم([271]) في تاريخ غور:
الغوريون هم المعروفون بالشنسبانيان المنسوبون إلى أحد أجدادهم شنسب، وشنسب هو أحد أولاد الضحّاك حيث استقرّ في غور ثم سيطر على المنطقة وأسلم في أيام خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وأقره الإمام عليه السلام على منصبه في غور واستمر على ذلك بعده خلفاؤه حيث كانوا يفتخرون بذلك ويوالون أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام بكل إخلاص.
ويؤيد ذلك ما أورده معين الدين محمد الزمجي الأسفزاري([272]) حيث يقول:
إن أهل غور يقولون إنهم تشرّفوا بنعمة الإسلام من أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه وكان الحاكم عليهم يومذاك هو من سلالة (الضحاك ماران) وقد حصل على أمر التولية بخط الإمام علي عليه السلام وكان محفوظاً لديهم إلى أيام بهرام شاه بن السلطان مسعود حيث كانوا يفتخرون به ويفتخرون أيضاً بأنهم لم يسبوا عليّاً عليه السلام على المنابر في أيام حكم بني أمية الذين سبّوه هو وأهل بيته عليهم السلام على المنابر في جميع بلدانهم، إلا ولاية غور حيث لم يتمكن ولاة بني أمية من الدخول إلى هذه الولاية.
بسطام: ـ يقول القاضي منهاج السراج الجوزجاني الأفغاني: صاحب طبقات ناصري أن بسطام كان أحد أولاد الضحاك الذي حكم الهند والسند قبل ذهاب شنسب إلى غور على رواية وعلى قول آخر إنه حكم الهند وغور، وعندما أسر الضحاك على يد فريدون ملك إيران، أرسل فريدون جيشاً إلى الهند ليسيطر عليها، وعندما رأى بسطام بأنه لا يمكنه مقاومة هذا الجيش، هرب إلى شقنان (وعلى قول صاحب حدود العالم شكنان) فأرسل فريدون إليه للمرة الثانية جيشاً، فتوجه بسطام من شقنان إلى جبال غور واستقر عند كوهسار، فكانت هذه إحدى الروايات التي تحكي لنا استقرار بسطام أحد أجداد آل شنسب ومن معه في ناحية غور.
وأما الرواية الثانية فتقول إنه بعد غلبة فريدون على الضحاك هاجر أبناء بسطام واثنان من إخوته إلى نهاوند وسكنوا هناك، ووصل أحد الإخوة المسمى (سور) إلى إمارة نهاوند وأصبح الآخر المسمى (سام) قائداً لجيشه فكان للأول بنت وللآخر صبي كانا قد خطب أحدهما للآخر وهما صغيران.
ولكن حسدتهما حاشية البلاط والوزراء بعد موت سام فوشوا به عند سور فحال دون زواجهما وامتنع عن إعطاء ابنته لابن عمها وأراد تزويج ابنته لأحد الملوك المجاورين له وعندما عرف هذان المفتونان بالأمر تسللا من نهاوند وذهبا إلى أطراف غور، حيث التحق بهما جماعة من الخواص والأعوان بالتدريج.
ويتحدث منهاج السراج عن الموضوع نفسه بما يلي([273]):
«عندما تغلب فريدون على ضحاك وأخذ البلدان، ذهب أخواه وأبناؤه إلى نهاوند، فاستأمر الكبير الذي كان يدعى سور وصار سام أخوه الأصغر قائداً لجيشه، فكان للأمير سور بنت ولسام ابن وكانا مخطوبين لبعضهما من صغرهما. وكان من أمر القائد سام أن مات، فكان خلفه (نيك) شجاعاً مبارزاً شهماً فحسدوه ووشوا به عند الأمير سور، فاستصعب ذلك وعزم على أن يزوج ابنته لأحد الملوك المجاورين له، وعندما علمت البنت ما عزم عليه أبوها أخبرت ابن عمها بذلك، فتسللا في إحدى الليالي من القلعة وذهبا مسرعين إلى جبل (بإيهاء غور). واستقرا فيه وسمي زومنديش، وتم الأمر لهما به بعد ذلك. والظاهر أن الرواية الأولى أقرب إلى الصحة من الرواية الثانية.
وكما قلنا فإن فريدون جهّز مرتين جيوشاً إلى الهند وإلى غور لإلقاء القبض على بسطام، ولكنه فشل في ذلك، فأراد التجهيز إلى غور مرة ثالثة ولكن تغيرت الأحوال عليه إذ قتل سام وسور أخاهما أيرج فاغتم فريدون لذلك ولم يتمكن من إرسال العسكر إلى غور. ومن جهة أخرى أرسل إليه بسطام يريد الصلح معه، فاستقرّ بسطام ومن معه من العرب الذين التحقوا به بموجب هذا الصلح، فكان سلاطين شنسب من سلالة بسطام. ويقسم العلماء آل شنسب إلى أربعة أقسام:
الطبقة الأولى: الغوروين وعاصمتهم فيروز كوه، وهم موضوع دراستنا.
الطبقة الثانية: سلسلة سلاطين باميان وعاصمتهم باميان.
الطبقة الثالثة: سلاطين غزنة: وانتخبت هذه المدينة من عهد السلطان معز الدين محمد سام الغازي عاصمة لهم.
الطبقة الرابعة: سلاطين شنسب في الهند.
وقد أورد صاحب طبقات ناصري عدد ملوك غور وأمرائها الذين حكموا من فيروز كوه وهم اثنان وعشرون أميراً، وقد عدّهم بعض المؤرخين كمؤلف تاريخ كزيدة، وصاحب حبيب السير خمسة ملوك والظاهر أنهم اكتفوا بذكر المشاهير من ملوكهم فقط.
الأمير فولاد
الأمير فولاد هو ابن الملك شنسب بن خزنگ، كان يحكم على النواحي الجبلية من غور، وذلك من حدود سنة 130 هـ، وعندما نهض أبو مسلم الخراساني بثورته على الأمويين وأخرج حكامهم من خراسان أرسل الأمير فولادبن شنسب جمعاً من قواته لمساعدته، وحيث لم يكن له خلف وقعت الإمارة بأيدي أبناء إخوته، ولم نحصل على معلومات عنهم حتى تولي (بنجي نهاران) الحكم.
بنجي نهاران (حوالي الـ 170 هـ)
كان بنجي نهاران الشنسبي من أكبر أمراء غور وكان يتّصف بالصفات الحسنة، وهو الذي جاء إلى بغداد أيام هارون الرشيد ليأخذ منه لواء الحكم على غور، وأورد صاحب طبقات نصاري([274]) سبب سفره إلى بغداد كما يلي: كانت في غور طائفة ادّعى أفرادها بأنهم أسلموا قبل الشنسبيين وهو يسمون بالشيشانيين وينسبون إلى أحد أمراء أسرة شيت بن بهرام، ومن اللهجة الغورية يقلبون لفظة، الشيث إلى الشيش، ولذلك عرفت الطائفة المذكورة بالشيشانيين.
وعلى أي حال فقد خالف أفراد الشيت الأمير بنجي من أول حكمه وعمّ القتل والفساد والفتنة جميع ولاية غور. وأخيراً عزم الأميران على الذهاب إلى هارون الرشيد كي ينصب أحدهما على إمارة غور فقرر الرشيد أن تكون الإمارة لبنجي نهاران، والقيادة العسكرية لشيش بن بهرام.
سوري بن محمد
ليست لدينا معلومات عن الفترة ما بين موت الأمير بنجي إلى عهد الأمير سوري بن محمد في غور، وهو الذي ابتدأ حكمه سنة 260 هـ.
لقد سيطر سوري بن محمد لفترة على القسم الأعظم من أراضي غور إلى حدود السند، ولكن شعب (والشتان) من الجنوب الشرقي لغور لم يقبلوا بالشريعة الإسلامية، وهذا هو السبب الرئيسي للخلاف المستمر بين المسلمين وغير المسلمين الذين كانوا يقيمون هناك.
الملك محمد سوري
كان الأمير سبكتكين معاصراً للملك محمد سوري الذي كان حاكماً على غور، فكان من أمره أن جهز عدة حملات على غور ولكن دون جدوى، وفي عهد السلطان محمود الغزنوي كانت العلاقات ودّية من أول الأمر. ثم تمرد الملك محمد اعتماداً على القلاع المحكمة التي كانت لديه فامتنع عن دفع الجزية إلى السلطان محمود فتوجه إليه السلطان بجيش جرار، فتحصن الملك محمد في قلعة (آهنگران) وقاوم فيها، ولكن بعد طول الحصار وقلة الزاد وقع في ضيق فخرج من القلعة واستسلم للسلطان فاصطحبه السلطان وابنه (شيش)، فمات الملك محمد سوري في (گيلان) أو (كيدان) من مدن غزنة.
ويعتقد بعضهم كصاحب محمل فصيحى، وصاحب حبيب السير بأنه سمم نفسه في محنة الأسر.
فقد ورد من كتاب محمل فصيحى حول هذا الموضوع في ذيل وقائع السنة 400 هـ على أثر الحرب التي كانت بين ابن سوري وبين السلطان محمود في غور أسر ابن سوري فامتص فص خاتمه المسموم منتحراً، وكانت الواقعة سنة إحدى وأربعمائة.
وأورد خواندمير في (حبيب السير) الأمر نفسه قائلاً: وفي سنة إحدى وأربعمائة جهز السلطان محمود الغزنوي إلى غور جيشاً، فواجهه حاكمها محمد بن سوري مع ألفي فارس ولكن شاءت التقادير أن يقع في الأسر فامتصّ فص خاتمه المسموم وهلك.
ويعتقد بعضهم كمجد الزمجي الإسفزاري بأن محمد سوري قتل على يد السلطان محمود الغزنوي بعد أن فر ابنه من سجنه بمساعدته وفيما يلي نص العبارة:
«أراد السلطان محمود سبكتكين أن يستولي على غور بتمامها، ولكنه لم يتمكن فأخرج حاكمها وذلك بإظهار الوعود له وتوثيق المعاهدات، فحبسه في غزنين ثم طلب منه أن يستدعي ابنه (شيش)([275]) الحاكم في غور ليلازم بلاطه، وبذلك يطلقه من الحبس، فانخدع الاثنان بهذا الوعد فسقط (شيش) في يده، فحبسهما عنده وكان في البيت المحبوسين فيه باب يطل على الصحراء ويرتفع عن الأرض ثلاثين ذراعاً، فعمد محمد إلى قص ما يجلسان عليه وجعله كالحبل، وأنقذ ابنه من الحبس، وعندما عرف السلطان حقيقة الأمر قتل محمد سوري فتأججت العداوة بين الغوريين والغزنويين([276]).
على أننا نرى أن ما قاله منهاج السراج حول موت الملك محمد سوري سنة 400 في محلة گيلان (كيدان) من توابع غزنة هو أقرب إلى الحقيقة، وعلى كل حال فقد أرسل السلطان محمود (شيش) بعد موت أبيه إلى غور وسلم حكومتها إلى ابنه محمد (أبو علي).
أبو علي بن محمد
الملك أبو علي بن محمد سوري كان ولياً للعهد أيام حكومة أبيه، وعندما تمرد أبوه محمد على السلطان محمود الغزنوي خالفه ابنه هذا وقد راسل السلطان الغزنوي مظهراً العبودية والطاعة له، ولهذا السبب نصبه السلطان محمود للحكومة على غور بعد موت أبيه وذلك سنة 410 وكان أخوه شيش (شيت) تابعاً مطيعاً له كل الطاعة. ولقد صرف هذا الأمير همه في بناء المساجد الجامعة والأبنية الخيرية في جميع أنحاء غور، وكان يحترم العلماء والفضلاء، ولكن تمرد عليه ابن أخيه عباس بن شيث في أواخر حكومته واعتقله وحل محله.
عباس بن شيث
كان عباس بن شيث شجاعاً، بطلاً، انتفض على عمه بمساعدة جماعة من الشباب، فأسره كما قلنا وحبسه عنده وسيطر على جميع الأموال والذخائر الحكومية، وبدأ حكمه بالظلم والجور، ورغم ظلمه وتعسفه فقد كان سياسياً قوياً وإدارياً محنكاً.
يقول منهاج السراج: «كانت طبيعته الظلم والجور فبدأ ظلمه مع الناس بفرض الضرائب على الأملاك والعقارات فعجز الناس من قسوته».
وفي عهده كثرت الأبنية والقصور ولكن الشعب لم يتحمل ظلمه وجوره فاتصل الأشراف والوجهاء بالسلطان إبراهيم الغزنوي، ودعوه إلى غور، فقبل السلطان دعوتهم، وتوجه إليهم بجيش عظيم وعندما وصل إلى غور التحق جميع عسكر الأمير عباس به، فظفر السلطان إبراهيم بكل سهولة، وسلم حكومة تلك الولاية إلى الأمير محمد بن عباس استجابة لأكابر البلد وأعيانها.
محمد بن عباس
قبض السلطان إبراهيم على الأمير عباس وأرسله إلى غزنة، وذلك في حدود سنة 450 هـ، وكان هذا الأمير ـ خلافاً لأبيه ـ ذا سيرة حسنة فشاع في عهده الأمن والاستقرار والعدالة وأظهر كمال الإذعان والانقياد للسلاطين الغزنويين، فكان يرسل خراجاً إلى بلاطهم سنوياً، فعاش الناس على عهده بالرفاه والرضا التام.
قطب الدين حسن
الملك قطب الدين حسن بن محمد بن عباس الذي يعتبره المؤرخون الجد الأعلى لسلاطين غور، كان عادلاً ومدبراً لأمور السياسة والرعية، وفي عهده قامت الفتن والثورات في غور وأطرافها، فواجهها بحسن السياسة والتدبير فأخمدها كلها.
ومن الوقائع في عهده: تمرد ناحية (تگاب) من توابع ولاية (وجيرستان)، فجهز لهم جيشاً لدفعهم، وعندما رفضوا الطاعة حاصر قلعتهم، فأصابه خلال الحصار سهم وقع على عينه، فمات متأثراً بالجراح، فأثار ذلك رجاله وشدوا على القلعة ففتحوها وسووها بالأرض.
عز الدين حسين
الملك عز الدين بن حسين بن حسن ويقال له أب سلاطين غور توصل إلى إمارة غور سنة 493 وكان له سبعة أولاد فتولى كل واحد منهم إمارة مقاطعة من مقاطعات غور، وكان الملك عز الدين عادلاً ازدهرت غور في عهده، وكان يحترم العباد والزهاد، وكانت تربطه بالسلاجقة علاقات جيدة، فكان يرسل إلى البلاط السلجوقي التحف والهدايا الثمينة كالسلاح والجواشن وغيرها.
وكثرت النعمة والبركة والراحة والرخاء في أيامه.
قطب الدين محمد
ملك الجبال قطب الدين محمد بن حسين الابن الثاني للملك عز الدين حسين الذي وصل إلى إمارة ولاية (ورسار) في غور، وقد بنى فيروز كوه وقلعتها، ولم تمض فترة حتى حدث اختلاف بينه وبين إخوته، فلم يتمكن من البقاء في فيروز كوه فهاجر إلى غزنة عند بهرام شاه الغزنوي، ولجوده وبذله المال بسخاء هناك انجذب إليه الناس وأحبوه، ولكن الحاسدين دسوا عليه عند بهرام شاه بأنه ينوي سوءاً بحرم السلطان فما كان من السلطان إلا أن دسّ إليه السم وذلك من سنة 541 هـ.
بهاء الدين سام
عندما ذهب ملك الجبال إلى غزنة شلّت الأعمال في فيروز كوه فجاء السلطان بهاء الدين سام بن حسين نفسه من (سنگة) إحدى مدن غور إلى فيروز كوه وجلس على منصة الحكم سنة 544 وتولى تعمير البلاد وبنى أربع قلاع محكمة على أطراف غور وهي: قلعة كجوران گرمسير وغور وقلعة شور سنگ في جبال هرات وقلعة بندار في جبال غرستان، وقلعة فيروز بين غرستان ومادين، وبما أنه كان يقصد الانتقام من بهرام شاه الغزنوي لقتله قطب الدين محمد، جهز جيشاً جمعه من جروم وغرستان وتوجه نحو غزنين ولكنه توفي في الطريق سنة 544.
السلطان علاء الدين حسين
بعد هلاك بهاء الدين سام بن حسين تولى السلطة أخواه بالترتيب: الأول كان يدعى شهاب الدين محمد بن حسين والآخر الملك شجاع الدين علي بن حسين ولكن لم تدم سلطتهما، فوصل إلى الحكم السلطان علاء الدين حسين بن حسين بن سام بعد موت الأخير، فجمع جيشاً عظيماً من غور وغرستان للانتقام من بهرام شاه لقتله ملك الجبال قطب الدين محمد بن حسين، وتوجه نحو غزنين، وعندما علم بهرام شاه بالأمر، توجه بعد جمعه جيوشاً من غزنين والهند عن طريق رخج وتكين آباد إلى أرض داور، فتصاف مع جيش السلطان علاء الدين.
وبعث بهرام شاه إلى السلطان عز الدين من يبلغه بأن أرجع من حيث أتيت إلى أرض أسلافك لأنك لا تطيق عسكري وحشمي وأفيالي. فأجابه السلطان علاء الدين جواباً قال فيه: إنك تخطىء حين تظن أنك تقتل إخوتي ولا أقتل منك أحداً([277]) ثم التقى الفريقان في (كته باز) جنوبي شرق غزنة.
وكان من أمر المحاربين الغوريين في ذلك العهد أنهم في ساحة المعركة يعمدون إلى ملابس خاصة يسمونها (كاروه) يصنعونها من جلد البقر ويحشون فيها القطن ويحشون معه الألياف ويخيطونها ويلبسونها فتغطي كل أجسامهم وعندما كانوا يصطفون مع بعضهم في صف واحد يكونون حائطاً مستحكماً يصعب النفوذ فيه، ولا تعمل فيه السهام.
وعندما تصاف العسكران محل دولتشاه بن بهرام شاه جمع من الفرسان والفيلة الكثيرة فسح له المجال أفراد هذه الفرقة الخاصة ذات الكاروه، فانخدع دولتشاه بهذه المكيدة واجتازهم فحاصره الغوريون وأبادوا الفرقة كلها، ففر بهرام شاه مع قواته فتعقبه السلطان علاء الدين حتى قرب (تكين آباد) وذلك بموضع يقال له (جوشن آب گرم) فقاومه بهرام شاه مرة ثانية ولكنه انكسر في هذه المرة أيضاً.
وعندما وصل إلى غزنين كانت هناك له فيها قوى أخرى فهيأها ولكنه انكسر للمرة الثالثة. فسيطر علاء الدين على غزنين فأشعل فيها النار وظلت تحترق سبعة أيام ونبش قبور السلاطين الغزنويين وأخرج جثثهم وأحرقها واستثنى من ذلك جثث السلطان محمود والسلطان مسعود والسلطان إبراهيم وقتل الناس قتلاً ذريعاً وأسر النساء والأطفال، وأمر بحمل جثتي السلطان سيف الدين سوري، وملك الجبال إلى غور.
يقول منهاج السراج واصفاً هذه الحوادث: «وفي خلال هذه الأيام السبعة مع لياليها أظلم الجو لكثرة سواد الدخان حيث غدا النهار كالليل وكاد الليل يكون نهاراً من كثرة اشتعال النيران التي كانت تحرق مدينة غزنين وكانت هذه الأيام السبعة أيام قتل ونهب، فكانوا إذا ظفروا بالرجال قتلوهم وإذا ظفروا بالنساء والأطفال أسروهم وأمر بأن ينبشوا قبور جميع السلاطين المحموديين الغزنويين ثم أحرقهم جميعاً ما عدا السلطان محمود المغازي والسلطان مسعود إبراهيم وقد شرب علاء الدين وسكر في قصور السلاطين الغزنويين لمدة أسبوع ثم أمر خلال هذه الفترة بأن يبحثوا عن قبر السلطان سيف الدين سوري وقبر ملك الجبال فأخرجوا جثمانيهما ووضعوهما في صندوق. وبعد سبعة أيام، عندما حلت الليلة الثامنة باتت البلدة دماراً بعدما هلك الحرث والنسل»([278]).
وقد أنشد السلطان علاء الدين في الليلة الثامنة عند توقفه في غزنين أبياتاً في مدح نفسه وأمر المغنين أن يتغنوا بها وأمر المطربين أن يعزفوا على الأعواد ثم توجه بعد تخريب مدينة غزنين وحرقها نحو بلدة داور وبست، وهدم القصور العظيمة لسلاطين غزنين وسواها بالتراب ثم مضى نحو فيروز كوه وأقام ضيافة عظيمة وانشغل بالرغد والطرب والشراب.
ثم أمر بحبس غياث الدين محمد سام ومعز الدين محمد سام ابني السلطان شهاب الدين سام في وجيرستان، وقد غلب عليه الكبر والغرور فصمم على أن يتمرد على السلطان سنجر، فلم يبعث له ما كان عليه أن يبعث من الخراج في كل سنة.
فجمع السلطان سنجر جيشاً عظيماً لهذا الغرض وتوجه نحو غور، وتجهز سلطان غور لمقابلته بعسكر، فحط الجيشان رحالهم في ناحية ناب بين فيروز كوه ومدينة هرات.
وعندما بدأت الحرب التحق الجناح الأيمن من جيش علاء الدين الذي كان يتكون من الغوريين والترك والخلج بالسلطان سنجر وانجلت المعركة عن هزيمة جيش علاء الدين فأسر وأمر سنجر بأن يغلوا يديه ورجليه، وأركبوه على جمل وأتوا به إليه([279]).
كانت للسلطان علاء الدين طبيعة لطيفة وبيان ظريف اشتهر بهما وكان سنجر يعرف ذلك جيداً، فأمر أن يرفع عنه القيد ويأتوا به إليه وعندما حضر بين يديه أهدى له سنجر طبقاً من الدر والجواهر فأنشد السلطان علاء الدين في مدح سنجر بيتين من الشعر. ثم ضمّه بعد ذلك إلى حشايته، ثم بعث به إلى غور ليسترد عرشه من حسين الماديني ناصر الدين، فسيطر على باميان وطخارستان وجروم وزمين داور وبست بعد معارك متوالية وحاصر قلعة تولك في هرات فطال الحصار ستة أشهر ثم استولى عليها، ثم تقدم نحو غرستان، واستولى على قلاعها الحصينة وصرف وقتاً يبلغ ستة أشهر حتى استطاع الاستيلاء على قلعة سبكجي، ومات سنة (551) ودفنوه في محلة سنكة غور.
ناصر الدين حسن
لقد أشرنا فيما تقدم من القول إنه عندما كان السلطان علاء الدين في أسر سنجر قرر زعماء غور تتويج ناصر الدين حسين بن محمد الماديني، فجلبوه من مادين وأجلسوه على منصة الحكم وكان ناصر الدين هذا مشغوفاً بالنساء، فاختصّ نفسه بحرم علاء الدين، ولكن لم يطل الأمر فعندما عرفت النساء بوصول علاء الدين إلى فيروز كوه خنقن ناصر الدين في فراشه (سنة 547).
السلطان سيف الدين محمد
السلطان سيف الدين محمد بن علاء الدين حسين جهانسوز تولى الملك سنة 551 هـ بعد هلاك أبيه، كان سلطاناً عادلاً كريماً سلك سبل العدالة من ابتداء ملكه تكفيراً عن مظالم أبيه، وأرجع للناس ما كان أخذ منهم جوراً. على أنه ضيّق على دعاة الإسماعيليين الذين كانوا قد قدموا في أواخر عهد علاء الدين من (ألموت) للدعوة إلى مذهبهم، ولم يعترضهم علاء الدين. أما الآن فإن سيف الدين ـ وقد كان سنياً ـ عاملهم بالقسوة التي بلغت حد القتل والإبادة.
وبعد موت السلطان سنجر سنة 552 سيطرت طائفة (غزبر) وهم من أهل خراسان وصاروا يعتدون على مناطق غور وسفوح جبال غزنين وغرستان. فتجهز لهم السلطان سيف السلطان سيف الدين بجيش كبير ومر بغرستان وولاية قادس ـ التي كانت من توابع مرو ـ ومدينة دزق ثم اصطف أمام الغز اصطفافاً عسكرياً فقتل كثيراً منهم، ولكن فاجأه قائد جيشه أبو العباس شيش بالانتقام منه لدم أخيه ورميش بن شيش ـ إذ كان السلطان قد قتله ـ فضربه برمحه وأرداه قتيلاً سنة 558 هـ. وبعد قتله انهزم الغوريون.
السلطان غياث الدين أبو الفتح
السلطان غياث الدين والدنيا أبو الفتح محمد سام شقيق السلطان معز الدين وأمهما بنت الملك بدر الدين الكيلاني وصل إلى الملك سنة (558 هـ).
بعد موت السلطان غياث الدين والد هؤلاء الملوك وأبناء الملوك في گيلان (كيدان)، جلس السلطان علاء الدين في فيروز كوه على مسند السلطة، وألقى أبناء أخيه السلطان غياث الدين والسلطان معز الدين في قلعة وجيرستان في الحبس، وكما أشرنا بأن السلطان علاء الدين عندما توفي تصدى السلطان سيف الدين لزمام الأمور في غور، ولكن هذا السلطان أطلق سراح المحبوسين في وجيرستان، فالتحق غياث الدين بالسلطان سيف الدين وذهب معز الدين إلى باميان عند عمه فخر الدين مسعود.
ولكن بعد هلاك السلطان سيف الدين على يد قائد القواد أبو العباس شيش كما أسلفنا، انهزم عسكر غور من رودبار ودزق وأسيرده وليز ومدينة أفشين عاصمة غرستان ووصلوا إلى ناحية وزاورد، وفي هذا المكان الأخير ورد أبو العباس شيش وجمع من الزعماء وذوي النفوذ في السلطة إلى غياث الدين فبايعوه على غور وهنؤوه بالملك، ثم ذهبوا إلى فيروز كوه وأجلسوه على كرسي السلطة.
وعندما عرف معز الدين شقيق غياث الدين بالخبر، استأذن عمه الملك فخر الدين وغادر باميان وتوجه إلى فيروز كوه عند أخيه.
فكتب السلطان غياث الدين حكم ولاية استيه وكجوران باسمه، فكان هذان الأخوان يتحينان الفرصة للانتقام من أبو العباس شيش لأخيهم الذي كان قد قتل على يديه، فتواطأ مع أحد أفراد البلاط أنه حين يحضر أبو العباس في البلاط ويقف للخدمة، فحين يمد السلطان معز الدين يده إلى خوذته يقطعون رأس أبي العباس، ففعلوا ذلك([280]).
فاستقل السلطان غياث الدين في أموره ومملكته استقلالاً تاماً وعظم شأنه وفي خلال هذه الفترة ظهر الملك فخر الدين مسعود وأراد أن يسيطر على فيروز كوه ويحكم فيها فجهز جيشاً كبيراً، وطلب مساعدة (علاء الدين قماج) ملك بلخ و(تاج الدين يلدوز) والي هرات فلبيا طلبه.
وسلك هؤلاء الأمراء الثلاثة طريق فيروز كوه، وأما تاج الدين يلدوز الذي كان أقرب الثلاثة من فيروز كوه فقد أوصل نفسه من ضفاف نهر هرات إلى (راع زر) التي تقع قرب عاصمة غور، وخاض المعركة ولم ينتظر الملك فخر الدين والملك علاء الدين قماج كي يفوز بفخرها، فقتل في المعركة.
وبعد قتل يلدوز انتصر عسكر غور وفر عسكر العدو، فأوكل السلطان غياث الدين إلى جماعة قتال الملك علاء الدين قماج، فانتصروا عليه وقتل قماج وأتوا برأسه إلى غياث الدين، فأرسله غياث الدين إلى عمه الملك فخر الدين وحاصر بجيشه هو وأخوه أطراف جيش باميان وعندما وصل قريباً من الملك فخر الدين نزل مع أخيه من على فرسيهما وأخذاه إلى معسكرهم وأجلسوه على أريكة الحكم وأذعنوا له بالطاعة ولكن الملك فخر الدين الذي كان في غضب من هذه المفأجأة رجع إلى باميان.
فجهز السلطان غياث الدين بعد عودة عمه إلى كرمسير وأراضي داور فتصرف بها.
لقد ذكرنا أن تاج الدين يلدوز حاكم هرات قد قتل في حربه مع السلطان غياث الدين وتفرّق عسكره، وفي خلال هذه الفترة استغلّ بهاء الدين طغرل أحد غلمان السلطان سنجر الموقف، وسيطر على هرات، وعندما علم السلطان غياث الدين بذلك عزم على فتح هرات، والسبب الرئيسي لهذه المبادرة ما راسله به الكثيرون من أهل هرات يدعونه إليهم، فصمم على المسير إليهم، واستولى على هرات بكل سهولة، ولم تمض سنوات حتى سيطر على قادس وكاليون (وهو موضع بين هرات ومرو) وفيوار وسيفرود، وعلى أثر زواجه من تاج الحرير جوهر ملك كريمة السلطان علاء الدين جهانسوز سيطر على غرستان وطالقان وجرزوان وأعطى بلاد جروم وتكين آباد (تكناباد) لأخيه.
وكما ورد في كتب التاريخ بأن الغز أخذوا كابول وزابل وغزنة من خسروشاه الغزنوي، فذهب الغزنويون بعدها إلى الهند انتخبوا مدينة لاهور عاصمة لهم.
وكان السلطان غياث الدين يطمع بالسيطرة على هذه النواحي، فخرج من فيروز كوه بجيش عظيم وحمل على الغز، فأخرجها من سيطرتهم وتصرف بها بعد أن أهلك جمعاً كثيراً من الغز وكان هذا الفتح سنة 569. وبعد فتح غزنين أجلس السلطان أخاه معز الدين على أريكة سلطة الغزنويين وفي هذه المناوشات سيطر بهاء الدين طغرل للمرة الثانية على هرات.
وسار السلطان غياث الدين إلى هرات بعد فراغه من أمور غزنين، وأخرج منها طغرل بكل سهولة سنة 571، وبعدها بسنتين سيطر على نوشنج سنة 573 وبهذه الانتصارات قويت شوكة السلطان أكثر فأكثر، فأذعن الأمراء والملوك المجاورون في المناطق التي يسكنها الغز كسجستان وغيرها. وصارت طالقان وأندخود وميمنه وفارياب وبنجده جزأً من ممتلكاته فخطب في جميع هذه النواحي باسمه وضربت المسكوكات باسمه.
وفي هذه الأثناء وقع اختلاف بين السلطان شاه وعلاء الدين تكش حتى وصل الأمر إلى الحرب فجاء السلطان شاه إلى بلاط السلطان غياث الدين فمكث هناك مدة، ولكن لم تمض مدة حتى أخذ ينازعه في أموره فترك بلاط فيروز كوه وتوجه نحو مرو وصار سبباً في خلق نوع من الهرج والمرج في غور، فأمر السلطان غياث الدين، لدفع هذه الغائلة، وذلك في سنة (588) السلطان معز الدين ملك غزنين والملك شمس الدين أمير باميان، والملك تاج الدين حرب حاكم سيستان بأن يلتحقوا به في رودبار مرو مع جيوشهم. وعندما تهيّأ هؤلاء مر السلطان غياث الدين من رود مرغاب وتناوش مع السلطان شاه، وفي الحرب التي دارت بينهم انكسر السلطان شاه فيها وأسر بهاء الدين طغرل وقتل بأمر من غياث الدين.
وعندما علم السلطان غياث الدين بهلاك السلطان علاء الدين تكش خوارزم شاه وذلك سنة (596) عسكر في خراسان وحاصر نيشابور وتصرف بها وأسر علي شاه ابن تكش وجماعة من أمراء خوارزم ومن جملتهم سرتاش وكذلك خان، ونصب الملك ضياء الدين شنسباني لحكومة نيشابور وتصرف سنة (597) بمرو شاهجان وأوكل أمرها للملك نصير الدين محمد خرنك، وأمر إمارة سرخس لابن عمه الملك تاج الدين الزنكي البامياني.
وكان للسلطان غياث الدين مع بلاط الخلفاء في بغداد علاقات حسنة فكانوا يرسلون إلى فيروز كوه الخلع الثمينة.
يقول منهاج السراج الجوزجاني: «تبودلت الهدايا والخلع الفاخرة عدة مرات بين أمير المؤمنين بأمر الله وأمير المؤمنين الناصر لدين الله والسلطان غياث الدين طاب ثراه فجاء في المرة الأولى ابن الربيع وذهب معه القاضي مجد الدين إلى دار الخلافة، والمرة الثانية جاء ابن الخطيب وقرر أن يوفد معه والد الداعي مولانا سراج منهاج طاب مرقده إلى دار الخلافة».
مات السلطان غياث الدين في يوم الأربعاء في السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى ودفنوه في جوار مسجد هرات، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وحكم أكثر من أربعين سنة.
وكان بلاطه ملجأ الشعراء والعلماء وأصحاب الزهد والتقوى.
كان السلطان هو وأخوه السلطان معز الدين من البداية على مذهب الكرامية([281])، وعندما وصل السلطان معز الدين إلى سلطنة غزنين، كان عامة الناس هناك على مذهب الإمام أبي حنيفة فاختار مذهبهم، وصار السلطان غياث الدين على مذهب الشافعية على يد القاضي وحيد الدين المرورودي، وبسبب ذلك بادره الكراميون بالخلاف وبدؤوا بالشغب في البلد، وقدح الإمام صدر الدين علي الهيصم النيشابوري من أكابر الكرامية والمدرس في مدينة أفشين الغرستاني ـ قدح بالسلطان ومضى إلى نيشابور، ولكن السلطان ذهب إليه بعد سنة ولاطفه وأرجعه إلى فيروز كوه.
وكان للسلطان غياث الدين عاصمتان، إذ كان يقضي شتاءه في مدينة داور ويقضي صيفه في مدينة فيروز كوه.
وكان وزراؤه: شمس الملك عبد الجبار الكيلاني، وفخر الملك شرف الدين قزداري ومجد الملك ديو شاهي داري، وعين الملك السورياني، وظهير الملك عبد الله السنجري، وجلال الدين ديوشاري.
علاء الدين بن محمد (599 ـ 612)
السلطان علاء الدين بن محمد بن أبي علي بن الحسين الشنسبي كان ابن عم السلطان غياث الدين والسلطان معز الدين، وكان يحكم على عهد السلطان غياث الدين على بست وجيرستان وكرمسير ودرمشان (شمال غرب قندهار) وروز كان (شمال قندهار) وغزنين، وقد رافق بني أعمامه في حرب بتهورا وذهب معهم إلى أجمير في الهند فأبرز في هذه المعركة شجاعته وشهامته، وشارك السلطان غياث الدين عند توجهه إلى خراسان وفتح نيشابور ونصب من قبله هناك لحكومة نيشابور، وعند محاصرة نيشابور من قبل السلطان محمد خوارزم شاه اضطر لترك المدينة بعد مقاومته ورجع إلى غور، وبعد هلاك السلطان غياث الدين سلمت إليه حكومة فيروز كوه وغرستان وزمين داور وذلك من قبل السلطان معز الدين سنة (599)، وعندما تجهّز السلطان معز الدين سنة (610) لخوارزم سارع لقمع الإسماعيليين من قاين ومنها إلى جناباد (گناباد)… وسيطر فيها على القلعة المعروفة بـ (كاخ) ورجع إلى غور.
ولكن في هذه الأثناء قتل السلطان معز الدين، وثار عليه السلطان غياث الدين محمود بن محمد سام وامتدت ثورته إلى فيروز كوه، فالتحق به أمراء غور، فترك السلطان علاء الدين فيروز كوه، وذهب منها إلى غرستان، ولكن أتباع غياث الدين لاحقوه، فقبض عليه القائد حسن عبد الملك بن سريل مرغاب، وحبسه بأمر غياث الدين وفي قلعة أشيار غرستان، وأطلق سراح علاء الدين أتسبز حسين بعد وصوله إلى غور وأتى به إلى فيروز كوه، وأبدى له الكثير من الاحترام.
وعندما كان علاء الدين بن محمد في سجن أشيار، وكان ابنه الملك ركن الدين إيرانشاه قد أعدّ العدة لنجاته، فخرج مع خمسين ألف من غزنين، فهزمه السلطان غياث الدين محمود بن محمد وأسره هناك، فقتله عمر سليمان حاجب الأمير هذا سنة 606.
وفي عهد الملك علاء الدين أتسز، قبض علاء الدين محمد على الحاجب عمر سليمان فقتله، ولذلك حبسه علاء الدين أتسز في قلعة محكمة في لروان غرستان. وسنرى فيما بعد أن علاء الدين المعروف وصل إلى السلطة للمرة الثانية في فيروز كوه.
غياث الدين محمود
السلطان غياث الدين محمود بن محمد سام الشنسبي، كان يتصور بأن السلطان معز الدين سوف يفوض إليه أمر سلطنة فيروز كوه بعد موت أبيه السلطان غياث الدين محمد سام، ولكن على خلاف ما كان يتصوره أعطى السلطان معز الدين سلطنة غور إلى علاء الدين محمد صهر السلطان غياث الدين محمد سام، وأما هو فقد فوض إليه حكومة بلاد بست وفراه واسفزار.
وعندما توجه السلطان معز الدين الغازي إلى خوارزم اصطحبه معه فيها حيث تقدم حتى مروشاهجان، فأبرز شجاعة وشهامة، وعندما توفي السلطان الغازي توجه إلى فيروز كوه ليخرجها من براثن علاء الدين محمد الغوري، استقبله زعماء البلد وأجلسوه على أريكة السلطة في فيروز كوه سنة (602) واستعاد ما كان لوالده وسيطر هناك.
وأوكل سلطنة غزنين والهند إلى السلطان تاج الدين يلدوز والسلطان قطب الدين، فقرئت الخطبة باسمه في هذه النواحي، وكذلك ضربت المسكوكات باسمه أيضاً سنة (605).
وفي سنة (603) توجه ابن الملك علاء الدين الغوري مع جمع من أهل غزنين إلى فيروز كوه، ولكن السلطان غياث الدين هزمه فاضطر إلى الرجوع إلى غزنين.
وفي أواخر السنة الثالثة من سلطنة هذا الملك (604) توجه السلطان علاء الدين أتسز حسين الذي هو ابن عم أبيه من باميان إلى خوارزم كي يستمد من السلطان محمد خوارزم شاه التصرف ببلاد غور واستئصال السلطان غياث الدين محمود.
وكان السلطان محمد خوارزم شاه قد جمع جيوشاً بقيادات جماعة من زعماء بلاطه، كملك الجبال الغ خان بن محمد، والملك شمس الدين أتسز الحاجب، فتوجهت هذه الجيوش عن طريق طالقان نحو فيروز كوه.
وعندما عرف السلطان غياث الدين بالخبر خرج مع حشد من قواته من فيروز كوه فهزم جيش خوارزم شاه الذي تجمع لمساعدة السلطان علاء الدين أتسز حسن في (سالوره) بين ميمنه وفارياب.
وفي سنة (605) التجأ علاء الدين علي شاه شقيق محمد خوارزم شاه إلى بلاط السلطان غياث الدين محمود وطلب منه المساعدة على أخيه، فلم يلق استجابة لوجود علاقات حسنة بين بلاط فيروز كوه وبلاط خوارزم، وألقى غياث الدين القبض على علي شاه وسجنه في فيروز كوه. ولكن من وفدوا مع علي شاه من خوارزم وخراسان وغيرهما طلبوا من غياث الدين إطلاق سراحه، فلما رفض ذلك دبروا مؤامرة لاغتياله، فتسللوا إلى فراشه ليلة السابع من شهر صفر سنة 607 وقتلوه فيه. على أنهم لم يستطيعوا إنقاذ علي شاه من السجن.
كان غياث الدين محمود عادلاً باذلاً كريماً، ولم يلتفت إلى مظاهر الدنيا، وعندما وصل إلى السلطة فرق جميع خزائن أبيه على الجند والناس فأطاعوه ولم يعصوه أبداً، وبعد موته حملوا جسده إلى هرات ودفنوه في گازارگاه.
بهاء الدين سام بن محمود
وبعد هلاك السلطان غياث الدين محمود توّج زعماء غور وأمراؤها ابنه بهاء الدين سام الذي كان يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً. ولم تمض ثلاثة أشهر على سلطنة بهاء الدين سام حتى جاء السلطان علاء الدين أتسز حسين إلى بلاط السلطان محمد خوارزم شاه وطلب منه المساعدة لتولي سلطنة فيروز كوه، فأرسل خوارز شاه جيوشاً غفيرة بإمرة ملك خان الأمين حاجب والي هرات إلى غور.
وعندما علم أمراء غور وزعماؤها بالأمر طلبوا من السلطان بهاء الدين أن يطلق سراح علي شاه لعلمهم بعداوته لأخيه السلطان محمد خوارزم شاه فيقدم على حربه، ولكن التدابير لم تفد شيئاً وسيطرت جيوش خوارزم على فيروزكوه وقبضوا على السلطان بهاء الدين سام وأرسلوه مع حشده وأفراد الأسرة المالكة في غور إلى خوارزم وأجلسوا علاء الدين أتسز حسين على منصة الحكم في فيروز كوه في يوم الجمعة، الخامس عشر من جمادى الأولى سنة 607.
علاء الدين أتسز
هو ابن السلطان علاء الدين حسين جهانسوز، وكان في أول الأمر في خدمة السلطان معز الدين الغازي، ثم كان في باميان عند السلطان بهاء الدين سام ابن السلطان شمس الدين، وكما أسلفنا أنه وصل إلى السلطة في فيروز كوه سنة (607) وذلك بمساعدة جيوش خوارزم شاه، ولكن أمراء غزنين والملك تاج الدين يلدوز خالفوه في ملكه وأخيراً سار إليه مؤيد الملك محمد بن عبد الله السيستاني من قبل تاج الدين يلدوز وأقدم على محاربته، ولكنه انكسر في حدود گيلان (كيدان) عند (مرغ نوله) فأرسل الملك نصير الدين حسين أمير شكار للمرة الثانية قوات من غزنين إلى فيروز كوه، فكسر السلطان علاء الدين في جرماس) ثم قتله سنة (610). وقد حكم هذا الملك حوالي أربع سنين وكان عادلاً يحترم العلماء والفقهاء، وبعد هلاك علاء الدين تشتت أولاده.
فذهب فخر الدين مسعود إلى غرستان في قلعة سناجانه وذهب نصير الدين محمد إلى قلعة بندار غرستان، وأخيراً قتلا على أيد أعوان السلطان محمد خوارزم شاه.
السلطان علاء الدين محمد للمرة الثانية
هو ابن أبي علي آخر سلالة آل سنشب الغوريين وكان في بداية أمره معروفاً بالملك ضياء الدين الغوري. وكما رأينا فإنه بعد هلاك السلطان غياث الدين سام تولى السلطة في فيروز كوه ولقّب بعلاء الدين.
وعندما قتل نصير الدين حسين أمير شكار السلطان علاء الدين أتسز في ساحة الحرب، نصبه السلطان تاج الدين يلدوزي في سنة (610) للمرة الثانية على حكومة فيروز كوه.
ولم يدم حكمه أكثر من سنتين وفتحت مملكة غور في سنة (612) بقوات السلطان محمد خوارزم شاه، فأخذه السلطان إلى خوارزم، وبقي هناك حتى آخر عمره، وعند وفاته نقل جثمانه حسب وصيته إلى بسطام، ودفن في جوار مرقد بايزيد.
عباس برويز
فـــاس([282])
تعتبر مدينة فاس العاصمة الدينية والعلمية للمغرب العربي والحاضرة الثانية للمملكة المغربية وذلك لتمتعها بموقع استراتيجي رائع في مفترق الطرق المؤدية إلى طنجة وسواحل المحيط الأطلسي وجنوب المغرب من جهة، وتلمسان والقيروان عن طريق ممر تازا من جهة أخرى ثم إن اسمها يقترن باسم منشئها الشريف إدريس بن عبد الله بن الحسن حفيد علي بن أبي طالب عليه السلام الذي نجح في الإفلات من أيدي العباسيين بعد هزيمتهم للعلويين سنة 169 هـ (786 م) في موقعة فخ التي تبعد نحو ثلاثة أميال عن مكة. وفي هذه الموقعة قتل الحسين بن حسن هو وأكثر أصحابه بينما لاذت فلولهم بالفرار ونجح إدريس في التسلل إلى مصر في صحبة مولاه راشد، وهناك تستر عليه صاحب البريد في مصر واضح مولى صالح بن المنصور، وساعده على مغادرة مصر، فحمله على بريدها إلى أرض المغرب. واتفق وصول إدريس إلى إفريقيا في إمارة يزيد بن حاتم على إفريقيا وهشام بن عبد الرحمن الداخل على الأندلس وبداية ظهور بني مدرار بسلجماسة. ويذكر البكري أنه نزل بمدينة وليلة Volubilis عند قبيلة أوروبة سنة 172 هـ (788 م)، وكانت وليلة حاضرة إقليم موريتانيا الطنجية وما زالت أطلالها الرومانية ماثلة حتى يومنا هذا تشهد بعظمتها في العصر الروماني، وتعرف هذه الأطلال اليوم «باسم قصر فرعون» وتقع على بعد ثلاثين كيلومتراً من مكناس. وازدهرت وليلة في هذا العصر منذ منتصف القرن الأول الميلادي وتحضرت على الأخص في عهد الأمبراطور كلوديوس (41 ـ 5 م) ولقد أجريت في هذه المدينة العتيقة حفائر أثرية أسفرت عن كشف قوس الأمبراطور الروماني كراكلا (211 ـ 217 م) وبعض شوارع مرصوفة وآثار منازل بأرضياتها الفسيفسائية وأعمدتها الرخامية.
استطاع الشريف إدريس التأثير في نفوس البربر، وكانوا يقاسون من جور الولاة العباسيين ومن قبلهم الأمويين وتعسفهم معهم، فأقبلوا على مبادىء الخوارج الصفرية والإباضية يعتنقونها لأنها كانت تدعو إلى الثورة، وأخذ مرجل الخارجية يغلي في أرض المغرب منذ أواخر القرن الأول الهجري فسجلوا انتصارات لم تكن في الحسبان على ولاة بني العباس في المغرب واستفحل أمرهم منذ ذلك الحين فأقاموا دولة خارجية في تاهرت بالمغرب الأوسط تعرف بدولة الرستميين نسبة إلى عبد الرحمن بن رستم سنة 144 هـ لذلك لا تعجب حين نرى البربر وعلى الأخص بربر أوروبة يؤازرون إدريس ويجمعون على نصرته ويستجيبون لدعوته بعد أن ذكر له منسبه وقرابته إلى الرسول، فبايعوه بالإمامة في رمضان سنة 172 هـ (788 م) وكانت أولى القبائل التي بايعته قبيلة أوروبة البرانسية ثم زناتة وزواغة ومكناسة ونفزة وغمارة. وعمد إدريس إلى بناء عاصمة جديدة لدولته فأسس مدينة فاس سنة 172 هـ ويبدو أنه بناها لتوسط منازل القبائل البربرية التي ناصرته وأيّدته بدلاً من وليلة التي كانت تحتل موقعاً متطرفاً بالنسبة للعاصمة الجديدة.
واختار إدريس موقع مدينته الجديدة في منطقة سهلة خصبة تمتد على الضفة اليمنى من نهر سبو وبناها في أواخر سنة 172 هـ (789 م) وسماها فاس. ويعلل ابن أبي زرع صاحب كتاب روض القرطاس هذه التسمية بأن بعض خدمه صنعوا له فأساً من ذهب وفضة، فكان إدريس يمسكه بيده ويبدأ به الحفر ويختط به الأساس للفعلة فكثر عند ذلك ذكر الفأس على ألسنتهم طوال مدة البناء فسميت المدينة به. وهناك تفسير آخر لهذه التسمية يرجحه نفس المؤرخ العربي فيقول:
«وقيل لإدريس كيف تسميها، قال أسميها باسم المدينة التي كانت قبلها في موضعها الذي أخبرني الراهب أنه كان هنا مدينة أزلية من بينان الأول فخربت قبل الإسلام بألف وسبعمائة سنة وكان اسمها مدينة «ساف لاكن» أقلب اسمها الأول واسميها به. فقلبه فأتى منه فاس فسميت به» وقيل: إنه لما شرع في حفر أساسها من جهة الجنوب عثر في الحفير على فأس كبير فسميت به المدينة.
ومع ذلك فهناك جمهرة من المؤرخين العرب تنسب بناء فاس إلى إدريس الثاني بن إدريس بن عبد الله بن الحسن سنة 193 هـ (808 م) غير أن بعض الدراهم المحفوظة حالياً في المكتبة الأهلية بباريس ومتحف خاركوف والتي ضربت منذ عام 185 هـ (801 م) إلى 189 هـ (805 م) تحمل اسم مدينة فاس، مما يدل قطعاً على أن فاس من بناء إدريس الأول. يضاف إلى ذلك النصوص التي ذكرها ابن الأبار في كتابه وابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار وكلها تؤيد نسبة فاس إلى إدريس الأول، أما المدينة التي ينسب بناؤها إلى إدريس الثاني فهي «الحضرة العالية» وفقاً للكتابة المنقوشة على بعض العملات من عصر هذا الإمام أو «عدوة القرويين» حسب روايات المؤرخين.
وقد أقيمت هذه المدينة الجديدة تجاه المدينة القديمة (فاس) على الضفة اليسرى من وادي سبو واستقام الأمر للشريف إدرس فغزا السوس الأقصى ودخل ماسة سنة 173 هـ ورباط تازا سنة 174 هـ وقويت شوكته وعظم أمره، فخاف الخليفة العباسي هارون الرشيد أن يعظم سلطانه في المغرب كما خاف أن يلتف البربر من حوله، فعمل على التخلص منه، فدس إليه رجلاً اسمه سليمان بن جرير ويعرف بالشماخ مولى الخليفة الهادي، وتحايل الشماخ على قتله وقيل إنه دس له السم في قارورة ملأى بالطيب، وقيل سمه في سنون. ومات إدريس سنة 175 هـ ودفن بوليلة.
وكان إدريس قد ترك جارية بربرية اسمها كنزة حاملاً فوضعت بعد مضي شهرين من وفاته غلاماً فسمي باسم أبيه، وقام راشد مولى إدريس بالوصاية عليه، وخلفه في الوصاية على إدريس الثاني رجل عربي اسمه أبو خالد يزيد. فلما بلغ إدريس الثاني الحادية عشرة من عمره بايعه البربر سنة 187 هـ (803 م) وقيل في غرة ربيع الأول سنة 188 ه (804 م). ثم قام إدريس ببناء مدينة جديدة تجاه مدينة أبيه فاس.
ويذكر ابن عذارى أن عدوة القرويين كانت «غياضاً في أطرافها بيوت من زواغة فأرسلوا إليه ودبر في البناء عندهم، فكان ابتداء بناء مدينة فاس سنة 193 هـ وذلك «عدوة القرويين» ويقصد ابن عذارى بذلك أنه هو الذي أسس عدوة القرويين الواقعة على الضفة اليسرى لنهر سبو تجاه فاس. واتخذ إدريس الثاني من هذه المدينة الجديدة أو عدوة القرويين مقراً أميرياً سمّاه العالية أقام فيه داراً لسك النقود وبنى فيها مسجداً سماه بجامع الشرفاء ثم بنى داراً له وقيسارية بجوار هذا الجامع وأدار الأسواق حول الجامع من كل جانب وأمر الناس بالبناء والغرس وقال لهم: من أنشأ موضعاً
واغترسه قبل تمام السور بالبناء فهو له هبة ابتغاء وجه الله تعالى فبنى الناس الديار واغترسوا الثمار وكثرت العمارة والغيطة. أما مدينة فاس التي بناها أبوه من قبل فقد وفد إليها منذ عام 199 هـ (814 م) جموع كثيرة من أهل ربض شقندة من أرباض قرطبة بالأندلس طردهم منها الأمير الحكم الربضي فأقاموا بهذه العدوة فسميت باسم عدوة الأندلس بينما أطلق اسم فاس على العدوتين معاً، وحاطهما إدريس بسور يدور حولهما بحيث لا يفصل بينهما سوى نهر سبو نفسه وأقام بعدوة الأندلس مسجداً جامعاً سمّاه جامع الأشياخ على نحو ما فعله في عدوة القرويين.
نهر الغَرّاف عند سد البدعة
عظمت مدينة فاس في عهد خلفاء إدريس الثاني وعلى الأخص في عهد يحيى بن محمد بن إدريس سنة 234 هـ (848 م) وعمرت بالأبنية الرائعة وأقيمت فيها الحمامات والفنادق كما أقيم جامعا فاس القرويين والأندلسيين عام 245 (859 م).
ولما ولّي عبد الرحمن بن محمد الملقب بعبد الرحمن الناصر الخلافة بقرطبة في الوقت الذي كانت الدولة الفاطمية الفتية تتأهب فيه للاستيلاء على الأندلس أخذ يبث بذور الفتنة بين قبائل البربر في بلاد المغرب واستولى على معبري الأندلس وهما سبتة وطنجة عام 317 هـ (929 م) وأطاعه بنو إدريس أمراء فاس وانضم إليه رؤساء زناتة وهكذا خضعت فاس لنفوذ الخليفة الأموي بقرطبة وبايع ولاتها لعبد الرحمن الناصر ولابنه الحكم المستنصر من بعده وظلت تابعة للأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر الذي ولّى عليها ابن أخيه عبد الله بن أبي عامر، ثم المعز بن زيري بن عطية سنة 397 هـ. ولما مات المعز بن زيري سنة 416 هـ تولّى مكانه ابنه أبو العطاف حمامة بن المعز وقامت المنازعات على تولّي الإمارة من بعده. وظل الأمر كذلك حتى قامت دولة المرابطين ودخلها يوسف بن تاشفين. وازدهرت فاس في عصر المرابطين وأصبحت تسمى لدى شيوخ هذه الدولة ببغداد المغرب غير أن المرابطين آثروا عليها مراكش لقربها من بلاد المصامدة وصحراء لمتونة «فلهذا السبب كانت مراكش تكرس المملكة وإلا فمدينة فاس أحق بذلك منها»([283]).
ويضيف المراكشي قائلاً: وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس أكثر مرافق وأوسع معايش وأخصب جهات وذلك أنها مدينة يحفها الماء والشجر من جميع جهاتها، ويتخلل الأنهار أكثر دورها زائداً على نحو من أربعين عيناً ينغلق عليها أبوابها ويحيط بها سورها ومع أن يوسف بن تاشفين اختار مراكش عاصمة له فإنه لم يهمل فاس بل اهتم بها وزارها سنة 462 هـ وحصنها وأتقنها وأمر بهدم الأسوار التي كانت تفصل بين عدوتيها وردها مصراً واحداً وأقام المساجد وبنى الحمامات والفنادق والأرصاد وأصلح الأسواق.
ظلت فاس العاصمة الثانية لدولة المرابطين حتى تصدّعت أركان دولتهم وتغلب عليه الموحدون أتباع المهدي بن تومرت وخليفته عبد المؤمن بن علي، وسقطت فاس في أيدي الموحدين سنة 540 هـ ودخلها الموحدون في 15 ربيع الثاني بعد حصار دام أحد عشر شهراً وأمر عبد المؤمن بهدم سورها وفتح فيه ثلمات كثيرة وقال: «إنا لا نحتاج إلى سور وإنما الأسوار سيوفنا وعدلنا». ولم تزل مدينة فاس مدينة غير مسورة إلى أن أحاطها الخليفة محمد الناصر بن أبي يوسف يعقوب المنصور بأسوار جديدة سنة 595 هـ (1198 م).
ولما سقطت دولة الموحدين، استولى بنو مرين على فاس واتخذوها حاضرة لدولتهم وقام السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني سنة 684 هـ (1285 م) ببناء باب عجيب من أبواب فاس كما مر بإصلاح السور القبلي من عدوة الأندلس فجدد أكثره ورمم ما تهدم منه وأقام هذا السلطان نفسه سنة 674 هـ مدينة جديدة بجوار مدينة فاس القديمة سمّاها فاس الجديدة أو المدينة البيضاء وأنشأ فيها قصوره وقصور قواده وثكنات جيشه والمسجد الجامع بفاس الجديدة.
استولى الأشراف السعديون على فاس سنة 1548 م ولكنهم اتّخذوا مدينة مراكش حاضرة لهم وعادت فاس عاصمة للمغرب الأقصى مرة ثالثة في عهد السلطان مولاي الرشيد (1660 ـ 1672) من سلاطين الأشراف العلويين، وزودها بالأسوار وحصّنها وأقام مدرسة بجانب المسجد الجامع مدرسة الشراطين كما أقام قصبة بفاس بالي. أما ابنه مولاي إسماعيل (1672 ـ 1727) فقد فضل مدينة مكناس واتخذها مقراً له وأصبح للمغرب في عهده عاصمتان فاس في الشمال ومكناس في الجنوب.
واستعادت فاس عظمتها في عهد مولاي سليمان (1716 ـ 1792) الذي بنى فيها أبواباً كثيرة ومساجد جديدة. وظلّت فاس حتى وقتنا الحاضر المدينة الأولى في مملكة المغرب والعاصمة العلمية والدينية والتجارية. «راجع الأدارسة».
الدكتور السيد عبد العزيز سالم
تحديد «منطقة فاس»
لا يمكن أن ندرس تاريخ فاس وأحوازها، إلا إذا وصفنا ملامح هذه المنطقة، وحددنا بذلك نفوذ المدينة ومدى اتساع باديتها في هذا العصر، معتمدين أولاً على ما جاء من أوصاف في المصادر المعاصرة وثانياً على الدراسات الجغرافية الحالية.
إذا كان تحديد المنطقة سهلاً نسبياً، حين نتكلم عن النباتات أو الحيوانات أو عن التضاريس أو عن المناخ، فإنه يصعب عندما نتحدث عن الإنسان، الذي لا تحصره حدود، والذي كثر تحركه في هذه الفترة([284]).
حسب معطيات الجغرافيا، فالمنطقة عبارة عن سهل مرتفع، تحده جبال من الشمال ومن الجنوب، بينما تبقى جهاته الشرقية والغربية مفتوحة([285])، أما حسب التاريخ، فإن تحديد المنطقة صعب لعدة أسباب أهمها: قلة الاستقرار السياسي والإداري الذي عرفته منطقة فاس طوال العصر، لكثرة تدخل القبائل في سياستها([286])، فمرة تتسع ومرة أخرى تتقلص.
فمنطقة فاس كما وصفها الرُحَّل والكتَّاب المعاصرون، ومن جاء قبلهم أو بعدهم، منطقة شاسعة الأطراف مفتوحة الأبواب. فهي الطريق العادية بين الشرق والغرب، وهي نقطة لقاء بين سكان الجبال الجنوبية (جبال فازاز) والجبال الشمالية (جبال اغمارة).
فنفوذها يصل عبر هذه الجبال إلى الجنوب، حتى تافيلالت وإلى الشمال حتى ميناء باديس عن طريق الشاون، كما يصل هذا النفوذ حتى تلمسان شرقاً ومكناسة أو سلا غرباً([287]).
فتكون «منطقة فاس» عبارة عن النصف الشمالي الذي كان تحت حكم أحمد الوطاسي، بعدما قسمت البلاد المغربية إلى قسمين بين السعدي أحمد الأعرج وأحمد الوطاسي([288]).
ويعتمد الوزان في كتابه تقسيماً يفرق بين «مملكة مراكش»([289]) و«مملكة فاس». كما يعتمد مارمول نفس التقسيم([290])، وكذلك المجهول البرتغالي([291]) وباقي مؤرخي الفترة([292]).
وقد تتقلص أهمية أحواز فاس، فلا تعود تشمل إلا منطقة السايس الفاسية، أي ما بين المهاية([293]) إلى الغرب وبلاد التلال الشرقية، التي يطلق عليها الوزان مقر مدة([294]) وبلاد بني وارثين([295]) حتى مظغرة([296]) قرب تازة وشمالاً لا تتعدى ما وراء جبال التغات وزالاغ، وجنوباً عند التقاء جبال فازاز بالسيايس (الدير).
وفي الحقيقة يصعب الاختيار بين التحديدين: الأول واسع، ونتساءل إلى حد لا يمكن أن يكون المغرب بكامله يؤثر ويتأثر بفاس ولو بصفة غير مباشرة؟ والأدلة التي تبين مدى ارتباط فاس مع جل أنحاء المغرب كثيرة…
أما التحديد الثاني، فضيق، لا يفسر مدى التطور التاريخي «الاجتماعي والاقتصادي» «للمنطقة»، وخصوصاً أنه لا يهتم بالمبادلات التجارية والعلمية الحاصلة بين مدينة فاس والبوادي البعيدة، والتي نجد لها أثراً كبيراً في المصادر المعاصرة. فكلما وصف الوزان قرية من قرى جبال فازاز أو جبال غمارة وصف علاقاتها بالمدينة أو بالسايس. فإما أن يكون لأهل فاس أو لملك فاس أرضاً أو ضرائب بها، وإما أن يكون لسكان تلك المناطق أشغال بالمدينة أو أفراد من عائلتهم، أو تجارة لهم بها…
فتحركات السكان ومنتجاتهم المادية أو المعنوية هي التي ترسم لنا الحدود. فيتغير شكل الحدود ومحتواها حسب الفترات والفصول، وحسب إشعاع المدينة العلمي، أي حسب قوة جلبها للطلبة والعلماء، وحسب التطورات الاقتصادية([297]).
أ ـ لقد تغيرت المعطيات السياسية وتغير معها مفهوم «منطقة فاس»، فكانت نتيجة ذلك عدم استقرار مستمر لحدودها.
والحقيقة أنه يجب أن نفرق هنا بين الحدود الإدارية والحدود الحقيقية التي تتجلى في النفوذ السياسي. أما الحدود الإدارية فقد اتّصفت طوال العهد السعدي بعدم الاستقرار. فإذا كانت في العهد الأول تضمّ المناطق القريبة من فاس وحدها لأن المدن المجاورة كانت تحت سلطة مستقلة عن فاس، مثل مكناسة حيث كان يمثل السلطة المركزية أمير([298])، وكذلك كان الحال في تادلا([299]) وتازة([300]) والشاون([301])، فقد تطورت هذه الحدود وأصبحت تدخل فيها مناطق الغرب (ازغار) وفازاز وغمارة في عهد المنصور، لما كان الشيخ المأمون خليفة([302]) بها. لكن في الواقع فإن هذه المنطقة المتسعة سرعان ما تقلّصت بضعف سلطة السعديين على المغرب عموماً وعلى فاس خصوصاً، رغم استقلال فاس عن مراكش وأخذ مدينة فاس «لقب مملكة فاس»([303]). وقد كانت كذلك حدود منطقة الحاكم السعدي المستقر بفاس تتغير فتتسع أو تصغر حسب إمكانياته، ففي عهد عبد الله بن الشيخ مثلاً وفي عهد السُّياب تقلصت حتى لم تعد تشمل إلا الجنات القريبة من المدينة([304]).
الواقع أن حدود المنطقة الناتجة عن النفوذ السياسي صعبة الإدراك، خصوصاً أن فاس احتفظت بنفوذها الكبير طوال عهد السعديين حيث كان يشمل النصف الشمالي للمغرب. فكان المنصور إذا أراد ترميم إحدى الأبراج بالعرائش أو بناء قلعة بالشمال فهو يستقر بفاس. كما أنه يعتبر أن كل الثورات التي تقع في الشمال هي من شأن خليفته بمدينة فاس ويرسل إليها جيش المدينة.
وقد ناقش هذا الموضوع دوكاستر حين تعرض لتحقيق المجهول البرتغالي([305]) وأشار إلى التوزيع الإداري الذي ذكره ماسينيون([306]). وبتلخيص فهو لا يتفق معه على هذا التوزيع لأنه حسب دوكاستر ليست له أية قيمة إدارية لأن عدم الاستقرار السياسي وبالتالي الإداري([307]) كان يعم المغرب في أيام المرينيين والوطاسيين وحتى السعديين. هذا ما جعلنا نبحث عن «حدود» أخرى دون الحدود الرسمية السياسية ما دامت هذه الأخيرة لا تسمح لنا بإعطاء تصور واضح عن «منطقة فاس»: مثل حدود نفوذ المدينة الاقتصادي والفكري…
ب ـ يتغير محتوى «منطقة فاس» كذلك حسب الفصول السنوية: ففي فصل الصيف يكون اتصال المدينة بعدة قرى ومدن تجاورها سهلاً، قصد التجارة والدراسة وغيرها، وخصوصاً تلك القرى النائية الواقعة على المرتفعات أو تلك القرى المبنية قرب السباخ العفنة. بينما يتقلص نفوذ هذه المدينة في فصل الشتاء لصعوبة الاتصال والتحرك، ولقلة الإمكانيات النقلية…
ج ـ وقد ارتبطت حدود المنطقة كذلك بقوة إشعاع المدينة العلمي. وفي العصر السعدي يظهر أن إشعاع فاس العلمي كان قوياً، حيث جلبت العلماء من كل أطراف المغرب عامة ومن الهبط وجبال غمارة([308]) بالخصوص وقد أدّى هذا الازدهار العلمي إلى اتساع منطقة نفوذ فاس.
هـ أما الحدود الاقتصادية فقد تغيرت تبعاً لتغيير النفوذ السياسي وحسب حاجيات المدينة، وعلى العموم يمكن أن نتكلم عن منطقتين اقتصاديتين لفاس، أما المنطقة الأولى فهي واسعة حيث إن المدينة كانت دائماً تحتاج إلى خشب فازاز([309]) وضرائب ومنتجات غمارة([310])، كما تحتاج إلى المنتجات القريبة منها، كعنب التغات وكبكب([311]) وتين زالغ ومزروعات السايس وماشية المقرمدة وخضر وفواكه جنات لمطة والحبالات([312])…
الحقيقة أننا لن نستطيع دراسة وفهم علاقات فاس بالبوادي المجاورة والقريبة منها دراسة شاملة، إلا إذا وضعناها في إطارها الصحيح بدراسة المناطق البعيدة على فاس نسبياً، والتي لها دور مباشر في تلك العلاقات([313]) ويستقي إدماجنا هذا للمناطق البعيدة من المدينة مشروعيته من التكامل الحاصل منذ قرون بين كل هذه النواحي، فيصبح لزاماً علينا أن نعتبر المدينة والبادية حسب نفوذ كل منهما على الأخرى، لكي تكتمل صورة الارتباط التي نريد الوصول إلى إبرازها.
ورغم ما يعتبره ابن القاضي من أن أهم الأسباب التي جعلت المولى إدريس يستقر في هذا المكان «بعدها من الصحراء والجبال الشامخة والسباخ العفنة واعلم أن ذلك مما يأمن به سكانها…» ([314]) فإنه يعرف تمام المعرفة دور هذه المناطق في حياة المدينة.
ففي عهد المولى إدريس يمكن اعتبار ابتعاد الموقع من الصحراء والجبال ميزة يعتمد عليها لتأسيس المدينة، بينما يختلف هذا الوضع تمام الاختلاف في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي). فقد اعتبرت مجاورة هذه الجبال وهذه الصحراء من المميزات التي جعلت مدينة فاس تكسب مكانتها الحضرية حيث إن مصدر خشبها وعمالها كان هو الجبال، ومصدر القوافل التي تحمل الذهب إليها كانت هي الصحراء([315]). وإذا كان المولى إدريس قد اعتبر السباخ المجاورة لفاس عفنة لكثرة الأمراض التي تسببها ففي القرنين التاسع والعاشر الهجريين تم التغلب على ضررها، أو على الأقل على جزء منه، وتم توسيع «المدينة البيضاء»([316]). يقول اليوسي في محاضراته متحدثاً عن الأراضي والتربة: «ثم تتفاوت في المزايا الاختصاصية إما من ذاتها بأن يجعلها الله تعالى منبتاً للعشب، وهي أفضل من السبخة، أو مزرعة وهي أفضل من الكنود أو سهلة وهي أفضل من الحزن، وقد ينعكس الأمر أو معدناً وتتفاوت بحسب الجواهر المودعة فيها. أو منبعاً للماء وتتفاوت بحسب المياه إلى غير ذلك من مختلفات الفواكه والأشجار والأزهار وسائر المنافع»([317]).
لقد اعتبرت ناحية الضويات منطقة عفنة لمدة طويلة لكن احتياج الأراضي للزراعة والرعي جعل السكان يدخلونها في النظام الاقتصادي لمدينة فاس، كما أدخلوا الجبال المجاورة لحاجتهم الملحة لمنتجاتها. فلا تنحصر إذن «منطقة فاس» في تلك المناظر المنبسطة المغروسة بأشجار الزيتون([318]) والكروم بل كذلك في تلك الجبال المرتفعة وكأنها معلقة، ذلك العالم المحدود بأسوار طبيعية… فكل المصادر تشهد بذلك، لقد أشار إليها الوزان حين ذكر ثلوج وبرد فازاز([319])، وهو يروي ما حدث له عند عبور تلك المرتفعات حين سرقت منه فيها ملابسه. كما ذكرها المجهول البرتغالي وكذلك ابن القاضي، وأصحاب كتب المناقب والمشايخ مثل المسناوي وعلماء الدلاء… فهذه المرتفعات ظاهرة ما فتأت تبرز لمتتبعها في مصادر العصر.
ولكي نفهم ذلك سنصنف مجال «منطقة فاس» الطبيعي حسب نوعية تضاريسه: جبال وهضاب
وتلال وسهول، محاولين ضبط العلاقات القائمة بين السكان والبيئة التي كانوا يعيشون فيها في كل مجال من هذه المجالات.
أحد أسواق فاس القديمة
ـ محاولتنا لتعريف الجبال المجاورة لفاس عبر المصادر المعاصرة للسعديين صعبة، لأن الباحث لا يجد أي مصدر ولا أية وثيقة تتحدث على جبال منطقة فاس بطريقة يمكنه الاعتماد عليها. لأن الكتاب والرحّل في ذلك العصر كانوا يفضلون وصف الطرق الصوفية أو شرح المنظومات والتعليق على الشروح… وهذا هو العلم آنذاك ومحترفوه هم العلماء، أما كل ما يتعلق بالعيش وشكل الأرض فلم يكن يجلب اهتمامهم([320]).
ففي المصادر العربية لا نجد إلا إشارات بسيطة، توحي بوصف سريع للمرتفعات، وعلى سبيل المثال «جبال الزبيب»([321])… وغيرها من العبارات المنفردة والتي لا تسمن ولا تغني من جوع. أما المصادر القديمة التي كتبت قبل القرن العاشر الهجري مثل كتاب الإدريسي([322]) وكتاب البكري([323]) وحتى كتب ابن خلدون([324])، فلا نعثر فيها إلا على معلومات عامة تداولتها مصادر أخرى قبلهم.
أما المصادر المكتوبة باللغات الأجنبية فتعطي للباحث معلومات إن لم تكن أدق فعلى الأقل أكثر وفرة، وتساعده أكثر على فهم الحياة، في هذه الجبال.
فالوزان وهو يصف المغرب في أواخر عصر الوطاسيين يقدم معطيات لا يجدها الباحث عند غيره ممن جاؤوا قبله. كما أن المعلومات التي تُجمع من المجهول البرتغالي الذي حققه دوكاستر([325]) ومن مارمول (ولو أن هذا الأخير أخذ الكثير عن الوزان) معلومات مفيدة تساعد الباحث على وصف هذه المرتفعات وفهم الحياة التي كانت تدور فيها، وكذلك فهم مدى ارتباط هذه المناطق بفاس طوال العصر السعدي.
بالإضافة إلى ما تمكننا منه هذه المصادر فإن بعض الدراسات الحالية، كدراسة([326]) أبروديل لمنطقة البحر الأبيض المتوسط على عهد فيليب الثاني مثلاً، قد تقربنا أكثر من هذه المرتفعات ومن الحياة فيها، رغم ما يلاقيه الباحث من صعوبة للتعميم الذي يستعمله ابروديل حين يصف الجبال، لأنه عندما يتحدث عنها فهو يقصد على العموم جبال البحر الأبيض المتوسط. ثم إن ابروديل كثير التردد عند تعريفه للجبال، ويرتكز تردده هذا على ظاهرتين([327]).
هل الجبال هي مجموعة الأراضي الواقعة فوق 500 م؟ أم هي كل «المناطق الفقيرة» المرتفعة نسبياً؟
فبالنسبة لمنطقة فاس يصعب أن نستعمل هذين المقياسين، لأن ناحية فاس تشمل هضاباً وسهولاً يصل ارتفاعها إلى 500 م([328]). كما يصعب أن نعتبر أن مناطق الفقر هنا هي المرتفعات وحدها. فكل شيء نسبي… وقد ذهب بعض الدارسين إلى أنه يمكن تصنيف المناطق حسب نمط عيش سكانها.
هذا يجعلنا نتساءل عن إمكانية الاعتماد على «نمط العيش» لتعريف وتحديد المناطق التي سنطلق عليها صفة لجبال وفصلها عن الهضاب والتلال؟([329]) الحقيقة أننا لا نملك المعلومات الكافية لضبط نمط العيش بكل المنطقة ويرجع ذلك بالأساس إلى فقر المصادر.
يمكن أن نحاول تعريف نمط عيش سكان الجبال بطريقة تراجعية انطلاقاً مما جاء في وصف أفريقيا للوزان ومن تحاليل ماسنيون، أو محاولة الوقوف على نمط عيش سكان فاس الجدد الذين يرجع أصلهم إلى المرتفعات المجاورة وتعريف حرفهم وأصلهم محاولين الاهتمام بالقادمين من الجبال ثم بالقادمين من السهول أو المدن المجاورة، ونوع عملهم وعاداتهم وتقاليدهم. لكن هذا لن يفيدنا كثيراً لأن عادات هؤلاء السكان تتبدل عند استقرارهم بالمدينة.
هل يمكن اعتبار الجبال المجاورة لفاس كجل المرتفعات المغربية أو على العموم مرتفعات البحر الأبيض المتوسط جبالاً «تدخر اليد العاملة» للسهل والمدينة؟ هذا صحيح إلى حد ما في العصر السعدي لكنه ليس المدّخر الوحيد، لأن المصادر تذكر لنا مناطق أخرى تمد مدينة فاس بعدد كبير من المهاجرين، وهذه الجهات لا تدخل ضمن المرتفعات المجاورة للمدينة كناحية تازة ومكناسة ومناطق المغرب الشرقي على العموم وازغار وغيرها.
ثم إذا اعتبرنا التفسير الكلاسيكي الذي ينطلق من أن الجبال المجاورة لفاس على العموم ساهمت في إغناء الكتلة السكنية الحضرية على مدى العصور التاريخية فإن تلك المساهمة لم تؤد إلى إفراغها، لأن الباحث في كثافة السكان بهذه الجبال في العصر السعدي يجد نفسه أمام كثافة مرتفعة([330])، إما لكونها كثيراً ما استعملت ملجأ([331]) لسكان السهول الذين ابتعدوا عن السباخ العفنة أو فروا أمام قبائل كانت أقوى منهم أو أُبعدوا من طرف السلطة المركزية([332])… وقد أثار انتباه الباحثين منذ وقت طويل غرابة هذه الكثافة خصوصاً واستمرارها عبر العصور مع قلة الأراضي الصالحة للزراعة وصعوبة المناخ، وقد يُرجع بعضهم ذلك إلى وفرة المياه: يقول أرثور يونع «تحت مناخ البحر الأبيض المتوسط كيفما كانت التربة يكون الاعتماد خصوصاً على الشمس والماء»([333]).
من أشهر التفسيرات المقدمة من طرف الباحثين أن كلاًّ من الجبال الواقعة شمال فاس والواقعة جنوبها تحتفظ على توازن المنطقة النسبي. فإذا وقع أن عرفت السهول المجاورة أزمة طبيعية أو فيضاناً أو طاعوناً، وأدّى ذلك إلى خلق فراغ، فإن النسبة من السكان التي تزيد على إمكانيات تحمل تلك المرتفعات([334])، تجد أمامها مجالاً حيوياً تسعى لملئه. وبالمقابل يمكن اعتبار هجرة سكان السهول والهضاب نحو المرتفعات ظاهرة ندارة تختلف دوافعها وأسبابها عن تلك التي تدفع سكان الجبال للهجرة إلى المنخفضات، حيث إن سكان تلك المناطق يقصدون المرتفعات فراراً من عدو أو من جيش أقوى خاصة، ليس سعياً وراء الغنى والثروة. ذلك ما وقع لأبي حسون الوطاسي([335]) بعدما هزمه الشيخ وأخرجه من فاس، ونفس الشيء وقع للمتوكل([336]) والناصر([337]) ثم المأمون([338])، لما ثار على والده والتجأ إلى زاوية مولاي أبي الشتاء([339])، وخلاصة القول فإن الجانب الاقتصادي كان يطغى على التحرك من المرتفعات إلى المنخفضات والعكس غير صحيح، ما عدا في بعض الحالات: ولإدراك ذلك وضبطه يجد الباحث نفسه ملزماً لدراسة الجبال المجاورة للمنطقة كل مجموعة منفردة عن غيرها.
أهم المرتفعات المجاورة لمدينة فاس
تنقسم هذه المرتفعات إلى مجموعتين: جبال تقع شمال فاس وجبال جنوبها. أما الواقعة إلى شمال المدينة فيمكن تصنيفها حسب قربها أو بعدها من المدينة، وحسب حجمها: القريبة تؤثر وتتأثر بمدينة فاس كزالغ واتغات وزرهون ثم مرتفعات جبال بني زروال وهي أقرب من غيرها وجبال غمارة. إذا تأملنا كلمتي زالغ والتغات و(زرهون) وحاولنا البحث عن أصل الكلمتين وجدنا أنهما كلمتان من البربرية الزناتية. أما كلمة زالغ فتعني «التيس» أو (العتروس)، بينما تعني كلمة التغات (من اتغات) المعز. وهذا يمكن أن يفسر بأن المنطقة كان بها رعي. والرعي الذي يعتمد على المعز يكون عموماً في المناطق الكثيرة الانحدارات والصعبة التسلق، والفقيرة من حيث التربة، كالمرتفعات الواقعة شمال فاس، ورعي المعز لا يسمن ولا يغني من جوع([340]). فلن يكون إلا تكميلياً لاقتصاد المرتفعين وبالتالي لاقتصاد مدينة فاس. وقبل أن نبحث في ارتباطها بمدينة فاس على العصر السعدي، سنحاول أولاً جمع شتات المعلومات المتفرقة في مصادر العصر عن هذه المرتفعات، وذلك قصد الاطلاع على أنواع الحياة فيها.
مسجد أهل فاس
يقول الوزان عند وصفه لجبال اتغات «تربة يابسة وصخرية… فواكهها وعنبها ينضج قبل فواكه المناطق الأخرى». وجبال التغات جزء من المرتفعات التي تقع مباشرة شمال فاس. ويذكرها الوزان ويصفها كمجموعة من المرتفعات، حيث تزدهر فلاحة تعتمد على الفواكه والأشجار على العموم([341])، أما ابن القاضي([342]) فيصفها بإسهاب حيث إنه ينسبها إلى فاس، وكذلك ميارة الفاسي([343]) فهو يدخل جبل اتغات وزالغ في اقتصاد مدينة فاس: «ومن أحباس فاس عنب زالغ وزيتون التغات»([344]). أما زالغ التي يصل ارتفاعها إلى حوالي 876 م، وطولها أحد عشر كلم «جبل يبتدىء من نهر سبو شرقاً وينتهي غرباً بعد أربعة عشر ميلاً» (22 كلم)([345]). وحسب الوزان فإن انحداره الجنوبي كان قليل السكن خلافاً لما نجد عليه المنحدر الشمالي حيث الأراضي الجيدة، وحيث عدد لا يحصى من القرى والمداشر والقصور([346]). وهذه المنطقة أي المنحدر الشمالي هي المسماة ببلاد لمطة. وقد كان لها اتصال كبير بفاس «سكانها أغنياء، فلا تجد منهم واحداً لا يملك داراً بمدينة فاس وكل الأثرياء بفاس تقريباً يملكون عنباً بزالغ»([347]).
جامع القرويين
ثم إلى الشمال الغربي من مدينة فاس تقع مرتفعات زرهون التي يبلغ طولها حوالي ثلاثين ميلاً([348]) إلى الغرب، وعرضها عشرة أميال. وشكلها العام جبلي ولكنها في الحقيقة كثيرة الارتباط بالمناطق المنبسطة من حيث الاقتصاد والسياسة. يقول الوزان: «تظهر تلك المرتفعات وكأنها غابات كثيفة، وهي مغطاة بأشجار الزيتون»([349]). يمكن في الحقيقة تقسيم تضاريس جبال زرهون إلى قسمين:
أولاً: المناطق المرتفعة أو القمم، وارتفاعها ولو أن المصادر لا تذكره، هو حوالي 1200 م([350]). تربتها جافة كلسية لا تصلح للرعي ولا للأشجار.
وثانياً: المناطق المتوسطة الارتفاع، وتربتها على العموم طينية تستعمل لأشجار الزيتون خاصة، وكذلك للمزروعات كالقمح…
وقد ساهمت هذه المرتفعات، في حياة منطقة فاس، حيث إن عطاءها من الطلبة والعلماء([351])، ورجال السياسة([352])، والقادة العسكريين في العهد السعدي كان كبيراً.
ـ هناك المرتفعات الواقعة وراء التغات وزالغ التي يطلق عليها([353]) اليوسي اسم جبال الزبيب، والتي تدعى كذلك بني زروال([354]). وهي مرتفعات غنية من الناحية الفلاحية، حيث إن جل العلماء الذين اشتهروا بها كانوا يحضّون على غرس الكروم([355]).
ـ أما المرتفعات الواقعة شمال هذه المجموعة المتقدمة فهي ما يسمى جبال غمارة([356]). فاغمارة اسم قديم ضارب في أعماق التاريخ، لا يعرف بالضبط متى أطلق على هذه البلاد. وقد تكون المنطقة أخذت اسمها هذا من أغمارة ابن اصياد بن مصمود الجد الأول للغماريين، والذي تردد في اسمه ابن خلدون: فمرة ذكره هكذا «اغمارة ابن مصطاف ابن مليل ابن مصمود»([357]) ومرة «اغمارة ابن مصمود».
وقد تغيرت حدود اغمارة بتغيرات الأزمنة: وعلى العموم كان هذا الاسم يطلق منذ القديم إلى حدود القرن 19 على ذلك الامتداد الواقع ما بين نهر ملوية شرقاً إلى طنجة غرباً وهذا التحديد ذكره ابن خلدون حيث قال: «تمتد عن يمين بسائط المغرب من لدن غساسة([358]) فنكور([359]) فباديس([360]) فتكساس([361]) فتطاون فسبتة، فالقصر، إلى طنجة، خمس مراحل أو أزيد، أوطنوا فيها جبالاً شاهقة، اتصل بعضها ببعض، إلى أن ينحط بسائر قصر اكتامة([362]) ووادي ورغة من بسائط المغرب»([363]).
ونجد هذا التحديد مستعملاً عند المؤرخين حتى عصور متأخرة، حيث نرى ابن القاضي يحددها بنفس التحديد([364]).
منارة جامع الكتبية في مراكش بناها يعقوب المنصور الموحدي.
ويقدر صاحب كتاب الاستبصار مسافتها طولاً: بمسيرة ستة أيام، وعرضها بثلاثة أيام([365]) في حين يحددها عبد الواحد المراكشي طولاً وعرضاً بنحو اثني عشر مرحلة([366])، بينما يجعلها الشريف الإدريسي ستة عشر يوماً ونصفاً([367]).
وأغمارة جبال مرتفعة صعبة الاستغلال، وكونها توجد شمال المغرب يجعلها تحت حكم فاس وتحت تأثيرها المباشر، ولو أن هذا التأثير يكون قوياً فترة ثم يضعف فترة أخرى.
وعلى العموم كان لجبال اغمارة دور هام في تاريخ المنطقة: فمنذ عبد المؤمن الموحدي([368])، كانت تمثل خطراً على سكان ازغار والسايس وبالتالي على سكان مدينة فاس. فبنيت بها أبراج([369]) لمحاولة حصر هذا السيل العظيم من السكان الذين يهاجمون المناطق المنخفضة. حتى أن الطريق من فاس إلى طنجة اتجهت نحو الغرب. فبدل الطريق الجبلية استعملت الطريق السهلية الساحلية «من طنجة إلى أصيلة مرحلة ثم إلى سوق اكتامى المذكورة قبل هذا. ومن مدينة البصرة طريق أخرى إلى فاس فمنها إلى وادي ورغة ثم إلى مدينة ماسنة([370]) مرحلة وهي مدينة عيسى بن حسن… وهي على نهر كبير ثم إلى مدينة سداك في بلاد مغيلة([371]) وهي بلاد خلوف بن يحمد المغيلي([372]) ثم إلى مدينة فاس فذلك سبعة أيام». فكانت علاقة فاس بجبال اغمارة علاقة مستمرة حيث إن هذه المنطقة كانت تابعة لمدينة فاس طوال العصر الوطاسي([373])، خلافاً لما كانت عليه المناطق الجنوبية. لكن هذه العلاقة التي وجدها السعديون، عند أخذهم مدينة فاس، بين اغمارة والعاصمة العلمية، لم يستطيعوا التحكم فيها بسهولة، خصوصاً أنه، لما دخل الشيخ للمرة الأولى، فر أبو حسون نحو الشمال متوجهاً إلى باديس، مظهراً بذلك ثقته في هذه المنطقة وفي سكانها الذين ما زالوا على عهدهم به.
والحقيقة أن هذه المنطقة كانت من الأهمية بمكان: فهي قلعة محصنة ضد التدخل الأجنبي بجبالها المرتفعة وتضاريسها الوعرة. وقد وصفها لنا البكري بطريقته الخاصة وهو يصف الطرق المؤدية من المدينة الشمالية إلى فاس عبر اغمارة، ويذكر أسماء الجبال الواقعة قرب كل مدينة تمر منها طريقه([374]) «…ثم مدينة تطوان وهي بسفح جبل ايشفار([375]) وهو متصل بجبل الدرقة([376]) ويبلغ إلى رأس الثور([377]) إلى مرسى موسى([378]) بالبحر المغربي ومدينة تطاون على أسفل وادي رأس([379])… وبين مدينة تطاون وجبل الدرقة سكة وهي قاعدة بني مرزوق بن عون بن مصمود([380])، وسكناهم منه بموضع يقال له صدينة([381])، قرية ذات مياه سابحة وهي أطيب تلك البلاد مزارع وهذا الجبل في غاية المنفعة وفي أعلاه مسارح واسعة ومروج خصبة للماشية، وهذه القرية المذكورة في قبلي الجبل، والقبلة والغرب منه للجبل المنسوب إلى حاميم المفتري وجبل الدرقة يتصل ببلاد اغمارة ويسكن آخره من اغمارة بنو حسين بن ناصر([382])، ثم إلى نهر رأس ومنبعه من موضع يعرف بتطاون من جبل بني حاميم([383])، ثم إلى سوق بني مغراوة([384])، وهو آخر بلد مجلسه ومجتمع هذا السوق يوم الثلاثاء، وهي جامعة… وجبل الدرقة… وهو الجبل الذي يمتنع فيه صنهاجة إذا خالفوا على الملوك…»([385])، الجبال التي وصفها البكري في البداية هي التي توجد قرب مدينة تطوان: جبل اشفار وجبل الدرقة وجبل رأس الثور بين تطوان وطنجة، أما من ناحية القبلة أي الشرق الجنوبي فنجد جبل حاميم، وهذا الجبل يقابل مدينة تطوان ويطول من الشرق إلى الغرب، وداخل هذه الجبال نجد مناطق متوسطة تستعمل للزراعة والرعي. كما نجد في هذه المرتفعات مجاري مائية.
أما المرتفعات التي تقع قرب فاس وتبعد عنها بمرحلة أو مرحلتين فهناك الجبل الأشهب ويقول البكري «ويعرف بالجبل الأشهب([386])… قرى كثيرة عامرة ومنه إلى قرية صغيرة على نهر عظيم يسمى سبو مرحلة ومنه إلى مدينة فاس مرحلة»([387]).
وقد فهم السعديون أهمية هذه المرتفعات حيث إن المعارك التي دارت بين السعديين والوطاسيين حول فاس تبين لنا مدى الأهمية التي كانت تكتسبها هذه المرتفعات في سياسة الدولة السعدية. وقد حاول السعديون الاحتفاظ بها بعد سيطرتهم على فاس. فشردوا عائلة بني راشد([388]) التي كانت تحكم الشاون ووضعوا عليها قائداً لهم([389]). كما حاولوا تضييق الخناق على سبتة وبناء أبراج بالعرائش([390]) إدراكاً منهم بأهمية هذه المنطقة.
أما المرتفعات الواقعة إلى جنوب فاس وهي المعروفة بجبال فازاز فقد كانت كما وصفها ابن القاضي([391]) كثيرة الأشجار والنبات الطبيعي، وكما وصفها الوزان([392]) كثيرة الثلوج في فصل الشتاء.
وقد أشار البكري قبل ذلك إلى أنهار المنطقة وأشجارها: «من مدينة فاس إلى مدينة صفرو مرحلة وهي مدينة مسورة ذات أنهار وأشجار ومنها الأصنام مرحلة ومنها إلى…»([393]) ثم يضيف متكلماً على الطريق الآتية من سجلماسة إلى فاس»… ومنه إلى موضع يقال له سوق الميس([394])، فيه سوق ومسجد وحواليه مياه سابحة عامرة…، ومنه إلى مغيلة([395])… تسير منها في جبال شامخة([396]) إلى مغيلة… حصن كبير جامع وسوق كثير الأنهار والثمار معظم شجره التين ومنه يحمل زبيباً إلى فاس مرحلتان إلى الواتة([397]) مدينن وقصبة لواثة منيعة لا ترام على نهر سبو مرحلة إلى فاس([398])».
ومع أن هذه الجبال كانت الطريق الرسمية نحو سجلماسة والسودان فإنها لم تكن معروفة، كما كانت جبال غمارة. فقليلاً ما أشارت إليها مصادر هذا العصر. وقليلاً ما دخلت قبائلها مدينة فاس، إذا استثنينا ما وقع في أواخر السعديين، لما اجتمع برابرة الأطلس حول محمد الحاج الدلائي، واتجهوا نحو فاس وكان ذلك عام 1051 هـ/ 1641 م([399])، لكن حاجة أهل المدينة إلى منتجاتها وتوجه التجار الفاسيين إليها جعلها من بين المناطق التي كانت لها علاقات مستمرة بفاس هذا العصر([400]).
أما فيما يخص أعداد سكان المرتفعات المجاورة للمدينة سواء الجنوبية أو الشمالية، فعلى العموم يصعب تحديدها بالضبط وخصوصاً تحديد القبائل التي كانت تسكن فيها في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين لأن الغموض لا زال يسود تاريخها.
فالإشارات التي يمكن جمعها من المصادر المعاصرة وغير المعاصرة لا تعطينا إلا القليل، وهي عبارة عن نتف تذكر أسماء قبائل أو مداشر أو قرى، بدون تحديدها ولا تعريفها. فتكون نظرة الباحث لتلك الجبال عبارة عن تعميم لبعض الأوصاف السريعة الواردة في الوثائق([401]) والمصادر.
لقد قسم المجهول البرتغالي مناطق السكن بهذه المرتفعات إلى مداشر صغيرة وإلى قرى ثم إلى مدن([402]) ومن ضمن المداشر التي ذكرها والمعروفة في عهد السعديين بالمرتفعات المجاورة لفاس: شيخ الحمراء([403]) العندجرة([404]) والخروب([405])… أما القرى وخصوصاً منها تلك التي تقع بالمرتفعات الجنوبية ثم الشرقية فمنها صفرو([406]) وكيكو([407]) والميس([408]) والوتة وسيدي بوتيم([409])… بينما يذكر من بين المدن الواقعة بالمرتفعات المجاورة لفاس: تازة وباديس والشاون وتطوان.
وهكذا يمكن أن نستخلص من كلام المجهول البرتغالي ما يلي:
أولاً: أن المرتفعات الجنوبية قليلة المدن، وأن أكبر التجمعات البشرية الموجودة بها هي صفرو وألميس وكيكو… وكلها عبارة عن قرى.
ثانياً: إن أهم مدن المرتفعات الشمالية تقع على هوامشها. وقد أكّد الوزان بدوره على هذه الظاهرة، كما أكد على كثرة القرى والمداشر بجبال غمارة، فقد ذكر أسماء كثيرة لتجمعات بشرية تقع في قلب هذه المرتفعات، وعلى سبيل المثال قرية ايزاكن([410]) Ezzaguen كما يسميها أو زفاف حسب الإدريسي([411]) يطلق عليها اليوم مدينة وزان. والمدينة الحالية في الحقيقة لم تبن مكان ازاكن التي عرفت في العصر السعدي، لأن مكان ازاكن لا زال إلى يومنا هذا يطلق عليه هذا الاسم، وهو موقع يبعد بحوالي 16 كلم من وزان الحالية. وهو يقع في منخفض تركه الشرفاء الوزانيون لكثرة اليهود فيه، فاستوطنوا مكاناً مرتفعاً، وهو الموقع الحالي للمدينة.
وقد ذكر الوزان قرية مركو Mergo([412])، وهي قرية ازدهرت في القرن العاشر بفضل صناعة النسيج التي مكّنتها من جمع عدد كبير من السكان. وتقع قرب آثار القصر الذي بناه عبد المؤمن الموحدي([413])، وذكر كذلك تنصور Tensor([414])، وهي الآن لا زالت غير معروفة، وآكلة Agla… ([415]).
فكل هذه القرى والمداشر والمدن التي جاء ذكرها في المصادر والتي كانت معروفة على العهد السعدي تجعل الباحث يقتنع بكثافة السكن في المرتفعات المجاورة لمدينة فاس وبهضبة السايس. وقد يستخلص مما جاء حول هؤلاء السكان أنه كان لهم اتصال كبير بالسهل وبالمدينة (فاس) أكثر من اتصالهم فيما بينهم، لأن صعوبة التضاريس والمناخ أرغمت سكان هذه المرتفعات على التكتل في مناطق معينة، وهذه المناطق منعزلة عن بعضها: فساكن الجبال يعتمد قبل كل شيء في معاشه على منتجاته، أي على ما يمكن أن ينتج بيديه، لأن التبادل صعب. وبالتالي فإن كان هناك تبادل فهو تبادل بين الجبل والسهل، ثم ليس على مستوى لوازم العيش والقوت، بل على مستوى الكماليات كاللباس والأسلحة، لأن أهل الجبال لا يحصلون على هذه المنتجات إلا في المدينة.
ومن جهة أخرى فلو حاولنا مقارنة ما كتبه المؤرخون المعاصرون للسعديين حول هذه المناطق المرتفعة، عند وصفهم لكل قرية ذكروها، وذكروا نمط عيشها، للاحظنا أن كل قرية تحاول إنتاج كل متطلباتها المعاشية. فنحن بعيدون كل البعد هنا عن التخصص الفلاحي الذي نجده في بعض المناطق المنخفضة: كل يحاول الوصول إلى اكتفائه الذاتي من شعير وزيتون وتين وزبيب… ورعي، حسب المناطق.
فالمصادر كلها تشهد بذلك. فالوزان ومارمول وابن القاضي والمجهول البرتغالي وغيرهم، فما وصفوا قرية من قرى تلك الجبال، إلاّ وأضافوا أنها تنتج ذرةً أو شعيراً أو تيناً أو زبيباً، وعلى الأقل منتوجين من هذه المنتجات.
ثم إن التربة والمناخ لا يساعدان في غالبية الأحيان على ذلك، مما يزيد في الصعوبة، فيكون المردود دائماً ضعيفاً بالنسبة للمجهود المبدول، مما يزيد من مشاكل سكان هذه المناطق، ويجعلهم في حاجة ملحة لاستمرار الاتصال بينهم وبين سكان السهل والمدينة.
إن ما يقوله مونيي([416]) عن العائلة في منطقة القبائل الجزائرية التي تعيش تحت نفس المناخ، وفوق نفس التضاريس والتربة، يمكن تطبيقه على العائلة في المجتمع الجبلي الفازازي، وخصوصاً الغماري.
فالمجتمع والاقتصاد والحضارة في هذه المناطق تشترك كلها في نفس الصفات التي هي القلة وعدم الكفاية. فاحتياج سكان المرتفعات إذن للمدينة يصبح أمراً ضرورياً. فأمامهم مدينة فاس، كمثال لما يروج بالمغرب، فهي التي تغريهم بخيراتها، فيحلم كل منهم أن يحج إليها([417]).
والعكس غير صحيح، إذا كانت المرتفعات في حاجة إلى المدينة، فهذه الأخيرة تسعى إلى السيطرة عليها دائماً لتجني منها الضرائب([418])، وبعض المنتجات الزراعية والشجرية. إذا صح أن تطلق هنا عبارة التبادل على هذه الظاهرة التي تشترك فيها المنطقتان، فإنه يصح أكثر وصف هذا التبادل بعدم الاتزان، لأن الجانب الرابح هو المدينة… ومن جديد يجب إرجاع تفسير طغيان المدينة على البادية هنا، وخاصة على الجبال، إلى الطبيعة: التضاريس والمناخ.
فالجبال المجاورة لفاس لا تنحدر بقوة على منطقة السايس بل ورغم وجود فرق الارتفاع بينهما فوجود تلال ونجود ضيقة يجعل المسافر لا يحس بذلك الفرق: سواء في ناحية الشمال حيث مجموعة من التلال المتتابعة من الغرب إلى الشرق (من بلاد الهبط إلى ناحية تازة)، أو من ناحية الجنوب حيث نجد مناطق الدير الغنية بالمياه والأشجار المثمرة والتربة الصالحة للزراعة. كل هذا يجعل سكان الجبال يسعون أولاً إلى المناطق المحاذية للمرتفعات ثم إلى المدينة.
يبقى أن وصف الباحث للحياة في هذه الجبال المجاورة وصف غير تام، لأن الحياة غير سهل رسمها أو حصرها مع تنوّع التضاريس والمناخ فيها. وحصر مشاكل الجبال والمناطق المجاورة لها في ظواهر الكثافة السكنية والإنتاج والتبادل لا يعني اقتناع الباحث بأهمية هذه المشاكل بالنسبة لغيرها في مجال البحث في تاريخ هذه الجبال، ولكن يعني أسبقية هذه الظواهر في إطار الغرض المتّبع وراء هذا العرض. وهذا ما يفسر الاهتمام الذي يلي، وهو يتلخص في محاولة التوصل إلى معرفة دور الهضاب والتلال الواقعة بين الجبال والمدينة في الربط بين المنطقتين ومساهمتها، بدورها، في خلق تبادل من شأنه أن يغير ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالسايس وبمدينة فاس، وبتعبير آخر:
هل يمكن للباحث رغم تباعد الأزمنة ضبط دور الهضاب والتلال المجاورة لمدينة فاس في التطور التاريخي للمنطقة؟
أ ـ الهضاب:
تمتد مجموعة من التضاريس يبلغ ارتفاعها ما بين 400 م و500 م([419]). وتربتها متنوعة([420])، حسب المناطق، أغلبها جاف. تضاريسها مضطربة، لكثرة الأودية التي تمزقها، وتساهم في شقاء سكانها أو في سعادتهم حسب موقعهم: أما الساكنون على المنحدرات أو على ضفاف الأنهار أو في المناطق الجافة التي هاجمتها التعرية، فهم يقاسون من صعوبة العيش، لقلة التربة الصالحة للزراعة والأشجار.
ومثل ذلك منطقة بني وارثين التي تقع إلى شرق فاس، على بعد ثمانية عشر ميلاً حسب الوزان([421]). «وهي بلاد كلها تلال تربتها جيدة تستعمل للقمح. توجد في هذه المنطقة حوالي مائة من القرى، لكنها تتكون من منازل حقيرة. سكانها فقراء، يغرسون الكروم ولا…» وهذه المنطقة تقع الآن، وكما قال الوزان، إلى شرق فاس، وهي البلاد التي تسكنها اليوم قبيلة بني سادن([422])، أي منطقة من تلال تجاور نهر اناون، ويحدها غرباً وادي سبو. فتلك منطقة زراعية تعتمد على نسبة تساقط الأمطار([423]).
أما المناطق السفلى، أي الأودية، فهي غنية على العموم لوفرة مياهها، وانبساط الأرض وسهولة التنقل. تربتها على العموم جيدة، مما ساعد على انتشار بساتين متنوعة الأشجار: بساتين وكروم تتزاحم على طول النهر. يقول الوزان، وهو يتحدث عن قرية مقرمدة([424])، إن القرية تقع في وادي. والأودية في الحقيقة كثيرة تشق الهضاب القريبة من مدينة فاس. قال المجهول البرتغالي، وهو يصف الطريق من مكناسة إلى فاس([425]) «من مكناس إلى فاس هناك عشرة أميال وكلها في بلاد منبسطة… ونجد في هذه الطريق أربع أودية بعضها كبير وبعضها الآخر صغير، الأول اسمه… ([426]) والثاني([427])… والثالث([428])… والرابع([429])… ويبتعد كل منهم عن الآخر…» في الحقيقة أسماء تلك الأودية كما يذكرها دوكستر في الهامش، وكما لاحظنا على عين المكان، هي من الغرب إلى الشرق: وادي بوفكران، وادي الجديد، وادي مهدوم، ووادي النجا.
فبعض هذه الأودية يحفر، ويُظهر منحدرات تُفقد المنطقة صفتها السهلية، والبعض الآخر يلتوي، ويعطي للمنطقة شكلاً منبسطاً.
على كل حال تعتبر المناطق الهضبية المجاورة لفاس مناطق تتشابه في تضاريسها وفي نمط عيشها، وتتكامل في اقتصادها ومعاشها.
أما دورها في تطور المنطقة، فكما قال بروديل، حين تكلم عن الهضاب في بلاد البحر الأبيض المتوسط على عهد فيليب الثاني([430])، فقد لعبت المناطق الهضبية دوراً حاسماً في ربط الصلة بين الجبال والسهول أي بين مناطق النظام والحكم المركزي من جهة ومناطق «الفوضى» وعدم الامتثال… من جهة أخرى، فهضاب ناحية فاس هضاب استعملت كطرق لنشر الحضارة والعمران، مما جعلها تعرف تأثيرات الشرق والغرب قبل المناطق الأخرى. ولقد استعملت كطريق لمن أراد التوجه من السهول الأطلسية (ازغار أو غيرها…) نحو هضاب ملوية ثم نحو المغرب الأوسط.
وتعتبر الطريق المارة عبر وادي اناون، من الشرق إلى الغرب أو في الاتجاه المعاكس، من أحسن الممرات التاريخية: فمنها دخل الأتراك مع أبي حسون، ومنها مرّ الشيخ حين توجه إلى تازة لمقاتلة الناصر…
ويسهل المرور عبر وادي سبو عند مرتفع عنق الجمل([431]). وقد بنيت هناك قنطرة من طرف أحمد الوطاسي([432])، وأصلحت، بل أعيد بناؤها على يد المنصور([433])، حسب بعض المصادر.
ب ـ المناطق التلية
يصعب الفصل بين المناطق الهضبية والمناطق التلية. لأن الهضاب مجموعة من الأراضي المرتفعة تتسم بالانبساط عامة، بينما التلال مجموعة من الأراضي، تتكون من مرتفعات كروية الشكل([434]). على مستوى التعريف في كلتي الحالتين يغلب التساوي. خصوصاً وأن المصادر لا تفرق بين الشكلين، والبحث في محاولة الوقوف على النوعين في ناحية فاس صعب فمثلاً يمكن اعتبار منطقة بني وارثين الواقعة إلى الشرق هضبة، كما يمكن إدخالها ضمن التلال ـ فالوزان يقول([435])… «وهي بلاد كلها تلال».
ونفس الاختيار يمكن أن يخالج الباحث حول تعريف المنطقة الواقعة وراء التغات وزالاغ، أي المنطقة التي يطلق عليها اليوم «تلال ما قبل الريف([436])»… وعلى العموم فإن المناطق المتوسطة الارتفاع الواقعة إلى شمال وشرق مدينة فاس عبارة عن تضاريس رطبة. أما الظاهرة التي تجعلنا ندمجها في إطار واحد فهي تربتها الطينية ومنتجاتها الزراعية. فالزياتي([437])، في ذكره للنوازل المتعلقة بهذه المناطق، يؤكد ذلك، حيث إن المنتجات التي يتكرر ذكرها في هذه القضايا لا تختلف كثيراً، وهي القمح والشعير([438])، والأشجار([439]) ـ الزيتون والتين ـ ويضيف الوزان الكروم.
في الحقيقة لا توجد هذه التلال إلا في شمال وغرب مدينة فاس، ولا نجدها جنوب المدينة، لأن جبال فازاز تنزل مباشرة على السايس. وهذا الاتصال بين الجبل والسهل مباشرة يعطينا نوعاً آخر من التضاريس ألا وهو «الدير».
«والدير» هي تلك المناطق القليلة الاتساع التي تقع بين الجبل والسهل. ويرتبط ازدهارها بوفرة مياهها (سهولة حفر الآبار)، وبتجمع التربة التي تحملها المياه من الجبال واستقرارها هناك.
لكن الدير المواجه لفاس متنوع التربة، فهناك مناطق غنية بالتربة الجيدة والمياه العذبة، وتكثر فيها الأشجار والبساتين، كما هو الحال في دير صفرو حيث أشجار الفواكه تزاحم الزراعات والخضروات. وقد وصفها المجهول البرتغالي([440]) كما ذكرها الوزان([441]) ومارمول.
وهناك دير فقير وفيه نجد الأراضي الجرداء القاحلة لسرعة انحدارها، فلا ترسو بها تربة، ولا توجد فيها مياه كافية، كما هو الحال بالنسبة للجنوب الغربي من صفرو.
والحياة في هذه المناطق أسهل من الحياة في الجبال (لعدة أسباب) فسكانها يعتمدون في اقتصادهم على الجبل، بالنسبة للرعي، وعلى الدير بالنسبة لمنتجاتهم الشجرية والخضروية، وعلى السهل القريب في الزراعة. كما يرتبط سكان هذه المناطق بالمدينة سواء لبيع منتجاتهم الفلاحية أو لاشتراء باقي لوازمهم.
ج ـ المناطق المنخفضة:
كلما تحدثنا عن الجبال كلما استعملنا الكلمات «تقشف»، و«وعورة» «وكثافة منخفضة»، وكلما ذكرنا السهل، كلما كنا نردد الكلمات غزارة، سهولة المواصلات، غنى، سهولة الحياة… هذا ما كتبه أبروديل عندما درس سهول البلدان المجاورة للبحر الأبيض المتوسط، وهذا ما يمكن أن يكتب كذلك عن المناطق المنخفضة بناحية فاس.
فالسايس لا يشبه المرتفعات المجاورة له، من حيث الألوان ولا الورود، ولا التوزيع الفصلي. يقول ابن القاضي واصفاً للسايس([442]) «…حتى وصل إلى سايس فوجد فسحة الأرض واعتدالها وكثرة المياه… فنزل هناك على مياه غزيرة([443]) مطردة في مروج مخضرة…».
فكل الكلمات المستعملة هنا تدل على الهدوء والانبساط والسهولة مثل فحص سايس «فسحة الأرض، اعتدالها… مروج مخضرة…» فالسايس، كما يصفه الوزان([444]) أيضاً… «كله على شكل سهل…».
ويتسع هذا السهل إلى 18 ميلاً نحو الغرب وحوالي 20 ميلاً إلى الجنوب، والتربة فيه جيدة…
في الحقيقة كان الوزان وابن القاضي يتكلمان عن سهل السايس المجاور لفاس، ولا يحاولان توسيع منطقة السايس لإدخال منطقة مكناسة فيها. فالمقصود عندهما هو سايس فاس خاصة. ونلاحظ أن المقاييس التي أعطاها الوزان توسع السايس من الجنوب (20 ميلاً) ومن الغرب (18 ميلاً) فقط، لأن هذا السهل لا يتسع إلى الشمال ولا إلى الشرق. فإلى الشمال تجده، قريباً من المدينة، ومن مرتفعات زالاغ والتغات، وإلى الشرق ينتهي ببداية منخفض سبو ومرتفعات بني وارثين.
والسايس غني بالمياه من عيون ومروج، وتأتيه هذه المياه إما من الأمطار (500 مم سنوياً)([445]) أو من الجبال عندما تذوب الثلوج وخصوصاً ثلوج جبال فازاز.
وإذا كانت هناك مروج، فلأن التربة الغنية بالطين في تكوينها تمنع تسرب مياه الأمطار، وبالتالي تساعد على تجمعها في شكل سباخ أو مروج. يقول المجهول البرتغالي([446]) «قبل الدخول إلى فاس بميل ونصف الميل هناك مرجتان حيث… بين هذه المروج نجد بعض المنازل تعلوها أبراج، وتسمى بالدار البيضاء…» وما يطلق عليه المجهول البرتغالي مروجاً ما هو إلاّ عبارة عن مستنقعات لم تكن دائماً من صالح سكان السهل بل كثيراً ما كانت مصدراً للأمراض([447]).
وتاريخ السايس غني بأمراض السباخ. وقد حاول السكان مكافحة هذا الداء ببناء سدود وتغيير مجاري مياه بعض الأودية([448]).
فالأمراض التي تنشرها هذه المستنقعات هي أمراض «جغرافية»، أي أنها وليدة وسط جغرافي خاص، فإذا كان الوباء الآتي من الهند والصين عبر البحار وعبر البر، مع التجار، مرضاً غريباً على السكان وعلى المنطقة، وتصعب مكافحته، «فالمالاريا» تسكن قرب المدينة في هذه السباخ. وتقل أو تغيب كلما استطاع السكان مكافحتها بتجفيف مياه المستنقعات وتسهيل جريان المياه…([449]).
فاستغلال السهل لم يكن ممكناً إلاّ بعد القضاء على هذا الداء بحمل المياه في سواقي محدودة ومراقبة.
لهذا فإن استغلال سهل السايس بقي متوقفاً على عمل ومجهود السكان بالخصوص، وارتبط بحاجيات هؤلاء من الأراضي الصالحة للزراعة. فكلما تزايد عدد السكان تزايدت كمية العمل والإنتاج وقلّت الأمراض. وكلما تناقص عدد السكان، أو عدد المشاركين في الفلاحة أو استصلاح الأراضي، قل الإنتاج وتكاثرت الأمراض بالمدينة وارتفعت الأثمان وانتشر الغلاء…([450]).
وكان استغلال السايس، دائماً لفائدة المدينة دون غيرها ويظهر حسب المصادر، أن الفلاحة قد ازدهرت فيه. فكثرت السدود على الأودية وبذلك الخصومات حول الماء بين الفلاحين وسكان المدينة… حتى أن المنصور جدد بنفسه سنة 1009 هـ سد وادي فاس «ووكل عليه أحد القواد الحازمين وهو إبراهيم الأيسي»([451]).
وحسب القرطاس فإن المنطقة قد عرفت ازدهاراً فلاحياً هائلاً منذ 1320 م([452])، حيث إن كل الغابات التي كانت لبني يازغة قد حطمت واستعملت تربتها للزراعة والرعي، وأشجارها للبناء وصنع الأثاث المنزلية.
والخلاصة أن المتتبع لأخبار المنطقة عبر المصادر أولاً ثم عبر ما توحيه جغرافيتها ثانياً، يقتنع بالارتباط الوثيق بين الطبيعة والسكان الذين يعيشون فيها، وباستقراء الباحث لما جاء في كتب التاريخ المعاصرة ـ رغم عدم اهتمامها بالظواهر الطبيعية ـ يقتنع أن الطبيعة في المنطقة كانت في أغلب الأحيان عائقاً وعبئاً على سكانها.
محمد مزّين
الفاطميون(*)([453])
الحسين بن أحمد بن محمد، المعروف بأبي عبد الله الشيعي وأبي عبد الله المحتسب، لأنه كان ـ على ما قيل ـ محتسباً في البصرة، وبأبي عبد الله الصنعاني لأنه ولد بصنعاء.
هو المُمُهّد لقيام الدولة الفاطمية ومُوَطِّد أركانها في شمالي أفريقيا؛ كان مولده في صنعاء وتنقل في أكثر من بلد حتى كان في اليمن وهناك اتصل بالداعي الفاطمي المعروف بابن حوشب والملقّب بمنصور اليمن، فقرر ابن حوشب إرساله إلى المغرب. وكان قد سبقه قبل ذلك كل من الداعيين الحلواني وأبي سفيان حيث مهدا أمر الدعوة، ثم ماتا قبل أن يقوم للدعوة نظام حكم وقبل أن تنجح نجاحها المطلوب، لذلك رأينا ابن حوشب بعد موت أبي سفيان والحلواني يُعِدّ أبا عبد الله للذهاب إلى أفريقيا ويوصيه قائلاً: «إن أرض كتامة من بلاد المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك فبادر فإنها موطّأة مُمَهّدة لك».
فانطلق أبو عبد الله أول ما انطلق إلى مكة في موسم الحج سنة 279هـ (892 م) وهناك عمل على الاتصال بحجاج كتامة ليلم بمقدار تقبّلهم لما يدعو إليه فوجد عندهم استعداداً لذلك. وعندما أراد مفارقة مجلسهم سألوه أن يأذن لهم بزيارته فأجابهم إلى ذلك، فأخذوا يترددون عليه. ثم سألوه إلى أين يقصد بعد الحج فلم يجبهم بأنه إنما يقصد بلادهم، بل أجابهم بأنه يريد مصر. ومصر بطبيعة الحال هي طريقهم، فسروا بصحبته ورحلوا جميعاً من مكة، وهو في كل ذلك يخفي عنهم أغراضه. وكان أبو عبد الله يتمتع بشخصية قوية وصفات جذابة محببة مما زاد في تعلّق الكتاميين به ومحبتهم له، فضلاً عمّا لمسوا فيه من علم وورع وزهد.
وكان دائم الاستطلاع منهم عن بلادهم والاستخبار عن أوضاعهم، وكان أكثر ما يهمه هو صلتهم بالحكم وصلة الحكم بهم. وعندما سألهم عن أميرهم، قالوا: ليس له علينا طاعة وبيننا وبينه عشرة أيام.
وفي مصر ودّعهم أبو عبد الله مظهراً العزم على البقاء فيها فشق عليهم فراقه وسألوه عن حاجته في مصر، فقال: إنه ليس له بها حاجة إلا طلب العلم، فقالوا له: «فأما إن كنت تقصد هذا، فإن بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك ونحن أعرف بحقك».
فأجابهم إلى السير معهم، واستأنفوا السير حتى أصبحوا على مقربة من بلاد كتامة، وقد خرج إلى لقائهم أصحابُهم الذين كانت قد أينعت فيهم التعاليم الفاطمية على يد الدعاة.
ولما وقف القوم على حال أبي عبد الله، أحلّوه من أنفسهم محل الإجلال والإكرام، ورغبوا في نزوله عندهم واقترعوا أيهم يضيفه. ولما بلغوا أرض كتامة في شهر ربيع الأول سنة 280 هـ (893 م) تهافت كل منهم على إنزاله في بيته، فسألهم: «أين فج الأخبار([454])؟ فدلوه عليه فقصده، وسار إلى جبل إيكجان، فنزل بفج الأخيار، وهو محل اجتماع الحجاج من الأندلس
وشمالي المغرب الأقصى. وعلى الرغم من مساعدة الكتاميين وغيرهم من القبائل المجاورة، كان مركز أبي عبد الله محوطاً بكثير من المصاعب. فقد أثارت مساعدة هؤلاء لدعوته حنق كثير من زعماء المغرب وفقهائهم. على أن هؤلاء الفقهاء لم يستطيعوا أن ينالوا منه، لما أوتيه من الفصاحة والعلم والذكاء، كما تمكّن من القضاء على المؤامرات التي حاكها البربر ليحولوا دون نشر دعوته. فتكاثر الداخلون في طاعته رغبة ورهبة، وتوافرت جموعه، وقوي أمره واستقام له أمر البربر وعامة كتامة».
ولم يدخر إبراهيم الثاني الأغلبي (261 ـ 289 هـ) وسعاً في القضاء على دعوة أبي عبد الله، فحاول أن يجذبه إليه في أول الأمر، وأرسل إليه رسالة يعده ويتوعده فيها، فلم يجبه أبو عبد الله إلى ما طلب، ورد عليه بكتاب يدل على جرأته واستصغار شأن الأغالبة([455]). ومن ثم أخذ الأغالبة يرسلون حملاتهم لقتاله. وكانت أولى هذه الحملات في سنة 287 هـ أي قبل وفاة إبراهيم الأغلبي بسنتين وكان النصر فيها حليف أبي عبد الله. ولكن إبراهيم الأغلبي عول على مواصلة القتال فأرسل جيشاً آخر لم يلبث أن هزم.
وفي سنة 291 هـ (903 م) بدأت أعمال أبي عبد الله الحربية فوقعت في يده عدة مدن. وساعد على تقدمه في الفتح موت إبراهيم بن الأغلب سنة 291 هـ ولحاق ابنه أبي العباس به وتولية ولده زيادة الله الذي قضى أيامه في اللهو والترف.
وغدا جماعة أبي عبد الله في ذلك الوقت، (سنة 291 هـ)، أصحاب السلطان المطلق في جميع الجهات الواقعة إلى الغرب من مدينة القيروان. واتبع أبو عبد الله سياسة تنطوي على الحكمة وبعد النظر وإقرار العدل بين الناس، كما يتبين من هذه الحكاية التي رواها ابن عذارى، وهي أن أبا عبد الله لما استولى على مدينة طبنة، سنة 293 هـ، أتاه والي هذه المدينة مع بعض عمال الجباية وأعطوه الأموال التي جمعوها من الأهلين، فقال أبو عبد الله لأحدهم: من أين جمعت هذا المال؟ فقال: من العشور، فقال أبو عبد الله: إنما العشور حبوب وهذا عين، ثم قال لقوم من ثقات ذبنة: اذهبوا بهذا المال فليرد على كل رجل ما أخذ منه، واعلموا أنهم أمناء على ما يخرج الله لهم من أرضهم، وسنة العشور معروفة في أخذه وتفرقته على ما ينصه كتاب الله عزّ وجل، ثم قال لآخر: من أين هذا المال الذي في يدك؟ قال جبيته من اليهود والنصارى جزية عن حول مضى لهم، فقال: وكيف أخذته عيناً وإنما كان يأخذ رسول الله من الملّي ثمانية وأربعين درهماً ومن المتوسط أربعة وعشرين درهماً ومن الفقير اثني عشر درهماً؟ فقال له: أخذت العين عن الدراهم بالعرف الذي كان يأخذه عمر رضي الله عنه. فقال أبو عبد الله: هذا مال طيب. ثم أمر أحد الدعاة بأن يفرقه على أصحابه. وقال لمن أتاه بمال الخراج: هذا مال لا خير فيه ولا قنى له ولا خراج على المسلمين في أموالهم، ثم أمر ثقات أهل طبنة برده على أهله. وقبض مال الصدقة من الإبل والبقر والغنم بعد أن قيل له إنها قبضت منهم الأنعام على الأسنان الواجبة في الصدقات، ثم بيعت وجمعت أثمانها، ورضي بذلك وجوّزه. فلما نظر أهل طبنة إلى فعله سرّوا به ورجوا أن يستعمل فيهم الكتاب والسنة. وانتشر فعله في نواحي أفريقيا، فتاقت أنفسهم إليه وكاتبوه ودخلوا في طاعته.
ومما يدل على حسن سياسة أبي عبد الله، هذا الحديث الذي دار بينه وبين أخيه أبي العباس حين أراد أن ينشر مذهبه بين الناس عن طريق العنف والإكراه، فمنعه أبو عبد الله. يقول النويري: «ولما وصل أبو العباس، أراد أن ينفي عن القيروان من يخالف مذهبه، فقال أبو عبد الله: إن دولتنا دولة حجة وبيان، وليست دولة قهر واستطالة، فاترك الناس على مذاهبهم»([456]).
وأنفذ أبو عبد الله الرسل إلى عبد الله المهدي الذي كان ينزل في سلمية يدعوه للحضور إلى أفريقيا. فأسرع المهدي متوجهاً إلى المغرب، وكان أن تسامع الناس بأمر دعوته، فأصدر الخليفة العباسي المقتفي الأوامر بالقبض عليه. ولم يكد يصل إلى مدينة سجلماسة حاضرة بني مدرار حتى قبض عليه أميرها اليسع بن مدرار وحبسه.
وأخذ أبو عبد الله يواصل فتوحه مذ رحلت رسله إلى عبد الله المهدي. وفي سنة 295 هـ (907 م) بسط أبو عبد الله نفوذه على معظم أرجاء أفريقيا. وفي يوم الأحد مستهل رجب سنة 296 هـ دخل أبو عبد الله مدينة رقادة، واستقر في دار الإمارة. وبهذا تكللت أعمال أبي عبد الله بالنجاح.
ولما كان يوم الجمعة أمر الخطباء في القيروان فخطبوا، وأبطل ذكر اسم الخليفة العباسي في الخطبة. وبهذا زالت سلطة العباسيين الاسمية والفعلية من هذه البلاد.
وظل عبد الله المهدي في حبسه بسجلماسة، وأبو عبد الله يواصل حروبه وفتوحه. فلما تم له ما أراد من فتح، سار في قوة كبيرة إلى سجلماسة لإطلاق عبد الله المهدي. وفي اليوم التالي لوصوله، اتصل به نبأ هرب أليسع بن لله مدرار أمير هذه المدينة ليلاً، وقد حمل معه أقاربه وأمتعته، فأطلق عبد الله المهدي وابنه أبا القاسم. وكان إطلاقهما، في 7 رجب سنة 296 هـ، إيذاناً بزوال سلطان بني رستم في تاهرت والأغالبة في تونس، وقامت الدولة الفاطمية في كل شمالي أفريقيا الذي خرج عن سلطان العباسيين.
تفاصيل
وصل أبو عبد الله إلى أفريقيا فاحتضنته قبيلة كتامة وتوافرت جموعه وقوي شأنه واستقام له أمر البربر وعامة كتامة.
وكان يواجهه إبراهيم الأغلبي الثاني (261 ـ 289 هـ) فلم يدخر هذا وسعاً في القضاء عليه، فأرسل إليه أول الأمر يعده ويتوعده فلم يجده ذلك نفعاً، لذلك أخذ يرسل الحملات لقتاله، وكانت أولى هذه الحملات في سنة 287 أي قبل وفاة إبراهيم بسنتين، وكان النصر حليف أبي عبد الله، فأرسل إبراهيم جيشاً آخر لم يلبث أن هزم.
وفي سنة 291 هـ (903 م) أخذ أبو عبد الله المبادرة وبدأت أعماله الحربية فوقعت في يده عدة مدن، وساعد على تقدمه في الفتح موت إبراهيم بن الأغلب ولحاق ابنه أبي العباس به وتولية ولده زيادة الله. وغدا جماعة أبي عبد الله في ذلك الوقت (سنة 291 هـ) أصحاب السلطان المطلق في جميع الجهات الواقعة إلى الغرب من مدينة القيروان([457]).
أرسل أبو عبد الله رجالاً من كتامة ليخبروا عبد الله بما فتح الله عليه ويدعوه إلى أفريقيا لمباشرة السلطة بنفسه.
وكان قد شاع الخبر في الناس وذلك في عهد المكتفي العباسي، فبثت الأرصاد والعيون للقبض عليه، ولكنه استطاع الوصول إلى مصر متخفياً مع ولده نزار وهو يومئذ غلام ـ يصحبه جماعة من خاصته ومواليه، وذلك أيام زيادة الله، وكان يسير متنكراً بزي التجار، فدخل مصر بهذه الحال، وكان خليفة بغداد قد أرسل إلى والي مصر عيسى النوشري يأمره بمراقبة الداخلين إلى مصر، مبيناً له صفات عبد الله وحليته طالباً منه القبض عليه وعلى كل من يشبهه.
وكان بعض حاشية عيسى متشيعاً فأخبر عبد الله وأشار عليه بالإسراع بترك مصر، فخرج منها مع أصحابه، ومعه أموال كثيرة كان قد حملها معه من سلمية.
يقول ابن الأثير (ج 8، ص 38، ط 1966):
«فلما وصل الكتاب إلى النوشري فرق الرسل في طلب المهدي وخرج بنفسه فلحقه، فلما رآه لم يشك فيه، وقال له: اعلمني بحقيقة حالك حتى أطلقك، فخوفه بالله تعالى وأنكر حاله، ولم يزل يخوفه ويتلطفه فأطلقه وخلي سبيله وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة بي إلى ذلك ودعا له.
وقيل إنه أعطاه في الباطن مالاً حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد إرسال الجيش وراءه ليردوه».
وهنا يتدخل القدر بعجائبه فيحدث أمر تافه يبدل مجرى التاريخ، فإن ابن الأثير يتمم كلامه السابق قائلاً:
«وكان المهدي لما لحق أصحابه رأى ابنه أبا القاسم قد ضيع كلباً كان له صيد به وهو يبكي عليه، فعرفه عبيدة أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، رجع المهدي بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيدة، فرآهم النوشري فسأل عنهم فقيل: إنه فلان وقد عاد بسبب كذا وكذا. فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله، أردتم أن تحملوني على قتل هذا حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو كان غريباً لكان يطوي المراحل ويخفي نفسه وما كان رجع في طلب كلب تركه!..».
«وجدّ المهدي في الهرب فلحقه لصوص بموضع يقال له الطاحونة فأخذوا بعض متاعه، وكانت عنده كتب وملاحم لآبائه فأخذت فعظم أمرها عليه، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان».
هذا النص الذي ذكره ابن الأثير يدل على أن الرجل كان إلى جانب حذقه السياسي ـ رجل علم يجمع الكتب كما يجمع المال والسلاح، ويحرص على حمل الكتب في حله وترحاله مثلما يحرص على حمل المال وتقلد السلاح، وأنه لا يعظم عليه سلبه المال أو بذله، بل يعظم عليه سلبه الكتب([458])…
ولا ندري نوع تلك الملاحم التي لآبائه وسلبت منه مع ما سلب منه من الكتب، ومهما كان نوعها، فلا شك أنها لو وصلت إلينا لكان لها شأن أي شأن في تدوين تاريخ تلك الحقب، ولحسمت الكثير من الأمور التي أراد ويريد بعض الناس أن لا تحسم على حق…
وانتهى السير بالمهدي إلى مدينة طرابلس، وفيها تفرق من صحبهم من التجار، وكان في رفقته أبو العباس أخو أبي عبد الله الشيعي، فأرسله في الحال إلى القيروان ببعض ما معه وأمره أن يلحق بالكتاميين.
ويبدو من سرد ابن الأثير للأحداث أن أمر المهدي كان قد أصبح موضع شبهة فهو يقول: «فلما وصل أبو العباس إلى القيروان وجد الخبر قد سبقه إلى زيادة الله بخبر المهدي فسأل عنه رفقته فأخبروا أنه تخلف في طرابلس، وأن صاحبه أبا العباس بالقيروان».
وهذا الذي ذكرنا والذي سنذكره بعد قليل يدل على أن ما نسميه اليوم (الاستخبارات)، كان في تلك الأعصر لا يقل نشاطاً وكفاءة عنه في هذه الأعصر.
فقد استطاعت (استخبارات) زيادة الله أن تعلم بوصول جماعة التجار إلى طرابلس وأن تستريب في أمرهم، وتخص باسترابتها أمر أحدهم المطلوب التحقق من أمره، وأن تبعث بخبر استرابتها إلى زيادة الله في القيروان، وأن يتولى زيادة الله التحقيق مع رفاق المهدي الذين وصلوا إلى طرابلس، وأن تظهر نتيجة التحقيق أن الرجل المقصود قد تخلف في طرابلس وأنه أرسل صاحبه أبا العباس الى القيروان.
فجرى في الحال القبض على أبي العباس. وحتى هذه الساعة لم يكن الأمر أمر يقين عند السلطة أن الرجل المتخلف في طرابلس هو عبد الله المهدي وأن أبا العباس هو رسوله الموفد من قبله، وإنما كان الأمر أمر شبهة قوية مرجحة، وعلى هذا الأساس جرى التحقيق مع أبي العباس.
ولعل من الطريف أن نذكر هنا كيف كان يعبر في ذلك العصر عمّا نسميه في عصرنا (التحقيق)، أنهم كانوا يسمونه: (التقرير). لذلك نرى ابن الأثير يقول عن القبض على أبي العباس والتحقيق معه: «فأُخذ أبو العباس، وقُرر فأنكر، وقال: إنما أنا رجل تاجر صحبت رجلاً في القفل».
ومن الطبيعي أن لا تقنع السلطة بهذا الجواب، وأن تأمر بسجن أبي العباس لتتثبت من الأمر.
وإذا كانت استخبارات زيادة الله متيقظة ونشيطة، فإن عبد الله المهدي كان ذكياً حذراً بحيث استطاع أن يتقي ظنون والي طرابلس، فقد عمل منذ وصل طرابلس إلى أخذ المبادرة بالاتصال بوالي طرابلس وحمل الهدايا إليه بحيث أبعد نفسه عن كل ريب يمكن أن يثيره في نفس الوالي وجوده في طرابلس، وكذلك كانت له هو الآخر استخباراته التي أبلغته بما جرى من التحقيق مع أبي العباس وسجنه. لذلك بادر إلى ترك طرابلس واتجه إلى (قسطيلة).
وعندما وصلت رغبة زيادة الله إلى والي طرابلس بالقبض على المشتبه به عبد الله المهدي كان هذا قد غادر طرابلس.
وهنا يجدر بنا أن نسجل لعبد الله المهدي منقبة خلقية كبرى، فإنه وهو في هذا الموقف الحرج الذي أدرك خطورته لم يفكر بنفسه فقط والعمل على النجاة بها وحدها، بل فكر برفيقه وشقيق قائده أبي عبد الله، فكر بأبي العباس الموقوف في سجن زيادة الله.
فقد كان الموقف الأقرب إلى السلامة هو أن يتجه من (قسطيلة) إلى حيث ترابط جيوشه المنتصرة بقيادة أبي عبد الله، ولكنه بذلك سيكشف أبا العباس ويتحقق زيادة الله أن الرجل المشتبه بأنه رسول عبد الله المهدي، والمدّعي بأنه تاجر صحب تاجراً ثم انفصل عنه ـ سيتحقق زيادة الله بظهور المهدي على رأس جيوشه المنتظرة له، بأن سجينه هو فعلاً رسول عدوه فيعمد إلى قتله في الحال. فغامر المهدي بالابتعاد عن مكان أبي عبد الله وقصد سجلماسة.
يقول ابن الأثير: (ص 39): فلما وصل المهدي إلى (قسطيلة) ترك قصد أبي عبد الله الشيعي لأن أخاه أبا العباس قد أُخذ، فعلم أنه إن قصد أخاه تحققوا الأمر وقتلوه، فتركه وسار إلى (سجلماسة).
وعرف زيادة الله بوصول المهدي إلى قسطيلة فأرسل من يقبض عليه فيها، ولكنه كان قد غادرها إلى سجلماسة قبل وصولهم.
وفي سجلماسة عرف كيف يبعد الشبهة عنه عند حاكمها إليسع بن مدرار إذ أهدى إليه الهدايا وواصله، فبادره إليسع تقرباً بتقرب ومالت نفسه إليه وأحبه دون أن يعرف حقيقة أمره.
ولكن زيادة الله كان هذه المرة أسرع تصرفاً، فأرسل إلى إليسع يخبره بأن نزيل سجلماسة المقرب منه هو المظنون بأنه عدوهما المشترك الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي، فبادر إليسع في الحال إلى القبض على عبد الله المهدي وإيداعه السجن.
والواضح أن الأمر كان لدى زيادة الله أمر ترجيح لا أمر يقين، لأنه حتى تلك الساعة لم يكن لديه ما يثبت ثبوتاً قاطعاً أن سجين سجلماسة هو عبد الله المهدي وهذا ما بدا لإليسع بن مدرار، وكان احتفاظه به في السجن نوعاً من التحوط لا أكثر.
على أن إليسع بن مدرار لم يكن تابعاً لزيادة الله، ولم تكن سجلماسة ضمن ما تحكمه الإمارة الأغلبية بل كانت عاصمة إمارة بني مدرار وهم خوارج صفرية([459]) وإمارتهم مستقلة سياسياً ومذهبياً عن العباسيين وعن أتباعهم الأغالبة في أفريقيا، وربما كان هذا هو السبب في اختيار المهدي لها.
لذلك لم يكن لزيادة الله حكم على ابن مدرار فيأمره بالقبض على الرجل المشتبه بأنه عبد الله المهدي الذي هو في عقيدته ودعوته أعدى أعداء الخوارج، المشتبه بأنه عبد الله المهدي الذي هو في عقيدته ودعوته أعدى أعداء الخوارج، وإنما نبهه إلى حاله، وكان ذلك كافياً لإقدام ابن مدرار على سجنه.
وتوالت انتصارات أبي عبد الله ففتح مدينة ميلة ومدينة سطيف وغيرهما، فهال ذلك زيادة الله فراح يجمع العساكر ويبذل الأموال فتكون له جيش كبير ولى قيادته أحد أقربائه المسمى إبراهيم بن خنيش، وكان ـ على حد تعبير ابن الأثير ـ لا يعرف الحرب!.
وماذا تغني كثرة الجند إذا كانت القيادة جاهلة لا كفاءة لها، لذلك فإن الأربعين الألف الجندي الذين تجمعوا بقيادة ابن خنيش ومن انضم إليهم من أمثالهم من الشجعان حتى تضاعف عدد جيشه، ثم زحف بهم إلى قسطنطينة ثم أتاه إليها كثيرون من الكتاميين الذين لم ينضموا إلى أبي عبد الله، إلى حيث عبد الله هابه فتحصن منه في الجبل ولم يجرؤ على مواجهته طيلة ستة أشهر ما أغرى إبراهيم بالزحف بعساكره إلى بلدة (كرمة) فاكتفى أبو عبد الله بإرسال خيل اختارها من النخبة ليختبر كفاءة الجيش الكبير الزاحف.
إن الأربعين الألف الجندي ومن ضاعفوا عددهم أوردتهم قيادتهم الجاهلية بالحرب شر مورد!.
فقد استخف إبراهيم بالخيل القادمة فخرج إليها بنفسه، ولم يول أمر صدها لأحد قواده، بل أراد أن يحرز نصراً يسجل له هو، فاشتبك بخيل أبي عبد الله.
وبلغ الخبر أبا عبد الله فزحف بعساكره فانهزم إبراهيم ومن معه وجرح وعقر فرسه، فكان ذلك كافياً لأن ينهزم جيش إبراهيم كله، وأن يغنم أبو عبد الله جميع أثقال ذلك الجيش وأن ينتهي أمر إبراهيم إلى القيروان.
كانت هذه المعركة حاسمة بالنسبة لتوطيد الخلافة الفاطمية واستقرار دولتها. وكان أول ما فعله أبو عبد الله أن احتال في إيصال خبر النصر الحاسم إلى الإمام المستتر في سجن سجلماسة، فأرسل من ثقاته رجلاً متظاهراً بأنه قصاب يبيع اللحم فاستطاع بهذه الصفة الوصول إلى السجن ورؤية عبد الله المهدي وإبلاغه النبأ السار.
ثم سار أبو عبد الله إلى مدينة (طُبنة) فدخلها بعد قتال شديد، ثم إلى مدينة (بلزمة) فكان مصيرها مصير طبنة.
فتوالت هذه الأنباء على زيادة الله فعظم الأمر عليه وراح يحشد الرجال ويجمع العساكر حتى صار له جيش يعول عليه فأرسله بقيادة هارون بن الطنبي فلقي هزيمة ساحقة وقتل القائد.
فعند ذلك قرر زيادة الله الخروج بنفسه لقتال أبي عبد الله فأخرج الأموال وجيش الجيوش، ولكنه عدل عن البروز بنفسه لنصيحة وجوه دولته، واختار لقيادة الجيش أحد بني عمه: إبراهيم بن أبي الأغلب وكان رجلاً شجاعاً.
ولما علم أبو عبد الله بأمر هذا الجيش بادر إلى احتلال (باغاية) و(مجانة) و(بتغاش)، فعند ذلك جاءه رؤساء القبائل يطلبون منه الأمان فأمنهم، وواصل احتلال المدن فاحتل (مسكيانة) و(تبسة) و(مدبرة) و(قمودة).
وكان إبراهيم بن أبي الأغلب ينزل بجيشه في (الأربس) فبلغه أن أبا عبد الله يريد التوجه إلى زيادة الله في رقادة، ولم يكن قد بقي لدى زيادة الله سوى قوة قليلة، فخرج إبراهيم من الأربس، وفي (دردمين) اشتبكت سرية من جيش إبراهيم مع سرية من جيش أبي عبد الله فانهزمت هذه، ولما استبطأ أبو عبد الله رجوعها خرج بجميع عساكره فاستنقذ سريته.
ثم استولى على قسطيلة وقفصة، ورجع إلى (باغاية) فترك فيها جيشاً وعاد إلى جبل انكجان. فسار إبراهيم إلى باغاية فقاتله الجيش الذي فيها. وبلغ الخبر أبا عبد الله فسار إلى أنجاد باغاية، فلما علم بذلك إبراهيم تركها عائداً إلى الإربس.
وجاء الربيع، وطاب الزمان ـ كما يقول ابن الأثير ـ وكان أبو عبد الله قد استطاع جمع جيش بلغ عدد رجاله مئتي ألف ما بين فارس وراجل، واجتمعت جيوش زيادة الله في الإربس بقيادة إبراهيم بن أبي الأغلب بعدد لا يحصى ـ كما يقول ابن الأثير.
وسار أبو عبد الله في أول جمادى الآخرة سنة 296 هـ فالتقى بابن أبي الأغلب في معارك طاحنة امتدت حتى أواخر جمادى الآخرة حيث كانت الوقعة الكبرى التي انتهت بهزيمة الجيش الأغلبي هزيمة كاسحة.
فلما بلغ خبر الهزيمة زيادة الله هرب إلى مصر([460]) أما إبراهيم بن أبي الأغلب فسار إلى القيروان محاولاً استنهاض أهلها للصمود والقتال، فصاح به الناس: اخرج عنا فمالك عندنا سمع ولا طاعة وشتموه، فخرج وهم يرجمونه.
ودخل أبو عبد الله رقادة وسار بعد ذلك إلى سجلماسة وجرى ما مر ذكره.
ويقول الدكتور موسى لقبال في كتابه (دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطمية) (ص 319 وما بعدها: «وفي سجلماسة نزل (المهدي) بدار أبي حبشة واستمرت حياته طبيعية هادئة حتى وصل البريد من طرف الأمير الأغلبي برسالة تكشف عن شخصيته كصاحب الدعوة التي ينشرها الصنعاني في كتامة، بيد أنه لا يتصور أن يكون مضمون رسالة الأمير زيادة الله أمراً بقتله أو بإرساله إليه أو بالتضييق عليه» اهـ.
وذلك لما ذكرناه من استقلال صاحب سجلماسة عن الأمير الأغلبي.
ثم يتابع لقبال كلامه: «فإن أقصى ما نال عبد الله هو التضييق عليه مجاملة للأمير الأغلبي وللخليفة العباسي فنقله إلى مكان خاص تملكه مريم بنت مدرار وهي إحدى سيدات الأسرة الحاكمة لتصبح مراقبته ممكنة وميسورة، ولم تتغير معاملة إليسع لعبد الله وابنه حتى سمع نبأ توجه الداعي إلى سجلماسة عندئذ فقط سجن كل واحد منهما على انفراد في مكان ضيق عرف بالمطبق وعرضهما وأتباعهما لامتحانات عسيرة لكنه لم يستطع أن يظفر بأي اعتراف عن علاقتهم بالحركة التي يتجه أنصارها الآن عبر أرجاء المغرب» اهـ.
وبعد النجاحات التي حققها أبو عبد الله لا سيما استصفاء الإمارة الرستمية الإباضية قرر المضي إلى سجلماسة، قرر ذلك وفي نفسه كل الخوف على المهدي سجين إليسع بن مدرار، السجين الذي يقاتل له ويدعو إلى خلافته..
فماذا سيفعل ابن مدرار حين يبلغه نبأ توجه أبي عبد الله إليه؟ هذا ما كان يشغل فكر أبي عبد الله وهو يصمم على التوجه بجيشه إلى سجلماسة…
وإذا كان فكره مشغولاً بذلك، فلم يكن فكر ابن مدرار ومستشاريه أقل انشغالاً حين بلغهم أن أبا عبد الله يقصدهم في سجلماسة.
فقد رأى بعضهم قتل السجناء، ورأى البعض الآخر الإبقاء عليهم والإحسان إليهم ليكون ذلك يداً عند أبي عبد الله، ورأى فريق ثالث أن يطلق جميع السجناء فرداً فرداً ويتركوا لحال سبيلهم.
ولكن الأمر انتهى بفرار ابن مدرار نفسه من سجلماسة قبل البت في الأمر، إذ يبدو أن مفاجأة أبي عبد الله بقواه أذهلته عن كل شيء فلم يبق في ذهنه إلا النجاة بنفسه!.
وهنا تختلف أقوال المؤرخين فبعضهم يرى أنه بمجرد علمه بنبأ الزحف الحاشد إليه فر برجاله إلى الصحراء، وبعض يرى أن حرباً عنيفة بين رجاله ورجال أبي عبد الله استمرت يومي السبت والأحد من أوائل شهر ذي الحجة سنة 296 هـ انتهت بفتح سجلماسة عنوة وفرار إليسع ورجاله ليلاً إلى الصحراء.
وقبل ذلك عندما سمع أبو عبد الله بسجن المهدي وابنه شق ذلك عليه فأرسل إلى إليسع يداريه ويقول إنه لا يقصد حربه وإنه يريد مقابلته وإنه سيلقى منه كل خير، ولكن إليسع رمى الكتاب وقتل الرسل، فعاد أبو عبد الله إلى ملاطفته خوفاً على عبد الله المهدي، ولكن إليسع قتل الرسول الجديد…
وإن الإنسان ليعجب من هذا التصرف ولا يدري على أي شيء كان يعول ابن مدرار في شدته هذه التي تكاد تكون أقرب إلى الحمق والنزق منها إلى تصرف الحاكم العاقل المدبر!..
فبينما هو يمتنع عن قتل سجنائه ليكون في ذلك يد له عند أبي عبد الله إذا صح أن بين السجناء من يقاتل أبو عبد الله من أجله إذا به يقتل رسل أبي عبد الله في الوقت الذي كان هذا قد صار على أبواب سجلماسة!.
يقول ابن الأثير بعد أن تحدث عن قتل الرسول: «فأسرع أبو عبد الله في السير ونزل عليه فخرج إليه إليسع وقاتله يومه ذلك وافترقوا، فلما جنّهم الليل هرب إليسع وأصحابه مع أهله وبني عمه، وبات أبو عبد الله ومن معه في غم عظيم لا يعلمون ما صنع بالمهدي وولده، فلما أصبح خرج إليه أهل البلد وأعلموه بهرب إليسع فدخل هو وأصحابه البلد وأتوا المكان الذي فيه المهدي فاستخرجه واستخرج ولده، فكانت في الناس مسرة عظيمة كادت تذهب بعقولهم، فأركبهما ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: هذا مولاكم، وهو يبكي من شدة الفرح حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له، فنزل فيه، وأمر بطلب إليسع فطلب فأدرك فأخذ وضرب بالسياط ثم قتل» اهـ.
وبذلك انتهى عهد استتار الأئمة وبدأ عهد الظهور، وبويع عبد الله المهدي في سجلماسة أولاً، ثم بويع بيعة عامة في القيروان، ثم في رقادة. وذلك سنة 296 ـ 297 هـ وقامت الدولة الفاطمية وفي قيامها يقول الشاعر ابن سعدون الورجيلي من قصيدة:
هذا أمير المؤمنين تضعضعت
لقدومه أركان كل أمير
هذا الإمام الفاطمي ومن به
أمنت مغاربها من المحذور
والشرق ليس لشامه وعراقه
من مهرب من جيشه المنصور
وقرر عبد الله المهدي إقامة عاصمة جديدة لدولته فأقام مدينة (المهدية) التي انتقل إليها سنة 303 وعند ذلك قال: الآن أمنت على الفاطميات([461]).
وقال الدكتور محمود إسماعيل عبد الرزاق:
من المعروف أن بلاد المغرب كانت ميدانا للدعوة الفاطمية منذ وقت مبكر، فقد عهد محمد الحبيب المقيم بسلمية (سوريا) إلى اثنين من دعاته ببث دعوته في بلاد كتامة، ونجحا في التمهيد لما قام به أبو عبد الله الشيعي داعية عبيد الله المهدي فيما بعد([462]). واستطاع أبو عبد الله الشيعي الذي نزل بلاد المغرب سنة 280 هـ (893 م) أن ينشر دعوته بين قبائل كتامة، كما نجح في إعداد جيش([463]) منهم تمكن بفضله من مناجزة دولة بني الأغلب في أفريقيا سنة 289 هـ (902 م)، ولم يمض طويل وقت حتى دانت لنفوذه معظم أقاليمها الغربية.
وبعث أبو عبد الله في استدعاء مولاه عبيد الله المهدي سنة 292 هـ (905 م) فخرج إليه «يتصدى للسلطان ويخاطر في طلب الملك»([464]) برفقة خاصته وثقات رجاله([465]). وأفلت من عمال بني العباس وعيونهم في مصر والمغرب لما بذله من أموال وهبات([466])، فضلا عن تشيع بعض هؤلاء العمال لآل البيت([467]). ووصل المهدي إلى طرابلس، وأنفذ أبا العباس محمد بن زكريا ـ أخ أبي عبد الله الشيعي ـ بصحبة بعض رجال كتامة إلى أخيه ليعرفه بوصوله، وآثر الانتظار بطرابلس. لكن أبا العباس وقع في أسر بني الأغلب([468])، فاضطر المهدي لمغادرة طرابلس إلى قسطيلية ـ ببلاد الجريد ـ وأحجم عن التوجه إلى الشيعي بكتامة خوفا على حياة أخيه([469]). ولما علم بأن زيادة الله الأغلبي أرسل كتابا إلى عامل قسطيلية في طلبه، غادرها على التو، ويمم وجهه شطر سجلماسة في أقاصي الصحراء ليأمن شر الأغالبة وعمالهم([470]).
وكان على المهدي أن يجتاز أراضي الدولة الرستمية (الأباضية) كيما يصل إلى سجلماسة، فمر بوارجلان ـ شمالي سدراته ـ وهناك اكتشف أمره، ولقى عنتا من أهلها([471])، فغادرها إلى سجلماسة([472]).
ونزل المهدي بسجلماسة على أميرها اليسع بن مدرار، ونعم هناك بحياة آمنة لما قدمه إليه من أموال وهدايا، «فقربه إليسع وكف عنه»([473])، كما حظي باحترام أهل المدينة وإجلالهم([474])، وعاش طليقاً منعماً فسكن القصور واقتنى الخدم والاتباع([475])، ويخيل إلينا أن التشيع وجد طريقه إلى سجلماسة قبل مقدم المهدي، ومن المؤكد أنه لم يعدم أنصاراً وأتباعاً بين سكانها، فذلك ما توحي به بعض الروايات الشيعية، وغير الشيعية([476]) ولا غرو فقد كانوا يلجأون إليه للإفتاء فيما عن لهم من مسائل فقهية ودينية([477])، إلا أن أبا زكريا([478])، بالغ في إظهار مكانة المهدي في سجلماسة إلى حد الزعم بتولية الوزارة لليسع بن مدرار، ومبايعة أهل سجلماسة له بالإمارة بعد موت إليسع، وامتداد نفوذه حتى مدينة فاس عاصمة الأدارسة والظاهر أن هذه الرواية تخلط بين مكانة المهدي إبّان سني إقامته الأولى في المدينة وبين نفوذه غداة توليه الخلافة سنة 297 هـ (909 م) ومع ذلك فلا تخلو هذه الرواية من دلالة على ما تمتع به المهدي في سجلماسة من هيبة ونفوذ خلال السنوات الثلاث الأولى من إقامته بها.
ولكن جد من الأحداث ما جعل إليسع بن مدرار ينكب المهدي ورجاله ويودعهم السجون. والمصادر تختلف في أسباب ذلك، فيذهب البعض([479])، إلى أن إليسع قبض على المهدي على أثر رسالة من الأمير الأغلبي زيادة الله الثالث، وقيل من الخليفة العباسي المكتفي([480])، بينما رجح آخرون([481])، أن الرسالة وصلته من الخليفة العباسي والأمير الأغلبي معاً. ومهما كان الأمر فهذه الرسائل لا تنهض دليلاً على ولاء إليسع بن مدرار لأمير أفريقيا أو لخليفة بغداد كما ذهب([482]) البعض، وأنه بسبب هذا الولاء قبض على المهدي وأودعه السجن، فثمة يقين بأن ليهود سجلماسة دور في هذا الصدد، والظاهر أنهم أوعزوا إلى إليسع بالقبض عليه([483])، بعد أن أخبروه أن أبا عبد الله الشيعي قام بدعوته من أجله، فقد عاشت أقلية يهودية في دولة بني مدرار وهيمنت على مناجم الفضة في درعة وتجارة الذهب مع الجنوب([484]). ومن الطبيعي أن يجدوا في الخطر الشيعي تهديداً لمصالحهم، ولهذا تعرضوا للعسف والاضطهاد على إثر سقوط سجلماسة في يد الشيعة([485])، وسواء أكانت الخلافة وعمالها أو يهود سجلماسة هم الذين نبهوا إليسع إلى ضرورة القبض على المهدي، فالذي لا شك فيه أن الأمير المدراري استجاب للأمر حرصاً على سلامة دولته ليس إلا، بعد أن أدرك أن أبا عبد الله الشيعي يدعو إليه. فكان قبض إليسع على المهدي إذن من قبيل التوافق غير المقصود بين أهداف العباسيين والأغالبة وبين مصالح بني مدرار التي يهددها خطر الشيعة الإسماعيلية.
لقد كان إليسع يدرك أن المهدي علوي([486])، لكنه لم يقف على حقيقة علاقته بالدعوة الشيعية في المغرب([487]). فلما نبه إليها: استدعى المهدي وابنه «واستراب بهما»([488])، وسأل المهدي عن «نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبو عبد الله؟»، فاعترف المهدي بالنسب إذ لم يسعه إنكاره «لكنه أنكر صلته بأبي عبد الله الشيعي، وكذلك فعل ابنه»([489]). ثم امتحن رجاله بالعذاب، فلم يعترفوا([490])، وهم بإطلاق سراحهم لولا اعتراف أحدهم ويدعى أبو يعقوب القهرماني([491]). عندئذ تحفظ على المهدي في منزل أخته وسجن أبا القاسم في إحدى حصون سجلماسة([492])، «ولم يكن منه في حقهما ما يكره»([493])، فكانا مبجلين معظمين في منزليهما([494]). وليس أدل على ذلك من السماح للمهدي بالاتصال من سجنه ببعض أصحابه وأنصاره، فكان هؤلاء همزة الوصل بينه وبين داعيته أبي عبد الله الشيعي في كتامة.
وجدير بالتنويه أن الشيعي نجح في تتبع أخبار المهدي منذ وصوله إلى بلاد المغرب، «فكانت كتبه تترى بطلبه حيثما نزل»([495])، وكانت رسله على اتصال به بعد نزوله سجلماسة، تحمل إليه الأموال والهدايا وتخبره بأنباء انتصاراته في حروبه مع الأغالبة([496]). ولم ينقطع هذا الاتصال بعد سجنه، فقد كتب الشيعي إلى المهدي بعد هزيمته لجيش الأغالبة بقيادة إبراهيم بن حبشي، وسير الكتاب مع أحد ثقاته، فدخل السجن متخفياً في زي قصاب يبيع اللحم، وأوصل الكتاب للمهدي([497]). وذكر جعفر الحاجب([498]) أن المهدي اصطفى أحد التجار القيروانيين في سجلماسة، ويدعى المطلبي، وكان متشيعاً، وعهد إليه بمهمة مرافقة الشيعي عند قدومه لتحريره من سجنه بسجلماسة. ويخبرنا صاحب كتاب الاستبصار([499]) أن المهدي لما أودع السجن بعث لداعيته بكتامة يستنفره لإنقاذه على أن الشيعي ما كان بمكنته أن يخف لنجدة المهدي قبل إنهاء صراعه مع الأغالبة، فلما قضى على حكمهم في أفريقيا سنة 296 هـ (908 م) شرع على التو في قتال بني رستم وبني مدرار([500]).
استخلف الشيعي على القيروان أخاه أبا العباس وجعل معه أبا زاكي تمام بن معارك([501]) وخرج من رقادة في منتصف رمضان من نفس العام في جيوش عظيمة يرافقه كبار أصحابه([502]). فاهتزت قبائل المغرب الأوسط لخروجه، وخافته زناته، وبادرت القبائل بالدخول في طاعته([503]). ثم عرج على تاهرت واستولى عليها([504]) وهو في طريقه إلى سجلماسة.
وبعث الشيعي برسله إلى إليسع يتلطفه ويعده بالانصراف عن بلاده، إذا ما أطلق سراح المهدي([505])، فقتل إليسع الرسل ولم يجبه إلى طلبه. وعاود الشيعي سياسة الملاينة متجنباً ذكر المهدي «تقية عليه» فقتل إليسع الرسل للمرة الثانية([506]). فلم يجد الشيعي بدا من ضرب الحصار على سجلماسة([507])، وقد اشتهر ببراعته في عمليات الحصار في حروبه حتى لقبه المحدثون([508]) بالمحاصر Poliorcete والتحم إليسع بن مدرار بجيوش الشيعي الذي قتل كثيرين من رجاله، وكاد أن يظفر به لولا حلول الظلام. فعاد بعسكره إلى خارج المدينة([509]) ـ مهموماً خوفاً على حياة المهدي، بينما لاذ إليسع بالهرب([510]). فغادر سجلماسة سراً مع أهله وذويه لائذاً بصنهاجة في جوف الصحراء([511])، بينما شغل أبو عبد الله الشيعي عنه ـ إلى حين ـ بتحرير المهدي.
ولدينا روايتان أيضاً عن كيفية تحرير المهدي، إحداهما([512]) ترجح قدوم المهدي إلى داعيته في مقره خارج المدينة والتقائه به، والأخرى([513])، تذهب إلى أن أهل سجلماسة خرجوا في الصباح إلى الشيعي وأخبروه بهروب إليسع، وأرشدوه إلى مكان المهدي والقائم، حيث أطلق سراحهما.
وبعد تحرير المهدي والاحتفاء به، أنفذت الخيل في أثر إليسع بن مدرار، وذكر ابن عذارى([514]) أن قوماً من البربر ـ يعرفون ببني خالد ـ قبضوا عليه وسلموه إلى أبي عبد الله الشيعي تقرّباً إليه.
وسيق إليسع إلى المهدي حيث عذب وشهر به في سجلماسة هو ومن معه، ثم أمر المهدي بقتلهم جميعاً، فقتلوا([515]). وصادر المهدي أموال بني مدرار([516])، ولقي اليهود على أيدي المهدي ورجاله عنتاً شديداً، فتعرّضوا لشتى أنواع العذاب اعتقاداً بأن لهم يداً في الوقيعة بين المهدي وإليسع بن مدرار، فقتل أثرياؤهم ونهبت أموالهم، وأرغم من بقي منهم على احتراف المهن الوضيعة([517]).
وغادر المهدي سجلماسة ـ بعد أن أقام فيها أربعين يوماً ـ إلى رقادة في ربيع الآخر سنة 297 هـ (909 م) بعد أن بويع بالخلافة فيها([518])، وبعد أن عين عليها والياً من قبله([519])، فلما اقترب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان بالترحاب. ثم نزل بقصر من قصور رقادة واتخذها حاضرة له وأمر بذكر اسمه في الخطبة على منابر البلاد وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين. وبذلك قامت الخلافة الفاطمية في شمال أفريقيا.
بعد قيام الدولة(*)([520])
يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن وهو يتحدث عن كتاب (المجالس والمسايرات) للنعمان بن محمد: وعرض النعمان غير مرة لعلاقة المعز (الفاطمي) بالدولة البيزنطية فأوضح اعتماد حاكم الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي على الروم في صراعه مع الفاطميين وصور ما حل بالروم وحلفائهم أمام أساطيل المعز تصويراً رائعاً وذكر الرسائل التي بعث بها أباطرة الدولة البيزنطية لاستدرار عطف المعز ومهادنته ولأول مرة نسمع أن مسلمي جزيرة قريطش (كريت) الذين كانوا تحت الحكم العباسي يطلبون النجدة من المعز (الفاطمي) لحرب الروم ومن دراستنا للوثائق التي تبودلت بين أهل قريطش وبين المعز لدين الله نرى ما وصلت إليه الدولة الفاطمية من قوة ونفوذ».
ويقول الدكتور محمد كامل حسين:
فالقاهرة الفاطمية أصبحت مطمح أنظار العلماء ومحط رحال الطلاب وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية.
ويقول أيضاً: وكان الفاطميون يهتمون بالدراسة الفلسفية في الوقت الذي كان فيه غيرهم في البلاد الأخرى يرمون من يشتغل بالفلسفة بالزندقة والإلحاد.
ويقول أيضاً: وقد كان الخلفاء الفاطميون يقربون العلماء ويشجعون الطلاب وقد أوقفوا أرزاقاً ثابتة للمشتغلين بالعلم حتى يتهيأ لهم التفرغ لما أهّلوا أنفسهم له.
ويقول أيضاً: وتسامح الفاطميون مع العلماء الذين لم يعتنقوا مذهبهم ويقول أيضاً: ومهما يكن من شيء فقد كانت هذه الحركة العقلية في مصر الفاطمية في نمو مطرد في كل نواحيها وفنونها، وتعددت مراكزها في مصر، وكانت حلقات الدرس في المساجد أو الدور في القاهرة والفسطاط وفي الإسكندرية وتنيس في الشمال وفي أسوان وقوص في الجنوب، كما كان أمراء الأقاليم يجمعون حولهم العلماء والشعراء وعن مصر الفاطمية أخذ كثير من العلماء في الشرق والغرب.
ويقول الدكتور محمد كامل حسين عن الحاكم بأمر الله بالذات: والحاكم بأمر الله لما أمر بعمارة دار العلم ونقل إليها الكتب من القصر أسكنها من شيوخ السنة شيخين أحدهما أبو بكر الأنطاكي وخلع عليهما وقربهما.
هذه الصور المشرقة التي جلاها لنا فريق من الباحثين عن الدولة الفاطمية هي في الحقيقة نقاط من بحر الواقع الذي كانت عليه تلك الدولة، وما بلغته في الميادين النضالية والفكرية والعلمية، وسنحاول هنا عرض ما يسمح به مقال محدود السطور مقيد المكان.
كلمة الدكتور حسن إبراهيم حسن بشير إشارة خاطفة إلى أمور خطيرة في حياة هذه الدولة منها أنها كانت ضرورة من ضرورات العالم الإسلامي في ذلك الحين الذي تمزقت فيه قوى المسلمين وتفرّقت كلمتهم وتلاشت دولتهم وأصبحوا يتطلعون إلى الحمى الذي يمكن أن يلجؤوا إليه من الخطر الداهم المهدد لوجودهم بتزايد قوى الروم وإصرارهم على غزو الإسلام في دياره واسترداد ما أخذه منهم والثأر للماضي البعيد، حتى أن نقفور فوقاس لم يكن يخفي مطامعه الهوجاء في الزحف إلى الحجاز نفسه والوصول إلى مكة والمدينة.
في هذا البحران الرهيب كان المنقذ منه نشوء دولة فتية وزعامة قوية تجمع حولها ما تشتت من القوى وتوحد ما تفرّق من البلاد فكانت الدولة الفاطمية هي المنقذ فجمعت الشمال الإفريقي في كيان واحد وقيادة واحدة متماسكة جعلته دولة بعدما كان عدة دول متطاحنة متقاتلة.
وليس الشمال الإفريقي هيناً حين تتجمع قواه وتتوحد كلمته وليست موارده قليلة حين يقدر لها قيادة حكيمة حازمة.
وهكذا رأينا تلك الدولة الفتية ترتفع من بين الزعازع، وتقوم شديدة لتواجه الخطر الداهم بعد أن أخذت أطراف البلاد الإسلامية تنتقص واحدة بعد الأخرى مما عبر عنه شاعر ذلك العصر ابن هاني الأندلسي عند قوله في مدح الخليفة الفاطمي المعز:
فمدينة من بعد أخرى تستبى
وطريقة من بعد أخرى تقتفى
حتى لقد رجفت ديار ربيعة
وتزلزلت أرض العراق تخوفاً
والشام قد أودى وأودى أهله
إلا قليلاً والحجاز على شفا
وقد كان تعبير هذا الشاعر تعبيراً واضحاً يعطي الصورة الحقيقية للوضع الإسلامي في تلك الأيام، ويبين بجلاء حالة الدنيا الإسلامية وما كانت فيه، وهو من الشعر والواقعي النادر الذي يرسم الحقيقة الوطنية على أصدق حالتها.
الشام قد أودى إلا قليلاً، والحجاز على شفا، أما بقية الأقطار كديار ربيعة والعراق وغيرها فإذا كانت بعيدة عن الخطر الآن، وهو غير مساور لها مباشرة فقد كانت راجفة متزلزلة حزناً على ما جرى وخوفاً مما سيأتي، وهذا لعمري من أفضل ما يمكن أن يعبر عنه شعر الأمم في مآسيها ونوازلها.
ثم ينطق الشاعر بلسان العالم الإسلامي معبراً عن الأمل العظيم بالدولة الجديدة:
لا تيأسوا فالله منجز وعده
قد آن للظلماء أن تتكشفا
ولنقف قليلاً لنرى ما هي حقيقة الحال الذي يصوره الشاعر:
يقول الدكتور محمد جمال الدين سرور أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة القاهرة: «اتجهت سياسة الفاطميين بعد أن امتدّ نفوذهم إلى مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358 هـ (969 م) إلى استعادة المدن التي استولى عليها البيزنطيون في شمال الشام»([521]).
وهكذا نرى أن الوحدة لم تقتصر على الشمال الإفريقي وحده بل تعدّته إلى بلاد أخرى، تعدّته إلى مصر نفسها ثم تعدّت مصر إلى فلسطين وسوريا ولبنان وكذلك إلى الجزيرة العربية وحين يلتقي الشمال الإفريقي في وحدة مع مصر والشام وغيرها وحين تتولى مصر بكل إمكانياتها وكفاءاتها زمام هذه الوحدة الكبرى يكون الأمر بعثاً إسلامياً شاملاً ووثوباً عربياً كاسحاً، وهكذا أصبحت الدولة الجديدة ذات كيان خطير قضى على الدويلات وجمع الشمل في إطار يشدها لتواجه الأحداث الرهيبة، وكان في أولها حفظ بلاد الشام واسترداد ما تساقط منها في أيدي الروم الذين وصلوا في إحدى نوباتهم في عهد الأمبراطور حنا زيمسكيس سنة 975 إلى حمص وبعلبك واضطرت دمشق نفسها إلى التسليم ودفع الجزية لهم ثم ساروا فاستولوا على بعض مدن الساحل مثل صيدا وبيروت.
(فالشام قد أودى إلا قليلاً) كما قال الشاعر.
وظل الروم يتقدمون وظلت الاستعدادات الفاطمية تتوالى لإنقاذ الشام حتى اصطدمت بالروم في طرابلس الشام براً وبحراً فأوقعت الهزيمة بهم فارتدت قواهم إلى أنطاكية.
وقد كان للأسطول الفاطمي الشأن العظيم في دفع عادية الروم ثم الصليبيين ولقد كان الفاطميون بعيدي النظر حين أدركوا أن الجيوش البرية وحدها لا تكفي لحماية العالم الإسلامي وإنقاذ الوطن العربي فأنشؤوا أسطولاً ضخماً حمى البلاد من الهجمات البيزنطية ثم دافع عنها بعد ذلك في الحروب الصليبية.
وفي هذا الأسطول يقول بعض المؤرخين: «بلغ عدد ربابنة أسطول الفاطميين خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) خمسة آلاف ربان وعدد سفنه مائتي سفينة واضطر الإفرنج إلى الانحياز بمراكبهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحر المتوسط لا يبرحونه لأن هذا البحر يسيطر عليه الأسطول الفاطمي من مضيق جبل طارق حتى بيروت».
ولقد كان من أفجع ما عاناه الفاطميون أن غيرهم كان يستعين عليهم بالأجنبي الفاتح فبينما كانوا يناضلون لحماية البلاد ورد الإفرنج والروم عنها كان حكّام الأندلس يحرضون عليهم الروم ويستعينون عليهم بهم، وكان أمير حلب يستنجد بباسيل الثاني أمبراطور الروم سنة 381 ولكن القوات الفاطمية تصمد للروم وتلتقي بهم على نهر العاصي فتهزمهم، وكذلك يثير عليهم (علاقة) ثورة في صور ثم تكون فاتحة أعماله الاستنجاد بالروم وبالأمبراطور باسيل الثاني، ولكن الحركة تنتهي بهزيمة البيزنطيين وحليفهم علاقة.
والأمير حسان بن مفرج بن الجراح الطائي صاحب الرملة في فلسطين يستنصر بالبيزنطيين ويستعديهم على أهله هو الآخر.
بل إن فقيهاً من الفقهاء وحافظاً من الحفاظ يبدو أنه من الرملة نفسها هو الحافظ محمد بن أحمد بن سهل الرملي يقول: «لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم بسهم ورميت المغاربة بتسعة» وقد عمل أميره حسان بن مفرج بهذه الفتوى فألقى سهامه العشرة كلها على الفاطميين ولم يلق ولا بسهم واحد على الروم بل أضاف سهامه إلى سهامهم فسلّطوها مجتمعة على (أفامية) فغنموا منها مغانم كثيرة واستولوا على قلعتها وأسروا كثيراً من أهلها.
وفي مقابل ذلك نأخذ ما ورد في مجلة الرسالة المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات في العدد 114 ـ ص 1447 من السنة الثانية في بحث عن القاضي القضاعي:
(وقع الغلاء والقحط في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر. ثم وقع الوباء سنة 446 هـ (1053 م) وعانت مصر محناً وآلاماً مروعة. وتعرف هذه النكبة في تاريخ مصر الإسلامية بالشدة العظمى، وقد بدأت بالغلاء وندرة الأقوات.
وكان بين مصر والدولة البيزنطية يومئذ علائق حسنة فأرسل المستنصر إلى أمبراطور القسطنطينية وهو يومئذ قسطنطين السابع أن يمده بالغلال والمؤن. وكانت الدولة البيزنطية تواجه يومئذ خطر السلاجقة الذين أشرفوا على حدودها الشرقية.. فاستجاب قسطنطين لدعوة المستنصر وأعدت الغلال لترسل إلى مصر. وتقدرها الرواية الإسلامية بـ 400 ألف أردب (خطط المقريزي. بولاق جز 1) ولكن قسطنطين توفي قبل تنفيذ الاتفاق وخلفته على العرش الأمبراطورة تيودورا واشترطت لإرسال المؤن شروطاً أباها المستنصر. ومنها أن يمدها بالجند لمحاربة السلاجقة فانقطعت المفاوضات بين الفريقين وسير المستنصر جيوشه إلى الحدود الشمالية ونشبت بين الفريقين معارك انتصر فيها المصريون بادىء ذي بدء ولكن الأسطول البيزنطي غزا مياه الشام وهزم المصريين في عدة مواقع فكف المستنصر عن متابعة الحرب.
وكانت أوروبا تحاول ضرب الدولة الجديدة قبل أن يشتد ساعدها ويعلو أمرها فهاجمتها في مواقعها الأوروبية لتقضي عليها فيها ولكن الفاطميين صمدوا لأوروبا في بلادها كما صمدوا لها في بلاد الشام وغير بلاد الشام ويحدثنا ابن الأثير عن واحدة من المعارك الرهيبة التي خاضها الفاطميون في سبيل صون الوطن الإسلامي سنة 354 وذلك قبل امتداد الصفحات في تاريخنا العسكري فإننا ننقل وصفها بنصه من ابن الأثير:
«… ذلك أن أحمد بن الحسن والي المعز على صقلية أرسل يستمده فبعث إليه المعز المدد بالعساكر والأموال مع أبيه الحسن وجاء مدد الروم فنزلوا عبر سهل (مسيني) وزحفوا إلى رمطة ومقدم الجيش الفاطمي الحسن بن عمار وابن أخي الحسن بن علي.
فأحاط الروم بهم وعظم الأمر على المسلمين فاستماتوا وحملوا على الروم وعقروا فرس قائدهم منويل فسقط عن فرسه فقتل هو وجماعة من البطارقة معه وانهزم الروم وتتبعهم المسلمون بالقتل وامتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى. ثم فتحوا مدينة رمطة عنوة وغنموا ما فيها وركب فل الروم من صقلية وجزيرة (ريو) في الأساطيل ناجين بأنفسهم فأتبعهم الأمير أحمد وأصحابه في الماء وأحرقوا كثيراً من المراكب التي للروم فغرقت وكثر القتل في الروم فانهزموا لا يلوي أحد على أحد».
وكما كانت هذه الواقعة صفحة رائعة في تاريخنا الحربي ونضالنا في البر والبحر فكذلك كانت في تاريخنا الأدبي حيث خلدها الشاعر محمد بن هاني الأندلسي بقصيدة فريدة يخاطب بها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله تعد من أسمى ما في تراثنا الشعري من روائع الكفاح البطولي يقول ابن هاني في مطلعها:
يوم عريض في الفخار طويل
لا تنقض غرر له وحجول
وكانت لهذه المعركة نتائجها الحاسمة لا على الجبهة الغربية وحدها بل حتى على الجبهة الشرقية نفسها وإلى ذلك يشير الشاعر:
مسحت ثغور الشام أدمعها به
ولقد تبل الترب وهي همول
وتبدو حماسة العالم الإسلامي لنتائج هذه المعركة واعتزازه بها واطمئنانه بعدها مصوراً بقلم الشاعر نفسه.
وجلا ظلام الدين والدنيا به
ملك لما قال الكرام فعول
متكشف عن عزمة علوية
للكفر منها رنة وعويل
فلو أن سفناً لم تحمل جيشه
حملت عزائمه صبا وقبول
يجلو البشير ضياء بشر خليفة
ماء الهدى في صفحتيه يجول
للّه عيناً من رأى إخباته
لما أتاه بريدها الأجفيل
وسجوده حتى التقى عفر الثرى
وجبينه والنظم والإكليل
لو أبصرتك الروم يومئذ درت
أن الإله بما تشاء كفيل
إن التي رام (الدمستق) حربها
لله فيها صارم مسلول
نامت ملوك في الحشايا وانثنت
كسلى وطرفك بالسهاد كحيل
تلهيك صلصة العوالي كلما
ألهت أولئك فينة وشمول
وفي هذا الذي قاله الدكتور محمد كامل حسين ـ فيما تقدم ـ يتضح لنا الجانب الآخر من الصورة الفاطمية. فإذا كان الفاطميون قد أقاموا الوحدة بعد التجزئة وأنشؤوا الجيش الضخم والأسطول الفخم فحموا بذلك العالم الإسلامي من أكبر كارثة كانت ستحل به، فإنهم إلى جانب ذلك قد وضعوا منذ الساعة الأولى لحكمهم خطة هي أن يقوم هذا الحكم على قواعد ثابتة من العلم والمعرفة، وخططوا، كما نقول اليوم، لسياسة تعليمية شاملة ترتكز على إنشاء جامعة كبرى ثم على تفريغ العلماء للعلم وحده فلا يشغلهم شاغل العيش عن الانصراف إلى العلم، ولا يلهيهم الفقر عن التوسع في البحث والدرس فجعلوا لهم موارد من الرزق تضمن لهم العيش الكريم، ثم أرسلوا يستدعون العلماء من الخارج. وقد اشتد هذا المنهج واتّسع وقوي بعد إقامة الوحدة بضم البلاد الأخرى إلى مصر، وإنشاء القاهرة وإقامة الأزهر وقد تم ذلك على الشكل الآتي([522]):
(1) خصّصوا لكل مذهب من المذاهب الإسلامية في جامعتهم الكبرى، الأزهر، كرسياً لتدريس ذلك المذهب. وقد كان عدد الطلاب يتفق مع انتشار ذلك المذهب في مصر والبلاد القريبة منها، وقد عرفنا من عدد الحلقات التي كان ينضم إليها الطلاب مقدار انتشار كل مذهب من تلك المذاهب؛ وعندما يكون عدد حلقات المالكية خمس عشرة حلقة ومثلها عدد حلقات الشافعية، وعندما تكون الحلقات الحنفية لا تتجاوز الثلاث، وعندما نفتقد الحلقات الحنبلية، فمعنى ذلك أنه كان للمذهبين المالكي والشافعي الأغلبية يليهما بفارق كبير المذهب الحنفي، وأن المذهب الحنبلي لم يكن له وجود.
(2) كان العلماء في البلاد الخارجة عن النفوذ الفاطمي يعانون محنة الفقر وكانت حياتهم مأساة مفجعة فأرسل الفاطميون يستدعونهم إليهم ويضمنون لهم العيش الكريم. وكأمثلة لما كان يجري نورد أسماء محدودة من كل عصر إذ يضيق المجال عند ذكر الجميع، والذي يدعو إلى الإعجاب بالفاطميين أن جميع العلماء الذين استدعوهم أو وفدوا إليهم ووفروا لهم التفرّغ للعلم كانوا على غير مذهب الفاطميين.
فمن تلك الأسماء اسم عبد السلام القزويني شيخ المعتزلة الذي وفد إلى مصر فأقام فيها أربعين سنة يلقي تعاليم مذهبه. ومنها اسم القاضي أبو الفضل محمد البغدادي إمام الشافعية الذي وفد هو الآخر إلى مصر وأخذ يملي من مذهبه ما شاء الله أن يملي حتى مات سنة 441 هـ.
وكذلك أبو الفتح سلطان بن إبراهيم الفلسطيني (518 هـ) وأبو الحجاج يوسف الميروقي (523 هـ) ومجلي بن جميع المخزومي (550 هـ) والقاضي علي الموصلي الخلعي (448 هـ) وأبو محمد عبد الله السعدي (561 هـ) وهؤلاء كانوا ممّن ولي القضاء للفاطميين على أنهم شافعيو المذهب.ومن فقهاء المالكية عرفت مصر الفاطمية أمثال محمد بن سليمان المعروف بأبي بكر النعّال الذي كانت إليه الرحلة في مصر. وكانت حلقته في الأزهر تدور على سبعة عشر عموداً لكثرة الطلاب الذين كانوا يقصدونه.
وهناك قصة الفقيه المالكي عبد الوهاب بن علي (422 هـ) أحد الأئمة المجتهدين في المذهب، والذي وصفه الخطيب في تاريخ بغداد بأنه لم يرَ في المالكية أفقه منه. لقد ضاقت به دنيا العرب والإسلام فكاد يموت من الجوع في بغداد فلم يجد إلاّ مصر الفاطمية يحتمي بها، فلمّا جاءها تدفّق عليه المال وأمروه بالإنصراف إلى علمه وبحثه ولكن الأمر لم يطل به فأصيب بالفالج فقال: «لا إله إلاّ الله، عندما عشنا متنا»؛ وعبد الجليل مخلوف الصقلي (549 هـ) وأبو بكر الطرطوشي (525 هـ) وغيرهم العديد الوافر.
وقال القلقشندي في صبح الأعشى، (ج 3 ص 524)، عن الفاطميين:
«كان من سيرهم في رعيتهم استمالة قلوب مخالفيهم، وكانوا يتألفون أهل السنة والجماعة ويُمَكّنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد على مُخالفة معتقدهم في ذلك»([523]).
وقد حرصنا على أن نختار واحداً فقط من كل فترة تاريخية لنبين أن الأمر قد استمر ولم ينقطع.
ومن أشهر العلماء الذين لجأوا إلى مصر في عهد الحاكم بأمر الله أبو الفضل جعفر وكان مكفوفاً فأعجب به الحاكم وخلع عليه ولقّبه عالم العلماء.
على أننا، ونحن نشير إلى بعض العلماء الذين احتضنتهم مصر الفاطمية، فإن أشهر واحد منهم هو ابن الهيثم الذي استدعاه الحاكم بأمر الله وخرج لاستقباله بنفسه.
وكان الحاكم يأمر بإحضار جماعة من المتخصصين في كل علم، بعضهم من أهل الحساب والمنطق، وبعضهم من الفقهاء والأطباء للمذاكرة بين يديه، فكانت تحضر كل طائفة على انفراد ثم يخلع الحاكم على الجميع ويصلهم.
ومن أبلغ ما قيل في هذا الشأن ما قاله ابن أبي أصيبعة: «إنه لما وصل المهذب ـ وكان فاضلاً في صناعة الطبّ ـ إلى الشام من بغداد أقام بدمشق مدة ولم يحصل له بها ما يقوم بكفايته وسمع بالديار المصرية وإنعام الخلفاء فيها وكرمهم وإحسانهم إلى من يقصدهم ولا سيّما أرباب العلم والفضل، فتوجه إلى مصر فوهبت له الأموال وأقام فيها مكرماً».
لقد تفرّد الفاطميون بإنشاء دور الكتب الكبرى في الإسلام وبلغت تلك الدور حداً عجيباً واجتمع فيها ما يثير اليوم دهشتنا. ويكفي أن مكتبة القصر وحدها مثلاً كانت تضم ستمائة ألف وألف كتاب، (601000)، ولتسهيل المطالعة على المراجعين كانوا يقتنون من أُمهات الكتب الكبرى التي تكثر حاجة الناس إليها، كانوا يقتنون منها عشرات النسخ، فقد كان يوجد من تاريخ الطبري وحده ألف ومائتا نسخة منها نسخة بخط ابن جرير نفسه، ومن كتاب العين نيف وثلاثون نسخة منها نسخة بخط الخليل، إلى غير ذلك من هذا وأشباهه.
وقد توسّع الحاكم بأمر الله بشأن دور الكتب العامة وحرص على تسهيل وصول جميع طبقات الشعب إليها، فقد قال المسبحي، وهو يتحدث عن مكتبات القصر، إن بعضها كان في خزائن القصر البرانية. ويرى الدكتور محمد كامل حسين أن هذه الخزائن البرانية هي التي أنشأها الحاكم سنة 395 هـ وسمّاها دار العلم وحمل إليها من خزائن القصر من سائر العلوم والآداب ما لم ير مثله قط مجتمعاً لأحد من الملوك. وقد أباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم.
وننشر فيما يلي ملخصاً لبحث الدكتور محمد كامل حسين:
«ومن مآثر الفاطميين التي لا يزال المسلمون يستفيدون منها حتى اليوم جامعة الأزهر وقد شرع القائد الفاطمي جوهر في بناء الأزهر بأمر المعزّ عندما شرع في بناء مدينة القاهرة يوم السبت لستْ بقين من جمادى الأولى سنة 359 هـ وتم بناؤه في التاسع من رمضان سنة 363 هـ، ثم جدّد فيه العزيز بالله والحاكم بأمر الله، ثم جدّده المستنصر بالله والحافظ لدين الله. وكان هذا المسجد محلّ رعاية الخلفاء الفاطميين وعنايتهم فلم يقصّروا في تجديده والزيادة فيه ووقفوا لمؤذّنيه وخدمه وسائل نظافته وإنارته وفرشه ما هو مذكور في كتب التاريخ. والذي يهمّنا الآن أن الفاطميين كانوا يشجعون العلماء والفقهاء للتحلّق في هذا المسجد واتخذوا منه جامعة علمية تعدّ بحقّ أقدم جامعة عرفها التاريخ. وفيه كان داعي الدعاة يعقد مجلساً للنساء يلقي عليهن من علوم أهل البيت»([524]).
ويقول القلقشندي إن الوزير أبا الفرج يعقوب بن كلس سأل العزيز بالله في حمله رزق جماعة من العلماء كانوا بمسجد القاهرة وأطلق لكل منهم كفايته من الرزق وبنى لهم داراً بجانب الجامع الأزهر([525]).
وقد ورد أنه سنة 383 هـ رُتِّبَ رجل جعفر للجلوس في الأزهر للفتوى على مذهب أهل البيت فشغب عليه الفقهاء من أهل الجامع، (من غير الشيعة)، فبلغ ذلك القاضي فقبض على بعضهم. فمن هذا النص نستطيع أن نتبين أنه كان بالجامع فقهاء يخالفون العقيدة الفاطمية، وأنهم كانوا يفتون على حسب مذهبهم وعقيدتهم، فلما جاء هذا الفقيه للفتيا على المذهب الجعفري شغبوا عليه فاضطر القاضي إلى أن يقبض على بعضهم. لقد شغبوا عليه ولم يتسامحوا معه مثلما تسامحت الدولة معهم.
أضف إلى ذلك أن مصر عرفت في العصر الفاطمي عدداً من فقهاء الشافعية والمالكية، كذلك وفد على مصر عبد السلام بن محمد بن بندار أبو يوسف القزويني شيخ المعتزلة وأقام بها أربعين سنة([526]) يلقي تعاليمه التي تخالف تعاليم الفاطميين.
وإذا نظرنا في كتب الطبقات والتاريخ رأينا أن عدداً كبيراً من علماء مذاهب السنّة كانوا يعيشون في مصر الفاطمية ويلقون تعاليمهم على جمهور المستمعين تحت بصر رجال الدولة الفاطمية.
وأنشأ الفاطميون ما عرف باسم المحول، وهو أشبه شيء بقاعات المحاضرات العامة في عصرنا الحديث، وكان يؤم المحول الخاصّة وشيوخ الدولة وخدم القصر والطارئون على مصر وعامة الناس([527]). ولم يكتف الخُلفاء الفاطميون بأن يكون المحول جزءاً من قصرهم بل نراهم يهتمّون اهتماماً خاصّاً بمكتبة القصر حتى عدّت هذه المكتبة من مفاخر الفاطميين؛ فقد تميزت عن جميع مكتبات العالم في ذلك الوقت. ويقول المقريزي نقلاً عن ابن طي بعدما ذكر استيلاء صلاح الدين الأيوبي على القصر: «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب وكانت من عجائب الدنيا». ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت في القاهرة بالقصر، ومن عجائبها أنّه «كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري إلى غير ذلك، ويقال إنها كانت تشتمل على ألف وستمائة ألف كتاب»([528]). ويقول المقريزي: «ومما يؤيد ذلك أن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي لمّا أنشأ المدرسة الفاضلية بالقاهرة جعل فيها من كتب القصر مائة ألف مجلد». ويُروى عن المسبحي أن عدد الخزائن التي برسم الكتب في سائر العلوم بالقصر أربعون خزانة بعضها داخل القصر وبعضها في خزائن القصر البرانية. وكانت هذه الخزائن تشتمل على مجلّدات في كل فنّ من فنون العلوم. ويقال إن العزيز بالله ذكر عنده كتاب العين للخليل ابن أحمد فأمر خُزّان دفاتره فأخرجوا من خزائنه نيفاً وثلاثين نسخة من كتاب العين منها نسخة بخط الخليل نفسه. وحمل إليه رجل نسخة من كتاب تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز خازنه فأخرج له من الخزانة ما ينيف عن عشرين نسخة منها نسخة بخط ابن جرير… إلخ([529]). ولعلنا نستطيع أن ندرك من هذه اللمحة القصيرة مدى عناية الخلفاء الفاطميين باقتناء الكتب في كل فنّ وحرصهم على أن تجمع خزائنهم الطرائف والنفائس في كل علم، وذلك تشجيعاً للعلم والعلماء. ولا غرو في ذلك فإن مذهبهم الديني يدعو إلى العلم والعمل والاستزادة من جميع العلوم والآداب.
لكن هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي حافظ عليها الفاطميون أصابها ما أصاب الفاطميين أنفسهم.
ويصف الدكتور محمد كامل حسين بدء النكبات، وكيف أن جلود هذه الكتب أخذها العبيد والإماء برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم وأُحرق ورقها، وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرياح التراب فصارت تلالاً باقية تعرف بتلال الكتب([530]). وينتهي الدكتور إلى القول: أبادها صلاح الدين الأيوبي كما أباد دولة الفاطميين، وكذلك ضاعت كنوز الفاطميين بيد التعصّب الممقوت.
أما المكتبات التي عبر عنها المسبحي بـ «البرّانية» فأُرجِّح أنها كانت كالمكتبات العامة في عصرنا هذا ولعلها هي التي أنشأها الحاكم بأمر الله سنة 395 هـ وسماها بدار العلم وجعلها جزءاً من قصره. وقد حمل إلى هذه الدار الكتب من خزائن القصر من سائر العلوم والآداب ما لم يُرَ مثله مجتمعاً قط لأحد من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممّن يؤثر، فجلس فيها القراء وعلماء الفلك وأصحاب النحو واللغة والأطباء وغيرهم، فكان ذلك من المحاسن المأثورة التي لم يسمع بمثلها، من إجراء الرزق الكثير لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها، وحضرها الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين ثقافاتهم وفنونهم العلمية، فمنهم من يحضر لقراءة الكتب ومنهم من يحضر للنسخ ومنهم من يحضر للتعليم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق([531]). فدار العلم إذاً كانت مكتبة عامة على نحو ما نراه اليوم في المكتبات العامة ولكنها بجانب ذلك كانت جامعة علمية للتعليم، وكثيراً ما كانت تقام المناظرات بين علمائها. من ذلك ما رواه السيوطي أن جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي الهروي أبا أسامة اللغوي النحوي قدم مصر وصحب الحافظ عبد الغني بن سعيد وأبا إسحاق علي بن سليمان المعري النحوي، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة وتجري بينهم مباحثات ومذاكرات. ويروي المقريزي عن المسبحي أنه سنة 403 هـ أمر الحاكم بأمر الله بإحضار جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من الفقهاء منهم عبد الغني بن سعيد، وجماعة من الأطباء إلى حضرته، للمناظرة بين يديه، وكانت كل طائفة تحضر على انفراد، ثم يخلع الحاكم على الجميع ويصلهم.
ومن أشهر العلماء الذين ألقوا بعلومهم في دار العلم رجل أعمى يقال له أبو الفضل جعفر([532])، قدم مصر فأعجب به الحاكم وخلع عليه ولقّبه بعالم العلماء، وجعله يجلس في دار العلم يدرس النحو واللغة ومنهم أبو بكر الأنطاكي الفقيه المالكي الذي سمح له الحاكم ولشيخ مالكي آخر أن يقيما بدار العلم ويلقيا دروساً في المذهب المالكي([533]).
فهذا كله إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن دار العلم كانت بمثابة جامعة فيها أساتذتها وبها مكتبتها، وفيها كل ما يبعث على النشاط العلمي والبحث والتحصيل. فالفاطميون كانوا أسبق الناس إلى إنشاء الجامعات التي امتازت بها المدنية الحديثة في أيامنا هذه.
وبلغت الحياة العلمية في مصر الفاطمية درجة كبيرة من النمو والازدهار لكثرة العلماء الذين كانوا في مصر أو وفدوا عليها وكثرة المؤلفات في كل فنّ من فنون العلم.
وقد كان الخلفاء الفاطميون يقربون العلماء ويشجعون الطلاب، وقد أوقفوا أرزاقاً ثابتة للمشتغلين بالعلم حتى يتهيأ لهم التفرّغ لما أهّلوا أنفسهم له، فكان الفاطميون على هذا النحو من الاهتمام بشؤون العلماء أسبق ممّا هو عليه كثير من الدول التي لم تعرف للعلماء قدرهم ولم توفّهم حقهم، فشغل العلماء بأمر أرزاقهم أولاً، فركدت الحركة العلمية عند هذه الدول. وقد رأينا كيف اهتم الفاطميون بإنشاء خزائن الكتب في القصر وفي دار العلم حتى يتسنى للعلماء أن يطّلعوا ويستفيدوا مما تركه السابقون، وبلغ من تشجيع الفاطميين لطلاب العلم أن القاضي النعمان سمع الخليفة المعز يقول: «إننا لنسرّ بمن نراه من أوليائنا يطلب العلم والحكمة ويرغب في الخير كما نسرّ بذلك في الولد». ففي ظلّ هؤلاء الخلفاء، وعلى ضوء ما ذكره المعز، وجد العلماء ملاذاً يؤويهم من العوز ويحميهم من الفاقة بل وجدوا ما يشجّعهم على مواصلة البحث والدرس والتأليف.
ويذكر المؤرّخون عدداً من العلماء الذين وفدوا على مصر الفاطمية ووجدوا من التشجيع ما جعلهم يذكرون مصر والفاطميين بالخير.
فالقاهرة الفاطمية أصبحت مطمح أنظار العلماء ومحطّ رحال الطلاّب. وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية، وأن تبسط آراءها وتعاليمها على البلدان الأخرى، حتى نرى بعض العلماء الذين كانوا ينقمون على الشيعة بعامة، وعلى الفاطميين بخاصة، يفدون على مصر ويتأثرون ببعض الآراء التي كانت سائدة فيها. وأقرب مثل نقدمه لذلك هو الغزالي، فقد هاجم الفاطميين في كتبه القسطاس المستقيم والمنقذ من الضلال والمستظهري وغيرها، ولكنه وفد على مصر الفاطمية في أواخر حياته ووضع فيها كتابه مشكاة الأنوار.
ويسترسل الدكتور محمد كامل حسين في الحديث معللاً هذا بقوله:
ويخيل إليّ أن السبب الذي من أجله شجّع الخلفاء الفاطميون العلم والعلماء أن المذهب الشيعي نفسه يقوم على العلم والعقل قبل كل شيء، فلا غرو إن رأينا الفاطميين يشجعون العلم الذي هو دعامة من دعائم العقيدة الشيعية.
وكان الفاطميون يهتمّون بالدراسة الفلسفية في الوقت الذي كان فيه غيرهم في البلاد الأخرى يرمون من يشتغل بالفلسفة بالزندقة والإلحاد. فالفكر اليوناني وجد ترحيباً من الفاطميين وتوسّعوا في دراسته، وقد اهتموا بالعلوم الفلسفية واصطنعوا كلّ من عُرف بالاشتغال بفرع من فروع الفلسفة، وقد كاتب العزيز بالله جبرائيل بن يختيشوع واستدعاه إلى مصر فاعتذر([534]). وأرسل الحاكم بأمر الله إلى ابن الهيثم يستدعيه فأجاب. وأراد حمل أبي العلاء المعرّي إلى مصر واعدين بأن يبنوا له دار علم يكون متقدّماً فيها، وسمحوا له بخراج معرّة النعمان، ولكن أبا العلاء اعتذر. وتسامح الفاطميون مع العلماء الذين لم يعتنقوا مذهبهم، بل كانوا متسامحين مع أصحاب الأديان غير الإسلامية، فأبو الفتوح منصور بن مقشر كان طبيباً للعزيز والحاكم بأمر الله ومن المقرّبين إليهما، وبعد وفاته استطبّ الحاكم إسحاق بن نسطاس وهما من غير المسلمين، ولكن الفاطميين أغدقوا عليهما وعلى غيرهما من الأطباء والفلاسفة الأموال والخلع والألقاب، وحفظ لنا التاريخ أسماء عدد كبير منهم.
وإذا درسنا الحياة العقلية في العالم الإسلامي في القرن الرابع وما بعده رأينا أكثر العلماء كانوا متأثّرين بالآراء الشيعية، ونرى بعض الفلاسفة الذين نبغوا في القرن الرابع وما بعده كانوا على صلة قريبة أو بعيدة من العقائد الفاطمية أو العقائد الشيعية عامة. فابن حوقل كان متشيّعاً لهم حتّى قيل إنه كان من دعاتهم، والفارابي مثلاً في حديثه عن القلم واللوح يكاد يتحدّث بلسان دعاة الفاطميين([535]) ويكاد يشاركهم في حديثه عن التوحيد. وابن سينا قيل إنه إسماعيلي المذهب وإن أباه كان أحد دعاتهم فنشأ متأثراً بعقائدهم([536]). وجماعة إخوان الصفا الذين يُرَجّح أنهم ازدهروا في ظل البويهيين الذين كانوا يميلون إلى التشيّع([537])، وظهر في رسائل إخوان الصفا تشيّعهم، وابن الهيثم كان متصلاً بالحاكم بأمر الله الفاطمي وعاش في كفنه، وأبو العلاء المعرّي حكيم المعرّة كان متأثراً تأثراً تامّاً بهذه الآراء التي كانت تحيط به، فقد امتدّ ظلّ الحكم الفاطمي إلى بلاد الشام وانتشرت فيها آراء الفاطميين، كما وانتشرت في كلّ البقاع التي خضعت أو لم تخضع لهم، فترى في أشعار أبي العلاء وكتابته كثيراً من الآراء الفاطمية التي كانت تسود ذلك العصر([538]). ونذكر أحمد حميد الدين الكرماني، فيلسوف الدعوة وحجّتها في العراق وكرمان وصاحب الكتب الفلسفية الفاطمية مثل كتاب راحة العقل وكتاب المصابيح وكتاب الهادي والمهتدي وكتاب الأقوال الذهبية وغيرها التي تدلّ على أن الكرماني فيلسوف ناضج التفكير، ونذكر المؤيّد في الدين فهو من شيوخ الدعوة وفلاسفتها. وهكذا نستطيع أن نتتبّع كثيراً من فلاسفة المسلمين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية وصبغوها بالصبغة الإسلامية وكان لهم فضل تقريب هذه الدراسات إلى جمهور المسلمين، فإن هؤلاء الفلاسفة تأثروا بالعقائد الشيعية عامة والفاطمية خاصة.
وهكذا نرى أن الفاطميين لم ينسوا العلوم الفلسفية، ونقصد بذلك جميع العلوم التي كانت تشتمل عليها الفلسفة في القرون الوسطى والتي تضمنتها رسائل إخوان الصفا من رياضيات وموسيقى وطبّ وتنجيم وطبيعيات وإلهيّات ومنطق وغير ذلك من هذه العلوم التي كان يحذقها فلاسفة هذه العصور، والتي لا يستحق طالب الفلسفة هذا اللقب إلا إذا ألمّ بها جميعاً، وقد رأينا كيف كانت العقائد الفاطمية تعتمد، قبل كلّ شيء، على العلم وتمييز الإلهيّات من الطبيعيات، فلا غرو أن نرى هذه العلوم الفلسفية على اختلاف ألوانها وفنونها تزدهر في العصر الفاطمي ويرعاها الفاطميون، بل كان من الخلفاء الفاطميين من أتقن هذه العلوم وبرز فيها.
ولعل أشهر عالم رياضي شهدته مصر الفطامية هو الفيلسوف أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم الذي قال عنه الأستاذ محمد رضا مدور: «إذا أردنا أن نقارن ابن الهيثم بعلماء عصرنا الحاضر فلا أكون مغالياً إذا اعتبرت ابن الهيثم في مرتبة تضاهي مرتبة إينشتين في عصرنا هذا».
ويقول عنه الأستاذ مصطفى نظيف: «إن ابن الهيثم([539]) قلب الأوضاع القديمة وأنشأ علماً جديداً، فهو قد أبطل علم المناظر الذي وضعه اليونان وأنشأ علم الضوء الحديث بالمعنى وبالحدود وبالأصول التي نراها الآن».
ولكن ذنب ابن الهيثم أنه كان في مصر الفاطمية فلقيت تعاليمه وآراؤه ما لقيت مصر الفاطمية كلّها بسبب تعصّب من أتى بعد الفاطميين، فكلّ عالم من علماء الفاطمية يجب أن تحرق كتبه ولا تتبع تعاليمه، وهذا ما حدث لابن الهيثم وغير ابن الهيثم من العلماء.
وظهر في مصر، في هذا العصر، عدد كبير من الأطباء، والطبّ كما نعلم كان معدوداً في ذلك العصر من علوم الفلسفة، وكثرت في مصر الفاطمية مناظرات الأطباء ومجادلاتهم فكان ذلك من أسباب ازدهار هذا النوع من العلم واتساع أفقه، وكثرة التآليف حوله. وقرّب الفاطميون الأطباء وأغدقوا عليهم من نعمهم وعطاياهم خلاف ما أوقفوه لهم من مرتبات شهرية، مما حمل عدداً من الأطباء أن يفدوا إلى مصر من كلّ مكان كالطبيب محمد بن أحمد بن سعيد التميمي الذي جاء من القدس، والطبيب أبو الفرج جرجس بن يوحنا المعروف باليبرودي الذي جاء من دمشق، والطبيب أبو الحسن المختار بن الحسن المعروف بابن بطلان البغدادي الذي جاء من العراق، وغيرهم. ومن أشهر من وفد على مصر من غير الأطبّاء الفيلسوف أمية بن أبي الصلت الأندلسي وكان إلى جانب علومه الفلسفية شاعراً فحلاً وأديباً ممتازاً.
وهكذا نستطيع أن نكرر ما قلناه من أن العلوم الفلسفية ازدهرت في العصر الفاطمي ازدهاراً لا نجد له مثيلاً في الأقطار الإسلامية الأخرى، بل نجد أنّ غير الفاطميين كانوا يميلون إلى اعتبار الدراسات الفلسفية دراسة إلحادية، وأن القائمين بها من العلماء زنادقة، ولكن الفاطميين كانوا أوسع أفقاً في تفكيرهم([540]).
ويختم الدكتور محمد كامل حسين الكلام بقوله:
ومهما يكن من شيء فقد كانت هذه الحركة العقلية في مصر الفاطمية في نموّ مطّرد في كلّ نواحيها وألوانها وفنونها، وتعدّدت مراكزها في مصر، وكانت حلقات الدرس في المساجد أو الدور في القاهرة والفسطاط وفي الإسكندرية وتنيس في الشمال وفي أسوان وقوص وغيرها في الجنوب، كما كان أمراء الأقاليم يجمعون حولهم العلماء والشعراء. وعن مصر الفاطمية أخذ كثير من العلماء في الشرق والغرب.
وبعد أن يتحدّث الدكتور حسين عن الحياة الأدبية يقول: «ولكن هذه الموجة الفنّية التي طغت على مصر سرعان ما أبادها الأيوبيون فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم يبق منه إلاّ اسم الشاعر أحياناً إن قُدِّر لاسمه البقاء. ونحن لا نتردّد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري لتعمّدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمتّ للفاطميين بصلة، فقد أحرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر».
ويقول الأستاذ حسن عبد الوهاب من مقال له في مجلّة الكتاب، الجزء الثالث من السنة الثانية، الصفحة 281 عن العلم في عهد الفاطميين:
«في الوقت الذي خصّصوا (الفاطميون) فيه حلقة لدرس فقه الشيعة في الجامع الأزهر، كان جامع عمرو بن العاص معقلاً للحديث والمذاهب السنّية، فقد بلغت حلقات التدريس فيه في نهاية القرن الرابع مائة حلقة وعشر حلقات يتزعّمها أئمّة الفقهاء والقرّاء وأهل الأدب».
ثم يُشير بعد ذلك إلى من ارتحل من خارج مصر إلى الاسكندرية فاستقرّ بها.
وقال الدكتور علي إبراهيم حسن في الصفحة 240 من الجزء 8 السنة الأولى، من مجلة الكتاب: «في زمن الفاطميين بلغت مصر حالة من الثراء والرخاء أصبحت معها مضرب الأمثال في سائر الأقطار».
ويقول حسن عبد الوهاب في الجزء الثالث من السنة الثانية عن الاسكندرية في عهد الفاطميين: «كان في الإسكندرية علماء أعلام محدثون ناصروا السنّة وكانت الرحلة إليهم. كما أن الحافظ السلفي دخل الإسكندرية وبها علماء أجلاّء نشؤوا فيها، وآخرون رحلوا إليها واستوطنوها وكان لهم أثر كبير في نهضتها العلمية فأخذ عنهم وأخذوا عنه، منهم العلاّمة ابن مطر وابنه، سمع عليهما خلف بن محمد الخولاني المتوفّى سنة 374 هـ (984 م) ومحمد بن ميسر فقيه الإسكندرية في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، وعبد الرحمن بن عوف بن عمرو العلاف، سمع عليه عبيد بن محمد القرطبي المتوفّى سنة 392 هـ (1001 م) وابن عبّاد الإسكندراني، وكان من شعراء القرن الخامس الهجري، (الحادي عشر الميلادي)، ومحمد بن الخمشي المتوفّى في حدود الخمسمائة، وابن مكنسة الاسكندراني إسماعيل بن محمد المتوفّى في حدود الخمسمائة وكان شاعراً، وأبو منصور ظافر بن القاسم المعروف بالحدّاد المتوفّى سنة 529 هـ (1134 م) وابن الفحّام عبد الرحمن بن أبي بكر بن عتيق بن خلف الصقلي المقرىء المجوّد، وله مصنفات في التجويد والقراءات السبع، وكان من شيوخ القرّاء توفّي في سنة 525 هـ (1130 م)، وسند الإسكندرية ابن الخطاب محمد بن إبراهيم الرازي، ثم المصري المعدّل الشاهد سند الديار المصرية وشيخ الإسكندرية المتوفّى سنة 525 هـ (1130 م)، والإمام الطرطوشي محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الصوفي المالكي، كان عالماً زاهداً، حوّل قسماً من داره إلى مدرسة فوفد عليه العلماء والطلاّب مدّة حياته إلى أن توفّي سنة 520 هـ (1126 م)، وأبو القاسم بن مخلوف المغربي ثمّ الإسكندري، أحد علماء المالكية تفقّه به أهل الإسكندرية إلى أن مات سنة 533 هـ (1138 م)، والحافظ المقدسي أبو الحسن علي بن أبي المكارم المالكي، كان فقيهاً فاضلاً من أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه توفّي سنة 545 هـ (1150 م) وغيرهم».
ويقول علي مصطفى مشرفة في مجلة المقتطف، (م 106، ج 4)، إنه يخالف ابن خلدون والسيوطي «من أن الفاطميين ضغطوا على المذاهب الأخرى بما ذكره السيوطي نفسه من أن أبا بكر النعماني إمام المالكية كانت تدور حلقته في الأزهر على 17 عموداً وكان للمالكية 15 حلقة، وللشافعية مثلها، ولأصحاب أبي حنيفة ثلاث حلقات فقط» ثم يورد شواهد كثيرة.
وعندما علم الفاطميون بما عليه الفقيه المالكي عبد الوهاب بن علي من الفقر في بغداد، وهو الذي وصفه الخطيب في تاريخ بغداد بأنه لم يُر في المالكية أفقه منه ـ عندما علموا بفقره المدقع استدعوه إلى مصر كما كانت خطّتهم باستدعاء العشرات أمثاله كما ذكرنا في المجلد الثالث.
يقول ابن خلّكان واصفاً وداع البغداديين له عندما علموا بعزمه على الرحيل إلى القاهرة، ناقلاً ذلك عن ابن بسام في كتاب الذخيرة:
«وحُدّثت أنه شيَّعه حين فصل عن بغداد من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشية ما عدلت عن بلدكم لبلوغ أمنية.
«واجتاز في طريقه إلى مصر بمعرّة النعمان فأضافه أبو العلاء المعرّي. وفي ذلك يقول:
والمالكيُّ ابن نصرٍ زار في سفر
بلادنا فحَمِدْنا النأْيَ والسَّفَرا
إذا تفقّه أحيا مالكاً جَدَلاً
وينشرُ الملك الضَّلّيلَ إنْ شَعَرا
وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما المعز لدين الله: «أبلى الفاطميون بلاء حسناً في إصلاح حال رعيّتهم وفي النهوض بدولتهم ليس في بلاد المغرب فقط بل في مصر أيضاً. فقد كانوا يتوخّون الإصلاح ويهدفون إلى توحيد كلمة العالم الإسلامي بوجه عامّ وكلمة العالم العربي بوجه خاصّ، الأمر الذي يجعلنا نقطع بأن المعزّ لدين الله يعتبر من أكبر المصلحين المسلمين ومن أكبر أنصار الوحدة العربية والإسلامية.
وفي الحقّ أن فكرة جمع العالم الإسلامي وتوحيده تحت راية العلويين فكرة متأصّلة في نفوس هؤلاء منذ أيام علي بن أبي طالب نفسه. فقد وجد الكثير من الشيعيين بأن عليهم رسالة تحتم عليهم جمع كلمة المسلمين ولمّ شملهم تحت لواء واحد، لا سيّما بعد أن بدأ التفرّق يسود هذا العالم الكبير في العصر العبّاسي الثاني، حيث أسلس العباسيون قيادهم للغرباء. ومعنى ذلك أن الفاطميين كانوا أسبق الناس إلى المناداة بالوحدة العربية.
والشيء الذي يلفت النظر حقّاً في أمر الفاطميين وأجدادهم هو تركيزهم الجهود في جمع كلمة العالم العربي أولاً، ثم العالم الإسلامي ثانياً. لذلك نراهم في دور استتارهم يتّخذون من البلاد العربية مكاناً لاختفائهم، حتّى إذا أتيحت لهم الفرصة ظهروا لتحقيق أملهم في سيادة العالم الإسلامي، فنرى عبيد الله الجهري([541]) وأسلافه يتّخذون من سلمية في سوريا مستقراً ومقاماً، وينشرون دعايتهم في العالم العربي وفي سائر العالم الإسلامي. ومع ذلك كان المهدي وأسلافه قد عقدوا العزم على قيام الدولة الفاطمية في البلاد العربية ولم يفكروا في إقامة دولتهم المنشودة في غيرها برغم كثرة أشياعهم فيها. وإنما عوّلوا على إقامتها في اليمن، ولما استحال عليهم ذلك قصدوا المغرب وأقاموا دولتهم فيه. وفي تعبير آخر كان الأئمّة الفاطميون في دور استتارهم يعتمدون على العرب في تأسيس دولتهم التي يرمون من ورائها إلى سيادة العالم العربي فالعالم الإسلامي.
ولم يلبث المعز لدين الله أن وحّد بين تونس وبين المغربين الأوسط والأقصى، (الجزائر والمغرب)، ثم أخذ يوجّه جهوده نحو المشرق فأخضع المغرب الأدنى، (ليبيا)، ثم وجّه همّه لضمّ مصر إلى شمال أفريقيا ليكتمل بها عقد الوحدة العربية الأفريقية.
نعم كان الفاطميون قوماً تقدّميين على الرغم من الاتهامات الكثيرة التي رماهم بها أعداؤهم، وكانوا يقصدون الوحدة الإسلامية والوحدة العربية على حدّ سواء. ولكن اهتمامهم بالوحدة العربية سبق اهتمامهم بالوحدة الإسلامية لأنهم لو استطاعوا توحيد العالم العربي لأمكنهم توحيد سائر العالم الإسلامي، ولأعادوا للعروبة مجدها وللإسلام عزّته. وهذا يفسّر لنا لماذا أتمّ المهدي توحيد بلاد المغرب ثم قصد إلى مصر وبعث إليها بثلاث حملات، كما حاول أن يجتذب الإخشيد إليه بزواج وليّ عهده القائم من ابنته.
استطاع المهدي، برغم إخفاقه في إتمام فتح مصر، أن يورث خلفاءه من بعده مهمّة توحيد العالم العربي كخطوة لتوحيد العالم الإسلامي.
وكان المعزّ لدين الله الفاطمي خير من يضطلع بهذه المهمّة، فعمل على تنفيذها فقرّ رأيه أن يجعل من جميع بلاد شمالي أفريقيا كتلة لا يستطيع الغربيون النيل منها. ولم يتحالف على الأمويين في الأندلس بل تركهم رغم اختلافهم وإياه في المذهب الديني ليكونوا قوة أمام الأوروبيين الذين يراهم العدوّ الحقيقي.
يدلّ على ذلك أن المعزّ وقف من البيزنطيين، حين غزوا جزيرة كريت، (إقريطش)، في منتصف القرن الرابع الهجري، موقفاً عدائياً صريحاً مع أنها كانت تابعة للعباسيين، واعتبر أن نصرة العرب في تلك الجزيرة واجب عليه وعلى كل المسلمين، لذلك نراه يرسل لأبي الحسن عليّ الإخشيد في مصر يحثّه على الاشتراك مع جيوش الفاطميين في استرداد هذه الجزيرة، ويبيّن له أن اختلافه وإياهم في المذهب الديني لا يحول دون ذلك لأنهم جميعا« عرب مسلمون وأنهم جميعاً أعداء للبيزنطيين.
ولم يكتف المعزّ بذلك بل أرسل إلى أمبراطور الدولة البيزنطية نفسه يحذّره من مغبّة عمله، ويفهمه أن الدولة الفاطمية سوف تستردّ جزيرة إقريطش باعتبارها جزءاً من بلاد العالم الإسلامي الذي أخذ الفاطميون على عاتقهم المحافظة عليه ورفع شأنه لذلك يقول له: «فإقريطش وغيرها من جميع الأرض لنا بما خوّلنا الله منها وأقامنا له فيها، أطاعنا فيها من أطاع وعصانا من عصى، وليس بطاعتهم يجب أن نملك ولا بعصيانهم يحقّ لنا أن نترك».
إلى أن يقول: «وعهدك إن تماديت على حرب من أناب إلينا منبوذ إليك. فانظر لنفسك ولأهل ملّتك، فإنّا مناجزوك وإيّاهم الحرب بعون الله وتأييده ولا حول ولا قوة إلاّ بالله».
يقول المعزّ ذلك لأنه كان يعتقد أنه صاحب رسالة هي رسالة الوحدة العربية والوحدة الإسلامية؛ (انتهى بعض ما قاله الدكتور حسين إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف).
ويعلّق الكاتبان على عدم نجاح المعزّ بتوحيد العالم العربي ثم العالم الإسلامي كلّه بأن ذلك بسبب ما أثاره عليه المتسلّطون من ثورات، كثورة القرامطة وثورة القائد التركي أفتكين، وبما نشروه من أراجيف عن الفاطميين وما سعوا إليه من تشويه عقائدهم.
الأسطول
الأسطول كلمة يوانية معرّبة ومعناها مجمع السفن. وأعظم أسطول إسلامي أو عربي كان أسطول الدولة الفاطمية الذي وصفه بعض المؤرّخين بقوله: «بلغ ربابنة أسطول الفاطميين خلال القرن الرابع الهجري، (العاشر الميلادي)، خمسة آلاف ربّان وعدد سفنه مائتي سفينة، واضطرّ الإفرنج إلى الانحياز بمراكبهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحر المتوسط لا يبرحونه لأن هذا البحر يسيطر عليه الفاطميون».
تقول الدكتورة سعاد ماهر في كتابها البحرية في مصر الإسلامية:
«إن اهتمام الفاطميين بالشام ودعم قواعد الأسطول المصري على سواحله كان له أكبر الأثر في صيانة كيان الدولة الإسلامية عامّة، والمحافظة على النفوذ العربي في شرقي البحر الأبيض المتوسّط خاصّة، ذلك أن الروم كانوا قد تمادوا في استهتارهم بالخلافة العبّاسية ولا سيّما بعد استيلائهم على إقريطش، (كريت)، فعوّلوا على الهجوم على إقليم الشام لكي ينتزعوا بيت المقدس منه. ففي سنة 975 م سار الأسطول الرومي إلى بلاد الشام واستولى على كثير من مدنها ولا سيّما الساحلية منها، مثل بيروت وصور وعسقلان وصيدا، إلاّ أن قوّات مدينة طرابلس البرية استطاعت، بفضل مؤازرة الأسطول المصري، (الفاطمي) لها([542])، هزيمة الأسطول الرومي، وبذلك عاد فاشلاً إلى القسطنطينية، وبدأت الدولة الفاطمية بعد ذلك تثبت سلطانها على قواعد بلاد الشام البحرية وتطارد الروم من أطراف الشام الشمالية».
وتقول أيضاً: «… وتحقّقت مخاوف الفاطميين، حين لجأ أمبراطور الروم سنة 1025 م إلى تأليب حكّام صور وطرابلس على الفاطميين ومساعدتهم على شقّ عصا الطاعة عليهم، ولكن الأسطول المصري، (الفاطمي)، كان لهم بالمرصاد فتصدّى لسفن الروم في مياه هذين الميناءين وأنزل بهم هزيمة منكرة».
وتقول أيضاً ما خلاصته: أرسل غليوم الأول صاحب صقلية أسطولاً نزل دمياط سنة 1155 م (550 هـ) فعاث فيها فساداً، ثم اتّجه إلى تنيس فقتل بحّارته الرجال وسبوا النساء، وكذلك فعل في رشيد والإسكندرية. ولكنه سرعان ما فرّ هارباً عندما ظهر له الأسطول المصري، (الفاطمي).
وفي وقائع الأسطول وهزيمته للصليبيين يقول المهذّب بن الزبير:
وكأنّ بحر الروم خلق وجهه
وطفتْ عليه منابتُ المرجانِ
ولقد غزا الأسطول حين غزا بما
لم يأتِ في حينٍ من الأحيانِ
أحببْ إليّ بها شواني أصبحت
من فتكها ولها العداة شواني
شبّهن بالغربان في ألوانها
وفعلن فعل كواسر العقبانِ
فأتتك موقرة بسب بنيهم
أسراهم مغلولة الأذقانِ
ويقول طلائع بن رزيك في الانتصار على الصليبيين:
توالت علينا في الكتائب والكتب
بشائر من شرق البلاد ومن غربِ
بشائر تهدي للموالي مسرّة
وتحدث للباغين رعباً على رعبِ
ففي كبد من حرّها النار تلتظي
وفي كبد أحلى من البارد العذبِ
جعلنا جبال القدس فيها وقد جرت
عليها عتاق الخيل كالنفنف السهب
فقد أصبحت أوعارها وحزونها
سهولاً توطّا للفوارس والركب
ولمّا غدت لا ماء في جنباتها
صببنا عليها وابلاً من دم سكبِ
وجادت بها سحب الدروع من العدا
نجيعاً فأغنتها الغداة عن السحبِ
وأجرت بحاراً منه فوق جبالها
ولكن بحار ليس تعذب للشربِ
فقد عمّها خصب به من رؤوسهم
بها وكم خصب أضرّ من الجدبِ
وقد روّعتْها خيلنا قبل هذه
مراراً وكانت قبل آمنة السربِ
وأخفى صهيل الخيل أصوات أهلها
فعاقت نواقيس الفرنج عن الضربِ
البحر المتوسط بحيرة فاطمية
يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه شرف في كتابهما المعز لدين الله، وهما يتحدّثان عن القوى البحرية للمعزّ، (ص 48)، الطبعة الثانية:
«ولا نغالي إذا قلنا إن المعز استطاع بفضل أسطوله القوي أن يجعل غربي البحر الأبيض المتوسّط بحيرة فاطمية، ولا غرو فقد هجم أسطوله على أساطيل عبد الرحمن الناصر الأموي في عقر دارها في الأندلس، وانتصر على الروم حلفاء الأمويين في ذلك الحين حتى أرغمهم على طلب الهدنة، وكثيراً ما هجم أسطول المعز على إقليم قلوريا، (كالابريا)، جنوبي إيطاليا. وينبغي أن لا ننسى ذلك الدور الهائل الذي قام به هذا الأسطول في سبيل مساعدة مسلمي جزيرة إقريطش، (كريت).
«وقد ذكر النعمان المغربي، قاضي المعزّ، أن المهدية كانت غاصّة بالسفن حتى إن هذا الخليفة الفاطمي عمل على اتخاذ قاعدة ثانية تخفّف الضغط عن هذا الثغر، وقد وجد القاعدة المنشودة في سوسة.
«ولهذا كانت المهدية وسوسة مراكز أساسية للأسطول الفاطمي الإفريقي. أما الأسطول الفاطمي الأوروبي فكانت سفنه رابضة في موانىء صقلية».
وقد خصّ المؤرّخان غربي البحر المتوسّط في كلامهما المتقدمّ، لأنهما كانا يتحدّثان عن الأسطول الفاطمي قبل فتح مصر والشام. أما بعد فتحهما فقد أضافا قائلين:
«أضف إلى ذلك أن المعزّ حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوّق على سائر أساطيل البحر الأبيض، ولا غرو فقد دخلت في حوزة المعزّ، بعد أن فتح مصر والشام، البلاد الواقعة على البحر الأبيض من أنطاكية إلى سبتة، ووقعت في يده موانىء المغرب الأقصى المطلّة على المحيط الأطلسي أيضاً.
«ومن ثم ملأ المعزّ كثيراً من موانىء الشام الهامة مثل صور وعكا وعسقلان بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع، وأهمّها: الشلندمات والشواني الحربية والمسطحات والطرادات والعشاريات والجرافات. وقد رأينا موقف أسطول المعزّ من صور وسواها في حروبه مع الروم، كما رأينا كيف اتخذ جوهر من عكّا وعسقلان مستودعات للإمدادات التي كانت تتدفّق على جيوش الفاطميين في بلاد الشام».
وهكذا يمكن القول إن البحر الأبيض غربيه وشرقيه أصبح بحيرة فاطمية.
ثم يستطرد المؤرّخان قائلين:
«وكذلك عني المعزّ بالأسطول التجاري لينقل البضائع المصرية إلى البلدان الأخرى ويعود محمّلاً بالسلع، من هذه البلدان. وقد أصبح للفاطميين أسطولان تجاريان: أحدهما في البحر الأبيض المتوسط، والآخر في البحر الأحمر، فكانت الإسكندرية ودمياط في مصر، وعسقلان وعكّا وصور وصيدا في الشام من أهمّ الموانىء الفاطمية في البحر الأبيض. كما كانت عيذاب أهمّ موانىء البحر الأحمر، وكانت مزوّدة بأسطول حربي يقوم على حماية الأسطول التجاري والقضاء على اللصوصية في هذا البحر».
وقال مؤرّخ واصفاً حال الأسطول الفاطمي يومذاك: «بلغ عدد ربابنة أسطول الفاطميين خلال القرن الرابع الهجري، (العاشر الميلادي)، خمسة آلاف ربّان، وعدد سفنه مائتي سفينة، واضطرّ الإفرنج إلى الانحياز إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحر المتوسّط لا يبرحونه لأن هذا البحر يسيطر عليه الأسطول الفاطمي من مضيق جبل طارق إلى بيروت».
ويقول الدكتور مرمول محمد الصالح في كتابه السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب:
«جرّد الفاطميون حملاتهم العسكرية ضد الروم كلّما وجدوا فرصة لذلك طيلة عهدهم في المرحلة المغربية. فقد جرّد عبيد الله المهدي حملاته ضدّهم في سنوات مختلفة كانت تنطلق من المهدية أو من صقلية. ففي سنة 315 هـ (929 م) توجّهت حملة بحرية من المهدي بقيادة صابر الفتى عدّتها أربعة وأربعون مركباً فاتجهت إلى صقلية ومنها شنّت غاراتها على سواحل ومدن الروم فقتلت وغنمت وعادت إلى صقلية([543]). ثم أعاد صابر الكرة في السنة الموالية من صقلية أيضاً فافتتح عدّة أماكن رومية واستولى على ما فيها وأجبر أماكن أخرى على مصالحته بأموال وديباج وثياب وعاد بجيشه إلى صقلية مركز انطلاقه([544]). ثم كرّ هجومه البحري في سنة 317 هـ (931 م) أيضاً فالتقى في البحر بسبعة مراكب للروم وهو في أربعة مراكب فهزم خصومه وفتح وسبى سبياً كثيراً ورجع إلى المهدية([545]). وبذلك سنّ المهدي لمن جاء بعده سنّة توجيه الحملات البحرية من المهدية أو من صقلية ضد موانىء وسواحل الروم. وقد كان ولاة صقلية يُساهمون مساهمة فعّالة في هذا المجال نظراً لمركز ولايتهم الاستراتيجي وإمكانيات أسطولها البحري، وذلك مثل الحملة التي قادها يعقوب بن إسحاق في آخر حياة عبيد الله المهدي ففتحت جنوة وسردانية»([546]).
وقد قال آدم ميتز أيضاً عن صولة الأسطول الفاطمي بالحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، منذ عهد عبيد الله المهدي وسيطرته على مياهه، ما نصه: «ولم يكن لأوروبا سلطان على البحر الأبيض المتوسّط خلال القرن العاشر الميلادي، فقد كان بحراً عربياً، (فاطمياً)، وكان لا بدّ لمن يريد أن يقضي لنفسه أمراً أن يخطب وردّ العرب، (الفاطميين)، كما فعلت نابولي وغيته وأمالقي.
«ففي سنة 322 هـ (935 م) استطاعت مراكب عبيد الله المهدي الفاطمي أن تغزو جنوب فرنسا ومدينة جنوى، وأن تفعل مثل ذلك بمدينة بيزا في عام 401 ـ 404 هـ (1011 ـ 1014 م) فهذا يبيّن لنا ثقل وطأة الأسطول الفاطمي على أساطيل أوروبا وتحكّمه في لجج البحر المتوسط، وأن سلطة الفاطميين في المغرب تمثّل قمة المجد البحري الإسلامي في البحر المتوسط».
لقد بقي الاهتمام متواصلاً وكبيراً بشأن الأسطول في عهد أبي القاسم محمد القائم، وزاد شأنه أكثر من السابق واستفحل خطره على الأساطيل البيزنطية حيث ضاعف من غاراته عليهم من موانىء وثغور المغرب ومن صقلية أيضاً. ولعلّ قلّة الثورات الداخلية في بداية عهده تركت له مجالاً للاهتمام بحروب الروم والعناية بالأسطول أكثر من أبيه.
ويقول ابن خلدون بهذا الصدد: «وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون بأساطيلهم من المهدية جزيرة جنوى فتنقلب بالظفر والغنيمة… كما وقع في أيام بني الحسن القائمين في صقلية بدعوة العبيديين، (الفاطميين). وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي… وأساطيل المسلمين، (الفاطميين)، قد ضربت ضراء الأسد على فريسته وقد ملأت الكثير من بسيط هذا البحر عدّة وعدداً، واختلفت في طرقه سلماً وحرباً، فلم تسبح فيه للنصرانية ألواح»([547]).
فهذا النصّ يبيّن لنا مدى الدور العظيم الذي لعبه الفاطميون في الدفاع عن المغرب الإسلامي والمتمثّل في ردّ غزوات الروم.
إن الاهتمام بالأسطول البحري يقتضي الاهتمام بلوازمه أيضاً، كمراكز بناء السفن، ومصانع السلاح. ومن أهم مصانع السفن والأسلحة بونة، (عنابة)، والمهدية وغيرهما. وقد أشاد الشعراء بأسطول أبي القاسم ووصفوه بغرر شعرهم. فعدا قصائد ابن هاني التي يأتي بعضها، هناك من وصفوا الأسطول الفاطمي مثل علي بن محمد الإيادي الذي قال في بعض ما قال([548]):
إعجبْ لأسطول الإمام محمّد
ولحسنه وزمانه المستعذب
لبست به الأمواج أحسن منظر
يبدو لعين الناظر المتعجّب
من كلّ مشرفة على ما قابلت
إشراف صدر الأجدل المتنصّب
دهماء قد لبست ثياب تغنُّج
تسبي العقول على ثياب ترهّب
من كلّ أبيض في الهواء منشّر
منها وأسحم في الخليج مغيّب
كملاءة في البر يقطع شدّها
في البحر أنفاس الرياح الشذّب
محفوفة بمجادف مصفوفة
في جانبين دوين صلب صلّب
كقوادم النسر المرفرف عُرّيت
من كاسيات رياشة المتهدّب
تحتشّها أيدي الرجال إذا ونت
بمصعّد منه بعيد مصوّب
خرقاء تذهب إن يد لم تهدها
في كلّ أوب للرياح ومذهب
جوفاء تحمل موكباً في جوفها
يوم الرهان وتستقلّ بموكب
ولها جناح يستعار يطيرها
طوع الرياح وراحة المتطرّب
يعلو بها حدب العباب مطارة
في كلّ لجّ زاخر مغلولب
تسمو بأجرد في الهواء متوّج
عريان منسوج الذوائب شوذب
يستنزل الملاّح منه ذؤابة
لو رام يركبها القطا لم يركب
فكأنما رام استراقة مقعد
للسمع إلاّ أنه لم يشهب
وكأنّما جنّ ابن داودٍ وهم
ركبوا جوانبها بأعنف مركب
سجروا جواهم نارها فتقاذفوا
منها بألسن مارج متلهّب
من كلّ مسجور الحريق إذا انبرى
من سجنه انصلت انصلات الكوكب
عريان يقدمه الدخان كأنّه
صبح يكرّ على الظلام الغيهب
ولواحق مثل الأهلّة جنّح
لحق المطالب فائتات المهرب
يذهبن فيما بينهنّ لطافة
ويجلن فعل الطائر المتغلّب
كنضائض الحيّات رحن لواعباً
حتّى يقعن ببرك ماء الميزب
شرعوا جوانبها مجادف أتعبت
شأو الرياح لها ولمّا تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا
طوراً وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنه
ليل يقرّب عقرباً من عقرب
وعلى مراكبها أسود خلافة
تختال في عدد السلاح المذهب
فكأنما البحر استعار بزيّهم
ثوب الجمال من الربيع المعجب
ولكن نشاط الأسطول لصدّ الروم قلّ في عهد المنصور وذلك بسبب آثار ثورة صاحب الحمار الخطيرة([549]). بينما واصل عمله في عهد المعزّ، الأمر الذي جعل الروم يستنجدون في بعض الأحيان بملك القسطنطينية لردّ غزوات المعزّ البحرية، كما حدث في سنة 345 هـ/ 957 م حينما جرّد المعزّ عليهم حملة بحرية انطلقت من صقلية بقيادة حسن بن علي بن الحسين فاستغاث الروم بالملك قسطنطين السابع 329 ـ 374 ؟هـ/ 912 ـ 959 م فأنجدهم بالعساكر براً وبحراً والتقت في البحر مع جيش حسن بن علي وذلك في شهر شوال. ورغم قلّة عد سفن الفاطميين فإنها انتصرت انتصاراً كبيراً وبلغ عدد ما حزّ من رؤوس الأعداء عشرة آلاف رأس([550]) .
هذا ولم تكن صقلية فقط مركزاً لنشاط الأسطول الفاطمي بل هناك عدّة جزر أخرى كانت مركزاً لنشاط ذلك الأسطول ومن بينها جزيرة إقريطش، (كريت)، التي كان الصراع فيها بين المسلمين والروم قائماً على أشدّه من قبل عهد الفاطميين، ولكن كانت وطأة الفاطميين عليها أشدّ، وقاوموا الروم مقاومة عنيفة لا سيّما في عهد المعز. قال ابن الأثير في أحداث سنة 351 هـ (963 م): «وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة إقريطش فأرسل أهلها إلى المعز لدين الله العلوي صاحب أفريقيا يستنجدونه فأرسل إليهم نجدة فقاتلوا الروم فانتصر المسلمون وأسروا من كان في الجزيرة من الروم».
كما أن هناك جزراً أخرى كانت أهدافاً لنشاط الأسطول الفاطمي مثل جزيرة مالطة وقبرص وسردانية وقوصرة.
ومن خلال ما تقدّم يتّضح لنا مدى أهميّة صقلية وغيرها من بعض الجزر بالنسبة لأسطول الفاطميين. ولذا حرصوا أشدّ الحرص على الاحتفاظ ببقاء نفوذهم فيها لأغراض عسكرية واقتصادية، لأنهم كانوا يهدفون إلى إنشاء أمبراطورية قوية على الساحل الجنوبي للحوض الغربي للبحر المتوسّط، الأمر الذي جعل من صقلية قاعدة بحرية هامة لأسطولهم وذلك لردّ غارات الروم عن السواحل الأفريقية، هذا بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية، فهي خصبة بمنتوجاتها الزراعية ويكثر فيها أيضاً الذهب والفضّة والنحاس والرصاص والزئبق وغيرها من المعادن([551]).
ويتّضح ممّا تقدّم أن الأسطول الفاطمي سيطر سيطرة كاملة على الحوض الغربي للبحر المتوسّط، وانفرد بالسيادة عليه، وضيّق الخناق على الأساطيل الرومية حيث كان سلطانه مرهوباً، ثم امتدّت سيطرته ما بين جبل طارق إلى بيروت([552]) وبلغ عدد سفنه المئات.
وكان مرسى المهدية وحده يسع أكثر من مئتي سفينة([553]) واستعملت قطعه لأغراض عسكرية وتجارية.
عني الخلفاء الفاطميون عناية كبيرة بأمور البحرية، ولكن عناية المعزّ بها كانت أكثر، وذلك لقلّة الاضطرابات الداخلية في عهده بسبب سياسة اللين والتفتح التي سلكها مع الثائرين، ولذا وجد المجال متّسعاً للاهتمام بالأسطول([554]) واتخذ من مدينة المهدية وسوسة ومرسى الخزر وغيرها مأوى لقطع هذا الأسطول. ولا ننسى أن الفاطميين استفادوا في هذا المجال من موقع جزيرة صقلية الممتاز لما فيه من موانىء وأحواض على غاية من الأهمية، ولا نغالي إذا قلنا إن المعز استطاع أن يجعل من غربي البحر المتوسط بحيرة فاطمية([555]) لأن أسطوله أخذ زمام المبادرة دائماً على الروم وأجبرهم على طلب الهدنة وإعطاء الجزية وتقديم الهدايا حيث أوفدوا إليه بطريقاً من بطارقتهم لهذا الغرض فقبل منهم ذلك([556]). وكان أسطوله الأوروبي مرابطاً بموانىء صقلية تحت إشراف أسرة الكلبيين. أما أسطوله الإفريقي ففي حالة تحفز واستعداد بالموانىء المغربية وفي مقدمتها المهدية وسوسة وتونس وبونة وغيرها، وجعل في أهم الموانىء داراً لصناعة السفن والسلاح، كما كان يأمل أن يصل المنصورية بالبحر بواسطة قناة، فقد نقل من كتاب المجالس والمسايرات قوله: «لئن امتد المقام هنا، أي في المنصورية، لنجرينّ البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحطّ وتقلع بحضرتنا»([557]). ولا شك أنّ هذا يدل على مدى عنايته أكثر من أسلافه بالجيش البحري حيث أراد أن يجعل من المنصورة ميناء ثالثاً من حيث الأهمية بالنسبة إلى المهدية وسوسة. ولا غرابة في ذلك فللأسطول وحده يرجع الفضل الكبير في انتصارات الفاطميين البحرية. كما أن الفضل يعود إليه في تزويد جوهر بالإمدادات أثناء فتحه لمصر. ونلاحظ أيضاً أن تقدماً ملموساً حصل في قوة الأسطول الفاطمي في عهده أكثر من السابق بصفة خاصة، ومن ضمن ذلك القطع البحرية العاملة بالمغرب الأوسط، (الجزائر)([558]).
ومن خلال ما تقدم يتجلّى لنا أن أسطول المغرب الإسلامي في عهد الفاطميين ازداد قوة وتمكّناً في العدد والعدّة، وأمسك بناصية الحوض الغربي للبحر المتوسط وهدد الروم. ويعتبر بناء عبيد الله المهدي لمدينة المهدية على ساحل البحر عاصمة له مظهراً من مظاهر التحول الأساسي في سياسة هذه الخلافة التي عملت من أول عهدها على أن تكون دولة قوية بجيشها البري والبحري، وبالفعل أصبحت لها قوات بحرية عظيمة إلى جانب قواتها البرية.
ومن العوامل التي ساعدت على نمو أسطولها وقوته:
(1) صلاحية الموقع الجغرافي في بلاد المغرب وكثرة موانئه ووجود أحواض لبناء السفن مثل المهدية وسوسة وبونة، (عنابة)، ومرسى الخزر والقالة وبجاية وغيرها، وتوفّر المواد اللازمة لبناء السفن مثل الأخشاب التي تصنع منها ألواح السفن، وكذلك الحديد الذي يوجد بصقلية وبلاد المغرب في بونة وبجاية والإربس، وكذلك توفّر المواد الأخرى من قطران وحبال([559]).
(2) وجد الفاطميون بين أهل المغرب إطارات كفوءة عارفة بمبدأ الملاحة والأمور البحرية ولها خبرة ودراية في هذا المجال منذ عهد الفينقيين. فكان هذا أحد عوامل قوة بحريتهم ونجاحها.
(3) يعتبر موقع صقلية البحري الهام من العوامل التي ساعدت على قوة الأسطول وتحكّمه في مياه الحوض الغربي للبحر المتوسط، وقد أصبحت محطّة بحرية هامة للمسلمين منذ أن فتحت سنة 212 هـ (887 م).
(4) يمكن أن نعتبر تأصّل فكرة الجهاد عند الفاطميين وتطلّعهم إلى التوسع شرقاً وغرباً، وخوفهم من الخطر الخارجي المتمثل في الروم بصفة خاصة، من أهم الحوافز التي جعلتهم يعتنون أشد العناية بأمور الأسطول حتى تكون لهم قوة بحرية قادرة على تحقيق آمالهم في توسيع رقعة دولتهم وردّ الخطر الخارجي الرومي.
(5) …….. ( مفقود او سقط سهواً )
(6) اعتناء المعز بالأسطول أكثر من أسلافه لأنه كان يهدف إلى تكوين قوة بحرية قوية يسيطر بها على حوضي البحر المتوسط الغربي والشرقي على السواء ويقارع بها.
وبعد فتح مصر والشام، حقّق ما كان يطمح إليه في هذا المجال، حيث امتد نفوذه البحري من سبتة غرباً إلى أنطاكية شرقاً، بالإضافة إلى الموانىء المُطلّة على المحيط الأطلسي وبذلك بلغ الأسطول في عهده قمة مجده.
لقد وجدت في عهد الفاطميين أنواع مختلفة من السفن منها التجارية ومنها الحربية فبعضها يستعمل في الملاحة البحرية، وبعضها في الملاحة النهرية، ومن السفن الحربية التي استعملها الفاطميون وغيرهم في البحر المتوسط:
(1) الشلنديات: ومفردها شلندي وهي سفن كبيرة الحجم استعملت لنقل المؤن، والعتاد، والجنود في آن واحد، وهي من المراكب البحرية المسطّحة، حتى يتمكّن جنودها من مقاتلة أعدائهم وهم على متنها وفي نفس الوقت فإن الجذّافين من تحتهم يجذّفون بهم، وتسمى هذه السفن في الأندلس بالأجفان الغزوية، وتستعمل في حالتي الحرب والسلم.
(2) الشواني، جمع شيني، أو شونة، وهي من السفن الكبيرة التي تستعمل لحمل الأبراج الكبيرة أيضاً وغيرها من العتاد الثقيل، ولعلها أشبه ما تكون بالبوارج الحربية الضخمة التي تستعمل الآن لحمل العتاد الهجومي كالدبابات والمدرّعات.
(3) الحراقات، وتلي الشواني في الضخامة والأهمية، وتستخدم في إحراق سفن العدو بواسطة المواد المحرقة كالنفط؛ ويجذف فيها نحو مائة مجذّف، وقد ورثها الفاطميون عن الأغالبة، وكثيراً ما استخدمت في غزو بلاد الروم.
(4) الطرادات، ومفردها طراد، وهي عبارة عن سفن صغيرة، قوية سريعة الحركة وتستعمل لحمل الخيل والمقاتلين، ومختلف المؤن، والأسلحة. ويمكن للواحدة أن تحمل أربعين فرساً ومائة فارس.
وبالإضافة إلى ما تقدم فهناك أنواع أخرى من السفن البحرية وجدت في عهد المعز بمصر، ولا شك أنها كانت موجودة بالمغرب ومنها البطس، وهي مراكب كبيرة تتكوّن من عدّة طوابق، وتنقل عدداً كبيراً من المحاربين قد يصل إلى سبعمائة. وكذلك المراكب المسماة أغربة لأنها في شكلها تشبه الغراب وكذلك القراقر والسميرات، وغيرها.
ويستخدم المقاتلون في البحر عدة أسلحة وفي مقدّمتها النفط الخاص بإحراق مراكب العدو، كما يستخدمون الكلاليب الحديدية التي ترمى على سفن العدو بقصد إغراقها أو العبور إليها بواسطة ألواح خشبية وبسلالم. كما يستخدمون السيوف ومختلف الأسلحة الخفيفة. وقد بلغت قطع الأسطول الفاطمي في المغرب أزيد من ثلاثمائة سفينة. كما بلغت قطعه في عهد المعز بمصر أكثر من ستمائة قطعة.
المعز والأسطول
قال الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما المعز لدين الله:
«كان للبحرية الفاطمية في عهد المعز لدين الله شأن يذكر في بلاد المغرب ومصر. وقد اتخذ الفاطميون المهدية مرفأ رئيسياً، ومن سوسة وغيرها من موانىء شمال أفريقيا أماكن تأوي إليها سفنهم. ولا ننسى أن الفاطميين، وخاصة المعز، قد أفادوا من موقع جزيرة صقلية لما فيه من موانىء وأحواض للسفن.
«ولا نغلو إذا قلنا إن المعز استطاع بفضل أسطوله القوي أن يجعل غربي البحر الأبيض بحيرة فاطمية، ولا غرو فقد هجم أسطوله على أساطيل عبد الرحمن الناصر الأموي في عقر دارها في الأندلس، وانتصر على الروم حلفاء الأمويين في ذلك، حتى أرغمهم على طلب الهدنة. وكثيراً ما هجم أسطول المعز على إقليم قلورية، (كالابريا)، جنوبي إيطاليا. وينبغي أن لا ننسى ذلك الدور الهائل الذي قام به هذا الأسطول في سبيل مساعدة جزيرة إقريطش.
«وقد ذكر النعمان المغربي أن المهدية كانت غاصّة بالسفن، حتى إن المعز عمل على اتخاذ قاعدة ثانية تُخفّف الضغط عن هذا الثغر. وقد وجد القاعدة المنشودة في سوسة فيذكر أنه ظهر بدار الصناعة بمدينة سوسة «سبعة مراجل، (قدور)، أزلية الصنع متقنة ينفذ بعضها إلى بعض كانت مدفونة تحت الأرض إلاّ أنها تحتاج إلى بعض إصلاح، وإلى صهريج يجري عنه الماء إليها، وأنها، (أي المراجل)، متى امتلأت ماء استغنى بها أهل المدينة عما هو خارج منها وكانت ذخيرة للمراكب ولغير ذلك مما يحتاج إليه».
«ويقول النعمان: «فرفعت ذلك إلى الإمام المعز لدين الله فسرّ بها وأمر بإصلاحها وإصلاح هذا الصهريج وأن يبنى مسجد هناك، وكان قبل ذلك قد ذكر له تضايق داري الصناعة بالمهدية بالمراكب وكثرتها وما زاد منها وإن الدارين قد غصّتا بها، فذكر عمارة دار الصناعة بسوسة والإنشاء بها وكان وجود هذه المراجل من مقدمة الخير فيها».
«وهكذا أصبح للمعز لدين الله في أفريقيا ميناءان هامان، يعتمد على دور الصناعة فيهما في إخراج السفن وعلى أحواضها في إيوائها. وكان المعز يعمل على أن يجعل من حاضرته المنصورية ميناء ثالثاً من موانئه الرئيسية. يدل على ذلك قوله: «لئن امتدّ المقام هنا، (في المنصورية)، لنجرينّ البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحطّ وتقلع بحضرتنا»([560]). وبهذا ترى أن المعز كان يهتم بتكوين أساطيل قوية، وأنه اتخذ من المهدية وسوسة مراكز أساسية لأسطوله الأفريقي. أما أسطوله الأوروبي فكانت سفنه رابضة في موانىء صقلية.
«وقد اتخذ المعز بعض المدن المصرية دوراً لصناعة السفن، فأنشأ في المقس دار صناعة ضخمة وصفها المسبحي، المؤرّخ المصري المتوفى سنة 420 هـ بقوله: «إنه لم ير مثلها في البحر على ميناء». ويظهر أن المعز لم يهمل دار صناعة الفسطاط التي كانت تسمى دار صناعة مصر؛ كما عني بإقامة دور صناعة السفن في موانىء مصر الهامة كالإسكندرية ودمياط.
«ولم يكن بناء السفن في مصر راجعاً إلى خوف المعز من غارات الروم والقرامطة على مصر والشام فحسب، بل كان ذلك راجعاً أيضاً إلى رغبته في بسط نفوذه على البلاد التي قد يتخذها الأعداء طريقاً يُغيرون منه على مصر. أضف إلى ذلك أنه حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر الأبيض ومن ثم ملأ المعز كثيراً من موانىء الشام الهامة مثل صور وعكا وعسقلان بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع وأهمها الشلنديات والمُسَطّحات والطرادات والعشاريات، (وهي من القوارب النهرية)، والحرّاقات.
«وقد وصف المقريزي عناية المعز بالأسطول في هذه العبارة فقال: «لما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلثمائة، اشتدّ أمرهم بأخذ البلاد وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب الحربية واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر وإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطّحات، وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت في أيام المعز لدين الله تزيد على ستمائة قطعة».
«وكان للأسطول أمير يدعى قائد القواد وقد سمّي بذلك لأنه كان تحت إمرته عشرة قواد، كما كان يُطلق عليه أمير الجيش والمُسْتوفي. وقد بلغ من عناية المعز ومن جاء بعده من الخلفاء بالأسطول، أن الخليفة كان ينفق عليه في غزواته بنفسه ويساعده وزيره أو من يقوم مقامه. ولم يكن بحّارة الأسطول من رتبة واحدة، فهناك جماعة تتقاضى راتباً قدره ديناران وأخرى تتقاضى ثمانية دنانير وثالثة عشرة دنانير ورابعة خمسة عشر ديناراً وخامسة عشرين ديناراً وسادسة خمسة وعشرين ديناراً. أما أمير الأسطول أو مُقَدّمه فكان من كبار الأمراء والأعيان.
كما كان الخليفة يُقْطِع رجال الأسطول إقطاعات عُرفت باسم أبواب الغزاة وكان قائد الأسطول يُشرف عليه ويتناوب القواد العشرة الإشراف العملي فيأتمر الجميع بأمر القائد الذي تؤول الرياسة إليه.
«ولكي يُشجّع الخليفة رجال الأسطول أو الغزاة، كما كانوا يُسمّونهم، كان يترك لهم من الغنائم المال والثياب والمتاع، ولا يستبقي سوى الأسرى والسلاح. وكانت الفسطاط من أهم مراكز الأسطول. وكان الخليفة يُشاهد بنفسه حفلة النفقة على الأسطول عندَ خروجه ويبارك رجاله ويدعو لهم بالتوفيق كما كان يحضر حفلة استقباله عند عودته.
«وقد بلغ اهتمام الخلفاء الفاطميين بالأسطول أنهم اتخذوا لهم منظرة بالمقس يحتفلون فيها بتوديع الأسطول واستقباله. ويتضح ذلك من هذا الوصف الذي أورده المقريزي حيث يقول: «ويتولّى النفقة في غُزاة الأسطول الخليفة بنفسه، بحضور الوزير، فإذا أراد النفقة فيما تعيّن من عدة المراكب السائرة فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال وفيهم من كان يتعيّش بمصر والقاهرة، وفيهم من هو خارج عنهما فيجتمعون. وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدة أيام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفاً، ويقال لهم النقباء، واحدهم نقيب».
وكان رجال الأسطول يشغلون مكانة سامية بين موظّفي ديوان الجيش. ولا غرو فإن صاحب ديوان الجيش، وهو المستوفي، كان أمير الأسطول. وبذلك وضع المعز لدين الله أساس نظام البحرية في مصر، ونهج نهجه من جاء بعده من الخلفاء. وليس أدل على اهتمام المعز بالأسطول من اعتماده على ديوان الجهاد أو ديوان العمائر كما كانوا يُسمّونه، في تنظيم شؤون الأساطيل ووقف الأموال الضخمة للإنفاق على الأسطول ورجاله، وكثيراً ما كان المعز يمدّ هذا الديوان بالأموال الكثيرة من بيت المال.
«وكذلك عني المعز بالأسطول التجاري لينقل السلع المصرية إلى البلدان الأخرى، ويعود مُحمّلاً بالسلع من هذه البلدان.
«وقد عني الخليفة المعز بديوان الإقطاع الذي كان تابعاً لديوان الجيش وكان عمل صاحبه مقصوراً على النظر في الإقطاعات التي أقتطعها رجال الجيش وبخاصة من الممتلكات الكثيرة التي كانت تابعة للإخشيديين من قبل.
«وبهذا نستطيع أن نقول: إن المعز لدين الله نهض بالجيش والبحرية نهضة مباركة»؛ (انتهى ما أورده الكاتبان).
والواقع أن المعز لدين الله الفاطمي كان في ذلك العهد أمل العرب والمسلمين وكانوا يتطلّعون إليه من كل مكان، حتى من الأرض البعيدة عنه غير الخاضعة لسلطانه. فعندما شعرت مثلاً جزيرة كريت بالخطر الداهم، ولاحت لها طلائع الغزو من بعيد كان همّها أن توصل نداءها إلى الرجل المأمول. ويحدثنا الدكتور حسن إبراهيم حسن، وهو يتحدّث عن كتاب المجالس والمسايرات للنعمان، فيقول: «وعرض النعمان غير مرة لعلاقة المعز بالدولة البيزنطية فأوضح اعتماد حاكم الأندلس، عبد الرحمن الناصر الأموي، على الروم في صراعه مع الفاطميين، وصوّر ما حل بالروم وحلفائهم أمام أساطيل المعز تصويراً رائعاً، وذكر الرسائل التي بعث بها أباطرة الدولة البيزنطية لاستدرار عطف المعز ومهادنته. ولأول مرة نسمع أن مسلمي جزيرة إقريطش الذين كانوا تحت الحكم العباسي يطلبون النجدة من المعز لحرب الروم. ومن دراستنا للوثائق التي تبودلت بين أهل إقريطش وبين المعز لدين الله نرى ما وصلت إليه الدولة الفاطمية من قوة ونفوذ».
وابن هاني يدرك ذلك ويدرك أن ممدوحه أهل لما علّق عليه من آمال فيقول:
لا تيأسوا فالله منجز وعده
قد آن للظلماء أن تتكشّفا
ولقد كان المعز جديراً بالظرف الحرج الذي وضعته فيه الأيام، فلم يدع الوقت يذهب عبثاً، وأدرك للوهلة الأولى أنه أمام خطر بري وآخر بحري قد يكون هو الأشد. لذلك صرف جهده أول ما صرفه إلى إنشاء أسطول ضخم يتناسب مع المهمة الثقيلة التي تنتظره وهي حماية الشواطىء الأفريقية الشمالية من أي غزو متوقع، وبذل لهذا الأسطول أقصى ما يستطيع بذله حتى أصبح أسطوله سيد البحر المتوسط، وحتى صار مُهَدِّداً للأعداء بعد أن كان الأعداء مهدّدين، وحتى صاروا يخشونه بعد أن كانت البلاد تخشاهم.
وقد كان هذا الأسطول أعظم ما يمكن أن يصل إليه أسطول في ذلك العصر، مجهزاً بأحدث الآلات الحربية والأدوات النارية. فأثار هذا الأسطول حماسة الشاعر ابن هاني الأندلسي ورأى فيه المخرج من الأخطار والحماية من النوازل، وهاج فيه اعتزازه وحميّته، فأنطقه ذلك بقصيدة هي بحق من فرائد الشعر العربي؛ وهي التي يقول فيها:
لك البرّ والبحر العظيم عبابه
فسيّان أغمار تُخاض وبيد
ثم يصف وصول وفود الروم متذلّلة تطلب الصلح، مخاطباً المعز مشيراً إلى ما كان من تغلغل الروم قبل ذلك في بلاد الشام:
فلا غرو إن أعززت دين محمّد
فأنت له دون الأنام عقيد
غضبت له أن ثلّ في الشام عرشه
وعادك من ذكر العواصم عيد
وقلت أناسٍ ذا الدمستق شكره
إذا جاءه بالعفو منك بريد
ناجيك عنه الكتب وهي ضراعة
ويأتيك عنه القول وهو سجود
إذا أنكرت فيها التراجم لفظه
فأدمعه بين السطور شهود
ليالي تقفو الرسل خواضع
ويأتيك من بعد الوفود وفود
ويمضي الأسطول الفاطمي في أداء رسالته، وتجوب قطعه البحر المتوسط متحدّية كل من تحدّثه نفسه بالشرّ، وتعلن سفنه بنفسها عن نفسها، ثم تلتقي على غير موعد بسفن الأعداء، فلا تلبث أن تصطدم بها، ويتهاوى الفريقان في نار الوغى ويتجالدون أعنف جلاد، تحفز الروم ثارات متأصلة وأوتار دفينة، وتحفز العرب أخطار منتظرة وشرور مرتقبة ويتطلع العرب بقلوبهم إلى الوطن العربي العزيز، ويتخيلون ماذا سيحلّ بتلك الأرض الطيبة، إذا هم تزحزحوا عن موقفهم أو تزلزلوا في حربهم فيندفعون مكبّرين، وينطلقون مهللين فتنجلي المعركة عن نصرهم البحري الحاسم في معركة المجاز التي نأخذ شيئاً من وصفها عن ابن الأثير. الذي قال وهو يتحدث عن أحداث سنة 354 هـ: «…ذلك أن أحمد بن الحسن والي المعز على صقلية أرسل يستمدّه فبعث إليه المعز المدد بالعساكر والأموال مع أبيه الحسن. وجاء مدد الروم فنزلوا عبر سهل مسيني وزحفوا إلى رمطة، ومقدم الجيش الفاطمي الحسن ابن عمارة وابن أخي الحسن بن علي. فأحاط الروم بهم وعظم الأمر على المسلمين فاستماتوا وحملوا على الروم وعقروا فرس قائدهم منويل فسقط عن فرسه فقتل هو وجماعة من البطارقة معه وانهزم الروم وتتبّعهم المسلمون بالقتل وامتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى، ثم فتحوا مدينة رمطة عنوة وغنموا ما فيها وركب فلّ الروم من صقلية وجزيرة ريو في الأساطيل ناجين بأنفسهم فاتّبعهم الأمير أحمد وأصحابه في الماء وأحرقوا كثيراً من المراكب التي للروم فغرقت وكثر القتل في الروم فانهزموا لا يلوي أحد على أحد…».ويكون ابن هاني مع قومه بكل شعوره وكل جوارحه، متلهّفاً لمعرفة الخبر الأخير.
ولما بلغ أذنيه نبأ الفوز انطلق مزهواً متغنياً بالبطولات:
يوم عريض بالفخار طويل
لا تنقضي غرر له وحجول
مسحت ثغور الشام أدمعها به
ولقد تبلّ الترب وهي همول
قل للدمستق مورد الجمع الّذي
ما أصدرته له قناً ونصول
سل رهط منويل وأنت غررته
في أيّ معركة ثوى منويل([561])
منع الجنود من القفول رواجعاً
تبّاً له بالمنديات قفول
وبعثت بالأسطول يحمل عدّةً
فأثابنا بالعدّة الأسطول
أدّى إلينا ما جمعت موفّراً
ثم انثنى باليمّ وهو جفول
ومضى يخفّ على الجنائب حمله
ولقد يرى بالجيش وهو ثقيل
لم يتركوا فيها بجعجاع الردى
إلاّ النجيع على النجيع يسيل
نحرت بها العرب الأعاجم إنها
رمح أمقّ ولهذم مصقول
ثم يتحدّث عن المعز في الأبيات التي مرّت، وتتكرر معارك الأسطول وتتكرر انتصاراته فيحرص الشاعر على الإشادة بالأسطول:
وسفن إذا ما خاضت اليمّ زاخراً
جلت عن بياض الصبح وهي غرابيب
تشبّ لها حمراء قانٍ أوارها
سبوح لها ذيل على الماء مسحوب
ثم يشير إلى اعتماد عبد الرحمن الناصر الأموي حاكم الأندلس على الروم، واستنصاره بهم على قومه وبني جنسه الفاطميين الذين كانوا يكافحون الروم كفاحاً مريراً، انضم فيه عبد الرحمن الناصر الأموي إلى الروم فيقول ابن هاني مخاطباً المعز:
لقيت بني مروان جانب ثغرهم
وحظّهم من ذاك خسر وتتبيب
وعار بقوم أن أعدّوا سوابحاً
صفوناً بها عن نصرة الدين تنكيب
وقد عجزوا في ثغرهم عن عدوّهم
بحيث تجول المقربات اليعابيب
وجيشك يعتاد الهرقل بسيفه
ومن دونه السيم الغطامط واللوب
يخضّض هذا الموج حتّى عبابه
إذا التجّ من هام البطاريق مخضوب
وتلتقي جيوش الروم وأساطيلهم بجيوش الفاطميين البرية وأساطيلهم أكثر من مرة، وتقع المعارك البرية والبحرية في أوقات متقاربة، وينتصر الفاطميون وتُحمى بانتصاراتهم ديار الإسلام والعروبة، فيقول ابن هاني مشيراً إلى أن الروم كانوا قبل اليوم سادة البحر المتوسط، تجوب فيه أساطيلهم وتصول بلا رقيب ولا منافس، وإلى أن جيوشهم البرية كانت كذلك:
لو كان للروم علم بالذي لقيت
ما هنئت أمّ بطريق بمولود
ألقى الدمستق بالأعلام حين رأى
ما أنزل الله من نصر وتأييد
فقل له حال من دون الخليج قناً
سمرٌ وأذرع أبطال مناجيد
ثم يخاطب المعز مشيراً إلى ما كان عليه الروم من تسلّط على البحر، ثم ما آل إليه الأمر من سيطرة الأسطول الفاطمي:
ذمّوا قناك وقد ثارت أسنّتها
فما تركن وريداً غير مورود
حميته البرّ والبحر الفضاء معاً
فما يمرّ بباب غير مسدود
قد كانت الروم محذوراً كتائبها
تدني البلاد على شحط وتبعيد
وشاغبوا اليمّ ألفَيْ حجّة كملاً
وهم فوارس قارياته السّود
فاليوم قد طمست فيه مسالكهم
من كلّ لاحب نهج الفلك مقصود
هيهات راعهم في كلّ معترك
ملك الملوك وصنديد الصناديد
وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما المعز لدين الله بعد أن وصفا تحرش عبد الرحمن الناصر الأموي حاكم الأندلس بالفاطميين ثم هزيمته أمامهم: «وكان رد الناصر على جرأة المعز بطيئاً فلم يقدم على الانتقام كما أقدم المعز، بل قام في العام التالي (345 هـ) بمظاهرة بحرية على سواحل أفريقيا وعمل في الوقت نفسه على الاستعانة بالروم فتحالف معهم. حقيقة استغل الأمويون عداء البيزنطيين للفاطميين فاتفق الناصر مع قسطنطين الثامن قبل ذلك الوقت (338 هـ) وعقدت معاهدة بين الفريقين. على أنه لا يبعد أن تكون هذه المعاهدة قد اشتملت على نص يتعلق بموقف كل من هاتين الدولتين من الدولة الفاطمية، بدليل أن الروم قد لبّوا نداء الناصر (الأموي) وعملوا معاً على أن يحصروا الفاطميين: هؤلاء من الغرب وأولئك من الشرق وفي ذلك يقول النعمان في المجالس والمسايرات: «بعد أن كتب (الناصر) إلى طاغية الروم يسأله النصرة وأهدى إليه هدايا وأرسل إليه رسلاً من قبله فأجابه إلى ذلك. وجاءت أساطيل الروم من القسطنطينية ومراكب بني أمية من الأندلس». وقد ذهب ابن عذارى إلى القول بأن الناصر استطاع أن يخرب إحدى موانىء شمالي أفريقيا وأمر بلعن الفاطميين على منابر الأندلس. ومع ذلك فإنه لم يستطع أن يحقق ما كان يرمي إليه، إذ خرج إليهم أهل تلك الناحية فقتلوا منهم بشراً كثيراً وهزموهم، فمات في البحر منهم أكثر ممن قتلوه، وغنموا ما كان معهم من السلاح([562]).
«وكذلك أخفق البيزنطيون في صراعهم مع الفاطميين. وقد صوَّر النعمان في المجالس والمسايرات هذه الحروب بهذه العبارة: وأقبل أسطول الروم فلقي أسطول أمير المؤمنين دون صقلية، ففتح الله لوليه على الروم فهزمهم في البحر وقتل رجاله منهم خلقاً عظيماً وولوا هاربين بين يدي أسطوله إلى مجازرية([563]) ليحموا بلدهم، واتبعهم إلى ما هنالك فلقوه في البحر فهزمهم فنزل عسكر البر بأرضهم فأنكى بالقتل فيهم وأحرق موانئهم وبلغ غاية الأمل من النكاية. وأرسل ملك الروم إلى أمير المؤمنين بأموال عظيمة وهدايا جليلة ورغب في التوقف عمّن بقي من الروم بأرض قلورية على مال قطعه على نفسه يؤديه عنهم، وأسرى من أسارى أهل المشرق يطلقهم في كل عام لمدة يسيرة يسأل الهدنة فيها».
ومضى الكاتبان قائلين:
وهكذا كان مصير ذلك الصراع أن أخفق الناصر الأموي من الناحيتين الحربية والسياسية، ولذلك لجأ، كما تقدّم، إلى الحطّ من شأن الفاطميين في بلاده وسبّهم من فوق المنابر حتى لا تضيع هيبته أمام سلطان المعز ونفوذه. وليس هذا كل ما قام به الخليفة الأموي الناصر في سبيل مناوأة الفاطميين، بل عمل على مهادنة مسيحيي الشمال ومصالحة ملك ليون حتى يتفرغ للصراع مع الفاطميين. ويقول الكاتبان بعد أن يتحدثا عن انتصارات الفاطميين على الروم في صقلية وقلوريا:
وهكذا انتهى الدور الأول من هذه الحروب التي شنها المعز لدين الله على الروم في صقلية وقلورية إلى هذا النصر المؤزر، وزال خطر الروم عن هذه البلاد إلى حين. على أن الأمبراطور قسطنطين لم يقف مكتوف اليدين أمام المعز فاتفق مع عبد الرحمن الناصر الأموي على محاربة الفاطميين في صقلية، على ما رأينا، وعلى مهاجمة أفريقيا نفسها من الشرق في الوقت الذي يهاجمها فيه عبد الرحمن الناصر الأموي من الغرب. ولكن جيوش المعز استطاعت أن تُحبط هذا المشروع الخطر وانتصرت على الروم في البحر الأبيض كما انتصرت على الأمويين. واضطر الأمبراطور البيزنطي إلى طلب الصلح بعد أن حلّت به هذه الهزائم المتتالية.
ثم يقول الكاتبان: وقد بلغ من اهتمام الأمبراطور نقفور فوكاس (352 ـ 359 هـ / 963 ـ 969 م) الذي أراد أن يتشبه بمن سبقه من الأباطرة البيزنطيين في الاتجاه نحو الغرب ليشغل الفاطميين خاصة عن التطلع إلى بلاد المشرق، بلغ من اهتمام هذا الأمبراطور بمحاربة الفاطميين أنه أعد أسطولاً ضخماً ملأه بالمؤن والذخيرة واختار له مشهوري قوّاده وأعدّ جيشاً يقرب من خمسين ألف رجل، مجهّزين بأحسن آلات الحرب وأمرّ عليه رجلين أحدهما مانويل وكان يمتّ إليه بصلة القرابة. وكان الروم يعتقدون أن النصر معقود لهم، ولا عجب فإن صقلية لم يدخلها من قبل جيش بلغت قوته قوة هذا الجيش البيزنطي، على ما ذكره ابن الأثير.
أما جهود المعز لدين الله وأنصاره في صراعهم مع نقفور فوكاس وأنصاره من أهل صقلية فتتجلى في إعداد أحمد بن الحسن الكلبي والي صقلية الأسطول الصقلي، (الفاطمي)، إعداداً كاملاً وفي إعداد جيوشه البرية وتوزيعها على موانىء صقلية الشمالية والشرقية وفي ذلك المدد الذي أمد به المعز واليه على هذه الجزيرة. وقد وصل أسطول الفاطميين إلى الجزيرة في منتصف سنة 353 هـ (964 م).
ثم أطنب الكاتبان في وصف المعارك التي أشرنا إلى بعضها فيما تقدم.
ويقول الكاتبان عن العوامل التي حدت بالفاطميين إلى التقدم إلى بلاد الشام أنّ منها: أن المعز أدرك رغبة الروم في أن يرثوا الدولة العباسية التي دبّ إليها الوهن، فقد عبروا الفرات واستولوا على بعض مدن الشام، فعمل المعز على فتح هذه البلاد ليحول دون تقدم الروم جنوباً.
ثم يقولان: كان ذلك يرجع إلى رغبة الفاطميين بالوقوف في وجه الروم حتى لا تعود بلاد الشرق الأدنى وجميع شمال أفريقيا إلى حوزة الروم. ولا نغالي إذا قلنا إن الروم الذين اتحدوا مع الأمويين في الأندلس وأخفقوا في هجومهم على بلاد المغرب في عهد المعز (سنة 344 هـ)، رأوا أنهم يستطيعون القضاء عليه بفتح بلاد الشام، واتخاذها جسراً يعبرون منه إلى المغرب، وهذا العمل من جانب المعز يدل على بعد نظره في السياسة لأنه يجعله يحرص على نفوذه في بلاد المغرب ومصر، وهو يحول دون تقدم الروم في بلاد الشام.
من وقائع الأسطول الفاطمي
وسجل ابن القلانسي في كتابه ذيل تاريخ دمشق بعض وقائع الفاطميين وبعض ما قامت به أساطيلهم خلال الاحتلال الصليبي لبلاد الشام. قال في أحداث سنة 496 هـ: «في أول شهر رمضان خرجت العساكر المصرية، (الفاطمية)، من مصر والأسطول في البحر مع شرف الدولة ولد الأفضل شاهنشاه وكتب في استدعاء المعونة على الجهاد ونصرة العباد والبلاد بنفاذ العسكر الدمشقي فأجيب إلى ذلك وعاقت عن مسيره أسباب حدثت وصوادف صدفت ووصل أسطول البحر ونزل يافا آخر شوال وأقام أياماً وتفرق الأسطول والعساكر إلى الساحل وكانت الأسعار بها قد ارتفعت والأقوات قد قلّت فصلحت بما وصل مع الأسطول من الغلة ورخص الأسعار إلاّ أن غارات الإفرنج كانت متصلة عليها».
وفي أحداث سنة 501 هـ ذكر ما يلي:
«وفي هذه السنة نهض بغدوين في عسكره المخذول من الإفرنج نحو ثغر صيدا فنزل عليه في البحر والبر ونصب البرج الخشب عليه ووصل الأسطول المصري، (الفاطمي)، للدفاع عنه والحماية له فظهروا على مراكب الجنوبية».
وفي أحداث سنة 502 هـ ذكر ما يلي:
«… وصل عقيب ذلك الأسطول المصري، (الفاطمي)، ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس وتقويتها بالغلة الكثيرة والمال لمدة سنة مع تقوية ما في المملكة المصرية من ثغور الساحل وأهله. ووصل إلى صور في يومه الثامن من فتح طرابلس وقد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها. وأقام بالساحل مدة وفرغت الغلّة في جهاتها…».
وفي أحداث سنة 503 هـ ذكر ما يلي:
«وشرع الإفرنج في عمل البرج ونصبه على سور بيروت فحين نجز وزحفوا به كسر بحجارة المنجنيف وأفسد فشرعوا في عمل غيره، وعمل ابن صنجيل برجاً آخر، ووصل في الوقت من أسطول مصر، (الفاطمي)، في البحر تسعة عشر مركباً حربية فظهروا على مراكب الإفرنج وملكوا بعضها ودخلوا بالمسيرة إلى بيروت فقويت بها نفوس من فيها من الرعية. وأنفذ الملك بغدوين إلى السويدية يستنجد بمن فيها من الجنوية في مراكبهم فوصل منها إلى بيروت أربعون مركباً مشحوناً بالمقاتلة فزحف الإفرنج في البر والبحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال ونصبوا على السور برجين واشتدوا في القتال فقُتل مُقَدّم الأسطول المصري وخلق كثير من المسلمين ولم ير الإفرنج من ما تقدم وتأخر أشدّ من حرب هذا…».
وفي أحداث سنة 546 هـ ذكر ما يلي:
«في هذه الأيام ورد الخبر بوصول الأسطول المصري، (الفاطمي)، إلى ثغور الساحل في غاية من القوة وكثرة العدد والعدة وذكر أن عدّة مراكبه سبعون مركباً حربية مشحونة بالرجال. ولم يخرج مثله في السنين الخالية وقرب من يافا من ثغور الإفرنج فقتلوا وأسروا وأحرقوا ما ظفروا به واستولوا على عدة وافرة من مراكب الروم والإفرنج ثم قصدوا ثغر عكا، وفعلوا فيه مثل ذلك وحصل في أيديهم عدة وافرة من المراكب الحربية الفرنجية وقتلوا من حجاج وغيرهم خلقاً عظيماً وأنفذوا ما أمكن إلى ناحية مصر وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وفعلوا فيها مثل ذلك».
وفي أحداث سنة 548 هـ ذكر ما يلي:
«ووردت الأخبار بوصول أسطول مصر، (الفاطمي)، إلى عسقلان وقويت نفوس من بها بالمال والرجال والغلال وظفروا بعدة وافرة من مراكب الإفرنج في البحر وهم على حالهم في محاصرتها ومضايقتها والزحف بالبرج إليها».
إلى غير ذلك من الأحداث التي يتعذر تعدادها.
الشعر في معارك الظفر
ابن هاني الأندلسي شاعر الفاطميين
من حسن حظ الأدب العربي أنْ قد رافق معارك الظفر التي قادها المعز لدين الله الفاطمي شاعر عبقري هو محمد بن هاني الأندلسي الذي بلغ من تفاخر مواطنيه به، سواء في منبته بالأندلس أو في مهجره بشمال أفريقيا، أن سموه متنبي المغرب.
ولقد رأينا فيما تقدم نموذجاً من شعر ابن هاني في وصف الأسطول، وكل قصائده في وصف المعارك لا سيما البحرية منها على هذا النسق المتألق المتوثب، حتى لقد كان جديراً بأن يحمل اسم متنبي المغرب. والموضوع الذي حلق فيه متنبي المشرق هو الموضوع الذي حلق فيه متنبي المغرب، وهو المعارك الظافرة والبطولة العربية الهادرة.
ومن المؤسف أن الحياة لم تطل بابن هاني. فقد اغتيل وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين، وكان اغتياله وهو يهم باللحاق بالمعز إلى القاهرة. ولقد خسر الشعر العربي خسارة كبرى بموت ابن هاني قبل أن يصل إلى مصر، فلو وصلها ورافق المعز في حياته المصرية وما حفلت به من أمجاد لترك تراثاً شعرياً رائعاً.
وربما كان ما يجعل ابن هاني جديراً بهذا اللقب هو أن مواضيع مدح ابن هاني للمعز هي عين مواضيع مدح المتنبي لسيف الدولة. فقد كانت ظروف كلا الممدوحين متشابهة، وكان كلاهما مندفعاً لمقاومة الخطر الخارجي المهدد للبلاد الإسلامية يومذاك بل إن مسؤولية المعز كانت أكبر، فهو مسؤول عن جبهة طويلة ممتدة على مدى شواطىء أفريقيا الشمالية كلها، ثم هو مسؤول عن الجزر الإسلامية المهددة وفي طليعتها جزيرة صقلية.
ولم يكن الوضع الإسلامي والوضع العربي يومذاك مما يقوي العزائم ويشحذ الهمم، بل كان شمل العرب والمسلمين ممزقاً واختلافاتهم مشتدة لا الهدف يجمعهم ولا الخطر يوحدهم.
كان الأجنبي الطامع يعرف ذلك كله، وكانت نار الانتقام متأججة في نفوس البيزنطيين (الروم) الذين لم ينسهم تطاول الأيام ذكريات هزائمهم الماضية عن بلاد الشام وغيرها، وكانوا يحنون للعودة إليها من جديد. بل إن نقفور فوقاس الثاني كان يهدد بالاستيلاء حتى على المدينة ومكة واستطاع تحقيق الكثير من أمانيه وفي ذلك يقول ابن هاني:
أسفي على الأحرار قل حفاظهم
لو كان يُجدي الحر أن يتأسفا
يا ويلكم أفما لكم من صارخ
إلاّ بثغر ضاع أو دين عفا
حتى لقد رجفت ديار ربيعة
وتزلزلت أرض العراق تخوفا
فمدينة من بعد أخرى تُستبى
وطريقة من بعد أخرى تقتفى
والشام قد أودى وأودى أهله
إلا قليلاً والحجاز على شفا
هذه صرخة وطني مناضل يرى بلاده تتساقط أمام ضربات الأعداء، ويرى قومه مُتخاذلين، هذه صرخة وطني مناضل أكثر منها نغمة شاعر مدّاح.
والواقع أن المعز لدين الله كان في ذلك العهد أمل العرب والمسلمين وكانوا يتطلعون إليه من كل مكان، حتى من الأرض البعيدة عنه غير الخاضعة لسلطانه. فعندما شعرت مثلاً جزيرة إقريطش (كريت) بالخطر الداهم، ولاحت لها طلائع الغزو مطلة من بعيد كان همها أن تُوصل نداءها إلى الرجل المأمول. ويُحدّثنا الدكتور حسن إبراهيم حسن وهو يتحدث عن كتاب المجالس والمسايرات للنعمان فيقول: «وعرض النعمان غير مرة لعلاقة المعز بالدولة البيزنطية فأوضح اعتماد حاكم الأندلس عبد الرحمن الناصري الأموي على الروم في صراعه مع الفاطميين، وصوّر ما حلّ بالروم وحلفائهم أمام أساطيل المعز تصويراً رائعاً، وذكر الرسائل التي بعث بها أباطرة الدولة البيزنطية لاستدرار عطف المعز ومهادنته. ولأول مرة نسمع أن مسلمي جزيرة إقريطش، (كريت)، الذين كانوا تحت الحكم العباسي يطلبون النجدة من المعز لحرب الروم. ومن دراستنا للوثائق التي تبودلت بين أهل إقريطش وبين المعز لدين الله نرى ما وصلت إليه الدولة الفاطمية من قوة ونفوذ».
وابن هاني يدرك ذلك ويدرك أن ممدوحه أهل لما عُلِّق عليه من آمال فيقول:
لا تيأسوا فاللّه منجز وعده
قد آن للظلماء أن تتكشّفا
لقد كان المعز جديراً بالظرف الحرج الذي وضعته فيه الأيام، فلم يدع الوقت يذهب عبثاً، وأدرك للوهلة الأولى أنه أمام خطر بري وآخر بحري قد يكون هو الأشد. لذلك صرف جهده أول ما صرفه إلى إنشاء أسطول ضخم يتناسب مع المهمة الثقيلة التي تنتظره وهي حماية الشواطىء الإفريقية الشمالية من أيّ غزو متوقع، وبذل لهذا الأسطول أقصى ما يستطيع بذله حتى أصبح أسطوله سيّد البحر المتوسط، وحتى صار مهدِّداً للأعداء بعد أن كان الأعداء هم المهدِّدين، وحتى صاروا يخشونه بعد أن كانت البلاد تخشاهم.
وقد كان هذا الأسطول أعظم ما يمكن أن يصل إليه أسطول في ذلك العصر، مجهزاً بأحداث الآلات الحربية والأدوات النارية. فأثار هذا الأسطول حماسة الشاعر ورأى فيه المخرج من الأخطار والحماية من النوازل، وهاج فيه اعتزازه وحميّته، فأنطقه ذلك بقصيدة هي بحقّ من فرائد الشعر العربي:
لك البرّ والبحر والعظيم عبابه
فسيّان أغمار تخاض وبيد
وما راع ملك الروم إلاّ اطّلاعها
تنشّر أعلام لها وبنود
عليها غمام مكفهرّ صبيره
له بارقات جمّة ورعود
مواخر في طامي العباب كأنّه
لعزمك بأس أو لكفّك جود
أنافت بها أعلامها وسما لها
بناء على غير العراء مشيد
من الراسيات الشمّ لولا انتقالها
فمنها قنان شمّخ وريود
من الطير إلاّ أنّهنّ جوارح
فليس لها إلاّ النفوس مصيد
من القادحات النار تضرم للصلى
فليس لها يوم اللقاء خمود
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج
كما شبّ من نار الجحيم وقود
فأنفاسهنّ الحاميات صواعق
وأفواههنّ الزافرات حديد
لها شعل فوق الغمار كأنّها
دماء تلقّتها ملاحف سود
تعانق موج البحر حتّى كأنه
سليط لها فيه الذبال عتيد
ثم يصف وصول وفود الروم متذللة تطلب الصلح، مخاطباً المعز مشيراً إلى ما كان من تغلغل الروم قبل ذلك في بلاد الشام في الأبيات التي تقدمت في بحث سابق.
ويمضي الأسطول الفاطمي في أداء رسالته، وتجوب قطعه البحر المتوسط متحدّية كل من تحدثه نفسه بالشر، ويتهاوى الفريقان في نار الوغى ويتجالدون أعنف جلاد، تحفز الروم ثارات متأصلة وأوتار دفينة… وتحفز العرب أخطار منتظرة وشرور مرتقبة ويتطلع العرب بقلوبهم إلى الوطن العربي العزيز، ويتخيلون ماذا سيحل بتلك الأرض الطيبة، إذا هم تزحزحوا عن موقفهم أو تزلزلوا في حربهم فيندفعون مكبّرين، وينطلقون مهللين، فتنجلي المعركة عن نصرهم البحري الحاسم في معركة المجاز. ويكون الشاعر معهم بكل شعوره وكل جوارحه، متلهّفاً لمعرفة الخبر الأخير ولما يبلغ أذنيه نبأ الفوز ينطلق مزهواً بالبطولات:
يوم عريض بالفخار طويل
لا تنقضي غرر له وحجول([564])
لقد انهارت الدولة الحمدانية بعد سيف الدولة فتمهد الطريق أمام البيزنطيين ليتقدموا في شمال بلاد الشام، ويحتلوا فيه المدن، ويبسطوا سيادتهم على أجزاء منه كما سيطروا على كيليكيا، بل لقد غزوا شمال العراق وعبروا نهر دجلة. ولم يكن باستطاعة الفاطميين الأقوياء أن يعملوا شيئاً على الجبهة المشرقية، لأن بينهم وبينها أماداً واسعة لا سلطة لهم عليها. ثم إذا بهم على أبواب المشرق ثم يصبحون جزءاً منه، وإذا بهم وجهاً لوجه مع البيزنطيين في المشرق كما هم معهم في المغرب، فجعلوا همهم الأول استرجاع ما استولى عليه البيزنطيون من المدن الشامية. وحاولوا أول الأمر إجلاء البيزنطيين عن أنطاكية التي كان قد استولى عليها نقفور فوكاس سنة 358 هـ، ولكن القوى البيزنطية كانت أكثر كثافة مما قدّرت مُخابرات الفاطميين وكانت تفوق قواتهم عُدداً وأعداداً، فإن البيزنطيين عرفوا خطورة سقوط أنطاكية، فضلاً عن أنها مدينة البطاركة والقديسين، لذلك اعتبرت منافسة بيزنطية من الناحية الدينية. لهذا حشدوا للدفاع عنها قوى لم تكن في تقدير الفاطميين، ففشل الجيش الفاطمي في استردادها، واغتنم الأمبراطور البيزنطي حنا زيمسكس هذا الفشل وتقدم بجيوشه سنة 975 م من أنطاكية إلى حمص ومنها إلى بعلبك، وخافت دمشق مغبة مقاومته فخضعت ودفعت له الجزية، كما سلّمت له طبريا وقيسارية، وكان مصمماً على الوصول إلى القدس، وهكذا يكون هذا الأمبراطور البيزنطي ثاني من يفكر من أباطرة بيزنطية، في استرجاع القدس من المسلمين، بعد المفكر الأول نقفور فوكاس الثاني، وهكذا تكون بيزنطية قد سبقت الصليبيين في التخطيط للنفاذ إلى القدس.
ويبدو جلياً من استعراض الأحداث أن الفاطميين أدركوا نية حنا زيمسكس وصمدوا له، فتراجع عن محاولة الوصول إلى القدس بعد أن وصل إلى مدينة قيسارية في فلسطين. فاضطر إلى تحويل هدفه فاتجه إلى الساحل اللبناني مغتنماً فرصة حشد الجيوش الفاطمية في طريق القدس، فاستطاع الاستيلاء على صيدا وبيروت، ثم اتجه إلى طرابلس.
لم يفغل الفاطميون عن نيات الأمبراطور البيزنطي، فأسرعوا لصدّه عن طرابلس والوقوف في طريق زحفه إليها، وعضدوا جيشهم البري المدافع عنها بأسطولهم البحري، واستطاعوا إلحاق الهزيمة بالبيزنطيين ورد حنا زيمسكس عن طرابلس وملاحقته حتى أخلى بيروت وصيدا وكل ما استولى عليه من مدن الساحل اللبناني. وظلت الضربات الفاطمية تلاحقه حتى ردته إلى أنطاكيا.
ولما حاق به الفشل عاد آيباً إلى القسطنطينية مقهوراً حيث توفي في أوائل سنة 976 م.
في مواجهة البيزنطيين
إذا كان العاهل البيزنطي هرقل قد وقف بعد معركة اليرموك وما تلاها، على قمّة من قمم طوروس وتطلع إلى سوريا التي تمزّقت فيها جيوشه، وتنهد تنهد الأسيف وقال: وداعاً يا سوريا، وداعاً لا لقاء بعده…
إذا كان هرقل قد أيس من العودة إلى سوريا، فإن الذين تلوه بعد ذلك بقرون لم ييأسوا من ذلك وظلوا متشبثين به هدفاً لا سيما بعد أن انفرط نظام الدولة الكبرى، دولة أعدائهم، وعادت دولاً مقسّمة تتنازع وتتقاتل، في حين كانوا هم قد تقووا واستفحل أمر بعضهم استفحالاً رأى فيه نفسه جديراً بالعودة إلى سوريا تحت رايات الظفر المؤزر.
فقد جاء قسطنطين ليكابينوس، ثم تلاه الأخوان، برداس فوكاس أولاً ثم نقفور فوكاس، وكل من هؤلاء الثلاثة كان يجمع، إلى المطامح البعيدة، القوّة التي يرتكز عليها لتحقيق هذه المطامح، وفي رأس هذه المطامح أعظمها، أعني العودة إلى بلاد الشام، (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن)، واسترداد السيادة البيزنطية عليها.
ولكن تشاء المقادير أن تخلق من ذلك التمزق العربي كتلتين، تتماسك كل منهما تماسكاً محكماً، ويقود كلاًّ منهما قائد يجمع، إلى الإخلاص، الكفاءة التي تعوز مواجهة المطامح البيزنطية.
فقد قامت في شمال أفريقيا دولة الفاطميين، وقضت هناك على الكيانات الانفصالية وجمعتها كلها في كيان واحد متلاحم. كما قامت في الوقت نفسه في شمال بلاد الشام دولة الحمدانيين، وضمت إليها ما استطاعت ضمه من الأشلاء ومضت تشق طريقها شجاعة طمّاحة.
فوقت كان يتعاقب على حكم بيزنطية مَنْ عَدَدْناهم من قبل، ووقت كان قسطنطين ليكابينوس يُعربد مُهدّداً متوعداً، كان على رأس الدولة الحمدانية سيف الدولة، لا ينتظر تقدم عدوه إليه، بل يتحداه في عقر داره.
ثم يأتي برداس فوكاس ويقود الجيوش مقتحماً الأرض العربية على سيف الدولة، ويصمد له سيف الدولة فلا ينال برداس منه منالاً، بل يفقد في كل معركة العدد الخطير من جيشه وقواده، حتى يحيق به المصير الرهيب في معركة مرعش سنة 332 هـ (953 م) فيُجرح في وجهه ويقع ابنه قسطنطين أسيراً فيمن يقع من الأسرى.
ويكبر الأمر على برداس ويبلغ به الحزن مداه على أسر ولده، فلا يجد ملاذاً لخيبته وأحزانه إلاّ الترهب ودخول الدير.
ويأتي شقيقه نقفور فوكاس الثاني وهو أشرس الثلاثة وأعتاهم، وقد كانت مطامحه متوازية مع شراسته وعتوه. وقد سبق له قبل توليه الملك أن قهر العرب حين كان قائداً عاماً للقوات البيزنطية البرية والبحرية في الجبهة الغربية، فانتزع منهم جزيرة كريت سنة 350 هـ (961 م).ثم ازداد طموحاً وثقةً بالنفس بعد أن تولى المُلْك سنة 352 هـ (963 م) بتزوجه من ثيوفانو أرملة الأمبراطور رومانوس وإعلان نفسه أمبراطوراً. كان شعاره الوصول إلى القدس، فلقد تقدم وفتح طرطوس وخطب من على منبرها قائلاً إن هذه البلدة هي التي كانت تعوقه عن الوصول إلى القدس.
يقول الدكتور حسن حبشي في كتابه الحروب الصليبية، وهو يتحدث عن الغزوات البيزنطية لبلاد الشام:
«وامتد النفوذ البيزنطي عام 975 م (365 هـ) على طول البلاد الشامية فدفعت له حمص الجزية واستسلمت بعلبك، وأراق الأفتكين صاحب دمشق ماء وجهه إبقاء على ولايته».
إلى أن يقول الدكتور حبشي في الحديث عن الفتح البيزنطي:
«على أن موجة الفتح، (البيزنطي)، على حساب البلدان والإمارات الإسلامية لم تلبث أن توقفت منذ أواخر القرن العاشر واصطدمت بقوة الفاطميين الذين أمدّوا الإسلام بدم جديد وعنصر قوي يتدفق حياة ويتطلع للفتح…».
لقد اتجهت سياسة الفاطميين، بعد أن امتدّ نفوذهم إلى مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358 هـ (969 م)، إلى استعادة المدن التي استولى عليها البيزنطيون في شمال الشام.
وظل البيزنطيون ينتهزون الفرص للنيل من الفاطميين، فلما خرج أهل صور على طاعة الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي سنة 388 هـ بزعامة رجل ملاح يعرف بعلاّقة، اتخذ عملة جديدة، نقش عليها هذه العبارة: «عزّاً بعد فاقة، للأمير علاقة»، أرسل برجوان الذي كان يلي وقتذاك الوصاية على هذا الخليفة، حملة كبيرة إلى صور فتصدى علاّقة في بادىء الأمر لصدّها، واستنجد بالأمبراطور باسيل الثاني فبعث إليه بإمدادات في البحر. ورأى برجوان من ناحيته أن ينفذ إلى مياه صور بعض سفن الأسطول الفاطمي. فحوصرت المدينة من البر والبحر، ونشبت بين الفريقين معارك شديدة انتهى الأمر فيها بتسليم المدينة المحاصرة وسقوطها في أيدي القوات الفاطمية وهزيمة البيزنطيين وحليفهم الأمير علاّقة الذي أُسر وأُرسل إلى القاهرة حيث قتل.
الخيانة أوصلت الصليبيين إلى القدس
يحدثنا ابن الأثير في تاريخه (ج 10 ص 276، طبعة 1966) عن زحف كربوقا([565]) أمير الموصل لإنقاذ أنطاكية كما يلي:
«جمع العساكر وسار إلى الشام وأقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام، تُرْكُها وعربها سوى من كان بحلب. فاجتمع معه دُقاق بن تتش وطغتكين أتابك، وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان تاش صاحب سنجار وسليمان بن أرتق وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم، فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم.
وسار المسلمون فنازلوا أنطاكية، وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة.
وأقام الفرنج بأنطاكيا بعد أن ملكوها ثاني عشر يوماً ليس ما يأكلونه، وتقوّت الأقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان([566]) ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون إلاّ بالسيف. وكان معهم من الملوك: بردويل وصنجل وكُندفري والقُمْص صاحب الرها وبيمُنت صاحب أنطاكيا، وهو المُقَدّم عليهم.
وكان معهم راهب مُطاع فيهم، وكان داهية من الرجال، فقال لهم: إن المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقيسان الذي بأنطاكيا، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق.
وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع ومعهم عامتهم والصنّاع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفلر، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة وستة، ونحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن نقف على الباب فنقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن وهم متفرقون سهل، فقال: لا تفعلوا أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم، ولم يمكّن من معاجلتهم. فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم.
فلما تكامل خروج الفرنج، ولم يبق بأنطاكيا أحد منهم، ضربوا مصافاً عظيماً، فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولاً من الاستهانة بهم والإعراض عنهم، وثانياً من منعهم من قتل الفرنج. وتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سليمان بن أرتق. وجناح الدولة لأنهما كانا في الكمين وانهزم كربوقا معهم.
فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال يُنهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم، وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلباً للشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفاً، وغنموا ما في المعسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم».
وعندما ينهي ابن الأثير كلامه هذا يشير إلى أن ما أتاحه تصرف كربوقا وخيانة القادة الآخرين هي التي رسّخت عزم الصليبيين على الزحف إلى القدس بعدما عراهم من اليأس والانخذال، فيقول:
«لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرّة النعمان».
كان ابن الأثير واضحاً في تحميل كربوقا والقواد الآخرين مسؤولية نجاح الصليبيين في اختراق بلاد الشام والوصول إلى القدس مع اختلاف نوع المسؤولية بين كربوقا وبين بقية الأمراء والقواد.
لقد استطاع كربوقا أن يجيّش الجيوش الإسلامية ويجمع جموعها من الموصل حتى بلاد الشام، وأن يحرك العرب والأتراك وكل من هو في طريقه الطويل من شمال العراق حتى شمال الشام، وفي هذا المدى الواسع من القوى البشرية ما تتألف منه جيوش جرارة، وهذا ما كان، وما أكده ابن الأثير في عباراته الصريحة.
وهذا ما أدركه الصليبيون الذين كانوا يعانون الوهن وقلّة الأقوات ـ كما يقول ابن الأثير ـ بعد تلك الرحلة الطويلة التي بدؤوها من قلب أوروبا وصولاً إلى أنطاكيا.
ومما زاد في وهنهم وانخذالهم ما عانوه في حصارهم لأنطاكيا، حتى عادوا وكأنهم المُحاصَرون لا المُحاصِرون. وقد كانت المجاعة قد حلّت بهم لانعدام موارد القوت فيهم، فلم يجدوا سبيلاً لاتقاء الجوع سوى التحول إلى عصابات تحاول نهب القرى والمزارع، ولكن أهل هذه القرى والمزارع عرفوا كيف يصدونهم ويفتكون بهم، فدب اليأس فيهم، وبدأوا يتسللون من جيشهم هاربين. وحين نعلم أنه كان في طليعة الهاربين الرجل الأول في الدعوة إلى إشعال الحرب الصليبية، وبطل جمع جموعها وتحريض الجماهير على الانضمام إلى جيوشها، أعني بطرس الناسك…
وحين نعلم أن الفرار من الجيش الصليبي الجائع الواهن قد تعدّى العامة إلى القادة ففر أمثال ستيفن كونت بلوا…
حين نعلم ذلك، ندرك إلى أي مدى كان الصليبيون يائسين منخذلين واهنين جائعين وهم حول أنطاكية. محاصرين لها.
ولولا خيانة خائن كان داخل أنطاكيا لعجز الصليبيون عن دخول أنطاكيا.
لقد دخلوها على وهنهم وجوعهم، وظلوا على هذا الوهن والجوع وهم داخلها، لأن أسباب الوهن والجوع كانت لا تزال قائمة، فلا مصادر للقوت تقيهم الجوع وتدفع عنهم الوهن.
وصلت حملة كربوقا إلى أنطاكية والصليبيون على تلك الحال، ووصلتهم أخبار عن ضخامة الجيوش التي أخذت تُحاصرهم لذلك قرروا الاستسلام ـ كما ينص على ذلك ابن الأثير…
وهذا يعني أن الحملة الصليبية قد فشلت وأن جيوشها وقوادها قد قرروا الاستسلام، وأن القدس التي كانت هدفهم قد سلمت، وانتهى أمرهم، ولم تعد تقوم لهم قائمة.
فماذا غيّر ذلك كله، وماذا أحال وهنهم إلى قوة وجوعهم إلى شبع. وماذا غيرهم من موقف طالب استسلام إلى المهاجم المنتصر؟
إن ابن الأثير يفصل لنا ذلك بعبارات مقتضبة، فهو يقول:
«… ولما سمعت الفرنج (بقدوم الجيوش الإسلامية الكثيفة) عظمت عليهم المصيبة وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم».
ثم يسترسل ابن الأثير قائلاً:
«وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبّر عليهم ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال وعزموا على إسلامه عند المصدوقة».
عوضاً عن أن تبعث كثرة الجند وضخامة الجيش في نفس كربوقا التواضع للّه على أن وفقه لقيادة مثل هذه القوة الكبرى، وعوضاً عن أن يحمد الأمراء على استجابتهم لدعوته ويتألفهم ويتواضع لهم، عوضاً عن ذلك، عاد إلى طبيعته فرأى في تلك الحشود الإسلامية مجرد أتباع له، وفي أولئك الأمراء مجرد مأمورين له، فازدهاه ذلك فتكبر وتجبّر وعامل الأمراء بمهانة أحفظتهم وغيّرت نواياهم لا عليه وحده، بل على الموقف كله، فانقلبوا من متحفزين لنصرة الإسلام، إلى ناوين خيانة الإسلام.
ثم يصف بعد ذلك استئنافهم الزحف ووصولهم إلى معرّة النعمان([567]).
فالأمر يلخص كما ذكر ابن الأثير كما يلي:
1 ـ كان الصليبيون داخل أنطاكيا في منتهى الوهن والجوع.
2 ـ قرروا الاستسلام بلسان قيادتهم الموجودة كلها في داخل أنطاكيا.
3 ـ رفض كربوقا استسلامهم وقرر دخول أنطاكيا بالسيف.
4 ـ بدأوا بالتسلل من أنطاكيا فرأى المسلمون مقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتهم تدريجياً، وبالفعل بدأ ذلك المسلمون فقتلوا كل من خرج، فرفض ذلك كربوقا وجاء بنفسه يمنع المسلمين من هذا.
5 ـ كان كربوقا قد أساء معاملة الأمراء المنضمين إليه وعاملهم بمهانة.
6 ـ حقد هؤلاء الأمراء عليه وقرروا عدم القتال والانهزام من المعركة عند أول مواجهة مع العدو.
7 ـ أصرّ كربوقا على منع جمهور المقاتلين معه من تصيد الأعداء وهم شراذم مما أغضب هذا الجمهور فقرروا ما قرره الأمراء من الانهزام دون قتال.
8 ـ وجدت جماعة في الجيش الإسلامي رفضت ذلك فقررت الاستشهاد تقرباً إلى الله.
فأول ما يطال كربوقا من المسؤولية في ذلك هو تنفيره قلوب الأمراء منه والاستعلاء عليهم؛
وثاني ما يطاله ـ وهو الأخطر في الأمر ـ هو رفضه استسلام الصليبيين بلا قتال؛
وثالث ما يطاله ـ وهو ما لا يقل خطورة عن الثاني ـ هو رفضه طلب جمهور المقاتلين عدم السماح للصليبيين بالتجمع كتلة واحدة ومقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتها.
فلماذا فعل كربوقا ذلك؟
يصعب علينا اتهام كربوقا بالخيانة، فإننا هنا لا ننسبها إليه، فتصرفاته كلها منذ أخذ يجيش الجيوش حتى وصوله إلى أنطاكيا تدل على الإخلاص والعزم على محاربة الصليبيين.
ولكننا لا نتردد أبداً باتهامه بالأنانية وحب الذات وتغليبهما على كل شيء، مهما تعارض هذا الشيء مع المصلحة العامة.
إن أنانيته وحبه لذاته جعلاه يحتقر الأمراء الذين استجابوا لدعوته، ويحاول بذلك إثبات أنه هو وحده السيد المطلق الآمر الناهي، وأن هؤلاء الأمراء مجرد أتباع لا شأن لهم.
وإن أنانيته وحبه لذاته وحرصه على مجده الشخصي جعلته يرفض استسلام الصليبيين بأمان بلا قتال وخروجهم من أنطاكيا ورجوعهم إلى بلادهم.
لأنه ـ وقد أيقن بوهنهم وحلول المجاعة فيهم ـ اعتقد أنه سيخوض معهم معركة سهلة يكون هو بطلها المنتصر، واستسلامهم بلا قتال سيحرمه من التباهي بالانتصار عليهم في معركة حاسمة.
وكذلك القول في منعه جمهور المقاتلين المسلمين من تصيد الصليبيين أفراداً وشراذم وهزيمتهم بهذه الطريقة فإن ذلك سيحرمه من المجد الشخصي والتفاخر بالانتصار.
وهكذا فإن الأنانية وحب الذات وطلب المجد الشخصي عند كربوقا وخيانة الأمراء وجمهور المقاتلين قد حالت بين المسلمين وبين إنهاء الحروب الصليبية عند أنطاكيا، وعرضتهم لما عرضتهم من فجائع دخول الصليبيين للقدس فاتحين واستمرار الاحتلال الصليبي لبلاد الشام مئتي سنة، وما اقتضى ذلك من إذلال وسفك دماء.
وهذا في رأينا وفي رأي جميع المنصفين لا يقل جريمة في كربوقا عن تعمّد الخيانة.
أما أولئك الأمراء، وأما جمهور المقاتلين، فإنهم جمعوا إلى الصفات الذميمة التي كانت لكربوقا، جمعوا إليها الخيانة الصريحة…
هذا كله يتناساه مزيفو التاريخ ويتجاهلونه، ويفتشون عن بريء يتهمونه وبطل يخوّنونه.
وهذا ما نأسف أن يتمسك به في هذا العصر من يقولون إنهم أكاديميون وحملة دكتوراه وأساتذة جامعيون!
هذه الخيانة الصريحة التي حمل وزرها هؤلاء القوم وجللتهم بعارها، عرف من عرف أن خزيها سيلاحقهم أبد الدهر، لذلك عمدوا لتغطية هذا الخزي إلى حبك الأضاليل وإلصاقها بغيرهم، وتداولوا ذلك جيلاً بعد جيل حتى هذا الجيل وإليك بعض الأمثلة والشواهد:
هل كانت الخلافة الفاطمية
قائمة عند دخول الصليبيين؟
من بين المصادر التي أعود إليها في الحديث عن الصليبيين كتاب ماهية الحروب الصليبية للدكتور قاسم عبده قاسم. إنه يقول عند الحديث عن سقوط أنطاكيا ما هذا نصه: «وفي تلك الأثناء كانت تجري تغيرات هامة في الجانب الإسلامي إذ كانت الخلافة الفاطمية في مصر أفاقت من الصدمة التي سببتها الهجمات السلجوقية الأولى على أملاكها في بلاد الشام، ومن ناحية أخرى ظنّ الفاطميون أن بوسعهم الإفادة من الهجوم الصليبي. وكان صاحب السلطة الفعلية الأفضل بن بدر الجمالي وزيراً للخليفة الفاطمي المستعلي، وقد أرسل سفارة لمفاوضة الصليبيين، وهم أمام أنطاكيا، على اقتسام بلاد الشام ولم تثمر هذه المحاولة شيئاً».
وهذا القول هو بعض ما يقوله المفترون لا كلّه وهو من أخفّ ما يقولون، فما من أحد كتب في هذا الموضوع إلاّ وحاول الدس والافتراء والبهتان.
ونحن نقول للدكتور قاسم، ولمن سبقه ولمن سيلحق به، هذا القول الموجز: هل كان هناك خلافة فاطمية قائمة عندما وصل الصليبيون إلى أنطاكيا، ثم دخلوها؟
إن الدكتور قاسم نفسه يجيب على هذا السؤال. إنه هو القائل فيما تقدم من كلامه: «كان صاحب السلطة الفعلية الأفضل بن بدر الجمالي وزيراً للخليفة الفاطمي المستعلي، وقد أرسل سفارة لمفاوضة الصليبيين، وهم أمام أنطاكيا، على اقتسام بلاد الشام».
إذاً باعتراف الدكتور قاسم أنه لم يكن للخليفة الفاطمي أية سلطة وأن صاحب السلطة الفعلية هو المتغلب الأفضل بن بدر الجمالي لا الخليفة المستعلي، وأن الأفضل هو الذي أرسل السفارة. إذاً لماذا حشر كلمة الخلافة الفاطمية في مفتتح القول وكلمة الفاطميين في ختامه؟
فإن كان هناك من مسؤولية فهي تقع على صاحب السلطة الفعلية مرسل السفارة، لا على الخليفة الفاطمي سجين قصره والمجرّد من أية سلطة، على أن انتهاء سلطة الخلفاء الفاطميين كان قبل المستعلي، كان في أواخر عهد أبيه المستنصر. وإن من أفظع ما جاء في كلام الدكتور قاسم هو زعمه أن السفارة كانت لمفاوضة الصليبيين على اقتسام بلاد الشام.
هؤلاء الناس لا يخشون الله ولا الضمير، ولا الأخلاق، ولا شرف الكلمة، فيوغلون مدفوعين بعصبياتهم وأحقادهم السوداء، يوغلون في الافتراء والتزوير فيختلقون ما طاب لهم الاختلاق، طمساً للحق وإظهاراً للباطل!!
هكذا لخّص الدكتور قاسم مهمة السفارة: «مفاوضة الصليبيين لاقتسام بلاد الشام»، هكذا لخصها، وجعل نفسه مسجّلاً لمحاضر المفاوضات، وناطقاً باسم المتفاوضين معلناً أن المحاولة لم تثمر!!
هكذا وبكل بساطة قال ما قال، مدوناً في كتابه هذا الكلام الخطير، دون أن يقول لنا من أي مصدر استقاه، وعلى أي شيء اعتمد في هذا القول!! هذا إذا صح أنه كانت هناك سفارة، وهو ما لم يثبت.
إن المصدر الوحيد هو عصبيته…
عند مداهمة الخطر الصليبي للعالم الإسلامي، لم تكن هناك خلافة فاطمية في مصر، بل كان المسيطرون على الحكم هم من تغلّبوا على الخلفاء وحجبوهم داخل قصورهم لا يملكون من الأمر شيئاً حتى في شؤونهم الخاصة.
لقد انتهت سلطة الفاطميين على مصر قبل وصول الصليبيين إلى أطراف العالم الإسلامي لا سيما بلاد الشام بربع قرن.
فإن بدراً الجمالي أنهى سلطة الخليفة الفاطمي المستنصر وسيطر على الدولة سنة 466 هـ وكان ابتداء وصول الصليبيين سنة 490 هـ، وسقطت أنطاكيا في أيديهم سنة 491 هـ.
ويقول ابن الأثير عن سيطرة بدر: «فلما كانت سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش وقتل الدكز والوزير وابن كدية وجماعة من المسلميّة وتمكّن من الدولة إلى أن مات، وولي ابنه الأفضل»، (الصفحة 87 من الجزء العاشر طبعة دار صادر ودار بيروت سنة 1966).
ويقول عن موته في أحداث سنة 487 هـ: «توفي أمير الجيوش بدر الجمالي صاحب الجيش بمصر وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر والمرجوع إليه».
ثم يقول: «ثم مضى أمير الجيوش إلى مصر وتقدم بها وصار صاحب الأمر»، (الصفحة 235 من الجزء العاشر، طبعة دار صادر ودار بيروت، سنة 1966). على أن بدراً الجمالي لم يكتف بإنهاء سلطة الخلافة الفاطمية والسيطرة على البلاد سيطرة كاملة تنتهي بموته، بل تعدّى الأمر إلى ما يمكن أن نُسمّيه إنشاء أسرة مالكة جديدة إذا لم تحمل اسم الخلافة لاستحالة ذلك عليها، فقد كان لها جميع مظاهر وحقائق الأسرة المالكة من سلطة مطلقة وإقامة ولاية عهد. فحين مات بدر الجمالي تولى بعده ابنه وولي عهده الأفضل الملقّب شاهنشاه.
والمقريزي، حين يتحدث عنه في خططه، يقرّ هذه الحقيقة فيقول في ذلك: «فاستناب ولده شاهنشاه وجعله ولي عهده»، (الصفحة 382 من طبعة مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ).
ولنلاحظ تلقيبه باللقب الملكي شاهنشاه، وتسميته ولي عهد. ثم يواصل المقريزي الحديث عنه قائلاً: «وقد تحكّم في مصر تحكّم الملوك ولم يبق للمستنصر معه أمر واستبدّ بالأمور».
ويقول: «وهو أول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر». ويقول عن إنهاء سلطة المستنصر والخلافة الفاطمية وقيام السلطة الجديدة سلطة بدر الجمالي: «وكان من قدوم أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة ست وستين وأربعمائة، وقيامه بسلطة مصر ما ذكر في ترجمته عند ذكر أبواب القاهرة، فلم يزل المستنصر مدة أمير الجيوش ملجماً عن التصرف إلى أن مات سنة سبع وثمانين».
ثم يقول عن الأفضل بن بدر الجمالي: «فلما مات المستنصر أقام الأفضل بن أمير الجيوش الخلافة من بعده ابنه المستعلي بالله أبا القاسم أحمد»، (الصفحة 356 من الجزء الأول ولم يذكر تاريخ الطبع، نشر مكتبة الثقافة الدينية). ويقول في الصفحة 423: «لما مات المستنصر بادر الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي إلى القصر وأجلس أبا القاسم أحمد بن المستنصر في منصب الخلافة ولقبه بالمستعلي بالله»، (هو أصغر أخوته نزار وعبد الله وإسماعيل).
وهكذا نرى أن الأفضل بن بدر الجمالي هو الذي اختار الخليفة وأقامه مقام أبيه، لأنه هو الحاكم المسيطر.
وإذا كان بدر وابنه الأفضل لم يعلنا إلغاء الخلافة نظرياً في حين أنهما ألغياها عملياً، فلأنهما كانا يريدان غطاء شرعياً لحكمهما يبرران به تسلطهما، وكان وجود الخليفة الشكلي هو الغطاء المطلوب.
ثم يقول المقريزي: «ولم يكن للمستعلي مع الأفضل أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة»، (الصفحة 357 من الجزء نفسه). وفي عهد المستعلي، هذا الذي لم يكن له أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، تقدم الصليبيون إلى البلاد الإسلامية واحتلوا القدس.
وكان صاحب الأمر والنهي ونفوذ الكلمة هو الأفضل. إذاً فلماذا تنسب أحداث تلك الفترة إلى الفاطميين وخلافتهم؟
إنها يجب أن تنسب إلى أصحاب الأمر والنهي ونفوذ الكلمة، وهم غير الفاطميين. ونكرر هنا ما قلناه من أننا لا نقول هذا لأننا نرى في تصرف الأفضل تقصيراً وضعفاً، أو شيئاً مما يؤاخذ عليه في موقفه من الصليبيين.
بل على العكس من ذلك نرى أنه قام بكل ما يستطيع القيام به في دفع الصليبيين عن الوطن الإسلامي. ووقف في وجههم بحزم وصلابة. فحاول أول الأمر دفعهم سلماً، بالمفاوضات كما نقول اليوم، ولما لم ينجح في ذلك قاتلتهم جيوشه أشد قتال وظلّت تقاتل دفاعاً عن القدس سبعة أسابيع. وإذا كان الصليبيون قد تغلّبوا عليها فقد تغلّبوا على غيرها ممن هم أقوى منها.
أما الوسائل السلمية التي حاولها بدر الجمالي بعد سقوط أنطاكيا وظهور الخطر الصليبي على أقوى صورة، وتهديد هذا الخطر للقدس وما في الطريق إليها من بلاد، أما هذه الوسائل فقد أوضحها الدكتور محمد جمال الدين سرور في كتابه النفوذ الفاطمي في بلاد الشام والعراق، (الصفحة 67).
قال الدكتور سرور: «لما وصل إلى الحكومة الفاطمية([568]) في مصر نبأ هجوم الصليبيين على أنطاكيا رأت أن تبذل جهدها لمنع زحفهم على بيت المقدس، فأنفذ الوزير الأفضل بن بدر الجمالي سنة 492 هـ (1098 م) سفارة إلى الصليبيين للتفاوض في عقد اتفاق معهم يتضمن أن يتفرّدوا بأنطاكيا وأن تستقل مصر ببيت المقدس على أن يسمح للصليبيين بزيارة الأماكن المقدسة بفلسطين وتكون لهم الحرية في أداء شعائرهم الدينية على أن لا تزيد مدة إقامتهم بها عن شهر واحد، وألا يدخلوها بسيوفهم».
ومن هذا يتبين أنّ الأفضل بن بدر الجمالي لما رأى سقوط أنطاكيا وانهزام قوى كربوقا، أيقن أنّه لم يبق في طريق الصليبيين قوى إسلامية تستطيع التغلب عليهم والحؤول بينهم وبين الوصول إلى القدس، فحاول أن يقنعهم بالوقوف عند أنطاكيا على أن تكون لهم حرية زيارة القدس أفراداً غير مسلحين، وأن يغادرها من يزورها منهم في مدة أقصاها شهر.
وأحسب أن هذا أقصى ما كان يستطيع أن يفعله الأفضل من أجل القدس يومذاك، فأين هو موضع التجريح بهذا الرجل([569])؟
ومع افتراض وجود السفارة نقول: إنه لما فشلت محاولته السلمية لإيقاف الصليبيين عند أنطاكيا استعد لحربهم، مع علمه بقوتهم وضعف قوته أمام حشودهم اللجبة، فقام واليه على القدس بتسميم الآبار وطمّ القنوات لئلا يستفيدوا من مائها، وأخرج النصارى من المدينة وعهد بحراسة الأسواق إلى جماعة من العرب والسودان. ويقول الدكتور حسن حبشي في كتابه الحروب الصليبية فيما يقول عن جيش الأفضل بن بدر الجمالي المدافع عن القدس: «وأدرك الصليبيون أنهم واجهوا هذه المرة خصماً يرى أن في ضياع بيت المقدس ضياعاً لهيبته السياسية وانتهاكاً لحرماته الدينية».
ثم يصف الدفاع البطولي عن القدس قائلاً: «شرع الصليبيون في الهجوم مساء الأربعاء 13 يوليو 1099 م (492 هـ) ووجدوا من الحاميات الإسلامية دفاعاً قوياً رغم ما استعدوا به من آلات الحصار والأبراج المتحركة، وأخذت حامية المدينة ترميهم بالنار الإغريقية». واستمرّت المعارك على هذا المنوال العنيف سبعة أسابيع من 7 يونيو إلى 15 يوليو 1099 م.
ويقول ن.م. ستون في الفصل الثالث من تاريخ الحروب الصليبية الجزء الأول، على ما نقل يوسف أيبش في كتابه عن صلاح الدين بعنوان «الخلافة العربية»، يقول عن بدر الجمالي بعد أن سلّم أتسز دمشق إلى الأمير السلجوقي تتش:
«وتجنب بدر منذ ذلك الحين الدخول في أي نزاع مع السلطة السلجوقية وكرّس نفسه لإعادة تنظيم مصر واسترجاع ازدهارها. فقد قامت الخلافة الفاطمية([570]) طيلة قرن آخر، وذلك بفضل حكومته الحازمة والمنتظمة، وحكم ابنه الأفضل شاهنشاه الذي جاء بعده. والحق يقال إن إنجازه كان أكثر جدارة بالملاحظة. فالمبادىء العامة التي أعاد تنظيم الإدارة على أساسها كانت متصورة على نحو سليم إلى درجة أنها بقيت سارية المفعول على امتداد قرون رغم الحروب والتغيرات في السلالات الحاكمة. وكانت السمة الأكثر لفتاً للنظر في نظامه هي الجمع بين الحكومة العسكرية والإدارة المدنية. فلم يعد الخلفاء الفاطميون منذ هذا الوقت فصاعداً أو أنهم لم يكونوا إلاّ لفترات نادرة وقصيرة بمثابة الحكّام الفعليين للبلاد. فقد قبعت مقاليد السلطة الحاكمة بيد الدكتاتور العسكري المدعو بالوزير، أو السلطان في أوقات لاحقة، يدعمه جيش يتقاضى قادته أجورهم من الإقطاعات العسكرية. غير أنه بالرغم من بقاء الحكومة العسكرية على رأس الحكم فقد أنشئت إدارة مدنية قوية وبسطت هذه الإدارة سيطرتها على التنظيم المالي برمته، ومن الجملة على دفع أجور العساكر، كما ضبطت توزيع الإقطاعات.
«وقلما تقل عن ذلك جدارة بالملاحظة تلك الثورة التي أحدثها بدر الجمالي وابنه في سياسة مصر الخارجية. فسواء تقبلا الحقيقة القائلة بأن الدولة السلجوقية قضت على كافة أحلام التوسيع الإقليمي أم لا، فإن العمل العسكري الوحيد الذي قاما به خارج مصر كان استرجاع قواعدها البحرية في عكا وصور وغيرها من الموانىء (1089 م) وإقامة رأس جسر دفاعي في فلسطين. ولدى اقتراب الصليبيين أعيد تحصين صور وصيدا مثلما الاستيلاء على القدس مجدداً في سنة 1098 م من الزعماء التركمان الأرتقيين الذين تولوها كإقطاعية سلجوقية.
«أما افتراض القائل بأن الأفضل حاول التفاوض مع الصليبيين على تقسيم سورية فتدحضه الحقيقة القائلة إن مبعوثي الفرنجة الذين ذهبوا إلى القاهرة في تلك السنة قد ألقي بهم في السجن». (انتهى ما جاء في تاريخ الحروب الصليبية).
وبعد سقوط القدس واصل الأفضل قتالهم، وقاد حملة لاسترداد القدس في رمضان سنة 492 هـ (1099 م) وصل بها إلى عسقلان، فلما بلغت أخبارها إلى جودفري في القدس أرسل على عجل رسولاً إلى تنكريد الذي كان في نابلس يستدعيه هو والقوات التي معه للمشاركة في دفع الخطر الداهم، كما استدعى بقية الأمراء الذين ساهموا في فتح بيت المقدس، يطلب إليهم الانضمام إليه للدفاع عن القبر المقدس هذه المرة، ولم يتخلف منهم أحد، على الرغم مما كان قائماً بينهم من خلاف يومذاك. وهكذا وحد الخطر بين جميع القوى الصليبية فتحشّدت بأقصى ما تستطيع من تحشد ففشلت معركة استرداد القدس في تفاصيل ليس هنا مكان الخوض فيها.
لم يستسلم الأفضل بعد سقوط القدس للأمر الواقع، كما رأينا، بل ظل يقاتل الصليبيين ما وسعه القتال.
يقول المقريزي في خططه وهو يتحدث عن الأفضل: «وفي اثنتين وتسعين ملك الفرنج الرملة وبيت المقدس فخرج الأفضل بالعساكر وسار إلى عسقلان، فسار إليه الفرنج فقاتلوه وقتلوا كثيراً من أصحابه وغنموا منه شيئاً كثيراً وحصروه فنجا بنفسه في البحر وسار إلى القاهرة».
ويقول المقريزي أيضاً: «وفي سنة أربع وتسعين خرج عسكر مصر لقتال الفرنج وكانت بينهما حروب كثيرة».
ويقول ابن الأثير، (ج 10، ص 394، طبعة 1966): «سيّر الأفضل ولده شرف المعالي في السنة الحالية إلى الإفرنج فقهرهم وأخذ الرملة منهم».
ويقول المقريزي في خططه (ج 1، ص 443): «وكوتب الأفضل بن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج فاهتم للتوجه إليهم، فلم يبق ممكناً من مال وسلاح وخيل ورجال واستناب أخاه المظفر أبا محمد جعفر بن أمير الجيوش بين يدي الخليفة مكانه وقصد استنقاذ الساحل من يد الفرنج فوصل إلى عسقلان وزحف عليها بذلك العسكر ولكن الحملة لم تنجح».
وقال المقريزي أيضاً: (ج 1، ص 480): «وذكر تجهيز العساكر في البر عند ورود كتب صاحبي دمشق وحلب في سنة سبع عشر وخمسمائة ما يحث على غزو الفرنج ومسيرها مع حسام الملك؛ وركب الخليفة الآمر بأحكام الله وتوجه إلى الجامع بالمقس وجلس بالمنظرة في أعلاه واستدعى مقدم الأسطول الثاني وخلع عليه وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدد والآلات والأسلحة».
وقال المقريزي، (ج 1، ص 212): «قال ابن المأمون البطائحي في حوادث سنة تسع وخمسمائة: ووصلت النجابون من والي الشرقية تخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى أعمال الفرما، فسيّر الأفضل بن أمير الجيوش للوقت إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين بها ويسير الراجل من العطوفية وأن يسير الوالي بنفسه بعد أن يتقدم إلى العربان بأسرهم بأن يكونوا في الطوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم في الليل قبل وصول العساكر إليهم فاعتمد ذلك، ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشي. فلما تواصلت العساكر وتقدمها العربان وطاردوا الفرنج وعلم بغدوين ملك الفرنج أن العساكر متواصلة إليه وتحقق أن الإقامة لا تمكنه أمر أصحابه بالنهب والتخريب والإحراق وهدم المساجد، فأحرق جامعها ومساجدها وجميع البلد وعزم على الرحيل…» إلى أن يقول: «وأما العساكر الإسلامية فإنهم شنّوا الغارات على بلاد العدو وعادوا بعد أن خيّموا على ظاهر عسقلان»… ثم يقول: «وتواصلت الغارات على بلاد العدو وأسروا وقتلوا…».
وهذا ما يدلّ على أن الأفضل لم يهدأ، ولم يترك الصليبيين يهدؤون بل ظل يغير عليهم ويقاتلهم فكانت بينه وبينهم حروب كثيرة، على حد تعبير المقريزي.
وإذا كانت القوى الصليبية المتدفقة من أوروبا هي أكثف وأقوى مما استطاع الأفضل حشده، وإذا كان لقوى الصليبيين إمداد دائم من الخارج، وليس للأفضل أي إمداد من العالم الإسلامي الواسع، فذلك ليس ذنب الأفضل بن بدر الجمالي.
وبالرغم من أن من جاؤوا بعد الفاطميين طمسوا كل ما يستطيعون طمسه من مآثر تلك العهود، وما قيل فيها من الشعر والنثر، فقد أمكن أن يصل إلينا بعض ما خلّده الشعراء من مآثر الأفضل بن بدر الجمالي في جهاده للصليبيين([571])؛ فمن ذلك قصيدة للشاعر أمية بن أبي الصلت يشير فيها إلى انصراف البلاد الإسلامية الأخرى عن مواجهة الخطر الصليبي، واقتصار تلك المواجهة على الأفضل وجيشه. وفيها يقول مخاطباً الأفضل:
جرّدت للدين والأسياف مغمدة
سيفاً تفلّ به الأحداث والغير
ثم يشير إلى فشل حملة استعادة القدس:
وإن هم نكصوا يوماً فلا عجب
قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر
العود أحمد والأيّام ضامنة
عقبى النجاح ووعد اللّه ينتظر
استمرار نضال الفاطميين للصليبيين
بعد زوال الجماليين
يقول ابن القلانسي عن الوزير الفاطمي طلائع بن رزّيك: بعد الصالح طلائع بن رزيك خاتم الوزراء الفاطميين الأقوياء، وآخر دعامة في الدولة المتداعية.
يقول ابن القلانسي هذا القول لأن الدولة كانت تمشي إلى نهايتها وكان آخر من يمثل القوة فيها طلائع بن رزيك.
كما كان آخر الوزراء الفاطميين الذين حاولوا التصدي للصليبيين. فابتداء من عام (550 هـ/ 1155 م) أخذ يرسل الأسطول والجيش إلى صور لمحاربتهم. (المقريزي ج 1، ص 236).
وفي عام (552 هـ/ 1157 م) أرسل الحملات العسكرية البرية والبحرية لمهاجمة الأملاك الصليبية، حيث تمكّنت جيوشه من مهاجمة غزة وعسقلان وبيروت والشوبك وعكا، وكرَّر المحاولة في (نهاية شهر محرم عام 553 هـ/ 1158 م) فأرسل جيشاً إلى غزة بقيادة الأمير ضرغام، اصطدم بقوة صليبية عند تل العجول وتغلَّب عليها ثم تابع تقدمه في الأراضي الصليبية حتى وصل إلى بيت المقدس، وأرسل في الوقت نفسه أسطولاً بحرياً هاجم بيروت واستاق عدداً من الأسرى. وتكمن أهمية هذه الحملة في أنها:
ساعدت على تخفيف الضغط عن المناطق الإسلامية الشمالية في ظل تعرّضها لهجمات بلدوين الثالث.
وأتاحت للجيش الفاطمي التوغّل بعيداً في أراضي مملكة بيت المقدس، في غارات متلاحقة([572]).
والواقع أن العمليات العسكرية التي قام بها الفاطميون اتّسمت بالكرِّ والفرِّ دون التمكُّن من طرد الصليبيين من المناطق التي احتلوها. ونتيجة لذلك أدرك طلائع أن مصر لا تستطيع بمفردها مواجهة مملكة بيت المقدس، فاستعاد التقليد الذي بدأه من قبله ابن السّلار فأرسل أسامة بن منقذ إلى نور الدين محمود يطلب منه توحيد جهودهما([573]).
وتأكيداً لحسن نيته، أرسل طلائع في (شهر رمضان/ شهر تشرين الأول) هدية إلى نور الدين محمود حملها محمود المسترشدي تتضمَّن أنواعاً من الأسلحة وغيرها بقيمة ثلاثين ألف دينار، وسبعين ألفاً عيناً، عوناً له على قتال الصليبيين، وسُرَّ نور الدين محمود بهذا التقارب مع الفاطميين([574]).
وقد تنبَّه بلدوين الثالث إلى خطورة هذا التحالف على أوضاع مملكته فحاول عرقلته. فأرسل في عام (554 هـ/ 1159 م) رسولاً إلى القاهرة، ومعه هدية لطلب الهدنة. ولكن طلائع رفض طلب الملك الصليبي وآثر الاستمرار في مساندة نور الدين محمود وكان من الطبيعي أن تتعاون الدولتان الإسلاميتان في دمشق والقاهرة في مواجهة الصليبيين.
ولكن نور الدين فضّل التآمر على الدولة الفاطمية بدلاً من التعاون معها على الصليبيين فكان منه ما كان.
في الوقت الذي ولي فيه الصالح طلائع ابن رزيك الوزارة في مصر كان الصليبيون في عنفوان قوتهم وقد تسلّطوا على الأرض الإسلامية، فأعدّ الصالح طلائع نفسه لقتالهم وتجنّد لمجاهدتهم كما مرّ إليهم من كان بها من الإفرنج. يقول أبو شامة في كتاب «الروضتين»: «وخرج إليهم من كان بها من الفرنج فأظهر الله تعالى المسلمين عليهم قتلاً وأسراً بحيث لم يفلت منهم إلا اليسير وغنموا ما ظفروا به وعادوا سالمين ظافرين». ويبدو أن معركة بحرية حصلت أيضاً في نفس الوقت ظفر فيها. ويذكر صاحب كتاب «الروضتين» القصيدة التي أرسلها الصالح طلائع إلى أسامة بن منقذ الذي كان قريباً من نور الدين في بلاد الشام يذكر له وقائعه مع الصليبيين ويطلب إليه تحريض نور الدين على مهاجمة الصليبيين، كما أرسل عدة قصائد في نفس الموضوع.
ويعلق ناشر كتاب (الروضتين) ومحققه الدكتور محمد حلمي أحمد مدرس التاريخ الإسلامي في كلية دار العلوم في القاهرة على نشر ابن أبي شامة لهذه القصائد بقوله:
يسوق أبو شامة في هذه الصفحة وفي الصفحات التالية مجموعة من القصائد المتبادلة بين الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر وأسامة بن منقذ الذي كان عندئذ على صلة بنور الدين تيسر له القيام بمهمة إيجاد نوع من التحالف بين مصر الفاطمية الشيعية والشام العباسية ضد الفرنج. وتدل هذه الأشعار وبخاصة ما كتبه الصالح بن رزيك منها على المحاولات المتكررة التي بذلها هذا الوزير في محاولة تحسين علاقته ممثلاً لمصر بنور الدين سلطان الشام في سبيل مقاومة العدو المشترك. فهذه الأشعار إذن ليست واردة هنا على أنها مجرد أمر أدبي فني جميل أعجب به أبو شامة وإنما اقتبسها مؤرخنا لتصور مراحل التطورات السياسية في علاقة مصر بالشام.
هذا ما علّق به الدكتور أحمد. ثم يقول أبو شامة مشيراً إلى الواقعة التي انتصر فيها الفاطميون على الصليبيين: وأرسل إلى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ من مصر وزيرها الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك قصيدة يشرح فيها حال هذه الغزاة ويحرض فيها نور الدين على قتال المشركين، ويذكر بما منَّ الله تعالى عليه من العافية والسلامة من المرض.
فمما جاء في تلك القصيدة (*)([575]):
ألا هكذا في اللّه تمضي العزائم
وتنضى لدى الحرب السيوف الصوارم
ويستنزل الأعداء من طود عزهم
وليس سوى سمر الرماح سلالم
وتغزى جيوش الكفر في عقر دارها
ويوطى حماها والأنوف رواغم
ويوفي الكرام الناذرون بنذرهم
وإن بذلت فيها النفوس الكرائم
نذرنا مسير الجيش في صفر، فما
مضى نصفه حتى انثنى وهو غانم
بعثناه من مصر إلى الشام قاطعاً
مفاوز وخد العيس فيهن دائم
فما هاله بُعْدُ الديار، ولا ثنى
عزيمته جهد الظما والسمائم
يهجر والعصفور في قعر وكره
ويسري إلى الأعداء والليل نائم
يباري خيولاً ما تزال كأنها
إذا ما هي انقضت نسور قشاعم
يسير بها الضرغام في كل مأزق
وما يصحب الضرغام إلا الضراغم
ورفقته عين الزمان، وحاتم
ويحيى، وإن لاقى المنية حاتم
وواجههم جمع الفرنج بحملة
تهون على الشجعان فيها الهزائم
فلقوهم زرق الأسنة، وانطووا
عليهم، فلم ينجم من الكفر ناجم
وما زالت الحرب العوان أشدها
إذا ما تلاقى العسكر المتضاجم
يشبههم من لاح جمعهم له
بلجة بحر موجها متلاطم
وعادوا إلى سل السيوف، فقطعت
رؤوس، وحزت للفرنج غلاصم
فلم ينج منهم يومذاك مخبر
ولا قيل هذا وحده اليوم سالم
نقتلهم بالرأي طوراً، وتارة
تدوسهم منا المذاكي الصلادم
فقولوا لنور الدين، لا فل حده
ولا حكمت فيه الليالي الغواشم
تجهز إلى أرض العدو ولا تهن
وتظهر فتوراً إن مضت منك حارم
فما مثلها تبدي احتفالاً به، ولا
يعض عليها للملوك الأباهم
فعندك من ألطاف ربك ما به
علمنا يقيناً إنه بك راحم
أعادك حياً بعد أو زعم الورى
بأنك قد لاقيت ما لاقاه حاتم
بوقت أصاب الأرض ما قد أصابها
وحلّت بها تلك الدواهي العظائم
وخيم جيش الكفر في أرض شيزر
فسيقت سبايا واستحلّت محارم
وقد كان تاريخ الشآم وهلكه
ومن يحتويه أنه لك عادم
فقم، واشكر الله الكريم بنهضة
إليهم، فشكر الله للخلق لازم
فنحن على ما قد عهدت، نروعهم
ونحلف جهداً، أننا لا نسالم
وغاراتنا ليست تفتر عنهم
وليس ينجي القوم منا الهزائم
فأسطولنا أضعاف ما كان سائراً
إليهم، فلا حصن لهم منه عاصم
ونرجو بأن يجتاح باقيهم به
وتحوى الأسارى منهم والغنائم
ومما كتب إليه أيضاً محرضاً لنور الدين:
يا سيداً يسمو بهمته
إلى الرتب العليه
فينال منها حين يحرم
غيره أوفى مزيه
أنت الصديق وإن بعد
ت، وصاحب الشيم الرضيه
تنبيك أن جيوشنا
فعلت فعال الجاهليه
سارت إلى الأعداء من
أبطالها مئتا سريه
فتغير هذي بكرة
وتعاود الأخرى عشيه
فالويل منها للفرنج
فقد لقوا جهد البليه
جاءت رؤوسهم تلو
ح على رؤوس السمهريه
وقلائع قد قسمت
بين الجنود على السويه
وخلائق كسرت من الأ
سرى تقاد إلى المنيه
فانهض فقد أنبيت مجد
الدين بالحال الجليه
ولأمم بنور الدين واعلمـ
ـه بهاتيك القضيه
فهو الذي ما زال يخلـ
ـص منه أفعالاً ونيه
ويبيد جمع الكفر بالبيـ
ـض الرقاق المشرفيه
فعساه ينهض نهضة
يفني بها تلك البقيه
إما لنصرة دينه
أو ملكه، أو للحميه
وكتب إليه أيضاً:
أيها المفتدى، لأنت على البعـ
ـد صديق لنا، ونعم الصديق
ليس فيما تأتيه من بر أفعا
لك للطالب الحقوق عقوق
فلهذا نرى مواصلة الكتب
تباعاً إليك مما يليق
ونناجيك بالمهمات، إذ أنـ
ـت بإلقائها إليك خليق
وأهم المهم أمر جهاد الـ
ـكفر فاسمع فعندنا التحقيق
واصلتهم منا السرايا، فأشجا
هم بكور منا لهم وطروق
وأباحت ديارهم، فأباد الـ
ـقوم قتل ملازم وحريق
وانتظرنا بزحفنا برء نور الد
ين، علماً منا بأن سيفيق
وهو الآن في أمان من اللّه،
وما يعتريه أمر يعوق
لما هذا المهم مثلك مجد الدين
فانهض به فأنت حقيق
قل له، لا عداه رأي، ولا زا
ل له بكل خير طريق
أنت في حسم داء طاغية الكفـ
ـار ذاك المرجو والمرموق
فاغتنم بالجهاد أجرك كي تلـ
ـقى رفيقاً له ونعم الرفيق
فأجابه أسامة بقصيدة منها:
يا أمير الجيوش ما زال للإسلا
م والدين منك ركن وثيق
أسمعت دعوة الجهاد، فلبا
ها مليك بالمكرمات خليق
ملك عادل أنار به الديـ
ـن، فعم الإسلام منه الشروق
ما له عن جهاده الكفر، والعد
ل، وفعل الخيرات شغل يعوق
هو مثل الحسام، صدر صقيل
لين مسه، وحد ذليق
ذو أناة يخالها الغر إهما
لاً، وفيها حتف الأعادي المحيق
فأسلما للإسلام كهفين ما طر
ز ثوب الظلام برق خفوق
وكتب الصالح إليه أيضاً:
قل لابن منقذ الذي
قد حاز في الفضل الكمالا
فلذاك قد أضحى الأنا
م على مكارمه عيالا
كم قد بعثنا نحوك الأ
شعار مسرعة عجالا
وصددت عنها حين را
مت من محاسنك الوصالا
هلاّ بذلت لنا مقا
لاً، حين لم تبذل فعالا
مع أننا نوليك صبـ
ـراً في المودة، واحتمالاً
ونبثك الأخبار إن
أضحت قصاراً أو طوالا
سارت سرايانا لقصـ
ـد الشام تعتسف الرمالا
تزجي إلى الأعداء جر
د الخيل اتباعاً توالى
تمضي خفافاً للمغار
بها، وتأتينا ثقالا
حتى لقد رام الأعا
دي من ديارهم ارتحالا
وعلى الوعيرة معشر
لم يعهدوا فيها القتالا
لما نأت عمن يحف
بها يميناً أو شمالاً
نهضت إليها خيلنا
من مصر تحتمل الرجالا
والبيض لامعة، وبيـ
ـض الهند، والأسل النهالا
فغدت كأن لم يعهدوا
في أرضها حياً حلالا
هذا وفي تل العجا
ل ملآن بالقتلى التلالا
إذ مر (مري) ليس يلـ
ـوي نحو رفقته اشتغالا
واستاق عسكرنا له
أهلاً يحبهم ومالا
وسرية ابن فرنج الطا
ئي طال بها وصالا
سارت إلى أرض الخليلـ
ـل، فلم تدع فيها خلالا
فلو أن نور الدين يجعـ
ـل فعلنا فيهم مئالا
ويسير الأجناد جهـ
ـراً، كي ينازلهم نزالا
ووفى لنا، ولأهل دو
لته، بما قد كان نالا
لرأيت للإفرنج طراً في
معاقلها اعتقالا
وتجهزوا للسير نحو
الغرب أو قصدوا الشمالا
وإذا أبى إلا أطرا
حاً للنصيحة واعتزالا
عدنا بتسليم الأمو
ر لحكم خالقنا تعالى
فأجاب ابن منقذ بقصيدة منها:
يا أشرف الوزراء أخلا
قاً، وأكرمهم فعالا
نبهت عبداً طالما
نبّهته قدراً وحالا
وعتبته، فأنلته
فخراً، وحمداً، لن ينالا
لكن ذاك العتب يشعـ
ـل في جوانبه اشتعالا
أسفاً لجد مال عنـ
ـه إلى مساءته ومالا
أما السرايا حين تر
جع بعد خفتها ثقالا
فكذاك عاد وفود با
بك مثقلين ثناً ومالا
ومسيرها في كل أر
ض تبتغي فيها المجالا
فكذاك فضلك مثل عد
لك في الدنا سارا وجالا
فاسلم لنا حتى نرى
لك في بني الدنيا مثالا
واشدد يديك بنو
ر الدين والق به الرجالا
فهو المحامي عن بلا
د الشام جمعاً أن تذالا
ومبيد أملاك الفرنـ
ـج وجمعهم حالاً فحالا
ملك يتيه الدهر والد
نيا بدولته اختيالا
جمع الخلال الصالحا
ت فلم يدع منها خلالا
فإذا بدا للناظرين
رأت عيونهم الكمالا
فبقيتما للمسلمين
حمى وللدنيا جمالا
وكتب إليه الصالح من قصيدة:
ولعمري أن المناصح في الد
ين على اللّه أجره محسوب
وجهاد العدو بالفعل والقو
ل على كل مسلم مكتوب
ولك الرتبة العلية في الأمر
ين مذ كنت إذ تشب الحروب
أنت فيها الشجاع، مالك في الطعـ
ـن ولا في الضرب يوماً ضريب
وإذا ما حرّضت، فالشاعر المفلـ
ـق فيما يقوله، والخطيب
وإذا ما أشرت فالحزم لا ينـ
ـكر أن التدبير منك نصيب
لك رأي يقظان إن ضعف الرأ
ي، على حاملي الصليب صليب
فانهض الآن مسرعاً فبآمثا
لك ما زال يدرك المطلوب
ألقِ منا رسالة عند نور الد
ين ما في إلقائها ما يريب
قل له، دام ملكه، وعليه
من لباب الإقبال برد قشيب
أيها العادل الذي هو للد
ين شباب، وللحروب شبيب
والذي لم يزل قديماً عن الإسلا
م بالعزم منه تجلى الكروب
وغدا منه للفرنج، إذا لا
قوه، يوم من الزمان عصيب
إن يرم نزف حقدهم فلأشطا
ن قناه في كل قلب قليب
غيرنا من يقول ما ليس يمضيه
بفعل وغيرك المكذوب
قد كتبنا إليك ما وضح الآ
ن، بماذا عن الكتاب تجيب
قصدنا، أن يكون منا ومنكم
أجل في مسيرنا مضروب
فلدينا من العساكر ما ضا
ق بأدناهم الفضاء الرحيب
وعلينا أن يستهل على الشا
م مكان الغيوث مال صبيب
أو تراها مثل العروس، ثراها
كله من دم العدا مخضوب
لطنين السيوف من فلق الصبـ
ـح على هام أهلها تطريب
ولجمع الحشود من كل حصن
سلب مهمل لهم ونهوب
وبحول الإله ذاك، ومن غا
لب ربي فإنه مغلوب
وكتب إليه أيضاً:
أيها السائر المجدّ إلى الشا
م، تبارى ركابه والخيول
خذ على بلدة بها دار مجد
الدين، لا ريع ربعها المأهول
وتعرف أخباره، وأقره منـ
ـا، سلاماً فيه العتاب يجول
قل له: أنت نعم ذخر الصديق الـ
ـيوم، لكنك الصديق الملول
ما ظننا بأن حالك في القر
ب، ولا البعد بالملال يحول
لا كتاب، ولا جواب، ولا قو
ل به لليقين منا حصول
غير أنّا نواصل الكتب إذا أقصـ
ـر منك البر الكريم الوصول
ذاكرين الفتح الذي فتح اللّـ
ـه، علينا، فالفضل منه جميل
جاءنا بعدما ذكرناه في كتـ
ـب أتاكم بهن منا رسول
إن بعض الأسطول نال من الإفر
نج ما لا يناله التأميل
سار في قلة، وما زال باللّه
وصدق النيات ينمى القليل
وبقايا الأسطول ليس له بعد
إلى جانب الشآم وصول
فحوى من عكا وانطرسوس
عدّة لم يحط بها التحصيل
جمع ديوية، بهم كانت الإ
فرنج تسطو على الورى وتصول
قيد في وسطهم مقدمهم، يهد
ى إلينا، وجيده مغلول
بعد مثوى جماعة هلكوا بالسيف
منها الغريق والمغلول
هذه نعمة الإله، وتعد
يد أيادي الإله شيء يطول
بلغوا قولنا إلى الملك العا
دل، فهو المرجو والمأمول
قل له: كم تماطل الدين في الكفا
ر، فاحذر أن يغضب الممطول
سر إلى القدس، واحتسب ذاك في
اللّه، فبالسير منك يشفى الغليل
وإذا ما أبطا مسيرك، فاللّه
إذاً حسبنا ونعم الوكيل
فأجابه أسامة بقصيدة منها:
يا أمير الجيوش، يا أعدل الحكّا
م في فعله وفي ما يقول
أنت حليت بالمكارم أهل العصر
حتى تعرف المجهول
وقسمت الفرنج بالغزو شطر
ين: فهذا عان: وهذا قتيل
بالغ العبد في النيابة والتحر
يض، وهو المفوّه المقبول
فرأى من عزيمة الغزو ما كاد
لأرض والجبال تميل
وإذا عاقت المقادير فاللّه
إذاً حسبنا ونعم الوكيل
وكتب الصالح إليه جواباً قصيدته الطائية التي أوّلها:
هي البدر، لكن الثريا لها قرطُ
ومن أنجم الجوزاء في نحرها سمطُ
ثم قال بعد وصف السيوف:
ذخرنا سطاها للفرنج، لأنها
بهم دون أهل الأرض أجدر أن تسطو
وقد كاتبوا في الصلح، لكن جوابهم
بحضرتنا ما تكتب الخط لا الخطُّ
سطور خيول لا تغب ديارهم
لها بالمواضي والقنا الشكل والنقط
إذا أرسلت فرعاً من النقع فاحماً
أثيثاً، فأسنان الرماح لها مشطُ
رددنا به ابن الفنش عنا، وإنما
يثبته في سرجه الشد والربطَّ
فقولوا لنور الدين: ليس لخائف
الجراحات إلا الكيّ في الطب والبطُّ
وحسم أصول الداء أولى بعاقل
لبيب إذا استولى على المدنف الخلط
فدع عنك ميلاً للفرنج وهدنة
بها أبداً يخطى سواهم ولم يخطوا
تأمل، فكم شرط شرطت عليهم
قديماً، وكم غدر به نقض الشرطُ
وشمر فإنّا قد أعنا بكل ما
سألت، وجهزنا الجيوش ولن يبطوا
لم يستجب نور الدين محمود لدعوة طلائع بن رزَّيك لتحالف القوتين على الصليبيين، لأنه كان يخطط للقضاء على القوة الفاطمية التي كان لا يزال فيها بقية تقاوم وتجالد وتصمد، فلم يسرع لتلبية نداء طلائع، بل تربّص وأعرض منتظراً فرصة مؤاتية يستطيع فيها الانقضاض على الصليبيين متعاوناً مع الفاطميين، بل الانقضاض على الفاطميين!.
وقد كنا كتبنا رداً على أحد الكتاب له مساس كامل بهذا الموضوع، ونحن الآن نرى أن نأخذه بتمامه هنا، فإن الزيادة التي فيه ليست في حقيقتها زيادة عن الموضوع:
الذي أوقع الأستاذ عصام محفوظ في الارتباك الذي وقع فيه وهو يكتب عن السهروردي وصلاح الدين، والذي جعله يحار في الجمع فيما حسبه متناقضات في سيرة صلاح الدين ـ الذي فعل ذلك بقلم الأستاذ عصام هو أنه اعتمد في سيرة صلاح الدين على خيال الروائيين، وأقلام المغرضين المداجين، ولم يتسنّ له الاطلاع على حقائق التاريخ في مصادرها الصحيحة. فحار، وهو المخلص الباحث عن الحقيقة، في تعليل الأحداث المتناقضة، حين أنه لا مجال للحيرة، ولا مكان للتناقض، فالأحداث كلها متّسقة، وكلها منطلقة من منبع واحد لا مكان فيه للاعتدال والتسامح.
أبدأ ببيان الحقائق لا بالتسلسل الذي سار عليه الأستاذ عصام، بل من وسط ذاك التسلسل لا من أوله، لأن هذا الوسط هو الذي يرتكز عليه الكثير من الأمور التي اعتمدها كاتبنا وبنى عليها استنتاجاته، فإذا انهار انهارت معه كل الاستنتاجات وكل الأوهام وكل التناقضات.
يقول الأستاذ عصام فيما يقول، مدللاً على تسامح صلاح الدين واعتداله:
«ولكي ندرك حقيقة هذا الاعتدال نلقي نظرة على تعامل هذا الحاكم السنّي مع الخلافة الفاطمية في مصر إذ بدخوله القاهرة ظافراً يأمره نور الدين بإعلان نهاية الخلافة الفاطمية فلا يصدع صلاح الدين بالأمر».
ثم يسترسل الأستاذ محفوظ، معتمداً على الخيال الروائي لأمين معلوف في كيفية إعلان ذلك.
ونقول للأستاذ محفوظ إن صلاح الدين لم يدخل القاهرة ظافراً، بل دخلها مدعوّاً من الخليفة الفاطمي العاضد على الشكل التالي، معتمدين فيما نكتب على مصدر من أعرق المصادر في التهجم على الفاطميين، والموالاة لصلاح الدين، هو الجزء الأول ـ القسم الثاني من كتاب الروضتين في الصفحة 391 من طبعة 1962 وغيرها من الصفحات:
في العام 564 هـ كان الصليبيون يهددون مصر ويتحفزون للوثوب عليها بعد أن خبروا أحوالها قبل ذلك في أحداث ليس هنا مكان سرد تفاصيلها. فرأى الخليفة الفاطمي، (العاضد)، أن لا قبل لمصر بمدافعة الصليبيين لكثافة قواهم وتفوقها على القوى المصرية، فتجلّت وطنيته على أبرز صورها، فتناسى ما بينه وبين الآخرين من أوتار، وتجاهل ما يحملونه له من عداوة وأغضى على ما طالما بيّتوه له ولأسرته من تآمر، وصمم على الاستنجاد بالقوى الإسلامية خارج مصر مهما كان في هذا الاستنجاد من مخاطر عليه وعلى أسرته، ورأى أن أقرب القوى إليه هي في الشام وفيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي. وكان الصليبيون زحفوا على عسقلان حتى وصلوا إلى بلبيس فاحتلوها وفتكوا بأهلها، ثم مشوا إلى القاهرة وحاصروها، فتقرر إحراق مدينة الفسطاط المتصلة بالقاهرة خوفاً عليها من الصليبيين فأحرقت وظلت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً. ولعوامل عديدة فك الصليبيون الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا. ولكن الخطر ما زال جاثماً فكرر العاضد الاستنجاد بنور الدين، وأرسل في كتب الاستنجاد شعور النساء، وقال له: «هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهنّ من الفرنج».
ولم يكتف، بل بذل له ثلث بلاد مصر، وأن يكون قائد النجدة مقيماً عنده في عسكره، وإقطاعهم عليه خارجاً عن الثلث الذي لنور الدين.
فقرر نور الدين تلبية الطلب فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين.
صلاح الدين إذاً لم يدخل القاهرة ظافراً، بل لم يكن أصلاً قائداً للحملة التي دخلتها، بل كان عمه قائدها، وهو من جملة حاشية عمه. وهكذا ينهار كل ما بناه الأستاذ محفوظ من اعتدال وتسامح لدى صلاح الدين، مرتكزاً على دخوله القاهرة ظافراً.
وكذلك هذه الحملة قد جاءت تلبية لاستنجاد العاضد بنور الدين، فلقيت ترحيباً وابتهاجاً لا مقاومة، فكيف إذاً يصح القول إنها دخلت ظافرة؟
وفعل العاضد أكثر من الترحيب، أناط الحكم بأسد الدين شيركوه إذ جعله وزيراً له، ولكنه لم يلبث في الوزارة إلاّ شهرين وخمسة أيام ثم توفي فجأة.
وتطلع إلى الوزارة بضعة رجال من قوّاد الجيش الذي قدم مع أسد الدين، وكان التزاحم بينهم شديداً، ولكن العاضد آثر عليهم جميعاً صلاح الدين.
يقول صاحب كتاب الروضتين: «فأرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين فأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمه».
وصرّح ابن شداد ـ وهو من المؤلفين الذين كتبوا للإشادة بصلاح الدين ـ صرح ابن شداد في كتاب النوادر السلطانية (32 ـ 33) أن صلاح الدين كان منهمكاً في الشهوات عاكفاً على الخمر. وذكر عبارته هكذا: «وشكر نعمة الله فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو»، أي أن شكره وتوبته كانا بعد تولّيه الوزارة.
وكذلك قال كمال الدين بن العديم في كتابه زبدة الحلب في تاريخ حلب الجزء الثاني: «فأرسل العاضد إلى صلاح الدين وأحضره عنده وولاّه الوزارة بعد عمه وخلع عليه ولقّبه بالملك الناصر، فاستتبت أحواله وبذل المال وتاب عن شرب الخمر».
وكذلك ذكر أبو الفداء في تاريخه عكوف صلاح الدين على الخمر ثم توبته، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء، الجزء 22 الصفحة 279 وفي الصفحة 282 من الجزء نفسه.
وهؤلاء الذين ذكرناهم، كلهم من أنصار صلاح الدين، وإذا كان هؤلاء قد اعترفوا بأن صلاح الدين كان سكّيراً مدمناً الخمر قبل توليه الوزارة، فالله وحده يعلم هل تاب أو لا.
لا سيما إذا عرفنا أنه لم يكن يومذاك، كما هو اليوم، مصحّات لمعالجة المدمنين وإعادتهم إلى الصواب. فالمدمن يومذاك لا علاج لإدمانه([576]).
وهكذا يظهر جلياً أن صلاح الدين لم يكن في تلك الفترة ممن يمكن أن يوصفوا بالاعتدال والتسامح لا سيما مع العاضد وخلافته، كان مجرد موظف عند العاضد، لا يملك من عوامل القوة ما يجعله يقبض هذه القوة أو يبسطها.
والعاضد هو الذي أمدّه بالقوة ووضع في يده أسبابها ومكّن له في الحكم استعداداً للدفاع في وجه الصليبيين إذا حاولوا إعادة الكرَّة على مصر، ثم للهجوم عليهم فيما احتلوه من بلاد([577]).
ويبدو هذا واضحاً في المنشور الذي أرسله العاضد إلى صلاح الدين ويقول فيه فيما يقول: «وظهور الخيل مواطنك وظلال الخيام مساكنك، وفي ظلمات الليل قساطل الجهاد تجلي محاسنك وفي أعقاب نوازله تتلى مناقبك، فشمَّر له عن ساق من القنا وخضّذ فيه بحراً من الظبا، واحلل في عقد كلمة الله وثيقات الحبا، وأسِل الوهاد بدم العدا وارفع برؤوسهم الربا، حتى يأتي الله بالفتح الذي يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخوراً لأيامك» (كتاب الروضتين، ج 2، الصفحة 408).
كان هذا موقف العاضد، وهو وضع جميع القوى في تصرف صلاح الدين تهيُّؤاً لليوم الموعود. ويعبر عن ذلك صاحب (كتاب الروضتين) بقوله: «إن العاضد أحب صلاح الدين محبة عظيمة». ويقول إنه لما تولى صلاح الدين الوزارة مال إليه العاضد وحكّمه في ماله وبلاده.
ولكن كان العاضد في واد، ونور الدين محمود وشيركوه أسد الدين أولاً وبعده صلاح الدين في واد آخر.
وو طنية العاضد التي جعلته يستنجد بهم ويضع سلطته وبلاده في تصرفهم، لم تمنعهم من التآمر عليه وعلى دولته.
ووضعت الخطة في الشام بين نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، وصلاح الدين عالم بها، وذلك بأن تكون النجدة لا لإنقاذ البلاد من الصليبيين بل للقضاء على العاضد ودولته، واستغلال الخطر الصليبي على مصر وانشغال العاضد به لتنفيذها.
وهكذا يكون العاضد ودولته، نُكبا لإخلاص العاضد واستنجاده بالمسلمين على الصليبيين.
وما ذكره الأستاذ محفوظ من رسائل نور الدين أنها كانت تتوالى على صلاح الدين يأمره بإعلان نهاية الخلافة الفاطمية فلا يصدع صلاح الدين الأمر، وما استنتجه من أسباب إحجام صلاح الدين، هما في غير واقعهما التاريخي، فصلاح الدين كان ينتظر الوقت الذي تسهل فيه مهمته، إذ لم تكن تتم بالسهولة التي يتصورها الأستاذ محفوظ.
أما ما ذكره من خيال الروائي أمين معلوف في هذا الموضوع فهو مما يصلح للروايات الخيالية والتمثيليات السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، ولا يصلح لكتابة التاريخ.
وأما حقيقة الأمر فهي ما ذكره صاحب (كتاب الروضتين)، (ج 1، ق 2، ص 492)، منقولاً عن ابن الأثير، كما يلي: «كان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبتت قدمه في مصر وزال المخالفون له وضعف أمر العاضد، وهو الخليفة بها، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك الفاضل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى العلويين فلم يصغ نور الدين إلى قوله وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً».
وبهذا يسقط قول الأستاذ محفوظ بأن نور الدين كان يأمر صلاح الدين، فلا يصدع صلاح الدين بالأمر، وتتوالى رسائل نور الدين من الشام دون فائدة. كما يسقط استنتاجه أن ذلك كان دليلاً على اعتدال صلاح الدين، ويسقط معه قول الروائي الخيالي أمين معلوف.
فلا عدم صدع من صلاح الدين لأوامر نور الدين، ولا رسائل متوالية من نور الدين لصلاح الدين، وكل ما في المسألة أن رسالة واحدة وصلت من نور الدين إلى صلاح الدين، فتخوّف صلاح الدين من العاقبة، ثم نفّذ ما طلب إليه نور الدين تنفيذه، وكان هو نفسه أحرص على هذا التنفيذ من نور الدين.
ثم يكمل صاحب (كتاب الروضتين) قائلاً: «واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة له، فاستشار الأمراء كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين، وكان قد دخل مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، وقد رأيناه بالموصل كثيراً، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدىء به».
فأين هذا من استنتاجات الأستاذ محفوظ وتخيلات أمين معلوف؟
ثم يكمل صاحب كتاب الروضتين: «وكان العاضد قد اشتدّ مرضه، فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: إن سلم فهو يعلم وإن توفي فلا ينبغي أن ننغّص عليه هذه الأيام التي قد بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم».
وأين هذا أيضاً من قول الأستاذ محفوظ: «ومهما يكن فإننا نرى صلاح الدين يمنع أياً كان من إخبار الملك العاضد، آخر الملوك الفاطميين، وكان على فراش الموت قائلاً: إن عوفي فإنه سيعلم وإن توفي فلا ينبغي أن نفجعه قبل الوفاة».
ولا نستطيع إلا أن نعلق على قطع خطبة الفاطميين بكلمة واحدة: إنهم لم يجدوا عربياً واحداً يقدم على ذلك وأقدم عليه الأعجمي.
أما عن اعتدال صلاح الدين وتسامحه كما أشاد بهما الأستاذ محفوظ، وغالى فيهما الروائي أمين معلوف، فإننا نقدم لهما نموذجاً عن هذا الاعتدال وعن هذا التسامح:
أقدم صلاح الدين بعد وفاة العاضد على عمل لم يسبقه إليه أحد، ولم تشهد له مثيلاً أشد العصور همجية وطغياناً وظلماً. احتجز جميع ذكور الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع إناثها في مكان آخر لئلا يتناسلوا. وكان عدد أفراد الأسرة يومذاك يبلغ الألوف بين ذكران وإناث([578]).
ويقول العماد الأصفهاني، سكرتير صلاح الدين، متباهياً بعد سنين من هذا الاحتجاز: «وهم إلى الآن محصورون محسورون لم يظهروا. ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم».
وتبجّح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين فقال العماد الأصفهاني في قصيدة:
عاد حريم الأعداء منتهك الحمى
وفيءُ الطغاة مقتسما
والأعداء الذين يتباهى هذا الشاعر بانتهاك حريمهم، هم الذين استنجدوا بصلاح الدين على الإفرنج، فكانوا عند صلاح الدين وشعرائه الأعداء الذين يرتكب فيهم هذا الإجرام، ويقال فيهم هذا القول.
وقال القاضي الفاضل، كاتب صلاح الدين، من كتاب أرسله باسم صلاح الدين إلى بغداد:
«… والمذلّة في شيع الضلال شائعة، ومزّقوا كل ممزق ورغمت أنوفهم ومنابرهم وحقّت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً…».
هذا هو التسامح الذي وصف به الأستاذ محفوظ صلاح الدين حين قال في مفتتح كلامه: «هذا القائد الذين بين أبرز صفاته التسامح».
وهذه هي الصفحة البيضاء التي لم ير فيها الأستاذ محفوظ إلاّ نقطة واحدة سوداء هي قتل السهروردي. نكتفي بها ولا نسترسل في مناقشة الأستاذ محفوظ، إذ لو فعلنا لطال نَفَس القول وطال… وطال.
وأما ما أورده الأستاذ محفوظ مما أثنى به الأجانب على صلاح الدين، فذلك من بعض حقه عليهم، مقابلةً لما أولاهم من خير عميم ما أدَّى إلى استردادهم القدس وفلسطين كلها ومناطق أخرى خارج فلسطين.
مع نور الدين
رأينا الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور يقول في كتابه (مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك)([579]):
«إن منطقة الشرق الأدنى شهدت أواخر العصر الفاطمي تحوّلاً خطيراً نتيجة لنجاح الصليبيين في الاستقرار في قلب تلك المنطقة وقد سبق أن أشرنا إلى أن الدولة الفاطمية كانت في خريف عمرها عندما ظهر الخطر الصليبي، وكيف أنها عجزت عن فهم طبيعة ذلك الخطر في الوقت المناسب، بل فشلت في صد هذا الخطر وفي حماية نفسها منه.
ومعنى هذا أنه صار عليها أن تتنحى، وتفسح المجال لقوة أخرى فتية تحل محلها وتستطيع أن تنهض بأمانة الجهاد» (انتهى).
ونقول رداً على هذا الكلام ما أن سبق أن قلناه: وهو أن الدولة الفاطمية كانت قد انتهت سلطتها، قبل وصول الصليبيين بربع قرن، وأن الذي أنهى سلطتها وحل محلها هم الجماليون الذين قامت بهم الدولة الجمالية التي صارت هي صاحبة الأمر والنهي، والتي حجرت على الخلفاء الفاطميين في بيوتهم ومنعتهم من أي تصرف في شؤون الدولة. وإنما أبقتهم لأن رجالها لا يستطيعون أن يتلقّبوا بلقب الخلافة، وفي بقاء الخلفاء الفاطميين يضفون على حكمهم مظاهر الشرعية.
وإن صح ما قاله الدكتور عاشور من أن الحكم في مصر قد عجز عن فهم طبيعة الخطر الصليبي في الوقت المناسب وفشل في صد هذا الخطر وفي حماية نفسه منه.
نقول: إن صح هذا القول ـ وهو ليس بصحيح ـ فإن الذي عجز عن فهم ذلك، وفشل في الصد، ليست الدولة الفاطمية التي لم يكن لها وجود، بل الدولة الجمالية.
وقولنا: هو ليس بصحيح، لأن بدراً الجمالي قد فهم طبيعة الخطر لأول وهلة وحاول دفعه سلماً، فلما لم يستطع أعد لصده حرباً كل ما يستطيع إعداده من كان في مثل ظروفه، وقاتله ببسالة وثبات.
وإذا كان قد فشل في صده فلأن القدر كان أقوى منه، ولأن الجيوش المتدفقة عليه كانت أشد من أن يقف في وجهها أكثر مما وقف.
والدكتور عاشور يعني بقوله: (أنه صار على الدولة الفاطمية أن تتنحى وتفسح المجال لقوة أخرى فتية تحل محلها وتستطيع أن تنهض بأمانة الجهاد) ـ يعني بقوله هذا: القوة الأيوبية.
وقد بيّنا في كتابنا (صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) ـ بينّا بأن القوة التي يعنيها الدكتور عاشور قد خانت أمانة الجهاد…
إن الدكتور عاشور نفسه يعترف بأنه لم تكن هناك خلافة فاطمية فاعلة مسيطرة عند الغزو الصليبي. أنه هو نفسه يقول([580]):
«كانت الدولة الفاطمية في ذلك الوقت تقاسي آلام الموت البطيء، بعد أن انحلّت الخلافة، وفقدت هيبتها، واختلّت أحوال مصر الداخلية. ولا أدل على انحلال الدولة الفاطمية عندئذ من نهاية كثير من الخلفاء بالقتل فضلاً عن تحكم الوزراء العظام في شؤون الدولة والخلافة جميعاً».
ويقول الدكتور عاشور فيما يقول([581]):
«ولكن نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي حمل الأمانة واستولى على دمشق سنة 549 (1154 م) ومن ثم أخذ يتطلع إلى مصر لتمتد الجبهة الإسلامية المتحدة من الفرات إلى النيل» إلى آخر ما قال…
ثم يقول([582]): «وسرعان ما اتّضح أن نجاح حركة الجهاد الإسلامية لا يتحقق إلاّ في ظل جبهة إسلامية متحدة، توحد بين القوى الإسلامية المبعثرة بين النيل والفرات، وتجعل من هذه القوى بنياناً مرصوصاً يستطيع الصمود في وجه الخطر الصليبي. وكانت هذه الفكرة ـ فكرة الجبهة الإسلامية المتحدة ـ هي المحرك الأول الذي جعل نور الدين محمود يتجه ببصره شطر مصر بعد أن تم له الاستيلاء على دمشق سنة 594 هـ (1154 م) وأصبح يسيطر على المدن الكبرى في الشام مثل حلب ودمشق» إلى آخر ما قال…
ثم يقول: «والواقع أن الصليبيين لم يقلّوا طمعاً في ملك مصر عن نور الدين»، ثم يقول([583]): ومنذ ذلك الوقت لم يتخلّ الصليبيون عن فكرة الاستيلاء على مصر، حتى كان منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) عندما رأى نور الدين محمود أن الجبهة الإسلامية المتحدة لا تستدير حلقتها وتكتمل إلا بالاستيلاء على مصر بالذات، الأمر الذي جعل من مصر ميداناً رئيسياً في الصراع بين نور الدين محمود والصليبيين».
ثم يقول([584]): ولا يخفى علينا أن هناك سبباً قوياً ربما حرك عند نور الدين الرغبة في غزو مصر، وأعني بذلك العامل المذهبي. ذلك أن الخلافة الفاطمية في مصر كانت مصدراً من مصادر الفرقة في العالم الإسلامي لأنها جعلت ولاء المسلمين في الشرق الأدنى تتقاسمه خلافتان ومذهبان، إحداهما الخلافة العباسية السنية في بغداد، والأخرى الخلافة الشيعية في القاهرة. لذلك كان من الطبيعي أن يتجه نور الدين ـ وهو الحاكم السني الحريص على تدعيم الجبهة الإسلامية المتحدة وجعلها تمتد من النيل إلى الفرات ـ إلى التفكير في القضاء على الخلافة الفاطمية في القاهرة.
وكان أن أتيحت الفرصة مرة أخرى لنور الدين محمود عندما أرسل إليه الخليفة العاضد الفاطمي يشكو من استبداد شاور وظلمه» إلى آخر ما قال…
ثم يتابع كلامه قائلاً: لذلك بادر نور الدين بإرسال حملة شيركوه الثانية على مصر سنة 562 هـ (1167 م) وكان بصحبة شيركوه في تلك المرة أيضاً ابن أخيه صلاح الدين.
نقول: من المؤسف أن يوغل رجل مثل الدكتور عاشور في الخيال فيجعله مصدراً لكتابة التاريخ، فما ذكره في أول الكلام الذي نقلناه من حديثه هو خيال في خيال، فنور الدين محمود لم يكن في ذهنه تشكيل جبهة إسلامية متحدة تمتد من الفرات إلى النيل، ولم يتطلع إلى مثل هذا التطلع، وكان دواعي إرساله من أرسلهم من الجنود إلى مصر أول مرة أن نزاعاً على السلطة قام بين (شاور) وبين (ضرغام) فتغلب ضرغام على شاور.
يقول ابن الأثير([585]): «فهرب شاور منه إلى الشام ملتجئاً إلى نور الدين ومستجيراً به فأكرم مثواه وأحسن إليه وأنعم عليه، وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العسكر، ويكون شيركوه مقيماً بعساكره في مصر ويتصرف هو بأمر نور الدين واختياره».
إذن ـ بنص ابن الأثير ـ لم يكن في ذهن نور الدين تطلع إلى تحديد الجبهة الإسلامية من الفرات إلى النيل، ولم تكن هذه الفكرة ـ فكرة الجبهة الإسلامية المتحدة ـ هي المحرك الأول الذي جعل نور الدين محمود يتجه ببصره شطر مصر. بل المحرك له على ذلك هو أمر شخصي بحت حيث ينتصر لمستنجده. على منافسه لقاء مكاسب شخصية هي الاستحواذ على ثلث دخل البلاد.
وما كرره بعد ذلك في الموضوع نفسه من القول: «رأى نور الدين محمود أن الجبهة الإسلامية المتحدة لا تستدير حلقتها، وتكتمل إلاّ بالاستيلاء على مصر بالذات، الأمر الذي جعل من مصر ميداناً رئيساً، في الصراع بين نور الدين محمود والصليبيين».
إن هذا الذي كرره هنا، وأضاف إليه ما أضاف، هو خيال في خيال لا حقيقة له، فمصر لم تصبح ميداناً رئيسياً في الصراع بين نور الدين محمود والصليبيين.
وكل ما جرى أن ثلث دخل مصر أغرى نور الدين، بإرسال عسكر إلى مصر لنصر شاور على ضرغام، بقيادة أسد الدين شيركوه، وإذ كان هذا العسكر قد استطاع إعادة شاور إلى السلطة، فإنه لم يستطع التغلب على غدر شاور، ورجوعه عما قرره لنور الدين واستنجاده بالصليبيين، على أسد شيركوه الذي آثر السلامة فرجع إلى الشام.
فأين هو هذا الميدان الرئيسي الذي صيرته مصر في الصراع بين نور الدين والصليبيين؟!
أما نسبة العصبية المذهبية العمياء لنور الدين فصحيحة، وما فعله في حلب من شرور وآثام، هو بعض مظاهر هذه العصبية.
أما القول بأن الخلافة الفاطمية في مصر كانت مصدراً من مصادر الفرقة في العالم الإسلامي، فقول كنا نجل مؤرخاً في مستوى الدكتور عاشور أن يفوه به، ونحن ننزهه عن العصبية المذهبية، ولكنها رواسب في النفس تظل تفعل فعلها.
إن الخلافة الفاطمية كانت مصدراً من أكبر مصادر التجميع لا التفريق: لقد كان نشوؤها ضرورة من ضرورات العالم الإسلامي في ذلك الحين الذي تمزّقت فيه قوى المسلمين وتفرّقت كلمتهم وتلاشت دولتهم وأصبحوا يتطلعون إلى الحمى الذي يمكن أن يلجأوا إليه من الخطر الداهم المهدد لوجودهم بتزايد قوى الروم وإصرارهم على غزو الإسلام في دياره واسترداد ما أخذه منهم والثأر للماضي البعيد، حتى إن نقفور فوقاس لم يكن يخفي مطامعه الهوجاء في الزحف إلى الحجاز نفسه والوصول إلى مكة والمدينة.
في هذا البحران الرهيب كان المنقذ نشوء دولة فتية وزعامة قوية تجمع حولها ما تشتت من القوى وتوحد ما تفرق من البلاد، فكانت الدولة الفاطمية هي المنقذ فجمعت الشمال الإفريقي في كيان واحد وقيادة واحدة وقضت على التجزئة وأحلّت محلها وحدة متماسكة جعلته دولة واحدة بعدما كان عدّة دول متطاحنة متقاتلة([586]) ولم تقتصر الوحدة على الشمال الإفريقي بل امتدّت فشملت مصر والشام والحجاز واليمن وصقلية وقوصرة وقلورية..
يقول الدكتور محمد جمال الدين سرور أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة القاهرة: «اتّجهت سياسة الفاطميين بعد أن امتدّ نفوذهم إلى مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358 هـ (969 م) إلى استعادة المدن التي استولى عليها البيزنطيون في شمال الشام».
ويقول الدكتور حسن حبشي في كتابه (الحروب الصليبية) وهو يتحدث عن الغزوات البيزنطية لبلاد الشام: «وامتد النفوذ البيزنطي عام 975 م (365 هـ) على طول البلاد الشامية فدفعت له حمص الجزية واستسلمت بعلبك، وأراق الإفتكين صاحب دمشق ماء وجهه إبقاءً على ولايته».
إلى أن يقول الدكتور حبشي في الحديث عن الفتح البيزنطي:
«على أن موجة الفتح (البيزنطي) على حساب البلدان والإمارات الإسلامية لم تلبث أن توقفت منذ أواخر القرن العاشر واصطدمت بقوة الفاطميين الذين مدوا الإسلام بدم جديد وعنصر قوي يتدفق حياة ويتطلع للفتح..».
والأشد أسفاً في أقوال الدكتور عاشور هو مروره ذاك المرور العابر برسالة الخليفة الفاطمي (العاضد) إلى نور الدين وزعمه أن موضوعها كان شكاية العاضد من استبداد شاور وظلمه.
هذه الرسالة التي كان يجب على الدكتور عاشور وعلى غير الدكتور عاشور أن يقف أمامها طويلاً ويتحدث عنها كثيراً، مر بها هذا المرور السريع وحوّلها عن الغاية التي كتبت من أجلها.
إن رسالة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين الذي استطاع أن يملك بعض الحرية لبعض الوقت، استغل هذه الحرية العابرة للإقدام على تضحية فريدة لم نعرف أحداً من الحكّام أقدم على مثلها!..
إن العاضد يعرف حق المعرفة ما يضمره نور الدين له ولدولته ولمذهبه من الشر، ويعرف كذلك حق المعرفة ما فعله نور الدين في حلب..
ومع ذلك فإنه لما رأى الصليبيين يهددون مصر، ورأى أنه ربما لا يستطيع دفعهم عنها، آثر أن يسلمها لمن يضمرون له الشر من المسلمين على أن تكون فريسة للصليبيين، فأرسل إلى نور الدين يستدعيه إلى احتلال مصر مستنجداً به على الصليبيين، وأرسل مع كتب الاستنجاد شعور النساء قائلاً له في رسالته إليه: «هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهن من الفرنج»([587]).
ولم يكتف بذلك، بل بذل له ثلث بلاد مصر وأن يكون قائد النجدة مقيماً عنده في عسكره وإقطاعهم عليه خارجاً عن الثلث الذي لنور الدين([588]).
فعند ذلك قرر نور الدين تلبية الطلب، فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين.
الفاطميون وعروبة مصر والسودان
عن أثر الفاطميين في تعريب مصر وجعلها في صميم الأمة العربية يقول المفكر المصري مصطفى الفقي من مقال نشره في عدد 21 تشرين الأول 1993 من جريدة الحياة ما يلي: تعتبر مسألة عروبة مصر قضية مفتوحة حتى هذه اللحظة. وما زال هناك من يجادل، داخل مصر وخارجها، في أولوية العروبة على غيرها من أركان الهوية المصرية، ومظاهر التعددية فيها. وإذا كان عامل اللغة هو الفيصل في تحديد قومية الأمم وشخصية الشعوب، فإن الأمر محسوم، فمصر أصبحت عربية اللسان، يوم أن قبلت «الكنيسة القبطية»، مع بدايات العصر الفاطمي، إقامة الصلوات باللغة العربية، وترجمة النصوص المقدسة إليها. منذ ذلك الحين تحولّت مصر بكاملها إلى عروبة خالصة، بالمعنى الثقافي الذي يلعب الدور الأساسي في تحديد القومية.
وعن تعريب الفاطميين للسودان:
جاء في (أطلس تاريخ العالم)، (ص 309)، عن إقدام الفاطميين على تحويل زنوج السودان إلى الإسلام؛ يقول: «عندما استقدم الفاطميون بني هلال وبني سليم بن منصور من الجزيرة العربية لحرمان القرامطة من معاونتهم لأنهم كانوا منضمين إليهم، وأنزلوهم في صعيد مصر ثم سمحوا لهم بعبور النيل والإغارة على بلاد المغرب ـ فتحوا الباب لقبائل العرب في سيناء وصحراء مصر الشرقية فتدفقوا على الصعيد واستقروا فيه وقامت قبيلة منهم هي قبيلة بني الكنز أو الكنوز بدخول النوبة والاستقرار فيها، وكان هذا بداية لزحف العرب إلى الجنوب واستقرارهم في شمالي السودان وتعريبه، ثم الامتداد فيه إلى الجنوب وتحويل السودان إلى بلد عربي».
قال الدكتور حسين مؤنس في كتابه (تاريخ المغرب) م 1، ج 1، ص 561 ـ 562: لم يعتبر جوهر الصقلي نفسه فاتحاً لمصر غالباً لأهلها، وإنما غالباً على الإخشيديين الذين كانوا يستبدون بأمورها، وقال: الخليفة الفاطمي يتولى حكمها برضى من أهلها ممثلين في أشخاص زعماء الهاشميين المصريين، من أمثال أبي جعفر مسلم الشريف وأبي إسماعيل الرَّسي وأبي الطيب الهاشمي وأبي جعفر أحمد بن نصر إلى جانب قاضي البلاد وهو في العرف الإسلامي رأس الجماعة وممثل الأمة. وفي خطاب الأمان الذي أعطاه جوهر لأهل مصر يقول جوهر: «إذ كان الإسلام سُنَّة واحدة وشريعة متّبعة، وهي إقامتكم على مذهبكم، وأن تُتْرَكوا على ما كنتم عليه من أداء الفروض في العلم والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وبقائكم على ما كان عليه سَلَف الأمة من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتاواهم وأن يجري الأذان والصلاة وصيام شهر رمضان وفطره وقيام لياليه والزكاة والحجج والجهاد على أمر الله وكتابه، وما نصّه نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم من سُنَّتِه، وإجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه»([589]) فهو هنا يعِد الناس بأن تجري أمورهم على السُّنة وألا يُدخل على عباداتهم شيء من تغيير أو تبديل، ويؤكد لهم أن قسم المواريث سيجري على ما تجري به السنة دون إدخال أي تعديل شيعي، بل إنه يجتهد في توكيد تعهُّده هذا اجتهاداً بالغاً قال: «..ولكم عليَّ الوفاء بما اعتزمتُه وأعطيتُكم إياه عهد الله وغليظَ ميثاقه وذمته وذمة أنبيائه ورسلِه، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين قدس الله أرواحهم، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليهم» وبالفعل كان هذا مذهب الفاطميين بمصر وسياستهم العامة مع المصريين كافة، حقاً لقد نشط الفاطميون في الدعوة إلى مذهبهم، واستخدموا الجامع الأزهر لهذا الغرض وكان لهم دعاة منقطعون للدعوة، وأنفقوا في ذلك أموالاً جسيمة، ولكنهم لم يرغموا أحداً على اتِّباع مذهبهم، فمن رغب فيه اتّبعه وإلاّ فهو على سنته وطريقه، ومن هنا فلم يكن هناك نزاع بين سنّة وشيعة أو بين فقهاء شيعيين وفقهاء سنيين، ويكفي أن نلاحظ أن أكبر الوسطاء بين الفاطميين والمصريين أول الأمر جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات وهو رجل سني متشدد، وهو الذي استدعى إلى مصر الإمام السُنِّيَّ المعروف الدارقطني من بغداد إلى القاهرة وأنفق عليه فيما يقول ياقوت في معجم الأدباء نفقة واسعة، وله صنف مُسْنَده وقد عرض المعز الوزارة على جعفر بن الفرات فاعتذر عن عدم قبولها، وظل يقيم في مصر مكرماً حتى توفي في خلافة الحاكم.
الفاطميون
ـ 2 ـ
صور التاريخ صوراً مثالية لدول عديدة، إلا أنه لم يرسم صورة أجمل من صورة الدولة الفاطمية، تلك الدولة الفتية التي نافست عاصمتها القاهرة بغداد عاصمة الدولة العباسية. ونظر التاريخ إلى هذه الصورة الخالدة في رضى وإعجاب، وحق له أن يعجب. فقد كانت الدولة الفاطمية أجمل حلية في زخرف الدنيا، وأروع تحفة في معرض الزمن. كانت عظيمة في كل شيء: في خلفائها، وفي صناعتها، وفي علمها، وفي مظاهر احتفلاتها بالأعياد والمواسم.
النهضة الصناعية
على أن الفن البديع كان من أبرز الأمور التي أظهرت عظمة الفاطميين.
وأفاض الفن من جماله على الصناعة، حتى قيل إن الأواني الخزفية التي صنعها الفاطميون، كان الإنسان إذا وضع يده بداخل إحداها يرى يده من الخارج. وارتقت صناعة الأواني عند الفاطميين، فكثرت الصواني المحلاة بالذهب، وأصص الزهر والأطباق المزينة بالذهب، وكافة أنواع الأواني الخزفية. واشتملت أواني المستنصر على ستة آلاف آنية للنرجس، وصنعت المرايا من الصلب محلاة بالذهب والفضة. وقد اكتشفت قطع كثيرة من الزجاج سنة 877 هـ في قرية سمناي القريبة من تنيس، مكتوب على بعضها اسم المعز، وعلى بعضها الآخر اسم العزيز، ومنها ما نقش عليه اسم الحاكم، ومنها ما عليه اسم الظاهر، على أن أكثر أسماء الخلفاء ظهوراً على تلك القطع الزجاجية هو اسم المستنصر، مما يدل على تقدم هذه الصناعة في عهد ذلك الخليفة.
وضرب الفاطميون بسهم وافر في صناعة السروج، التي كانت تهيأ لحفظها الخزائن الكثيرة. ويكفي أن نذكر أنه في عهد المستنصر كان في خزانته صناديق ملأى بالسروج المحلاة بالفضة، وجد عليها رقم 398، وزاد عددها على أربعة آلاف سرج، يتراوح ثمن الواحد بين 1.000 و7.000 دينار. أي أن قيمة السروج في عهده بلغت عشرات الملايين من الدنانير. وقد تخصص العمال المصريون في عمل تلك السروج، وكان منهم في المكان المعروف باسم «الصاغة» عدد كبير لا يفتر عن العمل. وكانت خزانة السروج عبارة عن قاعة كبيرة بها مصطبة ارتفاعها ذِراعان، عليها متّكآت، على كل متّكأ ثلاثة سروج متراصة. وبلغت صناعة السروج الذروة في عهد الخليفة الآمر الفاطمي؛ فقد صنع له المصريون عندما أراد الإغارة على بغداد وغيرها من بلاد الشرق سروجاً مجوفة مبطنة بصفائح القصدير، لها أفواه تملأ بالماء لشرب الفرسان، كل سرج منها يسع سبعة أرطال من الماء.
ونستطيع أن نستدل على قدرة المصريين في العصر الفاطمي على صناعة الذهب والفضة من هدية القائد جوهر للخليفة المعز حين قدم من بلاد المغرب إلى مصر في 15 رمضان سنة 362 هـ. فقد جلس المعز في قصره على السرير الذي صنعه له جوهر في الإيوان الجديد، ثم أذن بدخول الناس عليه، فدخل وجوه أهل المدينة، وجوهر قائم بين يديه، يقدم الناس قوماً بعد قوم، ثم قدم جوهر هديته، وكانت تشتمل على أربعة صناديق يرى ما بداخلها، وكان بها مائة سيف محلى بالذهب والفضة، وصناديق مخرمة من فضة تحوي ثمين الجواهر. واشتملت أيضاً على سبعمائة من الآنية حوت الطرائف التي انتخبها هذا القائد من ذخائر مصر للخليفة المعز الفاطمي. وعقب ذلك خلع المعز على جوهر في عيد الفطر خلعة مذهبة وعمامة، وقلّده سيفاً، كما قدم إليه عشرين فرساً مسرجة ملجمة، ومنحه خمسين ألف دينار ومائتي ألف درهم. وقد منح المعز جوهراً هذه الهدية إعجاباً بما أصابه من النجاح وتقديراً لما قدمه إليه جوهر من تلك الهدية الثمينة.
ومن أبرز الصناعات الفاطمية التي ظهر فيها فنهم، النقش على الخشب، وكان من بين تلك النقوش آيات قرآنية على أبواب المساجد ومنابرها أو صور تمثل بعض مناظر الحياة الطبيعية، كصورة موسيقيين يعزفان على العود وحولهما جماعة من الراقصين، أو صورة صراع بين أسد وحيوان ونحو ذلك. وكثيراً ما طعمت تلك النقوش بالعاج أو الزمرد، وكانت دقيقة في رسمها، روعي فيها إظهار الحقيقة لا الخيال.
وكان أروع ما برع الفاطميون بمختلف صنعه هو المنسوجات في أنواعها، فقد كان في هذه الدولة كنز لا ينضب من الحرير والديباج والذهب، وبنى المعز لذلك داراً عرفت باسم «دار الكسوة»، ثم أنشأت بعدها دار أخرى أطلق عليها اسم «دار الديباج». وكانت الحلل تقدم إلى الأمراء والوزراء والأشراف وكبار رجال الدولة في عيد الفطر، الذي سمي نتيجة لذلك باسم «عيد الحلل». وكذلك كانت الحلل المزركشة تقدم إلى رجال البلاط وكبار الموظفين في الاحتفال بأول رمضان، وفي الاحتفال بالجمع الثلاث الأخيرة منه. على أن الأمراء كانوا يمتازون من غيرهم بلبس الأطواق والأساور وحمل السيوف المحلاة.
واشتهرت مدن تونة وتنيس ودمياط بصناعة المنسوجات على اختلاف أنواعها، حتى كان لها شهرة عالمية في ذلك المضمار. فقد كان يضرب المثل بثياب تونة، وكانت تصنع بها كسوة الكعبة أحياناً. كما اشتهر أهل تنيس بعمل الثياب الملونة والفرش النادرة المثال، وأهل دمياط بصناعة الأقمشة القلمونية التي أخذت صناعتها عن بلاد اليونان، وهي نوع من القماش ذو ألوان براقة تتلألأ إذا انكسرت عليها أشعة الشمس. وقد ذكر ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» عند كلامه على دمياط وتنيس أن حاكة الثياب الرفيعة بهما كانوا من القبط، وأن أهل دمياط كانوا يستأجرون غرفاً في قنوات على خليج دمياط لعمل الثياب المعروفة باسم «الشُّرُب».
وكان لمصر مركز ممتاز في صناعة المنسوجات، حتى كانت تصدر إلى بلاد العراق نوعاً من المنسوجات يقال له «الرفيع»، اختصت تلك المدن بصناعته، وبلغ ثمن الثوب الأبيض الخالي من الذهب ثلاثمائة دينار على ما روى المؤرخ المصري ابن زولاق المتوفى سنة 387 هـ.
ويتبين لنا مقدار مهارة المصريين في عهد الفاطميين في صناعة المنسوجات من الكسوة التي أمر المعز لدين الله بعملها للكعبة الشريفة. فقد جهز لها الخليفة المعز شمسية من الديباج. مرصعة بالياقوت الأحمر والأصفر والأزرق، تحوي خمسمائة درة كبيرة كبيض الحمام، نقشت عليها الآيات التي وردت عن الحج بالزمرد الأخضر، وحشو الكتابة در لم ير مثله في كبره، وحشو الشمسية مسحوق مسك.
كذلك أمر المعز بعمل خريطة للعالم، بدىء بعملها منذ سنة 353 هـ من الحرير الأزرق الغريب الصنعة المنسوج بالذهب، عليه صورة مكة والمدينة، ومكتوب على كل بلد وجبل ونهر وبحر اسمه بالذهب أو الفضة أو الحرير، وفي نهاية ذلك كله العبارة الآتية: «مما أمر بعمله المعز لدين الله، شوقاً إلى حرم الله، وإشهاراً لمعالم رسول الله». وكلف هذا المصور المعز 23.000 جنيه.
وقد وصف الرحالة الفارسي ناصر خسرو، الذي زار مصر ما بين سنتي 439 و441 هـ، في كتابه «سفر نامة» أو «زاد المسافر»، ثروة البلاط الفاطمي وأبهته، وما كانت عليه البلاد من يسر ورخاء، ف«إن القاهرة إلى ذلك الوقت كانت تظهر بمظهر القوة، حتى فاقت غيرها من مدن العالم الاسلامي في العظمة والعمران. فكانت دورها محكمة البناء، مبنية بالحجر، يفصل بعضها عن بعض حدائق غناء، وأسواقها وحوانيتها ملأى بالطرف النفيسة، والأهالي يرتعون في رغد من العيش، والأمن مستتباً لا يخشى أحد سلباً أو تعدّياً، حتى كان التجار لا يحفلون بإغلاق حوانيتهم في الليل. وأطنب في وصف الصناعة المصرية في العصر الفاطمي، وأوضح أنه لم يجد في أثناء زيارته للبلاد المصرية ما يحاكيها ولا يدانيها في جميع الأقطار التي شاهدها في أسفاره.
مظاهر الاحتفال
بالأعياد والمواسم
على أن عظمة الفاطميين لم تكن مقصورة على ما كان يحيط بالخليفة من أبهة وفخامة، وعلى نهضة مصر الصناعية في عهدهم، بل إن عظمتهم تجلّت من مظاهر احتفالاتهم بالأعياد والمواسم، فقد كان الشعب المصري يحتفل بأعياده ومواسمه في العصر الفاطمي بأعظم مظاهر الابتهاج: فتقام المآدب، وتنظم الملاهي، ويعم الناس الفرح والسرور. وفي هذه الأعياد والمواسم كانت تضاء الشوارع والحوانيت، ويحمل الفقراء فوانيس مقابل إعطاء كل منهم درهماً. كذلك كانت المساجد تضاء بالمشاعل، وخاصة في ليالي الوقود الأربع. وفي كل ليلة منها كان يعقد بالجامع الأزهر مجلس حافل بالقضاة والعلماء برياسة قاضي القضاة، ويبعث الخليفة إليهم سائر ألوان الطعام والحلوى.
وفي تلك الأعياد والمواسم، كان الفاطميون يعنون بتنظيم الولائم والأسمطة الرسمية، وكان الخلفاء يقيمونها في قاعة الذهب. وظلت الأسمطة لا تنقطع من قاعة الذهب من شهر رمضان وفي عيدي الفطر والأضحى. وكانت مقادير الأطعمة التي تقدم في هذه الولائم من الوفرة بحيث كانت تعم سائر طبقات الشعب، وفي المواسم الدينية كانت توزع جامات الحلوى وطباق الزلابية وماء الورد على رجالات الدولة. وكان يصنع في عيد مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرون قنطاراً من اللحوى، توضع على ثلاثمائة صينية وتوزع في الجامع الأزهر. أما في الاحتفال بوفاء النيل، فكان يقام سماط عظيم في سرداق رحب على شاطىء النيل، يجلس فيه كل من اشترك في الموكب.
وفي هذه الأعياد والمواسم، كان الخلفاء الفاطميون يجودون على موظفي الدولة بالخلع، وذلك في مواسم أول رمضان والاحتفال بجبر الخليج والاحتفال بالجمع الثلاث الأخيرة من رمضان كذلك كان يمنح الشعراء والكتاب والأعيان الذين يحضرون إلى القاهرة حللاً من الحرير الخالص بعضها مزركش بالذهب، وفي عيد الفطر كانت توزع النقود الذهبية والفضية والملابس والأطعمة على الضيوف والموظفين على اختلافهم. هذا إلى ما كان يمنحه كبار الموظفين في غرة المحرم من النقود الذهبية التي كانت تضرب خصيصاً لهذا اليوم، وتسمى نقود الغرة، وهؤلاء الموظفون كانوا يعتبرونها بركة من الخليفة، وتشبه هذه المرتبات الإعانة التي تمنحها المصارف والشركات لموظفيها في عيد الميلاد.
وكان الخليفة إذا خرج في الموكب في تلك الأعياد والمواسم، خرج معه أحد الموظفين، يحمل كيساً من الحرير، فيه خمسمائة دينار، لتوزع في الطريق الذي يجتازه الخليفة، على الرجال والنساء والقرّاء الذين يقرؤون القرآن على جانبي الطريق، فكان كل من هؤلاء ينال نصيبه من هذه النقود في أكياس خاصة، في كل منها درهمان أو ثلاثة.
ويمكن القول بأنه لم توجد دولة من الدول التي حكمت مصر، أغدقت على رمضان ما أغدقته الدولة الفطامية. كان لرمضان مركز خاص بين مواسمهم وأيامهم، فكانوا يحيون كل ليلة من لياليه، لا تفوتهم إحداها بدون إحياء، ويأتون فيه من ضروب البر والخير الشيء الكثير.
وكانت هذه العطايا والهبات والأرزاق التي يمنحها الموظفون ورجال الدولة في الأعياد والمواسم، وهذه الأسمطة التي تقام في مثل تلك المناسبات، من عوامل اجتذاب كثير من المصريين نحو الفاطميين وتأييدهم لسياستهم. وكان لهذه الاحتفالات أثرها العظيم في النفوس.
العلوم والمعارف
أما عن العلم، فقد كان ميدانه واسعاً رحيباً، أشرق نوره الساطع من الدولة الفاطمية؛ وذلك حينما كانت ظلمة العصور الوسطى تخيم على دول أوروبا. وليس أدل على انتشار العلوم والمعارف في العصر الفاطمي، من تلك المكتبات الضخمة التي كانت تحوي الملايين من الكتب والمجلدات الخطية الفريدة التي جمعوها. ومن أشهر المكتبات الفاطمية: مكتبة القصر ودار العلم.
وقد فاقت مكتبة القصر في القاهرة غيرها من مكتبات العالم الإسلامي، وتقع في القصر الشرقي الكبير، وتحوي 200.000 مجلد، وقيل إن عدد كتبها بلغ 600.000 مجلد، وقال آخرون: إن هذا العدد بلغ مليونين. ومهما يكن من أمر هذا العدد، فإن المتفق عليه أنها كانت تحتوي على مصنفات في الفقه وفي اللغة العربية والحديث والتاريخ والسير والفلك والدين والكيمياء، عدا المصاحف التي احتوتها، ومجموعة القوائم المكتوبة بخط ابن مقلة وابن البواب وغيرهما من مشاهير الخطاطين في ذلك العصر، وكان فيها أيضاً 1220 نسخة من تاريخ الطبري، منها نسخة بخط الطبري نفسه. وكان من عادة الخليفة إذا زار المكتبة أن يترجل، ثم يسير إلى دكّة مرتفعة، فيجلس عليها، فيأتيه الخازن بنسخ من المصحف مختلفة الحجم، وبغيرها من المجلدات مما يوصي بشرائه، لمصادقة الخليفة على هذا الشراء.
وهناك مكتبة أُخرى عرفت باسم «مكتبة دار العلم»، وكانت ملحقة بدار الحكمة التي أنشأها الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي، والتحق بها عدد من القراء والفقهاء، والمنجمين والنحاة والأطباء. وحوت ما لم يجتمع في مكتبة من المكتبات. وأجرى الحاكم، ومن جاء بعده من خلفاء الفاطميين، الرواتب على خدامها ومن بها من الفقهاء، وجعل فيها ما يحتاج إليه المطالعون والنسّاخ من الحبر والأقلام والمحابر والورق.
ولكن كل تلك العظمة، لم تعد إلا ذكرى جميلة، تعطينا فكرة مثالية عن ذلك العز الخالد والمجد التالد.
الدكتور علي إبراهيم حسن
عمارة اليمني
من شعراء مصر في عهد الفاطميين (عمارة اليمني). ومع أنه على غير مذهب الفاطميين، فقد كان في منتهى الوفاء والنبل والشرف، فمن مواقفه بعد زوال الخلافة الفاطمية أنه لما وصل نجم الدين أيوب والد صلاح الدين إلى مصر أنزله ولده في قصر اللؤلؤة الذي كان من أعظم قصور الفاطميين.
وفي أحد مجالس أيوب في القصر كان حاضراً عمارة، وكان بين الحاضرين الشاعر يحيى بن أبي حصينة الأحدب فقال يمدح أيوب ويذم الفاطميين فكان من قوله في قصيدته:
يا مالك الأرض لا أرضى له طرفاً
منها وما كان فيه لم يكن طرفا
قد عجّل الله هذي الدار تسكنها
وقد أعدّ لك الجنات والغرفا
تشرفت بك عمن كان يسكنها
فالبس بها العز ولتلبس بك الشرفا
كانوا بها صدفاً والدهر لؤلؤة
وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا
فاستثار هذا القول عمارة فانبرى للشاعر مرتجلاً غير هياب:
أثِمتَ يا من هجا السادات والخلفا
وقلت ما قلته في ثلبهم سخفا
جعلته مصدفاً حلُّواً بلؤلؤة
والعرف ما زال سكنى اللؤلؤ الصدفا
وإنما هي دار حل جوهرهم
فيها وشف فأسناها الذي وصفا
فقال لؤلؤة عجباً ببهجتها
وكونها حوت الأشراف والشرفا
فهم يساكنها الآيات إذ سكنوا
فيها ومن قبلها قد أُسكنوا الصحفا
والجوهر الفرد نور ليس يعرفه
من البرية إلا كل من عرفا
لولا تجسمهم فيه لكان على
شعف البصائر والأبصار مختطفا
فالكلب يا كلب أسمى منك معرفة
لأن فيه حفاظاً دائماً ووفا
وقد انتقم منه صلاح الدين بعد ذلك فقتله مع من قتلهم شنقاً بتهمة محاولة الخروج عليه.
وقد أنصفه (المقريزي) الذي قال فيه: (لله در عمارة لقد قام بحق الوفاء ووفى بحسن الحفاظ ـ كما هي عادته ـ لا جرم أنه قتل في واجب من يهوى كما هي سنة المحبين فالله يرحمه ويتجاوز عنه).
عمارة اليمني والقاضي الفاضل
شخصيتان أدركتا أواخر العهد الفاطمي وأوائل العهد الأيوبي، شخصيتان متناقضتان في الأخلاق وفي الشرف.
الأولى تمثل الخلق الكريم في أعلى مراتبه، وأولى تلك المراتب هي: الوفاء. والثانية تمثل الخلق اللئيم في أحط دركاته وهي الغدر.
عاش في مصر في ذلك الزمن الشاعر عمارة اليمني، ولم يكن على مذهب الفاطميين، ولكنه كان مُخلصاً للحق، معترفاً بالفضل لأهله، منصفاً للمخلصين. وقد رأى بأم عينه فضائل الفاطميين، وما أسدوه لمصر وللعالم الإسلامي من خير، ثم شهد زوال دولتهم، وما جناه الطغاة من تعفية آثار الفاطميين، وما ارتكبوه فيهم من جرائم، فلم يتملّق الحكم الجديد، ولم يتنكر لفضل من بادوا([590]). بل رثى الدولة الفاطمية أشجى رثاء فقال من قصيدة طويلة:
رميت يا دهر كف المجد بالشلل
وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
سعيت في منهج الرأي العثور فإن
قدرت من عثرات الدهر فاستقل
جدعت مارنك الأقنى فأنفك لا
ينفك ما بين قرع السن والخجل
هدمت قاعدة المعروف عن عجل
سعيت سهلاً أما تمضي على مهل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبة
على فجيعتها في أكرم الدول
مررت بالقصر والأركان خالية
من الوفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد
من الأعادي ووجه الود لم يحل
أسلت من أسف دمعي غداة خلت
رحابكم وغدت مهجورة السبل
أبكي على ما تراءت من مكارمكم
حال الزمان عليها وهي لم تحل
دار الضيافة كانت أنس وافدكم
واليوم أوحش من رسم ومن طلل
والخيل تعرض في وشي وفي شية
مثل العرائس في حلي وفي حلل
ولا حملتم قرى الأضياف من سعة الـ
ـأطباق إلاّ على الأكتاف والعجل
وما خصصتم ببر أهل ملَّتكم
حتى عممتم به الأقصى من الملل
وللجوامع من إحسانكم نعم
لمن تصدر في علم وفي عمل
وربما عادت الدنيا فمعقلها
منكم وأضحت بكم محلولة العقل
تاللّه لم أوفهم في المدح حقهم
لأن فضلهم كالوابل الهطل
ولو تضاعفت الأقوال واتسعت
ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل
واللّه ما زلت عن حبي لهم أبداً
ما أخّر اللّه لي في مدة الأجل
ويعلّق المقريزي في خططه، ج 1، في الصفحة 496، على هذه القصيدة بمثل ما علق به على موقف عمارة الذي مر ذكره، قائلاً:
«وبسبب هذه القصيدة قتل عمارة رحمه الله وتمحلت له الذنوب».
وقال ابن سعد عن القصيدة ـ كما نقل المقريزي ـ: «لم يُسمع فيما يكتب في دولة بعد انقراضها أحسن منها».
ولهذا الشاعر عمارة موقف آخر يدل على ما طبع عليه من نبل ووفاء وهو ما تقدم ذكره من رده على الشاعر يحيى الأحدب.
والشخصية الثانية المناقضة لشخصية عمارة هي عبد الرحيم بن علي البيساني الذي اشتهر بلقب القاضي الفاضل.
لقد كان غير فاضل، وهو من الوصوليين الانتهازيين المنافقين عبيد كل سلطة وعملاء كل حكومة، وممن يسيرون في ركاب كل من يدفع لهم، وهم مستعدون لتغيير عقائدهم تبعاً لمصالحهم.
بدأ أمره في عهد الدولة الفاطمية كاتباً عند قاضي الاسكندرية وناظرها ابن حديد، ثم إن الوزير الفاطمي العادل رزيك بن الصالح، طلبه من الاسكندرية وعيّنه عنده في ديوان الإنشاء، وظل يعمل في ديوان الإنشاء في عهد الخليفتين الفاطميين، الفائز والعاضد.
وكان مما كتبه في ذلك متبنياً عقيدة الفاطميين في الإمامة قوله:
«… والحمد لله الذي وصل النبوة بالإمامة وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم القيامة». ثم ينتقل بعد ذلك إلى الصلاة على محمد «وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المخصوص بأخوته» وعلى: «الأئمة من ذريتهما مصابيح الظلمات ومفاتيح الشكوك والشبهات» ثم يقول عن الخليفة الفاطمي الذي يتحدث عنه إن الله سبحانه قد «كشف له ما اسْتجنَّ تحت أستار الأقدار، ووقف الخير والنصرة على آرائه وراياته. فهو المستشار المستخار».
ثم يتبنى يوم الغدير وهو من أهم ما يتبناه الفاطميون قائلاً: «ويقتدي في ذلك بسيد المرسلين في يوم الغدير».
هذا الذي كتب هذا القول للسلطة القديمة التي رفعته من الحضيض إلى منصبه هو نفسه الذي كتب لعدوتها السلطة الجديدة، كتب لها عن السلطة القديمة ما يلي:
«… والمذلّة في شيع الضلال شائعة، ومزّقوا كل ممزق ورغمت أنوفهم ومنابرهم وحقّت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً…».
لقد وضع القاضي الفاضل نفسه في خدمة السلطة الجديدة عبداً من أحقر عبيدها، كما كان قد وضع نفسه في خدمة عدوتها السلطة التي سبقتها عبداً من أخسّ عبيدها.
الفاطميون في تونس
وننشر فيما يلي بحثاً للكاتب التونسي محمد منظر. ومن المستغرب أن يسمي أحياناً الفاطميين (بني عبيد). كما أنه وقع فيما وقع فيه غيره من تسمية الخليفة الفاطمي الأول (عبيد الله) مع أن اسمه الصحيح هو (عبد الله):
قبل الشروع في تقديم بعض مظاهر الحضارة الفاطمية قلت «بعض» لأنه ليس لأحد أن يحيط بمختلف ألوان الحضارة التي تحلت بها بلادنا في أيام عبد الله المهدي الفاطمين وأحفاده ـ فقبل الشروع في تقويمها وتعريفها ـ تجب الإشارة ولو بسرعة واقتضاب إلى المصادر والدراسات التي قد تنير طريق الباحث الدارس وتساعده على استنطاق ما خلفه الفاطميون وسبر أغوار حضارتهم وفهم أشكالها ورموزها ومطامحها.
لقد تحدّث المؤرخون القدامى عن دولة بني عبيد في كتبهم ورسائلهم وحولياتهم وليس هذا مجال الحديث عنهم جميعاً لكن تحسن الإشارة إلى بعضهم: منهم ابن عذارى المراكشي وهو من أهل القرن السابع هجرياً الموافق للقرن الثالث عشر ميلادياً. تحدث ابن عذارى عن الدولة العبيدية في كتابه «البيان المغرب في أخبار المغرب».
وأورد ابن الأثير في الجزء الثامن من «الكامل في التاريخ» فصلاً خاصاً بالدولة العبيدية قسمه إلى ستة أقسام وهي التالية:
1 ـ ذكر ابتداء الدولة العلوية بإفريقيا.
2 ـ ذكر إرسال أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب.
3 ـ ذكر ملكه مدينة ميله وانهزامه.
4 ـ ذكر استيلاء أبي عبد الله على أفريقيا وهرب زيادة الله أميرها.
5 ـ ذكر مسير أبي عبد الله إلى سجلماسة وظهور المهدي.
6 ـ ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي وأخيه أبي العباس.
فهي صفحات قليلة العدد لكنها دسمة أورد فيها ابن الأثير خلاصة الأحداث التي واكبت تألّق نجم عبيد الله المهدي سماء رقادة والقيوران. فلنستمع إليه يصف دخول أبي عبد الله الداعي إلى عاصمة الأغالبة: «ولمّا بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان بناحية سبيبة ورحل ونزل بوادي النمل وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير في ألف فارس إلى رقادة فوجد الناس ينهبون ما بقي من الأمتعة والأثاث فأمنوهم ولم يتعرضوا لأحد وتركوا لكل واحد ما حمله فأتى الناس إلى القيروان فأخبروه الخبر فطرح أهلها وخرج الفقهاء ووجوه البلد إلى لقاء أبي عبد الله فلقوه وسلموا عليه وهنؤوه بالفتح فرد عليهم رداً حسناً وحدثهم وأعطاهم الأمان فأعجبهم ذلك وأسرهم وذموا زيادة الله وذكروا مساوئه فقال لهم: ما كان إلا قوياً وله منعة ودولة شامخة وما قصر في مدافعته ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع فأمسكوا عن الكلام ورجعوا إلى القيروان، ودخل رقادة يوم السبت مستهل رجب من سنة ست وتسعين ومائتين فنزل ببعض قصورها وفرق دورها على كتامة ولم يكن بقي أحد من أهلها فيها وأمر فنودي بالأمان فرجع الناس إلى أوطانهم وأخرج العمال إلى البلاد وطلب أهل الشر فقتلهم وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغير ذلك فاجتمع كثير من الجواري لهن مقدار وحظ من الجمال فسأل عمن كان يكفلهن فذكر له امرأة صالحة كانت لزيادة الله فأحضرها وأحسن إليها وأمرها بحفظهن وأمر لهن بما يصلحهن ولم ينظر إلى واحدة منهن. ولما حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحداً. وأمر بضرب السكة وأن لا ينقش عليها اسم. ولكنه جعل مكان الاسم من وجه «بلغت حجة الله» ومن الآخر «تفرّق أعداء الله». ونقش على السلاح «عدة في سبيل الله» ووسم الخيل على أفخذاها «لله» وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن والقليل من الطعام الغليظ».
ومما دفعنا إلى سرد هذه الفقرة الطويلة من الكامل في التاريخ شعوري بقيمتها التاريخية سيما في خصوص أبي عبد الله الداعي اليمني: فهي تلخيص لسلوكه السياسي وحذقه في التأثير على النفوس وكسبها ولعل ذلك هو سر نجاح الدعوة التي قام بها في الديار المغربية. ونراه يدخل رقادة محفوفاً بالحلم والتفهم والتسامح والتقوى متقياً شر الغرور حتى أنه لا ينسب انتصاره إلى دهاء في القيادة ولا إلى قوة العتاد بل ينسبه إلى الله مؤمناً أن في ذلك ما تهواه نفوس الأعيان والجماهير وترتاح إليه. ويبدو لنا أبو عبد الله الداعي وقد تحلّى بجمال البساطة في العيش إذ كان يزهد في زينة الحياة ولذاتها.
وتفيدنا هذه الفقرة أيضاً بما كان يمتاز به أبو عبد الله الداعي من خبرة وعميق التجربة وحذر ذلك ما نستشفه من وراء ما نقش على السلاح ووسم أفخاذ الخيل: أبى ذكر اسم الخليفة المهدي ما دام سجين مدينة سجلماسة بجنوب المغرب الأقصى.
وإذ قد يطول بنا الحديث في تعليقنا على هذه الفقرة من «الكامل في التاريخ» نؤثر الاكتفاء بالإشارة إلى موقف المؤرخ نفسه فابن الأثير من عائلة سنية ومع ذلك تراه يقدم الأحداث دون تشويه ولا تشكيل، فهو يقدمها وكأنه يقرأها.
ومن الذين أرّخو لبني عبيد تتوجب الإشارة إلى المقريزي وإلى ابن خلدون: عاش الأول في القرن الخامس عشر ميلادياً وعاش الثاني من سنة 1332 إلى سنة 1406 ميلادياً. تحدث المقريزي عن الدولة العبيدية في «الخطط المقريزية» وفي «اتّعاظ الحنفا» وخصص عبد الرحمن بن خلدون لدولة الفواطم فصلاً من فصول «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».
ولا بد لدارس الدولة الفاطمية من أن يعود إلى «رسالة افتتاح الدعوة» للقاضي النعمان وكان مكلفاً بخطة «قاضي القضاة» الدولة الفاطمية في أيام المعز. وقيمة هذه الرسالة لا تخفى على أحد إذ هي تمدّنا بوجهة نظر الأوساط الشيعية الرسمية والدولة الفاطمية إذ ذاك في أوج سلطانها. أضف إلى ذاك أن رسالة القاضي النعمان تعدّ وثيقة معاصرة للأحداث التي تضمنتها، إذ الفاصل الزمني بين المؤلف والأحداث التي أوردها لا يتجاوز نصف قرن. وأثبتت وداد القاضي محققة الرسالة أن جلّ المؤرخين اللاحقين من ابن الأثير وابن خلدون والمقريزي وغيرهم نقلوا عما أورده القاضي النعمان في «رسالة افتتاح الدعوة».
تقول وداد القاضي في هذا الصدد: «أما الأمر الثاني أعني قرب القاضي النعمان نسبياً من زمن الدعوة فقد جعل (رسالة) الافتتاح نفسها مصدراً يأخذ عنه المؤرخون سواء أشاروا إلى ذلك أو لم يشيروا إليه، كل بقدر اهتمامه وبحسب غرضه حتى إن كان كاتباً مبكراً مثل محمد بن محمد اليماني صاحب «سيرة الحاجب جعفر» (التي كتبت قبل 305) أحال على «افتتاح الدعوة» عندما أراد أن يتحدّث عما سميته «مرحلة التسلسل» في دور أبي عبد الله الداعي في إقامة الدعوة…».
وتضيف وداد القاضي: «غير أن افتتاح الدعوة لم تكن مصدراً لكتاب التاريخ الإسماعيليين وحسب بل اتّخذها المؤرخون الآخرون مصدراً أساسياً لهم فيما يبدو، فمعظم ما جاء في كتاب «الكامل» لابن الأثير عن قصة الدعوة يمكن أن تتبع أصوله في رسالة «الافتتاح» وكثيراً ما نجد العبارة نفسها منقولة فيه كما وردت عند القاضي النعمان فهو يبدو وكأنه تلخيص انتقائي للأحداث من مادة كتاب القاضي النعمان.
أما الفصل الخاص بالعبيديين في «عبر» ابن خلدون فإنه يمثل تتبعاً دقيقاً مبنياً على الاختصار لتطور الدعوة كما عرضها القاضي النعمان في «الافتتاح».
ومما لا يجوز نسيانه عند دراسة مظاهر الحضارة التي عرفتها ديارنا في ظل بني عبيد كتابان أولهما «المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب» وهو كما تعلمون من تأليف عبيد البكري الأندلسي المتوفى بمدينة قرطبة سنة 1094 ميلادياً. وقد وصف البكري في كتابه الآنف الذكر المهدية كما أشار إلى المنصورية تلك التي أسسها الخليفة المنصور غداة انتصاره على صاحب الحمار.
أما الكتاب الثاني الذي يستحسن الرجوع إليه عند دراسة ما أنجزته الدولة العبيدية في بلادنا فهو لأبي محمد عبد الله بن محمد بن أحمد التجاني. وهو الكتاب المعروف برحلة التجاني، لقد تعرض التجاني في رحلته إلى المهدية ومؤسسها ومعالمها كما أشار إلى صبرة المنصورية.
تلك بعض المصادر الأدبية التي لا بد من استشارتها إذا أردنا الإحاطة بأخبار الدولة العبيدية والتعرّف على سياستها ونظمها وإنجازاتها، على أن هذه المصادر الأدبية لا تكفي مؤونة إذا أردنا تجاوز الأحداث السياسية والوقائع الحربية فلا بد لدراسة حضارية من الرجوع إلى ما خلفته الدولة العبيدية في بلادنا من معالم وتحف مختلفة من زخرفة وآنية وعملة إلى غيرها من مظاهر الحضارة وروائع الفن، لذلك تتوجب الإشارة إلى المصادر الأثرية. هنا ينبغي الاعتراف بأن الآثار الفاطمية لم تحظ بما تستحقه من العناية، وهذا مأتاه ظروف عديدة مختلفة قد يطول عرضها وشرحها، فمعروف أن سلطات الحماية الفرنسية كانت تهمل قصداً مخلفات الحضارات العربية الإسلامية على أن بعض المستشرقين أبدوا بعض الاهتمام تجاه الفنون الإسلامية، أذكر من هؤلاء المستشرقين جورج مرسي Gorges Marsais ولويس بوانسو Louis Poinssot وقد ألّفا كتاباً عنوانه: Objets Kairouanais يمكن أن نعربه إلى «أعلاق قيروانية».
درس المؤلفان ضمن هذا الكتاب فنون التفسير والزجاج والنحاس والبرونز والحلى في الفترة التي تمتد بين القرن التاسع والقرن الثالث عشر ميلادياً. وتعرض جورج مرسي إلى بعض المعالم الفاطمية في كتابه «الفن الإسلامي بالمغرب»: L’Art Musulmun de l’occident والملاحظ أن كلاًّ من جورج مرسي ولويس بوانسو لم يقوما بحفريات في المواقع الفاطمية بل اقتصرا على دراسة تحف وجداها بالقيروان أو عند بعض الخاصة أو في المتاحف.
وفيما يتعلق بالحفريات تجدر الإشارة إلى موقعين أساسيين بالنسبة لمظاهر الحضارة في بلادنا أيام العبيديين وهذان الموقعان هما المهدية وصبرة المنصورية، ووجد كلا الموقعين عناية كبرى من لدن الأستاذ سليمان مصطفى زبيس وهو من كبار المناضلين في سبيل تراثنا الأثري، لقد أنجز حفريات بالمهدية وأنجز أخرى بعاصمة المنصور.
أما الحفريات بالمهدية فلقد تمكّن من إنجازها منذ سنة 1952 بالمهدية واعتنى بخرائب صبرة في الخمسينات كذلك وأسفرت أعماله على مكتشفات هامة نذكر منها قصر القائم بالمهدية بل هي أطلال ضئيلة تمكّن بفضل خبرته من إزاحة التراب عنها وهي توجد بمكان قريب من القلعة التركية وقد احتلته مقبرة كانت قبورها ظاهرة تزاحم الجدران العتيقة حسب عبارة الأستاذ زبيس. أما الأسبار التي أنجزها بعاصمة المنصور فنتيجتها كانت كشف الغطاء على بعض القاعات دون تحديد البناية التي إليها تنتمي، على أن الحفريات أعطت كمية وافرة من كسرات الخزف المطلي المزخرف وكسرات الجص المنحوت وكسرات البلور.
فكل هذه المكتشفات قدم الأستاذ زبيس حولها دراسة نشرتها المجلة الآسيوية (J. Ataiquies) في عددها الصادر سنة 1956، وعاد إليها بالدرس في عرض آخر نشرته المجلة الأثرية (Bulletin Archeologique) في عددها الصادر سنة 1957 م وكلا المجلتين فرنسية وكانت الفرنسية لغة المقالين.
والمؤمل أن الآثار الفاطمية عندنا ستحظى في مستقبل قريب بحظ أوفر وعناية أكبر حيث يوليها الأستاذ إبراهيم شبوح ما تستحقه من الأهمية وما انفكّ يشير إلى خطورة التنقيب في هذا الميدان فلقد أنجز هو بنفسه سلسلة من النصوص والدراسات المتعلقة بأيام الفاطميين في أفريقيا ثم نراه يتأهب للقيام بعمل في صبرة بالاشتراك مع فريق من الأثاريين الفرنسيين، ولا شك أن هذا العمل المشترك سوف لا يقتصر على آثار صبرة بل لا بد أن يشمل أم القرى الفاطمية في تونس أعني المهدية.
ونأمل أن تسفر هذه الحفريات على نتائج هامة تسد الثغرات وتعزز أو تصوب بعض النظريات.
وما من شك أن المصادر الأثرية تشمل التحف المعروضة في قاعات المتاحف في تونس العاصمة وغيرها من المدن كسوسة والمنستير ولعل يوماً يأتي تأوي فيه المهدية متحفاً يكون مخصصاً للآثار الفاطمية يؤمّه الدارسون والهواة.
تلك إشارة عابرة إلى المصادر الأثرية التي لا مناص من العودة إليها واستشارتها كلما أردنا دراسة حول العبيديين وحضارتهم في تونس وحضارتهم حضارتنا. أما الدراسات في الغرض فقد لا تحصى ولا أرى فائدة في سردها وقد يتولد عن السرد الضجر والسآمة. فلنكتف بذكر القليل منها، كنت ذكرت دراسات الأستاذ سليمان مصطفى زبيس وذكرت اسم جورج مرسي (G. Marcais) وتجد الإشارة إلى اسكندر ليزين وكان قد اعتنى عناية كبرى بمدينة المهدية فهو الذي أشرف على ترميم الجامع الكبير وألّف كتاباً عنوانه، «المهدية: بحوث حول الآثار الإسلامية» صدر في باريس سنة 1966 ومن الذين كتبوا عن المهدية والفاطميين عامة باللغة العربية نخص بالذكر حسن حسني عبد الوهاب وقد تعرّض لعاصمة عبيد الله في الجزء الثاني من الورقات. وعرف سليمان مصطفى زبيس بالمعالم الفاطمية في كتابه: «بين الآثار الإسلامية في تونس» صدر بتونس سنة 1963.
فعلى ضوء هذه المصادر الثرية والدراسات العلمية السخية نود أن نتعرف على ما خلفه الفاطميون في بلادنا أو قل نتعرف على بعض مظاهر الحضارة التي أينعت في بلادنا وقد سخرت لإرساء سلطانها طاقات إفريقية قد يطول الحديث في هذا الشأن ولا بد من عديد الدراسات والكتب لاستيعاب مظاهر الحضارة الفاطمية في بلادنا، ونرجو أن تبرز الكتب والدراسات غزيرة حول هذا القطاع من تاريخنا وحضارتنا.
فواضح أن المجال فسيح ويعسر علينا الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه، فلا بد من الاختيار وفي الاختيار كما تعلمون حرمان. فاخترنا أن لا نعود إلى الأحداث السياسية والوقائع الحربية ولا إلى الخصومات المذهبية مع العلم أن الدراسات حول هذه المواضيع تمتاز بالغزارة والعمق وجديرة أن تحظى بفائق العناية. لكن عرضاً كالذي أقدم لا يستوعب كل ما نود دراسته ومعرفته من ذلك الاختيار واخترنا أن يقتصر كلامنا على تقديم المدينتين العبيديتين: المهدية وصبرة وعلى بعض ما كشف عنه الغطاء أثناء الحفريات والأسبار، وقد نشير أيضاً إلى مكتشفات أخرى حديثة ما زالت تحت الدرس في مكاتب الأخصائيين.
المهدية
جاء ذكر المهدية في نصوص عديدة منها رسالة الافتتاح للقاضي النعمان، لكن البكري يعد من أقدم الجغرافيين الذين وصفوا المهدية ووصفوا ميناءها وسورها وأبوابها. يبدأ البكري حديثه عن المهدية بضبط موقعها انطلاقاً من القيوران: «مدينة المهدية منسوبة إلى عبيد الله المهدي الذي بناها على ما ذكر في التاريخ وبينها وبين القيروان ستون ميلاً تخرج من القيروان فتنزل منزل كامل ثم تخرج منها فتأتي المهدية».
ثم يذكر البكري صلة المدينة بالبحر يحيط بها من ثلاث جهات ـ يقع مدخل المدينة من الجانب الغربي ـ ويضيف البكري أن لها «ربض كبير يعرف بزويلة فيه الحمام ومساكن أهلها» ثم يتطرق الجغرافي القرطبي إلى وصف بابي المدينة وهما من حديد «لا خشب فيهما» يزن كلاهما ألف قنطار وطول كليهما ثلاثون شبراً وبالبابين مسامير الواحد منها وزنه ستة أرطال، ويضيف الكاتب أن «في البابين صور الحيوان». إن في هذه الإشارة العابرة إلى زخرفة البابين تعبيراً عما كان يمتاز به الفن الفاطمي من حيث إقباله على تصوير الأحياء من حيوان وإنسان فضلاً عن صور النبات، فالمذهب الشيعي لا يتحرج من تطعيم الفن بصورة الأحياء رسماً ونحتاً على الحجارة والمعدن والخشب كما سنتعرض إليه بعد حين. ثم يتحدث البكري عن تزويد المدينة بالمياه الصالحة فيذكر مواجلها العظام وكان عددها ثلاثمائة وستين زيادة عن الماء الجاري في قناة أمر عبيد الله ببنائها. فالماء المجلوب من قرية منانش يصب «في صهريج داخل المهدية عند جامعها ويرفع من الصهريج إلى القصر بالدواليب».
وأورد البكري وصفاً لميناء المهدية يقول: «وهي مرفأ لسفن الإسكندرية والشام وصقلية والأندلس وغيرها. مرساها منقور في حجر صلد يسع ثلاثين مركباً، على طرفي المرسى برجان بينهما سلسلة من حديد فإذا أريد إدخال سفينة فيه أرسل حراس البرجين أحد طرفي السلسة حتى تدخل السفينة ثم مدوها كما كانت بعد ذلك لئلا يطرقها مراكب الروم».
وفيما يتعلق بمعالم المدينة يكتفي البكري بذكر السور وأبراجه وبذكر القصور والمنازل والجامع ويثبت أن الجامع شيّد على أرض أفتكها عبيد الله المهدي من أمواج البحر وقد عمد إلى ردم البحر توسيعاً لرقعة شبه الجزيرة، فلقد تم إرساء الجامع على الردم وكذا دار المحاسبات. ويذكر البكري أيضاً دار الصناعة وكانت على حد قوله بشرقي دار الخليفة عبيد الله «تسع أكثر من مائتي مركب وفيها قبوان كبيران طويلان لآلات المراكب وعددها لئلا ينالها شمس ولا مطر». تلك بعض المعلومات حول مدينة المهدية أوردها البكري في المغرب.
ومن الذين تحدثوا عن المهدية التجاني في رحلته التي يعود تاريخها إلى بوابة القرن الثامن هجرياً الموافق لبداية القرن الرابع عشر ميلادياً. ونالت المهدية حظها في رحلة التجاني حيث خصها بصفحات عديدة أورد فيها ظروف تأسيسها ووصف موقعها وسورها وذكر العديد من معالمها كالقصور والميناء ودار الصناعة والجامع والصهاريج والقنوات. لكنها إشارات مقتضبة لا تشفي الغليل وكذلك الأمر بالنسبة لياقوت الحموي مؤلف «معجم البلدان» الذي عاش من سنة 1179 إلى سنة 1229 ميلادياً.
ومن ذلك يتبين أن كتب المؤرخين والجغرافيين القدامى لا تكفي من أراد التعرف على عاصمة عبيد الله المهدي ولا بد له من الرجوع إلى الوثائق الأثرية، فهل تمكن علماء الآثار من كشف الغطاء على بعض المعالم الفاطمية بالمهدية وهل أفلحوا في دراستها؟ لقد أشرنا منذ حين إلى حفريات وأسبار أشرف عليها في الخمسينات الأستاذ مصطفى زبيس فضلاً عن الدراسات التي قام بها جورج مرسي (G. Marcais) واسكندر ليزين (Alexandre Lezine) وذكرنا هؤلاء على سبيل المثال دون حصر.
فمن بين المعالم الفاطمية التي صمدت لصروف الدهر في المهدية تجدر الإشارة إلى الجامع وباب زويلة المعروف الآن بالسقيفة الكحلاء على أنهما لم ينجوا من تغيير أدخل عليهما عبر القرون وبتعاقب الدول. ومن آثار العبيديين بالمهدية بقايا السور ومنها المرفأ ومنها خرائب قيل إنها ما بقي من قصر القائم وقيل إنها أطلال قصر الخليفة عبيد الله.
فعلى ضوء هذه الوثائق الأثرية يتّضح أن الفن المعماري بعاصمة عبيد الله يمتاز بالقوة والجمال مع البساطة أحياناً سيما في الجامع الكبير. لقد كان الأغالبة يستخدمون الطوب في بناياتهم أما عبيد الله المهدي فكان يؤثر الحجر الصلد. كان يريدها بنايات قوية تليق بسلطان الخليفة وعزته، بل يبدو أن شعور الخليفة بالعزة العميق وإيمانه بتفوقه على غيره من بني البشر باعتبار انتسابه إلى سلالة علي وفاطمة ذلك الشعور وذلك الإيمان يتجلى تأثيرهما في مختلف البنايات الرسمية من ذلك أن مدخل الجامع صيغ وكأنه قوس نصر له ثلاث أبواب: باب فخم عريض شاهق يحتذيه يميناً وشمالاً بابان صغيران ويرى بعضهم أن الباب الكبير مخصص للخليفة وحاشيته والبابان الصغيران لعامة الناس. ومن العناصر الجديدة في جامع المهدية آنذاك رواق يتقدم بيت الصلاة ومعلوم أن بيوت الصلاة في عهد الأغالبة تفتح على الصحن مباشرةً، وما قد يبدو رواقاً في جامع القيروان يمثل في الحقيقة إضافة لبيت الصلاة.
وتثبت المكتشفات أثناء الحفريات أن المعالم كانت لا تخلو من روائع الزخرفة، فأطلال القصر الذي كشف عنه الغطاء مصطفى زبيس تثبت أن جدران البناية كانت من حجارة مستوية السطوح وتجدر الإشارة كذلك إلى وجود كسوة تغطي الجدران من الداخل وهي من ملاط صلب دقيق عليه كان يحمل بعض الرسوم. على أن الأستاذ مصطفى زبيس لم يعثر على ما قد يشير إلى طلاء أو رسوم.
ومن روائع هذه الحفرية لوحة من الفسيفساء كانت مفروشة في إحدى قاعات القصر وتمسح اللوحة ما ينيف عن 60 متراً مربعاً ومنها قطعة نقلت إلى متاحف باردو. ولا يخفى ما ترتديه هذه اللقية من قيمة تاريخية، ففضلاً عما تشير إليه من رقة ذوق العبيديين وميلهم إلى الجمال والبذخ وتشجيعهم للفن وأصحاب الصناعات، تراها تثبت أن فن الفسيفساء لم ينقرض من بلادنا بدخول العرب إليها والمرجح أن أولي الأمر والأثرياء كانوا يقبلون عليه ويشغلون من يحذقه، ويستنتج مصطفى زبيس أنه يتوجب على دارسي الفسيفساء بتونس ألا ينسوا إمكانية وجود ألواح تعود إلى أيام الأغالبة أو إلى أيام الفواطم مثلاً.
صبرة
لقد أشار بعض المؤرخين والجغرافيين إلى صبرة المنصورية لكنهم لم يدروا علينا بسخائهم كما فعلوا عند حديثهم حول المهدية. فاكتفى البكري بقوله: «ومدينة صبرة متصلة بالقيروان بناها إسماعيل سنة 447 هـ واستوطنها وسماها المنصورية وهي منزل الولاة إلى حين خرابها ونقل إليها معز بن إسماعيل أسواق القيروان كلها وجميع الصناعات ولها خمسة أبواب: الباب القبلي والباب الشرقي وباب زويلة وباب كتامة وهو جوفي وباب الفتوح ومنه كان يخرج بالجيوش ويذكر أنه كان يدخل احد أبوابها كل يوم ستة وعشرون ألف درهم.
ذاك ما أورد البكري حول مدينة صبرة المنصورية ولا تجد أكثر دقة عند غيره في هذا الشأن. فلنتجه إلى المصادر الأثرية إذن! لكن هي الأخرى تمتاز إلى يومنا بعدم سخائها ويعود ذلك إلى خرابها وما أصيبت به من نهب الأعراب بعد أن هجرتها صنهاجة.
وكانت الطامة الكبرى لما عمد الحفصيون إلى إعادة مجد القيروان وحرصوا على إحيائها وتنشيطها فأبوا إلا أن يجددوا سورها وبعض معالمها ويقيمون بعض الزوايا والمساجد كزاوية عبيد الغرياني، ولإنجاز هذه المشاريع المعمارية تحولّت خرائب صبرة إلى محجر يأخذون منه الأساطين والأحجار المفصلة والرخام والآجر واستخدمت مواد في معالم القيروان. ويقول الأستاذ إبراهيم شبوح في هذا الصدد: «ولكن الفترة الحسينية كانت أشد وطأة على آثار صبرة إذ نقب عن دورها لاستخراج الآجر والصخور وبقية الأساطين لتجدد سور القيروان سنة 1706 وهو السور الباقي إلى اليوم والذي تحصن به حسين باي أثناء الفتنة بينه وبين أخيه علي باشا.
ولعل من أهم ما حفظه لنا هذا العمل استخدام قطع رخامية كعضائد على باب تونس الحالي وتشتمل على نص تأسيسه بخط كوفي جميل. كانت هذه القطع تتوج أحد أبواب مدينة صبرة وتحتوي على تاريخ 437 هـ. وهو تاريخ بناء السور. ونص: «هذه مدينة عز الإسلام».
على أن صبرة ظلت محجراً يؤمه الناس لجمع الحجارة والآجر طيلة العهد الحسيني ولم تعتن سلطات الحماية بحمايتها. وأول من أحاط خرائب صبرة بعنايته وألحّ على أهميتها هو الأستاذ مصطفى زبيس ولقد قام بأول حفرية هناك سنة 1951 م، ونشر حول ذلك فصلين كليهما بالفرنسية. نشر الأول في الجريدة الآسيوية سنة 1956، ونشر الثاني بالمجلة الأثرية سنة 1957، وقد كنا أشرنا إليهما أثناء هذا الحديث. على أن البناية التي كشف عنها الغطاء تحت إشراف الأستاذ زبيس جدرانها من الآجر المجفف تحت أشعة الشمس، ولئن وجدت بعض الوحدات من الآجر المشوي فلقد كانت مبعثرة تساقطت أثناء تحطم الجدران من لدن من كان يسعى وراء إحراز الحجارة والآجر المشوي. وكانت الجدران تحمل كسوة من الجص المنحوت أو المحفور تارة وتكون الكسوة تارة أخرى مربعات خزفية مختلفة الشكل والزينة.
وفيما يتعلق بتبليط الغرف والقاعات فكانوا يستخدمون مربعات من الطين المشوي ضلع المربع منها 30 سنتمتر وكانوا يستخدمون الآجر وأحياناً يكتفون بملاط مصقول يتركب من رماد وكسرات الخزف وتوجد في خرائب المدينة مواد أخرى استخدمت للتبليط كعجين الزجاج وصفائح من الصلصال كالفخار كانوا يعطونها أشكالاً هندسية مختلفة.
أما الأسبار التي أنجزها الأستاذ إبراهيم شبوح بعد تحديد المنطقة التي يمكن العمل فيها فلقد أعطت نماذج من الزخارف الجصية تذكر بطراز سامراء بعضها مطلي بلون أزرق.
وفي أحد الأسبار اكتشف جزء من رأس تمثال آدمي وهذا يجرنا إلى حديث عن بعض مميزات النظرة الفنية عند العبيديين.
فإذا تأملنا قطع الجص المنحوت أو المحفور وتأملنا في زخرفة الخزف أو الخشب واعتبرنا كذلك النحت على الحجارة والرخام تيسرت لنا الإحاطة بهذا العالم الفني الذي لا يطابق ما عهدناه في دنيا بني الأغلب.
فالفنان الفاطمي يستلهم الأشكال الهندسية ويستوحي الطبيعة وجمال نباتها لكنه لا يتحرج من تصوير الحيوان والإنسان، فهذه قطعة من الخزف عثر عليها في خرائب صبرة تمثل قواساً يتأهب لرمي نبله، وأخرى تمثل تصارع بطلين تحيط بهما نسور، وقطعة ثالثة نشاهد عليها رأس رجل له لحية مذببة وشعره ملقى على عاتقه ضفائر. أما صور الحيوانات على الخزف والجص والحجر والخشب والبرونز والزجاج فعديدة مختلفة، تجد الحصان والأسد والطيور كالببغاء والنعام والسمكة. ويطيب لنا أن نشير في هذا الصدد إلى لوحة من رخام أبيض عثر عليها بالمهدية طولها 53 سنتمتراً وعرضها 36 سنتمتراً ونشاهد على هذا اللوح الرخامي لقطة من حياة الخليفة الفاطمي في قصره، فهي نحوت نصف بارزة تمثل شخصين جالسين، فلنستمع إلى المؤرخ الفقيد حسن حسني عبد الوهاب يصف لنا الصورة حيث يقول في الجزء الأول من ورقاته: «صورة نصف بارزة تمثل شخصين جالسين الأولى (جهة اليمين) أمير عربي متربع وعليه حلة حربية على زنديها توشيح طراز جميل وعلى رأسه تاج مرصع بالأحجار الثمينة ويتفرع التاج من أعلاه إلى ثلاث أفراع مثلثة الشكل على نمط التيجان الكسروية عند الفرس وفي وسط الأمير نطاق محلى أيضاً بالجواهر وبيده اليمنى كأس أو جام من البلور وبجانب الأمير (الجهة اليسرى) صورة مغنية متربعة أيضاً وبيدها مزمار طويل تنفخ فيه.
والظن الغالب أن الأمير الممثل هنا هو رابع الفاطميين (الملقّب بالمعز لدين الله) وكان مشهوراً بوضع التاج على رأسه كما وصفه شعراء عصره علي بن الإيادي التونسي ومحمد بن هاني وغيرهما».
إن هذا اللوح الرخامي من الخطورة بمكان فهو على صغر حجمه يعدّ من نفائس الفن العبيدي في تونس سيما إذا اعتبرنا قيمته في تاريخ الفن الإسلامي ونظرة العبيديين تجاه الحياة. فبفضل هذا اللوح ندخل قصر الخليفة ونشاركه في حياته الخاصة وكأن اللوح تجسيم في الرخام لما قد يصوره الشاعر لفظاً. ولا شك أنه يثير بعض التساؤلات: فإذا كان الأمير الممثل هو رابع الفاطميين أي المعز لدين الله فما هو سر وجود اللوح في المهدية ونحن نعلم أن المعز كان يقيم بصبرة قبل ارتحاله إلى القاهرة؟ ترى هل وقع نقله يوم ترك بنو زيري صبرة وتحصّنوا بالمهدية؟ قد يكون! على أنني شخصياً أرى من العسير البتّ في هذا الأمر ولا أرى ما قد يعزز أو يفنّد ما افترضه حسن حسني عبد الوهاب فيما يتعلق بتعريف الخليفة المصور على ذلك اللوح الرخامي.
وفي الحديث عن الفن الفاطمي بتونس لا بد من الإشارة إلى تحفة يتباهى بها المتحف الإسباني بمدينة مدريد وتتمثل التحفة في صندوق مزخرف ومرصع بالحجارة الثمينة وعليه كتابة سطرت حروفها على العاج، وتفيد الكتابة أن الصندوق من صنع مدينة صبرة أيام المعز لدين الله. فلا مراء! إن هذا الصندوق من أروع ما نعرفه عن الفن العبيدي قبل ارتحال الدولة الفاطمية إلى مصر. فرجائي أن يتبنى أحد الأخصائيين مشروع جمع كل هذه الروائع الفاطمية ويقدّمها للقرّاء وهواة الفن في طبعة بالألوان أنيقة. فبمثل هذه الإنجازات ينمو الذوق ويصقل ويتغذى شعور الفرد والمجموعة بتأصلهم وانتمائهم إلى أرض مقدسة سخية العطاء تعطيهم كلما أحسنوا لها ولأنفسهم.
تلك بعض النماذج مما نعرفه حتى الآن عن مظاهر الفن الفاطمي في بلادنا ولا شك أن حفريات المستقبل في المهدية وصبرة وغيرهما من المدن التونسية ستثري معلوماتنا حول الحضارة في أيام بني عبيد. على كل فالفن الفاطمي لم يترقب انتقال المعز إلى القاهرة ليبلغ أشده وليكون فيضه، لقد غادر الفاطميون بلادنا وخلفوا حضارة مزدهرة وعمل بنو زيري على مواصلة العمل وإثراءه فعلى الباحثين أن يتآزروا لدراسة هذه الحقبة من تاريخ بلادنا وحضارتها.
ومعروف أن مشاريع الدولة العبيدية لم تقتصر على المهدية وصبرة وجلوله حيث بنى المنصور قصراً ما زالت جدرانه قائمة، بل أنفقوا على بعض المعالم في مدينة تونس منها ترميم وتوسيع جامع الزيتونة تحت إشراف ابن البرجيني وهو الذي بنى حماماً فاطمياً تم اكتشافه صدفة في الأشهر الأخيرة وهو الكائن بسوق الفرانة بتونس العاصمة، وتثبت النقيشة وقد قرأها الأستاذ إبراهيم شبوح أن الحمام يعود إلى سنة 379 هـ. أمر ببنائه قاضي القضاة وجعله حبساً على الفقراء والمساكين.
محمد فنطر
وعن الشعر في عهد الفاطميين في تونس يقول محمد المرزوقي.
وليست للجوائز السنية وحدها التي كان يتلقاها الشعراء من الأمراء الفاطميين التأثير الفعّال في ازدهار سوق الشعر في ذلك العصر بل إن معرفة الأمراء أنفسهم بأساليب الشعر وقواعد نقده وقدرتهم على مجارة الشعراء في نظمه قد أعان الشعراء على نظم الجيد منه واقتناص المعاني الشاردة وابتكار الجديد.
فعبيد الله المهدي رأس الدولة الفاطمية كان شاعراً مجيداً وإن لم يحتفظ لنا التاريخ إلاّ بقليل من نظمه من ذلك قوله متحمساً:
من كان مُغْتَبطاً بلين حشيَّةٍ
فحشِيَّتِي وأريكتي سَرْجِي
من كان يُعْجِبُهُ وَيُبْهِجُهُ
نَقْرُ الدّفُوفِ وَرَنَّةُ الصَّنْجِ
فإنا الذي لا شَيْءَ يُعْجِبُنِي
إلا اقتحامِي لجَّة الوَهْجِ
ومن شعر ابنه القائم بأمر الله يخاطب أعداءه العباسيين خلفاء بغداد:
ألا إنّ حَدّ السيفِ لذي الوَصَبْ
وأحْرَى بنيلِ يوماً إذا طُلِبْ
ألمّ ترَنِي بعتُ الرّفَاهَةَ بالسُّرَى
وقمتُ بأمر اللّهِ حقّاً كما وَجَبْ
ومنها:
ونَاديْتُ أهل الغَرْبِ دَعْوَةَ وَاثِقٍ
بربّ كرِيم من تولاّهُ لم يَخِبْ
فَجَاؤوا سِرَاعاً نَحْوَ أصَيَدَ مَاجِدٍ
يُنَادُونَهُ بِالطّوْعِ من جُمْلةِ العَرَبْ
وسِرْتُ بخيلِ اللّهِ تلقاهَ أرْضِكُمْ
وقد لاح وجهُ الموتِ من خللَ الحُجُبْ
إلخ.
وقد برزت في الشعر الفاطمي ظاهرة الوصف بروزاً واضحاً جلياً ولعلها من تأثير ابن هانىء في الوسط الشعري وابن هانىء نشأ بالأندلس مهد الوصف الشعري ونبغ من الوصافين ابن هانىء وابن الإيادي فكلاهما ترك لنا قصائد رائعة في وصف المعارك الحربية البرية ووصف الجيوش والأساطيل والقصور والأثاث والبساتين بما يعجز الناثر عنه كوصف ابن هانىء لأسطول المعز بالمهدية، ولجيشه المرتحل لفتح مصر، وأضاف ابن الإيادي لقصر المنصور بصبرة، أو لفرس الأمير جعفر بن القائم، ولأسطول القائم بالمهدية.
محمد المرزوقي
الفن الفاطمي
تعدّ المرحلة الفاطمية في مصر إحدى ألمع الحقب في تاريخ الحضارة الإسلامية، وتميّزت بإبداعها الفني الذي تجسّد بالأخص في فن الخزف وفي العمارة التي نتعرف عليها في مجموعة مهمة من الجوامع التي تعتبر من أجمل نماذج العمارة الإسلامية. غير أن الفاطميين، قبل أن يسيطروا على مصر العام 969، كانوا بسطوا نفوذهم في تونس حيث شيّدوا أول صروحهم المعمارية. صحيح أن هذه الصروح ليست بأهمية العمارة الفاطمية في مصر، لكن دراستها أمر لا بد منه لفهم الفن الفاطمي الأول ولاستيعاب المؤثرات التي حملها الفاطميون من تونس إلى مصر.
تركزت الدولة الفاطمية الأولى في تونس العام 909 بعد أن تمكّنت من هدم دولة الأغالبة وطرد زيادة الله، آخر ملوكها. وكان الأغالبة حكموا تونس لمدة قرن (800 ـ 908) متخذين القيروان عاصمة لهم ومنطلقين منها لنشر سلطتهم في مناطق عدة من البحر المتوسط إلى ذلك، كانوا من كبار مشجعي الفنون، فصارت القيروان في عهدهم مركزاً ثقافياً وسياسياً. ومن أبرز المباني التي شيّدوها جامع القيروان الكبير الذي يعد من روائع العمارة الإسلامية ويتميز بمداه الشاسع وبمئذنته المربعة المستوحاة من المآذن السورية.
بعد القضاء على الأغالبة، ثبت الدعاة الفاطميون بقيادة عبيد الله حكمهم وأقاموا في رقادة، ضاحية القيروان. ثم قام عبيد الله ببناء عاصمة جديدة لهع سماها المهدية تقع على الساحل التونسي على بعد ستة عشر ميلاً إلى الجنوب الشرقي من القيروان. وجاء اختياره لموقع المهدية بعد فشل هجومه على مصر حوالي العام 913، وحتى يكون أكثر استعداداً لتحقيق طموحاته العسكرية. بدأ العمل في المهدية العام 916، واستقر عبيد الله فيها حوالي العام 921، لكن لم تبق لنا إلاّ أثار قليلة منها. وتؤكد التنقيبات الأثرية على أن المدينة كانت محصّنة بقوة، وكانت تضم داراً للإمارة وقصرين، بالإضافة إلى المرفأ والجامع الكبير. على كل حال لم تكن المهدية مدينة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل شكّلت مركزاً إدارياً يضم أحياء سكنية وتجارية.
يعدّ جامع المهدية أثر فاطمي في تونس، وهو ـ باستثناء واجهته الشمالية ـ متهدّم وأعيد بناؤه مرات عدة آخرها العام 1966 عندما خضع لعملية ترميم شاملة. لكن الدراسات التي أجريت قبل البدء بالترميم تشير إلى أن مخطط الجامع يتبع بصورة عامة مخطط جامع القيروان، أي أنه كان يتألف من قاعة للصلاة ومن صحن تحيط به أروقة. أما المحراب الموجود في جدار القبلة فكانت تعلوه قبة تستند إلى أعمدة حجرية ضخمة غير أن العنصر الجديد الذي يطالعنا للمرة الأولى في هذا الجامع، إذ لم يسبق أن تعرّفنا على مثله في الجوامع الأخرى، هو الباب الضخم النافر في جدار المسجد الذي نعبر منه إلى الصحن المربع. ويحيط بهذا المدخل بابان أصغر حجماً، وهو يذكر بأقواس النصر الرومانية وبمداخل القصور ومنها باب قصر خربة المفجر الأموي وباب قصر بلكواره في سامراء. وكان الحاكم الفاطمي يستعمل هذا الباب الضخم للدخول إلى الجامع خصوصاً أنه يقع بموازاة المحراب، مما يزيد من عظمته وهيبته.
بعد سيطرة الفاطميين على مصر العام 969، شيّدوا القاهرة وجعلوها عاصمة لهم. وكانوا حملوا معهم من تونس عناصر فنية جديدة امتزجت بالأساليب التي تبلورت في مصر وتجسّدت بالأخص في العمارة الطولونية ذات الطابع العباسي. ويعدّ جامع الأزهر أقدم تحفة معمارية فاطمية في مصر (بدأ القائد جوهر الصقلي بتشييده العام 970)، ولكنه خضع لتغييرات وإضافات كثيرة أفقدته هيئته الأصلية، لذا فإن معرفة تخطيطه الأول أمر في منتهى الصعوبة. لكن كريسويل، الباحث الشهير في الفنون الإسلامية، أعاد اكتشاف المخطط الأصلي الذي يؤكد أن ثمة عناصر عدة تجمع ما بين الأزهر وجامع عبيد الله في المهدية.
ويتجلى تأثير العمارة الفاطمية التونسية أيضاً في جامع الحاكم الذي شيده الخليفة العزيز عند نهاية العام 990 ما بين باب النصر وباب الفتوح. وفي العام 1002 زاد الخليفة الحاكم مجموعة من الإضافات كان أهمها الباب الحجري الضخم في منتصف واجهته الأساسية، وهو باب مستوحى مباشرة من الباب النافر لجامع المهدية، وسبق وأشرنا إليه وشبهناه بأقواس النصر. ويتميز جامع الحاكم بروعة زخرفته التي تطالعنا على المآذن والمدخل الرئيسي، وهي تمزج ما بين الأشكال الهندسية والنباتية والكتابات العربية، أما بالنسبة إلى تخطيطه، فهو يتّبع مخطط الجوامع العربية، فيتألف من قاعة صلاة تضم خمسة أروقة عقودها موازية لحائط القبلة، ومن صحن مكشوف تحيط به أروقة مسقوفة.
ثمة جامع فاطمي آخر يعكس المستوى الفني الرفيع الذي حققه النحت الجداري في تلك الحقبة، وهو الأقمر الذي أنشأه الخليفة الآمر العام 1125 في زمن فقدت الدولة الفاطمية سلطتها وغرقت في الفتن والاضطرابات. لكننا لا نجد أثراً لهذا الانهيار عند دراسة الأقمر الذي يعدّ تحفة معمارية بسبب واجهته الجامعة لمختلف العناصر الزخرفية المحفورة بأسلوب رائع ومنها المقرنصات والعقود المشعّة والدوائر المتضمنة كتابات كوفية… وثمة إضافات عدّة تدفع بالبحَّاثة إلى التوقف عند واجهة هذا الجامع الصغير، أهمها أنه للمرة الأولى في تاريخ العمارة الإسلامية في مصر يقوم الفنانون بزخرفة واجهة الجامع المطلّة على الشارع العام، مركزين على تفريغ المساحات المنحوتة مما يسمح بتجسيد لعبة الضوء والظل بشكل مدهش وفريد. وكذلك، للمرة الأولى أيضاً في جامع الأقمر، تستعمل المقرنصات لأبعادها الجمالية فقط، فتعلو الأقواس التي تتوج الكوات المحفورة.
ولم تنحصر براعة فناني مصر الفاطمية في نحت الحجر بل تجلّت أيضاً في نحت الخشب والعاج. والمنحوتات الخشبية الفاطمية من أجمل التحف الإسلامية، ومنها ذو طابع تجريدي وهندسي مثل المحاريب وأشهرها محراب ضريح السيدة نفيسة (صنع ما بين العام 1138 والعام 1146) ويتميّز بقوسه المدبب وكوته المجوّفة المزينة بالأشكال الهندسية المثمنة الأضلاع والمليئة بالفروع النباتية. وبالإمكان مقارنة هذا المحراب بمحراب خشبي آخر من تلك المرحلة، وهو من مشهد السيدة رقية في القاهرة (صنع ما بين العام 1154 والعام 1160) تحت حكم الوزير الصالح طلائع، وهو عبارة عن كوة مجوفة محاطة بقوس مدبب عليه كتابة كوفية وأشكال هندسية صرفة مليئة بالفروع النباتية.
وفي عهد الوزير الصالح طلائع أيضاً شيّد الجامع الذي يحمل اسمه (حوالي العام 1160) وهو يختلف عن جامع الأقمر بسبب طابعه المتقشف والصارم، ويتميز باعتماده على مادة الخشب المستعملة بوفرة ولأغراض متنوعة مثل تدعيم الأقواس والسقف وبناء المنبر ولوازم المسجد. وهناك كذلك تلك الأسوار الجميلة الموضوعة عند مدخل واجهة الجامع بين أعمدة الأقوامس، وهي تعتمد المساحات الفارغة بين العناصر الخشبية كما هي الحال بالنسبة إلى المشربيات.
ومهما تميزت العمارة الفاطمية ببعض الخصائص الفريدة فإنها تتبنى، بصورة عامة، المفاهيم العمرانية التي تبلورت في العالم الإسلامي منذ نهاية العصر الأموي. وعلى رغم تبدل نظام الحكم، وتولي الأيوبيين ومن بعدهم المماليك السلطة في مصر، ظلّت عمارة القاهرة وفيّة للعمارة الفاطمية على رغم الإضافات الكثيرة التي حققها الفنانون.
أوراس معلوف
حسين مؤنس والفاطميون
إذا كان حسين مؤنس لم يزغ عن الحقيقة حيناً فقد زاغ عنها أحياناً زواغاً أي زواغ، وأوغل في الباطل إيغالاً أي إيغال، فمن ذلك ما نسجله فيما يلي:
ليت الدكتور حسين مؤنس كان أكثر تثبتاً وأقل عصبية في مقاله عن العدوان الصليبي، فالبحوث التاريخية لا تعالج بمثل هذه الروح، والاتهامات لا تلقى هكذا إلقاء اعتباطياً.
يقول الدكتور: كان الفاطميون يرحبون بهذا الغزو الأجنبي، يقول ذلك وهو يعلم أن هذا الغزو إنما كان يستهدف أول ما يستهدف إزالة ملك الفاطميين والقضاء على سلطانهم فيما يحكمونه من بلاد!!.، ولا نرد عليه نحن بل لنترك لابن القلانسي صاحب ذيل تاريخ دمشق أن يرد عليه بفقرات نأخذها بدون تتبع ولا استقصاء بل كيفما اتفق من صفحات تقع عليها عينانا مصادفة:
يقول ابن القلانسي في الصفحة 140 من طبعة سنة 1908: في هذه السنة «494» خرج من مصر عسكر كثيف مع الأمير سعد الدولة المعروف بالقوامسي ووصل إلى عسقلان لجهاد الإفرنج إلى أن يقول: ونهض إليه من الإفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل. ثم يفصل المؤرخ المعركة التي استشهد فيها القائد الفاطمي ثم يختم كلامه بهذه الفقرة: وعاد المسلمون على الإفرنج وتذامروا عليهم وبذلوا النفس في الكرة إليهم فهزموهم إلى يافا…» إلى آخر ما قال.
ويقول في الصفحة 141 وفي هذه السنة «495» خرجت العساكر المصرية من مصر لإنجاد ولاة الساحل من الثغور الباقية في أيديهم منها على منازلهم عن أحزاب الفرنج. (وانتهت هذه الحملة بالنصر الفاطمي أيضاً).
ويقول في الصفحة 142 وهو يتكلم عن سنة 496: في أول رمضان خرجت العساكر المصرية من مصر إلى البر والأسطول في البحر مع شرف ولد الأفضل. إلى أن يقول:
وتفرق الأسطول والعساكر إلى الساحل وكانت الأسعار بها قد ارتفعت والأقوات قد قلّت فصلحت بما وصل مع الأسطول من الغلة ورخص الأسعار إلى آخر ما قال.
ويمضي ابن القلانسي في ذكر هذا وأشباهه في معظم الصفحات إلى أن يصل إلى سنة «501» فيقول: وفي هذه السنة نهض بغدوين في عسكره المخذول من الإفرنج نحو ثغر صيدا فنزل عليه في البحر والبر ونصب البرج الخشب ووصل الأسطول المصري للدفع عنه والحماية له فظهروا على مراكب الجنوية وعسكر البر…
وفي أحداث سنة 502 يصف حصار الفرنج لطرابلس وسير الأسطول الفاطمي لإنجادها فيقول: فأيقنوا (أهل طرابلس) بالهلاك وذلّت نفوسهم لاشتمال اليأس من تأخر وصول الأسطول المصري في البحر والبر والنجدة وقد كانت غلة الأسطول أزيحت وسير الريح ترده لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضي. إلى آخر ما قال.
وإذا كان القدر أقوى من قوة الفاطميين الذين ردت الريح أسطولهم فلم يستطع الوصول في الوقت المناسب لإنجاد طرابلس.
وإذا كان القدر أعتا من كل حماسة وإخلاص ونضال فتغلب الفرنج على قوى الفاطميين كما تغلّبوا على قوى السلجوقيين، فالفاطميون عند الدكتور حسين مؤنس مسؤولون عن قوة القدر وعن عتوّه. وغيرهم غير مسؤول. وفي أحداث سنة 517 يقول ابن القلانسي: وفيها ورد الخبر بأن أسطول مصر لقي أسطول البنادقة في البحر فتحاربا فظفر به أسطول البنادقة وأخذ منه عدة قطع.
كيف ينهزم الأسطول الفاطمي؟ هذه مسؤولية الفاطميين!.
وتظل الحروب سجالاً ويظل الفاطميون على سلاحهم يلاحقون الفرنج في البر والبحر حتى تأتي سنة 546 فيقول ابن القلانسي:
وفي هذه الأيام ورد الخبر بوصول الأسطول المصري إلى ثغور الساحل في غاية من القوة وكثرة العُدّة والعدّة وذكر أن عدة مراكبه سبعون مركباً حربية مشحونة بالرجال. ولم يخرج مثله في السنين الخالية وقد أنفق عليه قرب ثلاثمائة ألف دينار وقر بمن يافا من ثغور الإفرنج فقتلوا وأسروا وأحرقوا ما ظفروا به واستولى على عدّة وافرة من مراكب الروم والإفرنج ثم قصدوا ثغر عكا وفعلوا فيه مثل ذلك وحصل في أيديهم عدة وافرة من المراكب الحربية الإفرنجية وقتلوا من الحجاج وغيرهم خلقاً عظيماً وأنفذوا ما أمكن إلى ناحية مصر وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس وفعلوا فيها مثل ذلك إلى آخر ما قال. .
هذه شذرات قليلة من كثير مأخوذة من كتاب واحد ومن صفحات محدودة تشير إلى بعض جهاد الدولة التي يقول عنها الدكتور حسين مؤنس أنها رحّبت بهذا الغزو الأجنبي. ثم لا يتورع عن القول عنها أنها كانت بلاء على الإسلام والمسلمين. ولعل من هذا البلاء أنها أورثتنا القاهرة والأزهر.
والدكتور حسين الذي لم يستطع إلا أن يعترف في مقاله بأن صلاح الدين الأيوبي قد عقد اتفاق هدنة مع الصليبيين سلمهم بسببه سلماً بلا قتال، الساحل الممتد من صور إلى حيفا.
الدكتور حسين مؤنس الذي اعترف بذلك، لم يجد فيه مأخذاً!!! فليت عفوه وتسامحه الذين شملا هذه المهادنة وهذا التسليم، قد شملا ما ادّعاه زوراً على غير صلاح الدين من مثل ذلك.
ونزيد الدكتور مؤنس أن صلاح الدين لم يسلم الصليبيين الساحل فقط، بل سلّمهم هذا وهو المنتصر في وقعة حطين!…
ونزيد الدكتور أيضاً أن صلاح الدين رفض ما عرضه عليه الخليفة الناصر بأن يمدّه بجيوش العراق ليواصل قتال الصليبيين والقضاء عليهم في فلسطين كلها، لقد رفض ذلك وآثر الهدنة والتسليم. وإذا كان الدكتور مؤنس وغير الدكتور مؤنس في شك من ذلك فليرجع إلى ما كتبه عماد الدين الأصفهاني صاحب كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي والذي كان بمثابة سكرتير شخصي لصلاح الدين وشهد كل هذه الأحداث بنفسه.
ونزيد الدكتور أيضاً بأن نور الدين أراد قبل ذلك الزحف على الصليبيين من الشام وطلب من صلاح الدين الزحف عليهم من مصر وكان صلاح الدين رفض ذلك وتمرّد على متبوعه نور الدين. أما لماذا فعل ذلك فإن ابن الأثير يكفينا الجواب، يقول ابن الأثير: وكان المانع لصلاح الدين من غزو الإفرنج الخوف من نور الدين، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الإفرنج أخذ البلاد منه فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم، وكان نور الدين لا يرى إلا الجد في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه تجهز للمسير إليه فأتاه أمر الله الذي لا يردّ.
فليت عفو الدكتور حسين مؤنس وتسامحه اللذين شملا كل هذا شملا أيضاً وهماً علق في ذهنه.
ولو كان الدكتور مؤنس أكثر تثبتاً وأقل عصبية لما كان قال: (كان أصحاب السلطان هناك في «القدس» رجال الفاطميين انسحبت قواتهم دون قتال إلى عسقلان).
وكذلك فنحن هنا لا نرد عليه بأنفسنا ونترك للأستاذ حسن حبشي صاحب كتاب الحروب الصليبية ولكل المؤرخين أن يردوا عليه. قال الأستاذ حبشي مستنداً إلى ابن الأثير وغير ابن الأثير من مؤرخي العرب والفرنج: (فوجىء افتخار الدولة ـ حاكم مصر على القدس ـ بمقدم هذه الجموع اللجبة وأدرك ضعفه عن مقاومتها فعمد إلى تسميم الآبار وطم القنوات وأخرج النصارى من المدينة وعهد بحراسة الأسواق إلى جماعة من العرب والسودان).
وقلة التثبت وكثرة العصبية تجعل الدكتور مؤنس يسمي الفاطميين باسمهم حين يحسب أنه وجد موطن ضعف. أما غير الفاطميين فلا يذكرهم أصلاً بل يمر بهم مسرعاً مجملاً الكلام: كما في قوله: في نفس المقال: (بهذا وبدون مقاومة من أهل الدول التي كانت قائمة إذ ذلك وجنودها الكثيرين وضع الصليبيون قدماً ثابتة في أرض الشام) فإذا صحّ هذا فلماذا هذه العناية بذكر الفاطميين وتخصيصهم وحدهم ما دامت الدول القائمة كلها وجنودها الكثيرون لم يقاوموا باعتراف الدكتور المؤرخ؟!
جواب الدكتور مؤنس:
كان كل ما أجاب به الدكتور مؤنس على ردّنا عليه أن استشهد بقول لكاتب أوروبي.
وكنا قد قرأنا من قبل للدكتور مؤنس مقالاً في المجلة نفسها ينعي فيه على من يستندون فيما يكتبون عن تاريخ العرب والمسلمين على كتّاب أوروبييين، جاءت فيه هذه الجملة في معرض الإنكار والتأنيب: «…كلام ينقلونه من كتب أوروبية وننقل عنهم دون تفكير أو إحساس!!..».
صدق الدكتور مؤنس… «ننقل عنهم دون تفكير أو إحساس!» والدكتور يقول في هذا المقال مدافعاً عن المسلمين المنهزمين أمام المغول: «…فإذا كان المغول قد انتصروا عليهم فلهم عذرهم».
للمنهزمين أمام القوى المغولية الطاغية عذرهم، لأنهم غير فاطميين، أما المنهزمون أمام القوى الصليبية الجارفة فلا عذر لهم، لأنهم فاطميون!!!
وإليك نص ما أجاب به الدكتور مؤنس على ردّنا عليه:
«ينكر السيد حسن الأمين ما ذهبت إليه من اتجاه الفاطميين إلى التعاون مع الصليبيين أول ما نزلوا أرض الشام».
ونعلق نحن على هذه الفقرة من رد الدكتور مؤنس بما يلي:
1 ـ لقد تراجع عن اتهامه السابق بعد أن قرأ ردنا عليه وما واجهناه به من حجج دامغة. فبعد أن كان في مقاله السابق يتهم الفاطميين اتهاماً صريحاً بالتعاون مع الصليبيين أصبح الآن يسمي ذلك: (اتجاه الفاطميين إلى التعاون).
ثم يسترسل الدكتور مؤنس في القول: ذاكراً ما خلاصته أنه عندما دخل الصليبيون أرض الشام وبدؤوا حصار أنطاكيا، توهّم رجال الدولة الفاطمية أن أولئك الصليبيين إن هم إلاّ جند مرتزقة أرسلهم أمبراطور الدولة البيزنطية لكي يعاونوه على السلاجقة وأن الأفضل وزير المستعلي أرسل إليهم سفارة ثم عادت هذه السفارة بدون نتيجة.
ثم يعترف الدكتور مؤنس بأنه لم يجد هذا القول في أي مصدر عربي وأن مصدره الوحيد في ذلك مصدر أوروبي.
ونرد على قوله هذا بما يلي:
1 ـ بفرض صحة كل ذلك ـ وهو كما قلنا غير صحيح ـ نقول بفرض صحته فهو يعترف بأن رجال الدولة الفاطمية لم يكونوا يعرفون بأن هناك غزواً صليبياً يستهدف البلاد وأنهم ظنوا بأن القادمين جند مرتزقة. ومن الطبيعي في هذه الحال أن ترسل الدولة من يستطلع حال هؤلاء المرتزقة القادمين ويكلمهم ليعلم مقاصدهم.
ثم إنه يعترف بأن الذين ذهبوا للقاء هؤلاء المرتزقة عادوا دون أن يكون للقائهم معهم أية نتيجة، وأن أي اتفاق معهم لم يحصل، وأن الدولة الفاطمية قد قاومت زحفهم وقاتلتهم وصمدت لهم ما استطاعت الصمود، ولكنهم كانوا أقوى منها، وكما انتصر المغول على المسلمين (غير الفاطميين) لأنهم أقوى منهم ـ باعتراف الدكتور مؤنس نفسه ـ كذلك انتصر الصليبيون على المسلمين (الفاطميين) لأنهم أقوى منهم. ولكن بما أن الأولين (غير فاطميين) فإن لهم عذرهم في هزيمتهم، وبما أن الآخرين (فاطميون) فليس لهم عذرهم في ذلك!. هذا هو منطق الدكتور حسين مؤنس ومنطق غيره من أمثاله أيضاً…
2 ـ إنّا نرد على الدكتور مؤنس في استشهاده على مزاعمه بأقوال الكتّاب الغربيين بما رد به هو نفسه على من يستشهدون بهم حين يبحثون شؤون التاريخ الإسلامي حين قال ـ كما ذكرنا من قبل ـ: (…كلام ينقلونه من كتب أوروبية… وننقل عنهم دون تفكير أو إحساس).
من الافتراءات على الفاطميين
يقول الدكتور عمر تدمري في بعض ما يقول: لقد جاءت الحملات الصليبية في وقت كان فيه العالم الإسلامي يعاني ـ بشكل عام ـ من الانقسامات السياسية والخلافات المذهبية، وكانت بلاد الشام التي استهدفتها تلك الحملات تعيش في وضع سياسي مفكك حيث توزعت مدنها بين حكّام وأمراء يحذر كل منهم الآخر. وكان الخلاف المذهبي بين العبيديين (الفاطميين) الإسماعيليين الشيعة في مصر، والسلاجقة الأتراك والعباسيين السنة في العراق هو أشبه بالخلاف المذهبي بين الكنيستين اليونانية البيزنطية (الشرقية) واللاتينية الرومانية (الغربية)، بل هو خلاف أشد وأدهى لطالما أدّى إلى القتال، إذ كانت بلاد الشام مسرحاً للصراع العسكري والسياسي والمذهبي بين السلاجقة والفاطميين مما جعلها منهوكة القوى عندما راحت جيوش الصليبيين تجوس خلال ديارهم (انتهى).
هذا الذي قاله الدكتور عمر تدمري بعيد كل البعد عن الحقيقة، ولا صلة له من قريب أو بعيد بالصدق والتاريخ الصحيح.
وأول ما نقوله: إنه لم يكن هناك احتكاك بين الفاطميين الشيعة في مصر والسلاجقة السنة في العراق، لسبب واضح: هو أنه عندما كان الفاطميون مسيطرين في مصر، كان البويهيون الشيعة هم المسيطرون في العراق لا السلاجقة.
كما أن بلاد الشام لم تكن أبداً مسرحاً للصراع العسكري، والسياسي، والمذهبي بين السلاجقة والفاطميين. وعندما تقدم الفاطميون من مصر إلى بلاد الشام لم يكن السلاجقة هم الذين يحكمونها، كما نرى في النص التالي:
«إن بلاد الشام يومذاك بحكم كونها منطقة نفوذ للإخشيديين آلت نظرياً، وعن طريق الإرث بعد تصفية نظامهم في مصر إلى الفاطميين، في نفس الوقت كانت منطقة هامة في حرب الثغور وأصبحت بعد فتح مصر ملجأ لفلول المنهزمين من الكافورية والإخشيدية الذين ضموا جهودهم إلى عناصر السلطة القديمة في بلاد الشام، وأصبح الخطر من جهتهم متوقعاً فقد بادر جوهر فاتح مصر الفاطمي بضمها إلى مصر، تأميناً للحدود وتوسيعاً للنفوذ الفاطمي، الذي امتدّت خطوط دفاعه فأصبحت في بلاد الشام وليست في مصر.
وكان نائبه في قيادة الحملة الكبرى جعفر بن فلاح هو الرجل الأول الذي عهد إليه بتصفية بقايا الإخشيدية والكافورية وضم بلاد الشام فعلياً إلى نفوذ الخلافة الفاطمية».
«وكان يشرف على بلاد الشام كبير الأُسرة الإخشيدية، أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج الذي كان مركزه دمشق، وكان على طبرية وحوران والبثنية([591]) ولاة من عرب بني عقيل، ومنهم شبيب وظالم وملهم، الذي كان يشرف عن طريق غلامه فاتك على طبرية، وكان على بيت المقدس عامل إخشيدي هو الصباحي، ولما كانت الرملة ودمشق أهم مدن الإقليم التابع للإخشيديين، فقد كان والي بلاد الشام يوصف أحياناً بصاحب دمشق، والرملة التي هي مدينة جنوب فلسطين العظمى، وقد ظفرت بمركز ممتاز فاق أهمية بيت المقدس بسبب موقعها الاستراتيجي وقربها من حدود مصر، وقد تعرّضت أكثر من مرة لغارات قرامطة البحرين، وغدت بعد فتح مصر قاعدة حربية لمواجهة الغزو الفاطمي من جهة مصر، إذ استقرّ فيها الحسن بن عبيد الله بن طغج منذ شهر رمضان 358 هـ/ يوليه 968 م. ليخطط للمعركة القادمة مع جعفر بن فلاح، وترك دمشق في عهدة أحد موالي الإخشيديين، وهو شمول، ولأن الأخير، كان يحقد على الحسن مكانته السياسية وسعة سلطانه، وينتظر به فرصة قدوم طلائع الجيش الفاطمي ليخذله، ويظهر ما بيَّته له، فقد اتصل بجوهر سراً، وكشف له عورات البلاد وأبان عن وجهة نظره في الحسن بن عبيد الله، ثم تقاعد عنه ورفض مساعدته في الرملة، رغم إلحاحه عليه وعلى الصباحي وفاتك في سرعة المجيء، بسبب قرب العسكر الفاطمي، وتركوه مع ثلة من مساعديه يواجهون الهزيمة، ومحنة الأسر على يد جعفر بن فلاح، منذ منتصف رجب 359 هـ/ ماي 970 م وقد أرسلوا مقيدين إلى مصر، ومنها واصلوا الرحلة صحبة الهدية التي أنفذها جوهر إلى بلاد المغرب».
«ويبدو أن حزم جعفر بن فلاح وسياسته ودعوته لولاة الإخشيديين لإعلان الولاء والطاعة للمعز لدين الله، هي التي صرفت كثيراً منهم عن مساعدة ابن طغج وأدّته إلى الاستسلام لقوات جعفر دون مقاومة تذكر، إلا في مدينة طبرية، التي يبدو أن واليها فاتكاً غلام ملهم العقيلي، بيت على مقاومة قوات الفاطميين، ولذلك تحصن جعفر في نقطة استراتيجية تسيطر على الجسر وبنى معسكراً اتخذه منطلقاً لحرب فاتك، رغم أن ملهماً مال إلى الموادعة وتظاهر بالولاء والطاعة للفاطميين([592]). وعندما تم قتل فاتك غدراً، تظاهر جعفر بأنه فوجىء بالحدث الذي لم يكن له به علم، وتحفَّظ على عناصر التآمر من الأعراب، وقدمهم إلى ملهم، ليقتصّ منهم، فتحاشى الأخير قتلهم، وعفا عنهم، خوفاً من الإيقاع به أما سكان المدينة فقد استاؤوا للحادث، والتحموا مع قوات جعفر، وشهدت طبرية فتنة كبرى، لم تقتصر آثارها على عناصر الخلاف، وإنما شملت من جاء إلى المدينة في هذا الظرف الدقيق، وهم ممثلو سكان مدينة دمشق، الذين غادرهم شمول الإخشيدي، وانضمّ إلى قوات جعفر بن فلاح في طبرية، فارتاع السكان وأرسلوا إلى جعفر، وفداً من شيوخهم لإعلان الولاء، ورغم أن القائد الكتامي استقبلهم بحفاوة وتبسط معهم في الحديث فإنهم رجعوا إلى دمشق «غير شاكرين، ولا راضين» عن قوم ـ كما زعموا ـ جفاة قباح المناظر والزي والكلام، ليس لهم عقول يرجعون إليها، «نقلوا إلى سكان المدينة صورة قاتمة وانطباعاً سيئاً آذى مشاعرهم، وأدخل الرعب في نفوسهم، وجعلهم يستعدون للمقاومة الجدية بتوجيه أشراف دمشق وبمساعدة بقايا الإخشيدية والكافورية الذين لم يرافقوا شمولاً، ثم عنصر الأحداث والشطار الذين كانوا بمثابة قوة دفاعية مدنية من بين عامة السكان، وقد استغلوا حالة القلق في المدينة والفراغ السياسي بعد انسحاب شمول، وتفرّق جنده، لكي يظهروا عنصراً فعّالاً في حماية المدينة من الغزو الخارجي ويبرزوا إلى الحياة السياسية ويمثلوا دوراً هاماً في مدن الشام الأخرى قبل وبعد الفتح الفاطمي».
ويبدو أن أوضاع دمشق، وحالة الاستعداد للمقاومة، هي التي أملت على ابن فلاح، خطة أساسها الانتقاص من أطراف دمشق، وكسر مقاومة بني عقيل في حوران، والبثنية، وسكان الغوطة، بجهد مشترك بين جزء من قواته، وأعراب مرة، وفزارة، وذلك قبل اقتحام المدينة بقوات الحملة الرئيسية. وعندما شعر بأنه أبعد بني عقيل عن الميدان إلى حمص، ونال رجاله من ضواحي دمشق، بعد خسائر تكبدها، خف بكامل قواته، منذ يوم الخميس لثمان خلون من ذي الحجة 359 هـ، وفرض حصاراً على المينة، واتخذ من يوم السبت 10 ذي الحجة معسكره، ومقر قيادته بحي الشماسية، ومن هناك أشرف على المعركة ضد أحداث دمشق وأشرافها وجندها الذين قاوموا ضغط جند كتامة فترة ثم بدأوا يميلون لإنهاء حالة الحرب والحصار في إطار الاعتراف بالسيادة الفاطمية، غير أن جعفراً بن فلاح، لم يستجب لهم بسهولة، قصداً لما عرفه من تقلّب أهوائهم وسيطرة الشطار والأحداث والأشراف وسائر عملاء العباسيين على الوضع الداخلي، ولذلك لقي وفد سكان المدينة معاملة غير لينة أثناء محاولتهم الاتصال به في حي الشماسية للحصول على الأمان، كما قوبلوا بالوعيد من جانبه عندما قابلهم بنفسه، وكان هدفه فيما يبدو أن يكون هؤلاء أداة تبليغ لسكان المدينة ولعناصر الشغب المتطرفين، ليشتد خوفهم وتزداد حيرتهم، عندما يعرفون مدى تصميم القائد على اللجوء إلى القوة، وربما كان يريد بهذا التشدد أن ينصرف السكان عن المشاغبين، ويتخلصوا منهم، وبذلك تتبلور اتجاهات السلام والصلح على أساس متين. ويبدو أنه نجح في خطته إلى حد بعيد، لأن السكان وقد هالهم هذا التشدد واحتاروا في معالجة الوضع، لم يجدوا غير مشائخ البلد وأشرافها، وكان جعفر بن فلاح يميل إليهم ويقدرهم لأنهم من آل البيت، وقد نجحت وساطتهم لإنهاء حالة الحرب إنما بعد تشدد، وعندما عرف استعدادهم لتنفيذ كل ما يطلبه، بدأ يتراجع عن موقف الشدة الذي اصطنعه حتى هذا الوقت، وتبسط في الحديث مع الوفد، وقرر أن يشرف بنفسه على إقامة الدعوة للمعز لدين الله في الجامع الأموي في يوم الجمعة ويتفقد شؤون المدينة تطييباً لخاطر السكان، ثم يرجع إلى معسكره بالشماسية».
«وكان أعضاء الوفد قد بلغوا ذلك، ورغبوا من عنصر الشطار أن يلازموا بيوتهم، غير أن هؤلاء لم يستجيبوا لهذه الرغبة، واستغلوا فرصة انتشار عسكر كتامة في أحياء المدينة وأسواقها أثر الصلاة، وقتلوا منهم كثيرين بدعوى الدفاع عن النفس وعن الأموال، فتأثر جعفر للحادث، واعتبر ما حصل حركة عدائية مقصودة لنقض عهد الأمان الذي تقرر مع وفد المدينة، وأنكر على المشائخ والأشراف ما حصل من الغدر برجال أمير المؤمنين وتهددهم، ولم تهدأ ثورته إلا عندما اعتذروا عن الحادث، ووافقوا على ما اقترحه من دفع ديات ضخمة، فدية (لمن قتل من عسكره) وتكفلوا بجمع المال من السكان.
وتشير النصوص إلى تحركات شهدتها مدينة دمشق في الجمعة الثانية، أي بعد الاتفاق على مبدأ الصلح، كان مظهرها قطع الدعوة للمعز لدين الله وإزالة شعار الفاطميين، وإرجاع الدعوة للمطيع العباسي ولبس شعار السواد، فقابل جعفر ذلك بقوة، واجتهد في إخمادها وفي القبض على رؤوس الفتنة ومثيري الشغب، ويبدو أن جهوده أثمرت في النهاية، وفشلت الحركة وفر زعماؤها خارج دمشق.
وعندما بدا لجعفر بن فلاح أنه سيطر على الوضع الداخلي بتحطيم عناصر المقاومة، بدأ يرسي قواعد السيطرة الفاطمية ويطبق مظاهر التحول الجديد، في الدعوة، وفي الأذان والإقامة. وتصرف على نحو يشعر بأنه اطمأن على الوضع فانتقل من معسكره بحي الشماسية إلى الدكة فوق نهر يزيد، بظهر سور دمشق، وأشرف على حركة التعمير والبناء، فاتخذ لنفسه قصراً عجيباً بناه بالحجارة وتفنن في بنائه حتى جعله «شاهقاً في الهواء غريب البناء» وحوله بنى الجند مساكنهم ومعسكراتهم ونشطت حركة البيع والشراء في أسواقهم واتّسعت خطتهم وانبثت الحياة بين أظهرهم حتى صارت خططهم «شبه المدينة»، وعني بالجبهة الشمالية، وبمنطقة الثغور، فأرسل بعوثاً عسكرية بقيادة بعض مساعديه على الروم البيزنطيين في الاسكندرونة وأنطاكيا التي احتلوها منذ فترة سابقة (محرم 359 هـ/ نوفمبر 969 م). وبدأوا يضغطون بشدة على مدن شمال الشام وحلب خاصة، استضعافاً للحمدانيين، بعد وفاة سيف الدولة، وكان قد أرسل من قبل داعياً هو أبو طالب التنوخي إلى أبي تغلب ناصر الدولة بن حمدان في الموصل يعرفه بأنه في طريقه لإعلان الدعوة الفاطمية في بلاده، فرفض بشدة على أساس قرب المنطقة من بغداد، ومن ضغط القوات العباسية، ولخص رأيه في قوله: هذا ما لا يتم، لأننا في دهليز بغداد والعساكر قريبة منا ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم([593])» (انتهى).
هكذا وصل الفاطميون إلى بلاد الشام. وصلوا إليها في أواسط القرن الرابع الهجري في حين أن أول ظهور للسلاجقة في العراق، كان في أواسط القرن الخامس، فكيف تكون الشام مسرحاً للصراع العسكري والسياسي والمذهبي، بين السلاجقة والفاطميين، في حين أن السلاجقة لم يكونوا وجدوا بعد؟!!
وبعد ذلك عندما سيطر السلاجقة على العراق، كان حكم الفاطميين قد تضعضع في مصر في أواخر عهد المستنصر، ثم تلاشى هذا الحكم نهائياً في حياة المستنصر باستيلاء الجماليين على الخلافة الفاطمية. فمتى كان هذا الصراع الذي يزعم الدكتور عمر تدمري وجوده بين السلاجقة والفاطميين في بلاد الشام؟!
قالوا في الدولة الفاطمية
ليس من شأننا في هذا الكتاب أن نؤرخ للدولة الفاطمية. وسنكتفي من الحديث عنها بالكلمة التي يراها القارىء فيما يلي:
بدأت الدراسات التاريخية العربية الحديثة تنصف الدولة الفاطمية بعض الإنصاف، بعد أن توالى على كتابة تاريخها أعدى أعدائها فعملوا على تشويه هذا التاريخ..
نقول: بدأت.. وهذه البداية وإن كانت تمشي خجولة ضعيفة، فيكفي أن تظل ماشية لا تتوقف، وهي إن فعلت ذلك فإنها ستصل إلى نتائج باهرة.
فمن ذلك ما كتبه الدكتور عبد المنعم ماجد أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب في جامعة عين شمس في كتابه (ظهور الخلافة الفاطمية وسقوطها) في الطبعة الرابعة الصادرة سنة 1944، ص 407.
قال الدكتور ماجد:
إن تاريخ الخلافة الفاطمية في مصر كان غامضاً إلى عهد قريب جداً. فقد كانت معظم مصادره التاريخية لا تستقي من منابعها، أو أنها غير موجودة، أو مزيفة، أو مضطربة، أو جافة، أو مختصرة، فضلاً عن أن معظمها مصادر أدبية لا تعطي فكرة صحيحة عنهم. ولكن بفضل ما حصلنا عليه من وثائق أو مخطوطات مكتوبة بأقلام معاصرة، تمكّنا من أن نكون تاريخاً صحيحاً للفاطميين في مصر.
فهذه الدولة الفاطمية أثارت انتباه المؤرخين المحدثين بحيويتها المتدفقة التي أوجدتها في جسم الإسلام الذي كان قد شاخ على يد الدولة العباسية، فتاريخها منذ انتقالها إلى مصر أشبه بملحمة كبرى: دعوة إلى وحدة العرب في المشرق والمغرب([594])، جهاد بضراوة على أعداء الإسلام، نشر الحضارة الإسلامية على نطاق واسع… ثم سقوط مؤثر.
ثم إن هذه الدولة اعتبرت في وقتها دولة عظمى بكل مقاييس الدولة العظمى، فقد كانت تمتلك قوة عسكرية ضاربة، ظهرت تجلياتها في انتصاراتها الحربية الكثيرة، حيث اعتمدت في أول الأمر على طوائف مختلفة من العسكر مثلما كانت غالب الجيوش الإسلامية الأخرى، إلا أنها منذ مجيئها إلى مصر اعتمدت على المصريين أيضاً، فاستخدموهم فيما عرف بالحجرية الكبار والصغار. وفي آخر أيام دولتهم في مصر تلاشت جميع الطوائف من جيشهم ولا تسمع إلا عن العسكر المصري، وإن وجد بجانبهم السودانيون بحكم أن السودان ملازم لمصر دائماً.
كذلك هي دولة عظمى باعتمادها على الاقتصاد المزدهر، فأشرفت وحدها على تجارة البهار الهامة وما تدرّه من أرباح هائلة، مسيطرة على سواحل مصر في البحرين الأبيض والأحمر، وسواحل أقاليم الجزيرة العربية في الحجاز واليمن والخليج. وأخيراً دولة عظمى بامتلاكها النموذج الحضاري المتميز الذي أسهم بإبداع في النهوض وبالمعرفة الإنسانية، ولا سيما الإسلامية، مما أبرز حلقة هامة من نهضات المسلمين.
ولا مراء، فإن مصر قبل أي بلد آخر بمركزها الاستراتيجي بين القارات كقاعدة لخلافتهم تعودّت على أن تحرك السياسة وتنشىء الحضارة، خلفت للفاطميين هذا التاريخ المملوء بالنبض. ولكن الفاطميين بمجيئهم إلى مصر واتخاذها قاعدة لهم عملوا أيضاً على إبراز أهمية دور مصر في الإسلام، وهو الدور المتميّز الذي لا تزال تلعبه في الإسلام.
وقال في موضع آخر من كتابه هذا:
إن الفاطميين جاؤوا من المغرب إلى مصر بناء على على دعوة المصريين أنفسهم، فلم يكن المصريون سعداء في حكم الإخشيديين، فقد كانوا يتطلعون إلى مستقبل جديد مع هذه الدولة الإسلامية الفتية ليبنوا مصر الإسلامية التي لا تقل عن مصر الفرعونية، فلما وصل جيش المعز لدين الله الخليفة الفاطمي من المغرب إلى الاسكندرية سارع المصريون بإرسال وفد منهم إلى جوهر قائد جيشه باتفاق جميع طبقاتهم، كالقائد والكاتب والقاضي والتاجر والمسلم والقبطي.
والحقيقة أن الفاطميين، وهم أسرة علويّة، اعتبرت خلافتهم في نظر المصريين خلافة شرعية، منافسة للخلافة العباسية، وذلك لأن المبدأ الدستوري القائم يومذاك، كان ينص على أن الخلافة الشرعية تكون في أسرة النبي، وعصبته تكون في قريش. لذلك لم يطمع المصريون مثل غيرهم من شعوب الإسلام في حكم أنفسهم بأنفسهم. فهذه الأفكار في الوطنية لم يكن لها وجود في وجدان الفاطميين، والفكرة المسيطرة على المسلمين أن تهمهم شرعية الحكم.
وقد بنى جوهر في مصر عاصمة جديدة سميت القاهرة تفاؤلاً بأنها ستقهر أعداء الأمة الإسلامية، وهي توجد في مكان عاصمة مصر القديمة (منف) عند رأس الدلتا، وأصبحت من يومها عاصمة مصر إلى الآن، حيث شبهت القاهرة بيد المروحة لوقوعها عند ملتقى فروع النيل وقنواته، مما يؤكد أن الفاطميين سحرتهم الهوية المصرية فسعوا إلى ربط مصر القديمة بمصر الإسلامية.
بل إن خلفاء الفاطميين إلى نهاية دولتهم ولدوا جميعهم في مصر واعتبروا أنفسهم مواطنين مصريين، يتبين ذلك مما أنجزوه لها مدة حكمهم في الكم والمقدار، بالعمل على ازدهار اقتصادياتها ورخائها، وامتلاكها النموذج الحضاري المتميز الذي أسهم بإبداع في مكانة مصر. ومن يومها أصبحت مصر هي الرائدة عند المسلمين جميعاً.
بل وخلفاء مصر كانوا «ملتزمين» في مصر بإحساس قوي نحو قضايا العرب الذين بدأت تظهر عندهم إحساسات قوية نتيجة للتراكمات التاريخية، ولعيشهم في دار الإسلام في إطار حدودي محدد، ولمصيرهم الواحد. فكانت إرادة الفاطميين ظاهرة بالقفز إلى مستقبل عربي أفضل هي شغلهم الشاغل، بينما كانت الدولة العباسية قد أصبحت حطاماً وركاماً، وأن الإنسان العربي يائس من وجودها.
* * *
وقال الدكتور خضر أحمد عطا الله في كتابه (الحياة الفكرية في مصر في العصر الفاطمي) صفحة 6 وما بعدها من صفحات مختلفة: عمل الفاطميون على توطين الخلافة الفاطمية في مصر، وقد أيقنوا أن هذه الأرض الخصبة الصالحة هي خير أرض تحقق للحضارة الفاطمية البقاء والنماء ليجني المسلمون بل العالم أجمع ثمار هذه الحضارة الناهضة، فرأينا جوهر الصقلي يضع أسس مدينة عظمى هي القاهرة التي ولدت عملاقة لترفع لواء الفكر والحضارة، ثم يقيم جوهر الجامع الأزهر ليصبح بعد ذلك أبرز جامعات العالم ومقصد آلاف الدارسين من أرجاء العالم الإسلامي… وكان مولد الخلفاء الفاطميين ابتداء من الخليفة الحاكم بأمر الله وحتى آخر خلفائهم العاضد بالله، على أرض مصر، وشربوا جميعاً من نيلها وعاشوا على ترابها يشاركون المصريين فترات الرخاء والشدة على السواء… واتجه آلاف من أرباب القلم والفكر إلى القاهرة يساهمون في إرساء قواعد حضارة عالمية راقية..
… وقد نجح بعض الخلفاء الفاطميين في جعل البحر المتوسط بحيرة فاطمية وسيطروا على جزره وأقاموا علاقات اقتصادية وثيقة مع دول أوروبية. والتبادل الاقتصادي من وسائل انتقال الفكر. ومد الفاطميون نفوذهم إلى بلاد الشام والحجاز واليمن وأرجاء أخرى في العالم الإسلامي. وكان للفاطميين علاقاتهم الخارجية التي تراوحت بين الصداقة والعداء وأثرت كلها في الحياة الفكرية. وأثّرت هذه العوامل كلها في عالمية الفكر في العصر الفاطمي فلم يعد فكراً محلياً إقليمياً.
واهتم الخلفاء الفاطميون بالنهضة الفكرية، فكان كثير منهم على جانب كبير من العلم والثقافة، واهتموا بالمؤسسات التعليمية والفكرية وأصبحت قصورهم مراكز فكر وثقافة وضمت تلك القصور مكتبات ضخمة بذلوا المال والجهد في جمع كتبها من أرجاء العالم. وأصبحت القاهرة كعبة العلماء والأدباء والفقهاء. وكان الأزهر مناراً للعلم والثقافة. وأثّر الخلاف المذهبي في الحياة الفكرية، فانصرف كثير من أهل السنة عن مخاطر الحياة السياسية إلى العلم والفكر، وانعتشت أحوال أهل الذمّة في العصر الفاطمي فكان لهم دورهم أيضاً في الحياة الفكرية إلى جانب بروزهم في مجالات السياسة والإدارة… وأدّت العلاقات الدولية والاتجاهات العالمية إلى انتعاش الحياة الفكرية مرة أخرى في مدينة الاسكندرية…
وخلاصة القول: كان الفكر في العصر الفاطمي مرحلة هامة متميزة من مراحل تطور الفكر الإسلامي. وقد أرسى الفاطميون أسساً فكرية وطيدة قام عليها فكر الأجيال التالية. وإذا كانت هذه المرحلة الفاطمية قد شهدت صراعاً فكرياً بين أهل السنّة والشيعة، فإن هذا الخلاف وذلك الصارع كان ظاهرة صحية في المجالات الفكرية وهي تثبت حياة الأمة الإسلامية وسعيها إلى الكمال. كما أدّى الخلاف أحياناً إلى جدال وحوار ونقاش أثرى النشاط الفكري حيث انطلقت ألسنة الشعراء وصالت أقلام الكتاب وانعقدت المجالس الفكرية، وترك لنا المختلفون والمتصارعون إنتاجاً فكرياً خصباً.
* * *
وينقل المؤلف في كتابه أقوال بعض المفكرين والمؤرخين عن الفاطميين فمن ذلك ما نقله عن محمد عبد الله عنان في كتابه (الحكم بأمر الله) ص 36 ـ 328 وهو:
فقد كانت الدولة الفاطمية مبتكرة مجددة في كثير من قواعد الحكم والإدارة وفي كثير من الرسوم والنظم، وكانت هذه النظم والرسوم فوق طرافتها الدستورية تطبعها نفس الصبغة الباذخة التي تطبع الدولة الفاطمية وسائر مظاهرها.
فلما اتّسع ملكها وعظم سلطانها بافتتاح مصر والشام شعرت بالحاجة إلى التوسع في النظم الإدارية والسياسية التي يقوم عليها هذا الملك الباذخ، ولم تكتف بالاعتماد على الخطط العسكرية والدينية والمدنية المعروفة، بل عمدت إلى الابتكار في تنظيم الأصول والخطط الدستورية وفقاً لحاجتها وغاياتها السياسية والمذهبية.
وينقل عن الدكتور حسن إبراهيم وطه شرف قولهما في كتاب (المعز لدين الله، ص 3) عن المعز قولهما:
ويعتبر المعز لدين الله الخليفة الفاطمي الرابع من كبار رجال عصره فق بز أقرانه ومنافسيه علماً وسياسة وحرباً، ولهذا لا نغلو إذا قلنا إن نفوذ الدولة الفاطمية بلغ أقصى مداه في عهد..
وقد ساهم المعز لدين الله في إنعاش الدولة الفاطمية في بلاد المغرب ومصر بما سنّه من النظم الإدارية الحازمة ولم يكتف بذلك بل نهض بالناحية العلمية والثقافية حتى أصبحت المنصورية في بلاد المغرب والقاهرة في مصر كعبة العلماء والطلاب والمستجيبين والدعاة…
وإن كان المعز قد وضع نواة الحضارة الفاطمية في مصر فقد تعهّد العزيز غرس أبيه حتى نما وترعرع ونضج وأتى بالثمار المرجوّة. ويجمع المؤرخون على امتداح العزيز بالله في أخلاقه وعقله وسياسته وتسامحه… وقد تميّزت حكومته بأنها حكومة رشيدة عادلة منظّمة اكتملت بها النظم الحكومية التي تركها المعز وتبلورت حتى ظهرت في صورتها الكاملة الناضجة، حيث حدد الخليفة المعز واجبات الخليفة بحيث تدور كلها حول إصلاح الرعية وحمايتهم فقال: «للناس شغل بدنياهم وما يتلذذون به منها، وشغلنا إقامة دورهم وإصلاح أحوالهم والنظر فيما يعود عليهم ويحمي حماهم ويدفع عن بيضتهم ويحقن دماءهم ويحصن حريمهم وأموالهم ويكف أيدي المتوالين. بذلك نقطع ليلنا ونهارنا والله المستعان على ما قلّدناه من أمورهم وافتراضه علينا من القيام بأسبابهم ونرغب إليه في إصلاحهم وهدايتهم إلى ما فيه حظهم ونجاتهم في دنياهم وأخراهم».
وينقل عن الدكتور محمد حمدي المنياوي في كتابه (الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي، ص 38) قوله:
ولا شك أنه تحت حكم الفاطميين عموماً لقي غير المسلمين معاملة طيّبة وكانت مناصب الدولة حقاً لكل من توافرت لديه الكفاءة اللازمة دون أي دخل لمعتقد أو مذهب.
وينقل عن الدكتور عبد اللطيف حمزة في كتابه: (الحركة الفكرية، مصر)، ص 57 قوله:
والحق أن الفاطميين كانوا من الحذق والمهارة بحيث استطاعوا أن يلفتوا إليهم نظر الشعب المصري لفتاً قوياً وأن يشعروه بعظمة الحكم الفاطمي وكرم رجاله إلى الحد الذي لم تعرف له مصر نظيراً قبل مجيء هذه الدولة.
وينقل عن محمد عبد الله عنان قوله في كتابه (الحاكم بأمر الله) ص 349 ـ 350 قوله:
وقد كانت الحياة الاجتماعية الباهرة مرآة الدولة الفاطمية تشع بكثير من خواص قوّتها وفخامتها وبهائها ووحي مناهجها السياسية والدينية والعقلية. وكان الشعب المصري على تحفّظه في مشايعة الدولة الجديدة في مناهجها وغاياتها المذهبية يشهد بمرحه المأثور هذا الفيض الفاطمي من البذخ والترف والبهاء في إعجاب وحماسة. أجل، كانت مواكب الخلافة الفاطمية وحفلاتها الرسمية والشعبية ورسومها الفخمة ومآدبها الشهيرة وبذلها المأثور أياماً ومواقف مشهورة تثير من حولها أيما إجلال وروعة. وكانت أعيادها ومواسمها الباهرة ولياليها الساطعة مثار البهجة والمرح العام وما زالت آثار من تلك الرسوم والمواسم الشهيرة تمثل في كثير من أعيادنا ورسومنا وتقاليدنا الدينية فإذا رأيت بعض هذه المواسم والأعياد يجنح إلى نوع من الفخامة وإذا رأيت بعض هذه الرسوم يتّشح بأثواب من الرونق والبهاء فإنما ذلك يرجع في الأغلب إلى أثر الدولة الفاطمية في بث هذه الروح البهيجة الباذخة إلى كثير من نواحي الحياة العامة والخاصة في مصر الإسلامية.
وينقل عن الدكتور راشد البراوي في كتابه (حالة مصر الاقتصادية في عهد الفاطميين) ص 120 ـ 121 وعن عبد الحميد حسن في كتاب صفحات من الأدب المصري قولهما:
ولقد وجد الأقباط أنفسهم أمام حكّام يطبقون مبدأ التسامح فأمنوا على أنفسهم وأموالهم والتفتوا إلى أعمالهم. وقد أثر التقدم التجاري في الحياة الاجتماعية ويتجلّى ذلك في القصور الفاطمية وبنائها وتأثيثها… وقد أدّى هذا إلى تقدم أنواع من الصناعة العربية كالصباغة والحياكة والتطريز والعمارة والزخرفة وغير ذلك من الصناعات التي امتازت بها حضارتهم.
وينقل عن محمد عبد الله عنان في كتابه (الحاكم بأمر الله) ص 29 ـ 30، قوله:
وكان المجتمع المصري بما انتهى إليه من بذخ وترف ونعماء يجذب إليه أكابر الإسلام من كل صوب فيثير فيهم الإعجاب والإجلال. وكانت القاهرة في هاتيك العصور كالعروس بين مدن الإسلام جميعاً تبهر العالم الإسلامي بعظمتها وغناها وقوة الدولة التي تتبوّأ ملك مصر.
وينقل عن كتاب (مصر في العصور الوسطى والحديثة) للدكتور حسن أحمد محمود وآخرين ما جاء في الصفحة 10 ـ 53 قوله:
تمتعت مصر في العصر الفاطمي في معظم فتراته بالرخاء الاقتصادي طوال العصور الوسطى باستثناء فترات قصيرة وكانت لهذا الرخاء مظاهره في الفنون والصناعات المصرية منذ العصر الفاطمي فصاعداً وفي الحياة الاجتماعية الباهرة وفي النهضة الفكرية العظيمة.
وقد ظهرت هذه الثروة الأسطورية في نفقات الدولة في العصر الفاطمي وظهرت بصورة خاصة في ثروات الخلفاء والوزراء ونفقات الجيش والأسطول ونفقات الخزائن والأعياد والمواسم والهبات التي كانت تعطى للمساجد والمكتبات وغيرها.
وينقل عن شحاتة عيسى إبراهيم في كتابه (القاهرة) ص 75 قوله:
ولا يغيب عن البال ما كانت تحدثه احتفالات الفاطميين من انتعاش في الحركة الاقتصادية في البلاد عموماً وفي القاهرة بصفة خاصة، هذا فضلاً عما تضفيه عليها من ألوان البهجة والسرور.
وينقل عن الدكتور علي إبراهيم في كتابه (مصر في العصور الوسطى) ص 482 قوله:
وكان انتعاش الحياة في مصر من الناحية الزراعية يعود إلى زيادة المساحات الزراعية خاصة في عهد المعز والعزيز، وكذلك بدر الجمالي.
وينقل الدكتور راشد البراوي في كتابه (حالة مصر الاقتصادية في عهد الفاطميين) ص 106، 107 ـ 116:
كان الفلاح المصري في عهد الفاطميين يستطيع أن يتصرف في الأراضي ويغير موطن إقامته حسبما شاء.
وامتدح الكتّاب الأوروبيون سياسة الفاطميين إزاء الفلاحين فقال البعض إن التسامح كان طابع حكمهم([595]) وإن معاملة الشعب على أيديهم كانت خيراً منها على أيدي سواهم من الحاكمين.
وينقل عن الدكتور علي حسين الخربوطلي في كتابه (مصر العربية الإسلامية) ص 227 ـ 228 قوله: اهتم الفاطميون بالصناعة وتميّزت صناعات الفاطميين عن سائر الصناعات المصرية في سائر العصور… ومن أشهر الصناعات في العصر الفاطمي: صناعة النسيج من الكتّان والصوف والحرير، كما اشتهرت المصنوعات المصرية بالدقة والجودة وأصبحت مصر تنسج كسوة الكعبة كل سنة، وتقدمت صناعة الزجاج والخزف في العصر الفاطمي، كذلك تقدمت الصناعات الخشبية وخاصة بناء السفن.
وينقل عن الدكتور راشد البراوي في كتابه (حالة مصر الاقتصادية في عهد الفاطميين) ص 119 قوله:
ويعتبر هذا العصر عصر ازدهار الصناعة، ولم تأت هذه النهضة الصناعية عفواً بل تحالفت عوامل سياسية متباينة جعلتها من خصائص العصر الفاطمي وأعظم مميزاته وأكبر مفاخره.
ويعلق المؤلف على ذلك قائلاً: ولعل تقدم الصناعة عندهم إنما يرجع إلى استتباب الأمن وقوة الحكومة المركزية وأثر المعاملة السمحة التي تمتع بها الأقباط.
ويقول الدكتور محمد جمال الدين سرور في كتابه (الدولة الفاطمية في مصر) ص 6 ما يلي:
على أن أهم ما اتّصف به العصر الفاطمي في مصر هو النهضة التي ظهرت آثارها في جميع نواحي الحياة المصرية، فإلى جانب ما نلمسه من تطور في نظم الحكم والإدارة، نلحظ اهتمام الفاطميين بتنمية الثروة ما ساعد على انتشار الرخاء في البلاد. ويقول عن المعز (ص 75): وليس من شك أن المعز كان يمثل الحاكم المستنير الذي يجمع في يده جميع السلطات ويعمل في نفس الوقت على إسعاد شعبه.
من الأدب الفاطمي
قال محمد بن هاني الأندلسي يمدح المعز لدين الله الفاطمي من قصيدة ويذكر ورود رسل الروم إليه بالكتب يتضرعون إليه في الصلح ويصف الأسطول الفاطمي الذي كان سيد البحر المتوسط يومذاك:
ألا طرقتنا والنجوم ركود
وفي الحي أيقاظ ونحن هجود
وقد أعجل الفجر الملمح خطوها
وفي أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلاً غضبى على الدر وحـ
ـده فلم يدر نحر ما عراه وجيد
فما برحت إلا ومن سلك أدمعي
قلائد في لباتها وعقود
ولم أرَ مثلي ما له من تجلد
ولا كجفوني ما لهن جمود
ولا كالليالي ما لهن مواثق
ولا كالغواني ما لهن عهود
ولا كالمعز ابن النبي خليفة
له الله بالفضل المبين شهيد
فأسيافه تلك العواري غمودها
إلى اليوم لم تعرف لهن غمود
ومن له تلك الجوافل إنها
إلى الآن لم تحطط لهن لبود
إمام له مما جهلت حقيقة
وليس له مما علمت نديد
لك البر والبحر العظيم عبابه
فسيّان أغمار تخاض وبيد
أما والجواري المنشآت التي سر
ت لقد ظاهرتها عدة وعديد
قباب كما تزجى القباب على المـ
ـهى ولكن من ضمت عليه أسود
ولله فيما لا يرون كتائب
مسوقة تحدو بها وجنود
وما راع ملك الروم إلا اطلاعها
تنشر أعلام لها وبنود
عليها غمام مكفهر صبيره
له بارقات جمة ورعود
مواخر في طامي العباب كأنه
لعزمك بأس أو لكفك جود
أنافت بها أعلامها وسمالها
بناء على غير العراء مشيد
من الراسيات الشم لولا انتقالها
فمنها قنان شمخ وريود([596])
من الطير إلا أنهن جوارح
فليس لها إلا النفوس مصيد
من القادحات النار تضرم للصلى
فليس لها عند اللقاء خمود
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج
كما شب من نار الجحيم وقود
فأنفاسهن الحاميات صواعق
عليه السلام وأفواههن الزفرات حديد
لها شعل فوق الغمار كأنها
دماء تلقتها ملاحف سود
تعانق موج البحر حتى كأنه
سليط لها فيه الذبال عتيد
ترى الماء منها وهو قان عبابه
كما باشرت ردع الخلوق جلود
وغير المذاكي نجرها غير أنها
مسومة تحت الفوارس قود
فليس لها إلا الرياح أعنّة
وليس لها إلا الحباب كديد
ترى كل قوداء التليل كما انثنت
سوالف غيد للمها وقدود([597])
رحيبة مد الباع وهي نتيجة
بغير شوى([598]) عذراء([599]) وهي ولود
تكبرن عن نقع يثار كأنها
موال وجرد الصافنات عبيد
لها من شفوف العبقري ملابس
مفوفة فيها النضار جسيد
كما اشتملت فوق الأرائك خرد
أو التفعت فوق المنابر صيد
لبوس تكف الموج وهو غطامط
وتدرأ بأس اليم وهو شديد
فمنها دروع فوقها وجواشن
ومنها خفاتين لها وبرود
فلا غرو إن أعززت دين محمد
فأنت له دون الأنام عقيد
غضبت له أن ثل في الشام عرشه
وعادك من ذكر العواصم عيد
فبت له دون الأنام مسهداً
ونام طليق خائن وطريد
وما سرهم ما ساء أبناء قيصر
وتلك ترات لم تزل وحقود
هم بعدوا عنهم على قرب دارهم
وجحفلك الداني وأنت بعيد
وقلت أناسٍ ذا الدمستق شكره
إذا جاءه بالعفو منك بريد
تناجيك عنه الكتب وهي ضراعة
ويأتيك عنه القول وهو سجود
إذا أنكرت فيها التراجم لفظه
فأدمعه بين السطور شهود
ليالي تقفو الرسل رسل خواضع
ويأتيك من بعد الوفود وفود
فإن هز أسياف الهرقل فإنها
إذا شئت أغلال له وقيود
فإن لم تكن إلا الغواية وحدها
فإن غرار المشرفي رشيد
ألا هل أتاهم أن ثغرك موصد
وليس له إلا الرماح وصيد
فليت أبا السبطين والترب دونه
يرى كيف تبدي حكمه وتعيد
إذاً لرأى يمناك تخضب سيفه
وأنت عن الدين الحنيف تذود
وقال يمدح المعز ويتحدث عن القوى البرية والبحرية من قصيدة:
ما للمهارى الناجيات كأنها
حتم عليها البين والعدواء
ليس العجيب بأن يبارين الصبا
والعذل في أسماعهن حداء
تدنو منال يد المحب وفوقها
شمس الظهيرة خدرها الجوزاء
بانت مودعة فخد معرض
يوم الوداع ونظرة شزراء
حجبت ويحجب طيفها فكأنما
منهم على لحظاتها رقباء
كل يهيج هواك إما أيكة
خضراء أو أيكية ورقاء
فانظر أنار باللوى أم بارق
متألق أم راية حمراء
بالغور تخبو تارة ويشبها
تحت الدجنة مندل وكباء
وطفقت أسأل عن أغر محجل
فإذا الأنام جبلة دهماء
حتى دفعت إلى المعز خليفة
فعلمت أن المطلب الخلفاء
هذا الأعز الأزهر الـ
ـمتدفق المتبلج الوضّاء
فعليه من سيما النبي دلالة
وعليه من نور الإله بهاء
ورث المقيم بيثرب فالمنبر الـ
ـأعلى له فالشرعة العلياء
ولا خطبة الزهراء فيها الحكمة الـ
ـغراء فيها الحجة البيضاء
جهل البطارق أنه الملك الذي
أوصى البنين بسلمه الآباء
حتى رأى جهالهم من عزمه
غب الذي شهدت به العلماء
فتقاصروا من بعد ما حكم الردى
ومضى الوعيد وشبّت الهيجاء
أين المفر ولا مفر لهارب
ولك البسيطان الثرى والماء
ولك الجواري المنشآت مواخر
تجري بأمرك والرياح رخاء
والحاملات وكلها محمولة
والناتجات وكلها عذراء
والأعوجيات التي إن سوبقت
سبقت وجري المذكيات خلاء
الطائرات السابحات السابقا
ت الناجيات إذا استحث نجاء
فالبأس في حمس الوغى لكماتها
والكبرياء لهن والخيلاء
لا يصدرون نوحرها يوم الوغى
إلا كما صبغ الخدود حياء
لبسوا الحديد على الحديد مظاهراً
حتى اليلامق والدروع سواء
أعززت دين الله يا ابن نبيه
فاليوم فيه تخمط وإباء
فأقل حظ العرب منك سعادة
وأقل حظ الروم منك شقاء
فإذا بعثت الجيش فهو منية
وإذا رأيت الرأي فهو قضاءا
وقال مخاطباً المعز من قصيدة بعد هوائم الروم أمام جيوش الفاطميين في البر والبحر:
قال في غزلها:
ما أنس لا أنسى إجفال الحجيج بنا
والراقصات من المهرية القود
ذا موقف الصبر من مرمى الجمار ومن
مشاخب البدن قفراً غير معهود
ومواقف الفتيات الناسكات ضحى
يعثرن في صبرات الفتية الصيد
يحرمن في الريط من مثنى وواحدة
وليس يحرمن إلا في المواعيد
ذوات نبل ضعاف وهي قاتلة
وقد يصيب كمياً سهم رعديد
قد كنت أقنصها أيام أذعرها
غيد السوالف في أيامي الغيد
لا مثل وجدي بريعان الشباب وقد
رأيت أملود غصني غير أملود
ورابني لون رأسي أنه اختلفت
فيه الغمائم من بيض ومن سود
وقال في المعز:
قد حاكمته ملوك الروم في لجب
وكان لله حكم غير مردود
ذموا قناك وقد ثارت أسنتها
فما تركن وريداً غير مورود
ألقى الدمستق بالصلبان حين رأى
ما أنزل الله من نصر وتأييد
فقل له حال من دون الخليج قناً
سمر وأذرع أبطال مناجيد
أعيا عليه أيرجو أم يخاف وقد
رآك تنجز من وعد وتوعيد
حميته البر والبحر الفضاء معاً
فما يمر بباب غير مسدود
قد كانت الروم محذوراً كتائبها
تدني البلاد على شحط وتبعيد
حل الذي أحكموه في العزائم من
عقد وما جربوه في المكائيد
وشاغبوا اليم ألفي حجة كملاً
وهم فوارس قاريّاته السود
فاليوم قد طمست فيه مسالكهم
من كل لاحب نهج الفلك مقصود
هيهات راعهم في كل معترك
ملك الملوك وصنديد الصناديد
وقال يصف أوضاع الوطن قبل نهضة الفاطميين:
أسفي على الأحرار قلّ حفاظهم
لو كان يجدي الحر أن يتأسفا
يا ويلكم أفما لكم من صارخ
إلا بثغر ضاع أو دين عفا
فمدينة من بعد أخرى تستبى
وطريقة من بعد أخرى تقتفى
حتى لقد رجفت ديار ربيعة
وتزلزلت أرض العراق تخوّفاً
والشام قد أودى وأودى أهله
إلا قليلاً والحجاز على شفا
فتربصوا فالله منجز وعده
قد آن للظلماء أن تتكشفا
وقال يصف نهضة المعز لإنقاذ الوطن من قصيدة يبلع عدد أبياتها مئتي بيت نأخذ منها ما يلي:
يعز على الحسناء أن أطأ القنا
وأعثر في ذيل الخميس العرمرم
وبين حصا الياقوت لبات خائف
حبيب إليه لو توسد معصمي
ومما شجاني في العلاقة أنني
شربت زعافاً قاتلاً لذفي فمي
رميت بسهم لم يصب وأصابني
فألقيت قوسي من يدي وأسهمي
فلو أنني أسطيع أثقلت خدرها
بما فوق رايات المعز من الدم
لها العذبات الحمر تهفو كأنها
حواشي بروق أو ذوائب أنجم
يقدمها للطعن كل شمردل
على كل خوار العنان مطهم
إمام هدى ما التف ثوب نبوة
على ابن نبي منه بالله أعلم
ولا بسطت أيدي العفاة بنانها
إلى أريحي منه أندى وأكرم
قصاراك ملك الأرض لا ما يرونه
من الحظ فيها والنصيب المعشم
ولا بد من تلك التي تجمع الورى
على لاحب يهدي إلى الحق أقوم
فقد سئمت بيض الظبا من جفونها
وكانت متى تألف سوى الهام تسأم
وقد غضبت للدين باسط كفه
إليهن بالآفاق كالمتظلم
وللعرب العرباء ذلّت خدودها
وللفتنة العمياء في الزمن العمي
وللعز في مصر يرد سريره
إلى ناعب بالبين ينعق أسحم([600])
وللملك في بغداد أن رد حكمه
إلى عضد في غير كف ومعصم
سوام رتاع بين يأس وحيرة
وملك مضاع بين ترك وديلم
وقال من قصيدة بعد أن هزم المعز الروم:
هل للدمستق بعد ذلك رجعة
قضيت بسيفك منهم الأوطار
أضحوا حصيداً هامدين وأقفرت
عرصاتهم وتعطلت آثار
وقال مخاطباً المعز من قصيدة بعد هزائم الروم أمام جيوش الفاطميين:
نوى أبعدت طائية ومزارها
إلا كل طائي إلى القلب محبوب
إذا لم أذد عن ذلك الماء وردهم
وإن حنّ وراد كما حنّت النيب
فلا حملت بيض السيوف قوائم
ولا صحبت سمر الرماح أنابيب
وما تفتأ الحسناء تهدي خيالها
ومن دونها إسآد خمس وتأويب
وما راعني إلا ابن ورقاء هاتف
بعينيه جمر من ضلوعي مشبوب
ألا أيها الباكي على غير إلفه
كلانا فريد بالسماوة مغلوب
فلا شدو إلا من رنينك شائق
ولا دمع إلا من جفوني مسكوب
ولا مدح إلا للمعز حقيقة
يفصل دراً والمديح أساليب
نجار على البيت الإمامي معتل
وحكم إلى العدل الربوبي منسوب
وما هو إلا أن يشير بلحظه
فتمخر فلك أو تغذ مقانيب
ولم أر زواراً كسيفك للعدى
فهل عند هام الروم أهل وترحيب
إذا ذكروا آثار سيفك فيهم
فلا القطر معدود ولا الرمل محسوب
وفيما اصطلوا من حر بأسك واعظ
وفيما أذيقوا من عذابك تأديب
ومن دون شعب أنت حاميه معرك
وبيء وتصعيد كريه وتصويب
وجرد عناجيج وبيض صوارم
وصيابة مرد وكرامة شيب([601])
وسفن إذا ما خاضت اليم زاخراً
جلت عن بياض النصر وهي غرابيب
تشب لها حمراء قان أوارها
سبوح لها ذيل على الماء مسحوب
فــــــخ
قال في معجم البلدان: هو وادٍ في مكة. وقال المسعودي في مروج الذهب: فخ على ستة أميال من مكة. وقال في أعيان الشيعة: بينه وبين مكة نحو من فرسخ.
وفي «فخ» استشهد في ذي القعدة سنة 169 هـ الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام مع ما ينيف على مائة شهيد من أهل بيته.
أما تفاصيل ما حدث فهي كما يلي:
ولى الخليفة العباسي موسى الهادي، على المدينة إسحاق بن عيسى بن علي فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله بن عمر، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم وأفرط في التحامل عليهم وطالبهم بالعرض (إثبات الوجود) في كل يوم. وكانوا يعرضون في المقصورة. وأخذ كل واحد منهم بكفالة قريبه ونسيبه وأخذ الحسن بن محمد بن عبد الله ومسلم بن جندب الهذلي الشاعر وعمر بن سلام مولى آل عمر بن الخطاب وهم مجتمعون، وأشاع أنه وجدهم على نبيذ، فأمر بضربهم، فضرب الحسن ثمانين سوطاً وابن جندب خمسة عشر سوطاً وابن سلام سبعة أسواط. وجعل في أعناقهم حبالاً وطيف بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم.
قال أبو الفرج: فبعثت الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد بن عبد الله فقالت له: ولا كرامة، لا تشهر أحداً من بني هاشم وتشنع عليهم وأنت ظالم، فكف عن ذلك وخلّي سبيلهم.
ويقول في أعيان الشيعة: «وقولها: وأنت ظالم» دال على أن ذلك مجرد إشاعة لا حقيقة لها.
وجاء الحسين بن علي إلى العمري وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون بالنبيذ بأساً، فلم تطوف بهم؟ فأمر فردوا وحبسهم ثم إن الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفلا الحسن بن محمد فأخرجه العمري من الحبس.
قال أبو الفرج: ووافى أوائل الحاج، وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع ولقوا حسيناً وغيره. وبلغ ذلك العمري فأنكره، وغلظ أمر العرض، وولى على الطالبيين رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار فعرضهم يوم الجمعة فلم يأذن لهم في الانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد. ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغدو ويتوضأ للصلاة ويروح إلى المسجد، فلما وصلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر، ثم عرضهم فدعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى وحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض. ومضى ابن الحائك فدخل على العمري فأخبره فدعا بهما فتهددهما وأغلظ لهما. فتضاحك حسين في وجه العميري وقال: أنت مغضب يا أبا حفص. فقال العمري: أتتهزؤني وتخاطبني بكنيتي؟ فقال: لقد كان أبو بكر وعمر وهما خير منك يخاطبان بالكنى، فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية. فقال له: آخر قولك شر من أوله. فقال: معاذ الله، يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه. فقال له: أفإنما أدخلتك إلي لتفاخرني وتؤدبني. فغضب يحيى فقال له: ما تريد منا؟ قال: أريد أن تأتياني بحسن بن محمد. فقالا: لا نقدر عليه، وهو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا ثم اعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة حسن عنك فقد أنصفتنا. فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته، وأنه إن لم يجيء به ليركبن إلى سويقة (وهي موضع قرب المدينة فيه مساكن ونخيل للحسنيين) فيخربها أو يحرقها وليضربن الحسين ألف سوط. وحلف بهذه اليمين أن عينه إن وقعت على الحسين ابن محمد ليقتلنه من ساعته.
يقول صاحب أعيان الشيعة: «بمثل هذه السياسات الخرقاء كانت تدار بلاد الإسلام: يولى على أشراف الناس من في قلبه الضغائن عليهم حتى يحرجهم ويضطرهم إلى فعل ما لا يمكن أن يفعلوه أو الخروج عليه فتراق الدماء وتنتهك حرمات الله وتنهب الأموال ويجري أفظع الظلم والفساد. كيف يمكن أن يجيء حسين ويحيى بابن عمهما إلى العمري فيقتله، أو لا يجيئان به فيخرب ملكهما الذي به معاشهما، ويضرب الحسين ألف سوط وهل بعد هذا مخرج إلا الخروج عليه! وما هو الذنب الذي استوجبوا به هذا؟!»
فوثب يحيى مغضباً فقال له: أنا أعطي الله عهداً وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك بحسن بن محمد، أو لا أجده فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك.
وخرجا من عنده مغضبين وهو مغضب. فقال حسين ليحيى: بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسناً فقال: لم أرد أن آتيه بحسن لا والله بل أردت إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف أقتله به إن قدرت عليه. فقال حسين: هذا ينقض علينا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد ـ وكانوا قد تواعدوا أن يظهروا بالموسم ـ فقال يحيى: قد كان ذلك وإنما بيننا وبين ذلك عشرة أيام حتى نسير إلى مكة. فوجه الحسين إلى حسن بن محمد فقال يا ابن عم قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق فامض حيث أحببت. فقال الحسن: لا والله يا ابن عم بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في يده. فقال له الحسين: ما كان الله ليطلع علي وإن جاء إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خصمي وحجيجي في أمرك. ولكن أفديك بنفسي لعل الله يقي نفسي من النار، وعملا في الخروج من ليلتهم. ووجه الحسين فجاء يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بن عبد الله بن حسن، وعبد الله بن حسن الأفطس وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا وآخرون من عمومتهم وبعض فتيانهم ومواليهم فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي عليه السلام وعشرة من الحاج ونفر من الموالي. وجاء يحيى فضرب على العمري باب داره فلم يجده، وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح. فصلى الحسين بالناس الصبح وخطبهم فبايعوه. وحاول أنصار الحكام مقاومته فتغلب عليهم وبعد أحد عشر يوماً في المدينة توجه ومن معه إلى مكة. فوجه الهادي العباسي عليهم حملة التقت بهم في «فخ» فقتل الحسين وأكثر من معه. قال ابن الأثير: وأخذت رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيف. وممن نجا إدريس بن عبد الله الذي أتى مصر فالمغرب فأسس دولة الأدارسة.
موقع وادي فخ
هو اليوم جزء رئيسي من (مكة) وبه من الأحياء: الزهراء، الشهداء، الزهداء. ومعظم سكانها من قبيلة حرب التي هاجرت هجرة جماعية إلى هنا إبّان الحرب العالمية الثانية، والنزهة وغالبية سكانها من الذين كانوا مجاوري المسجد الحرام فدخلت بيوتهم في التوسعة الحالية. وأم الدود، وهو حي صغير.
أما باديته فهم قبيلة لحيان من هذيل، وقبيلة المجانين وهم حلفاء للحيان وأصلهم من زبيد من حرب.
ويبلغ طول وادي فخ من جبل الستار إلى برقة لأناب حيث يدفع في مر الظهران (46 كم).
ولا يكاد يعرف اليوم اسم (وادي فخ) عند الناس. وهو أعلى روافده من طرقي وادي جبل الستار الغربي والشمالي وجبل (الطُرَّق) جمع طارقي أو جبل الطارقي كما قد تسمى، ومن أطراف جبل حراء.
وبطرفه الشمالي مما يلي عمرة التنعيم وفي ظل جبل الشهيد الشرقي بقايا حي (الشهداء) القديم، وهو حي سمي بهذا الاسم نسبة إلى شهداء المجزرة التي وقعت فيه.
ويقول عاتق البلادي صاحب كتاب (أوديّة مكة) المطبوع سنة 1405 هـ (1985 م): وقد أدركنا إلى عهد قريب بعض بيوت حي الشهداء في حالة حسنة. أما اليوم فلا يوجد إلا خرائب غشاها العمران الجديد فدخلت في حي الزاهد الفسيح الجميل ذي المياه المتدفقة من جوف الأرض.
أما الجبل الذي قتل عنده (الحسين) وأصحابه يوم فخ، فقد كان يعرف بجبل البرود (جمع برد) وهو اليوم جبل الشهيد بطريق المدينة يشرف على حي الشهداء من الغرب.
فرائد الأصول
فرائد الأصول: المشهور «بالرسائل» حتى لا يعرف غالباً إلا بهذا الاسم، اسم كتاب في علم أصول الفقه ولا يوجد عند الشيعة في هذا الموضوع أشهر وأعرف وأكثر تداولاً من ناحية البحث والتدريس منه، فهو من الكتب التي تدرس في جميع الحوزات العلمية للشيعة ولا يرون الاستغناء عنه لمن يريد التعمّق في هذا العلم عالماً كان أو متعلماً، فهو أهم ما يدرسه طالب العلم بعد استكمال المقدمات كما أنه مدار البحث والتحقيق عند أكابر العلماء والمدرسين في الدروس الأكاديمية ومؤلف الكتاب هو الشيخ مرتضى الأنصاري مرجع الشيعة في عصره ومؤسس علم الأصول الحديث. وصار على كتبه ودراستها معول أهل العلم ولم يبق أحد لم يستفد منها. توفي سنة 1281 هجرية في النجف.
الفرات
ـ 1 ـ
يرى الجيولوجي العراقي (جعفر الساكني) في دراسة مهمة له([602]) أن مجرى الفرات الحالي حديث نسبياً، وهو يفترض أن النهر غيّر مجراه، وقد استند إلى دراسة أجراها Vote سنة 1957 م أعطى فيها وصفاً لمجرى نهر لم يذكر اسمه يقع إلى الغرب من مجرى الفرات الحالي بين الرمادي والنجف، حيث يقول ما نصّه: «هناك مجرى لنهر قديم ومهم جداً كان يربط بحيرة الحبانية ببر النجف ومن مجرى الفرات الحالي قرب النجف وذلك ـ خلال بحر النجف وطار السيد ومنخفض أبي دبس»([603]).
أما وليم ولكوكس فقد بيّن في خارطته (أنهر جنّة عدن السامية) بأنّ هناك مجرى قديماً يبدأ من الرمادي وينتهي عند الكوفة بعد أن يمر بما يُشبه البحيرات وقد أسماه بنهر فيشون.
وقامت شركة الاستكشافات النفطية العراقية بدراسة بواسطة الأقمار الصناعية لمناطق النجف، كربلاء والرمادي تبيّن منها أن مجرى النجف يشكل لساناً غامق اللون يمتد باتجاه شمال الغرب نحو طار السيد ولمسافة بحدود 25 كم، وهذا اللسان بدوره يشكّل امتداداً طبيعياً للسهل الرسوبي المتكون من مترسبات نهري دجلة والفرات ويمكن الاستنتاج بأن الفرات في العصور السحيقة كان يجري باتجاه هيت، منخفض الرزازة، طار السيّد، بحر النجف، جنوب النجف([604]).
ولاحظ عالم الآثار الأمريكي Gibson في دراسة نشرها سنة 1972 م أن هناك نهراً عباسياً كان يسمى (نهر سعيد) يأخذ مياهه من الجهة الغربية لنهر الفرات الحالي عند مدينة هيت، والظاهر أن هذا النهر كان من بقايا مشروع إروائي يرجع إلى القرن الرابع الميلادي يسمى (خندق سابور)، وقد أعيد حفره في زمن العباسيين حيث كان يجهّز الماء إلى خط الحصون في الصحراء الرملية (مناطق غرب الفرات الحالية) ومزارع النجف الحالية قبل أن يفرّغ مياهه في الخليج قرب البصرة([605]).
وأوضحت صور التقطتها (شركة الاستكشافات النفطية العراقية) بالأقمار الصناعية وجود مجار واسعة ومطمورة في المنطقة الواقعة في جنوب السماوة الحالية حتى جنوب الناصرية، وأنّ هذه المجاري قد تكون قديمة حيث يمكن أن تربط مع مجاري الفرات القديم بين هيت والنجف لتكوين مجرى كامل ولكنه تقريبي جداً يبدأ من هيت وينتهي جنوباً قرب غرب الناصرية.
يعتقد (الساكني) أنّ جفاف مجرى الفرات القديم وتحوله يرتبط بجفاف مجرى هيت ـ النجف وهذا يشمل مأخذ النهر قبل جفافه، وأن جفاف مجرى هيت وتحوله أدّى إلى جفاف المجرى جميعه وتحوّله إلى مجرى جديد آخر، وبذلك يكون الفرات قد دخل في طور جديد سُمّي بالطور الثاني. لكننا لا نعرف الحقبة الزمنية التي مرّت على بقاء نهر الفرات (في مجرى الكرمة) لكوننا لا نعرف الحقبة التي بدأ يتحول فيها الفرات من مجراه القديم إلى مجرى الفرات الحالي([606]).
مجرى نهر الفرات الذي ينبع من تركيا ويمر في سوريا والعراق
الفرات
ـ 2 ـ
لعب نهر الفرات دوراً مهماً في تواريخ الدول التي يعبرها، وعلى ضفاف هذا النهر ولدت حضارات عريقة لم يستطع الزمن نسيانها. وكان حوض نهر الفرات مسرحاً للصراعات، ومياهه هدفاً للغزاة، وسنداً أساسياً لحياة الشعوب التي عاشت حوله، وما زالت مياه النهر حتى اليوم، تحدد الكثير من العلاقات بين شعوب المنطقة. وفي قراءة سريعة للعلاقات العربية ـ التركية مثلاً، نرى أنها تستند إلى الاتفاق أو عدم الاتفاق على توزيع مياه النهر الذي يمر في تركيا وسوريا والعراق. وكانت المياه الجارية من جبال الأناضول، السبب الرئيسي للدور التركي على كل الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة.
ينبع نهر الفرات وهو من أطول أنهار منطقة الشرق الأوسط، من الهضبة الأرمينية شرق جبال الأناضول في تركيا، ويتشكّل من رافدين رئيسيين هما: مراد صو يبلغ طوله 650 كلم، وفرات صو يبلغ طوله 470 كلم ويلتقيان في حوض فلطيه الذي تتجمع فيه مياه الرافدين إلى مياه أخرى غزيرة ليتكون منها نهر الفرات. ويمر الفرات في سوريا والعراق ليصب في الخليج ويبلغ طوله حوالى 2330 كلم منها 1213 كلم في الأراضي العراقية، و675 كلم في الأراضي السورية و442 كلم في الأراضي التركية، ويجتاز النهر جبال طوروس الداخلية نحو أودية عميقة وشلالات غزيرة، بعد أن يأخذ الاتجاه الجنوبي الشرقي قاطعاً 150 كلم عبر تلك الجبال. ويستمر النهر منحرفاً إلى الجنوب الشرقي محاذياً سفوح جبال طوروس العالية حتى قلعة الروم.
ويدخل الفرات سوريا من على الحدود التركية ـ السورية من عند بلدة مسكنة السورية ويواجه النهر هضبة بادية الشام، فيتحول مجراه باتجاه الشرق ماراً بالطبقة والرقة السوريتين ويرفده بعد الرقة نهر البليخ الذي ينبع من عين العروس، ثم ينحني بعد ذلك باتجاه الجنوب الشرقي نحو منخفض العراق والخليج العربي، مارّاً بدير الزور، ويرفده بعدها نهر الخابور المنحدر من هضبة ماردين ورأس العين ثم يمر بمنطقة بو كمال على الحدود السورية العراقية.
ويرفد الفرات في الأراضي السورية ثلاثة أنهار صغيرة تزيد من كمية مياهه وتؤثر في معدل جريانه وهي:
ـ نهر الساجور بين كيبان وطرابلس، وتبلغ مساحة حوضه 2350 كلم2. ومعدل إيراده السنوي حوالي 180 مليون م3.
ـ نهر البليخ عند مدينة الرقة، وتبلغ مساحة حوضه 14400 كلم2 ومعدل إيراده السنوي حوالي 180 مليون م3.
ـ نهر الخابور ويلتقي الفرات جنوب دير الزور، وتبلغ مساحة حوضه 36900 كلم2 ومعدل إيراده السنوي من المياه 1.5 م3.
ويدخل نهر الفرات الأراضي العراقية عند منطقة حصيبة الصحراوية، حين يبلغ ارتفاع المياه فيه ما بين مترين وعشرة أمتار، وتراوح سرعة المياه ما بين 0.2 و0.3 م/ث. ولا يوجد داخل الأراضي العراقية روافد تذكر لنهر الفرات، إلا أن قنوات عدة للري تتفرع منه. ويلتقي الفرات بنهر دجلة في منطقة القرنة في جنوب العراق ليشكلا نهراً واحداً (شط العرب) الذي يبلغ طوله حتى الخليج العربي 160 كلم.
وتختلف كمية مياه الفرات بين سنة وأخرى وبين فصل وآخر لأنها تعتمد بشكل رئيسي على الأمطار والثلوج المتساقطة على جبال الأناضول وعلى غزارة روافده الثلاثة في سوريا. لهذا نجد أن منسوب مياه الفرات ينخفض بشكل واضح خلال فصل الصيف، ويشهد هذا النهر فيضانات كثيرة خلال فصل الشتاء.
بلغ نهر الفرات أعلى معدل له في العام 1968 حين وصل إلى حوالي 52 مليار متر مكعب، وأقل معدلاته في عام 1930 إذ بلغ 10 مليارات متر مكعب، وحدد الخبراء المعدل السنوي العام لكمية المياه بـ 28 مليار متر مكعب ويبلغ عند الحدود السورية ـ التركية 25 مليار متر مكعب، وعند الحدود السورية ـالعراقية 27 مليار متر مكعب.
وبما أن الفرات يمر بثلاث دول تجري عليه القوانين المطبقة على الأنهر الدولية، ولا يحق لأية دولة مصادرة مياهه إلا بمقدار ما تتفق عليه الدول الثلاث أو بمقدار ما حدده التقرير الثالث حول قانون الاستخدامات غير الملاحية لمجاري المياه الدولية الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 1981 (CN. 4/348 A/). وما حدده أيضاً المؤتمر الثاني والخمسين لجمعية القانون الدولي في هلسنكي 1966.
على رغم ذلك، ومع تزايد الخلافات بين هذه الدول، وتزايد حاجتها للمياه، أخذت كل من تركيا وسوريا والعراق تعمل بكل إمكاناتها وطاقاتها للاستفادة من مياه الفرات من دون أي تنسيق أو اتفاق يوقف هذا التدهور السائد في العلاقات بسبب توزيع المياه. وأدى سوء توزيع حصص المياه بين الدول الثلاث، وإقامة المشاريع المائية والسدود أخيراً إلى توتر العلاقات خصوصاً بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى.
المشاريع التركية
* سد كيبان: وهو من أول المشاريع المائية والكهربائية التركية على نهر الفرات، «أقيم عام 1974 بالقرب من مدينة قره صو عند التقاء فرعي الفرات. يبلغ ارتفاعه 211 متراً، وحجمه 15.5 مليون متر مكعب، أما سعة الخزن الكلية لخزان السد فتبلغ 30.7 مليار متر مكعب، وحجم الخزن الميت منه 14 مليار متر مكعب. وأنشئت بحيرة صناعية أمام السد مساحتها 675 متراً مربعاً، تنتج سبع وحدات توليد لمحطة السد الكهربائية بطاقة تبلغ 1085 ميغاواط ويصل معدل الطاقة السنوية له إلى 5870 مليون كيلوواط ساعة في السنة.
سد قره قايا: أقيم على بعد 150 كلم جنوب سد كيبان، وتبلغ طاقته التخزينية 9.5 مليار متر مكعب، وارتفاعه 173 متراً، وكان الهدف من إنشائه توليد الطاقة الكهربائية، وري مساحة من الأراضي الزراعية، إذ ضم ست وحدات توليد تصل طاقتها إلى 1500 ميغاواط، وبلغ إنتاج الطاقة السنوي من السد 7500 مليون كيلوواط ساعة في السنة. وقد استفادت الحكومة التركية من هذا المشروع لري مساحة من الأراضي الزراعية التركية، حين أقيمت قناة تحويل مباشرة متصلة بمجموعة من القنوات بطول 277 كلم لري سهل هارات وسهل ماردين.
* سد أتاتورك: أعد هذا المشروع عام 1983، على بعد 130 كلم عن الحدود السورية و540 كلم جنوب شرق أنقره، وكان الهدف منه تزويد المناطق الحدودية بالطاقة ومصادر الري، لجعلها نقطة تجميع الحبوب والفواكه والخضروات لدول الشرق الأوسط. وسد أتاتورك، هو أكبر السدود التركية ورابع أكبر سد في العالم، إذ يبلغ ارتفاعه 179 متراً وحجم الإملائيات فيه 84.5 مليون متر مكعب. أما سعة الخزان الكلية فتبلغ 48.7 مليار متر مكعب من المياه وتبلغ مساحة الخزان 718 كلم مربع والمتوقع أن ينتج هذا المشروع 27 مليار كيلوواط ساعة من الكهرباء في السنة، وسيروي في العام 2005 حوالي 6500 ميل مربع من الأراضي.
وأدى قيام هذا المشروع إلى توتر العلاقات بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى نظراً لما قامت به تركيا من استغلال لمياه الفرات بصورة عشوائية من دون الرجوع إلى دمشق وبغداد.
* سد كولوكيو: أقيم على بعد 195 كلم من بحيرة سد كيبان، وبلغت طاقته التخزينية 170 مليون متر مكعب، وأقيمت عليه محطة توليد كهربائية تحتوي على ست وحدات توليد تبلغ طاقتها 500 ميغاواط.
* نفق أورفه: وهو مشروع كبير، بدأت الحكومة التركية بتنفيذه قبل عدة سنوات، من خلال ربطه بمشروع سد أتاتورك. يأخذ هذا النفق مياهه من خزان أتاتورك لجر مياه نهر الفرات إلى سهول أورفه وحران. ونفق أورفه عبارة عن نفقين متوازيين يبلغ تصريفهما الأقصى 328 م2/ ثانية، ويعتبر هذا النفق أكبر نفق إروائي في العالم، ويبلغ طوله 26.4 كلم وقطره من الداخل 7.5 متر.
المشاريع السورية
أقامت الحكومة السورية مشاريع عدة لاستغلال مياه الفرات في مجال الري والصناعة والاستخدام المنزلي. وخلال السنوات العشر الماضية تم بناء أكثر من 113 سداً بحجم تخزيني إجمالي 1137 مليون متر مكعب، وكان الهدف من هذه السدود تأمين مياه الشرب والري. وأهم المشاريع المائية السورية في حوض الفرات:
* سد الطبقة: وهو من أكبر المشاريع التخزينية السورية على نهر الفرات، ويمتد على مسافة 4500 متر طولاً، و60 متر عرضاً، وقد أنشئت بحيرة اصطناعية سعتها 11.7 مليون متر مكعب، وأقيمت على السد 8 مولدات بقدرة 100 ميغاواط، تنتج طاقة كهربائية 2500 كيلوواط/ ساعة سنوياً، وتمثل هذه الطاقة 54 في المئة من حاجة سورية للكهرباء.
وحددت جهات رسمية سورية الهدف من المشروع بريّ مساحات واسعة من منطقة الجزيرة في سوريا واستصلاح حوالي 640 ألف هكتار، وتوليد طاقة كهربائية تبلغ 2.5 مليار كيلوواط سنوياً. وتم رفع السد إلى منسوب 304 أمتار عام 1988 بزيادة 4 أمتار، فأصبح مجموع الخزان الكلي 24.1 مليار متر مكعب، وزيادة الطاقة الكهربائية 2.5 مليون كيلوواط/ ساعة سنوياً.
* سد البعث: أقيم هذا السد على بعد 75 كلم من سد الطبقة من الإسمنت المسلح. وكان الهدف من إنشائه تنظيم مجرى مياه نهر الفرات التي تعبر محطة الثورة الكهربائية، وتخفيف منسوب المياه في النهر إلى نصف متر في حال التصريف العادي. وتبلغ سعة الخزن الكلي للسد 90 مليون متر مكعب وحجم الخزن الميت منه 65 مليون متر مكعب. وتضم المحطة الكهربائية 3 وحدات سعة كل منها 25 ميغاواط، أما الطاقة المنتجة من هذا السد فتبلغ 323 مليون كيلوواط/ ساعة سنوياً.
ويتألف سد البعث من ثلاث منشآت هي:
ـ سد رئيسي ترابي طوله 700 متر ومنسوب قمته 259.2 متر، وتبلغ مساحة خزان السد 27.15 كلم مربع.
ـ سد ترابي على الضفة اليمنى طوله 350 متراً.
ـ سد ترابي على الضفة اليسرى طوله 1600 متر، إلى المحطة الكهرمائية لتوليد الطاقة الكهربائية ويقدر إنتاجها بـ 323 مليون كيلوواط.
* سد تشرين: يبعد حوالي 125 كلم عن مدينة حلب، وهو مؤلف من سد ترابي طوله حوالى 1500 م وعرضه 290 م وارتفاعه 40 م. وسيشكل هذا السد بحيرة تخزينية مساحتها 166 كلم مربع، بسعة تخزين 1.883 مليار م3 وحددت الحكومة السورية الهدف من إقامته وهو توليد الطاقة الكهربائية.
المشاريع العراقية
تعتبر المسافة التي يعبرها الفرات داخل الأراضي العراقية، أطول المسافات نسبة إلى تركيا وسوريا. وقد استغلت الحكومة العراقية هذه المسافة لتقيم عدداً من المشاريع المائية، للري والاستخدام المنزلي والصناعة والشرب.
* مشروع الحبانية: يعتبر هذا المشروع من أهم مشاريع ضبط المياه على الفرات، إذ يقع في الجنوب الشرقي من مدينة الرمادي على بحيرة استخدمت في وقت سابق كخزان للتخفيف من وطأة الفيضانات، وذلك من خلال تحويل مجرى الفرات إلى هذه البحيرة التي تبعد قليلاً عن النهر. بوشر في تنفيذ المشروع عام 1913، بعد دراسة قدمها الخبير الغربي السير وليام ولكوكس تقضي بحفر جدول بالقرب من مدينة الرمادي لتحويل المياه من الفرات إلى منخفض الحبانية، وحفر جدول آخر يوصل البحيرة بالنهر.
توقف المشروع بسبب الحرب العالمية الأولى عام 1914 ثم أعيد البدء بتنفيذه عام 1932، بعد أن أدخلت تعديلات وإضافات عليه، إذ اقترح حفر جدول ثالث لوصل البحيرة بالنهر لإرجاع المياه المخزونة إلى النهر ثانية. وتم إكمال المشروع عام 1956 وأصبح اليوم عبارة عن خزان لمياه الفرات المتدفقة خلال الفيضانات، وتبلغ سعة الخزان «البحيرة» 3.2 مليار متر مكعب، ومقدار التصريف في حده الأعلى 800 م م3/ ث.
* سد الهندية: بدأ العمل لإقامة هذا المشروع عام 1910، وهو منشأ هيدروليكي كبير، يتسخدم لغرض تنظيم المياه وتوزيعها مناوبة على الجداول الواقعة شمال السد من جهة، ومجرى النهر جنوب السد من جهة أخرى.
وهناك سدود ومشاريع عراقية أخرى على نهر الفرات أهمها: مشروع بحيرة هور أبي ويس، ومشروع سد الرمادي وسد الفالوجا، التي تساهم في ري الأراضي العراقية الزراعية وتنظيم مياه النهر وتأمين مياه الشرب للمواطنين.
كان توزيع مياه الفرات بين تركيا وسوريا والعراق مصدر خلاف بين هذه الدول ما زال مستمراً منذ سنوات طويلة. وقد استفحلت هذه الأزمة بعد تطور الأوضاع السياسية في المنطقة؛ وتوثيق العلاقات التركية ـ الإسرائيلية الذي ترافق مع إقامة عدد من المشاريع المائية، وطرح عدد من المشاريع ما زالت قيد البحث وخطط لها ونفذت من دون أي تنسيق بين الدول الثلاث، حسب القوانين والأعراف الدولية والاتفاقات المعقودة بينها. وجاء إنشاء سد أتاتورك الضخم وحبس مياه الفرات من قبل الحكومة التركية لملء خزان هذا السد لمدة شهر كامل في 13 كانون الثاني (يناير) 1993 وحتى 13 شباط (فبراير) من العام نفسه، بمثابة حرب مياه بدأتها أنقره لأهداف سياسية بعيدة. وجاءت هذه الأعمال مخالفة لاتفاق عقد سابقاً بين العراق وتركيا، ومخالفة للقوانين والقرارات الدولية التي نصّت على ضرورة استشارة الشريكين الآخرين معها. وورد في قرار جمعية القانون الدولي في (دوبروفنيك) في 29/8/1956 أنه «عند قسمة مياه نهر مشترك تؤخذ بالاعتبار الاحتياجات المائية للأقطار الكائنة عليه بما في ذلك احتياجات المشاريع القائمة». وما تقوم به الحكومة التركية بين الحين والآخر هو خرق للمادة 109 من معاهدة لوزان 1923؛ وقرارات جمعية القانون الدولي المنعقدة في نيويورك عام 1958 التي وضعت الأسس والمبادىء واعتبرت أساساً لحل مشاكل المياه المشتركة بين الدول، إذ جاء في الفقرتين 3 و4 من هذه الأسس:
ـ على الدول المتشاطئة احترام الحقوق القانونية المشروعة لكل الدول المتشاطئة والمشاركة في حوض التغذية.
ـ على الدول المتشاطئة احترام الحقوق القانونية المشروعة للدول الشريكة بما في ذلك واجب منع الآخرين من انتهاك الحقوق المشروعة للدول الشريكة الأخرى. كما أن اتفاقاً عقد عام 1946 بين الحكومتين العراقية والتركية نص على إطلاع العراق على أية مشاريع خاصة بأعمال الوقاية قد تقرر إنشاءها على أي من هذين النهرين (دجلة والفرات) أو روافدهما».
يعتبر حجم الاستثمارات على نهر الفرات وخصوصاً الاستثمار التركي وضخامة المنشآت التي تقيمها الحكومة التركية عليه؛ مؤشراً خطيراً ومقلقاً لكل من سوريا والعراق، خلال السنوات المقبلة، إذ تعتمد الدولتان على مياه هذا النهر بصورة رئيسية للشرب والري.
عبد معروف
الفرات
ـ 3 ـ
ينبع من منابع عديدة في تركيا في منطقة يزيد ارتفاعها على 3000 متر، أهمها: (فرات صو) الذي يجري في سهول أرض روم، و(مراد صو) الذي يجري في هضبة أرمينيا ويلتقي بفرات صو قرب مدينة كبان معدني مكوناً نهر الفرات. و(تخمه صو) الذي تمده جبال طوروس بالمياه ثم يلتقي بنهر الفرات.
ويدخل نهر الفرات سوريا بالقرب من جرابلس فيمده فيها رافدان: الخابور والبليخ، ويدخل العراق من بلدة القائم بعد مروره ببلدة البو كمال بمسافة قصيرة، ثم يمر ببلدة (عنة) فالرمادي فالفالوجة فالمسيب. وفي جنوب بلدة المسيب عند سدة الهندية ينقسم إلى قسمين: القسم الأول يسمى شط (السبيل) وهو نهر الحلة، يمر في مدينة الحلة ومنازل عشائرها، فقضاء الهاشمية قبل صدر شط الدغارة، مخترقاً منازل عشائر البو سلطان والجبور، ثم مدينة الديوانية ومنازل عشائرها، ثم يمر بالرميثة وفي جنوبها ينقسم إلى فرعين، فرع يصب في نهر الفرات الأصلي شمالي السماوة ببضعة أميال، وفرع يجتمع بنهر الفرات شرقي السماوة بأربعة أميال. أما القسم الثاني الذي يسمى: (شط الهندية) فيخترق قضاء الهندية وناحية الكفل فمنازل عشائر آل فتلة وبني حسن، وينقسم جنوبي الكفل إلى فرعين يمتد الأول حتى يجتمع بالفرات الأوسط غربي ناحية الشنافية بخمسة أميال تقريباً. وأما الفرع الثاني فيخترق الكوفة إلى أن يمر بالشنافية فالسماوة فالناصرية، ثم يخترق هور (الحمّار) إلى أن يلتقي بدجلة عند بلدة القرنة فيشكلان نهراً واحداً يسمى (شط العرب).
ويبلغ طول الفرات 3330 ك.م.
وننشر بعد هذا الإجمال تفصيلاً موسعاً عن تفرعات الفرات مكتوباً بقلم الشيخ حمود الساعدي:
كان الفرات في أيام الفتوحات الإسلامية يجري في نفس الاتجاه الذي يجري فيه نهر الهندية الحالي، فيمر بقرية برس ثم بالكوفة التي أسسها المسلمون سنة 17 هجرية (638 م) وينتهي في بلاد الحيرة ثم يتجاوزها ويصب في البطائح. وبقي يجري في نفس الاتجاه عدة قرون ومن ثم بدأ يتحول مجراه بصورة تدريجية إلى مجرى نهر سورا (شط الحلة الحالي) وذلك بنتيجة تراكم الترسبات الغرينية في حوضه، وتدل الروايات التأريخية أن هذا التحول بدأ في زمن البيويهيين (334 ـ 447 هـ) وتم نهائياً في أواخر الحكم العباسي.
أما النهر الذي أشار إليه ابن بطوطة في كلامه عن الكوفة عند زيارته لها سنة 725 هـ بقوله: والفرات من الكوفة على مسافة نصف فرسخ الخ، فالمراد به نهر التاجية المتفرع من فرات الحلة وهذا عمي في أواخر القرن الثامن الهجري، وهو نهر قديم ذكره ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هـ في معجمه وقال عنه ما نصه: والتاجية نهر عليه كور بناحية الكوفة.
وتدل الروايات التأريخية أيضاً على أن مجرى الفرات بعد تحوله إلى جهة شط الحلة بقي فيه نحو ستة قرون ثم غادره في القرن الثالث عشر الهجري راجعاً إلى مجراه الغربي الذي يسير في اتجاه الكوفة، وكان أهم عامل لذلك التحول هو المشروع الذي قام به آصف الدولة وزير محمد شاه الهندي لإيصال الماء إلى مدينة النجف، وذلك بشق جدول يؤخذ من الضفة اليمنى لنهر الفرات فيجري في أنحاء نهر الكوفة القديمة، وقد عرف هذا الجدول بعد توسعه بنهر (الهندية).
وقد شرع في حفر نهر الهندية المذكور سنة 1205 هـ (1790 م) وتم العمل وجرى الماء فيه سنة 1208 هـ (1793 م) أي بعد ثلاث سنوات من الشروع بالعمل وقد أرّخوا سنة جريان الماء في النهر بجملة (صدقة جارية) هكذا ذكر الشيخ محمد المهدي بن الشيخ علي الفتوني النجفي في كشكوله وهو ممن أدرك حفر النهر، وقد تابعه على ذلك جماعة من مؤرخي النجف وكتابها كالشيخ محمد بن الحاج عيسى كبه المعاصر للشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء في تأريخه المسمى (درر منثورة في فوائد من أبواب غير محصورة)، والشيخ خضر الهنداوي المتوفى سنة 1305 هـ في مجموعته التاريخية، والسيد حسون البراقي المتوفى سنة 1333 هـ في كتابيه اليتيمة الغروية وقلائد الدر والمرجان، والشيخ عبود الكوفي النجفي المتوفى في حدود سنة 1350 هـ في كتابه نزهة الغري.
ومن المعاصرين السيد جعفر آل بحر العلوم في تحفة العالم، والشيخ جعفر محبوبة في ماضي النجف وحاضرها، ومن كتاب بغداد يعقوب سركيس في مباحث عراقية والدكتور أحمد سوسه في وادي الفرات ومشروع سدة الهندية وغيرهم.
وقد انفرد عمن ذكرنا أحد مؤرخي النجف الذين أدركوا حفر النهر، فإنه ذكر في مجموعته التاريخية (التأريخ المجهول) أن ابتداء الحفر كان سنة 1200 هـ والانتهاء منه 1218 هـ، وهو لا شك يقصد بذلك ابتداء المذاكرة في حفر النهر لا سنة الشروع به، إلى سنة إيصال الماء إلى نفس بلدة النجف بواسطة النفق المعروف باسم (قناة آصف الدولة) لأن هذه القناة حفرت بعد سنة 1208 هـ كما صرح بذلك السيد حسون البراقي في اليتيمية الغروية. ويؤيد ذلك ما ذكره الرحالة الفارسي الميرزا أبو طالب خان في رحلته المسماة (مسير طالبي) فإن المومى إليه كان قد توجه من بغداد لزيارة كربلاء والنجف في 24 ذي القعدة سنة 1217 هـ (أول آذار 1803 م). قال ما تعريبه: وبعد أن قمت بواجب الزيارة في كربلاء بارحتها قاصداً النجف بطريق الحلة فقدمت إليه في اليوم نفسه ولاقيت في طريقي جدولين أولهما يقال له النهر الحسيني (الحسينية) على بعد أميال قليلة من كربلاء.
والثاني من النهرين يقال له نهر الهندية أو الآصفي لأن النواب آصف الدولة حفره بنفقاته وهو أعرض من النهر الحسيني، والغاية من حفره إيصال الماء إلى مرقد الإمام علي، وقد بلغت نفقات هذا الجدول حتى الآن عشرة لكوك من الربيات مع أنه لم يصل بعد إلى النجف لأن باشا بغداد والرجل الذي ولاه الباشا الإشراف على العمل جعلا النهر يمر بالكوفة وغيرها من المدن عوضاً عن جعله يجري مستقيماً.
وقد بقيت أربعة أميال (في الأصل الفارسي فرسخ واحد وهو يساوي الأميال المذكورة تقريباً لإيصاله إلى المحل المذكور والأعمال مداوم عليها (انتهى).
أقول يريد الكاتب بقوله: والأعمال مداوم عليها. بالنسبة إلى القناة المعروفة باسم قناة آصف الدولة المتقدمة الذكر.
ثم أخذ فرات الهندية بعد التاريخ المذكور يتقدم نحو الجنوب بسرعة وخرجت منه فروع كثيرة، خاصة في منطقتي الهندية وهور الدخن (ناحية العباسية اليوم) وغمرت مياهه جميع المنخفضات الواقعة على جهتيه وصيرتها أهواراً. جاء في رحلة المنشي البغدادي التي كتبها سنة 1227 هـ «1821 م» قوله في وصف المنطقة الواقعة بين الكفل والنجف: من الكفل إلى النجف أربعة فراسخ.. وفي الطريق يعبر من نهر الهندية لمرات.. وهذا النهر يأتي من الفرات ويذهب إلى النجف وفي موطنين عليه قناطر (انتهى).
أما المجرى الأصلي الذي كان ينتهي في خرائب بلدة الكوفة، فإن مياهه شكّلت مستنقعاً واسعاً يمتد من أعلى بلدة الكوفة الحالية إلى مكان قريب من بلدة أبو صخير الواقعة على بعد نحو عشرين كيلومتراً من جنوب الكوفة، وفي حدود سنة 1240 هـ «1824 م» أوجدت المياه لها طريقاً إلى منخفض بحر النجف وهو ما يسمى اليوم بنهر الصافي، وكانت مياهه تدوي من شدة الجريان وتبعث صوتاً قوياً أشبه ما يكون بالنهيق الذي يطلق عليه العامة الجعفير، لذلك عرفت الترعة باسم الجعارة، وبتوالي الأيام صار اسم الجعارة، يطلق على عامة الأراضي الواقعة في ضمن ناحية الحيرة.
ويدعي السادة البوزوين في مذكرة رفعوها إلى قائمقام أبو صخير بتأريخ أيلول سنة 1928 م أن جدهم المدعو السيد حسن الذي كان وكيلاً للخزاعل في منطقة الجعارة «الحيرة» هو الذي سعى بشق نهر من الأرض المعروفة اليوم باسم المحاجير إلى بحر النجف.
ومن هذا التاريخ توسع فرات الهندية وأخذ يتقدم بسرعة فائقة نحو الجنوب وغمرت مياهه المنخفض الواسع الممتد من أعلى النجف من الموضع المعروف اليوم باسم الفتحة حتى الشنافية، وصار هذا المنخفض البالغ طوله نحو سبعين كيلومتراً بحراً متلاطم الأمواج، وما إن حلت سنة 1247 هـ «1831 م» إلا وكانت السفن الشراعية الكبيرة القادمة من الشرق والمحملة بالزوار والبضائع قد تركت الطريق النهري القديم الذي كان يمر بقرية الكريم ولملوم والحسكة «الديوانية» فالحلة، وأخذت تسلك الطريق النهري الجديد الذي يمر بالسماوة والشنافية وينتهي في النجف، وكان مرسى السفن في النجف يقع بالقرب من بستان سيد صقر «الجريوية اليوم» الواقع على بعد كيلومترين من جنوب سور مدينة النجف.
وفي أوائل سنة 1305 هـ «1887 م» سعى وكيل السنية في الجعارة إلى تجفيف بحر النجف لغرض الاستفادة من أرضه وكان بحر النجف في الأيام الأخيرة يمون من مكان اسمه المدلق، فعمد وكيل السنية إلى المكان المذكور وأحكم سده، ومن هذا التأريخ تحول المرسى من النجف إلى «الكوفة الحالية» التي أطلق عليها في أول الأمر اسم شريعة الكوفة، أما الكوفة القديمة فكانت مندرسة تماماً ولم يبق منها سوى جامعها الأعظم.
وقد وصف المستر بادلو هذا القسم من نهر الفرات كما شاهده في سنة 1889 م «1306 هـ» فقال إن النهر المسمى نهر الهندية يجري في الجهة اليمنى من الفرات وهو يحمل نصف مياه الفرات فيترك مدينة كربلاء على جهته الغربية وأطلال بابل في الجهة الشرقية، ثم يصل إلى مدينة النجف فينصب هناك في بحيرة تسمى بحر النجف يبلغ طولها 60 ميلاً وعرضها 30 ميلاً. ففي هذه الأهوار الواقعة على الجانب الغربي من نهر الهندية انتشر وباء الطاعون الذي وقع في سنة 1867 م «1284 هـ»، والمياه بعد أن تتجمع في بحر النجف تأخذ لوناً هو أقرب إلى لون مياه الأهوار فتكثر فيها الملوحة ثم تتسرب إلى نهر يسمى شط الشنافية حيث تقع مدينة الشنافية على جهته اليمنى وبعد أن يجري هذا الشط لمسافة حوالى 20 ميلاً نحو الجنوب ينقسم إلى فرعين الفرع الجنوبي وهو شط العطشان الذي يستعمل للملاحة والفرع الشرقي المعروف باسم أبي وفوش ثم ينصب هذان الفرعان في الفرات، ومما ذكره المستر باولو أيضاً أن أكثر الزائرين الذين يقدمون من الهند لزيارة الأماكن المقدسة في كربلاء والنجف يسلكون طريق الفرات فالعطشان فشط الشنافية، وأن سفناً كبيرة ذات حمولة خمسين طناً تمر من هذا الطريق النهري الذي ينتهي بالنجف..
منطقة الجعّارة
لقد مر القول بأن مياه الفرات بدأت تسيل إلى منخفض بحر النجف في حدود سنة 1240 هـ ومن بعد هذا التاريخ بدأ سيل المهاجرين من أبناء عشائر الحسكة «التي أخذت تموت أراضيهم بسبب شحة المياه في شط الحلة» يتدفق إلى منطقة الجعارة، ولم يمر وقت قصير حتى عم أراضي منطقة الجعارة العمران وأصبحت زاهية بحقول الشلب الشاسعة المدى، وبساتين النخيل والفاكهة الممتدة على أجراف الأنهر الصغيرة المتشعبة من الفرات، وقد اكتظت أرضها بالسكان من أبناء العشائر المهاجرة إليها من أنحاء الحسكة وغيرها كآل فتلة وآل إبراهيم وآل عيسى وآل زجري وبني تميم وبني ليث والعبودة والمراشدة والبركات والعكرات والجنابات والجبور والجلابات وفنهره والبلوش (من أصل فارسي) وعدة أسر علوية، هذا بالإضافة إلى أفراد قبيلتي آل شبل والغزالات أحلاف خزاعة أما المشخاب فكانت أرضه في هذا التأريخ لا تزال مغمورة بالمياه «أهواراً» ولم يدب إليه العمران إلا في حدود سنة 1296 هـ وكانت السلطة والنفوذ في منطقة الجعارة والمناطق المجاورة لها بيد آل شلال الخزاعيين وكان كبيرهم يومئذ ذرب آل مغامس آل شلال الخزاعي المتوفى في 19 محرم سنة 1267 هـ «1850 م»، وحل محله بعد وفاته ولده كريدي آل ذرب وهذا توفي في حدود سنة 1276 هـ فحل محله ولده مطلق آل كريدي وفي عهده في سنة 1282 هـ «1865 م» تمكّنت الحكومة التركية من الخزاعل وقبضت على رئيسهم مطلق آل كريدي آل ذرب المتقدم الذكر ونفته إلى اسطنبول وكذلك قبضت على وكيله في منطقة الجعارة السيد محمد زوين وسجنته في الحلة، وأجلت آل شبل والغزالات عن أرضهم في الجعارة وأعطتها بالالتزام إلى فرعون آل ياقوت شيخ آل فتلة. فانتقل هذا إليها من الرميثة ونزل في القلاع التي بنتها له الحكومة في سنة 1285 هـ بمن كان معه من أفراد آل فتلة البالغ عددهم نحو خمسمائة رجل، وكذلك انضم إليه بقية آل فتلة الذين سبق أن جاؤوا مهاجرين من الفوار. وقد حدثت في أيام فرعون وكذلك في عهد أولاده من بعده على حساب أرض الجعارة سلسلة طويلة من المنازعات بين آل فتلة وحلفائهم من جهة، وبين أصحاب الأرض الشرعيين وهم آل شبل والغزالات والخزاعل من جهة ثانية، وكان الأتراك يسندون دائماً آل فتلة لأجل أن يقللوا من نفوذ الخزاعل، وقد ذهبت نفوس كثيرة من الطرفين بسبب هذه المنازعات.
الأعمال التي قامت بها إدارة السنية
في منطقة الجعارة
وفي حدود سنة 1300 هـ «1882 م» سجلت أراضي الجعارة والمشخاب باسم السلطان عبد الحميد وأطلق عليها اسم الأراضي السنية. ومن هذا التأريخ صارت مرتبطة بإدارة خاصة في بغداد يرأسها مشير الفيلق. تسمى إدارة السنية. وكان أول وكيل تعين عنها في الجعارة اسمه علي أفندي. وبقيت الجعارة ومن ضمنها المشخاب والدسم» أي قضاء أبو صخير بحدوده الحالية» تدار من قبل إدارة السنية، ثم انتقلت بعد خلع السلطان عبد الحميد سنة 1908 م «أوائل 1327 هـ» إلى دائرة الأملاك الأميرية التي أطلق عليها اسم الأملاك المدورة.
ولقد قامت إدارة السنية خلال هذه المدة بعدة إصلاحات في منطقة الجعارة منها: أنها أنشأت داراً كبيرة للحكومة ومخزناً للأطعمة الأميرية في أبو صخير وهما لا يزالان باقيين حتى اليوم؛ ويا ليتها لم تنشئهما؛ لأنها أرادت أن تقتصد في نفقة البناء فعمدت إلى قصر الخورنق وكان يومئذ عامراً فهدمته وبنتهما بالحجارة، وهي بعملها هذا قضت على آثار عربية قديمة، وفي أوائل سنة 1305 هـ «1887 م» سعى وكيل السنية في الجعارة واسمه عبد الغني إلى تجفيف بحر النجف لغرض الاستفادة من أرضه، وكان بحر النجف يمون من الفرات عن طريقين أحدهما مما يلي بلدة أبو صخير من المكان المعروف اليوم باسم نهر الصافي، وهذا الطريق سد قبل عهد السنية بنحو عشرين سنة سده السيد محمد زوين وكيل الخزاعل في الجعارة المتوفى في شهر ذي الحجة سنة 1288 هـ وقد استخدم في سدة الصخور ومن أجل هذا سمي أبو صخير.
أما الطريق الثاني فيقع على بعد أكثر من عشر كيلو مترات من غربي أبو صخير ويسمى المدلك «المدلق» وهذا هو الذي كان يمون بحر النجف بالماء، وعن طريقه كانت تدخل السفن الشراعية الكبيرة القادمة من البصرة وغيرها إلى النجف. فعمد عبد الغني وكيل السنية إلى هذا الطريق وسده سداً محكماً.
نهر الحميدية
وفي سنة 1305 هـ نفسها شرع بحفر ترعة من الجعارة إلى النجف من المكان المعروف بنهر الصافي طولها عشرون كيلومتراً وجيء بها في محاذاة ساحل البحر من جهته الشرقية، وصنعوا في نهايتها بركة كبيرة. وكان قد اشترك في حفر هذه الترعة جميع أفراد عشائر منطقة الجعارة، وتم حفرها (الذي دام ستة وأربعين يوماً) وجرى الماء فيها يوم الخميس 5 جمادى الأولى سنة 1305 هـ «1887 م» المذكورة وقد أطلق عليها اسم الحميدية نسبة إلى السلطان عبد الحميد، ولكن العامة أخذوا يطلقون عليها اسم نهر السنية، وتابعهم على ذلك بعض مؤرخي النجف كالسيد حسون البراقي والشيخ محمد الكوفي، وقد تلي في الاحتفال الذي أقيم في النجف بمناسبة إسالة الماء في النهر دعاء للسلطان عبد الحميد من قبل السيد سعيد خطيب الحضرة الحيدرية جاء فيه: واسقه من حوض الكوثر. اللهم، له ولكافة وزرائه وعساكره الحاضرين.. ومن سعى في هذا الأمر من الوكلاء والوزراء والأمراء سيما رئيس الأملاك الهمايونية ووالي ولاية بغداد.. خصوصاً البادي لهذه الخيرية مدير الجعارة ذي النفس الغنية.. أعني به عبد الغني. اللهم، كما صار سبباً للدعاء لحضرة سلطاننا… فاجعله لديه من المقبولين… ولا سيما المعين بالنفس والمال السيد هادي المشهور بالنجابة والكمال. وكاذ السيد محمد المشهور بآل بحر العلوم وكذا حاكم النجف الأشرف والرئيس العسكري وقاضي المحل الدري والكليدار الحيدري وجميع من أعانه على هذا الأمر الجليل من الحشور والمشايخ والسراكيل. واغفر اللهم، لنا ولهم (انتهى).
وهناك قصائد كثيرة قيلت بهذه المناسبة. منها قصيدة الشيخ طاهر بن الشيخ أحمد الدجيلي النجفي تشتمل على ثلاثين بيتاً يمدح بها السلطان عبد الحميد ويدعو له وللوالي مصطفى عاصم باشا والسيد هادي محمد زوين وعبد الحميد أفندي وكيل السنية.
مطلعها:
حي الملوك وقل لها بشرى
أجرى الحميد لحيدر نهرا
ومنها:
كالعاصم الحامي له خضعت
أهل العراق فلم يحق مكرا
ومنها:
وكذلكم عبد الغني فكم
قد شد في طلب العلى أزرا
ومنها:
وسقاك يا عبد الغني بما
أوليت ساقي الحوض في الأخرى
ومنها:
وأكرم بهادي الخلق ذي همم
تكبو لنيل مرامها الشعرى
وللشيخ محمد جواد بن الشيخ محمد بن الشيخ شبيب قصيدة تشتمل على خمسة وثلاثين بيتاً كذلك يمدح بها السلطان وغيره بهذه المناسبة مطلعها:
صفت بعد رنق بالغري المناهل
فصبت تمير البشر منها المنازل
ومنها:
وحسبهمو عبد الغني فتى العلى
لأمركم السامي مقيم وكافل
يؤيده الهادي بعزم مضائه
مضي مرهف ما أرهفته الصياقل
وختمها بقوله مؤرخاً:
بأقصى الهنا وفى وقلت مؤرخاً
بري صفت للورد منه المناهل
وقال السيد جعفر الحلي كذلك مادحاً السلطان وغيره بهذه المناسبة:
دول الممالك طأطأت لك هامها
قدماً فقد ألقت إليك زمامها
ومنها:
بشراك قد زهت العراق بعاصم
إذ كان في درك الخطوب عصامها
وهي مثبتة بتمامها في ديوانه المطبوع:
وله أيضاً مخاطباً السلطان ومؤرخاً في ثلاثة أبيات هي:
أمولى الورى وأفتك مني بشارة
فقد أنهل الوراد منهلك العذب
جرى ل كفي أهل الغريين منهل
وكانوا عطاشى لا يبل لهم قلب
جرى ملؤه عذباً فلذ شرابه
لأهل الحمى أرخته: عذب الشرب
وقال الشيخ عباس الأعسم مادحاً عبد الغني ومؤرخاً بهذه المناسبة:
إنما عبد الغني المرتقي
بجناحي عزمه للشهب
جد حتى نال بالجد علا
عنه ينحط رفيع الرتب
جاد بالماء ولا بدع فذي
شيمة معروفة للسحب
دفعاً جاء وقد أعيى الورى
رشحه سالفات الحقب
ولسكان الحمى إذ ظمئوا
سوغ التاريخ: شرب العذب
وبقي نهر الحميدية المتقدم الذكر عامراً إلى سنة 1307 هـ (1889 م) ثم طم مجراه وبهذا التأريخ جف بحر النجف الذي سبق لعبد الغني وكيل السنية (في الجعارة) أن سد طريق مجراه سنة 1305 هـ، وظهر ما كان في قاعه من أنقاض السفن التي غرقت فيه قديماً وبعض الأشياء الأخرى ومن غريب ما شوهد فيه عند جفافه ظهور السلاحف التي كانت تعيش بمائه، فإنها ظهرت ظهوراً غريباً بحيث ترى الأسراب من نوعها مؤلفة من الألوف وأمامها فحولها وذكرانها تدلها على الطريق متجهة من الموضع المعروف برأس الماء (المكان الذي يقيم فيه البوعامر اليوم) إلى نهر الفرات عن طريق أبو فشيجة مسافة فرسخ ونصف وتقاوم كل من عارضها في الطريق.
وموقع هذا البحر غربي النجف، وكانت البقعة التي يشغلها فيما مضى قسماً من البحر، غير أن ارتفاع الأرض بسبب تراكم الأتربة المترسبة في قاعة من مياه الفرات فصلت هذه البقعة عن البحر وباعدت بينه وبينها، ويفهم من الروايات التأريخية ومن التلال الأثرية الواقعة فيه أنه كان جافاً في عهد المناذرة، واستمر جفافه إلى سنة 1240 هـ المارة الذكر.
وقد وصف بحر النجف بعد جفافه الأخير غير واحد من المؤرخين والكتاب. منهم الشيخ محمد الكوفي النجفي فقد قال عنه في ضمن كلامه عن نهر الحميدية المتقدم الذكر بما هذا لفظه: في سنة 1305 هـ ابتدعوا نهراً من ماء الفرات وأوصلوه إلى بحر النجف وسموه نهر السنية، وقد غاض ماء البحر ونضب بعدما كان بحراً عظيماً ذا أمواج عظيمة تغرق فيه السفن، وقد غرقت فيه سفن كثيرة وذهبت فيه أموال وافرة فصار أرضاً يابسة يخشى السائر فيه الهلاك من العطش، واليوم فيه نخيل وأشجار ومزارع وأثمار تنقل إلى النجف، وصار (سنية) بمعنى مخصوص للسلطان دون المسلمين فسبحان من يغير ولا يغير.
ومنهم السيد محمد رشيد السعدي في كتاب قرة العين. قال بعد وصفه لمدينة النجف وفي الجنوب الشرقي (كذا) من هذه المدينة نحو نصف فرسخ، كانت بحيرة تسمى بحر النجف طولها عشرة فراسخ وعرضها كذلك وعمقها ثلاثة أذرع إلى عشرة أذرع بالذراع البغدادي، ترد السفن إليها من البصرة وتدخل إليها بقرب قرية يقال لها الشنافية وقد سافرت فيها ورأيتها سنة 1285 و1287 هـ وفي سنة 1310 هـ نشفت وصارت قاعاً وفي وقتنا هذا أعني سنة 1325 هـ صارت أراضي تلك البحيرة كثيرة الزرع والخصب وتسقى من نهر الفرات (انتهى).
نهر الحيدرية
ومما قامت به إدارة السنية أيضاً أنها شرعت في سنة 1310 هـ (1892) (في عهد وكيل السنية في الجعارة راقم أفندي) في حفر نهر جديد من الجعارة إلى النجف بسعي من قائمقام النجف خير الله أفندي وجيء به على آثار سابقة وأطلق عليه اسم الحيدرية، وقد تم حفره وجرى فيه الماء في شهر شعبان سنة 1310 هـ المذكورة. وللسيد جعفر الحلي قصيدة يمدح بها السلطان عبد الحميد بهذه المناسبة استهلها بقوله:
جرى ماؤنا من لطف سلطاننا عذبا
فلذ لنا طعماً وطاب لنا شربا
شممنا شذا أنفاسه حين جريه
فأنشقنا الريحان والمندل الرطبا
وختمها بقوله مؤرخاً:
لقد صدقت أبناؤها وهي عذبة
إذ الناس في تأريخها شربوا العذبا
أنهر الجعارة
كان المجرى الرئيس لفرات الهندية في بادىء أمره ينتهي عند قرية أبو صخير الواقعة على بعد عشرين كيلومتراً من جنوب بلدة الكوفة الحالية، ومن ثم يتحول إلى عدة أنهر بعضها يجري نحو الجنوب والجنوب الشرقي، وهذه الفروع كانت تسمى المشاخيب ثم توحدّت بطبيعتها وصارت نهراً واحداً هو المعروف اليوم باسم المشخاب.
أما بقية الفروع فكانت تجري نحو الغرب وبعد أن تقطع مسافة ليست بالبعيدة تنعطف نحو الشمال وتنتهي ببحر النجف، وهذه هي أنهر الجعارة (الحيرة) التي نريد أن نتحدث عنها.
1 ـ نهر البكرية
بقيت هذه الأنهر الغربية تأخذ من الفرات مباشرة إلى أواخر أيام العهد العثماني ثم سعى أحد مأموري الأتراك في الحيرة واسمه بكر أفندي إلى توحيد هذه الأنهر وإنشاء ممون رئيسي لها طوله أكثر من كيلو مترين ومن هنا صارت هذه الأنهر الغربية تتمون من الترعة المذكورة التي أطلق عليها اسم البكرية.
2 ـ نهر جحات
ثم اتفق على أثر فيضان الفرات سنة 1332 هـ (1914 م) أن ظهر فرع جديد للمشخاب من نقطة تبعد أكثر من كيلو متر واحد من جنوب صدر نهر البكرية المتقدم الذكر وراح يشق طريقه بسرعة فائقة نحو المنخفضات الغربية وأطلق على هذا الفرع الجديد اسم نهر جحات نسبة إلى صاحب الأرض التي ظهر فيها وهو جحات بن علوان البختري. وفي خلال عام 1918 سدت حكومة الاحتلال الإنكليزية نهر جحات من صدره، وكذلك سدت نهرين آخرين يقعان على مقربة منه ويجريان في نفس الاتجاه الذي يجري فيه وهما نهر أبو مطي (بالتصغير) ونهر الحسانية، وأبقت نهر البكرية وحده بعد أن مددته حتى أوصلته ببزايز نهر جحات الآنف الذكر، ومن هذا التاريخ صار نهر البكرية يعرف باسم نهر جحات، وهو اليوم من الأنهر المهمة يقع صدره عند بلدة أبو صخير، ويجري أولاً نحو الغرب مسافة كيلو مترين ثم ينعطف نحو الجنوب ويجري بموازاة نهر المشخاب وبعد أن يقطع مسافة تقدر بأكثر من عشرين كيلو متراً ينتهي بهور صليب بعد أن تخرج منه فروع كثيرة لسقي مزارع الشلب الممتدة بامتداده، وينزل على هذا النهر وفي سقيه آل فتلة والغزالات وآل شبل وبعض الأسر العلوية كآل السيد محسن العذاري وآل السيد عبد الله العذاري وآل السيد محمد أبو طبيخ، ومن مقاطعاته الطرة والهارمية وشبينة وغيرها.
3 ـ نهر الصافي
كان يسمى الجعارة ثم سمي الصافي ثم الدعامية نسبة إلى زراعه الدعوم ثم الحميدية في سنة 1305 هـ وقد مر الكلام عليها ثم الحيدرية سنة 1310 هـ وقد مر ذكرها أيضاً ثم جدول الأمير غازي سنة 1350 هـ (1932 م) وفي سنة 1958 أطلق عليه اسم السدير وأما صدره الذي يرى على مقربة من بلدة أبو صخير فهو ثابت لم يتغير بتغيير الأسماء.
4 ـ نهر أبو جدوع
هذا هو اسمه القديم ثم سمي الحسيني وفي سنة 1958 سمي جدول النعمان. يأتي من بعد سابقه ويجري نحو الشمال أيضاً فيذهب إلى الأراضي المعروفة باسم الرمل فيسقيها ومنها ينتهي في بحر النجف.
5 ـ نهر البديرية
هذا هو اسمه القديم، ثم سمي الفيصلي وأطلق عليه أخيراً اسم جدول الحيرة. يأتي من بعد سابقه ويمر ببلدة الحيرة (الجعارة سابقاً) فيشطرها إلى شطرين ومنها يذهب فيسقي بساتين الجعارة ومن ثم ينتهي في بحر النجف في أراضي الغزالات والدعوم وغيرهم، وفي حدود سنة 1955 م طمرت الحكومة هذا النهر ثم مددته في سنة 1963 إلى نهاية بحر النجف إلى المكان المعروف باسم الفتحة وتقع على جهتي هذا النهر البالغ عرضه ستة أمتار عدة تلال أثرية منها تل المنبطح وتل أبو الديبغ وتل الصنين وتل أم حصاني وغيرهما.
6 ـ نهر الهاشمي
هكذا كان يدعى منذ مئة وخمسين عاماً، وفي سنة 1958 م قرر هديب الحاج حمود وزير الزراعة يومئذ استبدال اسمه القديم باسم جدول الدسم. يقع صدره بالقرب من قرية الجعارة في أرض تسمى أبو شبوط ويجرى نحو الغرب، وهو بعد أن يقطع مسافة تقدر بنحو خمسة عشر كيلو متراً يصل إلى قرية اسمها الدسم وبعد أن يتعداها بمسافة ليست بالبعيدة ينتهي في موضع يسمى القرنة. وتسمى الأراضي الدسم وهي أراضي خصبة تكثر فيها بساتين النخيل، وكان هذا النهر فيما مضى بمثابة العمود لنهر الفرات أما اليوم فليست له بعض تلك الأهمية. أما قرية الدسم الواقعة عليه فهي من أقدم قرى قضاء أبو صخير، أسسها السيد محمد بن السيد حسن زرين وكيل الخزاعل في منطقة الحيرة المتوفى في شهر ذي الحجة سنة 1288 هـ (1871 م) وتوطنها مدة ثم اتخذتها حكومة الأتراك مركزاً لناحية الجعارة عينت لها مديراً، وهي اليوم قرية بسيطة خاملة فيها مدرسة ابتدائية، وفي أوائل سنة 1958 م أنشأت الحكومة لها في هذه القرية بناية ضخمة ذات أبرج.
هذه هي أهم أنهار الجعارة (الحيرة) وجميعها لا تزال عامرة. وهناك أنهار أُخرى مندرسة كنهر أبو شبوط، وأبو مطي (مصغر) والحسانية. وهذه كانت جميعها تتمون من الفرات مباشرة وقد ماتت جميعها.
شط المشخاب
لقد مر القول بأن فرات الكوفة كان ينشطر عند بلدة أبو صخير إلى شطرين يسمى الغربي منهما جحات والثاني وهو موضوع بحثنا يسمى المشخاب. ونهر المشخاب هذا هو المجرى الرئيس اليوم للفرات طوله 24 كيلومتراً وتقع عليه مزارع جسيمة، وكانت أرضه حتى سنة 1285 هـ (1868 م) بعد لا تزال مغمورة بالمياه (أهواراً) وكانت تشكل جزءاً من المنخفض الواسع المعروف باسم بحر النجف.
وسبب تسميته بالمشخاب هو أن فرات الهندية لما وصل إلى مكان بلدة أبو صخير أخذت مياهه تشخب في أراضي البحر الواطئة بواسطة عدة مجاري فأطلق عليها اسم المشاخيب، ثم توحدت تلك المجاري بطبيعتها وتكون منها نهر المشخاب الحالي. وفي اللغة: الشخب (بفتح الشين المشددة وضم الخاء) والشخب (بضم الشين المشددة وسكون الخاء) ما خرج من الضرع من اللبن إذا احتلب والشخب بالفتح المصدر. والشخبة الدفعة منه والجمع شخاب وقيل الشخب بالضم من اللبن ما امتد منه حين يحلب متصلاً بين الإناء والطبي شخبه شخباً فانشخب وقيل الشخب صوت اللبن عند الحلب. وفي حديث الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة. وانشخب دماً إذا سال وقولهم عروقه تنشخب دماً أي تنفجر.
يبدأ شط المشخاب من بلدة أبو صخير الراكبة على ضفته اليمنى ويجري نحو الجنوب وبعد أن يقطع اثني عشر كيلومتراً يصل إلى بلدة المشخاب ويتعداها إلى قرية سوف شعلان وهذه قرية بسيطة تقع على بعد ستة كيلومترات من قرية المشخاب، ومنها يذهب إلى القادسية وهي قرية حادثة على بعد أربعة وعشرين كيلومتراً من أبو صخير ويطلق على قسمه الأخير الواقع عند بلدة القادسية اسم أبو عشرة، وقد أنشأت مديرية الري في نهايته ناظماً لصد تقدم الكارات في الفرات وأسمته ناظم أبو عشرة. وبعد هذا يستمر المجرى فيصب في نهر العطشان الذي كان يطلق عليه في السابق بحر الشنافية وهناك تلتقي به الجارة الغربية ثم الجارة الشرقية ويستمر المجرى فيمر ببلدة الشنافية الواقعة على بعد نحو أربعة وعشرين كيلومتراً من القادسية وثمانية وأربعين كيلومتراً من أبو صخير ومنها السماوة فالناصرية فسوق الشيوخ فالقرنة وفيها يلتقي بنهر دجلة ويشكلان شط العرب.
فروع شط المشخاب
تتفرع من ضفتي شط المشخاب جداول ونهيرات كثيرة يسمون الواحد منها طبر ويجمعونها طبارة وإليك أسماءها بحسب ترتيبها من الشمال إلى الجنوب: فالجداول المتفرعة من الضفة اليمنى هي:
1 ـ المجيهلية.
2 ـ الدينية: نهر كبير تخرج منه فروع كثيرة لسقي أراضي مقاطعات أبو واوية والعيلة والطوق العائدة لآل فتلة، ومن ثم يذهب إلى أراضي الغزالات فيسقيها وينتهي في هور صليب.
3 ـ طبر فرعون: نسبة إلى فرعون بن ياقوت شيخ الفتلة وهو نهر صغير يقع صدره بالقرب من بلدة المشخاب.
4 ـ السوارية: نسبة إلى رجل من آل فتلة اسمه سوار يقع صدره عند بلدة المشخاب (السوارية سابقاً) من جهتها الجنوبية، كان نهراً صغيراً ينتهي في الأهوار، وعلى أثر فيضان الفرات سنة 1322 هـ توسع وتمدد وحدثت عليه مزارع شلبية جسيمة كقاطعة أم عردة وغيرها وهو لا يزال من الأنهر المهمة.
5 ـ بريهي: يأتي من بعد سابقه.
6 ـ طبر سيد نور: نهر كبير وتسمى الأراضي الواقعة عليه (الجزرة) وهي أراضي شلبية وتقع عليه قرية كبيرة فيها سوق يقال لها قرية الأيشان وهي من أقدم القرى التي أنشئت في منطقة المشخاب.
7 ـ أبو الدجيج: نهر كبير تقع عليه أرض واسعة تسمى أم البط.
هذه هي أهم الجداول والنهيرات المتفرعة من المشخاب من جهته الغربية، وجميعها تنتهي بالجارة الغربية (مبزل)، والجارة الغربية تجري بموازاة شط المشخاب وتمر على تل الطرمة، ومن ثم ينتهي بنهر العطشان في نقطة تقع جنوب ناظم أبو عشرة. أما أهم الجداول التي تتفرع من ضفة المشخاب اليسرى فهي:
1 ـ المالحة نهر صغير يقع صدره بالقرب من أبو الصغير.
2 ـ شلال. منسوب إلى آل شلال الخزاعيين، وهو نهر كبير ينتهي بالجارة الشرقية، والأراضي الواقعة عليه تسمى أراضي هور نعيم وهي أراضي شلبية واسعة.
3 ـ عايش: نهر صغير.
4 ـ الكطاع: بكاف فارسية نهر صغير.
4 ـ أم ليرة: نهر صغير.
6 ـ الكوثرين: نهر صغير.
7 ـ أبو قريصة.
8 ـ أبو قهيوة.
9 ـ أبو جكي: بكاف فارسية نهر كبير.
10 ـ اللواح.
11 ـ المقير.
12 ـ التوبي.
13 ـ الليثاوي: والأراضي الواقعة في سقي هذا النهر والنهر السابق له تسمى أراضي أم رغلة تبلغ مساحتها (2800) دونماً.
14 ـ الأحيمر، نسبة إلى أراضي الأحيمر الواقعة في سقيه، والأحمير تل أثري يتوسط هذه الأرض.
15 الشاطىء.
16 ـ القوة.
17 ـ العيو: بفتح الياء والعين وسكون الواو، نهر كبير، عميق القعر، يقع صدره على بعد كيلومتر واحد من فوق مركز ناحية القادسية، كان في ابتداء أمره نهيراً صغيراً، وفي سنة 1927 م اجتمع أفراد قبيلتي آل شبل والغزالات النازلين عليه وكروه وجعلوا عرضه خمسة أمتار بعمق متر واحد، وعلى أثر هذا دخلت فيه النكارة ووسعته كثيراً، وحصل من جراء توسعه أن أثر على زراعة المشخاب، وهذا مما جعل مديرية الري تهتم للأمر فأنشأت شلالاً لمنع تقدم النكارات، وفي نفس الوقت والغرض نفسه شرعت بإنشاء ناظم أبو عشرة المتقدم الذكر على عمود الفرات. وبعد مرور سنتين إنهار شلال العيو من شدة تيار جريان الماء فأنشىء بدله شلال آخر في نقطة تقع على مقربة من صدره وهو الشلال الحالي المعروف باسم ناظم العيو.
والعيو اليوم نهر عريض عميق القعر يبلغ طوله نحو ثلاثة كيلومترات ثم ينتهي بالجارة الشرقية، والجارة ويراد بها البزل تنتهي بنهر العطشان.
حمود الساعدي
حجز مياه الفرات
عرقل تنمية الشمال السوري
وألحق أضراراً بيئية بالعراق
منذ عقدين تقريباً، راحت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الغربية تروج لاحتمال اندلاع حروب على المياه في الشرق الأوسط. ولم يقتصر ذلك على هذه المراكز، إذ تناولت ذلك الاستخبارات الأميركية في تقاريرها السنوية التي تقدمها للكونغرس منذ عشرة أعوام، وهي لا تزال تؤكد هذه الاحتمالات، ووضعت قائمة لعشر بؤر نزاع حول المياه في العالم، وجاءت الخلافات حول نهري دجلة والفرات في المرتبة الثانية فيها، معتبرة سوريا والعراق وتركيا «مناطق محفوفة بالخطر وقد تدخل دائرة الصراع الفعلي ما لم تستنفد مصادر مياهها السطحية والجوفية التي تستهلك بمعدلات قياسية وبعيدة عن الترشيد».
وفي الواقع، فإن هذه الاحتمالات ليست مستبعدة، إذ أن هذه المنطقة تشهد نمواً سكانياً بمعدلات هي الأعلى في العالم، واستخداماً بدائياً للمياه، إضافة إلى احتمالات التغييرات المناخية التي تميل إلى الجفاف والتصحر تدريجياً حسب الأبحاث والدراسات الجيولوجية والبيئية التي تقوم بها معاهد الأبحاث الأوروبية والأميركية.
فما هو حجم المشكلة السورية ـ العراقية مع تركيا، وكيف بدأت، وما هي المعايير الدولية لحلها؟
لم تكن هناك قبل التسعينات مشكلة قائمة بين بلدان حوضي دجلة والفرات على رغم أن أنقرة أقامت أول سد على نهر الفرات عام 1974 في منطقة كيبان، وثاني سد في قره قاي عام 1986. ومع ذلك لم يتأثر منسوب مياه الفرات، إذ أن نسبة المياه المتدفقة إلى سوريا والعراق كانت آنذاك تتجاوز 40 بليون متر مكعب في السنة، علماً أن منسوب مياه الفرات أخذ بالتناقص منذ مطلع السبعينات، ولكن بنسب قليلة. إلا أن المشكلة الحقيقية بدأت عام 1991، عندما أنجزت أنقرة بناء سد أتاتورك الضخم الذي يتسع وحده لـ 48 بليون متر مكعب ضمن مشروع «غاب» الذي يتضمن بناء 21 سداً سعتها الخزنية نحو 186 بليون متر مكعب.
وكانت أنقرة شرعت في بناء سد أتاتورك عام 1989 وأنجزته خلال عشرين شهراً، وبالطبع لم تتشاور مع سوريا أو العراق حسبما تقضي القوانين الدولية المتعلقة بالأنهار التي تتشاطأ عليها بلدان عدة. وأكدت كل التقديرات والتحليلات التي كتبت آنذاك أن أنقرة أرغمت على الاتصال بالسوريين والتفاوض معهم على البروتوكول المؤقت عام 1991، لأنها أدركت أن المستثمرين الدوليين في مشروع «غاب» عزموا على الانسحاب إذا لم تتم تسوية هذه المشكلات، خصوصاً أن الحكومة التركية طرحت الاستثمار في المشروع على أساس «أنجز المشروع وأبدأ بالإنتاج لتستعيد أموالك وأرباحك». والأرباح بالتأكيد هي من 19 محطة لتوليد الطاقة الكهربائية تبلغ قوتها الإنتاجية 26 كيلوواط ساعة، كان قد تقرر بناؤها ضمن المشروع الذي تبلغ كلفته الإجمالية 32 بليون دولار، 90 في المئة منها مصدرها الاستثمارات الأجنبية.
وبتأثير ضغوط المستثمرين قام الرئيس التركي سليمان ديميريل الذي كان يرأس الحكومة آنذاك بزيارة لدمشق ووقع «البروتوكول المؤقت» الذي ينص على السماح بمرور 500 متر مكعب في الثانية عبر نهر الفرات إلى سوريا والعراق، أي حجز نحو 300 متر مكعب بالثانية من حصة السوريين والعراقيين بشكل مؤقت إلى حين امتلاء سد أتاتورك على أن يجري تقاسم مياه الفرات مثالثة بين دمشق وبغداد وأنقرة. غير أن تصعيد حزب العمال الكردستاني التركي حربه في منطقتي أضنة والأناضول والتوتر الدائم شمال العراق عطل استكمال المشروع وانسحب معظم المستثمرين الدوليين. وبعدما يئست أنقرة من عودتهم لحست اتفاقها مع دمشق وراحت تؤكد أن الفرات نهر تركي عابر للحدود، ضاربة الأعراف والقوانين الدولية عرض الحائط، وراحت تمارس شتى أنواع الضغوط على سوريا، من التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل إلى التهديدات بالحرب وإجراء المناورات العسكرية الضخمة على الحدود السورية خصوصاً في إقليم اسكندرونة السوري الذي تحتله أنقرة منذ الحرب العالمية الأولى.
وتواصل الابتزاز والتهديد التركيين لسوريا، وكانت دمشق تتحاشى الانجرار إلى المواجهة.
ومع أن الاتصالات عادت بين البلدين في آذار (مارس) الماضي إلا أن المسؤولين الأتراك الذين زاروا دمشق رفضوا فتح ملف المياه.
وبلغت كلفة الأضرار التي لحقت بسوريا بحسب التقديرات منذ عام 1991 نحو 20 بليون دولار، لأن حجز ثلث المياه المتدفقة منذ ثمانية أعوام عطل أولاً مشروع سد تشرين الذي كان يفترض أن يروي نحو 140 ألف هكتار من الأراضي التي تقع ضمن حوض الفرات كما ألغى مشروع محطة لتوليد الطاقة بقوة 660 ميغاواط كانت تنوي الحكومة السورية إقامتها على سد تشرين، واستعاضت عنها باستيراد ست محطات لتوليد الطاقة قوة كل منها 105 ميغاواط بكلفة إجمالية قاربت 150 مليون دولار. ومع ذلك لم تتمكن سوريا من حل مشكلة الطاقة في مناطقها الشمالية إذ يصل التقنين أحياناً في هذه المناطق إلى عشر ساعات يومياً.
وعرقل حجز مياه الفرات خطة الأمن الغذائي التي وضعتها سوريا وقررت إنجازها مطلع التسعينات لتتمكن من تأمين حاجاتها الغذائية عبر ري مجمل الأراضي الواقعة في حوض الفرات، وسد النقص في الحبوب.
القوانين الدولية
لم يسبق لدولة في العالم أن قالت عن نهر ينبع في أراضيها ويتجاوز حدودها إلى أراضي الدول الأخرى أنه نهر وطني عابر للحدود وليس دولياً باستثناء الهند التي اتخذت موقفاً مشابهاً في شأن نهر الغانج الذي يعبر أراضيها إلى دولة باكستان التي استقلت عنها الهند نهاية الأربعينات. غير أن نيودلهي تراجعت عن (المعايير) التي اعتمدتها «رابطة القانون الدولي» عام 1966، والتي تؤكد أن مياه الأنهار عندما تتجاوز حدود دول المنابع تصبح مياهاً دولية ويتحتم على دول المنابع أن تعمل بالتشاور والتنسيق الكاملين مع الدول المتشاطئة في حال إجراء أي تعديل في مجرى النهر أو حجز مياهه. وفي حال عدم التوافق يتوجب عليها التوقف الفوري عن تنفيذ أية خطوة من شأنها أن تحدث تغييراً في مجرى النهر أو كمية المياه المتدفقة عبره.
ومع أن الهند عندما ادّعت أن الغانج نهر وطني اعتبر معظم المراقبين أن مزاعمها هذه تصب في إطار التضييق أو الضغط السياسي على باكستان لمعاقبتها على قرار الانفصال، إلا أن نيودلهي استندت في دعواها هذه على حقيقة أن 91 في المئة من مساحة حوض الغانج ومجراه تقع داخل حدودها الوطنية، فيما الأمر على عكس ذلك بالنسبة إلى حوضي دجلة والفرات. فمن أصل مساحة الحوضين الإجمالية التي تبلغ 784.5 ألف كيلومتر مربع يقع داخل الأراضي العراقية نحو 359.3 ألف كيلومتر أي ما يوازي 45.8 في المئة من مساحة الحوضين، ويقع داخل الأراضي السورية حوالي 800 ألف هكتار (لم نعثر على مساحة دجلة والفرات السوريين في الكيلومتر المربع من خلال المراجع التي تسنى لنا الاطلاع عليها). ويجري الفرات في الأراضي التركية لمسافة 1200 كيلومتر، وفي الأراضي السورية والعراقية نحو 2580 كيلومتراً. أما بالنسبة لنهر دجلة فيجري في الأراضي السورية والعراقية نحو 70 في المئة من طوله الإجمالي.
يذكر أن مياه الفرات منذ آلاف السنين كانت تتدفق إلى كل من سوريا والعراق من دون عقبات أو حواجز. وكان النهر يفيض سنوياً ويصل أقصى منسوب له في نيسان (أبريل) ثم تأتي بعد ذلك ثمانية أشهر من الانخفاض الشديد في منسوبه. وخلال فيضانه كان يسبب كوارث كبرى ويلحق أضراراً واسعة في دول المجرى السفلي إذ أن التجمعات السكانية العراقية والسورية كانت تتركز على ضفتيه تاريخياً.
وآخر فيضان للفرات ألحق أضراراً كبيرة في سوريا والعراق كان في أيار (مايو) عام 1944 عندما وصل منسوب المياه التي عبرت الحدود التركية إلى نحو 9 آلاف متر مكعب في الثانية. ولو صحّت المزاعم التركية بأن الفرات نهر تركي عابر للحدود وليس نهراً دولياً لكان يفترض أن تدفع تعويضات للمنكوبين السوريين والعراقيين من جراء فيضان الفرات غير أن التاريخ لم يسجل في يوم من الأيام سابقة تحركت فيها الحكومات التركية المتعاقبة على الحكم منذ قيام تركيا الحديثة لبحث مثل هذه الكوارث مع الحكومات الوطنية في بغداد ودمشق أو مع الفرنسيين والإنكليز الدولتين المنتدبين على البلدين حينذاك، لا سيما أن تركيا كانت على الدوام في الموقع الأقل ضرراً من هذه الفيضانات، إذ أن الفرات يتكون من أربعة روافد تلتقي في جنوب البلاد، حيث لا توجد تجمعات سكانية كبيرة كما هي الحال في وادي الرافدين أو الجزيرة السورية.
أما بالنسبة لمحاولة أنقرة ربط حوضي دجلة والفرات والنظر إليهما كحوض واحد يقسم في شكل موحد، فلا توجد سابقة دولية بهذا الخصوص كما أن القوانين الدولية لم تلحظ هذه المسألة في مختلف التشريعات المائية الصادرة عن الهيئات الدولية.
ومع ذلك لا بد من الإقرار بأن لكل دولة الحق في المحافظة على مصادر المياه التي تتوافر لديها والعمل على تطويرها واستغلالها بمختلف الوسائل لمصلحة شعبها وبهدف تحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، غير أن هذا ليس مطلقاً، ويتحدد بالقدر الذي لا يسبب الضرر للشعوب الأخرى التي تعيش على الحوض نفسه.
وتلحظ القوانين الدولية الصادرة بهذا الخصوص هذا الأمر بدءاً من معاهدة مدريد عام 1911 وصولاً إلى معاهدة هلسنكي لعام 1966. ويذكر أن «رابطة القانون الدولي» توصلت إلى سلسلة من القواعد القانونية تؤكد ما سبق أن توصل إليه أيضاً «معهد القانون الدولي» عام 1961 بخصوص قواعد تحكم الأنهار الدولية. وتم الاتفاق في مؤتمر هلسنكي لرابطة القانون الدولي على القواعد التي تحكم استعمال الأنهار الدولية وذلك في حالة غياب السوابق أو الاتفاقات المحددة بين الدول المتشاطئة، وفي ما يأتي أهم أحكام مؤتمر هلسنكي لتنظيم استعمال الأنهار الدولية
1 ـ أهم معيار هو عدالة التوزيع بين الدول المستفيدة من نهر دولي.
2 ـ عدالة التوزيع لا تعني بالضرورة تحديد حصص متساوية وإنما تحديد حصص عادلة تقوم على المقاييس الآتية:
أ ـ طبوغرافية حوض النهر وحجم المنطقة التي يمر بها النهر الدولي في إقليمي الدولة المعنية.
ب ـ الظروف المناخية في حوض النهر عموماً وفي إقليم الدولة المعنية خصوصاً.
ج ـ سوابق استغلال وتوزيع حصص المياه في حوض النهر منذ الماضي البعيد إلى الزمن الحالي.
د ـ مدى احتياج كل دولة في حوض النهر (من النواحي المائية والاقتصادية والاجتماعية).
هـ حجم السكان واحتياجاتهم.
و ـ تكاليف الوسائل البديلة المتاحة لسد الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة من دول حوض النهر.
ز ـ مدى توافر مصادر أخرى للمياه بخلاف ذلك النهر الدولي مثل الأمطار أو الآبار أو الأنهار الأخرى.
ح ـ تفادي الإسراف والإضرار بالدول الأخرى المستفيدة كلما أمكن ذلك (المصدر معارك المياه المقبلة في الشرق الأوسط للدكتور محمود سمير أحمد ص 31 و32).
ومنذ العام 1966 استمر رجال القانون الدولي داخل نطاق الأمم المتحدة في بحثهم وإضافاتهم لمبادىء هلسنكي التي لم ينلها بعد ذلك الكثير من التغيير أو التطوير.
واتفقت آراء رجال الفقه في القانون الدولي مع أحكام المحاكم الدولية والفيدريالية، كذلك المبادىء العامة المتضمنة في الوثائق والمعاهدات الدولية مثل معاهدات فرنسا وسالزبورغ وقرارات هيئة القانونيين الدوليين وجمعية القانون الدولي الأميركي ويمكن تلخيصها بالآتي:
أ ـ عدالة التوزيع وفقاً لما سبق شرحه في مبادىء هلسنكي (من دون تعديل أو تحوير).
ب ـ أن تمتنع الدول المستفيدة من النهر الدولي عن تغيير مجرى النهر أو إقامة خزانات وسدود عليه من شأنها خفض أو المساس بحصة أو حصص الدول الأخرى المستفيدة من المياه.
ج ـ من الواجب قيام التعاون بين الدول المستفيدة في ما يختص بتحسين موارد وإيراد النهر واستقلاله كوحدة متماسكة.
د ـ وجوب الاحترام الكافي للحقوق المكتسبة للدول المستفيدة مع مراعاة احتياجات كل منها ومدى اعتماد كل منها على مياه ذلك النهر الدولي.
هـ – وجوب سداد التعويضات المناسبة في حالة الإضرار بحقوق الدول الأخرى المستفيدة من مياه النهر الدولي (المرجع السابق).
وكانت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، بضغط التوتر والتصعيد التركيين في منطقة حوضي دجلة والفرات أعدت في تموز (يوليو) عام 1993 مسودة قانون «ينظم استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية» وهو بمثابة مرجعية قانونية واضحة لمفاوضات تقاسم مياه نهري دجلة والفرات.
وتنص مسودة القانون بشكلها النهائي بعد إدخال التعديلات التي اقترحتها كل من سوريا والأردن وكندا وبولندا وتشاد على الآتي:
1 ـ تعريف المجرى المائي الدولي بأنه «أي مجرى يقع جزء منه في أكثر من دولة» ولم تعترض تركيا على هذا التعريف أثناء مداولات لجنة القانون الدولي.
2 ـ حق جميع الدول المتشاطئة في الاستفادة والمشاركة في مياه هذا المجرى بشكل عادل ومنصف (كلمة مشاركة تشير إلى تقاسم المياه وإن لم تلحظ التساوي في التقاسم).
3 ـ عدم جواز إلحاق الضرر بالغير.
4 ـ الالتزام بواجب الإخطار بحسب القانوني الدولي عند الرغبة في بناء مشاريع على المجرى المائي (معاهدة سالزبورغ لحظت هذه المسألة وحددت الأخطار بفترة لا تقل عن ستة أشهر قبل البدء بالمشاريع على مجرى النهر الدولي. وفي حال عدم التوافق يتحتم وقف التنفيذ).
5 ـ الإلتزام بواجب التفاوض إذا لم تحل المراسلات أي خلاف بين الدول المتشاطئة.
6 ـ الالتزام بحماية النظم الحيوانية والبيئية.
كان يفترض باللجنة بعدما أنجزت صيغة المسودة النهائية أن تقدمها للجمعية العامة للأمم المتحدة لتسجلها في أمانة الهيئة ولتعتمدها كإطار لاتفاق شامل أو كاتفاقية عامة. وفي الحالين ـ حسب الخبراء القانونيين ـ ستكون ملزمة لجميع الدول الأعضاء وليس فقط للدول التي توافق عليها، على خلاف قرارات مجلس الأمن.
وتأتي هذه الإلزامية من المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص فقراتها الأولى على أن «كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة يجب أن يسجل في أمانة الهيئة». والفقرة الثانية تقطع بأنه «ليس لأي طرف في معاهدة أو اتفاق دولي لم يسجل وفقاً للفقرة الأولى من هذه المادة أن يتمسك بتلك المعاهدة أو ذلك الاتفاق أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة». أي أنه بعد تسجيل الاتفاق لا يمكن لأي دولة التراجع عنه.
ويرى الخبراء أن عدم تسجيل القانون في أمانة هيئة الأمم المتحدة يعود إلى أن القانون تنقصه فقرة أساسية تتعلق بحل النزاعات في حال فشل التفاوض وحق كل طرف بالاحتكام لجهة ثالثة مثل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية. وهذا ما يفسر عدم اعتراض تركيا على أي من بنود المسودة على رغم مواقفها وممارساتها التي تتنافى مع جميع فقراتها.
وهكذا توضح جميع الاتفاقات والمعاهدات الدولية مواصفات النهر الدولي ومدى حقوق وواجبات الدول المتشاطئة، ومع ذلك تتجاهلها السلطات التركية جملة وتفصيلاً، حتى أنها رفضت على الدوام مبدأ التشاور والاتفاق مع جيرانها قبل الشروع بتنفيذ مشاريعها على نهر الفرات. ولم تأخذ في الاعتبار الأضرار التي ألحقتها بها وتواصل رفضها لمبدأ التفاوض والوصول إلى اتفاقات محددة بشأن قسمة المياه.
محمد وردة
وكان الفرات قبل إنشاء السدود عليه يفيض فيضانات هائلة. وفي أحد هذه الفيضانات قال الجواهري:
طغى فضوعف منه الحسنُ والخطر
وفاض فالأرض والأشجارُ تنغمِرُ
وراعتِ الطائرَ الظمآنَ هيبتُه
فمرَّ وهو جبانٌ فوقه حذِر
كأنما هو في آذيِّه جَبَلٌ
على الضفاف مُطلٍّ وهي تنحدر([607])
رَبُّ المزارعِ والملاّح راعَهما
بالحَول منه عظيمُ البطش مقتدِر
باتت على ضفَّتيه الليلَ تحرسُهُ
غُلْبُ الرجال لما يأتيه تنتظر([608])
راحوا أُسارى مطأطين الرؤوسَ له
وراح طوعَ يديه النفعُ الضرر
مَشَى على رِسْلِه لا الخوفُ يَردَعُه
ولا عن الفِعلة النكراء يعتذِر
ومرَّ يَهزَأ من أيدٍ تقاومه
تَسعَى لتحكيم أسداد وتبتدِر
كم من معاركَ شنَّ الفنُّ غارتَها
على «الفرات» ولكنْ كانَ ينتصر
* * *
هو «الفراتُ» وكم في أمره عَجَبٌ
في حالتيهِ وكم في آيِه عِبَر
بينا هو البحرُ لا تُسطاع غضبتُه
إذا استشاطَ فلا يُبقي ولا يَذَر
إذا به واهنُ المَجرى يعارِضُه
عُودٌ، ويمنعه عن سيره حَجَر
* * *
وصفحةٍ من بديع الشعر منظرُه
طامي العُباب مُطِلاًّ فوقَه القَمَر
وقد بدت خضرةُ الأشجار لامعةً
مغمورةٌ بسناه فهي تزدهِر
ومِنْ على ضَفَّتيه انصاعَ مُنغمِراً
في الماء نصفٌ، ونصفٌ فوقَه الشَجر
باتت على خَطَرٍ ناسٌ بثورته
وراح يؤنسُنا في المنظر الخَطَر
وهكذا الناسُ يُغريهم تخيُّلُهم
حتى يَجيئوا إلى البَلْوى فيختبروا
كما أتى الحرب فنانٌ ليرسُمَها
في حينَ آخرُ يُصلي جسمَه الشرَر
* * *
روحٌ جرت لم يُرِدْ نَفعاً بها بدنٌ
وعسجدٌ سالَ إلا أنَّه هَدَر
هذا المشيِّدُ للعُمران ريَّقَه
في الرافدين به العُمرانُ يندثر
كان العراقُ سَواداً مِن مزارعه
على بنيهِ يفيءُ الظلُّ والثَمَر
تَفيض خيراً على الأقطار غلَّتُه
موفورةٌ لسنين الجوع تُدَّخر
ووِزَّعَ الماءُ عدلاً في مسايله
فكلُّ ناحيةٍ يجري بها نَهر
باسم «الفرات» وتنظيم له خُلقتْ
دوائرٌ لم يَبِنْ من سعيها أثَر
أغفَت طويلاً ولما هاج هائجُه
جاءته بعد فواتِ الوقتِ تبتدِر
وها هو الماءُ موتٌ في زيادته
وفي النقيصةِ مسروقٌ فمُحتَكَر
وقال عبد الحسين الأزي يصف ليلة على الفرات:
أمُحتضِنَ الوادي حضانَةَ مُرضعٍ
مُجنَّحةٍ حِرصاً على طِفلها البِكرِ
تباركتَ مِن نهرِ فُراتٍ تَشعَّبَتْ
يَعَابِيبُهُ حتى اسْتَطالَت على النَّهرِ
وَدِدْتُ بشاطِيكَ الجَميلِ لَوَ أنَّني
قَضيتُ الليالي الباقِياتِ من العُمرِ
تقلَّصَ ليلُ الصَّيفِ فيكَ فليتَهُ
لو امتَدَّ طُولَ الصَّيفِ ليلاً بلا فَجْرِ
ولُجبتَ كمِرآةٍ يُحيطُ بَياضَها
إطارٌ بَدِيعٌ مِن شَواطئك الخُضْرِ
ظَنَنْتُكَ صَرْحاً من صَحائِفِ مَرمَرٍ
فأوشَكتُ أنْ أمشِي عَليك بلا جسرِ
تَخطُّ عليكَ الريحُ أنشودَةَ الهوَى
فإن سَكنَتْ وَهْناً مَحتْها عَلى الإثْرِ
أساطِيرُ يَرصُدْنَ العُيونَ كأنَّني
أطالع مِنها في كتابٍ من السِّحرِ
* * *
بلغتُ من الأوْهامِ أَقْصَى حدُودها
بِمَرآكَ والأوْهامُ ضربٌ من الشِّعرِ
أرَى النَّجمَ دُوني فيكَ قَدْراً ورِفْعَةً
كأنَّكَ لم تَجهلْ مقامي ولا قَدْري
وأنظرُ نَفسي بينَ بَدرينِ واقِفاً
عَلى مَفْرِقي بدرٌ وعَيني على بَدرِ
وما زَوْرقي إلاَّ عليكَ كطائرٍ
يُفتّشُ في رَحْبِ الفَضاءِ عَلى وَكْرِ
يطيرُ وَتَثْنيهِ كأنَّكَ حولَهُ
صَبا الرِّيح في الأسْحارِ هَبَّتْ على قَطرِ
لكَ الخيرُ دَعْه ماضِياً في سَبيلهِ
كأنك مطبوعٌ عَلى الخيرِ لا الشَّرِّ
أعَدتَ إلى قَلبي الهوَى وجعَلْتَني
حَرِيصاً على دُنْيايَ من حيثُ لا أدري
فرّزين (قلعة)
قلعة فرّزين هي إحدى القلاع التاريخية القديمة تقع على مسافة بضعة كيلومترات من قرية فرّزين من قرى جابلق ما تزال آثار وأطلال هذه القلعة ماثلة. وقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه النفيس (معجم البلدان)، فقال:
فرّزين؛ بفتح الأول، وتشديد الثاني، وكسر الزاي المعجمة، وياء ساكنة، ونون، اسم القلعة على باب الكرج بين همزان وأصبهان. وكذلك ذكر صاحب كتاب المراصد نفس عبارة الحموي إلا أنه قال: على باب الكرخ، ومن المعتقد أنه من تصحيف النسّاخ.
وكتب أبو الشرف، ناصح بن ظفر بن سعد المنشي الجرفادقاني في مقدمة ترجمة «التاريخ يميني»:
مع بدء شهور سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، حيث استولى السلجوقيون على الخلافة في العراق، ولدى حكم الأتابك محمد بن الأتابك أيلدگز كان يحتمي بهذه المنطقة، ويقضي معظم أوقاته في ذلك المكان.
وتحت عنوان تدهور وضع خوازرمشاه، كتب علاء الدين عطاء الملك بن بهاء الدين محمد بن محمد الجويني في القسم الثاني من (فتح العالم):
ومن الري توجه إلى قلعة فرّزين، وأوكل أمرها إلى ولده السلطان ركن الدين مع ثلاثين ألف من أتباعه العراقيين.
وكتب الخواجة الإمام ظهير الدين النيشابوري في رسالة عن السلجوقيين (سلجوقنامة) نقلاً عن كتاب (راحة الصدور) تحت عنوان (أرسلان بن طغرل):
قدم الأمير ناصر الدين آقش بجيش إلى همدان، وبقي أتابك في أصفهان، وأتى الملك محمد من فارس إلى أصفهان، وكان إينانج وصتماز على طريق جابلق (گابلة) باتجاه همدان. وقد خرج السلطان والأتابك والأمراء فلقوه على حدود جابلق (گابلة) قريباً من فرّزين، وجرت بينهم معركة شديدة، فهزم جيش محمد، وانتصر أرسلان، فهرب محمد إلى خوزستان، وصتماز إلى قم وإينانج إلى الري، وتعقّب السلطان وأتابك إينانج إلى الري فاحتمى بجرجان، ومازندران.
ويذكر أغلب المؤرخين كالطبري وآخرين غيره ضمن الحوادث التي جرت في عهد المهدي أن حوادث منها هامة قد جرت في أصفهان وترمدين وجابلق (گابلة) والقرى الأخرى في همدان. وعند ذكر ذلك يتضح من جميع أقوالهم أن فرّزين كانت حصناً محكماً من جهة جابلق (گابلة) وقريباً من كرج أبو دلف بين همدان وأصفهان. ونتيجة لحسن موقع هذه القلعة وكونها ملجأً آمناً كانت موضع توجّه الفاتحين والغازين والمتحررين. إن تأسيس دولة الأتابك في أذربيجان كان من هذا المكان كما قصدها الأتابك سعد بن زنكي في مسيره للاحتماء، وقصدها محمد خوارزمشاه أيضاً كملاذ وملجأ، وتوالى عليها القائمون بحركات انقلابية أيام الدولة السلجوقية.
ويعتقد أكثر علماء الجغرافيا والرحّالة أن ناحية جابلق (گابلة) كانت جزءاً من نواحي أصفهان، وهي مقسّمة إلى أربع قرى؛ أيقرلو، ويشتة، حمزة لو، وبيات. وذكر اسكندر بيك صاحب (عالم آرا) هذه الناحية باسم مملكة بيات.
ومن الأماكن التاريخية الأقدم من قلعة فرّزين (ززين) بزائين متتاليتين. وتعرف اليوم بين أهالي المنطقة بـ (ززم). وفي المعجم الجغرافي الإيراني (فرهنگ جغرافيائي إيران) المجلد السادس، وضمن مادة (ززم) ورد: هي من قرى بربرود في ولاية بروجرد، تبعد ثمانية كيلومترات شرقي (أليگودرز)، وعلى مسافة كيلومترين جنوب الطريق الواصل بين أليگودرز وگلبايگان.
كما أن صاحب التنبيه والأشراف ذكر ززين، فيما كتب ياقوت الحموي: الزز ناحية بهمدان مشهورة.
إبراهيم دهگان
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية
للنوبختي أم للأشعري؟؟
من بين العديد من المستشرقين الذين تفرغوا لنشر التراث العربي والإسلامي يبرز المستشرق الألماني الأستاذ (هـ ريتر Helmmut Ritrrer) بأعماله الضخمة في مجال العقائد والفرق، ومما يلفت النظر من بين أعماله هو كتاب (فرق الشيعة) الذي جعله القسم الرابع من النشريات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية)، وطبع لأول مرة بمطبعة الدولة باستانبول سنة (1931) ناسباً تأليفه إلى أبي محمد الحسن بن موسى النبوختي وقد اعتنى به كثيراً في الإخراج والتصحيح، وأعد له فهارس علمية، فأسدى بذلك لتراثنا يداً تشكر.
وقدم للكتاب في طبعته هذه السيد هبة الدين الشهرستاني بترجمة لصاحب التأليف ـ النوبختي ـ وبحث حول الكتاب نفسه.
ومنذ صدور المطبوع وقع البحث في نسبته إلى (النوبختي)، وتداوله اثنان من المحقين في هذا المجال، وهما الشيخ فضل الله الزنجاني، وكان يرى صحة النسبة إلى النوبختي.
والأستاذ عباس إقبال الأشتياني، وكان يرى عدم صحته، ويرى أنه من تأليف أبي القاسم سعد بن عبد الله، الأشعري، المعاصر للنوبختي، وقد اعتمد الأستاذ إقبال في ما ذهب إليه على المقارنة بين المطبوع وبين النصوص عن كتاب الأشعري.
وكان هذا البحث في وقت لم يوجد فيه نص كامل لكتاب الأشعري، لكن عثر ـ أخيراً ـ الدكتور محمد جواد مشكور على نسخة منه وطبعه في طهران سنة (1963) باسم (المقالات والفرق) وبظن الدكتور مشكور أن عثوره على كتاب الأشعري هو الحل النهائي للبحث، حيث تتم نسبة كتاب (فرق الشيعة) إلى النوبختي، ويذهب إلى رأي الزنجاني فيقول:
«وارتفعت الشبهة التي أوجدها عباس إقبال ـ بحمد الله ومنّته ـ بعد العثور على نسخة (فرق الشيعة) لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري، وثبت أن (فرق الشيعة) للنوبختي هو غير (الفرق والمقالات) أو (فرق الشيعة) للأشعري. وهذان الكتابان وصلا إلينا من بين كتب فرق الشيعة الكثيرة التي ضاعت كلّها.
لكني أرى أن الشبهة لم تزل بمجرد العثور على كتاب الأشعري، وذلك لأن منشأ الشبهة عند الأستاذ إقبال إنما هو المقارنة بين المطبوع والنصوص المنقولة عن كتاب الأشعري في كتب القدماء، ومن الواضح أن دعواه تحتوي على جهتين:
أحدهما: أن المطبوع باسطانبول ليس من تأليف النوبختي.
الثانية: أن المطبوع باسطانبول إنما للأشعري.
وبالعثور على النص الكامل لكتاب الأشعري ـ وسيأتي بيان الأدلة على صحة نسبته إليه ـ لا تتم الجهة الثانية للاختلاف المحسوس بين (فرق الشيعة) المطبوع منسوباً إلى النوبختي ونص كتاب الأشعري.
وأما بالنسبة إلى الجهة الأولى، فإن البحث وإن اختلف شيئاً ما، إلا أنه ليس اختلافاً جوهرياً، فإنه ـ بعد العثور على كتاب الأشعري ـ يصح البحث معتمداً على المقارنة بينه وبين المطبوع باسطانبول.
فالموضوع لا يزال بحاجة إلى المزيد من التتبع والمقارنة والدرس كي ينتهي إلى نتيجة مرضية لفضول الباحث، ولا بد من إلقاء نظرات على المؤلفين والكتابين:
النوبختي
هو الحسن بن موسى النوبختي، أبو محمد، ابن أُخت أبي سهل، ذكره الشيخ الطوسي في كتاب رجاله ووثقه، ووصفه في (الفهرست) بالمتكلم الفيلسوف، قال: إنه كان إمامياً حسن الاعتقاد، وأورد اسم عدد من مؤلفاته.
وقال النجاشي في كتاب رجاله: شيخنا المتكلم، المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها، وعدّد كثيراً من كتبه.
وقد قام السيد هبة الدين الشهرستاني لطبعة اسطانبول بترجمة إضافية له مقتبساً من كتابه (النوبختية) في تراجم آل نوبخت، وطبعت في سائر طبعات الكتاب.
وترجمه الأستاذ إقبال بتفصيل في كتابه (خاندان نوبختي) بالفارسية.
وهو من أعلام فنّ: (الآراء والمقالات والفرق) وقد ألّف في المسائل الكلامية والردود عدة كتب وأشهر مؤلفاته هو كتاب (الآراء والديانات) في تاريخ الفرق وعقائدها ذكره له الطوسي، وقال: لم يتمه، وذكره النجاشي، وقال: إنه قرأه على الشيخ المفيد، وأورده ابن شهر آشوب في ترجمته.
ونقل بعض فصوله عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس) وأورد الأستاذ (هـ رتير) كل ما ذكره ابن الجوزي، في مقدمة الطبعة الأولى لـ (فرق الشيعة).
ووضع الأستاذ إقبال قائمة بمواضع النقل عن هذا الكتاب عند ابن الجوزي وغيره.
كتاب فرق الشيعة
ذكره له النجاشي في رجاله بهذا العنوان، وذكر له بعده مباشرة كتاب (الردّ على فرق الشيعة ما خلا الإمامية).
ولم يذكر له غير النجاشي من قدماء المفهرسين كتاباً بهذا العنوان، كابن النديم والطوسي وابن شهر آشوب.
لكن جاء ذكر كتاب النوبختي في بعض المؤلفات عند الحديث عن تعداد فرق الشيعة، وقد استفاد بعض الفضلاء من ذلك أن كتاب النوبختي المذكور فيها إنما يراد به (فرق الشيعة)، فلنتابع تلك المؤلفات لنرى مدى دلالتها على ذلك.
1 ـ (الفصول المختارة): هو اختيار الشريف المرتضى لبعض فصول كتاب (العيون والمحاسن) لأُستاذه الشيخ المفيد، فقد جاء فيه ذكر الفرق الشيعية بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري عليه السلام ما نصه: «افترق أصحابه بعده ـ على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى رضي الله عنه ـ أربع عشرة فرقة».
ولو كانت الجملة المعترضة أصلية في نسخ الفصول المختارة ـ حيث أنّا لم نقف إلا على نسخة مخطوطة حديثاً وهي أصل المطبوع ـ فهي إحدى المؤيدات لعدم صحة نسبة فرق الشيعة إلى النوبختي للاختلاف الشاسع بين ما نقله المفيد عنه، وما هو الموجود في فرق الشيعة المطبوع من حيث الكمية، ومن حيث الترتيب لتعديد الفرق، كما سيأتي بيانه.
2 ـ (مناهج السنّة النبوية) لابن تيميّة الحنبلي، فإنّه قال ـ بصدد بيان كثرة فرق الشيعة ـ: «وقد صنف الحسن بن موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة»، وهذا النص لا يدلّ إلاّ على أن النوبختي وغيره قد صنّف كتاباً فيه تعداد الفرق الشيعية من دون دلالة على أن اسم المصنف هو (فرق الشيعة)، فقد يكون ابن تيمية وقف على كتاب النوبختي بعنوان (الرد على فرق الشيعة ما خلا الإمامية).
على أنه من المحتمل أن ابن تيميّة لم يقف إلا على ذكر النجاشي لفرق الشيعة للنوبختي وغيره، ولم يقف على أصل المصنفات، فلم يدل هذا النص على وجود كتاب للنوبختي عند ابن تيميّة، فضلاً عن كونه باسم (فرق الشيعة).
3 ـ (الدروس الشرعية في فقه الإمامية) للشهيد الأول، فقد ذكر في الدرس الثاني من كتاب الوقف، عند تعيين الموقوف عليهم، ما نصه: «والشيعة من شايع عليّاً عليه السلام في الإمامة بغير فصل، وقد جعلهم ابن نوبخت هم المسلمين، وكمل منهم الفرق الثلاث والسبعين».
وظاهر هذا النص أن الشهيد إنما اطلع على كتاب للنوبختي يتضمن البحث عن حصر المسلمين في الشيعة، ومحاولته أن يحصر فيهم الفرق الثلاث والسبعين التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أنها هالكة وفي النار إلا فرقة واحدة، وعليه فمن المحتمل أن يكون الشهيد قد وقف على كتاب النوبختي الآخر (الرد على فرق الشيعة ما خلا الإمامية) حيث إن النوبختي نفسه كان إمامياً، فلا بدّ أنه تصدّى للرد على الفرق الاثنين والسبعين وإثبات نجاة فرقته الإمامية.
على أن هذا الاحتمال أنسب مما ذكره الشهيد من كون الكتاب الذي وقف عليه هو فرق الشيعة المطبوع، وذلك لأن المطبوع جاء فيه ما يلي: «… فإن فرق الأمة كلها المتشيعة وغيرها اختلفت في الإمامة في كل عصر ووقت… منذ قبض الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم».
وهذا يدل على أن (الأُمة) التي هي عبارة أُخرى من (المسلمين) تصدق عند مؤلف هذا الكتاب على الشيعة وغيرهم، فلا يناسب الحصر الذي نقله الشهيد عن النوبختي.
مضافاً إلى أن الموجود من الفرق في كتاب (فرق الشيعة) المطبوع لا يوافق العدد المذكور، فإنه إما أن يزيد عليه بكثير إن عدّت الفرق الفرعية في كل عصر ووقت، وإما أن ينقص منه بكثير إن اقتصر على الفرق الأصلية.
فلا بد أن يكون ما وقف عليه الشهيد غير المطبوع جزماً، كما أنه لم يتعين لنا اسم الكتاب الذي رآه.
4،(المغني) للقاضي عبد الجبار، فقد جاء في فصل فرق الإمامية قوله: «وذكر الحسن بن موسى في بيان قول الإسماعيلية والقرامطة» وجاء في بيان فرق الزيدية قوله: «حُكي عن الحسن بن موسى».
والنقل الثاني يدل على وجود الواسطة الشفهية، لكن النقل الأول ظاهر في أن القاضي اعتمد كتاباً للنوبختي في النقل، إلا أنه لا دلالة فيه على النقل من خصوص كتاب (فرق الشيعة) من كتبه.
والغرض من المتابعة للمصادر الناقلة عن النوبختي هو ما تحصل من عدم اشتهار كتابه (فرق الشيعة) وأنه لم يثبت استناد المصادر في النقل عليه، وإلا لم يكن أي داعٍ لإخفاء اسمه، ولا لهذه الشحّة في النقل عنه.
وأما أصل نسبة كتاب باسم «فرق الشيعة» إلى النوبختي، فهي وإن لم يذكرها أكثر القدماء إلا أنها لا مرية فيها بعد أن نص النجاشي عليها وهو إمام غير معارض، كما أن الظاهر من ترجمته له أنه كان أكثر عناية بمؤلفاته حيث قرأ كتابه (الآراء والديانات) على الشيخ المفيد. وعدّد منها مجموعة كبيرة لم يذكرها غيره من المترجمين، ومنها (فرق الشيعة).
(فرق الشيعة) المتداول
وهذا النص المتداول والمتعدد نسخه المخطوطة لم يُعرف بين المؤلفين والرواة قبل ابتداء هذا القرن،الرابع عشر الهجري،فأول نسخة هي التي عرفت عند المحدث النوري، يقول السيد هبة الدين الشهرستاني الذي قدم للمطبوعة: «إن تأليفه الموسوم بفرق الشيعة رأينا منه نسخاً متعددة، واختصرت لنفسي النسخة التي وجدتها في خزانة شيخي المحدث النوري محمد حسين، المتوفى 1320 هـ».
ويقول السيد الصادر: «وكتاب الفرق موجود عندنا نسخة منه، وهو في فرق الشيعة». ويقول الشيخ الطهراني تحت عنوان (فرق الشيعة): «وقد يقال له (مذاهب الفرق) وهو موجود عندي استنسخته بخطي». إلى أن يقول: «وهو كتاب لطيف جامع مهذب معتمد إليه معول عليه، ونسخة منه في مكتبة راجه فيض آباد الهند»، وتوجد مخطوطة منه في مكتبة (كاشف الغطاء) بالنجف في مجموعة برقم (1082) جاء اسم الكتاب فيها هكذا: «كتاب (تعداد فرق الشيعة) لشيخنا النوبختي رضي الله عنه».
وتقع في الصفحات من (213) إلى (270) من المجموعة أي في (57) صفحة.
أرّخ الكتاب الذي سبقها في المجموعة بسنة (1325)، وختم الكتاب الذي يليها فيها بما يلي: «تمّت الرسالة الرجالية في الحائر الحسيني [كذا] على مشرفها ألّف الثناء والتحية، بيد العاصي الجاني عبد الحميد الشريف الأصفهاني، في شهر رجب من شهور سنة (1324)».
ومخطوطة أخرى في مكتبة (كاشف الغطاء) في مجموعة برقم (678)، وتقع في الصفحات من (1) إلى (44) جاء في آخرها ما يلي: «هذا آخر ما بلغنا من نسخة (الفرق والمقالات) تمّ بحمد الله يوم الاثنين، على يد راقمه الأحقر هادي خلف المرحوم الشيخ عبد علي ابن المرحوم الشيخ موسى آل الشيخ خضر، عُفي عنهم، آمين».
وتوجد مخطوطة في مكتبة السيد الحكيم بالنجف في مجموعة برقم (1867)، تقع النسخة في (21) ورقة من أولها جاء في الصفحة الأولى منها ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، فيه مذاهب فرق أهل الإمامة وأسماءها وذكر دلائل مستقيمها من سقيمها، واختلافها وعللها، من تأليف الشيخ أبي محمد»، وهي بخط سماحة الإمام العلم، المحق الشهير، شيخ الشريعة الأصبهاني رحمه الله، كتبها سنة (1326 هـ).
وفي آخرها، (ص 41) ما يلي: «هذا آخر ما بلغنا من نسخة الفرق والمقالات».
ونسخة أخرى في مكتبة السيد الحكيم في مجموعة برقم (1037) بخط الشيخ محمد السماوي، في صدر الصفحة الأولى منها بالمداد الأحمر ما يلي: «كتاب (الفرق في المذاهب والفرق)، تأليف الشيخ الجليل أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي»، وفي آخرها ص (62): بمداد الأصل، ما يلي: «تم الفرق بين الفرق، للعالم الكبير ابن نوبخت، أبي محمد الحسن بن موسى، على يد عبد الله الفقير، محمد ابن الشيخ طاهر السماوي، لليلة بقيت من ربيع الثاني، سنة الألف والثلاثمائة والاثنين والثلاثين من الهجرة، على نسخة مخطوطة في بلد الكاظمين».
وعلى هوامشها تصحيحات بمداد أسود فاتح، وجاء بنفس المداد في آخرها ما يلي: «ثم صُححت على نسخة في كربلاء».
وأما المطبوعة فقد اعتمد ناشرها نسخة وصفها بما يلي:
«عنون بكتاب فيه مذاهب فرق أهل الإمامة وأسماءها وذكر أهل مستقيمها من سقيمها، واختلافها وعللها، تأليف أبي محمد الحسن. موسى النوبختي»، وفي آخرها ما صورته: «تمّ الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا وآله الطاهرين، فرغ من كتابته الفقير إلى الله تعالى أحمد بن الحسين العومي يوم الأحد الرابع من العشر الأول من شهر شعبان المبارك من سنة أربعين وسبعمائة…».
وهذه جملة ما وقفت عليه أو على وصفه من النسخ المخطوطة للكتاب في النجف.
والملاحظ فيها اختلافها الكبير في تسمية الكتاب، فقد تعددت، كما يلي: فرق الشيعة، مذاهب الفرق، تعداد فرق الشيعة، الفرق والمقالات الفرق في المذاهب والفِرق، الفرق بين الفِرق، وأخيراً العنوان الطويل الذي جاء في نسخة العومي التي اعتمد عليها في الطبعة الأولى وجاء في نسخة مكتبة السيد الحكيم برقم (1847).
ثم إن جميع هذه النسخ،ومع هذا الاختلاف في تسمية الكتاب،تتفق في نسبته إلى النوبختي الحسن بن موسى، فمن أين جاء الاتفاق؟!
والمؤسف أن الناسخين لم يذكروا علامَ اعتمدوا في كتابة النسخ؟ فهل كلّها تعتمد على نسخة العومي،التي تبدو أنها أقدم النسخ تاريخاً؟! وإذا كان كذلك فعلامَ تعتمد نسخة العومي نفسها؟؟
وإذا رجعنا إلى متن الكتاب المطبوع باسم (فرق الشيعة) وجدناه خالياً عما يقوم قرينة-ولو ضعيفة-على نسبته إلى النوبختي!
وقد طبع لأول مرة،كما أشرنا في صدر البحث،باهتمام المستشرق (هـ. ريتر) وتقديم السيد الشهرستاني، وبالرغم من قيامهما بأداء حق النسخة بما يلزم وهما على جانب كبير من الشهرة، إلا أنهما ـ ومع الأسف ـ لم يأتيا في ما كتبا بما يبرهن ويبرر نسبة الكتاب إلى النوبختي.
يقول الأستاذ إقبال ما ترجمته: «نسب الكتاب إلى أبي محمد من قبل الناشر المحترم والسيد الشهرستاني من دون إراءة أي مصدر في الوقت الذي لم يذكر في الكتاب نفسه: لا اسم المؤلف ولا عنوان الكتاب، والوحيد أن كاتب النسخة التي تعود إلى السيد (إليس) [النسخة الأوصل لطبع الكتاب] كتب على ظهرها: «فيه مذاهب فرق أهل الإمامة وأسماءها، وذكر مستقيمها من سقيمها واختلافها، تأليف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي».
وعلماء العراق الذين استنسخوا نسخاً من مكتبة المرحوم الميرزا النوري كلهم التزموا بأن الكتاب هو (فرق الشيعة للنوبختي)، وتداولوه بينهم بهذا الاسم.
أفهل يكفي مجرد اشتراك النسخة المطبوعة مع كتاب (فرق الشيعة للنوبختي) في الموضوع لأن نعتقد بأنها للنوبختي، مع أن جميع النسخ الحاضرة منه هي حديثة العهد؟ ولأن نحكم بأن الكتاب للنوبختي وليس لغيره ممن ألف في هذا الموضوع؟» ونحن نشارك مع الأستاذ إقبال في هذا التساؤل.
وقد طبع هذا الكتاب بعنوان (فرق الشيعة) بعد طبع اسطانبول عدة طبعات فمرة في النجف سنة (1355) بالمطبعة الحيدرية ومرة سنة (1379) بها أيضاً، وأُخرى سنة (1388) بها أيضاً وهي الطبعة الرابعة، وقد علق على الكتاب في طبعاته النجفية السيد محمد الصادق بحر العلوم، وألفت ناشرها النظر إلى أن طبعته معتمدة على طبعة المستشرق ريتر باسطانبول.
ولديّ طبعة جاء في ذيل الصفحة الأولى منها: «أشرف على تصحيحه إبراهيم الزيني ـ دار الفكر ـ بيروت»، وليس فيها تاريخ الطبع ولا محله ولا ذكر المطبعة، والظاهر أنها من مطبوعات بيروت، والملاحظ أنها مطبوعة عن مطبوعة اسطانبول حرفياً مع التقطيع في المقدمة بوضع نصفها في مؤخر الكتاب، لكن من دون أية إشارة إلى ذلك.
وأخيراً يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني حول طبعات الكتاب عنوان (فرق الشيعة اللنوبختي): «وقد طبع الفرق هذا من نسخ عتيقة مثل خط أحمد بن الحسين العومي في (740) في أسطانبول (1331)، وجدد طبعه في النجف (1355)، وفي طهران في (1385) منسوباً إلى سعد بن عبد الله».
وهذا الكلام من الشيخ الطهراني يقتضي أنه كان يرى اتحاد الكتابين، أي (فرق الشيعة) المنسوب إلى النوبختي، و(المقالات والفرق) المنسوب إلى الأشعري، وأنه تارة نسب إلى النوبختي وطبع باسمه، وأخرى نسب إلى الأشعري كذلك، وفي هذا تأييد لوجهة النظر القائلة بالاتحاد كما سيأتي.
الأشعري
هو سعد بن :أبي خلف الأشعري، القمي، ترجم له النجاشي بقوله: «أبو القاسم شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها» وذكر الطوسي بقوله: «جليل القدر، واسع الأخبار، كثير التصانيف، ثقة»، وأورد أسماء عدة من مؤلفاته توفي سنة (299) أو (300) أو (301) على ما ورد العلامة الحلي من الروايات، وترجم له في كافة المعاجم الرجالية وكتب التراجم والأعلام، وتوسع في ترجمته الدكتور محمد جواد مشكور في تقديمه لكتاب المقالات والفرق، وأورد أسماء عدة من كتبه ومؤلفاته.
وكتابه في الفرق
ورد عن الطوسي باسم (مقالات الإمامية)، وكذا عن ابن شهر آشوب ولم يرد عند النجاشي بهذا العنوان، بل أورد له كتاب (فرق الشيعة).
وكان هذا الكتاب موجوداً عند المجلسي صاحب البحار، وذكر باسم «كتاب المقالات والفرق وأسماءها وصنوفها، تأليف الشيخ الأجل المتقدم سعد بن عبد الله رحمه الله»، وقال في فصل توثيق مصادره: «وكتاب المقالات عده الشيخ والنجاشي من جملة كتب سعد، وأوردا أسانيدهما الصحيحة إليه، ومؤلفه في الثقة والفضل والجلالة فوق الوصف والبيان، ونقل الشيخ في كتاب الغيبة والكشي في كتاب الرجال من هذا الكتاب».
ويظهر من كتاب المجلسي ـ وهو الخبير بكتب الطائفة وشؤونها ـ عدة أُمور:
الأول: إن ما ذكره النجاشي بعنوان (فرق الشيعة) هو بعينه ما ذكره الشيخ بعنوان (مقالات الإمامية)، وأن التسميتين لمسمى واحد، وإلى هذا الرأي يذهب الشيخ آقا بزرگ الطهراني على ما يظهر من موسوعته (الذريعة) حيث عنوان كتاب سعد بفرق الشيعة تارة وبالمقالات أخرى.
الثاني: إن العنوان المثبت في نسخة المجلسي ـ أعني «المقالات والفرق… إلى آخره» ـ إنما هو بيان لموضوع الكتاب، وأما اسمه فهو أحد الاسمين عند النجاشي والطوسي.
الثالث: إن ما ذكره الكشي في كتاب الرجال نقلاً عن بعض أهل العلم، إنما هو منقول عن كتاب سعد هذا: (المقالات)، ويؤكد هذا إنّا نجد ما أثبته الكشي مطابقاً لما في المقالات حرفياً، وإليك الموارد للمقارنة:
1 ـ في تعريف الفطحية: أصحاب عبد الله الأفطح.
2 ـ في تعريف البشيرية، أصحاب محمد بن بشير الأسدي، وفي هذا المورد روى الكشي رواية جاء مؤلف المقالات سعد بن عبد الله الأشعري في سندها.
3 ـ في التعريف بعبد الله بن سبأ، المنسوب إليه فرقة السبئية.
4 ـ في التعريف بمحمد بن نصير النميري، المنسوبة إليه فرقة النصرية.
والذي يبدو بعد المقارنة أن الكشي ـ بالرغم من أن عبارته مطابقة بالنص لما في المقالات ـ لم يصرح بالنقل عن كتاب الأشعري، بل لم يسند كلامه إلى سعد صريحاً، إلا ما يسنده بعنوان مبهم كقوله: «بعض أهل العلم» مثلاً، وإنما صرح باسم سعد في المورد الثاني كما أشرنا إلى ذلك في سند رواية أوردها، وهذا التصريح وإن كان محتملاً للنقل عن كتابه بواسطة ابن قولويه إلا أنه ظاهر في التحمل الشفهي.
لكن المتراءى من المجلسي فهمه أن الكشي إنما اعتمد أصل كتاب الأشعري: (المقالات)، وكذا الأستاذ إقبال لا يشك في ذلك فيقول ما ترجمته: «لكن يظهر بوضوح أن نقله إنما هو من كتاب سعد دون غيره، بمقارنة منقولاته [الكشي] بمنقولات الشيخ الطوسي»، وذلك لأن منقولات الطوسي كما سيأتي مقتبسة من كتاب الأشعري بلا شك.
إنما تبقى نقطة واحدة وهي الاختلاف البسيط الذي يُرى بين منقولات الكشي، والموجود في المقالات، ولقد أجاب الأستاذ إقبال عن هذه بقوله: «ولا يعبأ بما يلاحظ من حذف أو زيادة في الكلمات والحروف، فإن ذلك لا يضر بجوهر المضامين، وذلك: لأنه نقل له بعبارات أُخرى حصل من الناقلين أو الناسخين، ومثل ذلك كان مستعملاً ومعتاداً».
وكلام الأستاذ إقبال هذا إنّما هو في مقام تطبيق المنقولات بما في فرق الشيعة المطبوع باسم النوبختي، زعماً منه أنّه عين كتاب المقالات للأشعري يتبين بوضوح صحة هذا الكلام، إذ أن الاختلافات تتضاءل وتقل بدرجة كبيرة جداً.
وبهذه المقارنة يمكننا القول بأن نسخة المقالات للأشعري كانت موجودة عند الكشي وأنه اعتمد عليها في كتاب (الرجال).
وكذا الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) فقد أورد فيه قوله: «قال سعد بن عبد الله: كان محمد بن نصير النميري يدّعي أنه رسول نبيّ…» إلى آخر ما ورد نصّه في المقالات.
والمفهوم من كلام المجلسي الذي سبق نقله هو أنّ الطوسي اعتمد كتاب المقالات ونقل عنه، وكذا الأستاذ إقبال ذكر ذلك معللاً بأن الطوسي إنما نقل في كتابه بلفظ: «قال سعد» ولم ينقل بلفظ: «روي عن سعد». أو «أخبرني فلان عن سعد». والتعبير الأول يدل على أن النقل إنّما كان مباشرة عن كتاب سعد، لا بواسطة شفهيّة.
وبهذا يمكننا القول ـ أيضاً ـ بأن نسخة المقالات كانت موجودة عند الطوسي وأنه اعتمد عليها.
نسخ المقالات
فقد تحصل أن (المقالات) كان معروفاً عند القدماء من أعلام الطائفة، وقد وقع كذلك عند الشيخ المجلسي فاعتمده وتحقّق نسبته، وأمّا عن نسخه الموجودة فعلاً فيقول الشيخ الطهراني: «نسخة منه عند السلطان علي السلطاني البهبهاني، وكيل المجلس في طهران، وأُخرى عند السيد محمد المحيط».
ولم أقف على ذكر مخطوطة أُخرى حتى الآن.
ونسخة السلطان هي التي عثر عليها الدكتور محمد جواد مشكور، فأخرج على أساسها الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1963 باسم (المقالات والفرق)، وأحتمل أن تكون هي النسخة التي كانت عند المجلسي وقد وصفها بما يلي: «جاء اسمها في ظهر الصفحة الأولى هكذا: كتاب المقالات والفرق وأسماءها وصنوفها وألقابها، تصنيف سعد بن :أبي خلف الأشعري القمي». ثم يقول: «ولا تاريخ له، أما خطه فليس بحديث، ويمكن تقدير تاريخ كتابته بأنه يعود إلى القرن العاشر الهجري».
وقد أخرج الدكتور محمد جواد مشكور كتاب الأشعري بشكل أنيق مشفعاً بتحقيقات رائعة ومصدراً بمقدمة مفصّلة، كما علق على المتن بتعليقات واسعة المصادر، وأفرد للتعليقات آخر الكتاب من ص 118 ـ 252 كما أتمّ عمله بالفهارس العلمية، ولقد أسدى هو الآخر إلى الملأ العلمي يداً تذكر فتشكر.
والجدير بالذكر أن الدكتور مشكور قد اهتمّ بكتاب (فرق الشيعة) المنسوب إلى النوبختي فترجمه إلى الفرنسية وطبع في خمسة أعداد من مجلة (تاريخ الأديان) بباريس.
وهو يقف في الرأي إلى جانب الشيخ الزنجاني، وقد تعرض للبحث عن ذلك في مقدمة المقالات، وفي مقال له ألقاه في الذكرى الألفية للشيخ الطوسي بجامعة مشهد.
وأمّا نسبة هذا المطبوع إلى الأشعري، فيستند إلى قرينتين:
الأولى: وهي قرينة خارجية أي النصوص التي أثبتها الكشي والطوسي في كتابيهما، وقد عرفنا اعتمادهما لكتاب الأشعري، فإنّا نجد أنها تطابق الموجود في هذا المطبوع حرفياً وبدون تفاوت، عدا ما يرى من اختلاف بعض الكلمات والتقدم والتأخر لبعض الحروف، وهذا أمر لا يضرّ بتاتاً حيث أن مثله متعارف والوقوع في النسخ المتعددة للكتاب الواحد.
الثانية: وهي قرينة داخلية، أي: اشتمال المطبوع على الرواية عن محمد بن عيسى بن عبيد، المعروف بالعبيدي، وباليقطيني، فقد ورد النقل عنه في موردين من المقالات بعنوان «حدّثني» هو ظاهر في النقل الشفهي المباشر، وجاء في موردين آخرين النقل عنه بعنوان «حكى» وهذا أيضاً ظاهر في النقل عنه بلا واسطة.
وهذا الرجل هو شيخ الأشعري مؤلف المقالات، بل من المشتهرين برواية سعد عنه، وقد وردت الرواية عنه في كتاب سعد (بصائر الدرجات)، وفي (الغيبة) للطوسي، وقد ترجم له الرجاليّون كافة.
وورد في هذا الكتاب ـ المقالات ـ أيضاً: الرواية عن يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، وهذا الرجل وإن لم يترجم في المعاجم الرجالية، إلا أنه من حيث الطبقة محتمل لرواية سعد عنه حيث أورد الكليني في الكافي رواية عن علي بن إبراهيم، عنه.
وبهاتين القرينتين نجزم بنسبة الكتاب المطبوع باسم (المقالات والفرق) إلى سعد بن عبد الله الأشعري.
المقارنة بين الكتابين
وللمقارنة بين الكتابين لا بدّ من بيان أوجه التشابه والاختلاف بينهما، فنقول: ذكر الدكتور مشكور بهذا الصدد ما يلي: «إن كتابي فرق الشيعة للنوبختي، والفرق والمقالات للأشعري: هما كتابان وصلا إلينا من بين كتب فرق الشيعة الضائعة، وبينهما تشابه في المطالب، وكذلك بين أسلوب تنظيمهما بصورة عامة، وقد بيّنا أوجه التباين والاختلاف بين هذا الكتاب [للأشعري] وبين كتاب النوبختي من ناحية العبارات في نهاية كل صفحة، ولكن كتاب الأشعري يتضمن إضافات كلية بالإضافة [كذا] على فرق الشيعة للنوبختي ما يحويه من الإضافات الجزئية، ثم أورد قائمة بمواضع الافتراق بين الكتابين من حيث الزيادة والنقص، وحدّده بزيادة كتاب الأشعري حوالي ثلاثين صفحة على كتاب النوبختي.
ويقول أيضاً في مقاله ما ترجمته: «يتّحد نص هذين الكتابين من حيث الأبواب وتوالي الأبحاث، وحتى من حيث العبارات، وواضح أن أحدهما مأخوذ من الآخر.
والفرق الموجود بينهما أن كتاب (المقالات والفرق) لسعد بن عبد الله يحتوي ـ في كثير من الموارد ـ على إضافات على (فرق الشيعة) للنوبختي، ويبلغ مجموعها زيادة ثلاثين صفحة عليه».
ومن الملاحظ ـ فعلاً ـ تشابه الكتابين تشابهاً كبيراً جداً، بحيث يُتراءى للباحث أنّهما نسختان من كتاب واحد، أو يرجعان إلى أصل فأرد: إمّا حرّف واختصر فكان ما نسب إلى النوبختي، أو زيد عليه، ونظم فكان ما نسب إلى الأشعري.
ويقول الأستاذ إقبال بهذا الصدد ما ترجمته: «إن أبا القاسم الأشعري وأبا محمد النوبختي، كانا متعاصرين، وتوفيا في زمن واحد تقريباً، يعني على التحقيق، في العشرة من المائة الرابعة للهجرة، فلو لم يطلع كل من هذين العلمين على كتاب الآخر، وكان الكتاب الحاضر [أي فرق الشيعة] من تأليف النوبختي، فأي شيء هذا الاتحاد الموجود بين مضامين وعبارات الكتاب وبين ما نقل عن الأشعري!؟
هل إن النوبختي أخذ المطالب عيناً من كتاب الأشعري، من دون إيراد المستند؟ وهل أنه ـ مع سعة علمه واطلاعه وإحاطته بالفنون المختلفة من الكلام والحكمة والأدب وفنّ الملل والنحل ـ بادر إلى هذا العمل [أي الاقتباس من الأشعري من دون إشارة إليه] وهو يعدّ من السرقات الأدبية!؟
أو أن الأشعري ـ وهو من الفقهاء والمحدثين المعتمد عليهم عند الشيعة، بل هو أصل لرواية كثير من أخبار الطائفة الإمامية ـ عمد إلى اقتباس المطالب من كتاب النوبختي عيناً، وتأبى ـ على خلاف الطريقة المطّردة ـ عن ذكر اسمه واسم كتابه، وهما غير مجهولين عند علماء هذه الفرقة؟
فعلى فرض كل واحد من هذين الاحتمالين، فلا بد أن المقتبس لمطالب الآخر من دون تصريح بالنقل، يعتبر سارقاً!
وكلّ من النوبختي والأشعري ـ وهما من الأعلام في فنّيهما ـ ساحتهما بريئة من هذه النسبة البذيئة، ولن نحتاج إلى أي من الغرضين فيما لو نسبنا كتاب (فرق الشيعة) المطبوع إلى الأشعري.
وحيث إن الأستاذ إقبال لم يطلع على كتاب (المقالات) للأشعري، كان يعتقد بأن (فرق الشيعة) المطبوع باسطانبول هو كتاب الأشعري، لكن بما أنّا أثبتنا أن (المقالات) المطبوع هو النصل الكامل للأشعري، فليس لنا أن نلتزم بأن (فرق الشيعة) له، بل نعتقد ـ كما سيأتي ـ أنّه مختصر مخلوط من كتابه، ونتفق مع الأستاذ إقبال في أنه ليس للنوبختي.
والملاحظ أن الشيخ الزنجاني ـ وهو ممن يرى صحة نسبة (فرق الشيعة) إلى النوبختي ـ يستدل بالفوارق الموجودة بينه وبين نصوص كتاب الأشعري على ما يذهب إليه، لكنه يهمل جانب التشابه الموجود بينهما، فلا يستفيد من الاتحاد بل يقول بهذا الصدد: «حيث أن أبا محمد النوبختي وسعد بن عبد الله القمي الأشعري كانا متعاصرين، يمكننا أن نستكشف من هذه العبارات [المنقولة عن كتاب الأشعري والموجودة في فرق الشيعة والمطبوع]: إن كتاب فرق الشيعة [المقالات] لسعد متأخر في التأليف عن فرق الشيعة تأليف النوبختي، حيث إن المعتاد في التأليف المتأخر غالباً أن يضاف عليه ويتصرف في شيء من عبارات المؤلف للتقدم».
ويلتزم بهذه الدعوى الدكتور مشكور أيضاً، لكنها بلا بيّنة ولا برهان، وذلك للوجوه التي ذكرها الأستاذ إقبال، وهي:
الأول: أنه ليس لنا أي مصدر يدل على تقدم تأليف النوبختي على تأليف سعد، مع أنهما كانا متعاصرين، ويعيشان الأحداث، فأيّ داع لنقل أحدهما عن الآخر ما كان يعيشه ويراه، أو يستوي في إمكانيات تحصيله والوقوف عليه مع غيره.
الثاني: أي داع في عدم إشارة سعد إلى نقله عن النوبختي، وفي أن ينسب كتاب النوبختي إلى نفسه بمجرد إضافة شيء، إن كان الأمر كذلك ثم مع هذا لم يلتفت أعلام الفن ـ كالنجاشي والطوسي ـ إلى ذلك!؟
الثالث: أنه لو كان سعد ناقلاً لكتاب النوبختي ـ مع التصريح أو بدونه ـ لم يك أي سبب لعدم نقل الكشي والطوسي مباشرة عن النوبختي، وهو في غاية الشهرة في هذا الفن، وهو بالفرض ـ مصدر لسعد في كتابه.
وتتمخض هذه المقارنة عن أمرين:
الأول: الاختلاف بين الكتابين بزيادة كتاب الأشعري على كتاب النوبختي، وتقدّر الزيادة بحوالي (30) صفحة، وقد جعل الدكتور مشكور هذا دليلاً على التعدد.
الثاني: أوجه الشبه بينهما حتى في النظم والأسْلوب، وفي كثير من الجمل والمقاطع، وهذا مما نستند إليه في ما نرى كما سيأتي، ويؤكد هذا الأمر أن علاّمة هذا الفن شيخنا الطهراني كان يعتبر كتاب (فرق الشيعة) المنسوب إلى النوبختي نسخة لكتاب (المقالات) للأشعري. وأنه كتاب واحد طبع تارة باسم (فرق الشيعة) منسوباً إلى النوبختي، وأُخرى باسم (المقالات والفرق) منسوباً إلى سعد.
فرق الشيعة المطبوع
هل هو للنوبختي؟
وقبل أن نذكر رأينا في البحث لا بد أن نأتي على أدلة الطرفين، فالأُستاذ إقبال يستند في نفيه عن النوبختي إلى أُمور:
الأول: عدم وجود أيّة قرينة داخلية أو خارجية تدل على نسبة المطبوع إلى النوبختي، عدا وجود اسمه على النسخ المخطوطة وهي كلها حديثة، لا اعتبار بها، وقد أوضحنا ذلك عند حديثنا عن نسخه.
الثاني: مطابقة الموجود في (فرق الشيعة) المطبوع للمنقولات عن الأشعري، عند الكشي والطوسي وقد سبق أن منقولاتهما صحيحة النسبة إلى كتاب الأشعري.
الثالث: أن المنقولات عن النوبختي عند المفيد ومورده افتراق الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري عليه السلام إلى أربعة عشر فرقة، لا تطابق الموجود في (فرق الشيعة) المطبوع، فلا يكون المطبوع للنوبختي.
يقول الأستاذ إقبال في كلمة جامعة لأدلته بعد أن فارق بين المنقولات عن سعد وبين الموجود في (فرق الشيعة) المطبوع، ما ترجمته: «أن ما نقلناه في الجداول عن الطوسي والكشي هو منقول عن سعد بن عبد الله الأشعري قطعاً وما نقلناه عن المطبوع يتحد معها من حيث العبارة ومن حيث المضمون ومع أنه ليس هناك أي قرينة، أو إشارة إلى نسبته إلى النوبختي، فلأي سبب لا نعتقد بأن الكتاب هو لسعد بن عبد الله بل نعده من تأليفات أبي محمد النوبختي؟».
وقد رد الشيخ الزنجاني على الأمر الثاني من أدلّته بما ترجمته: «أن الشيخ المفيد قد تصرف في العبارة [التي نقلها عن كتاب النوبختي] ولم ينقل نصّ الكتاب لطوله بمعنى أنه قدم أولاً الفرقة الإمامية الأصلية، التي هي في كتاب النوبختي الفرقة الثانية عشرة لأهميتها، وذكر مقالاتها من عند نفسه وفق المذهب الإمامي، وبعد ذلك أورد الفرق الأخرى بنفس ترتيب كتاب النوبختي وسياقه مع التلخيص والتصرف من عند نفسه بحيث يصحّ مع التأمل».
ودفع الأستاذ إقبال هذا الرد بما ترجمته: «أما الاختلافات الواقعة بين عبارة المفيد في (الفصول المختارة من العيون والمحاسن)، وبين (فرق الشيعة) المطبوع، وعدم ترتيب الفرق الأربعة عشر ـ الموجودة في الكتابين ـ فنحن نجعلها دليلاً على أن (فرق الشيعة) المطبوع هو كتاب الأشعري لا النوبختي، إذ أن الاتحاد الموجود بين المطالب المنقولة بواسطة الكشي والطوسي وبين (فرق الشيعة) المطبوع، لا يوجد بين عبارة المفيد وبين فرق الشيعة المطبوع.
مضافاً إلى الاختصار الشديد في عبارة المفيد، فإنها لا تتفق مع الكتاب المطبوع، لا من حيث المتن ولا من حيث تعداد الفرق، فإنها على ترتيب آخر، وفيها بعض المواضيع الإضافية على المطبوع، ونحن نشير هنا إلى الفروق المهمة بين عبارة المفيد المنقولة عن النوبختي وبين الموجود في فرق الشيعة المطبوع:
1 ـ ذكر الفرقة الأولى = الفرقة الثانية عشرة في (فرق الشيعة) المطبوع.
2 ـ ذكر الفرقة الرابعة = الفرقة الثالثة في (فرق الشيعة).
3 ـ ذكر الفرق الخامسة = الفرقة الرابعة في (فرق الشيعة).
4 ـ ذكر الفرق السابعة = الفرقة السادسة في (فرق الشيعة).
نقول: إن هذه المقارنة تقتضي التأكد من نفي نسبة (فرق الشيعة) المطبوع إلى النوبختي لأن ظاهر المفيد هو النقل عن النوبختي بدون تصرف.
ولو فرض عدم الالتزام بمطابقة نقل المفيد للمنقول عنه بل نلتزم بأنه تصرف عند النقل، فغاية ما يدلّ عليه النقل إنما هو وجود كتاب للنوبختي في موضوع الفرق قد نقل عنه المفيد، وهذا لا بحث فيه ولا نزاع وأما كون المنقول عنه هو هذا المطبوع باسم فرق الشيعة فلا دلالة في كلام المفيد عليه ما دامت عبارته تختلف عما فيه، ومجرد ذكر الفرق الأربعة عشر في المطبوع لا يكفي، إذ لعل المفيد اعتمد كتاباً آخر من كتب النوبختي والكثيرة في هذا الموضوع.
ورد الشيخ الزنجاني على الأمر الثالث من أدلة إقبال بقوله: «إن ما نقله الكشي ـ وهو يُتراءى أنه عين عبارة هذا الكتاب (فرق الشيعة) ـ يبدو بعد الموازنة والمقارنة بين عبارتيهما أنهما على اختلاف بيّن.
وهكذا العبارة المنقولة في (الغيبة) للطوسي… تختلف عن الموجود في هذا الكتاب (فرق الشيعة). ودفعه الأستاذ إقبال بأن هذا الاختلاف نشأ من قبل الناقلين عن كتاب سعد.
ونقول: إن الاختلافات بين منقولات الكشي والطوسي وبين (فرق الشيعة) طفيفة تبتني على الاختصار، ولو قورنت بما في نسخة المقالات لاتضح التقارب بين (فرق الشيعة) وبين المنقولات، وأن التفاوت إنما هو ضئيل جداً.
مضافاً إلى أن الاختلاف واقع بين المنقولات عن سعد عند الكشي والطوسي ونفس كتاب سعد.
ويستند الشيخ الزنجاني والدكتور مشكور في قولهما بصحة نسبة (فرق الشيعة) المطبوع إلى النوبختي إلى دليلين:
الأول: ما ذكره الزنجاني بقوله: «إن سياق عبارة الكتاب [أي فرق الشيعة] المطبوع ينبىء عن أن الأسلوب أسلوب شخص متكلم مثل النوبختي، لا كلام شخص فقيه مثل الأشعري».
وقد ردّ عليه الأستاذ إقبال بقوله:
«إن الذي ليس برهاناً قاطعاً، حيث إن فقهاء ذلك العصر ـ الذي كان عصر المجادلات والمناظرات ـ كانوا يلجأون إلى هذا الطور من البحث أحياناً في ردّ خصومهم، والمثال عليه أن الصدوق يتصدى لردّ أقوال خصومه ويناظرهم في أول كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) وكأنه متكلم إمامي»، والصدوق محمد بن علي من المحدّثين الشيعة بل (رئيس المحدثين) منهم.
نقول: لم يبق مجال لادّعاء الشيخ الزنجاني، بعد العثور على نص كتاب الأشعري، وملاحظة الشبه الكبير بين نسخته ونسخة (فرق الشيعة)، فلو كان لمدع أن يلتزم بمثل هذا، لزمه أن ينسب نص كتاب (المقالات) إلى النوبختي.
والغريب أن الدكتور مشكور الذي أشرف على طبع المقالات وقارنه بفرق الشيعة يتمسك بمثل هذا الادعاء، فكيف يمكنه الالتزام به مع التزامه بأن كتاب (المقالات)، وهو على نفس الأسلوب بزعمه، ولا يختلف عن (فرق الشيعة) إلا في الزيادة، إنما هو لمحدث فقيه وهو سعد بن عبد الله الأشعري؟!
الثاني: ما ذكره الدكتور مشكور من زيادة المقالات على فرق الشيعة، وأن ذلك آية التعدد، يقول: «إن سطور متن هذا الكتاب تزيد بنسبة غير قليلة في كل صفحة من صفحاته على كتاب النوبختي (فرق الشيعة) المطبوع».
نقول: هل أن مجرد زيادة نسخة على نسخة في مقدار [سطور] الصفحات يدلّ على كونهما من تأليف شخصين، ويهمل جانب التشابه بينهما والتطابق التام في العبارات في الصفحات المشتركة، وكذا جانب نظم المواضيع والأسلوب وما إلى ذلك من أوجه الشبه المقتضية للاتحاد؟ نعم إن الاختلاف بينهما في الزيادة والنقيصة يقتضي الاعتقاد باختصار الناقص عن الكامل.
رأينا:
وفي الختام نورد ما نراه في هذا الكتاب وهو أنه ليس من تأليف النوبختي وإنما هو نسخة مختصرة من كتاب الأشعري نسب إلى النوبختي خطأ، وذلك للقرائن التالية:
القرينة الأولى
تماثل اختلاف النسخ
إنّ من المعروف أن الكتاب الواحد قد تختلف نسخه المتعددة في بعض العبارات، فتختلف العبارة من نسخة إلى أُخرى، وهذا الأمر متداول معروف لأهل المزاولة للمخطوطات، أما الكتابان المختلفان لمؤلفين مختلفين فلا وجه في أن يكون اختلاف نسخهما بشكل واحد متماثل، لكن هذا هو الواقع في (فرق الشيعة) و(مقالات الأشعري) فما نجده من اختلاف النسخ في بعض كلمات المقالات، نجده بعينه في تلك الكلمة من (فرق الشيعة).
وهذا مما يقرب الظن بأنهما كتاب واحد لمؤلف واحد، لا كتابان لمؤلفين ولم يسعني الوقت إلا لمطابقة صفحات من الكتابين، وهاك قائمة ببعض الموارد وقد اعتمدنا نسخة (المقالات) المطبوعة ونسخة (فرق الشيعة) المطبوعة 1388 طبعة رابعة بالنجف:
1 ـ قارن التعليقة رقم (1) ص (30) من فرق الشيعة، بالتعليقة رقم (4) ص (9) من المقالات.
2 ـ قارن التعليقة رقم (2 و3) ص (30) من الفرق، بالتعليقة رقم (1) ص (10) من المقالات.
3 ـ قارن التعاليق رقم (5 و6 و7) ص (33) من الفرق، بالتعليقة رقم (1 و2) ص (12) من المقالات.
4 ـ قارن التعليقة رقم (2) ص (34) من الفرق، بالتعليقة رقم (5) ص (12) من المقالات.
5 ـ قارن التعليقة رقم (4 و5) ص (37) من الفرق، بالتعليقة رقم (1 و2) ص (16) من المقالات.
6 ـ قارن التعليقة رقم (1) ص (39) من الفرق، بالتعليقة رقم (6) ص (16) من المقالات.
7 ـ قارن التعاليق رقم (1 و2 و3) ص (40) من الفرق، بالتعاليق رقم (3 و4 و5) ص (20) من المقالات.
القرينة الثانية
التشويش في (فرق الشيعة)
إن (فرق الشيعة) المطبوع بالإضافة إلى ركاكة تعبيره في كثير من المواضع وخروجه عن النسق العباري المتحد الذي يقتضيه تأليف الكتاب الواحد، يحتوي على جملة من المطالب التي لا يمكن الالتزام بها، وليس منشأها الاختلاف في الآراء بل إنّها أخطاء لا مبرر لها إطلاقاً، ومع هذا الخطأ الواضح لا يمكن نسبة الكتاب إلى النوبختي، الذي يعدّ من أعلام الفن، بل أشهر المؤلفين فيه، والمبرّز على نظرائه فيه، كما يقول النجاشي.
بينما نرى أن نفس تلك المطالب ـ وبتحوير قليل في العبارة ـ موجودة في المقالات للأشعري بمعنى مفهوم صحيح.
وهذا يقرب كون كتاب (فرق الشيعة) مقتبساً بالاختصار من (المقالات) وإليك بعض المواضع المذكورة:
1 ـ جاء في (فرق الشيعة) عند ذكر أئمة الزيدية: «فمن خرج مستحقاً للإمامة فهو الإمام»، وهذا الكلام غير متوازن، إذ المفروض في مذهب الزيدية أنهم يجعلون الخروج أمارة على استحقاق الإمامة، فلا معنى للقول بأن الإمام إذا خرج وكان مستحقاً للإمامة فهو إمام، لأن مفاد ذلك هو ثبوت حق الإمامة له سابقاً على الخروج، وهم إنما يريدون معرفة الاستحقاق بنفس الخروج، بينما نجد عبارة الأشعري في المقالات: «فمن خرج منهم وشهر سيفه ودعا إلى نفسه فهو مستحق للإمامة».
2 ـ جاء في (فرق الشيعة) عند ذكر آراء الزيدية: «وهاتان الفرقتان هما اللتان ينتحلان أمر زيد بن علي بن الحسين، وأمر زيد بن الحسن بن علي»، والخطأ هنا أن زيداً الثاني ليس هو ابن الحسن السبط وإنما هو زيد بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي عليه السلام وهذا هو الذي جاء في المقالات.
3 ـ جاء في (فرق الشيعة) عند ذكر مدّة إمامة الحسين عليه السلام: «وكانت إمامته ست عشرة سنة وعشرة أشهر وخمسة عشر يوماً»، وهذا خطأ واضح لأنه جاء فيه قبل هذا أن وفاة الحسن عليه السلام كان في صفر سنة (47) للهجرة، وقد كان قتل الحسين عليه السلام في محرم سنة (61) للهجرة فيكون مجموع إمامة الحسين: ثلاثة عشر سنة وعشرة أشهر وأياماً، وهذا هو الثابت عند الأشعري في (المقالات).
وتتفق جميع النسخ المخطوطة مع النسخ المطبوعة في ما أوردنا عن (فرق الشيعة).
القرينة الثالثة
جملة (ليس من الأصل)
جاء في (فرق الشيعة) المطبوع ذكر نسب أُمّ الهادي الخليفة العباسي، الخيزران بنت منصور، وجاء في آخره الكلمات التالية: «إلى زيادة ليس من الأصل» وهذه الجملة موجودة في جميع نسخ فرق الشيعة، فهي في ص (26) ط استانبول، وص (72) ط الثالثة بالنجف، وص (65) ط الرابعة بالنجف.
وفي النسخ المخطوطة: ص (29) من نسخة كاشف الغطاء برقم (1082)، وص (21) من نسخته برقم (679)، وص (20) من نسخة السيد الحكيم برقم (1867)، وص (30) من نسخته برقم (1037).
والمستفاد من هذه الجملة ابتداء هو أن نسخة فرق الشيعة المطبوع إنما هو فرع لنسخة أُخرى، وهل المراد بكلمة (الأصل) هو النسخة الأصلية المنتسخ عنها، أو المراد الأصل المختصر منه؟ لا سبيل للقطع بأحد الأمرين.
لكن هنا قرينة تثبت ما نحن بصدده فإنا إذا رجعنا إلى نسخة (المقالات) للأشعري لم نجد فيها هذا الجملة الزائدة، فعلى ماذا تدل هذه المقارنة؟
إنا نعتبرها قرينة داخلية واضحة على أن نسخة (المقالات) هي الأصل لـ (فرق الشيعة)، ثم إن النسب المذكور موجود في المقالات أيضاً لكنه فيها ينتهي بـ «يعرب بن قحطان»، لكن في (فرق الشيعة) جاء بعده: «قحطان بن زيادة بن أليسع بن الهيمسع… إلى آخر».
نقول: إن (قحطان) هو أصل عرب اليمن، وإليه تنسب القحطانية، وفي اسم أبيه قولان:
الأول: ما عليه الجمهور، من أنه (عابر بن شالخ).
الثاني: قول البعض: من أنه (الهيمسع بن سلامان).
جاء ذلك في تعليقة على كلمة (قحطان) من شجرة أنساب العرب من كتاب السيودي، ومن ذلك يعلم أن ما ورد في (فرق الشيعة) من أن قحطان بن زيادة غلط قطعاً.
والذي يبدو لي أن المذكور بعد كلمة قحطان في فرق الشيعة، إنما هو كلمة (من زيادة) والمقصود بها: أن الزيادة تبدأ من هنا، ويقابلها كلمة (إلى زيادة) في آخر النسب، وهنا الاستعمال متعارف عند الكتّاب والنسّاخ القدامى، حيث كانوا يشيرون به إلى مواضع الزيادة ابتداء في النسخ.
وحيث إن نسخ (المقالات) تنتهي عند كلمة قحطان، فتكون الزيادة في فرق الشيعة مبتدئة من ما بعدها، ويكون (المقالات) هو الأصل لكتاب (فرق الشيعة) ويكون هو ـ طبعاً ـ مختصراً ومأخوذاً منه.
ومن الغريب أن الدكتور مشكور ـ الذي اعتنى بطبع كتاب (المقالات) ومقابلته بكتاب فرق الشيعة ـ يغفل عن مدلول هذه الملة، ولم يتنبّه إلى هذه القرينة.
بينما نجد الأستاذ إقبال ـ وهو لم يقف على نسخة (المقالات) ـ قد تنبأ من ذي قبل بهذه القرينة، وعبّر عنها بقوله: «إن المطبوعة التي لم يحصل منها ـ لسوء الحظ ـ على نسخة قديمة تبدو لمن يطالعها بدقة مليئة بالأغلاط والتحريفات، وكأنها نسخة ثانية مأخوذة من أصلها».
القرينة الرابعة
وهي قرينة خارجية
إن التشابه الكبير بين الكتابين والذي ذكرناه سابقاً يزيد في الظن باتحادهما وأنهما لمؤلف واحد، وحيث إن كتاب (فرق الشيعة) وإنْ نسب إلى النوبختي إلا أنه لم يقم دليل على صحة هذه النسبة، وقد أشرنا إلى ذلك فيما مرّ، كما أوضحنا عدم علمية ما ادّعي دليلاً على صحة النسبة، ومن جهة ثانية: فإنّ كتاب (المقالات) صحيح الانتساب إلى الأشعري كما أوضحناه أيضاً.
ويحصل من مجموع هذا قياس ينتج: أن (فرق الشيعة) ليس للنوبختي وإنما هو مأخوذ من كتاب الأشعري.
وباجتماع هذه القرائن الأربع، وتأكد بعضها ببعض، يتحصل الاطمئنان بما ذهبنا إليه من أن (فرق الشيعة) ليس إلا نسخة مختصرة من (مقالات) الأشعري.
وليس هو النص الكامل لكتاب الأشعري كما زعم الأستاذ إقبال، لأنه لم يطّلع على النص الكامل لكتاب (المقالات)، وإلا فمن الواضح أن النقول التي استند إليها فيما ذهب إليه أوفق بكتاب (المقالات) من (فرق الشيعة) وأكثر تطابقاً معه.
هذا، ولم نعرف عن الشخص الذي قام بعملية الاختصار ولا عن زمن الاختصار بالتحديد ولكن المقطوع به أنه لم يكن عالماً بالفن، ولذا قد خلط وخبط في اختصاره، وفي رأينا أن الالتزام بهذا الرأي يعتبر الحد الوسط بين الرأيين، وبه تحلّ جميع مشاكل البحث.
محمد رضا الجلالي الحسيني
فريومد
في الطريق من سبزوار وعلى بُعد حوالي 10 فراسخ إلى «داورزن»، باتجاه طهران، تقع قرية تسمى «فريومد»، إلى الشمال من قرية «كهك».
«فريومد»: قرية مكتظة بالأشجار، وحاوية على جميع أنواع الفواكه. تقع على سفح الجبل وترتفع عن مستوى طريق طهران ـ مشهد بحوالي 200 م.
ويمتد تاريخ فريومد إلى عصور ما قبل الإسلام، وينتسب إليها الكثير من رجالات الإسلام من علماء وشعراء ووزراء. يوجد فيها قبر الشاعر المجيد «ابن يمين» الفريومدي. وكانت فريومد تحظى بأهمية كبيرة إلى ما قبل الخراب الذي حلّ بها في العهد المغولي.
وكان لفريومد تذكاران مهمان، أحدهما: شجرة السرو المعمرة التي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام والتي أحرقها (ينال تكين بن خوارزم شاه) عام 527 هـ.
والثاني: مسجدها الجامع الذي يعدّ من عجائب الفن في إيران.
وقد بُني جامع فريومد قبل أكثر من 950 سنة ولم يعرف مؤسسه حتى الآن. أمّا الذي قام ببنائه فنقرأ على الجدار الجنوبي للمسجد: عمل علي بن الحسين محمود جابر الشهرستاني.
نقوش المسجد الجصية جميلة جداً ودقيقة وثمينة، إضافة إلى النقوش الفخارية المثبتة في أواوين المسجد وجدرانه.
والمحراب مجصص بالنقوش البديعة والخط الكوفي والثلث المشتمل على الآيات القرآنية الكريمة. وتظهر الدقة الفائقة والظرافة المتناهية في المحراب والإيوان الجنوبي المقرنس؛ حتى ليبدو أن هذا البناء يعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري.
ويعدُّ تجصيص «رباط شرف» في سرخس، و«مسجد الكرماني» إلى جوار مزار الشيخ «أحمد جام»، ومحراب ومسجد «نائين» وغيرها ـ من الأماكن في إيران ـ بسيطاً إذا ما قورن بمسجد فريومد من حيث التجصيص والنقش؛ مع أن هذا المسجد لم يرمم أو يعتنى به مدة تزيد على 900 عام.
لعل الكثيرين قد سمعوا بقصة سروة كاشمر أو كامر، لكن قلما يعلم أحد بأنه كان لهذه الشجرة أخت في مكان آخر.. عمّرت بعد قطع الشجرة الأولى مدة تزيد على 300 سنة ـ وكان مصيرها الإحراق على يد ينال تكين بن خوارزمشاه دفعه إلى ذلك غروره الأميري وطبعه الفظّ ونفسه الأنانية وهواه المريض.. فعرض بذلك ذكرى «فريومد» العزيزة إلى الزوال والفناء.. واقتلع شجرتهم وأثرها إلى الأبد وهنا نقدم لأولئك الذين يراودهم الشك أو النسيان في هذا المجال وثيقة تحكي قصة هاتين الشجرتين:
يقال إن زرادشت صاحب المجوس استفتح بطالعين لزرع شجرتي سرو، فخرجت الأولى على كاشمر والثانية على فريومد.
وقد جاء في كتاب ثمار القلوب للخواجة نصير الدين الثعالبي عن سروة فريومد حديث تمتزج فيه الحقيقة بالأسطورة نقتصر منه على ما يلي: أن الملك (كشتاسب) أمر بغرسها، وقد وُصفت للمتوكل العباسي وقد شرع ببناء مدينة الجعفرية (نسبة إلى اسمه: المتوكل على الله جعفر بن المعتصم). فكتب رسالة إلى والي نيسابور الخواجة أبي الطيب، والأمير طاهر بن عبد الله بن طاهر، يأمرهما فيها بقلعها وربطها إلى عربة ثم نقلها إلى بغداد ليغرسها هناك كما أوصاهم بأن يخيطا أغصانها باللباد لإعادة غرسها في بغداد بعد تثبيتها بالمسامير لئلا يُفقد من أغصانها شيء، ولكي يتمكن أن يزرع واحدة مثلها في بغداد.
ثم إن المجوس اجتمعوا في نياسبور واستدعوا الخواجة أبا الطيب وقدموا للخليفة عرضاً بمبلغ 50.000 دينار ذهب نيسابوري على أن يتخلى عن اقتلاع شجرتهم وينصرف عنها. وأضافوا: إن اقتلاع الشجرة لن يجلب له أي نفع. وأنه لا خير ولا بركة له في ذلك العمل. لكن الخواجة ردّهم قائلاً: بأن أوامر الخليفة لا ترد، وعيّن الأمير عتاب بن ورقاء الشاعر الشيباني ـ لتنفيذ هذه المهمة.
يقال إن السروة هذه كانت من السعة والمساحة ما تظلل ألف خروف.
الفصول المختارة
كتاب للسيد المرتضى في جزأين طبع في النجف. جمع فيه الشريف فصولاً من كتب «الشيخ المفيد» عامة، ونكتاً من كتابه «العيون والمحاسن» خاصة، كما يظهر من المقدمة، وزاد على ذلك ما أملاه «المفيد» عليه كما يظهر من ثنايا الكتاب.
ويؤخذ من مراجعة كتب الرجال، أن هناك شكّاً في نسبة هذا الكتاب «للشريف المرتضى»، إذ لم يوجد بين كتبه التي احتوتها إجازة البصروي عام 417. كما أن بعض كتب الرواية نسبته «للشيخ المفيد»، وعدّه «ابن شهر آشوب» من مؤلفات «المفيد» أيضاً.
ولكن الرجوع إلى الكتاب يثبت بشكل جليّ أنه «للشريف المرتضى»، كما أن سبط «الكركي العاملي»، ينقل في كتابه «رفع البدعة» عن كتابين مختلفين، أحدهما للمفيد واسمه «العيون والمحاسن» والثاني «للمرتضى» واسمه «الفصول المختارة»، وكذلك «السيد حسين المجتهد» في كتابه «رفع المناواة عن التفضيل والمساواة».
لعلّ اسم كتاب المرتضى «الفصول المختارة من العيون والمحاسن» إذ أن أكثر ما فيه مقتبس من «العيون والمحاسن» والأخير للمفيد.
وأهمية الكتاب ترجع إلى تصويره نشاط الشيعة في الجدل والكلام والفقه منذ صدر الإسلام حتى عصر المؤلف، ومحاضر مناقشتهم مع خصومهم، كما أن فيه بحوثاً عن نشوء الفرق الشيعية وتاريخها وما كان يدور بينها من خلاف ووفاق.
الفضول
بلدة في الأحساء تسكنها أكثرية شيعيّة، كانت قد صارت مثلاً بعد أن (ذبح) الوهّابيون معظم سكانها (ذبح النعاج) كما يقول المؤرخ الوهّابي حسين بن غنّام متفاخراً في كتابه «روضة الأفكار والأفهام».. وكانت المجزرة قد وقعت عام 1203 هـ.
كان التمييز الطائفي ضد الشيعة إحدى ثمرات الحكم السعودي القائم على المذهب الوهابي…
لقد حدث فرز طائفي منذ القرن الثالث عشر الهجري، واستتبعه جواز اضطهاد السكّان الأصليين، وقد استقرّ العديد من النجديين في الأحساء واستحوذوا على ممتلكات وأراضي وبساتين الشيعة التي صودرت منهم، أو التي تركوها وفرّوا بأنفسهم خشية القتل.. ولم تكن الهجرة بالنسبة للشيعة اختيارية بل اضطرارية.. فالعنف والدموية للغزاة لا تحتاج إلى شواهد، فكلّها مسطّرة في كتب الموالين قبل غيرهم.. وقد نفى الوهّابيون آلاف الأشخاص لأنهم لم يتخلّوا عن مذهبهم ويقبلوا بالمذهب الوهابي الجديد.. قال مؤرّخ وشاعر الوهّابيين (ابن غنّام) وهو يتحدث عن نفي الشيعة من وطنهم بتفاخر:
وقد ولي الأحسا سعود فأسعدت
مساعيه أهل الخير فانتظموا سمطا
وأبعد أهل الشرك عنها وأُبعدت
مذاهبهم فيها وما أبصروا غمطا
.. نعم هدّمت للرفض فيها كنائس
وكل شعار الرفض عن أرضها ميطا
وبمجيء آل سعود واحتلالهم للمنطقة سنة 1331 هـ، هجر الإحسائيون وأهل القطيف بلادهم في هجرة كبيرة إلى البحرين والكويت والعراق وإيران وقطر والإمارات، بل وصلت بعض الهجرات إلى الشام، فراراً من الاضطهاد الوهّابي، وفي الوقت نفسه تصاعدت الهجرة من نجد إلى المنطقة، ثم تضاعفت بشكل طاغٍ بعد إنتاج النفط، وجذب الشركات للبدو كأيدٍ عاملة.
في العقود الأربعة الماضية، وضعت الحكومة السعودية مخططاً طموحاً لتعديل النسبة المذهبية لصالح مذهبها في المنطقة، فقدّمت إغراءات جديدة في مجال العمل والخدمات للمهاجرين الجدد، وتعمّدت حرمان الشيعة من كل هذا، وأُرفقت بذلك حملة إعلامية طائفيّة شرسة ضدّ الشيعة ضمن حسابات الصراع الإقليمي المعروف.
من جهة أخرى، ترى أن الهجرات الشيعية من المنطقة كبيرة ومذهلة، نستطيع تحديدها في خمسة اتجاهات:
الأول: الهجرة إلى العراق.. حيث نزحت جماعات كثيرة إلى هناك، خاصة بعد سيطرة الوهابيين على المنطقة في القرن التاسع عشر الميلادي.. وكان من بينهم من سكن البصرة، فيما سكن آخرون في المدن الشيعية المقدسة كالنجف وكربلاء.. وقد أشار الأستاذ محمد سعيد المسلم إلى وجود حيّ يعرف بـ «حيّ القطافة» ـ نسبة إلى القطيف ـ من لواء المنتفق، وقدّر سكانه في عام 1960 بنحو عشرين ألف نسمة. ولربما كان تواجد المهاجرين في جنوب العراق أكثر من غيره، خاصة من الأحسائيين، الذين انهمكوا في الزراعة، حتى أصبح من الشائع أن يطلق على المزارع هناك لقب «حساوي».
الثاني: هناك قسم كبير من الشيعة المهاجرين أقام في منطقة عربستان «خوزستان الإيرانية حالياً».. ويعيش عدد غير قليل منهم في المدن العربية عبادان والمحمرة «خرمشهر» والأهواز وبوشهر.. وهؤلاء لا زالوا يمارسون مهنهم كمزارعين، ولا تزال لغتهم الأم هي العربيّة، كما أن البعض منهم لا زال محافظاً على قدر ولو قليل من الارتباط بموطن أجداده.
الثالث: وهناك وجود غير قليل من شيعة الإحساء والقطيف في الكويت.
الفقه والفقيه
الفقه لغة الفهم والفطنة، وقد استعملها القرآن الكريم فيهما، قال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} ووردت في القرآن الكريم بمعنى التبصر بأمور الدين الأعم من العلم بالأحكام الشرعية في قوله تعالى: {فلو نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} قال الشهيد الثاني: «الذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم المدون… ومثال هذا الفقيه في الاقتصار على علم الفقه المتعارف مثال من اقتصر في سلوك طريق الحج على علم حرز الراوية والخف ولا شك أنه لو لم يكن لتعطل الحج، ولكن المقتصر عليه ليس من الحاج في شيء…».
وقد استعملت كلمة الفقه في الحديث الشريف أيضاً بالمعنى المذكور، ففي الوسائل عن الرضا عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً». قال بعض الشارحين: «ليس المراد به الفقه بمعنى الفهم فإنه لا يناسب المقام ولا العلم بالأحكام الشرعية فإنه مستحدث، بل المراد به البصيرة في الدين».
ويمكن تلمس استعمال كلمة الفقه بمعنى الأحكام الشرعية في الروايات عن أهل البيت كما في وصية الإمام أمير المؤمنين لولده الحسن عليه السلام: «وتفقه يا بني في الدين». أو في ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل أتحج المرأة عن الرجل، قال: «نعم، إذا كانت فقيهة مسلمة…».
ونجد أن هذا الاستعمال قد شاع أواخر القرن الهجري الأول فقد سميت سنة 94 هجرية (سنة الفقهاء) إذ توفي فيها الإمام زين العابدين عليه السلام وخمسة من التابعين الذين عرفوا بالفقهاء الستة.
وقد ورد في القرآن الكريم استعمال الفتوى بمعنى الحكم الشرعي الفرعي كما في قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}.. {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم}.. ونجد معنى الحكم الشرعي الفرعي في الروايات باستعمال «الفتوى» و«الاجتهاد» و«القضاء» والمشتقات من موادها:
ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر» وهكذا في خطابه للإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «أنت أعلم هذه الأمة وأقضاها بالحق».
وفي ترجمة النجاشي لإبان بن تغلب: «قال له أبو جعفر عليه السلام: اِجلس في المسجد وافتِ الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك».
وأشار الإمام الصادق عليه السلام إلى معاذ بن مسلم بنفس المعنى.
وفي حديث آخر للإمام الصادق عليه السلام جمع بين الفقه والفتوى حيث قال لأبي حنيفة: «أنت فقيه العراق؟ نعم، قال فبم تفتيهم، قال بكتاب الله وسنة نبيه..». وقد تابع الشيخ علي آل كاشف الغطاء بعض إخواننا فسمى العارفين بالأحكام الشرعية في صدر الإسلام بالقرّاء لتميّزهم بالقراءة والكتابة، وفيه تأمل.
بعد هذا التقديم يمكننا القول إن الفقه كان يشمل العلوم الإسلامية وفي مقدمها التوحيد الذي كان يسّمى بالفقه الأكبر ثم انصرف إلى الدلالة على الأحكام الشرعية الفرعية. فالمراد من علم الفقه إن لوحظ الفقيه في التعريف، هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية وهي الكتاب والسنَّة والإجماع والعقل.
وإن لوحظت النتيجة فهو مجموع الأحكام الشرعية الفرعية والوظائف العملية.
أما الفقيه، فهو العالم المجتهد المستنبط للأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها، ولا يكون كذلك إلا إذا توفرت فيه قوة استنباط الأحكام من الأدلة التي تحصل من (العلم بفنون العلوم العربية، والأنس بالمحاورات العرفية، وتعلم المنطق بمقدار تشخيص الأقيسة وترتيب الحدود وتنظيم الأشكال وتمييز عقيمها من غيرها، والعلم بمهمات مسائل أصول الفقه وعلم الرجال، والأهم الألزم معرفة الكتاب والسنَّة لغة وعرفاً، ومعارضاتهما والقرائن الصارفة. وتكرار تفريع الفروع على الأصول والفحص الكامل عن كلمات القوم (المجتهدين) وكذا الفحص عن فتاوى غير الشيعة بل الفحص عن أخبارهم، الأحاديث المروية من طرقهم، فإنه ربما يعينه في فهم الأحكام).
فإذا استنبط الحكم الشرعي بعد بذل الجهد والوسع جاز له الإفتاء به فضلاً عن العمل. وإذا برز أقرانه بمعنى أنه صار الأعلم بين الفقهاء، صار مرجعاً للمسلمين الشيعة غير القادرين على الاجتهاد فيرجع إليه بالتقليد.
موضوع علم الفقه
يقدم علم الفقه الدليل على الموقف العملي وهو ما يحتاجه الإنسان في حياته اليومية الشخصية، وما تحتاجه الأمة بمجموعها كدولة وما بينهما من علاقات. فالمسائل التي يُحتاج إليها، والخاضعة لأحد الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة، والإباحة، أو الصحة والبطلان هي مسائل هذا العلم فبالتالي تكون أفعال المكلفين هي موضوع علم الفقه.
وقد ذكرنا سابقاً العلوم التي يجب إحرازها كمقدمة لعلم الفقه وللاتصاف بالفقاهة وحيث أنه لا يتسير لكل أحد التفرغ للعلم بالفقه على هذه الصورة، صار من الواجبات الكفائية على المسلمين ويكتفي من غير المجتهدين إما بالاحتياط أو بالتقليد.
وفي نقل ما ورد من فضل هذا العلم إطالة فنكتفي هنا بأن القرآن الكريم قد جعل الفتوى من الفقيه استمراراً لإبلاغ رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومقابلة للإفتراء على الله كما في قوله تعالى: {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون}.
وفي الحديث عن الصادق أبي عبد الله عليه السلام: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
وفي الحديث: «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنّا لا نعد الفقيه فقيهاً حتى يكون محدثاً… مفهماً..».
الكتب والكتابة الفقهية
مصادر الأحكام الفقهية في الدور الأول:
بملاحظة الماطة الفقهية، وكيفية حفظها، وتغير طريقة عرضها، يمكننا اعتبار مصادر الأحكام الفقهية على الترتيب التالي:
ـ القرآن الكريم بآيات الأحكام الواردة فيه.
ـ السنَّة النبوية المطهَّرة.
ـ سنَّة الأئمة المعصومين وما نقله بعضهم عن بعض أو المكتوبة عند أصحابهم بعنوان «الأصل» أو «الكتاب» حيث يذكرون فيها الأحكام بنصوصها وأسانيدها موَّزعة على عناوينها فعلي بن أبي رافع جمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء والصلاة وسائر الأبواب، رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام.
وممن صنَّف أيضاً في الفقه على هذا النحو سعيد بن المسيب، وكان من حواريي الإمام زين العابدين عليه السلام، كذلك منهم أبو المقدام ثابت بن هرمز فله جامع في الفقه، يرويه عن الإمام زين العابدين عليه السلام.
مصادر الأحكام الفقهية في الدور الثاني:
يبدأ الدور الثاني من أدوار الفقه وتبدأ مع الكتابة الفقهية بالمعنى المعروف اليوم، وإن لم تكن بنفس الأسلوب، لكن المؤكد أن الفقه خرج عن طريقة ترتيب الأحاديث إلى تحرير المسائل الفقهية مع الحسن بن علي بن أبي عقيل، أبو محمد العماني الحذَّاء، فإنه أول من حرر المسائل الفقهية وقد صنَّف كتابه «المتمسك بحبل آل الرسول» بعد أن احتاجت الشيعة لتحصيل الفتوى وقد انحصرت. بإرجاع الإمام في الفقهاء، والظاهر أن عمله كان بحذف الأسانيد والإبقاء على متن الأحاديث المعتبر عنده وقد أكد الشهيد مطهري عدم وجود نصوص فقهية محررة من الأسانيد قبله.
وقد استمر الفقه (الإفتاء) على هذه الطريقة إلى زمان السيد المرتضى (المتوفى 436 هـ) والشيخ الطوسي (المتوفى 460 هـ) حيث عظمت الحاجة عند الشيعة إلى التفريع في المسائل الفقهية، إذ أن الفترة التي امتدت بين نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ) وحياة هذين العلمين قد شهدت تطوراً على صعيدين:
1 ـ كثرة الفروع التي لا نص من الأئمة عليها.
2 ـ ظهور الآراء الفقهية المتعددة المبتنية على الاختلاف في فهم النصوص.
مما بعث على بلورة علم أصول الفقه على يدي هذين العظيمين بالحدود التي احتاجتها المرحلة. وعلى ظهور الموسوعات ذات الفروع الكثيرة ككتاب المبسوط في الفقه للشيخ الطوسي.
ومع اشتهار آراء الفقهاء الشيعة، واختلافهم في مسائل من الفقه مع علماء السنَّة، ظهرت مؤلفات فقهية تستعرض الآراء المختلفة وتستدل على صحة مذهب الشيعة كما في كتاب الخلاف في الفقه للشيخ الطوسي.
وظهرت كذلك كتب الانفرادات التي تعالج الآراء الفقهية التي انفرد بها علماء الشيعة عن باقي المذاهب كما في كتاب الانتصار للسيد المرتضى.
واستمر فقهاء الشيعة تأصيلاً في العلمين (الفقه وأصول الفقه) إلى أن جاءت الحركة الإخبارية على يد المولى محمد أمين الاسترأبادي (المتوفى 1023 هـ)، فانقسم الشيعة إلى أصوليين يعتمدون أصول الفقه (وهي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط)، وإخباريين لم يستوعبوا الاعتماد على غير الرواية، ففهم القرآن عندهم موكول لأهله وهم الأئمة والإجماع من أصول السنّة، أما العقل ففيه ما فيه أيضاً.
واستمرت هذه المحنة من بداية القرن الحادي عشر إلى أن بدأت بالانحسار على يد محمد باقر البهبهاني (المتوفى 1206 هـ). وبقي منهم إلى أيامنا هذه جماعة قليلة.
أنواع المصنفات في الفقه عند الشيعة
وهكذا، تكون أنواع المصنفات في الفقه عند الشيعة على الشكل التالي:
1 ـ كتب آيات الأحكام، والتي أضيف إليها بعض الأحاديث، وهي موزعة على نحو كتب الفقه، وأشهرها: مسالك الإفهام للمقداد السيوري، وزبدة البيان للأردبيلي.
2 ـ كتب الحديث المدوّنة في حياة الأئمة، ومنها كتاب الجامع لأحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر البزنطي المعاصر للإمام الرضا والإمام الكاظم عليه السلام، و«الفرائض» للفضل بن شاذان، وكان من أصحاب الإمامين الجواد والعسكري عليهما السلام.
3 ـ كتب الحديث المدوّنة بعد الغيبة الصغرى وأهمها «الكافي» للكليني (المتوفى 329 هـ) و«من لا يحضره الفقيه» لابن بابويه القمي (توفي 381 هـ) إلى وسائل الشيخ الحر العاملي (1104 هـ) و«جامع أحاديث الشيعة» الذي صنف بإشراف السيد البروجردي (المتوفى 1381 هـ).
4 ـ كتب الفقه التي حذفت منها الأسانيد وأخرجت الفتوى بنفس نص الحديث مرتبة على أبواب الفقه «كالمقنع» و«الهداية» للشيخ الصدوق (المتوفى 381 هـ)، و«المقنعة» للشيخ المفيد (المتوفى 413 هـ).
5 ـ كتب الفقه الاستدلالي التي بدأت مع «المتمسك بحبل آل الرسول» لابن أبي عقيل العماني المار ذكره والتي تورد المسألة والدليل عليها من الأدلة الأربعة ومنها «التذكرة» للعلامة الحلي (المتوفى 726 هـ) ومنها جواهر الكلام للشيخ محمد بن حسن النجفي (المتوفى 1266 هـ) ومنها «مستمسك العروة الوثقى» للسيد حسن الحكيم (المتوفى 1391 هـ).
6 ـ كتب متون الفقه الخالية من الاستدلال والتي تظهر رأي المصنف مع إشارة بسيطة أحياناً إلى مناقشات لآراء المجتهدين الآخرين ككتاب المراسم في الفقه الإمامي لسلاَّر (المتوفى 463 هـ) و«شرائع الإسلام» و«المختصر النافع» للمحقق الحلي (المتوفى 676 هـ) واللمعة الدمشقية للشهيد الأول (المتوفى 876 هـ).
7 ـ كتب الفقه المقارن بين الآراء، فإن كانت في إظهار الخلاف بين المذاهب والاستدلال لصحة مذهب الشيعة فمثاله كتاب الخلاف في الفقه للشيخ الطوسي، وإن كانت في إظهار مواطن الإجماع عند الشيعة كان مثاله «الرسالة الاجتماعية» للمولى حسن الطهراني، وإن كان في المقارنة وإظهار آراء المذاهب فمنه «منتهى المطلب» للعلامة الحلي (المتوفى 726 هـ) الشامل لمذاهب المسلمين ومن الكتب الحديثة في هذا المجال «الفقه على المذاهب الخمسة» للشيخ محمد جواد مغنية.
8 ـ كتب الفقه التي تظهر ما انفرد به الشيعة كالانتصار للسيد المرتضى و«الأعلام» للشيخ المفيد.
9 ـ الرسائل العملية، وهي أشهر المصنفات في الفقه تضم آراء الفقيه الواجب الرجوع إليه، وهي كتب تجمع المسائل التي يحتاجها العوام، ويمكن إدراجها تحت كتب الفقه الخالية من الاستدلال وهي مقسمة بالتقسيم المعروف لمباحث الفقه، يكتبها الفقيه ابتداءً، وقد لجأ بعض الفقهاء إلى التعليق على رسالة عملية لفقيه آخر بنحو الحاشية عليها عندما يكون رأيه في المسألة مخالفاً ما. ولجأ بعض آخر إلى دمج رأيه مباشرة في متن الرسالة فتنسب إليه مستقلة.
10 ـ أجوبة المسائل الفقهية، والمعروفة بالاستفتاءات وقد رسم لها بيان خاص من حيث آداب الكتاب من السائل، والاختصار الشديد من المفتي ككتابة الجواب على نفس ورقة الاستفتاء، بدون فاصل… الخ.
تبويب المسائل الفقهية
تنشأ الحاجة إلى البحث في تاريخ تقسيم المسائل الفقهية من السببين التاليين:
1 ـ فهم الاختلاف الفعلي في فهارس المجموعات الفقهية من جهتي التصنيف والتقسيم أو الضم والفرز. إذا جاز التعبير فإنك إذا أخذت بين يديك أي عدد من المجاميع الفقهية، ومن نتاج أي عصر، حتى لو كانت من نتاج فترة زمنية واحدة، سترى فيها الاختلاف من جهة عدد الأبواب المبحوث فيها بحيث يزيد في بعضها عن البعض الآخر.
وبيان ذلك. كما وصلت إليه. يرجع إلى أسباب أربعة:
أ ـ انعدام الحاجة إلى التقسيم فعلاً في بداية الغيبة الكبرى لقلة الفروع الفقهية، مما أدى إلى إهمال المسألة كلياً، أو عدم الالتفات إليها.
ب ـ اختلاف الفقهاء أنفسهم في أساس القسمة كما ترى في عدِّ الشيخ الطوسي للعبادات في الشرع أنها خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد فيما اعتبرها (سلاَّر) ستاً بإسقاط الجهاد وإضافة الطهارة والاعتكاف وإلحاق الجهاد (بالأحكام في غير الجنايات) على تقسيمه كما ستراه فيما بعد.
ج ـ الاختلاف في أساس التصنيف أيضاً حيث يضم فقيه بعض المسائل إلى باب لا من جهة عدم قابليتها للقسمة وإنما لترتبها على ما يشبه الوحدة في العنوان مثل ضم المحقق الحلي للمبارأة إلى الخلع للكراهية المشتركة فيهما مع أنها في الثاني مشروطة في الزوجة وفيهما معاً في الأول وكلاهما من العقود ومع ذلك فإنه يبحث عنهما في قسم الإيقاعات لمشاركتهما الطلاق في كونهما فراقاً.
2 ـ السبب الثاني لحاجتنا إلى البحث في تاريخ تقسيم المسائل الفقهية، إن ما دعا سابقاً إليه هو ازدياد الفروع، وهو أمر قد تجدَّد لدينا، ليس لازديادها الهائل وحسب بل وللازدياد في توسع العلوم التي تساعد في تنقيح علل الأحكام المعروفة، ونشوء مواضيع لأحكام جديدة لا ينفع التعسف في إدخالها تحت العناوين القديمة، سيما وأن حكومات إسلامية نشأت اليوم وتتجه شعوب العالم الإسلامي إلى الدعوة لتطبيق الشريعة الغراء في كل ما يعرض لها من أمور، وموضوع الفقه كما قلنا هو أعمال المكلفين.
وهذه القراءة قد تساعدنا في إزاحة اشكال قديمة والسعي لتأسيس تقسيم وتصنيف جديدين لا يقلان عن تقسيم وتصنيف الكتب القانونية الحديثة ولنعبر عن ذلك بإعادة تبويب المسائل الفقهية.
نماذج من تقسيم المسائل الفقهية
التقسيم الأول لسلاَّر
ظهر معنا أن أغلب المجاميع الفقهية الأولى سواء الناقلة للحديث أو الفتوائية. لم تكن على نحو الدورة الكاملة الشاملة لأبواب الفقه وإنما كانت تصنف كتباً مستقلة ككتاب الصلاة وكتاب الحج، والظاهر أن أول من جمعها وقسمها على النحو المتعارف هو حمزة بن عبد العزيز الديلمي الملقب بسلاَّر المتوفى 483 هـ في كتابه المراسم، خلافاً لما ذهب إليه الشهيد المطهري والشيخ محمد مهدي الآصفي من أنه صاحب الشرائع: المحقق الحلي المتوفى 676 هـ حيث اعتبراه أول من تعرض لتقسيم مباحث الفقه.
ففي خاتمة كتابه «المراسم» يقول سلاَّر أنه ألفَّه (لأن أصحابنا (رض) إذا اختصروا أثبتوا العبادات ولم يذكروا المعاملات) وقد ألَّفه (على طريقة من القسمة غير مألوفة وبنية غير معروفة).
وقد بيّن هذه القسمة وغرضه منها في مقدمة الكتاب بعد الإشارة إلى جمعه (كل رسم) واحتوائه (كل حتم من الشريعة)، فقد اعتبر أن الرسوم الشرعية تنقسم قسمين: عبادات، ومعاملات، والمعاملات عقود وأحكام، (وإن قيل إن العقود التي هي الإيمان والنذر إيقاعات دخل معها الطلاق والعتاق) إلا أنه لم يفصلها عنها فعلاً، والأحكام: جنايات وغير جنايات، ومجموع الأبواب الفقهية المبحوثة عنده أربع وخمسون باباً.
العبادات
1 ـ الطهارة.
2 ـ الصلاة.
3 ـ الصوم.
4 ـ الحج.
5 ـ الاعتكاف.
6 ـ الزكاة (الخمس).
العقود
1 ـ النكاح وما يتبعه.
2 ـ البيوع وما يتبعها.
3 ـ الإجارات وأحكامها.
4 ـ الإيمان.
5 ـ النذر.
6 ـ العتق.
7 ـ التدبير.
8 ـ المكاتبة.
9 ـ الرهون.
10 ـ الوديعة.
11 ـ العارية.
12 ـ المزارعة.
13 ـ المساقاة.
14 ـ الضمانات.
15 ـ الكفالات.
16 ـ الحوالات.
17 ـ الوقوف.
18 ـ الصدقات.
19 ـ الهبات.
20 ـ الوصايا.
21 ـ الطلاق.
22 ـ العتاق.الأحكام:
أ ـ في غير جناية.
1 ـ اللقطة.
2 ـ الصيد.
3 ـ الذبائح.
4 ـ الأطعمة.
5 ـ الأشربة.
6 ـ المواريث.
7 ـ القضاء.
ب ـ الأحكام في الجنايات
1 ـ ديات قتل النفس الآدمية.
2 ـ ديات ما دون النفس الآدمية.
3 ـ ديات البهائم.
4 ـ ديات أعضاء البهائم.
كتاب الحدود والآداب
1 ـ الزنا.
2 ـ اللواط.
3 ـ من غصب امرأة على نفسها.
4 ـ تكرار المساحقة.
5 ـ شرب المسكر والفقاع.
6 ـ المحاربة.
7 ـ من أدمن بيع السموم.
8 ـ القذف.
9 ـ القيادة.
10 ـ السرقة.
11 ـ التعزير.
باب ذكر
1 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 ـ وإقامة الحدود.
3 ـ والجهاد.
وقد لاحظنا أنه لم يسلّم بعزل ما عُدَّ إيقاعاً عن العقود في تقسيمه هذا.
ولعل السبب في هذا التقسيم وهذا الجمع جعل الكتاب دستوراً لحكم فِعْليّ فإنه كان نائباً عن السيد المرتضى في حلب، والكتاب مقدَّمٌ برسم «الحضرة العالية المظفرة، المنصورة، الوزيرية الأجلية» ولم نعرف سنة التأليف أو مكانه أو اسم المؤلف له.
وهذا التقسيم غير موفق كما رغب رحمه الله لأنه يجري فيه بطريقة القسمة الثنائية مما جعله قابلاً للاستمرار في القسمة، الأمر الذي قد يتسلسل إلى أن تعود المشكلة مرة ثانية: مشكلة فروع كثيرة.
تقسم المحقق الحلي
جاء المحقق الحلي بتقسيم جديد وتابعه العلاّمة الحلي في كتابه تذكرة الفقهاء، وكثير من الفقهاء في كتبهم. وهذا التقسيم جعل الفقه أقساماً أربعة.
1 ـ العبادات: وهي الأعمال التي يشترط فيها قصد القربى، وجعلها عشرة أبواب.
2 ـ العقود: وهي أعمال لا يشترط فيها قصد القربى وتحتاج إلى صيغة بواسطة طرفين، وجعلها خمسة عشر باباً.
3 ـ الإيقاعات: وهي أعمالاً لا يشترط فيها قصد القربى لكن يؤدي صيغتها طرف واحد، وهي أحد عشر باباً.
4 ـ الأحكام: وهي أعمال يجب فيها مراعاة الموازين الشرعية لكن لا تشترط فيها الصيغة أو القربى، وهي اثنا عشر باباً.
فيكون مجموع أبواب الفقه عنده ثمانية وأربعون باباً.
وإذا أضفنا إليها الأبواب الأربعة التي زادها المحقق في العقود بعدما شرع في الكتابة تصير الأبواب المبحوث عنها في علم الفقه عنده اثنين وخمسين باباً هي على الترتيب التالي.
في العبادات
1 ـ الطهارة.
2 ـ الصلاة.
3 ـ الصوم.
4 ـ الاعتكاف.
5 ـ الزكاة.
6 ـ الخمس.
7 ـ الحج.
8 ـ العمرة.
9 ـ الجهاد.
10 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
في العقود
1 ـ التجارة.
2 ـ الرهن.
3 ـ الفلس.
4 ـ الحجر.
5 ـ الضمان.
6 ـ الصلح.
7 ـ الشركة.
8 ـ المضاربة.
9 ـ المزارعة والمساقاة.
10 ـ الوديعة.
11 ـ العارية.
12 ـ الإجارة.
13 ـ الوكالة.
14 ـ الوقوف والصدقات.
15 ـ السكن والحبس.
16 ـ الديات.
17 ـ السبق والرماية.
18 ـ الوصية.
19 ـ النكاح.
ويلحظ هنا أن العدد قد زاد أربعة أبواب عما ذكره المحقق في أول كلامه، وقد حاول الشهيد مطهري توجيهه بطريقين، الأول: أن نحتمل الاشتباه في اللفظ والكتابة، والثاني أن المحقق اعتبر بعض الأبواب مع بعضها الآخر واحداً، لكن الشهيد مطهري لم يحاول أن يبين هذه الأبواب الزائدة.
في الإيقاعات
1 ـ الطلاق.
2 ـ الخلع والمباراة.
3 ـ الظهار.
4 ـ الإيلاء.
5 ـ اللعان.
6 ـ العتق.
7 ـ التدبير والمكاتبة والاستيلاد.
8 ـ الإقرار.
9 ـ الجعالة.
10 ـ الإيمان.
11 ـ النذر.
في الأحكام
1 ـ الصيد والذباحة.
2 ـ الأطعمة والأشربة.
3 ـ الغصب.
4 ـ الشفعة.
5 ـ إحياء الموات.
6 ـ اللقطة.
7 ـ الفرائض.
8 ـ القضاء.
9 ـ الشهادات.
10 ـ الحدود والتعزيرات.
11 ـ القصاص.
12 ـ الديات.
إلا أن هذا التقسيم لم يصلح للبقاء طويلاً فأعرض عنه نفس الشهيد الأول في تقسيم اللمعة الدمشقية وهو الذي دافع عنه في كتابه القواعد. ويلاحظ في هذا التقسيم أنه جمع بين القسمة الثنائية والقسمة التفصيلية إلى حد ما، وإن كانت القسمة التفصيلية تقلل من طول الانقسام. الذي أخذناه على تقسيم سلاَّر. إلاَّ أنها مع ذلك. والإشكال هنا على تقسيم سلاَّر أيضاً. قد انطلقت بصورة تقليدية في تقسيم الموضوع على النهج القديم فحيث إن موضوع علم الفقه هو فعل المكلف وقع النظر عليه ليقسم إلى فعل بين الإنسان والله وفعل بين الإنسان وغير الله لينطلق التقسيم بعد ذلك مقدِّماً الفقه على ما رأينا من خلط لمسائل مثل القضاء والأطعمة والأشربة تحت عنوان الأحكام لا لشيء إلا لأنها غير العبادات والعقود والإيقاعات وسنتحدث في هذه النقطة لاحقاً تحت عنوان: التقسيم المشهور واقتراح.
تقسيمات المعاصرين
نقل الشهيد مطهري عن الشيخ موسى النجفي الخونساري في تقريراته لدرس الشيخ النائيني تقسيماً لأبواب الفقه على الشكل التالي
1 ـ عبادات.
2 ـ معاملات.
3 ـ عادات.
4 ـ أحكام.
وبحسب ما ذكره الشهيد مطهري، فإنه لم يوضح السبب وأصل القسمة أيضاً، وقد سلَّم الشهيد مطهري بقسمة العبادات عن غيرها لأن لها طبيعة واحدة، مقترحاً تقسيم بقية الأبواب على أساس طبيعة واحدة لكل قسم.
وقد قرأت للأستاذ عبد الكريم أبي أزر الشيرازي في المجلد الأول من كتابه «رسالة نوين» تصنيفاً راعى فيه الاقتراب من روج العصر إلا أنه لم يخل من إشكالات ترد عليه.
وتصنيف الشيرازي، يقع على النحو التالي (وقد عرَّبته تسهيلاً لفائدة القارىء العربي منه من جهة، وتوضيح ما يرد عليه من جهة أخرى».
أ ـ العبادات الفردية
1 ـ الطهارة والنظافة.
2 ـ الصلاة والاحتياج إلى الله.
3 ـ الصوم وضيافة الله.
4 ـ الاعتكاف.
5 ـ الحج وزيارة بيت الله.
ب ـ المسائل الاقتصادية
الفرع الأول في الاقتصاد السياسي والاجتماعي.
1 ـ الأموال في الإسلام.
2 ـ الزكاة.
3 ـ الخمس.
الفرع الثاني في الاقتصاد الشعبي
1 ـ الوقف.
2 ـ الحبس.
3 ـ الهبة.
4 ـ الصدقة
5 ـ الوصية (بالثلث).
6 ـ النذر.
7 ـ الكفارة.
8 ـ الحج.
الفرع الثالث في الاقتصاد الزراعي
1 ـ الشركة.
2 ـ القسمة.
3 ـ الشفعة.
4 ـ المزارعة (الشركة في الإنتاج الزراعي).
5 ـ المساقاة (الشركة في المزارع والمياه).
6 ـ الإجارة والخلوّ.
7 ـ الاستخدام.
8 ـ الجعالة.
الفرع الرابع في الاقتصاد التجاري:
1 ـ التجارة.
2 ـ الصلح.
3 ـ المضاربة.
4 ـ الربا.
5 ـ الوديعة.
6 ـ البنوك.
7 ـ الحوالة (السندات).
8 ـ اليانصيب.
9 ـ الضمان.
ج ـ مسائل العائلة
1 ـ الخطبة.
2 ـ عقد الزواج.
3 ـ أولياء العقد.
4 ـ المحارم.
5 ـ تغيير الجنس.
6 ـ الزواج المؤقت.
7 ـ العيوب الموجبة للفسخ.
الفرع الثاني في حقوق العائلة
1 ـ المهر.
2 ـ الاقتصاد العائلي.
3 ـ الحقوق القضائية والجزائية.
4 ـ التلقيح الصناعي.
5 ـ حقوق الطفل.
6 ـ الدفاع عن النفس والعائلة.
الفرع الثالث في التغذية والصحة
1 ـ الصيد.
2 ـ الذبح.
3 ـ الأطعمة: المحللة والمحرمة.
4 ـ الأشربة: المحللة والمحرمة.
الفرع الرابع في التسلية والهوايات
1 ـ الموسيقى والغناء.
2 ـ الراديو والتلفزيون.
3 ـ الرسم، التصوير، النحت.
4 ـ القمار المسابقات ولعب الشطرنج.
5 ـ الذنوب الكبيرة.
الفرع الخامس في اطلاق
1 ـ الطلاق الرجعي.
2 ـ الطلاق البائن.
3 ـ الخلع.
4 ـ المباراة.
الفرع السادس في الموت
1 ـ الغسل.
2 ـ التكفين.
3 ـ الحنوط.
4 ـ التشييع.
5 ـ الصلاة على الميت.
6 ـ الدفن.
الفرع السابع في الإرث
1 ـ موجبات الإرث.
2 ـ موانع الإرث.
3 ـ سهام الإرث.
د: المسائل السياسية والحقوقية
1 ـ سلطة الدولة (المسائل السياسية)
الفرع الأول في حكومة القانون
1 ـ القانون والشريعة.
2 ـ ضرورة تشكيل الحكومة لتنفيذ القانون.
3 ـ خصوصيات حكومة القانون.
4 ـ حكومة القانون مع الولاية والإشراف للفقيه
الفرع الثاني في حكومة الشعب
1 ـ حكومة الشعب في حمى الوحدة والتعاون.
2 ـ حكومة الشعب والمراقبة العامة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
3 ـ حكومة الشعب والدفاع العام.
الفرع الثالث في العاملين
1 ـ رؤساء الجمهورية.
2 ـ الوزراء.
3 ـ المحافظون.
4 ـ مجلس الشورى الإسلامي.
5 ـ السلطة القضائية.
6 ـ الحرس.
7 ـ الشرطة.
8 ـ جهاد البناء.
1 ـ القضاء.
2 ـ الشهادات.
1 ـ الحدود.
2 ـ القصاص.
3 ـ الديات.
4 ـ الضمان.
ملاحظات على تصنيف الشيرازي
مع كل تقديري للجهد الذي بذله في إخراج كتابه بالتصنيف المذكور وبفوائد عظيمة إلا أن هذا التصنيف لم يأت بأساس واضح ومتين، بل شتَّت مسائل كان اجتماعها السابق أسلم بكثير، فمن ذلك مثلاً اعتماده أن لا شفعة إلا في غير المنقول من الأموال كالأرض والشجر لوضع كتاب الشفعة في الاقتصاد الزراعي، وهذه قد نجد لها وجهاً لكن حصر الجعالة والشركة والقسمة فيه بأي علة هو ما لم أفهمه.
والملاحظة الأخيرة أنه والشهيد مطهري قد بحثا الموضوع بصورة تخلط بين التقسيم والتصنيف وإن كان الشهيد لم يقدم تقسيماً جديداً، إلا أن الشيرازي حدَّثنا عن تقسيم جديد ثم قدَّم لنا تصنيفاً دون أساس واحد، وهو مطلوب في التصنيف كما في التقسيم.
التقسيم المشهور واقتراح
الظاهر أن امتياز العبادات عن غيرها هو الأمر الوحيد الذي تسالم عليه الفقهاء حتى الآن، فلذلك ولأن أحداً لم يتصد. ولا أتصور فرداً يقدر على مثل ذلك وحده. لتقسيم جديد أو تصنيف فإن المشهور هو تقسيم الفقه إلى العبادات والمعاملات ويقصدون بالمعاملات هنا معناها الأعم من العقود إلى غيرها من المسائل.
وما يزال الفقهاء على سنَّة الماضين يعنونون أبحاثهم بالإشارة إليها بكتاب كذا في إشارة إلى أنها ما تزال متميزة عن بعضها وإن اجتمعت في كونها الأحكام الواجب اتباعها في أفعال المكلفين والموجّهة لمعاملاتهم.
وقد يفسِّرُ هذا الإصرار على اعتماد فعل الإنسان أساساً للقسمة اعتباره في الدين الإسلامي أشرف المخلوقات، وإنها وجدت لأجله لكنني لم أجد تفسيراً للإصرار على (مبدأ التقسيم) في عملية ترتيب الفقه رغم النتائج التي أوصل إليها، ولعله من الأسلم في مقام العمل باتجاه إعادة تنظيم مسائل الفقه اللجوء إلى مبدأ التصنيف، باعتبار أن الموضوع هنا هو مسائل الفقه الحاكمة على فعل المكلف، وليس نفس فعل المكلف وأن السهو عن هذه المسائل والفرق فيها هو الذي أوقعنا في المحذور… بل لعله يمكننا الاستفادة من المبدأين معاً في هذا العمل، وتفصيل ذلك موكول إلى غير هذا الكتاب.
وأما في هذا الكتاب فقد اعتمدت الفهرسة والتقسيم الواردين في كتاب تحرير الوسيلة للإمام الخميني ولن أعدل عنه إلا في نقل كتاب الشفعة إلى ما بعد كتاب الشركة وهو كالتالي:
في العبادات
1 ـ كتاب الاجتهاد والتقليد.
2 ـ كتاب الطهارة.
3 ـ كتاب الصلاة.
4 ـ كتاب الصوم.
5 ـ كتاب الاعتكاف.
6 ـ كتاب الزكاة.
7 ـ كتاب الخمس.
8 ـ كتاب الحج.
9 ـ كتاب الجهاد.
10 ـ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
في المعاملات
1 ـ كتاب المكاسب والمتاجر.
2 ـ كتاب البيع.
3 ـ كتاب الصلح.
4 ـ كتاب الإجارة.
5 ـ كتاب الجعالة.
6 ـ كتاب العارية.
7 ـ كتاب الوديعة.
8 ـ خاتمة في الأمانة.
9 ـ كتاب المضاربة.
10 ـ كتاب الشركة.
11 ـ القسمة الشفعة.
12 ـ كتاب المزارعة.
13 ـ كتاب المساقاة.
14 ـ كتاب الدين والقرض.
15 ـ أحكام الدين.
16 ـ في القرض.
17 ـ كتاب الرهن.
18 ـ كتاب الحجر.
19 ـ كتاب الضمان.
20 ـ الحوالة والكفالة.
21 ـ كتاب الوكالة.
22 ـ كتاب الإقرار.
23 ـ كتاب الهبة.
24 ـ كتاب الوقف.
25 ـ في الحبس.
26 ـ في الصدقة.
27 ـ كتاب الوصية.
28 ـ كتاب الأيمان والنذور.
29 ـ كتاب الكفارات أقسامها أحكامها.
30 ـ كتاب الصيد والأشربة.
31 ـ كتاب الأطعمة والأشربة.
32 ـ كتاب الغصب.
33 ـ كتاب إحياء الموات والمشتركات.
34 ـ كتاب اللقطة.
35 ـ كتاب النكاح.
36 ـ كتاب الطلاق.
37 ـ كتاب الخلع والمباراة.
38 ـ كتاب الظهار.
39 ـ كتاب الإيلاء.
40 ـ كتاب اللعان.
41 ـ كتاب المواريث.
42 ـ كتاب القضاء.
43 ـ كتاب الشهادات.
44 ـ كتاب الحدود.
45 ـ كتاب القصاص.
46 ـ كتاب الديات.
47 ـ مسائل مستحدثة.
الكتب الفقهية
العبادات
1 ـ كتاب الاجتهاد والتقليد
الاجتهاد لغة من الجهد وهو الوسع والطاقة، وشرعاً هو الاستدلال على الحكم الشرعي الفرعي وهو واجب كفائي كما مرَّ معناه، قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم}([609]).
أما التقليد فهو لغة المحاكاة وشرعاً الاستناد إلى فتوى الفقيه في مقام العمل. وهذا الكتاب لم يلحق بالفقه إلا في العصور الأخيرة فيما كان يبحث عنه في أصول الفقه.
ومن المسائل التي يبحث فيها تعيين المجتهد والمقلد والمحتاط، وواجب العوام بالرجوع إلى الأعلم من المجتهدين والبحث في الصفات التي يجب توفرها في مرجع التقليد ومسألة جواز تقليد الميت ابتداءً والبقاء على تقليد الميت وغيرها من المسائل:
2 ـ كتاب الطهارة
الطهارة لغة النظافة من الأوساخ المادية، والنزاهة المعنوية. وشرعاً اسم لإزالة الخبث. القذارة المادية. والحدث. القذارة المعنوية..
قال تعالى: …{والله يحب المطهرين}([610])، {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}([611]) وفي الحديث: «لا صلاة إلا بطهور»([612]).
ويبحث فيه عن معناها الخاص بالوضوء، والغسل، وعن وجوبها واستحبابها، وعن انقسامها إلى مائية وترابية. كما يبحث فيه عن مسائل كالخلوة والنجاسات والمطهرات وأحكام الأواني والميت غسله وغسل مسه، والأغسال الأخرى واجبة ومستحبة وأحكام كل منها.
3 ـ كتاب الصلاة
الصلاة لغة من التصلية وهي التليين، يقال صليت العود بالنار إذا لينته وشرعاً هي العبادة المعروفة باركانها. وقد وردت الصلاة في القرآن الكريم بمعان مختلفة، منها المفروضة كما في قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا}([613])، وقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}([614]).
وفي الحديث: «إن عمود الدين الصلاة»([615]).
ويبحث فيه عن مقدمات كأعداد الفرائض والنوافل، وركعاتها، وعن الأوقات والقبلة، والستر والساتر، وعن مكان المصلي والآذان والإقامة، وعن أفعال الصلاة وما يتعلق بها من خلل وعن صلاة المسافر والجمعة والجماعة والعيدين والآيات والصلاة على الميت.
4 ـ كتاب الصوم
الصوم لغة الكف والترك، وشرعاً الإمساك عن أمور معينة من الله عزّ وجلّ في وقت محدد. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}([616]). وفي الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به»([617]).
ويبحث فيه عن أقسام الصوم من حيث الوجوب الحرمة والاستحباب والكراهة، وعن ثبوت الهلال وعن الأمور التي يجب الإمساك عنها، وعن وقت الصوم، كما يبحث في من يجب عليه الصوم وعن شروط الوجوب وشروط الصحة، وعن النية والمفسدات والقضاء وأخيراً عن زكاة الفطر.
5 ـ كتاب الزكاة
الزكاة لغة النماء والطهارة وشرعاً حق معين عن الأبدان والأموال.
قال تعالى: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون}([618]).
وفي الحديث أن «مانع قيراط منها ليس من المؤمنين ولا من المسلمين وليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً»([619]).
ويبحث فيه عن انقسامها إلى زكاة الأبدان وهي زكاة الفطر، وزكاة الأموال وعن مقدار ما تجب فيه من الثاني كالأنعام الثلاثة والغلات الأربع والنقدين، الذهب والفضة. وعن من تجب عليه، والشروط الواجب توفرها فيه، وعن إخراجها وأصناف المستحقين لها والشروط المعتبرة فيهم.
6 ـ كتاب الاعتكاف
وهو لغة الإقامة في مكان ملازماً له وشرعاً هو اللبث في المسجد على وجه خاص بقصد القربى. قال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}([620])، وفي الحديث: «عن عمر بن يزيد، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها فقال لا يعتكف إلا في مسجد جماعة صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة…» ([621]).
ويبحث فيه عن ضم قصد عبادة أخرى خارجة عنه، وعن كونه مستحباً في أصل الشرع، وعن صحته في كل وقت يصح فيه الصوم وكون أفضله في شهر رمضان وخصوص العشر الأواخر منه.
ويبحث في هذا الكتاب عن شروط الصحة كالعقل والنية والصوم وعن أقل مدته (ثلاث أيام بلياليها)، وكونه في أحد المساجد الأربعة أو هي مع أحد المساجد الجامعة، وعن إذن من يعتبر إذنه، واستدامة اللبث في المسجد.
ويبحث في هذا الكتاب أيضاً عن أحكام الاعتكاف من جهة ما يحرم على المعتكف كمباشرة النساء والاستمناء وشم الطيب والريحان والبيع والشراء والجدال.
وعن مفسدات الاعتكاف بكل ما يفسد الصوم نهاراً وبعضها ليلاً الخ..
7 ـ كتاب الخمس
الخمس لغة واحد من خمسة، وشرعاً حق يجب في المال نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}([622]).
ويبحث فيه عن ما يجب فيه الخمس، وعن انقسامه إلى نصفين نصف للإمام ونصف للسادة، وفي مصرفهما وشروط التصرف فيه والشروط المعتبرة في من يصرف له.
8 ـ كتاب الحج والعمرة
الحج لغة القصد، وشرعاً قصد البيت للتقرّب إلى الله تعالى، بأفعال مخصوصة وزمان مخصوص. قال تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}([623]).
ويبحث فيه عن شرائط وجوب الحج والعمرة، وعن انقسامه إلى تمتع وقران وأفراد وعن عمرة التمتع وأجزاء الحج والعمرة وأفعالهما، وعن المحرمات على المحرم وعن المواقيت الخاصة بالإحرام.
9 ـ كتاب الجهاد
الجهاد لغة بكسر الجيم مصدر جاهد جهاداً والجهد المشقة، والجهد الوسع والطاقة. وشرعاً هو بذل المال والنفس لإعلاء الإسلام وإقامة شعائر الإيمان فمنه جهاد العدو، وجهاد البغاة على الإمام وجهاد النفس.
قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}([624])، وقال تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاًّ وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً}([625]). وفي الحديث الشريف: «إن الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام وهو قوام الدين»([626]).
ويبحث فيه عن تقسيم الجهاد إلى دفاعي وابتدائي وشرط وجود المعصوم في الأخير وعدمه في الأول، وانقسام الأول إلى دفاع عن بيضة الإسلام ضد العدو الخارجي وضد العدو الداخلي كالبغاة على إمام المسلمين وقائدهم، ودفاع عن النفس أو العرض أو المال. ويبحث فيه أيضاً عن شرائط وجوب الجهاد وأحكام الأسرى وأساليب القتال والسبي والأنفال والأرض وأهل الذمة في عموم أحوالهم.
وعن قتال الأقرب فالأقرب وحكم المرابطة وحكم الفرار من الزحف.
10 ـ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف لغة هو اسم لكل فعل يعرف حسنه بالعقل وشرعاً هو مع موافقته للشرع أو عدم مخالفته له. والمنكر لغة هو القبيح وفي الشرع ضد المعروف. وكل ما قبحه الشارع وحرَّمه فهو منكر.
قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}([627])، وفي الحديث الشريف: «لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم»([628])، وهما من أسمى الفرائض وأشرفها وبهما تقام الفرائض، ووجوبهما من ضروريات الدين.
ويبحث فيه عن وجوبهما العيني أو الكفائي، وشرائط الوجوب من العلم بالمعروف والمنكر، واحتمال التأثير وإصرار العاصي وعدم المفسدة في الإنكار. وكذلك يبحث فيه عن مراتبهما من إظهار الانزعاج كالعبوس والإعراض، أو باللسان والكلام القاسي، أو باليد.
المعاملات
1 ـ كتاب المتاجر والمكاسب
التجارة لغة هي انتقال شيء مملوك من شخص إلى آخر بعوض مقدَّر على جهة التراضي، والمتاجر جمع متجر من التجارة. وشرعاً عقد معاوضة.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}([629]). وفي الحديث الشريف: «من اتجر بغير علم ارتطم في الربا»([630])، أما الكسب فهو طلب الرزق وكسبت مالاً ربحته.
والبحث فيه أولاً عن وجوب التكسب على المكلف لتحصيل نفقة من تجب عليه نفقته كالزوجة والأولاد إذا لم يكن واجداً لها. وعن استحبابه للتمكن من أداء الأمور المستحبة كإعانة الفقراء.
ثم يبحث فيه عن المعاملات المحرمة كالتكسب بأعيان النجاسة أو آلات القمار أو بيع العنب ليعمل خمراً.
2 ـ كتاب البيع
البيع إعطاء المثمن وأخذ الثمن، قال تعالى: {الذين يأكلوا الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا}([631]). وفي الحديث: «من باع واشترى فليحفظ خمس خصال.. الربا والحلف وكتمان العيب والحمد إذا باع والذم إذا اشترى»([632]).
ويبحث فيه عن انقسام البيع إلى عقد ومعاطاة، شروط المتعاقدين وشروط العوضين، الخيارات وهي ملك الفسخ للبيع بسبب مخصوص. وكذلك يبحث فيما يدخل في البيع عند الإطلاق، والقبض والتسليم، وفي أنواع البيع وأحكامه كالنقد والنسيئة وبيع الصرف والمرابحة والمواضعة والتولية وبيع الثمار وبيع الحيوان.
ويبحث فيه عن الإقالة، والربا وحرمته وتقسيمه إلى ربا معاملي وربا قرضي، ومتى يتحقق ومتى يسقط عنوان الربا.
3 ـ كتاب الصلح
صلح لغة خلاف فسد، وشرعاً هو التراضي والتسالم على أمر من تمليك أو إسقاط دين أو حق. ولا يشترط كونه مسبوقاً بالنزاع.
وهو عقد مستقل بنفسه، قال تعالى: {والصلح خير}([633]) وفي الحديث: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلّ حراماً أو حرَّم حلالاً»([634]).
ويبحث فيه عن لزومه وعدم فسخه إلا بالإقالة أو الخيارات الثابتة في البيع عدا خيار المجلس وخيار الحيوان وخيار التأخير. وكذلك في عدم سقوط حكم الربا لو جرى التصالح على معاملة ربوية.
ويبحث فيه عن صلحة الصلح على الحقوق القابلة للإسقاط كالملكية وعن شروط المتصالحين كالبلوغ والعقل والاختيار والقصد.
4 ـ كتاب الإجارة
الأجر لغة الجزاء والإجارة شرعاً عقد يملك منفعة بعوض قال تعالى: في القرآن الكريم: {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}([635]). وفي الحديث الشريف: «من ظلم أجيراً أجرته أحبط الله عمله وحرَّم عليه ريح الجنة»([636]).
ويبحث فيه عن ما تقع عليه الإجارة من أعيان مملوكه كالحيوان والدار أو نفس حرة فيكون أجيراً أو مستأجراً.
وكذلك يبحث فيه عن تمليك العمل للغير أو تمليك المنفعة دون نفس العمل، كالمرضعة تؤجر نفسها للرضاع. لا الإرضاع. وفيه كذلك يبحث عن عقد الإجارة وصيغته ولغته وجريان المعاطاة، وعن شروط المتعاقدين من بلوغ وعقل وقصد واختيار وعدم الحجر. ويبحث فيه أيضاً في شروط العين وشروط الأجر، والمدة، وحكم الإجارة من حيث اللزوم.
5 ـ كتاب الجعالة
وهي في اللغة ما يجعل للإنسان على عمل، وشرعاً الالتزام بعوض معلوم على عمل محلل مقصود أو هي إنشاء الالتزام به وثمرتها تحصيل منفعة بعوض دون اشتراط عمل.
قال تعالى على لسان يوسف: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم}([637]) وسئل الصادق عليه السلام: «وبما أمرنا الرجل يشتري لنا الأرض والدار والغلام والجارية ونجعل له جعلا فقال عليه السلام: لا بأس»([638]).
ويقال للملتزم الجاعل، والعامل لمن يعمل العمل، وللعوض الجعل والجعيلة. ويبحث في احتياجها إلى الإيجاب كقولك من ردَّ دابتي فله دينار. وعن كونها من الإيقاعات. وكذلك يبحث في جواز توقف العامل عن العمل إن لم يكن فيه ضرر على الجاعل كما لو جعل لمن يشفي عينه شيئاً فبدأ الطبيب بقصها وأراد التوقف الخ.
6 ـ كتاب العارية
لغة من الإعارة وفيها إشارة إلى أنها خالية عن المنفعة الزائدة، وشرعاً هي التمكين أو التسليط على عين للانتفاع بها تبرعاً قال تعالى: {ويمنعون الماعون}([639]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير الماعون: «… ومتاع البيت يعيره وسئل عليه السلام: «إن جيراننا إذا أعرناهم متاعاً كسروه وأفسدوه فعلينا جناح أن نمنعهم؟ فقال لا»([640]).
ويبحث في وقوعها بالعقد والمعاطاة وعن حكمها من حيث الجواز والشروط المتعلقة بها، كالضمان في أحوال تجاوز الحد في الاستعمال أو التفريط في الحفظ أو لو اشترط الضمان، أو في حال كونها ذهباً أو فضة الخ…
7 ـ كتاب الوديعة
في اللغة استودعته وديعة استحفظته إياها وشرعاً هي عقد يفيدالاستنابة في الحفظ وتتحقق بوضع المال عند الغير ليحفظه لمالكه.
قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}([641]).
وفي الحديث عن الصادق عليه السلام «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان»([642]) ويبحث فيه عن وقوعها بالعقد والمعاطاة وفي حكمها على المستودع لو تلفت أو لو أراد السلطان أو الظالم أخذها بالقوة.
8 ـ كتاب الأمانة
لغة وشرعاً ما يؤتمن عليه الإنسان قال تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته}([643])، وفي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة»([644]).
ويبحث فيه عن انقسامها إلى أمانة مالكية وهي ما كانت باستئمان المالك وأذنه كما في الوديعة إذ هي أمانة محضة، أو كانت بفعل آخر كما في الرهن والعارية والإجارة والمضاربة فإن العين فيها بيد الطرف أمانة مالكية جعلها في يده.
وإلى أمانة شرعية وهي ما صارت تحت اليد لا على وجه العدوان بل قهراً كما لو أطار الريح ثوباً إلى دار، أو جهلاً كما لو باع شخص صندوقاً ثم ظهر فيه مال، أو ما جعل أمانة بيد المكلف برخصة من الشارع كاللقطة والضالة.
ويبحث في حكمها كما في الوديعة.
9 ـ كتاب المضاربة
لغة مفاعلة من الضرب في الأرض والسير فيها للتجارة، وهي شرعاً عقد واقع بين شخصين على أن يكون رأس المال في التجارة من أحدهما والعمل من الآخر([645])، وفي الحديث: «لا تأخذنَّ مالاً مضاربة إلا مالاً تزكيه أو يزكيه صاحبه»([646]). ويبحث فيه عن شروط المضاربة ككون رأس المال عيناً لا منفعة وأن يكون الاسترباح بالتجارة إلى ما هنالك.
وعن حكمها وأنها عقد جائز في الطرفين، وعن شروط أخرى.
10 ـ كتاب الشركة
لغة شركته في البيع والميراث إذا صرت له شريكاً، وشرعاً هي أن يكون شيء واحد ملكاً لاثنين أو أكثر فلا يجوز للبعض التصرف إلا برضى الباقين قال تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار}([647]).
وفي الحديث عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يشارك في السلعة، قال: «إن ربح فله، وإن وضع فعليه»([648]).
وتنقسم إلى شركة عقدية وغير عقدية كالموروث كما في الآية ويبحث في شروطها كسائر العقود ومن ذلك مثلاً كونها في الأموال لا في الأعمال فلا يصح مثلاً اشتراك حلاقين في أجرة عملهما يقتسمانها.
11 ـ كتاب الشفعة
الشفعة لغة التقوية والإعانة وهي في الشرع استحقاق الشريك الحصة المبيعة، وقيل إن اشتقاقها من الزيادة لأن الشفيع يكون له حصة وتر فلمَّا يأخذ الأخرى يصير ملكه زوجاً شفعاً. وليس عليها دليل من القرآن الكريم إلا بما يخص رفع الضرر أما في الحديث فورد أنه «قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن»([649]).
ويبحث في هذا الكتاب عن صيغتها وهي القول أخذت بالشفعة، وعن حكمها وهو أخذ المبيع بالثمن المقرر له، وكذلك يبحث في أي شيء تثبت الشفعة كالأرض ونحوها مما لا ينقل وأنها بخصوص المبيع من الحصص لا ما جعل مهراً أو فدية أو حول بصلح أو هبة.
ويبحث فيه أيضاً عن الشروط المتعلقة كالإسلام وعدم التأخير والقدرة على أداء الثمن والشركة الخ…
12 ـ كتاب القسمة
التقسيم لغة التفريق وشرعاً تمييز حصص الشركاء بعضها عن بعض قال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه}([650]).
وفي الحديث عن موسى بن جعفر عن رجلين اشتركا في (بيع) السلم أيصح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا قال «لا بأس»([651]).
ويبحث فيه عن حكمها من حيث جواز القسمة لو كان أحد الشركاء متضرراً منها، وكذلك في كيفية تعديل السهام على عدد الرؤوس كما لو كانت الحصص متساوية، أو يجعل السهام على أقل الحصص فيما إذا تفاوتت الحصص، وغير ذلك.
13 ـ كتاب المساقاة
المساقاة لغة مفاعلة من السقي، وسقيت الزرع: رويته، وشرعاً معاملة على الأصول (النباتات) بحصة من ثمرها، قال تعالى: {وإذ استسقى موسى لقومه}([652]).
ويبحث في هذا الكتاب عن طرفيها: صاحب الزرع الذي يحتاج إلى سقاية والعامل في سقايتها، وعن كون الأول طرف الإيجاب والثاني طرف القبول وعن صحة المعاملة بالمعاطاة وعن الشروط في طرفي المعاملة وعن كون الأصول مملوكة عيناً أو منفعة وعن تعيينها وثابتها في الأرض وعن تحديد المدة ومشاعة الحاصل وتعيين الحصة.
ويبحث عن كونها لازمة من الطرفين وعن أن خراج السلطان من النخيل والأشجار في الأراضي الخراجية على المالك أو عليهما مع الشرط.
14 ـ كتاب المزارعة
المزارعة لغة مفاعلة من زرع، والزرع الإنبات يقال زرعه أي أنبته، وشرعاً هي معاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، قال تعالى: {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}([653]) وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس»([654]). وعنه عليه السلام: «…قد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر والخبر هو النصف»([655]).
ويبحث في هذا الكتاب عن العقد فيها أو كفاية المعاطاة، وعن الشروط العامة في المتعاقدين وعن شروط زائدة فيها كجعل الحاصل مشاعاً بينهما أو تعيين حصة الزارع وتعيين المدة وقابلية الأرض للزرع وتعيين المزروع وتعيين الأرض وكون البذر وسائر المصارف من أيهما… الخ وعن حكمها من جهة اللزوم في الطرفين إلا في موارد وعن عدم بطلانها بوفاة أحد الطرفين ومسائل متفرقة.
15 ـ كتاب الرهن
الرهن: لغة الثبات والدوام ومنه نعمة راهنة، وشرعاً هو عقد شرّع للاستيثاق على الدين قال تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم}([656]).
وفي الحديث عن عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السلم في الحيوان والطعام ويرتهن الرجل بماله رهناً، قال: نعم استوثق من مالك»([657]). ويبحث فيه عن وقوعه بالعقد والمعاطاة وكون المرهون عيناً مملوكة للراهن أو تبرع غيره بها عنه.
ويبحث فيه عن طرفيه: الراهن وهو المدين والمرتهن وهو صاحب المال وكذلك يبحث في شروط صحة الرهن فمنها ما يتعلق بطرفيه كالبلوغ والعقل والاختيار وعدم الإفلاس.
ويبحث أيضاً عن حكم الرهن وأنه لازم من جهة الراهن وجائز من جهة المرتهن وفي صيرورة المرهون أمانة مالكية في يد المرتهن إلى حين رد الدين وعدم وجوب ردها بعده إلا بطلب المالك.
ويبحث في حكم الرهانة بموت أحد طرفيها وانتقالها إلى الورثة.
16 ـ كتاب الحجر
الحجر لغة بمعنى المنع وشرعاً كون الشخص ممنوعاً عن التصرف في ماله بسبب من الأسباب فمن ذلك قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً}([658]).
وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشده وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليّه ماله»([659]).
ويبحث فيه عن أسباب المنع الشرعية وهي كثيرة منها: الصغر والجنون والسفه والفلس ومرض الموت.
ويبحث فيه عن أحكام مختلفة منها استثناء الوصية والبيع في الأشياء غير الخطيرة بالنسبة للصغير. ويبحث فيه أيضاً عن علامات البلوغ في الذكر والأنثى، وفي الجنون، ويبحث فيه عن الولاية فيما لو حصل الجنون بعد البلوغ وكونها للحاكم الشرعي دون الأب والجد ووصيهما إلى ما هنالك، أما في السفه فيبحث عن امتياز الحجر بسببه عن الحجر في الطفل والمجنون وإن التصرف لو كان بإجازة الولي أو إذنه صح وفيه مسائل أخرى.
وفي الفلس يبحث عن الشروط التي يحجر بسببها، فمن ذلك كون الديون ثابتة شرعاً وأن تكون الأموال عدا المستثنيات قاصرة عن الديون، وكون الديون حالة وأن يرجع أصحابها إلى الحاكم الشرعي ملتمسين الحجر.
وفي المرض يبحث عن اتصال المرض بالموت وعدمه وأثر ذلك في نفوذ التصرفات وعن عدم نفوذ الوصية بما زاد على الثلث وغير ذلك من مسائل مختلفة.
17 ـ كتاب الحوالة
الحوالة لغة اسم من أحلته بدينه إذا نقلته من ذمتك إلى غير ذمتك وهي شرعاً كذلك أي تحويل المدين ما في ذمته إلى ذمة غيره وليس عليها من الكتاب العزيز دليل قريب ولكن في الحديث روايات منها:
«عن داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له على رجل دنانير فأحال عليه رجلاً بدنانير أيأخذ بها دراهم؟ قال نعم»([660]).
ويبحث في هذا الكتاب عن كونها عقداً وتقومها بأشخاص ثلاثة وعن اعتبار الشروط المذكورة في العقود الأخرى…
18 ـ كتاب الضمان
الضمان لغة من ضمنت المال كفلته والتزمته، وشرعاً هو التعهد من شخص بمال ثابت في ذمة مدين لدائن وليس في الآيات ما يدل عليه بالخصوص ولكن أحكامه مستفادة من الحديث من ذلك، وعن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ضمن عن رجل ضماناً ثم صالح عليه قال: «ليس له إلا الذي صالح عليه»([661]).
ويعبر بالضمان في مواضع أخرى عن الالتزام، من ذلك في الأمانة والإجارة والعارية لو فرَّط فيهما فهو ضامن أي يلتزم بالمثل وكذلك في الحديث: «كل عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن»([662]) ويبحث عنها في مواضعها.
ويبحث فيه عن كونه. عقداً بين الضامن والدائن وشروطهما وكذلك في شروط صحة الضمان كالتنجيز وهو عدم تعليق الضمان على شيء وثبوت الدين ومعرفة الدين والدائن والمدين، ويبحث أيضاً في الترامي بالضمان بأن يضمن زيد عن عمرو ثم يضمن بكر عن زيد وهكذا.
ويبحث فيه عن اشتراك أكثر من واحد في الضمان إلى ما هناك من مسائل..
19 ـ كتاب الدين والقرض
الدين لغة هو القرض وشرعاً هو مال ثابت في ذمة شخص لآخر بسبب من الأسباب. والقرض لغة هو القطع أو ما تعطيه غيرك ليقضيه لك. وشرعاً تمليك مال لآخر بالضمان بحيث يتعهد بالأداء، فالدين أعمّ من القرض والقرض دين.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}([663]) وقال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له}([664]). وفي الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ومن أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه»([665]).
وبيان كون الدين أعم من القرض في أنه يشمل القرض وجعل المال مبيعاً في بيع السلم وثمناً في النسيئة وأجرة في الإجارة وصداقاً في النكاح وغير ذلك اختياراً أو قهراً كما في الضمان أو نفقة الزوجة الدائمة.
ويبحث فيه عن استحباب الإقراض وكراهية الاقتراض مع عدم الحاجة، وعن طرفي الدين والقرض، وأنه عقد ومعاطاة وفي أنَّ القرض عقد لازم وإن جازت المطالبة إلاّ مع شرط التأجيل وفي أحكام أخرى كوفاة أحد الطرفين وجواز بيع الدين بالدين الخ…
20 ـ كتاب الكفالة
الكفالة لغة ضم ذمة إلى ذمة حق المطالبة، وهي شرعاً التعهد بإحضار نفس المدين وتسليمه إلى صاحب الحق عند طلبه ذلك ويسمى المتعهد كفيلاً.
قال تعالى: {واوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً}([666]) وليس عليها من القرآن دليل أقرب وفي الحديث «أن علياً عليه السلام أتي برجل قد كفل بنفس رجل فحبسه فقال: اطلب صاحبك»([667]).
ويبحث في هذا الكتاب عن كونها عقداً يحتاج إلى إيجاب من الكفيل بلفظ أو بفعل مفهم للتعهد المذكور وبالقبول من الدائن.
وكذلك عن الشروط المعتبرة في الكفيل كالبلوغ والعقل والاختيار وعدم السفه والقدرة على إحضار الدين.
ويبحث في هذا الكتاب أيضاً عن المكفول له ووجوب استخدام الكفيل كل وسيلة مشروعة لإحضار المكفول.
21 ـ كتاب الوكالة
الوكالة لغة بالفتح والكسر اسم من التوكيل، وهي مشتقة من وكل إليه الأمر أي فوّضه إليه، وشرعاً تفويض أمر إلى الغير ليعمل له حال حياته.
واستدلوا عليها([668]) من القرآن الكريم بقوله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه}([669]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «من وكل رجلاً على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها»([670]).
والبحث في أنها تقع بالعقد والمعاطاة، ويبحث في طرفيها: الموكل والوكيل، وما يشترط فيهما من بلوغ وعقل وقصد واختيار، وكذلك يبحث في عدم اشتراط البلوغ في الوكيل في مجرد إجراء العقد إذا كان مميزاً.
وكذلك يبحث في كون الموكل جائز التصرف في ما وكل فيه.
وكذلك يبحث في صحة التوكيل في العقود والإيقاعات وعدمه في اليمين واللعان والإيلاء والإقرار.
وكذلك في صحة التوكيل العام وعدمه في التوكيل بعمل غير معين.
22 ـ كتاب الإقرار
لغة أقرَّ الرجل بالشيء اعترف به، وشرعاً الإخبار الجازم بحق لازم على المخبر مما يستتبع حقاً أو حكماً عليه كقوله هذا ابني أو أني أتلفت دار فلان.
قال تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}([671]) وفي الحديث الشريف: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»([672]).
ويبحث فيه عن شروط صحته مثل كونه دالاً بالصراحة أو الظهور، وكون المقر به يستتبع حق الإلزام عليه ومطالبته به، أو كان للمقر به حكم وأثر كالمقر بما يلزم معه الحد.
وكذلك يبحث فيه عن حكم الإقرار وأنه يعتبر نافذاً ويمضي عليه فيما يكون ضرراً عليه، فلا ينفذ بالنسبة إلى غيره، ولا فيما فيه منفعة له، كما لو أقرَّ زيد بأبوة عمر له فإنما تجب نفقة عمر عليه ولكن لا يرثه.
23 ـ كتاب الهبة
الهبة لغة العطية الخالية عن الأغراض والأعواض، وهي غير الصدقة، وشرعاً هي تمليك عين مجاناً ومن غير عوض.
قال تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي}([673]) وهو خاص بالنبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا دلالة فيها على المطلب.
وفي الحديث: «إن الصدقة محدثة، إنما كان النحل والهبة، ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حِيزَ أو لم يُحَز»([674]).
والبحث فيه عن أنها عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول، وصحة وقوعها بالمعاطاة، وانقسامها إلى هبة معوضة أو غير معوضة بشرط أو بغيره.
ثم عن الشروط الواجب توفرها في كل من الواهب والموهوب له، وهما طرفي الهبة، من بلوغ وعقل وقصد واختيار كشروط عامة. ثم عن الشروط الخاصة بالواهب كالملك وعدم الحجر عليه بسفه أو فلس، وعن صحتها من المريض بمرض الموت إن زادت على الثلث.
وكذلك يبحث فيه عن شروط الموهوب له من كونه قابلاً لتملك العين الموهوبة فلا تصح هبة المصحف للكافر على رأي، وعن صحة قبول الولي عن المولى عليه.
أما في شروط الموهوب فمن مثل كونه عيناً، فلا تصح هبة المنفعة ولا هبة الدين إلا إلى المديون، والقبض فلو لم يحصل مثلاً ومات الواهب بطل.
وأخيراً يبحث عن جواز الرجوع في الهبة مع بقاء العين إلاّ إذا أعطيت لذي رحم وهل يشمل ذلك الزوجين؟
24 ـ كتاب الوقف
الوقف لغة مصدر من وقف: دام قائماً وسكن، وشرعاً تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة واستدلوا عليه من الكتاب في قوله تعالى: {وافعلوا الخير}([675]) {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم}([676]) وفي الحديث قال جابر: «لم يكن أحد من الصحابة ذو مقدرة إلا وقف» وفي الحديث النبوي «حبس الأصل وسبل الثمرة»([677]) والبحث في هذا الكتاب عن انقسامه إلى وقف عام على مصالح المسلمين أو وقف خاصة كالوقف على الذرية واعتبار القبول من الموقوف عليهم في الأخير.
ومن مسائله أيضاً شروط الوقف كالدوام وعدم التوقيت، وصحة الوقف على جهة مع شرط العودة إليه، والتنجيز وإخراج نفسه من الفائدة.
وأيضاً ما يعتبر في الواقف من شروط عامة، وما يعتبر في الموقوف من كونه عيناً مملوكة، قابلة للانتفاع ولو بعد حين، وكون هذه العين باقية مع المنفعة.
وأيضاً يبحث فيه عن ما يعتبر في الموقوف عليه من وجود المصداق العام في الوقف العام، وكذلك وجود بعض الذرية كمثال الخاص الذي أشرنا إليه.
وعن تعيين متولي لرعاية الوقف، وعن جواز بيع ونقل الأوقاف الخاصة والعامة وشروطها.
25 ـ كتاب الحبس
الحبس لغة الإمساك، وشرعاً بمعنى الوقف باختلاف يظهر في تفصيله، ويتفرع عليه السكنى وهو تسليط أحد على سكنى دار فلو جعله مقدَّراً بعمر أحدهما سمي العمري أو لمدة سنة أو سنتين سمي الرقبي.
ويبحث في كتاب الحبس عن جواز حبس الملك على كل ما يصح الوقف عليه، وإمكانية الإطلاق فيه على الدوام، أو جعل أجل له، وعن كون الإطلاق مؤدياً إلى لزوم الحبس، وعن انقضائه في المؤجل بانتهاء الأجل وصيروته إلى الجواز بعده.
وفي السكنى يبحث عن العقد بين المالك والساكن وشروطه من قبض وغيره. وعن حكمه وعن مسائل متعلقة بالساكن وحقوقه في المنفعة.
26 ـ كتاب الصدقة
الصدقة لغة العطية، وشرعاً هي التطوع بتمليك العين للغير بغير عوض دنيوي بل رجاء مثوبة، قال تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعماً هي}([678])، وفي الحديث الشريف: «إن الله تعالى ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة والحرق والغرق والهدم والجنون إلى أن عدَّ سبعين باباً من السوء»([679]) ويبحث فيه عن استحبابها وكراهة رد السائل أو حرمته. وعن ما يعتبر فيها من: قصد القربى فإنها ليست عقداً لفظياً وعن ما يشترط فيها من إقباض وقبض وعدم صحة الرجوع فيها مطلقاً.
وعن جوازها بين الهاشميين وصحتها فيما عداهما من غير الهاشمي عليه في المندوبة، وعدم صحتها في المفروضة كالزكاة والفطرة.
27 ـ كتاب الإيمان
الإيمان لغة جميع يمين وهو القسم أو الحلف، واليمين شرعاً أحد ثلاثة: يمين التأكيد، يمين المناشدة، يمين العقد، قال تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم}([680])، وفي الحديث: «يا معشر السماسرة أقلّوا الإيمان فإنها منفقة للسلعة ممحقة للربح»([681]).
ويبحث في هذا الكتاب عن تقسيم اليمين وحكمه.
وإن الأولين ليس فيهما شيء إلا إثم الكذب في الأول وكراهة رد السائل في الثاني، وأن الثالث الواقع في المستقبل هو المنعقد منها ويبحث فيه عن وجوب الوفاء به وحرمة الحنث وما يترتب عليه.
وعن كيفية اليمين وانعقاده باللفظ وكون المقسم به هو الله عزّ وجلّ إما باسم العلم (الله) أو ما لا ينصرف إلا إليه.
وعن جوازه بغير العربية.
وعن شروط الحالف من بلوغ وعقل واختيار وقصد وانتفاء الحجر في متعلقه.
وعن موانع الانعقاد كتعليقه على مشيئة الله، أو منع الوالد للولد أو الزوج للزوجة والتفريق فيه بين المنع من الفعل أو الحلف.
وعن موارد انعقاد اليمين كتعلقها بفعل الواجب، والمستحب أو ترك الحرام والمكروه أو كونه مباحاً أو مقدوراً.
وعن كفارة الحنث بالمخالفة العمدية، وعن كون هذه الكفارة مرتبة بين عتق الرقبة وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو صوم ثلاثة أيام.
28 ـ النذر
النذر لغة هو الوعد، وشرعاً الالتزام بفعل أو ترك قربة إلى الله تعالى على نحو مخصوص قال تعالى: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار}([682]).
ويبحث في هذا الكتاب عن لزوم الصيغة المفيدة جعل فعل أو ترك على ذمة المكلف لله تعالى، وعن انقسام النذر إلى نذر بر ونذر زجر، ونذر تطوع، وعن شروط الناذر العامة مضافاً إلى عدم الحجر وإذن الزوج للزوجة.
وعن شروط متعلق النذر في كونه مقدوراً، يصح التقرب به إلى الله، مباحاً. وعن العجز عن الوفاء والحنث بالنذر وكفارته الخ…
29 ـ كتاب العهد
لغة الوصية ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة وشرعاً هو التزام كالنذر قال تعالى: {واوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً}([683])، {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}([684]). وفي الحديث: «…عاهدت الله أن لا تطيعه؟ والله لئن لم تطعه لتعصينه»([685]).
ويبحث فيه عن الصيغة وعن وقوعه مطلقاً ومعلقاً وعن وجوب الوفاء به، وعن كفارة تركه.
30 ـ كتاب الكفَّارات
الكفارة لغة فعالة من الكفر وهي التغطية ونقلت في الشرع بصورة خاصة للتغطية على ذنوب معينة.
قال تعالى: {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}([686]). وقال تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله}([687]). وقال تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ([688])}. وفي الحديث: «من لم يقدر على ما يكفّر به ذنوبه فليكثر من الصلاة على محمد وآل محمد فإنها تهدم الذنوب هدماً»([689]).
ويبحث فيه عن انقسامها إلى أربعة أقسام مرتبة ومخيَّرة وما اجتمع فيه الأمران وكفارة الجمع. وعن أحكام الكفارات وما يعتبر فيها، وعن كون وجوبها موسع ما لم يؤد إلى حد التهاون.
وعن جواز التوكيل في الكفارات المالية وعن كونها بحكم الديون في المالية وعن حكم البدنية منها.
31 ـ كتاب الصيد والذباحة
الصيد: لغة هو الحيوان الممتنع وليس له مالك، وشرعاً هو تذكية للحيوان ليحل أكله مثلما يذكى بعض الحيوان بالذبح.
قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه}([690]). وقال تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب}([691]).
ويبحث فيه عن انقسامه إلى الصيد بالحيوان المعلم أو بالآلة.
وعن شروط حلية صيد الكلب المعلم والصيد بالآلة وكونها من القاطعة. وعن صيد السمك واشتراط خروجه من الماء حياً أو غيره وعن صيد الجراد وشرط أخذه حياً.
الذباحة: الذَبْح لغة الشق وبالكسر المذبوح وشرعاً شق في الحيوان على نحو مخصوص ليذكو ويحل أكله.
قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}([692]). وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام في الذبيحة قال: «إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الإذن فهو ذكي»([693]).
ويبحث فيه عن ما يشترط في الذابح كالإسلام والتسمية وما لا يعتبر فيه كالإيمان والبلوغ والذكورة.
وعن اشتراط الاستقبال في الذبيحة.
وعن الواجبات في الذبح كقطع الحلقوم والمريء والودجان وصدور حركة من الذبيحة.
وعن امتياز الإبل بالنحر وهو إدخال سكين أو رمح في لُبته بين أصل العنق والصدر.
وعن آلة الذبح وعدم جواز كونها من غير الحديد اختياراً وعن ذكاة جنين الحيوان التام الخلقة المشعر أو الموبر، وأنها بذكاة أمه.
32 ـ كتاب الأطعمة والأشربة
لغة هي كل ما يؤكل أو يشرب، وشرعاً هي غير ما حُرم منها.
قال تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً}([694])، {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا}([695]) وفي الحديث: «فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب»([696]).
ويبحث فيه عن محلل الطير والسمك والبهائم البرية، وعن ما به يتميز محلل الطير من محرمه، والسمك، والحيوانات في البرية وعن الحيوان الجلاَّل المتغذي بالعذرة وحرمة أكله حتى ترتفع.
33 ـ كتاب الغصب
الغصب لغة هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، وشرعاً هو كذلك.
قال تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}([697]) وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل}([698]).
وفي الحديث: «الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها»([699]).
ويبحث فيه عن انقسامه إلى غصب عين مع المنفعة، وغصب عين بلا منفعة، وغصب منفعة مجردة، وغصب حق مالي متعلق بعين، وعن أحكامه وانقسامها إلى تكليفية ووضعية.
34 ـ كتاب إحياء الموات والمشتركات
الموات لغة هي الأرض العطلة التي لا ينتفع بها.
وفي الحديث: «وللإمام… رؤوس الجبال… وكل أرض ميتة لا رب لها»([700]).
«إن المسلمين شركاء في الماء والنار والكلأ»([701]).
ويبحث فيه عن انقسام الأرض الموات إلى: موات بالأصل وموات بالعارض. وعن كون الأول للإمام وعن جواز إحيائه لكل واحد في زمن الغيبة بشروط. وإن الموات بالعارض تنقسم إلى ما باد أهلها وحكمها وإلى ما عدت مجهولة المالك وحكمها.
المشتركات: وهي الطرق والشوارع والمساجد والمدارس والرباطات والمياه والمعادن ويبحث فيه عن أحكامها.
35 ـ كتاب اللقطة
اللقطة لغة ما يلتقطه الإنسان وشرعاً ما يلتقطه الإنسان، في الطريق من مال ضائع ولا يد عليه. قال تعالى: {فالتقطه آل فرعون}([702]) {وألقوه في غيابات الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين}([703])، وفي الحديث عنها: «لا تعرض لها، فإن الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتى يأخذها»([704]).
ويبحث فيه عن انقسامها إلى حيوان وغير حيوان، وعن الحكم في الحيوان وجواز أخذه في العمران وعدمه وضمانه في العمران ووجوب الفحص.
وعن ما يدخل دار الإنسان وعدِّه من اللقطة أو مجهول المالك كالدجاج والحمام.
وعن الحيوان في غير العمران يحفظ نفسه بمأكل ومشرب، وعن غير الحيوان وحكمه.
وعن لقطة الحَرَم وحكمها.
36 ـ كتاب النكاح
النكاح لغة هو الوطء وقيل هو العقد وأنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني وشرعاً هو العقد. وغلب استعماله في الشرع كذلك حتى قيل إنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطء إلا قوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره}([705]) والآيات فيه كثيرة، وفي الحديث الشريف لرجل استأمره في النكاح: «نعم انكح وعليك بذات الدين تربت يداك»([706]).
ويبحث فيه عن انقسامه إلى دائم ومنقطع. وعن صيغة العقد قبولاً وإيجاباً وعن أولياء العقود. وعن أسباب التحريم. وعن العيوب الموجبة لخيار الفسخ في الرجل والمرأة، وعن المهر، وعن حقوق الزوجية. وعن أحكام الأولاد ونسبهم وعن النشوز والشقاق والنفقات.
37 ـ كتاب الطلاق
الطلاق لغة بمعنى الترك من قولهم طلقت القوم إذا تركتهم، وشرعاً اسم لإزالة قيد النكاح بغير عوض بصيغة طالق قال تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}([707])، وقال تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}([708]).
وفي الحديث: «لا طلاق على السنَّة وعلى طهر من غير جماع إلاّ ببيّنة»([709]) ويبحث فيه عن شروط في الزوج والزوجة وعن صيغته وعن انقسامه إلى بدعي وسني وحكمهما وعن انقسامه إلى بائن ورجعي. وعن العدة وأحكامها في الحالات المختلفة.
38 ـ كتاب الخلع والمباراة
الخلع لغة بالضم من خلع الرجل امرأته خلعاً طلقها على عرض تبذله له، وهو استعارة من خلع اللباس لأن كل واحد منهما لباس للآخر وإذا فعلا نزعا.
وبارى الرجل امرأته إذا فارقها والمباراة مفاعلة لإسقاط الحق وإعطاء البراءة من الطرفين. والقول بأنهما كانا معروفين في الجاهلية أم أنهما مصطلحان شرعيان يحتاج إلى تدقيق.
قال تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}([710]) وفي الحديث عن عدة المختلعة قال أبو جعفر عليه السلام: «عدة المطلقة ولتعتد في بيتها والمبارئة بمنزلة المختلعة»([711]) ويبحث فيه عن الفرق بينهما.
وعن كونه من الإيقاعات أو العقود لاحتياجه إلى طرفين وإنشاءين.
39 ـ كتاب الظهار
الظهار لغة الركوب على الظهر، وشرعاً تشبيه الزوج المكلف، المرأة بظهر محرمة أبدية وقد كان من طلاق الجاهلية وموجباً عندهم للحرمة الأبدية وقد غيره شرع الله قال تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا}([712]) وفي الحديث: «إن أوس بن الصامت كان أول رجل ظاهر في الإسلام من امرأته، فقال لها لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسأليه عن ذلك فجاءت المرأة فأخبرته، فأنزل الله عزّ وجلّ: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها… الحديث»([713]).
ويبحث فيه عن صيغته وشروطه في الزوج والزوجة وعن حكمه وكفارته ورفع أمر المرأة إلى الحاكم.
40 ـ كتاب الإيلاء
الإيلاء لغة مصدر آلى يولي إذا مطلقاً، وشرعاً الحلف على ترك وطء الزوجة الدائمة.
قال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم}([714]).
وفي الحديث الشريف عن رجل آلى من امرأته قال: «يوقف فإن عزم الطلاق بانت منه وعليها عدة المطلقة وإلا كفَّر عن يمينه وأمسكها»([715]).
ويبحث فيه عن الشروط المتعلقة بالزوجة وعن الحلف على ترك الوطء دائماً أو زمناً أكثر من أربعة أشهر وعن قصد الأضرار.
وعن صيغته وحكمه من رفع الأمر إلى الحاكم والإجبار على الرجوع أو الطلاق وعن جواز الحنث بهذا اليمين.
41 ـ كتاب اللعان
الملاعنة المباهلة واللعان في اللغة الطرد والبعد وشرعاً المباهلة بين الزوجين في إزالة حد أو نفي ولا بلفظ مخصوص.
قال تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين}([716])، وفي الحديث: «إن أول من لاعن عويمر بن الحارث بعد غزوة تبوك»([717]).
ويبحث فيه عن شروط تشريع اللعان كرمي الزوجة بالزنا أو نفي ولده المولود على فراشه.
وعن شروط رمي الزوجة بالزنا وشروط دفع وَلَديه من ولد في فراشه. وعن انعقاد اللعان عند الحاكم الشرعي وعن صورته المفترضة وعن أحكامه.
42 ـ كتاب المواريث
جمع ميراث وهو لغة ما يستحقه الإنسان ويدخل في ملكه، وشرعاً ما يستحقه بموجب من نسب أو سبب، قال تعالى: {ولكل جعلنا مولى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم}([718]).
وفي الحديث الشريف عن رسول الله: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ومن ترك مالاً فللوارث ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ وعليَّ»([719]).
ويبحث فيه عن موجبات الإرث وانقسامها إلى نسبية وسببية وعن سهامه.
وعن موانع الإرث وانقسامها إلى موانع الإرث وموانع بعضه أو ما يوجب حجب النقصان.
وعن العول وهو قصور التركة عن سهام ذوي الفروض وعن التعصيب وأحكامه.
43 ـ كتاب القضاء
لغة هو الحكم بين الناس، وشرعاً هو حكم من له أهلية القضاء المفترضة شرعاً. قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}([720]) وفي الحديث: «أي قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء»([721]).
ويبحث فيه عن صفات القاضي ووظيفته وعن شروط سماع الدعوى المتعلقة بالمدعي، وعن جواب المدعى عليه، وعن أحكام الحلف واليد، وعن حكم القاضي، وعن أحكام المقاصة، وعن حرمة الترافع إلى قضاة الجور، ومن أخذ الرشوة وغير ذلك من المسائل.
44 ـ كتاب الشهادات
الشهادة لغة خبر قاطع، وشرعاً إبلاغ عن علم.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}([722]).
وقال تعالى: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون}([723]).
وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر دم امرىء مسلم أو ليزوي بها مال امرىء مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه ظلمة مد البصر، ومن شهد شهادة حق ليحيى بها حق امرىء مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نور مد البصر»([724]).
ويبحث فيه عن صفات الشهود وعن ضابط الشهادة وكونها بالعلم القطعي واليقين أو من أمور غير عادية.
وعن عدد الشهود المطلوب بحسب الحقوق. وعن القول في الشهادة على الشهادة وشهادة الفروع على الأصول.
45 ـ كتاب الحدود والتعزيرات
الحد لغة هو الذنب وشرعاً العقوبة على ذنوب مخصوصة قال الله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها}([725]).
وفي الحديث الشريف: «حد يقام لله في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحاً»([726]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام في جواب حماد بن عثمان لما سأله التعزير كم هو؟ «قال دون الحد»([727]).
والتعزير لغة هو التأديب، وشرعاً عقوبة يوقعها الحاكم الشرعي دون الحد في جرائم غير منصوص على عقوبتها.
ويبحث في هذا الكتاب عن عدد الحدود وبيان الموجب وما يثبت به الحد وكيفية إيقاعه، تعريف الزنا واللواط والسحق والقيادة والقذف وسب النبي، المسكر، السرقة، المحارب، وسائر العقوبات كما في الارتداد ووطء البهيمة والميت وأحكام أهل الذمة فيها وعن كيفية إقامة الحد أو التعزير.
46 ـ كتاب القصاص
القصاص لغة هو اسم للاستيفاء والمجازاة وأصله اقتفاء الأثر، وشرعاً أن يفعل المقتص بالجاني مثل جنايته من قتل أو طعن أو ضرب أو جرح.
قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}([728]) {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص}([729]). وفي الحديث: «أيها الناس أحيوا القصاص وأحيوا الحق لصاحب الحق»([730]).
ويبحث فيه عن قصاص النفس وما دونها وعن شرائط القصاص.
وفي ما يثبت به القصاص وعن استيفاء القصاص وعن الأعضاء التي يثبت فيها قصاص ما دون النفس كالأذن والعين وعن ثبوت الدية في موارد تعذر المماثلة والمساواة.
47 ـ كتاب الديات
الدية لغة هي المال الواجب بالجناية المؤدية إلى إتلاف النفس أو ما دونها وقد قررها الشرع في صور خاصة، ويسمى غير المقرر في الشرع بالأرش، والحكومة والمقرر بالدية.
قال تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله}([731]) وفي الحديث: «إن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات أن ديته من بيت مال المسلمين»([732]).
ويبحث فيه عن موارد وجوبها أو المصالحة عليها وعن دية المرأة والذمي والذمية، وعن دية الأعضاء: المقدر وما لا تقدير فيه شرعاً.
المصطلحات الفقهية
من البديهيات أن لكل علم مفرداته واصطلاحاته ولهذا العلم جانبان من المصطلحات التي يمكن وصفها بالفقهية اليوم:
الأول: منها ما كان مصطلحاً علمياً.
والثاني: منها ما كان لفظاً مستعملاً في معنى أخذ مع الإسلام والحديث الشريف معنى شرعياً خاصاً، أو أنه لفظ بقي على معناه اللغوي حتى في القرآن الكريم أو الحديث الشريف لكن الفقهاء يوردونه في متونهم وهو اليوم لفظ غريب فيحتاج إلى توضيح.
المصطلحات العلمية
يحسب ما أورده السيد الصدر في تأسيسه يكون ابن الجنيد المعاصر للشيخ الكليني أي أوائل الغيبة الكبرى أول من أسس المصطلحات العلمية.
قال السيد الصدر:
«ابن الجنيد، كتب في الفروع الفقهية وعقد لها الأبواب وقسم فيها المسائل، وجمع بين النظائر، واستوفى ذلك غاية الاستيفاء، وذكر الفروع التي ذكرها الناس، وذكر بعدها ما يقتضيه مذهب الإمامية بعد أن ذكر أصول جميع المسائل وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً اقتنع فيه بمجرد ذكر الفتيا وإن كانت المسألة أو الفرع غريباً أو مشكلاً أومأ إلى تعليلها، ووجه دليلها وإذا كانت المسألة أو الفرع مما فيه أقوال العلماء ذكرها وبين عللها والصحيح منها والأصح والقوى والأقوى والظاهر والأظهر والأشبه ونبه على جهة دليلها.
صنف كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة»…([733]).
ثم تابعه المحقق الحلي في استعمال المصطلحات وابتكار بعضها، يقول المقداد السيوري شارحاً «المختصر النافع» اصطلح المصنف في كتابه على عبارات نذكر تفسيرها»([734]) مما يفيد عدم كونها مشهورة قبله.
الفائدة الأولى في شرح المصطلحات العلمية
1 ـ الأشهر: ما كان من بين الروايات أكثر شهرة.
2 ـ الظاهر: ما كان من الفتاوى كذلك.
3 ـ الأظهر: ما كان من بين الفتاوى كذلك.
4 ـ الأقوى: ما كان بنظر صاحب الرسالة كذلك.
5 ـ لا يخلو من القوة: ما كان بنظر صاحب الرسالة كذلك.
6 ـ الأشبه: الذي تدل عليه أصول المذهب من العمومات أو الإطلاقات في الأدلة.
7 ـ الأنسب: يرادف الأشبه.
8 ـ فيه تردد: في الأماكن التي يتعارض فيها دليلان من غير حصول مرجّح.
9 ـ الفتوى: بيان الحكم بشكل عام بغض النظر عن تطبيقه على مصاديقه.
10 ـ على قول: أي لم يجد له دليلاً.
11 ـ قصد القربى: أن ينوي التقرب بالعمل إلى الله تعالى.
12 ـ قصد الوجه: قصد عنوان الحكم الخاص للعمل مثل قصد وجوب الصلاة الواجبة وقصد استحباب صلاة الليل.
13 ـ قول مشهور: أي بين الفقهاء ولم يجد له دليلاً.
14 ـ قضاء: الحكم في القضايا الشخصية مورد الدعاوى والمراجعة.
15 ـ حكم الحاكم: أمر الفقيه أو ولي الأمر الفقيه في القضايا المشخصة.
16 ـ الحكم بالعنوان الثانوي: هو الصادر عن الحاكم الشرعي أو ولي الأمر الفقيه بالنظر إلى مصالح المجتمع أو الضرورة أو لدفع الضرر والحرج (فيغير الحكم بلحاظها).
17 ـ الأصح: ما يحتمل عند الفقيه.
18 ـ الأكثر: أي القائل به أكثر.
19 ـ الواجب واللازم: في الأماكن التي يستفيد الفقيه الحكم من الآيات والروايات بحيث يمكنه نسبة الحكم إلى الشارع يعبر بالواجب، أما في الأماكن التي يستفيد الحكم فيها من غير الآيات والروايات مثل العقل ولا يمكنه نسبة الحكم إلى الشارع فيعبر باللازم.
20 ـ الواجب: شرعاً ما يلزم الإتيان به وتركه معصية.
21 ـ الأصلي (النفسي): الواجب الذي له أصالته في الوجوب كالصلاة.
. التَبَعيّ (الغيري): الواجب الذي صار واجباً لأجل واجب آخر، كغسل الجنابة لأداء الصلاة.
. التَعَبُّدي: الواجب الذي يعتبر فيه قصد القربى (كالعبادات).
. التَوَصُّلي: الواجب الذي لا يعتبر فيه قصد القربى (كأداء الدين).
. التَخْييري: الواجب الذي يتردد الوجوب بينه وبين غيره المعادل كأقسام كفارة الأفطار المخيَّرة (صوم 60 يوماً، إطعام 60 مسكيناً، عتق رقبة).
. التَعْييني: الواجب الذي تعلق به الوجوب بنفسه كالصوم دون وجود واجب يعادله..
. الفوري: ما لا يجوز تأخيره عن أول أزمنة إمكانه كإزالة النجاسة عن المسجد.
. غير الفوري: ما يجوز تأخيره كالصلاة على الميت.
. الكِفائي: الواجب الذي لو قام به البعض بحد الكفاية سقط عن الآخرين (كغسل الميت).
. العَيْنيّ: الواجب على كل فرد (كالصلاة) ولا يسقط بأداء الغير.
. المُعَلَّق: الواجب الذي حل وجوبه ولم يحن وقت أدائه كالحج قبل حلول الموسم.
. المُنَجَّز: الواجب الذي يتحد فيه زمان الوجوب والأداء (كالصوم).
. المشروط: الواجب الذي يشترط فيه شيء خارج عنه كالحج يجب عند الاستطاعة.
. المُطْلَق: الواجب الذي لا يشترط فيه شيء خارج عنه وإن توقف وجوده عليه. كالصلاة المتوقفة على الطهارة.
المُوَسَّع: الواجب الذي يكون وقت أدائه واسعاً (كصلاة الظهر).
. المُضَيَّق: الواجب الذي يستوعب وقته (كالصوم في يوم رمضان).
21 ـ المستحب: ما يكون فعله راجحاً ومرغوباً، وتركه ليس معصية.
22 ـ المكروه: ما يكون فعله مرجوحاً وتركه راجحاً ولا إثم في فعله.
23 ـ الحرام: ما يكون فعله معصية ويجب تركه.
24 ـ المباح: ما يتساوى فعله وتركه.
25 ـ الاحتياط: امتثال التكليف بوجه يحصل معه الجزم ببراءة الذمة.
26 ـ الاحتياط الاستحبابي: هو العمل الذي يثاب الإنسان على فعله ولا يعاقب على تركه وهو المسبوق أو الملحوق بالفتوى.
27 ـ الأحوط.
28 ـ الأقوى.
29 ـ الأولى.
هذه الثلاثة إذا وردت بعد الفتوى أو قبلها وكانت على خلافها فبمعنى الاحتياط الاستحبابي.
الأولى: ترجيح أحد القولين أو الاحتمالين على الآخر بوجه ما.
30 ـ الأحوط: إذا جاءت في مقام الفتوى مستقلة بمعنى عدم الفتوى معها فتعني الاحتياط الوجوبي وكذلك إذا لم تختلف مع الفتوى.
31 ـ الاحتياط اللزومي: ما كان لزومه غير مستفاد من الآيات والروايات.
32 ـ الاحتياط الوجوبي: ما كان وجوبه مستفاداً من الآيات والروايات وفي مقام العمل لا يختلف عن الاحتياط اللزومي بأن يجب إما العمل به، أو الرجوع إلى فتوى مجتهد آخر يلي صاحب الرسالة في الأعلمية.
33 ـ محل إشكال: في الموارد التي يشكل صحتها وتمامها فالمقلد يستطيع فيها الرجوع إلى آخرين.
34 ـ محل تأمل: يجب الاحتياط والمقلد يستطيع الرجوع فيها إلى الغير.
الفائدة الثانية ـ أ ـ
ابْنُ السبيل: المسافر الذي انقطعت به الحيل في السفر.
إجارة: تمليك المنفعة بعوض.
إحياء الأرض: كأن يقوم شخص بزراعة أرض أو البناء عليها فهو بهذا يعد أرضاً كانت ميتة. للاستفادة منها.
أرْباب الخمس: من يمكنهم الاستفادة من الخمس.
اِشْتِمالُ الصمَّاء: أن يدخل الثوب تحت الجناح ويجعله على مكب واحد.
أشنان: نبات ذو رائحة طيبة يجعل في الثياب.
الأجْزاء والشَرائِط: كل شيء كان انعدامه مضراً بالنسبة لشيء ما يعد جزءاً له، وكل أمر كان انعدامه مُغَيِّراً الصفة أو الحالة المطلوبة في الشيء، يعدّ شرطاً له.
الاحْتِلام: من علامات الوصول إلى مرحلة البلوغ.
الأحكام الخمسة: الوجوب، الاستحباب، الكراهة، الحرمة، الإباحة.
الإخطار: الإعلام.
الأذْخر: نبات في مكة يتطيب به.
الاستبراء: السعي لتحقيق الطهارة وعدم التلوث ويستعمل في:
1 ـ الاستبراء من البول.
2 ـ الاستبراء من المني: أي البول بعد خروج المني للتأكد من عدم وجود بقايا المني في المجرى.
3 ـ استبراء الحيوان الآكل لنجاسة الإنسان: بمعنى منعه من أكلها.
الاستحاضة: اسم لأحد الأنواع الثلاثة من الدم الذي تراه المرأة، وهذا الدم إن كان زائداً سمي استحاضة كثيرة، وإن قل سمي استحاضة قليلة وإن كان متوسط المقدار سمي استحاضة متوسطة، وعلامات هذه الأقسام ومقاديرها مبينة في الرسائل العملية.
الاستحالة: تحول الشيء من حالة إلى أخرى بالنحو الذي يعد شيئاً آخر. كأن تحترق الخشبة فتصبح رماداً.
الاسترباح: طلب الربح والفائدة.
الاسْتِحطاط: أي الحط في الثمن وهو الإنقاص.
الإستطاعة: القدرة على القيام بفريضة الحج من حيث البدن، والمال وغيرها.
الاستفتاء: طلب الفتوى لمعرفة رأي المجتهد في مسألة ما.
الاستمناء: القيام بعمل يؤدي إلى خروج المني.
الاستنجاء: من النجو: تطهير مخرج الغائط.
الاسناد: ذكر أسماء الرجال الذين يروون الحديث.
الاعتكاف: اللبث في المسجد على وجه خاص.
الإفضاء: الانفتاح. بمعنى صيرورة مجرى البول والحيض، أو مجرى الحيض، ومجرى الغائط أو جميعها مجرى واحداً.
الإقرار: الإخبار الجازم بحق على المخبر.
الاقط: هو اللبن المجفف المقطع.
الإقعاء: الجلوس كجلوس الكلب.
الأمانة: ما يؤتمن عليه الإنسان.
الأموال المحترمة: الأموال التي يحترم الشرع الإسلامي ملكيتها.
الأمور الحسبية: أعمال من قبيل رعاية أموال اليتامى. ويجب أن يتصدى لها المجتهد العادل.
الانعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم (الضأن والماعز سواء).
الأنفحة: كرش الحمل والجدي ما لم يأكل فإن أكل فهو كرشة.
الإنقلاب: التحول ومنه انقلاب الخمر إلى خل.
الإيقاع: كل قرار يتم من طرف واحد ولا يحتاج للقبول كالطلاق.
آلات اللهو: الأدوات التي تستعمل في اللهو كالناي والمزمار وغيرهما.
أهلُ الكتاب: غير المسلمين ممن يتبعون أحد الأنبياء ولهم كتب سماوية كاليهود والنصارى.
الإيلاء: الحلف على ترك مقاربة الزوجة.
آية: هي حدث كوني كالزلازل موجب لصلاة الآيات.
ـ ب ـ
البِئْر: حفرة في الأرض تجمع فيها المياه.
البَائنْ: المطلقة غير الرجعية.
البَاغي: المعتدي على الإمام.
البِدْعة: الإتيان بشيء جديد وإدخاله في الأحكام الإلهية مع كونه ليس منها.
البَدَنة: واحدة الإبل.
البَرَاءة: خلو الذمة من التكليف أو الدين، وبراءة الرحم: خلوه من الولد.
بَرْشا: منقطة بسواد وهي صفة حجارة الرجم.
البُضاع: البُضْع: الجماع.
البُعْصُوص: عجب الذنب (العصعوص).
بَقَّم: نبات صبغي.
البُلُوغ: اكتمال العلامات الجسدية الرافعة للصغر والموجبة للتكليف بالأحكام.
بنت مخاض: من الإبل، التي دخلت في الثانية.
البَوَاري: ج بارية، الحصيرة من خوص القصب.
البيتُ الحرَامُ: الكعبة.
بيتُ الطاعة: منزل الزوجية المقرر من القاضي.
البيت العتيق: الكعبة.
البَيْتُوتة: الإقامة ليلاً.
البَيع: إعطاء المُثمن وأخذ الثمن.
بيعُ المثل بالمثل: مبادلة شيئين من جنس واحد ببعضهما كبيع الحنطة بالحنطة.
ـ ت ـ
تَبْعيض: أخذ بعض الأحكام من مجتهد والبعض الآخر من غيره.
التبيع: من البقر ما دخل في العام الثاني.
التثويب: قول الصلاة خير من النوم.
التجارة: عقد معاوضة.
التجافي: حالة بين القعود والقيام، وصورتها جعل الركبتين وباطن الكفين على الأرض.
التجمير: وضع العود على الجمر.
التحفظ: وضع ما يحفظ من سريان النجاسة.
التخلي: إفراغ السبيلين.
تخلية السرب: أمان الطريق إلى الحج.
التخليل: إيصال الماء إلى ما بين الأصابع أو إلى بشرة الوجه التي يعلوها الشعر الخفيف.
التّخميس: إخراج الخمس.
التذكية: الأسلوب الشرعي لتحليل أكل الحيوان أو الطير أو السمك.
تربيع الجنازة: حملها من مقدمها الأيمن أولاً ثم مؤخرها الأيمن فمؤخرها الأيسر ثم مقدمها الأيسر.
التزريق: إدخال الدواء بالإبرة.
التسبيحات الأربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر.
تسبيح الزهراء عليها السلام: التكبير 34 مرة، والحمد لله 33 مرة وسبحان الله 33 مرة.
تسميت العاطس: قولك له يرحمك الله.
التَسْمية: التلفظ باسم الله.
تصعيد: التقطير.
تعزير: العقوبة بما دون الحد.
تعفير: وضع الجبهة على المسجد.
التقاصّ: المقاصة، أخذ مال المدين في قبال ما عليه من دين.
التقْليد: التبعية لآراء المجتهد (العمل طبق فتواه).
التَقَيُّؤ: إخراج القيء اختياراً أو اضطراراً.
تكبيرةُ الإحرام: التكبيرة التي تفتتح بها الصلاة.
التكفير: وضع إحدى اليدين على الأخرى في القراءة الواجبة في الصلاة.
التلقيح: إدخال نطفة الرجل. بوسيلة ما كالإبرة وغيرها إلى رحم المرأة.
التملك بضمان: كأن يستقرض إنسان مبلغاً فإنه يتملكه ضامناً أداءه، ويجري في اللقطة وغيرها.
تنزيل الكُمبيالة: معاوضة الكمبيالة بمبلغ أقل من قيمتها.
تورّك: وضع الوركين على الرجلين.
التولية: تولية الغير بالعمل مقابل المباشرة، والبيع برأس المال دون ربح أو خسارة.
تيمُّم الجبيرة: تيمم الشخص الذي وضعت على محال التيمم منه جبيرة.
التيمم: الطهارة الترابية.
ـ ث ـ
الثَغْر: الحدود مع العدو.
الثِقَة: المؤتمن.
الثَمَر: نتاج الأشجار.
الثَنَايا: إحدى الأسنان الأربع في مقدمة الفم.
الثنيّ: من الماعز ما تم له سنتان.
الثيِّب: من النساء، من أزيلت بكارتها بنكاح، وقيل من عقد عليها ولم يدخل بها ونوقش في التي زالت من دون نكاح، أو بالزنا اختياراً أو بالاغتصاب.
ـ ج ـ
الجارح: كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير.
الجارِحَة: اليد والرجل.
الجارِية: الأمة مطلقاً. والبنت دون البلوغ.
الجَاعِل: من يتعهد بشيء لمن يؤدي له شيئاً.
الجَاهِل: القاصر: الجاهل غير المقصر كالذي يعيش ظروفاً لا تدعه يعرف معها حكم الله، أو ربما لا يتصور نفسه جاهلاً.
الجَبْ: قطع العضو التناسلي في الذكر.
الجبيرة: الدواء الذي يوضع على محل الجرح، أو القماش الذي يلف على محل الجرح والكسر.
الجَذْع من الضأن: ما تم له سنة.
الجَذَعة: ما دخلت في الخامسة من الإبل.
الجزء الأخير من العلة التامة: عدم المانع بناءً على أنها مقتضي وشرط وعدم مانع.
الجِزْيَة: ما يفرضه الحاكم على غير المسلمين في الدولة الإسلامية.
الجَصْ: (الجفصين) الكلس.
الجُعَالة: عقد يلتزم فيه الشخص لمن يقوم بأداء عمل ما بدفع بدل معيَّن له، كأن يقول: من يعثر على ضالتي أعطيه عشرة دنانير، ويسمى هذا بالجاعل ومن يقوم بأداء العمل بـ (العامل). والمدفوع مقابل العمل: الجعل.
الجَلاَّل: الحيوان الذي اعتاد الأكل من نجاسة الإنسان.
الجِمار والجمرات: الحصى.
الجُنُب: الإنسان في حالة الجنابة.
الجهاد: بذل المال والنفس لإعلاء كلمة الإسلام.
الجهر: رفع الصوت.
الجوَازَ: التخيير ويقابل اللزوم.
ـ ح ـ
الحَائض: المرأة في عادتها الشهرية.
الحائل: مقابل الحامل.
الحاجب: الشعر المعروف فوق العين، ومن يمنع من الإرث، المانع من وصول الماء إلى البشرة وغيره.
الحاكم الشرعي: المجتهد الذي يَنْفذ حكمه طبق الموازين الشرعية.
الحالُّ: مقابل المؤجَّل، المستحق للأداء.
الحَبْرَة: ثوب يمني.
الحبس: الوقف.
الحج: زيارة بيت الله الحرام وأداء المناسك في أيام الحج.
الحج النيابي: القيام بالحج نيابة عن الغير.
الحَجْر: المنع من نفوذ التصرف في العقود مالية وغيرها.
الحد: عقوبة محددة من الله في ذنوب مخصوصة.
حَدُّ الترخص: حد من المسافة لا يسمع فيه آذان محل الإقامة، ولا ترى فيه الجدران.
الحَدَث الأصغر: كل أمر يوجب الوضوء: كالبول والغائط والريح والنوم…
الحدث الأكبر: كل أمر يوجب الغسل للصلاة كالاحتلام والجماع والحيض.
الحَذْف: النقف بظفر السبابة من على الإبهام.
الحَرْبي: الكافر المحارب أو المنتسب إلى المحاربين من الكفار.
الحَرَج: المشقة والصعوبة.
الحَزْنة: الوعرة.
حُسنُ الظاهر: القيام بما يجب على المسلم والامتناع عن المحرم عليه بمرأى من الناس.
الحَضَر: المكان الذي يحضر فيه الإنسان (الوطن) ويقابله البدو إذ الغالب على أهله السفر.
الحق: مقابل الحكم.
الحِقَّة: ما دخلت في الرابعة من الإبل.
الحُقْنَة: الآلة والدواء الذي يدخل في الدبر.
الحَمْلدَارية: أصحاب القوافل ووسائل النقل العاملون عليها.
الحُنُوط: تلطيخ الجبهة. وكذلك راحتي اليدين، والربكتين ورأسي الإبهامين في رجلي الميت. بالكافور.
الحَوالة: إرجاع الدائن إلى شخص آخر ليستوفي دينه منه.
الحَيْض: العادة الشهرية للمرأة.
ـ خ ـ
الخَابية: إناء خزفي.
الخَبَث: القذارة المادية.
الخِتَان: موضع القطع من الذكر والأنثى.
الخَراءَة: للطير خاصة.
الخَرّ: دابة بحرية ذات أربع ويطلق على الثياب المتخذة من وبرها وقيل على المتخذ من الصوف والحرير.
الخضاب: الصباغة.
الخَطْمي: نبات ذو رائحة جميلة.
الخُفُّ: لباس رقيق للرجلين.
الخَفْض: للجارية بمثابة الختن للصبي.
الخَلْ: عصير العنب المصنوع بطريقة خاصة، (راجع: ذهاب الثلثين).
الخُلْع: الطلاق بعوض تبذله المرأة.
الخليطين: السدر والكافور.
الخلِّية: المرأة غير المتزوجة.
الخُمس: خمس الأرباح وغيرها ويجب دفعه وفق التفصيلات المذكورة في بابه.
الخيَار: اختيار فسخ المعاملة.
الخَيْفُ: مسجد في منى.
ـ د ـ
الدائمة: المرأة التي أصبحت زوجة للرجل بعقد غير مؤقت.
الدائن: صاحب المال المدفوع ديناً لآخر على أن يرده.
دارُ الإسلام: البلاد المحكومة بالإسلام.
دارَ الحَرب: أرض الكفار المحاربين.
دَارُ العَهد: أرض الكفار المتعاهدين مع المسلمين.
دارُ الكُفر: أرض الكفار فيها مسلمون قليلون.
الداعي: الباعث، المحرك.
الدُبُر: المقعد (المخرج).
الدخول: بالزوجة وطؤها.
الدرهم: من الفضة، الشرعي: 4 و2 غرام. الصيرفي: 2 و3 غرام.
الدفاع: المقاومة أمام العدو.
الدفق: الانصباب بقوة.
الدفن: الستر. وشرعاً جعل الميت تحت الأرض بطريقة خاصة.
الدلك: الفرك.
الدِيَاثَة: تمكين الغير من العرض والديوث هو الذي لا يغار على عرضه.
الدِّية: المال الذي يدفع في قبال دم المسلم أو النقص البدني الوارد عليه.
17 ـ الدَيْن: ما صار في الذمة، وهو أعم من القرض.
18. الدينار: من الذهب، الشرعي 3.6 غرام: نصف ليرة عثمانية ذهبية.
ـ ذ ـ
الذبح الشرعي: ذبح الحيوانات مع رعاية الموازين الشرعية.
الذِراع: من طرف المرفق إلى طرف الوسطى.
الذريرة: نوع من الطيب كالغبار.
الذمَّة: العهد.
الذمي: الكافر من أهل الكتاب. مثل اليهود والنصارى. والذي يعيش في بلاد المسلمين وتحميه الدولة الإسلامية في قبال التزامه. بشروط الذمة.
ذهاب الثلثين: تبخر ثلثي ماء العنب والزبيب بالغليان.
الذوْد: ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل.
ذو اليد: الذي بيده شيء يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
ذو النفس: الحيوان له دم سائل.
ـ ر ـ
رِبا القرض: الإضافة التي تشترط ضمن عقد القرض.
ربا الفضل: كبيع القمح بالقمح وزناً بأزورد منه لتفاضلهما في النوعية. ويقال له الربا المعاملي.
ربح السنة: ما يربحه الإنسان خلال سنة.
الرجعيَّة: المطلقة رجعياً.
الرَجحم: رمي الجمار والحد المعروف.
الرُخصة: الإجازة.
الرِسْغ: المفصل بين الساعد والكف.
الرَضَاعي: الأخ في الرضاعة من ثدي واحد مدة تؤثر في نشر الحرمة.
الرعَاف: الدم النازف من الأنف.
الرُقبي: الدار تعطى للرجل يسكنها على حياته أو حياة معطيها.
الرَقِّيْ: البطيخ.
الرَكَازْ: الكنز.
الرُكُن وجمعه أركان: الجزء الأساس. المقطع الأساسي من العبادة.
الرُكُوع: الانحناء (أحد أركان الصلاة التي ينحني فيها المصلي حتى تصل كفاه إلى ركبتيه).
الرَهْن: إيداع عين لدى المرتهن لغرض أن يقوم هذا بالاستفادة من الشيء المرهون لاستيفاء ماله إن لم يقم المقترِض بدفعه.
رِيبَة: ترديد، شبهة.
ـ ز ـ
الزائد على المؤونة: الزائد على المصارف.
الزَحْف: الجيش المقاتل في سبيل الله.
الزكاة: النمو. الطهارة من التلوّث. مقدار معين من أموال الإنسان الخاصة (الموارد التسعة: النقدين، الأنعام الثلاثة، الغلاَّت الأربع) ويجب. إذا بلغ حد النصاب المعين. أن يصرف في موارده المشخصة.
زكاة الفطر: ومقدارها 3 كلغ من الحنطة أو الشعير أو الذرة أو غير ذلك أو ما يعادلها من مال. ويجب أن تدفع بمناسبة عيد الفطر للفقراء أو تصرف في الموارد الأخرى التي تصرف فيها الزكاة.
الزَنا: وطء المرأة بدون محلل من عقد أو ملك.
الزَوَال: ميلُ الشمس من كبد السماء.
الزُور: الكذب.
ـ س ـ
السائمة: الماشية ترعى دون تكلفة.
الساجْ: نوع من الخشب الصلب.
ساروج: نوع من الطلاء لأرض وجدران الحمام.
السَبْخة: المالحة.
السبيلان: مخرجا البول والغائط.
سَجْدةُ التلاوة: هناك (15) آية قرآنية على من يقرأها أو يسمعها أن يسجد فوراً لله تعالى، أربعة موارد منها واجبة و(11) مورداً مستحبة.
سجدة السهو: وهي السجدة التي يأتي بها المصلي في قبال ما حدث منه من زيادة أو نقيصة في الصلاة.
سَجْدةُ الشكر: وهي السجدة التي يأتي بها الإنسان شكراً لله.
السُجود: وضع الجبهة والراحتين والركبتين ورأسي إبهامي الرجلين على الأرض خشوعاً لله.
السُحْت: المال الحرام.
السَّدْر: شجر النبق.
السُعُوط: ما يتنشق في الأنف.
السَفَائف: منسوجات من الخوص.
السِفَاح: الزنا.
السَفَر: قطع المسافة الشرعية.
السَفَه: ضد الحكمة.
السَقْط: الجنين الذي يخرج من الرحم قبل اكتمال نموه أو يخرج ميتاً.
السَلامَة: البراءة من العيوب.
سَلَسُ البول: عدم القدرة على ضبطه.
السؤر: المتبقي من المشروب في الإناء.
ـ ش ـ
الشاة: الواحدة من الضأن أو الماعز.
الشاخص: عصا أو غيرها تنصب لتعيين وقت الظهر والعصر من خلال وضع ظلها.
الشَاذْرَوان: الطرف البارز في أسفل جدران الكعبة.
الشارع: مشرع الشريعة الإسلامية: الله تعالى؛ مبلغ الحكم الإلهي: هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الشاهد: المخبر عن مشاهدة وعيان.
الشبهة: ما يشبه الحق.
الشجَّة: الجرح في الرأس أو الوجه فقط.
الشركة: كون شيء واحد ملكاً لاثنين أو أكثر.
الشق: الحفرة.
شروط الذمة: الشروط التي يجب أن يلتزم بها أهل الكتاب في بلاد المسلمين لكي يضمن لهم احترام أرواحهم وأموالهم في ظل الحكم الإسلامي.
الشفعة: استحقاق الشريك للحصة المبيعة.
الشوكة: القوة.
شياف: دواء يستعمل للعين.
ـ ص ـ
الصائل: من صال، الساطي عدواناً على غيره.
الصاعْ: كيل يساوي في الوزن 3 كيلوغرامات تقريباً.
الصبي: المولود دون الفطام.
الصِداق: المهر.
الصُدْع: ما بين العين والأذن.
الصَدَقة: تمليك شيء للغير بغير عوض بل رجاء مثوبة.
الصرف: بيع النقد.
الصرورة: الحاج لأول مرة.
الصعيد: وجه الأرض.
الصلاة: العبادة المعروفة.
الصلح: اتفاق طرفين على تنازل أحدهما عن مال أو حق لصالح الطرف الآخر لقاء شيء ما.
الصوم: الإمساك عن أمور معينة من وقت محدد.
الصيد: الحيوان الممتنع وتذكية للحيوان والطير والسمك.
الصيغة: الكلمات التي بها يتحقق العقد والإيقاع.
ـ ض ـ
الضامن: من يتحمل مسؤولية الضمان.
الضبط: الحفظ.
الضُحَى: ارتفاع الشمس.
الضرر: الأذى.
الضروريات: اللازم من كل شيء.
الضمار: المال الغائب ولا يرجى.
7 ـ الضمان: التعهد بمال ثابت في ذمة شخص لآخر.
8 ـ الضيعة: الأرض والقرية.
ـ ط ـ
الطافي: من السمك ما مات وطفا بنفسه.
الطحال: العضو المكوّن للدم.
الطرد: عدم تخلف الحكم عن وجود علته.
الطرق: الوطء.
الطريق: السبيل المطروق.
الطفل: من الولادة إلى البلوغ.
الطلاق: الخلاص… قطع العلاقة الزوجية طبق ضوابط خاصة.
الطلاق البائن: الطلاق الذي لا يحق للرجل بعده أن يرجع إلى زوجته في عدتها.
طلاق الخلع: طلاق المرأة التي لا ترغب في زوجها فتبذل له مهرها أو مالها ليطلقها.
الطلاق الرجعي: الطلاق الذي يحق للرجل فيه أن يرجع إلى زوجته في العدة.
طلاق المباراة: الطلاق الذي لا يرغب فيه أي من الزوجين في الآخر.
الطمأنينة: استقرار المفاصل في الجسم في الصلاة.
الطهارة: الخلوّ من النجاسة، النظافة، حالة معنوية ينتجها الوضوء أو الغسل أو التيمم في الإنسان.
الطواف: الدوران حول الكعبة.
طواف النساء: آخر طواف من الحج والعمرة المفردة ويؤدي تركه إلى استمرار حرمة العلاقة بين النساء والرجال عقداً ووطأً.
ـ ظ ـ
الظرف: للزمان والمكان، الوعاء.
ظروف الغالية: علبة لنوع من العطر ممزوج من المسك والعنبر والعود والدهن.
الظهار: تشبيه الزوجة بظهر محرمة أبدية.
الظهر الشرعي: وقت آذان الظهر حيث ينمحي ظل الشاخص أو يصل حده الأدنى وتتفاوت ساعاته باختلاف الفصول والآفاق.
الظن: الاعتقاد الراجح مقابل اليقين والشك.
ـ ع ـ
العارض: الطارىء ومنه السماوي كالجنون والنسيان والمرض، أو الذاتي كالإقرار بعد الإنكار، أو الغريب كالإكراه على البيع، أو المكتسب كزوال العقل بشرب المسكر.
العارية: إعطاء الشخص ما له من أشياء لآخر لكي يستفيد منها مؤقتاً وبدون عوض.
العادة الشهرية: حالة الحيض.
العامل:
(1
من يعمل بعقد الجعالة.
(2) الأجير.
(3) من يتصدى لجمع الزكاة وحسابها وتقسيمها وما يرتبط بالزكاة.
العتق: التحرير.
العَجانْ: ما بين الدبر والخصيتين.
عَدَالة: صفة نفسية تمنع من الكبائر والإصرار على الصغائر.
العُدُول: الرجوع عن أمر واختيار غيره.
العِدَّة: للزوجة بعد الطلاق أو وفاة الزوج لاستبراء الرحم من الولادة وغيره من الأسباب، تعبُّداً.
العزيمة: الأكيد والواجب.
العَزَائم: السور المتضمنة لآيات السجدة، الفرائض.
العَزْل: خلع الوكيل (أو المأمور) من عمله كخلع الوصي أو المتولي الخائن من قبل الحاكم الشرعي.
العقد: صورة القبول والإيجاب اللفظيين.
العقد المؤقت: عقد الزواج المقيد بوقت ومهر معينين.
العَلَقة: المنعقد من ماء الرجل والمرأة في رحمها.
العِلْم: الاعتقاد الجازم.
العُمرة: النسك المعروف.
العِنِّين: الرجل الذي لا يستطيع النكاح.
العهد: تعهد الإنسان لله بصيغة معينة للقيام بعمل حسن أو ترك عمل قبيح، وبين المسلمين وغيرهم: اتفاق على أمور معينة.
العَوْرَة: القبل والدبر لدى الجنسين من الإنسان، وما يحرم إظهاره.
عيد الأضحى: اليوم العاشر من شهر ذي الحجة وهو العيد الإسلامي الثاني.
عيد الفطر: اليوم الأول من شهر شوال وهو أحد العيدين الإسلاميين الكبيرين.
العين: يقال للشيء وجمعها أعيان خلاف المعروفة فجمعها عيون وأعين.
ـ غ ـ
الغُبار: دقيق الغبار.
الغَبْن: النقص.
الغَرَر: الجهالة.
الغَرَض العقلائي: الهدف الذي يرتضيه العقلاء.
الغُرم: الغرامة.
الغُرَّة: دية الجنين إذا أُسقط ميتاً.
الغريم: الدائن والمدين.
الغُسالة: ما يقطر من الشيء بغسله، أو ينزل عند العصر.
الغُسْل: غسل الجسم بنحو خاص وهو ترتيبي أو ارتماسي.
الغُسْل الواجب:
1) غسل الجنابة.
2) غسل الحيض.
3) غسل مس الميت.
4) غسل الاستحاضة.
5) غسل الميت.
6) الغسل الذي يجب بنذر أو قسم وشبهه.
الغسل الارتماسي: ويعني الدخول في الماء ليحيط الماء بكل البدن في آن واحد وذلك بنية الغسل.
الغسل الترتيبي: ويعني أن ينوي الغسل ثم يغسل رأسه ورقبته ثم الجانب الأيمن من بدنه ثم الجانب الأيسر.
غسل الجبيرة: الغسل الذي يتم مع وجود حاجب على جزء من البدن لكسر أو جرح.
الغسل المستحب: كل غسل يثاب الإنسان على عمله دون الإلزام كغسل الجمعة.
الغش: الخيانة: كخلط شيء قليل الثمن بشيء كثير الثمن للخداع.
الغصب: الاستيلاء غير المشروع على أموال الغير وحقوقهم.
الغلاَّت الأربع: القمح والشعير والتمر والزبيب.
غلْوة سهم: رمية سهم إلى غاية مداه.
غَمز البطن: المسح مع القوة.
ـ ف ـ
الفِئة: الجماعة خلف الجيش يأوي إليها الهاربون.
الفائدة: المنفعة، الربا.
فارة المسك: غدة بشكل كيس في جوف غزال المسك.
الفتوى: رأي المجتهد في المسائل الشرعية.
الفجْر: بياض الصبح.
الفجر الأول والثاني: عند قرب آذان الصبح يظهر بياض في الأفق متجهاً إلى الأعلى ويسمى بالفجر الأول وعندما ينتشر يسمى بالفجر الثاني وهو أول وقت صلاة الصبح.
الفجر الصادق: هو الفجر الثاني.
الفجر الكاذب: هو الفجر الأول.
الفدية: ما يقوم مقام الشيء كما في فدية الأسير وفدية الصوم وفدية بعض الأعمال في الحج.
الفَرَائض: حصص الإرث المفروضة.
فرادى: الصلاة منفرداً لا جماعة.
الفرج: في الإنسان ما بين رجليه، القبل.
فَرْسَخْ: ثلاثة أميال، يعادل 5.5 كلم.
الفَرْك: الحك والقرص.
الفُضُولي: المتصرف في ما لا يملك بغير ولاية ولا وكالة.
الفُقَّاع: ماء الشعير المأخوذ بطريقة خاصة.
الفقير: من لا يملك ما يسد به مؤونة سنته هو وعياله ولا يملك ما يدر عليه يومياً ما يحتاجه.
في سبيل الله: كل عمل خير تعود منفعته على المسلمين كبناء مسجد أو فتح طريق.
ـ ق ـ
قَبَاء: ثوب للرجال مفتوح الصدر عند الرقبة، (القمباز).
القُبُل: العضو الجنسي للإنسان.
القَبُول: الموافقة.
القذف: الرمي بالزنا.
القُرء: الحيض والطهر.
القرار الصوري: الشكل الظاهري للعقد.
القَرار الضمني: ما يتفق عليه من أمر ضمن العقد.
القِران: من أقسام الحج.
القَرَشية: المرأة تنتسب إلى النضر بن كنانة.
القرض: تمليك مال لآخر بالضمان.
القَرينَة: العلامة.
القَسَم: (الحلف) أن يقسم بأحد أسماء الله.
القسمة: تمييز حصص الشركاء بعضها عن بعض.
القَصَّار: غسال الثياب.
القصاص: الفعل بالجاني مثل جنايته من قتل أو ضرب.
القصر: نقص الصلاة الرباعية إلى ركعتين.
قَصْدُ الإقامة: أن يعزم المسافر على البقاء عشرة أيام أو أكثر في محل واحد.
قَصْدُ الإنشاء: أن يعزم على إيجاد أمر اعتباري كالبيع والشراء.
قَصْدُ القُربَى: أن ينوي التقرّب بالعمل إلى الله تعالى.
قَصْدُ الوَجْه: قصد عنوان الحكم الخاص للعمل مثل قصد وجوب الصلاة الواجبة وقصد استحباب صلاة الليل.
قُصاص الشعر: حد منبت شعر الرأس من الوجه.
القَضَاء: 1) الإتيان بعمل فات عنه في وقته والحكم بين الناس. 2) الفصل في القضايا.
القُلُنْسوة: لباس للرأس.
القِنَاع: غطاء للوجه معلق في الرأس.
القُنوت: الخشوع أمام الله يستحب بعد انتهاء القراءة في الركعة الثانية أن يرفع يديه إلى مستوى وجهه ثم يدعو.
قواطع السفر: ما يرفع حكمه كالمرور على الوطن وغيره.
القيء: ما يفرغه الإنسان من فمه من المواد المتجمعة في المعدة.
قَيَاطين: جمع قيطان. (قيطانة) قد يدخل فيه الحرير.
القِير القار: الزفت.
القيِّم: المشرف. من يشرف على أمور يتيم وغيره على أساس من الوصية أو حكم حاكم الشرع. مدبر.
ـ ك ـ
الكَافِرْ: من لا يعتقد بالتوحيد أو النبوة أو المعاد يوم القيامة أو بأحدها فيشمل:
1 ـ من ينكر وجود الله.
2 ـ من يجعل لله شريكاً.
3 ـ من لا يؤمن بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
4 ـ من يشك في هذه الأمور.
5 ـ من ينكر أمراً واضحاً في الدين بحيث يعني ذلك إنكار الله والرسول.
الكَافِر الحربي: الكافر الذي يعيش حالة حرب ضد المسلمين.
كاشف تعبدي: حسن الظاهر بإداء الواجبات الشرعية بين الناس.
الكافر الذمي: الكتابي الذي يعيش في بلاد المسلمين ملتزماً بشرائط الذمة.
الكبيرة: من الذنوب ما أوجب حداً في الدنيا أو وعيداً في الآخرة.
الكُر: من الماء، الكثير المعتصم من النجاسة.
الكُرْباس: ثوب غليظ من القطن.
الكسب: طلب الرزق والربح.
كشف الخلاف: انكشاف ما يخالف الشيء.
كَعْب: العظم الناشىء على ظهر القدم.
الكفَّارة: العمل الذي يجب أن يقوم به الشخص لجبر ذنب صدر منه.
كفَّارة الجمع: الكفارات الثلاث (صوم ستين يوماً، إطعام ستين مسكيناً وإعتاق عبد).
الكَفَالة: تحمل المسؤولية والتعهد بإحضار نفس المدين.
كُوزُ القليان: زجاجة الأركيلة.
الكفن: ما يلف به الميت.
الكُمبيالة: سند تعهد بدفع الدين.
الكَنْز: المال المدفون لا يُعرف دافنه.
ـ ل ـ
اللازم: الواجب، مقابل الجائز.
لازم الوفاء: يجب الالتزام به.
اللحد: الشق في أسفل الجدار القبلي للقبر.
اللُّقَطَة: مما يلتقطه الإنسان في الطريق من مال ضائع.
اللِّعان: المباهلة بين الزوجين بدفع حد الزنا أو نفي الولد.
اللقيط: الصغير من الإنسان لا يعرف أبواه.
اللَّبَّة: أسفل العنق.
اللَبُون: ما دخلت في الثالثة في الإبل، والشاة إذا نزل اللبن من ضرعها.
اللوث: وجود القتيل في منزل عمومي أو حي من الأحياء.
ـ م ـ
مأذون: الذي أبيح له التصرف.
الماء الجاري: الماء النابع من الأرض والجاري على سطحها مثل ماء العين والقناة.
الماء المضاف: الماء المأخوذ من شيء ما كماء الورد أو المخلوط بشيء آخر بحيث لا يطلق عليه اسم (ماء) بشكل مطلق كشراب السكر.
الماء القليل: الماء الذي تقل كميته عن الكر، وغير النابع فعلاً من الأرض.
المادَّة: الأصل، وفي الماء: المعتصم الذي يمد.
ماشْ: نبات قرني كالبازلاء.
ما لا تحله الحياة: من أجزاء الحيوان كالشعر والوبر والصوف ونحوه.
المباح: كل فعل لا يمدحه الشارع ولا يذمه.
المباراة: مفارقة الرجل والمرأة، بإسقاط الحق والتبرئة.
المبتدئة: المرأة التي تدخل أول عادة شهرية، أو التي تبدلت حالها عن الاستقرار في الوقت أو العدد.
المبطلات: الأمور التي تبطل العبادة.
المبطون: من يشتكي بطنه، ولا يضبط مخرج الريح والغائط.
المبيت: بقاء الليل في البيت، في مزدلفة.
المتعة: من النكاح عقد الزواج المؤقت.
متعة الحج: الإتيان بالعمرة في أشهر الحج، ثم الإحلال منها والإحرام للحج.
متميز: الذي له علامة تفرقه عن شبيهه.
المتنجس: كل شيء بطبعه طاهر، ولكنه تنجس على أثر التماس المباشر أو غير المباشر مع الشيء النجس.
مِثقال: شرعي: دينار، صيرفي: 5 غرام.
المثمن: السلعة التي قُيِّمَتْ. أو التي عرضت للبيع.
المجتهد: الذي بلغ مرتبة الاجتهاد في فهم الأحكام الإلهية بمعنى أنه امتلك قدرة علمية يستطيع معها أن يستنبط أحكام الإسلام من أدلتها.
المجتهد الجامع للشرائط: المجتهد الذي حاز شروط المرجعية في التقليد.
المجزي: الكافي. المسقط للتكليف.
مجهول المالك: المال الذي لا يعلم مالكه.
مَحادر: من الانحدار، يقال إلى محادر شعر الذقن.
المحترمات: المكرَّمات، المصونات.
المحارم: أقارب الإنسان الذين يحرم عليه التزويج بهم مطلقاً كالأم والأخت وغيرهما.
المحرم: الذي دخل في إحرام الحج أو العمرة.
محل التدارك: حيث يمكن تصحيح العمل دون إبطاله.
المد: الكيلة المعادلة لثلاثة أرباع الكيلوغرام تقريباً. المَدَر: الطين اللزج.
المَذْي: الرطوبة الحاصلة بعد الملاعبة أو الشهوة الجنسية.
المُرْتَد: المسلم المنكر لله والرسول أو لضروري من ضروريات الدين بما يرجع إلى إنكار الله والرسول.
المُرْتَدْ الفطري: من يولد من أب أو أم أو أبوين مسلمين ويكون مسلماً ثم يكفر.
المرتد الملي: من يولد من أب وأم غير مسلمين ثم يظهر كفره ثم يسلم ثم يكفر.
المريء: مجرى التنفس المتصل بالحلقوم وهو مجرى الطعام والودجان إلى جانبه.
المزارعة: عقد بين مالك الأرض والزارع يمنح المالك، على أساس منه، الزارع نسبة من المحصول الزراعي لقاء خدمة يقدمها.
المسَاقَاة: عقد بين صاحب البستان والبستاني يقوم بموجبه هذا الأخير بسقي ورعاية الأشجار، ويأخذ في قباله مقداراً معيناً من ثمار البستان.
المستحاضة: المرأة في حالة الاستحاضة.
المسترابة: الأنثى في سن الحيض ولم تحض.
المسجِدين: المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
المسكرات: ما يسكر الإنسان.
المسكين: من كان أشد حالاً من الفقير.
المسْلُوس: الذي لا يضبط بوله.
المُسِنَّة: (من البقر) ما دخل في العام الثالث.
المشتركات: الطرق والشوارع والمساجد الخ.
المصالحة: توافق بين طرفين.
المضاربة: عقد بين شخصين رأس المال من أحدهما والعمل من الآخر.
المضطربة: المرأة التي لم تنتظم عادتها الشهرية.
المضمضة: تحريك الماء في الفم.
معاطنُ الإبل: من العطن الوسخ، مكان إقامة الإبل.
معاملة السلَف أو بيْع السلف: المعاملة التي يكون فيها الثمن نقداً والمثمن نسيئة مؤجلاً إلى مدة وهي على العكس من معاملة (النسيئة).
المعتصم: الماء الممتنع من النجاسة بكثرته.
المعروف: الحسن.
مَلكَة: قوة نفسية.
المُماكس: المناقش في السعر.
مُمَوَّه: مطلي بغير مادته.
المُمَيز: الطفل الذي يميز الحَسَن من القبيح، ويمكنه التعبير عنه، وفي غيره القدرة على تمييز التفاصيل بالنظر.
المَنَاط: موضع التعليق، العلة.
المنكر: القبيح.
الموات: الأرض العطلة.
المواريث: ما يستحقه الإنسان بوفاة قريب نسبي أو سببي.
موارد السجدة المستحبة:
1) ج 9 سورة الأعراف آخر آية من السورة.
2) ج 13 سورة الرعد الآية: 15.
3) ج 14 سورة النحل الآية: 49.
4) ج 15 سورة الإسراء الآية: 107.
5) ج 16 سورة مريم الآية: 58.
7) ج 17 سورة الحج الآية: 18.
7) ج 17 سورة الحج الآية: 77.
8) ج 19 سورة الفرقان الآية: 60
9) ج 19 سورة النمل الآية: 25.
10) ج 23 سورة ص الآية: 24.
11) ج 30 سورة الانشقاق الآية: 21.
موارد السجدة الواجبة:
1) ج 21 سورة السجدة الآية: 15.
2) ج 24 سورة فصلت الآية: 37.
3) ج 27 سورة النجم آخر آية في السورة.
4) ج 30 سورة العلق آخر آية من السورة.
الموالاة: المتابعة المباشرة.
ـ ن ـ
الناسُور: الباسور.
الناسِية: المرأة التي نسيت وقت عادتها الشهرية.
النَشِز: المرأة التاركة لبيت زوجها بغير وجه شرعي.
النَافِلة: النوافل: الصلاة المستحبة.
النَوافِل اليومية: 34 ركعة مستحبة في كل يوم ويوم الجمعة تصير 38 ركعة.
النَبْع: الماء الذي يفور من الأرض.
النَبِيذ: الماء ينبذ (يجعل) فيه التمر أو الزبيب ليحلو، والمحرم منه ما انقلب منه مسكراً.
النَجاسات: القذارات، منها العينية والمتنجسات بها ومنها المعنوية.
النَحْر: تذكية الإبل.
النذر: الالتزام بفعل أو ترك قربة إلى الله.
النِصاب: الحد المعين.
نِصَاب الزكاة: الحد المعين لكل مورد من موارد الزكاة التسعة والذي إذا بلغه المورد وجبت الزكاة.
النض: المال إذا تحول عن كونه متاعاً إلى درهم ودينار وما جرت عليه المعاملات، أنضاض.
نظر الريبة: النظر الذي يدعو إلى سوء الظن. النظر الذي يتضمن الافتتان.
نَعْل: الحذاء لا ظهر له.
نَعْلبَكي: طبق الفنجان.
النِفاس: الدم الذي يخرج بعد الولادة من رحم المرأة.
النقدين: الذهب والفضة المسكوكين للمعاملة.
النَّكاح: الزواج.
النَّمَط: ثوب صوف مخطط بلون مخالف له.
النورة: حجر كلسي يطحن ويخلط بالماء ويطلى به الشعر فيسقط.
ـ هـ ـ
الهبَة: تمليك بلا عوض.
الهَجْر: ترك جماع الزوجة.
الهِدنة: الاتفاق على وقف القتال.
الهَدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم.
الهديَّة: العطية، الهبة.
الهَرِمْ: كبير السن.
الهَروَلة: بين المشي والعدو.
الهَمّ: الرجل الكبير.
الهَمْيَان: المَنطقة: كيس يجعل الحاج ماله فيه ويشده على وسطه.
ـ و ـ
الوَدي: الرطوبة التي قد تشاهد بعد البول.
الوَدِيْعة: الأمانة.
الوَذْي: الرطوبة التي قد تشاهد بعد المني.
الوشي: النقش.
الوَصي: من عليه مسؤولية القيام بالوصية.
الوَصيَّة: ما يوصي به الإنسان من أعمال ينبغي أن تؤدي عنه بعد موته.
الوَطء: الدخول بالمرأة.
الوَطَن: مسقط الرأس والمحل الذي يختاره الإنسان للإقامة والعيش، فهو أصلي واتخاذي.
الوقف: المال الذي أخرج عن الملكية الشخصية وجعلت منفعته لإفراد مخصوصين أو للأمور الخيرية.
الوَكَالة: تفويض الغير بعمل.
الوكيل: من أوكل إليه القيام بعمل الآخرين.
الوَلي: من أسندت إليه مسؤولية الإشراف على شخص من قبل الشارع كالأب والجد والحاكم الشرعي.
ـ ي ـ
اليائسة: المرأة التي لم تعد تحيض لكبر السن ويئست من الحمل.
اليتيم: الإنسان الفاقد للأب قبل البلوغ.
اليد: الجارحة المعروفة من المنكب إلى أطراف الأصابع.
يداً بيد: البيع بالنقد الحاضر.
اليُسر: السهولة.
اليَمِين: القَسَم.
يمينٌ غمُوس: اليمين التي عقوبتها النار لشدة ما يأخذ الحالف على نفسه بها من الكذب.
يَوْم: لغة مجموع النهار والليلة وللحائض من الفجر إلى الغروب.
يوم التروية: 8 ذو الحجة.
يوم الشك: المردد بين آخر شعبان وأول رمضان.
يوم الغدير: 18 ذو الحجة.
يوم المبعث: 27 رجب.
علي خازم
علم الفقه الإسلامي تاريخاً وتطوراً
في نهايات القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الهجريين حيث أخذ الفكر الإسلامي المستمد من القرآن الكريم والسُنّة الشريفة يتحول على أيدي المفكرين المسلمين من أئمة أهل البيت عليهم السلام وأعلام الصحابة ورجالات التابعين إلى علوم مقنّنة، لها أصولها وقواعدها وتفريعاتها المتعددة والمختلفة.
كان في طليعة هذه العلوم علم الفقه، ذلك العلم الذي تناول بالدرس الأحكام الشرعية الفرعية التي تقوم بوظيفة تنظيم علاقات الإنسان مع خالقه تعالى، ومع الإنسان الآخر، وجميع ما يتفاعل معه مما هو موجود في هذا الكون الرحيب.
فتوجه العلماء المسلمون يدرسونه ويدرّسونه، ويؤلفون فيه الرسائل والكتب المفردة ومن ثم الموسوعات صغيرة وكبيرة.
وبدأ التدوين العلمي للفقه الإسلامي عند أهل السُنَّة في نهايات القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الهجريين متأثراً بعاملين هما:
1 ـ انقراض آخر جيل من أجيال علماء الصحابة، فقد توفي آخر عالم من علماء الصحابة وهو جابر بن عبد الله الأنصاري سنة 78 هـ، وقد كانت له في أواخر أيامه حلقة تدريس في المسجد النبوي الشريف.
روى له البخاري ومسلم وغيرهما، وبلغت مروياته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم 1540 حديثاً.
وله مسند، وهو مما رواه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، وتوجد مخطوطته في خزانة الرباط برقم 221 كتابي.
2 ـ نشاط الحركة الفكرية بعد تولي عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99 هـ.
وكان العامل الأول ـ وهو انقراض أجيال علماء الصحابة ـ الحافز القوي للخليفة عمر بن عبد العزيز أن ينشّط الحركة العلمية ويتوسع بها.
وهنا جاء دور العلماء المسلمين من تلامذة التابعين وتابعي التابعين في الإكثار من حلقات الدرس الفقهي في المساجد الكبرى في العالم الإسلامي: المسجد الحرام والمسجد النبوي وجامعي البصرة والكوفة. وكذلك في التأليف، ومنه التأليف الفقهي السني والشيعي.
التأليف في الفقه السني
مر التأليف الفقهي عند علماء أهل السنّة بمرحلتين، هما:
1 ـ مرحلة التأليف في الفقه الاستدلالي.
وشملت النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وتمثل التأليف فيها بالكتب التالية:
ـ تاب المبسوط لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي الحنفي المتوفى سنة 182 هـ.
ـ كتاب المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 هـ.
ـ كتاب المدونة في فقه الإمام مالك بن أنس لأبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم المالكي المتوفى سنة 191 هـ برواية الفقيه المالكي سحنون بن سعيد التنوخي.
ـ كتاب الأم للإمام أبي عبد الله بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 هـ.
2 ـ مرحلة تأليف المختصرات الفقهية، وهي متون علمية تضم فتاوى الفقهاء مجردة من الدليل.
وغطت هذه المرحلة القرنين الثالث والرابع الهجريين والنصف الأول من القرن الخامس، وتمثل تأليفها بالكتب التالية:
ـ المختصر في فروع الشافعية، لأبي حفص حرملة بن يحيى المتوفى سنة 243 هـ.
ـ مختصر المذني في فروع الشافعية أيضاً، لإسماعيل بن يحيى المذني الشافعي المتوفى سنة 264 هـ.
ـ مختصر الطَحَاوي في فروع الحنفية لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي المتوفى سنة 321 هـ.
ـ مختصر الخرقي في فروع الحنبلية لأبي القاسم عمر بن حسين الخرقي الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 334 هـ.
ـ مختصر الكرخي في فروع الحنفية لأبي الحسين عبد الله بن الحسين الكرخي المتوفى سنة 340 هـ.
ـ مختصر القدوري في فروع الحنفية لأبي الحسين أحمد بن محمد القدروي البغدادي الحنفي المتوفى سنة 428 هـ.
ـ وفي القرن الثامن الهجري ألّف الشيخ خليل بن إسحاق الجندي الفقيه المالكي مختصره في فروع المالكية المعروف بمختصر خليل، وقد شرحه كثيرون وترجم إلى الفرنسية.
وكانت هذه الكتب استدلاليةً ومتوناً تحتوي أحكام العبادات، وأحكام المعاملات بطابعها الفقهي العام.
وفي هذه الحقبة الزمنية للتأليف الفقهي عند أهل السُنّة الممتدة من القرن الثاني الهجري حتى نهاية القرن الخامس الهجري ألفت كتب مفردة في الفقه الخاص، منها اقتصادية الطابع، ومنها إدارية الطابع، أمثال:
ـ كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي الحنفي المتوفى سنة 182 هـ.
ـ كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلاّم المتوفى سنة 224 هـ. وكلاهما في الفقه الاقتصادي.
ـ كتاب الأحكام السلطانية لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي المتوفى سنة 450 هـ.
ـ كتاب الأحكام السلطانية لأبي يعلى محمد بن الحسين بن الغراء الحنبلي المتوفى سنة 458 هـ.
التأليف في الفقه الشيعي
وأمّا بداية التأليف الفقهي عند الشيعة فكانت في بدايات عهد الغيبة الكبرى، ذلكم العهد الذي بدأ سنة 329 هـ، وهي سنة وفاة أبي الحسن علي بن محمد السَمرِي.
وقارن تأليفُهم في الفقه الاستدلالي تأليفهم للمختصرات الفقهية.
ومن أبرز وأشهر مؤلفاتهم في الفقه العام حتى وفاة الشيخ الطوسي سنة 460 هـ.
* المختصرات
ـ كتاب الشرائع المعروف برسالة علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة 329 هـ.
ـ مختصر الأحمدي لأبي علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي البغدادي المتوفى سنة 381 هـ.
ـ كتابا المقنع والهداية لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الملقب بالصدوق المتوفى سنة 381 هـ.
ـ كتاب المقنعة لأبي عبد الله محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم والملقّب بالمفيد المتوفى سنة 413 هـ.
ـ كتاب المقنعة لأبي عبد الله محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم والملقّب بالمفيد المتوفى سنة 413 هـ.
ـ كتاب جمال العلم والعمل لأبي القاسم علي بن الحسين الموسوي المشتهر بالشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ.
ـ كتاب الكافي لأبي الصلاح تقي الدين بن عبد الله الحلبي المتوفى سنة 447 هـ.
ـ كتاب النهاية لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي الشهير بشيخ الطائفة المتوفى سنة 460 هـ.
* الكتب الاستدلالية
ـ كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة لابن الجنيد الإسكافي المتوفى سنة 381 هـ.
ـ كتاب من لا يحضره الفقيه لأبي جعفر الصدوق المتوفى سنة 381 هـ.
ـ كتابا (تهذيب الأحكام) و(المبسوط) لأبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.
وقد تأثر التأليف الفقهي عند الشيعة بالتأليف الفقهي عند أهل السنّة من حيث التبويب وطريقة العرض، فاقتصروا فيه استدلالياً ومختصرات على الفقه العام أيضاً.
وفي القرن العاشر الهجري ألّف أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي المعروف بالمحقق الثاني المتوفى سنة 940 هـ، في الفقه الاقتصادي حيث مسَّت الحاجة لدى الشيعة لذلك بسبب اختيار المحقق الثاني من قبل الدولة الصفوية ـ وهي دولة شيعية ـ مرشداً عاماً لها.
ألّف: الرسالة الخراجية والرسالة المواتية في تقسيم الأراضي.
وفي القرن الرابع عشر الهجري عندما قامت الحركة السياسية المعروفة بحركة المشروطة والمستبدة في إيران بقيادة علماء الدين، والتي تعني الدعوة إلى إعلان الحياة الدستورية من قبل الدولة القاجارية التي كانت تحكم إيران آنذاك، وامتدت الحركة إلى النجف الأشرف المركز الديني للمرجعية الشيعية في العالم.
في هذه الفترة ألَّف الشيخ محمد حسين النائيني المتوفى سنة 1355 هـ، رسالته الموسومة بـ (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) في الفقه السياسي، وضعها باللغة الفارسية وترجمت للغة العربية.
مسيرة الفقه عند الشيعة
مادة الفقه بحسب اللغة تحتوي في ذاتها معنى فهم الأمور الخفيّة وكشف الخبايا أو كما قيل: «معرفة الباطن من الظاهر»، وأطلقت أولاً بشكل عام على الرسوخ في علم الدين وفهمه عميقاً، انطلاقاً من قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}([735]).
والتفقه بصيغة التفعل يؤكد عمقاً في الفهم ثم اقتصر استعماله ـ في وقت لا يعرف بالضبط، ولعله في عصر الصحابة والتابعين ـ على استنباط الأحكام خاصة، فكان يقال للمختصين بمعرفة الأحكام عن بصيرة وفقه: «الفقهاء». وقد اشتهرت طائفة قليلة من الصحابة، وطائفة أكثر من التابعين بوصف الفقهاء.
فالتعبير عن فهم الدين عموماً وعن استنباط الأحكام خصوصاً بـ «التفقه في الدين أو في الأحكام» من حيث المادية والصيغة مشعر بما يتطلبه فهم الدين وخاصة قسم الأحكام منه من الدقة والتعمق، الأمر الذي عبّر عنه القرآن الكريم ـ ثم الفقهاء ـ بـ «الاستنباط». قال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم}([736]).
والاستنباط في اللغة هو استخراج الماء من البئر، ثم استعير لإخراج ما خفي من الأحكام وغيرها من مصادرها. ومن هذا المنطلق شاع إطلاق «الفقه» على علم الأحكام الشرعية وكذلك «التفقه» على عملية استنباط الأحكام.
ثم عبّروا عنها في وقت سابق لا يعلم مداه بـ «الاجتهاد» باعتبار أنها تتطلب جهداً كبيراً واستفراغاً للوسع ـ وقد عرّفوا به الاجتهاد أيضاً ـ فقالوا: «الاجتهاد هو استفراغ الوسع لمعرفة الأحكام».
ولعلهم حينما عبّروا عن الاجتهاد كمصدر من مصادر الفقه، ثم أطلقوه على عملية استنباط الأحكام تبعوا في ذلك معاذ بن جبل الصحابي (رض) حينما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعثه إلى اليمن قاضياً، فسأله ـ كما جاء في كتب الحديث([737]): ما معناه: «بماذا تقضي؟ فقال: بكتاب الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله، فقال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي..» وهذا الحديث كالنص على أن الاجتهاد عند معاذ كان مصدراً من مصادر القضاء بعد فقدان الحكم في الكتاب والسنَّة.
ولكنه ما لبث أن أطلق على نفس استنباط الأحكام من مصادرها. وكيفما كان فقد استمر الاجتهاد في جميع العواصم الإسلامية العلمية كالمدينة ومكة والعراق والشام ومصر وغيرها عند فقهاء البلاد استناداً إلى الكتاب والسنَّة وما ألحق بهما من الإجماع والقياس والرأي والاستحسان وغيرها على خلاف بينهم في غير الكتاب والسنَّة من الأدلة.
وكلما توسّعت رقعة الإسلام، وتنوّعت الأعراف والعادات، وازدادت وتضاعفت الحاجات في صعيد الشريعة والأحكام، أو في حقل الأقضية والفتاوى، توسع واستكمل نطاق الاجتهاد، كما اختلفت الآراء والأقوال وبرزت المذاهب والمدارس الفقهية في البلاد، حتى أصبح علم الفقه والاجتهاد من أوسع العلوم وصار ذا شقوق وفروع وأصول وأركان، وارتبط بجملة من العلوم الأدبية واللغوية والقرآنية والحديثية وغيرها.
وقد تكفّل علم، برمته ـ وهو علم أصول الفقه ـ ببيان أصوله وضوابطه وأسسه وقواعده.
هذا هو مصير الاجتهاد عند الجمهور، وأما الشيعة فكانوا يكتفون إلى أواسط القرن السابع الهجري ـ رغم استكمال الفقه عندهم وتوسعه ـ بالتعبير عن هذا العلم بلفظ «الفقه» وعن عملية الاستنباط بلفظ «التفقه» جرياً على طريقة السلف واتباعاً لأئمتهم من آل البيت عليهم السلام مجتنبين التعبير بـ «الاجتهاد» لأنه كان عندهم مساوياً للرأي والقياس اللذين نهى عنهما الأئمة، وقد جوزهما كثير من فقهاء الجمهور.
قال الشيخ الطوسي ـ المعروف بشيخ الطائفة ـ (385 ـ 460 هـ) في كتاب «عُدّة الأصول»([738]) بعد ذكر أصول الأحكام عنده: «وقد ألحق قوم بهذا القسم الكلام في الإجماع والقياس والاجتهاد…» ـ إلى أن قال: و«ذلك غير صحيح على قاعدة مذهبنا… وأما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور استعمالهما…».
فالشيخ الطوسي، الذي عاش في أواسط القرن الخامس الهجري بقي الاجتهاد عنده على معناه الأول مرادفاً للقياس كمصدر للفقه عند الجمهور، لما ثبت عنده في المذهب أنه محظور من قبل الأئمة من آل البيت، ولا سيما الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الذي كان يؤكد على تحريم العمل بالقياس والرأي، ويناقش أصحاب الرأي وعلى رأسهم الإمام أبا حنيفة كما جاء في المصادر([739]).
والظاهر أن المحقق الأول، أو المحق الحلي (م 767 هـ) نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي ـ وهو من كبار فقهاء الشيعة في القرن السابع ـ أول من أطلق لفظ «الاجتهاد» من الشيعة على استنباط الأحكام في كتابه «معارج الوصول في علم الأصول».
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان الفقه عند الشيعة في القرون الثلاثة الأولى محصوراً فيما روي عن الأئمة من الأحاديث والفتاوى مع ما فيها من معالم ونماذج من الاستدلال والاستشهاد بالكتاب والسنَّة، حيث أن الأئمة كانوا مهتمين بتدريب أصحابهم على ذلك فقد قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر (48 ـ 114 هـ) وهو والد الإمام الصادق وخامس الأئمة من آل البيت ـ لأبان من تغلب (42 هـ) وكان من فقهاء أصحابه حيث كانت له مكانة مرموقة عند أهل السنَّة: «اجلس في مسجد المدينة وافت الناس، فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك»([740]).
وروى زرارة بن أعين وهو من كبار أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام: من أين علمت أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين، فأجابه بأن الله قال: {فاغسلوا وجوهكم} فعرفنا أن الوجه يُغسل كله، وقال: {وأيديكم إلى المرافق} فعلمنا أنه يجب غسل اليدين إلى المرافق. ثم فصل بين الكلام فقال: {وامسحوا برؤوسكم} فعلمنا أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه فقال: {وأرجلكم إلى الكعبين} فعلمنا أن المسح على بعض الرجلين…» ([741]) وكلنا نعلم أن مسألة مسح الرجلين وغسلهما في الوضوء كانت ولا زالت مسألة تضاربت الآراء حولها بين الفريقين، وهناك شيء كثير من الحوار والمحاجة بين الطرفين في هذه المسألة، وغيرها من مسائل الفقه، كمسائل العقيدة والكلام، جاءت في كتب مسائل الخلاف.
وهكذا كان الفقه عند الشيعة في غالب الحديث نقلاً عن الأئمة بأسانيد شتى إلى أوائل القرن الرابع الهجري، فكل الأسماء التي وردت للكتب في فهارسهم ولا سيما في فهرست الشيخ الطوسي، وفهرست الشيخ النجاشي (م 450 هـ) منسوبة إلى فقهائهم ومحدثيهم الذين عاشوا قبل ذلك فهي مجموعات من الأحاديث الفقهية وهي قسمان:
قسم منها أصل، وهو ما رواه الراوي عن الإمام مباشرة، أو بواسطة واحدة وعددها عند بعضهم أربعمائة أصل.
وقسم منها «جامع» وهي التي جمعت ما كان في الأصول وهذه هي «الجوامع الأولية» عند السيد البروجردي، بإزاء الكتب الأربعة وهي الجوامع الثانوية عنده. وكان في الجوامع قليل من الشرح والبيان والاحتجاج، إلى أن برز فقيه من أسرة علمية عريقة في بلدة «قم» ـ وكانت من أهم عواصم العلم يومذاك الشيعية ـ وهو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (م 329 هـ) ـ فحول هذا الفقيه الفقه من الفقه الروائي الذي كان في ثوب روايات مسندة، إلى تجريد ألفاظها وحذف أسانيدها، فعرض الفقه في صورة متن فقهي مستخرج من الروايات مع الحفاظ على ألفاظها قدر المستطاع.
فدوّنها في رسالة له إلى ولده، محمد بن علي المعروف بـ «الشيخ الصدوق» (م 381 هـ) ولم تصلنا هذه الرسالة كاملة، سوى قطعات منها أدرجها ابنه في كتاب «من لا يحضره الفقيه» ـ وهو أحد الكتب الأربعة المعتبرة في الحديث عند الشيعة ـ وكذلك في غيره من كتبه الفقهية. ويسمى هذا النوع من الفقه «مجرد الفقه» أو الفقه المنصوص. فهذا يُعَدُّ أول تحول في الفقه الشيعي.
ثم نهض في القرن الرابع فقيه معاصر للشيخ الصدوق هو «محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي» المتوفى عام 381 هـ([742]) (نفس العام الذي توفي فيه الصدوق) بتأليف كتب استدلالية في الفقه الشيعي، على طراز ما كان عند أهل السنَّة من ذي قبل، ولكن كتبه ـ مع الأسف ـ لم تصلنا، بل وصلنا بعض فتاواه متفرقة في الكتب المتأخرة من زمانه، ويبدو أنها تُركت وأُعرض عنها حين ظهورها من قبل العلماء، لأنها كانت مظنة الرأي والقياس ـ وقد نسب إلى ابن جنيد العمل بالقياس ـ وحينئذ قام تلميذه الصدوق مع الشيخ المفيد (م 413 هـ) أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان. بتأليف الفقه والأصول بنفس الأسلوب مع الاحتراز عن القياس. وتبعه أصحابه في هذه الطريقة، ولا سيما الشريف المرتضى علم الهدى (م 436 هـ) وأبو جعفر الطوسي وغيرهما، فألف المرتضى كتاب «الذريعة» والطوسي كتاب «العُدّة» كلاهما في علم الأصول وهما لحد الآن من أفضل وأقدم المؤلفات في هذا العلم عند الشيعة. ولم يكتف السيد والشيخ بتأليف علم الأصول بل قاما بتفريع الفروع على طراز ما شاع بين المذاهب الأخرى قبل ذلك ـ كما قاما بتأليف الكتب في مسائل الخلاف في الفقه ـ فللطوسي كتاب كبير باسم «المبسوط» في الفقه التفريعي، وقد نص في أوله على أن أصحابنا الشيعة كانوا حتى ذلك الحين يكتفون بالفقه المنصوص مجتنبين التوسع في الفروع حذراً من الوقوع في القياس والرأي. وقال: إني أطرح كل ما فرّع الفقهاء حسب قواعدهم في التعويل على القياس، وأعالجها من دون القياس تعويلاً على أصولنا.
وهذا الكتاب يُعدُّ أول كتاب في الفقه التفريعي عند الشيعة ولكن ليس معنى ذلك أنه لم يكن قبله تفريع في الفقه عندهم أصلاً، فكيف يكون ذلك وفي كثير مما روي عن الأئمة عليهم السلام يوجد التفريع، بل يروى عن الإمام الصادق عليه السلام (م 148 هـ) أنه قال: إنما علينا أن نلقي إليكم أصول وعليكم أن تفرّعوا([743]).
وعن الإمام الرضا عليه السلام (م 203 هـ) ـ وهو ثامن الأئمة ـ أنه قال: علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع([744]). إلى غيرهما من الأحاديث. إلا قليلاً ووقفوا عند النصوص حسب ما قاله الطوسي.
وهذا النوع من الفقه شاع بعد الطوسي بين الشيعة وتوسع عبر العصور إلى هذا الزمان، ولم يتوقف في وقت من الأوقات، ولهم في الفقه والأصول مطولات ومختصرات وكتب الفتاوى لا تعدّ ولا تحصى وبأساليب شتّى. ذلك لأن باب الاجتهاد عندهم مفتوح، لا يتبعون فقيهاً معيّناً كما يقلد أهل السنَّة أئمتهم. وإن أئمة آل البيت أقوالهم من مصادر الفقه والاجتهاد، وليس الناس يقلدونهم كمجتهدين، بل يتبعونهم كأئمة من العترة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» على ما جاء في أكثر نصوص الحديث. وهذا هو الفارق بين مذهب أهل البيت والمذاهب الأخرى، وبين أئمتهم وأئمة المذاهب.
ومع ذلك لم تنقطع بتاتاً طريقة الفقه المنصوص، أو الفقه الروائي، فكان يوجد بين الفقهاء من يميل إليه تاركاً الفقه التفريعي إلى أن قام بتجديده ونشره في القرن الحادي عشر عالم باسم «محمد أمين الإسترأبادي» (م 1023 هـ) وله كتاب باسم «الفوائد المدنية» وتبعه آخرون سُمّوا باسم «الإخبارية» لاعتمادهم على الروايات والأخبار فشكلوا جماعة في قبال جمهور الشيعة الذين يعبر عنهم بـ «الأصوليين» لاعتمادهم على علم الأصول. ولهؤلاء الإخباريين آراء خاصة، وكان أكثرهم يقطنون «البحرين» وما جاورها من البلاد في الجزيرة العربية، ثم هاجروا إلى سائر البلاد ونشروا مسلكهم. والإخباريون بين الشيعة كأهل الحديث والسلفية عند أهل السنّة.
وهم بين مفرط في الإنكار على الأصوليين وعدّهم من أتباع طريقة أهل الرأي والقياس، وبين معتدل في الموقف. ومن أبرزهم وأعدلهم موقفاً الشيخ يوسف البحراني الذي كان ساكناً في الحائر الحسيني (كربلاء) صاحب كتاب «الحدائق الناضرة» وغيرها من المؤلفات(1107 ـ 1186 هـ).
والإخباريون كان لهم دور كبير في الدولة القاجارية وقبلها، ولا سيما في عصر هذا العالم، إلا أنه قد نهض عالم فذّ من الأصوليين ـ وكان معاصراً له قاطناً معه في كربلاء أيضاً ـ وقاومه بشدة، وهو آقا محمد باقر الوحيد البهباني المعروف بـ «الأستاذ الأكبر» و«الوحيد البهباني» (1118 ـ 1208 هـ) فتغلب علمياً عليه وكسر صولة الإخباريين، وله مع البحراني قضايا مشهورة. وكان له تلاميذ وأصحاب من جلة المجتهدين، أخذوا زمام أمر الشيعة بيدهم، وتبعهم أكثر الناس. فانعزلت الإخبارية وتركوا الساحة للأصوليين إلى عصرنا هذا.
وللأصوليين الذين تأخروا عن الوحيد البهباني آراء وإبداعات في علم الأصول لم يسبق لها نظير من ذي قبل، لا في الشيعة ولا في غيرهم من أتباع المذاهب الفقهية الأخرى. كان هذا عرضاً موجزاً لمسيرة الفقه عند الشيعة وقد آن الأوان لبيان مصادر الفقه وضوابطه عندهم.
مصادر الفقه عند الشيعة
بعد أن أخذ الفقه بكامله موقعه عند الشيعة، أعلن الفقهاء أن مصادر الفقه هي الأدلة الأربعة: الكتاب والسنَّة والإجماع والعقل، وإليكم التفصيل:
1 ـ الكتاب
ويراد به القرآن، وهو الحجة الأولى عندهم، وغيرها من الأدلة تُعْرَض عليه حتى لا تخالفه. والبحث عن حجية الكتاب كغيره من الأدلة من أهم المباحث الأصولية ولا سيما بحث ظواهر ألفاظ الكتاب، وحمل متشابهه على محكمه، ورفع التعارض بينه وبين ما ثبت من السنة. ثم قسم كبير من علم الأصول يبحث في مفاهيم ألفاظ وردت في الكتاب والسنَّة من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمبين، والمفهوم والمنطوق. كما أن بحثاً جاء في الأصول حول الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنَّة، ونسخ بعضهما ببعض.
وهناك بحث حول عدم تحريف الكتاب بعد ما شك فيه بعض الإخبارية استناداً إلى روايات ضعيفة، فرفضه الأصوليون بتاتاً، وبيّنوا خطأهم، وضَعَّفوا وأبطلوا، أو أوّلوا ما تمسّكوا به لرأيهم، بحيث لم يبق مقال لقائل ولا مصال لصائل. وكثيراً ما يسند هذا الخطأ إلى الشيعة، ولا يصح ذلك إلا ما شذّ عن هؤلاء الأخبارية قديماً وقد انصرفوا عنه بعد ذلك والحمد لله تعالى. فظهر أن نص الكتاب عند الشيعة كغيرهم متواتر قطعي هو من الضروريات عندهم.
2 ـ السنَّة
والمراد بها سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد ألحق بها ما صح عن الأئمة عليهم السلام. توضيح ذلك أن الكتاب والسنَّة هما الركنان المعتمد عليهما عند الشيعة كغيرهم من المسلمين، وقد جاء باب في كتاب الكافي بعنوان «الرد إلى الكتاب والسنَّة وأنه ما من شيء من الحلال والحرام وجـميع ما يحتاج إليه الناس إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنَّة»([745]) وأيضاً باب «الأخذ بالسنَّة وشواهد الكتاب»([746]) وفيهما روايات تصرح بأن الأئمة عليهم السلام كانوا يستندون في أقوالهم إلى الكتاب والسنَّة، وهذا لا كلام فيه عند الشيعة، وقد ألحقوا ما استند إلى الأئمة بالسنّة النبوية، ذلك لما ثبت لديهم أنها حجة كسنّة النبي، لروايات صحت عندهم من أشهرها حديث الثقلين المستفيض بل المتواتر عن طريق الفريقين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في غير موقف: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي» وقد روي عن حوالي ستة وعشرين صحابياً([747]) وجمعت طرقه ومتونه مع اختلاف ألفاظها في رسالة باسم «حديث الثقلين» ونشرتها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة قبل حوالي خمس وثلاثين سنة.
فالشيعة يعتقدون حجية ما صح عن واحد من أئمة آل البيت من الروايات والأقوال والفتاوى كمصدر للشريعة استناداً إلى هذا الحديث وغيره من الروايات. ومن هذا المنطلق وسّعوا في مفهوم السنَّة إلى سنّة المعصوم لتشمل سنّة النبي والإمام كليهما. كما أن أهل السنَّة ألحقوا آثار الصحابة بالسنَّة وعملوا بها بشروط عندهم.
ومعلوم أن الشيعة كغيرهم من فقهاء المذاهب لا يقبلون الحديث إلا بشروط وقد قسّموا الأحاديث إلى أقسام حسب ما جاء في «علم مصطلح الحديث» بتفاوت بينهم وبين الجمهور، فقد قسّموا الحديث إلى متواتر وغير متواتر، وغير المتواتر إلى خبر الواحد والمستفيض أو المشهور أو ما قطع بصحته بقرائن، وقسموا خبر الواحد إلى صحيح وموثّق وحسن وضعيف. ولمعرفة رجال الحديث عندهم علم خاص وقد ألفوا فيه كتباً مطولة ومتوسطة وموجزة، سموه «علم الرجال» كما سموا علم مصطلح الحديث «علم الحديث» أو «علم الدراية».
والبحث الذي استوعب قسماً من علم الأصول هو حجية خبر الواحد الذي ليس قطعياً ـ وأكثر الأحاديث عندهم من هذا القبيل ـ فاحتجوا لها بآيات من الكتاب وبما ثبت عندهم من السنَّة أو الإجماع ـ وقد طال البحث حوله نقضاً وإبراماً، لما ثبت عند القدماء من الشيعة «أن خبر الواحد لا يجدي علماً ولا عملاً» أي لا اعتبار به لا في العقيدة ولا في حقل الشريعة. وهناك في مقابل ذلك رأي للإخبارية أن كل ما في الكتب الأربعة أي: «الكافي» للكليني (م 329 هـ) و«من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق (م 381 هـ) و«تهذيب الأحكام» و«الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» كلاهما لأبي جعفر الطوسي (380 ـ 460) فهو قطعي الصدور، ولم يثبت هذا عند الأصوليين، فلا بد لهم من إقامة الحجة على اعتبار ما جاء فيها أو في غيرها من كتب الحديث من الأحاديث غير القطعية. وهذا ما أوقعهم في الحرج إذ ليس عندهم كتاب يسمى «بـ «الصحيح» كما عند الجمهور، بل كل حديث في هذه الكتب الأربعة أو في غيرها قابل للنقاش حتى تثبت صحته. ثم هذه الروايات قسم كبير منها متعارضة في بدو النظر، فلا تقبل إلاّ بعد رفع التعارض. وقد تصدّى أبو جعفر الطوسي في كتابه «تهذيب الأحكام» لبيان رفع التعارض بينها، وهو أول كتاب روائي في هذا الباب، لكنه كان حاوياً للأخبار الموافقة والمتعارضة كلتيهما فخص الطوسي الأخبار المتعارضة بكتاب سماه «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» تعرض فيه للجمع بين هذه الروايات بوجوه ذكرها في مقدمة هذا الكتاب، ومن هذا المنطلق فكتاب الاستبصار يحوي قسماً من التهذيب فقط من دون زيادة عليه، وهو كتاب منتظم الأبواب خاص بالروايات المتعارضة، بخلاف «تهذيب الأحكام» الذي يعبر عنه الطوسي كثيراً بـ «الكتاب الكبير» فهو شرح لكتاب أستاذه الشيخ المفيد باسم «المقنعة» من غير انتظام ولا ترتيب أنيق وفيه أبواب للزيادات اللاتي ألحقها الطوسي بالكتاب ومكررات من الأخبار أيضاً. فقام في القرن الحادي عشر عالم باسم السيد هاشم البحراني (م 1107 هـ) بترتيبه في كتاب سماه «ترتيب التهذيب» طبع على الحجر. ونحن وإن كنّا لا نعتبر تلك الكتب الأربعة صحاحاً بالمعنى المصطلح عند أهل السنَّة، إلا أنها من أهم كتب الحديث عند الشيعة وما جاء في غيرها من الأحاديث أكثرها دون ما جاء فيها اعتباراً.
وقد كانت تلك الكتب مرجعاً للفقهاء إلى أن دوّنت في القرن الحادي عشر ثلاثة كتب مطولات: وهي «وسائل الشيعة في أحكام الشريعة» لمحمد بن الحسن الحر العاملي (1032 ـ 1104) وعليه المعول في الفقه منذ تأليفه و«الوافي» لمحمد محسن الفيض الكاشاني (م 1091) و«بحار الأنوار» لمحمد باقر المجلسي (1027 ـ 1111) فضُمت هذه الموسعات الثلاث إلى تلك الكتب الأربعة، مع تفاوت بينها كما بين تلك الأربعة، فإن الكافي من بين الأربعة اختص بجمع الروايات في حقل العقيدة والشريعة، فيعتبر جامعاً كصحيح البخاري ومسلم والترمذي عند الجمهور، والثلاثة الباقية خاصة بالسنن والأحكام. ومن بين الثلاث المتأخرة كتاب «الوسائل» أيضاً خاص بالسنن والأحكام، و«الوافي» جامع لأحاديث الكتب الأربعة فقط، فهو باعتبار اشتماله لروايات «الكافي» يعدّ جامعاً، و«البحار» جمع روايات غير الكتب الأربعة في جميع الأصعدة من الأحكام والعقائد والتاريخ والمغازي والأخلاق والآداب وغيرها، فهو يعدّ جامعاً أيضاً، إلا أن اصطلاح «الجامع» و«السنن» الشائع عند أهل السنَّة ليس متداولاً بين الشيعة، وباعتبار أن المشايخ أرباب الكتب الأربعة كانت أسماؤهم «محمداً» وكذلك أسامي مؤلفي المجاميع الثلاث الأخيرة فاشتهروا بـ «المحمدون والثلاثة الأول» و«المحمدون الثلاثة الأُخر».
وقد ضمت إليها في القرن الرابع عشر الهجري موسوعة باسم «مستدرك الوسائل» للشيخ ميرزا حسين النوري (م 1320) استدرك فيه ما فات صاحب «الوسائل» أو ما لم يرد ذكره عمداً من الأخبار، وموسوعة أخرى باسم «جامع الأحاديث الفقهية» ألفت بإشراف السيد البروجردي وبمباشرة جماعة ممن تتلمذ عليه ـ وكنت أنا من جملتهم ـ وقد جمع فيها كل ما في تلك المجاميع مما يرتبط بالأحكام، مع الجمع والإدغام بين الأسانيذ والمتون. وفي هذا الكتاب مزايا هي عون للفقيه على الإحاطة بأخبار كل باب والإفادة منها مما لا يوجد في غيره من كتب الحديث قبله.
أما بعد، فهذا عرض سريع للسنَّة عند الشيعة والتفصيل فيها يتطلب مجالاً واسعاً جداً.
3 ـ الإجماع
وقد كان الإجماع بشروط أحد مصادر الفقه عند الجمهور مستنداً إلى حديث «لا تجتمع أمتي على خطأ» وإلى أدلة أخرى لم يثبت شيء منها عند الشيعة كدليل مقنع إلا أنهم عدّوا الإجماع في القرن الرابع من مصادر الفقه بمعنى آخر غير ما عند الجمهور، فالإجماع عند الجمهور عبارة عن اجتماع الأمة أو فقهاء الأمة على حكم في عصر من العصور، أما الإجماع عند فقهاء الشيعة فهو اجتماع جماعة يكون الإمام أحدهم على حكم من الأحكام. فمآل إجماعهم إلى السنَّة وليس دليلاً برأسه. ولهم أبحاث كثيرة في أقسام الإجماع من المحصل والمنقول وفي كيفية كشفه عن قول الإمام وإن الشيعة حسب قاعدتهم في اعتبار الإجماع قد نصّوا على أنه لو اتفق اثنان أحدهما الإمام على حكم، واتفق جماعة غيرهما على ما يخالفه، فالعبرة بالأول دون الثاني. وقد تمسكوا بالإجماع في كثير من الأحكام، ونوقش بعضها من قبل الآخرين، وقد توجد دعوى الإجماع على حكم وعلى ضده من قبل فقيهين، بل من قبل فقيه واحد في كتابيه، ومن أجل ذلك لا يعد الإجماع عندهم إلا مؤيداً لغيره من الأدلة، إلا في قليل من المسائل.
وقد ألحقوا بالإجماع «الشهرة» فبعضهم يفتي بما هو المشهور عند فقهاء الإمامية ولا يتعداه. وقد بحثوا في علم الأصول حول «الشهرة» وما أريد بها، هل هي شهرة فتوائية، أو شهرة روائية، وكان السيد البروجردي له رأي خاص في الشهرة، فكان يعتبر شهرة حكم من الأحكام عند أصحاب الأئمة العارفين بأحكامهم هي الحجة. ومن هنا كان يهتم بجمع الفتاوى المشهورة بين الشيعة في عصر الأئمة عليهم السلام، أو ما قارب عصرهم، وقد جمعت بأمره فتاوى ابن أبي عقيل العماني الذي كان يعيش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري، وكذلك فتاوى ابن جنيد الإسكافي (م 381 هـ) المتقدم ذكره ويعبّر عنهما بـ «القديمين».
وكذلك ألحقوا بالإجماع «سيرة المسلمين» أو «سيرة المتشرعة» منهم بشروط. ونحن نعرف أن شيئاً من ذلك كالإجماع ليس حجة ودليلاً، إلاّ بكشفها عن قول الإمام الذي هو حجّة عند الإمامية كما سبق.
4 ـ الدليل العقلي
ربما يظن من لا خبرة له بمصطلحات الشيعة أنهم يفتون بالعقل ويجعلونه دليلاً من أدلة الأحكام، كالكتاب والسنَّة، وليس ذلك على إطلاقه، فإنهم إنما يلتجئون إلى ما استقل به العقل بعد الفحص واليأس عن وجدان الدليل: أي الكتاب والسنَّة والإجماع المعتبر، في ظروف الحيرة والشك في حكم من الأحكام الكلية أو الجزئية مثل الشك في أن «التدخين» حرام أو مباح، والشك في أن هذا السائل «خمر أو خل» فحينئذ يعولون على ما حكم به العقل من الوظيفة العملية لرفع الالتباس، وليس لاستنباط حكم شرّعه الله في ذلك، إذ لا طريق إليه، وقد قسّموا موارد الشك إلى أربعة أقسام:
أولاً: ما له علم سابق، فجعلوه مجرى الاستصحاب، وهو دليل عند سائر الفقهاء أيضاً فيحكمون بما ثبت سابقاً لموارد الشك، وله فروع وأقسام كثيرة عندهم واستوعب قسماً كبيراً من علم الأصول.
وثانياً: ما ليس فيه علم سابق فله ثلاثة أحوال:
أحدها ما يكون الشك فيه مقروناً بالعلم الإجمالي مثل أن يعلم أن الصلاة الواجبة يوم الجمعة إما الظهر أو الجمعة وإما يعلمها بعينها، أو يعلم أن أحد الإنائين نجس ولم يعلمه بعينه فالحكم فيه عقلاً الاحتياط، إذا كان الاحتياط ممكناً، لأن العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي يستدعي الامتثال اليقيني، ولا طريق إليه سوى الاحتياط فيأتي بالصلاتين معاً، ويرفع اليد عن الإنائين معاً، وصولاً إلى امتثال أمر المولى جل شأنه امتثالاً قطعياً إجمالياً.
ثانيها نفس الفرض فيما لا يمكن الاحتياط فيه، فالحكم التخيير عقلاً كما إذا دار الأمر بين شيئين لا يمكن الجمع بينهما كالواجب والحرام.
ثالثها ما لا يكون الشك فيه مقروناً بالعلم الإجمالي ـ ويعبر عنه بالشك البدوي ـ كأن شك في وجوب عمل أو عدم وجوبه، أو في حرمة شيء أو إباحته، وليس لهما حالة معلومة سابقاً، فالأصل فيه البراءة عقلاً ـ وكذلك نقلاً ـ عند الأصوليين، والاحتياط عند الأخباريين في الشبهات التحريمية خاصة، وهذا أحد موارد الخلاف بين الفريقين، وقد قسّموه إلى الشك في الوجوب أو الحرمة وفي الحكم أو في الموضوع إلى غيرها مما جاء في الأصول.
هذه هي الأصول العملية الأربعة، الجارية في عامة أبواب الفقه. وهناك أصول أخرى خاصة ببعض الأبواب ولها أدلة خاصة: كأصل الطهارة، وأصل الحليّة فيما شك في طهارته أو في حليّته. كذلك هناك قواعد فقهية غير ما ذكر جارية في موارد خاصة من الفقه، ويدور أمرها بين كونها من الأمارات أو من الأصول مثل قاعدة اليد وقاعدة الصحة وغيرهما.
ومن ذلك يعلم أن حقيقة الدليل العقلي عند الشيعة، يبحث في الموقف العملي عند الشك في الحكم أو في موضوع الحكم. هناك طور آخر من الدليل العقلي مبني على استقلال العقل بحسن أو بقبح بعض الأعمال كحسن العدل وقبح الظلم، ويتفرع عليه الحكم شرعاً، لما ثبت عندهم من أن كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، وكذلك كل ما حكم به الشرع حكم به العقل. وعند الشيعة في الدليل العقلي كلام طويل في علم الأصول، ويكفي الطالب بحث «المستقلات العقلية والدليل العقلي» في كتاب «أصول الفقه» للشيخ المظفر.
ويجب التنبيه على أن عمدة المباحث الأصولية مشتركة بين الشيعة وأهل السنَّة، وإنما الفارق بينهما أمران:
الأول: الترتيب في الذكر، فإن أهل السنَّة يبدأون علم الأصول بالأحكام وأقسامها التكليفية والوضعية ثم يبحثون عن أدلة الأحكام من الكتاب والسنَّة، والإجماع، والقياس وما ألحق به من الاستحسان والمصالح المرسلة وغيرهما. ثم يطرحون مباحث الألفاظ ثم مقاصد الشريعة ولها دخل مستقيم في القياس وما ألحق به.
أما الشيعة فيبدأون بمباحث الألفاظ، ثم حجية الأدلة واحداً بعد واحد، ثم الأصول العملية وما ألحق بها من الأصول والقواعد ويختمون بباب التعارض والتراجيح ومباحث الاجتهاد والتقليد. وفي خلال مباحث الألفاظ وغيرها أبحاث في الملازمات العقلية، كمقدمة الواجب والأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أم لا؟ واجتماع الأمر والنهي وغيرها، كما أن لهم بحث مستوف في خلال باب التعارض يعبّرون عنه بالتزاحم في ما إذا تزاحم أمران في مقام العمل وهو بحث عقلي أيضاً ـ مثل أن يبتلي المكلف في وقت واحد بأداء الصلاة وإنقاذ الغريق، ولا يتّسع الوقت لهما معاً، فعند ذلك العقل يحكم بتقديم الأهم على المهم، وما لا قضاء فيه على ما فيه القضاء، فيجب إنقاذ الغريق وإن فات وقت الصلاة. وهذا باب من الأصول فيه حل لكثير من المستجدات والنوازل.
الثاني: التمييز بين الأمارات والأصول، وبين الأحكام الظاهرية والواقعية، وأيضاً بين الأحكام الأولية والثانوية والأحكام الولائية، وتوضيحها: أن ما يتمسكون به من الأدلة عند استنباط الأحكام يسمونها أمارة لكونها طريقاً إلى الأحكام، وما يأخذون به عند الشك في حكم من الأحكام، كالاستصحاب، والبراءة، والاحتياط والتخيير، مما يحكم به العقل غالباً ـ وبعض منها دل عليه النقل أيضاً ـ يسمونها الأصل، ومجموعها «الأصول العملية» ـ كما سبق ذلك لأن مؤداها وظائف عملية فحسب، وليست طرقاً إلى ما شرّعه الله في نفس الأمر. وقد يعبر عن الأمارات بـ «الأدلة الفقهية» وعن الأصول بـ «الأدلة الاجتهادية».
ثم مؤدّى الأمارات إن طابق الواقع الذي شرعه الله، فهي الأحكام الواقعية، وإن خالف الواقع لخطأ حدث في الاجتهاد، فهي أحكام ظاهرية يجب العمل بها على المجتهد وعلى من يُقلّده، وهي مجزية عند الله ما دام لم ينكشف الخطأ. وعند الأصوليين بحث مبسوط في كيفية الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، ومن هذا المنطلق نشأ رأي لأحد كبار الأصوليين في القرن الرابع عشر، ألا وهو الشيخ ملا محمد كاظم الخراساني (م 1329 هـ)، وهو صاحب كتاب «كفاية الأصول» أهم كتب الأصول الدراسية لحد الآن، وهو محور المحاضرات الأصولية المعبّر عنها بـ «البحث الخارج» ـ وهو رأي خاص في الملاكات التي روعيت في إنشاء الأحكام، ثم الحكم الإنشائي الذي هو مجرد إنشاء من دون تحديد حدوده وتقييد قيوده، ثم الحكم الواقعي المشروط والمعلق ثم الحكم الواقعي المطلق، فحصر الأحكام الواقعية في ما بلغ المكلّفين وقامت لديهم الأدلة عليه من دون خطأ في الاستنباط، وأما ما لم يصل إلى هذه المرحلة فهو حكم إنشائي أو حكم واقعي مشروط.
والحق أن علم الأصول عند الشيعة في القرنين الأخيرين وُجد له طابع فلفسي، فكثير من مسائلها اختلطت بالفلسفة، فلا يفهمها من لا يعرف الفلسفة الإسلامية. وقسم آخر منها من فرط غموضه هو بنفسه نوع من الفلسفة. وقد سرى ذلك إلى كثير من المسائل الفقهية الفرعية، فلها لون فلسفي أيضاً.
وأما تثليث الأحكام الى الاولية، والثانوية، والولائية، فقد نشأ من ملاحظة ان الاحكام التي شرّعها الله لموضوعاتها من دون عروض حالة خاصة عليها، كوجوب الصلاة والصوم وغيرها من الواجبات، وكحرمة الخمر ولحم الخنزير وغيرهما من المحرمات، هي الأحكام الأولية باعتبار تشرعيها أولاً، فإذا عرض ما غير الأحكام الأولية من الضروريات والأضرار ونحوها مثل الاضطرار إلى أكل لحم الميتة، أو شرب الخمر لرفع العطش أو للتداوي إذا انحصر الأمر فيه، وما شابه ذلك، فالحكم العارض بحسب الحالة العارضة هو حكم ثانوي لا يعارض الحكم الواقعي الأول، }}}}}}لأنه ليس في عرضه وإنما هو حكم ثانوي لا يعارض الحكم الواقعي الأول،(((((( لأنه ليس في عرضه وإنما هو في طوله )))))){{{{{، لأنه إنما جاء بعد تبدّل الموضوع بطروء الحالة العارضة، وهو باق إلى أن تزول تلك الحالة العارضة. والفقهاء يرفعون التضاد والتناقض بين كثير من الأحكام من هذا الطريق، ومنها رفع التضاد بين الأحكام الواقعية والظاهرية كما مر.
ومن هذا المنطلق يدخلون في علاج التعارض بين الأدلة والأصول، فوضعوا مصطلحات: التخصيص ـ وهو مصطلح عام ـ والتخصّص، والحكومة والورود، فإن الأدلة والأصول المتعارضة ليست على طراز واحد بل على أشكال متفاوتة في نسبة بعضها إلى بعض، وأعتقد أن أعمق المسائل الأصولية، وأشدّها غموضاً هو معرفة إجراء هذه المصطلحات في مجاريها المقرّرة وعدم الخطأ فيها.
وأما الأحكام الولائية فهي ما يحكم بها الإمام القائد العام، المعبر عنه بـ «ولي أمر المسلمين» وهو ما اصطلح عليه المسلمون عموماً، مع فارق بينهم في المصاديق، فعند الجمهور كل من تصدّى للحكم واتفق عليه الناس فهو ولي الأمر، بشروط عند بعضهم، وعند أتباع آل البيت هذا المنصب خاص بأشخاص معنّيين من آل البيت، وهم الأئمة الاثني عشر، ثم من ينوب عنهم من الفقيه العادل الجامع للشرائط. وهذه الأحكام كثير منها من قبيل الأحكام الثانوية وهي تنشأ من عروض عارضة توجب تغيير الأحكام الأولية، وقسم كبير منها مفوّض إلى وليّ الأمر بما يراه من المصالح العامة للمسلمين فيحكم ويصدر لما لا حكم له فيه من المباحات ويعبر عنها الشهيد السيد محمد باقر الصدر بمنطقة الفراغ، حكماً جديداً لا يوجد فيما شرعه الله. وهذا ما اشتهر بـ «ولاية الفقيه» التي كان الإمام الخميني (رض) يعوّل عليها كثيراً في أحكامه وآراءه، وكان يقول إن هذه الولاية في نفسها من الأحكام الأولية، لكن ما يحكم به الولي الفقيه استناداً إلى هذه الولاية هي من الأحكام الثانوية، أو كما شاع التعبير عنها من «الأحكام الولائية».
وفي ذيل باب التعارض ـ كما سبق ـ باب بعنوان «التزاحم» وهذا يرجع إلى ملاحظة المصالح وملاكات الأحكام والترجيح بينها، وترجيح الأهم على المهم، وهذا المبحث مصيره إلى بحث «مقاصد الشريعة» وإلى استنباط وجه الشبه في الأقيسة والأشباه والنظائر ونحوها عند الجمهور. والولي الفقيه له مجال واسع في الإفادة من جميع ذلك. وهذه هي نقطة اتصال الاجتهاد عند الفريقين وللمشاركة الفعالة والجهود المماثلة بين فقهاء الفريقين في هذه وفي غيرها من طرق الاجتهاد ومسائل الفقه مجال واسع سوف يكون فيه حل لكثير من المسائل الفقهية، ولا سيما في صعيد الحكم والسياسة، والاقتصاد، والصحة، والصناعة، وغيرها بإذن الله تعالى.
وكذلك فيه تعايش فقهي بين أئمة المذاهب الإسلامية وخير كبير للمسلمين. والتعايش العلمي والتعاون الثقافي من أهم طرق التقريب بين المذاهب، وربما يكاد يعتبر سبباً وحيداً، للوحدة الإسلامية المنشودة من قبل المصلحين من علماء الأمة في هذا القرن.
ضوابط الاجتهاد عند الشيعة
بعدما مرّت علينا من الأبحاث، لا يكاد يخفي على أحد أن الاجتهاد يتطلب شروطاً وأسباباً يجب اجتماعها عند المجتهد ـ نذكرها بإيجاز:
الأول: معرفة جملة من العلوم: كالعلوم الأدبية من اللغة والصرف والنحو والاشتقاق والبلاغة ونحوها وكالعلوم القرآنية وخاصة التفسير عموماً وتفسير آيات الأحكام خصوصاً، وكثير من الباحثين حصروه في معرفة آيات الأحكام، والصواب التعميم لكل آيات القرآن، لأن في معرفتها بصيرة بالأحكام الإلهية وبسر التشريع، ثم بما شرعه الله تعالى للأمم الغابرة.
وأيضاً معرفة السيرة النبوية ـ وغفلوا عنها غالباً ـ والسنَّة النبوية والأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت بعد تمحيصها وتوثيقها سنداً ومتناً، وكان لأستاذنا الإمام البروجردي رأي خاص في وجوب الرجوع إلى روايات الجمهور وأقوالهم وفتاويهم الشائعة في عصر أئمة أهل البيت، لأن كثيراً من أقوالهم وآرائهم ناظرة إلى ما شاع بين المسلمين من التفاوى والأحكام في عصرهم، كما أن جملة من السائلين عنهم كانوا من فقهاء أهل السنَّة، ثم انتقلوا إلى مذهب الشيعة، أو بقوا على مذهبهم ورووا روايات أهل البيت وجمعوها في كتاب وهم جملة من أصحابهم. فهؤلاء السائلون والرواة أنست نفوسهم بما شاع عند الآخرين فرجعوا إلى أهل البيت ليعرفوا موقفهم أمام الآخرين ـ فكان الأستاذ يقول: إن فهم كثير من أقوال الأئمة مبني على معرفة تلك الآراء، ومن هذا المنطلق كان يؤكد على أصحابه معرفة المسائل الخلافية في صعيد الفقه ومعرفة ما دارت على المسائل من الأحوال عند المذاهب الفقهية، وطالما كان يقول: إن قدماء أصحابنا كانوا حافظين لمسائل الخلاف عن ظهر القلب.
وكذلك يشترط معرفة علم مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وتاريخ القضاء والفقه بل وشيء كثير من التاريخ السياسي وسيرة الخلفاء والحكام، ودورهم في إصدار الفتاوى من قبل القضاة ورجال الفتوى، بل تاريخ نشأة المذاهب الفقهية على العموم.
وأيضاً معرفة الفقه والفقهاء البارزين في المذهب، ومعرفة علم الأصول تفصيلاً، وعلم الكلام ومباحث من الفلسفة وعلم المنطق والنجوم والأوزان، والنقود ونحو ذلك مما يحتاج إليه الفقيه في بعض الأحيان.
وأيضاً معرفة الأعراف والعادات، فإن للعرف دخلاً كبيراً في تشخيص الحاجات ومعرفة الحوادث، ومعرفة متطلبات الأعصار ولا سيما في هذا الزمان بالذات. ومن ذلك يعلم أن الاجتهاد قد تعددت أسبابه ومقدماته مما لا يحيط بها عادة مجتهد واحد، ومن أجله اقترح بعض الباحثين تنويع الاجتهاد وإيكال كل نوع إلى من اختص به، أو إيكال قسم من المسائل النوازل والمستحدثة إلى لجنة فتوائية جمعت بين أحضانها الأخصائيين في كل نوع من أنواع الفقه من الفقهاء، بل وغير الفقهاء من الخبراء في ما يحتاج إليه من العلوم الحديثة، والفنون المستجدة، والمفاهيم الجديدة.
الثاني، يرى كثير من الفقهاء الكبار شرط الاجتهاد في جميع هذه العلوم ولا يكفي التقليد فيها، وهذا الشرط في معرفة الكتاب والسنَّة وضوابط الاستنباط وعلم الأصول ونحوها كاد أن يكون مجمعاً عليه، فإذا أفتى المجتهد بشيء اتكالاً على فهم غيره من الكتاب والسنَّة، أو توثيق غيره للخبر، أو رأي غيره في قاعدة أصولية من دون اجتهاده هو فيها، فهذا نوع من التقليد، أو قل: هو اجتهاد في نطاق المذهب، وليس اجتهاداً مطلقاً، وفي أقسام الاجتهاد كلام كثير عند الفقهاء من جميع المذاهب.
الثالث: العقل السليم، وحسن التشخيص واستقامة الرأي، والحذاقة التامة التي لا تحصل إلا بالممارسة الدائبة، واستفراغ الوسع ليل نهار ونحوها مما يجب حصوله في جميع العلوم والصناعات. وبعض فقهاء الإمامية زادوا شرطاً آخر ربما يرجع إلى بعض ما ذكر، وهو أن يملك المجتهد قوة قدسية، وذوقاً فقهياً وشماً تشريعياً، وهي مما يهبها الله تعالى لأهل التقوى والهداية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام…}([748]) وتتطلب جهاداً كبيراً، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}([749]).
الرابع: الإخلاص والتقوى والتعهد والالتزام بما شرعه الله، والتحفظ والتماسك عن التساهل في الفتوى، والاجتناب عن الأهواء والآراء وعن التأثر بما يبدعه المبدعون في كل عصر ولا سيما في هذا العصر الذي غلبت فيه الأهواء.
الخامس: رعاية الترتيب بين الأدلة حسب ما أومأنا إليه، فلا يقدم ما حقه التأخير، ولا يؤخر ما حقه التقديم، وهذا يرجع إلى الحذاقة التامة والخبرة الكاملة في الاستنباط والتفقه بكل معنى الكلمة، وكذلك عرض بعض الأدلة على بعض ولا سيما عرض السنة على الكتاب وهو موضع اتفاق عند أولي الألباب.
محمد واعظ زاده الخراساني
فلسفة الفقه
البواعث
انطلقت الدعوة لبناء علم يعنى بفلسفة الفقه في السنوات الأخيرة في الحوزة العلمية، وعقدت عدة ندوات ونشرت عدة مؤلفات وبحوث تعالج ماهية هذا العلم ومجاله ومسائله. ويمكن القول إنّ بواعث هذه الدعوة تتلخص فيما يلي:
1 ـ إنَّ قيام الدولة الإسلامية وسعيها لأسلمة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية طرح عدداً وفيراً من الاستفهامات الفقهية الجديدة، مما لم يألفها العقل الفقهي من قبل، وتجاوزت الاستفهامات التعرف على الأحكام الشرعية الخاصة بالاجتماع الإسلامي إلى السؤال عن: مجال الفقه وحدوده، وقيمة الفقه الموروث، وأثر الزمان والمكان في الاجتهاد، وعلاقة الاستنباط الفقهي بالعلوم البشرية ومكاسبها، وأثر خلفية الفقيه ورؤيته الكونية في اقتناص مدلول النص، وضمانات موضوعية عملية الاستنباط وعدم تعرضها لتحيزات ومواقف قبلية… وغير ذلك.
ولم يكن بوسع الفقه أو علم الأصول المتداول الإجابة عن الكثير من هذه الاستفهامات، مما حفّزَ بعض الدارسين لتحليل تلك الاستفهامات واقتراح مجموعة رؤى ومفاهيم وافتراضات، تصلح أن تشكل بنية تحتية أولية لتدشين علم جديد خارج مجال الفقه وأصوله.
2 ـ تطور العلوم الإنسانية، خاصة ما يتصل منها بوشيجة عضوية بعلم الأصول والفقه، مثل: الألسنية والاتجاهات النصوصية الراهنة، والحقوق والقانون وفلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والإنثربولوجيا… وغيرها.
وانفتاح نخبة من طلاب الدراسات الشرعية على هذه العلوم، عبر تجسير العلاقة بين الحوزة والجامعة، وانخراطهم في دراسات تكميلية في فروع العلوم الإنسانية في الجامعة، ومتابعة دراساتهم العليا في هذه الفروع، بل وابتعاث البعض منهم لمواصلة تعليمه في الجامعات الغربية، ثم عودته بعد التأهيل الأكاديمي لممارسة وظيفته كباحث وأستاذ في الحوزة العلمية.
وكان لحضور هذه النخبة في أروقة الحوزة أثر بالغ في إضاءة شيء من الأبعاد الخفية للعلاقات بين علم الأصول والفقه من جهة والعلوم الإنسانية المعاصرة من جهة أخرى، واكتشاف بعض الحقول المشتركة والقواعد العامة بينهما.
وهكذا أضحى من الأهمية بمكان المناداة بصياغة فلسفة للفقه تكون بمثابة ما للعلوم الأخرى من فلسفات، وتتناول هذه الفلسفة تحليل ماهية ذلك العلم، وفهمها فهماً يغور في خلفياتها، ويوضح مناهجها، ويبين التنظيم الأمثل لتلك المناهج، ودائرتها، وأهدافها، ومجموعة العوامل التي تتحكم في تقنين أسس العلم ومرتكزاته.
الشعور بضرورة إصلاح النظام التعليمي في الحوزة العلمية، وعقد عدة ندوات علمية لمناقشة هذه المسألة، ودراسة مواطن قصور العلوم والكتب المتعارفة في الدرس الحوزوي عن الوفاء بالمتطلبات المعرفية والثقافية للاجتماع الإسلامي اليوم.
وتبلور جملة رؤى تدعو لاستئناف النظر في التراث، وإعادة بناء العلوم الإسلامية، وتدشين حقول جديدة تواكب وتيرة التحولات الحياتية المتسارعة، وتجيب عمّا يتوالد على الدوام من إشكاليات تكتنف التجربة الفقهية. فكانت فلسفة الفقه من أهم الحقول التي نادت بها طائفة من المهتمين بإعادة بناء العلوم الإسلامية، باعتبار أن حيوية الاجتهاد الفقهي تستند إلى حيوية الاجتهاد في بقية العلوم الإسلامية، والحرص على تنمية روح الإبداع وتأصيل علوم جديدة، مثلما نمت بالتدريج العلوم الإسلامية عمودياً وأفقياً بمرور الزمان.
الأغراض
ليس المقصود من كلمة «فلسفة» المضافة إلى «الفقه» هو المعنى المعروف للفلسفة في تراث المعقول الإسلامي، وهو «العلم بأحوال الموجود من حيث هو موجود» لأن الفلسفة بهذا المعنى تُعنى بدراسة الوجود المطلق والأعراض اللاحقة للوجود بنحو عام. بينما فلسفة الفقه مثل بقية الفلسفات المضافة التي تطل على موضوعها من الخارج، وتتولى تحليله وتفسيره واستكناه أبعاده وحدوده، والتعرف على ماهية ذلك العلم، بوصفه ظاهرة قابلة للبحث والتحليل، مضافاً إلى دراسة القبليات والفرضيات المستترة وراء المقولات والقواعد الكلية ويتحكم في مناهجه.
إنّ فلسفة الفقه تطمح لبيان حقيقة علم الفقه والكشف عن الهوية التاريخية والاجتماعية للفقه، وتحديد العناصر الراقدة خلف عملية الاستنباط، من مسلّمات وفرضيات وقبليات ومباني تتنوع بتنوع تجارب الاستنباط، وطبيعة الفضاء المعرفي الذي تتمخض في داخله تلك التجارب. وبعبارة موجزة يترقب دعاة فلسفة الفقه أن يتولى هذا العلم تفكيك نسيج الفقه ليرينا كيفية صياغته، ويكشف لنا عن طبيعة المعارف والأدوات الخفية الثاوية في بنيته الداخلية، بنحو نستطيع معه تشخيص ثغوره وتخومه ومساراته، وكافة منابعه ومرتكزاته وسماته وأهدافه.
إنّ فيلسوف الفقه كأنه باحث في الآثار، فعندما يحفر الآثاري طبقات التربة ويغور في أعماق التلال الأثرية، يبتغي التعرف على النمط الحضاري السائد قبل آلاف السنين، ثم يقوم بتشكيل صورة تشي بخصائص وأحوال الحضارة موضوع دراسته، بالإفادة من مجموعة لُقى وأختام وألواح طينية وفخاريات أثرية، وإجراء بحوث تحليلية دقيقة عليها، بتفحص وتأمل كل شكل أو صورة أو كتابة أو إشارة مهما كانت بسيطة وتوظيفها في قراءة تلك الحضارة.
وهكذا يعمل الدارس في فلسفة الفقه، فإنه يمارس حفريات معرفية في التراث الفقهي، بهدف بلوغ الأنساق الداخلية الخفية، والمقدمات والمبادىء والمسلمات غير المرئية التي تسبق العناصر المرئية الظاهرة في الاستنباط، وتوجه مسار عملية الاستدلال الفقهي، سواء كانت آراء كلامية، أو مقولات فلسفية، أو علوماً اجتماعية، أو موروثات تربوية مترسبة في لا وعي الإنسان منذ المراحل الأولى في حياته.
وهذا يعني أن فلسفة الفقه تستقي أدواتها من عدة علوم؛ لذلك ينبغي أن تنفتح على مكاسب العلوم الإنسانية الراهنة، للاستعانة بها في حفرياتها المعرفية؛ لأن تبلور صيغة نظرية علمية لفلسفة الفقه في وعي الدارسين يتوقف على تلقي بعض الأسس في اللسانيات والهرمنيوطيقا، وفلسفة العلم… وغير ذلك.
المواقف
فلسفة الفقه علم في طور الصيرورة والتشكل، وهو كأي علم في مرحلة ولادته يصبح مجالاً رحباً لتنوّع الاجتهادات وربما تباينها، وتعدد الآراء وتقاطعها، وقد يفضي ذلك إلى سجالات ومنازعات لفظية ينجم عنها اضطراب المواقف والتباسها.
وتبدو هذه الحالة بوضوح في فلسفة الفقه؛ لأن هناك طائفة من طلاب العلوم الإسلامية تتبرم حتى من العبارات البيانية الجديدة، وتضيق ذرعاً بأية محاولة لتنمية الموروث، فضلاً عن تخطّي بعض حقوله. فكيف إذا صدم هؤلاء موقف اجتهادي جديد يدعي أنه يسعى لتأصيل علم ينخل التراث الفقهي، ويتقصى الثغرات المنهجية التي تمنى بها الممارسة الفقهية، ويعلن عن الأطر الجوانية التي تشكل أنساقاً تحتية لهذه الممارسة؟
كما أن بعض دعاة هذا العلم الجديد أنفسهم لم تستبن لهم معالمه ومسائله ومنهجه، فأمسى كل واحد منهم يتكلم في مفهوما ت مختلفة، تمتزج فيها الافتراضات بالأماني والمقترحات.
ولعل ذلك يعود لتنوّع المرجعيات الفكرية التي تصدر عنها هذه الآراء، وعدم مساهمة عدد مناسب من الباحثين في الحوزة العلمية وخارجها في دراسة الرؤى الأولية لفلسفة الفقه، واختبار افتراضات هذا العلم، وتشخيص المنابع التي نهلت منها، ومدى جدّيتها في التعبير عن الأهداف المتوخاة من فلسفة الفقه.
وقد يستغرق النقاش في هذه القضية مدة طويلة نسبياً، وتتسع دائرة المشاركين فيه بالتدريج، مما يعني أن قضية فلسفة الفقه أذكت فاعلية العقل الفقهي فأقحمته عالماً لم يكن في إطار اهتماماته من قبل، وعملت على الإقلاع به عن شيء من مشاغله التقليدية إلى هموم بديلة.
ويمكن القول: إنه متى ما تغلغلت آراء دعاة فلسفة الفقه بشكل أعمق في فضاء الدراسات الشرعية، وأثارت ردود فعل إيجابية وسلبية أوسع، سيعجل ذلك في إنضاج هذا العلم وصياغة معالمه النظرية وتجلي مرتكزاته وأصوله المنهجية.
الاتجاهات
بالرغم من أن تسمية «فلسفة الفقه» أصبحت عَلَماً يستخدمه قطاع من الدارسين عند الحديث عن هذا العلم، غير أن هناك تسميات أخرى يحلو لبعض المهتمين بهذه القضية أن يطلقها، منها على سبيل المثال: ما وراء علم الفقه، علم كلام الفقه، علم علم الفقه، علم معرفة الفقه، نظرية معرفة الفقه، أبستمولوجيا الفقه، علم اجتماع الفقه، سوسيولوجيا الفقه. ويبدو أن هذه التسميات ينطلق كل منها من الزاوية التي يعاينها لفلسفة الفقه، ويحسب أن هذا العلم تتمحور وظيفته حولها. ولا يتوقف تنوّع وجهات النظر عند المسألة السابقة، وإنما يتعدّاها إلى خلط بعض الدارسين بين فلسفة الفقه وأصول الفقه، وبين فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة، فبينما ذهب البعض إلى أن فلسفة الفقه هو شعبة من أصول الفقه، وتحمس في الذود عن رأيه هذا، أدرج آخرون مقاصد الشريعة في فلسفة الفقه، وتمدد واستطال لديه مدلوله بحيث دمج فيه مساحة شاسعة من علوم المعقول والمنقول، زحفت على مباحث من علم الكلام، وفلسفة الدين، وعلم الأصول، والتفسير، والحديث… وغيره.
وأخال أن مثل هذا الخلط لا تسوغه المبررات التي ذكرت في محلها؛ لأن فلسفة الفقه علم لا يلتقي مع أصول الفقه ومقاصد الشريعة إلاّ في إطار لقاء الفقه مع هذين العلمين، بل أنهما أقرب للفقه منهما إلى فلسفة الفقه، إذا ما كان العلم الأخير يرمي لتشخيص النسيج المستتر للفقه واكتشاف أنساقه الجوانية، ومختلف القبليات والمسلمات التي تصوغ المنظورات الفقهية.
وبينما تهتم مقاصد الشريعة بالتعرف على أهداف الشريعة وغاياتها الكلية، وتحديد الحِكَم والمصالح والملاكات الملحوظة للشارع في الأحكام. وتلك مهمة خارج الإطار المفترض لفلسفة الفقه.
وهكذا يدرس علم الأصول القواعد الممهدة للاستنباط، ولا يعالج ما يتصل بعملية الاستنباط من خلفيات ومبادىء.
إن المهمة المفترضة لفلسفة الفقه لا تنصب على تنقيح قواعد الاستنباط، والتنقيب عن دليليتها وحجّيتها، مثلما هي وظيفة أصول الفقه. وإنما يذهب هذا العلم إلى ما وراء تلك القواعد ويعالج قضايا أبعد مدى مما تتحرك في حدوده القواعد الأصولية، كما ألمحنا لذلك فيما سبق.
ويبدو أن دمج فلسفة الفقه بعلم الأصول تارة، وبالمقاصد تارةً أخرى، نجم عن عدم اتضاح المجال الخاص لهذا العلم ومدياته.
ويتجلّى التباس رؤية بعض الدارسين في حيرتهم وارتيابهم من بيان الدور الوصفي التفسيري لفلسفة الفقه، وكيف أنها تتولى الإخبار عن الواقع، ووصف وتفسير مجموعة الظواهر ذات الصلة بالاستدلال الفقهي. وهو دور ينسجم مع أغراض فلسفة الفقه وغاياته. فيما ينشد أولئك الدور المعياري لهذا العلم، ويشددون على نفي الدور الوصفي له.
وهكذا نلاحظ مظهراً آخر للالتباس في السجال حول ما إذا كان فيلسوف الفقه لاعباً في الميدان أم متفرّجاً يطل من الخارج على عملية الاستنباط الفقهي. بينما من الواضح أن فيلسوف الفقه لا يمارس الاستنباط، لكي يحتاج أن يكون في الميدان، وإنما هو يراقب العملية من الخارج، ويحاول اكتشاف وجهتها وما يتحكم بها من عوامل.
ولا يعتقد البعض بجدوى ملاحقة فقه السلف وتقصي فلسفة الفقه التراثي، عبر تحليل الإنتاج الفقهي للأعلام الماضين، ويؤكد على ضرورة أن ينصبّ البحث على ما بأيدينا اليوم من إنتاج فقهي. وبتعبير آخر إن فلسفة الفقه الراهن هي التي تستطيع أن تخدم عملية الاستنباط، أما فلسفة الفقه الماضي فلا تجدي نفعاً في مشاغل الفقه الحاضرة.
لكن هذا الكلام لا يرتضيه مَن يعتقد أن الفقه عبارة عن مجموعة المعطيات المرتبطة وفق نظام معيّن، ولها منهج وغايات محدّدة، وهو ظاهرة ذات هوية تاريخية واجتماعية، وفلسفة الفقه هي التي تبحث عن حقيقة الهوية التاريخية والاجتماعية عبر صيرورتها ولا تجمد في حقبة خاصة، فتدرس الفقه في مقطع يقف عند تلك الحقبة.
هذه إضاءات عاجلة تلخّص المواقف والاتجاهات في فلسفة الفقه، ويمكن أن تتضح بجلاء صورة الاتجاهات وخلفياتها من خلال مراجعة الندوة الموسعة المنشورة في هذا العدد. والتي شارك فيها نخبة من العلماء المهتمّين بقضية فلسفة الفقه.
وستظل بعض أبعاد فلسفة الفقه يلفّها الغموض ما دامت هذه القضية في طور الولادة. ونأمل أن تساهم الأبحاث المنشورة في هذا العدد وما نُشر في الأعداد السابع والثامن والتاسع والعاشر في تبديد شيء من هذا الغموض، ونطمح أن تعمل الرؤى والاجتهادات التي تشتمل عليها هذه الأبحاث في إذكاء الحوار العلمي حول هذه القضية الهامة.
عبد الجبار الرفاعي
ندوة فلسفة الفقه
ونترك لكل من السيد مصطفى محقق داماد، والشيخ علي عابدي شاهرودي، والشيخ صادق لاريجاني، والأستاذ مصطفى ملكيان أن يناقشوا الموضوع:
* هل ثمة علم يمكن أن يسمى فلسفة الفقه؟ وهل بالإمكان إرساء دعائم مثل هذا العلم، والعمل على إيجاده؟ وإذا كانت الإجابة إيجابية، فما هو التعريف الممكن لهذا العلم؟
مصطفى محقق داماد: لسنا ملزمين بتكوين فرع علمي جديد للفقه، يأخذ عنوان «فلسفة الفقه». ولكن بناءً على ما هو موجود بالنسبة للعلوم الأخرى، من قبيل فلسفة العلم، وفلسفة الحقوق، وما إلى ذلك، نستطيع وضع تعريف معين لفلسفة الفقه.
هناك العديد من البحوث والقضايا العقلية يمكن أن تمتثل أمامنا عند دراسة المسائل الفقهية، وليست هذه البحوث والقضايا هي ما يمكن اعتباره «فلسفة الفقه»، وإنما يبدو التعريف الأسلم لفلسفة الفقه اعتبارها مجموعة البحوث العقلية للفقه. والمراد بالبحوث العقلية السابقة للفقه (أو القبلية) هي تلك الأبحاث التي ينبغي الوصول بشأنها إلى نتائج متينة بالبراهين العقلية، قبل الدخول في حيّز الفقه، لكنها لا تعتبر إطلاقاً من المسائل أو البحوث الفقهية. فمن الواضح والمتفق عليه أن قضايا كل علم هي كل المحمولات على موضوع العلم. وإذا كان «موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، فإن موضوع علم الفقه هو «أفعال المكلفين» إذن فمسائل علم الفقه ما يحمل على أفعال المكلفين وحسب، دون القواعد الفقهية والضوابط والمقاصد الفقهية. فلكل من قواعد الفقه والنظريات الفقهية والضوابط الفقهية والمقاصد الفقهية تعريفها المستقل.
والبحوث التي أسميتها قبليات فقهية، ترتبط بطبيعة الحال بعلم الكلام، لكنها ليست من أصول الفقه، بالرغم من أنها قد تدرس أحياناً في أصول الفقه؛ لأن علم أصول الفقه علم ذرائعي موضوعه «الحجة في الفقه» وينقل عن السيد حسين البروجردي أنه كان يقول: كل ما هو حجة في الفقه فهو موضوع لعلم الأصول، ولا بد للقضايا التي تبحث في علم الأصول أن ترجع بنحو من الأنحاء إلى «الحُجيّة» فتعتبر حججاً شرعية عليه، فإن فلسفة الفقه هي المباحث العقلية قبل الفقهية، والممتزجة عادةً بالقضايا الكلامية.
مصطفى ملكيان: أجل.. يمكن أن يكون هناك علم باسم «فلسفة الفقه»، على الرغم من أنه لم يظهر لحد الآن كعلم مدوّن مستقل ومتكامل.
طوال تاريخ الفكر الإسلامي طرحت تعاريف متعددة لعلم الفقه، تشترك في بعض النقاط وتفترق في بعضها، فتارة عرّفوه بأنه «العلم بالأحكام الشرعية العملية» الناتج عن «الأدلة التفصيلية لتلك الأحكام»، وتارةً اعتبروه «العلم بمجموع الأحكام الشرعية الفرعية الكلية، أو الواجبات التي يضعها الشارع أو العقل، في حال عدم وجود واجبات القسم الأول».
ومهما كان تعريف علم الفقه، فإن موضوعه ليس فرعاً علمياً (discipline)، وعليه فإن هذا العلم من علوم الدرجة الأولى. أما إذا وجد علمٌ يكون موضوعه علم الفقه (الذي هو بحد ذاته فرع علمي)، فإنه سيكون بلا شك من علوم الدرجة الثانية. ويسمى «فلسفة علم الفقه»، أو باختصار «فلسفة الفقه»، وهذا العلم الجديد، أي فلسفة الفقه، يتحدث عن علم الفقه كما ذكرنا. وكل ما يقال عن علم الفقه يمكن أن يدخل في دائرة اهتمام فلسفة الفقه. وللمثال نشير إلى ما سمّاه الماضون بالرؤوس الثمانية للعلم، فإذا أردنا تطبيق ذلك على علم الفقه، لكان ذلك من اختصاص فلسفة الفقه. أي أن تعريف علم الفقه، وموضوعه، وغرضه أو الغاية منه، وفائدته، ومرتبته بين العلوم، ومبدعه ومدوّنه، ولائحة القضايا المطروحة فيه، ونواحيه التعليمية، تنتمي جميعها إلى فلسفة الفقه (واضح أنني هنا لست بصدد أي نفي أو إثبات لأصل الرؤوس الثمانية التي وضعها القدماء).
والنتيجة هي أن فلسفة الفقه إذا كانت علماً موضوعه علم الفقه، فهي علم ممكن إذ ما هو المانع من ظهور علم موضوعه أحد العلوم الموجودة؟ وفلسفة الفقه في هذه الحالة ستكون كفلسفة الرياضيات أو فلسفة المنطق أو فلسفة الفيزياء أو فلسفة الأحياء أو فلسفة علم النفس أو فلسفة الاقتصاد، وهي جميعها علوم موضوعها علوم أخرى.
ولكن لا يكفي القول: إن فلسفة الفقه علم موضوعه الفقه. فلا بد من توضيحات أخرى لتبيين مفهوم فلسفة الفقه.
الإنسان المسلم يعتبر مجموعة من النصوص نصوصاً دينية مقدسة. وثمة مسألتان مهمتان تطرحان فيما يتعلق بهذه النصوص.
أولاً: من أين لنا أن نتأكد أنَّ هذه النصوص صدرت حقاً عمّن تنسب إليهم (مسألة وثاقة النص)؟ فالشيعي مثلاً لديه نصوص مقدّسة تحتوي كلام الله عزّ وجلّ وأربعة عشر إنساناً يعتبرهم معصومين عن الخطأ. والسؤال الأول الذي يتفتح في ذهنه: هل النصوص المتضمنة لأقوال الله والمعصومين هي كذلك بالفعل؟ أي ما هو الدليل على أن هذه النصوص هي فعلاً أقوال وأفعال وتقارير أولئك النفر من الناس؟
وثانياً: على افتراض صحة صدور هذه النصوص عمّن تُنسَب إليهم، من أين لنا أن نعلم أن مضامين هذه النصوص مضامين حقة صحيحة لا خطأ فيها؟ والحق والصحة هنا يفيدان معانٍ أعمّ وأوسع من معنى «الصدق»، تشمل القضايا الإخبارية والإنشائية. فما هو البرهان على أن كل ما يقوله هؤلاء الأشخاص صحيح وحق؟ وعلى أقل تقدير ما هو الدليل المسبق على أحقية ما يقوله أولئك النفر (مسألة قداسة النص)؟
بعد أن يعالج المسلم هاتين المسألتين ويصل فيهما إلى نتيجة مقنعة، يتفطن إلى أن القضايا المطروحة في النصوص الدينية المقدسة تنقسم للوهلة الأولى إلى قسمين: القضايا التي تحكي الواقع. والقضايا التي ترسم الواجبات، والالتفات إلى هذا التصنيف يقوده إلى طرح مسألتين أخريين.
ثالثاً: ماذا تقول النصوص الدينية بخصوص عالم الواقع (بالمعنى الواسع لكلمة الواقع)؟ فما هو الخطاب الديني المودع في النصوص حول عالم الأنفس وعالم الآفاق، وعالم الطبيعة وعالم ما وراء الطبيعة، وحول الماضي والحاضر والمستقبل، وحول الدنيا وما قبلها وما بعدها، وعن الله والإنسان وباقي الموجودات و…؟ وعموماً ما هي الصورة التي ترسمها النصوص الدينية لعالم الوجود؟
رابعاً: ما يقول النص الديني حول واجبات الإنسان تجاه ربه ونفسه والآخرين والبيئة التي تحيط به؟
جواب هذين السؤالين يكمن في تفسير النصوص المقدسة، وجواب السؤال الثالث يضع ركائز النظام الكوني الديني، بينما جواب السؤال الرابع يرسم معالم النظم الفقهية والأخلاقية في الإسلام.
ثم يأتي الدور لطرح ومعالجة مسألتين أخريين:
خامساً: كيف يمكن تبرير (justification) جميع أجزاء النظام الكوني الديني، والدفاع عنها إزاء إشكالات وشبهات الآخر؟
سادساً: كيف يتسنّى إثبات جميع مكوّنات النظام الفقهي (أو النظم الفقهية والأخلاقية) في الدين والدفاع عنها؟
الخوض في المسألة الرابعة من مهمة علم الفقه (أو علمي الفقه والأخلاق). فمهمة الفقه استخراج كافة الواجبات الدينية التي يجب على الإنسان الالتزام بها من النصوص الدينية. وليس للفقيه من وظيفة سوى التدليل على أن جميع الواجبات المحددة للإنسان تستند إلى نصوص الدين.
أما الاضطلاع بالمسألة السادسة، وهي مسألة مترتبة على المسألة الرابعة فإنه من مهام علم الكلام. هذا مع أنني ذكرت في موضع آخر أن علم الكلام بالشكل الذي نراه في الثقافة والفكر الإسلاميين، لم ينهض لحد الآن بهذه المهمة. عالم الكلام بقبوله لرأي الفقيه (أي على افتراض أن الواجبات التي يعيّنها الفقيه للإنسان تستند حقاً إلى النصوص الدينية المقدسة) ينبغي أن يتصدى للدفاع عن صحة هذه الواجبات وأحقّيتها ويقدم التبريرات للأحكام القيمية التي يتوصل إليها الفقيه.
أما المسألتان الثالثة والخامسة، فقد اعتبرها المتكلمون منذ القدم ضمن دائرة اختصاصهم مع أنني سبق أن ذكرت في نفس الموضع أن اهتمامهم انصبّ على أهم أجزاء النظام الكوني الديني (كالتوحيد والنبوة والمعاد).
والمسألة الثانية أيضاً كانت تعتبر دائماً من وظائف علم الكلام، فهنالك كان المتكلمون يستدلون ببعض صفات الله تعالى، كالعلم المطلق وخيره المطلق على صحة كلامه الوارد في القرآن الكريم. ولإثبات أحقية كلام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام استدلوا بعصمتهم، وطهارتهم المطلقة من كل أنواع الأدران.
أما المسألة الأولى، أي كيف نعلم أن النصوص التي في أيدينا صدرت فعلاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين عليهم السلام فإحرازها بالنسبة للقرآن الكريم يتأتى عن طريق تواتره، وبالنسبة للأحاديث والروايات عن طريق قواعد علم الرجال.
بهذه الإيضاحات نقترب شيئاً فشيئاً من مفهوم فلسفة الفقه. لا شك أن التطرق للمسألة الرابعة لا يتوقف إطلاقاً على الخوض في المسألتين الخامسة والسادسة، بمعنى أن علم الفقه لا يتوقف على تلك الأجزاء من علم الكلام التي تتولى معالجة المسألتين الخامسة والسادسة، فهو غني تماماً عن هذه الأجزاء، ولكن هل ترتهن المسألة الرابعة بالمسائل الأولى والثانية والثالثة؟ هنا يبدو أن القضية مرتهنة تماماً، أي أن المسألة الرابعة تتوقف على الأولى والثانية وأجزاء من المسألة الثالثة. بمعنى أن الفقيه من أجل أن يدلل على أن واجبات الناس هي حقاً هذه التي يطرحها، عليه إثبات:
أولاً: أن النصوص التي استخلصت منها الواجبات تتمتع بوثاقة عالية.
وثانياً: أن الذين صدرت عنهم هذه النصوص لا يتكلمون إلاّ الحق.
وثالثاً: هنالك حياة بعد الموت، ونظام الوجود نظام قائم على العمل والجزاء و…
ولا بد له أيضاً من إثبات صحة ومتانة المنهج التفسيري الذي استنبط به الواجبات من الكتاب والسنَّة.
إذن على علم الفقه إثبات أربعة أنواع من المسائل؛ ليصل إلى مبتغاه. وإثبات كل واحدة من تلك المسائل يرتكز على إثبات طائفة جديدة من المسائل الأخرى، وهلمَّ جرا.
ولكن من ناحية أخرى لا يوجد أي علم بما في ذلك علم الفقه، يستطيع إثبات جميع المسائل والقضايا التي يستعملها، وليس أمامه سوى أن يفترض صحة الكثير منها ليباشر عمله، فهو يفترض صحة القضايا والمسائل التي لا تعد جزءاً من مسائله، وهي قضايا ومسائل تعتبر قبليات ومفروضات ذلك العلم. وعلم الفقه كباقي العلوم له مفروضاته وقبلياته (وبتعبير القدماء مبادئه التصديقية)، أي أنه يعتقد بصدق قضايا وآراء من دون أن يقيم على ذلك دليلاً، وقد تكون هذه المفروضات شعورية أو لا شعورية، وقد تكون صريحة أو مضمرة، لكنها ضرورية للسبب الذي ذكرناه.
الأنواع الأربعة من المسائل التي أشرنا إليها هي مفروضات علم الفقه. ومفروضات كل علم تستعمل في موضعين أساسين:
الأول: مقام النظر للأشياء والأمور.
والثاني: مقام الاستدلال والاستنتاج.
والفقيه يستعمل هذه المفروضات في نظرته للقرآن والروايات ويستعين بها كذلك في استدلالاته واستنتاجاته الفقهية.
وتشخيص مفروضات علم الفقه وتصنيفها والبحث النقدي فيها وإثباتها (إن أمكن ذلك) من اختصاصات فلسفة الفقه. وقبل أن نزيد من توضيح هذا المعنى من المناسب التدقيق أكثر في هذه المفروضات (القبليات) وأنواعها:
1 ـ المفروضات المفضية إلى القطع أو الظن القوي بوثاقة النصوص الدينية. وقد قيل: إن الفقهاء يستفيدون وثاقة القرآن عن طريق التواتر، ووثاقة الأحاديث والروايات بواسطة قواعد علم الرجال. ولكن ينبغي الالتفات إلى أن ما يسلّم به الفقهاء من أخبار متواترة، وأخبار محفوفة بالقرائن، وإجماع كاشف، وبناء العقلاء، أو سيرة المتشرعة الكاشفة عن رأي المعصوم، وارتكاز المتشرعة وما شاكل، هي في الواقع مسائل ترتبط جميعها بمنهجية العلوم التاريخية؛ لذلك لا يستطيع الفقهاء إغفال مفروضات ومعطيات مناهج العلوم التاريخية الحدثة، وإنما لا بد من التأثر بها.
ففي مجال المفروضات التي يستعملها الفقهاء، ثمة الكثير من الإشكالات والتساؤلات لا يمكن ولا ينبغي تجاهلها أو إغفالها. أفلا يعني تسامح بعض الفقهاء وفي وثاقة الأحاديث وتشدّد بعضهم الآخر في هذه الوثاقة، أن أساليب بحثهم في المعطيات التاريخية ليست أساليب علمية ممنهجة؟ وهل يكشف علم الرجال وقواعده عن الجعل والدس والوضع العمدي، أم أنه يكشف أيضاً عن السهو والاشتباهات والضعف والافتقار إلى المقومات العلمية اللازمة للوصول إلى أحاديث المعصومين عليهم السلام؟ وهل العقل والضبط والعدالة والإسلام (أو التشيع) هي الشروط اللازمة في الراوي لقبول روايته، أم أنها شروط كافية، أم لازمة وكافية في آن واحد؟ ثم هل هذه الشروط الأربعة ممكنة الضبط والتحديد والقياس العيني (objective) الدقيق أساساً أم أنها تطلق على الرواة بحسب الأذواق والميول؟ وهل أسباب الكذب محصورة بالمصالح والأغراض والحب والبغض، كي نكتفي بشرط العدالة سداً يحول دون تسرب الروايات الكاذبة؟ ثم هل خضعت مسألة «الحب» هذه للتدقيق الوافي؟ وإذا كان جميع الرواة مسلمين (أو إماميين) أفلا يجعلهم هذا الأمر أصحاب منافع وميول نفسية مشتركة؟ وهل تقود المنفعة أو الميل النفسي إلى الصدق أكثر، أم إلى الكذب؟ وفي قبول أو عدم قبول الخبر الواحد أفلا يجب التفريق بين أن تكون طبيعة الواقعة تقتضي تعدد الشهود، وبين أن لا تقتضي ذلك؟ وماذا يجب أن تصنع إزاء إمكان أو امتناع وقوع الخبر؟ وهل للنقد الأدبي لنصوص الأحاديث والروايات دور في قبولها ورفضها أم لا؟ هذه الأسئلة والعشرات وغيرها تلقي على كاهل فلسفة الفقه مسؤولية المقارنة بين قبليات علم الفقه وبين ما يتوفر اليوم من منهجية العلوم التاريخية، واستخدام هذه المناهج الحديثة في تصحيح وتكميل المفروضات.
2 ـ المفروضات المؤدية إلى جزم الفقيه بحقانية أقوال وأفعال وتقارير أئمة الدين. وهذه هي المفروضات التي تقنع الفقهاء بعصمة أئمة الدين، وما قيل عن المعاجز وتنصيص الأنبياء السابقين وجمع الشواهد والقرائن، مما يستند إليه صدق نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما قال به فقهاء الشيعة من عصمة المعصومين الأربعة عشر وحجية أقوالهم وأفعالهم وتقاريرهم، تنفع جميعها في هذه المهمة وقد اعتبر الفقهاء هذه الفئة من المفروضات صحيحة، وتركوا إثباتها على عاتق علماء الكلام. وهذا ما يبرر دخول فلسفة الفقه إلى حيّز «فلسفة الدين» وحيّز «الكلام الإسلامي»، لكي تتضح عن هذا الطريق مفاهيم مثل النبوة والإمامة والعصمة وعلم الغيب والمعجزة. هذا أولاً، وثانياً لكي تُستحصل براهين متينة لصالح هذه المفروضات، فمثلاً بعد التشخيص الدقيق للمراد من «المعجزة» ينبغي التحقيق في هذه الأمور:
أ ـ هل المعجزة ممكنة الوقوع؟
2 ـ هل حصلت معجزة على امتداد التاريخ.
وتحديداً هل صدرت معجزة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
ج ـ على ماذا يدل وقوع المعجزة: على وجود الله أم على صدق نبوة صاحب المعجزة، أم على حقانية الدين، أم أفضلية قوم على باقي الأقوام، أم أنها لا تدل على أي من هذه الأمور، وإنما هي آية على وجود علم وقدرة لدى صاحب المعجزة يفتقر إليهما سواه؟
3 ـ مفروضات عالم الواقع (factual) التي لا بدَّ للفقه منها، كوجود الحياة بعد الموت، وأنَّ نظام الوجود نظام أخلاقي، أي أنه نظام عمل وجزاء تختلف فيه عاقبة الإحسان عن عاقبة الإساءة. والسعادة والشقاء في العالم الآخر مرتهنان بسلوك الإنسان في هذا العالم، كما يرتبطان بالنية في أداء الأعمال.
4 ـ المفروضات التي تقوم عليها صحة تفسير الفقيه للنصوص الدينية (المفروضات التفسيرية)، وهذه الفئة من المفروضات هي بلا شك من أحوج مفروضات علم الفقه إلى التخصص، ولذلك ربما كانت أهم المفروضات، فمن ناحية لا ريب في أن مهمة الفقيه تفسير النصوص الدينية الخاصة بواجبات الإنسان، وترتيب نظام متكامل من الواجبات الإنسانية، ومن ناحية أخرى لا ريب أيضاً في أن نظرة الفقيه إلى القرآن والروايات وإلى الباري عزّ وجلّ ورسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم تؤثر في نوعية تفسيره للنصوص. والتفسير الأقوى هو الذي يبتني على مفروضات أقوى. وهكذا فإن التدقيق في هذه المفروضات عملية في غاية الأهمية تقع على عاتق فلسفة الفقه، ويتوزع هذا النوع من المفروضات ذاته إلى عدّة أنواع فرعية:
4: أ ـ المفروضات الخاصة بدائرة الفقه، وهي المفروضات التي تناقش هل الإطار الفقهي يشمل الأفعال فقط أم يتضمن الأوضاع أيضاً؟ وفي حيّز الأفعال، هل المقصود الأفعال الظاهرية والجوارحية فقط، أم الأفعال الباطنية والجوانحية أيضاً؟ وهل يعنى الفقه بجميع الأفعال (الظاهرية والباطنية) أم ببعض الأفعال دون غيرها؟ وهل هنالك مناط لتحديد الأفعال التي يُعنى بها الفقه؟ ثم هل الفقه يحدد الأحكام والواجبات في بادىء النظر (prima facie) فحسب، أم إضافة إلى ذلك، يحدّد الأحكام في مقامل العمل (actual) أم علاوة على هذا وذاك يرسي دعائم نظم متكاملة، أم أنه إضافة إلى كل هذا يرسم برامج…؟ وبتعبير آخر ما هو المعنى الصحيح لشمولية الفقه؟
4: ب ـ المفروضات الخاصة بغايات الفقه، فهل غاية الفقه ضمان السعادة الأخروية وحسب، أم أنه يضمن سعادة الحياة الدنيا أيضاً؟ وفي نطاق الحياة الدنيوية، هل يرمي إلى تلبية الحاجات المادية والمعيشية، أم إلى سد الحاجات الروحية المعنوية، أم يهتم بكلا النوعين من الحاجات؟ وما هي مصاديق الحاجات التي يلبيها الفقه؟ هل بعض الواجبات الدينية التي يحددها الفقه تضمن السعادة الأخروية، وبعضها يضمن السعادة في الدنيا؟ وبعضها يهدف إلى تلبية حاجات الإنسان المادية، وبعضها الآخر هدفه سد متطلبات البشر المعنوية، وبعضها خاص بالوضع الفردي للإنسان، وبعضها بوضعه الاجتماعي، وبعضها يسد الحاجات المؤقتة وبعضها يرفع الحاجات الدائمية؟ وإذا كان الجواب إيجابياً، فكيف نعلم أي التكاليف يضمن أي الحاجات؟ وهل إفشاء العدل هو الآخر من غايات الفقه؟ وإن كان الأمر كذلك فما معنى العدالة هنا؟ وهل يأخذ الفقه بعين الاعتبار المصالح والمفاسد؟ وما هو المعنى المراد من المصلحة والمفسدة في هذا المقام؟ وهل يراعي الفقه ما يرغب فيه الناس وما لا يرغبون فيه؟ وكيف يحصل ذلك؟ وما هي وسيلة الفقيه إلى معرفة الإجابات الصحيحة عن هذه الأسئلة؟ (ثمة عناوين معروفة مثل مناط الأحكام وفلسفة الأحكام وعلة الأحكام وحكمة الأحكام تعنى بهذه الأسئلة).
4: ج ـ المفروضات الخاصة بمصادر الفقه، وفي هذا الإطار نسأل: ما هو الدليل على عدم كفاية النصوص الدينية من كتاب وسنَّة على تحديد جميع واجبات الإنسان، حتى نلجأ إلى العقل والإجماع؟ وما هي مستلزمات القول بعدم كفاية القرآن والسنَّة؟ وهل الفقهاء على علم بجميع هذه المستلزمات والتبعات؟ وهل هم ملتزمون بها؟ ما هو عدد المصادر الأخرى غير الكتاب والسنَّة؟ وما هو الدليل على مصدرية ما اعتبره الكثير من الفقهاء على امتداد تاريخ الفقه، مصادر فقهية، مثل: الإجماع، والعقل، والقياس، والاستحسان، والعرف، والشرائع السابقة، والمصالح المرسلة، وفتح الذرائع وسدّها، ومذهب الصحابي؟ وفي خصوص الكتاب والسنَّة هل يصلح القول: إن الكتاب والسنَّة ذاتيهما مصدر فقهي، أم المصدر هو تفاسير الكتاب والسنَّة؟ وهل للعلوم البشرية تأثير في تفسير الكتاب والسنَّة؟ وهل المراد بالعقل المعتبر من المصادر الفقهية هذه المعارف والعلوم البشرية؟ وإذا كان الجواب إيجابيا فما هو التكليف إذا تعارضت العلوم والمعطيات البشرية (المقصود بالعلوم البشرية هنا معناها العام وليس العلوم التجريبية فقط) مع معطيات الكتاب والسنة المتأتية عن التفسير؟ وهل من الصحيح التلازم العقلي بين حكم العقل وحكم الشرع، بمعنى أن العقل إذا حكم بحسن أو قبح أو صواب أو خطأ أو وجوب عمل معين، يتحتّم على الشرع أن يكون حكمه متطابقاً مع حكم العقل؟ وما هو الدليل على ذلك؟ وأي العقول ينبغي للشرع أن تتوافق أحكامه دائماً معه؟ هل هو قوة إدراكية خاصة، أم أنه مجموع القوى الإدراكية للإنسان، أم نتاجات تلك القوة أو القوى أم شيء آخر؟ بل إن رأي الإمامية بحد ذاته (بغض النظر عن آراء المدرسة الإخبارية) في جعل العقل مصدراً من مصادر استكشاف الأحكام والواجبات الدينية إلى جانب الكتاب والسنَّة والإجماع، ناجم عن مفروضات ووجهات نظر تتصل بالكتاب والسنَّة من ناحية، وبالإنسان من ناحية أخرى، ثم إن الاعتراف بالعقل إلى جانب الكتاب والسنَّة يمكن أن يأخذ صيغتين.
الأولى: أن نسارع قبل كل شيء إلى العقل في أية مسألة تواجهنا، وإذا لم يستطع العقل معالجة المسألة والوصول فيها إلى نتيجة شافية، عندها نرجع إلى الكتاب والسنَّة.
والثانية: أن نرجع أولاً إلى الكتاب والسنَّة، ولا نراجع العقل إلاّ إذا لم نعثر في ذينك المصدرين على ما يعالج المشكلة.
وبكلمة ثانية، بعد قبول العقل مصدراً في مصاف الكتاب والسنَّة، ينبغي مناقشة تقدّم أو تأخر الرجوع إلى العقل على الرجوع إلى الكتاب والسنَّة. وبالطبع فإن فقهاء الإمامية يذهبون إلى تأخر مرتبة العقل عن الكتاب والسنّة، فلا يصح الرجوع إلى العقل إلاّ حينما لا يتوفر إلى الحل الناجع في الكتاب والسنَّة والإجماع. ولكن من المناسب هنا السؤال من هؤلاء الفقهاء، لماذا؟ ثم أليس الاعتراف بالعقل كأحد المصادر بمعنى الاعتراف بالحقوق الطبيعية والفطرية؟ وإذا كان يعني هذا يجب السؤال: هل بإمكان الفقه الالتزام بجميع تبعات ومؤديات هذا الاعتراف؟ وإذا لم يكن بمعنى الاعتراف بهذه الحقوق، فعندها يطرح السؤال: ما هو إذن مصير التلازم بين حكم العقل وحكم الشرع؟ أو ليس الاعتراف بالحقوق الطبيعية حكم عقلي؟ وهل يمكن اعتباره صنيعة الأهواء النفسية، أم أنه حكم عقلي، لكن تأثير العقل في الشرع له حدود معينة؟ في هذه الحالة تتهدّم يقيناً شمولية الحكم بالتلازم بين العقل والشرع، وعندها لا بد من الاستفسار؛ ما هي حدود تأثير العقل في الشرع؟ ومن الذي يرسم هذه الحدود؟ العقل أم الشرع؟ ولماذا؟
وفيما يخص باقي المصار الفقهية يمكن ملاحظة الكثير من التساؤلات والإشكالات والغموض، فمثلاً في مجال العرف؛ كيف يمكن للفقيه أن لا يحمل همَّ تغيير العرف؟ وهل يحل المشكلة تقسيم العرف إلى عرف صحيح وآخر فاسد، أم أن ذلك يزيد المسألة تعقيداً؟
ولباب الكلام هو أن الفقيه حينما يعتقد بعدة مصادر فقهية، فإن لديه مفروضين أساسين:
الأول: أن مصدراً واحداً لا يكفي لتحديد واجبات الإنسان.
والثاني: أن المصادر المتعددة التي يؤمن بها غير متعارضة مع بعضها، وكلا المفروضين بحاجة إلى إثبات، وهذا الإثبات لا يحصل في الفقه ذاته، وإنما في فلسفة الفقه.
ولا يستبعد أن يترك البحث في مفروضات الفقهاء التي دفعتهم إلى اعتماد مصدر آخر للفقه أو مصدرين أو أكثر، إلى جانب الكتاب والسنّة، والتدقيق في سبب عدم اشتراك هذه المصادر بين جميع الفقهاء، لا يستبعد أن يترك آثاره باتجاه تقليل أو زيادة عدد المصادر، وفي تغيير المكانة النسبية للمصادر وعلاقاتها مع بعضها.
4: د ـ المفروضات الخاصة بمديات الأحكام وشدّتها، فمن المفروضات المهمة لدى الفقهاء، أن جميع الأفعال الاختيارية لا بد أن تدخل ضمن أحد الأحكام الخمسة؛ الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة. هذا الفرض المسبق، سواء كان كما ذهب البعض من ضروريات مذهب الإمامية، أو لا. وسواء كان له رصيده من العقل أو من النقل. وسواء كان أساسياً صحيحاً أو غير صحيح (ويبدو أنه مأخوذ عن الرواقيين) لكنه على كل حال يصنّف الأفعال الاختيارية للإنسان من الناحية القيمية، ولا يكتفي بتقسيمها إلى ما هو واجب وما ليس بواجب.
وبغض النظر عن الأسئلة الممكن طرحها في إطار هذا المفروض (ومنها ما هو المباح تدقيقاً؟ وهل يمكن أن تكون الإباحة أحد الأحكام؟) فإن المسألة المهمة التي تبرز إلى السطح هنا هي؛ ما هو السبيل إلى اكتشاف حرمة الشيء أو كراهته ووجوبه أو استحبابه؟ هل يمكن القول: إن صيغة الأمر لها ظهورها في الوجوب، وصيغة النهي لها ظهورها في الحرمة؟ يبدو أنه إذا كان بالإمكان البحث في ادعاء الظهور بحسب المعطيات العرفية لأرباب اللغة، فإن جواب السؤال سيكون سلبياً، إلاّ إذا قلنا: إن النصوص الدينية كلها لا تخضع لقواعد الصرف والنحو وعلم اللغة المتداولة في كلام الناس العادي، ولها إلى حد ما علم دلالتها (semiotics) الخاص بها، ومع أن هذا القول يمكن رصده في نتاجات فريق من علمائنا الأصوليين. لكنه يستلزم أموراً لا يستطيع الالتزام بها أي عالم من علماء الأصول. وعلى كل حال فاعتبار الأحكام متفاوتة في ضرورتها، وتحديد مصاديق الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام، ترتكز على مقدمات يبحث فيها ضمن نطاق فلسفة الفقه.
ومثل هذا يمكن أن يقام عن مديات الأحكام ومساحة تأثيرها، فكل حكم في النصوص الدينية إنما يخاطب به شخص أو أشخاص هم المخاطبون المباشرون للذي صدر عنه الحكم. والمسألة هنا ما هي الخصوصيات التي تمتّع بها المخاطبون المباشرون فأدّت إلى صدور الحكم؟ وما لم نتعرف على جواب هذا السؤال بشكل دقيق لا يحقُّ لنا تعميم الحكم (سواء كان أمراً أو نهياً) على غير مخاطبيه المباشرين. فالتعميم ممكن فقط في حال معرفة خصوصيات المخاطبين التي كانت وراء صدور الحكم، لكي نستطيع دعوة من له تلك الخصوصيات أيضاً، إلى الامتثال للحكم والعمل به. والمشكلة هي: ما هو أسلوب اكتشاف هذه الخصوصيات؟
ولنضرب مثالاً: يروى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة» (محمد بن الحسن الحر العاملي ـ وسائل الشيعة ـ تحقيق: عبد الرحيم الرباني الشيرازي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ ج 15 ـ الباب 84 ـ الحديث 27629).
من حيث ما أسميناه بشدّة الحكم، يطرح السؤال التالي: كيف نفهم وجوب أو استحباب هذا الأمر الصادر عن الإمام عليه السلام؟ ومن حيث المسألة التي نبحثها الآن (أي مديات نفوذ الحكم)، يبرز السؤال: كيف نعلم خصوصيات المخاطبين المباشرين للحكم، والتي دعت إلى توجيه الأمر إليهم؟ هل هي خصوصية كونهم رجالاً (لاحظوا أن المخاطبين المباشرين كانوا رجالاً: أحداثكم)؟ وإذا كان الأمر كذلك نستنتج.
أولاً: ليس على المرأة تعليم أبنائها الحديث.
وثانياً: يجب على جميع الرجال أداء هذه المهمة إلى يوم القيامة.
أم هل كون المخاطبين المباشرين معاصرين للإمام الصادق عليه السلام هو العلة في صدور الحكم؟ في هذه الحالة لا ينسحب الحكم على غير معاصري الإمام الصادق.
أم هل كان سبب توجيه الحكم أنّ أبناء مخاطبيه المباشرين كانوا عرضة للأمواج الدعائية لمبلغي الفرقة المرجئة؟ وهنا سيتحتم على كل من يتعرض أبناؤه للتغطية الإعلامية والدعوة للمرجئة أن يعلمهم الحديث، واليوم حيث لا وجود لمرجئة، ولا لمرجئين لا يتوجب على الآباء تعليم أحداثهم الحديث.
والخلاصة هي أن تعميم هذا الحديث غير ممكن ما لم نعلم الخصوصية التي جعلت المخاطب المباشر للحديث مخاطباً به.
ومثال آخر نستقيه من القرآن الكريم إذ يخاطب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم {خذ من أموالهم صدقة}([750]) والسؤال: ما هي الخصوصية التي تمتع بها النبي حتى كان مأموراً بأخذ الزكاة؟ هل هي النبوة؟ أي هل غير الأنبياء غير مأمورين بأخذ الزكا؟ أم هل هي رئاسة الحكومة؟ بمعنى إن لم يكن رئيس حكومة غير مأمور بجباية الزكاة؟ ثم ما هي الخصوصية التي تحتّم أخذ الزكاة من الشخص؟ هل هي الرجولة وامتلاك الأموال؟ وما هي حدود امتلاك المال؟ وما هو نوع المال وما هو مقداره؟ هل هي أموال خاصة بمقادير معينة؟ ما لم تتضح هذه الملامح لا يصح تعميم الأمر بأخذ الزكاة وإعطائها.
وعموماً هل يمكن سحب الأوامر والنواهي التي خوطب بها المؤمنون في القرآن الكريم لتشمل النساء المؤمنات أيضاً؟ في بعض الحالات يمكن الجزم بعدم إمكانية التعميم. ولكن في باقي الحالات ما هو الدليل على التعميم؟ يبدو أن الأمر يرجع فقط إلى خصوصية الإيمان، ولكن ما هو الدليل حتى على هذا الكلام؟
والخلاصة هي أن كل عبارة تفيد أمراً أو نهياً فهي بجميع قيودها وشروطها، أولاً: تخاطب بالذات مخاطبين مباشرين، وكل تعميم لها على أشخاص آخرين في أحوال وأزمنة وأمكنة أخرى يحتاج إلى أدلة قاطعة، والدليل هنا لا يتوفر إلا باكتشاف الحيثيات التي توفر عليها المخاطبون المباشرون للحكم، وكانت السبب في صدور الحكم، فحينما يكشف النقاب عن تلك الحيثية أو الخصوصية يمكن القول: إن الحكم سار على كل من تتوفر فيه هذه الحيثية، ولكن ما هو السبيل إلى اكتشاف الحيثية؟ للفقهاء في هذا المقام مفروضات يستقونها من علم الأصول ويكشفون بواسطتها الحيثية أو الحيثيات المطلوبة.
والمهم هنا هو أن هذه القبليات كما رأينا تؤثر على منهجية تفسير العبارات والنصوص الدينية. هذا أولاً، وثانياً يجب أن تخضع لبحوث ونقود فلسفة الفقه لتبين هل بالإمكان قبولها أم لا؟
وهنا ألفت الانتباه إلى أن خلود الأحكام الشرعية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه المسألة بالذات، أي بكيفية فهم المناط في مديات الأحكام الفقهية. ولا يتسع المجال للتفصيل في هذا الباب، لذا أكتفي بالقول: إن الحكم يمكن اعتباره ثابتاً خالداً، إذا ثبت لدينا أن الحيثية التي كانت في مخاطبيه المباشرين وأدّت إلى صدور الحكم، ستبقى موجودة لدى الآخرين، رغم كل التحولات التي شهدها عالم الإنسان.
إلى هنا تحدّثنا عن إمكانية وقوف الفقيه على شدّة وسعة الأحكام الواردة في أقوال الباري عزّ وجلّ وأئمة الدين. بيد أننا يمكن أن نطرح مسألة مهمة حول سير الأئمة وأفعالهم وتقاريرهم، وهي كيف لنا أن نعلم أن فعل المعصوم وتقريره يدل على الوجوب أو الاستحباب؟ وهل يمكن القول: إن كل ما يصدر من أفعال طوال حياة المعصوم، إنما يصدر عنه بصفته تجسيداً حيّاً للشريعة، كي يتسنّى لنا بعد ذلك اكتشاف الوجوب أو الاستحباب في ذلك الفعل، أو لم يكن للمعصومين عادات شخصية؟ أو لم تكن لهم أذواق ومشارب خاصة بهم؟ هل من المستحيل أن تلتذ ذائقة معصوم بطعام معين، ولا تلتذ به ذائقة معصوم آخر؟ أفلا يمكن أن يهوى معصوم لوناً معيناً، ولا يرغب فيه معصوم آخر؟ ثم ألا يجوز أن يصدر عن المعصوم فعل أو قرار متجذر في ظروف خاصة ومرتبط بها ارتباطاً عضوياً إلى درجة أنه لا يناسب أية ظروف أخرى، وهو بالتالي لا يدل على واجب ولا مستحب؟ وهل يمكن الادعاء أن التحدث باللغة العربية واجب أو مستحب؛ لأن جميع المعصومين كانوا يتحدثون بالعربية؟ وهل يجوز الذهاب إلى أن قبول ولاية العهد أمر مستحب استناداً إلى قبولها من قبل الإمام الرضا عليه السلام؟
من الواضح أن جميع أفعال المعصومين هذه لا تقبل التحول إلى حكم شرعي. وإذا فرغنا من هذه النتيجة ستواجهنا إشكالية الملاك في تحديد أفعال المعصومين التي تترتب عليها أحكام شرعية وتمييزها عن غيرها من الأفعال. والطريق إلى حل هذه المسألة يكمن على ما يبدو في معرفة الظروف والأحوال والحيثيات الزمانية والمكانية التي أحاطت بالفعل، وتشخيص الخصوصية المرتبطة بهذه الظروف والتي أدّت إلى صدور الحكم. فإذا كانت الخصوصية غير قابلة للتكرار، علماً أن الفعل مما لا يتمخض عنه حكم شرعي بالوجوب أو الاستحباب.
وإذا قيل: إن اكتشاف الحيثية المؤثرة في صدور الفعل عملية صعبة، قلنا إنه السبيل الوحيد إلى استنباط الحكم الشرعي من فعل المعصوم، والذي هو بطبيعته عملية معقَّدة ومستصعبة.
الغاية من إيراد هذا البحث التدليل على أن استنباط الحكم الشرعي من أفعال وتقارير المعصومين يستند إلى مفروضات تدرس في فلسفة الفقه، وتمنح هناك شهادات الصحة أو السقم. وتزداد أهمية الموضوع فيما يخص المفروضات التي تدفع الفقيه إلى الاعتقاد بأن مراجعة الكتاب والسنّة توفر لنا أحكاماً وواجبات خالدة ثابتة، والمراجعة هنا هي مراجعة الألفاظ والظواهر (letter) وليس البواطن والروح (spirit).
4: هـ المفروضات الخاصة بمنهج الاستدلال الفقهي، فبعد إحراز وثاقة نصوص الدين بمعونة منهجية العلوم التاريخية. يستدل الفقيه في مقام اكتشاف واجبات الإنسان من النصوص، بمناهج استدلالية ربما أمكن تصنيفها إلى ثلاثة مناهج هي: المنهج التفسيري (الهرمنيوطيقا Hermeneurtic والمنهج العقلي، والمنهج التجريبي).
وهنا تطرح الأسئلة التالية: هل مناهج الاستدلال الفقهي متعددة حقاً؟ وما هو مستوى حجيّة واعتبار كل واحد من هذه المناهج؟ وهل يمكن استخدام منهج واحد في كل أبواب الفقه، أم ينبغي الاستعانة في باب العبادات بمنهج مثلاً وفي باب المعاملات بمنهج آخر؟ وماذا يجب على الفقيه فعله عند تعارض المناهج أو تعارض نتائجها، وأيهما يرجع على الأخرى؟ ما هو سبب أن أعمال مناهج الاستدلال الفقهي لا يتحفنا بأكثر من العلم الاحتمالي بواجبات المكلّف، ولا يؤدي إلى علم يقيني؟ وهل هذه الاحتمالية (probabilism) مصير الفقه المحتوم إلى يوم القيامة؟ ولماذا لم يستطع الفقهاء يوما ما الجزم بأحكامهم كما فعل علماء الكلام؟ وهل كانت هذه الاحتمالية الفقهية هي السبب الوحيد أو السبب الأهم على أقل تقدير في التعددية (pluralism) الفقهية؟ وهي يمكن العمل على تقليل المذاهب الفقهية أو تقليل مواطن الاختلاف بينها على الأقل؟ هذا ما تضطلع به أيضاً فلسفة الفقه.
عرضنا إلى الآن وباختصار وعلى شكل أسئلة في الغالب أربعة أنواع من قبليات (مفروضات) علم الفقه، يجب أن تتولى فلسفة الفقه دراستها وتمحيصها. لكن قضايا فلسفة الفقه لا تنحصر في هذه المسائل؛ لأن المبادىء التصديقية لعلم الفقه غير محصورة بها. فمما يدخل في مواضيع فلسفة الفقه أيضاً علاقة الفقه بسائر العلوم (من دينية وغير دينية) وحركة الاجتهاد الفقهي، والشروط اللازمة للاجتهاد، وموانع الاجتهاد، وتأثير تطورات العلوم والمعارف البشرية وظهور إشكاليات علمية جديدة على حركة الاجتهاد (دور الزمان والمكان في الاستنباط الفقهي)، ودور الذوق الفردي والخصوصيات الشخصية للفقيه في عملية الاجتهاد، ومعايير تقييم المدارس والمذاهب الفقهية (تقييم كفاءتها وانسجامها وشموليتها) ودراسة مفاهيم «التطور» و«الركود» و«الانحطاط» في علم الفقه، واقتراح آليات لمعرفة درجة التطور أو الركود أو الانحطاط في الفقه وأسباب كل واحد منها. ودراسة العوامل المؤثرة في تعميق وتوسيع علم الفقه في بعض أبوابه (مثل العبادات) واتساعه وخلوّه من العمق في أبواب أخرى (مثل السياسات).
بالإضافة إلى ذلك يقع على عاتق فلسفة الفقه التحليل المفاهيمي للكثير من المبادىء التصورية لعلم الفقه، وللإيجاز نترك تفاصيل هذه المسائل إلى فرصة أخرى، لا سيما، وأن الإجابة عن الأسئلة اللاحقة تتكفل توضيح بعض جوانبها.
علي عابدي شاهرودي: كل علم من العلوم يُبتدأ بسؤال يتوزع إلى ثلاث مراحل متوالية. وتترتب على السؤال إجابة تنقسم هي الأخرى إلى ثلاث مراحل تبعاً لمراحل السؤال، وهي:
المرحلة الأولى: تبتدىء بافتراض وجود العلم. هذا على الرغم من أن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون المرحلة الأولى خاصة بافتراض إمكان العلم. والسبب في عدم التزام الترتيب هو أن العلم إذا كان موجوداً فهو بالضرورة ممكناً. وبهذا يكون افتراض وجود العلم مغنياً عن البحث في افتراض إمكانه، وسيكون من الممكن القفز إلى المرحلة الثالثة المتصلة بالتعريف.
ومن النماذج الواضحة للسؤال ذي المراحل الثلاث، فلسفة العلم بصورة عامة، بما في ذلك فلسفة الفقه لكونه أحد العلوم.
فلسفة العلم من المعارف التي لها أرضيتها من الواقع، على الرغم من أن تدوينها تأخر قروناً متمادية. وهي فلسفة لا تختص بفرع معين من العلوم دون غيره. فكل علم من العلوم يحتاج إلى ما يمكن تسميته بالعلم الفوقي المشرف، والذي يُراقب من الخارج حركة واتجاهات العلم الأول. ومهما كانت تسمية هذا العلم المُشرف ينبغي أن تتوفر فيه خصوصية تفسير وتبيين العلم المُشرَف عليه فيستطيع أن يراقبه ويخضعه للاختبار والمراقبة، ويصح تسميته بـ «فلسفة العلم»، أو «ما وراء العلم»، أو «علم العلم»، أو «علم كلام العلم»، خصوصاً إذا تمخض العلم المُشرف عن ترسيخ أُسس العلم الأول وتقويتها.
ومن النماذج الأخرى للسؤال الثلاثي المراحل، ما طرحه «عمانوئيل كانت» قبل قرنين تقريباً حول الميتافيزيقيا في باب نقد العقل.
ويبدو أن «كانت» حينما أخضع للنقد قضية وجود أو عدم وجود ما بعد الطبيعة، خلط بين الماهية الميتافيزيقيا، والرؤية الميتافيزيقية، واستعاض خطأ عن الميتافيزيقيا بالرؤية الميتافيزيقية التي أخذ ينقدها ويشكك فيها.
تأسيساً على ما مرّ يمكن الإجابة عن السؤال الثلاثي المراحل الخاص بفلسفة الفقه كما يلي:
في إطار المرحلة الأولى الخاصة بالسؤال عن وجود أو عدم وجود فلسفة فقه، نقول: إن هناك علماً مشرفاً مراقباً يمكن أن نسميه «فلسفة الفقه» أو علم «علم الفقه» إن صح التعبير، هذا مع أن وجود هذا العلم لا يعني بالضرورة حصول تدوينه، وإنما يعني فقط أننا نمتلك على أقل تقدير علماً ذا خصوصيات إشرافية تفسيرية للفقه، يمكن أن نعثر عليه مبثوثاً خلال الأبحاث الفقهية والأصول الفقهية والكلامية.
وحول تفشي هذا العلم المشرف في البحوث الفقهية تجدر الإشارة إلى عدة نقاط:
1 ـ من البحوث القيمة التي يمكن ملاحظتها في أصول الفقه، هي تلك المتلخصة في السؤال التالي: هل لدينا أحكام وضعية مستقلة عن الأحكام التكليفية، أم أن كل ما يمكن ملاحظته من أحكام وضعية منتزعة من الأحكام التكليفية؟
هذه الإشكالية يمكن اعتبارها من إشكاليات فلسفة الفقه. فلا هي من علم الكلام في شيء، ولا هي من أصول الفقه، ولا من الفقه بما هو فقه. ومع ذلك فهي ليست أجنبية على الفقه؛ لأنها معنية بتبيين سلسلة من المحمولات الفقهية، وتهدف إلى الإفصاح عن علاقة الأحكام الوضعية بالأحكام التكليفية، أي الوجوب والحرمة والجواز والكراهة والاستحباب.
فاتضاح طبيعة هذه العلاقة له تأثيره على مصير الأحكام الوضعية، فيما يتعلق بالأدلة الاجتهادية والأدلة الفقهية ضمن دائرتي الفقه والأصول، وبسبب ذلك نجد العناية الفائقة بهذه العلاقة في علم أصول الفقه إلى حد وجود عدة نظريات بهذا الشأن.
2 ـ من البحوث الأخرى الواردة في علم الأصول (مع عدم انتمائها إلى هذا العلم) مبحث الشروط الفقهية وانطباقها أو عدم انطباقها على الشروط التكوينية. هذا المبحث كسابقه الخاص بدراسة العلاقة بين الأحكام الوضعية والتكليفية، من بحوث العلم المشرف على علم الفقه. وقد سعى علماء الأصول إلى البحث والتحقيق فيه؛ لسدِّ الفراغ في بعض العلوم، ومنها فلسفة الفقه.
ومن المسائل المهمة في الشروط الفقهية مسألة إمكان أو امتناع الشرط المتأخر. فالنظريات المختلفة حول الشروط الفقهية بما فيها الشرط المتأخر تترك تأثيرات متباينة في عملية الاستنباط الفقهية.
3 ـ من القضايا الأخرى التي يمكن طرحها في فلسفة العلم، ماهية الأصول العملية وتحديد انتمائها لعلم الفقه أو علم الأصول. فإذا انطبق تعريف القواعد الفقهية على الأصول العملية (البراءة، الاحتياط، التخيير، والاستصحاب)، فستترتب عليها الخواص الفقهية بحيث تدرج ضمن الأحكام التطبيقية. وإذا لم ينطبق التعريف على الأصول العملية، وإنما انطبقت عليه القواعد الأصولية، فستنتمي إلى علم الأصول. وهذه بالطبع مسألة ذات وجهين، فهي من مسائل فلسفة الفقه من وجه، ومن وجه آخر تنتمي إلى فلسفة علم الأصول.
كانت هذه ثلاثة نماذج لمسائل من فلسفة الفقه، نجدها مطروحة في أصول الفقه.
ومن المناسب هنا الإشارة إلى قانون يتعلق بالعلوم المشرفة على علوم أخرى، ويمكن أن نطلق عليه تسمية «قانون اجتياز العلم إلى ما بعد العلم» ومضمونه أن البحث إذا كان يهدف إلى تشخيص العلم من خارجه، ومن دون الخوض فيما يتضمنه من علاقات بين المحمولات والموضوعات، وبين التالي والمقدم، فإنه من بحوث ما بعد العلم، ومما ينتمي إلى فلسفة ذلك العلم. ولا نريد بفلسفة هذا العلم أو ذاك، الفلسفة بالمعنى الدارج للكلمة، وإنما الفلسفة بمعنى العلم الكلي المشرف على العلم المنظور. فمثلاً في تعريف االفقه وموضوعه ومسائله، أو في تعريف علم الأصول وطرقه وموضوعه وقضاياه، تنتصب أمامنا بحوث في معرفة الفقه ومعرفة الأصول تتصل بفلسفة الفقه، وبفلسفة الأصول.
المرحلة الثانية: هي التي نحاول فيها التثبت من إمكانية فلسفة الفقه. ففي هذه المرحلة نناقش إمكان وجود هذا العلم أو عدم إمكانه، بغض النظر عن كونه موجوداً فعلاً أو غير موجود.
وتتضح الإجابة عن هذه المرحلة، باستحضار ما يحصل على مستوى الأبحاث الأولية لكل علم. والاستدلال أدناه يتأتى من البحث الأولي للعلم، ولعلم الفقه تحديداً:
إذا كان البحث الأولي في الفقه ممكناً، فإن فلسفة الفقه ممكنة هي الأخرى، فالمقدم الشرطي الاستثنائي لا يحتاج إلى إثبات، لأنه واقع وإمكانه واضح. والعمدة هنا ملازمة التالي لمقدم القياس الاستثنائي. ولأجل إثبات الملازمة يكفي اعتبار البحث المقدماتي للفقه من سنخ العلم المشرف على الفقه.
وإذا كان البحث المقدماتي الفقهي من سنخ العلم المشرف على الفقه، كان إمكان البحث المقدماتي (الذي يدرس فيه تعريف العلم وإثبات الموضوع، والتحقيق في القوانين و…) يعني إمكان فلسفة الفقه. ويمكن انتهاج نفس هذا النهج لإثبات إمكانية فلسفات العلوم التجريبية أيضاً ومن هذه البرهنة المستقاة من البحوث الأولية للعلوم نخلص إلى البرهان الرئيسي الآتي:
البرهان على إمكانية فلسفة الفقه
إن افتراض تقرر العلم، يعني افتراض هوية منسجمة من المواضيع والمحمولات والمقدمات والنتائج والأساليب والمناهج، وبالتالي من التعاريف والأحكام والمبادىء والغايات.
ومثل هذه الهوية ستكون بطبيعتها مقننة ومتماسكة. وكل هوية مقنّنة متماسكة إذا كانت معطاةً (موضوعة) فهي قابلة للتشخيص. وهوية علم الفقه معطاة باعتبارها متحققة في مقام التلقي والاستنباط التي هي المرتبة الوجودية للفقه. وإمكان تشخيص الفقه عن طريق وجوده في مرتبة التلقي والاستنباط، يعادل إمكان وجود علم يشرح الفقه ويفسره ويشير إلى اتجاهاته بشكل عام شمولي من دون أن يدخل إلى عمق قضاياه ومسائله. وليس هذا العلم سوى ما نسميه فلسفة الفقه.
فلو كان التشخيص الخارجي للفقه ممكناً، إلاّ أن فلسفة الفقه غير ممكنة، عندها ستكون لدينا معرفة من دون أن يكون لدينا علم، وبعبارة أخرى، إمكانية تبيين الفقه من خارجه يجب أن تعادل إمكانية وجود علم يتولى هذا التبيين. وإلاّ لزم أن يكون التبيين ممكناً، بينما العلم الذي يضطلع بهذا التبيين يكون محالاً!!
ولمزيد من الإيضاح التطبيقي نستعين بمثال من فلسفة العلوم التجريبية، وليكن من فلسفة الفيزياء وأسلوب تشخيصها من الخارج.
الفيزياء علم يدرس علاقات وقوانين الظواهر الطبيعية في إطار الزمان والمكان، والفيزيائي يعمل داخل حيّز الفيزياء في التنقيب والسؤال والبحث ووضع الفرضيات واختبارها.
أما فيلسوف علم الفيزياء فلا يتدخل في صميم علم الفيزياء، وإنما يأخذ الفيزياء بكل هيكليتها ونظرياتها وقوانينها كمفروض يريد تشخيصه باعتباره معطى حسياً أو عقلياً.
مهمة فيلسوف العلوم في دراسته لعلم تجريبي كعلم الفيزياء، تناظر مهمة الفيزيائي في دراسته لظاهرة الضوء مثلاً. إنه يدرس الفيزياء كظاهرة معطاة، فيعمد إلى تحليلها وملاحظة مميزات أجزائها المتمخضة عن التحليل. ثم يقرن الأجزاء إلى العلاقات والقواعد المشرفة، ويقوم بتركيبها ليتكوّن بذلك علم مشرف مفسر، تصح تسميته بفلسفة الفيزياء.
من نماذج فلسفة الفيزياء إعطاء تعريف للفيزياء، ويقال في بداية هذا النموذج: «الفيزياء علم يدرس علاقات الظواهر الطبيعية وقوانينها في إطار الزمان والمكان». كذلك الحال بالنسبة لتعاريف العلوم الأخرى فهي تنتمي إلى فلسفات تلك العلوم. كما أن البحث في موضوع العلم وتشخيص مسائله يدخل في دائرة اختصاص فلسفة العلم.
المرحلة الثالثة: هي التي يتم فيها استخلاص تعريف مناسب لفلسفة الفقه، وذلك استناداً إلى المرحلتين السابقتين، والاستخلاص هو في حقيقته عملية استدلالية. فالوصول إلى تعريف معين بواسطة الاستخلاص، يعني أن يكون التعريف قابلاً للاستدلال.
تقول النظرية المشهورة في تعريف الأشياء: إن التعريف الحدي لا يتأتى من أي من طرق البرهان والتقسيم والاستقراء. كما لا يمكن الوصول إلى تعريف الأشياء عبر أضدادها. والسبيل الوحيد إلى ذلك هو التركيب (راجع شرح منظومة السبزواري، الطبعة القديمة، فصل «لا يكتسب الحد بالضد ولا بالقسمة ولا بالاستقراء بل بالتركيب يقتنص» قسم المنطق، ص 43 و44).
ولكن قد ترد إشكالات منطقية على هذه الرؤية لذلك نقترح فرضية أخرى حول منطق الاكتشاف ما تزال في طور التكميل. وعلى أساسها يمكن وضع التعريف في ضوء ما يلي:
1 ـ طريق التحليل وإفراز المختصات، ثم التركيب التحليلي للشيء أو الشيئية المعطاة عن طريق التلقي، مع الاستدلال على طول الخط، من التلقي وحتى التركيب.
2 ـ طريق الاستدلال العقلي المحض بصرف النظر عن كل المعطيات المتأتية عن طريق التلقي.
3 ـ طريق الاستدلال العقلي الممتزج بطريق التلقي.
والآن نقدم تعريفاً لفلسفة الفقه يستند إلى النظريتين المذكورتين في الوصول إلى التعاريف، ويأخذ بعين الاعتبار النظرية الأخيرة، وما مرَّ في المرحلتين الأولى والثانية.
تعريف فلسفة الفقه
عرّفوا الفقه بعدّة أشكال بعضها يمكن ملاحظته في كتب الفقه، والبعض الآخر موجود في كتب الأصول.
ويمكن طرح تعريف آخر، وهو أن الفقه عبارة عن العلم الشرعي بالقرارات والأحكام والواجبات والموضوعات والمحمولات والآثار الشرعية التأسيسية أو الإمضائية، عن طريق العناصر المشتركة الأصولية من الأدلة الأربعة؛ الكتاب والسنة والعقل والإجماع؛ بواسطة الأدلة التفصيلية الشرعية العامة والخاصة على جميع العناوين المشخصة في متعلق العلم الشرعي المدرج أول التعريف.
هذا هو تعريف الفقه الذي نقدمه هنا بدون شروح. وبالنظر في هذا التعريف، الذي يعدّ بحد ذاته أحد قضايا فلسفة الفقه، ننتقل إلى تعريف فلسفة الفقه، فنقول في تعريفها: إنه العلم الذي يحاول عبر عدة مراحل معرفة الفقه بشكل متجانس وكلي، بحيث يستطيع بهذه المعرفة تشخيص مساراته وحدوده وثغوره وكل مقوماته الداخلية وغاياته ومبادئه وخصوصياته. وفضلاً عن ذلك يستطيع تحليل الضوابط الاستنباطية من موقع استشراقي. وموضوع هذا التشخيص هو عموم الفقه ومسائله ومقوّماته ومبادئه وغاياته وخصائص موضوعاته ومحمولاته وتواليه ومقدماته.
أما مراحل معرفة الفقه من ناحية فلسفية فهي:
1 ـ تشخيص الموضوع الذاتي للفقه، والموضوعات العرضية من موقع استشراقي. وقد أنجزت دراسات دقيقة ضمن إطار هذه المرحلة.
2 ـ تقديم تعريف مقنع يكون جامعاً مانعاً قدر المستطاع. وتقديم هذا التعريف بعد أحد مسائل الدراسات الفقهية. فضلاً عن وجوده في الدراسات الأصولية. وطبعاً ثمة رؤية في هذا المجال تعتبر تعاريف العلوم شروحاً لفظية، وترجع الخصوصيات المطلوبة في التعريف إلى صميم العلم. ومن الباحثين القائلين بهذه الرؤية المحقق الخراساني في كتابه القيّم «كفاية الأصول». وهذه الرؤية بدورها تنتمي إلى فلسفة الفقه، ويفصح عنها المجتهد بصفته فيلسوف علم.
3 ـ البحث في مبررات الحاجة إلى الفقه. وهي مرحلة تتضمن بحوثاً أساسية فيما يتعلق بوجوه العلاقة بين الإنسان والفقه، من باب أن الإنسان موجود عاقل، مختار، مسؤول، ومكلّف.
4 ـ توضيح أبعاد العلاقة بين علم الفقه وعلم الأصول. وهو ما تناوله علماء الفقه والأصول في كتاباتهم بكل دقة وتفصيل. فالفقيه والأصولي حينما يريدان معرفة أبعاد وتفاصيل علميهما، سيدخلان تلقائياً في فلسفة العلوم ويدرسان العلاقات والترابط بين المعارف المختلفة.
5 ـ الإفصاح عن طبيعة العلاقة بين الفقه وعلم الكلام الإسلامي بالمعنيين العام والخاص.
6 ـ إيضاح أبعاد العلاقة بين الفقه وعلوم التفسير والحديث.
7 ـ دراسة الصلة بين الفقه وعلوم الدراية والرجال.
8 ـ دراسة أنماط العلاقات الممكنة الأخرى بين الفقه وسائر العلوم.
9 ـ تبيين مصادر التشريع؛ الكتاب والسنّة.
10 ـ دراسة قضايا العقل والإجماع، ووجوه الاستدلالات الفقهية المنبثقة عنهما، وتبيين أن العقل والإجماع بالرغم من كونهما من الأدلة الأربعة، إلاّ أنهما ليسا من مصادر التشريع. فالمصادر محصورة في الكتاب والسنّة، اللذين يمثلان مرتبة فعلية التشريع كما يمثلان مرتبة فعلية الإبلاغ والإعلان عن التشريع. ويعتبر هذا البحث بحد ذاته ومن ناحية معينة أحد البحوث الكلامية العامة والخاصة، ومن قضايا ما وراء الطبيعة ذات الصلة بالحيثيات الغيبية للتشريع الإلهي. ومن ناحية أخرى يعدُّ من بحوث أصول الفقه. ومن جانب ثالث يمكن اعتباره من البحوث الداخلة في نطاق فلسفة الفقه.
11 ـ البحث في مبادىء الفقه.
12 ـ البحث في غايات الفقه.
13 ـ دراسة الأساليب المتنوعة في الاستدلالات الفقهية.
14 ـ الإفصاح عن الفارق داخل دائرة الفقه. كالفرق بين الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية، وفرق الأحكام عن الحقوق، وهذا ما يمكن دراسته ضمن بحوث علمي الأصول والفقه.
15 ـ دراسة الضمانات الموجودة في القوانين والأحكام الفقهية السارية في مجمل البحوث الفقهية، والتي تشكل بمجموعها الضمانات التطبيقية في الفقه الإسلامي.
إلى هنا أشرنا إلى عدة مراحل من فلسفة الفقه. وهناك مراحل أخرى لم نوردها بغية الإيجاز، ومثالها دراسة الثوابت والمتغيرات، والمطلق والمشروط (بمفهوم يختلف عن مبحث الإطلاق والتقييد المعروف) وملاحظة الصلة بينهما. وهذه المرحلة أيضاً كبعض سابقيها تنتمي من ناحية إلى علم الكلام والأصول، ومن ناحية إلى فلسفة الفقه.
الوجود والإمكان وتعريف فلسفة الفقه
يمكن تلخيص ما مرَّ بالشكل التالي:
أولاً: ثمة علم يتولى المعرفة بعلم الفقه، ويدرس قضايا من قبيل تعريف الفقه، وموضوعاته ومحمولاته ومسائله ومبادئه ومقوماته ونتائجه وأساليبه وعلاقاته وسوى ذلك.
ويظهر هذا العلم في الكتب والدراسات المختلفة على نحوين: الأول بشكل متفرق في البحوث التابعة لعلمي الفقه والأصول. والثاني بشكل مستقل. ويسمى هذا العلم في عصرنا الراهن «فلسفة الفقه» وهو كسائر فلسفات العلوم الأخرى.
ثانياً: متى ما افترضنا وجود علم معين، أمكن فوراً افتراض فلسفة لذلك العلم، بحيث يمكن اعتبار فلسفة لكل علم من العلوم.
ثالثاً: تعريف فلسفة الفقه هو أنه العلم الفوقي المشرف على الفقه، ويمكن معرفة أبعاد هذا العلم المشرف من دون الدخول في صميم الفقه.
الخصوصية العلمية لفلسفة الفقه
تكمن الخصوصية العلمية لكل علم في طبيعته الاكتشافية. وعلى هذا الأساس لا تكون الفرضيات ذات طابع علمي إلاّ إذا كانت اكتشافية.
إذ ليس العلم سوى اكتشاف المجهول ونقله إلى حيّز المعلومات. فإذا انسلخت أية فرضية لأي سبب عن الخصوصية الاكتشافية، انسلخت عن الطابع العلمي. وإذا أريد لفلسفة الفقه أن تكتسب الطابع العلمي، عليها الإفصاح عن الفقه بدون زيادة أو نقصان، وأن لا تتحول عن مهمتها الرئيسية، التي هي تعريف متعلَّقها في كليته وشموليته. كما أن الاجتهاد لا يكون علمياً إلاّ إذا تمتع بخصوصية البحث والاكتشاف. ولهذا اعتبر علماء الفقه والأصول، الاجتهاد طريقاً، ورفضوا الفرضيات التصويبية.
لهذا يتعين في سياق طرح وتدوين قضايا فلسفة الفقه. ومن أجل أن لا تبتعد هذه الفلسفة عن ماهية متعلقها، ولا تتحول إلى فن متحذلق فارغ من الخصائص البحثية، يتعين الحفاظ على طابعها المعرفي الاكتشافي، ولا بأس من استعمال تعبير معرفة علم الفقه أو علم معرفة الفقه([751]) كمرادف قريب جداً لتعبير فلسفة الفقه.
ولو استعملنا هذه التعابير لفلسفات العلوم الأخرى، فسيكون في ذلك دلالة على أن فلسفة الفيزياء أو فلسفة الرياضيات لا ترمي إلى تحريف الفيزياء أو الرياضيات أو تبديلهما أو تأويلهما عنوة، وإنما تهدف إلى شرح هذه العلوم. فالفيزيائي والكيميائي والرياضي، فضلاً عن بحوثه العلمية داخل العلم المختص به، يعمد دائماً إلى نمط من فلسفة العلم، ليحيط بعلمه من خارجه، ويمكنه اختبار فرضياته والاطلاع على حيثيات الفرضيات الأخرى، وهذا ما نواجهه أيضاً في معرفة علم الفقه، بمعنى أن المجتهد يقوم بأبحاث «خارجية» ليكتشف الفقه في شموليته واتجاهاته العامة، ويستخدم النظريات الأصولية لاستشراف النظريات الفقهية والنظر إليها من الأعلى.
صادق لاريجاني: أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال يرتبط بما نقصده من كلمة «فلسفة» ففي الوقت الحاضر تعدُّ «الفلسفات المضافة» أمراً واقعاً احتل مكانته في الحياة الفكرية والعلمية في العالم. والمراد بالفلسفة المضافة البحوث النظرية والتحليلية حول الظاهرة التي أضيفت إليها الفلسفة. وخلافاً لتصور البعض فإن الفلسفة لا تضاف دائماً إلى العلوم. فإلى جانب فلسفات علوم مثل فلسفة الفيزياء وفلسفة الرياضيات وفلسفة الاقتصاد. هنالك أيضاً فلسفة الفن، والأوضح من ذلك فلسفة اللغة (philosophy of language) التي تمثل جزءاً مهماً من الفلسفة التحليلية في الغرب والتي ليست، كما هو باد مضافة إلى علم من العلوم. وإنما تدرس ظاهرة اللغة بنظرة تحليلية نظرية. وهي بالطبع غير ما يسمى (Linguistic philosophy).
وتحديداً هنالك ثلاثة أمور: (Linguistics) و(Linguistis philosophy) و(philosophy of language) وهذا الثالث يعتبر بحد ذاته علماً. في فلسفة اللغة تطرح بحوث عامة حول اللغة (بالصيغة الشمولية للغة)، فيجري البحث في؛ كيف تحصل الدلالة؟ وما هو الإنشاء، وما هو الخبر؟ وما هو المعنى؟ وما هو المقصود بالقضايا التركيبية والقضايا التحليلية؟
المهم أن الفلسفة المضافة ليست بالضرورة فلسفة علم. وربما كان أفضل تعريف للفلسفة المضافة أنها مجموعة التأملات النظرية والتحليلية في ظاهرة معينة. وبهذا التعريف لا يمكن أن يكون لدينا مثلاً «فلسفة ماء» أو أن هذا غير ممكن في الوقت الحاضر على أقل تقدير؛ لأن البحوث المتوفرة حول الماء ليست تحليلية ولا نظرية، وإنما تجريبية. ولكن ثمة فلسفة لغة وفلسفة فن، لأن بالإمكان دراسة اللغة والفن بمناهج تحليلية ونظرية. بل هنالك حتى (فلسفة مال) أو (فلسفة نقد) وقد ظهر كتاب معروف لـ Simmel بعنوان (philosophy of Money)، وكذلك فلسفة الأخلاق وفلسفة الرياضيات و…
وإذا سلّمنا بهذا التعريف للفلسفة المضافة، عندها سيكون تعبير فلسفة الفقه معقولاً وطبيعياً للغاية ومع أن من الصعب التمييز بين فلسفة الفقه وعلم الأصول، ولكن فلسفة الفقه على كل حال هي مجموعة التأملات النظرية والتحليلية في علم الفقه مثلما أن فلسفة الرياضيات عبارة عن مجموعة التأملات النظرية والتحليلية في علم الرياضيات وبالطبع ليس المقصود الخوض في مجرد «الاصطلاح» بل المراد بحث القضايا الواقعية المدرجة ضمن هذا الاصطلاح. الهدف هو أن نرى هل بالإمكان الوصول إلى سلسلة من المسائل باسم «فلسفة الفقه»، وهل يمكن أن يكون لدينا فلسفة فقه كما يوجد لدينا فلسفة لغة وفن وأخلاق وحقوق؟ أتصور أن الإجابة الإيجابية عن هذا السؤال سهلة جداً، مع ملاحظة أن مصطلح الفلسفة هنا له معناه الخاص.
الفلسفة المضافة
البعض يصرّ على أن الفلسفة في هذه التراكيب هي ذاتها الفلسفة بالمعنى العام والشائع للكلمة. لكن هذا القول عليه الكثير من الملاحظات التي قد تخرج به عن حيّز الصواب فالفلسفة بمعناها العام تعني البحوث المتصلة بالوجود والتقسيمات الأولية للوجود. وطبعاً يمكن ملاحظة هذه المشكلة في الفلسفة ذاتها. إذ يطرح السؤال: كيف يمكن إرجاع جميع قضايا الفلسفة إلى مبحث «الوجود» بما هو موجود؟ ففي الفلسفة الإسلامية مثلاً تدرس مواضيع الحركة والعلم، فكيف يا ترى يمكن إرجاع هذه القضايا إلى مقولة الوجود؟ وهذا سؤال تعمق فيه الكثير من الفلاسفة ودرسوه عن عدة وجوه. فذهب بعضهم إلى أن هذه القضايا تعود إلى أصل الوجود. فالوجود إما ثابت أو متحرك، وإما عالم أو معلوم… وبهذا النحو اعتبروا العلم والحركة من أعراض الوجود.
الفلسفة بمعنى الميتافيزيقيا عبارة عن البحث في الوجود المطلق، وهذا ما لا علاقة له بتاتاً بموضوعنا. أما إذا تكلفنا واعتبرنا الفلسفات المضافة مما يندرج تحت عنوان الفلسفة العامة، وقلنا مثلاً: إن فلسفة العلم تبحث في الوجودات الخاصة بالعلم، ففي هذه الحالة يجب أن نتذكر أن أتفه الأشياء أيضاً لها وجودها، فالقدح مثلاً له وجود، ولا بد إذن أن تكون لدينا فلسفة قدح!
وقال البعض: إن ثمة ملاكاً يمكن بواسطته تمييز القضايا الفلسفية من غير الفلسفية. وخصوصاً في مثل هذه الحالات الخاصة بفلسفة العلوم. فالقضية الفلسفية هي التي تجيب عن السؤال «ما هو؟» وفي فلسفة الفقه نريد الإجابة عن السؤال «ما هو علم الفقه؟» (محمد مجتهد شبستري، كراسة فلسفة الفقه، ص 8).
القول: إن معيار القضية الفلسفية يتلخص بالسؤال «ما هو؟» قول ينطوي في الواقع على تناقض واضح. فحينما نسأل «ما هو الماء؟» لا يمكن اعتبار هذا السؤال فلسفيا، مع أنه من سنخ أسئلة «ما هو؟» وكذلك الاكتشافات العلمية للأنظمة الداخلية للكائنات الحية، كلها إجابات عن أسئلة ماهوية، لكنها ليست اكتشافات فلسفية. ومن ناحية أخرى لا تندرج جميع قضايا فلسفة الفقه ضمن السؤال «ما هو علم الفقه؟» فمن أهم الأسئلة في فلسفة الفقه، السؤال عن مباني الفقه، وبتعبير آخر أن علل الوجود ليست ذاتها علل القوام. فالسؤال عن سبب أو أدلة القضية الفقهية غير السؤال عن ماهية هذه القضية.
والنتيجة هي أن للفلسفة هنا معنيين وليس لها معنى واحد. والفلسفة المضافة كما تدل على ذلك الدراسات المعاصرة في الغرب، عبارة عن: «مجموعة التأملات النظرية والتحليلية والعقلانية حول ظاهرة معينة». وقد تكون هذه الظاهرة علماً من العلوم في بعض الأحيان، وقد لا تكون علماً في أحيان أخرى، كظاهرة اللغة مثلاً.
ولا بد من الإلماع إلى أن الفلسفات عموماً تعد من معارف الدرجة الثانية بمعنى من المعاني. أي أنها ترصد الظاهرة من الخارج. ومن الطبيعي أن تكون فلسفة الفقه أيضاً معرفة من الدرجة الثانية. بمعنى أننا إذا اعتبرنا الفقه ظاهرة من الظواهر، كانت فلسفة الفقه التي تراقبه من خارجه معرفة من الدرجة الثانية، وطبعاً لا يدخل في بحثنا الحالي السؤال عن ماهية الفقه، لكنه سؤال ذو دور مهم جداً في فلسفة الفقه.
والدليل الآخر على أن متعلق الفلسفة المضافة ليس علماً بالضرورة، وجود اصطلاحي فلسفة الزمان والمكان في العالم الغربي (philosophy of space and time) والحال أن الزمان والمكان ليسا علمين من العلوم. وكذلك الأمر في فلسفة النسبية (philosophy of relativity) فما نريد التأكيد عليه هنا هو أن الفلسفة في بحثنا الراهن ليست سوى مجموعة الأبحاث النظرية والتحليلية الخاصة بظاهرة معينة، قد تكون علماً من العلوم، وقد تكون الزمان أو المكان أو اللغة أو الفن أو أية ظاهرة أخرى.
ويتساءل البعض في إطار فلسفة الحقوق عن صحة أو سقم إضافة الفلسفة على الحقوق. ومثل هذا السؤال يمكن أن يطرح بالنسبة لفلسفة الفقه أيضاً، والإشكال الذي يطرحونه هو أننا في الفلسفة أحرار غير مقيّدين بأية أصول أو مبادىء، أما في الفقه فنتقيّد بأسس لا نستطيع العدول عنها، فكيف يمكن الجمع بين هاتين الحالتين، وكيف يصح أن نتفلسف ونحن مقيّدون؟ (الدكتور ناصر كاتوزيان، كراسة فلسفة الفقه، ص 2).
هذا الكلام أيضاً يبدو مفتقراً إلى الدقة اللازمة؛ لأن الفلسفة المقصودة في فلسفة الفقه، معرفة من الدرجة الثانية، أي أنها التأمل التحليلي والنظري في معرفة أخرى هي «الفقه» بصفتها ظاهرة مستقلة.. وهذا خلافاً للفلسفة بمعناها الميتافيزيقي، والتي تبحث في الوجود بما هو موجود، ولا يتقيّد فيها الفيلسوف عادة بافتراضات أولية أو أسس مسبقة. إذن ثم فرق كبير بين هذين النمطين من الفلسفة.
الخلاصة
عموماً يمكن القول: إن الفلسفة المضافة تعني «المباني» أو «الأسس». وفي العالم الغربي أيضاً يستعملون تعبير {foundation} لمباني الرياضيات. فمثلاً نرى عنوان كتاب «فلسفة الأخلاق» لمور {principa ethica} بمعنى أسس الأخلاق ويريد به فلسفة الأخلاق. فالمباني هنا يراد منها المعنى الواسع للكلمة، بحيث يمكن إطلاق حتى مصطلح «مباني اللغة» أو «مباني الفن». وأتصور أن أفضل تعريف للفلسفة المضافة هو ما ذكرناه من أنها مجموعة التأملات النظرية والتحليلية في ظاهرة معينة.
فلسفة الفقه
والآن لنرى ما هي فلسفة الفقه؟ وكيف يجب أن تُعرّف؟
ويبدو، ونظراً لما أسلفنا ذكره، أن تعريفها غداً واضحاً إلى حد كبير. ومع ذلك ما تزال هناك نقاط يجب أن تبحث لمزيد من التنقيح.
قلنا: إن فلسفة الشيء هي التأملات النظرية والتحليلية في ذلك الشيء. ولكن ما هو ذلك الشيء أساساً؟ فحينما نضيف الفلسفة إلى الفقه، يجب أن نعرف ما هو الفقه أساساً، كي نبحث في مبانيه النظرية والتحليلية؟
في الغرب ثمة تمييزان مهمان يتصلان بمقولة العلم: الأول الفرز ما بين العلم بصفته مجموعة من المعلومات والمعارف، وما بين العلم باعتبار النشاط الذي يبذله العلماء. والثاني الفرز ما بين العلم كوجود سارٍ في خط الزمن، وبين المقاطع المختلفة للعلم.
هل الفقه مجموعة المسائل أو جهود الفقهاء؟
ما هو الفقه؟
إنه مجموعة المسائل التي يكوّن موضوعها فعل المكلف ومحمولها الأحكام الاقتضائية والتخييرية. هذا هو التعريف الشائع للفقه. وفي تحديد ماهية الرياضيات، نقدم مجموعة من القضايا والمسائل فنقول: هذه هي الرياضيات. وفي تحديد ماهية الفلسفة، نطرح كماً من القضايا لنقول هذه هي الفلسفة. هذا نمط من النظر إلى العلوم وتعاريفها يسمى في الغرب {body of propositon} أو {a body of knowledge}.
وهناك نمط آخر من النظر إلى العلوم نعتبر من خلاله العلم مجموعة أنشطة العلماء. وهذا ليس تعريفاً غريباً؛ لأننا في كثير من الأحيان نشير إلى جهود العلماء (ما يجرونه من أبحاث ودراسات وما يدور بينهم من سجالات واجتماعات وردودهم على آراء بعضهم) ونسمي كل هذا علماً. فيكون العلم مجموعة الأنشطة التي تصدر عن العلماء، وليس فقط {a body of propositon} والعلم هنا يأخذ بصفته فعلاً أو {activity}.
ويقولون: إن نظرة {activity} تختلف عن نظرة {a body of knowledge} وهو تفكيك مهم. ويدخلون للقضية من مكان آخر. فمثلاً حينما يبحثون العلاقة بين العلوم والقيم، وهذه الأخيرة من قضايا فلسفة العلم، يضطرون إلى السؤال عن ماهية العلم ليبحثوا علاقة القيم به. فهل المراد ما هي علاقة القيم بمجموعة من المعلومات والمسائل التي تشكل محتوى «العلم» أم أن الهدف هو دراسة العلاقة بين القيم والأنشطة العلمية التي يمارسها العلماء؟ وهذا ما يشير إلى الأهمية البالغة لهذا التمييز. فإذا قررنا أن العلم مجموعة نشاطات العلماء، أدخلنا في الحساب غايات العلماء ودوافعهم ـ لأن للفعل قبل كل شيء غاية، وهذه هي الخطوة الأولى التي نضعها في دائرة القيم. فحينما يدخل الإنسان ساحة العلم الفلاني، لا بد أن تكون له غاية يريد الوصول إليها، وإشراك الغايات والدوافع في القضية يعني إشراك القيم وربطها بعلاقات وثيقة بالممارسة العلمية، أما إذا كان العلم مجموعة من القضايا والمسائل ليس إلاّ فمن الصعب إدخال القيم في العلوم وترتيب علاقة بينهما. بينما العلم بصفته الفعل العلمي للعالم، يبدو ذا طابع قيمي من الخطوة الأولى. لأن كل فعل لا بد له من غاية. في حين يمكن عزل القيم عن العلوم إذا أخذنا الثانية بمعنى كمية المعارف والمعلومات ذات الموضوع الواحد هذا على الرغم من إمكانية ربط القيم والعلوم بآليات أخرى.
وفي مجال الفقه، يمكن طرح ذات الإشكالية بالضبط. فما هي يا ترى زاوية النظر إلى الفقه في فلسفة الفقه؟ هل هي التي تعتبر الفقه مجموعة من القضايا، أم أنها ترى الفقه عبارة عن فعل الفقهاء ونشاطهم؟ وهل لدينا مجموعة من القضايا نبحث لها عن فلسفة وعن بحوث نظرية، أم أننا وراء فلسفة لفعل الفقهاء؟ وبأي الأمور يتصل هذا الفعل؟ وما هي المؤثرات التي قد تؤثر فيه؟ عندها قد يكون للكثير من الأمور الحياتية والمعيشية العامة تأثيرها البالغ في نشاط العلماء، بينما لا يمكن أن نلمس مثل هذا التأثير إذا اعتبرنا العلم مجرد مجموعة من المسائل والقضايا.
إذن فالفرز أو التفكيك الأول في فلسفة الفقه، والذي ينبغي أخذه بكل جد واهتمام هو التمييز بين أن يكون الفقه مجموعة من القضايا، وبين أن يكون مجموعة من الأفعال.
الكثيرون أغفلوا هذا التمييز. والغريب أنهم لم يغفلوا وحسب، وإنما خلطوا تماماً بين المعنيين. وللمثال أورد أحد الكتاب في تبيين مفهوم العلم.
«المراد بالعلم مجموعة القضايا المنتظمة بنظام معين، والتي لها موضوعات وأساليب وأهداف محدودة. والعلم بهذا المعنى ليس حالة نفسية، وإنما هو ظاهرة لها هويتها التاريخية والاجتماعية. والذي تدرسه فلسفة العلم هو هذه الهوية التاريخية والاجتماعية» (محمد مجتهد شبستري، كراسة فلسفة الفقه، ص 8).
حينما نعتبر العلم مجموعة من القضايا ذات الموضوعات والأساليب والأهداف والغايات، فلن يعود من السهل تقرير هوية تاريخية واجتماعية لهذه المجموعة. فكل موضوع وهدف يجمع حوله لفيفاً من القضايا، وكل مسألة تجرُّ وراءها بشكل طبيعي مجموعة من الاستدلالات تقام على صحة المسألة أو دحضها، وهذه أمور بديهية لا تدل على شيء، ولا تتحول عبر الزمان ليمكن نحت هوية تاريخية واجتماعية لها.
بعبارة أخرى يعطينا التعريف أعلاه معياراً للعلم. ولذلك فإن ما يتحقق في الخارج كعلم، يبقى ادئماً ناقصاً حسب هذا المعيار. وعلم الفقه وفق هذا التعريف مجموعة من المسائل لها موضوع معين وهدف معين. وبذلك فإن هذه المجموعة ترتبط بديهياً بموضوعها وهدفها، وليس من المعقول: أن يكون العلم بهذا المعنى تاريخانياً، أو اجتماعياً، فهذا بالضبط كأن نقول: إن ماهية الماء تاريخانية أو هي ظاهرة اجتماعية فالتاريخاني هو الوجود الخارجي للماء. والأمر كذلك فيما يخص العلوم. مجموعة القضايا ليست سوى مجموعة من القضايا، ولا يختلف حالها بين الأمس واليوم، ولا تمتاز بأي طابع سيال يكسبها خصوصية تاريخية. نعم يوجد من هذه المجموعة في حقيبة زمنية معينة (وهي مجموعة ناقصة طبعاً حسب المعيار المذكور) يمكن أن تتحول وتكون موجوداً تاريخياً. لكن الوجود الخارجي لهذه المجموعة وفعليتها الناقصة ليست مجموعة القضايا كلها… وهذه نقطة دقيقة يجب الالتفات إليها.
هل الفقه وجود سيّال أم مرحلي؟
الفرز الآخر الذي يبدو مهماً جداً هو الفرز بين العلم كوجود متحرك في خط الزمن، وبين المقاطع المعينة للعلم. فتارةً نقول «علم الفيزياء» ونريد به الوجود السيّال الذي بدأ بأرخميدس وحتى قبل أرخميدس وما زال متحركاً سيّالاً إلى اليوم. ففي هذه الحالة نريد أن ننظر إلى هذا الموجود بمجموعه. وتارةً يكون الفقه ذلك الموجود الجاري في خط الزمن، في هذه الحالة ستقترب فلسفة الفقه بالضرورة من التاريخ. أي حينما نريد البحث في فلسفة الفقه ينبغي السؤال؛ من أين بدأ الفقه؟ وكيف تطور؟ وما هي التحولات التي طرأت عليه؟ وفي أي الحقب انحسر وفي أيها تمدد؟ ومتى خضع للتأثيرات الخارجية؟
ولكن أحياناً يكون المراد بعلم الفقه مقاطعه ومراحله، أي مرحلته الحالية ووضعه الراهن، وهو اصطلاح شائع. فحينما نقول الرياضيات نقصد بها الرياضيات الحالية، أما الباقي فتاريخ الرياضيات. وحينما نقول اليوم علم الأصول، نريد به الأصول التي بين أيدينا، أي مجموعة القضايا والمباحث التي نتعامل بها اليوم، وليس ما قدّمه السيد المرتضى قبل قرون، لأن ذلك معطى تاريخي، وهو في الواقع تاريخ علم الأصول أما الأصول التي في أيدينا فهي علم الأصول. وهي مقطع من ذلك الوجود المتحول عبر الزمن.
إذن، ما هو الفقه؟ وما هو الشيء الذي نريد أن ندوّن له فلسفة خاصة به؟ هل هي فلسفة الشيء الذي في أيدينا الآن. أم مجمل الوجود التاريخي للفقه؟ النتيجة التي نصل إليها من هذا البحث مهمة جداً. فقد تكون الكثير من المسائل خارجة اليوم من حيّز الفقه، ولذا فهي بمعنى من المعاني ليست جزءاً من الفقه.
من الأخطاء الشائعة القول: إن العلم إما ذلك الوجود التاريخي السيّال لا غير، وإما الحقبة الحالية من العلم، دون سواها على الإطلاق. إذ من الشطط المعرفي اعتبار العلم مقاطع وحقباً متناسين طابعه التاريخي. وهو خطأ يقع فيه الكثيرون، ومنهم الدكتور عبد الكريم سروش في كتابه «القبض والبسط النظري للشريعة».
وعموماً يبدو من المغالطة الاقتصار في النظر إلى العلم على نظرية بعينها ورفض النظريات الأخرى بشكل مطلق، إذ يجوز النظر إلى القضية من أكثر من زاوية، فيمكن القول: إن العلم هو النشاط العلمي للعلماء، ويمكن القول: إنه مجموعة القضايا. وكما نستطيع اعتباره وجوداً سيّالاً عبر الزمن، نستطيع أخذه في حقبة معينة بذاتها. وهذا يعود إلى الغاية التي نريد الوصول إليها. أما تقييد العلم بأنه كذا وليس سوى ذلك فهو خلط يوقعنا في أخطاء خطيرة. والصحيح النظر إلى العلم من عدّة زوايا، والمهم هو التركيز على الزاوية التي تنفعنا في الوصول إلى الغاية المحددة.
إن الفيزيائي مثلاً، لا يطرق أبواب تاريخ الفيزياء حينما يريد إعطاء المهندسين مبادىء نظرية لبعض القضايا التكنولوجية، لأن ذلك لا ينفعه في مهمته شيئاً. وإنما عليه النظر إلى أحدث النتائج الموجودة اليوم في هذا العلم الممتد طوال ألفي عام من الزمن. وكذلك الحال بالنسبة لعلم الأصول، فعندما ننظر إليه كوسيلة للاستنباط الفقهي، لن نحتاج إلى تاريخه؛ لأن تاريخ الأصول لن يفيدنا شيئاً في هذه المهمة، بل الذي يهمنا منه أحدث ما فيه من نظريات وآراء، ولذا فإن العلماء لا يهتمون بتاريخ العلوم، فعالم الرياضيات لا يتعب دماغه بتاريخ الرياضيات، وتطوراتها، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر العلماء، ومنهم علماء الأصول.
كتب أريك تمبل بيل E.T. Bell كتاباً اسمه «مشاهير الرياضيات» يكرر فيه غالباً أن علماء الرياضيات لا علم لهم بتاريخ الرياضيات، بل ولا يهتمون به ولا يرغبون في مطالعته والتعرف على حيثياته. ولا يعيرون أهمية كذلك لفلسفة الرياضيات. ويقول: الرياضيون يؤدون مهمتهم داخل علم الرياضيات، أما نحن فنتفلسف ونكتب تاريخ الرياضيات.
وعلى كل حال أتصور أن جميع زوايا النظر إلى العلم مهمة، ويبقى أن نرى أية زاوية تنفعنا أكثر فيما نريد الوصول إليه. ولذا يبدو أن المجتهد لا شأن له بتاريخ الاجتهاد، ولا بتاريخ الأصول، ولا بتاريخ الفقه. وطبعاً قد يحتاج في دائرة الفقه إلى معرفة بالإجماعات الفقهية للسلف وما اشتهر عنهم. أما سائر التحولات التاريخية فلا تنفع الفقيه في مهمته شيئاً، إذ ماذا قد تنفعه يا ترى تطورات الفقه من عهد المرحوم النراقي (صاحب المستند) إلى الشيخ الأنصاري وحتى عهد صاحب الكفاية… إذا اعتبرنا إجماع القدماء وما اشتهر عنهم من الحجج والأدلة الفقهية، فلا شك أن الاطلاع على هذا المقدار من تاريخ الفقه سيكون مفيداً وضرورياً للمجتهد في مهامه الاستنباطية. أما إذا لم نعتبر الإجماع ولا الشهرة حجة، كما يذهب إلى ذلك السيد أبو القاسم الخوئي، فلن تعود ثمة حاجة إلى تاريخ الفقه.
العودة إلى فلسفة الفقه
بعد أن أشرنا إلى النقاط أعلاه نعود إلى فلسفة الفقه. بإمكاننا النظر الى فلسفة الفقه كوجود مقطعي، كما بإمكاننا النظراليها كوجود سيّال متطور عبر الزمن. ولا ريب في وجود فوائد يشتمل عليها تاريخ الفقه وفلسفة الفقه. ولكن يجب النظر في هل الوصول إلى مبادىء تصورية وتصديقية وباقي الأمور الداخلية في «الفقه التاريخي» لها تأثيرها في علم الفقه الحالي أم لا؟ أعتقد أن هذا التأثير غامض المعالم ومبهم إلى حد كبير، خلافاً للمبادىء التصورية والتصديقية الخاصة بالفقه الراهن. فهنا يمكن لفلسفة الفقه أن تؤثر بطريقة عقلائية مقبولة في نتائج علم الفقه. تصوروا عالماً أصولياً تتغير بعض مبانيه بعد البحث في المبادىء التصديقية والتصورية والمنهجية لعلم الفقه، عندها سيكون من الواضح دور هذا البحث وتأثيره في علم الفقه، أما المعرفة بالمبادىء التصورية والتصديقية والمنهجية لفقه الشيخ الطوسي، فليس لها تأثير (مباشر على الأقل) في فقه المجتهد.
وقد يقال كما أن للحقبة الحالية من العلم فلسفتها، كذلك يمكن النظر من هذه الزاوية للعصور الأخرى ووضع فلسفات للفقه في العصور الماضية.
وتعليقنا على هذه الملاحظة هو أن بالإمكان طبعاً وضع فلسفة لفقه الشيخ الطوسي أو لفقه الشيخ المفيد أو للفقه في أي عصر من العصور، لكن المسألة المهمة هي ما هو تأثير مثل هذه الفلسفة على الفقه في العصر الحاضر.
وسنوضح هذه النقطة أكثر عند بحثنا لاحقاً في معيارية أو تاريخانية فلسفة الفقه (normative or historical). وإجمالاً نقول: إن علينا الوصول إلى فلسفة فقه تنفعنا، وتكون مؤثرة في فقهنا، وذات قدرة على تنقيح المبادىء التصورية والتصديقية لفقهنا الذي نريد أن نطرحه اليوم، وليس الفقه الذي جاء به السلف ومضت عليه القرون.
هذه نقطة تناولتها في كتاب «المعرفة الدينية» وفي مقالة «دور العلوم البشرية في الاجتهاد»، فتطرقت إلى إشكالية كيف يجب أن تصاغ منهجية البحث في الفقه أو الفلسفة أو مباحث المعرفة الدينية؟ فإذا كان علم المعرفة الدينية من علوم الدرجة الثانية، هل تنفعه الرؤية التاريخية في شيء أم لا؟ وهل ينفعنا في تنقيح العلم أن نلم بما صنعه العلماء والمتخصصون طوال التاريخ في دائرة هذا العلم؟
وجوابنا هو أن الرؤية التاريخية غير مفيدة في هذا الباب؛ لأن الرؤية التاريخية التي تعرفنا آراء الآخرين، لا تمثل حجة بالنسبة لنا، فمثلاً لو فحصنا التاريخ ووجدنا أن جميع فقهائنا اعتمدوا على الرياضيات في استنباطاتهم، فهل يكفي هذا كي نكون ملزمين نحن أيضاً بالاعتماد على الرياضيات. الجواب بالسلب بلا ريب. وهذا أحد أهم إشكالاتنا على نظرية القبض والبسط، التي يقول صاحبها: إننا نبقى ننظر إلى نشاط العلماء من الأعلى، ولا ننزل إلى ساحة العلم ذاتها. وهنا يكون إشكالنا عليه أنه في هذه الحالة لن يحق له التوصية بشيء أو التوجيه صوب جهة معينة، فالنظرة التاريخية لا يمكن أن تتمخض عن توصية، لأن مناهج وأساليب العلم المعين لا حجية لها في علم آخر، نعم… لا إشكال في أن ينظم الإنسان مسحاً تاريخياً، ويرصد أن جميع الفقهاء كانوا يعتمدون على الرياضيات مثلاً، لكنه لا يحق له القول: إن الفقه مرتبط بالرياضيات فعلاً، ولا يمكن ممارسة علم الفقه من دون الرياضيات، فقد يقال له: إن جميع الفقهاء ربما كانوا على خطأ، ولا تعبّد في معارف الدرجة الثانية حتى يقال لأن الفقهاء ذهبوا إلى وجود علاقة بين الفقه والرياضيات، إذن لا بد أن نسلك مسلكهم. فإذا بقي الإنسان متعالياً على العلم ينظر إليه من شرفات التاريخ ولا يلج ساحة السجال والبحث العلمي من الداخل، لن يحق له إطلاق آراء حول علاقة الفقه بالرياضيات.
ولا يستنزل المفكر من شرفات الإطلال العام على العلم إلى ساحة العلم الداخلية إلاّ الأحكام المعيارية (normative). ففي الحكم المعياري لن تعود نظرة الإنسان من نوع الدرجة الثانية، وإنما يبدي رأيه في المسألة الأصولية بطريقة معيارية كأي مجتهد آخر.
والخلاصة هي أن معارف الدرجة الثانية (التاريخية) لا تخول الإنسان إصدار توصيات وتوجيهات، وهذا ما نريد التأكيد عليه في هذا البحث. النظر التاريخي إلى العلوم أمر لا بأس به إطلاقاً، وهو ممارسة علمية نافعة في الكثير من الحالات. لكنه لا ينفعنا في فلسفة الفقه التي نريد لها أن تكون مؤثرة في فقهنا.
بعض فلاسفة العلوم الغربيين أخذوا بالمنهج التاريخي، ولا سيما النسبيين منهم، فمفكرون مثل «لاري لودان» (Larry Lauden) وأضرابه يشددون على الحاجة إلى تاريخ العلم.
وقد أورد لودان في كتابه فصلاً بعنوان (تاريخ الفكر) وشرح هناك بشكل تفصيلي كون فلسفة العلم normative وكونها descriptive. وبالطبع ثمة في العالم الغربي الكثير من فلاسفة العلم يرفضون تاريخانية فلسفة العلوم. وللودان رأي جميل مفاده؛ لأننا نسبيون، فليس لدينا معيار للواقع نبحث به عما هو الواقع ونصل إلى نتائج شافية؛ ينبغي الاستعانة بتاريخ العلم. وهنا لا أريد مناقشة رأيه أو الإدلاء برأي حول صحة أو عدم صحة الاستعانة بتاريخ العلوم حتى في ظروف النسبية التي أشار إليها، ولكن اعترافه الضمني مهم جدا، فهو يكاد يقول: إنه إذا كان هناك معيار لاكتشاف الواقع، فلن يعود ثمة طائل من مراجعة تاريخ الفلسفة والعلم والاستعانة بالبحوث الوصفية.
ويورد فصلاً آخر في كتابه تحت عنوان (تاريخ وفلسفة العلم) يبحث فيه العلاقة بين فلسفة العلم وتاريخه، فهل تاريخ العلم مما يعني فيلسوف العلم؟ أصحاب النظرة المعيارية لفلسفة الفقه يزعمون أنهم في غنى عن تاريخ العلم.
وفي فصل آخر بعنوان (تاريخ الأفكار) {history of ideas} يثير تارةً أخرى هذا الموضوع بشكل مفصل مسلطاً الضوء على مجمل الأفكار ويناقش هل للفلسفة بصورة عامة أواصرها بتاريخ الفكر أم لا؟ وهو يرى أن لها مثل هذه الأواصر، لكنه يصرح أن هذه الآصرة والعلاقة تقوم على افتراض مسبق مفاده أننا لا نمتلك معياراً مستقلاً للكشف عن الواقع.
ونظير هذا البحث يمكن أن يطرح فيما يخص الفقه وفلسفة الفقه. وقد يقول قائل: إن علينا في بداية الطريق الإعلان عن كوننا واقعيين أو لا بمعنى هل نرى وجود معايير في الفقه تكشف عن الواقع أم لا؟ حتى لو كانت هذه المعايير مفيدة للكشف عن الحجة دون الكشف التكويني. وإذا كان الجواب إيجابياً أي أننا نعتقد بوجود مثل هذا المعيار، فسيؤثر هذا بشكل حاسم على ما نتوصل إليه من نتائج.
في حدود معلوماتي، لا تهتم غالبية فلسفات العلم في العالم الغربي بتاريخ العلم. فالذين يبحثون في فلسفة الأخلاق مثلاً قلّما يهتمون بتاريخ الأخلاق بصفته تاريخاً منتظماً، مع أنهم يشيرون إلى الشخصيات والآراء البارزة في هذا النطاق، وهذا ما يمكن ملاحظته في كل العلوم. أما حينما نقول: إننا غير معنيين بتاريخ العلم، فنقصد أننا غير معنيين بالتعاقب التاريخي، لا أننا غير مهتمين بالآراء والنظريات المتينة التي نستقرئها في التاريخ، وإنما نقول: إن التتابع التاريخي للأفكار وقبضها وبسطها التاريخي لا علاقة له بفلسفة الأخلاق. وكذلك الحال بالنسبة لفلسفة اللغة، فقد اطلعت على عدة كتب لا تدرس فلسفة اللغة بمنهجية تاريخية. فإلى جانب تاريخ اللغة. هناك تاريخ التحولات اللغوية وتاريخ علم اللغة، أما أن يبحث فلاسفة اللغة في التحولات التاريخية للغة فهذا ما لم أشاهده. وهكذا الأمر في فلسفة الرياضيات والفن وسواهما.
والذي أريد قوله إن فلاسفة العلوم الغربيين هم أيضاً لم يطرحوا فلسفاتهم بطريقة تاريخية غالباً.
خلاصة البحث: نقد النظرة التاريخانية
خلاصة البحث هي أن النظرة إلى الفقه التي يجب أن تتوفر عليها فلسفة الفقه، لا بد أن تكون نظرة مقطعية خاصة بالحقبة الفقهية المعاصرة، وفي البحوث اللاحقة سيتضح أن إشكالية التاريخانية (الوصفية) والمعيارية لا تقتصر على علم الفقه، وإنما يمكن طرحها في فلسفة علم الفقه أيضاً. ولباب رأينا في هذا المقام هو أنه يجب العمل في «فلسفة علم الفقه» بنحو معياري، وليس باستقراء واستقصاء آراء العلماء. ينبغي أن نكون لاعبين داخل الساحة وليس متفرجين خارجها.
وقد يشكل البعض أن هذا الكلام يفضي إلى أن الشيء الذي ينفعنا في مرحلة الاستنباط والاجتهاد، والشيء الذي يحمل ثماراً فقهية، هو آخر النتائج التي في أيدينا. ولكن الواقع في الاستنباطات الفقهية شيء آخر، إذ يجب نقض وإبرام أقوال الماضين ودراسة الأقوال الجديدة، ومقارنتها وترجيحها، وبالتالي اختيار القول الذي يمكن أن ينفع في عملية الاستنباط. وهذا ما لم يؤخذ (حسب رأي أصحاب الإشكال) بنظر الاعتبار، وإنما جرى الاهتمام فقط بالأقوال المستحصلة في نهاية الاستنباط.
وفي الرد على هذا الإشكال نقول: إن في هذا الكلام خلطاً بين الفقه والأصول. ولمزيد من الإيضاح نضرب مثالاً من علم الأصول. فالأصول عبارة عن مجموعة من البحوث التي لدينا الآن. هل يحتاج الأصولي إلى الإفصاح؛ من أين جاء بحث اجتماع الأمر والنهي، وما هي التطورات التي مر بها والتغيرات التي طرأت عليه عبر التاريخ؟ لا يبدو الأمر كذلك، فالأصولي يقرر معضلة اجتماع الأمر والنهي بأفضل وجه وبشكل ربما لم يتوصل إليه الكثير من القدماء، ثم يبادر إلى حل هذه المعضلة. المهم بالنسبة له البيان الصحيح للمسألة وحلها بطريقة صحيحة مبرهنة. أما من هو أول من طرح هذه المسألة وكيف طرحها وماذا جرى لها بعد ذلك، فهذا ما لا ينفعه في بحثه. المهم هي المسائل الواقعية المعقولة، من أي شخص صدرت وكيفما صدرت.
ونظير هذه الحالة يمكن أن تطرح في الفلسفة أيضاً. فالسجال بين أصالة الوجود وأصالة الماهية سجال مهم كما هو معروف. بل إن تقرير المسألة في هذا المجال أهم من الجواب. أما أن نبحث من أين جاءت أصالة الوجود؟ ومن هو أول من طرحها ولماذا طرحها لا يبدو أن لها تأثيراً يذكر في أصل القضية. نعم قد يكون لها دور في التعريف بآراء ونظريات السلف فإذا كان مدار البحث حول ما هو المعنى الأولي الذي طرحت به قضية أصالة الوجود وأصالة الماهية… هنا لا بد من التنقيب في تاريخ الفلسفة. أما حينما نريد البحث في أصل القضية وأساس الخلاف بين أنصار أصالة الوجود وأتباع أصالة الماهية، فحتى لو لم نكن واقفين على نظريات القدماء، وكانت هنالك خمس مسائل مطروحة في هذا الباب، لكانت هذه المسائل جميعها مهمة بالنسبة لنا في دراستنا.
وطبعاً من الضروري التنبيه إلى أن استعراض الآراء المهمة حول القضية العلمية ظاهرة منطقية معقولة تماماً، وهي الطريقة المألوفة لدى العلماء والباحثين، لكنها ليست من تاريخ العلم في شيء. فمثلاً كون المحقق الحلي أول من أشار إلى موضوع اجتماع الأمر والنهي، وأنه كان متأثراً في أطروحته هذه بأحد المباحث الكلامية، هذه المعلومة لا تؤثر أبداً في معالجة المسألة، فالمطلوب من تاريخ العلم دراسة حركة تحول المسائل العلمية طوال عصور التاريخ.
ومن المسلم به أن للعلم وللإنسانية من الناحية الوجودية تاريخهما، بل إن لكل شيء تاريخه. وحتى أنا الجالس هنا لي تاريخي، لكنك حينما تنظر إليَّ فجأةً، لا تنظر إلى تاريخي، مع أنني موجود تاريخي. وكذلك علم الأصول الذي نهتم بحقبته الحالية، له تاريخه بلا شك إذ لا يمكن أن يصل إلينا من دون سابق تاريخي، لكن المسألة هي أنني غير معني بهذا التاريخ، وباستطاعتي أن آخذ الحقبة الحالية وأتناسي التاريخ. إن مراد التاريخانيين ليس القول بأن الموجود الذي بين أيدينا موجود تاريخي؛ لأن جميع الموجودات تاريخية، وعلم الأصول تاريخي بهذا المعنى، وهو رغم كونه في يدي الآن إلاّ أنه تاريخي في نفس الوقت، أي له ماضيه، لكن عالم الأصول يأخذ المقطع الأخير منه ولا يلتفت إلى تاريخه.
إننا في علم الأصول غير معنيين بتاريخ الأفكار، فالذي يهمنا هو المسائل المعقولة، فلو جاءنا فجأة إنسان من كوكب آخر لا علم له بتاريخ العلوم عندنا، وطرح علينا ثلاثين مسألة أصولية مهمة لم تواجهنا في السابق، عندها يتحتم علينا الاهتمام بهذه المسائل ودراستها، حتى لو لم يكن لها أي ماضٍ تاريخي نعرفه، لأننا كمستنبطي أحكام نفتش عن المسائل المعقولة، والتاريخي العيني يوصلنا بشكل تكويني إلى هذه الحقبة، وليس دراسة التاريخ التي أقوم بها، والتي لا أحتاجها أساساً.
قد يقال: إن المقصود بالفحص التاريخي النظر ممن أخذت الفكرة، ومن الذي طورها حتى وصلت إلينا بهذا الشكل، بيد أن هذه الأمور عديمة التأثير في البحث العلمي، إلاّ أن هناك كليات معينة قد تكون مؤثرة، مثل دور البحوث العقلية في الأصول وحتى في الفقه، فمثلاً قد ينظر شخص نظرة تاريخية إلى زمن ابن إدريس، ويرى أن لابن إدريس منهجية معينة من معالمها مثلاً أنه كان يشرك المعطيات الكلامية في علم الأصول أو الفقه، عندها تكون هذه النتائج مؤثرة في الفقه وفلسفته.
لكن هذا الرأي لا يبدو صحيحاً هو الآخر. فإذا كان ابن إدريس قد استخدم علم الكلام، فمما هو تأثير استخدامه هذا على أصولنا أو فقهنا؟ وهل استخدام ابن إدريس للكلام، يعني أن استخدامه كان صحيحاً بالضرورة؟ أن يكون استخدامه صحيحاً أو خاطئاً قضية يجب أن تبحث، وهي قضية معيارية، لا تؤثر فيها المعطيات التاريخية.
وربما قيل: إننا حينما نريد معرفة فلسفة هذا الفقه، قد يهتم الفقيه ذاته الذي يستنبط الحكم بفلسفة فقهه ويريد معرفة أبعادها. وأحياناً قد يبحث شخص آخر عن فلسفة لفقه هذا الفقيه، وبالتالي لا يمكن القول: إن النظرة التاريخية إلى فقه الفقهاء الماضين عديمة الفائدة.
وفي هذا الكلام الكثير من التسامح والتكلف، فالفقه بصفته مجموعة من المسائل لا يضاف إلى الأشخاص إلاّ بتكلّف. ومجموعة المسائل الفقهية تشكل مجموعة واقعية تدور حول موضوع واحد أو غرض معين، ولا يخص الفقيه كيف يحصل الوعي بهذه المجموعة من المسائل، ففيلسوف الفقه بالتالي غير الفقيه. الفيلسوف ينظر إلى الفقه، وإذا سئلنا: فقه من ينظر إليه الفيلسوف؟ نجيب أن الفقه ذاته أمر تكويني بلحاظ موضوعه أو الغرض المتوقع منه؛ ولذلك لن يكون من المهم معرفة الشخص الذي يضاف إليه الفقه، حتى نسأل: فقه من ينظر إليه الفيلسوف؟ ولأجل مزيد من الإيضاح ننتقل بالإشكالية إلى دائرة الفيزياء، إذ لدينا اليوم فلسفة فيزياء، فهل يصح السؤال: فيزياء مَنْ هذه الفيزياء التي نبحث عن فلسفتها؟
الواقع أن كل علم يبحث في العوارض الذاتية لموضوعه، ولا أهمية للأشخاص والعلماء في هذا المجال، فالعالم يحمل عوارض ذاتية، سواء اعتقدنا أن تمايز العلوم بمواضيعها أو بأغراضها، فالموضوع أو الغرض يفرز بطبيعته مجموعة من المسائل، وهذا أمر لا مفر منه سواء كنت أنا مستيقظاً أم نائماً، وسواء استنبطت أم لم أستنبط، وسواء كنت على علم بهذا الأمر أم لم أكن. مع ملاحظة أن علم الأصول عبارة عن مجموعة من المسائل يجمعها هدف «استنباط الحكم». وهذه مسألة تكوينية عينية لا يستطيع أحد التدخل فيها أو تبديلها، فهذا الغرض يجمع حوله بنحو تلقائي مجموعة من المسائل.
وقد يشار إلى وجود فقيهين يختلفان في مبانيهما وفي مجموعة المسائل التي يطرحانها، وهنا نقول: إن وحدة الغرض تجعل ما يبحثه الفقيهان علماً واحداً، وإذا تعددت الأغراض تعددت العلوم، فحينما نقول: إن العلم هو مجموع القضايا، لا يعني هذا أننا بمعزل عن بحث هذه القضايا، فقد تكون نتيجة البحث سلبية وقد تكون إيجابية أو قد يكون تفصيلاً بين هذه وتلك وكل مسألة تطرح قد يأتي الاستدلال لصالحها وقد يأتي عليها، وقد يكون في الأمر تفصيل. ولكنا حينما نقرّر وجود علم الأصول لا بد أن يكون غرضه واحداً، وهذا لا يتنافى أبداً مع الوصول إلى نتائج متفاوتة بشأن المسألة الواحدة إذا كانت المباني مختلفة.
ملخص البحث
بعد أن نأينا قليلاً عن أصل الموضوع، نعود لنقول: إن بالإمكان تدوين فلسفة حول الفقه التاريخي، وكذلك حول الفقه الراهن الذي نلتزم به. لكن النقطة الأساسية التي ينبغي التنبيه إليها أن تدوين فلسفة الفقه التاريخي بمعنى تسليط الضوء على المبادىء التصورية والتصديقية والمنهجية لفقه فقهاء السلف، والبحث في القضايا ذات الصلة بفقههم، لا يترك تأثيراً يذكر على فقهنا اليوم، بمعنى أنه غير مؤثر في مجموعة المسائل التي تشكل الفقه. إذن ففلسفة الفقه التي تستطيع أن تلعب دوراً داخل دائرة الفقه، هي فلسفة الفقه الراهن، وبطريقة معيارية، فنطرح على بساط البحث مثلاً: ما هي المنهجية التي يجب أن تتبع في الفقه، وليس ما هي المنهجية التي يتبعها الفقهاء في فقههم اليوم؟
وبعبارة أوضح، نقول: إن فلسفة الفقه يجب أولاً أن تبحث في الفقه الذي سلمنا به وفقاً للتعريف. وثانياً ينبغي في مرحلة النظرة الخارجية إلى الفقه أن تسلك الطريقة المعيارية دون الطريقة التاريخانية الوصفية.
الشرط الأول أعلاه يخص مَنْ يريد أن يبحث فقه الحقب الماضية أيضاً، وهو ما لا تأثير له على فقهنا اليوم.
والشرط الثاني يطرح على من يمارس نظرته الخارجية للفقه بطريقة تاريخانية وصفية، وليس بمنهج معياري. فنراه مثلاً في مقام الكشف عن العلاقة بين الفقه والعلوم الأخرى، لا يشمر بنفسه عن ذراع البحث والتحقيق، ليفصح عن طبيعة العلاقة بين هذه العلوم. وإنما يكتفي بما توصل إليه العلاَّمة الحلي مثلاً في التداخل بين الفقه والرياضيات، أو ما كان يعمل به الشيخ البهائي، أو ما ذهب إليه علماء آخرون.
* كيف تنظرون إلى حيثية العلاقة بين «فلسفة الفقه» من ناحية و«علم الكلام الإسلامي» و«الأخلاق الإسلامية» و«أصول الفقه» و«تفسير القرآن» و«علم الحديث» من ناحية أخرى؟
مصطفى ملكيان: لعل التدقيق في إجابتي عن السؤال السابق، يكشف إلى أي حد ما يجب أن تكون عليه طبيعة الإجابة عن الفقرات المتعددة لهذا السؤال ومع هذا من المناسب إيراد جواب مستقل بصيغة مختصرة.
أ ـ فلسفة الفقه والكلام الإسلامي علمان متداخلان مع بعضهما ومتناسبان في مواضيعهما. وبعبارة أخرى تمتاز العلاقة بين مسائل هذين العلمين بعموم وخصوص من وجه. ذكرنا في بداية الإجابة عن السؤال السابق أن الكلام الإسلامي يعني من بين المسائل الستة المذكورة بالمسألة الثانية والثالثة والخامسة والسادسة. أما فلسفة الفقه فتخوض في المسألة الأولى والثانية وأجزاء من المسألة الثالثة. وبهذا يتداخل العلمان في المسألتين الثانية والثالثة ويتطرق علم الكلام كذلك للمسألتين الخامسة والسادسة. وفلسفة الفقه هي الأخرى تتناول فضلاً عن المسألتين الثانية والثالثة، المسألة الأولى ومواضيع ومباحث أخرى كثيرة، أشرنا إلى بعضها في الصفحات السابقة.
وبكلام آخر، لأن جانباً كبيراً من قبليات (مفروضات) علم الفقه، قبليات وصفية (descriptive)، وبعض هذه القبليات الوصفية مستقاة من علم الكلام، لذلك ينشأ بصورة طبيعية نمط من ترابط بين فلسفة الفقه وعلم الكلام. ولكن بسبب أن جزءاً آخر من القبليات الوصفية لعلم الفقه غير مأخوذة من علم الكلام، وأن للفقه إلى جانب ذلك قبليات قيمية (prescriptive) فإن فلسفة الفقه التي تخوض في جميع قبليات الفقه ستكون ذات مديات أوسع من علم الكلام. ولكن من ناحية أخرى، يهتم علم الكلام بمسائل لا تصنّف ضمن قبليات الفقه (مسائل النوع الخامس والسادس) ولهذا سيبدو مجاله أوسع من فلسفة الفقه.
ولا بأس أن نسوق هنا مثالاً للقبليات التي يحتاجها علم الفقه في حين يتولى علم الكلام إثباتها والدفاع عنها. في الفقه الشيعي الإثني عشري، يعتبر كلام الباري عزّ وجلّ في القرآن الكريم وكلام المعصومين الأربعة عشر كلاماً واحداً. وبغير ذلك لم يكن من المعقول القول بأن الآيات القرآنية يجب أن تفهم بشكل لا يتعارض مع صريح كلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام الإمام جعفر الصادق عليه السلام يجب أن يفسر بطريقة لا تؤدي إلى تعارض مع كلام للإمام محمد الباقر عليه السلام، وكل ما في الأمر أن كلام أحدهم يخصص ويقيد كلام الآخر، ويفصله، ويوضحه، ولا يتعارض معه إطلاقاً. وهذا ما لا نراه لكلام الشيخ الطوسي والعلاَّمة الحلي أو ابن سينا وصدر المتألهين أو جان بول سارتر وهايدغر. فمثلاً لا نلتزم بتفسير كلام الشيخ الطوسي بما لا يتضارب مع آراء العلاَّمة الحلي. ولا نخصص أو نقيد الكلام العام لابن سينا بكلام صدر المتألهين.
ولا نفصل رأياً مجملاً لهايدغر بمقولات لجان بول سارتر؛ لأننا نرى أن كل واحد من هؤلاء إنسان مستقل عن الآخرين، ولا ضرورة لتكامل كلامه مع كلامهم. فأين يا ترى يكمن الفارق بين الحالتين؟ لماذا يعتبر الفقه الإمامي كلام خمسة عشر متكلماً وكأنه صادر عن متكلم واحد، لكنه لا يتعامل بهذه الطريقة مع أي من المتكلمين الآخرين؟ الفارق هو أن الفقيه الإمامي يحمل فرضاً مسبقاً بخصوص هؤلاء المتكلمين الخمسة عشر لا يحمله بالنسبة لغيرهم من أصحاب الآراء والتعاليم على الإطلاق. ويتلخص هذا الفرض المسبق في أنهم معصومون، أي لا يخطئون (وطبعاً لا يستعمل تعبير المعصوم للباري عزّ وجلّ). وواضح أننا إذا اعتبرنا مجموعة من الناس معصومين، فإن ما يصدر عن أحدهم سيكون كأنما هو صادر عن غيره من أعضاء تلك المجموعة، أو أن أقوالهم جميعاً قول شخص واحد، لا تتناقض له مقولتان بتاتاً. هذه القبلية المهمة ترسم للفقهاء الشيعة منهجاً تفسيرياً خاصاً وتؤدي إلى نظريات وآراء فقهية خاصة، ولها عموماً دور مهم جداً في صياغة المذهب الفقهي الشيعي بالشكل الذي هو عليه الآن.
والنقطة المهمة هي أن هذه القبلية ليست من نتاجات علم الفقه، وإنما أخذها الفقهاء أخذ المسلمات تاركين لعلم الكلام إثباتها والدفاع عنها. فعلم الكلام هو الكفيل بإيضاح مفهوم «العصمة» ثم سوق الأدلة العقلية والنقلية على صحة الاعتقاد بالعصمة (على افتراض أن الأدلة النقلية لها حجيتها في هذا الموضع).
ب ـ الجواب عن هذه الفقرة من السؤال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ: أولاً، ما هو تعريفنا لعلم الفقه؟ وثانياً: ما هو مرادنا من «الأخلاق الإسلامية»؟ والواقع أن ثمة غموضاً يكتنف كلا المسألتين فإذا كان مرادنا من «الأخلاق الإسلامية» نظاماً منبثقاً عن مجموعة من الأوامر والنواهي الموجودة في الكتاب والسنَّة، والخاصة بالأفعال الجوانحية (أو الباطنية القبلية). وإذا كان ما نقصده من علم الفقه الأوامر والنواهي الخاصة (بالأفعال الجوارحية) (أو الظاهرية الخارجية)، فعندها يمكن القول: إن فلسفة الفقه ترتبط بالأخلاق الإسلامية من باب بحثها في كل مجموعة الأحكام الشرعية في النظام الفقهي غير متعارضة عملياً مع مجموعة الأوامر والنواهي الجوانحية في الأخلاق الإسلامية، أم أنها في الواقع تساعد على تطبيق النظام الأخلاقي الإسلامي؟
الحقيقة هي أن الحدود بين الفقه والأخلاق في الثقافة الإسلامية غير واضحة أبداً. وربما أمكن القول: إن الفقه الإسلامي نظام حقوقي ـ أخلاقي يهتم بحيثيات العلاقات الإنسانية الأربعة: علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بنفسه، وبغيره من الناس، وبالطبيعة.
ج ـ إذا كان المراد بعلم أصول الفقه ما نلاحظه من تعاريف غالباً ما ترد في كتب الأصول، حينها سيكون هذا العلم شاملاً لجميع قبليات الفقه (لاحظ مثلاً التعاريف الواردة لعلم الأصول في «كفاية الأصول» و«درر الفوائد»، وحواشي المرحوم محمد حسين الأصفهاني على «كفاية الأصول»، و«أصول الفقه» وغيرها من الكتب). وبذلك فإن علم الأصول سيشكل القسم الأعظم من فلسفة الفقه. أما إذا كان المراد من علم الأصول مجموعة القضايا والمسائل الواردة في الكتب الأصولية فلن يشكل هذا العلم سوى جزء يسير من قبليات علم الفقه. وعلى كل حال فإن الأصول تمثل جزءاً كبيراً أو صغيراً من فلسفة الفقه.
د ـ تفسير القرآن ممارسة ترمي إلى الإفصاح عن مقاصد القرآن فيما يتعلق بـ: أ ـ عالم الواقع، ب ـ واجبات الإنسان. وتبيان وجهات نظر القرآن الكريم فيما يخص واجبات الإنسان هو بلا شك جزء مهم من علم الفقه ومما يتوجب على الفقيه الانهماك فيه. لذلك يمكن القول: إن واحدة من مهمتي التفسير الملمح إليهما، تتدخل في علم الفقه بصورة مباشرة، بل هي جزء منه. وارتباط فلسفة الفقه بهذا الجزء عن التفسير يتمثّل في دراستها للقبليات التي ترتكز عليها صحة التفسير القرآني. أما الجزء الأول من مهمة التفسير فلا علاقة له بعلم الفقه، وإنما يرتبط بعلم الكلام، لكن بعض قبليات علم الفقه (كوجود الحياة بعد الموت، أو كون نظام الحياة نظاماً جزائياً) تستقى منه، وبذلك فهو بشكل أو بآخر ذو صلة معينة بفلسفة الفقه.
هـ فيما يخص العلاقة بين فلسفة الفقه وعلم الحديث يمكن تكرار ما جاء في الفقرة السابقة (د) بالضبط. أما كون الأحاديث التي بين أيدينا اليوم صادرة حقاً عمن تنسب إليهم أم لا، يمكن إحالة هذا الموضوع إلى جواب جزء من السؤال الأول من الأسئلة الستة التي طرحناها في معرض الإجابة عن السؤال السابق. ومن هنا نستنتج أن علم الحديث ذو صلة وثيقة جداً بقبليات الفقه، وبالتالي بفلسفة الفقه.
صادق لاريجاني: يبدو هذا السؤال مهماً للغاية إذ إننا إذا أردنا أن نطرح فلسفة الفقه على قدم المساواة مع علم متكامل كعلم الأصول، فسيكون هذا الطرح غير ضروري إن لم تكن هنالك فوارق شاخصة بين فلسفة الفقه وعلم الأصول. الذي أراه بصفة نهائية هو أن فلسفة الفقه جزء من علم الأصول، ومع ذلك لا ضير في فتح باب خاص باسم فلسفة الفقه.
فمع أن فلسفة الفقه جزء من علم الأصول، إلاّ أن طرح فلسفة الفقه يبقى مع ذلك أطروحة لها مبرراتها. فكما أن الكثير من مباحث فلسفة الأخلاق مطروحة في علم الأصول، مع ذلك يمكن حصر جميع المباحث الخاصة بعمل المكلف سواء الـ metaethical منها أو الـ ethical في إطار معين نطلق عليه اسم فلسفة الأخلاق. في البداية يجب أن نقيس العلاقة بينهما لنرى كيف يمكن اعتبار فلسفة الفقه بحثاً مستقلاً. وفي هذا الاختبار لا بد أن ننظر لمسائل علم الأصول كما ننظر لمسائل فلسفة الفقه. ففي علم الأصول ثمة سجال مهم جداً حول ما هو الملاك الذي يجمع كل مسائل علم الأصول. فالمرحوم الآخوند يذهب في الكفاية إلى أن الأصول ما يساعد على استنباط الحكم الشرعي، أو «ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل». أما إذا اعتبرنا الاستنباط «الوسط في الإثبات» أي الوسط في العلم بالحكم، فستخرج الكثير من مباحث علم الأصول الحالية من التعريف. فبحث حجية الأمارات مثلاً هو طبقاً لرأي الآخوند إما جعل للحكم المماثل أو جعل للمنجزية أو المعذرية، وهو على كل حال ليس وسطاً في الإثبات. الجعل منجز. أي أنه لا يتحفنا بعلم الحكم الواقعي ولو تعبّداً. وإنما يكون حكمه معذراً ومنجزاً. وكذلك الأمر بالنسبة للاستصحاب والبراءة. وبهذا تخرج من علم الأصول الكثير من مسائله، حتى الملازمات. لأننا نصل إلى الحكم ذاته وليس العلم بالحكم. أي أن الوسط ليس لإثبات الحكم. وبهذا قدم المرحوم الأصفهاني وغيره اقتراحات أخرى. فقالوا: إن علم الأصول علم وسط في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي. وبعبارة أخرى هو القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي. وقد عالج هؤلاء المشكلة بهذا المقدار. إلاّ أن مشكلات عديدة أخرى بقيت مطروحة. فمثلاً هل البحث اللغوي هو الآخر وسيط لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي أم أن بحوثاً من قبيل (ما هو معنى كلمة صعيد؟) هي فعلاً بحوث تتدخل في تحصيل الحكم الشرعي الكلي؟
إذا أخذنا بهذا التعريف لعلم الأصول فستكون جميع الأمور المطروحة في فلسفة الفقه مدرجة ضمن علم الأصول. لأننا إذا لم نعلم ما هي الحجة، فلن يتضح لنا ما هو «الوسط للإثبات». وإذا لم نعرف أنواع الحجج، لن يكن لتحصيل الحجة من معنى. وجميع هذه المسائل مطروحة في علم الأصول، ولا بد أن تكون مطروحة. ولكن الفارق هو أن علم الأصول سيكون أعم من فلسفة الفقه، ذلك أننا في الأصول نتابع مطلق الحجج الشرعية، أي كل ما يكون وسطاً لتحصيل الحجة الشرعية. فقاعدة «اليد» إذا كانت أمارة، فهي مهمة بالنسبة لنا. وكذلك قاعدة «التجاوز والفراغ» (من باب أن هذه القواعد جزء من علم الأصول، وإلاّ إذا اعتبرناها قواعد فقهية خارجة عن دائرة الأصول، فإنها ستكون مثالاً مناسباً للاستصحاب). وبحث الاستصحاب بحد ذاته مهم جداً بالنسبة لنا. لكننا لا نطرح هذه المسائل في فلسفة الفقه، لأننا في بداية هذه الفلسفة ثبتنا أن البحوث المطروحة فيه هي بحوث كلية نظرية وتحليلية، وليست كل ما يكون وسطاً للوصول إلى الحجة الشرعية. لذلك إذا سلمنا بأن الأصول تهتم بالوسائط الموصلة إلى الحجج الشرعية، سوف تنضوي تحت مظلة علم الأصول الكثير من المسائل التي لا يمكن اعتبارها بحوثاً كلية نظرية أو تحليلية مما يمكن تناوله في فلسفة الفقه. وهكذا أتصور أننا إذا أخذنا علم الأصول بمعناه العالم فسيشمل جميع ما يمكن طرحه من بحوث في فلسفة الفقه.
ويبقى أن نتساءل؛ ماذا يجب أن نفعل في مقام التدوين؟ وأعتقد أن بإمكاننا نظراً للتبرير الذي أوردناه في البداية، وعبر التركيز على البحوث التحليلية والنظرية، أن نقتطع أجزاء من الأصول نسميها فلسفة فقه وبغير ذلك لا يبدو أنها تختلف ماهوياً عن الأصول. وينبغي أن أؤكد هنا أن بحثي يرتكز على تلك النظرة المذكورة لفلسفة الفقه. وإلاّ إذا أدخلنا تاريخ الفقه ضمن فلسفة الفقه، فإن الأخيرة لن تكون داخلة في علم الأصول، بل قد تبتعد عنه أكثر فأكثر.
علم الأصول ومعارف الدرجة الثانية
يقال أحياناً: إن علم الأصول مجرد وسيلة. أي أنه منهج للفقه ومنطقه. فهو أداة تستعمل لاستنباط الأحكام الفقهية. أما فلسفة الفقه فهو علم مشرف ينظر للفقه والعلوم المرتبطة به من الخارج. إذن ثمة فارق كبير وجوهري بين فلسفة الفقه وعلم الأصول. وبتعبير آخر إذا اعتبرنا علم الأصول منطقاً للفقه، ونظرنا إليه كآلة في يد الفقيه يستنبط بها الحكم الشرعي، فسيكون تفاوته عن فلسفة الفقه واضحاً جداً. لأن فيلسوف الفقه ينظر إليه من الخارج. وبهذه النظرية يغدو الفقه قائماً على قبليات وأسس، وله أهدافه التي يريد الوصول إليها، وله تخومه المعينة ومصادره الخاصة ووسائله وأساليبه المستنبطة من تلك المصادر. وبهذه النظرة «الخارج فقهية» إن صح التعبير ستبدو تلك المناهج مضمرة في إطار فلسفة الفقه.
لكن الذي أراه أن هذا الرأي غير صحيح. فأولاً: رغم أن بالإمكان القول (مع بعض التسامح): إن علم الأصول يمثل منطق الفقه، لكن المراد بالمنطق هنا هو المنطق بمعناه الأعم وليس بمعنى شكل الاستدلال، لأن البحوث التصورية والتصديقية موجودة فيه. فمثلاً توجد بحوث تصورية حول «الحجية»، وكذا حول ماهية حقيقة «الدلالة». وهنالك أيضاً بحوث ما وراء المنطق أو بحوث فلسفة المنطق. والذي نريد قوله هو أن الأصول تتضمن النوعين ففيها شكل الاستدلال الفقهي (الأشكال الكلية للاستدلالات الفقهية). وفيها أيضاً بحوث ما وراء الاستدلال أو ما بعد الاستدلال، أي البحوث التصورية والتصديقية الخاصة بهذه الاستدلالات. فاليوم لا تبحث في المنطق وإنما في الـ metalogic وفي philosophilogic يبحثون ما هي الدلالة (reference). ففي المنطق ليس هنالك بحث حول الدلالة، وإنما نناقش شكل الاستدلال. وهكذا الحال بالنسبة للاسم الخاص، كيف تحصل فيه الدلالة؟ أو كيف تحصل الدلالة في الصفات؟ أو ما هو الاعتبار (Validity)؟ هذه المسائل لا نناقشها في المنطق، وإنما في علم أسبق نسمية فلسفة المنطق أو ما وراء المنطق. ونظير هذه الحالة بالضبط تواجهنا في علم الأصول. إذ لدينا هناك مباحث تصنّف على الاستدلالات الفقهية، ولدينا مباحث ما وراء هذه الاستدلالات. فمثلاً ما هي الحجة؟ وماذا تعني الدلالة؟ وما إلى ذلك من البحوث التي لا نستطيع اعتبارها من ضمن منطق الاستدلال، وإنما تنضوي فيما وراء منطق الاستدلال.
وثانياً: القول: إن علم الأصول وسيلة ومنهج للاستنباط الفقهي، حتى إنه يعتبر موضوعاً لنظرة ثانوية في فلسفة الفقه، قول فيه الكثير من التسامح والتساهل، بل يمكن اعتباره ضرباً من المغالطة؛ فالفقيه هو الذي يستخدم هذه الأدوات والأساليب، أما عالم الأصول فيبحثها ويدرسها. وبعبارة أخرى فإنها النتائج التي يستخدمها الفقيه في فقهه.
إن علم الأصول يناقش الأدوات التي يمكن استعمالها في الفقه. وهذه نظرة ثانوية لهذه الأدوات. فـ «أخبار الآحاد» مثلاً وسيلة للاستنباط الفقهي، أما حجية أخبار الآحاد فهو بلا شك بحث أصولي يمثل نظرة ثانوية للأداة التي يستخدمها الفقيه في فقهه. وكذلك الحال بالنسبة لـ «ظهورات» الألفاظ، فهي وسائل لتحصيل الحكم الشرعي، وبحوث حجية الظواهر أو الكشف التحليلي عن الظواهر الخاصة كالعام والخاص والمطلق والمقيد إنما هي نظرة ثانوية لهذه الأدوات الفقهية. لذلك اختلف بشكل أساسي مع من يقول: إن علم الأصول وسيلة للاستنباط الفقهي. فالصحيح القول: إن علم الأصول مُنقِّحُ ومُصحِّحُ وسائل الاستنباط الفقهي، والأصلح القول: إنه مُنتجُ وسائل الاستنباط الفقهي. وهذا التنقيح والتصحيح والإنتاج لا يتحقق إلاّ بنظرة من الدرجة الثانية.
وقد يقال: إن فلسفة الفقه لا يمكن أن تكون جزءاً من علم الأصول لأنها تلقي نظرتها على مجمل الفقه في الخارج، لذلك تبحث فيها قضايا من قبيل «أهداف الفقه» و«مساحة الفقه» و«العلوم ذات الصلة بالفقه» وهي قضايا يسلط عليها الضوء أبداً في علم الأصول. وبهذا من المستبعد أن تكون فلسفة الفقه جزءاً من علم الأصول.
هنا أظن أن الالتفات إلى نقطتين من شأنه المساعدة على رفع هذا الإشكال:
أولاً: ينبغي الالتفات أن قضايا من قبيل «أهداف الفقه» أو «مساحة وحدود الفقه» أو «العلوم المرتبطة بالفقه» لا بد أن تدرس على نحو معياري، بمعنى أننا ينبغي أن نبحث في أهداف الفقه ومساحته التي يجب أن يكون عليها، لا أهداف الفقه ومساحته الفعلية. فربما كانت مساحة الفقه الحالية بشكل نعتبره خاطئاً تماماً. إذن يجب أن نستدل بنحو معياري اجتهادي على ما ينبغي أن تكون عليه تخوم الفقه وأهدافه.
ثانياً: يجب الالتفات إلى ضرورة أن ندرس علم الفقه بنحو معياري أيضاً، فنناقش كيف يجب أن يكون علم الأصول، وليس ما هو عليه الأصول في الوقت الحاضر؟ فعلى سبيل التمثيل إذا كان الغرض من علم الأصول «تدوين قواعد لتحصيل الحجة الشرعية على الأحكام»، عند ذلك تكون مسائل علم الأصول في كل آنٍ ما يخدم هذا الغرض، وليس مجرد المسائل التي قال بها الأصوليون لحد الآن، واعتبروها مفيدة للوصول إلى الغرض المطروح من علم الأصول. فبالتدقيق والتأمل والتعمق قد يتضح أن ثمة أموراً تساعد في تحصيل العلم بالحجة الشرعية، لكنها لم تأخذ لحد الآن مكانها اللائق في علم الأصول.
وبأخذ هاتين النقطتين بنظر الاعتبار يمكن تثبيت أن فلسفة الفقه لا تزال جزءاً من علم الأصول؛ لأن أهداف الفقه وحدوده وما يرتبط به من علوم إذا درست بطرائق معيارية، يمكن أن تلعب دوراً في استنباط الحكم، فتكون بذلك منضوية تحت عنوان علم الأصول.
وربما أورد البعض إشكالاً مفاده أن ليس كل ما ساعدنا في استنباط الحكم الشرعي ينتمي بالضرورة إلى علم الأصول، فقد تكتسب بعض المسائل الكلامية مثل هذه الصفة ولا تعتبر مع ذلك من ضمن مسائل علم الأصول. أما المقصود بـ «الوسط في استنباط الحكم الشرعي» أو «تحصيل الحجة على الحكم الشرعي» فهو أن تكون جزءاً أخيراً في استنباط الحكم، وليس من مبادئه البعيدة.
وهذا الكلام صحيح في مجمله. لكن يجب أن لا ننسى أن العديد من مسائل علم الأصول الحالية ليست جزءاً أخيراً في عملية استنباط الحكم. ومثال ذلك الكثير من مباحث الظهورات والدلالات وما إلى ذلك. بالإضافة إلى أن بعض المباحث بالرغم من كونها ليست مسائل أصولية بالمعنى المذكور أعلاه، لكنها من مبادئها التصورية أو التصديقية والتي لا تبحث في علم آخر، وبذا يضطر عالم الأصول إلى بحثها في علم الأصول. ونموذج ذلك أن البحث في «ماهية الحكم» ليس بحثاً أصولياً بالمعنى أعلاه، وإنما هو من المبادىء التصورية للمسائل الأصولية، تستفاد منه قضايا نظير الضد أو اجتماع الأمر والنهي. ولا مندوحة أمام الأصولي من دراسة هذه المبادىء في علم الأصول ليتمكن من تنقيح مسائله الأصولية بطريقة اجتهادية، لأن هذه البحوث غير متوافرة في علوم أخرى. ولا يوجد لدينا علم «أصول الأصول» ليضم في دائرته مثل هذه القضايا.
وخلاصة القول: هي أن علم الأصول كفلسفة الفقه، يلقي نظرةً ثانويةً على الفقه والأحكام الفقهية، لذلك كانت مسائلهما واحدة. والسؤال؛ هل بالإمكان إدراج مسائل من قبيل أهداف الفقه وتخومه التي ليست حالياً من علم الأصول، في نطاق هذا العلم أم لا؟ أتصور أن الجواب عن هذا السؤال جواب إيجابي. وحتى لو لم يوافق القارىء على ذلك، فالذي لا ريب فيه هو أن غالبية القضايا التي يمكن طرحها في فلسفة الفقه، هي في الواقع قضايا مطروحة حالياً في علم الأصول.
التباين بين علم الأصول وفلسفة الفقه
بعض أنصار الفصل بين علم الأصول وفلسفة الفقه، يقولون: إن أبرز منافع فلسفة الفقه هي أنها تشير إلى مرتكزات الفقه الخارجية. وهذه النقطة بالذات مفيدة للحوزويين المنهمكين حتى هاماتهم في علم الفقه متناسين الوشائج غير المرئية لعلم الفقه مع سائر العلوم. فهم يتصورون أن الفقه لا يحتاج ولا يتأثر بالعلوم الأخرى غير العلوم المتبادلة في الحوزة، والتي تعتبر من مقدمات الاجتهاد، في حين تبرهن فلسفة الفقه أن علم الفقه لا يمكن أن يتكوّن إلاّ بعد القبول بالعديد من المسائل غير الفقهية فالاستنباط ليس عملية فارغة من أي معيار. واستنباط كل إنسان يتخذُ أسلوباً خاصاً. ففلسفة الفقه هي التي تخبرنا بالأسلوب الذي يستخدمه المجتهد الفلاني في عملية الاستنباط. وحتى علم الأصول لا يستطيع بمفرده تحقيق هذا الغرض. فلسفة الفقه هي التي تفصح عن منهج الفقيه في استنباطه وتدلنا على النقطة التي منها انطلق وكيف عمل وحتى وصل إلى هذه الفتوى أو تلك.
أو مثلاً، هنالك مسائل عدة في اللغة. وقد جرى التصور أن كل ما يمكن قوله في مباحث الألفاظ هو ما قاله علماء الأصول لحد الآن. ولكن أحداً لا يلتفت إلى أن ثمة اليوم نظريات جديدة في مباحث الألفاظ، يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار وتقارن بنظريات الأصوليين التي قد تتغير بتأثير من النظريات الجديدة (محمد مجتهد شبستري ـ كراسة فلسفة الفقه ـ ص 9 ـ 10).
هذه خلاصة ما يورده بعض دعاة الفصل بين أصول الفقه وفلسفة الفقه. والذي يبدو هو أن بعض الأمور جاءت مختلطة مع بعضها في هذا المنحى:
أولاً: وجود نظريات لغوية جديدة غير ما طرحه علماء الأصول لحد الآن لا يحتم أن يتكفّل علم جديد مثل فلسفة الفقه البحث فيها، وإنما يحتم اهتمام علماء الأصول بهذه النظريات الجديدة. وقد خلط في المنحى أعلاه بين المسألة وتعدد الإجابات. فتعدد الإجابات لا يفضي إلى ظهور علم جديد، وإنما المسائل الجديدة غير الداخلة في الغرض أو الموضوع أو «المركب الاعتباري» الذي نسميه «الأصول» هي التي تنتج علماً جديداً. وللمثال نقول: إن كيفية وضع الألفاظ للمعاني مسألة أصولية (وبعبارة أدق من المبادىء اللغوية للمسائل الأصولية)، توجد بخصوصها نظريتان مطروحتان في علم الأصول. فإذا ظهرت خمس نظريات أخرى في إطار مباحث الألفاظ الجديدة، هل يعني ذلك تغيير المسألة الأصولية؟ كلا طبعاً فهي مجرد إجابات جديدة عن مسألة قديمة. لذلك لا بد أن تصنف على علم الأصول. إذ لا تنتج الإجابات الجديدة علوماً جديدة. وفي الأصول كثيراً ما يطرح التساؤل حول ماهية الجمل الشرطية، وخصوصاً الجمل الشرطية في باب الإلزامات. في علم الأصول توجد عدة إجابات عن هذا السؤال. وقد طرح الفلاسفة التحليليون الجدد هذه الإشكالية على نطاق أوسع تحت عنوان conditionals أو conditional obligation واقترحوا إجابات جديدة لحل هذه المسألة. ولا معنى للقول: إن جدة هذه الإجابات تقصيها عن الدخول في دائرة علم الأصول. فالمنطق يقتضي اعتبارها من جملة مسائل وطروحات علم الأصول.
وثانياً: حصل خلط آخر حول ماهية فلسفة الفقه نبهنا إليه في عدّة مواضع سابقة، ألا وهو الخلط بين فلسفة الفقه وتاريخ الفقه. فطريقة الفقهاء الماضين في استنباط الأحكام ومنطلقاتهم والنتائج التي توصلوا إليها، كلها من تاريخ الفقه. ذلك أن تاريخ الفقه ليس مجرد تقرير سطحي للأفكار الفقهية، بل يمكن أن يكون تحليلاً عميقاً لما قام به الفقهاء السابقون.
لكن هذه البحوث كلها لا علاقة لها بكيف يجب أن يستنبط الفقهاء أحكامهم؟ ومن أين يبدأون وأين ينتهون وما هي المصادر التي ينبغي أن ينتهلوا منها. القضايا التاريخية مهمة في بابها، لكنها غير مؤثرة في فقهنا اليوم، وحتى في مبانينا الفقهية.
وبالطبع فإننا لا نستوحش أبداً من أن يسمي البعض البحوث التاريخية الفقهية فلسفة فقه. ولكن يجب الالتفات إلى النتائج المستحصلة من هذه البحوث، وما هو تمايزها عن البحوث المعيارية. إن مشكلتنا ليست مشكلة اصطلاحات، وإنما مشكلة فهم حقيقة الممارسة التي نريد أن نسميها فلسفة فقه.
محقق داماد: حول السؤال عن علاقة هذه المباحث القبلية بسائر العلوم الإسلامية نقول: إن للفلسفة ارتباطها المستقل بالمسائل الكلامية من ناحية، ومن ناحية أخرى، بالأخلاق الإسلامية وقضايا علم الأصول.
أعتقد أن أول مسألة ينبغي أن تناقش في فلسفة الفقه هي: هل خاتمية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تعني دوام وبقاء الشريعة؟ وهل هاتان المقولتان متلازمتان أم لا؟
من أجل أن يكون لدينا علم فقه، لا بد أن تكون لدينا شريعة (وهي هنا شريعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم) ولا بد أن تكون الشريعة دائمة مستمرة. إذن فلا بد في فلسفة الفقه أن ندرس استمرارية الشريعة قبل كل شيء ونبرهن عليها.
وبعد مناقشة خاتمية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في علم الكلام، يجب الانتقال إلى مناقشة هل ثمة تلازم بين قبول الخاتمية والإيمان بدوام الشريعة؟ وهل يمكن الإيمان بخاتمية الرسول، وعدم الاعتقاد بخلود شريعته؟
ثم يطرح السؤال، هل معنى الدوام يشمل جميع المسائل والفروعات والجزئيات؟ وبعبارة أخرى حينما كان المسلمون يسألون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سؤالاً ويجيبهم هل كان يتوجه بجواب لكل البشر، بحيث تشكل ألفاظه قانوناً كلياً دائماً إلى يوم القيامة؟ هذه أمور ينبغي إثباتها بالبراهين العقلية أو النقلية ليتكوّن لدينا باسم علم الفقه، وهذه بالطبع نماذج من المباحث السابقة للفقه أو التي يطلق عليها قبليات الفقيه.
والمسألة الأخرى السابقة للفقه هي النظر في أي الأحكام دائمة وأيها مؤقتة تتغير بحسب متطلبات الزمان والمكان.
على كل حال نعلم جميعاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان له ثلاثة مناصب: أحدها مقام النبوة الذي يبلّغ عبره أحكام الله إلى الناس. وهو صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام واسطة ينقل القوانين، أما المقنن والشارع فهو الباري تعالى. والمقام الثاني مقام الحكومة والولاية الذي كان يمارس من خلاله نمطاً من الإلزام على الناس، وكانت له مثل أي ولي أمر أو حاكم دساتيره الرامية إلى تنظيم الأمور الحياتية، فكانت له مثلاً أوامره بخصوص تنظيم ميمنة الجيش وميسرته. وواضح أن هذه الدساتير تختلف عن نمط الدساتير التي كان الرسول فيها واسطة، إنما هي أوامر لتنظيم الأمور التي واجهت المسلمين آنذاك. والمقام الثالث الذي تولاه الرسول هو مقام القضاء الذي أشار إليه القرآن الكريم، فأمر المسلمين بالامتثال لقضاء الرسول والرضا به. وفي التاريخ شواهد عديدة على قضاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفصله في الخصومات، لكن تلك الأحكام القضائية لم تكن تأخذ طابع القوانين، وإنما كانت لمجرد حلول الخصومات في ذلك الزمان.
قبل أن ندخل في حيّز الفقه لا بد أن ندرس هذه المناصب الثلاثة، ونرى أيها تمثل بالنسبة لنا مصدراً فقهياً، وأيها دائم، وأيها متغير. وللكثير من هذه الدراسات بطبيعة الحال صبغتها العقلية التي نسميها فلسفة الفقه.
وفي معرض الجواب عن علاقة فلسفة الفقه بالأخلاق والكلام وأصول الفقه و… أقول: إنه بالرغم من وجود الكثير من هذه المسائل اليوم داخل الفقه، إلاّ إنني أراها في الواقع من قبليات الفقه. فمثلاً في مبحث التقليد يرى العديد ممن يسوقون الأدلة العقلية على التقليد أن قسماً كبيراً من مباحث التقليد لا تدخل في دائرة الفقه. فالأدلة العقلية التي تدفع الإنسان إلى أخذ الأحكام الشرعية من المرجع المجتهد، هي بلا شك من مباحث ما قبل الفقه.
وهكذا نجد أن الكثير من المسائل المطروحة هي في الحقيقة من مسائل فلسفة الفقه، لكنها حالياً داخلة في الفقه ذاته. أما بخصوص علاقة فلسفة الفقه بالأخلاق، فإن من أشخص مباحث فلسفة الفقه الفصل بين الأخلاق والفقه. فأول سؤال يطرح في هذا الباب هو؛ هل الأديان المتوافرة على نظم تشريعية تحتوي أيضاً نظماً أخلاقية أم أنها برمتها شرائع؟
فحينما نقول «لا تكذب» هل هذه أخلاق أم فقه؟ أو عندما نوصي بعدم التكبر، هل منع التكبر هذا دستور أخلاقي أم فقهي؟ وقد يقال ابتداءً: إن دين الشريعة لا مكان فيه أساساً للأخلاق، لأنه من ألفه إلى يائه شريعة.
تبدو هذه الرؤية غير صائبة. فعلى امتداد تاريخ الفكر الإسلامي، لاحظ علماء الإسلام وجود معارف أخلاقية وعلم أخلاق وحتى فلسفة أخلاق في نطاق الدين. ففي داخل هيكلية الفكر الإسلامي هنالك مواقع متميزة للمواعظ وعلم الأخلاق وفلسفة الأخلاق، ولا يمكن أقحام كل هذه الأمور ضمن إطار الفقه. بالطبع يعتقد البعض أن لدينا خمسة أحكام شرعية هي؛ الواجب والحرام والمستحب والمكروه والمباح. إذن ليس ثمة ممارسة أو عمل يمكن أن يخرج عن نطاق هذه الأنواع الخمسة من الأحكام، والأخلاقيات أيضاً مشمولة بهذه الأحكام. لكنني لا أرى مثل هذا الرأي، لذلك علينا أن نقدم في فلسفة الفقه تعاريف دقيقة للفقه والأخلاق تمايز بينهما.
في الحقوق المعاصرة يطرحون تعريفاً لكل من الأخلاق والحقوق. فهل يا ترى بإمكاننا نحن أيضاً طرح هذا التعريف للتمييز به بين الفقه والأخلاق؟ في التعريف المنظور قيل: إن الأخلاق ما لا يوجد له ضمان تنفيذي، أما الحقوق فيوجد لها ضمان تنفيذي. والضمان التنفيذي (sunction) يعني وجود ضمانة تنفيذية جزائية في حال التخلف عن القانون فالقتل أو اغتصاب أموال الآخرين مثلاً جريمة ممنوعة، والذي يرتكبها يعاقب. أما حينما يقال: إن الحسد قبيح، أو إن محبة الآخرين عمل حسن، فإن هذه اعتبارات أخلاقية بدليل عدم وجود ضمان تنفيذي جزائي عند التخلف عنها. وبالطبع فإن الأخلاق مصدر للحقوق، أي أن الأخلاق الإنسانية من مصادر التقنين البشري. فهل يمكن اقتباس مثل هذا التعريف للفصل بين الأخلاق والفقه، فنقول: إن الفقه له ضمانة تنفيذية، بينما ليس للأخلاق ضمانة تنفيذية. يبدو أن بالإمكان القبول بهذا المعيار من ناحية، فنقول: إن الأحكام الفقهية هي التي لها ضمان تنفيذي أو التي يمكن أن ننحت لها ضماناً تنفيذياً. أما الاعتبارات والأحكام الأخلاقية فهي ما لا يمكن صياغة ضمانات تنفيذية (دنيوية) لها.
وعليه حينما نقول: (لا تكذبوا) يمكن أن تتحول هذه التوصية إلى مسألة فقهية؛ لأن الحاكم يمكنه الإعلان أن كل من يكذب سيتحمل جزءاً معيناً. أو حينما يقال: إن الصلاة واجبة، يستطيع الحاكم الإعلان أن من أنكر الصلاة سيعاقب. بكذا وكذا. أو المستطيع الذي لا يحج إلى بيت الله سينال الجزاء الفلاني.
وأعتقد أننا لو أردنا تحديد المسائل الفقهية بإطار الضمانات التنفيذية الدنيوية بحيث نقول: إن الفقه هو كل ما يمكن أن يقرر الفقيه تعزيراً لتركه أو عدم الالتزام به، فستبقى المسائل الفقهية محدودة جداً. وفي الوقت ذاته تخرج جملة من البحوث الفقهية عن حيّز الفقه لتدخل في دائرة الأخلاق، في حين واضح أنها من المباحث الفقهية كالكثير من العبادات.
أما إذا قلنا: إن المسائل الفقهية ذات ضمان تنفيذي إما دنيوي أو أخروي، فستدخل أجزاء كبيرة من القيم الخلقية ضمن حدود المسائل الفقهية كالتكبر والحسد وغيرها من الممارسات التي أعد لها جزاء أخروي بحسب الروايات. وبهذا تبقى المشكلة قائمة ولا نصل إلى تعريف مقنع.
وقد قال البعض في تعريف الفقه والأخلاق: إن الأخلاق ما يرتبط بالأعمال الجوانحية للإنسان، أما الفقه فما يرتبط بالأعمال الجوارحية. وهذا التعريف أيضاً لا يفي بالغرض ولا يعالج المشكلة لأنه يفضي إلى اختلاط عظيم بين الصنفين من الأفعال.
والتعريف الآخر الذي يمكن طرحه هو أن الأخلاق ما يحكم به العقل من دون أي توصية من الشرع. أما الشريعة فهي الدساتير التي يخبرنا بها الأنبياء.
هذا التعريف بإمكانه إلى حد ما التمييز بين القضايا الأخلاقية والقضايا الفقهية. لكن الإشكالية التي تنجم عنه هي أن المستقلات العقلية في الفقه هي بدورها إحدى طرق الاستنباط الشرعي. أي أنها دليل فقهي ومن مصادر الشرع. لذلك سنواجه هنا أيضاً نوعاً من التداخل والاختلاط.
وبالطبع فإن الحالات التي للعقل فيها حكمه، كثيرة جداً. لكننا نقول: إن الأمور التي يقول بها العقل، إذا جاء فيها أمر من الشرع أيضاً، فسيكون حكم الشرع إرشادياً. أما المستقلات العقلية فهي بالنسبة لنا من الأدلة الشرعية. بمعنى أن ما نستطيع إدراكه بشكل مستقل عن طريق العقل، نستطيع الإذعان بأن الله يريده منا وأنه حكم الله. وعليه سيظهر هنا أيضاً اختلاف في المسألة.
وعلى كل حال لا نريد في هذا المقام الوصول إلى نتيجة نهائية في الموضوع. وإنما نروم فقط التأكيد أننا لا نستطيع الحكم بشكل مطلق بعدم وجود أخلاق في الدين الإسلامي، وأن كل ما فيه شريعة وفقه. وإذا سلمنا بوجود شيء اسمه الأخلاق، تعيّن علينا الفصل بينهما قبل الدخول في الفقه.
وقد يسأل سائل عن ضرورة هذا الفصل. والجواب هو أن الفصل يتيح الفرصة لطرح قضية الموقع الذي تتبوأه الأخلاق في الاستنباطات الفقهية. أي ماذا يجب أن نفعل إذا تعارضت استنباطاتنا الفقهية مع القيم الأخلاقية؟ وأيها نرجّح على الأخرى؟
وللتمثيل نقول: إن من الظواهر الإيجابية الحسنة عقلاً، والتي يحبذها جميع العقلاء ويشجعون عليها، ظاهرة الإيثار والتضحية. وقد جاء في القرآن الكريم ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وهذه قاعدة كلية أوردها القرآن. أما العقل فيلاحظ جزئياتها وتفاصيلها، ويقول: إن الإنسان إذا آثر الآخرين على نفسه فقد عمل عملاً إيجابياً حسناً. والآن لنفترض أن عندي إناء ماء إذا لم أشربه فسأموت، وإذا لم يشربه غيري فسيموت أيضاً. وهكذا إذا دار الأمر بيني وبينه، فهل يجوز لي شرعاً أن لا أشرب الماء وأعطيه لغيري فيعيش هو وأموت أنا؟ هذا سؤال فقهي. أما الأخلاق فتعتبر إعطائي الماء لغيري إيثاراً جديراً بكل ثناء، ولكن هل بإمكان الفقيه الترخيص به من دون بحث أو تمحيص؟ هنا يبدو أن الفقيه سيصل بالأدلة اللفظية إلى نتيجة معاكسة للحكم الأخلاقي. إذا تعارضت في هذا المقام مجموعتان من الأدلة أدلة الإيثار {ويؤثرون على أنفسهم} وأدلة حفظ النفس. فالإيثار مسموح به إلى الحد الذي لا يشكل خطراً على النفس.
والفقيه يوصي أن ليس من حقك أن تقتل نفسك بهذا الإيثار. وهذه من الحالات التي تتعارض فيها الأخلاق مع الظواهر الفقهية على ما يبدو. الفقيه تعنيه الأدلة ويصدر الفتاوى على ضوئها. أما إذا اعتبر الإنسان القيم الأخلاقية مبادىء قاطعة فقد يختلف استنباطه في هذه المسألة.
وإليك مثال آخر: الكثير من المسائل التي تعتبر مباحات شرعية فيما يتعلق بحقوق المرأة والعائلة، هي بلا ريب ومن الناحية الأخلاقية ممارسات دنيئة وغير منضبطة بحسب اعتبارات الوفاء والإخلاص. لنفترض رجلاً يتزوج في شبابه من امرأة رغم عوزه وضيق حاله. وتصبر المرأة على وضعه المادي المتردي وتكافح معه صعوبات الحياة. ويقدّر له بعد سنوات أن يوسر ويتمكن مادياً. ويقرر الرجل طلاق زوجته لكبر سنّها ولأنه لم يعد يطيقها، ولمجرد إرضاء نزواته وأهوائه، والزواج من امرأة ثانية. فإنه هنا يسحق على كل القيم الأخلاقية والفضائل الإنسانية من محبة ووفاء ومروءة و…
الأخلاقيون يعتبرون هذا العمل قبيحاً، بل وظلماً سافراً. أما الفقيه الذي ينظر للأمور بتعميماتها، ولا يصدر فتاواه أبداً على أساس الحالات الخاصة، سيكون رأيه وفقاً للأدلة الشرعية أن هذا العمل جائز: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» فإطلاقات أدلة الطلاق تجيز له هذه الممارسة. والمادة 1350 من القانون المدني الإيراني تفيد هذا المعنى أيضاً، وهي مستقاة من الحكم الشرعي. أما المجتمعات التي تستند قوانينها إلى الأخلاق، فلا تسمح بمثل هذا الطلاق أبداً.
المهم أن نقارن الأصول الأخلاقية بالاستنباطات الفقهية، ونرى ما بينهما من علاقة. فماذا بوسع الفقيه أن يعمل كي يمنع وقوع الممارسات اللاأخلاقية. وإذا كان على الفقيه أن يستنبط الأحكام بشكل يكرّس كليات الأحكام الخلقية كالعدل والإنصاف وعدم الظلم و… فكيف يجب أن تكون الاستنباطات الفقهية؟ ورد في القرآن الكريم: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}، والسؤال هو؛ ما هو موقع العدل والإحسان في الاستنباطات الفقهية؟
وهكذا تتجلى فائدة وضرورة تعريف كل من الفقه والأخلاق والتمييز هو؛ ما هو موقع العدل والإحسان بينهما على صعيد الاستنباط.
ومن جهة أخرى ينبغي معرفة أن دساتير القرآن وأئمة الدين على قسمين: بعضها وردت في شكل القضايا الحقيقية، وبعضها في شكل قضايا خارجية. وهذا التقسيم يمثل قبلية تسبق دخولنا حيّز الفقه. فالفقيه يمايز بين هذين القسمين بشكل تام، ويرى أي الدساتير جاءت بشكل قضايا حقيقية، وأيها لها صفة القضايا الخارجية؟
هل هذا من واجب الفقيه أم من وظائف فليسوف الفقه؟
محقق داماد: فيلسوف الفقه يفصح عن معيار القضية الحقيقية والقضية الخارجية.
هل التطبيق من مهمات الفقيه؟
محقق داماد: أجل… من مهمات الفقيه اكتشاف هل المسألة الفلانية على نحو القضية الحقيقية أم أنها على نحو القضية الخارجية؟ وعلى سبيل المثال الآية الكريمة {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} هل هي قضية حقيقية أم خارجية؟ أي هل مراد الآية قطع يد السارق والسارقة في زمن الوحي فقط، أم في كل زمان ومكان؟
وقد تناولت هذا المفهوم في كتاب «الاحتكار من وجهة نظر الفقه الإسلامي» الذي صدر في سنة 1981 م. تعلمون أن هناك روايات عديدة تحصر الاحتكار في تسعة أشياء. ومن أجل أن يوسع علماء أهل السنة حكم الاحتكار فيشمل البضائع الضرورية الأخرى، ذهبوا إلى عدم وجود علاقة تقييد بين كليات الاحتكار والأدلة التي تحصره في عدة بضائع. أي أن أدلة المجموعة الثانية لا تقيد مطلقات المجموعة الأولى. وبتعبيرنا فهما مثبتتان، في حين لا تتحقق علاقة المطلق والمقيد إلا حينما تكون المجموعتان غير مثبتتين، فيكون للمقيد مفهومه. وبما أن الروايات التي يعتمدها أهل السنة لا تتضمن كلمة «حصر» لكي يستفيدوا منها مفهوم الحصر، لذلك قالوا: إن مفهومها مفهوم لقب، ومفهوم اللقب لا يفيد الحجية. وعليه تكون علاقة أدلة الحصر بأدلة الإطلاق على شكل مثبتين ويفقد الحصر بذلك مفهومه. وإذا فقد مفهومه لم يقيد المطلق، وبالتالي فإن الاحتكار محرم بالنسبة لكل البضائع الضرورية.
أما في روايات الشيعة، فثمة رواية عن الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: (إنما الحُكْرةُ) وكلمة «إنما» تفيد الحصر ومفهوم الحصر حجة، لذلك لا يمكن العمل على شاكلة أهل السنّة. ومن هنا قال البعض: إن الاحتكار لا يصدق إلاّ على الموارد المذكورة في الروايات، واحتجاز غيرها من البضائع لا يعدُّ احتكاراً.
ولأستاذنا الشيخ مرتضى الحائري كتاب اسمه «ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة» طبع منه مجلد واحد وباقي المجلدات محفوظة في مكتبة الروضة الرضوية لتطبع عند اللزوم. في المجلد المطبوع يعالج الشيخ الحائري هذه المسألة بقوله: إن روايات المجموعة الثانية على نحو القضية الخارجية وليست على نحو القضية الحقيقية. أي إذا وردتنا روايات عن الرسول أو الأئمة تفيد الحصر فذلك لبيان الوضع الخارجي. بمعنى أنهم عليهم السلام أرادوا القول بأن المواد التي تحتكر حالياً (في زمانهم) هي هذه المواد الخمسة أو التسعة. وهذا يعود في الواقع إلى نوع الرؤية التي يحملها الفقيه. والسؤال الآن؛ ما هو المعيار العام الذي يمكن أن نستفيده من هذه المسألة. كان المرحوم الحائري إلى جانب كونه مجتهداً حاذقاً، كان فقيهاً تقليدياً، لم يشأ مخالفة المشهور والاحتياط إلاّ في النادر. لكن هذا الأسلوب أسلوب فقهي. لذلك يتوجب علينا التوصل إلى المعيار قبل الدخول في الفقه، لكي يكون واضحاً لدينا ما يجب أن نفعله قبال القضايا الخارجية، وكيف يكون الاستنباط إذا كانت أمامنا قضية حقيقية؟ وما هي معايير الفصل بين هاتين المجموعتين من القضايا؟ وإذا لم نبادر إلى الفصل أفلا يؤدي ذلك إلى أن يخلط البعض بين القضايا الحقيقية والقضايا الخارجية، فيظهر لدينا فقه جديد على تعبير الشيخ النائيني.
وحينما أؤكد على دراسة هذه المواضيع بعمق وتدقيق، فذلك بسبب الأخطار التي تتعرضنا في الوقت الراهن. فمثلاً مبحث أي الأحكام دائمية، وأيها تتغير بحسب مقتضيات الزمان، له صلته بمبحث القضايا الحقيقية والقضايا الخارجية. البعض يحمل الحكم الإسلامي الدائمي بكل سهولة على أنه خاص بزمان صدوره. وهذا ما لا يقتصر على الفقه الشيعي. فقد اعتبر عمر بن الخطاب في زمان خلافته حكم الدية للعاقلة خاصاً بالحياة القبلية وقال: بما أن الحكومة الإسلامية تتكفل اليوم معاش الناس وتحل محل القبيلة، إذن فالدية على الحكومة لا على العاقلة. وقد سارت بعض المذاهب الفقهية السنية في الوقت الحاضر على هذا المنهج كالحنفيين، لكن بعضهم رفضوه، ومنهم أتباع المذهب الشافعي.
وهذه مسألة لا بد أن تدرس في فقهنا. فعلى أي أساس يمكن القول: إن الدية على العاقلة حكم دائمي وليس حكماً مؤقتاً؟ وما هو الدليل الذي يستند إليه الفقيه الذي يفتي ببطلان هذا الحكم؟ إنني لا أقصد هنا تأييد هذا الرأي أو رفض ذلك الرأي. الذي أدعو إليه هو تحديد معايير هذه المسألة في إطار فلسفة الفقه. في بعض البلدان الإسلامية مثل مصر والأردن ظهرت مقالات حول هذا الموضوع ذكر فيه أصحابها بصراحة أن «القيم» وحدها هي الأحكام الدائمية في الإسلام. أما القوانين فلا يمكن إطلاقاً أن تكتسب صفة الديمومة والاستمرار. فالقوانين في ذاتها وبطبيعتها مؤقتة قابلة للتغيير والتصرف، أما الدائم والخالد فهي القيم وهذه عقلانية كما هو واضح، لأننا نبقى عاجزين عن معالجتها بالمناهج النقلية والموقع الصحيح لهذه البحوث هو فلسفة الفقه، فهناك تطرح التساؤلات حول هل الشرع يكرّس القيم وحسب والقانون يحدده الزمان، أم أنه يطرح القوانين الكلية التي بمستطاع الفقهاء استنباطها؟
* إنكم تأخذون الشرع بمعنى الدين. وعلى هذا الأساس تكون المسألة: هل الدين يتحفنا فضلاً عن القيم، بالأساليب والقوانين أيضاً، أم أنه يترك التقنين للزمن، رغم كونه جزءاً من الشريعة؟
محقق داماد: نعم… هذا جزء من فلسفة الفقه.
* هل ترى أن ننتقل بمكانة البحث إلى القبليات (التفسيرية) للفقيه، والنقاش حول الغاية من الفقه، والمصالح والمفاسد الواقعية و…
محقق داماد: هذه أيضاً واحدة أخرى من البحوث الخاصة بفلسفة الفقه، وكنت أود الإشارة إليها. وأريد هنا التفكيك بين بحثين: الأول ما هي العلاقة بين المصالح والمفاسد وبين الأحكام الشرعية؟ هذا من البحوث القبلية ومن اختصاص فلسفة الفقه. والثاني دور المصالح الاجتماعية في الاستنباطات الفقهية. وهذا غير البحث حول علاقة المصالح والمفاسد الواقعية بالأحكام، بالرغم من التشابه الظاهري بين البحثين… وعموماً يجب اتخاذ مبنى عقلي قبل ولوج عالم الفقه.
عابدي شاهرودي: علاقة فلسفة الفقه بباقي العلوم، ولا سيما تلك المذكورة في السؤال، وحيثيات هذه العلاقة ومبرراتها، من القضايا الصعبة في فلسفة الفقه، وسأتعرض لها فيما يلي بمقدار ما أستطيع.
التعريف الذي قدّمناه لفلسفة الفقه يستلزم أن فلسفة الفقه علم تقريري مشرف يدرس ماهية ووجود ومبادىء وطرق وغايات الجهاز الفقهي. ويقتضي هذا العلم بطبيعته ومن حيث الوجود والماهية والمبادىء والطرق والغايات، يقتضي الترابط مع العديد من العلوم، نشير إلى بعضها فيما يلي:
أولاً: المنطق، وهو العلم الذي يتولى بناء هيكلية وأطر التصور والتصديق باتجاه إنتاج التعاريف والأدلة. والعلم لاهتمامه بالمعرفة والاستدلال، يستفيد من قواعد المنطق بالضرورة. وفلسفة الفقه باعتبارها علماً من العلوم لها طابعها المنطقي من حيث تعريفها واستدلالاتها.
ثانياً: علم الكلام بصفته منظم مبادىء الجهاز الفقهي. ولتوضيح الترابط بين فلسفة الفقه وعلم الكلام نقول: إن الكلام الإسلامي يتعرض لأسس التفقه والاجتهاد. وهذه بعض الأسس:
1 ـ تستند ماهية الفقه بشكل طبيعي إلى كتاب الله وسنّة الرسول والأئمة المعصومين عليهم السلام.
2 ـ السنة هي فعل وقول وتقرير المعصوم عليه السلام.
3 ـ مصدر التشريع هو كتاب الله وسنّة المعصومين عليهم السلام وحسب.
4 ـ بالرغم من أن الأدلة الفقهية هي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، والمعروفة بالأدلة الأربعة، لكن الإجماع والعقل ليسا في مستوى واحد مع الكتاب والسنّة، أي أنهما ليسا من مصادر التشريع. وأقصى قيمة للعقل والإجماع الكشف الظني أو القطعي عن الأحكام الموجودة في الكتاب والسنّة.
وبعد الكشف يأتي الدور لمناقشة حجية أو عدم حجية كشف العقل والإجماع. ومن بعد الحجية تطرح مسألة أخرى مفادها؛ هل حجية العقل والإجماع من سنخ المدركية أم من سنخ المنجزية؟ أما البحث الأخير حول حجية ومنجزية العقل والإجماع فهو إذا كان العقل والإجماع حجيين أو منجزين، فهل حجيتهما ومنجزيتهما لازمة أم شاملة ومتعددة؟
5 ـ جميع الأحكام والحقوق والقرارات والموضوعات الشرعية التي يعمل الفقه على استنباطها من المصادر والأدلة، تعود بحسب المذهب الإمامي إلى جهتين؛ الجهة الأولى تعلق الإرادة التشريعية الإلهية بالقرارات الشرعية بالمعنى العام الشامل لكل الجهات الفقهية. والجهة الثانية وجود ملاكات حقيقية مقررة في معرض الإرادة الإلهية. وهذه الملاكات تعود إلى الكمالات الطبيعية للمكلفين. وفي مقدمة هذه الكمالات تأتي الأخلاق والقيم والاعتبارات الأخلاقية. وفي مقدمة الاعتبارات الأخلاقية تأتي مسألة الطاعة لله عزّ وجلّ.
كانت هذه بعض الأسس الكلامية والماورائية للفقه بصورة عامة. وفي ضوء هذه الأسس وما شاكلها يتضح أن فلسفة الفقه من أجل أن تنهض بتفسير عام للفقه تحتاج إلى معرفة بالكلام الإسلامي والميتافيزقيا الإسلامية، كما هي بحاجة إلى معرفة أصول الفقه داخل الجهاز الفقهي.
يتكون هذا التفسير من قسمين رئيسيين: الأول تشخيص ترابط الجهاز الفقهي بأسسه القبلية في علم الكلام وما بعد الطبيعة. والثاني تشخيص العناصر والقوانين والأواصر داخل الكل الفقهي الذي تعد أصول الفقه جزءاً منه. ولهذا تتمايز أصول الفقه هي الأخرى عن الكلام الإسلامي، وعن فلسفة الفقه، وعن القواعد العامة للفقه.
ثالثاً: علم التفسير باعتباره العلم الذي يسعى في مرحلتي النظرية والاستنباط، إلى اكتشاف مداليل كتاب الله بما يتناسب وحدود فهم الإنسان. في هذا العلم الذي يعد من أهم وأعقد العلوم الإسلامية، نلاحظ مسالك واتجاهات عديدة. فبمعونة التفسير تتوفر للفقيه فرصة الإفادة من المصدر التشريعي الأول (أي القرآن الكريم)، كما يتيح له علم الدراية والرجال وعلم شرح الأحاديث فرصة الانتفاع من المصدر الثاني المتمثل بسنّة المعصومين عليهم السلام.
وبالطبع لا يمكن أن يتحقق علم التفسير علماً مختصاً بشرح المداليل القرآنية من دون الاقتران بعلم الحديث المختص بالاستفادة من السنة. ولذلك نحتاج من أجل النهوض بتفسير علمي لكل آية إلى الاستمداد بغيرها من الآيات والأحاديث المروية عن الرسول والأئمة الأطهار. كما نحتاج عند تفسير وشرح أي واحد من أحاديث المعصومين إلى الاستعانة بغيره من الأحاديث والآيات القرآنية.
إذ طبقاً لمبدأ أن القرآن هدى وتبيان لكل شيء، وبحسب القانون المستفاد من حديث الثقلين المتواتر والذي يؤكد تعادل كتاب الله وعترة الرسول في المنزلة والمقام، ووفقاً للمنهج المستقى من الكتاب والسنّة والقاضي بأن تفسير كتاب الله من أهم واجبات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده، وأيضاً استناداً إلى قانون آخر يفيد أن لكل نص أصلاً في القرآن، وكل علم مروي عن الأئمة نابع بشكل وبآخر من الكتاب العزيز، وبأن نصوص المعصومين من الرسول الأكرم وحتى الإمام الثاني عشر كلها نص واحد في كلام واحد، اعتماداً على كل هذا تتحصل لدينا القضايا التالية:
الأولى: آيات القرآن بصورة عامة يبين بعضها بعضاً.
الثانية: أحاديث الرسول والأئمة عليهم السلام تشرح القرآن الكريم وتفسره.
الثالثة: الأحاديث جميعها بمثابة كلام واحد. لذلك لو جاء في حديث الرسول أمر مطلق وورد تقييده في حديث للإمام الثاني عشر، فإن هذا التقييد نافذ المفعول حسب القوانين الأصولية ويسمى هذا التقييد في لغة الأصول حمل المطلق على المقيد.
الرابعة: الأحاديث يشرح بعضها بعضاً.
الخامسة: لكون الأحاديث صادرة عن الحجج عليهم السلام فهي راجعة إلى المصادر المدرجة في كتاب الله لذلك يوجد لكل نص من النصوص أصله في القرآن الكريم.
رابعاً: بخصوص علاقة الأخلاق الإسلامية بفلسفة الفقه نقول: إن الجهاز الأخلاقي كالجهاز العقلي يتشكل من قسمين، عام وخاص. والمراد بالأخلاق الإسلامية القسم العام والرئيسي من الجهاز العقلي والذي يعدّ ساحة لظهور القوانين الأخلاقية في الذات البشرية، والممضاة من قبل الشارع.
بما أن فلسفة الفقه تتدارس مختلف جهات الفقه، ومن أهم جهات الفقه في المذهب الإمامي القسط والعدل والحسن والقبح العقليات. إذن ففلسفة الفقه مضطرة إلى معالجة وجوه ترابط الفقه بالأخلاق الإسلامية الكاشفة عن اعتبارات الحق والصدق والمروءة والرحمة والعدالة في الضمير الإنساني.
* ما هي حيثيات العلاقة بين فلسفة الفقه وما يلي: أ ـ فلسفة الفعل (philosophy of action)، ب ـ فلسفة الأخلاق، ج ـ فلسفة الحقوق، د ـ الفلسفة السياسية، هـ فلسفة الاقتصاد؟
مصطفى ملكيان: أ ـ فلسفة الفعل: جانب من الفلسفة يبحث في باب الفعل أو العمل نظرياً وعقلياً. وتمثل بعض قضايا فلسفة الفعل، جانباً من المبادىء التصورية والتصديقية لعلم الفقه. ولذلك فهي داخلة في فلسفة الفقه. ولأوضح المقصد بالمثال التالي: لنفترض أن شخصاً باسم A قتل شخصاً آخر باسم B هو ربٌّ لأسرة بإطلاق عيارات نارية. يمكن النظر لهذه الحادثة الواحدية ووصفها بطرق متفاوتة وضمن مراحل مختلفة؛ ضغط A على عضلات ساعده، ضغط A على إصبع يده، تحريك A لقطعة حديدية، سحب A للزناد، إطلاق A للعيار الناري، تسخين A لأنبوب بندقيته، تمزيق A صدر B، قتل A إنساناً اسمه B، قتل A ابن أحد الأشخاص. قتل A لرب عائلة، تسبب A مصيبة لعائلة، إلقاء A لعائلة في مستنقع الفقر، و… الخ والآن نسأل: كم واحدة من هذه العباراة تمثل (فعلاً) وكم منها تمثل (نتائج الفعل وآثاره)؟ وكيف يمكن التمييز بين الفعل وآثاره؟ هل سحب الزناد وافتقار عائلة، فعل واحد أم فعلان أم أن الأول فعل والثاني من آثاره ونتائجه، أم أن هنالك جواباً آخر أصح من كل هذه الإجابات؟ إلى أي هذه العبارات الاثنتي عشرة التي أوردتها أفعال، ومن أيها فيما بعد نتائج للأفعال؟ ولماذا؟ هل يمكن اعتبار الفعل ما يصدر عمداً وبنية مسبقة؟ الظاهر أن الذي يخيف إنساناً في الشارع عن غير قصد مسبق، هو الآخر قد أنجز فعلاً ما. هل الفعل ما يصدر عن الإنسان إرادياً؟ لكن الذي يبدي غضبه أو خوفه دون إرادة يقوم بفعل ما على كل حال. وأساساً ما هو معنى العمد والقصد والنية بالضبط؟ وما هو الفارق بين النية والحافز؟ وهل النية بحد ذاتها فعلاً إرادياً أم لا؟ ما هو الفرق بين الإرادة والنية؟ ما هو الاختيار؟ وما معنى القصور؟ وماذا تعني الغفلة؟
إن التحليل العام لهذه المفاهيم، وجميعها من المبادىء التصورية لعلم الفقه، ينتمي بطبيعته إلى فلسفة الفعل.
ب ـ أحياناً يراد بفلسفة الأخلاق تحديداً العلم الذي يخوض في تحليل المفاهيم الأخلاقية كالحسن والسيىء وما يجب وما لا يجب والواجب والتكليف والمسؤولية. في هذا العلم الذي يسمى أيضاً الأخلاق التحليلية أو الأخلاق النقدية أو ما بعد الأخلاق، تجري بحوث نظير ما يقوم به الأصوليون والمتأخرون في أبواب «الأوامر» و«النواهي» في مباحث الألفاظ. وتجري أيضاً مباحث تشبه ما أنجزه الأصوليون وعلماء الكلام حول الحسن والقبح الذاتيين، والعقليين، والإلهيين والشرعيين. والواقع هو أن قبليات الفقه المقتبسة من فلسفة الأخلاق أكثر بكثير مما انتبه إليه أصوليونا ومتكلمونا. فعلم الفقه بلا شك يتوقف على تحليل مفاهيم «الوجوب» و«الاستحباب» و«الإباحة» و«الكراهة» و«الحرمة»، وتحديد معايير دقيقة لإطلاق هذه المفاهيم، وأيضاً تعيين ملابسات العلاقة بين هذه المفاهيم الخمسة والمفاهيم الأخلاقية كالحسن والقبح والصحيح وغير الصحيح والواجب، وكيفية تحليل العبارة الحاوية لألفاظ الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام، على أساس ثنائية التوصية (prescriptivism) والوصف (descriptivism)، وعلى أساس التفكيك بين الواقع (fact) والقيم (values). كل هذه قضايا يحتاجها الفقه، لكنه لا يتناولها، وإنما يؤمن مسبقاً بنظريات معينة حولها تاركاً إثبات صحة النظريات لعلمي الأصول والكلام. ولكن في كثير من الحالات حينما يراجع الباحث الكتب الأصولية والكلامية يجد أنها لم تعط الموضوع حقه من التدقيق والفصح. فمثلاً يقال: إن العقل (العملي) هو الذي يدرك الحسن والقبح لكنهم لا يوضحون ما هو هذا العقل العملي بالضبط، وما هي علاقته بالشهود (intuition) والوجدان (conscience) الأخلاقيين. ولذلك تبقى مسألتا: كيف يتم الكشف عن الأحكام الأخلاقية؟ وكيف تبرر الدعاوى الأخلاقية؟ يلفهما الغموض والتعمية، رغم كونهما أهم مسألتين في المعرفة الأخلاقية.
وعلى كل حال تبقى هذه المباحث من فلسفة الأخلاق مما تحتاج إليه فلسفة الفقه.
تارة يراد بفلسفة الأخلاق معنى أعم من المعنى السابق، فتشمل قضايا ومسائل الأخلاق الدستورية (normative ethics). ويمكن القول: إن الأخلاق الدستورية (الأوامرية، التوجيهية) تتناول تعيين مصاديق للمفاهيم التي يتم تحليلها في الأخلاق التحليلية (مع أن هذا القول لا يخلو من تسامح) أي أنها تجيب عن أسئلة من هذا النوع، ما هي الأمور الحسنة وما هي الأمور السيئة؟ وما هو الصحيح و ما هو غير الصحيح؟ وما هي وظائف الإنسان؟ وعن الأخلاق الدستورية تجدر الإشارة إلى أن الفقه نمط من الأخلاق الدستورية، تشفع مواقفها بتبريرات دينية وغيبية.
ج ـ لا يخلو مصطلح فلسفة الحقوق من الغموض، فإذا كان المراد منه فلسفة علم الحقوق، وهي من علوم الدرجة الثانية، عندما ينبغي النظر أولاً في العلاقة بين علم الحقوق وعلم الفقه، ليمكن عن هذا الطريق إقامة آصرة بين فلسفة الحقوق وفلسفة الفقه. ومعالجة هذه الإشكالية رهينة بتحديد تخوم الفقه، وهذه من مهام فلسفة الفقه. أما إذا كان المراد من فلسفة الحقوق علماً من الدرجة الأولى يدرس قضايا القوانين التشريعية (وضعية واعتبارية و…) أي القوانين غير التكوينية (الطبيعية أو الكشفية أو الحقيقية) عندها يجب القول: إن طائفة من الآراء والنظريات في هذا العلم تعد جزءاً من قبليات علم الفقه، والبحث فيها موكل إلى علمي الكلام وأصول الفقه. والنتيجة هي أن فلسفة الفقه ذات صلة مهمة بفلسفة الحقوق. وبعض مسائل فلسفة الحقوق التي ترتبط بفلسفة الفقه بهذا المعنى الثاني عبارة عن طريق تبرير الأحكام الشرعية أو النظام الحقوقي الإسلامي، أي طريقة إثبات كون الأحكام الشرعية إيجابية أو منصفة أو صحيحة أو محايدة. وتبرير مبدأ الجزاء (punishment) بصورة عامة. وتبرير العقوبات الخاصة (penalties)، والحقوق الفطرية أو الطبيعية.
د ـ الفلسفة السياسية: جانب من الفلسفة يعالج المشكلات التي يواجهها الإنسان من حيث كونه على حد تعبير أرسطو حيواناً سياسياً. ففي قسم كبير من هذه المشكلات يتعين علينا اتخاذ مواقف محددة لكي نستطيع الدخول في علم الفقه. ومن تلك المواقف تحليل مفاهيم قيمية كالعدل والمساواة والحرية والحق، ومصدر الحكومة وماهيتها وأهدافها وأهميتها، وبنية الحكومة المثالية وأساليبها، والعلاقة بين الفرد والحكومة، وبين الطاعة والحرية، ومساحة الحرية في الحكومة، وإلى أي حد يستطيع الإنسان التخلف عن القوانين. كل هذه المواقف يجب أن تتخذ في فلسفة الفقه.
هـ الظاهر أن المراد بفلسفة الاقتصاد، فلسفة علم الاقتصاد، إذا كان الأمر كذلك، فإن فهم الترابط بين فلسفة الفقه وفلسفة الاقتصاد، يرتكز على وعي العلاقة بين علمي الفقه والاقتصاد. ونكتفي هنا بذكر عدة نقاط: الأولى أن علم الفقه علم وصائي تعلمي توجيهي (prescriptive) أو هو علم دستوري (normative) والحال أن علم الاقتصاد، بتقدير بعض فلاسفة الاقتصاد على الأقل، علم وصفي (descriptive). علم الفقه يحدد تكاليف الإنسان دينياً. ويمكن تصنيف هذه التكاليف على أنحاء مختلفة (كتقسيمها إلى واجبات فردية وجماعية، أو واجبات تجاه الله وتجاه الذات وتجاه الإنسان وتجاه الطبيعة، أو واجبات أخلاقية وأخرى حقوقية، أو واجبات عبادية وواجبات معاملاتية و…) لكن بعضها على كل حال يتصل بالعلاقات الاجتماعية، والبعض من هذا البعض فقط له علاقة بالقضايا والمعاملات الاقتصادية، ومن ناحية أخرى لا يتطرق علم الاقتصاد إلى تحديد الواجبات، وإنما يهتم فقط بشرح وتوصيف ظواهر الإنتاج والتوزيع واستهلاك الثروة والعمل وتداول المال والضرائب وما إلى ذلك. ويستطيع علم الاقتصاد أن يخدم الفقه في مجالين: الأول يدلل أن الواجبات التي يرسمها الفقه للمكلفين إذا تم تطبيقها بصورة صحيحة ودقيقة، فسيكون لها كيت وكيت من الثمار الإيجابية على صعيد الواقع الاقتصادي. والثاني إذا كان للفقه غايات دنيوية مادية يطرحها بشكل صريح، قد يستطيع علم الاقتصاد توفير آليات ووسائل تساعد الفقه في الوصول إلى غاياته أو رسمها للمكلفين. وبتعبير أكثر صراحة، المعونة التي يمكن للاقتصاد تقديمها للفقه تتناسب طردياً مع درجة عقلانية وواقعية الفقه والأنظمة الفقهية ذلك أن الاهتمام بالآثار والنتائج المترتبة على التوصيات والتكاليف، وملاحظة الوسائل التي تحقق الأهداف بأسهل ما يمكن، اثنتان من أبرز مميزات العقلانية.
* هل ترون أن دراسة فلسفة الفقه تحتاج إلى معرفة تفصيلية عميقة بأمزجة وروحيات العرب في العصر الجاهلي، وأحوالهم الإقليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ ولماذا؟
مصطفى ملكيان: لأن فلسفة الفقه علم موضوعه علم الفقه، فهو مكلّف بالطبع بدراسة تاريخ علم الفقه، وملابسات ظهوره، وأدواره وتحولاته. وبصورة عامة لا تستغني فلسفة أي علم عن معرفة تاريخ ذلك العلم. ولكن إذا تجاوزنا هذا المعنى، نقول: إن الذي يحتاج حاجة ماسة إلى معرفة نفسيات العرب في الجاهلية وواقعهم الإقليمي والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي هو الفقيه وليس فيلسوف الفقه. ويمكننا أن نوضح سبب ذلك عبر المثال التالي؛ لنفترض أن شخصاً باسم A ألّف ونشر كتاباً. وأن شخصاً آخر اسمه B قرأ الكتاب بدقة وسجل آراءه حول أفكار الكتاب على شكل حواشي في جوانب صفحات الكتاب. في هذه الحالة هل يكفي إذا أردنا الاطلاع على آراء B بشكل وافٍ، أن نراجع تعليقاته على حواشي الكتاب فقط، ولا ننظر إطلاقاً إلى الأصل الذي كتبه A، ويكون مبررنا في هذا أننا لو أردنا معرفة آراء A فسنراجع أصل الكتاب، لكننا لا نريد ذلك وإنما نروم فقط معرفة أفكار B، وأفكاره ليست سوى تلك التي دوّنها في الحواشي. هل هذا الاستدلال صحيح يا ترى؟ لا بكل تأكيد، لأن ما ورد في حواشي الكتاب لا تفهم إلا بمراجعة أصل الكتاب. فكل ما في التعليقات من إثبات ونفي وتأييد ورفض وجرح وتعديل وإشكالات وتصحيحات، معطوف على ما جاء في أصل الكتاب. فكيف يمكن عدم قراءة الكتاب، وإدراك مرامي تلك الإشكالات والتأييدات الواردة في الحواشي؟
باعتقادي أن جميع أو غالبية الأوامر والنواهي الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة معطوفة على الواقع الإقليمي والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع العربي في عصر الجاهلية وزمن صدر الإسلام. والفقيه الذي يكتفي بمراجعة نصوص القرآن والروايات لاكتشاف مجموعة الأوامر والنواهي الإسلامية، ولا يعنى بأحوال المجتمع العربي زمن نزول الآيات القرآنية وصدور أحاديث المعصومين عليهم السلام هو تماماً كالذي في مثالنا يريد باقتصاره على قراءة حواشي B معرفة آرائه ومقاصده. إن العبارات والقضايا الموجودة في نص القرآن والحديث، وخصوصاً تلك التي تحدد واجبات المسلمين، ولا تروي الواقع، هي بلا شك متناسجة عضوياً مع واقع المجتمع العربي آنذاك. لذلك لا يمكن أن تفهم إلا حينما توضع في أرضيتها ونسيجها (context-) الأصلي، ولا تُجتزأ من ذلك الأصل. ولهذا يرى مفسرو القرآن الكريم أهمية بالغة لشأن نزول الآيات في وعي مراد القرآن. ولكن للأسف الشديد لا يهتم فقهاؤنا بهذه الدراسات، فبدل أن يصب الفقهاء اهتمامهم على اكتساب خبرات عميقة بالنسيج الجغرافي والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي لزمن نزول الآيات وصدور الروايات، يركزون جل اهتمامهم وطاقاتهم في التدقيق الزائد في بناء الآيات والروايات ومفرداتها.
هل فلسفة الفقه علم وصفي (Descriptive) أو توجيهي (prescriptive) أم وصفي وتوجيهي في ذات الحال؟
لاريجاني: لا بد أولاً من التمعن في لفظي الوصف (التقرير) والتوجيه (التوصية). إذا كان التقرير تاريخياً. يمكن أن يتناسب مع الطابع التاريخي للفقه، أي مع ذلك الأمر الممتد في التاريخ، وليس في مقطع خاص منه. وإذا كان المراد بالتوصية الأوامر والنواهي الإنشائية المتعلقة بالأخلاق، فمن المستبعد جداً أن نعتبر وظيفة فلسفة الفقه ممثلة للأوامر والنواهي الأخلاقية.
وللتمثيل أتذكر أن الأستاذ محمد تقي مصباح يزدي قال في بداية بحثه لفلسفة الأخلاق: إن بعض الغربيين اعتبروا المنطق علماً دستورياً وهذا غير صحيح. فالمنطق يكشف عن العلاقات البديهية والطبيعية بين الأمور، وهو بذلك لا يمثل علماً دستورياً.
وأعتقد أن «الدستورية» أو «الوصائية» أو «التوجيهية» التي قالوا بها للمنطق وعلوم أخرى وحتى لفلسفة الفقه هي الـ normative بالمعنى العام للكلمة وليس الدستورية بمعنى التوجهات الأخلاقية. فحينما يقال دستورية المراد هنا دساتير لها سندها التكويني الطبيعي.
وسنبين من خلال نموذج للتقابل بين التقرير والتوصية، أن المعنى المقصود هنا للتوصية والتوجيه معنى معقول. وربما أمكن القول: إن القسط الأوفر من جهود علمائنا في كل العلوم العقلية كعلم الأصول، إنما هي دستورية ومعيارية، وهذا طبعاً غير كونها اعتبارية وأخلاقية مما ذهب إليه البعض، وبلغ بهم الأمر أن زعموا أن القواعد الأصولية اعتبارية. في حين أن قليلاً من التدبر كفيل بالإفصاح عن بطلان هذه الرؤية. فالعلوم التي تغلب عليها الصفة العقلية، هي بالمعنى العام دستورية أو معيارية (normative).
ثمة في الفلسفة بحث اسمه الاستقراء. ونريد هنا أن نعلم هل الاستقراء حجة أم لا؟
تارة يكون سؤالنا؛ هل يعمل العلماء التجريبيون بالاستقراء في علومهم أم لا؟ وهذا سؤال تاريخي محض، يجعل بحثنا بحثاً تاريخياً، ستكون نتيجته وصفية مئة بالمئة.
ولكن تارة يكون السؤال؛ هل يجب العمل بالاستقراء أم لا؟ وفي هذه الحالة لا نهتم أبداً هل عمل العلماء بالاستقراء أم لا؟
هذه الـ «يجب» لا إشكال فيها حتى مع حفظ صورتها الإنشائية، لأن رصيد وسند هذه الـ «يجب» أمر تكويني ونفس الأمري. والرصيد هو؛ هل بإمكان الاستقراء استحصال علم يحكي لنا الواقع الخارجي، على أساس العقلانية التي يتبناها العلماء (كعقلانية العلوم التجريبية التي تركّز على التعبير عن صورة العالم الخارجي كما هي)؟ إذا كان الاستقراء على نحو تكويني مفضياً إلى العلم، عندها يجب العلم بالاستقراء. وهذا كلام يبدو معقولاً، ولا يشبه التوجيهات الاعتبارية. وبهذا فسؤالنا «هل يجب العمل بالاستقراء؟» سؤال له جوابه الإيجابي، نعم، يجب العمل بالاستقراء، لأننا خضعنا من قبل لـ «يجب» أخرى باعتبارها معيار العقلانية في العلم، وهي أن المنهج العقلاني في العلم هو الذي ينتج العلم بالواقع الخارجي أو الظن بالواقع الخارجي، والاستقراء ينتج مثل هذا العلم أو الظن. أي أننا حينما نقول «يجب» لا نريد التوصية والتوجيه الصرف، ولا الإنشاء الفارغ. وإنما لهذه الـ «يجب» رصيدها من الواقع التكويني، وفيها يكمن سؤال تكويني، هو هل يحكي الاستقراء الواقع من دون أخذ أقوال العلماء عبر التاريخ بنظر الاعتبار؟
الذي نقوله هو أن منهج علمائنا كان في الأعم الأغلب توجيهياً. فمثلاً في مبحث اجتماع الأمر والنهي في الأصول، يمكن الفحص تاريخياً عمّا قاله علماء الأصول في الأزمان المختلفة بخصوص موضوع اجتماع الأمر والنهي. ومحصلة هذه الدراسة التاريخية لن تكون توجيهية، وإنما تقارير تاريخية وصفية محضة. لكن علماءنا الأصوليين لا يصنعون هذا، لأنهم يعتقدون أنهم يواجهون قضية عقلانية هي إمكان أو عدم إمكان اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بعنوانين. والواقع أن السؤال سيكون: كيف يجب أن يكون رأي الأصولي حول اجتماع الأمر والنهي؟ إذا كنّا من أنصار عدم الاجتماع سنقول طبعاً يجب على الأصوليين القول مثلنا بعدم إمكانية الاجتماع. وهذه الـ «يجب» ليست تكليفية، رغم أن صورتها إنشائية. ورصيدها عبارة عن بحث نظري أصولي يفيد أن هذين الأمرين لا يجتمعان. وعدم اجتماع الأمر والنهي في موضوع واحد (بالشروط المذكورة في الأصول) ظاهرة واقعية نفس الأمرية لا علاقة لها بالاعتبار.
إذن هنالك في النهاية زعمان؛ الأول هو أن المنهج العقلاني منهج توجهيي وليس تاريخياً فإذا أحطنا بآراء العلماء وأفكارهم حول مسألة معينة، فلن تكون لآرائهم هذه أية حجية علينا من الناحية الاستدلالية، على الرغم مما تتضمنه المعرفة بالتاريخ من فوائد.
والزعم الثاني هو أن منهج فقهائنا وأصوليينا وفلاسفتنا ومتكلمينا كان توجيهياً على العموم وليس تاريخياً، مع أنهم أحياناً كانوا يأتون بتقارير تاريخية تعدّ بحوثاً ثانوية تكميلية لبحوثهم التوجيهية الأصلية.
وبالتالي، في الإجابة عن السؤال، هل مهمة فلاسفة العلم دستورية أم تاريخية؟ أعتقد أن الصحيح هو أن يسلكوا منهجاً دستورياً توجيهياً. ففي فلسفة الفقه يطرح سؤال عن ماهية الحكم. وفي الإجابة ينبغي أن نحلل ماهية الحكم كما نراها في الواقع، ونقدم لها الشواهد والقرائن لكي نقنع فلاسفة العلم برأينا، لا أن نسرد آراء العلماء الماضين عبر تقارير تاريخية وصفية.
ولأن البعض لا يحبّذون «معيارية» العلوم، نطرح المسألة بنحو آخر؛ مهمة علوم مثل المنطق وحتى علم الأصول، الكشف عن الواقع وليس الأمر والنهي. وهي بذلك وصفية لا دستورية. لكن القضية أن هذه الأوصاف ليست أوصافاً تاريخية. لذا حينما نضيفها الـ «يجب» عقلانية مثل (يجب إتباع كل ما هو واقع) ستتحفنا بنتيجة دستورية معيارية. وذلك خلافاً للتوصيات التاريخية التي لا تؤتي مثل هذه النتائج. والبحث التاريخي يؤكد في نتائجه أن العلماء التجريبيين كانوا يعملون بالاستقراء، لا يستتبع أي نوع من التوصيات أو التوجيهات أو الدساتير، أي أنه لا يستتبع أي «يجب». لكن البحث الفلسفي النظري الذي يثبت أن الاستقراء ينتج تعميمات واقعية أو تعميمات احتمالية، يستتبع توصية مفادها: «يجب العمل بالاستقراء».
وعليه ففي تبرير آراء القائلين بمعيارية هذه البحوث، يمكن القول: إن غرضهم الإشارة إلى وصف للواقع يستتبع توجيهات معينة، في مقابل الوصف التاريخي الذي لا يستتبع مثل هذه التوجيهات.
وقد يشكل أحدهم بأن فلسفة الفقه هي معرفة الفقه عبر إلقاء نظرة خارجية عليه. لذلك إذا أراد الإنسان التفلسف حول الفقه الموجود عليه أن يرى ما صنعه الفقهاء في فقههم، وبذلك سيكون عمله تقريرياً. أما إذا أخذنا الفقه بصيغته المعيارية، أي كما «يجب» أن يكون، لا كما هو عليه الآن. عندها سيكون عمل الفيلسوف توجيهياً وصائياً.
وفي الجواب نقول: أولاً، فصلنا سابقاً أن بإمكاننا النظر الى الفقه الموجود حالياً من زاويتين أو بشكلين؛ بشكل مجموعة من القضايا، وبشكل نشاط الفقهاء. وفي الشكل الأول لن تكون ثمة ضرورة لمتابعة إنجازات الفقهاء وتقريرها.
وثانياً والأهم هو أننا نناقش تأملات ثانوية نسميها فلسفة الفقه، ذاته. والسؤال؛ ما هو منهجنا في هذه التأملات الثانوية؟ فسواء اعتبرنا الفقه مجموعة من القضايا والمسائل أو اعتبرناه نشاط الفقهاء، يمكننا أن نتأمله ونتعمق فيه وتكون لنا بخصوصه تأملاتنا الثانوية. وقد تكون هذه التأملات تقريرية تاريخية صرفة ويمكن أن تكون معيارية توجيهية. ولنوضح هذه النقطة بمثال: لنفترض أن الفقه عبارة عن أحكام من قبيل «صلاة الجمعة واجبة» أو «في التحجير هنالك حق للتحجير». حينما ينظر الفيلسوف إلى هذه المسائل الفقهية، يتكوّن في ذهنه سؤال شامل منطوقه: «ما هو الحكم؟» ويمكن طرح هذا السؤال بشكلين: أحياناً نسأل ما هو الحكم؟ ونقصد ما هو رأي الفقهاء في ماهية الحكم؟ وتارة لا نأخذ رأي الفقهاء حول ماهية الحكم بنظر الاعتبار، وإنما نحاول التأمل في المسألة بشكل مستقل. إلاّ أن نقاشنا في الحالتين سيكون من الدرجة الثانية. وبالتالي يجب أن ننظر كيف تطرح مسائل الدرجة الثانية وكيف تتشكل الإجابة عنها؟ فمثلاً نسأل كيف يمكن العلم بالمسائل الفقهية (المسائل المعرفية في فلسفة الفقه)؟ ونستطيع أن نطرح هذا السؤال بنحوين:
1 ـ كيف أجاب علماء الدين والفقهاء طوال التاريخ عن هذا السؤال.
2 ـ كيف يمكننا العلم بالمسائل الفقهية (دون الالتفات إلى أقوال القائلين)؟
إذن من الخطأ القول: إن على فلاسفة الفقه التطرق ضرورة إلى ما أنجزه الفقهاء من فقه موجود حالياً بين أيدينا. ومرد الخطأ في هذه المقولة هو أن نقاشنا حول «فلسفة الفقه» وليس حول «الفقه». النقاش هو هل تريد فلسفة الفقه الوقوف على تأملات الفقهاء والأصوليين والمتكلمين حول الفقه، أم أنها ذاتها تبحث عن الحقيقة لتمارس عملاً توجيهياً (سواء قام السلف بذلك أم لم يقوموا)؟ وخلاصة رأينا تتمثل في ضرورة التفريق بين مسائل فلسفة الفقه وتاريخ فلسفة الفقه، وتاريخ الفقه، وهذا الرأي بحد ذاته معياري إلى حد ما. وقد يقول قائل: إن فلسفة الفقه عنوان عام يشمل في داخله فيما يشمل تاريخ الفقه، وتاريخ فلسفة الفقه. ولكن حينما تصل القضية إلى هذا الحد تبرز للعيان ثانية كل مشكلات تدوين العلوم وتصنيفها وتمييزها عن بعضها. وفي الرد على مثل هذا الزعم نقول:
أولاً: لا يتطابق هذا التدوين لفلسفة الفقه مع الاصطلاح. أي أن مثل هذا التدوين لا يحصل ولم يحصل لفلسفة الأخلاق وفلسفة اللغة و…
ثانياً: ليس ثمة دليل واضح على ذلك. لأننا ينبغي أن نتذكر الغرض الذي نتابعه في فلسفة الفقه. وما أكدنا عليه لحد الآن هو أن البحوث التاريخية والتقريرية لا يمكنها التأثير بشكل منطقي في وجهات النظر الفقهية وما بعد الفقهية، وذلك خلافاً للبحوث المعيارية التوجيهية. وعليه فالممارسة التاريخية تنتهي إلى نوع من الأغراض يختلف عن نوع الأغراض الذي تنتهي إليه الممارسة المعيارية. ويجب تحديد الأغراض وتمييزها بكل دقة.
العلاقة بين القضايا الأولية والثانوية
ترتيب علاقة بين مسائل الدرجة الأولى ومسائل الدرجة الثانية، هو بحد ذاته مسألة عويصة شائكة. ونظير هذه المسألة بالضبط تطرح في فلسفة الأخلاق. البعض يزعم أن فلسفة كل علم لا تتولى التقرير، أي لا شأن لها إطلاقاً بالتوجيه والتوصية.
وباعتقادي أن هذا الرأي ينطوي على خلط غير مبرر للمباحث، فالمراد من تفكيك العلم عن فلسفة العلم شيء آخر غير ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي. كارناب مثلاً لا يهتم بالنتائج في الكثير من الدراسات التي قدمها حول فلسفة العلم. فقد كتب هذا الفيلسوف مجلدين حول آلية الربط بين حساب الاحتمالات والاستقراء. وقد استخدم أعمق العمليات الرياضية في حساب الاحتمالات ليقوّي من هيكلية الاستقراء. وقد قام بهذا الإنجاز مستقلاً.
وخذ إليك فلسفة الأخلاق. وسأذكر هنا عدة مؤلفات في فلسفة الأخلاق، لم يستدل مؤلفوها بتاريخ فلسفة الأخلاق لإثبات مدعياتهم. مثلاً كتاب (Principa Ethica) لمور (G.E. Moore) الذي يقيم البراهين على الآراء والنظريات، من دون أن ينقل أقوال هذا أو ذاك. فيستدل ببراهين معينة على بساطة الحسن والقبح مثلاً، يروي من التاريخ شيئاً. رغم أنه يورد تقارير تاريخية مفصلة، بيد أنها تقارير لمجرد نقد تلك الآراء، وليس لاصطياد الحجج على نظريات فلسفة الأخلاق. فمور لا يقول: إن الحسن والقبح بسيطان لأن هذا هو إجماع فلاسفة الأخلاق والمشهور بينهم. وإنما يتناول المسألة بشكل مستقل ليؤكد معيارياً أن الحسن والقبح بسيطان. وهذا ما ينبغي لأن يفعله غيره من فلاسفة الأخلاق أيضاً. أما القول: إن مسائل فلسفة الأخلاق وصفية، في مقابل مسائل الأخلاق التي عادةً ما تكون توجيهية، فهو مجرد إشارة إلى فرز مسائل الدرجة الأولى عن مسائل الدرجة الثانية، ولا علاقة له بثنائية الوصفية والمعيارية في فلسفة الأخلاق.
والقضية في كل العلوم على هذه الشاكلة، بما في ذلك علم الأصول الذي قد نقول فيه أحياناً بعد طرح مسألة معينة: إن السيد المرتضى ذهب إلى هذا الرأي أيضاً. لكن مهمة عالم الأصول ليست تقرير ما قاله فلان وفلان، وإنما مهمته في مسألة اجتماع الأمر والنهي مثلاً، الاستنتاج وفق المقدمات العقلية والنظرية الفلانية أن اجتماع الأمر والنهي ممكن أو غير ممكن، لا أن يستعرض آراء الآخرين ويتصيّد منها القواعد. ولكن من أجل أن تكون للإنسان إحاطة أكبر بالموضوع فإنه يعمد إلى سرد التقارير التاريخية أحياناً. وفي حدود معلوماتي قلّما يمكن اعتبار كتاب في فلسفة الأخلاق كتاباً تاريخياً. وليس هذا بمعنى عدم اشتماله على مراجعات للتاريخ، بل بمعنى أن منهجه ليس تاريخياً محضاً.
والخلاصة هي: ما هو الحق؟
بعد الإجابة عن هذا السؤال، يمكن الإشارة إلى ما قاله العلماء.
في فلسفة العلم الغربية ذاتها يغلب المنهج الوصائي على الأبحاث ولكن في السنوات الأخيرة ساد نمط من النزعة النسبية المتطرفة، وجه ضربات متتالية لأسس المنهج الوصائي، وما تزال القضية موضع بحث ونقاش. والسيد لاري لودان رغم كونه من أنصار الوصفية والتاريخانية، يشير إلى آراء كثير من الفلاسفة الجدد (ما بعد 1980) يذهبون إلى كون وظيفة فلسفة العلم وظيفة توجيهية وصائية. ومن هؤلاء رونالد جير (R. Gier) الذي يشدد أننا في فلسفة العلم يجب أن لا نتابع تاريخ الأفكار وما قالوه في الاستقراء مثلاً، لأن ذلك ما لا طائل من ورائه. بل علينا التأمل في الاستقراء ذاته بصورة مستقلة عن نظريات هذا وذاك. فالتاريخ لا يضمن العقلانية للاستقراء. ومع ذلك ظهرت في فلسفة العلم نزعة نسبية (أو نسبوية) متطرفة استغنت عن كل أنواع التوجيه والتوصية. أما هل من حق الإنسان مراجعة التاريخ؟ فهذا بحث آخر. لكن أشخاصاً مثل لاري لودان يقولون: إذا آمن الإنسان بوجود مبادىء عقلية مستقلة، وطرق موصلة إلى الواقع، فقد آمن يقيناً بالتوجيه والتوصية.
مليكان: لفلسفة الفقه جانب وصفي، وآخر وصائي. وواضح أن توصيات فلسفة الفقه ليست توصيات قيمية، وإنما توصيات توجيهية، فهي ليست من سنخ التوصيات الأخلاقية مثلاً، وإنما شبه التوجيهات المنطقية. فحينما يقول المنطق الصوري: «في القياس يجب أن تكون هناك ثلاثة حدود، وليس أربعة حدود» فإنه يوصينا بشيء، ويدلنا على الأسلوب الصحيح في الاستدلال القياسي. ولذلك فالذي يريد الإتيان بدليل مغالطاتي، غير ملزم بمراعاة هذه التوصية. وفلسفة الفقه لها توصياتها بعض الأحيان، لكن ذلك يحصل فقط باتجاه أن يكون الاستدلال الفقهي صحيحاً.
* ما هي الآثار والفوائد المترتبة على فلسفة الفقه؟ وما هي الغاية منها؟
لاريجاني: ما يناظر هذا المسألة مطروحة في فلسفة الأخلاق، فالكثير من فلاسفة الأخلاق ينكرون أن تكون فلسفة الأخلاق مفيدة للأخلاق ذاتها. ومن النظريات المهمة التي سادت لفترة طويلة خلال القرن العشرين على فلسفة الأخلاق التحليلية، هي أن الأخلاق مجرد إنشاء، لذلك قيل: إن بحوث فلسفة الأخلاق ذات الطابع الوصفي لا علاقة لها بالأخلاق ذات الطابع الإنشائي. لكن بعض الفلاسفة المتأخرين أشكلوا على هذا الكلام، وأعتقد أن إشكالهم وارد (David Brink, Moral Realism and the Foundation of Ethics, pp. 1-13 Gam. U. Press, 1989).
أقل ما نتوقعه من تأثير لفلسفة الفقه على الفقه، هو إيضاح المباني الفقهية، عن طريق إيضاح المبادىء التصورية والتصديقية والمنهجية والمعرفية. وهذا الوضوح يمكن أن يؤثر أولاً في الفقه ذاته فيؤدي إلى تغييرات في الأحكام الفقهية. وثانياً يمكن أن يغير في نمط رؤيتنا. فالنظرة العلمائية للمسائل الفقهية تختلف عن النظرة الجهلائية، في أن الأولى تتناول المسائل الفقهية بتنقيح جوانبها المختلفة، أما الثانية فبدون هذا التنقيح. وكمثال، إذا كانت نظرتنا في فلسفة الفقه أن ماهية الحكم اعتبارية، فسيكون تصورنا عن الوجوب والحرمة مختلفاً عن تصور من يرى الوجوب والحرمة (الحكم) أموراً واقعية عينية. فأصحاب النظرة العينية لا يقولون: إن «صلاة الجمعة واجبة» عبارة إنشائية اعتبارية. أي أن تصورهم للقضية مختلف، لأن نظرتهم للوجوب مختلفة. وكذلك الأمر بالنسبة للعلم بالأحكام. فالبحوث حول المبادىء التصورية والتصديقية حتى لو لم تتغير من الشكل الظاهري للقضية، فستغير من تصورنا تجاهها، وإن لم تبدل الحرمة بالوجوب أو الوجوب بالحرمة، لكنها تترك تأثيراً معيناً على كل حال. وطبعاً قد تترك تأثيرها حتى على النتائج. وربما كان مثال ذلك أننا إذا اعتقدنا أن ماهية الحكم اعتبارية قد ننتهي إلى إمكانية اجتماع الأمر والنهي. على الرغم من أن أمثال المرحوم الأصفهاني يرون أن الأمر والنهي حتى لو اجتمعا من حيث الذات، فإن اجتماعهما ممتنع من حيث المبادىء والغايات، مع أنهما بالذات غير متنافيين. أما إذا اعتبرنا ماهية الحكم واقعية فستكون النتيجة أن الأمر والنهي متنافيان حتى في الذات.
وعلى كل حال فإن بعض بحوث فلسفة الفقه مؤثرة دون ريب في تصورات الفقيه. وقد تكون لبعضها نتائج عملية لا يمكن إنكارها… وبالتالي لا شك في أصل فائدتها وأهميتها.
ملكيان: الغاية من فلسفة الفقه أمران: توضيح المبادىء التصورية لعلم الفقه، وإثبات مبادئه التصديقية.
وربما كانت أهم الآثار والفوائد المترتبة على فلسفة الفقه، التصريح بقبليات علم الفقه التي غالباً ما تكون مضمرة، ومؤثرة بشكل غير مرئي، ونقلها من حيّز الخفاء إلى دائرة الضوء والوعي ليطلع عليها المجتهد والمقلّد وطالب العلم. والاطلاع على هذه القبليات ينفع في تهذيب وتعديل علم الفقه، وفي التأشير على نقاط قوة الفقه ونقاط ضعفه، والكشف عن مواطن القوة والضعف في كل واحد من المذاهب الفقهية الإسلامية، ويعمل كذلك على الحد من النظريات السطحية المتسرعة لاتباع المذاهب المختلفة، كما أن المعرفة بقبليات الفقه من شأنها المساعدة في تطوير ما أسماه القدماء بـ «علم الخلاف»، وما يسمى اليوم بـ «الفقه المقارن».
* ما هي في رأيكم أمهات المسائل في فلسفة الفقه؟
ملكيان: أعتقد أنني أشرت إلى لائحة من أبرز مسائل فلسفة الفقه في معرض الإجابة عن الأسئلة السابقة.
لاريجاني: تحديد القضايا المهمة في فلسفة الفقه، من المواضيع الرئيسية التي يجب أن تبحث بدقة، الكثير من المواضيع اللاحقة تعتمد على ما نفهمه من فلسفة الفقه. ومن علاقتها بعلم الأصول وبفلسفة الحقوق وغيرها من العلوم.
ينبغي أولاً تحديد ما هي مسائل فلسفة الفقه؟ وما هي العلوم التي تستعين لها؟ وأعتقد أن رسم إطار كلي لمسائل فلسفة الفقه عملية ممكنة. فإذا كانت وظيفة فلسفة الفقه، إلقاء نظرة ثانوية على الفقه، الذي نعتبره مجموعة من القضايا في مقطع زمني محدد، لا بصفته أمراً تاريخياً، ولا باعتباره نشاط الفقهاء وجهودهم، عند ذلك يمكن القول: إن مسائل فلسفة الفقه تتوزع إلى ثلاث فئات مهمة: الفئة الأولى تختص بموضوعات الأحكام الفقهية. والفئة الثانية تختص بمحمولاتها. والفئة الثالثة، وهي الأهم تبحث في تصديقات القضايا الفقهية، وتشمل مساحة واسعة من البحوث الفلسفية والكلامية والأصولية وسواها. وسأستعرض فيما يلي بعض مسائل فلسفة الفقه بحسب هذا التصنيف، وبمزيد من التدقيق يمكن بلا شك تسجيل مسائل أخرى.
محمولات القضايا الفقهية
فيما يخص محمولات القضايا الفقهية، يمكن السؤال أولاً عن سنخ هذه المحمولات وتحت هذا العنوان يمكن البحث عن ماهية الحكم الفقهي بشكل عام، ومن أي سنخ هو؟ والمسألة الأخرى ما هي الأحكام الفقهية المختلفة؟ وهذا ما ينفعنا نفعاً كبيراً في أصول الفقه. فمثلاً ما هو الفارق بين حقيقة الوجوب والاستحباب والكراهة؟ أو ما هي حقيقة الإنشاء والإخبار؟ وهل الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد؟ وما هي علاقة الأحكام بالغايات؟ وهل للأحكام غايات؟ وما هي هذه الغايات؟ الإمام الخميني مثلاً يعتقد أن الأحكام الحكومية هي الغاية من كل الأحكام الفقهية… وأعتقد أن أفضل تفسير لكلامه حينما يعتبر الأحكام الحكومية أولية وليست ثانوية، هو أن نعتبر غايات جميع الأحكام الشرعية كامنة في الأحكام العملية والتنفيذية للحاكم الشرعي، الذي لا بد أن يكون إنساناً متديناً يأخذ المصالح والمفاسد بنظر الاعتبار، بحيث لو حكم بعدم الملكية مثلاً، فلن تعود هناك ملكية. والبحث الآخر، ما هي غايات الأحكام؟ ومن الأبحاث أيضاً ملاحظة المصالح والمفاسد، وأخذهما بنظر الاعتبار.
موضوعات القضايا الفقهية
في نطاق موضوع الأحكام الفقهية يمكن السؤال: هل موضوعها هو أفعال المكلفين كما يقال عادةً؟ وما هو إذن شأن الأحكام الوضعية في هذه الحالة؟ إذ يقال مثلاً: إن للمسجد ملكية، ويكون المسجد بذلك مالكاً لعقارات ودور، وما إلى ذلك من الأملاك. أو حينما نعتبر المكلّف ضامناً، فهذا ما لا علاقة له بفعله. أي أن المكلف يتولى شيئاً، لكنه ليس من أفعاله. إذن ما هو موضوع الأحكام الشرعية؟ وما هي حقيقة فعل المكلّف؟
وهذا البحث وإن لم يكن دارجاً في فقهنا وأصولنا كما ينبغي حالياً، لكنه يكون مفيداً جداً في بعض الأحيان. وخصوصاً في مبحث الضمانات حينما نسأل عن ماهية الفعل وما هو مرادنا من فعل المكلف؟ وإلى أي حد يتدخل قصد المكلف في قيمة فعله؟ فالبعض من أفعاله إرادية وبسابق قصد بلا شك.
وما هو الموقف من الأفعال التوليدية؟ وهل هنالك أفعال توليدية أساساً، أم أنها مجازية؟ فمثلاً إذا قتل شخص شخصاً آخر بآلة معينة، فهل القتل راجع إليه حقاً؟ وإذا رمى بحجر فقتل به إنساناً، فإلى أي حد يستند القتل هنا إلى رامي الحجر؟ أي ما هو سنخ الفعل التوليدي؟ هل هو فعل اختياري، أم كما يقول البعض مجازي؟
تصديقات القضايا الفقهية
غالبية البحوث الممكن طرحها في فلسفة الفقه، تنتمي إلى تصديقات القضايا الفقهية. فعلى أي المباني يستند تصديق الحكم الفقهي من قبل الفقيه؟ لدينا هنا جملة مباحث معرفية، كما توجد لدينا في فلسفة الأخلاق سلسلة من البحوث المعرفية العامة؟ منها: كيف يمكننا العلم بالأخلاقيات، وبما يجب وما لا يجب، وبالحسن والقبيح؟ وهذه ما تسمى البحوث لـ epistemological في فلسفة الأخلاق.
وفي الفقه أيضاً يمكننا طرح مثل هذا البحث فيكون السؤال كيف وبأي مصدر وقوة يستطيع الفقيه التوفر على المعرفة الفقهية؟
فقد تكون بعض المصادر تاريخية؛ لأن العلم بالمصادر الفقهية غالباً ما يكون عن طريق التواتر وسواه. بعض النصوص تحتاج إلى عشرات المقدمات، وبعضها عقلي. وضمن هذا الإطار أيضاً تدرس مناهج البحث الفقهي.
والبحث الآخر هو بحث الحجج الفقهية فالفقيه يبغي التوفر على الحجة. ولذلك نسأل: كيف يتوفر الفقيه على الحجة؟ ثم نسأل: ما هي الحجة؟
ويبدو أن مبحث المعنى والحقيقة والحجج المطروح في الأصول، يمكن أن يطرح هنا أيضاً. وبعد ذلك يجب تقسيم الحجج إلى عقلية ونقلية، وحجج عقلية غير مستقلة. ثم ينبغي الجواب عن السؤال: ما هو المقصود من الحجج العقلية (الحجج العقلية المستقلة)؟ وضمن هذا الإطار أيضاً تطرح مسائل الحسن والقبح وقاعدة ملازمة بحث الحجية ورابطه بالأحكام العقلية العملية، وكذلك الحال بالنسبة لبحث القضايا العقلية غير المستقلة؛ لأنها بالتالي نوع من الحجج التي نستعملها.
وهكذا الأمر بالنسبة للحجج النقلية بالمعنى الأعم، والذي يندرج ضمنه عدد كبير من البحوث الفرعية.
كيف تحصل دلالات الألفاظ؟ وما هي فاعلية اللغة؟ كيف يستطيع الفقهاء الوصول إلى فهم عيني للروايات؟ فالغاية هي الوصول إلى هذا الفهم العيني. وهنا أيضاً يجري التطرق لمسألة تفسير النصوص أو «الهرمنيوطيقا».
ومن البحوث أيضاً؛ ماهية السيرة العقلائية، وارتباط السيرة العقلائية بالأحكام العقلية؟ وهل لهذين ماهية واحدة، أم لكل منهما ماهيته الخاصة؟ وما هو الدليل على حجية السيرة العقلائية؟ هل ترانا في السيرة العقلائية نبحث عن تفاصيل السيرة نقول إنها قابلة للإمضاء، كما ذهب إلى ذلك الشهيد محمد باقر الصدر؟
في وقت من الأوقات خطر ببالي أن مشكلة حقوق التأليف يمكن حلها، بكون إمضاء السيرة في الحيازة، مسألة عامة. ففي باب الحيازة قالوا: إن أي شخص حينما يسبق الآخرين إلى شيء ويحوزه، فسيكون ملكاً له، وهذا ما يمكن أن يكون أوضح وأجلى من الأمور المعنوية، ولا فرق في الإمضاء، ففي السيرة العقلائية يصل الإنسان قبل غيره إلى شيء ويسبق الآخرين إليه. ومن البحوث المهمة في السيرة العقلائية هل تفاصيلها (نكاتها) قابلة للإمضاء أم لا؟
هذا تقريباً الإطار الكلي لمسائل فلسفة الفقه، وفي هذه البحوث تستبعد المعطيات التاريخية تماماً؛ لأن المسائل تدرس من زاوية خاصة ويمكن طرح التصورات التاريخية بصورة مستقلة.
* هل الاهتمام بفلسفة الفقه أمر ضروري لكل المشتغلين بالبحث والدراسة في علم الفقه؟
محقق داماد: الجواب عن هذا السؤال سلبي فمثلاً لا ضرورة لأن يكون جميع الفقهاء متكلمين من الطراز الأول، ليس من الضروري أن يكون الفقيه فيلسوف فقه. نعلم جميعاً أن الدخول في الفقه غير ميسور من دون التسليم بجملة مباني كلامية، ولكن قد لا تكون لأحد الفقهاء معرفة واسعة وتفصيلية بالمباحث الكلامية. وبذلك لا يتوجب على الفقيه أن يكون عالم كلام، لكنه إذا كان كذلك فهو الأفضل. وكذلك يبدو أن المعرفة العميقة بفلسفة الفقه غير ضرورية للفقيه، ولا يتوقف عليها الاستنباط.
* ألا يمكن القول على الأقل: إن الفقيه ملزم بتنقيح وتبني جملة من المباني في فلسفة الفقه؟
محقق داماد: على فلاسفة الفقه بحث تلك القضايا بالتفصيل، وبإمكان الفقهاء أخذ النتائج من فلاسفة الفقه. وعلى النحو الجزئي يمكن القول: إن الفقيه ملزم بأخذ مجموعة من المباني كأصول موضوعة. ولكن في الوقت ذاته يمكن القول من باب المقارنة: إن في الحقوق المعاصرة متخصصين في فلسفة الحقوق، ليسوا من الحقوقيين بحال من الأحوال، بمعنى أنهم غير ملمين بفروع المسائل الحقوقية. وفي المقابل هنالك علماء قانون وحقوق متخصصون بكفاءة عالية في عقد المعاهدات، لكنهم غير مطلعين أصلاً على فلسفة الحقوق. فهنا نرى الفصل بين هذين الفريقين واضحاً ودارجاً بصورة عملية وهنالك أشخاص أعتبرهم أصحاب أطروحات في مسائل فقه العقود، أي أنهم متخصصون في فقه العقود (contract)، في حال لم يقرأ أي منهم مقالة واحدة في فلسفة الحقوق. وهنالك أشخاص مهتمون بفلسفة الحقوق لا علم لهم بالمسائل الحقوقية.
ويبدو أن الحال على هذه الشاكلة أيضاً في الفقه. وبالطبع من الضروري للفقيه الاطلاع الكلي على المباني والأصول الموضوعية التي يبرهن عليها في فلسفة الفقه.
ملكيان: أعتقد أن فلسفة الفقه ضرورية جداً لكل الفقهاء في مختلف الدرجات والمستويات. وهذا ما يختص بفلسفة الفقه. ذلك أنه من غير الممكن التضلّع في علم من العلوم، من دون المعرفة بالمبادىء التصورية لذلك العلم وإثبات مبادئه التصديقية.
* هل ترون تطور فلسفة الفقه وازدهارها منوطاً بالمعرفة الأوسع بعلوم أخرى؟ وما هي هذه العلوم؟ وهل من ضمنها علم كتابة التاريخ، وعلم المعاني، وفلسفة اللغة؟
ملكيان: ازدهار فلسفة الفقه وتطورها يعتمد على المعرفة ببعض العلوم الأخرى. ومن أهم هذه العلوم فضلاً عما ذكرناه في الأسئلة السابقة ما يلي:
أ ـ فلسفة اللغة: التي تتولى التحليل النظري والعقلي للغة في جميع أبعادها. ومن المسائل التي ترتبط فيها فلسفة اللغة بفلسفة الفقه؛ما هو معنى «المعنى»؟ وكم هي أنواع المعاني؟ وكيف يفاد المعنى؟ ما هي اللغة؟ ما هي العلاقة بين اللغة والمعنى؟ كيف تصنع اللغة المعنى؟ ما هي المعاني التي تفيدها الأسماء الخاصة، والألفاظ الجزئية والألفاظ الكلية والأوصاف والتعاريف؟ وما هو الدليل على اشتراك لفظين في معنى واحد؟ بأي أسلوب يصنع التعبير اللغوي المعنى؟ أو يؤثر على المعنى؟ ما هو الفرق بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي؟ وما هي المعاني التي تفيدها الاستعارات والتشبيهات والتمثيل، وكيف تفيد هذه المعاني؟ في أي الأحوال يقال: إن معنى الكلام فيه إيهام أو إجمال أو إبهام؟ وللمسائل أعلاه طابع علم معنوي (Semantic).
ما هي العلاقات البنوية أو القواعدية بين العلامات اللغوية، أي بين الكلمات والعبارات والجمل؟ وبأي أسلوب يمكن ترتيب العلامات اللغوية كي تعطي المعنى المراد؟ وهاتان المسألتان ذواتا طابع نحوي (syntactic) ..
وبغض النظر عن مداليل العلامات الغوية ومعانيها، وبصرف النظر عن طريقة ربطها بالعلامات اللغوية الأخرى، ما هي علاقة هذه العلامات بمن يضعونها أو من يفسرونها؟ وكيف يتأثرون بها، وكيف يستعملونها؟ وهذه مسألة ذات طابع وظيفي (pragmatic).
وهل لكل لغة، مثل لغة الدين ولغة الأخلاق ولغة العلم، مميزاتها الخاصة بها؟ وما هي مميزات لغة الدين ولغة الأخلاق؟ ما معنى «مراد المتكلم»؟ وبأي السبل يمكن التعرف على «مراد المتكلم»؟ ولأي أهداف يمكن استخدام اللغة؟ وبأي الأساليب يمكن استعمالها؟ ما هي الأفعال اللغوية؟ وما هو الفرق بين الأفعال اللغوية والاستعمالات اللغوية؟ كم نوع من العلامات اللغوية توجد لدينا؟ كيف توضع أو تصنع العلامات اللغوية؟
وهذه مسائل تدرس عادة في «مباحث الألفاظ» في علم الأصول. ولكن يجب الاعتراف أن ما يُدرس في مباحث الألفاظ بعلم الأصول، أمور بسيطة جداً بالنسبة إلى ما هو موجود حالياً في فلسفة اللغة والفروع الثلاثة لعلم الدلالات؛ النحو، وعلم المعاني، وعلم الوظائف. وهذا البسيط القليل في مباحث الألفاظ في علم الأصول بحاجة إلى الكثير من التعديل والتكميل.
ب ـ لأن من أول مهمات علم الفقه تفسير النصوص الدينية، فمن الطبيعي أن تكون لفلسفة الفقه صلاتها بالقبليات التفسيرية للفقهاء: لذلك ينبغي الإلمام بعلم الهرمنيوطيقا (hermeneutics) الذي يدرس عملية فهم وتفسير النصوص والكتابات عموماً، وبفهم وتفسير النصوص الدينية على وجه الخصوص، والاطلاع على النظريات المختلفة حول التفسير، وتبيان نقاط ضعفها وقوتها، لا سيما حيثيات التأثير الذي تتركه المعارف الأخرى على المعرفة التفسيرية.
ومن المناسب الإشارة إلى نقطة في باب التفسير. فإن للقرآن الكريم خصيصتين:
الأولى: هي أن عموم المسلمين يعتقدون أن القرآن منزل من قبل الله تعالى لا بمعانيه فحسب، بل وبألفاظه أيضاً.
والثانية: هي أن القرآن مكوّن من مواد متفرقة نزلت بالتدريج طوال 23 عاماً، ثم ترتبت بترتيب لا يشير أبداً إلى ترتيب نزولها.
وبملاحظة هاتين الخصيصتين يطرح سؤالان:
1 ـ هل تستعمل للقرآن ذات علوم الدلالات والأساليب التفسيرية التي تستعمل للنصوص الأخرى التي يضعها البشر، وتترتب موادها بحسب زمان كتابتها؟
2 ـ ما هو التأثير الذي يتركه فهم هاتين الخصيصتين، أو تبنيهما في فهم القرآن وتفسيره؟
ج ـ المنطق الوظيفي أو المنطق القيمي (deontic logic). وهو جزء من المنطق يستخدم فيه العقل الاستدلالات العملية. أي أنه يستعمل لإثبات صحة ما نريد القيام به عملياً، ويتضمن قواعد منطقية خاصة بقضايا التكليف والواجب والإلزامات. ومثال ذلك القاعدة القائلة باستحالة أن يكون العمل لازماً من الناحية الأخلاقية، وممنوعاً في نفس الوقت. ويمكن القول: إن هذا المنطق هو منطق الإنشاءات (الأوامر والدساتير) خلافاً للمنطق القياسي والمنطق الاستقرائي الذي يعد منطق الإخبارات. وما يبحث في هذا المنطق اليوم بمثابة مباحث «الملازمات العقلية» عند علماء الأصول المسلمين.
د ـ فلسفة الدين وهي جزء من الفلسفة تبحث في مواضيع الدين وقضاياه بحثاً عقلياً بعيداً عن أي اعتبار غير عقلي. وحاجة فلسفة الفقه إلى فلسفة الدين واضحة وغنية عن التكرار. ولكن يمكن الادعاء أن هذه الحاجة تتضاعف في مساحات معينة من فلسفة الدين هي تعريف الدين، أنواع التصورات عن الباري، تعاريف الباري، صفات الله، الأدلة على وجود الله وتنوعها وقيمة كل واحد منها، معاني الإيمان والعقل والوحي والتعبد والعلاقات المتبادلة بين هذه المقولات. معنى اللغة الدينية واستعمالاتها، خلود الإنسان، منشأ وضمانة تنفيذ النظام الأخلاقي في الفكر الديني، العلاقة بين الدين والدولة، والطابع الأخلاقي لنظام الوجود.
خـ – بما أن الكثير من قبليات الفقه، قبليات تتعلق بالإنسان، لذلك ينبغي على فلسفة الفقه الاستقاء من مجمل العلوم الإنسانية بما في ذلك علم النفس وعلم الاجتماع، وبذلك تستطيع تقييم صحة وسقم القبليات الإنسانية لعلم الفقه.
محقق داماد: يبدو أنّ الكثير من هذه العلوم مهم جداً وضروري لا لفيلسوف العلم وحده، وإنما للفقيه أيضاً. أعتقد أن المعارف التاريخية ذات تأثير بالغ في الاستنباطات الفقهية. وخصوصاً بالنسبة للروايات التي تعد قضايا خارجية، فنحن بحاجة إلى معلومات تاريخية، إذا لم يكن المرء على معرفة بتاريخ صدور النص لا يستطيع استنباط هل هو من القضايا الحقيقية أم من القضايا الخارجية. وقد حدث لي شخصياً أن ناقشت جزءاً من نص فقهي أو روائي دون الالتفات إلى زمن صدوره ومناسبة الصدور، غير أني حين أخذت بنظر الاعتبار تاريخ الصدور وزمن القضية، تغير فهمي للنص تماماً.
وللفقهاء مثل هذا المنحى فيما يتعلق بالقرآن الكريم. وقد اتخذ الفقهاء لأنفسهم حول القرآن مبنى يعد هو بدوره من قبليات الفقه. وبحث الفقهاء قاعدة الإحسان {ما على المحسنين من سبيل} هل يمكن استخلاص قاعدة كلية منها، أم أنها تفصح عن مجرد حكم خاص؟
وعلى كل حال اهتم الفقهاء بهذا الموضوع فيما يتعلق بالقرآن الكريم. لكن هل تراهم اهتموا به في مجال الحديث أيضاً؟ في نهج البلاغة هناك بعض العبارات للإمام علي عليه السلام تشير إلى أن النساء ناقصات العقول، والإيمان. فهل يحق لنا القول: إن هذه هي رؤية الإمام علي بخصوص كل النساء؟ أي بخصوص المرأة من حيث هي امرأة، هل ترانا نجرؤ على نسبة مثل هذه الرؤية للإمام علي، من دون ملاحظة أين ومتى وفي أي ظروف صدرت هذه العبارة عن الإمام علي عليه السلام؟ لقد صدر هذا النص بعد حرب الجمل، وبعد تلك الظروف التي أوجدتها عائشة، ودورها المغامر في تلك الواقعة، خلافاً لأمر الله عزّ وجلّ إذ قال: {وقرن في بيوتكن}. إذ خرجت راكبة الجمل إلى حرب أمير المؤمنين وجرّت الناس وراءها إلى الحرب، حتى اعتبر الناس ذلك الجمل مقدساً، وأشعلوا فتنة عمياء… بعد كل هذه الظروف السلبية قال الإمام علي قولته تلك في البصرة.
وهذه قضية خاصة جاءت ضمن ظروف شديدة الخصوصية، فهل يجوز لنا أن ننسب هذا الأمر للإمام علي كقضية كلية عامة، من دون مقدمات ونتائج؟ لا أعتقد أن هذا يجوز.
وهكذا الحال في باقي المسائل الفقهية. لقد سمعت كراراً من المرحوم والدي ينقل عن آية الله البروجردي، أن الكثير من روايات الشيعة حواشي على فقه العامة. وفهم هذه المسألة رهين بمعرفة تاريخ الفقه والتطورات الهائلة لفقه أهل العراق وفقه أهل المدينة، والسجالات الدائمة بين المدرسة المدنية والمدرسة العراقية. وفي رسائل (الفقه المقارن) التي أعددتها لطلبة الماجستير، سجلت الصراعات التي جرت بين فقه العراق وفقه المدينة وباقي المدارس الفقهية، وماذا كان يقول أئمة الشيعة وما هي مواقفهم؟ فما لم نعرف كل هذا، لن نستطيع استيعاب المسائل التاريخية المحيطة بالروايات، فالمعلومة التاريخية ذات دور حاسم في تغيير الفهم القبلي والبعدي.
من المقدمات الكلامية في الاستنباطات الفقهية أننا نعتبر الأئمة الاثني عشر عليهم السلام والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة الزهراء عليها السلام، كياناً منسجماً واحداً من حيث ما يصدر عنهم. وقد يكون كلام بعضهم عاماً وكلام بعضهم خاصاً. وإذا كانت هذه من مقدماتنا الكلامية، فعلينا اعتبار أقوالهم وسننهم طوال أكثر من قرنين، منذ بداية نزول القرآن وحتى الغيبة الكبرى، واقعة واحدة، ويجب الاهتمام بكل قول من أقوالهم في موضعه الخاص.
وللفيض الكاشاني رسالة بعنوان «الأصول الأصلية»، والفيض الكاشاني كما هو معروف إخباري النزعة، ولكنه ليس إخبارياً مئة بالمئة. وله إشارة لطيفة في مبحث التعادل والتراجيح وفي بحث تعارض الأخبار. إذ نعلم أنه عندما يتعارض خبران يعمل الفقهاء طبق الأخبار العلاجية، أي بحسب أشهر الخبرين وأعدلهما وأوثقهما، وأيهما موافق للعامة وأيهما مخالف لهم، وأيهما موافق للكتاب و… وهم يستعملون هذه المعايير لترجيح الروايات المتعارضة أيضاً.
لكن الفيض الكاشاني يضع مسألة الزمان في مقدمة أصول اختبار الأخبار المتعارضة. فيقول: إذا تعارضت رواية مع رواية أخرى، فأول ما نلاحظه هو الزمن، فنرجح رواية الإمام التالي على رواية الإمام المتقدم. ويستدل على ذلك بأن ما قاله الإمام المتقدم يختص بزمانه، وعلينا ترجيح قول الإمام التالي:
وعلى كل حال فمن الأمور التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، العلم بتاريخ صدور الأخبار ونزول الآيات.
أما النقطة الأخرى التي تضمنها السؤال، فتدور حول المعاني، وأنا لا أعتقد أن مثل هذه المباحث ذات علاقةبفلسفة الفقه، وإنما ينبغي بحثها في أصول الفقه وفي باب مباحث الألفاظ.
فبحوث معايير الدلالة مثلاً من البحوث المهمة جداً، وأنا على يقين من أن علماء الأصول سيدخلونها مستقبلاً في علم الأصول، كما تدرس اليوم في مرحلة دكتوراه الأصول. وفي إطار مباحث الألفاظ الكثير من المسائل ذات الصلة بعلم المعاني والتي تنفتح بعلاقة مباشرة مع بحث الألفاظ في الأصول. أما مباحث علم المعاني فأعتقد أنها ستدخل في أصول الفقه. ولا أتصور أن بالإمكان إقحامها في فلسفة الفقه، إلاّ إذا عرّفنا فلسفة الفقه بشكل يخرج من هذه المباحث من علم الأصول ويدخلها في فلسفة الفقه.
النقطة التي يجب أن لا تغيب عنها أذهاننا هي أن دلالة الألفاظ بالنسبة للفقهاء، دلالة الصدور. أي على الفقه الالتفات إلى دلالة الجملة عند صدورها. وأول ما يُطرح على هذا الصعيد كيفية دلالة كلام الله، وهذا من مباحث علم المعاني. فهل يمكن المقارنة بين كلام الله وكلام الناس العاديين من حيث الدلالة؟ وهل الجمل الواردة في القرآن الكريم والجمل الصادرة عن أحد الملوك واحدة؟ الفقهاء يقيسون عبارة «جئني بماء» مع عبارة «أقم الصلاة» صاحب المعالم وباقي الفقهاء الأصوليين حينما يرون الاستنباط من الآية {أقم الصلاة لدلوك الشمس} يقارنون بينها وبين عبارة «جئني بماء» ليروا هل تدل على الفورية أم على التراخي، وهل تشير إلى الوجوب أم إلى الاستحباب؟ وهل عبارات وكلمات الله في مخاطبة الإنسان، لها نفس النمط من الدلالة التي لكلام البشر حين يخاطبون بعضهم؟ وهكذا لا بد من الإفصاح عن مكانة المباحث المختصة بكلام الله. فما هو أساساً كلام الله؟ ومن هو مخاطب الله في كلامه؟ وما هو نوع ظهور الكلام الإلهي؟ هل هو الظهور العرفي الشائع أم غيره؟
الذي يبدو هو أن هذه المباحث لا تنتمي إلى أصول الفقه، بل ينبغي دراستها إلى فلسفة الفقه. فهي من القضايا والإشكاليات الداخلة في إطار فلسفة الفقه.
* المناهج التفسيرية الدارجة، سواء تلك الشائعة في الحوزة العلمية، أو في الأطروحات التفسيرية الجديدة (الهرمنيوطيقا)، تفسر النصوص بخصيصتين: أولاً أن تكون هذه النصوص ناسوتية لا لاهوتية. وثانياً أن يكون تدوينها مرتباً بحسب زمان الوقوع أو الكتابة. وبعبارة أخرى حسب ترتيب النزول. والسؤال هو كيف نستعمل هذه المناهج التفسيرية بالنسبة لكلام الله؟
محقق داماد: ينبغي التفريق بين مسألتين: الأولى مسألة التفسير، والثانية مسألة التأويل. والتفسير عبارة عن إعطاء المفسر المعاني للعام والخاص والناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد، على أساس ألفاظ القرآن ومعانيه. وهو في الواقع عملية أعقد من الترجمة بقليل. أما التأويل فيعني النظر إلى باطن القرآن وعمقه الداخلي، وهو ما فعله أمثال ابن عربي والسيد حيدر الآملي وملا صدرا في كتبهم التفسيرية والفلسفية.
وفي الإجابة عن السؤال ينبغي القول: إنه كان مطروحاً منذ القدم سؤال منطوقه. هل يحق لنا استنباط أحكام الشريعة ووظائف الإنسان من القرآن أم لا؟ الذين يعتقدون «إنما يفهم القرآن من خوطب به» كان تصورهم أن هذا الكلام كلام قدسي، فهو ألفاظ مقدسة لا يفهمها الناس العاديون، وإنما القديسون فقط. فالقديسون وحسب هم الذين لهم القابلية على وعي وإدراك الكلام المقدس. وليس القديسون سوى النبي والمعصومين الأطهار.
لقد كان بعض الإخباريين يفكرون بهذه الطريقة، ويقولون: إن فهم القرآن مهمة خاصة بالقديسين، فهم المسؤولون عن الفهم، وما علينا إلاّ أن نأخذ عنهم، وهذا موضوع قديم في تاريخ الفكر الإسلامي. وفي المقابل كان الأصوليون يرفضون هذه الأفكار وفقاً لاستدلالات معينة، ويرون أن بإمكاننا الاستفادة من القرآن مباشرة. أهم براهينهم أن الأئمة ذاتهم أرشدوا الناس إلى أخذ أجوبتهم من القرآن الكريم، كرواية عبد الأعلى مولى آل سام الذي يروي أنه سقط وجرحت رجله ووضع عليها مرهماً، ثم سأل الإمام عن كيفية الوضوء في هذه الحالة، فقال له الإمام. «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله، أمسح على المرارة، فسأله من أي آية يفهم هذا؟ فقال الإمام: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}. فمن هذا الجواب يتضح أن الإمام يحض السائل على الرجوع مباشرة إلى القرآن. من هنا فإن أهم أدلة الشيخ الأنصاري تلك الروايات التي يرجع الأئمة فيها الناس إلى القرآن. والتي نفهم منها أن بإمكاننا الإفادة من ظواهر القرآن لاستنباط أحكام الشريعة.
وعلى كل حال كانت رؤية الشيخ الأنصاري وأضرابه أن لا قدسية لكلام الله بألفاظه، حتى يقتصر فهمها على القديسين، فمعنى نزول القرآن أنه كان له معنى ومقام قدسي، لكنه تنزّل عن ذلك المقام وغدا في صورة كلام بشري يفهمه الجميع. هذا هو تصور الشيخ الأنصاري عن القرآن. إذن لم يقصد الباري عزّ وجلّ تنزيل القرآن بصورة مقدسة بحيث لا يفهمه أي إنسان… نعم كان القرآن في اللوح المحفوظ بحيث لا يمسه إلاّ المطهرون، وحينما كان كتاباً مكنوناً ولوحاً محفوظاً، لم يكن يتصل به أحد في ذلك المقام باستثناء القديسين والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام. أما من حيث نزل وصار بلسان عربي مبين، فمعنى العربي المبين هو أن الذي يعرف اللغة العربية يستطيع فهم معانيه.
الشيخ المفيد
مؤسس المدرسة الأصولية للشيعة
قبل التغلغل في هذا الموضوع لا بد لنا من الحديث عن القرن الرابع الهجري والحياة العلمية الشيعية فيه وصولاً إلى الشيخ المفيد وتأثيره وتأثير تلميذه الشريف المرتضى في نهضة الشيعة في ذلك القرن([752]):
مميزات الحياة العلمية في القرن الرابع
لا أحاول تصوير الحياة العلمية كلها لهذا العصر، وإنما أبغي من وراء هذه الدراسة أن ألمح إلى ظاهرتين كاد يتفق مؤرخو علوم العربية ومصورو عصورها على تميز القرن الرابع بهما، وفي آثاره العلمية والأدبية.
فأولى الظاهرتين: بلوغ العلوم والفنون الأدبية درجة من النضج والتكامل لم يسبق أن بلغتها في العصور الماضية، ونصيباً من الدقة والوفاء لم يعد معهما للعصور الآتية بعد الرابع إلا الأخذ بمناهجه ومذاهبه، في شيء من التوسع والشرح، أو الاختصار والإجمال.
وثانيهما: تمايز العلوم والفنون فيما بينها، وعدم التداخل بين مسائلها، ووضوح المذاهب الإسلامية بما كتب من أصول العقائد فيها.
فمن جهة الظاهرة الأولى يلاحظ المتتبع:
أ ـ في تفسير القرآن:
أنّه قبل هذا القرن كان التفسير في الأغلب تفسيراً بالمأثور من الحديث النبوي، أو من حديث أئمة أهل البيت عند الشيعة، وأن التفسير بالرأي في ظل الأعوام التي سبقت القرن الرابع كان يأخذ طريقه إلى الظهور ببطء على يد المعتزلة، حتى إذا استوت الدراسات القرآنية ونضجت، قام التفسير بالرأي ينافس التفسير بالرواية، وأصبح للتفسير مدرستان، واضحتا المعالم والحدود، كما ظهرت تفاسير قرآنية تجمع بين المدرستين، أو تنهج أحد المنهجين، ولم تخرج العصور الآتية بعد الرابع عن التفسير بالأثر أو التفسير بالرأي، أو تجمع بين الأمرين.
بلغت مدرسة التفسير بالأثر لدى جمهور السنة ذروتها على يد «محمد بن جرير الطبري» المتوفى سنة 310 في تفسيره المعروف. وقد كان «ابن جرير» حافظاً للقرآن، بصيراً بالسنن، فقيهاً بالأحكام.
أما للشيعة فقد انتهى إلى القرن الرابع كتب كثيرة غالبها من التفسير بالأثر، منها: تفسير «سعيد بن جبير التابعي» المتوفى سنة 64 هـ وتفسير «إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي» المتوفى سنة 127 هـ وله كتاب «أمثل التفاسير» وتفسير «محمد بن السائب الكلبي» وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع، وتفسير «جابر بن يزيد الجعفي» المتوفى 127، و«الحسن بن خالد البرقي» له كتب في التفسير منها تفسيره البالغ 120 مجلداً، وتفسير «علي بن الحسن بن فضال»، و«محمد بن سعيد بن هلال الثقفي الكوفي» المتوفى سنة 383، و«علي ابن إبراهيم القمي» (وتفسيره مطبوع)، وتفسير «علي بن الحسين بن بابويه القمي»، وتفسير «أبي عبد الله الكاتب النعماني»، و«محمد بن الحسن الشيباني» وله كتاب نهج البيان، وعنهما أخذ «المرتضى» جملة نصوص في كتابه المحكم والمتشابه.
وكان على رأس التفسير بالدراية جماعة المعتزلة منذ عهد «النظَّام» و«الجاحظ» حتى إذا طلع القرن الرابع نهض بأعبائها، «أبو علي الجبائي»، والقاضي «عبد الجبار المعتزلي»، و«أبو مسلم» محمد بن بحر الأصبهاني المتوفى سنة 370 هـ من السنة، وعلى رأسها من الشيعة «النعماني» وإن كان في بعض تفسيره يعني بالمأثور.
ولد «المرتضى» والمدرستان قائمتا الأسس، واضحتا المعالم، درس كلاًّ منهما، وانتفع بكل منهما، وظهرت آثار الانتفاع فيما كتب من تفسير لآي القرآن الكريم في كتبه «الأمالي» و«المحكم والمتشابه» و«الشافي» ثم في كثير من أبواب كتبه الفقهية.
ب ـ في الحديث النبوي:
جاء القرن الرابع والحديث بالغ ذروته في الفخامة وفي الكثرة، دوّنت فيه كتب كثيرة، واجتمع منه لدى الرواة من السنة ما بلغ ستمائة ألف حديث، ولدى الرواة من الشيعة كل ما روي بطرقهم عن النبي أو عن أئمتهم، فأبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني أخرج في «الكافي» ألفاً وستمائة وتسعين حديثاً بأسانيدها، و«محمد بن بابويه القمي» ألف أربعمائة كتاب في علم الحديث أجلّها كتابه (من لا يحضره الفقيه)، وأحاديثه تسعة آلاف وأربعة وأربعون حديثاً، ويبلغ الحديث ذروته لدى «الشيخ الطوسي» (تلميذ المرتضى) في كتابه «تهذيب الأحكام» فإنه اشتمل على 393 باباً و23590 حديثاً، وفي «كتابه» «الاستبصار» وأبوابه 920 باباً في 5511 حديثاً. والكتب التي تقدمت هي المعول عليها لدى الشيعة.
نشأ إلى جانب الحديث «علم الرجال» أو علم «نقد الحديث» وهو علم يبحث في أحوال الرواة من حيث الوثاقة والصدق ويقال إن أول من قام بنقد الحديث والسنّة وتكلم عن تاريخ المحدثين «ابن أبي حاتم» المتوفى سنة 328 هـ، ثم «الحاكم النيسابوري» من محدثي القرن الرابع، وهو خير من وفَّى مصطلح الحديث حقه، وكلاهما من أعلام أهل السنّة.
أما من الشيعة فقد انبرى لنقد الحديث جماعة منهم «أبو عبد الله محمد ابن خالد البرقي» من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، و«محمد بن أحمد بن داود بن علي القمي» وله كتاب الممدوحين والمذمومين من الرواة و«أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري»، يقال: إنه ألّف كتباً استوفى فيها ذكر الممدوحين والمذمومين من كل من روى عن الأئمة، و«أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة» كان يحفظ عشرين ومائة ألف حديث، بأسانيدها، ويذاكر بثلاثمائة ألف حديث، ومن جملة كتبه كتاب «أسماء الرجال الذين رووا عن الإمام الصادق» وكانوا أربعة آلاف رجل، وبلغ نقد الحديث ذروته لدى الشيعة في كتاب «أحمد بن علي النجاشي» المتوفى سنة 450، وكان ـ فيما يذكر عنه ـ ثقة، صدوق اللسان، ضابطاً للرجال، قد اعتمد عليه كل من تأخر عنه في الجرح والتعديل، وقد ألّف كتابه (الرجال) برغبة من «الشريف المرتضى».
إن القرن الرابع أمدّ المرتضى بما اكتمل من تدوين الحديث شيعياً وغير شيعي، ووضع بين يديه هذه الثروة الضخمة ثم مكّنه من استعمال أداة الفحص ـ علم نقد الحديث ـ فظهرت آثار هذين في كتابيه «الانتصار» والناصريات»، وظهرت آثار نقد الحديث أكثر وأبلغ فيما واجه به الحديث من نقد وفحص، انتهى به إلى رفض أكثر الأحاديث، وبخاصة ما ظهرت فيه روائح الغلوّ أو التشبيه أو الجبر، كما انتهت به إلى الطعن في أخبار الآحاد غير الموثقة، بل الموثقة، إذ أنها لم تصلح بنظره مصدراً للتشريع.
ج ـ في الفقه الإسلامي:
وشهد هذا القرن ضعفاً في الحياة الفقهية عند السنّة نتيجة سدّهم باب الاجتهاد، بعد فتحهم إياه في القرون التي سبقته، ولكنه شهد نشاطاً فقهياً هائلاً لدى الشيعة وقد كان باب الاجتهاد مسدوداً لديهم من قبل ففتحوه.
ومع وصفنا للفقه غير الشيعي بالجمود والركود فقد ظهر فيهم أعلام متميزون اختصوا بدراسته والتزام أحد المذاهب الأربعة، فاجتهدوا حدودها، وعنوا بالتمييز بين هذه المذاهب.
كان من أعيان المذهب الحنفي: «أبو الحسن عبيد الله الكرخي» رئيس الحنفية في العراق توفي 340 هـ و«أبو بكر الجصّاص البغدادي» المتوفى 370 هـ، ألّف الكتب الكثيرة على مذهب «أبي حنيفة»، و«أبو الحسين أحمد القدوري» رئيس الحنفية في العراق توفي سنة 428 هـ.
وفي الفقه المالكي نهض «أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي» المشهور «بابن القصار» وله كتاب مسائل الخلاف وتوفي سنة 398 هـ.
وفي الفقه الشافعي نبغ «علي بن عمر» البغدادي الدارقطني، كان فقيهاً، عارفاً باختلاف الفقهاء، توفي سنة 385 هـ، و«أبو الحسن الماوردي» من أبصر فقهاء الشافعية، وله كتاب «الحاوي» في الفقه الشافعي.
أما نشاط الفقه الشيعي فيظهر من فتحهم لباب الاجتهاد بعد أن كان مغلوقاً.
لقد ألّف الشيعة كتباً فقهية لم تخرج في واقعها عن أن تكون أحاديث مبوبة بحسب أبواب الفقه ولم يكن لهم من الاجتهاد طيلة حياة الأئمة، وحين انتهت الإمامة إلى الإمام المنتظر سنة 266 هـ وبعد غيبته الكبرى سنة 329 هـ وانقطاع مصدرهم التشريعي شعروا بضرورة فتح باب الاجتهاد.
وإذ توسط القرن الرابع أحس الشيعة بضرورة فتح باب الاجتهاد، بعد أن خلي بينهم وبين الأحاديث، لا يرجعون إلى إمام في تفسيرها، وأخذ ما يجد لهم من أحداث فيها.
كان أول المجتهدين «الحسن بن أبي عقيل العماني» المعاصر للشيخ «الكليني» في طلائع القرن الرابع، وتبعه «محمد بن أحمد بن الجنيد». قال صاحب روضات الجنات: «كان هذا الشيخ أول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة، وأحسن الظن بأصول المخالفين من علماء الشيعة»([753]).
كان «ابن الجنيد» معاصراً للشيخ المفيد ـ كما كان الشيخ المفيد راضياً عن عمله الاجتهادي، ومن رضا «الشيخ المفيد» عنه، امتدّت يد الشيعة إلى فتح باب الاجتهاد.
جاء «المرتضى» فانتفع بما ألّفه أعلام المذاهب الأربعة وتلاميذهم في الفقه، وبما حدده القرن الرابع من وجوه الخلاف بين هذه المذاهب، ثم بما ألّفه الشيعة من كتب فقهية على النسق الإخباري الأول، واستعمل اجتهاده الشخصي بما مهده له «العماني» و«ابن الجنيد» المتقدمان، فكتب وألّف في «الفقه المقارن»، واجتهد بآراء خاصة، تحفظها له حتى اليوم كتب الفقه الشيعية، ومن خير كتبه الدالّة على سعة إطلاعه واجتهاده كتاباه «الناصريات» و«الانتصار» فقد ظهر فيهما مدى إلمامه بالمذاهب الفقهية الإسلامية، شائعة وشاذة، ومدى قدرته على استنباط الأحكام والاجتهاد فيها.
د ـ في علم الكلام:
أطل القرن الرابع وعلم الكلام يمشي إلى عليائه بقوة وفتاء، بعد أن أصابته نكسة في عهد المتوكل ـ القرن الثالث ـ وكانت له من سياسة العصر مساندة دافعة، فقد كان «البويهيون» بحكم تشيعهم وفارسيتهم ميالين إلى الفلسفة، والكلام شعبة من شعبها.
نبغ من السنّة في الكلام قبيل القرن الرابع «أبو علي الجبائي»، وكان إمام المعتزلة في بغداد (235 ـ 303) وولده «أبو هاشم عبد السلام» شارح مذهب أبيه، وتلميذه «أبو الحسن الأشعري» (270 ـ 330) كان معتزلياً، ثم خرج على الاعتزال وحاربه في كتب كثيرة، حتى عاد له مذهب يسمى باسمه، وهو وإن خرج عن الاعتزال فلم يخرج عن أن يكون متكلماً، وناصر مذهبه جماعة من أكابر علماء العصر من أشهرهم «الباقلاني» و«ابن فورك» و«الإسفراييني»، وللأخير انتهت رياسة الشافعية ببغداد توفي 406.
ونبغ في هذا القرن من المعتزلة «قاضي القضاة عبد الجبار» ويعد رأس الاعتزال في كل عصوره، وإليه انتهت عامة المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها بغير منازع.
وكان للشيعة من قبل كلام في الاعتزال وبخاصة في مسائل الإمامة والخلافة، ومن أوائل متكلميهم «عيسى بن روضة» المتكلم التابعي الشيعي، ناظر «أبا الهذيل» في الإمامة و«عمراً الضبي» و«النظام فيما رواه «المرتضى» في كتابه «الفصول المختارة»، ويرى الشيعة أنه أول من فتق باب الكلام، وكشف نقابه.
و«أبو هاشم» ويعدّه الشيعة من مؤسسي علم الكلام، و«علي ابن إسماعيل بن ميثم التمّار» وله كتاب في الإمامة.
و«فضال بن الحسن بن فضال» الكوفي المتكلم وهو من رجال المائة الثانية، ويصف بأنه: ما ناظر أحداً من الخصوم إلا قطعه، وهو ممن أخذ عنه «المرتضى» في كتابه «الفصول المختارة».
و«هشام بن الحكم» ناظر أهل الفرق، وخاصمهم، وانتفع بكلامه «السيد المرتضى» في كتابه السابق وكتابه «الشافي».
وأسرة بني نوبخت وهي أسرة شيعية معروفة بالعلم والفلسفة، جل أفرادها من المتكلمين، ولهم كتب في الإمامة، استفاد منها «المرتضى» في «الشافي».
و«محمد بن عبد الملك الأصبهاني» وكان معاصراً «لأبي علي الجبائي» وله كتاب في نقض كتاب الجبائي.
و«أبو الصقر الموصلي» ناظر «علي بن عيسى الرماني في مسائل كلامية حكاها الشيخ المفيد في كتابه «العيون والمحاسن»، وهذا الكتاب رواه «المرتضى» عن «الشيخ المفيد».
ومن متكلميهم الشيخ المفيد ويعتبر رأس متكلمي الشيعة في هذا القرن.
وقف المرتضى على أغلب كتب الكلام معتزلية وأشعرية وشيعية فظهرت آثارها في مؤلفاته «الغرر والدرر» و«الفصول المختارة» و«تنزيه الأنبياء» و«المحكم والمتشابه» و«الشافي» وفي جملة رسائله وبخاصة رسالته إلى «أبي عبد الله التبّاني». ويعدّ الشيعة كتاب «الشافي» خير آثارهم الكلامية على الإطلاق.
هـ – في علوم العربية:
أ ـ في اللغة ـ سجل مؤرخو اللغة لهذا القرن ظاهرتين مهمتين في حياتها:
أولاهما: ضخامة المعجم اللغوي، وسعة معاني مفرداته، وذلك بما جدَّ من مفردات اقتبست من البيئات التي دخلتها العربية فظهرت في ألفاظها عن طريق التعريب، ثم بما جدَّ من علوم إسلامية، استلزمت مصطلحات خاصة، واقتضت تجوزاً في استعمال الألفاظ لمعان لم يكن للعربية بها… عهد، وانتهت أخيراً إلى أن تصبح حقائق عرفية، أو حقائق شرعية، حقائق اصطلاحية، أضف إلى ذلك ما دعا إليه «أبو علي الفارسي» وتلميذه «عثمان بن جني» من ضرورة الخروج باللغة من نطاق التوقيف والسماع، إلى نطاق القياس والاشتقاق. مما لا يخلو من تبرير لدفع الكتاب والشعراء إلى التحرر من ربقة الجمود في الاستعمال.
وثانيتهما: تيسر تناول اللغة من معاجمها، وذلك بما وضع من معاجم مبوبة على حروف الهجاء، بعد أن كانت مبوبة على مخارج الحروف، أو منثورة على أساس ما يجمع بين المفردات من معنى.
كان للظاهرة الأولى ـ أعني تضخم اللغة ـ أثر واضح في نتاج المرتضى، كما كان للظاهرة الثانية أثر بليغ في حياة اللغة بعد القرن الرابع وذلك بما ألّف من معاجم نهجت نهجها في التبويب على حروف الهجاء.
لم يؤلف المرتضى كتاباً في اللغة ليعد من أعلامها الذين يظفرون بذكر في قائمة أسماء اللغويين، ولكنه من غير شك أحد أعلام اللغة المبرزين، وذلك بما وعت كتبه من مفردات لغوية، تطرق فيها إلى شرحها وتحديد مفاهيمها.
كان الرجل من أعلام التفسير والحديث والفقه والكلام كما رأيت، ولا بد لمن يفسر القرآن بالرأي في أكثر الأحوال من إلمام بالغ بمعاني المفردات القرآنية، حتى يستطيع أن يختار منها لتفسيره ما يراه ملائماً للرأي الذي ذهب إليه، بل لا بد له من وراء الإلمام بمعنى الفرد اللغوي أن يلمّ بما يمكن أن يتعدّى إليه من معان مجازية لها شاهد ونظير من الاستعمال.
ولقد دلّتنا تفاسيره للحديث، ووقوفه في وجه «أبي عبيد القاسم بن سلام اللغوي المحدث» و«عبد الله بن مسلم بن قتبة([754]) الدينوري» أن الرجل من أندادهما في الوقوف على غريب الحديث، مع العلم بأن للرجلين كتابين في غريب الحديث لم يكن لهما نظير قبل تأليفهما وبعده.
فإذا تجاوزنا غريب الحديث، ومفردات القرآن، وشهدنا آثاره اللغوية فيما فسر من شعر، وشرح من نثر، ثم ما وقف عليه من آثار اللغويين أمثال «يعقوب بن السكيت»([755])، و«ثعلب» و«الفراء»([756]) وما كتبه «ابن الأنباري»([757])، و«الأصمعي»، و«الكلابي»([758])، و«أبو زيد»([759])، و«ابن الأعرابي»، و«أبو سعيد الكري» وغيرهم من أعلام اللغة أدركنا ما انتفع به «المرتضى» من آثار من سبقه من اللغويين.
كان المرتضى يستعرض المفردات اللغوية على وجوه مختلفة، فقد يذكر اللفظة ومعناها، وقد يتجاوز إلى ذكر أضدادها أو نظائرها أو يتعقب معنى اللفظة في مواطن مختلفة من الشعر والنثر([760]).
ب ـ في النحو ـ لقد تم وضعه واستقرت أصوله قبيل القرن الرابع فلم يشهد هذا القرن معركة الخلاف بين الكوفيين والبصريين ولكنه شهد آثار امتزاج المدرستين وتداخلهما، فأعان هو على هذا الامتزاج بأن أخذ منهما معاً.
ولم يتميز النحو بظاهرة جديدة عدا تركيز ما كتب الأقدمون، وكان شرح «أبي سعيد السيرافي» للكتاب ـ كتاب سيبويه ـ من خير الشروح حتى اليوم. ولم تأت العصور المتأخرة بما يخرج عن أن يكون شرحاً لمجمل، أو إجمالاً لمسهب، أو تعقيباً على ما ورد بتعليل وتسبيب.
لم يؤلّف «المرتضى» في النحو، ولكنه بما طرق من بحوث نحوية يدل على أنه كان نحوياً لا يقل عن أولئك المتخصصين بالنحو([761]). كان تفسيره القرآن والحديث وتأويلهما يقتضيه عرفاناً كاملاً بأصول الأعراب، ولقد طرق أبواباً من النحو ـ وبخاصة عند الكلام على حروف المعاني ـ في استيفاء شامل، لا يقلّ دقةً واستيعاباً عما كتبه المتخصصون([762]) في حروف المعاني.
وقف على مذهب البصريين والكوفيين ولكنه لم يلتزم مذهباً بعينه، بل حاول أن ينتفع بأي من المذهبين حين يعينه على مساندة الوجه الذي ذهب إليه، وربما مزج بين النحو والكلام أو بين النحو والبلاغة، في براعة قد يجهلها كل من النحويين والكلاميين على انفراد([763])، ولقد يمر عليك وأنت تستعرض كتبه آراء كثير من أعلام النحو من سابقيه ومعاصريه، مما يدل على أن الرجل قرأ كثيراً من كتب النحو وخالط كثيراً من أعلامهم([764]).
ج ـ في البلاغة ـ انتهى القرن الرابع والبلاغة ـ دون بقية علوم العربية ـ لم تستوف نصيباً من نضج، ولا حظاً من دراسة محكمة، وجلّ ما بلغته أن شرح فيها معنى اللفظين المفردين ـ الفصاحة والبلاغة ـ وأن تحدث عن المجاز في غير تفريق واضح بين أنواعه، وأن تُكلِّم عن الكتابة بوجه مجمل، وأن تُلمِّست بعض وجوه الجمال في النصوص القرآنية، وفي الحديث النبوي، وأن استُكثر من الكلام على الأنواع البديعية.
تحدث عن هذا «جعفر بن يحيى» و«قدامة بن جعفر»، و«الجاحظ» و«ابن المعتز»، وعنيت به الكتب التي انبرت للحديث عن مجاز القرآن، أو مجاز الحديث، أمثال مجازات القرآن «لأبي عبيدة»، ومجازات الحديث «للشريف الرضي».
فإن تجاوزنا البلاغة بمعناها الفني الدقيق إلى كتب النقد، وأدخلناها ضمن كتب البلاغة صح أن نجد آثاراً بلاغية فيما كتب «أحمد بن عبيد الله ابن عمّار» والآمدي في الموازنة، وفيما كتبه أبو هلال العسكري في «أسرار الصناعتين»، وفي كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه».
لم يؤلف المرتضى كتاباً في البلاغة بمعناها الفني الدقيق، ولم يُعرف برأي مستقل فيها اللهمَّ إلا ما كان امتداداً للنظام والجاحظ وبعض شيوخ المعتزلة: من الذهاب إلى أن الإعجاز القرآني يعود إلى صرف الله العرب عن مجاراته، والإتيان بشيء من مثله، وهو مذهب دعت إليه ـ بما يخيل لي ـ أصول الكلام عند المعتزلة. وللمرتضى كتاب باسم «الصرفة» سنتحدث عنه في الحديث عن مؤلفاته، ولكن بقية أحكامه على سر الإعجاز تدل على أنه يراها في النظم.
فإن أردنا «البلاغة» بمعنى «النقد» ألفينا «المرتضى» داخلاً في أعلام البلاغيين.
لا بد للمرتضى وهو من أعلام الشيعة من معرفة وجوه الكلام وتأويلاته، ولا مناص للمتكلم إذ يتعرض إلى النصوص القرآنية، ونصوص الحديث، من أن يصرفها عن ظاهرها الذي لا يتفق مع ما يراه وهو إذ يصرفها عن معانيها الحقيقية لا بد له من أن يذهب إلى وجه من وجوه المجاز لغوياً أو عقلياً، استعارة أو كناية أو تمثيلاً([765]). وهذه الأبواب من أجل المباحث البلاغية.
على أن المرتضى لم يقف في حديثه البلاغي عند هذه الأبواب التي أدخلت أخيراً في نطاق «علم البيان» بل تجاوز ذلك إلى مباحث تتصل «بعلم المعاني» تكلم عن الإيجاز والحذف في تفرقة دقيقة، وعن التأكيد والتكرار، وعن الفصل والوصل([766]). ومع كل هذا لا يصح أن يدعى أن المرتضى جاء في البلاغة بمعناها الدقيق بشيء جديد.
فإذا انتقلنا إلى البلاغة بمعنى تلمس وجوه الجمال في القطعة الأدبية، والموازنة بين المعاني([767])، والتعقيب على الناقدين، ألفينا «المرتضى» في طليعة الناقدين.
ذكر من بين كتبه «تتبع الأبيات» التي تكلم عنها ابن جنّي في أبيات المعاني «للمتنبي»: و«الشهاب في الشيب والشباب»، وقد وازن بين ما قالت الشعراء فيه، و«طيف الخيال» وقد استعرض كثيراً مما نظم فيه، ووازن بين معانيه. كما ناقش «الآمدي» في موازنته بين الشعراء في كثير من أبواب «الأمالي([768])»، وربما تعرض لأحمد بن عبيد الله ([769]) ابن عمّار ـ وهو من قدامى من ألَّفوا في الموازنات ـ فيما وازن بين الشعراء، وللصولي([770]).
د ـ في الأدب ـ وقد كان يطلق يومها على رواية الطريف من أخبار العرب وأيامهم، وتراجم أعلامهم وسادتهم، والإلمام بمنظومهم ومنثورهم، وما يتصل بالمنثور والمنظوم، من مسائل النحو والصرف والبلاغة وعلوم الشريعة. يعرض جميع ذلك في هيئة موضوعات أو آمال، يستطرد فيها بالمناسبة من موضوع إلى موضوع، ومن فكرة إلى فكرة.
قال ابن خلدون في «تعريف الأدب»: هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف: يريدون من علوم اللسان العلوم الشرعية من حيث متونها، وهي القرآن والحديث.
حفل القرن الرابع بعدد كبير من رواة الأدب شعره ونثره، وبآثار قيمة عد بعضها من كتب الأصول لهذا الفن، ظهر فيه أبو بكر محمد بن دريد الأزدي 223 ـ 321هج وكان مقدماً في رواية اللغة والأدب، والقصص والأنساب، ومن تلاميذه أبو علي القالي، وأبو سعيد السيرافي، وأبو عبيد الله المرزباني، وعلي بن محمد الكاتب.
ونبغ فيه أبو بكر بن الأنباري المتوفى سنة 328هج وهو من أعلم البغداديين لغة وأدباً وحفظاً للشعر والشواهد، وشرحه «للمفضليّات» يشهد بغزارة علمه.
وأبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني، وحسبي ذكر مؤلفه إشادة بمقدار ما حفظ ووعى، من نصوص أدبية وتاريخية.
وأبو عبيد الله المرزباني صاحب كتاب «الموشح» و«معجم الشعراء»، يروي عن ابن دريد ومن في طبقته توفي سنة 384هج وكان أستاذاً للمرتضى في الرواية.
وعلي بن محمد الكاتب يروي عن «ابن دريد»، و«الصولي» ومن في طبقتهما، وكان من أساتذة المرتضى في الرواية.
وأبو القاسم «عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق» كان من أساتذه المرتضى، وممن يروي عن أبي عبيد الله محمد بن أحمد الحكم الكاتب عن «ثعلب» وهكذا ترى أن أهم كتب الأدب وضعت في القرن الرابع وقبيله.
قال ابن خلدون: سمعنا من شيوخنا أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: هي «أدب الكاتب» لابن قتيبة، وكتاب «الكامل» للمبرد، وكتاب «البيان والتبيين» للجاحظ وكتاب «النوادر» لأبي علي القالي البغدادي وما سوى هذه الأربعة فتبع وفروع عنها، وقد ألف أبو الفرج الأصبهاني ـ وهو ما هو ـ كتابه في الأغاني، وهو لعمري ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن، ولا يعدل به كتاب فيما نعلمه.
ويبدو من مؤلفات «السيد المرتضى» ـ وبخاصة ما كان منه أدبياً ـ أنه كان قوي الحافظة، كثير الرواية والأخذ، وأنه بما أخذه من كتب القدماء، وبما رواه عن أساتذته لا يقل شأناً عن «المبرد» و«أبي علي القالي» و«ابن الأنباري» وأمثالهم، فقد وقف الرجل فيما قرأناه من أماليه وغيره على كثير من مأثور «الأصمعي» و«ابن السكيت» و«أحمد بن عبيد» و«أبي بكر العبدي». قرأ تاريخ الطبري والبلاذري وأبي مخنف واقتبس من كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وديوان الحماسة للبحتري، وترجم لكثير من شعراء المعتزلة والجبرية، وأطال في قصص المعمرين وأئمة الخوارج.
أما اختيار الشعر ورواية قصائده، فإنه لا يكاد يترك شاعراً ذا أثر قيم من عهد الجاهلية إلى نهاية القرن الذي عاش فيه إلا ذكره. وسنتحدث عن ميزة كتاب «الأمالي» بين كتب الأدب عند دراسة أدبه، ونشير في إطناب إلى منزلة هذا الكتاب بين كتب الأدب الأخرى.
مميزات الحياة العلمية في المذاهب
وأثرها في المرتضى
ثانية الظاهرتين تمايز العلوم والفنون فيما بينها، ووضوح المذاهب والنحل الإسلامية بما كتب في أصول العقائد.
أما التمايز بين العلوم فهو ظاهرة طبيعية تبدو أثر نضج العلوم، وأخذها سبيل التكامل.
وأما وضوح المذاهب والنحل فقد أرانا القرن الرابع من نشاط المتكلمين في التأليف وفي المناظرة، ما لا بد من جلاء هذه المذاهب ووضوحها، فقد شهدنا لكل مذاهب المتكلمين ظاهرية وأشعرية، ومعتزلة وشيعة دعاة وحملة، وأنصاراً وأتباعاً، يتجادلون فيها ويتناظرون عليها، ويتواجهون بها في غير ترقب وخيفة، بحيث لم تبق فكرة إلا استجلبت، ولا دعوة إلا عرفت، ولا وسيلة هجوم أو دفاع إلا وقد ألقي بها في الميادين.
ويكفي للتدليل على صحة ما أوردناه أن نشهد كتب الآراء والنحل تظهر في طلائع القرن الخامس فلا يجد مؤلفوها صعوبة في عرفان كل المذاهب والطرق الإسلامية، لكثرة ما وقع لهم من كتب العقائد والكلام.
والذي أبغي التنصيص عليه أن هذا القرن بما انكشف فيه من وجوه المعرفة تجلى فيه واقع كثير من المذاهب والعقائد الإسلامية، وأن أي مذهب لم يعلن عن نفسه، ويحدد مركزه ومقامه من بين المذاهب الأخرى ضعف وقل معتنقوه في هذا القرن وفي القرون التي تلته. لذلك لم ينقضِ القرن الرابع إلا وقد قضى على كثير من الفرق التي لم تجد وسيلة لحمايتها والذود عنها، أو ظلت تعمل في كتمان وفي نطاق ضيق بالنسبة للمذاهب الأخرى، فكان على رجال كل مذهب أن ينشطوا للذياد عنه، وتحريره وإعطائه صفة السلامة، أو صفة القدرة على البقاء.
أقول هذا لأنتهي إلى أن صنيع «المرتضى» العلمي والأدبي كان متأثراً بهذا الدافع المذهبي، وأن نشاطه كان من نشاط كثير من أعلام المذهب الشيعي الذين عاصروه.
فقد نبغ فيه من الشيعة «ثالوث» لم يعرف القرن الرابع أكثر منهم ذياداً عن مذهبه، وحماسة لفكرته.
أولهم: أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العبكري المعروف «بالمفيد» و«ابن المعلم» 336 ـ 413هج، وقد كان رجلاً جريئاً صريحاً لا يزوي من عقيدته طرفاً، وكتابه «العيون والمحاسن» و«أوائل المقالات» يشهدان له بهذه الجرأة والصراحة.
قال أبو حيان التوحيدي ـ في عرض وصفه للمتكلمين: وأما ابن المعلم، فحسن اللسان والجدل، صبور على الخصم، كثير الحيلة، ضنين السر، جميل العلانية([771]).
وقال الخطيب البغدادي: صنف «ابن المعلم» كتباً كثيرة في ضلالتهم ـ يريد الشيعة ـ والذب عن اعتقادهم ومقالاتهم، وكان أحد أئمة الضلال، هلك به خلق كثير([772]).
وقال اليافعي: وفيها توفي عالم الشيعة، وعالم الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف «بالمفيد»، و«بابن المعلم» البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كل عقيدة، مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية([773]).
وقال ابن النديم: «إليه انتهت رياسة متكلمي الشيعة، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً([774]). قال الشيخ الطوسي صاحب الفهرست: إن له قريباً من مائتي مؤلف([775]).
وثانيهم: السيد المرتضى ـ وهو من عقدنا هذه الدارسة له.
وثالثهم: محمد بن علي بن الحسن الطوسي 385 ـ 460هج صاحب الفهرست المعروف. قال ابن الجوزي في حوادث 460هج: وفيها توفي من الأكابر أبو جعفر الطوسي فقيه الشيعة([776]). وقال ابن كثير الشامي: كان فقيه الشيعة مشتغلاً بالإفادة إلى أن وقعت الفتنة بين الشيعة والسنّة سنة 441 واحترقت داره وكتبه بالكرخ([777]). وعن تاريخ مصر والقاهرة: فقيه الإمامية وعالمهم، وصاحب التصانيف، كان رافضياً، قوي التشيّع([778]).
قال صاحب الروضات: محمد بن علي بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة، عين صدوق، عارف بالأخبار والرجال، والفقه والأصول، مصنف في كل فنون الإسلام، ومذهب للأصول والفروع، كان له كرسي الكلام في بغداد، ولم يعط يوماً إلا للمتميز من أعلامها([779]).
ويكفي لبيان جهده في خدمة مذهبه أن له كتابين من كتب الفقه الشيعية الأربعة التي يعدّونها الأصول لجميع كتبهم في الفقه، وهما كتاب «التهذيب» وكتاب «الاستبصار».
والحق أن الشيعة أبدوا من الاستبسال والاستضراء والحماسة لمذهبهم ما استطاعوا أن يكسبوا به الجانب السياسي إلى حد بعيد، وأن يتناولوا المبادأة في المعارك المذهبية، وأن يقوموا بغربلة شاملة لمختلف الطوائف الشيعية نقضاً لما لا يرتضون، واستدراجاً لمن يرتضون.
ومن أجل تصوير صنيع المرتضى في مؤلفاته على وجهه السوي، لا بد من استعراض الفترات التي مرت بالتشيّع.
فقد بدأ التشيّع لعلي من يوم وفاة الرسول، ووجد الإمام عدداً من الصحابة مهاجرين وأنصاراً يذهبون إلى إمامته وخلافته من بعد وفاة الرسول، وظلت الفكرة قائمة على شيء من الوضوح حيناً والخفاء أحياناً، ممتدة بعد مقتل الإمام في أولاده، أو في الحسن والحسين بخاصة من أولاده، فالأئمة من أولاد الحسين.
وكانت الفكرة معرضة دائماً إلى التهديد من جانب الخلفاء، مما جعل أصحابها إلى التنادي بها في خفاء وستر، وإلى العمل بها بعيدة عن الآفاق الضاحية. ورأي يعمل به في السر لا بد أن يتعرض في نفسه إلى كثير من البلبلة، وإلى غير قليل من الانقسام، في أعيان الأئمة في عددهم، وزاد الطين بلّة أن خصومهم من الأمويين والعباسيين يملكون من وسائل القوة والدعاوة ما لا قبل لهؤلاء به، فأكثروا من القول في مذاهبهم، ونسبوا إليهم ما هم براء منه، وما لو مكّنوا من الإفصاح عنه لبرؤوا منه، ولنفوه عن مقالتهم.
فإذا أضفنا لذلك خوف أئمة الشيعة أحياناً من الجهر بمقالاتهم، وانزواءهم بحكم الحجر عليهم عن أتباعهم، والعمل بالتقية التي قد تقضي على الإمام أن يجاري أهل السنّة في فقههم، أو في أصول عقائدهم، ثم جهل عدد كبير من الشيعة بأصول المذهب، لعدم تيسر الوسائل لفهمه، وروايتهم لبعض الأحاديث عن الأئمة في غير مراعاة لحفظ النص على حاق لفظه، أو فهمه على واقع مؤداه، أدركت المهمة الملقاة على عاتق علماء القرن الرابع من الشيعة ـ وبخاصة السيد المرتضى ـ في تحرير تلك الأصول ونفي ما علق بها.
وهناك حقيقة خافية على كثير من الباحثين، هي أن الشيعة ما كان لفقهائهم، حق الاجتهاد، أو حاجة إلى الاجتهاد، أو حق الفحص المتحرر في أصول العقيدة وفقهها ما دام أئمتهم على قيد الحياة، وما دام يمكن الرجوع إليهم في أي أمر من أمور الشريعة، ولذلك لم يعمل أحد باجتهاده طيلة القرون الثلاثة الأولى، وإلى غيبة إمامهم الكبرى سنة 329 هـ، وطوال هذه المدة كانوا رواة حديث عن الأئمة.
وقد بدأ الاجتهاد ـ بمعنى النظر الشخصي في الأدلة ـ في ثنايا القرن الرابع الأولى على يد «العماني» و«ابن الجنيد» ـ وقد شرحنا ذلك في الظاهرة الأولى ـ مع قيام الطبقة الراوية المحدثة كمحمد بن بابويه القمي.
وكان عزيزاً على المحدثين من الشيعة أن يقوم هؤلاء بجرد أخبار آل البيت، ويفحصها فحصاً علمياً، ولكن «المرتضى» أعلن منهجه في البحث ورأيه في ذلك الركام الخليط، وانبرى إلى نفي كل ما علق بأخبار الشيعة، وأدخل الاجتهاد وحق النظر فيما ورد من أحاديث الفقه الشيعي، وأسس له أصولاً لفظية وعقلية يعتمد عليها في فهم تلك النصوص، وكان «العماني» و«ابن الجنيد» من قبل السيد المرتضى بقليل، التفتا إلى خطر هذا الفن في معرفة الأحكام الشرعية، وتابعهما «المرتضى» وزاد، فكانت أصوله تتفق كثيراً مع أصول العامة وتختلف معهما فيما يمكن أن يتعارض مع أصول المذهب الشيعي، فلم يقبل إجماعاً ولا قياساً في حدود ما ألف العامة، ولكنه قبل الإجماع في حدود، وبسبب ما يكشف عن رأي الإمام، وقبل القياس في حدود العلة المنصوصة، وله في ذلك رسائل متناثرة وكتب أهمها: «كتاب الذخيرة» وألف في الفقه المقارن فوازن بين مذهبه محتجاً له، وبين المذاهب الأخرى محتجاً عليها، وله في ذلك كتب أهمها: «الانتصار» و«الناصريات» وفرق بين الشيعة والمعتزلة ـ وقد كان المذهب الشيعي الإمامي يلتقي كثيراً مع الاعتزال، وطالما طعن المعتزلة بالرفض ـ ولكنه حاول محاولات كثيرة إلى الفصل بين الاعتزال والمذهب الشيعي، وأشار إلى مواطن التقائهم وخلافهم.
ولقد كان الشيعة في ذلك العصر على شيء كثير من التوثب الذهني، واليقظة العقلية، وعلى كثير من الالتفات إلى أصول مذهبهم، وما يؤخذ عليها من جرح ونقد وطعن، فكانوا كثيري التساؤل، كثيري الاعتراض على صنيع السيد الجديد في أصول المذهب، ولهذا أكثروا ونوعوا الأسئلة، وكان يجيب عليها بما يجلو لهم الشبه ويزيل الشكوك.
وما كان السيد في أي نتاج علمي أو أدبي إلا عاملاً على تهذيب المذهب الشيعي، وعلى تنقيته، وعلى تحديد مكانه من المذاهب الأخرى وكتابه «الأمالي» و«شرحه لقصيدة السيد الحميري»، وكتابه «المحكم والمتشابه» من القرآن ـ إن صحت نسبته إليه ـ وديوان شعره، ليست إلا مظهراً من مظاهر الخدمة للفكرة الشيعية، وإن ظهرت بمظهر الإنتاج الفني الصرف([780]).
دور الشيخ المفيد
قال السيد علي الخامنئي رئيس الجمهورية الإيرانية السابق ومرشدها الحالي: إن الشيخ المفيد في سلسلة علماء الشيعة لم يكن متكلماً وفقيهاً متفوقاً شامخاً فحسب، بل أكثر من ذلك فهو مؤسس حركة علمية متكاملة في فرعي الكلام والفقه ومتواصلة حتى اليوم في حوزات الشيعة العلمية، وهذه الحركة لا تزال باقية في خصائصها الأصلية وخطوطها الأساسية رغم عدم انعزالها عن المؤثرات التاريخية والجغرافية والفكرية.
وتتبين أهمية هذه المسألة لو لاحظنا أن هذه الحركة العلمية في ما يقرب من نصف قرن بعد وفاة المفيد قد شهدت تحولاً وتكاملاً سريعاً هائلاً غطى على الدور التأسيسي للشيخ المفيد. التأكيد الأساس في هذه المسألة على أن النشاط العلمي المتميز الباهر الذي نهض به تلميذ الشيخ المفيد السيد المرتضى علم الهدى (ت 436 هـ) والذروة الرفيعة التي بلغتها هذه السلسلة في عهد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (460 هـ) إنما هو امتداد لتلك الحركة التي أسسها ودفعها محمد بن محمد بن النعمان المفيد. ولتوضيح هذه المسألة لا بد أن نبين دور الشيخ المفيد فيما يلي:
1 ـ تثبيت ما لمدرسة أهل البيت عليهم السلام من هوية مستقلة.
2 ـ تأسيس الإطار العلمي الصحيح لفقه الشيعة.
3 ـ ابتكار أسلوب الجمع المنطقي بين العقل والنقل في الفقه والكلام.
الصرح الشامخ الذي شيّده فقهاء الشيعة ومتكلموهم على مدى عشرة قرون والكنوز العلمية الفريدة التي قدموها بآثارهم العلمية تقوم بأجمعها على قاعدة أرساها الشيخ المفيد بجهاده العلمي على الأبعاد الثلاثة المذكورة.
قبل أن نتطرق إلى الأبعاد الثلاثة يجدر أن نذكر أن ظاهرة الشيخ المفيد والحوزة العلمية الشيعية في بغداد آنذاك لم يسبق لها نظير حتى ذلك الزمان في تاريخ الشيعة.
قبل هذا التاريخ كانت حوزات الشيعة العلمية منتشرة طبعاً في جميع الأصقاع بين الشامات وما وراء النهر. حوزة «قم» التي كانت المركز الكبير للحديث ووارثة دور «الكوفة» في القرنين الثاني والثالث، وحوزة «الري» التي نشأ فيها الكليني وابن قبة وغيرهما من الأعلام، هاتان الحوزتان كانتا تعتبران فقط جزء من المراكز العلمية الشيعية. في الشرق، كانت الحوزة العلمية في ما وراء النهر ومن خريجيها المعروفين العياشي السمرقندي وأبو عمرو الكشي. وفي الغرب كانت حوزة حلب ومنها رجال من أمثال الحسن بن أحمد السبيعي الحلبي وعلي بن خالد الحلبي اللذين يعدان من مشايخ المفيد. وبالحدس المؤيد بالقرائن فإن هذه الأصقاع لا بد أنها كانت من المراكز الهامة لعلوم الشيعة ومعارفهم. ونظرة في فهرست مشايخ الكشي تبين أن منطقة خراسان وما وراء النهر، على بعدها من الحوزات العلمية الشيعية الأصلية، ربت عدداً كبيراً من العلماء والمحدثين، ومن هنا يقوى الاحتمال بأن تلك المناطق كانت إلى جانب الحوزة العلمية مهتمة بتربية وتخريج علماء من هذا القبيل. عشرة من المشايخ المذكورين ـ على الأقل ـ منسوبون إلى سمرقند أو كش (قرب سمرقند)، ومثل هذا العدد تقريباً منسوب إلى مدن بخارى، وبلخ، وهرات، وسرخس، ونيشابور، وبيهق، وفارياب ومدن أخرى من ذلك الصقع الإسلامي([781]).
مشاهدة كل هذه الأسماء المنسوبة إلى مدن ما وراء النهر وخراسان، وهم على ما يظهر جميعاً أو ما يقرب من الجميع شيعة، واستبعاد ذهاب شخص من قم أو الكوفة أو بغداد صوب كل هؤلاء المشايخ الخراسانيين والتركستانيين، لأن ذلك بعيد عن العادة، يقوي احتمال وجود دار العياشي([782]) في سمرقند لا في بغداد([783])، وهي الدار التي قال عنها النجاشي أنها: «كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم»([784]). «وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارىء أو معلق مملوءة من الناس»([785]). وهذا يدل أيضاً على رواج علوم ومعارف أهل البيت ونشاط الحوزة العلمية الشيعية في تلك المدينة.
وفي حلب حيث كثرة الشيعة وحكومة الحمدانيين وهم شيعة ملتزمون بإقامة الشعائر الشيعية([786]) كانت توجد دون شك حوزة علمية لا يستهان بها، ولو أن قربها من العراق وحضور محدثيها وفقهائها في بغداد ثم في زمن الشيخ الطوسي في النجف، لا يجعلها من الحوزات الكبرى.
هذا هو باختصار وضع الحوزات العلمية للشيعة خلال العصر الذي انتهى بزمن الشيخ المفيد. حوزة بغداد في ذلك العصر كانت أيضاً تتعاطى العلوم والمعارف الإسلامية، ولكن بظهور الشيخ المفيد وانتشار صيته العلمي، فإن بغداد وهي مركز العالم الإسلامي سياسياً وجغرافياً، قد أصبحت أيضاً مركزاً أصلياً لعلوم الشيعة ومعارفهم. ولم تعد مرجعاً لحل ما يواجه الشيعة من مسائل فكرية ودينية فحسب([787])، بل أصبحت أيضاً كعبة لطلاب العلم.
لا يتوفر لدينا فهرس كامل بأسماء تلاميذ الشيخ المفيد، ولا بد أن يكون عددهم أكثر بكثير مما ذكرته كتب التراجم. فما ذكر لا يتجاوز بضع أفراد وجهود المفيد العلمية تواصلت نصف قرن من الزمان. ولكن ثمة قرائن تبين لنا أن حوزة بغداد باشتهار الشيخ المفيد وتحركه العلمي قد احتلت مكانة لم يبلغ شأوها أية حوزة علمية شيعية من قبل. من تلك القرائن: عزيمة نابغة مثل الشيخ الطوسي من طوس إلى بغداد، وعدم اختياره الحوزات العلمية القريبة من مسقط رأسه أي حوزات خراسان وما وراء النهر، وعدم توقفه في الري أو قم. ومنها أيضاً: عدم اشتهار علماء كبار في تلك الحوزات حتى مدة ليست بالقصيرة.
وهذا يعني أن حوزة بغداد قد استوعبت كل العلوم الرائجة في مجموع حوزات التشيع، وغطت على رونق سائر الحوزات الأخرى في العالم الإسلامي. وظلت حتى ولادة حوزة النجف الأشرف (سنة 448 أو 449هج) درة التاج بين مراكز الشيعة العلمية.
محور هذه الحوزة وربان سفينتها دون شك كان الشيخ المفيد. فهو بنبوغه وكفاءاته الفذة ومساعيه الدائبة، وباستثمار مكانة بغداد الاستثنائية باعتبارها مركزاً سياسياً وجغرافياً للعالم الإسلامي ومحلاً لتردد علماء المذاهب المختلفة، قد نال جامعية منقطعة النظير، وأصبح قطباً ومحوراً وعنصراً متميزاً في حوزة بغداد في زمانه. ومما خلفه الشيخ الكبير من آثار علمية ومن سائر القرائن يتضح أن المفيد بؤرة قد التقت فيها بشكل مدهش كل الخصائص التي عرف بها رجال الشيعة حتى ذلك الزمان: فقد اجتمع فيه فقه القديمين وابن بابويه وجعفر بن قولويه، وكلام ابن قبة وبني نوبخت، ورجال الكشي والبرقي، وحديث الصدوق والصفار والكليني، إلى قدرة الجدل والمقارعة الفكرية القوية، إلى غيرها من الخصائص البارزة. كان كل واحد من أولئك الرجال ـ طبعاً ـ مشعلاً ينير درب واحد من معارف أهل البيت، لكن المفيد كان الثريا التي جمعت كل تلك الأنجم الزاهرة. وهذا ما لم نجده في أية شخصية علمية شيعية قبله. وفي تفرده يكفي أن يشهد بحقه ابن النديم (ت 380 هـ) أنه كان قبل الرابعة والأربعين من عمره([788]) شيخ كل الشيعة في الفقه والكلام والحديث. والذهبي الذي تحدث عنه في تاريخ الإسلام بلغة حاقدة بعيدة عن الموضوعية، يروي عن ابن أبي طي بشأن المفيد ما يبين أنه كان فريداً في كل العلوم: في الأصول، والفقه، والأخبار، ومعرفة الرجال، والقرآن، والتفسير، والنحو والشعر… وكان يناظر أرباب جميع العقائد([789]).
المفيد اجتمعت فيه علوم السابقين متكاملة، وببركة هذه الشخصية الجامعة المستوعبة الشمولية استمرت الحوزة العلمية لقرون بعده على النمط الذي أسسه وكانت علوم الفقه والكلام والأصول والأدب والحديث والرجال فيها تدرس وتحقق وتتكامل مقترنة ومنسجمة ويكمل بعضها الآخر. وهذه الحوزة نفسها أنجبت في مرحلة ناضجة من مراحلها السيد المرتضى، وفي قمة كمالها شيخ الطائفة ـ محمد بن الحسن الطوسي.
انطلاقاً مما ذكرناه عن عدم وجود سابق نظير لظاهرة الشيخ المفيد وحوزة بغداد في زمانه، فإن المفيد يعتبر حقاً مؤسس الحوزات العلمية للشيعة بشكلها الذي تواصل بعده لقرون. أي بالشكل الذي يجعلها مركزاً لتدريس مجموعة من العلوم العقلية والنقلية الإسلامية ويجعل من خريجها متبحراً في كل هذه العلوم أو أكثرها.
هذا الشكل بقي على الأقل حتى زمن الشهيد الأول، أي إلى زمن اتجاه أغلب الحوزات نحو الاختصاص بالفقه ومقدماته، وهذا استمرار لحركة دفعها الشيخ المفيد وحوزته في بغداد حتى سنة 413.
من هنا فلا عجب أن يدعى أن هذه الشخصية الفريدة الممتازة عملت على فتح طريق جديد يمتد على ثلاثة محاور.
ونبدأ بتناول الأبعاد الثلاثة في شخصية الشيخ المفيد العلمية:
1 ـ تثبيت ما لمدرسة أهل البيت عليهم السلام من هوية مستقلة.
بعد عصر الغيبة، وخاصة بعد انتهاء مرحلة الأعوام الأربعة والسبعين من الغيبة الصغرى، وانقطاع الشيعة عن الإمام الغائب أضحى كيان مدرسة أهل البيت تتهدده أخطار منها: نقصان شيء من المدرسة أو زيادة شيء عليها نتيجة الأخطاء والانحرافات العمدية وغير العمدية الصادرة عمن ينتسبون إلى هذه المدرسة. ومنها: ضمور الخصائص المميزة الأساسية للمدرسة وبالتالي اختلاطها بالخطوط المنحرفة، وامتزاج انحرافات الاتجاهات العقائدية أو المذاهب المفتعلة بالحقائق. في زمن حضور الإمام عليه السلام، متى ما طرأت ظاهرة كهذه أو ظهرت بوادر خطر ظهورها فإن شخص الإمام كان المحور والمركز المطمئن الذي تقاس به الأمور وتصدر بعد ذلك الأحكام. بوجود الإمام ـ إذن ـ بين الناس لم يكتب للانحرافات بقاء، بل إنه يكشف عن الانحرافات الأساسية في الفترات الحسّاسة. وكانت الشيعة واثقة أن الخط العام لمدرستها لو تعرض في زاوية من زواياه لانحراف، فإن الحجة ستتضح وأن طالب الحقيقة سيجد في النهاية مبتغاه. في تاريخ حياة الأئمة عليهم السلام نرى أسماء أفراد تبّرأ منهم الأئمة وطعنوا فيهم بصراحة لاستحداثهم بدعة أو تأسيسهم طريقاً خاطئاً أو إشاعتهم عقيدة باطلة، مثل محمد بن مقلاص المعروف بابن أبي الخطاب، وابن أبي العذافر المعروف بالشلمغاني (وهذا المورد الأخير حدث في عصر الغيبة الصغرى)، وكثير من أمثالهم. ونرى في مواضع أيضاً أن اختلافاً ينشب بين جماعتين من أصحاب الإمام المخلصين الصادقين، وتعمد إحدى الجماعتين إلى طرد الجماعة الأخرى ولعنها بسبب اعتقاد من معتقداتها، فينبري الإمام للدفاع عن الفرد المطعون فيه أو الجماعة المطعون فيها، ويمدحها، وبذلك يؤيد معتقدها ويرد ما ظن بشأن انحرافها.. كتأييد الإمام يونس بن عبد الرحمن حين طرده القيمون ورووا عنه روايات منكرة، وإصداره بحقه عبارات ثناء مثل: «رحمه الله، كان عباداً صالحاً»… أو «إن يونس أول من يجيب علياً إذا دعا» (راجع رجال الكشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن). وأيضاً بشأن أسرة بني فضّال، الذين كانوا مرجعاً لطلاب علوم أهل البيت لوثاقتهم وعلمهم، أصدر الإمام عبارة: «خذوا ما رووا وذروا ما دروا»، وبذلك منع نفوذ معتقدهم الانحرافي (الفطحية) بين جماهير الشيعة… وأمثال ذلك في موقف الأئمة من أصحابهم المعاصرين كثير.
بهذا المنظار، فإن الإمام عليه السلام في عصر الحضور كان الحارس اليقظ المتنبه الذي حمل بنفسه مهمة الحراسة عن الحدود التي تصون كيان المدرسة.
أما في عصر الغيبة، وخاصة في عصر الغيبة الكبرى فقد اختلفت المسألة تماماً. من جهة ثمة احتياجات متزايدة تحتاج إلى اتخاذ موقف، وهذا الموقف يتخذه في هذه المرحلة علماء الدين لا الإمام عليه السلام. ومن جهة أخرى هناك اختلاف وجهات النظر التي تبرز بشكل طبيعي بين العلماء والمفكرين ولم يكن لهذه الاختلافات من محور بارز وقاطع يبت فيها… وهذا يعني انفتاح الطريق أمام مختلف الآراء والأفكار والنظرات بشأن أصول الدين وفروعه. وبين مختلف الآراء هذه، لا بد أن تجد عناصر من المدارس المنحرفة أو المذاهب التي خرجت عن خط الإمامية الشيعية، كالفطحية وغيرها طريقاً إلى مجموعة مدرسة أهل البيت عليهم السلام، مما يهدد نقاءها وإتقانها… وقد يؤدي الأمر في المدى البعيد إلى تغيير مسار المدرسة بشكل كامل.
ومن هنا يتضح واحد من أهم واجبات قادة الأمة في تلك البرهة من الزمان. النهوض بهذا الواجب يستطيع أن يكون بمعنى صيانة الدين ويعادل الجهاد المصيري. وهذا الواجب عبارة عن تدعيم الخصائص المميزة للتشيع باعتباره نظاماً فكرياً وعملياً، ورسم إطاره العقائدي والعملي بالاستمداد مما تركه الأئمة عليهم السلام من تراث قيم في أقوالهم. وبهذا الشكل يتشخص ما لمذهب أهل البيت عليهم السلام من هوية مستقلة وخصائص مميزة، ويتيسر فهمه وتطبيقه لأتباعه. هذا العمل يتيح لعلماء الشيعة ومفكريهم إمكان الفرز بين الانحراف المبدئي أي الخروج عن أصول المذهب في الفقه والكلام، وبين اختلاف وجهات النظر التي تنشأ داخل إطار المدرسة.
مما لا شك فيه أن العمل لم يتم حتى زمن المفيد (رض). ولا أدل على ذلك من وجود اتجاه قياس في فقه ابن الجنيد، وميول اعتزالية في كلام أسرة النوبخت. وهذان نموذجان فقط لنتاج وتبعات عدم تشخّص الخصائص المميزة لمدرسة التشيع في حقل أصول الدين وفروعه. في مجال الفقه، عدم الاستفادة من المباني العقلية والأصولية للاستنباط وتفريع الفرع على الأصل وهو من التعاليم القطعية للأئمة عليهم السلام، وفي الطرف المقابل الانزلاق إلى وادي القياس، لونان من الانحراف غير العمدي عن نهج المدرسة ونتيجة لعدم تشخص الخصائص وعدم رسم الإطار الواضح. وفي مجال الكلام، المظهر الأساس الانحرافي الناتج عن عدم تعيين حدود المذهب يتمثل بالخلط بين الكلام الشيعي المعتزلي. وفي هذا المجال الأخير كانت تبعات عدم تعيين حدود المذهب كثيرة وفادحة. من ذلك:
ـ المتكلمون الكبار المشهورون كأفراد أسرة النوبخت كانت لهم في كثير من مسائل علم الكلام اتجاهات اعتزالية، وكانوا كالمعتزلة في توجههم المفرط إلى العقل في فهم المباحث الكلامية.
ثمة شخصيات من كبار الشيعة ادّعى المعتزلة أنها منهم، ومنهم العالم المتكلم الشيعي المعروف الحسن بن موسى النوبختي معاصر كبير أسرة النوبختيين أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي وابن أخته([790]).
الاعتقاد بإمكان الجمع بين التشيع والاعتزال في شخص واحد، وتعريف شخصيات معروفة وكبيرة بأنها شيعية ومعتزلة، وحتى إن بعضهم نفسه قبل هذا الادعاء وكرره واعتقد به. من ذلك قول الصاحب بن عبّاد:
«فقلت: إني شيعيٌّ ومعتزلي» بينما المعتقد الذي يميز التشيع هو إمامة أهل البيت عليهم السلام التي لا تقبل أي معتزلي. والمعتقد الذي يميز الاعتزال هو «المنزلة بين المنزلتين» وهو مما يتعارض ويتنافى مع بديهيات التشيع.
بعض علماء الشيعة آمن بأصل من أصول المعتزلة الخمسة، دون أن يعتبر نفسه أو يعتبره أحد أنه معتزلي. محمد بن البشر الحمدوني ـ مثلاً ـ يقول عنه النجاشي: كان رجلاً حسن الاعتقاد، ويؤمن بالوعيد (النجاشي/ 381).
ـ بشكل عام هناك من اعتقد بأن الكلام الشيعي مأخوذ من المعتزلة. واستدل على ذلك بأصل التوحيد والعقل، وهما ـ على زعمهم ـ انتقلا من الاعتزال إلى التشيّع. وتكرر هذا الزعم كثيراً في أقوال أرباب الملل والنحل والمتكلمين غير الشيعة منذ القديم حتى العصور المتأخرة، وهكذا في أقوال من استقوا معلوماتهم غالباً عن مصادر غير شيعية كالمستشرقين. حتى في زمن الشيخ المفيد نفسه، ظن الصاغاني (وهو المتكلم والفقيه المعتزلي الحنفي الذي يسميه الشيخ المفيد في «المسائل الصاغانية» بالشيخ الضال) مثل هذا الظن الباطل بالمفيد إذ يقول مشيراً إلى الشيخ المفيد: إنّ شيخاً في بغداد أخذ أفكاره من المعتزلة يقول كذا وكذا… (راجع: المسائل الصاغانية/ 41).
الباحثون المتعمقون وكتّاب الشيعة بقوا مصونين طبعاً من الوقوع في هذا الزلل. اللهم إلا أولئك الذين حذوا حذو المستشرقين في أنهم رجعوا أكثر ما رجعوا إلى مصادر استشراقية أو غير شيعية([791]).
مما تقدم تتضح أهمية دور الشيخ المفيد في تعيين حدود مدرسة أهل البيت وخصائصها المميزة. هذا النابغة تفهم حاجات زمانه، واستند إلى مقدرة علمية فائقة، وورد هذا الميدان الصعب، ونهض بمهمة على غاية الأهمية والحساسية، والحق أنه كان على مستوى أداء هذه المسؤولية الكبرى.
لا نريد من هذا طبعاً أن ندّعي عدم وقوع أحد بعد عمل المفيد في خطأ أو جهالة في فهم محتوى التشيع، أو بعدم إمكان وقوعه. بل نرى أن فهم هذه المدرسة ومعرفة حدودها وخصائصها أضحى ميسراً لمن يطلبه، وأصبح فقه مدرسة أهل البيت وكلامها معروضاً أمام الباحثين بخصائصه المتميزة ويستطيعون أن يفهموه دون أن يشتبه عليهم الأمر أو يختلط بنحل أخرى.
لتحقيق هذا الهدف الكبير أنجز الشيخ المفيد مجموعة من الأعمال العلمية يستحق كل واحد منها بحثاً مستقلاً، ونكتفي بالإشارة إلى فهرس هذه الأعمال في مجالي الفقه والكلام.
في الفقه صنف «المقنعة» وهي دورة تكاد تكون كاملة في الفقه، وفيه نهج الصراط المستقيم والطريق الوسط في الاستنباط الفقهي، الذي هو مزيج من استخدام الأدلة اللفظية والقواعد الأصولية مع تجنب القياس والاستحسان والأدلة الأخرى غير المعتبرة (وسنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد).
وكذلك ألّف «التذكرة بأصول الفقه» ويمكن أن نقول عنه ـ بقدر ما نستطيع أن نستند إلى المدوّنات الموجودة ـ أنه جمع لأول مرة قواعد الاستنباط الفقهي وأفتى على أساسها (سنعود إلى الحديث عن هذا الكتاب أكثر). وإلى جانب هذا وذاك دوّن كتاب «الأعلام» وفيه ذكر مواضع من إجماع فقهاء الشيعة على حكم، وإجماع فقهاء السنّة على عدم الإفتاء بذلك الحكم. عدد أبواب فقه هذا الكتاب بُحثت وحُقّقت بقصد نقل الإجماع الموجود فيها. وفي حقل رسم الحدود الفقهية بين فقه الإمامية وفقه الحنفية دوّن كتاب «المسائل الصاغانية» وهو كتاب قيّم يجيب فيه المؤلف على إشكالات فقيه حنفي على عدد من مسائل فقه الشيعة.
وفي هذا المجال يعتبر كتاب «النقض على ابن الجنيد» من الأعمال العلمية الأساسية للشيخ المفيد، ويظهر من عنوانه أنه نحا فيه نهج تبيين الخصائص المميزة القاطعة لفقه مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
لا يمكننا أن نصدر طبعاً حكماً قاطعاً على محتوى هذا الكتاب لعدم توفره بين أيدينا. ولكن معرفتنا بنهج الشيخ المفيد وحجته القوية في البحث والجدل وسعة اطلاعه على المصادر واستحاكم فكره في ترتيب مقدمات الاستدلال العقلي وموقفه الحاسم من الاتجاه القياسي لابن الجنيد (نرى نمذوج ذلك في المسائل الصاغانية)([792])… كل ذلك يؤدي بنا إلى الاستنتاج بأنّ الكتاب المذكور ذو مضمون ومحتوى علمي مقنع. وكان لهذا الكتاب دون شك تأثير كبير على عدم استمرار اتجاه القياس بين فقهاء الشيعة.
كان للشيخ المفيد في مجال تثبيت الهوية المستقلة للتشيع على صعيد علم الكلام نشاط أوسع وأهم. وفي هذا الميدان تصدى شيخنا الكبير بدقة وذكاء إلى بيان الفاصل بين عقائد الشيعة وسائر النحل الكلامية. والحؤول دون ورود عناصر من معتقدات الفرق الإسلامية أو الشيعية إلى دائرة عقائد الإمامية، ودون نسبة أفكار خاطئة لا صلة لها بالشيعة الإمامية إلى مدرسة التشيع. فهو في مقام مجادلة المذاهب الأخرى يتصدى لمباحثة كل مدارس زمانه، فيناقش الأشعرية والمعتزلة والمرجئة والخوارج والمشبهة وأهل الحديث والغلاة والنواصب وغيرها من الفرق الصغيرة والكبيرة المنتسبة للإسلام… لكنه يواجه مدرسة الاعتزال وشعبها المعروفة مواجهة فكرية أكثر من غيرها، ويهتم في كتبه ورسائله الصغيرة والكبيرة العديدة بنقد ورد نظرات المعتزلة في المباحث المختلفة. وسر هذا الاهتمام هو أن المعتزلة من بين الفرق الإسلامية ـ بسبب وجود تشابه بين بعض أصولهم وبين أصول التشيع ـ قد تعرّضوا إلى شبهة مفادها أن الاعتزال منشأ كثير من عقائد الشيعة، وأكثر من ذلك أن الاعتزال هو التشيع مع بعض الاختلاف… وهذه الشبهات أدّت بدورها إلى ظن خاطىء يرى أن مجموعة كلام الشيعة وليدة الكلام المعتزلي، أو أن أصول كلام الشيعة هي نفسها أصول الكلام المعتزلي. وذكرنا من قبل ما ترتب على هذا الظن الخاطىء من تبعات.
تناول عقائد المعتزلة في كتب المفيد إنما هو في الواقع مصداق بارز لما ذكرناه من دور الحراسة والمراقبة. لحدود وثغور مدرسة التشيّع وإثبات ما لها من استقلال وأصالة في النظام الكلامي.
أهم آثار الشيخ في هذا المجال كتابه المعروف «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات» وألفه لبيان الفرق بين الشيعة والمعتزلة. ويذكر في مقدمة الكتاب أنه تناول أيضاً الاختلاف بين ما اتفقت عليه الفرقتان في بعض المسائل الأصولية كالعدل، والفرق في فهم كل فرقة لهذه الأصول([793]).
عبارة المفيد في هذه المقدمة القصيرة تدل على أن هدفه من تدوين هذا الكتاب تقديم مرجع موثوق عقائدي لمدرسة التشيّع تيسّر السبيل لمن يريد أن يؤمن بتفاصيل الأسس الفكرية لهذه المدرسة. وهو في هذا الكتاب ينقد حتى عقائد بعض علماء الشيعة الذين سبق أن التقطوا بعض نظرات المعتزلة وشابوا كلام الشيعة بها ومنهم بنو نوبخت. وهذا هو نفس دور حراسة النظام الفكري للتشيع والدفاع عنه، وهو دور رفع لواءه المفيد رضوان الله عليه لأول مرة على ما نعلم بالتفصيل.
ولا ينحصر تعيين الفاصل العقائدي بين الشيعة والمعتزلة بكتاب أوائل المقالات. والشيخ الكبير قد تناول هذه المسألة في كتب أخرى بأساليب مختلفة. بلغ في بعضها ذروة الروعة والتأثير، لكنه في «أوائل المقالات» قد تناول الموضوع بشكل كامل وشامل.
نرى أنه يصل في بعض المواضع إلى اشتراك في العقيدة بين الشيعة والمعتزلة. وفي بيان هذا الاشتراك ينتهج أسلوباً يوضّح استقلال مدرسة أهل البيت في تبني تلك العقيدة، وينفي تماماً احتمال تبعية الشيعة للمعتزلة في هذا التبني. يقول مثلاً في باب نفي رؤية الله سبحانه وتعالى: «أقول إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار وبذلك شهد العقل ونطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليه جمهور أهل الإمامة وعامة متكلميهم إلا من شذّ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار، والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك وجمهور المرجئة وكثير من الخوارج والريدية وطوائف من أصحاب الحديث» (أوائل المقالات/ ص 62 ـ 63).
فالشيعة يستندون إلى الأدلة المعتبرة وهي الكتاب والسنّة المتواترة، والدليل العقلي يؤيد ذلك أيضاً. فلا حاجة إذن أن يأخذوا هذا الكلام من المعتزلة أو غيرهم. بل إن المعتزلة هم الذين اتفقوا في هذه المسألة مع الإمامية، وهذا يعني أن المعتزلة في هذه المسألة مدينون للشيعة.
وفي باب علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها يقول:
«أقول: إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل حدوثه، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوماً إلا وهو عالم بحقيقته وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وبهذا اقتضت دلائل العقول والكتاب المسطور والأخبار المتواترة عن آل الرسول وهو مذهب جميع الإمامية، ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه، وعندنا أنه تخرص منهم عليه، وغلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه… ومعنا فيما ذهبنا إليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم صفوان من المجبرة وهشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة» (ص 60 ـ 61).
وهنا أيضاً نرى لحن الحديث في الاستناد إلى القرآن والحديث المتواتر يتجه إلى بيان استقلال الشيعة في منشأ الاستناد ولو أن المعتزلة مثل الفرق الأخرى قد قبلت ذلك أيضاً.
في بعض الموارد يشترك الشيعة والمعتزلة في قسم من مسألة واحدة. والشيخ المفيد في مثل هذه الموارد يبين نقاط الافتراق بين الشيعة والمعتزلة كي لا يؤدي اشتراك الفريقين في عنوان المسألة، إلى ظن الاشتراك في كل التفاصيل والجوانب. على سبيل المثال، كلا الشيعة والمعتزلة يقولون باللطف والأصلح، لكن المفيد يهتم برفع أي اشتباه يمكن أن يحدث في فهم المسألة، ويبعد عن الشيعة ما وقعت فيه المعتزلة من اشتباه حين يتحدث في باب اللطف. فهو بعد بيان الأصلح يقول مباشرة: «وأقول إن ما أوجبه أصحاب اللطف من اللطف إنما وجب من جهة الجود والكرم. لا من حيث ظنوا (المعتزلة وآخرون) أن العدل أوجبه (أي أوجب اللطف على الله) وأنه لو لم يفعل لكان ظالماً». (ص 65).
حتى في المواضع التي اتفق فيها رأي شاذ من آراء متكلمي الشيعة مع المعتزلة، يصر على ذكر الشواذ بالاسم أو الإشارة، كي لا يتخذ ذلك الرأي الشاذ طابع عقيدة شيعية ويحسب على مدرسة التشيّع. في مسألة العصمة مثلاً بعد أن يبين رأي الإمامية في عصمة الأئمة عليهم السلام عن الصغائر وحتى عن السهو والنسيان، يقول: «وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذّ منهم وتعلق بظواهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوزون من الأئمة وقوع الكبائر والردة عن الإسلام» (ص 74).
ويبدو أنه يشير إلى كلام الشيخ الصدوق في هذه الأمثلة وفي جميع كتاب أوائل المقالات يتبين الدور العظيم الذي نهض به الشيخ المفيد في تحديد معالم مدرسة أهل البيت وفي حراسة الإطار المميز لهذه المدرسة حراسة الذكي اليقظ المصرّ على حفظ عقائد المدرسة وكلامها من الاختلاط بأية فرقة أو نحلة أخرى.
نفس هذا الهدف ينشده في كتبه الأخرى أيضاً، ولو بأساليب متفاوتة تقريباً. في «الحكايات» مثلاً حيث اختص القسم الأكبر برد عقائد المعتزلة في الموضوعات الكلامية المختلفة، عقد فصلاً تحت عنوان: «اتهام التشبيه» وفيه يقول راوي الحكايات (ويبدو أنه السيد المرتضى): «فإني لا أزال أسمع المعتزلة يدّعون على أسلافنا: أنهم كانوا كلهم مشبهة.. وأرى جماعة من أصحاب الحديث من الإمامية يطابقونهم على هذه الحكاية، ويقولون: إن نفي التشبيه إنما أخذناه من المعتزلة». ثم يطلب من الشيخ المفيد (رض) أن يروي حديثاً يرد به على هذه التهمة الباطلة.
والمفيد في الجواب بعد أن يبين جذور هذه التهمة وسوابقها ويذكر أن الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت في ردّ التشبيه لا تعدّ ولا تحصى، يذكر رواية عن أبي عبد الله عليه السلام ثم يقول: «فهذا قول أبي عبد الله عليه السلام… فكيف نكون قد أخذنا ذلك عن المعتزلة؟! لولا قلة الدين!؟» (أي لولا قلة الدين عند من يقول هذا الكلام) (الحكايات ص 79 ـ 81).
وهذا الاهتمام من الشيخ الكبير في رد تهمة التشبيه والجبر والرؤية عن عقائد الشيعة إنما هو مصداق بارز آخر على دور الشيخ المفيد في الحراسة وفي تثبيت الهوية المستقلة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو ما ندرسه في هذا المبحث.
مما طرحه الشيخ المفيد في كتاب «أوائل المقالات» وسائر كتبه الكلامية مثل: «تصحيح الاعتقاد» و«الفصول المختارة» وغيرها في بيان عقائد التشيّع والفارق بينهما وبين عقائد الفرق الكلامية الأخرى وخاصة المعتزلة نستطيع أن نستنتج أنه استهدف تقديم نظام فكري منسجم ذي حدود وخصائص واضحة للتشيع. ولا شك أن النقطة الشاخصة المميزة في هذا النظام الفكري هي مسألة الإمامة. أي أن أية نحلة أخرى لا تشترك مع الشيعة في هذه المسألة. والمناط في نسبة فرد أو جماعة إلى مذهب الشيعة هو الاعتقاد بهذه المسألة.
نعم، الشيعة في كثير من المسائل العقيدية تختلف مع سائر الفرق في روح هذه المسائل ومعانيها أو في بعض فروع وجزئيات هذه المسائل رغم وجود الاشتراك في العناوين مثل التوحيد والعدل والصفات وأمثالها، غير أن التمايز في مسألة الإمامة بين الشيعة وغيرهم أوضح من أية مسألة أخرى. لذلك افتتح الشيخ المفيد كتبه الضخمة مثل أوائل المقالات ونظائره بالكلام عن الإمامة، بل كتب رسائل صغيرة وكبيرة عديدة أيضاً في موضوع الإمامة تحت عناوين مختلفة.
ومن المناسب أن نشير هنا أن كون الإمامة «نقطة شاخصة» في فكر المفيد كما بيّنا هو غير ما ذهب إليه أحد المستشرقين في هذا المجال حين قرر أن الإمامية هي «محور النظام الفكري» لدى المفيد. محور النظام الفكري لدى الشيعة ومتكلميهم (المفيد وغير المفيد) هو مسألة الصانع وتوحيد الله سبحانه وتعالى. والمسائل المهمة الأخرى مثل: صفات الله تعالى، عددها ومعناها ونسبتها إلى ذات الباري عزّ اسمه، ومسألة النبوة وفروعها، ومسألة العدل، وكذلك مسألة الإمامة والمسائل المرتبطة بالتكليف والقيامة وغيرها… كلها فروع تلك المسألة ومبتنية عليها.
المستشرقون ومن ليست له إحاطة علمية كافية بالمفاهيم الإسلامية يقعون مع الأسف في مثل هذه الاشتباهات عند دراستهم لأشخاص عظام مثل الشيخ المفيد. ولا بد لمثل هذه الجلسات والبحوث أن تصحح هذه الانحرافات وتلقي الضوء على الحقائق. الباحث الغربي الذي كتب عن أفكار الشيخ المفيد يقول عنه حيناً إنه يفتقد النظام الفكري المشخص، ويقول عنه حيناً آخر إنه صاحب نظام فكري يقوم على أساس الإمامة. وكلا القولين ـ كما ذكرنا ـ يجانبان الصواب. النظام الفكري للمفيد قد بينه في كتب ورسائل عديدة بوضوح. ومحوره، بعد مسألة «المعرفة» التي هي المقدمة الطبيعية للمسائل الاعتقادية، مسألة الذات وصفات الباري. سائر المسائل الأساسية متفرعة عنها حسب مراتبها. مسألة الإمامة كما ذكرنا شاخص هذه المدرسة منقطة تميزها عن سائر المدارس، وعقيدة يعرف بها أتباع التشيع. لعلنا نستطيع أن نقارنها بمسألة «المنزلة بين المنزلتين» في مدرسة المعتزلة. في أصول المعتزلة الخمسة هذه المسألة ليست أهم المسائل وأولها وأعمقها، إذ هناك التوحيد والعدل أيضاً. لكن مسألة «المنزلة بين المنزلتين» قد أوجدها الاعتزال واختص وتميز بها. وليس ثم معتزلي يصدق عليه هذا الاسم ولا يؤمن بهذه المسألة. هذه الخاصية في النظام الفكري الشيعي تتمثل بالإمامة.
مما تقدم نفهم أن الشيخ المفيد… النابغة الكبير في تاريخ التشيع… أول من رسم وضبط حدود مدرسة التشيع في الفقه والكلام. في علم الكلام بنى نظاماً فكرياً منسجماً من مجموع عقائد الشيعة، وحال دون أن يشتبه بينه وبين المذاهب والفرق الأخرى بما في ذلك المذاهب الشيعية غير الإمامية. وفي علم الفقه قدم دورة في الفقه استناداً إلى طريقة الاستنباط القائمة على الأصول المتخذة من تعاليم أهل البيت عليهم السلام، وسدّ الطريق أمام الأساليب غير المعتبرة مثل القياس أو الأساليب الابتدائية والناقصة مثل أسلوب أهل الحديث.
بعبارة أُخرى: إنه الرجل الذي ثبت الهوية المستقلة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام. وهذا هو البعد الأول من الأبعاد الثلاثة التي تبتني عليها شخصية الشيخ المفيد باعتباره المؤسس والحلقة الأولى للتيار العلمي المتكامل في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
2 ـ تأسيس الإطار العلمي الصحيح لفقه الشيعة:
الفقاهة، بمعنى استنباط حكم الشريعة من الكتاب والسنّة، لها جذور عريقة عند الشيعة. الإمام الباقر عليه السلام يقول لأبان بن تغلب: «اِجلس في المدينة وأفت الناس»([794]). ويقول لعبد الأعلى: «يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ. قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}»([795]). هذه وأمثالها من الروايات تدل على أن أصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا يمارسون استنباط الأحكام من القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلمات الأئمة. والفقه، بمعنى معرفة الأحكام، لم ينحصر في دائرة شيعة الأئمة بالتقليد والعمل بكلمات الأئمة عليهم السلام، بل اتّسع ليشتمل على مزيد من التفاصيل والتعقيد في الاستدلال، مع ذلك ثمة بون شاسع بين ما كان يمارسه فقهاء أصحاب الأئمة عليهم السلام في باب الفقاهة والإفتاء وبين الفقاهة في عصر ازدهار فقه الشيعة أي عصر رد الفروع على الأصول واستنباط مئات القواعد العامة وآلاف الأحكام الفقهية المعقدة والصعبة من الكتاب والسنّة وحكم العقل، وتفريع الفروع الهائلة القادرة في زمن غيبة الإمام المعصوم أن تجيب على أسئلة المكلفين في حقول الشريعة وتبين الحلال والحرام في جميع الأبواب وبكل التفاصيل. وهذا البون الشاسع يجب أن يملأ بمرور الزمان وعلى مدى التطور التدريجي للفقه.
من سبق المفيد من الفقهاء قطعوا دون شك أشواطاً قيمة على هذا الطريق. لكن هذا الشيخ الكبير بقدرة نبوغه الفكري يعتبر في هذا الصعيد مبدأ تطور تاريخي وبداية تيار خلاّق متنام متعمق. ويظهر أنه بعد قرون من جمع المصادر الفقهية المتمثلة بنصوص المعصومين والإفتاء على أساس ظواهر هذه النصوص، استلزم الأمر في مرحلة من تاريخ الفقه أن تصب هذه الكنوز القيمة في قالب أفكار علمية وأن يبتكر أسلوب فني للاستنباط.
قبل الشيخ المفيد كان ثمة اتجاهان متفاوتان في فقه الشيعة. أحدهما اتجاه برز فيه علي بن بابويه «ت 329»، وقد نستطيع تسميته اتجاه القميين. وأغلب الظن أن أستاذ المفيد في الفقه أعني جعفر بن قولويه (ت 368) هو من هذه المجموعة. الفقاهة في هذا الاتجاه تعني الإفتاء حسب نصوص الروايات، بحيث أن كل فتوى في كتب هؤلاء الفقهاء تحكي عن وجود رواية في مضمونها. ولذلك حين يكون صاحب الفتوى ثقة ثبتاً فإن فتواه تستطيع أن تقوم مقام حديث. من هنا قال الشهيد (رض) في الذكرى: « قد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن بن بابويه رحمه الله عند إعواز النصوص لحسن ظنهم به وإن فتواه كروايته»([796]).
بديهي أن الفقاهة بهذه الكيفية ابتدائية جداً، وعارية عن الأسلوب الفني المعمق. والفروع المذكورة في الكتب الفقهية لهذا الاتجاه، تنحصر بالفروع المنصوصة، وهي قليلة ومحدودة. وهذا هو الذي أدى إلى أن يوجه المخالفون طعونهم لفقه الشيعة متهمين إياهم بقلة الفروع.
والشيخ الطوسي رحمه الله ألف بعد ذلك كتاب «المبسوط» دفعاً لهذا الطعن.
الاتجاه الثاني يقع في النقطة المقابلة للاتجاه الأول ويستند إلى الاستدلال والظن الغالب، متخذاً من فقه أهل السنّة منطلقاً وقدوة. والشخصيتان المعروفتان في هذا الاتجاه الحسن بن أبي عقيل العماني (توفي قبل 369هج؟) وابن الجنيد الإسكافي (ت حوالى 381). لا تتوفر لدينا معلومات كافية عن هذا الاتجاه ولا حتى عن الفقيهين المعروفين، تستطيع أن توضح لنا بدقة طبيعة اجتهادهما في استنباط المسائل الفقهية، ولكن مما قال المفيد وآخرون عن ابن الجنيد يظهر أنه كان يميل إلى القياس والرأي وبذلك ابتعد عن الطريقة المعروفة والمقبولة لدى الشيعة. أما العماني فلم ينسب إلى هذا الاتجاه بل إنه كما يقول النجاشي: «وسمعت شيخنا أبا عبد الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه الله»([797]). ومما قاله الشيخ في الفهرستين حول كتابه([798]) نستطيع أن نفهم أنه فقيه مستقيم، ولعله كان قريباً من الطريقة التي انتهجها الشيخ المفيد وألّف وحقق فيها وربى تلاميذه عليها… ولكن مع ذلك تعتبر آراؤه غالباً في عداد الشذوذات الفقهية والمتروكة، ولعل هذا هو سبب عدم بقاء شيء من كتابه سوى الاسم بعد العلاّمة والمحقق (رض). ومما تقدم يمكن أن نحدس بأن فقاهته لم تكن سليمة ولا يمكن أن يكون قد خلف بعده اتجاهاً في الفقه. ولا شك أن هذا العلم الأقدم الذي يقول عنه بحر العلوم: «هو أول من هذب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى (فتاوى العلمين/ 13) كان له تأثير على ما توصل إليه الشيخ المفيد لأول مرة من قاعدة صحيحة للفقاهة، بل كان المقدمة لعلم المفيد العلمي.
وكما يلاحظ فإن كلّ واحد من الاتجاهين الفقهيين ناقص في جانب من الجوانب. في الاتجاه الأول الفتوى نفس نص الرواية دون تفريع ودون رد الفرع على الأصل ودون بحث ومناقشة ونقد واستنتاج. الاجتهاد بمعناه المصطلح لا دخل له في هذا اللون من الفقاهة ولا تأثير. والاتجاه الثاني، مع وجود النظر والاستدلال فيه، يبدو أنه ليس وفق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فهو يقترن بالقياس أو ينحو منحى ينتهي بالآراء الشاذة، ولا يقدر له البقاء في حوزة فقاهة الشيعة.
فقه المفيد مبرأ من هذين العيبين، وله كلا المزيتين: مزية الاستناد إلى الأساليب المعتبرة لدى الإمامية، ومزية الاستفادة من الاجتهاد المصطلح وإدخال عنصر الاستدلال والاستنباط النظري في الفقه. من هنا فهو الذي توصل إلى القالب العلمي المقبول والمعتبر لدى الشيعة، وأكسب المواد المأثورة والأصول الملقاة نظاماً علمياً، وأودعه حوزة الفقاهة الشيعية، وبعده استمر نظام الفقاهة هذا عبر القرون حتى وصل إلى ما عليه اليوم من نضج وازدهار.
ومن أجل الاطلاع بشكل إجمالي على قيمة عمل المفيد في حقل الفقه وأهميته، نتحدث فيما يلي عن العناوين الثلاثة التالية:
أ) كتاب المقنعة.
ب) رسائل فقهية صغيرة للمفيد.
ج) كتاب التذكرة بأصول الفقه.
أ ـ كتاب المقنعة:
«المقنعة» دورة كاملة في الفقه، لم يسبقه كتاب فقهي بهذه الخصائص. مقنع الصدوق لا يبلغ هذا الكتاب في جامعية مباحثه الفقهية على أنه مثل كتاب ابن بابويه يضم نصوص الروايات وأن مباحثه أكثر قصراً واختصاراً. المفيد لم يذكر أدلته في هذا الكتاب على فتاويه ولذلك ليس من السهل فهم طريقة استدلاله على هذه الفتاوى، ولكن بالقرينة المطمئنة يمكن القول إن ما أفتاه هذا الكتاب يستند إلى استدلال فقهي مستحكم. وإذا كان هذا الاستدلال غير مدوّن وغير معروض لاستفادة الخلف، فإن تلاميذه وطبقة الفقهاء المتصلة به قد اتخذوه قدوة لأعمالهم وأضافوا إليه. والقرينة المطمئنة كتاب «التهذيب» للشيخ الطوسي. وكما نعلم أن التهذيب شرح للمقنعة، وبيان لاستدلالاته الفقهية. الشيخ الطوسي (رض) في مقدمة ذلك الكتاب يبين دوافع تأليفه ويذكر أن الصديق الذي طلب منه تأليف كتاب «يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية…». اقترح عليه أن يقصد إلى رسالة «المقنعة» للمفيد لأنها كافية شافية خالية من الحشو والزوائد. ثم يبين طريقته في الاستدلال وهي باختصار كما يلي: الاستدلال على كل مسألة بظاهر أو صريح القرآن أو أنواع دلالته المفهومية (مثل: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة والدلالة الالتزامية ونظائرها)، وهكذا الاستدلال بالسنة القطعية بمعنى الخبر المتواتر أو الخبر المحفوف بالقرينة، وهكذا إجماع المسلمين أو إجماع الإمامية، ثم ذكر الأحاديث المشهورة في كل مسألة، ثم النظر في الدليل المعارض (إن وجد) والسعي في الجمع الدلالي بين الدليلين، وإن تعذّر الجمع الدلالي، يرد الدليل المقابل لضعف السند أو لإعراض الأصحاب عن مضمونه، وإن تساوى الدليلان في السند وأمثاله (مثل جهة الصدور أو الإعراض المشهور وغيره) ولا ترجيح لأحد على آخر فالترجيح الخبري الموافق للأصول والقواعد الكلية المستخرجة من الشريعة، وترك الدليل المخالف للأصل والقاعدة. وإن لم يكن ثمة حديث أصلاً فالحمل على ما يقتضيه الأصل، وترجيح الجمع الدلالي على الترجيح السندي، والجمع الدلالي وفق «شاهد الجمع» المنصوص، وعدم تخطيه قدر الإمكان.
هذا هو أسلوب الشيخ الطوسي في الاستدلال على كتاب المقنعة كما ورد في مقدمة كتاب التهذيب. وأهل الفن يعلمون جيداً أنه الأسلوب الجامع في الاستدلال على مر عصور فقاهة الشيعة حتى يومنا هذا، والقالب العام للاستدلال الفقهي في جميع الأعصر التي تلت الشيخ الطوسي (رض) حتى عصرنا الراهن. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه. هل إن الشيخ المفيد ـ مؤلف المقنعة ـ كان غافلاً عن طريقة الاستدلال الجامعة هذه التي تستطيع أن توصل الفقيه إلى فتاوى كل الكتاب وهل توصل إلى تلك الفتاوى دون معرفة بطريقة الاستدلال هذه؟ بعبارة أخرى. هل إن الشيخ الطوسي (رض) مبتكر هذه الطريقة في الاستدلال؟ أو إنه تعلمها من أستاذه المفيد؟ يبدو أن الجواب واضح لو أخذنا كل جواب الموضوع بنظر الاعتبار. نعلم أن الشيخ الطوسي بدأ بتأليف كتاب التهذيب في حياة الشيخ المفيد أي قبل سنة 413. وهذه المقدمة كتبها آنئذ. فقد ورد الشيخ الطوسي العراق سنة 408 حين كان شاباً في الثالثة والعشرين من عمره، وترقى في مدارج العلم والبحث على يد أستاذه الشيخ المفيد، ثم واصل تلقيه العلمي على السيد المرتضى مدة 23 سنة. ومن هنا لا يبقى مجال للشك أن الشيخ الطوسي تعلم هذا الأسلوب الاستدلالي الفقهي على الشيخ المفيد، وبسبب تعرفه على أسلوب استدلال أستاذه استطاع أن يجعل الكتاب مستدلاً وفق أصول استدلال الأستاذ نفسه.
هذا الاستنتاج يزداد قوة وقاطعية حين نلاحظ المباني الأصولية للشيخ المفيد في كتاب الأصول الذي سنتناوله فيما بعد. بملاحظة ذلك الكتاب وما نهج فيه المفيد من أسلوب الاستناد إلى الكتاب والسنّة المتواترة والمحفوفة بالقرائن أو المرسلة المشهورة المعمول بها عند الأصحاب وغيرها من آرائه في الأصول، يتضح بجلاء أن الأسلوب الاستدلالي الذي بينه الشيخ الطوسي في مقدمة التهذيب هو نفس ما كان يؤمن ويعمل به أستاذه ويعلمه لتلامذته. مما تقدم نفهم أن كتاب المقنعة ـ وإن لم يقترن بالاستدلال ـ قد توصل ذلك الفقيه الكبير إلى ما فيه من فتاوى بنفس الأسلوب الاستدلالي الذي تواصل ألف عام بعده في حوزة فقاهة الشيعة.
هذه الطريقة الاستدلالية هي نفس النهج الاستدلالي الكامل الذي لم يكن موجوداً دون شك في أي واحد من الاتجاهين الفقهيين للشيعة أي اتجاه ابن بابويه واتجاه القديمين ـ وشيخنا الكبير مبتكر هذا الاتجاه ومؤسسه وواضع قواعده.
ب ـ الرسائل الفقهية:
هذه الرسائل على قلة حجمها تعبر عما كان يتمتع به الشيخ الكبير من عمق علمي فقهي. بعض هذه الرسائل مثل رسالة «المسح على الرجلين» و«ذبائح أهل الكتاب» تشتمل على استدلالات جدلية شبه عقلية، لكن بعضها الآخر يحتوي حقاً على أسلوب مستحكم وقوي ومنظم فقهي مثل رسالة «المهر» أو «جوابات أهل الموصل في الرؤية والعدد» أو «المسائل الصاغانية». في رسالة الرؤية والعدد التي تختص بردّ القول المنسوب إلى الصدوق (رض) وبعض الفقهاء القدماء بشأن عدد أيام شهر رمضان وأنها ثلاثون يوماً، الشيخ المفيد يقرن الاستظهار من الآيات، والاستنباط من اللغة، والاستشهاد بالأحكام الفقهية المسلمة، والبحث في فقه الحديث بشأن الروايات التي يستدل بها الخصم، والمناقشة في السند، وذكر أحوال الرجال، وذكر نكات كثيرة في فهم الأحاديث والاستنباط منها مستفيداً من كل واحد منها على أفضل وجه وأنضجه. ومن أعماله الرائعة في هذه الرسالة أنه في موضع منها بعد ذكر الحديث الذي يستدل به الطرف المقابل، يضعف سنده، ويعتبر مضمونه غير معقول وبعيداً عن الأسلوب الحكيم للإمام وناتجاً عن جعل عامي وجاهل، وإضافة إلى ذلك يثير احتمال إرسال سنده وهذه النكتة الأخيرة تدل على تبحره وإحاطته بالحديث (راجع الرسالة المذكورة، ص 23 وما بعدها. الفصل المرتبط برواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام). رسالة «المسائل الصاغانية»، التي يجيب فيها على إشكالات فقيه حنفي من أهل صاغان في عشر مسائل فقهية، نموذج آخر على ما في الشيخ الكبير من قوة استدلال وتبحر فقهي. هذه الرسالة ـ وإن كانت ذات طبيعة كلامية أي أنه يواجه فيها الخصم غير الشيعي الذي يتهمه بالبدعة، بنسبة الافتراء والبدعة إليه وإلى إمامه ـ فهي تبين بوضوح لكل قارىء خبير قوة الاستدلال والروح العلمية والفقاهة الاجتهادية لدى الشيخ المفيد، لأن المسائل المعروضة فيها فقهية بشكل عام.
هذه الرسالة ورسالة «العدد والرؤية» تستطيع أن تكون أفضل شاخص لما بلغه الشيخ المفيد من مكانة إبداعية، وأحسن دليل على أن ما يشاهد في طبقة تلاميذه وتلاميذ تلاميذه من أسلوب علمي في الفقاهة إنما هو ناشىء تماماً عن الأسلوب الذي أسسه ووضع قواعده ذلك الرجل الكبير.
ج ـ كتاب التذكرة بأصول الفقه:
علم الأصول، منهج الاستنباط الفقهي… أسلوب للوصول إلى الأحكام العملية من الأدلة المعتبرة. تنظيم القوانين والقواعد الأصولية بمثابة وضع منهج للفقاهة. بدون مثل هذا المنهج تكون ساحة الفقاهة بدون حدود وعرضة للخلط والشوائب والاشتباه، والأحكام المستخرجة تفقد لا محالة اعتبارها المطلوب. أضف إلى ذلك أن أذواق الفقهاء وآراءهم الشخصية وفهمهم الفردي سيكون لها دور يتجاوز الحدّ في نتيجة الفقاهة، وتصاب آراء الفقهاء بالتشتت وعدم الانتظام.
صحيح أن علم الأصول كلما ازداد عمقاً ونضجاً وتعقيداً ساعد على سلامة الآراء الفقهية، غير أن الذي يؤثر في غاية الفقاهة ونتيجتها أكثر من ذلك، أصل إيجاد هذا العلم ووضعه. أساس علم أصول الفقه وبنيته نجده دون شك في كلمات الأئمة عليهم السلام وفيما يطلق عليه اسم «الأصول المتلقاة». ولكن أول كتاب في الأصول لدى الشيعة دوّن ـ على ما نعلم ـ بيد الشيخ المفيد. وهو الكتاب الصغير في الحجم الضخم في محتواه المسمى «التذكرة بأصول الفقه» وأنه أغلب الظن مختارات انتخبها تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي (ت 449 هـ) من أصل كتاب المفيد الذي كان هو أيضاً صغير الحجم.
هذا الكتاب على صغره له أهمية فائقة لأنه: أولاً ـ أول كتاب دوّن في أصول الفقه عند الشيعة. يقول الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتاب عدة الأصول: «ولم يعهد لأحد من أصحابنا في هذا المعنى إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله في المختصر الذي له في أصول الفقه»([799]). وثانياً ـ فيه مباحث كثيرة بعبارات مقتضبة، وفي مباحث الألفاظ خاصة عناوين عديدة تشتمل على أبحاث هامة. وثالثاً ـ في بعض مباحثه توجد نظرات للشيخ الكبير تشبه إلى حد كبير ما ذكره المحققون الأصوليون في عصور متأخرة جداً. فما ذكره مثلاً في باب نسبة العام والخاص يشبه إلى حد كبير ما يسمى «الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية» في تحقيقات أسلافنا القريبين من زماننا. عبارة الشيخ المفيد في هذا المورد كما يلي «والذي يخص اللفظ العام لا يخرج منه شيئاً دخل تحته، وإنما يدل على أن المتكلم به أراد به الخصوص ولم يقصد به إلى ما بني في اللفظ له في العموم…» (ص 37). رابعاً ـ الكتاب ـ وقد أريد له الاختصار([800]) ـ قدمت فيه المباحث التي هي أكثر ضرورة وعملية في استنباط الأحكام الفقهية. وأهملت المباحث التي يغلب عليها الطابع النظري مثل بحوث حقيقة العلم أو حقيقة الكلام التي تعمق وتوسع فيها شيخ الطائفة في بداية عدة الأصول. في اعتقادي أنه من الرائع جداً أن لا يغفل الكتاب ـ على اختصاره ـ عن ذكر مباحث من قبيل: أن العموم والإطلاق خص بالسنّة القولية، وليس للعموم والإطلاق مجال في السنة الفعلية([801])، أو أن الأمر عقيب الخطر لا يفيد أكثر من الإباحة([802]) أو أن الاستثناء عقيب الجمل المتعددة ـ إن لم توجد قرينة ـ يعود إليها جمعياً([803]) وأمثال ذلك.. ولتأثيرها وتكررها في الاستنباطات الفقهية بينت بعبارات مناسبة.
مما ذكرنا يتضح أن شيخنا الكبير… بتدوينه كتاب الأصول كان يعكف على إعداد المقدمات اللازمة لإبداع قالب علمي وفني للاستنباط الفقهي. وعلم الأصول ـ بالنسبة له ـ ليس مجموعة من المعارف الذهنية وشبه الكلامية. بل هو ـ كما صرح أيضاً تلميذه في مقدمة عدة الأصول ـ ما تبتني عليه أحكام الشريعة، ولا يكتمل علم الشريعة دون استحكام هذا الأساس، ومن لم تكن الأصول عنده مستحكمة فهو حاك ومقلد وليس بعالم([804]).
3 ـ ابتكار أسلوب الجمع المنطقي بين العقل والنقل في الفقه والكلام:
هذا هو البعد الثالث من شخصية شيخنا الكبير باعتباره مؤسس ورائد الحركة العلمية لدى الشيعة.
وفي هذا المجال أيضاً فتح الشيخ الكبير طريقاً جديداً بين الاتجاه العقلي المطلق للمعتزلة ومن حذا حذوهم من الشيعة ـ مثل آل نوبخت ـ وبين الاتجاه الحديثي عند الشيخ الصدوق.
المعتزلة في عصر نشاط الاعتزال ـ أعني في أواخر العصر العباسي الأول (المنتهي بأواسط القرن الثالث الهجري) ـ تأثروا بشدّة بتيار الأفكار الفلسفية الأجنبية (اليونانية، والبهلوية، والهندية، وغيرها). الوافدة على العالم الإسلامي وبترجمة آثارها. وفي ذلك الزمان كان ذلك التيار الوافد وهكذا أفكار المعتزلة موضع تشجيع الخلفاء وخاصة المأمون. ردة الفعل أمام هذا الاتجاه العقلي تمثلت في حركة أصحاب الحديث من أهل السنّة والمحدّثين الشيعة مثل الصدوق رحمه الله، الذين أرادوا أن يفهموا كل المعارف الكلامية والاعتقادية من الحديث.
واتجه المفيد في عمله العلمي الكبير إلى إثبات أن العقل ـ وهو مستقل ـ عاجز عن فهم جميع المباحث التي يتناولها علم الكلام. في باب صفات الباري ـ مثلاً ـ كالإرادة والسمع والبصر وأمثالها، العقل إنما يستطيع أن يلج باب المعرفة بمدد الوحي، ووروده لوحده في هذا الوادي المرتبط بحضرة الربوبية، هو ورود في التيه والضلالة. وهذا في الواقع مضمون نفس الروايات التي نهت عن الخوض في صفات الله تعالى. لم يستهدف المفيد ـ إذن ـ حرمان العقل من أن يلج ساحته المرتبطة به ـ التي ليس للسمع والوحي فيها طريق ـ أي ساحة إثبات الصانع والاستدلال على وجود الباري أو التوحيد أو النبوة العامة بل استهدف حدّ العقل بنفس الحدود التي عيّنها له خالق العقل كي لا يسقط في التيه والضلال.
جاءت عبارة أوائل المقالات في موضع: «إن استحقاق القديم سبحانه بهذه الصفات (أعني كونه تعالى سميعاً بصيراً ورائياً ومدركاً» كلها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول»([805]). وفي موضع آخر: «إن كلام الله تعالى محدث وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم»([806]) وفي موضع آخر: «إن الله تعالى مريد من جهة السمع والاتباع والتسليم على حسب ما جاء في القرآن، ولا أوجب ذلك من جهة العقول»([807]) وفي موضع آخر في عبارة عامة: «اتفقت الإمامية على أن العقل يحتاج في عمله ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفكّ عن سمع ينبّه العاقل على كيفية الاستدلال… وأجمعت المعتزلة… على خلاف ذلك وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع والتوقيف…» ([808]).
مثل هذه التصريحات كثيرة في كلمات المفيد مع ذلك فهو يقبل سندية النقل حيث لم يقم برهان عقلي على امتناعه. ولذلك في باب ظهور المعجزات عن الأئمة عليهم السلام، قبل أن يذكر ورود دليل سمعي عليها يقول: «فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلاً ولا ممتنع قياساً»([809]) مثل هذا الكلام كرره في مواضع أخرى([810]). ولكنه في «تصحيح عقائد الإمامية» الذي هو تعليق على «اعتقادات الشيخ الصدوق»، بعد أن يحكم برد الحديث المخالف للقرآن يعلن بصراحة تفوق صراحته في المواضع الأخرى، ويقول: «وكذلك إن وجدنا حديثاً يخالف أحكام العقول اطرحناه، لقضية العقل بفساده»([811]) وفي هذا البيان ـ إضافة ـ إلى ردّه الحديث المخالف لحكم العقل ـ يرى أن أساس هذا الرد هو حكم العقل أيضاً. وبذلك يؤكد بشكل مضاعف على حجية الاستدلال العقلي.
الاعتماد على الاستدلال العقلي في مدرسة الشيخ المفيد تصل إلى حد نراه في بحث «الألم للمصلحة دون العوض» بعد بيان رأيه الفريد الذي لا يشاركه فيه العدلية ولا المرجئة، يقول بثقة قلَّ لها نظير: وقد جمعت فيه أصول يختص بي جمعها دون من وافقني في العدل والإرجاء، بما كشف لي في النظر عن صحته ولم يوحشني من خالف فيه، إذ بالحجة لي أتم أنس ولا وحشة من حق والحمد لله»([812]) ولما كان قد استند في الألم والبحوث المتفرعة عن اللطف عامة إلى الأدلة العقلية لا السمعية، لذلك فإن قصده من (الحجة) في العبارة المذكورة هو الاستدلال العقلي نفسه.
ورود عنصر «السمع» في بناء المدرسة الكلامية للشيخ المفيد أدى ـ بالاستمداد من كلمات الأئمة عليهم السلام ـ إلى أن تأخذ كثير من المباحث الشائكة التي تتطلب مسيراً طويلاً للتوصل إلى كلام الحق فيها مكانها بسهولة في المجموعة الكلامية لذلك الشيخ الكبير، وأدى إلى إنقاذ المسيرة الكلامية للشيعة بعد المفيد من الانحرافات والاضطرابات الفكرية.
على سبيل المثال نذكر أن المعتزلة في مسألة صفات الباري طوت طريقاً طويلاً ابتداءً من نفي الصفات كما جاء في كلام واصل بن عطاء ومروراً بنظرية نيابة الذات عن الصفات، حتى الوصول إلى نظرية التوحيد بمعنى عدم زيادة الصفات على الذات، وإن صفات الله تعالى عين ذاته في الوجود. بينما نرى هذه المسألة في كلمات المفيد متخذة من السمع أعني نهج البلاغة والروايات الصادرة عن الأئمة عليهم السلام. ومن هذه الروايات يستفاد أيضاً أن هذه المباحث كانت متداولة في زمن الأئمة عليهم السلام بين الشيعة، وكانوا ينهلون بشأنها من النبع الخالد لعلم أهل البيت (راجع الكافي 1/107 باب صفات الذات والفصول المختلفة من توحيد الصدوق وخطبة نهج البلاغة).
ويلفت النظر إلى الشيخ المفيد في الرسائل الكلامية المختصرة مثل: «النكت في مقدمات الأصول» يلجأ حتى في باب صفات الباري (حيث حصر استدلال هذا الباب في أوائل المقالات بالاستدلال السمعي) إلى الاستدلال العقلي إلى جانب الاستدلال السمعي.
يقول مثلاً:
«فإن قال: ما الدليل على أنه قادر؟ فقل: تعلق الأفعال به مع تعذرها في البداءة عن العاجز..» ويقول أيضاً: «ما الذي يدل على أنه عالم؟ فقل: الصفة في البداءة على الجاهل»، ونفس الترتيب في باب السميع والبصير والحكيم.. (النكت في مقدمات الأصول ص 33 ـ 34).
وهذا لا يمكن اعتباره عدولاً عن الأصل المذكور في أوائل المقالات. لقد سبق أن ذكرنا أن الرسائل الموجزة التي دوّنها الشيخ المفيد على شكل سؤال وجواب هي بالاحتمال القوي منهج عملي لمتعلمي الجدل الكلامي من الشيعة القاصين الذين ما كان بإمكانهم أن ينالوا أستاذاً كالشيخ المفيد. والشيخ الكبير في تلك الرسائل، اختار طريق البحث العقلي باعتباره أجدى طريق لمواجهة أي مخاطب.
بهذا الشكل يتضح أن الجمع بين الحجة العقلية والدليل النقلي في المنهج الكلامي للشيخ المفيد من أبرز أعماله الكبيرة والمبتكرة.
آمل أن تحظى هذه العناوين الهامة والجوانب الوضّاءة الكثيرة الأخرى من الحياة العلمية للشيخ المفيد باهتمام ومتابعة هذا المجمع العلمي والتحقيقي.
في خاتمة هذا المقال يجدر أن نؤكد أن هذا النابغة الكبير قد قام ما قام به من جهاد علمي طويل وتأسيس صرح علم الفقه وشق الطريق الوسط في الكلام في ظروف وأوضاع اجتماعية صعبة.
حكومة آل بويه في بغداد، وإن استطاعت أن توجد جواً مناسباً للبحث العلمي الحر، لم تستطع أبداً أن تحل مشكلة المواقف المتعصبة لفقهاء الحنابلة، وضغوط جهاز الخلافة العباسية على الشيخ المفيد وعامة الشيعة. مظلومية شيعة الكرخ في بغداد والمحن العظيمة التي مرت عليهم وعلى زعيمهم الكبير حقائق يشهد لها التاريخ بصراحة. المظنون أن الشيخ المفيد غير المرات الثلاث من النفي التي ذكرتها كتب التاريخ، قد تعرض لمحنة أخرى خلال مدة دامت سنتين تقريباً بين 405 و407 ولا نعرف طبيعة هذه المحنة. وهذا الظن يأتي من عدم وجود أي ذكر للشيخ المفيد في قضايا وفاة السيد الرضي تلميذه المحبوب سنة 406، مع أن الكتب ذكرت تفاصيل التشييع وخصوصياته، والقاعدة تقتضي ذكر الشيخ المفيد تكراراً في هذا الحادث. وثمة قرينة أخرى تبعث على هذا الظن هي أن أمالي الشيخ المفيد التي كان يُلقي حوالي شهر رمضان من كل سنة، عدد من مجالسها في بيت الشيخ أو في مسجده بباب الرباح واستمرت من سنة 404 إلى سنة 411، لم تلق خلال السنتين 405 و406 ولا يوجد أي مجلس يرتبط بهاتين السنتين في مجموعة أمالي الشيخ المفيد.
وأيضاً، هناك قرينة أخرى نتلمسها من قضايا محرم سنة 406 إذ اندلعت فتنة كبيرة أخرى من الفتن والمحن المكررة التي ألمّت بالشيعة. وفيها اختارت حكومة بغداد السيد المرتضى ليكون ممثل الشيعة ورئيسهم الذي يتحدث عندها عنهم، لا الشيخ المفيد، والحال أن الرئيس المطلق للشيعة بلا منازع في تلك الأيام وقبلها كان الشيخ المفيد، والسيد المرتضى يعتبر تلميذه ومريده المتواضع ومن أتباعه.
هذه القرائن تبعث على الظن بمحنة الشيخ المفيد في تينك السنتين مما أدّت إلى غيابه عن بغداد، ويجب التحقيق في ذلك. والشيخ المفيد وسط هذه المشاكل المتفاقمة وبتحمل مسؤوليات قيادة الشيعة في العراق بل في جميع العالم حقق هذا النجاح الباهر في حقل معارف الشيعة.
تأسيس الشيخ المفيد
ونترك الكلام بعد هذا للدكتور عبد الهادي الفضلي:
من الطبيعي أن لا يختلف علم الفقه الاسلامي عن سواه من العلوم الأخرى، فيتطور كما تطورت، وتتكون فيه مدارس كما تكونت فيها.
ولعل الفارق بينه وبين الكثير منها تعدد المدارس في كل من الطائفتين: الشيعة، وأهل السنّة.
فقد كانت هاتان الطائفتان في بدء انبثاقهما في القرن الأول الهجري بمثابة مدرستين، ثم وبفعل عوامل مختلفة تحولتا إلى طائفتين، وكان لكل طائفة منهما مدارسها.
والفارق بين مدارس الطائفة منهما والأخرى أنها عند أهل السنّة بدأت بمدرسة الرأي، ثم قامت مدرسة الحديث، وسارت المدرستان جنباً إلى جنب، واتخذت مدرسة الرأي الكوفة مركزاً لها عن طريق عبد الله بن مسعود الذي كان أبرز من تبنّى منهج مدرسة الرأي وفكرها.
ومن أشهر أعلام هذه المدرسة في الكوفة ابن أبي ليلى، وابن شبرمة.
وأخذت طابعها الواضح، وراحت تضع بصماتها على الكثير من مراكز الدراسات الفقهية الإسلامية على يد إمام المذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي.
أما مدرسة الحديث فاتخذت من المدينة المنورة مركزاً لها، واشتهر من أعلامها الفقهاء السبعة:
1 ـ سعيد بن المسيب.
2 ـ عروة بن الزبير.
3 ـ أبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي.
4 ـ عبيد الله بن عبد الله.
5 ـ خارجة بن زيد بن ثابت.
6 ـ القاسم بن محمد بن أبي بكر.
7 ـ سليمان بن يسار.
وقد قيل في منهجهم وتعداد أسمائهم:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر
روايتهم عن العلم ليست خارجه
فقل: هم عبيد اللهِ، عروهْ، قاسمٌ
سعيدٌ، أبو بكرٍ، سليمانُ، خارجهْ
وانتهت رئاسة هذه المدرسة إلى إمام المذهب مالك بن أنس، وعن طريقة انتشرت في البلدان الإسلامية.
ومنذ البدء، وعلى عهد الصحابة، كانت المدرستان معاً في زمن واحد، وسارتا تمونان الفقه السني في هدي منهجيهما بالفكر الفقهي الإسلامي من الحديث، أو منه ومن الرأي.
بينما كان التطور عند الشيعة، أو قل: في مذهب أهل البيت تطوراً طولياً أو امتدادياً، كالتالي:
1 ـ فأول ما كان من مدارسه مدرسة النص، وكانت تعد المقابل لمدرسة الرأي، حيث كان المصدر فيها الكتاب والسنّة فقط، والاجتهاد الفقهي فيها محوره نصوصهما، ويتحرك في إطار فهمها لاستفادة الحكم.
في الوقت الذي كان مصدر مدرسة الرأي: الكتاب والسنّة، مضافاً إليهما الرأي، وكان الاجتهاد الفقهي فيها يتحرك داخل إطار النصوص للقرآن والسنّة وخارجهُ في هدي ما يقدّره رأي المجتهد من المصلحة والمفسدة.
2 ـ وفي عهود الأئمة أبناء علي عليه السلام حيث انتشر التشيع، وكثر عدد الشيعة، وتوزع الرواة عن الأئمة في مختلف البلدان الإسلامية، نشأ ما أسميته بمدرسة الفقهاء الرواة، تكونت المدرسة التي كان علماؤها من أمثال: زرارة بن أعين، وأبي حمزة الثمالي، وأبا بن تغلب، ومحمد بن مسلم، ويونس بن عبد الرحمن، يجتهدون في فهم دلالة الحديث، وفي تطبيق الأحاديث التي هي بمثابة قواعد عامة على مواردها.
وقد أغنت هذه المدرسة الفكر الفقهي الشيعي بالحديث الفقهي، حيث خلفت أربعمائة أصل، وأكثر من هذا الكم من الكتب الأخرى.
3 ـ وامتدت هذه المدرسة حتى نهاية القرن الثالث الهجري، وفي القرن الرابع الهجري تمثلت في ما أسميته بمدرسة الفقهاء المحدثين.
ويمكننا أن نطلق على فكرها الفقهي اسمه الفقه المأثور، لأن أعلامها كانوا يفتون بالمأثور، أي يتخذون من عبارة ومتن الحديث فتوى يلقون بها إلى مقلديهم.
وكان زعيما هذه المدرسة في نهاية الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى المحدثين الصدوقين اللذين أصدقا وصدّقا المنهج المشار إليه في الرسالة المسماة بـ «الشرائع» للصدوق الأب علي بن الحسين بن بابويه القمي، وكتاب (من لا يحضره الفقيه) للصدوق الابن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي.
وتركزت هذه المدرسة في (قم)، وعرف أصحابها في الفقه الشيعي بلقب (القميين)، ونسبت إليهم فتاوى تفرّدوا بها.
4 ـ وفي هذه الفترة، فترة الانتقال للشيعة من عهد الحضور إلى عهد الغيبة، كان بدء استقلال الفقهاء الشيعة بمهمة الزعامة للشيعة نيابة عن الإمام، وبوظيفة الإفتاء دون أن يكون هناك لقاء بالإمام.
إن هذا الاستقلال فرض عليهم أخذ الأهبة الكافية والاستعداد الوافي للقيام الكامل بالمسؤولية المناطة بهم، فانتهى مركز قم العلمي إلى ما أشرت إليه من الفقه المأثور، وهو قد يقابل ما عرف عند أهل السنّة بمدرسة الحديث، وانبثق في مركز بغداد العلمي، وعلى يدي القديمين ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، شيء من استخدام الرأي، وربما كان للأجواء العلمية في بغداد آنذاك، حيث كانت الامتداد الطبيعي لمركز الكوفة العلمي، تأثير عليهما، بغية الإعداد لهذا الاستقلال الذي أشرت إليه، فجاء منهما في الفكر والمنهج ما يشبه الموجود في مدرسة الرأي عند أهل السنّة، فقد عرف عن ابن الجنيد استخدامه القياس، ذلك الاستخدام الذي دفع غير واحد من علمائنا للإفتاء بالمنع من الرجوع إلى مؤلفاته لما فيها من نتائج أملاها عليه قياسه، واستناده إلى طريقة الرأي.
فأصبح في هذه الآونة القصيرة من الزمن عند الشيعة ما يماثل أو يقارب ما عند أهل السنّة من وجود مدرستين: مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، الأولى مركزها في قم، والثانية في بغداد.
5 ـ ولعل من وفاء وسخاء المناسبة أن يزور الشيخ الصدوق بغداد في عصر الشيخ ابن الجنيد، ويقوم بالتدريس والتحديث، ويحضر حلقة درسه، وتحت منبره الشيخ المفيد، فتصب مدرسة الفقهاء المحدثين في حوزته.
وفي الوقت نفسه كان الشيخ المفيد قد تتلمذ على يدي الشيخ ابن الجنيد، فهضم وتمثل منهج وفكر مدرسة القديمين.
ولأن الشيخ المفيد كان حديد الذهن، شديد الذكاء، عقلاني التفكير، نزّاعاً ـ وبقوة ـ إلى أن يترسم فقهُ أهل البيت طريقه في وضوح ونقاء، مزج بين المدرستين، واستخلص الزُبْدَ من مخيضهما، فخرج من بينهما بما أطلقت عليه اسم (المدرسة الأصولية) حيث وضع ـ رضوان الله عليه ـ الأصول التي جمعت بين النقل والعقل، فأخذ من هذه وتلك، في ضوء ما استهداه من معطيات الشرع الحنيف.
وتمثل عمله لإرساء قواعد المدرسة الأصولية بالتالي:
1 ـ تأليفه في أصول الفقه.
فقد ألف في أصول الفقه الذي هو بمثابة المنهج العلمي للبحث الفقهي والاجتهاد الشرعي، ألّف كتابه المعروف بـ «التذكرة» والذي اختصره تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي، وأودعه كتابه الموسوم بـ «كنز الفوائد»، المطبوع أكثر من مرة، ثم نشر مستقلاً من قبل مركز الدراسات والبحوث العلمية العالية ببيروت سنة 1408 ـ 1988 م.
وهو ـ في حدود ما وقفت عليه في فهارس الكتب المطبوعة ـ أول كتاب في أصول الفقه يضم بين دفتيه جميع مباحث أصول الفقه المعروفة آنذاك، ولكن بشكل مختصر، فقد ذكر من المؤلفات في أصول الفقه قبل الشيخ المفيد أمثال كتاب (الألفاظ) لهشام بن الحكم، وهذا الكتاب فيما أخال أنه ليس في أصول الفقه لعدم وصول شيء من محتوياته يشير إلى هذا، ولأن عنوان (الألفاظ) من العناوين المستعملة قديماً في علم المنطق، وفي الفلسفة، ويراد به المصطلحات المنطقية أو الفلسفية، ولأن هشاماً عرف بتخصصه بالحكمة، فمن المظنون قوياً أنه في مصطلحات الحكمة.
يضاف إليه أن الشيعة في عهد هشام لم يكونوا بحاجة ماسة لأصول الفقه لوجود الأئمة بين ظهرانيهم، ويسر الرجوع إليهم، وكل الذي كانوا بحاجة إليه بعض القواعد العامة، وبخاصة ما يرتبط بتقييم الراوي وتعارض الروايتين، وأمثال هذه، فلا أخال أن هشاماً وهو يعلم هذا يقوم بوضع شيء في الأصول، ودون أن يضمنه أحاديث عن الأئمة تعرب عن القواعد الأصولية، ولو أشير فيه إلى ذلك لنقل عنه لأهمية الموضوع.
وذُكرتْ أيضاً كتب أخرى في بعض موضوعات من أصول الفقه أمثال كتب أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي من القرن الثالث الهجري، وهي:
ـ الخصوص والعموم.
ـ إبطال القياس.
ـ نقض اجتهاد الرأي.
وكتب الحسن بن موسى النوبختي، وهي:
ـ خبر الواحد والعمل به.
ـ الخصوص والعموم([813]).
وهذا ـ كما ترى ـ يعني أن الشيخ المفيد أول من قام بتدوين كامل لعلم أصول الفقه.
ولمسؤوليته في تكوين المدرسة الأصولية التي تحملّها أثر واضح في هذا.
2 ـ تأليفه في المتن الفقهي.
فقد ألف فيه رسالته المسماة بـ «المقنعة»، وهي مجموعة فتاواه لمقلديه، ولم يلتزم فيها بمتون وعبارات ونصوص الأحاديث، وإنما كانت من تعبيره وبأسلوبه الخاص. وهو يهدف بهذا إلى إنهاء ما التزمت به مدرسة الفقهاء المحدثين من الفقه المأثور أو الإفتاء بالمأثور.
وهي أول رسالة ـ في حدود اطلاعي ـ تؤلف بهذه الطريقة التي لم تلتزم الإفتاء بالمأثور.
3 ـ تأليفه في نقد الحديث.
حيث ألف فيه كتابه المذكور اسمه في قائمة مؤلفاته، وهو (الكلام في فنون الخبر المختلق بغير أثر).
ومن عنوان الكتاب يُفهم أنه يريد أن يُلمس أهلَ الحديث أن في المرويات مختلقات، فلا بد من تلمُّس الطريق إلى نقد الحديث، والتوقف عن التطرف في الإفراط بالعمل به دونما تأكد من صدوره عن المعصوم.
وألف فيه أيضاً كتابه الآخر، والمذكور عنوانه في قائمة مؤلفاته أيضاً، وهو (مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار).
وعنوانه صريح في تحديد موقفه من الإفراط في الأخذ بالحديث.
4 ـ تأليفه في نقد اجتهاد الرأي والقياس.
فقد ذُكر في قائمة مؤلفاته الاسمان التاليان:
ـ كتاب النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي.
ـ مسألة القياس.
5 ـ تدريسه الفقه وأصوله.
وكما رأينا أن المؤلفات المذكورة أسماؤها في أعلاه كان لها الدور الكبير في التخفيف من ثقل مدرسة المحدثين، ومن ثقل مدرسة القديمين، لئلا يكون في البين منهجان وخطان متعارضان أو متوازيان.
وقد استطاعت أن تحقق أهدافها بتدعيمه لها من خلال تدريسه للفقه وأصوله.
6 ـ تربيته لتلامذته على الالتزام بخط مدرسته.
ومن أبرز هؤلاء الذين أكّد وركّز على تربيتهم: الشريف المرتضى والشيخ الطوسي.
وقد رأينا أثر تربيته في كتابيهما الكبيرين في أصول الفقه (الذريعة) و(العدة)، فقد بُنيا على ما أسس أستاذهما المفيد في أصول الفقه تأليفاً وتدريساً.
وبهما ـ أعني الذريعة والعدة ـ ركّز أصول الفقه، وهيمن على الجو العلمي الشرعي، واستقطب حلقات الدرس الفقهي.
وصارا المصدرين الأساسيين اللذين رجع إليهما كل من ألّف في أصول الفقه من العلماء من تلامذة السيد الشيخ، ومن جاء بعدهم.
7 ـ تكوين بغداد مركزاً علمياً للشيعة.
وبفضل جهود الشيخ المفيد، وعلاقته بالحكام من آل بويه استطاع أن يكوّن من بغداد مركزاً علمياً للفقه الشيعي استقطب وجلب الطلاب من كل بلاد المسلمين، وازدهر بما تفوق به على ما سواه من مراكز بالنتاج الفكري الجديد في الفقه وأصوله، والحديث ورجاله، والعقيدة ومقالاتها، وما إلى هذه.
8 ـ فتح الفروع العلمية.
فقد ذكر تاريخياً أن الشيخ المفيد وتلامذته، وبخاصة الشريف المرتضى والشيخ الطوسي، عملوا على فتح فروع علمية لمركز بغداد.
ومن أهم هذه الفروع مركز حلب العلمي الذي أدار الحركة العلمية فيه القاضيان ابن البراج والديلمي، وكان من أعلامه بنو زهرة، فقد أسهم هذا المركز إسهاماً ملحوظاً في تركيز المدرسة الأصولية([814]).
9 ـ توسيع نطاق المرجعية.
ولأجل أن يرسّخ الشيخ المفيد أُسُسَ مدرسته الأصولية عمل على توسيع مسؤوليات المرجعية بما يشمل الافتاء والتدريس وإدارة شؤون التعليم الفقهي بإقامة منشآته والصرف على طلابه ومختلف احتياجاته واحتياجاتهم، وتعيين الوكلاء في المناطق وإيفاد المبلغين، ونصب القضاة في البلدان، وجباية الأموال الشرعية، وتعهد شؤون الشيعة بخاصة والمسلمين بعامة في إطار التوجيه إلى الصالح، والدفاع عن حقوقهم أمام الحكام والموظفين من قبلهم.
وهو عامل مهم في نشر الفكرة وتوطيد المبدأ.
وبتأثير هذه الأعمال حقق الشيخ المفيد النجاح لمدرسته، واستطاع أن يجعلها الوريث السليم السوي لمدرسة المحدثين ومدرسة القديمين في الهيمنة على مراكزهما أيضاً.
وأهم وأبرز معالم مدرسة الشيخ المفيد الأصولية هي:
1 ـ تربيع مصادر الفقه.
فقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه (أصول الفقه) منها:
ـ الكتاب.
ـ السنة.
ـ حديث الأئمة.
وأشار فيه إلى أهمية العقل، وإلى مصدريته ومصدرية الإجماع في كتب أخرى له ـ كما سيأتي.
وذكر تلميذاه المرتضى والطوسي في (الذريعة) و(العدة):
ـ الكتاب.
ـ السنّة.
ـ الإجماع.
وأشار الشريف المرتضى إلى مصدرية العقل في إحدى رسائله([815]).
2 ـ توثيق السنّة.
وذلك بلزوم دراسة السند، كما هو واضح في عدة الشيخ الطوسي في مبحث خبر الواحد.
3 ـ استخدام القواعد الأصولية في دراسة دلالات الألفاظ لاستفادة الحكم الشرعي عن نصوص القرآن والحديث، وفي بيان وظيفة المكلف عند الشك في الحكم.
ترى هذا مجموعاً ومتفرقاً في مؤلفات المدرسة في تلكم الحقبة من الزمن.
4 ـ اعتماد دراسة رجال الحديث.
وتمثل هذا في مؤلفات الشيخ الطوسي: الاختيار والأبواب والفهرست، وفي كتاب معاصره في الزمن ومزامله في الدرس الشيخ أبي العباس النجاشي.
5 ـ اعتماد طريقة الاستدلال الفقهي.
وبدأ هذا في كتاب (المبسوط في فقه الإمامية) للشيخ الطوسي.
وبعد هذا التعريف الموجز لعمل الشيخ المفيد في تأسيس المدرسة الأصولية، والتي عليها مدار الدرس والاجتهاد منذ عهده حتى الآن، من المفيد أن أذكر بعض النقول من كتبه التي تشير إلى شيء مما تقدم وهي:
1 ـ نص منقول من رسالته (جواب المسائل السروية) من ص (222) إلى ص (224) ينقد فيه طريقة شيخه أبي جعفر الصدوق وأتباعه عن أصحاب الحديث، وطريقة شيخه ابن الجنيد، ثم يبين طريقته التي شرعها مستفيداً إياها من واقع الموروث الشرعي وخطوات التعامل معه، وهو:
لا يجوز لأحد من الخلق أن يحكم على الحق، فما وقع فيه الاختلاف من معنى كتاب أو سنة أو مدلول دليل عقلي لا يعمل به إلاّ بعد إحاطة العلم بذلك، والتمكن من النظر المؤدي إلى المعرفة، فمتى كان مقصراً عن علم طريق ذلك فليرجع إلى من يعلمه، ولا يقول برأيه وظنه، فإن عوّل على ذلك فأصاب الاتفاق لم يكن مأجوراً، وإن أخطأ ألحق فيه كان مأزوراً.
والذي رواه أبو جعفر ـ رحمه الله ـ فليس يجب العمل بجميعه إذا لم يكن ثابتاً من الطرق التي تعلق بها قول الأئمة عليهم السلام، إذ هي أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً، وروايتها عمن يجوز عليه السهو والغلط.
وإنما روى أبو جعفر ـ رحمه الله ـ ما سمع ونقل ما حفظ، ولم يحسن العهدة في ذلك.
وأصحاب الحديث ينقلون الغث والسمين، ولا يقتصرون في النقل على المعلوم، وليسوا بأصحاب نظر وتفتيش، ولا فكر فيما يروونه وتميز، فأخبارهم مختلفة لا يتميز منها الصحيح من السقيم إلاّ بنظر في الأصول، واعتماد على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحة المنقول.
فأما كتب أبي علي بن الجنيد فقد حشاها بأحكام عمل فيها على الظن، واستعمل فيها مذهب المخالفين، والقياس الرذل، فخلط بين المنقول عن الأئمة عليهم السلام، وبين ما قاله برأيه، ولم يفرد أحد الصنفين من الآخر، ولو أفرد المنقول من الرأي لم يكن فيه حجة لأنه لم يعتمد في النقل المتواتر من الأخبار، وإنما عوّل على الآحاد.
وإن كان في جملة ما نقل غيره من أصحاب الحديث ما هو معلوم (إلاّ أنه لم) يتميز له ذلك، لعدولهم عن طريق النظر فيه، وتعويلهم على النقل خاصة، والسماع من الرجال، والتقليد دون النظر والاعتبار.
فهذا ما عندي في الذي تضمنته الكتب للشيخين المذكورين في الحلال والحرام من الأحكام.
وللشيعة أخبار في شرايع مجمع عليها من عصابة الحق، ومختلف فيها، للعاقل المتدبر أن يأخذ بالمجمع عليها، كما أمر به الإمام الصادق عليه السلام، ويقف في المختلف فيه ما لم يعلم حجة في أحد الشيئين منه، ويرده إلى من هو أعلم منه، ولا يقنع منه بالقياس فيه دون البيان على ذلك والبرهان، فإنه يسلم بذلك من الخطأ في الدين، والضلال إن شاء الله.
وقد أجبت عن كثير من الأخبار المختلفة في مسائل ورد عليّ بعضها من نيشابور، وبعضها من الموصل، وبعضها من فارس، وبعضها من ناحية تعرف بمازندران، وكل ذلك تتضمن مسائل مختلفة جاءت فيها الأخبار عن الصادقين عليهما السلام.
وأودعت في كتابه (التمهيد) أجوبة عن مسائل مختلفة، جاءت فيها الأخبار عن الصادقين عليهما السلام، وأفتيت بما يجب العمل عليه من ذلك بدلالة لا يطعن فيها، وجمعت معاني كثيرة من أقاويل الأئمة عليهم السلام، يظن كثير من الناس أن معانيها تتضاد، ويثبت اتفاقها في المعنى، وأزلت شبهات المستضعفين في اختلافها.
وذكرت مثل ذلك في كتاب (مصابيح النور في علامات أوائل الشهور).
وشرعت طرقاً يوصل فيها إلى معرفة الحق فيما وقع فيه الاختلاف بين أصحابنا من جهة الأخبار.
وأجبت عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها وكتبها إلى أهل مصر، ولقبها بـ (المسائل المصرية)، وجعل للأخبار فيها أبواباً، وظن أنها مختلفة في معانيها، ونسب ذلك إلى قول الأئمة عليهم السلام فيها بالرأي، وأبطلت ما ظنه في ذلك وتخيله، وجمعت بين جميع معانيها حتى لم يحصل فيها اختلاف… فمن ظفر بهذه الأجوبة، وبإنصافٍ قرأها، وفكر فيها فكراً شافياً، سهل عليه معرفة الحق في جميع مايظن أنه مختلف، ويتقن ذلك مما يختص بالأخبار المروية عن أئمتنا عليهم السلام…».
2 ـ نص منقول من رسالته (جوابات المسائل الصاغانية) ص 10 يشير فيه إلى طريقته في الجمع بين النقل والعقل، وهو: «إنّا نقول في الشريعة ما يوجب اليقين منها والاحتياط للعبادات، نعوّل على الحكم في الأشياء بما يقتضيه الأصل إن كان يدل عليه دليل خطر أو إباحة من طريق السمع أو العقل».
3 ـ نص منقول من كتاب (التذكرة) في أصول الفقه ـ وهو الأصل الذي اختصر منه كتابه (أصول الفقه) المقدم ذكره ـ ص 193 يحد ويحدد فيه الإجماع عند الإمامية، وهو:
«وليس في إجماع الأمة حجة من حيث كان إجماعاً، ولكن من حيث كان فيها الإمام المعصوم، فإذا أثبت أنها كلها على قول، فلا شبه في أن ذلك القول قول المعصوم، إذ لو لم يكن كذلك كان الخبر عنها بأنها مجمعة باطلاً، فإنما تصح الحجة بإجماعها لهذا الوجه».
4 ـ نص منقول من رسالته (جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية) ص 25 ـ 26 يوضح فيه المقصود من مصطلح (العامة) المذكور في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام، في الترجيح بين الحديثين المتعارضين، وهو:
«والحديث المعروف قول أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا أتاكم عنا حديثان مختلفان فخذوا بما وافق منهما القرآن، فإن لم تجدوا لهما شاهداً من القرآن فخذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، فإن كان فيه اختلاف وتساوت الأحاديث فيه، فخذوا بأبعدها من قول العامة.
والحديث في العدد يخالف القرآن فلا يقاس بحديث الرؤية الموافق للقرآن، وحديث الرؤية قد أجمعت الطائفة على العمل به فلا نسبة بينه وبين حديث يذهب إليه الشذاذ، وهو موافق لمذهب أهل البدع من الشيعة والغلاة».
5 ـ نص منقول من كتاب (أوائل المقالات) ص 154 يشير فيه إلى وفاء النصوص المروية عن أهل البيت عليهم السلام بتزويد الفقيه بالأحكام لكل الوقائع، فلا يحتاج معها إلى الرأي والقياس وأمثالهما، وهو:
«أقول: إن الاجتهاد والقياس في الحوادث لا يسوغان للمجتهد ولا للقائس، وإن كل حادثة ترد فعليها نص من الصادقين عليهما السلام يحكم به فيها، ولا يتعدى إلى غيرها، بذلك جاءت الأخبار الصحيحة والآثار الواضحة عنهم عليهم السلام، وهذا مذهب الإمامية خاصة، ويخالف فيه جمهور المتكلمين وفقهاء الأمصار».
6 ـ نص منقول من رسالته (جوابات المسائل السروية) ص 222 ينقد فيه مرويات الصدوق، يقول:
«والذي رواه أبو جعفر ـ رحمه الله ـ فليس يجب العمل بجميعه إذا لم يكن ثابتاً من الطرق التي تعلق بها قول الأئمة عليهم السلام، إذ هي أخبار آحاد، لا توجب علماً ولا عملاً».
الدكتور عبد الهادي الفضلي
الفليبين والشرق الأقصى
قبل الحديث عن الفلبين بخاصة لا بد لنا من الحديث عن وصول الإسلام إلى الشرق الأقصى كله وفيه الفلبين، ونستطيع أن نؤكد أن فضلاً كبيراً ـ إن لم يكن الفضل الأكبر ـ في ذلك يعود إلى الشيعة لا سيما الأشراف العلويين المنحدرين من سلالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويمكن أن نجمل ذلك فيما يلي:
لقد بدأ الأشراف العلويون رحلتهم الطويلة في العهد العباسي حيث هاجر فريق منهم طلباً للسلامة والأمان فحل بعض أحفاد علي العريض ابن الإمام جعفر الصادق في جنوب الجزيرة العربية أولاً ثم امتدوا منها حتى وصلوا إلى الهند والصين وملايا وأندونيسيا والفلبين وجزائر سليمان. وفي الطليعة كان أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن الإمام جعفر الصادق هذا الذي رحل من العراق العام 313 وما زال يمضي حتى استقر في جنوب الجزيرة العربية. وربما لأن هذا الرجل كان فاتح باب الهجرة، عرف في التاريخ باسم أحمد بن عيسى المهاجر. وإذا كان أحمد هذا قد استقر في الجنوب العربي فإن أحفاده هم الذين انتشروا بعد ذلك في كل مكان من الشرق الأقصى حاملين معهم الإسلام ينشرونه حيث حلوا.
وقال المؤرخ الأندونيسي محمد تمين إبراهيم أستاذ الدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي في جامعة جاكرتا من محاضرة له: «إن أول مملكة إسلامية هنا يرأسها شخص يلقب بلقب شيخ كانت بأيدي العرب من الهاشميين».
وقد ذكر هجرات العلويين إلى جزر الشرق الأقصى كل من المستشرقين الهولنديين «فن دن بيرخ» و«فرين ميس» في كتاب تاريخ البلدان الجاوية «سيجارة تانه جاوا» و«بيخمان» وكذلك نور الدين محمود عوفي. يقول فن دن بيرخ في كتابه (حضرموت والمستوطنات العربية في الجزائر الهندية) الصادر باللغة الفرنسية: «إن نجاح الدعوة الإسلامية في جاوا كان لأن الدعاة كانوا من ذرية النبي».
ويقول المؤرخ الهولندي سبات في كتابه (الإسلام في الهند الهولندية) إن حملة الإسلام إلى هذه البلاد هم الأسرة العلوية آل علوي.
ويقول نور الدين عوفي عن انتشار الإسلام في الصين: إن الأشراف العلويين هربوا إلى بلاد الصين ونشروا الإسلام فيها.
ويذكر محمد تمين في محاضرته التي ألقاها في الندوة التاريخية في ميدان سومطرا الشمالية: إن الأشراف العلويين انتشروا في كامبودجا والصين وسيام وغيرها، وإن من الواصلين إلى كامبودجا الحسين الملقب بجمال الدين الأكبر. وأنه كان للحسين هذا ولدان أحدهما إبراهيم وتقول الروايات الجاوية إن إبراهيم وصل مع أبيه الحسين إلى سيام وجاوا وتزوج أميرة من جامبا اسمها باندا وولاق فولدت له ولدين علياً وإسحاق كانا من أنجح العاملين على نشر الإسلام، وإن أعظم نجاح لإسحاق كان في بانيو وانغي.
ووصل العلويون إلى الفلبين فاستوطنوها ونشروا فيها الإسلام ثم أقاموا فيها ملكاً واستمر حكم العلويين فيها حتى سنة 885 هـ (1465) وقيل إلى سنة 1521 حين هاجم الإسبان المسلمين وفشل السلطان عبد القاهر في صد هجومهم وفي تاريخ الفلبين ذكر مجيء الشريف أولياء بسفينة طافت في تلك الجزر لنشر الإسلام. وجاء في كتاب (دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم) المطبوع بمانيلا سنة 1905 أن مجيء الإسلام إلى الفلبين كان بواسطة شريف علوي اسمه حسن بن علي من ذرية أحمد بن عيسى المهاجر. وقد عمل هذا العلوي على نشر الإسلام أول الأمر في جزائر (يوايان) الفلبينية فأسلم ملكها على يديه وانتشر الإسلام في (ميندانا ومافينيدانا وسبيو وسولو وكوتابارو وتمبارا وليبونفان وباكمبايان).
وجاء في ذلك الكتاب أن هؤلاء العلويين كانوا أول من علم الأهلين هناك الكتابة العربية.
ولا تزال المقابر الأندونيسية تضم حتى اليوم قبور أحفاد أولئك الرواد الأوائل وقبور أحفاد أحفادهم، ولا تزال تلك الأحداث محجة للزائرين من كل مكان. ويمكن أن نعد منهم كلاًّ من مولانا إبراهيم المدفون في مدينة قمرس بجاوا ومولانا حسن الدين المدفون في مدينة يانتن بجاوا الشرقية ومولانا هداية الله المدفون في مدينة شربون بجاوا الشرقية، وهو ابن عبد الله المتوفى في كامبودجا بالهند الصينية ومولانا رحمة الله المتوفى بمدينة سورابايا بجاوا الشرقية ومولانا محمد الملقب بعين اليقين المتوفى في مدينة قرسيء بجاوا. وكل هؤلاء ينتهي نسبهم إلى أحمد بن عيسى المهاجر. هذا المهاجر الذي نحسب أنه أول من حمل هذا اللقب في العالم العربي كله.
على أنه يبدو من بعض النصوص أن استقرار هؤلاء العلويين في الجزر الأندونيسية وشهرة مقامهم فيها قد حملت بعض الخائفين على التوجه إليها والحلول بين تلك الجاليات التي تناسلت وتكاثرت، وأنه كان بين من نزحوا إليها بعض أحفاد الخلفاء العباسيين الذين نجوا فراراً من مذابح المغول بعد سقوط بغداد على يدي هولاكو.
ومهما يكن من شيء فإن هذه الهجرة العربية الكبيرة قد انطوت في غمار التاريخ ولم تترك لنا من أثر سوى أنها كانت من أكبر العوامل في نشر الإسلام في تلك الأقاصي وحسبه من أثر. وقد ذابت تلك الأصول العربية في المجتمع الأندونيسي وغيره من المجتمعات المهجرية التي عاشت فيها وغابت ملامحها غيبة كاملة وعادت أندونيسية خالصة حتى في أسماء الأعلام، وإن ظل بعض رجالها يسلسل أباءه مبتدئاً باسمه الأندونيسي واسم أبيه وجده وهكذا حيث يعود إلى الأسماء العربية. فهناك مثلاً: أبو كوسنو حوكر وسويو سو الذي ينتمي إلى آل عظمة خان إلى أن تنتهي السلسلة إلى علي بن عبد الله بن أحمد بن عيسى المهاجر.
على أنه لا يزال ماثلاً حتى الآن قبور فريق من أعلام الشيعة في مقاطعة (أجيه) في شمالي سومطرا بأندونيسيا([816]) وتتميز القبور هناك بما كتب على شواهدها: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، ولا يخلو قبر تقريباً من جلمة: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار ولا موت إلا بالأجل».
ونترك الكلام للدكتور جمال زكريا قاسم عن انتشار الإسلام في جزر الشرق الأقصى الملايو وأندونيسيا والفلبين:
تشتمل هذه المنطقة على عدة آلاف من الجزر أهمها: شبه جزيرة الملايو وسومطرا وجاوا وسيليبس وبورنيو ومولو كاس، هذا بالإضافة إلى جزر الفلبين التي تشتمل وحدها على ألف ومائتي جزيرة أشهرها: لوزون في الشمال، وميندناو في الجنوب.
وكان التجار من جنوب الجزيرة العربية، وبخاصة الحضارمة([817]). أقدم من وطىء هذه المنطقة، وكان قدومهم للتجارة حيناً وللاستيطان حيناً آخر إذ كانت طبيعة أراضيهم القاحلة تدفعهم إلى خوض عباب المحيط الهندي والبحث عن أبواب جديدة للرزق. وعلى الرغم من أنهم كانوا قلة من الناس يأتون في فترات محدودة إلا أنه بمضي الزمن بدأ اختلاطهم يشتد بالسكان.
وظل الاتصال التجاري ينمو ويتسع قبل ظهور الإسلام بين الجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأقصى، ونظراً لطبيعة الاتصال الموسمي بين العرب ومنطقة الشرق الأقصى فقد حرص الكثيرون من التجار على الاستقرار مؤقتاً في مراكز تجارية وبناء مستودعات لحفظ تجارتهم انتظاراً لدورة الرياح، كما عمد الكثيرون منهم في مرحلة تالية من بعد ظهور الإسلام إلى الإقامة الدائمة والتعايش والتزاوج مع السكان المحليين.
وقد ظلت الرياح الموسمية تعد سراً من الأسرار التي احتفظ بها العرب والهندو لأنفسهم إلى أن تمكن ملاح إغريقي في القرن الأول الميلادي (45 م) من كشف اتجاه هذه الرياح وكان من نتيجة ذلك ظهور بعض المرشدات الملاحية باللغتين اليونانية واللاتينية عن المحيط الهندي وحركة التجارة فيه ودور العرب في هذه التجارة. وعلى الرغم من المنافسة التي تعرض لها العرب من الرومان، ومن بعدهم الفرس، منذ نهاية القرن الخامس إلى القرن السابع إلا أن العرب تمكنوا من أن يصبحوا سادة التجارة دون منازع بين مصر وإيران والهند من جهة، وبين الهند وشرق وجنوب شرقي آسيا من جهة أخرى، وذلك منذ القرن التاسع حتى قدوم البرتغاليين في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. وكانت موانىء سيراف (على الخليج) عمان من أكبر الموانىء الإسلامية، كما كانت عدن على وجه خاص نقطة ارتكاز التجارة بين الهند والصين ومصر حتى لقد أطلق عليها بعض جغرافيي العرب «دهليز الصين».
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نحدد تاريخ دخول الإسلام إلى تلك المناطق تحديداً قاطعاً إلا أن الأمر الذي لا شك فيه أن الإسلام وصل إلى هذه المناطق على أيدي التجار العرب منذ القرن الثامن الميلادي على الأرجح، وتدل المصادر التاريخية على ازدياد ملحوظ في التجارة العربية مع الصين عن طريق سيلان في القرنين التاليين لظهور الإسلام حتى أنه وجد تجار عديدون بل جاليات عربية كبيرة العدد في كانتون، وإلى تلك الجاليات الإسلامية الأولى يرجع الفضل في تحويل الكثير من الوثنيين إلى الإسلام.
وتتحدث الكثير من الروايات المحلية المدونة أو المتناقلة وكتب التواريخ الصينية عن ظهور تلك الجاليات العربية في زمن أقدم من الإشارات التي وردت عنها في المصنفات العربية العامة. وكان للتجار المسلمين من الشأن في بلاد الصين ما أتاح لهم أن يظفروا من إمبراطورها بحق إحالة منازعاتهم على قاض منهم. ففي «سلسلة التواريخ» نجد أنه في أوائل القرن التاسع الميلادي كان على رأس الجالية الإسلامية في كانتون رئيس مسلم يعينه أمبراطور الصين، وكان هذا الرئيس «يقضي بين أفراد الجالية بأحكام الشريعة. وإذا كانت الجمعة أو العيد خطب في المسلمين ودعا في خطبته لسلطان المسلمين».
وفي خلال ذلك القرن أيضاً نقرأ في المصنفات العربية العامة من كتب الرحالة والجغرافيين عن معرفة العرب بشعوب ماليزيا وغيرها من شعوب الشرق الأقصى إذ احتوت تلك المصنفات على معلومات قيمة عن موانىء المحيط الهندي وسواحله إلى جانب وصف بلاد المسلمين وما وراءها… ولعل من أهم المصادر العربية التي سجلت حالة الملاحة في المحيط الهندي كتاب وضعه أحد التجار العرب ويدعي سليمان (851 م) وينطوي في مجموعه على طائفة من الأخبار المثيرة التي رواها التجار المسلمون عن الطريق البحري من سيراف إلى كانتون، وعن عادات أهل الصين والهند وغيرهما من شعوب تلك الجهات كما ترك وصفاً شيقاً للسواحل والجزر والموانىء وسكانها وسلعها ومنجاتها.
ثم تبدأ معلوماتنا تتضح بصورة أكبر حينما نطالع ما كتبه أبو زيد السيرافي (877 ـ 915 م) الذي يعتبر أول من قدم معلومات مفصلة عن المنطقة، وإن كان قد اقتصر على جمع وتدوين قصص التاجر سليمان ولكنه أضاف إليها ما عرفه من روايات نقلها عن التجار الذين جابوا البحار الشرقية بعد أن غير وبدل من كيانها ولذلك تبدو كتاباته كأنها نوع من أدب المغامرات أو القصص البحري. والواقع أن جانباً كبيراً من هذه المعلومات كان مادة طيبة لمغامرات السندباد البحري ولقصص ألف ليلة وليلة التي كانت تتجمع في ذلك الحين، إذ من المؤكد أن تكون بعض هذه القصص قد استوحيت من رحلات العرب البعيدة إلى تلك المناطق. وقد لاقت روايات السيرافي عناية متزايدة من كثير من المستشرقين وبخاصة العلامة رينود Reinoud في منتصف القرن التاسع عشر، كما أخرج سوفاجيه دراسة قيمة لها في السنوات الأخيرة.
وفي القرن العاشر يطالعنا أبو الحسن المسعودي في سفره الخالد «مروج الذهب ومعادن الجوهر» ونجد في هذا المصنف معلومات مفيدة عن المحيط الهندي، وقد ذكر المسعودي أن مدينة كدا في ملقا، وهي موضع سنغافورة اليوم، هي النصف من طريق الهند أو نحو ذلك، وإليها تنتهي مراكب أهل الإسلام من السرافيين والعمانيين، كما أشار إلى بلاد الجاوي وإلى السلطنة الهندوكية، التي كانت تحكم بعض أجزائها قائلاً بصدد ذلك: «أنه لا يمكن معرفة حدود مهراج الجاوي، وجيوشه لا تحصى، وينبغي للإنسان مسير سنتين حتى يأتي على جميع ممالكه».
وفي القرن الثاني عشر ازدادت معرفة العرب بتلك البلاد. وكان الجغرافي العربي الإدريسي أول من سمّى باسم الماليز أحد الشعوب الساكنة في جاوي، كما نلمح في كتابات أبي الفدا وابن خرداذبة تزايداً ملحوظاً في معرفة العرب بتلك البلاد، بممالكها ومسالكها وبراكينها وجبالها النارية.
وقد كتب ماركو بولو Marco Polo في رحلته إلى الشرق الأقصى (1292 م) عن سومطرا التي قضى في شاطئها الشمالي قرابة خمسة أشهر أن غالبية سكانها من الوثنيين والمجوس عدا سكان المناطق الموجودة في الشمال الشرقي لأنهم اعتنقوا الإسلام بواسطة التجار العرب الذين كانوا يخالطونهم. ويبدو أن الإسلام كان قد رسخ في سومطرا إذ لم تكد تمضي سنوات قليلة على رحلة ماركو بولو حتى أصبح حاكم مقاطعة باساي([818]) مسلماً وتلقب بالملك الصالح ولم يطل الأمر بالمقاطعات المجاورة حتى دخلت بدورها في الإسلام.
وقد حفلت الروايات التقليدية في الملايو وسومطرة بقصص دخول الإسلام إلى تلك المناطق ومن أهم حكايات راجا راجا باساي وسيجاراه ملايو Malayo «الحوليات التاريخية للملايو» وبهذه الروايات الكثير من الأحداث التي تروي جوانب من الشجاعة الخارقة على نحو يذكرنا بأساطير الإلياذة والأوديسة.
وفي خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر زار الرحالة العربي «ابن بطوطة» سلطنة جاوه ويفهم من كتاباته أن الإسلام قد توطد فيها إذ كتب يقول: «أن سلطانها الملك الظاهر من فضلاء الملوك شافعي المذهب. وعلى الرغم مما يوحي به حديث ابن بطوطة أن الحكام المحليين اتبعوا الشدة في نشر الإسلام إلا أنه من الثابت أن تلك كانت حالات قليلة لا تجعلنا نتراجع عن التأكيد أن الإسلام دخل هذه المناطق دخولاً سلمياً بصفة عامة وأنه لاقى استجابة سريعة من شعوبها. وقد أشار ابن بطوطة أنه تلاقى مع بعض علماء الشيعة من شيراز وأصفهان وأن هؤلاء العلماء كانوا مقربين إلى السلطان، وهذه الملاحظة تفسر لنا دخول الشيعة التي لا تزال بقاياها في سومطرا وجاوة حتى الوقت الحاضر.
الواقع أن المجتمعات الإسلامية بمساجدها ومؤسساتها الحضارية والثقافية بدأت تظهر منذ النصف الثاني من القرن الثالث عشر، وظهور تلك المجتمعات يوضح تزايداً في أعداد المسلمين كما يوضح أيضاً إسهام عناصر أخرى في إبراز هذه المجتمعات، وعلى الرغم من أن التجار العرب استمروا يكوِّنون عنصراً فعالاً في نشر العقيدة الإسلامية بالإضافة إلى سبقهم في نشر تلك الدعوة، إلا أن إسلام بعض مقاطعات الهند خاصة في سواحل ملبار وكروماندل ثم منطقة الكجرات في الشمال الغربي، التي كانت بمثابة باب التجارة الغربية ومنفذها إلى آسيا وإفريقيا، والتي قامت بها إمارة إسلامية تعد ثاني إمارة إسلامية بعد دهلي، كان لها أثرها الواضح في دفع الدعوة الإسلامية إلى تلك الشعوب.
ونجح التجار العرب في الاحتفاظ بمركزهم المتميز عن غيرهم من العناصر الأخرى الوافدة، وقد وجدوا احتراماً شديداً من السكان والحكام بفضل ما كان يدّعيه أولئك التجار من الانتساب إلى البيت النبوي إذ تباهى الأهالي بالتقرّب إليهم بمصاهرتهم وتزويج بناتهم منهم، وكانوا يتفاخرون إذا ما ولدن منهم سادة وأشرافاً، وتحفل الروايات المحلية بأخبار المصاهرات الكثيرة التي حدثت بين التجار العرب وبين الحكام الوطنيين خاصة بعد أن تضاعفت الاتصالات التجارية بين العرب وشعوب تلك المنطقة وأدت هذه الاتصالات بدورها إلى ازدياد في التقارب ووحدة المصالح. وتشير تلك الروايات على أن معظم السلطنات الإسلامية أسستها جماعات من الأشراف. ففي سولو في جنوب الفلبين تشير المدوّنات التاريخية إلى السيد أبي بكر، ويقال إنه وفد من شبه الجزيرة العربية وله يرجع الفضل في تثبيت دعائم السلطنة وذلك بإدخال الشريعة الإسلامية فيها ونشر اللغة العربية بها. ويقدر بعض الباحثين وصوله إلى الحكم في عام 1450 م بعد أن تزوج ابنة الراجا «علي» أو من أرملته على الأرجح. وفي جزيرة ميندناو تأسست سلطنة إسلامية أخرى على يد أحد أشراف الحضارمة واسمه الشريف زين العابدين تزوج من ابنة السلطان المحلي وتمكّن ابنه الشريف «محمد كابونج سوان» أن يوطد دعائم تلك السلطنة التي تحولت كلياً إلى الإسلام في منتصف القرن السادس عشر الميلادي.
وقد لاحظ المستشرق الفرنسي جبريل فيران Ferrand صاحب الدراسات الشهيرة عن تلك المناطق أن كثيراً من أهالي البلاد يحتفظون بكتب خطية عربية متناهية في القدم يحاولون بها إثبات انتسابهم ليس إلى مكة المكرمة فحسب وإنما إلى بيت النبوة أيضاً.
والظاهرة التي استرعت انتباه الدارسين هي انتشار الإسلام في تلك الشعوب بغير عنف وبغير اجتهاد في الدعوة في أكثر الأحيان والواقع أن الإسلام لاقى انتشاراً سلمياً وهذا أمر طبيعي لأنه لم يكن لدى التجار المسلمين ولا الدعاة الذين تبعوهم قوة مسلحة إزاء الممالك الهندوكية التي تغلغلوا فيها، وعلى الرغم من أن عدد العرب في القرن التاسع عشر لم يزد على ثلاثين ألفاً في جميع الجزر إلا أن المسلمين بلغوا في ذلك الوقت أكثر من سبعين مليوناً من أبناء البلاد وهذا يوضح سرعة تقبل الحكام المحليين وشعوبهم للعقيدة الإسلامية.
ولا تزال أضرحة الدعاة الأول تعد إلى الآن من المزارات الدينية المقدسة، كما لا يزال الاحترام العميق لذكراهم قائماً لدى تلك الشعوب.
في سومطرة كانت أولى السلطنات
وإذا تتبعنا وصول الإسلام ثم انتشاره وظهوره كقوة سياسية في تلك المناطق تطالعنا في بداية الأمر سومطرا التي تأسست بها أولى السلطنات الإسلامية وهي سلطنة باساي (في القرن الثالث عشر الميلادي)، وكما ألمحنا، أن قيام هذه السلطنة لا يشكل بداية وصول الإسلام وإنما يسجل على الأحرى القوة التي وصل إليها المسلمون بالدرجة التي أتاحت لهم تأسيس سلطنة حاكمة، ومن باساي انتقل الإسلام إلى ملقا حيث ظهرت بها هي الأخرى سلطنة إسلامية بعد زواج حاكمها من ابنة حاكم باساي المسلمة وتحوله إلى الإسلام في حوالي السنوات الأولى من القرن الخامس عشرة (1414 م) وقد أصبحت ملقا بعد إسلامها موئلاً للعلماء والفقهاء، ثم زادت الصلات الاقتصادية والودية بينها وبين باساي حينما تعهد حكام باساي رعاية ميناء ملقا وأصبحت كل من السلطنتين ـ ملقا وباساي ـ مركزين هامين من مراكز الدعوة الإسلامية إلى مختلف جزر الهند الشرقية.
ومن ملقا وباساي، انتقل الإسلام إلى جاوا التي كان وضعها شائكاً بالنظر لوجود دول هندوكية قوية اصطدم بها الإسلام برزت من بينها سلطنة الماجاباهيت.
ولما كانت هذه السلطنة تشمل إمارات عديدة فقد أخذ الأمراء والمهراجات الطامحون إلى الاستقلال عن السلطة المركزية للماجاباهيت يولون وجوههم شطر الإسلام فكان كلما كسب بلداً انتقل إلى الذي بجانبه حتى شمل معظم سلطنة الماجاباهيت كما دخل إلى شعوب السوند والمالانج إلى الشرق، وأخذ الإسلام يزداد قوة ويزداد عدد المسلمين تبعاً لذلك، أولئك الذين كانت ثروتهم تنمو وهم دائماً في علاقات مع التجار العرب الذين كثر عددهم بدرجة مكنتهم من تأسيس سلطنة إسلامية عرفة بسلطنة الدماك Demak التي اعتبرت أول فتح عربي في جاوا، وكان قيام هذه السلطنة دفعة قوية للإسلام.
ومنذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر دارت رحى الحرب بين الأمراء المحليين وبين سلطنة الماجباهيت المركزية وقد وجد هؤلاء تأييداً من سلطنة دماك وبالفعل نجح السلطان حسين حليف سلطنة دماك من إسقاط سلطنة الماجاباهيت (حوالي عام 1475 م) وبسقوط هذه السلطنة تدهورت البوذية في جاوا وأحرز الإسلام انتشاراً كبيراً بين الأمراء والسكان.
وبعد إسلام جاوا والقضاء على الماجاباهيت انتقل الإسلام إلى بورنيو وتشير الروايات التقليدية إلى استقرار الدين الإسلامي فيها على عهد السلطان بركات أحد أشراف الطائف الذي تزوج من ابنة السلطان أحمد ثاني حاكم مسلم للجزيرة وهو الذي فرض الشريعة الإسلامية وشيد جامع بروني الشهير. كذلك الإسلام في ميندناو وسيليبس ومولوكاس ومنها انتقل إلى الساحل الغربي لغينيا الجديدة حيث اعتنقته بعض القبائل ولا سيما قبيلة الببوان وقد حدث ذلك على أيدي التجار المسلمين وأصحاب الدعوة في فترة متأخرة في حوالي السنوات الأولى من القرن السابع عشر الميلادي.
وما كاد المسلمون يتخلصون من سلطنة الماجاباهيت حتى جوبهوا بخطر آخر حينما وصل البرتغاليون إلى تلك المناطق في أعقاب نهضتهم الملاحية الكبرى التي استهلها هنري الملاح، وما تبع ذلك من اكتشاف بارتلميودياز رأس الرجاء الصالح (1492 م).
وما كادوا يسيطرون على طريق الهند حتى وضحت سياستهم الاحتكارية العنيفة بما تضمنته من حرق السفن والتنكيل ببحارتها ومنازعة المسلمين سيادتهم التجارية، وقد وضعت هزيمة القوى الإسلامية في معركة ديو البحرية الشهيرة (1509 م) نهاية للسيطرة الملاحية الإسلامية في المحيط الهندي والتي استمرت عدة قرون.
وحينما وصل البرتغاليون إلى الشعوب الماليزية وجدوا بها مجتمعات إسلامية قوية ومتماسكة كما وجدوا التجار المسلمين من عرب وهنود وغيرهم في كل زاوية من بلاط الحكام وكان لهم نفوذ كبير استخدموه للضغط على الحكام إذا ما تهاون أحد منهم عن تأييد موقفهم المعادي للبرتغاليين. ومع ذلك فقد نجح البرتغاليون في استغلال الخلافات القائمة بين الأمراء المسلمين والهندوكيين للتغلغل إلى تلك المناطق وفي عام 1511 أي بعد سنتين من معركة ديو نجح القائد البرتغالي الفونسودي البوكر deAlbuquerqueفي إسقاط سلطنة ملقا الإسلامية. ولكن سقوط هذه السلطنة لم يؤثر على السلطنات الإسلامية المجاورة، وإنما ظهر تحدٍ وردود فعل عنيفة ضد القوى الصليبية الوافدة، إذ نقل التجار المسلمون مركزهم من ملقا إلى إجيه([819]) في القسم الشمالي من سومطرا وغدت تلك السلطنة مركزاً للدعوة الإسلامية وللتجار المسلمين وازدهرت بالدرجة التي أتيح لها فيها أن تتحدى ملقا المواجهة لها والتي جعلها البرتغاليون مركزاً هاماً من مراكزهم وبنوا فيها واحدة من أقوى قلاعهم. وهذا يفسر لنا التحدي الكبير الذي قام به المسلمون ضد المسيحيين، ويتضح ذلك في ظهور المحالفات الكثيرة بين السلطنات الإسلامية المختلفة، ووضع تجار المسلمين أموالهم في خدمة الحكام المسلمين، وذلك بعد أن جعل البرتغاليون المنطقة ميداناً لصراعهم ضد التجارة الإسلامية. وقد حفلت كتابات المؤرخين المسلمين المعاصرين للغزو البرتغالي بأعمال القسوة والعنف التي ارتكبها البرتغاليون في بحار الشرق، وفي كتاب «تحفة المجاهدين في بعض أحوال البرتغاليين» للشيخ زين الدين أحد مسلمي الملبار توضيح للحمية الدينية البالغة والعداء الذي استحكم بين المسلمين والمسيحيين الأمر الذي يؤكد لنا أن الحروب البرتغالية في الشرق أثارت الروح الدينية الكامنة التي عرفناها في العصور الوسطى. والحقيقة أن الغزو البرتغالي للشرق الإسلامي كان يحمل معه تلك الروح الصليبية، التي كانت امتداداً للحروب الدينية بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس وبين المسيحيين والعثمانيين في شرقي ووسط أوروبا ويكفي لتوضيح ذلك أن نقول إن انتصار البرتغاليين على المسلمين في ملقا تبعه إقامة قداس شكر في روما وتفاؤل من جانب الكنيسة الكاثوليكية بهذه الغزوة التي قدر للمسيحية فيها أن تصل إلى مناطق نائية.
ومن بورنيو أخذ الإسلام ينتشر في الفلبين حينما تزوج سلطان بورنيو المسلم بابنة السلطان ميندناو ونجح في الامتداد بسلطنته إلى جنوب الفلبين، وقد أخذ الإسلام يتغلغل في تلك الجزر لولا أن ووجه هذه المرة بتحد جديد كان سببه الأسبان الذين استولوا على تلك الجزر، بعد أن نجح الملاح البرتغالي، «ماجلان» في اكتشافها وسميت باسم الفلبين نسبة إلى فيليب الثاني حاكم إسبانيا التي اكتشفت في عهده (1568 م) وبذلك انحصر النفوذ الإسلامي في أرخبيل سولو وجزء من جزيرة ميندناو، وانقسمت جزر الفلبين بدورها إلى ثلاثة أقسام قسم مسيحي في الشمال يعيش فيه الماليزيون الكاثوليك من قبائل التاجال والماليزيون الوثنيون الذين وقفوا حاجزاً بين الإسلام والنصرانية ثم المسلمون في الجنوب الذين أطلق عليهم الإسبان لفظ الموروس Los Moros ولا شك أن هذه التسمية تعود بأصلها إلى الشعوب الإسلامية التي اصطدم بها الإسبان في الأندلس وشمال غرب إفريقيا وقد عمم البرتغاليون والإسبان هذا الاسم على جميع من صادفوه من شعوب إسلامية في كل من سواحل آسيا وإفريقيا.
ومنذ استيلاء الإسبان على جزر الفلبين وعملياتهم التبشيرية تتوالى ونجحوا بالفعل في تنصير القسم الشمالي بينما عجزوا عن تنصير المقاطعات الجنوبية، في سولو وميندناو التي استمرت محتفظة بطابعها الإسلامي نتيجة استمرار الهجرة الإسلامية إليها ولنشاط الدعاة الذين تدفقوا من إجيه، حتى لقد اقترح الحاكم الإسباني للفلبين دي سندي De sande في عام 1576 على حكومته أن تعمل على إخضاع إجيه لأن إخضاعها قد يساعد على إيقاف وصول الدعاة المسلمين، ولا شك أن نجاح الإسبان في تنصير القسم الشمالي وعجزهم بالنسبة للقسم الجنوبي يوضح أن الوعي الإسلامي كان هاماً في تيقظ الشعور القومي ومقاومة المسلمين للغزو الاستعماري الصليبي. ومن ناحية أخرى كان أسلوب الحكم الإسباني والمساوىء التي تميزه عاملاً مساعداً للإسلام في توسعه في القسم الشمالي من تلك الجزر حتى وصل إلى مانيلا التي اتخذها الإسبانيون مركزاً لحكمهم، ولولا عمليات القمع الشديدة لتحقق للإسلام في الفلبين أكثر مما أصبح له.
وقد اتصفت الحروب بين المسلمين والإسبانيين في الفلبين مثلما اتّصفت به مع البرتغاليين بالروح الصليبية وبالعداء والكراهية الشديدة التي تملكت الطرفين. وفي عام 1577 م تزعم السلطان عبد القادر سلطان سولو حلفاً من الأمراء المسلمين معلناً بداية حرب دينية استمرت أكثر من ثلاثة قرون عدها الإسبان من ناحيتهم حرباً صليبية وعدها المسلمون من ناحيتهم جهاداً في سبيل الله. وكان سلاطين سولو أشد أمراء المسلمين مقاومة حتى اضطر الإسبان إلى الاعتراف باستقلالهم الذاتي. والجدير بالذكر أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر (1896 م) تدخلت الولايات المتحدة الأميركية وذلك بتشجيعها الثوار المسلمين ضد الحكم الإسباني وكان من أثر ذلك خضوع الفلبين للولايات المتحدة الأميركية التي لم تنسحب منها إلا في عام 1932 م.
ولم يقتصر اصطدام السلطنات والقوى الإسلامية بإسبانيا والبرتغال وإنما دخلت هولندا دائرة الصراع منذ أواخر القرن السادس عشر الميلادي حينما نجح تجار أمستردام في إنشاء شركة الهند الشرقية الهولندية عام (1594 م) ووجه الهولنديون نشاطهم لطرد القوى البرتغالية من جزر الهند الشرقية، والحلول محلها، وفي عام 1619 م تأسست مدينة بتافيا التي اعتبرت عاصمة للحكم الهولندي في تلك الجزر. وكان من الطبيعي أن تصطدم هولندا بالقوى الإسلامية في جاوا وبورنيو وإجيه وقد نجحت في التغلب عليهم جميعاً وكان آخرهم سلطان أجيه الذي أدخلته تحت حمايتها في عام 1903 م وعلى الرغم من الإجراءات التي فرضتها السلطات الهولندية على المسلمين تحت ضغط الجمعيات التبشيرية الهولندية، إلا أن الإسلام كانت قد قويت جذوره، وكان من أهم القيود التي فرضتها السلطات الهولندية الاستعاضة بحكام مسيحيين بدلاً من الحكام المسلمين في حكومة الجزر والمقاطعات بالإضافة إلى منع هجرة الحضارمة إلى جزر الهند الشرقية. ولكن نشاط الحضارمة ظل قائماً ـ رغم تلك القيود ـ حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حينما بدأ نجمهم الملاحي يأفل بعد استخدام الملاحة البخارية منذ النصف الأول من ذلك القرن.
ومع تعاقب الاستعمار الغربي منذ نهاية القرن الخامس عشر ـ البرتغاليون، والإسبانيون، والهولنديون والإنجليز، والأمريكيون ـ على هذه المنطقة فإن جذور الإسلام لم تقتلع وإنما ازدادت قوة بظهور أجيال عديدة من الفقهاء والدعاة المحليين، وبزيادة الاتصال بالمراكز الإسلامية الكبرى التي ساعدت تلك الشعوب على أن تستقر على عقيدتها وكان من نتيجة ذلك وجود أكثر من مائة مليون مسلم في الوقت الحاضر. ولم تنفصل تلك الجموع الإسلامية الكبيرة عن المراكز الإسلامية، وإنما كانت دوماً تتفاعل معها وتتأثر بما يقع في قلب العالم الإسلامي من أحداث فكرية أو سياسية.
جمال زكريا قاسم
الفـلـبـيـن
وبعد هذا نعود إلى الفلبين خاصة:
تقع جزر الفلبين في بحر الصين الجنوبي، شمال أندونييا وماليزيا، وشرق فيتنام، وجنوب الصين وفرموزه. عاصمتها مانيلا، وعدد سكانها بحسب تعداد 1960 يزيد على الثلاثين مليوناً بقليل، منهم 150.000 صيني وعشرة آلاف أمريكي، وألفان من الإسبان.
وأكثر من 80% من هؤلاء السكان يتبعون كنيسة الروم الكاثوليك ونحو 8% يتبعون كنيسة الفلبين الكاثوليكية المستقلة ونحو 2.5% بروتستانت و4.2% مسلمون.
وقد اكتشف جزر الفلبين «فرناندو ماجلان» الرحالة البرتغالي في رحلة كان يقوم بها لحساب إسبانيا عام 1521 م، وسميت بعد ذلك بالفلبين نسبة إلى فيليب الثاني ملك إسبانيا في ذلك الحين. وظلت تحت السيطرة الإسبانية أكثر من 350 سنة، ثم انتقلت إلى أيدي أمريكا بمعاهدة 1899 التي أبرمت بين الولايات المتحدة وإسبانيا في أعقاب الحرب الأمريكية ـ الإسبانية.
وقالت مجلة «العربي» الكويتية في العدد 95 ما يلي:
… لكن المسلمين كانوا قد وصلوا إلى الفلبين ـ وكانت إذ ذاك تعرف باسم «صولو» ـ قبل ذلك بمئات السنين… وتقول بعض كتب التاريخ إن بعض العلويين استوطنوا «سيلي» أو «صولو». وتناسلوا فيها وملكوا عليها وماتوا بها. ويقول بعض المؤرخين: إن المسلمين نزلوا أول ما نزلوا في سومطرا ومنها إلى «سيلي».
وقد استمر حكم العلويين حتى سنة 885 هـ. الموافق 1465 ميلادية، وقيل إلى عام 1521 ميلادية حين هاجم الإسبان المسلمين، وفشل السلطان عبد القهار في صد هجومهم «انتهى».
وقال عبد الباقي أبو بكر في جريدة أخبار العالم الإسلامي في العدد الصادر في آذار سنة 1973.
الإسلام وصل إلى الفلبين في القرن التاسع الميلادي على يدي التجار العرب والفقهاء والصوفيين غير أن تأسيس أول حكومة في جزر الفلبين يعود تاريخها إلى عام 1380 على يد الشريف أبو بكر حفيد سلطان جوهور… ويروي تاريخ الأنساب السلطانية في سولو أن والد الشريف أبو بكر كان من المدينة المنورة وابنه زين العابدين وكان من العلويين تزوج زين العابدين هذا من بنت سلطان جوهور وأنجب منها ثلاثة أولاد أسسوا فيما بعد ثلاث سلطنات إسلامية في سولو ـ في الفلبين الآن ـ وفي بروني ـ في جزيرة بورنيو الآن ـ وفي كوتاباتو ـ في جزيرة منداناو بالفلبين الآن ـ.
ولم يمض قرنان من الزمن من تثبيت دعائم الحكم الإسلامي في الجزر التي نعرفها الآن باسم الفلبين حتى رست في هذه الجزر في عام 1521 سفينة ماجلان المستكشف البرتغالي لحساب التاج الإسباني. ومن هذه الحقبة أي منذ القرن السادس عشر الميلادي ـ خاض مسلمو الفلبين غمار حروب دامية دفاعاً عن عقيدتهم ووطنهم وحريتهم.
وأما غير المسلمين فقد اعتنقوا الدين المسيحي بمختلف الوسائل وحولهم الإسبان إلى جنود مرتزقة يساعدونهم على القضاء على المسلمين وسموهم أنديوس أو السكان المتضررين وكانوا يسكنون جزر لوزون في الشمال وجزر فيزايا في الوسط وأما المسلمون فسماهم الإسبان موروس. وأما كلمة الفلبيني فكانت تطلق أصلاً على الإسبان في الفلبين تمييزاً لهم عن الإسبان من الأمريكيتين.
وما إن لمست قدم ماجيلان أرض الفلبين حتى أعلن بدون تردد أن هذه الأرض ملك للتاج الإسباني وطلب من أمير جزيرة ماكتان ويدعى لابولابو ـ وكان مسلماً ـ أن يدفع له المكوس فرد عليه لابو بأسلوب قاس يهدد كبرياء الرجل الأبيض ويثير ثوران غضبه. جمع ماجلان جنوده وهاجموا ماكتان ليلقوا على هؤلاء الهمج حسب تعبيرهم دروساً كافية وما كادوا ينزلون من سفنهم حتى انقض عليهم سكان الجزيرة يضربون بالسيوف والأخشاب فسقط ماجيلان صريعاً. وإلى هذه الحقبة التعسة من الزمن تعود بداية الصراع.
ومما يجدر ذكره في قصة كفاح مسلمي الفلبين هو أن مانيلا عاصمة الفلبين حالياً كانت حتى عام 1571 م عاصمتين للإمارتين الإسلاميتين إمارة توندو وإمارة باسيج وكانت الحملات الإسبانية نزلت معظمها في منطقة في الوسط يطلق عليها اسم فيزيا.
وما إن ترامت الأنباء إلى الغزاة الإسبان بوجود إمارتين إسلاميتين في مانيلا حتى هددوهما بالإبادة الكاملة إذا لم تخضعا لإسبانيا حكماً وديناً.
فضل المسلمون الإبادة على الاستسلام فشنت إسبانيا عليهما حرب الإبادة فأبيد المسلمون من الإمارتين عن آخرهم لأنهم كانوا منعزلين عن العالم.
والإسبانيون لم يقفوا عند حد إبادة المسلمين في مانيلا بل اتخذوا تدابير واسعة النطاق لتعبئة قواتهم وتدريب الفلبينيين العبيد الذين اعتنقوا المسيحية على فنون الحرب لإعداد القوة الهائلة لإخضاع المسلمين في مندانا وسولو ومحو معالم الإسلام فيها وسلب أراضيها.
ومن هنا كان بدء الصراع الدموي بين المسلمين في الجنوب من جانب وبين الإسبان والفلبينيين المسيحيين من جانب آخر واستمرت هذه الجولة 377 عاماً 1521 ـ 1898 م دون أن يحقق الإسبان وعبيدهم المسيحيون الفلبينون ما أضمروا للإسلام والمسلمين.
خلف الإسبان الأمريكيون البروتستانتيون في محاولة تحويل المسلمين من دينهم إلى المسيحية. ولم يكن بين هذه الجولة والجولة السابقة حد فاصل. استمر الصراع بين المسلمين من جانب والأمريكان والمسيحيين الفلبينيين من جانب آخر وامتد الصراع إلى مدة زمنية أخرى تقدر بحوالي أربعين عاماً.
غير أن دبلوماسية امريكا استطاعت أن تكسب سياسياً على شكل حصولها على محاولة الصلح مع سلطان سولو جمال الكرام الثاني 1915 واعترف سلطان سولو بمقتضى هذه المعاهدة بالنفوذ الأمريكي في سلطنته على أن يبقى السلطان زعيماً روحياً وألا تتدخل أمريكا في الشؤون الدينية وألا تمس بهيبة سلطنته وجلال شخصه. ورغم هذه المعاهدة لم تتوقف المقاومات الشعبية إلى أن أعلنت أمريكا الانسحاب من الفلبين بعد عشر سنين اعتباراً من أول عام 1935 فساد الهدوء التام أوساط المسلمين عقب هذا الإعلان عام 1934 ولكن هذا الهدوء أصاب المسلمين بالركود التام وأخذتهم سنة وناموا نوماً عميقاً بعد أن استهلكت حروب القرون الأربعة قواهم ودب في أوصالهم وهن على وهن حتى أفاقتهم الحرب العالمية الثانية وحدث انخراط بين المسلمين والمسيحيين لمواجهة الهجمات اليابانية وفي عام 1946 م أي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة أعلنت جزائر الفلبين استقلالها وضمت إليها المناطق الإسلامية دون أن تكون هناك وثيقة تشير إلى رضا أهلها بذلك وأصبحت البلاد حكومة ديمقراطية رئاسية على النمط الأمريكي.
أما ضم المناطق الإسلامية إلى ما يسمى الفلبين اليوم فكان كالآتي:
1 ـ في عام 1914 م كونت أمريكا في الفلبين وزارة تسمى «وزارة شؤون منداناو وسولو للإشراف على شؤون المناطق الإسلامية السبع وهي سولو ولاناو وكوتاباتو وزمبلانفا وداباو واغوسن وبوكيدنون وكان مركزها في دنزالان بلاناو.
2 ـ وفي عام 1920 م حلت وزارة شؤون منداناو وسولو وضمت إلى مكتب شؤون القبائل غير المسيحية.
3 ـ وفي عام 1936 م حل المكتب وضمت اختصاصاته إلى وزارة الداخلية وقبل هذا الضم بسنتين وافق مجلس النواب الأمريكي على قانون تايدينج ـ ماكدوفي الذي يقضي بإسناد مهمة إعداد دستور وطني فلبيني للفلبينيين وأقيمت في البلاد حكومة انتقالية تطلق عليها «حكومة الكومنولث الأمريكية» مدتها عشر سنين اعتباراً من 1935 وبعد انقضاء هذه المدة تستقل الفلبين ولكن الحرب العالمية الثانية أجلت إعلان استقلال الفلبين إلى 4 يوليو 1946 بدلاً من عام 1945 م.
4 ـ تصاحب بداية الفترة الانتقالية انتخاب الفلبين أول رئيس وطني لها وكان للرئيس المنتخب السلطة الكاملة في تصريف شؤون الدولة الداخلية وفي هذه الأثناء تحول أمر الإشراف على شؤون المسلمين إلى دائرة اختصاص وزارة الداخلية الفلبينية بعد أن كان يديرها مكتب شؤون غير المسيحيين التابع لأمريكا وتمخض على هذا الإجراء أن تحول المسلمون إلى فلبينيين على غفلة. واحتج المسلمون على هذا الإجراء وكذلك عارض بعض أعضاء مجلس النواب الأمريكي ضم منداناو وسولو إلى الفلبين ولكن محاولات هذا وذلك باءت بالفشل وذلك لأن سياسة التهدئة قد طبقت على المسلمين ضعاف الأوصال ومنهوكي القوى.
ومن الناحية القانونية وأخص هنا قانون الأحوال الشخصية فالحكومة لا تعترف بعقد زواج المسلمين في بيوتهم وفي مساجدهم ولكنها تعترف بعقد الزواج يبرم في الكنيسة أو أمام القضاء وعقد الزواج أمام القضاء يترتب عليه حرمان الطلاق وتعدد الزوجات وإذا تزوج الرجل المسلم امرأة أخرى غير امرأته الأولى واشتكت الزوجة الأولى إلى المحكمة فعلى الزوجة الثانية أن تعترف أمام القضاء بأنها خليلة الرجل لا امرأته وإلا فيدخل الزوج السجن المؤبد. وإذا تزوج الرجل المسلم على تقاليد إسلامية ثم تزوج من امرأة أخرى برضا من امرأته الأولى فالحكومة تعتبر الزوجة الثانية غير شرعية وأولاد الرجل منها غير شرعيين.
والحكومة الفلبينية لا تمنع عقد زواج المرأة المسلمة من المسيحي بل تشجع المسيحيين على الزواج من البنات المسلمات ولو بدون معرفة أولياء أمورهن طالما يبلغ عمر المرأة من القانون وهو 21 سنة «انتهى».
ثورة المسلمين
وقد أدى سوء حالة المسلمين إلى قيامهم بعدة انتفاضات تحولت في العام 1970 م إلى ثورة مسلحة في وجه حكومة الرئيس فرديناند ماركوس مما حمل بعض الحكومات الإسلامية لا سيما العربية منها إلى إرسال وفود للتوسط والتحقيق وقد كتب كاتب زار الفلبين في أيلول سنة 1971 م ما يلي:
في البدء قالت إحدى الوكالات أن «مذبحة طائفية» جرت في جنوب الفلبين سقط ضحيتها 70 قتيلاً من الرجال والأطفال المسلمين، داخل مسجد ومدرسة ثم كشفت وكالة أخرى في اليوم التالي أن 117 مسلماً كانوا قد قتلوا قبل ذلك في المنطقة ذاتها ـ المعروفة باسم كوتاباتو ـ خلال شهر مايو الماضي.
ومأساة المسلمين في جزر الفلبين ليست فقط في أنهم أقلية مقهورة ومعزولة في الجنوب، تواجه عناصر متعصبة ونشطة ومدعمة، تطوقهم وتضيق الخناق عليهم عاماً بعد عام. ولكنها أيضاً تتمثل في ذلك التمزق الذي يشتتهم، ويهدر طاقاتهم، أو يسلبهم كل قدرة على مواجهة الخطر الذي يزحف عليهم.
المسلمون في جنوب الفلبين يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية نصيبهم من التعليم أقل من القليل. فصل دراسي واحد لكل 10 آلاف مواطن، بينما في بقية الجزر فصل دراسي لكل 300، فرص العمل أمامهم ضيقة ومحدودة، الذين سمح لهم بالتوظيف لا يتجاوز عددهم 500 شخص. قراهم فقيرة وتعسة لا مشروعات ولا مرافق ولا خدمات.
مسلمو الفلبين ليسوا ضحايا التعصب فقط، ولكنهم ضحايا زعمائهم أيضاً.
هذه حقيقة عشتها في الفلبين في جزيرة منداناو التي شهدت المذابح، والتي تعد أحد المراكز الرئيسية لتجمع المسلمين.
هم أقلية لا يتجاوز عددهم ثلاثة ملايين ونصف مليون مسلم موزعون على جزيرتي منداناو وسولو في الجنوب. وثمة أقليات أخرى في الفلبين (35 مليون نسمة) هم البوذيون والهندوس والوثنيون، الذين يعيشون في أقصى الشرق ويأكلون الكلاب ويعبدونها! بينما أغلبية السكان من الكاثوليك.
هذه الصورة، كانت مختلفة تماماً منذ قرون قليلة مضت.
كانت هناك أغلبية مسلمة ساحقة وكانت جزر الفلبين مجموعة من السلطنات. وعندما غزا الإسبان الفلبين في القرن السادس عشر، كان يحكم مانيلا ـ العاصمة الآن ـ السلطان راجا سليمان.
وطوال أربعة قرون، خاض مسلمو الفلبين حرباً ضارية ضد الإسبان، دفاعاً عن الأرض وعن العقيدة. وخلال هذه الفترة (من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر) سقطت البلاد المسلمة واحدة تلو الأخرى في أيدي الإسبان، وأرغم أهلها على ترك دينهم. حتى الذين بقوا على إسلامهم غيروا أسماءهم العربية إلى إسبانية خشية البطش والإرهاب وأصبح «مامندال» هو البديل عن اسم «محمد» وعباس هو اسم «أباسو» وجعفر هو «كازانو». وهذه الأسماء الجديدة ما زالت منتشرة بين المسلمين الآن.
في النهاية تركز المسلمون في جزر الجنوب، التي لم يستطع الإسبان اقتحامها، بسبب تطرفها وبعدها عن العاصمة (ألف كيلومتر قريباً بين جزيرة منداناو ومانيللا)، وبسبب ظروفها الطبيعية، التي حيزتها بالأحراش الكثيفة والجبال العالية. وقد استفاد المسلمون من هذه الظروف في محاولات الغزو، ونجحوا في الاحتفاظ بكيانهم في تلك المناطق.
لكن مسلمي الفلبين، أصبحوا أقلية بعد القرون الأربعة التي عاشتها بلادهم تحت الحكم الإسباني.
وفي أوائل القرن العشرين أصبحت الفلبين تحت الاحتلال الأمريكي، الذي نجح في السيطرة على المناطق الجنوبية المسلمة، ثم منحت الفلبين استقلالها في عام 1946 م.
ومنذ عام 1948، بدأت المناطق المسلمة تتعرض «لاقتحام» من نوع جديد.
بدأت عملية تهجيرة سافرة ومنظمة من شمال الفلبين إلى جنوبه في عام 48 وكان هدف العملية هو النفاذ إلى ذلك المجتمع الذي ظل طوال قرون عديدة مغلقاً على المسلمين وحدهم. وبالفعل أقيمت معسكرات عمل تستقبل العائلات الكاثوليكية المهجرة من الشمال.
ولم تجد هذه العائلات صعوبة في الاستقرار وسط جموع المسلمين. فالأرض شاسعة وغنية، والمسلمون فقراء وسذج، وحسنوا النية دائماً، هم أيضاً جهلاء لا يعرفون أساليب التحايل، فضلاً عن نصوص القانون وأحكامه.
وبسبب هذا الجهل فقد المسلمون أرضهم بما عليها من ثروة. كان القادمون من الشمال يسجلون الأرض بأسمائهم بعد قليل من استقرارهم فيها، بينما لم يكن هناك من بين المسلمين من يكترث أو يفطن إلى ضرورة احتفاظه بسند يثبت ملكيته للأرض.
وبعد التسجيل كان المهجرون من الشمال يسعون إلى انتزاع الأرض من أصحابها المسلمين، وعندما يصل الأمر إلى القضاء، يحكم لصالح من لديه دليل إثبات الملكية. المهاجر طبعاً.
وهكذا، عاماً بعد عام فقد المسلمون في الجنوب آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، بل وطردوا منها، وظلت جموعهم تنحصر وتتقهقر حتى رأينا بعضهم يعيش في أكواخ على شاطىء المحيط ـ مياه البحر وراء ظهورهم مباشرة ـ في مدينة زامبوانجا في غرب جزيرة منداناو.
ويقدر البعض أن متوسط عدد الأسر التي تهجر كل عام الآن من الشمال إلى الجنوب، يصل إلى 500 أسرة.
مع عمليات التهجير والتوطين هذه، كانت هناك محاولات اقتحام أخرى لمجتمع المسلمين في الجنوب، استخدم فيها أسلوب الترغيب والترهيب مضت بعثات التبشير الغنية والنشطة في طريق الترغيب. أقامت المستشفيات والمدارس الدينية وكل صور الخدمات الممكنة. وشدت المسلمين الفقراء إلى هذه المواقع، حيث وجدوا فيها التعليم والرعاية الطبية، والغذاء والكساء، بل والمال أحياناً.
ولا ينكر أحد أن هذه البعثات قد حققت قدراً من النجاح، دفع الكثيرين إلى ترك دينهم، بعدما لم يبق من تعاليمه لديهم غير القليل المشوّه، بسبب عزلة المسلمين في هذه المناطق طوال سبعة قرون، وبسبب اختلاط تعاليم الإسلام بآثار من الهندوكية والبوذية، اللتين كانتا في جزر الفلبين قبل الإسلام.
وبنصوص القانون كان الترهيب.
فعن طريق هذه النصوص لم يعد هناك وجود تقريباً للعديد من الشعائر الإسلامية. فالزواج الشرعي ـ مثلاً ـ غير معترف به. ولا بد أن يكون هناك عقد مدني، حتى يصبح الزواج قانونياً وتترتب عليه آثاره الطبيعية في النسب والإرث.
وكانت النتيجة أن أصبح الزواج بين المسلمين يتم على مرحلتين: مرحلة شرعية أمام المأذون، الذي يقرأ الفاتحة ويحرر العقد. ومرحلة ثانية يوقع فيها العقد أمام القاضي. ولم يكتفوا بذلك فقد أصبحت مراسم الزواج ـ كما رأيناها ـ مطابقة تماماً للمراسم المتبعة في الكنيسة.
ورغم أن الشرع يحرم زواج المسلمة من غير المسلم، إلا أن القانون الفلبيني يجيز هذا الزواج ويباركه ويشجعه، حتى تخرج من الأسر المسلمة أجيال غير مسلمة.
وهكذا أجبر المسلمون على التخلي عن أراضيهم. ودفعوا إلى ترك دينهم، وكان طبيعياً بعد ذلك أن تتناقص أعدادهم، ويهتز كيانهم، الذي دافعوا عنه طويلاً أمام الغزو الإسباني.
لم يعد المسلمون أقلية في الفلبين كدولة فقط، بل أيضاً أصبحوا أقلية في مدن الجنوب ذاتها، التي ظلت طوال القرون الماضية محتفظة بطابعها المسلم.
كان كل سكان جزيرة منداناو من المسلمين، فأصبحت نسبتهم الآن لا تتجاوز 50% من السكان.
وفي مدينة زامبوانجا كانت نسبة المسلمين 100%، وظلت هذه النسبة تتدهور حتى وصلت إلى 30% فقط لم يبق غير كوتاباتو، إحدى مناطق مقاطعة منداناو، التي ما زالت تحتفظ بأغلبية مسلمة.
وقد كانت كوتاباتو هذه مسرح المذبحة، وقتل فيها 70 رجلاً وطفلاً من المسلمين.
ومن الواضح أن اختيار كوتاباتو لتكون مسرح المذبحة لم يكن صدفة وإنما كان الاختيار محسوباً بدقة لتحقيق هدف لم يعد بعيداً.
وثمة محنة أخرى يتعرض لها مسلمو الفلبين، تستهدف في هذه المرة وحدتهم وصفهم، الذي كان ـ يوماً ما ـ موحداً وصلباً.
والمسؤول عن هذه المحنة هم قادة مسلمي الفلبين وزعماؤهم. وهناك ظروف وضغوط أخرى. وشباك نصبت لقادة المسلمين، وسقطوا فيها برغبتهم وهواهم، ولكن ذلك كله لا ينفي أنهم ـ أيضاً ـ مسؤولون بالدرجة الأولى.
وقادة مسلمي الفلبين في أغلبيتهم، من كبار الإقطاعيين الذين يعتبرون جموع المسلمين أصواتاً مضمونة لهم في المعارك الانتخابية، والوصول إلى الوزارة ومجلس الشيوخ، والاقتراب من قمة السلطة هؤلاء القادة يملكون قصوراً فاخرة في العاصمة مانيلا، ونادراً ما ينتقلون إلى الجنوب، حيث يقيمون لأيام معدودة في قصور أخرى لا تقل فخامة ولا ثراءً. وأغلب الأحوال يكون انتقالهم في موسم انتخابات. أو جني المحاصيل وبيع الثمار.
هؤلاء الزعماء موزعون على حزبي الفلبين الوحيدين: الأحرار والقوميين.
وبقدر ما هناك من صراع دائم وعنيف بين الحزبين، فإن زعماء المسلمين وجدوا أنفسهم متصارعين بالضرورة، وأصبح المسلمون أيضاً ممزقين بين الأحرار والقوميين، بغير مصلحة تعنيهم لا في هذا ولا ذلك!
زعيم واحد فقط رفض أن ينتمي إلى أي من الحزبين، واختار العزلة في بلدة بانجالوبان، القريبة من كوتاباتو. وكان من رأيه أنه لا أمل في إنقاذ المسلمين من كل الآلام التي يعانون منها، وإنقاذ مجتمعهم من التخلف الشديد الذي يوصم به، إلا بإعلان الانفصال، وخوض معركة مع الحكومة المركزية في مانيلا.
ووجد هذا الزعيم ـ واسمه أوتوج ماتالم ـ كثيرين يئسوا من حل مشكلتهم، واقعتنعوا برأيه ووقفوا وراءه عندما أعلن الانفصال في العام الماضي.
ويوماً ما، كانت كل الزعامات الإسلامية تعمل من خلال «جمعية مسلمي الفلبين». ولكن نشاط هذه الجمعية جمد وحوصر. فأنشأ أحمد الونتو جمعية أنصار الإسلام التي تعتبر من أقوى المؤسسات الشعبية في الجنوب الآن. ولما كان الونتو يقف في صف المعارضة، فقد شجع حزب القوميين الحاكم زعيماً مسلماً آخر هو ديمابورو، على أن يقيم تنظيماً «مضاداً» هو: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
ومن ناحية أخرى، فإن كل بلد في الجنوب له جمعياته العديدة التي تشل في الحقيقة حياة المسلمين، ولا تخدمهم. في مدينة لاتاو، وجدنا خمس جمعيات هي: جمعية كامل الإسلام، وإقامة الإسلام، ومؤتمر الإسلام، وهدايا الإسلام، والمعهد الإسلامي!
هذا التشتت أدى إلى تفتيت قوى المسلمين، وأضعف من قدرتهم على تحقيق مطالبهم، حتى في المساواة من حيث الرعاية والخدمات.
في الماضي، تابعت وكالات الأنباء أحداث الفلبين فيما وصفته بالحرب الطائفية ولكن برقياتها تضمنت كلمة تذكر لأول مرة هي: أن «جموع اللاجئين» المسلمين يتوافدون على المناطق المجاورة لكوتاباتو، خشية اتساع نطاق الانفجار «انتهى».
وآخر ما وصلنا من أنباء ثورة المسلمين في الفلبين ونحن ندون هذا الكلام ما صدر عن مصادر عسكرية فلبينية في 12 شباط 1976 بهذا النص:
«إن القوات المسلحة في جنوب الفلبين وضعت في حال إنذار كامل لمواجهة خطط محتملة للثوار المسلمين الانفصاليين. ونسب إلى الأميرال رومولو أسبالدون قائد المنطقة المضطربة قوله: إن هذه الخطط تهدف إلى كسب الدعاية في العالم للثوار المسلمين قبل المؤتمر الإسلامي المقرر عقده في أسطنبول في أيار المقبل».
وفي 6 تشرين الثاني 1976 نشرت الصحف ما يلي: «يفتتح ممثلو الحكومة الفلبينية قريباً محادثات في ليبيا مع ممثلي الثوار في محاولة لإنهاء الثورة التي مضى عليها أربع سنوات في جنوب الفلبين. وقال الأميرال رومولو أسبالدون قائد قوات الحكومة في المنطقة المضطربة إن مسؤولين ليبيين سيشتركون في هذه المحادثات التي ستعقد بعد زيارة يقوم بها السيد أيزميلدا ماركوس إلى ليبيا.
وحدثنا بعض من زاروا الفلبين أن فيها العديد من الشيعة. وقد رأينا فيما تقدم فضل الشيعة لا سيما الأشراف العلويين منهم من الحضارمة وغيرهم في نشر الإسلام في تلك الأصقاع النائية.
وقد جاء في الجزء الأول من خطط المقريزي في (ص 16) ما يلي: «في جانب هذا البحر الشرقي تعرف بجزائر السبلي نزلها بعض العلويين في أول الإسلام خوفاً على أنفسهم من القتل».
والواقع أن ما كان يحمل الأشراف العلويين على الوصول إلى أقصى الأرض هو خوفهم على أنفسهم من المذابح التي كان يعرضهم لها الحكم الغاشم فكانوا يوغلون في الابتعاد إلى أماكن لا تطالهم بها أيدي الظالمين… وكان همهم الأول عندما يستقرون هو أن ينشروا الإسلام، ووفقوا إلى ذلك إلى حد بعيد في كل مكان حلوه كما رأينا.
ولا بد لنا بعد هذا من أن نقدم بعض المعلومات عن الفلبين:
تحتوي الفلبين على 32 مليون فدان من الغابات، تنتج مختف أنواع الأخشاب الجيدة، و29 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة وعشرات الكنوز الدفينة في مناجم الذهب والكروم والمنجنيز والحديد والنحاس، وغيرها من المعادن الثمينة، كما تحتوي بحارها على أكثر من ألفي نوع من الأسماك الممتازة والنافعة.
وإن أول ما يسترعي الالتفات في قرى الفلبين أنها غنية بجميع أنواع الغابات والأشجار والخضر، حتى ليصعب على الوافد إلى القرية من بعد، أن يتبينها وسط الأشجار العالية التي تتعانق بكثرة حولها وتكاد تغطيها.
أما منزل الفلاح، فهو غاية في البساطة، يصنع عادة من البوص أو «البامبو» وهو لا يرتكز مباشرة على الأرض، ولكنه يرتفع عنها مسافة متر أو يزيد، مستنداً إلى عدة قوائم خشبية. والحكمة في هذا هو حماية المنزل من تسرب المياه إليه، أثناء هطول الأمطار الغزيرة في فصل الصيف!
ولا يستفيد السكان من تلك الثروات الطبيعية ما كان مفروضاً أن يستفيدوا ويقول بعض المهتمين بأحوال تلك الجزر: إن المناخ الاستوائي الحار هناك يهد أعصاب السكان وأجسامهم فلا تنشط على العمل، كما أن الأمطار الغزيرة التي تتساقط فصل الصيف تعرقل جميع المشروعات والأعمال الإنشائية.
ويقول آخرون إن الجنس الفلبيني يميل بطبعه إلى الهدوء والدعة، ولا ينشط إلى العمل وتحسين مستوى معيشته، بقدر ما ينشط إلى الرقص والموسيقى والغناء، والإقبال على أسلوب الحياة الفطرية بعيداً عن مظاهر الحضارة والمدنية.
ويعزو فريق ثالث مظاهر التأخر هذا إلى أسباب سياسية، حيث تخلف عن احتلال اليابان مدة الحرب الأخيرة، فقد أدى هذا إلى وقوع الفلبين في كارثة اقتصادية، وكان اليابانيون يستولون عنوة على معظم محاصيل الجزر، ويمتصون مواردها الاقتصادية لتصديرها إلى اليابان. بل لقد حدث عندما اضطروا للانسحاب من «مانيلا» عاصمة الفلبين تحت ضغط الجيوش الأمريكية ـ أنهم أحرقوا ودمروا ثلاثة أرباع بيوت المدينة.
هذه بعض الآراء والتفسيرات التي يعلل بها الناس هناك، سر فشل الفلبينيين في مجاراة تقدم اليابان المادي الرائع، مع أن اليابان أقل منها حظاً في الموارد الطبيعية، فضلاً عن زيادة تعداد سكانها على تعداد سكان الفلبين. وقد تكون علة هذا التأخر مزيجاً من هذا كله وعندما كان الإسبان يستعمرون تلك الجزر عاشوا فيها مدة ثلاثة قرون أو تزيد، وقد امتزجوا بأهلها امتزاجاً كلياً، ونقلوا إليهم عديداً من صور المدنية الغربية، ونشروا بينهم الدين المسيحي، كما تزوجوا من نسائهم وخلقوا بذلك جنساً جديداً هو الجنس الفلبيني، الذي يجمع بين دم «الملايا» ودم «الاسبان».
- () راجع بحوثاً مستقلة عن (كان وكان) و(القوما) و(المواليا) و(الزجل) في مواضعها. ↑
- () كانت هناك معارك بحرية أيضاً وهي ما تشير إليها الأبيات. ↑
- () لم يكن طلائع في تشيعه إسماعيلياً، بل كان إمامياً اثني عشرياً. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج 6 ص 194 القاهرة الطابعة الأولى 1324 هجرية 1906 م. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال ص 252 الطبعة الأولى القاهرة 1960 م. ↑
- () أبو جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج 5 ص 409 القاهرة دار المعارف. ↑
- () بطرس البستاني: محيط المحيط ص 619 بيروت مكتبة لبنان 1977 م. ↑
- () أبي فرج الأصفهاني: الأغاني ج 9 ص 22 الطبعة المصرية تراثنا. ↑
- () أبي العباس أحمد المعروف بابن خلكان: وفيات الأعيان ج 6 ص 308 بيروت دار صادر. ↑
- () أبو العباس محمد الميرد: الكامل في الأدب ج 3 ص 248 طبعة الأزهرية القاهرة. ↑
- () راجع ترجمته في موسوعة (أعيان الشيعة). ↑
- () راجع ترجمته في موسوعة (أعيان الشيعة). ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 127. ↑
- () ج 1، ص 40. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج 3، ص 108، نقلاً عنه. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين، ج 1، ص 162 وما بعدها. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين، ج 1، ص 162 وما بعدها. ↑
- () أعيان الشيعة، ج 1، ق 2، ص 18. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج 2، ص 18. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين، ج 1، ص 168. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين، ج 1، ص 169. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين، ج 1، ص 169. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج 2، ص 24. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج 2، ص 25. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج 2، ص 24. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 170. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 15. ↑
- () سورة القصص، الآية: 47. ↑
- () سورة النساء، الآية: 164. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 170، وقد آثرنا نقل أدلتهم عن هذا المصدر نظراً لوفائه بالتأدية مع يسر التعبير وسهولته. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 36. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 36. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 36. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 36. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 173. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 173. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 174. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 174. ↑
- () أصول الفقه، ج 2، ص 29. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 9. ↑
- () مباحث الحكم، ج 1، ص 174. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج 2، ص 30، ويحسن الرجوع إلى هذا الكتاب لاستعراض حججهم والإجابة عليها فهو من خير ما كتب في موضوعه استيعاباً وعمق نظر. ↑
- () راجع بحث القياس. ↑
- () شرح جمع الجوامع لابن السبكي المطبوع مع حاشية البناني ج 2، ص 215، وفلسفة التشريع للأستاذ المحمصاني 122 طبعة ثانية. ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه ص 271 ـ 272 للأستاذ الدواليبي. ↑
- () شرح جمع الجوامع لابن السبكي المطبوع مع حاشية البناني، ص 224. ↑
- () نفس المرجع والصفحة. ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه ص 273 ـ 277 وما بعدها للأستاذ الدواليبي. ↑
- () رسائل الأنصاري المطلب الثالث من باب الشك في المكلف به. ↑
- () A.. ↑
- () C.P.. ↑
- () A الحميديان. ↑
- () A الجيني. ↑
- () البلاد. ↑
- () فرحل. ↑
- () ابنين. ↑
- () ابن شداد الأعلاق الخطيرة، 3: 2: 551 يقال: إن لفظة بادٍ هي لقب لهذا الرجل، كان له بأس وشدة كثرت جموعه، وأقام بديار بكر إلى أن ملك عضد الدولة البويهي الموصل، فحضر بادٍ مجلسه في جملة الوفود ولما استطلع خبره خاف منه فجدَّ في طلبه، ولم يظفر به ولما هلك عضد الدولة سار بادٍ إلى ديار بكر فملك آمد وماروين ونصيبين وأقام فيها منتصراً على عساكر السلطة ابن خلدون، تاريخه: 314: 538 ـ 39. ↑
- () مثل البويهيين في هذا الصلح القائد زياد بن شهراكونه ـ شهراكوبه ـ والحاجب أبي قاسم سعيد بن محمد، (ابن خلدون، تاريخه، 4: 3: 538 ـ 540). ↑
- () نصير الدولة: 1011/ 1061م /401 ـ 453 هـ. لقب بالقاهر، عظم شأنه واستيلاؤه، وكثر ماله، وحسن في عمارة الثغور وضبطها. كان على علاقة طيبة مع السلطان السلجوقي طغرلبك فهاداه بالهدايا العظيمة، ولهذا كان يسكت عن تصرفاته في احتلال البلاد وأخذها من أصحابها. قيل أنه كان يضاهي عظماء الملوك في الترف، واجتمع عنده من الجواري أزيد من ألف، واقتنى أثمن الأواني والأدوات. جمع في عصمته بنات الملوك، قصده الشعراء والعلماء، فأكرمهم وأنعم عليهم بالعطايا والهبات. ↑
- () ابن خلدون، تاريخ، 4: 3: 553. من بين خصومه الأمير قرواش من عبر الجزيرة، كان دبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وغريب بن معن، «نفس المصدر والصفحة» قرواش بن المقلد (1001 ـ 1052 م/ 391 ـ 444 هـ)، خلف أباه المقلد، كان أديباً شاعراً، مهاباً، من رجال العرب البارزين، تردد في ولائه للخلافتين العباسية والفاطمية. امتد ملكه من الموصل شمالاً حتى شمل الفرات والجزيرة الفراتية وحلب. ذبح بأمر من أخيه قريش بن بدران سنة 1056 م/ 448 هـ. دام عهد معتمد الدولة قرواش قرابة الخمسين سنة، إلى أن اختلف مع أخيه بركة بن المقلد، فقبض عليه بركة وسجنه في سنة 1049 م / 441 هـ في قلعة الجراحية من قلاع الموصل. وتولى مكانه، ولقب نفسه بزعيم الدولة، وأقام بالإمارة مدة سنتين إلى وفاته عام 1051 م/ 443 هـ. وقام بالأمر بعده أبو المعالي قريش بن بدران، الذي تحالف مع البساسيري على خلع طاعة العباسيين والولاء للفاطميين. وكان ما كان من مشاكل بهذا الخصوص إلى وفاته في سنة 1061 م/ 453 هـ. بمدينة نصيبين. «ابن خلكان، وفيات الأعيان 52: 267». وبعد قريش ولي البلاد والده أبو المكارم. ↑
- () تاج الدول تتش السلجوقي، أخو السلطان ملكشاه، استطاع أن يهزم بر كياروق ابن أخيه ملكشاه ويستولي على البلاد منه. ويرسل إليها عماله ونوابه. وكان على رأس هؤلاء الأمير علي بن شرف الدولة مسلم ووالدته (خاتون بنت السلطان محمد بن داود) عمه ملكشاه «ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق ص 123 و133». ↑
- () مسلم بن قريش العقيلي، (1061 ـ 1085 م/ 453 ـ 478 هـ). ملك الموصل وحلب والجزيرة ولقب بأبي المكارم شرف الدولة كان ذا همة وعزم وله حظوة عند الخلفاء والملوك والوزراء وخطب له على المنابر. زوجه السلطان ألب أرسلان أخته صفية. أظهر تشيعه، فحاولت الشعوبية اغتياله لكنه نجا، ثم قتل بحدود سنة 478 هـ. وكانت وفاته بداية النهاية للإمارة العقيلية إذ عاد العقيليون بعد ذلك إلى مواطنهم الأصلية في البحرين، بينما استولى السلاجقة على ممتلكاتهم. «شميساني، مدينة سنجار، حاشية ص 96». ↑
- () ابن خلدون، تاريخه، 4: 3: 680. «انظر ما جاء بخصوص موقف ابن مروان من الدعوة العلوية» هذا ويظهر ميل العقيليين إلى العباسيين من خلال ما قدمه أمراؤهم من مساعدات مادية ومعنوية لدار الخلافة في أوقات الشدة، فمن ذلك أن الأمير مسلم العقيلي كان قد تبرع بالمال الكثير لإعادة إعمار بغداد عندما غرقت سنة 1081 م/ 474 هـ. وتهدم سورها. كما ظهر هذا الميل أبان خروج البساسيري على طاعة خليفة بغداد، وولى الفاطميين، فساند العقيليون جيش الخلافة وقاتلوا إلى جانبه. ↑
- () تحدث السبط بن الجوزي بهذا الصدد فقال: «… بينما كان تتش السلجوقي يحاصر حلباً، جاء مسلم بن قريش نجدة له، وكان معه غلال كثيرة له ولأصحابه، وكان بحلب غلاء شديد، فباع فيها، فعاتبه تتش قائلاً: أنت أتيت في مساعدتي أم في تقويتهم؟ ارجع إلى أعمالك! مالي إليك حاجة… فعاد مسلم إلى سنجار…» مرآة الزمان، الحوادث الخاصة بالسلاجقة ص 98، حوادث سنة 471 هـ. شميساني، مدينة سنجار، حاشية ص 99. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 0: 376، حوادث سنة 430 هـ. ↑
- () ابن خلدون، تاريخه، 4: 3: 55 ـ 557. ↑
- () ابن خلدون، تاريخ، 4: 3: 680. ↑
- () ابن خلدون، 4: 3: 557 ـ حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والاجتماعي… 4: 12. ↑
- () ابن خلدون، تاريخه، 4: 3: 680. وصفت منطقة الجزيرة بأنها من أخطر مناطق المشرق العربي آنذاك، لأنها كانت منطقة الثغور المجاورة للروم الأقوياء، الذين دأبوا على الإغارة عليها. والنيل من أهلها، لذا كانت هذه المنطقة تطلب رجالاً مشهورين بالشجاعة والفروسية وروح المغامرة وهذا ما تيسر لها من خلال إمرة الحمدانيين والعقيليين ومن ثم المروانيين (السعكة، سيف الدولة الحمداني، ص 31). ↑
- () ابن الأثير، التاريخ الباهر… ص 5 ـ ،، ابن خلدون، تاريخه، 4: 3: 57. كان فخر الدولة أبو محمد بن أحمد وقيل بن محمد بن جهير من أهل الموصل. اتصل بخدمة بني عقيل، ثم استوحش من قريش بن بدران، واستجار ببعض رؤساء بني عقيل فأجاره منه، ومضى إلى حلب، فاستوزره معز الدولة أبو الثمال بن صالح ثم فارقه إلى نصير الدولة بن مروان بديار بكر فاستوزره. ولما عزل القائم وزيره أبا الفتح محمد بن منصور بن دارس استدعاه للوزارة. فتحيل في المسير إلى بغداد وأتبعه ابن مروان فلم يدركه، ولما وصل إلى بغداد استوزره القائم سنة أربعة وخمسين وأربعمائة، وطغرلبك يومئذ هو السلطان المستبد بالخلفاء واستمرت وزارته وتخللها العزل في بعض المرات إلى أن مات القائم وولي المقتدي. وسارت السلطنة إلى ملكشاه، فعزل المقتدي سنة إحدى وسبعين بشكوى من نظام الملك إلى الخليفة به وسأله عزله فعزله… ثم دارت الأيام وتشفع بنو جهير بنظام الملك والسلطان إلى أن قبلت شفاعتهم… وعقد له على الديار «…كانت ولادته بالموصل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.. كان ذي رأي وحزم… كنيته مؤيد الموصلي التغلبي…» ابن خلكان، وفيات الأعيان 5: 127. ↑
- () ابن الأثير، تاريخ الباهر، ص 16: كان الأمير كربوغاقه انضم إلى السلطان ركن الدين بركياروق ابن السلطان ملكشاه مع قسيم الدولة آق سنقر، والأمير بوزان لمحاربة تاج الدولة تتش، فلما ظفر هذا الأخير بالحرب قتل قسيم الدولة وسجن كربوقا وبوزان. وأنفذ بعد ذلك عماله إلى الولايات، وقتل تاج الدولة تتش سنة 1096 م 489 هـ وأفضت السلطنة إلى بركياروق. فخرج كربوغا من السجن وكلف بطرد عمال تتش من أرض الجزيرة، وهكذا كان «نفس المصدر والصفحة». ↑
- () جبريل بن أحمد الفاريابي (فارياب: مدينة بين بلخ ومرو الرود)، وكان ـ كما يقول الشيخ الطوسي ـ يسكن «كش»، وإبراهيم بن نصير الكشي (كش: من قرى سمرقند)، وخلف بن حمّاد الكشي، وخلفه محمد الملقب بالمنّان الكشي، وعثمان بن حامد الكشي، ومحمد بن الحسن الكشي، ومحمد بن سعيد بن مزيد الكشي، وإبراهيم بن علي الكوفي السمرقندي (يبدو أنه هاجر من الكوفة إلى سمرقند) وإبراهيم الورّاق السمرقندي، وجعفر بن أحمد بن أيوب السمرقندي، ومحمد بن مسعود العياشي السمرقندي، وآدم بن محمد القلانسي البلخي، وأحمد بن علي بن كلثوم السرخسي، وأحمد بن يعقوب البيهقي، وعلي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، ومحمد بن أبي عوف البخاري، ومحمد بن الحسين الهروي، ومحمد بن رشيد الهروي، ونصر بن الصباح البلخي و… ↑
- () هذا الاستنتاج أخذ بنظر الاعتبار أن الكشي من تلامذة العيّاشي وأن الكشي كان من غلمان محمد بن مسعود العياشي كما أوضح لنا سماحة السيد حفظه الله (المترجم). ↑
- () يؤيد ذلك أيضاً أن علي بن محمد القزويني جاء لأول مرة بكتب العياشي إلى بغداد سنة 356 هـ (راجع النجاشي/ ص 267). ↑
- () النجاشي في ترجمة الكشي / ص 372. ↑
- () النجاشي في ترجمة العياشي، ص 351. ↑
- () المولوي في كتاب المثنوي بنقل قصة شاعر ورد حلب في عاشوراء ورأى المدينة مجللة بالسواد ومعطلة الأسواق، فظنّ أن أميراً فيها قد مات. وحين سأل الناس قالوا له: يظهر أنك غريب.. ↑
- () نلفت النظر إلى رسائل الشيخ المفيد وجوابه على أسئلة كانت ترده من أكناف البلاد، وإلى تنوع هذه الأسئلة وسعة نطاقها.. وفي بعض هذه الرسائل لا يكتفي الشيخ المفيد بحل ما يطرحه السائل من مشكلة فكرية، بل يدخل في حلبة مصارعة فكرية وكلامية، وكأنه من مركزه في بغداد يتصدى للدفاع عن حريم مدرسته ويدافع عن أتباعها أمام هجوم خطر. أنظر: المسائل الصاغانية وما فيها من هجوم قويّ يصعّد فيه معنويات الشيعة المستضعفين في خراسان الذين كانوا يواجهون حملة على حريمهم الفكري. ومن هنا من المحتمل أن تكون الرسائل المكتوبة بأسلوب: «فإن قيل فقل» مثل: النكت في مقدمات الأصول، والنكت الاعتقادية وأمثالها قد دوّنت لسكنة الأصقاع البعيدة الذين كانوا يتعرّضون دوماً لضغط أسئلة دينية موجّهة وكانوا يطلبون أجوبة كلامية قويّة وتوجيهات مناسبة. ↑
- () كان المفيد المولود سنة 336 لدن وفاة ابن النديم ابن الرابعة والأربعين، ولا ندري متى ترجم ابن النديم للشيخ المفيد في فهرسته. ↑
- () قول الذهبي هذا جزء من تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، لم يطبع بعد، وما نقل فهو من نسخة يبدو أنها معدّة للطبع. ↑
- () تاريخ العلوم الإسلامية (فارسي)، جلال همائي، ص 51. ↑
- () ومن الغريب أن مستشرقاً في زماننا أيضاً كتب في باب الأفكار الكلامية للشيخ المفيد، وذهب فيه إلى أنه من أتباع مدرسة المعتزلة. ↑
- () المفيد يطعن في «المسائل الصاغانية» بابن الجنيد، ويعبر عن أقواله بالهذيان، ويصفه بعدم سداد الرأي (راجع المسائل الصاغانية، 62). ↑
- () فصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل في المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وما بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول» (أوائل المقالات، 40). ↑
- () رجال النجاشي، 10. ↑
- () الوسائل 1/327، والآية من سورة الحج: 78. ↑
- () فتاوى العلمين، 5. ↑
- () رجال النجاشي، 48. ↑
- () عبارة النجاشي على النحو التالي: «كتاب مشهور في الطائفة» وقيل: ما ورد الحاج من خراسان إلاّ طلب واشترى منه نسخة (ص 48)»، وعبارة الشيخ في الفهرست: «له كتب أُخر منها كتاب التمسك.. في الفقه، كبير حسن» (الفهرست، 368، ومع قليل من الاختلاف في ص 96). ↑
- () العدة، ص 5. ↑
- () تلاحظ العبارات المنقولة عن العدة «..في المخاصر الذي له في أصول الفقه». ↑
- () «وليس يصح في النظر دعوى العموم بذكر الفعل، وإنما يصح ذلك في الكلام المبني والصور منه المخصوصة. فمن تعلق بعموم الفعل فقد خالف العقول» التذكرة، 38. ↑
- () «وإذا ورد لفظ الأمر معاقباً لذكر الحظر أفاد الإباحة دون الإيجاب» ص 30. ↑
- () «والاستثناء إذا أُعقب جملاً فهو راجع إلى جميعها إلاّ…» ص 41. ↑
- () العدة، ص 8. ↑
- () أوائل المقالات، 59. ↑
- () أوائل المقالات، 57. ↑
- () أوائل المقالات، 58. ↑
- () أوائل المقالات، 50. ↑
- () أوائل المقالات، 79. ↑
- () أوائل المقالات، القول في سماع الأئمة عليهم السلام كلام الملائكة الكرام…، ص 80. ↑
- () تصحيح الاعتقاد، ص 149. ↑
- () أوائل المقالات، ص 129. ↑
- () يستثنى من ذلك فترة حكومة عضد الدولة على بغداد (367 ـ 32). ↑
- () O. Graber Umayyad pdldce and the Abbaside Revolution Studia xviii, 1963. ↑
- () ابن الفقيه الهمداني، البلدان، ص 11. ↑
- () نقول: صدر سنة 1997 كتاب (عمان) للدكتور عبيد غانم عياش وقد سد صدوره ـ على ما فيه من أوهام وإيهام ـ فراغاً كبيراً في هذا الموضوع (ح). ↑
- () ذكرنا فيما تقدم انفصال الإمامة عن السلطنة. ↑
- () كان في عمان حكومتان: حكومة الإمامة، أو حكومة عمان في الداخل وحكومة السلطنة في مسقط ويشير العمانيون بكلمة عمان إلى داخل البلاد فيما يقولون البندر للإشارة إلى مسقط ولم يكن هناك تعارض بين الحكومتين بل تعاون شبه كامل، فمسقط هي إطلالة عمان على البحر ومنها تأتي الثروة السمكية، والمناطق الداخلية هي ثروة البلاد من الزراعة والثروة الحيوانية، كان هذا الأمر قبل خمسين عاماً تقريباً، والقبائل تتبع حكومة مسقط أو حكومة الداخل بحسب رغبتها وموافقة الحكومتين على ذلك، وكانت هناك قبائل تخرج عن سيطرة الحكومتين معاً فتغزو بعض القلاع والحصون التي كانت منها تدار الولايات والمناطق لموقعها الاستراتيجي كبناء ضخم وسط الصحاري والبيوت الصغيرة التي كانت سمة ذلك العصر، تلك الغزوات تسمى محلياً بالقبض، وهو قبض غاز على القلعة أو الحصن ليتحصّن فيه ويمكّنه من السيطرة على ما حول المكان بسبب هندسة البناء التي تؤمن الصمود ضد الهجمات، إذ توجد فتحات للرمي وأخرى لسكب العسل الحارق على من يحاول الدخول. وفي ضوء الإمكانات البسيطة المعتمدة على البنادق كان الحصار يمتد أشهراً حتى يتمكن الجوع والعطش من مَن في داخل القلعة أو بالهجوم المباغت.ومثل هذه الغزوات كانت تؤثر على هيبة الحكومة (في مسقط أو في الداخل) وكانت حكومة مسقط ترفض خروج أي قبيلة عن حكومة الداخل، ويتم التعاون جيداً بين الحكومتين لتسليم المجرمين عبر رسائل ومبعوثين، فالجميع موقن أنه عماني، وما يجري هو تنظيمات إدارية رضي بها الطرفان. هذا الوضع استمر حتى حكم السلطان سعيد بن تيمور (والد السلطان الحالي) الذي أعاد توحيد الحكومتين تحت مسمى واحد هو حكومة مسقط وعمان، وكان آخر الأئمة العمانيين الإمام غالب الهنائي الذي هزم في معركة دارت قريباً من الجبل الأخضر واضطر للتسليم تحت قصف الطائرات التي دخلت الحروب في عمان للمرة الأولى. ↑
- () مسقط ومسكد ومسكت: كلها مسميات لمدينة واحدة. والاختلاف في اللهجة وربما في تطور اللفظة التاريخي وتستعمل (مسقط) حالياً في اللغة الفصحى وتتداول اللفظتان الأخريان على المستوى العامي. ↑
- () ابن منظور، لسان العرب. ↑
- () الزبيدي: تاج العروس. ↑
- () ابن منظور: لسان العرب. ↑
- () الزبيدي: لسان العرب. ↑
- () الذعار: الذين يبثون الخوف بين الناس. ↑
- () ياقوت الحموي. ↑
- () خطبة الكافي 25. ↑
- () فقه اللغة الوافي 278. ↑
- () ضحى الإسلام، لأحمد أمين. ↑
- () مقدمة لسان العرب. ↑
- () مقدمة لسان العرب. ↑
- () عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1: 184 ـ 185. ↑
- () عيون الأنباء في طبقات الأطباء: 1: 189. ↑
- () عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1: 198. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية مادة خليل. ↑
- () Al Khalil and the Evaluation of Arabic Lexicography. تأليف الدكتور عبد الله درويش. ↑
- () الفهرست 46 طبعة مصر. ↑
- () المحصول في علم الأصول؛ مخطوطة الدار في مجلدين مخطوطين رقم 130. ↑
- () نفى الدكتور عبد الله درويش في كتابه (الخليل والمعاجم العربية) نسبة هذا الرأي إلى القالي، لأن القالي نقل في كتابه (البارع) عن كتاب العين للخليل صراحة، لأن القالي عندما ذهب إلى الأندلس وألّف كتابه (البارع) أخبر الخليفة حينذاك أن كتابه البارع يزيد على كتاب العين بخمسة آلاف كلمة. ↑
- () مقدمة تهذيب اللغة للأزهري مخطوطة مكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة. ↑
- () المزهر 1: 78. ↑
- () المزهر 1: 76. ↑
- () معجم الأدباء 17: 46. ↑
- () المزهر 1: 78. ↑
- () خطبة المختصر مخطوطة الدار رقم 386 لغة. ↑
- () يقصد ثعلباً في قوله الذي مر الاستشهاد به. ↑
- () المزهر 1: 83 ـ 84. ↑
- () توفي سنة 203 هـ. ↑
- () البغية 405. ↑
- () مقدمة الصحاح. ↑
- () Noam Chomsky (1969) Linguistique Cartesiome. Paris Sevil صفحة 126. ↑
- () المرجع السابق ص 125. ↑
- () Noam Chomsky (1975) Reflexions on Language New York. ↑
- () Noam Chomsky (1965) Aspects of the Theory of Syntax.صفحة 24 Cambridge, Mass The M.I.T. Press. ↑
- () فتوح البلاد للبلاذري ط مصر 306. ↑
- () تقع خرائب واسط بعد نحو خمسة كيلومترات من شرق بلدة الحي، وتعرف اليوم باسم المنارة، أما خفان فتقع آثار على عين الفرات في نقطة تبعد أكثر من خمسة كيلومترات من فوق بلدة الشنافية وتعرف اليوم باسم عين القائم. ↑
- () معجم البلدان ج 6، ص 257. ↑
- () الحجرة: بسكون الحاء وفتح الجيم والراء. هضبة صخرية مستطيلة قيل لي إنها تمتد بامتداد البادية الجنوبية. ↑
- () الطخة: المنخفض من الأرض. ↑
- () بدعة العسافية، نسبة إلى آل عساف. نهر صغير يخرج من الفرات من نقطة تقع عند بلدة الخضر. ↑
- () ياقوت الحموي: معم البلدان ج 6، ص 261، الطبعة الأولى القاهرة، 1324 هـ 1906 م. ↑
- () صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع ج 2، ص 980، الطبعة الأولى، القاهرة، 1373 هـ 1954 م. ↑
- () مجلة المنبر الحسيني، ص 35، العدد الثالث، ربيع الثاني، 1422 هـ 2001 م. ↑
- () أي شجر. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال، ص 251، القاهرة، الطبعة الأولى، 1960 م. ↑
- () المصدر نفسه، ص 252، وتاريخ الطبري، ج 5، ص 409، القاهرة، دار المعارف. ↑
- () ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ـ 42. ↑
- () صحيح مسلم: ج 7 ـ ص 122 ـ 123. ↑
- () سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص، ص 30 ـ 31. ↑
- () النسائي: الخصائص، ص 39 ـ 40 ـ 41. ↑
- () المنقي الهندي: كنز العمال، ج 1، ص 167 ـ 168 ـ 661. ↑
- () القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 18، ص 287 ـ 289. ↑
- () الحاكم النيسابوري: شواهد التنزيل، ج 1، ص 158. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 163. ↑
- () أبو حامد الغزالي: سر العالمين وكشف ما في الدارين، ص 10. ↑
- () الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 109. ↑
- () ابن حجر العسقلاني: الإصابة ج 2، ص 15، وأيضاً: ج 4، ص 568. ↑
- () القندوزي: ينابيع المودة، ج 1، ص 28 ـ 29. ↑
- () المقريزي: الخطط، ج 2، ص 92. ↑
- () السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص 169. ↑
- () المحب الطبري: الرياض النضرة، ج 2، ص 172. ↑
- () ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 4، ص 318 ـ 319. ↑
- () الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 7، ص 437. ↑
- () ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج 1، ص 109. ↑
- () ابن تيمية: حقوق آل البيت: ص 13. ↑
- () المسعودي: مروج الذهب، ج 2، ص 437. ↑
- () حسن عباس: الصياغة المنطقية للفكر ـ السياسي، ص 350. ↑
- () المراجعات: المراجعة 54، ط 17، ص 215. ↑
- () م.س: ص 217. ↑
- () معجم ما استعجم 2/510. ↑
- () انظر: مادّة: خمم، من اللسان. ↑
- () شعر همدان وأخبارها، حسن عيسى أبو ياسين، طبعة دار العلوم بالرياض، 1403 هـ، ص 372. ↑
- () معجم ما استعجم 2/510. ↑
- () هكذا بالأصل، وصوابه: وادٍ بالحجاز. ↑
- () انظر: معجم معالم الحجاز، ج 6، ص مادة: غدير. ↑
- () الغدير 1/36، بيروت، ط 4. ↑
- () انظر: لسان العرب وتاج العروس ومحيط المحيط والمعجم الوسيط، مادة: غدر. ↑
- () تاج العروس، مادة: غدر. ↑
- () بالجحفة، هكذا في مصوّرة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر لعام 1371 هـ/ 1952 م، وصوابه: دون الجحفة. ↑
- () هما: عرّام بن الأصبغ السلمي، المتوفّى نحو 275 هـ، صاحب كتاب «أسماء جبال تهامة وسكّانها وما فيها من قرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه».ونصر عبد الرحمن الإسكندري، المتوفّى 561 هـ، له: كتاب «الأمكنة والمياه والجبال والآثار ونحوها». ↑
- () وانظر: النهاية ـ مادة: خم. ↑
- () المرجعات: المراجعة 54. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () الغدير 1/33. ↑
- () الغدير 1/22. ↑
- () المراجعات: 219، نقلاً عن خصائص النسائي: 25. ↑
- () الغدير 1/31. ↑
- () الغدير 1/46. ↑
- () الغدير 1/36. ↑
- () الغدير 1/34. ↑
- () الغدير 1/47. ↑
- () الغدير 1/24. ↑
- () المراجات: المراجعة 54، ص 218 ـ 219. ↑
- () م.س: ص 217. ↑
- () الغدير 1/36. ↑
- () انظر: الغدير 1/10. ↑
- () الغدير: 1/10 ـ 11. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () الينابيع الفقهية ـ الحج: 220. ↑
- () م.س: 353. ↑
- () م.س: 558. ↑
- () م.س: 610. ↑
- () م.س: 729. ↑
- () ص 121، ط 6، لعام 1382 هـ. ↑
- () تقدّم أنْ أوضحت استناداً على ما ذكره بعض المؤرّخين الجغرافيين القدامى: أنّ الغدير مبتدأ وادي الجحفة، وعنده ينتهي وادي الخرّار. ↑
- () أخرج ابن الأثير الجزري في أُسد الغابة 4/92: عن ابن إسحاق قال: ثم إنّ علي بن أبي طالب جاء بعد ذلك بيوم ـ يعني بعد إسلام خديجة وصلاتها معه ـ قال: فوجدهما يصلّيان فقال علي: يا محمد، ما هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وإلى عبادته والكفر باللات والعزّى. فقال له علي: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمراً حتى أحدّث أبا طالب…فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام فأصبح غادياً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاءه، فقال: ماذا عرضت عليّ يا محمد؟ فقال له رسول الله: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزّى وتتبرأ من الأنداد، ففعل علي وأسلم…». ↑
- () قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/188 في قصة الشورى في حديث طويل: «…فبدأ بعلي عليه السلام وقال له: أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر فقال: بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي…». ↑
- () ومن العجيب أنها فترة جديرة بالدراسة، وللأسف إنها لم تدرس إلاّ قليلاً. ↑
- () التبرّض ـ من تَبرّضَ ـ: إذا تبلّغ بالقليل من العيش. ↑
- () الثّمد: الماء القليل. الجرور: البعيد القعر. ↑
- () شسعوا: بعدوا. ↑
- () النغّل: الضغن وسوء النيّة، الطبع: صدأ. ↑
- () تمتصع: تقاتل بالسيف. ↑
- () الجذل: الفرح. ↑
- () وكَفَ الدمع: سال. ↑
- () رقرقت العين: أجرت دمعها. الأسحم: السحاب. يقال أسحمت السماء: صبّت ماءها.السحّ: الصبّ. الغرب: الدلو العظيمة. الهموع: السيّال. ↑
- () القريع: السيّد. الرئيس. ↑
- () وادي محسّر ـ بكسر السين المشدّدة ـ: حدُّ مِنى إلى جهة عَرَفة. ↑
- () أنف كل شيء: أوّله، وروض أنُف: ما لم يَرْعَهُ أحد: كأس أُنُف: لم يُشْرَب بها. المستأنف: ما لم يسبق إليه. ↑
- () استنَّت: عَدَت إقبالاً وإدباراً. الكُتُب: الجماعات. العُفر: الظباء التي يعلو بياضها حُمرة. ↑
- () البوّة: الحمقاء. ↑
- () لعاً: كلمة يدعى بها للعاثر، ومعناه الارتفاع. ↑
- () العُنجُهيّة ـ بضم العَين والجيم ـ: الكِبْر. ↑
- () بسأ بالشيء: أنسَ به ومرنَ عليه. ↑
- () الدَدَان: الكليل الضعيف. الدثر: الصدىء. ↑
- () العقوة: الساحة. ↑
- () وفي نسخة: بفيحاء. ↑
- () من أفعل. ويظهر من الدكتور ملحم، شارح ديوان أبي تمّام أنّه قرأه مجرّداً من (عَلِمَ) لا مزيداً من (أعلم) كما قرأناه، ومختارنا هو الصحيح الذي لا يعدوه الذوق العربي. ↑
- () الغَمْر: الكريم. ↑
- () همى يهمي همياً: سال، هَمَت العين: صَبَّت دمعها. ↑
- () كاشح فلاناً كِشاحاً ومكاشحة، وكشح له كَشْحاً: عاداه. ↑
- () الظَّلْم بالفتح: ماء الأسنان وبريقها. الشنَبّ بياض الأسنان وحُسنها. ↑
- () أهَبّهُ من نومِه: أيقظه. ↑
- () أشْرَقَه بريقه: أي أغصَّهُ ومنعَهُ التنفس. ↑
- () الغري: النجف. ↑
- () جنبه جنْباً جنَباً: أبعده ونحّاه. ↑
- () المُعْزِل: من أغَزَلت الظبية إذا ولَدَت الغزال. الأدم من الظِّباء: البيض تعلوهن طرائق فيهن غُبرة.طَلَح: أتعَب وأعيا. الكاسر: العُقاب. الفتخاء: الليّنة الجناح. الصَّبَبَ: ما انحدر من الأرض. ↑
- () العَطَبَ: الهلاك. ↑
- () خَرَم الخزرة: فَصَمها، شقّ وترة الأنف. الخشاشة: عود يجعل في أنف الجمل. ↑
- () جَذِل وجذلان: فَرِح وفرحان. أرعن: أحمق، جيش لَجِب: ذو كثرة وجَلْبة. ↑
- () الصلدم: الصلب، الأسد. الزرق: يكنّى به عن الأسِنَّة والنضال لما في لونها من الزرقة. اللهاذم جمع لهذم: الحادُّ القاطع. الماذي: كلّ سلاح من الحديد. اليَلَبُ: الفولاذ وخالص الحديد. ↑
- () قَعَصَهُ وأقعَصَه: قتله مكانه. ↑
- () كنَفَ الشيء: صانه وحفظه وحاطه وضمّه إليه. ↑
- () فاطمة بنت أسد أم علي عليها السلام. ↑
- () في البيت إقواء. ↑
- () البُهم: جمع البُهمة. الشجاع. الشموس: الشديد الجريء في القتال. القبّ: القطع.[الشَّزِب: اليابس]. (المؤلف). ↑
- () البرين ـ بالضم جمع بره ـ: الخلخال. ↑
- () إشارة إلى قول الإمام حين أريد منه الاستمرار في خطبته المعروفة بالشقشقية: إنها شِقْشِقَة هدرت ثم قرت. ↑
- () حجر بن عدي الكندي صاحب الإمام علي الذي طُلب منه البراءة منه، فأبى، وقتل هو وابنه وأصحابه في مرج عذراً قرب دمشق. ↑
- () نمير: فعل مضارع من مار يمير عيالَه أتاهم بالطعام والمونة، ومنه الآية الكريمة: {ونمير أهلنا ونزداد كيل بعير}. ↑
- () هِرقل: أمبراطور بيزنطة الذي جرت المعركة على نهر اليرموك في الأردن بين خمسين ألفاً من جيشه وبين طلائع جيش المسلمين فكانت فاتحة احتلال بيزنطة سنة 15 هـ. ↑
- () الإيوان: هو إيوان كسرى في المدائن ـ قرب بغداد ـ وأردشير أحد ملوك الفرس، ورستم القائد الفارسي الذي انتصر عليه سعد بن أبي وقاص في حرب القادسية سنة 14 هـ. ↑
- () عبد الرزاق الحسني. ↑
- () كانت فتنة مذهبية، وذلك أن الشافعية والحنفية كانا يتقاسمان أصفهان ويسودها مذهباهما، وكانوا في احتراب دائم. وفي أول الأمر لما شعروا بالخطر المهدد لهم جميعاً اتفقوا على مقاومة المغول. ولكنهم لم يلبثوا أن عادوا إلى الاختلاف. فخرج قوم من الشافعية إلى من يجاورهم من المغول فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه لكم، فأرسل المغول الجيوش إلى أصفهان فحاصروها، ومع ذلك ظل الشافعية والحنفية يقتتلون حتى قتل كثير منهم، ثم فتح الشافعية أبواب المدينة للمغول على عهد بينهم وبين المغول أن يقتلوا الحنفية ويتركوا الشافعية، فلما دخلوا البلد بدأوا بالشافعية وقتلوهم قتلاً ذريعاً ثم قتلوا الحنفية. (انظر تفاصيل الفتنة في شرح النهج الحديدي). ↑
- () لم ندخل (أل) التعريف على كلمة (غور) أخذاً بما استعمله ياقوت في معجم البلدان. ومنطقة (غور هي التي تعرف اليوم في أفغانستان باسم هرسلنه جات) وكل سكانها من الشيعة. وبرغم من أنه لا يمكن اعتبار (الغوريين) الذين هم موضع هذا البحث من الشيعة، فقد خصصناهم بهذه الدراسة لأن تاريخهم جزء من تاريخ تلك المنطقة الشيعية. ولا توجد في المصادر التاريخية معلومات واضحة عن صلتهم بالتشيع سوى ما ورد في (طبقات ناصري). ويقول الدكتور فرهاد دفتري: إن سياسة التسامح والتساهل في هذه الأسرة البعيدة عن التعصب من جهة وعلاقتهم واحترامهم للسادات العلويين من جهة أخرى فتحت الطريق لنشر التشيع في غور وغرجستان. وعند قراءة هذا البحث لا بد من الرجوع إلى (أفغانستان) الذي يوضح بعض الأمور التي وردت هنا. ↑
- () بنجهير في اصطلاحهم بمعنى خمسة جبال. ↑
- () هو منهاج الدين عثمان بن سراج الدين الجوزجاني المعروف بـ (منهاج السراج)، الفقيه السني مؤرخ سلالة الغوريين وسلالة المعزيين أو سلالة غلمان الهند، وهو الذي قضى السنوات الأولى من حياته في خدمة الغوريين وزار قهستان ثلاث مرات في الفترات بين 621 و632/ 1224 ـ 1226 م وشرح بالتفصيل أحوال الإسماعيليين النزاريين وأحداثهم في قهستان. ↑
- () فخر الدين مباركشاه بن حسن الموروزي من الأجلّة في صدر حكومة ملوك غور. وكان يشار إليه بالبنان في الأدب والكمالات النفسانية.. قال ابن الأثير توفي سنة 603 هـ. ↑
- () روضات الجنات من أوصاف مدينة هرات ج 1، ص 355. ↑
- () طبقات ناصري ج 1، ص 322. ↑
- () طبقات ناصري ج 1، ص 325. ↑
- () ورد اسم (حسن) بدل (شيش) والظاهر أنه من الأخطاء المطبعية أو من سهو الناسخ. ↑
- () حبيب السير ج 2، الجزء الرابع، ص 379 طبعة مكتبة الخيام ـ طهران. ↑
- () طبقات ناصري ج 1، ص 374. ↑
- () طبقات ناصري ج 1، ص 355 ـ 356. ↑
- () طبقات ناصري ج 1، ص 341 ـ 346. ↑
- () طبقات ناصري، ج 1، ص 361. ↑
- () فرقة من أهل السنة ينسبون إلى أبي عبد الله محمد بن كرّام، المتوفى سنة 255 هـ. كان من أهل سجستان، وكان أبوه حارساً للكروم ولذلك عرف بابن كرّام.كان مجسِّماً، يقول: إن لله جسماً وأعضاء وهو يجلس ويتحرك، وكان السلطان محمود الغزنوي على مذهبه ويقول أبو الفتح البستي المتوفى سنة 400 هـ:الرأي رأي أبي حنيفة وحده
والدين دين محمد بن كرام
↑ - () مدينة فاس من أجمل المدن العربية الإسلامية في الجانب الغربي من العالم الإسلامي. تعتز بموقعها الجغرافي المتميز شمال شرقي المملكة المغربية وعلى ضفاف حوض وادي سبو. وهي محاطة بالغابات الجميلة وغير بعيدة عن سلسلة جبال الأطلس المتوسطة الشامخة كما أنها ترتكز على أهم وأقدم محور لتجارة القوافل الذي يربط السودان (السنغال والدول المجاورة لها حالياً) ودول البحر الأبيض المتوسط وتشكل حلقة الوصل ما بين العالم الإسلامي وباقي دول المغرب. ↑
- () عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب القاهرة 1949 ص 358. ↑
- () انظر: Heers (J) «Gênes au XV siècle» Flammarion 1967. p.5. ↑
- () يوجد بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 4605. 143.«Atlas monographique marocain» La Region de Fès. ↑
- () وخصوصاً بعد وفاة المنصور 1012 هـ/ 1603 م. حتى دخول العلويين. ↑
- () الوزان «وصف إفريقيا». ↑
- () بعد معركة «أنماي» التي وقعت في ذي القعدة من عام 930 هـ ومعركة بو عقبة «أحد مشارف وادي العبيد» في صفر عام 943 هـ. وقد ذكر ذلك صاحب «شرح زهرة الشماريخ» والنزهة ص 210. ↑
- () الوزان ص 71 ـ 157. انظر كذلك:Bataillon (M) «Le rève de la conquête de Fés» conbra p.102-107. ↑
- () مارمول ـ وصف إفريقيا ـ ص 260 الجزء الثاني. ↑
- () L’Anonyme Portugais-Tradud, et annotation H. De Castries «Description du Maroc sous le régne de My Ahmed El Mansour» p.120. ↑
- () انظر:L-Massignon «Le Marco dans les premières années du XVI siècle». 1906. ↑
- () انظر الوزان، ص 247، والتعليق الذي أضافه ايبولار في الهامش. ↑
- () المصدر نفسه ص 241. ↑
- () المصدر نفسه، ص 248. وبني وارثين قبيلة من شعب صنهاجة يعرفون باسمهم البربري أيت ايوارضن بمعنى الراجعون بالبربرية واسمهم المعرب هم بنو وارثين. اندمجت هذه القبيلة المذكورة اليوم في غيرها من القبائل بالمغرب الأقصى مندمجة في بطن آيت سنان من قبيلة أهل تادغة (قيادة تينغير ـ إقليم ورززات). ↑
- () مظغرة الوزان ص 303 ـ 304. لم يبق أثر لهذا الاسم في المناطق المجاورة لفاس حالياً. ↑
- () انظر:Sorre (M) «Les fondements biologiques de la géo. humaine» Paris 1943- p.386. ↑
- () في عهد المنصور كان عليها أبو الحسن ثم زيدان انظر النزهة ص 91، انظر كذلك: «مناهل الصفا» تحقيق «د. كريم» ص 169. (راجع: السعديون). ↑
- () المصدر والصفحة نفسها. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الأمير محمد بن علي بن راشد. وقد كانت الأسرة الراشدية في بداية الدولة تدين بالطاعة والولاء للأسرة السعدية الحاكمة وكانت هناك علاقات طيبة بين محمد بن راشد والسلطان محمد الشيخ السعدي، إلا أنه بعد موت هذا الأخير وتربع خلفه الغالب بأمر الله على عرش المغرب أصبح يسود هذه العلاقات نوع من الغموض ثم في سنة 963 هـ قضى على إمارة بني راشد وولي عليها ابن عسكري. ↑
- () انظر مناهل الصفا تحقيق: «د. كريم» ص 92 ـ 94. ↑
- () المؤرخ المجهول، نشر كولان، الرباط، 1934، ص 34. ↑
- () المصدر نفسه ص 34. ↑
- () 6 ـ 7 في المقدمة التي هي من إنشاء دوكاستر. ↑
- () انظر:Mouette. op. cit. p. 76. Massignon op. cit. p. 169-170. ↑
- () الذي يتحدث عن التقسيم الإداري في عهد المولى إسماعيل ويدخل ضمن ناحية فاس الإدارية: زرهون Zerhoun السايس Asceis الغرب Algharbe جبل الزبيب Jebel Zebib وبني زروال والكرت. ↑
- () انظر دوحة الناشر لابن عسكر. وقد ذكر أكثر من خمسين عالم من تلك المناطق درسوا بفاس أو زاروها أو علموا بها. ↑
- () انظر جذورة الاقتباس، «لابن القاضي»، الجزء الأول، ص 46 و47. ↑
- () الوزّان، ص 274، والجذوة ص 44. ↑
- () يطلق كبكب على المنخفض الواقع بين جبال زالغ واتغات. وفيما يرجع للمنتجات انظر «الدر الثمين» لميارة الفاسي ص 151. ↑
- () الحبالات كما ذكرها صاحب الجذوة هي أرض بني عبودة بقرب ملتقى وادي سبو مع وادي فاس ص 45. وقد كانت بها دار صناعة السفن في عهد عبد المؤمن الموحدي حين أراد التوجه لفتح المهدية سنة 552 هـ/ 1157 م. ↑
- () انظر F. Braudel ص 156، ويطرح له نفس المشكل بالنسبة لتحديد منطقة البحر الأبيض المتوسط. ↑
- () ابن القاضي، الجذوة، الجزء الأول، ص 45. (راجع: الأدارسة). ↑
- () وخصوصاً في عهد المرينيين:(R.H) Gauthier «les grandes problèmes politiques et économique de la mediterranée médevale» «R.H».انظر كذلك بروديل في صفحة 424 وخصوصاً. ↑
- () ابن خلدون ـ المقدمة ص 303: «وكانت أولاً قليلة الساكن فكانت أمراضها كثيرة فلما كثر ساكنها انتقل حالها عن ذلك وهذا مثل دار الملك بفاس لهذا العهد المسمى بالبلد الجديد…». ↑
- () المحاضرات ص 49. ↑
- () Bouyon (M) «frés avec ses quatres milliers sur les dix millions au Maroc’ dans l écho d’orient 195 p.7..يوجد ـ خ ـ ع ـ تحت رقم 65. ↑
- () ص 50 ـ 51، الوزان الجزء الأول. ↑
- () انظر «الحياة الفكرية على عهد السعديين». حجي، الجزء الأول من صفحة 133 إلى ص 181 حيث يذكر كل الأنواع الأدبية التي كان العلماء يمارسونها. «تأليف الكتب» (الباب الثالث). ↑
- () المحاضرات ص 122. ↑
- () نزهة المشتاق. ↑
- () المسالك والممالك. ↑
- () المقدمة وكتاب العبر. ↑
- () المجهول البرتغالي ص 12 وبعدها. ↑
- () الجزء الأول ص 152. ↑
- () المصدر نفسه ص 27. ↑
- () المصدر نفسه ص 27. ↑
- () انظر نرج كولنجورد «فكرة التاريخ» الترجمة: محمد كبير خليل ومحمد عبد الواحد خلاق 1961 ص 463 و483. ↑
- () انظر الوزان ص 244 ـ 269 ـ 270 ـ 271 ـ 279 ـ 284. ↑
- () الاستبصار ص 190. ↑
- () المصدر نفسه وكذلك الجذورة ص 850. ↑
- () انظر: Blache (J) et A-Young Rif et Atlas ص 79 و80. ↑
- () انظر الباب الثاني، الفصل الثاني من هذا البحث. ↑
- () ملك باديس عام 1549 م ـ انظر النزهة ص 28. ↑
- () 984 هـ/ 1576 م. ↑
- () انظر مناهل الصفا ـ الفشتالي (كريم) ص 94، ونزهة الحادي ص 91 و92. ↑
- () النزهة صفحة 172. ↑
- () أبي الشتاء. انظر النزهة (256). ذكر اليفراني أن مولاي بوشتا قد أعطى اسمه للقرية التي كانت تدعى على العهد الوطاسي مركو. وقد توفي أبو الشتاء في 998 هـ/ 1588 م، 1589 م وقد ذكره صاحب «ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع وما لها من الأتباع» ص 81 على الحجر. ↑
- () لكننا نعرف أن المعز يضر بالتين والكروم لاعتدائه عليها ولسهولة الوصول إلى أوراقها، فكان الفلاحون يحاولون إبعاد الرعي عن المناطق المشغلة زراعياً، كانت تلك الفلاحة زراعة للحبوب أم كانت غرساً للأشجار. ينسب صاحب القرطاس اندثار الغابات في المناطق المجاورة للمدينة لكثرة الرعي ولكثرة استعمال أخشاب أشجارها وأراضيها من طرف السكان الذين كانوا يشاركون في بناء فاس «فبقي يقطع الشجر والخشب ويبني في موضعه» على ابن أبي زرع الفاسي «روض القرطاسي» طبعة المنصور للنشر 1973 ص 39. وعند وصفه لعين علون يقول: «بتلك الناحية ولا يقدر أحد على ملوكها من أجل علوان المذكور والتفاف الأشجار وخرير المياه والأنهار وكثرة الوحوش المؤذية بها. فكان الرعاة يتحامونها بمواشيهم ولا يسلكها إلا الجماعات من الناس…» المصدر نفسه.فوصف ابن أبي زرع هذا يعطي لمشكلتنا آفاقاً جديدة حيث أنه يتكلم على وجود غابات وأدغال ووحوش بمقربة من المدينة. فإذا قارنا قولته هذه بما جاء عند الوزان أو مارمول حين وصف المنطقة ووجدها إما مبنية أو محروثة، نفهم أن سكان منطقة فاس حطموا من الأشجار ما يغطي المنطقة أو جلّها وساعدوا على مهاجمة التعرية لها. ↑
- () الوزان ص 248. ↑
- () ابن القاضي «الجذوة» ص 45 الجزء الأول. ↑
- () ميارة الفاسي «الدر الثمين» ص 151 على الحجر. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الوزان ص 243. ↑
- () المصدر نفسه والصفحة. ↑
- () المصدر نفسه والصفحة. ↑
- () الوزان ص 244 راجع كذلك البكري ص 114 والصديق بن العربي «كتاب المغرب» ص 94. ↑
- () الوزان ص 244. ↑
- () انظر 94 ـ 95 الوزان ج، ص 244. ↑
- () مثل عبد الله الخياط الزرهوني الدشيس ت 1021 هـ.انظر التقاط الدور مخطوط بالخزانة العامة الرباط ص تحت رقم 676 ص 14. ↑
- () مثل أبو الربيع سليمان بن محمد الشريف الزرهوني (ت 1026 هـ). ↑
- () المحاضرات ـ اليوسي ص 166. ↑
- () يجب التفريق بين بني زروال، وبني زرويل. الأولى قريبة من الأخماس السفلى قرب الشفشاون. والثانية قبيلة كبيرة بناحية فاس. وتخترق أراضي بني زرويل حالياً الطريق الرئيسية الرابطة بين شفشاون ووزان ـ ابتداء من مفترق الطرق على خمسة كيلومترات من شفشاون ـ حيث الطريق الشرقي ـ يتجه إلى الحسيمة: والجنوبي الغربي يتجه إلى وزان ـ وتنتهي أراضي بني زرويل حالياً بعد (سوق الأحد) السفلى قيادة تنقوب عمالة شفشاون ـ انظر الفاسي محمد البشير مطبعة شمال إفريقيا بالرباط 1962 «قبيلة بني زروال». ↑
- () وقد ذكر صاحب الممتع عدداً منهم. ↑
- () ونعني هنا بغمارة المرتفعات التي يذكرها الوزان تحت تسمية مرتفعات الريف ص 287 إلى 288 قسم منها معروف بهذا الاسم في شمال المغرب الأقصى فيه قبائل صنهاجة والريف والبحر الأبيض المتوسط وهو يشتمل على القبائل التالية: بني زيات ـ بني زجل ـ بني خالد ـ بني سليمان ـ بني بودرة ـ بني منصور ـ بني جرير ـ بني رزين. وتوجد منها فروع أخرى في سائر أنحاء المغرب تحمل أسماء أخرى.وتحمل اسم اغمارة ولكن مندمجة في قبائل لا تحمل ذلك الاسم، انظر كذلك الجذوة ص 34 أما الوزان فيدخل قبائل الهبط ضمن اغمارة وانظر الصفحة 268. ↑
- () العبر المجلد 6 ص 435 ط: دار الكتاب بيروت. ↑
- () انظر الوزان ص 292 وغساسة اسم قبيلة، واسم مكان يطلق عليها اسم الكدية البيضاء، ومن هنا الاسم الاسباني Casasa وتقع أطلالها اليوم إلى غرب إمليلية بعشرة كلم على الشاطىء. ↑
- () مدينة مندرسة في شمال شرق المغرب بمنطقة الريف وتوجد على الضفة الغربية لواد النكود الذي سميت باسمه. وتعرف عند أهالي تلك الناحية إلى اليوم باسم المدينة. وقد وصفها كثير من المؤرخين المسلمين أمثال البكري وابن عدارى وابن خلدون وغيرهم. راجع البكري ص 90 ـ 91 ـ 96. راجع كذلك أحمد المكناسي «المدن المندرسة في شمال المغرب» ص 4 ـ 5 وأحمد عبد السلام البوعياشي «الريف بعد الفتح الإسلامي» ص 15 ـ 17 وعبد العزيز ابن عبد الله: مظاهر الحضارة المغربية ج 1، ص 63 (الدار البيضاء 1957) ومحمد الفاسي «الأعلام الجغرافية المغربية عن مجلة البينة العدد الأول عام 1962. ↑
- () الوزان ص 274 وكذلك:H. Terasse «Histoire du Maroc» T-II p.122. ↑
- () غير مذكور لا عند الوزان ولا عند مارمول. ↑
- () هو المعروف اليوم بالقصر الكبير وكان يعرف كذلك بقصر عبد الكريم. ↑
- () العبر الجزء 6، ص 437. ↑
- () جذوة الاقتباس ج 1، ص 8. ↑
- () الاستبصار ص 90. وقد أورد كلامه بنصه ابن القاضي في جذوة الاقتباس «الجزء الأول» من ص 80 ـ 82. ↑
- () المعجب ص 251. ↑
- () نزهة المشتاق ص 170 (ليدن). ↑
- () الاستبصار ص 190 وقد ألف الاستبصار في زمان السلطان يعقوب المنصور. ↑
- () أشار الإدريسي إلى ذلك عام 1150 م وذكر أن بناء قلعة بن تاودة (فاس البالي) كان على يدي أمير مرابطي لحصر اغمارة في مرتفعاتها. ↑
- () انظر الوزان ص 259 الجزء الأول ـ ولم يبق بها اليوم إلا أطلال وهي ظاهرة شمال الطريق المؤدية من وزان إلى القصر الكبير وصارت لها شهرة كبيرة في الازدهار والعمران حتى القرن الرابع الهجري ثم خربت بعد ذلك وقد اختلف المؤرخون والجغرافيون حول تحديد مكانها بالضبط فقالوا إنها كانت بين طنجة وفاس. تعرف ببصرة الكتان لاشتهارها بتجارة الكتان. وتعرف أيضاً بالحمراء لأنها حمراء التربة. وأنها أسست في الوقت الذي بنيت فيه مدينة أصيلاً. بينما يرى البعض الآخر أن أطلالها في الكيلومتر 22 في الطريق المؤدية من سوق الأربعاء إلى وزان راجع أحمد المكناسي: المدينة الإسلامية المندرسة في شمال المغرب ص 9 تطوان 1959 الصديق بن العربي دليل المغرب ص 24. ↑
- () وتبتعد بحوالي 20 كلم إلى جنوب القصر. ويظهر أن بانيها هو محمد بن إدريس عام 228 هـ/ 833 م. الاستبصار ص 192. ↑
- () لا زال اسم مغلية يطلق اليوم على مرتفع صغير يقع على جانب وادي مغلية التي تقع على بعد 16 كلم إلى غرب الطريق من فاس إلى مكناس. انظر كذلك الوزان ص 247. ↑
- () الناصري الاستقصا ـ الجزء الرابع، ص 142. ↑
- () البكري «كتاب المسالك والممالك» المعرب في ذكر أفريقيا والمغرب ص 106. ↑
- () انظر الاستبصار ص 192. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () وادي لاو الحالي. ↑
- () انظر البكري ص 106. ↑
- () ذكرها كذلك ابن الخطيب في كتاب أعمال الأعلام، راجع القسم الثاني الذي حققه وعلق عليه الدكتور أحمد مختار العبادي والأستاذ محمد بن إبراهيم الكتاني ـ طبعة دار الكتاب الدار البيضاء 1964. ↑
- () العبر المجلد 6، ص 435. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () البكري ص 106، كما يذكر نفس صاحب الاستبصار، ص 190، والجذوة ص 80، والوازن ص 285. ↑
- () لم يذكره الوزان ومارمول. ↑
- () البكري ص 106. ↑
- () بنو راشد انظر الدوحة ص 10 و18 وهم من شرفاء جبل العلم وقد أسسوا مدينة شفشاون لتكون رباطاً للمهاجرين ينطلقون منه للإغارة على المسيحيين الذين يحتلون مدينتي سبتة وطنجة.وتوارث بنو رشيد حكم شفشاون مستقلين بها أيام الوطاسيين وقد تغلب عليهم السعديون عام 929 هـ/ 1561 م ففر آخر أمرائها إلى المشرق ومات بالمدينة المنورة. ↑
- () انظر الدوحة ص 18. ↑
- () الفشتالي «مناهل الصفا»، د. كريم ص 46. ↑
- () انظر ابن القاضي جذوة الاقتباس ص 47. وفازاز اسم كان يطلق في القديم على الجبال الممتدة من جنوب سهل سايس إلى وادي ملوية ووادي العبيد. أي ما يعرف في الاصطلاح الحديث بالأطلس المتوسط تقريباً وقد تغير محتوى هذا الاصطلاح الواسع اليوم ولم يعد يسمى بفازاز إلا مكان بتلك الجبال يبعد عن مكناس جنوباً نحو 100 كلم. كما يسمى بأهل فازاز بطن من قبيلة المصاغر الزمورية. ↑
- () الوزان 51 ـ 50. ↑
- () البكري ص 147. ↑
- () المصدر نفسه الميس كيكو الحالية. ↑
- () الوزان ص 247. ↑
- () وهي جبل بالأطلس المتوسط (فازاز) المناطق المرتفعة منه. ↑
- () والواتة قبيلة من شعب ضريس لها عدة فروع وهم بنو لوا (بضم اللام) الأصغرين لوا الأكبرين حبك الأبتر ومنهم مزيتة وسدراتة… ↑
- () البكري ص 147. ↑
- () انظر الترجمانة الكبرى للزياني ص 463، والزاوية الدلائية حجي ص 123، وقد دخلها عقب مقتل العياشي. ↑
- () الجدوة ص 44 ↑
- () انظر: F. Braudel- La Medit. T.I op. ir. p. 29 ↑
- () R. G. M. Maurer مجلة جغرافية المغرب عدد 5 ص 12 ـ 26. ↑
- () لا ذكر لها عند الوزان ولا عند مارمول. لكن الوزان يذكر الحمراء ص 246. ويقول إنها قريبة من منطقة ازغار. أما مارمول فيذكر دار الحمراء ويجعل موقعها قرب سوق الأربعاء خيبر، اليوم خيبر ليست إلا اسماً لحيين بمولاي إدريس زرهون. ↑
- () يذكرها الوزان صفحة 271 ـ 272، ويطلق هذا الاسم على جبل كما يذكر أن به قرية ويجعل موقعها قرب القصر الصغير. ↑
- () غير مذكور عند الوزان ومارمول. يذكرها المجهول البرتغالي ص 124. ↑
- () وإذا كان الوزان يشير إلى غنى سكان هذه المدينة فإن المجهول البرتغالي يشير إلى كثرة السكن بها. ↑
- () واد يجري في مرتفعات فازاز يومر بألميس وهو من وادي سبو ويذكره المجهول البرتغالي، ص 120. ↑
- () البكري، ص 147. وكذلك المجهول البرتغالي ص 120. ↑
- () المجهول البرتغالي ص 120. ↑
- () الوزان ص 255. ↑
- () نزهة المشتاق ص 112. ↑
- () الوزان ص 256. وهنا جبل امركوا الذي يبعد بستة كيلومترات عن فاس البالي. ↑
- () عبد المؤمن الموحدي 525 ـ 557 هـ/ 1130 ـ 1163م. ↑
- () الوزان ص 257 ويسميها مارمول تنزيت ومعناها بالبربرية تل لا يعرف موقعها اليوم ربما تقع على ضفاف نهر سبو. ↑
- () الوزان ص 257 ويذكر مارمول أن هذا السوق كان يحمل اسم سبت كيلة لا يعرف له أثر اليوم. ↑
- () Maunier (R) “Sociologie et droit Romain” 1930, p.7428. ↑
- () انظر ص 97.E. Le Roy Ladurie «Les paysans du Languedoc» ↑
- () ويظهر كل ذلك عبر ما ذكره الوزان حول المرتفعات المجاورة لفاس على عهد الوطاسيين مثال ذلك جبال راحونا ص 229 وبالنسبة للعهد السعدي. انظر ماسينيون ص 179 ـ 180. ↑
- () انظر: Atlas Monographique. la region de Fés الصفحات الخاصة بالتضاريس في الناحية. وكذلك ما كتبه سيليرييه حول الموضوع في هسبيريس Hesperies.T. XIX «Les conditons géographiques du developpement de Fés». de la page 1 à 20. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () ص 242. ↑
- () في الهضبة الواقعة بين سبو واناون. ↑
- () انظر: Atlas-mono. op. cit., p. 35. ↑
- () الوزان ص 241 ولو أن القرية لا زالت لم تكتشف بعد فإن ما يقوله الوزان من أن القرية تقع «عشرين ميلاً إلى شرق فاس» كافٍ للتحقيق من أن مقرمدة تقع على وادي اناون. ↑
- () نفس المصدر والصفحة. ↑
- () ونجد أسماء أنهار (بيضاء) في كتابه وهي في الحقيقة على التوالي من الغرب إلى الشرق الأول وادي بوفكران. ↑
- () وادي الجديد. ↑
- () الثالث وادي المهدومة. ↑
- () والرابع وادي النجا. ↑
- () Braudel op. cit., p. 47-48-49. ↑
- () المصدر نفسه ـ والنزهة ص 98. ↑
- () انظر سيليرييه 1934، الجزء 19 من ص 1 إلى 20. Hesperis ↑
- () المقري ـ روضة الآس. ↑
- () انظر: Jover et Martin. «géographie du Maroc» hatier 1964. ↑
- () الوزان ص 248. ↑
- () Jover et Martin p. 95. ↑
- () مخطوط ـ خزانة عامة ـ الرباط ـ رقم 1698 د. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () Atlas Mono. op. cit. p.24-25. ↑
- () المجهول البرتغالي ص 120. ↑
- () الوزان 310. ↑
- () الجذوة ص 28. ↑
- () ويصف هنا عين عمير التي توجد بسهل زواغة غير بعيد عن دار بيبغ الحالية. ومنها يصل الماء إلى جنات القصر الملكي، وما ذكره بعض المؤرخين والنابغين من أنها خارج باب الفتوح غير صحيح لأن العين المذكورة معروفة باسمها إلى الآن. ↑
- () الوزان ص 248. ↑
- () حسب الأرصاد الجوية المغربية. ↑
- () المجهول البرتغالي ص 116. ↑
- () انظر: “Géographie du Maroc” op. cit. p. 96. ↑
- () وخصوصاً للسقي أيام الجفاف، انظر الممتع ص 41. «ولعل سنة إخراج السواقي هي سنة ست وعشرين وتسعمائة». ↑
- () انظر: F. Braudel, op. cit. p. 56-57-58. Sorre (M) les fondements, op. cit., p. 344. ↑
- () وكان الوباء بفاس من 1007 إلى 1017 هـ (1599 ـ 1608 م)، «حتى أفنى أكثر الخلق…» وبقلة اليد العاملة تعطل العمل «…تعطلت الأفران بالمدينة (الممتع)… الناس يأكلون في السوق عن أولادهم) في سنة 1014 هـ (1605 ـ 1606) كان غلاء عظيم… الممتع ص 42. ↑
- () روضة الآس المقري ص 23. ↑
- () ابن أبي زرع الفاسي «روض القرطاسي» ص 39 طبعة دار المنصور للنشر 1973. ↑
- (*) يتبع الفاطميون المذهب الشيعي الإسماعيلي، وهو يختلف عن المذهب الشيعي الجعفري الذي هو موضوع دائرة المعارف في عدة أمور. ↑
- () في جبل أيكجان في أرض كتامة (على مقربة من مدينة قسنطينة، تعرف بمناعتها. يسكنها قبائل من كتامة). ↑
- () وردت هاتان الرسالتان في كتاب نهاية الأرب، مخطوط بدار الكتب المصرية ج 26 ورقة 26. ↑
- () نهاية الأرب، مخطوط بدار الكتب المصرية ج 26، ورقة 31. ↑
- () من شعر أبي عبد الله بعد انتصاراته:من كان مغتبطاً بلين حشيةفحشيتي وأريكتي سرجي
من كان يعجبه ويبهجه
نقر الدفوف ورنة الصنج
فأنا الذي لا شيء يعجبني
إلا اقتحامي لجة الرهج
سل عن جيوشي إذ لعت بها
يوم الخميس ضحى من الفج
↑ - () كان بعض الخلفاء الفاطميين إلى علمهم: شعراء فمن شعر الخليفة الفاطمي الثالث المنصور بالله قوله:ألم ترني بعت المقامة بالسرىولين الحشايا بالخيول الضوامر
وفتيان صدق لا ضغائن بينهم
يثورون ثورات الأسود الخوادر
أروني فتى يغني غنائي ومشهدي
إذا رهج الوادي لوقع الحوافر
أنا الطاهر المنصور من نسل أحمد
بسيفي أقدّ الهام تحت المغافر
ومن شعره ما أرسله إلى ولده المعز لدين الله، والمنصور بعيد يطارد أبا يزيد الخارجي:
كتابي إليك من أقصى الغروب
وشوقي شديد عريض طويل
أجوب القفار وأطوي الرمال
وأحمل نفسي على كل هول
أريد بذاك رضاء الإله
وإعزاز دولة آل الرسول
إلى أن برى الله أجسامنا
وكل الركاب وتاه الدليل
فواغربتاه وواوحشتاه
وفي الله هذا قليل قليل
وقد منّ ذو العرش من فضله
بفتح مبين وعز جليل
وفي كل يوم من الله لي
عطاء جديد وصنع جميل
فللّه حمد على ما قضى قضى
وحسبي ربي ونعم الوكيل
وينسب صاحب كتاب (النجوم الزاهرة إلى الحاكم بأمر الله هذين البيتين:
دع اللوم عني لست مني بموثق
فلا بد لي من صدمة المتحنق
واسقي جيادي من فرات ودجلة
وأجمع شمل الدين بعد التفرق
ولكنه يعود فينسبهما إلى الآمر. ↑
- () الخوارج الصفرية هم أتباع ابن الصفار، وهم فرقة من الخوارج تقابل: (الأزارقة) و(الأباضية) وغيرهما.ينقل صاحب العقود الفضية الأباضي عن ابن الأثير والمبرد، ذكر خروج الخوارج إلى مكة لمنعها من أهل الشام وفيهم عبد الله بن أباض، ثم افتراقهم بعد ذلك فيما بينهم وأن نافع بن الأزرق الذي ينسب الخوارج الأزارقة إليه كتب إلى ابن الصفا وعبد الله بن أباض الذي ينسب الخوارج الأباضية إليه، يدعوهما ومن معهما إلى معتقده، فقرأ ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا. اهـ.والخوارج بصورة عامة اتجهوا إلى شمال أفريقيا بعد الذي عانوه في المشرق خلال ثوراتهم المتكررة، وكان دخول مذهبهم إلى المغرب في النصف الأول من المئة الثانية للهجرة، وكان الذين حملوه إلى هناك من الصفرية والإباضية فتلقفه البربر وساد فيهم لكثرة ما عانوه من جور الحكام الأمويين والعباسيين، فوجدوا في هذا المذهب وسيلة للخروج على الحكام والثورة بهم حتى لقد قيل إنه أصبح المذهب القومي لهم. وما كاد القرن الثاني الهجري ينتصف حتى كان الإباضيون قد استطاعوا نشر مذهبهم في أغلب المغرب الأدنى والمغرب الأوسط، وصارت الإباضية منتشرة في معظم ليبيا وجنوب تونس إلى شمال قفصة وأغلب المغرب الأوسط (الجزائر) من شرقي مدينة مليانة إلى غرب وهران. وكان يقابلها الخوارج الصفرية الذين تمركزوا في مناطق أخرى. ↑
- () ومن مصر قصد بغداد فمر بالرقة فاستوقفه الوزير ابن الفرات مدة سنة واستأذن فيه المقتدر العباسي فأمر برده إلى المغرب، فعاد إلى مصر فمرض فقصد بيت المقدس فمات بالرملة. ↑
- () يروي ابن عذارى (المتوفى بعد عام 712/ 1312) أن أبا عبد الله الشيعي عند دخوله القيروان، أعاد إلى الأذان: (حي على خير العمل) وأبطل: (الصلاة خير من النوم) من أذان الصبح. كما أضاف إلى خطبة صلاة الجمعة: الصلاة على علي وفاطمة والحسن والحسين بعد الصلاة على النبي.ويروي أيضاً أن محمداً بن عمر بن يحيى المروزي (ت 303/ 915) أول قاضي فاطمي يعينه أبو عبد الله الشيعي، وثبته المهدي أول خليفة فاطمي في موقعه، كان قد منع الفقهاء في إعطاء الأحكام والفتاوى إلا طبقاً للمذهب الجعفري (أي الشيعي)، وأعلن بطلان «طلاق البتة»، وقال بحق ميراث البنت لكامل ميراث الأب، وحرمان قرابة العصبة في حال وجود ولد ذكر. ولدينا شهادة للنعمان بهذا الخصوص تقول إن المهدي لم يوافق على حرمان الفقهاء لذوي الأرحام من الميراث.ويروي ابن عذارى وهو يتناول فترة عهد المعزّ، إضافة إلى ذلك، أن الخليفة بعث بقاضٍ سنة 349/ 960 إلى أئمة المساجد ومؤذنيها يأمرهم بعدم إهمال عبارة «حيّ على خير العمل» من الآذان، وأن تتم تلاوة البسملة بصوت مسموع في بداية كل سورة [في الصلوات المفروضة]، وأن يسلّموا تسليمتين [في نهاية كل صلاة]، وأن يكبّروا خمس مرّات في صلاة الجنازة.
أما فقيه الفاطميين (النعمان) فقد طلب من القضاة بأن لا يبنوا قراراتهم على الرأي (الشخصي) أو القياس أو الاستحسان. وينص على أنه على القاضي اتّخاذ القرار طبقاً لكتاب الله، فإن لم يجد الأمر فيه، عليه التنقيب عنه في سنّة النبي (أو الثابت من الحديث) وسنّة الأئمة من سلالته. فإذا ما فشل في العثور على المسألة في المصادر السابقة، عليه عندئذ إحالتها إلى الإمام. أمّا في ما يتعلّق بالمسائل ذات العلاقة بالفقه القائم، فقد تحدّدت مرجعيتها بالإمام جعفر الصادق وأسلافه، وبقيت السلطة النهائية في الأمور اليومية التي تسيّر شؤون الدولة في يد الإمام الذي يحكم. ↑
- () ابن الأثير: ج 6، ص 127. ونكرر القول إن اسمه الصحيح هو عبد الله لا عبيد الله ففي نقوش الدراهم والدنانير والصنوج والأوزان المحفوظة في متحف القيروان أن اسمه عبد الله لا عبيد الله. ↑
- () ابن عذارى: ج 1، ص 172. ↑
- () ابن الآبار: الحلة السبيراء، ج 1، ص 191. ↑
- () اصطحب المهدي في رحلته ابنه أبا القاسم وفيروز داعي دعاته، وطيب، وأبا العباس محمد بن زكريا وأبا يعقوب القهرماني، ومحمد بن عزيزة، وجعفر الحاجب.انظر اليماني: سيرة جعفر الحاجب ص 110. ↑
- () انظر: افتتاح الدعوة ص 42، 43 بملاحق كتاب Ivanov Ismaili tradition. ↑
- () انظر: شرح الأخبار، ج 5، ص 31 بنفس المصدر السابق. ↑
- () اليماني: سيرة جعفر ص 116. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 43. ↑
- () النيسابوري: استتار الإمام ورقة 14، اليماني: ص 116، افتتاح الدعوة ص 43، ابن الآبار: ج 1، ص 191، المقريزي: اتّعاظ الحنفا ص 84، العيني: عقد الجمان، ج 15 ورقة 153، Biquet; Op. Cit. p.69. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 35. ↑
- () اليماني: ص 119. ↑
- () شرح الأخبار ص 31، ابن الأثير: ج 8، ص 13، ابن خلدون ج 3، ص 363، المقريزي: اتّعاظ ص 84، الخطط، ج 1، ص 350. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 43، النويري: ج 26، ورقة 32، حسن إبراهيم: عبيد الله المهدي ص 14، De Goege: Memoires sur les carmathes de Bahrin. p.66. ↑
- () اليماني: ص 122، الدرجيني: ج 1، ورقة 42. ↑
- () أورد الدرجيني قصة أخرى مضمونها أن أحد جبران المهدي بسجلماسة قص عليه حلماً وطلب منه تفسيره، فلما فسره قبل الرجل يده قائلاً: «يا أمير المؤمنين أنت مولاي».انظر: طبقات الإباضية ج 1، ورقة 42. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 36. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () انظر: افتتاح الدعوة ص 44، ابن الأثير: ج 8، ص 13، أبو الفدا، ج 2، ص 65، النويري: ج 26، ورقة 32، المقريزي: اتّعاظ الحنفا ص 84، العيني: ج 15، ورقة 153، ابن أبي دينار ص 49، De goeje: p.66. ↑
- () ابن خلدون: ج 3، ص 363، الباجي المسعودي: الخلاصة النقية ص 37. ↑
- () شرح الأخبار، ج 5، ص 31 ↑
- () انظر: ابن خلدون: ج 6، ص 131، المقدمة ج 1، ص 240، القلقشندي: ج 5، ص 266، Bel: Op. Cit. p.156. ↑
- () الاستبصار مجهول، ص 202. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 44، Momour: Op. Cit. p.107. ↑
- () ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 1، ص 272. ↑
- () ابن خلدون: ج 6، ص 131. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 44، شرح الأخبار ص 32. ↑
- () النويري: ج 26، ورقة 32. ↑
- () اليماني: ص 122. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 44، الاستبصار ص 204.وذكر ابن عذارى أن المهدي وابنه سجنا في غرفة واحدة بمنزل مريم بنت مدرار.انظر البيان المغرب، ج 1، ص 210. ↑
- () النويري: ج 26، ورقة 32. ↑
- () اليماني: ص 122. ↑
- () النيسابوري: استتار الإمام ورقة 14 مخطوط. ↑
- () ذكر ابن عذارى أن أحد الهاشميين بسجلماسة أهدى إليه المهدي هدايا كثيرة مما بعثها الشيعي إليه، وأمره «بالتستر وعدم الظهور في المعيشة واللبس» خشية العيون والرقباء. انظر: البيان المغرب، ج 1، ص 187، 188، Vonderheyden: Op.c Cit. p.296. ↑
- () ابن الأثير: ج 8، ص 13، ابن خلدون: ج 4، ص 35، النويري: ج 26، ورقة 32. ↑
- () سيرة جعفر ص 125. ↑
- () مجهول: ص 204. ↑
- () النويري: ج 22 ورقة 44. ↑
- () اليماني: ص 123، ابن الأثير: ج 8، ص 16، أبو الفدا: ج 2، ص 65. ↑
- () اليماني: نفس المصدر والصحيفة، ابن عذارى: ج 1، ص 209. ↑
- () ابن الأثير: ج 8، ص 16، ابن خلدون: ج 3، ص 364. ↑
- () ابن عذارى: ج 1، ص 210. ↑
- () اليماني: ص 123، شرح الأخبار ص 33. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 45، ابن الأثير: ج 8، ص 16، ابن خلدون: ج 3، ص 364، المقريزي: اتّعاظ الحنفا ص 90، المنصوري: زبدة الفكرة، ج 5، ورقة 161، الباجي المسعودي ص 37. ↑
- () ابن خلدون: ج 3، ص 364، النويري: ج 26، ورقة 32. ↑
- () انظر: Vonderheyden: Op. Cit. p.305. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 45. ↑
- () افتتاح الدعوة ص 45، ابن الأثير: ج 8، ص 16، المقريزي: اتّعاظ الحنفا ص 290. ↑
- () اليماني: ص 126، افتتاح الدعوة ص 45. ↑
- () اليماني: ص 125، الدرجيني: ج 1، ورقة 42. ↑
- () انظر: افتتاح الدعوة ص 45، ابن الأثير: ج 8، ص 16، ابن عذارى: ج 1، ص 210، ابن حماد: أخبار ملوك بني عبيد ص 9، أبو الفدا: ج 2، ص 65، الاستبصار ص 204، ابن خلدون: ج 3، ص 364، والنويري: ج 26، ورقة 32، ابن أبي دينار: ص 49، العيني: ج 15، ورقة 154. ↑
- () البيان المغرب، ج 1، ص 211، 212. ↑
- () اليماني: ص 131، شرح الأخبار ص 33، ابن الأثير: ج 8، ص 16، ابن خلدون: ج 3، ص 364، النويري: ج 26، ورقة 33، المقريزي: اتّعاظ الحنفا ص 91. ↑
- () اليماني: ص 129، 130، الخزرجي: ورقة 42. ↑
- () Biquet: Op. Cit. p. 71. ↑
- () ابن غلبون: التذكار ص 18، وثمة رواية تقول بأنه بويع في رقادة وليس في سجلماسة. انظر: ابن الآبار: ج 1، ص 191، النويري: ج 26، ورقة 31، Hassan Ibrahim Relations between the Fatimids p.51. ونعتقد أنه بويع بسجلماسة أولاً، ثم بويع بعد ذلك بيعة عامة في رقادة. ↑
- () الخوارج في بلاد المغرب ص 210 ـ 217. ↑
- (*) من المشهور أن اسم أول الخلفاء الفاطميين في المغرب هو عبيد الله المهدي. ولكن الحقيقة أن اسمه عبد الله لا عبيد الله. وقد أيدت هذه الحقيقة نقوش الدراهم والدنانير والصنوج والأوزان المحفوظة في متحف القيروان. ↑
- () كان يلجأ إلى المغرب من الشرق من استطاع، مستعيناً بالمغرب ورجاله، وأن يؤسسوا دولة مثل الأدارسة الذين وحّدوا البلاد وهيأوا لها حكومة مستقرة، ودولة لها شأن الدول الكبرى، فتوجهت إليهم الأنصار من الشرق العربي.أما الفاطميون فقد عادوا إلى الشرق العربي واتخذوا به عاصمة ملكهم وسيروا في معظم البلاد من هذا الشرق مآثر المغرب وبثوا في جنباته رجالاً له. فكانت هذه أول موجة في التاريخ تمتد من الغرب إلى الشرق، وتستمر طامية فيه زهاء القرنين من الزمان؛ طبعته فيهما بطوابع شتى. وما زالت حتى الآن في القاهرة التي ساهم المغرب في تأسيسها بحظ وافر أبواب تسمى بأسماء أولئك المغاربة النازحين، ولا نقول الفاتحين. كما أنها ما زالت فيها بعض الحارات تسمى بأسماء مغربية. وهكذا نقول في الأزهر الذي بنى ببناء القاهرة، فكان للمغرب فيه نصيب وافر لا يمكن أن ينكر. فهذه الهجرة من المغرب إلى المشرق عرفت بادىء ذي بدء في الإسلام. وربما لم تكن في الحقيقة أول الهجرات إليه وأنها كانت هناك هجرات عديدة إليه، ألا يذكرها التاريخ فهي ـ لا محالة ـ واقعة وقوع الهجرات العكسية، من المشرق إلى المغرب. على أن الغالب ما تكون الهجرات من الشرق إلى الغرب، كما يحدثنا بذلك التاريخ القديم والوسيط. فهذه الهجرات معروفة من العرب ومن غيرهم، ولا يهمنا الآن إلا العربية منها.وسنرى فيما بعد أنها ستكرر في القرن الخامس بواسطة الهلاليين وغيرهم. فحوادث التاريخ ليست بنات الوقت وإنما هناك عوامل راسبات تفعل فعلها دوماً وبدون انقطاع، نعم. إن هذه العوامل قد تختلف في مظهرها، ولكنها على كل حال عوامل لها أثرها من غير شك. فتلك الإمارات التي تأسست بالمغرب أو عن طريق المغرب أو من المغرب لم تكن صامتة قابعة وإنما كانت من غير شك متحركة داعية إلى المبدأ الذي تقوم بنصرته. وبذلك كانت الهجرة الفردية أو الجماعية لا تنقطع من المغرب إلى المشرق وبالعكس. يضاف إلى ذلك أولئك الذين كانوا يؤمّون من المغاربة الشرق في طلب العلم أو لأداء فريضة الحج فالعلم والحج كان لهما من الآثار الحميدة في هذا الاتصال ما يفخر به الإسلام ولا تقف في طريقه عوائق السياسة. وكذلك من ناحية الشرق فقد أتى منه على فجر الإسلام جماعة من المعتزلة الواصلية، وقد عدهم التاريخ بثلاثين ألفاً، ووصفهم صفوان الأنصاري وهو محدث عن زعيمهم واصل يقول:
له خلف شعب الصين في كل ثغرة
إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفل عزيمهم
تهكم جبار ولا كيد ماكر
وقد اختص هؤلاء بإمارات في المغرب الأقصى كما كان للصفرية دولتهم بسجلماسة، والكل قائم على فكرة أو عقيدة حملها إلى المغرب العربي رجال من الشرق العربي. ومهما يكن، فإن قيام الفاطميين بالمغرب، واتجاههم إلى المشرق برجالهم المغاربة، كان لكل ذلك أثره القوي في إحكام العلاقة بين المغرب والمشرق، فوجدنا على هذا العهد بالذات الرحلات تشتد بينهما. ↑
- () قال عمر قدور في تعليقه على كتاب (الفاطميون وتقاليدهم في التعليم تأليف هاينز هالم):انشغلت الدراسات التاريخية لفترة طويلة بالخلافة الإسلامية «الأموية والعباسية»، ما أدّى في غالب الأحيان إلى تهميش الخلافة الفاطمية، على رغم أهميتها في تاريخ مصر وفي التاريخ الإسلامي عموماً. حين أصبحت القاهرة أحد مراكز الثقافة والفنون الإسلامية، وبؤرة للعلم والدراسة. لكن هذا الجانب لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه، لذلك يبدو كتاب هاينز هالم «الفاطميون وتقاليدهم في التعليم» محاولة للكشف عن تاريخ أهمل أحياناً، وتعرض للتشويه أحياناً أخرى.شكل التعليم والتعلم الجوهر الفعلي للدعوة الإسماعيلية، وشكّلت فترة الخلفاء الفاطميين (909 ـ 1172 م) ذورة في تاريخها. ففي عام 909 تمكن الإسماعيليون من تأسيس دولة في المغرب، وتم إعلان الإمام الحادي عشر للإسماعيليين (عبد الله المهدي) خليفة. وأسس أحفاده إحدى أكثر الدول أهمية في التاريخ الإسلامي، ونجحوا في العام 969 في غزو مصر وجعلوا «القاهرة» عاصمة جديدة لهم، وفي عام 973 استقر الإمام الرابع عشر «المعز لله» هناك.
وكانت ممارسة الإسماعيليين منذ البداية للدعوة أن يقوموا بإيصال «الحكمة» إلى تلاميذهم عبر جلسات تعليمية عرفت باسم «مجالس الحكمة». وبقيام الحكم الفاطمي انتقلت الدعوة إلى العمل علناً داخل الدولة، واتخذت «مجالس الحكمة» صفة مؤسساتية، ولم يعد العمل السري من سماتها إلا خارج حدود الدولة.
كانت هذه المجالس تشمل بشكل أساسي العلوم الدينية ولم تكن العلوم الأخرى تحظى باستقلالية خاصة بها، وعلينا انتظار خلافة الحاكم بأمر الله (996 ـ 1021م) وهو الخليفة الفاطمي السادس الذي أسس معهداً علمياً سمي بـ «دار العلم». وإن كانت الخلافة الفاطمية شهدت أول مركز لتدريس الفقه إلى جوار الجامع الأزهر (أسسه الوزير يعقوب بن كلّس في عهد الخليفة الفاطمي الخامس العزيز بالله). فلا يمكن إطلاق تسمية «جامعة» على هذا المركز في ما يمكن إطلاقها على «دار العلم»، أو كما شاع خطأ، «دار الحكمة» الذي أسسه الحاكم بأمر الله في القاهرة سنة 1005. ويمكن اعتبار «دار العلم» تطويراً لفكرة «بيت الحكمة» الذي أنشأه المأمون في قصره، وإن كان بيت الحكمة أقرب إلى المكتبة. كما يمكن اعتبار دار العلم الفاطمية امتداداً لدار العلم التي أسسها الوزير الفارسي أبو نصر سابور بن أردشير سنة 991 أو 993 إبان العهد البويهي في الكرخ، أي بتأخر 12 سنة وحسب. أما الفكر الذي تم تعليمه في دار العلم فيشمل قراءة القرآن والفقه وعلوم الحديث واللغة والنحو والطب والمنطق والرياضيات والفلك. وكان المحاضرون في دار العلم يكافأون بمرتبات تدفع من بيت المال بداية، إلى أن أقدم الحاكم بأمر الله على وضع المعهد على قاعدة اقتصادية جديدة وذلك من طريق ضمه إلى وقف كبير تابع لمساجد القاهرة الرئيسة الثلاثة (الأزهر، وراشدة، والقس). وكان أعظم إنجاز علمي للمعهد هو الخريطة الفلكية أو ما سمّي بـ «الزيج الحاكمي» نسبة إلى الخليفة الحاكم، وهي التسمية التي أطلقها الفلكي أحمد بن يونس الحاكمي. كما يُعتبر ابن الهيثم الموهبة الكبرى بين العلماء الذين عملوا في المعهد الذي انتهى نهاية مأساوية، إذ انتهبت محتوياته على يد جنود وموظفين لم يتلقوا مرتباتهم لفترة من الزمن وحدث ذلك في سنة 1068 م، واستعمل البناء لأغراض أخرى حتى عهد الخليفة الفاطمي العاشر (الآمر) حين تم افتتاحه وإغلاقه أكثر من مرة، إلى أن افتتحت داراً جديدة في المنطقة المعروفة اليوم بخان الخليلي في عام 1123. وواصلت هذه الدار عملها حتى نهاية عهد الدولة الفاطمية سنة 1172، وإن كانت هذه الدار أقرب إلى كونها داراً للقراءة. ↑
- () يقول ريني دوسو في كتابه Histoire et religion des Nousairis: كان عهد الفاطميين عهد رخاء لمصر كما كان عهد تسامح ديني لم ير مثله إلاّ في القليل النادر من عصور التاريخ الإسلامي، وإن القاهرة على عهد الفاطميين أصبحت المركز الرئيسي للعالم الإسلامي. ↑
- () الخطط. ↑
- () الكندي. ↑
- () النجوم الزاهرة. ↑
- () المجالس والمسايرات. ↑
- () المقريزي، سبق الاستشهاد، ج 2، ص 255. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الخطط للمقريزي. ↑
- () هو واحد ممن جذبتهم حرية الرأي وتكريم العلم إلى القاهرة عاصمة الفاطميين فلقي فيها هذه الرعاية. ↑
- () النجوم الزاهرة. ↑
- () أخبار الحكماء للقفطي. ↑
- () الصحيح أن يقال: إنّه كان يتحدّث بلسان الشيعة، فالفارابي كان شيعياً صريحاً. ↑
- () ابن سينا كان شيعياً كالفارابي. ↑
- () لا يمكن أن يقال إن البويهيين كانوا يميلون إلى التشيّع، كما ذكر هنا الدكتور محمد كامل حسين، بل إنّ البويهيين كانوا من أعرق الناس في التشيع. ↑
- () شعر أبي العلاء يدلّ على نزعة شيعية متأصّلة فيه. ↑
- () لمّا استقدمه الحاكم بأمر الله إلى مصر وأقبل على القاهرة خرج الحاكم لاستقباله بنفسه مع كبار رجال دولته عند قرية على باب القاهرة كانت تعرف بالخندق، ثم أمر بإكرامه وأن ينزل في ضيافته، (راجع أخبار العلماء للقفطي). ↑
- () هذا ما ذكره الدكتور محمد كامل حسين في هذه الناحية خاصّة، وغنيّ عن البيان أنّه إذا كان هذا مقدار ازدهار مثل هذه العلوم عند الفاطميين، فإنّ العلوم الأخرى من لغة ونحو وتاريخ وأدب وشعر وحديث كانت على غاية ازدهارها ونضجها. ↑
- () الصحيح أن اسمه عبد الله لا عبيد الله. ↑
- () Iteven Runciman, The First Crusade- A History of History of the Crusades, vol. 1, p. 330. ↑
- () ابن عذارى، 1: 192. ↑
- () المصدر نفسه، 193. ↑
- () المصدر نفسه، 194. ↑
- () هي إحدى جزر الحوض الغربي للبحر المتوسط وتأتي في الأهمية بعد صقلية وإقريطش، (كريت)، فتحها المسلمون سنة 92 هـ. ↑
- () المقدمة، ص 150 ـ 151. ↑
- () انظر: بساط العقيق لحسن حسين عبد الوهاب، ص 50 ـ 51؛ ومجمل الأدب التونسي، ص 99 للمؤلف نفسه؛ ومحمد اليعلاوي: «شعراء أفريقيون معاصرون للدولة الفاطمية»، في حوليات الجامعة التونسية، العدد 10 ص 95 وما بعدها، سنة 1973م. ↑
- () هي ثورة أهلية أثارها الخوارج على المنصور الفاطمي فشغلوه عن مواجهة الروم. ↑
- () لسان الدين بن الخطيب، أعمال الأعلام، والقسم الخاصّ بالمغرب تحت عنوان: «تاريخ المغرب في العصر الوسيط»، ص 123. ↑
- () حسن إبراهيم حسن، تاريخ الدولة الفاطمية، ص 100، ابن حوقل، صورة الأرض، ص 117 وما بعدها. ↑
- () مختار العبادي وآخر، تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام، ص 76 ـ 77. ↑
- () البكري، المغرب، ص 30؛ مختار العبادي وآخر، سبق الاستشهاد، ص 67، 71، 72. ↑
- () مختار العبادي وآخر، سبق الاستشهاد، ص 72. ↑
- () كان هذا قبل فتح مصر وبلاد الشام. أمّا بعد ذلك فقد ساد الأسطول الفاطمي غربي البحر المتوسّط وشرقيه. ↑
- () حسن إبراهيم حسن وآخر، المعز لدين الله، ص 154، حوليات الجامعة التونسية، عدد 2، 1965. ↑
- () حسن إبراهيم حسن وآخر، سبق الاستشهاد، ص 185. ↑
- () البحرية الجزائرية، نشر المكتبة الوطنية الجزائرية، ص 185. ↑
- () مختار العبادي وآخر، سبق الاستشهاد، ص 71 ـ 76. ↑
- () المجالس والمسايرات، للنعمان. ↑
- () بلغ من اهتمام الأمبراطور نقفور فوكاس بمحاربة الفاطميين، أنّه أعدّ أسطولاً ضخماً ملأه بالمؤن والذخيرة، وأعدّ جيشاً يقرب من خمسين ألف رجل مجهّزين بأحسن آلات الحرب وأمّر عليه رجلين أحدهما منويل، وكان يمتّ إليه بصلة القرابة، فانهزم الجيش والأسطول هزيمة كاسحة. ↑
- () المجالس والمسايرات. ↑
- () هو الخليج الذي يفصل بين صقلية وإيطاليا. ↑
- () تقدّمت بقيّة الأبيات في بحث سابق. ↑
- () هو قوام الدولة أبو سعيد كربوقا أمير الموصل السلجوقي. ↑
- () المقصود بطلب الأمان أن يلقوا سلاحهم ويستسلموا خارجين بدون سلاح على أن يكونوا آمنين على أرواحهم فلا يقتل منهم أحد، ولا يكونوا أسرى، بل ينطلقوا راجعين إلى بلادهم.وقد كانت القيادة الصليبية كلّها في أنطاكيا، كما يعدد رجالها ابن الأثير، فطلبها الأمان واستسلامها كان معناه انتهاء الحروب الصليبية عند أنطاكيا وعودة رجالها إلى بلادهم شراذم جائعة عارية. ↑
- () الجيش الذي طلب الاستسلام بقيادته المحاصرة معه هو نفسه الذي زحف بعد ذلك إلى معرّة النعمان، ثمّ تابع الزحف بعدها وصولاً إلى القدس. ↑
- () ينطلق الدكتور سرور مع رواسبه فينسب الأمر إلى الدولة الفاطمية، في حين أنه هو نفسه ينسب الأمر بعد ذلك إلى الأفضل الجمالي. ↑
- () هذا إذا صحّ أن الأفضل أرسل سفارة، فنحن لم نجد ذكراً لهذه السفارة المزعومة في أي مصدر عربي. ↑
- () تحت سيطرة الجماليين. ↑
- () قال ابن الأثير: «كان الأفضل حسن السيرة عادلاً». ↑
- () راجع فيما يتعلق بالحملات البحرية: العبادي، أحمد مختار وسالم السيد عبد العزيز: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 124 ـ 126. أما فيما يتعلق بالمواجهات العسكرية البرية فيمكن الرجوع إلى ابن القلانسي: ص 537، 539 ـ 540. ↑
- () أبو شامة: ج 1، ص 288 ـ 289. ↑
- () ابن القلانسي ص 539، المقريزي ج 3، ص 234. ↑
- (*) نشرنا بعض هذه القصائد في بحث عسقلان ونعيد نشر بعضها هنا لتعلقها في صميم هذا البحث. ↑
- () يبدو أن إدماء شرب الخمر كان متأصلاً في الأسرة الأيوبية فابن كثير يقول في (البداية والنهاية)، (ج 13، ص 9)، عن الأفضل بن صلاح الدين وخليفته في دمشق: «أقبل على شرب المسكر واللهو واللعب…». ↑
- () صحّ ما توقّعه العاضد، فقد وصل الصليبيون في ربيع الأول سنة خمس وستّين وخمسمائة. يقول المقريزي، (ص 215، ج 1): «فخرجت العساكر من القاهرة وقد بلغت النفقة عليها زيادةً على خمسمائة ألف وخمسين ألف دينار فأقامت الحرب مدّة خمسة وخمسين يوماً وكانت صعبة شديدة…».إلى أن رحل الصليبيون عن دمياط. يقول المقريزي، بعد أن ذكر ما ذكر عن هذه الوقائع: «وكان صلاح الدين يقول ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدّة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف، (مليون)، دينار سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها».ويقول المقريزي بعد ذلك، (ص 358 ـ 359)، عن صلاح الدين:
و«استبدّ بالأمور ومنع العاضد من التصرّف». ثمّ يقول: «وصلاح الدين يوالي الطلب منه كلّ يوم ليضعفه فأتى على المال والخيل والرقيق، وعزّ ذلك حتّى لم يَبْقَ عند العاضد غير فرس واحد فطلبه منه وألجأه إلى إرساله وأبطل ركوبه من ذلك الوقت وصار لا يخرج من القصر البتّة…».
ثمّ يقول: «وعاد فكثر القول عن صلاح الدين وأصحابه في ذم العاضد». ↑
- () يحدّد المقريزي في خططه عددهم بعشرة آلاف شريف وشريفة، (ج 1، ص 497)، طبعة مكتبة الثقافة الدينية. وقال ابن عبد الظاهر إنّه استمر حتّى انقرضت الدولة الأيوبية وملك الأتراك إلى أن تسلطن الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري فلمّا كان في سنة 660 هـ أشهد على من بقي منهم بطردهم. ويقول المقريزي إنّهم كانوا قد أصبحوا كهولاً مرضى لا أمل منهم ولا أمل بشفائهم. ويصف المقريزي حالهم قائلاً: «وفي يوم الاثنين سادس شهر رجب من سنة 584 هـ ظهر رجلان من المعتقلين في القصر أحدهما من أقارب المستنصر والآخر من أقارب الحافظ وأكبرهما سنّاً كان معتقلاً بالإيوان حدث به مرض وأثخن فيه ففكّ حديده ونقل إلى القصر الغربي».ويقول عن آخر: كان طفلاً في وقت الكائنة بأهله.وهكذا نرى أنّهم كانوا في حال اعتقالهم مكبّلين بالحديد. وأنّه كان قد اعتقل حتى الأطفال الذين شبّوا واكتهلوا في الاعتقال. ↑
- () ص 9، بدون تاريخ. ↑
- () م.ن. مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، ص 13. ↑
- () م.ن. ص 10 ـ 11. ↑
- () م.ن. ص 12. ↑
- () م.ن. ص 13. ↑
- () م.ن. ص 16. ↑
- () ج 11، ص 298. ↑
- () كان شمال أفريقيا مقسماً بين: الأغالبة والرستميين وبني مدرار وبقايا الأدارسة. ↑
- () كتاب الروضتين (الجزء الأول ـ القسم الثاني) الصفحة 391 من طبعة 1962، وصاحب هذا الكتاب مملوء لؤماً وتعصباً على الفاطميين ولكنه لم يستطع إنكار هذه الحقيقة. وذكر ذلك ابن الأثير وغيره. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر نص الأمان في اتّعاظ الحنفا (بتحقيق د. جمال الشيال، القاهرة 1367، ج 1، ص 103 ـ 106. ↑
- () هو القائل في الفاطميين:فأفعالهم في الناس أفعال سُنَّةٍوإن خالفوني في اعتقاد التشيُّع
↑ - () البَثَنِيَّة: من نواحي دمشق، معجم البلدان، ج 1، ص 402، دار الكتب العلمية (1990 م) ط 1. ↑
- () كان رد ملهم على جعفر: هو غلامي وقد وهبته، ويلاحظ أن جعفراً ترك طبرية إلى دمشق لأن ملهماً أقام الدعوة باسم المعز لدين الله دون أن يشير إلى قتل فاتك. ↑
- () الدكتور موسى لقبال بنصه الكامل. ↑
- () بعد تمزّق البلاد العربية إلى دويلات أقامت الدولة الفاطمية الوحدة العربية مؤلفة من شمال أفريقيا ومصر والشام والحجاز واليمن، مضموماً إليها: جزيرة صقلية وقوصرة وقلورية. ↑
- () The Jews in Egypt and Palestine under the Fatimide Caliphs p.39. ↑
- () جمع ريد وهو حرف ناتىء في عرض الجبل. ↑
- () التليل: العنق، وقوداء التليل طويلة العنق. ↑
- () الشوى: اليدان والرجلان. ↑
- () لم يصنع مثلها. ↑
- () يشير إلى كافور الإخشيدي. ↑
- () الصيّابة: الخيار من كل شيء. والكرامة: جمع كرام وهو المفرط في الكرم. ↑
- () انظر: نافذة جديدة على تاريخ الفراتين في ضوء الدلائل الجيولجية والمكتشفات الآثارية لجعفر الساكني، بغداد 1993 م، ص: 51 ـ 6. ↑
- () مجلة سومر: المجلد الثامن، لسنة 1957 م. ↑
- () حضارة العراق: الجزء الأول، ص 49. ↑
- () Gibson, The City and Area of Kish, Page: 116. ↑
- () نافذة على تاريخ الفراتين لجعفر الساكني ص 62. ↑
- () الآذي: الموج. ↑
- () الغلب: جمع أغلب وهو الشديد الشجاع. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 108. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 11. ↑
- () وسائل الشيعة: م 1، ص 256. ↑
- () سورة النساء، الآية: 103. ↑
- () البقرة، الآية: 238. ↑
- () وسائل الشيعة: م 3، ص 23. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 183. ↑
- () كلمة الله: ص 277. ↑
- () سورة فصلت، الآية: 7. ↑
- () وسائل الشيعة م 6 ص 18، 20. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 187. ↑
- () التهذيب: ج 4، ص 290. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 41. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 196. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () سورة النساء، الآية: 95. ↑
- () وسائل الشيعة: م 11 ص 71. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 104. ↑
- () وسائل الشيعة: م 11، ص 394. ↑
- () سورة النساء، الآية: 29. ↑
- () وسائل الشيعة: م 12 ص 283. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 275. ↑
- () وسائل الشيعة: م 12، ص 284. ↑
- () سورة النساء، الآية: 128. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 164. ↑
- () سورة القصص، الآية: 26. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 247. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 72. ↑
- () وسائل الشيعة م 16 ص 114 ح 1. ↑
- () سورة الماعون، الآية: 7. ↑
- () وسائل الشيعة: م 6 ص 108. ↑
- () سورة النساء، الآية: 58. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13، ص 227. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 283. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13، ص 220. ↑
- () ليس في الآيات القرآنية ما يدل عليها إلا من بعيد. ↑
- () وسائل الشيعة: م 6 ص 50. ↑
- () سورة النساء: 12. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 117. ↑
- () وسائل الشيعة: م 17 ص 319. ↑
- () سورة النساء، الآية: 8. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 117. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 60 وليس فيها دلالة ولم يستدل عليها من القرآن الكريم بآية قريبة. ↑
- () سورة الواقعة، الآية: 64. وليس في القرآن الكريم ما يدل على أحكامها من قريب. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 200. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 200. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 283. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 121. ↑
- () سورة النساء، الآية: 5. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 141. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 159. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 153. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 275. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 282. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 245. ↑
- () وسائل الشيعة: م 6 ص 87. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 34. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13، ص 156. ↑
- () منهم الأردبيلي في زبدة البيان والعلامة في التذكرة أما الكاظمي فقال عن الاستدلال فيه ما فيه. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 19. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13، ص 285. ↑
- () سورة النساء، الآية: 135. ↑
- () وسائل الشيعة: م 16، ص 111. ↑
- () سورة الأحزاب: الآية 50. ↑
- () وسائل الشيعة: م 13 ص 342. ↑
- () سورة الحج، الآية: 77. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 272. ↑
- () مجمع البحرين. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 271. ↑
- () وسائل الشيعة: م 6، ص 268. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 224. ↑
- () وسائل الشيعة: م 12، ص 309. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 270. ↑
- () سورة الاسراء، الآية: 34. ↑
- () سورة الانعام، الآية: 152. ↑
- () وسائل الشيعة: م 14، ص 445. ↑
- () سورة محمد، الآية: 2. ↑
- () سورة النساء، الآية: 92. ↑
- () سورة النساء، الآية: 92. ↑
- () وسائل الشيعة: م 4، ص 1212. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 96. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 4. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 67. ↑
- () وسائل الشيعة: م 16، ص 263. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 88. ↑
- () سورة الإنسان، الآية: 6. ↑
- () وسائل الشيعة: م 1، ص 102. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 194. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 34. ↑
- () وسائل الشيعة: م 17، ص 309. ↑
- () وسائل الشيعة: م 6، ص 365. ↑
- () وسائل الشيعة: م 17، ص 331. ↑
- () سورة القصص، الآية: 8. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 10. ↑
- () وسائل الشيعة: م 77 ص 348. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 230. ↑
- () وسائل الشيعة: م 14، ص 21. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 229. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 227. ↑
- () وسائل الشيعة: م 15، ص 283. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 229. ↑
- () وسائل الشيعة: م 15، ص 503. ↑
- () سورة المجادلة، الآية: 3. ↑
- () وسائل الشيعة: م 15، ص 509. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 226. ↑
- () وسائل الشيعة: م 15، ص 547. ↑
- () سورة النور، الآيات: 6 ـ 9. ↑
- () وسائل الشيعة م 15 ص 589. ↑
- () سورة النساء، الآية: 33. ↑
- () وسائل الشيعة: م 17 ص 551. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 49. ↑
- () وسائل الشيعة: م 18، ص 18. ↑
- () سورة النساء، الآية: 135. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 140. ↑
- () وسائل الشيعة: م 18، ص 227. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 187. ↑
- () وسائل الشيعة: م 18، ص 308. ↑
- () وسائل الشيعة: م 18، ص 472. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 179. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 45. ↑
- () وسائل الشيعة: م 18، ص 555. ↑
- () سورة النساء، الآية: 92. ↑
- () وسائل الشيعة: م 19، ص 109. ↑
- () تأسيس الشيعة، ص 303. ↑
- () «التنقيح الرائع لمختصر الشرائع» ج 1، ص 9. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () سورة النساء، الآية: 83. ↑
- () التاج، كتاب الإمارة والقضاء، الفصل الخامس في الاجتهاد، نقلاً عن الترمذي وأبي داود. ↑
- () ط قم ج 1/37. ↑
- () لاحظ تاريخ بغداد ترجمة الإمام أبي حنيفة. ↑
- () رجال النجاشي: ترجمة أبان بن تغلب. ↑
- () الكافي للكليني، ط طهران، ج 3/39. ↑
- () حاشية فهرست الطوسي ص 161 نقلاً عن «الشيخ عبد اللطيف في رجاله». ↑
- () الوسائل، كتاب القضاء، الباب 6 من أبواب صفات القاضي: الرواية 51. ↑
- () نفس المصدر: الرواية 52. ↑
- () أصول الكافي، ط لبنان ج 1/110. ↑
- () نفس المرجع: 121. ↑
- () لاحظ كتاب جامع الأحاديث الفقهية، ج 1: باب حجية فتاوى وروايات أئمة أهل البيت عليهم السلام. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 125. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 103. ↑
- () آشنائى باعلوم إسلامي ص 115 ص 116. ↑
- () راجع: عكبرا. ↑
- () انظر روضات الجنات ص 33، ج 1 وج 2، ص 560. ↑
- () الأمالي للمرتضى ط مصر وتحقيق محمد أبو الفضل ج 1، ص 5، 13، 15، 17، 31، 34، 156، 253، 339، 360، ج 2 ص 50، 200. ↑
- () الأمالي، ج 1، ص 61، 368. ↑
- () الأمالي ج 1، ص 105، 107، 120، 343، 497. ↑
- () الأمالي ج 1، ص 220، 339. ↑
- () الأمالي، ج 1، ص 222، 561. ↑
- () الأمالي ج 1، ص 356. ↑
- () انظر شرحه لقصيدة «السيد الحميري» ط القاهرة 1313 هـ. ↑
- () الأمالي تحقيق محمد أبو الفضل ج 2، ص 29. ↑
- () الأمالي ج 2، ص 296 إلى 299، 55، 309، 314. والشافي ط إيران ص 219. ↑
- () الأمالي ج 2 ص 300، 309. ↑
- () الأمالي ج 1، ص 465، 514، 629، وج 2، ص 131، 177، 180 إلى 184، 224، 266، 296، 298، 304، 308. ↑
- () الأمالي، ج1، ط مصر – ص 95، 231، 237، 380 وج 2 ص 124 – 130، 145، 147. ↑
- () الأمالي، ج1، ص 120، 228، 231، 350، 352، 365، وج 2 ص 2 – 5، 73، 309. ↑
- () الأمالي، ج 1، ص 85، 60، 93، 98، 119، 146، 171، 239، 253، 279، 290، 305، 357، 387، 399، 456، 532، 537، وج 2 ص 76 – 78، 111 – 119، 610 – 612، 624. ↑
- () الأمالي، ج 1، ص 610 – 612، 624. ↑
- () الأمالي، ج 2، ص 54 – 56، 624، 625، وج 2، ص 91 – 97، 247 – 250، 254 – 256. ↑
- () الأمالي، ج 1، ص 57. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة ج 1، ص 141، ط لجنة الترجمة. ↑
- () تاريخ بغداد ج 3، ص 231 ط مصر. ↑
- () تاريخ اليافعي حوادث 413. ↑
- () فهرست ابن النديم ص 252 و279. ↑
- () فهرست الشيخ الطوسي «ترجمة المفيد». ↑
- () روضات الجنات «ترجمة المفيد». ↑
- () روضات الجنات «ترجمة المفيد». ↑
- () روضات الجنات «ترجمة المفيد». ↑
- () روضات الجنات، ج 2، ص 580 – 584، ط إيران. ↑
- () د. عبد الرزاق محيي الدين. ↑
- () جبريل بن أحمد الفاريابي (فارياب: مدينة بين بلخ ومرو الرود)، وكان ـ كما يقول الشيخ الطوسي ـ يسكن «كش»، وإبراهيم بن نصير الكشي (كش: من قرى سمرقند)، وخلف بن حماد الكشي، وخلف محمد الملقب بالمنان الكشي، وعثمان بن حامد الكشي، ومحمد بن الحسن الكشي، ومحمد بن سعد بن مزيد الكشي، وإبراهيم بن علي الكوفي السمرقندي (يبدو أنه هاجر من الكوفة إلى سمرقند) وإبراهيم الورّاق السمرقندي، وجعفر بن أحمد بن أيوب السمرقندي، ومحمد بن مسعود العياشي السمرقندي، وآدم بن محمد القلانسي البلخي، وأحمد بن علي بن كلثوم السرخسي، وأحمد بن يعقوب البيهقي، وعلي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، ومحمد بن أبي عوف البخاري، ومحمد بن الحسين الهروي، ومحمد بن رشيد الهروي، ونصر بن الصباح البلخي و… ↑
- () هذا الاستنتاج أخذ بنظر الاعتبار أن الكشي من تلامذة العياشي وأن الكشي كان من غلمان محمد بن مسعود العياشي كما أوضح لنا سماحة السيد حفظه الله (المترجم). ↑
- () يؤيد ذلك أيضاً أن علي بن محمد القزويني جاء لأول مرة بكتب العياشي إلى بغداد سنة 356 هـ (راجع النجاشي/ ص 267). ↑
- () النجاشي في ترجمة الكشي/ ص 372. ↑
- () النجاشي في ترجمة العياشي، ص 351. ↑
- () المولوي في كتاب المثنوي ينقل قصة شاعر ورد حلب في عاشوراء ورأى المدينة مجللة بالسواد ومعطلة الأسواق، فظن أن أميراً فيها قد مات. وحين سأل الناس قالوا له: يظهر أنك غريب… ↑
- () نلفت النظر إلى رسائل الشيخ المفيد، بكتابه على أسئلة كانت ترده من أكناف البلاد، وإلى تنوع هذه الأسئلة وسعة نطاقها… وفي بعض هذه الرسائل لا يكتفي الشيخ المفيد بحل ما يطرحه السائل من مشكلة فكرية، بل يدخل في حلبة مصارعة فكرية وكلامية، وكأنه من مركزه في بغداد يتصدى للدفاع عن حريم مدرسته ويدافع عن أتباعها أمام هجوم خطر. انظر: المسائل الصاغانية وما فيها من هجوم قوي يصعد فيه معنويات الشيعة المستضعفين في خراسان الذين كانوا يواجهون حملة على حريمهم الفكري. ومن هنا من المحتمل أن تكون الرسائل المكتوبة بأسلوب: «إن قيل فقل» مثل: النكت في مقدمات الأصول، والنكت الاعتقادية وأمثالها قد دوّنت لسكنة الأصقاع البعيدة الذين كانوا يتعرضون دوماً لضغط أسئلة دينية موجهة وكانوا يطلبون أجوبة كلامية قوية وتوجيهات مناسبة. ↑
- () كان المفيد المولود سنة 336 لدن وفاة ابن النديم ابن الرابعة والأربعين، ولا ندري متى ترجم ابن النديم للشيخ المفيد في فهرسته. ↑
- () قول الذهبي هذا جزء من تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، لم يطبع بعد، وما نقل فهو من نسخة يبدو أنها معدّة للطبع. ↑
- () تاريخ العلوم الإسلامية (فارسي)، جلال هماني، ص 51. ↑
- () ومن الغريب أن مستشرقاً في زماننا أيضاً كتب في باب الأفكار الكلامية للشيخ المفيد، وذهب فيه إلى أنه من أتباع مدرسة المعتزلة. ↑
- () المفيد يطعن في «المسائل الصاغانية» بابن الجنيد، ويعبر عن أقواله بالهذيان، ويصفه بعدم سداد الرأي (راجع المسائل الصاغانية، 62). ↑
- () فصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل في المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وما بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول» (أوائل المقالات، 40). ↑
- () رجال النجاشي، 10. ↑
- () الوسائل 1/327، والآية من سورة الحج، 78. ↑
- () فتاوى العلمين، 5. ↑
- () رجال النجاشي 48. ↑
- () عبارة النجاشي على النحو التالي: «كتاب مشهور في الطائفة، وقيل: ما ورد الحاج من خراسان إلا طلب واشترى منه نسخة، ص 48)، وعبارة الشيخ في الفهرست: «له كتب أُخَر منها كتاب التمسك… في الفقه، كبير حسن» (الفهرست، 368، ومع قليل من الاختلاف في ص 96). ↑
- () العدة، ص 5. ↑
- () تلاحظ العبارات المنقولة عن العدة «…في المختصر الذي له في أصول الفقه». ↑
- () «وليس يصح في النظر دعوى العموم بذكر الفعل، وإنما يصح ذلك في الكلام المبني والصور منه المخصوصة. فمن تعلق بعموم الفعل فقد خالف العقول» التذكرة 38. ↑
- () «إذا ورد لفظ الأمر معاقباً لذكر الخطر أفاد الإباحة دون الإيجاب» ص 30. ↑
- () «والاستثناء إذا أعقب جملاً فهو راجع إلى جميعها إلا…» ص 41. ↑
- () العدة، ص 8. ↑
- () أوائل المقالات، 59. ↑
- () أوائل المقالات، 57. ↑
- () أوائل المقالات، 58. ↑
- () أوائل المقالات، 50. ↑
- () أوائل المقالات، 79. ↑
- () أوائل المقالات، القول في سماع الأئمة عليهم السلام كلام الملائكة الكرام… ص 80. ↑
- () تصحيح الاعتقاد، ص 149. ↑
- () أوائل المقالات، 129. ↑
- () انظر: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ـ فصل أول من صنف في أصول الفقه. ↑
- () يرجع لمعرفة المزيد إلى كتابنا (تاريخ التشريع الإسلامي). ↑
- () انظر: كتابنا (تاريخ التشريع الإسلامي) ـ عهد ابتداء الغيبة الكبرى. ↑
- () راجع بحث أجيه ففيه تفصيل لهذا الاجمال. ↑
- () معظم هؤلاء الحضارمة كانوا من الشيعة ومن الأشراف من أحفاد علي العريضي ابن الإمام جعفر الصادق «ع». ↑
- () قامت في باساي مملكة شيعية في وقت من الأوقات. ↑
- () كانت أجيه من المراكز الشيعية الهامة (راجع: أجيه). ↑