لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثاني
الطبعة السادسة
1422هـ/2001م
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا هو المجلد الثاني من دائرة المعارف الإسلامية الشيعية نقدمه للقراء في طبعته السادسة. وكما قلنا من قبل فإن (الدائرة) لا تحتوي على تراجم الأشخاص لأن ذلك تكفلت به موسوعة (أعيان الشيعة) فلا نعيده هنا. ولكننا عند ورود أحد أسماء الكبار في مناسبة من المناسبات نعرّف بصاحب ذلك الاسم تعريفاً مفصلاً، وهذا ما يراه القارىء خلال مختلف البحوث.
سائلين من الله العون والتوفيق.
حسن الأمين
آب
اسم الشهر المعروف عدد أيامه واحدٌ وثلاثون. وقد تحدث عنه مؤرخو العرب الأقدمون، فقال عنه البيروني في كتابه (الآثار الباقية): «الحادي عشر من آب هو أول يوم يبتدىء فيه هواء العراق أن يطيب، ومن القدماء من جعله ابتداء الهواء الخريفي».
ومما ورد في الشعر العربي عن آب قول محمد بن عبد الملك الزيات:
| برد الماء وطال الليل | والتذّ الشراب | |
| ومضى عنك حزيرا | ن وتموز وآب |
ومن الأقوال في سورية ولبنان ما فيه إشارة إلى اشتداد الحر فيه، قولهم: آب اللهاب.
آباد
كلمة فارسية تعني: المأهول، المعمور، المزروع، وعكس الصحراء، وتستعمل بمعنى: المدينة.
وقد أضيف إليها كثير من المدن والأماكن في الهند وإيران، مثل: الله آباد، وحيدر آباد، وأحمد آباد، وركن آباد، وفيروز آباد، وإسلام آباد.
آباده
اسم قضاء في مقاطعة فارس بجنوب إيران، واسم مدينة هي قاعدة هذا القضاء. وتبلغ مساحة القضاء 19514 كلم2 وعدد سكانه حسب إحصاء سنة 1985م (166335) نسمة.
ويقع هذا القضاء في الحدود الفاصلة بين نهاية سلسلة جبال (زاغروس) الجنوبية وهضبة إيران الوسطى، ويختص بمناخين: شبه صحراوي في الشرق وجبلي في الغرب. الأول: حار جاف مع أمطار قليلة، والثاني: بارد شتاء، ومعتدل صيفاً.
وهو على الطريق المعبدة التي تصل أصفهان بشيراز، وشيراز بيزد، وفيه من المدن كل من: آباده، وأبرقوا، وصُغاد، وسوريان، وده بيد. وهي تضم 44% من سكانه، أما الباقون فيعيشون في الريف. على أن هناك ما بين 12000 إلى 15000 نسمة هم من العشائر الرحل الذين يتنقلون في القضاء، ومنهم بعض العرب.
لغة السكان هي الفارسية، وفيه قلة تتكلم اللرّية والتركية. وبين سكانه قليل من السنَّة والباقون من الشيعة.
وأهم حاصلات القضاء: القمح ثم الشعير وأنواع الحبوب والبنجر والبصل والقطن والبرسيم والبطاطا، وكذلك الفواكه لاسيما العنب والمشمش والبرقوق.
هذا مضافاً إلى تربية المواشي والدواجن والنحل.
ويقسم القضاء إلى ثلاث نواح، هي:
1 ـ ناحية بوانات وتشمل أربع قوى.
2 ـ الناحية المركزية وتشمل أربع قرى.
3 ـ ناحية أبرقو وتشمل أربع قرى.
هذا عن القضاء كله أما عن قاعدته: (آباده) فإن سكانها يبلغون 39240 نسمة حسب إحصاء سنة 1985م. ويبلغ ارتفاعها عن سطر البحر 2400م. وقد يطلق عليها اسم آباده اقليد؛ لئلا يشتبه بينها وبين آباده طُشْك الواقعة في ضواحي تبريز.
وآباده تقع وسط واد ضيِّق بين جبلين في أقصى جبال زاغروس، حيث يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، ويعبره على طوله طريق أصفهان ـ شيراز الرئيسي.
وتبعد آباده عن أصفهان 210 كلم. وعن شيراز 287 كلم وهي تتميز بشتاء بارد وصيف معتدل.
آب حياة (ماء الحياة)
اسم لعدة كتب أُلفت في مواضيع مختلفة، هذه بعض أسماء مؤلفيها:
1 ـ محمد جعفر الأسترآبادي بن الملا سيف الدين الشهير بـ (شريعتمدار) الأسترآبادي الطهراني. المتوفى سنة 1263هـ (1847م). وكتابه عبارة عن: خلاصة في علم الكلام عند الشيعة باللغة الفارسية.
ويبدو أن النص الأصلي للكتاب لم يطبع حتى الآن، ومخطوطاته موجودة في مكتبة جامعة طهران، ومكتبة المدرسة الفيضية في قم، ومكتبة المتحف البريطاني، ومكتبة الميرزا محمد الطهراني، ومكتبة آغا الشوشتري في النجف.
2 ـ محمد حسن آزاد الدهلوي 1245 ـ 1328هـ (1830 ـ 1910م) ويعتبر كتابه من أوائل ما ألف في آداب اللغة الأردوية، وهو يحتوي على تراجم شعراء هذه اللغة في شبه القارة الهندية. وقد طبع هذا الكتاب لأول مرة سنة 1298هـ (1881م) في لاهور ثم أعيد طبعه فيها سنة 1325هـ (1907م) و1331هـ (1912م).
3 ـ ملا عبد الرسول الكاشاني المدني 1280 ـ 1366هـ (1863 ـ 1947م) وكتابه في شرح دعاء السمات ألفه سنة 1354هـ (1935م).
وهناك كتب أخرى تحمل هذا الاسم.
آبسكون
اسم جزيرة أو مرفأ يقع في الجنوب الشرقي من بحر الخزر، والشمال الغربي من أسترآباد على مصب نهر جرجان. على أنه لا يعرف موقعه على التحقيق في الوقت الحاضر. وهناك اختلاف بين روايات المؤرخين والجغرافيين فيما إذا كانت آبسكون مرفأ على بحر الخزر أم جزيرة فيه؟.
على أنه من المؤكد: أن محمد خوارزم شاه كان قد لجأ إلى إحدى الجزر لينجو من المغول، وأنه قيل: إن المغول أطلقوا السهام على سفينته التي كانت متجهة إلى جزيرة آبسكون. وقد كان بحر الخزر ينسب إلى آبسكون، فيقال: بحر آبسكون في كثير من المصادر التاريخية. ويرى بعض الباحثين: بأنه يمكن الجمع بين الأمرين؛ بأن يقال: بأن جزيرة بحر آبسكون كانت تعرف بجزيرة آبسكون من باب الحذف والإضمار.
على أن هناك من قال: إن آبسكون اسم نهر يقع على بعد ثلاثة فراسخ من استرآباد. حيث يرد من جانب خوارزم ويصب في بحر الخزر، ويطلق على مصبه آبسكون.
ومن قال: إن موقع آبسكون هو قرب القرية المعروفة بـ (خوجة ـ نفس) غير بعيد من مصب نهر جرجان.
وفي التحقيق الذي أعده صنيع الدولة ـ الذي كان ملازماً ركب ناصر الدين شاه ـ ارتأى: أن آبسكون كانت شبه جزيرة في شمالها بلدة أشرف، وفي جنوبها بلدة مياخ كاله. وقد أمر ناصر الدين شاه ببناء قلعتين هناك سميت إحداهما: بلنكلن. وتقع قرب بلدة اشرف. وسميت الثانية: شرفك.
وإلى آبسكون ينسب: أبو العلاء أحمد بن صالح بن محمد التميمي الآبسكوني.
آبه
توجد خمسة مواضع تعرف بـ (آبه)، الأول: بلدة قرب ساوه وتعرف بين عامة الناس بـ (آوه)، والثاني: قرية من قرى أصفهان… والثالث: قرية قرب قزوين وتعرف اليوم بـ (آوج)، والرابع: قرية من توابع آلموت في منطقة معلم كلايه، والخامس: قرية من توابع البهنسا في صعيد مصر. وأما آبه المعروفة في التاريخ الشيعي ويقال لها اليوم (آوه) فهي: مدينة قديمة تابعة إلى ناحية جعفر آباد، ومركزها مدينة ساوه. وتقع على الطريق بين (جعفرآباد) ومدينة قم على بعد 30 كلم من غرب مدينة قم على ضفة نهر (كاوماها) ويرجع تاريخها إلى قبل الفتح الإسلامي في عصر الدولة الساسانية.
تقع آبه على الخط الجغرافي على 47 دقيقة و34 درجة عرضاً، و25 دقيقة و50 درجة طولاً. وترتفع عن سطح البحر 1000 متر.
تعتبر مدينة آبه من أوائل مراكز التشيع في إيران. وجميع سكانها من الشيعة على خلاف مدينة ساوه. ووصف آبه صاحب حدود العالم، وهو أول كتاب جغرافي باللغة الفارسية تم تأليفه سنة 372 هجرية بما هذا تعريبه: (آبه مدينة عامرة بالسكان، دات مزارع واسعة، خضراء مع وفور النعمة، وطيب الهواء).
يقول ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هجرية عن مدينة آبه: (آبه بالباء الموحدة: قال أبو سعد: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه: آبه من قرى أصبهان، وقال غيره: إن آبه قرية من قرى ساوه، منها جرير بن عبد الحميد الآبي سكن الري، قلت أنا: أما آبه، بُليدة تقابل ساوه تعرف بين العامة بآوه فلا شك فيها، وأهلها شيعة، وأهل ساوة سُنّة، ولا تزال الحروب بين البلدين قائمة على المذهب..)([1]).
وأنشد القاضي أبو نصر أحمد بن العلاء الميمندي قائلاً:
| وقائلةٍ: أتبغض أهل آبِه | وهم أعلام نظم أو كتابه | |
| فقلت إليكِ عني إن مثلي | يعادي كل من عادى الصحابه |
الحركة العلمية في آبه
كانت الحوزة العلمية في آبه من الحوزات الشيعية المعروفة، وفيها مدارس ومعاهد كثيرة، وقد ذكر الشيخ عبد الجليل القزويني في كتابه النقض (القرن السادس الهجري) أهم المدارس في ذلك الوقت وهي: مدرسة عز الملكي، ومدرسة عرب شاهي. ومن أهم المدرسين فيها: السيد أبو عبدالله، والسيد أبو الفتح الحسيني العالمان في تلك النواحي، ثم وصف لنا الشعائر الدينية قائلاً: (إن مدينة آبه وإن كانت بلداً صغيراً؛ لكنها بحمد الله اليوم فيها مراكز كبيرة لإقامة شعائر الإسلام، وإحياء آثار الشريعة المصطفوية والسنة العلوية، وفي الجامع الكبير، والجامع الصغير تقام مراسم الجمعة والجماعة، كما تقام أفراح الأعياد الثلاثة عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الغدير، وعزاء الحسين في يوم عاشوراء…)([2]) ونقل عنه نص العبارات القاضي نور الله الشوشتري في كتابه مجالس المؤمنين([3])، ثم ترجمه نصاً في أعيان الشيعة([4]).
اشهر علماء آبه
لقد نبغ من آبه علماء اعلام وشعراء فطاحل وزعماء مرموقون. حيث كانت الحركة العلمية الشيعية فيها نشطة منذ القرن الثالث والرابع للهجرة. والمنسوبون إلى مدينة آبه يقال لهم: الآوي أو الآبي ومنهم:
1 ـ الوزير السعيد ذو المعالي زين الكفاة أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي، المتوفى سنة 422 هجرية من اعلام الشيعة، عالم فقيه شاعر نحوي لغوي. قرأ على شيخ الطائفة الشيخ أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 هجرية. ذكره منتخب الدين، والحر العاملي في أمل الآمل، وله مؤلفات منها: نزهة الأدب ومختصره اسمه نثر الدرر في سبعة مجلدات، وبعض مجلداته في مكتبة الروضة الرضوية([5]).
2 ـ الوزير نصير الدين أبو المحاسن سعد الملك سعد بن محمد الآبي الشهيد في سنة 500 هجرية. من اعلام عصره، فارس شجاع. وصفه عبد الجليل القزويني: بأنه شيعي إمامي أُصولي…([6]) كان من كبار رجال بلاط السلطان ملكشاه السلجوقي ووزرائه. وبعد وفاة ملكشاه وظهور الخلافات بين أولاد ملكشاه وقع المترجم له في أسر الاسماعيلية ثم أطلق سراحه، وكان قاضي القضاة عبيدالله يكرهه؛ فاستغل الفرصة واتهمه أنه من الاسماعيلية، وخاف منه السلطان، وأمر بإعدامه ثم أعدم في أصفهان؛ إلا أن السلطان ندم بعد ذلك على ما فعل([7]):
3 ـ الشيخ محمد بن الحسين الآبي، من أعلام الشيعة في القرن السادس. ذكره منتجب الدين في الفهرست وقال: (… فاضل، له كتاب المنتخب، وكتاب ندبة الوالد على المولود شاهدته ولي عنه رواية)([8]).
4 ـ السيد رضي الدين محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن الداعي الآبي الحسيني، المتوفى سنة 654 هجرية، من أكابر فقهاء الشيعة، واعلام علماء عصره قال صاحب رياض العلماء، (فاضل جليل فقيه. يروي عن أبيه محمد، عن جده محمد، عن جده زيد، عن جد أبيه الفقيه الداعي، عن أبي الصلاح، وابن البراج، وسلار، والشيخ الطوسي كلهم، ويروي عن ابن طاوس، أقول: وهذا الرجل من اعبد الناس وأزهدهم له كتب منها: في الأدعية، ينقل عنها ابن طاوس، ويثني عليه)([9]).
5 ـ السيد رضي الدين محمد بن زيد بن الداعي بن زيد الآبي الحسيني الأفطس. فقيه متبحر، عالم نحرير، وهو جد رضي الدين محمد بن محمد بن محمد الآبي المارّ الذكر. وكان مصاحباً لرضي الدين بن طاوس الحلي، كما كان يروي عن والده، عن جده، عن أبيه زيد، عن أبيه الداعي، عن السيد المرتضى، والشيخ الطوسي([10]).
6 ـ الشيخ زين الدين أبو محمد الحسن بن أبي طالب بن بن ربيب الدين بن أبي المجد الآوي، أو الآبي المعروف: بالفاضل الآبي. وابن ربيب كان حياً في سنة 672 هجرية من مشاهير فقهائنا في القرن السابع، ومن تلامذة المحقق الحلي، وله كتاب: كشف الرموز، الذي فرغ منه في شعبان سنة 672 هجرية. ويقول السيد بحر العلوم في كتابه الفوائد الرجالية: (.. أحد تلامذة المحقق أبو القاسم نجم الدين. وشارح كتابه النافع المسمى: كشف الرموز، وهو أول من شرح هذا الكتاب. فاضل محقق فقيه قوي الفقاهة. حكى الأصحاب كالشهيدين، والسيوري وغيرهم: أقواله ومذاهبه في كتبهم، ويعبرون عنه بـ (الآبي)، و(ابن الربيب) وشارح النافع، وتلميذ المحقق وشهرة هذا الرجل دون فضله، وعلمه أكثر من ذكره ونقله. وكتابه كشف الرموز كتاب حسن.. ويختص بالنقل عن السيد ابن طاوس.. وله مع شيخه المحقق مخالفات ومباحثات في كثير من المواضع. وهو ممن اختار المضايقة في القضاء، وتحريم الجمعة من زمان الغيبة، وحرمان الزوجة من الرباع؛ وإن كانت ذات ولد..)([11])، وفصّل عنه في أعيان الشيعة ج4 ص 631 ـ 632 والميرزا عبدالله في رياض العلماء ج1، ص 146 ـ 147.
7 ـ بلكو بن أبي طالب بن علي الشيخ الأجل، وهو أبو عبدالله الآوي والد الشيخ أبي الفتوح أحمد بن بلكو الآوي المجاز من العلاّمة الحلي سنة 705 هجرية. قال العلاّمة الحلي في الإجازة: الشيخ أحمد الآوي ابن الشيخ الأجل المغفور له السعيد المرحوم أبي عبدالله بلكو بن أبي طالب بن علي الآوي..)([12]).
8 ـ كمال الدين الرضي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن الداعي الآوي، من أعلام فقهائنا. من مشايخ تاج الدين محمد بن قاسم بن معية المتوفى سنة 776 هجرية، كما ذكره في الاجازة للشهيد المنقولة صورتها في اجازة صاحب المعالم.
9 ـ تاج الدين أبو الفضل محمد بن مجد الدين الحسين بن علي بن زيد بن الداعي الحسيني الآوي. أصله من آبه، مولده الكوفة، ومنشؤه النجف. قتل على شاطىء دجلة بعد قتل ولديه أمامه، وهما: السيد شمس الدين حسين الآوي، والسيد شرف الدين علي الآوي وذلك في ذي القعدة سنة 711 هجرية واظهر عوام بغداد والحنابلة التشفي بالسيد تاج الدين، وقطعوه قطعاً، وأكلوا لحمه، ونتفوا شعره، وبيعت الطاقة من شعر لحيته بدينار، فغضب السلطان لذلك غضباً شديداً، وأسف على قتل السيد تاج الدين وابنيه ـ وكان أوهمه الرشيد أن جميع السادات بالعراق اتفقوا على قتله ـ فأمر السلطان بقاضي الحنابلة أن يصلب ثم عفا عنه بشفاعة من أرباب الدولة فأمر أن يركب على حمار أعمى مقلوباً، ويطاف به في أسواق بغداد وشوارعها، وتقدم بأن لا يكون من الحنابلة قاض..)([13]).
10 ـ الحسين بن محمد بن أبي الرضا الحسين الآوي أديب شاعر ماهر، عالم فاضل. كان متبحراً في الأدبين الفارسي والعربي المنظوم والمنثور، ذكره صاحب محاسن أصفهان.
11 ـ الشيخ أبو الفتوح أحمد بن بلكو الآوي. من أكابر علمائنا في القرن الثامن للهجرة. المجاز من العلاّمة الحلي ومن ولده فخر المحققين سنة 705 هجرية وصفه العلاّمة في إجازته بقوله: (الشيخ الأجل الأوحد الفقيه، العلم العالم، والمحقق المدقق، ملك العلماء، قدوة الفضلاء، رئيس الأصحاء مفخر الأئمة جمال الملة والحق والدين، نجم الإسلام والمسلمين أبو الفتوح أحمد ابن الشيخ الأجل المغفور له السعيد المرحوم أبي عبدالله بلكو بن أبي طالب بن علي الآوي..)([14])، له مؤلفات منها: شرح القصيدة العينية السينائية.
12 ـ الأمير شمس الدين محمد الآوي. كان من أعيان العلماء، ومن المقربين عند السلطان علي بن المؤيد ملك خراسان، وبالتماسه صنف الشيخ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مكي العاملي الجزيني المستشهد ، سنة 786 هجرية، والمعروف بالشهيد الأول، كتاب اللمعة الدمشقية، وأرسله إلى السلطان المذكور.
المزارات في آبه
كانت مدينة آبه كما أشرنا سابقاً: إحدى حصون الشيعة من القديم، وعندما ازداد الضغط على العلويين في العصر الأموي والعباسي آثروا النزوح إلى هذه النواحي الآمنة وبقيت قبورهم حتى اليوم أحد مراكز تجمع الشيعة في المناسبات الدينية المختلفة، ومن اشهر تلك المزارات:
1 ـ مزار عبدالله ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام.
2 ـ مزار الفضل ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. يقول السيد الحسين بن مساعد الحائري في هامش عمدة الطالب: وقبره في آوه زرته في شهر رمضان سنة 918 هجرية([15]).
3 ـ مزار سليمان ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. يقول السيد الحسين بن مساعد الحائري في هامش عمدة الطالب: وقبره في آوه زرته في شهر رمضان سنة 918 هجرية([16]).
بعض الأسر العلوية ونقباء آبه
1 ـ بنو العسكري: وهم من ذرية أبي عبدالله إسحاق بن إبراهيم العسكري بن أحمد الأكبر بن موسى أبي سبحة بن إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. نبغ منهم علماء أعلام وفضلاء أجلاء([17]).
2 ـ بنو الخرزي وهم: بطن من بني الأفطس، ذرية علي الخرزي بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ومنهم: أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي الخرزي بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر ابن الإمام السجاد زين العابدين علي عليه السلام. كان عالماً فاضلاً وجيهاً زعيماً رئيساً، ونقيب العلويين في آبه([18]).
3 ـ بنو مانكديم، وهم: بطن من بني الخرزي ذرية الحسين مانكديم بن أبي محمد الحسن الرئيس النقيب بن علي بن محمد بن علي الخرزي بن الحسن الأفطس وقد هاجر جماعة منهم إلى النجف الأشرف([19]).
4 ـ بنو تبني وهم: من ذرية أبي علي الحسن بن أبي القاسم جعفر تبني بن أبي محمد الحسن الأعرج بن أبي عبدالله الحسين بن علي بن عمر بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام([20]). ويروي ابن بطوطة المتوفى سنة 777 هجرية عند زيارته إلى النجف الأشرف ويقول: (… ونقيب الأشراف مقدم من ملك العراق… وله ترتيب الأمراء الكبار… وكان النقيب في عهد دخولي إليها نظام الدين حسين بن تاج الدين الآوي. نسبة إلى بلدة آوه من عراق العجم، أهلها رافضة…)([21]).
آبه اليوم
بعدما كانت آبه إحدى المراكز الشيعية المهمة في التعليم والمعارف والتثقيف الشيعي، وكانت تقام فيها حلقات الدرس ومجالس العلم والوعظ، ومدارسها حافلة بالطلاب والعلماء ومساجهدها عامرة بحلقات التدريس ونشر أحكام الإسلام. وبعد ما كان من أهم مظاهر الحضارة فيها في العهد الإيلخاني ضرب المسكوكات الإيلخانية، بعدما كان لها هذه المنزلة، عصفت بها العواصف، وكانت الحروب الطائفية قائمة بينها وبين ساوة؛ فتدمرت أكثر معالمها الحضارية، وما بقي دمره المغول بعد ذلك. إلا أنها استعادت بعض الأزدهار في عهد الإيلخانيين ومن مظاهر ذلك سك النقود فيها كما ذكرنا. وكذلك كانت على حال حسنة، ونشاط علمي في عهد دولة آق قويونلو الشيعية، وعهد الصفويين. إلا أنه لم يبق اليوم من كل ذلك أي أثر سوى بعض التلال التي تضم تحتها معالم العصر الذهبي لآبه. ويبلغ عدد نفوس آوه اليوم حسب آخر إحصاء 12,000 نسمة. ويعيش معظم سكانها على تربية المواشي. ومن أهم محصولاتها الزراعية: الحنطة والشعير والقطن، وأهم محصولات البساتين: الرمان والتين.
عبد الحسين الصالحي
آتشكده
منظومة على وزن مثنوي المولوي؛ لآغا صادق التفرشي المتخلص بصادق المتوفى سنة 1160هـ (1747م) وهي من نوع المثنويات التي عرفت في الأدب الفارسي باسم (سوزوگذار)، أي: اللوعة.
وهذه المنظومة تفيض بالحزن والألم. نظمها الشاعر في حب امرأة ملكت عليه قلبه، وذلك في العام 1150هـ (1737م) في مدينة (مشهد) بإيران. وفي تلك الأثناء قدم آذربيگدلي إلى مشهد، وتعرف على آغا صادق وصحبه، ونظم منظومة بلغت 175 بيتاً متأثراً بمنظومته، حيث ترادف هذان الأثران في أكثر المجموعات الخطية.
ويحتوي مثنوي آتشكده 208 أبيات، منها 23 بيتاً في أولها بالعربية: والباقي بالفارسية، وتبدأ هذه المنظومة بالبيت التالي:
معشر العشاق يا أهل الهوى إنني آنست ناراً بالطوى
وقد نشرت في مجلة كلية الآداب في مشهد. وتوجد لها عدة مخطوطات، ولكن هذه المخطوطات لا تحوي الأبيات العربية.
آتشكده آزر
كتاب في تراجم الشعراء باللغة الفارسية. جمع فيه مؤلفه الشاعر لطف علي بيك بن آغا خان بيگدلي شاملو (1134 ـ 1195هـ/ 1722 ـ 1781م) تراجم 850 شاعراً فارسياً مع مختارات من اشعارهم.
وهو يشتمل على: أشعار الملوك وابنائهم، والأمراء، وعلى شعراء خراسان، واسترآباد، وطبرستان، وجرجان، وفارس، وخوارزم، ودهلي، وكشمير، وآذربيجان، وبلخ، وخوارزم، والدكن، وما وراء النهر، والعراقان العربي والعجمي، وعلى اشعار المؤلف نفسه.
وقد طبع الكتاب لأول مرة سنة 1249هـ / 1833م في كلكته ثم بومباي سنة 1277هـ/ 1860م ثم اعيد طبعه في إيران.
الآثار الباقية من القرون الخالية
من اشهر كتب أبي الريحان البيروني محمد بن أحمد المتوفى عام 440هـ (1048م). وهو بحوث في التواريخ التي تستعملها الأمم في الأعياد والمواسم: من مجوس وصابئة وكلدان وعرب وهنود ويونان ويهود ونصارى على اختلاف طوائفهم . وذكر التوقيت بالأيام والشهور والسنين مما أصبح مصدراً شاملاً لكل هذه الشؤون. وقد ألفه باسم الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير سنة 390هـ.
طبع لأول مرة في ليبسغ بإشراف المستشرق سخاو (1876 ـ 1878م). ثم ترجم إلى اللغة الإنكليزية بشروح وحواش كثيرة، وطبعت النسخة الانكليزية سنة 1879م الطبعة الأولى، ثم أعيد طبعها سنة 1923م. وقد شرح الكتاب باللغة الفارسية علي قلي ميرزا وزير العلوم في عهد ناصر الدين شاه.
والبيروني علاّمة فذ، اسهم في شتى ألوان المعرفة، فهو رياضي وجغرافي وفلكي، عملاق في كل تلك الميادين.
وهو أول عالم في العصور الوسطى (973 ـ 1048م)، تتبع عثرات القدماء بنظر صحيح، فأزالها بالرصد القويم، والمشاهد الصحيحة، وأسس تقويم البلدان على قواعد علمية راسخة. فإن التراث الذي وصله ممن سبقوه كان مختلطاً بعض الشيء بالشكوك والاختلافات، تحيط بها التخمينات. وأما التراث الذي خلفه هو لمن بعده فقد كان خالياً من الشك والاختلاف والتخمين!، قد استخدم في جميع أبحاثه النظر العقلي الصريح والاستدلال النقي، وتلك هي الميزة الحقيقية التي امتاز بها البيروني في أعماله العلمية.
ونرى البيروني صريحاً في مقدمته في «القانون» التي يقول فيها: «ولم أسلك فيه مسلك من تقدمني من الأفاضل، وإنّما فعلت ما هو واجب على كل إنسان أن يعمله من تقبل اجتهاد من تقدمه بالمنة، وتصحيح خلل إن عثر عليه بلا حشمة، وخاصة فيما يمنع إدراك صميم الحقيقة فيه من مقادير الحركات، وتخليد ما يلوح له فيها تذكرة لمن تأخر عنه بالزمن وأتى بعده، فقرنت بكل عمل في كل باب من علله، وذكر ما توليت من عمله».
سافر إلى الهند وتعلم لغاتها، وشاهد وحقق، ثم دون كتابه الكبير (تاريخ الهند) بعدما ألف سفره العظيم «كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية» (1000م).
ولم يقصر مؤلفاته على هذين الكتابين النادرين، بل أضاف إليهما ثروة علمية أخرى، فألف رسالة في علم الفلك عنوانها: «القانون المسعودي في الهيئة والنجوم»، وله كتاب في الصيدلة، ترجمه في الهند إلى الفارسية أبو بكر بن عثمان الأصفر، وكان ذلك عام 1211م، ثم صنف كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر» وأهداه إلى الملك المعظم أبي الفتح مودود المتوفى عام 1048م.
أبو الريحان البيروني
مؤلف الآثار الباقية
لا بد لنا من الإشارة إلى أن (جورج سارتون) في مقدمته لكتاب (تاريخ العلوم) قد ذكر فيما ذكر عن البيروني أنه شيعي، ولكن كاتب هذا المقال (سامي خلف الحمارنة) الذي نشره في إحدى المجلات لم يعجبه ذلك، فقال عن سارتون: إنه أخطأ بظنه أن البيروني كان شيعياً معادياً للعرب والعروبة، فقد كان بعكس ذلك!! ونحن لا ندري من أي شيء نعجب، أمن تصور (الحمارنة) بأنه مجرد أن ينفي حقيقة واقعة، فهي ستنتفي، أم من فهمه للتشيع هذا الفهم (الحمارني) وقوله عنه: بأنه معاد للعربية والعروبة!!.
إننا نقول للحمارنة: إن التشيع هو العربي الأصيل الذي نشأ في ظلال العرب، وفي رعايتهم، واستماتوا في حمايته والدفاع عنه، ولكن عرب التشيع الأصلاء في عروبتهم؛ لا يفهمون العروبة (نازية) عنصرية اعتدائية تحتقر غيرها من الشعوب، وتستعبدها ولا تحترم إسلامها، ولا تراعي إيمانها، بل يفهمون العروبة حباً وتسامحاً وتقديراً لغيرها من الشعوب التي تستحق التقدير.
وإذا كانت الأمثال العربية قد قالت: بأن لكل مسمى نصيباً من اسمه، فلا شك بأن رأي (الحمارنة) في التشيع هو من نصيبه في لقبه…
من أكثر العلماء المسلمين أصالة وإنتاجاً في زمنه بلغة القرآن في العلوم والمعارف كان أبو الريحان البيروني؛ 362 ـ 443هـ/ 973 ـ 1051م)([22])، هو معاصر للشيخ الرئيس ابن سينا بإيران، والحسن بن الهيثم في العراق ومصر، ومن بين كتب البيروني في التاريخ الطبيعي إثنان في غاية الأهمية: أولهما: الصيدنة في الطب([23])، والثاني: كتاب الجماهر في معرفة الجواهر. ألفهما في السنين الأخيرة من حياته. فاحتويا على الكثير من غنى خبرته في العلوم الحياتية البحتة والتقنية والاجتماعية([24]). وفي هذه المقالة يهمنا كتابه هذا في الجواهر بالذات مقدمته للكتاب الذي يعتبر من أهم تصانيفه وأكثرها أصالة([25]). ويتبين من هذه المقدمة: أن البيروني قد نسق مقالاته وأتمها زمن السلطان مودود بن مسعود بن محمود الغزنوي (432 ـ 441هـ/ 1040 ـ 1048م) وربما في مطلع ملكه (حوالي سنة 1044م)، وعمر المؤلف آنذاك سبعون عاماً ونيف، ويقول فيها: «نريد الآن أن نخوض في تعديد الجواهر والأعلاق النفيسة المذخورة في الخزائن، ونفرد لها مقالة تتلوها ثانية في أثمان المثمنات وما يجانسها من الفلزات، فكلاهما رضيعا لبان في بطن الأم، وفرسا رهان في الزينة والنفع([26])، ويكون مجموعها تذكرة لي في خزانة الملك الأجل المعظم شهاب الدولة أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمد قرن الله بشبابه اغتباطاً، وزاد يده بالنصر تطاولاً وإنبساطاً؛ فإنه لما فرض لله تعالى أمره تولى إعزازه ونصره، وحين نَصَبَ حب الله بين عينيه عفا عمن استغاث باسمه، وأمن من استأمن بذكره، وأخفى صدقاته بعد صلاته البادية؛ ليفوز بما هو خير له في السر والعلانية». ثم إن النصوص والمقدمة نفسها تفيدنا: بأن تأليف الكتاب قد تم أيضاً في مدينة غزنة حاضرة السلطنة (في جمهورية افغانستان اليوم)([27]).
يستهل المؤلف كتابه الجماهر في معرفة الجواهر في مقدمة مستفيضة تحتوي على فصلين قصيرين وافتتاحية ثم خمس عشرة ترويحة؛ كأنها مراحل توقف للتفكير، والتأمل الروحي والإستجمام الفكري، والإيحاء([28]). وفي هذه المقدمة يستودع البيروني خلاصة تفكيره في أمور فلسفية وعلمية واقتصادية ودينية واجتماعية في غاية الاهمية والأصالة والر وعة. وما هذه المقالة إلا محاولة متواضعة وجدية لتقييم ما أراده البيروني أو ما كان يجول بخاطره؛ لنقله إلى القارىء من أفكار وآراء وتوجيهات، من خلال مقدمة الكتاب، والتي تثير في النفس تساؤلات عديدة، نبينها ونشرحها بإختصار بالطريقة التالية:
1 ـ هل كانت المناقشات والأفكار والمبادىء، التي خطتها يد الشيخ العالم أبي الريحان البيروني، وهو يدبّ بخطى وئيدة إلى نهاية مسيرة هذه الحياة الدنيا، أفكاراً عابرة متفرقة وخواطر ثائرة أو شاردة، لا تربط بينها أوصال، ولا تنتظم منها رؤية واضحة، أو توجيه جاد معين؟.
2 ـ أو كانت تعابير روح ثائرة على مجتمع مادي يعتوره الفساد والظلم والتكالب والأنانية، وانتقاداً ساخراً لأنظمة بالية، فيزيح بقلمه الغطاء عن عوراتها، ويكشف أستار محتوياتها ومكنوناتها، سافرة أمام نور الحقيقة وجمال الفضيلة ومكارم الأخلاق ومجد الخلود([29])؟.
3 ـ أو أنه يقدّم فيها نظاماً اجتماعياً شاملاً وصالحاً يتماشى مع روح عصر سدة الإيمان والمروءة، ولحمة الدين الصحيح الحنيف، كاشفاً فيه عن أهداف وآراء اقتصادية وأخلاقية بناءة شافية لأسقامه الكثيرة؟.
4 ـ أو هل هي تصدير مبدئي، وتقديم مقصود، وتمهيد متسلسل؛ ليرينا علاقة هذه الأحجار الكريمة، والفلزات النفيسة، والأعلاق المفضلة التي هي موضوع الكتاب نفسه، بما لها من صلات وتأثيرات وملابسات في مجتمع متشعب الأهداف متباين في مآربه ومشاربه، معقد في اطماعه وأحلامه ومعاملاته، كثيرة تيّاراته الفكرية والمادية؟ أو هل هذه هي الأسئلة الأربعة مجتمعة مترابطة؟ وأن هناك خيطاً غير منظور يجمع هذه الدرر المتناثرة في قلادة أو عقد متصل الحلقات جميل الرونق نادر الثمن؟.
في مقدمة الجماهر هنا لأول وهلة نجد أمامنا أفكاراً جديدة نقادة في الفقه، والتشريع، والعلوم العامة، والتاريخ الطبيعي، والأدب، والاجتماع، والتجارة والعمران متبعثرة حيناً، وحيناً في إتساق وتخطيط مرسوم؛ ربما يراد الوصول به إلى غاية الكتاب نفسه ومادته، أو إنها طفرة مقصودة تُعبِّر عن تبرم المؤلف من المجتمع البشري كلية، أو تأسفه على أحلام وأمان رفيعة لم تتحقق؛ فانطلقت هنا معبرة عن إرادتها بحرية رفيقة وبساطة جريئة.
للإجابة بوضوح ودقة؛ لا بد من تقييم هذه الفصول، وتعيين اتجاهاتها واحداً واحداً، مع تحليل مقتضب لمحتوياتها ومقاصدها وأسبابها القريبة والبعيدة، ولا بد لنا من القول قبل البدء من التعليق والشرح: بأن هذه المقدمة بجملتها تقدم لنا حقاً قطعة أدبية رائعة، ودرساً اجتماعياً قيماً ونبذة علمية نادرة وشرحاً موضوعياً بديعاً لأحوال الدين والدنيا للمجتمع الإسلامي في العصر الوسيط، وكل ذلك في نظر ثاقب رصين مؤمن بالحياة ويهزأ بالإخفاق والإنهزامية والإذعان.
الإفتتاحية
يهمل البيروني في افتتاحية كتاب الجماهر هذا ذكر اسم الكتاب وعنوانه من ناحية، أو مقصده وأهدافه وأغراضه من ناحية أخرى كما نجد في كثير غيره من تآليف هذا العصر الهامة في شتى العلوم([30])، فلعل المؤلف اكتفي بذكر تصدير مقتضب معبر بكلتا الحالتين عن فاتحة قصيرة فيها بحمد رب العالمين «الذي لما توحد بالأزل والأبد، وتفرد بالدوام والسرمد جعل البقاء في الدنيا علة الفناء والسلامة، والصحة داعية الآفات والأدواء»، كل هذا ـ في لهجة فلسفية ـ يوضح: بأن خوف الإنسان من الفناء يدفعه للتمسك أكثر بالحياة الدنيا، وتلهفه على طلب السلامة مهما كلف الأمر مع تأييد بعزم وثبات، أمر محاربة الأسقام والآلام والطريق لإستعادة العافية؛ ولكن هذا لا يكون إلا بذاك، وأما نوال السعادة فهو رهين القبول والرضى بحقيقة هذا التضاد في الحالتين.
ويشير البيروني إلى أهمية قبول قضاء الله وقدره الذي «قسم الأرزاق، ووفق الآجال، وصير سببها الأشاحة في الأعمال»، مؤكداً ضرورة الجد والإجتهاد لنيل المراد، ثم يتحول المؤلف للإشارة إلى ظاهر طبيعة هامة من عمل الخالق الذي: «سخر الشمس والقمر دائبين على رفع الماء الى السحاب؛ حتى إذا أقلت الثقال ساقتها الرياح إلى ميت التراب، وأنزلت إلى الأرض ماء مباركاً، فأخرجت به خيراً متداركاً متاعاً للأنام والأنعام؛ إلى أن يعود بحريته إلى البحار والإستقرار» موضحاً بذلك ما للقمر والشمس من تأثير في تبخر المياه، وتكون السحب وتراكمها في الجو، ثم نزول الأمطار واستقبالها مما يؤول إلى ارتواء الأرض المتلهفة العطشى، وإعطائها الخصب والحياة؛ فتزهر البرية وتبتهج وتسقى الأرض، وتكتسي المراعي فيفرح قلب الإنسان بجود النبات والحيوان، فيعود النمو والإزدهار للبرية بأسرها، ثم تعود زيادة الماء مرة أخرى إلى البحار والأنهار من حيث جاءت أولاً وهلم دواليك. «ويعلم (الله) ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها» وفي ذلك إشارة إلى ما في باطن الأرض من خير وكنوز من أحجار كريمة ومعادن تخرج بالكشف والحرق والتعدين والزرع، وما تهبه السماء من ريح وشمس ومطر، ومن جاذبية وإشعاع ودفء لإزدهار المسكونة وظهورها في حالة جديدة قشيبة؛ فنرى أنه حتى في هذه الإفتتاحية المقتضبة حقاً إشارة واضحة إلى الجواهر والفلزات المخزونة والمدخرة في باطن الأرض رهينة الكشف لنفع الإنسان([31]).
ويستغرب القارىء أن يرى مصادر هذا الكتاب قليلة جداً ومحصورة، لأن المؤلف يذكر اسم كاتبين فقط نقل عنهما إذ يقول: «ولم يقع إلي من هذا الفن غير كتاب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في الجواهر والأشباه، وقد افترع فيها عذرته وأظهر ذروته كإختراع البدائع في كل ما وصلت يده من سائر الفنون فهو إمام المجتهدين، وأسوة الباقين([32])، ثم مقالة لنصر بن يعقوب الدينوري الكاتب عملها بالفارسية لمن لم يهتد لغيرها، وهو تابع للكندي في أكثرها، وسأجتهد في أن لا يشذ عني شيء مما في مقالتيهما مع مسموع لي من غيرهما». فالبيروني إذاً يشير إلى أنه استفاد كثيراً من كتاب الكندي المذكور أعلاه أولاً، وقليلاً من مقالة الدينوري بالإضافة إلى ما كان قد سمعه وخبره البيروني نفسه من متعاطي مهنة العمل والإحتراف والتجارة في الجواهر وأشباهها، مع أنه يشك في ثقتهم، وينتقد ساخراً من نزاهتهم وصدق نيتهم فيما يعملون ويقولون، «وإن كانت طبقة الجوهريين في أخبارهم المتداولة بينهم غير بعيدة عن طبقة القناص والبأزيارين (صيادي الجوارح وأنواع الطير) في أكاذيبهم وكبائرهم التي لو انفطرت السماوات والأرض لشيء غير أمر الله لكانته. ولنا ببطليموس أسوة في تألمه من تخريصات التجار، الذين لم يكن يجد بداً من الإستماع منهم لتصحيح أطوال البلاد وعروضها من أخبارهم بالمسافات والعلامات».
لذلك لا بد أن البيروني قد اعتمد في الكثير من المعلومات التي قدّمها في كتابه حول الجواهر على مشاهداته الشخصية وتجاربه واختباراته وتقييم الأمور التي سمعها، ونقلها حسب ما رآه؛ فتكون أكثر قبولاً وواقعية، ونقدر أن نتحقق صدق هذا من الأفكار الأصلية الهامة النيرة والصبر والنظريات التي احتواها كتابه هذا([33]).
فصل 1: يقدم لنا هنا البيروني بحثاً ذا أهمية قصوى في تاريخ طريقة نمو النبات والحيوان، وتطور هذه الطريقة، وما تتميز به كل من هاتين الملكتين الطبيعيتين، وكيف بذلك أزاح لنا الله الغطاء لمعرفة «علل جميع المخلوقات بكنه حاجاتها وبقدر، لا إسراف فيه ولا تقتير، وجعل النمو الذي هو زيادة في جميع أقطار القابلي له طارئة عليه ومستحيلة إليه سبباً هو الإغتذاء، وصير النبات مكتفياً بالقليل من الغذاء ماسكاً له، لا ينهضم بسرعة، فاقتنع وثبت مكانه يأتيه رزقه من كل مكان، فيجذبه بعروق دقائق في دقة الماء سارياً إلى جرثومته». فالغذاء يأتي إلى النبات وهو في مكانه ثابت فتجتذبه الجذور الممتدة في عمق الأرض وتهضمه، ثم كيفية تغذي النبات بمرور النسغ ببطء من الجذور صاعداً إلى فوق من خلال الجذع والأغصان فإلى أجزائه العالية مقدّماً نظرية طريفة هامة إذ فيها يبين بوضوح فيقول: «وترفع سخونة الجو بالشمس من أغصانه رطوباته» الأمر الذي من أجله يحدث فراغ والذي لا بد من مثله «فينجذب ما حصل (من الجذور) في الأسافل إلى أعالي أفنانه وينمو به». وغاية هذا التطور والنمو ليبلغ ذروته لإستمرار الجنس «ثم يجري إلى ما خلق له بالإيراق والإزهار والإثمار»([34]).
وبعد ذلك يشير البيروني إلى الفارق الواقع بين طريقة نمو النباتات وبين كيفية تغذي الحيوان وسرعة الإنهضام وأهميته، وضرورة تنقل الحيوان بآلات الحركة لطلبه وإحتياجه «إلى القضم والخضم» وللتقوت من هنا وهناك، من أجل ذلك اعطي الحيوان بالطبيعة موهبة الحواس الخمسة؛ ليميز بها بين ما يضر وما ينفع، وبين الممكن وغير الممكن، معبراً عنها في النقاط التالية:
1 ـ «من بصر يدرك به المرغوب فيه من بعيد؛ فيسرع إلى اقتنائه والمرهوب حتى يهرب منه ويستعد لإجتنابه وإتقائه».
2 ـ «ومن سمع يدرك به الأصوات من حيث لا يدركها البصر؛ فيتأهب لها».
3 ـ «ومن شمّ يدل عليها من خواص فيها» فيقتفيها أو يتقيها.
4 ـ ومن ذوق يظهر له به الموافق من الغذاء وغير الموافق منه؛ فينجو بذلك مما هو سام ويبتعد عما هو تافه أو غير مستحب.
5 ـ وأخيراً من لمس يميز به بين الحار والبارد، والرطب واليابس، والصلب واللدان، والخشن واللين «فينتظم بها في الدنيا معاشه ويدوم انتعاشه»، وهي ميزة للحيوان فوق النبات، أحسن المؤلف توضيحها وتبيانها بدقة وحذاقة وصدق([35]).
ترويحة 1: يتابع البيروني في الترويحة الأولى حديثه عن الحواس التي تنفعل بمحسوساتها أعضاء البدن الحيواني وأفعاله وقواه، فيعطينا أفكاراً أخرى هامة وأصيلة بالإستمرار في تعريف الحواس، وكيفية أدائها أفعالها بالنسبة لعلمي التشريح ووظائف الأعضاء، فيضيف قائلاً:
«فالبصر محسوسه النور الحامل في الهواء ألوان الأجسام خاصة وإن حمل أيضاً غيرها من الأشكال والهيئات، حتى يعرف بها كمية المعدودات (والمرئيات إلى الشبكية فالعصب البصري فإلى الدماغ للحصول على الرؤية الكاملة).
وأما السمع فمحسوسه الأصوات، والهواء، حاملها إليه، والشمّ محسوسه الروائح، والهواء يوصل حواملها إلى الخياشيم إذا انفصلت من المشموم؛ كإنفصال البخار من الماء بإختلاط أجزائه المتبددة في الهواء.
والذوق محسوسه الطعوم والرطوبة تحملها لتوصلها إلى الذائق وتولجها في خلله. فإن آلاته من اللسان والحنك واللهوات متى كانت يابسة لم تحس بشيء من الطعوم، وهذه الحواس الأربع متفرقة في البدن. مختصة بأماكن لها لا تعدوها»([36]). ونستطيع في عصرنا الحاضر أن نشير لتلك الأماكن المعنية التي هي المراكز الأساسية لهذه الحواس في الدماغ وخلافه.
والبيروني من ثم يتطرق إلى الحاسة الخامسة والأخيرة، التي تتميز عن الأربع السابقة فيقول: «وأما خامسها ألا وهي حاسة اللمس: فإنها بعكس الأربع الأخرى عمت جميع البدن في أعضائه، وفي آلات سائر حواسه، ولم تنفرد بها دونها. وأول ما نلاقي من ذلك محسوساته بواسطة الكيفيات التي هي في ظاهر البدن؛ ولهذا كان الجلد بحس اللمس أولى؛ وإليه أسبق. ثم ما وراءه أولاً، فأولاً، وطبقه طبقة؛ بحيث اللين واللطف إلى أن يبلغ الأغلظ الأكثف من دعائم البدن، فيزول به حس اللمس عند العظام». فواضح برأي المؤلف إذاً: أن حاسة اللمس أقوى ما تكون في سطح الجلد ثم بعد ذلك تضعف تدريجياً اتجاهاً إلى العمق، حتى وصول العظام حيث حاسة اللمس تكاد تكون معدومة([37]).
ترويحة 2: ينتقل البيروني هنا للحديث حول تفوق العنصر البشري على سائر المخلوقات؛ لأن الله منحه شيئاً آخر بالإضافة إلى الحواس الحيوانية الخمس وهي: «بما شرف به من قوة العقل» الذي تسلط به على المخلوقات، وقدر على سياسة الأرض وتعميرها، وتفهم أسرار الكون وتدبيره {أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} (71) {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}(72) {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}(73)، سورة يس: (71 ـ 73).
ولولا هذا الإحسان الإلهي؛ لما استطاع الإنسان مقاومة الحيوانات، وهو بالنسبة لها في القوة الجسمانية أضعف من الكثير منها، ولا يملك ما تملكه «من آلات الدفاع والنزاع». والبيروني هنا أيضاً يقتبس ما جاء في سورة الزخرف: (13) {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}، فنعمة العقل والتمييز للتسلط على سائر المخلوقات؛ ما هي إلا إكرام سماوي والتي يأمل المرء من خلالها خير الجزاء بعد المنية. ويضيف المؤلف قوله: «إذ الرغائب بالمتاعب، ونيل البر بالإنفاق من الحبائب» إذ لا بد من «احتمال قرص النحل حتى يجتنى العسل»؛ وليكن العطاء مما يختزنه الإنسان لعمل الخير والإحسان للآخرين أجراً وإحتساباً.
ويضيف المؤلف وهنا أيضاً حول أهمية ذكر حاستي السمع والبصر حيث: «جعلتا لهما مراقي من المحسوسات إلى المعقولات. أما البصر فللإعتبار بما يشاهد آثار الحكمة في المخلوقات، والإستدلال على (عظمة) الصانع من المصنوعات» ويستشهد بسورة فصلت: (53){سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ آلْحَقُ}([38])، هذا ما يختص في أمر البصر «وأما السمع: فليسمع به كلام الله بأوامره ونواهيه، ويعتصم فيها بحبله، فيصل إلى جواره» ويستشهد بقول أعشى بني أبي ربيعة إذ يقول:
| كأنَّ فؤادي بين جنبي عالم | بما أبصرت عيني وما سمعت أذني |
فالبيروني إذاً يؤكد بأن هناك مصدراً أكيداً للحصول على العلم؛ ألا وهو هاتان الحاستان، البصر والسمع، ويضيف إليهما الفؤاد (وليس الدماغ) مشيراً إلى آية من سورة الإسراء: (36) {إنَّ آلسَّمَعَ وَآلْبَصَرَ وَآلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلئكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}، موضحاً بأنه من فضلة القلب يتكلم اللسان مقتبساً قول أبي تمام:
| ومما قالت الحكماء طرا | لسان المرء من خدم الفؤاد |
لأن السمع والبصر حسب رأي البيروني وبأسلوبه البليغ الرفيع يعتبرهما: «آلتا الرقيب» بهما يكتشف المرء نفسه وبيئته ويرى ما هو خفي عنه غير ظاهر له؛ ولا يعرف أبداً حق قدرهما إلا عند فقدهما لكل ما يخصهما في الحياة من متعة وسلوى وجمال وأنس.
أما الحواس الأخرى فإنها برأي المؤلف: أليق بالبدن منها بالنفس من مذاق وتحسس وإستنشاق ما حولها. وهي أقرب إلى الحيوانية الجسدية منها إلى الإنسانية الفضلى؛ بالرغم من أنها مبدئياً تتطور وترقى وتتهذب من منطق أوضاع الإنسان الفكرية وأحلامه وتفاعله وإستنباطاته، حتى تبلغ بهذه المشاعر والأحاسيس إلى أقصى غايتها البشرية النافعة([39]).
ترويحة 3: هنا يتكلم البيروني عن الإستئناس كنتيجة إلى التجانس مقتبساً المثل القائل: «إن الشكل إلى الشكل ينزع والطير مع ألافها تقع» أو كالقول الشائع في يومنا هذا: «إن الطيور على أشكالها تقع». والمؤلف مثلاً: يشبه كيف أن الأخرس ينجذب ويستأنس بالأخرس نظيره يخاطبه بالإشارات التي يفهمها كل منهما أو بالإيماء بالأعضاء مقتبساً سورة الروم: (21) {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوَا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ} ومن هنا يستدل على إمكانية ودواعي التقارب بين الناس للتعارف والتآخي من جهة واحدة، والسعي في طلب الأمان من الشر والخطر والتفرق والدمار من جهة أخرى، حتى يتضاعف الأنس ويزول النفار بين الشعوب ويعتبر المؤلف: أن فضيلة الإستئناس هذا إن هي إلا أسباب تدفع بالناس إلى التعاون والتقارب الواحد من الآخر والإجتماع؛ لتأسيس القرى ونشوء المدن والدساكر وتطورها([40]).
ترويحة 4: ومع كون الإنسان اجتماعياً بطبعه؛ إلا أن المؤلف هنا يعالج أمور الناس بالنسبة لبنية أبدانها، وجبلتهم الجسمانية وما تتركب منه من أمشاج وأخلاط متضادة وشهوات متعارضة وأمزجة مختلفة فتتباين نتيجة لذلك أخلاقهم وطبائعهم وأهوائهم، حتى أن يقهر أحدهم الآخر ويظلمه ويغمط حقه، فينتج عن ذلك أن الشخص المظلوم يصبح دائم النزوح لإزالة القهر عنه، فينشأ عنده حب الإفتراق والإبتعاد طالباً للهجرة إلى أوطان أخرى، وحتى مع هذا نجده في غربته عرضة للأخطار الخارجية ومداهمة البلايا والمحن؛ أضف إلى ذلك ضعفه وعجزه مما يجعل المرء دوماً في حالة القلق وفي حاجة للعون والإسعاف والأمان ومن هنا جاءت رغبته الملحة والأكيدة ينشد حياة الوئام والتمدن والسعي للتجمع في القرى والمدن العامرة، ليقرب من أخيه الإنسان ويستقر.
وفي تجمع الناس ضمن المدن نجد أنهم لو تساووا بالإختبار والهمم، حسب رأي المؤلف، لضاعت عليهم منافع كثيرة؛ وأدى تساويهم في نهاية الأمر إلى هلاكهم جميعاً. فلا بد إذاً من اختلاف المقاصد والإرادات والمواهب والكفاءات؛ وبذلك تتعدد أنواع الحرف والصناعات وتزداد المآرب وتتعقد الخدمات، ويصير الإنسان في حاجة لأخيه الأنسان على المستويات والكفاءات، أو أن ذلك يؤول به لطلب وإستخدامٍ لمقايضة أو مقابل سلعة أو أجرة يتفق عليها ويتقاضاها الواحد من الآخر؛ إما لحاجته الضرورية، أو لإستغنائه عنه؛ كأن تقدم سكة معينة، أو أثمان عامة وعملة تقدر بدل خدمات معينة: «فاختاروا لها ما رق منظره ورواؤه، وعز وجوده، وطال بقاؤه»، من أنواع العملات والمسكوكات والمعادن؛ وحتى الجواهر الثمينة التي كثر انتشارها وأزداد، وتأيد تداولها بين الناس في المبايعات؛ ولأن استخدامها يصبح سبباً لبقائها وندرتها وعظم قيمتها. ومن أجل ذلك نرى أن المؤلف يبحث في فلسفة قيام العملات والسكة بأنواعها وتاريخها وما آل إليه الأمر من انقياد الناس لتعظيهما وتقييمها «بالتوحيد والتصغير، بالتجزئة والتبديد والتختم، بالتنقيش والتصوير متردداً بين صنوف الهيئات والصور، مع ثبات هيولاه ومادته» من نفيس الجواهر والعملات وما إليها([41]).
إن هذه الجواهر المتداولة بين الناس، والمخزونة في باطن الأرض، وما هو مستور منها عن الأعين؛ إن هي إلا ودائع صالحة أعدها الله تعالى، مزودة بالآلات التي بها أزاح علل الخلق ومجريات الكون وتقييم آثارها، وقد هدى الإنسان بالعقل المنبه إلى الآيات الكريمة بواسطة الرسل والأنبياء والمرشدين إلى صلاح العقبى، وقد وكل الأمر في الورى للملوك خلفائهم؛ ليعملوا على نشر العدل، وإعلاء الحق؛ لما هو في صالح الناس جميعاً، ورأفة بهم وإحساناً إليهم، ومنفعة لهم، قد سبق مخبأ لهم قبل خلقه إياهم جميعاً الموزونات في أرحام الأرضين، تحت الرواسي الشامخات لهم قبل خلقه إياهم جميعاً للإنتفاع بها في الإجتلاب والدفع والصيانة والإعتدال. كما جاء في سورة الحجر: (18) {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}([42]).
ويعتقد البيروني: أن الترتيب الإلهي قَدَّر بأن تكون مصالح الناس ومعاملاتهم التجارية الإقتصادية، والخدمات التي يقوم بها أحدهم تجاه الآخر، يجب أن تكون على حساب التقييد والمعاملة بالفضة والذهب، وتقدير قيمها نقدياً ومعنوياً وعلى مقتضاه إذ هو أيضاً هدى الإنسان لإستخراجها من معادنها التي اختزنت في أعماق الأرض ألوف السنين، وقد منح هؤلاء الملوك الخلفاء السلطة والرياسة، ووكل لهم السياسة والأمر والنهي لإستخراج هذه المعادن الثمينة، وليصنعوا منها العملة والنقود ويحفظوها من تمويه الخونة الخادعين وتزييفهم؛ أولئك الذين يروجون أشباه الفضة والذهب المغايرة لهما في الجودة والنقاء والدقة، ويهذبونهما عن الأدناس والغش، وذلك بالسّبك الأصيل والطبع في السكة المضمونة؛ لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وتأمين مصالح العباد وللحيلولة دون ترويج ما هو مغشوش مزيف من معدنهما: «وهذا وأمثاله هو المحوج لولي الرياسة إلى مراعاة شروط السياسة؛ ليستحقوا اسم الخلافة في الخلق وسمة الظل في الارض عند التقبل بأفعاله سبحانه، في التعديل بين الرفيع والوضيع، والتسوية بين الشريف والضعيف من خلائقه، ووفق الله للخير كل مستوثق به»([43]).
ترويحة 5: يتابع البيروني في حديثه هنا حول أهمية الذهب والفضة في اقتصاد الشعوب، واتجاهاتها السياسية وحياتها الاجتماعية، وما يتبع ذلك من أمر الجشع البشري، وتكالب الناس على المادية لتعلقهم بهديها. فيقول: «لما سهل الله على الناس تكاليف الحياة، وتصاريف المعاش بالصفراء والبيضاء (يعني الذهب والفضة) انطوت الأفئدة على حبهما، ومالت القلوب إليهما كميلهما في الأيدي من يد واحدة إلى أخرى، واشتداد الحرص والشح على ادخارهما، والطمع والإستكثار منهما، وجل محلهما من الشرف والأبهّة وضعاً لا طبعاً، وإصطلاحاً فيما بين الناس لا شرعاً، بل إتفاقاً؛ لأنهما ما هما إلا حجران لا يشبعان بذاتهما من جوع ولا يرويان من صدى، ولا يدفعان بأساً، ولا يقيان من أذى»، وما أصدق هذا منذ زمن المؤلف وحتى وقتنا الحاضر أو أكثر.
ويتابع البيروني المنطق ذاته فيقول: «وكل ما لم ينتفع به من غذاء يقيم الشخص ويبقي النوع، ومن ملبوس يدفع بأس البائس ويقي أذى الحر والبرد، ومن كن (مسكن) يعين على ذلك ويقبض يد الشر؛ فليس بمحمود طبعاً». فالبيروني يؤكد الناحية العملية في المجتمع البشري، فيرى أن الذهب والفضة بحد ذاتهما ليس فيهما غنى في قضاء حاجة من مأكل أو ملبس أو مأوى وإنما هما ممدوحان بالعرض وضعاً؛ إذ بهما يمكن الحصول على سد حاجات الناس، وتأمين أعوازهم لذلك هم سموا المال خيراً، وكذا من يجود بالدراهم فإنه جائد بجميع الخير؛ لأنه وإن لم يكن ذلك في طبعه، فإنما يكون في ضمنه؛ لإحتوائه على المناهج والقدرة في نيل المآرب والوصول إلى ميناء السلامة وغبطة العيش([44]).
ولإعطاء مثل من الأمثال حول هذا الموضوع، ما يروي المؤلف في قالب قصصي كالآتي:
«إن قوماً أرست بهم السفينة في جزيرة منعزلة عن الطرق التجارية البحرية الهامة، فخطر على بال أحدهم إذ أراد شراء حاجة عرضت له (فلنقل إنها من مأكل أو ملبس)، وبمقابل ذلك فإنه دفع ديناراً (على سبيل المثال) كثمن جيد لرجل من أهل تلك الجزيرة، وما كان من أمر هذا الرجل (من سكان تلك الجزيرة) أن أخذ هذا الدينار يقلبه ويشمه ويذوقه، فلما لم يؤثر منه شيئاً في هذه الحواس أثر نفع أو لذة ردّه إليه؛ إذ لم يستجز دفع ما ينتفع به بما لا نفع فيه» في عرفه وعادته. هكذا، فإن العبرة في هذه المثال أو تلك القصة: أن المقايضة الصحيحة هي التي ينتفع منها لكلا الطرفين، وأن المعاملة الطبيعة المباشرة بين النظراء هي التي تتم من حيث المبدأ في إبرام الصفقات التجارية المتبادلة، والتي تصبح حقيقة وأسساً ومنبعاً لنظام المعيشة ولمداولاته بين الناس في الحضارات الإنسانية وبين الشعوب الراقية المتحضّرة، والتي يمكن الإستفادة منها في النظم والخدمات الإدارية العصرية([45]).
أما المعاملة الوضعية المحلية: فقد جاءت على الأعم حسبما ورد ذكره من الشعوب المتمدنة الماضية والأمم المعاصرة، في أمر ما تسمى بالفلزات (وهي كلمة تطلق على جواهر الأرض كلها من معدن وحجارة كريمة)، وتعريفها، وأهميتها وإصطلاحاتها، وإستعمالاتها. وبسب انتشارها وشيوعها فقد كانت وما زالت تزدان وتزدهر في أعين البشر، حتى شَغُفَتْ بها الأفئدة وصارت متعارفة بين غني أو فقير، متداولة بين ذوي الجاه والمتواضعي السمعة، ليس من أجل قيمة حقيقية بها ذاتها؛ وإنما بما هو متعارف به مصطلح عليه، حتى صارت مرغوباً فيها لدى الجميع، ويحلو لهم امتلاكها. وقد أبان القرآن الكريم كيف أنه قد زين للناس صلاح المعيشة بالنساء، وقرة العين بالأولاد، وقوة القلب وبهجته وميوله بإحتكار الأموال وكنز قناطير الذهب والفضة غريزة عزيزة لديهم([46]).
إنه حقاً من سخرية القدر ليس في عصر البيروني فحسب، بل وحتى في زماننا الحاضر الواقعي، أن نرى وجود طبقتين من الناس هما الصعالكة ورجال السلطنة، شغلهما الشاغل كمأرب رئيسي في الحياة، إنما هو تكديس الأموال بأي شكل ثم إن ظروفهما الخاصة، كما يبدو تقودهما إلى مثل هذا التصرف الشاذ، وكل من هاتين الطبقتين قد أساء استعمال ما لديه من الثراء من ذهب وفضة؛ وذلك بكنزهما بدلاً من إنفاقهما؛ ليتسنى تداولهما في أيدي الناس، ويتحقق من أجل النفع الأعم والأفضل، ويخيل إلي، بأن كنز الأموال وحبسها هكذا مسألة تدعو للإستهجان، وأمر مخالف لقصد الله تعالى الذي من فضل نعمته وحسن مشيئته سمح بإكتشافها واستعمالها، وإبدال أثمانها لمصالح عباده وخيرهم وقضاء حاجاتهم في المعاملات التجارية المشروعة([47]).
وبطريقة فلسفية مفحمة يوضح البيروني كيف أن الله خلق الجواهر والمعادن النفيسة، وبحكمته قد خزنها في باطن الأرض أجيالاً طويلة، وأتاح للناس اكتشافها واستخراجها وإعدادها؛ تسهيلاً للمعاملة والمداولة بين جميع الناس وفي كل مرافق الحياة. فأمر اكتنازها إذاً إنما هو مخالف لإرادة الله ومشيئته في مقدرات الناس، وغمط لمنته وإحسانه بردها إلى باطن الأرض إلى مثل حالتها الأولى التي كانت فيها قبلا، وهذا أمر يتنافى مع غاياته الفضلى، وحسن تدبيره في الكون في هذ النظرية الإقتصادية المبدئية والإجتماعية البناءة، والتي هي في غاية الأهمية حتى في عصرنا هذا، حتى أن البيروني يشبه كون خزن الذهب والفضة وحجزها عن التداول مثلاً: بمفهوم رد الأجنة إلى الأرحام التي فيها تكونت ومنها خرجتْ، ما هي إلا رجعة عقيمة وعود يائس لا نفع منه ولا بركة فيه ولا سداد.
لذلك يضيف المؤلف مفسراً بقوله: إن الذهب والفضة إذا أخرجا من معادنهما الأصلية في جوف الأعماق تصبح آنذاك كالزروع المحصورة في الفلاحة، والأنعام المذبوحة لمربي المواشي؛ لا يسوغ غير جنيها وأكلها وإنفاقها والإستعاضة منها، حيث يهيأ المعدن بأمر ذي سلطان، كما تصنع نقود العملة في السكة بعد سبكها وطبعها دراهم وسواها: «عيناً وورقاً (لأجل) ترديده في الأيدي على حسبة تجارة، أو إيتاء في حقوقه»([48]).
ترويحة 6: ينتقل المؤلف هنا للحديث في موضوع طريف ذي شقين، ألا وهو: التعريف بالمروءة والفتوة ومعناهما الحقيقي ضمن النظام والعرف الإجتماعيين. وهنا نقول: إن المروءة تقتصر فقط في مفهومها على الرجل في نفسه وذويه وحاله فالمرء مبدئياً لا يملك غير نفسه وقنيته وأملاكه لا ينازعه فيها أحد، فهي لذلك تدفع به، لأن يظهر السعة لدى الآخرين، ويخفي الضيق على نفسه ما أمكن، فيصدق في ذلك القول: «المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة» وهي ما يمكن تأويله: «بأن لا يعمل المرء سراً ما يستحي منه في العلن»، وأن يكون في ذلك شعاره هو: أن نفس الإنسان أقرب قريب منه وأولى ما تقدم في طلبه، إنما هو للخير لها أولاً، ثم ما هو دان منها وهكذا. أما الفتوة: فتتعدى الحدود المرسومة في المروءة وتتخطاها؛ إذ بها يحتمل المرء مغارم الآخرين وسائر المشاق لتأمين إراحة وإسعاد الغير؛ فلا يضنَّ بما أحل الله له وحرمه على سواه ليجود به طبعاً، فهو الفتى الذي اشتهر بعدم تمسكه بالمادة، وعرف بالحلم والعفو والرزانة والإحتمال صابراً نائلاً تعظيم الناس في تواضعه، فرقي بذلك إلى أعلى المراتب رغم اعترافه بعدم استحقاقه نائلاً نتيجة لذلك خير الثواب. فهي إذاً: «بِشْرٌ مقبول ونائل مبذول وعفاف معروف وأذى مكفوف». فالمروءة كل هذا من حسن الوفاء وكرم المحتد.
ويروي المؤلف: قصة رجل كان يلبس كل يوم أحسن الثياب ويركب أفره الدواب ويسعى في تلبية حاجات الناس وشيكاً فقيل له لتعليل السبب في ذلك، فأجاب: بأنه قبلاً كان قد انغمس في جميع شهوات الحياة وملاذها من سكر وبطر ومنكر ولكن هذه كلها لم تشبع نفسه بل تركته تعيساً، وأما الآن فليس أدعى لنفسه من مسرة، ولا أكثر متعة وبهجة من رؤية إنسان أنعم إليه وأسعفه فشكره ممتناً عند الإخوان. من أجل هذا فهو في نشوة روحية دائمة، وغبطة لا توصف حتى أن المؤلف يسترسل في توجيه أطيب الثناء في مدح النفس العصامية، التي لا تنهمك بمتاع الدنيا وملذاتها وشهواتها فتخسر الآخرة، بل ينصرف نحو المطلق الأفضل بالقناعة وكرم الأخلاق لسعادة الروح في الدنيا والآخرة.
ومن وجهة أخرى: يوصي المؤلف بأن يكون فضل الإنسان مرهوناً بأعماله الشخصية، وليس بالإفتخار بالأجداد وجاه الآباء والأقرباء السالفين؛ وإلا: «فهو الميت وهم الأحياء كما قال الشاعر:
| إذا المرء لم ينهض بنفس إلى العلا | فليس العظام الباليات بمفخرِ |
«وربما أفرط الفتى فتجاوز» لذا ينبه المؤلف من مغبة الإفراط في إيثار الغير على النفس ببذلها. «أنفة من تحمل العار، أو دفعاً للظلم، وحفظاً لحق الجوار»، أو في سبيل إكرام الضيف والحفاظ على الأمانة، كما يروي عن سيرة الشاعر الجاهلي حاتم الطائي الذي اشتهر بشجاعته وسخائه حتى قيل عنه: «أجود من حاتم» (توفي سنة 605م) وكعب بن أمامة الأيادي، الذي يضرب المثل في جوده؛ لأنه في ساعة العطش الشديد سقى صاحبه مما لديه من الماء ومات عطشاناً، فأعطيا كل ما تملك اليد من دون مقابل (فالجود بالنفس أقصى غاية الجود).
إذاً لا يتمكن المرء من تحقيق الفتوة؛ إلا متى نال هانيء العيش، ورغيده واتساع النعمة؛ ليقوي بذلك على مساعدة الآخرين بالكد والإجتهاد ولا ملامة على من لم تساعده الأقدار على الوفاء بالغرض، ما دام قد كرس نفسه لإيذاء العدو ونفع الصديق، وإشراك غيره في رزقه.
ثم أنه لا يرائي لغرض تافه مذموم؛ بل يقوم بواجبه إحتساباً.
ترويحه 7: هنا يقارن البيروني: بين العاقل الحكيم، الذي يجد لذته في الأمور النفسانية الروحانية، والمثل العليا التي يلاحظها بعين البصيرة والإعتبار، وبين الجاهل الغبي المنغمس في اللذات الحسية والمنجذب إلى صنوف الزينة (بما فيها المجوهرات)، وزخارف الحياة التي تستهوي الغريزة الحيوانية، فترقص أضلاعه لها طرباً؛ ولكن ما هذه برأي المؤلف، إلا لذائذ سريعاً ما تزول، وتعقب بعدها الحسرة والندم، وتبدل نضارة الشباب وجماله إلى حطام الإنحلال وفناء القوة وذبول القوام. «لكن هذه التذاكير لما كانت أعراضاً محمولة في أشخاص محدودة الأعمار، بالية على تعاود الليل والنهار، لم تخلد فيها من عالم الفساد والعناء؛ فأقيم لهم بدلها من الجواهر المخزونة تحت الثرى الأحجار المنضودة، ومن المكنونة المصونة في أعماق البحار المسحورة، ما كان أبقى على قرون تمضي وأحقاب تمر وتنقضي، وكانت مِنَّة عليم»، من خالق الكون الذي هو عالم بما لا نعلمه، وقد أودع وجعل هذه الكنوز جاهزة في حينها من صنوف الأحجار الكريمة مثل اللؤلؤ والمرجان والياقوت والزبرجد والماس وما إليها([49]).
ولولا أهمية الزينة في عداد المجوهرات، والأعلاق النفيسة لما انفصلت مبدئياً عن الذهب والفضة؛ فإن سبيلها كلها في عدم الفناء، وعند الضرورات سبيلهما؛ إذ برأي المؤلف لا منفعة مباشرة تجنى منها في قضاء الحاجات الضرورية المنشودة؛ لذا وإن كانت مختلفة عن نفيس المعادن في تثمين الحوائج ومستلزمات العيش، «فإنها كذلك مثمنة، بهما وربما كانت على وجه التعويض مزيحة العلل وهي جواهر جسمانية (يعمم بهذا على الياقوت والمرجان واللؤلؤ والزبرجد وغيرها من الأحجار الكريمة) ونفاستها بما يحس الحس منها (فحاسة البصر ترى ألوانها الرائعة، وجمالها البديع، وتنسيقها وإنعكاس الضوء عليها) فيمدح بحسب ذلك ما دامت مستبدة به (لأنه ما دامت أهواء الناظر مغرمة ومنجذبة نحو المظاهر الجسدية الخلابة والمغرية) فإذا قورنت بالجواهر النفسانية انكسفت (حقيقتها)، وَذُمَّ منها ما كان يُحمد على مثال وصف أبي بكر الخوارزمي: إن رجلاً (قيل فيه): إنه درة من درر الشرف لا من درر الصدف وياقوته من يواقيت الأحرار لا من يواقيت الأحجار»([50]).
ترويحة 8: هنا يقابل البيروني بين لذة الروح السامية، ولذة الجسد الأرضية مقرراً: أن اللذة بالحقيقة إنما هي مسألة مرهونة بلزوم ما إزداد الحرص عليه إذا دام اقتناؤه له، وهذه هي حالة النفس الإنسانية التي تستمتع بحيازتها للمعرفة النافعة، والتعمق والغوص في المجهول، وكشف أسراره وغوامضه «إلى أن يغلبها عند طلب الراحة من تعب المساعي، ويلهيها عما كانت فيه بسبب العجز عن الإستمتاع»، بما يشتهيه من رغبات أو فيما تطلبه من الحكمة والفهم.
وأما اللذات البدنية فإنها على النقيض؛ إذ هي معقبة للآلام وجالبة للأسقام والأحزان تنبذ وتمل إذا دامت، وتؤذي إذا أسيء أو أفرط في استعمالها؛ الأمر الذي يؤدي بها إلى العبودية والشقاء والإنحطاط عقلياً وروحياً وجسدياً. مثلها كمثل الطعام الذي يحلو للجائع ثم تقل لذته بمقدار ما يؤخذ منه، حتى إذا أكثر المرء منه وأتخم «أدى إلى الغثيان والتهوع والقذف». فأطايب الدنيا كلها خبائث ومحاسنها قبائح، فهي لا تشبع قلب الإنسان من جوع؛ إنما تغريه فينقاد إليها، فتأسره ليعود إلى طلبها مجبوراً فاقد الإرادة. والأمر الطريف حقاً، وهو من الأهمية بمكان في تاريخ الطب والمعالجات، أن المؤلف يشبّه الشخص المسترسل والمستهتر في شهواته الجسدية «كمثل المخمور في العقارات» المسببة للهلوسة والإعتياد، والتي بعد فقدان تأثيراتها يعود مرة أخرى راجعاً إليها وبإلحاح يطلبها. وفي هذا نجد أيضاً دليلاً آخراً على تمكن استعمال مثل هذه الأدوية المخدرة وانتشارها وعلائم ومجريات الاعتياد عليها في عصره، والذي كان شاهد عيان لأثرها، وما تورث متعاطيها من سلب الإرادة للمقاومة والإنصياع([51]).
ولا يغفل المؤلف عن الجزم بأن في وجود اللذة الجسدية ونشاطها وطلبها يكون دوام النوع وإبقاء للشخصية البشرية ومميزاتها في تعمير الكون، حتى أن بني الإنسان ينمون ويكثرون ويملؤون الأرض ولتكن خشيتهم ورهبتهم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء([52]).
ترويحة 9: يشرح البيروني هنا كيف أن للناس أحوالا مختلفة في دنياهم يتقلبون فيها ويتعايشون معها، فبعض منها يمدح وبعضهم الآخر يذم ويرذل؛ لاسيما ما هو مخالف للخلق القويم والنظافة وكرم النفس، فالمحامد المشكورة فقطبها المروءة، وإن مدار النظافة روحاً وجسداً هو على الطهارة والنقاء، وإنه مغبوط وسعيد حقاً لذلك الشخص الذي له صديق مخلص ينفر مما لا يرضاه لصديقه، ويحب له ما يريده لنفسه. ثم إن البيروني بالرغم من تقديره للصداقة وحسن العشرة؛ إلا أنه يحذر من كثرة الأصدقاء وبلا حدود، والذين يكثرون مع اتساع الحال والغنى، ما أقلهم حين تشح ذات اليد، مع أن في تكاثرهم الرقي إلى مراتب الرياسة والملك فيمن تعلو بهم الهمم ومن يطلبون الخير للجميع، لاسيما لمن حولهم «تمنياً عند العجز وفعلاً لدى القدرة» يوم تؤول إليهم الرياسة، وطبيعي أن الجمال في الصورة وحسن الخَلْق محبوبان مرغوب فيهما «ولكن الصور عطايا في الأرحام لا سبيل إلى تغييرها لأحد من الأنام» إنما نزاهة النفس والدماثة هي في الأخلاق وحسن السيرة، ومالك هواه هو القادر على نقلها من المذام والعار إلى المحامد وأعلى الرتب؛ وما هذا إلا بمقدار ما يعمل المرء على تهذيب نفسه بالحسنى وصالح الأفعال، ومعالجة أسقامها بالطب الروحاني للتحلي بالفضائل والتقى، والابتعاد عن الغضب والهموم. في هذا المجال أيضاً يذكر البيروني بعض الأمور العملية التي بها المرء يستطيع أن يحسن خلقه؛ وإن عجز عن تبديل صورة وجهه، مع الإشارة لما هو معروف وبديهي أن الاهتمام إنما هو في المرتبة الأولى بالبشرة. والتي هي أول ما يلاقي من جسم الإنسان؛ فينبغي إذاً تنظيفها بالماء الطهور وليس ذلك أدبياً وحسب العرف والعادة فحسب، ولكن دينياً أيضاً([53])، حتى أن السنانير الأهلية هي أحسن مثال في عالم الطيور في طلبها وسعيها في مراعاة نظافة جسمها والبيئة التي فيها تعيش على خير منهج.
ثم إن المؤلف يعدد بعض ما أوصى به رجال العرب ونساؤهم بناتهم من وجوب المحافظة على نظافة أجسادهن وبيوتهن طلباً في الإبقاء على السعادة الزوجية، واعتبارهم بأن الماء وحده هو أصل الطيب ورأسه([54]).
لذلك بعد الاغتسال بالماء الطهور يوصي المؤلف أولاً التزين بالأصبغة والألوان، والتي بمعونة الضياء سرعان ما تلفت إليها الأنظار بواسطة حاسة البصر، فمثلاً: فإن تبييض البشرة وتوريدها بالغمر، ثم تسويك الأسنان وتنظيفها، وتنقية الأشغار، وتكحيل العين، وصبغ الشعر وتمشيطه، وقص ما يحتاج إلى القص ونتف بعضها وتقليم الأظفار وتسويتها، كل ذلك لأجل تحسين مظهر الإنسان وتجميل منظره مع النظافة والذوق السليم. يتبع ذلك ذكر الثياب الملاصقة والمحيطة بالبدن لاسيما المماسة للجلد، والتي يجب تنظيفها ليبدو لونها الأبيض المحمود زاهياً مصقولاً ولامعاً للتخلص من الغبار والدخان وما يعلق بها من الشوائب، أو ما يعكر صفو لونها. ومن البداهة أن من ينظف ثيابه لا بد أن يبدأ أولاً بتنظيف بدنه لئلا يدنس وسخ البدن ودرنه هذه الثياب البيضاء النقية التي يتدثر بها، ومن بعد ذلك لا بد له أن يهتم بنظافة البيت الذي يسكنه، والمجلس الذي يأوي إليه ليحافظ على نظافة ثيابه وهندامه من الداخل والخارج فيتم بذلك المراد. وطالما عبر الناس في الماضي عن طهارة النفس والقلب معاً، وشبهوها بنقاء الثوب وبياض الإزار والجيب وغير هذه الأمثلة والعبر التي تدلنا على الإهتمام بنقاوة الإنسان وبيئته وحفظه جسدياً وروحياً ورفع مستواه أخلاقياً واجتماعياً([55]).
ثم إن الجواهر تتلو الثياب رتبة من جهة الاهتمام حسب العادة في أكثر البلدان، فيتحلى الذكور بالخواتم والتيجان «وما رصع من الوشم (الوشح) والمناطق والقلانس والقفازات والقضبان والأعمدة لهم ولمن مثَل بين أيديهم، وللإناث ما لهن من المداري والأكاليل والأسورة والخلاخل والجبيرات والمعاضد والعقود والقلائد». وهناك من هم في طبقة المسرفين المبذرين والمترفين، حتى إنهم يتعدون استعمال الحلي والمجوهرات بالامتداد والتطاول إلى تزيين ما هو خارج عن البدن نفسه إلى تزيين الحيطان وسقوف الدور وأبوابها ورواشنها قصد إظهار التفاخر والعظمة الإنسانية؛ مع أن هذا الاقتدار يكون غالباً «بالتمويه لا بالتحقيق» مع العلم أنه بلا شك يستحب للإنسان أن يعني على الدوام بأمر النظافة والكياسة خارجاً وداخلاً.

خريطة توضح البحار للبيروني
ترويحة 10: يتابع المؤلف حديثه مشيداً هنا بأهمية الرياحين في التجمل والصحة العامة وروعة البيئة؛ ولربما ترينا فكرة هذا الانسجام والشغل بجمال الطبيعة بعض تعلق البيروني بها. كما قد تبين أيضاً في كتابه الصيدنة في الطب، ومع أنه ليس لدينا أي برهان، أو حتى حدس قطعي ولكن ربما كان هنا مجال للتهكن بأن تسمية المؤلف بأبي الريحان كانت وليدة هذا الاهتمام الذي لاحظه معاصروه فيه، وشجعوه عليه فأعطوه هذا اللقب المميِّز لذلك نسمعه هنا يقول: «إن من أظهر الأدلة على كمال المروءة (وقد مرَّ التعريف بها والحديث عنها) تكميل النظافة بالأرايح الأرجة التي تتعدى إلى الغير فتلذه وترغبه في الاقتراب إليه والمناسمة (معه) وتخفي ما في الإنسان من العوار والوصمة». وأنَّ المروءة اجتناب المحرمات، والكف عن أذى الناس، ومن ثم فهي الاعتصام بأصول الدين الحنيف الذي يوجب العدل والمساواة، وقمع الظلم، وإعانة المظلوم والبائس، ومن ثم على خلاف من قيل فيه: «إنه يَمْنَع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده، وأن من حسَن خَلْقَه بتحسين خُلْقِه وهيأ مطعمه بالطيب من الحلال، وأشرك فيه غيره بالتسوية» فهو العاقل والجواد وصاحب الفضل، كما أنه يكون قد حافظ على النظافة والكياسة، وقد زاد على ذلك باستعمال الطيب الممدوح العطر «فقد سر أكيله، وآنس جليسه وأكرم نديمه، وكف أذاه» وبذلك فعل لغيره ما أراد أن يفعله له غيره([56]).
ترويحة 11: هنا يصل البيروني الذروة في تقدير القيم الإنسانية الرفيعة، وطلب الخير والمساواة للجميع، ودفاعه عن الخلافة الإسلامية؛ كما أنه يقترب رويداً رويداً، كما نظن إلى صلب الموضوع، في بحثه عن الجواهر معنىً ومبنىً في نطاق تاريخي وعلمي ومنطقي فيقول: «الناس كلهم بنو أب (واحد) وأشباه في الصورة (لا سيما من ناحية علمي التشريح ووظائف الأعضاء) ولا يخلون فيما بينهم عن التنافس والتحاسد الذي في غرائزهم بتضاد أمشاجهم وأمزجتهم وطبائعهم (بالإضافة إلى): الاشتمال على ما تعين منذ عهد ابنَيْ آدم (هابيل وقابيل) المقدمّين قربانين مقبولاً من أحدهما مردوداً على الآخر»، لأنه عصى صوت الله، وثار ضد أخيه؛ ومع ذلك صرخ فاجراً ناكراً للجميع وعديم الود: «أحارس أنا لأخي» ولما، لا؛ حتى صار هذا البلاء الموئس منذ فجر تاريخ البشرية وعم هذا الويل المرير. وإن مما يُحدّ من طمع الإنسان وشره هو، «خوف أجل من الله، أو عاجل من السلطان، وما لم يكن السلطان قوياً نافذ الأمر صادق الوعد والوعيد لم تتم له سياسة من تحت يده. فكل واحد منهم يرى أنه مثله، وأنه أحق بماله ومكانه؛ ولهذا قصر الملك على قبيلة لتنقبض أيدي سائر القبائل عنها، ثم على شخص أفضل أشخاصها، ثم على نسل له (يكون) ولي عهده فصار الحكم ملكاً لهم».
نرى هنا تحليلاً فلسفياً علمياً لنزعات النفس البشرية إلى السلطة (الحكم)، كما يراها المؤلف، بدافع أنانية قهارة مخيفة؛ لذا يجب التحكم بها وضبطها ثم تسييرها في أقنية خاصة. مع وجوب الحزم والارتباط العائلي والحق الوراثي، لذلك يقول المؤلف شارحاً: «ثم أضيف إلى ذلك حال معجز بلغ في غاية القوة (وهو التأييد السماوي والأمر الإلهي) بالنص على نسب لا يتعدى عموده، كما كانت عليه الفرس زمن الأكاسرة، وكما كان عليه الأمر في الإسلام من قصور الإمامة على قريش، ومن وجبت له المودة لهم بالقربى؛ وكما اعتقد أهل التبت في خاقانهم الأول بأنه «ابن الشمس الذي نزل من السماء»، وأهل كابل أيام الجاهلية في برهمكين أول ملوكهم من الأتراك، وأنه خلق في غار هناك يسمى بغرة (ولعله بغراخان أحد سلاطينهم) فخرج منه متقلسياً، وأمثال ذلك من أساطير الأمم الصادرة عن حكمة تجمع اناس طوعاً على الطواعية، وتحسم الأطماع في نيل كل واحد رتبة الملك»، مبعثه عنصر تقليدي ديني حسب البلاد وجغرافيتها والتاريخ([57]). ثم يشير البيروني إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية هامة موضحاً فيها كيف أن الملوك يلجؤون إلى بناء القصور والقلاع وتزيين مجالسهم وإظهار الأبهَة والأمجاد لإكساب مركزهم وتزويده بهالات من التعظيم والإكبار في عيون الرعايا والأتباع، فيضيف: «وكما يميز الملوك عن غيرهم بهذه الخصال كذلك تمموا التمييز بإعلاء الإيوانات وتوسيع القصور وترحيب الرحب والميادين ورفع المجالس على السّرر، كل ذلك سمواً إلى السماء وإشرافاً على الخاص والعام من الملأ وإليه ذهب البحتري في قوله:
| وليس للبدر إلا ما حبيت به | أن يستنير وأن تعلو منازله |
ولم تكن للزيادة في القدرة حيلة فجعلوها بالتيجان والقلانس، واستطالوا بالأيدي حتى وصفت ببلوغ الركب، كما سمى أهل الهند أحد ملوكهم مَهَاباها أي؛ طويل العضد والفُرْس بهمَنْ أردشير ريونردشت؛ لأن ريونرد هو أصل نبات اريباس. وما لم يبلغ الماء في العمق لم ينبت وإن كان رأسه في ذرى الجبال»، وهذه تصف بدقة المغالاة في تزيين القصور وإظهار الأبهة والجاه عند الملوك ذوي الأمجاد إلى حد فاق الحسبان([58]).
وكعالم اجتماعي واقتصادي، وكمؤرخ عارف بالأحداث والأزمان، يعود البيروني مرة أخرى؛ يوضح بثاقب بصره اهتمام الناس بالأحجار والأعلاق النفيسة، وأثرها في كسب الوجاهة وتأييد السلطان مع العوامل السلوكية والاجتماعية وأسبابها المنوّه إليها في هذا الباب؛ فاسمعه مثلاً موصياً وناصحاً: «كل ذلك علامات لعلو الهمة، وانبساط اليد بالقدرة. ثم تتزينوا بصنوف الزينة المثمنة لتحلو في القلوب وجلالة الأموال في العيون، فتتوجه إليهم الأطماع، وتناط بهم الآمال»، والأحلام مشيراً هنا إلى الدور الذي تلعبه الجواهر في التأثير بآراء الناس وطرقهم المنهجية. وإن الأمر لا يقف عند هذا الحد في طلب الأمجاد والسلطان بل يتعداها إلى المخابرات الجاسوسية وحيل السياسة وأحابيلها؛ إذ يضيف قائلاً؛ «واحتالوا بحيل تفاضلت في البدعة والحسن والغرابة للغوص على سرائر الخاص من البطانة وأفعال العام من الرعية ومقابلتها بواجبها وفي إسراع ذلك على تنازح الديار بالفتوح المتناقلة والبرد المرتبة والسفن المطيرة والحَمَامات الهادية الطاوية للمسافات، حاملة للأوامر والأمثلة في المدد اليسيرة حتى خيفوا في السر والعلن، واجْتُنِبَتْ خيانتهم فيها وتوقف على ذلك من أخبار دهاة الملوك وجبابرتهم»، وفي هذا ذكر لاستخدام الحمام الزاجل من نقل البريد المتعجل آنذاك بين بلد وآخر، وغيرها من وسائل التنقلات والرحلات في العالم الإسلامي قاطبة.
ترويحة 12: ومما سبق الإشارة إليه من تأكيد أهمية الغنى المادية بالذهب أو الفضة والجواهر وأثرها في المجتمع يستنتج المؤلف مدى القوة الخفية للمال في تسيير سياسة الملوك وسلطان الرؤساء، كما يرى الدور الهام الذي يلعبه في تأييد الحكومات وتنفيذ مأربها مع تبرير مثل هذه التصرفات حيث يضيف «الملوك أحوج الناس إلى جمع الأموال لأنهم بها يملكون الأزمة، ويسيرون بمكانها الأعنّة». وقد أوضح السبب الذي من أجله مثلاً كان الخليفة أبو جعفر المنصور العباسي يجمع الأموال ويخزنها حتى وصمه الناس بالبخل وهو براء من ذلك، لعدم إدراكهم لما كان يهدف من هذه النقود المخزونة وما يعمل من أجلها، وقد شرح أمره لحاجبه مرة مفسراً كيف أنه بالمال يستطيع السلطان التحكم بمقدرات الناس؛ لأنهم جميعاً بحاجة إليه ويتشوقون لاقتنائه. فمن معه المال معه السلطان وله اليد الطولى في الحكم. ثم يقول المؤلف في الأمير يمين الدولة محمود الغزنوي (389 ـ 421هـ/ 999 ـ 1030م) إنه ما كان «يفرغ من فريسة قصدها وظفر بها إلا ويجيل بصره بعدها لأخرى يزحف إليها ويحوزها»، حتى لا يكون مجال للتوقف أو التغيير، ثم إنه إذ كان قد وكل أمره للمنجمين سنة وهو عائد منصرفاً من مدينة خوارزم حيث أخبروه بامتداد حكمه لما ينيف على عشرة سنين أنه عندها أجاب؛ «إن قلاعي مشحونة من الأموال بما لو قسم على أيام تلك الأعوام لحاجتها بما لا يعجزه إنفاق مرتب أو مسرف فيه».
وعند سماع ذلك حملت البيروني النشوة ـ وكانت لا تزال بينهما بعض جفوة؛ لقسوة السلطان وتفاخره وشدة بطشه ـ على الإجابة قائلاً: «اشكر ربك وأسأله واستحفظه رأس المال وهو الدولة والإقبال؛ فما اجتمعت تلك الذخائر إلا بهما، ولن تقاوم بأسرها خرج يوم واحد غير منتظم بزوالها»، فأمسك الأمير لأنه رأى في نصيحة البيروني بالاهتمام في رعيته، والإنفاق على مصالحهم، وتوفير السعادة لهم والمساواة بينهم لما فيه بقاء الملك يكون ذلك أبقى مأثرة وأخلد ثروة([59]). وتستمر علاقة البيروني بأمراء غزنة بعد وفاة محمود؛ فيخدم أيضاً الأمير مسعود (421 ـ 433هـ/1030 ـ 1041م) ابنه الأكبر ويغدق عليه النصح. فلم يعتبر حتى مات شهيداً وتبددت أمواله الدثرة، المكتسبة منها والموروثة عن أبيه في يوم واحد([60])). وقد تلاشت كما يتلاشى الدخان من مهب الريح وذهبت هباءً منثوراً، «ولم يكشف عن غادر به مقراً ولم يظهر في كسير جبراً»، لأن قاتله لم يُعرَف وكان نصيبه الهلاك وبئس المصير لكثرة غروره وإثمه.
ترويحة 13: يعطينا البيروني في هذه الترويحة خلاصة فلسفته في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، ويركز حديثه مرة أخرى على طبقة الصعالكة وطبقة الحكام، وهما في طرفي النقيض والقاسم المشترك بينهما اجتماعهما على جمع المال المستخلص من باطن الأرض بسبب أحوالهم الخاصة، وحاجاتهم الملحة إليه، فيقول: «الدفائن الباقية تحت الثرى ضائعة في بطن الأرض وهي تكون في الأغلب لطبقتين من الناس شديدتي التباين متباعدتين في الطرفين الأقصيين وهما أهل السلطنة وأهل المسكنة نَصِفُهُما على النحو التالي:
أولاً: المساكين أو الصعالكة، «فإنهم تعودوا الاستماحة (والتسول) واعتمدوها في تحصيل القوت. علماً منهم بأنها هي رأس المال لا ينقص (منه شيء)، وخاصة مع الإلحاف في السؤال والإلحاح في الطلب (فالشحاذ لا يضع رأس مال غير الشحذة والاستعطاء وكلام التوسل لاستجداء المحسنين فمهما حصل في يومه، فهو مربحه لذلك اليوم). فإذا استغنوا بها عن شراء مطعم أو مشرب (لأنهم يحصلون على هذه في الغالب بطريقة الاستجداء أيضاً) أخذوا في جمع الفلوس والحبات والقراريط ذوداً إلى ذود يصرفون الفلوس بالدراهم والدراهم بالدنانير وليس لهم أمين غير الأرض لأنها تؤدي ما تستودع وبأمانتها، جرى المثل فقيل: آمن من الأرض (فهذا كان بنك الاستيداع لهم آنذاك). ثم يموت أكثرهم إما فجأة من خشونة التدبير وإفراط التقتير (والسكتة القلبية)، وإما من سوء حال لا ييأس فيه مع الحرص من الإقبال والإبلال لا تسمح نفس فيما شقي في جمعه أن يكون لغيره حتى يتفوه بالإيصاء به، فيبقى مدفوناً (في الأعماق) قل أو كثر وبذلك مع الأسف عاشوا آنذاك أخسّاء، وماتوا غير مأسوف عليهم ولا على مالهم الرخيص.
تقسيم الأقاليم السبعة كما رسمها البيروني
ثانياً: «فإن الملوك فلكثرة نوائبهم يعدون الذخائر للعدد، ويحصنون (ويكنزون) الأموال في القلاع والمعاقل، وأن يكون حمل ذلك إليها مستوراً لتوسط النقلة والحفظة بينهم وبينها فيحتاجون معها إلى خبايا (مخابىء ومستودعات) لا يطلع عليها غيرهم، فمنهم: من لا يراقب الله تعالى في الإتيان على ناقليها إلى المدافن (فيتخلص منهم)، ومنهم: من يحتاط في ذلك ويحتال بإيداع الفعلة (ضمن) صناديق فارغة، ويتولى سوق البغال معهم إلى الموضع فإذا أخرج القوم بالليل من تلك الصناديق لم يعرفوا أثرهم من العالم، وإذا فرغوا من الدفن أعيدوا إليه، وردوا فحصل المرام وبعد عنه الآثام، ولهذا شريطة هي أن لا تحمل منهم نفراً مرتين (وقد أهملها بعضهم واحتاط لها بعضهم الآخر) إذ قد جعل (أحدهم) في أسفل الصندوق ثقبة وأعد مع نفسه كيساً من أرز أخذ ينثرها قليلاً قليلاً واقتفاها بالغد، ففازوا بالمذخور ولم يقف صاحبه على الحال إلا بعد عشرين سنة لما احتاج إليها، ولم يجد في المدافن غير حساب بهلول»([61]).
ثم أخذ بعدها يتابع المؤلف تحليله لمثل هذه الحالات والأحداث السياسية والاجتماعية، والتي معها طالما تتعرض مثل هذه المدّخرات للدفن في باطن الأرض مرة أخرى كما كانت في طي النسيان؛ فلا تكتشف إلا اتفاقاً أو نتيجة طوفانات وسيول عارمة تكشف عنها وتدل عليها. فكم من غني مدخر للأموال توفي تاركاً من بعده كنوزه دون أن يعرف بوجودها، أو مكانها أحد غيره فتفقد، أو ملك يخزنها لحين الحاجة، فيهرب أمام عدو مهاجم ويتركها خلفه مدفونة في الأرض وليس من يجمع أو يحصي عليه ما أودع([62]).
ترويحة 14: ويستمر البيروني في توضيح نظريته في الأمة وسياسة الاقتصاد بين الناس في المعاملات، واستحسان استعمال النقود الورقية أو المعدنية ومن بينها الجواهر فيقول: «لما احتاج الملوك في حركاتهم وانتقالاتهم الاختيارية والاضطرارية إلى أصحاب أموال تصحبهم من أجلها خدمهم وينزاح بهم العلل في إخراجاتهم وعوارضهم، وكان الورق أخف محملاً من المثمن به في المصالح كالفلوس والدراهم والدنانير مثلاً) نظروا إلى الفاضل عليه في ذلك فوجدوه العين (خيار الشيء ونفيسه وما ضُرِبَ نقداً من الدنانير) فإن المثمن من المطالب (الأخرى) يكون عشرة أضعاف ما يحصل بالورق على الأصل القديم المعين في الديّات والزكوات؛ وإن تغير بعد ذلك لعزازة الوجود ونزارته في بعض الأحايين دون بعض أو لفساد النقود (وصدئها)، وإما في أصل الجبلة في كل عالم». ثم إن البيروني يعمل مقارنة بين ما سبق ذكره من أهمية العملة الورقية، وبين الجواهر والأعلاق النفيسة، وما لها من القيم وإمكانية وجودها ومحتوياتها، وأفضلية استعمال بالنسبة لأوزانها وأثمانها. بعد ذلك يأخذ بيد القارىء بصورة غير مباشرة إلى صلب موضوع بحثه في أصل الجواهر الكريمة، ونفعها وعلوا قدرها مادياً ومعنوياً، والنواحي النفسية والاجتماعية التي أدت إلى انتشارها وأهمية تداولها وسهولته وخفته ثم يصرح قائلاً: «فإن الذهب أعز وجوداً من الفضة، والفضة أقل وجوداً من النحاس ويناسبها صغَر الحجم وعظمه، ورجحان الوزن ونقصانه». وهو يذكر أحد المناجم الذي يعطي من بين معادنه، «هذه الأجناس الثلاثة بتفاضل مقارب لهذه النسبة وذلك أن عطية الوقر فيه من الذهب عشرة دراهم، ومن الفضة وزن خمسون (إلى خمسة أضعاف)، ومن النحاس خمسة عشر مناً (أكثر من مئة ضعف)، فلهذا آثروا العين على الورق في الاصطحاب مما خفّ عليهم حمله وحين لم يأمنوا الواقعات النائبة سجالا وقد عُرِفَ أن النجاء فيها بالقلة والخفة مالوا إلى الجواهر إذ كان حجمها عند حجم الذهب أقل قدراً من حجم الذهب عند الفضة، وحجم الفضة عندما يشتري بها من المصالح فاصطحبوها معهم وقرنوها بأنفسهم»، وإن هذه الجواهر نفسها التي يعتز ويتباهى باقتنائها الملوك والعظماء تكون وبالاً عليهم إن شاؤوا التنكر والاختفاء عن عيون المراقبين، وفي يد العامة تصبح سبباً في اتهامهم بسرقتها أو بالشك في أمانتهم إذ ليس من المنتظر أن أمثالهم يملكون مثل هذه الجواهر النفيسة الثمن فيصرح قائلاً: «ولكنها عند إلجاء تلك الحوادث إلى التنكر ربما صارت ساعية (فتكتشف بسرعة) دالة عليهم كما نَمَّ بفتية الكهف عتق السكة في الورق حتى اتجهت عليهم التهمة بوجود ذخيرة عتيقة»، ثم يضيف المؤلف قائلاً: «إن الجواهر خاصة من آلات الملوك (وهذا مدار حديثه) فإذا كانت عند غيرهم ممن لا يليق بحاله تلونت الظنون فيه بأنها إما مسروقة (وهذا منطق اجتماعي وقانوني متبع حتى في عصرنا هذا) والسارق (حينئذ) مطلوب، وإما ممتلكة حقاً لمتنكر من الكبار ومثله مرصود»، وفي كليهما خسارة.
ثم يعبر البيروني عن التطورات الاجتماعية والأخلاقية والعمرانية المترتبة على جمع الكنوز الأرضية كالجواهر فيقول: «وقد كان فضلاء الملوك يجمعون الأموال في بيوتهم وفي المساجد، ويجلبونها من أجمل وجوهها ثم يكنزونها بالتفرقة في أيدي حماة الحريم ثم الدافعين مضار العدو عن الحوزة إذ كانت أول فكرتهم آخر عملهم، وهم كالخلفاء الراشدين ومن يشبه بهم مقتدياً مثل الخليفة عمر بن عبد العزيز، والكثير من المروانية، والقليل من العباسية إذ كانوا يرون ما قلدوه عبئاً ثقيلاً قد حملوه ويحتسبونه محنة ابتلوا بها؛ فكانوا يجتهدون في نقص إصرها، ويتحرجون عن التردي في وزرها»، فهؤلاء الخلفاء الصالحون إذا لمسوا أهمية المسؤولية الواقعة على عواتقهم تجاه رعاياهم لم يستبدلوها بطلب القوة في المال والجواهر والممتلكات، بل بإجراء العدل والمساواة، والحفاظ على مصالح الشعب ورفاهيته بالرفق وحسم الظلم وعون البائس.
ويروي هنا المؤلف خبراً تاريخياً مفاده: أن قاطني إحدى النواحي في بلاد المغرب كانت الإمارة تدور فيما بين أعيانها وشآتهم على نوب يقوم بها من يأتيه دوره لمدة ثلاثة أشهر، ثم ينعزل عنها بنفسه عند انقضاء أمدها، فيقدم الهبات والصدقات شكراً على عمل قام به وانتهى حتى تتاح له فرصة العودة إلى أهله مسروراً؛ كأنما قد حُلَّ من عقال حتى ينصرف لشؤونه ويزاول أعماله الخاصة بينما يأخذ وظيفته آخر لثلاثة أشهر وهكذا.
وفي هذا نرى: صورة رائعة لتطبيق مبدأ العدالة في الحكم مع النزاهة والتضحية في خدمة البلد والتفاني في المبادىء الإنسانية والديمقراطية الحقيقية. فأين هذا في عصرنا حيث نجد التكالب على الكراسي والحرص على حفاظ الألقاب والمراكز. ويفسر المؤلف هذا التصرف على الوجه التالي: «وذلك لأن حقيقة الإمارة والرياسة هي هجر الراحة لراحة المسوسين في إنصاف مظلومهم من ظالمهم، وإتعاب البدن في الذود عنهم وحمايتهم في أهليهم وأموالهم ودمائهم، وإنصاب النفس في إنشاء التدابير»؛ لأنه بذلك يوقف نفسه على خدمة البلد والدفاع عن حياضه، وتأمين مصالح أفراد الرعية بكل ما أُوتي من قوة وحكمة التدبير، وحب العدالة، وكرم الأخلاق ورفع الضيم، وصيانة الكرامة في الأمة([63]).
ترويحة 15: هذه آخر التراويح التي تخطها يد المؤلف في هذه المقدمة لكتابه الجماهر في معرفة الجواهر، وهنا نجد مرة أخرى معالجة جذرية لقضايا اقتصادية واجتماعية خاصة بالمعادن المتداولة، كالعملة في أيدي الناس، ووجوب وقايتها من الغش وحكم الشرع في ذلك فيقول: «إنما حرم شرب الماء في أواني الذهب والفضة لما تقدم ذكره فمن انقطاع النفع العام بها واتجاه قوله الشيطان عليه» سورة النساء: (118) {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه{ ولنكتة ربما قصدت فيه وهي: أن هذه الأواني لا تكون إلا للملوك دون السوقة وللآنام بين الأيام من الضيق والسعة دول تدول وأحوال تحول وتجول؛ فإذا صرف ما حقه أن يَبُثَّ في الأعوان إلى تلك الأواني اتكالاً على كثرة القنية أيام الرخاء (من دون أن يهتم بالإنفاق على أتباعه) ثم دار الزمان وأتى بعده (فافتقر)، أحوج إلى سكبها وطبعها دراهم ودنانير ففترت النيات بظهور الضيقة، وطمع الأعداء بانتشار خبر الضعف والإفلاس بين الناس، فهم عبيد الطمع، ومانعوا الحقوق إذا أمكن، وهو المعنى المظنون به أنه محشو تحت التحريم؛ فلن يخلو الشرع من مصلحة عامة أو خاصة دنياوية أو آخرانية». هذه دروس ومواعظ من الماضي البعيد يدرجها المؤلف مع إيضاح وثاقب بصيرة؛ لينقل لقارئيه موعظة في معنى القناعة والفطنة، وينصح القارىء من مغبة الشر والإنحراف والسير في طريق السلامة «من الغاشين والدعار» مما يؤدي إلى الخيبة والدمار.
وينهي البيروني مقدمته في فصل أخير يعبِّر فيه عن محاولته لبحث «الجواهر والأعلاق النفيسة المذخورة في الخزائن» عند الملوك والنبلاء، ويبدي رغبته في دراسة كل جوهر أو معدن في فصل مستقل به متسلسلاً من مقالة إلى أخرى ذاكراً أصل الجوهر أو المعدن، ومنبته في الأرض وأشكاله وألوانه وأحواله وكثافته النوعية وأوصافه الظاهرة والخفية، وإثمانه المعروفة أو المنسوبة،وإقبال الورى في طلبها للزينة ولقيمتها المادية أيضاً.
هذه هي مسافات ومواد الكتاب في مقالتين: المقالة الأولى في الجواهر: الياقوت مع أشباهه من الجواهر كاللعل البدخشي والبيجاذي، والألماس، والسنباذج واللؤلؤ، والمرجان، والزمرد وأشباهه، والفيروزج، والعقيق، والجزع، والبلور، والبسد والجمشت، واللازورد، والدهنج، والتيم، والسبج والبادزهر وحجر التيس (الترياق الفارسي أو الباذزهر) والموميا، وخرز الحيات، والخنق، والكهربا، والمغناطيس، وحجر الخماهن والكرك، والشاذنج، والزجاج، والمينا والقصاع الصينية، والأذرك. والمقالة الثانية في الفلزات: الزئبق، والذهب والفضة والنحاس والحديد، والاسرب، والخارصيني وأشباهه، والطاليقون. فهذا التقسيم يعطينا فكرة عن كيفية نظر البيروني إلى هذه المواد الطبيعية وتمييز الجواهر والأحجار منها بألوانها وصفاتها الطبيعية عن المعادن المستخرجة من المناجم بما في ذلك أنواع الأتربة والطباشير وسواها([64]).
استنتاجات ختامية: بعد مراجعة قول البيروني في مقدمة كتاب الجماهر يميل كاتب هذه المقالة إلى ترجيح الاستنتاجات والاقتراحات والتعليقات الآتية:
1 ـ كانت لدى البيروني، بثاقب نظره وعمق اختباره وسعة اطلاعه، نظرات وآراء في الدين والاجتماع والاقتصاد والعمران وجد في هذه المقدمة لها مخرجاً لتسجيلها ومعالجتها وشرحها؛ فجاءت سهلة المأخذ ضمن فكرة تأملاته الهادئة العميقة.
2 ـ كانت في نفس البيروني ثورة جدية واعية ضد الانحراف الاجتماعي والمظالم والانخداع بمظاهر الأبهة والتسلط الزائف؛ فأراد محاربتها وكشف خداعها بأسلوبه الواقعي المقنع اللطيف دون إثارة النعرات والضوضاء حوله.
3 ـ كان مدار حديثه من بعيد وحتى من قريب، أن يقود القارىء إلى تركيز نظره وفكره في القيمة الحقيقية والتقليدية للجواهر والأعلاق النفيسة؛ وكأن البيروني نفسه يود أن يبعث الطمأنينة والثقة إلى نفس القارىء والإتيان بالقيمة الحقيقية لهذه المنتجات الطبيعية، وأنه يعطيها حقاً من الاهتمام بلا زيادة ولا نقصان؛ لئلا تغوي المرء بألوانها الزاهية البراقة وما يتبع ذلك من تهالك الناس على اقتناء الذهب والمجوهرات؛ فيهمل أهمية ما يمكن تحقيقه بواسطتها في الصناعة والحيل والمعاملات التجارية بين الناس من خدمة جلى لسهولة تداولها، وجمال تكوينها، وبديع صنعها سواء أكانت في باطن الأرض أم بعد اكتشافها واستعمالاتها المتباينة.
4 ـ يقدم المؤلف أيضاً: آراء أصيلة في غاية الأهمية؛ بما يختص بتاريخ الاقتصاد والسياسة والمجتمع الإنساني مشيراً إلى ما للناحية الدينية من الاثر البعيد في إشادة بناء صرح متين من الخلق الحسن والفضائل؛ بالتمسك بأهداب الدين الحنيف بإخلاص وإيمان قويم صادق بعيد عن المظاهر الزائفة والرياء الكاذب، الذي أصبح كسوس ينخر في جسم الأمة كلها، حتى صار التدين ثوباً خارجياً ليس إلا.
5 ـ بأسلوب رائع منهجي صحيح وواقعي يعطي البيروني رصيداً وافراً في الاصطلاحات اللغوية القيمة في العلوم والحيل والفنون والآداب؛ مؤكداً بذلك مرة أخرى غنى لغة القرآن الكريم، ومقدرتها على استيعاب العلوم والمعارف كلها في عصره ومسايرة التقدم فيها؛ فأجاد بذلك أيما إجادة مما يجعل هذه المقدمة آية في الإبداع والإعجاز وفريدة أدبياً وعلمياً من نوعها في الحضارة الإنسانية.
6 ـ كان المؤلف نفسه من ناحية عالماً بانتشار طرق الغش والخداع من قبل عدد كبير من جواهريّ (جواهرجيّ) عصره ومهارتهم في أساليبهم الكاذبة، ومن ناحية أخرى بحقيقة ندرة ما كتب حول موضوع الجواهر والفلزات؛ لاسيما من يعين على تعريف أصلها ومنابعها، ومعرفة الجيد منها والرديء وأوزانها النوعية وألوانها، وصفاتها الطبيعية والكيميائية، فأراد بتأليف هذا الكتاب أن يملأ فراغاً في هذا الموضوع الهام؛ فأثرى بذلك الخزانة العربية الإسلامية التراثية بسفر نفيس في بابه، ونسيج وحده في فصوله وأبوابه؛ فحق له تخليد الذكر.
7 ـ وأخيراً يؤكد المؤلف في قراره الفردي ومناقشته ومناظراته الشخصية بأن مشكلة الإنسان الحقيقية ليست هي في أساسها اقتصادية أو سياسية فحسب، إنما هي معضلة روحية أخلاقية، وأن المال والثراء والجواهر التي يعتبرها الأغلبية الساحقة بأنها هي زينة الحياة الدنيا؛ إنما هي في الواقع ليست كذلك، ولا هي شرطاً لتكون عوناً في رغد الحياة الأخرى، وأن هذا الإغراء والتكالب إن هو إلا مظاهر خلابة تبهر العيون لطلب القوة والسؤدد والغنى الفاني؛ ولكن الغنى الحقيقي الباقي هو غنى النفس بالفضائل الإنسانية، ومكارم الأخلاق، والقناعة مع التواضع في العيش، والعمل للغير ما يريد المرء لنفسه وبذلك السعادة المنشودة، (راجع: الجماهر).
آثار البلا د وأخبار العباد
كتاب في الجغرافيا تأليف عماد الدين أبي عبدالله زكريا بن محمد القزويني (605 ـ 682هـ/1208 ـ 1283م) ألفه سنة (674هـ 1275م) ومحوره الأقاليم السبعة حيث يشرح بلادها مرتبة على حروف المعجم بحيث تشمل النواحي والبلدان والمناطق الجغرافية والأقطار والمدن الكبيرة والصغيرة والقرى والجزر والجبال والقلاع والمباني والآثار التاريخية. على أن في بحوثه أموراً يغلب عليها الطابع الأسطوري مثل (جزيرة النساء) في الصين.
ومهما كان من أمره فهو يضم معلومات جغرافية وأدبية وتاريخية وعلمية كثيرة. كما يحتوي على ذكر عدد من الشعراء الإيرانيين من أمثال: أوحد الدين الكرماني، وصدر الدين الخجندي، ورشيد الدين الوطواط، والأنوري، والفردوسي، وعمر الخيام، وناصر خسرو، والنظامي الگنجوري، والخاقاني الشرواني.
والكتاب مكتوب باللغة العربية وقد طبع سنة 1848م في غوتينغن بألمانيا بتحقيق فرديناند وستفلد مع كتاب آخر للمؤلف نفسه هو (عجائب المخلوقات). ثم طبع سنة 1380هـ (1960م) في بيروت. وله غير هاتين الطبعتين طبعات أخرى.
آثار جعفري
كتاب باللغة الفارسية يشتمل على الوضع الجغرافي العالمي بصورة عامة، وعلى تاريخ منطقة فارس في إيران وجغرافيتها بصورة خاصة.
تأليف ميرزا محمد جعفر خان حقائق نگارالخورموجي (1225 ـ 1301هـ / 1810 ـ 1884م) وهو من المؤرخين الإيرانيين الشهيرين.
والمؤلف يتطرق فيما يكتب إلى: تراجم كبار الرجال في فارس من أعيان ووزراء وعلماء وساسة. وقد طبع الكتاب سنة 1276هـ (1859م) في طهران. ومن أصل 396 صفحة هي مجموع عدد صفحات الكتاب يخص المؤلف مقاطعة فارس بـ 206 صفحات، ويترك الباقي لجغرافية العالم. وهذه الطبعة مفقودة الآن.
وتوجد من الكتاب نسخ خطية في كل من مكتبة المجلس، ومكتبة الدكتور مفتاح، ومكتبة صدر الدين المحلاتي.
آثار الحسان
في بدائع أشعار النسوان من العرب والعجم والترك والهند وغيرها وذكر بعض أحوالهن، للحاج حسن الجابري الأصفهاني المعاصر.
آثار الشيعة الإمامية
كتاب للشيخ عبد العزيز الجواهري في عشرين جزءاً. ترجم الرابع منه في الوزراء والأمراء إلى اللغة الفارسية وطبع سنة 1347هـ. وطبع الجزء الثالث في الملوك باللغة العربية سنة 1348هـ.
آثار عجم (آثار العجم)
كتاب باللغة الفارسية في جغرافية مقاطعة فارس بإيران وآثارها التاريخية لمؤلفه: السيد محمد نصير ابن ميرزا جعفر الحسيني فرصت الشيرازي الملقب بـ (فرصت الدولة) (1271 ـ 1339هـ / 1855 ـ 1921م). والمؤلف مولود في شيراز ومتوفى فيها وكان يلم باللغة الإنكليزية، ويجيد علوم زمانه.
كما يشتمل الكتاب على رحلة المؤلف إلى العتبات المقدسة عن طريق البر إلى بوشهر، ثم في السفينة إلى البصرة فإلى بغداد. ويشتمل على منتخبات من الشعر العربي والفارسي من مختلف فنون الشعر، وعلى شعر غزلي للمؤلف نفسه.
طبع الكتاب للمرة الأولى مع مقدمة للميرزا أبي الحسن الإصطهباناتي والشيخ المفيدي سنة (1314هـ 1896م) في بمباي بالهند طباعة حجرية. ثم طبع طبعة ثانية سنة (1354هـ 1935م) في طهران.
الآجرومية
والاسم في الأصل هو: (المقدمة الآجرومية في مبادىء العربية). كتاب موجز في قواعد اللغة العربية لمؤلفه: أبي عبدالله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي المعروف بابن آجروم، والمولود في فاس (672هـ 1273م)، والمتوفى فيها سنة (723هـ 1323م). وقد تعلم في فاس ثم انتقل إلى القاهرة في طريقه إلى مكة. وفي خلال إقامته في مكة ألف الآجرومية.
تميز هذا الكتاب بإيجازه فسهل حفظه غيباً لذلك عم انتشاره. وهو من كتب الدراسة المعتمدة في النجف الأشرف للمبتدئين، وكذلك كان الاعتماد عليه في الدراسة في جبل عامل بالمدارس القديمة. وعليه شروح عديدة منها الأزهري والكفراوي، والعشماوي، والتمبكتي، والسيد محسن الأمين وغيرهم.
ومن الحواشي التي وضعت على شرح الأزهري حاشية لابن الحاج، والأنبابي، والعطار، وأبي النجاء. طبع لأول مرة في روما عام 1592م وترجم إلى اللاتينية في ألمانيا عام 1610م، كما ترجم إلى الفرنسية والانكليزية والألمانية.
وطبع شرح السيد محسن الأمين عليه عدة طبعات في دمشق.
الآخوند
لقب يطلق على أهل العلم، وطلاب العلوم الدينية، ويخص به أصحاب العمائم البيضاء دون أصحاب العمائم السوداء، العلويي النسب، من العصر التيموري في إيران.
هناك اختلاف كبير بين اللغويين والمحققين على أصل كلمة (آخوند)، وقد ذهب بعض اللغويين ومنهم ملك الشعراء بهار، أنه: من أصل پهلوي مأخوذ من كلمة (خوتاي) (خداي)([65])، وتصور البعض أنه: من أصل يوناني مأخوذ من كلمة (آرخون)([66])، وذهب آخرون: إلى أنه من أصل تركي، متشعب من كلمة (أرغون وأرخون وأركين) وقال جماعة من اللغويين: إنه من أصل فارسي مأخوذ من كلمة (خواند)، أي: القراءة التي هي مخففة من كلمة (خداوند) أي الله، وهو الأرجح من أن يكون من أصل تركي.
ولقب الأخوند رائج في كثير من البلدان الإسلامية وخاصة في المراكز الشيعية.
وفي تركستان الشرقية يستفاد من كلمة آخوند أو آهوند أو آخنم معنى: السيد في العربية، والأفندي بالتركية، والسير بالانكليزية، والمسيو بالإفرنسية، وآغا أو عالي جناب بالفارسية وفي تركستان الغربية هو لقب العلماء ورجال الدين، وفي نواحي قازان عاصمة تاتارستان تكون كلمة آخوند اللقب الرسمي لرئيس العلماء الذي يشرف على سائر العلماء وأئمة المساجد ويكون الرابط بين العلماء والمفتي الأعظم، وأما في الهند والباكستان وأفغانستان والعراق فتستعمل الكلمة كما تستعمل به في إيران. ومما يجدر ذكره هنا أنه في كلمات الفلاسفة المتأخرين يقصد بإطلاق لقب الآخوند غير مربوط باسم ـ يقصد به صدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050 هجرية. فإذا قيل: الآخوند مجرداً من كل اسم كان المقصود صدر المتألهين، وفي كلمات الفقهاء المعاصرين إذا قيل: الآخوند، كان المقصود: الشيخ محمد كاظم الخراساني المتوفى سنة 1329 هجرية والمصطلح في العصر الحاضر في الحوزات العلمية الشيعية إطلاق لقب الأخوند على علماء العلوم العقلية فقط. وهناك كثير من الفلاسفة الشيعة الذين اشتهروا بلقب الآخوند منهم: الفيلسوف الشهير الآخوند الملا علي النوري المتوفى سنة 1246 هجرية، ومنهم: الآخوند ملا حسين قلي الهمداني المتوفى سنة 1311 هجرية، ومنهم: الآخوند محمد باقر الفشاركي المتوفى سنة 1314 هجرية، ومنهم: الآخوند ملا محمد الكاشاني المتوفى سنة 1333 هجرية وغيرهم.
عبد الحسين الصالحي
الآداب
كتاب للقاضي محمد بن عمر الواقدي المولود سنة 130هـ والمتوفى سنة 207هـ، وهو في الأصل من أهل المدينة ثم انتقل إلى بغداد، وولي القضاء فيها للمأمون.
الآداب السلطانية
هو كتاب: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية لمحمد بن علي بن طباطبا الحسني الذي اشتهر بابن الطقطقي، وقد ألفه لأمير الموصل فخر الدين عيسى بن إبراهيم، طبع لأول مرة في غوطا سنة 1860م بإشراف أهلوارد مع تعليقات بالألمانية، ثم في باريس سنة 1895م مع مقدمة فرنسية، ثم طبع في مصر سنة 1317هـ (1900م)، وأعيد طبعه في مصر سنة 1921م، وسنة 1927م. وهو مترجم إلى الفرنسية ترجمة طبعت في باريس سنة 1910م في مجموعة الوثائق المراكشية.
والكتاب منطوِ على أمرين: يشتمل الأول منهما على: الأمور السلطانية والسياسات الملكية، وخواص الملك الذي يتميز بها عن السوقة، وما يجب له على رعيته، وما يجب لهم عليه، والثاني: على دول من مشاهير الدول مبتدئاً بمن تولى الحكم بعد النبي إلى خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام. ثم الدولة الأموية فالدولة العباسية، ثم بالدول التي نشأت خلال ذلك؛ كالدولة البويهية، والدولة السلجوقية، والدولة الفاطمية إلى نهاية الدولة العباسية، مع ذكر الوزراء في كل دولة. والفخري: منسوب إلى فخر الدين لقب الحاكم الذي ألف له الكتاب. وقد كان حاكماً على الموصل مولّى من قبل السلطان المغولي أرغون.
ويعتبر مؤلف الكتاب ابن الطقطقي من كبار المفكرين ذوي الآراء الاجتماعية الحكيمة، ومن مستوى ابن خلدون ونظرائه.
آذار
هو الشهر الثالث من السنة الميلادية، ويبتدىء في الحادي والعشرين منه فصل الربيع فيكون مبدأ السنة الفارسية أو عيد النوروز، وللصابئة طقوس دينية في هذا الشهر ذكرها مفصلة ابن النديم والبيروني؛ فمنها أنهم يصومون من أوله إلى الثالث منه ويفطرون في الرابع، ثم يعيدون في السابع ثم يبدؤون الصوم الجديد وهو ثلاثون يوماً، وفي الثامن منه يحرمون فيه اللحم فقط. وغير ذلك من الطقوس والتقاليد.
وكانت الدولة العثمانية تعتبره أول السنة المالية ويسمونها: السنة المارتية نسبة إليه؛ إذ كانوا يسمونه شهر مارت. وقد اتخذ ذلك منذ سنة 1205هـ (1789م) في عهد السلطان سليم الثالث.
وعدد أيام هذا الشهر 31 يوماً يطول النهار خلاله في بلاد الشام 63 دقيقة.
وللنصارى في آذار أعياد أهمها أربعة: في التاسع منه: ذكرى الشهداء الأربعين للموارنة والملكيين. وفي التاسع عشر منه: عيد القديس يوسف للموارنة والسريان والكلدان واللاتين. وفي الخامس والعشرين: عيد بشارة العذراء للطوائف المسيحية الشرقية كلها. ويختص اليوم الثاني منه بالموارنة تذكاراً للقديس يوحنا مارون أول بطاركتهم.
وفي شهر آذار في بلاد الشام يلتقي آخر الشتاء بأول الربيع لذلك لا يخلو الجو فيه من التقلب، وفيه الأيام التي يسمونها (أيام العجوز) إشارة إلى أن البرد في آخر الفصل يكاد يقتل العجوز، على أن بعضهم يرى: أن هذه التسمية مأخوذة من كلمة العجُز (بضم الجيم) لأن هذه الأيام هي عجز الشتاء أي آخر الشتاء، كما يقول البيروني. وأيام العجوز هذه معروفة عند قدامى العرب. وهي في بعض بلاد الشام تغلف بأسطورة تقول: إن شباط بذل جهده في قتل العجوز بالبرد فلم يستطع، ولما أشرف على الرحيل استعان بآذار مستقرضاً منه أربعة أيام.
وقد حظي شهر آذار بالكثير من مقطوعات الشعر العربي بما فيه من اعتدال الطقس ودخول الربيع، فمن ذلك قول أبي نواس:
| أما ترى الشمس قد حلت الحملا | وطاب وزن الزمان واعتدلا | |
| وغنت الطير بعد عجمتها | واستوفت الخمر حولها كملا | |
| واكتست الأرض من زخارفها | وشي ثياب تخالها حللا | |
| فاشرب على جرة الزمان فقد | أصبح وجه الزمان معتدلا |
وفي قوله (الشمس حلت الحمل) إشارة إلى أن الشمس في شهر آذار تنتقل من برج الحوت إلى الحمل).
وقول أبي فرس الحمداني:
| تواعدنا بآذار | لمسعى غير مختار | |
| وقمنا نسحب الريط إلى | حانة خمار | |
| فلم ندر وقد فاحت | لنا من جانب الدار | |
| بخمار من القوم | نزلنا أم بعطار | |
| فلما ألبس الليل | لنا ثوباً من القار | |
| وقلنا: أوقد النار | لطرّاق وزوار | |
| وجأ خاصرة الدن | فأغنانا عن النار | |
| وما في طلب اللهو | على الفتيان من عار |
ومما يذكر: أن شهر آذار كان ابتداء السنة الغربية حتى ظهر ما يسمى الإصلاح البولياني فبدأ في أوروبا اتخاذ اليوم الأول من كانون الثاني بدءاً للسنة الجديدة.
أبو نواس
صاحب الأبيات في آذار([67])
بقلم الدكتور حسين مروة
لا ندري: من أين اندسّت في تراث الأدب العربي هذه الدسيسة التي شارت، أو شاءها ناس، ان تذهب في تاريخنا الأدبي، فتصم كل ذي شأن كبير من شخصيات هذا التاريخ المكتنز الخصيب بوصمة «الشعوبية»؛ لتضعه في مكان يخرجه من مكانه الأصيل في تراثنا وتاريخنا معاً، فإذا بنا كلما أوغلنا في هذه الكنوز الأدبية أو الفكرية التي أورثتنا إياها عصورنا الذهبية، وجدنا «الدسيسة» الخبيثة تنتقي جواهر متألقة من هذه الكنوز، ثم تفردها ناحية، لتقول عنها، واحدة واحدة:
ـ كلا… هذه ليست جوهرة عربية… هذه دخيلة غريبة… هذه «شعوبية»!…
من أراد هذه «الدسيسة» الخبيثة بتراثنا الأدبي والفكري؟…
هل أرادها ناس عرب مخلصون لقومهم ولتراثهم الثقافي، قَصْدَ أن يظهروه عربياً خالصاً نقياً من الشوائب، فجهلوا الوسيلة، وأساءوا إلى التراث بخدعة من الخدع اخرجت من كنوزه تلك الجواهر الثمينة؟.
أم أرادها ناس آخرون لم يكونوا مخلصين لثقافة العرب وحضارتهم، فقصدوا إلى هذه الخدعة عن وعي وعمد، ليعطلوا جيد ثقافتنا وحضارتنا من روائع البدع الفكرية والأدبية التي صنعها العقل العربي بأداة عربية خالصة، هي اللغة وأسلوبها وعبقرية تعبيرها؟.
يغلب في ظنّي، وأكاد أقول في يقيني، أن الذي دسّ الدسيسة هذه، هو إلى العدو أقرب منه إلى الصديق، وإن المسألة في مصدرها التاريخي إنما ترجع إلى ناس أرادوها تحريفاً لمفهوم الثقافة القومية؛ ليكون ذلك سبيلاً إلى تحريف تاريخنا الثقافي ذاته، وتشويهه، والانتقاص من قيمته، فإذا هم يفردون عدداً من اعلامه واحداً بعد واحد، ويفردون نتاج عبقرياتهم في معزل عن تراثنا الأصيل، بزعم أنهم «شعوبيون»، حتى يقفوا بنا أمام هذا التراث وهو خلوٌ من بدائع الأدب والفكر التي أبدعها اولئك الأعلام في أزهى أيامه وأخصب عهوده… ثم ما لبثت الدسيسة تسري متنقلة في كتب التاريخ والسير حتى وصلت إلى أجيالنا المتأخرة، وإلى جيلنا المعاصر بالذات، فإذا بنا نأخذها أخذ المسلّمات أو الحقائق الثابتة، دون مناقشة، أو محض شك!…
مثلاً:
بشار بن برد… «شعوبي»!…
عبدالله بن المقفع… «شعوبي»!…
أبو نواس… «شعوبي»!…
ابن الرومي… «شعوبي»!…
بل… حتى أبو عثمان الجاحظ، وأبو الطيب المتنبي «شعوبيان»!…([68]).
لماذا؟…
كان يكفي أن يرجع النسب بأحد هؤلاء وأمثالهم إلى أصل فارسي، مثلاً، حتى يخرجوه بهذا الوصف من نطاق نسبه الفكري والثقافي والأدبي، أي نسبه العربي الذي نماه فكراً وثقافة وأدباً ولغة وحياة يومية، هي حياة اللحم والدم، حياة الذهن والقلب…
بل، كان يكفي أن يجهل المؤرخون حلقة واحدة من نسب كاتب أو شاعر أو مفكر، أو أن يشكّوا مجرد الشك، حتى يلحقوه بفصيلة «الشعوبية»!…
لقد كان أبو نواس «أعرق» هؤلاء الأعلام «شعوبية» في رأي مؤرخي أدبنا العربي، وهو لا يزال هكذا في رأي الكثرة الغالبة من مثقفي جيلنا المعاصر نفسه… فلننظر، إذن، في المستند الذي ركنوا إليه حين اطلقوا حكمهم ذاك على أبي نواس، لنرى: هل يصح لمنطق العلم والتاريخ أن يركن إليه، حتى نتبعهم واثقين؟ أو أن الأمر ليس بهذه المنزلة من البداهة التي اخذته بها الأجيال منذ العصر العباسي الأول حتى اليوم؟.
فإذا استطعنا أن نصل بأمر أبي نواس إلى رأي علمي مقبول، فإن أمر غيره من الموصومين بـ «الشعوبية» يصبح يسيراً لا محالة:
ولننطلق الآن، في موضوعنا، من هذا السؤال:
ـ هل صحيح أن أبا نواس كان شعوبياً… بمعنى أنه كان عدواً للعرب يفضل عليهم الفرس، كما كان معروفاً من معنى الشعوبية في العصر الذي نشأت فيه هذه النزعة العنصرية البغيضة؟…
لكي نستطيع أن نستخلص الحقيقة في هذه الدعوى، يجب أولاً: أن نستعرض جملة الشواهد التي احتجوا بها على شعوبيته، ثم ننظر في هذه الشواهد نظرة موضوعية، غير متأثرين بسيطرة الفكر التقليدية المتوارثة منذ أجيال، لنرى: هل تكفي هذه الشواهد للحكم لشعوبية أبي نواس أو هي قاصرة عن إثبات هذه الدعوى؟.
لقد استدلّوا على شعوبيته بما يلي:
أولاً: ما ورد في شعره من كلام وصفوه بأنه مدح للفرس وهجاء للعرب، مثل قوله:
| ولفارس الاحرار أنفس أنفس | وفخارهم في عشرة معدوم | |
| وإذا أعاشر عصبة عربية | بدرت إلى ذكر الفخار تميم | |
| وبنو الأعاجم لا احاذر منهم | شراً، فمنطق شرهم محسوم | |
| لا يبذخون على النديم إذا انتشوا | ولهم، إذا العرب اعتدت، تسليم | |
| وجميعهم لي، حين أقعد بينهم | بتذلل وتهيب، موسوم |
وقوله:
| تراث أبي ساسان كسرى ولم تكن | مواريث ما ابقت تميم ولا بكر |
ثانياً: ما ورد في شعره من هجوم على الشعر العربي الذي يصف البادية والاطلال، وعلى حياة البادية نفسها وعلى أهلها كقوله:
| لتلك أبكي، ولا أبكي لمنزلة | كانت تحل بها هند وأسماء | |
| حاشا لدرة أن تبني الخيام لها | وان تروح عليها الإبل والشاء |
وقوله:
| سقيا لغير العلياء فالسند | وغير اطلال ميّ بالجردْ |
وقوله:
| يا واصف البيد والقفار ويا | ناعت أسرابها ومكاها | |
| وواصف الربيع والرياض وما | أشرف من نبتها وبهاها | |
| أحسن من ذاك نبت صافية | تنزو إذا ما تدرعت ماها | |
| أعرض عن الربيع إن مررت به | واشرب من الخمر أنت أصفاها |
وقوله:
| أيا باكيَ الأطلال غيّرها البلى | بكيت بعين لا يجف لها غرب | |
| أتنعت داراً قد عفت وتغيرّت | فإني لما سالمت من نعتها حرب |
وقوله:
| دع الأطلال تسفيها الجنوب | وتبكي عهد جدتها الخطوب | |
| وخلِّ لراكب الوجناء أرضاً | تحث بها النجيبة والنجيب | |
| ولا تأخذ عن الأعراب لهواً | ولا عيشاً، فعيشهم جديب | |
| ذر الألبان يشربها أناس | رفيق العيش عندهم غريب | |
| بأرض نبتها عشر وطلح | وأكثر صيدها ضبع وذيب | |
| إذا راب الحليب فبل عليه | ولا تحرج، فما في ذاك حوب | |
| فأطيب منه صافية شمول | يطوف بكأسها ساق أريب | |
| فهذا العيش، لا خيم البوادي | وهذا العيش، لا اللبن الحليب | |
| فأين البدو من أيوان كسرى | وأين من الميادين الزروب؟ |
وقوله:
| عَدِّ عن رسم وعن كثب | والْهُ عنه بأبنة العنب |
وقوله:
| يا أيها العاذل دع ملحاتي | والوصف للموماة والغلاة | |
| دارسة وغير دارسات | وأنف هموم النفس باللذات |
ثالثاً: ما أخذه عليه أحمد أمين في كتابه «ضحى الاسلام» حين تعرض ـ أي أبو نواس ـ إلى أبي عبيدة، والأصمعي، قائلاً: «أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته».
فقد رأى أحمد أمين في هذا الكلام تحيزاً من أبي نواس لأبي عبيدة دون الأصمعي واستنتج من ذلك أن أبا نواس قد انتصر لأبي عبيدة لأنه فارسي، ولأن الأصمعي عربي.
هذه خلاصة ما يمكن استخلاصه من الأدلة التي ذكروها دليلاً على شعوبية أبي نواس.
فهل تصلح هذه الأدلة لاثبات ذلك؟.
ـ إذا واجهنا هذه الأدلة بنقد موضوعي، وجدناها قاصرة عن إثبات الدعوى.
ولننظر الآن في كل دليل على حدة:
أولا: أما الإستدلال على شعوبيته بما يظهر من مدح للفرس وذم للعرب في شعره، فهو مردود من وجهين:
أ ـ لقد جاء في شعره أيضاً ما يناقض ذلك تماماً… أي أنه قد مدح العرب وذم الفرس، بل لقد كانت مدائحه للعرب من الكثرة بما لا يقاس به شعره إذ يظهر منه الذم لهم… ومن أمثلة ذلك قوله في قصيدة من روائع شعره يمدح بها الفضل بن الربيع:
| من طلل لم أَشْجِهِ وشجاني | وهاج الهوى أو هاجه لاوان | |
| بلى، فازدهتني للصبا اريحية | يمانية… إن السماح يماني |
وقوله في مدح القحطانيين:
| … فافخر بقحطان غير مكتئب | فحاتم الجود من مناقبها | |
| ولا ترى فارساً كفارسها | إذا زلّت الهام عن مناكبها | |
| عمرو، وقيس، والاشتران | وزيد الخيل، اسد لدى ملاعبها | |
| بل مل إلى الصَّيد من اشاوسها | والسادة الغر من مهالبها | |
| وحمير تنطق الرجال | بما اختارت من الفضل في مراتبها | |
| أحبب قريشاً لحب أحمدها | وأعرف لها الجزل من مواهبها | |
| إن قريشاً إذا هي انتسبت | كان لنا الشطر من مناسبها |
وقوله في مدح الأمين العباسي:
| فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا | وعبد مناف والداك وحمير؟ |
وقوله في قصيدة غزلية خمرية:
| وقهوة مثل عين الديك صافية | من خمر عانة أو من خمرة السيب | |
| كأن أحداقها والماء يفرغها | في ساحة الكأس أحداق اليعاسيب | |
| يسعى بها مثل قرن الشمس ذو كفل | يشفي الضجيع بذي ظلم وتشنيب | |
| كأنه، كلما حاولت نائله | ذو نخوة قد نشا بين الاعاريب |
فهو في البيت الأخير إذ يريد أن يصف نخوة الساقي واباءه، لا يجد تشبيهاً لنخوته بصورها أحسن تصوير وأبلغه، سوى نخوة العرب وإبائهم وحميتهم… وذلك يدل على مبلغ شعوره بفضل هذه النخوة العربية والذي يظهر منه أنه مفتون بها، وليس بعائب لها.
ومقابل ذلك قد هجا أبو نواس قوماً من علية الفرس في رأي المجتمع يومئذ، وهم البرامكة، إذ قال في كبير زعمائهم جعفر بن يحيى:
| لقد غرني من جعفر حسن بابه | ولم أدر أن اللؤم حشو اهابه | |
| فلست وإن اخطأت في مدح جعفر | بأول إنسان خـ… في ثيابه |
وقد هجا غيرهم من الفرس بمثل ذلك أيضاً… فهل إذن يصح الأخذ بمدح الفرس وذم العرب في بعض شعره دليلاً على شعوبيته، ما دام قد مدح العرب وذم الفرس في بعض آخر من شعره؟…
ب ـ والوجه الآخر الذي نرد به هذا الدليل، هو: أن أبا نواس حين كان يمدح أو يهجو، في مثل تلك المناسبات التي رأيناها في ما تقدم، لم يكن يمدح أو يهجو عن نزعة من نزعات التعصب لهؤلاء القوم أو اولئك ولا ضد هؤلاء أو أولئك، وإنما كان الأمر عنده محض بدوات نفسية آنية تهيجها المناسبة الطارئة، ليعبر حيناً عن ذلك الولع بالتحدي للمرائين من هذه الجماعة أو تلك، وليعبر حيناً آخر عن ثورة غضب عابرة ضد شخص بعينه لأمر له معه ليس هو بأكثر من أمر عابر كذلك، وليعبر في أكثر الأحيان عن «مزاجه الخمري» إذا صح القول… فقد كان هذا المزاج الملازم له يأبى أن يشغله عن خمره وندمانه ولذته جليس لا يتقيد بـ «آداب الشراب» و«تقاليد المنادمة»، بل يخرج عليها ليشغل جلساءه بشؤون الجد كالتفاخر بالنسب والعنجهيات القبلية، في وقت يريد أبو نواس فيه أن يستغرق بكل حواسه في متعة الشراب ودنيا «الصفا»…
وأبو نواس نفسه يضع بأيدينا هذا التفسير «لمزاجه»، حين ينص في الأبيات التالية على «حقوق» الصحب والندمان، وهي التي سميناها «آداب الشراب» أو «تقاليد المنادمة»:
| حقوق الصحب والندمان خمس | فأولها: التزيُّن بالوقار | |
| وثانيها: مسامحة الندامى | وكم حمت السماحة من ذمار | |
| وثالثها: وأن كنت ابن خير | البرية محتداً، ترك الفخار | |
| ورابعها: فللندمان حق | سوى حق القرابة والجوار | |
| إذا حدثته فاكس الحديث | الذي حدثته ثوب اختصار | |
| وخامسها: يدل به أخوه | على كرم الطبيعة والنجار | |
| كلام الليل ينساه نهاراً | له باقالة عند العثار |
فهل أصرح دلالة على كراهته للمفاخرة بالأنساب على مجلس الشراب، من قوله: وثالثها: وإن كنت ابن خير البرية محتداً، ترك الفخار.
ثم هو يؤكد تفسيرنا هذا «لمزاجه» بقوله أيضاً:
| في الكأس مشغلة، وفي لذاتها | فاجعل حديثك كله للكاس | |
| صفو التعاشر في مجانبة الأذى | وعلى اللبيب تخيُّر الجلاس |
وبقوله كذلك:
| لمثلي من الفتيان حلتّ، أخي الخمر | وطابت له اللذات واسترخص السكر | |
| إذا كان شربي لا يكدر مجلسي | ولا يعتري فيه خصام ولا هجر |
من هنا رأينا أبا نواس يثني على الفرس وينفر من إحدى خصال بني تميم في قوله:
| ولفارس الأحرار أنفس أنفس | وفخارهم في عشرة معدوم | |
| وإذا أعاشر عصبة عربية | بدرت إلى ذكر الفخار تميم | |
| وبنو الأعاجم لا احاذر منهم | شراً، فمنطق شرهم محسوم | |
| لا يبذخون على النديم إذا انتشوا | ولهم إذا العرب اعتدت تسليم | |
| وجميعهم لي، حين اقعد | بينهم: بتذلل وتهيب موسوم |
ويمكن أن نستنتج من هذه الأبيات: أنه كان لأبي نواس جلساء على الشراب من الفرس يعرفون «مزاجه الخمري» هذا فيراعونه لا ينغصونه بالتفاخر، بينما كان له جلساء من العرب، كالتميميين مثلاً، يهيجون عنده «عقدة النسب» فيثيرونه… وقد عرفنا من قبل أن نسب الشاعر كان عرضة للغمز من جانب خصومه؛ إذ كانت نسبته للحكم بن سعد العشيرة تتردد بين الأصالة والموالاة، وكان عصره لا يزال يعنى بالأنساب والتفاخر بها، وكانت النزعة الشعوبية تؤلف تياراً سياسياً يقابله تيار عربي، وكان الصراع السياسي الحاد يتخذ من هذين التيارين أحد أسلحته المكشوفة المباشرة، فليس غريباً ـ إذن ـ أن يتخذ خصوم كل شخص ذي شأن من قضية النسب ذريعة لايذائه والكيد له والتأليب عليه.
ثانياً: وأما الاستدلال على شعوبية أبي نواس بما كان من هجومه على الشعر الذي يصف البادية والاطلال، وعلى حياة البادية وأهلها؛ فهو استدلال ضعيف أيضاً، لأن الشعر الذي صدر عنه بهذا الصدد لا يحتمل التفسير بأنه صادر عن كراهية للعرب، بل يمكن تعليله بأحد أمرين:
أ – إما بأنه يرجع إلى «مزاجه الخمري» الذي تحدثنا عنه في ما سبق… أي: أن الرجل كان إذا جلس إلى شرابه وندمانه واستغرق في لذاته، وجد في دنياه تلك التي تنشئها له الخمرة دنيا عامرة بالضياء والصفاء؛ فهي عنده أفضل من تلك الدنيوات اتي يبنيها الشعراء الآخرون من أشياء البادية بخشونتها وشظفها ومشاهدها غير المؤتلفة مع أشياء الحضارة الجديدة بمتعها الحسيَّة ونضارتها وجدّتها، فتأخذه نشوة الاعتزاز بدنياه هذه وتلذه المقارنة وتستفز خياله طرافة المفارقة والمناقضة، ويجد في مقارنة النقيض بالنقيض ما يزيده اغراقاً في الالتذاذ بدنياه…
ب ـ وإما بأنه كان يريد من هذا الشعر أن يهزأ بالشعراء الذين يعيشون في الحاضرة بلحمهم ودمهم، ثم يفتعلون إنشاء عالم آخر في أشعارهم ليس بينهم وبينه من صلة غير صلة الألفاظ والقوالب الشعرية التقليدية المتوازنة عن شعراء سابقين كانوا يحيون حياة البادية فعلاً، وكانت مشاهد البادية تدخل في تجاربهم الحية الحارة.
على أنني أرجح: أن الأمر الأول من هذين الأمرين هو التفسير الأقرب لواقع أبي نواس بالذات.
ثالثاً: وأما استدلال أحمد أمين على شعوبية الشاعر بما استظهره من كلامه عن أبي عبيدة والأصمعي العربي؛ فهو استدلال ينقضه أحمد أمين نفسه بما نقله عن أبي نواس في مكان آخر من «ضحى الإسلام» (جـ3، ص 119 ـ 120) قائلاً ما لفظه: «ولكن أبا نواس لا يعتد بهجوه، فليس في هجائه مقياس الصدق، فقد هجا أبا عبيدة ورماه باللواط الخ».
فكيف يعتد أحمد أمين، إذن، بكلام قاله أبو نواس عن أبي عبيدة والأصمعي، ويجعله دليلاً على شعوبيته، في حين أن ذاك الكلام ليس ظاهراً بالتحيّز لأبي عبيدة، بينما هو ـ أي أحمد أمين ـ لا يعتد هنا بهجاء أبي نواس بحجة أنه ليس في هجائه مقياس الصدق.
نحن مع أحمد أمين في أن هجاء أبي نواس ليس مقياس الصدق، وكذلك مدحه… ولذلك قلنا سابقاً أنه لا يصح الاستنتاج من مدحه الفرس وذمه العرب أحياناً أنه يؤثر الفرس على العرب، كما لا يصح الاستنتاج من مدحه العرب وذمه الفرس أحياناً أُخرى أنه يكره الفرس ويؤثر عليهم العرب…فهو في مدحه وهجائه إنما يصدر عن بدوات سانحة وليدة اللحظة التي هو فيها، ولا يصدر عن نزعة معينة ثابتة ولا عن فكرة أو فلسفة مقررة عنده.
إضافة إلى ما تقدم يمكن الرد على استدلال أحمد أمين بطريقة ثانية، هي: أن الجاحظ نفسه، وهو العربي الذي لا شك بعروبته ولا مجال لاتهامه بالشعوبية قال في أبي عبيدة ما هو اصرح من كلام أبي نواس فيه… قال أبو عثمان الجاحظ: «لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة»… فلماذا يؤخذ كلام أبي نواس أنه تحيز شعوبي لأبي عبيدة، ولا يؤخذ كلام الجاحظ كذلك بالرغم من أن المأخذ على كليهما غير منطقي؟.
ولقد وجد بين النقاد المحدثين من نفى عن أبي نواس نزعة الشعوبية، وإن اختلفوا في تعليل الأشعار التي استظهر منها القدماء والمحدثون المقلدون هذه النزعة عنده.
ومن هؤلاء النقاد المحدثين العقّاد والدكتور محمد النويهي، الأول: في كتابه «أبو نواس الحسن بن هانىء ـ «دراسة في التحليل النفساني والنقد التاريخي»، والثاني: في كتابه «نفسية أبي نواس». وقد علل الدكتور النويهي أشعاره التي أثارت تهمة الشعوبية بنحو من التعليل الذي أشرنا إليه سابقاً، أي بتأثير «مزاجه الخمري» وعقب على شرحه التعليل المذكور بقوله:
«… وكان هذا هو السبب الذي كرّهه في منادمة العرب لا لأنه يتعصب عليهم تعصباً شعوبياً كما اتهمه الكثيرون، فأبو نواس ما أحب أن يعادي فرداً أو جنساً، وما كان يطيق نكد المعاداة، ولكن شكا طباعهم وضراوتهم وكثرة مخاصماتهم وتنابزهم بالألقاب وتفاخرهم بالانتساب كلما ضمهم مجلس، بقية من عنجهيتهم البدوية ـ كأنْ تعكر عليه مجالسه الهنيئة الخ…».
وبعد أن يورد الدكتور النويهي أمثلة من شعر الشاعر تدل على ذلك يورد الأبيات التي ذكرناها سابقاً:
(ولفارس الأحرار أنفس أنفس الخ…).
ثم يقول: «… أما المهذبون المتحضرون من العرب فلم يكن لديه ـ أي أبي نواس ـ ادنى مانع من منادمتهم، وله قطع كثيرة في امتداح مجالسهم وحلاوة شمائلهم، وقد قال على لسان الخمر هذا البيت الأريحي الطرب:
| ولا الاراذل، إلا من يوقرني | من السقاة، ولكن اسقني العربا |
وأخيراً: هل أراني ـ بعد الذي قلت ـ محتاجاً إلى القول إن كتاب «أبو نواس» يجب أن يشيع في طبقات المثقفين وأنصاف المثقفين؛ لكي يرفع عن أبي نواس الشاعر العظيم تلك الأوهام الباطلة، ويجلو شخصيته الحقيقية كما كانت، لا كما صوّرها المفترون؟.
من شعر أبي نواس الشيعي
قال في أهل البيت عليهم السلام:
| مطهرون نقيات ثيابهم | تجري الصلا ة عليهم أينما ذكروا | |
| من لم يكن علوياً حين تنسبه | فما له في قديم الدهر مفتخر | |
| فالله لما بدا خلقاً وأتقنه | صفاكم واصطفاكم أيها البشر |
وقال في الإمام الرضا عليه السلام وقد ليم على عدم مدحه:
| قيل لي: أنت أوحد الناس طراً | في فنون من الكلام النبيه | |
| لك من جوهر الكلام بديع | يثمر الدر في يديه مجتنيه | |
| فعلام تركت مدح ابن موسى | والخصال التي تجمعن فيه؟ | |
| قلت: لا اهتدي لمدح إمام | كان جبريل خادماً لأبيه | |
| قصرت ألسن الفصاحة عنه | ولهذا القريض لا يحتويه |
وقال فيه أيضاً:
| إذا أبصرتك العين من غير ريبة | وعارض فيك الشك أثبتك القلب | |
| ولو أن قوماً أمموك لقادهم | نسيمك حتى يستدل بك الركب |
ومما يشير إلى تشيعه قوله وقد قدم الكوفة واستطابها وأقام بها مدة:
| ذهبت بنا كوفان مذهبها | وعدمت من أربابها صبري | |
| ما ذاك إلا أنني رجل | لا استخف صداقة البصري |
وأهل الكوفة معروفون بالتشيع وأهل البصرة ـ يومذاك ـ بخلافه.
آذربيجان
ـ 1 ـ
إقليم في الشمال الغربي من إيران تبلغ مساحته حوالي 1009074كلم2، يحتل 6% من مساحة إيران ويقع عند دائرة عرض بين 35 و45ْ و40 وْ39 شمالاً، وخط طول بين 44 و5 و48 وْ50 شرقاً، يحده شمالاً ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي وغرباً تركية والعراق وشرقاً الاتحاد السوفياتي وگيلان (جيلان)، وجنوباً محافظتا زنجان وكردستان. وتعتبر آذربيجان وحدة جغرافية مميزة طبيعياً، وتقسم سياسياً إلى محافظتين: آذربيجان الشرقية وآذربيجان الغربية.
ويظهر مما ورد في مؤلفات مؤرخي اليونان القدماء: أن هذه المنطقة كانت على عهد سلاطين إيران القدماء تسمى: (ميديا الصغيرة) التي كانت تابعة لميديا الكبيرة وتؤلف جانباً كبيراً من إيران بحدودها الحاضرة… وكانت عاصمة ميديا الكبيرة عندئذ مدينة (همذان) أي (المباتان) الواقعة جنوب شرقي آذربيجان.
هذه وقد اختلفت الرواة في التاريخ الذي استبدلت فيه كلمة آذربيجان بميديا الصغيرة، فالذي نص عليه المؤرخون الشرقيون الذين ضبطوا هذه الكلمة في مؤلفاتهم بشكل (آذر آبادكان) المؤلفة من كلمتي (آذر) أي (النار)، و(آبادكان) أي (العمران) هو أن سبب إطلاق هذا الاسم على تلك المنطقة وجود معابد للنار كثيرة العدد فيها قبل الإسلام. تلك المعابد الشاهقة الأبنية التي كانت النار تبقى فيها مستعرة دون انقطاع من جراء تزويدها دائماً بالمواد النفطية التي كانت تستخرج عندئذ من بطن الأراضي هناك. ومن أكبر هذه المعابد معبد (آذركش) الذي كان يتوسط منطقة (ميديا الصغيرة) الواقع في مدينة (شيز) أي تخت سليمان. أما الروحانيون الذين كانوا يعبدون النار ويشرفون على شؤونها، والذين وجدوا قبل (زرادشت) فقد استوطنوا بصورة تدريجية هذه المنطقة وتوالدوا وتناسلوا فيها كما أن زرادشت نفسه قد ولد ونشأ فيها، وإزاء هذا الرأي يعتقد المؤرخون اليونانيون بأن اسم آذربيجان مقتبس من اسم أحد كبار قواد أو حكام إيران الذي كان يحكم هذه المنطقة، وكان يسمى (أتروباتكان) أو (آذربادكان).
وربما كان الرأي الأول أقرب إلى الحقيقة؛ إذ إن آثار معابد النار وأنقاضها لا زالت قائمة في كثير من مدن هذه المنطقة ونواحيها.
هذا وقد تطور ذلك الاسم القديم قبيل الإسلام فأصبح (آذرباجكان)، ثم جاءت عصور الإسلام الأولى حين أخذت اللغة العربية تتغلغل في صميم اللغة الفارسية وآدابها، وأصبحت ردحاً من الزمن لغة العلم والفن والصنعة في إيران؛ فشمل هذا التطور اللغوي أسماء كثير من المدن والمناطق والقرى والدساكر الإيرانية؛ فكان نصيب (آذربادكان) بأن صارت (آذربيجان) بتغيير الكاف الفارسية (جيماً)، وحافظت هذه المنطقة على هذا الاسم حتى عصرنا الحاضر.
كان إقليم آذربيجان بمقاطعتيه منذ القديم مطمح أنظار الغزاة من القبائل والملوك والطوائف المختلفة؛ لما يمتاز به من مركز جغرافي استراتيجي، غير أن المسلمين وخاصة العباسيين منهم لم يولوه اهتمامهم نظراً لوعورة الطرق الموصلة إليه؛ ولانشغالهم في إقليمي خراسان وأصفهان. ولكن المغول عند غزوهم إيران في طريقهم إلى بغداد، ثم اتجاههم نحو الشمال، وتعريجهم إلى العراق غزوا هذا الإقليم، واتخذوا من كثير من مدنه قواعد لجيوشهم، وكان ذلك سنة 617هـ كما اتخذوا مدينة تبريز عاصمة لهم مدة من الزمن، كما اتخذ هولاكو نفسه مدينة مراغة زمناً عاصمة لملكه.
يتألف إقليم آذربيجان من أراضي مرتفعة، وهضاب عالية وسلاسل جبال شاهقة، وأعلى قمة فيها هي قمة جبل (نوح) ويوجد بين سلسلة جبال آذربيجان عدد من الوديان والسهول الجبلية ذات أهمية اقتصادية وبشرية، ذلك أن أكثر سكان آذربيجان يستوطنون هذه الوديان والسهول، وتقع فيها أهم مدن المنطقة.
أما أرضه لاسيما المحيطة منها بالبحيرة فالخصوبة غالبة عليها، وتشتد فيها رطوبة الهواء بسبب تبخر مياه البحيرة المذكورة. وهذه الأراضي تنتج مختلف أنواع المحاصيل الأرضية، وهي معروفة بوفرة الفواكه وتنوعها ولا سيما أنواع العنب التي قد تبلغ 45 نوعاً. والأمطار في هذا الإقليم غزيرة، وقد تكوّن سيولاً جارفة. ومن أعظم جباله جبلا «سبلان» و«سهند»، وأنهاره كثيرة أطولها نهرا «أرس» و«سفيد رود». اللذان يصبان في بحيرة خزر. وفيه بحيرة «أرومية». ومياه هذه البحيرة ثقيلة لامتزاجها بالأملاح والمواد المعدنية الكثة التي لا يستطيع معها أي حيوان أن يعيش فيها. ويصف كثير من الأطباء أملاح ومياه هذه البحيرة لشفاء الأمراض الجلدية وأمراض المفاصل. وتصب فيها عدة أنهار صغيرة وأرض هذه البحيرة رغم كونها أعلى من سطح البحر فإنها تعتبر أخفض أرض في هذا الإقليم وهي تقع بالمنطقة الرابعة ولا يزيد عمقها على ستة أمتار.
إن طبيعة أرض هذا الإقليم لاسيما الأراضي المحيطة بتبريز وجبال سبلان وسهند بركانية وزلزالية، ومن جملة الزلازل التاريخية التي دمرت مدنية تبريز برمتها زلزال عام 224هـ الذي ذهب ضحيته في تبريز وحدها 40 ألف نسمة، وزلزال سنة 434هـ الذي دمر عدة مدن وقرى من هذا الإقليم، كما توالت عليه الغزوات في أدوار مختلفة من الجيران وغيرهم منها: غزوات الأشوريين قبل الإسلام، وغزوات المغول في القرن السابع الهجري، وغزوات العثمانيين وأهمها: غزوة السلطان سليم عام 920هـ على عهد الأسرة الصفوية في إيران. كما قامت في هذا الإقليم ثورات ضد الغزاة العثمانيين منها ثورة سنة 955هـ وثورة سنة 994هـ.
إن إقليم آذربيجان بالإضافة إلى خصوبة أرضه، ووفرة حاصلاته عرف سكانه بنشاطهم التجاري؛ لتوسط إقليمهم بين القسم المركزي من إيران وبين كل من تركيا وما كان يعرف بالإتحاد السوفياتي والعراق، وقد ازدادت أهميته بعد امتداد الخط الحديدي الرئيسي من جنوب إيران إلى بعض مدنه، وخاصة مراغة وتبريز ثم امتداده إلى الحدود السوفياتية. وستزداد هذه الأهمية بعد إكمال مد الخط الحديدي من تبريز إلى الحدود التركية، ثم وصله بالخط الحديدي التركي وامتداده نحو الخط الحديدي الذي يخترق أوروبا.
هذا وقد أنشئت في مختلف أرجاء هذا الإقليم المعامل والمصانع الحديثة، كمصانع النسيج الصوفي والقطني والجلود والكبريت ومعامل السكر والفواكه المجففة التي تعتبر من أهم صادرات هذا الإقليم، وكذلك معامل السجاد وغيرها.
ويقسم إقليم آذربيجان بمقاطعتيه إلى عدة أقضية منها: ماكو، وخوي، ومرثد وقراجه داغ وسلماس، وجلفا وتقع كلها في شمال الإقليم. وأردبيل، وخلخال، وسراب، وكرمرود وتقع في الشرق منه. وهشترود، ومراغه، وصاين قلعة أفشار، وساوجبلاغ في الجنوب.
وتقع تبريز في جانب شمالي جبل سهند، كما تقع مراغه جنوبي الجبل. وإلى الشرق من تبريز تقع أردبيل وفي شرق أردبيل استارا، وتليها رشت ثم بحر الخزر. وإلى الغرب من تبريز تقع مرند ثم خوي ثم ماكو. ومن هناك تتصل بالحدود التركية عند أرضروم. والطريق من طهران إلى تبريز: يسير إلى قزوين ثم إلى زنجان ثم إلى ميانج ثم يميل إلى الشمال الغربي واصلاً إلى تبريز.
هذا وقد أنجب هذا الإقليم في مختلف أدواره كبار الرجال في العلم والسياسة والحرب والفن والفكر، منهم مثلاً (زرادشت) الذي ولد فيه. ونشأ فيه (صفي الدين) المتوفى سنة 735هـ جد الأسرة الصفوية وله مقام يقصد ويزار حتى الآن في (أردبيل)، وكذا العلاّمة فخر الدين المراغي، والشاعر (أوحدي) وغيرهم كما لعب رجال منه دوراً هاماً في نهضة إيران سنة 1324هـ ضد الاستبداد ثم إعلان الدستور، وقيام الحكومة البرلمانية في إيران.
وفي عام 1945م قام (جعفر بيشه وري) بحركة انفصالية شيوعية أعلن فيها استقلال آذربيجان، ولكن الحكومة المركزية استطاعت القضاء على هذه الحركة عام 1946م.
مناخ آذربيجان
إن للموقع الجغرافي، أي الارتفاع عن سطح البحر والقرب النسبي من البحر المتوسط والبحر الأسود بحر الخزر أثره البالغ في مناخ منطقة آذربيجان. حيث تتمتع لموقعها الجغرافي وابتعادها عن خط الاستواء بمناخ أبرد من سائر المناطق الإيرانية. كما أن موقع آذربيجان الجغرافي جعلها في معرض الرياح القطبية الباردة التي تهب من أوروبا، وأن تواجه من جهة أخرى، الرياح الغربية وأعاصير البحر المتوسط قبل بقية المناطق الإيرانية. وقد زاد ارتفاعها عن سطح البحر من برودتها في الشتاء وسقوط الأمطار والثلوج، وأخيراً فإن لوجود البحار المجاورة سيما البحر المتوسط ثم البحر الأسود أثراً بالغاً في ازدياد كمية هطول الأمطار نسبياً على آذربيجان.
وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى أن تتمتع منطقة آذربيجان بمناخ بارد ورطب. وجد فيه بعض الباحثين أنواعاً من مناخ البحر المتوسط.
صالح الشهرستاني
آذربيجان
ـ 2 ـ
آذربيجان مربعة الشكل تقريباً، ترتفع ارتفاعاً كبيراً نسبياً عن سطح البحر. وإذا ما غضضنا الطرف عن المناطق المحاذية لمغان والواقعة في الشمال الشرقي في المنطقة، وعن قسم من وادي نهر أرس، فإن أقل نقطة إرتفاعاً فيها منخفض أُرمية (أرومية) التي ترتفع 1275 متراً عن سطح البحر. وتحتل المرتفعات والجبال حوالي 80% من مساحة آذربيجان، وتفصل بينها السهول والوديان الجبلية. وقد تكونت المرتفعات في آذربيجان خلال المراحل الجيولوجية المختلفة؛ بفعل الالتواءات وانكسار الطبقات التي كانت تقترن بنشاط بركاني واسع النطاق. ولذلك يشاهد من الرماد البركاني وآثار البراكين في هذه المنطقة أضعاف ما في سائر أرجاء إيران. أما ما بقي من مساحة آذربيجان ويقدر بـ 20% منها فيغطيه السهول والوديان الضيقة نسبياً والقليلة، وتعتبر آذربيجان من ولايات إيران القديمة. حيث اعتبر (ياقوت) هذه الولاية كإقليم خامس بطول 73 وعرض 40 درجة، وقال: إن حدود آذربيجان هي كالآتي: برذعة من الشرق، وأرزنجان من الغرب، وبلاد الديلم وجيلان من الشمال([69])… ولكن هذه العبارة ليست خالية من التشويش، وكان لا بد من تصحيحها بهذا الشكل: حدود آذربيجان: من الشمال برذعة، ومن الشرق بلاد الديلم وجيلان، ومن الغرب أرزنجان، ومن الجنوب طارم و(زنجان).
وذكر عدد آخر من علماء الجغرافية العرب أن حدود آذربيجان كالآتي: ولاية الجبال (ماد قديماً) من الجنوب الشرقي، والجزء الشرقي من ولاية جزيرة (آشور القديمة) من الجنوب الغربي، وأرمنستان من الغرب، وولاية آران (بلاد القفقاز) من الشمال، وموقان وجيلان من الشرق.
وكتب (حمد الله المستوفي) بهذا الشأن: إن حدودها تنحصر بين ولاية عراق العجم وموقان وگرجِستان والأرمن وكردستان([70]).
وحصر (ابن الفقيه) حدود آذربيجان: بين برذعة (قره باغ التي تقع على الضفة الأخرى لنهر أرس) وحتى زنجان([71]).
وكتب (أبو الفداء): أن حدود آذربيجان تمتد من نخجوان بمحاذاة نهر أرس، وحتى حدود زنجان([72]).
وهكذا نرى أن حدود آذربيجان هي ذاتها حدودها الحالية تقريباً، التي يحدها من الشمال نهر أرس، ومن الغرب تركيا ومن الشرق جيلان وطالتس، ومن الجنوب كردستان وخمسه و(زنجان).
مع هذا الاختلاف: وهو أن مناطق قره باغ ونخجوان تقع اليوم خارج نطاق آذربيجان([73]).
إن جمهورية آذربيجان التي كانت تسمى: آذربيجان السوفياتية تقع بين سلسلة الجنوب الشرقي لجبال القفقاز وساحل بحر الخزر ونهر أرس؛ ومن الشمال الشرقي ترتبط بجمهورية داغستان، ومن الشمال الغربي بجمهورية كرجستان، ومن الغرب بجمهورية أرمنستان، ومن الجنوب بنهر أرس وآذربيجان الإيرانية.
وكانت تسمى منذ أكثر من نصف قرن بقره باغ (أو الحقل أو البستان الأسود)، وكانت ضمن الامبراطورية الروسية القيصرية.
وبعد هزيمة الجيوش الروسية في الحرب العالمية الأولى احتُلّت هذه المنطقة من قبل الحلفاء وظلت تُدار من قبل الجنرال دنسترويل Dunsterville من السابع عشر من آب وحتى الرابع عشر من ايلول 1918 لحساب روسيا. ثم سيطرت عليها الجيوش التركية بقيادة نوري باشا في الخامس عشر من ايلول 1918، وشكلوا فيها حكومة باسم (آذربيجان) تخضع لإدارة الدولة العثمانية، ويبدو أنه كان هدف الأتراك العثمانيين من هذه الخطة هو استغلال ضعف الحكومة المركزية لإيران في أواخر العهد القاجاري، والعمل على إلحاق آذربيجان الإيرانية، التي يتكلم سكانها باللغة التركية الآذرية كما هو الحال بالنسبة لسكان قره باغ، بأذربيجان (الأولى)، ومن ثم تشكيل حكومة على ضفتي نهر أرس تخضع للدولة التركية.
وبعد إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى في تشرين الأول 1918م، في «مودروس Moudros»، قامت جيوش الحلفاء بقيادة الجنرال البريطاني تامسن Thomson ثانية باحتلال مدينة (باكو) في السابع عشر من تشرين الأول 1918م، وإجبار الجيش التركي على التراجع من هذه المنطقة، وفي الثامن والعشرين من كانون الأول 1918م، اعترف الحلفاء رسمياً بحكومة آذربيجان المستقلة التي كانت تُدار آنذاك من قبل حزب المساواة.
وبعد خروج قوات الحلفاء من (باكو) احتلت قوات النظام السوفياتي الجديد هذه المنطقة في الثامن والعشرين من نيسان 1920م، وكان هذا النظام يدَّعي تبعية هذه المنطقة له، وأصبحت آذربيجان واحدة من الجمهوريات الثلاث فيما وراء القفقاز المتعاهدة فيما بينها.
وفي عام 1936م أصدرت حكومة ستالين قراراً بحلّ هذا الاتحاد بين الجمهوريات الثلاث، وأصبحت آذربيجان منذ الخامس من كانون الأول 1936م إحدى الجمهوريات الست عشرة التي شكلت اتحاد الجمهوريات السوفياتية، وأصبحت (باكو) عاصمة لهذه الجمهورية ويسكن 28% من سكانها في المدن. وبين سكانها 12% من الأرمن و10% من الروس.
ومن مدنها المهمة مدينة (گنجة) التي كانت تسمى قبل الثورة بـ (اليزابيت بل Elizabetpol) وتسمّى الآن (كيروف آباد Kirovabad) وفيها مقبرة الشاعر الإيراني المعروف (نظامي كنجوي).
ومن مدنها الكبيرة الأخرى مدن: شماخي، قوبا، ساليان، نوخي، مين كه جاأور Mingacour؛ ومن مناطقها الأخرى لنكران، وشبه جزيرة آبشوران. ولا بد أن نعرف أن الكتّاب اليونانيين والروم الكلاسيكيين مثل استرابن Strabon (الكتاب الحادي عشر بند 4)، وبطليموس Ptolemy (الكتاب الخامس بند 2). كانوا يعرفون هذه المنطقة باسم (ألبانيا Albania) وفي الأدب الأرمني سُمّيت بـ (آن الوان ـ كا Alvan-Ka) وفي الأدب العربي جاءت باسم اران (آران) وبرذعة، وسمّوا الجزء الواقع في شمال نهر (كور ـ الأعمى) بـ (شروان). وكما قلنا: فإن كل هذه المنطقة كانت تسمّى في القرن الأخير بـ (قره باغ).
وكانت هذه المنطقة موطناً لأقوام الـ (سكا) حتى عهد الحاخامنشيين، ثم احتُلَّت من قبل إيران، وفي عهد الأشكانيين خضعت لسيطرة الروميين، وفي أوائل القرن الثالث الميلادي خضع الجزء الأكبر منها لسيطرة الساسانيين. وفي أواخر القرن السابع خضعت المنطقة للجيوش العربية. وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين كانت بيد إيران.
وبعد هزيمة إيران في عهد فتح علي شاه القاجاري على يد القوات الروسية استولت روسيا على هذه المنطقة طبقاً لاتفاقيتي (گلستان 1813م)، و(تركمان چاي 1828م).
وجاء في المعاجم الجغرافية للقرن التاسع عشر بشأن حدود قره باغ ما يلي:
(قره باغ (البستان الأسود) منطقة من روسيا الآسيوية وهي تشمل حكومة باكو. وتقع هذه المنطقة بين نهر (كور ـ الأعمى) من الشمال، ونهر أرس من الشرق وأرمنستان من الجنوب، وگرجستان من الغرب، وسكانها من المسلمين وأهم مدينة فيها «شوشا»).
(آران) Aran أو(ران) Ran تكتب بالعربية مع (الـ) التعريف، وتصبح (الران) و(الآران)… وهي الشكل الفارسي لاسم الوانك Alvanak، وعرفت باليونانية بـ (الباني Albano)، وبالسريانية بـ «آرن»، وباللغة الايبرية (گرهبي) عرفت بـ (رانيRani). تقع هذه الولاية في المثلث الكبير الذي يقع في غرب ملتقى نهري كور (كر Cyros) و(أرس). ولهذا السبب أطلق (حمد الله المستوفي) على الآراضي الواقعة بين هذين النهرين اسم: (بين النهرين).
ويحد (آران) من الشمال نهر (كور)، وجبال القفقاز، ومن الغرب (آلازان Alazan)، ومن الشرق بحر الخزر، ومن الجنوب نهر أرس.
وفي عهد المؤرخ اليوناني ثيوفانس ميتيلن Theophanes Mitylene المعاصر لـ (يوپمپه) 106 ـ 48ق.م كانت هناك أكثر من ست وعشرين لغة ولهجة منتشرة في هذه الولاية. كما أن (الألبانيين) كانت لهم لغة خاصة حتى القرن الخامس الميلادي، حيث كان (ماشتك Mashtoc) قد وضع لها أبجدية خاصة، و(موسى خورن) كان يعتقد أن لغة (گاراجيك Gargarachik) كانت منتشرة في أطراف برذعة ثم جاء (ماشتك) ووضع له أبجدية خاصة، وتميزت تلك اللغة بأنها حلقية وخشنة وشديدة. الجغرافيون العرب في القرن الرابع الهجري أشاروا في كتاباتهم إلى وجود لغة خاصة منتشرة في هذه المنطقة أطلقوا عليها اسم: (الراني)، ووصفها الاصطخري: بأنها لغة مناسبة وسلسه.
ينبغي أن لا نخلط بين السكان الألبانيين هؤلاء ذوي الاسم اليوناني مع (الألبانيين) المقيمين في شبه جزيرة البلقان. حيث أن آلبان كانت قبل التاريخ موطناً لأقوام الـ (آزيان).
لذلك فإن فرضية (گلدنر Geldnor) التي جاءت في كتاب أساس فقه اللغة الإيرانية التي قالت: بأن (إيران ويج أوستا) في تلك الأرض ليست صحيحة.
هذا وإن (آران) أو (ألبانيا الأصلية) التي تقع بين نهر (كور) والقفقاز تشمل المناطق الآتية:
ـ اخني Exni تقع بالقرب من ايبري إلى جوار نهر (ألوان Alvan)، أو ألبانيا كامبيجان Albanos Kambechan إلى جوار نهر (كور).
ـ مدينة گوركاو Gergav تقع على ضفة نهر (ألوان).
ـ منطقبة بيخ Bix تقع بالقرب من القفقاز، وإلى الشرق من مناطق (شكة Shak شكي).
ـ دگارو Digariv تقع على ضفة نهر بنفس الاسم، وإلى الشرق من العاصمة القديمة (كولك Kawalak)، أو التي أسماها پلينوس Plinos بـ (كبلكا Cabalaca) وأسماها بطليموس: (خبله Chabala) والتي أصبحت بالعربية (قبله).
إن منطقة كامبيجان التي تسمّى باليونانية (كامبيزن Kambysene) كانت سابقاً من ممتلكات (تيگران) وجزءاً من دولة أرمنستان كما قال ذلك (استرابن).
وإن منطقة (كاسپيانه Kaspiane) التي سميت في القرون اللاحقة بـ (پالتاكاران Paltakaran) كانت في البدء جزءاً من آتروپاتن (آذربيجان)، وفصلها (آرتاكسياس) عن هذه الولاية، وكانت تعتبر في زمن (ثيوفانس) ضمن ولاية (آلبانيا).
احتل الألبانيون باعتبارهم حلفاء شاهبور الثاني الساساني (310 ـ 379م) العديد من مناطق أرمنستان مثل أوتي (Uti)، وشكشن Shakashen، وكاردمانازور Gardmanazor، وكلت Kolt، ولم يستمر ذلك طويلاً حيث استرجعها ثانية القائد الأرمني موشل Mushel.
بعد تقسيم دولة أرمنستان بين إيران والدوم، احتل الألبانيون منطقة آركاكس Arcax في قره باغ الحالية وثمان مناطق أخرى في Uti في شرق گوكارك، وشمال آركاكس.
وفي العام 359م شارك ملك الألبانيين جنباً إلى جنب قوات شاهبور الثاني التي كانت تحاصر مدينة (آمد) في الحرب التي كانت دائرة هناك.
ثم حارب ملك آرمنستان (باب Pap) إلى جوار قوات شاهبور الثاني، ولكنه ما لبث أن كشف مخططات شاهبور الثاني للقائد الأرمني موشل Mushel وبذلك خان الملك شاهبور الثاني.
كان الألبانيون متعهدين بتقديم مساعدات عسكرية، وتقديم قوات نظامية إلى إيران في حروبها ضد أرمنستان.
وفي الذكرى الخامسة لتسلم السلطان الساساني بيروز عام 461م لمقاليد الحكم، اضطر الملك الألباني (واجه Wace) بعد عدة سنوات من التمرد ضد إيران إلى الاستسلام، وسلم آلبانيا إلى إيران، مفضلاً الانزواء والرهبنة. وبعد ذلك انقطع كل أثر لملوك الآلبان في التاريخ.
قام قباد نجل فيروز الساساني (في عام 507م) بتحويل مدينة پرتو Partar التي أسماها العرب بـ (برذعة/ بردعه) إلى قلعة قوية وصامدة في مواجهة الـ (هون)، وأسماها بـ (پيروز كواذ)… وقد تطورت هذه المدينة تدريجياً حتى غطت بشهرتها وتقدمها العاصمة القديمة (كاوالاك Kawalak).
ويذكر زاخارياس رتور Zachariasrhetor في العام 554م اسم أمير في آلبانيا كان تابعاً للملك الإيراني.
وبعد انقراض سلالة آران القديمة، يبدو أنه في أواخر القرن السادس الميلادي، استطاع (مهران) وهو من أسرة الإخوة بندو Bando، ووستام Westam (ويستهم) أن يفر من المذبحة التي تعرضت لها العائلة على يد خسرو پرويز، وتأسيس سلالة جويد في آران.
ومن الملوك الذين نصبَهم (خسرو انوشيروان) في القفقاز الملك ليران الذي كان يلقب بـ (ليرانشاه)… وقد ورد اسمه في كتب الجغرافيا القديمة بأشكال متعددة مثل: ايرانشاه، والليران، واليزان، واليرانشاه… ويبدو أنه نفس (اران شاه)، وحدود بلده كانت بين شروان، ومغان وهذا ما يتطابق مع بلاد (الران) الأصلية.
ويتطابق (الران) بمفهومه الواسع مع آلبانيا القديمة، حيث يمتد من الشمال حتى ممر جور (Chor) (دربند… إلا أن (آران) بمفهومها المحدود عبارة عن إمارات إرانشاه Eranshsh بعد انتزاع إمارات شروان، وقبله، وشكي ومغان؛ وهذه تعني المناطق المحصورة بين نهري (كور وأرس)، وهي أراضي آركس Arax، وأوتي Uti وعاصمتها پرتو Partav أي برذعة.
وفي عهد المسعودي صاحب (مروج الذهب) احتل ارانشاه محمد بن يزيد بعد موت شروانشاه علي بن جشم بلاد شروان.
وكان (محمد) هذا يفتخر أنه من نسل بهرام جوبين.
بلاسبحان
سهل بلاساكان Bakasakan، ومعرّبها (بلا سبحان): تقع هذه المنطقة في وسط طريق برزند وأردبيل، وعلى أطراف النهر الأوسط من بين ثلاثة أنها تشكل نبع بلگاروجاي، وتقع عند الفرسخ الرابع عشر في الطريق بين أردبيل وورثان.
ويقول «كوريون Koriun: إن بلاسكان كانت جزءاً من مملكة آلبانيا، وفي زمن (الواردانيين) كان على رأسها ملك من العرق (الهوني) يسمّى هران Heran([74]). لذلك فإن لقب (براشكان شاه) الذي أورده ابن خرداذبه في كتاب (المسالك والممالك) بعد (اللان شاه) ضمن ملوك آذربيجان ينبغي أن يكون إشارة إلى أمير بلاسبحان([75]).
وبلاسبحان أو بلاشجان هي تعريب بـ (بلاشگان) وهي تعني ـ كما يبدو ـ (مدينة بلاش). وتوجد منطقة اسمها يشبه هذا الاسم في آذربيجان باسم (بلاسجين) وهي جزء من قرية نيگجه من قضاء سراب([76]).
آران في العصر الإسلامي
عدّ (المقدسي) في القرن الرابع الهجري المدن الآتية من بلاد آران، وهي:
برذعة، تفليس، خنان، شكور، خزه (گنجه)، برديج شماخيه، شروان باكو، شابران باب الأبواب (دربند)، شكي ملازكرد، تيلا (تبلا)([77]).
كما اعتبر (حمد الله المستوفي) بيلقان، وبردع (برذعة) وتنجه، وهرك (سيرك) من بلاد آران، وباكويه، وشماخي، ودربند، وشكي، وشابران من بلاد شروان، وتفليس، وخنان من بلاد الأبخاز، وگرجستان([78]).
وكانت برذعة عاصمة لولاية آران في القرن الرابع، ولا زالت أنقاضها موجودة إلى يومنا هذا… فقد كتب ابن حوقل في القرن الرابع: أن طولها يبلغ فرسخاً واحداً، وعرضها أقل من فرسخ، وهي مربعة الشكل، ولها قلعة تقع على بعد ثلاثة فراسخ من نهر كر (كورا)، وعلى ضفة أحد فروع هذا النهر واسمه (ثرثور).
وبالقرب من برذعة كان هناك محل معروف بـ (أندراب) وبمساحة أقل من فرسخ واحد… وهي تضم حقلاً واسعاً من أشجار الفواكه، وطوله من كل جهة يبلغ ما يعادل يوماً كاملاً سيراً، وكانت تكثر فيه أشجار الفاكهة وتربية دودة الحرير.
وفي خارج مدينة برذعة وأمام مدخل كردان (باب الأكراد) يقام في كل يوم أحد سوق كبير كان يبلغ طوله حوالي فرسخ واحد، ويعرف بسوق كركي المقتبس من الكلمة اليونانية كورياكوس Kuriakos وهي تعني: (يوم الله). لأنهم كانوا يسمون يوم الأحد آنذاك باسم يوم كركي.
كذلك فإن ابن حوقل يقول: إن برذعة كان لها مسجد جميل وكبير مبني من الطابوق، وفيه حمامات عديدة.
وكتب ياقوت. بردعه مدينة تقع في آخر أرض آذربيجان.
وحول وجه تسمية بردعة كتب حمزة الأصفهاني: إنها تعريب لـ (برده دار) (صاحب العبيد)… لأن عدداً من ملوك إيران إغاروا على الولايات العليا لأرمنستان وأسروا مجموعة من الأشخاص، وأسكنوهم هذه المنطقة؛ لذلك فقد سميت بـ (برده دار) (صاحب العبيد)… وفي عهد ياقوت تخلت هذه المدينة عن عظمتها السابقة، وتحولت إلى خرائب وأنقاض([79]).
كتب حمد الله المستوفي: (بردعه من الإقليم الخامس بناها إسكندر الرومي، وأعاد بناءها قباد بن فيروز الساساني». وكانت مدينة كبيرة وعظيمة ووفيرة الانتاج… وكانت مياهها تأتي من نهر يعرف بـ (ترتر) (ثرثور)([80]).
وكتب اعتماد السلطنة: بردعة التي تسمّى الآن (قرا باغ) اسم لناحية قلعتها ومدينتها تسمّى (شوشا). وإن شوشا أفضل وأكثر إعماراً من باقي بلاد القفقاز مثل: إيروان، ونخجوان، وگنجه وغيرها. وإن الأمير تيمور كور گان كان يحب أجواء قراباغ. وإن قلعة القصر التي سجن فيها إسماعيل ميرزا ابن الشاه طهماسب الصفوي هي نفسها قلعة شوشا([81]).
مدينة بيلقان
بعد تخريب بردعة أصبحت هذه المدينة مركزاً لولاية آران. وكانت تسمّى باللغة الأرمنية: فيداكران (Phaidagaran).
كتب ياقوت: بيلقان (بفتح الباء واللام) مدينة بالقرب من مدينة دربند (باب الأبواب)، ومن ولايات أرمنستان الكبرى. ويقال: إن (قباد) كان أول من أحدث هذه المدينة… خضعت هذه المدينة لسيطرة المغول عام 617هـ، وذبحوا سكانها ونهبوا أموالها([82]).
وكتب حمد الله المستوفي: بيلقان من الإقليم الخامس. وقد بناها قباد بن فيروز الساساني، وهي الآن مدمرة، وهي مبنية من الطابوق على الأغلب، وجوها حار([83]).
حاصر الأمير تيمور مدينة بيلقان في أواخر القرن الثامن. وبعد أن احتلها أمر بإعمار خرائبها، وشق لها فرعاً من نهر أرس بطول ستة فراسخ، وعرض 15 ذراعاً، وأسماه (برلاس)، أو عشيرة تيمور، أو نهر برلاس.
كنجه
من المدن الأخرى لـ (آران).
سماها الجغرافيون العرب بـ (جنزه)، وأسماها الروس القياصرة بـ (اليزابت پل Elizabetpol) وبعد الثورة السوفياتية غيّروا اسمها إلى: (كيروف آبد Kirovabad).
كتب ياقوت: (جنزه) بفتح الجيم، اسم مدينة كبيرة في (آران) وتقع بين شيروان وآذربيجان، ويسميها الناس (گنجه) ويفصلها عن بردعة حوالي 16 فرسخاً([84]).
وكتب حمد الله المستوفي: گنجه من الإقليم الخامس، وهي مدينة إسلامية، شيدت عام 339هـ. وتتميز بارتفاعها وجوها الجميل.
باجكاه
جاء اسم هذه المدينة في كتاب (حدود العالم من المشرق إلى المغرب) بهذا الشكل: باجگاه مدينة كيست وتقع على ضفة نهر أرس وتنبع منها الأسماك([85]).
وكتب مينورسكي: يمكن أن تكون هذه المدينة هي نفسها (جواد) التي تقع أسفل نقطة التقاء نهر كور مع نهر أرس. ويعبر المسافرون النهر من هذه النقطة بعد أن يسددوا ضريبة العبور من الجسر([86]).
شمكور
تقع في الشمال الغربي من گنجه، ولا زالت خرائبها ماثلة إلى الآن.
كتب ياقوت: شمكور (بفتح الشين) هي عبارة عن قلعة تقع في نواحي آران، ويفصلها عن گنجه ما يعادل مسافة يوم واحد سيراً، وعشرة فراسخ.
شروان
تقع ولاية شروان في الجهة الأخرى من نهر كر (كور) على ساحل بحر الخزر في المنطقة التي تلتقي فيها سلسلة جبال القفقاز مع البحر. عاصمتها شماخي (شماخا)، وكان يُطلق على أمرائها لقب (شوان شاه). والمؤلفون القدامى ذكروا اسم مدينتين أخريين في شروان ولكن لا يعرف محلّهما بدقة.
الأولى: كانت تسمى شابران وكانت تقع عند الفرسخ العشرين من دربند. والثانية: كانت تسمى بـ (شروان)، وتقع في سهل فسيح يبعد عن شماخي عبر جادة دربند ما يعادل مسافة ثلاثة أيام سيراً. وآخر نقطة في شمال ولا ية شروان كانت تسمى بـ (باب الأبواب)، وهي من الموانىء المهمة في بحر الخزر.
يقول ابن حوقل: إن مرفأ للسفن يقع وسط هذا الميناء. وفي هذا المرفأ الذي يمتد من البحر إلى داخل المدينة يوجد بناء يشبه السد بين جبلين مشرفين على المرفأ… وفي مدخل المرفأ الذي تدخل السفن من خلاله وضعت سلاسل مقفلة بإحكام تحول دون دخول أو خروج السفن إلاّ بإذن رئيس المرفأ. تم تشييد السد من الصخور والرصاص وأحيطت المدينة بسور مرتفع من الصخور([87]).
وكتب الاصطخري: إن باب الأبواب (دربند) أكبر من أردبيل بميلين. وقد كتب ياقوت شرحاً مفصلاً عن دربند (باب الأبواب) أشار فيه إلى السور العظيم الذي أحاط بالمدينة ليصد هجمات الأقوام المتوحشة حيث قال: يعتبر هذا السد من الذكريات التي بقيت من عهد أنوشيروان الساساني الذي شيده ليصد هجمات أقوام الخزر ضد إيران، وقد وضع له باباً حديدياً ضخماً([88]). وأحد ضباط روسيا القيصرية المسمى مارلنسكي الذي كان قد رأى خرائب هذا السد العظيم كتب يقول: ما هو معلوم أن هذا الجدار العظيم يبدأ من سطح القلعة ويمتد نحو المغرب، وهو يستند إلى أبراج صغيرة سواء في قمم الجبال أو أعماق الوديان، وهي بنيت بدون ترتيب أو نظام، وعلى فواصل غير محددة. لكن وكما تنبّأنا: فإن الأسلحة ولوازم الحرب خُزِّنت في هذه الأبراج لكي تُستخدم عند الحاجة من قبل حرّاس الجدار عند الحرب والدفاع. وعندما نلقي نظرة على الجدار (السور) من الأعلى يتبين أنه شُيِّد على شكل درجات متعددة. وأن ارتفاع البروج عن السور لا يَزيد عن ذراع، وقد تقدمنا في السور إلى مسافة معينة، ولو كنا قد تقدمنا أكثر لوصلنا حتماً إلى نهايته.
ميناء باكو (بادكوبه)
تقع هذه المدينة جنوب (دربند)، ويشير الاصطخري إلى نفط هذه المدينة، وقال ياقوت: توجد في المدينة بئر نفط يبلغ واردها المالي اليومي 1000 درهم. وإلى جانبها بئر أخرى يخرج منها نفط أبيض يشبه زيت الزئبق ولا ينقطع أبداً، وهناك أرض تثور النيران منها دائماً([89]).
ويطلق على باكوبه اسم بادكوبه أيضاً. حيث كتب اعتماد السلطنة: بادكوبه مدينة تقع في شروان على ضفاف بحر الخزر بالقرب من شبه جزيرة (آب شرون). وقد شيدوا سوراً عظيماً حول المدينة القديمة مزود ببروج… المدينة القديمة وقلعتها التي تتوسطها ليست عامرة بشكل مطلوب. ومعادن النفط متوفرة بكثافة في بادكوبه بحيث لو قام أي شخص بضرب الأرض بعصاه ثم أشعل ناراً بواسطة الكبريت الجوي الخارج عبر شقوق الأرض فإنها ستشتعل فوراً.
يقع معبد زرادشت للهنود عباد النار في مكان يسمى (صوري خانه) وهو على شكل مربع يتوسطه مبنى يعلوه طاق مفتوح من أطرافه الأربعة… وهناك حفرة في الوسط تخرج منها النيران التي يعبدونها.
وفي أطراف المبنى تتوزع الحجرات (الغرف)… وفي كل حجرة منفذ تخرج منه النار… والصحراء المحيطة في (صوري خانه) ولمساحة 4000 ذراع تشتعل فيها النيران دوماً.
كان هناك أحد الهنود الگجرات يصلي حسب طريقة عبّاد النار، وكان يقول: جئت إلى هنا من گجرات وأدير بنفسي الآن هذا المعبد… ولدينا معبد يشبه هذا المعبد في بومباي… وبعد أن دخل الإسلام إلى إيران فإن المعبد الكبير لهؤلاء الأقوام. انتقل إلى بادكوبه([90]).
وهكذا يتبين أن الزرادشتيين الهنود كان لديهم معبد في باكو يزورونه باستمرار.
وفي جنوب باكو تقع ولاية گشتاسفي قرب مدخل نهر (كر)، وتتزود بالماء من الجدول الذي يتفرع من النهر.
كما توجد قلعة تسمى (قبله) في الجبال القريبة من دربند وقد تحدثنا عنها سابقاً. وقد ذكرت مراراً في حروب تيمور خلال العهد الإسلامي([91]).
أما في العصر الحاضر فإن باكو هي عاصمة جمهورية (آذربيجان) وتقع على ضفاف بحر الخزر في شبه جزيرة آبشوران Apsheron.
قبائل جمهورية آذربيجان
يسكن في جمهورية آذربيجان الأقوام والقبائل التركية الآتية:
قره باغ كنگلي Kangaly، كومانلو Kumanlu، جگيرلي Jegirly، جوانشير، خلج، شاملو، قرامانلو Karamanlu، آيدين Aydin، يوا Yuva، إيسمرلي Ismarly دگر Dogar، بيات Bayat، قاجار، بهارلو، ذو القدر، استاجلو، پادر Padar، وتسكن هذه القبائل بشكل أكثر في الشمال الغربي من شماخي.
قبائل التركمان
زاكاتالا Zakatala،ونوحا Nuha بالقرب من كوردميرKurdamir، اختاروا السكن في شمال دربند وأطرافها وفي قرى عديدة هناك.
منطقة (خليل لورا) تضم نواحي عديدة هي شماخي، كوبا Kuba، گوگجاي، جواد، أق داش، نخجوان، وكانت تسكن في هذه المنطقة قبيلة تركية بنفس الاسم (خليل لورا).
طبقاً لتقويم سنوي نُشر في آذربيجان (الروسية) فإن القبائل الآتية كانت تعيش في هذه المناطق في عام 1856م وهي: خلج، آلپاودت Alpavut، كارابروك Karabruk، جبني Ghapni، كارادكين Karadakyn (قراتكين)، ديزهلو Dizahlu، بايندر Bayunder، كارايوند Karayund، قزاق Kazagh، كومان Kuman، تركان Turkan.
والأكراد الذين كانوا في آران منذ القدم يتحدثون الآن باللغة التركية. ولم يحافظ على لغته الكردية سوى الأسر والقبائل الآتية التي يبلغ مجموعها العام حالي 1000 عائلة: زنكه زور Zangazur، جلالي، قبائل مفروز الكردية Mafruz، عشائر شيلانلو.
أما بالنسبة للأقوام التركية المتنقلة التي وفدت أصلاً إلى هذه المنطقة من الخارج؛ فإنها اليوم استقرت في القرى، وأطلقوا على هذه القرى أسماء قبائلهم.
وكما قلنا آنفاً: فإنه على أثر الحروب التي كانت مستعرة بين إيران وروسيا في عهد (فتح علي شاه) القاجاري، فإن مدن ما وراء نهر أرس وقره باغ (آران) أصبحت ضمن روسيا… وقد سيطر الروس على مدينة گنجه عام 1805م، وعلى مدينة ماكو عام 1806م، وعلى مدينة شكي عام 1815م وعلى شيروان عام 1820م، وعلى قره باغ عام 1821م.
وهاجرت عشائر قاجار، وكنگرلو نحو قارصي بين عامي 1803 و1806م، إلا أنهم انتقلوا فيما بعد إلى إيروان.
ونزحت أسرة أميرلو من قره باغ نحو آذربيجان الإيرانية. ومن قبائل قره باغ التي نزحت نحو إيران مجموعات من (جلبيانلو ويوسفانلو) وذلك بمساعدة عشائر كنگرلو نحو ضفاف نهر أرس… ولكن بعد فترة من الزمن عاد قسم منهم ورُحب بهم من قبل الروس.
والعشائر المهاجرة استقرت معظمها في مناطق ماكو وأردبيل وتبريز. ولا زال يسكن في تبريز وباقي المناطق أُسر عديدة من المهاجرين الذين جاؤوا من بلاد ما وراء نهر أرس ومنها: قره باغي وشيرواني، وأردبادي وغيرهم([92]).
الدكتور محمد جواد مشكور
تطور آذربيجان([93])
كان عهد الإيلخانيين المغول الذين جعلوا من آذربيجان مركزاً لحكمهم، ومن مدينة تبريز عاصمة لامبراطوريتهم الواسعة، عهد ازدهار وعمران في آذربيجان، فقد تدفقت أموال وثروات الإيلخانيين كلها إلى هذا البلد، وساعدت على زيادة العمران وتشييد الأبنية والقصور والمساجد. فبلغت مدينة تبريز خاصة ذروة عمرانها وثروتها أثناء حكم غازان ووزارة الخواجة رشيد الدين الهمداني. أما في القرن 8هـ/ 14م وهو فترة انقسام الدولة الإيلخانية المغولية فقد أصيبت آذربيجان بأضرار جسيمة على يد الحكام المحليين أمثال: الجوبانيين، والجلايريين وغيرهما، كما تعرضت تبريز مرة للدمار على يد توقتمش خان الذي كان الخان الكبير لـ «المعسكر الذهبي». وفي أواخر القرن 8 ومطلع القرن 9هـ ( 14 و15م سقطت آذربيجان بيد تيمور الذي كان في أوج قدرته. وبعد وفاته عادت لتكون مسرحاً للغارات والغزوات، حتى تولى الحكم فيها أمراء قراقويونلو (قبيلة الخروف الأسود) ثم أمراء آق قويونلو (قبيلة الخروف الأبيض) وقد تمتعت آذربيجان في عهد هاتين الأسرتين التركمانيتين، ولاسيما الآق قويونلو (أوزون حسن والسلطان خليل والسلطان يعقوب) بهدوء ورفاهية نسبيتين حتى استطاع الشاه إسماعيل الصفوي في مطلع القرن 10هـ/ 16م الاستيلاء أولاً على آذربيجان ثم على جميع أرجاء إيران بدعم من القبائل التركمانية التي كانت تعيش في الأناضول وآذربيجان، وبما يتصف به من نفوذ معنوي وقيادي. وأقام دولة على أسس من الثقافة الإيرانية المبنية على الثقافة الإسلامية.
وكانت آذربيجان في القرن 10هـ/ 16م مسرحاً للقتال بين الدولتين الصفوية والعثمانية. وبالرغم من الجيوش المتتابعة التي جردها السلاطين العثمانيون وإقامتهم في تبريز لم يستطيعوا في أواخر القرن 10 ومطلع القرن 11هـ/ 16 و17م، أن يمدوا نفوذهم عليها. وكان للسياسة الحكيمة التي نهجها كل من الشاه طهماسب، والشاه عباس الأول، أكبر الأثر في عدم خضوع أهالي هذا البلد للعثمانيين. إلاّ أن قضية تتريك لغة أهالي آذربيجان اتخذت بُعداً عملياً، وتحققت في العهد الصفوي.
بادر التركمان منذ العهد السلجوقي حيث اختاروا العيش في آذربيجان بسبب حياتهم البدوية، واعتمادهم على رعي الأغنام إلى الحياة في المراتع والمراعي المجاورة للقرى. فبدأت بذلك عملية تتريك لغة أهالي آذربيجان من القرى والقصبات. وأبدت المدن التي كانت مركزاً للثقافة مقاومة أكبر تجاه هذه العملية. ولا شك في أن استبدال اللغة من اللهجات القديمة الإيرانية إلى التركية الآذرية قد تم بهدوء. واضطر الأهالي إلى تعلم هذه اللغة والامتزاج بها إثر الاتصال الدائم بالأقوام التركية الغالبة التي كانت تتمتع بخصائص ومميزات عرقية وقومية أقوى، وتعرضهم للضغوط الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الاضطهاد السياسي.
وقد تم في البدء تغيير أسماء القرى والمزارع، وحتى الكثير من الجبال والأنهار إلى التركية. فنهر قزل أُوزن مثلاً عرف في الوثائق القديمة بسپيدرود أو سفيدرود. ولكن بعد ورود الأتراك استبدل اسمه بـ «قزل أوزن» (النهر الأحمر).
وفي العهد المغولي استبدلت أسماء الأنهر والمياه ولا سيما المصايف إلى المغولية. فبُدِّل اسم مرتفعات تخت سليمان إلى «سُغورلُق» وهي كما يبدو كلمة تركية، ولكن استعمالها كان منذ العهد المغولي. وأطلق الاسم المغولي جَغَتو على زرينه رود، وتاتائو على النهر الذي يدعي اليوم سيمينه رود، ولا يعرف له اسم قبل المغول. و«جغان موران» على (سفيدر ود وهو غير سفيدرود المعروف)، وجغان ناوور على (البحيرة البيضاء) وغيرها.
واليوم تحتفظ مدن آذربيجان الكبرى بأسمائها القديمة والأصيلة الإيرانية، وهو ما يشاهد أيضاً في أرّان والبلاد الواقعة في شمال أرس. أما أسماء القرى والأرياف فقد تغيّرت تغيراً تامّاً، واستبدلت بها على الأكثر التركية ونادراً المغولية.
وفي القرن 11هـ/ 17م أي منذ الفترة التي استطاع الشاه عباس الكبير إجلاء الجيوش العثمانية من آذربيجان، وحتى سقوط الصفويين كانت آذربيجان تتمتع بالهدوء، ولاسيما أثناء ضعف الدولة العثمانية، ولم تعد تشكل خطراً على تلك الولايات. ولكن بعد سقوط الصفويين واستيلاء الأفغان على شرق وأواسط إيران (1125هـ/1713م)، احتل العثمانيون آذربيجان بموجب معاهدة عقدت بينهم وبين الروس (1137هـ/1725م)، واستمر هذا الاحتلال حتى هزيمتهم التامة على يد نادر شاه أفشار (1145هـ/1732م). وكانت آذربيجان. في عهد نادر شاه ميداناً للحرب، وبعد وفاته غدت مسرحاً لغارات قواده حتى مطلع القرن 13هـ/19م، حيث نعمت لفترة بالهدوء بعد استيلاء آغا محمد خان عليها وبدء الحكم القاجاري فيها. وبعد وفاة محمد خان في 1211هـ/1796م، تولى فتح علي شاه الحكم (1212هـ/1797م)، وبدأت اعتداءات روسية القيصرية على إيران فواجهت آذربيجان وضعاً حساساً. وأصبحت مركزاً لحشد القوات وإرسالها إلى الشمال لمواجهة الجيوش المهاجمة. وفي هذه الفترة أصبحت آذربيجان أهم المقاطعات الإيرانية من الناحيتين العسكرية والسياسية، واتخذ منها ولي عهد فتح علي شاه وقائد القوات الإيرانية مقراً دائماً له مقابل القوات الروسية. وبعد ذهابه إلى خراسان ووفاته أوفد محمد ميرزا الذي أصبح ولياً للعهد في إيران إلى تبريز، وجلس على العرش في هذه المدينة بعد وفاة فتح علي شاه في 1250هـ/1834م. وأقام ابنه ناصر الدين ميرزا الذي كان ولياً للعهد في آذربيجان أيضاً. وبذلك أصبحت تبريز مقراً لولاة العهد والمدينة الثانية في إيران من الناحية السياسية.
وفي 1297هـ/1880م، حدثت فتنة الشيخ عبيدالله كُرد في المنطقة الكردية من آذربيجان وغرب بحيرة أرومية. وأدّت إلى كثير من الخراب والأضرار، وقضي عليها بعد جهود كبيرة.
وفي حركة الدستور كانت آذربيجان بعد طهران أكبر مركز للأحرار والثورة على الاستبداد. وبعد عام 1941م، واحتلال الجيش الروسي لآذربيجان أعلن بعضهم الحكم الذاتي فيها بدعم من القوات المحتلة. وكان هدفهم في الحقيقة فصلها عن إيران وضمها إلى بلد آخر. إلاّ أن أهالي آذربيجان الذين كانت تربطهم أقوى الصلات بتاريخ إيران وثقافتهم رفضوا كل ما أُعدَّ من خطط في الخارج لتجزئتها.
آذربيجان الشرقية
إحدى المحافظات الشمالية الغربية في إيران. تبلغ مساحتها 67102 كلم2.
وتأتي مساحة إذربيجان الشرقية في المرتبة التاسعة بين محافظات البلاد. وتحتل هذه المحافظة قسماً كبيراً من هضبة آذربيجان التي تم تقسيمها رسمياً في أيلول 1958م، إلى: آذربيجان الشرقية (المحافظة الثالثة)، وآذربيجان الغربية (المحافظة الرابعة)، وتحتوي آذربيجان الشرقية على 11 قضاء، و32 ناحية، و87 قرية كما تضم 4576 وحدة سكنية ريفية، و45 مستوطنة (م.س، 17). وهذه الأقضية هي: تبريز، أردبيل، أهر، خلخال، سراب، مراغة، مرند، مِشكين، مغان، ميانه، هشترود.
آذربيجان الغربية
إحدى المحافظات الإيرانية الصغيرة، وتقع بحيرة أرومية التي تعدّ أكبر بحيرة في الهضبة الإيرانية بين هذه المحافظة ومحافظة آذربيجان الغربية. وقد تم رسم الحدود المائية في الخرائط الجغرافية المتداولة، بين هاتين المحافظتين بحيث يقع أكثر من نصف البحيرة داخل حدود آذربيجان الغربية. وتبلغ مساحة آذربيجان الغربية، بغض النظر عن جزء من بحيرة أرومية، 38850 كلم2 وتعادل حوالي 36, 2% من مساحة إيران. وتأتي مساحة هذه المحافظة في المرتبة الثالثة عشرة بين المحافظات الإيرانية.
وتمتد آذربيجان الغربية من الشمال إلى الجنوب، غرب هضبة آذربيجان. وتحتل بحيرة أرومية التي تقع في وسط المحافظة حوالي 3/1 مساحتها. وفي الثلث الجنوبي تزداد سعة المحافظة من الشرق إلى الغرب. وتبلغ المسافة بين شمال المحافظة وجنوبها حوالي 500 كلم أما المسافة بين شرقها وغربها في القسم الجنوبي من المحافظة فتبلغ حوالي 250 كلم.
وتعتبر آذربيجان الغربية منطقة جبلية حيث ترتفع أكثر مناطقها الوسطى انخفاضاً أي سواحل أرومية، 1297م، عن سطح البحر، كما ترتفع أخفض نقطة في المحافظة في حوض نهر أرس عند الحد الشمالي 910م عن سطح البحر.
وتحتل المناطق المسطحة القليلة التضاريس نسبياً، والتي لا يزيد ارتفاعها عن 1500م حوالي 27% من مساحة المحافظة. وهذه المناطق عبارة عن السهول الرسوبية الواقعة حوالي بحيرة أرومية. وتزداد مساحة هذه السهول في جنوب البحيرة أي: في قضاءي مهاباد، ومياندوآب بينما لا تزيد هذه المساحة في غربها وشمالها أحياناً عن 20 كلم، وتمتد على طول الأنهر كزرينه رود وسيمينه رود 200 كلم داخل المرتفعات.
وتعد جميع مناطق غربي إيران سيما مناطق سلاسل جبال زاغروس التي تشكل آذربيجان الغربية امتداداتها الشمالية، من أهم أقاليم سكنى الرعاة الرحل في إيران، ومعظمهم من السنة على المذهب الشافعي. وتعتبر الفارسية اللغة الرسمية في آذربيجان الغربية، غير أن معظم أهالي المحافظة يتكلمون بإحدى اللغتين التركية والكردية أيضاً. كما أن أبناء الأقليات الدينية يتكلمون فيما بينهم باللغات الأرمنية والآشورية والكلدانية.
وتعتبر جامعة أرومية الوحيدة في المحافظة، حيث تأسست في البداية 1965م، ككلية للزراعة تابعة لجامعة طهران ثم تحولت إلى جامعة مستقلة باسم جامعة أرومية في عام 1977م، وتضم الجامعة حالياً 4 كليات، وكانت تحتوي في عام 1988م، على 1759 طالباً.
وفي الفترة الأخيرة أسست الجامعة الحرة بعض الكليات في خوي ومهاباد.
وتعتبر مدينة أرومية مركزاً للمحافظة حيث تقع في سهل رسوبي خصب يقع إلى الغرب من بحيرة أرومية. وقد أدى وجود أنهار متعددة كـ باراندوز جاي، وشهرجاي، ونارلوجاي وغيرها، وتربة رسوبية جيدة إلى ازدهار الزراعة في أرومية كما أن موقعها الجغرافي على طريق أرمينية والقفقاس من جهة وأراضي بين النهرين من جهة أخرى في فترات ما قبل التاريخ له أهمية تدلّ عليها الآثار القديمة التي اكتشفت حديثاً فيها.
جمهورية آذربايجان
تقع جمهورية آذربايجان في أدنى عرضها الجغرافي في الدرجة (38 و26) دقيقة، وفي الأقصى في الدرجة 42 و13 دقيقة. وفي أدنى طولها الجغرافي في الدرجة 43 و54 دقيقة، وفي الأقصى في الدرجة 50 و38 دقيقة من مدار الأرض.
كانت آذربايجان واحدة من خمس عشرة جمهورية متحدة تشكل الاتحاد السوفياتي السابق، وبعد انهيار النظام الشيوعي في شهر كانون الأول من عام (1991م) نالت آذربايجان استقلالها.
جغرافياً: تقع آذربايجان في شرق منطقة القوقاز، تجاورها شمالاً داغستان، وفي الشمال الغربي جورجيا، وفي الجنوب جمهورية إيران الإسلامية، وفي الشرق سواحل بحر قزوين، وفي الغرب والجنوب الغربي أرمينيا وتركيا.
تبلغ مساحتها (86600) كيلو متر مربع، وهي بذلك أكبر جمهورية بين الجمهوريات الثلاث الواقعة في ما وراء القوقاز. وعاصمتها مدينة (باكو) الجميلة التي تقع عند ساحل بحر قزوين.
ورغم وجود دراسات قيمة في الرسائل القديمة عن آذربايجان، لكن هناك اختلافاً كبيراً في هذا المجال. وعى أي حال فإن أكثر المصطلحات رواجاً في كتب الجغرافيا والتاريخ هي (اتروباتنا) و(البانيا) و(اران) وقد وردت على الشكل التالي:
(اتروباتنا): وهو الاسم القديم لمملكة آذربايجان، وفي الأصل كانت جزءاً من (مدى) أي بلاد الجبال، ثم انفصلت عنها. أما وجه تسميتها: فإنه يعود إلى زمان (دارا) آخر ملوك الكيانيين، كان هناك شخص اسمه (آذرباد) عيّنه الملك والياً عليها. وكان اليونانيون يسمّونه (اتروبات) ويسمّون ولايته (اتروباتنا) ثم تحول لفظها في اللغة البهلوية الى (آذربادكَان) ثم عرّبها العرب لتصبح (آذربايجان). وقيل أن (اثروبات) تعني (حارس أرض النار) وهو أحد قادة جيش اسكندر المقدوني عند فتحه لإيران.
وكانت الأراضي الواقعة شمال آذربايجان وجنوب داغستان تسمّى في الماضي البعيد: (ألبانيا) ويعتقد بعض العلماء أن ألبانيا كانت تعني أرض الجبال، ولا تزال إحدى قرى مدينة (قوبا) في آذربايجان اسمها (البان) وكانت سواحل بحر قزوين قبالة ألبانيا تسمّى آنذاك ببحر ألبانيا.
مؤلفو التاريخ، ومنهم: (استرابون) الجغرافي المعروف كانوا يطلقون على البانيا (ألبان)، والأرمن (آغوانك)، والإيرانيون (أران)، والعرب (الران). أما المحقق المعروف وأحد الخبراء البارزين الخبير بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز (عناية الله رضا) فقد ذكر في كتابه (آذربايجان وآران ـ البانيا القوقاز) الدوافع والأسباب الأساسية لتغيير اسم آران إلى آذربايجان، وعاد ليؤكد ذلك خلال محاضرة له ألقاها في مؤتمر (تحولات الاتحاد السوفياتي السابق ونتائجها على العالم الثالث) الذي عقد في طهران، وكانت محاضرته تحت عنوان (الآراء السياسية والتاريخية لآذربايجان).
فالاسم الأساسي والتاريخي لجمهورية آذربايجان في القديم هو: (آران) وفي عام 1918م، قام حزب المساواة التركي والداعي إلى القومية التركية بوضع اسمها الحالي. لهذا لا ينبغي أن يسمى شعبها الآذريون.
(بارتولد) أحد علماء الاتحاد السوفياتي السابق والمتخصص بشؤون الشرق، والمعدود من أصحاب الرأي المحايدين، أورد في مجموعته التي طبعت في موسكو عام 1963م، مقطعاً حول تغيير هذا الاسم فقال: لقد ظهر اسم (آذربايجان القوقاز) بعد ثورة اكتوبر عام 1917م، وسبب اختيار الروس لهذا الاسم هو اعتقادهم أن إقامة جمهورية آذربايجان سيؤدي إلى انضمام آذربايجان إيران إلى جمهورية آذربايجان. لكنه يعتقد أن الاسم المناسب لجمهورية آذربايجان الموحدة هو (اران).
وفي تاريخ ثمانية عشر عاماً لآذربايجان نقرأ: «منذ الأيام الأولى لثورة (الحاج إسماعيل آقا مير خيزي) الذي كان من ثوار تبريز، ومن المقربين للشيخ محمد الخياباني، كان منزعجاً جداً من تغيير اسم القوقازيين من (آران) إلى (آذربايجان) وكان غير مرتاح للوحدة، كما أنه لم يكن مستعداً للتخلي عن الأحضان الحنونة لأرض آبائه وأجداده أي إيران، واقترح تغيير اسم (آذربايجان) إلى (آزادستان) أي الحرّة، تقديراً لتضحيات زعماء الحركة الدستورية (المشروطة). وبناءً لاقتراحه هذا غيّر هو وجماعة آخرون اسم: محافظة آذربايجان الإيرانية؛ ليصبح: (آزادستان) أي محافظة الحرية أو المحافظة المحررة. لكن تغيير الاسم هذا لقي معارضة من قبل المسؤولين السياسيين الكبار في إيران، وأصدروا عدة بيانات تطالب بالعودة إلى الاسم الأصلي أي: القوقاز، آران».
وفي هذا المجال جاء أيضاً: عندما احتل الروس (باكو) عام 1920م، قاموا بتغيير الاسم التاريخي للمنطقة من (آران) إلى (آذربايجان السوفياتية) بقصد التسلط على آذربايجان كلها، ثم قاموا بتغيير أسماء كثير من المدن: وتسميتها بأسماء جديدة مثل: لينين آباد، استالين أباد. ليقضوا بذلك على الخلفية التاريخية والثقافية القديمة جداً، واستبدالها بهوية روسية.
ولم ينته الأمر بتغيير آران إلى آذربايجان، بل كتب بعض المؤلفين السوفييت: إن آذربايجان لم تكن في يوم من الأيام أرضاً إيرانية «بل إنها خضعت لها بشكل مؤقت نتيجة الحملات الإيرانية المتكررة للاستيلاء عليها» في حين لم يرد أي ذكر أو إشارة لتلك الحملات الاستيلائية المزعومة في أي برهة تاريخية، وفي أي كتاب للمؤرخين القدامى والمعاصرين. إذن فإن إدعاءه هذا ليس إلا سعي حثيث لتحريف التاريخ يكشف عن نوايا وأهداف زعماء الشيوعية السوفياتية، وليس له أي دعامة تاريخية.
أما سكان جمهورية آذربايجان فقد بلغوا (6506000) نسمة استناداً إلى آخر إحصاء أُجري عام 1984م.
حالياً يزيد عدد سكان جمهورية آذربايجان عن (7) ملايين نسمة، بكثافة (82) نسمة لكل كيلومتر مربع، وتشكل بذلك أكثر عددية سكانية بين جمهوريات القوقاز، وأكثر الدول الإسلامية كثافة سكانية في آسيا الوسطى والقوقاز.
ففي قزاقستان تبلغ الكثافة (6) نسمات في الكيلو متر المربع، ويبلغ متوسط كثافة السكان في جميع الجمهوريات الستة المسلمة (14,1) نسمة في كل كيلو متر مربع.
أما(باكو) عاصمة جمهورية آذربايجان فكان عدد سكانها عام 1983م (1,638,000) نسمة، ويبلغ حالياً مليوني نسمة.
في آذربايجان (63) مدينة، و(122) قرية ومحلة. من أهم مدنها وقصباتها: باكو، گنجه، شيروان، نخجوان، اردوباد، ساليان، شماخي، دربند، بايرام، لاشين، شوشا، آقدام، آقدره، قوبا، لنكران، قره باغ، طوبى، آستارا، فضولي، جبرائيل، بيلقان.
على مدى الحدود الشمالية لجمهوية آذربايجان تمتد أكبر سلسلة جبال في القوقاز المغطاة دوماً بالثلوج، في حين أنها تنخفض عند سواحل بحر قزوين إلى ارتفاع (28) متراً تحت سطح البحر. وفي وسط آذربايجان تمتد هضبتا (كورا) و(أرس) الواسعتان بين سلسلتي جبال القوقاز والقوقاز الصغير، وتشكلان مصدر الإنتاج الزراعي الرئيسي لآذربايجان. أعلى قمة في آذربايجان هي قمة (بازار دوز) ويبلغ ارتفاعها (4466) متراً عن سطح البحر، بينما يبلغ ارتفاع قمة (شاه داغ) (4243) متراً. ويوجد في آذربايجان ثمانية أنهر كبيرة، واكثر من (1200) نهر صغير ورافد جبلي. ويبلغ طول ساحل آذربايجان مع بحر قزوين (800) كيلو متر.
اللغة والخط في جمهورية آذربايجان
المعلومات المتوفرة تدل على أن الكتابة الرائجة في آذربايجان كانت حتى عام (1929م) بالحروف العربية، وبعد ذلك التاريخ بُدّلت إلى اللاتينية، وفي شهر أيار عام (1939م) بُدّلت إلى السيريلية أو الروسية.
المثقفون الإصلاحيون من أمثال (آخوند زاده) هم الذين طرحوا إبدال الكتابة العربية بالاتينية في أوائل القرن التاسع عشر، لكن ذلك لم يقع إلاّ في عهد الحكومة السوفياتية.
فعند إبدال الحروف العربية باللاتينية على يد الشيوعيين، اضطر الآذربايجانيون لمدة (18) عاماً أن يكتبوا ما يريدون بالحروف اللاتينية، بحيث لا تجد الآن سوى كبار السن، وقلة من العلوم يعرفون الكتابة العربية والقرآنية. وعندما انتهت المرحلة الأولى من (الروسنة) أي مرحلة سلخ شعب آذربايجان عن المظاهر الإسلامية، بدأت المرحلة الثانية في عام (1939م) حيث قام كل من: صمد ورغون ومحمد سعيد أردوبادي، والعديد من منفذي سياسات موسكو بعقد اجتماع قرروا فيه إبدال الحروف اللاتينية بالحروف الروسية، مما أدى إلى إتلاف آلاف المجلدات التي كتبت باللاتينية، وأصبح استعمال السيريلية أو الروسية أمراً إجبارياً.
أما اللغة الوطنية لشعب آذربايجان فهي: الآذربايجانية التي تعود إلى مجموعة جنوب تركيا([94])، ويمكن اعتبارها جزءاً من مجموعة (اوغوز) الفرعية السلجوقية. أما اللغات القريبة للآذربايجانية فهي: اللغة التركية والتركمانية. كما أنها تلتقي في بعض نواحيها مع لغات: الغاغائوز، الأوزبك، نوغاي، الكوميك.
ولهذه اللغة أربعة لهجات أساسية هي: الفرع الشرقي ويشمل لهجات: قوبا، باكو، شماخي، لنكران. والفرع الغربي ويشمل لهجات: القزاق، غنجه، ونواحي قره باغ وآيروم. والفرع الجنوبي ويشمل لهجات: نخجوان، إيروان. والفرع الشمالي ويشمل لهجة النوخا، إضافة إلى عدة لهجات فرعية.
لهجات باكو وشماخي تشكل أساس الأدب الآذربايجاني. حيث تتأثر المصطلحات والكلمات باللغتين الفارسية والعربية بشدة. وتستعمل اللغة الآذرية إلى جانب الروسية في المعاملات الإدارية والقضائية والرسمية. أما اللغة الرائجة في معظم مدارس آذربايجان في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة فهي: الأذرية. وفي عام (1958م) بدأ التدريس في بعض المدارس باللغة الروسية وعلى احتمال باللغتين الأرمنية والجورجية أيضاً. وفي نفس العام كانت الآذرية هي لغة الدراسة خارج آذربايجان في جمهورية داغستان، وعلى احتمال في أرمينيا. وفي عام (1972م) كانت الآذرية هي لغة التدريس في الصفين الأول والثاني الابتدائي وفي الصفوف التمهيدية في جمهورية داغستان. إضافة إلى ذلك كانت تدرس اللغة الآذرية كمادة مستقلة اختيارية في الصفوف: الأول إلى الثامن من المدارس الروسية.
أما الدراسة في جامعة آذربايجان الحكومية أي جامعة كيروف التي أسست في باكو عام (1919م) فكانت باللغتين الآذرية والروسية. أما في المجالات الفنية والعلمية فكانت المعاهد المتخصصة تعتمد اللغة الروسية عادة.
إني أعتقد أن السيدة شيرين آكينر التي تقول بقرب اللغة الآذرية من اللغة التركية الاسطمبولية قد خرجت للأسف عن جادة الصواب والإنصاف.
ولعلها لم ترد أو لم تتمكن من تبيين حقيقة الأمر. ذلك لأن لغة مسلمي جمهورية آذربايجان أقرب ما تكون إلى لغة آذريي إيران، وبعبارة أخرى: فإن وحدة اللغة بين ذينك الشعبين تشكل وجهاً آخر إلى جانب الوحدة الدينية والقومية لتكون أكثر انسجاماً وأقرب إلى إيران من تركيا. وقد بدا لي ذلك بوضوح من خلال اللقاءات التي جرت خلال العامين الماضيين مع عدد من الأساتذة والهيئات العلمية والجامعية لجمهورية آذربايجان، خلال زياراتهم لمؤسسة الدراسات الإسلامية للحرم الرضوي.
فرغم انهيار النظام الماركسي، واستقلال هذه الجمهوريات في كانون الأول من عام (1991م) وضعف لغة الشيوعية الحاكمة أي السيريليكية، فإن النظام التركي قام بطرح شعار (القومية التركية) من جديد، وقام بحملة دعائية، واستثمارات ثقافية من قبيل: إرسال أجهزة طباعة، مما مكنه من إحلال الكتابة التركية الإسطمبولية مكان اللغة الأم، واللغة الوطنية الآذرية، لتتخذ شكلها الرسمي. من ناحية أخرى فإن جمعاً من الروس يتواجدون حالياً في بعض الدوائر والمؤسسات الهامة الحكومية والخاصة في آذربايجان، وهذا ما يدل على بقاء استعمال اللغة الروسية في آذربايجان كما كانت في السابق، وعدم انحسارها الكامل عن ثقافة تلك الديار.
يتوقع في المستقبل القريب أن تأخذ الحركة الثقافية مجالها، ليتمكن شعب هذه الجمهورية من العودة إلى هويته الواقعية الأصيلة، ويخطو خطوات أساسية فاعلة نحو تثبيت اللغة الآذرية الأصيلة، اللغة الأم واللغة الوطنية.
آذربايجان في الساحة التاريخية
لمعرفة الأحداث والتقلبات التاريخية لآذربايجان لا بد لنا من تصفح تاريخ تلك البلاد منذ تشكيل أول سلالة إيرانية هناك وحتى عهد الاستقلال، أي حتى عصر انهيار الشيوعية لهذا سنسعى إلى ذكر أسماء جميع الحكومات التي توالت على هذه الجمهورية طوال التاريخ إيرانية كانت أو غير إيرانية.
من الجدير ذكره أنه بعد فتح هذه البلاد دخلها الدين الإسلامي كباقي البلدان، وأثر ذلك على حوادثها ووقائعها التاريخية، لكننا سنمر بإيجاز على تاريخ الحكومات المتعاقبة لهذه الجمهورية منذ البداية حتى الاستقلال، ثم نتناول الموضوع الأول بشكل مفصل.
تشير القرائن التاريخية: إلى أن آذربايجان الحالية كانت مقطونة منذ العصر الحجري الثاني، وأول سلالة أقامت حكومة فيها في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد كانت سلالة (مادها) ثم جاء (الهخامنشيون) في أواسط القرن السادس قبل الميلاد، وبعد هجوم الاسكندر المقدوني على إيران في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد (328ق.م) وهزيمة الامبراطورية الهخامنشية، قام (آتروبات) أحد ولاة الاسكندر بتأسيس حكومة مستقلة في آذربايجان. وفي أوائل القرن الثالث الميلادي خضعت معظم أراضيها للأمبراطورية الساسانية، وبقيت كذلك حتى أواسط القرن السابع الميلادي عندما قام المسلمون بفتح ما وراء القوقاز. وكانت الأكثرية الساحقة تتكلم اللغة الفارسية، فيما ذاب العرب الذين بقوا هناك في المحيط المحلي.
إن أمواج المهاجرين إلى هذه المنطقة اشتدت إلى درجة أنها استطاعت تغيير خصوصياتها. وقد انطلقت هذه الأمواج من مغوليا وقبائل الترك الذين ظهروا في آذربايجان بشكل تدريجي في أوائل القرن السابع الميلادي، لكن انهمارهم كالسيل كان طوال القرن الحادي عشر الميلادي بشكل مترافق مع مواجهات السلاجقة والأوغوز، مما نشر اللغة التركية بين أهالي المنطقة.
وتمكن السلاجقة من تحطيم مقاومة الناس بعد ثلاثين عاماً من المواجهة، فاحتلوا آذربايجان، وقضوا على حكومتي الرواديين والشداديين.
وخضع الشيروانيون لطاعة السلجوقيين، فدفعوا لهم سبعين ألف دينار غرامة، وتقرر أن يدفعوا لهم كل عام أربعين ألف دينار. وكان لاستيلاء السلاجقة على إنتاج آذربايجان أثره السيء، لأنهم كانوا يخربون كل ما يواجهون، وهدموا كل الأماكن، حيث كان ملوك السلاجقة يرون في آذربايجان مصدر ثروة، فأرهقوا أهالي آذاربايجان بالضرائب ونهبوا ثرواتهم.
وجاء المغول في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، فتبارى معسكران مغوليان في الاستيلاء على آذربايجان، المعسكر الأول: في الشمال وهو المعسكر الذهبي (قبيلة جوجي) والمعسكر الثاني: في الجنوب وهو معسكر الإيلخانيين (قبيلة هولاكو) دون أن يتمكن أي منهم من الفوز. وفي عام (1383م) تمكن حاكم ما وراء النهر تيمور (قبيلة جغتائي) من فتح جنوبي آذربايجان، أما الشمال فوقع بيد شيروانيي دربند وبعد موت تيمور عام (1405م) تمكن الشيروانشاه إبراهيم من توحيد قسمي آذربايجان لمدة قصيرة، ولم يدم الأمر حتى عاد تقسيم آذربايجان، فبقي الشمال بيد الشيروانيين، والجنوب بيد قبائل الاوغوز التركمانية. بداية بيد (قراقويونلو) ثم (آق قويونلو).
في عام (907هـ ـ1502م) تمكن الشاه إسماعيل الصفوي من انتزاع (تبريز) من يد (آق قويونلو)، وكان الصفويون شيعيو المذهب، وقد انطلقوا من (أردبيل) وكانوا يجيدون اللغتين الفارسية والتركية، وكان أهالي آذربايجان حينها سنيي المذهب ولغتهم التركية، ورغم ذلك تمكن الشاه إسماعيل من إتخاذ آذربايجان عاصمة مركزية لمملكته.
جيش (قزلباش) الصفوي عبر نهر (كر) واحتل عام (1500م) مدينة (شاماخي) ودارت معركة قرب قلعة (گلستان) تغلب فيها الصفويون على الشيروانشاه، وقتلوه. فاقترب الشاه إسماعيل الصفوي بجيشه من (باكو) وطلب من المتحصنين في قلعتها الاستسلام، لكنهم دافعوا عنها ببسالة، فأمر إسماعيل بوضع الديناميت تحت جدران القلعة، وفجروا أحد أبراجها. ودخل جيش القزلباس إلى باكو، ونهبوها، واستولوا عل خزانة شيروانشاه. وباحتلال باكو سقطت (شيروان) تحت احتلال القزلباش أيضاً.
الشاه عباس الأول وقع مع تركيا عام (1590م) معاهدة سلام. وبناءاً على تلك المعاهدة أصبحت: أرمينيا، وجورجيا وآذربايجان (ما عدا طالش وأردبيل) تحت سلطة الشاه عباس.
وفي عام (1601م) انتفضت (قوبا) على الأتراك، وبدأ أهالي (تبريز) و(شيروان) انتفاضتهم. والتحق بهم أهالي (باكو). فقتل بعض الأتراك الذين كانوا يعيشون هناك، وأسر الآخرون. وفي (نخجوان) أيضاً وقعت اشتباكات، والتحق مزارعو آذربايجان وأرمينيا بالمواجهة، وتولى (كوراوغلي) قيادة احدى مجموعات المقاومة ضد المحتلين الأتراك، فناضل بشجاعة، ويقال: أن اسمه الأساسي كان (روشن)، وأن أحد الاقطاعيين الأتراك كان قد اقتلع عيني والده الذي كان فلاحاً عادياً، ومنذ ذلك الحين سمي روشن بـ (كور أوغلي).
في عام (1722 ـ 1723م) احتل الجيش الروسي مدينتي دربند وباكو، فردّ عليهم العثمانيون باحتلال باقي أراضي ما وراء القوقاز ومنها مدن: تفليس، ايروان، نخجوان، گنجه. وكانت إيران آنذاك تتعرض لهجوم ونهب أفغاني شارف بها على السقوط.
وفي عام (1724م) جاءت معاهدة القسطنطينية لتجعل من احتلال العثمانيين لجورجيا، وشيروان، وآذربايجان. ومن احتلال الروس لنواحي بحر قزوين أمراً رسمياً.
وفي ربيع عام (1734م) هاجم جيش (نادر) مدينة (شاماخي) وأمر بإحراق المدينة، وهجروا أهلها إلى مسافة ستة كيلو مترات، واطلقوا على المكان الجديد اسم شاماخي الجديدة.
في تشرين الأول من نفس العام حاصر (نادر شاه) مدينة (گنجه) وأقام سداً على نهر گنجه ليوجه الماء نحو القلعة. ورغم أن الماء أضعف جدران القلعة، لكن (نادر) لم يتمكن من احتلال گنجه.
وبعد فتحه لإيروان وتفليس اقترب (نادر) من گنجه ثانية، فلم يتمكن أهاليها من الصمود أمام حصاره، فاستسلموا له.
وبعد أن استطاع نادر حفظ النظام داخل إيران، اضطر الروس عام (1735م) إلى تسليم سواحل بحر قزوين لنادر شاه، وتمكن نادر من طرد العثمانيين من آذربايجان، لتعود إلى الحكم الإيراني.
في عام (1733 ـ 1734م) انتفض أهالي كل من: شيروان، شكي، خوي، تبريز، سلماس. وتصاعدت الانتفاضة في (شكي) بقيادة الإقطاعي (حاجي چلبي) وأراد نادر شاه أن يسكت الانتفاضة، فعيّن الچلبي حاكماً عليها.
منذ عام (1745 ـ 1746م) أجبر نادر شاه أهالي شيروان على دفع (150,000) تومان علاوة على الضرائب المقرر للخزينة، وأهالي قرى گنجه على دفع (111,000) تومان وكانت هذه المبالغ تفوق مقدار الضرائب الأولى. مما أجبر بعضهم على بيع أولاده في الأسواق. فكتب أحد مؤرخي القوقاز (تلك الأيام المهلكة أَخْوَت المدينة من ممتلكاتها، واضطر الناس لبيع أطفالهم، لكنهم لم يجدوا من يشتريهم، فكان رب الأسرة يترك زوجته وأطفاله، ويفر).
في عام (1160هـ/1747م) مات نادر شاه، فضعفت الحكومة المركزية، واستولى الولاة المحلّيون على الحكم في بعض المدن مثل: باكو، گنجه، قره باغ، قوبا، نخجوان، شماخي، طالش.
ولايات آذربايجان وجورجيا التي كانت مطيعة للحكومة الإيرانية طوال عهود الصفويين والأفشاريين، انفصلت عنها في عهد الزنديين لضعف حكومتهم وانتفاء مركزيتها السياسية في البلاد، واعلنت استقلالها عن إيران. ودعم ذلك الاستقلال امبراطور روسيا القيصرية لحاجته إلى توسعة نفوذه في آسيا. وكان لدعمه هذا أثره في تثبيت استقلال جورجيا وآذربايجان.
في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي قرر (محمد خان القاجاري) توجيه جيشه نحو جورجيا وآذربايجان لإعادتهما إلى حكومته بعد استقلالهما. لكن الروس كانوا قد أمسكوا بإدارتهما بشكل غير مباشر، فردّوا عليه بإعادة احتلال: باكو، وگنجه، وشماخي. فطلب (محمد خان) من حاكم جوجيا وآذربايجان المدعوم من قبل الروس أن يدير آذربايجان بحرية شرط أن يخرج من تحت مظلة الروس، وأن يعيد جورجيا إلى إيران كما كانت في السابق، لكن الحاكم اعتمد على الدعم الروسي ورفض هذا الاقتراح. فتحرك (محمد خان) نحو آذربايجان في شهر شوال (1209هـ/1794م) وحاصر مدينة (شوشي) وباقي المدن. فطالت محاصرة هذه المدن، وتكبدت قواته خسائر كثيرة، فقام فجأة بتوجيه قواته نحو جورجيا.
منذ عام (1803م) بدأت روسيا باعتداءاتها على الحدود الإيرانية، واخضعت بعض المدن لسيطرتها مثل: قره باغ وشيروان. فكانت هذه الاعتداءات بداية المرحلة الأولى للحروب الإيرانية الروسية التي انتهت بهزيمة إيران، فقام سفير إنكلترا يعرض وساطته التي أثمرت عقد اتفاقية بين الطرفين في (گلستان) من توابع قره باغ، في (11) فصلاً ومقدمة. ووقعت في (29 شوال 1228هـ/12 تشرين الأول 1813م) بحضور السفير الانجليزي، وبإمضاء الميرزا أبو الحسن خان الشيرازي ممثلاً إيران، ونيقولا الممثل الخاص للقيصر. وقد ألغت الحكومة السوفياتية الاشتراكية تلك المعاهدة فيما بعد، عدا القسم المتعلق بفصل قسم من القوقاز عن إيران.
وجاء في الفصل الثالث من المعاهدة ما يلي: «إن ملك إيران إظهاراً منه لصداقته ووفائه لامبراطور روسيا يقر بأن جميع ولايات: قره باغ، گنجه، خانان موقان، شكي، شيروان، قبة، دربند، باكو. وجميع ولايات طالش التي تخضع للحكومة الروسية حالياً، وداغستان وجورجيا إلى نهاية بحر قزوين هي تابعة للحكومة الروسية».
وللأسف فإن معاهدة گلستان لم تحدد الحدود بين البلدين بشكل واضح وصحيح مما أدى بعد ثلاثة عشر عاماً من توقيعها إلى بدء المرحلة الثانية من حروب إيران وروسيا، والتي استمرت عامين.
الشهامة الإيرانية في بدء الحرب الثانية بين إيران وروسيا كان مردّها إلى اعتراض بعض المجتهدين على معاهدة گلستان، وتشجيع بعض المسؤولين. في حين كان (عباس ميرزا) ولي العهد، ونائبه يعتبران أن لا جدوى من شن هذه الحرب، لاعتقادهم أن الجيش الإيراني الذي كان يخضع لعملية تأهيل على يد هيئة عسكرية بريطانية غير مؤهل لخوض حرب ضد روسيا. النائب يمتلك تحليلاً صحيحاً عن القدرة العسكرية الروسية في القوقاز، مما يدل على نظرته الواقعية لثمار الحرب. وفي المقابل كان بعض المجتهدين يرفضون الاستسلام لانتصار بلد كافر على إيران، ويطالبون بمحاربة روسيا.
لا يخفى أن (اوزلي) سفير إنجلترا في إيران الذي شارك في عقد معاهدة گلستان، كان مكلفاً من قبل حكومته أن يصوغ هذه المعاهدة بشكل يبقي فتيل الخلاف بين إيران وروسيا مشتعلاً، وتبقى الحدود بينهما غير محددة ومبهمة، ليكون ذلك مدخلاً لحروب أخرى.
وأخيراً كانت نهاية المرحلة الثانية من الحرب، وكان (عباس ميرزا) يرى عدم جدوى المقاومة، فبدأ مفاوضاته في شتاء (1243هـ/1827 م/) مع الجنرال باسكويش القائد الروسي، وانتهت تلك المفاوضات بعقد معاهدة سلام في قرية (تركمن شاي) بتاريخ (5 شعبان 1243هـ/21 شباط 1828م) تلتزم إيران بموجبها: أن تعطي روسيا ولايتي إيروان ونخجوان، وخطت الحدود بين البلدين من (آرارات) إلى نقطة اتصال نهري الأرس والكر، ثم تتجه الحدود نحو الجنوب الشرقي، ثم تمتد إلى الشرق لتنتهي عند آستارا في ساحل بحر قزوين. وحددت غرامة بقيمة خمسة ملايين تومان، ما يعادل 30 مليون روبل فضة روسي، وأعيد التأكيد على حق روسيا في الإبحار في بحر قزوين. واستناداً إلى المعاهدة التجارية يحق للتجار الروس والإيرانيين أن يصدروا بضائعهم إلى الجانبين، على أن يدفعوا جمارك لا تزيد عن 5% من قيمة البضائع وأكثر من ذلك إن هذه المعاهدة فرضت على إيران حصانة قضائية قنصلية. ومن الناحية السياسية أيضاً أعطت روسيا القيصرية الحق في الاعتراف رسمياً بملكية (عباس ميرزا) بعد موت (فتح علي شاه).
وبهذا فإن المعاهدات التي وقعت مع روسيا القيصرية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي أدت إلى تثبيت الحدود الشمالية لإيران بين آذربايجان إيران، وما سمي: بآذربايجان السوفياتية.
ومع بداية القرن العشرين الميلادي بدأ بعض الزعماء والمفكرين وطلاب الحرية في آذربايجان بتشكيل المنظمات والأحزاب، منها: الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، وحزب الحركة الدستورية المسلم، وحزب الهمّة، وحزب العدالة وحزب المساواة، وغيرها.
وعلى أثر نداء الحرية الذي أطلقته حكومة لينين المؤقتة، اجتمع مسلمو القوقاز في باكو، وشكّلوا في (9 أيار 1917م) المجلس العام لمسلمي القوقاز الذي اتخذ قرارات هامة.
في عام (1918م) استولى البلاشفة على السلطة في باكو ومناطق شرق آذربايجان، وشكّل الوطنيون بقيادة جماعة المساواة دولة مستقلة لهم في المناطق الوسطى من آذربايجان، واتخذوا من بليزاوتبول أو اليزاوتبول عاصمة لهم، التي هي كيروف آباد حالياً.
في آب 1918م احتلت القوات الإنجليزية بقيادة الجنرال (دنسترويل) باكو، لكن القوات الألمانية والعثمانية بقيادة (نوري باشا) أسرعت لطرد الإنجليز، وسيطرت على باكو في شهر أيلول. لكن بعد وقف الحرب في شهر تشرين الثاني أخلوا باكو، لتعود مجدداً لسيطرة القوات الانجليزية بقيادة الجنرال (تومبسون) وباقي قوات الحلفاء (فرنسا وأمريكا) وقد اعتبرت هذه الدول أن جماعة المساواة هم الممثلون القانونيون لآذربايجان واعترفت بهم رسمياً. ثم ترك الحلفاء باكو في تشرين الثاني من عام 1919م، ليحتلها البلشفيون بقيادة (كيروف، وميكويان، واورجونيكيدزه) في (28 نيسان 1920م) ويومها أعلنت جمهورية إذربايجان السوفياتية الاشتراكية، وبعد عامين شكل السوفيات اتحاد ما وراء القوقاز ليشمل كل من: آذربايجان، وأرمينيا، وجورجيا. ثم انفصلت عن بعضها في (5 كانون الأول 1936م) لتشكل كل واحدة منها جمهورية مستقلة.
في مؤتمر ايلول 1989م أقرت الشورى العليا لجمهورية آذربايجان قانون الحكومة الوطنية المستقلة، والسيادة للإرادة الوطنية. فآذربايجان تقول بسيادتها على المؤسسة السياسية، وأنه لا يحق لأحد تغيير ذلك إلاّ بعد إجراء استفتاء عام.
ومثل دول البلطيق يحق للآذريين إعلان حق سيادتهم، وأن قانون السوفيات لا يطبق في آذربايجان إلا إذا كان مطابقاً لقانون جمهورية آذربايجان. وأن حق الانفصال لا يرتبط إلا باستفتاء شعبي داخل الجمهورية، ولآذربايجان وحدها حق إعلان الأحكام العرفية.
بهذا يمكن ملاحظة مدى الحد من الاقتدار المركزي بسبب التدابير التي استبعدت أي إصلاح أو ترتيب في السيادة على الأرض. ومع ذلك فإن موسكو رفضت هذا القرار لمغايرته للدستور، واستخفت به عملياً. لكنه كان نقطة البدء، حيث أعلنت الشورى العليا لجمهورية آذربايجان في أوائل عام 1990م أنها لم تتمكن من فرض سيادتها الوطنية لذلك فستطرح الاستفتاء الشعبي العام للإنفصال.
في (19 كانون الثاني 1990م) بدأ الهجوم على باكو، في المكان الذي يصعب فيه على الجيش تحريك دباباته. فتنتظم المقاومة الشعبية، وتشكل وحدات لتدريب وتنظيم الآذريين، وتحاصر الميناء، ويقتل العشرات من الطرفين، وتحل الفوضى.
أعلنت الحكومة العسكرية، ومنعت التظاهرات والإضرابات، وتوقفت جميع النشاطات. لكن ذلك لم يمنع من شلل البلاد، ورفض الشعب لتواجد القوات العسكرية. وبعد ثلاثة أسابيع من إرسال القوات العسكرية اعترفت الصحف السوفياتية أن أكثر من نصف المؤسسات والعمال يمارسون مقاومة سلبية للجيش، مما يزيد من أوار الحرب الداخلية، ومن المقاومة المنظمة ضد موسكو. وتتحول منطقة القوقاز بسرعة إلى الحالة اللبنانية.
ولتبرير حربها في آذربايجان اتهمت موسكو الوطنيين الآذريين بسعيهم لتحقيق ثلاثة أهداف هي: القضاء على السيادة السوفياتية، وتجزئة آذربايجان، وإقامة حكومة إسلامية في آذربايجان. وأعلن (غورباتشوف) أنه لا مفر من التدخل العسكري لإعادة النظام «وسد الطريق أمام المؤامرة التي تهدف إلى تسليم مقاليد الحكم للمتطرفين».
إن إعادة النظام كان يعني دعم الأرمن الذين أصبحوا مهددين بسبب ارتفاع وتيرة العنف. لكن في الواقع كان هدف العمليات العسكرية هو القضاء على الأصولية الآذرية، ولم يكن لحفظ حياة الأرمن، الذين تمت التضحية بهم من قبل.
وكان غورباتشوف يرى أن استعادة السيادة لا تكون إلا باستعمال القوة، لأنه يعود عليه بالفوائد التالية:
1 ـ يقضي على اتحاد (شنلي بل) الذي يمثل مظهر تبلور النهضة الوطنية الآذرية ضد السوفيات.
2 ـ يقضي على المتشددين في اتحاد (بيرليك) الديني.
3 ـ للقضاء على الجبهة الشعبية لآذربايجان.
4 ـ يقوي موقف الحزب في مقابل جميع الجبهات المعارضة، ويخفف من الضغوط التي تمارس ضد المسؤولين المحليين الأوفياء لموسكو.
لكن الحرب على آذربايجان لم تتمكن من القضاء على المقاومة الشعبية، وإلغاء المؤسسات الوطنية. فحسابات موسكو كانت خاطئة، وعدم دعم موسكو للحكومة الوطنية في آذربايجان أدى إلى تسريع الثورة الوطنية على حكومة السوفيات في آذربايجان، بل إلى تسريع قيام الحركات الوطنية والقومية في سائر الجمهوريات.
ورغم أن جمهورية آذربايجان قد خضعت لسلطة الشيوعيين لمدة (74) عاماً. لكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وحل الحزب الشيوعي، وتشكيل مجموعة الدول المستقلة في شهر آب عام 1991م نال شعب آذربايجان مطلبه القديم وهو الاستقلال الكامل. واعتبرت هذه الجمهورية في 2 آذار 1993م عضواً في هيئة الأمم المتحدة.
الدين الإسلامي والسنن المذهبية
إن أكثرية الشعب في جمهورية آذربايجان منذ الفتح الاسلامي تدين بالدين الاسلامي، ولهذا اعتبرت من الجمهوريات الاسلامية. وهي تحتضن أكبر عدد من المسلمين بين جمهوريات القوقاز، ومعظمهم من المسلمين الشيعة.
ولنرسم صورة واضحة لوضع الإسلام والمسلمين في هذه الجمهورية لا بد لنا من الحديث عن دخول الإسلام وانتشاره في آذربايجان، ثم بحث أسباب رواج التشيع وانتشاره فيها، ثم ننظر إلى العقائد الدينية لدى أهاليها ضمن إطار الإسلام.
دخل الدين الإسلامي إلى آذربايجان من خلال فتحها في أواسط القرن السابع الميلادي في عهد خلافة عمر بن الخطاب، أي عام (22هـ) أو (642م) تقريباً، واستمر لقرون كأقصى حد شرقي للإسلام، في مقابل إيالات الترك. وبعد فتح الاقسام الشرقية من القوقاز بدأ الانتشار السريع للإسلام في تلك المناطق، دون أن يواجه مقاومة تذكر.
وبعد انتصار المسلمين امتد الإسلام إلى ما وراء القوقاز، حتى القرن الثامن الميلادي كان الداغستانيون ومنهم: الطبرانيون، والقيتاقيون يردون الاسلام تباعاً. ثم كان للحروب العثمانية خلال القرنين 16 و17 الميلاديين، والنفوذ القوي للدولة الصفوية أثره في تثبيت الإسلام في القوقاز.
وفي أواخر القرن الخامس عشر الميلادي عندما أضحى المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي للسلالة الصفوية، اقتفت آذربايجان خطى إيران، وأضحى التشيع هو مذهب أكثرية المسلمين في بلاد ما وراء القوقاز.
واستناداً إلى رأي بعض المؤرخين فإن تحرر عدد كبير من الأسرى الأتراك الشيعية، الذين كانوا قد أسروا على يد المغول من تركيا الحالية، كان الشرارة الأولى لانطلاق التشيع واللغة التركية في هذه المنطقة.
ورغم أن 70% من أهالي آذربايجان من الشيعة، و30% من أتباع أبي حنيفة، فإن الطلاب الشيعة والأحناف يجلسون في غرف مشتركة، وخلف طاولة واحدة، وعلى أريكة مشتركة. وهذا ما يدهش الكثيرين من الضيوف الأجانب. فأولئك الطلاب لا يعرفون الاختلاف فيما بينهم، بل إنهم يعيشون في صلح وصفاء كأعضاء أسرة واحدة. مما يدل على الأخوة والمحبة بين الشيعة والسنّة.
مسلمو الاتحاد السوفياتي السابق لا يفرقون كثيراً بين الشيعة والسنّة، بل كان الاختلاف مشهوداً خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق.
ففي هذه الجمهورية يندر وجود نقاش مذهبي مع السنّة، بل يمارس اتباع المذهبين عبادتهم في مساجد مشتركة. وأكثر شيعة الاتحاد السوفياتي السابق يعيشون في جمهورية آذربايجان، ومناطق القوقاز، وما وراء القوقاز. الشيعة والسنّة في باكو لديهم مساجد جامعة منفصلة. فمسجد (تازه پير) للشيعة، ومسجد (أجدربيك) للسنة. وكثير من المساجد الصغيرة يؤمها أتباع المذهبين. ومن المعروف أن المساجد التي كانت قائمة في آذربايجان السوفياتية هي (16) مسجداً للعبادة فقط. ويندر أن تجد شيعة صوفية. لكن هذا لا يعني وجود مانع من التحاق شيعي بفرقة صوفية للسنة. في الماضي كانت النقشبندية هي أكثر طريقة محببة في آذربايجان، وليس لدينا معلومات عن نفوذها الحالي.
إن التشكل الديني الشيعي لا يعتمد سلسلة مراتب متمركزة من العلماء وذلك خلافاً للسنة. فالمراكز الدينية لهذا المذهب موجودة خارج الاتحاد السوفياتي السابق، أي في النجف وكربلاء من العراق، وفي مشهد وقم من إيران. وكان باب الارتباط بين شيعة آذربايجان وهذه المراكز الدينية مغلقاً، ورغم ذلك كان للأماكن الشيعية المقدسة في إيران والعراق وعلمائهما شهرتهم بين شيعة الاتحاد السوفياتي السابق.
هذا الجدول يبين بالأرقام تواجد أهالي ما وراء القوقاز وأكثرهم من الشيعة:
| القومية | العدد عام 1979م | القومية | المنطقة | المذهب | الكتابة |
| الآذرية | 547700 نسمة | التركية | ما وراء القوقاز | 70% شيعة
30% عامة حنفية 50,000 شخص علويون وبهائيون |
الآذرية |
| الكردية | 116000 شخص | الإيرانية | ما وراء القوقاز | شيعة
حنفية 50% يزيدية وعلويون |
الكردية |
| الطالشية | 100000 شخص تقريباً | الإيرانية | ما وراء القوقاز | شيعة | الآزرية |
| التاتهائية | 22000 شخص | الإيرانية | داغستان وما وراء القوقاز | شيعة
يهود مسيحيون (أرمن وجورجيون) |
اللزكية
والآذرية والروسية |
وبعد المذهب الحنفي والشافعي يأتي المذهب الشيعي من حيث الانتشار بين مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق، ويتمركز الشيعة في جمهورية آذربايجان، وبما أن مسلمي هذه الجمهورية بملايينهم هم من الشيعة والسنة، لذا كان رئيس الدائرة الدينية من الشيعة ولقبه هو: (شيخ الإسلام)، وكان نائبه من السنة ولقبه هو: (مفتي الإسلام).
بشكل عام لا بد أن نعلم أن الإسلام في جمهورية آذربايجان يعد جزءاً من الثقافة الوطنية والقومية، وهناك جو خاص يحكم العقائد المذهبية، وهو متفاوت عن نظرتنا نحن.
بعد أن تعرفنا على لمحة تاريخية لانتشار الإسلام في آذربايجان، وعلى الميول الشيعية لأهاليها، لا بد أن نعرف أن معظم الشيعة هناك هم إثنا عشريون، لكن هناك جماعة إسماعيلية تابعة للفرقة النزارية التي يرأسها (آقا خان). وهناك فرق شيعية صغيرة قليلة التعصب أكثر أتباعها من الأكراد.
والآن نستعرض بعض النماذج من السنن والتقاليد الدينية عند أهالي آذربايجان، التي يلتزم بها مسلمو آذربايجان منذ الولادة وحتى الوفاة تقريباً:
ذوي اللحى البيضاء من المتدينين لهم نفوذ كبير في المجتمع المسلم، فرغم معارضة المسؤولين الحكوميين لذلك، إلا أنهم أخذوا صبغة رسمية، ويؤدون مهامهم تحت اسم (الشورى) ويراجعهم المسلمون في معظم شؤونهم الشرعية والإجتماعية. مما يدل على بقاء العقائد والمؤسسات الدينية رغم سعي الحكومة القيصرية ثم الشيوعية للقضاء عليها.
فالعادات والتقاليد والأعراس والمآتم والأسواق والحمامات العامة والمضافات والفنادق القديمة والسجاد والملابس والأسماء، وحتى النغمات الموسيقية والرقص والأناشيد والألحان، كلها تبين أن الإسلام قد تجذر في ثقافة وعادات هذه الأقوام، حتى صار نواة لهويتهم الوطنية.
تشير الدراسات إلى أن جميع الصبيان المسلمين في الاتحاد السوفياتي السابق ختنوا دون أي اهتمام بمحاربة الدين، ودون فرق بين المدن والقرى أو المستوى العلمي أو الموقع الجغرافي. وتشير الدراسات الاجتماعية أن حفظ هذه السنة دليل على التعلق بالمجتمع الثقافي… لهذا فإنه منذ الطفولة الأولى يتم اختيار الاسم على أساس ديني، فيلاحظ أن الشيعة كانوا وما زالوا ينأون عن أسماء معينة ولا يحبون من يتسمى بها.
ومن التقاليد والسنن المتداولة هي: جعل اسم ثانٍ للطفل، ويعتقدون أن هذا الأمر يبعد عنهم الشيطان، وأنهم يخدعونه بالهوية الثنائية.
كما أن الأسرة المسلمة تحتفل عند ولادة الطفل، ثم تحتفل عند تسميته، ويدعى إمام المسجد ليتلو القرآن، ويعظ الحاضرين، ويحتفل بمستوى أكبر عند ختان الصبي، فتتلى ختمة قرآن خلال يومين متتاليين، وفي اليوم الثالث تتلى موعظة، ويقدم الطعام، وتجري عملية الختان في جو من الفرح والتكبير.
مراسم الزواج أيضاً تجري على أساس العقائد والشعائر الإسلامية، وكل المحاولات التي جرت لتشجيع الزواج المدني غير الشرعي لم تفلح. بل حتى عندما أجبر الأفراد على الزواج غير الشرعي، كانوا ينهون المعاملات القانونية، ثم يحضرون إلى المسجد لإجراء خطبة العقد على يد عالم دين.
مراسم الحزن والدفن تجري حسب الأحكام الإسلامية، رغم الكلفة الباهظة لمراسم الدفن والتكفين الإسلامية، لكن المسلمين كانوا يرجحون دفن أمواتهم طبق المراسم الإسلامية.
أحد المؤلفين الروس يذكر أنه تكون المجموعة من شعوب متفرقة تعيش معاً في أسرة متحدة، لكن تراهم حين موتهم لا يمكن أن يدفنوا في مقبرة واحدة، بل إن سفرهم الأخير يبقى مرتبطاً بعملية نشر مذهبهم وخصوصياتهم الوطنية. من هنا يبد أن الدين يلقي بتأثيره بشدة على الأموات حين موتهم. حيث تبرز الحاجة لإحضار (الملأ) لإجراء المراسم الدينية للدفن.
وفي مجالس العزاء يتلى القرآن عن أرواح الموتى طبق عادة جميع المسلمين، ويقول أحد المسؤولين عن الشأن الديني أن أكثر من 90% من الشيوعيين من أبناء الأسر الإسلامية يوصون بتلاوة القرآن عن أرواحهم بعد موتهم. وجميع الدراسات التي جرت مؤخراً تشير إلى أن 95 ـ 99% من مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق قد حافظوا بين أسرهم على السنن الدينية في مراسم الختان، والزواج، والدفن في مقابر المسلمين.
القرآن كان محترماً بشكل خاص لدى مسلمي آذربايجان، بل لدى جميع مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق، وكان عندما يلتقي المسلم هناك بمسلم أجنبي، كان يقبل يده، وهو مستعد لتقديم كل ما ادخره طوال عمره ليحصل منه على نسخة عربية من القرآن الكريم، ليس لرغبته بفهمه، حيث أنهم لا يعرفون اللغة العربية، بل يقصد التبرك ولوضعه في بيته أو داخل سيارته، ليكون معه دوماً، وليحفظه من البلاء والمصائب. فقيمة كل قرآن كان ـ قبل إنهيار الاتحاد السوفياتي ـ (100) روبل أو أكثر، أي ما يعادل راتب شهر كامل. مما أعطى لتجارة بيع القرائين، وصور الأماكن المقدسة، والعقود التي تحمل شكل قرآن وغير ذلك رونقها في السوق السوداء. ولهذا رأينا عند زوال النظام الشيوعي كيف عبر الأخوة المسلمون الآذريون نهر (أرس) والتقوا بالآذربايجانيين المسلمين في إيران، وعند عودتهم كان كل واحد يحمل معه نسخة من القرآن، ويضمها إليه بفرح وسرور عائداً إلى وطنه، وكأن عاشقاً التقى بمعشوقه، أو مفجوعاً وجد ضالته.
في المناطق الإسلامية تقام صلاة الجماعة في المساجد بإمامة العلماء، ويلقي العلماء مواعظ للمؤمنين، وخطب، وفتاوى، ويطلعونهم على الرسائل والبيانات التي تصدرها المساجد والمنظمات الإسلامية في الدول الأخرى.
وتصدر الدوائر العلمائية كل عام مفكرة السنة الهجرية، وفيها أوقات طلوع الشمس وغروبها، والظهر وساعات الصلاة، والمناسبات التاريخية والدينية الهامة، وأوقات الإمساك والإفطار في شهر رمضان، والأعياد الإسلامية. وبالنظر إلى أن المسلمين في الاتحاد السوفياتي السابق ينتشرون في منطقة واسعة تقع في 12 خط طولي، فإن المفكرات تلك تحوي الأوقات الشرعية لمختلف تلك المناطق، ليتمكن كل منهم من معرفة أوقات صلاته بشكل صحيح.
ومما يدل على بقاء الإسلام بين حناياهم، أنهم يقيمون أكبر الاحتفالات بمناسبة ولادة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. بداية تقام هذه المراسم في المسجد، ثم تنتقل إلى البيوت، فتتلى آيات من القرآن، وتلقى موعظة، ويقدم الطعام. وعندما يبلغ الرجل سن (63) عاماً يقام احتفال في بيته، ويتخلل الاحتفال تلاوة القرآن والدعاء والأناشيد والولائم، ولعلهم يتفردون بمثل هذا الاحتفال المميز بمناسبة بلوغ الرجل السن التي بلغها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
ويحتفل في آذربايجان أيام الاتحاد السوفياتي المنحل بسائر الأعياد الإسلامية مثل: عيد الأضحى، وخاصة بعيد الفطر. ورغم المنع الرسمي للاحتفال بعيد الأضحى، (قربان بايرامي) إلا أنه يحتفل به في كل بيت، وتقدم الضحايا، وتصلى صلاة العيد. ورغم المواجهة العلنية ضد الأعياد الدينية فإن أعياد النوروز، والأضحى، والفطر ما زالت أكبر أعياد المسلمين، تقدم الضحايا في كل بيت، تزرع الورود، يوزع البيض الملون، تعد أفضل أنواع الحلوى، يبارك الناس لبعضهم البعض، ويزورون بعضهم جماعات جماعات.
صحفي أمريكي في بداية السبعينات سأل الآذريين في الليلة التي سبقت الذكرى السنوية لثورة الأوزبك، سألهم عن أهم احتفال يقام في الاتحاد السوفياتي؟ فكان جواب الجميع: هو الاحتفال بعيد الفطر. وهذا ما يفسّر إصرار الحكومة السوفياتية على منع الاحتفال بالأعياد الإسلامية.
مسلمو آذربايجان كانوا يتابعون إفطارهم وسحورهم على صوت إذاعة أردبيل من إيران. وهذه السنة اكتظت المساجد في شهر رمضان بالشبان مما دفع برئيس دائرة التربية والتعليم أن يستنجد بالشرطة لمنع تلك الاجتماعات.
في شهر شعبان، وقبل وصول شهر رمضان يتحدث خطباء المساجد عن أهمية الصوم وفوائده وأحكامه. وخلال شهر رمضان يسعى المسلمون هناك لتحسين علاقاتهم مع أقاربهم وأصدقائهم، وتقام مراسم هذا الشهر المبارك بالأدعية والمناجاة في المساجد، وبروحية خاصة. ويدعون أبناء مذهبهم للافطار في بيوتهم.
وتقام مراسم العزاء حزناً على وفيات الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وخاصة على سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين (ع) التي تقام بعظمة أكثر، فتتوقف النشاطات، وتعمر المساجد والتكايا، وتغص بالمعزّين والمحزونين.
إن عشق الإمام الحسين(ع) ومحبته ومحبة أصحابه الأوفياء الذين استشهدوا معه في ملحمة عاشوراء تشكل قطباً لاجتذاب المؤمنين، ولها حرارة في قلوبهم بحيث تقام مجالس لا تحصى في المدن والقرى، ويغطي الحزن والأسى الجميع، وتنهمر الدموع من المقل.
نعم… إن لعاشوراء في آذربايجان حضورها المميز والقوي، حيث يجتمع الناس من شيوخ وشبان ورجال ونساء، ويلطمون صدورهم ورؤوسهم. ورغم تضييق الشرطة عليهم، فإن أعدادهم ظلت في ازدياد مستمر، تمتلئ المساجد والشوارع المحيطة بها. ويزداد الوعي الديني لدى الناس يوماً بعد يوم، ويزداد معه ثباتهم. ويعود أكثر ذلك إلى إذاعات ايران التي تبث من: رشت، وتبريز، ومشهد، وطهران. وإذاعات الأفغان، وباكستان، والدول العربية.
فتنطلق مجموعات ومسيرات اللطم وضرب السلاسل ـ مع الأسف ـ وغير ذلك في هذا اليوم الحماسي، فتسير في الشوراع والأزقة، لتحيي ذكرى الحماسة والملحمة الحسينية. فنرى نواحي نخجوان تلطم على طريقة أردبيل أو تبريز.
في الحقيقة لا بد من الاعتراف بأن ملحمة سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) هي التي حفظت الإسلام في آذربايجان، وهي علة بقاء عقيدة المسلمين وإيمانهم، وهي التي دفعتهم لفتح مساجدهم، وصوم شهر رمضانهم، دون أن يتخلوا عن أمور دينهم.
معظم شيعة نخجوان آذربايجان يقولون أن آباءهم وأمهاتهم كانوا في عهد حكومة لينين وستالين يحييون أيام عاشوراء في الهضاب والتلال وضفاف الأنهار والبساتين والصحارى والغرف المظلمة خوفاً من رجال الأمن. فيقيمون تلك المراسم جماعات وفرادى.
الحج كان محدوداً جداً أمام مسلمي الاتحاد السوفياتي المنحل، وكان أمراً صعباً جداً، بل غير ممكن. القليلون كانوا يتمتعون بذلك الحق. وكان جمع الزكاة والصدقات أمراً ممنوعاً أيضاً، ويستحق فاعله المحاكمة والعقاب.
الحج ليس واجباً ـ حسب الفتاوى الروسية ـ إلاَّ على من تجاوز سنّه الستين عاماً، وخشية أن يذهب ولا يعود عليه أن يقدم ضمانة. ومن أراد الحج عليه أن يتقدم بطلبه هذا قبل عدة سنوات، ويخضع لعدة استجوابات من قبل رجال الأمن (ك.ج.ب).
بعد صلاة الجمعة في المساجد تعلن أسماء الذين حصلوا على إجازة الحج، وتعلو صرخات الفرح والتكبير، فيما لا يتجاوز عدد أولئك كل عام الخمسين شخصاً، فيسافر الحجاج في مجموعات إلى موسكو، ويودعهم علماء الدين بزيهم المميز. وعند عودتهم من الحج تقام مراسم واحتفالات لاستقبالهم، ويقدم الحجاج هداياهم للناس: مسابح وسجادات صلاة جيدة من صنع المانيا الغربية، تلك هي الهدايا النفيسة التي لا تنسى مدى العمر، اضافة إلى ماء زمزم الذي يتنازع عليه الناس.
وعوضاً عن الحج شبه المستحيل، تأتي زيارة الأماكن المقدسة المحلية المنتشرة، ويشجع عليها وجود العادات القديمة. ففي القوقاز هناك احترام خاص للعلماء الأحياء والأموات، مما صان المجتمع المتدين من التأثيرات الخارجية.
عام 1958م قام ثلاثة من المسلمين بجمع أموال الزكاة فحكم عليهم بالسجن لمدة عشرين عاماً، وبالأشغال الشاقة. وهذه أسماؤهم: بنجان أوغلو، تيري أوغلو، مامد دوري.
لكن هذه الموانع أزيلت بعض الشيء بعد انهيار النظام الماركسي، وخاصة في آذربايجان. وها هم حجاج آذربايجان يتوجهون إلى الحج كل عام عبر إيران الإسلامية.
وضع الاسلام والمسلمين في عهد القياصرة
نستعرض الآن وضع الاسلام والمسلمين، ونشاط الأماكن الدينية في عهود حكم القياصرة في روسيا القيصرية، وبتعبير آخر كيف تصرف القياصرة المستبدّون والديكتاتوريون مع الاسلام وأتباعه؟ وهل استطاع المسلمون أن يؤدوا عباداتهم بحرية؟ وإذا كان هناك من حرية، فإلى أي حد كانوا يمتلكون الوعي الديني، وكيف عملوا؟ لا بد من البحث عن إجابات هذه الاسئلة بين ثنايا الوثائق التاريخية.
ابتداءاً كان مسؤولو الإحصاء السكاني في عهد القياصرة يطلقون عبارة (المجتمع المحمدي) على المجتمعات المسلمة. ومنذ عام (1917م) بدأ تعبير زعماء البلشفية بتسميتهم بالقوم من أقوام الشعوب الاشتراكية. أما عدد المجتمعات هذه فهي: (13) جمهورية منها: (6) جمهوريات كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق، و(7) مجتمعات من جمهوريات سابقة ذات حكم ذاتي وفي مناطق داخل الإطار الروسي. أي: آذربايجان، تركمنستان، أوزبكستان، تاجيكستان، قرقيزستان، قزاقستان، آدگيبا، كاراجايوو ـ شركسيا، كاباردينو ـ بالكاريا، الشيشان ـ أنغوشيا، داغستان، تاتارستان، باشقيرستان.
كان اتباع الدين الاسلامي يتمتعون بحرية اظهار عقائدهم الدينية والمذهبية خلال عهود القياصرة. وكانت العهود المتتالية تمنحهم اجازة تأدية نشاطاتهم ضمن حدود القانون، وكان أهالي باكو والمناطق ذات الأكثرية المسلمة، وتلك ذات الاقلية المسلمة تمارس حريتها الدينية على حد سواء. فتفليس مثلاً: كانت تدين بالمسيحية رسمياً، ونجد آثار مسجد للمسلمين في محلة (شيطان بازار) من آثار عهد القياصرة. هذا المسجد موجود عند الساحل الجنوبي لنهر (كورا)، وكان مركز عبادة الأقلية المسلمة القاطنة في (تفليس) وكان المسلمون الشيعة يقيمون فيه مراسم يومي التاسع والعاشر من شهر محرم.
هناك نقل آخر ورد في كتب أخرى يحكي عكس هذا الوضع، وهو بحاجة لتدقيق أكثر حيث يقول:
(إن الحكم القيصري في القوقاز الشمالي وآسيا الوسطى لم يكن يسمح للمسلمين بتأسيس أي مركز ديني، وكان عمال القياصرة من محافظين. وقائم مقامين يديرون الشؤون الدينية والادارية للمسلمين بشكل مباشر. وكان القيصر هو الذي يعين المفتي، فيختاره من بين ذوي الرتب العليا من بين المتقاعدين العسكريين، وعلى أساس معيار واحد هو الوفاء للنظام القيصري. ومثل هؤلاء الأشخاص لا يفهمون من الدين الاسلامي إلا بعض الأمور المبهمة. ووزير الداخلية الذي كان يشرف على جميع شؤون المسلمين كان يعين القضاة. وكان المفتي يؤدي مهمة واحدة هي امتحان الاشخاص الذين يريدون أن يصيروا علماء دين، أما النشاط الديني فكان يخضع لرقابة شديدة من قبل الجهاز الإداري للقياصرة. وكانت الحكومة القيصرية تستخدم شتى الطرق والوسائل لمنع إجراء المراسم الدينية الاسلامية بحرية.
عام (1788م) كانت الموافقة في (اورنيورغ) على تأسيس دار الإفتاء المسمّاة: (المجمع الديني المحمدي). وأسست طوال القرن التاسع عشر مجامع أخرى مشابهة. واحد أسس عام (1831م) في مدينة (كريمة)، وفي عام (1872م) أسس إثنان في ما وراء القوقاز، واحد للسنة وآخر للشيعة. وكانت مراكز الإفتاء هذه مشابهة للحوزات العلمية إبان الأمبراطورية العثمانية. وفيما بعد قامت الحكومة السوفياتية بتأسيس (المراكز الدينية) على غرار هذه المجمعات. وكانت مراكز الافتاء هذه تمارس أحياناً بعض الصلاحيات المدنية، فكان يسمح لها بإقامة امتحانات رسمية منظمة لتدريس العلماء، ولتتمكن من إدارة دروس منتظمة وموحدة.
عام (1800م) سمح بطباعة الكتب الاسلامية. وفي عام (1806م) تم طبع (2600) مجلد، منها (1500) نسخة من القرآن. وفي أواسط القرن التاسع عشر الميلادي انطلقت المطابع الخاصة للتاتار، وانتشرت بذلك كتب الأدب الاسلامي بسرعة مذهلة.
هناك اختلاف كبير أيضاً في عدد المساجد في عهد القياصرة والشيوعيين نشير إلى نماذج من هذا:
«استناداً إلى إحصاء رسمي كان في روسيا في عهد القياصرة (7000) مسجد، لكن الآن لم يبق منها سوى (1312) مسجداً».
«الإحصاءات التي وردت خارج الاتحاد السوفياتي تشير إلى وجود (24000) مسجد للمسلمين خلال عصور القياصرة وقبل ثورة اكتوبر، وبلغت عام (1960م) (1200) مسجد، والآن لا تزيد عن (300) مسجد. أما المصادر السوفياتية فلم تذكر شيئاً عن أوضاع المسلمين، سوى كتاب (المسلمون في الاتحاد السوفياتي) فقد تضمن بعض الاشارات في هذا المجال».
«قبل الثورة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي السابق كان هناك (26000) مسجداً، وبعد ثورة اكتوبر والحرب العالمية الثانية انخفض العدد إلى (7000) مسجد، وبسبب مواجهة (خروتشوف) الشديدة للمتدينين خلال الأعوام (1960 ـ 1964م) انخفض عدد المساجد إلى (500) مسجد في الأراضي المترامية للاتحاد السوفياتي».
«قبل الثورة الشيوعية كان في مدينة باكو وحدها (34) مسجداً، لكن بعد ثورة اكتوبر عام (1917م) أغلقت أبواب جميع تلك المساجد، عدا مسجد (تازه بير) ترك ليراه المسلمون القادمون من الخارج كنموذج للحريات الدينية».
«إن مركز النشاطات الاسلامية في المنطقة هو مسجد (تازه بير) الذي أسسه تجار السوق المحلي عام (1905م)، وتقام فيه صلاة الجماعة، أرض المسجد مغطاة بالسجاد، ويستخدم للسجود أقراص من تراب كربلاء والنجف. وتعد باكو من الأماكن المباركة مثل: قم، كربلاء، مشهد».
«المجتمعات المحلية تتولى الإدارة المالية للمساجد، فلكل مسجد لجنة تنفيذية تسمّى (المتولية) وتشكل من ثلاثة أعضاء ينتخبهم مؤمنو المسجد، ولكل مسجد إمام يولى إقامة المراسم العبادية، كان يسمى (إمام ـ خطيب) إبان الاتحاد السوفياتي السابق. فلم يكن يسمح بأكثر من شخص واحد يتولى إمامة الجماعة وإلقاء الخطب. حتى عام (1917م) كانت باكو وسمرقند جزءاً من دار الإسلام، وكانتا أقرب إلى تبريز واصفهان من موسكو وبتروغراد».
من مجموع هذه الآراء والإحصاءات التي استعرضناها حول المراكز الدينية والمساجد خلال الحقبة القيصرية نستنبط أن الإسلام والمسلمين لم ينالوا حرية كاملة ومطلقة، لكن كانوا يتمتعون بحرية نسبية، وكان العمل بأحكام الاسلام وشرائعه رائجاً بين المسلمين نسبياً.
ممارسة العنف ضد المسلمين في عهد الشيوعيين
نتيجة لتسلط حكومة مجالس الشورى، طرأت تغييرات كثيرة على العقائد الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق. ففي العقد الأول لإقامة هذه الحكومة منع تعدد الزوجات، والحجاب الإسلامي. وأغلقت المحاكم الشرعية، والمدارس العلمية الاسلامية، ومعظم المساجد. ألغيت منظمة الأوقاف، ومنع الحج. الصوم ودفع الزكاة واجها موانع كثيرة. منع طبع القرآن المجيد وسائر الكتب الدينية. وفي المقابل انهمرت الكتب الجدلية المغرضة والمعادية للإسلام. ولما كانت الدعاية الدينية ممنوعة لم يبق هناك أي طريق لرد الاتهامات الموجهة للعقيدة الاسلامية. توقف التعليم الديني، ومنع تعليم أصول الدين للشبان الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة. واستمر ذلك الأمر حتى أقرت حكومة لجان الشورى إعادة فتح المراكز الدينية الأربعة التي كانت أغلقت بعد ثورة اكتوبر، فكان التحول الحقيقي في الظروف الاجتماعية والسياسية للمسلمين، وعودة الحياة للإسلام، وشكل ذلك انتصاراً للإسلام، واعترافاً رسمياً من الحكومة بوجود الإسلام في الاتحاد السوفياتي السابق.
على أنه في السنوات الأولى لتسلط البلاشفة لم يتم التعرض كثيراً للعقائد الدينية لمسلمي جمهوريات آسيا الوسطى ومنها آذربايجان، لأن سلطتهم لم تكن محكمة في هذه المناطق، وكانت موسكو لا تريد تحريك المسلمين في الخارج ضدّها، إضافة إلى أن نظرية لينين كانت تطرح مشروع تشكيل جبهة معادية للإمبريالية في الدول النامية، وأي عنف يرتكب ضد مسلمي آسيا الوسطى كان سيبعد الحركات الثورية الإسلامية المعادية للاستعمار عن موسكو، وعن الأحزاب الشيوعية المحلية.
لكن بعد استتباب الأمر للثورة الشيوعية انطلقت لمحو جميع الأديان، فهاجمت المؤسسات الرسمية الدينية. وبالنسبة للإسلام فقد أغلقت آلاف المساجد والمدارس الدينية، والغيت المحاكم الشرعية تدريجياً حتى عام (1927م)، وألغي نظام الوقف حتى عام (1930م).
بموازاة ذلك كانت تركيا تنفذ برنامجاً مشابهاً لعلمنة البلاد، ففي عام (1924م) ألغي نظام الخلافة، ونفي العلماء، ودمجت المدارس الدينية ومكاتب القرآن في نظام التربية والتعليم الجديد.
وفي إيران أيضاً كان ينفذ برنامج مشابه، لكن أقل حزماً وشدّة. هدف كل بلد كان يختلف عن الآخر، ففي إيران وتركيا كان هدف فصل الدين عن السياسة جزءاً من برنامج ـ لتغريب البلاد، أما في الاتحاد السوفياتي فرغم حرية الأديان المنصوص عليها في الدستور، إلا أن الهدف النهائي كان القضاء على الدين، أو ما يسمى بأفيون الشعوب.
لكن ما رأيناه هو أن التاريخ قد أثبت عكس ذلك، فلم يقض على الإسلام، بل أينع، وولد من جديد بين مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق. من جهة أخرى فإن الشيوعية الملحدة هي التي تلاشت.
أول مؤتمر لمسلمي القوقاز عقد في (15 ـ 20 نيسان 1917م) في باكو، وتخلل الاجتماعات شعار وحدة جميع مسلمي روسيا، وطالب البيان الختامي بحكم ذاتي لآذربايجان ضمن إطار الاتحاد الفيدرالي الروسي. المؤتمر التالي عقد عام (1920م) تحت عنوان (مؤتمر الشعوب المسلمة الشرقية في باكو) وكان بعض ممثلي المسلمين غاضبين من المجازر التي ارتكبها الجيش الأحمر في (گنجه وتركستان) اغتاظوا من حذف مسألة العلاقة بين موسكو والشعوب الإسلامية الخاضعة لسلطة الاتحاد السوفياتي من برنامج المؤتمر. فقام أولئك بعقد اجتماع قرب مسجد (تازه بير) للتباحث في الأمر. فاستغل (أنور باشا)([95]) الأمر، وألقى كلمة حاول فيها التخفيف من خوف الآذريين من تسلط (كيروف وارجونيكيدزه) اللذين خلال خمسة أشهر من قيام النظام السوفياتي صارا زعماء البلاد، فقال في كلمته «النظام الحالي لأذربايجان هو نظام مؤقت، وستسلم السلطة سريعاً لسلطة محلية» فقام نائب أرمني آذري وردّ عليه متهماً إياه بسوء النية، وأكد أن (أنور باشا) كان ممن ارتكبوا المجازر ضد الأرمن، وأنه يعلم جيداً أن البلاشفة أشد فتكاً من الأتراك، وقد أثر كلامه هذا في الحاضرين. والمدهش أن هذا النائب الأرمني استفاد من فرصة الدفاع عن المسلمين ليذكر بذور (أنور باشا) في مجزرة الأرمن عام (1915م)، واختتم هذا التجمع داخل المسجد بإقامة الدعاء لنصر الإسلام.
عادة عند قيام الوفود الإسلامية القادمة من الخارج بزيارة المسلمين في الاتحاد السوفياتي السابق يزورون جمهوريات آسيا الوسطى، ثم يدعون إلى باكو، ليلتقوا في مسجد (تازه بير) بشيخ الإسلام.
مثل باقي مسلمي آسيا الوسطى تعرض مسلمو جمهورية آذربايجان خلال الحقبة السوداء من حكم الشيوعيين إلى الظلم والاضطهاد، والإيذاء والتعذيب، وقد مات الكثيرون تحت التعذيب. وكنموذج لهذه الجرائم لاحظ الفرق من كثافة السكان المسلمين خلال احصائي عام 1926م و1939م:
في عام (1926م) كان عدد السكان الآذريين (2,274,805) أشخاص، لكنهم في عام (1939م) أضحوا (1,706,605) أشخاص.
هذا الانخفاض في عدد السكان خلال (13) عاماً يعود إلى سياسة تحويل المزارع إلى إشتراكية، وإلى نظام علمنة القوانين الاجتماعية الذي قاومته جميع الشعوب المسلمة، مما دفعوا ثمنه مجازر ونفياً.
بعد ثبات السلطة الشيوعية، ووصول (ستالين) إلى سدة الحكم، تسارعت الضغوط وأعمال العنف للقضاء على الإسلام في الجمهوريات المسلمة، وهدم المساجد بحيث لم يبق من (24000) مسجداً كانت عام (1917م) سوى (300) مسجد عام (1980م) وانخفض عدد الكنائس خلال نفس المدة من (54174) كنيسة إلى (7500) كنيسة.
عام (1928م) وفي عهد ستالين بدأ الهجوم النهائي على المؤسسات الدينية للمسلمين التي كانت ما تزال تحتفظ بمنزلتها السابقة. هذه الحملة بدأت بهجوم واسع على الجوانب الملفتة من الشعائر الدينية مثل مراسم اللطم في أيام عاشوراء، وبث الدعايات الواسعة لهتك حرمة علماء الدين، واتهامهم بالجهل والفساد والرشوة. وقد استمرت لأكثر من عقد كامل، عطلت خلالها معظم المساجد، بحيث لم يكن هناك سوى (1312) مسجداً ناشطاً في عام (1942م) ووسم العلماء والمؤمنون بأنهم (آفة المجتمع)؛ بل (أعداء الثورة) ومنذ عام (1935م) أخذوا يلاحقونهم على أساس أنهم (جواسيس) لليابان والمانيا، ويصفّون على هذا الأساس.
ستالين قتل خلال حكمه مئات ألوف المسلمين، وهدم (16000) مسجداً، بعض تلك المساجد كان يعد تراثاً ومن الآثار الكبرى للتمدن البشري، ومركزاً لدراسة التراث الفكري العالمي. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية سعى زعماء موسكو لاستغلال الدين من أجل أهدافهم في الحرب، فلم يجد ستالين بداً من تحريك الشعارات الوطنية والدينية لتعبئة الناس ضد الهجوم الألماني النازي الواسع. وقد استمرت هذه السياسة حتى نهاية الحرب، وانتفاء حاجة زعماء موسكو لحضور المسلمين، واتباع الأديان الأخرى في ساحات القتال.
وقد أدى المسلمون دوراً هاماً في مواجهة الألمان النازيين، والقضاء على الفاشية الهتلرية، وقد نال آلاف الجنود الآذريون أوسمة شجاعة لبسالتهم في الحرب. فألوية الآذريين في الجيش كانت الأكثر نشاطاً ومساهمة في الحرب، ومنها لواء (416) الذي رفع أفراده لواء النصر على مدخل (براندتبورغ برلين).
المارشال السوفياتي (فيودورتولبوخين) يتحدث عن بسالة الآذريين في الحرب فيقول «الجنود الآذربايجانيون أبرزوا خلال الحرب أسمى خصالهم الوطنية، وتفانيهم من أجل الوطن، وشهامة وشجاعة لا توصف. فعبدالله محمد زاده أحد المسلمين الشيعة الآذريين الذي شارك في الزحف على برلين، وحضر أيام النصر عام (1945م) فنال أوسمة عسكرية كثيرة، أصبح الآن بعد ان تقاعد، متولياً لمسجد (مشت آقا)».
خلال الحرب العالمية الثانية عقد مؤتمر في مدينة (أوفا) شارك فيه العلماء المسلمون، ووجهوا نداءاً إلى جميع المسلمين في الاتحاد السوفياتي أكدوا فيه على «ضرورة مواجهة الجبابرة والقتلة الهتلريين بشدة، الذين ينوون إقامة حكومة بربرية متوحشة، والقضاء على: الدين الإسلامي». ودعا النداء المسلمين إلى العمل بجد، والإيثار خلف الجبهات، وتنظيم وجمع المساعدات المالية لتأمين مستلزمات الدفاع، وإلى إقامة مجالس الدعاء والمناجاة في المساجد للانتصار على الفاشية.
ومنذ العام (1968م) قام زعماء الاتحاد السوفياتي بتأسيس إدارات دينية إسلامية، ثلاثة منها خاصة بالسنة وواحدة للسنة والشيعة.
وكان الإسلام في الاتحاد السوفياتي السابق منقسماً إلى مذهبين: مذهب رسمي تنشره مؤسسات مدعومة من الحكومة ومؤسسات تعاونية. ومذهب غير رسمي ينشر من خلال طرق النضال. ويقال أن هذه الطرق ترعرعت في القوقاز الشمالي وآذربايجان، وفي مستوى أدنى في آسيا الوسطى.
أما المراكز الرسمية فهي:
1 ـ المركز الديني لآسيا الوسطى وقزاقيا (للسنة): ومقر إدارته في طشقند (عاصمة اوزبكستان) واللغة المستخدمة فيه هي الأوزبكية، واسم رئيس المركز هو (شمس الدين خان بن ضياء الدين خان بابا خانوف) أقيم هذا المركز رسمياً عام (1946م) وقد أقام في عام (1976م) مؤتمراً إسلامياً خاصاً في طشقند بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيسه. ويغطي هذا المركز المهم أوسع مساحة جغرافية يقطنها نصف مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق.
2 ـ المركز الديني للقسم الأوروبي من الاتحاد السوفياتي وسيبيريا (للسنة): ومقره الإداري في مدينة (أوفا) عاصمة جمهورية (باشقير) التي تتمتع بحكم ذاتي، واللغة المستخدمة فيه هي التاتارية، ومذهبه الحنفي، واسم رئيسه هو المفتي (طلعت تاج الدين) الذي استلم رئاسته عام (1980م) بشكل رسمي، وكان عمره حينذاك (32) عاماً. وتغطي نشاطاته الدينية جميع مسلمي جمهورية روسيا الاتحادية عدا القوقاز الشمالي وداغستان.
3 ـ المركز الديني للقوقاز الشمالي وداغستان (للسنة): ومقره الإداري في مدينة (محاج قلعة) عاصمة (داغستان) واللغة المستخدمة فيه هي العربية، ومذهبه الشافعي، واسم رئيسه: هو المفتي (محمود حقيوف) الذي ولد عام (1935م) وتولى هذا المنصب عام (1987م) ونائبه ومعاونه هو الشيخ (أحمد داكايوف).
4 ـ المركز الديني لما وراء القوقاز (للسنة والشيعة): يتولى زعامة الإدارة الدينية لما وراء القوقاز ـ وأكثرهم من الشيعة ـ شيخ الإسلام (حاج الله شكور باشا زاده) من الشيعة، الذي تولى هذا المنصب عام 1980م وكان عمره حينها (31) عاماً، وهو من أوائل خريجي معهد الإمام البخاري العالي للعلوم الإسلامية في طشقند. ومعاونه هو (اسماعيل أحمد زاده) أو أحمدوف، وهو من السنّة حنفي المذهب. علاوة على المنصب الديني الذي يشغله شيخ الإسلام، قد انتخب عام (1992م) كنائب عن أهالي آذربايجان في برلمان الاتحاد السوفياتي السابق.
إدارة هذا المركز في مدينة (باكو)، وإلى جانب مسجد (تازه بير) أسس عام 1992،إلى جانب المسجد والمركز: المعهد العالي للعلوم الإسلامية لإعدد طلاب العلوم الدينية، وهو ثالث مدرسة دينية علمية في الاتحاد السوفياتي السابق، وأول مدرسة على المذهب الاسلامي الشيعي، بدأ نشاطه بعشرين طالباً، وكان يدرس: كتاب جامع المقدمات، والجامع العباسي، والقرآن، وتجويده. وفي المجال الفقهي يدرس الرسالة العملية للسيد المرعشي النجمفي. ويدار المعهد بنظام خاص. أما المطالعات الجانبية للطلاب فهي تتم بإشراف مسؤولي الإدارة الدينية للمركز. ويصرح مسؤولو المعهد أن العشرين طالباً تم اختيارهم من بين (3000) تقدموا لطلب العلم الإسلامي. ويزداد الاقبال على دراسة العلوم الدينية يوماً بعد يوم. ويمتلك المركز إمكانات مادية وتبليغية كبيرة، لكن نفوذه منحصر على طبقات خاصة من المجتمع التقليدي الآذري. فعامة الناس في آذربايجان السوفياتية الذين يقطنون في المدن الكبرى مثل: باكو، وگنجة، وشكي وغيرها يرتبطون بالمركز الديني مباشرة من خلال العلماء الذين يعيّنهم المركز. وبسبب عدم وجود مبلّغين متبحرين؛ فإن فهم أولئك الناس للدين سطحي ومحدود، مما يترك أثره في عقائدهم وصلاة جماعتهم حتى حضور العلماء في مراسم الزواج والدفن… كل ذلك مرتبط بالمركز الديني. فكيفية تدين أولئك الناس ـ الذين يشكلون غالبية المسلمين ـ ومدى طاعتهم للمركز الديني يدل على نقص في معرفتهم للقضايا الإسلامية، وأنهم تقليديون ومسلمون لخصوصية مقاومتهم للالحاد والشيوعية. لكنهم جاهلون للواجبات الأولية والمحرمات الشرعية. وهذا الجهل والنقص فرضا على المجتمع الشيعي الآذري.
أما المساحة التي يغطيها نشاط هذا المركز فهي تغطي مسلمي كل من: أرمينيا، وآذربايجان، وجورجيا.
بالنسبة لدور هذه المراكز الدينية الرسمية في الاتحاد السوفياتي السابق هناك آراء متفاوتة، بل ومتضادة فهناك من يرى: أن هذه المراكز كانت مفيدة في مجال تأمين الحاجات الشرعية للناس، واستطاعت أن تحافظ على العقائد الدينية لدى الناس. ورأي آخر يرى: أن هذه المراكز لم تساهم في ايجاد الوعي الديني وزيادة المعلومات الإسلامية عندالناس، بل لعبت دوراً مانعاً من الميل نحو الإسلام في الجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفياتي السابق. وللوقوف على حقيقة الأمر لا بد من إجراء دراسة دقيقة ومفصلة، دون أن توجد وثائق تعتمد في هذه الدراسة.
لكن من المسلّم به هو أن هذه المراكز الأربعة كانت جزءاً من جهاز الحكم، وتمارس نشاطها في إطار القرارات الحكومية، وكان لتلك القرارات تأثيرها حتى في بعض الفتاوى التي لا تمت إلى الإسلام بصلة. كما إن هذه المراكز أسست على غرار (المجمع الديني المحمدي) الذي أشرنا إلى تأسيسه في عهد القياصرة، حيث قامت حكومة الاتحاد السوفياتي السابق بتأسيس هذه المراكز الأربعة لتشرف على كل الشؤون الإسلامية في البلاد، وتتبع هذه المراكز إلى شورى الشؤون الدينية التابعة لشورى وزراء الاتحاد السوفياتي السابق.
ودون أن نبحث في مدى دفاع هذه المراكز عن منزلة الإسلام في الاتحاد السوفياتي، كانت تستعمل في معرض الدعاية للاتحاد السوفياتي تجاه المسلمين في العالم.
أما المهام التي كانت تؤديها هذه المراكز الدينية الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق فهي: حل المسائل الدينية، الإشراف على المساجد، اختيار العلماء وأئمة المساجد، توجيه النداءات للمسلمين، تشكيل قوافل الحج، تنظيم العلاقات والإتصالات الدولية.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحسن العلاقة بين حكومة الاتحاد السوفياتي والهيكلية الدينية للمسلمين؛ توجه بعض أعضاء المركز الديني في (أوفا) إلى الحج بحذر شديد. وزارت شخصيات شيعية من (باكو) كلاً من: مشهد وقم في إيران.
إن الحملات الإدارية والنفسية على الإسلام أيام تسلّط (خروتشوف) تحت شعار (العودة إلى لينين) بدأت عام (1953م) واستمرت لمدة عشر سنوات. خلال هذه المدة بلغ عدد المساجد العاملة (400) فقط، وانخفض عدد العلماء الرسميين المسجلين إلى (2000 ـ 3000) شخص.
إن أعلى منصب بلغه مسلم في الاتحاد السوفياتي هو سكرتارية الحزب الشيوعي لآذربايجان السوفياتية، وهو (مير جعفر باقروف) أمين عام الحزب الشيوعي في (بادكوبه) ولم يصل إلى هذا المنصب لأنه مسلم، بل لأنه كان ملحداً، ذلك لأن على أي مسلم ـ إذا أراد أن ينال منصباً ما ـ أن يتخلى دفعة واحدة عن جميع عقائده الدينية، ويكون ملحداً، وأن يبرأ من الإسلام عند اللزوم، لينال حظوة عند جهاز الحكم السوفياتي.
مسلمو الاتحاد السوفياتي السابق شاركوا في جميع القرارات الكبرى للشورى العليا العالمية لشؤون المساجد، ولهم عضو فيها منذ عام (1970م) وهذه المشاركة أضحت سنّة. إضافة إلى مشاركة ممثلي مسلمي الاتحاد السوفياتي في اللقاء العالمي الذي يعقد كل سنة في الجزائر تحت اسم (لقاء الفكر الإسلامي). كما تم انتخاب علماء مسلمين منهم كأعضاء أساسيين أو فرعيين في المؤسسات العلمية المعتبرة مثل: أكاديمية التمدن الإسلامي للبحوث والدراسات التي كان المفتي شمس الدين بابا خان، وشيخ الإسلام الله شكور أعضاء فيها. هذه المشاركة تعد من نقاط نجاح المجتمعات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق.
بعد استعراض تاريخ الإسلام وموقع مسلمي الإتحاد السوفياتي وخاصة آذربايجان خلال حقبة الحكم الشيوعي، وخاصة في عهد خروتشوف، يمكننا الاستنتاج أنه خلافاً لعهود القياصرة، إن الشيوعية لم تهادن الدين والمتدينين، بل واجهتهم أشد المواجهة، وكانت أشد قسوة على الإسلام والمسلمين. وكما أشرنا فإن هذه الشدّة الزائدة استمرت حتى عهد خروتشوف، ولم تخف إلا لمدة وجيزة خلال عهد ستالين وبسبب الحرب العالمية الثانية، من أجل دفع المسلمين إلى مواجهة المانيا النازية. وإن الماركسيين كانوا يلجأون إلى تبرير غير منطقي في مواجهتهم للدين، ويدعون أن الإسلام ليس دين وطني لآسيا الوسطى والقوقاز، بل هو ما حمله معهم المهاجمون الأجانب من عرب، وإيرانيين، وأتراك عثمانيين. ورغم الحس الثوري الذي كان الروس نفسهم يخشونه من الإسلام، إلا أنهم كانوا يتهمونه بالرجعية وأنه يقدس الكبار، ويذل المرأة، ويدفع إلى التعصب وعدم التساهل، ويحرك المؤمنين على الكفار، وهذا ما يمنع من تمتين الصداقة بين شعوب الاتحاد السوفياتي. وأن الختان وصيام شهر رمضان هي أعمال بدوية متوحشة وغير صحية، وأن أخلاق الإسلام تتعارض مع أخلاق الشيوعية، وأن الفن والأدب الاسلامي متحجران، وغير قادرين على التقدم والتكامل. وخلاصة الكلام أن الاسلام أمر يتعلق بالماضي، وليس بعهد الرأسمالية، بل بعهد الاقطاعية، لهذا لا مكان له في مجتمع التطور الاشتراكي.
لكن بعد خروتشوف أي في عهد بريجنيف أزاح زعماء موسكو الستارة الحديدية عن آسيا الوسطى والقوقاز تدريجياً، بعد أن كانا محجوبين عن باقي الدول الاسلامية لعقود من الزمن. ففي عام (1968م) أطل الاتحاد السوفياتي على الساحة السياسية في الشرق الأوسط بوجه إسلامي جديد، فأخذ زعماء الكرملين يستخدمون الزعماء المسلمين كسفراء جوالين لهم، وناطقين بلسانهم في العالم الاسلامي، طبعاً بحذر شديد، أما هدف السوفييات من سياسة الحرية الدينية خلال الأعوام (1968 ـ 1980م) فهي:
1 ـ تقديم آسيا الوسطى والقوقاز كنموذج للتقدم الاقتصادي الشيوعي، لإقناع العالم والعالم الثالث خاصة بأن تجربة الاتحاد السوفياتي أنجح من تجارب الرأسمالية الغربية.
2 ـ لإظهار الحرية والرفاهية التي يعيشها المسلمون في الاتحاد السوفياتي.
3 ـ لإثبات أن الاتحاد السوفياتي هو الصديق والزميل الأفضل للعالم الإسلامي.
ورغم أن المادة (52) من الدستور لعام (1977م) تؤكد: أن حرية العقيدة لابناء البلد مضمونة، وأن من حق كل إنسان أن يختار الدين الذي يريده، أو يرفض الدين الذي لا يريد. وأن ممارسة الشعائر الدينية أو الدعاية الإلحادية من حق الجميع. لكن البند الثاني من نفس المادة: يمنع المتدينين من الدعاية الدينية، بل يهدد مرتكبي ذلك بالعقاب. فالقانون السوفياتي يدعي أن الاعلان الديني يحرك العداوات والأحقاد. في الحقيقة إن الروس بسياستهم الإزدواجية هذه يقفون بكل ما أوتوا من قوة في وجه الدين. ويبثون الدعايات المعادية للدين.
ولحسن الحظ فإن مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق مثل سائر المسلمين في العالم استفادوا من انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، خاصة أن الثورة الإسلامية في إيران اتخذت مكانة خاصة لها في قلوب مسلمي القوقاز، وكان تأثيرها مشابه للتأثير الذي تركته الحكومة الاسلامية للقوقاز بقيادة (أوزون حاجي) خلال الأعوام (1918 ـ 1921م) لدى سكان تلك المنطقة. بحيث تراهم يصغون إلى برامج إذاعة الجمهورية الإسلامية، وكان لمعاداة الثورة الإسلامية للإمبريالية وقعها الخاص عند جيل الشباب هناك.
الشيخ الله شكور باشا زاده مدير المركز الإسلامي لمنطقة القوقاز أكد أن 70% من سكان آذربايجان هم من المسلمين الشيعة، وأنهم موحدون مع إخوانهم من السنة، وبدأ كلامه بالبسملة قائلاً: بسبب وجود حدود مشتركة بين آذربيجان وإيران يمكنكم مشاهدة تأثير ثورة الإمام الخميني. رغم أن الشيخ باشازاده يعارض تدخل الدين في السياسة.
وعند استلام غورباتشوف للسلطة، وإعلانه لبرنامجه في التغيير (البروتستريكا) حل جو جديد من الحرية الدينية في البلاد. وكما قال غرباتشوف خلال لقائه البابا زعيم الكاثوليك في العالم: «إننا بحاجة للقيم المعنوية، وبحاجة لثورة فكرية. إنه الطريق الوحيد لايجاد ثقافة جديدة وسياسة جديدة يمكنها أن تواكب مقتضيات عصرنا هذا. إن القيم التي يوجدها الدين قد أعانتنا طوال قرون التاريخ على تحديث بلدنا. ففي الاتحاد السوفياتي يعيش أناس من أتباع أديان مختلفة مثل: المسيحيين والمسلمين والبوذيين وغيرهم، ويحق لأولئك جميعاً أن يرووا عطشهم المعنوي».
بتاريخ (1 ـ 3 تشرين الأول 1986م) عقد مؤتمر إسلامي عالمي في باكو، وكان شعاره (المسلمون في المواجهة من أجل السلام) وقد شكل هذا المؤتمر مرحلة هامة جداً من سعي المسلمين نحو السلام، حيث حضره ممثلون لستين بلداً من آسيا وافريقيا، إضافة إلى فرق دينية من أوروبا وامريكا الشمالية. فاحتضنت باكو (600) مندوب وشخصية منها (200) شخصية من الخارج، و(400) مندوب من المراكز الدينية الاسلامية الأربعة، اضافة إلى منظمات دينية واجتماعية، منها: منظمة الأمم المتحدة.
وخلال افتتاح المؤتمر قال شيخ الاسلام الله شكور باشا زاده: «علينا أن نمد يد العون إلى الناس المؤمنين، ليطلعوا على المسائل الأخلاقية للظروف الحالية، وأن نوقظ حس المسؤولية لدى كل منهم، وأن نوجد فيهم حس الثقة المتبادلة والايمان الراسخ بقدراتهم».
بعد السماح بالحريات الدينية في عهد غورباتشوف، قام المسلمون وخاصة في آذربايجان بفتح مساجدهم إحياءاً لدين آبائهم وأجدادهم، والعودة إلى ثقافتهم الإسلامية التي حرموا منها طوال سبعين عاماً من الاستبداد والديكتاتورية للسلطة الشيوعية. وتواجدوا في المساجد، وأحيوا صلاة الجماعة، ببهاء وحماسة وشوق.
وتبعاً لهذه التحولات الدينية وجه الإمام الخميني – بتاريخ (22 جمادى الأولى 1409هـ/ 31 كانون الثاني 1989م) رسالة إلى غورباتشوف جاء فيها: «لقد اتضح للجميع أن البحث عن الشيوعية يجب أن يتوجه ـ من الآن فصاعداً ـ إلى متاحف التاريخ السياسي العالمي».
«السيد غورباتشوف… عندما ارتفع نداء (الله أكبر) وإعلان الشهادة برسالة خاتم الأنبياء (ص)، من مآذن المساجد في بعض جمهورياتكم، فجّر دموع الشوق في أعين أنصار الإسلام الأصيل كافة، الأمر الذي ألزمني أن أذكّركم بضرورة إعادة النظر في الفلسفتين المادية والإلهية».
بعد وفاة زعيم الثورة الإسلامية في إيران وفي شهر حزيران عام (1989م) قام رئيس جمهورية إيران الشيخ هاشمي الرفسنجاني بزيارة للاتحاد السوفياتي، ووافق غورباتشوف أن يؤم الشيخ الرفسنجاني صلاة الجمعة في مسجد باكو ويلقي خطبة وموعظة، لعله يخفف من المواجهة الدموية التي كانت دائرة بين المسلمين والأرمن.
سبعون عاماً من الضغط النفسي والإعلامي كل ما فعلته هو منع الناس من إظهار عقائدهم الدينية، لأن عقيدتهم بدينهم وبربهم ما زالت لدى معظم سكان الاتحاد السوفياتي السابق.
شيخ الإسلام باشا زاده زعيم مسلمي ما وراء القوقاز، وحاجي صابر حسن زاده رئيس ادارة العلاقات الدولية للهيئة الإسلامية كانا أول مسلمين من الاتحاد السوفياتي يزوران إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران.
بعد ذلك زار إيران العديد من المسؤولين الحكوميين والشخصيات العلمية والدينية، من بين أولئك (أياز مطلبوف) رئيس جمهورية آذربايجان المستقيل وأمين عام الحزب الشيوعي فيها، و(حسن حسنوف) رئيس وزرائه. فزار (حسنوف) والوزراء المرافقون له مرقد الإمام الرضا (ع)، والآثار التاريخية والثقافية في مشهد، ومتحف القرآن ومقبرة نادر شاه ومقبرة الفردوسي. وعند لقائه مع متولي المرقد الرضوي الشيخ واعظ الطبسي أخبره (حسنوف) أن أحد أقرباء الإمام الرضا (ع)، مدفون في آذربايجان [أخته السيدة حكيمة] وإنا مصممون على إعمار قبرها، وإننا بحاجة لتعاونكم في هذا المجال ومساعدتكم.
وأكد الشيخ الطبسي استعداد مؤسسته للتعاون في إحياء الأماكن المقدسة الدينية لمسلمي جمهورية آذربايجان، وبين له أن المؤسسة الرضوية وانسجاماً مع سياسة حكومة الجمهورية الإسلامية بدأت بتنفيذ برامج واسعة لإحياء العمران الإسلامي والتقليدي وصيانة الآثار التاريخية والثقافية، ومستعدون لإحياء هذه المراكز التي ترتبط مباشرة بثقافة الإسلام.
تبعاً لهذه الزيارة بدأ تنظيم رحلات جماعية لمسلمي آذربايجان لزيارة مرقد الإمام الرضا (ع)، واستضافتهم من قبل المؤسسة الرضوية لعدة أيام.
مرحلة الاستقلال
المرحلة الأخيرة يمكن أن تسمّى بعدة أسماء فهي: مرحلة ما بعد الشيوعية، مرحلة عودة الحياة الإسلامية، مرحلة الخلاص والتحرر من الأسر، مرحلة الاستقلال. فبعد موت الشيوعية عام (1991م) حصلت تحولات وتغييرات عظيمة في جمهورية آذربايجان وسائر الجمهوريات الإسلامية على الصعيد العقائدي والديني.
فقد صوّت الشعب المسلم في آذربايجان للاستقلال الكامل، وللخلاص من مخالب الديكتاتورية الشيوعية بعزم راسخ وإرادة فولاذية. وأقر نواب المجلس ذلك، فتحققت أمنية قديمة دائمة كانت تراودهم. فكيف كانت نظرة هذا الشعب إلى الإسلام والدولة الإسلامية، وخاصة إيران الإسلامية بعد استقلالهم؟ وإذا كانت نظرتهم تلك نظرة إيجابية، فما هي المشاكل والموانع التي تقف في طريق تحقيق أمانيهم، وأهدافهم الإسلامية المقدسة، وعلاقتهم بإيران وسائر المسلمين؟.
وفي الإجابة على السؤال الأول يسعدنا القول: إن السنوات التي تلت الاستقلال شهدت تطوراً ملحوظاً في مجال احترام الشعائر الإسلامية، حيث الحماسة والشوق الشديد لإحياء السنن الإسلامية، وقد أعيد فتح وتأهيل الأماكن الدينية التي كانت قد أغلقت، أو حولت من قبل الشيوعيين. فعادت إليها النشاطات الدينية، ومن ذلك ترميم المساجد القديمة، وبناء المساجد الجديدة، وتلاوة القرآن الكريم، وإقامة مراسم صلاة الجمعة والجماعة، وإحياء الأعياد الإسلامية، ومنها ذكرى ولادة رسول الله (ص)، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الغدير، وتسمية المواليد بأسماء إسلامية، وتسمية الأماكن والشوارع كذلك، وانتشار اللغة العربية وغير ذلك.
إضافة إلى ذلك فبعد الخلاص من سلطة الشيوعيين قام مسلمو تلك الديار بإعادة النظر في علاقاتهم مع الدول الأخرى، واتجهوا نحو العالم الإسلامي.
لهذا لا بد من الاعتراف بأن الإسلام قد وجد حياته الجديدة بين أهالي هذه الأرض، واستطاع أن ينفذ من جديد إلى قلوب المؤمنين بعد حوالي قرن من تسلّط النظام الاشتراكي.
وللإجابة على السؤال الثاني يمكننا القول: علينا أن لا نتوقع من مسلمي هذا البلد أن يكونوا مثل مسلمي إيران وغيرها يعرفون جميع القوانين والأحكام الشرعية وأن ينفذوها في حياتهم الاجتماعية، لأنهم كانوا بعيدين عنها لعشرات السنين، ولن تكون العودة إلى أحضان الإسلام إلا بشكل تدريجي ومع مرور الزمن. كما أن عدم وجود الوعي الكافي وفي غياب الاتحاد الحقيقي بين المسلمين يجعل تقدم الإسلام في هذه المنطقة أقل سرعة، ومن شواهد ذلك التمايز الموجود في التدين المتمثل في:
1 ـ تيار إدارة علماء ما وراء القوقاز، ومساحة تأثيرهم على جانب من المسلمين.
2 ـ تيار التوجه الإسلامي المستقل عن تلك الإدارة.
إلى جانب كثير من المشاكل والقضايا الداخلية والخارجية، ومنها: حرب قره باغ بين المسلمين والأرمن، وموضوع الوطنية والقومية وعلاقتهما بالدين، مسألة الأحكام الشرعية غير المألوفة لديهم من تعزيرات وقصاص وديّات وحقوق المرأة، الإعلام الغربي المغرض والشائعات، تنافس الدول الإسلامية في هذه المنطقة، إلقاء الشك والشبهات حول الاحكام الإسلامية وغير ذلك مما يتطلب من أبناء الشعب المسلم في آذربايجان أن يواجه تلك الأمور بنفسه، وبشكل أصولي ومنطقي، وإن يزيل تلك العقبات من طريقه، ويجتثها من أساسها.
اقتصاد جمهورية آذربايجان
بالنسبة للإمكانيات الاقتصادية والتجارية ونموها في جمهورية آذربايجان لا بد من أن نقول أنها تمتلك أفضل وضع قياساً بباقي الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى لامتلاكها سواحل على بحر قزوين، وهي قابلة للتوسع في المجال الاقتصادي والتجاري والصناعي لوجود صناعات أساسية مثل النفط والغاز والمعادن، مما يشير إلى اعتماد اقتصادها على ثلاثة ركائز هي: الصناعة والمعادن، الزراعة، الدواجن والأسماك.
في مجال الصناعة هناك: استخراج النفط وتصفيته، إنتاج الغاز الطبيعي، صناعة الآلات، استخراج المعادن، الكهرباء، الكيمياويات، البتروكيمياويات، الألمنيوم، إنتاج الحديد والفولاذ، مصانع النسيج، الحياكة، إنتاج الأحذية، إنتاج مواد البناء، صناعة السجاد اليدوي والآلي.
الصناعة الأولى هي صناعة النفط ورفع مستوى إنتاج الآبار النفطية، هذه الصناعة كانت سبباً في تطور اقتصاد آذربايجان من خلال زيادة مستوى انتاج النفظ والغاز وتصديرهما إلى الخارج. والميناء الوحيد المؤهل لتصدير النفط هو ميناء (باطوم).
وشبه جزيرة (آبشوران) هي أكبر مصدر نفطي في آذربايجان.
آبار النفط البحرية موجودة في منطقة (أجيثوم) وهي جزيرة في وسط البحر إلى الساحل الشرقي لآبشوران، تقع على منصة عائمة تبعد عن الساحل مسافة (17) كيلو متراً، وعن باكو (75) كيلو متراً، وفيها (90) بئراً موجودة منذ عام (1948م).
وكان الروس قد بدأوا حفر الآبار البحرية عام (1940م)، ومتوسط عمق الآبار (2000) متر، وتتحرك المضخات بهدوء صعوداً ونزولاً، وقطر الأنابيب هو (3 ـ 5) إنشات.
باكو هي مدينة نفطية، ورائحة النفط تملأ كل مكان فيها، ولوث النفط كل أماكنها، وغطى النفط وجه الماء، وعندما يخشون تراكم الطبقة النفطية يبادرون إلى إحراقها، وعندما يقومون بذلك ليلاً ترى منظراً عظيماً، وتتحرك السفن خلال تلك الطبقة دون إحساس بالخطر. وإذا كانت امريكا تحفر آبار نفطها في الأراضي غير الصالحة للزراعة والسكن، فإن آبار نفط آذربايجان قد حفرت في أرض مستوية، ووضعت فوق فوهاتها مغالق سوداء اللون، مصطفة إلى جانب بعضها البعض، وكأنها غابة شجر.
تعتمد باكو على النفط في تأمين التدفئة، والمطبخ والإضاءة، وأفران معامل إسالة الحديد وهذه كلها لا تعرف وقوداً سوى النفط. هذه المادة المشتعلة التي تتدفق من باطن الأرض جعلت من باكو في الماضي ما يشبه مزاراً لعبدة النار، وكان عبدة النار قد بنوا معبداً لهم في باكو، برج الكمود (الدخمة) وهو مقبرتهم وما زال موجوداً.
على أي حال إن استخراج النفط وبيعه إلى الدول الأخرى من خلال الأسواق العالمية يعد من المصادر الأساسية لمدخول جمهورية آذربايجان. لكن القدرة الصناعية لآذربايجان ليست محدودة بالنفط فقط، بل إن هذه الجمهورية تمتلك حوالي مائة نوع من الصناعة، وتنشط فيها (440) مؤسسة صناعية كبيرة، تنتج (350) نوعاً من المحاصيل الصناعية، منها: المشتقات النفطية، وأجهزة صناعة النفط، الأنابيب الفولاذية، الكاوتشوك، مولدات الكهرباء، المحركات الكهربائية، مواد البناء، أجهزة التكييف المنزلي، إطارات السيارات، الأسمدة الكيميائية، الصناعات الخزفية، السجاد، وتصدر إنتاجها إلى (65) دولة في العالم.
وبسبب زيادة الطلب في الأسواق الداخلية والخارجية أتيحت الظروف المناسبة لنمو صناعة السجاد الصوفي، فسجاد (قوبا، شوشا، جبرائيل، گنجه، باكو) معروف ومشهور في العالم كله.
المصادر الإنتاجية والمالية لآذربايجان هي: ذخائر النفط والغاز الكثيرة، الرصاص، النحاس، الزئبق، الذهب، الفضة، الحديد، الونيت، پيريت، موليبدن، كبالت، وأنواع أخرى نادرة من المعادن، والملح، ومواد بناء مثل: الرخام، والكلس.
وفي آذربايجان أماكن طبيعية للاستشفاء وجدت منذ القدم، فماركوبولو الرحالة الشهير تحدث عن وجود نفط يستخدم للشفاء فريد من نوعه اسمه (النفثالين):
المصدر الوحيد العالمي للنفط المستخدم للشفاء موجود في آذربايجان. في القرن الماضي بدء أصحاب الصناعة الألمان باستخراج النفثالين وتصديره إلى أوروبا. وقد أقيمت حالياً مدينة على المصدر الوحيد لهذه المادة الاستشفائية سميت بمدينة نفثالين، ويعتقد الخبراء أن الخواص الاستشفائية للنفثالين لم تكتشف بعد، لكن حالياً يشفى في هذه المدينة مرضى الروماتيزم والأمراض الجلدية وغيرها.
وقد أقيم متحف فريد في هذه المدينة، يضم عكازات المرضى الذين شفوا من أمراضهم في هذه المدينة، لتكون شاهداً على ما يدّعون.
وفي ولاية باكو يستخرج ملح جيد يصدر إلى إيران وإلى سائر ولايات القوقاز، يوضع هذا الملح في الثلاجات كمواد حافظة تمنع من فساد السمك.
وفي نخجوان هناك مقالع للصخور الملحية، تؤجر هذه المقالع، ويستخدم المزارعون المحليون لاستخراج الملح.
وتعد آذربايجان من الناحية الزراعية بلداً نامياً، وتنتج عدة محاصيل زراعية، أهمها: القطن، التبغ، العنب، الشاي، الفواكه، الزيتون، الزعفران.
التنقيب الأثري يدل على أن إنتاج الحرير وزراعة الرز كانا رائجين في القرن الثامن الميلادي في مدينة (آران). وفي مدينتي (بروع وبيلقان) وضواحيهما ازدهرت بساتين الفاكهة المختلفة. وفي ضواحي مدينة (گنجه) كانت تنتشر زراعة القطن، وفي كل من: شكي، شيروان، بردعه، گنجه كانت صناعة الحرير رائجة.
إن تنمية صناعات النسيج أدت إلى زيادة إنتاج القطن، وفي أواخر القرن التاسع عشر بلغ انتاج القطن في آذربايجان ذروته. المراكز المهمة لزراعة القطن في آذربايجان في الماضي هي: باكو، گوي شاي، جواد.
وتحتل آذربايجان المرتبة الأولى بانتاج العنب في دول الاتحاد السوفياتي السابق.
وتولي آذربايجان مسألة تربية الدواجن أهمية خاصة لاسيما تربية الأغنام، اضافة إلى تربية الأبقار والخيول (178900) رأس عام (1983م) اضافة إلى صيد الأسماك، وانتاج الكافيار، وتربية دودة القز لصناعة الحرير، وتشكل هذه الأمور موارد أساسية في اقتصاد آذربايجان.
عباس كيهان فر
الشيعة في جمهورية آذربيجان
وفيما كان يسمى الاتحاد السوفياتي
حكم مناطق آذربيجان في مرحلة ضعف الدولة العباسية أمراء من سلالات شيعية، وكانت هذه المناطق تسمى آنذاك مناطق (آران)، ولم ينتشر التشيع فيها بشكله الواسع إلا من ابتداء العهد الصفوي. وفي عهد مؤسس الدولة الصفوية الشاه إسماعيل (907 ـ 930هـ)، وعهد خليفته طهماسب (930 ـ 984هـ) أصبح التشيع مذهباً رسمياً لهذه المناطق.
ويذكر الشيرواني الذي زار آذربيجان الروسية في العهد القاجاري أسماء مدن عديدة مثل: گنجه، وقبله، وشيروان، وشماخي، وشكي، وشابران، وساليان، وبادكوبه، ومغان ـ يذكر أن هذه مدن شيعية. كما أشار إلى أن فيها عدداً من اتباع طائفة (شاهسون) واليوم يبلغ عدد الشيعة سبعين في المائة من سكان جمهورية آذربيجان، أما غير الشيعة فمعظمهم على المذهب الحنفي وفيهم شافعيون وهم كغيرهم من سكان آذربيجان يتكلمون اللغة التركية.
ينقسم الشيعة في تلك المناطق إلى الأقسام التالية:
1 ـ التات (التاتيون): ويتوزعون في القوقاز الشمالي: آذربيجان، داغستان، وبعض المناطق الأخرى، كما يوجد بينهم السنيون واليهود والمسيحيون. وفي العام 1979م كان 39,4 في المئة من العدد الكلي للتات يسكنون في جمهورية آذربيجان السوفياتية.
2 ـ الأينقيلوي (الأينقيلويون): هؤلاء هم من الگرج ذوي الأصل المسيحي وفي أوائل القرن السابع عشر أيام الشاه عباس الصفوي حين كان الصفويون يحكمون تلك البلاد اعتنقوا الإسلام على المذهب الشيعي. وفي العام 1801م (1216هـ) بعد اتحاد گرجستان الشرقية مع روسيا عاد قسم منهم إلى الدين المسيحي وظل أكثرهم على الاسلام. وكان عددهم سنة 1871م (1288هـ) أكثر من 10000 نفس كان منهم 7126 نفساً مسلماً شيعياً، والباقون مسيحيون أرثوذكس. وفي العام 1926م، كان قد قل عددهم إلى 5183 نفساً وسبب هذا النقصان الذي استمر حتى بعد هذا التاريخ هو ذوبان ابناء هذه المجموعة في الآذربيجانيين والگرجيين. وما لا يزال باقياً منهم في آذربيجان السوفياتية والمناطق المجاورة لها هم مسلمون شيعة.
إن كلمة (الأينقيلوي) الگرجية مشتقة من الكلمة التي تعني في التركية (ينگيلو) ويراد بها (حديث المذهب).
3 ـ الإيرانيون: أو بالأحرى: الفرس، وهم مجموعة صغيرة يسكنون فيما وراء القفقاس وآذربيجان، وتعود جذور هؤلاء الناس في هذه المناطق إلى العلاقات التجارية وروابط الجيرة مع إيران، وكذلك إلى أيام الحكم الصفوي لأرضهم، وقد بلغ عددهم سنة 1926م حوالي 20000 شخص، وكان ما يقرب من نصف عددهم يسكن آذربيجان.
4 ـ الشاهسونويون: وهم مجموعة من القبائل التركية الساكنة فيما وراء القفقاس، وكانوا حتى العام 1884م ينتقلون بحرية ما بين أماكنهم داخل الحدود الروسية وبين مناطق شمال ايران وبالعكس.
ورغم أن الحدود بين روسيا وإيران كانت قد اغلقت بعد هذا التاريخ؛ إلا أنه لا يستبعد أن تكون ظاهرة التنقل والهجرة استمرت حتى فترة متأخرة.
وطبقاً للمصادر الروسية فإن أعداداً من هؤلاء الناس لا تزال تسكن جنوب جمهورية آذربيجان (الروسية). على أنه لا يوجد إحصاء حكومي لهذه المجموعة السكانية، ولأنهم ذابوا تدريجياً داخل المجموعات الآذربيجانية الأخرى؛ فإنه يتعذر اليوم معرفة عددهم الدقيق، وخُمن هذا العدد بعدة آلاف من الناس.
5 ـ الطالشيون: يعتبر هؤلاء من مجموعة الأقوام الداخلة في المنطقة الجنوبية الشرقية الإيرانية، وهم خليط من الأقوام القفقاسية والإيرانية. وكانت أماكن سكنهم في القرن السادس عشر الميلادي (العاشر الهجري) تخضع للسيطرة الصفوية، كما ادعت كل من إيران وتركيا وروسيا سيطرتها بشكل من الأشكال على أراضي هذه المجموعة السكانية فضلاً عن آذربيجان ـ خلال الحقب الزمنية المختلفة.
بعد وفاة نادر شاه سنة 1160هـ قام عدد من الإمارات المستقلة، ومنها إمارة (الطالش) في هذه المناطق، وقد خضع عدد من هذه الإمارات للحماية الروسية حتى العام 1805م (1220هـ)، وبعد الحرب الإيرانية الروسية (1805 ـ 1813م) (1220 ـ 1228هـ) احتل الروس عدداً أكثر من الإمارات ومنها إمارة (الطالش). كما أن معاهدة (گلستان) (13 تشرين الأول 1813م) (9 شوال 1228هـ) أقرت رسمياً السيطرة الروسية على هذه الإمارة (الطالش). ثم تلا معاهدة گلستان معاهدة (تركمنتشاي) في شهر شباط 1828م (5 شعبان 1243هـ) التي اخضعت هذه الإمارة نهائياً للحكم الروسي.
6 ـ مجموعة من الأكراد الذين يسكنون في مناطق ما وراء القفقاس، وهم علويو الاعتقاد ممن يسمون أنفسهم (أهل الحق).
وخلافاً لبقية الأكراد فإن الأكراد الذين يسكنون في آذربيجان وگرجستان وتركمانستان يعتنقون المذهب الشيعي، ويبدو أن الأكراد الشيعة تركوا آذربيجان وانتقلوا إلى مكان آخر، إلا أن بعضهم لا يزال يسكن في أرمينيا.
7 ـ مجموعة اللذگيون: وهم من الشيعة ولكن على غير المذهب الجعفري.
المساجد
إن مجموع مساجد آذربيجان (في العهد السوفياتي) هو 16 مسجداً، ولكل من الشيعة والسنيين مساجدهم الخاصة بهم. والمسجد الجامع للشيعة الذي تقام فيه صلاة الجمعة في باكو اسمه (مسجد تازه بير) وهو من أكبر المساجد هناك، والمسجد الجامع للسنيين الذي تقام فيه صلاة الجمعة اسمه مسجد (آردربك). على أن المساجد الصغيرة هي على الأغلب مشتركة بين الشيعة والسنييّن([96]).
ومن مساجد الشيعة الكبيرة في جمهورية آذربيجان مسجدا (بيرسيد) و(مش تقي).
ومن المراقد المقدسة لدى شيعة آذربيجان نذكر مرقداً ينسب إلى إبراهيم ابن الإمام محمد الباقر (ع)، وهو يقع قريباً من مدينة (كيروف)، وقد بني في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) وهو اليوم مزار مهم للزوار الشيعة وفيه تقام سنوياً الاحتفالات بذكرى مقتل الحسين (ع) في عاشوراء.
وتقول لوحة موضوعة على أحد جدران المرقد: بأن إبراهيم ابن الإمام الباقر توفي في تلك الأرض سنة 120 من الهجرة. كما تقول رواية أخرى: أن ابنة الإمام الرضا (ع) مدفونة أيضاً في أحد أركان هذه البقعة.
ومن المساجد الأثرية في آذربيجان (مسجد محمد). والمسجد يعود إلى القرن الخامس الهجري، وهو يقع في أقدم حي من أحياء مدينة باكو اسمه (ابجي شهري). وقد كتب بالعربية على لوحة مثبتة على أحد جدران المسجد ما مضمونه: «بسم الله الرحمن الرحيم. بني هذا المسجد بأمر من محمد الحاكم في العام 471هـ».
كما تعتبر مجموعة قصر شيروان شاه أو شيروانشاهان من الآثار التاريخية المهمة في هذه المقاطعة. وتشمل هذه المجموعة قصر شيروان شاه أو شيروان شاهان أو خال شيروان، ومسجداً وعدة مقابر منها مقبرة شيروان شاهان ومقبرة السيد يحيى الباكوئي الشيرواني المتوفى سنة 807هـ صاحب (مفتاح الأسرار على ورد الاستار) المطبوع على حاشية (إرشاد المريدين في معرفة كلام العارفين) للشيخ عمر بن جعفر الشبراوي من علماء القرون الوسطى المشهورين.
وشهدت آذربيجان في تاريخها ظهور مجموعة من كبار المفكرين والفلاسفة بينهم الشاعر نظامي الذي عاش في القرن الثاني عشر والذي يعتبره الآذريون أبرز شخصياتهم الفكرية من دون استثناء. ويتوسط تمثاله أكبر ساحة في باكو تحمل اسمه.
وعرفت العاصمة الأذرية عام 1901م أول مدرسة للفتيات في الشرق أنشأها المتمول حاجي زين الدين طاجييف الذي يقيم له الآذريون تماثيل كثيرة والذي عمل على إنشاء مدارس كثيرة في ضواحي باكو منذ عام 1884.
اللغة التركية في آذربيجان
ـ 1 ـ
كانت هذه البلاد القديمة آذربيجان في أيام خلفاء الاسكندر (323ق.م) جزءاً من مملكة ماد أو ماداي العظيمة (التي تشمل كل الجزء الغربي والشمال الغربي لإيران)، ثم آلت السلطة فيها إلى زعيم إيراني باسم (آذرباتگان) ومن ثم تسمّت البلاد باسمه (آذرباتگانه) أي البلد المنسوب إلى هذا الزعيم وتغير بعدها هذا الاسم بالتدريج ليصبح آذربادگان ثم آذربايجان.
أصبحت هذه الأرض في الأزمنة القديمة، وعلى الخصوص من زمن الساسانيين مهداً لعبدة النار (المجوس) فكثرت فيها معابد النار، وفاقت في ذلك سائر المدن الإيرانية، كما فاقتها أيضاً بأرضها الزراعية وعمرانها. وعاش أهلها بعظمة وقوة حتى الحدود الحالية لكرجستان.
والأمر المهم الذي نخصّه بالبحث هنا، هو: مسألة اللغة التركية التي ينطق بها الأعم الأغلب من الإيرانيين الأذربيجانيين، والتي يتخذ منها بعضهم الدليل على الأصل التركي لهذا الاقليم. فإذا كان كل من يتكلم التركية هو تركي الأصل، فماذا نقول عن اولئك السادة الطباطبائيين والعلويين والحسنيين والحسينيين والرضويين والوهابيين الذين يسكنون آذربيجان ويتكلمون اللغة التركية، ولا تحوم حول سيادتهم الشبهات؟ هل تعتبرهم هذه الجماعة المتسفسطة أتراكاً أو من ذرية جنكيزخان وهولاكو؟ ثم هل يمكن اعتبار ذرية الميرزات والمستوفيين الآشتيانيين والفراهانيين والتفرشيين والكركانيين الذين هاجروا إلى آذربيجان خلال وزارة الميرزا الكبير القائم مقام الأول. والميرزا أبو القاسم القائم مقام الثاني، وإمارة الميرزا تقي خان أمير آذربيجان والذين يسكنون النواحي المختلفة لأذربيجان، ويتكلمون اللغة التركية، هل يمكن اعتبار هؤلاء أتراكاً رغم العلم بحسبهم ونسبهم؟ وهكذا الحال بالنسبة للكثير من السكان الأصليين لأذربيجان الذين هم في أكثرهم امتداد لأسر إيرانية قديمة جداً، ويمكن القول إنهم لا يحملون في عروقهم قطرة دم غزي أو مغولي أو تركماني، وإذا كان المقصود من الحديث هم تلك الحفنة من ذرية المهاجمين من جيش المغول، والغزيين، والتيموريين، والتركمان (آق قويونلو) و(قراقويونلو)، فليعلم أن هؤلاء اندمجوا مع الإيرانيين وكلما وصلوا إلى سدة الحكم راحوا يروجون الأدب الفارسي واللغة الفارسية، ويشجعون على الخطوط الجميلة، والصناعات الإيرانية الطريفة، ويحيطون أنفسهم بالأساتذة والفنانين الايرانيين، وشعراء وكتاب اللغة الفارسية، ويصلونهم بصلات وافرة، ولم يكن أحد منهم يتحدث عن الأتراك والتركية.
إن الشعر والأدب في آذربيجان كانا دائماً لغة رودقي، والفردَوسي، وحافظ، وسعدي، ولغة المخاطبة لأهلها هي الفارسية الآذرية أي اللهجة القريبة من لهجة تاش (لهجة أهالي طالش واران) والشبيهة بالكيلك. ولم يكن عظماء آذربيجان مثل: قظران، والشيخ محمود الشبستري، والخواجه همام الدين، والشيخ صفي الدين الأردبيلي، والسيد قاسم أنوار ينشدون الشعر إلا باللغة الفارسية الدرية العذبة، ورغم أن البعض منهم مثل الخواجه همام الدين (المتوفى سنة 710هـ)، والشيخ صفي الدين الأردبيلي جد السلاطين الصفويين (المتوفى سنة 835هـ) أنشدوا عدداً من الأبيات الشعرية باللغة الفارسية الآذرية، إلا أنك لا ترى بيتاً واحداً؛ بل ولا كلمة تركية واحدة، وهذا افضل دليل على أن أهل آذربيجان لا يعنون باللغة التركية إذ لا ينشدون الشعر إلا باللغة الفارسية الدرية، وإذا تحدثوا بينهم إنما يتحدثون باللغة الفارسية الآذرية.
وكان السيد أحمد التبريزي قد اعطى الموضوع حقه في بحث له حول اللغة الآذرية صدر له في طهران في رسالة مستقلة سنة 1925م، واستدل بعدة شواهد تاريخية على أن اللغة الدارجة لأهل آذربيجان كانت آذرية على الأقل إلى أواخر عهد المغول (أواسط القرن الثامن الهجري)، ثم انقرضت الآذرية خلال المائة والخمسين سنة التي فصلت بين انقراض سلطة الجنكيزيين، وتأسيس الدولة الصفوية، وحلت محلها بالتدريج اللغة التركية.
ولسوء الحظ إن كل الشواهد والأدلة المتوفرة تلقي بتبعة نشر اللغة التركية في آذربيجان على الشاه إسماعيل الصفوي قبل أن تلقي بها على الولايات التركية التي أقامها الأمير تيمور في آذربيجان، وقبل أن تلقي بها على التركمان (قراقويونلو) الذين حلوا في هذه الدنيا فيما بعد، ويحتاج هذا الموضوع إلى الكثير من التفصيل، إلا أنّا فضلنا أن نعرض له بشيء من الايجاز.
حتى حوالي سنة 780هـ حين استقر التركمان (قراقويونلو) في آذربيجان لم تشع اللغتان التركية والمغولية رغم الاستيلاء المتكرر للطوائف المختلفة من الأتراك والمغول على ايران (مثل تركمان الغز، والسلاجقة، والخوارزميين والجنكيزيين، والتيموريين) إذ لم يبق من اللغتين التركية والمغولية في إيران أي أثر بعد زوال هذه السلالات، عدا بعض الأقاليم، المحدودة التي ظل يتكلم أهلوها فيما بينهم اللهجات التركية والمغولية، ونجد الأثر الوحيد لهما في كتب التواريخ التي صنفت في تلك العهود مثل جامع التواريخ للرشيدي وغيره.
أعاد تركمان قراقويونلو وآق قويونلو الذين استولوا على الحكم في شمال غرب إيران من سنة 780هـ إلى سنة 908هـ الكثير من الطوائف التركمانية التي هجرها السلاجقة من إيران إلى أرمينيا والجزيرة والأناضول وشمال سوريا حيثما كانوا يعيشون هناك كبدو رحل.
وحينما نهض إسماعيل الصفوي للاستيلاء على سدّة الحكم، استعان بالتركمان، الذين تأثروا إلى حد بعيد بجده الشيخ جنيد، وأبيه السلطان حيدر إثر دعوتهما لهم إلى مذهب التشيع فتشيعوا باسم (الصوفيين روملو) أو بأسماء اخرى. وتجمع للشاه إسماعيل الصفوي سبعة آلاف رجل من أوائل سنة 905 في ناحية أرزنجان من أرمينيا من مختلف قبائل الترك والتركمان إلى قبائل شاملو واستاجلو والقاجار وتكلو وذو القدر وأفشار، ولكونهم كانوا يحملون على رؤوسهم تيجاناً حمراً ومنذ عهد السلطان حيدر (860 ـ 893هـ) عُرفوا بـ (قزل باش) أي الرأس الأحمر.
وعندما بدأ الشاه إسماعيل الصفوي بدعوته لنشر مذهب التشيع في إيران كان أكثر أهل البلاد من أهل السنّة، فلم يرَ مؤسس الدولة الصفوية بداً ـ للتغلب على أعدائه ـ من الاستعانة بالشيعة والمتصوفة من التركمان المؤيدين لأبيه وأجداده، والذين يتعصبون بشدة لمذهب التشيع اثر المعارضة المستمرة لاتباع السلاطين العثمانيين، لذا كان كل اعتماده عليهم، ورأى أن أهدافه تتطلب أن يذكي النار أكثر في صدور هؤلاء الاتباع، فراح ينشر أصول الدين وأحكامه التي كانت إلى حد ما جديدة وغريبة، بل وكانت في حكم البدع الجديدة، ويوصلها لهم بلغة يفهمها الجميع.
ورغم ن أجداده وكل أهالي آذربيجان وأران كانوا يتكلمون اللغة الفارسية الآذرية، نراه ينشد الأشعار الدينية باللغة التركية الجغتائية تارة، وبالتركية الخطائية تارة أخرى، وكذلك سائر أشعاره التركية باللغة الخطائية، وهذا هو القصد من وراء إنشاده بهذا النوع من اللغة التركية، وهي لغة ديوان أمير علي شيرنوائي واتباعه، أو اللغة التركية النوائية ولم يقل شعره باللغة التركية العثمانية، حيث كانت الأولى هي اللغة الأصلية للتركمان ويحسنون فهمها. وخلص المحققون بعد تتبعهم إلى القول بأن لغة هذا الديوان، ليست لغة حديث إنما هي لغة أدب تأتت له بعد مطالعاته لمختلف دواين الشعر الجغتائي، ومن ثم فقد شط عن الصواب من اعتقد أن الشاه إسماعيل مثلاً كان يتكلم بهذه اللغة.
إضافة إلى ذلك فقد انتخب الشاه إسماعيل بنفسه أقدم جيوش الصفويين أي فرسان القبائل الذين يسمون بالقورجي من بين نفس هؤلاء التركمان، وتغلبت بالتدريج اللغة التركية في أوساط قصور السلاطين الصفويين على اللغة الفارسية، إثر النفوذ القوي للقورجيين والتركمان القزل باش الذين كانت بأيدي رؤسائهم إلى فترة طويلة جميع الأعمال العسكرية وأعمال البلاط السلطاني، وفي آذربيجان كانت اللغة التركية التي استغلها الشاه إسماعيل لأغراضه الدينية والسياسية، واستطاع بها أن يجلب حفنة من التركمان البدو إلى إيران، كان يعم تداول هذه اللغة حيثما كانت تلك الطوائف أو رؤساؤها متنفذين([97]).
وعلى كل حال لا ينبغي التصور بأن عمل الشاه إسماعيل هذا وسيرة المتعاقبين على عرشه من بعده قد قضت تماماً على اللغة الفارسية في آذربيجان إذ تشير الأدلة المتوفرة إلى أن اللغة الآذرية ظلت إلى عهد الشاه عباس الكبير متداولة بين العامة، حتى أن أهل تبريز في أوائل عهد الشاه عباس كانوا يتكلمون هذه اللغة، سواء منهم العلماء والقضاة أو العوام والسوقة أو الأسر.
عباس إقبال الاشتياني
اللغة التركية في آذربيجان
ـ 2ـ
ربما يظن أن إيران لا يُتكلم فيها بغير الفارسية، وقليل من الناس من يدري أن التركية منتشرة في كل أنحاء إيران.
ولم أر لا من الإيرانيين أنفسهم، ولا من الأجانب الذي بحثوا عن إيران وشؤونها من وفى البحث في هذا الموضوع حقه. أما الإيرانيون فلأنهم حتى المتكلمين منهم بالتركية يعدونها لغة أجنبية دخلت بلادهم من جراء تسلط الأتراك والمغول، وانتشرت وعمت بالأسنة والسيوف؛ فما انفكوا يزدرونها ويمقتونها ويودون لو أتيح لهم طردها من بلادهم واستبدال الفارسية بها، وأما الكتّاب الأجانب المستشرقون منهم فالذين بحثوا عن التركية والأمم التي تتكلم بها حصروا بحثهم في العثمانيين، وأهل تركستان، ومسلمي روسيا المعروفين هناك بالتاتار، وقلما يذكرون عن المتكلمين بالتركية في إيران شيئاً. والذين تكلموا عن إيران واللغة التي يتكلم بها فيها، فإنما بحثوا عن الفارسية وشعباتها من الكيلانية، والمازندرانية، واللرستانية وغيرها مما يتحاور بها هنا وهناك في أنحاء تلك البلاد. وأما التركية فأغفل ذكرها إلا قليلون تعرضوا لانتشارها في آذربيجان خاصة: ولعل ذلك لأن رواة أخبارهم في الغالب إنما هم السياح، وأعضاء السفارات. ومبلغوا المذاهب وهؤلاء لا يشاهدون في الغالب إلا المدائن وبالأخص العاصمة ومراكز الإيالات حيث الغلبة فيها (غير مدن آذربيجان وخّمسه) للمتكلمين بالفارسية، ويندر من بينهم من يتجشم أخطار السفر إلى القرى أو إلى مضارب خيام العشائر الرحالة؛ ليبحث عن لسانهم وسائر شؤونهم. مضافاً إلى أن الفارسية بما حوت من أنفس الآثار وأثمن الآداب، من أشعار سعدي، والفردوسي، ونظرائهما لها أن يلهو الباحثون في شؤون إيران عن الالتفات إلى أي لسان آخر يُتكلم به فيها. ونقسم البحث في هذا الشأن إلى أربعة مواضيع.
1 ـ أي الفريقين أكثر نفراً؟
ليست التركية محصورة في ناحية من نواحي إيران كما يزعم الكثيرون، بل هي منتشرة في كل أصقاعها وأقطارها كما قلنا، وما مثل هضبة إيران مع أتراكها([98]) وفرسها إلا كمثل طاولة الشطرنج أثناء اللعب بعد أن يخترق كل من اللاعبين صفوف الآخر بقطعة ويخلط القطع السوداء والقطع البيضاء بعضهما ببعض، فبينما تجد قرية يتكلم سكانها بالفارسية ترى قرية مجاورة لها يتحاور أهلها بالتركية، ورب مدينة فارسية أحيطت من كل جهاتها بالقرى أو العشائر التركية مثل طهران، وشيراز، وقزوين، وهمدان، وفي الأخيرتين يفهم أهلوهما اللغتين ويتحاورون بهما.
ومن المتعذر الحكم بغلبة أحد الفريقين على الآخر في كثرة العدد. ولكي لا نلقي الكلام على عواهنه ونقترب من الحقيقة ما استطعنا نأتي ذيلاً بإحصائية إجمالية تقريبية:
(1) آذربيجان وولاية خّمسه عامة أهاليها من باديها وحاضرها وقرويها ومدنيها يتكلمون التركية عدا فئة قليلة من أكراد مكري في آذربيجان يتكلمون بالكردية ولا يفهمون الفارسية إلا بعد التعليم من معلم أو من أفواه الرجال.
(2) أكثر القرى والعشائر في إيالتي خراسان وفارس وفي ولايات همذان وقزوين وكرمنشاه وأصفهان والعراق واستراباد أتراك، وقد يتعجب السائح المتجول في شوارع طهران وأزقتها حين يرى القرويين يتمشون وهم يتكلمون بالتركية. وهذا عدا الذين هاجروا من إذربيجان وخَّمسه وتوطنوا في المدائن ولا يزالون ينتسبون إلى بلدتهم الأصلية ويعرفون بالنسبة إليها.
(3) أما سائر الأنحاء والبلاد فإن لم تكن الغلبة فيها للأتراك فيوجد فيها فئة كثيرة منهم بين العشائر وسكان القرى. وقد استثنوا من ذلك إيالة كرمان وولايات كيلان ومازندران وكردستان ولرستان وأمثالها قائلين: إنه ليس بين أهالي تلك البلاد أتراك إلا الذين هاجروا إليها أخيراً، ولا يحسبون من سكانها الأصليين، فإن اثنتين من عشائر مازندران تركيتان بأسرهما وقد وجدت في (ساري) قاعدة تلك الولاية أكثر من عشرين أسرة تركية هاجروا من أطراف طهران وسكنوا فيها وهم لا يزالون يتكلمون بالتركية.
2 ـ أأتراكٌ هم أم تترّكوا؟
لما استفحل أمر الدعوة التركية في أواخر القرن التاسع عشر وتحولت أنظار سياسيي العثمانيين من اتحاد الإسلام إلى (اتحاد الترك) لم يكن أتراك إيران ولا سيما أهل آذربيجان ليعزبوا عنهم، فأخذوا يبثون الدعاة وينشرون في جرائدهم المقالات يدعونهم إليهم، وحجتهم أنهم أتراك مثلهم، ثم جاء بعدهم القفقازيون يضربون بأوتارهم ويدعون بدعوتهم ويحتجون بحجتهم، فإنهم لما قاموا يؤسسون دولة مستقلة لهم سموها باسم (جمهورية آذربيجان) مع أنه لا علاقة بين بلادهم وآذربيجان غير الجوار، وأخذوا يبثون الدعاة ويرسلون الوفود يدعونهم إلى الانضمام إليهم، ويحرضونهم على الأخذ بمناصرتهم ثم جعلت جرائدهم تنشر المقالات مجاهرة بما في أنفسهم، وفي مقدمتها جريدة (آجيق سوز) (الكلمة الصريحة) ومديرها الكاتب البارع الشهير محمد أمين رسول زاده قائد حزب المساواة([99])، وكان الإيرانيون قد ساءتهم وأغضبتهم تسمية الجمهورية باسم آذربيجان، فلم تنتشر مقالة أو مقالتان في جرائد القفقاز حتى حركت من جرائد طهران كل ساكن فقاموا للدفاع والجواب، وقائدها جريدة (إيران) شبه الرسمية ومديرها يومئذ الكاتب المتضلع الشهير (ملك الشعراء بهار) فأخذت الجريدتان تتجادلان وتتناظران، تتباعدان وتتقاربان، ترد هذه على تلك وتبدد كل ما جمعت، وترد تلك على هذه وتهدم كل ما بنت، وكان للموضوع أمران:
(1) هل (باكو) و(گنجه) وغيرهما من البلاد الواقعة في جنوبي القفقاز قطعة من آذربيجان؛ فيكون لأهلها عذر في تسمية جمهوريتهم بآذربيجان؟.
(2) هل أهل آذربيجان وخّمسه وسائر المتكلمين بالتركية في إيران من سلالة تركية رحلوا إليها من تركستان، أو هم من سلالة الفرس، وقد اضطروا إلى التكلم بالتركية بسبب اكتساح أحفاد جنكيز خان بلادهم؟.
ولكن الجدال لم يأت بنتيجة مطلوبة، ولم ينجل الغبار عن ظفر أحد الباحثين على الآخر. على أنه لم يمض إلا قليل حتى دهم تيار البلشفيكية بلاد القفقاز، وصارت الجماهير الصغيرة في شغل شاغل عن التعرض للآخرين، أصبحوا أحوج إلى استعمال المدافع والبنادق لحفظ بلادهم من الأعداء منهم إلى استعمال اليراع لدعوة الآخرين إليهم.
ولكن المسألة ليست بغامضة على حد ما يظن إذا نظر فيها بعين الإنصاف خالية من الأغراض، فإن إيران لمجاورتها صحاري تركستان المكتظة بعشائر الترك الرحالة مالكي الخيول والمواشي، ووقوعها بينها وبين أراضي ما بين النهرين وآسيا الصغرى المعروفة من قديم العهد بخصب الأرض، ووفرة العشب والكلأ، وكثرة الرياض والمروج الناضرة. كانت من أقدم أزمنة التاريخ ملجأ لتلك العشائر يلتجئون إليها إذا انهزموا من عدو، وطريقاً ملحوباً واسعاً يقطعونها إلى ما بين النهرين وسوريا، أو إلى أي ناحية يقصدون إذا ضاقت عليهم الأرض في صحاريهم واشتد عليهم أمر العشب والكلأ، وما أتى هولاكو وأحفاده، والأمير تيمورلنك وأحفاده، والسلاجقة الذين دوّن التاريخ أعمالهم واكتساحهم إيران، وقطعهم إياها إلى ما وراءها من البلاد إلى ما أتى أسلافها قبل أزمنة التاريخ. فكانوا يخترقون حدودها وهم بين أولادهم ونسائهم، ومعهم خيولهم ومواشيهم، ويقطعونها عرضاً وطولاً في طلب المأمن والمرعى، وينزلون حيثما أعشبوا، ويلقون عصا الترحال إذا أعجبتهم بقعة من الأرض؛ فيتخذونها موطناً لأنفسهم يحيون ويعمرون ويستغلون ويستثمرون، فلا يمضي عليهم أكثر من عشر سنين أو عشرين سنة حتى ينسوا عهوداً بالحمى، ولا يعودون يذكرون موطنهم السابق، ويخالقون الذين حولهم من الوطنيين يتأدبون بآدابهم، ويتزينون بأزيائهم، ويتمذهبون بمذهبهم.
وأما اللسان فهو من أرسخ العوامل التي يمتاز بها قوم عن قوم، ولا يترك ولا ينسى بسهولة وسرعة كسائر العوامل، وإذا صادف لساناً آخر يسابقه ويغالبه وغلب أمامه؛ فلا يخلي المكان له، حتى يؤثر فيه تأثيراً بيناً ويدخل فيه طائفة كبيرة من كلماته وتعابيره؛ فالتركية التي أتى بها هؤلاء النزلاء من موطنهم ما وراء النهر لم تكن لتترك وتنسى بسهولة على حد ما تركت وزالت سائر خصائصهم. وإن أردنا الإجمال والتلخيص فالأولى بنا أن نقول: إنها جرى عليها أحد الأمرين: فتارة: كان الراحلون فئة قليلة ونزلوا بين طائفة من السكان الأصليين أكثر منهم وأقوى؛ فخضعوا لهم وجالسوهم وخالطوهم بالمصاهرة، ولم يمض كثير من الزمان قبل أن تفرقوا بينهم، وغلبوا من قلة وضعف، واندمجوا فيهم اندماجاً لا يتميزون، فها هنا لم يكن للتركية ـ مهما بلغت من رسوخها ـ إلا أن تترك وتنسى وتخلي المكان للفارسية، أو لاية لغة يتكلم بها السكان الأصليون، وتارة: كان الراحلون طائفة كبيرة ذوي سطوة ومنعة، فما نزلوا بقعة من الأرض إلا وأشغلوها، وأخرجوا وطردوا من وجدوا فيها من الأهالي، أو أخضعوهم لسلطتهم وبنوا قرى ومدائن مستقلات؛ بل وأسسوا غير مرة دولاً كان لها شأن يذكر في تاريخ إيران كما اتفق لعشيرتي (آق قويونلو)، و(قره قويونلو) وغيرهما، فهؤلاء لم يكن لهم من داع لأن يتركوا التركية ويستبدلوها بأية لغة أخرى، بل كان للوطنيين الذين خضعوا لسلطتهم وخالطوهم أن يندمجوا فيهم، ويتركوا لغتهم، ويستبدلوا بها التركية بعكس الغرض الأول.
وخلاصة القول: إن المتكلمين بالتركية من أهالي إيران المنتشرين في كل أنحائها وأقطارها؛ ليسوا إلا ذراري وبقايا أتراك ارتحلوا في الأزمنة الغابرة من تركستان في طلب المأمن والمرعى، أو جاء بهم الفاتحون إلى إيران فانتشروا بها وتوطنوا هنا وهناك من بقاعها، وخالطوا الأهالي على مرور الأيام والأعوام، وصاهروهم وتابعوهم في العادات والأزياء والمذهب([100]) بيد أنهم حافظوا على لغتهم التركية فانتشرت بين من نزلوا بينهم وهنا عدا هؤلاء أتراك اندمجوا في السكان الأصليين، ونسوا فيما نسوا لغتهم أيضاً كما بينا ذلك، وعلى هذا فلا يمكن القول إن أهل آذربيجان أو كل المتكلمين بالتركية في إيران أتراك مثل أخوانهم من أتراك تركستان؛ فإن ذلك مما يكذبه الحس والعيان؛ فإن آذربيجان لم تكن من قديم الأزمنة مهداً للتركية، وإن الماديين الذي سكنوا آذربيجان وهمدان والعراق قبل ذلك بألفي سنة ما كانوا أتراكاً كما يزعمه بعض المفرطين من زعماء التركية؛ فإن ذلك مما لا يثبته إلا التخرص والأحاديث الملفقة.
3 ـ أَيّةُ تُركيَّةٍ هيَ؟
من الواضح أن كل لغة إذا اتسع نطاقها، وتكلم بها في الأنحاء المتشتتة والأقطار المتباعدة. وجاورت مللاً وأمماً مختلفة وماسَّت لغات أخرى عديدة، وتحاور بها الحاضر والبادي والمدني والقروي تتفرق إلى لهجات مختلفة متنوعة، كما اتفق ذلك للعربية والفارسية وغيرهما. فطبيعي إذاً أن التركية الإيرانية أو الآذربيجانية([101])، غير التركية التي يتكلمون بها في تركستان مهد التركية، وغير التي يتكلمون بها في تركيا، وغير التي يتكلم بها القفقازيون وغيرهم من مسلمي روسيا، وهي تفترق عن كل واحدة من تلك اللهجات افتراقاً لا يسهل على المتكلم بها التفاهم والقراءة، ولعلنا لا نبعد عن الصواب كثيراً إذا أخذنا البعد المكاني بين الطوائف المتكلمين بالتركية ميزاناً نقيس عليه التفاوت بين لهجاتهم المختلفة، فكما أن بلاد القفقاز تربط وتوصل آذربيجان بكل من تركيا، وتركستان، وحاجي طرخان (استراخان)، وداغستان، وقازان وغيرهما فكذلك التركية القفقازية أقرب أخواتها إلى التركية الآذربيجانية وواسطة ربط بينها وبين تركية سائر البلاد المذكورة؛ ولكنه إذا حسبنا التركية الآذربيجانية لغة بنفسها فهي حاوية وجامعة لكل ما تحتاج إليه لغة راقية مع كونها ليست بلغة تأليف وكتابة، بل لها في حد نفسها مزايا وخواص تمتاز بها عن أكثر اللغات الراقية، ويجدر بأن يبحث عنها ويعتني بها، ولكي لا نرمي القول على عواهنه نأتي ببيان بعض تلك المزايا:
(1) كثرة أنواع الفعل، فإن للماضي في هذه اللغة أربعة عشر نوعاً. نقول أربعة عشر نوعاً لا أربع عشرة صيغة مثل العربية. مع أنه لا يستعمل في اللغتين الفارسية والعربية أكثر من أربعة أو خمسة أنواع للماضي مثل ذهب، قد ذهب، كان ذهب وللمضارع الذي يشترك في أكثر اللغات بين الحال والاستقبال القريب، ونعين للشرط والتمني وللمستقبل الذي يعبر عنه في العربية بإضافة السين، أو سوف على المضارع صيغة خاصة أخرى.
(2) توفر المواد والمباني وكفايتها للتعبير من كل المعاني المتشابهة المتقاربة، فقد يجد الباحث مئات من المعاني لا ترجمة لها في أغلب سائر اللغات. ففي الفارسية مثلاً يعبر عن معاني هرول، عدا ركض بلفظ واحد (دويد)؛ ولكن في التركية لكل واحد منها لفظ خاص، وأمثال هذه كثيرة لا تحصى.
(3) احتواؤها على قواعد سهلة بسيطة مطردة لكل من التعدية، وبناء المجهول، والمشاركة مما لا يوجد في أكثر اللغات، ففي الفارسية والإنكليزية مثلاً يقال (ضَرَبَ زيد وعمرو أحدهما الآخر) عوضاً عن ضاب زيد عمراً و(صار زيد مضروباً) عوضاً عن ضُرب زيد، والتعدية وإن كان لها قاعدة في الفارسية فلا تطرد.
(4) اطراد قواعدها الصرفية والنحوية فإن الشاذ فيها شاذ، والاستثناء من قاعدة نادر؛ بخلاف الفارسية، وأغلب ألسنة أوروبا التي تكثر فيها الأفعال الشاذة، ويستثنى من قواعدها كثيراً، وبخلاف العربية التي تكثر فيها الأفعال المعتلة.
(5) وجود علامة خاصة للمصدر مطردة تميزه عن الاسم، وسائر الصيغ بخلاف العربية.
(6) وجود ألفاظ للتأكيد تنحت من لفظ المؤكد بإضافة باء أو ميم على الحرف الأول (الألوان)([102]).
(7) وجود ألفاظ للتعميم منحوتة من اللفظ الذي يراد تعميم معناه بإبدال الحرف الأول منه ميماً.
الكتب والمطبوعات
التركية في إيران لغة محاورة وليست ـ كما سبق منا الإشارة ـ بلغة تأليف وكتابة، وإن كنا لا نعلم ماذا كان حظها أيام هولاكو وأحفاده الأتراك ـ هل اتخذوها لغة الدواوين والرسائل في دولتهم أم لا؟ ـ فعلى مرأى منا ومسمع ما أصابها في الأزمنة الأخيرة حيث كانت محتقرة تعامل معاملة الأجنبي والدخيل. وكفى في هوانها أنه يندر حتى بين أبنائها من يحسن الكتابة فيها؛ لأنهم لم يعتادوا إلا الكتابة بالفارسية حتى فيما بينهم. بل ولا يحسن أكثرهم القراءة فيها ويحسنون القراءة بالفارسية أسهل، وقد تأسست وانتشرت منذ بدء الانقلاب الدستوري عشرات الجرائد في تبريز وسائر مدائن آذربيجان، ولم يكتب بالتركية من بينها إلا ثلاث جرائد، ولم ينتشر من كل واحدة منها إلا أعداد قليلة لا تزيد على عدد الأصابع، وقس على ذلك العلماء والشعراء، فقد قام في القرنين الأخيرين شعراء معروفون من آذربيجان وخَّمسه اشتهروا بفصاحة ألسنتهم، وجودة أشعارهم، ولم ينظم بالتركية إلا قليل منهم.
وأما من العلماء فلا أعرف أحداً ألف في التركية الآذربيجانية كتاباً علمياً أو مذهبياً غير رسالة موسومة (بعقائد الشيعة) تنسب إلى المولى أحمد الأردبيلي المعروف بالمقدس ولكنني لم أر في تراجم العلماء ذكراً لهذا الكتاب بين مؤلفات المقدس، ولست على بينة من حقيقة الأمر، وجلية الخبر.
وعدا ما ذكرنا فهناك طائفة من كتب القصص والروايات والمراثي ألفت بالتركية الآذربيجانية وطبعت، ولا تستحق من الذكر أكثر من هذه الإشارة الإجمالية.
أحمد التبريزي
الأفشاريون في آذربيجان([103])
عمد الملك عباس الصفوي في بداية اقتداره إلى ترحيل بعض قبائل الأفشار الذين كانوا منتشرين في جنوب (الترك) إلى آذربيجان في سبيل الحد من نفوذ الأقوام المحليين في تلك المناطق. ولهذا السبب اشتهرت المنطقة الواسعة المحصورة حالياً بين بيجار گروس، وسقز، وخَّمسه زنجان، وسراسكند ميانه باسم منطقة أفشار.
تشير الوثائق والمستندات المتوفرة لدينا أن طوائف الأفشار هذه لم تكن في العصر الصفوي متحدة فيما بينها، وكان زعماء هذه الطوائف يفكرون بالاستيلاء على الأراضي المجاورة لهم في سبيل دعم وتثبيت وجودهم، وفي هذا السبيل كان سعي ونشاط اثنين من هؤلاء الزعماء وهما قبادخان ومايل خان، سبباً في إيصال صوت طوائف الأفشاريين في هذه المنطقة إلى مسامع الحكومة المركزية في زمن الملك سليمان والملك سلطان حسين.
ظل أفشاريو هذه المنطقة الذين يعتبرون أنفسهم فرعاً من أفشاريي قاسملو، يفتقدون إلى المركزية الثابتة حتى وصول نادر شاه إلى السلطة، وقد ساهم عبور نادر شاه من هذه المنطقة في مسيرته للحرب مع جيش عثمان باشا، إلى حد بعيد في تحكيم العلاقات بين زعماء القوم، وبدأت أسس الحكومة المحلية لقبيلة أفشار، منذ ذلك الحين بالرسوخ والاقتران بالقوة والمنعة، حتى أصبحوا في أوائل عصر القاجاريين أكبر الملاكين والإقطاعيين في هذه المنطقة من آذربيجان.
كان زعماء الأفشار يملكون قرى لا تحصى، ويستعملون في بعض الأحيان القوة، وسفك الدماء وإرعاب الناس من سكان تلك المناطق في سبيل انتزاع أملاكهم غصباً. وكان هؤلاء يحتفظون دائماً بإرضاء السلطات المركزية عنهم، ولا يتوانون عن سلوك مختلف السبل في سبيل ذلك، وكان ذلك من الأسباب التي بلغت بهم إلى المكانة التي وصلوا إليها.
وعندما تطالع الوثائق والمستندات التي لا تحصى والتي يحتفظ بها أحفادهم في هذه الأيام؛ فإن حقيقة الأمور ستتجلى أكثر، ونحب أن نلفت الانتباه هنا إلى أن بعض ذريتهم يخشون إظهار هذه الوثائق والمستندات، غافلين عن كون سلوك وأعمال هؤلاء الإقطاعيين معروفة للجميع، ولا تزال قصص ظلمهم العديدة تتناقلها الألسن إلى الآن.
وفي أوائل عصر القاجاريين، كان أكثر هؤلاء الزعماء شهرة هو سليمان خان أفشار([104])، حيث كان رجال الحكومة المركزية يهتمون به اهتماماً خاصاً، وقد صدرت له أحكام عديدة، ولا تزال إلى الآن محفوظة لدى مختلف الأشخاص. وتثبت الوثائق والمستندات المتوفرة أن سليمان خان كان رجلاً متنفذاً متغطرساً، ولم تكن أياديه تكف عن ظلم الناس، وغصب أموالهم، ولدينا من زمنه رسالتان تثبتان صحة ما ذهبنا إليه. وهاتان الرسالتان، وإحداهما: مزينة بختم وحاشية أمير النظام الگروسي، والأخرى: بختم حسام السلطنة([105])، تتعلقان بالاستيلاء على القرى التي بادر عماله إليها.
كان مركز منطقة أفشار في ذلك الوقت هو قصبة صاين قلعة أو شاهين دز الحالية، ولكن سليمان خان كان يتخذ من قرية مصفاي يلقون آغاج مركزاً لحكمه، ولا تزال أطلال قصره قائمة في بستان في تلك القرية، وتصميمه الأصلي مكون من ثمانية أضلع من الآجر، وهو مستوحى من أبنية العصر الصفوي (ربما قصر هشت بهشت في أصفهان) وتحوي جدرانه نقوشاً قيمة. ومما يؤسف له أن أبناءه وأحفاده لم يهتموا كثيراً في الحفاظ على هذا البناء، ولكنه برغم ذلك لا يزال يحتفظ بوجوده حيث لا تزال بواباته قائمة.
وفي حدود عام 1300هـ كان هناك زعيم آخر من زعماء هذه القبيلة هو حيدر خان أفشار، حاكم صاين قلعة وكان أولاده الأربعة محمد خان، بيوك خان، محمد حسين خان، وآقا خان يرتبطون بالحكومة المركزية بروابط حسنة.
كان أمير النظام([106]) الكروسي أثناء إقامته في تبريز حامياً لحيدر خان وأولاده، وبعد وفاة حيدر خان، أوكل منصبه ومعه مائة تومان سنوياً في عام 1283هـ إلى ابنه الأمير محمد خان بسعي ورعاية أمير النظام. وكان محمد خان يشغل بالإضافة إلى ذلك منصب عقيد، ويظهر في الأسناد الموجودة أنه كان في زمن ولاية عهد مظفر الدين ميرزا «مشغولاً بالخدمة ليلاً ونهاراً». ويعرف المحققون في تاريخ القاجاريين الطبيعة التي تعتمدها مثل هذه العلاقات، ومكانة محمد خان وخدماته تجاه أمير النظام لجديرة بالتأمل، بحيث وصل الأمر أن أضاف أمير النظام إلى مرتب محمد خان مبلغ 90 تومان من حقوق الحاج خان الماكوئي بعد موته، (والماكوئي هذا هو من كبار الملاكين في آذربيجان)، حتى بلغ مقدار ما يتقاضاه محمد خان من الخزانة الملكية 317 توماناً.
وبعد محمد خان أصبح ابنه حسين علي خان أحد أقوى كبار الإقطاعيين في منطقة أفشار، وحذا هذا حذو أبيه وجده، ولم تكن علاقته بالحكومة المركزية اعتباطية، وإنما كان يحتاج إلى سياسته هذه في الحفاظ على الأملاك والخدم والحشم ممن لا عدَّ لهم ولا حصر، والذين حصل عليهم بالدعم المباشر من أمراء النظام. وتظهر حكمة هذا السلوك من شخص يصدر بحقه أمر ملكي: «هو أحد أبناء عوائل الدولة، وأرباب النعمة ممن سلك بكل إخلاص طريق التضحية والخدمة».
وفي آخر المطاف، قطف حسين علي خان ثمار خدماته، فوصل في عام 1316هـ إلى لقب يمين العسكر ثم لقب عام 1317هـ بلقب ساعد السلطان وفي عام 1316هـ بلغ مجموع ما يتقاضاه من الخزانة الملكية مائة وخمسين توماناً.
حينما أقام أمير النظام الگروسي في تبريز كانت له علاقات ومراسلات مع بعض العلماء، ورجال الدين في منطقة أفشار؛ إضافة إلى أبناء وأحفاد حيدر خان. وكان من بين علماء الدين هؤلاء الآخوند ملا عبد الغفار الذي كان أمير النظام محباً له. ومسقط رأسه تبريز إلا أنه مقيم في منطقة أفشار بمعية ابنه محمد حسين المعروف بمعين الإسلام نزولاً عند رغبة أمير النظام للاشتغال في إرشاد الناس في هذه المنطقة.
كان الابن والأب يتميزان برفعة خطهما وحسن إنشائهما وترتيلهما للقرآن، وتفوقهما على أقرانهما في هذا المجال. وكان محمد حسين معين الإسلام مبدعاً على وجه الخصوص بنظم الشعر. وفي السنوات الأخيرة تم جمع وطبع مجموعة أشعاره تحت عنوان «كليدبهشت» بسعي واهتمام ابنه أحمد نجات.
حسن قراخاني
آذرشهر
من مدن محافظة آذربيجان ترتفع عن سطح البحر 1340 متراً، ويبلغ عدد سكانها 22214 نفساً وتتبع قضاء تبريز التي تبعد عنها 54 كلم إلى الجنوب الغربي شرقي بحيرة أرومية في مفترق طريق تبريز ـ مراغة، كانت في الماضي تسمى: دهخوارقان وهي ذات تاريخ بعيد المدى.
ذكرها الجغرافيون المسلمون بعدة أسماء، منها: (خرقان) و(دهخوارقان)، وده نخيرجان، وأحدهم: حمد الله المستوفي وصفها: بأنها مدينة صغيرة جوها معتدل، وتكتظ بالحقول والبساتين، وأن سكانها يميلون إلى المذهب الشافعي.
وفي عهد المغول بسبب الأعداد الكبيرة من النصارى الذين سكنوها؛ لميل الإليخان الأول إلى المسيحية كانت (دهخوارقان) مقراً لأسقفية كاثوليكية، ولكن شيئاً فشيئاً سادها الإسلام على المذهب الشيعي؛ فغالبية سكانها اليوم من الشيعة.
وقد ذكر عبدالله الأفندي المتوفى سنة 1130هـ مدينة (دهخوارقان) مراراً، وأشار إلى الكتب الشيعية الكثيرة التي وجدت فيها، واستنتج من ذلك أنه كان في هذه المدينة في القرن الثاني عشر الهجري مكتبة حافلة بالكتب الشيعية.
وبعد الهزيمة التي حلت بالجيش الإيراني في حربه مع الروس سنة (1241 ـ 1243هـ)، (1825م).
التقى ولي العهد الإيراني عباس ميرزا مع القائد الروسي (باسكويتش) في دهخوارقان، ووقع معه معاهدة الصلح.
تتميز تربة آذرشهر بأنها رسوبية خصبة، وهي تنتج الحبوب على أنواعها والبطيخ والخيار، وتصدر الفواكه المجففة، وتكثر فيها تربية المواشي مما يجعلها مصدراً مهماً للحليب ومشتقاته.
وتتبع آذرشهر ثلاث بلدات وهي: محقان، وكوكان وشيرامين و39 قرية، وفيها مصانع للنسيج والبطانيات، ومعمل للتعليب…
آراء أهل المدينة الفاضلة
اسم كتاب لأبي نصر الفارابي محمد بن أحمد طرخان. شرع في تأليفه في بغداد سنة 330هـ، وأتمه في دمشق سنة 331هـ. طبع في مصر سنة 1324هـ. وننشر فيما يلي دراسة عن مؤلف الكتاب.
الفارابي
الفيلسوف أبو نصر الفارابي هو محمد بن محمد بن طرخان، سمي بالفارابي: نسبة إلى الجهة التي ولد بها، وهي ولاية «فاراب» من بلاد الترك فيما وراء النهر. فهو إذن تركي المولد، وإن يكن بعض أصحاب التراجم قد ذكر أن أباه كان قائداً، وأنه فارسي الأصل. ومهما يكن الأمر فالفارابي، بجملة ثقافته، ومؤلفاته، فيلسوف عربي، بل لقد قال أحد المستشرقين: أن الفارابي هو «مؤسس الفلسفة العربية». ومن قبل رأى كثيرون من مؤلفي العرب: أنه أكبر فلاسفة المسلمين، وقال فيه ابن سبعين([107]): «هذا الرجل أفهم فلاسفة الاسلام، وأذكرهم للعلوم القديمة، وهو فيلسوف فيها لا غير، ومات وهو مدرك محقق…». وقال ابن خلكان: «ولم يكن فيهم (أي فلاسفة الإسلام) من بلغ رتبته في فنونه، والرئيس ابن سينا بكتبه تخرج، وبكلامه انتفع في تصانيفه». وقال بعض المستشرقين: «وليس شيء مما يوجد في فلسفة ابن سينا وابن رشد إلا وبذوره موجودة عند الفارابي». وقد كان كتاب العرب يعدون الفارابي أكبر العلماء بعد أرسطو. ولما كانوا يطلقون على أرسطو: «المعلم الأول»، فقد أطلقوا على الفارابي: «المعلم الثاني».
وفاته عند سيف الدولة
وقد كان الفارابي مولعاً بالأسفار منذ صغره تنقل في بلاد الإسلام حتى دخل العراق، وأقام ببغداد فتلقى طرفاً من علوم الفلسفة، وكان من زملائه في التلمذة أبو بشر بن يونس النصراني، المشهور بترجمته للكتب اليونانية. وبعد أن أقام الفارابي زمناً في بغداد، ارتحل عنها إلى حلب، واتصل بالأمير الحمداني سيف الدولة، ونال الحظوة عنده، وتزيَّا بزي أهل التصوف، ثم صحب الأمير إلى دمشق في حملته عليها، ووافته منيته بدمشق، وقد ناهز الثمانين من عمره.
بدأ حياته متفلسفاً، وختمها متصوفاً
واظهر ما يستوقفنا في حياة الفارابي أنه كان رجلاً يميل إلى التأمل والنظر، ويؤثر العزلة والهدوء، بدأ شبابه متفلسفاً، وقضى كهولته متفنناً، وختم حياته متصوفاً، ذكروا أنه كان لا يوجد غالباً إلا في مجتمع ماء أو مشتبك رياض، ويؤلف كتبه هناك. والحق قد كانت حياته الفكرية خصبة جداً: ألف كتباً كثيرة ضاع أكثرها. على أنه اشتهر بين العرب بشروحه على فلسفة أرسطو. ولكن همة الفارابي لم تقف عند الشروح. فقد ألف طائفة من الرسائل أوضح فيها فلسفته الخاصة، «كفصوص الحكم»، و«احصاء العلوم»، و«الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو»، و«آراء أهل المدينة الفاضلة» و«تحصيل السعادة» وغيرها.
علمه بالموسيقى
وقد كانت للفارابي معرفة بالطب، وكانت له مواهب بارزة في الموسيقى علماً وفناً: وقد كتب أشهر رسالة في نظرية الموسيقى الشرقية، ويذكرون من براعته في هذا الفن أنه صنع آلة موسيقية شبيهة بالقانون، عزف عليها مرة فأضحك الحاضرين، وعزف مرة ثانية، فأبكاهم، وعزف مرة ثالثة فأنامهم، ثم انصرف… ولقد أعجب سيف الدولة بمواهب الفارابي، وما زال الدراويش «المولوية» يحتفظون في أغانيهم. ببعض الأغاني المنسوبة إلى ذلك الفيلسوف الفنان.
فلسفته
التوفيق بين أفلاطون وأرسطو
كان الفارابي يرى الفلسفة اليونانية رأياً يبدو لنا اليوم عجيباً، كان يراها فلسفة واحدة في صميمها، لا اختلاف بين مذاهبها وقضاياها. ولما كان أفلاطون وأرسطو في نظره الإمامين الممثلين للفلسفة اليونانية، فمذهبهما عنده مذهب واحد على الحقيقة. وإن كانت هنالك مسائل كثيرة يظهر الخلاف فيها بين الفيلسوفين اليونانيين، فالفارابي لا يعده خلافاً جوهرياً ما دام الاتفاق واقعاً على الأصول والمقاصد.
وإنما سلّم الفارابي باختلاف أفلاطون وأرسطو في أمرين: في منهجهما التعليمي، وفي سلوكهما العملي.
أما من حيث المنهج، فالفارابي يلاحظ أن أفلاطون لم يدون كتبه إلا أخيراً، وأنه عمد إلى الرموز والإشارات صوناً للحكمة، وضناً بها على من لم يكن من أهلها، في حين أن أرسطو جرى على منهج التقرير والتدوين والايضاح والتبيين.
وأما من حيث السلوك العملي، فأفلاطون في نظره رجل تزهد وتخلَّ عن الدنيا وشواغلها، في حين أن أرسطو رجل أقبل على الدنيا والتمس أسبابها وخيراتها.
وقد يعجب القارىء العصري للفارابي كيف تورط في نظريته تلك، فخلط بين مذهبين متعارضين متميزين، كالمذهب الأفلاطوني والمذهب الأرسطي، واحدهما: مذهب «مثالي» ممعن في المثالية، والثاني: مذهب «واقعي» يريد أن يخفف من غلواء المثالية الأفلاطونية! فمن المعلوم أن أفلاطون قد رأى: أنه لا وجود للأفراد والأشخاص والمحسوسات، لأنها متغيرة، وإنما الموجود حقيقة هو «المثال» أي المعنى الكلي العام، المجرد من المشخَّصات الحسية. فالمعنى الكلي للإنسان، أو «مثال» الإنسان هو «الماهية» الثابتة للناس على اختلافهم. وبهذه المثالية أقام أفلاطون المذهب المثالي المشهور. أما أرسطو فرأى خلافاً لأستاذه: أن الموجود ليس هو المعنى الكلي المجرد الذي يشترك فيه أفراد كثيرة، وإنما الموجود عنده هو الأفراد المحسوسة نفسها: فمثلاً سقراط هو سقراط، لا بما يشترك فيه مع جميع الناس، بل بما يخصه ويميزه ممن عداه من الناس. ولذلك كان أرسطو في فلسفته أقرب إلى «الواقع» المحسوس، وألصق بعالم الشهادة، في حين أن أفلاطون كان كثير التحليق في «عالم المُثُل».
وهذا ما فات الفارابي أن يراه من تعارض بين مذهبي الفيلسوفين اليونانيين: ولكن يبطل العجبُ إذا عُلم السبب. والسبب بسيط، وهو أن الفارابي ـ في محاولته التوفيق بين رأيي الفيلسوفيين ـ أخذ يستشهد بكتاب مشهور آنذاك على أنه لأرسطو، وهو الكتاب المعروف باسم «اثولوجيا أرسطوطاليس»، وظن أن هذا الكتاب لأرسطو حقيقة، ولم يخطر بباله ـ كما م يخطر ببال أحد من مفكري ذلك العصر ـ أن نسبة الكتاب لأرسطو خطأ، وإنما هو شذرات من كتاب «التاسوعات» للفيلسوف الاسكندراني «أفلوطين» شيخ المذهب المسمى بالأفلاطونية الجديدة.
التوفيق بين
الفلسفة اليونانية والإسلام
وأعجب من هذا أن نجد الفيلسوف العربي، بعد أن حاول أن يثبت اتفاق أفلاطون وأرسطو، باعتبارهما ممثلين للفلسفة القديمة، يحاول محاولة جديدة، وهي أن يثبت أن لا خلاف بين الفلسفة اليونانية من جهة وبين عقائد الشريعة الإسلامية من جهة أخرى.
وتعليل ذلك يسير أيضاً: فالفارابي كان فيلسوفاً ومسلماً في آن واحد، أعني أنه كان موقناً بجلال الفلسفة من جهة، وكمال الإسلام من جهة أخرى. فالفلسفة والدين عنده أمران متفقان. لأن كلاً منهما حق، والحق لا يخالف الحق. وأن شئناً قلنا: الفلسفة والدين يعبران عن حقيقة واحدة من وجهين مختلفين، وكل ما في الأمر أن الفلسفة في سعيها للوصول إلى الحقيقة تستعمل وسائل غير الوسائل التي يعمد إليها الدين. ففي حين أن الدين يلجأ إلى طرق التخييل والاقناع النفسي، تلجأ الفلسفة إلى المعقولات والبرهان المنطقي، وبينما الفلسفة بطبيعتها تتجه إلى «الخاصة»، أو إلى «أصحاب الأذهان الصافية» ـ كما يقول الفارابي نفسه ـ نجد الدين إنما يتجه إلى «الكافة» وإلى الجمهور على حسب ما يطيقون.
الفيلسوف الكامل
والآن ما معنى الفلسفة عند الفارابي؟
يرى الفارابي: أن الفلسفة ليست علماً جزئياً، كعلوم الرياضة، والطبيعة، والطب، وما شاكلها، وإنما هي علم «كلي» يرسم لنا صورة شاملة للكون في مجموعه. وهذا ما قال به فلاسفة اليونان من قبل. ولكن الفارابي يزيد على فلاسفة اليونان رأياً طريفاً، فيقول: «ان الفيلسوف الكامل» هو الذي يحصِّل هذا العلم الكلي، ويكون له في الوقت نفسه قدرة على استعماله، يعني أنه هو ذلك «الذي يحصِّل الفضائل النظرية أولاً، ثم الفضائل العملية ببصيرة يقينية». أما الفيلسوف «الزور» أو «الباطل»، فهو ذلك «الذي يشرع في أن يتعلم العلوم من غير أن يكون موطأ نحوها».
ذلك أن الفارابي يرى: أن للشروع في النظر الفلسفي شروطاً ينبغي توافرها، وهي في جملتها عبارة عن محبة الصدق والعدل والخير، وتصفية النفس من شوائب المادة وشواغل الحواس: فإن الذي سبيله أن يشرع في النظر الفلسفي «ينبغي أن يكون له بالفطرة استعداد للعلوم النظرية، وهي الشرائط التي ذكرها أفلاطون في كتابه في السياسة (يقصد كتاب «الجمهورية»): وهي أن يكون جيد الفهم والتصور، ثم أن يكون بالطبع محباً للصدق وأهله والعدل وأهله، غير جموح ولا لجوج فيما يهواه، وأن يكون غير شرِهٍ على المأكول والمشروب…، تهون عليه بالطبع الشهوات والدرهم والدينار وما جانس ذلك، وأن يكون كبير النفس عما يَشين عند الناس، وأن يكون ورعاً، سهل الانقياد للخير والعدل، عسر الانقياد للشر والجور، وأن يكون قوي العزيمة على الصواب». ثم بعد ذلك يكون «قد ربي على نواميس وعلى عادات تشاكل ما فطر عليه، وأن يكون صحيح الاعتقاد لآراء الملة التي نشأ عليها، متمسكاً، بالأفعال الفاضلة التي في ملته، غير مخل بكلها أو بمعظمها…».
والفيلسوف الباطل هو: ذلك الذي «يتعلم العلوم النظرية ولم يزوّد ولم يعوَّد الأفعال الفاضلة بحسب ملة ما، ولا الأفعال الجميلة التي هي في المشهور جميلة»، بل «كان تابعاً هواه وشهواته في كل شيء». ورجل كهذا، لم يشعر بالغرض الذي التُمست له الفلسفة…، فحصل على الفلسفة النظرية أو على أجزاء من النظرية فقط، وظن هذا كافياً، بل لعله ظنّ أن الغرض مما حصَّل منها أن ينال بعض ما يظنه عامة الناس سعادات وخيرات، فأقام علمها طلباً لذلك، وطمعاً في أن ينال بعض ذلك الغرض».
وعندنا أن هذه الحدود والتعريفات تبين ـ لأول مرة في تاريخ الفكر الفلسفي العربي ـ أن للفلسفة الصحيحة مهمة «جوانية» على الأصالة، إذ توحد بين «البصر» و«البصيرة»، وتؤلف بين النظر والعمل، حين تجعل الفعل منبثقاً من الفكر انبثاقاً عفوياً طبيعياً لا قسر فيه ولا أعنات. وتذكرنا هذه الأفكار الفارابية العميقة بأفكار شبيهة بها سيوردها الفيلسوف اليهودي «اسبينوزا Spinoza الذي عاش في القرن السابع عشر، وتأثر بآراء الفارابي تأثراً لا نزاع فيه بشهادة الباحثين الغربيين أنفسهم.
ولعل الفارابي، بين فلاسفة الإسلام القدماء، هو الفيلسوف الحق بالمعنى الذي بيَّنه هو نفسه في كتبه ورسائله: فقد عرفنا من سيرته أنه أراد أن يحيا على وفاق مع المبادىء التي وضعها في مذهبه، وحاول أن يكون فيلسوفاً في سره وعلانيته، في جوانية وبرانية، وفي فكره وسلوكه. وواضح من تأملات الفارابي أن للفلسفة أهلها «الموطئين» نحوها، أي المستعدين لها. وليس كل حافظ للعلوم فيلسوفاً، ومن اشتغل بالفلسفة طمعاً في جاه أو رياسة أو مال، فهو «براني» دخيل عليها، وليس من أهلها على الحقيقة، وإنما هو ـ على قول الفارابي: فيلسوف «زور»، و«بهُرُج»، و«باطل»، وخليق به أن يُنبَذ من زمرة «الخاصة» المصطفين، وأن يُسلَك في عِداد الدجالين المهرجين.
المدينة الفاضلة أو الدولة المثالية
وفيما أجملنا من فلسفة الفارابي ما يظهرنا على مبلغ عنايته بالأخلاق والحياة الفاضلة. ولكن هذا الفيلسوف كان معنياً بالسياسة أيضاً: كان يحلم بتنظيم العالم تنظيماً شاملاً يجعل منه دولة مثالية، على غرار جمهورية أفلاطون، أو «مدينة» صالحة عاقلة، تكون رياسة الحكم فيها لفيلسوف قد صفت نفسه حتى كاد أن يكون نبياً.
والمدينة الفاضلة التي ينشدها هذا الفيلسوف هي نموذج لمجتمع انساني «متمدن راق، يؤدي كل فرد فيه وظيفته الخاصة التي تلائم كفاياته واستعداده. وأفراد المجتمع ـ كأعضاء البدن ـ متضامنون متعاونون على الأشياء التي تُنال بها السعادة الحقيقية والخير الأفضل والكمال الأقصى. وهم جميعاً يخضعون لرئيس المدينة ويتشبهون به، لأن ذلك الرئيس قد أوتي من الخصال الرفيعة ما يصعب تحققه في عامة الناس، فهو سليم البنية، جيد الذهن، ثاقب الذكاء، حاضر البديهة، ماضي العزيمة، حصيف صادق، عادل نزيه، متجرد من المادة، مؤثر للذائذ الروحية. ويقرر الفارابي أن «رئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان اتفق، لأن الرياسة إنما تكون بشيئين: أحدهما: أن يكون بالفطرة والطبع مُعَدّاً لها، والثاني: بالهيئة والملكة والإرادة. فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه إنسان آخر أصلاً، وهو الإمام، وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمة الفاضلة، ورئيس المعمورة من الأرض كلها».
وتذكرنا الخصال التي يتحلى بها رئيس المدينة الفارابية بصفات الفيلسوف الأفلاطوني في «الجمهورية»، وتذكرنا كذلك، في صورة أوضح، بالصفات التي أضفاها الرواقيون على «الحكيم» الذي جعلوه حائزاً جميع الفضائل. وكما كان «الحكيم» الرواقي شخصاً يعسر تحققه على الأرض، فرئيس المدينة الفاضلة، عند الفارابي، شخص يعسر وجوده كذلك. ولكن الفارابي يضيف إلى خصال الرئيس التي ذكرناها خصلة أخرى نادرة: وهي قدرته على الاتصال بما يسميه الفلاسفة «العقل الفعّال» الذي هو أعلى منزلة من العقل الإنساني الذي «ينفعل» به ويستفيد منه. فلا جرم أن تكون غاية العقل الإنساني وسعادته في أن يتصل بالعقل الفعال، وبهذا الاتصال يقترب الإنسان من الله. وليس إنسان قادراً على هذا الإتصال بالعقل الفعال وإنما يستطيعه القليلون من أهل الصفاء الذين لم يشغلهم عالم المادة عن عالم الروح، إلى اختراق الأرض، وتطلعوا إلى اجتلاء السماء.
وأهل الصفا عند الفارابي فريقان: (الفلاسفة وفريق الأنبياء وكل من الفريقين يستطيع، على طريقته الخاصة: أن يجتلي الأنوار، حين يتصل بالعقل الفعال: فما يستطيعه الفيلسوف بالنظر العقلي والتأمل الميتافيزيقي «المجاوز للمادة» يستطيعه النبي بمخيلة ممتازة وقوة قدسية أودعها الله فيه.
وإذن فالفيلسوف والنبي، فيما يرى الفارابي هما أجدر الناس بتولي رياسة المدينة الفاضلة لأنهما ينهلان من منهل واحد رفيع، ويرميان إلى غاية واحدة سامية، لأن كليهما، بمواده الخاصة، واستعداده لتلقي الأسرار الإلهية، يستطيع الإتصال بالعقل الفعال، الذي هو منبع الوحي والإلهامات السماوية، ومصدر الشرائع والنواميس الضرورية لسير الجماعات البشرية والفلسفة والوحي كلاهما ثمرة من ثمرات الوجود الإلهي يفيضها الله على من يشاء من عباده الصالحين.
السعادة العليا أو الخير الأسمى
على أن الفارابي يريد أن لا ينسى أن المدينة الأرضية، مهما يكن كمالها، ليست غايتها في نفسها، وإنما هي تدرُّجٌ في السعي للوصول إلى السعادة العليا التي هي الخير الأسمى الذي يمكن أن تناله النفوس الزكية في العالم الآخر. «والسعادة هي: أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا تحتاج في قوامها إلى المادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى تلك الحال دائماً…».
فالنفوس الخيرة العارفة هي التي تبقى وتدخل العالم العقلي، وكلما زادت درجتها في المعرفة والفضيلة في هذه الحياة، علا مقامها بعد الموت، وزاد حظها من السعادة في الحياة الأخرى. وكلما كثرت الأنفس المتشابهة، «المفارقة» للمادة، واتصل بعضها ببعض، كما يتصل معقول بمعقول، زاد التذاذ اللاحقين بالماضي، وزادت لذات الماضين باتصال اللاحقين بهم». لأن كل نفس تعقل ذاتها، وتعقل النفوس الأخرى المشابهة لها، وكلما زاد تعقلها زادت لذائذها. وتكون تلك حال كل طائفة مضت، وكل طائفة لحقت على مدى الزمان إلى غير نهاية.
والظاهر من هذه النظرية في السعادة أن الفارابي أراد أن يقول أنه حين الخروج من هذه الدنيا، تذهب النفوس أفواجاً لتلتقي بمواكب الراحلين السابقين، وتتحد بها اتحاداً عقلياً، إذ ينضم كل شبيه إلى شبيهه. وبهذا النحو من انضمام الروح إلى الروح تزيد لذات الغابرين والوافدين.
فكرة فلسفية إسلامية طريفة، تحتاج إلى فنان يقف عندها يستوحيها، وإلى شاعر ينظمها قصيدة بارعة، أو إلى موسيقى يصوغها لحناً جميلاً، أو إلى رسام يجعل منها لوحة تسر الناظرين.
خاتمة
تلك صور سريعة من آراء الفارابي. والرجل كما قلنا: فيلسوف، بأجمل ما لهذه الكلمة من معان. رجل جمع بين ميزتين: الإخلاص للفلسفة، والإيمان بالدين. وبهاتين الميزتين حاول أن يوفق بين لغتين، لغة العقل ولغة القلب، وهما ـ عنده ـ لغتان مفهومتان، ضروريتان للإنسانية التي تريد أن تسمو على نفسها، ساعية وراء الكمال. وكأن الفارابي قد جاء إلى العالم ليؤدي رسالة جليلة، خلاصتها أن الفلسفة والدين هما: النبع الصافي للحياة الروحية، التي بها يكون المجتمع الإنساني فاضلاً، وبدونها يكون مجتمعاً ضالاً، فويل للمجتمع إذا تنكر للفلسفة أو انحرف عن الدين! وما أشقانا إذا طغت علينا المادة، فخلت حياتنا من مشاغل الروح.
د. عثمان أمين
وننشر هنا بحثاً عن الفارابي في نظرية (الاستقراء الأرسطية).
أولاً: نظرية الاستقراء الأرسطية
لعل أول من تحدث عن نظرية الاستقراء ـ وهي نظرية تتعلق بالمعرفة العلمية ـ هو الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس 384 ـ 322ق.م.
وقد احتل هذا الفيلسوف مكانة كبيرة ومنزلة عظيمة في الفكر الإنساني لمدة طويلة تزيد على ألفي عام تقريباً، ولكن هذه المكانة والمنزلة العظيمة لم تكن بسبب نظريته في الأخلاق، أو السياسة، أو النفس، أو ما بعد الطبيعة… الخ بل كانت بسبب نظريته في الاستقراء التي ابتدعها.
ومن هنا سنتناول هذه النظرية بالعرض والتحليل ثم نقف على نقد فيلسوفنا أبي نصر الفارابي لها وبيان قيمته على المستويين التاريخي والموضوعي.
وبادىء ذي بدء نقف على نظرية الاستقراء الأرسطية متناولين منها ما يلي:
1 ـ معنى الاستقراء عند أرسطو.
2 ـ عناصر نظرية الاستقراء الأرسطية.
3 ـ قيمة نظرية الاستقراء الأرسطية.
أولاً: معنى الاستقراء عند أرسطو
تذهب المصادر إلى أن كلمة (الاستقراء) في اللغة اليونانية تعني: (مؤدي إلى)، وقد استخدمها أرسطو بمعنى: «ما يؤدي بالطالب إلى الانتقال من الجزئي إلى الكلي»([108]).
وهذا يعني أن (الاستقراء) ما هو إلا حكم عقلي ينقلنا من حال جزئية إلى حال كلية.
والمقصود بـ (الجزئي) عند أرسطو ليس الفرد، وإنما النوع وقد ضرب لنا أرسطو مثلاً يلخص به معنى الاستقراء القياسي والنتيجة التي وصل إليها فقال:
الإنسان والحصان والبغل… طويلة العمر.
الإنسان والحصان والبغل… كل الحيوانات التي لا مرارة لها.
كل الحيوانات التي لا مرارة لها طويلة العمر([109]).
فهذا المثال يلخص لنا نظرية الاستقراء الأرسطية وشكلها القياسي فهو ينظر إلى الاستقراء نظرته إلى القياس.
فلو حللنا النص السابق لوجدنا:
1 ـ أن الاستقراء الأرسطي يهتم بالحقيقة النوعية وليس الحقيقة الجزئية الفردية، فهو يذكر في مثاله الإنسان والحصان والبغل… وكل هذه الأشياء حدود نوعية وليست حدوداً جزئية فردية.
2 ـ يرى أرسطو أن الحقيقة النوعية تتضمن الحقيقة الجزئية الفردية، وأن معرفة النوع تتضمن معرفة الفرد ولهذا رأى: (أن عملية الاستقراء تبدأ بالأنواع السفلى، ومن المعلوم أن النوع عنده لا يختلف في جوهره عن أفراده؛ بل هو في كل واحد منها… فيكفي أن أرى عدداً من أفراد النوع، الإنسان مثلاً أدرك معنى الإنسان النوع لا الفرد»[([110])].
3 ـ ينظر أرسطو إلى الاستقراء نظرته إلى القياس، فالمقدمات الاستقرائية ترتبط بالنتيجة، والنتيجة مرتبطة بالمقدمات ارتباطاً منطقياً.
4 ـ إن النتيجة الاستقرائية سواء كان الاستقراء تاماً أو حدساً مباشراً، لا تقرر شيئاً جديداً غير الشيء المتضمن في المقدمات؛ فالنتيجة تلخيص لما ذكر في المقدمات، لذلك اعتبرت هذه النظرية عقيمة أي تأتي بشيء جديد.
فالمثال الأرسطي السابق يكشف لنا عن عملية استقرائية، ولكن ليست عملية استقرائية تجريبية، وإنما عملية إحصائية منطقية ننتقل فيها في المقدمات إلى نتيجة كلية، إن هذه الصورة الاستقرائية تذكرنا بالقياس، ولهذا أطلق على هذا النوع من الاستقراء بالقياس الاستقرائي «لأنه قياس من حيث صورته العامة واستقراء من حيث استقصاء الجزئيات في المقدمات»([111]).
ثانياً: عناصر نظرية الاستقراء الأرسطية
لو ألقينا نظرة على مثال أرسطو السابق وحللناه؛ لوقفنا على عناصر نظريته المتمثلة بـ:
1 ـ الملاحظة الحسية:
لا بد لأي نظرية علمية تريد التعبير عن الواقع أن تبدأ بالملاحظة الحسية أولاً، فالملاحظة الحسية هي الطريق إلى الاستقراء الحسي، ومن ثم إلى القانون الكلي، فلم نصل إلى القانون الكلي، إن كل الحيوانات التي لا مرارة لها طويلة العمر) إلا بعد أن وقفنا على مقدمات هذا القانون المتمثلة بالملاحظة الحسية الواقعة على الأشياء مثل الإنسان والحصان والبغل… الخ في كونها لا مرارة لها فهي طويلة العمر… وكل هذه المقدمات حصلنا عليها بالملاحظة الحسية المباشرة؛ فلو لم نشاهد لا نكّون علماً.
يقول أرسطو: «إن فقدنا حساً ما، وجب ضرورة أن نفقد علماً ما»([112]).
في هذا النص يربط أرسطو بين الملاحظة الحسية، وبين تكون العلم، فالملاحظة الحسية بل الحواس الخمس تفيد كل واحدة منها علماً من العلوم، فإذا فقدنا حاسة من الحواس فإننا نفقد علماً من العلوم، بل لا يكون لدينا استقراءَ ولا قياساً.
فالملاحظة الحسية ضرورية في تكوين معارفنا الجزئية والنوعية، إلا أنها عند أرسطو مرتبطة بالعلم الكلي، ولأجل ذلك يقول «لا يمكن أن نعلم العلم الكلي إلا بالاستقراء… ولا يمكننا أن نستقرىء إذا لم يكن ثمة حس، لأن الحس هو أشياء الجزئية، فإنه لا يمكن أن نتناول العلم الجزئي، لأنه لا يستخلص من الكليات بدون الاستقراء ولا يستخلص بالاستقراء بدون الإحساس»([113]).
فأرسطو يربط ربطاً ضرورياً بين الحس والاستقراء من جهة وبين الاستقراء والعلم الكلي من جهة أخرى، فهناك معادلة منطقية ذات طرفين لا ينفصلان هما الاستقراء الجزئي والعلم الكلي، فالعلم الكلي لا يكون من غير الاستقراء الجزئي والاستقراء الجزئي لا يكون من غير الحسن.
ولكن هذا الاهتمام بالملاحظة الحسية والحواس ودورها في بناء النظرية العلمية لم يكن من أجل بناء النظرية العلمية التجريبية وإنما من أجل بناء النظرية العلمية في جانبها الرياضي المتمثل بنظرية القياس. بدليل أن (الواقع) لم يكن له الأهمية الأولى في نظريته وإنما جاءت (المبادىء) العقلية تحتل هذه المكانة. فكثيراً ما كانت النتيجة تخالف كل المخالفة ماعليه الواقع، وبالتالي يعاد النظر في نظرية الاستقراء الأرسطية والمثال الذي جاء به»([114]).
2 ـ التجربة:
وهي العنصر الضروري الثاني من عناصر نظرية الاستقراء الأرسطية، فالتجربة عنده كالملاحظة، فكما لا يمكن أن يكون هناك علم كلي بدون استقراء فكذلك لا يمكن أن يكون علم كلي بدون تجربة، ولكن هذه الضرورة للتجربة ليست لأجل التجربة وإنما لأجل العلم الكلي وبنائه التام، ولأجل ذلك قال أرسطو: «إن معارفنا بالمبادىء العلمية متأصلة بالتجربة ولكن تقوم في نهاية الأمر في الحدس»([115]).
فهذا النص يكشف لنا عن أهمية التجربة ووظيفتها في نظرية الاستقراء الأرسطية، فأهميتها إنما هي عنصر (ناقل) للمعرفة وليس محكماً لها وهذا أقصى ما يمكن أن تقوم به التجربة من أهمية في استقراء أرسطو، فالمبادىء تؤخذ من التجربة أي أن مقدمات نظرية الاستقراء الأرسطية تؤخذ من التجربة وكذلك من الملاحظة الحسية كما رأينا ـ وكلتاهما لا تضيفان شيئاً جديداً؛ وإنما تنقلان لنا المعرفة نقلاً مباشراً إلى العقل، والعقل يعمم ذلك، ويحدث حدساً مباشراً بالنتيجة.
بمعنى آخر: هناك (الملاحظة)، وهناك (التجربة)، وهما عنصرا نظرية الاستقراء الأرسطية ـ فكما خدمت الملاحظة الحسية العلم الكلي، تخدم التجربة الحدس، والعلم الكلي والحدس نتيجتهما واحدة ألا وهي اليقين التام.
فالتجربة إذن: لا تشكل عند أرسطو إلا معبراً إلى الكلي أو تقوم في الحدس في حين سنرى أن لها وظيفة غير هذه الوظيفة عند الفارابي، وهي وظيفة عملية الكشف عن الجديد، واختبار الفروض، ولم تكن ناقلة للمعرفة من الجزء إلى الكل. أو العكس عن طريق الحدس.
3 ـ النظرية:
من خلال النصوص التي أوردها أرسطو عن عنصري الملاحظة والتجربة، يتبين لنا أنه كان يسعى لأن تكون صياغة القانون أو النظرية الاستقرائية صياغة رياضية يقينية، بغض النظر عن مطابقتها للواقع أو مخالفتها له.
فالنتيجة التي توصل إليها أرسطو في مثاله السابق عبارة عن الصور النهائية لنظريته، وهي صورة لم توظف فيها الملاحظة والتجربة وظيفة جديدة رغم أن أرسطو كان طبيباً مجرباً؛ إلا أنه لم يوظف تجاربه توظيفاً يختلف عما كان سائداً في عصره، كأن يجعلها (محكاً) لاختبار الفروض الناتجة عنها أو عن الملاحظات التي كان يسجلها أثناء استقراءاته الطبيعية.
ثالثاً: قيمة نظرية الاستقراء الأرسطية
من خلال عرضنا السابق لنظرية الاستقراء الأرسطية، نرى أنها تبدأ بمقدمات تقوم على الملاحظة الحسية والتجربة، وهي أدوات استقرائية تهتم بنقل المعرفة النوعية وصولاً إلى القوانين الكلية، فهي نظرية تهتم بالكلي النوع وتنتهي بالكلي العام، أي أنها تهتم بالمبادىء على حساب الوقائع، وهذا يعني أنها نظرية برهانية أكثر من كونها نظرية واقعية، وبهذا يمكن القول إن قيمة هذه النظرية سلبية وعقيمة على مستوى الواقع وأنها مغلقة لا تأتي بشيء جديد، ولا تتنبأ بالجديد لأننا نعرف الأشياء بأنواعها مسبقاً.
إذن لا بد من تصور جديد للاستقراء يصحح التصور القديم، التصور الأرسطي، ومن ثم ينطلق إلى المعرفة الجديدة، وهذا التصور الجديد يتمثل في النظرية التي قدمها لنا فيلسوفنا أبو نصر الفارابي، ولم يتوصل إلى النظرية الجديدة قبل أن يباشر النقد الموضوعي لنظرية القياس الأرسطية، وهذا ما سنقف عليه ونستكشفه في الصفحات الآتية.
الفارابي والمنطق الأرسطي
أبو نصر الفارابي (259 ـ 339هـ) من أبرز فلاسفة المسلمين على الإطلاق، يلقب بالمعلم الثاني، والمعلم الأول هو أرسطو، ترك لنا مؤلفات كثيرة منها في المنطق، والطبيعيات، والأخلاق، والسياسة، والموسيقى، وما بعد الطبيعة، تأثر فيه ابن سينا وعده أستاذاً له وكذلك ابن رشد.
وللأسف الشديد إن فيلسوفنا الفارابي يعتبر في نظر مجموعة من الباحثين: فيلسوفاً مشائياً، ومن المشائين العرب([116]).
ولكن نظرة نقدية فاحصة لمؤلفاته ترينا غير هذا وذلك بدليل:
أولاً: أنه اظهر رأياً مخالفاً لرأي أرسطو في المنطق .
ثانياً: أنه نقد نظرية القياس الأرسطية، وثالثاً: أنه نقد نظرية الاستقراء الارسطية.
أولاً: أما رأيه المخالف لرأي أرسطو؛ فيظهر من خلال موقفين هما:
1 ـ الموقف التقليدي.
2 ـ الموقف النقدي.
ففي الموقف التقليدي نرى: أن لفيلسوفنا نصوصاً تجعل من المنطق آلة للعلوم وليس جزءاً منها، كما ذكر ذلك فقال: «ينبغي أن نفتتح النظر في هذه الصناعة ـ أي المنطق ـ بما قد قيل: إن العادة قد جرت أن يفتتح به في كل كتاب»([117]).
فعلم المنطق ما هو إلا مقدمة جرت العادة عند المناطقة والفلاسفة على افتتاح كتبهم بها، وهذا هو الموقف التقليدي الذي جارى به الفارابي موقف الفلاسفة السابقين عليه وخاصة أرسطو.
ولا شك أن السبب الذي جعل الفارابي هذه الصناعة ـ أعني صناعة المنطق ـ مقدمة واجبة في كل كتاب أو علم هو: تحصين القارىء، وجعله قارئاً ناقداً مميزاً بين الحق والباطل. فهذه الصنعة: «وحدها تكسبنا القدرة على تمييز ما تنقاد إليه أذهاننا هل هو حق أو باطل»([118]).
ويؤكد لنا الفارابي المعنى نفسه في مكان آخر من كتبه فيقول: إن «صناعة المنطق تعطي في الجملة القوانين التي من شأنها أن تقوّم العقل، وتسدد الإنسان نحو الطريق الصواب ونحو الحق… والقوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل في المعقولات والقوانين التي يمتحن بها في المعقولات ما ليس يؤمن أن يكون قد غلط فيه غالط»([119]).
وفي النص السابق ما يفيد بأن صناعة المنطق لا تفيد التمييز بين الصواب والخطأ في المعقولات فحسب؛ وإنما تفيد الوصول إلى الحق الذي هو اليقين.
وفي نص آخر يشبِّه الفارابي قوانين المنطق التي نزن بها الأفكار بالموازين والمكايل التي نزن بها الأجسام والأشياء، فيقول: «إن القوانين المنطقية ـ التي هي آلات يمتحن بها في المعقولات ما لا يؤمن أن يكون العقل قد غلط فيه أو قصر في إدراك الحقيقة ـ تشبه الموازين والمكاييل التي هي آلات يمتحن بها في كثير من الأجسام ما لا يؤمن أن يكون الحس قد غلط فيه أو قصر في إدراك تقديره»([120]).
فالميزان والتقويم والتمييز ما هي إلا عمليات عقلية نقدية تهيىء الباحث كي يكون على قدرة في تصحيح الأفكار والكشف عن تناقضاتها.
ففي هذه النصوص يمكن أن نجعل موقف الفارابي موقفاً مقلداً لموقف أرسطو ـ الذي جعل المنطق آلة للعلوم كلها ـ وإن كان هذا الموقف أكثر وضوحاً وتطويراً من الموقف الأرسطي نفسه في جعل المنطق آلة نافذة ـ إن صح التعبير ـ بدلاً من كونه آلة أو مدخلاً للعلوم فقط.
كما أننا نلمس موقفاً مقلداً آخر لعلم المنطق عند الفارابي نجده في كتب أخرى، ولكن هذا الموقف التقليدي لم يكن موقفاً أرسطياً؛ وإنما موقف رواقي، يقول الفارابي: «إن موضوعات العلوم وموادها لا تخلو من أن تكون: إما إلهية وإما طبيعية، وإما منطقية، وإما رياضية، أو سياسية»([121]).
فالفارابي في هذا النص يجعل من المنطق جزءاً من العلوم وليس آلة لها، وهو موقف يذكرنا بموقف الرواقيين من المنطق فقد جعلوه جزءاً من العلوم وليس آلة لها.
فأبو نصر الفارابي في كل هذه النصوص نراه تارة: يقلد فيه المعلم الأول، وتارة: يقلد به الرواقيين، وإن كان في تقليده ما يفيد بوصفه وظيفة جديدة للمنطق وهي وظيفة نقدية أكبر من كونها وظيفة آلية، وبالتالي ينبئنا بموقف جديد.
أما الموقف النقدي، فيتمثل عنده في موقف جديد غير الموقف الأرسطي، وغير الموقف الرواقي؛ بل هو غير الموقفين معاً، فيقول: «ليس ينبغي أن يعتقد في هذه الصناعة أنها جزء من صناعة الفلسفة، ولكنها صناعة قائمة بنفسها، وليس جزءاً لصناعة أخرى، ولا أنها آلة وجزء معاً»([122]).
فقد رفض الفارابي أن يكون علم المنطق جزءاً من الفلسفة، أو آلة لها، أو الاثنين معاً، ورأى أنه علم قائم بذاته، كأي علم من العلوم الأخرى، بمعنى آخر أنه حينما يكون المنطق علماً مستقلاً بذاته يمكن نقده وتطويره، أما إذا كان مقدمة لازمة للعلوم؛ فإنه يعني لا يمكن نقده ولا تطويره وبالتالي تصبح مقولاته مفروضة على العلوم كلها كما وضع المنطق الأرسطي وفهم أيضاً.
وفي هذا الموقف النقدي الجديد للمنطق الأرسطي والمنطق الرواقي باكورة لنقد نظرية القياس ومقدماتها الاستقرائية لدى أرسطو.
ثانياً : نقده لنظرية القياس الأرسطية:
وقف فيلسوفنا الفارابي الشارح الأكبر لكتب أرسطو المنطقية أمام نظرية القياس الأرسطية متأمّلاً فيها فاحصاً لها واقفاً على عيوبها وسلبياتها قائلاً: «أما قياس أرسطو فينبغي أن لا تكون محبته له إلى حد يحركه ذلك أن نختاره على الحق»([123]).
إن مثل هذا النص النقدي جدير بأن نحلله ونقف على ما فيه من معاني:
1 ـ إنه نقد صريح لا غبار عليه لنظرية القياس الأرسطية، وهو نقد سابق على نقد الفلاسفة الغربيين أمثال: فرنسيس بيكون وآخرين غيره.
2 ـ يرى الفارابي أن نظرية القياس قد استحوذت على قلوب الناس، فطغت أحكام التراث على أحكام الموضوع، وهو يشير إلى ذلك بـ (المحبة) كدليل على أحكام الذات، ويشير إلى (الحق) كدليل على أحكام الموضوع، ولهذا لا ينبغي أن نعمم أو نسرع بتصديق أحكام الذات وتغلبها على الموضوع الذي هو العالم الخارجي ووقائعه.
3 ـ على الإنسان أن يحركه حب الحقيقة لا حب نظرية القياس الأرسطية.
وهذا النص توجه حقيقي إلى الاعتراض على نظرية القياس الأرسطية نفسها قبل غيرها من النظريات أولاً. وعدم تقديس هذه النظرية تقديساً أعمى ثانياً. ومن ثمة الشروع بفتح مجال جديد في المعرفة العلمية وهو مجال نظرية الاستقراء التجريبي ثالثاً.
ثالثاً: نظرية الاستقراء الفارابية:
1 ـ نقده لنظرية الاستقراء الأرسطية:
لقد عرفنا معنى الاستقراء عند أرسطو وهو: «الانتقال من الجزئي إلى الكلي». وقد أثرت هذه النظرية في الكثير من المناطقة اليونانيين والشراح خاصة، وأخذت بها جميع العلوم الطبيعية والإنسانية والمعتقدات.
وقد تفحص فيلسوفنا الفارابي هذا التأثير ورأى ذلك فقال: «اعلم أن مما هو متأكد في الطبائع، بحيث لا تقلع عنه الطبائع، ولا يمكن خلوها عنه، والتبرؤ في العلوم والآراء والمعتقدات، وفي أسباب النواميس والشرائع، وكذلك في المعاشرات المدنية والمعائش، هو الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات»([124]).
فالفارابي في نصه هذا يستعرض نظريات السابقين عليه في العلوم والآراء والمعتقدات وفي المعاشرات المدنية والطبيعيات، موضحاً بأن جميع هذه العلوم تصاغ قوانينها بطريقة استقرائية أرسطية متمثلة في: «الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات»([125]).
وقد انتقد الفارابي هذه الصياغة ورآها خاطئة فقال: «لا يجوز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات»([126]). فكل العلوم المستقرأة سواء كانت طبيعية أو اعتقادية أو إنسانية أو آراء لا ينبغي أن تكون نتائجها كلية، ولا يجوز الانتقال بها من الجزء إلى الكل.
وهذا نقد صريح لنظرية الاستقراء خاصة، ولكل متأثر بها عامة. بل إن الفارابي يتبرأ من هذه النتيجة الاستقرائية في جميع العلوم.
2 ـ مشكلة الاستقراء:
لا شك أن أبا نصر الفارابي وهو الشارح الكبير لكتب أرسطو المنطقية ـ كما قلنا ـ قد استوقفته نظرية الاستقراء الأرسطية، التي تؤكد جواز الانتقال من الجزء إلى الكل. ولكن الفارابي يتساءل كيف يتم هذا الانتقال من الجزء إلى الكل في العلوم والمعارف ونحن بعد لم نستقرىء كل الجزئيات المتعلقة بالموضوع؟.
أو بمعنى آخر، كيف يجوز للنتيجة الاستقرائية أن تكون كلية بالاستناد إلى مقدمات اعتمدت على الملاحظة والتجربة الجزئية؟.
إن مثل هذا الطرح يقودنا إلى ما يعرف اليوم بمشكلة الاستقراء والتي تعني (إن ما يصدق على الجزء يصدق على الكل)، فلا يجوز لنا أن نحكم على ظواهر (الحاضر)، ونقول إنها ستكون مطردة حتماً في (المستقبل)، ونحن لم نشاهد ظواهر المستقبل بعد.
وهذه المشكلة هي التي دفعت الفارابي إلى القول: بعدم جواز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات، كما هو واضح في النص السابق، فلا يجوز تعميم ما هو ملاحظ على ما هو غير ملاحظ تعميماً كلياً، ولا يمكن أن نقرر أن يكون المستقبل مطرداً كالحاضر إطراداً حتمياً.
وهذا ما فسح المجال للفارابي أن يتعرض إلى ما سمّي اليوم بمشكلة الاستقراء كما قلنا، وهي مشكلة لم يتعرض لها أرسطو، لأن مشكلة كهذه لا تظهر إلا حينما تدخل عناصر جديدة تختلف في معناها ووظيفتها عن المعاني السابقة للنظرية، فبينما نرى نظرية الاستقراء الأرسطية تنتقل بنا من الجزئي إلى الكلي دون أي مشكلة نجد نظرية الاستقراء الفارابية تنتقد هذا الانتقال نقداً واضحاً ولا تجوزه.
3 ـ الاستقراء والعلية:
هناك مبدأ تقوم عليه نظرية الاستقراء الأرسطية، وهو مبدأ العلية، ونعني به: أن هناك علاقة عليّة ضرورية بين أ و ب مثلاً، فإذا عنينا بـ (أ) النار وبـ (ب) الاحتراق أو بين الحجر ورسوبه في قاع النهر مثلاً إن مثل هذا التصور هو الذي تقوم عليه نظرية الاستقراء الأرسطية، ويؤمن بها كل الفلاسفة العقليين، فالعلية هنا مبدأ ضروري قائم في العقل أو بالأحرى مبدأ قبلي لا يمكن إنكاره أو تصور نقيضه.
لقد وجد فيلسوفنا الفارابي ومن خلال نقده لنظرية الاستقراء الأرسطية الأمور الآتية:
1 ـ إن فكرة الضرورة التي تشير إليها لفظة (الكل)، وتقوم عليها نظرية الاستقراء الأرسطية فكرة لا يجوز التسليم بها (لا يجوز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات)([127]).
2 ـ الإيمان بفكرة العلية لا على أساس مبدأ الضرورة العقلي؛ وإنما على أساس موضوعي تجريبي.
أو بمعنى آخر إن الفارابي يميز بين تصورين للعلية، أحدهما: تصور عقلي، والآخر: تصور تجريبي، وقد انتقد التصور الأول، ورأى عدم التسليم به، وآمن بالثاني لأهميته.
4 ـ العليّة والاطراد:
هناك علاقة بين العليّة والاطراد في الحوادث الطبيعية ـ كما يرى فيلسوفنا الفارابي ـ فالعلاقة بين أ و ب كظاهرتين ترتبط إحداهما بالأخرى بعلاقة ما، ولكن هذه العلاقة في نظر الفارابي لا يمكن تفسيرها بالضرورة المنطقية بحيث كلما رأينا أ نقول: سنرى ب حتماً، وإنما ستبقى هذه العلاقة مطردة بحدود الممكن وليس بالضرورة، يقول: «لا يجوز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات، مثل حكمنا بأن كل حجر يرسب في الماء ولعل بعض الأحجار يطفو، وحكمنا بأن كل نبات محترق بالنار، ولعل بعضها لا يحترق بالنار»([128]).
العلاقة بين أ و ب كظاهرتين متلازمتين في منطق الفارابي الجديد هي علاقة اطراد احتمالي، وليس اطراد ضروري، وهذا ما يتضح من خلال استبدال حكم الاطراد الكلي بحكم الاطراد الاحتمالي كماء جاء في المثالين السابقين.
ولو أردنا أن نحلل هذا النص ونصوغه صياغة أرسطية ثم صياغة فارابية ونقارن بعد ذلك بين الصياغتين، كي نقف على التصور الجديد الذي أراد أن يقدمه الفارابي عن الاطراد والحكم عليه:
ففي التصور الأول وعلى الطريقة الأرسطية يكون:
الرخام، المرمر، الحصى… إلخ ترسب في الماء. الرخام، المرمر الحصى… إلخ هي كل الأحجار. إذن كل الأحجار ترسب في الماء.
وكذلك يمكن أن تصور المثال الثاني على الطريقة الأرسطية وهي:
شجرة التفاح، البرتقال، النخيل… إلخ هي أشجار تحترق بالنار.
شجرة التفاح البرتقال، النخيل… إلخ هي كل النباتات.
إذن كل النباتات أشجار تحترق بالنار.
فنحن صغنا من المثالين السابقين تصورين على طريقة نظرية القياس الأرسطية، ولا شك أن المعلم الثاني قد استحضر هذه النظرية أولاً ثم نقدها ثانياً، وكأنني به يقول: إننا من خلال استقراء بعض الأحجار كالرخام والمرمر والحصى… الخ من الأحجار التي رأيناها ترسب في الماء لا نستطيع أن نعمم حكماً عاماً على كل حجر في العالم ما رأينا وما لم نر، فنقول: إن كل حجر في العالم يرسب في الماء، فقد يكون هناك حجراً ـ لم تعثر عليه التجربة بعد ـ يطفو!.
وكذلك لا يجوز أن نصدر حكماً عاماً من خلال استقرائنا لبعض النبات كالنخيل والبرتقال والتفاح… الخ فنقول: إن كل نبات ما رأينا وما لم نر يحترق بالنار! ولربما تكشف لنا التجربة فيما بعد عن نوع من النبات لا يحترق بالنار.
5 ـ ربطه بين الاستقراء والاحتمال:
عرفنا معنى الاستقراء عند الفارابي وهو: عدم جواز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات، وهذا المعنى هو الذي جعلنا نقول بأن الفارابي ربط بين الاستقراء والاحتمال، فعدم جواز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات يؤدي إلى توقع ظهور نتيجة جديدة من خلال استقراء الجزئيات غير النتيجة الكلية وهذه النتيجة هي الاحتمال.
وتأكيداً لهذا نجد أن الفارابي في نصه السالف الذكر يردد كلمة: (لعل) أكثر من مرة وهي كلمة لم ترد في مقدمات ولا نتائج نظرية الاستقراء الأرسطية، وإنما نجد كلمات مثل: «كل» وما في معناها تبدأ وتنتهي بها النظرية، فالفارابي يورد لفظة (لعل) هناك بعض الأحجار يطفو([129])، و(لعل) هناك بعض النبات لا يحترق بالنار([130])، «وإن جرم الكل متناه، ولعله غير متناه»([131]).
هذا تصور جديد للاستقراء ومنطق جديد لم يكن معروفاً من قبل عند أرسطو وأتباعه، ولا في القرون الوسطى والحديثة الأوروبية، التي انتهت بنا إلى صياغات قانونية يقينية([132]).
فمن خلال هذه النصوص الفارابية يظهر ما يلي:
إن تكرار الحالات أو الظواهر في الماضي والحاضر يقوي لدينا احتمال الصدق، ولكن ظهور صنف جديد لا يهدم الصدق؛ وإنما ينمي لدينا معرفة جديدة باحتمال ثالث ورابع، كما هو الحال في توقع ظهور صنف جديد من الحجر يطفو غير جميع الأصناف التي ترسب في الماء، وكما هو الحال في توقع ظهور صنف جديد من النبات الذي لا يحترق خلاف بقية الأصناف الأخرى التي إذا ما مستها النار احترقت.
بمعنى آخر أن الفارابي يرى: أن العلاقة بين أ و ب في الماضي لا يمنع من أن تكشف لنا التجربة عن صنف جديد لنرمز له بـ (حـ) ويمكن أن تكون معادلة هي ح (أ و ب) = الدالة المحدودة أ و ب التي تتجه إلى عدد لا متناه من الدلالات المحتملة الظهور.
إن هذه الفكرة فكرة احتمال ظهور صنف جديد غير الأصناف المتكررة تنقلنا إلى التحيز بين طبيعة صنف وصنف آخر من المجموعة نفسها، فتكرار الظواهر لا يمنع من توقع ظهور أصناف جديدة يطلق عليها الأصناف المفتوحة تلك التي جاءت بها نظرية المجال لـ وليام نيل([133]).
فالفارابي يدعونا إلى أن نفهم أن نتائج الاستقراء التجريبي أنها صادقة صدقاً مؤقتاً، أي الصدق الذي يجعلنا دائماً نراجع حساباتنا، والمستقبل وحده كفيل بزيادة صدقها أو تعديلها أو إلغائها([134]).
فأبو نصر الفارابي يدفعنا إلى أن نفتح المجال أمام القوانين، فهناك قوانين طبيعية وظواهر مطردة ولكننا رغم هذا الاطراد علينا أن لا نتصوره اطراداً مغلقاً، وإنما اطراداً مفتوحاً؛ وذلك أن نجعل العقل يتدخل في صياغة النظرية الاستقرائية، ومثل هذا التصور هو تصور وخطوة متقدمة إلى الأمام جعل فيها الفارابي العقل العلمي يبتكر النظريات ولا يقف عند حدود القوانين فقط.
6 ـ قيمة نظرية الاستقراء الفارابية:
حقاً نحن أمام صورة جديدة للفيلسوف الإسلامي تختلف عن تلك الصورة التي قرأناها في جامعاتنا ونوادينا العلمية، تلك الصورة التي قدمت لنا الفارابي بأنه فيلسوف مشائي، يتابع ويقلد فلاسفة اليونان خاصة أرسطو ومنطقه، أما الآن فيصبح الفارابي أمامنا فيلسوفاً علمياً لا فيلسوفاً مشائياً، ينظر إلى العالم من خلال مذهب فلسفي سابق عليه كمذهب أرسطو وفلسفته، إنه حقاً فيلسوف علم معاصر يربط بين الفلسفة والعلم ربطاً لا يتحقق أحدهما إلا بالآخر.
فهو يرى ـ وكما في نصه الذي قرأناه قبل قليل ـ أن التجربة تقوي من صحة النظرية، فما رأينا من أحجار ترسب في الماء ليس دليلاً على أن كل الملاحظات القادمة عن الحجر ستكون هي هي، فقد يكشف العقل التجريبي يوماً ما عن صنف من الحجر الذي لا يرسب في الماء، وقد يكشف لنا كذلك عن صنف جديد من النبات الذي لا يحترق بالنار.
إن مثل هذا التوقع الذي يدفع به فيلسوفنا الفارابي أن لا يمر بسهولة دون أن تقف عنده العقول لتقيمه تقييماً علمياً وفلسفياً معاً، خاصة وأنه يقول: «إن الاستقراء هو ما لم يحصل عنه اليقين الضروري بالحكم الكلي»([135]).
فالمعلم الثاني يرى أن الظواهر الطبيعية، ينبغي أن لا يعبر عنها بصياغة قانونية ضرورية وإنما صياغة احتمالية، فالنتيجة التي يدعونا إليها والصياغة التي يجب أن تكون عليها النظرية العلمية الجديدة هي النتيجة المفتوحة وليست المغلقة، ولا شك أن مثل هذا الموقف لا يتوصل إليه العقل التجريدي أو المنطق الصرف وإنما العقل التجريبي المنفتح، فالأول يرى الأشياء والظواهر هي هي كما كانت وستبقى كذلك أما الثاني فيختلف سواء في المقدمات أو النتائج أو كليهما ويرى: بأن التجربة تتكشف لنا عن الجديد كما جاء في توقع الفارابي لحجر لا يرسب في الماء، ونبات لا يحترق بالنار، وجرم غير متناه مثلاً.
وعلى الرغم من غرابة الأمثلة التي يستشهد بها الفارابي إلا أن لها دلالتها العميقة خاصة وأن الفضاء الفلسفي غير الإسلامي يصعب عليه تصور مثل هذا التوقع، وبالتالي إن مثل هذا التصور يختلف عن التصور اليوناني عامة والتصور الأرسطي خاصة وتصور العصر الحديث سواء في النظرة إلى العلم أو العالم أو كلاهما معاً. لقد جاء الفارابي بما يسمى اليوم بالفلسفة المفتوحة أو المنهجية العلمية المفتوحة ودعا إلى ما يسمى بالاستقراء التجريبي المفتوح، إنها دعوة فلسفية تؤدي بنا إلى أن نعيد النظر في تراثنا الفلسفي وخاصة تاريخ العلوم وأن نجدد فكرنا العلمي بالتجربة والكشف التجريبي، ومثل هذه الدعوة نجدها عند فلاسفة العلم المعاصرين أمثال هانز راشنياخ([136])، وهنري بوانكاريه([137])، وغاستون باشلر([138])، وبرتراند رسل([139]).
الآراء والديانات
كتاب للحسن بن موسى النوبختي المتوفى سنة 310هـ.
قال النجاشي وهو يترجم للمؤلف: «شيخنا المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها. له على كل الأوائل كتب كثيرة منها الآراء والديانات».
وأشار ابن النديم في الفهرست: إلى أن الكتاب لم يتم. كما أن ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ، نقل في كتابه «تلبيس إبليس» المطبوع عن الآراء والديانات، كثيراً.
ويبدو أن (الآراء والديانات) أول كتاب صنف في الإسلام في علم الفرق والآراء والملل والنحل، إذ أن كل ما ألف في هذا الموضوع كان مؤلفوه متأخرين عنه، مثل أبي بكر الباقلاني المتوفى سنة 403هـ، وعبد القادر البغدادي المتوفى سنة 429هـ، وأبي بكر أحمد الأصفهاني المتوفى حدود سنة 451هـ، والأسفراييني المتأخر عنه؛ وابن حزم المتوفى سنة 456هـ والشهرستاني المتوفى سنة 548هـ وغيرهم.
آران
ناحية تقع بالقرب من مدينة كاشان. تتميز أرضها بأنها رملية، وجوها معتدل. ومصدر مياه الشرب لسكانها من القنوات والآبار العميقة والمتوسطة العمق الموجودة هناك.
تضم ناحية آران قرى عديدة منها: آران. بيد گل، نوش آباد. وتبعد آران القرية المركزية لهذه الناحية عن مدينة كاشان 12 كلم إلى الشمال الشرقي منها.
من الآثار المشهورة في هذه المنطقة: مرقد السيد هلال بن علي وهو أثر صفوي، ومرقد السيد قاسم بن علي النقي الواقع بين كاشان وآران، ويتميز هذا المرقد بقبته المخروطية التي بنيت بإشارة من زينب بيگم عمة الشاه عباس الصفوي وفي عهده، ومرقد السيد هادي الذي يقال إنه من أولاد الإمام زين العابدين (ع)، وهو أثر صفوي أيضاً، ويقع بين آران، وبيد گل، مسجد القاضي وهو من المباني القديمة في المنطقة حيث يعود تاريخ بناء رواقه الداخلي إلى فترة الغزو المغولي لإيران. كما توجد بقعة أخرى غربي المسجد كتب على إحدى لوحاتها: «هنا مراقد السيدين علي وإبراهيم ابني الإمام محمد الباقر (ع)، ووالدتيهما السيدتين زينب الخاتون وأم سلمة.
كما يُقرأ على لوحة أخرى معلقة على جدران البقعة: «تم تجديد بناء هذه البقعة التي تضم رفات السادة الخمسة من أبناء وأحفاد الإمام محمد الباقر (ع)، من قبل عدد من المؤمنين في العام 1050 الهجري. وهي تقع جنب مسجد آران».
آرغانه
من مدن إيران القديمة، تبعد عن مدينة ديار بكر 60 كلم وقد استولى عليها الأتراك سنة 1514م، بعد المعارك الطاحنة التي جرت بين الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان سليم العثماني، ولا تزال تتبع تركيا حتى الآن، وأكثر سكانها من المسلمين الشيعة.
آريا
آريا يرادف في القديم اسم إيران، وقد أطلق في القديم في عهد الإخمينيين على مقاطعة من المقاطعات الإيرانية التي تتألف منها المملكة الإيرانية سميت باسم قاعدتها آريا، وهي المعروفة اليوم باسم: هراة الواقعة غربي أفغانستان.
وقد يطلق اسم آريا على: المنطقة الواقعة ما بين إيران والهند كلها.
ويقال: إن سكان آريا هم أصل الآريين، ومن لغتهم تفرعت اللغات التي عرفت باللغات: الهندية ـ الأوروبية.
آزاد شهر
كانت تسمى (شاه بسد)، وهي مركز ناحية تابعة لقضاء گنبدقابوس في محافظة مازندران بايران، يبلغ عدد سكانها 15578 نسمة.
يزرع فيها: القطن والفول وسائر الحبوب وعباد الشمس والتبغ، وتكثر فيها تربية المواشي لا سيما الأبقار والخيول. وسكانها خليط من التركمان السنّة، ومن الشيعة غير التركمان.
آزادوار
من قرى محافظة خراسان، وكانت في القرن الرابع مركزاً لناحية (كويان) أو (جوين)، وهي مسقط رأس شمس الدين الجويني وأخيه عطا ملك الجويني صاحب كتاب (جهان گشا) في التاريخ.
وهي اليوم من قرى ناحية (جغتا) التابعة لقضاء سبزوار، وتقع على بعد 42 كلم شمال غربي جغتا.
آسام
هي إحدى ولايات جمهورية الهند، وتقع في الشمال الشرقي منها، بين بنغلادش والتبت وبورما، وهي تنفصل عن الأراضي الهندية من جهة الغرب بواسطة الحدود الشمال ـ غربية لبنغلادش، والحدود الجنوبية لبوتان.
تبلغ مساحتها حوالي 78,461 كلم2، وتقع إلى الجنوب منها ناحية سيلهت التي يشكل المسلمون غالبية سكانها، وقد كانت هذه الناحية جزءاً منها خلال عهد الاستعمار الإنجليزي ثم ألحق بباكستان الشرقية أو بنغلادش الحالية بعد تقسيمات شبه القارة الهندية في عام 1947م.
تعتبر مدينة شيلونكَ عاصمة هذه الولاية، وتقع في شرقها على مسافة 500 كلم إلى الشرق من كلكتا.
بلغت آسام أولى الفتوحات الإسلامية في عام 1303م/703هـ بقيادة شمس الدين فيروزشاه، حيث فتحت في ذلك العام ناحية سيلهت (أو وادي سورما) من توابع هذه الولاية وتذكر بعد المصادر أن أول هجوم للمسلمين على مملكة آهوم كان في القرن الثالث عشر الميلادي أي في القرن السابع الهجري. وتذكر مصادر آهوم أن تاريخ احتلالها من قبل المسلمين هو عام 1228م/625هـ، بينما يعتقد المحققون في بورما أن ذلك كان في أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي أي أواخر القرن التاسع وبداية القرن العاشر الهجري.
وبعد فشل نصرت شاه في احتلال مملكة آهوم في الفترة الممتدة ما بين 1527 و1529م/934 ـ 936، فقدت البنغال فتوحاتها في تلك المناطق لفترة طويلة، ثم احتلت هذه الولاية مرة أخرى في زمن حكومة شاه جهان فيما بين عام 1637 وعام 1639م/1047 و1049هـ.
وانقضت أغلب سنوات القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين 10 و11هـ في صراع مستمر بين هذه الولاية والمسلمين، وفي نهاية المطاف استسلمت أجزاء من ولاية آسام، بعد مقاومة طويلة، إلى أورنكَ زيب بن شاه جهان والامبراطور المغولي للهند، وكان ذلك في عام 1662م/ (1073هـ).
وعندما أدخل سلطان آهوم رود راسينك الديانة الهندوسية في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي/ الثاني عشر الهجري، أخذت الديانة الهندوسية تنتشر في هذه البلاد.
وفي عام 1822م/1238هـ، استولت بورما على آسام، ثم انتقلت إلى السيطرة الانكليزية بعد أول حرب بين بورما وبريطانيا في أعوام (1824 ـ 1826م/1240 ـ 1242هـ)، وألحقت بعد ذلك بالهند تحت الوصاية البريطانية.
وخلال الحرب العالمية الثانية كانت آسام إحدى أهم طرق التموين بالنسبة للحلفاء، ولذلك بادرت اليابان إلى احتلال أجزائها التي كانت تحتلها بورما، ونشبت بذلك حرب ضروس بين القوات الانكليزية والقوات اليابانية.
وفي تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947م، ألحق أغلبها بالجمهورية الهندية، إلا أن السعي الحثيث لقادة استقلال باكستان نجح بضم ناحية المسلمين الرئيسية الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من آسام وهي ناحية سيلهت بباكستان الشرقية أو بنغلادش الحالية.
ومع إقرار الدستور الرئيسي في الهند، أصبحت آسام إحدى الولايات في هذه البلاد، ثم أدت بعض حركات الأهالي الداعية للاستقلال إلى إثارة الشغب في عام 1956 وعام 1957م. إلا أن الجيش الهندي نجح في إخماد حركاتهم. ثم أضحت هذه الولاية في عام 1962م ساحة للخلافات الحدودية بين الهند والصين.
قُدِّر عدد سكان آسام في عام 1981م بـ 19,902,826 نسمة، وهؤلاء ينقسمون إلى عدة عروق وأديان، وينطقون بلغات شتى، ولكن الأصل المغولي هو الشائع بينهم.
ويعتبر الآريون السكان الأصليين لمنطقة آسام، ولا تزال القبائل البورمية ـ التبتية التي استولت على آسام في العصور الخالية تشكل السكان الرئيسيين في الولاية. وتذكر بعض المصادر أنّ سكنَتَها الهنود والأوروبيين قدموا إليها في أوائل العصر المسيحي. وينحدر سكان واديي براهما بوترا وبرك بصورة رئيسية من أصول هندية وإيرانية.
يتحدث 40% من سكان آسام اللغة الآسامية و24% اللغة البنغالية. واللغة الآسامية هي واحدة من اللغات السانسكريتية الهندية ومن العائلة المتفرعة عن اللغات الهندية والإيرانية، التي تصنف ضمن اللغات الهندو ـ أوروبية، وهي تشبه اللغة البنغالية إلى حد بعيد وتمتد إلى ماضٍ سحيق ولها آداب جديرة بالاهتمام.
يعتقد بعض المحققين: أن تاريخ آداب اللغة الآسامية يرجع إلى ألفي سنة قبل الميلاد، ورغم كونها غنية بالآداب التاريخية، إلا أنها لا تستحق التقصي والاهتمام إلا إلى ما يعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين وما بعدهما. وقد أصبحت هذه اللغة في عام 1875م اللغة الرسمية لهذه البلاد.
يعتنق 65% من سكان آسام الديانة الهندوسية، و22% منهم الديانة الإسلامية، وأما الباقون (وأكثرهم من القبائل الجبلية) فيعتنق البعض الديانة المسيحية، ويعتنق أغلبهم ديانات محلية قديمة.
ويتبع أكثر الهندوس مذهب (فيشنقا)، ويتكون المسيحيون بصورة رئيسية من سكان الجبال، أما الأديان والاعتقادات القديمة؛ فهي ترتكز على نوع من المذاهب الروحية المجردة، وتقترب كثيراً من الديانة الهندوسية.
وينحدر بعض المسلمين في آسام من أصول هندوس ـ أوروبية، وقد اعتنقوا الإسلام حديثاً.
وقد انخفضت نسبة المسلمين في آسام كثراً بعد انفصال ناحية سيلهت عنها، وانضمامها إلى باكستان الشرقية (بنغلادش) في تقسيمات عام (1947م)، ويبدو أن هجرة المسلمين من آسام إلى الدولة الحديثة التأسيس ساهمت في خفض هذه النسبة، ولا تتوفر في الوقت الراهن إحصائيات دقيقة تشير إلى عدد المسلمين في هذه الولاية.
وعلى الرغم من أن الفتوحات الإسلامية بلغت هذه المناطق في القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر الميلاديين، إلا أنه يمكن القول بأن الشيعة وصلوا هذه المناطق قبل وصول الفتوحات الإسلامية إليها، بسبب المظالم التي لحقت بهم من قبل الأمويين والعباسيين والتي اضطرتهم إلى الهجرة الجماعية عن طريق البر والبحر، فكانوا من العوامل الكبرى في التبشير بالإسلام والدعوة إليه ونجحوا في ذلك.
ومن بين الذين نشطوا في نشر تعاليم الإسلام في نواحي آسام والبنغال وبهار في القرن السادس الهجري، أحد تلاميذ محمد بن أحمد نظام الدين أولياء ويعرف باسم سراج الدين.
ولا يعرف اليوم عدد الشيعة في الهند وطبيعة انتشارهم في هذه البلاد، لعدم وجود إحصائية في هذا المجال. ولكن يمكن تخمين عددهم بحوالي 15% من مجموع المسلمين الهنود، وطبعاً فإن نسبتهم في بنغلادش أقل منها في سائر بلاد شبه القارة الهندية.
من الطرق المعروفة في ولاية آسام، الطريقة المحمدية التي نشرها في أوساط سكان ولاية آسام في سنوات النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي الثالث عشر الهجري شخص يدعى كرامت علي (1800 ـ 1873م) (1215 ـ 1290هـ).
آستارا
مدينة على الحدود بين إيران وجمهورية آذربيجان، من توابع محافظة گيلان، واقعة على ساحل غرب بحر قزوين (بحر الخزر)، ويخترقها نهر آستار الذي ينبع من مرتفعات آذربيجان ويصب في بحر قزوين عند مرفأ آستارا ويشطر المدينة شطرين. وفي حرب 1242هـ بين روسيا وإيران احتل الروس الشطر الشمالي من بلدة آستارا وصار نهر آستارا الحد الفاصل بين إيران وآذربيجان الروسية (جمهورية آذربيجان اليوم). وتقع مدينة آستارا على مفترق الطرق الثلاثة: الطريق الجنوبي الذي يمر على ساحل بحر قزوين وينتهي إلى (أنزلي)، والطريق الشمالي الذي يمر على ساحل بحر قزوين وينتهي إلى جمهورية آذربيجان، والطريق الثالث وهو الطريق الغربي الذي يمر بجبال حيران وينتهي إلى مدينة أردبيل.
تقع آستارا على الخط الجغرافي 26 دقيقة و38 درجة عرضاً و52 دقيقة و48 درجة طولاً، وتنخفض عن سطح البحر 19 متراً، ويبلغ عدد نفوسها حسب إحصاء سنة 1407هـ (1986م) 24289 نسمة. ولغة أهلها: الفارسية والتركية والطالشية.
وتحدها شمالاً جمهورية آذربيجان، وشرقاً بحر قزوين وغرباً جبال وغابات أردبيل، وجنوباً منطقة طالش، وهواؤها حار رطب، ويبلغ عدد القرى التابعة لها أكثر من ثلاثين قرية تقع على الضفة اليمنى من فروع نهر آستارا، ويبغ عدد مجموع سكان هذه القرى حوالي 60,000 نسمة معظمهم شيعة ما عدا قسماً من الطالش الذين هم حنفية.
وأقدم مصدر أشار إلى آستارا هو السيد ظهير الدين المرعشي أحد الملوك المراعشة في گيلان من القرن التاسع الهجري في كتابه: تاريخ گيلان ص 347 و353، وقد زار الشاه عباس هذه النواحي في سنة 1002 هجرية وأصدر مرسوماً ملكياً يأمر فيه بهزاد بيك أن يعبد الطريق بين آستارا ومازندران، ويبني الجسور على جميع الأنهر الواقعة في هذا الطريق، فنفذ بهزاد بيك المرسوم الملكي، وتم تعبيد الطريق، وبناء الجسور بين آستارا واسپجين في مازندران.
ويصف الرحالة (ABBOTT) آستارا بعد سقوط القسم الشمالي منها عام 1242 هجرية بيد روسيا القيصرية، وقد زارها في عام 1259 هجرية (1843م)، فيقول: (… يقع ميناء آستارا عند مصب نهر آستارا في بحر قزوين وعدد السكان بين 50 إلى 60 أسرة، وهو سوق لصادرات البضائع الإيرانية إلى خارج إيران. وعرض مصب نهر آستارا في بحر قزوين 60 متراً، أما عرض النهر فأكثر من هذا، ولا يوجد في مدينة آستارا ميناء، وتقف السفن والبواخر في وسط البحر ثم تنقل البضائع في قوارب إلى السفن، ويحد آستارا شمالاً نهر آستارا. وأما حدودها الجنوبية فتمتد إلى نهر جيلونه، وأكثر النواحي خالية من السكان، ويحيط بها أربع قرى…)([140]).
أهم محصولات آستارا هو: الأرُز والحبوب والحنطة والشعير، وكما أن القسم الساحلي والمناطق الجبلية مغطاة بالغابات الكثيفة، ومن أهم صادراته الأخشاب.
وبعد الحرب الإيرانية الروسية الثانية في سنة 1241 هجرية وعلى أساس المعاهدة المعروفة بـ (عهد نامه تركمان جاي) المشؤومة في عصر فتح علي شاه القاجاري المنعقدة في سنة 1243 هجرية بين إيران وروسيا القيصرية اتفق الطرفان على: أن نهر أرس يكون حدود الدولتين فانقسمت مدينة آستارا إلى شطرين آستارا الإيرانية وآستارا الروسية، ويربط بين شطري المدينة جسر على نهر أرس وله بوابة من كل من الجانبين، وأن أهالي الشطرين من آستارا هم من الشيعة. كما أن هناك مزارات وعتبات مقدسة في كل من الشطرين من أحفاد الحسين (عليه السلام)، ومساجد عامرة وأشهر مساجد الشطر الإيراني: 1 ـ المسجد الجامع، 2 ـ مسجد بياض، 3 ـ مسجد غربا، 4 ـ مسجد واعيا، 5 ـ المسجد الحسيني، 6 ـ مسجد راسته بازار، وقد نبغ من مدينة آستارا علماء أعلام أشهرهم الشيخ الميرزا إسحاق الآستارائي المتوفى سنة 1391 هجرية أحد المدرسين في حوزة قم وغيره.
عبد الحسين الصالحي
آسيا الصغرى
هي المنطقة المعبر عنها في تركيا باسم: (الأناضول). وهي: شبه جزيرة واسعة الأطراف تمثل من الجمهورية التركية 97 في المئة من مساحة الدولة التي تبلغ (780) ألف كيلومتر مربع، ويعيش على أديمها أكثر من 45 مليون نسمة من بين حوالي خمسين مليون من السكان (سنة 1986م).
والأناضول هو الصورة الحقيقية لتركيا، والشعب الحقيقي هو هؤلاء الفلاحون والرعاة والمكافحون الذين يعيشون في النجاد وعلى الهضاب، ويزرعون السهول والوديان، ويرعون الماشية والقطعان، ويمارسون الحياة ببساطة وقناعة ورضا، ويطحنون القمح بالرحى ويأكلون «الفلمية» بالكمون على فوح رائحة الخبز في التنور، ويصنعون جرارهم وأوانيهم من الطين والفخار، ويملؤون الجرار بمياه الينابيع والآبار، وينسجون الثياب ويغزلون الكليم والسجاد من القطن والصوف لمواجهة ثلوج الجبال وبرودة الشتاء.
شعب يشتغل 65 في المئة من قواه العاملة بالزراعة والغابات والصيد في أرض زراعية تبلغ ثلث المساحة الكلية للبلاد، وتكفي حاجاتها من المواد الغذائية باستثناء القمح، وتصدر القطن والتبغ والفواكه من عنب وتين وزيتون وجوز مع منتجات الغابات، والثروة الحيوانية التي يربونها على المراعي الطبيعية في هضبة الأناضول تمثل نحو 30 في المئة من مجموع قيمة الإنتاج الزراعي. بينما يعمل نفس الشعب في استخراج كميات كبيرة من معادن البوكسيت والفحم والكروم والنحاس والحديد والمنغنيز والكبريت، كما يلبي إنتاج البترول حوالي نصف حاجات البلاد.
والأناضول هو متحف لكل العصور، حيث تزخر الأرض بآثار حضارات 65 دولة تأسست على هضبة الأناضول طوال سبعة آلاف سنة.
وبين هذه الحضارات التي تواجدت بين عامي (5000) قبل الميلاد و476 ميلادية، حضارات عصور ما قبل التاريخ، والعصور الأولى من العصر الحجري، والعصر النحاسي، وعصر السبائك، وعصر الحديد. وشهدت الأناضول حكم امبراطوريات أشور، وميتاني، وهلنستك، وبورصة، والاسكندر، والرومان. وتأسست عليها دول المدن الاثنتي عشرة، والحثيين، والحوريين، والأورارت، والفريجيين، والليديين. كما قامت دول برجومات، وبيتسيا، وكبادوكيا، وسلوكوس، وبونتوس، وكوماكينا.
كل ذلك حتى العصور الوسطى حيث تأسست الدولة البيزنطية، ودولة الروم البونتيين، والحمدانيين، وسلاجقة الروم وما تبعها من إمارات ودويلات انتهت بقيام دولة العثمانيين التي حلت محلها الجمهورية التركية الحديثة، والتي حولت عاصمتها إلى أنقره في قلب الأناضول.
وهكذا تبدو ساحة الأناضول نجداً جبلياً بالغ الاتساع يشكل شبه جزيرة طولها (1600) كيلومتر وعرضها (640) كيلو متراً يحيط بها من الشرق والجنوب الاتحاد السوفياتي وإيران وسوريا والعراق، بينما في الغرب حث بقية تركيا الأوروبية في منطقة تراقيا تحدها اليونان وبلغاريا، ويفصل بين الجانبين الآسيوي والأوروبي بحر مرمرة ومضيقا البوسفور والدردنيل المتحكمان في المعبر الوحيد بين آسيا وأوروبا، وهو معبر لم يعد بحرياً فقط، بل لقد اصبح برياً أيضاً منذ افتتح عام 1393هـ (1973م) جسر هو الرابع من حيث الطول بين الجسور المعلقة في العالم، يمتد فوق مضيق البوسفور، ويربط بين أوروبا وآسيا من خلال شبه جزيرة الأناضول، التي كانت على مدى العصور طريق التبادل التجاري والغزو العسكري والانتقال الحضاري بين الشرق والغرب.
وقلب الأناضول التاريخي يتألف من مستطيل جغرافي يمتد بين مدن أنقره، وقونية، وأقصراي، وقيصرية، يتوسطه حوض الانحراف الذي يحتضن سلسلة من المدن الصخرية تمتد من نوشهر إلى أورتا حصار وأوج حصار، وأور جوف، وكورمة، جوريم، وأفانوس، وسلفي، وقاقانلي، ونيغدا. هذا الحوض هو مجموعة من السهول والوديان تكونت مع مرور الزمن من الرماد والحمم البركانية قذفتها قمة جبل آرجيا (3917 متراً) وشارك فيها بركان جبل حسن الغربي (3263 متراً).
وكانت بلاد الأناضول تُستترك تدريجاً بعد احتلال السلاجقة لها في القرن الحادي عشر، كما أخذ سكانها يدخلون في الإسلام. ومع هذا فقد كان عدد الأرمن واليونان لا يستهان به إبان القرن الثالث عشر.
وفي مجموع مدن آسيا الصغرى (الأناضول) وقراها أعداد كثيرة من الشيعة لاسيما كل من أماسيه، وعثمانجيك، وحاجي كوى، ولاويك، ومنجيد، وقره حصار، وأنقره، وسيواس، (راجع تركيا).
آسيا الوسطى([141])
آسيا الوسطى منطقة تمتد من بحر قزوين غرباً إلى جبال تيان شان، وبحيرة باكاش شرقاً، ومن أطراف الغابات السيبيرية، المعروفة باسم تايغا، في الشمال إلى جبال هندوكوش وهضبة البامير في الجنوب. أما من حيث أقسامها الطبيعية الكبرى فهي: السهوب الشمالية الغربية المحيطة بالأجزاء الشمالية من بحر آرال، وسهوب تركستان وما وراء النهر. وهذه الأخيرة بحاجة إلى توضيح خاص.
ذلك أن النهر المقصود هو نهر أموداريا (أكسوس عند اليونان) أو جيحون، وقد عرف بهذا الاسم عند جغرافيي العرب ومؤرخيهم. وقد عرفت هذه المنطقة بالذات باسم ترانسا وكسيانيا عند جغرافيي اليونان، ومعناها ما وراء (أو عبر) نهر اكسوس، فسار المؤلفون العرب على النهج نفسه وأسموها ما وراء النهر (والنهر المقصود عندهم هو جيحون). وإذا تذكرنا أن هناك نهراً آخر يصب في بحر آرال هو نهر سيرداريا ويسمى جاكسرتس (يونانياً) وعرف باسم سيحون (عربياً)، أدركنا أن ما وراء النهر هي، في الواقع، رقعة من البسيطة تقع بين هذين النهرين.
على أننا يجب أن نذكر أن آسيا الوسطى متصلة بسهوب أوروبا الشرقية وسهولها، وبأفغانستان وإيران في الجنوب، وسهول سيبيريا شمالاً. لذلك فإنها لا تتمتع بحدود طبيعية معينة. فضلاً عن ذلك فإن تنقل الشعوب والقبائل فيها تنقلاً مستمراً كان كثيراً ما يغير تسميات بعض أجزائها، فنفقد الدليل الأصلي. وإذن فلنحتفظ بما أوردناه على أنه أوضح ما يمكن وأدق ما توصل إليه الباحثون.
ومع أن أواسط روسيا تغلب عليها السهوب والصحارى، فإنها تحتوي على مناطق منخفضة جداً مثل تلك التي تحيط ببحر قزوين من الجهة الشمالية الشرقية، وفيها سلاسل جبال شديدة الارتفاع في الأجزاء الجنوبية منها.
وآسيا الوسطى غنية بالواحات، وهي مراكز مهمة للاستقرار والعمل في الزراعة، لكن الحياة الزراعية النشيطة تقوم في أحواض الأنهار مثل أموداريا (جيحون) وسيرداريا (سيحون) اللذين يصبان في بحر آرال.
وقد كان سكان آسيا الوسطى، حتى أوائل القرن العشرين، يعتمدون في معيشتهم على أسلوبين متباينين في الحياة. فهناك السكان المستقرون الذين يعتمدون على الزراعة، وهؤلاء كانوا يقيمون أصلاً على ضفاف الأنهار مثل زرفشان وأموداريا (جيحون) وسيرداريا (سيحون)، وفي الواحات حيث قامت وسائل للري متطورة نسبياً. وفي هذه جميعها كان الفلاحون ينتجون غلات زراعية متنوعة من الحبوب والخضار والفواكه.
وكانت هذه المراكز، الواحات منها والمدن الواقعة على الأنهار، هي نقاط التقاء طرق القوافل التي كانت تجتاز آسيا الوسطى في طريقها ـ أو طرقها ـ من الصين شرقاً إلى المشرق العربي والهند غرباً وجنوباً.
ويرى بعض الباحثين أن سكان الواحات خصوصاً كانت حياتهم عادية لا تعني كثيراً بالتطلع إلى ما وراء ما يعرفون، وذلك بسبب بعدهم عن العمران لكن تلك التي كانت القوافل تريح فيها أو تعرض سلعها في أسواقها كانت تنتقل إليها أشياء حضارية إما من الصين أو من إيران، وذلك منذ أقدم العصور. ومن الملاحظ أن مدن ما وراء النهر وغرب كشغاريا كانت منافذ للحضارة الإسلامية إلى أواسط آسيا، بحيث أن المسافر من أصفهان أو مشهد إلى سمرقند أو بخارى يرى أن أسلوب الحياة والفكر لا يختلف كثيراً بين نقطة انطلاقه ومركز انتهائه.
أما الأسلوب الآخر في الحياة فهو الذي كانت عليه (ولا تزال في أنحاء كثيرة) القبائل البدوية التي تعمر السهوب فالحياة هنا قوامها الاقتصاد المعتمد على تربية المواشي، الأمر الذي أقصى الناس عن الزراعة. فمواشي هؤلاء البدو، وفيها الأيّل والخراف والأبقار والإبل والخيل والياق (وهو البقر التبتي)، هي مصدر القوت والثوب والمأوى والوقود التنقل، وما يزيد عن حاجة الجماعة، قبيلة كانت أو مجمع قبائل، قايضت به مع تجار المدن لتحصل على حاجتها من الحبوب والأدوات المعدنية. ومن هنا فقد كان البدو مكتفين اكتفاءاً ذاتياً من الناحية الاقتصادية، بل كانت حياتهم الحرة المنطلقة تمكنهم من التغلب على سكان المناطق الزراعية في حالات الحرب والقتال.
وعلينا أن نتذكر دوماً أن البدوي كان، فضلاً عن ارتباطه بالعائلة، جزءاً من عشيرة أو قبيلة أو حتى عضواً في مجمع قبائل متحالفة. وهذه أمور كانت تؤثر في حياته.
وستمر بنا أسماء قبائل أو جماعات متعددة أثناء حديثنا، وسنعرف بكل منها عند ورودها. لكننا لا بد لنا من الإشارة هنا إلى الفئات الكبيرة التي تكونت مع الزمن في آسيا الوسطى (ومنها ما له فروع خارج المنطقة).
فهناك القازان (الخازاك) ويبدو أنهم أصلاً كانوا نتيجة تمازج عنصري من شعوب تركية وقبائل مغولية، وقد ظهر وجودهم منتظماً في القرن الخامس عشر. وكانت منازلهم الأولى في السهوب الواقعة إلى الشمال من نهر سيرداريا (سيحون) وبحر آرال.
والأوزبك وهم شعوب تركية لعل موطنها الأصلي منطقة تيان شان ومنها انحدروا إلى ما وراء النهر حيث أقاموا لهم دولة، امتدت سلطتها إلى جزء من تركستان.
والكرغيز أتراك لهم قرابة وثيقة بالقازاق وهم من منطقة تيان شان وقد انحدروا منها إلى شرقي تركستان.
ومن الفئات التركية التي نقابلها التتار، ومع أن اللفظ يطلق أحياناً على جميع القبائل التركية التي استقرت في السهوب الروسية امتداداً إلى غرب تركستان شرقاً، فإن الذين سنعنى بهم هم تتار قازان واستراخان بشكل خاص ثم بتتار القفقاس والقرم.
وثمة قبائل التاجك (الطاجيك) المسلمين الشيعة وهذه نتيجة اختلاط بين عناصر تركية وأخرى إيرانية. ولغة التاجك هي فارسية أصلاً.
أما الشعوب الأخرى التي مرت بنا فقد كانت تتكلم واحدة من اللغات التركية. وهذه اللغات تقسم إلى عائلتين لغويتين أصلاً ـ الواحدة، العائلة الغربية وتشمل لغات الأتراك العثمانيين، والأتراك (القبائل والشعوب التركية) المقيمين في أوروبا، ولغة أذري التي يتكلمها أهل آذربيجان، ولغة التركمان الذين كانوا يقطنون جزءاً من تركستان أما عائلة اللغات الشرقية فيدخل في عدادها لغات القازاق، والأوزبك، والكرغيز.
آسيا الوسطى قبل مجيء الروس
لسنا نقصد، في هذه العجالة، أن نؤرخ آسيا الوسطى عبر العصور الطويلة. لكن لا بد لنا من اتخاذ نقطة انطلاق نرسم عندها خارطة شبه سياسية لآسيا الوسطى، ونتبع بعد ذلك تطور العلاقات الروسية مع هذه المنطقة، وبسبب ما ذكرنا من قبل من أن الشعوب والقبائل كانت كثيرة التنقل في تلك الربوع، فإننا لا نأمن من أن نضم، بين الفينة والفينة، منطقة أو قبيلة إلى آسيا الوسطى لارتباطها بما قد يكون موضوع حديثنا مع أننا لم نكن قد أشرنا إلى تلك القبيلة أو المنطقة من قبل.
وإذا اتخذنا القرن السادس عشر نقطة الانطلاق التي أشرنا إليها، وبدأنا من حوض نهر الفولغا في أوروبا، وجدنا فيه خانيتين: قازان التي كانت تقوم في الحوض الأوسط، واستراخان التي تقع في دلتا هذا النهر على مقربة من مصبه في بحر قزوين. فإذا نحن اجتزنا جبال أورال، التي تعتبر الحد الفاصل بين آسيا وأوروبا، قابلتنا خانية سيبير، التي كانت تشغل حوضي توبول وإرتيش.
وقد كانت المنطقة التي تمتد من شمال شرقي بحر قزوين غرباً إلى بحيرة بالكاش شرقاً، تقع تحت سلطة القازاق (الخازاك). لكن هذه الدولة الواسعة تقطعت أوصالها بعد حكم قاسم خان (1509 ـ 1518م) فأصبحت، من الغرب إلى الشرق ثلاث خانيات (أو قبائل) هي: الخانية (أو القبيلة) الصغيرة (كيشي جوز) ورقعتها تقع إلى الشمال من بحر آرال، والخانية (القبيلة) الوسطى (أورتا جوز) وتمتد منطقتها إلى الشمال الشرقي من بحر آرال، والخانية (القبيلة) الكبيرة (أولُو جوز) وهذه كانت تسيطر على شرق تركستان. وقد دارت معارك فيما بينها، وبينها وبين جيرانها عبر القرنين السادس عشر والسابع عشر، مما أضعفها بحيث أصبحت ثمرة ناضجة لمن يستطيع القطف.
وأما المنطقة التي كانت قد استقرت فيها قبائل الأوزبك وأنشأت فيها دولة قوية، فهي ما وراء النهر وجنوب تركستان. وكان مؤسس هذه الدولة القوية هناك هو محمد الشيباني (1556 ـ 1650م) انتقلت في أواخر القرن السادس عشر السلطة إلى آل جانيد الذين تولوا الأمر نحو قرنين من الزمان. إلا أن أمر الأزبكيين انتهى الى ما انتهى إليه أمر الآخرين. فقد تقسمت دولتهم إلى ثلاث دويلات هي إمارة بخارى، وخانيتا خيوة، وكوكند. ومع أن الباحثين لم يتفقوا تماماً على أزمنة معينة لقيام هذه الدويلات المستقلة، فإنهم يكادون يقبلون، ولو مؤقتاً، أن خانية كوكند كان لها كيان مستقل منذ حوالي سنة 1700م، وإن خانية خيوة بدت على الشكل نفسه بعد ذلك ببضعة عقود من السنين.
وفي سنة 1785م انتزع شاه مراد السلطة من أسرة الجانيد، وأنشأ أسرة جديدة لحكم بخارى. وقد استمر في حكمه إلى سنة 1800م. وفي أيامه عرفت بخارى فترة يقظة اقتصادية. وأسرة مانغيت، التي أنشأها شاه مراد، حكمت الإمارة حتى سنة 1910م.
وقد تبدلت الأسرة الحاكمة في خيوة حول الوقت نفسه أيضاً. فقد قامت أسرة كونغرات على الأسرة الحاكمة. وحدث الأمر نفسه في كوكند إذ قامت أسرة جديدة هي أسرة مِنّ.
وهذه الشعوب والقبائل، المستقر منها والبدوي، والتي تحدثنا عنها (القازاق والأوزبك والايغور والتاجك والكرغيز والتركمان) كانت جميعها مسلمة.
ويمكن القول إجمالاً إنه بدءاً من القرن العاشر للميلاد أخذت الثقافة والتقاليد والنظم والشريعة الإسلامية تتجذر بين شعوب تلك المناطق في الواحات والصحارى على السواء. وانتشرت أساليب الخط العربي هناك فاستعملت لتقييد اللغة الفارسية واللغات التركية تدريجاً. وحتى التركية الشاغاتئية استعملت الخط العربي، مع أن هذا الخط لا يتناسب تماماً مع «فونيئية» هذه اللغة. ويلاحظ الباحثون أن اللغات التركية الشائعة، حتى في السهوب، قد دخلت فيها ألفاظ عربية وفارسية كثيرة بسبب هذا الانتشار الواسع والعميق للثقافة الإسلامية.
والذي نود أن نقرره هنا هو أن الروس لما بدؤوا يتحككون بشعوب الفولغا وأواسط آسيا وجدوها شعوباً إسلامية تماماً، أي إنهم وجدوا مجتمعاً مسلماً.
وإذن فإنه يصح أن نقول إن الإسلام سنياً وشيعياً هو الذي وضع آسيا الوسطى وشعوبها على الخارطة العالمية، على أنها مجتمع حري بأن يقوم بدور كبير في التاريخ.
الاحتلال الروسي
أخذ الروس، منذ أن تكتلوا وأنشؤوا دوقية موسكو، بالتطلع نحو الشرق، رغبة في التوسع والامتداد في تلك الربوع. فالمنطقة الممتدة من حوض الفولغا إلى بحيرة بالكاش وجبال تيان شان واسعة شاسعة، وفيها واحات وأحواض أنهار خصبة، وأراض صالحة للرعي وتربية المواشي تشغل مساحات متسعة والسكان قليلون نسبياً، لذلك فإن الروس يمكنهم أن يبعثوا بالسكان الفائضين إلى تلك الأرضين فيعمروها ويستوطنوها. فضلاً عن ذلك فإن وضع هذه الرقعة تحت نفوذ الدولة الروسية، مهما كان نوع هذه الدولة يقيض للمنتوجات الروسية، على اختلاف أنواعها، أسواقاً واسعة يمكن أن يكون لها أثر فعال في تنمية الثروة الروسية.
وآسيا الوسطى كانت، عبر القرون، ممراً للقوافل التي كانت تحمل سلع المشرق من الصين. ومع أن هذه القوافل كانت، في فترات مختلفة، أحمالها تتكون من التوابل والأفاويه والطيوب المتجهة غرباً، ومن الزجاج والخمور المحمولة شرقاً، فإن الطريق الأساسي عرف باسم طريق الحرير ـ فهذا الاسم يحمل في طياته النعومة والجمال والأناقة. وقد أغرى كل ذي مكانة في استعمال الأقمشة الحريرية ـ فكانت هذه رفيقة السيدة الغنية الرقيقة، والراقصة الرشيقة. وقد أغوت حتى الأباطرة وأحبار الكنيسة، فاتخذوها أردية مزركشة مزخرفة، وتبعهم الأمراء في كل حدب وصوب. ومنها غلب على هذه الطرق اسم الحرير. ومع ان التجارة عبر هذه المناطق ضعف شأنها، فإن ذلك لم يعن أنه قضي عليها. ولعل بعض أولي الأمر من الروس، كانت تساوره، حيناً بعد حين، آمال تدور حول أحياء هذه الطرق التي تخترق آسيا الوسطى، والتي تتشعب منها شمالاً وجنوباً.
إلى هذا كله يجدر بنا أن نتذكر أن بريطانيا كانت قد أخذت نفسها بمحاولة فتح طرق تجارية مع إيران عبر البحر الأسود، كما أنها كانت قد عنيت بتقوية موطىء القدم الذي بدأته في الهند، وكان من ذلك اتجاهها نحو آسيا الوسطى.
هذه الأمور التي ذكرناها لم تخطر على بال الجميع دفعة واحدة، ولا هي بنت زمن واحد. إنها أشياء يتحدث الناس عنها، ويفكرون بها، ويتصرفون بموجبها. ولعلنا لا نعدو جادة الصواب إن نحن قلنا إن هذه القضايا كانت تشغل الناس وتحملهم على التخطيط للإفادة منها، أو للعمل في سبيل تنفيذها وذلك خلال المدة التي تشغل القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر. وبدت آثارها شبه واضحة في القرن التاسع عشر. فبدأت في مطلعه وتقوت في أواسطه وتم انتشار الروس في المنطقة بأجمعها في ختام القرن نفسه.
وكانت الخطوة الأولى للتوسع الروسي هي الاستيلاء على قازان (1552م) وآستراخان وسيبر (1554م) وهذه الخانيات الثلاث كان سكانها من المسلمين. وقد اتبع الروس، بدءاً من أيام إيفان الرهيب (1533 ـ 1584م) الذي تم الاحتلال في أيامه، سياسة عنف وشدة نحو هؤلاء التتار. وكان أساس هذه السياسة محاولة ترويس، (أي جعلهم مثل الروس) في المناطق المحتلة، وذلك بحملهم على اعتناق المسيحية مثلاً، فضلاً عن ذلك فقد هجرت أعداد كبيرة منهم، وخصوصاً من المدن الكبيرة مثل قازان نفسها. وكان من الطبيعي أن ينقل القوزاق الروس إلى هذه المدن ليملؤوا الفراغ الناشىء عن النفي والتهجير. وانتزعت الحكومة الأراضي الخصبة، وخاصة ما يقع منها في أحواض الأنهار، من أصحابها ووزعتها على نبلاء روسيين. وبنيت الحصون الكثيرة في المواقع الاستراتيجية بحيث يمكن الإشراف على البلاد إشرافاً دقيقاً.
وقد شجع الفلاحون الروس على الانتقال إلى خانيات التتار، وانتزعت أراضي الوقف الإسلامي في مناطق مختلفة من أيدي رجال الدين المسلمين المشرفين عليها، وسمح للفلاحين القادمين من روسيا باستغلالها. وأقفل عدد من المدارس الإسلامية. وبهذه المناسبة كان المسلمون التتار حتى في القرن السادس عشر على درجة لا بأس بها من التقدم، بسبب قربهم من المناطق المتقدمة من أوروبا واختلاطهم بالروس أصلاً.
وقد قاوم التتار خصوصاً الذين ظلوا في أماكنهم هذه المحاولات، فقد قامت عشر ثورات في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر ضد روسيا. وفي السنوات من 1608 إلى 1615م قام الفلاحون التتار بثورات متلاحقة ضد أعمال العنف الروسية. وهذه جميعها قاومتها السلطات بمنتهى العنف. وخطط الحكام بعدها للقضاء على النبلاء التتار بشكل خاص لأنهم كانوا هم الذين يقودون الحركات الثورية أو يحرضون عليها على الأقل.
في سنة 1613م اعتلى عرش روسيا القيصرية أول ملك من آل رومانوف. ولم يغير هذا التبديل في مركز السلطة موقف الحكومة من التتار، إن من حيث السياسة أو المعاملة. وقد قامت ثورات عنيفة جداً، كان أشدها التي قادها باترشا (سنة 1755م) والتي اعتبرها جهاداً، وتلك التي قام بها يوغانشيف (1773 ـ 1774م) وكان في جنوده، فضلاً عن التتار، جماعات من سكان المنطقة، الذين كانوا ينقمون على روسيا.
وحري بالذكر أن التتار الذين أجلوا عن المدن، سواء في ذلك النبلاء ومهرة الصناع، انتشروا في الريف متجهين شرقاً، وأنشؤوا طبقة جديدة من التجار، التي شغلت الفراغ الاقتصادي القائم في تلك الجهات، وأصبحوا «البورجوازية التجارية». وهذه الجماعات أصبحت ذات أهمية اقتصادية إدارية منظمة.
لما تولت كاترين الثانية (1762 ـ 1796م) العرش نظرت إلى القضية نظرة نفعية من جهة، وسياسية واقعية من الجهة الأخرى. واعتزمت القيصرة أن تجنب البلاد المآسي التي مرت بها، فاتخذت إجراءات لتحسين وضع التتار. فأوقفت الاضطهاد الديني بالمرة، وأنشأت المجمع الروحي في أورنبورغ لمصلحة جميع المسلمين في روسيا وسيبيريا. والذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة من نبلاء التتار منحوا الحقوق نفسها التي كانت للنبلاء الروس. أما تجار التتار، الذين أشرنا إليهم سابقاً، فقد أطلقت لهم حرية العمل فكانوا الواسطة بين الصناعة الروسية المبتدئة والأسواق التركستانية التي كانت لا تزال مغلقة أمام غير المسلمين. وقد أتاح هذا للبرجوازية التتارية المجال للإثراء على شكل لم تعرفه من قبل، ودامت قرابة قرن من السنين. وهؤلاء اعتبروا أنفسهم شركاء في هذه العملية الروسية الاقتصادية، السياسية، من دون أن يفقدوا تمسكهم بالإسلام. وقد كان من هؤلاء نواة المصلحين.
على أننا نود أن نضيف هنا، ولو أننا نستبق الحوادث، أن هذه الفترة من التعاون انتهت في أواسط القرن التاسع عشر، وتحديداً سنة 1860م، لما تم للروس احتلال أواسط آسيا. عندها أصبح طريق المصنوعات الروسية يتخطى الطرق التتارية، وتولى العرش قيصر قصير النظر هو الاسكندر الثاني (1855 ـ 1881م)، فعاد إلى سيرة المتعنتين من أسلافه، واضطهد التتار وشردهم وأصدر من القوانين الكثير مما أضعف الصلة الاقتصادية والثقافية التي كانت للتتار مع مسلمي الأورال وسهوب القازاق وتركستان.
وهذه المواقف الروسية ضد التتار كانت من العوامل التي أدت إلى ظهور الحركات الإصلاحية بين مسلمي أواسط آسيا، في القرنين التاسع عشر والعشرين (في مطلعه).
شبه جزيرة القرم كانت في القرن الثامن عشر خانية تتارية أيضاً. لكن موقعها على البحر الأسود كان يثير شهية حكام موسكو، خصوصاً في أيام القيصرية. فموانىء شبه الجزيرة تقع على بحر دافىء لا تتجمد مياهه في الشتاء، مثل البحار الشمالية التي تحيط بروسيا. وقد بدأت الجيوش الروسية تتحرش بالمنطقة في ثلاثينات القرن الثامن عشر. وكان هذا معناه، ولو إلى درجة محدودة، التحرش بالدولة العثمانية، ذلك أن منغلي جيراي، أحد كبار خانات القرم (حكم 1466 ـ 1515م) وضع خانيته تحت حماية محمد (الثاني) الفاتح، السلطان التركي (حكم 1451 ـ 1481م) الذي فتح القسطنطينية (1453م). لكن حكام موسكو لم يكونوا يهتمون بمثل هذه الأمور. وقد احتل الجيش الروسي شبه جزيرة القرم سنة 1771م، لكن تركيا لم تأخذ الأمر بعين الاعتبار، حتى عقدت معاهدة كوتجك كينارجي (1774م) التي بموجبها أنهيت الحماية التركية على القرم.
ولما كان السلطان العثماني هو خليفة المسلمين، فقد احتفظ له بحق الإشراف الروحي على شؤون التتار المسلمين في شبه الجزيرة.
واغتنم الروس اضطراباً وقع في القرم بين الخان شاهين جيراي والمناصرين للأتراك هناك، فاحتلوا المنطقة. كان ذلك سنة 1783م، ولكن الدولة العثمانية لم تعترف بذلك إلا سنة 1792م. وفي سنة 1783م، أصدرت القيصرة كاترين الثانية (1762 ـ 1796م)، إعلاناً جاء فيه: إن القرم قد ضمت إلى روسيا القيصرية وإن سكانها (البالغ عددهم يومها نحو 400,000 نسمة) يتمتعون بالأمان لأشخاصهم وأملاكهم وبالحرية الدينية، وإن لهم الحقوق نفسها التي للروس». لكن على ما يبدو أن آل رومانوف لم يكونوا يرون الأمور بعين القيصرة كاترين. ذلك أن ما أصاب التتار في قازان، بعد أن قررت هي العناية بهم، من إهمال وعنف وظلم أصاب التتار في القرم على أيدي خلفائها. وقد وقع الغبن أولاً على طبقة النبلاء التتار فجردوا من مصادر رزقهم، بحيث إنه خلال نحو أربعين سنة لم يبق سوى عشر أسر كبيرة قد احتفظت بكيانها الاقتصادي، لكنها كانت تروّست (أي أصبحت روسية) اجتماعياً.
وقد تمتع رجال الدين المسلمون بالحماية من بادىء الأمر، فقد أنشئت (سنة 1794م) وظيفة مفتي للمسلمين كانت تختاره الجماعة الإسلامية (لكن من لائحة فيها خمسة عشر اسماً تمت موافقة الحكومة عليها). وقد حوفظ على الأوقاف أصلاً، لكن مع الوقت ضم الروس من هذه الأوقاف مساحات كبيرة، بحيث إنه في سنة 1917م، لم يبق منها سوى 100,000 هكتار من أصل 460,000 هكتار (في سنة 1783م)([142]).
قد أصيب الفلاحون والعمال الصناعيون وكانوا يؤلفون 96 في المئة من السكان التتار بالطامة الكبرى بسبب الاحتلال فقد أخذ الحاكم العام للقرم بمصادرة الأراضي الخصبة (من السكان) وبمنحها لنبلاء الروس. وقد اتبعت هذه السياسة مدة قرن من الزمن تقريباً، ثم عمل الروس على تشجيع عناصر مختلفة من الألمان واليونان والبلغار والبلطيقيين على الانتقال إلى البلاد، فضلاً عن الجنود الروس الذين كانوا ينهون فترة الخدمة العسكرية هناك، وكل ذلك في سبيل إضعاف الروح التتارية.
كان من الطبيعي أن يتجه التتار نحو الدولة العثمانية لاجئين إلى حماها. وقد قدر عدد التتار الذين هاجروا إلى الأمبراطورية خلال الفترة الممتدة من سنة 1784م إلى سنة 1897م بنحو 480,000، بدءاً من أفراد وجماعات صغيرة في السنوات الأولى إلى هجرة أعداد كبيرة معاً. ومع ذلك فقد كان في البلاد (في أواخر القرن التاسع عشر) نحو 187,000 من التتار (من مجموع السكان وهو 523,000). ويعزر الباحثون وجود مثل هذا العدد مع كثرة من رحل من التتار، إلى الإنتاج الخصب عند هذا الشعب.
وبسبب هذا النزف البشري، والضغط الذي تعرض له تتار القرم كانت الجماعة هناك متأخرة جداً بالنسبة للجماعات الإسلامية في روسيا الأوروبية.
ومع ذلك فقد قيض لهذا الشعب أن يعيش يقظة فكرية عجيبة، قامت حول شخصية فذة هو إسماعيل بك غاسبرينسكي (غاسبرالي).
القازاق والكرغيز
إن الخانيات (أو القبائل) الثلاث التي حلت محل السلطة القازاقية المركزية في سهوب القازاق، وهي من الغرب إلى الشرق الصغيرة والوسطى والكبيرة، تعرضت لهجمات عنيفة من قبائل الأويوت، ولم تستطع المقاومة بسبب ما كان قد أصابها من تضعضع وضعف. لذلك فقد طلبت حماية روسيا. كان الوضع في القرن الثامن عشر يتلخص في أن قبائل سهوب القازاق كانت تتمتع بنوع من الحماية الروسية. لكن هذه الحماية بحد ذاتها كان لا بد من أن تتبدل. ذلك أن قوتين كبيرتين: المانشو الصينية وروسيا كانتا تحيطان بالسهوب وأهلها من ثلاث جهات. وكان من طبيعة الأشياء أن تفرض الدولتان حمايتهما على المنطقة القازاقية، وأن تكون الحماية هذه المرة أقوى وأدق، وخصوصاً في القطاع الروسي. ومع ذلك فإن قبائل القازاق لم تتقبل الأمر على علاته. فقد قامت ثورات متعددة ضد الروس لعل أهمها تلك التي قادها باتر سريم (1892 ـ 1897م). لكن القازاق لم يكونوا يومها أقوياء لدرجة مقاومة روسيا، لذلك فإن الأمر انتهى، في مطلع القرن التاسع عشر بالقضاء على استقلال الخانيات نهائياً، وتلا ذلك استيلاء روسيا على منطقة القازاق بأكملها.
في أوائل القرن التاسع عشر بدأ الروس ببناء حصون هي في الواقع ثكنات عسكرية كانت تستعمل للتقدم الحربي نحو الاحتلال التام، وكانت هذه تقع عند تقاطع الطرق. ونحن نضع هنا أمام القارىء أسماء الحصون المهمة منها: كوكبكتي (1820م) وبين ـ أول (1826م)، واكمولينسك (1830م)، واياغوز (1831 ـ 1846م)، وتورغاي (1845م)، وإرغيز (1845م)، واولوتافسكي (1846م)، وكابال (1847م)، وأوست (1864 ـ 1881م)، وزاريسان (1866م)، وكرانسنوفودسك (1869م)، كولشيتاف (1879 ـ 1881م).
ويمكن القول إجمالاً إن الخانيات الثلاث فقدت استقلالها على النحو التالي: الوسطى سنة 1822م، والصغيرة 1824م، والكبيرة 1848م. واحتاج الاستيلاء على المنطقة بكاملها إلى حملات عسكرية متعددة، بحيث انه يمكن القول ان الحملات الأولى التي بدأت من أونبورغ في غرب سيبيريا في الخمسينات، وتلك التي بدأت من سيميبالاتينسك في الوقت نفسه، وطدت للروس الأقدام في المناطق الواقعة جنوبي نهرال وقد أخرت حرب القرم (1854 ـ 1856م) الروس عن إرسال الحملات إلى أواسط آسيا، لكنهم عادوا إلى ذلك سنة 1864م، وكانت النتائج الأولى الاستيلاء على بلاد ما وراء النهر، بحيث إن الحدود الروسية أصبحت، في نظر أهل الحكم من الروس، تنتهي عند نهر سيراداريا لا أمواداريا. وعلى كل فإن الاستيلاء التام على المنطقة القازاقية وقع سنة 1879م. وقد كانت الثورات الأخيرة التي وقعت في المنطقة (1867 ـ 1868م) ما يمكن أن يسمى جهاداً ضد المستعمرين.
وقد اعتبرت روسيا سكان السهوب القازاقية «غرباء»، أي إنهم لم يعتبروا مواطنين روسيين مثل غيرهم من سكان المناطق التي احتلت. فلم يطلبوا للخدمة العسكرية واحتفظوا ببعض القوانين العرفية التي ألفوها. ولكن التعاون الذي كان يجب أن ينتج من هذا الوضع لم يدم طويلاً. فقد أرسلت روسيا نحو مليون قوزاقي ليستوطنوا الأراضي الجيدة، وعملت على إضعاف نبلاء المنطقة، واضطربت الأمور.
وهذا كله هيأ الجماعات القازاقية لمحاولة إصلاح مجتمعهم، من حيث إنهم مسلمون. وفي هذا انضموا إلى غيرهم من الشعوب الإسلامية في تلك الربوع.
الصراع بين الروس والدول الإسلامية
الدول الثلاث، بخارى وخيوة وكوگند، تحاربت فيما بينها دولاً، وتقاتلت قبائلها داخلياً وخارجياً، وكانت قد تعرضت، في القرن السابع عشر، أي قبل أن تتخذ شكلها المستقل الأخير، لهجمات من دولة الهند المغولية أيام شان جيهان (1627 ـ 1667م) ثم في القرن الثامن عشر على يد نادر شاه (1736 ـ 1747م).
وكان من الطبيعي أن لا تترك روسيا المنطقة وشأنها. وما أكثر ما يمكن أن يعلل به المعتدي تصرفه. فقد كان القائد العسكري الروسي ما أن تتحرش به قبيلة أو عشيرة، أو تتعرض فرقته لاعتداء ما، حتى يعد العدة ويقود الجيش لعقاب المعتدي. وكان العقاب يشمل عادة احتلال البلاد وعقاب المقاتلين أسراً أو سجناً أو ترحيلاً، وإقامة قواعد عسكرية جديدة تصبح نقط انطلاق إلى الأجزاء القريبة منها، عندما يتحرش السكان، أو حتى عندما يتهمون بالتحرش، بالروس، مدنيين كانوا أو عسكريين. وهناك أسباب أخرى يتذرع بها القوم للتدخل مثل السماح للروس بزيارة بخارى.
والمهم أن روسيا، بعد أن اطمأنت إلى سهوب القازاق وقبائلها، اهتمت بتركستان. وقد كانت الحملات العسكرية الروسية أكبر من أن تقابلها جيوش الإمارة أو الخانيتين. وقد تكررت هذه البعثات العسكرية حتى انتهى أمرها بالاستيلاء على كوگند وضمها نهائياً إلى الدولة الروسية وذلك سنة 1876م أما بخارى وخيوة فقد عقدت كل منهما معاهدة مع روسيا (سنة 1873م) وضعت نفسها بموجبها تحت حماية روسيا، وظل لهما هذا الكيان المستقل إلى سنة 1920م.

كانت بخارى قد عقدت اتفاقاً تجارياً مع روسيا (1868م)، ثم عقدت معاهدة صداقة (1873م) في العام نفسه الذي عقدت فيه خيوة معاهدة سلم مع روسيا.
ونحن إذا أخذنا هذه الاتفاقات جميعها وجدنا أن الاهتمام فيها بتيسير الاتجار للرعايا الروس في أرض الإمارة والخانية هو الأساس. فهؤلاء يمكنهم، من أي دين كانوا، أن يتجولوا في البلاد كما يحق لرعايا بخارى وخيوة التجول للتجارة في أنحاء روسيا. وحماية الرعايا الروس هو أمر يتوجب على الأمير (أو الخان) القيام به.
وللتجار الروس أن ينشئوا الخانات اللازمة لخزن متاجرهم في أي من مدن الدويلتين. وللتجار الروس إقامة وكالات تجارية في المدن المختلفة، ولتجار بخارى وخيوة مثل ذلك.
على أن النواحي السياسية من الاتفاقين المعنيين بذلك تشمل إلغاء الرقيق، وتسليم المجرمين، وتعيين مبلغ الغرامة التي ترتب على خيوة دفعها. والاتفاق مع خيوة ينص على أن خان المنطقة يعتبر نفسه خادماً مطيعاً لأمبراطور جميع الروس. ولم يرد مثل هذا النص في المعاهدة مع بخارى.

طشقند، مدرسة «براق خان» القرن 16 مقر الادراة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وكازاخستان
ولنلق نظرة سريعة على أحوال إمارة بخارى وخانية خيوة بوصفها الأهم في أواسط آسيا من نواح كثيرة. وأول ما يجب أن نذكره هو أن الأمير كان مطلق السلطة في الشؤون الداخلية (ما دام يستطيع ضبط الأمن). وقد تولى مظفر الدين الحكم من سنة 1860 إلى سنة 1885م، وخلفه ابنه عبد الأحد الذي حكم من 1885 إلى 1910م، وكان الأخير الذي تولى الإمارة عليهم. ولم يهتم الروس في الحد من مظاهر الفخامة والعظمة التي اعتبرها عبد الأحد مدعاة لإظهار استقلاله وسلطته([143]).
وكانت تقوية هذه السلطة، في كل من بخارى وخيوة، على حساب الارستقراطية، فالخان محمد رحيم (1806 ـ 1825م) حاكم خيوة، صادر أراضي هذه الطبقة ووزعها على أعوانه ومحاسبيه. ومثل ذلك فعل نصرالله، أمير بخارى (1829 ـ 1860م). وزاد هذا أنه أنشأ جيشاً نظامياً وعين في وظائف الدولة رقيقاً فارسياً وفئة من التركمان.
وكانت السلطة غير مركزية بالمرة، إلا عندما تخرج قبيلة من القبائل على الأمير، وعندها تتصارع القوتان وكان الأمير هو المنتصر في الغالب.
وكانت الإدارة في بخارى معقدة، إذ إنها تعتمد ثلاث فئات: مدنية وعسكرية ودينية. والأولى كانت تتألف من خمس عشرة حلقة مضبوطة في ثلاث أطر، كان يتوّجها ما يصح أن يسمى بالوزير. وكان اختيار هذا العدد الكبير والمتنوع من الموظفين مربكاً للعمل الإداري بسبب ضرورة التقيد بطبقات الشعب عند اختيار هؤلاء الموظفين.
وكانت فئة العسكريين تتكون من خمس درجات فقط. أما فئة رجال الدين من السنيين والشيعة فقد كانت ذات أهمية خاصة، فقد كانت تختار من جماعات متميزة: السادة والخوجات والميرين. وكانت كثرة منهم من العلماء الذين يرثون المنصب أباً عن جد. ولأنهم كانوا «العالمين» بشؤون الشرع فقد عهد إليهم بمهمات كبيرة، إذ كان منهم القضاة مفسرو الحديث والفقهاء والمدرسون. وكان القاضي والمفتي هما الأكبر منزلة ومقاماً وأثراً.
إلى جانب هذه الفئات الرئيسية كان هناك الأفراد الذين يتوسطون بين الفئات الحاكمة والشعب. وهؤلاء كان منهم رجال الدين المبتدئون وصغار الموظفين.
وإذا جاز لنا استعمال تعابير حديثة قلنا إن طبقة من البوجوازية التجارية تكونت في بخارى منذ أواسط القرن التاسع عشر قوامها صغار التجار وجميع من يمت إلى الجماعات المتوسطة الحال والتي تقوم بالتوسط في الأعمال المختلفة.
وكان العمال الذين كان يعيش أكثرهم في القرى لقلة العمل وصعوبة السكن في المدن، هم جزء آخر من هذه الجماعة البورجوازية.
وفي أدنى درجات السلّم الاجتماعي كان موضع الرقيق، الذين قدر عددهم في بخارى بنحو عشرين ألفاً، وعشرة آلاف في سمرقند. وأغلب هؤلاء كانوا أسرى غارات قام بها التركمان على خراسان ثم باعوهم في أسواق الرقيق في آسيا الوسطى([144]).
بسبب ما ذكرنا من مصادرة الأراضي وإعادة توزيعها أصبحت الأراضي، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، يحتكرها قلة من المالكين، الأمير والدولة وزعماء القبائل. وقد كانت النتيجة إهمال الكثير من الأرض المنتجة اقتصادياً لأن كبار الملاكين لا يعنيهم مثل هذا الأمر. وقد تنبه إلى ذلك الذين قاموا بمسح الأراضي من حيث الإمكانات وبمقابلة ذلك بالناتج من العمل فيها.
فضلاً عن ذلك فقد أهمل كبار الملاكين استخدام وسائل زراعية وتقنية نافعة. وأهمل الملاكون نظم الري بحيث تأخرت بدل أن يطرأ عليها التطوير والتحسين.
وإلى هذا كله يجب أن يضاف فقدان الأمن في الإمارة وفي الخانية، خلال القرن التاسع عشر، إلاّ اقله. فالناس العاديون كانوا يتعرضون للاخطار بسبب الصراع الذي قام بين القبائل، وبسبب انتشار اللصوص في أنحاء كثيرة من البلاد.
والذي يلفت النظر في أخبار بخارى في القرن التاسع عشر هو الثورات الشعبية التي كانت تقوم في الامارة بسبب الطلبات المالية الرسمية وطرق جمعها الغاشمة.
أشرنا من قبل إلى رجال الدين وسلطتهم، ولنضف الآن كلمة عن المدارس التي عرفتها الإمارة (وخانية خيوة). كان كان ثمة نوعان من معاهد التعليم: المكتب، وهو الذي تتم فيه الخطوات الأولى في التعليم، والمدرسة، وهي التي تلي ذلك وهذه المؤسسات كانت وريثة ما عرف في القرن العاشر ثم في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وفي الحالة الأولى: كانت بخارى المركز الرئيسي للحضارة العربية الإسلامية العلمية، أما في الحالة الثانية: فقد كانت سمرقند مركز التعليم الرئيسي. إلا أن الفترة التي نتحدث عنها شهدت تأخراً في المدارس كما كان ثمة تأخر في النواحي الفكرية جمعاء. لكن المدرسين كانوا يقومون بتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث الشريف. وكانت بعض المدارس التي تحظى بمدرس خاص تعقد حلقات لدرس الشريعة وعلم الكلام. وقد تكاتف القضاة والمفتون والمدرسون وخطباء المساجد الكبيرة على دعم التعليم الإسلامي التقليدي الذي كان الصورة الصحيحة للحياة الفكرية في بخارى. وكانت بخارى محط الرحال في آسيا الوسطى من حيث «العلم الإسلامي». والذي توصل إليه مؤرخو تركستان الحديثة هو أن هذه المنطقة كان فيها، في أواخر القرن التاسع عشر، 6300 مؤسسة أهلية (تعليمية) منها نحو 400 مدرسة وما تبقى كان من نوع المكتب. وكانت هذه المؤسسات ينتظمها خمسة وسبعون ألف تلميذ. وهذه المؤسسات التعليمية كانت واحداً من خطوط الدفاع أمام الهجمة الروسية، على ما سيتضح ذلك فيما بعد.
الموقف الروسي
يتضح لنا، من هذا الذي عرضناه عن أعمال الروس في المناطق التي احتلوها من قازان حتى آسيا الوسطى، أن تصرفهم كان فيه الكثير من التعنت والأنانية أولاً، فضلاً عن أنه كان يتسم بكثير من العداء ثانياً.
فهناك أمر مررنا به في كل منطقة احتلتها الدولة الروسية وهو مصادرة الأراضي الخصبة من أصحابها، وترك هؤلاء، وهم فلاحون مزارعون أصلاً، دون مورد رزق. فعل الروس هذا منذ أن احتلوا قازان واستراخان في القرن السادس عشر حتى وصلوا إلى كوگند وبخارى وخيوة في القرن التاسع عشر.
والأراضي التي انتزعت أعطيت لجماعات من الروس نقلت من بلادها بقصد الاستيطان في الأماكن المحتلة والإفادة من الأراضي المنتزعة.
وقد أجلت الدولة الروسية أعداداً كبيرة من السكان من منازلها الأصلية إلى جهات أخرى، بقصد تفتيت وحدة هذه الجماعات. فكان قازان أجلوا عن بلادهم إلى الشرق. وقد كان ثمة ضغط على السكان في بعض المناطق بحيث فضل هؤلاء الهجرة والابتعاد عن بلادهم. وقد كان حصة التتار في شبه جزيرة القرم كبيرة في هجرتهم إلى بلاد الامبراطورية العثمانية. وقد مر بنا ذكر الأعداء المهاجرة، فلا حاجة بنا إلى التكرار.
وبعد احتلال روسيا لخانيتي قازان واسترخان جربت إرغام المسلمين على اعتناق المسيحية الأرثوذكسية (مذهب الدولة الروسية الرسمي). ومع أن السكان قاوموا مقاومة شديدة، فقد قدر عدد الذين اعتنقوا المسيحية في تلك المناطق بنحو 200,000 نسمة.
وكانت سياسة الدولة، في غالب الأحيان، تتجه نحو إضعاف النبلاء في المناطق المحتلة، إذ إن هذا يضعف الجماعة بكاملها، ريفية كانت أم بدوية. وكان سبيل الإضعاف مصادرة أراضيهم، بحيث يؤدي ذلك إلى إفقارهم.
وقد أصابت روسيا النزعة القومية الروسية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، على نحو ما أصابت شعوباً أخرى كثيرة. وعندها عني كثيرون من أصحاب الحل والعقد وحتى من حملة الأقلام، بوجوب الاهتمام بترويس (أي جعل الناس روسيين) الشعوب التي تعيش في الأمبراطورية، وذلك بقصد تقوية الدولة وتمتين وجودها.
وكانت الطريقة التي درست ووضعت موضع التنفيذ هي تعليم اللغة الروسية لتلك الشعوب، وتوضيح الثقافة الروسية لأفراد هذه الجماعات، ومن مظاهر هذه الحضارة التي يجب أن توضح بشكل خاص المسيحية الأرثوذكسية.
وكان يرى هؤلاء أن فتح المدارس التي تتبع هذا المنهاج لا بد لها من أن تقرب هذه الجماعات نحو الروس وحياتهم ونظراتهم ومعتقداتهم.
وقد كان التتار القازانيون، الذي أدركوا هذه القضية، أول المقاومين لأية محاولة يقصد منها المساس بأي شأن من شؤون الإسلام عقيدة أو مؤسسات. وقد كان هؤلاء الأكثر تعلماً بين المسلمين في الأمبراطورية الروسية، وأكثرهم نشاطاً، فقد كانوا يزودون الفئات المسلمة الأخرى بالمعلمين (المسمى واحدهم الملا) الذين كانوا يوضحون القضايا الدينية من جهة وينبهون إلى الخطر المحدق بالمسلمين من جهة أخرى. فكانت النتيجة أن الحماسة والتشدد والصمود كانت تتقوى على أيدي هؤلاء الملاّت.
ولم تكن المدارس التي فتحتها الحكومة الروسية كافية، ولا مؤثرة بالنسبة إلى الأعداد الكبيرة من المتعلمين والمفروض أن تؤمن المدارس لهم. فالحكومة الروسية لما توجهت إلى القازاق فتحت في كل من أورنبورغ وأومسك مدارس لتخريج مترجمين للوظائف المختلفة. كان ذلك في أواخر القرن الثامن عشر. وقد كان المدرسون في هذه المدارس من تتار قازاق، وكانت مناهجها إسلامية محضة، وكانت النتيجة أن الطلاب القازاق أصبحوا يدركون معنى الإسلام أكثر من ذي قبل وصاروا أشد تمسكاً بعقيدتهم أيضاً.
وأدركت وزارة التربية الروسية الأمر فاهتمت بفتح مدارس ذات مناهج غربية، لكن لا المدارس كانت كافية ولا كان المعلمون مقتدرين على القيام بواجبهم.
وقد أضيف إلى مدرسة الترجمة في كل من أورنبورغ وأومسك مدرسة حربية ثم ألحق بمستشفى أورنبورغ تدريس التمريض والتطعيم. ومع أن بعض الطلاب القازاق دخلوا هذه المدارس «الحديثة» فإن أكثرية التلاميذ ظلوا بمنأى عن التربية الغربية.
أما في تركستان فقد واجهت الحكومة الروسية مدارس عريقة في وجودها غنية بالذين يعنون بها إدارة وتدريساً وهم القضاة والمفتون والمدرسون والخطباء وأئمة المساجد، وكانت لها موارد مالية محترمة من الأوقاف ومن التبرعات التي ألف أثرياء التجار تقديمها. ومع ذلك فإن الذين يقومون بالتعليم كانوا يتناولون مخصصاتهم مما يتبرع به أقارب التلاميذ مباشرة لهم.
وفتحت مدارس رسمية في تركستان (في إمارة بخارى وخانية خيوة) لكن أبناء البلاد استمروا في موقفهم السلبي من هذه المدارس، وفضلوا عليها المدارس الأهلية.
وهكذا فقد كانت المدارس الأهلية واحداً من خطوط الدفاع التي استخدمت ضد محاولة الدولة «ترويس» سكان البلاد ـ التتار والقازاق والتركستانيين. إلا أن جميع المحاولات التي قامت بها روسيا، وجميع الجهود التي بذلتها في سبيل «ترويس» الشعوب المسلمة أي دمجها بالشعب الروسي، لم تنجح. وكانت النتيجة أن ثار المسلمون على الدولة الروسية مرات كثيرة، وازدادوا تمسكاً بالإسلام عن ذي قبل. وانتقلوا بعد ذلك إلى محاولات جدية في سبيل إحياء إسلامي ونهضة إسلامية متعددة النواحي.
وقد قامت ثورات محلية كثيرة، وكانت صغيرة من حيث المسيرة والنتائج، فقلما كانت تمر سنة دون قيام حركة ما ضد الروس. صحيح أن السكان في آسيا الوسطى كانوا متعددي العناصر الآثينية، وكانوا معتادين على الحكم الفردي المستبد، ولم يكونوا مدربين عسكرياً لكن المهم أنهم كانوا شديدي الشعور بالإسلام وكان تعلقهم به، من حيث إنه دين ونظام اجتماعي وطريقة حياة، قوياً جداً. فكان الرابطة الأساسية بين هذه الجماعات. وكان هذا الشعور أقوى في ولاية فرغانة (كوگند اداريا) منه في جهات أخرى. لذلك كانت حصتها من الثورات المحلية أكبر. وكانت غالباً ما تقوم الثورة عندما يتقدم أحد الزعماء من المتصوفة، فيدعي أنه «خان» (أي أمير أو زعيم) ويدعو الناس إلى الثورة، وكانت هذه الثورات المحلية يُقضى عليها بسهولة.
لكنها على كل حال كانت تشير من دون أي شك إلى أمرين هامين: أن السكان الوطنيين لم يكونوا راضين عن هذا الحكم الأجنبي، وأن هذا الحكم الأجنبي زاد في شرّه في نظرهم أنه جاء عن طريق شعب يختلف عنهم لا عنصراً فحسب، ولكن عقيدة أيضاً. ومن الثورات المحلية التي كان لها دوي كبير حتى بالنسبة للمستوطنين الروس ثورة طشقند (1892م) وثورة انديجان (1898م). وكلا المكانين يقعان في تركستان. وقد خسر الروس الكثيرين من جنودهم، ولكن الخسارة في ثقتهم بمقدرة الدولة الروسية على حمايتهم كانت أكبر.
وجاءت بعد ذلك ثورة 1905م، التي استمرت حتى سنة 1907م. هذه كانت أصلاً ثورة قوامها أهل الفكر من الروس، وعمال أرسلوا إلى آسيا الوسطى للعمل في السكك الحديد، ومنفيون روس عوقبوا لتصرفهم في روسيا الأم تصرفاً مسيئاً للحكومة، فنفوا إلى آسيا الوسطى، وجنود وصف ضباط ممن شهد بعض المدارس الحربية، وفئات، ولو صغيرة، من أهل آسيا الوسطى.
وكانت هذه الثورة في سبيل إقامة حكم له نكهة من الدستورية في موسكو، ومن هنا أنشىء الدوما (مجلس الدولة) الأول، كما كان فيها جماعات من الليبيراليين وآخرون ممن أخذ يتجه يساراً من دون أن يعرف ذلك.
وثورة سنة (1905 ـ 1907م) كان أثرها بالنسبة لمسلمي روسيا أنها فتحت أعينهم على آراء جديدة هي التي اصبحت أساساً للثورة والإصلاح.
ادكتور نقولا زيادة
آسيا الوسطى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي
شهد العالم تغيرات مدهشة خلال السنوات المنصرمة ربما فاقت في طبيعتها ومداها أي أحداث مماثلة في هذا القرن. وكان أبرز حدث منفرد منها انهيار الاتحاد السوفياتي الذي طالما اعتبر أقوى دول الأرض وأكثرها استقراراً. وأثر ذلك، أكبر تأثير، في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، لكن نتائجه تردد صداها في أركان المعمورة، بما في ذلك الشرق الأوسط. وكان أبرز ما في ذلك بدوره انبثاق 15 جمهورية عن «الامبراطورية السوفياتية» المتفككة، ست منها جمهوريات إسلامية. وخلّف نشوء هذه الجمهوريات الست تأثيراً عظيماً في باقي أنحاء العالم الإسلامي.
هذه الجمهوريات الإسلامية هي: تركمانستان وأوزبكستان، وكازاخستان، وقيرغيزيا، وطاجاكستان في آسيا الوسطى إلى آذربيجان في القوقاز. وسكان هذه الجمهوريات جميعاً، في ما عدا طاجاكستان (التي يتكلم سكانها الفارسية) هم من عرق تركي إلا آذربيجان التي وإن تكلم أهلها التركية مع الفارسية، إلا أنه لا يمكن القول إنهم من أصول تركية. ويعيش في أراضي الاتحاد السوفياتي السابق ما مجموعه أكثر من خمسين مليون مسلم مع أن قسماً صغيراً منهم، كالتتر والشركس، لا يعيش في جمهوريات مستقلة بل داخل جمهورية روسيا (الجديدة) ذاتها.
ولم يكن أي من هذه الجمهوريات، ما عدا آذربيجان، في أي يوم من الأيام يتمتع بالاستقلال حسب مفهوم عصرنا هذا. وحتى آذربيجان لم تتمتع بهذا الاستقلال إلا خلال فترة قصيرة لم تتجاوز السنتين حين انهارت الامبراطورية الروسية القيصرية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وسرعان ما تعرضت عام 1920م لغزو «الجيش الأحمر» الذي شكلته الثورة آنذاك ليعيد بناء «امبراطورية سوفياتية» جديدة على أنقاض السلطة القيصرية السابقة. أما آسيا الوسطى ذاتها فقد عرفت لزمن طويل باسم «تركستان» التي فتحها المسلمون في القرن الإسلامي الأول وشهدت حضارة إسلامية باهرة ازدهرت في مدن الإقليم العريقة كسمرقند وبخارى وذاع فيها صيت الكتاب والفلاسفة أمثال ابن سينا والفارابي([145]). وعلى رغم أن الاقليم كانت تقطنه في الغالبية قبائل ذات أصول تركية إلا أنه تأثر بقوة بالحضارة الفارسية، وكانت لغة الفرس هي اللغة الأدبية السائدة هناك على مدى قرون عدة. وكل من يزور بخارى وسمرقند وغيرها من المدن القديمة في المنطقة اليوم، يلمس أثراً فارسياً واضحاً في النماذج المعمارية للمساجد والمدارس الكبرى وفي معظم الأعمال الأدبية خلال العصور الإسلامية الوسطى. أما التأثير الثقافي التركي هناك فكان يتجلى في لغة الدواوين الحكومية والإدارة العسكرية.
لكن جيوش الامبراطورية القيصرية بدأت منذ القرن الثامن عشر تتحرك جنوباً من المناطق السلافية في اتجاه الأقاليم الإسلامية غازية حواضرها واحدة إثر أخرى وملحقة إياها بحكم موسكو. واكتملت هذه العملية تقريباً بحلول نهاية القرن الماضي. غير أن مسلمي روسيا لم يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء ذلك بل أبدوا مقاومة مسلحة ضد القوات الروسية في مناطق عدة. لكن الثقافة الروسية، عبر الزمن، أخذت تحدث تأثيرها المباشر في حياتهم. وكانت الحياة الثقافية والسياسية داخل روسيا ذاتها عرضة لإصلاحات وتبدلات سريعة خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ما أثر في قطاعات عريضة من النخبة المسلمة هناك. وأخذت هذه النخبة التي تعلمت اللغة الروسية ودرست في جامعات روسيا تهتم بإصلاح الحياة السياسية والمجتمعات داخل تركستان. وانتقلت رياح هذه الاصلاحات أيضاً إلى أواسط آسيا. كما سعى مسلمو روسيا إلى تنظيم حزب إسلامي سياسي موحد كي يحتل مقاعده في البرلمان الروسي الجديد الذي أحدث عام 1905م.
إثر سقوط الامبراطورية القيصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى أخذت الآمال تحدو مسلمي روسيا في الحصول على الاستقلال، لكن آمالهم تلك لم يكتب لها أن تصبح حقيقة. إذ سرعان ما احتل «الجيش الأحمر» المناطق التي قامت فيها حكومات وطنية فترة وجيزة في أواسط آسيا وآذربيجان. وفي عهد ستالين، قسمت تلك المناطق عشوائياً إلى خمس «جمهويات مستقلة» على أساس غير واضح المعالم من اللغات (أو اللهجات) القبلية للإيحاء أنها كانت دولاً مستقلة حقاً. غير أن السلطة الشيوعية كانت في الواقع هي المهيمنة، إذ لم يكن لتلك الدول أي استقلال وهي أوجدت أصلاً ليسهل على موسكو تطبيق سياستها وفق مبدأ: «فرق تسد».
وخلال سنوات الحكم السوفياتي قمعت الحركات القومية المحلية والديانة الاسلامية قمعاً تاماً. وتمت تصفية الشخصيات الوطنية السابقة وسيطر الروس على هياكل الإدارات المحلية وطبقوا فيها سياسات صيغت في موسكو وحدها من دون سواها. وكانت موسكو تخشى أي شكل من أشكال الوحدة الإقليمية التي تتحدى سلطتها. وأعطيت اللغات أو اللهجات المختلفة والمتقاربة في آن أحرفاً خاصة بكل منها على أساس الكتابة الروسية، وصممت تلك الأحرف كي تختلف أنماطها نوعاً عن بعضها بعضاً بهدف إعاقة فهم كل لهجة اللهجة الأخرى وتعقيدها بدل تسهيلها. وبهذا أدخلت آسيا الوسطى وآذربيجان شيئاً فشيئاً في الفلك السوفياتي وأخذت تنهج سياسات وأساليب إدارية وآيديولوجيات كانت سائدة على نطاق واسع في الاتحاد السوفياتي برمته. وأدمجت النظم الاقتصادية لهذه الجمهوريات في إطار نظام كلي واحد، كانت فيه، على النسق الاستعماري الغربي، بمثابة المصدر المهم للمواد الخام لإدارة عجلة الصناعة الروسية. وعلى رغم أن المسؤولين الشيوعيين المحليين كانوا يسعون إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من المزايا لجمهورياتهم، فلم يكن هناك كبير مجال لأي نوع من أنواع التنمية الاقتصادية المستقل.
التحديات التي يفرضها الاستقلال
غير المتوقع
اندلعت ثورة غورباتشوف الـ«بيريسترويكا» دون توقع في الاتحاد السوفياتي عام 1986م واضعة البلاد على طريق التفكك والزوال عام 1991م. وأخذت جمهوريات آسيا الوسطى على حين غرة تماماً إذ لم تكن مستعدة لمواجهة هذه التطورات. وسعت القيادات الشيوعية فيها، وكانت من أكثر القيادات المحافظة تمسكاً بالمبادىء الشيوعية في الاتحاد السوفياتي بأكمله، إلى تأخير عملية التفكك وزوال «الامبراطورية». وتلك القيادات، بخلاف حركات التحرر الوطني في أماكن أخرى من العالم، لم تسع إلى الاستقلال ولم تقاتل من أجله. وكان رجاله يخشون أن يفقدوا سلطاتهم، كما كان يحدث في روسيا، وبالتالي لا يعود في وسعهم الاتكال على موسكو اقتصادياً وسياسياً. وفي الوقت ذاته كانت الجماعات القومية والوطنية تنبثق في سرعة داخل كل من جمهوريات الاتحاد السوفياتي وتطالب بشدة بالاستقلال وتقليص نفوذ موسكو إلى أقصى حد ممكن. والسبب الذي عجل في حصول الجمهوريات السوفياتية جميعاً على استقلالها بحلول أواخر 1991م يعود إلى الانقلاب الفاشل في موسكو ضد غورباتشوف في آب (اغسطس) ذلك العام، أكثر من أي سبب آخر.
واليوم تشهد الجمهوريات الإسلامية الخمس في أواسط آسيا تحولات كبرى وصراعاً سياسياً داخلياً على السلطة. ولا تزال «النخبة» القديمة من أعضاء الحزب الشيوعي تتمتع بسلطات واسعة في هذه الجمهوريات كلها تقريباً في ما عدا آذربيجان وقيرغيزيا. وعلى رغم أنها جميعاً غيرت اسم الحزب الحاكم فقد بقي هيكل السلطات والحكم على سابق عهده من أوجه كثيرة. لكن معظم هذه الجمهوريات يتمتع اليوم بدرجات متفاوتة من حرية سياسية أكبر من ذي قبل، ما يسمح ببروز نقاش سياسي أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى.
غير أن هذه الجمهوريات الإسلامية، وهي تخرج من اسارها لتبرز على الساحة الدولية، تواجه صعوبات كبيرة، أولاها: إثبات هويتها المتميزة كدول جديدة، ما هي هذه الدول؟ وما هي مقوماتها القومية؟ هل هي «غربية» بسبب ارتباطها الطويل بالثقافة الروسية السوفياتية وعضويتها الحالية في «المجلس الاستشاري لشمال الأطلسي»؟ أم هي إسلامية وينبغي أن تكون من الناحية السياسية جزءاً من العالم الإسلامي الذي لم تتصل به لنحو قرن؟ أم هي تركية كجزء من أقليم تركستان التاريخي؟ أم هي أوطان لشعوب منفصلة ومنفردة كالأوزبك والطاجيك والقيرغيز، الخ؟ ومن هم حلفاؤها؟ ومن هم أعداؤها؟ وما هي مصالحها القومية في إطار التحول الجغرافي ـ السياسي الجديد تماماً في المنطقة؟ والإجابات عن هذه التساؤلات تتبدى الآن في بطء.
تأثير جمهوريات آسيا الوسطى
في العالم الإسلامي
كانت دول العالم الأخرى ترقب التطورات في تلك المنطقة باهتمام بالغ أيضاً ولا سيما في الدول المجاورة التي تأمل أن تحقق مصالحها القومية الجديدة فيها. فقد اختفت الترتيبات الجغرافية ـ السياسية التي هيمنت لما يقارب القرنين من الزمن في تلك المنطقة مخلفة بذلك حسابات سياسية جديدة تماماً على صعيدها. وجاورت دول كتركيا وإيران وأفغانستان سلطات متعاقبة من الامبراطورية الروسية على مدى 150 عاماً أو يزيد. أما اليوم فلم يعد لهذه الدول حدود مع روسيا، لكن أصبح لها جيران جدد، ومنافسون جدد.
والدول الإسلامية الخمس الجديدة في آسيا الوسطى تغني التراث الثقافي للإسلام إلى حد كبير، كما تظهر الامتداد الجغرافي الشاسع إلى الشمال الذي وصل إليه العالم الإسلامي اليوم. وحتى في قلب روسيا يعمل عدة ملايين من المسلمين التتار على إحياء الدين الإسلامي ودراسة اللغة العربية. ويشعر الأوغوريون المسلمون في الصين أن الحكم الشيوعي والعنجهية القومية الصينية يقمعان الديانة الإسلامية هناك. وهؤلاء أيضاً سوف ينالون استقلالهم في نهاية المطاف وينضمون إلى العالم الإسلامي.
(راجع تركستان).
آشتيان
هناك موضعان يعرفان بآشتيان، الأول: قرية من قرى نائين على الخط الجغرافي 37 دقيقة و33 درجة عرضاً، و17 دقيقة و54 درجة طولاً، وترتفع عن سطح البحر 885 متراً، والثاني: آشتيان الشهيرة التي نبغ منها علماء أعلام واشتهر اسمها في التاريخ الشيعي الأخير وتقع على سفوح جنوب جبال تفرش على الطريق العام بين قم وتفرش وهي اليوم مركز (قائم مقام) تتبع تفرش في المحافظة المركزية كما هي مركز لاثنتي عشرة ناحية وقرية.
تقع مدينة آشتيان على الخط الجغرافي 31 دقيقة و34 درجة عرضاً، و00 دقيقة و50 درجة طولاً وترتفع عن سطح البحر 2090 متراً، وهي من المناطق الباردة في إيران وعدد سكانها حسب إحصاء سنة 1411هـ 1991م أكثر من 40,000 نسمة.
لم يرد اسم آشتيان في الكتب والمصادر القديمة وعلى أكبر الظن أنها تحريف من اسم آشتجان أو آبرشتجان من توابع رستاق دره، ومما يستفاد من المعالم التاريخية والآثار في آشتيان أنها من المدن القديمة يرجع تاريخها إلى قبل الإسلام.
ويروي لنا حسن بن محمد القمي في كتابه تاريخ قم الذي ألفه سنة 378 هجر ية عن قرية آبرشتجان التي كانت تسمى سابقاً باسم آستجان أنها كانت مسكن الأعيان والأشراف من رجالات العجم وكان فيها 16 آتشكده([146]).
كانت آشتيان إحدى مراكز التشيع قديماً وحديثاً، والتجأ إليها كثير من العلويين في العصرين الأموي والعباسي، وهناك قبور قديمة مشيدة كما نبغ منها في القرون الأخيرة علماء أعلام، وفقهاء أجلاء، وفلاسفة مشاهير مما أدى إلى اشتهارها، وممن برز من رجالها:
1 ـ الشيخ الميرزا حسن بن الميرزا محمد جعفر الآشتياني المولود في آشتيان سنة 1243 هجرية والمتوفى سنة 1319هـ من أئمة التقليد والفتوى صاحب كتاب بحر الفوائد في شرح الفرائد مطبوع([147]).
2 ـ الشيخ مرتضى بن الميرزا حسن الآشتياني المولود في النجف سنة 1281 هجرية والمتوفى سنة 1365 هجرية من مشاهير فقهائنا الأعلام.
3 ـ الفيلسوف الشهير الشيخ الميرزا مهدي ابن الشيخ جعفر الآشتياني المولود في سنة 1306 هجرية والمتوفى سنة 1372 هجرية([148]).
4 ـ الشيخ محمود ابن الشيخ مرتضى الآشتياني المتوفى سنة 1401هـ من العلماء الأكابر في عصره([149]).
5 ـ الفيلسوف المعاصر السيد جلال الدين الآشتياني وغيرهم.
من أهم محصولات آشتيان: الحنطة والشعير واللوبيا والعدس، وفيها بساتين عامرة، و يعيش قسم من سكانها على تربية المواشي، وفيها اليوم معامل ضخمة، كما لا يزال فيها محلات لحياكة السجاد.
عبد الحسين الصالحي
آغا = آقا
يستعمل غالباً بالعربية بالغين آغا، وهو تعريب آقا، وفي الفارسية أخذ يستعمل من عصر البهلوي الأول بالقاف للرجال، وبالغين للنساء للتمييز بين المرأة والرجل([150])، وجمع كلمة آغا آغاوات وآقا آقايان وجاء في الكتب القديمة آقاوان وآغاآن.
أصل الكلمة تركية مغولية وفي اللهجة التركية الشرقية تعني الأخ الأكبر، وغالباً ما تستعمل في مقابل كلمة [آبني] أي الأخ الأصغر، وتستعمل أيضاً في اللغة الأويغورية بنفس المعنى.
كان يطلق كلمة آغا في البلاط المغولي على الأمراء والأميرات والمصطلح بين المغول والتركمان تفضيل الشقيق الأكبر على سائر الإخوان وأبناء الإخوان بشكل قطعي لذا كان يسمى الشقيق الأكبر بآغا للتعظيم وفي عهد الدولة العثمانية كانت كلمة آغا تستعمل في تركية والبلاد العربية وسائر البلدان التابعة للامبراطورية العثمانية، وتطلق على الزعماء والملاكين والرؤساء ورؤساء الأصناف والنقابات مثلاً: يقال لمدير الفندق: (كوى آغاسي)، ومدير الناحية والقائم مقام (آغابيك)، وكذلك كلمة أفندي في الدولة العثمانية كانت لقب رجال السياسة والكتاب وغيرهم من الشخصيات المرموقة، وكلمة (يني جرى آغاسي) لقب ضباط كبار في الجيش العثماني، وكانت تطلق كلمة آغا على رئيس الوزراء ثم انتشرت كلمة آغا على سائر رجال الدولة فيقال: (آغا افند مز) ويسمى وزير البلاط بـ (باب السعادة آغاسي)، ورئيس البلاط بـ (قاپى آغاسي)، وكما كانت تسمى أم السلطان والأميرات والأمراء في البلاط العثماني بـ (آغا) وهناك رتبة عسكرية في الجيش التركي حتى العصر الحاضر باسم آغا.
وهناك كثير من الشوارع والمحلات والمناطق في إيران وتركية والبلدان العربية معروف باسم آغا مثلاً في مدينة بغداد (باب الآغا) وهي منطقة تجارية معروفة حتى اليوم. وقد اشتهرت في إيران كلمة آغا منذ العهد المغولي وذكر رشيد الدين فضل الله صاحب كتاب (جامع التواريخ) مخاطبة الإخوان والأعمام بآغا، ونظام الملك في دستور الوزراء مخاطبة رجال الدولة والنساء بآغا واشتهر لقب آقا وآغا وآقايان وآغايان بمعنى الأعيان في إيران منذ العصر الصفوي.
أما في العصر القاجاري والعصر البهلوي الأول فصار يطلق على عامة الناس، كما يعرف بآغا جمع من الشخصيات العلمية وغير العلمية المرموقة، واشتهر من الملوك في إيران بآغا (الآغا محمد خان القاجاري) مؤسس الدولة القاجارية (المقتول سنة 1211هـ).
ويعرف فرع من الفرقة الإسماعيلية النزارية بـ (الأغاخانية)، ويطلق لقب آغاخان على الزعيم الروحي لهذه الطائفة، ومن عادة الإيرانيين أن يلقوا على الولد الذي يسمى باسم جده الأعلى لقب (آغا بزرك) والذي يسمى باسم جده الأدنى (آغا كوجك) كما نشاهد هذه الظاهرة تنطبق على البنات أيضاً فتنادى البنت التي باسم جدتها العليا (خانم بزرگ)، وباسم جدتها الدنيا (خانم كوجك)، وقد اشتهر جمع غفير من العلماء الأعلام في إيران باسم آغا من العصر الصفوي، وازداد عددهم بشكل ملحوظ في القرن الثالث عشر للهجرة حتى اليوم، ومن أشهر العلماء المعروفين بآغا، منهم الشيخ آغا التفات القزويني المتوفى بعد سنة 1095 هجرية من أعلام عصره ومؤسس المدرسة الالتفاتية في قزوين، ومنهم آغا رضا الكاشاني المولود في 970هـ والمتوفى سنة 1030 هجرية. من أكبر أساتذة العصر الصفوي في التصوير وكان يعمل في مكتبة البلاط الصفوي وله آثار باقية حتى اليوم. ومنهم آغا محمد إمام الجمعة ابن الشهيد الثالث المتوفى سنة 1296 هجرية. من أعلام العلماء في عصره وزوج قرة العين الشهيرة. ومنهم آغا علي المدّرس الزنوزي المولود سنة 1234 هجرية والمتوفى سنة 1307هـ الفيلسوف الشهير، ومنهم الشيخ آغا عبد الحسين بن الآغا محمد باقر البهبهاني المتوفى سنة 1245هـ، ومنهم الملا آغا الحكمي من مشاهير الفلاسفة في القرن الثالث عشر الهجري، وأخيراً شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرگ الطهراني المتوفى سنة 1389 هجرية صاحب الذريعة.
عبد الحسين الصالحي
آق قلعة
إحدى نواحي مدينة جرجان بإيران يقال لها أحياناً: (آق قلا) وتقع على جانبي نهر جرجان شمال مدينة جرجان.
ويعتمد أهالي هذه الناحية على الزراعة أولاً ثم على الصناعات اليدوية، ومركزها بلدة آي قلعة التي تقع على 18 كلم شمال مدينة جرجان على سهل مستوٍ بجانب نهر جرجان وهي بلدة عامرة تقع على الطريق الذي يصل جرجان بگنبد قابوس. وسكانها من التركمان الآتاباي، وتشكل هذه الطائفة مع طائفة جعفرباي القسم الأعظم من تركمان إيران.
آق قويو نلو (البايندرية)
ملمح في الخلفيات التاريخية
شكّل سقوط الخلافة العبَّاسيَّة في الرابع من صفر عام 656هـ/1258م على يد المغول، بإستسلام ذليل للخليفة المستعصم بالله (640 ـ 656هـ/1242 ـ 1258م) نهاية سوداء لتراكمات تاريخية من التراجعات التي دفعت بالإنفصال بين الشرعيتين السلطوية والدينيَّة إلى أبعد مدى.
لقد دبَّ الضعف في جسم الخلافة العباسية مع تشكُّلات القوَّة كأساس للسلطة، وهو ما بدأ مع تسلُّط الجنود الأتراك الذين استقدمهم الخلفاء واستقووا بهم على بعضهم البعض مع بداية عهد المعتصم (218 ـ 219هـ/834 ـ 835م)، ليبدأ عصر الإنهيار مع بداية خلافة المتوكل، حيث بدأت المرحلة التي اتفق على تسميتها بالعصر العباسي الثاني (232 ـ 656هـ/846 ـ 1258م)، إذْ تسلَّم الخلافة خلفاء متصارعون ضعفاء إنتهى مصير غالبيتهم بالقتل أو السجن أو الخلع على أيدي الجنود الأتراك الذين اصبحت الخلافة ألعوبة في أيديهم.
كان هذا التسلُّط عنواناً لمرحلة من الفساد المستشري على صعيد فعاليات الخلافة، والذي تجاوز بظلمه الحدود، إقتصادياً وإجتماعياً. فلقد أصبحت السلطة العباسية عارية إلا من استبطان القوة والبطش.
ناهيك عن الولايات التي انفصلت إنفصالاً واقعياً عن الخلافة.
ولقد انتهى الأمر إلى ما هو فوق الحسبان من الناحية الحضارية، إذ حلت اللحظة التاريخية الأكثر صعوبة ومرارة: سقوط الخلافة وسيطرة المغول.
أ ـ في العهد المغولي
كانت ردَّة الفعل الأولى على سيطرة المغول شديدة الإنفعال، وقد تمثَّلت بمحاولة إحياء الخلافة، وهو ما تم على يد الظاهر بيبرس في القاهرة تحت شعار إعادة الشرعية الدينيَّة إلى نصابها، ولكنَّها كانت خلافة شكليَّة تلاعب بها الحكام، من سلاطين المماليك إلى الخلفاء العثمانيين.
على أن الدلالة الأقوى كانت في ذلك التجلي الحضاري الإسلامي الذي إستطاع إدخال الغزاة المغول إلى الإسلام مع الجيل الثاني بحيث انتهى الأمر إلى إنخراطهم في النسيج الإسلامي العام([151]).
كان إسلامُ السلطان غازان سنة 694هـ، هذا السلطان الذي اهتم بالشيعة([152])، مؤشراً على تنامي التيار الإسلامي العام. ثم أنه زار في العام 696هـ/1296م قبور أئمة الشيعة. وقد أدى هذا الاهتمام إلى أن يزيد الأمراء الايلخانيون (المغول) الذين يميلون إلى التشيُّع كطرماز بن بايجونجش من نشاطهم، وهو ما استدعى أن يوقف السلطان أوقافاً وحبوساً يُنفق ريعُها على العلويي النسب في المدن الكبرى كأصفهان وكاشان وسيواس والكوفة وتبريز.
ولما جاء السلطان خدابنده حسم مسألة الصراع المذهبي وأعلن التشيُّع مذهباً رسمياً في جميع أنحاء مملكته. وبعد سلسلة إضطرابات مذهبيَّة دُعي فقيهُ الشِّيعة الحسن بن يوسف بن مطهَّر الحلي إلى بلاط خدابنده لإيضاح التشيُّع والمساعدة على نشره ففعل.
ومات خدابنده ليخلفه ولدُه الطفل أبو سعيد، وكان في الثالثة عشرة من عُمُره. فتغلَّب عليه الجويان ألنوين ونصَّب نفسه وصياً على الملك الصغير. وقد حاول أن يحدَّ من اندفاع التشيُّع فلم يستطع.
وبموت أبي سعيد إنطوت صفحة دولة المغول الإيلخانية عام 737هـ/1337م ليبدأ عهد أسود. إذ أدَّى خلو الأمبراطورية من وارث إلى فوضى سياسية وأخلاقية وعقلية واقتصادية، لم يشهدها العالم الإسلامي من قبل. وتلك كانت فرصة تيمور التي استغلها ليبدأ عهده المليء بالإثارة والحنكة السياسيتين.
ب ـ في العهد التيموري
بدأ صعود تيمور عندما نجح في تفتيت دول المماليك واحدة بعد أخرى، ليُفتَح أمامه بابٌ واسع من الإنتصارات السياسية والعسكرية. فقد استولى على العراق وأجزاء من سوريا وتركيا. وعاد ليحارب طقتمش ملك المغول، وتغلب عليه ليسيطر على أمم الملوك الترك. وعاد ليهاجم سوريا ويفتح دمشق وحلب، وينتصر على العثمانيين. ثم توجه إلى الهند والشرق فمات عام 807هـ/1404م، مخلفاً وراءه إمبراطورية مترامية الأطراف، أول مشرقها مملكة دلهي في الهند ومغربها حدود العراق.
وبعد وفاة تيمور، تولى الملك حفيده خليل بن ميران شاه، وتوفي مسموماً عام 809هـ/1406م. وقد تولى الحكم من بعده شاه رخ بن تيمور الذي توفي عام 851هـ/1448م. وقد بدأ بعد وفاته صراع بين الأمراء التيموريين. مما جعل الضعف يدب في كيان الامبراطورية التي زاد من تمزقها نهوض آل مظفر وآل جلاير وملوك كرت والأسر التركية والتركمانية التي ذاقت الأمرَّين من تيمور، فأثارت الاضطرابات الداخلية مما أخل بالحكم التيموري فتمكنت من تجزئته عندما نالت بغيتها وأصبحت البلاد الواسعة المترامية الأطراف تحكمها عدة أسر.
جـ – في الحالة الفكرية والثقافية للعصر التيموري
من السهولة بمكان رصد تموج الساحة الأهم في الامبراطورية التيمورية باندفاعات شيعية وصوفية متلاحقة كان لها التأثير الواسع على الساحة السياسية. ومن هنا يمكن فهم العلاقات الجيدة التي أقامها تيمور مع الصوفية، حيث اعتبر نفسه واحداً منهم، وأظهر لهم الإكرام والتبجيل.
وكذلك الأمر بالنسبة للشيعة، فقد كان حريصاً على الظهور كشيعي. إعتنى عناية لا مثيل لها بعلويي النسب فأجرى عليهم الأرزاق والرواتب. وعمل على استمداد شرعيته منهم عندما أصر على أن يجلسه أربعة من العلويين على عرشه. ويبدو أنه كان يسعى إلى نزع ذريعة الثورة من أنحاء ملكه ليطمئن إليه. وهو ما حصل في بعض النواحي كأصفهان وأستراباد.
ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى نشاط الغُلاة الذين بدأوا بالظهور بقوة في عصر تيمور. ويمكن أن نذكر الحروفية التي نشأت وظهرت في عصره.
أما بالنسبة للوضع الثقافي التيموري، ورغم أنه نتيجة النهضة العقلية للمغول الايلخانيين المتأخرين في إيران، فانه شهد ازدهاراً يعتد به في جميع المناحي. فمن العقليات إلى الفقه. إلى تطور مهم في حركة الشعر وأنواعه. وكذلك الأمر بالنسبة للفن والغناء والآيينات المعتمدَة في إطارهما وقد بلغت الحركة العمرانية أوجها، حيث تم بناء العديد من المساجد والجسور والقصور التي تعتبر آية في فن العمارة حتى أيامنا هذه. ويمكن أن نضيف هنا بناء المراصد.
وبالإضافة إلى ذلك فقد نشطت الصناعة والتجارة. حيث أستُقدِم أشهر النساجين من دمشق إلى سمرقند، وقد أدى ذلك إلى انتعاش تجارة تقوم على تصدير النسيج.
تهاوي التيموريين وتجاذبات الدولتين البارانية والبياندريَّة
لم يكد تيمور يوسَّد الثرى حتى انطلق ورثته يتحاربون في سبيل التاج. ولم يكن قد بقي من أولاده في حياته سوى شاهرخ ميرزا، الذي كان يقوم على حكومة خراسان. ولذلك كان قد أختار حفيده بير محمد الذي إستبدل الكأس بالسيف. ولذلك فقد خلعه حفيد تيمور خليل ميرزا ابن ميرانشاه، الذي عاد وانهزم أمام الأميرين الثائرين خُدادا وشيخ نور الدين، ليخلصه شاهرخ ميرزا الذي لم يقف متفرجاً أمام ما يجري، فسعى إلى تخليص ابن شقيقه خليل ميرزا من أسره، وقضى على هذين الثائرين.
وتوفي شاهرخ عام 850هـ/1446م، ليبدأ صراع بين أبنائه. فقد انتصر أُلغ بك في خراسان على علاء الدين ابن شقيقه بايسنقر ميرزا الذي سبقه ودخل هراة وأسَرَ ابنه عبد اللطيف، لتأخذ الأحداث بعد ذلك منحى مأساوياً، إذ ثار عبد اللطيف وخاض حرباً شاذَّةً ضِدَّ أبيه أُلغ بك وهزمه، لتنتهي حياة هذا الحاكم المستنير قتلاً على يد عبد فارسي عام 853هـ/1449م.
ولم يَدم الأَمْرُ لعبد اللطيف سوى ستة أشهر، واجه خلالها سيطرة أبو سعيد أحد أحفاد ميرانشاه على سمرقند، وقد قُتل على يد أحد أَتْبَاعِ أبيه. وخلفه عبدالله ميرزا أحد أبناء شاهرخ، وقد استطاع أبو سعيد الانتصار عليه ليعمل بعد ذلك على مواجهة بابر ميرزا أحد أحفاد شاهرخ، وأولاد عبد اللطيف. وقد انتصر على الطرفين، كما انتصر على خصم عنيد في خراسان وهو الميرزا حسين بيقرا. لينتهي حكمه على يد أوزون حسن زعيم قبيلة آق قويو نلو.
الدولة البايندريَّة أو حكم آق قويونلو
الآق قويو نلو هي قبيلة تركمانية كانت تتأهَّبُ للكفاح في صف الحكومات التاريخية وتنال بغيتها. وهي تنحدر من ذرية أوغوز، وتمِتُّ بصلة الى أحد أحفاده بايندر بن كون بن أوغوز. والبايندرية نسبة إليه. وهي قبيلة بين أثنين وعشرين قبيلة من القبائل المتفرعة من أوغوز.
والآق قويونلو هي صفة أطلقت على هذه القبيلة لأقتنائها غنماً بيضاً. وقد أقاموا في أنحاء ديار بكر وهي آمد.
قضت قبيلة آق قويو نلو ردحاً من أيامها في حروب قبلية. ولم تشعر بقوة إلا في أواخر القرن الثامن الهجري أيام ظهور تيمور، وكان زعيمها قرايواق عثمان. وقد رأت مناصرة منه وأخلصت له، فنالت مكانةً أَرعبت المجاورين. وقد شكل قرايواق عثمان نِداً من أكبر أندادِ قرا يوسف زعيم قبيلة قره قويونلو حين بروزه. وكانا على طرفي نقيض، يتحاربان مرة ويتسالمان أخرى. وقد تزعَّم القرا عثمان قبيلة آق قويونلو من العام 780 – 809هـ، عندما تولى الزعامة جهانكير، وذلك حتى فترة بروز حسن بيك بطل الصعود السياسي النوعي هذه القبيلة. فلقد كانت إمارة كل من جاء قبل حسن بك إمارة قبلية، وإن ضربت النقود بأسمائهم أحياناً. فقد أكسب حسن بيك زعامة آق قويونلو شكل حكومة منظمة. وقد أتفق المؤرخون أنه أول ملوكهم.
تأسيس حسن بك للحكومة البايندرية
حسن بيك بن علي بيك بن قرا عثمان. يُعرف بـ: «حسن الطويل» و«أوزون حسن» بدأ صعوده في مواجهته لأخويه جهانكير وأويس عندما بلغه أن جهانكير سار إلى الرها واتَّفق مع واليها أخيه أويس على محاربته، فكبسهما ونهب كل ما وجده خارج القلعة، ثم إستولى على سواد ماردين والرها. ثم سار إلى قتال أخويه في ماردين، ولكن الصلح استقر بينهم، فأغار على أرزن الروم وأونيك وبايبرت وترجان. وكانت في أيدي نواب جهان شاه وأمراء قره قويونلو فخرَّبها ونهبها.
كما أنه انتزع مملكة الحسن من بني أيوب بقتله لزين العابدين الملقَّب بالصالح وأخويه عام 866هـ/1461م.
وأصبحت قوة حسن بيك من الأُمور التي يحسب لها حساب. خصوصاً وأنه بدأ بإظهار هذه القوة في مجال التحدي لجهان شاه. فقد احتضن جنيد الصفوي زعيم المد الشيعي الذي كان جهان شاه قد طرده في أردبيل. ولم يكتف حسن بيك بذلك، وهو مريد علي سياه بوش جد جنيد الصفوي، فقد زوج جنيد من شقيقته خديجة بيكم، فأعطى دفعاً قوياً للصفويين.
وفي سنة 871هـ/1466م، توجه جهان شاه إلى أنحاء ديار بكر في محاولة للقضاء على حسن بيك، بدعوى أنه أبدى فرحه بمقتل بير بوداق كما سبق وأشرنا. وواجهه حسن بيك، فنزل إلى صحراء موش، وأرسل ابنه خليل بألفي فارس، وأوصاه بعدم البدء بالقتال وفاءً لليمين والعهد بينهما. وبدأ جهان شاه القتال، لتنتهي المعركة بعد نوع من الخداع من قبل حسن بيك كما رأينا ـ إلى أنهزام جهان شاه، حيث تعقبه حسن بيك في ستَّة آلاف فارس، حتى أُخبر أن جهان شاه قد قتل على يد فارس مجهول. بعد أن قتل خلقاً كثيراً من أعاظم أُمراء قره قويونلو.
ولم يطل الوقت على هذا الانتصار الكبير، حتى وجد حسن بيك نفسه أمام حربٍ كبيرة أخرى، فُرضَ عليه أن يخوضها مع السلطان أبي سعيد أعظم خلفاء تيمور طموحاً.
فقد حدث أن قدِمَ إلى بلاط مرو حسين علي أمير أسرة قره قويو نلو الذي خلف أباه جهان شاه ليطلب العون على حسن بيك قاتل أبيه من السلطان أبي سعيد. ولم يكن أبو سعيد بحاجة إلى من يحرضه كثيراً في مثل هذه الفرص ليقدم على الحرب. فاتجه أوائل شعبان من عام 872هـ/1467م في جيش كبير من مرو قاصداً آذربيجان رأساً. وعندها بعث حسن بيك إلى أبي سعيد عارضاً الصلح عليه إذ كان منشغلاً إذ ذاك بالحرب في جهات متعددة، وعلى الأخص فقد كان مضطراً لمحاربة غديك أحمد باشا. وكان السلطان محمد الثاني قد سيره في جيش كبير إلى الأناضول، وكان فاتح القسطنطينية يحقد على حسن بيك لترحيبه بإسحق بيك أحد أعداء العثمانيين.
ورفض أبو سعيد هذا العرض. فقد أغراه ما أحرزه من الانتصارات في الماضي فرفض ما عرضه خصمه. وحين رأى حسن بيك أن لا مناص من الحرب، دافع عن نفسه في حمية زائدة وإستماتة جعلت أبا سعيد يندم على ما كان من إندفاعه في هذا الأمر. فقد تعرضت قواته طوال سيره إلى كراباغ لهجماتٍ متكررة قوية من جيش حسن بيك قضت على أغلبها. حتى أن أبا سعيد نفسه هوجم آخر الأمر ووقع في الأسر وقتل، وذلك على حدود قراباغ في شهر رجب من العام 873هـ/1468م، وهكذا اصبح حسن بيك من مشاهير الفاتحين، واكتسب لقباً جديداً هو حسن أبو النصر. فلقد تربع على إمبراطورية كانت حلماً، فهي تشمل جميع ولايات آران وآذربيجان وكردستان ولرستان فارس وكرمان وعراق العرب وعراق العجم.
لقد بدا حسن بيك في هذه الحظة التاريخية رجل الشرق القوي. وبرز المغزى القوي لتحرُّكاته في رسمين يتصدران قاعة قصره في أصفهان. فقد ظهر في الرسم الأول أبو سعيد مقيداً في أسره يدعوه ابنه أوغرلو محمد، ويمثل الرسم الثاني مقتل هذا الأمير التيموري القوي.
وكان حسن بيك أميناً على هذا التوجه. فعندما ظهر حسين علي وريث جهان شاه في آذربيجان، سار حسن بيك لدفع غائلته عن الأهالي، وحاربه في مرند، فوّلى هارباً وأختفى أثره.
وخاض في أواخر العام 873هـ/1468م، حروباً كثيرة مع العثمانيين في لو ألكرج وألمحمل العراقي. وحدثت بينه وبين ملوك هراة وسمرقند فتن مهولات في السنة نفسها. كما أنه وبحسٍ سياسي بعيد، عمِلَ على بناء ملك لحيدر الصفوي ابن شقيقته وصهره، إذ كان قد إستدعاه إلى مقره في ديار بكر وزوجه من بنت له. ولكنه توفي قبل أن يرى هذا الأخير، وذلك في سنة 882هـ/1477م.
السلطان خليل بن حسن بيك:
بعد وفاة حسن بيك تولى السلطنة ابنه الأكبر المحبوب لأبيه السلطان خليل. وكان عديم الرؤية، سيء التدبير والخُلق. انصرف إلى حياة اللهو. وأيقظ الفتن. وقد قتل أخاه مقصوداً، كان والياً على فارس، وإثر جلوسه على سرير السلطنة فوّضَ أَيالة ديار بكر لأخيه يعقوب بيك. وجعل وليَ عهده الأمير الوند. ولكنَّ يعقوب بيك الذي لمس كل هذه المعاني في سيرة أخيه ثار عليه في ديار بكر، وسار إلى آذربيجان لملاقاته. وفي 14 ربيع الآخر من العام 883هـ/1478م انتصر يعقوب بيك في المعركة التي جرت عند نهر خوي على حدود مرند، وقتل أخاه السلطان خليلاً بعد أن حكم ستة أشهر ونصف.
ولاية يعقوب بيك بن حسن بيك:
بعد أن قتل السلطان خليل اتفق جميع أمراء آذربيجان على تنصيب يعقوب بيك سلطاناً في الدولة البايندرية. فأقطع أُمراء والده، وعاملهم معاملة حسنة. وقد خرج عليه في أوائل دولته ابن أخيه ألوند بيك ابن السلطان خليل في شيراز، والأمير كوسه حاجي من أعيان البايندريه في أصفهان، فكسرهما.
وعمل يعقب بيك على رصد تحركات حيدر الصفوي، حيث بلغ التَّوتُّر أقصاه. وقد ساعد يعقوب بيك حاكم شروان فرخ يسار ابن قاتل جنيد والد حيدر في مواجهته لحيدر عندما غزا شروان الدولة الضعيفة والوحيدة الخارجة عن سيطرة يعقوب بيك. وقد وقعت المعركة في طبرستان قرب دربند، وأنتهت بمقتل حيدر الصفوي عام 893هـ/1488م. وعاش في أُخريات حكمه في مشاكل وصراعات جمة إلى أن توفي عام 896هـ/1491م.
بدايةُ إنهيار الدولة البايندرية: عهود الأنقسام
بعد وفاة يعقوب بيك أختار صوفي خليل وأُمراءُ موصلو وبرناك ولده ميرزا بايسنقر كسلطان للبايندرية، وجلس على العرش وسط مظاهر الأُبهة في تبريز، ولم يكن يتجاوز العشر سنوات فيما أستلم شؤون السلطنة صوفي خليل وسط مظاهر إضطرابات حسمت في البداية، وانتهت بعد فترة بمقتل صوفي خليل، حيث بدأت الإنقسامات تزداد وسط مواجهات حربية إلى أن إستطاع رستم بيك بن مقصود بن الأمير حسن بيك أن يهزم بايسنقر في العام 897هـ/1492م، حيث استلم سلطنة مقسَّمه، وانتهى عهده بمقتله على يد أحمد باد شاه في العام 902/1496م، ولم يَدُم حكم أحمد بن شاه أكثر من سنة، حكم بعدها السلطان مراد. وقد أخذت حالة الإنقسام تصل إلى درجة واسعة اهتزت معها دولة آق قويونلو. وصارت البايندريه إلى ثلاثة أحزاب، كل حزب مع أمير يقارع الآخر. ويمكن أن نحدِّدهم بالأمير الوند، والأمير محمد بن يوسف، وآخر أُمراء البايندرية مراد بن يعقوب بيك الذي انتهى حكمه عام 908هـ. قبل سقوط الدولة البايندريه وزوال أثرها على يد الصفويين عام 914هـ/1508م، الذين أنهوا وضعاً شاذاً انتهت إليه الأُمور، وقد سيطرت فيه الفوضى والحروب والنهب والتعديات والإغارات.
الحالة الاجتماعية والثقافية في الدولة البايندرية
بلغت قبيلة آق قويو نلو أوج رفعتها في زمن حسن بيك الذي حصل على فتوحٍ ضارع بها أَكابرَ الفاتحين. وقد تحصل المستوى الثقافي الأعلى في الدولة البايندرية في عهده وعهد ابنه يعقوب بيك، بل إنه ليمكن القول بأن عهدهما هو الوحيد الذي يمكن أن نتلمس فيه نزوعاً ثقافياً على صعيد الدولة البايندرية. فقد ظهر في تلك الفترة شعراء وعلماء وإهتمامات أدبية، وراج الخط فظهر خطاطون، خصوصاً في النستعليق والتعليق. وكذلك الأمر في النقش والتزويقات الكمالية. ويمكن أن نشير في هذا المجال إلى الاندفاعات الفكرية الجديدة، التي كانت تأخذ بعداً شعبياً يؤثر على السلطة التي كان يختلف تعاطيها معها تبعاً للسياقات السياسية، ليثبت الأمر المهم، وهو تنامي حالات فكرية معينة إلى حد أنها تصبح خطراً على السلطة أو دافعاً لتقويتها. ويمكن ان نأخذ كمثل على ذلك التشكلات الصوفية ذات العمق الشعبي. ففي الوقت الذي أرعبت فيه جهانشاه فعمل بكل قوته على جلاء جنيد الصفوي عن أردبيل إلى أي موقع يختاره. فإن حسن بيك إحتضنه وزوجه من شقيقته كما رأينا. وعندما قضى على جهانشاه والسلطان أبي سعيد التيموري طلب من حيدر الصفوي خليفة جنيد أن يرسل إليه شعار طريقته ليتزيَّ به هو وأولاده، رغم أنَّ هذا الشعار يمثل كسراً لأنماط فكرية سائدة، إذ يعبر علناً عن دفع عجلة الطريقة إلى التشيع الإثنى عشري، فهو عبارة عن قلنسوة حمراء ذات إثنتي عشرة شقة تلف حولها العمامة.
ولو تجاوزنا فترة حكم حسن بيك وابنه يعقوب، فإننا سنجد انحطاطاً ثقافياً وفكرياً عامين، بحيث أنحطت أحوال العلم والأدب والفنون، ولم يظهر نوابغ تذكر. إذ كان الوضع الاجتماعي مزرياً، فالأهلون لم يتمكنوا من فتح أعينهم من غوائل الحرب، فعاشوا في فتن وإضطرابات. وزاد التغلب والظلم. فالعشائر في تنازع لا هوادة فيه يسحق القوي فيها الضعيف. والحكومات والقبائل المجاورة بالمرصاد تترقَّب الفرص. ونفسيات الأهالي في الحضر خاصة مرتبكة لا تعرف ما تضمره الليالي ولفترة طويلة كانت شيراز على الأخص تموج بالقتل والتخريب والفوضى والجوع، إلى أن بدأ الصفويون يبسطون سيطرتهم.
وفي النهاية لا بدَّ من الإلتفات إلى أن الكثير من آثار الحكومة البايندريَّة قد طُمس، واندثرَ الكثيرُ من تاريخها.
وهذه ناحية لا ينبغي إغفالُها في سياق الإطلاق([153]).
صادق فضل الله
آق قويونلو
ـ 1 ـ
اسم لقبيلة تركية كانت تسكن شرق الأناضول، وعلم للدولة التي أسستها بعد ذلك. ومعنى آق قويونلو: ذات الغنم الأبيض، وكانت ترسم على راياتها البيضاء صورة الغنم وينصبون على قبورهم هياكله.
ينتهي نسب ملوكهم إلى بطل الأتراك الملحمي أوغوز خان، ويقولون أنهم ينتهون إلى بايندر من فروع الأتراك الأوغوزية، التي يعبر عنها العرب في كتبهم بالغزية. ومن هنا سميت دولتهم أيضاً بالدولة البايندرية.
وأصل سكنى هذه القبيلة هو في ديار بكر وأطرافها. وبعد استيلاء المغوليين على الأناضول في أوائل القرن الثالث عشر شارك زعماؤها في معارك كثيرة أما مستقلين أو تابعين لغيرهم. وقد أسسوا دولة عظيمة امتدت من خر اسان حتى الفرات، ومن بحر عمان إلى القفقاس. والمعروف أن مؤسس هذه الدولة هو فخر الدين قره يولك عثمان الذي دخل في خدمة مماليك مصر سنة 1398م، ثم في خدمة تيمور وكان معه في حرب الأناضول، وتولى حكم المنطقة الممتدة من آمد إلى ملطية، وشارك تيمور في حصار دمشق.
وبعد قره يولك عثمان تولى ولده جلال الدين علي، ثم اضطر بعد أمد قصير لترك الولاية لأخيه حمزة، وبعد وفاة حمزة تولى الحكم جهانكير، ثم تخلى عن الملك بعد نزاع طويل لحسن الطويل، فحاول هذا الاستيلاء على الأناضول وسوريا فلم يوفق. وبعد حسن الطويل تولى ابنه خليل ولكن أخاه يعقوب قتله وتولى مكانه باسم السلطان يعقوب فقاتل أخوته وأخمد تمردهم، وقتل حيدر الصفوي شيخ أردبيل، وسيؤسس أحفاد حيدر هذا الدولة الصفوية فيما بعد.
وقويت الدولة في عهد السلطان يعقوب ووفق في حروبه مع الدولة المصرية، وكرجستان. وتولى بعده ابنه الصغير السن بايسنقر فلم يبق أكثر من سنة. وجاء بعده رستم بن مقصود بن حسن الطويل فلم يستقر له الأمر بل كان عهده مشاجرات ومشاحنات، مما أدى إلى اضطراب عام وعدم استقرار. وهو الذي أمر بقتل علي بن حيدر الصفوي. وانتهى الحال باستدعاء كوده أحمد الملتجىء إلى اسطنبول عند بايزيد الثاني فقاتل رستم فقتله وتولى مكانه.
ولما كانت علة العلل في الدولة الحياة القبائلية التي تحياها مما كان يؤدي دائماً إلى اختلاف القبائل فكر كوده أحمد أن يقضي على رؤساء القبائل ليقيم على أنقاضهم حكماً على نسق الحكم العثماني، ولكن الخبر تسرب إلى الرؤساء فائتمروا به وقتلوه. فأدى مقتله إلى تقسيم المملكة بين ثلاثة هم محمد ميرزا وألوند ولدي يوسف بن حسن الطويل، والسلطان مراد بن يعقوب، وذلك بناء على ما أعلنه رؤساء القبائل. ولكن قامت الحروب بين السلاطين الثلاثة مما أدى إلى خراب البلاد وضعف القبائل، ومات في خلال ذلك محمد ميرزا. فانقسمت المملكة إلى قسمين: عراق الم وفارس وكرمان للسلطان مراد. وآذربيجان وأرزان وديار بكر لالوند.
وهنا كانت الدولة الصفوية قد قامت على يد مؤسسها الشاه إسماعيل واشتد ساعدها، فكانت مقاطعات ألوند أولى ما قصده إسماعيل وظل يطارد ألوند حتى ألجأه إلى قلعة ديار بكر وبقي محصوراً فيها حتى موته سنة 910هـ (1504). ثم تتبع الشاه إسماعيل الشريك الآخر السلطان مراد فهرب إلى بغداد فظل الشاه يطارده واستولى على بغداد سنة 914هـ (1508م) وبذلك وضع حداً لحياة هذه الدولة. أما سلطانها فقد لجأ إلى العثمانيين بعد فراره إلى سورية، ثم قتل في إحدى المعارك بين العثمانيين في عهد السلطان ياووز سليم الأول وبين الصفويين في أورفا.
وهكذا كانت نهاية العائلة المالكة الآق قويونلية على يد الشاه إسماعيل الصفوي، فالتجأت القبيلة كلها عند ذلك إلى العثمانيين، ولكنها سببت لهم متاعب ومشاكل وأورثتهم الكثير من الفوضى والعصيان لطباعها التي لا تتفق مع الخضوع لحكم مركزي، لأنها لا تخرج عن كونها نوعاً من القبائل الرحل.
ومن العوامل التي أدت إلى ضعف دولتهم الدائم ثم سرعة انتهائها، أن كل فرد من أسرتها المالكة كان يرى أن له حقاً في الملك، فكان يحدث عند موت كل ملك من ملوكها تقاتل على الحلول محله.
أما نظامها فقد كان يقوم عن سلطة عليا هي الديوان ويرأسه صاحب الديوان، وتتبع الديوان فروع للعدلية والاستيفاء (المالية) والطغراء والقضاء والأشراف (بكسر الهمزة). ويلقب كبير القواد بالأمير الأعظم. وكان لها جيش دائم يبلغ 30,000 يتقاضى أفراده رواتب معينة.
آق قويونلو
ـ 2 ـ
ترجع هذه السلالة التركمانية (آق قويونلو) إلى بهاء الدين قره عثمان الذي نصب على العراق وأرمينيا في زمن سلطة الأمير تيمور گرگان. وبعد وفاة الأمير تيمور، تعاظم نفوذ قره عثمان واتخذ من ديار بكر مقراً لقيادته (سنة 780 ـ 809هـ).
وازدادت هذه السلالة بمرور الوقت قوة إلى قوتها، حتى استطاع أحد أحفاد قره عثمان وهو أوزون حسن (871 ـ 883هـ). الذي كان رجلاً شجاعاً ومدبراً من القضاء على السلطان القوي لقره قويونلو وهو جهانشاه (840 ـ 873هـ). وكذلك القضاء على آخر الملوك الأقوياء للتيموريين وهو أبو سعيد.
ضم أوزون حسن إقليم آذربيجان إلى ملكه بعد مقتل جهانشاه (871 ـ 873هـ). والحق أرض خراسان بملكه أيضاً بعد مقتل أبي سعيد في سنة (873هـ)، وكذلك فعل بأرض فارس.
وبعد وفاة أوزون حسن في سنة (883هـ). خلفه في العرش السلطان خليل ولده (882 ـ 883هـ). الذي كان حاكماً لإقليم فارس، ولكن لم يطل حكمه كثيراً إذ نشبت الحرب بينه وبين أخيه يعقوب قرب مرند فقتل السلطان خليل وخلفه في عرشه يعقوب (883 ـ 896هـ).
كان الأمير يعقوب ميرزا محباً للأدب ومولعاً بالفن. وعني عناية خاصة بالعمران، حتى اصبحت تبريز أكثر المدن الإيرانية في ذلك الوقت كثافة في السكان.
ومن الأحداث المهمة التي حدثت في عصر الملك يعقوب هي انتفاضة الشيخ حيدر والد إسماعيل شاه الصفوي الذي قتل بعد حروب في سنة (893هـ).
وكان يعقوب ميرزا قد هيّأ السبل لمؤسسة مالية وإصلاح زراعي، ولكنه لم يمهله عمره، فقضى نحبه في سنة (896هـ).
نشب الاختلاف بين القبائل على انتخاب خليفة يعقوب ميرزا، حتى وصل الأمر بينهم إلى الحرب، ثم انتخب ابنه بايسنقر ميرزا ملكاً (896 ـ 897هـ). ولكن الأمر لم يستو له أكثر من سنة وثمانية أشهر، إذ انتخب رستم بيك (897 ـ 903هـ)، ابن مقصود بيك الذي كان رهن السجن.
ظهرت الخلافات إثر الضعف الذي أحاط بنظام الآق قويونلو بين كبار شخصيات البلاد، فانتهز أحمد بيك ابن عم رستم بيك الفرصة، وشن حملة على آذربيجان فاحتل تبريز وقتل رستم بيك واستولى على السلطة (903هـ).
وأفعمت فترة حكمه بالدسائس والمعارضة، حتى نشبت حرب بين مؤيديه ومعارضيه قرب أصفهان وقتل فيها أحمد بيك في (18 ربيع الثاني 903هـ) بعد ستة اشهر من حكمه.
ومع مقتل أحمد بيك، نشب الصراع بين السلطان مراد بن بايسنقر ميرزا ومحمد ميرزا والوند ميرزا نجلي يوسف بيك، فأودع السلطان مراد السجن وكانت السلطة من نصيب الوند ميرزا (904 ـ 907هـ).
اندفع السلطان مراد بعد تحرره من السجن (سنة 907هـ) لمنافسة الوند ميرزا ولكن هذين الأميرين البايندريين زادا الوضع ضعفاً إلى ضعف الذي نشأ عن سوء تدبير المتنفذين في البلاد والذين كانوا يوجدون البلبلة في النظام لتأييدهم أو معارضتهم للأمراء.
ولم يدم الأمر طويلاً، حتى سارع الشاه إسماعيل الصفوي إلى تبريز سنة (905هـ). وتمكن من التغلب على جيوش السلطان مراد والوند ميرزا وبسط نفوذه على آذربيجان، وانتهت بانتصاره فترة حكم أمراء الآق قويونلو.
آق قويونلو
ـ 3 ـ
إن كلمة (آق قويونلو) تعني باللغة التركية: (صاحب الخروف الأبيض) أو المنسوب إلى الخروف الأبيض إذ هي من ثلاثة مقاطع: 1 ـ آق، ومعناها: الأبيض، 2 ـ قويون، ومعناها: الخروف، 3 ـ لو، وهي تدل على النسبة.
وقد كان في تسمية اتحاد القبائل التركمانية التي حكمت شرقي الأناضول وغربي إيران ما بين بداية القرن الخامس عشر الميلادي (التاسع الهجري)، حتى قيام الدولة الصفوية سنة 1502م (908هـ)، كان في تسميتها بهذا الاسم دلالة على ارتباط الحياة التركمانية بتربية الأغنام، حتى أنهم كانوا ينحتون صورة الخروف على شواهد قبورهم، وحتى قيل: إن صور الخروف الأبيض كانت ترسم على راياتهم، في حين كانت ترسم صور الخروف الأسود على رايات القبائل التركمانية الأخرى (قره قويونلو) التي تعني صاحب الخروف الأسود.
على أن لآق قويونلو إسماً آخر عرفت به هو: (البايُندُرية) لأن رؤساء قبيلة (بايندُر) كانوا يتزعمون اتحاد تلك القبائل التركمانية.
ولا يعرف تاريخ ظهور اتحاد الآق قويونلو الذي كان يرأسه «بايندر». واعتماداً على القرائن يستنتج ما يلي: إن القبائل والعشائر التي قدمت من كل حدب وصوب والتفت حول خلفاء بايندر الحقيقيين، انتهزت فرصة هجوم تيمور على إيران في النصف الثاني من القرن 8هـ/14م للوصول إلى الحكم. يحتمل أن يكون التركمان الغز قد هاجروا إلى إيران في عهد السلاجقة، أو أن الآق قويونلو هاجروا إلى الأناضول قبل هجوم المغول بقرون، وأنيطت بهم حكومة ديار بكر في العهد السلجوقي: ثم زحفوا تدريجياً نحو آرمينيا، وشمالي العراق والأقسام الأخرى من آسيا الصغرى. إلا أن هجرتهم إلى الأناضول كانت بسبب هجوم جنگيزخان. وقد أوقف هجوم المغول، الروح التوسعية لفترة عند التركمان، إلا إنهم ازدادوا قوة في المناطق الغربية والشمالية الغربية من إيران، بعد ضعف الإيلخانيين. ثم منح تيمور التركمان فرصة جديدة للبحث عن مراكز قوة جديدة في هذه المناطق، وذلك بعد إلحاقه الهزيمة بالسلطان بايزيد 805 هـ (1403م) الذي كان يُعد من ألد أعداء التركمان.
أمراء الآق قويونلو
1 ـ قره عثمان (عثمان بيك)، بهاء الدين: تـ (839هـ/1435م)، مؤسس سلالة التركمان من الآق قويونلو. وكان لفترة من الزمن في خدمة أمراء آرزنجان وسيواس المحليين وملوك مصر أيضاً. التحق بتيمور عندما جاء إلى العراق وحظي باهتمامه. انتصر على منافسيه القديمين: قره محمد قره قويونلو في 791هـ/1389م، والقاضي برهان الدين في 800هـ/1398م، والتحق بتيمور تطوعاً منه في الحرب التي دارت رحاها بين السلطان العثماني وتيمور في عام 802هـ/1399م، كما اشترك في هجماته ضد حاكم سيواس الذي يحظى مؤيدوه بمساندة العثمانيين. وانتصر قره عثمان في هذه الحرب، وكافأه تيمور بمنحه منصب الإمارة، وأيد رئاسته لقبيلة الآق قويونلو، وجعل أفراد عائلة بايَنْدُر ولاة على مدينة آمِد في ديار بكر. وهكذا خضعت مدينة آمِد لقبيلة الآق قويونلو لأول مرة، وجعلوها عاصمة لهم زهاء 70 عاماً واغتنم قره عثمان الفرصة، بعد موت تيمور في عام في عام (807هـ/1405م)، واستولى على الرَّها (أورفا) في عام 810هـ/1408م، عندما كان قره وسف بن محمد تـ (823هـ/1420م)، في حرب مع أبي بكر بن مرانشاه حفيد تيمور. واستطاع قره عثمان في الفترة 831 ـ 839هـ/1428 ـ 1435م، أن يهزم كلاً من القاضي برهان الدين أحمد حاكم سيواس وتوات، والملك العادل حاكم حلب ودمشق، والملك الظاهر عيسى أمير ماردين.
وعندما اضطر اسكندر بن قره يوسف من قره قويونلو أن يفر للمرة الثالثة أمام شاهرخ التيموري الذي هاجمه من شرق إيران، اتجه إلى بلا د الروم فبادر قره عثمان لمواجهته في ضواحي أرضروم وانهزم قره عثمان وتوفي فيها وله من العمر 80 عاماً (صفر 839هـ/آب 1435م). وسيطر اسكندر بن قره يوسف على أرضروم، وأمر بعد 3 أيام من دفن قره عثمان، أن ينبش قبره، ليقطع رأسه ويرسله إلى مصر. وقد علق رأسه لمدة ثلاثة أيام على بوابة زويلة، بأمر السلطان ملك أشرف. ولم تتسع رقعة إقليم الآق قويونلو في عهده فحسب بل أدت انتصاراته إلى حماية القبائل الأخرى ودعمها له.
2 ـ علي بيگ: تـ (842هـ/1440م)، وهوابن قره عثمان، خلف أباه على الحكم وجعل ابنه الأكبر جهانگير على مدينة آمد، ثم عاد إلى آلوس فأرسل ابنه الآخر أوزون حسن إلى القاهرة ليكسب صداقة الملك أشرف سلطان مصر. إلا أن السلطان المصري اعتقل أوزون حسن بسبب حقده على هذه الأسرة؛ ثم جهز جيشاً وأرسله إلى مدينة آمِد، فانهزم جهانگير في هذه الحرب، وأسر وسجن في مصر. فتوجه علي بيگ، بعد هزيمة ولده لقتال قره اسكندر، ولكنه عاد في سنة 840هـ/1437م إلى آمِد خائباً. وتزلزلت منذ ذلك التاريخ، سيادته على قبيلة الآق قويونلو. وفي تلك السنة، جاء أخوه حمزة من ماردين إلى ديار بكر، وأخرج منها كلاً من علي بيگ وأخيه الآخر محمود. وهرب محمود إلى جهانشاه القره قوينلو، ولجأ علي بيگ إلى السلطان مراد الثاني وأرسل علي بيگ كلاً من أوزون حسن وجهانگير ميرزا اللذين كانا مسجونين في مصر قبل فترة إلى سلطان مصر طلباً للمساعدة.
فأرسل السلطان (الملك أشرف بَرْسباي)، كلاً من تنگري ورميش أمير الجيش، وقرقمز (قور خماس) أمير مصر وحاكم حلب والشام على رأس جيش إلى ديار بكر لإعادة علي بيگ إلى الحكم ولكن الجيش عاد إلى مصر بسبب موت السلطان. وبقي أولاد علي بيگ في أرزنجان.
وعين سلطان مصر الجديد الملك العزيز يوسف جهانگير حاكماً على أرزنجان، بعد أن فتحتها القوات المصرية.
3 ـ حمزة بيگ: تـ (848هـ/1444م) هو ابن قره عثمان، سعى للحكم بعد مقتل أبيه، فقاتل أخاه علي بيگ وشرّده في عام 839هـ/1435م، إلى الديار العثمانية. وكان حمزة أقوى زعيم للآق قويونلو. وقد توفي قبل أن يقوم بتصفية الطامعين بالحكم. وقد سيطر على ديار بكر حتى وفاته في رجب عام 848هـ/تشرين الأول 1444م.
4 ـ جهانگير: حـ (820 ـ 874هـ/1417 ـ 1469م)، استلم الحكم بعد وفاة عمه حمزة. واختار مدينة ماردين عاصمة له. وقد استعاد أيام حياة والده بعض الأراضي التي استولت عليها قبيلة القره قويونلو ومارس الحكم على قبائل الآق قويونلو عملياً منذ عام 848هـ/1444م. وكان يتطلع إلى استتباب الأمن والاستقرار في مملكته. ولم تمض فترة حتى دخل في حرب مع عميه قاسم بيگ والشيخ حسن. والتحق قاسم بيگ بسلطان مصر والشيخ حسن بقبائل القره قويونلو، وأرسل جهانگير أوزن حسن لقتالهم. فقتل الشيخ حسن وابنه في هذه الحرب القبلية. وتمكن جهانشاه القره قويونلو في ربيع 854هـ/1450م، من إلحاق الهزيمة بجهانگير الذي فرَّ إلى حلب. وقد أدى انتصار أوزون حسن على جهانشاه إلى سلب زعامة الآق قويونلو من الأخير عملياً، وبايع أمراؤه أوزون حسن. وثار جهانگير عدة مرات أيام أوزون حسن، ولكن ثوراته باءت بالفشل، وقيل: عاش جهانگير حتى موت جهانشاه القره قويونلو في مادرين، وتوفي هناك. وذكر الغياثي تاريخ وفاته في عام 875هـ/1470م.
5 ـ أوزون حسن([154]): أبو النصر حسن بيگ بن عثمان بيگ (حـ 828 ـ 882هـ/1425 ـ 1477م). وأوزون حسن لقب اشتهر به لطول قامته. بدأ حوالي سنة 858هـ/1454م، صراعاً مع أخيه الأكبر الذي انتخبته عائلته زعيماً لها. ولم تتجاوز حروب هذه العائلة حينذاك حدود ديار بكر. ولما رأى أوزون حسن انشغال أخيه بالحرب ضد أعدائه التقليديين أي القره قويونلو، بادر إلى مساعدته وأرغمهم على الاستسلام. وعندما كان جهانگير يقضي أيامه في معسكره الصيفي في آلاداغ استطاع أوزون حسن أن يسيطر سراً على ديار بكر (آمِد). وبسيطرته على قلب ممتلكات الآق قويونلو استطاع السيطرة على ماردين التي كانت تعتبر عاصمة جهانگير. وفي هذه الأثناء تدخلت أمه سارة وأصلحت بين الأخوين. وهاجم أوزون حسن بعد هذه الحوادث أرزنجان؛ ثم عاد إلى ديار بكر، من دون أن يحقق أي انتصار. وكان خلال هذه الحملة قد سقط عن فرسه وجرح، فاغتنم جهانگير الفرصة وقام بنهب آمِد؛ وعندما عاد أوزون حسن إلى ديار بكر، لجأ جهانگير إلى جهانشاه. وتدخلت سارة خاتون التي كان لها دور مهم في إدارة شؤون الدولة بينهما ثانية، وعيّنت أوزون حسن على ديار بكر، وجهانگير على ماردين، وبذلك اشتد الصراع بين الأخوين وتكرَّرت تلك الحادثة مرات ثلاث؛ فبادر جهانشاه الذي كان يدعم جهانگير إلى مساعدة الأخير، إلا أنه هزم أمام أوزون حسن. وولى أوزون حسن بعد هذا الانتصار، ابن عمه الأمير خورشيد بيك، على أرزنجان التي كانت القلعة الوحيدة للنفوذ إلى أرمينيا وفي هذه الأثناء لجأ علي قره قويونلو، الذي كان قد تمرّد على أبيه جهانشاه، إلى أوزون حسن إلا أنه أخرج بعد فترة من تلك الديار بتهمة الزندقة. وبعد هذه الحوادث التي امتدت ما بين 858 ـ 861هـ/1454 ـ 1457م، تألق نجم أوزون حسن، وازداد نفوذه فسيطر على الأقاليم المجاورة، كقلعة كِيفا التي استخلصها من الأكراد الأيوبيين ووضع ابنه خليل فيها ثم انتصر على سغرد وهيثم في بختان وفي 20 رجب 872هـ/14 شباط 1467م، حاصر بغداد، وكان حاكمها آنذاك پير محمد الطواشي الخاضع لحاكم القره قويونلو. وفي هذه الأثناء، كتبت إليه زوجة جهانشاه من حصن «ألنجق» رسالة دعته فيها إلى تبريز لتسليمه القلعة والخزائن الموجودة فيها. فترك محاصرة بغداد، واتجه إلى تبريز، وكان حسن علي بن جهانشاه قد حاصر حصن ألنجق قبل وصول أوزون حسن إلى تبريز، واستطاع فتحه والسيطرة عليه. فهاجمه أوزون حسن، وهزمه فولى هارباً في صفر 873هـ/آب1468م، بسبب خيانة بعض أمرائه الذين كانوا قد انضموا إلى خصمه. دخل أوزون حسن تبريز في رجب 873هـ/كانون الثاني 1469م ظافراً، واستطاع ثلاثة من العسكريين الذين كانوا يطاردون حسن علي بن جهانشاه القاء القبض عليه في جبال ألوند بهمدان، وأرادوا تسليمه إلى أوزون حسن حيّاً، إلا أن حسن علي انتحر خشية التعذيب. فقطعوا رأسه، وأرسلوه إلى أوزون حسن؛ وقطعوا جسده إلى أربعة أقسام، وعلقوها على بوّابات همدان الأربع. وجُلب ابناء جهانشاه الآخران محمدي ويوسف إلى أوزون حسن. حيث قتل الأول، وسمل الثاني، وفرَّ يوسف إلى شيراز وقتل هناك. وبعد هذه الانتصارات، سيطر أوزون حسن على جميع أنحاء ديار بكر حتى حدود الشام والعراق وآذربيجان وعراق العجم وفارس حتى حدود خراسان. ويقول غياثي إنه لم يستطع أحد من ملوك إيران السيطرة على مثل هذه الأراضي. وقد أدت انتصارات أوزون حسن في الغرب إلى الصراع مع العثمانيين. وكان السلطان محمد الفاتح الذي أخضع آسيا الصغرى، يهدّد أمراء قرامان (قرمان)، فاضطروا إلى عقد حلف مع أوزون حسن.
وكان أوزون في سن الرابعة والثلاثين حين تزوج كورا كاترينا([155]) ابنه كالويوهانس([156])، التي كانت معروفة في الغرب باسمها اليوناني «دسپينا»([157]) (الأميرة) (كالكوكوديلس)، 2/249؛ مالي پيرو 25 ـ 26؛ فالمراير 259 ـ 261؛ ويقول كل من جوازافاباربارو، وآنجوللو، وكاترينوزنو، إن أوزون حسن خلف منها، ثلاث بنات، وابناً واحداً ويقال كان اسمه يعقوب أعدمه إخوته بعد موت أبيهم. وقد تزوجت إحدى بناته وتدعى مارتا من الشيخ حيدر. ويرى زاهدي (ص 68) أن اسمها «بگي آغا» وأسماها خواندمير (حبيب السير ط/430) «حليمة بگي آغا». وكانت زوجة أوزون حسن الأول سلجوق شاه بيگم، وهي أمة كردية وتتمتع بنفوذ كبير في إدارة شؤون الدولة وكان لها عدة أولاد هم: خليل ويعقوب ويوسف ومن المحتمل مسيح. ولا نعرف أم الابن الآخر لأوزون حسن، والمدعو رينل. وقد اضطر أوزون حسن في أواخر سني سلطنته إلى قتال ابنه أوغور لو محمد، الذي كان حاكماً على شيراز لعصيانه المستمر. وقد قتل أوغورلو الذي لجأ إلى السلطان العثماني في عام 879/1474، خلال حرب عام 881/1476 على يد جماعة حاقدة عليه كانت من أنصار أخيه خليل. ومرض أوزون حسن عند رجوعه من تفليس؛ وتوفي بتبريز في الأول من شوال عام 882هـ/6 كانون الثاني 1478م. وكان قد تولى السلطة على ديار بكر وهو في سن الثلاثين، وجلس على العرش في سن الأربعين، ومات وهو في الرابعة والخمسين.
وكان حسن من كبار الفاتحين في القرن 9هـ/15م. نقل عاصمته من آمِد إلى تبريز، واستدعى جميع القبائل والعشائر من الآق قويونلو، التي كانت تسكن شرقي الأناضول، إلى إيران؛ وأسس امبراطرية واسعة في تلك الديار، واقطع أمراء عشائر الآق قويونلو بعض الأراضي. وبلغت امبراطورية الآق قويونلو ذروة قوتها في عهده. واستطاع أن يجعل من قبيلته البدوية قبيلة مدنية متحضرة كما أنشأ المؤسسات العلمية والدينية؛ وأسس التنظيمات الإدارية تقليداً منه للعثمانيين. وأمر بترجمة كتب مختلفة عن التركية، ومنها القرآن الكريم حيث قرىء بهذه اللغة في حضوره. وأشاد المؤرخون بعدله ورعايته لشؤون الأمة. وكان جلال الدين الدّواني يعتبره رجل القرن الـ 9هـ/15م، وقد أشاد به دومنيكو مالي پيرو وذكر أنه الحاكم الذي استطاع أن يوحد أراضي إيران.
7 ـ يعقوب بيگ: تـ (896هـ/1491م)، ابن أوزون حسن، تمرد في بداية حكمه، كل من ألوند بيك بن خليل في شيراز وكوسه حاجي ـ من أعيان البايندرية ـ في أصفهان فقمع تمرده. وزحف پشنغ دواتدار قايتباي سلطان مصر على رأس جيش، إلى ديار بكر عام 885هـ/1480م. فأرسل يعقوب كلاًّ من بايندربيك وسليمان بيزن وصوفي خليل موصلو لمواجهته. وقتل پشنغ في هذه الحرب وفي تلك السنة قتل بالش بيك أمير أمراء الشام الذي كان يتطلع إلى السيطرة على ديار بكر، على يد جيش يعقوب. وقد قام يعقوب بتوطيد أركان الدولة خلال السنوات الاثنتي عشرة (883 ـ 896هـ/1478 ـ 1491م)، وظلت حدود أراضي الآق قويونلو في عهده كما كانت إبان موت أوزون حسن. وقال عنه الفضل بن روزبهان الخنجي في عالم آرا…: إنه كان خفاً صالحاً لسلفه أوزون (ص 150) ولا تتوفر معلومات كثيرة عنه، نظراً لعدم تردّد أي رحّالة على إيران في عهده، خلافاً لعهد أبيه، وكان تمرد الشيخ حيدر ابن الشيخ جنيد الذي انتهى بقتله يعدّ سياسياً أكبر تهديد واجهه في فترة حكمه. وأقر يعقوب جميع المناصب والإقطاعات التي كان والده قد منحها. كما قام عام 886هـ/1481م، «بإعفاء الناس من جميع الضرائب». وأشاد المؤرخون به لتشجيعه للعلم وحبّه للشعراء. وذكر الفضل بن روزبهان الخنجي: أن السلطان يعقوب توفي في يوم الخميس 11 صفر 896هـ/24 كانون الأول 1490م، في قره باغ، إثر مرض ألّم به. ولكن التفاصيل التي أوردها التجار البنادقة في رحلاتهم، حول سبب موت السلطان يعقوب، والتي تعتمد على الروايات الشفهية التي يرجع تاريخها إلى 914هـ/1509م، تشير إلى موته مسموماً على يد زوجته. وهو ما أكدته رواية أخرى (جمعية هاكليوت، 399 ـ 400؛ روملو 626 ـ 627).
8 ـ بايسنقر: (مقـ 897هـ/1492م)، وهو ابن يعقوب وخليفته وأكبر أولاده من زوجته گوهر سلطان خانم، ابنة فرخ يسار حاكم شيروان.
وكان أمراء قبائل الموصلو يساندونه لدعم صوفي خليل له، في الوقت الذي نجد فيه قبائل برناك وبايندر، كانت تناصر مسيح ميرزا أخا يعقوب. وفي الحرب التي دارت بينه وبين يعقوب قتل مسيح ميرزا ومجموعة من أنصاره ما عدا رستم ميرزا (حفيد أوزون حسن ودسپينا) الذي سجن في قلعة ألنجق. وفي عهد بايسنقر، خشي ميرزا إبراهيم بن دانا خليل والشهير بـ آيبة سلطان من قدرة سليمان بيزن أحد القادة في عهد يعقوب، فتوجه إلى نخجوان واستطاع أن يطلق سراح رستم بيك بن مقصود بيك، الذي كان صوفي خليل قد اعتقله فيها، واتجه إلى تبريز بمساعدة قبيلة استاجلو. وحدثت معركة بالقرب من مرند؛ فاضطر بايسنقر للجوء إلى والد زوجته فرّخ يسار في شيروان بعد خيانة جيشه وفر سليمان بيزن إلى ديار بكر. وبعد فترة ثار بايسنقر في شيروان فأسره علي پرناك، وجلب إلى تبريز في يوم الخميس 16 شعبان 897هـ/13 حزيران 1492م؛ وقتل في 17 رمضان/ 13 تموز في جبل سهند بعد أن حكم عشرين شهراً.
9 ـ رستم بيگ: (مقـ 902هـ/1497م)، وهو ابن مقصود بيك وحفيد أوزون حسن. دخل تبريز في أواخر رجل 897هـ/1492م، وتولى الحكم فيها. تمرّد في عهده كل من بديع الزمان ميرزا بن السلطان حسين ميرزا (بايقرا)، وكوسه حاجي بايندر، فقضى رستم بيك على تمردهما. كما شق عصا الطاعة كاركيا ميرزا علي في جيلان؛ فأرسل رستم بيك آيبه سلطان على رأس جيش من القاجاريين لقتال العصاة الجيلانيين. وهرب مير عبد الملك الحسين السيفي الذي كان يحارب إلى جانب ملك جيلان. ونهب الجيش القاجاري الذي كان مع آيبه سلطان «الكارود بار» في «لمسر» التي كانت تحت سيطرة كاركيا ميرزا علي، وأقاموا تلالاً من رؤوس القوات الجيلانية. وفي ذي القعدة 902هـ/ تموز 1497م، قتل رستم بيك في حربه ضد أحمد بيك بعد حكم دام خمس سنوات ونصف. ولم تبذل أية محاولة للحيلولة دون اضمحلال الآق قويونلو في عهده وقد أشاد القزويني بسخائه؛ كما أقرت أيام حكمه إقطاعات ومخصصات مختلفة للفقراء والمساكين، وهو إجراء لم يسبق له مثيل خلال فترة حكم هذه العائلة.
10 ـ أحمد بيگ: ابن أوغورلو محمد حسن بيك (مقـ 903هـ/1498م)، المشهور بگوده أو كوده أحمد، وكوده تعني قصير القامة وقصير الأطراف. ثار في عهد رستم بيك عام 902هـ/1497م، وقتل صهره حسين بيك علي خاني، عبد الكريم بيك لـَلِه، الذي كان من أنصار رستم بيك وأصحابه في السلطانية؛ وضرب النقود وخطب باسم أحمد بيك (أخو زوجته، أو أبو زوجته على رأي الغفاري). وحارب أحمد بيك رستم بيك مرتين في آذربيجان. وقد أعرض آيبه سلطان، الذي كان له الفضل في التمهيد لحكم رستم بيك، عن الأخير في الحرب الأولى وانضم إلى جيش أحمد بيك؛ واستطاع بالتعاون معه أن يهزم رستم بيك. وفي الحرب الثانية ألقي القبض على رستم وقتل. وحصل آيبه سلطان على ولاية كرمان مكافأة لتعاونه هذا. وتوجه إلى فارس في طريقه إليها؛ إلا أنه تمرَّد في تلك الديار على أحمد بيك بالتعاون مع حاكم تلك الناحية ملك قاسم بيك پرناك. وقتل أحمد بيك وشيخه نقطه جي أوغلي، والعديد من المقربين إليه في الحرب التي دارت بينهما وذلك في 18 ربيع الثاني 903هـ/14 كانون الأول 1497م. وآلت الآق قويونلو بعده إلى الزوال تدريجياً ولم تكن له علاقات ودية مع أمراء البلاط كما لم يصبح لعبة في أيديهم. ويتحدث القزويني عن اعتقاده بالشيخ نقطه جي أوغلي قائلاً: «لم يكن يتخطى ما يرسمه الشيخ له ولكن البخل كان غالباً على طبع الشيخ فكان يتضايق من منح الإقطاعات والوظائف»، ولهذا ابتعد عنه زعماء التركمان والاستاجلو شيئاً فشيئاً، وبدؤوا يتآمرون عليه سراً، وقد سعى لانتهاج أسلوب جده، أوزون حسن، بإلغائه الضرائب، وقطع أيدي ذوي النفوذ عن الظلم. والبدء بتغيير سياسة البلاد المالية. وكان إيمانه بذلك قوياً إلى درجة أنه اتخذ من اقتلاع جذور الظلم شعاراً له، نقشه على خاتمه، وألغى تبعاً لسيرة عمه السلطان يعقوب، كافة الأوامر والمراسيم الملكية السابقة والقاضية بمنح الإقطاعات إلى كبار رجال الدولة وقادة الجيش وأمرائه. وقد وردت عدة روايات عن تغير السياسة المالية في عهد أحمد بيك؛ يروي خواند مير: أن أحمد بيك أعلن للفلاحين والرعية بعد رجوعه من البلاد العثمانية أنه سيرعى العدالة من بعد هذا وعلى الرغم من قصر فترة سلطنته لم يتجرأ أحد على مخالفة الشريعة أو اغتصاب قشة من الرعية، وكان لا يقترف الآثام ويتجنب المسكرات ويعامل العلماء باحترام ويشير مؤرخو ذلك العهد أنه كان محباً للعدل، ولكن لا يعرف هل سنحت له الفرصة في فترة حكمه لتدوين ما كان يرومه في هذا المضمار بشكل قانون أم لا؟ ويرى القاضي أحمد الغفاري أن سياسة أحمد بيك كانت تعتمد على «النهج الرومي» (الأساليب العثمانية) (ص 255). وذلك لأنه ترعرع ونشأ في الأراضي العثمانية.
11 ـ ألوند بيك: تـ (910هـ/1504م)، وهو ابن يوسف بيك ابن أوزون حسن، عندما قتل آيبه سلطان السلطان أحمد بيك ضرب النقود وقرأ الخطبة باسم السلطان مراد ولكنه اخلتف بعد فترة معه وسجنه في حصن رويين دز، وتزوج أمه وتصالح مع ألوند بيك وأصحابه. واندحر ألوند بيك أمام محمدي ميرزا بن يوسف بيك بن حسن بيك في 904هـ/1499م وهرب إلى ديار بكر وأخيراً دخل في 905هـ/1500م تبريز واعتلى العرش. وحكم الوند أجزاء من الأراضي التي كانت خاضعة للآق قويونلو بضع سنين؛ ومن ثم انهزم في 907هـ/1501م، أمام الشاه إسماعيل، وذلك بالقرب من نخجوان وفرّ هارباً إلى ديار بكر، حيث توفي فيها بعد ثلاث سنوات.
12 ـ السلطان مراد: (مقـ 920هـ/1514م)، كان عند فرّخ يسار في شروان عندما أصبحت الخطبة والنقود باسمه. وحارب في مطلع 906هـ/1501م، ألوند بيك حوالي قزوين وأبهر وأسفرت هذه الحرب عن الصلح بينهما على أن تعطى العراق وفارس إلى السلطان مراد وآذربيجان وديار بكر إلى ألوند بيك. وحارب السلطان مراد الشاه إسماعيل بالقرب من همدان في يوم الاثنين 24 ذي الحجة 908هـ/20 حزيران 1503م، واندحر أمامه. وفرَّ هارباً إلى شيراز، ومن ثم إلى دزفول فبغداد، حيث لجأ إلى باريك بيك برناك، وحكم هناك خمس سنوات ونصف. وأخيراً وفي 914هـ/1509م، ذهب إلى قرامان اروم مع باريك بيك الذي كان حاكماً بلا منازع على العراق، وذلك خوفاً من توجه قوات القزلباش إليها. وقُتل السلطان مراد في 920هـ/1514م، على يد دورمش بيك شاملو في ديار بكر، حيث أرسل رأسه إلى الشاه إسماعيل في تبريز وانقرضت بذلك «دولة سلالة الآق قويونلو». وقد تحدث القزويني عن النهب والسلب. والظلم والجور، وجمع الضرائب بالقوة، والصراع بين الأمراء، وقطع الطرق التي كانت في عهد السلطان مراد (ص 377).
سقوط الدولة
بدأت الامبراطورية التي أسسها أوزون حسن بالانهيار في عهد آخر أفراد عائلة الآق قويونلو؛ أي ما بين حكم بايسنقر ومراد. وكانت التطورات التالية للامبراطورية متوقعة منذ أن عين السلطان علي، ابن الشيخ حيدر الصفوي، خليفة لرستم. وبعد انتصار ألوند بيك على دايي قاسم بن جهانگير بالقرب من ماردين، وسيطرته على تلك المناطق بقيت هذه الأراضي تحت سيطرة الآق قويونلو إلى ما قبل 1913هـ/1507م. وانتهى حكم التركمان تقريباً في نفس الفترة التي هرب فيها مراد من بغداد إلى الأراضي العثمانية. وبانقراض هذه السلالة توقفت هجرة التركمان من الأناضول باتجاه الشرق وآذربيجان، والمناطق الجبلية في إيران. وكانت دولة الآق قويونلو إحدى الدول التي أرسيت قواعدها خلال تلك الهجرات ويبدو أنها كانت ناجحة في بداية الأمر، إلا أنها لم تدم طويلاً ذلك أن هذه الدول الناشئة على عجل، قامت على عواتق عباقرة دون أن تحظى بأنظمة سياسية صحيحة منظمة تضمن استمرارها. ولهذا فقد انقرضت حكومة الآق قويونلو بأسرع مما كان يتوقع لها. وبعد استلام الصفويين لمقاليد الحكم قام أحد أفراد عائلة الآق قويونلو بتأسيس السلالة القطب شاهية في الهند.
الأوضاع الثقافية
عهد الآق قويونلو من إحدى الفترات القصيرة المزدهرة ثقافياً، ورغم أن ملوك هذه العائلة كانوا من الأتراك، إلا أنهم كانوا يدعون الثقافة الإيرانية. وبعد أن اتخذ أوزون حسن تبريز عاصمة له في 874هـ/1469م، انسجم مع البيئة الإيرانية التي كان يعيش فيها، وأصبح في عداد الملوك الإيرانيين. وكان يفتخر بإيرانيته، رغم أصله التركي. وقد قضى أكثر سني حكمه في إشاعة العلم والمعرفة وتشجيع الفنون كما أن السلطان عمل على نشر الثقافة، وتشجيع الشعراء، بما بذله أستاذه الوزير القاضي، عيسى الساوجي من جهود، وهو الذي كان شاعراً (أشار فلوگل إلى نسخة من ديوانه الموجود في فيينا: 1/575 ـ 576) وكان أولئك في الحقيقة ورثة الثقافة التيمورية. كما كان أكثر أفراد هذه الأسرة من هواة الشعر. وقد أشاد الفضل بن روزبهان الخُنجي بعدد من الذين اشتهروا بحبهم للعلم والمعرفة، فأشار خاصة إلى إبراهيم بن جهانگير الذي كان شاعراً وفيما يلي أسماء بعض المشهورين في تلك الفترة: علاء الدين علي بن محمد الشهير بالقوشجي (تـ879هـ/1474م)؛ الشاعر الخطيب بابا فغاني الشيرازي (تـ حـ 925هـ/1519م)؛ الشاعر أهلي الشيرازي (تـ942هـ/1535م)؛ الشاعر والخطاط والموسيقار كمال الدين شير علي البنائي (تـ918هـ/1492م)؛ الشاعر والأديب والعارف نور الدين عبد الرحمن الجامي (تـ 898هـ/1512م)؛ الفيلسوف والمتكلم الشهير جلال الدين الدّواني (تـ907هـ/1503م).
تشيع آق قويونلو
أجمع المؤرخون على أن إحدى هاتين الدولتين آق قويونلو (البايندرية) وقراقوينلو (البارانية) هم من الشيعة ولكن اختلفوا في تعيين ذلك وقد ذهب أكثر المحققين ومنهم القاضي نور الله التشتري في مجالس المؤمنين [ج2، صفحة 367 ـ 370] أن قراقوينلو هم من الشيعة كما نص في (أعيان الشيعة) على تشيع قراقوينلو وأبدى تحفظه في حق آق قويونلو حيث قال: (… وهناك طائفة أخرى من التركمان تعرف بآق قويونلو استولت على ديار بكر ولواحقها من سنة 780 هجرية إلى سنة 908هـ ملك منها تسعة أمراء وهذه لم يوقف لها على آثار في التشيع.
نعم يقال: إن رأسهم أبو النصر حسن بك ابن أمير علي بن عثمان كان شديد المحبة المحبة والإخلاص للشيخ صفي جد الملوك الصفوية وقد زوج السلطان جنيد أخته والسلطان حيدر بن جنيد ابنته، وأما الطائفة الأولى: فقد قال صاحب مجالس المؤمنين: إنهم كانوا شيعة…)([158]).
أقول: بعد التحقيق والتفحص الدقيق في المصادر المخطوطة والمطبوعة، ونقود الدولتين، وألواح قبور أمرائهم وسلاطينهم، وما هو مكتوب على المساجد والتكايا تحقق لي أن الدولتين آق قويونلو وقراقوينلو هم من الشيعة وكان أمراؤهم يتجاهرون بالتشيع ويتعصبون للشيعة وسنذكر في هذا الفصل تشيع آق قويونلو بإيجاز، ويأتي ذكر تشيع قراقوينلو المتفق عليه في محله إن شاء الله.
1 ـ مما لا شك فيه أن سلسلة قبائل آق قويونلو كانت في أول أمرها تعتنق المذهب السني ولكن في القرن التاسع الهجري عندما اتسعت موجة المذهب الشيعي في إيران مالت هذه القبيلة كسائر الشعب الإيراني إلى التشيع وأصبحت من الشيعة. وكما نرى أن هذه القبيلة لم تكتف بقبول التشيع فقط بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث إن أبا النصر أوزون حسن المعروف بـ حسن الطويل بن علي بيك بن قره عثمان المولود حدود سنة 828 هجرية والمتوفى سنة 882 هجرية خامس أمراء آق قويونلو وأقوى سلاطين الدولة البايندرية. كان شديد المحبة والإخلاص للشيخ صفي الدين الأردبيلي العارف المعروف جد السلاطين الصفوية وانخرط في سلكهم وتأثر تأثراً عميقاً بالتشيع([159]). وكان يشارك في جميع الاحتفالات المذهبية الشيعية والمناسبات الدينية في أيام موالد ووفيات الأئمة الأطهار، ولا سيما في العاشر من المحرم وما إلى ذلك، كما زوج الشيخ جنيد بن إبراهيم الصفوي الأردبيلي جد سلاطين الصفوية أخته خديجة بيكم وبعد قتل الشيخ جنيد في حربه مع شروانشاه تزعم طائفته ابنه الشيخ حيدر الصفوي الموسوي فزوج أوزون حسن ابنته الأميرة مارتا التي سميت فيما بعد (عالم شاه بيكم) وسماها صاحب حبيب السير حليمة بيگي([160]) من الشيخ حيدر الصفوي وهو من متطرفي الشيعة وأقطاب الصوفية وكان ثمرة هذا الزواج ولادة الشاه إسماعيل الصفوي الأول مؤسس الدولة الشيعية الصفوية في إيران الذي تولى الملك عام 907هـ/ وتوفي سنة 930هـ.
2 ـ وفي وفي عصر حكومة آق قويونلو تأسس أربعة آلاف خانقاه وزاوية للدراويش الصفوية حيث كانت هذه الأماكن مراكز نشر المذهب الشيعي وتجمع الصوفية مما مهد الطريق لوصول الصفويين إلى الحكم مما يؤكد عمل حكام وأمراء وسلاطين آق قويونلو لنشر التشيع ومدى رسوخ المذهب الشيعي في أذهانهم ونفوسهم.
3 ـ هناك أحكام ومراسيم صدرت من جانب أبي النصر أوزون حسن (الطويل) وابنه يعقوب وحفيده ألوند في خصوص تفويض وتعيين متولين على موقوفات العتبات المقدسة وهناك صك يخص روضة السيدة فاطمة في قم يظهر من نصه تشيع هذه الدولة([161]).
4 ـ شاهدنا شواهد قبور في مدينة قزوين وغيرها لأمراء وزعماء من آق قويونلو منقوشاً عليها صورة خروف ثم لا إله إلا الله، محمد رسول الله علي ولي الله وعلى بعضها بعد لا إله إلا الله أسماء أصحاب الكساء الخمسة (عليهم السلام) وهذا مما يثبت تشيعهم بلا ريب.
5 ـ في عصر حكومة آق قويونلو بالعراق ظهرت موجة شيعية متطرفة كان يتزعمها أحد العلويين من ذرية الإمام موسى الكاظم (ع)، وهو السيد محمد بن السيد فلاح الموسوي المشعشعي الملقب بالمهدي المتوفى سنة 875 هجرية، والمعروفة حركته بالحركة المشعشعية، وقد تمكن من تأسيس إمارته في الحويزة، وإدعى المهدوية فيها عام 848هـ. ثم امتدت حدود هذه الإمارة من البصرة إلى البحرين، ولم يتعرض أمراء وحكام آق قويونلو لهذه النهضة الشيعية المتطرفة ولا لتأسيس إمارتهم داخل حدود حكومتهم التي كانت تمتد آنذاك من بحر عمان إلى القفقاس، بل بالعكس كانت تربط روابط وثيقة وعلاقات مودة متينة بين دولة آق قويونلو وأمرائها وبين المشعشعيين حيث نرى أن الأمير مقصود بيك حاكم بغداد عندما غضب عليه والده السلطان أبو النصر حسن (الطويل) التجأ الأمير مقصود بيك ووزيره خليل بيك المعروف بـ [دانا خليل] إلى المشعشعيين([162]). ثم تشفع له المشعشعيون عند والده السلطان أبي النصر حسن الطويل وقبل السلطان شفاعتهم، ومن الواضح أنه لو كان أمراء وحكام دولة آق قويونلو من غير الشيعة لما كانت هذه المودة، وهذه الروابط الأخوية الوثيقة بين المشعشعيين الشيعة المتطرفين في تشيعهم وبين آق قويونلو وهي عين ما كان بين آق قويونلو وزعماء الصفويين في إيران مما مر ذكره.
6 ـ من أهم الوثائق والمستندات الرسمية التي تثبت تشيع دولة آق قويونلو وتُزيل جميع الشكوك، كما تضع هذه الدولة كلياً في مصاف الدول الشيعية في التاريخ الشيعي هي نقود دولة آق قويونلو التي ضربتها هذه الدولة الشيعية وكانت رائجة في طول البلاد وعرضها. إذ إنه بعد أن تمكن أبو النصر حسن الطويل من وضع حد للاضطرابات المحلية والنزاعات القبلية ووضعت الحروب الأهلية أوزارها واستقرت الأوضاع لصالح دولة آق قويونلو، وقد امتدت حكومتهم من خراسان إلى بغداد ومن القفقاس إلى بحر عمان، قام بإصلاحات إدارية ومالية وسياسية واجتماعية وتحسنت الأوضاع الاقتصادية في البلاد ومن الإجراءات التي قام بها، ضرب النقود والمسكوكات باسم دولة آق قويونلو حيث كانت النقود الرائجة من عهد فخر الدين قره عثمان مؤسس دولة آق قويونلو وابنيه علي بيك وحمزة بيك هي النقود الجلايرية والتيمورية لأنهم لم ينالوا من الرفاه والسعة ما يؤذن لهم بضرب النقود وقد كانوا في حروب مستمرة لتثبيت أركان حكومتهم. وجاء العصر الذهبي لدولة آق قويونلو في عهد السلطان أبي النصر حسن (الطويل) حيث ازدهرت الأحوال وتحسنت الأوضاع التجارية والاجتماعية والعلمية وتأسست المساجد والمدارس والتكايا وغيرها من مظاهر الرقي والحضارة.
وقد فتحت هذه الدولة العراق في 14 جمادى الثانية سنة 874 هجرية (1470م) وامتدت حكومتهم إلى 15 جمادى الثانية سنة 914 هجرية (1508م) والمضروب من النقود ببغداد لهذه الدولة شاهدنا بعضه، ومن تلك النقود ما هو مؤرخ سنة 875 هجرية ومنقوش على وجه منه (الله، لا إله إلا الله، محمد، رسول الله) وفي هامش هذا الوجه تاريخ سنة الضرب وهو (سنة خمسة وسبعين وثمانمائة). ومنقوش على الوجه الثاني: (علي ولي الله الحسن وأبو عبدالله الحسين سبطا رسول الله، ضرب بمدينة السلام بغداد).
وعندنا بعض هذه النقود وتوجد مجموعة منها في المتحف العراقي ببغداد. ويقول المؤرخ العراقي عباس العزاوي في كتابه تاريخ النقود العراقية لما بعد العهود العباسية (دولة آق قويونلو: هذه الدولة تسلطنت على العراق من 14 جمادى الآخرة سنة 874هـ. (1470م) إلى 15 جمادى الآخرة سنة 914هـ (1508م) ولم تردنا أخبارها في النصوص التاريخية واضحة لنعرف أسماء نقودها ولا كشفت المتاحف عما هناك بكثرة… ومن النقود التي عثرت عليها ما جاء مؤرخاً في سنة 875 هجرية، جاء في صفحة منه: (الله، لا إله إلا الله، محمد، رسول الله) وفي هامش هذه الصفحة (سنة خمسة، وسبعين وثمانمائة). وفي الصفحة الأخرى منه: (علي ولي الله الحسن وأبو عبدالله الحسين سبطان (كذا) رسول الله، ضرب بمدينة السلام بغداد، وليس في هذه الصفحة هامش…)([163]).
وجاء في كتاب (مسكوكات قديمة إسلامية قتالوغي) عن نقود هذه الدولة التي ضربت في بغداد على يد يعقوب بيك ابن السلطان حسن الطويل: جاء في وجه منه (السلطان العادل يعقوب خان، ضرب ببغداد) وفي الوجه الثاني منه {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الآية: 7]([164]).
ومن نقود آق قويونلو التي ضربت في بغداد جاء في وجه منها، (الله وعلي، الله وعلي، الله وعلي، الله وعلي) وفي الوجه الثاني جا: (الله، محمد، علي، حسن، حسين، جعفر الصادق) (منها مجموعة في المتحف العراقي ببغداد) وموضع الضرب غير معروف إلا أن المؤرخين والمحققين يعتقدون أنها ضربت في بغداد، وتردد الأستاذ زانباور بين الحلة وبغداد ولم يقطع بواحدة منها ولم يعين لهذا النقد تاريخاً، كما شكك عباس العزاوي ونسب ذلك خطأ إلى المشعشعيين، ويقول عن نقود المشعشعيين: (إن تاريخ النقود يثبت مجمل الوقائع السياسية، ويعين صحة التواريخ بالضبط، وتهمنا نقود المشعشعيين، وهذه نرى فيها اضطراباً كبيراً كوقائعهم، وما يتخللها من فجوات فلا يوجد لهم تاريخ مكتوب بترتيب مطرد، ولا نقود متوالية إلا أن عملنا أن ندون ما عرف مع العلم أنهم حكموا واسط والحلة والنجف وبقاعاً عراقية كثيرة كما حكموا أنحاء خوزستان (الحويزة) فإذا كانت نقود المشعشعيين مجهولة في الأغلب فلا يترك المعروف، وقد مضى البحث في نقود آقا قويونلو وما عثر عليه من نقود في أيامهم، وعلاقة المشعشعيين بهم ما يوضح صفحة من هذا التاريخ([165]).
أقول: إن نقود المشعشعيين معروفة، منها ما ضرب في سنة 914 هجرية في مدينة شوشتر، ثم ما ضرب في مدينة دزفول وغيرها وذكر فيها اسم (المهدي بن المحسن الشوشتري المشعشعي). كما نعلم أن علاقات المشعشعيين كانت وثيقة بدولة آق قويونلو ولم ينكر هذه الحقيقة عباس العزاوي فهو يقول: (… وفي هذا ما يعني متابعة والي بغداد للمشعشع أو الاتفاق معه وهو الصواب أو ضربت بأمل الفتح. والحوادث غامضة إلى سنة 877 هجرية فما بعدها… قلت: في حوادث سنة 875هـ (1470م) إدارة بغداد أيام هؤلاء: دانا خليل والأمير مقصود بيك بن حسن الطويل، كانت غامضة لقلة التدوينات عن الحوادث المتعلقة بالعراق، وتحول الاهتمام الكبير إلى مراكز الحوادث الجسام، وما خلفته من أثر، وكل ما علمناه أن السلطان كان قد رأى ابنه أوغورلو محمد قد هرب من بغداد ومضى إلى الروم فغضب على ولده مقصود بيك وعلى أتابكه (دانا خليل) فهرب هذا وذهب إلى المشعشع… ومن هنا نعلم العلاقة بالمشعشع وضرب النقود حسب رغبته. وكان مما دعا للالتباس في هذا النقد غموض تاريخه، ولكن زال هذا الالتباس بالنقد الذي عثرت عليه. وجاء ذكر نقدين آخرين من نوعه ولا يهم ما إذا كانا في عين التاريخ أو مقاربين له فالوضع واحد والزمان لم يكن متباعداً، ولعل في مجاميع النقود الأخرى ما تتجلى به الحالة ويزول الابهام، ولا شك أنها من ضرب هذه الأيام، أو ما تلاها من السنين القريبة، والسكة متماثلة لما عندي وأما الأخرى فإنها تفترق قليلاً…)([166]).
يقول عبد الحسين الصالحي: أكثر هذه النقود قد نص على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والأئمة من ذريته ويطول علينا شرح ذكر جميعها. كما ضربت قبل هذه السنوات نقود في إيران نص فيها على ولاية الأئمة الأطهار. وقد ذكر والدي قدس سره في كتابه الغرر والدرر عن مجامع خطية قديمة، ولم يذكر أسماءها قال: ضربت جميع نقود آق قويونلو باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والحسن والحسين وجعفر الصادق (ع). كما كانت قراءة الخطب في المساجد والتكايا باسم الأئمة الاثني عشر ولاسيما المهدي المنتظر (ع).
7 ـ إن آق قويونلو لم يركزوا دعائم التشيع في إيران والعراق فحسب بل نقلوا المذهب الشيعي إلى مقاطعة الدكن في جنوب الهند وأسسوا دولة القطب شاهيه التي هي من أشهر وأهم الدول الشيعية في شبه القارة الهندية ومؤسس هذه الدولة هو السلطان قلي قطب شاه ابن الأمير أويس قلي ابن الأمير بيرقلي ابن الأمير ألوند ابن الأمير اسكندر ابن الأمير فخر الدين قرا عثمان الآق قويونلو المولود في قرية سعد آباد من توابع مدينة همذان سنة 860هـ (1454م) والمقتول في صلاة العصر بحال السجود وذلك في جمادى الثاني سنة 950هـ (1543م) وقد دفن في مقبرته الخاصة المعروفة بمقبرة القطب شاهيه في الدكن، وكانت هجرته إلى الهند في أيام إمارة الأمير يعقوب بن أبي النصر حسن الطويل المتوفى سنة 896هـ (1491م) على أثر خلاف فيما بينهم وأسس دولته القطب شاهيه هناك. وقد شجعت هذه الدولة العلم والفضل وتقاطر العلماء والأدباء وشعراء الشيعة من كل حدب وصوب على بلاطهم وقصده العلماء من جبل عامل والعراق وإيران وغيرها، ولهم آثار ومآثر باقية حتى اليوم منها بناء الكثير من المدارس والمساجد والحسينيات ومن أشهر ملوك القطب شاهيه السلطان إبراهيم ابن السلطان قلي قطب شاه المتوفى سنة 989هـ (1580م( ومن منشآته العمرانية التي اشتهر بها والتي يذكرها فيشكرها أبناء حيدر آباد إلى الآن بحيرة كبيرة اسمها (تالاب حسين ساگر) وقد سمى هذه البحيرة باسم أحد أعاظم علماء الشيعة في عصره وهو السيد حسين شاه ولي وكان صهراً للسلطان. ومن أشهر وزرائه نظام شاه الأصفهاني الذي له إصلاحات هامة هناك. ومنهم السلطان محمد قلي قطب شاه ابن السلطان إبراهيم قطب شاه المتوفى سنة 1021 هجرية الذي بنى مدينة حيدر آباد وسماها بهذا الاسم تبركاً باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) لأن حيدر من ألقاب الإمام (ع) وذلك في سنة 999هـ (1590م) ومن عماراته الرائعة التاريخية (جهارمنار) التي أسست لتكون جامعة شيعية عالية وهي تقع في وسط المدينة، وهي من أشهر الآثار الإسلامية الشيعية إلى اليوم في الهند، ومن آثاره المعروفة في حيدر آباد حسينية عظيمة هي من آيات الفن المعماري العجيب، وتعرف هناك باسم (بادشاهي عاشور خانه) وتقام فيها المآتم والمواليد للأئمة الأطهار وخاصة في المحرم ويوم عاشوراء، وتصرف النفقات من موقوفاتها الخاصة. وكان هذا السلطان مولعاً بنظم الشعر وله مدائح ورثاء في الأئمة الأطهار، كما كانت تربطه علاقات وثيقة مع الشاه عباس الصفوي. ومنهم السلطان محمد قطب شاه المتوفى سنة 1035 هجرية وفي أيامه قصد الهند الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي فقربه واستوزره([167]). كما صدرت في أيام حكومة القطب الشاهيه في الهند عشرات الدواوين الشعرية بالعربية والفارسية والأوردوية في مدائح أمير المؤمنين علي والأئمة الأطهار(ع) يطول علينا شرحها.
عبد الحسين الصالحي
«راجع القطب شاهيه»
رأي آخر
على أن باحثاً إيرانياً كتب خلال بحثه عن الصراع العثماني الصفوي ـ كتب ما تعريبه:
إن الخلفاء العثمانيين كانوا في خشية وريب من هذه الجماعة (القزلباش) مع ايديولوجيتها الثورية فحاولوا القضاء عليها وابادتها. كما أنهم شجعوا حكومات آق قويونلو على الاطاحة بها واغتيال الشيخ حيدر (الصفوي)؛ ولهذا نرى أن يعقوب بيك حاكم آق قويونلو وحليف العثمانيين بعد أن قتل الشيخ حيدر أرسل رسالة إلى السلطان بايزيد العثماني يبشره فيها بهذا النبأ وجاء في الرسالة: «ان شجاعتهم في الحرب لم تستمر من الظهر حتى العصر، وان كؤوس رؤوسهم امتلأت بالدماء بفضل السيوف الصمصامية، وإن أنجاس هؤلاء الخبائث غُسلت من صفحات الحياة، وان الشيخ حيدر قتل في المعركة وان سفينة حياته لم تتمكن أن تصل إلى ساحل النجاة إثر تلاطم أمواج الهلاك (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). وبما أن هذه الفرقة العتالة، أعداء الشريعة النبوية، وخصوم الطريقة المرتضوية، والخارجين عن الدين والدولة فإن بشارة خذلانهم هي خير بشارات أصحاب الدين والأمة، واعظم مسرات رجال الدولة وكان من الواجب أن نقدم هذه البشرى إليكم».
فأعرب السلطان بايزيد العثماني عن ارتياحه وسروره من مقتل الشيخ حيدر في رده على رسالة يعقوب وأساء إلى الصوفيين القزلباش وأنشد بيتين من الشعر في ذمّ هؤلاء.
يقول فريدون بيك في المنشآت: بعد أن تسلم الوند ميرزا بن يوسف بن اوزون حسن السلطة في آذربايجان، والسلطان مراد بن يعقوب آق قويونلو، استمر تبادل الرسائل بينهم وبين بايزيد العثماني وان جميع هذه الرسائل تشير إلى التعاون بين العثمانيين وآق قويونلو في القضاء على الشاه إسماعيل وانصاره من الشيعة (انتهى).
فإن صح هذا فهو من باب المصالح السياسية والمنازعات الدنيوية التي تطغى أحياناً كثيرة على كل شيء.
التطور العسكري من عهد آق قويونلو
إلى أوائل عهد الصفويين
كان الانتقال من عهد آق قويونلو إلى عهد الصفويين حدثاً بعيد الأثر.
وفي هذا المقال يتحدث الكاتب عن جانب هام من جوانب هذا الانتقال هو الجانب العسكري. وبالرغم من الإطناب الوارد في المقال عن فترة الشاه طهماسب، مما يجعله أقرب إلى تاريخ الصفويين منه إلى تاريخ آق قويونلو، فإنه يظل في صميم تاريخ آق قويونلو المرتبط إلى حد بعيد بتاريخ نشوء الصوفيين:
في هذا المقال مقارنة بين جيش الملك طهماسب الأول الصفوي، وجيش أوزون حسن آق قويونلو، وقد جرت هذه المقارنة وفقاً للوثائق التاريخية التي ترجع إلى زمن الصفويين والآق قويونلو. وحيث إن هذه الوثائق تحتوي على أمور مهمة ترتبط بالمناصب الإدارية والعسكرية وأسماء الرجال والشخصيات البارزة في زمن الملك طهماسب والملك أوزون حسن، ومن ثم فهي تحظى بأهمية تاريخية خاصة.
سنحاول في هذه المقالة أن نتعرض لمقارنة الأمور المتشابهة والمتباينة بين عرض قام به جيش أوزون حسن، وعرض قام به جيش الشاه طهماسب، ثم نوضح النتائج التي نحصل عليها من التحليل والمقارنة بين الجيشين.
كان لظهور دولة الآق قويونلو على يد أوزون حسن (782 ـ 882هـ) أهمية خاصة في تاريخ إيران وغرب آسيا، وقد كان لهذه الشخصية العسكرية والسياسية في طول الفترة التي حكمت فيها قواعد وأنظمة خاصة، استمر تأثيرها لفترات متمادية، وربما جاز القول إن بعض الأنظمة الإدارية والعسكرية في العهد الصفوي قامت على أساس الأنظمة الإدارية والعسكرية للآق قويونلو، رغم أنها لم تكن متشابهة في كل شيء.
في عام 881هـ كان أوزون حسن في حرب گرجستان، فقام ابنه السلطان خليل (882 ـ 896) حاكم ولاية فارس بإجراء استعراض عسكري للقوات الخاضعة لقيادته. وقد قام العالم والمحقق المعروف جلال الدين الدواني بوضع رسالة، تعتبر على صغر حجمها وقلة المواضيع التي تتناولها من أهم الوثائق التاريخية في إيران خصوصاً فيما يتعلق بالوظائف والمناصب العسكرية وغير العسكرية في إيران خلال ذلك العصر.
لقد قام الكاتب وهو من ذوي المناصب المهمة في الجهاز الإداري للآق قويونلو وفي نفس الوقت من العلماء البارزين في عصره، قام بمساع حثيثة لوصف جيش أوزون حسن بصورة دقيقة جداً. حيث يستغرق استعراض هذا الجيش ثلاثة أيام، وقبل البدء بالاستعراض يأمر السلطان صاحب الجيش الخبير بشؤونه الأمير الأعظم حسين بيك تواجي بجمع أفراد الجيش في الصحراء، وتناط برجل الدين الكبير مهمة تجميع الأكابر والأعيان والشخصيات الدينية في موضع خاص.
في اليوم الأول من الاستعراض يجلس السلطان خليل آق قويونلو في مجلس خاص مشرف على محل الاستعراض، ويجلس الأمير أعظم حسين بيك والأمير هداية الله بسيوفهما إلى جانبيه، ويتخذ الندماء والمطربون مواضعهم بين جالس وواقف، ويمر إزاء السلطان حسب الترتيب، الصدر الأعظم على فرسه ثم السادات والعلماء والأئمة وبعدهم خلفاء الكبيرية والمرشدية([168])، والقراء والمؤذنون وأصحاب الرايات ويأتي بعدهم الدراويش، وهنا نلاحظ أن السلطان يقدم طبقة العلماء ورجال الدين على الآخرين ولا يريد اختلاط شخص بهم.
وفي اليوم الثاني يبدأ استعراض الجيش بجناحية الأيمن والأيسر، وقبله يتقدمه الأمراء، ويمر هؤلاء إزاء السلطان بالترتيب التالي:
1 ـ الجناح الأيمن للجيش: وعدد10044 شخصاً منهم 2392 من ذوي الدروع، و3752 من الرماة و3900 من الخدم.
2 ـ الجناح الأيسر للجيش ومجموعة 7370، منهم 1731 من ذوي الدروع، و3752 من الرماة، و3900 من الخدم.
3 ـ مقدمة الجيش ومجموعها 9608 شخصاً، منهم 3946 غلاماً، و932 من ذوي الدروع و3014 من الرماة، و1716 من الخدم.
4 ـ المقربون والخواص: ومجموعهم 7227 شخصاً، منهم 3716 من أبطال الحرب، و583 من ذوي الدروع و2928 من الرماة، وعشرة أشخاص من رجال البلاط.
5 ـ رجال الدين والعلماء ومعهم 1078 من الرماة والخدم وحاملي الدروع و360 من الكتاب وأهل القلم.
6 ـ الغلمان الخاصون: ومجموعهم 4195 شخصاً، منهم 810 من ذوي الدروع، و160 من الرماة، و188 من الحجاب ورؤساء التشريفات، و244 شخصاً من الطباخين و86 شخصاً؟ و26 شخصاً من الصيادين، و388 شخصاً من الرجالة، و184 شخصاً من الموسيقيين، و50 شخصاً من ضاربي الطبل، و34 شخصاً من حملة الركاب، و37 شخصاً من سعاة البريد، و26 شخصاً من حملة المشاعل، و28 شخصاً من السعاة، و72 شخصاً من جال المطابخ، و110 من الفراشين، و188 من المرافقين، و46 شخصاً من الراعاة، و58 من عمال المكتبة الملكية، و98 شخصاً من عمال الطرب، و56 شخصاً من حملة الرايات، و86 شخصاً من الصناع، و36 شخصاً من السقاة، و340 شخصاً من أمراء الأكراد، و350 شخصاً من قادة قبيلة سول([169])، و494 شخصاً من حراس القلاع والشوارع.
وفي اليوم الثالث للاستعراض يقوم جميع هؤلاء الذين أشرنا إليهم في التجمع في صحراء أمير بند بحيث يشكل جميع العسكريين وغير العسكريين دائرة منتظمة ويجلس السلطان في وسط هذه الدائرة حتى يتمكن من مشاهدة صفوف المستعرضين، وفي أثناء ذلك يأخذ الحاضرون بالهتاف للإعراب عن سرورهم بحضور الأمير.
ويستنبط من تفاصيل رسالة جلال الدين محمد الدواني أن المناصب والمراتب (التي يقسمها البروفسور مينورسكي إلى مجموعتين عسكرية وغير عسكرية) كانت كالآتي:
1 ـ الأمراء (أبناء الملك): وكان لهم مقام شامخ بين الأمراء العسكريين والإداريين في نظام الآق قويونلو.
2 ـ الأمراء الآخرون ويسميهم البعض بالأمراء العظام، ويكتفي البعض الآخر بوصفهم بالأمراء، والأمير الأقدم بينهم هو أمير ديوان السلطان خليل.
3 ـ الضباط [على غرار ضباط أركان الحرب] وهم مسؤولون عن جميع أفراد الجيش وترتيبهم.
4 ـ أفراد الجيش الذين يقسمون إلى المدرعين والرماة والخدم.
5 ـ المرافقون للأمراء أو الغلمان الخاصون أو الوحدة الخاصة.
6 ـ أما غير العسكريين فيشتملون على الشخصيات التالية:
أ ـ الصدر أو رجل الدين الكبير، وهو على رأس الهرم في المؤسسات الدينية للدولة.
ب ـ الوزير: ويحتمل أن يكون مشرفاً على إدارة جميع الأمور المدنية.
ج ـ صاحب الديوان وهو مسؤول الضرائب ويدعى الخواجه.
د ـ طبيب الأمراء ويحمل لقب مولانا، ويأتي اسمه بعد اسم الصدر.
هـ حامل الختم وهو في عداد المرافقين المقربين.
و ـ الحاجب والطباخ وسائر أصحاب الأعمال الأخرى من أهل الطرب والخدم والرعاة، وهؤلاء يختلف عددهم حسب مقام ومنصب الحاكم.
استعراض جيش الملك طهماسب
كان استعراض جيش الملك طهماسب من أهم حوادث العصر الأول للحكومة الصفوية، ومن الناحية العسكرية والاجتماعية كان يمثل التحول الحاصل بين زوال دولة التركمان وظهور الدولة الصفوية.
كانت الغاية السياسية والعسكرية لهذا الاستعراض العسكري وغير العسكري ترتبط بعلاقة إيران مع الأوزبك، ففي عام 916هـ.ق أي بعد مضي ثلاثة قرون على غارات المغول والتتر، والأقوام المختلفة في آسيا المركزية على إيران، استطاع الملك إسماعيل الأول مؤسس الدولة الصفوية في معركة مرو أن يهزم الأوزبك بقيادة محمد خان الشيباني، بجيشه المؤلف من القزلباس الذين كانوا من أفضل جيوش الصفويين وأكثرها فداء وتضحية وشراسة في الحرب. وفي الحقيقة كان هذا الانتصار نقطة انعطاف في التاريخ العسكري والسياسي لإيران، لأنه استطاع من جهة أن يحطم الجناح الشرقي لجبهة قوية مكونة من اتحاد العثمانيين والأوزبك ضد إيران، ومن جهة أخرى أظهر القوة العسكرية المركزية الحديثة الظهور التي كانت تضمن الاستقلال السياسي والديني للدولة الصفوية الحديثة.
لفتت حرب جالداران التي وقعت بعد أربع سنوات نظر الدولة العثمانية برغم التفاوت وعدم التكافؤ بين القوى والتفوق التقني للعثمانيين، إلى وجود قوة جديدة في الحدود الشرقية للامبراطورية، وفي نفس الوقت لفتت نظر الدولة الصفوية الفتية إلى النقص الموجود في جيشها من حيث التجهيز بالأسلحة النارية، ومن ثم أوجدت عناصر جديدة في الجيش الإيراني منذ ذلك الحين واستحدثت تغييرات في الكيفية الحربية وفقاً لمتطلبات ذلك العصر.
على الرغم من عدم معرفة التاريخ الدقيقة لاستعمال الأسلحة النارية في الجيش الإيراني، ولكن يمكن الذهاب إلى الاعتقاد، من خلال ما ورد في الكتب التاريخية بأن استعمال البندقية جرى لأول مرة في زمن الآق قويونلو، واستعمال المدفع والبندقية في زمن الملك طهماسب، ودليلنا في ذلك هو الإشارات التي أوردها بعض مؤرخي الدولة الصفوية.
تحمل الوثائق والمستندات الصفوية في طياتها إشارات إلى الحروب والمناصب والمراتب العسكرية وأساليب الحرب، وتعتبر دراسة جميع هذه الوثائق ذات أهمية كبرى في التحقيق بشأن التاريخ العسكري لإيران، وسنهتم نحن في هذا المقال بذكر استعراض عسكري جرى بأمر الملك طهماسب الأول في حرب هراة، ولأنه يتعلق بالموضوعات العسكرية للعهد الصفوي الأول، فهو يحظى بأهمية كبيرة.
بعد وفاة الملك إسماعيل في 930هـ عزم عبيد خان الأوزبكي ابن أخي محمد الشيباني على الانتقام لهزيمة (رود آمويه) ومن ثم هجم على خراسان مع جمع كثير من طوائف الأوزبك والقلمون والقرقيز والقزاق والقيجاقي والأتداري والأنديجاني مع عدد من الزعماء مثل سونجك محمد سلطان وكوجم خان وأبي سعيد سلطان، وباشروا بأعمال القتل والنهب.
تحرك الملك طهماسب عام 935هـ للتصدي لهؤلاء المهاجمين والتقى بهم في ناحية جام، وعلى الرغم من هزيمته في بادىء الأمر إلا أنه عاد وهزم أعداءه في اليوم التالي المصادف لعاشوراء من عام 935هـ، وكبدهم خسائر فادحة.
بعد انتصار الملك طهماسب في جام وعودته واستمرار حملات الأوزبك من جديد، قرر هذا الملك الوقوف بشكل حازم بوجه حملات الأوزبك، ومن ثم أمر في ربيع عام 936 بحشد جميع قواته بالقرب من هراة. وقد وصف القاضي أحمد القمي هذا الاستعراض الاستثنائي بقوله:
«تقرر حسب أمر الملك (طهماسب) أن يتقلد الأمراء العظام والجنود الشجعان وسائر العساكر الظافرة أسلحتهم ويمروا تحت ناظريه أفواجاً أفواجاً، وأمر بوضع العصاة الأوزبك في محل مرتفع ليشاهدوا هذه العساكر، وهكذا نفّذ أبناء الملك والأمراء وجميع العساكر الأمر بكل جمال ونظام.
أمر الملك المعظم بحشد جميع الطبالين في المعسكر المعلى، فبدأ هؤلاء بالنقر على الطبول، ثم تحركت العربات التي تحمل المدافع، وخلفها أربعة آلاف من حملة البنادق، وأخذوا يطلقون نيرانهم، وكان الملك (ظل الله) قد قدم راجلاً، ليشاهد أطراف وجوانب العسكر، والسيول المتلاطمة لهذا الجيش.
أبلغ المخبرون الحضرة المشرفة (الملك) أن الأمير أبا الغازي القاس ميرزا يمر تحت ناظريه الكريمين بأربعة آلاف فارس جرار وأسود مسلحة. كان الأمير القاس على حصان أصيل مرصع ومزين كما هي القاعدة في يوم الاستعراض، فشكر الملك لهم ذلك وترحّم على أخيه الفاضل بميمنة الجيش.
ثم تحرك عدد كبير من الجانب الآخر؛ ثلاثة آلاف فارس مروا تحت ناظريه الكريمين، ثم تقدم الأمير المظفر بهرام ميرزا بآيات الدعاء والثناء، فرد عليه الملك بإضفاء الفخر عليه وأناط بأخيه هذا ميسرة الجيش. ثم تبعهم الأمير المعظم السلطان تكلو في مقدمة الأمراء، ومعهم الأبناء والأقارب بما يقارب ثمانية آلاف نفر، وتقدموا بآيات المدح والثناء من ملكهم.
ثم تقدم قدوز سلطان تكلو بعشرة آلاف فارس، وبعدهم سائر أمراء تكلو مثل سلطان الأمة وغازي خان وغيرهما، ومعهم عساكرهم التي تقارب الخمسة آلاف جندي من التكلو، ثم انضموا إلى الأمير القاس في ميمنة الجيش وتلا هؤلاء الاستاجلو العظام وفي مقدمتهم عبدالله خان ابن أخت الخاقان الأعظم (الملك إسماعيل الأول)، ومعهم ألفا شاب، حتى إذا مروا إزاء الملك ألقى خسرو فريدون فر قصيدته.
ثم تحرك تحت ناظري الملك كل من بدرخان وأحمد سلطان الصوفي الأغلي وشاه قلي سلطان وأخوه الملك علي سلطان وسائر أمراء الاستاجلو ومن هؤلاء مرّ ألف أمير تحت النظر السامي وسجلهم الكتاب ثم انضموا إلى الميسرة مع الأمير بهرام ميرزا. ثم مر أمراء الأفشار وفي طليعتهم مقدم هذه الطائفة أحمد سلطان الذي أمضى عشرين سنة في خراسان في صد الطائفة الأوزبكية الطاغية في مدن مرو وسرخس ومشهد المقدسة وطوس وفراه وغيرها، ومعه ثلاثة آلاف فارس من ذوي الأقواس حتى إذا مروا تحت النظر المبارك، تحرك ألوند سلطان حاكم كوه كيلويه ومعه ثلاثة آلاف فارس ثم انضموا إلى صفوف أبطال أفشار. ثم أخذ شاهرخ سلطان، وشاه قلي سلطان، وتمور سلطان، وسنجاب سلطان وبداق سلطان، وحسن سلطان، ومراد سلطان، وشير محمد سلطان، وسوندوك سلطان وسائر أمراء أفشار يلتحقون بعساكر المنصورة أفواجاً، ثم تبعهم أمراء شاملو مثل آغزيوار خان، وتبرك سلطان، وقرا سلطان، وحسن سلطان، وعلي سلطان ومحمود خان ومجموع من دخل منهم في السجل تسعة آلاف ومائة وخمسون فارساً.
تحرك بعد ذلك أمراء (ذو القدر) العظام وعلى رأسهم غازي خان التواجي. وقد دخل من أمراء ذو القدر ثمانية آلاف فارس، منهم شاه قلي خليفة، وعلي سلطان، ومحمد سلطان وسائر الأمراء الآخرين.
بعد ذلك تحرك أمراء طائفة القاجار الأشداء مثل يعقوب سلطان، وكوكجة سلطان، وشاه علي سلطان وسائر الأمراء القاجاريين، فدخل في السجل منهم ستة آلاف ومائتا فارس.
بعد هؤلاء تحرك أمراء موسيلو مثل محمدي بيك، وعلي سلطان ذو الفقار بخش، وشمس الدين سلطان، وحسن سلطان وسائر أمراء موسيلو ومعهم ألف فارس، ثم التحقوا بالصفوف بعد استعراضهم.
ومن الطوائف الأخرى: الأمراء الصينييون، والتركمان والبايندر، الجلني، والكرد، والعربگيرلو مما تضيق هذه النسخة بذكرهم وكانوا كالموج وسجل منهم خمسة عشر ألفاً وخمسمائة فارس.
تجمع بعد ذلك فرقة السادات، والنقباء، والعلماء، والفضلاء، والمشايخ، والقضاة، والخدام المحترمون للمشاهد المقدسة وهم بمجموعهم يقاربون الأربعة آلاف شخص، وقد صدرت الأوامر بتقديم هذه الجماعة ومعها الصدور العظام على كل من سواهم.
بعد ذلك قدم من ولاية جرجان وساري إلى ميدان الشجاعة والشهامة الخواجه مظفر بتكجي الذي أسماه الخاقان المعظم (الملك إسماعيل الأول) بالسلطان عمرو بن معدي كرب، وهو ذو هيكل عجيب وهيئة غريبة ومعه ألف فارس من حملة الأقواس، وأخذ هذا الخواجه يدعو للملك ويثني عليه، ثم سُمِعَ من بعضهم أن الخواجة المذكور عاجز عن الركوب لضخامته وهو يحتاج في ذلك إلى بضعة أشخاص يعينونه، وطعن أحدهم به قائلاً: أين القيادة والإمارة من شخص يركبه عشرة أشخاص؟ وعندما سمع الخواجه الضخم بهذا القول أنكره وقال: إذا كان عشرة أشخاص يقيمونني فمائة شخص يركعون أمام سيفي. وعندما بلغت هذه الحكاية مسامع الملك زاد حبه لهذا الخواجه السعيد.
قدم بعد ذلك إلى ساحة الاستعراض أمراء مازندران المعروفون مثل الأمير شاهي خان، والأمير تيمور سلطان وهما من السادات الأجلاء ومعهما ألفا فارس، وسُرَّ الملك بهما لحسنهما وفصاحة لسانهما وأكرمهما بالمفاخر الملكية دون سواهما وأهدى لهما من خيله.
دخل ساحة الاستعراض بعد ذلك الخواجات تدشيزيون مثل السلطان مظفر، والسلطان ضياء الدين مع ألف شاب من حملة الأقواس ثم تبعهم التبرائيون([170]) المتدينون وعلى رأسهم الكبكي السبزواري ومعه أربعمائة رجل من التبرائيين.
تحرك بعد هؤلاء الوزراء والمستوفون والكتاب وسائر ذوي القلم والمحاسبين وعددهم ألف وسبعمائة فارس، وكانوا يتقدمون في مجاميع، حاملين التحف والهدايا فيقدموها ثم يتخذ كل مقعده.
ثم استعرض عمال البيوتات وسجل منهم ثلاثة آلاف وثمانمائة شخص. وبعد ذلك صدرت الأوامر المطاعة بإحضار القورجيين العظام وخواص جيش الإسلام، فحضر دوراق بيك ركن السلطنة وقائد الجيش الذي تفوق مرتبته في الديوان سائر من عداه، وهو في صلابته وجرأته وإقدامه نظير لرستم في قصصه، حضر ومعه خمسة آلاف فارس معروف من القورجيين([171]) هازمي الأعداء.
حتى إذا أتم الملك المعظم مشاهدة القورجيين العظام أخذ يمدحهم وكانت العساكر تتحرك فوجاً بعد فوج حتى غطت ما بين المشرق والمغرب، وبقي منهم الثلث، فاقتضت رغبة الملك أن يتم الاستعراض حتى انتهاء الجيش، فصدرت الأوامر العليا بايقاد المشاعل والسراجات والشموع ليتسنى إكمال الاستعراض، فأصبحت الأرض مضيئة أكثر من السماء لكثرة الأنوار ولمعان الأسلحة والدروع؛ بل أخذت السماء تستفيض من نور الأرض، واستمرت الحشود تتوالى حتى تأخر الفراغ منها إلى وقت متأخر من الليل. ثم أمر الملك ملاذ الدنيا ببقاء العساكر الظافرة على ظهور خيولهم وحيث هي حتى طلوع الصبح، وذهب هو ليستريح ساعة.
حتى إذا تنفس الصبح أخذ يتفحص هذا الجيش العرمرم الذي يبلغ عدده مائة وعشرين ألف فارس، حيث كان كل فوج منهم متخذاً موقعه المناسب الذي حُدِّد له. ثم أخذت الجيوش براياتها تستدير حول الملك وهو في قلبها حتى فرغ من مشاهدتها، وأخذت الجموع تهتف كعادتها: الله الله هي والحشود الأربعمائة ألف المتجمهرين في المعسكر المبارك وما يقارب الخمسة آلاف من حملة البنادق وجميع الطبالين والنقارين، حتى ارتفعت الأصوات إلى عنان السماء وأحدثت هزة في الأرض.
ولم يكن العصاة الأوزبك قد رأوا مثل هذه المشاهد المهيبة، فأصيبوا بالذعر وسقط أحدهم عن ظهر جواده مغشياً عليه، وأصيب الآخر بالحمى وذهب إلى دار البوار. وحينما بلغت هذه الحادثة مسامع الملك سُرَّ لها وابتهج، وفي نفس ذلك اليوم قدم الجواسيس من مروشاهجان إلى معسكر الملك يحملون أخباراً، مفادها أن سلاطين ما وراء النهر، وخاقان ملك توران، وخوانين بلاد المشرق استعرضوا جيوشهم في مروشاهجان فبلغت مائة وسبعين ألف فارس من التتار والقلماق والتركستان وتوران وخوارزم وغيرها. وبلغ قادتهم خمسة وأربعين ملكاً وهم ينتظرون في مرو العصاة ليشنوا حربهم حيثما حدد لهم هؤلاء الموقع المناسب، فأمر الملك المعظم أن يسطر الكتاب البارعون والخطباء الذربو اللسان رسائل، ثم سلمت هذه الرسائل إلى جماعة العصاة وأذن لهم بالانصراف…».
نلخص فيما يلي كيفية استعراض جيش الملك طهماسب:
1 ـ يجلس الملك طهماسب وخاصة رجاله في موضع خاص ويقوم المشرفون بالإشراف على تنظيم الاستعراض.
2 ـ يعبر القاس ميرزا أخو الملك بأربعة آلاف فارس إزاء الملك ويستقر بأمره على ميمنة الجيش.
3 ـ يمر بهرام ميرزا الأخ الثاني للملك بثلاثة آلاف فارس ويستقر في ميسرة الجيش.
4 ـ يعبر أمراء تكلو: السلطان قدور، والسلطان والامه، وغازي خان بما يقارب 15000 فارس ويلتحقون بالميمنة.
5 ـ يمر أمراء الاستاجلو وعلى رأسهم عبدالله خان بعدد قوامه 2000 فارس ثم بدرخان، وأحمد سلطان الصوفي الأغلي والسلطان شاهقلي، وشاه علي وآخرون بستة عشر ألف فارس ويلتحقون بالميسرة.
6 ـ يليهم أمراء أفشار وعلى رأسهم أحمد سلطان بثلاثة آلاف فارس ثم ألوند سلطان، والسلطان شاهقلي، والسلطان تمور، والسلطان سنجاب، والسلطان بداق، والسلطان حسن والسلطان مراد، والسلطان شير محمد، والسلطان سوندو وسائر أمراء أفشار مع فرسانهم.
7 ـ أمراء شاملو مثل آغزيوار خان، والسلطان تبرك، والسلطان قرا، والسلطان حسن، والسلطان علي، ومحمود خان ومجموعهم 9150 فارساً.
8 ـ أمراء ذو القدر وعلى رأسهم غازي خان التواجي ثم شاهقلي خليفة، والسلطان علي، والسلطان محمد وسائر أمراء ذو القدر وعددهم ثمانية آلاف فارس.
9 ـ الأمراء القاجاريون: السلطان يعقوب، وگوگجه والسلطان شاه علي وسائر أمراء موسيلو مثل محمدي بيك ومعهم 1000 فارس والسلطان علي ذو الفقار كش، والسلطان شمس الدين، والسلطان حسن ومعهم سائر أمراء موسيلو.
10 ـ القبائل الأخرى من قبيل الأمراء الصينيين والتركمان، والبايندر، والجگني، والكرد، والعربگير لو وغيرهم وعددهم 15000 فارس.
11 ـ فرقة السادات والنقباء والعلماء والفضلاء والمشايخ والقضاة وخدام المشاهد المقدسة وعددهم أربعة آلاف.
12 ـ الخواجه مظفر التبكجي أو السلطان كرب بألف من الرماة الجرجانيين والمازندرانيين.
13 ـ أمراء مازندران مثل الأمير شاهي خان، والأمير تيمور سلطان ومعهم ألفا فارس.
14 ـ خواجات ترشيزي مثل: السلطان مظفر والسلطان ضياء الدين ومعهم ألف من الرماة.
15 ـ التبرائيون وعلى رأسهم الكبكي السبزواري وعددهم أربعة آلاف فارس.
16 ـ الوزراء والمستوفون والكتاب والمحاسبون وسائر الأقلام وعددهم 1700 شخص.
17 ـ عملة البيوتات وعددهم 3800 شخص.
18 ـ خاصة القورجيين بقيادة دوراق بيك مسؤول القورجيين ومعهم 5000 فارس من زبدة القورجيين واليوزباشيين.
19 ـ يستمر الاستعراض طوال الليل، ثم يذهب الملك في صباح اليوم التالي إلى ساحة العرض، حيث تتخذ كل مجموعة المحل المناسب لها، وهم يتجمعون بشكل دائري حول الملك، ثم يمر الملك إزاءهم ويهتف الحاضرون ثلاث مرات الله الله وتتزامن الصيحة الثالثة مع إطلاق آلاف العيارات النارية ومئات المدافع وأصوات الطبول.
وبعد أن قرأنا تفاصيل استعراض الجيشين ومن خلال المقارنة بينهما نجد ثمة تشابهاً موجوداً بين الاستعراضين وفيما يلي نذكر بعض النقاط المشتركة:
1 ـ يتم تنظيم استعراض الجيوش بواسطة المشرفين الخاصين التابعين للملك.
2 ـ يشغل العلماء ورجال الدين والصدور والمشايخ أماكن خاصة ومعينة في محل الاستعراض، وهذا آية احترام الدولتين لهذه الطبقة المتميزة.
3 ـ تقع قيادة جناحي العسكر على عاتق الأمراء وأقارب السلطان.
4 ـ يتصدى الأمراء العظام (الآق قويونلو) والأمراء القزلباش (الدولة الصفوية) لقيادة الأفواج العسكرية.
5 ـ هناك وحدة عسكرية خاصة في زمن الآق قويونلو باسم (بوى نوكران) في زمن الدولة الصفوية باسم (القورجيين) بقيادة (قورجي باشي) وهاتان الوحدتان تمثلان الجزء الأصلي والأكثر أهمية في تشكيلات الجيش.
6 ـ المراسم والاحترامات والخطب التي تؤدي للسلطان في كلا الاستعراضين وكيفية إقامة هذين الاستعراضين متشابهة بين الاثنين.
7 ـ في كلا الاستعراضين يشترك الوزراء والمسؤولون الإداريون والأفراد التابعون لهم.
وينبغي التنبيه إلى أن كلا الاستعراضين كانا يقصدان أهدافاً سياسية وعسكرية، فيذكر مينورسكي، أن السلطان خليل ـ وبعد مرض أوزون حسن في حملته على گرجستان ـ في رمضان 881هـ/كانون الثاني 1477م ـ أمر أن يحافظ على الاستقرار بين صفوف القوات الرئيسة بحركة عسكرية وغير عسكرية، وكذلك أجرى طهماسب استعراض قواته في ظروف كان يواجه فيها في بداية حكومته اختلافات بين زعماء القزلباش ونفوذ الأوزبك والعثمانيين في الحدود الشرقية والغربية.
في الحقيقة إن الرقم الذي يذكره الكاتب لعدد الأفراد، العسكريين وغير العسكريين في جيش طهماسب وهو مائة ألف شخص لا يتطابق مع تجهيزات ذلك العصر، ومجموع جيش أوزون حسن الذي يذكر حسن بيك روملو في أحسن التواريخ: على أنه مائة ألف مقاتل في الحرب مع العثمانيين، يذكر سفراء البندقية بأنهم شاهدوا هذا الجيش عن كثب وكان لا يتجاوز الخمسين ألفاً. وكما نعلم فإن الملك إسماعيل لم يكن يملك في حرب جالدران مع الأتراك أكثر من عشرين ألف مقاتل، ولكنه كان مضطراً للدخول بهذه القلة الشجاعة على قلتها في مواجهة مع مائة ألف تركي. ويذكر صاحب أحسن التواريخ: أن عدد الجيش الذي دخل فيه الملك طهماسب في معركته الحاسمة مع الأوزبك، يبلغ 70,000 جندي، فإذا حذفنا عدد الأفراد غير العسكريين والسوقة وأصحاب الحرف يقترب الرقم من خمسين ألف مقاتل.
وبغض النظر عن أوجه التشابه الموجودة بين الاستعراضين، فإن ثمة أوجه اختلاف بينهما من النواحي العسكرية وغير العسكرية، مما يشير إلى الاختلاف الموجود بين الموقعين التاريخيين من حيث الوظائف والمناصب والمنازل الاجتماعية والدينية، إذ كان ظهور الدولة الصفوية متزامناً مع ظهور عناصر جديدة في الطبقة الحاكمة والطبقة الدينية. وهذه العناصر الجديدة هي:
أولاً: طبقة القزلباش المكونة من القبائل والعشائر التركية والتركمانية، وكان لهم الدور الكبير في إيصال الملك إسماعيل إلى موقعه.
كان تشخيص الأمراء يتم في زمن الملك طهماسب حسب القبائل والعشائر الذين ينتسب إليها هؤلاء، وقبائل الترك مقدمة على من سواها وأهم القبائل التركية هي: شاملو واستاجلو والتركمان وروملو وتكلو والأفشار والقاجار وذو القدر، ثم تأتي بعدهم القبائل الإيرانية الأخرى مثل طالش والأكراد والجگني واللر وغيرهم. ويتم اختيار القادة العسكريين والحكام الكبار من بين رؤساء هذه القبائل. ويذكر صاحب (عالم آراي عباسي) أسماء 192 شخصاً من الرؤساء والزعماء.
ثانياً: المجاميع الصوفية ويسمى رؤساؤها بالخلفاء وهؤلاء يأخذون على عاتقهم القيادة الفكرية والعقائدية الصوفية لمريدي الصوفيين، وكانوا يتمتعون بنفوذ معنوي كبير بين طبقات القزل باش يأتي بالمرتبة الثانية بعد نفوذ الملك.
ثالثاً: الصدور وعلماء الشيعة والمشايخ الذين كانوا يأخذون على عاتقهم الأمور الدينية لأتباع المذهب الشيعي الذي هو المذهب الرسمي للدولة ومن الشخصيات البارزة في هذا المجال الملاباشي والصدر الخاص والصدر العام والقاضي وشيخ الإسلام وقاضي العسكر ويأتي هؤلاء في سلسلة المراكز العليا.
رابعاً: موظفو الدولة المشرفون على النظام الإداري التقليدي في إيران منذ ظهور الإسلام وكذلك منذ ظهور الطبقات الحاكمة ذات الأصل التركي أو ما يسمون باصطلاح اليوم بالأكابر التازيكية. وهؤلاء من الأسر الإيرانية العريقة التي تتوارث العلم والأدب والفن وتتصدى للوظائف والمناصب الخاصة مثل الإشراف والكتابة والطب والتنجيم والأعمال الفنية والصناعية ومن بين هؤلاء أقلية صغيرة من التركمان الذين تعلموا طرق وأساليب نظرائهم. وقد ورد في فهرست الوظائف والمناصب في (عالم آراي عباسي) تحت عنوان الوزراء والمستوفون وذوي الأقلام من المرتبطين ببلاط الملك طهماسب أسماء خمسة وزراء عظام وستة عشر مستوفي وخمسة وعشرين من الكتاب البارزين في مكتب الدولة وكلهم من العلماء الفرس أو التازيكيين.
ومما يدعم هذا الحديث دعماً كبيراً هو الوظائف والمناصب التي ورد ذكرها في استعراض الملك طهماسب وتؤيد وجود التمايز بين التشكيلات العسكرية وغير العسكرية، وما يحظى بأهمية كبرى هو التشكيلات الخاصة التي كانت تشكل العمود الفقري للجيش الصفوي على ألاقل حتى زمن الملك عباس الأول. وفي هذه التشكيلات يأتي الأمراء القزلباش بعد الأمراء (من العائلة المالكة) تحت عنوان الخان والبيك والسلطان وكل من هؤلاء يترأس مجموعة عسكرية معينة.
وثمة تشكيلات مستقلة من الطبقة المحاربة باسم يساولان، يوزباشيان، قورجيان وبوكاولان وأمثالهم وهم يمثلون الوحدة الخاصة والدائمة للملك الصفوي.
يعتبر رئيس القورجيين أو (القورجي باشي) أكبر مقام عسكري ويعد من الأمراء الجانقيين أو مجلس الشوى الملكي. ويذكر اسكندر بيك عدد أفراد هذه الوحدات العسكرية الخاصة في حدود ستة آلاف شخص، وهم مع المرافقين والخدم يبلغون عشرين ألف ويشكل القورجيون زبدة الجيش ويضيف: «كانت جلادة وشجاعة القورجي إلى حد أن عشرة من القورجيين يعدون في المعركة بمائة من سائر الطبقات الأخرى».
والاختلاف الرئيسي بين جيش الملك طهماسب وجيش حسن آق قويونلو، امتلاك الأول للأسلحة النارية، وعلى الرغم من أن استعمال هذه الأسلحة بصورة فعالة جرى في زمن الملك عباس إلا أنها كانت تستخدم في حروب الشرق والغرب في زمن الملك طهماسب، والدليل على ذلك استخدام كلمة المدفعي والبندقي وكان (توبجي باشي) من ذوي المناصب من الطراز الأول وهو في نفس الوقت قائد القوة البحرية.
يعتقد مينورسكي أن الإيرانيين رفضوا في البداية استعمال المدافع والسبب في ذلك هو تشددهم في الاعتقاد بأن استعمال مثل هذا السلاح المدمر والدموي للفتك بالبشر هو أمر مثير للخجل ومدعاة للاشمئزاز.
الدكتور إحسان إشراقي
الآل
كتاب لابن خالويه الحسين بن أحمد النحوي المشهور المتوفى سنة 370هـ ذكره النجاشي. وقال العلامة الحلي في الخلاصة: إن لابن خالويه كتاباً في إمامة أمير المؤمنين (ع) ويبدو أن المقصود هو كتاب الآل. وقال اليافعي في مرآة الجنان في حوادث سنة 470هـ في وصف كتاب الآل: إنه صدره بمعاني الآل، ثم قسمه خمسة وعشرين قسماً ثم ذكر الأئمة الاثني عشر من آل محمد وتاريخ مواليدهم ووفياتهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم. وذكر ابن خلكان أيضاً قريباً منه وينقل عن كتاب الآل هذا: مير محمد أشرف في فضائل السادات الذي ألفه سنة 1113هـ فيظهر أنه كان موجوداً عنده.
آل أبي جامع
أسرة أنجبت عدداً من العلماء، عاشوا في العراق ولبنان وإيران في القرنين 10 و11هـ/16 و17م. ويرجع البعض سبب شهرتها بهذه التسمية إلى جدها الأكبر أحمد شهاب الدين الذي كان قد شيّد مسجداً جامعاً في جبل عامل، أو لأنه كان له ولد باسم «جامع» وكان أحمد العاملي رأس هذه الأسرة. وكان علي بن أحمد أول من هاجر منهم إلى النجف.
أما أشهر أفراد هذه الأسرة فهم:
1 ـ أحمد بن محمد، شهاب الدين أو جمال الدين الشهير بابن أبي جامع تـ (928 هـ /1522م)، رأس أسرة آل أبي جامع ومن كبار العلماء. له كتاب في التفسير يسمّى الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
2 ـ علي بن أحمد نور الدين تـ (1005هـ /1597م)، وكان مقيماً في النجف الأشرف ثم هاجر إلى كربلاء مع أسرته بعد استشهاد أستاذه الشهيد الثاني (مقـ 966هـ/1559م) وأقام فيها. وقد وشى البعض به لدى السلطان العثماني، فأمره أن يذهب إلى استانبول. ولكنه هرب إلى إيران وذهب إلى دَوْرَق أولاً ثم هاجر إلى مدينة الحويزة وبقي فيها حتى وفاته ومن مؤلفاته: شرح القواعد للحلي في الفقه.
3 ـ عبد اللطيف بن علي، محيي الدين من العلماء المشهورين. لا يعرف تاريخ ولادته ووفاته، غير أنه كان يعيش في مدينة الحويزة، ثم هاجر إلى خَلَف آباد بعد وفاة أبيه. وقد درس على الشيخ البهائي (ت1031هـ/1622م) وعلى صاحب المعالم زين الدين (ت 1011هـ/1602م) وعلى الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني والسيد محمد بن أبي الحسن العاملي وله مؤلفات هي:
1 ـ جامع الأخبار في إيضاح الاستبصار؛ 2 ـ كتاب الرجال؛ 3 ـ الحاشية على معالم الأصول؛ 4 ـ كتاب المنطق.
4 ـ رضي الدين بن علي (ت1048هـ/1638م)، من العلماء المشهورين. سكن مدينة شوشتر وسافر إلى مدينة مشهد في (1025هـ/1616م). وكان معاصراً للشاه عباس الأول (ت1038هـ/1629م) ومن المقربين إليه. وتولى لفترة منصب قاضي القضاة في شوشتر ودزفول وخرم آباد وبهبهان ودِهدَشت وكهكيلويه ونواحيها وهمدان وضواحيها، كما تولى مسؤولية الاشراف على الأوقاف. أقام في هذه الفترة عدة سنوات في مدينة همدان، ثم اعتزل كل مناصبه وهاجر إلى النجف الأشرف وبقي فيها حتى وفاته.
5 ـ حسن بن علي، هاجر إلى الهند واستطون حيدر آباد ودرس هناك على محمد بن خاتون العاملي وتوفي في نفس هذه المدينة في أواخر القرن 11هـ/17م.
6 ـ محيي الدين بن عبد اللطيف، من علماء القرن 11هـ/17م. ولا يعرف شيء عن حياته. ويعرف أبناؤه وأحفاده في النجف بـ آل محيي الدين.
7 ـ حسين بن محيي الدين، فقيه وشاعر وأديب من مؤلفاته هي: 1 ـ شرح قواعد العلامة؛ 2 ـ كتاب في الفقه؛ 3 ـ كتاب في الطب؛ 4 ـ ديوان شعر.
8 ـ علي بن حسين كان مقيماً في خلف آباد له من المؤلفات: 1 ـ توقيف المسائل، ألفه في 1124هـ/1712م؛ 3 ـ الأربعون حديثاً؛ 3 ـ الافادة السنية في مهم الصلوات اليومية؛ 4 ـ وسيلة الوصول، وهي منظومة في علم ألاصول؛ 5 ـ رسالة في أجزاء القضية، 6 ـ إرشاد المتعلم إلى الطريق.
9 ـ شريف بن محمد (الشريف الكبير)، من المحتمل أن تكون وفاته بعد 1261هـ/1845م، له كتاب الشرائف الجامعيّة في أسرار فقه الإمامية.
10 ـ عبد الحسين بن قاسم (تـ1271هـ/1855م)، عالم وشاعر وأديب له منظومة في علم النحو جمعها الشيخ محمد السماوي، وتوفي في مدينة النجف.
11 ـ موسى بن شريف (تـ1281هـ/1864م)، شاعر ومحقق، أقام في النجف. له ديوان شعر باسم تخميس المقصورة، الدّرة في مدح الإمام علي والحسنين (عليهم السلام)، وله ديوان آخر نظمه في 1254هـ/1838م.
12 ـ صالح بن علي (ت1298هـ/1881م)، اشتهر بالشعر.
13 ـ جواد بن علي (ت1322هـ/1904م)، فقيه وشاعر، كان مقيماً بالنجف ودرس في حوزتها العلمية ثم أسس لنفسه حوزة لتدريس الفقه، له رسالة في تراجم آل أبي جامع.
14 ـ شريف بن موسى فقيه وأديب وكان يعد كبير أسرة محيي الدين في زمانه.
15 ـ قاسم بن حسن (1314 ـ 1374هـ/1896 ـ 1955م)، فقيه وأديب وشاعر ونحوي ولد في النجف، وتربى في حوزتها العلمية.
آل أبي الجعد
أسرة اشتهر عدد من أفرادها برواية الحديث. هاجروا إلى الكوفة خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الأول الهجري منذ بناء الكوفة وحتى خلافة الإمام أمير المؤمنين علي (ع)، ولهذا لقّبوا بـ«الكوفي». اشتهر بعضهم برواية الحديث وعرف ثلاثة من أبناء أبي الجعد الجد الأعلى للأسرة (زياد وسالم وعبيد) بأنهم من أصحاب الإمام علي(ع) وبأنهم «ثقاة» ويستند علماء الرجال في قولهم هذا إلى النجاشي الذي عدَّ جميع أفراد هذه الأسرة من «الثقاة»، وعبر عنهم ببيت الثقاة.
واشهر هؤلاء الثلاثة سالم وذكر أن وفاته كانت في 97هـ/716م أو98هـ/717م، أو حتى 100هـ/718م. ونظراً لطول عمره عد من أصحاب الإمام علي (ع) ومن خاصة أصحاب الإمام السجاد(ع) أيضاً.
واشهر أفراد هذه الأسرة رافع بن سلمة الذي كان من أصحاب الإمام محمد الباقر (ع) والإمام جعفر الصادق (ع).
آل أبي الجهم
من الرواة الشيعة، كانوا يقطنون في الكوفة في القرن 2هـ/8م. أول من عرف من هذا البيت قابوس بن النعمان الشهير بـ«أبي الجهم» وقد برز من هذه اسرة رواة وفقهاء وعلماء نالوا شهرة كبيرة. أشهرهم: 1 ـ سعيد بن أبي الجهم؛ 2 ـ المنذر بن أبي الجهم؛ 3 ـ نصر بن أبي الجهم؛ 4 ـ نعيم بن أبي الجهم؛ 5 ـ الحسين بن سعيد؛ 6 ـ المنذر بن سعيد؛ 7 ـ محمد بن المنذر؛ 8 ـ المنذر ابن محمد.
واشتهر منهم أربعة:
1 ـ سعيد بن أبي الجهم، كان من أصحاب الإمام الصادق (ع) ومن ثقاته، وقد روى الحديث عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام). وكانت له كتب في الحديث والفقه.
2 ـ نصر بن أبي الجهم، كان من أصحاب الإمام الصادق (ع) وروى عنه وعن الإمام الكاظم (ع) أحاديث كثيرة (ن.م، 301). عده المفيد من خاصة الإمام الكاظم (ع). ويقول الطوسي في كتابه الغيبة: إن نصراً كان وكيلاً للإمام الصادق (ع) في الشؤون الاجتماعية والأحكام الشرعية حوالي 20 سنة.
3 ـ الحسين بن سعيد، من أصحاب الإمام الصادق (ع)، له كتاب في قراءات القرآن عند أهل البيت (عليهم السلام)، فيه أشياء أنكرت عليه.
4 ـ المنذر بن محمد، من أصحاب الإمام الصادق (ع) له من المؤلفات: 1 ـ وفود العرب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ 2 ـ جامع الفقه؛ 3 ـ كتاب الجمل؛ 4 ـ كتاب صفين؛ 5 ـ كتاب النهروان؛ 6 ـ كتاب الغارات.
آل أبي رافع
1 ـ أبو رافع (تـ بعد 40هـ/660م)، كان قبطياً واختلف في اسمه ولكن غلب عليه أسلم. اعتنق أبو رافع الاسلام في مكة قبل الهجرة. وكان ممن هاجروا إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب: شهد أبو رافع جميع الغزوات، وكان يعد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمقربين إليه. لزم أبو رافع الإمام علي (ع) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصحبه حتى آلت إليه الخلافة ولما ثار من ثار على الإمام باع أبو رافع أرضه وبيته في خيبر والمدينة ثم خرج مع الإمام علي (ع) إلى الكوفة وله 85 سنة، وكان آنئذ يقول: «الحمد لله لقد أصبحت لا أحد بمنزلتي لقد بايعت البيعتين: بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، وصلّيت القبلتين، وهاجرت الهجر الثلث، وفسّر الهجر الثلاث بقوله: هاجرت مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، وهاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وهذه الهجرة مع علي بن أبي طالب (ع) إلى الكوفة» وكان صاحب بيت مال علي (ع) في الكوفة وكان ابناه عبيدالله وعلي كاتبي الإمام (ع) أيضاً.
سعى أبو رافع لجمع وتدوين وتبويب الأحاديث. وقد جمع كتاب السنن والأحكام والقضايا الذي كان أول كتاب فقهي في تاريخ الإسلام كما روى أولاد أبي رافع وزوجته سلمى وآخرون روايات كثيرة عن علي (ع).
2 ـ عبيد الله بن أبي رافع، كان من التابعين، ومن خواص أصحاب الإمام علي (ع) وكاتبه. شهد عبيد الله حروب الإمام علي (ع) وألف كتابين: أ ـ قضايا أمير المؤمنين، ب ـ تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة وبذلك كان أول من ألّف كتاباً في الرجال في تاريخ الإسلام. وكان يروي عن أبيه أبي رافع والإمام علي (ع).
3 ـ علي بن أبي رافع، من الفقهاء التابعين، روى الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. كان يعدّ من خواص الإمام علي (ع)، وشهد جميع حروبه، وتعلم الفقه عليه، وألّف في هذا كتاباً في الفقه.
آل أبي سارة
أسرة شهيرة في الكوفة، عاش رجالها البارزون في القرن 2هـ/8م. ينسب أفرادها إلى أبي سارة علي. وقد أنجبت هذه الأسرة علماء كباراً كان أكثرهم من خواص الأئمة (عليهم السلام).
اشهر رجال هذه الأسرة: 1 ـ أبو سارة علي، 2 ـ الحسن بن أبي سارة، 3 ـ علي بن أبي سارة، 4 ـ مسلم بن أبي سارة، 5 ـ محمد بن الحسن، 6 ـ عباس بن علي، 7 ـ معاذ بن مسلم، 8 ـ عمرو (عمر) بن مسلم، 9 ـ الحسين بن معاذ، 10 ـ يحيى بن معاذ. وهؤلاء (ما عدا أبا سارة علي) من الرواة المشهورين الذين رووا الحديث عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). وقد اشتهر اثنان من بين هؤلاء الر جال بتفوقهما العلمي وهما: محمد بن الحسن ومعاذ بن مسلم. ويعرف محمد بـ «الرواسي» وهو من اصحاب الصادقين (عليهما السلام) المعتمدين والرواة الشيعة المشهورين. وكان من مشهوري علماء النحو، وابرز أساتذته في الكوفة، وأول من ألف كتاباً في النحو فيها، وعليه درس الكسائي والفراء. له آثار هي: 1 ـ الفيصل، 2 ـ معاني القرآن، 3 ـ التصغير، 4 ـ الوقف والابتداء الكبير، 5 ـ كتاب الوقف والابتداء الصغير، 6 ـ كتاب الهمز، 7 ـ اعراب القرآن. وقيل إنه توفي حوالي عام 170هـ/786م.
وكان معاذ بن مسلم من الأساتذة المشهورين أيضاً. له أثر كبير في تقدم العلوم العربية وازدهارها، وكثر تلاميذه ومعاصروه الذين استفادوا منه. والكسائي مدين أكثر من غيره لمعاذ في تعلّم النحو والبروز فيه. وهو أول من وضع أسس علم الصرف. وكان له شعر جيد، وكان صديقاً للكميت بن زيد الشاعر الشهير ومن تلاميذ الإمام جعفر الصادق (ع)، تنسب إليه كتب كثيرة.
آل أبي شبانة
من البيوت الحسينية الموسوية الجليلة جاء ذكر رجال هذه الأسرة في عدة من كتب التراجم، منها: سلافة العصر، وأنوار البدرين. وكانوا يلقبون بآل أبي شبانة منذ أيام سكناهم قرية (مني) من قرى البحرين أوائل القرن الحادي عشر الهجري، ثم انتقلوا منها إلى قرية تعرف بـ (الزنج) في البحرين ولهم فيها أملاك ودور، منهم الشاعر السيد أبو عبدالله محمد بن عبد الحسين بن إبراهيم بن أبي شبانة الذي قال فيه صاحب السلافة:
كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً، رحل إلى الهند ثم عاد منها وسكن أصفهان وكان حياً سنة 1070هـ.
ومنهم صاحب تتمة أمل الآمل السيد محمد بن السيد محمد بن السيد علي بن السيد إبراهيم بن السيد علي بن السيد إبراهيم، كان معاصراً لصاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني. ومن شعره قوله:
| أفلّي من ملامك والعتاب | ولا تغري بتمويه الخطاب | |
| لقد سافرت عن وطني وقومي | إليَّ أن ملَّ أصحابي ذهابي | |
| وطفت على البلاد فما تراءى | إليَّ سوى ذئاب في ثياب | |
| لقد ضاقت علي الأرض حتى | رضيت من الغنيمة بالإياب | |
| وأيام العذيب تبدلت لي | بأيام أشد من العذاب | |
| فلي حظ كخافية الغراب | ولي عرض كأيام الشباب | |
| أنا الرجل الذي لم أثن عزمي | عن المعروف في النوب الصعاب | |
| سل الدار الذي شط التنائي | بها هل ناب ساكنها منابي |
وكان هو ووالده السيد علي من أبرز أفراد أسرتهم. وإليه ينتسب السيد ناصر بن السيد أحمد نزيل البصرة المتوفى سنة 1331هـ.
هادي باليل الموسوي
آل أبي شعبة
أسرة عاشت في القرنين 1 و2هـ، واخرجت العديد من الفقهاء والمحدثين وكانت هذه الأسرة كوفية الأصل، إلا أن أبناءها اشتهروا بالحلبيين لعلاقاتهم التجارية المستمرة مع حلب. واشهر وجوه هذا الأسرة تسعة هم: أبو شعبة، وعلي، وعمر، وعبيد الله، ومحمد، وعمران، وعبد الأعلى، وأحمد، ويحيى. روى أبو شعبة عن الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، كما روى علي وعمر وعبيدالله وعمران وعبد الأعلى عن الإمام الصادق (ع)، أما محمد ويحيى فقد رويا عن الإمامين الباقر والصادق (ع)، كما روى أحمد عن الإمامين الصادق والرضا عليهما السلام ولعبيد الله كتاب معتمد عليه في الفقه أشاد به الإمام الصادق (ع)، ويرى الشيخ الطوسي: أنه أول ما صنفته الشيعة، ولمحمد بن علي رسالة في الفقه أيضاً، كما تنسب بعض الكتب إلى كل من أحمد ويحيى.
آل أبي صفيّة
أسرة كوفية اشتهرت في القرنين 1 و 2هـ/7 و8م. تنسب إلى (دينار أبو صفيّة الثُّمالي) الذي عاش في الكوفة في القرن الأول واشهر آل أبي صفية:
1 ـ أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار: أدرك عهد أربعة من الأئمة (عليهم السلام) هم: علي بن الحسين (ع)، ومحمد بن علي (ع)، وجعفر بن محمد (ع)، ويرى بعضهم أنه أدرك عهد موسى بن جعفر (ع)، وكان يعد من خاصة الخاصة لدى الأئمة وموضع اعتمادهم. وهو من ثقاة رواة الشيعة حيث يحتج بخبره الواحد، واشهر ما يروى عنه للإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) دعاء السحر (ع) الذي يعرف بـ«دعاء أبي حمزة الثمالي»، ورسالة الحقوق وينسب إليه كتاب: التفسير المشهور بأنه أول تفسير شيعي مدوّن؛ والنوادر في الحديث، وكتاب الزهد.
2 ـ محمد بن أبي حمزة: عدّه بعضهم من أصحاب الإمام الباقر (ع). وعده آخرون من أصحاب الإمام الصادق (ع).
3 ـ علي بن أبي حمزة: يعد مع أخويه الآخرين من الرواية الشيعة الثقاة.
4 ـ حسين بن أبي حمزة: من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما اسلام، وهو من الر واة الثقاة.
وذكر المؤرخون ثلاثة آخرين من أبناء أبي حمرة استشهدوا مع البطل الثائر زيد بن علي بن الحسين (79 ـ 122هـ/698 ـ 740م)، وهم: نوح ومنصور وحمزة.
آل أبي فراس
بيت إمارة ووجاهة تقلدوا مناصب كبرى في أواخر عصور الدولة العباسية من خلافة الناصر لدين الله العباسي وما بعد ذلك، وعرف منهم عدة أمراء، عني صاحب (الحوادث الجامعة) بذكر أخبارهم وحوادثهم في العصور المذكورة، وأول من ورد ذكره منهم فيما بقي من الكتاب المذكور الأمير مجير الدين جعفر بن أبي فراس الحلي ذكره في معرض عودته إلى العراق من مصر بعد إقامته فيها زمناً مغاضباً للمستنصر، والأمير مجير الدين جعفر بن أبي فر اس الحلي هذا هو والد الشيخ «ورام» صاحب المجموعة الوعظية، وورد في الكتاب المذكور بعد ذلك ذكر أحد أولاده الأمير حسام الدين أبي فراس بن جعفر بن أبي فراس أمير الحاج في الأيام الناصرية في معرض عودته من الديار المصرية، وفي الكتاب إشارة إلى مفارقته للحاج ومسيره إلى الشام ومصر ملتجئاً إلى الكامل بن العادل هارباً من الوزير ابن فهدي ومن قصده إياه، وفي وسعك أن تعرف منزلة أمراء هذا البيت الحليين من حفاوة دار الخلافة بهم بعد رجوعهم إلى العراق([172])، وقد عاش هذا الأمير إلى خلافة المستعصم، وذكر اسمه بين الأمراء الذين خلعت الخلع عليهم بعد بيعة المستعصم، ومنهم شهاب الدين سليمان شاه بن برجم، وشمس الدين الظاهري، وعلاء الدين الناصري إلى غير هؤلاء، وكانت لهذا الأمير حسام الدين وقائع خطيرة في البادية تغلب فيها على الأعراب الذين أخافوا السبيل وتعرضوا لحجاج بيت الله. وقد سجل صاحب الحوادث بعض وقائعه في كتابه المذكور([173]).
هذا ما ورد عن الأميرين المشار إليهما من آل أبي فراس في كتاب الحوادث، وقد ترجم ابن الفوطي لمجير الدين جعفر نزيل بغداد الأمير بالبصرة وواسط ونقل طرفاً من ترجمته عن تاريخ شيخه تاج الدين بن الساعي قائلاً: «رتب شحنة بواسط والبصرة فسار فيها أحسن سيرة وحمى طرقها وخافه الحرامية والمفسدون وكان غالياً في التشيع ثم ذكر مفارقته للعراق إلى مصر على شكل لا يختلف عما جاء في كتاب الحوادث في لفظه ومعناه. ويعني ابن الفوطي في أجزاء معجمه كافة بتراجم أعلام هذه البيت أي آل أبي فراس، وقد وردت في الجزء الرابع من معجمه ترجمة طريفة لأمير([174]) من القوم.
نسب آل أبي فراس
في نسب هؤلاء الأمراء الحليين من آل أبي فراس أقوال متضاربة، فإن جملة من المؤرخين والعلماء الذين سردوا أخبار هؤلاء الأمراء نسبوهم إلى (النخع) وإلى إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي صاحب الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وأول من ذهب إلى ذلك في نسبهم الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله بن بابويه في فهرسته الذي يسمى «فهرست منتجب الدين»، ففي هذا الفهرس تعريف بالأمير الزاهد ورام بن أبي فراس مصنف المجموع المسمى «تنبيه الخواطر ونزهة النواظر» بما نصه: «الأمير الزاهد أبو الحسن ورام بن أبي فراس بالحلة من أولاد مالك بن الأشتر النخعي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقيه صالح شاهدته بالحلة ووافق الخبر الخبر» وورد ما يشبه ذلك في كتاب الجامع المختصر لابن أبي فراس النخعي الحلي الأمير، ونقله ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب. هذا مع أن ابن الأثير ينسب هذا الأمير وهو ابن أخ للشيخ ورام إلى الأكراد، وإلى ذلك ذهب بعض الباحثين المعاصرين قائلاً: «إن الأمراء من آل أبي فراس الحليين من أكراد الحلة الجاوانيين، وهي القبيلة التي نزلت الحلة السيفية في عصر مؤسسها الأمير سيف الدولة صدقة» فعلى هذا اقول يكون الشيخ ورام بن أبي فراس جد رضي الدين علي بن طاوس لأمة وقد نوه بذكره كثيراً في كتبه ووصفه بالنبل والزهد، نقول على هذا القول يكون الشيخ المذكور من الأكراد الجاوانيين، وليس من السهل الحكم بصحة هذا النسب، ولو صح لأيد الشيخ منتجب الدين الذي شاهد الشيخ ورّام في الحلة، وأثنى عليه ونوه بزهده وفضله وساق نسبه إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي كما رأيت، وقد كان الشيخ ورام من الزاهدين الصالحين في الواقع، وليس من الزهد في شيء انتحال الأنساب، ويرجح أن إحدى أمهات هؤلاء الأمراء كانت من أكراد الحلة المذكورين، ومنها لحقهم هذا النسب إلى الكردية وليس في كتب ابن طاوس الذي يشيد كثيراً بذكر جده لأمه الشيخ ورام إشارة إلى نسبهم في الأكراد، وبهذا تفسر هذه النسبة الواردة في تاريخ ابن الأثير، هذا ولا مناقشة في أن الأكراد الجاوانيين أقاموا في نواحي الحلة منذ أوائل تأسيسها، وبهم تسمى محلة الأكراد المعروفة إلى اليوم في المدينة المذكورة، وقد عني المؤرخون بأخبار القبيلة الجاوانية الكردية ومواقفها المأثورة في تاريخ العباسيين والسلاجقة في العراق وبعض الأقطار المجاورة له.
محمد رضا الشبيبي
آل الأزري
أسرة عراقية أنجبت عدة شعراء منهم:
1 ـ الشيخ كاظم الأزري: ولد في بغداد سنة 1143هـ ودرس فيها وفي النجف ومال إلى الشعر والأدب. كان سريع الخاطر حاضر النكتة محترم الجانب لدى العلماء والوجهاء. وكان السيد مهدي بحر العلوم يقدّمه على كثيرين من العلماء.
عرف باطلاعه الواسع على التاريخ والسير والبراعة في التفسير والحديث. وجمع شعره بين جزالة اللفظ وجمال الأسلوب ورصانة التركيب وحسن الديباجة. ويعتبر في طليعة شعراء العراق في بعض مناحيه الشعرية ومن فحولهم البارزين في المناحي الأخرى.
نظم قصيدة في سيرة علي بن أبي طالب (ع) تزيد على ألف بيت وتعتبر من نوع الشعر الملحمي واشتهرت باسم الأزرية، طبعت وحدها مع تخميسها للشيخ جابر الكاظمي. كما أن رشيد السعدي جمع له ديواناً بعد وفاته وطبعه سنة 1320هـ (1902م) ولكنه لم يضم شعره كله. توفي سنة 1211هـ (1796م).
2 ـ الشيخ محمد رضا الأزري: شقيق الشيخ كاظم، ولد في بغداد سنة 1163هـ وتوفي فيها سنة 1240هـ درس في بغداد، وولع بحفظ القصائد الطوال القديمة، فقد رووا أنه كان يحفظ المعلقات السبع وقسماً عظيماً من الشعر الجاهلي والإسلامي عدا الخطب والأحاديث المروية عن العرب.
أهم شعره في رثاء أهل البيت. ومن ملاحظة تواريخ قصائده يرى أن أكثرها نظمت بعد وفاة أخيه الشيخ كاظم.
3 ـ الحاج عبد الحسين الأزري: ولد في بغداد سنة 1298هـ وترعرع في زمن كثرت فيه الثورات والانتفاضات على النظم السياسية والأساليب الاجتماعية، وعلى العادات والتقاليد البالية. من أجل ذلك نشأ وهو ثورة أدبية اجتماعية سياسية. والمطلع على ديوانه (المخطوط) يطلع على سجل حافل بالتيارات الفكرية والانقلابات الاجتماعية والسياسية للجيل الذي عاش فيه. وقد تعاطى نظم الشعر في مطلع شبابه ولم يتفرغ له بل تعاطى التجارة واشتغل بالسياسة وجال جولة في الصحافة وكان منتسباً إلى حزب (الائتلاف) الذي أُنشأ لمناوئة الاتحاديين المناوئين للأماني العربية (راجع: الاتحاد والترقي). وفي السنة 1911م أصدر جريدة المصباح ثم تعطلت في الحرب العامة الأولى. وقد انضم إلى حزب «اللامركزية» المطالب بحقوق العرب في الدولة العثمانية، وكان مركز الحزب في بيروت، لذلك نفاه الاتحاديون خلال الحرب إلى «قيسرين» من بلاد الأناضول مع من نفي من أحرار العرب. وبعد قيام الحكم الوطني في العراق كان نائباً كما أصدر مجلة الاصلاح. أما شعره فإنه إقليمي في فنه، إنساني في نزعته، قومي في أهدافه. وبما أنه ترعرع في أحضان الثورات والانتفاضات، قد كان يكثر في شعره النقد اللاذع وتصطبغ قصائده أحياناً باللون القاتم. وقد جعله اتقانه اللغة الفرنسية يحب من الشعر الخيال الجميل ويبدع في الأسلوب القصصي، توفي سنة 1952م.
آل اعْيَن
أعين بن سُنَسُنْ رجل ظهر في ذريته على ساحة المعارف الإسلامية، رجال مثل زرارة، وبكير، وحمران، وعبد الملك وغيرهم من رواه الحديث المعروفين.
تقول كتب الرجال أن سُنسُن ـ والد أعين ـ ينتمي إلى قبيلة غسان وفي أوائل ظهور الإسلام ذهب إلى أرض الرومان واعتنق هناك الديانة المسيحية والتحق بجماعة الرهبان. أما المعلومات المتوفرة لدينا حول شخصية أعين ـ والد زرارة ـ فهي أنه كان مولى أبناء عبدالله بن عمرو السمين بن… شيبان.
وتوجد هنا حلقة مفقودة لم تشر إليها كتب الرجال وهي، ما هي الأحداث التي أدت إلى انفصال أعين عن والده سُنسُن ـ وخلال أي الوقائع أُسر أعين.
نظرة إمعان بتاريخ الإسلام في ذلك العصر والحروب المتتالية المستمرة بين الروم والمسلمين خاصة في النصف الأول من القرن الأول تجعلنا نحتمل أن «أَعينَ» كان في قوات الرومان في أحد هذه الحروب وأنه وقع أسيراً في أيدي المسلمين خلال هزيمة الروم أمام المسلمين، حيث أن المسلمين، وفي أقل من ربع قرن تمكنوا من فتح الأراضي الرومية والتقدم إلى حمص وحلب وقد استولوا على مدينة حلب سنة 25 هجرية… والذي يؤيد ذلك، هو كلام أبو غالب الزراري حيث يقول: «كان أعين عبداً رومياً اشتراه بني شيبان في مدينة حلب».
رغم أن أعين كان عبداً وأسيراً ولكنه لم يُحرم من زيارة والده حيث أن والده ـ سُنسُن ـ كان يسافر إلى الأرض الإسلامية ويحظى بزيارة ابنه أعين.
تقسم حياة أعين إلى قسمين رئيسيين: الأول، عندما كان عبداً لبني شيبان، ثم الفترة التي حصل فيها على حريته.
خلال الفترة التي كان فيها أعين عبداً لبني شيبان، لم يكن بحاجة إلى مهنة معينة لتأمين نفقات معيشته لأن الموالي في حالة إبراز جدارة ولياقة كانوا بجدارتهم ولياقتهم يخدمون أصحابهم وكثيراً ما كانوا يزاولون مهنة بعد أن كانوا يحصلون على حريتهم.
الذي قيل عن مهنة أعين ونشاطاته الاجتماعية هي أنه كان يُعلّم القرآن؛ ولكن هل كان تعلّم القرآن في ذلك العصر وفي تلك الفترة بالذات يعتبر مهنة خاصة تدفع لها أجور؟ لا نعلم عن ذلك شيئاً…
ان اهتمام أعين بتعليم القرآن إذا كان لا يكشف عن مهنته فإنه يؤكد أن أعين كان يتمتع بجدارة عالية. فقد كان رومياً وقع في شبابه أسيراً في أيدي المسلمين فتعلم اللغة العربية والقرآن بحيث تمكن أن يزاول مهنة التعليم.
إن توجّه «أعين إلى القرآن ودخول والده «سُنسُن» في سلك الرهبانية دليل على نزعة روحانية عرفانية في هذه الأسرة.
ورغم أن أعين كان عبداً فإن بني شيبان لما رأوا ما هو عليه من جدارة قاموا بتعليمه وتربيته ومهّدوا له مجال ازدهاره ونموّه العلمي.
قد أثبت «أعين» جدارته في التعليم وبرز بكفاءته في دراسة القرآن والآداب.
وبنو شيبان المولعون بالقراءة والمتمسكون بالإسلام حرّروا أعين مشجعين له على السير في الطريق السوي الذي اختاره. ولقد كان معروفاً في كتب الرجال عند ذكر آل أعين بأنه مولى بني شيبان، وبنتيجة اتصال هذه الأسرة برجالات الشيعة مثل أبي خالد الكابلي وصالح بن ميثم مالوا إلى التشيع واصبحوا في عداد أبناء الشيعة والذي مهد لهم الطريق في هذا الأمر هو أبو خالد الكابلي.
وجاء في بعض الأقوال أن عبد الملك بن أعين هو أول من تعرف على مذهب الشيعة من أسرة أعين وصار من الآخذين به، عن طريق صالح بن ميثم ثم تبعه حمران عن طريق أبي خالد الكابلي. وظل آخرون منهم على المذهب.
يقول السيد بحر العلوم ما مضمونه:
«إن آل أعين هم من أكبر وأفضل شخصيات الأسر الكوفية ومن شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وإن الأوائل من أفراد هذه الأسرة أدركوا الأئمة: السجّاد والباقر والصادق (عليهم السلام) وإن آخرهم كان بين علماء الشيعة في أوائل الغيبة الكبرى».
يقول أبو غالب الرازي وهو أحد أفراد هذه الأسرة الكريمة ما مضمونه.
«نحن أسرة فضلنا الله سبحانه بدينه وهدانا وأكرمنا بمصاحبة أوليائه وحججه، ومنذ أن تكونت أسرتنا حتى اليوم الذي امتحن فيه أبناء الشيعة بالفتن كنا نحن إلى جانب الأئمة دائماً وكنا نسير على نهج الولاية.
إن عمنا حمران، التقى سيدنا وسيد العابدين ـ علي بن الحسين (ع) ـ وتلمّذ عليه واكتسب العلم والمعرفة منه.
بعد أن سردنا نبذة من حياة أعين ومكانته ومكانة أسرته الرفيعة بين علماء الشيعة نعرض بالتحقيق لحياة زُرارة أفضل آل أعين.
وُلد في بيت أعين طفل أسموه «عبد ربه» ثم لقب فيما بعد بـ «زُرارة» وكانت كنيته أبا الحسن وأبا علي. ولم يسجل المؤرخون بوضوح تاريخ ميلاد زرارة ولكن هناك علامات يمكننا أن نتعرف بها على تاريخ ولادته إلى حد ما.
فقد نقل السيد بحر العلوم عن رسالة «أبو غالب الرازي» بأن حياة زرارة كانت تسعين سنة. ويقول الشيخ الطوسي في كتاب رجاله: أن وفاة زرارة كانت سنة (150 هجرية)، وقد أشار آخرون إلى هذا التاريخ أيضاً. إلا أن الشيخ الطوسي في كتابه الآخر (إختيار معرفة الرجال) يقول: أن وفاة زرارة كانت سنة (148 هجرية).
ومن المؤكد أن زرارة توفي بعد وفاة الإمام الصادق (ع). وإذا فرضنا أن بين الوفاتين شهرين أو أقل من ذلك فيمكننا أن نعتبر أن وفاة زرارة كانت سنة (148 هجرية).
ويستفاد من بعض الروايات أن زرارة كان على فراش المرض عندما تلقى خبر وفاة الإمام الصادق (ع) فبعث ابنه «عبيد» إلى المدينة ليحمل إليه اسم خليفة الإمام الصادق (ع) إلا أن زرارة توفي قبل عودة «عبيد» من المدينة.
ولكن لو قبلنا أن زرارة كان قد أدرك سنين من إمامة الإمام الكاظم (ع) كان علينا أن نقبل أن وفاته كانت سنة 150.
وعلى أي حال فإننا بعد علمنا بمدة حياة زرارة وتاريخ وفاته نستنتج أن ولادته كانت سنة 60 أو سنة 58هـ.
يمكننا أن نلخص النقاط الصالحة للتحقيق والدراسة في حياة زرارة إلى عدة عناوين:
ـ زمان بدء زرارة بطلب العلم، الفروع العلمية واختصاصاته، بدء علاقته مع أهل البيت (عليهم السلام) وكيفية حصول هذه العلاقة، وجهات نظره وأفكاره ونظرياته قبل التعرف على مدرسة الأئمة (عليهم السلام).
أما حول الموضوع الأول: فرغم أنه لا توجد أقوال صريحة في المصادر الرجالية، ولكن نظراً للقابلية العلمية التي كان يتمتع بها آل أعين واهتمام والد الأسرة وانشغاله بمهمة تعليم القرآن والآداب يمكننا أن نستنتج أن زرارة تلقى منذ البداية العلوم المعروفة آنذاك على يدي والده. أما في مجال الدراسات العلمية التي تخصص بها زرارة فنكتفي بما قاله «النجاشي» و«ابن النديم».
يقول النجاشي ما مضمونه: كان زرارة كبير الصحابة ومقدامهم في عصره وقد عرف واشتهر بكونه قارئاً للقرآن وفقيهاً ومحدثاً وشاعراً وأديباً.
ويقول ابن النديم ما مضمونه: ان زرارة أكبر شخصية شيعية في الفقه والحديث والكلام.
إن هذه الأقوال تؤكد أن زرارة اهتم في أيام شبابه ودراسته بتعلم العلوم القرآنية والأدب العربي وكذلك الحديث والفقه.
وذكرت بعض المصادر أن زرارة كان في البداية قد درس الفقه عند «حكم بن عتبة» وكان هذا من فقهاء أبناء السنّة وان حكم بن عتبة كان آنذاك يشغل منصب القضاء في مدينة الكوفة.
ولدى مقارنة تاريخ ميلاد زرارة مع فترة إمامة علي بن الحسين (ع) نستنتج أن السنوات الأولى من إمامة الإمام علي بن الحسين (ع) صادفت فترة صبا زرارة ومن المستبعد أن يكون زرارة آنذاك بين أصحاب الإمام السجاد (ع). ولكن منذ ذلك التاريخ وما يزيد عن ثلاثين عاماً كان زرارة قد أدرك فترة إمامة زين العابدين (ع) وكان بإمكانه وهو في فترة شبابه أن يحظى بمقابلة الإمام ويتلقى العلوم منه ولكن لم يشر أي من مؤلفي كتب الرجال إلى هذا الموضوع ولم يذكروا في كتاباتهم شيئاً عن ذلك. ولكنهم أشاروا جميعاً إلى أن زرارة كان من أصحاب الإمام الباقر (ع) وهذا الأمر يؤكد أن زرارة لم يكن في صلة قريبة مع مدرسة أهل البيت لمدة لا تقل عن ثلاثين سنة من عمره حيث أنه لم ينقل خلال هذه الفترة أي رواية أو حديث عن الإمام السجاد(ع).
ويستفاد أيضاً من بعض الوثائق والمستندات أن زرارة لم يشاهد طوال حياته الإمام علي بن الحسين (ع) كما أنه لم يجتمع بالإمام الباقر (ع) خلال حياة علي بن الحسين (ع) وإن أول اجتماع بين زرارة والإمام الباقر (ع) كان في عهد إمامة الباقر خلال موسم الحج في منى.
ويشير زرارة إلى هذا الاجتماع الأول ويقول ما مضمونه.
«في أرض منى، دخلت سرادقاً كان للإمام الباقر ـ محمد بن علي بن الحسين (ع) ـ وكان في السرادق عدد من الرجال وكان أعلى المجلس فارغاً وفي جانب من السرادق رأيت رجلاً تبادر إلى ذهني أنه أبو جعفر ـ محمد بن علي (ع) ـ فتقدمت وسلّمت عليه. فرد الإمام علي سلامي فجلست على الأرض أمامه. فسألني هل أنت من أبناء أعين؟ قلت: نعم، إني زرارة بن أعين. قال الإمام: عرفتك من سيمائك وشبهك به، هل جاء حُمران إلى الحج أيضاً؟ قلت: كلاّ ولكنه يسلم عليك.
قال الإمام: ان حمران من المؤمنين الصادقين وأنه لا يغض النظر عن الحق.
نستنتج من هذه الرواية بعض النقاط:
أ: إن زرارة لم يكن قد التقى قبل هذا بالإمام الباقر (ع)، لأنه يقول، تبادر في ذهني أن هذا الرجل قد يكون الإمام الباقر (ع) وأن الإمام أيضاً قال له قد عرفتك من تشابهك مع أسرة أعين.
ب: رغم أن زرارة وحتى هذا التاريخ لم يكن قد اجتمع بالأئمة غير أن شقيقه «حُمران» كان في صلة عميقة مع الإمام الباقر (ع). حيث أن الإمام يسأل زرارة في هذا اللقاء الأول عن أحوال حُمران. ويؤكد الإمام على قوة إيمان حُمران وصلابته. وأن حُمران كان في الماضي قد التقى الإمام واجتمع به وأن إيمان وولاء حُمران قد ثبتا نتيجة تلك اللقاءات والاجتماعات.
ج: ان ذهاب زرارة إلى الإمام الباقر (ع) كان بطلب وإرشاد من أخيه حُمران حيث أنه عندما يسأل الإمام عن أحوال حُمران من أخيه زرارة، يجيب زرارة بالقول أنه يبلغك سلامه. ويُستدل من بعض الوثائق والمستندات أن رابطة حُمران واتصالاته مع أهل البيت لم تكن محصورة بعهد إمامة الإمام الباقر (ع) حيث كانت توجد علاقات وإتصالات علمية بينه وبين الإمام السجّاد (ع) ولذلك فقد نقل بعض الروايات عن الإمام السجّاد (ع) بصورة مباشرة.
إذاً فإن علاقات آل أعين مع مدرسة أهل البيت تعود إلى عهد الإمام السجّاد (ع) وأن حُمران كان هو الوسيط لهذه العلاقات رغم أن زرارة لم يتمكن خلال هذه الفترة أن يحظى بالاجتماع بالإمام السجّاد (ع) وإن أول اجـتماعه بأهل البيت كان مع الإمام الباقر (ع).
والجدير بالذكر أن مؤلفي كتب الرجال لا يشيرون في كتبهم إلى أن حُمران كان من أصحاب الإمام السجّاد (ع). وهذا الأمر يبدو عجيباً مع الأخذ بنظر الاعتبار الرواية التي ذكرناها والروايات الأخرى التي كان حُمران قد نقلها عن الإمام الباقر (ع) بصورة مباشرة، حيث ان مؤلفي كتب الرجال قد حدّدوا شرطين لكون الرجل من أصحاب الأئمة:
1 ـ أن يكون قد اجتمع بالإمام. 2 ـ أن يكون قد نقل الحديث عن الإمام بصورة مباشرة.
وإن هذين الشرطين كانا متوفرين في حُمران وسبق أن نقلنا من كتاب رجال بحر العلوم ما ذكره عن الصلات القائمة بين آل أعين والإمام السجّاد (ع) ونُقل عن أبو غالب الزراري قوله بأن حُمران كان قد حظي بمقابلة الإمام السجّاد (ع).
على أي حال، إن وجود شخصية كشخصية حُمران بين أسرة أعين يكفي للتمهيد إلى تعرف زرارة على الإمام الباقر (ع) ومدرسة الأئمة (ع). وهناك أمور أخرى مهدت لهذا التعرف، فزرارة كان قد تلقى في شبابه دروس الفقه على الحكم بن عتيبة، والحكم بن عتيبة رغم تمسكه بفقه أبناء السنّة من الطبيعي أن يكون قد حضر محاضرات المدرسة العلمية للإمام السجّاد والإمام الباقر (ع) وأنه قد أشار في دروسه إلى الأصول والمبادىء الفقهية للأئمة. وفيما بعد كان زُرارة يتذاكر مع الإمام الصادق (ع) في المسائل التي كان قد تعلمها من الحكم بن عتيبة، ويسأل الإمام عن صحة تلك المسائل أو سقمها.
إن هذه الروايات تؤكد العلاقات بين زُرارة والحكم بن عتيبة وتؤيد تلمّذه على الحكم بن عتيبة. ولكن لا يخفى أن حُمران قد أدى دوراً رئيسياً في توجيه آل أعين نحو أهل البيت، وكان السبّاق بين بقية أعضاء الأسرة في أخذ الأحاديث من الأئمة وأصحابهم، حيث أنه تلقى بعض الروايات من أبو خالد الكابلي، وأبو حمزة الثمالي، وسعيد بن جبير وأن هؤلاء كانوا من خواص أصحاب الإمام السجّاد (ع) وإننا لا نشاهد مثل ذلك في بقية آل أعين وهذا دليل على أن حُمران يتقدم من ناحية الزمان في أخذ الروايات عن الأئمة عن بقية أفراد أسرته.
رغم أن الكثير من العلماء في صدر الإسلام ومن صحابة الأئمة (ع) اشتهروا بالمهن والأعمال التي كانوا يزاولونها أو قد ذُكرِت مهنهم أو أعمالهم في كتب الرجال مثل الصيرفي والصحّاف والقزّاز والبزّاز والرماح والقراطيسي والفراء وبياع اللؤلؤ و… ولكن لا نجد في تلك الكتب مهنة خاصة لزرارة. وليس من المستبعد أن تكون هذه الأسرة كانت ترتزق عن طريق النشاطات الثقافية وتعليم القرآن والآداب. وقد سبق أن ذكرنا مثل هذا الاحتمال حول أعين والد هذه الأسرة.
لو أمعنّا النظر في حياة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) الذين كانوا قد اشتهروا بمهن خاصة، نجد أن الكثير منهم كانوا قد اكتسبوا علوم الحديث والعلوم القرآنية، ولكن لم يذكر عنهم أنهم كانوا معلمين في حين نشاهد أنهم قد خصصوا زرارة بمهنة التعليم.
يقول أبو غالب الزراري: إن المحدثين الشيعة كانوا من تلاميذ زُرارة.
وعندما نطالع الروايات والأخبار حول زرارة، نجد هناك رواية تشير إلى أن زرارة كان يزاول مهنة بيع وشراء العبيد. ولكن هذا ليس دليلاً على أن زرارة كان يمارس تلك المهنة، إذ لو كان ذلك صحيحاً، لكانت كتب الرجال قد ذكرته.
هناك القليل من أفراد أسرة أعين كانت لهم مهنة خاصة نخص بالذكر هنا ضريس بن عبد الملك بن أعين ـ وهو ابن شقيق زرارة ـ الذي كان يزاول مهنة التجارة في محلة الكناسة بالكوفة.
ويستفاد من مطالعة كتب الرجال أن زرارة كان له أولاد كثيرون أغلبهم كانوا في عداد أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
وقد أشار الشيخ الطوسي في كتاب الرجال إلى أسماء بعض أبناء زرارة وبعد التدقيق في هذا الكتاب توصلنا إلى أسماء سبعة منهم وهم: الحسن والحسين والرومي وعبدالله وعبيد ومحمد ويحيى.
ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء من صحابة الأئمة وهل كان لزرارة أولاد آخرون غير هؤلاء؟ إننا لم نجد من صرح بذلك.
ويقول السيد بحر العلوم عن أولاد زرارة:
«وأما بقية آل أعين من أبناء ابناء أعين فهناك الكثيرون ومنهم أولاد زرارة وهم الحسن ويحيى والرومي وعبدالله وعبيدالله و… محمد الذي ذكر أنه كان من صحابة الإمام الصادق (ع)».
شخصية زرارة العلمية والثقافية
نقوم بدراسة شخصية زرارة العلمية والثقافية والتحقيق فيها، من ثلاث زوايا مختلفة:
أولاً ـ تحقيق ودراسة الآراء والنظريات حول شخصية زرارة.
يقول أبو غالب الزراري (المتوفى سنة 368 هجرية) الذي كان يعيش في عهد الغيبة الصغرى وهو من أسرة زرارة، يقول عن خصائص زرارة: «كان زرارة جميل المنظر، جسيماً قوياً أبيض اللون. كان يخرج إلى صلاة الجمعة وعلى رأسه طاقية سوداء وفي يده عصاه. وعلى جبينه علامة السجود، وكان الناس يجتمعون على جانبي الطريق وينظرون إليه بجلاله وهيبته. كان رجل بحث ومناقشة لا مثيل له في ذلك. وكان المحدثون الشيعة من تلاميذه».
ويقول محمد بن إسحاق النديم (المتوفى سنة 438) عن زرارة: «كان زرارة من أكبر رجال الشيعة في الفقه والحديث والكلام».
ويقول أبو العباس أحمد بن علي بن العباس النجاشي (المتوفى سنة 450) عن زرارة «كان من السابقين بين صحابتنا في قراءة القران والفقه والكلام والشعر والآداب. وكان يتمتع بالفضيلة والإيمان وكان صادقاً في نقل الحديث وروايته».
يقول تقي الدين، الحسن بن علي بن داود الحلي (المتوفى في القرن السابع الهجري) عنه: «كان زرارة من أصدق وأفضل شخصيات زمانه».
ونقل الشيخ الطوسي في كتاب اختيار معرفة الرجال بعض الروايات عن مكانة وعظمة شأن زرارة، نشير إلى بعض منها:
يقول محمد بن أبي عمير ما مضمونه: «قلنا لجميل بن الدراج، إن مجلسكم العلمي جيد جداً وهو فرصة مغتنمة، فأجاب جميل: قسماً بالله، نحن كأطفال المدرسة أمام مدرّسهم لدى مقارنتنا بزرارة بن أعين».
إن هذا الكلام من جميل بن الدراج مع ما كان يتمتع به من علوم، وما كان يعرف به بأنه أفقه رجال عهده، واعتباره نفسه قليل الشأن مقابل زرارة خير دليل على عظمة شأن زرارة في ميدان العلم والثقافة والفضيلة.
أما أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز (المتوفى سنة 350هـ) وصاحب كتاب رجال الكشي فيرى: أن أفقه أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) هم ستة أشخاص: زرارة، ومعروف بن خربوذ وبريد، وأبو بصير الأسدي، وفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، وقيل: ان أفقهم هو زرارة بن أعين».
ويقول جميل بن الدراج: سمعت من الإمام الصادق (ع) يثني على محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين.
يقول الفضل بن عبد الملك: سمعت من الإمام الصادق (ع) ما مضمونه: إن أحب الناس إلي أربعة أحياء كانوا أم أمواتاً، هم: بريد بن معاوية، وزرارة، ومحمد بن مسلم، والأحول.
ويقول أبي عبيدة الحذاء: سمعت الإمام الصادق (ع) يقول: إن زرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد هم مصداق الآية الكريمة: {وَالَّسابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}.
ثانياً: قدرة زرارة العلمية في المناقشات والمجادلات.
بعد التحقيق في العقائد والنظريات حول شخصية زرارة العلمية والثقافية، يأتي دور التحقيق في قدرته العلمية في المناقشات والمجادلات. لقد كان فقهياً، أديباً، شاعراً، محدثاً، بلغ في الفقاهة درجة عالية.
ثالثاً: ما بقي من مؤلفات زرارة.
إلى حد أن الإمام الصادق (ع) اختاره واختار عدداً من أصحابه لمناقشة علماء بقية المذاهب. لم تذكر الكتب الرجالية لزرارة إلا كتاب الإستطاعة والجبر؛ ولكن ليس معنى هذا أنه ليس له غيره.
وغالبية مؤلفي كتب الرجال يعتقدون أن زرارة كان شاعراً، ولكنهم لم يذكروا هل كان له ديوان شعر أم لا؟… ولم يذكروا ما إذا كان شاعراً مكثراً أو مقلاً؟.
أما في الفقه، فلم نحصل له على مؤلف أو رسالة والأمر الذي يلفت النظر في حياة زرارة، هو اهتمامه بالحديث. ورغم أن محمد بن مسلم يقول: إني سمعت من الإمام الباقر (ع) ثلاثة آلاف حديث، ومن الإمام الصادق (ع) ست عشر ألف حديث. ولكن لم يبق منها الكثير. وبقي لزرارة مجموعة بعنوان «مسند زرارة» تشتمل على حوالي ألفي حديث، ومن الطبيعي أن ليس هذا كل ما روى زرارة.
على أي حال، إن تبلور الكثير من المسائل والمواضيع الفقهية الشيعية هي نتيجة الجهود المضنية التي بذلها زرارة وغيره من العلماء البارزين، ولا يمكننا أن نتجاهل على الخصوص دور الأحاديث التي نقلها إلينا زرارة في أي موضوع من المواضيع الفقهية، وسنتحدث فيما بعد عن تنوع الأحاديث التي تطرق إليها زرارة في مختلف المواضيع الفقهية وكمية وعدد هذه الأحاديث.
ويمكننا تلخيص أساليب تعلم زرارة في ثلاثة فصول:
1 ـ الأساليب الرائجة الاعتيادية، حيث كان يشترك في مجالس محاضرات الأئمة، شأنه شأن العشرات أو المئات الذين كانوا يشتركون في هذه الحوزات الدراسية، ويستمع إلى درسهم ويتعلم منهم حسب استطاعته ولا شك أن أغلبية الروايات التي تلقاها من المعصومين كانت على هذا الأسلوب ولهذا ففي بداية الكثير من الأحاديث التي ينقلها إلينا تبدأ بهده العبارات: سمعت عن الباقر (ع)، أو الصادق (ع) أو… قال الباقر (ع)، أو الصادق (ع)، أو… سمعت عن أحدهما (عليهما السلام)، أو سمعتهما… و… ويبدو من العبارات التي يستعملها زرارة في بداية أحاديثه أنه لم يكتف بالاستماع بل كان في كثير من الأحيان يوجه الاسئلة إلى الإمام ويتلقى الإجابة منه. ولهذا نشاهد أوائل عدد من أحاديثه عبارة سألت الباقر (ع) أو الصادق (ع).
2 – الأسلوب الآخر للتعليم الذي كان يمارسه زرارة، هو أنه يحظى بمقابلة الإمام ويتلقى الحديث منه.
أن مثل هذه الراحة في تبادل الأسئلة والأجوبة جعلت زرارة يتلقى الكثير من الأمور الهامة جداً والمسائل الخصوصية من الإمام.
3 ـ الأسلوب الآخر الذي كان ينتهجه زرارة في التعلم، هو أنه لما يكون غائباً عن الأئمة كان يبعث إليهم الرسائل أو يرسل بعض الموثوق بهم. ونشير في هذا إلى إيفاد ولديه الحسين والحسن إلى الإمام الصادق (ع) فيقول لهما: قولا لوالدكما: أن يفعل كذا وكذا.
مثلما كان زرارة يبذل قصارى جهده ومساعيه في تعلم الحديث، فإنه كان يبذل جهده في تدوين وضبط الأحاديث. فعندما كان يذهب إلى الإمام الباقر (ع) أو الإمام الصادق (ع) كان يحمل معه لوحاً أو قرطاساً ويسجّل الأجوبة عليها حتى لا يطرأ عليها النسيان.
وهناك إختلاف في عدد الأحاديث التي رويت عن زرارة. فبعضهم يعتقد أن عدد الأحاديث التي رواها بلغت ألفين وستين حديثاً، وقد قالوا:
جاء اسم زرارة في عدد كبير من الروايات حيث يبلغ عددها ألفان وأربعاً وستين حديثاً. لقد نقل أحاديث وروايات عن أبي جعفر (ع) بلغ عددها ألفاً ومائتين وستة وثلاثين رواية. ونقل عن أبي عبدالله (ع) روايات بلغ عددها أربعمائة وسبعة وأربعين حديثاً. كما نقل عدداً من الروايات عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) بلغ عددها إثنين وثمانين حديثاً وهناك روايات يقول في بدايتها عن (أحدهما) وبلغ عددها مائة وستة وخمسين حديثاً. كما نقل زرارة عدداً من الروايات دون أن يذكر أنها من أي إمام نقلها وهي تبدأ بعبارة «قال (ع)» أو «سمعته (ع)» وبلغ عددها ثمانية وسبعين حديثاً.
ولكن الأحاديث التي سجلها ونقلها في «مسند زرارة» بلغ عددها ألفاً وتسع مائة وعشرين رواية. وقد ذكرها خلال تسعة وخمسين عنواناً فقهياً وتاريخياً و…
لقد روى ألفاً ومائة وخمسة وسبعين حديثاً عن الإمام الباقر عيه السلام، وأربعمائة وواحداً وأربعين حديثاً عن الإمام الصادق (ع)، ومائة وأحد عشر حديثاً بصورة مشتركة عن الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، ومائة وستة أحاديث بدون أن يذكر اسم الإمام، وقد اكتفى بالقول عن «أحدهما».
وهناك من مجموع أحاديثه ثلاثة وستون حديثاً دون أن يذكر المروي عنه، وقد اكتفى بالقول في بدايتها «قلت له (ع)»، أو «سمعت عنه عليه السلام»، أو «قال لي عليه السلام»: وهناك أربعة وعشرون رواية هي من أقوال زرارة وأحاديث بقية الأئمة (عليهم السلام) نقلها عن فلان أو عن فلان أو عن فلان.
والأمر الذي يلفت النظر أن أربعة وعشرين حديثاً من مجموع أحاديثه منقولة عن الأئمة عن لسان الآخرين، وعدا التسعة عشر حديثاً فإن جميع الروايات والأحاديث التي نقلها عن الأئمة قد سمعها بنفسه عن الإمام ثم نقلها.
حاولنا في هذه الدراسة استقصاء أحاديث زرارة حيث توصلنا خلال هذا التحقيق إلى نقاط وأمور هامة جعلناها في جدول ليتمكن المحققون من أن يستفيدوا منه كل حسب الموضوع الذي يحقق عنه. هذا الجدول يتألف من عشرة فصول معنون كما يلي:
1 ـ موضوع الحديث.
2 – الإمام الذي نقل زرارة الحديث عنه.
3 ـ الأحاديث التي نقلها عن كل إمام حسب الموضوع.
4 ـ الأحاديث التي سأل عنها من الإمام وجواب الإمام عليها.
5 ـ الأحاديث التي نقلها عن الإمامين.
6 ـ الأحاديث التي نقلها عن أحد الإمامين دون ذكر اسم الإمام.
7 ـ الأحاديث التي نقلها بالواسطة عن الإمام.
8 ـ الروايات التي نقلها وفي بدايتها عبارة «سمعت عنه»، أو «قلت له»، أو «قال لي» دون تعيين اسم الإمام.
9 ـ الأحاديث التي ذكرها عن غير الإمام الباقر، والإمام الصادق (عليهما السلام).
10 ـ مجموع الأحاديث التي رواها في كل موضوع. وفي الختام ومن أجل المزيد من الاستفادة من الأحاديث التي نقلها بالواسطة فقد أدرجنا في الجدول أسماء وعدد الوسطاء.
| الموضوع | اسم الإمام | عدد الحديث | سؤال | مشترك | إمام واحد | مع الواسطة | دون المروي عنه | متنوعات | المجموع |
| فضل العلم | الباقر(ع) | 8 | 3 | 12 | |||||
| الصادق (ع) | 4 | 2 | |||||||
| التوحيد | الباقر (ع) | 9 | 7 | 3 | 1 | حديث لحمران عن الإمام الباقر (ع) | 20 | ||
| الصادق (ع) | 7 | 3 | |||||||
| العدل والمعاد | الباقر (ع) | 15 | 5 | 5 | 2 | حديث لحمران عن الإمام الباقر(ع) | 29 | ||
| الصادق (ع) | 7 | 2 | |||||||
| النبوة | الباقر (ع) | 14 | 2 | 5 | حديث لسليمان الجعفي عن الإمام الصادق (ع)
حديث لعبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن الإمام الصادق(ع) |
28 | |||
| الصادق (ع) | 9 | 1 | |||||||
| تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) | الباقر (ع) | 24 | 3 | 12 | 5 | 49 | |||
| الصادق (ع) | 8 | 1 | |||||||
| الإمامة | الباقر (ع) | 37 | 10 | حديث لأبي الخطاب في أحسن الحال | 4 | 40 | |||
| الصادق (ع) | 8 | 5 | |||||||
| تاريخ علي (ع) | الباقر (ع) | 16 | 1 | 16 | |||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| تاريخ فاطمة عليها السلام | الباقر (ع) | 1 | 2 | ||||||
| الصادق (ع) | 1 | ||||||||
| تاريخ الحسين بن علي (ع) | الباقر (ع) | 2 | حديث لعبد الخالق | 5 | |||||
| الصادق (ع) | 3 | ||||||||
| تاريخ علي بن الحسين (ع) | الباقر (ع) | 5 | 1 | 1 | واحدة صادرة عن زرارة | 8 | |||
| الصادق (ع) | |||||||||
| تاريخ محمد بن علي (ع) | الباقر (ع) | 9 | 1 | 9 | |||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| تاريخ جعفر بن محمد (ع) | الباقر (ع) | 3 | |||||||
| الصادق (ع) | 3 | ||||||||
| تاريخ موسى بن جعفر (ع) | الباقر (ع) | 1 | |||||||
| الصادق (ع) | 1 | ||||||||
| تاريخ الحجة بن الحسن (ع) | الباقر (ع) | 5 | واحدة صادرة عن زرارة | 18 | |||||
| الصادق (ع) | 12 | 1 | |||||||
| كتاب الاحتجاج | الباقر (ع) | 3 | 3 | ||||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| كتاب الحجة | الباقر (ع) | 19 | 2 | 4 | واحدة صادرة عن زرارة | 32 | |||
| الصادق (ع) | 8 | ||||||||
| الإيمان والكفر | الباقر (ع) | 51 | 13 | 7 | 1 | واحدة لحمران عن الإمام الباقر(ع)
واحدة لحسن البزاز عن الإمام الصادق(ع) |
70 | ||
| الصادق (ع) | 11 | 6 | |||||||
| الدعاء | الباقر (ع) | 6 | 2 | 11 | |||||
| الصادق (ع) | 3 | 1 | |||||||
| فضل القرآن | الباقر (ع) | 1 | 1 | ||||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| آداب المعاشرة | الباقر (ع) | 3 | 4 | ||||||
| الصادق (ع) | 1 | ||||||||
| الطهارة | الباقر (ع) | 132 | 38 | 8 | 15 | حديث لحمران عن الإمام الصادق (ع) | 19 | واحدة صادرة عن زرارة | 210 |
| الصادق (ع) | 35 | 13 | |||||||
| الصلاة | الباقر (ع) | 270 | 60 | 12 | 14 | حديث لعبد الملك بن أعين عن الإمام الباقر(ع)، حديث لحمران وحديث لعمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (ع) | 10 | 5 أحاديث عن زرارة حديث واحد عن الإمام علي (ع) | 366 |
| الصادق (ع) | 54 | 17 | |||||||
| الزكاة | الباقر (ع) | 33 | 7 | 17 | 4 | حديث لحمران عن الإمام الباقر (ع)
وحديث لعبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن الإمام الصادق (ع) |
2 | 87 | |
| الصادق (ع) | 31 | 15 | |||||||
| الخمس | الباقر (ع) | 4 | 1 | 1 | واحدة صادرة عن زرارة | 8 | |||
| الصادق (ع) | 2 | ||||||||
| الصوم | الباقر (ع) | 34 | 12 | 2 | 1 | حديث لعبد الواحد بن المختار عن الإمام الباقر(ع)، حديث لعبد الواحد الأنصاري عن الإمام الصادق (ع) | 1 | 52 | |
| الصادق (ع) | 14 | 6 | |||||||
| الحج | الباقر (ع) | 98 | 26 | 2 | 11 | حديثان لحمران عن الإمام الباقر (ع) | 6 | 149 | |
| الصادق (ع) | 8 | 32 | |||||||
| الجهاد | الباقر (ع) | 10 | 1 | 2 | 1 | 22 | |||
| الصادق (ع) | 9 | 3 | |||||||
| الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر | الباقر (ع) | 6 | 1 | حديث لحمران عن الإمام الباقر (ع) | 1 | 10 | |||
| الصادق (ع) | 3 | ||||||||
| التجارة | الباقر (ع) | 29 | 9 | 1 | 1 | 1 | 53 | ||
| الصادق (ع) | 21 | 6 | |||||||
| الحجر | الباقر (ع) | 1 | 1 | ||||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| الضمان | الباقر (ع) | 1 | 1 | ||||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| الوديعة | الباقر (ع) | 1 | |||||||
| الصادق (ع) | 1 | 1 | |||||||
| العارية | الباقر (ع) | 1 | |||||||
| الصادق (ع) | 1 | 1 | |||||||
| الإجارة | الباقر (ع) | 1 | |||||||
| الصادق (ع) | 1 | ||||||||
| الوقف والصدقات | الباقر (ع) | 2 | 2 | ||||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| الهبات | الباقر (ع) | 1 | |||||||
| الصادق (ع) | 1 | ||||||||
| الوصايا | الباقر (ع) | 4 | 1 | 2 | 1 | 9 | |||
| الصادق (ع) | 2 | 1 | |||||||
| النكاح | الباقر (ع) | 81 | 20 | 2 | 3 | حديث لحمران عن الإمام الباقر (ع) | 9 | 127 | |
| الصادق (ع) | 32 | 12 | |||||||
| الطلاق | الباقر (ع) | 56 | 17 | 5 | 9 | حديث ليسع عن الإمام الصادق (ع) | 2 | رواية عن ربيعة الرأي | 87 |
| الصادق (ع) | 14 | 2 | |||||||
| الخلع والمبارة | الباقر (ع) | 4 | 1 | 1 | 7 | ||||
| الصادق (ع) | 2 | ||||||||
| الطهارة | الباقر (ع) | 3 | 2 | 6 | |||||
| الصادق (ع) | 3 | 2 | |||||||
| إيلاء الكفارات | الباقر (ع) | 3 | 1 | 5 | |||||
| الصادق (ع) | 2 | ||||||||
| اللعان | الباقر (ع) | 1 | 1 | 4 | |||||
| الصادق (ع) | 2 | ||||||||
| العتق | الباقر (ع) | 7 | 3 | 1 | 2 | 14 | |||
| الصادق (ع) | 4 | 1 | |||||||
| تدبير المكاتبة والإستيلاء | الباقر (ع) | 1 | 1 | 2 | |||||
| الصادق (ع) | 1 | 1 | |||||||
| الجعالة | الباقر (ع) | 1 | 1 | 1 | |||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| الأيمان (القسم) | الباقر (ع) | 9 | 6 | 1 | 13 | ||||
| الصادق (ع) | 2 | 1 | |||||||
| النذر والعهد | الباقر (ع) | 1 | 1 | 2 | |||||
| الصادق (ع) | 1 | 1 | |||||||
| الصيد والذبائح | الباقر (ع) | 11 | 4 | حديث لحمران عن الإمام الباقر (ع) | 2 | 19 | |||
| الصادق (ع) | 6 | ||||||||
| الأطعمة والأشربة | الباقر (ع) | 20 | 5 | 2 | 5 | 1 | رفعة إلى النبي | 45 | |
| الصادق (ع) | 16 | 5 | |||||||
| إحياء الأراضي القاحلة | الباقر (ع) | 3 | 1 | 4 | |||||
| الصادق (ع) | |||||||||
| اللقطة (الأشياء المفقودة) | الباقر (ع) | 1 | 1 | 2 | |||||
| الصادق (ع) | 1 | ||||||||
| الفرائض والميراث | الباقر (ع) | 28 | 4 | 3 | 4 | خمسة أحاديث صادرة عن زرارة | 52 | ||
| الصادق (ع) | 12 | 3 | |||||||
| القضاء | الباقر (ع) | 13 | 2 | 1 | حديث صادر عن زرارة وحديث عن علي (ع) | 20 | |||
| الصادق (ع) | 4 | 2 | |||||||
| الشهادة | الباقر (ع) | 1 | 1 | 1 | حديث صادر عن زرارة | 3 | |||
| الصادق (ع) | |||||||||
| الحد والتعزير | الباقر (ع) | 31 | 3 | 5 | 41 | ||||
| الصادق (ع) | 5 | 1 | |||||||
| القصاص | الباقر (ع) | 6 | 3 | 3 | 14 | ||||
| الصادق (ع) | 6 | 1 | |||||||
| الديات | الباقر (ع) | 1 | 1 | 1 | 13 | ||||
| الصادق (ع) | 10 | 3 | |||||||
| المتنوعات | الباقر (ع) | 55 | 14 | 11 | 9 | حديث لعبد الملك عن الإمام الباقر (ع)، حديث لعبدالله بن سليمان عن الإمام الصادق (ع) | 1 | حديثان صادران عن زرارة، حديث لأبي طفيل عن علي (ع) | 104 |
| الصادق (ع) | 25 | 6 |
تظهر لنا خلال الإمعان في كمية وكيفية أحاديث زرارة، نقطتان:
1 ـ كمية الأحاديث الكثيرة.
2 ـ تنوّع مواضيع الأحاديث.
يبدأ زرارة أحاديثه بمعرفة الله، وهي أول وأهمّ خطوة ثم ينتقل إلى معرفة الرسول، والمبعوث من قبل الله، ومن ثم أوصياءه، ثم يتناول الأحادث الخاصة بالحقوق الاجتماعية والتنمية العقلانية والبدنية، ثم يتطرق إلى القوانين التي من شأنها تنظيم وثبات واستقرار المجتمع، وعن هذا الأمر يمكننا الاشارة إلى مواضيع، القضاء، والشهادة، والحدّ، والتعزير، والدية، والقصاص حيث كل واحدة من هذه المواضيع تعتبر عموداً من أعمدة الاستقرار الاجتماعي.
وقد ترك لنا روايات وأحاديث قيّمة وثمينة في مواضيع الصلاة، والطهارة، والحج، والزواج، والطلاق، والزكاة، والإيمان، والكفر، والتجارة، والإرث، وقد سجل وحافظ على الكثير من الأحاديث عن هذه المواضيع. وخلال الإمعان في الأحاديث التي طرحها على الإمام(ع) على شكل سؤال في كل موضوع ومقارنتها مع الأقسام الأخرى نشاهد أن زرارة عمل في هذه المواضيع بتعقل وإدراك وتفكر، ويمكن اعتباره من ذوي الفهم والدقة والرأي. أما بعض النقاط الأخرى عن أحاديث زرارة فهي:
1 ـ لماذا ينقل زرارة بعض الأحاديث عن الإمامين؟ وهل لهذا الأمر سبباً أو دلالة خاصة؟.
2 ـ لماذا ينقل بعض الروايات دون أن يذكر اسم الإمام؟. هل هذا الأمر ناجم عن نسيان زرارة؟ أم إن الرواة الذين نقلوا عن زرارة، نسوا أن يذكروا ذلك واكتفوا بذكر «أحدهما»؟.
3 ـ في بعض الروايات الأخرى التي أشرنا إليها تحت عنوان «دون ذكر المروي عنه، لم يُذكر فيها بصورة صريحة اسم الإمام (ع). فما هو سبب ذلك؟ هل كان نيتجة التقيّة، أم أن الموضوع الذي سبقه كان قد خصص لأحد الإمامين؟ وبهذا فقد قال زرارة، «سألته (ع)»، أو «سمعت عنه (ع)»، أو «قال لي (ع)». يمكن الإجابة على هذه الاسئلة بعد معرفة زمان حياة زرارة والأئمة المعاصرين له بدقة.
رغم أن الأُسر التي اشتهرت بالعلم كانت كثيرة في مدينة الكوفة، وكانت الكوفة في الواقع قاعدة لتعلّم علوم أهل البيت (عليهم السلام) بحيث أن مؤلف كتاب «تاريخ الكوفة» يذكر أسماء أكثر من عشرين أسرة منهم، إلاّ أن أسرة أعين كانت أكبر وأعظم تلك الأسر.
والأسر العلمية المقيمة في الكوفة كانت كما يلي:
1 ـ آل أبي الجعد: رافع الغطفاني الأشجعي.
2- آل أبي الجهم: القابوسي اللخمي من ولد قابوس بن النعمان بن المنذر.
3 ـ آل أبي رافع.
4 ـ آل أبي سارة.
5 ـ آل أبي شعبة الحلبيون.
6 ـ آل أبي صفية واسم أبي صفية، دينار وهو أبو ثابت المعروف بأبي حمزة الثمالي الكوفي.
7 ـ آل أعين.
8 ـ آل حيان التغلبي مولى بني تغلب.
9 ـ آل نعيم الأزدي الغامدي.
10 ـ آل أبي أراكة مولى كنده البجلي واسم أبي أراكة ميمون.
11 ـ بنو الحر الجعفي والحر هذا مولى جعفي.
12 ـ بنو إلياس البجلي.
13 ـ بنو عبد ربه بن أبي ميمونة بن يسار الأسدي.
14 ـ بنو أبي سبرة.
15 ـ بنو سوقة.
16 ـ بنو نعيم الصحاف.
17 ـ بنو عطية.
18 ـ بنو رباط، أهل بيت كبير من بجيل، أو من مواليهم.
19 ـ بنو فرقد.
20 ـ بنو دراج.
21 ـ بنو عمار الجبلي الدهني مولاهم.
هذه الأسر التي ذكر صاحب كتاب «تاريخ الكوفة» أسماءها هي تلك الأسر التي استفادت من علوم الصادق (ع) حيث أنهم امّا كانوا في عهد زرارة أو تبلوروا بعده بفترة قليلة. ان هذه الأسر تقول أن توفيقها كان نتيجة المدة التي كان الإمام الصادق (ع) قد أقام بها في مدينة الكوفة، حيث أن الإمام كان يقيم في الكوفة في عهد أبو العباس السفاح، ورغم أن هذه المدة لم تتجاوز السنتين فقد كانت تبعث خير وبركات كثيرة لأهالي العراق، وفيما بعد قال الحسن بن علي بن زياد الوشاء البجلي بن عيسى القمي: رأست في هذا المسجد ـ مسجد الكوفة ـ تسعمائة عالم كل واحد منهم يقول: حدثني جعفر بن محمد (ع).
رغم هذا فالأمر الذي يميز زرارة عن غيره ويشير إلى عظمة حلقاته الدراسية في الكوفة، هو إطلاعه على آلاف الأحاديث التي تعلمها من الإمام الباقر (ع)، وكان هذا يعتبر فخراً واعتزازاً له. وإذا قبلنا أن ما كتبه صاحب كتاب «تاريخ الكوفة» من أن جميع هذه الأسر العلمية كانت من رواة أحاديث الإمام الصادق (ع)، فقد يكون زرارة أحد المقدمين في تأسيس حوزة العلوم الباقرية في الكوفة، وهذا يدلّ على أنه كانت لديه حوزة دراسية في مدينة الكوفة قبل أن يتوجّه الإمام الصادق (ع) إلى الكوفة [بين سنوات 132 ـ 136 هجرية] حيث أن غالبية الأسر العلمية والشخصيات التي كان لهم حوزات دراسية في الكوفة كانوا من رواة أحاديث الإمام الصادق (ع) في حين أن زرارة كان قبل هؤلاء من رواة أحاديث الإمام الباقر (ع) وهذا هو سبب سبقه في تأسيس الحوزة الدراسية في الكوفة.
وأما عن حجم مجلس دروسه فيجب الإشارة إلى أن ما لا يقل عن ستة وتسعين رجلاً رووا عن زرارة نذكر أسماءهم في نهاية هذا المقال.
أما عن عظمة حوزته الدراسية فيجب أن نذكر أن جميل بن دراج الذي كان من فقهاء عصره يقول رداً على سؤال من محمد بن أبي عمير الذي كان قد قال: ما أحسن محفلكم ومجلسكم، يقول ما مؤداه: «قسماً بالله أننا أمام زرارة كالأطفال أمام معلمهم».
العبارات التي ذكرها جميل بن دراج عن عظمة مجلس زرارة، تحتوي على نقطتين رئيسيتين:
1 ـ أن زرارة كانت له حوزة دراسية في مدينة الكوفة قبل ذلك التاريخ، وأن رجالاً كانوا يحضرون هذه الجلسات.
2 ـ إن مستوى علم زرارة كان إلى درجة بحيث أن شخصيات مثل جميل بن دراج يعتبرون أنفسهم أطفالاً أمام عظمة علم زرارة.
وفي ختام هذا المقال قائمة بأسماء تلاميذ زرارة، المقصود من «التلاميذ» هم الذين نقلوا الحديث عنه رغم أنهم كانوا من تلاميذ الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع)، حيث أنه كان يصعب علي أن أقول أن مثل هشام بن الحكم كان من تلاميذ زرارة.
فيما يلي أسماء تلاميذ زرارة حسب عدد الأحاديث التي نقلوها عن زرارة:
1 ـ حريز بن عبدالله، حزير.
2 ـ عبدالله بن بكير.
3 ـ عمر بن أذينة.
4 ـ موسى بن بكر.
5 ـ جميل بن الدراج.
6 ـ علي بن رئاب.
7 ـ ابان.
8 ـ جميل.
9 ـ ابان بن عثمان.
10 ـ ثعلبة بن ميمون.
11 ـ عبدالله بن مسكان.
12 ـ مثنى الحناط.
13 ـ مثنى.
14 ـ محمد بن حمران.
15 ـ حماد بن عثمان.
16 ـ هشام بن سالم.
17 ـ حماد.
18 ـ ربعي بن عبدالله.
19 ـ أبي جميلة.
20 ـ محمد بن علي الحلبي.
21 ـ إسحاق بن عبد العزيز.
22 ـ قاسم بن عروة.
23 ـ درست الواسطي.
24 ـ داود بن سرحان.
25 ـ خالد بن نجيح.
26 ـ إسماعيل بن جابر.
27 ـ حماد بن عيسى.
28 ـ صفوان.
29 ـ مسمع بن عبد الملك كردين.
30 ـ علي بن سعيد.
31 ـ علي بن عطية.
32 ـ هشام بن الحكم.
33 ـ يونس.
34 ـ ابن نويه.
35 ـ أبو جعفر الأحول.
36 ـ إبراهيم بن عبد الحميد.
37 ـ حسن بن موسى.
38 ـ حسين بن عثمان.
39 ـ داوود العجلي.
40 ـ صالح.
41 ـ عبد العزيز بن حيان.
42 ـ علي بن عقبة.
43 ـ فراش.
44 ـ فضيل.
45 ـ مثنى بن عبد السلام.
46 ـ محمد بن سماعة.
47 ـ محمد بن عطية.
48 ـ معاوية بن وهب.
49 ـ هيثم بن حفص.
50 ـ ابن أبي قره.
51 ـ ابن أبي ليلا.
52 ـ ابن رباط.
53 ـ أبو عيينة.
54 ـ أبي بصير.
55 ـ أبي زياد الهندي.
56 ـ أبي الهيثم.
57 ـ أبي أيوب الخزار.
58 ـ أبان الأحمر.
59 ـ أبان بن تغلب.
60 ـ إبراهيم بن عمر.
61 ـ إسماعيل البصري.
62 ـ إسماعيل بن فراش.
63 ـ بكير بن أعين.
64 ـ جميل بن صالح.
65 ـ حسن بن عبد الملك.
66 ـ حسن بن عطية.
67 ـ حسن بن علي.
68 ـ حسين بن أحمد المنقري.
69 ـ حسين بن موسى.
70 ـ حماد بن أبي طلحة.
71 ـ حمران ابن أعين.
72 ـ حنان.
73 ـ رومي بن زرارة.
74 ـ سيف التمار.
75 ـ عبدالله.
76 ـ عبدالله بن أبي يعفور.
77 ـ عبدالله بن محمد.
78 ـ عبدالله بن يحيى الكاهلي.
79 ـ عبد الحميد الطائي.
80 ـ عبد الرحمن بن الحجاج.
81 ـ عبد الرحمن بن يحيى.
82 ـ عبد العزيز العبدي.
83 ـ عبد الكريم.
84 ـ عثمان.
85 ـ عبيد.
86 ـ عبيد بن زرارة.
87 ـ عقبة بن خالد.
88 ـ علي بن حديد.
89 ـ علي بن جعفر الحضرمي.
90 ـ علي بن حمزة.
91 ـ عيسى بن أبي حمزة.
92 ـ فضالة بن أيوب.
93 ـ قاسم بن محمد.
94 ـ مثنى بن الوليد.
95 ـ محبوب بن شهاب.
96 ـ محمد بن الحسن.
97 ـ محمد بن حمران.
98 ـ محمد بن مسلم.
99 ـ معاذ.
100 ـ يحيى بن مثنى.
101 ـ يعقوب.
من بين أسماء الرواة عن زرارة يبدو أن عدداً منهم قد تكررت أسماؤهم بحيث يتصوّر البعض أن هذه الأسماء تكررت مرتين أو عدة مرات، ولكن الأمر ليس كذلك، خاصة إذا كانت هذه الأسماء جاءت حسب عدد الأحاديث التي نقلوها.
عباس علي صديقي نسب
آل بابويه
الفقيه المحدث المحقق الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1221هـ خلف في الفقه والحديث والمسائل الكلامية والتاريخ والتراجم كتباً ورسائل قيّمة تداولتها أيدي العلماء منذ عصر المؤلف حتى اليوم، وقد ملأت فراغاً كانوا يحسونه.
ومن بين هذه الآثار رسائل ثلاث كتبها الماحوزي في التراجم، منها:
ـ فهرست آل بابويه:
رسالة مختصرة تتضمن خمس عشرة ترجمة لذرية بابويه الرازي، كالشيخ الصدوق، والشيخ منتخب الدين وغيرهما من العلماء المنتسبين إلى هذا البيت، ويتطرق الماحوزي فيها إلى بعض مباحث خارجة عن موضعها، ولكنها مفيدة.
كتبت الرسالة في عصر المؤلف في قرية «العالي» من قرى «البحرين» في بيت الشيخ سالم في يوم الثلاثاء غرّة جمادى الأولى سنة 1118هـ، وفي هامش النسخة تعاليق أثبتناها، بعضها من المؤلف بتوقيع «منه مدّ ظله» وبعضها من الميرزا عبدالله أفندي الأصفهاني الذي وجدنا الرسالة في مجموعة له وخطه برمز «ع» وتعليقة من الرجالي المشهور محمد بن إسماعيل المعروف بأبي علي الأسترابادي وهي برمز «أبو علي».
وفي أعلى الصفحة الأخيرة استدرك أبو علي الأسترابادي تراجم أربعة من آل بابويه فات المؤلف ذكرهم، أثبتناها بعنوان «ملحق أول».
ثم تراجم من آل بابويه فاتتهما فاستدركناها نحن عليهما بعنوان «ملحق ثان».
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله على أفضاله، والصلاة على محمد وآله.
وبعد:
فيقول الفقير إلى اللطيف الأقدس السبحاني (سليمان بن عبدالله البحراني) عامله الله بفضله الربّاني:
قد كان سألني بعض الطلبة عن كمية مشائخ (آل بابويه) عطّر الله مراقدهم؛ فأجبته بكثرتهم على وجه الإجمال لضيق المجال، وعدم مناسبة المقام لتفصيل الحال، فأخذ بعض الحاضرين في التعجب والاستغراب كأنه ظفر بتمرة الغراب.
فاستخرت الله سبحانه وكتبت هذه الرسالة في تفصيل أسمائهم، وشرح أحوالهم، متفادياً عن الإسهاب والإكثار، ورتبت تراجمها على نمط يروق البصائر والأبصار.
فأقول، مستعيناً بالله على الإتمام، راجياً للفوز بسعادة الاختتام:
حرف الألف
[1 و2]
إسحاق بن محمد بن الحسن بن الحسين بن بابويه
وأخوه أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد المذكور
قرءا على شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله جميع تصانيفه ـ قاله الشيخ الحفظة الثقة منتجب الدين علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه في فهرسته، ثم قال: لهما روايات الأحاديث ومطولات ومختصرات في الاعتقادات عربية وفارسية، أخبرنا بها الشيخ الوالد موفق الدين عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه عنهما([175]).
حرف الباء
[3]
الشيخ بابويه بن سعد بن محمد بن الحسن بن بابويه
قال الشيخ منتجب الدين([176]): أنه فقيه صالح مقرىء، قرأ على شيخنا الجد شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه، وله كتاب حسن في الأصول والفروع سماه «الصراط المستقيم»، قرأته عليه([177]).
حرف الحاء
[4]
الحسن بن الحسين بن بابويه جد الشيخ منتجب الدين
قال رحمه الله في فهرسته: الشيخ الإمام الجد شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمي نزيل الري المدعو حسكا، فقيه ثقة وجه، قرأ على شيخنا الموفق أبي جعفر قدس الله روحه جميع تصانيفه بالغري على ساكنه السلام([178])، وقرأ على الشيخين سلار بن عبد العزيز، وابن البراج رحمهما الله جميع تصانيفهما. وله تصانيف في الفقه منها: كتاب «العبادات»، وكتاب «الأعمال الصالحة»، وكتاب «سير الأنبياء والأئمة». أخبرنا بها الوالد موفق الدين عبيدالله عنه([179]).
[5]
الحسن بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه
أخو الفقيهين محمد والحسين ابني علي بن الحسين، روى الشيخ في كتاب الغيبة أنه مشتغل بالعبادة والزهد، ولا يختلط بالناس، ولا فقه له([180]).
[6]
الحسين بن الحسن بن محمد بن موسى بن بابويه
ابن أخت الشيخ الثقة الجليل عضد الاسلام علي بن الحسين بن موسى بن بابويه روّح الله روحه وتابع فتوحه.
[7]
الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي
كثير الرواية، يروي عن جماعة، وعن أبيه، وعن أخيه أبي جعفر محمد بن علي، ثقة ـ قاله الشيخ رحمه الله في كتاب الرجال في باب من لم يرو عن أحد من الأئمة (ع)، والعلامة في الخلاصة([181]).
وقال النجاشي: الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبو عبدالله، ثقة، روى عن أبيه إجازة، له كتب منها: كتاب «التوحيد ونفي التشبيه»، و«كتاب عمله للصاحب أبي القاسم ابن عباد»([182])، أخبرنا عنه بها الحسين بن عبيدالله([183]).
حرف السين
[8]
سعد بن الحسن بن الحسين بن بابويه
قال الشيخ منتجب الدين قدس الله روحه في فهرسته: فقيه صالح ثقة([184]).
قلت: لعله سعد بن محمد بن الحسن بن الحسين كما ذكره في ترجمة بابويه([185]).
ووقع إليّ مجلد عتيق من كتاب «الخلاف» قد قرأه الشيخ سعد المذكور على الشيخ الثقة عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه والد الشيخ منتجب الدين صاحب الفهرست قدس الله روحيهما، وفي ظهره الإجازة بخطه، وهي هذه:
قرأ علي هذه المجلدة ـ وهي الثاني من كتاب مسائل الخلاف مع كافة الفقهاء ـ الشيخ الفقيه نجيب الدين ثقة الإسلام أبو المعالي سعد بن الحسين بن الحسن بن بابويه أدام الله توفيقه قراءة تفهم وتدبر، وأجزت له روايته عني عن والدي الشيخ الرئيس السعيد أبي محمد الحسن بن الحسين بن بابويه قدس الله روحه، عن المصنف الشيخ الموفق أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ع). كتبه العبد الفقير المحتاج إلى رحمة الله عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه في صفر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة هجرية، حامداً لله تعالى ومصلياً على رسوله» انتهى.
وعلى ظهره بخط الشيخ سعد رحمه الله ما صورته:
«صار لأبي المعالي سعد بن الحسين بن الحسن بن بابويه، بحق الشراء، متعه الله به طويلاً».
وهو نص في أنه «سعد بن الحسين» مصغراً، لا «ابن الحسن» مكبراً، وهو عكس ما في فهرست الشيخ منتجب الدين.
وفي «شرح البداية في الرواية»([186]) في بحث رواية الأبناء عن الآباء ما لفظه: وعن خمسة آباء، وقد اتفق لنا منه رواية الشيخ الجليل بابويه بن سعد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين من بابويه عن أبيه سعد عن أبيه محمد عن أبيه الحسن عن أبيه الحسين ـ وهو أخو الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد ـ عن أبي علي بن الحسين بن بابويه ـ انتهى([187]).
وهو نص في خلافهما وأنه سعد بن محمد بن الحسن بن الحسين كما ذكره الشيخ منتجب الدين في ترجمة الشيخ بابويه، وقد تقدم.
والظاهر تغاير الثلاثة، ويشهد له أن الشيخ بابويه قد قرأ على جد الشيخ منتجب الدين، وهو الشيخ شمس الأسلام الحسن بن الحسين بن بابويه كما تقدم في ترجمة بابويه، فكيف يقرأ والده الشيخ سعد بن محمد علي والد الشيخ منتجب الدين وهو عبيدالله بن الحسن؟ فظهر تغايرهما.
كما أن الظاهر تغاير سعد بن الحسن بن الحسين بن بابويه لصاحب الخلاف الذي قرأ على الشيخ عبيدالله وأجاز له، لأنه سعد بن الحسين بن الحسن.
ويمكن أن يكون ما في الفهرست غلطاً بالتقديم والتأخير، لأن ما يوجد من نسخته عندنا غير موثوق به، فيتّحد الأخيران، فتأمّل.
حرف العين
[9]
عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمي
نزيل الري، الشيخ موفق الدين أبو القاسم.
قال ولده الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله في فهرسته: فقيه ثقة بين أصحابنا([188])، قرأ على والده الشيخ الإمام شمس الاسلام حسكا بن بابويه فقيه عصره جميع ما كان له سماع وقراءة على مشائخه الشيخ أبي جعفر، والشيخ سلار، والشيخ ابن البراج، والسيد حمزة ـ انتهى([189]).رأيت خطه في ظهر مجلد من كتاب «الخلاف» أوله صلاة الكسوف بالإجازة للشيخ أبي المعالي سعد بن بابويه([190])، وقد تقدم حكايته([191]).
[10]
الشيخ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي
والد الصدوق، أبو الحسن، شيخ القميين في عصره، ومتقدمهم، وفقيههم، وثقتهم ـ كذا في الخلاصة، وكتاب النجاشي([192]).
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي في الفهرست: كان فقيهاً ثقة جليلاً، له كتب كثيرة([193]).
له كتب منها: كتاب «التوحيد»، كتاب «الوضوء»، كتاب «الصلاة»، كتاب «الجنائز»، كتاب «الإمامة والتبصرة من الحيرة»، كتاب «الإملاء» نوادر، كتاب «المنطق»، كتاب «الإخوان»([194])، كتاب «النساء والولدان»، كتاب «الشرائع» وهي الرسالة إلى ابنه، كتاب «التفسير»، كتاب «النكاح»، كتاب «مناسك الحج»، كتاب «قرب الإسناد»، كتاب «التسليم»، كتاب «الطب»، كتاب «المواريث»، كتاب «المعراج»، أخبرنا أبو الحسن العباس بن عمر بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي مروان الكوذاني (رحمه الله)، قال: أخذت إجازة علي بن الحسين بن بابويه لما قدم بغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بجميع كتبه.
ومات علي بن الحسين سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ورأيت حاشية على نسخة معتبرة من كتاب النجاشي صورتها: ذكر ابن النديم([195]) في الفهرست: أنه وجد إجازة بخط أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه يقول فيها: «أجزت لفلان بن فلان ـ وسماه ـ أن يروي كتب أبي، وهي مائتا كتاب»، انتهى([196]).
ورأيت في دار السلطنة اصفهان كتاباً صغيراً في الإمامة يسمى بـ «الكرّ والفرّ» منسوباً إليه قدس سره، ولم يذكره الشيخ في فهرسته في كتبه، ولا النجاشي في كتابه. نعم ذُكر في ترجمة الشيخ المتقدم الحسن بن أبي عقيل العماني أن له كتاب «الكرّ والفرّ» في الامامة. والله أعلم([197]).
وذكر شيخنا الشهيد في أوائل الذكرى أن الأصحاب كانوا يتمسكون بما يجدونه في كلامه عند اعواز النصوص، وينزلون ما يفتي به منزلة ما يرويه([198]).
قال شيخنا البهائي قدس سره في الحبل المتين: لعل حكمهم في كتب الفروع باستحباب التحنّك للصلاة مع خلوّ الأحاديث عنه من ذلك القبيل([199]).
والله الهادي إلى سواء السبيل.
[11]
الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه قدس الله روحه
من مشاهير الثقات وفحول المحدثين، له كتاب «فهرست من تأخر عن الشيخ أبي جعفر الطوسي» روح الله روحه، عجيب في بابه.
قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الاجازة: وأجزت له أن يروي عني جميع ما رواه علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه، وجميع ما اشتمل عليه كتاب فهرسته، لا سيما العلماء المتأخرين عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، وكان هذا الرجل حسن الضبط كثير الرواية عن مشائخ عديدة، انتهى.
وقال عطّر الله مرقده في شرح البداية في الدراية في بحث رواية الأبناء عن الآباء: وعن ستة آباء، وقد وقع لنا منه رواية الشيخ منتخب الدين أبي الحسن علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه، فإنه يروي عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه علي بن الحسين الصدوق ابن بابويه، وهذا الشيخ منتجب الدين كثير الرواية واسع الطرق عن آبائه وأقاربه وأسلافه، ويروي عن ابن عمه الشيخ بابويه بغير واسطة، وأنا لي رواية عن الشيخ منتجب الدين بعدة طرق مذكورة فيما وضعته من الطرق والإجازات، انتهى([200]).
ولهذا الشيخ كتاب «الأربعين عن الأربعين من الأربعين في مناقب سيدنا أمير المؤمنين» عجيب في بابه([201])، يشهد بتوسعه في النقل، واتساع دائرته، وكثرة مشائخه، وله الأحاديث الأربعة عشر الملحقة به، وهي طريفة جداً، وقد تشرفت بمطالعتهما.
وبطرقي إلى شيخنا العالم الرباني الشهيد الثاني أعلى الله قدره، وأضاء في سماء الرفعة بدره، أروي هذه الكتب وجميع مرويات هذا الشيخ بأسانيده التي ذكرها في كتاب الإجازة.
حرف الميم
[12]
محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه
والد الشيخ سعد وجد الشيخ بابويه، ذكره الشهيد الثاني في شرح الدراية، وذكر: أنه يروي عن والده الحسن عن أبيه الحسين ـ وهو أخ الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي ـ عن أبيه علي بن بابويه([202]).
[13]
محمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه
تقدم ذكر والده الحسن بن علي بن الحسين بن بابويه، وهوالمذكور بالزهد والعبادة.
وأما هذا الشيخ فهو يروي عن عمه الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه.
حدّثنا محمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه.
[14]
محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه
أبو جعفر الصدوق، رئيس المحدثين.
قال الشيخ في الفهرست: كان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف، وفهرست كتبه معروف، وأنا أذكر [منها] ما يحضرني في الوقت من أسماء كتبه، منها: كتاب «دعائم الإسلام»، كتاب «المقنع»، كتاب «المرشد»، كتاب «الفضائل»:، كتاب «المواعظ والحكم»، كتاب «السلطان»، كتاب «فضل العلوية»، كتاب «المصادقة»، كتاب «الخواتيم»، كتاب «المواريث»، كتاب «الوصايا»، كتاب «غريب حديث النبي والأئمة (عليهم السلام)»، كتاب «الحذاء والخف»، كتاب حذو النعل بالنعل»، كتاب «مقتل الحسين بن علي (ع)»، رسالة في «أركان الإسلام إلى أهل المعرفة والدين»، كتاب «المحافل»، كتاب «علل الوضوء»، كتاب «علل الحج»، [كتاب «علل الشرائع»]، كتاب «الطرائف»، كتاب «نوادر النوادر»، كتاب في «أبي طالب وعبد المطلب وعبدالله وآمنة بنت وهب»، كتاب «الملاهي»، كتاب «العلل غير مبوب»، رسالة في «الغيبة» إلى أهل الري والمقيمين بها وغيرهم، كتاب «مدينة العلم» كبير أكبر من كتاب من لا يحضره الفقيه، [كتاب «من لا يحضره الفقيه»]، كتاب «التوحيد»، كتاب «التفسير» لم يتمه، كتاب «الرجال» لم يتمه، كتاب «المصباح» لكل واحد من الأئمة (عليهم السلام)، كتاب «الزهد» لكل واحد من الأئمة (عليهم السلام)، كتاب «ثواب الأعمال»، كتاب «عقاب الأعمال»، كتاب «معاني الأخبار»، كتاب «الغيبة» كتاب كبير، كتاب «دين الإمامية»، كتاب «المصباح»، [كتاب «المعراج»]، وغير ذلك من الكتب والرسائل الصغار لم تحضرني أسماؤها. أخبرنا بجميع كتبه ورواياته جماعة من أصحابنا: منهم الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، وأبو عبدالله الحسين بن عبيدالله، وأبو الحسين جعفر بن الحسن بن حسكة القمي، وأبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، كلهم عنه([203]).
وقال في كتاب الرجال: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، يكنى أبا جعفر، جليل القدر حفظة بصير بالفقه والأخبار والرجال، له تصنيفات كثيرة ذكرناها في الفهرست، روى عنه التلعكبري([204])، أخبرنا عنه جماعة منهم محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيدالله، انتهى([205]).
وقال النجاشي (رحمه الله) في كتاب الرجال أنه: شيخنا وفقيهنا، وجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه وجوه الطائفة وهو حدث السن، وله كتب كثيرة. وعد ما ذكره الشيخ وزاد ما لم يذكره مما في نقله طول، فليرجع إليه من أراد الوقوف عليه، ثم قال: أخبرني بجميع كتبه وقرأت بعضها على والدي علي بن أحمد بن العباس النجاشي، وقال لي: أجازني جميع كتبه لما سمعنا منه ببغداد، ومات رضي الله عنه بالري سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة([206]).
وقد صرح بتوثيقه عطر الله مرقده الفاضل المنقب أبو عبدالله محمد بن إدريس في كتاب السرائر في كتاب النكاح، فقال: أنه كان ثقة فقيهاً جليل القدر بصيراً بالأخبار وناقداً للآثار عالماً بالرجال حفظة، وهو أستاذ شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان، انتهى.
وكذا صرح بتوثيقه العلامة جمال الدين الحلي قدس سره في المختلف، فقال في مسألة تحريم الأجر على الأذان بعدما نقل حديثاً من مراسيله قدس سره: أنه وأن كان مرسلاً لكن الشيخ أبو جعفر ابن بابويه من أكابر علمائنا، وهو مشهور بالصدق والثقة، والظاهر من حاله أنه لا يرسل إلا مع غلبة ظنه بصحة الرواية، انتهى.
وممن صح بتوثيقه السيد السعيد رضي الدين ابن طاووس قدس الله روحه في كتاب فلاح السائل وفي كتاب كشف المحجة.
ولم أجد أحداً من أصحابنا يتأمل في وصف حديثه بالصحة.
[15]
محمد بن محمد بن أبي جعفر بن بابويه الرازي
قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الإجازات: قلت هوالشيخ الإمام العلامة سلطان المحققين والمدققين قطب الدين، شارح الرسالة الشمسية للإمام نجم الدين الكاتبي القزويني وشارح المطالع والمحاكمات بين شرّاح الإشارات، ولم يعمل مثلهما في بابهما، وله رسائل شريفة منها رسالة «الكليات» ورسالة «التصور والتصديق» وغيرها.
وهو تلميذ العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف الحلي، وقرأ عليه القواعد، ووقفت على إجازته له، وقد ذكرتها في كتاب الإجازات. ولي في كونه قدّس الله روحه من ذرية الصدوق ابن بابويه نظر، كما أن في سلسلة نسبه نظراً أيضاً، نظراً إلى قصر النسب جداً عن ذلك([207]).
وقال الشيخ السعيد الإمام العلامة شمس الدين الشهيد أبو عبدالله محمد بن مكي بن محمد بن حامد العاملي عطّر الله مرقده في تعداد مشائخه: ومنهم الإمام العلامة سلطان العلماء وملك الفضلاء الحبر البحر قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي، فإني حضرت في خدمته قدّس الله لطيفه بدمشق عام ثمان وستين وسبعمائة واستفدت من أنفاسه وأجاز لي جميع مصنفاته ومؤلفاته في المعقول والمنقول أو أرويها عنه وجميع مروياته، وكان تلميذاً خاصّاً للشيخ الإمام انتهى كلامه زيد اكرامه.
وهو نص في كونه من بني بويه، وهم ملوك الديلم، وهم على مذهب الإمامية.
ملحق أول
يقول تراب نعال الطلبة مفتاق عفو ربه الغني محمد بن إسماعيل المدعو بأبي علي عفي عنهما: من جملة مشائخ آل بابويه:
[16]
شيرزاد بن محمد بن بابويه
ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته فقال: الشيخ شيرزاد بن محمد بن بابويه، فقيه صالح([208]).
[17]
ومنهم علي بن محمد بن الحسن بن الحسين بن بابويه
ذكره أيضاً في الفهرست المذكور فقال: الشيخ نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمّي، فقيه فاضل([209]).
[18]
ومنهم هبةالله بن بابويه
ذكره أيضاً فيه، فقال: الشيخ أبوالمفاخر هبة الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه، فقيه صالح([210]).
[19]
ومنهم المختار بن محمد بن المختار
ذكره في الفهرست المذكور فقال: الشيخ الفقيه المختار بن محمد بن المختار بن بابويه، زاهد واعظ([211]).
ملحق ثان
[20]
ألف قطب الدين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين المقرىء النيسابوري كتابه «الحدود» بتحبيذ من أحد الكبار، كتب في هامش نسخة منه كتبت في شهر صفر سنة 655هـ أنه «سيدنا السيد الإمام المفيد أقضى القضاة نجم الدين ضياء الإسلام ناصر الشريعة سيف السنة مقتدى الفريقين أبو إبراهيم الحسن بن محمد بن الحسن بن بابويه أدام الله أيامه».
[21]
علي بن بابويه الصوفي المحدث
قال تقي الدين الفاسي المكي:
توفي في ذي الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة بمكة مقتولاً في فتنة القرامطة، وكان يطوف بالبيت والسيوف تنوشه، وهو ينشد:
ترى المحبين صرعى في ديارهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا([212])
أقول: هذا ليس والد الشيخ الصدوق المترجم في هذا الكتاب برقم (10) المتوفى سنة 329، ولو كان في سنة 317 من حجاج بيت الله الحرام أيضاً.
[22]
عبدالله بن بابويه القمي الشيعي
ذكر له الأستاذ فؤاد سزكين رسالة في «المحاورة مع محمد بن مقاتل في شأن التفضيل بين قريش وبني هاشم»([213])، فيكون ابن بابويه هذا من اعلام القرن الثالث، إذ توفي محمد بن مقاتل في سنة 248.
وليس المذكور هنا هو عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمي المترجم في هذا الكتاب برقم (9)، لأنه من اعلام أوائل القرن السادس.
أحمد الحسيني
آل بحر العلوم
أسرة اشتهرت بالعلم والأدب منذ القرن 12 ـ 14هـ/18 ـ 20م في إيران والعراق تنسب إلى السيد محمد مهدي الطباطبائي الذي لقب بـ «بحر العلوم» فاشتهرت أسرته بهذا اللقب وأشهر رجال هذه الأسرة:
1 ـ السيد محمد مهدي بن السيد مرتضى الطباطبائي النجفي بحر العلوم: (1155 ـ 1212هـ/1742 ـ 1797م) الذي نسبت الأسرة إليه وكبير الحوزة العلمية في النجف الأشرف ومرجع الشيعة. ولد السيد محمد مهدي في كربلاء. ودرس فيها ثم انتقل إلى النجف، وعاد بعدها إلى كربلاء حيث تابع دراسته ثم عاد ثانية إلى النجف الأشرف مواصلاً الدراسة. وفي 1186هـ/1772م هاجر مع أفراد أسرته إلى إيران إثر انتشار الطاعون في العراق، وحضر لمدة ست سنوات حلقة درس السيد مهدي الأصفهاني الذي اشتهر بتدريس الفلسفة وعاد في 1193هـ/1779م، إلى النجف الأشرف. وسافر في نفس السنة إلى مكة ورجع منها. وعاد إلى مكة في السنة التالية وأقام فيها عدة سنوات. ثم رجع إلى النجف وبقي فيها حتى وفاته. وفي هذه الفترة توفي أستاذه الوحيد البهبهاني فانتقلت المرجعية وزعامة الحوزة العلمية في النجف الأشرف إليه بلا منافس.
2 ـ السيد محمد رضا بن السيد محمد مهدي بحر العلوم: (1189 ـ 1253هـ/1775 ـ 1837م)، ولد في النجف، ودرس فيها وتولى بعد وفاة أبيه زعامة الحوزة العلمية في النجف الأشرف والمرجعية الدينية. من مؤلفاته: كشف القناع في أصحاب الاجماع، مخطوط؛ أصول الفقه، مخطوط؛ شرح الشرائع؛ الفقه الاستدلالي، مخطوط؛ رسائل في الأصول، مخطوط؛ شرح اللمعة، للشهيدين، مخطوط.
3 ـ السيد حسين بن السيد محمد رضا (1221 ـ 1306هـ/1806 ـ 1889م)، ولد في النجف ودرس فيها. قصد إيران في 1284هـ/1867م، لمعالجة عينيه اللتين عجز أطباء العراق عن علاجهما، ولكن مرضه لم يشف في طهران، فغادرها إلى مشهد للاستشفاء وزيارة الإمام الرضا (ع) وبقي مدة في مشهد ثم عزم قاصداً النجف الأشرف إلا أنه بقي حوالي سنتين في بروجرد عند أقربائه. وفي 1294هـ/1877م، عاد إلى النجف، له مؤلفات في الفقه والأصول والشعر والأدب. وتعود أكثر شهرة السيد حسين إلى شعره وأدبه، وقد جمع ابنه السيد حسن بحر العلوم أشعاره وجرى طبع قسم منها.
4 ـ السيد محمد تقي بن السيد محمد رضا (1219 ـ1289هـ/1804 ـ 1872م)، ولد في النجف، ودرس فيها من مؤلفاته كتاب قواعد الأصول الذي انتهى من تأليف مجلده الأول في 1245هـ/1829م (الذريعة، 17/178). وكان ثلاثة من أبنائه يعدون من فقهاء وأدباء زمانهم وهم: السيد حسن، المولود في النجف الذي درس فيها أيضاً، إلاّ أنه هاجر إلى كربلاء في أواسط عمره وتوفي في الجف في 1298هـ/1881م؛ السيد حسين، المتوفى 1310هـ/1892م؛ السيد علي نقي المولود في النجف والذي كانت له منزلة سياسية واجتماعية ودينية في كربلاء والنجف، وكان له باع في الشعر والأدب، وقتل بكربلاء في 1294هـ/1877م.
5 ـ السيد علي بن السيد محمد رضا: (1224 ـ 1298هـ/1809 ـ 1881م)، ولد في النجف ودرس وعاش وتوفي فيها. من مؤلفاته: البرهان القاطع في شرح المختصر النافع، في ثلاثة أجزاء كبيرة. وكان اثنان من أبناءه عالمين وهما: السيد هاشم (1255 ـ 1284هـ/1839 ـ 1867م)، الذي ولد في النجف ودرس فيها والسيد محمد باقر، ولد في النجف ودرس فيها وتوفي في طهران في 1291هـ/1874م، في طريق سفره إلى مشهد للزيارة.
أما بقية أبناء السيد محمد رضا بحر العلوم الذين كانوا من العلماء فهم: السيد جواد، الذي ولد في النجف وعاش في كربلاء وتوفي بها في 1320هـ/1902م؛ والسيد محمد علي، المولود في النجف والمتوفى في 1300هـ/1883م؛ والسيد كاظم، الذي ولد في النجف وتوفي بها عام 1288هـ/1871م؛ والسيد عبد الحسين، الذي عاش في كربلاء وتوفي حوالي 1330هـ/1912م.
6 ـ السيد محمد بن السيد محمد تقي: (1261 ـ 1326هـ/1845 ـ 1908م)، ولد في النجف ودرس فيها واشتغل بالتدريس بعد وفاة عمه وأخيراً تولى زعامة الحوزة العلمية في النجف، وصار مرجعاً للتقليد، وفقد بصره في أواخر عمره، أسس مكتبة كبيرة كانت أغنى مكتبة في العراق بالكتب الفقهية الأصولية، من مؤلفاته كتابه الشهير (بلغة الفقيه)، الذي يشتمل على 16 رسالة فقهية، وكان أربعة من أولاده من العلماء وهم: السيد جعفر، ولد في النجف ودرس فيها. وتوفي في 1334هـ/1916م، والسيد مهدي، ولد في النجف ودرس فيها توفي 1313هـ/1895م ببغداد ودفن في الكاظمية، والسيد عباس (1302 ـ 1343هـ/1885 ـ 1924م)، ولد في النجف، درس فيها. سافر في شبابه إلى مصر وعاش هناك حوالي عشرين سنة، عاد بعدها إلى النجف وتوفي بكربلاء ودفن فيها، والسيد مير علي، ولد في النجف، ودرس فيها توفي 1315هـ/1897م. ومن مؤلفاته كتاب كشف الأسرار في شر ح الاظهار.
7 ـ السيد مهدي بن السيد محسن بن السيد حسين: (1302 ـ 1335هـ/1885 ـ 1917م). ولد في النجف. درس فيها وكان غزير الانتاج مؤلفاً ومحققاً من مؤلفاته حاشية على معالم الأصول ومنظومة في الأصول، توفي بالنجف.
8 ـ السيد محمد صادق بن السيد حسن بن السيد إبراهيم ولد في النجف ودرس فيها. سافر إلى لبنان وسوريا في 1353هـ/1934م، وكانت له لقاءات مع علماء تلك الديار وأدبائها، وعاد إلى النجف في 1354هـ/1935م. أسس مكتبة جمع فيها مخطوطات ثمينة. له مؤلفات في الفقه والأصول والشعر والأدب.
9 ـ السيد محمد علي بن السيد علي نقي: (1287 ـ 1355هـ/1870 ـ 1936م)، ولد في النجف ودرس فيها. كانت له مشاركة فعالة في الثورة العراقية على الانكليز سنة 1920م ولهذا سجن مدة من الزمن، وحكم عليه مرة بالاعدام. وتوفي في بغداد ودفن في النجف.
10 ـ السيد جعفر بن السيد محمد باقر بن السيد علي: (1281 ـ 1377هـ/1864 ـ 1957م)، ولد في النجف ودرس فيها. وكان له باع في التاريخ والرجال والدراية. له من المؤلفات: تحفة العالم في شرح خطبة المعالم، في جزأين، تحفة الطالب، أسرار العارفين في شرح دعاء كميل.
11 ـ وجه آل بحر العلوم اليوم هو الدكتو السيد محمد بحر العلوم، البارز علماً وأدباً ونضالاً.
آل البريدي (البريديون)
ينسبون إلى أبي عبدالله محمد البريدي الذي حكم واسط والأهواز والبصرة من 316هـ/928م إلى 338هـ/949م.
كان البريديون في البدء كتاباً يتولون مناصب إدارية ربما كانت في البريد، كما يبدو من نسبتهم وكانوا ثلاثة إخوة هم: أبو عبدالله أحمد وأبو الحسن عبدالله (علي) وأبو يوسف يعقوب، ومن أبي القاسم بن أبي عبدالله البريدي المُقطع.
أرسل أبو عبدالله أحمد في 316هـ/928م أخاه أبا الحسين إلى بغداد ليكسب ـ بكل وسيلة حتى المالية ـ تأييد ابن مقلة وزير المقتدر ـ ليكسب تأييده في توليه الاهواز فنجح في ذلك. وتولى أبو الحسين منطقة الفرات. وبعد عزل ابن مقلة من الوزارة أمر الخليفة بالقبض على أبي عبد الله وأبي الحسين وأخيهما الثالث أبي يوسف وإيداعهم السجن، ثم استحضروا إلى بغداد وصودروا على أربعمائة ألف دينار فأجابوا ليتخلصوا ويعودوا إلى عملهم.
وفي 319هـ/931م ضمن أبو يوسف البريدي البصرة وتوابعها من الحسين بن قاسم عبيدالله بن سليمان بن مُذهب على أن يرسل في كل سنة مبلغاً من المال إلى بغداد. ولما عاد ابن مقلة عام 320هـ/932م، إلى الوزارة عزل البريديين من ولايتهم وصادر أموالهم. وبعد سنة اطمع أبو عبدالله البريدي كلاً من القاهر (حكم: 320 ـ 322هـ/932 ـ 934م)، ومؤنس أمير الأمراء في بغداد بأن يجهزا جيشاً للقضاء على عبد الواحد بن المقتدر الذي ذهب إلى الأهواز ثائراً على الخليفة المقتدر. ثم توجه إلى الأهواز مع الجيش الذي جهزه مؤنس، وبالرغم من الصلح الذي عقد بين الخليفة والمتمردين إلا أن البريد احتل الأهواز والمدن الأخرى ولكنه لم يحسن السيرة… وفي عام 322هـ /934م، تولى ياقوت رئيس حجاب الخليفة الحكم في هذه الديار لمواجهة مرادويج الذي سيّر جيشاً إلى الأهواز وعين أبا عبدالله البريدي كاتباً له واستخلف أخاه أبا الحسين عنه في بغداد. ولما احتل مرداويج الأهواز، توجه أبو عبدالله إلى البصرة ثم التحق بياقوت في واسط. وبعد مقتل مرداويج توجه هذان إلى الأهواز، حيث جرت بينهما وبين علي بن بويه في أرجان حرب انتهت بهزيمة ياقوت. فصالح أبو عبيدالله البويهيين بعد أن نال رضا الخليفة الراضي، وأقام مع ياقوت في الأهواز. وكان أبو عبيدالله البريدي عام 323هـ/935م في الأهواز حينما سار ياقوت لفتح فارس، وفي عام 325هـ/937م خرج الخليفة الراضي وابن رائق أمير الأمراء في بغداد للقضاء على أبي عبدالله البريدي الذي لم يكن يحمل الخراج إلى بغداد. إلا أن الأمر انتهى بتجديد الضمان. وقبل أبو عبدالله أن يحمل في كل سنة 360 ألف دينار إلى بغداد. وأن يسلم جيش الأهواز لمبعوث الخليفة لارساله إلى فارس، ومع كل ذلك لم ينفذ الضمان. وطلب من مندوب الخليفة الذي جاء لاستلام جيش الأهواز ذهباً وأخيراً أجبره على الهرب ليلاً من المدينة. وفي نفس هذه السنة أنفذ غلامة اقبالاً في جيش إلى حصن المهدي قرب البصرة لاختلافه مع ابن رائق، وادعى بأنه أرسل الجيش لمواجهة القرامطة الذين يخافهم أهل البصرة، وحينما انتهى الأمر بينهما بالعداوة، أرسل ابن رائق جيشاً إلى واسط، وأمر البريدي إقبالاً بدخول البصرة، فاضطر إقبال بن يزداد أمير البصرة إلى الهرب، ودخل المدينة. فسير ابن رائق أيضاً بدر الخرشني وبجكم في جيش للقضاء على أبي عبدالله. ووصل بجكم إلى شوش فهرع البريدي لتلقيه، فأخرج إليها جيشاً بقيادة غلامه محمد المعروف بالحمال فانهزم. فأرسل جيشاً آخر مع الحمال فانهزم مع جيشه من غير حرب. فتوجه البريدي إلى البصرة وأقام في الأبلة. فسار إقبال الذي كان في البصرة لمواجهة جيش ابن رائق وهزمه وأسر جماعة منهم. فأطلقهم أبو عبدالله البريدي وكتب إلى ابن رائق يستعطفه وأرسل إليه جماعة من أعيان أهل البصرة، غير أن ابن رائق لم يجبهم. فأقام البريديون في البصرة. وبعد فترة جهز ابن رائق جيشاً سيره إليها، فهرب أبو عبدالله أمامه وذهب إلى جزيرة أِوال وترك أخاه أبا الحسين في البصرة، فهزم أبو الحسين جيش ابن رائق. وسار ابن رائق بنفسه بجيش آخر لمحاربته ولحق به بجكم في الأهواز، فتوجه أبو عبدالله إلى عماد الدولة البويهي وأطمعه باحتلال العراق. فأنفذ عماد الدولة مع البريدي جيشاً بقيادة أخيه معز الدولة إلى الأهواز. فأعاد ابن رائق بجكم بسرعة إليها ثم لحق به أيضاً. وفي أرجان هزم أبو عبدالله جيش بجكم واستولى على الأهواز (326هـ/938م). وبعد فترة طلب معز الدولة من أبي عبدالله أن يرسل جيشه من البصرة إلى ركن الدولة في أصفهان معونة له على حرب وُشمگير، فأحضر أبو عبدالله منه أربعة آلاف جندي. فطلب منه معز الدولة ثانية أن يحضر عسكره الذين بحصن المهدي ليسيرهم إلى واسط. فخاف أبو عبدالله من العاقبة، وامتنع عن ذلك. وأجبر معز الدولة على الذهاب إلى عسكر مكرم، ثم أرسل نائباً عنه إلى الأهواز فاستفاد بجكم من هذه الخلافات وأرسل جيشاً فاستولى على شوش وجنديشابور، ولم يبق بيد معز الدولة إلا عسكر مكرم. فطلب البويهيون المعونة من عماد الدولة، فأنفذ لهم جيشاً استولى على الأهواز ولم يبق للبريديين غير البصرة. وفي هذه السنة عقد ابن رائق أمير الأمراء صلحاً مع أبي عبدالله البريدي خوفاً من بجكم، وتقرر أن يستولى على واسط من بجكم فبادر عبدالله بالهجوم وهزمه، ومع ذلك فقد اعتذر من البريدي وعاهده على أن يقلده واسطاً إذا استطاع احتلال بغداد. وبعد فترة ذهب بجكم إلى بغداد واصبح أميراً للأمراء مكان ابن رائق (326هـ/938م)، وقلد البريدي واسطاً.
وفي عام 327هـ/939م مات ابن الفرات وزير الراضي (حكم: 323 ـ 329هـ/934 ـ 941م). وتولى أبو عبدالله البريدي الوزارة فاستناب عبدالله بن علي النقري عنه في بغداد. وفي 328هـ/940م أطمع أبو عبدالله بجكم بأن يترك بغداد لاحتلال بلاد الجبال آملاً أن يهزم في هذا الهجوم، أو يقتل، فيأتي هو إلى بغداد ويصبح أميراً للأمراء. ولكن بجكم فطن للأمر، فعاد بسرعة ووجه الجيش إلى واسط وخلع البريدي من الوزارة، فهرب أبو عبدالله إلى البصرة ودخل بجكم واسط. وقد استمرت وزارة البريدي سنة وأربعة أشهر. وبعد عام قتل بجكم وانضم الديلميون إلى أبي عبدالله فازدادت قوته وتوجه لاحتلال واسط. فطلب منه الخليفة المتقي (حكم: 329 ـ 333هـ/940 ـ 944م) الكف عن ذلك، فطلب البريدي ذهباً فأرسل له الخليفة مائة وخمسين ألف دينار. وأعطى الخليفة من ناحية أخرى إلى أتراك بغداد الذين كانوا يريدون قتال البريدي مالاً، وولى عليهم سلامة الطولوني وأرسلهم لمقاتلة البريدي. وتوجه أبو عبدالله أيضاً إلى بغداد وحينما اقترب من جيش الأتراك التحق به جماعة منهم وهرب الطولوني فدخل أبو عبدالله بغداد (رمضان 329هـ/أيار ـ 941م) ولقيه أعيان المدينة وهنأه الخليفة، ثم أخذ خمسمائة ألف دينار من الخليفة بالتهديد ليوزعها على أفراد جيشه، ولكنه لم يفعل ذلك فشغب الجيش عليه وأغاروا على بيته وبيوت أصحابه. وأحرقوها. فهرب أبو عبدالله وأخوه وابنه وأصحابه إلى واسط. وكانت مدة إقامة أبي عبدالله في بغداد أربعة وعشرين يوماً. وحينما عاد ابن رائق في 330هـ/942م إلى إمارة بغداد. أرسل جيشاً إلى واسط، فهرب البريديون إلى البصرة ثم توسط لهم أبو عبدالله الكوفي فعادوا إلى واسط، وبعد فترة حينما شغب أفراد الجيش في بغداد على ابن رائق التحق جماعة منهم بأبي عبدالله، فدارى ابن رائق البريدي وكاتبه بالوزارة من جديد وأنفذ له الخلع. فحينما وجد أبو عبدالله أنه نال المال والمراد وأصبح قوياً عاد ثانية لاحتلال بغداد فأرسل أخاه أبا الحسين بجيش إليها. فأزال ابن رائق اسم الوزارة عن البريدي وأمر بلعنه على المنابر. وبادر إلى مواجهة أبي الحسين غير أنه هزم وخرج مع الخليفة (المتقي) إلى الحمدانيين في الموصل. واستولى أبو الحسين على بغداد. وقد استمرت الإغارة على بغداد ليلاً ونهاراً فأنفذ الخليفة إلى ناصر الدولة الحمداني يستمده فأرسل إلى بغداد جيشاً بقيادة أخيه سيف الدولة. ولما رأى أبو الحسين أنه غير قادر على المقاومة هرب إلى واسط، فدخل الخليفة بغداد مع الحمدانيين، وكان مقام أبي الحسين البريدي في بغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً.
وبعد أن استقر الحمدانيون في بغداد توجهوا بجيش إلى واسط، فأقام ناصر الدولة في المدائن، وسيّر سيف الدولة إلى القتال، فانهزم أمام البريدي ولكن سيف الدولة انتصر عليه في حرب أخرى وأسر جماعة من أصحابه، فعاد أبو الحسن إلى واسط، ولما قصد سيف الدولة بعد فترة التوجه إلى واسط، انحدر البريديون إلى البصرة. وفي 331هـ/943م، هاجم معز الدولة البويهي البصرة غير أن قسماً من جيشه التحق بالبريديين، واضطر معز الدولة للعودة. وفي نفس السنة دخل البريديون واسط بعد خروج سيف الدول منها. غير أن توزون أمير الأمراء في بغداد زحف بجيش إلى واسط فانهزم البريديون، وفي ذي الحجة عام 331/آب 943، هاجم يوسف بن وجيه أمير عمان البصرة عن طريق البحر، واحتل الأبلة، غير أن أحد نواب أبي عبدالله باسم الرنادي أحرق سفن أمير عمان فاضطر في محرم عام 332/ تشرين الأول 943 إلى ترك الأبلة هارباً. وفي هذه السنة عاد توزون من واسط إلى بغداد ومنح هذه المدينة إلى أبي عبدالله البريدي وزوجه ابنته. وفي 332هـ/944م طلب أبو عبدالله مراراً من أخيه أبي يوسف أن يقرضه مالاً وكان قد جمع أموالاً وافرة. فلم يلب أبو يوسف طلبه فقتله أبو عبدالله وانتقل إلى داره وسلب كل ما فيها، ومات بعده بثمانية اشهر على فراش المرض. فاستقر بعده في الأمر أخوه الآخر أبو الحسين ولكنه أساء السيرة في الأجناد فثاروا به ليقتلوه فهرب أبو الحسين وذهب إلى القرامطة في هَجَر، وتولى أبو القاسم ابن أبي عبدالله الحكم مكانه، وهاجم أبو الحسين مع جيش بقيادة إخوان أبي طاهر القرمطي البصرة، وحاصروا المدينة، ولكن الأمر انتهى بالصلح ودخل أبو الحسين البصرة ثم ذهب بعد فترة إلى توزون في بغداد وطمع يانس مولى أبي عبدالله بحكم البصرة فتواطأ مع أحد قادة الديلم على أبي القاسم. ولكن ما لبث أن وقع الخلاف بينهما، فجرح القائد الديلمي يانس وهرب واختفى. كما أن أبا القاسم البريدي قتل يانس بعد أن صادره على مائة ألف دينار، ونفى القائد الديلمي، وفي 333هـ/954م أخذ أبو الحسين البريدي في بغداد عهداً من ابن شيرزاد لمساعدته ضد أبي القاسم، غير أن أبا القاسم أرسل مالاً وافراً إلى بغداد فخلع عليه كل من توزون وابن شيرزاد واعترفا به حاكماً. مما أضر بأبي الحسين ضرراً كبيراً فسعى للايقاع بين توزون وابن شيرزاد. فبادر ابن شيرزاد إلى القبض عليه وسجنه وفي هذه الأثناء أيد فقهاء بغداد الفتوى التي كانوا قد أصدروها من قبل بقتله. فقطع رأسه ثم أحرق جسده ونهب بيته. وفي هذا العام لما توجه توزون والمستكفي إلى واسط لاخراج معز الدولة منها. ضمّنا البصرة لأبي القاسم. وفي 334هـ/946م صالح معز الدولة البويهي أبا القاسم البريدي وكان بينهما جفوة وضمنه واسط، وبعد سنة وقع الخلاف بينهما وهزم أبو القاسم أمام جيش معز الدولة وضاعت واسط من يده. وفي 336هـ/947م زحف معز الدولة مع الخليفة المطيع (حكم: 334 ـ 363هـ/946 ـ 974م) بجيش لتحرير البصرة من يد أبي القاسم البريدي، فطلب القرامطة من معز الدولة الكف عن هذا العمل حماية منهم للبريدي، إلا أن معز الدولة لم يلتفت إليهم واحتل البصرة، وهب أبو القاسم إلى القرامطة في هجر وأفلت دولة البريديين، وفي 337هـ/948م طلب أبو القاسم الأمان من معز الدولة وذهب إلى بغداد فاستقبله معز الدولة بحرارة وأقطعه أملاكاً. فأقام فيها حتى توفي عام 349هـ/960م وانقرضت سلالة البريديين.
آل الجويني
بعد سقوط بغداد بيد هولاكو كان أول حاكم فعلي للعراق عينه المغول هو عماد الدين القزويني، وإن أبقوا مؤيد الدين بن العلقمي آخر وزير عباسي في منصبه الوزاري شكلياً، ثم لم يلبث أن توفي في السنة نفسها. هذا على أن بقاء عماد الدين في منصبه لم يطل كثيراً، بل اختير علاء الدين الجويني لتقلد هذا المنصب سنة 657هـ، وعين القزويني مساعداً له، وسرعان ما شجر بينهما الخلاف كما ستراه، ومرد ذلك فيما نظن إلى اعتداد عماد الدين بنفسه، واعتقاده أنه أجدر بتقلد هذا المنصب من غيره بل كان يرى في تقديم الجويني عليه هضماً لحقه، ومن هذه الناحية ثارت بينهما تلك الخصومة العنيفة.
ليس من شأننا التوسع في عوامل هذه الخصومة واستبطان أسرارها أكثر من ذلك، فإن تاريخ المغول طافح بأخبار التطاحن بين حكامهم وأحزاب أولئك الحكام، ونوابهم، وحسبنا ما جرى من ذلك في أيام الطاغية أرغون الذي استأصل آل الجويني، وليس يعنينا كذلك بخس القزويني عماد الدين حقه، ومؤاخذته على بادرة التنكر التي بدرت منه لرئيسه الجديد في مستهل مقدمه إلى العراق: فالحق أن الجويني لم يكن دون القزويني إن لم يتفوق عليه في التوسل بجميع الوسائل الممكنة لبعث حركة عمرانية كبرى في العراق بأسره، فهو الذي جدد كثيراً من المدارس المتداعية ومنها «المستنصرية»، وهو الذي أنشأ جملة من المدارس، ودور الكتب وغير ذلك، كما أنشأ جملة من الرباطات والملاجىء والمستشفيات، وأجرى عليها الجرايات، وعني بتعمير المشاهد في الغري والحائر ومشهد الكاظمين، وحفر الأنهار والترع وأجرى الماء من الفرات إلى الكوفة فالمشهد الغروي، وهو الذي شجع حركة التأليف والمؤلفين، وأجزل العطاء والبذل لهم، ومن هذه الناحية نجد جملة من أمهات الأسفار والمصنفات في شتى الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية مهداة لخزانته أو خزائن أهله وذويه، ولا نظن القزويني عماد الدين يستطيع مجاراته في هذه الناحية، ففي الوسع أن نقول: إن الجويني حث جميع وزراء المغول في بعث حركة إنشائية كبيرة شملت العراق وفارس وآذربيجان تشهد بذلك المدارس والمكتبات والكتب والمعاهد العلمية.
هذا ولا يخلو العصر الأخير من عصور الدولة الإيلخانية في صدر المائة الثامنة إلى أن انقرضت تلك الدولة من حكام من هذا الطراز لهم منهجهم في الإصلاح والتجديد، وقد جرى ابن الفوطي على عادته في العناية بذكر أخبارهم وسيرهم، ومن هؤلاء فخر الدين القهستاني الكاتب ترجم له في معجمه ترجمة حسنة جاء فيها «فخر الدين محمود بن الحسن بن عبد الوهاب القهستاني الكاتب قدم العراق كاتباً على أموالها ومتفحصاً عن أحوالها، وعزل سديد الدولة ابن الدباس سنة 721هـ أي قبل وفاة مؤلف المعجم بسنتين ـ ولما توجه المخدوم شمس الدين محمد بن الحسين الخاني لعمارة بلاد العراق فوض إليه أمر غربي بغداد، وكان البلد قد خرب معظمه، وكثر العبث والفساد به، فقام واجتهد ودبر البلاد وفعل من أبواب السياسة ما لم يهتد إليه الخلفاء (كذا) والملوك من البويهية والسلجوقية، وتقدم أن لا تغلق دكاكينهم وأمرهم أن لا يقربوها، ويبيتوا في بيوتهم، ولم ينقص منهم شيء من متاعهم وأخرج من الحبوس (كذا في الأصل) وكثرت الأدعية له ولمخدومه. هذا ما أورده المؤلف في معجمه من سيرة الحاكم القهستاني، وهو ـ نعني ابن الفوطي ـ كما لا يخفى معاصر للحاكم المذكور.
بين الجويني وعماد الدين
كانت بين عماد الدين الآنف ذكره وأصحابه وبين آل الجويني خصومة عنيفة وبموجبها نسب كل من آل الجويني وعماد الدين وحزبه ما نسبه إلى غريمه من الفساد، واحتجاز الأموال والثروات، وراح كل منهما يحض السلطان أباقا على البطش بخصمه، ونجا علاء الدين الجويني من شرك نصبه له عماد الدين القزويني([214])، في أيام هولاكو، كان القتل أيسر ما يترتب على هذه المكيدة، على أن آل الجويني استطاعوا التنصل مما نسب إليهم، وتقررت براءتهم، وبراءة علاء الدين مما نسب إليه؛ فأعيدت إليه ولاية العراق، واستبد بحكمه فيها، ومن ذلك الحين شرع بأخذ خطوط الولاة والأكابر بما ارتكبه عماد الدين القزويني من جمع الأموال والثروات، وعسف الناس وعرض ذلك على السلطان حيث صدر أمره بالتحقيق عما رفع إليه من أمر عماد الدين فأمر بقتله بعد أن ثبت عليه أكثر ما نسب إليه، وعوقب أصحابه ونوابه في العراق بعقوبات شديدة على يد علاء الدين الجويني، ويلاحظ مما دون في كتاب الحوادث الجامعة، وفي معجم ابن الفوطي إفلات بعض أصحاب عماد الدين من يدي علاء الدين الجويني، وفي مقدمتهم مجد الدين اليزدي أو (مجد الملك في بعض الروايات) الذي كان ينوب عن عماد الدين ببغداد بعد سقوطها، فإنه ـ أي مجد الملك اليزدي ـ دبر الانتقام لصاحبه القزويني من علاء الدين الجويني، وعاد إلى الاتصال بالسلطان «أباقاخان» حيث رتبه مشرفاً في جميع الممالك، ومن ثم شرع في دس الدسائس وحبك المكائد للصاحبين شمس وعلاء الدين، وانتهت مكائد مجد الدين اليزدي بأن أمر السلطان بالقبض على علاء الدين صاحب الديوان وأصحابه ونوابه وأتباعه، وسلم إلى غريمه مجد الملك اليزدي فنكل به، وصادر أملاكه، وألقي تحت دار المسناة التي بأعلى بغداد على شاطىء دجلة، وكان على قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، ولكن حدث ما ليس في الحسبان مما كان سبباً في نجاة علاء الدين وآل الجويني من التلف ـ وإن كان ذلك إلى حين ـ فإن السلطان «آباقا» مات بعد رجوعه من بغداد في هذه الرحلة، وكان موته في همدان سنة «680هـ» وعهد بالملك إلى ابنه (آرغون) وانتهز حزب آل الجويني من الأمراء والقواد والنواب هلاك الطاغية آباقا ونادوا بخلع الملك الجديد آرغون ونصب السلطان (تكدار) بن السلطان هولاكو وسمي أحمد لأنه اعتنق الإسلام([215])، على يد شيخ من الصوفية يسمى (كمال الدين عبد الرحمن) وكان من المعقول بعد ذلك أن يفرج عن الصاحب علاء الدين مباشرة، وأن يعتقل غريمه مجد الملك وجماعة من أنصاره، وفيهم بعض نصارى بغداد والجزيرة، ويلاحظ أن الصراع بدأ منذ ذلك الحين بين الأحزاب المغولية: وكان المسلمون في الصراع المذكور إلى جانب آل الجويني، كما كان بعض المسيحيين إلى جانب مجد الملك اليزدي. وقد أسهموا في إسناد التهم إلى الصاحب علاء الدين، وقالوا فيه أقوالاً كثيرة، ورفعوا غير مذكرة بالكشف عن ثروته وغير ذلك من أعماله. والخلاصة تيسر لآل الجويني وحزبهم نصب السلطان أحمد ملكاً على الشرق، وذلك أنهم قصدوا أقصى خراسان من العراق ونادوا بأحمد سلطاناً على البلاد في مدينة (الطاق)([216])، وكان ذلك سنة (681هـ) وكانت عودة الصاحبين الجوينيين شمس الدين وعلاء الدين إلى منصبهما في المملكة أمراً لا مفر منه في هذه الفترة القصيرة كما سترى، ومن ثم سلم إليهما أقطاب الحزب الآخر وعلى رأسهم مجد الملك اليزدي فقتل قتلة([217])، شنيعة ومثل به تمثيلاً وحشياً فظيعاً يدل على منتهى القسوة وقد جاء في ترجمته ما يلي: «مجد الملك أبو المكارم هبة الله بن صفي الملك محمد بن هبة الله اليزدي مشرف المماليك كان قد قدم بغداد في أيام صدر الدين القضوي القزويني([218])، فلما قتل صدر الدين أقام ببلاد العجم، وفي سنة (680هـ) تكلم في الصاحب علاء الدين ورفع عليه أموالاً كثيرة قد احتجزها من العراق. وساعده على ذلك جماعة، وفوض إليه السلطان آباقا بن هولاكو أشراف المماليك بأسرها، وناقش الصاحب في الحساب، واستولى على خزائنه وجرت له أقاصيص وخرج «آباقا» من بغداد إلى همدان، وتوجه بخدمته فمات السلطان بهمدان في العشرين من ذي الحجة سنة (680هـ) وولي الأمر السلطان تكدار المعروف بالسلطان أحمد سنة (681هـ) وانعكس حال مجد الدين([219])، وظفر به الصاحب علاء الدين وأخوه الصاحب شمس الدين، وقتله شرف الدين هارون بن شمس الدين الجويني يوم الأحد سابع عشر جمادى الأولى سنة (691هـ) بعد شهر وأنفذ رأسه إلى بغداد، وعلق على باب النوبي بعد أن طافوا به، وأخذوا بسببه الدراهم والثياب من النواب»([220]).
وسجل علاء الدين الجويني انتصاره هذا على غريمه برسالة خاصة خاطب بها أهل العراق وبغداد، وفي مستهل هذه الرسالة نوه الجويني بوفاء أهل بغداد ثم ندد بسيرة مجد الملك وسوء نيته وفساد سريرته، وفي هذه الرسالة وصف الانقلاب الجديد من خلع آرغون إلى نصب السلطان أحمد، ونعت دولته بـ (الدولة القاهرة الإيلخانية الأحمدية) التي نشرت ألوية الشريعة المحمدية، وبسطت يد العدل في الأرضين، وكفت عن البلاد والعباد أكف أمثاله من الظالمين والحمد لله رب العالمين. ثم بطش الجويني وانتقم من بقية غرمائه في العراق والممالك المغولية وفيهم جملة من النصارى الذين أسهموا في التآمر عليه كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وقامت في بغداد مظاهرات صاخبة على أثر وصول بعض أولاد الصاحب علاء الدين إليها ومعهم بعض النواب والحكام، وهي مظاهرات تدل على غبطة أهل بغداد بانتصار آل الجويني وإن كان فرحاً([221]) قصير الأمد قليل المدة وتلتها على كل حال أحداث تؤكد مواطأة آل الجويني للمسلمين([222])، على الوثنيين وممالئيهم الضالعين معهم من أصحاب الملل والنحل في هذه البلاد.
نوبة آل الجويني
لم يمهل الزمان آل الجويني كثيراً فقد دار الفلك دورته ودارت الدائرة عليهم، ولم يطل حكم نواب الصاحب علاء الدين في بغداد بعد انتصاره على غرمائه، فاختلت الأحوال واضطربت الأمور، وقد يكون مرد ذلك إلى مكائد آرغون ودسائسه على علاء الدين في العراق بغية إحراجه، فتوفي بعض نواب الجويني في العراق سنة (681هـ) ثم توفي الصاحب نفسه في (آران) بعد ذلك وحمل إلى تبريز فدفن بها([223])، ورسم آرغون بن آباقا الذي عهد إليه أبوه بأمر المملكة في موته بهمدان، كما رأيت، خطة دقيقة لاسترداد الملك من عمه أحمد تكدار، فإنه سلم بالأمر الواقع أولاً، وذهب إلى خراسان حيث واجه السلطان أحمد وانكفأ بعد مواجهته ولم ينكفىء حتى نظم خطة سرية لإفساد الجيش على عمه، وتوجه إلى العراق فدخلها في السنة نفسها، وشرع من فوره بملاحقة أصحاب علا ء الدين الجويني، والإفراج عن المعتقلين من حزب غريمه مجد الملك اليزدي، وألزم أهل بغداد بدفع مبالغ طائلة من المال استوفيت بالعسف، ومن امتنع عن الدفع نهبت داره وبيع ما بها، ولم يقف الأمر عند حد بغداد فإن نواب الأعمال الحلية والواسطية والبصرية حذوا حذو نواب بغداد، ثم طولب أهالي بغداد بأجرة أملاكهم لثلاثة شهور. وهكذا انتقم آرغون من العراقيين لما عرفه من إخلاصهم لحزب آل الجويني.
هذا ما فعله آرغون بالعراقيين بادىء الأمر، ولكنه لم يصب آل الجويني أنفسهم بشر لأن دولة عمه السلطان أحمد تكدار لا تزال قائمة، ولا بد قبل الانتقام منهم من زحزحة عمه عن العرش والحلول محله فيه، والدليل على أن ثقة السلطان أحمد ظلت كما هي بنصح آل الجويني وإخلاصهم له بعد وفاة الصاحب علاء الدين (وبأكثر حكام العراق)، أنه فوض أمر العراق وبغداد إلى أحد أبناء أخ لعلاء الدين هو شرف الدين هارون الجويني بن الصاحب شمس الدين محمد صاحب ديوان الممالك وجعل صاحب الديوان في بغداد على قاعدة عمه علاء الدين فاستبشر العراقيون بقدوم الجويني الصغير حاكماً على العراق وهنأه الشعراء([224])، ويزعم صاحب الحوادث الجامعة أن شرف الدين هارون سلك طريقة عمه في تدبير البلاد.
النزاع بين أحمد وآرغون
وفي سنة (683هـ) ظهر النزاع الذي لا مفر منه بين أحمد وآرغون ابن أخيه آباقا، وبدأ ذلك بتحرش آرغون نفسه بأهل خراسان وعسفهم، وقصد كل واحد من السلطان أحمد وآرغون صاحبه، وكان طالع النزاع يدل في بادىء الأمر على رجحان كفة السلطان أحمد على كفة آرغون، ثم ظهر أن جيشه يتآمر عليه، ويضلع مع آرغون، أسهم في ذلك أمراء الجيش، وفي طليعتهم أمير يدعى (بوقا) انقلب على السلطان أحمد وهرع إلى آرغون وآزره على قتل بعض قواد السلطان أحمد، ثم أعلن بوقا أن آرغون هو السلطان.
حاول السلطان أحمد الفرار قاصداً (بركه خان) لأنه من حزبه فلم يتمكن من ذلك وأحاط به الجيش فقبض عليه وسلم إلى بعض المغول فقصفوا ظهره ومات، ومن ذلك الحين سطع نجم الأمير (بوقا)([225])، وأسند إليه منصب أمير الأمراء وولي تدبير المملكة، فنصب أخاً له يدعى (أروق) حاكماً على العراق وديار بكر، ووجه من وجَّهه من الحكام والنواب إلى بغداد فاستهلوا أعمالهم بالقبض عل صاحب الديوان شرف الدين هارون الجويني ونوابه ومساعديه وأمعنوا في تعذيبهم ومصادرة أموالهم، قال صاحب الحوادث الجامعة: «حملوا جميعهم إلى العصمتية المجاورة لمشهد عبيدالله وحبسوا هناك» ثم أفرجوا عنهم لاستصفاء أموالهم، وأما شمس الدين صاحب ديوان الممالك وقاعدة عمله تبريز فقد أصيب بنوع من الاضطراب والحيرة، وأيقن بالهلاك ولذلك بادر إلى مفارقة السلطان أحمد لما اتصل به، خلعه ونصب آرغون مكانه، مستتراً عند زعيم من زعماء قبائل الأكراد كما استتر أفراد آخرون من أبناء أسرته، والتجؤوا إلى بعض مشايخ العرب (بالسيب) من أنحاء العراق، ومنهم بعض أبناء أخيه علاء الدين (عطا ملك الجويني) على أن شمس الدين الجويني فضل في الأخير الحضور عند آرغون وتنصل مما فرط منه، وحاول الاعتذار واستخدم كل مواهبه ودرايته لينجو من القتل حتى رق له آرغون وهم باستبقائه غير أن أعوان آرغون شعروا بخطره عليهم، فما زالوا يطالبون آرغون بقتله حتى أمر بذلك([226])، ولم يقف آرغون عند هذا الحد، بل قصد الإجهاز على بقية آل الجويني واستئصالهم كما تجده في بعض كتب التاريخ([227])، ويروي المؤرخون أخبار التنكيل بهذه الأسرة بشيء غير قليل من التوجع والانصداع، وفي استئصال آل الجويني حتى الأحداث الصغار منهم على تلك الصورة الفظيعة دليل بالغ على خطر شأن الجويني، وأنهم أهل بيت كبير يحسب لهم أولئك الطغاة حساباً في العصر المذكور، ومن ذلك يتضح فساد سياسة المغول خصوصاً في عهد آرغون وأحمد كما يتضح لك جهل آرغون، وضعف رأيه، وسوء إدارته وسياسته، وما إلى ذلك، وعلى عهد آرغون انتعشت عناصر الوثنية، وظهرت قوة المناوئين للحزب الإسلامي في الدولة المغولية، وعهد إلى جماعة منهم بإدارة الشؤون المالية وغيرها في البلاد.
السياسة المالية في عهد آرغون
لما كثرت تركات المسلمين من بعد واقعة بغداد، وفقدان ذلك العدد العظيم من السكان في العراق فشت دعاوى الإرث، وكثرت المرافعات في هذه القضايا، فحاول رجال الدولة انتهاز هذه الفرصة، وتسجيل التركات الإسلامية العظيمة ملكاً للدولة وعنوا بإنشاء مصلحة للوكالات والمقاطعات والجوالي والتركات وحرمان ذراري المسلمين من حقوقهم فيها، وعهد بتطبيق هذه الخطة إلى جماعة من اليهود أصلهم على ما يقول المؤرخون: من أهل تفليس، رتبوا أولاً ولاة على تركات المسلمين ثم حكاماً في العراق، وكان لليهود القدح المعلى في نشر الدعوة إلى هذه السياسة أيام آرغون([228])، والواقع أن ديوان التركات كان من المؤسسات المعروفة في الدولة العباسية وهو يختص بالنظر في مواريث من لا وارث لهم لأن الدولة هي الوارث لمن لا وارث له، وما يقال عن ديوان التركات وإنه من المؤسسات المعروفة في الدولة العباسية يقال عن ديوان الوقوف والمقاطعات والجوالي وغير ذلك من المصالح الحكومية، والأصوب أن يقال: إن المغول أبقوا هذه المؤسسات على ما كانت عليه في الدول الذاهبة وحاولوا فعلاً الاستناد إليها في إخراج فكرتهم المالية المذكورة كما هو شأنهم في هذه القضايا. واشتهر منهم في هذه الفترة سعد الدولة بن الصفي اليهودي من المقربين عند آرغون واثنان من إخوانه اسم أحدهما: فخر الدولة وقد عين حاكماً على واسط، وقسا فخر الدولة في معاملة الواسطيين، واسم الأخ الثاني: أمين الدولة، كان يشغل منصب الحاكم في الموصل، وحسبنا ذلك دليلاً على منزلة سعد الدولة وأسرته اليهودية في هذه الفترة من تاريخ المغول، ويلاحظ أنهم عرفوا بمناوأتهم لآل الجويني في تلك الأيام كما عرف مجد الملك اليزدي بمثل ذلك في أيام آباقا سلف آرغون على ما رأيت، والواقع أن النصارى كانوا كاليهود من خصوم آل الجويني في هذه العصور وخصوصاً علاء الدين صاحب الديوان، وحسبك أن محاولة جرت لاغتيال الجويني فجرح وضرب عدة ضربات. قال صاحب الحوادث الجامعة: «أحضر الجارح وسئل عمن واضعه فلم يقل شيئاً وعاجله الموت؛ ولكن توهموا أن ذلك بوضع بعض النصارى»، فأثارت أعمال اليهود هذه وحركاتهم في هذا الشأن ثائرة المسلمين كما هو مشروح في بعض كتب التاريخ([229])، ومما يدل على مكانة اليهود في هذا العصر مضافاً إلى ما تقدم قصة عز الدولة بن كمونه اليهودي مصنف كتاب (تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث) وثورة عامة البغداديين عليه، وحماية الحكام له، وفي مقدمتهم مجد الدين بن الأثير، وقد مر بنا شرح هذه القصة، وإذا أردت أن تقدر مبلغ التركات الإسلامية الجسيمة بعد الواقعة فارجع إلى أقوال المؤرخين في إحصاء من قتل في بغداد منهم فقد قال صاحب مراصد الاطلاع: «لم يبق من أهل بغداد كلهم غير آحاد».
محمد رضا الشبيبي
آل حيان التغلبي
من كبار المحدثين ومشاهيرهم، عاشوا في الكوفة في الفترة بين القرنين 2 ـ 4هـ/8 ـ 10م. وينسبون إلى قبيلة تغلب في الكوفة. وكل ما عرف عن حيّان التغلبي الذي ينتسبون إليه أنه كان صيرفياً بالكوفة، فعرف أفراد أسرته بـ «الصيرفي».
وأشهر آل حيّان هم: 1 ـ جعفر بن حيّان؛ 2 ـ هذيل بن حيّان؛ 3 ـ علي بن حيّان؛ 4- عمار بن حيان؛ 5 ـ يونس بن عمّار؛ 6 ـ يوسف بن عمار؛ 7 ـ قيس بن عمّار؛ 8 ـ إسماعيل بن عمار؛ 9 ـ إسحاق بن عمار؛ 10 ـ بشير (بشر) بن إسماعيل؛ 11 ـ علي بن إسماعيل؛ 12 ـ محمد بن إسحاق؛ 13 ـ يعقوب بن إسحاق؛ 14 ـ علي بن محمد؛ 15 ـ عبد الرحمن بن بشير؛ ويعد اكثرهم من الرواة الثقاة والمعروفين لدى الشيعة، وممن اشتهر منهم:
1 ـ عمّار بن حيّان: من أصحاب الإمام جعفر الصادق (ع) المشهورين. نقل عنه (ع) روايات كثيرة في العقائد والأخلاق. ومن أسباب شهرة عمار كون جميع أولاده من المحدثّين والمتكلمين، ومن أصحاب الإمامين الصادق (ع) والكاظم (ع) المشهورين، وتعود شهرة آل حيان واستمرارها إلى أبناء عمّار وأحفاده.
2 ـ إسحق بن عمار: له روايات كثيرة في الفقه والأخلاق والكلام رواها الذين جاؤوا من بعده لثقتهم بنقله.
3 ـ إسماعيل بن عمار: من أصحاب الإمام الصادق (ع) المخلصين وثقاتهم، نقل عنه (ع) أحاديث مختلفة، واعتبره البعض من أصحاب الإمام موسى الكاظم (ع) أيضاً.
4 ـ يعقوب بن إسحق: كان من أصحاب الإمامين جعفر الصادق (ع) وموسى الكاظم (ع) ونقل عنهما روايات متعددة.
وجمهور آل حيّان من رجال الحديث المعتمدين ومن الرواة الثقاة، حيث نقل أكثرهم روايات عن الإمام جعفر الصادق (ع) ونقل بعضهم روايات عن الإمامين موسى الكاظم والرضا عليهما اسلام.
آل طاووس
أسرة من السادة العلويين عاشت في القرن 7هـ/13م في العراق . يرجع نسبها إلى محمد بن إسحاق الشهير بـ طاووس». وكان محمد الطاووس من العلماء كما كان نقيب العلويين في الحلة وسوراء، ثم انتقل هذ المنصب من بعده إلى البارزين من أفراد هذه الأسرة وقد اشتهر ثلاثة من هذه الأسرة بـ (ابن طاووس وهم: علي بن موسى، وأحمد بن موسى، وعبد الكريم بن أحمد، وأشهر علماء هذه الأسرة:
1 ـ رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر، الشهير بالسيد ابن طاووس (589 ـ 664هـ/1193 ـ 1266م)، ولد في الحلة وكان متكلماً، محدثاً، فقيهاً مؤرخاً وأديباً. قضى أيام طفولته وشبابه في مسقط رأسه وبدأ فيه يتلقى العلوم ثم هاجر إلى بغداد وأقام فيها حوالي 15 سنة عاد بعدها إلى الحلة. وأقام مدة من الزمن في كل من النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية وعاد بعدها، أيام سيطرة المغول، إلى بغداد. ولما تمّ احتلال بغداد في 656هـ/1258م، أمر هولاكو أن يستفتي العلماء: أيهما أفضل الحاكم الكافر العادل أم الحاكم المسلم الجائر؟ فاجتمع العلماء وهم في حيرة يفكرون بجواب يجعهلم في أمان من بطش هولاكو، فلم يلبث السيد ابن طاووس أن تناول ورقة وكتب عليها: الحاكم الكافر العادل هو الأفضل.
ويحظى ابن طاووس بمكانة مرموقة بين العلماء والمحدثين الشيعة لما له من مكانة علمية ومؤلفات عديدة وكثرة روايته للحديث والوقائع التاريخية. ويشتهر من بين كل ذلك في نقله للأدعية والروايات الأخلاقية والكلامية وتقواه.
وكان متضلّعاً في الكثير من علوم زمانه، وكان يهوى دراسة علم النجوم؛ وقد قسّمه كالأحكام الفقهية والتكليفية إلى خمسة أقسام: واجب وحرام ومستحب ومكروه ومباح ودرس الكثيرون عليه، منهم: العلامة الحلي ووالده وابن أخيه عبد الكريم ونالوا منه إجازة الرواية. وكان ابن طاووس عالماً غزير الانتاج ترك آثاراً متنوعة في الكلام والأخلاق والرجال والفقه والحديث.
توفي ابن طاووس ببغداد. وكان اثنان من أولاده من العلماء والمحدّثين وهما: رضي الدين أبو القاسم السيد علي بن علي بن موسى الذي كان يحمل اسم والده ولقبه وكنيته، أما ابنه الآخر فهو محمد بن علي بن موسى.
2 ـ جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن جعفر: (تـ673هـ/1274م)، يُعد من العلماء المشهورين في عصره، وأكثر شهرته تعود إلى تبحرّه في الفقه والحديث والرجال. ويعتبر من أوائل الذين كتبوا في علم الرجال. واشتهر بابن طاووس أيضاً، وله مؤلفات كثيرة.
تولى منصب نقابة الطالبيين في العراق وسوراء. ومن المحتمل أنه تسنّم هذا المنصب بعد وفاة أخيه رضي الدين، توفي في الحلة ودفن فيها.
3 ـ غياث الدين أبو المظفر عبد الكريم بن أحمد: (648 ـ 693هـ/1250 ـ 1294م)، ولد في كربلاء وترعرع في الحلة وشبّ فيها، وتلقى علومه ببغداد. وكان يدرس عنده تلامذة كثيرون نال بعضهم درجات علمية وفقهية رفيعة. وكان متبحراً في الأدب وشاعراً وأديباً عهدت إليه نقابة الطالبيين في زمانه.
توفي في الكاظمية ويعدّ ابنه رضي الدين، أبو القاسم علي (تـ741هـ/1340م) من المحدّثين أيضاً.
4 ـ مجد الدين محمد بن الحسن بن موسى: كان محدّثاً. ولا تتوفر معلومات عن حياته باستثناء كونه نقيباً للطالبيين في سوراء.
آل العذاري
نسبة إلى (العذار) وهو اسم يطلق على السواد والرساتيق، وجميع القرى الواقعة على ضفتي نهر الفرات «العراق» في الجهة الجنوبية والشمالية من الحلة، ويمتد من أعالي أطلال بابل إلى أسفل قضاء الهاشمية. وقد ورد ذكر العذار في رحلة ابن بطوطة في أواخر النصف الأول من القرن الثامن الهجري حين عبر الفرات بعد زيارة النجف قاصداً واسط.
وذكره صفي الدين الحلي بلفظ التثنية في قصيدة يرثي بها غياث الدين عبد الكريم الحسيني نقيب سورى، وقد قتله جماعة من عرب العذار بشط سورى ويحرض النقيب شمس الدين الآوي على الأخذ بثأره فيقول:
| فلو كان شمس الدين والحق شاهداً | لمصرع ذاك الندب ساعة ندبه | |
| لشن على عرب العذارين غارة | يضيق بها في البر واسع رحبه |
ولعله سمي بذلك تشبيهاً له بسواد الشعر الذي ينبت على الخدين.
ولقبت هذه الأسرة بـ (آل العذاري) لسكنى جدها الأعلى (تريبان) قبل ثلاثة قرون أو أكثر في قرية (السادة) إحدى قرى العذار ثم سكن أحفاده الحلة وما جاورها. حدّث بعض مشايخ آل العذاري: «أن أصلهم من قبيلة (الدغيرات) إحدى قبائل (شمر) وعلى أثر بعض المعارك التي وقعت بينهم وبين قبائل (عنزة) نزح إلى العراق جدهم الأعلى (تريبان) قبل ثلاثة قرون أو أكثر واستوطن قرية السادة».
نشأ من هذه الأسرة جماعة من ذوي الفضل والأدب والشعر.
آل عصفور
بيت من أكبير البيوت العلمية في البحرين والقطيف ومناطق جنوب إيران في القرن 12 و13هـ/18 و19م، ومؤسس هذا البيت عصفور بن أحمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرّازي الشاخوري البحراني المجهولة سيرته والدّرازي والشاخوري والبحراني نسبة إلى الدّراز والشاخورة القريتين المجاورتين في البحرين ومن أشهر رجال هذا البيت:
1 ـ أحمد بن صالح: (1075 ـ 1124هـ/1664 ـ 1712م)، ولد في الشاخورة، ودرس في البحرين، ثم سافر إلى شيراز وسكن بعد مدة في جهرم، من مؤلفاته كتاب (الطب الأحمدي) وكان ابنه إبراهيم (تـ1125هـ/1713م) من علماء الدين أيضاً.
2 ـ أحمد بن إبراهيم: 1084 ـ 1131هـ/1673 ـ 1718م)، ولد في الشاخورة، وتعلم مقدمات العلوم فيها، ثم أكمل دراسته على كبار الأساتذة آنذاك، كان من أبرز تلاميذ الشيخ سليمان الماحوزي، درس عليه الفقه والأصول والفلسفة، كما درس الرياضيات على الشيخ محمد بن يوسف البحراني وتشير مؤلفاته إلى أنه كان ملماً بكثير من علوم عصره.
وقد تعرّض الخليج الفارسي في عصره لهجوم عرب الهولة، وشمل هذا الهجوم البحرين حيث قتل الكثيرون ونهبت أموال الناس وهدمت المدن واضطر الكثيرون إلى هجر ديارهم فكان هو ممن هاجر إلى القطيف وقد نهبت مكتبته فيما نهب وقد أثر كل ذلك فيه فمرض ومات في القطيف، له 23 مؤلّفاً يحتمل أنها تلفت جميعاً مع مكتبته في تلك الفتنة.
3 ـ يوسف بن أحمد: (1107 ـ 1186هـ/1695 ـ 1772م)، من مشاهير الشخصيات العلمية والدينية من آل عصفور، ويعتبر من علماء الرجال البارزين في القرون الأخيرة، ولد في الشاخورة في البحرين: التحق بوالده في القطيف بعد تأخره مدة عن البحرين وبعد وفاة والده عاد إلى البحرين، ثم عاد إلى القطيف كي يواصل دراسته وتردد بينها وبين البحرين وظلت الأمور مشتدة في البحرين، فاضطر للذهاب إلى كرمان والاقامة فيها، ثم اتّجه إلى شيراز ومنها إلى فسا ومارس الزراعة لتأمين معيشته، وأخذ بالتدريس والتأليف وبدأ بتأليف أشهر كتبه (الحدائق الناضرة) وكتب أقساماً منه، لكن الفتن لاحقته إلى هناك. ونهبت أموال الناس وكان فيما نهب أموال الشيخ يوسف البحراني وكتبه فرحل إلى إصطهبانات مهموماً، ثم قصد العراق وقطن مدينة كربلاء. وقد حصل في هذه المدينة على المال والأمن والاستقرار وعاش إلى آخر عمره هناك، عاكفاً على العبادة والتدريس والبحث والتأليف.
وكانت آراؤه الفقهية أخبارية المنحى كآراء سائر الفقهاء من آل عصفور، حيث كان في البداية شديد التعصّب للأخبارية، ثم مال إلى الاعتدال، حتى أنه أنّب الأخباريين المفرطين، لأنهم لا يعملون بما يقولونه، ويمارسون التقليد بلا معرفة، رغم إنكارهم له.
وقد ألف حوالي 32 كتاباً نذكر منها: (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) أشهر مؤلفاته، (سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) وهو نقد شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (586 ـ 655/1190 ـ 1257). وقد كتب محمد أمين السويدي رداً على هذا النقد سماه الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد، (الدّرر النجفية في الملتقطات اليوسفية). (أنيس المسافر وجليس الخواطر)، (عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة)، (لؤلؤة البحرين في الاجازة لقرّتي العين).
آل العودي
كانت مدينة «الحلّة» العراقية. في القرنين السابع والثامن الهجريين معقل التشيع، عاش فيها العلماء الكبار والمفكرون، وقد تركوا آثاراً مهمة في الفقه والأصول والكلام والتفسير وغير ذلك من العلوم الإسلامية. وإلى يومنا هذا لا تزال تلك الآثار المطبوعة موزعّة في الحوزات العلمية، يستفيد منها الطلاب والعلماء في الدراسة والتحقيق والتأليف.
عاش في الحلّة في تلك الأعوام علماء أجلاء أكابر كالمحقق الحلي، ويحيى بن سعيد الحلي، وابن ادريس الحلي والعلامة الحلي، وفخر المحققين وعلماء آخرون ترى اسماءهم على الكتب الفقهية والكلامية بارزة ومن ذلك نعلم بأن الحوزة العلمية في الحلة في تلك الأعوام كانت كبيرة ولها صدى بعيد في العالم الإسلامي، وكانت تعيش فيها أسر علمية متعددة لها آثارها وتأليفاتها.
إحدى هذه الأسر العلمية التي عاشت في القرنين السابع والثامن هي آل العودي وهذه الأسرة تنسب تارة إلى الحلة وتارةً إلى جبل عامل، وكلا النسبتين صحيحتان. وإننا سنقرأ بأنّ أحد أجداد هذه الأسرة ولد في الحلة، وسافر إلى حلب ومن ثمّ إلى جزيّن، وعاش فيها حتى وفاته، ونعرف جميعاً بأن جزين مدينة من مدن جبل عامل… ولهذا فإن بعضهم أخطأ بقوله ان آل العودي أسرتان مستقلة كل واحدة منها عن الأخرى؛ منهم
واحدة: في الحلة، والثانية: في جبل عامل، ولهذا فإن السيد المدرسي أخذ على مؤلف أمل الآمل قوله إن شهاب الدين إسماعيل ابن العودي صاحب الأرجوزة في الكلام هو جزيني عاملي، واتهمه بالخلط بين الاسرتين. وأننا لنعرف من أسرة العودي أفراداً نذكرهم. ولكننا نأسف لقلة معلوماتنا عنهم.
1 ـ أبو المعالي سالم بن علي بن سليمان ابن العودي المعروف بـ «النيلي» كان حياً سنة 55»(المقصود 55 من القرن السابع الهجري)، وهو شاعر أهل البيت (عليهم السلام) وبعض أشعاره مذكور في مناقب ابن شهرآشوب، وهو من بلدة النيل القريبة من الحلة.
2 ـ نجيب الدين أبو القاسم بن حسين بن محمد العودي الحلي، المتوفى سنة (679) ذكر اليافعي في مرآة الجنان بأنه: فقيه، متكلم، شيخ الشيعة، عالم، عاش فترة في حلب. وقال عنه ابن كثير في البداية والنهاية:
توفي سنة 677هـ، شيخ الشيعة وإمامهم وعالمهم في أنفسهم، كانت له فضيلة ومشاركة في علوم كثيرة، وكان حسن المحاضرة والمعاشرة، لطيف النادرة وكان كثير التعبد بالليل وله شعر جيد.
وذكره الذهبي في كتابه العبر في خبر من غبر فقال: سكن حلب مدة، ثم سكن جزين إلى أن مات بها في نصف شعبان وله نيف وتسعون سنة». والذهبي كاليافعي يذكر تاريخ وفاته سنة (679). وتحدّث كذلك عن قصة تركه لمدينة حلب، وسكنه جزين، ابن عماد الحنبلي في شذرات الذهب([230]).
3 ـ شرف الدين أبو عبدالله حسين بن أبي القاسم بن حسين العودي، عاش (سنة 740هـ) وهو ابن نجيب الدين، السابق الذكر، ولا نعرف عنه إلا أمر ردّه على المحقق الحلي جعفر بن حسن (المتوفى 676هـ).
4 ـ شهاب الدين إسماعيل بن شرف الدين أبي عبدالله حسين العودي (المتوفى 741هـ)، قال عنه الحر العاملي في أمل الآمل: «فاضل عالم علامة وشاعر أديب له ارجوزة في شرح الياقوت في الكلام وغير ذلك، وجاء في (الطليعة): إسماعيل المعروف بشهاب الدين بن شرف الدين توفي في الجبل حوالي سنة 580هـ، كان فاضلاً و… حضر على علماء الحلّة ثم رجع إلى بلدة جزين، له نظم الياقوت وهي ارجوزة نظم بها كتاب الياقوت لابن نوبخت في علم الكلام اورد له ابن شهرآشوب في المناقب ـ وكان معاصراً له ـ ابياتاً.
وكما قال السيد الأمين فإن هذا الكاتب قد خلط بين ابن العودي صاحب ارجوزة الكلام وابن العودي النيلي.
وكما قلنا فإن ابن العودي النيلي عاش في زَمن ابن شهرآشوب واسمه سالم بن علي بن سليمان، أمّا اسم صاحب الارجوزة فهو إسماعيل بن حسين.
5 ـ أحمد بن شرف الدين حسين العودي الاسدي الحلي كان حياً سنة (741هـ) وهو أخٌ لشهاب الدين إسماعيل، وكاتب المجموعة التي فيها رسائل أبيه شرف الدين وارجوزة أخيه شهاب الدين الكلامية، وفيها غير ذلك، ولا نعرف أكثر من ذلك عنه.
6 ـ نصير الدين موسى بن الحسين بن العودي (المتوفى قبل (761هـ) في إجازة ولده محمد بن موسى إلى أخيه حسين بن موسى يذكر والده بـ«الشيخ الإمام» ونفهم من هذه العبارة بأن موسى بن الحسين كان عالماً معروفاً في عصره، ويحتمل الطهراني في طبقاته بأنّ موسى بن الحسين هو من أجداد محمد بن علي العودي تلميذ الشهيد الثاني.
7 ـ محمد موسى بن الحسين بن العودي كان حياً سنة 791هـ ومعلوماتنا عنه وعن أبيه وعن أخيه محصورة في الإجازة التي ارسلت إلى أخيه، وهذا نصها:
«أنهاه أيده الله تعالى قراءة وبحثاً وشرحاً الشيخ شرف الدين الحسين بن المرحوم الشيخ الإمام نصير الدين موسى بن العودي تغمده الله برحمته وذلك في عدة مجالس آخرها 16 رجب المرجب سنة 761 وكتب الفقير إلى الله الغني محمد بن موسى الحسين بن العودي عفى الله عنه بمحمد وآله الطاهرين»([231]).
8 ـ شرف الدين حسين بن موسى بن العودي كان حياً سنة (761هـ) وهو أخ لمحمد بن موسى السابق الذكر، وصاحب الرياض، بعد قراءته الإجازة يقول: ليس ببعيد أن يكون الحسين بن موسى من أجداد ابن العودي المعروف وهو تلميذ الشهيد الثاني، ويقول ان المجيز والمجاز له ابنا عمّ، (رياض العلماء) ولكن الحقيقة أنهما ليسا ابنا عم بل هم أخوة، (طبقات اعلام الشيعة). وللسيد عبد العزيز الطباطبائي حاشيه على طبقات اعلام الشيعة وفي ذيل عنوان حسين بن موسى يحتمل أن يكون هو شرف الدين أبو عبدالله بن الحسين بن أبي القاسم، كاتب الردّ على المحقق، الذي ذكرناه سابقاً.
وأبو القاسم هي كنية لموسى، ولكنّ هذا الاحتمال بعيدٌ جداً لأن لقب أبي القاسم هو نجيب الدين، وقد جاء هكذا في المصادر، ولكن لقب موسى في اجازته نصير الدين وقد جاءت ترجمة نجيب الدين أبو القاسم في مصادر كثيرة. ولم يذكروه في جميع هذه المصادر بموسى.
9 ـ بهاء الدين محمد بن علي بن حسن العودي العاملي الجزيني، كان حياً سنة 962هـ هو التلميذ الملازم للشهيد الثاني وقد ظل في خدمته ما يقارب السبع عشرة سنة مستفيداً منه.
ولم نعلم عن احواله سوى أنه كتب عن حياة استاذه الشهيد الثاني ما سماه (بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد) وقد ذكر فيه ما ذكر عن تلاميذ الشهيد وآثارهم، والظاهر أنه لا يوجد من هذا الكتاب، إلاَّ صفحات.
وقد كان بحوزة حفيد الشهيد الثاني علي بن محمد بن حسن بن زين الدين وقد جمعها في كتابه «الدر المنثور من المأثور وغير المأثور».
ويحتمل الطهراني أن يكون من أولاد نصير الدين موسى بن العودي.(طبقات اعلام الشيعة).
لقد ذكرنا فيما تقدم جمعاً من علماء آل العودي، اشتهر قسم منهم بلقب الحلي، واشتهر آخرون بالجزيني العاملي.
كما ذكرنا، أنهم أسرة واحدة أصلها من الحلة ولسفر نجيب الدين أبو القاسم ابن العودي الحلي إلى جزين وتوطنه هناك، أصبح قسمٌ منهم يلقب بالعاملي الجزيني أمّا الارجوزة في علم الكلام، فهي أثر شهاب الدين إسماعيل بن شرف الدين العودي، وقد ذكرنا أنه استمدها من كتاب الياقوت للنوبختي.
واهمية الارجوزة أنها نتاج القرن الثامن وهو قرن تطور علم الكلام الشيعي، وكانوا علماء كبار كالخواجه نصير الدين الطوسي، والعلامة الحلي يعيشون في تلك السنين وقد أوصلوا علم الكلام إلى أعلى المستويات.
وهذه الارجوزة تشتمل على 326 بيتاً من الشعر ولم تطبع إلى الآن. ويوجد منها نسختان مخطوطتان النسخة الأولى هي نسخة (بادليان)، في اكسفورد برقم 64 ـ وقد ظهر عليها كثير من البلى، وفي بعض الأماكن محيَ قسم من الكتابة وتاريخ تحريرها من سنة 740هـ إلى 742هـ، ولولا النسخة الثانية، لما امكن الاستفادة من النسخة الأولى.
ـ النسخة الثانية، توجد في مكتبة السيد المرعشي في (قم)، وهي نسخة تعتبر حديثة مكتوبة سنة 1282هـ سجلت برقم 2754، وقد استنسخت من النسخة الأولى (بادليان) والأماكن غير المقروءة تركت بياضاً.
ومما يذكر أنّ نسخة بادليان كتب عليها:
«نظم الشيخ الإمام العالم الفاضل…» وفي مكتبة السيد المرعشي عرفت بـ «الاصول الكلامية». وفي كشف الحجب وتبعاً لكتاب أمل الآمل باسم «ارجوزة في شرح الياقوت في الكلام» وفي الذريعة أيضاً بنفس الاسم.
يعقوب جعفري
آل القزويني
الأُسرة القزوينيَّة هي إحدى الأُسر العراقيّة الحُسينيَّة نسباً، العربية محتداً. ينتهي نسبها إلى الإمام زيد (الشهيد) ابن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحُسين بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام).
والجَدُّ الجامع لهذه الأُسرة هو السيد أحمد القزويني (1124 ـ 1199هـ/1712 ـ 1785م)، وكان من كبار فُقهاء عصره. إقترن بابنة السيد مرتضى الطباطبائي (ت: 1204هـ/1790م). وهي أخت الإمام السيد مهدي بحر العلوم (1155 ـ 1212هـ/ 1742 ـ 1797م) الجدّ الأعلى لأُسرة آل بحر العلوم النجفيَّة. وأولدها خمسة أبناء (تشكَّلت الأسرة القزوينيَّة منهم)، وهم:
1 ـ السيد حسن القزويني (1152 ـ 1223هـ/1739 ـ 1808م).
2 ـ السيد حسين القزويني (1156 ـ قبل 1223هـ/1743، قبل 1808م).
3 ـ السيد علي القزويني (؟!/؟!).
4 ـ السيد محمد علي القزويني (؟! /؟!).
5 ـ السيد باقر القزويني ( ؟ ـ 1246هـ/؟/1831م).
أمَّا السيد حسين، والسيد باقر فقد دَرَجَا (أي انقطع عقبهما)، حيثُ تُوفي ولد الأول السيد عبود في وباء الطاعون الذي اجتاح النجف سنة 1246هـ/1831م، وكان من نوابغ الشباب في العلوم الدينيَّة. وأمَّا السيد باقر فَقَدْ خلَّفَ ولده السيد جعفر، وكان عالماً متيناً، وشاعراً متدفقاً إلاَّ أنَّهُ انقطع بموت ولديه السيد سلمان، والسيد علي.
وبقي عقب الأُسرة منحدراً من الأخوة الثلاثة الآخرين وهم؛ السيد حسن، السيد علي، والسيد محمد علي.
وقد إنتشر عقب هؤلاء الفقهآء الثلاثة في المناطق الفُراتية العراقية، وامتلكوا فيها الأراضي الزراعية، والأملاك الشاسعة في مدينة الحلّة، طويريج، الرغيلة، الدَغَّارة، البزونيَّة، القزوينيَّة، الكفل، العباسية، وغيرها من المناطق الفُراتية.
ونظراً لعدم توفّر المعلومات حول تراجم هذه النخبة من العلماء سوى النزر اليسير، وبعض الأشتباهات التي وقعت من بعض المؤرخين في الحديث عن بعضهم، فقد ارتأيتُ أن أُسجِّل ما توفَّرَ لدي من معلومات لعلَّها تكون مقدمة لتراجم أوسع فيما إذا وجدت بعض المخطوطات، والوثائق التي تُشيرُ إلى تاريخ تلك الحُقبة الزمنيَّة المُهملة.
السيد أحمد القزويني
هو جدُّ أسرة آل القزويني. ولد سنة 1124هـ/1712م، وتُوفي سنة 1199هـ/1785م. هاجر والدُهُ السيد محمد([232])، إلى العراق بعد سقوط الدولة الصفويَّة سنة 1145هـ/1732م، استقر في مدينة (كربلاء) التي كانت يومذاك مركزاً علمياً بدأ بالأزدهار على يد الفقهآء الكبار الذين نزحوا من إيران.
وفي سنة 1149هـ/1736م، انتقل السيد أحمد إلى النجف، وتزوَّج ابنة العلاَّمة السيد مرتضى الطباطبائي (والد السيد مهدي بحر العلوم عميد الأسرة التي عُرفت باسمه في النجف)، وخلَّف منها خمسة أولاد.
وقد تخرج عليه جمهرة من طُلاب العلوم توَّلى بعضهم زعامة الطائفة أمثال السيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطآء (جدّ أُسرة آلى كاشف الغطاء) المُتوفى سنة 1228هـ/1813م.
ذكر السيد حميد القزويني المُتوفى سنة 1400هـ/1980م، في «السلسلة الذهبية»([233])، أنَّ السيد أحمد كان يتردد على زيارة الإمام الرضا (ع)، وفي إحدى سفراته تزوَّج بابنة عمِّه، وجاء بها إلى العراق، وولدت له (محمَّداً). وفي إحدى أسفاره. (التي كان يُصاحبُهُ فيها ولدُهُ الأكبر السيد حسن). توفي في مدينة (قزوين) سنة 1199هـ/1785م، ودفن هناك، وأرخ وفاته السيد مهدي بحر العلوم بقوله:
| وجاورَ أهل البيت فيها، وأرخُوا | (لقد طابت الجنات من طيب أحمد) |
له أبحاثٌ ومؤلفات في الفقه والأُصول، قال السيد حميد القزويني: «لم يصلنا إلا النزر القليل منها». وذكر الشيخ محمد حرز الدين منها: مجموع في الأدعية والأوراد، ورسالة في الصلوات المستحبة.
السيد حسن القزويني
هو أكبر أنجال السيد أحمد، وأمه أخت الإمام مهدي بحر العلوم. ولد سنة 1152هـ/1739م، في النجف، وتتلمذ على يد علمآء عصره، وأُجيز بالإجتهاد من والده. وكان من أساتذته السيد حسين بن السيد أبي الحسن موسى بن حيدر الشقرائي العاملي المُتوفى سنة 1230هـ/1815م. ذكر السيد حسن الصدر أنَّه رأى بخط السيد حسن القزويني رسالة يعبر فيها عن السيد حسين العاملي بالسيد الأستاذ دام ظله العالي»([234]).
وكانت عمدة تلمذته على خاله بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطآء.
سافر إلى منطقة (الدغَّارة). وهي من المناطق الفُراتية. ومارس فيها الزراعة، واستصلاح الأراضي وتقسيمها. ذكر السيد حميد القزويني في ترجمته له: أنَّه حاز على الرئاسة الدينيَّة والزمنيَّة، وهو أول من مارس مهنة الزراعة من هذا البيت. وقد التمس منه رئيس عشائر (الأقرع) الذهاب إلى الدغارة، لأجل تقسيم أراضيها بين عشائره، وبين (السادة) القاطنين بين ظهرانيهم كآل قاراغول، وآل المهنا، وأمثالهما لئلاَّ يمدَّ العلويُّ الساكن هناك كفاً للسؤال، فخرج إلى هناك، وقسمَّها عليهم أربعة أقسام، والقسم الخامس إلى أحد العلويين، وهم إلى اليوم على هذه القسمة.
وفي عام 1182هـ/1768م، تزوَّج من أُسرة آل (المنجم) فولد له ولدان؛ السيد موسى، والسيد جواد (وقد سكنا منطقة الدغَّارة) التابعة اليوم لمحافظة (الديوانيَّة). في أواخر حياته سنة 1221هـ/1806م، تُوفيت زوجتُهُ، فتزوَّج زوجة أبيها وهي بنت الشيخ مهدي الفتوني([235])، المتوفى سنة 1183هـ/1769م فأولدت له ولده السيد مهدي القزويني سنة 1222هـ/1807م، (الذي اصبح من زعماء الإماميَّة فيما بعد).
اشتهر السيد حسن مضافاً إلى تضلُّعه بالعلوم الدينيَّة بالعلوم الرياضية، وكان قد شارك في هندسة مجرى نهر (الهندية) الذي أنشأه سنة 1208هـ/1793م، أحد سلاطين الهند بعد جفاف المياه عن مدينة (النجف)، والذي اصبح من اعظم أنهار العراق يومذاك.
وقد تصدَّى بعد وفاة والده السيد أحمد عام 1199هـ/1785م للتدريس في النجف حتى وفاته عام 1223هـ/1808م.
أولادُهُ
1 ـ السيد موسى: وهو أكبر أولاده وقد درج عقبُهُ. وردت الإشارة إليه في (الكشَّاف في تعريف تراجم الأسرة القزوينيَّة)([236]):
كان فارساً وشجاعاً قوياً سخيَّاً متفقهاً في عبادته، وقد أعطاهُ أغا العباس رئيس خُزاعة بعض الأراضي الزراعية ملكاً له لنزاع حصل بينهما.
2 ـ السيد جواد: وُلد بعد أخيه السيد موسى، وهو جد السادة (القزاونة) القاطنين بمنطقة (الدغَّارة). كان معروفاً بالسخاء والكرم تولى تربية الأيتام من رحمه. وكان ملكه ومسكنه في أرض (الدغارة) مناخ الآمال، ومحط الرحال، ولم ينل حظاً من العلم([237]). توفي في حياة أخيه السيد مهدي القزويني، ورثاه بعض شعراء الحلة معزين أخاهُ به، وخلف من الأولاد؛ السيد راضي، السيد عبدالله، والسيد كمُّون…، ولم يظهر من ذريته من الأعلام سوى السيد حسين بن السيد راضي القزويني (1281 ـ 1330هـ/1864 ـ 1912م).
3 ـ السيد داود: وكان من المشتغلين بالدراسات الدينيَّة، وقد توفي شابَّاً.
4 ـ السيد مهدي: الفقيه الشهير الذي تولى الزعامة الدينيَّة بعد وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري عام 1281هـ/ 1864م.
كانت عمدة دراسته على يد عمّه السيد باقر القزويني المُتوفى سنة 1246هـ/1831م. نال الاجتهاد وهو ابن (18) عاماً. وفي سنة 1253هـ/1837م، هاجر من النجف إلى مدينة الحلّة، واستقرَّ بها أربعين عاماً، وعاد إلى النجف مرَّة أخرى سنة 1294هـ/1877م، ومكثَ بها حتى وفاته عام 1300هـ/1883م. ومن أحسن ما كتب عنه؛ هذه (الترجمة) التي كتبها ولدهُ السيد محمد القزويني صاحب (طروس الأنشاء) أثبتُها لأهميتها التأريخية، وقد نقلتها عن خطه، وهي:
ولد ـ رحمه الله. في النجف الأشرف سنة ألف ومائتين وإثنتين وعشرين من الهجرة([238])، وقرأ الكتاب الكريم؛ القرآن العظيم وهو ابن ثمان سنين، وختمه في أربعة أشهر. وتعلَّم الكتابة والخط، ثم قرأ فنون العربية على الفضلاء من أهل الفن في النحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والوضع، والعروض، ودرَّس في هذه الفنون، وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة؛ بحيث قرأ عليه هذه الفنون جملة من الفضلاء قبل بلوغه سنّ التكليف.
ثم قرأ علم أُصول الفقه على العُلماء المعاصرين له في النجف الأشرف المعروفة أسماؤهم. ثم قرأ الفقه الاستدلالي على عمه الشريف السيد باقر القزويني([239])، (صاحب القُبة المُشيَّدة في النجف في محلة العمارة)، وعلى الأساطين من آل شيخ الطائفة؛ الشيخ جعفر([240]) وهم: الشيخ موسى([241])، بن الشيخ جعفر، والشيخ علي([242])، (وهو عمدة أساتيذه)، والشيخ حسن([243])، وكانوا في الفقه الاستدلالي والتفريع مُنفردين بين علماء الإمامية.
وقرأ الحكمة، والكلام على السيد قوام الدين الأصفهاني المعروف في فن المعقول بعد أن قرأ العلوم الرياضية من الهيئة، والحساب، والهندسة، على قواعدها على أهل الفنّ.
ثم استقل برأيه.
ثم أنّه إنتقل من النجف الأشرف، بعد الخمسين والمائتين (والألف) من الهجرة([244])، إلى الحلَّة، واتخذ بها دوراً ومسجداً جامعاً ومحلا، وصار مرجعاً لعموم العراق. وهناك تفرغ للتصنيف.
وإلى السنة الرابعة والتسعين بعد المائتين([245])، من الهجرة رجع إلى النجف الأشرف، ودرَّس بها جماعة من الفضلاء.
ثم في سنة تسع وتسعين([246])، وفقَّهُ الله لحج بيته الحرام، ورجع على طريق (الجبل) فمرض في الطريق، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في الطريق قريب بلدة (السماوة) في سنة 1300هـ؛ فحمل نعشُهُ منها إلى (النجف) ودفن في مقبرته المعروفة بالنجف الأشرف.
وأمّا أولاده فهم:
السيد ميرزا جعفر. وهو أكبرهم، وكان عالماً فاضلاً، مجتهداً، رئيساً، مطاعاً في الحلة وأقطارها، وتوفي في زمن أبيه قبل وفاته بثلاث سنين([247])، وله من المصنَّفات ثلاث متون في (علم المنطق)، ومتن في علم الأصول.
ثم ولده الثاني السيد ميرزا صالح: وكان من العلماء الفضلاء، المحققين، وفي زمانه إتخذ منزلاً معموراً، وداراً للضيافة في نفس قضاء (الهندية)، وبها الآن أولاده، تُوفي الميرزا صالح في سنة ثلاثماية وأربع بعد الالف من الهجرة.
ثم ولده الثالث؛ السيد محمد الذي هو الآن (في هذا العصر سنة 1331هـ)، موجود في الحلة في دار أبيه قائمٌ مقامه في المرجعية والرئاسة، وكان مقيماً في دار أبيه في النجف الأشرف، وله آثار في الحلة وحواليها.
والرابع من أولاده المرحوم السيد حسين: وكان من العلماء المجتهدين، والفضلاء الراسخين، وكان مُقيماً في دار أبيه في النجف الأشرف مرجعاً مُدرساً قاضياً لحوائج العموم. تُوفي سنة 1325هـ، وله أولاده مواظبون على تحصيل العلوم في النجف الأشرف.
وقَدْ مدَحَهُ شعراءُ العراق كافة من النجف الأشرف والحلَّة، خصوصاً السيد حيدر([248]).
السيد حسين القزويني
ثاني أنجال السيد أحمد القزويني. ولد سنة 1156هـ/1743م، وأكمل دراسته على يد علماء عصره أمثال خاله بحر العلوم، وكاشف الغطآء.
وردّ في (الكشاف): أنه كان عالماً فاضلاً موصوفاً بالفقه والتقوى والصلاح. وذكر السيد حميد القزويني في (السلسلة الذهبيَّة): «أنَّه كان معروفاً بالزهد والإعراض عن بهرجة الدنيا».
أعقب ولداً واحداً هو السيد عبود القزويني([249])، وقد تُوفي شاباً بوباء (الطاعون) سنة 1246هـ/1831م.
السيد علي القزويني
من كبار مجتهدي عصره. ورد في (الكشَّاف) أنَّه كان عالماً فاضلاً محققاً، مجتهداً، ورعاً، مثرياً، مسموع القول، نافذ الحكم عند معاصريه من العلماء. ومن أظهر تلامذته ابنُ أخيه السيد مهدي القزويني.
وُلد بعد سنة 1156هـ/1743م، ويمكن استظهار وفاته بين عامي 1237هـ/1822م، وعام 1240هـ/1825م. وذكر السيد مهدي القزويني في كتاب (المزار): أنَّه دُفِن في باب مسجد (الخَضْرَة) المُلاصق لحرم أمير المؤمنين (ع).
خلَّفَ السيد علي ولدين هما: السيد جعفر، والسيد مير. أمَّا جعفر فقد كان عالماً مجتهداً له بنت تزوَّجها الميرزا صالح بن السيد مهدي القزويني المُتوفى سنة 1304هـ/1887م، وهي أمّ أولاده (السيد هادي، السيد حسن، السيد أحمد، السيد باقر، والسيد رضا). وأمَّا السيد مير فقد انقطع عقبُهُ. وعقب السيد علي منتشرٌ اليوم في المناطق الفُراتية.
السيد محمد علي القزويني
من كبار مجتهدي عصره. درس على أبيه، وخاله بحر العلوم، وعلى الشيخ جعفر كاشف الغطآء. لم أقف على ترجمة له في المصادر المتوفرة لديَّ سوى ما ذكره في (الكشَّاف) حيث وُصِفَ بأنَّه «من العلماء الصلحاء المُحققين، ذي هيبة ووقار، وجاه واعتبار».
وهو جدَّ السادة آل القزويني القاطنين في أرض (الرغيلة) القريبة من مدينة (طويريج).
السيد باقر القزويني
هو أصغر أولاد السيد أحمد.
تخرَّجت على يديه طائفة من الفقهاء، وكانت جُلُّ تلمذته على يد خاله السيد مهدي بحر العلوم.
له مؤلفات لا تزال مخطوطة منها: الوجيز في الفقه، الوسيط، جامع الرسائل. تُوفي آخر الطاعون سنة 1246هـ، ومقبرتُهُ عامرة مشيدة في النجف.
وقد نُسبت الأُسرة القزوينيَّة إلى مدينة الحلة، وذلك بعد هجرة السيد مهدي القزويني إليها من النجف عام 1253هـ/1837م، لملء الفراغ الذي تركه استاذُهُ الشيخ حسن كاشف الغطآء بعد هجرته من الحلة إلى النجف لتولّي الزعامة الدينية بعد وفاة أخيه الفقيه الشيخ علي كاشف الغطآء في السنة نفسها.
وخلال سنيّ إقامته في هذه المدينة تمكَّنَ السيد مهدي من تحويلها إلى حاضرة ثقافية قدَّمت الكثير من المؤلفين والشُعراء العراقيين الكبار الذين شكلوا تاريخاً فريداً لهذه المدينة في القرن التاسع عشر الميلادي.
كما توطَّنَ أحد أولاد السيد مهدي، وهو السيد صالح مدينة (طويريج)، وأنشأ فيها دوراً وسكنا، وبقي أولادُهُ واحفادُهُ، بعد وفاته عام 1304هـ/1887م مقيمين فيها حتى يومنا هذا.
الأسر التي اشتهرت بلقب (القزويني) في العراق
توجد في العراق أكثر من أُسرة تحملُ لقب (القزويني)، أغلبُها من الأُسر العريقة بأصالتها العربيَّة، وتأريخها العلمي. وكُلُّ أُسرة من هذه الأُسر مستقلَّة عن الأخرى، فمنها من ينحدر من السلالة الموسوية كأسرة القزويني الحائري، والقزويني الكاظمي (الكيشوان)، ومنها من ينحدر من السلالة (الزيديَّة) الحسينية.
1 ـ الأسرة القزوينية الحائرية: وهي أسرة السيد إبراهيم القزويني الحائري صاحب كتاب (ضوابط الأصول) المُتوفى سنة 1262هـ/1846م، توطَّنتْ (كربلاء) منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وبقي أولاد السيد إبراهيم القزويني، وأولاد أعمامه فيها حتى اليوم. وقد اشتهر فرع من هذه الأُسرة بممارسة الخطابة. وعميد الأسرة اليوم مرتضى القزويني (المُقيم حالياً في إحدى الولايات الأميركية مرشداً دينياً للجالية الاسلامية هُناك).
2 ـ الأُسرة القزوينيَّة الكاظميَّة: وهي أُسرة العلامة السيد مهدي القزويني المُتوفى سنة 1358هـ/1939م. والسيد مهدي هو ابن السيد صالح (ت: 1309هـ/1892م) المُلقَّب بـ«الكيشوان» بن السيد مهدي بن السيد أحمد الموسوي الكاظمي القزويني.
وهذه الأسرة من الأُسر العراقية الشهيرة بالعلم([250]). ومن أعلامها السيد مير مُحمد القزويني نجل السيد مهدي القزويني الذي كان من كبار علماء مدينة (البصرة) حتى هجرته إلى الكويت عام 1970م، ووفاته فيها سنة 1995م.
ومن علمائها السيد محمد حسين الكيشوان بن السيد كاظم بن السيد علي بن أحمد الموسوي القزويني الكاظمي (1295 ـ 1356هـ/1878 ـ 1937م).
3 ـ الأُسرة القزوينيَّة النجفيَّة: وهي أُسرة السيد خضر القزويني النجفي (1323 ـ 1357هـ/1905 ـ 1938م)، وهو ابن السيد علي بن محمد بن جواد بن رضا. وكان من قُرَّاء (التعزيَّة)، وهو أديب شاعرٌ تُوفي شاباً.
وقد عُرف بعض أفراد هذه الأُسرة بلقب (الشمَّاع) نسبة إلى الاتجار بمهنة بيع (الشموع) التي كانت تُستعملُ في ذلك الوقت للانارة بدلاً عن (الكهرباء).
وقد تخلى أفراد هذه الأسرة عن لقب (القزويني) منذ سنة 1970م، واستبدلوا به لقب (الغُرابي).
4 ـ الأسرة القزوينيَّة البغداديَّة: وهي أُسرة العالم الشاعر السيد صالح القزويني البغدادي (1208 ـ 1306هـ/1794 ـ 1889م)، وهو صهر الشيخ محمد حسن النجفي صاحب (الجواهر) المُتوفى سنة 1267هـ/1851م. على ابنته. إنتقل من النجف إلى بغداد عام 1259هـ/1843م، واستقرَّ فيها. وهو من كبار شعراء عصره.
كما اشتهر ولدُه السيد راضي القزويني (1235 ـ 1285هـ/1820 ـ 1868م)، بالشعر والأدب، وبصلاته مع الشاه ناصر الدين القاجاري، وبولاة بغداد أمثال الوالي مدحت باشا. ومن أحفاده الخطيب السيد راضي بن السيد محمود بن السيد راضي القزويني الذي كان يُقيمُ في مدينة (العمارة).
5 ـ الأسرة القزوينيَّة الإيرانية: وهي أُسرة السيد محمد تقي بن السيد مؤمن ابن السيد محمد تقي بن السيد رضا بن الأمير أبو القاسم الحُسيني القزويني.
وقد انتجت هذه الأُسرة كبار الفقهاء منهم: السيد محمد تقي القزويني المُتوفى سنة 1270هـ/1854م، وهو من تلامذة السيد باقر القزويني المُتوفى سنة 1246هـ/1831م، ومن مُجيزي السيد مهدي القزويني بالاجتهاد سنة 1241هـ/1826م.
ومن هذه الأُسرة السيد محمد تقي المعروف بالسيد آغا القزويني، وكان قد أقام زمناً في النجف، ورجع إلى بلده، وتُوفي عام 1333هـ/1915م.
أبو المعز
السيد محمد القزويني
(1262 ـ 1335هـ/1845 ـ 1916م).
الابن الثالث للسيد مهدي القزويني (1222 ـ 1300هـ/1807 ـ 1882م)، هو أصغر من أخويه، الميزا جعفر (9 سنوات)، والميرزا صالح (5 سنوات)، وأكبر من أخيه السيد حسين (6 سنوات).
وقد تُوفي إخوتُهُ جميعاً في حياته، وبقي هو آخر الرعيل الأول حتى وفاته عام 1916م.
لا تقلُّ أهمية هؤلاء الأخوة واحدهم عن الآخر، فهم في الطبقة العالية في الفقه وأصوله، كما كانوا من كبار شعراء العراق في ذلك العصر.
وبعد هجرة السيد مهدي من الحلة إلى النجف سنة 1294هـ/1877م، اصبحت الزعامة الدينية والاجتماعية للسيد جعفر، كما اصبحت لولده الثاني السيد صالح زعامة الفُرات حيثُ أقام في مدينة (طويريج)- الهندية- بُرهة من الزمن متخذها سكناً له، ومستصلحاً أراضيها العائدة إلى أملاك الأسرة.
جودة القزويني
آل قفطان
آل قفطان بيت من بيوت الأدب والبلاغة والبيان منشؤهم في النجف وأصلهم من آل رباح فخذ من بني سعد العرب المعروفين في العراق، نبغ منهم جماعة في الفقه والأدب، وأشهر من عرف منهم الشيخ حسن المولود في النجف 1199هـ، ومن أبنائه الشيخ إبراهيم والشيخ أحمد، وكانت لآل قفطان مكتبة ثمينة في النجف يرجع إليها طلبة العلم والأدب، وكان إنشاؤها مما تقتضيه طبيعة مهنتهم الوراقة وعني آل قفطان بالأدب والتاريخ والفنون وتمتاز مجاميع آل قفطان باحتوائها على تاريخ الحوادث والوقائع التي وقعت في العراق في القرون الثلاثة الآخيرة بعد الألف للهجرة وهي تواريخ مفيدة لمن يعنى بهذا الشأن من العراقيين. وكان جده نجم من سكنة الدجيل ثم انتقل إلى لملوم من مساكن خزاعة وكان تاجراً وله شريك فتزوج شريكه امرأة وقبل أن تمضي سبعة أيام دعاه إلى الخروج معه للتجارة فقيل له أين تمضي مع هذا المتقفطن لكثرة ثيابه التي كانت عليه فسمي بأبي قفطان.
آل الطباطبائي
ينتشر أبناء هذه السلالة الجليلة في إيران والعراق وسائر الأقاليم الإسلامية. ويرجعون إلى إبراهيم بن إسماعيل الديباج الملقب طباطبا. ذكر علماء النسب أن هذا اللقب يرجع إلى لكنة كانت في لسانه، حيث سئل في أحد الأعياد، وهو طفل: هل تريد قميصاً أو قباء؟ فقال: طباطبا، أي قباقبا، إذ لم يستطع أن يلفظ القاف، وثمة أسباب أخرى جاءت في بعض المصادر.
لمعت شخصيّات علميّة وسياسية ودينية جمة ترعرعت في أحضان هذه السلالة طيلة ما يربو على الألف سنة، ومن فروعها الطباطبائيون في بروجرد الذين مرّ على حياتهم فيها زهاء القرنين ونصف، قد أنجبوا بدورهم شخصيات دينية معروفة أتحفوا الأمة الإسلامية بها مثل جدهم الأعلى السيد محمد الطباطبائي، والعلامة بحر العلوم، والسيد محمود صاحب المواهب وأخيراً السيد حسين البروجردي المرجع الكبير في هذا العصر.
السيد محمد الطباطبائي رأس الأسرة
ولد هذا السيد كما صرح به نفسه في رسائله، في مدينة أصفهان، ولا مستند لما في بعض المصادر بأنّه ولد بمدينة زواره، وهي إحدى المدن التابعة لأصفهان، ولا يزال يقطن فيها عائلات من السادة الطباطبائيين.
بدأ دراسته في أصفهان ثمّ انتقل إلى النجف ومكث فيه ما شاء الله وكان له رحلات إلى أصفهان مسقط رأسه، وفي إحدى تلك الرحلات من النجف أو من أصفهان، مرّ على بروجرد ـ وهو من بلاد الجبل قديماً، ورأى بها مسجداً عتيقاً فيه كتابة باسم أبي دُلف الذي حكم الجبل في القرن الثالث ـ فلبث فيها أياماً بسبب توقف طارىء للقافلة.
وكان أهالي بروجد آنذاك يكابدون أذى الصوفية واضطهادهم، ووصلت حالتهم حدّاً بلغ السيل فيها الزبى، فلما سمعوا بوجود السيد في مدينتهم، طلبوا منه المكوث عندهم، فلبى السيد طلبهم بعد أن استخار الله، ونزل في حي الصوفية المعروف الآن (صوفيان) للحيلولة دون انتهاكاتهم، فاستثمر الناس الفرصة، والتفّوا حوله، وعلى أثر توجيهاته وإرشاداته استبصر كثير من الصوفية فطُويَ بساطهم.
هذا ما ورد في جملة من المصادر، وقد بحث السيد البروجردي حول هذا الحادث، واحتمل في آخر كلامه أن ما اشتهر في الألسن من أنه مال كثير من أهالي البلد إلى التصوف، وبنزول السيد بها زال هذا الاتجاه الصوفي، إنما وقع ببلدة كرمانشاه فبدّلها المترجمون ببروجرد لأنها ـ أي كرمانشاه ـ كانت حين ذاك مجتمع القلندرية والباطنية، فلعل السيد فرق جمعهم وبعدما انتقل عنهم وتوفي تجمعوا فيها أكثر من ذي قبل، فدعى ذلك سبطه الآغا محمد علي بن الوحيد البهبهاني، إلى أن ينزل بها لدفعهم أو كسر سورتهم ومواقف سبطه هذا مع الصوفية مشهورة.
قال السيد البروجردي: وأما محلّ إقامة السيد، فالذي عُلم عن المصادر السابقة أنه بعدما ولد باصبهان، وأقام بها ما شاء الله، سافر إلى النجف وأقام بها في كثير من عمره، أو أكثره بحيث كان يُوصف بالأصفهاني النجفيّ، أو بالأصبهاني مولداً والنجفيّ مسكناً، بل تقدم ـ عن حفيده السيد جواد رحمه الله، أن ميلاده كان بأصبهان وموطنه النجف إلى آخر ما قال.
وأمّا بالنسبة إلى محل وفاته فقد جاء في بعض تلك المصادر أنّه توفي بكرمانشاه راجعاً من العراق فأودع جثمانه الطاهر هناك ريثما يتمّ دفنه بالعتبات المقدسة، إلا أن أهالي بروجرد عندما سمعوا هذا الحادث الجلل، توجّه جمع منهم إلى كرمانشاه فنقلوه إلى بلدهم بروجرد، وله مزار معروف هناك، شَيّد السيد البروجردي عليه بناءً فخماً من موقوفات آل الطباطبائي.
لكنّ السيد البروجردي اظهر الشك والتردد في موت السيد ببلدة كرمانشاه في بحث طويل رجّح أخيراً أنّه بعد أن أقام بها راجعاً عن النجف مدة ثم هاجر إلى موطنه بروجرد في آخر حياته فتوفي هناك علماً بأنّه ـ كما قلنا ـ مدفون ببروجرد كما تواتر خبره بين الأسرة خلفاً عن سلف.
وأمّا تاريخ ولادته ووفاته ومبلغ عمره فلا يعلم بالضبط وقد بحث حوله السيد في الرسالة فانتهى إلى أنه لا يبعد أن تكون ولادته في الخُمس الأخير من القرن الحادي عشر الهجري [أي بين عام 1080 وعام 1100] ووفاته في العشر السادس من القرن الثاني عشر [أي بين 1150 و1160] وأنه عاش في طبقة محمد أكمل والد الوحيد البهبهاني، والسيد صدر الدين شارح الوافي، والسيد نعمة الله الجزائري([251])، ولم يستبعد حضور السيد محمد درس خاله العلامة المجلسي كما جاء في بعض المصادر.
وأما مقدرته العلمية فقال السيد: قد تحقق لنا من ملاحظة مصنفاته أنه كان فقيهاً، أصولياً، متكلماً، أديباً مطلعاً على الفنون العقلية والنقلية واقفاً على أقوال العامة والخاصة ورواياتهما في الفقه، والكلام، مستنبطاً للاحكام عن أدلّتها، مستخرجاً لفروع المسائل عن أصولها. وقد حكى الأستاذ عن كتاب الروضات أنه أحد الشيوخ الثلاثة لمولانا الوحيد البهبهاني ثم أيّد هذا القول بمساعدة الطبقة ووجود القرابة بينهما نسباً وسبباً مع وحدة الموطن والمقام.
وأمّا آثاره العلمية ومؤلّفاته فقد ذكرها السيد وذكر أبوابها وفصولها وتاريخ تأليفها ونوجزها فيما يأتي:
1 ـ رسالة في الإيمان والإسلام والكفر، فرغ منها في شهر رمضان عام 1126هـ.
2 ـ رسالة في مولد النبيّ والأئمة صلوات الله عليهم ووفياتهم، فرغ منها في شهر شوال عام 1126هـ.
3 ـ رسالة في الزيارات، فرغ منها في أواخر شهر رمضان عام 1140هـ.
4 ـ رسالة في تفسير قوله تعالى: {وإذا ابتلى إبراهيم… بكلمات} بلا تاريخ.
5 ـ شرح المفاتيح للفيض الكاشاني، لم يره، بلا تاريخ.
6 ـ رسالة في صوم يوم عاشورا، لم يقف عليها الأستاذ.
هذا ما ذكره السيد في رسالته، ولكن السيد محمد باقر الطباطبائي المعروف بالسلطاني ـ وهو من المدرسين الكبار بقم، ومن نفس الأسرة وكبيرها في الوقت الحاضر ويتلاقى نسبه كما حدّثني هو مع السيد البروجردي في السيّد جواد الجد الثالث للسيد ـ قد طبع بالأفست مجموعة من رسائل جده عام 1364هـ وسمّاه بـ (مجمع الفوائد)، فيها بعض المذكورات: كرسالة الإيمان، ورسالة مواليد النبيّ والأئمة، وفيها رسائل أخرى سوى المذكورات حول تفسير بعض الآيات، ومن جملتها رسالة سهو النبيّ، ورسالة عدد أيام شهر رمضان، وفي آخرها رسالة في الرضا كبيرة.
العلاقة بين أسرة الطباطبائي وأسرة المجلسي
وأما الحديث عن نسبة السيد محمد الطباطبائي وأسرته إلى المجلسيين فالآراء فيها مختلفة، فظاهر كلام السيد عبد الله بن السيد نور الدين بن السيد نعمة الله الجزائري (1114 ـ 1173) في اجازته الكبيرة المؤرخة بـ 2 ج2 عام 1168هـ، أن السيد ابن أخت المولى محمد باقر المجلسي، وأن أمه كانت بنت المولى محمد تقي المجلسي، وبه صرح صاحب الروضات([252])، وحكاه الأستاذ الدواني في كتابه([253]) عن السيد، قاله له مشافهة، لكن الذي وصل إليه السيد في رسالته بعد بحث طويل، استناداً إلى ما وجده في شتات مؤلَّفات جده السيد محمد (حيث يصرح فيها بأن التقي المجلسي جده، والباقر المجلسي خاله، وكذلك يصرح بأن المولى صالح المازندراني صهر المجلسي الأب كان جده وزوجته آمنة بيگم بنت المجلسي الأب، وأخت المجلسي الثاني كانت جدّته، وقد سرد نصوصاً من كلامه) هو أن أم السيد محمد كانت ابنة المولى صالح وإن لم تذكر هذه في جملة أولاده، وأن السيد الجزائري ومن بعده لم يقفوا على مؤلفات السيد محمد. وعليه فالمجلسي الأول كان جد أمه والمجلسي الثاني كان خالها. ومن هنا جاء التعبير عنهما بالجد والخال في كلام جماعة من هذه الأسرة، ومن يتصل بهم نسباً وسبباً، وكان السيد أيضاً يعبر عنهما بالجد والخال على أن هناك أسباباً أخرى لهذين التعبيرين، من أجل مزاوجات كثيرة اتفقت في الأسرة. تعرض لها السيد في الرسالة في فصل خاص([254]).
منها: أن أبا المعالي الكبير الطباطبائي ـ وهو ابن السيد مراد وأخ السيد عبد الكريم، وعم السيد محمد الطباطبائي، والجد الأعلى للسيد على صاحب الرياض والسادة الطباطبائيين القاطنين بكربلاء ـ كان صهراً لملا صالح المازندراني ـ وهو صهر المجلسي الأول ـ على ابنته الأخرى من آمنة، خلف منها الأمير أبا طالب ـ وهو أبو المعالي الصغير ـ وهذا أيضاً بدوره خلف بنتاً كانت تحت السيد محمد الطباطبائي ـ وهي أم السيد مرتضى، الجدّ الرابع للسيدة. وقد خلف هذا منها بنتاً واحدة كانت تحت العلامة الوحيد البهبهاني.
ومنها: أن الأمير أبا طالب كان صهراً لآغا رضيّ بن عبدالله، بن المولى محمد تقي المجلسي وخلف منها بنتاً كانت تحت السيد محمد الطباطبائي كما مرّ آنفاً. فالمجلسي الأول، جد للسادة الطباطبائيين في بروجرد من ناحية الأم مرتين كما أن المجلسي الثاني خالهم كذلك من ناحيتين.
وقد بحث السيد في الرسالة بحثاً مستوفياً عن الأسر المّتصلة بأسرته بالمصاهرة، وذكر ما وقع بينها من المزاوجات لاسيّما بين فرع الطباطبائي ببروجرد، وفرع كربلاء والنجف، وبين (آل آغا)، وقال في آخر كلامه في هذا الفصل: «بل هذه البيوت الثلاثة كانت كبيت واحد لكثرة ما وقع بينها من المزاوجات».
أعقاب السيّد محمد الطباطبائي
خلّف السيد أربعة أولاد، هم: السيد مرتضى ـ وهو الجدّ الرابع للسيد البروجردي ـ والسّد رضيّ، والسيد رضا والسيد علي، وبنتاً واحدة هي عقيلة تلميذه المحقق آغا محمد باقر الأصفهاني المعروف بـ (الوحيد البهبهاني) كما عن كتاب روضات الجنات، وهي والدة العالم الجليل آغا محمد علي الكرمانشاهي، الجد الأعلى لأسرة (آل آغا) وكان جميع وُلد السيد محمد من العلماء، أصحاب الجاه والسطوة ولهم باع في التأليف يمكنك الوقوف عليها في رسالة السيد وغيرها.
كان السيد مرتضى يسكن النجف في البداية ثمّ توجه تلقاء كربلاء، حيث يسكنها بنو أعمامه الطباطبائيون فرع كربلاء، وفيها توفي عام 1204هـ، وصلى عليه ابنه بحر العلوم، ودُفن في رواق الإمام الحسين (ع)، عند أقدام الإمام حيث يثوي السيد علي صاحب الرياض، والعلامة الوحيد البهبهاني، وكان اسمه منقوشاً على الصندوق مع اسمهما، بيد أنه إنمحى بعد ذلك حيث بدل آل صاحب الرياض الصندوق، فأمر السيد البروجردي بنقشه ثانية.
وخلف السيد مرتضى ابنين: أحدهما السيد جواد، وهو الجد الثالث للسيد البروجردي، وثانيهما، بحر العلوم السيد مهدي.
أمّا السيّد رضيّ والسيد رضا فقد كانا يسكنان في بروجرد فماتا فيها ودُفنا مع والدهما السيد محمد ولهما أعقاب. وأما السيد علي فقد انتقل إلى يزد بطلب من أهاليها وكانت له حوزة علمية وطلاب هناك ووافاه الأجل فدفن فيها وله قبر يزار وعقب كثير.
بحر العلوم
أما السيد مهدي الطباطبائي المعروف بـ (بحر العلوم) فهو ـ كما قلنا ـ نجل السيد مرتضى حفيد السيد محمد، والعمّ الأكبر للسيد البروجردي وأُسرته، وقد عبر عنه السيد في الرسالة بـ (عمّنا) وقد ذاع صيته في الآفاق، فامتلأت الكتب بفضائله ومناقبه، وتنورت القلوب بها، فهو غني عن التعريف.
وُلد بحر العلوم في كربلاء سنة 1155هـ، وتتلمذ عند أعاظمها أمثال الشيخ يوسف البحراني، صاحب كتاب (الحدائق)، والشيخ مهدي الفتوني، والشيخ محمد تقي الدورقي، وحضر أخيراً عند زوج عمته الوحيد البهبهاني، وبلغ درجة عالية من العلم والعمل، وحاز الكمالات النفسية ومكارم الأخلاق أوجهاً، وكان أحد النجوم المتألقة في عالم التشيع بعد الوحيد البهبهاني. سافر إلى مدينة مشهد المقدسة لزيارة الإمام الرضا (ع) سنة 1186هـ على أثر الطاعون الذي انتشر في كربلاء، فالتقى هناك الميرزا مهدي الخراساني الشهيد، جدّ السادة آل الشهيد في مشهد، وأحد التلامذة البارزين للوحيد البهبهاني، فأطلق عليه هذا العالم لقب (بحر العلوم) لغزارة علمه.
لا زالت أسرة بحر العلوم من الأسر العلمية المحترمة والمعزّزة في النجف الأشرف، وغيرها من الحواضر. إن كريمة السيد بحر العلوم هي عقيلة السيد محمد المجاهد نجل السيد على صاحب كتاب (رياض المسائل) وعن هذا الطريق اتصلت أسرة الطباطبائي القاطنة بكربلاء بهذه الأسرة فرع بروجرد، وهذا بعدما كان بين الفرعين علاقة قديمة نسباً وسبباً.
توفي بحر العلوم سنة 1212هـ، بالنجف الأشرف ودفن إلى جوار قبر الشيخ الطوسي وله مزار معروف، وللسيد كلام طويل في رسالته حول آل بحر العلوم نقلاً عن كتاب أرسله إليه بعض آل بحر العلوم من النجف.
محمد واعظ زاده الخراساني
آل طعمة
تعتبر عشيرة (آل طعمة) أقدم العشائر العربية في كربلاء ولها قصب السبق في تأسيس مدينة كربلاء. فقد خدمت قبر الإمام الحسين بن علي وقبر أخيه العباس (ع)، وشغل أفرادها منصب سدانة الروضتين الحسينية والعباسية ونقابة الأشراف منذ أكثر من ألف عام. كما برز فيها العديد من الحكام والمتولين والعلماء والشعراء والخطباء وأهل الفضل ورجال السياسة ممن دونت تراجمهم في كثير من المراجع التاريخية المطبوعة والمخطوطة.
استوطن جدها الأعلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (ع) مدينة كربلاء سنة 248 هجرية، وهو أول علوي هاجر من الحجاز قاصداً الكوفة وآثر الاستيطان بكربلاء بجوار جده الإمام الحسين بن علي (ع) وهو الجد الأقدم لسادات (آل فائز).
واشتهر من آل فائز في كربلاء كثير من الشخصيات وآثارهم في (شفاثه) عين التمر لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، ويرجع تاريخها إلى القرن الثامن الهجري([255])، وذلك على عهد جده السيد أحمد أبو هاشم بن محمد أبي الفائز الذي كان ناظراً لعين التمر معقباً السلطان أحمد الجلائري عند غزوه شفاثا وذلك في سنة 789 هجرية. ومن المصادر القديمة التي دونت تاريخ آل فائز كتاب (الأصيلي) لمحمد بن علي المعروف بابن الطقطقي (660 ـ 709هـ)، وكتاب (عمدة الطالب في أنساب آل آبي طالب) للسيد أحمد بن مهنا الداوودي، وكتاب (غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار) المنسوب لابن زهرة نقيب حلب، وكتاب (تحفة الأزهار وزلال الأنهار) لضامن بن شدقم، وكتاب (مناهل الضرب في أنساب العرب) للسيد جعفر الأعرجي الكاظمي وغيرها من عشرات الكتب التاريخية المطبوعة والمخطوطة قديمها وحديثها.
وقد سميت هذه الأسرة باسم جدها السيد طعمة (الثالث) بن علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين بن طعمة كمال الدين (الأول) من سلالة آل فائز الموسوي وهو صاحب المقاطعة المعروفة بـ (فدان السادة) التي أوقفها على أولاده الذكور سنة 1025هـ وقد تعاقب أحفاده على استلام النقابة أباً عن جد. وتفرعت من آل طعمة خمسة فروع هي: آل السيد وهاب، آل السيد مصطفى، آل السيد درويش، آل السيد محمد، وآل السيد جواد.
ونحن هنا نذكر على سبيل المثال بعضاً من مشاهير من تولى نقابة أشراف كربلاء وسدانة الروضتين الحسينية والعباسية وحكومة كربلاء، وهم:
1 ـ السد خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) بن علم الدين الفائزي الموسوي الحائري، كان نقيباً للأشراف سنة 1110هـ.
2 ـ السيد يحيى بن خليفة آل طعمة، تولى النقابة بعد سنة1109هـ.
3 ـ السيد نعمة الله بن السيد يحيى بن خليفة آل طعمة، تولى النقابة بعد سنة 1109هـ.
4 ـ السيد عباس بن نعمة الله بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) بن علم الدين، ورث النقابة عن آبائه في عام 1168هـ.
5 ـ السيد محمد علي بن السيد عباس بن نعمة الله آل طعمة، تولى سدانة الروضة الحسينية (1218 ـ 1239هـ)، وله مواقف مشهورة في الذب عن كرامة كربلاء وحماية أهلها والذود عن زائريها يوم كانت مسرحاً لغارات الغزاة الوهابيين عام 1216هـ، ثم اعتزل السدانة وعين متولياً لقصبة كربلاء حتى وفاته.
6 ـ السيد عبد الوهاب بن السيد محمد علي آل طعمة، تولى نقابة الأشراف وسدانة الروضتين الحسينية والعباسية وحكومة كربلاء. ومن الأحداث التي حدثت في عهده واقعتا (المناخور) عام 1241هـ و(نجيب باشا) عام 1258هـ، حيث هب الكربلائيون بزعامته لصد هجمات العثمانيين فتمكنوا من ردهم.
وفي بداية عام 1259هـ انتقلت سدانة الروضة الحسينية إلى آل كمونة، حيث تولى زمامها الحاج مهدي كمونة من عام (1259 ـ 1272هـ) وأعقبه شقيقه الميرزا حسن كمونة (1272 ـ 1292هـ)، ثم أعيدت للسادة آل طعمة ثانية.
7 ـ السيد جواد بن السيد حسن بن سليمان بن درويش بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) تسلم سدانة الروضة الحسينية منذ عام (1293 ـ 1309هـ).
8- السيد علي بن السيد جواد بن السيد حسن آل طعمة: تولى السدانة بعد وفاة والده وذلك عام (1309 ـ 1318هـ) وكان زاهداً تقياً ورعاً يطعم الفقراء والمعوزين وله مبرات كثيرة منها بناء بعض القناطر على نهر الحسينية، توفي سنة 1318هـ، ودفن في مقبرة خاصة له في الحضرة العباسية، ورثاه الشعراء. وأعقب ستة أولاد ذكور هم السادة: عبد الحسين وعبد الرضا ومهدي والدكتور عبد الجواد ومصطفى ومحمود.
9 ـ السيد عبد الحسين بن السيد علي بن السيد جواد آل طعمة: تولى السدانة بعد وفاة والده وذلك عام 1318هـ، حتى عام 1349هـ، وهو من أبرز الشخصيات التي أنجبتها هذه الأسرة، أسس مكتبة ضخمة وترك آثاراً مخطوطة ومطبوعة وفي مقدمتها كتاب (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء) الذي حققه حفيده السيد عادل عبد الصالح الكليدار.
ولما أراد الانصراف إلى المطالعة، فقد تنازل عن السدانة إلى ولده الأكبر السيد عبد الصالح آل طعمة إلى أن وافاه الأجل في يوم الأحد 13 شوال سنة 1380هـ. ودفن في مقبرة خاصة له في الروضة الحسينية عند باب الرجاء.
السيد عبد الصالح بن السيد عبد الحسين آل طعمة: تولى السدانة عام 1349هـ، (5 مارس 1931م)، وقد سار على الطريق الذي اختطها والده.
وممن تولى سدانة الروضة العباسية من أسرة آل طعمة:
1 ـ السيد عبد الوهاب بن محمد علي المار ذكره تسلم السدانة عام 1243هـ. وأعقب ولدين هما: السيد عبد الرزاق والسيد محمد علي.
2 ـ السيد محمد بن جعفر بن مصطفى بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) تسلم السدانة عام 1250هـ. وأعقب ولدين هما: الخطيب السيد محمد علي والسيد أحمد.
3 ـ الخطيب السيد محمد مهدي بن السيد محمد كاظم بن حسين بن درويش بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) تسلم السدانة عام 1297هـ 1298.
ومن البارزين منهم في هذا العصر الدكتور السيد سلمان الشاعر والمؤرخ الذي عني بتراث كربلاء وتاريخها فألف في ذلك عدة مؤلفات.
آل نعيم
آل نعيم: أسرة كوفية، معظم رجالها المشهورين من رواة الحديث. تنتسب إلى نُعيم الأزدي الغامدي، من قبيلة بني غامد التي هي فخذ من قبيلة الأزد، اشتهر منها:
1 و2 ـ عبد السلام بن عبد الرحمن بن نُعيم وأخوه شديد بن عبد الرحمن، كانا من أصحاب الإمام جعفر الصادق (ع) (80 أو 83 ـ 148هـ/699 أو 702 ـ 765م) ومن رواة الحديث.
3 ـ بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن نُعيم، أبرز أفراد هذه الأسرة. عمّر طويلاً وأدرك الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم (عليهما السلام) (128 ـ 183هـ/746 ـ 799م)، والإمام الرضا (ع) (148 أو 151 ـ 203هـ/765 أو 768 ـ 818م). ويعد بكر من الرواة الثقاة. كان له كتاب روى عنه بعض المحدّثين أمثال أحمد بن إسحاق وأحمد بن محمد. وبكر بن محمد هو أحد رواة أحاديث كتب الكافي والتهذيب والاستبصار.
4 ـ المثنى بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم، من أصحاب الإمام الصادق (ع). روى عنه أحاديث كثيرة في كتب الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار. وكان للمثنى كتاب في الحديث، روى عنه قاسم بن إسماعيل.
5 ـ جعفر بن المثنى بن عبد السلام، ثقة ومن وجوه الرواة ينسب إليه كتاب النوادر، ويروي عنه قاسم بن محمد بن الحسين بن حازم.
6 ـ غنيمة، أو غيثمة، بنت عبد الرحمن بن نعيم، روت عن الإمامين الصادق والكاظم (ع).
آل يقطين
آل يقطين، أسرة علمية وسياسية في القرن 2هـ/8م، اشهر رجالها إثنان هما:
1 ـ أبو الحسن يقطين بن موسى البغدادي (تـ 186هـ/802م)، كان محدّثاً ومن رجال الخلافة العباسية. ولد في الكوفة وعاش فيها، وفي عهد مروان الحمار كان من العاملين لتقويض الدولة الأموية، فأمر مروان بالقبض عليه ولكنه استطاع النجاة واللجوء إلى المدينة. ولما سجن مروان إبراهيم الإمام (تـ 131هـ/748م)، فكّر أتباعه فيمن يولون من بعده إنْ قتل. فذهب يقطين بهيئة تاجر إلى الخليفة ليأذن له بمقابلة إبراهيم مدّعياً أن إبراهيم مدين له ويريد مطالبته بالمال، فوافق الخليفة على ذلك. وعندما قابل يقطين إبراهيم قال له رامزاً يا عدوّ الله إلى من أوصيت بعدك أستوفى مالي منه؟ فقال له: إلى ابن الحارثيَّة (يعني أخاه السفّاح)؛ وهكذا أخذ يقطين الرسالة. وبايع دعاة بني العباس بعد مقتل إبراهيم، أبا العباس السفاح. وحظي يقطين بمقام رفيع لدى اثنين من أوائل الخلفاء العباسيين (أبو العباس السفاح: 104 ـ 136هـ/722 ـ 753م وأبو جعفر المنصور: 95 ـ 158هـ/713 ـ 744م). وقد كان يكن الولاء سرّاً للإمام جعفر الصادق عيه السلام، (80 أو 83 ـ 148هـ/699 أو 702 ـ 765م)، ويحمل حقوق الأموال إليه. لكن الوشاة وشوا به لدى كل من المنصور والمهدي فصرف الله عنه كيدهما، وتوفي يقطين ببغداد.
2 ـ علي بن يقطين (124 ـ 182هـ/742 ـ 798م)، كان محدّثاً وفقيهاً ومتكلماً ومن كبار رجالات الشيعة. ولد بالكوفة وهاجر مع والده إلى المدينة، ثم انتقل منها إلى بغداد. اشتغل في البداية ببيع الأبزار وهي التوابل، ثم وجد طريقه إلى جهاز الخلافة العباسية وكان من العاملين عند المهدي العباسي ومن المقرّبين إلى الخليفة هارون الرشيد ولا يشكّ في تشيّعه، ولكنه كان يخفي عقيدته كأبيه عن العباسيين. وكان على صلة وثيقة بالإمام موسى الكاظم (ع)، وله منزلة عظيمة عنده. بقي عاملاً في جهاز الخلافة العباسية بتوصية الإمام الكاظم (ع) لكي يدافع عن المظلومين ويعين الشيعة كما كان أبوه في عهد الإمام الصادق (ع). ولهذا وشيَ به مراراً لدى هارون متّهماً بمذهبه وارتباطه بالإمام الكاظم (ع) ولم يلحق به أي أذى.
وهو من الرواة الثقاة فقد نقل حديثاً واحداً من الإمام الصادق (ع) وأحاديث كثيرة عن الإمام الكاظم (ع) وروى عنه رواة عديدون: وتنسب له عدة كتب. وتوفي ببغداد في الفترة التي كان فيها الإمام الكاظم سجيناً.
أما خزيمة ويعقوب وعبيد فهم أولاد يقطين الثلاثة الآخرون، وكانوا من رواة الحديث ومن أصحاب الإمام الكاظم (ع).
آلس
هو النهر المعروف اليوم في تركيا (الأناضول) باسم (قزل أبرماق) ويمر قريباً من مدينة (سيواس) إلى أن يصب في البحر الأسود. ويبلغ طوله 1182 كلم، وقد أقيمت عليه أو على فروعه سدود لإنتاج الطاقة الكهربائية.
ورد ذكره كثيراً خلال معارك العرب والروم، فمن ذلك قول أبي تمام مشيراً إلى التوغل في بلاد الروم:
فإن يك نصرانيــاً النــــهر آلس فقد وجدوا وادي عقرقس مسلما
وفي حروب سيف الدولة الحمداني سنة 950م، أوغل في بلاد الروم، وعبر نهر آلس واصلاً إلى خرشنة وصارخة والمرج ثم بطن اللقان، ظافراً موفقاً. ولكن في طريق العودة قطع الروم عليه الطريق فلقي المتاعب التي لم يتخلص منها إلا بالجهد، وكان المتنبي يصحب سيف الدولة في هذه المعارك فما قاله وهو يقصد الخيل:
| يذري اللقان غباراً في مناخرها | وفي حناجرها من آلس جرع |
كما ذكر آلس أبو فراس الحمداني في إحدى رومياته:
| وما كنت أخشى أن أبيت وبيننا | خليجان والدرب الأصم وآلس |
كما ورد ذكره في شعر المعري:
| بنات الخيل تعرفها دلوك | وصارخة وآلس واللقان |
وقال عبدالله بن الخفاجي في ناصر الدولة الحمداني:
| طلعت عليهم بالسيوف كأنها | ضرائب مما كسرت في الضرائب | |
| بقية آثار (اللقان) و(آلس) | وفضلة أيام الحمى والذئاب |
وآلس كذلك اسم سهل وتل قريبان من مجرى النهر.
آمد
هي مدينة ديار بكر اليوم تقع في سهل الضفة الغربية المرتفع لوادي دجلة الأعلى في تركيا، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 650م. وقد ورد ذكرها في شعر عمرو بن مالك التزيديي شاعر قبيلة بني تزيد التي نزلت في الجاهلية في تلك النواحي، فقال الشاعر:
| وليلتنا بآمد لم ننمها | كليلتنا بميافارقينا |
وقد يطلق عليها اسم (قره رمد) لسواد أحجار أبنيتها. أما اسم (ديار بكر) فهو منسوب إلى بكر بن وائل، وهي وديار ربيعة وديار مضر أسماء ثلاث مناطق سميت جميعها (الجزيرة) لإحاطة نهري دجلة والفرات بها، ونسبة المنطقتين الأخريين إلى مضر ربيعة هي كنسبة الأولى إلى بكر، لأن ثلاث قبائل عربية نزلتها في القديم.
ولا يعرف على التحقيق تاريخ بناء آمد، ولكنها قديمة فقد عثر بالقرب منها على عمود أثري لملك بابل (نارام سين) الذين يعود إلى 2300 ق.م. وربما كان بناء قسم من حصنها يعود إلى القرن الرابع ق.م.
وفي سنة 20هـ (640م)، وصلتها القوات الإسلامية بقيادة عياض بن غنم بعد فتحها الجزيرة، وصالح أهاليها بعد قتالهم على شرط أن يبقى المعبد وما حولها بأيديهم على أن لا يبنوا أي كنيسة جديدة، وأن يساعدوا المسلمين ويعمروا الجسور ويصلحوها.
ونقل أن آمد تعتبر قفلاً لديار بكر.
وفي القرن الثالث الهجري تمرد عيسى ابن الشيخ الشيباني من قبيلة بكر وأسس أول حكومة إسلامية مستقلة في تلك المنطقة باسم (الشيخين). وبعد وفاة أحمد بن عيسى استطاع الخليفة المعتضد دخول آمد (286هـ/899م). وخضعت آمد مدة لحكم عضد الدولة البويهي. وحاصرها الروم مراراً في عهد سيف الدولة الحمداني ولكنهم لم يتمكنوا من فتحها، وأشار المتنبي إلى ذلك:
| عصفن بهم يوم اللُّقان وسقنهم | بهرنيط حتى أبيض بالسبي آمد |
وفي 443هـ(1042م)، حكمها طغرل السلجوقي ومن بعده في 464هـ (1071م) ألب آرسلان وفيها ولد تتش بن آلب آرسلان.
وفي هذه الفترة كان يتناوبها السلاجقة والبيزنطيون. وفي سنة 579هـ(1183م) هاجم أهالي آمد الإسماعيليين في تلك المنطقة وقتلوا منهم حوالى 700.
وفي سنة 627هـ(1229م)، وصل جلال الدين خوارزمشاه إلى آمد أثناء هروبه من المغول الذين كانوا يطاردونه، ولكنه لم يجد ملجأ له، وقتل في إحدى قرى تلك المنطقة غيلة.
ووصل هولاكو إلى ديار بكر سنة 657هـ (1259م)، وأرسل الملك الصالح لاحتلال آمد. ثم خضعت هذه المدينة للأرتقيين في ماردين. وفي جمادى الآخرة سنة 796هـ (1394م)، فتح تيمور لنك آمد. وأمّر تيمور 802هـ(1400م)، قره عثمان الآق قويونلو عليها وولى تلك العائلة ديار بكر وأصبحت آمد منذ ذلك التاريخ ولمدة سبعين سنة عاصمة الآق قويونلو. وفي هذه المدينة تم زواج خديجة بيگم أخت أوزون حسن الآق قويونلو على الشيخ جنيد فأنجبت حيدر والد الشاه إسماعيل الصفوي، وبذلك تكون قد تكونت نواة الدولة الصفوية في هذه المدينة. وفي سنة 913هـ(1507م)، استولى الشاه إسماعيل عليها، ثم تداولها الصفويون والعثمانيون حتى معركة جالدران سنة 920هـ (1514م)، حيث استولى عليها العثمانيون واستقر اسمها (ديار بكر).
ويقول ياقوت الحموي عن آمد: «إنها أعظم مدن ديار بكر، وأجلّها قدراً، وأشرها ذكراً» وهي مدينة قديمة يسميها الأتراك آمد وقره آمد، أي آمد السوداء لاسوداد حجارتها، وذكرت كثيراً في الحروب بين الفرس والروم، ثم بين الروم والحمدانيين، ثم بين المسلمين والصليبيين.
ينسب إليها القاضي ناصح الدين أبو الفتح عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد التميمي الآمدي الذي جمع كتاب غرر الحكم ودرر الكلم من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) من الكلمات القصار الجارية مجرى الأمثال، ورتبه على حروف المعجم، فكان قريباً من حجم نهج البلاغة.
وقد طبع في مجموعة من آثار أمير المؤمنين نشرها (كنيليس فن وايتين) من ترجمة وشروح باللاتينية في أكسفورد سنة 1806م، ثم نشر على حدة سنة 1280هـ (1863م).
آمل
اسم منطقة ومدينة قديمة جداً في إيران. أما المنطقة فهي قضاء في محافظة مازندران تبلغ مساحتها 2803كلم2 وعدد سكانها 335610 نسمة حسب إحصاء سنة 1986م. يحده شمالاً بحر الخزر وشرقاً قضاء بابُل وجنوباً قضاء دماوند وشميران وغرباً قضاء نور. وهو ذو صيف حار رطب وشتاء معتدل في المناطق السهلية والأراضي المنخفضة التي لا يزيد ارتفاعها على 300م. وكلما ازداد الاتفاع تغير المناخ ومال من الاعتدال والرطوبة في السهول إلى البرودة والرطوبة التي في الغابات. على أنه لا توجد غابات في مرتفعات بلور التي تبلغ 2100م.
والنهر الوحيد المهم في قضاء آمل هو هزار الذي يمر وسط مدينة آمل حيث يصب عند سُرج رود في بحر الخزر. ويبلغ طول نهر هزار 150 كلم.
ويقسم قضاء آمل إلى ثلاثة أقسام: القسم المركزي وقاعدته مدينة آمل. وهزار وقاعدته مدينة محمود آباد. ولاريجان وقاعدته قرة گزنَك.
وأهم المحاصيل الزراعية في القضاء: الأرز والحمضيات والخضار. يعمل أهله لاسيما في لاريجان في تربية المواشي.
وأما المدينة فهي مركز القضاء المسمى باسمها تقع على بعد 18 كلم جنوب بحر الخزر و181 كلم شمال شرقي طهران، يبلغ ارتفاعها عن سطح بحر الخزر 108م، ويبلغ عدد سكانها بحسب إحصاء سنة 1986م (119190) نسمة.
وفي سنة 250هـ(864م) أسس الحسن بن زيد دولة شيعية زيدية في طبرستان كانت آمل عاصمة لها، واستطاع الحسن بن زيد تعميم الإسلام في طبرستان والديلم.
وبعد الطالبيين حكم آمل الزياريون والبويهيون وقد ازدهرت آمل في هذه الفترة. وفي سنة 426هـ (1035م)، هاجم مسعود الغزنوي مدينة آمل وألحق بها الخراب والدمار فصارت أطلالاً. وفي سنة 606هـ (1209م)، خطب في آمل باسم علاء الدين محمد خوارزمشاه واستمر ذلك حتى هجوم المغول سنة 616هـ (1219م)، فألحقوا بها أضراراً أكثر من غيرها، ولكنها عادت فازدهرت على عهد الإيلخانيين.
وحكم كيا أفراسياب المنطقة حتى سنة 760هـ ثم استولى عليها السادة المرعشيون واتخذوا من آمل عاصمة لدولة شيعية جعفرية. وفي 795هـ (1393م)، ارتكب تيمور مجزرة في آمل وساري وسائر المناطق الأخرى في مازندران ونفى سادات هذه المنطقة إلى ما وراء النهر، وعادوا في عهد ابنه شاهرخ ميرزا إلى آمل وأعادوا بناءها. وفي عهد الصفويين لاسيما في زمن الشاه عباس الأول، بدأ الاهتمام بمازندران فشق طريق من أسترآباد وساري إلى آمل، كما أقام الشاه عباس قصراً ومستودعاً للماء في آمل. وفي عهد نادرشاه وضعت أساس مصنع للحديد ولصناعة قنابل المدافع والهاونات. وفي العهد القاجاري شق طريق بين طهران وآمل ومد خط حديدي بين محمد آباد وآمل.
وبدى العمران في آمل في أواسط العقد الرابع من القرن العشرين فشقت فيها الشوارع الواسعة المحاذية لنهر هزار مع عدد من الشوارع الفرعية والمستشفيات والفنادق والدوائر الحكومية.
ومع أنها أنجبت الكثير من العلماء فقلما ينسبون إليها، بل ينسبون إلى طبرستان فيقال للواحد منهم الطبري تمييزاً لهم عن المنتسبين لآمل الأخرى التي يأتي ذكرها على أن هناك من ينسب إليها كالسيد حيدر الآملي، وأبي عبدالله أحمد الآملي وغيرهما. وقد نسب ياقوت الحموي أبا جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ الشهير إليها استناداً إلى بيتي أبي بكر الخوارزمي:
| بآمل مولدي وبنو جرير | فأخوالي ويحكي المرء خاله | |
| فها أنا رافضيٌّ عن تراث | وغيري رافضيٌّ عن كلاله |
وقد أخطأ في ذلك لأن محمد بن جرير الطبري إثنان، أحدهما محمد بن جرير بن غالب الطبري صاحب التاريخ والتفسير وهو من فقهاء الشافعية، وثانيهما محمد بن جرير بن رستم الطبري وهو من علماء الشيعة وصاحب كتاب المسترشد وكتاب الإيضاح، وهو خال أبي بكر الخوارزمي الذي أراده بشعره. وليس من المؤكد أن صاحب التفسير والتاريخ ينتمي إلى آمل وإن تأكد انتماء الثاني إليها.
وذكر ياقوت فيما ذكر: أن مما اشتهرت به آمل السجادات والبسط الحسان. ويقول المسعودي، إن الأديان الثلاثة: الإسلامية واليهودية والزردشتية كانت منتشرة في آمل.
وقد تكونت تربة آمل من ترسبات نهر بزرك هزار، وفيها آثار قديمة مبنية على ترسبات النهر المذكور. وقد كان هذا النهر يجري في القديم في بدة آمل نفسها، ومع الزمن فقد تحول مجراه وأخذ طريقه غربي البلدة.
وفي أطراف آمل قرى كثيرة زراعية. وهي غنية بالحديد والفحم الحجري مما استعمل في القديم. والجو في آمل حار جداً في الصيف لذلك يكثر ذهاب السكان إلى القرى الجبلية.
ومما لا يزال ماثلاً فيها من آثارها القديمة جسر ساساني يبلغ طوله 130 متراً في عرض ثلاثة أمتار، رممه الصفويون خلال حكمهم. وفيها ضريح ميرقوام الدين المرعشي، وضريح ناصر الحق، ومقبرة سه سيد ومقبرة شمس آل الرسول، وضريح إمام زادة إبراهيم. كما أن فيها مسجداً قديم العهد.
وهناك آمل ثانية كانت تقع في خراسان إلى الجنوب من بخارى على الضفة الغربية لنهر جيحون، ويقابلها على الضفة الشرقية مدينة فربر وهي التي ينسب إليها الفربري راوية البخاري، كانت في الماضي على ما يروي ياقوت تدعى: آمل الشط وآمل زم وآمل المفازة. كما يطلق عليها اسم: آمو وآموي وآموية. وإضافتها إلى المفازة إشارة إلى أنها تتصل بالمفازة الآخذة إلى مرو. وكانت هذه المدينة من ضحايا الاحتلال المغولي الذي قضى عليها، وقد أقيمت على أنقاضها مدينة حديثة هي جهارجوي التي تقع في جمهورية أوزبكستان.
وأغلب من ينسب من العلماء إلى آمل إنما ينسب إلى آمل هذه، لأن أغلب الذين خرجوا من آمل الأولى إنما ينسبون إلى طبرستان كما قلنا فيما تقدم.
آمودريا (جيحون)
هو نهر كبير في آسيا الوسطى يبلغ طوله 2540 كلم ينبع من سلسلة جبال هندوكوش وهضبة بامير، وبعد أن يمر في سهل تركستان يصب في بحر آرال، وقد عرفه الجغرافيون المسلمون باسم (جيحون)، كما سمي في اليونانية القديمة باسم (أُكسس). على أن اسم (جيحون) يرجع إلى العهد الساساني، وقد أهمل هذا الاسم منذ القرون الوسطى أي منذ الاجتياح المغولي واستبدل به اسم آمودريا.
ترفد هذا النهر عدة روافد تنبع من مرتفعات سلسلة جبال هندوكوش وهضبة بامير، وبعد أن يجري في وديان جبلية ضيقة متجهاً من الغرب إلى الشرق يطلق عليه اسم (وخان دريا) حيث يتابع جريانه نحو الشرق حتى يصل إلى حدود أفغانستان وما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي، ويلتقي هناك رافداً عن يمينه يدعى (بامير) ويتخذ من هذا الموضع اسم (پنج). ويشكل نهر (پنج) على طول مجراه الحدود بين أفغانستان وجمهوريتي تاجكستان وأوزبكستان وتصب فيه روافد عديدة من الجهة اليمنى منها (وخش) الذي يعرف باسم (قزل صو)، ويطلق عليه عند التقائه نهري (پنج) و(وخش) اسم آمودريا، ويبلغ طوله من هنا حتى مصبه في بحيرة آرال 1415 كلم كما يتلقى بعد ذلك عدة روافد.
آوه
قرية في منطقة آلموت تتبع ناحية معلم كلايه في محافظة قزوين على بعد 16 كيلو متر جنوب مدينة معلم كلايه في أعلى جبال سلسلة ألبرز.
وتقع آوه على الخط الجغرافي 21 دقيقة و36 درجة عرضاً و36 دقيقة و50 درجة طولاً، وترتفع عن سطح البحر 2230 متراً، وعدد سكانها حسب آخر إحصاء عام 1990م، حوالي ألف نسمة.
كانت آوه أحد المراكز الآمنة للعلويين الذين فروا من مظالم الحكم الأموي والعباسي، ولا يزال هناك بعض الأسر العلوية تقطن هذه القرية حتى اليوم وكانت ضمن إمارة الإسماعيليين أيام حكمهم لتلك المنطقة. وقد زارها كاتب هذه السطور منذ عهد قريب مع السيد حسن الأمين([256])، حين كان يجول لدراسة تاريخ الإسماعيليين في منشأ دولتهم.
من أهم محصولاتها الزراعية: الأرز والحنطة والشعير والحمص وهي عامرة البساتين وأكثر أشجارها شجر البندق والتفاح والكمثري ويعيش بعض سكانها على تربية المواشي ومن أهم صادراتها الحليب ومشتقاته من زبدة وجبن. ومن منتوجاتها اليدوية حياكة (البسط). ومن مظاهر الحضارة اليوم في هذه القرية الكهرباء والمدرسة والحمام والجامع.
عبد الحسين الصالحي
آية اللّه
لقب تفخيمي أطلق من جانب الشيعة في أوائل القرن الرابع عشر للهجرة على الفقهاء والمجتهدين من الدرجة الأولى والثانية الذين لهم صلاحيات الاجتهاد والفتوى والمرجعية.
وفي اللغة آية الله يعني علامة خارقة ويقال آية من آيات الجمال وآية من آيات الفن ويطلق اسم الآية على الآيات القرآنية لأن كلاً أو جزءاً منها يمثل الغاية القصوى للأدب والفصاحة والبلاغة.
وكلمة آية الله إشارة إلى مقام العلم والتقوى والاجتهاد والمرجعية، ويستفاد من نصوص التاريخ أن أول من لقب بآية الله من علماء الشيعة هو جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي المولود في رمضان سنة 648 هجرية والمتوفى في المحرم سنة 726هـ، ووصفه بذلك علماء الشيعة وغير الشيعة، منهم ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هجرية يقول: (… عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم وكان آية في الذكاء…)([257])، كما ورد لقب آية الله للحسن بن يوسف بن المطهر المعروف أيضاً بالعلامة الحلي في الإجازات التي كتبها الشيخ البهائي المتوفى سنة 1030 هجرية والمجلسي المتوفى سنة 1111 هجرية لتلامذتهم. ولقب العلامة الحلي بآية الله وذلك لعلمه الجم وتقواه وذكائه المفرط وخدماته العلمية المشهورة في التشيع([258]). ومما لا شك فيه أن لقب آية الله الذي اشتهر به العلماء الأكابر والمجتهدون الأعاظم ومراجع التقليد هو عنوان جديد ظهر في أوساط الشيعة من أوائل القرن الرابع عشر الهجري ـ كما تقدم ـ وخاصة بعد النضال لوقف معاهدة التنباك، ذاك النضال الذي تزعمه السيد محمد حسن الشيرازي المتوفى سنة 1312 هجرية وانتهى بانتصار الشعب الإيراني فاشتهر العلماء المناضلون بلقب آية الله وخاصة زعيم الحركة السيد محمد حسن الشيرازي الذي عرف بآية الله الشيرازي. ثم اشتهر علماء الثورة الدستورية المعروفة بالمشروطة بآية الله منهم الملا محمد كاظم الخراساني المتوفى سنة 1329 هجرية زعيم الحركة الذي عرف بآية الله الخراساني ثم اختص هذا اللقب بالسيد عبدالله البهبهاني والسيد محمد الطباطبائي من أبرز رجال المشروطة، ولما احتل الإنكليز العراق وحكموه نهض الشيخ محمد تقي الشيرازي المتوفى سنة 1338 هجرية وأصدر فتواه الخطيرة بوجوب الثورة على الإنكليز، تلك الفتوى التي أقامت العراق وأقعدته لما كان لها من الوقع العظيم في نفوس العراقيين فثاروا على الإنكليز، فاشتهر زعيم الثورة العراقية الكبرى بآية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي أو آية الله الشيرازي.
ثم اصبح لقب آية الله لقب كثير من العلماء الأعلام حتى الذين لم يخوضوا الثورات الشعبية وذهب بعض المحدثين والمؤرخين المعاصرين في أوائل القرن الرابع عشر الهجري إلى إطلاق لقب آية الله على العلماء الذين لم يشتهروا في عصرهم بآية الله ومنهم الشيخ حسين النوري المتوفى سنة 1320 هجرية والشيخ عباس القمّي، وعبر عن الشيخ مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1320 هجرية بآية الله([259])، وعندما تجدد نشاط الحوزة العلمية في قم على يد الشيخ عبد الكريم الحائري المتوفى سنة 1340 هجرية اشتهر مؤسس الحوزة في قم بآية الله الحائري ثم أصبح اللقب لكبار الفقهاء وكانت العادة جارية من العصور الغابرة عند الشيعة بذكر العلماء على حسب مراتبهم العلمية بألقاب التفخيم المختلفة فاشتهر أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي المتوفى سنة 328 هجرية صاحب كتاب الكافي بـ (ثقة الإسلام)، وحسب القول المعروف إن أول من لقب بـ (حجة الإسلام) هو الشيخ علي بن عبد العالي الكركي العاملي المتوفى سنة 940 هجرية، لقبه به الشاه طهماسب الصفوي على أنه اشتهر بلقب (المحقق) كما أطلقت في العصر الصفوي ألقاب عديدة على الفقهاء فاشتهروا بها، مثل صدر العلماء. وشيخ الإسلام والآخوند والآغا([260])، وملا باشي وصدر الصدور.
أصبح لقب آية الله في العصر الحاضر لقباً لجميع العلماء من الدرجة الأولى إلا أنه عندما انتهت المرجعية والرياسة الشيعية بلا نزاع إلى السيد حسين البروجردي المتوفى سنة 1380 هجرية اختص بلقب (آية الله العظمى)، ومن بعده أصبح لقباً للمجتهدين من الصف الأول، ومراجع التقليد الذين لهم رسالة عملية ويرجع إليهم عامة الناس. وفي العرف الشيعي اليوم يطلق لقب (ثقة الإسلام) على طلاب العلوم الدينية في المراحل الأولى، ثم يليه حجة الإسلام فيطلق على المدرسين والأفاضل من الطلاب، ثم يليه حجة الإسلام والمسلمين لقباً للفضلاء الذين انتهوا من درس الخارج، ثم يليه (آية الله) ويطلق على مدرسي (الخارج) وأصحاب الفتوى وإن لم يكن لهم رسالة عملية، ثم يليه آية الله العظمى وهو لقب لمراجع التقليد الذين لهم رسائل عملية وتقبلهم عامة الناس([261]).
عبد الحسين الصالحي
الآيات الباهرات لابن أمير الحاج
ابنُ أمير الحاج، هو أبو جعفر محمد بن الحسين الحسيني (تـ ح1183هـ/1769م)، عالم وأديب وشاعر نجفي، يصل نسبه إلى الإمام زين العابدين السجاد (ع)، عن طريق 22 واسطة لا تتوفر معلومات دقيقة عن محل ولادته وتاريخها وعن حياته، عدا ما قيل من أنه أقام في النجف الأشرف وتوفي فيها، كما لا نعرف شيئاً عن أساتذته وتلاميذه سوى أستاذ له يدعى السيد نصر الله بن الحسين الحائري المدرس.
نسبت لابن أمير الحاج عدة مؤلفات لم يُطبع منها سوى كتاب شرح الشافية لأبي فراس الذي ألّفه لأبي سعد عبدالله فخري زاده قاضي العراق. وقد شرع به في 1174هـ، وفرغ منه في 1183هـ، وطبع طبعات عديدة. ومن آثاره المخطوطة المعروفة: الآيات الباهرات في معجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الهداة (عليهم السلام) التي نظمها لأستاذه السيد نصرالله بن الحسين الحائري المدرّس، وأرجوزة في تاريخ المعصومين الأربعة عشر، وديوان في تواريخ أهل البيت (عليهم السلام)، نظمه بعد كتاب الآيات الباهرات في أواخر عمره عام 1177هـ؛ ينتهي بأرجوزة سلسلة نسب فخري زاده. مآثر آباء خاتم الأنبياء، يتحدث فيها عن أجداد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
آيات الأحكام
الموسوم بكتاب أحكام القرآن تأليف محمد بن السائب الكلبي من أصحاب الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق (ع)، والمتوفى سنة 146هـ، وهو والد هشام الكلبي النسابة المفسر الكبير.
وابن السائب أول من ألف في هذا الموضوع كما يظهر من تاريخه، لا الإمام الشافعي محمد بن إدريس المتوفى سنة 207هـ،ولا القاسم بن أصبغ البياني القرطبي المتوفى سنة 340هـ والمولود بعد وفاة الشافعي بثلاث وأربعين سنة لأنه ولد سنة 247هـ.
وهناك تسعة وعشرون كتاباً تحمل نفس الاسم (آيات الأحكام) لمؤلفين آخرين أشهرها كتاب الشيخ أحمد الجزائري النجفي المتوفى سنة 1151هـ، وهو أكثر ما كتب في الموضوع بسطاً وأكثرها نفعاً، طبع سنة 1327هـ.
آيتهاي سجده درقرآن
كتاب فارسي تأليف نور الدين نعمة الله بن عبدالله بن محمد بن عبدالله الشهير بشاه نعمة الله ولي ولد سنة 730 هجرية وتوفي سنة 832هـ، من أعاظم عرفاء الشيعة وأكابر مشاهير الصوفية، تبحث هذه الرسالة في آيات السجدة في القرآن الكريم وتفسيرها أوله بعد البسملة: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، سجدات تلاوت قرآن جهارده است…) من الكتاب نسخة مؤرخة 26 رجب سنة 846 هجرية من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور ونسخة ثانية مؤرخة شعبان سنة 966 هجرية من مخطوطات مكتبة دار الكتب المصرية في القاهرة لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الإمام الرازي، ولم يرد اسمه في موسوعته الخالدة الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
عبد الحسين الصالحي
آيين أكبري
اسم كتاب للشيخ أبي الفضل ابن الشيخ مبارك ابن الشيخ خضر اليماني الأصل الهندي الوطن. وهو مؤرخ وشاعر، وضع كتابه هذا باللغة الفارسية باسم الملك الهندي جلال الدين محمد أكبر. وكان أبو الفضل من أكابر دولته في الهند.
وهذا الكتاب في الحقيقة هو الجزء الثالث من كتاب (أكبر نامه، الذي ألفه الشيخ أبو الفضل في تاريخ محمد أكبر). طبع أكثر من مرة وترجم إلى الانكليزية مرتين. وله شرح بقلم نجف علي خان من كتّاب القرن التاسع عشر.
أبرشتويم
جبل ورد في شعر أبي تمام الطائي في موضعين. ويقع فيما يسمى بالبذ من أرض موقان من نواحي آذربيجان. قال أبو تمام في مدح محمد بن يوسف الثغري:
| وفي أبرشتويم وهضبتيها | طلعت على الخلافة بالسعود |
وقال فيه أيضاً:
| لدى سند بايا لا نهاب وارشق | وموقان والسمر اللدان يزعزع | |
| وأبرشتويم والكذاج وملتقى | سنابكها والخيل تردي وتمزع |
أبرشهر
يقول ابن حوقل في كتابه صورة الأرض: إن نيسابور تعرف بأبرشهر. وفي أبرشهر يقول أبو تمام الطائي:
| أيا سهري بليلة آبرشهر | ذممت إليَّ نوماً في سواها |
وفي رثاء طاهر بن عبدالله بن طاهر بن الحسين المدفون في أبرشهر يقول البحتري:
| ولله قبر في خراسان أدركت | نواحيه أقطار العلى والمآثر | |
| مقيم بأدنى أبرشهر وطوله | على قصر آفاق البلاد الظواهر |
وفيها يقول الشاعر وقد حذف الهمزة من أول الاسم:
| كفى حزناً أنا جميعاً ببلدة | ويجمعنا في أرض برشهر مشهد |
وتأتي التفاصيل في نيسابور.
أبرقوه
ويقال أحياناً: أبرقويه، كما يقال: برقوه: مدينة تقع على الطريق من شيراز إلى يزد، جنوبي غربي يزد، وجنوبي شرقي أصفهان، وشمالي شرقي شيراز. تبعد عن يزد 190 كلم وعن أصفهان 280 كلم، وعن شيراز 327 كلم. وتبعد عن تلاقي الطريق الأعظم طريق يزد بطريق شيراز أصفهان 56 كلم.
كانت مزدهرة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ثم بدأت تتراجع في أواخر هذا القرن، وزاد تراجعها بعد انقطاع القوافل التجارية عنها إثر اكتشاف البرتغاليين للطرق البحرية. وفي الحملات الأفغانية على إيران في أواخر القرن الثامن عشر تحطمت أبرقوه سنة 1722م، ثم عاودت النهوض حتى غدت اليوم مدينة صغيرة.
ومن آثارها الباقية إلى اليوم المسجد الجامع الذي يرقى إلى العهد السلجوقي، وفيه محراب مؤرخ سنة 738هـ، وقد وصفها الاصطخري قائلاً: بأن بها تلا عظيماً من الرماد يزعم أهلها أنه نار إبراهيم التي جعلت عليه برداً وسلاماً، كما أحيط هذا التل في الكتب الأخرى بأساطير أخرى.
وإلى أبرقوه ينسب الوزير أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي وقد ورد ذكر أبرقوه لموضعين آخرين هما: قرية على الطريق بين يزد ونيسابور، والثاني بليدة بنواحي أصفهان. ولا تعرفان اليوم.
الأبلّة
يرجع تاريخها إلى العهد الساساني بل أقدم من ذلك([262]). وهي على الفيض، ذات هواء حار. ولما ابتنى المسلمون البصرة مدينتهم الجديدة، جعلوها في الداخل عند طف البادية. وكانت الأبلة، عند فم نهر الأبلة من قبل الشمال في الجزيرة الكبرى، وبإزائها من نحو الجنوب البلدة المسماة شق عثمان (ويقال إن عثمان هذا حفيد سميه الخليفة الثالث) وكانت فوق فم نهر الأبلة وتجاهه في الجانب الشرقي من الفيض، مرحلة ينزل فيها من يعبر دجلة ويرد خوزستان. وكان يقال لهذا الموضع: عسكر أبي جعفر، أي عسكر الخليفة المنصور. وكانت الأبله في المئة الرابعة (العاشرة) بلدة كبيرة ذات مسجد جامع. وكان شق عثمان مثل ذلك. وهما على ما روى المقدسي عامرتان. وذكر ناصر خسرو، وقد زارها بعد ذلك بنصف قرن، أن قصور هاتين المدينتين وأسواقهما وجامعيهما في حال حسنة. ولكن المغول بعد ذلك بقرنين خربوا هذه الجهات. ولما كتب القزويني في المائة السابعة (الثالثة عشرة) قال: إن هذه المواضع قد آلت إلى الخراب. وبقي شق عثمان مشهوراً بسدرته العظيمة. وبعد ذلك بقرن وصف ابن بطوطه الأبله فقال: هي الآن قرية.
ويقول بعض الباحثين: أنها نهضت في العصر الحديث من حالتها هذه التي ألمت بها حين قامت البصرة الحديثة في موضعها القديم. ويرد الدكتور مصطفى جواد على ذلك بأنه لم يصل التحقيق إلى إثبات أنها البصرة الحديثة ومنها العشّار.
«وكان على ركن الأبلة في دجلة بين يدي نهرها، خور عظيم الخطر جسيم الضرر، وكانت أكثر السفن تغرق فيه». وعلى ما جاء في ابن حوقل: «احتالت له بعض نساء بني العباس ـ ذكرها بعضهم أنها زبيدة ـ بمراكب أوسقتها بالحجارة العظام وبلّعتها ذلك المكان فابتلعها، وقد توافت على مقدار فانسد المكان وزال الضرر.
ويقول النويري في كتابه (نهاية الدرب في فنون الأدب) «اتفق جوابو الأقطار أن مستنزهات الدنيا أربعة مواضع، وهي: صغد سمرقند، وشعب بوان، ونهر الأبلة، وغوطة دمشق. وقد رأيت أن أصف هذه المستنزهات بصفاتها التي شاهدتها ونقلت إليّ، وأخبارها التي عاينتها وأبهى ما ارتاحت النفوس إلى أزهارها النواضر، وصف رياض تاهت الأرض على السماء بأزهارها، وباهت أنوار الكواكب بنورها نوارها.
إلى أن يقول عن الأبلّة:
ومنها نهر الأبلة، الذي طوله أربع فراسخ، ورؤوس نخله على وجه الأرض شوارف، وأصولها في الثرى رواسخ، بجانبيه بساتين، إن هب النسيم بأغصانها تعانقت وتمايلت، وإن لعب بأفنانها تناظرت وتماثلت، كأنما غرست في يوم واحد شجراته، وقامت على خط الاستواء نخلاته، وفيه يقول التنوخي شاعر اليتيمة:
| وإذا نظرت إلى الأبلة خلتها | من جنة الفردوس حين تخيل | |
| كم منزل في نهرها آلى السرو | ربأنه في غيره لا ينزل | |
| فكأنما تلك القصور عرائس | والزهر وشي فهي فيه ترفل | |
| غنت قيان الطير في أرجائه | هزجاً يقل له الثقيل الأول | |
| وتعانقت تلك الغصون فأذكرت | يوم الوداع وغيرهم تترحل | |
| ربع الربيع بها فحاكت كفه | حللاً بها عقد الهموم تحلل | |
| فمدبّج وموشّح ومدنّر | ومعمّد ومحبّر ومهلّل | |
| فتخال ذا عيناً وذا ثغراً | وذا خداً يعضض تارة ويقبل |
أبهر
أبهر: بالفتح ثم السكون وفتح الهاء ويقال في اللهجة [أوهر] وعرفت بـ أبهر بعد الفتح الإسلامي وهي اليوم إحدى مدن محافظة زنجان، وتقع على بُعد 86 كلم غرب مدينة قزوين، و88 كلم شرق مدينة زنجان، وهي اليوم مركز قضاء يتبعه 117 قرية، وتبلغ مساحته 3300 كلم مربع، ومن أشهر المدن التابعة لها مدينة خدابنده، ومدينة سلطانية التي كانت في القرن الثامن للهجرة من أكبر العواصم العالمية ويبلغ عدد نفوس منطقة أبهر جميعها حسب آخر إحصاء سنة 1991م، (1411هـ) 223882 نسمة ونفوس مدينة أبهر وحدها 92795 نسمة هذا غير الأجانب المقيمين في المنطقة من الأفاغنة والأكراد والعرب الذين يبلغ عدد نفوسهم حدود 80000 نسمة موزعين في القرى والأرياف والمدن يعملون في الزراعة والمعامل الصغيرة والكبيرة، ونفوس المنطقة من الأجانب 303882 نسمة.
تقع مدينة أبهر على الخط الجغرافي 36 درجة و8 دقائق عرضاً، و49 درجة و13 دقيقة طولاً، وترتفع عن سطح البحر 1540 متراً ويجري في اوسط المقاطعة النهر المعروف باسم أبهر رود (أي نهر أبهر) وتقع أكثر القرى والمدن على ضفتيه في شمال وجنوب وادي بارور ويصب نهر أبهر رود في نهر خرود، بين خرود وضياء آباد وتاكستان التابعة لمدينة قزوين وكذلك يشق هذا النهر مدينة أبهر إلى شطرين.
تقع مدينة أبهر جنوب الطريق العام الذي يربط العاصمة طهران مع تبريز ثم تركيا وأوروبا، وكذلك يربط تبريز بروسيا. وهناك محطة القطار التي تربط طهران بتبريز ثم أوروبا عن طريق تركيا وروسيا في شمال شرقي مدينة أبهر. واللغة الأم للسكان المحليين هي التركية الآذرية، والغالبية يتكلمون الفارسية. وهناك روايات متضاربة عن مؤسس أبهر قيل: إنها بنيت على يد كيخسرو بن سياوش. ويقال: إن ذلك كان على يد شاهبور ذي الأكتاف والثاني أصح لأنه هو الذي بنى مدينة قزوين معسكراً له كما كانت أبهر أيضاً أحد معسكراته. وهناك قلاع عسكرية ساسانية آثارها باقية حتى اليوم، وكلمة أبهر مركبة من آب ومعناه الماء و”هر” يعني الرحا أي (ماء الرحا) وقيل (أم الشرايين) ففي ظهر الإنسان شريان متصل بالقلب يسمى أبهر، وأبهر تقع على طريق الحرير الشهير المعروف بالشريان التجاري الذي كان يربط أوروبا بالصين وقال العرب: أبهر أصله في اللغة من البهر وهو الغلبة. وهناك موضعان في أصفهان يعرفان باسم أبهر(منطقتان) الأولى: على الخط الجغرافي 32 درجة و39 دقيقة عرضاً، و51 درجة و44 دقيقة طولاً، وترتفع عن سطح البحر 1564 متراً. والثانية: 32 درجة و39 دقيقة عرضاً، و51 درجة و44 دقيقة طولاً وترتفع عن سطح البحر 1563 متراً نبغ منها علماء أعلام([263])، وهناك جبل بالحجاز يعرف باسم أبهر([264]) قال القتال الكلابي:
| فإنّا بنو أمين أختين حَلّتا | بيوتهما في نجوة فوق أبهرا |
فتحت أبهر قبل قزوين بقليل على يد البراء بن عازب في سنة 22 للهجرة، ويقال: سنة 24، قال ابن الأثير في حوادث سنة 22 هجرية: (لما سيّر المغيرة جريراً إلى همذان ففتحها سيّر البُراء بن عازب في جيش إلى قزوين، وأمره أن يسير إليها فإن فتحها غزا الديلم منها، وإنما كان مغزاهم قيل: من دستَبَى فسار البراء حتى أتى أبهر وهو حصن فقاتلوه ثم طلبوا الأمان فأمنهم وصالحهم)([265]).
وصف الجغرافيون في القرن الرابع الهجري أبهر: (بأنها مدينة صغيرة محصنة واقعة على مرتفعات بين زنجان وقزوين، ومسافة جدران قلعة أبهر 5500 قدم مبنية على الأسلوب المعماري الإيراني القديم وينسبونها إلى داريوش الكبير. وجاء ذكر أبهر في كتاب حدود العالم وكتاب المسالك والممالك تحت عنوان أوهر([266]). ويتحدث أبو عبدالله محمد المقدسي المولود في سنة 336 هجرية والمتوفى سنة 380هـ، عن الضرائب في أبهر وقزوين فيقول: (والضرائب في هذا الإقليم غير كثيرة ولا ثقيلة إلا بأصبهان وأعمالها… وخراج قزوين، وأبهر، وزنجان ألف ألف وستمائة ألف وثمانية وعشرون ألف درهم…»([267]).
ويقول عبد الكريم السمعاني المتوفى سنة 562 هجرية عن أبهر: (الأبهري: بفتح الألف وسكون الباء المنقوطة بواحدة وفتح الهاء وفي آخرها الراء المهملة، هذه النسبة إلى موضعين أحدهما: إلى أبهر وهي بلدة بالقرب من زنجان خرج منها جماعة كثيرة من الفقهاء المالكية والمحدثين والصوفية والأدباء وفيهم كثرة… والثاني: منسوب إلى قرية من قرى أصبهان اسمها أبهر خرج منها جماعة من المحدثين منهم إبراهيم بن الحجاج الأبهري جد محمد بن يونس الأبهري الغزال…)([268]). ثم ذكر جمعاً كثيراً من علماء السنة والشيعة من الموضعين، ثم يصف لنا أبهر المؤرخ الشهير حمد الله المستوفي القزويني المتوفى حدود سنة 750 هجرية وهو الذي كان مستوفي الضرائب في أبهر في العهد المغولي بما هذا تعريبه: (… بنيت أبهر على يد كيخسرو بن سياوش الكياني وتقع في أبهر قلعة گلين التي بنيت بواسطة داراب بن داراب الكياني ثم أكملها وأتمها شقيقه اسكندر الرومي وأضاف إلى القلعة بهاء الدين حيدر من ذرية أتابك نوشتكين شيرگير السلجوقي قلعة ثانية حول القلعة الأولى التي نسبت إليه فسميت القلعة الحيدرية، ومسافة محيط القلعة المذكورة 5500 قدم. والجو في أبهر بارد وتنبع مياه نهر بيك بدءاً من الجبال المحيطة بمدينة السلطانية ويصب هذا النهر في ضواحي قزوين. والخيرات والفواكه هناك كثيرة ومن أجود الأنواع وأشهرها المشمش والكرز. والناس في أبهر ذوو ملامح بيضاء، وهم على المذهب الشافعي. ومن مزارات أبهر ضريح الشيخ أبي بكر بن طاهر الطيار الأبهري وتبلغ الضرائب سنوياً 14000 دينار)([269])، وأما اليعقوبي المتوفى سنة 284 هجرية فلم يتحدث كثيراً عن أبهر، واكتفى بذكر موقعها حيث يقول: (ومن أراد من الدينور إلى قزوين وزنجان خرج من الدينور إلى مدينة أبهر، وتشعبت به الطرق فإن قصد زنجان كان مسيره من أبهر إلى زنجان ثم سار إلى مدينة قزوين…)([270]). وقد فصّل البحث عن أبهر ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هجرية ثم ذكر عدداً كبيراً من علماء الفريقينن الذين نبغوا من أبهر. ويقول: (أبهر بالفتح ثم السكون وفتح الهاء والراء).
يجوز أن يكون أصله في اللغة من الأبهر وهو عجس القوس، أو من البهر وهو الغلبة قال عمر بن أبي ربيعة:
| ثم قالوا تحبها قلت بَهراً | عَدَدَ القَطر والحَصى والتُّراب |
وقال اتبهر فلان بفلانة أي اشتهر، قال الشاعر:
| تهيم حين تختلف العوالي | وما بي إن مدحتهم ابتهار |
وبهرة الوادي وسطه فأبهر اسم جبل بالحجاز… وأبهر أيضاً مدينة مشهورة بين قزوين وزنجان وهمذان من نواحي الجبل، والعجم يسمونها أوهر وقال بعض العجم: (معنى أبهر مركب من آب وهو الماء وهر وهي الرحا كأنه ماء الرحا…)([271])، ثم ذكر أسماء جمع كثير من العلماء وذكرها أيضاً صفي الدين البغدادي المتوفى سنة 739 هجرية في كتابه مراصد الاطلاع ج1، ص 21 من الطبعة المحققة المصرية وغيرهم من الجغرافيين المسلمين وغير المسلمين ما يطول بنا ذكر أسمائهم وأقوالهم، وكلها قريبة مما مر.
الأسر العلوية في أبهر
هاجر جمع غفير من العلويين الحسنيين والحسينيين إلى أبهر في القرنين الأول والثاني من الهجرة، واتخذوا هذه المدينة مسكناً لهم، ومنهم: بنو علي الشديد وقيل: السديد ابن الحسن بن زيد بن الحسن السبط ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، ومنهم: أحمد بن عبدالله بن علي الشديد الزعيم الرئيس ونقيب الطالبيين في أبهر، ومنهم: الفاضل الرئيس أبو علي محمد الأبهري بن عبدالله دردار بن أحمد بن عبدالله بن علي الشديد نقيب الطالبيين في أبهر، وأمه فاطمة بنت زيد بن عيسى زيدية حسينية وله ستة أولاد منهم زيد الزمن وهو جد السادات الأبهريين([272]). قال النسابة الشهير العمري المتوفى حدود سنة 459 هجرية في كتابه المجدي: (… وأما أحمد فمن ولده السبيعي، وهو أبو محمد القاسم، وأمه أم ولد يقال لها: مؤنس، وأبوه الحسين نقيب الكوفة ابن القاسم بن أحمد بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) ولأحمد ذيل طويل. والأبهريون منهم: الشريف الفاضل أبو الفتح ناصر بن أمير كيا الظاهر باليمن اليوم)([273]).
ومنهم: بنو أبي طالب محمد بن عيسى بن أبي زيد بن محمد بن عبدالله شاطورة بن محمد الشاطورة بن أحمد بن عبدالله بن علي الشديد نقيب العلويين في عصره في أبهر([274]). يقول ابن عنبة المتوفى سنة 828 هجرية في كتابه عمدة الطالب عن العلويين في أبهر: (… ومن ولده أحمد بن عبدالله دردار بن أحمد، وولده محمد الأبهري له عقب كثير بأبهر وغيرها لهم جلالة ورياسة، ومن ولد أحمد بن عبدالله محمد بن أحمد، وله بأبهر ولد، وهو أبو علي عبدالله شاطورة له أعقاب كثيرة بأبهر وزنجان وطبرستان وهمذان، وعقبه من ابنه أبي عبدالله محمد، والمنتسبون إليه من رؤساء أبهر وغيرها ينتسبون إلى محمد بن عبدالله الدردار، والأصح المعتمد أنهم من ولد شاطورة، منهم السيد رضي الدين أبو عبدالله محمد بن علي بن عرب شاه وهو حمزة بن أحمد بن عبد العظيم بن عبدالله، فقوم ينسبون عبدالله هذا: أنه ابن محمد الأبهري بن أحمد بن عبدالله دردار، وقوم يقولون: هو ابن محمد بن عيسى بن محمد عبدالله شاطورة. وقد نسبهم بعض الناس: أعني رؤساء أبهر إلى محمد بن زيد بن عبدالله الأصغر بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، ولا يصح نسبهم هناك، وكان رضي الدين المذكور نقيب أبهر وله فضل، وابنه ناصر الدين مطهر بن رضي الدين المذكور تولى نقابة المشهدين والحلة والكوفة أشهراً… ومحمد بن عبدالله بن علي الشديد قال أبو الحسن العمري: يقال له: المهفهف ولا يعرف له بقية، قال ابن طباطبا: وقال قوم: وولده بأبهر وزنجان…)([275]).
ومنهم السيد العالم الفاضل محمد بن أحمد بن عبدالله بن علي الشديد الذي كان رئيساً في أبهر، وابن أخ عبد العظيم الحسني المدفون في الري صاحب القبة والضريح المزار المعروف في الري.
ومنهم: بنو الشاطورة، ويقال: بنو الساطورة ذرية أبي علي عبدالله الشاطورة بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن علي الشديد، ومنهم: السادات الموسويون ذرية أبي جعفر محمد البرقعي بن إبراهيم العسكري بن موسى الثاني بن إبراهيم الأول ابن الإمام موسى الكاظم (ع)([276])، الذين كان لهم رياسة تامة وزعامة عامة في أبهر، ومنهم بنو ششديو الأبهريون ذرية محمد ششديو ابن أبي عبدالله الحسين بن عيسى بن محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن السبط (ع) الذين انتهت إليهم رئاسة أبهر، ومنهم: العالم الفاضل الرئيس أبو هاشم حسن بن محمد ششديو المذكور الذي كان من أعيان علماء أبهر وأكابر الملاكين فيها وله موقوفات كثيرة.
ومن الطالبيين في أبهر، بنو الجعفري من سلالة جعفر بن أبي طالب الذين هاجروا إلى أبهر، وانتهت إليهم إمارة قزوين وأبهر. ومن أشهر أمرائهم: الأمير أبو علي فخر المعالي شرفشاه بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن بن زيد بن عبدالله بن القاسم بن إسحاق بن عبدالله بن القاسم بن إسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب المتوفى غرة شعبان 484 هجرية كان من أعيان العلماء، وأعاظم زعماء الطالبيين في عصره، وبوفاته انتهت إمارة بني الجعفري في أبهر وقزوين وكانت تمتد إمارته في قزوين وجميع ضواحيها، وكانت عاصمته أبهر. وصفه الإمام الرافعي عبد الكر يم القزويني الشافعي المتوفى سنة 623 هجرية قال: (… وكان إليه الرياسة والإيالة والحكم بقزوين ونواحيها، وله الجاه الرفيع، والحكم القاهر، والأمر النافذ على الخواص والعوام موروثاً كل ذلك عن آبائه وأجداده من قبل أبيه وأمه. كانت وجوه القرى في نواحي البلد والمستغلات في البلد والباغات في القصبة ملكه وملك وزرائه وخدمه ومتصله، ويقال كان راتب مطبخه كل يوم ستمائة من الخبز، ومائة وعشرين منّاً من اللحم، وأن محصول ارتفاعاته كل سنة كان يبلغ ثلاثمائة وستة وستين ألف دينار أحمر، وختمت به إمارة الجعافرة([277]).
ويقول السيد أحمد الگيلاني عن السادات الحسنيين في أبهر: (ونسب السادات الشرفاء الحسنية في أبهر: رضي الدين أبو عبدالله محمد بن حسين بن علي بن عربشاه بن أحمد بن عبد العظيم بن حمزة بن أحمد بن عبد العظيم بن عبدالله بن محمد الأبهري بن عبدالله الدردار بن أحمد بن عبدالله بن علي الشديد بن حسن بن زيد ابن الإمام الحسن (ع)…، وسلالة معز الدين عزيز الله الأبهري ومنهم: السيد الفاضل المرحوم القاضي بسمنان شمس الدين محمد المتخلص بـ نهابي بن زين العابدين بن باقر بن يحيى بن السيد الفاضل باقر بن زين العابدين بن محمد بن تاج الدين بن حسين بن علي بن مرتضى بن سراهنك بن علي بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن حسن بن محمد الأبهر النقيب في أبهر بن أحمد بن عبدالله الدردار…)([278]).
ومن الأسر العلوية في أبهر: بنو أبي محمد الحسن الداعي الصغير ملك طبرستان، وأبي الحسن عبيدالله بلقب بـ (أبي الهول) له عقب بالأهواز وأبهر([279])، ويقول النسابة أبو طالب إسماعيل الأزورقاني المولود سنة 572 هجرية، والمتوفى سنة 614 هجرية في كتابه الفخري نقلاً عن أبي طالب الجواني أنه قال: (الأشراف بأبهر كانوا يذكرون في القديم أنهم من ولد علي بن الحسن الأمير إلى أن دخل أبو الغنائم الزيدي الدمشقي أبهر فتذاكروا واتفقوا معه أنهم من ولد عبدالله بن محمد بأبهر ابن عبد الله بن الحسن الأمير…)([280]).
تشيع أبهر
اختار الأكاسرة الساسانيون أبهر معسكراً لهم لموقعها الاستراتيجي، وقد حافظت على مكانتها الاستراتيجية والتجارية والزراعية حتى اليوم. وفي الفتح الإسلامي كانت أبهر إحدى المحطات، ومراكز الجيوش الأموية والعباسية، كما كانت ملتقى القوافل التجارية وغيرها، وعلى رغم هجرة العلويين إلى أبهر من القرن الأول الهجري، وبث المعارف الشيعية هناك نرى أنه كانت أيضاً محل سكنى جماعة من غير الشيعة، وقد وصف السمعاني المتوفى سنة 562هـ أبهر في القرن السادس فقال: إن جماعة من سكانها على المذهب المالكي، ويقول: (… خرج منها جماعة كثيرة من الفقهاء المالكية…)([281])، وأما في القرن الثامن للهجرة فيقول حمد الله المستوفي القزويني المتوفى حدود سنة 750 هجرية: إن جماعة من سكانها على مذهب الشافعي([282]). وهذا مما يؤكد لنا أنه كانت في أبهر جماعة من غير الشيعة وفي عصر الإيلخانية جعل الجايتو محمد خدابنده المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة ثم انتخب عاصمته ومقره مدينة السلطانية المجاورة لأبهر، وتأسيس العلامة الحلي المتوفى سنة 726 هجرية مدرسته الشهيرة في العاصمة (السلطانية) رسّخ دعائم التشيع في أبهر، وفي العصر الصفوي وعندما كانت قزوين عاصمتهم حتى أيام الشاه عباس الكبير كانت لأبهر أهمية خاصة حيث إن الشاه طهماسب الصفوي كان يصطاف مع جيوشه في أبهر، وكانت أبهر عاصمته الصيفية، وذلك لوجود المرعى والمراتع الخضراء الكثيرة والمياه الغزيرة في هذه النواحي، ثم تشيعت أبهر وجميع تلك الضواحي يوماً بعد يوم، ولا يوجد اليوم غير الشيعة في هذه المناطق.
الحركة العلمية في أبهر
كانت مدرسة أبهر منافسة لمدرسة قزوين في جميع الدراسات ونشأت هاتان المدرسان منذ الفتح الإسلامي في سنة 24 هجرية، ولعل نشأة مدرسة أبهر كانت بعد مدرسة قزوين وأخذ الأبهريون عن قزوين.
ويؤسفنا نقص ما نعلمه عن نمو هذه المدرسة، وذلك لقلة ما بقي لنا من المؤلفات والمصادر عن أبهر التي تلفت بفعل العوامل الطبيعية من زلازل وسيول، وغير الطبيعة كالحروب الدامية التي طالما دارت رحالها في هذه الضواحي.
وأنشد بعض شعراء قزوين يذكرها ويفضلها على أبهر:
| نَدَاماي من قزوين طوعاً لأمركم | فإني فيكم قد عصيت نهاتي | |
| فاحيوا أخاكم من ثراكم بشربة | تندّي عظامي أو تبلّ لهاتي | |
| أساقيتي من صفو أبهرهاكه | وإن يك رفق من هناك فهاتي |
ويستفاد من النصوص التاريخية والمصادر القيمة أنه كانت في أبهر ثلاث مدارس علمية مهمة:
1 ـ المدرسة المالكية التي التي تخرج منها جماعة كثيرة من أكابر علماء المالكية ما أشار إليه السمعاني في كتابه الأنساب.
2 ـ المدرسة الشافعية التي ذكرها حمد الله المستوفي القزويني في كتابه نزهة القلوب وتخرج منها علماء أعلام.
3 ـ المدرسة الشيعية التي تنقسم إلى قسمين: المدرسة الشيعية الإمامية التي نبغ منها علماء أعلام ممن سيأتي ذكرهم والمدرسة الشيعية الصوفية المتطرفة في حب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأهل بيته الأطهار ونبغ منها أعاظم أقطاب الصوفية في أبهر. ونذكر هنا بإيجاز بعض مشاهير علماء الفرقاء المتعددين الذين تخرجوا من هذه المدارس الأربعة في أبهر. ومما يجدر ذكره هنا تمكن الشيعة من الصمود أمام تلك التعصبات العنيفة غير الشيعية، والجيوش المعادية القوية إذ كانت الشيعة تستمد قواها من الجبال الواقعة في شمال وشمال شرقي أبهر، وهي الديلم وآلموت والطالقان. تلك التي كانت إحدى قلاع الشيعة ومعاقل العلويين وسوف يأتي ذكر كل منها في محله إن شاء الله تعالى.
وإليك بعض مشاهير علماء أبهر الذين انتهت إليهم زعامة التدريس والرئاسة الدينية من المدارس الأربعة المارة الذكر.
بعض مشاهير العلماء الأبهريين
1 ـ أبو بكر عبدالله بن طاهر بن حارث الطائي الأبهري المعروف بأبو بكر الأبهري المتوفى سنة 330 هجرية من أقطاب الصوفية، وأعظم العرفاء المشاهير، ومن طبقة الشبلي كان جامعاً لعلوم الظاهر والباطن وفنون الطريقة.
2 ـ أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد بن صالح المالكي الأبهري المولود سنة 289 هجرية، والمتوفى في شوال سنة 375 من أئمة علماء المالكية، وله تصانيف على مذهب مالك بن أنس، والرد على من خالفه، انتهت إليه الرئاسة في المذهب المالكي.
3 ـ أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علوية الأبهري المتوفى سنة 342هـ قاضي القضاة في الشاش أخذ عن أحمد بن محمد بن غالب البصري غلام الخليلي.
4 ـ أبو المكارم عبد الوارث بن عبد المنعم الأبهري من أعلام الأدب وعلوم العربية أخذ عن أبي العلاء المعري وغيرهم من علماء عصره.
5 ـ دولتشاه بن أمير علي بن شرفشاه الحسيني الأبهري من أعلام الشيعة وأكابر الشعراء، متكلم خطيب ذكره منتجب الدين في الفهرست ووصفه: بالفاضل الصالح له نظم ونثر رائق وخطب بليغة، نقله عنه الحر العاملي في أمل الآمل، وهو من أبناء الأسر العلوية الحسينية الشهيرة في أبهر، تلك الأسر التي نبغ منها علماء أعلام وشعراء مجيدون فقهاء كبار.
6 ـ السيد كمال الدين الرضا بن أبي زيد بن هبة الله الحسني الأبهري من أعلام القرن السادس الهجري ذكره منتجب الدين في كتابه الفهرست، ونقل عنه الحر العاملي في أمل الآمل وهو من أكابر علماء أسرته السادات الحسنية في أبهر.
7 ـ السيد طالب بن علي بن أبي طالب العلوي الحسيني الأبهري من أكابر علماء الشيعة في القرن السادس للهجرة أخذ العلم وفنون الأدب من الشيخ محي الدين الحسين بن مظفر الحمداني الذي كان من تلاميذ الشيخ أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 هجرية.
8 ـ السيد كمال الدين عبد العظيم بن محمد بن عبد العظيم الحسني الأبهري من أعلام السادات الحسنيين في أبهر هاجر من أبهر إلى قوهده العليا وسكن هناك كان رئيساً مطاعاً وزعيماً فيها.
9 ـ كمال الدين أبو عمرو الأبهري من وزراء السلاجقة كان عالماً فاضلاً أديباً متكلماً استوزره السلطان ألب أرسلان شاه السلجوقي في سنة (556 ـ 571 هجرية) وبعد وفاته كان وزيراً لابنه طغرل الثالث ثم ترك الوزارة حاجاً في زي الصوفية وتزهد ثم سكن بيت المقدس والشام حتى توفي بها سنة 590 هجرية.
10 ـ أثير الدين مفضل بن عمر الأبهري المتوفى سنة 663 هجرية من أعلام الفلسفة والمنطق والرياضيات والهيئة والنجوم له مؤلفات كثيرة منها كتاب هداية الحكمة الذي اعتنى به المحققون بالتعليقات والشروح الكثيرة ذكر قسماً من تلك الشروح شيخنا الأستاذ آقا بزرك الطهراني في الذريعة([283])، وله كتاب الإيساغوجي ويقال الأثيرية في المنطق.
11 ـ السيد شمس الدين الحسيني الأبهري عالم في الرياضيات والفلك والنجوم في العصر الصفوي من مؤلفاته كتاب لغز بعض الأعداد كما ذكره شيخنا الأستاذ في الذريعة ج 18، ص 334.
12 ـ الشيخ محمد بن إسحاق بن محمد الحموي الأبهري المعروف بـ فاضل الأبهري من أكابر المتكلمين الشيعة في عصر الشاه طهماسب الصفوي (930 ـ 984 هجرية) وله مؤلفات منها كتاب منهج الفاضلين في معرفة الأئمة الكاملين الذي ألفه في سنة 937 هجرية باسم الشاه طهماسب الصفوي. وله أنيس المؤمنين منه نسخة في مكتبة الروضة الرضوية.
13 ـ أبو الوزير بن أحمد الأبهري القزويني من أكابر الأطباء في العصر الصوفي. له كتاب طب النبيّ في أنواع العقاقير الطبية نقل عنه المجلسي المتوفى سنة 1111 هجرية في كتابه البحار ومنه نسخة مؤرخة سنة 1070 هجرية بـ رقم 209 في مكتبة الروضة الرضوية في خراسان.
14 ـ سيف الدين أحمد الأبهري من أكابر علماء عصره له مؤلفات منها حاشية على شرح مختصر الأصول منها نسخة مؤرخة سنة 809 هجرية بـ رقم 14705 في متبة لاروضة الرضوية في خراسان.
15 ـ الشيخ الميرزا كافي بن أبو الفتوح ابن الشيخ محمد الاحسائي الأصل الأبهري المولد والمسكن والمنشأ عيّنه الشاه طهماسب (930 ـ 984 هجرية) شيخ الإسلام في أبهر وهو أبو أسرة آل الجوادي الأبهري من أشهر الأسر العلمية العريقة القديمة في أبهر التي نبغ منها علماء أعلام وفقهاء أفاضل وشعراء مجيدون لا يزال لهم الرئاسة في أبهر حتى اليوم ومنهم نجله الشيخ أبو الفتوح ابن الشيخ الميرزا كافي الأبهري الذي انتهى إليه منصب شيخ الإسلام بعد أبيه في أبهر. ومنهم العالم الفاضل الشيخ الميرزا عبد الجواد ابن الشيخ الميرزا أبو الفتوح ابن الشيخ الميرزا هادي بن الشيخ الميرزا أبو الفتوح ابن الشيخ الميرزا كافي الأبهري المولود في سنة 1220 هجرية والمتوفى سنة 1277هـ. كان شيخ الإسلام وأمير الحاج وإليه ينتسب آل الجوادي الموزعون اليوم في كل من أبهر وقزوين وطهران وقم ومن أشهر أولاده الشيخ الميرزا أبو الفتوح بن عبد الجواد آل الجوادي من أعلام عصره وإمام الجمعة في أبهر والشيخ الميرزا فتح الله شيخ الإسلام المولود في سنة 1255هـ والمتوفى سنة 1329هـ من أكابر علماء أبهر وغيرهم من العلماء والشعراء الذين نبغوا من هذا البيت الجليل في أبهر.
16 ـ ومن الأسر العلوية العلمية في أبهر العالم الفاضل السيد أسد الله الموسوي الأبهري من العلماء الأعلام في أبهر وانتهت الرئاسة الدينية بعد وفاته إلى ابنه السيد شمس الدين الموسوي الأبهري المولود في أبهر سنة 1324 هجرية والمتوفى سنة 1392. ومن العلماء المعاصرين من هذا البيت الجليل السيد نور الدين بن السيد شمس الدين الموسوي الأبهري.
17 ـ السيد فياض الأبهري من العلماء الأعلام في أبهر وأنجب كلاً من السيد حسن الذي توفي في أوائل شبابه والسيد معالم الأبهري الذي انتهت إليه الرئاسة والزعامة الدينية بعد أبيه في أبهر.
18 ـ الشيخ هادي الأبهري المتوفى سنة 1390هـ، كان من علماء أبهر في عصره.
19 ـ عماد الدين عبد العزيز محمد بن عبد العزيز الأبهري المتوفى سنة 895 هجرية من مؤلفاته كتاب منهاج المشكاة.
20 ـ الشيخ نور الدين فتح الله الأبهري من علماء العلوم الرياضية والحساب والهندسة من مؤلفاته كتاب شرح رسالة الرمل للخواجه نصير الدين الطوسي.
المدارس الصوفية في أبهر
ذكرنا أنه كان في أبهر مدرستان شيعيتان، وقد مر ذكر المدرسة الشيعية الأولى، ونذكر هنا بإيجاز المدرسة الشيعية الثانية وهي المدرسة الصوفية ونبدأ بالخانقاه([284]) الصوفية في أبهر.
كانت في أبهر مجموعة كبيرة من الخانقاه لا يزال بعضها أو آثارها موجودة حتى اليوم ومنها.
1 ـ خانقاه أبو بكر عبدالله بن طاهر بن حارث الأبهري المعروف بأبي بكر الأبهري المتوفى سنة 330 هجرية من أعاظم أقطاب الصوفية وأكابر العرفاء في عصره المار الذكر وكان له فيها رباط([285])أي غرفة خاصة يقيم فيها ودفن بها وقبره مزار معروف وهي أقدم المدارس الصوفية في أبهر([286]).
2 ـ خانقاه عبد الغفار بن حسين بن محمد بن حسين الرازي الأبهري.
3 ـ خانقاه حسين بن محمد القاضي الأبهري وكانت مدرسته معارضة للمذهب المالكي وهو الذي نشر المذهب الشافعي في أبهر ثم تشيعت هذه المدرسة في عصر دولة آق قويونلو الشيعية([287]).
4 ـ خانقاه أبو حفص الأبهري المعروف بالاپاره أي، وبعد وفاته انتهت القطبية في هذه الخانقاه إلى أبو الفضائل عبد السلام بن عبد العزيز عَبسَمي ومن بعده كان المرشد الروحي والقطب فيها أبو المحامد عبد الماجد الأبهري وكانت من الخانقاه المعمورة حتى عهد غير بعيد في أبهر.
5 ـ خانقاه أبو العاصم بن إسماعيل الأبهري المتوفى سنة 530 هجرية وانتهت بعد وفاته القطبية إلى نجله بشار بن أبي العاصم الأبهري حتى توفي سنة 554هـ ودفن الأب والابن فيها وقبرهما مزار معروف.
6 ـ خانقاه بابا أبو الحسين بن أبي طاهر المتوفى سنة 1513 هجرية ودفن بها وقام مقامه بشار بن محمد الأبهري المتوفى سنة 560 هجرية ودفن أيضاً بها وقبرهما مزار معروف.
العرفاء والصوفية في أبهر
تخرج من المدارس الصوفية في أبهر المار ذكرها جمع غفير من أعاظم العرفاء وأقطاب الصوفية الذين كان لهم صولات وجولات في العالم الإسلامي بصورة عامة والمجتمع الشيعي بصورة خاصة وانتهت إليهم الزعامة العامة ورئاسة الصوفية في معظم الأقطار الإسلامية وأثاروا الحركة الفكرية وحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وأهل بيته في ربوع المعمورة من العالم حتى إلى الهند والصين وغيرهما. ولا مجال لذكر جميع طلاب هذه المدرسة بل نذكر بإيجاز مشاهير العرفاء والصوفية الذين تزعموا حركة الصوفية في أبهر وخلدوا هذه المدرسة وذاعت أسماؤهم في المجامع الصوفية العالمية وتوجه إليهم العرفاء من كل حدب وصوب والتفوا حولهم وكان لهم الدور الأول في بناء الحركة الصوفية في العالم الإسلامي منهم:
1 ـ أبو بكر عبدالله بن طاهر بن حارث الأبهري المتوفى سنة 330 هجرية من أعاظم الأقطاب الصوفية ومشاهير العرفاء في عصره المعروف بأبي بكر الأبهري المار الذكر كان من طبقة الشبلي ونظائره، انتهت إليه القيادة الصوفية وتخرج عليه جمع غفير من أكابر الصوفية وكانت مدرسته في أبهر من أقدم المدارس الصوفية ودفن في الخانقائه وقبره مزار معروف.
2 ـ أحمد الخباز الأبهري من كبار الصوفية المتوفى قبل سنة 330 هجرية تخرج ولبس الخرقة من يد أستاذه أبو بكر الأبهري وكان مصاحباً لإبراهيم ومن خواص أبي إسحاق الآملي المتوفى سنة 291هـ توفي في آبه في حياة أستاذه أبو بكر الأبهري ودفن في خانقاه أستاذه المذكور.
3 ـ أحمد جمال الأبهري المتوفى سنة 337هـ من أكابر العرفاء والصوفية في أبهر.
4 ـ أبو عبد الرحمن بن أبي يزيد بن عبد السلام الأبهري المتوفى سنة 395هـ من أكابر العرفاء وأقطاب الصوفية ومن تلاميذ أبي بكر الأبهري.
5 ـ أبو بكر بن عيسى المطوعي الأبهري المتوفى سنة 305هـ. من أعاظم أقطاب الصوفية وأكابر العرفاء في عصره، كان من حواري أبي بكر الأبهري في تزكية النفس ومدارج العرفان وسائر الخصوصيات وتخرج عليه جماعة من أكابر الصوفية.
6 ـ أبو بكر محمد بن برد الأبهري المتوفى سنة 361هـ، عارف متصوف تخرج عليه جماعة من أكابر الصوفية وكان من حواري أبي الطيب الآباده أي وعلي بن طاهر الأبهري.
7 ـ بابا جعفر الأبهري المتوفى سنة 428 هجرية من كبار العرفاء وأقطاب الصوفية هاجر من أبهر إلى همذان وكان من زعماء الصوفية هناك حتى توفي بها.
8 ـ عبد الجبار السلّمي الأبهري المتوفى سنة 505 هجرية من أعاظم العرفاء الأبهريين وأقطاب الصوفية في أبهر.
9 ـ بابا أبو الحسن بن أبو طاهر الأبهري المعروف بالعصّار المتوفى سنة 513هـ من فحول العرفاء في عصره وأكابر الصوفية كان يسلك طريقة خاصة شبيه الملامتية. انتهت إليه الرياسة والقيادة.
10 ـ أبو عاصم بن إسماعيل الخرقاني الأبهري المتوفى سنة 530هـ، من أقطاب الصوفية انتهت إليه القيادة والزعامة في أبهر وتوفي بها ودفن في خانقاه أبو بكر الأبهري وقبره مزار معروف.
11 ـ أبو فراس جمال الدين بن عبد الوارث الأسدي الأبهري المتوفى سنة 554هـ من فحول العرفاء وأقطاب الصوفية. انتهت إليه الزعامة الروحية في أبهر وتوفي بها ودفن في مسجد جامع أبهر وقبره مزار معروف.
12 ـ أبو طالب عبد المحسن بن أبي عميد الأبهري المتوفى سنة 624هـ المعروف بـ حجة الدين، من أعاظم أقطاب الصوفية وأكابر العرفاء في عصره تخرج من مدرسته جمع غفير من فحول الصوفية. كما لبس الخرقة من يده كبار العرفاء ومشاهير الصوفية منهم أبو القاسم عمر بن فخر الدين محمد المعروف بـ القاضي البيضاوي المتوفى سنة 672هـ.
13 ـ قطب الدين أبو الرشيد أحمد بن أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم عبدالله الأبهري المتوفى حدود سنة 577 هجرية من مشاهير أقطاب الصوفية وأكابر العرفاء، لبس الخرقة من يد أبو نجيب الدين السهروردي وكان خليفته من بعده.
وهناك جماعة من علماء الشيعة وغير الشيعة الذين نبغوا في أبهر من القرى التابعة لأصفهان منهم الشيخ محمد بن الحسين بن إبراهيم بن زياد بن عجلان الأبهري الأصفهاني المتوفى سنة 290هـ من كبار علماء عصره.
ومنهم أبو علي أحمد بن عثمان بن أحمد الأبهري الأصفهاني المتوفى سنة 338هـ، من ولد أبي الشعثاء جابر بن زيد، كان كثير الحديث وله مصنفات.
ومنهم أبو الحسن سهل بن أحمد بن العباس الأبهري المتوفى سنة 537هـ، كان مولده ونشأته في قرية أبهر التابعة لأصفهان.
المزارات في أبهر
كانت مدينة أبهر والجبال الواقعة شمال المدينة إحدى قلاع الشيعة في العصر الأموي والعباسي مما سهل الأمر للعلويين النزوح إلى هذه المناطق الآمنة من مظالم الدولتين الجائرتين وقد أشرنا آنفاً إلى الأسر العلوية في أبهر وقد اتخذ الشيعة قبور زعماء ونقباء هؤلاء العلويين مراكز تجمع في مناسبات دينية مختلفة وبنوا حولها مساجد ومقامات ضخمة وسنذكر بإيجاز بعض هذه المزارات في أبهر وضواحيها.
1 ـ إمام زاده إبراهيم، 2 ـ إمام زاده السيد رضي الدين الحسني، 3 ـ إمام زاده المير عزيز الله الحسني، 4 ـ إمام زاده محمد أبو الخير گروه اي، 5 ـ إمام زاده محمد بن أحمد، 6 ـ إمام زاده السيد نجم الدين محمود، 7 ـ إمام زاده يحيى سلطان الشهيد، 8 إمام زاده يحيى، 9 ـ إمام زاده يعقوب صائين قلعة، 10 ـ إمام زاده يونس بن يحيى، 11 ـ إمام زاده يونس في قرية شريف آبادي، 12 ـ إمام زاده أبو هاشم الحسني وهو أبو هاشم الحسين بن محمد ششديو بن أبي عبدالله الحسين بن عيسى بن محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد ابن الإمام الحسن السبط. كان فاضلاً جليلاً من نقباء الطالبيين في أبهر مر ذكره في الأسر العلوية وله قبة وقبره أحد مزارات أبهر.
13 ـ إمام زاده محمد بن إبراهيم وهو أبو جعفر محمد بن إبراهيم العسكري بن موسى الثاني بن إبراهيم الأول ابن الإمام موسى الكاظم (ع) كان أبرز العلويين في أبهر مر ذكره في الأسرالعلوية الأبهرية وقبره أحد مزارات أُبهر.
14 ـ إمام زاده محمد: وهو السيد الشريف محمد بن أحمد بن عبدالله بن علي الشديد بن حسن بن زيد ابن الإمام الحسن السبط (ع) وهو ابن أخ عبد العظيم الحسني المدفون في الري صاحب القبة المشهور بـ شاهزاده عبد العظيم.
15 ـ إمام زاده إسماعيل وهو السيد الشريف إسماعيل بن أبي محمد جعفر بن إسماعيل بن أبي علي الحسن بن أبي علي محمد بن عبدالله بن أحمد بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وهذا المزار واقع في قرية شناط القريبة من أبهر وله قبلة كبيرة مزينة بالقاشاني الأزرق والأصفر وهي من آثار العصر الصفوي الذي جدد بناءها ويحيط بها صحن كبير وهو أحد المزارات المشهورة في المنطقة.
16 ـ شاهزاه زيد الكبير وله ضريح ضخم وهو من آثار العصر الإيلخاني ويتشكل من حرم مربع ويقع في وسط الحرم الضريح وعليه قبة كبيرة ارتفاع الحرم 13 متر وارتفاع القبة 7 أمثار وقطر ساق القبة 5 أمتار وارتفاعه من سطح الحرم إلى تحت القبة 5 أمتار وله بابان باب من جهة الشرق وباب من جهة الشمال الذي ينتهي إلى داخل الحرم. كما أن هناك إيواناً من جهة الشمال وإيواناً من جهة الشرق من آثار الشاه طهماسب الصفوي وهناك أيضاً إيوان من جهة الغرب وإيوان من جهة الجنوب وهما من آثار العصر القاجاري وفي عام 1075هـ، قام الحاج محمد علي الأبهري بتعميرات واسعة في الحرم.
مساجد أبهر
غيرالمزارات التي مر ذكرها هناك عدد من المساجد القديمة والحديثة في أبهر أقدمها وأهمها المسجد الجامع الذي هو من آثار الفتح الإسلامي سنة 24هـ ثم تجدد بناؤه عبر العصور وقد جُدد هذا المسجد في سنة 888 هجرية كما جاء في الكتابة الموجودة في المسجد وهناك ضريح بير أحمد الذي يعتبر من العمارات القديمة.
من أهم أحداث أبهر
قام العلويون في أبهر بعدد من الثورات كان بعضها ناجحاً وحكموا أبهر لفترات قصيرة منها ثورة الحسين الكوكبي بن أحمد الدخ العلوي الذي ثار في أيام المستعين العباسي (248 ـ 252 هجرية) في أبهر وقزوين وانضم إليه إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن عبيدالله بن الحسن بن عبيدالله بن أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب (ع)، ثم أرسل الخليفة العباسي جيشاً كبيراً إلى أبهر وقزوين وقتل إبراهيم بن محمد في قزوين بعد حروب دامية مع العباسيين والتجأ الحسين الكوكبي إلى جبال شمال أبهر والتحق بالداعي الحسن بن زيد في جرجان حتى توفي بها([288]).
وفي عصر المعتز العباسي (252 ـ 255 هجرية) انضمت أبهر إلى ملك الداعي إلى الله العلوي وبايعه العلويون والشيعة في أبهر وأرسل الخليفة العباسي جيشاً بقيادة موسى بن بوقا وانسحب الداعي إلى الحق في سنة 253 هجرية إلى طبرستان وما زندران([289]).
وفي سنة 315 هجرية وقعت أبهر بيد مرداويج بن زياد([290])، ثم استولى على أبهر آل بويه. ثم استولى عليها في سنة 386 هجرية وهسودان بن سر محمد بن مسافر من ذرية آل مسافر وفي هذه الأيام ضربت النقود في أبهر وأثبتت على المسكوكات سنة 404 هجرية (ضرب في أبهر) وفي عام 420 استولى على أبهر محمود الغزنوي ثم السلاجقة وكان حاكم أبهر الأتابك بهاء الدين حيدر وقام بإصلاحات في أبهر منها تجديد قسم من بناء قلعة أبهر التي تعرف اليوم بقلعة الحيدرية ثم أنشأ في شمال أبهر بساتين لنزول القوافل المارة من أبهر بين قزوين وزنجان وتعرف بـ (بهاء الدين آباد) وجعلها وقفاً على المسافرين المارين في أبهر، وفي سنة 611هـ استولى على أبهر جلال الدين حسن وازداد نفوذ الإسماعيلية في أبهر في عصره حتى حملة المغول الذين دمروا في طريقهم كل شيء.
وازدادت أبهر في عصر محمد خدابنده أو لجايتو الذي اختار عاصمته مدينة السلطانية في سنة 703 هجرية المجاورة لأبهر.
وأسس العلامة الحلي المتوفى سنة 726 هجرية مدرسته السيارة هناك وتقاطر العلماء من كل حدب وصوب نحو هذه المنطقة.
وقد حكمت أبهر من عام 739 حتى سنة 741 هجرية ساتي بيك بنت محمد خدابنده أو لجايتو لأنها كانت الوريثة الوحيدة لأسرتها([291])، حتى استولت على أبهر دولة قره قويونلو، وبعدها دولة آق قويونلو. وأصبحت في عصر الشاه طهماسب الصفوي عاصمته الصيفية (930 ـ 984 هجرية).
أبهر في الشعر
أنشد ابن أحمر:
| أبا سالم إن كنت وليت ما ترى | فأسجح وان لاقيت سُكنى بأبهرا | |
| فلما عسا ليلي وأيقنت أنها | هي الأرَبى جاءت بام حبوكَرَا | |
| نهضتُ إلى القصواء وهي مُعدَّة | لأمثالها عندي إذا كنتُ أوجَرا |
وقال النجاشي الحارثي قيس بن عمرو بن مالك بن معاوية بن خديج بن حماس:
| ألجَّ فؤادي اليومَ فيما تذكَّرا | وشطت نوى من حل جوا ومحضرا | |
| من الحيّ إذ كانوا هناك وإذ ترى | لك العين فيهم مُستراداً ومنظرا | |
| وما القلب إلا ذكره حارثيَّة | خُواريةً يحيي لها أهلُ أبهرا |
وقال عبدالله بن حجاج بن محصن بن جندب الجحاشي الذبياني قائلاً:
| من مُبلغ قيساً وخندف أنني | أدركتُ مظلمتي من ابن شهاب | |
| هَلاَّ خشيت وأنت عادٍ ظالِم | بقُصور أبهر ثؤرَتي وعقابي | |
| إذ تستحلُّ وكل ذاك محرَّمُ | جلدي وتنزعُ ظالما أثوابي | |
| باءت عَرار بكَحْلَ فيما بيننا | والحق يعرفه ذوو الألباب |
أبهر اليوم
أبهر اليوم هي إحدى المقاطعات الزراعية في إيران، وتحيط بالمدينة بساتين ومزارع شاسعة وهي كثيرة المياه وأكثر محصولاتها الحنطة والشعير والعلوفة (الجت) والحبوب كاللوبيا والعدس وأهم الفواكه فيها: التفاح والعنب والكمثري وتبلغ مساحة البساتين فيها عشرة آلاف هكتار وعدد المعامل فيها 60 معملاً وعدد العمال 11655 عاملاً.
وفي أبهر جامعة پيام النور، ويبلغ عدد طلابها 1760 طالباً وطالبة، وجامعة آزاد الإسلامية، وعدد طلابها 213 طالباً وطالبة ومعهد دار المعلمين وعدد طلابه 450 طالباً وطالبة وعدد الدوائر الحكومية (55) دائرة.
عبد الحسين الصالحي
أبو الدبيّغ
بتشديد الياء المكسورة. تل يقع في المنخفض المعروف ببحر النجف الواقع تحت النجف وهو تل محاط ببساتين النخيل قريب من تل الصنين الوارد ذكره في كتب المعاجم وهو أصغر منه مساحة، والأراضي المحيطة به تعرف بالنسبة إليه، وزراعها أفراد من عشيرة العبودية، آل عبدان من بني تميم.
لم يرد هذا الموضع ذكر في كتب المعاجم ويحتمل بأنه كان قديماً قصراً للمناذرة، ولم يجر على التل المذكور تنقيب حتى الآن.
كان يسكن فوقه في القرن الماضي رجل علوي اسمه سيد عسكر، ثم اتخذ بعد ذلك مبرة لأطفال الأعراب القاطنين بالقرب منه.
وفي أبي الدبيغ والصنين يقول أحد ملاكي بساتين النخيل في المنطقة المحيطة به السيد محمد رضا الصافي النجفي المتوفى سنة 1361هـ:
| هوى الدبيغي والصنين ألبسني | هذا شفاء وهذا صحة البدن |
وجاء مدوناً بخط الشيخ أحمد ابن الشيخ حسن قفطان النجفي المتوفى سنة 1292هـ ما نصه: خرجنا إلى الجعارة في إحدى السنين فنزل أخي الشيخ إبراهيم في بعض أطرافها بمكان ليس به أنيس يسمى (أبو الدبيغ) وذلك لنزول نسيبه وهو السيد عسكر فيه، فكتب إلى السيد محمد وأخيه السيد حسين زوين هذه الأبيات:
| شكوت لسيدي مقام أرض | تجنب أهلها العيش الرغيد | |
| نزلت أبا الدبيغ فاندبغنا | به مذ كظنا البرد الشديد | |
| ترى سبخاءه بيضاء ملحاً | وأوجهنا من الدخان سود |
حمود الساعدي
أبو ظبي
على سيف الخليج ساحل يمتد شمالاً من الخط الفاصل بين العراق والكويت حتى رأس «الحد» جنوباً شرقياً، وهو يقسم إلى قسمين كبيرين: الأول شمالي وأهم أجزائه إمارة الكويت وواحة القطيف والاحساء وشبه جزيرة قطر وجزر البحرين الواقعة غربي قطر والقطيف، والثاني جنوبي اجزاؤه المشيخات السبع التالية: أبوظبي، دبي، الشارقة، أم القيوين، رأس الخيمة، عجمان، الفجيرة، وان هذا القسم يدعى الساحل العماني لأن دولة عمان كانت تسيطر عليه، كما كانت مشيخاته السبع تدعى مشيخات الساحل العماني، ثم أطلق عليها اسم «المشيخات المتصالحة» أو المصالحة؛ لأنها تعاطت مهنة القرصنة وتجارة الرقيق في أواخر القرن الثامن عشر، واستفحل أمرها في هذه المهنة حتى بات لديها أسطول ضخم مؤلف من 60 سفينة و20 ألف قرصان بحار تتزعمهم قبيلة «القواسم» في رأس الخيمة، فكانوا يمخرون عباب بحر العرب والمحيط الهندي والبحر الأحمر ناشرين الرعب في السفن التجارية والتجار، وكانت معظم غنائمهم سفناً تحمل الذهب والفضة والمجوهرات، والحرير والتوابل والبهارات، لذلك وجهت عليهم حكومة بومباي الهندية حملة عسكرية قوية بقيادة الجنرال «وليم غرانت كير» الذي هاجم مدينة رأس الخيمة وأحرق سفنها وهدم قلاعها وحصونها، وما زال يطارد القراصنة حتى قضى على حركة القرصنة وتجارة الرقيق نهائياً، ثم أعلنت في سنة 1852م، معاهدة «السلام البحري الدائم» التي وقعها جميع الشيوخ في الشاطىء العماني، فدعي منذ ذلك التوقيع «الشاطىء المتصالح» ودعيت مشيخاته المشيخات المتصالحة أو الإمارات المتصالحة، ثم دعيت بعد الاستقلال الإمارات العربية المتحدة.
وقد لعب هذا الخليج بمجموعه دوراً خطيراً في التاريخ: تجارياً مع العراق وإيران والهند واندونيسيا وزنجبار واليمن وحضرموت وافريقيا الشمالية، وسياسياً وحربياً مع ملوك بابل ونينوى والحيرة ومسقط وعمان وحضرموت واليمن والحجاز.
أبو ظبي (لمحة جغرافية)
هي أكبر المشيخات (أو الإمارات) في الساحل العماني، يحدها شمالاً مياه الخليج العربي، وجنوباً صحراء الربع الخالي وسلطنة عمان، وشرقاً سلطنة عمان ومشيخة دبي التي كانت جزءاً منها إنما فصلت عنها سنة 1833م، عندما استقل آل مكتوم بها بعد خروجهم من أبي ظبي، وغرباً إمارة قطر وما يسمى المملكة العربية السعودية، فهي تمتد من خور (العديد) غرباً حيث تقع إمارة قطر حتى رأس «حيصاسن» شرقاً حيث تقع مشيخة دبي، وتشمل أراضيها في الداخل جنوباً أرض «الظفرة» وواحة (ليوا) أو «الجواء» كما تشمل شرقاً مدينة «العين» وضواحيها السبع، وتشمل أيضاً واحة (البريمي)، أما مساحة هذه المشيخة فهي 80% من مساحة الدولة، وقد برزت أبو ظبي إلى الوجود زاهية منذ قرنين من الزمن فقط.
من أين جاء اسمها؟
سميت أبا ظبي لكثرة الظباء فيها، لكن ظباءها كادت تنقرض لوفرة ما حل بها من سهام الصيادين وبنادقهم، وهناك أسطورة حول اسمها تقول إن أحد الصيادين طارد ظبياً وأصاب منه مقتلاً، ثم أكل منه بشهوة زائدة، ولما أدركه العطش لم يجد ماء في تلك المفاوز، فمات إلى جانب الظبي الذي قتله فدعي أبا ظبي، ثم أطلقت هذه الكنية على المنطقة بكاملها.
عاصمتها
أما العاصمة فهي مدينة أبي ظبي، التي تقع على جزيرة كانت متصلة بالبر وبقية اجزاء الإمارة، بواسطة برزخ عريض، إلا أنه جرى اتصالها بالبر حديثاً بواسطة جسر «المقطع» الفخم الذي كلف انشاؤه 1350 مليون درهم.
جزر أبي ظبي
يتبع إمارة أبي ظبي نحو 200 جزيرة أهمها جزيرة داس تبعد عن العاصمة 128 كيلومتراً في البحر شمالاً، وهي جزيرة صغيرة طولها ميل وعرضها ثلاثة أرباع الميل، وقد تفجر البترول حولها في السنوات الأخيرة، وأقيم عليها سنة 1956م، مدينة يعيش فيها 800 خبير وعامل في شؤون البترول، ثم جزيرة «صير بني ياس» التي تبعد عن العاصمة مسافة 232 كلم. ويقع قبالتها على الشاطىء «جبل الظنة» الذي ينتهي عنده في البر خط أنابيب البترول المتدفق من «مريان»، وتمتاز هذه الجزيرة بعمق قاع البحر حولها إذ يصل إلى 46 قدماً، وبأن في جانبها مضيقاً طوله 27 كلم. لذلك أقيم ميناء لتصدير البترول الخام منها، ومن جزرها الهامة «دكا» التي لعبت دوراً كبيراً في أيام الغوص للبحث عن اللؤلؤ إذ كان توافر الماء الصالح للشرب فيها، وقربها من مغاصات اللؤلؤ، سبباً لتجمع الغواصين فيها في فصل الصيف الذي يقوم الغواصون فيه بالغوص بين 15 أيار و15 أيلول.
البادية والحضر
يتوزع السكان في هذه المشيخة بين المدن والقرى يعيشون حياة حضرية، والبادية حيث يقطنون منذ القدم في مراكز متعددة، وحيث يتجولون في صحرائهم الواسعة سعياً وراء الكلأ والمرعى وأكبر أماكن تجمعهم مدينة «أبي ظبي» عاصمة المشيخة، ثم القرى التي في واحة «ليوا» في أرض «الظفرة»، وفي مدينة «العين» وضواحيها.
أشهر قبائل أبي ظبي
في هذه المشيخة قبائل هامة كبيرة: بنو ياس، والمناصير، والظواهر والعوامر. ويعتبر بنو ياس حلفاً من قبائل عديدة يتزعمها جميعاً آل نهيان حكام المشيخة، ويتألف هذا الحلف من 15 عشيرة كبيرة و6 عشائر صغيرة، ويسكن بنو ياس في العاصمة كما يسكن كثيرون منهم في واحة «اليوا» في أرض الظفرة لأن الظفرة هي معقل بني ياس الأول الذين عاشوا فيه، ويتوافر الماء في واحة (ليوا) حيث تزرع أشجار النخيل بكثرة، وفي مدينة العين وضواحيها مزارع وأماكن لآل نهيان أنشئت منذ نحو 150 عاماً، وتسكن قبيلة المناصير أرض الظفرة أيضاً، وهي حليفة بني ياس منذ القديم، وللمناصير بساتين نخيل في واحة ليوا، وتتألف هذه القبيلة من بعض العشائر أشهرها ثلاث: آل منذر، وآل أبي رحمة، وآل أبي الشعر، وتقطن قبيلة الظواهر مدينة العين وبعض ضواحيها، وهي تتألف من 15 عشيرة، أما قبيلة العوامر فإنها تتجول بين أرض «الختم» غربي البريمي وأرض «الكدن» جنوبي الظفرة، وهي تتألف من 15 عشيرة مهمة.
أبو ظبي في التاريخ
عاش بنو ياس حياة البداوة في الظفرة فترة طويلة، وحين أعلن الإمام «الناصر» بن مرشد اليعربي إمام مسقط الجهاد سنة 1624م، لتحرير عمان وسواحلها من البرتغاليين المغتصبين، لبت عمان كلها، حضرها وبدوها، النداء، وشارك بنو ياس قبائل الظاهرة في ذلك الجهاد وطردوا البرتغاليين من قلعة «جلفار» في أرض «الصير». وقد حكمت دولة اليعاربة عمان من سنة 1624م، حتى سنة 1749م، ويعتبر عهدها من أزهى عهود الحكم في عمان، فإنهم حرروا البلاد من البرتغاليين، وأنشؤوا أسطولاً تتبعوهم به على سواحل إفريقيا والهند، كما عنوا بالزراعة والتجارة وشؤون الري، وشملوا بعنايتهم منطقة البريمي فشقوا فيها الأفلاج «الأنهر» الجديدة واهتموا بإصلاح القديمة ولكن التفرقة أصابت البلاد في أواخر هذه الدولة إذ نشبت حرب أهلية بين سكانها من سنة 1718م، حتى سنة 1728م، فانشطرت قبائل عمان بعد وحدتها شطرين سياسيين كبيرين: الكتلة الهناوية والكتلة الغافرية.
وكان تحرير عمان من البرتغاليين سبباً لظهور تنقلات جديدة للقبائل لا في عمان وحدها بل في شرق الجزيرة العربية كله، إذ عم الأمان في ساحل الخليج العربي بعد فترة من الرعب والإرهاب اللذين اتسم بهما العهد البرتغالي، فبدأت هجرة القبائل العربية إلى السواحل حث استأنفت نشاطها القديم في التجارة والملاحة والغوص على اللؤلؤ، وقد ظهرت دولة (آل أبو سعيد) في مسقط سنة 1749م، فبرزت مع ظهورها قوتان سياسيتان جديدتان على سواحل عمان، واستقلتا عن سلطنة مسقط، القوة الاولى: بحرية تألفت من حلف قبائل «القواسم»، وكان مقرها رأس الخيمة، والقوة الثانية: برية هي قوة بني ياس وحلفائهم من القبائل، وقد تزعم هذه القوة آل نهيان الذين استقروا في الظفرة ومدينة أبي ظبي وما حولها من الأراضي التي تمتد من «العديد» حتى دبي وقد عاصر حركة القبائل هذه في هجرتها نحو الساحل تحرك جماعة «العتوب» من نجد إلى الكويت والبحرين، وتذكر المصادر أنه بينما كان بنو ياس يتجولون في منطقتهم، عثر أحد رجالهم سنة 1761م، على الماء في جزيرة أبي ظبي، فأخذ أفراد القبيلة يهاجرون إلى تلك الجزيرة ويبنون بيوتهم حول بئر الماء فيها، وسرعان ما انتشر خبر العثور على الماء بين بني ياس فهاجر فريق منهم إليها، وما زال بناء البيوت يزداد حتى بلغ خلال عامين 400 بيت، وقد نجح الشيخ عيسى بن نهيان في جمع بني ياس تحت لوائه في أواخر القرن الثامن عشر، وهو يعتبر أول حكام آل نهيان في إمارة أبي ظبي، وتمكن ابنه الشيخ ذياب من حكم البلاد بعده متخذاً مقره أرض الظفرة في الداخل، إلا أنه كان بين فترة وأخرى يتفقد رعاياه في مدينة أبي ظبي الناشئة.
خلفاء الشيخ ذياب
تقلد الشيخ شخبوط بن ذياب أمر الإمارة سنة 1793م، بعد أبيه، ونقل مقر حكمه من الداخل إلى مدينة أبي ظبي في الجزيرة، وفي سنة 1816م، تنازل الشيخ شخبوط عن الحكم لأولاده، وقد قضى معظم أوقاته بعد تنازله، بين مزارعه وبساتينه التي أنشأها في منطقة البريمي، فاشتهر آل نهيان، منذ ذلك الحين برعايتهم لشؤون الزراعة والري في الواحة، وفي تلك الفترة عينها تحالفت قبيلة الظواهر مع قبيلة بني ياس.
وكان أول من تولى الإمارة بعد الشيخ شخبوط ابنه الأكبر الشيخ محمد الذي أدار شؤونها بين سنتي 1816م ـ و1818م، ثم خلفه أخوه الشيخ طحنون بن شخبوط حتى سنة 1833م، وقد تطورت مدينة أبي ظبي في عهده بسرعة، فكثر عدد سكانها ونشط أهلها في بناء السفن وأعمال الغوص كما أخذت جزيرة (دلما) تحتل مكانتها بين أهل الغوص في الخليج، ثم حكم الإمارة الشيخ خليفة بن شخبوط من سنة 1833م إلى سنة 1845م، وقد توفي والده الشيخ شخبوط بن ذياب في بداية حكمه، وفي أول عهده أيضاً انسحبت جماعة آل «بو فلاسة» من أبي ظبي واستقرت في دبي سنة 1833م، وتولى الإمارة بعد الشيخ خليفة الشيخ سعيد بن طحنون من سنة 1845م، إلى سنة 1855م، ثم اختارت العائلة زايد بن خليفة كي يحكم الإمارة بعد الشيخ سعيد، فاستمر حكمه مدة طويلة بين عامي 1855م و1909م.
وفي سنة 1869م، تعاون الشيخ زايد مع الإمام عزان بن قيس ووطدا نفوذهما معاً في منطقة البريمي، فعم البريمي و«حماسة» و«صعرة» نفوذ حكام مسقط، وعم قرى العين والهيلي وقطارة والجيمي والمعترض والجاهلي ومويجعي نفوذ آل نهيان منذ ذلك التاريخ، وأصبحت العين وضواحيها المنطقة الشرقية في إمارة أبي ظبي.
اللؤلؤ في عهد زايد الكبير
انتعشت الحياة الاقتصادية في الإمارة في عهد الشيخ زايد الكبير، وكان عهده «العصر الذهبي» لتجار اللؤلؤ إذ كانت أسواقه رائجة في عواصم أوروبا والهند، وكانت جزيرة «دلما» الآنفة الذكر ذات أهمية خاصة في أيام الغوص، وكان الغواصون إذا اشتدت عليهم الريح يلجؤون إلى مدينة أبي ظبي لقربها من ضائقتهم، وقد ساهم أهل أبي ظبي في أعمال الغوص فكان لهم أسطول من المراكب يتألف من 410 مراكب وقد يصل عددها إلى الألف أحياناً، وقد قدر عدد المشاركين في الغوص من أهالي هذه الإمارة في ذلك الوقت بما يعادل خمس الغواصين في الخليج كله، إنما ضعف الاقبال على شراء اللؤلؤ الطبيعي، بعد زايد الكبير بعشرين عاماً وزاد في قلة الإقبال هذه ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني الرخيص، فحلت بالبلاد كارثة اقتصادية لم ينقذها إلا ظهور الذهب الأسود أي البترول ص 178.
خلفاء زايد الكبير
توالى على الحكم بعد زايد الكبير أربعة من أولاده لم يحكم كل منهم سوى سنين قليلة، ثم نشبت الخلافات العائلية على تولي الحكم وبناء الدولة، وكثرت الاغتيالات بينهم، وقد بقي الخلاف على أشده إلى أن تولى الشيخ شخبوط بن سلطان حكم الإمارة 38 عاماً، وقد أسند إلى أخيه الشيخ زايد بن سلطان إدارة شؤون المنطقة الشرقية أي مدينة العين وضواحيها السبع، وقد قضى الشيخ زايد بن سلطان في إدارة شؤون هذه المنطقة القريبة من الصحراء 20 عاماً وفي 6 آب سنة 1966 تنازل الشيخ شخبوط عن الحكم لأخيه الشيخ زايد بن سلطان.
قصة الذهب الأسود (البترول)
ظهر الإهتمام بالبحث عن البترول في إمارة أبو ظبي سنة 1935م، وحصلت شركة «تطوير الساحل المهادن» في 11 كانون الثاني سنة 1939م، على امتياز البحث عن البترول في أرض الإمارة، ونشبت الحرب العالمية الثانية فتوقف العمل، ثم عاد التنقيب ثانية بعد الحرب سنة 1947م، وبعد جهود طويلة في أماكن متفرقة تم العثور على البترول بصفة تجارية سنة 1959م، في حقل «مربان» جنوبي منطقة «طريف»، وقد بحثت الشركة عن ساحل عميق في أرض الإمارة، يصلح لأن يكون ميناء للتصدير، فاختارت جزيرة «صير بني ياس» قبالة جبل «الظنة» لتكون نهاية خط أنابيب قُطْر كل منها 24 بوصة، ويبلغ طوله 70 كلم، كما أقامت الشركة في الجبل المذكور صهريجان للخزن يتألف من 6 أحواض سعة كل منها 250 ألف برميل، وفي 5 كانون الأول سنة 1963م، تحركت أول ناقلة بترول تحمل الذهب الأسود من ميناء جبل الظنة إلى خارج الخليج العربي، وقد أطلقت الشركة على نفسها سنة 1965م، اسم «شركة بترول أبي ظبي»، وفي ذلك العام أيضاً بدأ الإنتاج من قبة «أبو حسا» بعد الانتهاء من إنشاء تسهيلات التجمع ومد خط أنابيب قطر كل منها 14 بوصة، وطوله 21 ميلاً، وهو يربط هذه المنشآت بخط الأنابيب الرئيسي «منشآت جبل الظنة».
وبعد هذه التدابير والاستعدادات تدفق البترول غزيراً في الإمارة متجاوزاً في كل عام أرقام العام الذي قبله، فارتفع انتاجه من 70,415 طناً سنة 1963م، إلى 12,175,754 طناً سنة 1967م، وارتفعت عائداته من مليونين وربع المليون دينار سنة 1963م، إلى 80 مليون دينار سنة 1968م.
هذه هي قصة البترول في البر، أما في البحر فقد حصلت شركة مناطق أبي ظبي البحرية المسماة أدما {Adma} سنة 1953م، على امتياز للبحث في المياه الإقليمية للإمارة وفي منطقة قاع البحر، وبعد إجراء عدد من التجارب والأبحاث جاءت النتائج مشجعة، فقررت الشركة إقامة مخيم لها في جزيرة «داس» سنة 1956م، وفي سنة 1958م، وعلى بعد 40 كلم إلى الشمال الشرقي من الجزيرة، بدأ الحفر والكفاح الطويل في منطقة «أم شعيف»، وفي 3 تموز سنة 1962م، تحركت أول ناقلة بترول من حقل «أم شعيف».
فلم تمض سنوات ثلاث حتى انتقلت إمارة أبي ظبي من منطقة صحراوية إلى دولة عصرية، مجهزة بالماء والكهرباء، والقصور الشامخة، والعمارات الباذخة، والدارات الأنيقة، والحدائق الحديثة الغناء، والطرقات المعبدة العريضة التي تربط بين أجزاء البلاد من داخلية وساحلية.
اتحاد الإمارات
ولما أعلنت بريطانيا عزمها على الأنسحاب من الخليج في موعد أقصاه سنة 1971م، فكرت الإمارات بإنشاء دولة لاتحاد الإمارات العربية، وبالفعل قامت هذه الدولة.
وفي 25 أيار سنة 1968م، عقد الاجتماع الأول للمجلس الأعلى لهذه الدولة في مدينة أبي ظبي برئاسة الشيخ زايد بن سلطان.
وأبو ظبي ككل إمارات الاتحاد تعتبر من مواطن الشيعة التي لهم فيها مساجدهم ونواديهم الحسينية ومؤسساتهم الاجتماعية.
أديب فرحات
(راجع الإمارات العربية المتحدة)
اتفاق صحاح الأثر
لابن البطريق
ابن البطريق هو أبو الحسين (أبو زكريا) شمس الدين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي الأسدي الحلي (تـ شعبان 600هـ/ نيسان 1204م)، محدث وفقيه ومتكلّم. ولا يعرف سبب اشتهار جدّه بالبطريق، كما لا تتوفر معلومات وافية عن حياته ونشأته العلمية. كان من أهل الحلة وعاش مرحلة من حياته فيها. وربما أنه مات عن 77 عاماً فلا بدّ من تصور ولادته في حوالي سنة 523هـ/1129م.
ومؤلفاته الآتية فقدت وهي:
إتفاق صحاح الأثر في إمامة الأئمة الاثني عشر؛ تصفح الصحيحين في تحليل المتعتين؛ الرد على أهل النظر (أو الرد على من أهمل النظر) في تصفح أدلة القضاء والقدر؛ نهج العلوم إلى نفي المعدوم، المعروف بسؤال أهل حلب.
وأشهر كتب ابن البطريق هو عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، وقد تم طبعه في تبريز (1309هـ) ثم في قم (1407هـ) وفي طهران (1412هـ).
ولابن البطريق كتاب آخر أيضاً في باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وهو مستدرك على كتاب عمدة ويسمى المستدرك المختار في مناقب وصي المختار، وكان لابن البطريق كتاب في تاريخ رجال الشيعة أخذ عنه ابن حجر في لسان الميزان.
أبيورد
مدينة تقع على السفوح الشمالية لجبال خراسان التي تعد حالياً جزءاً من تركمنستان.
يذكر كريستن أن أمراءها كانوا يلقبون بـ (وهمنه). وورد في تواريخ الحملات الإسلامية على حدود خراسان أن البهمنه كبير أبيورد قدم على ابن عامر وصالحه على أربعة آلاف درهم. وينسب البعض فتح هذه المدينة إلى الأحنف بن قيس التميمي.
وتذكر أقدم الكتب الجغرافية الإسلامية أن أبيورد كانت جزءاً من ناحية نيسابور، فقد ذكر الاصطخري: أنها إحدى نواحي ولاية نيسابور.
عرفت أبيورد منذ القرن الرابع الهجري وما بعده باسم خابران أو خاروان، وكان مركزها مهنه أو (ميهنه).
تعرضت هذه المدينة خلال الحملة المغولية إلى أضرار كبيرة، إلا أن المستوفي يصفها في القرن الثامن بأنها: «مدينة متوسطة من الإقليم الرابع». وفي أواخر حكومة الإيلخانيين المغول، وخصوصاً بعد وفاة الإيلخان أبي سعيد؛ نشبت حروب داخلية في المنطقة بسبب صراع ملوك الطوائف فيما بينهم طلباً للنفوذ والسلطان.
وكانت حركة السربداريين من أبرز حركات التحرر التي نضجت بفعل مؤازرة المظلومين من أبناء هذه المنطقة لها، حيث ساهمت مدينة أبيورد وأهلها بدور فاعل في هذه الحركة ويذكر خواندمير بأن شيخ السربداريين وزعيمهم المعروف بالشيخ حسن الجوري كان يدعو أهالي أبيورد وخبوشان ومشهد المقدسة وغيرها إلى طريقة الشيخ خليفة الذي كان يتبع المذهب الشيعي. دمرت هذه المدينة تماماً في زمن الصفويين بسبب الغارات المتكررة التي كانت قبائل التركمان والأزبك تشنها باستمرار.
وفي العهد القاجاري ألحقت بتركمنستان الروسية عند تعيين الحدود الإيرانية الروسية عام 1885م، بسب أهميتها وكونها الخط الدفاعي الأول لخراسان.
الأثر
الأثر في الأصل نتيجة التأثير، وما بقي من رسم الشيء ويطلق على سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقال: ورد في الأثر كذا وكذا، والجمع آثار.
الإثراء بلا سبب
قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتاب نظرية الالتزام: «إن الفقه الإسلامي لا يعترف بالإثراء بلا سبب كقاعدة عامة» وقبل أن أبدي رأيي بهذا القول أشير إلى معنى القاعدة التي عناها الدكتور.
معنى الإثراء بلا سبب
أن يثري الإنسان على حساب غيره بدون سبب قانوني. إذن لهذه القاعدة ثلاثة أركان الأول: أن يكون هناك إثراء في جانب، والمراد بالإثراء الانتفاع، الثاني: أن يترتب على هذا الإثراء افتقار في جانب آخر، أي خسارة، الثالث: أن لا يقوم سبب مشروع لهذا الإثراء،، فإذا لم يحصل انتفاع أصلاً، أو حصل في جانب، ولم يترتب عليه خسارة في جانب آخر، كمن حفر عيناً في أرضه فارتفعت قيمة أرض جاره، أو غرس حديقة في داره فتحسنت الدار المجاورة لها، أو حصل الإثراء والخسارة، ولكن نص القانون على شرعية هذا الإثراء إذا كان الأمر كذلك، فلا يرجع المكتسب منه على الكاسب، لعدم تمامية الأركان الثلاثة، ومتى تمت الأركان بكاملها رجع عليه، وألزم الكاسب بالرد والتعويض عل المكتسب منه. وهذا المعنى يتفق مع ما نقله الدكتور عن القانون الفرنسي والمصري، ويتفق أيضاً مع المادة 140 موجبات وعقود «القانون اللبناني».
موارد القاعدة التي يعترف بها
الفقه الإسلامي
قال فقهاء الشريعة الإسلامية: من استولى على مال الغير بدون حق يلزم برده ما دامت العين باقية، وبرد مثله أو قيمته إن تلفت، واستدلوا بالآية 188 من سورة البقرة: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْولَكُم بَيْنَكُم بِآلْبَاطِلِ}، وبحديث (لا يحل مال امرىءٍ مسلم إلا عن طيب نفس) وينطبق هذا على موارد عديدة منها:
1 ـ الاستيلاء على مال الغير بغياً وعدواناً.
2 ـ الاستيلاء عليه خطأ، كمن لبس ثوب غيره، وهو يظن أنه ثوبه، أو جهلاً، كمن تصرف في عقار تلقاه من مورثه، ثم تبين أن المورث كان غاصباً.
3 ـ من قبض مالاً من آخر، كي يرتكب محرماً كالقتل والسرقة، أو يفعل واجباً، كالصوم والصلاة، أو يرتكب جريمة، ففي جميع هذه الحالات يرد المال إلى صاحبه، حيث لا أجرة على ترك المحرمات، ولا فعل الواجبات، وبالأولى على ارتكاب جريمة.
4 ـ إيفاء ما لا يجب، كمن يدفع مالاً للغير، وهو يعتقد أنه صاحب حق، ثم يتبين أن لا حق له.
5 ـ من دفع مالاً لغيره على عمل لا تقصده العقلاء، بل يعد في نظرهم عبثاً ولغواً، كما لو قال شخص لآخر: اغترف من ماء البحر عشرين تنكة وردها إليه، ولك كذا([292]).
6 ـ من بذل طعاماً للمضطر فإنه يرجع عليه بما بذل([293]).
7 ـ لو توقف حفظ الوديعة على بذل مال لا يساوي قيمتها، ودفعه من هي في يده لأجل حفظها كان للباذل الحق بالرجوع على صاحب الوديعة بما بذل.
فهذه الموارد، وما إليها ينطبق عليها الإثراء بلا سبب الذي قال به القانون الفرنسي، والقوانين المأخوذة عنه كالقانون المصري واللبناني، وكذلك ينطبق عليها الاستيلاء على مال الغير بدون حق الذي قال به فقهاء الإسلام، وأوجبوا فيه الضمان.
الموارد التي لا يعترف بها الفقه الإسلامي
وهناك موارد يكتسب فيها مالاً على حساب غيره بلا سبب من إرث ونحوه أو اتفاق بين الطرفين، ومع ذلك فقد رأيت من فقهاء الإسلام من لا يحكم فيها بالضمان، لأنها ليست عندهم أكلاً للمال بالباطل، ولا استيلاء بغير حق، منها:
1 ـ لو عمر رجل دار زوجته أو ولده أو جاره، أو غرس أرض أحدهم أو أصلح شأناً من شؤونهم واستدعى ذلك أن يبذل من ماله الخاص، لا يحق له المطالبة بشيء إذا فعل بدون إذن، لأنه متبرع، وإن لم يقصد التبرع، وكذا لو أنفق المديون على زوجة الدائن أو ولده بغير أمر منه، فجميع هذه الموارد، وما إليها يعتبر الباذل متبرعاً وفضولياً لا يستحق شيئاً، وإن لم يقصد الهبة والمجان، لأنه يعلم بأنه غير ملزم بما دفعه.
2 ـ أن يعيد شخص طبع كتاب بدون إذن المؤلف، أو يسرق تصميماً لآلة نافعة، وضعه مهندس بعد سنوات طوال وجهود جبارة، فيكتسب طابع الكتاب وسارق التصميم أموالاً طائلة على حساب الغير.
3 ـ خطيبة تعمل لخطيبها بغير أجرة طمعاً بالزواج منه، وينتفع هو بخدمتها، ثم لا يتم الزواج.
4 ـ عارف الأنساب يهدي الوارث إلى ميراث كان يجعله.
5 ـ إذا اشترى أشخاص أرضاً، ودفعوا ثمنها كاملاً للبائع، ولم يلتزموا حين عقد البيع بدفع أي دين على الأرض، ثم اشترى شخص آخر باقي الأرض من البائع، ووجد أنها كانت مرهونة هي والأرض المباعة لسواه من قبل، فسدد المشتري الأخير ما على الأرض كلها من ديون، ليدفع عن أرضه خطر نزع الملكية، حيث إن المفروض لا يمكن الرجوع على البائع بحال، وأنه لا وسيلة أخرى لدفع هذا الخطر. وقد حملت المحاكم المصرية على المشترين الأولين بأن يدفعوا للمشتري الأخير الأموال التي سددها عن أرضهم استناداً لقاعدة الإثراء بلا سبب([294]).
6 ـ وقال الشهيد الثاني في كتاب المسالك باب الديات، في مسألة ما إذا كان إنسان في السفينة وأشرفت على الغرق، وكان فيها أمتعة له ولغيره، قال: «لو ألقى متاع غيره بغير إذنه وجب الضمان، لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه من غير أن يلجئه إلى الإتلاف، كما إذا أكل المضطر طعام الغير» أي كما أن المضطر إذا أكل طعام غيره دفعاً للضرر عن نفسه يجب عليه أن يدفع ثمن الطعام لصاحبه، وإن لم يكن آثماً كذلك إذ ألقى متاع الغير في البحر بغير إذنه دفعاً للضرر عن نفسه، يجب عليه أن يدفع ثمن المتاع، لأن من أتلف مال غيره فهو له ضامن، ولأنه لا يجوز دفع الضرر عن النفس بإدخاله على الغير، وعلى هذا لا يحق لصاحب المتاع التالف أن يرجع على أصحاب الأمتعة الباقية، مع أنهم قد انتفعوا على حساب غيرهم، وإنما يرجع على من أتلف متاعه دون غيره.
فهذه الموارد، وما إليها لا ينطبق عليها الاستيلاء بغير حق، لأن التصرف والقذف كان بغير إذن الكاسب، وقد دفع المكتسب منه، وهو يعلم بأنه لا يجب عليه الدفع، لذا لا يحكم له بالرد والتعويض.
معنى السبب
وبالتالي، فإن الفقه الإسلامي يتفق مع القانون الفرنسي والمصري واللبناني على من أثرى على حساب غيره بلا سبب مشروع يلزم بالرد وكذلك يتفق الفقه والقانون على أنه إذا حصل الإثراء برضى الطرفين واتفاقهما فلا رجوع ولا رد، ويفترقان فيما إذا لم يكن الإثراء باتفاق الطرفين كالفضالة، فإن القانون يجيز للفضولي أن يرجع على الثري بما أنفقه من المصروفات([295])، والفقه الإسلامي لا يوجب شيئاً للفضولي، ويعتبره متبرعاً، وإن لم يقصد التبرع إلا في حالة ما لو أنفق إنسان من ماله لحفظ نفس محترمة يخشى عليها من التلف وكان من قصده الرجوع بما أنفق هذا إذا بذل المال لتخليص غيره فحسب، أما لو فعل لتخليص نفسه واستتبع ذلك تخليص غيره فلا يحق له الرجوع بشيء، كما لو كان جماعة في سفينة مشرفة على الهلاك، وألقى أحدهم متاع نفسه في البحر بدون أن يتعهد أحد له بالضمان، فسلمت السفينة بسبب ذلك فلا يحق للملقي الرجوع على غيره «لأنه ساعٍ لتخليص نفسه، ومؤدٍ واجباً عليه، وإن حصل بذلك تخليص غيره فلا يرجع عليه»([296]).
وعلى أية حال فإن الفقه الإسلامي يعترف بقاعدة الإثراء بلا سبب، ويعتبرها موجبة للضمان، ولكن يختلف مع القانون في تحديد معنى السبب، فهو يرى أن الشرط الأساسي لسبب الإثراء المشروع أن لا يستدعي المزاحمة لحق الغير من قريب أو بعيد، كالإرث، وإحياء الموات، وحيازة المباحات، وبعض أنواع اللقطة، والعقد الحاصل برضى الطرفين والبذل باختيار الباذل بدون إذن المبذول له وطلبه، سواء أقصد التبرع والمجان أم لم يقصد. بل نوى الرجوع والمطالبة، لأن مجرد عدم نية التبرع لا تجعله غير متبرع ما دام يعلم أنه غير ملزم بالدفع والبذل وعلى هذا نصت المادة 181 من القانون المدني الجديد المصري، وقد اتفق الفقه والقانون على أنه ليس للمشتري الرجوع بالثمن على البائع إذا اشترى منه متاعاً يعلم أنه سرقه، لأنه سلطه عليه بلا عوض، وهذا يؤيد أن مجرد البذل لا يستتبع الضمان([297]).
وقد اختلف المشترعون الأجانب أنفسهم في تفسير السبب، ويتفق قول بعضهم مع الفقه الإسلامي، فالأستاذ ريبير يسمي الإثراء بلا سبب «الإثراء غير العادل»([298])، وهذا تعبير ثان عن الإثراء بغير حق، والأكل بالباطل. ولعل الدكتور أراد من قوله (لا يعترف الفقه الإسلامي بالإثراء بلا سبب كقاعدة عامة) أراد أنه لا يفسر السبب كما يفسره القانون المصري، وإلا فإن الفقه الإسلامي يعترف بالقاعدة ويعتبرها موجبة للضمان، وإن لم يعبر بلفظ الإثراء بلا سبب.
محمد جواد مغنية
الإثم
هو الذنب الذي يستوجب العقوبة. جمعه آثام. والأثام بدون مد: العقوبة، قال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}، أي: عقاباً. وأثم يأثم إثماً (بكسر الهمزة) وأثماً (بالفتح) وآثاماً ومأثماً: عمل ما لا يحل فهو أثم وأثوم وأثم. وأثمه الله يأثمه (بضم الميم) ويأثمه (بكسرها): عده آثماً فهو مأثوم. وأثمه: قال له أثمت. وآثمه: أوقعه في الإثم. وتأثم تحرج عن الوقوع في الإثم وازدجر.
والإثم الذنب والميسر والخمر، فيقال: تعاطى الإثم، والمأثم والمأثمة: ما يأثم به الإنسان، والذنب.
الاثنا عشرية
الإثنا عشرية صفة تطلق على الشيعة لأنهم يقولون باثني عشر إماماً معينين بأسمائهم. والإثنا عشرية يقصد بها نفس ما يقصد بالجعفرية.
وكلا الإثني عشرية والجعفرية تقابل الشيعة الزيدية والشيعة الفاطميين لأن هذين الفريقين لا يقولان باثني عشر إماماً. وقد يعرف الفاطميون بالسبعية لافتراقهم عن الجعفرية من الإمام السابع. كما أن (الإمامية) أصبحت في العصور المتأخرة تعني ما تعنيه الإثنا عشرية الجعفرية.
وقد روى أهل السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الخلافة في قريش، وإن عدد الخلفاء إثنا عشر خليفة. فقد جاء في صحيح البخاري ج 9 كتاب الأحكام ما نصه: «قال رسول الله: لا يَزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم إثنان، ويكون إثنا عشر أميراً».
وقال ابن حجر العسقلاني وهو يشرح هذا الحديث في كتاب فتح الباري ج13 ص 183 طبعة 1301هـ: «كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: إثنا عشر».
ولكن السنيين اختلفوا في تفسير هذه الرواية وتعيين المقصود بالاثني عشر. فمنهم من قال: إن الإثني عشر لم يخلقوا بعد وسيخلقون، ومنهم من قال: إن المراد بالإثني عشر غير أصحاب الرسول لأن حكم أصحابه يرتبط بحكمه، ومنهم من قال: إن المراد وجود إثني عشر إماماً في مدة الإسلام، وإن لم تتوال أيامهم. إلى غير ذلك (فتح الباري للعسقلاني ج 13 ص183 وما بعدها طبعة 1301هـ).
أما الأئمة الإثنا عشر عند الشيعة فهم: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسن، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، عي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، محمد بن الحسن المهدي.
وقد ورد في دائرة المعارف الإسلامية بحث عن الإثني عشرية بقلم (هيوار) فيه من الخلط والخبط ما يؤسف له وما يدل على جهل صاحبه كل الجهل. من ذلك قوله: إن الفرس نظروا إلى هؤلاء الأئمة كما ينظر النصارى إلى أقانيمهم، إلى آخر ما قاله من أمثال هذا وغيره مثل قوله: هناك صلوات خاصة بهم. ويوم الأحد مقدس عندهم من أجل علي وفاطمة. والساعة الثانية من كل يوم مقدسة من أجل الحسن، والثالثة من أجل الحسين، والرابعة من أجل زين العابدين، وهكذا…
إلى غير ذلك من الأقوال التي اكتفينا بنقل نماذج منها. وهذا الذي ذكره مما نقلناه ومما لم ننقله، كله بهتان محض وجهل صريح ولا حقيقة له ولا أصل. ومن المؤسف أن تتضمن دائرة المعارف الإسلامية مثل هذا الإفك الفاضح.
أجأ
أجأ: هو الجبل الذي يقرن اسمه إلى اسم جبل آخر فيقال: أجأ وسلمى ويقعان في متوسط شمال جزيرة العرب إلى الشمال من مدينة حائل في نجد وكثيراً ما يعرفان باسم جبلا طيىء. واشتهر أجأ بالصنم الذي كان فيه والذي كانت قبيلة طيىء النازلة هناك تعبده. وهو صنم فريد من نوعه لم يكن من صنع الإنسان، بل هو كما يصفه القزويني في (عجائب المخلوقات): «كان على أجأ أنف أحمر وكأنه تمثال يسمونه فلسا. كان طيىء يعبدونه».
وذكر أجأ وسلمى الزمخشري فقال: «أجأ وسلمى جبلان عن يسار سميراء، وقد رأيتهما وهم شاهقان كما ذكرهما أبو عبيد السكوني دون أن يسمي (سلمى) فقال: «أجأ أحد جبال طيىء وهو غربي فيد، وبينهما مسيرة ليلتين، وفيه قرى كثيرة».
ويقول ابن بليهد المعاصر في صحيح الأخبار: «إن أجأ لا يزال معروفاً في الإسلام إلى يومنا هذا، وهو جبل أسود به حمرة، وبه قلات([299])، تلزم الماء، وبه نخيل عظيمة».
وقد ورد ذكر أجأ كثيراً في الشعر العربي فمن ذلك قول امرىء القيس:
| دع عنك نهباً صيح في حجراته | ولكن حديثاً ما حديث الرواحل | |
| أبت أجأ أن تسلم العام جارها | فمن شاء فلينهض لها من مقاتل | |
| تبيت لبوني بالقرية آمنا | وأبعثها غبا بأكناف حائل |
وقول الطائي:
| ومن مبلغ عمرو بن هند رسالة | إذا استحقبتها العيس تنضى من البعد | |
| أيوعدني والرمل بيني وبينه | تأمل رويداً ما أمامة من هند | |
| ومن أجأ حولي رعان كأنها | قنابل خيل من كميت ومن ورد |
وقول زيد بن مهلهل الطائي:
| جلبنا الخيل من أجأ وسلمى | تخب نزائعا خبب الركاب |
وقول العيزار الطائي:
| إلا حي رسم الدار أصبح بالياً | وحي وإن شاب القذال الغوانيا | |
| تحملن من سلمى فوجهن بالضحى | إلى أجأ يقطعن بيدا مهاويا |
وكان أجأ وسلمى موطناً لقبيلة طيىء التي كانت تعبد الصنم (فلس) ـ كما تقدم ـ فلما جاء الإسلام أرسل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب في مائة وخمسين من الأنصار فكسر فلساً.
وطيىء هذه التي كانت تنزل فيما تنزل جبلي أجأ وسلمى قد أضحت بجمهورها الذي نزل العراق من أنصار أمير المؤمنين علي (ع)، وقاتلت معه في حروبه كلها بقيادة زعيمها عدي بن حاتم الطائي.
الإجازة
تمهيد
ـ 1 ـ
تقسم طرق نقل الحديث وتحمُّله إلى ثمانية أقسام:
أولاً: السماع من لفظ الشيخ، وهو ينقسم إلى إملاء وتحديث من غير إملاء سواء كان من حفظه أو من كتابه. وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير وسنورد تفصيلات عن السماع في موضعه من هذا البحث.
ثانياً: القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمعونها عرضاً من حيث إن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرىء. ويتم العرض سواء كنت أنت القارىء، أو قرأ غيرك وأنت تسمع أو قرأت من كتاب، أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ أو لا يحفظ لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره…
ويورد ابن الصلاح (المقدمة، ص 65) والشهيد الثاني (الدراية، ص 87) تفصيلات عن العرض وهل أنه مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه.
ثالثاً: الإجازة، وهي موضع بحثنا في هذه الكلمة.
رابعاً: المناولة، وقد تطرقنا إلى بيان الفرق بينها وبين الإجازة في موضعه من هذا البحث.
خامساً: الكتابة أو المكاتبة. وتتم عندما يكتب الشيخ إلى الطالب وهو غائب شيئاً من حديثه بخطه، أو يكتب له ذلك وهوحاضر. ويلتحق بذلك ما إذا أمر غيره بأن يكتب له ذلك عنه. (ابن الصلاح، المقدمة، ص 83: والشهيد الثاني، الدراية ص 104).
سادساً: الإعلام. وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب أو الحديث روايته، أو سماعه من فلان مقتصراً عليه من غير أن يقول اروه عني، أو أذنت لك في روايته، ونحوه. (ابن الصلاح، المقدمة ص 84 ـ والشهيد الثاني، الدراية، ص 106).
سابعاً: الوجادة. ويتم هذا النوع من أخذ الحديث ونقله عندما يجد إنسان كتاباً، أو حديثاً لشخص رواه بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولا له منه إجازة، ولا نحوها.
ويحق لمن وجد ذلك أن يقول وجدت بخط فلان أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه: أخبرنا فلان بن فلان، ويذكر شيخه ويسوق سائر الأسناد والمتن. أو يقول: وجدت، أو قرأت بخط فلان، عن فلان ويذكر الذي حدثه، ومن فوقه. (ابن الصلاح المقدمة، ص 86).
ثامناً: الوصية بالكتب. وذلك أن يوصي الراوي بكتاب يرويه عند موته، أو سفره، لشخص. (ابن الصلاح، المقدمة، ص 85). ولم يورد الشهيد الثاني النوع المذكور من طرق نقل الحديث وتحمله، وبين الطرق التي سردها في هذا الباب.
ـ 2 ـ
ينقسم السماع من لفظ الشيخ إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء وسواء أكان من لفظ الشيخ، أو من كتابه، وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير (ابن الصلاح، المقدمة، ص 140)، أما الطالب الذي يدرس على الشيخ فيقول عند روايته عنه:
1 ـ «سمعت» عند سماعه الحدث من الشيخ إذ لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه.
2 ـ يقول الراوي «حدثني وحدثنا» للدلالة على قراءة الشيخ عليه ولكن اللفظين الأخيرين يحتملان الإجازة على رأي بعضهم بخلاف «سمعت».
3 ـ يقول الراوي «أخبرنا» لظهور الإخبار في القول. ولكن لفظة أخبر تستعمل في الإجازة والمكاتبة فلذلك كان استعمالها أدون من العبارات السابقة في رقم 1 و2.
4 ـ يقول الراوي «أنبأنا» وتغلب اللفظة المذكورة في الإجازة وهي قليلة الاستعمال هنا قبل ظهور الإجازة، فكيف بعدها (الشهيد الثاني، الدراية ص 86).
ـ 3 ـ
كتب الحديث الأربعة عند الشيعة هي: (1) كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، (2) كتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن بابويه القمي، (3) كتاب التهذيب لمحمد بن الحسن الطوسي. (4) كتاب الاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي أيضاً.
ـ 4 ـ
الجرح والتعديل: يقوم الجرح والتعديل على معرفة صفة من تقبل روايته، ومن ترد روايته، وما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل ويشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، ويعني ذلك أنه يجب أن يكون مسلماً، بالغاً عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدث من حفظه ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه.
وتثبت عدالة الراوي بتنصيص المعدلين على عدالته كما تثبت بالاستفاضة أي اشتهاره بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم بالثقة والأمانة، ويورد ابن الصلاح قائمة بأسماء مشاهير المحدثين الذين لا يحتاجون إلى توثيق لاشتهارهم بالأمانة والصدق. وكان من بين هؤلاء: مالك، وشعبة، والسفيانيان والأوزاعي والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني (المقدمة، ص 50).
ويمثل ابن الصلاح وجهة نظر الجمهور من أهل السنة والحديث في وثاقة من ذكر من المحدثين لذا جاءت قائمته خالية من أي محدث من محدثي الشيعة يستحق التوثيق لشهرته بالصدق. وللشيعة وجهة نظرهم الخاصة في الجرح والتعديل ويجمعون في معرفة ضعفاء المحدثين وثقاتهم إلى كتب ألفها علماؤهم أمثال النجاشي، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والسيد جمال الدين أحمد بن طاووس، والعلامة جمال الدين بن المطهر، والشيخ تقي الدين بن داود وغيرهم…
الإجازة في اللغة والاصطلاح
الإجازة في اللغة: إعطاء الإذن. ولهذا المعنى أشار الفيروزآبادي بقوله: المحدثين آراء طائفة من اللغويين في معنى الإجازة في اللغة.
والإجازة في الاصطلاح: (إذن وتسويغ… وعلى هذا تقول: أجزت له رواية كذا كما تقول: أذنت له وسوغت له) وللشيخ آقا بزرك الطهراني رأي مفاده أن الإجازة تعني: (الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على إنشائه الإذن المشتملة على ذكر الكتب التي صدر الإذن في روايتها عن المجيز إجمالاً أو تفصيلاً، وعلى ذكر المشايخ كل واحد من هؤلاء المشايخ طبقة بعد طبقة إلى أن تنتهي إلى المعصومين (عليهم السلام)).
ويبدو مما سبق أن الإجازة، إذن ورخصة تتضمن المادة العلمية الصادرة من أجلها، يمنحها الشيخ لمن يبيح له رواية المادة المذكورة فيها عنه. وتكون الإجازة بهذا المعنى طريقة من طرق نقل الحديث وتحمله، من الشيخ إلى من أباح له نقل الحديث عنه.
الإجازة الشفهية والإجازة التحريرية
ويمنح الشيخ الإجازة لطالبها بطريقتين: إحداهما الإجازة بالمشافهة وثانيهما الإجازة التحريرية.
والإجازة الشفهية أقدم عهداً من الإجازة التحريرية.
وقد منح الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ) إجازة شفهية لأحد تلامذته. فروى التلميذ المذكور أنه قال لإمامه عند فراقه إياه: أحب أن تزودني، فقال الإمام: ائت أبان بن تغلب (ت 141هـ) فإنه سمع مني حديثاً كثيراً، فما روى لك عني فاروه عني([300]).
ويستفاد من الخبر السابق أن الإمام الصادق (ع) أجاز أبان مشافهة أن يروي الحديث عنه، كما أجاز لتلميذه أن يعدّ ما يرويه له أبان كأنه صادر عنه.
وكان أبان هذا من أشهر تلامذة الصادق(ع) وأبيه محمد الباقر (ع) (ت 117هـ)، وتعد إجازته المذكورة من الإجازات الحديثية التي ينتهي إسنادها إلى الأئمة.
وكان لأبان بن تغلب أصل([301]) ويعني ذلك أن أبان روى عن الأئمة لأن من لم يرو عنهم أو عن الذي رووا عنهم لا يمكن أن يكون من بين أصحاب الأصول حسب اصطلاح المحدثين من الشيعة.
وكانت إجازة أحمد بن علي البلخي (ت 385هـ) لهارون بن موسى التلعكبري من الإجازات الشفهية. ويروي التلعكبري عن مائة وأربعة رجال وامرأة واحدة.
وكانت روايته عن المذكورين على ثلاثة أقسام: القسم الأول بالمشافهة. والقسم الثاني بالمشافهة بالبعض والإجازة في الباقي. والقسم الثالث بالإجازة دون المشافهة، وقد نال الكلوذاني إجازة ابن بابويه القمي.
قال النجاشي: أخبرنا أبو الحسن العباس بن عمر بن عباس الكلوذاني قال: أخذت أجازة علي بن الحسين بن بابويه لما قدم بغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بجميع كتبه ونال الطوسي إجازة هلال الحفار كما نال التلعكبري فضلاً عما سبق، إجازة كل من الحسن بن محمد المرعشي الطبري، وقال السبكي: أخبرنا أبو سعيد خليل بن كيكلدي الحافظ سماعاً فيما أحسب، فإن لم يكن فهو إجازة. ومن الجدير بالذكر أن السماع الذي أشار إليه السبكي في روايته آنفة الذكر هو أعلى طرق نقل الحديث وتحمله.
أما الإجازات التحريرية فبالرغم من تأخر استعمالها بالقياس للإجازات الشفهية فإن لدينا منها ما يعود تاريخه للقرن الثالث للهجرة. ومن أقدم الإجازات التحريرية نقلاً عن القاسمي، ما قاله الإمام أبو الحسن محمد بن أبي الحسين بن الوزان. قال ألفيت بخط أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ ما مثله: قد أجزت لأبي زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي عني ما أحب من كتاب التاريخ الذي سمعه مني أبو محمد القاسم بن الأصبغ، ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني، وأذنت له في ذلك، ولمن أحب من أصحابه، فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا، فأنا أجزت له ذلك بكتابي هذا، وكتب أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست وسبعين ومائتين.
وقال الشيخ الطوسي عند ترجمته لأحمد بن محمد بن سعيد (ت 333هـ) أخبرنا بجميع رواياته وكتبه أبو الحسن أحمد بن محمد الأهوازي، وكان معه خط أبي العباس بإجازته وشرح رواياته، وكتبه عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد.
ويقول النجاشي: إن أحمد بن عبدالله الوراق، دفع إلى شيخ الأدب، أبي أحمد، عبد السلام بن الحسين البصري رحمه الله كتاباً بخطه، قد أجاز له فيه جميع روايته.
ويبدو من الأمثلة المتقدمة أن الإجازات التحريرية المذكورة كانت عبارة عن رخص خطية، منحها شيوخ لمن أباحوا لهم الرواية عنهم، بعد أن تأكد لديهم صلاح المستجيز لتحمل الحديث، وروايته عنهم.
واعتاد الشيوخ أن يكتبوا إجازاتهم على الكتاب الذي درسه عليهم أحد التلامذة، أو أباحوا له روايته دون أن يدرسه عليهم. ومن أقدم ما عثرت عليه من الإجازات المسجلة على كتاب معين، ما رواه عبد الكريم بن طاووس (ت 693هـ) من أنه كان يحتفظ بنسخة من مزار ابن داوود القمي، مقابلة بنسخة مكتوب عليها ما صورته: قد أجزت هذا الكتاب وهو أول كتاب الزيارات من تصنيفي، وجميع مصنفاتي ورواياتي، ما لم يقع فيها سهو ولا تدليس، لمحمد بن عبدالله بن عبد الرحمن بن سميع أعزه الله، فليروِ ذلك عني إذا أحب، لا حرج عليه فيه أن يقول أخبرنا، وحدثنا.
وكتب محمد بن داود القمي في شهر ربيع الآخر، سنة ستين وثلاثمائة، حامداً شاكراً… وهذه الرواية مطابقة لما أورده الطوسي بخطه.
وتكون الإجازات التي تكتب على ظهور الكتب مقتضبة عادة، لا تحتوي أحياناً طرق الرواية، ولا أسماء الشيوخ الذين تلقى المجيز معلوماته عنهم. ولعل ذلك يعود إلى قلة الفراغ المتوفر في ظهر الكتاب الذي تكتب عليه الإجازة.
ومن الأمثلة على تلك الإجازات ما نسخته من مخطوطة لكتاب نهج البلاغة وهو ما جمعه الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). والمخطوطة المذكورة من مخطوطات خزانة الدكتور حسين محفوظ في الكاظمية. وإليك نص الإجازة المشار إليها آنفاً.
يقول العبد الضعيف أبو نصر علي بن أبي سعد بن الحسن بن أبي سعد الطبيب أسعده الله في الدارين بحق النبيّ محمد عليه وعلى أهل بيته أفضل الصلوات وأمثل التحيات. أجازني السيد الكبير ضياء الدين، علم الهدى رحمه الله كتاب نهج البلاغة للسيد الإمام الرضي، ذي الحسبين، أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى ابن الإمام محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي (مكرر) بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام. عن السيد المرتضى بن الداعي الحسني، عن الشيخ أبي عبدالله، جعفر بن محمد الدرويستي، عنه رضي الله عنه. والغريبين عن الشيخ زاهر بن طاهر النيسابوري، المستملي، عن أبي عثمان القابوني، عن أبي عبدالله الهروي، المؤدب، مصنفه رحمه الله. وغرر الفوائد ودرر القلائد، عن السيد حمزة بن أبي الأغر، نقيب مشهد الحسين صلوات الله عليه، عن أبي قدامة، عن علم الهدى رضي الله عنه. وغريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي، عن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، عن أبي نعيم الحافظ عن سليمان الطبراني الشامي، عن علي بن عبد العزيز البغوي، عن أبي عبيد رحمه الله وكذلك أجاز لي جميع ما له روايته من منقول، أو معقول. وكتب في رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة هجرية، محمدية، حامداً الله تعالى، مصلياً على سيدنا محمد، وآله الطاهرين، والله حسبي ونعم الحسيب.
وقد وجدت تحت الإجازة السابقة على الصفحة نفسها، إجازة أخرى تتصدرها العبارة التالية «كان في ظهر النسخة التي عورضت نسختي بها». ويظهر أن مالك النسخة التي كتبت عليها الإجازة السابقة قابل نسخته بنسخة أخرى فوجد عليها الإجازة التي سنورد نصها بعد قليل، فنقل ذلك النص على نسخته رغبة في توثيقها، وإليك نص الإجازة الثانية.
قرأ، وسمع عليّ، كتاب «نهج البلاغة» الأجل، الإمام العالم، الوالد الأخص الأفضل، جمال الدين، زين الإسلام، شرف الأئمة، علي بن محمد بن الحسن، المتطبب، أدام الله جماله، وبلغه في الدارين آماله، قراءة، وسماعاً يقتضيهما فضله. وأجزت له أن يرويه عني، عن المولى السعيد والدي، سقاه الله صوب الرضوان، عن ابن معبد الحسني، عن الإمام أبي جعفر الطوسي، عن السيد الرضي رضي الله عنه، ورويته له عن الشيخ الإمام عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي، عن الشيخ أبي الفضل محمد بن يحيى الناتلي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد سبط بشر الديباجي، عن السيد الرضي رضي الله عنه. ورواه لي أبي، قدس الله روحه، عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن، المقري، النيسابوري، عن الحسن بن يعقوب، الأديب، عمن سمعه من الرضي، رضي الله عنه، كتبه علي بن فضل الحسيني، حامداً، مصلياً، في رجب سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
ومن الأمثلة على الإجازات المكتوبة على ظهر كتاب معين ما رواه المجلسي الذي قال إنه وجد هذه الإجازة قد كتبت على ظهر كتاب إرشاد العباد تأليف الشيخ السعيد، المفيد، بهذا اللفظ: قرأ علي الأجل العالم، الأوحد، مجد الدين، بهاء الإسلام جمال العلماء، أبو العلاء آدام الله توفيقه، كتاب الإرشاد، من أوله إلى آخره، وصححه بجهده فصح له إن شاء الله قراءة اتقان. وأجزت له روايته، عن السيد السعيد المرتضى بن الداعي بن القاسم الحسني، عن الشيخ أبي عبدالله، جعفر بن محمد الدرويستي، عن مصنفه. وكتب الحسن بن الحسين بن علي الدرويستي، نزيل قاشان بخطه، سنة ست وسبعين وخمسمائة حامداً، مصلياً على نبينا محمد، وآله الطاهرين.
وإليك صورة إجازة الشيخ محمد بن جمهور الأحسائي للسيد الفاضل محسن الرضوي، مع ذكر الطرق السبع لابن جمهور المذكور في أول كتاب غوالي اللآلي:
وبعد، فقد سمع مني مؤلفي هذا، وهو كتاب غوالي اللآلي، العزيزيه في الأحاديث الدينية، من أوله إلى آخره للسيد الحسيب… السيد محسن… وقد رويت له الكتاب المذكور، وجميع ما هو فيه مزبور ومسطور بطريق السماع مني حال قراءته عليه وهو يسمعه عني الذي هو أعلى طرق الرواية وأحق ما يحصل به الدراية، وكان سماعه سماع العالم العارف، وتلقيه تلقي الفاهم الواقف، على ما اشتمل عليه من أسرار الروايات، الصادرة عن أطايب البريات، النبيّ والأئمة البررة، الهداة… وقد سأل وقت سماعه مني، وروايته عني عن جميع مشكلاته… وكان ذلك في مجالس متعددة متباعدة، آخرها في منتصف شهر ذي القعدة من أواخر شهور، سنة سبع وتسعين وثمانمائه… وكتب المجيز… محمد بن علي بن إبراهيم الاحسائي…
ويبدو مما سبق أن الإجازة المذكورة كانت مقرونة بدراسة جدية في مجالس، أو دروس منتظمة تناول فيها الشيخ تدريس كتابه، وحل معضلاته.
أما الإجازات التحريرية المستقلة عن الكتاب، أو الكتب، التي درسها الشيخ، أو أباح روايتها دون تدريسها، فتكون عادة مفصلة، فضلاً عن كونها مشتملة على طرق الرواية التي تلقى عنها الشيخ المجيز معلوماته التي أجاز روايتها لتلميذه. ومن الأمثلة على النوع المذكور من الإجازات، إجازة الحسن بن يوسف، المعروف بالعلامة الحلي (ت 627هـ) لبني زهرة وأورد المجلسي نص الإجازة المذكورة وذكر أنه نقلها من خط المجيز نفسه.
وقد أورد الشيخ الحلي في الإجازة المذكورة، بعد الحمد، والثناء على طالب الإجازة، وأقربائه الذين شملهم بالإجازة، ما يأتي: «وقد أجزت له، أدام الله أيامه، ولولديه الكبيرين… أن يروي هو وهم عني جميع ما صنفته في العلوم العقلية، والنقلية، أو أنشأته أو قرأته، أو أجيز لي روايته، أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين(ره)، وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم، واستفدت من أنفاسهم…».
ويبدو من العبارة السابقة أن إجازة الشيخ الحلي لبني زهرة كانت إجازة عامة بجميع مؤلفاته، فضلاً عن جميع ما قرأ على الشيوخ، أو أجازوه روايته، أو سمعه عليهم، أي درسه فعلاً عن طريق السماع، وهو أعلى طرق تحمل الحديث. يضاف إلى ما سبق أن الشيخ الحلي أباح لحامل الإجازة ذكر طرق الرواية التي تلقى عنها الشيخ نفسه معلوماته المشتملة عليها الإجازة.
ثم يستمر الحلي بذكر الشيوخ الذين روى عنهم فيقول: «فمن ذلك جميع ما صنفه نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن الطوسي وقرأه، ورواه عني عنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ جعفر بن الحسن بن سعيد، وقرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني عنه ومن ذلك جميع ما صنفه السيدان الكبيران السعيدان رضي الدين علي، وجمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسنيان، قدس الله روحهما، وروياه، وقرآه وأجيز لهما روايته عني عنهما… من ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد نجيب الدين، يحيى بن سعيد ورواه وأجيز له روايته، ومن ذلك جميع ما رواه الشيخ مفيد الدين، محمد بن الجهم، وأجيز له روايته وقرأه على المشايخ ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد جمال الدين، علي بن سليمان البحراني ورواه وقرأه، وأجيز له روايته عني، عن ولده الحسين عنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد جمال الدين، حسين بن أمان النحوي، وجميع مع قرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني وعنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ المعظم، شمس الدين، محمد بن أحمد الكشي وما قرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني، عنه ومن ذلك جميع ما صنفه شيخنا السعيد نجم الدين علي بن عمر الكاتبي القزويني، ويعرف بدبيران، وما قرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني، عنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد، برهان الدين النسفي ورواه أو قرأه، أو أجيز له روايته عني، عنه».
ويستمر الشيخ الحلي بذكر طرق الرواية في الإجازة المذكورة على غرار ما اقتبسناه آنفاً أعلاه حتى يشغل ست صحائف من كتاب المجلسي الذي وردت فيه الإجازة وبعدما أوردناه من الاقتباسات عن إجازة الحلي لبني زهرة نقرر ما يأتي:
أولاً: نؤكد ما سبق أن أشرنا إليه في بداية هذا البحث، مع أن الإجازة إذن ورخصة. ويترتب على ذلك أن الحلي، قد أذن لطالب الإجازة أن يروي عنه ما حدده له بالإجازة، سواء كان كذلك من مؤلفاته أو من مروياته.
ثانياً: لقد أورد الحلي أسماع الشيوخ الذين روى عنهم عن طريق، أو أكثر من طرق تحمل الحديث. فالشيوخ الذين درس عليهم فعلاً وصف روايته عنهم بأنها كانت عن طريق السماع، أي السماع من لفظ الشيخ، سواء كان ذلك من إملائه، أو من كتابه. أما الشيوخ الذين قرأ عليهم الحلي دون أن يسمع عنهم، فقد عبر عن تلقيه الحديث عنهم بـ«القراءة» وهي طريقة من طرق نقل الحديث وتحمله تعرف بالعرض، أو القراءة على الشيخ. وتختلف عن السماع الذي هو أعلى طرق نقل الحديث وتحمله، في أن التلميذ لم يسمع الحديث من لفظ الشيخ بل يكتفي بقراءة كتاب على الشيخ والأخير يسمع. وقد يكون القارىء غير الطالب ولكن سماعه أمر ضروري.
وقد وصف الحلي روايته عن الشيوخ الذين أجازوه بأنها كانت عن طريق الإجازة. ومن المعلوم أن الشيخ قد يجيز التلميذ الرواية عنه دون أن يقرأ الأخير عليه، ودون أن يلقاه في بعض الأحيان.
ثالثاً: كانت إجازة الحلي لبني زهرة غير مقتصرة على الحديث بل إنها تناولت علوماً أخرى. فذكر الحلي في إجازته المذكورة أنه أجاز بني زهرة جميع مصنفات أبي سعيد بن عبد الملك بن قريب الأصمعي وجميع رواياته من الأشعار، والنحو والفقه، وسائر العلوم. وجميع كتاب صحاح اللغة لإسماعيل بن حماد الجوهري و«خطب ابن نباتة وخطب ولده».
وأجازهم أيضاً «عن أبي العباس المبرد بجميع كتبه وبالإسناد عن المبرد عن أبي عثمان المازني بجميع كتبه وبهذا الإسناد نروي كتب الأخفش عنه، وعن الأخفش جميع كتب سيبويه، وجميع كتب الخليل بن أحمد.
ومن الجدير بالذكر أنه ليس من الضروري أن تكون الإجازة دائماً نثرية، بل قد تكون شعراً ومن ذلك الإجازة الشعرية التالية التي منحها صفي الدين الحلي لأحد تلامذته:
| أجزت لسيدي ومليك رقي | رواية ما حوى من نسج فكري | |
| وما أنشأت من جد وهزل | وما أبدعت من نظم ونثر | |
| ولم أقصد بذاك سوى قبولي | لمرسوم أشار به وأمري | |
| ولو نسبوا إليه جميع علمي | لكان كنقطة في لج بحر |
أنواع الإجازات
للإجازة أنواع:
أولها: أن يجيز لمعين في معين، مثل أن يقول المجيز لطالب الإجازة «أجزت لك الكتاب الفلاني، أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه» فهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة. وقد ذهب العلماء في جوازها، أو عدمه، مذاهب مختلفة، تصدى ابن الصلاح لذكرها، ومناقشتها وقال: لقد «خالف في جواز الرواية بإجازة جماعات من أهل الحديث والفقهاء، والأصوليين وذلك إحدى الروايتين عن الشافعي روى عن صاحبه الربيع بن سليمان، وقال: كان الشافعي لا يرى الإجازة في الحديث، قال الربيع: أنا أخالف الشافعي في هذا.
وأضاف ابن الصلاح إلى ما سبق قوله: إن حسين بن محمد المروروذي، وأبا الحسن الماوردي ممن قالا بإبطالها ثم يبين ابن الصلاح أن الحافظ أبي نصر السجزي قال: سمعت جماعة من أهل العلم يقولون قول المحدث قد أجزت لك أن تروي عني تقديره قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع، لأن الشرع لا يبيح رواية من لم يسمع».
ويخلص ابن الصلاح، بعد مناقشة آراء العلماء، إلى نتيجة وهي: «أن الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث، وغيرهم، القول بتجويز الإجازة، وإباحة الرواية بها…».
وبعد أن يناقش الشهيد الثاني آراء القائلين، بما فيهم الشافعي، بعدم صحة الإجازة في الحديث يقول: «إن المشهور بين العلماء، والمحدثين والأصوليين أنه يجوز العمل بها». ويضيف إلى ما سبق قوله إن الإجازة عرفاً في قوة الإخبار بمرويات الشيخ جملة، فهو كما لو أخبره تفصيلاً، والإخبار غير متوقف على التصريح نطقاً كما في القراءة على الشيخ، والغرض حصول الإفهام وهو يتحقق بالإجازة.
اعتقد بأن تردد طائفة من العلماء في قبول صحة النوع المذكور من الإجازات، لا يضعف من قيمتها كطريقة من طرق نقل الحديث وتحمله. ويمكن أن ينظر إلى آراء أَقِلّة في صدد عدم الجواز، بأنها من نوع الآراء الشاذة التي لا يصح الأخذ بها. ثم إن تبنّي المحدثين للإجازة في مختلف العصور، وتجويزهم إياها يضعف من أهمية أقوال المعترضين على صحتها.
ومن الأمثلة على النوع المذكور من الإجازة، إجازة الشيخ علي بن محمد بن عبد الحميد النيلي للشيخ أحمد بن محمد بن فهد الحلي التي جاء فيها: «أجزت للشيخ الأجل محمد بن فهد، كتاب شرائع الإسلام في معرفة الحلال والحرام من مصنفات المولى، نجم الدين أبي القاسم الحسن بن سعيد، وكتب الفقير إلى الله تعالى علي بن محمد بن عبد الحميد النيلي، وذلك في عشرين شهر جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة».
ثانياً: الإجازة لمعين في غير معين مثل أن يقول: «أجزت لك، أو لكم، جميع مسموعاتي، أو جميع مروياتي» وما أشبه ذلك. ويرى ابن الصلاح: أن الخلاف في هذا النوع من الإجازات أقوى وأكثر، ولكن الجمهور من العلماء والمحدثين يرون تجويز الرواية بها.
ويعزو الشهيد الثاني السبب في اختلاف المحدثين بجواز الرواية بها أو عدمه إلى عدم انضباط المجاز مما يجعله بعيداً عن الإذن الإجمالي المسوغ به. ولو قيدت الإجازة بوصف خاص كمسموعاتي من فلان، أو في بلد كذا، لأصبحت متميزة، وحينئذ تكون أولى بالجواز.
ومن الأمثلة على النوع المذكور من الإجازة، ما قاله الطوسي عند ترجمته لأحمد بن محمد بن سعيد: «وأجاز لنا ابن أبي الصلت عنه بجميع رواياته». وروى النجاشي أن العباس بن عمر الكلوذاني قال: «أخذت إجازة علي بن الحسين بن بابويه القمي لما قدم بغداد سنة 328هـ بجميع كتبه».
ثالثاً: الإجازة لغير معين، ويتحقق النوع المذكور من الإجازة عندما يقول الشيخ «أجزت للمسلمين أو أجزت لكل أحد، أو أجزت لمن أدرك زماني»، وقد ناقش ابن الصلاح آراء المحدثين حول جواز هذا النوع من الإجازة أو عدمه، فتوصل إلى أن كثيراً منهم أباحوها، وكان من بين هؤلاء أبو عبدالله بن منده الذي قال: «أجزت لمن قال لا إله إلا الله، وأبو محمد بن سعيد الأندلسي الذي أجاز لكل من دخل قرطبة من طلبة العلم».
وقد بين الشهيد الثاني أن الشهيد الأول، محمد بن مكي (ت 786هـ) كان من بين الشيوخ الذين جوزوا صحة النوع المذكور من الإجازة وذلك أنه طلب من شيخه السيد تاج الدين بن معية الإجازة له ولأولاده ولجميع المسلمين، مما أدرك جزءاً من حياته جميع مروياته، فأجازهم ذلك بخطه.
رابعاً: الإجازة للمجهول أو بالمجهول، ومن أمثلته قول الشيخ: «أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي» وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ثم لا يعين المجاز له منهم، أو يقول: «أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن» وهو يروي عدداً من كتب السنن المعروفة بذلك ثم لا يعين.
ويرى ابن الصلاح أن هذه إجازة فاسدة لا فائدة لها، ومن الواضح أن ابن الصلاح استند في حكمه على فساد النوع المذكور من الإجازة للجهل بالمجاز له، أو المادة المجازة.
ويورد ابن الصلاح أنواعاً أخرى من الإجازة، منها: الإجازة للمعدوم. ويدخل في هذا الباب الأطفال الذين لم يولدوا حين منح الإجازة، ومنها: إجازة ما لم يسمعه المجيز، ولم يتحمله أصلاً بعد ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك.
ونظراً لكون الأنواع الأخيرة من الإجازة نادرة الاستعمال، وأن المحدثين يختلفون اختلافاً كبيراً في جوازها، أو عدمه، لم نر ضرورة للبحث فيها.
خامساً: المناولة: وهي نوعان،
أحدهما: المناولة المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق، وتختلف الإجازة عن المناولة بكون الأخيرة تفتقر إلى مشافهة المجيز للمجاز وحضوره دون الإجازة.
ويرى بعض العلماء أنها أخفض من الإجازة، لأنها إجازة مخصوصة بكتاب بعينه بخلاف الإجازة.
ويقارن الشهيد الثاني بين المناولة المقترنة بالإجازة، وبين السماع فيتوصل إلى أنها دون السماع على الأصح لاشتمال القراءة على ضبط الرواية وتفصيلها بما لا يتفق بالمناولة.
وثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة، ويتحقق النوع المذكور من المناولة عندما يناول الشيخ تلميذه كتاباً يقل هذا سماعي، أو روايتي من غير أن يقول اروه عني، أو أجزت لك روايته عني، ونحو ذلك، ولم تبح غالبية العلماء الرواية بهذا النوع من المناولة، بينما جوزها البعض الآخر، لحصول العلم بكون المادة المناولة للتلميذ من مرويات الشيخ، وأن الإذن بالرواية للمادة المذكورة مفهومة ضمناً، بالرغم من عدم إفصاح الشيخ بذلك.
ويشترط الشهيد الثاني للرواية بالمناولة أن يقول الراوي «حدثنا فلان مناولة وأخبرنا مناولة» دون أن يقتصر على حدثنا وأخبرنا، لأن اللفظتين الأخيرتين تستعملان عند السماع على الشيخ، أو القراءة عليه.
ويميل ابن الصلاح إلى اعتداد المناولة طريقة خاصة من طرق تحمل الحديث وتلقيه، لا نوعاً من أنواع الإجازة، كما ذهب الشهيد الثاني الذي عرضنا رأيه قبل قليل.
ويرى ابن الصلاح أن المناولة على نوعين: أحدهما المناولة المقرونة بالإجازة، ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه، أو فرعاً مقابلاً به، ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني، ثم يملكه إياه أو يقول: خذه وانسخه، وقابل به، ثم رده إلي، أو نحو هذا. ومنها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب، أو جزء من حديثه، فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه، ويقول له: وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان، أو روايتي عن شيوخي فيه، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني.
والنوع الثاني من المناولة، وهو المناولة المجردة عن الإجازة وتتم عندما يناول الشيخ تلميذه الكتاب ويقول: هذا من حديثي، أو من سماعاتي، ولا يقول أروه عني أو أجزت لك روايته عني.
ونختم الكلام عن أنواع الإجازات بما أورده ابن شهرآشوب (ت 588هـ) في مقدمة كتابه الموسوم بـ«مناقب آل أبي طالب» المطبوع في النجف الأشرف سنة 1956م، عن دراسته للحديث بالطرق المعروفة لنقله وتحمله، ومن بينها الإجازة التي هي موضوع بحثنا.
يقول ابن شهرآشوب: إنه لم يبدأ بتأليف كتابه المذكور إلا بعد أن أصبح مؤهلاً لهذا الأمر: «وذلك بعدما أذن لي جماعة من أهل العلم والديانة بالسماع، والقراءة، والمناولة، والمكاتبة، والإجازة، فصحت لي الرواية عنهم بأن أقول: حدثني، وأخبرني، وأنبأني، وسمعت، واعترف لي بأنه سمعه ورواه كما قرأته، وناولني من طرق الخاصة».
ومن الجدير بالذكر أن ابن شهرآشوب يقصد بـ «الخاصة» الشيعة، وهو اصطلاح يستعمله السلف مقابل «العامة» وهم أهل السنّة.
وبعدما قدمنا عن الإجازة وأنواعها نستنتج ما يأتي:
أولاً: أن الإجازة كما يظهر من الأمثلة السابقة تقليد تعليمي إسلامي، عام، تبناه شيوخ من حملة الحديث ينتمون إلى طوائف إسلامية مختلفة.
ثانياً: أن الإجازة إذن ورخصة، يمنحها الشيوخ لمن يبيحون له الرواية عنهم، ولا علاقة لها بمعهد تعليمي كما هي الحال في أنظمتنا التربوية في العهد الحاضر.
ومما يؤيد ذلك اقتران الإجازة باسم الشيخ المجيز دون ذكر اسم معهد معين، ويعود ذلك إلى أن الدراسة في البلاد الإسلامية قبل ظهور المدارس في أواخر القرن الرابع للهجرة، كانت تقوم على العلاقة الشخصية بين الشيخ والطالب ولم يكن الطلاب ينخرطون في معاهد معينة لإكمال تحصيلهم. ثم إن تعدد الإجازات لطالب واحد، يدل أن الطالب المذكور درس على أو استجاز شيوخاً متعددين، لا ينتمون إلى معهد معين، فهارون التلعكبري (ت 385هـ) مثلاً، نال 22 إجازة من شيوخ مختلفين.
ثالثاً: إن الإجازة بنوعيها التحريري، والشفهي، إذن لرواية الحديث، أو غيره من العلوم من شيخ، أو شيوخ، وليست شهادة تعليمية يستدل بها على درجة تحصيل حاملها. فهي والحالة هذه طريقة من طرق تحمل الحديث.
رابعاً: ليس من الضروري أن يكون الشيخ مانح الإجازة قد درّس التلميذ حامل الإجازة. بل يجوز أن يمنح شيخ إجازة لرواية مادة علمية، وغالباً ما تكون تلك المادة حديثاً نبوياً، عنه دون أن يكون قد درس المادة المذكورة لحمل الإجازة وقد اعتاد أصحاب الرجال والتراجم عند ترجمتهم لرجل من رجال الحديث أن يعبروا عن دراسته على شيخ من شيوخه بقولهم «سمع» أو تلقى العلم سماعاً» من الشيخ المذكور ويعنون بذلك أنه درس عليه فعلاً.
ويتجنبون عادة استعمال الاصطلاحين المذكورين، وما في معناهما، إذا كان التلميذ قد تلقى المادة العلمية من شيخه عن طريق الإجازة التي كثيراً ما يمنحها الشيخ لتلميذه دون أن يكون قد درس عليه فعلاً.
خامساً: كان للإجازة أهمية خاصة في درس علم الحديث وتدريسه، وذلك لأنها كانت من بين وسائل حفظ السند، أو سلسلة الرواة الذين يعد توثيقهم ركناً أساسياً في صحة الحديث.
ومن المعلوم أن دراسة علم الحديث وتدريسه، كانا قد احتلا الصدارة في النظام التربوي الإسلامي، ومن الأدلة على ذلك أن البحث في الحديث والمحدثين شغل الجزء الأكبر من تاريخ بغداد: للخطيب، وتاريخ دمشق: لابن عساكر، ثم إن كتب الحديث الأربعة عند الشيعة، تعد بمثابة العمود الفقري لدراسة الحديث عندهم.
وكان التقليد التعليمي عند المسلمين في القرون الإسلامية الأولى، يؤكد على ضرورة سماع الحديث شفاهاً من شخص سمعه في الطريقة نفسها، والحديث لا يكون كاملاً بنفسه، بل إنه مرتبط بالإسناد، أو سلسلة الرواة التي تنتهي عند أول من سمعه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولذا قيل إن من يريد معرفة العلوم الدينية دون التقيد بالاسناد يكون كمن يريد أن يرتقي سقفاً بدون سلم، وكان التقليد المذكور من أهم الدوافع إلى حصول ما نسميه الرحلة في طلب العلم، في النظام التربوي الإسلامي، ويوضح لنا السيد رضي الدين علي بن طاوس رأيه عن أهمية الإجازات في أوائل كتابه المرسوم بـ«الإجازات» بقوله، نقلاً عن المجلسي: لما كان الموت محتوماً على الإمام منهم والمأموم، أحوج الأمر إلى الروايات والإجازات فيما يغفل عنهم، ولأنه ما يقدر كل أحد من المكلفين أن يلقى بنفسه إمام زمانه ويسمع ما يحتاج إليه، للدنيا والدين، فلم يبق بد من ناقل ومنقول إليه، ليثبت الحجة بذلك عليه، واعلم أنه كان من عادة جماعة من الأوائل، أن تكون كتب أصولهم معلومة عند الذي يروي عنه، وعند الناقل وجماعة يحفظون ما يروون، ويفرقون بين المعتدل منه والمائل، وبين المائل من الرواة والمعادل، فلما غلب حب الدنيا على كثير من هذه الأمة، وأضاعوا أمراً أمروا باتباعه من الأئمة ابتلوا بقصور الهمة، فدرست عوائد التوفيق في الرواية وفوائد التحقيق إلى الدراية، وصار الأمر كما تراه يروي الإنسان ما لا يحقق أكثر معناه، وما لا يعرف ما رواه، وتعذر العارف بما كان معروفاً بين أعيان الإسلام، وصار ضياء هذه الطرق مبهماً للظلام، فتعلق ما يجدوه من جملة الكلام وطالبيها على ضعف بدون ما كان من الكشف وقنعوا بالدون فيما يرون، فالله جل جلاله بعثهم بما عنه مسؤولون إليه محتاجون.
ويظهر من النص السابق أن ابن طاوس يقرر أن المؤمنين مكلفون بتلقي ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم عن طريق الأئمة، بحكم كونهم مبلغين للرسالة المحمدية للمسلمين، ونظراً لاستحالة لقاء كل فرد لإمامه، وجب وجود ناقل يحمل تلك الرسالة عن الأئمة إلى المكلفين بتلقيها، ويتم النقل المذكور من جيل من العلماء إلى جيل آخر عن طريق الروايات، وأجازة نقل الحديث وتحمله، وترتب على ذلك أن أصبحت الإجازات العلمية من أهم الوسائل التي من شأنها تحقيق عملية النقل المذكورة.
وقد وردت إشارات يستفاد منها أن الإجازة، فضلاً عن كونها طريقة من طرق نقل الحديث العامة. يمكن أن تكون وسيلة لحفظ الأحاديث لدى أشخاص غير موجودين عند منحهم إياها، أو أنهم غير مؤهلين لتلقيها لصغر سنهم.
ومما جعل ذلك ممكناً إباحة منح الإجازة للطبقات الآتية. دون أن يتم اللقاء بين الشيخ المانح والتلميذ الممنوح، وذلك أن الرواية عن تحديث لا تصح إلا بالملاقاة وقابلية الفهم، بينما لا يشترط هذان الشرطان دائماً في الإجازة.
ومن الأمثلة على ما سبق، ما روي عن أبي غالب (ت 368هـ) في رسالته إلى ابن ابنه أبي طاهر محمد بن عبدالله التي قال فيها: «وكان مولدك في قصر عيسى ببغداد سنة 352هـ، وقد خفت أن يسبق أجلي إدراكك، وتمكنك من سماع الحديث، وتمكني من حديثك بما سمعته، وإن أفرط في شيء من ذلك، كما فرط جدي وخال أبي، إن لم يجذباني إلى سماع جميع حديثهما مع ما شاهداه من رغبتي في ذلك ولم يبق في وقتي من آل أعين أحد يروي الحديث ويطلب علماً، وشححت على أهل هذا البيت الذي لم يخل من محدث أن يضمحل ذكرهم، ويندرس رسمهم، ويبطل حديثهم من أولادهم، وقد بينت لك آخر كتابي هذا أسماء الكتب التي بقيت عندي من كتبي، وما حفظت أسناده، فإن كان قد غاب عني شرحت لك ممن سمعت ذلك، وأجزت لك خاصة روايتها عني (إلى أن قال): وعملت هذه الرسالة سنة 356هـ.
وكان للعرف العلمي الذي أباح الإجازة والاستعمال الفعلي لها، أثرهما الفعال في إضعاف حجج المعارضين التي ينصب كثير منها عى جهالة بعض عناصر نوع أو أكثر من أنواع الإجازات، ومن ذلك الإجازة لغير معين أو الإجازة بغير معين. ويحدد ابن الصلاح طائفة من الشروط التي يجب تحققها لصحة الإجازة بقوله: «إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيز والمجاز له من أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها، وبالغ بعضهم في ذلك فجعله شرطاً فيها، وحكاه أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك.
وقال الحافظ أبو عمر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة، وفي شيء معين لا يشكل إسناده».
ثم إن زوال الأسباب التي جعلت طائفة من العلماء ترجح السماع على الإجازة مع الزمن، لعب هو الآخر دوره في إضعاف حجج المعارضين الرامية إلى حصر نطاق الإجازة، وعدم التوسع في عدها من طرق نقل الحديث وتحمله.
ففي عصر السلف، قبل جمع الكتب المعتبرة، التي يعول عليها، ويرجع إليها، كان ترجيح السماع على الإجازة، يستند على أن السلف كانوا يجمعون الحديث من صحف الناس، وصدور الرجال، خوفاً من التدليس والتلبيس.
وقد زالت معظم مبررات الخوف المذكور بعد شيوع التدوين، وظهور كتب الصحاح في الحديث عند أهل السنة، وكتب الحديث الأربعة وغيرها من كتب الحديث، عند الشيعة، وأصبح الترجيح لما ورد في الكتب المذكورة وغيرها من كتب الحديث يقوم، خلافاً لما كان في عصر السلف، حين كانت الرواية الشفهية هي المعتبرة على الجرح والتعديل للرواة.
ولعبت كتب الطبقات، أمثال: «طبقات ابن سعد» (ت 230هـ)، و(الاستيعاب في معرفة الأصحاب) لابن عبد البر (ت 463هـ)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ت 463هـ)، وتاريخ ابن عساكر (ت 571هـ)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (ت 630هـ)، دوراً كبيراً في تسهيل الجرح والتعديل وتثبيته على أُسس صحيحة.
وبنى الشيعة جرحهم وتعديلهم للرواة فضلاً عن الكتب السابقة، على كتب خاصة بهم تسمى كتب الرجال. ومن أشهر كتب الرجال عند الشيعة: رجال البرقي (ت 260هـ)، ورجال الكشي (ت 340هـ)، ورجال النجاشي (ت 450هـ)، ورجال الطوسي (ت 460هـ)، ورجال ابن داود الحلي (من علماء القرن اسابع الهجري)، ورجال العلامة الحلي (ت 726هـ)، ولؤلؤة البحرين للشيخ يوسف البحراني (ت 1186هـ)، والفوائد الرجالية للسيد محمد مهدي بحر العلوم (ت 1212هـ).
وترتب على ما سبق أن الإجازة كطريق من طرق نقل الحديث وتحمله، أصبحت بعد شيوع التدوين، وثبوت طريقة الجرح والتعديل للرواة، من الطرق المقبولة لنقل الحديث وتحمله بين المحدثين ومن الوسائل الشائعة بينهم.
سادساً: لقد لعبت الإجازة دوراً مهماً في حفظ سلسلة السند وربطها بالمصدر الأول الذي أخذ عنه الحديث ويتم الربط المذكور حينما يذكر مانح الإجازة في إجازته طرق روايته التي تلقّى عنها الحديث حتى يوصلها إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو إلى شخص ثقة يستطيع إيصالها إلى صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم).
وتنتهي سلسلة سند الحديث عند أهل السنة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، مباشرة في حين أن السلسلة المذكورة عند الشيعة تنتهي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة أو بصورة غير مباشرة أي عن طريق الأئمة.
ولا تقتصر مهمة الإجازة المذكورة على حفظ سند الحديث بل إنها ساعدت على حفظ سند الكتب التي لا تمت للحديث بصلة، ويذكر مانح الإجازة في الغالب طرق الرواية التي تلقى عنها الكتاب المذكور حتى يوصلها إلى مؤلف الكتاب.
ومن الأمثلة على ذلك الإجازة الخطية التي توصل سند كتاب (نهج البلاغة) إلى جامعه الشريف الرضي.
وإليك ما يلي من الأمثلة التوضيحية: «وبعد فقد قرأ عليَّ هذه الكلمة من أدعية مولانا وسيدنا الإمام زين العابدين علي ابن الإمام السبط الشهيد أبي عبدالله الحسين ابن إمام المتقين وسيد الوصيين أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب (ع) المولى محمد ابن الشيخ العلامة علي ابن الشيخ بدر الدين حسن الشهير بالجبعي، رفع الله درجاتهم في أعلى عليين، قراءة مهذبة مرضية، وأجزت له أدام الله أيامه أن يروي ذلك عني فإني رويتها قراءة على عبد الحميد بن السيد جمال الدين أحمد بن علي الهاشمي ورواها عن الشيخ حسن بن سليمان الحلي، بإسناده المتصل إلى سيدنا ومولانا زين العابدين (ع) فليرو ذلك لمن يشاء وأحب فإنه أهل لذلك، وكتب، علي بن محمد في رابع شهر رمضان المعظم قدره من شهور سنة إحدى وخمسين وثمانمائة».
ويظهر مما سبق أن المجيز أوصل سنده إلى مؤلف الصحيفة السجادية وهو الإمام علي بن الحسين (ع) أما الإجازات التي تحفظ سند الرواية حتى توصله إلى مؤلف الكتاب، فإليك أمثلة عليها:
قرأ علي السيد الولد العزيز، أحمد بن أبي المعالي الموسوي، كتاب أسرار العربية، تصنيف الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن سعيد الأنباري، وأجزت له روايته عني عن الشيخ، عن والده المصنف المذكور، فليرو ذلك متى شاء وفقه الله لمراضيه، وكتب محمد بن أبي الحسن عن الشيخ أبي الرضا في شعبان المعظم سنة ثلاثين وسبعمائة».
«وقرأ عليّ أيضاً السيد شمس الدين المذكور، كتاب المقامات الحريرية من أوله إلى آخره، وأجزت له روايته عن المصنف». وكان تاريخ الإجازة المذكورة في صفر سنة ثلاثين وسبعمائة أيضاً.
سابعاً: إن أهم نقد وجه للإجازة هو أنها أصبحت بالنسبة لبعض طالبيها بمثابة هواية يعملون على الحصول عليها بوسائل مختلفة. وبلغ الأمر ببعضهم أنهم أخذوا يطوفون على بيوت الشيوخ، ويقتفون خطاهم أينما حلوا. ليحصلوا على إجازاتهم لأولادهم الذين لم يولدوا بعد. كما أن بعض مشاهير الشيوخ أخذوا يمنحون الإجازات طلباً للشهرة.
ثامناً: كانت الإجازات التحريرية المفصلة، خاصة تلك التي لا تكتب على ظهور الكتب بل تكون مستقلة وثائق صحيحة يمكن أن تتخذ بمثابة دليل على ثقافة العلماء الماضين، وما قرؤوه وسمعوه أو أجيز لهم دون قراءة أو سماع، من كتب أو معلومات شفهية.
ولعل ما ذكره الحسن بن يوسف، المعروف بالعلامة الحلي، في إجازته الكبيرة التي منحها لبني زهرة، عن مؤلفاته، وعما قرأه أو سمعه من كتب وعن الإجازات التي أباح له فيها شيوخه نقل العلوم وتحملها عنهم، يساعدنا على معرفة طرف من ثقافة الشيخ المذكور ويمكّننا من الوقوف على أنواع العلوم التي قرأها أو سمعها على شيوخه هذا فضلاً عن تلك التي صح له أن يرويها عن طريق الإجازة دون سماع أو قراءة.
يقول الحلي في الإجازة المذكورة «وقد أجزت له أن يروي هو وهم «أخوه وولداه» عني جميع ما صنفته في العلوم العقلية، والنقلية، أو أنشأته، أو قرأته، أو أجيز لي روايته أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم».
ثم يفصل العلامة الحلي ما أوجز فيبدأ بذكر شيوخه، وما أخذ عنهم من علوم، فيقول «فمن ذلك جميع ما صنفه والدي سديد الدين، يوسف بن علي المطهر، وقرأه ورواه، وأجيز له روايته عني عنه.
ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي وقرأه عني عنه.
ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السيد نجم الدين أبو القاسم، جعفر بن الحسن بن سعيد، وقرأه ورواه، وأجيز له روايته عني عنه.
ومن ذلك جميع ما صنفه رضي الدين علي وجمال الدين أحمد بن موسى بن طاووس وروياه، وقرآه وأجيز لهما روايته عني عنهما.
ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد نجيب الدين يحيى بن سعيد، ورواه وأجيز له روايته.
ومن ذلك جميع ما رواه الشيخ مفيد الدين محمد بن الجهم، وأجيز له روايته، وقرأه على المشايخ.
وكان العلامة الحلي أثناء ذكره للشيوخ المذكورين يورد معلوماته عن ثقافة أولئك الشيوخ، ومركزهم الاجتماعي، والديني.
وعندما ذكر الشيخ محمد بن الحسن المعروف بالخواجا نصير الدين الطوسي، مثلاً، أثنى على علمه وخلقه، وبين أنه كان وزيراً للسلطان هولاكو، وعند ذكره لجعفر بن الحسن بن سعيد، وصفه بأنه أفضل أهل عصره في الفقه، ولما ذكر السيدين آل طاوس أثنى على علمهما وبين أنهما كانا ذوي كرامات، ويظهر مما سبق أن الحلي أمدنا في إجازته المذكورة بمعلومات تاريخية وثقافية، عن شيوخه قد لا تتيسر أحياناً في المصادر التاريخية والرجالية.
ثم يستمر الحلي بذكر شيوخه فيقول: «ومن ذلك جميع ما صنف الشيخ المعظم شمس الدين، محمد بن أحمد الكشي، في العلوم العقلية والنقلية، وما قرأه ورواه وأجيز له روايته عني عنه، وهذا الشيخ كان من أفضل علماء الشافعية، وكان من أنصف الناس في البحث، كنت أقرأ عليه اعتراضات، في بعض الأوقات فيفكر، ثم يجيب تارة، وتارة أخرى يقول حتى نفكر في هذا، عاودني هذا السؤال فأعاوده يوماً، أو يومين وثلاثة فتارة يجيب، وتارة يقول هذا عجزت عن جوابه.
ومن ذلك جميع ما صنفه شيخنا السعيد نجم الدين علي بن عمر الكاتبي القزويني، أو ما قرأه، ورواه، أو أجيز له روايته عني عنه، كان من فضلاء العصر وأعلمهم بالمنطق، وكان من أفضل علماء الشافعية.
ومن ذلك جميع ما رواه الفاروقي الواسطي، وقرأه وأجيز له روايته. وهذا الشيخ كان رجلاً صالحاً من فقهاء السنة وعلمائهم.
ومن ذلك جميع روايات الشيخ تقي الدين، عبدالله بن جعفر بن علي بن الصباغ الكوفي، ومقروءاته، ومسموعاته وما أجيز له روايته عني عنه. وهذا الشيخ كان صالحاً من فقهاء الحنفية بالكوفة.
وقد يسر لنا العلامة الحلي في الفقرات الأخيرة التي اقتبسناها من إجازته المذكورة، الوقوف على معلومات مفيدة عن بعض التقاليد التربوية الإسلامية المرعية بين الشيخ والتلميذ في عهده، فالحلي كان يذكر فضائل شيخه الشافعي ويبين تواضعه العلمي وذلك أنه كان لا يجيب دون تثبت وروية، وأنه عند عجزه عن الجواب يصارح تلميذه دون تردد.
يضاف إلى ما سبق أن الحلي يبين لنا، في الفقرات الأخيرة أيضاً، أنه تلمذ على عدد من شيوخ أهل السنّة رغم أنه شيعي جعفري المذهب وبهذا أظهر الحلي، فضلاً عن سوقه الدليل على وحدة الثقافة الإسلامية، أن الحكمة ضالة المؤمن يبحث عنها أنى وجدها، وأن الاختلاف في المذاهب لا يصلح أن يكون في كل زمان ومكان، عائقاً دون تعاون من اختلفوا في المذاهب في المجالين الفكري والاجتماعي.
ونخلص من تحليلنا السابق للفقرات التي اقتبسناها من إجازة العلامة الحلي لبني زهرة، إلى أن الإجازات التحريرية المفصلة، التي على غرار إجازة الحلي المذكور، وثائق صحيحة يمكن أن تتخذ بمثابة دليل على ثقافة مانحيها وعلم شيوخهم من العلماء. كما أنها تصلح لأن تلقي أضواء عامة على التاريخ الفكري للعصر الذي منحت فيه.
تاسعاً: يمكن أن تعد الإجازات من بين الوسائل التي تزودنا بمعلومات جغرافية وتاريخية عن مراكز العلم في العالم الإسلامي، وعن انتقال الأفراد نحوها. ومن الأمثلة التي وردت فيها المعلومات المذكورة إجازة الشيخ محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأول إلى الشيخ شمس الدين، أبي جعفر محمد ابن الشيخ تاج الدين أبي محمد عبد العلي بن نجدة.
قال الشهيد الأول: وأجزت له جميع «مصنفات شاذان بن جبرائيل نزيل مهبط وحي الله ودار هجرة رسول الله».
وقال أيضاً: «وأما مصنفات القاضي الإمام الحبر المحقق خليفة الشيخ أبي جعفر الطوسي في البلاد الشامية عز الدين عبد العزيز بن البراج…».
وقال أيضاً: «وأما الخلاصة المالكية الألفية، فإني رويتها بحق قراءة بعضها، وإجازة الباقي على الشيخ العلامة ملك النجاة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الحسن الحنفي فقيه الصخرة الشريفة ببيت المقدس، زاده الله شرفاً بحق قراءته على الشيخ الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري بمقام نبي الله إبراهيم».
وقال أيضاً: «ومما أرويه كتاب الجامع الصحيح تأليف الإمام المحدث أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري عن عدة من العلماء منهم الشيخ الإمام العلامة شرف الدين محمد بن بكتاش التستري ثم البغدادي الشافعي، مدرس المدرسة النظامية والشيخ الإمام القارىء، ملك القراء والحفاظ، شمس الدين، محمد بن عبدالله البغدادي الحنبلي، والشيخ الإمام فخر الدين محمد بن الأعز الحنفي، والشيخ الإمام المصنف المدرس بالمدرسة المستنصرية عن الشيخ الإمام، رحلة الأمصار رشيد الدين، محمد بن أبي القاسم عبدالله بن عمر المقري شيخ دار الحديث بالمستنصرية. وكتب أضعف العباد محمد بن مكي عاشر شهر رمضان المعظم قدره سنة سبعين وسبعمائة».
ويبدو من المقتبسات التي أوردتها آنفاً، أن عدداً من المواقع الجغرافية التي سكنها العلماء الذين وردت أسماؤهم بالإجازة، أصبحت معلومة لنا عن طريق ذكرها فيها، هذا فضلاً عن المؤسسات العلمية التي درس فيها بعض أُولئك العلماء.
وبعدما ذكرناه على الإجازة وأنواعها وما بينّاه من حجج المعارضين لقبولها بين طرق نقل الحديث وتحمله، نخرج بنتيجة وهي أن الإجازة، رغم كل حجج المعترضين كانت من التقاليد التعليمية المهمة في النظام التربوي عند المسلمين، وقد عدها كثير من علماء الحديث من بين الوسائل السليمة التي يتم عن طريقها نقل مختلف العلوم وخاصة العلوم الدينية من جيل إلى جيل.
الدكتور عبدالله الفياض
الإجازة الكبيرة
للسيد عبدالله الجزائري
اشتهرت هذه الإجازة، وأصبحت من المصادر لدى المحقّقين وأصحاب التراجم، ونقل عنها جمّ من المؤلفين في كتب التراجم، منهم الشيخ علي كاشف الغطاء في «الحصون المنيعة»، وشيخنا الطهراني في «الذريعة» و«طبقات أعلام الشيعة» والسيّد الأمين في «أعيان الشيعة»، والشيخ محمد باقر محبوبة في «ماضي النجف وحاضرها» والشيخ محمد المهدوي اللاهيجي في «دانشمندان گيلان» وغيرهم.
المجيز هو السيّد عبدالله بن نور الدين بن نعمة الله الموسوي الجزائري التستري، ولد في سابع شعبان سنة 1112هـ، تعلّم القراءة والكتابة ثم بدأ بقراءة العلوم الدينيّة عند أبيه وعلماء آخرين، وفي سنة 1128هـ ذهب إلى أصفهان ثم شيراز ومنها إلى خراسان وآذربيجان، وأكمل دراسته واهتم بتعلم الرياضة والحكمة والنجوم، وبعد ذلك عاد إلى موطنه تستر وأخذ يدرس تلك العلوم، واختصّ بتدريس النجوم والهيئة والرياضة.
له مناظرات عند سفره إلى الحجّ، وله مؤلّفات عديدة باللغتين الفارسيّة والعربيّة، تبلغ ثلاثين كتاباً ورسالة، وكان ينظم الشعر باللغتين العربيّة والفارسيّة، توفّي في سنة 1173هـ بمدينة تستر ودفن في مقبرة والده الملاصقة للمسجد الجامع.
والمجازون هم أربعة من العلماء:
(1) الشيخ محمد ابن الشيخ كرم الله الحويزي.
(2) الشيخ إبراهيم بن الخواجا عبدالله بن كرم الله الحويزي.
(3) الشيخ إبراهيم بن عبدالله بن ناصر الحويزي الهميلي.
(4) الشيخ محمد بن الشيخ محمد مقيم ابن الشيخ درويش محمد الأصبهاني الغروي.
ورتّب الإجازة في سبعة عشر فصلاً.
1 ـ في معنى الإجازة.
2 ـ في تجويز الرواية بالإجازة.
3 ـ في طرق الإجازة.
4 ـ في ذكر بعض من يصحّ له الوقف.
5 ـ ذكر بعض مصنّفات المجيز.
6 ـ ترجمة والده.
7 ـ طرق والده وترجمة جدّه وأساتيذ جدّه (السيّد نعمة الله الجزائري).
8 ـ في طرق جدّه ومشايخه.
9 ـ ترجمة الشهيد السيّد نصرالله الحائري.
10 ـ مشايخ السيّد نصرالله الحائري.
11 ـ إجازته بالأحاديث العامّة.
12 ـ طريقه إلى الشيخ الطوسي.
13 ـ ذكر بعض المشايخ.
14 ـ ترجمة 65 شخصاً من العلماء المعاصرين له.
15 ـ اهتمام جميع الطبقات باحترام العلماء في القرون السالفة.
16 ـ توصيف الشيخ عبدالله البحراني المعاصر له.
17 ـ في شروطه على رواة الحديث.
والإجازة مؤرّخة في يوم الأحد الثاني من جمادى الثانية سنة 1168هـ.
وتوجد للإجازة المذكورة نسخ متعددة استنسخت في القرن الرابع عشر وحصلت على صورة نسختين من الإجازة:
الأولى: بخط السيّد محمد علي الروضاتي الأصفهاني، استنسخها من مجموع إجازات الشيخ محمد باقر أُلفت النجفي الأصفهاني في شهر رمضان سنة 1367هـ، جاء في خاتمتها: (وجدت هذه الإجازة الشريفة بخطّ تلميذ المجيز محمد بن الحاج مير علي بن الحسين بن مقصود علي التستري، وكان تاريخ كتابتها شهر رجب من السنة المذكورة).
الثانية: بخطّ السيّد مرتضى بن السيّد محمد الموسوي الجزائري، من أحفاد المجيز في 20 رجب سنة 1394هـ بمدينة قم.
ولم يذكر الناسخ من أين نقل الإجازة.
محمد السمامي
اجتماع الأمر والنهي
اجتماع الأمر والنهي في الواحد الشخصي مع تعدد الجهة: من مسائل الأصول، وقد عالجها كل من كتب في أصول الفقه، على أن بعضهم قد كتب فيها دراسات مستقلة بلغت حوالي إثني عشر كتاباً.
الاجتهاد
ـ 1 ـ
الاجتهاد لغة واصطلاحاً
الاجتهاد في اللغة: مأخوذ من الجهد، وهو بذل الوسع للقيام بعمل ما، ولا يكون إلا في الأشياء التي فيها ثقل، فيقال: اجتهد فلان في رفع حجر ثقيل، ولا يقال: اجتهد في حمل ورقة مثلاً.
وهو في الاصطلاح مختلف في تحديده، والذي يبدو أن لهم فيه اصطلاحين: أحدهما أعم من الآخر.
الاجتهاد بمفهومه العام
أما الأول منهما وهو الاجتهاد بمفهومه العام، فقد اختلفت كلماتهم في تحديده اختلافاً كبيراً، والذي عليه الآمدي والعلامة الحلي وابن الحاجب هو أخذ الظن في تعريفه.
أخذ الظن في تعريفه ومناقشته:
فقد عرفه الآمدي بـ: «استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه»([302]).
وعرفه كل من العلامة الحلي والحاجبي بـ: «استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي»([303]).
وجرت على هذا النحو كثير من التعريفات.
والذي يرد على هذه التعاريف أن الاقتصار على ذكر الظن فيها، يجعلها غير جامعة تارة وغير جامعة ولا مانعة أخرى، لأن الظن إن أريد منه خصوص ما قام على اعتباره دليل من شرع أو عقل، كانت التعاريف غير جامعة وذلك:
1 ـ لخروج العلم بالأحكام عنها لبداهة أنها ليست بظن.
2 ـ وخروج ما لم يفد الظن مما قام عليه دليل بالخصوص.
وإن أريد به الأعم من الظن المعتبر وغيره كما هو الظاهر من إطلاق التعبير، كانت بالإضافة إلى ذلك غير مانعة، لدخول الظنون غير المعتبرة في هذه التعاريف، مع اتفاقهم ـ ظاهراً ـ على عدم اعتبارها من أدلة التشريع.
وقد حاول بعض أساتذتنا ـ فيما نسب إليه ـ أن يصحح هذه التعاريف على مذهب الآخذين بالظنون القياسية والاستقرائية والاستحسانية ظاناً أن هؤلاء إنما يعملون بها لأنها ظنون فحسب لا لأنها ظنون معتبرة عندهم بقيام الدليل عليها، مع أن لهم أدلة يذكرونها على حجيتها.
والذي يبدو أن ذكر الظن هنا غير ذي موضوع لعدم وجود أية خصوصية له تبرر ذكره في التعريف لأن المدار على ما قامت عليه الحجة، أفاد الظن أم لم يفده.
وكأنه لذلك عدل غير واحد من الأصوليين عن ذكره واكتفوا بأخذ العلم فيه.
أخذ العلم فيه ومناقشة التعريف:
لقد عرفه الخضري بـ (بذل الفقيه وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة)([304]).
وجرى على ذلك جملة من أعلام الأصوليين.
والذي يرد على هذا النوع من التعاريف: أن العلم هنا إن كان قد أرادوا به الأعم من العلم الوجداني والتعبدي، وأرادا بكلمة الحكم الشرعي الأعم من الواقعي والظاهري، كانت هذه التعاريف سليمة نسبياً لاندفاع المؤاخذات السابقة منها، إلا أنها تبقى ـ كسابقتها ـ محتاجة إلى ضميمة كلمة الوظائف، لتشمل كل ما يتصل بوظائف المجتهد من عمليات الاستنباط، وهذه المؤاخذة واردة على جل الأصوليين حتى المتأخرين منهم كالأستاذ مصطفى الزرقا حيث عرفه بـ: «عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة»([305]).
لبداهة خروج عمليات استنباط الوظائف من بعض الأصول: كالبراءة، والاحتياط، والتخيير ـ عن واقع التعريف، لأن نتائجها ليست أحكاماً شرعية.
والأنسب ـ فيما نرى ـ أن يعرف بـ:
(ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية، شرعية أو عقلية).
وهذا التعريف منتزع مما تبنته مدرسة النجف الحديثة في علم الأصول([306]).
وإنما ذكرنا في التعريف الملكة، خلافاً للتعاريف السابقة جميعاً، لنبعد ما تشعر به كلمات بعضهم من اعتبار الفعلية في الاستنباط، وذلك لوضوح أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد، وإن لم يباشر عملية الاستنباط فعلاً.
الإجتهاد بمفهومه الخاص
وقد عرّفه الأستاد خلاف بـ«بذل الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما لا نص فيه»([307]).
بينما رادف الشافعي بينه وبين القياس، فقال إنهما «إسمان لمعنى واحد([308]).
وفي رأي أبي بكر الرازي أن الإجتهاد يقع على ثلاثة معان:
«أحدها القياس الشرعي، لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم لجواز وجودها خالية عنه لم يوجد ذلك العلم بالمطلوب، فذلك كان طريقه الاجتهاد».
«والثاني ما يغلب في الظن من غير علة، كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم».
«والثالث الاستدلال بالأصول»([309]).
والذي يتصل من هذه الثلاثة بالاجتهاد بمفهومه الخاص لدى الأصوليين هو المعنى الأول ـ أعني القياس ـ أما الثاني فهو أجنبي عن وظائف المجتهدين، لأن الاجتهاد في تشخيص صغريات الموضوعات الشرعية ليس من وظائف المجتهدين بداهة، والمعنى الأخير هو الاجتهاد بمفهومه العام.
واعتبره مصطفى عبد الرازق مرادفاً للرأي والقياس والاستحسان والاستنباط([310]).
والغريب أن يرادف بين هذه المعاني وهي مختلفة المفاهيم ويجعلها حاكية عن مفهوم واحد.
ولست أظن أن الأستاذ عبد الرازق يريد أن يقول بالاشتراك اللفظي بينها لعدم التعدد في أوضاعها بداهة.
والظاهر أن لفظة الاجتهاد ـ بمفهومها الخاص ـ مرادفة لديهم لمفهوم الرأي والمعاني الأخرى من قبيل المصاديق لهذا المفهوم، وقد وقع الاشتباه نتيجة للاختلاط في استعماله بين المفهوم والمصداق.
وحديثنا إنما ينصب على خصوص الاجتهاد بمفهومه العام، لدخول الاجتهاد بالمفهوم الثاني ضمن ما يصدق عليه، وسوف نتحدث عن هذه الأقسام من الأصول: القياس، الاستحسان… الخ، فتتعرف على ما كان حجة منها من غيره.
أقسام الاجـتهاد ومعداته
تقسيم الاجتهاد بلحاظ طبيعة حججه:
وقد قسموا الاجتهاد بلحاظ طبيعة طرقه وحججه المأخوذة في مفهومه بتقسيمات لعل أحدثها تفسير الدكتور الدواليبي له، يقول: «وتوصلاً إلى معرفة الأحكام من النصوص الشرعية يتكلم العلماء بعد ذلك عن طرق الكشف عن الأحكام الشرعية، ويمكن أن نقسم ذلك إلى ثلاثة طرق:
1 ـ طريقة الاجتهاد البياني، وذلك لبيان الأحكام الشرعية من نصوص الشارع.
2 ـ طريقة الاجتهاد القياسي، وذلك لوضع الأحكام الشرعية للوقائع الحادثة، مما ليس فيه كتاب أو سنة بالقياس على ما في نصوص الشارع من أحكام.
3 ـ طريقة الاجتهاد الاستصلاحي وذلك لوضع الأحكام الشرعية، مما ليس فيه كتاب ولا سنة بالرأي المبني على قاعدة الاستصلاح([311]).
مناقشة هذا التقسيم
ويرد على هذا التقسيم وبعض ما جاء فيه من تحديدات:
1 ـ أنه غير جامع لشرائط القسمة المنطقية لعدم استيعابه لأقسام المقسم، مع أنه في مقام استيعابها بقرينة تعقيبه على هذا التقسيم بقوله: «ولم أتكلم في الاجتهاد الاستحساني لأن بعض حالاته تدخل في الاجتهاد الاستصلاحي»([312])، لوضوح أن الطرق التي اعتبرها العلماء كاشفة واعتمدوها في مجالات الاستنباط، بلغ بها بعضهم تسعة عشر باباً([313])، وأكثرها لا ترجع لهذه الطرائق الثلاث.
2 ـ أن القياس ـ ليس في جميع أقسامه قسيماً للاجتهاد البياني بل في بعضها هو قسم منه كالقياس المنصوص العلة، والذي يستفاد من عموم أو إطلاق علته عموم الحكم لجميع ما تتعلق به، والاستصلاح بناء على تعريفه له ـ أعني الدواليبي ـ داخل هو الآخر في الاجتهاد البياني لاستفادته من الأدلة العامة، أمثال: لا ضرر، وجميع الموارد التي يدعي اعمال الاستصلاح فيها، إنما هي من مصاديق هذا الحكم الفرعي الشرعي الكلي المستفاد من حديث «لا ضرر»، أو قاعدة العدل لا أنه في مقابلها، وأن التماس المصاديق لأحكام شرعية كلية وتطبيق كلياتها عليها، لا يخرج هذه المصاديق بعد التطبيق عن كونها من السنة، وكل أحكام السنّة كلية إلا ما ندر منها.
3 ـ تفرقته بين طريقة الاجتهاد البياني والطريقتين الأخريين، باعتباره الأولى بياناً للأحكام الشرعية والثانية والثالثة (وضعاً) لها، مع أن لازم ذلك اعتبار المجتهد مشرعاً، وهو خروج على إجماع المسلمين بالإضافة إلى مناقضته لنفسه حين اعتبرها جميعاً من الكواشف عن الأحكام الشرعية.
نعم، هذا التعبير لا يلتئم إلا على مبنى من مباني (المصوبة)، وهو المبنى الذي ينكر جعل الأحكام الواقعية في حقوق الجاهلين ويعتبرها تابعة لظنون المجتهدين، إن صح نسبة القول، بوضع الأحكام من قبل المجتهدين إليهم، ولا أظن الدكتور ممن يؤمنون به، بل لا أعرف في علماء الإسلام اليوم من يؤمن به، وستأتي مناقشته.
وإذا لم يتم هذا التقسيم فالأنسب التركيز ـ في مجال القسمة لأبوابه ـ على ما كنا قد استهدفناه من اختلافها ـ من حيث الطريقية أو الحجبة ـ بالذاتية والجعل الشرعي فنقسمه استناداً إلى ذلك إلى قسمين:
1 ـ الاجتهاد العقلي: ونريد به، ما كانت الطريقية أو الحجية الثابتة لمصادره عقلية محضة غير قابلة للجعل الشرعي، وينتظم في هذا القسم كل ما أفاد العلم الوجداني بمدلوله كالمستقلات العقلية وقواعد لزوم دفع الضرر المحتمل، وشغل الذمة اليقيني يستدعي فراغاً يقينياً وقبح العقاب بلا بيان وغيرها.
2 ـ الاجتهاد الشرعي: ونريد به كلاماً احتاج إلى جعل أو إمضاء لطريقته أو حجيته ـ من الحجج السابقة، ويدخل ضمن هذا القسم: الإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف والإستصحاب، وغيرها من مباحث الحجج والأصول العلمية مما يكشف عن الحكم الشرعي أو الوظيفة المجعولة من قبل الشارع عند عدم اكتشافه.
وإذا صح هذا التقسيم، فإن علينا أن نبحث كل ما يتوقف عليه من معدات تيسيراً لطالبي الاجتهاد في بلوغ مراتبه.
معدات الاجتهاد العقلي
ويتوقف الإجتهاد العقلي على خبرة بالقواعد الفلسفية والمنطقية، وبخاصة تلك التي تركز عليها اصول الأقيسة بمختلف أشكالها، لأن فيها وفي بقية قواعد المنطق ـ كما يقال ـ العصمة عن الخطأ في الفكر، شريطة أن يتعرف عليها من منابعها السليمة في أمثال معاهد النجف الأشرف من المعاهد الإسلامية التي عنيت بالدراسات المنطقية والفلسفية، وإدخال الإصلاحات عليها لا مما أخذ وترجم حديثاً عن الغرب لكثرة ما رأينا فيه من الخلط في المفاهيم، وتحميلها لوازم غريبة ينشأ أكثرها من عدم فهمهم لقسم من المصطلحات، وتحديد مداليلها بكل ما حفلت به من قيود وشروط.
معدات الاجتهاد الشرعي
أما الاجتهاد الشرعي فهو متوقف على الإحاطة بعدة خبرات، وهي مختلفة باختلاف تلكم الطرق المجعولة أو المضادة من قبل الشارع المقدس، فبالنسبة إلى الطرق غير المقطوعة أسانيد أو دلالة، أو هما معاً، نحتاج إلى عدة خبرات يتصل بعضها بتحقيق النص وصحة نسبته لقائله، ويتصل بكيفيات الاستفادة من النص في مجالات إلتماس الحكم أو الوظيفة منه بعد تصحيح نسبته.
أ ـ ما يتصل منها بنسبة النص لقائله:
أما ما يتصل منها بالقسم الأول فمعداته كثيرة وأهمها:
1 ـ أن يكون على علم بفهرست كل ما يرتبط بهذه النصوص وتبويبها ومعرفة نظامها في كتبها الخاصة، أمثال الصحاح والمسانيد والموسوعات الفقهية، ليسهل عليه التماس ما يريد استنباط الحكم منه من بينها على نحو يوجب له الاطمئنان بعدم وجود ما يخالفها أو يضفي بعض الأضواء عليها.
2 ـ أن تكون له خبرة بتحقيق النصوص والتأكد من سلامتها من الخطأ أو التحريف، وذلك بالبحث عن نسخها الخطية على اختلافها أو المطبوعة على اختلاف طبعاتها ومقارنة بعضها ببعض واختيار أصحها وأسلمها عند الشك في سلامة النص.
3 ـ التأكد من سلامة رواتها ووثوقهم في النقل بالرجوع إلى الثقات من أرباب الجرح والتعديل.
4 ـ التماس الحجية لها من قبل الشارع، باعتبارها من أخبار الآحاد التي توجب قطعاً بمضمونها، وقد عرضنا ما يتصل بهذا الجانب في (مبحث السنة).
5 ـ أن تكون لنا خبرة بالمرجحات التي جعلها الشارع أو أمضاها عند التعارض بينها.
ب ـ ما يتصل منها بمجالات الاستفادة.
وهي كثيرة أيضاً وأهمها:
1 ـ أن تكون لنا خبرة لغوية تؤهلنا، لأن نفهم مواد الكلمات ونؤرخ لها على أساس زمني، لنتمكن من أن نضعها في مواضعها الطبيعية لها، ونفهمها على وفق ما كانوا يفهمون من معانيها في زمنها.
ولا يشترط فينا، أن نكون مستحضرين لمعاني جميع ما ورد في الكتاب أو السنّة من الألفاظ اللغوية بل تكفينا القدرة على استخراجها من مظانها في أمثال كتاب «مفردات الراغب الأصفهاني» في غريب القرآن و«مجمع البيان» للطبرسي، و«التبيان» للشيخ الطوسي في التفسير، و«مجمع البحرين» للطريحي، و«النهاية» لابن الأثير في لغة الحديث.
2 ـ أن نكون على علم بوضع قسم من الهيئات والصيغ الخاصة، كهيئة المشتقات، وصيغ الأوامر، والنواهي والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والهيئات الدالة على بعض المفاهيم، وما إليها من الهيئات التي عنيت ببحثها كتب «أصول الفقه» القديمة، ولم تعن بها كتب اللغويين عناية هامة.
3 ـ أن نحيط معرفة بمسائل النحو والتصريف، بالمقدار الذي يؤهلنا لتمييز حركات الإعراب، وما تكشف عنه من اختلاف المعاني.
أما الغوص على استقراء العلل النحوية والآراء المختلفة فيها، فهذا ما ليس له أية ضرورة بالنسبة إلى وظيفتنا، كطلاب اجتهاد.
4 ـ أن نكون على درجة عالية في فهم أساليب العرب من وجهة بلاغية وتقييمها وإدراك جملة خصائصها.
وهذا ما لا يتأتى لنا في الغالب من دراسة كتب البلاغة التقليدية، لانشغالها عن مهمتها الأساسية بمماحكات لفظية تتصل أكثر ما تتصل بتكثير المصطلحات وتنويعها وإثارة النقاش حولها.
أما التماس النصوص البليغة ودراستها وتقييمها، فهذا ما لا يتفق أن تعنى به إلا نادراً.
وبما أن أهم مصادر التشريع عندنا هو: الكتاب والسنّة، وهما في أعلى مستويات البلاغة وبخاصة القرآن الكريم، فإن فهمهما مما يحتاج إلى حس بلاغي لا يتوفر إلا في القليل من البلغاء ممن تكّون لديهم ذلك الحس، بفضل تتبع واستظهار وتقييم كثير من النصوص البليغة في عصر القرآن وغيره.
5 ـ أن تكون لنا إحاطة تاريخية بالأزمان التي رافقت تكون السنة وما وقع فيها من أحداث، لنستطيع أن نضع النصوص التشريعية في موضعها الزمني، وفي أجوائها وملابساتها الخاصة.
ومعرفة الملابسة قد تغير دلالة نص بأكمله، وما أكثر ما تنطوي الملابسات على قرائن يصلح بعضها لصرف ذلك النص عن ظاهره أو تقييده في حدود تلكم الملابسة.
وبهذا نرى أنفسنا في أمس الحاجة إلى معرفة أسباب النزول في الكتاب العزيز، والبواعث لتبليغ التشريع في السنّة ـ إن كانت ـ لما يلقيان من أضواء على طبيعة الحكم.
والذي نرجوه أن لا يفهم من كلامنا هذا أننا نؤمن بأن المورد أو السبب ما يخصص الوارد أو يدعو إلى تقييده في حدود موارده أو بواعثه، فإن الذي أردنا أن نقوله أن المورد أو الباعث ربما يكشف عن طبيعة الوارد ونوع ما يعمم له من المصاديق.
وأظن أننا سندرك حاجتنا الكبيرة إلى هذه الخبرة في مجال المقارنة الفقهية القادمة، عندما نعرض لجملة من الفتاوى المتناقضة ونلتمس أسبابها، فنجد أهواء الحاكمين من وراء هذا التناقض.
وبهذا ندرك قيمة ما أرسله الإمام الصادق (ع) من جعله مخالفة العامة من أقسام المرجحات.
وبخاصة إذا تذكرنا أن المراد من العامة كما سيأتي في بحث الاستحسان أولئك المرتزقة الذين يسيرون دائماً في ركاب حكامهم، ويفتون على حسب ما يريدون منهم، ولعل الدعوة إلى سد باب الإجتهاد كان من بواعثها الخيرة غلق الطريق على آمال أُولئك من المتطفلين على موائد الإفتاء ممن كانوا بيد السلطات كالدمى يحركونها كيف شاؤوا وشاءت لهم سياستهم الخاصة لتضليل الرأي العام.
ومن هنا نرى كثيراً من السلطات تحفل بأمثال هؤلاء وتشتري عواطفهم بالمناصب الكبيرة والكثير من الأموال، وحتى في عصورنا المتأخرة، مع الأسف الشديد لا نعدم الأمثال الكثيرة على ذلك.
وإذا لم تكن لنا تلك الخبرة التاريخية، فإنا لا نستطيع أن نقيم تلك الأخبار المتعارضة ونعرف ما خالف العامة منها مما وافقها، وعلى الأخص إذا تم ما قربناه من أن الأساس في هذا التقييم لم يكن موجهاً نحو أرباب المذاهب المعروفة اليوم، لعدم وجود بعض أربابها إذ ذاك، والموجود منهم لم يكن على درجة من كثرة الاتباع ـ تخول إطلاق كلمة العامة عليهم، بل لم يكن بعضهم على اتصال بالسلطة الزمنية، كما هو المعروف من تاريخهم.
6 ـ أن تكون لنا خبرة بأساليب الجمع بين النصوص كتقديم الناسخ على المنسوخ، والخاص على العام، والمطلق على المقيد، وكالتعرف على موارد حكومة بعض الأدلة على بعض أو ورودها عليها.
7 ـ أن نكون على ثقة ـ بعد اجتياز المرحلة السابقة وتحصيل ظهور النص ـ بحجية مثل هذا الظهور.
هذا كله بالنسبة إلى الطرق الكاشفة عن الكتاب والسنّة سواء ما يتصل بالسند بالنسبة إلى السنّة أو الدلالة بالنسبة إليهما، أما الطرق الأخرى الكاشفة عن الحكم أو الوظيفة من غير طريقهما، فحسب الفقيه أن يحيط منها بما حرر في كتب الأصول الموسعة ليعرف الحجة منها من غير الحجة، ويعرف موارد جريانها وأصول الجمع بينها، ولا يقتصر في ذلك كله على الأخذ برأي فريق دون فريق، بل يمحصها جهده ويكون لنفسه رأياً، لأن التقليد في أصول الفقه محق للاجتهاد من أساسه، بل الاجتهاد في واقعه لا يعدو معرفة هذه الحجج وموارد تطبيقها، معرفة تفصيلية.
وفي المبحث اللاحق سنلقي ببعض الأضواء على هذا الجانب لإيضاحه.
تجزيء الاجتهاد وعدمه
ملكة الاجتهاد ومنشؤها
وقد تبين لنا مما تقدم أن ملكة الاجتهاد إما تنشأ من الإحاطة بكل ما يرتكز عليه قياس الاستنباط سواء ما وقع منه موقع الصغرى لقياس الاستنباط، كالوسائل التي يتوقف عليها تحقيق النص وفهمه أو كبراه، كمباحث الحجج والأصول العملية.
وسالك طريق الاجتهاد لا يمكن أن يبلغ مرتبته حتى يمر بها جميعاً ليكون على حجة فيما لو أقدم على إعمال هذه الملكة.
فالذي يعرف ـ مثلاً ـ وسائل تحقيق النص وفهمه دون أن يجتهد في معرفة بقية الحجج والأصول على نحو، يكون لنفسه فيها رأياً لا يتداخله الوهم أو الشك لا يسوغ له ادعاء الاجتهاد ولا استنباط حكم واحد لعدم المؤمّن له من قيام حجة يجهلها من الحجج الأخرى على خلاف ما استفاده من النص، وقد تكون سمة هذه الحجة المجهولة لديه، سمة الحاكم أو الوارد على ذلك النص.
وإذا صح هذا عدنا إلى ما ذكروه حول إمكان تجزيء الاجتهاد وعدمه، والضوابط التي جعلوها لكل منهما ـ أعني المجتهد المطلق والمتجزىء.
الإجتهاد المطلق
وأرادوا به «ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية من إمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلاً أو نقلاً في الموارد التي يوفر فيها بها([314]).
وهذا التعريف قريب من تعريفنا السابق عدا مؤاخذات شكلية لا تستحق التنبيه عليها.
الاجتهاد المتجزىء
وقد عرفه بالكفاية بقوله: «ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام([315]).
وربما أوضح كلام الغزالي في المقام ما يمكن أن يراد من أمثال هذا التعريف حيث قال ـ بعد أن استعرض العلوم التي يراها ضرورية للمجتهد، وهي قريبة في بعض خطوطها مما ذكرناه في معدات الاجتهاد: ـ «واجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع».
«وليس الاجتهاد عندي منصباً لا يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض».
«فمن عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية، وإن لم يكن ماهراً في علم الحديث، فمن ينظر في المسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس، عارفاً، بأصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا ولي، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها، ولا تعلق لتلك الأحاديث بها، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصاً؟ ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه، فما يضره قصور عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى آلْكَعْبَيْن}، وقس عليه ما في معناه».
«وليس من شروط المفتي أن يجيب عن كل مسألة، فقد سأل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري وكم توقف الشافعي، رحمه الله، بل الصحابة في المسائل».
«فإذن لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي، فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري، ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري، فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري»([316]).
وهذا الكلام غير واضح لدى وجهه لغرابة مضمونه، إذ العالم الذي يعرف القياس وليست له الخبرة في علم الحديث، كيف يسيغ لنفسه أن يستنبط حكماً واحداً من قياسه وينسبه إلى الشارع المقدس، مع أنه يحتمل أن يكون في الأحاديث ـ التي يتوقف تصحيحها على علم الرجال وفهمها على توفر وسائل الظهور، وتقديمها على غيرها عند المعارضة على المرجحات السندية أو الجهتية، وتشخيص رتبتها على أصول الجمع بين الأدلة والحجج على اختلافها ـ.
ـ مع أنه يحتمل أن يكون في هذه الأحاديث ما يتوقف الأخذ بهذا القياس.
وما يقال من إمكان فرض اجتهاده في البعض، والرجوع في البعض الآخر، إلى غيره من المجتهدين فيها لالتماس موقعها من الأصل، أو القاعدة التي يريد الاجتهاد فيها، لا يجدي اعتباره مجتهداً لبداهة أن النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين، وما دامت بعض مقدماته التي اعتمدها في مقام الاستنباط مأخوذة عن تقليد، فالنتيجة لا تخرجه عن كونه مقلداً، والعلم في دفع تأثير بقية الأدلّة الذي يكون منشؤه غير الاجتهاد، لا يجعل صاحبه مجتهداً بداهة.
على أن في هذا النص خلطاً بين الاجتهاد كملكة، وإعمال الاجتهاد والأمثلة التي ضربها كلها، تنتظم في مجالات إعمال الملكة لا في تكّون أصلها.
وعلى أي حال، فقد اختلف العلماء، في إمكان كل من الاجتهادين وعدمه على أقوال بها لا تكاد تلتقي.
فالذي يبدو من بعضهم إحالة الاجتهاد المطلق والأكثرون على إمكانه.
إحالة الاجتهاد المطلق
وكان وجهة نظر هؤلاء، ما يلاحظونه من قصور البشر، بما لهم من طاقات متعارفة عن استيعاب جميع الأحكام المجعولة لأفعال المكلفين على اختلاف مواضعها، حتى المستجدة منها، ومثل هذا الاستيعاب ممتنع عادة على البشر.
وقد فهموا من الاجتهاد المطلق، فيما يبدو اعتبار فعلية الاستنباط فيه. وفعلية الاستنباط لجميع الأحكام ممتنعة بينما يرى القائلون بـ:
إمكان الاجتهاد المطلق
أنه من قبيل الملكة، التي توفر له القدرة على استنباط الأحكام وهي غير ممتنعة عادة.
وعلى هذا، فالنزاع بينهما مبنائي وكلاهما ـ في حدود مبناه ـ على حق ـ وإنما الخطأ واقع في أحد المبنيين، وسيتضح أن اعتبار فعلية استنباط في مفهوم، لا وجه له.
إمكان التجزيء ووقوعه
أما التجزيء فالأكثر ـ فيما يبدو من العلماء ـ هو القول بإمكانه ووقوعه، وهو الذي تبناه الغزالي وقد مر رأيه ـ وابن الهمام([317])، والرازي وجملة من أساتذتنا المتأخرين.
وقد نسب الرشتي في شرحه للكفاية القول بعدم إمكانه إلى الشذوذ([318]).
وقد تفرد صاحب الكفاية ـ فيما نعلم بالقول بلزوم التجزيء فضلاً عن إمكانه ووقوعه، قال في الكفاية: «وحيث كان أبواب الفقه مختلفة مدركاً، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة عقلية ونقلية مع اختلاف الأشخاص في الإطلاع عليها، وفي طول الباع وقصوره بالنسبة إليها، فرب شخص كثير الإطلاع وطويل الباع في مدرك باب بمهارته في العقليات أو النقليات، وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فيها وابتنائه عليها».
«وهذا بالضرورة ربما يوجب القدرة على الاستنباط في بعضها لسهولة مدركه، ولمهارة الشخص مع صعوبته مع عدم القدرة على ما ليس كذلك، يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزيء للزوم الطفرة»([319]).
ولعل وجهة نظر القائلين بعدم إمكان التجزيء هو أخذهم الملكة أو الاستنباط في تعريفه والتزامهم ببساطتها وعدم إمكان التجزئة فيها.
وقد أجيب على وجهة النظر هذه: بأن المراد «هو التبعيض في أجزاء الكلي لا التبعيض في أجزاء الكل، إذ كما أن كل حكم من الأحكام الشرعية في مورد مغاير للأحكام الأخر في موارد أخر، فكذلك استنباطه مغاير لاستنباطها، فملكة استنباط هذه المسألة فرد من الملكة، وملكة استنباط تلك المسألة فرد آخر منها، وبساطة الملكة أو الاستنباط لا تنافي التجزيء بهذا المعنى كما هو ظاهر».
وحيث إن مدارك الأحكام مختلفة جداً فرب حكم بهذا المعنى يبتني استنباطه على مقدمات كبيرة فيصعب استنباطه، ورب حكم لا يبتني فيسهل استنباطه، ومع ذلك يمكن أن يقال: إن القدرة على استنباط حكم واحد لا تكون إلا مع القدرة على استنباط جميع الأحكام».
«وبالجملة حصول فرد من الملكة دون فرد آخر منها بمكان واضح من الإمكان، لا يحتاج تصديقه إلى أكثر من تصوره».
«ولعل القائل بالاستحالة لم يتصور المراد من التجزيء في المقام، واشتبه تبعيض أفراد الكلي بتبعيض أجزاء الكل، فإن الثاني هو الذي تنافيه البساطة ولا تدخل له في المقام([320]).
والذي يبدو لنا من خلال تصورنا لمختلف وجوه المسألة هو:
أقربية القول بعدم الإمكان
لا لما ذكروه من بساطة الملكة وعدم بساطتها ليقال: «إن التجزئة هي في مصاديق الكلي، لا في أجزاء الكل، أو يقال بأن الملكة توجد ضيقة على قدر استنباط بعض الأحكام، ثم تتسع بعد ذلك تدريجياً([321])، بل لما قلناه في مدخل البحث: من أن حقيقة الاجتهاد، هو التوفر على معرفة تلكم الخبرات أو التجارب على اختلافها، فمع توفرها جميعاً توجد الملكة، ومع فقد بعضها تنعدم لا أنها توجد ضيقة أو يوجد بعض مصاديقها ـ كما يبدو ذلك من كلام الغزالي السابق.
ولست أخال أن أحداً من الأساتذة يلتزم بأن المجهتد في خصوص مباحث الألفاظ ـ مجتهد متجزىء لحصوله على بعض مصاديق ملكة الاجتهاد. لأن الملكة التي تحصل من دراسة مباحث الألفاظ، لا تكون اجتهاداً، اصطلاحياً ما لم تنضم إليها بقية الملكات، فالاجتهاد في الحقيقة هو الوحدة المنتظمة لجميع تلكم الملكات.
وكل واحدة من هذه الملكات، أشبه ما تكون بجزء العلة لملكة الاجتهاد، فما لم تنضم إليها بقية الأجزاء لا يتحقق معلولها أصلاً، ومع انضمام البقية تتحقق الملكة «مطلقة»، وإن لم يستنبط صاحبها مسألة واحدة.
وصعوبة الاستنباط لابتناء بعض المسائل على مقدمات، لا تنافي حصول الملكة في أولى مراتبها المستلزمة للقدرة على استنباط هذه الأحكام جميعاً.
ونحن لا ننكر أن ملكة الاجتهاد ذات مرات تقوى وتضعف تبعاً لدرجة إعمالها كأية ملكة أخرى، ولكننا ـ نؤمن مع ذلك ـ بأن أدنى مراتبها بعد خلقها بتوفر أسسها، ومعداتها كافية لصدق الإطلاق عليها لقدرة صاحبها على استنباط أية مسألة تعرض عليه، وإن كان الاستنباط في بعضها لا يخلو من صعوبة على المبتدىء لابتنائه على مقدمات طويلة يحتاج استيعابها والتأمل فيها إلى جهد كبير.
والذي أظنه أن الخلط بين الملكة وإعمالها هو الذي سبب الارتباك في كلمات بعضهم.
والتجزيء في مقام إعمال الملكة يكاد يكون من الضروريات، بل لا يوجد في هذا المقام اجتهاد أصلاً.
ودعوى امتناعه ـ أعني الاجتهاد المطلق ـ بهذا المعنى لا تخلو من أصالة لاستحالة إعمال الملكة في جميع المسائل، حتى التي لم توجد موضوعاتها بعد، فاستيعاب جميع مسائل الفقه أمر متعذر على بشر عادي بداهة.
وحتى مع فرض إمكان الاجتهاد المطلق، فالتزام صاحب الكفاية بلزوم القول بالتجزيء ووجوب وجوده عادة، لا يخلو من وجه لامتناع إعمال الملكة دفعة واحدة في جميع المسائل، بل لا بد في مقام استيعابها من التدرج فيها.
وإذا تمت هذه التفرقة بين الاجتهاد كملكة، والاجتهاد في مقام إعمالها، اتضح الجواب على كل ما استدل به من هذا المورد، كاستدلال الأستاذ عمر عبدالله على لزوم التجزيء بقوله: «لو لم يتجزأ الاجتهاد للزم أن يكون المجتهد عالماً بجميع الأحكام، وذلك باطل قطعاً فقد سأل كثير من المجتهدين عن مسائل، فأجابوا عن بعضها ولم يجيبوا عن البعض الآخر([322]).
وهذه الملازمة إنما تتم إذا أراد من الاجتهاد إعمال الملكة، ومن العلم بجميع الأحكام فعلية العلم، وإلا فمع الالتزام بكون الاجتهاد ملكة لا يلزم المجتهد العلم بمسألة واحدة فضلاً عن جميع المسائل، والطبيب ـ بعد تخرجه ـ طبيب وإن لم يداو واحداً من المرضى.
وكذلك لو أراد من العلم شأنية العلم، إذ لا مانع من أن يكون لصاحب الملكة شأنية العلم بجميع المسائل.
ومع تمامية الملازمة فاللازم لا يكون باطلاً لما ذكره من سؤال بعض المجتهدين، وعدم إجابتهم للجهل بما سألوا عنه لجواز أن يتسرب الشك إلى اجتهادهم قبل أن يتسرب إلى القاعدة، فالأنسب تعليل بطلان اللازم بامتناع الإحاطة بجميع الأحكام عادة.
والغريب أن يقع بعض القائلين بامتناع التجزيء بنفس المفارقة من الخلط بين الملكة وإعمالها، فالأستاذ خلاف في الوقت الذي يعلل فيه عدم التجزيء بقوله: «لأن الاجتهاد ـ كما يؤخذ مما قدمناه ـ أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص، واستثمار الأحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد، وتكونت له هذه الملكة لا يتصور أن يقتدر بها في موضع دون آخر»([323])، يعود فيقع في المفارقة نفسها عندما يتم دليله فيقول: «وقد يكون هادي المجتهد في أحكام الزواج، مبدأ أو تعليلاً تقرر في أحكام البيع فلا يكون مجتهداً إلا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن والسنّة حتى يصل من مقارنة بعضها ببعض ومن مبادئها العامة، إلى الاستنباط الصحيح»([324]).
وموضع المفارقة أن العلم بأحكام القرآن أو السنّة، إنما يحتاج إليه المجتهد في مجالات إعمال الملكة لا مجالات تكونها.
على أن هذا التعميم في العلم لجميع أحكامهما، لا يحتاج إليه حتى في مجالات إعمال الملكة، وإلا لتعذر عليه استنباط حكم واحد أو تعسر على الأقل وعلى الأخص إذا لاحظنا تشعب كتب السنّة ـ صحاحاً ومسانيد وسنناً ـ.
بل يكفيه منها فحصه عن موضع الأدلة من الآيات والروايات وغيرهما من كتب الفقه والحديث، وفحصها على نحو يحصل له العلم بكفاية ما وصل إليه لاستنباط الحكم الذي يريد استنباطه من أدلته.
خلاصة الرأي
وخلاصة ما انتهينا إليه من رأي، أن التوفر على معدات الاجتهاد جميعاً، هو الذي يكون الاجتهاد كملكة، ومع فقد بعضها والتقليد في البعض الآخر، فإن صاحبها لا يخرج عن كونه مقلداً لاتباع النتائج أخس المقدمات بالضرورة.
فملكة الاجتهاد إذن، إما أن توجد مطلقة، أو لا توجد أصلاً.
الاجتهاد ومراتب المجتهدين
وإذا عرفنا حقيقة الاجتهاد والمعدات التي يجب أن تتوفر في المجتهد لتشارك في تكوين ملكته، أمكننا أن نقيم ما ذكروه من تقسيم للاجتهاد بلحاظ مراتب المجتهدين.
وقد ذكروا أن للاجتهاد بهذا اللحاظ أقساماً خمسة هي:
1 ـ الاجتهاد المطلق: أو الاجتهاد المستقل، وحدوده بـ «أن يجتهد الفقيه في استخراج منهاج له في اجتهاده» على نحو يكون مستقلاً في منهاجه وفي استخراج الأحكام على وفق هذا المنهاج أو هو «كما يعبر العلماء مجتهد في الأصول وفي الفروع([325]).
2 ـ الاجتهاد في المذهب: ويريدون به أن يجتهد الفقيه المنتسب إلى مذهب معين في الوقائع على وفق أصول الاجتهاد التي قررها إمام ذلك المذهب. «وقد يخالف الواحد منهم مذهب زعيمه في بعض الأحكام الفرعية». ومن هؤلاء الحسن بن زياد في الحنفية، وابن القاسم وأشهب في المالكية، والبويطي والمازني في الشافعية»([326]).
وقد أطلق الأستاذ أبو زهرة على الفقيه من هذا القسم اسم «المجتهد المنتسب».
3 ـ الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها: عن إمام المذهب وفق الأصول المجعولة من قبله، وبالقياس على ما اجتهد فيها من الفروع كالجصاص والطحاوي، والكرخي من الحنفية، واللخمي وابن العربي، وابن رشد من المالكية، والغزالي، والاسفراييني، من الشافعية([327])…
4 ـ إجتهاد أهل التخريج: وهو الإجتهاد الذي لا يتجاوز «تفسير قول مجمل من أقوال أئمتهم، أو تعيين وجه معين لحكم يحتمل وجهين، فإليهم المرجع في إزالة الخفاء والغموض الذي يوجد في بعض أقوال الأئمة وأحكامها كالجصاص وأضرابه من علماء الحنفية([328]).
5 ـ اجتهاد أهل الترجيح: ويراد به الموازنة بين ما روي عن أئمتهم من الرواية المختلفة، وترجيح بعضها على بعض من جهة الرواية، أو من جهة الدراية، كأن يقول المجتهد منهم: «هذا أصح رواية، وهذا أولى النقول بالقبول، أو هذا أوفق للقياس أو أرفق للناس، ومن هؤلاء القدوري وصاحب الهداية من علماء الحنفية».
مناقشة التقسيم
ويرد على هذا التقسيم:
1 ـ خروجه على أُصول القسمة المنطقية لخلطه بين قسم من أقسام وبين مقسمها بجعلها قسيماً لمقسمها، والأنسب توزيعها ـ من وجهة منطقية ـ إلى قسمين: مطلق ومقيد والمقيد إلى الأقسام الأربعة الأخرى لوجود قدر جامع بينهما وهو الاجتهاد ضمن إطار مذهب معين.
2 ـ أن تسمية هذه الأقسام الأربعة بالاجتهاد وجعلها قسماً منه في مقابل الاجتهاد المطلق لا يلتئم مع الواقع الذي سبق أن ذكرناه من أن الاجتهاد ملكة لا توجد لصاحبها إلا بعد حصوله على تلكم الخبرات والتجارب، ومعرفتها معرفة تفصيلية أو كما قلنا إن الاجتهاد في الحقيقة لا يعدو الاجتهاد في أصول الفقه مع توفر بقية المقدمات، وهو مناط جملة أحكامه الآتية مع حرمة التقليد بالنسبة إلى المجتهد ونفوذ قضائه، وجواز رجوع الغير إليه في التقليد أو لزومه أحياناً.
ومن الواضح أن المجتهد المقيد ليس مصداقاً للمجتهد بهذا المفهوم، لعدم حصول المعرفة التفصيلية لأصول الفقه لديه واجتهاده فيها.
إذ مع اجتهاده فيها وقيام الحجة لديه عليها، كيف يسوغ له التقيد بأصول مذهبه والسير ضمن إطاره الخاص، وربما اختلف مع إمام المذهب في أصل من الأصول، وكان لديه مما لا يصلح الاحتجاج به، وما الذي يصنعه إذ ذاك، أيخالف إمام مذهبه فيخرج عن الانتماء إلى ذلك المذهب أم يخالف رأيه فيعمد إلى العمل بغير حجة؟!.
3 ـ إن جميع ما ذكروه للاجتهاد من تعاريف لا ينطبق على أي قسم من أقسام المقيد، لأخذهم العلم أو الظن بالحكم الشرعي أو الحجة عليه على اختلاف في وجهة النظر في مفهومه.
والمجتهد المقيد بأقسامه الأربعة لا ينتهي باستنباطه ـ إن صح إطلاق كلمة الاستنباط على عمل قسم منهم ـ إلى الحكم الشرعي، وغاية ما ينتهي إليه هو رأي إمامه فعلاً أو تقديراً في كون ما انتهى إليه حكماً شرعياً ـ بحكم ما أعمل من قواعد هذا الإمام وأصوله ـ.
أما العلم أو الظن بكونه حكماً شرعياً أو وظيفة كذلك، فإن هذا لا يحصل إلا لمن قامت لديه الحجة التفصيلية على ذلك وهي لا تكون إلا لإمام ذلك المذهب نفسه، لا للمستنبط وفق قواعده وأصوله.
والحقيقة أن هذا التقسيم أشبه بتقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره وما أحسن ما صنعه الأستاذ خلاف حين عد هذه الأقسام الأربعة في فصل عهد التقليد من كتابه «خلاصة التشريع الإسلامي»، وإن كان قد أطلق كلمة الاجتهاد عليهم تسامحاً.
اجتهاد الشيعة مطلق أو منتسب
من رأي أبي زهرة: أن اجتهاد الشيعة ليس من قبيل الاجتهاد المطلق، وإنما هو من قبيل الاجتهاد المنتسب لاعتقاده بأنه «رسمت له المناهج من بيان أحكام النسخ والعموم، وطريق الاستنباط والتعارض بين الأخبار وحكم العقل، وإن لم يكن نص، وكل هذا يقتضي أن يطبق في اجتهاده لا أن يرسم ويخطط، فهو يسير في اجتهاده على خط مرسوم لا يعدوه ولا يبتعد عنه يمنة ولا يسرة، وبهذا النظر يكون في درجة المجتهد المتنسب».
ويرد على هذا الرأي الذي تبناه، وربما شاركه فيه غيره من الأعلام.
ما ينطوي عليه من تغافل عن وظيفة الإمامة لدى الشيعة، فالذي يبدو أن الأستاذ أبو زهرة، كان يرى في أئمة أهل البيت أنهم مجتهدون في كل ما يأتون من أحكام، وحسابهم حساب بقية أئمة المذاهب، مع أن الشيعة لا يرون في أئمتهم ذلك، وإنما يرونهم مصادر تشريع يرجع إليها لاستقاء الأحكام من منابعها الأصيلة، ولذلك اعتبروا ما يأتون به من السنّة.
فأقوال أهل البيت إذن مصدر من مصادر التشريع لديهم، وهم مجـتهدون في حجيتها كسائر المصادر والأصول.
ولا أقل من اعتبار أولئك الأئمة الأطهار، من قبيل الرواة الذين لا يتطرق إليهم الريب في الرواية، وما أكثر تصريحاتهم ـ أعني الأئمة (عليهم السلام) ـ بكون ما يأتون به من أحكام، فإنما هو من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي لا يعدونها بحال، وبعضه بإملائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبخط علي (ع)([329]).
وعلى هذا ـ فالأصول التي خططوها ـ إن صح هذا التعبير ـ فإنما هي من تخطيطات الإسلام نفسه، وقد وصلت إليهم من طريق النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي بعض هذه الأصول تصريح بذلك.
أما بقية أئمة المذاهب فهم لا يَعْدون كونهم من المجتهدين، ولذا كان ما يأتون به من أصول قابلاً للنظر فيه، فلا يكون حجة على الغير.
على أن أدلة الشيعة على الحجج ـ على اختلافها ـ لم تقتصر على أحاديث أهل البيت ـ بل تجاوزتها إلى الكتاب العزيز، والسنّة النبوية والسيرة القطعية، وبناء العقلاء، وحكم العقل، وغيرها، على اختلاف في صلوح بعضها ـ للاستقلال بالدليلية أو الانتظام ضمن غيره من الأصول.
ولهذا نرى أن مجتهدي الشيعة، لا يسوغون نسبة أي رأي يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل، سواء كان في الفقه أم الأصول أم الحديث بل يتحمل كل مجتهد مسؤولية رأيه الخاص.
نعم ما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته إليه.
والحقيقة أن تسمية الشيعة مذهباً في مقابل بقية المذاهب لا أعرف له أساساً ما داموا لا يعتبرون ما يأتي به أئمتهم عاكساً لآرائهم الخاصة وإنما هو تعبير عن واقع الإسلام من أصفى منابعه، فهم في الحقيقة مجتهدون ضمن إطار الإسلام وهو معنى الاجتهاد المطلق.
وإنكار أبي زهرة لهذه الصفة في أئمتهم، وكونهم من مصادر التشريع لا يخرج مجتهدي الشيعة ـ عن كونهم مجتهدين مطلقين ـ حتى مع فرض الخطأ فيهم ـ كمجتدين ـ لأن اختلاف أبي حنيفة، مثلاً مع الشافعي في بعض أصوله، لا يخرجه عن كونه مجتهداً مطلقاً، ما دام أبو حنيفة مؤمناً بمصدره التشريعي.
الإجتهاد بين الانسداد والانفتاح
سد باب الاجتهاد: وأرادوا به حصر الاجتهاد بعد أن تم غلق أبوابه ـ على يد بعض السلطات على جميع المكلفين ـ وحصر الرجوع إلى خصوص المذاهب الأربعة.
بواعثه وعوامله: وقد أرجع الأستاذ عبد الوهاب خلاف ذلك إلى عوامل أربعة([330])، نشير إلى أهم خطوطها وهي:
1 ـ إنقسام الدولة الإسلامية إلى عدة ممالك، وتناحر ملوكها ووزرائها على الحكم مما أوجب انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع، وانشغال العلماء تبعاً لذلك بالسياسة وشؤونها.
2 ـ انقسام المجتهدين إلى أحزاب لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها، مما دعا إلى تعصب كل مدرسة لمبانيها الخاصة أصولاً وفروعاً، وهدم ما عداها «حتى صار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني أو حديث؛ إلا ليلتمس فيه ما يؤيد مذهب إمامه ولو بضرب من التعسف في الفهم والتأويل».
وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته، وماتت روح استقلالهم العقلي، وصار الخاصة كالعامة أتباعاً ومقلدين([331]).
3 ـ انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء، وعدم وجود ضوابط لهم، مما أدى إلى تقبل سد باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع، وتقييد المفتين والقضاة بأحكام الأئمة حيث عالجوا الفوضى بالجمود.
4 ـ شيوع الأمراض الخلقية بين العلماء والتحاسد والأنانية «فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير به، وحط أقرانه من قدره، وإذا أفتى في واقعة برأيه قصدوا إلى تسفيه رأيه، وتفنيد ما أفتى به بالحق وبالباطل، فلهذا كان العالم يتقي كيد زملائه وتجريحهم بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد ومبتكر، وبهذا ماتت روح النبوغ ولم ترفع في الفقه رؤوس، وضعفت ثقة العلماء بأنفسهم وثقة الناس بهم»([332]).
وهناك عامل خامس، كاد أن يسد باب الاجتهاد عند الشيعة بالخصوص في القرن الخامس الهجري، وهو عظم مكانة الشيخ الطوسي وقوة شخصيته التي صهرت تلاميذه في واقعها وأنستهم أو كادت شخصياتهم العلمية فما كان أحد منهم ليجرؤ على التفكير في صحة رأي لأستاذه الطوسي أو مناقشته.
وقد قيل: إن ما خلفه الشيخ الطوسي من كتب الفقه والحديث، كاد أن يستأثر في عقول الناس فيسد عليها منافذ التفكير في نقدها ما يقارب القرن([333]).
وقد كان لموقف ابن إدريس وهو من أكابر العلماء لدى الشيعة فضله الكبير في إعادة الثقة إلى النفوس، وفسح المجال أمامهم لتقييم هذه الكتب ونقدها والنثر في قواعدها.
ولولا موقفه المشرف إذ ذاك، لكان الاجتهاد إذ ذاك ضحية من ضحايا التقديس والفناء في العظماء من الناس.
وهذه العوامل التي ذكرها الأستاذ خلاف، وإن كان أكثرها لا يخلو من أصالة، إلا أنها لا تقوى على تكوين العلة التامة لهذا الحظ.
والظاهر أن سياسة تلكم العصور كانت تخشى من العلماء ذوي الأصالة في الرأي والاستقامة في السلوك ـ وهم لا يهادنون على ظلم ولا يصبرون على مفارقة ـ فأرادت قطع الطريق على تكوين أمثالهم بإماتة الحركة الفكرية في أساسها، وذلك بسدها لأهم منبع من منابعها الأصيلة وهو الاجتهاد.
أدلة حجيته
والغريب أن نجد في المتأخرين عن ذلك العصر من يحاول التبرير الشرعي لجملة هذه التصرفات، بالتماس أدلة توجب هذا الحظر وتلزم باستمراره.
يقول صاحب الأشباه: «الخامس: مما لا ينفذ القضاء به ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع وهو ظاهر، وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع، وإن كان منه خلاف لغيره فقد صرح في التحرير: أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة، لانضباط مذاهبهم وكثرة أتباعهم([334]).
وقد رأينا في المتأخرين من يوافقه على هذا الحكم كالشيخ محمد عبد الفتاح العناني رئيس لجنة الفتيا في الأزهر الشريف وزملائه في اللجنة»([335]).
والأدلة التي ذكرها صاحب الأشباه هي:
1 ـ الإجماع.
2 ـ انضباط المذاهب الأربعة وكثرة أتباعهم.
1 ـ الاستدلال بالإجماع ومناقشته.
قد نسب ابن الصلاح هذا الاجماع([336])، إلى المحققين لا إلى المجتهدين، وهذا طبيعي لافتراضه قيام إجماع بعد انسداد باب الاجتهاد.
وقد ناقش الشيخ المراغي (وهو من دعاة حرية الفكر) هذا الإجماع صغرى وكبرى.
أما مناقشته من جهة صغروية: فقد شك في إمكان تحصيل هذا الاجماع، وقال: «إن محققي العلماء يرون استحالة الإجماع ونقله بعد القرون الثلاثة الأولى نظراً لتفرق العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، واستحالة الإحاطة بهم وبآرائهم عادة».
«وهذا رأي واضح كل الوضوح لا يصلح لعاقل أن ينازع فيه، وإذا كان هذا واضحاً بالنسبة لإجماع المجتهدين، وهم أقل عدداً بلا ريب من المحققين، فكيف عرف الإجماع للمحققين»([337]).
ثم تساءل بعد ذلك عن قيمة ابن الصلاح مدعي هذا الاجماع ومدى صلاحيته للأخذ برأيه «ابن الصلاح هذا فقيه مقلد، فكيف يؤخذ برأي فقيه مقلد ليس واحداً من الأئمة الأربعة، وكيف ينسخ الإجماع برأي واحد لا يصح تقليده والأخذ بقوله؟([338]).
وأما مناقشته من وجهة كبروية: فقد انصبت على إنكار الدليل على حجية مثل هذا الاجماع، يقول: «ليس لإجماع المحققين قيمة بين الأدلة الشرعية، فهي محصورة: كتاب الله وسنّة رسوله، وإجماع المجتهدين، والقياس على المنصوص ولم يعد أحد من الأدلة الشرعية إجماع المحققين، فكيف برز هذا الإجماع وأخذ مكانته بين الأدلة وأصبح يقوى على نسخ إجماع المسلمين» إلى آخر ما جاء في بحثه القيم من مناقشات لقيمة هذا الاجماع.
وخلاصة الرأي في ذلك إنّا سنستقرىء فيما يأتي في (مبحث الإجماع) أدلة العلماء على حجية إجماع المحققين.
فالاستدلال إذن بالإجماع في غير موضع، لعدم قيام الدليل على حجية مثله، على أن الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها.
2 ـ انضباط المذاهب وكثرة الأتباع ومناقشتها:
وهاتان العلتان ـ سواء أراد بهما التعليل لأصل الحكم أم للإجماع ـ غريبتان عن الأدلة جداً، إذ متى كانت كثرة الأتباع وانضباط المذاهب من الحجج المانعة عن الأخذ بقول الغير؟ وربما كان الغير أعلم وأوصل إلى الحكم الواقعي، وفتواه موجودة محررة يمكن الحصول عليها، كما إذا كان معاصراً للمستفتي يمكنه الرجوع إليه بسهولة.
على أني لا أكاد أفهم ـ كيف تكون القابليات المبدعة ـ وقفاً على فئة من الناس عاشوا في عصور معينة (ولم يتميزوا في عصورهم بظاهرات غير طبيعية) مع أن طبيعة التلاقح الفكري توجب خلق تجارب جديدة في مجالات الاستنباط، والعقول لا تقف عند حد، فكيف يمكن أن يقال لأصحاب هذه التجارب الذين ملكوا تجارب القدماء ودرسوها وناقشوها وأضافوا عليها من تجاربهم الخاصة:
«إن هؤلاء القدماء أوصل منكم وأعلم، وعليكم تجميد عقولكم والأخذ بما يقولون وإن بدت لكم مفارقات ما جاؤوا به من آراء؟.
وما أحسن ما قاله الأستاذ المراغي، وهو ينعي على دعاة الجمود موقفهم من حرية الفكر: «ليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إن ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب، ولا لمعرفة الأدلة وشروطها، وإذا صدق هذا فيَا لِضَيْعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها([339])، ثم يقول: «وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، وأقول إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيه شروط الاجتهاد وحرم عليه التقليد([340]).
والشيء الذي لم أملك تماماً توجيهه في كلامه ـ بعد هذه الدعوة الهادفة ـ هو قوله: «والواقع أنه في أكثر المسائل التي عرضت للبحث وأفتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد، إلا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجد فهي التي تحتاج إلى آراء محدثة»([341]).
والذي يوحي به كلامه، أنه فهم من الاجتهاد أنه إحداث رأي جديد، وهو لا يكون إلا في الأمور المستحدثة لاستيعاب الفقهاء مختلف الأقوال في المسألة المبحوثة غالباً ووظيفة المجتهد بالنسبة إليها اختيار واحد منها.
مع أن الاجتهاد، كما سبق تحديده ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف، سواء كانت موافقة لآراء غيره أم مخالفة.
وكونهم مستوعبين للأقوال في المسألة، لا يسقط عنه وظيفة إعمال ملكته في مقابلهم، حتى ينتهي إلى الرأي الذي يراه موافقاً للحجة من بينها.
ولماذا يختار رأياً من آرائهم، ألأنه يعتقد أن أولئك السابقين أوصل منه وأعرف؟ كيف وأصولهم ومبانيهم بيده؟ وفيها ما لا يرتضيه لعدم قيام الحجة عنده عليه، ولماذا يفضل رأياً على رأي إذا لم يعمل اجتهاده في مقام التفضيل؟.
الشيعة وفتح باب الإجتهاد
فالحق ـ كما ذهب إليه الشيعية ـ هو فتح باب الاجتهاد المطلق، وهو الذي تقتضيه جميع الأدلة التي ذكروها على وجوب المعرفة عقلية ونقلية.
وهذه الاعتبارات التي ذكروها لعدم الحجية، لا تصلح لإيقاف تلكم الأدلة ونسخها.
أحكام الاجتهاد.
أحكام المجتهد.
والحديث حول أحكامه يقع في مواقع ثلاثة:
1 ـ حجية رأي المجتهد بالنسبة إلى عمل نفسه فيما لو أعمل ملكته.
2 ـ جواز إفتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه.
3 ـ جواز رجوعه إلى الغير ـ فيما يبتلي به من المسائل ـ مع عدم إعمال ملكته وعدمه.
1 ـ حجية رأيه بالنسبة إلى عمل نفسه فيما لو أعمل ملكته:
والذي يبدو لي ـ في حدود ما رأيت ـ أن كلمة الأعلام تكاد تتفق على حجية رأيه ولزوم العمل به، وعدم جواز رجوعه إلى الغير في الجملة ـ وذلك باستثناء ما مر من آراء ابن الصلاح ومن تبعه.
والسر في ذلك واضح بعد ما اتضح من بحوثنا السابقة مفهوم الحجية، وكونها من اللوازم العقلية القهرية لطريقية العلم.
إذ المجتهد ـ بناء على ما انتهينا إليه من مفهوم الاجتهاد ـ إذا أعمل ملكته وانتهى إلى رأي، فهو إما عالم بالحكم الواقعي علماً وجدانياً أو علماً تعبدياً ـ بواسطة جعل الشارع للطريقية أو الحجية ـ، أو يكون عالماً بإحدى الوظيفتين الشرعية أو العقلية على نحو ترتبها السابق.
ومع فرض حصول العلم لا يبقى مجال للتصرف الشرعي، فلا يمكن أن يقال للمجتهد العالم بالمسألة: إنك لا يسوغ لك أن تعمل بعلمك، وعليك الرجوع إلى الغير واستشارته فيما تراه حاصلاً لديك من الواقع.
نعم للشارع أن يرفع بعض الحجج الموقوفة على جعله أو إمضائه، فيذهب عليه المستند إليها.
أما مع بقائها وبقاء علمه المستند إليها، فإن الشارع لا يمكن له أن يتصرف فيها لأنها كما سبق بيانه ـ غير واقعة تحت تصرفه كمشرِّع ـ، وإن وقعت تحت قبضته كخالق ومكون.
ومع هذا الفرض وتماميته لم نعد بحاجة إلى التماس أدلة التقليد له.
ويرد على هذا الاستدلال، خروجه عن هذه الأدلة بالتخصص لبداهة أن موضوعها قد أخذ فيه عدم العلم ـ {فَسْئَلُوَاْ أَهْلَ آلذّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ـ والسيرة العقلائية إنما قامت على رجوع الجاهل إلى العالم لا العالم إلى مثله.
ولا يفرق في هذا الحكم بين رجوعه إلى مثله في المعرفة أو الأعلم منه، لأن الأعلمية المفروضة أن أوجبت له تشكيكاً في صحة مستنده كأن يكون قد اطلع على وجهة نظره فأقرها، أو أثارت لديه الشكوك، فهو خارج عن الفرض لعدم وصوله إلى الحكم، والكلام إنما هو فيمن أعمل ملكته ووصل إلى الحكم من طريقها، وإن لم نوجب له التشكيك فيما وصل إليه وبقي مصراً على وجهة نظره، فهو في الحقيقة يرى نفسه أوصل منه في هذه المسألة، فكيف يسوغ له الرجوع إليه؟.
فما أَوْهَمَ هذا التفصيل في كلمات البعض، لا يبدو له وجه.
نعم، هناك تفصيل يذكر بالنسبة إلى المتجزىء وعدمه.
التفصيل بين المتجزىء وعدمه
والذي يظهر أن القائلين بالتجزيء مختلفون على أنفسهم، فبعضهم: يرى لزوم رجوع المتجزىء إلى غيره من المجتهدين، كصاحب المعالم وجدِّه إذا صحت استفادة ذلك من كلامهم، بينما خالفهم العلامة، والشهيد، وصاحب الكفاية وغيرهم.
وقد استدل صاحب الكفاية: بعدم اختصاص أدلة المدارك بالمتصف بالاجتهاد المطلق، وأضاف الشيخ الرشتي على ذلك بأنه: «كيف يرفض ظنه ويأخذ بظن المجتهد المطلق مع أنه يخطئه في ظنه، وهل هذا إلا رجوع العالم إلى الجاهل»؟([342]).
والحقيقة أنه بعد تسليم إمكان التجزي ووقوعه لا يبقى مجال للقول بعدم الحجية لنفس ما قلناه سابقاً من: أنه بعد فرض الالتزام بكونه عالماً بما قامت عليه الحجة، كيف يمكن أن يقال له: إن عملك ليس بحجة عليك، مع أن الحجية من لوازم العلم القهرية؟.
والذي يظهر من إطلاق الاتفاق في كلمات الغزالي أن عدم جواز رجوعه إلى الغير مطلقاً مفروغ منه، يقول في المستصفى: «وقد اتفقوا على أنه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم، فلا يجوز له أن يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه»([343])، وكذلك الآمدي([344]).
2 ـ جواز إفتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه:
أما جواز إفتائه على وفق ما وصل إليه من رأي، فهو أيضاً لا يقتضي أن يكون موضوعاً لإشكال، لما تقدم بيانه من أن من لوازم الحجية العقلية جواز نسبة مؤدى ما قامت عليه إلى مصدرها من شارع أو عقل. وليس المراد من الفتوى إلا الإخبار عما يراه من حكم أو وظيفة.
والظاهر أن جميع ما ورد من الأدلة على جواز الإفتاء، يكون من قبيل الإرشاد إلى هذا اللازم العقلي، إذ مع فرض كونه من اللوازم العقلية للحجية لا يكون قابلاً للوضع أو الرفع.
3 ـ جواز رجوعه إلى الغير مع عدم إعمال ملكته وعدمه:
اختلف الأعلام في جواز الرجوع إلى الغير مع جهله بالحكم لعدم إعمال ملكته للوصول إليه.
فالجبائي لا يسوغ الرجوع لغير الصحابي، ويرى أن تقليده مع ذلك خلاف الأولى، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة، وجوز بعضهم الرجوع إلى الصحابة والتابعين دون من عداهم([345])، وفصل محمد بن الحسن بين الأعلم وغيره فأجاز تقليد الأعلم دون غيره ممن هو دونه أو مثله، كما فصل قوم بين ما يخصه وما يفتي به، فأجازوا في الأول ومنعوا في الثاني، وهناك تفصيل آخر فيما يخصه بين ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد، وما لا يفوت حيث أجيز في الأول ومنع الثاني([346])، بينما أطلق الجواز كل من: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والثوري، ولأبي حنيفة روايتان([347]).
والعمدة في هذا المجال التماس أدلة جواز التقليد، والنظر في عمومها، أو إطلاقها لشمول مثله.
وعمدة الأدلة كما يأتي بناء العقلاء الممضي قطعاً من قبل الشارع، ولعل في أمثال آيتي النفر، وسؤال أهل الذكر، ما يكفي لإثبات ذلك الإمضاء.
والظاهر أن بناء العقلاء، إنما يفرق بين خصوص القادر على إعمال ملكته وعدمه.
فالقادر على إعمالها لسعة الوقت وتوفر أدوات البحث، لا يرى معذراً له في ترك إعمالها؛ لعدم انطباق عنوان الجاهل عليه، وهو إنما يقر رجوع الجاهل إلى العالم لا غير.
ولكنه يجيز لغير القادر ذلك، فالطبيب الذي يصاب ببعض العوارض ويخشى على نفسه من فوات الفرصة فيما لو أراد أن يعمل ملكته لفقده بعض أدوات عمله، يرجع عادة إلى استشارة طبيب آخر يثق بمعارفه.
وهكذا بالنسبة إلى المتدرج في إعمال ملكته، ولنفرضه جديد عهد بالملكة.
فلو قدر لمثل هذا أن يصدر عن هذه الملكة، لتعذر عليه استيعاب جميع تكاليفه وبخاصة إذا كان هو لا يرى جواز الاحتياط في بعض المسائل، أو كانت مما يتعذر فيها الاحتياط.
فالذي يقتضيه بناء العقلاء على هذا الرجوع إلى الغير لتحصيل المؤمن فيما يقدم عليه أو يتركه من أعمال.
وممن اختار هذا التفصيل المحقق القمي صاحب القوانين المحكمة حيث قال ـ بعد أن عرض رأي المانعين مطلقاً ـ: «ودليل المانع وجوب العمل بظنه، إذا كان له طريق إليه إجماعاً، خرج العامي بالدليل وبقي الباقي، (وفيه) منع الإجماع فيما نحن فيه، ومنع التمكن من الظن مع ضيق الوقت، فظهر أن الأقوى الجواز مع التضييق، واختصاص الحكم به»([348]).
والظاهر من الجواز هنا الجواز بالمعنى العام في مقابل المنع لا الإباحة لتعين الرجوع إلى الغير في هذا الفرض.
وإذا صح هذا اتضحت أوجه المناقشة في جميع تلكم الأقوال، إذ لا دليل عليها، وغاية ما يدل عليه دليل الجواز هو هذا المقدار، وليس في الأدلة كل هذه التفصيلات التي ذكروها، فلا حاجة إلى الإطالة بردها.
التخطئة والتصويب
الخلاف في مسألة التخطئة والتصويب:
وقد اختلفوا في أن المجتهد مصيب دائماً في كل ما تنهي إليه حججه، أو أنه قابل للخطأ.
والأقوال في التخطئة والتصويب ثلاثة:
قول بالتصويب، وقول بالتخطئة، وثالث أخذ منهما معاً بعض جوانبهما.
1 ـ القول بالتصويب والخلاف فيه:
والمصوبة اختلفوا على أنفسهم فالذي عليه محققو المصوبة كما يقول الغزالي: «إنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه وهو المختار، وإليه ذهب القاضي وذهب قوم من المصوبة إلى: أن فيه حكماً معيناً يتوجب إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعين الذي لم يؤمر بإصابته، بمعنى أنه أدى ما كلف فأصاب ما عليه»([349]).
وقد عرف القسم الأول من التصويب على ألسنة بعض الباحثين مع الأصوليين بالتصويب الأشعري، كما عرف القسم الثاني بالتصويب المعتزلي([350]).
التصويب الأشعري ومناقشته:
وقد أطال الغزالي بتقريبه ودفع ما أورد عليه من الشبه، وكل ما جاء به لا يخلو من خلط بين الأحكام في مرحلة الجعل والأحكام في مرحلة التبليغ وبينهما وبين الأحكام في مرحلة الفعلية.
كما وقع في مفارقة أن أحكام الشارع هي خطاباته. مع أن الخطابات إحدى مبرزات أحكامه. لا أنها عين الأحكام، ولا منافاة بين أن يكون هناك حكم ولا يكون خطاب به.
وبهذا ندرك أن أوجه المفارقة في كلامه الذي لخص به وجهة نظره حيث قال: «والكلام الكاشف للغطاء عن هذا الكلام المبهم هو أنّا نقول: المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نص، وإلى ما لم يرد».
«أما ما ورد فيه نص، فالنص كأنه مقطوع به من جهة الشرع، لكن لا يصير حكماً في حق المجتهد إلا إذا بلغه وعثر عليه، أو كان عليه دليل قاطع يتيسر معه العثور عليه إن لم يقصر في طلبه، فهذا مطلوب المجتهد وطلبه واجب، وإذا لم يصب فهو مقصر آثم».
«أما إذا لم يكن إليه طريق متيسر قاطع، كما في النهي عن المخابرة، وتحويل القبلة قبل بلوغ الخبر، قد بينا أن ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق من لم يبلغه، لكنه عرضة أن يصير حكماً فهو حكم القوة لا الفعل، وإنما يصير حكماً بالبلوغ أو بيسر طريقه على وجه يأثم من لا يصيبه، فمن قال في هذه المسائل حكم معين لله تعالى، وأراد به أنه حكم موضوع ليصير حكماً في حق المكلف إذا بلغه، وقبل البلوغ وتيسر الطريق ليس حكماً في حقه بالفعل بل بالقوة، فهو صدق، وإن أراد به غيره، فهو باطل.
«أما المسائل التي لا نص فيها فيعلم أنه لا حكم فيها، لأن حكم الله تعالى خطابه، وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول، أو يدل عليه دليل قاطع من فعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو سكوته، فإنه قد يعرفنا خطاب الله من غير استماع صيغة، فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون في حكم؟ فقليل النبيذ إن اعتقد فيه كونه عند الله حراماً فمعنى تحريمه أن قيل فيه لا تشربوه، وهذا خطاب والخطاب يستدعي مخاطباً، والمخاطب به هم الملائكة أو الجن أو الآدميون، ولا بد أن يكون المخاطب به هم المكلفون من الآدميين، ومتى خوطبوا ولم ينزل فيه نص، بل هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل قاطع سوى النطق، فإذن لا يعقل علم لا معلوم له وقتل لا مقتول له، ويستحيل أن يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل».
ولإيضاح مواقع المفارقة في كلامه هذا نضرب المثل في القوانين التي تشرعها الدول والمراحل التي تمر بها وهي ثلاث:
1 ـ مرحلة التشريع، وهي المرحلة التي ينتزع فيه القانون شرعيته بتصديق البرلمان أو أية جهة مسؤولة عنه، وربما اقتضت المصلحة تأجيل تنفيذه وإبلاغه للمواطنين.
2 ـ مرحلة التبليغ، أي مرحلة مخاطبة المواطنين به وإلزامهم بالسير على وفقه.
3 ـ مرحلة الفعلية، أي مرحلة وصول القانون إليهم وتبلغهم به.
ومرحلة تنجز التكاليف التي عرض لها القانون هي مرحلة الفعلية، وعلى أساسها يكون الثواب والعقاب، وإلا فمرحلة التشريع أو التبليغ إذا لم يصل الحكم إلى المكلف مع فحصه عنه وعجزه عن العثور عليه، لا تستوجب العقاب لما مر بيانه من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل، وهي قاعدة تطابق عليها العقلاء جميعاً، وإذا تم هذا المثل، عدنا إلى تطبيقه على أحكام الشارع، فالحديث القائل بما مؤداه: «ما من واقعة إلا ولله فيها حكم حتى أرش الخدش»، تشير إلى مقام الثبوت، أي إلى المرحلة الأولى.
ومن البديهي أن جميع أفعال المكلفين حاضرة لديه تعالى وعالم بما فيه المصلحة منها مما ليس فيه، ومع حضورها لديه في مقام الثبوت، وقد تقتضي مصلحة التدرج في التبليغ تأخير تبليغ بعض الأحكام كما وقع ذلك في أول البعثة.
وأما مرحلة الفعلية فهي مرحلة وصول التكاليف.
وبهذا يتضح أن ظنون المجتهدين ـ لو تمت حجيتها ـ فهي لا تتعدى دور تنجيز الأحكام وإيصالها إلى المكلفين، أي إعطاء الأحكام صفة الفعلية والوصول، لا أن الشارع يخلق أحكاماً على وفقها كما يريد أن يقول الغزالي.
ومن هنا تتبين أوجه المفارقة في كلامه، فقوله: «إن ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق من لم يبلغه»، إذا أراد به الحكم في مرحلة الفعلية فهو صحيح، وإن أراد به ـ كما هو ظاهر كلامه ـ الحكم بما هو حكم صدر من الشارع في مرحلة التشريع فهو مستحيل لاستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم نفسه، لزوم الدور لبداهة أن العلم يستدعي معلوماً سابقاً في الرتبة عليه، إذ لا يعقل، كما يقول هو، أن يكون علم لا معلوم له، فإذا افترضنا أن العلم موقوف على وجود معلومه، وهو الحكم، وافترضنا أن الحكم لا يوجد إلا بعد بلوغه ـ أي بعد العلم به ـ لزم الدور بداهة لتوقف كل منهما على الآخر المستلزم لتوقف الشيء على نفسه، وذلك بإسقاط المتكرر منها، فقولنا: العلم موقوف على الحكم والحكم موقوف على العلم به ينتج بعد إسقاط المتكرر أن العلم موقوف على العلم، أو الحكم موقوف على الحكم. ومن هنا قالوا باستحالة تقييد الأحكام بخصوص العالمين بها.
وما يقال عن العلم يقال عن الظن، لأن الظن يستدعي افتراض مظنون سابق في الرتبة عليه، فإذا افترض أن الحكم لا حق له كما افترضه الغزالي ـ حين قال: «ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن فالحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه» ـ لزم الدور بنفس التقريب السابق.
كما تتضح أوجه المفارقة بقوله:
«أما المسائل التي لا نص فيها، فيعلم أنه لا حكم فيها، لأن حكم الله خطابه» وذلك لأن مرحلة الخطاب ليست هي مرحلة الجعل، وإنما هي مرحلة إبراز للمجعول.
والحقيقة أن دعوى: أن أحكام الله تابعة لظنون المجتهدين، دعوى لا يمكن تقبلها بحال إذا أريد منها ظاهرها ـ وحسبها ـ بالإضافة إلى ما قدمناه ـ نسبة تبني كل ما يقع فيه المجتهدون من تناقضات في الأحكام إلى الله عز وجل، واعتبارها أحكاماً مجعولة من قبله، على ما في الكثير منها من البعد عن المصالح أو المفاسد الواقعية التي تخطئها ظنون المجتهدين في الكثير من المواقع عادة.
التصويب المعتزلي ومناقشته:
وهو الذي نسب إليهم في المصدر السابق كما نسب إلى الشافعي في المستصفى حيث يقول: «أما المصوبة فقد اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى إثباته، وإليه تشير نصوص الشافعي رحمه الله، لأنه لا بد للطالب من مطلوب، وربما عبّروا عنه بأنه مطلوب المجتهد الأشبه عند الله تعالى والأشبه معين عند الله»، لكن المجتهد لم يكلف بإصابته فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك المعين الذي لم يؤمر بإصابته». وقد وجهت هذه الإصابة: بأن الأمارة عندما تقوم على حكم تخلق في متعلقه مصلحة مزاحمة لمصلحة الواقع أو مفسدة كذلك وتتغلب عليها على نحو يرتفع حكم المصلحة الواقعية للمزاحمة، ويبقى الحكم الناتج عن الأمارة، ويكون مفاد الحجية المجعولة للإمارة هو اعتبارها سبباً في تبديل الواقع المستلزم لتبدل الحكم تبعاً له.
وهذا القول ـ بناء على هذا التوجيه ـ يرجع إلى القول الأول لانتهائه إلى القول بعزل الأحكام الواقعية من طريق المزاحمة، ويرد عليه:
1 ـ أن الأمارة يستحيل أن تكون سبباً في خلق مصلحة في متعلقها، لأن الظنون ـ وهي من الحالات النفسية ـ لا تسري إلى الواقع الخارجي فتغيره لاختلاف مجاليهما، وليس الظن أكثر من العلم والعلم بالأشياء إذا لم يصب الواقع ـ لا يبدل من حقيقة ما قام عليه، فعلمي بعدم وجود زيد مثلاً لا يجعله غير موجود إذا كان في واقعه موجوداً، وكذا الظن بوجود مفسدة في شيء لا يجعلها موجودة إذا كانت في واقعها غير موجودة، وهكذا.
2 ـ أن أدلة الطرق والأمارات ـ كما سبق فحصها ـ لا تفيد أكثر من اعتبارها بمنزلة العلم من حيث ترتيب الآثار عليها والعلم لا يزيد في نظر العقلاء عن كونه كاشفاً عن متعلقه، وفوائد جعلها لا تتجاوز المنجزية أو المعذرية.
القول بالتخطئة وحجيته:
وهو الذي ذهب إليه الشيعة وجمهور من المسلمين من غيرهم، وربما كان هو الرأي السائد اليوم.
وفحواه: أن الأحكام الواقعية المجعولة من قبل الشارع لما كانت مستوعبة لجميع أفعال المكلفين، المحرزة المجعولة من قبله لا وظيفة لها إلا تنجيز متعلقها، أو التماس المعذرية وكانت الطرق والأمارات والأصول لمن قامت عنده كان قيام الأمارة وغيرها كعدمه لا يبدل في الواقع ولا يغير، والواقع يبقى على حاله فإن أصابه المجتهد كان مصيباً، وإلا فهو مخطىء معذور.
وتسمية ما قامت عليه الامارة أو الأصل بالحكم الظاهري إنما هي «لإمكان احتمال مخالفة الطريق والأصل للواقع وعدم إيصاله إليه، وإلا فليس الحكم الظاهري إلا هو الحكم الواقعي الذي قامت عليه الأمارات والأصول مطلقاً محرزة كانت الأصول أو غير محرزة، وهذا هو الذي قام عليه المذهب، ويقتضيه أصول المخطئة».
والظاهر أن أدلة الأمارات والأصول التي سبق عرضها هي التي تقتضي ما ذهب إليه المخطئة، إذ لا تدل على أكثر من المنجزية أو المعذرية.
القول بالمصلحة السلوكية ومناقشته:
وهو الذي أخذ من التخطئة والتصويب معاً، وقد ذهب إليه الشيخ الأنصاري حيث التزم بالطريقية بالنسبة إلى مفاد أدلة حجية الطرق والأمارات من دون أن يكون هناك أي تصرف في المتعلق يزاحم به الواقع إلى السواء، كما التزم بسببية الأمارة لخلق مصلحة في نفس السلوك لا في المتعلق «وتلك المصلحة مما يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع».
فهو أخذ من المخطئة التزامهم بجعل الطريقية للطرق والأمارات، ومن المصوبة كونها سبباً في خلق المصلحة.
وأهم ما يورد به على هذه الفكرة عدم نهوض الأدلة بها، لأن هذه الأدلة التي تقدم الحديث عنها أي أكثر الأبواب السابقة، ليس فيها ما يشير إلى أكثر من جعل الطريقية أو الحجية لما قامت عليه، أما خلق مصلحة في السلوك فلم تتعرض له بقليل أو كثير وقد قرب بعض الأساتذة رجوعها إلى التصويب المعتزلي وحملها بعض مفارقاته وليس المهم تحقيق ذلك بعد أن كانت الأدلة ليست ناهضة بأكثر من جعل الطريقية لها.
نقض الاجتهاد وعدمه
ويراد بنقض الاجتهاد تحول المجتهد عن رأي سابق انتهى إليه باجتهاد إلى رأي آخر مضاد له اقتضاه اجتهاد لاحق بعد تبين الخطأ له في اجتهاده الأول، ويتصور هذا النقض وتبدل الرأي في مقامين:
1 ـ مقام العمل والافتاء.
2 ـ مقام القضاء وفض الخصومات.
وقد حررت هذه المسألة في كتب الأصوليين من الشيعة في مباحث الألفاظ وعرض لها مفصلاً في (مبحث اجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي).
وقد وقع الخلاف بين الأعلام فيها، وقبل أن نعرض لتفصيل والتباس أدلتها، نود أن نتحدث عما تقتضيه القواعد الأولية في هاتين المسألتين.
النقض والقاعدة
والذي يقتضي أن يقال إن القاعدة مرتبة على المباني السابقة في مسألة التخطئة والتصويب، ومقتضاها الاختلاف باختلافها فالقائلون بالتصويب بمفهومه الأول ـ أعني تصويب الغزالي والقاضي ـ لا بد أن يلتزموا بالإجزاء وعدم جواز النقض مطلقاً، بل لا معنى للقول بجواز النقض لعدم وجود موضوع له على مبناهم.
لأن مثل هؤلاء لا يعقل انكشاف الخطأ بالنسبة إليهم لعدم التزامهم بوجود واقع يمكن للمجتهد أن يخطئه أو يصيبه فيما لا نص فيه، وتبدل الاجتهاد لديهم ـ وإن استلزم تبدل الحكم ـ إلا أن ذلك من قبيل تبدل الحكم لتبدل موضوعه لا لانكشاف الخطأ فيه.
والقائلون بالتصويب الثاني لا بد وأن يلتزموا بالإجزاء أيضاً لتصريحهم بأن كل مجتهد مصيب وأن أخطأ الواقع، وفي حدود ما وجهنا به كلامهم السابق لا يبقى بعد حصول الاجتهاد وخلق حكم على وفقه، مجال للحكم الواقعي لمزاحمته دائماً بالحكم وتغلبه عليه. وتبدل الاجتهاد لديهم يكون كسابقه من قبيل تبدل الموضوع، لا من قبيل انكشاف الخطأ فيه.
أما على رأي الشيخ الأنصاري من الالتزام بالتخطئة والمصلحة السلوكية فالذي يقتضيه الالتزام به، هو القول بعدم الاجزاء لاعترافه بأن المصلحة السلوكية لم تصنع شيئاً أكثر من تعويض المكلف عما يفوته من المصلحة بسبب سلوك ما جعله الشارع له من الطرق والإمارات.
أما الواقع فهو على حاله غير مزاحم بشيء نهائياً، ومع خطأ الطريق الاجتهادي لم يفت المكلف أكثر من مصلحة الوقت في الموقتات مثلاً، وقد عوض عنها بالمصلحة السلوكية.
ولكن مصلحة الواقع ـ مع إمكان تداركها ـ باقية لم يفت منها عليه شيء، وعليه الاتيان بها على كل حال.
ومن هنا تتضح القاعدة على رأي المخطئة، إذ مع التزامهم بوجود الاجتهاد الأول وعدم تنازل الشارع عن حكمه لعدم جعله في الطرق والأمارات والأصول، أكثر من الطريقية أو الحجية، وهي لا تفيد غير المنجزية عند المصادفة للواقع، والمعذرية عند عدمها.
ومع هذا الفرض فلا بد منالقول بعدم الأجزاء.
هذا كله من حيث القاعدة، وهي لا تفرق بين المقامين: مقام العمل والافتاء، ومقام القضاء وفض الخصومة، كما لا تفرق بين الأحكام الوضعية والتكليفية.
ولكن بعض العلماء فرقوا بين جواز النقض في الأول وجوازه في مقامي الحكم والافتاء فالتزموا بعد الثاني كالغزالي وغيره.
كما فرق الشيخ النائيني فيما يبقى له أثر ـ بعد انكشاف الخطأ بالاجتهاد الثاني ـ بين العبادات من الأحكام التكليفية وغيرها كالأحكام الوضعية، فالتزم بالاجزاء بالنسبة إلى العبادات وعدمه بالنسبة إلى غيرها.
وهناك من أطلق القول من الأعلام ـ فيما يبدو ـ بالاجزاء استناداً إلى أدلة خاصة ذكروها.
وقد ذكروا لذلك أدلة أربعة هي:
أمثال قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في آلدّينِ مِنْ حَرَج}.
بدعوى أن مقتضى لسانها، هو حكومتها على الأدلة الأولية بتضييق نطاقها عن شمول ما كان حرجياً من الأحكام.
وبما أن الحكم بعدم الاجزاء هنا حرجي، فهو غير مجعول على المكلفين في هذا الحال.
ويرد على هذا الاستدلال: أن هذه الأدلة إنما تتم حكومتها في المقام إذا كان مفادها هو نفي الحرج النوعي، وإلا لكانت أضيق من المدعى، لبداهة أن القول بعدم الاجزاء لا يستلزم الحرج الشخصي في جميع مسائله.
ومفاد هذه الأدلة ـ كما هو التحقيق فيها ـ هو رفع الحرج الشخصي لا النوعي ـ وهو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ـ وعليه فلا تصلح هذه الأدلة لتأخير القاعدة، إلا في موارد الحرج الشخصي، وهي قليلة نسبياً.
دعوى أن الاجتهاد الأول كالثاني
فلا موجب لرفع اليد عنه بالاجتهاد الثاني، والقول بعدم الاجزاء لا يتم إلا برفع اليد عن الاجتهاد الأول.
ويرد على هذه الدعوى: أنها إنما تتم إذا كان كلا الاجتهادين حجة، وهذا ما لا يعقل أن يكون، لأن معنى اجتهاده الثاني هو قيام حجة، لديه على بطلان اجتهاده الأول لاكتشافه خللاً فيه، كأن يكون قد أفتى أولاً ـ استناداً إلى إطلاق أو عموم ـ ثم عثر بعد ذلك على مقيد أو مخصص له، وليس من الممكن أن يبقى العام على حجيته حتى مع العثور على المخصص أو المقيد أو يكون قد استند في اجتهاده السابق على رواية كان يعتقد صحتها ثم تبين له كذب راويها، وهكذا…
ومع هذا الحال كيف يلتزم بعدم ترجيح الاجتهاد الثاني في صورة معارضته له مع أنه لا يعدو ـ في واقعه ـ باب التعارض بين الحجة واللاحجة لا التعارض بين الحجتين، ومن المعلوم لزوم الأخذ بما هو الحجة منها بالضرورة.
وهناك القول بأن القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين.
وهو الذي نسب إلى صاحب الفصول.
والذي يؤخذ به عدم وضوح منشأ المفارقة التي سجلها بهذا القول. فهو إن أراد منها أن القضية لا تتحمل اجتهادين مع بقاء حجيتهما للزوم التناقض وشبهه في مدلوليتهما، فهو وإن كان صحيحاً، إلا أن القائلين بعدم الاجزاء لا يلتزمون ببقاء الحجية لهما معاً، لبداهة انكشاف الخلل في الاجتهاد الأول المانع من حجيته.
وإن أراد ـ كما هو ظاهر كلامه ـ أن طبع القضية الواحدة يأبى ورود اجتهادين عليه من مجتهد واحد، فهو وإن كان مع وحدة الزمن صحيحاً أيضاً، إلا أنه خارج عن الفرض لافتراضهم تأخر الاجتهاد الثاني عن الأول زماناً.
ومع تعدد الزمان لا تأبى القضية الواحدة ألف اجتهاد وما أكثر ما تتبدل آراء المجتهدين في المسألة الواحدة.
وهناك دعوى الإجماع
على الإجزاء
وقد حكاه النائيني، واستند إليه في القول بالإجزاء في خصوص العبادات باعتباره القدر المتيقن من مورده، وجزم بخروج الأحكام الوضعية عن المورد لاعتقاده أن فتوى جماعة من الإجزاء فيها «إنما هي لأجل ذهابهم إلى كون الاجزاء هو مقتضى القاعدة الأولية لا لأجل الإجماع على ذلك».
وقد نوقشت هذه الدعوى بإنكار وجود إجماع تعبدي في جميع صور المسألة، «والقائل بالاجزاء إنما ذهب إليه لدلالة الدليل عليه باعتقاده».
«وعليه فلا مقتضى لرفع اليد عما تقتضيه القاعدة الأولية من لزوم الإعادة والقضاء في العبادات بعد انكشاف الخلاف، ولزوم ترتيب جميع آثار انكشاف الخلاف في المعاملات».
وبهذا يتضح أن تفصيل شيخنا النائيني لا يمكننا الالتزام به ورفع اليد عن القاعدة إلا إذا تم الاجماع والقضية تحتاج إلى الفحص في كل مسألة فقهية، لا الحكم فيها ككل.
أما مقام الحكم وفض الخصومات فقد يضاف إلى تلك الأدلة على عدم جواز النقض، ما تُشعر به بعض الروايات من أن لحكم الحاكم موضوعية إذا اعتبرت الراد عليه راداً على الله «وهو على حد الشرك بالله» من دون أن تفرق بين كون الرد، ونقض الاجتهاد مبنياً على اجتهاد أو غيره.
ويرد على هذا الاستدلال: أن إثبات هذا الاطلاق لا يخلو من صعوبة لعدم إحراز كونه في مقام البيان من هذه الجهة، بل قد يقال بعدم إمكان شموله له عادة، إذ مع استكشاف المجتهد أن حكمه الأول كان بغير ما أنزل الله، فكيف يحتمل وجوب قبوله وحرمة رده؟ ويكون الراد عليه راداً على الله، مع أن رده هذا كان أخذاً بحكم الله بحسب عقيدته.
على أن استفادة الموضوعية لحكم الحاكم لا تتجاوز في تلكم الروايات حدود الإشعار لا الظهور، بينما يبدو من صحيحة هشام أن حكم الحاكم لا يسري إلى الواقع فيغيره عما هو عليه، يقول هشام ـ بسنده ـ:
«قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما أقضي بينكم بالبينات والإيمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئاً فقد قطعت له به قطعة من النار».
وقد استدل الغزالي وتابعه غيره على عدم جواز النقض في الحكم بقوله: «ولو حكم بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع الزوج ثلاثاً، ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين، ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضاً ولتسلسل».
يرد على هذا الاستدلال:
1 ـ أن امتناع التسلسل، إنما يتم إذا تمت الملازمة بينهما، وكانت واقعة من سلسلة العلل والمعلولات، لكنها هنا غير تامة لبداهة أن فعلية نقض الاجتهاد الأول لا تستلزم فعلية نقض النقض لجواز أن يثبت عليه المجتهد ـ أي النقض ـ إلى الأخير ولو استلزمتها، فهي من قبيل الملازمات الاتفاقية ـ إن صح تسميتها ملازمة ـ لوضوح أن نقض الاجتهاد الأول لا يكون علة لنقض النقض ولا معلولاً له: ومع عدم العلية والمعلولية بينهما لا يلزم التسلسل الباطل.
وما يقال عن فعلية النقض، يقال عن إمكانه لو أراد الملازمة بين الإمكانين، لا بين النقيضين الفعليين، فيكون معنى قوله: «لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض»، أنه لو جاز نقض الاجتهاد لجاز نقض النقض إذ التلازم بين الجوازين بالبداهة ليس منشؤه العلية والمعلولية بينهما، فلا يكون باطلاً.
2 ـ ورود هذه الأشكال عليه، نقضاً لالتزامه بجواز النقض في مقام الافتاء يقول: «أما إذا نكح المقلد بفتوى مفت، وأمسك زوجته بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق بعد الدور، ثم تغير اجتهاد المفتي، فهل على المقلد تسريح زوجته، هذا ربما يتردد فيه، والصحيح: أنه يجب تسريحها كما لو تغير اجتهاد مقلده عن القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحول إلى الجهة الأخرى، كما لو تغير اجتهاده في نفسه»، مع أن لزوم التسلسل ـ على مبناه ـ فيه واضح الجواز أن يقال: لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضاً ولتسلسل… الخ.
وقد وقع بالمفارقة نفسها بعض المتأخرين، كالأستاذ الخضري.
وقد استدل البعض على عدم جواز النقض بما أثر عن عمر بن الخطاب في المسألة الحجرية المعروفة في علم الميراث «وهي ما إذا وجد مع الاثنين، فأكثر من أولاد الأم أخ شقيق فأكثر واستغرقت الفروض كل التركة بأن وجد مع هؤلاء زوج وصاحبة سدس كالأم والجدة الصحيحة» حيث قضى «بعدم توريث أولاد الأبوين، ولما عرضت عليه المسألة مرة أخرى قضى بإشراكهم مع أولاد الأم في فرضهم الثلث، ولما قيل له سبق أن قضيت بعدم إشراكهم قال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي».
وهذا الاستدلال لا يتم:
1 ـ لمعارضته بما أثر عن عمر في كتابه إلى أبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة «ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق فإن مراجعة الحق خير من التمادي على الباطل».
2 ـ أن الاستدلال بقول عمر لا يكون حجة، لما قلناه من أن إثبات الحجية لقول الصحابي لا تتم لعدم تمامية الدليل عليها.
والنتيجة أن القاعدة تقتضي عدم الاجزاء في الجميع، ولا يخرج عنها إلا بدليل خاص، ولو وجد فهو خاص في مورده.
أما الأدلة العامة فليس فيها ما يصلح لتعطيل القاعدة في جميع الموارد.
محمد تقي الحكيم
مدارس الاجتهاد في الفقه الاسلامي
لا يستطيع الباحث أن يلم بتاريخ الفقه الإسلامي، ويتعرف على العوامل والمؤثرات التي أدت إلى تطوير الفقه الإسلامي وتغييره من شكله الأول وصياغته الأولى أيام الصحابة والتابعين إلى شكله الحاضر… دون أن يتعرف على المدارس التي ظهرت في الاجتهاد، على امتداد تاريخ الفقه الإسلامي، وما تركته من آثار في الفقه الإسلامي من الناحية الصياغية والاستنباطية.
ولذلك فإن عرض هذه المدارس على صعيد البحث العلمي عرضاً موضوعياً بعيداً عن التحيز، ونقد الاتجاهات المدرسية التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي يسهل لنا مهمتنا كثيراً كمؤرخين وباحثين عن الفقه ومراحل تطوره وتدرجه من أيامه الأولى إلى الوقت الحاضر.
ومن جهة ثانية: لا يستغني الباحث عن تاريخ مدرسة فقهية بالذات وتطوره ضمن المراحل الزمنية… أن يدرس المدارس الفقهية التي كانت تعاصر المدرسة التي يبحث عنها، والتي كانت تختلف عنها في الاتجاه اختلافاً كلياً أو اختلافاً يسيراً… حتى يتبلور على صعيد البحث موقف المدرسة المقصودة بالبحث عن سائر المدارس وما استجدت هذه المدرسة في تاريخ الفقه الإسلامي من جديد في عالم الاجتهاد وصياغة الأدلة، وما قدمت من خدمات للفقهاء في الاجتهاد والاستنباط.
وهذه المهمة الثنائية التي يتوقف تذليلها على دراسة مدارس الاجتهاد في تاريخ الفقه الإسلامي هي التي حدت بنا إلى دراسة هذه المدارس دراسة موضوعية نافذة لكي يتاح لنا أولاً: أن نتعرف على تاريخ هذا الفقه خلال أدواره الطويلة ونتعرف على العوامل التي أدت بها إلى التطوير والتغير ولكي نتعرف ثانياً: على تاريخ الفقه الشيعي، وهو لا يقل أهمية عن الأمر الأول، ونتعرف على موقف هذا الفقه من سائر المدارس الفقهية التي عاصرته والتي كانت تختلف عنه في الاجتهاد اختلافاً كثيراً أو يسيراً.
والمنهج الذي نحاول أن نسير عليه في هذا البحث هو عرض كبريات هذه المدارس التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي عرضاً موضوعياً، تمهيداً للبحث عن المدرسة التي تبنتها الشيعة في الاجتهاد وموقع هذه المدرسة من مدارس الاجتهاد الإسلامي.
1 ـ مدرسة الرأي
لم يمض وقت طويل على وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى ظهر اتجاه جديد في الحكم والقضاء بين المسلمين، عرف فيما بعد بـ (الرأي) وكان له الأثر البعيد في تاريخ الحياة العقلية الإسلامية.
وذلك أن الحياة الاجتماعية تطورت سريعاً بالمسلمين وواجه المسلمون ولاسيما القائمون بالحكم منهم حاجات جديدة ومسائل جديدة لم تعرض لهم من قبل أيام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم يجدوا فيما بين أيديهم من النصوص التي يحفظونها عن النبيّ ما ينص على حكم ذلك.
ولم يجد المسلمون، أو المعنيون بشؤون الحكم والفتوى منهم غير الالتجاء إلى (الرأي) فيما لا نص فيه من المسائل الكثيرة.
وفي ذلك يقول الشهرستاني: (إنا نعلم قطعاً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضاً، والنصوص إذا كانت متناهية وما لا يتناهى لا يضبط ما يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد)([351]).
الرأي
ولا نعرف على التحديد ما يراد من الرأي في كلمات الفقهاء فهل المقصود منه هو المعنى اللغوي، أو الرأي الشخصي، أو القياس والاستحسان أم غير ذلك…؟.
فقد عرفه ابن القيم بقوله: (ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب)([352]).
وعرفه غيره: بالقياس أو الاستحسان أو غير ذلك.
كما عرفه آخرون: بالذوق الشخصي والنظر([353]).
ومهما يكن من أمر فقد شاع استعمال هذه الكلمة والالتجاء إليها بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
على أن من الحق أن نقول إن كلمة الرأي لم تتحدد تحديداً فنياً دقيقاً في هذا العهد، ولم يقصد غالباً من استعمال الكلمة في هذا العهد معنى دقيقاً محدداً، كما يراد به من بعد في العهد العباسي، وبعده، حيث ازدهرت مدرسة الرأي في العراق حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة وأتباعه في قبائل الحجاز التي كانت تفضل أن تظل محافظة على المأثور من الحديث واجتهادات الصحابة والتابعين من بعدهم.
أدلة القائلين بالرأي
وهذه الأدلة كثيرة يكفي أن نشير إلى بعضها ونناقشها ليقف القارىء على نوعية الأدلة والحجج التي يحتج بها ذوو الرأي على صحة مذهبهم.
فمن ذلك ما ذكروه من أن الله عز وجل أمر بإنفاذ الحكم بالشاهدين واليمين وإنما هذا غلبة الظن، إذ قد يكون الشهود كذبة أو مغفلين وتكون اليمين كاذبة([354]).
وأورد عليهم ابن حزم في رسالته إبطال القياس بقوله:
وأما ما ذكروه من الأمر بالحكم بالشهود واليمين، ولعل الشهود كاذبون أو مغفلون، واليمين كاذبة، وأن هذا إنما هو على غلبة الظن بل ما يحكم من ذلك إلا بيقين الحق الذي أمرنا الله به، لا يمتري في ذلك مسلم، ولم يكلفنا الله تعالى مراعاة الشهود في الكذب والصدق ولا معرفة كذب اليمين أو صدقها.
فلو كان هذا غلبة الظن، وأعوذ بالله من ذلك لكنا إذا اختصم إلينا مسلم فاضل، بر، تقي، عدل، ونصراني مثلث مشهور بالكذب على الله وعلى الناس، خليع ماجن، فادعى المسلم عليه ديناً، قلّ، أو كثر، فأنكر النصراني، أو ادعى النصراني، وأنكر المسلم لوجب أن يعطى المسلم بدعواه لأنه في أغلب الظن الذي يناطح اليقين هو الصادق والنصراني هوالكاذب، لكن لا خلاف في أننا لا نفعل ذلك، بل نحكم بيقين أمر الله تعالى بالبينة العادلة عندنا، أو بيمين المدعى عليه، ونطرح الظن جملة([355]).
واستدل له أيضاً بحديث معاذ الذي رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وغيرهم.
قال: لما بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟. قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صدره، وقال: الحمدلله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله([356]).
والحديث صريح في إقرار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لمعاذ في استعمال الرأي فيما إذا لم يجد نصاً في الكتاب أو السنة لما عرض له من الأمر.
إلا أن هذا الحديث لم يصح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بطريق معتبر، وقد أورده الجوزقاني في الموضوعات، ولم يجد له طريقاً معتبراً([357]).
وشك باحثون آخرون في صحة إسناد هذا الحديث إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، من حيث المتن، حيث اشتملت الرواية على اصطلاحات دقيقة تعتبر وليدة عصر ما بعد الصحابة، وهذا ما دعاهم إلى التشكك في قيمة إسناد هذه الرواية إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)([358]).
ومهما تكن قيمة الأدلة التي يعرضها أصحاب الرأي للأخذ بالرأي في مجال الحكم والإفتاء فإن مدرسة الرأي تميزت منذ أو يوم، بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بشيء كثير من الجرأة في إعطاء الحكم والفتوى لم توجد في غير هذه المدرسة.
كما أن مدرسة الرأي تميزت منذ أو يوم بالغض من قيمة السنة وإهمالها وعدم العناية بها.
وهذه ظاهرة تتميز بها هذه المدرسة، ولا يصعب على الباحث أن يلمس ملامح منها خلال هذه الفترة التي نمت فيها مدرسة الرأي، على أن يلحظ في التماس ذلك تدرج المرحلة التي قطعتها هذه المدرسة حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة وأتباعه.
وأول ما يجد الباحث في تاريخ أبي حنيفة أنه كان قليل العناية بالحديث. فلم يصح لديه أكثر من سبعة عشر حديثاً كما يقول ابن خلدون([359]).
كما أنه كان كثير الاعتداد برأيه حتى في قبال الحديث.
وبمزيد من التتبع، والتماس الشواهد، يلمس القارىء أن هذه الظاهرة، عدم العناية بالحديث، تساير هذه المدرسة ظهوراً واتساعاً، حتى تبلغ ذروته في عهد أبي حنيفة.
موقف أهل البيت من مدرسة الرأي
ولا نحتاج إلى كثير من الجهد والبحث لنلمس موقف أهل البيت من مدرسة الرأي في الاجتهاد. فقد وجد أهل البيت في هذه المدرسة شيئاً كثيراً من التصرف بأحكام الشريعة كما وجدوا فيها الشيء الكثير من التهاون بالسنة والحديث، ولذلك وقف أئمة أهل البيت منذ أول يوم موقف المعارض من مدرسة الرأي في الاجتهاد، وأبدو رأيهم في هذه المدرسة في كثير من المناسبات دون أن يفرقوا بين أقسام الرأي من قياس، أو استحسان، واستصلاح وغير ذلك من وجوه الرأي، التي لا تستند على دليل معتبر من ناحية الشريعة.
وقد أفادت المعركة الفكرية التي خاضها أهل البيت ضد أنصار الرأي في التخفيف من حدة سير هذه المدرسة وفي إيجاد حركة معارضة لهذه المدرسة في الأوساط الفكرية وقتذاك، كما مهدت لظهور مدارس معارضة لها في الاتجاه، كما سنرى ذلك فيما بعد.
2 ـ مدرسة الحديث
في قبال مدرسة الرأي ـ ظهرت مدرسة الحديث وتعصب ناس من الفقهاء لمدرسة الحديث. كما كان توسع مدرسة الرأي في العراق.
ففي الحجاز كان الفقهاء يعنون بحفظ الأحاديث والسنّة والآثار وفتاوى الصحابة والتابعين، ومن ناحية أخرى قلما كان يطرأ شيء جديد على الحياة الاجتماعية في الحجاز مما كان يزهد فقهاء الحجاز عن الرأي وتجاوز المأثور من الحديث النبوّي وأقوال الصحابة والتابعين.
أما العراق فكان يختلف أمره عن الحجاز، فقد تعرض فيه الفقهاء لحاجات جديدة لم يكن لهم بها عهد، من قبل، مما الجأهم إلى الرأي، وتجاوز حدود الحديث المأثور عن الصحابة والتابعين.
ومهما يكن من شيء فقد نشطت مدرسة الحديث في الحجاز في مقابل مدرسة الرأي في العراق وتعصب لها ناس كثيرون من الفقهاء وأخذوا يدعون إليها في الوقت الذي يشجبون فيه مدرسة الرأي، مما ساعد على توسيع هذه المدرسة وتراجع أصحاب الرأي عن موقفهم من الحديث ومن الرأي معاً.
وذلك مثل ما حصل عند أبي حنيفة وتلامذته الأولين حيث أخذوا يخالفون طريقة أستاذهم أبي حنيفة ولم يبقوا أوفياء لها، فنجد مثلاً محمد بن الحسن الشيباني يرحل إلى المدينة لأخذ الحديث، وألف كتاب الآثار، وأخذ ينزل من كلام أستاذه وأهل العراق على مقتضى الآثار… وهكذا تطورت مدرسة الرأي وتباعدت عن طريقها الأول بإزاء نهوض الحديث وجهود المحدثين في هذا العصر([360]).
وقد كان من أهل الحديث ناس معتدلون يأخذون بالرأي إن كان هناك في الحديث أو في الشريعة ما يؤيده ويأمر به ويلغون الرأي إن لم يكن في الحديث ما يشير إلى الأخذ به.
كما كان في أهل الحديث متطرفون لا يقبلون للحديث بديلاً في الحكم والفتوى، فيعرضون عن كل شيء غير الكتاب والحديث، حتى وإن اطمأن به العقل وصدقه، هؤلاء كانوا يلتقون في الغالب مع الأشاعرة في إنكار العقل والإعراض عن أي شيء ما عدا الحديث من عقل ورأي.
وبذلك قامت مدرسة الحديث في قبال مدرسة الرأي، كرد فعل لما حصل لهذه المدرسة من تطرف في الحديث.
ولا نستطيع أن نضع حدوداً دقيقة لهذه المدرسة في قبال مدرسة الرأي ونصنف المدارس الفقهية القائمة في وقته على أساس من هذه الحدود إلى طائفتين.
ولكن من المؤكد أن مدرستي داوود وأبي حنيفة تقعان على طرفي هذا النزاع. فقد نزع داوود نزوعاً بيناً إلى الحديث، وأخذ نصوص الحديث على ظاهرها، ونزع أبو حنيفة نزوعاً بيناً إلى الرأي، حتى كاد أن يعرض عن الحديث.
وما بين هاتين المدرستين تقع سائر المدارس المتوسطة بينهما، كمذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل.
إلا أنها على كل حال يغلب عليها طابع إحدى المدرستين من النزوع للرأي أو النزوع للحديث.
3 ـ مدرسة الشيعة في الاجتهاد
هدى أهل البيت فقهاء الشيعة إلى اتجاه ثالث في الاجتهاد، يمتاز عن كل من اتجاه المحدثين وأنصار الرأي.
فقد قامت مدرستا الرأي والحديث على طرفي خط الاجتهاد، يدعو أنصار كل مدرسة منهما إلى اتجاه يغاير الاتجاه الآخر، ولا يلتقي به إلا في قليل.
فكانت مدرسة (الرأي) تدعو إلى استعمال الرأي بصورة واسعة دون أن تتقيد بحد مما يعتبره الشارع في الاجتهاد.
هذا بينما كانت مدرسة الحديث تذهب إلى اتجاه مقابل، حيث كانت تتبنى الجمود على النص، والأخذ بظاهر الحديث، والإعراض عن كل شيء ما عدا الكتاب والسنّة كما يذهب إلى ذلك داوود وغير داوود من الظاهرية.
فكان لا بد من اتجاه ثالث في الاجتهاد يجمع بين خصائص الأصالة والمرونة في التشريع، ويبتعد عن تجميد الفقه وتمييعه في وقت واحد.
وقد قام فقهاء الشيعة بتبني هذا الاتجاه الثالث في الاجتهاد.
وهذا ما سنتحدث عنه بشيء من التفصيل.
الاستناد إلى الحجة
لا بد للفقيه في استنباط الحكم الشرعي، من الاستناد إلى الحجة وهي: (بالاصلاح الأصولي عبارة عن الأدلة الشرعية من الطرق والأمارات التي تقع وسطاً لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي، من دون أن يكون بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه)([361]).
ومن لوازمها العقلية المنجزية والمعذرية.
فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجة، كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافق الحجة أصاب الواقع أم لا.
والحجة على قسمين حجة بالذات وحجة بالجعل، والأول هوالعلم وحجيته ذاتية، من دون توسط شيء فلا تناله يد التشريع، فإن الحجية والطريقية حاصلة له بالذات؛ ولا معنى لجعل ما هو حاصل له بالذات.
بل العلم هو انكشاف المعلوم ورؤية الواقع المقطوع به، وما كان كذلك فلا يمكن جعل الطريقية له أو سلبه عنه.
والثاني هو الطرق والامارات المعتبرة شرعاً والأصول التنزيلية منها وغير التنزيلية، وهذه الأمور إما أن تكون طريقيتها وكاشفيتها ناقصة، يتممها الشارع وكاشفية، ولو ناقصة، وذلك كالأصول غير المحرزة.
فنحتاج في مقام الاحتجاج بها والاعتماد عليها إلى دليل من الشرع أو العقل باعتبارها وإسنادها.
وذلك بجعل الطريقية لها وتتميم كشفها، فيما إذا كانت لها جهة كشف وطريقية ناقصة، كما في الامارات، أو اعتبارها وإسنادها بسند قطعي من الشرع والعقل في الأصول الشرعية والعقلية.
ومجمل القول أن طريقية الحجة الذاتية، نابعة من ذاتها، دون الحجة المجعولة، حيث تحتاج في حجيتها إلى سند قطعي من شرع أو عقل لأن طريقية كل شيء لا بد وأن تكون ذاتية لأن كل ما بالغير ينتهي إلى ما بالذات وإلا للزم التسلسل.
وإذا اتضح هذا الحديث عن (الحجة) التي ربما تكون قد خرجت بنا عن الصدد… تتضح لنا معالم المدرسة الشيعية في الاجتهاد.
وما يحد معالم هذه المدرسة بكلمة موجزة، من حيث مصادر التشريع التي تعتمد عليها هو الاستناد على الحجة) سواء كانت الحجية ذاتية لها، أم الحجية مجعولة لها.
فيما يتصف من هذه الأمور بالحجية الذاتية أو المجعولة يؤخذ به وما لا يتصف بالحجة الذاتية والمجعولة فلا يؤخذ به. بل أكثر من ذلك أن الشك في حجيته كاف للقطع بعدم حجيته.
فالكتاب حجة شرعية، وكذلك السنة بعد الوثوق من صدورها.
وأما العقل فهو حجة بذاته، فيما إذا توفرت فيه الشروط التي يذكرها الأصوليون في المقام.
وقد «ورد النقل المتواتر على حجية العقل وأنه حجة باطنة. وأنه مما يعبد به الرحمن، ويكتسب به الجنان ونحوها مما يستفاد منه كون العقل أيضاً حجة من الحجج فالحكم المنكشف به حكم بلغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل، كما أن الشرع عقل من خارج»([362]).
واستفاضت آيات من القرآن الكريم بالاعتماد على مقتضى العقول وحجيته.
قال سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}([363]).
وقال: {لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([364]).
وقال: {لأَيَاتٍ لأُوْلِى الأَلْبَابِ}([365]).
وذم قوماً لم يعملوا بمقتضى عقولهم فقال عز ذكره: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}([366]).
وما عدا ذلك فيما ثبتت حجيته بدليل قطعي من شرع أو عقل أخذ به، وما لم تثبت حجيته، ولم يقم على اعتباره دليل لم يأخذ بالاعتبار في الاستنباط.
قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}([367]).
وقال تعالى: {إنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ آلْحَقْ شَيْئاً}([368]).
قال تعالى: {الله أذن لكم… تفترون}([369]).
ولما كان اتباع الرأي اتباع لغير العلم، ولما لم يأذن به الله ولا يغني عن الحق… فلا يمكن الاعتماد عليه والأخذ به في مجال الحكم والاجتهاد كما تأخذ به مدرسة الرأي وذلك لا يعني إغفال (العقل) عن مصادر التشريع والاقتصار على ظاهر الكتاب والسنّة، كما تفعل مدرسة الحديث.
وإنما المقياس الذي تتبناه هذه المدرسة هو الاستناد على الحجة سواء كانت الحجية ذاتية أم مجعولة.
4 ـ المدرسة الأخبارية في الاجتهاد
وهنا لا بد أن نشير إلى أن هذا الاتجاه المستقيم الذي تبنته الشيعة في الاجتهاد كاد أن ينشق على أهله قبل أربعة قرون من الزمن فقد ظهر في هذه الفترة مدرسة جديدة تبناها لفيف من الفقهاء عرفوا باسم (الاخبارية).
وقد عرف فقهاء الشيعة قوة وخطر هذه الموجة الفكرية الجديدة على الفكر الشيعي وعلى الاجتهاد بصورة عامة فتجهزوا لمكافحتها والقضاء عليها.
فكانت حرب فكرية شعواء في وقتها بين أقطاب الفكر الأصولي، الذي كان يتبناه عامة فقهاء الشيعة، وأقطاب الفكر الاخباري.
واحتدم الفريقان أكثر من أي مكان آخر في كربلاء حيث كانت تجمع في وقتها بين قطبين كبيرين للفكر الأصولي والإخباري معاً فكان يمثل الاتجاه الأصولي فيها الوحيد البهبهاني ويمثل الاتجاه الأخباري فيها الشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 هجرية وكان كل من العلمين يقوم بالتدريس ويحضر دروسهما جمع غفير من الطلاب.
فكان الاصطدام بينهما عنيفاً وقد تمكن الوحيد البهبهاني أخيراً أن يتغلب على خصمه فترك درسه جمع من خيرة طلابه كالشيخ جعفر والسيد مهدي الطباطبائي والسيد مهدي الشهرستاني وحضروا بدلاً منه دروس الوحيد البهبهاني ومع ذلك فقد كان الشيخ يوسف البحراني فقيهاً كبيراً، ويكفي أن يقال فيه: إنه مؤلف الموسوعة الفقهية الجليلة الحدائق الناضرة وكان فوق ذلك متصفاً بالتقوى والزهد ولم يكن الصراع بينهما إلا صراعاً فكرياً خالصاً لم تتدخل فيه عوامل أخرى.
أمين الاسترآبادي
ومؤسس هذه الطائفة (الأخبارية) هو الشيخ أمين الاسترآبادي والأخباريون وإن كانوا ينسبون أفكارهم إلى الفقهاء السابقين حتى عهد الشيخ الصدوق… ولكن الواقع أن الأخبارية كمدرسة محددة المعالم، قائمة بالذات، لم تقم إلا على يد الشيخ أمين الاسترآبادي.
الاسترآبادي كان عالماً يمتاز بالفطنة والذكاء وكثرة التجربة والخبرة العلمية والعملية، وكثرة المطالعة.
وقد ألف كتاباً باسم (الفوائد المدنية) حاول فيه أن يعارض الفكر الأصولي، وينقده، بشكل لا يخلو من قسوة ومن ظلم، وينكر حجية العقل بشكل خاص، إلا فيما كان له مبدأ حسي أو مبدأ قريب من الحس كالرياضيات فإن العقل حجة فيها وأما ما عدا ذلك فلا حجية للعقل فيه.
معالم المدرسة
وتضطرب كلمات الاخباريين، بشكل يصعب على الباحث أن يستخرج من كلماتهم شيئاً محدد المعالم، ليسنده إليهم، فمن منكر للملازمة بين الحكم العقلي والشرعي، وآخر منكر للحكم العقلي الظني.
وقد أنكر المحقق الخراساني أن يكون مقصود الأخباريين إنكار حجية القطع فيما إذا كان بمقدمات عقلية، وإنما تتجه كلماتهم إلى (منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه، كما ينادي بأعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر في باب الملازمة، وأما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لأنها لا تفيد إلا الظن، كما هو صريح الشيخ المحدث الاسترآبادي رحمه الله)([370]).
ولكن مراجعة كلمات المحدث الاسترآبادي نفسه تعيد إلى نفوسنا الثقة بأنه ممن لا يرتضي الاعتماد على غير الحديث حيث يقول، كما ينقله المحقق الخراساني أيضاً:
(وإذا عرفت ما مهدناه من (المقدمة) الدقيقة الشريفة فنقول: إن تمسكنا بكلامهم (عليهم السلام) قد عصمنا من الخطأ وإن تمسكنا بغيره لم نعصم عنه، ومن المعلوم أن العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه)([371]).
وهذا الكلام يتنافى وما يريد المحقق الخراساني أن يستخلصه من كلمات الاخباريين.
ومهما يكن من أمر فلا شك أن كلمات بعض الأخباريين يمكن أن تحمل على الخلاف الصغروي من منع حصول القطع بالحكم الشرعي عن غير الكتاب والسنة… ولكن الظاهر مما ينسب إلى كثير منهم كالمحدث البحراني([372])، هو القول بعدم حجية القطع الحاصل عن غير الكتاب والسنّة، بعد حصوله([373]).
ولكن الذي يستطيع الباحث أن يستخلصه من كلمات الاخباريين ويطمئن إلى نسبته إليهم، دون أن يضر بذلك اختلاف كلماتهم هو القول (بلزوم توسط الأئمة في التبليغ فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلاً إلى مرتبة الفعلية والباعثية؛ وإن كان ذلك الحكم واصلاً إلى المكلف بطريق آخر)([374]).
فلا يمكن الاعتماد بناء على هذه الدعوى، على العقل في الحكم والاجتهاد ويتلو ذلك عند الاخباريين الاحتجاج بالكتاب العزيز. فقد وقف الاخباريون عن العمل بالقرآن لطروء مخصصات من السنة ومقيدات على عمومه ومطلقاته، ولما ورد من أحاديث ناهية عن تفسير القرآن بالرأي.
وفي هذا القدر من الرأي ما فيه من خطر بالغ على الفكر الشيعي وعلى الاتجاه المستقيم في الاجتهاد الذي تبنته الشيعة طيلة قرون طويلة واستقامت عليه.
ولسنا ندري على التحقيق ما كان يؤول إليه أمر الاجتهاد لدى الشيعة لو كانت هذه الموجة تنجح في تحريف خط الاجتهاد إلى هذا المجرى، ولكننا نستطيع أن نقدر أن الفقه الشيعي كان يؤول أمره، لو كان يقدر لهذا الاتجاه الجديد في الاجتهاد النجاح، إلى اتجاه جامد يشبه اتجاه مدرسة الحديث في العصر العباسي، يفقد فيه الفقه الإسلامي مرونته وقابليته لمواكبة الظروف والحاجات المختلفة، ويفقد فيه قبل ذلك كله روحه وجوهره…
وبفضل الجهود التي بذلها فقهاء الشيعة من الذين يتبنون الفكر الأصولي فقد تقلصت هذه المدرسة، ولم تعد تزاحم الاتجاه القائم في الاجتهاد لدى الشيعة في المراكز العلمية الشيعية القائمة.
هذا كله رغم ما نكن لهؤلاء العلماء الأخباريين من ناحية علمية دينية من احترام عميق وتقدير لما بذلوه من جهود، ولما كانوا يتصفون به من اخلاص وتقوى، ويكفي أن يكون منهم الشيخ صاحب الحدائق، والشيخ الاسترآبادي، والسيد الجزائري وغيرهم، وكلهم من رجال الشيعة الكبار، كانت الأخبارية موجة خطرة على الفقه الشيعي، وقد تعرض علماء الأصول من الشيعة لهذا المذهب وأصوله ومبادئه بشيء كثير من النقد.
وخمدت ثورة الأخبارية، وهدأت الموجة، لولا بعض الآثار التي أبقتها هذه الموجة في أطراف من بلاد الشيعة.
محمد مهدي الآصفي
الجانب التاريخي في الاجتهاد
في الحقيقة أنه من الصعب جداً تحديد وحدات زمنية للمراحل التي مر بها التشريع الإسلامي في عصوره المختلفة منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى اليوم، لأن طبيعة التحول الفكري من مرحلة إلى مرحلة تحتاج إلى فترة قد تطول وقد تقصر، تكون امتزاجاً لما في المرحلتين من معطيات، ولا يمكن عد هذه المراحل وتقسيمها وحدِّها بحدود إلا بعد تكامل كل مرحلة منها وتميزها بطابع خاص. وقد حاول بعض الباحثين تقسيم المراحل وحدها ضمن حدود زمنية محدودة بالأرقام مقيدة من مبعث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى زمن الشيخ الأنصاري حيث دور التكامل. وقد عنون هذه الأدوار بالعناوين التالية([375]).
1 ـ دور التشريع من مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم وفاته.
2 ـ دور البيان والتدوين والتسجيل والنشر من يوم وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سنة 328هـ.
3 ـ دور التبويب من سنة 328هـ إلى الشيخ المفيد سنة 400هـ.
4 ـ دور التنقيح من زمان الشيخ المفيد إلى زمان ابن ادريس سنة 555 هجرية.
5 ـ دور الاستدلال والاستنباط من زمن ابن ادريس إلى زمان المحقق والعلامة سنة 680 هجرية.
6 ـ دور التوسعة والتدقيق وهو دور المحقق والعلامة ومن بعدهما.
7 ـ دور التكامل وهو دور الشيخ الأنصاري ومن بعده إلى يومنا هذا.
والواقع أن هذه الأدوار لا تكاد تتميز تميزاً نستطيع معه أن نحدها بالحدود التي حُدَّتْ بها فما عدا الدور الأول وهو دور التشريع، ليس من السهل أن نقف عندها بشيء من الاطمئنان إلى طبيعة المميزات التي جعلت لها.
ففي الدور الثاني وهو دور البيان بالتدوين لا وجه لجعل التدوين من سمات هذا الدور. وفي بقية الأدوار تكاد المميزات أن تكون بعيدة عن الواقع بحدها بهذه الأدوار التي تتداخل في جملة منها، بحيث لا تجعل لها ذلك التميّز الذي يضفي عليها طابعاً خاصاً.
فدور الاستدلال والاستنباط الذي جعل الدور الخامس فإننا نستطيع أن نجد بعض محاولات للاستدلال والاستنباط في الدور الثالث وما بعده وشواهد ذلك كثيرة ومنها محاولات ابن أبي عقيل وابن الجنيد وهما قبل الشيخ المفيد من وجهة زمنية.
وإذا أردنا أن نتلمس زمن التقليد في هذه الأدوار لرأينا أنه ابتدأ في الدور الرابع أي منذ عهد ابن إدريس وهذا الدور هو دور الاستدلال والاستنباط، ولكن لما كان هناك محاولات للاستدلال والاستنباط كما تقدم قبل عهد ابن إدريس فمقتضى ذلك أن يكون هناك تقليد قبل هذا الدور ولتقسيم هذه الأدوار التي مر بها الشتريع الإسلامي من وجهة النظر الشيعية على أساس من تميز كل مرحلة عن سواها من مراعاة فترات الامتزاج بين المراحل يمكننا أن نقسم هذه المراحل إلى أربع مراحل.
المرحلة الأولى: مرحلة التشريع وهي من بعثة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم وفاته.
المرحلة الثانية: مرحلة البيان والنشر وهي من وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سنة 328 هجرية.
المرحلة الثالثة: مرحلة التبويب والامتزاج بين الفتوى المستندة إلى روايات الأئمة ـ من دون أن تتخذ الفتوى لها طابع الاجتهاد وبين بعض المحاولات للاجتهاد والفتوى على أساسه وهي من سنة 328 إلى زمن الشيخ المفيد سنة 400 هجرية.
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة الاجتهاد والتقليد منذ عهد الشيخ المفيد إلى اليوم حيث تطورت ذلك التطور الذي وصل بها إلى التكامل في زمن الشيخ الأنصاري واستمر تطورها حتى وصل الفقه ومن ثم الاجتهاد والتقليد إلى الشكل الذي هو عليه اليوم.
نشأة الاجتهاد والتقليد
في المرحلة السابقة على مرحلة الاجتهاد والتقليد وهي مرحلة الفتوى التي تتسم غالباً بسمة الرواية بدون تميزها بطابع الاجتهاد، برزت أسماء كابن أبي عقيل وابن الجنيد وكان لهما محاولات عديدة في الخروج عن طبيعة مرحلتهم هذه بإعمال النظر في الأحكام وإصدار الفتاوى المستندة إلى الاجتهاد يخرجها عن طبيعة الإخبار بمضمون الرواية. فمحاولات هذين العلمين كانت بداية الانطلاق بعد سنة 328هـ، وإن لم يقدر لها أن تستوعب الفترة التي كانت فيها وإنما كانت تمهيداً للمرحلة اللاحقة من مراحل التشريع.
والمرحلة الأخيرة هي التي تعنينا في بحثنا هذا لأن هذه المرحلة هي التي ابتدأ فيها عهد التقليد والاجتهاد بصورة مستوعبة للفترة الزمنية التي كان روادها الأوائل وأساطينها الأعلام أمثال الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي ومن بعدهم ابن إدريس.
وقد ابتدأ في زمنهم عهد جديد من عهود التشريع لدى الشيعة، ولنر النصوص التي أوردها العلماء والمؤرخون في أشخاص هذا العهد؛ لنرى إذا كان من الحق لنا أن ندعي أنهم كانوا مجتهدين وكان لهم مقلدون، يقول السيد بحر العلوم: (كما وأنه ممن بذل جهده في تهذيب الفقه هو الشيخ الأجل الشيخ المفيد الذي انتهت إليه رئاسة الشيعة) وجاء في روضات الجنات عند التحدث عن الشيخ المفيد: (كان من أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم)([376]).
وجاء أيضاً في روضات الجنات([377]): ويقول في أعيان الشيعة إن الشيخ الطوسي (بقي ملازماً بعد أن اختار الله للمفيد دار لقائه انتقلت المرجعية إلى علم الهدى السيد المرتضى)([378])، ويقول الشيخ آغا بزرك في مقدمة التبيان:
(لما اختار الله للأستاذ ـ أي المفيد ـ دار لقائه في سنة 413 هجرية، انتقلت زعامة الدين ورئاسة المذهب إلى علامة تلاميذه علم الهدى السيد المرتضى)([379]). وبعد السيد المرتضى انتقلت الرئاسة إلى تلميذه الشيخ الطوسي (بقي ملازماً للسيد المرتضى ثلاثاً وعشرين سنة إلى أن توفي المرتضى فاستقل الطوسي بالإمامة والرئاسة)([380])، ويقول الشيخ آغا بزرك في مقدمات التبيان: ـ (ولما توفي السيد العظيم ـ المرتضى ـ لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 هجرية استقل شيخ الطائفة ـ الطوسي ـ بالإمامة وظهر على منصة الزعامة وأصبح علماً للشيعة ومناراً وكانت داره في الكرخ مأوى الأمة ومقصد الوفادة يأتونها لحل المشاكل وإيضاح المسائل)([381])، وجاء في روضات الجنات أن الشيخ الطوسي كان شيخ الطائفة ورئيسها.
ويقول العلامة في كتاب الخلاصة عن الشيخ الطوسي: (كان شيخ الطائفة ورئيس الطائفة جليل القدر وعظيم المنزلة)([382])، وقد نقل عن صورة إجازة بعض مشايخه المعاصرين (كان هذا الشيخ المطلق رئيس مذهب الحق وإماماً في الفقه والحديث) ويقول في روضات الجنات كذلك (إن جماعة من العلماء ذكروا أن الشيعة لم يكن فيهم مجتهد بعد زمن الشيخ إلى ثمانين سنة وكان علماء الشيعة يعلمون بنهاية الشيخ في تمام هذه المدة ويعتمدون على فتياه) ونحن إذا لاحظنا هذه النصوص بدقة ووقفنا على بعض الألفاظ التي وردت فيها كرئاسة المذهب والرئاسة والزعامة في الدين والمرجعية كان لنا أن نطمئن إلى أن من وصفوا بهذه الأوصاف كانوا مجتهدين بالفعل ومراجع يرجع إليهم الناس في أمور دينهم وحل مشاكلهم الشرعية.
فالشيخ المفيد الذي ابتدأت به هذه المرحلة كان رئيس المذهب وفي زمنه انتهت إليه رئاسة الشيعة، فمن هذه الأوصاف التي وصف بها ندرك أنه كان مرجعاً للشيعة، يأخذون عنه أحكامهم ولا يرجعون إلى غيره، وبعد الشيخ المفيد عندما انتقلت الرئاسة إلى السيد المرتضى وكما جاء في النصوص المتقدمة: انتقلت زعامة الدين ورئاسة المذهب إليه، وهل تعني الزعامة والرئاسة في الدين غير المرجعية والتصدي للفتوى.
وفي انتقال الرئاسة إلى أبي جعفر الطوسي استقل بالمرجعية.
وعند الشيخ الطوسي نستطيع أن نقف من النصوص موقفاً يجعلنا أشد اطمئناناً إلى أنه كان مجتهداً يرجع إليه، بل إنه في زمانه لم يكن يرجع إلى غيره من أخذ الأحكام الشرعية فتعبير النصوص المتقدمة أنه استقل بزعامة الدين يوحي بأنه لم يكن يُرجع إلا له في زمانه.
تحديد الوقت الذي ابتدأ فيه التقليد([383]):
من مجموع النصوص المتقدمة نطمئن إلى أن هؤلاء الثلاثة الرواد كانوا مقلَّدين وأن التقليد للمجتهدين عند الشيعة ابتدأ في بداية القرن الخامس الهجري في زمن الشيخ المفيد. وفي زمن ابن إدريس، يتضح بصورة جلية أن التقليد كان حقيقة واقعة، فابن إدريس في كتابه السرائر يحدثنا عن شرائط المجتهد المقلَد، وهل نستطيع أن نحدد شرائط للمقلَد من دون وجود المقلِد.
محمد علي إبراهيم المهاجر
فترة ركود في الاجتهاد
حتى عصر أبي جعفر الطوسي الذي عاش في القرن الخامس الهجري كانت روح الاجتهاد سائدة بين فقهاء الشيعة، ولكن اعترى هذه الروح فتور بعد عصر الشيخ الطوسي ذلك لاعتقادهم بالشيخ الطوسي وحسن ظنهم به.
كان الشيخ الطوسي من ألمع الفقهاء في هذا القرن وكان صاحب أكبر مدرسة في بغداد، ثم انتقل إلى النجف بعد أن أحرق مكتبته طغرل بك السلجوقي وانتقل معه الكثير من تلامذته، فنشأت حركة علمية قوية في النجف على أثر هذا الانتقال، وبعد موت الشيخ الطوسي اصطبغت اجتهاداته بصبغة قدسية فوقف الفقهاء عند آرائه واجتهاداته. انظر إلى ما قاله السيد رضي الدين علي بن طاوس الحلي في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة قال:
أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس أن سديد الدين الحمصي حدثه: أنه لم يبق للشيعة مفت على ما حفظ «انتهى».
ولما اتخذ الأمير سيف الدولة المزيدي الحلة مركز إمارته هاجر إليها كثير من العلماء لما رأوا من تشجيع هذا الأمير للعلم والعلماء، فنمت فيها الروح العلمية ونبغ فيها العلماء، وكان من أولئك العلماء محمد بن أحمد بن إدريس الحلي العجلي الذي نبغ في أواخر القرن السادس الهجري فعاش من سنة 543 إلى سنة 598 هجرية، فرأى الجمود الذي أصاب الفقه الإسلامي فثار في وجه السائد بين فقهاء عصره من العمل بخبر الآحاد وفتح باب النقاش في اجتهادات الشيخ الطوسي جده من قبل الأم، وعارض أقواله وأبدى من الجرأة الفكرية تجاه فقهاء عصره وعارض أقواله وأبدى من الجرأة الفكرية تجاه فقهاء عصره أمراً عجيباً فتعرض بذلك لسهام نقدهم ولم يثنه كل ذلك من عزمه وكان يقصد من تلك المناوأة تحريك الاجتهاد؛ فإنه كاد يقضي عليه ولم يبق منه إلا صبابة فإن الفقهاء من بعد عصر الشيخ الطوسي كادت أن تتلاشى منهم روح الاستنباط والاجتهاد والتفريع.
وقد أكثر فقهاء عصر ابن ادريس ومن تأخر عنهم الطعن في أقواله وآرائه. قال فيه سديد الدين الحمصي: (إنه مخلط لا يعتمد على تصنيفه) وممن طعن فيه المحقق جعفر بن سعيد والعلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ويعبر عنه العلامة في بعض مصنفاته بالشاب المترف.
وقد أدرك المتأخرون وثبة ابن إدريس وما أعقبها من اطراد سير الاجتهاد، قال صاحب أمل الآمل: (وقد أثنى على ابن إدريس المتأخرون وعلى كتابه السرائر).
يوسف كركوش
ابن إدريس وابن زهرة
وقال الشيخ حسن (صاحب المعالم) ناقلاً عن أبيه أنه قال: «إن أكثر الفقهاء الذين نشؤوا بعد الشيخ (الطوسي) كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به.
وقال بعض المعاصرين: عندما نقارن بين كتاب (السرائر) لابن إدريس وكتاب (المبسوط) للطوسي نرى أن ابن إدريس قد نقد آراء الطوسي أصولاً وفقهاً وفند حججه في مورد النقد والتمحيص فكان أوسع استدلالاً في الفقه من الطوسي. وعنوان استدلالاته النقد والتمحيص للآراء الفقهية والأصولية والتحرر من التقليد في أفكاره وتحقيقاته.
وفي نفس الوقت الذي كان ابن إدريس يوالي نهجه في العراق، كان معاصر له في بلاد الشام ينتهج نفس الخطة في الدعوة إلى التحرر من الالتزام بآراء الطوسي، ذاك هو أبو المكارم حمزة (511 ـ 585هـ)، من علماء بني زهرة الحلبيين مؤلف كتاب (الغنية) الذي ناقش آراء الطوسي في كتابه المذكور.
مناهج البحث العلمي
عند مجتهدي الشيعة
اختصت مناهج البحث العلمي عند علماء الفقه الشيعي بخواص طبعته بطابعها وانفرد بها. ومهمة فهم هذه الخواص وتعدادها وإلقاء الضوء على جوانب غامضة منها مهمة صعبة شاقة تحتاج إلى كثير من الجهد والاطلاع، والسطور التالية محاولة أولية لتوضيح الخطوط العريضة لهذه المناهج والأمل وطيد أن تحظى بالدرس والمتابعة. ولعل أول ما يلفت النظر في هذه المناهج ويكون الظاهرة البارزة للفقه الشيعي، عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية حيث تتميز عن غيرها بأنها ديناميكية دائبة الحركة لا تتوقف عند حد، بفضل فتح باب الاجتهاد واستمراريته داخل إطار العناصر المشتركة لأدلة الأحكام الشرعية، وهي تبعاً لذلك تدرجت وتطورت لتشمل المواقف السلوكية للمكلفين كافة في متطلبات الحياة وحاجاتها كلها.
ومن طبيعة مناهج البحث عند علماء الفقه الشيعي ألا يأخذوا بحجية الخبر الذي لا يكون في سنده واحد من أئمتهم.
ومن خواص مناهج البحث العلمي في مواضيع الفقه الشيعي أنها مقسمة إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: يضم العبادات، وهي معاملات خاصة يشترط فيها نية القربى، وأول كتب هذا القسم الطهارة وتنتهي بكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما القسم الثاني: فهو العقود ويسمى المعاملات أيضاً وهي تشريعات ذات صيغ توجب الالتزام بين طرفين من المكلفين أنفسهم بعد تحقيق الإيجاب والقبول والحكمة منه ضبط الحقوق، وأول كتب هذ القسم التجارة وتنتهي بكتاب النكاح.
والقسم الثالث: الإيقاعات، وهي تشريعات توجب الالتزام من طرف واحد بعد تحقق الإيجاب دون القبول، وأول كتب هذا القسم كتاب الطلاق والعتق وتنتهي بكتاب النذور على الأغلب.
والقسم الرابع: الأحكام، وهي تشريعات توجب الالتزام بتحقق موضوعها دون تحقق الإيجاب أوالقبول. وأول كتب هذ القسم على الأغلب كتاب الصيد وتنتهي بانتهاء كتب الفقه وهو كتاب الديات.
ومن طبيعة مناهج البحث العلمي في أساليب تأليف كتب الفقه الشيعي، وكنتيجة للتطور الحياتي الذي اكتنف أغلب العلوم، فإنها تكاد تنحصر بالتخطيط التالي:
1 ـ مجاميع الحديث الفقهية.
2 ـ مجاميع فقهية استدلالية.
3 ـ مجاميع فقهية محضة.
4 ـ مجاميع فقهية مقارنة.
5 ـ رسائل عملية.
ولكي نكون واضحين في تخطيطنا هذا، سندرس تلك المجاميع دراسة مختصرة مشيرين إلى أهم المصنفات التي تندرج تحتها. وهي كثيرة ولا ريب ومن الصعب أن تقع تحت حصر الأمر الذي أقره الشيخ الطوسي على سعة اطلاعه بقوله: (إن تصانيف أصحابنا وأصولهم لا تكاد تضبط لانتشار أصحابنا في البلدان وأقاصي الأرض)([384]).
ولكننا نحيل من أراد الاستفاضة إلى كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).
1 ـ مجاميع الحديث الفقهية
لعل من نافلة القول أن نذكر بأن جل العلوم الإسلامية ابتدأت فرعاً عن الحديث الشريف: فالمفسرون والمعنيون بعلوم القرآن مثلاً يجمعون المأثور من الحديث ما ناسب عملهم فيرتبونه وفق ما تمليه عليهم مناهجهم في البحث من تدوين الأحاديث، متونها وأسانيدها إلى مصدرها الأصلي وهو الرسول الكريم على الأغلب. وهكذا فعل علماء التاريخ الإسلامي، وكاتِبُو السيرة والمغازي ونحوهم وتبعهم في ذلك الفقهاء وعلماء الشريعة؛ بل كانوا في مقدمتهم لما لهذا العلم من مكانة سامية في نفوس الناس باعتباره المتكفل بسد حاجاتهم الدنيوية والأخروية، ومما يتمتع به الفقيه من حظوة وتكريم في مجتمعه دون غيره من العلماء.
وبهذه المنهجية بدأت كتب الفقه مجاميع تضم بين دفتيها بعضُ أحاديثٍ في الصلاة أو الصوم أو غير ذلك من كتب الفقه المعروفة. وكان أهم هذه المصنفات في الفقه على الأرجح أربعمائة مصنف تعرف بالأصول الأربعمائة.
ثم جاء رجال جمعوا تلك المصنفات والأصول بكتب فصلوها وضبطوا أسانيدها ورتبوها على ترتبيب كتب الفقه لسهولة الاستنباط، ربما كان أجلها:
أ ـ الأصول الأربعة لمؤلفيها المحمدين الثلاثة الأوائل وهي:
1 ـ كتاب (الكافي): لمحمد بن يعقوب الكليني (ت 329هـ).
2 ـ كتاب (من لا يحضره الفقيه) لمحمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت 381هـ).
3 و4 ـ كتاب (تهذيب الأحكام) و(الاستبصار فيما اختلف من الأخبار) لمحمد بن الحسن بن علي الطوسي (ت 460هـ).
ب ـ مجاميع الحديث الثلاثة الكبار للمحمدين الثلاثة الأواخر وهي:
1 ـ كتاب (الوافي): لمؤلفه محمد محسن المشتهر بالفيض الكاشاني (ت 1091هـ).
2 ـ كتاب (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة المعروف بكتاب الوسائل اختصاراً لمؤلفه الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ).
3 ـ كتاب (بحار الأنوار الجامع لدرر أخبار الأئمة الأطهار): لمؤلفه محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (ت 1111 هجرية).
جـ – المجاميع الفقهية الاستدلالية:
مناهج البحث العلمي الذي تميزت به مصنفات هذا القسم، أملتها الظروف الموضوعية للحياة والتطور الذي رافق النهضة العلمية في القرون المتأخرة وتصارع الأفكار التي استوى عمودها حينذاك لدى الفرق والمدارس الفكرية المختلفة.
وقد دون مصنفو هذه المجاميع الحكم والمسألة الفقهية واستدلوا عليها بالدليل الشرعي المتوفر، الغاية منه الـجمع بين المقدمات والنتائج للخلوص إلى الحكم الشرعي الأظهر بأسلوب سهل التناول واسع السبيل وبمنهج واضح مبوب، ولعل أكثرها شيوعاً.
1 ـ كتاب تذكرة الفقهاء؛ للحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي.
2 ـ كتاب (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية): الأصل: من تأليف شمس الدين محمد بن مكي الجزيني المعروف بالشهيد الأول (ت 786 هجرية) والشرح: للشيخ زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي المعروف بالشهيد الثاني (966 هجرية).
3 ـ كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) تأليف يوسف ابن الشيخ أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني (1186 هجرية).
4 ـ كتاب (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) لمؤلفه محمد حسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبد الرحيم رأس الأسرة الجواهرية المعروفة بالنجف (ت 1261 هجرية).
5 ـ كتاب (كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء): تأليف الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر ابن الشيخ يحيى ابن الشيخ مطر (ت 1228 هجرية) عميد أسرة آل كاشف الغطاء العلمية المعروفة.
6 ـ كتاب (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة) تأليف السيد جواد امين العاملي (ت 1226 هجرية).
د ـ مجاميع فقهية محضة:
وهذه المجاميع توخّى مصنفوها تدوين المسائل والأحكام الشرعية بدون ذكر الدليل الشرعي الذي استدلوا به، وبدون أن تقارن بالأحكام الأخرى المشابهة وأن تتطرق أحياناً لبعض مسائل وأحكام المجتهدين الآخرين ولكنه مجرد استشهاد الغاية منه التوضيح والتوسع. ومنهج البحث هذا لا يتيسر لغير المجتهدين الذين بلغوا القمة في هذا المقام.
ولعل أكثر هذه المصنفات حظوة، عند طلبة العلم وكانت مادة التعليق والشرح من قبل المعنيين، المصنفات التالية:
1 و2 ـ كتاب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) وكتاب (المختصر النافع في فقه الإمامية) لمؤلفهما الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي المعروف بالمحقق الحلي (ت 676 هجرية).
3 و4 ـ كتاب (قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام) وكتاب (تبصرة المتعلمين في أحكام الدين) لمؤلفهما الحسن بن المطهر الحلي صاحب كتاب (تذكرة الفقهاء).
5 ـ كتاب (بداية الهداية في الواجبات والمحرمات) تأليف الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ).
وفي مناهج البحث العلمي في هذه المجاميع: أن مصنفيها درسوا الأحكام الفقهية عند مختلف المجتهدين والفقهاء وتلمسوا براهينها والأدلة الشرعية التي استنبطت منها فاستعرضوها ووازنوا بينها على أساس القرب من الأدلة أو البعد عنها، ليستخلصوا بعدئذ أبينها وأقربها إلى الحجية والظهور ويستلزم المنهج العلمي في هذه المصنفات تسليط الأضواء على الأراء واستدلالاتها وتوضيح ما غمض منها ومقارنتها بما يشابهها، والفصل بين أجودها وأقواها حجة، وهذا بلا ريب لا يكون إلا بعد تحصيل القدرة على معرفة الأمثل من الأدلة والإحاطة بالجزئي والكلي منها وهذا لا يتم إلا للمجتهد في أُصول هذا العلم.
ومن الملاحظ بهذا الخصوص أن مكتبتنا الفقهية لما تزل تفتقر لهذا اللون من الدراسة التي يبدو أن الزمن بجانبها وأن التطور الحضاري يلفها حتى لم تعد قاصرة على المقارنة بين الأحكام في نطاق واحد بل امتدت إلى مستوى أوسع تواكبها وحدة الفكر العالمي ووحدة الثقافة الإنسانية.
ولعل من المفيد أن نذكر أن أسلوب أشياخنا الأفاضل لا يمكننا من تمييز الحد الفاصل بين المجاميع الفقهية الاستدلالية وبين المجاميع الفقهية المقارنة إذ إن بين مناهج هاتين المجموعتين أكثر من وشيجة صلة، وليس هناك رسم واضح المعالم يفصل بينهما. فلا ضير أن نكرر هنا في هذا القسم بعض الكتب التي ذكرناها في القسم الثاني ـ المجاميع الاستدلالية ـ فإنها وكتب أخرى (كمفتاح الكرامة) و(جواهر الكلام)، و(كشف الغطاء) وغيرها كثير مجاميع فقهية استدلالية ومقارنة في بعض جوانبها أيضاً. ومن أهم الكتب التي يمكن أن تدرج تحت هذا القسم:
كتاب (مسائل الخلاف) للشيخ الطوسي، ويتميز المنهج العلمي بهذا الكتاب في كونه جامعاً لأغلب مسائل الخلاف بين الآراء الفقهية للشيعة والفرق الإسلامية الأخرى مقارناً بينها موضحاً لموارد الاختلاف مبيناً للرأي الذي يجده المصنف صحيحاً وما ينبغي أن يكون الاعتقاد ومستدلاً على ذلك بدليل من أدلة الاستنباط يحتج به على من خالفه «موجب للعلم من ظاهر قرآن، أو سنّة مقطوع بها، أو إجماع، أو دليل خطاب، أو استصحاب حال على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا، أو دلالة أصل، أو فحوى خطاب، أو أن يذكر خبراً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي يلزم المخالف العمل به والانقياد له» والطوسي بهذا التخطيط يمكن أن يعد من مبتكري هذا المنهج العلمي.
هـ – الرسائل العملية:
إعداد الرسائل العملية وتصنيفها أمر مناط بالمجتهدين الذين بذلوا الجهد واستفرغوا الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية المعروفة فأصبح لهم المقلدون والاتباع من المكلفين من الناس، الأمر الذي حتم عليهم أن يفصلوا الجوانب العملية من الأحكام وأن يجيبوا على رسائل مقلديهم واستفساراتهم وما أشكل عليهم.
والحاجة إلى الرسائل العملية قديمة قدم علم الفقه بنفسه، يحتاج إليها الناس أنى كانوا وحيثما وجدوا، ولكنها لم تكن بالشكل الذي عليه الآن بعد أن ابتعد الناس عن التعقيدات اللفظية والمصطلحات الفقهية التي يدركها عامة المكلفين.
ومما تمتاز به هذه الرسائل أنها واضحة العبارة سهلة الأسلوب كي يتفهمها المخاطَبون من أهل التقليد وربما كانت على شكل سؤال وجواب في بعض الأحيان.
صالح مهدي الهاشم
نظرات في الاجتهاد
إن الخلط بين الجزئي والكلي، والمتغير والثابت، والضروريات والحاجيات والتحسينات في الفكر الفقهي ومن ثم في التدوين الفقهي، ناشىء من عوامل متعددة أهمها غياب الرؤية الشمولية للشريعة عند الفقيه المسلم.
لقد بدأ التدوين الفقهي عندما سيطرت الدولة الإسلامية القمعية الخاضعة لسلطة الفرد، ولم تقم على قاعدة مبدأ الشورى، فأدّى ذلك إلى أن الفقه انعزل عن حركة المجتمع واستغرق الفقهاء في معالجة المسائل التي يواجهها الفرد المسلم في حياته الخاصة: في عبادته ومعاملاته، فعالجوا المسائل العامة وقضايا المجتمع من زوايا معاناة الأفراد لها، وتأثيرها على حياة المسلم الفرد، ولم يلحظوا في الغالب تأثيرها على الأمة ومجتمعاتها.
لقد تأثر الفقيه الشيعي بالوضع السياسي ـ التنظيمي الذي أدّى إلى تحويل الإسلام إلى شريعة الفرد لا الجماعة، أكثر من تأثر الفقيه السنّي بسبب عزلة الفقيه الشيعي والاجتماع الشيعي عن الحياة العامة أكثر من الفقيه السنّي.
من جهة أخرى: نلاحظ أن الشريعة تحولت، بسبب انحراف الحكم السياسي وفساد الاجتماع السياسي، إلى مشروع أخروي يسعى المسلم عن طريقه إلى الخلاص والنجاة في الآخرة، من دون أن يكون له أثر يذكر على حياته الدنيا.
إن الإسلام ـ عقيدة وشريعة وأخلاقاً ـ بحسب وضعه الأصلي مشروع إنساني كوني للدنيا وللآخرة، ولكن حدث الفصام النكد في مرحلة من المراحل بين الواقع وبين المنهج، بين التشريع وبين المجتمع، وغدت الشريعة مشروعاً أخروياً حتى في أحكامها التي تعالج شؤون الحياة الدنيوية، وذلك حين سيطرت على عقل الفقيه والأصولي فكرة (التعبد الشرعي) في كل خطابات الشارع، فجمدت الفكر الفقهي على (حرفية النصوص) ودلالاتها المباشرة في الدائرة الزمانية والمكانية والأحوالية التي صدرت فيها.
ونحن نفهم أن المشروع الأخروي هو مشروع فردي، حيث إن مسألة الخلاص ليست مسألة عامة، بل هي مسألة شخصية. وقد دلت على هذه الحقيقة عدة آيات منها قوله تعالى: {فمن اهتدى فإنما… عليها}، (يونس/مكية ـ 10/آية: 108) وقوله تعالى: {مَّنِ آهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، (الإسراء/ مكية ـ 17/ الآية: 15) وقوله تعالى أيضاً: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفْسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا آهْتَدَيْتُمْ}، (المائدة/ مدنية ـ 5/ الآية: 105) وغيرها. وقد صيغت الدراسات الفقهية على هذا الأساس.
لا بد من النظر إلى الشريعة بحسب طبيعتها الأصلية، وذلك باعتبارها فقه الإنسان والجماعة، وفقه الأمة وفقه المجتمع، وفي ضمن ذلك يكون فقه الأفراد.
وبهذه المناسبة ننبِّه إلى قضية أُصولية مهمة، وهي: أن الفقهاء لم يلاحظوا أن الكتاب والسنَّة حافلان بالخطابات الموجهة إلى الأمة باعتبارها مكلفاً، بينما اعتبروا أن الخطابات الشرعية كلها موجهة للأفراد، حتى ما سموه بالتكاليف الكفائية اعتبروه خطابات أفراد بينما نلاحظ أن الشريعة اشتملت على نوعين من الخطابات التكليفية، خطابات للأفراد وخطابات للأمة، والخطابات الموجهة للجماعة والأمة كثيرة جداٌ، وهي خطابات عينية تعيينية للأمة، وللجماعة المسلمة في الاجتماع السياسي ضمن صيغة الدولة وضمن صيغة المجتمع.
لقد أدّت هذه النظرة إلى اختلال في عملية الاجتهاد والاستنباط الفقهي، وأدّى ذلك إلى اعتبار الشريعة موجهة للأفراد، وتحول الفقه إلى فقه أفراد، وسيطرت على الفقيه النظرة التجزيئية.
لقد لوحظت قضايا ومسائل الأفراد فيما يعرض لهم ويطرأ عليهم، ولم يتوجه الفقهاء إلى ملاحظة القضايا والموضوعات ذات العلاقة بحياة الأمة والجماعات واستنباط أحكامها، لقد عطل الإتجاه نحو البحث عن أحكام الأفراد القدرة على ملاحظة حاجات الأمة والمجتمع.
ومن آثار ذلك نظرة الفقهاء إلى أدلة العسر والحرج، حيث اعتبروها عمومات كسائر العمومات والمطلقات اقابلة للتخصيص والتقييد، بينما هي جزء من الأدلة الكلية العامة التي توجه النظر الفقهي الاجتهادي على أساس المقاصد، والمقاصد غير قابلة للتقييد ولا للتخصيص، بل هي مطلقة وعامة تحكم على جميع مطلقات وعمومات الشريعة.
وعلى أساس هذه النظرة اعتبروا أن أدلة العسر والحرج مقيدة ومخصصة بأدلة التكاليف التي اعتبروها ضررية وحرجية، مثل وجوب الجهاد والزكاة وأحكام العقوبات، وغفلوا عن أن هذه التكاليف ليست تكاليف أفراد ليقال أنها حرجية وضررية بالنسبة إلى الأفراد، بل هي تكاليف للأمة والمجتمعات، ولهذا الاعتبار هي تكاليف تحقق مصالح الأمة والمجتمعات والأفراد، وهي ليست حرجية ولا عسرة ولا ضررية بالنسبة إلى الأمة، بل هي سمحة ميسرة. وينطبق عليها ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (بعثت بالحنيفية السمحة).
إن هذه الملاحظات تقضي بإعادة النظر في منهج الاجتهاد الفقهي، ولا بد من النظر إلى الشريعة بحسب مقاصدها، وهذا يقتضي البحث فيها ـ خارج دائرة العبادات ـ على أساس المقاصد.
ونلاحظ أن الفقهاء جميعاً يقرون بأن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وقد عبر الشاطبي والغزالي وغيرهما من فقهاء المذاهب الأشعرية عن هذا الأمر تفصيلاً.
وورد التعبير عنه إجمالاً عند فقهاء الشيعة بصيغة تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الذاتيين العقليين. إلا أنهما قد يكونان في نظر العقل في غاية الوضوح كحسن الحسن وقبح الظلم، فحينئذ يكون الشرع مقرراً للعقل، وقد يكونان بمرحلة من الخفاء فالشرع يكون كاشفاً لها بواسطة الأوامر والنواهي.
وإذا كانت مصالح ومفاسد بعض الأفعال والأشياء خفية في مرحلة من مراحل الاجتماع البشري نتيجة لعدم المعرفة العلمية، فإن التقدم العلمي قد يكشف عن مصالح ومفاسد تؤثر على أحكام الأشياء والأعمال والأوضاع في مجال علاقات المجتمع وعلاقات الإنسان مع الطبيعة. وأمثلة ذلك في زماننا كثيرة، من قبيل التدخين وزراعة وتجارة واستعمال المخدرات، وجميع ما يتعلق بقضايا البيئة مما يتعارض مع أحكام سلطنة المالكين على أموالهم، وكثير من القضايا المتعلقة بتعلم الطب أو ممارسة الطب، وقضايا التنظيم الاجتماعي، وغيرها وغيرها.
ولعل أقدم من أشار إلى هذا المبدأ من فقهاء الشيعة السيد المرتضى في كتابه: «الذريعة إلى أصول الشريعة، طبعة جامعة طهران، تحقيق أبو القاسم كرجي».
وإن كان له كلام في أن العلل المذكورة في كلام الشارع ليست عللاً حقيقية كعلية الشمس للنهار، بل إنما تنبىء عن الدواعي أي (العلة الغائية) أو كاشفة عن وجه (المصلحة). وهذه نصوص من كتاب الذريعة في هذا الموضوع:
( إعلم أن العبادة بالشرعيات تابعة للمصالح… وأما الشرعيات فهي ألطاف ومصالح… لأن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنما بُعثَ لتعريفنا مصالحنا). «الذريعة/ ج: 2/ ص: 570 ـ 571 ـ 572».
(… إن علل الشرع مفارقة لعلل العقل، لأن علة الشرع تتبع الدواعي والمصالح، وقد تختلف الأحوال فيها، وليس كذلك ما هو موجب من علل العقل). «الذريعة/ ج: 1،ص: 93 ـ 94 و 167 ـ 168 و 522 ـ 524 و ج: 2 ص 696 و 809 ـ 811».
وينبغي أن تفهم المصالح والمفاسد باعتبار ما يتعلق بحياة الإنسان والمجتمع، وباعتبار المصير الأخروي للفرد، ولا تختص بالمصير الأخروي فقط، بل لا بد من ملاحظتها بالنسبة إلى عالم الشهادة، إلى الدنيا والعالم الدنيوي أيضاً.
قالوا: (الفرق بين التعبديات والتوصليات هو: أن التعبديات هي الأعمال التي لم يعلم لها مصلحة عرفية دنيوية، بل الغرض منها التقرب إلى الله وتكميل النفس ورفع الدرجة. ولذا يعتبر فيها قصد الإطاعة، لأن التقرب لا يحصل إلا بالامتثال، والامتثال لا يحصل عرفاً إلا بقصد الطاعة. والتوصليات: أي الأعمال التي علم المصلحة منها، ولم يكن الغرض منها التقرب، ولذا لا يعتبر فيها قصد الطاعة لأن حصول المصالح المقصودة منها لا يحتاج إلى قصد القربة بل يحصل بمجرد الموافقة كإنقاذ الغريق لحفظ النفس. والتوصليات قد تكون من الواجبات كغسل الثوب للصلاة ودفن الميت، وقد لا تكون كالمعاملات).
ومما يتصل بقضية المقاصد قضية (حكمة الحكم)، فإن موقف الفقه الشيعي من (الحكمة) موقف متحفظ، ويرفض الفقه الشيعي اتخاذ الحكمة دليلاً في الاستنباط (لأنها غير مطَّردة)، كما أنه يرفض (العلة المستنبطة= المناط المنقح)([385])، ويعتبر أن تعميم الحكم لموارد العلة المستنبطة من مصاديق القياس الذي هو التشريع بالرأي، ووردت النصوص الصريحة بالنهي عنه، وكذلك الحال في العلة المستنبطة. ويقتصر في إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع على مورد (العلة المنصوصة) فقط على خلاف بينهم في ذلك أيضاً. وهذا التحفظ ناشىء من الحرص على عدم الوقوع في التشريع بالرأي، ولكن مقتضى التحقيق عدم صحة هذا الموقف على إطلاقه.
إذن، الخلل الأساسي في عملية الاستنباط هو الخلل المنهجي الذي اعتبر الشريعة شريعة أفراد، واعتبر الدين دين أفراد وليس دين الجماعة.
ومن آثار ذلك أننا لا نلاحظ في مجال الاجتماع ما نسميه فقه قضايا الوحدة الإسلامية، أو قضايا الأمة، أو قضايا المجتمع، كما لا نلاحظ في مجال الطبيعة ما نسميه فقه البيئة، أو فقه الطبيعة، كما نلاحظ ـ في مجال الاقتصاد أن القواعد المقررة لمبدأ الملكية من قبيل (الناس مسلطون على أموالهم) يلاحظ فيها الجانب الفردي (مصالح الفرد ومشاكله) ولا تلاحظ فيها الجوانب العامة المتعلقة بالمجتمع والأمة.
كما نلاحظ عدم اعتبار (المغزى) البعد التشريعي في آيات التفكر والتدبر والتأمل في خلق الله، بينما هي في نظرنا من المكونات الأساسية لمنهج الاجتهاد، حيث أنها توجه فكر الفقيه نحو الواقع ونحو الطبيعة ونحو الاجتماع الإنساني. حيث ينبني فهمه للشريعة على ذلك، ومن ثم ينبني استنباطه لأحكامها على ذلك.
إن هذه الثغرات في المنهج أدَّت إلى تكوين الفكر الفقهي بمعزل عن مشاكل المجتمع وقضاياه. وهذه نقطة مهمة جداً، وقد عانينا من فقدانها في تربيتنا الفقهية، وعانى منها الفقه الإسلامي، حيث أن هذا الفقه بني على التجرد النظري وافتقد رؤية الواقع الموضوعي، وهو الواقع الراسخ المتفاعل أو الثابت، أعني الطبيعة في ثوابتها وفي متغيراتها، والاجتماع الإنساني في ثوابته ومتغيراته التي هي موضوع دائم للمعرفة النامية والمتجددة.
نحن نفهم من الأمر بالتدبر والتفكر في خلق الله وفي الطبيعة في سير الماضين وفي صيرورة الإنسان، اعتبار ذلك جزءاً من المنهج الذي يقوم عليه فكر الذين ينفرون {… لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدَّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، (سورة التوبة، مدنية ـ 9، آية: 122) فلا يكتفون فقط بالمعرفة النظرية التجريدية من الكتاب والسنّة، بل يتفاعلون على ضوء الكتاب والسنّة، مع واقع الحياة، ومن ثم يرون هذا الواقع على ضوء الشريعة فيفهمون منها حكمه، أما من دون ذلك فإن المقاصد ستكون غائبة عن رؤية الفقيه؛ لأن الفقيه يتعامل مع مفاهيم مجردة وفردية، مفاهيم مجردة من حيث صلتها بالواقع، وفردية من حيث صلتها بالإنسان.
إذن، يعاني منهج الاستنباط من عدة اختلالات لعل أهمها:
1 ـ النظرة الفردية التجزيئية.
2 ـ اعتبار الخطابات للأفراد وآحاد المكلفين والغفلة عن خطابات الأمة والجماعة (الخطاب العيني التعييني للأمة).
3 ـ اعتبار الشريعة مشروعاً أخروياً فقط.
4 ـ الانقطاع عن الواقع الموضوعي المتغير وعدم التفاعل مع الطبيعة.
5 ـ عدم ملاحظة مقاصد الشريعة في كثير من مجالات الفقه.
وفي مقابل هذا بدأت تسود في العالم الإسلامي المعاصر نزعة عند بعض المشتغلين بالفقه أدَّت إلى تجاوز الشريعة نفسها بذريعة تحرّي مقاصد الشريعة، نحو الحداثة بالمعنى المادي الغربي، فأغفلوا مبادىء الشريعة ونصوصها ومقاصدها، وبذلك تجاوزوها بتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله. وهذا ما ينبغي الحذر من الوقوع فيه، ووضع القواعد المنهجية لضمان سلامة الاستنباط الفقهي.
إن منهج الاستنباط لا يرتكز على دراسة النص فقط، بل يرتكز أيضاً على رؤية الواقع وتدبره، هذا التدبر ليس مجرد المعرفة العلمية والرؤية البصرية، بل هو وعي العلاقة بين الواقع وبين النص، وعي العلاقة بين الواقع وبين صيرورة حياة الناس، ومنهنا اعتبرنا أن آيات التفكر والتدبر ـ التي أشرنا إليها في فقرة سابقة ـ تدل على منهج الاستنباط، وهذا ما يؤدي إلى وعي العلاقة بين الواقع وبين النص، ومن دون ذلك لا يكون الاجتهاد سليماً في معرفة مقاصد الشريعة والاهتداء بها إلى معرفة حكم الشريعة في مجالات الحياة؛ لأن النظر والاجتهاد يكون من دون وعي.
إن (القواعد المنصوصة) تهدي الفقيه في عمله الاجتهادي في مجالات تطبيق تلك القواعد. ولكن القواعد العامة في مجال التشريع لا تنحصر في القواعد المنصوصة، بل إن التأمل في الأدلة الشرعية المتفرقة في المجالات المختلفة، ودراسة تطبيقاتها الفقهية تؤدي إلى اكتشاف (قواعد عامة)، وهذه مهمة عظيمة آمل أن يعني بها فقهاء متخصصون وهيئات فقهية تستعين بوسائل الضبط الحديثة، وتقوم باستقراء النصوص وأقوال الفقهاء في القضايا الفقهية العامة لتأسيس القواعد الفقهية العامة المستنبطة؛ لأن هذا يعين كثيراً على بلورة الاتجاهات الفقهية العامة والعريضة في الفكر التشريعي عند المسلمين، وتعين الفقيه المعاصر على رؤية أفضل وأدق للفكر الفقهي، وهذا يساعد على بلورة موقف رشيد من قضية الشهرات وقضية الإجماعات المدعاة.
ونلاحظ أن كثيراً من دعاوي الشهرة والاجماع ليست دقيقة حيث أن بعض ما يدعى أنه مشهور أو مجمع عليه ليس مشهوراً وليس مجمعاً عليه.
وهذا هو البحث في اختلاف العلماء؛ لأن استقراء الأقوال وأدلتها يؤدي إلى اكتشاف مساحات التوافق بين العلماء التي تتكون منها الشهرات أو الاجماعات، ويكشف عن مساحات الاختلاف التي تشكل دائرة اختلاف الفقهاء.
إن التعامل مع النص بمعزل عن حقله الخاص، وبمعزل عن علاقة حقله الخاص بالحقول الأخرى، يؤدي إلى عدم وعي مقاصد الشريعة، من قبيل ما ذكر في المثال عن كراهة التزويج من بعض الأقوام، وهو أمر لا نتعقله في الشريعة المطهرة.
ومن هذ الباب الفتاوى المذهبية التي ترى أن أتباع المذهب الآخر في داخل الإسلام يجوز العدوان عليهم وشتمهم، حيث إن هذا يتناقض تناقضاً أساسياً مع المبدأ التشريعي الفوقي الأعلى الأساس والحكم الذي لا يجوز غض النظر عنه في مجال الاجتهاد والاستنباط في الحقل السياسي والاجتماعي، وهو مبدأ الأخوة بين المسلمين وكون المسلمين أمة واحدة من جهة، ومبدأ تحريم الظلم والعدوان من جهة أخرى.
إن مبدأ (الأخوة الإسلامية يجب أن يكون دليلاً للفقيه عند بحث واستنباط أحكام العلاقات بين المسلمين جماعات وأفراداً، حيث إن هذا المبدأ ثابت بالنسبة إلى جميع المسلمين إلى أي مذهب انتموا، فإذا اعتبر الفقيه هذا المبدأ خاصاً بجماعة من المسلمين دون غيرهم من الجماعات المذهبية، فإن هذا يسري في جميع العلاقات الاجتماعية، والولايات والقضاء (من قبيل شرط عدالة الشاهد) وغير ذلك، وهذا يؤدي إلى تحطيم وحدة الأمة.
ومن هذا الباب، الفتاوى التي لا تلاحظ مبدأ علاقة الأمة التفاعلي وعلاقة المجتمع التفاعلية بين أفراده وأفرادها، فتعطى حقوقاً وتشرع أوضاعاً للأفراد بمعزل عن مدى تأثير ذلك على وحدة الأمة أو على مصالح الأمة.
ومن ذلك مثلاً الفتاوى المتعلقة بالاحتكار والتسعير وكثير من الأحكام المتعلقة بسلطة المالك على ماله النقدي أو العقاري.
ومن ذلك بعض الأحكام المتعلقة بوضع المرأة في الأسرة وفي الحياة العامة، وغير ما ذكرنا كثير.
الإجماع على مبنى الشيعة ـ ليس حجة في نفسه ـ بل باعتباره كاشفاً عن السنّة، وهي رأي المعصوم (ع). وفي هذه الحالة فلا ريب في حجيته، والدليل عليها هو أدلة حجية السنّة.
وإثبات أن هذا الإجماع المدعى أو ذاك كاشف عن رأي المعصوم (ع) من الأمور المتعذرة في نظرنا.
ومن هنا فإن اعتبار الإجماع من الأدلة الشرعية الموازية للكتاب والسنّة من القضايا الأصولية التي يجب إعادة النظر فيها. وقد نقل عن الفقيه الكبير السيد البروجردي أن غاية ما يمكن إثبات حكمه بالإجماع في جميع فروع الفقه هو عدد قليل من المسائل، ونحن نشك في إمكان ذلك.
وأما إجماع الفقهاء عند أهل السنّة فإنه إذا رجع إلى الكتاب والسنّة فإنه يكون حجة، وأما بنفسه وبصرف النظر عن الكتاب والسنّة فإنه ليس حجة في نظرنا.
وما استدل به على حجية إجماع الفقهاء باعتباره دليلاً شرعياً موازياً للكتاب والسنّة لا يدل على ذلك.
والمحصل أن اتفاق الفقهاء إذا لم يندرج في كلية عامة من كليات الشريعة الثابتة في الكتاب والسنّة، فإن إجماعهم لا دليل على حجيته.
وكذلك الحال في الشهرة، فإنها إذا كشفت عن دليل معتبر فإنها تكون حجة باعتباره، وأما مجرد اشتهار قول بين الفقهاء فهذا في نفسه لا نراه حجة.
وقد خالفنا في بعض أبحاثنا الفقهية إجماعات وشهرات لم تثبت عندنا حجيتها.
كما هوالحال بالنسبة إلى أهلية المرأة السياسية؛ لأنه لم يثبت عندنا إجماع تعبدي على عدم أهليتها، بمعنى أنه كاشف عن رأي المعصوم (ع).
وكما هو الحال في حرمة الإحتكار، وفي التعدي عن الموارد المنصوصة إلى كل سلعة (غير سلع الترف) تتوقف عليها حياة الناس المتعارفة، فلا تختص الحرمة بالأطعمة ولا تنحصر في الأصناف الستة (القمح والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت) أو السبعة بإضافة الملح.
وكما هو الحال بالنسبة إلى التسعير الذي نرى مشروعيته في العصر الحاضر.
إن الإجماع أداة سياسية وضعت لمواجهة الرأي المخالف في السجال السياسي والصراع على السلطة، واستخدمته القوة الحاكمة دائماً في هذا المجال، ثم استخدم في التنظير الديني للوضع السياسي القائم، وهو ما أنتج الفقه السياسي (فقه الأحكام السلطانية) وتسرب ـ بعد ذلك ـ إلى فضاء البحث الفقهي العام ليكون ضابطاً لسلوك الأمة في المجال السياسي والحضاري والحياتي العام.
وقد اقتبس مصطلح الإجماع نتيجة لتأثر الفكر الأصولي الشيعي بالفكر الأصولي السني (الفكر الأصولي في المذاهب ذات الانتماء الكلامي الأشعري، أو الماتريدي، أو المعتزلي) ليكون أداة في الرد على الاحتجاج السنيّ بالاجماع في المجال السياسي، ولاستعماله في دعم المواقف الفقهية المخافة، ومن هذا القبيل كثير من إجماعات الشيخ الطوسي في كتاب (الخلاف).
إن اعتبار إجماع الفقهاء دليلاً شرعياً موازياً للكتاب والسنّة ـ في مجال البحث الفقهي الاجتهادي ـ قد أدّى إلى نتيجتين:
أحداهما: إعاقة نمو الفقه، لأنه يحول بين الفقيه وبين البحث عن أجوبة غير جاهزة عن المسائل الطارئة؛ لأنه يقدم للفقيه جواباً جاهزاً يعفيه من عبء البحث ومسؤولية القرار الفقهي، فيعطل نمو البحث عن أجوبة جديدة عن الأمور الطارئة.
وبذلك يحول أيضاً ـ بطبيعة الحال ـ دون استجابة الشريعة لمستجدات الواقع، لأنه يحصر الشريعة في صيغ جامدة ومحددة، هي صيغ الإجماع على قول ما أو الشهرة على قول ما.
ثانيتهما: أن إجماع الفقهاء قد استخدم في المجال السياسي ـ وهذا في المجال السني ـ ضد أي موقف نقدي لسلطة الحاكم ولممارسات وسياسات الحكم، فقدم دائماً تبريراً فقهياً (شرعياً) لعملية القمع السياسي في الاجتماع الإسلامي، كما شلَّ إرادة الأمة وعطلها عن التصدي للنقد، لاعتقادها بأن ذلك عمل محرم.
وبذلك فإن حجية إجماع الفقهاء أدّى إلى تعطيل النمو الحضاري في المجال الحياتي العام، وإلى شل مشاركة الأمة في قيادة نفسها في المجال التنظيمي السياسي.
إننا ندعو إلى إعادة النظر في دعوى حجية الشهرة والإجماع، وإلى البحث في المسائل الاجماعية عن أجوبة عن الأسئلة الجديدة تتجاوز الشهرات القائمة والاجماعات المدعاة، ما لم يثبت أن هذا الاجماع كاشف عن رأي المعصوم، أي أنه يتضمن سنة قطعية، وهذا هو السبيل الوحيد لتحرير البحث الفقهي من أقوال الفقهاء الذين تأثروا ـ بلا ريب ـ بظروف زمانهم ومكانهم وأحوالهم بالنسبة إلى بعض آرائهم الفقهية على الأقل، ومن المعلوم عدم حجية قول كل واحد منهم بنفسه، فلا وجه لحجية مجموع أقوالهم.
إن قضية الحيل الشرعية في مجال الاستنباط الفقهي وفي مجال التطبيق الفقهي من أعقد القضايا في الفقه الإسلامي.
والسبب الأساسي لهذه الظاهرة/ الممارسة هو الجدل أو التعارض بين النص والواقع. وفي تقديري أن في هذه القضية منحيين.
المنحى الأول: منحى صحيح لا وجه لتسميته بـ (الحيلة)، وليس فيه مخالفة للنص، بل هو تجاوز للنص نتيجة لتغيير موضوعي في الواقع أدّى إلى بقاء الموضوع الشرعي من الناحية الشكلية، وحدث تغير في (وضعية) الموضوع من الناحية الموضوعية الواقعية.
وهذا من قبيل ما تكشف عنه روايات معتبرة وردت في شأن صيغ بيعية نتيجتها تحقيق فائدة غير متعارفة للبائع أو للمشتري. ويمكن أن يكون الإمام الخميني قد اعتبر الشطرنج أيضاً من هذا القبيل، إذا اعتبر الشطرنج في عصرنا خارجاً موضوعياً عن الروايات الناهية.
بالنسبة إلى قضايا هذا المنحى لا نعتبرها من فقه الحيل، بل هي نتيجة نمو فقهي طبيعي في مجال من مجالات الاجتهاد الفقهي الإبداعي، وهو تغيّر الحكم الكلي نتيجة لتغير الموضوع الواقعي أو بعض قيوده ومكوناته في الحياة العامة.
على كل حال لا بد من ملاحظة دقيقة للتسلسل التاريخي للنصوص من جهة، ولعلاقة النص بالواقع الحياتي الذي صدر فيه، ولمكونات الموضوع الشرعي الذي صدر عليه الحكم الشرعي في النص.
المنحى الثاني: أما الحيل الشرعية فنلاحظ فيها أنها ممارسات فردية في قضايا خاصة يتوصل الممارسون لها إلى غايتهم بتكوين موضوع شكلي يخرجون به عن النص في الواقع الشرعي، أو إلى تطبيق شكلي للنص. وهي نتيجة لرغبات في الحصول على النفع أو للخروج من مأزق في حالات لا تسعف فيها النصوص. ويمنع الورع الديني أو الصيغة التنظيمية الشرعية للحالة المراد تكوينها أو التخلص منها من تحقيق رغبة المحتال بصورة مباشرة، فيلتمس لها (صورة شرعية شكلية).
ونحن لا نرى عوامل سياسية واقتصادية وأخلاقية واجتماعية، بالمعنى الاجتماعي، لحدوث هذه الظاهرة بل حدثت نتيجة رغبات لبعض الأشخاص المتنفذين الذين أثروا على بعض الفقهاء البارزين فاخترعوا لهم هذا الأسلوب للالتواء والالتفاف على النص أو على الموقف الشرعي الصحيح، من قبيل صيغ البيعة (أيمان البيعة) التي كان ينشئها وينظمها بعض الفقهاء لبعض الخلفاء، كما أن رغبات الأفراد العاديين ومشاكلهم الأسرية من العوامل المهمة في شيوع هذه الظاهرة بين المتصدّين لتخريج الفتاوى.
أما القول بأن هذه الحيل هي للتوصل إلى أحكام ترخيصية تهدف لنفي العسر والحرج الذي يكابده المكلف لو تمسك بأحكام الشريعة في تلك الظروف فهو تفسير غير صحيح لهذه الظاهرة.
نحن نعتبر أن كل ما يصدق عليه أنه منشأ للعسر والحرج، فإن آلية الشريعة بنفسها كفيلة بدفع العسر والحرج فيه، وكل تكييف فقهي لموقف من المواقف ناتج عن إعمال قاعدة (نفي العسر والحرج) لا يصح اعتباره من فقه (الحيل الشرعية)، لأنه ليس حيلة شرعية، بل هو موقف فقهي نابع من طبيعة الشريعة وليس من احتيال عليها نتيجة لاستحداث عناوين شكلية أو إنشاء صيغ عقدية شكلية.
ويتضح هذا بصورة أكثر جلاء بناء على ما ذهبنا إليه من أن أدلة العسر والحرج في الكتاب العزيز والسنّة من قبيل قوله تعالى: {ما جعل عليكم … حرج} (سورة الحج، مدنية ـ 22، آية: 78)، وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ} (سورة المائدة، مدنية 5، أية: 6)، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ آلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ آلْعُسْرَ} (سورة البقرة، مدنية 2، آية: 185)، وما في معناها في السنّة المطهرة نعتبره من القواعد المرجعية العليا في التشريع، وهي الأدلة الفوقية غير القابلة للتقيد ولا للتخصيص، خلافاً للمشهور بين الفقهاء الذي ذهب إلى أن أدلة العسر والحرج هي من الأدلة القابلة لورود المخصصات والمقيدات عليها كسائر العمومات والمطلقات.
وهنا نعيد التذكير بما أشرنا إليه من أن هذه الظاهرة في التطبيق الفقهي هي من آثار النظرة التجزيئية إلى الأدلة الشرعية وعدم ملاحظة الأبعاد الكلية والشمولية في الشريعة المطهرة، حيث يلاحظ الفقيه المشكلة الجزئية أو الرغبة الجزئية للمكلف، فيبحث له عن حل خاص لمشكلته أو ذريعة خاصة لرغبته، من دون أن يلاحظ أنه إذا طبقنا الحيلة الشرعية في مسألة كذا على كل المكلفين ماذا يبقى من الشريعة.
ولذلك فإننا ندعو إلى التمييز بين حالتين أو صيغتين لما يسمى (فقه الحيل الشرعية):
أحداهما: ما هو حيلة بالفعل، وهي التي تقوم على صيغ عقدية شكلية لا تتضمن إرادة حقيقية وقصداً جدياً لدى المتعاملين، أو تقوم على إحداث عناوين شكلية لتطبيق حكم شرعي مرغوب، أو تجنب الالتزام بحكم شرعي غير مرغوب.
ثانيتهما: التطبيقات التي تتجاوز النص نتيجة لاعتبار أن الموضوع قد تغير، وهذا يستدعي تغيّر حكم المسألة، ولا يكون في الموقف الفقهي اعتبار شكلي.
لقد بلغت إيديولوجية الطاعة أو عقيدة الطاعة أوجها ونضجها في الخط الأشعري الذي بلغ نضجه في مجال امتزاج الفقه بالعقيدة وعلاقتها بالسلوك في فكر الغزالي في (إحياء علوم الدين) حيث جعل ثقافة المسلم في المجال السياسي تقوم على أخلاق الطاعة للحاكم.
إن حق الطاعة لله سبحانه وتعالى أساس العقيدة الإسلامية، وبذلك تحرر الإنسان من عبودية الأشخاص والأشياء، ولكن حينما رفع شأن الحاكم غير المعصوم إلى مستوى فوق العصمة بحيث لا يراجع ولا يحاسب ولا يتقيد بشورى، انخفض وضع الإنسان وتحول إلى كائن مسلوب الحقوق، وقد أدّى ذلك إلى آثار مدمرة في الحياة السياسية، حيث آل الوضع إلى أن من يثير أي سؤال حول شرعية هذا القرار أو ذاك من قرارات الحاكم، فضلاً عمّا إذا رفض تنفيذ القرار، فإنه يحكم بكونه خارجاً عن الجماعة، ويفقد هويته الإسلامية وانتماءه إلى الاجتماع الإسلامي. وقد أدى هذا دائماً إلى تشريع الاضطهاد لمن لا يتوافقون مع الحاكم والسلطة في آرائهم السياسية.
وفي هذا الشأن يلاحظ تأثير عقيدة (الفرقة الناجية)، التي بنيت على حديث (افتراق الأمة)، على موقف كل فريق تجاه الجماعات المذهبية الأخرى، وعلى موقف السلطة الحاكمة من الآراء والمذاهب المخالفة لها في الاتجاه الكلامي وفي النهج الاجتهادي (المذهبي)، حيث يحكم عليها بالبطلان الكامل ويحكم على أتباعها بالضلال والمروق من الدين.
إن الذين صححوا هذا الحديث، الذي نجزم بأنه حديث موضوع أو محرَّف، والتزموا بمضمونه قد وقعوا فريسة لمقتضياته، ويبدو أن من لم يصححه قد تأثر بالمناخ الذي كونه هذا الحديث بين المسلمين.
ولنتصور تأثير هذا الحديث في وعي الإنسان المسلم على الشعور بوحدة الأمة الإسلامية، ولنتصور تأثيره حتى على الوحدة الوطنية، ولنتصور تأثيره على الموقف الشعبي من أية قضية من القضايا التي تواجه المجتمع.
إم هذه العقلية التي ينتجها هذا الحديث تدمر الأمة من الداخل في جميع تكويناتها: في تكوينها العام وفي تكويناتها الخاصة، وحينئذ فلنلاحظ أثر هذا الحديث على فكر الفقيه وعلى روايته لمصادر التشريع (السنّة) وفهم القرآن، وعلى تعامله مع النصوص التشريعية، وأثر ذل على منهج الاستنباط الفقهي الذي يجب أن يتسم بالعمومية والشمولية للأمة، لأنه إذ يستنبط فإنما يستنبط لجميع المسلمين وليس لأتباع مذهبه الخاص.
وإذا لاحظنا هذه القضية مقارنة بقضية (مسألة) التخطئة والتصويب، فنلاحظ أن القائلين بالتصويب هم الذين ينتمون إلى الخط الأشعري، وهم الذين يعتبرون كل الفقهاء مصيبين، وهذا يقتضي إعطاء الشرعية لجميع المناهج الفقهية ولجميع المسلمين، ولكن هذا ينعكس ـ في الماضي ـ على الموقف السياسي والموقف الديني من الآخرين، حيث إن القائلين بالتصويب ـ في الماضي ـ لا يعترفون بالإصابة إلا للمنتمين إلى نفس المنهج الفقهي والكلامي، اما إذا لم يكونوا من المنتمين إلى هذا المنهج الفقهي والكلامي فإن آراءَهم الفقهية لا قيمة لها.
ونلاحظ أن المخطئة ـ وهم الشيعة ـ الذين يقولون: بأن المصيب واحد وإن الآخرين مخطئون، يعترفون بإسلام جميع المسلمين، ويثبتون لهم حقوق الإسلام.
لقد أدّى هذا الموقف إلى أن العقيدة الأشعرية هي الحق الوحيد في الاعتقاد، وأن المنهج الفقهي المذهبي (عند الغزالي: المذهب الشافعي) هو المنهج الحق الوحيد في الفقه، وقد مثل كتاب (إحياء علوم الدين) هذه الظاهرة وعبر عنها، وجرى على نهجه من جاء بعد الغزالي.
وهنا ينبغي أن نذكر أن التيارات العقلية والروحية التي أوجدها كتاب (إحياء علوم الدين) وما جرى مجراه لم يقتصر تأثيرها، في المجال الفقهي وفي المجال الكلامي، على علاقة الإنسان بالسلطة وعلاقة السلطة بالإنسان، وعلاقة الإنسان بغيره والجماعة بغيرها، بل أثر أيضاً على علاقة الإنسان بالطبيعة وبحركة المجتمع، فشلَّ المسيرة الحضارية، ويجب التمييز بين مجالات الطاعة وحالاتها.
نلاحظ أن مبدأ الطاعة راسخ في أساس المفهوم الديني على مستوى العبادات، وعلى مستوى العلاقات البشرية.
أما على مستوى العبادات فالأمر واضح، والعبادة مظهر من مظاهر الطاعة لله سبحانه وتعالى.
وأما في مجال العلاقات فنلاحظ أنه لا بد من مراعاة مبدأ الطاعة في مجال علاقات الأسرة، وكذلك العلاقات في نطاق حفظ النظام العام، أيضاً لا بد من مراعاة مبدأ الطاعة فيها.
أما في مجال العلاقة بين الإنسان والسلطة الحاكمة، فلا بد من الاعتراف بوجود اختلال في حركة الاجتهاد الفقهي في المجال السياسي والعلاقات الإنسانية في المجتمع. ولكن لا بد من التمييز في هذا المجال بين حقلين:
أحدهما: الطاعة للشخص في الدولة القائمة على القيادة الشخصية وعلى زعامة الفرد، وهي الدولة السلطانية والتي لها نماذج معاصرة في العالم الإسلامي وغيره.
ثانيهما: الطاعة للقانون في دولة المؤسسات.
وموضوع النقد في مال الاجتهاد الفقهي هو إلزام المسلم بالطاعة في الحقل الأول، وأما اعتبار مبدأ الطاعة في الحقل الثاني فهو منسجم مع مبدأ الواجبات العامة في الشريعة.
وهنا نلاحظ أن الفقهاء الذين (شرعنوا) الطاعة للحاكم المستبد على قسمين:
قسم منهم أقر مبدأ الطاعة؛ لأنه إما جزء من مؤسسة الطغيان، أو أنه خاضع للطغيان، أي جعله الطغيان مشلول الإرادة.
وقسم عبَّر عن اتجاه آخر في النظر إلى مشكلة الحكم الاستبدادي الذي يستمد شرعيته من الشعار الديني، وهؤلاء الفقهاء ينطلقون من رؤيتهم لمشكلة الفتنة في المجتمع، حيث إن احتمالات الموقف تتشكل في وعي الفقيه على النحو التالي:
إذا لم يطع المواطن فماذا يعمل؟ رفض الطاعة يقتضي الدعوة إلى الثورة والعصيان، وقد تجنب غالب فقهاء الاتجاه الأشعري هذه الدعوة إلى الثورة وما يؤدي إليها، متذرعاً بالخوف من الوقوع في الفتنة، ومتمثلاً معتبراً في هذا الشأن بالتجارب التي مر بها الاجتماع السياسي الإسلامي في هذا المجال، في عصور السلطة الأموية والعباسية، حيث كانت تجارب الثورة مدمرة وفاشلة ومخيبة للأمل.
لقد وجهت حالة الطغيان فقهياً بثلاثة مواقف:
1 ـ الموقف الداعي إلى الطاعة. وهذا قسمناه إلى اتجاهين:
أ ـ فقه الطاعة الناشىء من كون الفقيه جزءاً من مؤسسة الطغيان، أو الناشىء من كون الفقيه ضحية للطغيان.
ب ـ وموقف الدعوة إلى الطاعة نتيجة للخوف من الوقوع في الفتنة، وتدمير النظام العام للمجتمع.
2 ـ الموقف الثاني الذي وجهت به سلطة الحاكم المستبد هو الدعوة إلى الثورة، وهذا النهج أدّى إلى زج الاجتماع الإسلامي في مذابح مهلكة، وأدى إلى فشل الثورات برمتها، لم تنجح في تاريخ الإسلام أية ثورة إلا الثورة العباسية على الأمويين.
3 ـ الموقف الثالث كان هو الاتجاه الذي اعتمده أئمة أهل البيت سلام الله عليهم، وهو فقه المداراة والمقاطعة، لقد لاحظ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن حفظ النظام العام ضرورة تقتضيها سلامة حياة الناس في الاجتماع الإنساني السياسي، والمدني، فأجازوا التعاون مع الحاكم بمقدار ما يحفظ النظام العام، ولا يتحول بالمتعاون إلى جزء من المؤسسة الحاكمة، وفيما عدا ذلك لم يشجعوا الاتجاه إلى الثورة، بل آثروا ما نسميه (موقف الاعتزال) أو موقف المحايدة، فلا يواجه النظام بالعنف، كما لا يحظى بالمساندة والعون، فالتعاون يقتصر على ما يقتضيه حفظ النظام، وفيما زاد عى ذلك لا يتلقى النظام أية معونة ولكنه لا يواجه بأي عمل عنيف.
وفي نفس الوقت لا تكون النخبة الواعية المؤمنة عوناً للنظام على القوى التي تقاومه، لا تزج نفسها ولا تزج المجتمع في أعمال المقاومة للنظام، ولكنها لا تقف مع النظام ضد القوى التي تقاومه انسجاماً مع المبدأ الذي وضعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في الفقه السياسي في مثل هذه الحالة حينما قال عن الخوارج: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه).
أما بالنسبة إلى ما ورد من اهتمام القرآن بالحقوق والحريات، فإننا انطلاقاً من مبدأ (تكامل الشريعة) نرى أن اهتمام الفقيه في مجال الفقه السياسي يجب أن ينصب على معادلة متوازنة بين الطاعة وبين الحق والحرية، فكما لا يجوز أن يطغى مبدأ الطاعة على مبدأ الحق والحرية، كذلك لا يجوز العكس.
المجتمع السياسي السليم لا يقوم على الحقوق والحريات فقط، وهذا هو المنهج الفقهي الذي اعتمده أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
إن الاجتماع السياسي السليم لا يقوم على فقه الحقوق والحريات فقط، إن الإجتماع السياسي السليم من وجهة نظرنا في الفقه السياسي الإسلامي يقوم على مبدأين: على احترام مبدأ الطاعة من جهة، وعلى احترام مبدأ الحقوق والحريات من جهة أخرى، أي على مبدأ الحق والواجب.
لقد عبَّر المنهج الذي دعا إليه وطبّقه أمير المؤممنين علي بن أبي طالب (ع) في أيام دولته مثالاً حياً لهذا التصور، وهناك نصوص نظرية وتطبيقية موثقة في نهج البلاغة للإمام علي (ع) في هذا المجال. وقد عبَّر عنه الأئمة المعصومون (عليهم السلام) بعد الإمام علي (ع) في نصوص كثيرة من السنّة المروية عنهم.
وأما الأدوات والشروط المطلوبة لتنمية مسائل الحقوق والحريات وتوجيه العقل الفقهي في هذا المسار ـ في نظرنا ـ تتحقق بالتركيز على إنشاء دولة المؤسسات التي لا يكون العنصر الشخصي ظاهراً فيها ومهيمناً عليها تحت أي شعار، بل تكون هذه الدولة دولة لا شخصية، سواء كانت دولة دينية أم وضعية.
الدولة تعبير عن المجتمع وليست تلخيصاً للمجتمع في شخص أو في هيئة محصورة، إن الدولة تتكون من مؤسسات من القمة إلى القاعدة أفقياً وعمودياً، وتدير المصالح الكبرى للمجتمع على هذا الأساس، وبحد أدنى من تدخل السلطة وحد أوسع من حرية المبادرة الفردية.
إن الفهم الفقهي الصحيح ـ في نظرنا ـ لأدلة الكتاب والسنّة في المجال السياسي يكشف عن أن الإجتماع السياسي السليم في الإسلام لا يتحقق في الدولة الشديدة التمركز، ولا يتحقق في الدولة التي هي أقوى من مجتمعها. إن الدولة في أحسن حالاتها هي التي تكون قوتها مكافئة لقوة المجتمع، أما الدولة التي هي أقوى من المجتمع فتشكل دائماً خطورة تحول السلطة إلى الطغيان.
محمد مهدي شمس الدين
ونظرات في الاجتهاد
الهدف الذي تطمح إليه هذه المقالة هو دراسة دور ملاك الأحكام، وسبل اكتشافه في الفقه، وعلاقة ذلك بما يمكن أن يسمى «فاعلية الفقه»، ومناقشة الصلة بين هذا البحث وبين مقتضيات الزمان والمكان. فهذه الدراسة تنطوي بالتالي على مناقشة دور الزمان والمكان في الاجتهاد الفقهي. وقد حاولنا تقديم الشواهد والنظريات الفقهية في هذا البحث من آراء الإمام الخميني، كما اعتمدنا على نظريات صاحب الجواهر (باعتبار إنجازه نموذجاً للفقه الشيعي الأصيل حسب تعبير الإمام الخميني) واستندنا أيضاً على طروحات بعض الشخصيات البارزة الأخرى.
إن موضوع ملاك الأحكام وتنقيح المناط، أحد عدة بحوث مهمة، لم تأخذ للأسف مكانتها المناسبة في علم أصول الفقه (ومن هذه البحوث أيضاً موضوع الاستقراء والعرف وغيرها) ومع ذلك يبقى هذا البحث دقيقاً ومعقداً لقربه من منهج القياس الفقهي عند أهل السنّة.
وبالطبع لا تهدف هذه الدراسة تقديم وجهة نظر نهائية في هذا الباب، أو طرح بحث اجتهادي مستوعب لكافة نواحي الموضوع، وإنما القصد من هذه السطور هو:
1- دراسة الأسس الكلامية والفقهية للقول بالمناط، وإمكانية التوفر على مناطات لبعض الأحكام.
2- التعمّق في المبادئ التصوريّة للبحث.
3- تقرير بعض سبل اكتشاف المناط سواء عن طريق النص أو غير النص.
4- مناقشة حيثيات تغيّر الأحكام بتأثير ملاكات الأحكام على امتداد الأزمنة والأمكنة المختلفة، ومحاولة توضيح هذه الحيثيات (خصوصاً بالاسناد إلى الآراء الفقهية للإمام الخميني).
دور المبادىء الفلسفية والكلامية والمنهجية المعرفية في استنباط الأحكام:
لا نزعم أن كل معارف الفقيه وعلومه القبلية والبشرية لا بد أن تؤثر في اجتهاده… وإذا تغيّرت هذه العلوم فلا بد أن يؤثر هذا التغيير على اجتهاده واستنباطه للأحكام… وإنما الكلام عن علاقة جزء من العلوم والقبليات بالاستنتاجات الفقهية للفقيه… وغالباً ما تتوزع هذه القبليات على ثلاثة مجالات رئيسية هي المنهجية المعرفية، والفلسفة، والكلام. وسنحاول فيما يلي تقديم مصاديق لكل واحدة من هذه المجالات:
أ ـ في مجال المنهج المعرفي، أو المنهجية المعرفية، إذا كان الفقيه من القائلين بحجية الاستقراء وما يتمخض عنه من علم عادي أو ظن اطمئناني، وكان يرى أن الاستقراء وضمن شروط خاصة لا بد أن ينتج مثل هذا الظن (العلم العادي)، فإنه فضلاً عن استخدام الاستقراء في العلوم الطبيعية والتجريبية والاستنتاجات الفلسفية([386])، سيستخدمه في الفقه أيضاً، وفي استنباط الخطوط العامة للشريعة والقواعد الفقهية في الأبواب المختلفة.
ب ـ وعلى صعيد الفلسفة، يمكن القول: إن فهم المجتهد لمبدأ الفردية (أصالة الفرد) أو الاجتماع (أصالة المجتمع) له تأثيره في فهمه للأحاديث والروايات([387]). فالفقيه الذي يرى المجتمع حالة اعتبارية لا حكم لها ولا اعتبار في نظر الشارع، ويرى الإسلام دين «الفردية»، فإنه بالطبع سيرى قاعدة «لا ضرر» مثلاً، نافيةً للضرر عن الفرد وحسب، ولن يترقب من النصوص تقديم حلول للمشكلات الاجتماعية. وسنرى لاحقاً أن منهج السيد محمد حسين الطبطبائي في موضوع الفطرة، يدفعه إلى اعتبار «بناء العقلاء» حجة ذاتية ولا يحتاج إلى كاشفية رضا المعصوم([388]). كما أن الفقيه الذي يعتقد باعتبارية الأحكام (بمعنى أنه يرى وجود الأحكام وعدمها وسعتها وضيقها وباقي شرائطها كأصلها اعتبارية وحصيلة تعاقد العقلاء) فلن يتردد في القول بصحة «الشرط المتأخّر».
جـ – وعلى صعيد علم الكلام([389]) وتأثيره في ملاك الأحكام، يجب القول: إن هذا التأثير منوط بالقول بالحسن والقبح العقليين، والاعتقاد بوجود المصلحة في ذات الأفعال وفيما وراء الأحكام (وليس في الأحكام فقط). كما أن فهمنا لخاتمية النبوة وأسبابها يمكن أن ينتهي بنا إلى نتائج مهمة وعميقة بخصوص فهمنا للإسلام وعلاقته بتغيّرات الزمان والمكان، وسر خلود الدين الحنيف في ظل مبدأ الاجتهاد([390]).
وفي إطار علم الكلام الجديد هناك عدة مدارات للبحث يمكن أن تكون ذات تأثير في كيفية استنباط الأحكام، ومن هذه المدارات:
1 ـ هل المطلوب من الدين تقديم علامات رئيسية لهداية البشر، والتأشير على الأهداف الكلية للقيم التي ينبغي أن تسود المجتمع، أم المطلوب منه ضمان حياة أخلاقية وسكينة روحية واستقرار وكمال معنوي فردي، أم التطرّق إلى كل التفاصيل في حياة البشر (حتى لو كان بإمكانهم التوصل إليها بعقولهم وعلومهم)؟.
2 ـ هل يقدّم الدين نظمه الخاصة به على الأصعدة المختلفة كافة؟ أي هل الدين وتبعاً لهدفه الرئيسي (الهداية) يبادر إلى تقديم نظمه في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من المجالات ذات العلاقة بمفهوم الهداية، ويرسم الخطوط العامة في الحياة الفردية والاجتماعية للبشر من أجل هدايتهم إلى الهدف الأسمى من دون جمود على شكل ثابت في الحياة؟ وإنما ترك الإسلام «منطقة فراغ» واسعة في الكثير من الأمور. وسنرى أن بعض الاستجابات لمتغيّرات الزمان والمكان لا يمكن أن تفهم إلاّ في إطار هذه الرؤية.
3 ـ من ناحية أخرى، هل يعتمد الدين في معالجة معضلات المجتمع والحياة، على الحد الأكثر والدرجة العليا من الحلول، أم أنه يقتصر على الحد الأدنى منها، أم أنه في الشؤون ذات الصلة بهداية الإنسان يعتمد الحد الأكثر، بينما يكتفي في شؤون أخرى بالحد الأدنى؟.
4 ـ هل الدين في أحكامه ميّال إلى المحتوى أم نازع صوب الشكل والقالب([391])؟ وبعبارة أخرى هل الدين على استعداد للتخلّي عن شكل الأحكام بشرط الحفاظ على غايتها ومحتواها (والبحث هنا في غير العبادات) أم أنه يغض الطرف عن غاية الأحكام شريطة بقاء ظاهرها وشكلها الخارجي، ومثال ذلك ما يقول به بعض الفقهاء في باب «الحيل الشرعية» حيث تُختلق الحيل لتبرير الربا أو عدم دفع الخمس أو… الخ. أم أن الدين يقول بأصالة الشكل والمحتوى في نفس الوقت وعلى أساس ضوابط معينة؟ وسوف نرى أن طبيعة الجواب على كل واحد من هذه الأسئلة ذات تأثير في موضوع الملاك، وفي موضوع تغيير الأحكام.
5 ـ المسألة الأخرى مسألة الغاية والوسيلة، وقيمة كلِّ منهما في الرؤية الإسلامية. فهل الأصالة في نظر الإسلام، هي أصالة للوصول إلى غايات الأحكام الفقهية (على افتراض معرفتها) وبأي وسيلة كانت، أم أن الإسلام يؤمن بأصالة الوسيلة وقداستها أيضاً؟ ثم هل درجة قداسة الوسيلة إلى حد ينبغي معه الالتزام بهذه القداسة والنزاهة حتى لو أدّى ذلك إلى التضحية بالهدف (لو أمكن طبعاً افتراض مثل هذه الحالة)([392])؟ وهل يمكن القول: إن لكل حالة إجابتها الخاصة، وإن الجواب الصحيح يحتاج إلى معرفة بمباحث الأهم والمهم ومقدّمات الواجبات، والقدرة على تشخيص الأهم من بين الغاية والوسيلة؟ وهنا يبدو من المفيد مقارنة أي إجابة تطرح عن هذه الأسئلة من بحوث فتح الذرائع وسد الذرائع ومباحث الاستحسان لدى أهل السنّة.
الأسس التصوّرية للبحث
المصلحة أو المفسدة التي تقف وراء الحكم الشرعي، وتؤدي إلى صدوره، تسمى في الفقه «علة الحكم»([393])، فالحكم يدور مدارها. فالإسكار مثلاً أو القابلية النوعية على الإسكار هي علة تحريم الخمر.
أما الفوائد والنتائج المترتبة على الحكم أو التي يُتوقّع تمخّضها عنه، فهي في الواقع «الحكمة من الحكم» ولا يدور الحكم بمدارها. فقد يكون شيءٌ ما من وجهة نظرنا سبباً في حصول ذات الفوائد التي يهدف إليها الشارع من حكم معين، ولكن الشارع لم يشأ على كل حال الوصول إلى أهدافه بأية وسيلة كانت، وإنما نراه يؤكد على الطريق الخاص الذي يرسمه للناس، فمثلاً توفير الأمن واحترام أموال الناس وممتلكاتهم المؤدي إلى سعة العيش ورفاه المجتمع، يُعده الحكمة من قواعد تشريعية تقول: إن الناس مسلّطون على أموالهم، أو لا ضرر ولا ضِرار.
علة الحكم
«تنقيح المناط»([394])، أو «اكتشاف الملاك» هو في الحقيقة عمليات خاصة لاكتشاف علة الحكم، فلو حصل لنا العلم بعلة الحكم بصورة جزمية أو عن طريق العلم العادي، ستكون هذه العلة حجةً يمكن تعميمها على الحالات المشابهة (كالقياس المنصوص العلة).
أما «الحكمة من الحكم» فهي تبيين لفلسفة الحكم والفوائد المحتملة أو القطعية المترتبة عليه والتي يستطيع الإنسان اكتشافها بذهنه، من دون أن يكون لديه قصد بتعميها على حالات أخرى.
ومن جهة ما، تنقسم علة الحكم إلى قسمين:
أ ـ العلة الثبوتية، وتمثّل المصالح والغايات المترتبة على الحكم في عالم الواقع (الأرضية)، وفي اللوح المحفوظ والعلم الإلهي، وهي المصالح التي وضع الشارع حكمه على ضوئها، وقد يكون البشر جهلاء بها تماماً. ومثال ذلك تمتين روح المحافظة والالتزام والاعتزاز بالوقار والعقل([395])، كعلة لتحريم الخمر.
ب ـ العلة الاثباتية، وهي العلامة أو المعرّف الذي وضعه الشارع المقدس للناس ليعرفوا تحقق الحكم بمجرد ملاحظتهم تحقّق هذه العلامة. وبعبارة أخرى فإن العلة الإثباتية هي الصفة التي توصّل إليها المجتهد، والتي تكشف بشكل قاطع حاسم عن الحكم المرتّب عليها. ولذلك فهي تؤدي إلى سريان الحكم على الحالات المشابهة في عملية الاستنباط([396])،([397]).
وإذا استطاع المجتهد معرفة الغاية الحقيقية من الحكم والعلة الثبوتية له من وجهة نظر الشارع، أو استطاع معرفة العلامة التي وضعها الشارع لحكم (العلة الاثباتية)، وعلم أنه في حالة خاصة معينة (بعد كسر وانكسار المصالح والمفاسد) تسببت غاية معينة في وضع الحكم، أو تلازمت علة أو علامة مع الحكم، وعلم أيضاً أن هذه المصلحة أو الغاية أو العلة أو العلامة يمكن أن تتحقق كذلك في حالة أخرى، فإن بإمكانه تعميم الحكم على تلك الحالة الأخرى. ولكن كما مرَّ بنا فإن الأمر بالنسبة لـ«الحكمة من الحكم» ليس كذلك. فمثلاً لو كانت الحكمة والفائدة من التزام العِدّة بالنسبة للمُطلّقة، الحيلولة دون إختلاط المياه والأنساب، فهذا لا يعني إمكانية إلغاء العِدّة حينما نتيقّن أن مثل هذا الاختلاط لن يحصل (كأن يكون الزوجان مفترقين عن بعضها لمدة سنة كاملة قبل الطلاق)… ذلك أن المفترض هو أننا لا نحيط بكل مصالح وفوائد وأبعاد الحكم الشرعي. فضلاً عن أن الأحكام الدينية وضعت بحسب المصالح النوعية والالتزامات الاحتياطية، وقد يؤدي ترك بعض الأفراد للحكم إلى إلغاء لكل المصلحة، كما سيأتي في موضوع علة التشريع وعلة التعميم.
النقطة الأخرى التي ينبغي الاشارة إليها هي أن السبب والعلة في الفقه هي نفسها العلامة والمُعرِّف للحكم الشرعي. يقول الشهيد في القواعد([398]): «السبب كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه معرفاً لاثبات حكم شرعي بحيث يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم».
ويعرفه الغزالي في المستصفى بالنحو التالي: «ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه»([399])، وقال في موضع آخر: «العلة الشرعية علامة وأمارة لا يوجب الحكم بذاتها إنما معنى كونها علة نصب الشارع إياها علامة وذلك وضع من الشارع»([400]).
ولكن بما أنه من الممكن أن يكون للمعرِّف تناسب مع معرَّفه، حتى لو كان هذا التناسب غير واضح بالنسبة للمجتهد، فإذا كان للسبب (المعرَّف) تناسب واضح في عالم الواقع مع الحكم (على نحو الوضوح بين الوجود المقتضي مع العدم المانع وبين تحقق المعلول) فإن السبب في هذه الحالة سيسمى اصطلاحاً بالعلة([401]). كسببية الإسكار لتحريم الخمر، أو سببية القتل لتشريع القصاص. أما إذا لم تكن ثمة مثل هذا التناسب، وإنما كان هنالك مجرد تلازم في التحقق بينه وبين الحكم، فيسمّى «سبباً» ليس إلاّ، ومثال ذلك مشاهدة هلال رمضان الذي يُسبَّب صيامه (رمضان) إذن فالفرق بين السبب والعلة كامن في معقولية العلاقة بين ما يوجب الحكم وبين تحقق ذلك الحكم. بمعنى أنه إذا كان تحقق حكمة الحكم بواسطة الأمر الظاهري الذي يناط به الحكم معقولاً، سمّي ذلك الأمر «علة للحكم»، أما إذا لم تكن هذه الرابطة معقولة سمّي ذلك الأمر الظاهري «سبباً للحكم»([402]).
مناهج اكتشاف المناط
التصنيف الذي يمكن تقديمه تبعاً لتصنيف أنواع التشريعات الموجودة في الدين، هو تصنيف الملاك إلى: ملاك الحكم، وملاك القاعدة، وملاك النظرية، وملاك النظام. ولا بأس من تقديم إيضاح مجمل لهذه الأصناف من الملاك:
الحكم الشرعي: يشير في هذ البحث إلى تكليف المكلف في خصوص موضوع معين أو فعل أو متعلق خاص([403]) في باب من أبواب الفقه.
القاعدة: تشير في هذا البحث إلى حكم كلي يشتمل على أحكام متعددة في باب أو أبواب مختلفة من الفقه، وبعبارة أدق هي مصدر أو أساس الأحكام في أبواب المعاملات أو العبادات في الفقه، كقاعدة لا ضرر، وقاعدة لا حرج، وقاعدة نفي السبيل، وغيرها.
النظرية: تشير في هذا البحث إلى مجموعة الأحكام المتقاربة في موضوع له مبناه الخاص وهدفه المعين وأرضيته الواحدة. ومن الممكن أن يكون هذا الموضوع باباً فقهياً، كنظرية القصاص أو نظرية الضمان، أو جزء من باب أو عدة أبواب من الفقه، كنظرية الإرادة، أو نظرية الضرورة الشرعية، أو نظرية الخيارات، وغيرها.
النظام الفقهي: يشير إلى هيكل تأليفي من مجموعة من الأحكام. ويتعلق النظام الفقهي بمختلف أبواب الفقه، ويتكفّل الإفصاح عن الأهداف الكلية للشريعة وروح النص الفقهي ذي الصلة بتلك المجموعة من الأحكام. وللتمثيل يمكن ذكر النظام الاقتصادي في الإسلام، أو النظام الجزائي في الإسلام، وغيره.
إن مبتكر فكرة النظم بشكلها المدوّن المحدد في الفقه الشيعي هو الشهيد محمد باقر الصدر، وهو يرى أن استنباط النظام يحتاج إلى مساعٍ اجتهادية معقدة. فهو فضلاً عن المساعي الاجتهادية الدارجة، يحتاج إلى فهم الإسلام ككُلِّ، بما يشتمل على عقائد وأحكام ثابتة ومتغيّرة.
كل واحد من القوانين والأحكام الشرعية تستند إلى مناطات وملاكات، تشير إلى مستوى المصلحة الكامنة في الحكم أو القاعدة أو النظام، والمنسجمة مع الأهداف العامة للشريعة. وبما أن بحثنا يُعنى أكثر بالأحكام المعاملاتية غير العبادية (الأحكام التأسيسية)، فإن التوفّر على ملاكات في المجالات الثلاثة المذكورة (الحكم والقاعدة والنظام) من المناسب أن يحصل اعتماداً على العقد وبناء العقلاء والعرف وما إلى ذلك من المناهج.
أساليب استنباط العلة من النص
1 ـ مناسبات الحكم والموضوع (الفهم الاجتماعي للنصوص)
إن ظهور اللفظ في المعنى، هو درجة معينة من دلالة الكلام تؤدي إلى ظهور المعنى الذي نقصده من الكلام، فيكون المعنى متناغماً مع الكلام أكثر من أي معنى آخر. إن ظهور اللفظ إما أن يكون وليد الدلالة الوضعية للكلام أو مواضعات اللغة، وإما أن يكون وليد الدلالة السياقية للنص. ففي الدلالة السياقية للحديث يكون الملاك هو الفهم العام من اللفظ، أي الفهم العام في زمن صدور الحديث. ولكن من أجل الفهم الكامل الشامل للحديث لا يكفي الاعتماد على هذين البُعدين. وإنما تبرز الحاجة إلى بعد آخر هو الفهم الاجتماعي للنصوص. ويبدأ دور هذا البُعد بعد الفراغ من الفهم اللغوي للنص. ويبدو أن الفهم الاجتماعي للنص ذو جذور في الوعي المشترك والارضية الذهنية والتجربة العامة في الحياة الاجتماعية للأفراد، والتي تتجلّى عادة على مسرح التشريع والتقنين، ويسميها الفقهاء: «مناسبات الحكم والموضوع». وإن هذه المناسبات حسب رأي الشهيد محمد باقر الصدر صورة أخرى للذهنية الواحدة، والمرتكزات التشريعية العامة([404])، التي يحدد الفقيه على ضوئها ما لو كان موضع الحكم تكليفياً أو وضعياً. فمثلاً من الأحاديث الدالة على امتلاك الماء أو الحطب عن طريق حيازته (استخراج الماء أو جمع الحطب) يستطيع الفقيه تشخيص أن موضوع ملاك التملك هو حيازة الثروات الطبيعية، من حيث تناسب الحكم مع الموضوع.
وضمن هذا السياق جاء اجتهاد وفتوى «كاشف اللثام» للفاضل الهندي بخصوص دية القتل المتعمّد. حيث نعلم أن الفقهاء قالوا: إن القاتل في هذه الحالة مخيّر بين دفع ألف دينار أو مئتين حلّة يمانية أو…، ونظراً لأن كلفة الحلل اليمانية دون الألف دينار، فلا يبقى معنى لهذا التخيير. لكن «كاشف اللثام» واستناداً إلى عرف زمن صدور الرواية ووجه تناسب الحكم والموضوع واكتشاف الملاك، يقول في هذا الباب: إن المراد بالحلّة الحلّة التي يكون ثمنها خمسة دنانير، مما يعني أن ثمن الحلل سيكون بالتالي ألف دينار. إذن فالملاك هو ألف دينار من الذهب، وبقية الخيارات تعادل هذا المبلغ([405]).
مناسبة الحكم والموضوع في نظر الإمام الخميني.
قدّم الإمام الخميني في مواضع كثيرة فهماً اجتماعياً خاصاً للأحاديث والروايات، استناداً إلى مناسبات الحكم والموضوع. ومثال ذلك ما طرحه في بحث ولاية الفقيه، في معنى الحديث الذي يصف فيه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، خلفاءه: «الذين يأتون من بعدي يروون عني حديثي وسنّتي…» قد قيل: إن مراد الرسول هنا بحسب مناسبات الحكم والموضوع هم العلماء ومن لهم القدرة على فهم الأحاديث ومعالجة الأخبار المتعارضة وتشخيص ما خالف منها الكتاب والسنّة وما وافقهما… ذلك أن مقام خلافه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يناسب الفقيه المجتهد أكثر مما يناسب الرواة الذين لا يتجاوزون مستوى النُسّاخ وكتّاب الحديث»([406]).
وكذلك الأمر في مقبولة عمرو بن حنظلة التي وردت حول تخاصم نفرين من الشيعة وتحديد تكليفهما… والظاهر أن المقبولة اكدت ضرورة رجوعهما إلى الفقيه، ومن له معرفة بالحلال والحرام من وجهة نظر الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، فالإمام الخميني يرى هذه الرواية ذات دلالة على جعل منصب القضاء، بل مطلق الحكومة للفقيه الجامع للشرائط، وقرر بأن من الصحيح القول بأن منصب الحكومة والقضاء ونظراً لأهميته وبلحاظ مناسبات الحكم والموضوع، لا يصلح إلاّ للفقيه، وليس للفرد العامي([407])، ([408]).
وقد ذكر الشهيد الصدر، بأن الشيخ محمد جواد مغنية من الذين شرحوا هذا البعد من أبعاد الاجتهاد على نحو واف في كتابه المشهور «فقه الإمام الصادق (ع)». ويمكن ملاحظة نماذج من ذلك في بعض استنباطاته، ومن ذلك قضية عدم حصر الاحتكار في السلع المذكورة في الروايات، والقول بتمليك المعاملة المعاطاتية و… الخ.
يقول الشهيد الصدر: إن رأي الشيخ مغنية هو أن النص لو كان خاصاً بالعبادات، فينبغي فهمه على أساس اللغة واللفظ وحسب. أما إذا كان عائداً إلى مساحة واسعة من الحياة الاجتماعية، كمساحة المعاملات مثلاً: فهنا سنكون أمام الفهم الاجتماعي للنص، ويمكن تعميم الحكم بحسب المصالح والمناسبات المنبثقة عن طبيعة الموضوع، والتجربة المشتركة، والذهنية الواحدة للبشر… وهذا بحد ذاته فرع من فروع حجيّة الظهور، ولذلك فهو عند العقلاء حجة، وليس من سنخ القياس الباطل غير المنصوص. وبالتالي فهو يعتبر أن من ثمرات القاعدة المذكورة امكانية الاستفادة العامة من الأسئلة والأجوبة الخصوصية بين الأئمة (عليهم السلام) وبعض الأشخاص والواردة في بعض الروايات([409]).
2 ـ إلغاء الفارق (الخصوصيِّة)
في بعض الأحيان يسأل المعصوم عن شيء خاص، أو أنه يكون في ظروف معينة تجعل حديثه خاصاً بفرد معين، أو حالة خاصة من المصاديق الكثيرة لموضوع عام. وهنا سنكون أمام احتمالين:
1 ـ أن يكون الحكم خاصاً بتلك الحالة المعينة.
2 ـ أن تكون تلك الحالة مجرد مثال، ولا يكون الحكم محصوراً فيها، وإنما أراد المعصوم وضع قاعدة كلية عن طريق إصدار الحكم على أحد مصاديقها. ومن علامات القابلية الفقهية للفقيه قدرته على الفرز الدقيق بين هذين الصنفين من الأحاديث. وللمثال؛ جاء في الروايات أنه من أجل تطهير البئر ينبغي نزح الماء منها بالدلو (وجوباً أو استحباباً)، ومع ذلك أفتى العلامة الحلي في القواعد([410])، بكفاية نزح البئر بأية وسيلة سواء كانت دلواً أو غيره، بالمقدار المذكور في الروايات، وذلك نظراً لعدم دخول الدلو في الحكم. وكذلك جاء في الروايات أن اللباس يتنجس إثر وقوع الماء المتنجس عليه… وهنا يمكن عبر إلغاء الخصوصية، الحكم بتنجس البدن عن طريق وقوع الماء المتنجس عليه، والمتيقّن من وجود ملاك في مثل هذا النوع من الاتصال بين الماء المتنجس وأي شيء([411]). وجاء في القرآن الكريم: {أحل الله البيع} فهنا نظراً لوجود الألف واللام الدالة عن الاستغراق (كل معاملة كانت تسمى بيعاً في زمن نزول الآية) يمكن الحكم بحلّيّة كل أنواع هذه المعاملات. إذ يمكن استفادة ذلك من الإطلاق في الآية الكريمة، وبإلغاء مزيد من خصوصيات البيع، يمكن تعميم الآية على كل أنواع العقود التي تسمى بيعاً، أي التي تتوفر فيه أركان البيع، حتى لو كانت حسب الظاهر غير شائعة في زمن نزول الآية([412]).
3 ـ تفكيك الحيثيات (شم الفقاهة):
في بعض الأحيان يبدو الحديث المؤدي إلى استنباط الحكم، عاماً في ظاهره، وشاملاً بحسب الظهور البدوي لحالات كثيرة من المصاديق المختلفة للموضوع، خصوصاً مع الأخذ بنظر الاعتبار مباني الفقهاء الذين يرون الحكم منصباً على طبيعي الموضوع عن نحو القضية الحقيقية. ولكن التدقيق في القرائن الجانبية للحديث، من قبيل؛ هل الحكم صدر على عنوان يقارن الموضوع، أم على الموضوع بما هوموضوع؟ يقودنا أحياناً إلى الفرز بين العنوان والمعنون أو القيد والمقيد. إذن فقد تعيّن ملاك الحكم. وإذا سُلِبَ القيد والعنوان من الموضوع في حالة خاصة، أي في وضع وزمان معين، فيمكن سلب الحكم عنه أيضاً. فمثلاً لو اعتبرنا في أحاديث تحريم الشطرنج أن عنوان وقيد آلة القمار ملاك في التحريم، فبالطبع حينما لا يصدق هذا العنوان على الموضوع في زمان أو مكان ما، فلن يكون هنالك مناط للحرمة([413])، ولن يصدق على الشطرنج حكم التحريم. وكذلك إذا رجعنا إلى ظاهر الأحاديث الدالة على حرمة بيع الدم وبقية النجاسات، ومن دون الأخذ بنظر الاعتبار المبدأ العام القائل بأن الشيء الذي ليست فيه منفعة محلّلة يعد ـ حسب حديث «تحف العقول» ـ من المكاسب المحرمة، فستكون النتيجة أن بيع وشراء الدم محرم حتى في زماننا هذا. ولكن مع تفكيك وفرز العنوان والمناط عن المعنون والمقيد، سيكون من الجائز بيع وشراء الدم وما إليه([414]).
ومن الحالات الأخرى التي يمكن فيها إلغاء عمومية بعض الأحاديث عبر التدقيق فيها، تفكيك الحيثيات المختلفة للمعصومين (عليهم السلام) عند صدور الحديث عنهم. فالمعصومون حين يسألون يكون مقصدهم أحياناً أجابة السائل. ومع الأخذ بنظر الاعتبار كل واحد من هذه الجوانب، سيختلف استنباطنا من الأحاديث. فمثلاً إذا كانت قاعدة «لا ضرر» قاعدة حكومية صرفة، سيقتصر تطبيقها عى حيز معين([415]). وإذا كانت ذات طابع شخصي محض سيكون لها حيّز آخر. وإذا كانت قاعدة عامة فسيتسع حيّزها التطبيقي بطبيعة الحال. وكذلك إذا كان المعصوم قد أصدر حكمه بتحريم إحتكار بعض السلع باعتباره حكماً حكومياً ومن باب «قضية في واقعة» فستكون له آثار تختلف عن آثاره فيما لو كان قد صدر كحكم عام، أو ما يسمى بالأحكام الأولية الدائمية([416]).
مناهج اكتشاف المناط للقاعدة الكلية
لاكتشاف القواعد الكلية في الشرع هناك عدة طرق:
1 ـ الاستفادة من نص الآيات وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) والعقل و… وللتمثيل نذكر قاعدة نفي السبيل المستقاة من الآية {وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، وقاعدة «لا ضرر» المستفادة من أحد الأحاديث الشريفة، وقاعدة «نفي الحرج» المستفادة من العقل، وقاعدة «الصحة» التي يمكن استنتاجها من بناء العقلاء.
2 ـ اكتشاف المناط المُلاحظ في أحكام متعددة، والمُفضي بالطبع إلى قاعدة كلية. وبحثنا هنا حول سبل اكتشاف مثل هذه المناطات أو الملاكات. وفضلاً عن السبل والمناهج المذكورة (العقل وبناء العقلاء) لدينا المناهج التالية([417]):
1 ـ الاستقراء.
2 ـ وحدة طريق المسألتين.
3 ـ انتزاع روح النص (قصد المُقنِّن أو شمّ الفقاهة). وفيما يلي شرح مبسّط لكل واحد من هذه المناهج:
1 ـ الاستقراء
كان السيد الشهيد محمد باقر الصدر أول من طرح الإستقراء بشكل منظم منطقي مدوّن، بغية أن يحتل مكانه في علم أصول الفقه([418]) وذلك في كتابه «المعالم الجديدة للأصول»([419])، وجعل له مدخلاً خاصاً إلى جانب باقي العناوين الأصولية. وفي الحلقة الثانية من حلقات الأصول([420]) اعتبر الاستقراء أحد الطريقين العقليين لاكتشاف مناط الأحكام، وبحثه على هذا الأساس.
يعرّف الشهيد الصدر الدليل الاستقرائي، بأنه الدليل القائم على أساس قرائن ناقصة، لكنه يستمد قوته من اجتماع هذه القرائن([421]). ويعتبر التواتر من أقسام الاستقراء. ففي التواتر يعد ازدياد الرواة (وهم بمنزلة القرائن) سبباً لتمتين اليقين بالرواية التي ينقلونها، حتى نصل إلى درجة العلم. ثم يرى رحمه الله أن أساس الاستقراء والدليل الاستقرائي هو حساب الاحتمالات، ويشرح درجة صدق الحديث وقوته نتيجة اجتماع القرائن على أساس من قوانين الاحتمالات. ويقول بأن الدليل الاستقرائي له دوره في الأحكام على صعيدين، الاستقراء المباشر والاستقراء غير المباشر.
والاستقراء المباشر (الاستقراء في الأحكام) الذي يهمنا في بحثنا هذا، هو عبارة عن دراستنا لنماذج كثيرة من الأحكام الشرعية، واستنتاجنا بأنها مشتركة من حيث الجهة والملاك، وهذا ما ينتهي بنا إلى اكتشاف قاعدة كلية في الشريعة الإسلامية([422]). والمثال الذي يضربه الشهيد الصدر لمثل هذا الاستقراء هو استفادة صاحب الحدائق من الأحكام المختلفة لاستنتاج قاعدة «معذرية الجاهل» في الشريعة الإسلامية. فمن حالات جزئية مختلفة في أبواب الصلاة والصوم والنكاح والحدود و… الخ استطاع صاحب الحدائق الوصول إلى هذه القاعدة الكلية. إذن بالرغم من أن كل حالة جزئية هي بمفردها قرينة ناقصة، لكن اجتماعها في ضمير الفقيه يزيد من احتمال القاعدة العامة، وبازدياد القرائن أكثر تتجذر ثقة الفقيه بالقاعدة أكثر([423]).
والمثال الآخر هو القاعدة التي يستنبطها الشهيد الصدر ذاته في مجال الاقتصاد الإسلامي، بالمضمون التالي: «استثمار الثروات الطبيعية أساس وسبب ملكيتها، وقد استفاد رحمه الله هذه القاعدة من الأحكام الدالة على ضرورة إحياء الأرض من أجل ملكيتها، وكذلك سببية العمل والاستثمار في المناجم لامتلاكها (امتلاك المناجم)، وأيضاً العلاقة السببية بين حفر البئر وامتلاكها([424]).
ومن كل هذا نستنتج أن الاستقراء هو حجة بالعرض، شأنه في ذلك شأن الشهرة والإجماع، أي أنه ليس حجة في ذاته. ولكن السؤال هنا؛ هل الاستقراء يصبح حجة حينما يفيد اليقين فقط، أم أنه يمتاز بالحُجّية حينما يفيد الظن الاطمئناني أيضاً؟ يقرر الشهيد الصدر في الحلقة الثانية من حلقات الأصول أن الظن الاطمئناني كالحجة القاطعة. فإذا أردنا مناقشة درجة وثوق الدليل العقلي من بين وسائل الإحراز الوجداني، سنكون أمام ثلاث درجات؛ 1 ـ القطع، وهو حجة بذاته، 2 ـ الظن، وهو عموماً وبشكله المطلق ليس حجة. 3 ـ الظن الاطمئناني، والذي إذا اعتبرناه بمنزلة القطع (له حجية ذاتية عقلية تنجيزية وتعذيرية) فسيكون بمنزلة الحجة، وإلاّ احتجنا في حُجيّته إلى دليل، وفي هذه الحالة سيكون دليلنا السيرة العقلائية التي يمضيها تقرير المعصوم. فسيرة العقلاء كانت دائماً أنهم يتعاملون مع الظن الاطمئناني تعامل القطع([425]).
واستخدام مثل هذا المنهج يحتاج فضلاً عن المعرفة الروائية الواسعة، إلى إحاطة بمختلف أبواب الفقه، ورؤية شمولية للفقه والشريعة الإسلامية.
2 ـ وحدة طريق المسألتين
أحياناً، يستفاد من النصوص أو الأحكام الشرعية أن الشارع المقدس ينظر لموضوعين فقهيين بمنظار واحد. في مثل هذه الحالة يقال: إن طريق المسألتين واحد، وحكم إحدى المسألتين يصدق على الثانية([426]). وللتوضيح نقول: إن المُقنِّن عندما يضع القانون، يجعل أحياناً ترتيباً خاصاً بين موضوعين، بحيث ينطبق حكم أحدهما (باعتباره أصلاً) على الثاني (بإشارة من الشارع أو المُقنِّن نفسه). ومن قبيل هذا يمكن ذكر التابعية والبدلية وعموم المنزلة. كما يمكن ملاحظة ذلك في تابعية اللوازم العرفية للبيع والثمن بالنسبة للمبيع والمُثمَّن، وبدلية الثمن بالنسبة للمُثمن، وإلحاق حكم المطلقة الرجعية بحكم الزوجة غير المطلقة. وفي أحيان أخرى، لا يقيم الشارع ترتيباً بين الموضوعين، وإنما يجعلهما على عرض بعضهما، وفي مستوى بعضهما، فهو مثلاً يعتبر سرقة المال من القبر كسرقته من حرز الإنسان الحي، وبالتالي فإن الحد الشرعي سيكون بالنسبة للحالتين واحداً. أو في المجال القانوني، يعتبرون الشخصية الاعتبارية في مستوى الشخصية الطبيعية. وما إلى ذلك من الأمثلة على وحدة طريق المسألتين([427]). في متن اللمعة وشرحها، جاء حول وجوب القسم مع البيّنة، في الشهادة على الميت والطفل والمجنون: أن النص والاتفاق وارد بالنسبة للميت فقط. لكن الحكم يشمل الغائب والطفل والمجنون، وشركهم في علة الحكم المشار إليه في النص «إنه لا لسان له للجواب» وربما لو كان الميت حاضراً لدحض البيّنة، مما يوجب على المدّعي القسم. وهذا التعميم والاستنباط لمناط الحكم ناجم عن وحدة طريق المسألتين، وهو ليس من باب القياس([428]).
مثال من القانون؛ بموجب القانون المدني تعتبر العقود الخصوصية التي لا تتناقض بصراحة مع القانون، نافذة. ومصدر وسبب هذه المادة القانونية وهوحرية إرادة الأفراد في علاقاتهم مع بعضهم. ومثل هذا المناط يمكن أن يلاحظ في الإيقاعات أيضاً، فيمكن القول: إن كل إيقاع نافذ ما لم يخالف القانون([429])،([430]).
3 ـ شم الفقاهة؛ انتزاع روح النص والقانون ووعي مذاق الشريعة
يعود المزج بين العناوين أعلاه ضمن عنوان واحد إلى تقاربها وتلازمها وتلاحمها مع بعضها. وأصلها هو تشخيص ما هو بالذات عما هو بالعرض، والأصول على الفروع، والغايات عن الوسائل، والبواطن من الظواهر في الأحكام الشرعية. وبالطبع فهذه ليست مهمة سهلة، بل تستلزم إحاطة شاملة بكل الاسلام، ولا سيما في مجاله الفقهي. وحسب تعبير صاحب الجواهر تحتاج أيضاً إلى نفس عارية من الهوى وزاهدة في الدنيا. كما أن الحقوقيين اعتبروا روح القانون أساساً لاقتراح مواد قانونية جديدة (وبدل روح القانون يمكن استخدام عبارة المصالح والدوافع التي دفعت المُقنِّن إلى وضع القوانين) واكدوا على صعوبة بلوغ هذه الدرجة حتى على صعيد القوانين الوضعية والمواضعات البشرية. لكن هذه الصعوبة لا تعني الاستحالة أو الامتناع سواء في مجال القوانين الوضعية أو الشريعة السماوية. والدليل على ذلك إنجاز مثل هذه المهمة من قبل كبار الفقهاء. وللمرحوم كاشف الغطاء مقولة في أسلوب العلم بمراد الشارع في المقدمة التاسعة والعشرين لكشف الغطاء، تفيد أن مراد الشارع من أحكامه يمكن أن يُعلَم إما بتصريحه، أو من تتبع أقواله وأفعاله حسب الأولوية، أو بتنقيح المناط والقياس المنصوص العلة. ثم يقدم رحمه الله أسلوباً آخر بالنحو التالي: «وكذا ما ينقدح في ذهن المجتهد من تتبع الأدلة بالانبعاث عن الذوق السليم والادراك المستقيم بحيث يكون مفهوماً له من مجموع الأدلة، فإن ذلك من جملة النصوص، فإن للعقل على نحو الحس ذوقاً ولمساً وسمعاً وشماً ونطقاً من حيث لا يصل إلى الحواس فاعتبار المناطيق والمفاهيم والتعريفيات والتلويحات والرموز و… مع عدم ضعف الظن من مقولة واحدة إذ ليس مدار الحجية إلاّ على التفاهم المعتبر عرفاً».
وثمة أمثلة كثيرة على أن الفقهاء يستعملون فضلاً عن مناهج الاستنباط الدارجة رؤيتهم العامة لروح الإسلام ومناطات وملاكات القوانين، وشمهم الفقهي للوصول إلى مقاصد الشارع ومذاق الشريعة وروح النص وملاكات الأحكام، من ذلك أن فقيهاً يرى إلقاء سهم الإمام المنتظر (ع)، في البحر زمن الغيبة الكبرى خلاف الذوق الفقهي([431])، وفقيهاً آخر يعمم مقبولة عمرو بن حنظلة وينتقل بها من القضاء إلى الإفتاء أو حتى إلى الولاية والحكومة([432])، أو يرى أن قاعدة «لا ضرر» تعود إلى الحكومة والفقه الحكومي، وتعني برعاية مصالح المجتمع بعامة([433])، أو أن مجتهداً يرى تصدي النساء للمرجعية والإفتاء خلافاً لمذاق الشريعة([434])، وعالماً آخر يعتبر في استعمال القرعة في الشبهات الحكمية تعارضاً مع الدين([435])، وفقيهاً يعتبر استعمال المرجحات الاستحسانية كالثروة والمدنيّة وكون الإنسان حراً أو مسافراً أو… بدل القرعة في الفقه، مما يستلزم ظهور «الفقه الجديد»([436])، وآخر يرى مبدأ «لا محدودية ولا مشروعية الملكية» منافياً لروح العدل الإسلامي([437])، وعالماً إسلامياً آخر يعتقد أن الملكية الشخصية لوسائل الانتاج الكبرى تتناقض والرؤية الأسلامية، لما يستتبع ذلك من ملكيات فاحشة([438])، وفقيهاً يذهب إلى أن التعزيرات في الشريعة الإسلامية مهمتها التهويل فقط([439])، (ردع الناس وإرعابهم للحيلولة دون ارتكابهم المعاصي)، وآخر يراها (التعزيزات) من صلاحيات الحاكم، وليست أحكاماً ثابتة مئة بالمئة([440])، و… الخ.
لكن المهم هو ترتيب ضوابط لهذا الأسلوب، وهذه عملية رغم صعوبتها، لكنها ستكون قيّمة ومفيدة للغاية.
ومن سبل تحقيق هذا المشروع، فتح بحث فلسفة الأحكام ومناطاتها، في كل باب من أبواب الفقه، وكذلك القواعد المستخلصة حول الموضوعات والأحكام الخاصة بذلك الباب الفقهي، والسعي لاقتراح (تقديم أو تنظيم) هذه القواعد على أساس الاستقراء وباقي أساليب الاستنباط، وبالتالي السعي لتقديم نظرية فقهية حول القضايا الكلية في الفقه (مثل نظرية العقد أو نظرية الإرادة أو نظرية الضمان).
الشهيد مرتضى مطهري يرى الاجتهاد سعياً عقلانياً (فضلاً عن أنه تحصيل علمي وتطبيق للعلوم) لتطبيق الأصول الكلية بالأخذ بنظر الاعتبار الظروف الاجتماعية للأزمنة والأمكنة المختلفة، واستخداماً صحيحاً للقواعد الفقهية والأحكام الثانوية المتوفرة في نصوص الشريعة من ناحية، وانتزاع القواعد الكلية واستخدامها من ناحية أخرى، ويعتبر كل ذلك من الأدلة على مرونة الإسلام في مجاله التطبيقي عبر الزمان والمكان، ومن أسباب قوته وكفاءته في إدارة المجتمع وقيادة الإنسان في كل عصر ومصر، ويقول حول تلك القواعد: «في جسد الشريعة ثمة لفائف وإلتواءات جعلتها خالدة معقولة ومرنة، فقواعد من قبيل مبدأ نفي الضرر، ونفي العسر والحرج، وتقديم الأهم على المهم وصلاحيات الحاكم… والتالي مبدأ الاجتهاد هي بمجموعها من السبل التي يمكن بواسطتها دفع الضرر والحرج اللذين قد يعتريان الفرد أو المجتمع نتيجة تطبيق المبادىء الإسلامية الثابتة».
ويقول حول سعة الإمكانات لاستخدام مصادر الشريعة لتطبيق القواعد الأخرى: «إن مبدأ العدالة الاجتماعية رغم كل أهميته أُغفِلَ في فقهنا. ففي الوقت الذي حصلنا من الآيات {وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً}، و{يوفوا بالعقود}، على عموميات فقهية، لكن كل ما نراه من تأكيد القرآن على العدالة الاجتماعية، لم يتمخض عن قاعدة أو مبدأ عام في الفقه… وهذا ما أدى إلى ركود التفكير الاجتماعي لدى فقهائنا»([441]). ويشير في موضع آخر إلى أهمية متابعة مبدأ العدل في الأصول والفروع قائلاً: «لو يُتابع السبيل اذي فتحته «العدلية» ويحصل الاهتمام بأسس الحقوق الاسلامية، ستغدو الكثير من الآيات» التي لا تعتبر الآن من آيات الأحكام، آيات أحكام… إن التنكّر لأصل العدل، وتأثير هذا التنكر على الأفكار، حال دون تطور الفلسفة الاجتماعية للإسلام وارتكازها على قواعد عقلية وعملية متينة ومشاركتها في الفقه كدليل مُوجِّه… والنتيجة هي ظهور فقه غير متلائم مع سائر الأصول الإسلامية، وبعيد عن مبادىء وأسس الفلسفة الاجتماعية للإسلام. ولو كانت حرية الفكر والتفكير قد استمرّت، ولم يتفوّق السنة على أهل العدل، ولم تحل بالشيعة كارثة «الأخبارية» لكانت لنا اليوم فلسفة اجتماعية مدونة، وكان فقهنا قائماً عليها، ولما نصل إلى ما وصلنا إليه من تناقضات وطرق مسدودة»([442]).
وفي كتاب «منطق الحقوق» نجد شكلاً آخر من الاعتماد على شم الفقاهة في استخلاص القواعد الكلية. في هذا الكتاب يقيم المؤلف الأدلة العقلية والنقلية على مبدأ المساواة([443])، ويعدد بعض النتائج المتمخضة بالنحو التالي([444]).
أ ـ دحض تبريرات الحصانة الحقوقية لفئة معينة من الناس.
ب ـ مبدأ التعامل المتبادل في العلاقات بين الدول.
جـ – صحة شروط الحكومة كاملة الوداد.
د ـ إلغاء المحاكم الخاصة.
هـ إلغاء التمييز السياسي.
و ـ أن يكون خط القعر في الأنهار وأواسط القمم معياراً لرسم الحدود بين البلدان.
ز ـ إلغاء التمييز ومنح امتيازات متساوية للمواطنين والأجانب.
كما فتح المؤلف باباً جديداً تحت عنوان «وجهة نظر جديدة» يمكن اعتباره من تفريعات شم الفقاهة. إن وجهة النظر الجديدة هذه والتي يمكن أن يكون مصدرها الاستقراء أو المفاهيم الفقهية غير المتجانسة أو مجرد الحدس الفقهي، تمتاز بخصوصية إقناعية قوية، بحيث يمكن في بعض الأحيان نحت نظرية بأكملها على أساس وجهة النظر الجديدة هذه تذلل الكثير من المشكلات الفقهية([445]).
استنتاج
من أساليب ظهور التحولات في الفقه والأحكام، تغيّر مصداقية الأحكام بالنسبة لإحدى القواعد الكلية. لأننا وجدنا للقواعد العامة والعناوين الثانوية في الإسلام دور السيطرة والتعديل، وبحسب الظروف المختلفة، يمكن على أساس ملاك القواعد الفقهية، إخراج شخص أو عمل أو علاقات فردية أو اجتماعية معينة من دائرة قاعدة معينة وتصنيفها ضمن قاعدة أخرى([446])، مضافاً إلى أن اكتشاف قاعدة جديدة يتأتّى عبر الاستقراء أو شم الفقاهة أو وجهة نظر جديدة للمسألة (مثل قاعدة العدالة) من الطبيعي أن يستتبع تغيّراً في بعض الفتاوى، وأحياناً تغيّراً في هندسة ونظام الحكم الفقهي (في الأمور غير العبادية).
مناهج اكتشاف النظام ومناطه
إن اكتشاف نظرية عامة للاحكام والقواعد الفقهية الإسلامية، واستنباط نظام كليّ لطائفة من الأحكام الشرعية في باب أو أبواب متقاربة من الفقه، أقول: إن مثل هذه المشاريع ليست عميقة الجذور في تاريخ الفقه الشيعي. وحسب تعبير السيد الشهيد محمد باقر الصدر، فإن أذهان فقهائنا ظلت مستأنسة بفقه ذي طابع فردي جزئي، ولم تلتفت إلى الفقه الإجتماعي ذي السمة الشمولية المنظمة. أما فقه أهل السنة فإنه وبسبب تعامله الطويل مع مشكلات الحكومة وقضايا المجتمع واحتكاكه بالأنظمة القانونية المنافسة له من خارج المجتمع الإسلامي، توصل قبل عدة عقود إلى نتيجة مفادها أنه من أجل التوفر على مجموعة فقهية وقانونية نافعة، وتنظيم دراسات مقارنة بين القانون الوضعي والشريعة، ينبغي المبادرة إلى انتزاع وتدوين انظمة حقوقية مختلفة في المجالات الاقتصادية والجزائية والسياسية و… الخ([447]). بينما في فقه الشيعة لم تتضح أهمية هذا الموضوع إلا في الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة. وكان لهذا التأخر سببان:
الأول: تحدّي الأنظمة السياسية والاقتصادية والحقوقية المختلفة للنظام الإسلامي، ونموذج ذلك تحدي الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية للنظام الاقتصادي الإسلامي، أو تحدي النظم الليبرالية لنمط الحكومة الإسلامية، وما إلى ذلك من التحديات.
الثاني: قيام الحكومة الإسلامية خلال هذه الفترة مما استلزم بالطبع إجابات عن مشكلات الإنسان المعاصر في المجالات المختلفة.
وعلى هذا الصعيد تكتسب جهود الإمام الخميني والشهيد الصدر والشهيد مطهري أهمية خاصة في الفقه الشيعي([448]). فلقد طرح الإمام الخميني النظام السياسي الإسلامي في إطار ولاية الفقيه (قبل انتصار الثورة الإسلامية)، وتناول الفقه الحكومي ومصلحة النظام السياسي الإسلامي (بعد انتصار الثورة). كما بادر الشهيد مطهري إلى مناقشة موضوع الإسلام ومتطلبات العصر، واعتبر الاجتهاد طاقة إسلامية محرِّكة باتجاه تلبية هذه المتطلبات. أما الشهيد الصدر فقد طرح مباحث منهجية أصولية مدونّة حول اسلوب استخلاص النظام في الفقه الإسلامي، واستخدامه لوضع نظام اقتصادي في الإسلام… وقد كان لهؤلاء بمشاريعهم هذه سهم وافر في افتتاح مرحلة جديدة من المراحل التاريخية للفقه الشيعي. وبما أن الشهيد الصدر هو الوحيد من بين هؤلاء من قدّم أسلوب اكتشاف النظام بشكل ممنهج دقيق، فلا بأس هنا من عرض خلاصة لمنهجه في هذا الباب([449]).
منهج الشهيد الصدر في اكتشاف النظام
النظام من وجهة نظر الشهيد الصدر عبارة عن ايجاد أُسلوب لتنظيم الحياة الاجتماعية في المجالات الاقتصادية والسياسية والتربوية و… وذلك على أساس معين خاص. فالنظام الاقتصادي مثلاً هو السبيل لتنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع طبقاً لمبدأ العدالة. إذن، النظام يطرح الأهداف والقيم والخطوط العامة والتفصيلية لمختلف أبعاد الحياة الإنسانية. ويعتقد الشهيد محمد باقر الصدر أنه فضلاً عن الأدلة الخارجية (كالأدلة على حاجة البشر إلى الدين وبعث الأنبياء) فإن الأدلة الداخلية أيضاً (أدلة من داخل الدين) كالأحاديث المؤكِّدة على شمول الدين لكل ما يحتاجه البشر (حتى أرش الخدش) تؤيد جميعها هذه الأطروحة. فحاجة البشر إلى ثمار الحياة الاجتماعية والمعرفة باسلوب تنظيمها هي بالطبع حاجة أعمق وأشد إلحاحاً. إنه يعتبر نظام الأحكام الإسلامية حالة أوسع من مجرد طرح الأهداف العامة والقيم الاخلاقية للنظام. ذلك أن الإسلام يتضمن الكثير من الخطوط العامة والتخوم اللازمة لتكوين وتطبيق نظام حياتي خاص به. ومن ذلك نظامه الاقتصادي الذي يعدد الشهيد الصدر بعض قواعده وأصوله الكلية([450]).
أسلوب اكتشاف النظام
في هذا الأسلوب نتعامل من ناحية مع المنطق الاستقرائي وحساب الاحتمالات (كسند للحجية) ومن ناحية أخرى نكون أمام منهجية فهم الإسلام ومعرفة اركانه ومفاهيمه (أي المعرفة العميقة الشاملة بالاسلام، وهو أمر فوق ما نسميه شم الفقاهة). وعلى صعيد الاستقراء يرى الشهيد الصدر أن المواد الأولية التي ينبغي جمعها للاستقراء هي النصوص والأحكام والآراء الفقهية المنتشرة في مختلف تأليفات الفقهاء وعلماء الإسلام.
إذن فالخطوتان الرئيسيتان لتكوين النظرية تتمثلان في الوهلة الأولى بجمع وتشذيب النصوص والتعامل معها بالطريقتين التجزيئية والشمولية. وهكذا فإن النصوص تنقسم إلى ثلاث فئات، من حيث صلتها بالنظرية التي ستتكون لاحقاً في ذهن الفقيه:
1 ـ النصوص الصريحة في تأييدها للنظرية.
2 ـ النصوص الصريحة في عدم تأييدها للنظرية.
3 ـ النصوص غير الصريحة (في الموافقة أو عدم الموافقة). وفيما يتعلق بالفئة الأخيرة يحتاج فهم النص والكشف عن مضمونه إلى كفاءة اجتهادية فائقة.
وفي الوهلة الثانية يتم تركيب الحالات وتحليلها وتكوين نظرة كلية لانتزاع البنية الأساسية (وبتعبير الشهيد الصدر البناء العلوي) من خلال مجموع النصوص والأحكام، ثم اكتشاف القواعد الكلية على أساس ذلك البناء العلوي.
وبما أننا سلّمنا ابتداءً بضرورة وجود نظريات وأنظمة في الفقه، فمعنى ذلك أن الإسلام دين كامل له أنظمته المختلفة وقابليته على صياغة الأنظمة، ودعوته إلى اكتشاف هذه الأنظمة في إطار الاجتهاد والتفقه. ومن ناحية أخرى لأن المنهج الاستقرائي قائم على حساب الاحتمالات فإن آراء الفقهاء ستكتسب قيمة إحصائية صرفة، من حيث تأييدها أو تعارضها مع النظرية المقترحة، وهكذا فإن الفتاوى المخالفة (في فقه الأحكام) لن تكون ذات طابع سلبي في فقه النظريات المتميز بمجال استنباطي أوسع.
إذن فالمنهج العام لاكتشاف النظريات عبارة عن اقتراح نظرية (بعد استقراء النصوص والأحكام) ودراسة ما يؤيد هذه النظرية وما يعارضها ثم إجراء حسابات الاحتمالات لتعيين درجة اليقين أو الظن الاطمئناني للنظرية. وتتوفر الحجية لهذا النظام عن طريق الاستدلال العقلي؛ لأن الفقيه استند في هذا المنهج على الاستقراء الذي يلتزم أساليب دقيقة بعيدة عن الطريقة الانتقائية وما إليها من الطرق غير العلمية.
الثابت والمتغير في الأحكام
إن سر كفاءة الجهاز الاجتهادي في الإسلام وقدرة قيادته على توجيه الحياة الإجتماعية، يكمن من وجهة نظر الشهيد الصدر في التركيب المناسب بين هذين العنصرين (الثابت والمتحول) ضمن كيان واحد وباتجاه اهداف مشتركة، وهذا التركيب يحتاج ثلاثة أمور:
1 ـ فهم العنصر الثابت.
2 ـ فهم متطلبات وطبيعة كل مقطع من مقاطع الحضارة الإنسانية.
3 ـ تعيين صلاحيات وحدود تدخل ولي الأمر.
وهو يرى أن مفهوم «منطقة الفراغ» يقع إسلامياً في سياق العنصر الثالث. فمنطقة الفراغ ليست نقصاً أو هوّة في الشريعة، وإنما هي من نقاط قوة الشريعة… حيث تُترك هذه المناطق (مناطق الفراغ) إلى جانب الحكم الأولي والأصلي لتكون مجالاً لصلاحيات ولي الأمر، كي يملأها بالتشريعات والأحكام الثانوية. إذن فالحكومة تملأ الفراغ الذي تركته الشريعة تحسبّاً لمتغيّرات الزمان والمكان. وحسب تعبير أحد القانونيين الإسلاميين: «إن السكوت المتعمد (والذي تؤيده روايات من قبيل: سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فأقبلوها ـ الوافي، ج1، ص 49) في نظام الحقوق الإسلامي، حول الخصائص الضرورية للحكومة يستتبع بالطبع «ساحات حقوقية حرّة»، وحرية الإرادة، أي أن الناس يملأون بآرائهم مواطن السكوت (من باب الحكومة لا من باب التشريع) وهذا تسهيل أخذ بنظر الاعتبار في النصوص بواسطة السكوت المتعمد، وهو من أسرار خلود الشريعة ومن مقتضيات قاعدة لا ضرر»([451]). فالساحات الحقوقية الحرة تترك يد السلطة التشريعية في المجتمع الإسلامي مبسوطة وهذه في الواقع خصوصية ايجابية تضاف إلى الأحكام الثانوية التي استخدمها ويستخدمها المسلمون، لكنها مع ذلك لا تلبي مقتضيات العصر الحاضر([452]). إن الساحات الحقوقية الحرة التي كانت إلى ما قبل سنوات غير معروفة، تبدو الآن حقيقة كبرى في عالم التقنين. فعلى هذا الأساس مثلاً يمكن التسليم بصحة المجالس التشريعية([453]).
وبالتالي فإن رسم الخطوط العامة لنظام من الأنظمة يحتاج إلى الأمور الأربعة التالية:
1 ـ معرفة التوجهات العامة للشريعة.
2 ـ فهم الأهداف المنصوصة للأحكام الثابتة.
3 ـ أخذ القيم الاجتماعية بنظر الاعتبار.
4 ـ فهم الأهداف المُحدَّدة لولي الأمر، والتي تعيّن له مجالات إعمال ولايته.
سعيد رحيميان
مجال الاجتهاد ومناطق الفراغ التشريعي
1 ـ مجال الاجتهاد في نطاق التشريع المنصوص:
إنَّ مجال الاجتهاد المبحوث عنه وفيه، وحقل عمل المجتهد، هو الأدلَّة الشرعية. وهذه الأدلَّة الشرعية هي التي نصبها الشارع المقدَّس للدلالة على الأحكام الشرعية الكلية، فهي طريق المسلم لمعرفة الشريعة. والإنسان الذي يقود عملية المعرفة الشرعية للمسلم وييسرها له، هو المجتهد.
والشريعة ليست معرفة نظرية اعتقادية فقط، كما هو الشأن في العقيدة، بل هي معرفة من أجل العمل، لأنَّها دستور المسلم وقانونه في حياته اليومية الخاصة والعامة، في علاقته مع المجتمع وعلاقته مع الطبيعة. وكذلك هي دستور الأمة المسلمة وقانونها في خاصة نفسها، من حيث علاقاتها الداخلية، وفي علاقاتها مع العالم الخارجي (العالم غير المسلم).
وهذه الألة الشرعية تنقسم ـ من حيث ما تعلقت به ـ إلى قسمين رئيسين:
أحدهما: الأدلة التي قامت على الأحكام الكلية التي بلّغها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأمة بصورة مباشرة، أو بلّغها إلى الأمة عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بتبليغهم إيَّاها.
وهذه من قبيل أدلة العبادات وأدلة تفاصيلها وأجزائها وشرائطها، وأدلَّة علاقات الأسرة (زواج وطلاق وأحكام أولاد ونفقات ومواريث… وما إلى ذلك). وأدلة تفاصيلها، وأدلة الأنشطة الاقتصادية والمالية والزراعية والصناعية وأدلة تفاصيلها وشرائطها (بيوع، وإجارات، وشركات، وربا، ومزارعة وغرس ومساقاة، وتدخل في ذلك أحكام الأرضين والمياه والمعادن… وما إلى ذلك). ونظام المحرمات في الأفعال والتروك والعلاقات (الخمر، والميسر، والزنا، والظلم، والبغي، وموالاة الكفار، والكذب، والنميمة… وما إلى ذلك).
وثانيهما: المبادىء العامة والقواعد العامة التي لم ترد لبيان حكم كلي، من حيث علاقات المسلم والأمة وأفعالهما وتروكهما. بل وردت لبيان الموقف الشرعي والحكم الشرعي لـ«حالات معينة» وردت عناوينها في أدلة هذه المبادىء والقواعد، تعرض للمسلم والأمة.
وهذه «الحالات» منها ما لا يقتصر على مجال معين من مجالات الشريعة والحياة، من قبيل العلاقات الخاصة والعامة في الطبيعة والمجتمع، أو مجال العبادات أو المعاملات، بل تشمل جميع المجالات. ومنها ما يختصر بحالات معينة.
وهذه من قبيل قاعدة نفي الضرر والضرار، وقاعدة نفي العسر والحرج. وقاعدة الميسور والمعسور، وقاعدة وجوب حفظ النظام، وقاعدة اليسر، وشرط القدرة على الامتثال، وغير ذلك من القواعد والمبادىء العامة.
فإن هذه القواعد والمبادىء العامة لم تنصبّ على أفعال أو تروك أو علاقات مع الطبيعة والمجتمع، بل انصبت على «حالات» تعرض للمسلم والأمة في علاقاتهما مع المجتمع والطبيعة والعالم.
هذان هما القسمان اللذان تنقسم إليها الأدلَّة الشرعية.
ومتعلق هذه الأدلة ـ بقسميها ـ هو حياة المسلم والأمة في مجالات الأفعال والتروك والعلاقات مع النفس ومع الغير ومع الطبيعة، في الحدود المنظورة الموجودة بالفعل والمتوقعة لهذه العلاقات والأفعال والتروك في حركة تطور الفرد والأمة في الحياة والمجتمع الإنساني.
وقد وردت هذه الأدلة على نحو القضية الحقيقية التي لا يعتبر أن يكون موضوعها متحققاً في عالم الوجود العيني بالفعل، بل هي التي يكون موضوعها مقدّر الوجود، فكلما وجد هذا الموضوع ثبت له الحكم الوارد في الدليل.
وهذه الأدلة هي الحقل الفعلي لعمل المجتهد، وهي المجال الفعلي للاجتهاد والاستنباط.
2 ـ مجال الاجتهاد في نطاق الفراغ التشريعي
تداول الباحثون في الفقه الإسلامي ـ وفيهم فقهاء ـ مصطلح «منطقة الفراغ التشريعي»، ويعنون بذلك ان الله تعالى قد ترك في الإسلام منطقة فراغ تشريعي يتولى التشريع فيها ولي الأمر والفقهاء، بما تقضي به حاجة الأمة في تطورها، وما يطرأ عليها من تبدلات وتغيرات. وهذه الدعوى قيلت في مواجهة ادعاء جمود الشريعة وعدم تطورها بما تقضي به تغيرات الحياة وتبدلاتها. وهي دعوى جديدة، إذ لم نقع في كلام قدماء الفقهاء ومن تقدم منهم في هذا العصر على ما يناسبها، ولذا فلا بدّ من البحث عن أصل المسألة، وعن مجالها وعن دليلها، وسائر ما يتعلق بها، فنقول:
هل في الإسلام «منطقة فراغ تشريعي»؟ بمعنى وجود موضوعات ليس فيها لله حكم عند نزول الشريعة وتبليغها من قبل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهما السلام) ولولي الأمر التشريع فيها والحكم عليها بما يراه مناسباً لمصلحة المسلمين.
إن هذه المسألة تلحظ، تارة، بناء على «التصويب» وأخرى تلحظ بناء على «التخطئة».
أمّا على مبنى المصوبة، على تقرير الأشعري. فالفراغ التشريعي أمر واقع، لاعتبارهم أن الحكم، عند الله، في ما لا نص فيه هو ما أدّى إليه ظن المجتهد، وهذا لا فرق فيه بين الموضوعات والأفعال والتروك والعلاقات الموجودة بالفعل أو مقدّرة الوجود أو المجهولات التي تظهر في مستقبل الزمان.
وأما على مبنى المخطئة ـ وعلى مبنى التصويب المعتزلي بتقريريه ـ فلا يمكن القول بوجود فراغ تشريعي لمخالفة ذلك للكلية المسلمة عند المخطئة، بل هي من أصولها «إن لله في كل واقعة حكماً يستوي فيه العالم والجاهل». والظاهر من المعتزلة تسليمهم بهذه الكلية. ومقتضاها عدم وجود فراغ تشريعي، من غير فرق بين متعلقات الأحكام الموجودة المعلومة والمقدرة والمجهولة، لمنافاة الفراغ التشريعي لهذه الكلية، إلا إذا فسر بالقسم الأول والثاني الآتي، وستعرف أنه ليس مما يصح أن يقال عنها «منطقة فراغ تشريعي»، لأنها من موارد الحكم الثانوي الذي لا يكاد يخلو منه مورد من موارد التشريع بسبب العوارض والطوارىء على المكلف. وهو مشمول للمبادىء والقواعد العامة المثبتة للأحكام الثانوية، من قبيل قواعد الضرر والاضطرار والعسر والحرج والميسور والمعسور وشرط القدرة في الامتثال ويسر الشريعة وسماحتها، ومن قبيل «ما من شيء حرمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه»، إذ للفقيه ألا يقتصر فيه على خصوص مورد الحرمة، بل يشمل جميع الأحكام فالواجب كذلك، والمباح بالمعنى الأعم يمكن أن يحرم أو يجب إذا حصلت الضرورة للفعل أو المنع.
وهذا لا يختص بآحاد المكلفين، بل يشمل المجتمع، بل يشمل الأمة إذا دعت حاجتها أو ضرورتها إلى ذلك، بل شموله للمجتمع والأمة من باب أولى، ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في شأن حفظ بيضة الإسلام وما إليه.
وأما القسم الثالث فهو من هذا القبيل أيضاً، فهو حين يوجد ويتحقق في عالم الفعلية ويكون مورداً لابتلاء آحاد المكلفين أو المجتمع أو الأمة، فإما أن «يَتَعَنْون» بعنوان يقتضي الإلزام به أو المنع منه، وإما أن «يَتَعَنْون» كذلك فيكون على الإباحة العامة، فإذا طرأ عليه عنوان ثبت له الحكم المناسب لذلك العنوان.
والمرجع، في هذا القسم، هو الأدلة التي نصطلح عليها بـ «أدلة التشريع العليا»، وهي فوق أدلة التشريع المباشرة من المبادىء والقواعد العامة وأدلة الأحكام الكلية، التي هي مدار نظر الفقيه واستنباطه، في مجال اجتهاده المألوف والمتعارف عليه.
وأدلة التشريع العليا هي من قبيل آيات التسخير: الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء… وآيات النهي عن الإسراف والتقتير وشرط القدرة في التكليف، وآيات النهي عن العلو والفساد في الأرض، وآيات النهي عن تغيير خلق الله.
فالتحقيق أنه لا توجد «منطقة فراغ تشريعي» بالمعنى الذي ذكرناه سواء في ذلك على مبنى المخطئة أو على مبنى المعتزلة في التصويب.
وننقل البحث إلى المجالات المتصورة لمنطقة الفراغ التشريعي.
يلحظ مجال الفراغ التشريعي، تارة، في نطاق الموضوعات والأفعال والتروك التي ورد فيها إلزام وجوبي أو تحريمي.
ويلحظ، تارة أخرى، في نطاق ما لم يرد فيه من الشارع إلزام كذلك، بل كان من المباحات أو المستحبات أو المكروهات التي تتغير قيودها وظروفها، فتحدث لآحاد المكلفين أو للمجتمع والأمة ظروف جديدة تكون قيوداً للمباح أو للمكروه أو للمستحب، فيتغير حكمه بتغير ظروفه، «من قبيل الارتكاز الناشيء من أدلة الإباحة العامة وتسلط الناس على أموالهم، على مشروعية استهلاك ما يشاء الإنسان من الماء، وإنجاب ما يرغب من الذرية، أو استهلاك ما يشتهي من الطاقة».
ولكن لا بد من إعادة النظر في هذه المشروعية، نظراً لتغير الظروف التي تستدعي وضع قيود على المشروعية، وتقتضي تحدي سلطة الإنسان والمجتمع، فالأمر هنا من قبيل تغير الحكم لموضوع بإدخال بعض الشروط عليه.
فالمباح بالشرط يكون محرماً أو واجباً، وفي الوضعيات، من قبيل تسلط الزوجة على طلاق نفسها بالشرط على الزوج بذلك في متن عقد الزواج.
ويلحظ، تارة ثالثة، في نطاق ما لم يرد له في الشرع عنوان بخصوصه أو بما يعمه، بل هو من المجهولات التي كشف عنها تطور الإنسان والمجتمع في الحياة. وإن كان يدخل في عمومات التشريع العليا، من قبيل آيات التسخير «تسخير ما في السماوات وما في الأرض للإنسان»، في باب الموضوعات وعلاقة الإنسان بالطبيعة، ومن قبيل «الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي». في باب علاقات البشر مع بعضهم وأنشطتهم في المجتمع.
ولكن المبدأ التشريعي الأعلى لم يتعرض للأوضاع التنظيمية التي لا بد أن تنشأ عن هذين النوعين من العلاقات، علاقة الإنسان والمجتمع بالطبيعة، وعلاقة الإنسان بالإنسان والمجتمع.
هذا مع ملاحظة أن الأصل الأولي التشريعي في علاقة الإنسان والمجتمع بالطبيعة هو الإباحة والإطلاق.
ولكن الأوضاع التنظيمية الناشئة عن تطورات مجال الفراغ التشريعي قد تقتضي ـ بل هي تقتضي بالفعل ـ الحجر والتقييد.
وآن الأصل التشريعي الأوَّلي في علاقة الإنسان بالإنسان والمجتمع هو عدم سلطة أحد على أحد وعدم ولايته عليه.
ولكن الأوضاع التنظيمية الناشئة من تطورات مجال الفراغ التشريعي، قد تقتضي ـ بل هي تقتضي بالفعل ـ ممارسة الولاية وسلطة الأمر والنهي وواجب الطاعة.
أ ـ فأمّا ما ورد فيه إلزام، فمن الواضح أنه ليس منطقة فراغ تشريعي، فهو ـ في وضعه الطبيعي وبعنوانه الأولى ـ مورد تشريع فعلي. ولكن قد يطرأ على المكلف حالة (الاضطرار، أو العسر والحرج، أو الضرر، أو العجز، أو الجهل، أو النسيان)، فيترتب على هذه العناوين حكم آخر غير الحكم الأولي الذي هو الوجوب أو الحرمة. فيكون الحرام واجباً أو راجحاً أو مباحاً، ويكون الواجب مباحاً أو محرماً.
فاعتبار هذه الموارد من منطقة الفراغ التشريعي فيه تسامح ظاهر. لأن «الحكم الثانوي» الثابت، في حالة الضرورة والاضطرار والعسر والحرج، مشرع أيضاً، وملحوظ في أصل التشريع بنحو القاعدة الكلية.
ب ـ أما مجال المباحات بالمعنى الأعم (المباح والمستحب والمكروه)، فقد اعتبره بعضهم «منطقة فراغ تشريعي»، بمعنى أن موضوعاته خالية عن الأحكام الإلزامية. فإذا دعت حاجة المجتمع أو الجماعة أو الفرد إلى تحريم المباح بالمعنى الأعم أو إيجابه، كان لسلطة التشريع الاجتهادي أن تمنع من فعل المباح فيكون حراماً، أو تأمر بفعل فيكون واجباً. والوجوب والحرمة، هنا، ناشئان من الصلاحية المعطاة لسلطة التشريع الاجتهادي، وليسا ناشئين من وجود نص خاص أو عام في الشريعة، فبهذا الاعتبار يمكن أن تعتبر هذه الموارد من منطقة الفراغ التشريعي، وإلا فإن المباح بالمعنى الخاص وبالمعنى العام محكوم بالحكم الشرعي الذي هو الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب، وليس مهملاً بلا حكم.
والفرق بين هذا القسم وسابقه أنَّ الأول لحكمه الثانوي مرجع منصوص في الشريعة، وهو قاعدة الضرر أو الاضطرار أو العسر والحرج. وأما هذا القسم الثاني، فليس لحكمه الثانوي مرجع منصوص في الشريعة، والسلطة التي أوجبته أو حرمته هي سلطة التشريع الاجتهادي. هذا، ولكنك ستعرف أن سلطة التشريع الاجتهادي لا تشرع من دون مرجعية تشريعية في أصل الشريعة هي عمومات ومطلقات التشريع العليا، وبعض المبادىء التشريعية الأدنى رتبة المناسبة لكل مورد من موارد مجال الفراغ التشريعي.
ج ـ أما مجال المجهولات التي لم يرد لها في الشرع عنوان بخصوصها أو بما يعمها، فهو يشمل موضوعات خارجية وأفعالاً وتروكاً وعلاقات بين البشر أفراداً وجماعات ودولاً.
وهذ المجال من أنشطة البشر وعلاقاتهم ينشأ ويتكون من حركة المجتمع والإنسان في الحياة، وما يحدث له أثناء ذلك من حاجات جديدة ثابتة أو طارئة، وما يكتسبه من معرفة تزيده قدرة على التصرف في محيطه على الأرض وفي أعماقها وفي الفضاء، وما يستلزمه كل ذلك من أساليب الضبط والتنظيم والسيطرة.
وهذا المجال لم يكن موجوداً عند التشريع. ولا يمكن للبشر التنبؤ به. وليس من الحكمة أن يكشف عنه الوحي الإلهي، لأن الحكمة تقضي بإطلاق حرية البشر في تكوين صيغ اختياراتهم وصيغ استجابتهم لضروراتهم، وتقضي بعدم حصرهم في قوالب وصيغ تنظيمية لتطورهم وصيغ استجابتهم بالاختيار أو الضرورة لمقتضيات هذا التطور الذي تقضي به طبيعة الحياة وتقلباتها. ولا بدّ أن تواكب الشريعة ذلك كله، فلا يجمد الإنسان حائراً لا يعرف الموقف الصحيح والاتجاه المشروع، ولا يتصرف على هواه من غير هدى.
وهذا المجال يتسع لكل شيء من تقلبات الإنسان وأفعاله وتروكه وعلاقاته بالطبيعة والمجتمع عدا العبادات.
ففي العبادات لا مجال إطلاقاً لأي تصرف، لأنه لا يعقل أن تكون من مكونات مجال الفراغ التشريعي، حيث أن العبادات توقيفية من جميع الجهات… مواقيتها، وعددها، وأجزائها وشروطها، وكيفية امتثالها، وقد لوحظ في تشريع العبادات وفقهها ما يطرأ من تغيرات وتقلبات على الإنسان، من حيث المكان والظروف والإمكانات، ووضعت الصيغ الفقهية المناسبة لكل حالة من حالات الضرورة والطوارىء، حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية الواردة في باب العبادات.
إن مجال الفراغ التشريعي يشمل كل وضع جديد لم يرد فيه نص مباشر أو قاعدة عامة، من أوضاع البشر التي تحدث نتيجة للتطور ونمو المعرفة ونمو القدرة، ما يقتضي أشكالاً جديدة ومتطورة من الضبط والسيطرة والتنظيم للمجتمع وللإنسان في المجتمع، من حيث التعامل والعمل في داخل المجتمع، ومن حيث العلاقة مع الطبيعة.
فمن باب المثال:
تطور العلوم الطبية وتعمق الخبرة بجسم الإنسان، التي نشأ عنها عمليات نقل الأعضاء وزرعها، (أخذ الأعضاء من الأموات والقتلى أو تبرع ـ أو بيع ـ الأحياء لها/ التلقيح الاصطناعي بصيغه المتنوعة).
تطور علم الفيزياء والكيمياء والهندسة، بمجالاتها، وفروعها المتنوعة. وما نتج عن ذلك من تطور هائل في صنع الأسلحة (التقليدية/ وأسلحة الدمار الشامل، الذرية، والهدروجينية، والنيوترونية، والكيماوية، والجرثومية، والبيولوجية)، وما يستلزمه إنجاز صنع هذه الأسلحة من تجارب في الفضاء وعلى الأرض وتحت الأرض وتحت الماء، وآثار وجود هذه الأسلحة على البشر في المجتمعات المالكة لهذه الأسلحة وغيرها.
كل ما نشأ وينشأ من السيطرة على فضاء الأرض والفضاء الخارجي، والسيطرة على بعض الكواكب، بالنسبة إلى الدول ذات القدرة على السيطرة، والتي سيطرت بالفعل، والمجتمعات العاجزة عن ذلك، وقد وقعت تحت سيطرة الدولة المالكة لهذه القدرة ونتائجها وأدواتها.
قضايا البيئة من جميع جوانبها (الفضاء الخارجي، والفضاء، وسطح الأرض، وجوفها، والمياه ومصادرها، والبحار)، وعلاقة ذلك بالتجارب النووية وغيرها من التجارب المدمرة والمخلة للتوازن في الطبيعة، وكمية استهلاك الطاقة وكيفيتها، ونمو الصناعات وعلاقتها بالبيئة، والنفايات الصناعية وعلاقتها بذلك.
أزمة الطعام والمياه التي تواجه العالم، وتواجه الشعوب الفقيرة أو العاجزة المختلفة بوجه خاص.
النمو السكاني وعلاقته بقضايا التنمية وأزمتي الطعام والمياه والطاقة (حرية) الإنجاب/ تنظيم النسل والأسرة/ تعقيم الذكر والأنثى).
وهي تستدعي أوضاعاً تنظيمية تناسبها في داخل المجتمع، من حيث علاقات الناس ببعضهم وعلاقتهم بالمرافق العامة، وطريقة استخدامهم لها، وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، وعلاقتها بهم، وعلاقة الدول ببعضها، وعلاقة المجتمعات والدول بالطبيعة (أرضها وجوها وفضاؤها، وأعماق الأرض والمعادن والمياه، وغير ذلك).
وهذا كله يستدعي تكوين سلطات في المجتمع وعلى المستوى الإقليمي والدولي، ويستدعي تقييد حريات الأفراد والمجتمعات والدول بما يتناسب مع أوامر هذه السلطات ونواهيها، ويقتضي طاعة الأفراد والجماعات والدول لأوامر هذه السلطات ونواهيها وشروطها وقيودها.
وقد تكونت هذه السلطات فعلاً على المستوى الدولي، فأنشئت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، كما أنشئت وكالات دولية وإقليمية للسكان، والصحة العالمية. ويجري العمل لإنشاء وكالة عالمية لحماية البيئة… وغير ذلك.
إن جميع الأمور التي ذكرناها وما يترتب، منها وعليها، من آثار على الإنسان والمجتمع والطبيعة بأوسع معانيها والبيئة وما تستدعيه من أوضاع تنظيمية في المجتمعات والمناطق الإقليمية، وعلى المستوى الدولي والعالمي والكوني، وما يترتب على ذلك من تقييد لحريات البشر أفراداً وجماعات ومجتمعات، ومن تكوين سلطات على هذه المستويات كلها تأمر وتنهى وتفرض طاعتها.
إن جميع ذلك أو معظمه يكون مجالاً جديداً تماماً، هو مجال فراغ تشريعي لم ترد فيه نصوص تشريعية خاصة أو قواعد تشريعية عامة.
ويواجه الإنسان الفرد، والجماعة، والمجتمع، والدولة، والجنس البشري، كل ما يولده هذا المجال من ظروف جديدة تماماً تقتضي تشريعات تتناسب مع الضرورات، ومع أنواع الخيارات التي تقتضيها التكيف مع هذه الظروف الجديدة.
3 ـ الاستنباط في مجالات الفراغ التشريعي
أسسه وأصوله ومنهجه
أن عملية الاجتهاد والاستنباط، في مجال «الفراغ التشريعي»، التي تنتج الأحكام التدبيرية (التنظيم والعلاقات والإدارة في المجتمع) تقوم على الأسس والأصول العامة للاستنباط بالنسبة إلى الأحكام الشرعية الإلهية التي يعبّر عنها بالفتوى، كما تخضع لهذه الأسس والأصول عملية الاجتهاد والاستنباط في مجال القضاء وفصل الخصومات التي تنتج «الأحكام القضائية» في الدعاوى بين المتخاصمين.
ولكن عملية الاجتهاد والاستنباط في مجال الأحكام التدبيرية (الفراغ التشريعي) تخضع لبعض المعايير الأخرى، بالإضافة إلى الأسس والأصول العامة للاجتهاد والاستنباط.
وهذه المعايير تستفاد مما سميناه «أدلة التشريع العليا». بنحو القواعد الكلية في القضايا المالية والاقتصادية والعلائقية ـ داخل المجتمع المسلم، وبين المجتمع المسلم ودولته والمجتمعات والدول الأخرى ـ والتنظيمية والأمنية.
1 ـ من قبيل نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن ذبح الحمر الأهلية الذي فسّره الإمام الباقر (ع) بأنه كان لغرض عدم إفنائها لأن مصلحة المجتمع في بقائها، فإن هذا التفسير يصلح مستنداً لمنع صيد أنواع معينة من الأسماك والطيور والحيوانات، للمحافظة على أنواعها في الطبيعة.
2 ـ من قبيل التعليل الوارد في أدلة الاحتكار (فإنه لا يصلح أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام).
3 ـ من قبيل التعليلات الواردة في جواز العمل والتعامل مع الحكومات غير الشرعية، كما شرحنا ذلك مفصلاً في كتابنا: «نظام الحكم والإدارة في الإسلام».
فإن التعليلات الواردة، في هذه الموارد وأمثالها، لا يقتصر فيها على موردها، بل هي معايير ترشد الفقيه والخبير إلى المنهج الذي يجب اعتماده في الاجتهاد والاستنباط في قضايا المجتمع وأنظمته وقضاياه، والمشاكل التي تواجهه في داخله وفي علاقاته مع الخارج المسلم وغير المسلم.
وهذه التعليلات ليست أحكاماً شرعية إلهية وليست منشأ لأحكام شرعية إلهية، بل هي أسس أحكام شرعية تدبيرية، يعود أمر النظر في موضوعاتها واستنباطها إلى المجتمع الإسلامي بوساطة خبرائه وفقهائه، فهي مبادىء منهجية للإستنباط في هذا المجال.
وعلى هذا الأساس ينبغي أن يكون أصل «المصالح المرسلة» وأصل «سد الذرائع» ـ عند من يقول بهما في المذاهب الإسلامية ـ من أصول الاستنباط في مجال التشريع التدبيري في مجال «الفراغ التشريعي» وليسا من أصول الاجتهاد في الأحكام الشرعية الإلهية.
فما يستنبط على أساسهما ليس أحكاماً شرعية إلهية، بل أحكام تدبيرية، كما هو الشأن فيما يستنبط على المنهج الذي ذكرناه ـ «أدلة التشريع العليا» ـ والتعليلات الواردة في الموارد الجزئية، كالأمثلة التي ذكرناها.
4 ـ سلطة التشريع الاجتهادي في مجالات الفراغ التشريعي
لا ريب في ثبوت سلطة التشريع الاجتهادي في مجالات الفراغ التشريعي للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وللامام المعصوم (ع)، لكن لا باعتباره نبياً موحى إليه ولا باعتباره إماماً معصوماً مبلغاً للوحي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل باعتبار «الولاية والحاكمية = السلطة السياسية» على الأمة والمجتمع. وقد ذكرت أمثلة لهذا التشريع الاجتهادي رويت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعض الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، سيأتي بيانها.
والاعتراض على ذلك، والمتمثل بأن المرتكز في الأذهان أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنما هو حسب النص القرآني: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ آلْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}.
مدفوع: بأن التشريع الاجتهادي من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، باعتباره حاكماً وولي الأمر، ليس «نطقاً عن الهوى» قطعاً، وكونه ليس وحياً لا يقتضي كونه نطقاً عن الهوى. وذيل الآية قرينة على أنها واردة في الرد على المشركين الذين اتهموا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في النص القرآني بأنه سحر أو شعر أو تعليم بشر، كما حكى الله تعالى ذلك في القرآن.
بل قد ورد في النص القرآني أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، مخول من الله تعالى بالتشريع بحسب رأيه ونظره، وذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آلْكِتَابَ بِآلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ * وَلاَ تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}.
إذا ثبتت سلطة التشريع الاجتهادي للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في مجالات الفراغ التشريعي، فلا ريب في ثبوتها للإمام المعصوم (عليه السلام) بما هو حاكم وولي أمر الأمة.
ولكن الكلام في: من هو مركز سلطة التشريع الاجتهادي، في عصر غيبة الإمام المعصوم (ع)، عند الشيعة الإمامية؟ ومن هو مركز سلطة التشريع الاجتهادي، في هذه المجالات، بعد عصر النبوة، في المذاهب الأخرى؟.
المعروف بين الإمامية ـ خاصة بين فقهاء عصرنا ـ أن هذا السلطة ثابتة للفقيه الجامع للشرائط. وهذا هو الظاهر من أدلة حجية فتوى الفقيه وحكمه، بلا فرق بين القول بالولاية العامة للفقيه في عصر الغيبة، أو عدم القول بذلك والقول بولاية الأمة على نفسها ـ كما هو الصحيح على الظاهر من أدلة الولاية في عصر الغيبة ـ، فإن الفقهاء ـ على هذا المبنى أيضاً ـ هم المرجع التشريعي في مجالات الفراغ التشريعي.
ولكن الكلام يقع في أن سلطة الفقيه على التشريع في مجالات الفراغ، هل هي مطلقة تشمل الموضوعات الخارجية كتحريم المباحات (من قبيل تحريم الشيخ الشيرازي لاستعمال التنباك) والعلاقات (من قبيل تحريم التعامل مع إسرائيل) وتحديد الحريات (من قبيل الأوامر والنواهي التنظيمية في البناء والسير والزراعة والتجارة ـ حرية استيراد السلع وتصديرها ـ وإنجاب الأولاد، واستهلاك الماء والطاقة. وأمثال ذلك) والتصرف في النفس (من قبيل العمليات الجهادية الانتحارية، وهبة أو بيع أعضاء الجسم لمن يحتاجها وأمثال ذلك). أو أنها محدودة في خصوص التشريع المتعلق بالموضوعات الخارجية (من قبيل التنباك، واستهلاك المياه والطاقة، وغير ذلك). وأما القضايا التنظيمية وقضايا العلاقات، فتعود سلطة التشريع فيها إلى أهل الخبرة؟.
المعروف، أنه بناء على ثبوت الولاية العامة للفقيه، فإنه يتمتع بسلطة التشريع الاجتهادي في جميع مناطق الفراغ.
وفي هذا مجال للتأمل والنظر، فإن دليل هذا القول عند القائلين به هو أدلة حجية الفتوى والقضاء. وحيثية سلطته على التشريع الاجتهادي هنا كونه ولي الأمر وحاكماً وليس محض كونه فقيهاً إلا أنه يقال: إنه ولي أمر وحاكم باعتباره فقيهاً، فلذا تكون الولاية على التشريع باعتباره فقيهاً، ولي الأمر، وعلى أي حال فإنه ليس مطلق الصلاحية لذلك، بل لا بد له من الرجوع إلى أهل الخبرة في كل ما يتعلق بتنقيح الحكم في موضوع من الموضوعات، وفي جميع القضايا التنظيمية وقضايا العلاقات.
وأما بناء على عدم ثبوت الولاية العامة للفقيه، وثبوت ولاية الأمة على نفسها، فالظاهر أنه لا بد من الرجوع إلى الفقيه في ما يتعلق بالحكم على الموضوعات الخارجية والتصرف في النفس ـ لكن بقيد رجوعه إلى أهل الخبرة كما ذكرنا ـ.
وأما قضايا العلاقات والتنظيم، فالظاهر أن الولاية على التشريع فيها للأمة نفسها عن طريق ممثليها في هيئات الشورى، ولا تتوقف شرعية الإجراء التنظيمي والخاص بالعلاقات على فتوى الفقيه أو حكمه بما هو فقيه، أما إذا كان هو أحد ممثلي الأمة في هيئات الشورى، فلا ريب في دخالة رأيه بهذا الاعتبار، وإن كان الأحوط الأولى اعتبار رأيه على كل حال.
5 ـ وجه الفرق بين التشريع للموضوعات الخارجية وغيرها
ووجه الفرق بين التشريع للموضوعات الخارجية وبين غيرها في لزوم الرجوع إلى الفقيه، في الموضوعات والتصرف في النفس دون غيرهما، هو أن التشريع في الموضوعات بالإباحة والأيجاب والتحريم من سنخ الحكم الشرعي الإلهي على الموضوعات المنصوصة، ويكون التشريع فيها غائباً من نوع الحكم الثانوي. وأما قضايا العلاقات والتنظيم، فهي بعيدة عن مفهوم الحكم الشرعي الإلهي ـ وإن كان فيها إلزام وحظر ـ وأقرب إلى الأمور الإجرائية التي ثبت من أدلة التشريع العليا والعامة ولاية الناس على أنفسهم فيها حتى في عصر النبوة والإمامة المعصومة، كتنظيم المدن، والسير، والمراعي، والسوق، وحفظ ـ أو استيراد ـ مقدار الحاجة من المؤن وسائر السلع، والامتناع عن تقوية العدو، وحفظ الثروات العامة للعامة، وغير ذلك. وسيأتي في أمثلة التشريع الولايتي في ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي، ما يشهد لكون هذا النوع من الأوامر والنواهي ليس أحكاماً شرعية بالمعنى المصطلح، بل هو إجراءات إدارية وتنظيمية تستجيب لحاجات إدارية وتنظيمية تتغير بتغير الظروف والأحوال.
6 ـ سنخ الحكم المشرّع
اصطلح بعض الباحثين على تسمية الحكم المشرّع في مجالات الفراغ التشريعي بـ «الحكم الولايتي» نسبة إلى الولاية، باعتبار أن هذا الحكم يشرّع من المعصوم (ع) ـ النبيّ أو الإمام ـ أو الفقيه في عصر الغيبة، باعتبارهم أولياء الأمر، لا باعتبار النبوة أو الإمامة أو الفقاهة المقتضية لحجية الفتوى والحكم. وهو الاعتبار الذي يقضي بالنسبة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والإمام (ع) بكون أحكامهما أحكاماً شرعية إلهية واقعية، ويقضي بالنسبة إلى الفقيه كون فتاواه وأقضيته أحكاماً شرعية ظاهرية.
7 ـ هل الفقيه/ هيئة الشورى مشرّع أو مكتشف، مستنبط أو مجتهد؟
بناء على التصويب ينبغي القول بكون الفقيه ـ على القول بولايته العامة ـ مشرّعاً هنا وليس «كاشفاً عن الحكم الشرعي الإلهي»، إذ على جميع تقارير التصويب المتقدمة، فإن ما يؤدي إليه ظن المجتهد هو الحكم الشرعي. بل إن الأمر هنا أخف مؤونة، لأن الفقيه يظن بالحكم في مجال فراغ تشريعي على الفرض، فليس ثمة إشكال حتى بناء على تقريري التصويب المعتزلي، فضلاً عن التصويب الأشعري.
وكذلك الحال إذ قلنا بولاية الأمة على نفسها، فإن «مجالس الشورى» إذا شرعت حكماً تكليفياً أو تنظيماً لشيء أو لعلاقة أو فعل أو ترك، فإنه يكون كذلك حكماً شرعياً يثبت بالإجماع ـ على المصطلح عند المذاهب ـ (وهو المناسب للقول بالتصويب)، حيث أن الاجماع عندهم دليل مستقل في موازاة الكتاب والسنة.
ففي الحالتين ـ بناء على التصويب ـ يكون الحكم «مشرّعاً» من قبل الفقيه أو الأمة، ويكون الفقيه أو الأمة «مشرّعاً» لحكم الله، وليس كاشفاً عن حكم الله في موارد الفراغ التشريعي.
وأما بناء على التخطئة:
فإن قلنا: بأن ما يسمي منطقة الفراغ التشريعي داخل في القضية الكلية القاضية بأن «لله تعالى حكماً شرعياً ثابتاً في واقع الأمر لكل شيء وفعل وترك وعلاقة، ناشئاً من… وجود مصلحة تقتضيه أو مفسدة تقتضيه، مشترك بين العالم والجاهل».
فعلى هذا لا يكون، ثمة في واقع الأمر، منطقة فراغ تشريعي، بمعنى عدم الحكم، بل تكون الأشياء والعلاقات والأفعال والتروك في هذه المنطقة مجالاً للتشريع الإلهي الثابت لها، غاية الأمر أنه مما لا نص فيه بالخصوص أو بالعموم والإطلاق في نطاق العمومات والمطلقات الواردة في بيان أحكام متعلقاتها بعناوينها. ولكنه يبقى مجالاً للاجتهاد وعمل المجتهد في البحث عن الحكم الواقعي الإلهي استناداً إلى أدلة التشريع العليا التي تقدم ذكر بعضها، والمجتهد، في هذا المجال، يقوم بوظيفته في استنباط الأحكام بمقتضى أدلة حجية الفتوى ونفوذ حكم القاضي.
وأما سلطة التشريع الاجتهادي بمقتضى ما قيل أنه الدليل عليها ـ كما سيأتي ـ فعلى فرض تسليمها تدل على حجية فتوى المجتهد ووجوب طاعة الأحكام الشرعية، ولكن البحث عن ـ واستنباط ـ الحكم الشرعي هنا لا يتوقف على كون المجتهد «ولي الأمر وحاكماً سياسياً»، بل أن هذه السلطة التشريعية ثابتة له بما هو «فقيه فقط» كما هو الشأن في سائر موارد الاستنباط.
وإن قلنا: إن الأشياء والأفعال والتروك والعلاقات، في ما سمي منطقة الفراغ التشريعي، لا حكم لها في علم الله وفي الأمر نفسه، ولذا فإن كلية: «إن لله في كل واقعة حكماً…» لا تشملها، فإن مؤدى ذلك عدم صدق هذه الكلية أصلاً ولا يفيد تنزيلها على خصوص الوقائع، والأشياء المألوفة والمتوقعة، لأنها بذلك تكون ـ مهما اتسعت دائرتها ـ قضية جزئية لا كلية، لأن مفردات ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي، بعد وقوعها في الخارج وابتلاء المكلف بها، صارت حقائق موجودة، ولا بد للمسلم من تشريع يسير على طبقه بالنسبة إليها، والمفروض أنه ليس لله فيها حكم.
وهذا يستلزم أيضاً ألا تكون الأحكام المشرّعة لهذه الوقائع تابعة للمصالح والمفاسد في الأمر نفسه، لعدم التشريع الإلهي المقتضي لذلك، ولأن نظر المجتهد لا يحيط بالمصالح والمفاسد الواقعية، لعدم علمه بحقائق الأشياء والملاكات الواقعية للأحكام. هذا، فضلاً عن أن الكلام بناء على التخطئة.
وعلى أي حال، فيقع الكلام في أن المجتهد هنا أو الأمة بناء على ولايتها على نفسها (مجلس الشورى/ هيئة الشورى) «مشرّع» للأحكام أو «كاشف» عنها؟.
أما بناء على عموم كلية: «إن الله في كل واقعة حكماً…» لما يسمى منطقة الفراغ التشريعي، فإن المجتهد ـ وكذلك الأمة بناء على ولايتها على نفسها ـ مستنبط وكاشف عن حكم الله تعالى المجهول في الأمر نفسه للواقعة، من الأدلة والأصول المناسبة لموضوع بحثه، ومنها العمومات والمطلقات التشريعية العليا، ومنها الأصلان الكبيران في علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان. ففي نطاق إباحة كل شيء وكل فعل وترك وعلاقة، بمقتضى أدلة تسخير الكائنات وخلقها للإنسان، يمنع من كل ما ينطبق عليه عناوين المنكر والبغي والعلو في الأرض والفساد فيها، ويرجع أو يلزم كل ما هو عدل وإحسان…
وفي نطاق استقلالية الإنسان وسيادته وولايته على نفسه وعلى مصيره بمقتضى الأصل الأولي، يمنع من كل ولاية لغيره عليه ـ إلا ما أخرجه الدليل ـ، ولكن في القضايا التنظيمية للمجتمع والأمة والعلاقات الداخلية والخارجية لهما، تلاحظ مصلحة المجتمع والأمة في كل ما يتصل بسلامتهما وتقدمهما وقوتهما، فلا تطغى حرية الفرد وولايته على نفسه على مصلحة المجتمع والأمة.
وأما بناء على عدم عموم القضية الكلية المذكورة لما يسمى مناطق الفراغ التشريعي، فلا مناص من القول بكون المجتهد ـ والأمة بناء على ولايتها على نفسها ـ مشرّع ـ ومشرّعة ـ من خلال مجالس الشورى للأحكام الشرعية في مفردات مناطق الفراغ، لفرض عدم وجود أحكام مجعولة لها في الأمر نفسه، والواقع من قبل الله تعالى، وإنما ترك أمرها إلى المجتهد أو مجالس الشورى (الأمة)، حتى بناء على شمول أدلة التشريع العليا لها ـ وهو كذلك ـ، لأنها محكومة بالإباحة أو الحظر، فجعل حكم لها غير المجعول الأصلي يكون تشريعاً لحكم لم يسبق جعله، وليس كشفاً على حكم مجهول.
ولا يخفى منافاة ذلك لمبنى المخطئة في أساس مذهب التخطئة، وفي بنائهم على أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وهذا ما لا يمكن الالتزام به لأَوْلِه إلى نقض ومخالفة المبنى الاعتقادي في الموردين (لكل واقعة حكم، وتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد). فيتعين القول بكون المجتهد (مجلس الشورى) مستنبطاً ومكتشفاً لحكم شرعي إلهي مجعول في الأمر نفسه، ولازم ذلك عدم وجود ما يسمى منطقة فراغ تشريعي بمعنى فراغ الواقع عن الحكم، كما أن لازم ذلك عدم ارتباط سلطة التشريع (الاستنباط) الاجتهادي في ما يسمى منطقة الفراغ بكون المجتهد ولي الأمر، بل هو يستنبط في هذا المورد كما في سائر الموارد باعتباره فقيهاً دلّ الدليل على حجة فتواه ونفوذ حكمه.
8 ـ الدليل على سلطة التشريع الاجتهادي في منطقة الفراغ
ذكر بعضهم أن الدليل التشريعي ـ العقيدي على ثبوت سلطة التشريع للفقيه في ما يسمى «منطقة الفراغ التشريعي» عند الحاجة إلى ذلك هو قوله تعالى: {يَأَيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ}.
بدعوى: أن الفقيه ـ بناء على ولايته العامة ـ تجب له الطاعة بما أنه ولي الأمر، فإذا شرّع حكماً في منطقة الفراغ، بأن أفتى أو حكم بحرمة أو وجوب مباح، وجبت طاعته في ما أفتى أو حكم به.
ولكن هذا الاستدلال غير تام، فهو موقوف على كون المراد بأولي الأمر في الآية الفقيه، وعلى ثبوت الولاية العامة للفقيه. ولو سلم كلاهما ـ وهما موضع نظر، بل منع ـ، فلا تدل الآية الكريمة على ثبوت سلطة التشريع للفقيه، بل تدل على وجوب طاعته، وهذا أعم من طاعته في ما أفتى به هو أو أفتى به غيره من الأحكام في منطقة الفراغ التشريعي، فلو لم يفت هو وأفتى غيره وأمر بمضمون فتوى غيره من الفقهاء وجبت طاعته باعتباره فقيهاً مستنبطاً للحكم الشرعي الفرعي، وليس باعتباره حاكماً سياسياً.
وقد عرفت أن الصحيح أن سلطة التشريع ثابتة للفقيه بما هو فقيه لا بما هو ولي الأمر. وأن الفتوى والحكم في ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي ليست جعل حكم وتشريعه، بل هي نتيجة استنباط واكتشاف للحكم المجهول في واقع الأمر من الأدلة الشرعية على حد الاستنباط والافتاء في سائر المجالات.
ولا بد من مزيد من التأمل والبحث في المقام.
9 ـ أمثلة على التشريع «الولايتي» في منطقة الفراغ التشريعي
نذكر أمثلة من التشريع «الولايتي» في ما يلي، وكلها مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولها نظائر مروية عن الإمام علي (ع). وفي سيرة الخليفتين أبي بكر وعمر (رض) أمثلة من هذا الباب:
1 ـ فمن أمثلة ذلك نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن بيع الثمرة قبل نضجها، وقد ورد ذلك في رواية صحيحة السند عن الإمام الصادق (ع): «أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض، فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها؟ فقال: قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة، ولم يحرمه، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم.
فنهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا من جهة أنه ولي الأمر الذي له أن يمنع من الحلال إذا دعت حاجة المجتمع إلى ذلك. وصريح الرواية أن نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس حكماً شرعياً إلَهِيَّاً حيث قال: «… ولم يحرمه…»، بل هو إجراء تنظيمي وإداري.
2 ـ ومن ذلك رُوي عن الإمام الصادق (ع)، قال: «قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ».
ومقتضى الجمود على النص هو تحريم منع فضل الماء وفضل الكلأ عمن يحتاج إليها. فإن التعبير بـ «قضى» وظاهر النهي المحكي، هو التحريم. ولكن المشهور بين الفقهاء هو عدم حرمة منع مالك الماء والكلأ لما يفضل عن حاجته منهما، بل له أن يمنع ذلك عن غيره في غير موارد ضرورة غيره إليها.
وهذا يقتضي عدم الجمود على النص وفهم النهي على أنه إجراء تنظيمي لا أنه حكم تحريمي، فقد كان المجتمع المسلم في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أشد الحاجة إلى إنماء الثروة الحيوانية والزراعية، فألزم ـ باعتباره حاكماً وولي الأمر ـ من يملك فائضاً عن حاجته من الماء والكلأ ببذله لمن يحتاجه لري زرعه ورعي ماشيته وسقيها.
3 ـ ومن ذلك ما رواه علي بن جعفر (رض) عن أخيه الإمام الكاظم (ع) في شأن نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكل لحوم الحمر الأهلية، قال: «سألته عن لحوم الحمر الأهلية، أتؤكل؟ فقال: نهى عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما نهي عنها، لأنهم كانوا يعملون عليها، فكره أن يفنوها».
4 ـ ومن ذلك ما أخرجه كل من البخاري ومسلم، في صحيحيهما، عن ابن عباس قال: «لا أدري أَنَهى عنه رسول الله من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم. أو حرمه في يوم خبير. يعني لحوم الحمر الأهلية».
5 ـ وفي رواية أخرى أوردها البخاري عن عمرو بن دينار قال: «قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله نهى عن حمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك الحبر ابن عباس، وقرأ: {قُل لآ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}.
10 ـ مرونة الشريعة الإسلامية
النصُّ نسبيَّته أو إطلاقيّته، حركيته أو جموده
لقد قيل: إن مشروعية التشريع في منطقة الفراغ تجعل الشريعة الإسلامية مرنة وقادرة على التكيف مع الحاجات المتجددة للمجتمع ومع التغيرات الطارئة عليه.
أقول: هذا الكلام يعبر عن فكرة سائدة حكمت تفكير الإسلاميين وبعض الفقهاء في العصر الأخير. وهي فكرة دفاعية تبريرية، نشأت من رغبة في التوفيق بين الشريعة الإسلامية وواقع الحياة والمجتمع في صيغتهما الغربية التي طبعت حياة المسلمين ومجتمعاتهم بطابعها.
وهي فكرة تنطلق من أساس خاطىء، وهو أن الشريعة ينبغي أن تكون مرنة لتتكيّف مع الواقع، وتفترض لحل إشكال «التكيف» حلاً غير صحيح.
أمّا خطأ الأساس، فهو من جهة أن الشريعة لم توضع «لتكيف» نفسها من نسق حياة منطقة تقودها أفكار ومفاهيم وخيارات وضرورات ناشئة من ثقافات أخرى ومن شرائع أخرى ـ كما هو الشأن في أوضاع المسلمين بالنسبة إلى نمط الحياة الغربي ـ، فيطلب من الشريعة الإسلامية أن تكيّف نفسها وفق هذا النمط وأفكاره ومفاهيمه وخياراته وضروراته، ليبقى المسلمون مسلمين وليصونوا في الوقت نفسه حياتهم وفق نمط الحياة الغربي. بل وضعت الشريعة لتصوغ هي حياة المجتمع وفق مفاهيمها وأفكارها، ولتكيّف حياة المجتمع والإنسان على أساس هذه المفاهيم، فيتحقق من ذلك «التطابق» بين الأفكار والمفاهيم في العقيدة والتشريع، وبين السلوك والممارسة في الحياة الاجتماعية وعلاقات الإنسان بالمجتمع والطبيعة والعالم، فتكون الشريعة قد أدّت مهمتها في «صنع نمط» حياة الإنسان والمجتمع. ولا تكون حياة المسلمين «نسخة» عن حياة غيرهم، بل تكون تعبيراً أصيلاً عن «مضمونهم» الداخلي الفكري والعقيدي والأخلاقي والجمالي.
وأما خطأ الحل المفترض، فهو ارتكازه على فكرة «منطقة الفراغ التشريعي»، مع حصر سلطة التشريع الاجتهادي في الفقيه المتولي للحكم بناء على ولاية الفقيه العامة.
والخطأ في هذا الحل المفترض من وجوه:
الأول: فكرة «منطقة الفراغ التشريعي» من أساسها، فقد عرفت أن هذه الفكرة ليست صحيحة بالمعنى الذي يبدو أنه يراد منها. وأما بمعنى المبدأ الأصولي ـ الفقهي الذي ينطبق على أساسه «الحكم الثانوي» على موارد «الحكم الأولي»، فهي مبدأ أساس في الشريعة وفي النظر الاجتهادي وفي الاستنباط، ولا تنحصر في دائرة ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي.
الثاني: حصر سلطة التشريع الاجتهادي في الفقيه بما هو ولي الأمر وحاكم سياسي. مع أن هذه الأحكام «الولايتية» ليست أحكاماً شرعية بالمعنى المعهود للحكم الشرعي، بل هي إجراءات إدارية وتنظيمية وإرشادية في الغالب تقتضيها ضرورات الإنسان والمجتمع وحاجاتهما. وما كان منها من سنخ الحكم الشرعي لا تتوقف شرعيته على كون الفقيه المشرع للحكم بنفسه حاكماً، بل يكفي أن يفتي الفقيه فتكون فتواه حجة بمقتضى أدلة حجية الفتوى، وبأمر ولي الأمر بمضمون فتوى الفقيه.
الثالث: بناء المسألة كلها على مبنى «ولاية الفقيه العامة»، وعلى أساس «تشكل» الإسلام في دولة وفي نظام سياسي وصيغة حكم، مع أن الشريعة إذا كانت مرنة ـ وهي كذلك ـ فإن مرونتها لازمة لها ذاتية فيها، وليست رهناً برأي فقهي معين دون غيره. ومبنى ولاية الفقيه العامة لا يبني عليه كثير من الفقهاء، فهل تفقد الشريعة مرونتها عند من لا يذهب إلى ثبوت الولاية العامة للفقيه.
11 ـ الصحيح في قضية مرونة الشريعة
الحق أن الشريعة الإسلامية مرنة، وفي النصوص الأسس ما يصرح بذلك، من قبيل قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
وما روي من قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت بالحنيفية السمحة». و«إن هذا الدين يسر ما غالبه أحد إلاّ وغلبه».
وهذه المرونة تتجلى في أن الشريعة تقبل ما لا يتنافى مع مبادئها وثوابتها في العقيدة، من دون اعتبار لمصدره، وفي أنها تحفز على الحركة الإيجابية في العالم وفي الطبيعة، وعلى تقدم الإنسان والمجتمع، ولا تحول دون أية خطة باتجاه التقدم الحضاري في جميع المجالات ما دامت لا تتنافى مع المفاهيم والقيم الأسس في العقيدة والشريعة.
وقد تمكن المسلمون الأولون من الانتقال بهذه الشريعة ومعها من البداوة والتخلف إلى أعلى درجات الحضارة، ولم يشعروا أنهم خالفوا شرع الله أو تجاوزوه، ولم تصل إلينا أية تساؤلات أو شكوك تكشف عن تردد أو قلق في الأخذ بهذا أو ذاك من مظاهر حضارة الفرس أو البيزنطيين، وتمثله واستيعابه بـ «أسلمته» وإسباغ صبغة الإسلام عليه.
وهذه المرونة ناشئة من أصل التشريع، حيث أن الأحكام الشرعية تتناسب مع اختيارات كثيرة للفرد والمجتمع في صيغ الحياة، ولا تقيد حركة الإنسان وحريته.
وفي أصل التشريع المبدأ القاضي بمراعاة حركة الحياة وتغيرها وما يطرأ من حالات مختلفة على الإنسان والمجتمع. ومراعاة ذلك تظهر في ملاحظة الفقيه «للعناوين الثانوية» التي تؤثر على الأحكام الأولية، فتغيرها إلى أحكام أخرى تتناسب مع «العناوين الثانوية» الطارئة على علاقة المسلم بالأشياء، وعلاقات المجتمع الداخلية والخارجية، وعلى الضرورات التنظيمية في المجالات كافة: سياسية واقتصادية وزراعية وصناعية وبيئية، وغيرها. ومن أهم مجالات إعمال هذا المبدأ ما سمي بـ: «مناطق الفراغ التشريعي» التي تناولها هذا البحث.
ومن أهم ما يتصل بما نحن فيه مسألة نطرحها أمام الفقهاء للبحث والتدبر، ولعلها من أهم ما ينبغي أن يبحث في الأصول، وهي: إن النظرة الفقهية السائدة إلى النصوص الشرعية في العبادات وغيرها، هي أن هذه النصوص مطلقة وعامة في الزمان والمكان والأحوال. ولا يرفع اليد عن إطلاق النص إلا بمقيد أو مخصص لفظي أو لبي، أو بأن يتضمن قرينة داخلية على ذلك.
هذا مع أننا نعلم أن نصوص الشريعة في السنة تشريعات لحياة متحركة متغيرة كثيرة التقلبات، وليست صيغاً جامدة ثابتة على هيئة واحدة. والقسم الوحيد الثابت في الشريعة هو قسم العبادات، فإننا نعلم أن العبادات ثابتة لا تغيير فيها ولا تبديل، ولا مجال فيها للاجتهاد من حيث شروطها ومواقيتها وكيفيتها وإعدادها. وما فيها من خلافات بين الفقهاء لا يتعدى تفصيلات بعض الشروط والهيئات والأجزاء.
وأما المعاملات ـ بالمعنى الأوسع ـ، فإنها ـ كما ذكرنا ـ تشريعات لحالات متقلبة متغيرة لا تستقر على هيئة واحدة، وخاصة ما يتعلق من ذلك بالنواحي التنظيمية للمجتمع، وكافة أنشطته السياسية والاقتصادية والزراعية والصناعية والسكانية: المدنية الحضرية والريفية، وما يتصل بالثروات العامة والمرافق العامة.
وقد درج الأصوليون والفقهاء على اعتبار أن الوضع الأصلي للنص هو الوضع الذي وصل إلينا، إن كان عاماً أو مطلقاً فهو كذلك أبداً وإن كان خاصاً أو تعبداً فهو كذلك أبداً، ولا يرفع اليد عن إطلاقه أو عمومه أو خصوصه إلا بدليل مخصص أو مقيد أو ملغٍ للخصوصية يسمح بالتعميم والإطلاق.
وهذا المبدأ الأصولي لا غبار عليه ولا ريب فيه، ولكن ما نطرحه للنظر والمناقشة هو إطلاقية هذا المبدأ وثباته بالنسبة إلى جميع النصوص التشريعية الواردة في السنة الشريفة.
فهل جميع نصوص السنة ـ في غير العبادات ـ تعبّر عن تشريعات ثابتة في عمومها أو إطلاقها أو خصوصها أو تقييدها، بحيث لا يمكن تكييفها بتخصيصها أو تقييدها بالحالات الطارئة على المجتمع والأمة، لا بالعناوين الثانوية، بل باعتبار أصل التشريع، من قبيل الأمثلة التي ذكرت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في بيع الثمرة قبل نضجها، وفضل الماء والكلأ، وأكل لحوم الحمر الأهلية، بحيث لا يجوز للفقيه أن ينظر إلى النص التشريعي على ضوء أوضاع الواقع المعيش وضروراته التي تجري عليها حياة الناس وعلاقاتها في المجتمع، بل يجب عليه أن يجمد على فهم النص كما هو من غير اعتبار لواقع الحياة من حوله؟.
أو أن الأمر على خلاف ذلك، وأن في الشريعة ـ في غير العبادات التي لا ريب في ثباتها ـ نصوصاً تشريعية ثابتة ومطلقة في الزمان والمكان والأحوال، لا مجال لتأويلها أو إعادة تفسيرها أو إدخال أي تغيير بالتعميم أو التخصيص على مدلولها، وفيها كذلك نصوص تعبر عن تشريعات اقتضتها ظروف الزمان أو المكان أو الأحوال، فهي نسبية بنسبية ظروفها وأحوالها ومكانها وزمانها، من قبيل الأمثلة التي مر ذكرها، فقد يسأل سائل عن حالة تخصه أو تخص منطقة جغرافية يسكنها أو تخص ظرفاً خاصاً يمر فيه أو حالاً خاصة يمر بها السائل فيجيبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (ع) «أو الصحابي» بجواب يتعلق بحالته المشابهة والمماثلة لحالته، فيكون النص في حقيقة الحال نسبياً وليس مطلقاً لجميع الأحوال والأزمان والأقوام والأشخاص؟.
وفي هذه الحالة على الفقهاء ـ في عملية الاجتهاد والاستنباط ـ ألا ينظروا إلى النص على أنه تشريع مطلق على كل حال، عليهم أن يفسحوا مجالاً للنظر في كونه تشريعاً «نسبياً» لحال دون حال وظرف دون آخر، وأن يبذلوا جهودهم في اكتشاف حقيقة الحال من هذه الجهة، وألا يكتفوا بكون النص وصل إلينا مطلقاً ومجرداً من الخصوصيات، في الحكم بإطلاقه في الزمان والمكان والأحوال والأقوام، وشريعة للأمة كلها في جميع أزمانها وأحوالها وظروفها وتقلباتها، فيجمدوا عليه كذلك في مقام الاستنباط.
ومما ينبغي أن يعزز هذه النظرة «المتحركة» إلى النصوص التشريعية ما نص به كثير من أعاظم الفقهاء من أن «التعبد الشرعي» المقتضي للجمود على النص معلوم في باب العبادات فقط. وأما في أبواب المعاملات بالمعنى الأعم، فإن «التعبد الشرعي» غير معلوم الثبوت فيها، بل معلوم عدم الثبوت في جميعها، فلا ريب أن في هذه التشريعات ما هو نسبي ناشىء من علة خاصة بحالة معينة أو ظرف معين لا يتعداه إلى غيره، وعلى الفقيه أن يكتشف هذا الجانب المتغير والمتحرك، ولا يجمد على النصوص بدعوى أن هذا شرع الله إلى يوم القيامة.
وفي نصوص السنة أمثلة كثيرة للتشريعات «النسبية» والتي توهم بعض المحدثين أنها مطلقة، وتوهم الفقهاء أنها مطلقة، من قبيل الأمثلة التي ذكرناها.
ونحن نميل إلى هذا الفهم، ولا نبني عليه الآن، لأنه يحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل والمباحثة مع الفقهاء. ولا يخفى أن الفقه الإسلامي، في جميع المذاهب، قد بني على هذه النظرة «الجامدة الإطلاقية إلى النص»، ولم يفسح المجال للنظر في النصوص برؤية متحركة وعلى ضوء الواقع.
ولذا فإن مجالات إعادة النظرة في الفقه كثيرة… منها مجال فقه المرأة في بعض جوانبه. ومنها المجال المالي ـ الاقتصادي (تشريع الخمس عند الشيعة/ زكاة النقدين عند الشيعة). ومنها تشريع الجهاد الابتدائي في الإسلام وغيرها.
محمد مهدي شمس الدين
الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد عند الشيعة
إن حركة الاجتهاد تتحدد وتكسب اتجاهاتها ومعالمها على أساس عاملين وهما: عامل الهدف وعامل الفن ومن خلال ما يطرأ على هذين العاملين من تطور أو تغيير تتطور الحركة نفسها، وأقصد بالهدف الأثر الذي تتوخاه حركة الاجتهاد ويحاول المجتهدون تحقيقه وإيجاده في واقع الحياة.
وأريد بالفن: درجة التعقيد والعمق في أساليب الاستدلال التي تختلف في مراحل الاجتهاد تبعاً لتطور الفكر العلمي.
ونحن حين نريد أن ندرس الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد أو نتنبأ عنها بشيء، لا نملك طريقاً إلى ذلك إلا أن نفحص بعناية البدايات والبذور التي تحملها حركة الاجتهاد في واقعها المعاصر ونربط هذه البذور بأحد العاملين السابقين الهدف والفن ونقدّر على ضوئها ماذا يمكن أن تصبح هذه البذور في يوم ما؟ وكيف تنمو؟ وماذا سوف تُدخل على حركة الاجتهاد من تغيير؟.
ويمكننا أن نقسم البحث عن الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد إلى قسمين:
أحدهما: الاتجاهات المستقبلية التي يمكن التنبؤ بها على أساس العامل الفني في الحركة.
والآخر: الاتجاهات المستقبلية التي يمكن التنبؤ بها من زاوية الهدف، فعلى أساس العامل الفني يمكن أن ندرس فكرة معينة منذ دخولها حركة الاجتهاد وأطوارها المتعددة من حيث العمق والتعقيد، فيتاح لنا أن نقدر الوضع الذي سوف تنتهي إليه في نموها الفني. وعلى أساس الهدف قد نلمح تغييراً في هذه الزاوية ومن الطبيعي أن يكون للتغيير في جانب الهدف آثاره وانعكاساته على مختلف جوانب الحركة، وفي ضوء تقدير معقول لنوعية هذه الانعكاسات يمكن أن نضع فكرتنا عن الاتجاهات المستقبلية للاجتهاد وإني أحس أن تناول الموضوع من الزاوية الفنية الخاصة لا مجال له الآن بالرغم من أنه طريف وممتع لأن ذلك يضيع على غير الاختصاصيين فرصة متابعة الحديث وبهذا سوف أقتصر على عامل الهدف وأدرس البدايات النامية في الواقع المعاصر لحركة الاجتهاد وما تشكل من اتجاهات مستقبلية لهذه الحركة من زاوية الهدف ونوعية تأثيره على الحركة كلها.
ما هو الهدف من حركة الاجتهاد
وأظن أننا متفقون على خط عريض للهدف الذي تتوخاه حركة الاجتهاد وتتأثر به وهو تمكين المسلمين من تطبيق النظرية الإسلامية للحياة، لأن التطبيق لا يمكن أن يتحقق ما لم تحدد حركة الاجتهاد معالم النظرية وتفاصيلها… ولكي ندرك أبعاد الهدف بوضوح يجب أن نميز بين مجالين لتطبيق النظرية الإسلامية للحياة.
أحدهما: تطبيق النظرية في المجال الفردي وبالقدر الذي يتصل بسلوك الفرد وتصرفاته.
والآخر: تطبيق النظرية في المجال الاجتماعي وإقامة حياة الجماعة البشرية على أساسها بما يتطلبه ذلك من علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية.
وحركة الاجتهاد من حيث المبدأ ومن الناحية النظرية وإن كانت تسهدف كلا مجالي التطبيق لأنها سواء في حساب العقيدة، ولكنها في خطها التاريخي الذي عاشته على الصعيد الشيعي كانت تتجه في هدفها على الأكثر نحو المجال الأول فحسب، فالمجتهد خلال عملية الاستنباط يتمثل في ذهنه صورة الفرد المسلم الذي يريد أن يطبق النظرية الإسلامية للحياة على سلوكه ولا يمثل صورة المجتمع الذي يحاول أن ينشىء حياته وعلاقاته على أساس الإسلام، وهذا التخصيص والانكماش في الهدف له ظروفه الموضوعية وملابساته التاريخية فإن حركة الاجتهاد عند الشيعة قاست منذ ولدت تقريباً عزلاً سياسياً عن المجالات الاجتماعية للفقه الإسلامي نتيجة لارتباط الحكم في العصور الإسلامية المختلفة وفي أكثر البقاع بحركة الاجتهاد عند السنّة.
وهذا العزل السياسي أدى تدريجياً إلى تقليص نطاق الهدف الذي تعمل حركة الاجتهاد عند الشيعة لحسابه، وتعمق على مر الزمن شعورها بأن مجالها الوحيد الذي يمكن أن تنعكس عليه في واقع الحياة وتستهدفه هو مجال التطبيق الفردي وهكذا ارتبط الاجتهاد بصورة الفرد المسلم في ذهن الفقيه لا بصورة المجتمع المسلم.
نتائج الانكماش في الهدف
إن الانكماش وأخذ المجال الفردي للتطبيق بعين الاعتبار فقط نجم عنه انكماش الفقه من الناحية الموضوعية، فقد أخذ الاجتهاد يركز باستمرار على الجوانب الفقهية الأكثر اتصالاً بالمجال التطبيقي الفردي وأهملت المواضيع التي تمهد للمجال التطبيقي الاجتماعي نتيجة لانكماش هدفه وانكماش ذهن الفقيه عن الاستنباط غالباً إلى الفرد المسلم وحاجته إلى التوجيه بدلاً عن الجماعة المسلمة وحاجتها إلى تنظيم حياتها الاجتماعية.
وهذا الاتجاه الذهني لدى الفقيه لم يؤد فقط إلى انكماش الفقه من الناحية الموضوعية بل أدى بالتدريج إلى تسرب الفردية إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها فإن الفقيه بسبب ترسخ الجانب الفردي من تطبيق النظرية الإسلامية للحياة في ذهنه واعتياده أن ينظر إلى الفرد ومشاكله عكس موقفه هذا على نظرته إلى الشريعة فاتخذت طابعاً فردياً وأصبح ينظر إلى الشريعة في نطاق الفرد وكأن الشريعة ذاتها كانت تعمل في حدود الهدف المنكمش الذي يعمل به الفقيه فحسب وهو الجانب الفردي من تطبيق النظرية الإسلامية للحياة.
ولأذكر مثالين من الأصول والفقه تجدون خلالهما كيف تسربت الفردية من نظرة الفقيه إلى هدفه إلى نظرته للشريعة نفسها:
أما المثال الأصولي فنأخذه من بحوث دليل الانسداد الذي يعرض الفكرة القائلة بأننا ما دمنا نعلم بأن في الشريعة تكاليف ولا يمكننا معرفتها بصورة قطعية فيجب أن يكون المتتبع في معرفتها هو الظن… إن هذه الفكرة يناقشها الأصوليون قائلين: لماذا لا يمكن أن نفترض أن الواجب على المكلف هو الاحتياط في كل واقعة بدلاً عن اتخاذ الظن مقياساً، وإذا أدى التوسع في الاحتياط إلى الحرج فيسمح لكل مكلف بأن يقلل من الاحتياط بالدرجة التي لا تؤدي إلى الحرج. انظروا إلى الروح الكامنة في هذ الافتراض، وكيف سيطرت على أصحاب النظرة الفردية إلى الشريعة، فإن الشريعة إنما يمكن أن تأمر بهذا النوع من الاحتياط لو كانت تشريعاً للفرد فحسب، وأما حيث تكون تشريعاً للجماعة، وأساساً لتنظيم حياتها؛ فلا يمكن ذلك بشأنها لأن هذا الفرد أو ذاك قد يقيم سلوكه كله على أساس الاحتياط، وأما الجماعة كلها فلا يمكن أن تقيم حياتها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والسياسية على أساس الاحتياط.
وأما المثال الفقهي فنأخذه من الاعتراض الشهير الذي أثاره الفقهاء حول قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» إذ قالوا إن هذه القاعدة تنفي وجود أي حكم ضروري في الإسلام بينما نجد في الإسلام أحكاماً ضرورية كثيرة كتشريع الديات والقصاص والضمان والزكاة فإن في تشريع هذه الأحكام إضراراً بالقاتل الذي يكلف بالدية وبالقصاص وإضراراً بالشخص الذي يتلف مال غيره إذ يكلف بضمانه، وإضراراً بصاحب المال الذي يكلف بدفع الزكاة.
إن هذا الاعتراض يقوم على أساس النظرة الفردية إلى التشريع؛ فإن هذه النظرة هي التي أتاحت لهم أن يعتبروا هذه الأحكام ضررية بينما لا يمكن أن تعتبر هذه الأحكام ضررية في شريعة تفكر في الفرد بوصفه حراً من جماعة ومرتبطاً بمصالحها؛ بل إن خلو الشريعة من تشريع الضمان والضرائب يعتبر أمراً ضررياً.
وقد كان من نتائج ترسخ النظرة الفردية قيام اتجاه عام في الذهنية الفقهية يحاول دائماً حل مشكلة الفرد المسلم عن طريق تبرير الدافع وتطبيق الشريعة عليه بشكل من الأشكال، فنظام الصيرفة القائم على أساس الربا مثلاً بوصفه جزءاً من الدافع الاجتماعي في المعاش يجعل الفقيه يحس بأن الفرد المسلم يعاني مشكلة تحديد موقفه من التعامل مع مصارف الربا، ويتجه البحث عندئذ لحل مشكلة الفرد بالمسلم عن طريق تقديم تفسير مشروع للواقع المعاش بدلاً عن الإحساس بأن نظام الصيرفة الربوي يعتبر مشكلة في حياة الجماعة ككل، حتى بعد أن يقدم التفسير المشروع للواقع المعاش من زاوية الفرد، وليس ذلك إلا لأن ذهن الفقيه في عملية الاستنباط قد استحضر صورة الفرد المسلم والمشكلة بالقدر الذي ترتبط به بما هو فرد.
وقد امتد أثر الانكماش وترسخ النظرة الفردية للشريعة إلى طريقة فهم النص الشرعي أيضاً فمن ناحية أهملت في فهم النصوص شخصية النبيّ والإمام الحاكم ورئيس الدولة فإذا ورد نهي عن النبيّ مثلاً كنهيه أهل المدينة عن منع نقل الماء فهو إما نهي تحريم أو نهي كراهة عندهم مع أنه قد لا يكون هذا ولا ذاك؛ بل قد يصدر النهي من النبيّ بوصفه رئيساً للدولة فلا يستفاد منه الحكم الشرعي العام.
ومن ناحية أخرى لم تعالج النصوص بروح التطبيق على الواقع واتخاذ قاعدة منه؛ ولهذا سوغ الكثير لأنفسهم أن يجزئوا الموضوع الواحد ويلتزموا بأحكام مختلفة له، وأستعين على توضيح الفكرة بمثال من كتاب الإجارة، فهناك مسألة هي: أن المستأجر هل يجوز له ـ بدوره ـ أن يؤجر العين بأجرة أكبر من الأجرة التي دفعها هو حين الإيجار. وقد جاءت نصوص في هذه المسألة نصوص تنهى عن ذلك، والنصوص كعادتها في أغلب الأحيان جاءت لتعالج مواضيع خاصة. فبعضها نهى عن ذلك في الدار المستأجرة والسفينة المستأجرة، وبعضها نهى عن ذلك في العمل المأجور، ونحن حين ننظر إلى هذه النصوص بروح التطبيق على الواقع وتنظيم علاقة اجتماعية عامة على أساسها سوف نتوقف كثيراً قبل أن نلتزم بالتجزئة وبأن النهي مختص بتلك الموارد التي صرحت بها النصوص دون غيرها، وأما حين ننظر إلى النصوص على مستوى النظرة الفردية لا على مستوى التقنين الاجتماعي؛ فإننا نستسيغ هذه التجزئة بسهولة.
ما هي الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد؟
أُحس أن الحديث طال أكثر مما يستحب ولهذا فسوف أترك الاتجاهات المستقبلية للقارىء يستنتجها مما سبق فإن من الطبيعي حين يستعيد الهدف المحرك للاجتهاد أبعاده الحقيقية ويشمل كلا مجالي التطبيق أن تزول بالتدريج أثار الانكماش السابق ويتكيف محتوى الحركة وفقاً لإتساع الهدف ومتطلبات خط الجهاد الذي تسير عليه حركة الاجتهاد.
إن الانكماش الموضوعي يزول والامتداد العمودي الذي يعبر عن الدرجة العالية من الدقة التي وصل إليها الفكر العلمي سيتحول في سيره إلى الامتداد الأفقي ليستوعب كل مجالات الحياة وسوف يتحول الاتجاه نحو تغيير الواقع الفاسد وتقديم البديل الفكري الكامل عنه من وجهة نظر الإسلام وسوف يمحى في مفهوم حركة الاجتهاد أي تصور ضيق للشريعة ويزول من الذهنية الفقهية وتزول كل آثاره وانعكاساته على البحث الفقهي والأصولي.
وسوف يتحول فهم النصوص ويؤخذ منه كل جوانب شخصية النبيّ والإمام بعين الاعتبار كما نرفض التجزئة التي أشرنا إليها لا على أساس القياس بل على أساس ارتكاز وفهم اجتماعي للنص كما هو مشروح في بعض البحوث فإن للنص بمفهومه الاجتماعي مدلولاً أوسع من مدلوله اللغوي في كثير من الأحيان.
هذه هي الخطوط العريضة للاتجاهات المستقبلية على أساس التطور في طبيعة الهدف وتحول حركة الاجتهاد من حركة معزولة اجتماعياً إلى حركة مجاهدة تستهدف تقديم الإسلام ككل وتعتبر أن رسالتها هي توعية الأمة على ضرورة تطبيقه في كل مجالات حياتها.
أضطر لضيق المجال إلى الاكتفاء بما ذكرت من الخطوط مؤمناً بأن الثورة الكبرى التي أخذت مجراها في حركة الاجتهاد لتوسيع هدفها وتعميق رسالتها وانفتاحها على كل مجالات حياة الأمة وآمالها وآلامها.
إن هذه الثورة في جانب الهدف سوف تؤدي حتماً حينما يستكمل الهدف كل أبعاده الحقيقية إلى تغير عظيم في كثير من المناهج والتطورات والمواضيع.
محمد باقر الصدر
آراء غير شيعية معاصرة في الاجتهاد([454])
ـ 1 ـ
عرف التشريع الإسلامي مصطلح «الاجتهاد الفقهي» باعتباره الواسطة بين النص القرآني والنبوي الصحيح وبين الواقع، لإيجاد نوع من الجدل بينهما بحيث يظل النص قادراً دائماً على استيعاب ما يجري في الواقع عبر تخريج الفتاوى والأحكام الفقهية التي تجيب على الأسئلة الجديدة التي يفرضها تجدد الحوادث ومجريات الواقع. وبمراجعة تاريخ التشريع الإسلامي فإننا سنجد حقاً ميراثاً فقهياً اجتهادياً هائلاً في المسائل والقضايا ذات الطابع الفقهي المتصل بالسلوك الإنساني الفردي أو ما يطلق عليه عادة في علوم الفقه «قضايا الأحوال الشخصية». ولا ريب أن هذه القضايا شغلت مساحات واسعة جداً من القرآن الكريم والسنَّة النبوية الشريفة باعتبارها أمراً ثابتاً في الطبع والسلوك البشري لا يتغير، ومن ثم فإن تفصيلها كان متكافئاً مع طبيعة كونها من المسائل الثابتة في الإنسان، باعتباره إنساناً بصرف النظر عن وضعه الحضاري وتطوره التاريخي. كما أن الإنسان المسلم مهتم دائماً بطلب الفتاوى والأسئلة حول المشاكل والقضايا التي تواجهه في سلوكه الشخصي مثل الصلاة وما يتصل بها من وضوء وطهارة وغيره، أو مثل الزواج وما يتصل به من أحكام مثل المهر والنفقة والرضاعة، أو الطلاق وما يتصل به من عدة ونفقة أيضاً، وكذلك الحج والزكاة وغيرها. فإذا تقدمنا في مدوّنات الفقه الإسلامي نحو أبواب مثل القضاء والجهاد والحدود وغيرها، وجدنا الاجتهاد فيها يقل عن مسائل الأحوال الشخصية، كما أن الفتاوى بشأنها، أي أجوبة الفقهاء على أسئلة المستفتين تقل. ولأن قضايا الاجتماع العامة والتي تعرف بفروض الكفايات تناولتها النصوص من حيث قواعدها الكلية وضوابطها القيمية الحاكمة من دون خوض في تفصيلات مسهبة كما هو الأمر في قضايا الأحوال الشخصية. ولأن الاجتهاد كان نوعاً من النظر في النص لفهمه وتفسيره، فإن الشروح الاجتهادية على متون النصوص كانت على قدر النصوص ذاتها فلم تأت الاجتهادات هنا بحجم وضخامة الاجتهادات في معالجة الشؤون الفردية والأحوال الشخصية. ومع تطور المجتمع المسلم بدأت تواجهه أوضاع تنظيمية جديدة، هي بالأساس تطور وتجدد في الواقع نفسه، أي أننا كنا بإزاء نصوص مسهبة في قضايا شخصية، ثم صرنا بإزاء واقع جديد وضخم متخم بالمشكلات والأحداث مع ثبات في النصوص، بل وتدور فيها. ومن هنا كان الاجتهاد الفقهي في قضايا جديدة مثل «الخراج» الذي وضع قواعد تنظيمه الفقهي يحيى بن آدم، والقاضي أبو يوسف لهارون الرشيد. وعرفنا أيضاً كتب السير التي وضعها محمد بن الحسن الشيباني، وله كتابان في ذلك أحدهما «السير الصغير» والآخر اسمه «السير الكبير». ومعنى السير أي القواعد التي يجب أن يلتزمها الجيش المسلم حين يسير لفتح بلدان غير المسلمين، وهي السير التي اعتبرت بمثابة أول قواعد إنسانية لتقنين العلاقات بين الدول. كما ظهرت كتب في التنظيم السياسي والإداري الإسلامي عرفت باسم كتب «الأحكام السلطانية» ولدينا في ذلك كتابان مشهوران أحدهما للماوردي الشافعي والثاني بالاسم نفسه لأبي يعلي الحنبلي، ولنا وقفة بصدد استقصاء ما كتب في هذا الشأن. ولكننا أولاً ما نود إثباته والدعوة إليه هنا، وهو أن الاجتهاد الفقهي لمواجهة الواقع الجديد تمثل في شكل أساسي في تجاوز مجرد فهم وتفسير النص كما هو الشأن في الأحوال الشخصية إلى ربط النص بالواقع عبر جدول خلاق وعبر لغة جديدة تعطي للنص سعة وحيوية وطاقة هائلة تجيب على أسئلة الواقع الجديدة. وعلى رغم اعترافنا بأن الذي قدم هذه الاجتهادات هم أساساً فقهاء قضاة، إلا أننا نلاحظ أن فهمهم لكل من النص والواقع أعطانا نموذجاً جديداً للاجتهاد الفقهي هو أقرب ما يكون في لغتنا المعاصرة إلى «التفكير الفقهي» لجهة وضوح الطابع الذاتي للفقيه، ودراسته للنص والواقع. ونتج عن ذلك اجتهاد أكثر معاصرة وتحرراً من الاجتهاد الفقهي في قضايا الأحوال الشخصية. ويعطينا الطابع الذاتي للاجتهاد في قضايا الواقع وتنظيماته الإدارية والسياسية لدى هؤلاء الفقهاء إمكان النظر إلى هذه الاجتهادات باعتبارها أقل حجية وإلزاماً من الاجتهادات الفقهية في قضايا الأحوال الشخصية التي تبدو أكثر إلزاماً وقوة. وما نقصده بأن الاجتهادات مرتبطة بالواقع الذي انتجها ولا تتجاوزه إلى واقع جديد إلا بقدر ما تحمله من قيم ومبادىء، ونريد أن نمضي قدماً لنقول إن الواقع الجديد الذي تواجهه الأمة الإسلامية وأيضاً الحركات الإسلامية باعتبارها حركات اجتماعية تسعى إلى تغيير هذا الواقع، يفرض عليها مواجهة المشاكل الجديدة والمختلفة تماماً في طبيعتها وتعقيدها وكثافتها عبر اجتهاد ذي طابع سياسي.
وهذا الاجتهاد ليس شرطاً أن يقوم به متخصصون في الفقه كما هو شأن الاجتهاد الفقهي في مسائل العبادات أو الأحوال الشخصية أو في قضايا التنظيم السياسي والإداري الإسلامي، كما أنه يعبر عن وجهة النظر الإسلامية التي تقترب من إبداء الرأي في قضايا المجتمع والدولة السياسية والاجتماعية وفي الأصوات الجارية وهذا الاجتهاد السياسي يستند إلى القواعد والمبادىء الإسلامية والتي يطلق عليها المرجعية الإسلامية، لكنه لا يرقى إلى مستوى «الاجتهاد الفقهي» في قضايا الأحوال الشخصية والمسائل التعبدية من حيث إلزامه وحجيته.
إن مصطلح الاجتهاد، كما هو معلوم، يشير إلى أن القضايا التي يثور الاجتهاد بشأنها هي قضايا ذات طبيعة خلافية وليست من قضايا الاجماع أو مسائل الاعتقال. وكما هو معلوم أيضاً فإن المسائل الخلافية التي تتنازعها أفهام ورؤى المجتهدين لا توجب التأثيم أو التبديع أو اللوم أو الإنكار على المجتهد أو من يتابعه على اجتهاده. وهذا في الواقع هو سر قوة الفقه الإسلامي وديناميته، كما أنه سر رحابة الدين الإسلامي وسعة قواعد الشريعة ويسرها، بل ومرونتها وقدرتها على استيعاب الجديد.
وتواجه الحركات الإسلامية اليوم الحال نفسها، إذ لا ينظر إلى مسائل الاجتهاد الفقهي باعتبارها مناهج لفهم الشريعة، ولكنها مثار للتعصب حولها، بل وإعطاء القضايا صفة الاجماع والرأي الواحد الذي لا يجوز أن يكون موضعاً للاختلاف. والواقع أن قضايا الاجتهاد الفقهي اليوم في مسائل العبادات والأحوال الشخصية وغيرها جرت الإجابة عليها، والفقهاء اليوم يستعيدون اجتهادات السابقين ويعيدون تعريف الناس بها، فالإبداع فيها لن يأتي بجديد إلا ما ندر من مثل قضايا نقل الأعضاء ونحوه. أما القضايا التي تمثل تحدياً رئيسياً، فهي قضايا الواقع والتنظيمات السياسية والإدارية والمجتمعية، سواء بالنسبة إلى المجتمعات والدول الإسلامية أو الحركات الإسلامية ذاتها. وهذه القضايا هي التي تحتاج إلى ما أطلقنا عليه «الاجتهاد السياسي». فقضايا مثل العولمة والسيادة والتطبيع وامتلاك القنابل النووية هي قضايا تهم الدول والمجتمعات الإسلامية أو على مستوى الحركات الإسلامية. وأن قضايا مثل دخول الانتخابات والمشاركة السياسية وولاية المرأة وحدودها ومسألة الخروج على الحكام وتكييفها والموقف من غير المسلمين تمثل مواضيع للاجتهاد السياسي، ومن الطبيعي أن يكون المجتهدون السياسيون في حال الدول والمجتمعات الإسلامية أولي الأمر فيها، أي الحكام والقادة. كما أنه من الطبيعي أن يكون المجتهدون السياسيون في حال الحركات الإسلامية هم أيضاً قادتها وصناع القرار فيها. وهنا فإن الاجتهاد السياسي يستدعي في حال الدول والمجتمعات مدخل السياسة الشرعية التي هي مجال لسلطة أولي الأمر في التقاليد الإسلامية، كما أنه يستدعي في حال الحركات الاسلامية نظرية صنع القرار في عالم السياسة، لجهة أن هدف القرار بالأساس هو مواجهة لمشكلة متصلة بالواقع حيث تستمر مشكلات الواقع ومن ثم تستمر سيرورة القرار ذاته. والاجتهاد، بالتالي، في شأن المشكلة هنا هو اجتهاد سياسي، أي اجتهاد متصل بحل مشكلة في الواقع. والذي يواجه المشكلة هم مجتهدون متخصصون في مشاكل الواقع بالأساس، ومن ثم فإن الاجتهاد السياسي مختلف عن الاجتهاد الفقهي. وإذا حاولنا التقريب في الموضوع عبر التقاليد الإسلامية القديمة، فإنه ما بين الاجتهاد الفقهي المحض والاجتهاد الفقهي في التنظيم السياسي والإداري، كان يوجد ما يمكن أن نطلق عليه «الفكر السياسي» إذ يقوم المفكر بذكر النصائح وقواعد السلوك للحكام والمفكر هنا لم يكن يعبث وإنما كان يصدر عن خبرة تجعل من فكره موضعاً للاحترام، بل يمكن أن يتجاوز اللحظة التي أطلق فيها ليتخذ طابعاً إنسانياً وعالمياً كما في كتاب «سلوك المسالك في تدبير الممالك»، وكما في كتاب «سراج الملوك» للطرطوشي وغيرها.
الفكر السياسي هنا هو عين ما نقصده نحن بالاجتهاد السياسي وعلى سبيل المثال فإن الإسلاميين في مصر يضطربون الآن في ما يتصل بالمشاركة في العملية الانتخابية فبعضهم يؤيد والآخرون يعارضون، وقد يبالغ المعارضون إلى حد اعتبار المسألة خروجاً على العقيدة ودخولاً في محظور الشرك باعتبار أن النجاح في الانتخابات سيقود إلى المجلس التشريعي وهو ما يتناقض مع مبدأ الحاكمية. كما أنهم يضطربون في مسألة ترشيح امرأة في الانتخابات النيابية أو ترشيح قبطي. فهذه القضايا وغيرها تدخل في منطقة ما نطلق عليه «الاجتهاد السياسي»، حيث الواقع هو المصدر الرئيسي للتأمل والتفكير، إذ أن التعامل مع الواقع لا يتسم بطابع الثبات وإنما بدينامية تدور مع المصالح والمفاسد.فالاجتهاد السياسي يصاغ بلغة فكرية ذات طابع لا يحمل قداسة كما هي الحال بشأن الاجتهاد الفقهي. وكما استطاع المسلمون الأوائل تطوير إجابات لمواجهة مشكلات الواقع فظهر الفقه السياسي والإداري والتنظيمي، فإن الحركات الإسلامية مدعوة اليوم لبناء تقاليد ما أطلقنا عليه «الاجتهاد السياسي»، مستلهمة في ذلك قواعد السياسة الشرعية والنظر في تقدير الواقع بتعقيداته ومشكلاته التي لا تعرف الإطلاق أو التهويم وإنما تتأمل الفرص والقيود بلغة السياسة المعاصرة. إن أحد أهم الأسباب التي أعاقت العمل الإسلامي وبذرت الشقاق والخلاف بين فصائل الحركة الإسلامية المختلفة هو إضفاء طابع مقدس على اجتهاداتهم ورؤاهم في ما يتصل بالتصرف تجاه مشكلات الواقع. واجتهادهم فيها ليس مقدساً، بل هو نوع من التأمل الفكري الذي لا يحرم الآخرين من تأملاتهم وأفكارهم، ومن ثم فإن «الاجتهاد السياسي» يخرج بهذه الحركات من ضيق الرأي الواحد إلى سعة تعدد الآراء ومن ضيق الحكم على المخالف بأوصاف النفي والاستبعاد مثل التقسيم أو التأثيم أو التبديع إلى رحابة الأخوة الإسلامية والفكرية والإنسانية.
إن بناء الحركات الإسلامية المعاصرة لتقاليد «الاجتهاد السياسي»، واكتشاف قضايا ومناطق هذا الاجتهاد، سيفتح آفاقاً واسعة لإمكان تطور هائل لهذه الحركات، سواء في علاقتها بواقعها أو علاقتها ببعضها البعض بل وعلاقتها بمجتمعاتها وبمكوناتها أيضاً.
كمال حبيب
ـ 2 ـ
«التجديد» لفظ صار من كثرة تكراره اشبه بالأيقونة التي لا تشير إلا إلى نفسها، أو المشترك اللفظي الذي يعبر عن معانٍ متعددة بمنطوق واحد. وما تشهده الساحة الإسلامية من دعوات لتجديد الفقه خلال العقود القليلة الماضية يلفت النظر لكثرته وتعدد أهدافه، وتجديد الفقه أمر علمي متخصص، قد تمده روافد من الفكر النظري بفكرة هنا أو لمحة هناك، غير أنه يظل مهمة علمية تحكمها ضوابط ولا يجوز لأحد أن ينتدب نفسه إلا إذا حاز درجة كافية من العلم به.
منذ نشأت المذاهب الفقهية، في وقت مبكر من تاريخ الأمة والعقل جزء من منظومة الاجتهاد، يزيد دوره من مذهب لآخر ويقل، غير أنه لم يكن أبداً في نظر أي مذهب فقهي مصدراً للاحكام الشرعية. والتفرقة هنا واجبة بين المذاهب الفقهية والفرق الكلامية، وفي مناخ الاحتكاك الثقافي مع الغرب ظهر إلحاح شديد على فكرة أن يكون للعقل دور أكبر في تجديد الفقه، لا كآلة للتفكير، بل كمصدر للأحكام.
وهذا النزوع إلى عقلنة الفقه ترافقه منظومة يتم إعمالها متساندة وتشكل مجتمعة، نسقاً معرفياً مغايراً للنسق المعرفي الذي تأسس بنزول الوحي، كتوقيف إلهي موجه لمكلفين عاقلين يستلزم فهمهم له إعمال عقولهم فيه، حتى لو كان هذا الفهم سيقف عند حد فهم المعنى اللغوي، وهو أكثر مستويات التفاعل العقلي بساطة، لكنه في النهاية عمل عقلي.
أولى أفكار هذه المنظومة رغبة شديدة في البحث عن علل الأحكام، على رغم أن الكثير من الأحكام الشرعية لا يعرف له علة، وتكون هناك اجتهادات في استنباط حكمة لهذا التشريع أو ذاك، لكنها في النهاية اجتهادات للفهم، وليست عللاً تدور الأحكام معها وجوداً وعدماً.
وفي سياق اللهاث وراء هذا الهدف، ثمة مثال مشهور، هو محاولة استنباط علة حكم الصيام الذي جاء في القرآن الكريم كأمر غير مشفوع بتعليل {كُتِبَ عَلَيْكُمُ آلصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى آلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. وعندما اجتهد البعض بحثاً عن الحكمة تصوروا أنهم أدركوا العلة، فتحدث بعضهم عن الصيام كمشاركة للفقراء في إحساسهم بالجوع، غير أن أحداً من المتقدمين أو المتأخرين لم يقل بإسقاطه عن الفقراء. وتحدث بعضهم عن فوائده الصحية على رغم أن أحداً لم يقل بإسقاطه عن المريض إلا بشروط، وهكذا. فالقول بقدرة العقل على إدراك علل الأحكام، كل الأحكام، يعني ضمناً قدرة العقل على إنشائها، من خلال تحديد مقاصد الشارع وصون مقاصد الشريعة وفهمها فهماً مقاصدياً.
ويأتي بعد خطوة تحديد علة الحكم الشرعي وضع العلاقة بين النص والسياق (الواقع) في وضع معكوس بالحديث عن أسبقية السياق (الواقع) على النص، وهي مقولة تغفل جملة أمور أساسية:
أولها: أن السياق الذي ينحازون إليه سياق مستورد من نسق معرفي وحضاري آخر يوصف بالعالمية ويوصف منهجه بالعلمية، ويوضع ما سواه خارج إطار العالم والعلم معاً، وهو موقف مبني على احتكار الحق والواقع معاً من دون سند مقبول.
ثانيها: أن القول بأسبقية النص أو السياق من المسبقات التي لا يمكن إثباتها ببرهان نظري أو تجريبي، والانحياز إلى أي منهما يساوي الانحياز للآخر، ولا يوجد ما يرجح كفة أحدهما على الآخر إلا إذا كان تحكمياً.
ثالثاً: أن الفهم الصحيح للنص يقتضي التعامل معه كما يقدم نفسه لا كما نتصور نحن، طالما آمنا بقداسته وعصمته، والنتائج التي يرتبها هو على مفهومي القداسة والعصمة، والإيمان بالقداسة والعصمة ليس مما يتعارض مع العلمية، إذ أن مفهوم العلم نفسه من المسبقات.
كما أن ثمة خلطاً حول دور الفقيه، والمساحة المباح له إعمال عقله فيها تؤدي إلى تصور أن دوره إعادة بناء الأحكام الشرعية وفق سياق «العصر»، وتساءل أحد العلمانيين المصريين عن جدوى عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، طالما أصبح بالإمكان التأكد من خلو رحمها من الحمل بمجرد الطلاق أو وفاة الزوج، وهو (في إطار محاولة عقلنة الأحكام الشرعية) تساؤل مشروع، لكن النظر إلى الحكم الشرعي كتوقيف إلهي ينبغي طاعته، لصدوره عن الخالق سبحانه وتعالى، ولأن إرادته المطلقة اقتضت تعبيد المؤمنين له بطاعة، لا لكونه مبرراً أو قابلاً للتعليل العقلي، هو ما يحل الإشكالية.
ومن الأمور ذات الصلة بقضية الأحكام الشرعية والتجديد فيها الموقف من العلاقات التي ينشئها الحكم الشرعي. فالولاية التي يرتبها الشرع للرجل على زوجته وابنائه، مثلاً، أصل شرعي تترتب عليه نتائج مهمة في العلاقات الاجتماعية، وهي نتائج لا ترتبط بمفهوم التعليل العقلي سالف الذكر، كما أنها لا ينبغي أن تحمل ـ في نظرنا ـ أوزار الافتراق الحادث في مجتمعاتنا بين التنظيم الشرعي والتنظيم الاجتماعي. فالاتجاه إلى النظر إلى المواطنين كأفراد في كل المنظومات القانونية المطبقة في واقعنا يؤدي إلى وضع الأحكام الشرعية في حال صدام مع حركة المجتمع، والحل أن يعود التنظيم الاجتماعي إلى التطابق مع التنظيم الشرعي أياً كانت الضريبة، وإذا كان العلمانيون يتحدثون بجرأة ـ يحسدون عليها ـ عن «ثمن التقدم» فإن علينا أن نتحدث بجرأة عن «ثمن الالتزام».
فالدين لم يأت ليشرع للناس ما يحقق لهم مكاسب دنيوية وإن كان بالضرورة يحقق لهم التوازن بين الدنيا والآخرة، لكن حدود هذا التوازن ومعاييره مما استأثر الله بعمله، وإذا صارت المنافع الدنيوية متعارضة مع حكم شرعي صحيح، لا مع اجتهاد، فإن المشكلة لا تكون في الحكم الشرعي، بل في فهمنا نحن للمنفعة التي يجيز الشرع تحقيقها معنى وحدوداً.
وليس معنى هذا أن العلاقة بين الدين ومفاهيم الواقع والسياق، والمصلحة القائمة على التنافي، فهي علاقة مركبة أساسها مركزية النص الديني ووجود جدل بين النص والواقع وهو جدل للفقيه نفسه دور فيه. والعلاقة لا تشبه حتميات التفاعلات الكيماوية، التي لا يكون لشخص من يجربها أثر في نتائجها، وفي البعد الإنساني في الفقه إحدى ضحايا مفهوم عقلنة الدين، إذ يسعى البعض إلى تحويله إلى عمل آلي قابل تماماً للتنميط، بينما الاجتهاد ملكة لا مجرد بذل جهد كما يذهب كثير من علماء الإسلام.
وإذا كان العصر يطرح علينا اسئلة جديدة ـ وتلك سمة كل عصر ـ فإن علينا أن نبحث عن إجابة الأسئلة في الوحي، لا أن نبحث عنها في الحياة المعاشة، وحتى تكون مسيرة التجديد مستقيمة، ينبغي أن نفرق بين مفهومي الإعلام والاجتهاد فالقضية أن الذي يعلم جاهلاً بحكم شرعي ثابت لا يتغير بتغيير الزمان والمكان: كوجوب الصلاة أو عدد ركعاتها إنما يقوم بعملية إعلام، أما أن ينشىء حكماً فقهياً جديداً فهو عمل عقلي ينقسم إلى نوعين:
أولهما: أن يكون الحكم الجديد تفريعاً عن أصل تربطه به روابط تجيز إلحاق الثاني بالأول.
ثانيهما: أن يكون حكماً جديداً يقيس فيه واقعاً إلى قاعدة يرى إلحاقه بها مستخدماً قواعد استنباط الاحكام.
وليس لأحد كائناً من كان أن ينكر معلوماً مناطه الإعلام بدعوى حرية الاجتهاد، وليس لمجتمهد أن يدعي وجوب اتباع اجتهاد بدعوى أن الشريعة ملزمة.
ولكي تستقيم مسيرة التجديد ينبغي أن يحجم الفقهاء عن دخول مساحات المباح الذي لا نص فيه بأمر أو نهي، مستندين إلى تشقيقات وتفريعات بعضها لا يمت للشرع بصلة، وأن يتوقفوا عن الخلط المتعمد بين دور الفقيه ودور المفكر الإسلامي وهو واقع يعكسه أداء كثير من الفقهاء الذين يطرحون رؤاهم الفكرية، بل أحياناً ميولهم الشخصية بوصفها أحكاماً شرعية، كما يعكسه واقع ما ينشر في الصفحات المخصصة لباب الفتوى في الصحافة العربية، إذاً تجد أسئلة كثيرة طريقها إلى هذه الصفحات، بينما مكانها الصحيح أن توجه إلى أمر مرشد نفسي أو اجتماعي أو رجل قانون، وخطأ السائل في اختيار من يتوجه إليه بسؤاله لا يبرر خطأ المجيب الذي يقحم الإسلام في أمور الشارع ألاَّ تكون موضوع أمر أو نهي.
ولئن كان التجديد تحدياً يواجه فقهاء الأمة، فإنه ينبغي ألا يتحول إلى مريض يعصف أن يكون ثابتاً، فبقاء الفقه على حال من الجمود خطأ لا يقره منصف، غير أن تدجين الفقه باسم التجديد خطيئة ينبغي أن ينأى عنها الفقهاء.
ممدوح الشيخ
الاجتهاد والتقليد
الاجتهاد والتقليد من المسائل الأصولية التي تشتمل عليها كتب أصول الفقه. ولكن كثيراً من العلماء أفردوها في كتب مستقلة، سمي بعضها بأسماء خاصة مثل: الاجتهادية، العشرة الكاملة، قبس الاقتدار، مشكاة القول السديد، كفاية المستفيد. والبعض الآخر حمل اسم: الاجتهاد والتقليد. ويبلغ عددها حوالي التسعة عشر كتاباً.
إجراء الخيل
كتاب في أنساب الخيل في الجاهلية لهشام بن محمد بن السائب الكلبي النسابة المتوفى سنة 205هـ، وقد ذكر الكتاب ابن النديم باسم (الخيل).
الأجرام العلوية
على مذهب القدماء. وهي إحدى الرسائل التسع لأبي علي ابن سينا وقد طبعت في مطبعة الجوائب سنة 1298هـ.
ولابن سينا ترجمة مفصلة في كتاب (أعيان الشيعة) ونذكر هنا من ترجمته ما لم يذكر هناك. وسننشر عنه في الآتي تفاصيل أخرى.
وصفه بعض المؤرخين في أوروبا بأنه: (ليوناردو دافنشي) العرب. ولقبه بعضهم: بأرسطو الإسلام وأبقراطه، وجعله دانتي: بين أبقراط وجالينوس.
وكتابه (القانون) طبع في أوروبا خمس عشرة مرة باللاتينية ومرة بالعبرية في النصف الثاني للقرن الخامس عشر وظل يدرس في معاهدها حتى أواسط القرن السابع عشر.
وعرف ابن سينا أن الأمراض تنتقل بالعدوى وعرف أن يفرق بين داء الجنب وبين التهاب الحجاب الحاجز وأحسن وصف الأمراض الجلدية والاضطرابات العصبية.
وقال الأستاذ حيدر بامات: الدور الذي لعبه ابن سينا في تاريخ الفلسفة والعلم يعتبر في الدرجة الأولى من الأهمية، فهو صاحب الفضل في تأسيس نظام للتعليم عاش سبعة قرون، وهو المؤسس الرئيسي للفلسفة الإلهية. ولقد شرح ابن سينا فلسفته في نظام ودقة وقوة ولم تؤثر الفلسفة الأرسطوطالية أو الأفلاطونية الجديدة على تفكيره الخلاق، وكان يبحث في فلسفة أرسطو كشيء مستقل وعلى قدم المساواة مع فلسفته، بل كان كثيراً ما يصححها ويدخل التحسينات عليها. وفي أكثر من مرة كان ابن سينا السباق في بحث مسائل يسير عليها العلماء حتى الآن في العصر الحديث.
ولا مراء في أن الفيزياء والمنطق عند ابن سينا جاءا عن التقاليد التعليمية المعروفة، غير أن روحه المستقلة تشع من خلال جميع أعماله الفكرية، والنظريات التي قدمها ابن سينا في الفيزياء جديرة بالتقدير إذا ما قورنت بتطورات الفيزياء الحديثة، فقد كانت نظريات (ديناميكية) متحركة، على النقيض من نظريات أرسطو التقريرية، فقد وجه نظره بصورة خاصة إلى فعل الطاقة داخل المادة. غير أن نظرياته كانت تتصل اتصالاً وثيقاً بعلم النفس والميتافيزيقا كما هو الحال في جميع الأسس والنظريات العلمية، وهي ظاهرة تشكل في نفس الوقت عنصر الضعف في هذه الأسس التي ذكرناها.
أما تأملات ابن سينا في عالم (الميتافيزيقا) أو علم ما وراء الطبيعة فإنها تكشف عن تأثر بنظريات أرسطو وأفلاطون، كما أن آراءه في أصل الإنسان تكشف بوضوح عن آثار العالم الإغريقي بلوتون Plotinus في تفكيره.
ثم نقل عن الأنسة أ.م. جويشون قولها:
ليست هناك دراسة يمكن أن يجريها المرء على إنتاج مفكرينا في العصور الوسطى، دون أن يلمس وراءها أثراً لفلسفة ابن سينا. وكلما عمقت هذه الدراسة، تبين بوضوح أن ابن سينا لم يكن النبع الذي استقى منه هؤلاء بحرية فقط ولكنه أستاذ فلسفتهم بلا منازع».
وقال الدكتور علي توفيق شوشة: لن نجد لابن سينا بين العبقريين ضريباً، ولا بين قادة الفكر الإنساني من هو أكثر توفيقاً إلا قلة ممن رفعوا الطب إلى الذروة بين العلوم وتساموا بالفلسفة إلى ما وراء العقول وما كان جملة ما ألف وترجم في عصره وقبل عصره مطموراً في خزائن وصناديق موزعة في جهات الأرض بل الأرجح أن بعضهم قد فقد إلى الأبد فإنه يصعب على الباحث أن يقدر الشيخ الرئيس حق قدره كمؤلف وكمبتكر وكطبيب أكلينيكي فذ، أتى بالجديد، ووفق إلى ما زاد في ثروة الثقافة الطبية.
لقد نقل حنين بن إسحاق الطبيب العربي النصراني هو وتلامذته معظم مؤلفات جالينوس، وأبقراط، وترجم غيره كثيراً من مؤلفات الأغارقة والهنود، وأضيف إلى الطب العربي شيء جليل من طب قدماء المصريين والبابليين والأشوريين متواتراً بالممارسة محفوظاً في الذاكرة أو مسجلاً في البردي ونحوه مما كان يتخذ أداة لتدوين المعرفة.
وجاء بعد عصر الترجمة، عصر الابتكار المبني على المشاهدة والتجربة وساعد على ذلك كثرة البيمارستانات وهي تعادل في وقتنا كليات الطب ذوات المستشفيات وساعدت عليه أيضاً عوامل أخرى منها ارتقاء صناعة الورق، وتطور الخط العربي، وتقدم علوم اللغة وتطويعها للتعبير عن مختلف ضروب المعرفة، وبذل الخلفاء والوزراء والأمراء وسخاؤهم في النفقة على إنشاء البيمارستانات وإغداق المال على كبار الأطباء ودفع أثمان باهظة لقاء الترجمة والحرص على اقتناء النفيس من الكتب بالنفيس من النضار. حتى لقد أعطي حنين بن إسحاق على ترجمة كتاب جليل من اليونانية إلى العربية مثل وزنه. بدأ ابن سينا يؤلف كتاب «القانون في الطب» في أوائل القرن الحادي عشر بمدينة جرجان وأتمه وهو في وزارته الثانية للأمير علاء الدولة صاحب أصفهان، وقد أودعه ما جمعه ووعاه من حقائق الطب اتي زخرت بها كتب ذلك العصر على أنه بالطبع أضاف إليها من عنده ما لا سبيل إلى تقديره والبت في قيمته أو حتى معرفته على وجه التحقيق.
مثل ذلك: جاء في هذا الكتاب أن السل مرض تنتقل عدواه من المريض إلى السليم، فهل الشيخ الرئيس صاحب هذا الكشف العظيم؟!.
وجاء فيه أن الأمراض تنتقل بالتربة، وتنتقل بالماء أيضاً. فهل هو صاحب هذه النظرية عن وبائية الأمراض؟!.
وجاء فيه الكثير مما يجوز أن يكون نقله كما يجوز أنه من ابتكاره.
وعلى كل حال فإن هذا الكتاب العظيم، لم يكتب لأي كتاب في الطب ما كتب له من الخلود وبقاء الذكر واتساع النفع به ومدى ما أداه للإنسانية ولتقدم العلوم الطبية.
فهو بلا ريب كان أساساً لنهضة الطب الحديث علماً وعملاً. ترجمة جيرار (من أهل كريمونا) إلى اللاتينية لغة العلم في القرن الثالث عشر. وترجم غير مرة بعد ذلك، وكان من أهم المراجع في القرن الخامس عشر يوثق به في أوروبا كلها على اعتبار أنه «إنجيل الطب»، فلما اخترعت الطباعة ظهر كاملاً مطبوعاً في ستراسبورغ عام 1473م، وفي بادوا عام 1476م، وفي البندقية عام 1482م. وترجم إلى العبرية ـ من قبل ـ عام 1279، وطبع بها في نابولي عام 1491م، ومن الشائق أن الفرنجة أخذوا عن اليهود اسم ابن سينا فجعلوه «آفي سينا» وآفي بالعبرية معناها «ابن».
ويهمنا نحن العرب أن نعرف أن كتاب القانون قد طبع باللغة العربية في رونق بهي بمدينة روما عام 1593م، وظل كتاب القانون يدرس في كليات الطب بالبلاد الغربية حتى القرن السابع عشر، فهو بلا شك حلقة اتصال بين الطب القديم والحديث.
ومما استرعى انتباهي في كتاب القانون ـ كمصري وكطبيب ـ وصف ابن سينا لأعراض الانكلستوما وقوله إنها تتسبب عن ديدان تعلق بالأمعاء وأنا على ثقة من أن دراسة هذا الكتاب في ضوء العلوم الطبية الحديثة سيكشف فيه عن حقائق تفيد في إعادة التاريخ للطب. لكن أهم من ذلك، أن نحيي ما درس من الكتب التي قرأها الشيخ الرئيس كي نعطيه حقه ونضعه في المنزلة اللائقة به.
شيء خطير أحب أن يفطن إليه ويبحثه زملاؤنا الصيادلة والكيمائيون: هو أن ابن سينا رفض الكيمياء التي تقول إن في الوسع تحويل النحاس إلى ذهب إبريز، لكنه يعتبر في نظر بعض مؤرخي العلوم من الأقطار السبعة الذين وضعوا أساس الكيمياء كعلم قائم على التجربة والاختبار والمشاهدة.
وقال الدكتور أحمد فؤاد الأهواني.
… فمن الناحية الدينية نشأ ابن سينا في أحضان الشيعة فأبوه كان شيعياً وكذلك أخوه.
الأجفُر
جمع قلة لجفر، وهي البئر الواسعة لم تُطوَ: موضع بين فَيد والخزيمية بينه وبين فَيد ستةُ وثلاثون فرسخاً نحو مكة قال الزمحشري في كتابه الأمكنة (الاجفُر ماء كان لبني يربوع فانتزعته منهم بنو جذيمة)([455])، نزل به الإمام الحسين (ع) يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة سنة 60 هجرية. قال الطبري (… ثم أقبل الحسين سيراً إلى الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبدالله بن مطيع العدوي وهو نازل ها هنا فلما رأى الحسين قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي بابن رسول الله ما اقدمك واحتمله فأنزله فقال له الحسين (ع): كان من موت معاوية ما قد بلغك فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم فقال له عبدالله بن مطيع: اذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، انشدك الله في حُرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، انشدك الله في حُرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنها لحرمة الاسلام تنتهك، وحرمة قريش، وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة، ولا تعرض لبني أمية قال: فأبى إلا أن يمضي قال: فأقبل الحسين عليه حتى كان بالماء فوق زَرُود)([456]).
عبد الحسين الصالحي
الإجماع
تعريفه
الإجماع في اللغة لفظ مشترك بين العزم والتصميم ـ فيقال على سبيل المثال: أجمع القوم على النهوض بالعمل الفلاني، أي عزموا وصمموا عليه، ـ وبين الاتفاق فيقال: أجمعوا على القيام بعمل ما أي اتفقوا عليه.
وهو في اصطلاح الأصوليين موضع خلاف، وإن اتفقوا على دلالته على الاتفاق.
وموقع الخلاف منه متعلق الاتفاق فقيل: إنه مطلق الأمة، وقيل: خصوص المجتهدين منهم في عصر، وفي رأي مالك: اتفاق أهل المدينة([457])، وقال بعضهم: اتفاق أهل الحرمين (مكة والمدينة)، (أو أهل المصرين الكوفة والبصرة) وربما ضيق إلى اتفاق الشيخين أو (الخلفاء الأربعة)([458]) وفي بعض المذاهب: اتفاق خصوص مجتهديهم إلى ما هناك من أقوال لا تعكس أكثر من اختلافهم في مقدار ما ثبتت له الحجية من ذلك الاتفاق.
ولذلك لا نرى وجهاً لالتماس تحديد المراد من هذه اللفظة كمصطلح عام بعد أن كانت لا تتولى الحكاية عن مضمون موحد، فلا معنى للإشكال على تعاريفهم بعدم الاطراد والانعكاس.
والمهم في الموضوع أن يبحث عن اعتباره أصلاً من الأصول في مقابل الكتاب والسنة ودليل العقل، ثم عن حجيته ما يصلح للدلالة عليها من الأدلة، ومنها يلتمس مدى وجه الحق في هذه الأقوال وغيرها مما عرض في المطولة.
هل الإجماع أصل أو
حكاية عن أصل
ونريد بالأصل هنا أن يكون له كيان الواقعي، أي لا يحتاج إلى توسط في عالم الحكاية من قبل أصل من الأصول الثلاثة، فهو لا يحكي عن الكتاب أو السنّة أو العقل، وإنما هو مستقل في مقابلها في عوالم الحكاية عن الأحكام.
والظاهر أن الكثير منهم يرى أنه لا استقلال له، يقول الخضري: «لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند»([459]).
وفي حكايته عن الآمدي وغيره من بعض الأصوليين: «أنه لا يشترط المستند، بل يجوز صدوره عن توفيق بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب»([460]).
وقد ذكرت أدلة لكل من وجهتي النظر في كثير من الكتب وليس في استعراضها ومناقشتها أي جدوى لكون أكثرها واردة بمنأى عن أدلة الحجية. والذي يقتضي التركيز عليه استعراض أدلة الحجية، والنظر في حدود ما تقتضيه مضامينها من استقلال وعدمه.
وسيأتي: أن بعضها يبدو منه استقلاله في الحجية لظهوره بإعطاء العصمة للأمة، وجعل ذلك من مزاياها على أن يكون لاتفاقها خصوصية في إصابة الحكم الواقعي بمنأى عن بقية الأدلة، وإذا وجد هناك دليل على وفق الإجماع، فهو من باب تعدد الأدلة على الحكم الواحد كبعض الأدلة السمعية والعقلية، ولكن بعضها الآخر يبدو منه اعتبار المستند باعتبار حكايته عن رأي المعصوم، ومن استعراضها والتماس وجه الحق فيها تبدو نتائج ما ننتهي إليه.
الخلاف في حجيته
«ذهب المتكلمون بأجمعهم والفقهاء بأسرهم على اختلاف مذاهبهم، إلى أن الإجماع حجة، وحكي عن النظّام وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أنهم قالوا: الإجماع ليس بحجة، واختلف من قال إنه حجة من جهة العقل وهم الشذاذ، وذهب الجمهور الأعظم والسواد الأكثر إلى أن طريق كونه حجة السمع دون العقل([461]).
أدلة الحجية
وقد استدلوا على الحجية بالأدلة الثلاثة، وأقصوا الاجماع عن الاستدلال به على حجيته لانتهائه إلى الدور.
الكتاب:
وأهم أدلتهم من الكتاب هذه الآيات:
الأولى: قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِق الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ آلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمِّ وَسَاءَتْ مَصِيراً}([462])، [الآية؛ 115]، وقد قرب دلالتها عن مذهب الجمهور صاحب سلم الوصول بقوله: «إن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال: {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمِّ}، فيلزم أن يكون اتبّاع غير سبيل المؤمنين محرماً مثل مشاقة الرسول، لأنه لو لم يكن محرماً لما جمع في الوعيد بينه وبين المحرم الذي هو مشاقة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه لا يحسن الجمع بين حلال وحرام في الوعيد، وإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم إذ لا واسطة بينهما، ويلزم من اتباع سبيلهم أن يكون الاجماع حجة لأن سبيل الشخص هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد»([463]).
ويرد على هذا التقريب:
1 ـ أن ظهور تعدد الشرط مع وحدة الجزاء، اشتراكهما في علة التحريم ولازمه أن اتباع غير سبيل المؤمنين من دون مشاقة للرسول لا يدل على الحرمة فلا يتم المطلوب، وقد استظهر الغزالي ما يقرب من هذا المعنى من مساق الآية، وبعد ذلك دلالتها على الاجماع، يقول: «والظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه، ويتبع غير سبيل المؤمنين من مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه، نوله ما تولى فكأنه لم يكتف بترك المشاقة، حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم»([464]).
ب ـ وفي عقيدتي أن الآية لا يمكن أن تحمل على إرادة الاجماع منها لما فيها من كلمة «نوله ما تولى» إذ لا معنى للقول: بأن من يتبع غير ما أجمعوا عليه من الأحكام نجعل ما اتبعه من الحكم غير المجمع عليه والياً عليه يوم القيامة، وأي معنى لمثل هذا النوع من الكلام.
والظاهر أن مضمون الآية: أن من يشاقق الرسول ويخالف المؤمنين في أتباعه، ويتبع غيره من رؤساء الأديان والنحل الأخرى، نوله ما تولى، أي إننا نربط مصيره يوم القيامة بمصير من تولاه، فيكون مساقها أشبه بمساق الآية الأخرى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِمْ}([465])، وحينئذ تكون أجنبية عن مفاد جعل الحجية للاجماع.
وأظن أننا بهذا المقدار، نكتفي عن مناقشة المراد من كلمة: غير والألف واللام في المؤمنين، وغير ذلك مما ذكروه في مناقشة هذه الآية وأكثرها غير تام([466]).
الثانية: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةٌ وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى آلنَّاسِ}([467])، بتقريب: «أن الوسط هو العدل والخيار والعدل والخيار لا يصدر عنه إلا الحق، والإجماع صادر عن هذه الأمة، العدول الخيار فليكن حقاً»([468]) وهذه الدلالة لو تمت للآية، فهي لا تزيد على أكثر من إثبات العدالة لهم لا العصمة، والذي ينفع في المقام إنما هو إثبات العصمة لهم لا العدالة ليتم حكايتها عن الحكم الواقعي.
إذ العدل لا يمتنع صدور غير الحق منه ولو فرض فإنما «يلزم صدور الحق منه بطريق الظاهر فيما طريقه الصدق والكذب، وهو نقل الأخبار وأداء الشهادات، أما فيما طريقه الخطأ والصواب في استخراج الأحكام والاجتهاد فيها فلا»([469]).
الآية الثالثة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِآلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ آلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله وَلَوْ أَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُم مِنْهُمُ آلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ آلْفَاسِقُونَ} الآية: [110]([470])، وقد قربت دلالتها بما نقله الشيخ الطوسي في تقريبها، يقول في العدة: «قالوا وصف الله تعالى الأمة، بأنها خير أمة وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا يجوز أن يقع منها خطأ لأن ذلك يخرجها من كونها خياراً، ويخرجها من كونها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر إلى أن تكون آمرة بالمنكر وناهية عن المعروف، ولا ملجأ من ذلك إلا بالامتناع من وقوع شيء من القبائح من جهتهم([471]).
وسيأتي في مبحث (سنة الصحابة) عدم دلالة هذه الآية على أكثر من التفضيل النسبي وهو لا يستدعي العصمة وعدم الوقوع في الخطأ، على أنا لا نعرف وجهاً للملازمة التي ذكروها هنا في تقريب دلالة الآية بين عدم جواز وقوع الخطأ منهم وبين ما علل به من لزوم خروجها عن كونها خياراً، لأن الخيار يخطئون وإن كانوا معذورين كما هو الشأن في غير المعصومين من العدول، فإثبات العصمة للأمة بهذه الآية لا يتضح له وجه.
الآية الرابعة: قوله تعالى {وَآعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}([472])، بتقريب أن الإجماع حبل الله فيجب الاعتصام به ولا يجوز التفرق عنه.
وتمام دلالة الآية موقوف على أن يكون الاجماع مصداقاً لهذا المفهوم والآية لا تتكفل بإثبات ذلك لأنها لا تثبت موضوعها بداهة.
والآيات الباقية ـ وهي أضعف منها دلالة ـ تتضح مناقشتها مما عرضناه هنا فلا نطيل بعرضها والتحدث عنها.
السنّة
وقد استدلوا منها بطوائف من الأحاديث مأثورة عن عمر، ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان وغيرهم، من نحو قوله: لا تجتمع أمتي على الضلالة ـ لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة ـ سألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها ـ من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم ـ إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ـ يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ـ لا يزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، (وروي لا يضرهم خلاف من خالهفم) ـ إلا ما أصابهم من الأدواء ـ من خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ومات ميتة جاهلية([473]) إلى غيرها من الروايات.
وهذه الروايات على طوائف بعضها أجنبي عن عوالم جعل العصمة لرأي الأمة كالأخبار الداعية إلى الألفة والتجمع أمثال يد الله مع الجماعة، إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، وكالأخبار الحاثة على إطاعة السلطان ولزوم جماعته، أمثال «اتبعوا السواد الأعظم من شذ شذ في النار، ويد الله مع الجماعة» يقول الطوفي: «فأما نحو قوله (ع) اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار ويد الله مع الجماعة، فإنما المراد به طاعة الأئمة والأمراء وترك الخروج عليهم بدليل قوله (ع): اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وقوله (ع): من مات تحت راية عصبية مات ميتة جاهلية»([474])، إلى غيرها من الروايات.
يقول المحقق الكاظمي: «وأقوى ما ينبغي أن يعتمد عليه من النقل حديث لا تجتمع أمتي على الخطأ وما في معناه لاشتهاره وقوة دلالته، وتعويل معظمهم ولا سيما أوائلهم عليه وتلقيهم له بالقبول لفظاً ومعنى، وإدعاء جماعة منهم تواتره معنى، وموافقة العلامة من أصحابنا لهم على ذلك في أوائل من كتاب الألفين أنه يتفق عليه أي بين الفريقين وتعداده في القواعد من خصائص نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) عصمة أمته بناء على ظاهرها، وكذلك من التذكرة مع التصريح بعصمتهم من الاجتماع على الضلالة ووروده من طرقنا أيضاً»([475]).
والروايات التي ذكرها ـ من طرقنا ـ ليست جامعة لشرائط الحجية في أخبار الآحاد ولا جدوى بعرضها، ويمكن الرجوع إليها في كتابه المذكور([476])، وأهم ما أورد هذه الروايات من اعتراضات ما ذكره الطوفي من «أن هذا الخبر وإن تعددت ألفاظه ورواياته لا نسلم أنه بلغ رتبة التواتر المعنوي لأنه إذا عرضنا هذا الخبر عن أذهاننا، وسخاء حاتم، وشجاعة علي، ونحوهما المتواترات المعنوية، وجدناها قاطعة بثبوت الرأي الثاني غير قاطعة بالأول فهو إذن في القوة دون سخاء حاتم وشجاعة عليّ وهم متواتران، وما دون المتواتر ليس بمتواتر، فهذا الخبر ليس بمتواتر لكنه في غاية الاستفاضة، فإن قيل تلقته الأمة بالقبول فدل على ثبوته، فجوابه من وجوه:
أحدها: لا نسلم تلقيها له بالقبول إذ منكرو الاجماع كالنظّام والشيعة([477])، والخوارج والظاهرية ـ فيما عدا إجماع الصحابة ـ لو تلقوه بالقبول لما خالفوه.
الثاني: أن الاحتجاج بتلقي الأمة له بالقبول احتجاج بالإجماع، وهو إثبات الشيء بنفسه»([478])، إلى آخر ما ناقش به.
ولكن الظاهر أن هذه المناقشات غير واردة، لأن المراد بتلقي الأمة له بالقبول ليس كل الأمة بل أغلبيتها، ولو سلم فربما كان خلاف الخوارج والظاهرية من جهة الدلالة، فلا يؤثر في صحة السند، والاستدلال بالتلقي له بالقبول ليس استدلالاً بالاجماع ليلزم اثبات الشيء بنفسه، وإنما هو من عوامل إحداث الاطمئنان بصحة صدوره، وهو أشبه بما سبق أن ذكرناه من أن اعراض المشهور عن الرواية يوجب وهنها حتى إذا كانت صحيحة، وأخذهم بالرواية الضعيفة يوجب الوثوق بصدورها وقد قلنا هناك إن المدار على حصول الوثوق بالصدور فإن أحدث تلقي الأمة له بالقبول ذلك كان هو الحجة وإلا فلا.
تبقى مناقشة واحدة وهي واردة على جملة ما ذكر من الأدلة السمعية لا على خصوص هذا الحديث، وهي ورود لفظ الأمة فيها أو ما يؤدي مؤداها والأخذ بظاهره لا يفيد إلا من قال: بأن اجماع الأمة حجة، أما بقية الأقوال كإجماع المجتهدين أو أهل الحرمين أو الصحابة أو أهل طائفة ما، فإن هذه الأدلة لا تصلح لإثباتها والقول بأن الأمة ليست هي إلا مجتهديها وأهل الحل والعقد فيها، فلا عبرة بغيرهم قول لا يعتمد سوى الخطابة والاستحسان، وهما لا يصلحان في مقام التمسك بالأدلة على الحجج الشرعية، فالخروج على النص فيها لا مبرر له، وأوضح من ذلك في الاشكال قصرها على الصحابة أو أهل المدينة، وهكذا…
العقل
وقد صور دليلهم بصور عدة لعل أهمها ثلاث:
أولاها: ما ذكر من: «أن الجم الغفير من أهل الفضل والذكاء مع استفراغ الوسع في الاجتهاد وإمعان النظر في طلب الحكم، يمتنع في العادة اتفاقهم على الخطأ»([479])، وقد أشكل على هذا الدليل «بالنقض بإجماع اليهود والنصارى وسائر أهل الملل على ضلالتهم، مع كثرتهم، وفضلهم واجتهادهم وإمعانهم في النظر»([480])، وما أكثر ما يقع الاشتباه في الأمور الحدسية أوالبرهانية، وكم اتفق الفلاسفة على أمر برهاني، ثم انكشف خطؤه بعد ذلك، وتاريخ العلماء مليء بذلك.
ثانيها: ما ذكره الشيخ الطوسي من الاستدلال بقاعدة اللطف، وقد قربت هذه القاعدة بتقريب: أن الله سبحانه يجب عليه، من باب اللطف بالعباد: «أن لا يمنعهم عن التقريب والوصول إليه، بل عليه أن يكمل نفوسهم القابلة، ويرشدهم إلى مناهج الصلاح، ويحذرهم من مساقط الهلكة، وهذا هو السبب في لزوم بعث الرسل وإنزال الكتب، وعليه فلو اتفقت الأمة على خلاف الواقع في حكم من الأحكام، لزم على الإمام المنصوب بحجة على العباد إزاحة الشبهة بإلقاء الخلاف بينهم، فمن عدم الخلاف نستكشف موافقة رأي الإمام (ع) دائماً، ويستحيل تخلفه».
على أن القاعدة لا تتم في نفسها بالنسبة إلى موضع حديثنا، لأن القاعدة غاية ما تقتضيه أن يصدر تبليغ الأحكام للناس على النحو المتعارف لا أن يوصلها إلى كل فرد، وربما يكون الإمام قد بلغ، ولم يصل إلى هؤلاء المجتهدين لبعض العوامل التي اقتضت الاختفاء.
والمصلحة التي تقتضي اختفاء الإمام نفسه، قد تكون متوفرة في اختفاء أحد الأحكام، لا يلزم إظهاره على كل حال، على أن إيقاع الخلاف من شخص مجهول لا يؤثر الأثر المطلوب في بلورة الحكم وإظهاره، فما قيمة هذا الخلاف؟.
ثالثها: ما ذكر من أن الإجماع يكشف عن دليل معتبر عند المجمعين بحيث لو وصل إلينا لكان معتبراً عندنا.
ويرد على هذا الوجه، أن الدليل إما أن يكون كتاباً أو سنّة أو حكم عقل أو قياساً، ولا يمكن أن يكون إجماعاً، إذ لا معنى لأن يكون الإجماع على حكم مستنداً للاجماع عليه. أما الكتاب فآياته محدودة وهي بأيدينا، ومع قيامها لدينا، لا معنى لالتماس الحجة من الإجماع لكفاية المستند، على أن مفروض الدليل أن المستند غير واصل إلينا فلا يحتمل أن يكون آية، كما لا يحتمل أن يكون حكم عقل، لأن الأحكام العقلية ـ كما يتضح من مفهومها الآتي لا تتوفر، إلا إذا تطابق عليها العقلاء، والمفروض أننا منهم فلا يمكن أن تختفي عنا لنحتاج إلى استكشافها في اتفاق الفقهاء، ومع فرض اختفائها عنا، فلا تطابق بين العقلاء الملازم لانتفاء الحكم عقلاً.
وأما السنة فالمتواتر منها لا يختفي عنا، وغير المتواتر لا يكشف عن الحجة سنداً ودلالة لاحتمال اعتماد المجمعين على ما لا تتفق معهم على صحة الاعتماد عليه في روايته لو اطلعنا عليها، ولاحتمال اختلافنا معهم في كيفية استفادة الحكم منها، وقد رأينا في أخبار البئر ما كان متفقاً على دلالته في يوم ما، ثم تبدلت وجهة نظر الفقهاء في العصور المتأخرة فيها، ومن هنا قيل إن فهم المجتهدين لا يكون حجة على غيرهم من العلماء.
والقياس لما كان نفسه موضع خلاف كبير بين العلماء لا يمكن أن يكون مستنداً للإجماع بل لا يمكن أن ينعقد إجماع من غير القائلين به لعدم إمكان استنادهم إليه من انتهائهم إلى عدم حجيته، وما قيمة إجماع لا يشترك فيه ما يقرب من نصف الأمة.
قد ضربوا له من الأمثلة، إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر قياساً على تقديمه في الصلاة([481])، والمناقشة في هذا المثال واردة صغرى وكبرى. أما من حيث الصغرى فلعدم انعقاده مع خلاف عشرات من الصحابة أمثال علي والعباس وولده وبقية بني هاشم وعمار وأبي ذر والزبير والمقداد وسلمان وسعد بن عبادة واتباعه إلى غيرهم من أهل الحل والعقد.
وأما الكبرى فلأن نسبة الاعتماد إليهم جميعاً على القياس لا تخلو من تخرص لعدم تصريح الجميع بذلك بالإضافة إلى عدم حجية نفس القياس ـ كما يأتي الحديث عنه ـ.
والغريب أن تفهم أحداث التاريخ الكبرى بهذا المقدار من الفهم الساذج حيث يعتقد أن الصحابة كانوا على درجة من الغفلة بحيث يسكتون عن التساؤل عن معرفة مصيرهم بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي عاش ما بين ظهرانيهم مدة من الزمن مريضاً ينعي إليهم نفسه، أما كان فيهم من يجرؤ على سؤاله عن وظيفتهم في تعيين الحكم وأسلوبه من بعده، وهل يعتمد الاختيار؟ وكيف؟ وما هي شروط الناخب أو المنتخب؟ أو يعتمد النص؟ ومن هو المنصوص عليه؟ والنبيّ نفسه هل يمكن أن يغفل عن هذا الأمر الخطير ويعرض الأمة إلى درجة قد تأتي ـ في أيسر خلافاتها حول أسلوب الحكم وتعيين الحاكم ـ على الإسلام نفسه؟ وبخاصة إذا لوحظ ظروفها الخارجية من تعرضها لغزو الروم وخروج مسيلمة وارتداد كثير من الأعراب، إلى ما هنالك مما يعرض الأمة لأشد الأخطار لو تعرضت إلى أية خلافات داخلية حول الحكم، أَمِنَ الحق أن نفترض أن الصحابة كانوا على هذه الدرجة من الغفلة، ثم استيقظوا بعد وفاة نبيهم دفعة واحدة فلم يجدوا أمامهم من الأدلة في تعيين الحاكم إلا هذا النوع من القياس المظنون ليجعلوه مصدراً لأهم حدث في تاريخهم الاجتماعي، أهكذا تفهم أحداث التاريخ وربطها بأسبابها الحقيقية بيئية وزمانية ونفسية؟! ولنا من هذا الحديث موقف طويل في كتابنا عن (عبدالله بن عباس) حبر الأمة، وليس موضع عرضه هنا، وطبيعة مناقشة المثال لا تستدعي أكثر من هذا الكلام.
وهناك أدلة نظرية تعود إلى ضرورة دخول الإمام في جملة المجمعين، قولاً أو إقراراً بحكم كونه رئيسهم، فهم لا يخالفونه عادة أو لا يقرهم على المخالفة.
وهي أدلة لا تتجاوز الحدث وقد نوقشت في كتب الشيعة جميعاً وبخاصة المتأخرين منهم([482])، فلا جدوى بإطالة الحديث فيها.
بقيت دعوى من يدعي أن الإجماع مما يحصل بسببه القطع بوجود دليل لو اطلعنا عليها لوافقنا المجمعين على الحكم، وهي دعوى لا تنفع إلا من يحصل لديه القطع، ولا يبعد أن يحصل غالباً مثل ذلك في كثير من الأحكام الإجماعية، وبخاصة تلك التي لا تتصل بمنابع العاطفة أو العقيدة.
ومن هنا يتضح أن هذه الأدلة مختلفة في ألسنتها، فبعضها يعطي الإجماع قيمة كبرى تجعله في مقابل الكتاب والسنّة وحكم العقل أي تجعله دليلاً مستقلاً في مقابل بقية الأدلة السمعية التي عرضناها مفصلاً وبخاصة حديث (ما اجتمعت أمتي على ضلال) لإعطائها فضيلة العصمة وعدم الخطأ، فكأن لاجتماعها على الحكم خصوصية في بلوغ الواقع ولو من غير الطرق المعروفة، كالكتاب والسنّة.
وبعضها تعتبره كاشفاً عن رأي الإمام عن دليل معتبر من الكتاب والسنّة، أو القياس على اختلاف في المباني، ومثل هذه الأدلة لا تعتبر الإجماع دليلاً مستقلاً، فعده في مقابلها في غير موضعه.
وعلى المبنى الأول أن الإجماع متى قام أخذ به، ولا يعارضه دليل سمعي له ظاهر على الخلاف ويستحيل أن يعارض القطعي سنداً، ودلالة منها ـ أي الأدلة ـ لأن الشارع لا يتناقض على نفسه، وعلى المبنى الثاني متى عرف المستند من كتاب أو سنّة نقل الحديث إليه، ولا معنى للتعبد به بالخصوص، بل متى احتمل منه الاستناد إلى دليل ظني لم يحصل القطع بحجيته، ينقل الحديث إلى نفس ذلك المستند.
ومن هذا العرض لهذه الأدلة يتضح أن الحجية منوطة بإجماع الأمة لا الصحابة ولا أهل المدينة ولا الحرمين ولا مجموع المجتهدين ولا أهل المصرين، فتخصيص غير الامة بالحجية على أي دعوى من هذه الدعاوى، لا يتضح له وجه وليس عليه دليل، نعم ما ذهب إليه القائلون باكتشاف رأي الإمام من دخوله ضمن المجمعين لا يعين الأمة جميعاً بل يكفي منها ما يعتقد فيه بدخول الإمام.
قال المحقق في المعتبر، وهو ممن يذهبون إلى أن مناط الحجية هو دخول الامام: «فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنتين، كان قولهما حجة»([483])، وقال السيد المرتضى «إذا كان علة كون الإجماع حجة كون الإمام فيهم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان الإمام في أقوالها، فإجماعها حجة»([484]) إلى ما هنالك من التصريحات بذلك.
حكم منكري حجية الإجماع
ومن هذه الأدلة التي عرضناها ـ وهي قابلة للمناقشة ـ لا نرى مبرراً لمن يذهب إلى تكفير منكري حجية الإجماع كما ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين بدعوى «أن إنكاره متضمن إنكار دليل قاطع وهو يتضمن إنكار صدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك كفر([485])، وما أجمل ما قاله إمام الحرمين، وهو يفصل القول في المسألة ويرد على هؤلاء دعواهم: «فشا في لسان الفقهاء ان خارج الإجماع يكفر، وهو باطل قطعاً، فإن منكر أصل الإجماع لا يكفر، والقول في التكفير والتبري ليس بالهيّن» ثم قال: «نعم من اعترف بالاجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه، كان التكذيب آيلاً إلى الشارع، ومن كذب الشارع كفر، القول الضابط فيه أن من أنكر طريقاً في ثبوت الشرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم جحده، كان منكراً للشرع وإنكاره جزءاً من الشرع كإنكاره كله([486])، وهذا التفصيل من إمام الحرمين في موضعه لوضوح أن إنكار الطريق لا يستلزم إنكار حكم شرعي ثبت بالضرورة بخلاف الاعتراف به وجحوده والتنكر له لانتهائه إلى إنكار ما ثبت من الشريعة قطعاً.
إمكان الإجماع وعدمه
تحدثوا حول إمكان الإجماع وعدمه وأطالوا الحديث في ذلك، قال قوم منهم النظام: إن ذلك مستحيل([487]).
والظاهر أن وجه الاستحالة لديهم قياسهم هذا النوع من الاتفاق على امتناع «اتفاقهم في الساعة على المأكول الواحد والتكلم بالكلمة الواحدة»([488]).
وهذا الوجه لا يصلح لإثبات الاستحالة لعدم توفرها ـ عقلاً ـ في المقيس عليه، بالإضافة إلى الفارق الكبير بينهما، فالأكل وغيره مما هو وليد الحاجة الفعلية لتقوم الأجسام، أو وليد الرغبة العابرة لا بد أن يتفاوت زماناً ومكاناً بحسب العادة تبعاً لاختلاف تكون الحاجة أو الرغبات بخلاف قضايا الفكر أو القضايا المحسة، فإن التفاوت فيها ينعدم أو يقل عادة لتقارب الناس في إدراك أولياتها، وفي اشتمالهم على قواها المدركة نوعاً، وما أكثر ما اتفق العقلاء في آرائهم المحمودة على الكثير من القضايا، فهذه الشبهة إذن لا تستند على أساس لعدم المانع العقلي من الاتفاق في بعض الوقائع أو القضايا ولو على سبيل الموجبة الجزئية.
ولكن الكلام كل الكلام ـ بعد فرض إمكان الاتفاق ـ في وقوعه والطرق إلى إثبات ذلك.
ودعاوى الوقوع كثيرة على ألسنة الفقهاء، ولهم إلى اثبات ذلك طريقان:
أولاهما: تحصيل الإجماع بالمباشرة، وبحثوا هذه الطريق فيما أسموه بـ: الإجماع المحصل:
و«هو ما ثبت واقعاً وعلم بلا واسطة النقل» كما جاء في تعريفه لدى المحقق الكاظمي([489])، وأراد بهذا التعريف أن يتولى المجتهد التعرف على هوياتهم وآرائهم في المسألة التي يريد معرفة حكمها حتى يحصل له العلم بالاتفاق على الحكم.
وقد نوقش هذا الاجماع من وجهة صغروية، وأهم ما جاء في مناقشته ما عرضه الشوكاني في تعبيره عن وجهة نظر المنكرين لإمكانه بقوله: «قالوا لا طريق لنا إلى العلم بحصوله، لأن العلم بالأشياء إما أن يكون وجدانياً أو لا يكون وجدانياً».
أما الوجداني فكما يجد أحدنا من نفسه من جوعه وعطشه ولذته وألمه، ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليس من هذا الباب.
وأما الذي لا يكون وجدانياً فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال للعقل فيها، إذ كون الشخص الفلاني قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم العقل بالاتفاق، ولا مجال أيضاً للحس فيها لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته.
فإذا العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم وذلك متعذر قطعاً.
ومن ذلك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب وسائر البلاد الإسلامية، فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم فضلاً عن اختبار أحوالهم ومعرفة من هو من أهل الإجماع منهم ومن لم يكن من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به. والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة فضلاً عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام.
ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس، فضلاً عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها.
وأيضاً قد يحمل بعض من يعتبر في الاجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف، التقية والخف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام، فإنهم قد يعتقدون شيئاً إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم.
وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر فيمكن أن يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع أهل بلدة أخرى، بل لو فرضنا حتماً اجتماع العالم بأسرهم في موضع واحد ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلاني فإن هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالإجماع لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفاً فيه وسكت تقية وخوفاً على نفسه»([490]).
وهذا الإشكال ـ على فجوات في بعض فقراته وخطابية في أسلوب عرضه ـ يكاد لا يكون له مدفع نعرفه إذا أخذنا في مفهوم الإجماع اتفاق مجتهدي أمه محمد على اختلاف في مذاهبهم وآرائهم، أو اتفاق أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، على اختلاف طوائفهم كما هو مقتضى أدلة حجيته السمعية التي عرضناها في البحث السابق.
أما إذا ضيقنا في مفهومه إلى ما يخص مجتهدي مذهب معين أو جماعة يعلم بدخول الإمام في ضنمهم، فقد يقال بإمكانه مع جهد الفحص والقطع بعدم الاتقاء، ولا يبعد وقوع ذلك أحياناً.
فالمباني على هذا فيه مختلفة، والمسألة تتبع المباني في إمكان العلم به وعدمه.
نعم ما يتصل منه بضروريات الدين أو بعض المدركات العقلية التي يقطع باتفاق العقلاء وتطابقهم عليها بما أنهم عقلاء، فإنكار وقوعه مصادرة لا تعتمد على أساس.
ولكن الحكم فيها لا يستفاد من الإجماع ولا تتوقف حجيته عليه.
الحق أن تحصيل الإجماع بمفهومه الواسع أمر متعذر فيما عدا الضروريات الدينية أوالعقلية.
وأكثر منه تعذراً تحصيل الإجماع من الإجماع السكوتي، لأن السكوت لا يكون كاشفاً عن الموافقة على الحكم واختياره لاحتمال التقية أو الجهل بالحكم وعدم اعتقاده بضرورة إعلانه أمام الآخرين أو غفلته عنه، وهكذا فمجرد السكوت لا يكشف عن الموافقة ليتحقق بها الإجماع والاتفاق، ومن هنا نعرف قيمة الإجماع السكوتي الذي ذهب إلى اعتباره بعض الأصوليين.
وثاني الطريقين: بلوغه من طريق النقل، وهذا الطريق ينقسم بدوره إلى متواتر ونقل آحاد وقد بحثوا هذه الطريقة بقسميها بما أسموه بالإجماع المنقول.
1 ـ الإجماع المتواتر
وهذا التواتر في النقل للإجماع وإن كان من شأنه أن يفيد القطع بمدلوله، إلا أن حساب تحصيله لكل واحد منهم هو نفس ذلك الحساب السابق، الخلاف من حيث الإمكان هو نفس ذلك الخلاف، فإذا جوزنا تحصيل الإجماع بأن أخذنا بدعوى من يقول بأنه يكفي فيه اجتماع جماعة يعلم بدخول الإمام في ضمنهم، كان هذا التواتر حجة لتحصيله القطع بمدلوله، وإلا فمع احتمال اشتباه كل واحد منهم في دعوى الإجماع لا يمكن أن يحصل من أخبارهم القطع فلا يكون حجة.
2 ـ الإجماع المنقول بأخبار الآحاد
وهذا النوع من الإجماع لا يمكن الإيمان بحجيته إلا بعد معرفة مبني الناقل للإجماع في منشأ حجيته وملاحظة موافقة المنقول إليه في المبني ثم التعرف على ما إذا كان من الممكن تحصيله لمثله أو لا، ومع فرض إمكانه معرفة ما إذا كان نقله له مستلزماً لنقل الحجة في حق المنقول إليه، أي أن المبنى متحد في مدرك حجية الإجماع بينهما، أو أنه يعطي نفس النتيجة التي يعطيها المبنى الآخر من حيث استلزام الحجية لو قدر لهما الاختلاف.
والمقياس أن يكون نقل الإجماع نقلاً للحجية الشرعية، ليدخل في كبرى حجية أخبار الآحاد.
ومع عدم التوفر على هذه الأمور لا يمكن الايمان بحجية الإجماع المنقول.
وقد أطال أعلامنا في تقريب حجيته، وجل ما قالوه يرجع إلى ما ذكرناه، لا حاجة إلى الإطالة في عرضه والتحدث فيه مفصلاً.
محمد تقي الحكيم
أجّيه
وقد تلفظ أتجيه وأتشيه: من مقاطعات أندونيسيا. (راجع بحث أندونيسيا لارتباط هذا البحث به، ويتمم أحدهما الآخر) تقع في شمال سومطرا، كانت من مراكز التشيع الكبرى في أندونيسيا، ومنها حمل الشيعة الإسلام إلى كثير من المقاطعات الأندونيسية، ولا يزال ماثلاً فيها حتى اليوم قبور فريق من أعلام الشيعة كالسيد حسام الحسني المتوفى سنة 823 هجرية، والسيد حسن بن علي الأسترآبادي المتوفى سنة 833 هجرية وغيرهما. وتتميز القبور القديمة في أجيه بما كتب على شواهدها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعلي ولي الله» ولا يخلو قبر تقريباً من جملة: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار ولا موت إلا بالأجل» وفي بعض القبور تتكرر كلمة محمد مرتين، وفي بعضها الآخر تتكرر كلمة محمد وعلي معاً مرتين. ولا يزال بعض هذه القبور مزاراً عاماً لكل المسلمين حتى اليوم.
وفي أجيه تقوم بلدة (شيعة كوالا) وكوالا: اسم البلدة ومعنى شيعة كوالا، باللغة الأندونيسية: (كوالا الشيعية) وبعد استقلال أندونيسيا أنشأت الحكومة الأندونيسية تخليداً لهذه البلدة جامعة فيها باسم، جامعة شيعة كوالا.
وإلى أجيه ينتمي الدكتور الحاج أبو بكر أجي صاحب كتاب (الشيعة) الصادر باللغة الأندونيسية سنة 1965م، وقد كتب الدكتور حزيرين عميد جامعة جاكرتا مقدمة لهذا الكتاب قال فيها مخاطباً المؤلف: «إن عملك فيما يتعلق بالشيعة مهم جداً لشعبنا، لا سيما لأولئك الذين ليس لهم قدرة الاطلاع مباشرة على الكتب العربية، حتى أن الذين يجيدون اللغة العربية قد لا تتاح لهم الفرص للاطلاع على هذا الموضوع الذي توليتم أنتم بحثه. إن الإطلاع على ما يتعلق بالشيعة ليس فقط مهماً جداً لمعرفة كل ما يتعلق بالإسلام، خصوصاً لشعبنا الذي يعتنق المذهب الشافعي، بل إن التاريخ الإسلامي وازدهاره وتطوره في أندونيسيا بالذات مرتبط بالشيعة ارتباطاً مباشراً. أليست «باساي» تمثل أول دولة إسلامية في أندونيسيا وهي الدولة التي أسسها الشيعة ومن باساي([491])، توسع التشيع وتعاليمه إلى جميع القطر الأجوي، ثم توسعت الدعوة وعمت المناطق الأخرى الواسعة في سومطرا ومالايا. حتى أن دولة (مينانغكابا) تحولت من البوذية إلى الإسلام واتبعت المذهب الشيعي واستمرت ثلاثة قرون».
كما أن الكلونيل في البحرية الأندونيسية بحروم رانكوتي كتب للمؤلف كلمة قال فيها:
«… ولهذا السبب فإن هذه الأمور سوف تعطينا الشيء الكثير عندما نعلم الغاية والمبدأ الشيعيين، كما كان يقوم بهما زعماء المسلمين الشيعة في أجيه، مما توسع فيما بعد إلى الولايات الأخرى، إلى مينانغكابا وجاوا وغيرها، ومما يمكننا معه فهم ومعرفة مداخل تاريخ الشيعة، وكيف ازدهر ذلك في مينانغكابا وممّا أنتج حركة (الإسلام الأبيض) التي أوجدها الداتونان رينجيه مع زميليه الإمام بونجول وتوانكوراو. بل إن تاريخ أندونيسيا في عقيدتي لا يمكن إحياؤه وتدوينه مرة أخرى بطريقة موسوعية بدون أن نذكر التشيع وغايته وأهدافه التي عاشت قروناً عديدة في أندونيسيا.
إن هناك فترات مظلمة من التاريخ الأندونيسي في جاوا وسومطرا ومالايا، ولا يمكن إزالة هذه الظلمة إلا بتحقيق ودرس تاريخ حاملي التشيع في أندونيسيا في القرون الماضية».
وقال المستشرق الهولندي الدكتور سنوك هو خرونيه متحدثاً عن علماء أجيه:
إن من المؤكد أن جميع الكتب العلمية من العالم الإسلامي كانت معروفة في أجيه وفي التعليقات التي كتبها العلماء دليل على مبلغ فهمهم الفهم التام. وأشاد هذا الدكتور بالعلماء المحققين في القوانين الإسلامية وعلوم الآلة واللغة، فهم يكتبون ويتراسلون باللغة العربية، حتى أنهم في أحرج الأوقات خلال المعارك وفي الأماكن النائية في الغابات والجبال كانوا يستصحبون الكتب ويدرسونها.
وقد وجد فن درماتن نحو300 كتاب بين مخطوط ومطبوع بمطبعة حجرية عندما زحف الهولنديون على (كومالا)، من بينها مخطوطات كان قد مر عليها يومذاك قرنان، ومعظم هذه الكتب بلغة المايو ولغة أجيه. ومما عثر عليه كتب في أحوال العالم في الهند وفارس وتركيا والسلاطين.
وكتاب التبيان في معرفة الأديان ألفه صاحبه بإشارة السلطانة صفية الدين ملكة أجيه فرغ منه مؤلفه في 9 رجب 1064هـ (1654م). وقد أطلق الشيخ يوسف الكاسري مفتي بانتن الذي هاجر جده من حضرموت إلى الهند ووصل إلى أجيه في المحرم 1047 هجرية (مايو 1637م)، أطلق على أجيه لقب دهليز مكة لما فيها من العلماء. وهو صاحب كتاب بستان السلاطين المحتوي على عدة أبواب خص منها الباب الثالث عشر من المجلد الثاني بتاريخ أجيه. ومما هو جدير بالذكر أن جل الكتب المترجمة أو المؤلفة في المواضيع الإسلامية في تلك العصور ظهرت في أجيه، حيث كانت حكومة أجيه كثيرة العناية بالشؤون الإسلامية. ويقول المؤرخ الأندونيسي السيد ضياء شهاب: (… وكان الأجيون يبعثون الدعاة إلى أندونيسيا الشرقية ويرسلون الكتب إلى شبه جزيرة الملايو).
وعن تاريخ أجيه يتحدث المؤرخ السيد ضياء شهاب بما يلي:
أجيه العظمى دار السلام
صارت مملكة باسي «التي هي جزء من مقاطعة أجيه» عام 920 هجري (1514م) تابعة للسلطان معايت (مؤيد) شاه، فقد جمع هذا السلطان أطراف البلاد وضمها إليه، فأصبحت لديه قوة ردت هجمات البرتغاليين مراراً.
كان أول وصول البرتغاليين في سنة 1509م، برئاسة Diogo Sequiera إلى أجيه وملاكا، ولسوء أعمالهم اعتقلوا في ملاكا. وهاجموا أجيه بقيادة البوكرك الحاكم البرتغالي في الهند بعد استيلائهم على ملاكا عام 1511م، وعاثوا في البحر واعتدوا على السفن التجارية ينهبون ويأسرون من فيها. وفي سنة 1516م، وصل البرتغالي برياسا إلى أجيه لتجارة الفلفل والحرير، وكان الحرير معروفاً في أجيه.
كان مع السلطان أخوه إبراهيم (استشهد في موارا بينالغ سوم 22 نوفمبر 1523م) وهوالذي ضم كثيراً من المناطق إلى المملكة، وزحف على بعض نواحي باتاك وروكن عام 1524م، ونظم الدولة ووضع القوانين وأقر التقاليد والنظم الخاصة بالسلطنة، وتقدمت أجيه في عهده، وقهر الأسطول البرتغالي الذي يقوده الجنرال بريتو Georges Brito وغنم مدافعه عام 1521م، وطرد البرتغاليين من باسي عام 1524م، وكانت لهم بها قلعة بنوها في السنة نفسها، وفي هذه المعركة قتل القائد البرتغالي وهربت السفن الباقية فطاردتها قوات أجيه إلى عرض البحر، ونصرت إمارة أرو البرتغاليين ولكن قوات أجيه تغلبت عليهم جميعاً.
وخلفه ابنه صلاح الدين إلى عام 1537م، وفي عهده وصل أسطول برتغالي بقيادة دسوسا حاكم جزائر الملوك، إذ عصفت به الزوابع ورمت به إلى شاطىء أجيه، فانقض الأجيون على رجاله فقتلوا منهم كثيراً وأسروا الباقين، وعزل صلاح الدين فتولى أخوه علاء الدين رعاية شاه الثاني الملقب بالقهار.
السلطان القهار علاء الدين رعاية شاه
بنى أسطولاً ضخماً وعزز الجيش واتصل بالدولة الإسلامية بأندونيسيا وخارجها، واستقدم المهندسين الحربيين فوصل كثير من الخبراء من الهند وبلاد العرب وتركيا.
كان أمامه خصوم لا بد له من مواجهتهم فحارب الباتاك، والبرتغاليين زمناً طويلاً حروباً مريرة من عام 1537م، وفي سنة 1564م، استولى على جمهور وأسر ملكها وحاشيته وأخذهم إلى أجيه، ونصب على جمهور مظفر شاه الثاني ابن علاء الدين، ثم انفصلت جمهور عن أجيه ثم استولى عليها البرتغاليون.
أجيه ودولة الخلافة العثمانية
بعثت أجيه وفداً إلى الدولة العثمانية بواسطة سنان باشا في عهد الخليفة سليم خان عام 1516م، كما تقول مجلة الجوائب، أي في عهد علي معايت شاه، وعادت السفن الأجية الأربعة مشحونة بالأسلحة النارية والبيضاء والذخائر، ومعها صناع من الأتراك قيل إن عددهم 300 لصناعة المدافع والبنادق وغيرها وتعليم الأهالي صناعتها.
وتقدمت صناعة الأسلحة في أجيه وصارت ترسل الفائض إلى الممالك الإسلامية الأخرى مثل بانتن ودمك، وقد عثر في أرو على مدفع عليه كتابات عربية سنة 1104 هجرية (1692م) واستمال السلطان مهندساً برتغالياً إلى الإسلام وسماه زين العابدين الذي اندفع يعتدي على السفن، فصنع عدة سفن.
أجيه والبرتغاليون
في عام 1547م، وصل أسطول أجيه إلى مياه ملاكا، وهاجم الأسطول البرتغالي فأغرق قطعتين وهرب البرتغاليون وقتل آخرون، وكتب الآجيون بدماء قتلى البرتغاليين خطاباً إلى حاكم ملاكا البرتغالي (سيما ودميلو) آنذاك بالتسليم، وبقي الحاكم ومن معه متحصناً بالقلعة فنزلت قوت اجيه واحتلت حي (أوبيه) ومنعت حركة المرور في مضيق ملاكا ثم أرجف، أن معركة حامية احتدمت بين قوة أجيه أخرى وبين البرتغاليين في نهر برليس جاؤوا منجدين، فقررت قيادة أجيه مواجهة هذه النجدة في البحر، وخرجت القوة من بر ملاكا، وكان إرجافاً محضاً.
وفي سنة 1568م، جهزت أجيه حملة على ملاكا في أسطول يقل 15 ألف جندي بينهم 400 من الأتراك، معهم 200 مدفع نحاسي، وقاد الحملة السلطان القهار شخصياً، وكان البرتغاليون على أتم أهبة وقد جاءتهم النجدة من كوا، واصطدم الفريقان اصطداماً عنيفاً قتل فيه الكثير من الجانبين. وفي معركة 16 فبراير 1568م، استشهد عبدالله أكبر أبناء السلطان حاكم أرو، وكانت سلطنة جمهور تؤازر البرتغاليين.
السلطان حسين علي رعاية شاه
ومن بعده إلى سنة 1579م
توفي السلطان القهار في 8 جمادي الأولى 979هـ (28 سبتمبر 1571م) فتولى ابنه حسين، والحرب مستمرة، وفي اكتوبر 1573م، هاجمت أجيه العدو في ملاكا فقتلت وأحرقت، وأعادت الكرة عام 1575م، وتوفي السلطان حسين في 12 ربيع الأول 987هـ (8 يونيو 1579م) فتولى سلطان مودا الطفل ثم توفي، فتولى سلطان سري عالم، أمير بريا من ابن السلطان القهار، وكان قاسياً فقتل، فتولى بعده زين العابدين بن عبدالله الذي استشهد في ملاكا عام 1568م ابن السلطان القهار، وقتل في أكتوبر 1579م.
وفي سنة 1576م توجهت سفينتان برتغاليتان بقيادة «ماثياس دالبوكرك» إلى ملاكا، وفي أول يناير 1577م قام الأسطول الأجي بقيادة «سري مهراج» بإرسال ضرباته على تجمعات البرتغاليين، وأخذ يوالي الهجمات على سفن العدو ويطاردها.
السلطان علاء الدين منصور (1579 ـ 1585م) ومن بعده إلى عام 1607م.
كانت أجيه قد زحفت على مملكة بيراك، وفي هذه المعركة قتل ملكها وأخذت أسرته إلى أجيه، وفي هذه الأسرة الأمير منصور ابن الملك المقتول، فتزوج بنت سلطان أجيه ثم تولى السلطنة عام 1579م، وكان غيوراً على الإسلام معروفاً بالصلاح والتقوى، شديداً في أحكامه، محباً للعلماء، وهو الذي فرض على قواد جيوشه لبس العمائم والجبب.
في سنة 1582م (990 هجري) زحفت قوات أجيه على جمهور وملاكا، وأخيراً زوج السلطان ابنته من سلطان جمهور عمر علي جل عبد الجليل، وقتل منصور سنة 1585م فتولى منور شاه أمير «ايندرابورا» ثم قتل عام 1589م (998 هجرية) فتولى علاء الدين الرابع بن فرمانشاه ابن السلطان مظفر بن عناية شاه بن عبدالله الملك المبين أمير بريامن، ولقب السيد المكمل ودام في السلطنة إلى سنة 1604م (1013هـ).
أجيه والأجانب
سنشير عند ذكر سلطانة بانتن إلى وصول الهولنديين وقد كانوا يشترون المحصولات مباشرة، وبوصولهم علموا الكثير من أجيه وظهر لهم أنه ليس من السهل للأجانب أن يعملوا ما يشاؤون فيها، وفي 21 يونيو 1599م، وصل الأخوان فريدريك وكورنيلس دهوتمان إلى أجيه موفدين من الشركة الهولندية (فن فيره Van Verre) ثم حدث خلاف انتهى بقتل كورنيلس وبعض أعوانه، وظلوا في الأسر سنتين، وفي الأسر ألف فريدريك أول قاموس هولندي ملايوي.
ذكر جون دافيس الإنكليزي ـ وكان رباناً في إحدى سفن دهوتمان وشاهد الحادثة ـ أن الهولنديين حينما وصلوا إلى مياه أجيه رأوا سفناً تجارية، ولا سيما سفن العرب والبيكو، تشحن الفلفل، وكان في أجيه شخص برتغالي هو Don Alfonso Vincent ومعه نحو أربع سفن تجارية من ملاكا، فعندما رست سفن الهولنديين صعد رجال الأمن وموظفو الميناء للتفتيش كالعادة المتبعة، وسلم لهم دهوتمان الهدايا للسلطان، فرد السلطان بهدايا من الملابس الأجية، واستقبلوا أحسن استقبال، وتحادث معهم السلطان في شؤون تجارية، وأذن لهم في السكنى بمنزل عينه لهم.
وذكر: أن الصينيين في أجيه يتحدثون الاسبانية، وأن فيها تجاراً من البرتغاليين والعرب والهنود. وذكر المعركة التي جرت مع الهولنديين الذين انكسروا فيها وقتل منهم 68 شخصاً ونهب جميع ما في سفنهم وقال إن السلطان يبلغ من العمر مئة عام وأنه قوي البنية، بطل وقائد محنك، وأن قصره الذي يبعد عن العاصمة بنحو نصف ميل على شاطىء نهر، بديع كبير ذو ثلاث ردهات واسعة قبل الوصول إلى قاعة العرش المسدول عليها سجف الحرير المرصعة بالذهب. يجلس السلطان على الأرض كبقية من يستقبلهم، ويجلس حرسه كذلك، وحوله 40 جارية يحملن المراوح، ويحمل السلطان أربعة خناجر، يضع خنجرين أمامه وخنجرين خلفه، وكلها مرصعة بالأحجار الكريمة، ويعاون السلطان في إدارة الدولة خمسة أشخاص، وقال إن لهذه الدول مئة سفينة حربية، تحمل كل سفينة 400 مقاتل، وكان بين القواد امرأة، كما أن لديها مدافع كثيرة جداً، وفرقة من الفيلة. ويشتغل الأهالي بالتجارة والصناعة كصناعة المدافع والسفن والحديد والنسيج والحلي والأواني وغيرها.
ولهذه الدولة قطع نقدية من مختلف المعادن، وتجري تجارة الفلفل وزناً بالبهار، وهو عبارة عن 360 بوند انكليزي، وكذلك الحال في بانتن فإن الوزن البهار، وثمن البهار 35 روبية هولندية.
قال المؤرخون إن الغربيين وصلوا إلى أندونيسيا وارتكبوا أعمالاً أقرب إلى أعمال لصوص البحر، بخلاف التجار الشرقيين كالعرب والفرس والصينيين والأتراك والهنود الذين جاؤوا قبلهم.
ذكر فليك: أن أخلاق الهولنديين السابقين كانت سيئة جداً، ولا آداب ولا أناءة لهم، والمسؤول هو كورنيلس دهوتمان، ثم ما فعله الهولنديون بقيادة «ذن كاردن» الذي اندفع يعتدي على السفن التجارية وينهب ما فيها ثم يغرقها.
وفي سنة 1601م أطلق دهوتمان، وذلك أن «برينس ماوريتس» رئيس جمهورية هولندا بعث بخطاب بيد وفد خاص إلى ملك أجيه يشكره على حسن استقبال أجيه لوفد هولندا سابقاً، وأن البرتغاليين أشاعوا إشاعات كاذبة عن الهولنديين، ورجا من السلطان أن يحسن معاملة الهولنديين الأسرى وأن يطلقهم من أسرهم، وأن هدف البرتغاليين ـ بأمر ملك أسبانيا السيطرة والاستعباد، وأن لا يرتاب السلطان في الهولنديين ويأذن لهم في التجارة، وأنه بعث بهدايا يرجو قبولها، ويرجو المولى أن يزيد في سعة السلطنة. وحرر الخطاب في دنهاخ (لاهاي) في 11 ديسمبر 1600م وختم الخطاب بقوله: يقبّل العبد كف دولتكم.
ودفع الهولنديون خمسين ألف روبية تعويضاً لأرباب السفن التي نهبت وأغرقت، وبعثت أجيه وفداً إلى هولندا مؤلفاً من عبد الحميد، سري محمد، لكسمانا أجيه، مير حسن، ومترجم هو «ليونارد وارنر» من لكسمبرج، ووصلوا إلى هولندا في 20 يوليو 1602م، فأجيه هي الدولة الوحيدة بأندونيسيا إذ ذاك التي اعترفت بهولندا حين كفاحها الاستقلالي([492])، وتوفى عبد الحميد رئيس وفد أجيه في هولندا في 10 أغسطس 1602م ودفن في ميدلبرخ وعمره 71 سنة.
وعاد الوفد في 18 ديسمبر 1603م ومر على الهند ومعه توصية للسلطان أكبر لإعطاء تسهيلات للهولنديين وكذلك لملوك كاليكوت والبنغال وسيلان.
لم يمر زمن حتى وصل وفد بريطاني برئاسة جميس لنكستر، إلى أجيه في ثلاث سفن في 6 يونيو 1605م، فوجد الميناء غاصاً بالسفن الأجنبية على اختلاف جنسياتها، ومع الوفد هدايا فبادله السلطان بهدايا مثمنة جداً، وأقيمت له مأدبة، ثم جرت محادثات بين مندوب السلطان القاضي ملك العادل والعالم شمس الدين باسي، وبين الوفد البريطاني، وكانت المحادثات باللغة العربية، والمترجم الذي استصحبه لنكستر يهودي انكليزي يجيد العربية، وبعث السلطان بهدايا ثمينة لملكة بريطانيا من بينها فص خاتم ثمين.
وخلاصة المحادثة ما يلي: للإنكليز مزاولة التجارة في أجيه، ولا تفرض رسوم على البضائع التي يستوردونها أو يصدرونها، وإذا طرأ حادث على سفينة أو بضائع انكليزية فإنهم سيجدون مساعدة من أجيه، ولهم الحق في محاكمة المجرمين المعتدين عليهم، ومحاكمة كل من أهان شرفهم، كما أن لهم حرية التنقل.
وأصدر السلطان بلاغاً خلاصته ما يلي: «بعون الله رب العالمين، إلى جميع القواد وعظماء البلاد. اعلموا أن السفينة البريطانية وربانها (هيري ميدلتن) كانت قد رست مدة في ميناء أجيه، واستأذن للسفر إلى جاوا، فإذا اشترى منكم شيئاً من الفلفل أو غيره فبيعوه، فهو رعية ملك صديق هو ملك بريطانيا، فبادلوه التجارة بحق فلا تظلموه وقدروه…»([493]).
وأصدر بعد المحادثة نشرة هذه ترجمتها تقريباً: «أنا الملك المسيطر على هذه النواحي، المتربع على عرش أجيه وسمودرا ومتعلقاتها، ألزم كل من اطلع على هذا أن يتفهمه ويعمل بما فيه، وذلك أنني عاهدت ملك بريطانيا معاهدة صداقة، فأنتم أصدقاء لرعاياه كصداقتكم لغيرهم، عاملوهم بالحسنى كما تعاملون غيرهم، إنني أحسن وأقبل هداياهم، وأعتبر ذلك صلة ود وصداقة وسأعامل رعايا ملكهم بالحسنى، من حضر ومن سيحضر، وأثق بهم، فلا يخشون بعد اليوم على سفنهم وأموالهم وغيرها، وأنتم أيها الإخوان إذا جاء هؤلاء ببضائعهم فبادلوهم التجارة كما تبادلون غيرهم طبقاً لما في المعاهدة أنهم يشترون منكم ويقيمون في بلادكم زمناً حسب اختيارهم فهم يأتون ويرحلون بإذن مني، فلا يمنعهم أحد إلا بحق له لديهم كأن يكونوا مدينين له ولم يفصل الحكم بعد، وإذا اضطروا إلى النزول بأرضكم يوماً كطغيان الأمواج واشتداد العواصف في البحر فعليكم مساعدتهم بالزوارق لنقل بضائعهم وإنقاذها من الأمواج، فإذا أوصلتموهم إلى البر فهي لأصحابها، وإذا أهدوا لكم شيئاً فاقبلوا الهداية، وإذا مرض أحدهم وأوصى بوصية في ماله أو مال أتباعه فنفذوا الوصية وأبلغوا المال إلى أهله ومستحقيه، وإذا مات أحدهم وله مال عند أحد من أبناء جنسه أو غير جنسه فالحكم يجري حسب القانون الجاري في البلاد وكذلك في المخاصمات بين الإنكليز، أو بين إنكليزي وغيره فالحكم حسب القانون».
هذه خلاصة النشرة بعد وصول الفوج الأول من الإنكليز، والسلطان المكمل هذا كان قائداً مارس المعارك واشترك في كثير من الوقائع وقيادتها، ذا قوة معنوية وتجارب.
ابنه حسين نائبه في بيدى، وأبناؤه الآخرون ماتوا قبله، وبنته تزوجت السلطان منصور بن سري عالم أمير بربامن، ومن هذا الزواج برز السلطان الشهير اسكندر مودا. وتولى بعده ابنه سلطان مودا. (علي رعاية شاه) ولم يكن عهده عهد استقرار وحدثت خلافات داخلية، وخلال ذلك هاجم البرتغاليون أجيه بقيادة (الفونسو دكاسترو) عام 1606م واستولوا على قلعة أجيه، فقام الأجيون وطردوهم شر طردة وقتلوا منهم نحو 300 وهرب الباقون على سفنهم، فالتقوا في عرض البحر بالهولنديين فقضوا عليهم.
كان هذا النصر بقيادة اسكندر مودا الشاب البالغ من العمر 16 سنة، القوي البنية الثابت الملامح القدير على استعمال الأسلحة وركوب الأفيال.
السلطان اسكندر مودا
1607 ـ 1636م ـ (1015 ـ 1046هـ)
أمه كما ذكرنا (بوتري ايندرا) بنت السلطان المكمل، وأبوه منصور بن عبد الجليل بن السلطان القهار، اشتهر بالرأفة والعدل والحزم في تنفيذ أحكام الإسلام، كما اشتهر بأعمال البر وحسن التدبير، ومما يدل على شهرته كثرة ألقابه، منها: بركاس عالم. مهكوتا عالم. تون بانكت… الخ…
وضع للدولة دستوراً دام معمولاً به طيلة عهد دولة أجيه، فصارت أجيه قدوة لغيرها، وقد اقتبست سلطنة بروني منه أنظمة بلادها، وكذلك الممالك الأخرى، وفي عهده تقدمت أجيه واتسعت أرجاؤها حتى تكاد تكون سومترا كلها وشبه جزيرة الملايو وجزائر رياو ضمن هذه المملكة، فهي الدولة التي يهابها المستعمرون.
بنى مسجد بيت الرحمن عام 1022هـ في العاصمة (بندر أجيه دار السلام) وعمرت الموانىء وكثرت الصادرات والواردات، وبفضل الاحتكاك التجاري انتشر الإسلام إلى البلاد المجاورة، وعم الرخاء ودخل كل بيت.
كان الإنكليز والهولنديون والبرتغاليون ثم الفرنسيون يركبون الأخطار إلى الشرق يتسابقون للسيطرة بمختلف الوسائل، وملاكا بأيدي الأجانب، كل هذا يضطر حكومة بانتن إلى مواجهته بحزم، فرأى السلطان أن يمد نفوذه إلى شواطىء المضيق ويقضي على كل إمارة رضيت بأن تكون أداة للعدو ويطرد العدو من ملاكا.
وفد إلى مقر الخلافة العثمانية
أرسل السلطان وفداً إلى استانبول في ثلاث سفن شحنها أرزاً، ومر على بلدان كثيرة منها سيلان والكاب، فاستقبل الخليفة أحمد بن محمد خان (1012 ـ 1026هـ) و(1603 ـ 1617م) رجال الوفد وأكرم مثواهم. كانت الرسالة التي يحملها الوفد مكتوبة باللغة العربية، إذ كان لدى السلطان كاتب يلقب بكاتب الملوك يجيد اللغة العربية وقدم الوفد ما بقي لديه من الفلفل، وخلع الخليفة على رجال الوفد خلعاً، وأجرى لهم الرواتب مدة إقامتهم وخصص لهم مسكناً، وعاد الوفد يحمل مدافع واثني عشر صانعاً وهدايا ورسالة، وكان مع الوفد جلبي أحمد وحلمي رضوان، فاستقبل العائدون استقبالاً رائعاً وأطلقت المدافع من الحصون وجاوبتها مدافع السفن.
بنى الأتراك قصراً استغرق بناؤه عاماً، ومغنى وغير ذلك، وبنوا حول القصر أبراجاً، وجعلوا للسور بابين على كل باب برج، وبنوا أماكن للحراسة خارج المدينة، وحفروا نهراً أجروا ماءه إلى القصر، ورصفوا ضفتيه بالأحجار، وبنوا أبنية أخرى كثيرة، وأقاموا مبنى ذا درجات للصعود، وقصراً محفوفاً بالحدائق فيها ردهات مصفوفة على النهر، ومسجداً ومهدوا ميداناً، كما أعدوا العدد الحربية اللازمة والذخائر.
حرب جمهور وملاكا
بعثت هولندا حملة الحرب البرتغاليين في ملاكا، واتصلت أولاً بسلطان جمهور ليعينها، وفي 18 مايو 1606م، نزلت قوات هولندا إلى ملاكا فانهزمت لوصول نجدة برتغالية من كوا بالهند، وأعادت الكرة في أغسطس ففشلت.
كان على أجيه أن تسيطر على سومترا الشرقية لئلا يجد العدو مجالاً فيها، فأعدت جيشاً أكملت أهبته في عدة أشهر، ومر السلطان بهذا الجيش على المدن والقرى فانضم إليه منها متطوعون.
أعد السلطان ـ كما تقول الحكاية ـ ألف سفينة، وأقيمت حفلة دعاء اجتمع فيها العلماء وغيرهم، وهذه عادة جرى عليها سلاطين أجيه إذا عزموا على حرب فيذبحون الذبائح في ذلك اليوم المشهود.
وكان للعلماء صولة ونفوذ، فإن العالم تنكو جافقيه لما علم أن السلطان غاضب على أهالي ميورود لأنهم لم يسارعوا لاستقباله، وكانوا قد خرجوا يكتسبون فتركوا القرية خاوية، فاعتذر عنهم العالم فلم يقبل السلطان لهم عذراً، فغضب العالم وعاد الناس إلى الابتعاد عن السلطان وعدم الاحتفاء به، فعل ذلك بحضرة السلطان، فهدأ السلطان وسكن جأشه، بعد أن أرسل إليه العالم سيلاً من العتاب.
استولت أجيه على آرو (دلي الآن) عام 1612م، وزحفت قوات أجيه على جمهور في 7 مايو 1613م، بعد أن حاربت البرتغاليين في عدة نواحي من سومترا الشرقية وقد عثر على مدفع كان ضمن الغنائم التي وقعت لأجيه من جمهور عليه كتابات بالحروف العربية ولغة الملايو سنة 1023هـ(1614م).
احتلت أجيه عاصمة جمهور، ووصلت نجدات جمهور وتوالت نجداتها البحرية، واستمر القتال عشرين يوماً، وانتشر أسطول جمهور، وفي هذه المعركة قتل قائد بيدي فعين مكانه «جابوء اينتن» الجاوي واندحر معظم جنود جمهور تاركين ملكهم في طائفة من جنده، ثم هرب سلطانهم إلى بينتن وأسر أخوه وكبراء حكومته، بينهم «تون سري لانغ» مؤلف كتاب «سجاره ملايو» وكثير من الضباط، و22 تاجراً هولندياً، غير أن هؤلاء أطلقوا أخيراً بطلب الجنرال زونكون، ثم اتفقت أجيه وجمهور على التعاون وعدم الميل إلى البرتغاليين، وعين «راج بونغسو» على جمهور وزوّجه السلطان اسكندر مودا أخته، ولقب عبدالله معاية شاه، وفي نوفمبر 1615م، توجهت حملة أجيه إلى ملاكا ودامت الحرب أياماً، ثم اضطرت إلى العودة.
حاول الإنكليز أن يتصلوا بأجيه مرة أخرى، فوصل توماس بست مندوباً عن ملك بريطانيا جيمس الأول، ورد السلطان على رسالة ملك بريطانيا عام 1024هـ (1615م)، بلغة المالايو التي تكاد تكون شعراً، وفيها أذن للإنكليز بالتجارة في بلاده ومنح لتوماس بست لقب شرف مكافأة له على ضربه سفينة برتغالية متجهة إلى أجيه وتسليمه السفينة بما فيها للسلطان.
وحاول الهولنديون عرقلة هذا التقارب فأخذوا يتصلون بصغار الملوك ليكونوا معهم فرأى السلطان أن لا يدع تلك الإمارات تحت نفوذ الهولنديين فبعث بقوة عام 1618م قوامها 18 ألف مقاتل واستولى على باهانغ وأسر سلطانها أحمد، وعلى قدح وبتاني عام 1619م وأسر سلطانها سليمان شاه.
الزحف على البرتغاليين
في ملاكا
في سنة 1629م وجهت أجيه قوة عظيمة لحرب البرتغاليين في ملاكا قوامها 236 سفينة تحمل عشرين ألف مقاتل وحاصرت ملاكا عدة أشهر حدثت فيها معارك بحرية هائلة.
تحطم الأسطول البرتغالي وهرب بعض سفنه، ونزلت قوات أجيه إلى البر فالتحمت بمعركة هائلة عند مصب النهر، الذي يبعد عن المدينة بنحو 6 كيلومترات، ثم تقدم المهاجمون واشتبكوا في معركة أخرى، واندحر العدو مرة أخرى إلى اكمة سنت جون، فأمطر الأجيون بقنابل مدافعهم القلعة وأخذوا يتقدمون فيستولون على القطعة بعد القطعة، واندحر البرتغاليون عن الأكمة فاحتلها المهاجمون، وواصلوا الزحف وتأخر العدو إلى كنيسة «مار دي ديوس» على جبل وصار البرتغاليون يطلقون النار منها على قلعة سنت جون، فهجم الأجيون صوب المدينة وطاردوا عدوهم، واستولوا على أطرافها، ودافع البرتغاليون عن حصونهم فحاصرهم المهاجمون وأمطروا الحصون بالنيران، وبنوا سوراً عالياً طويلاً ثم وصلت للبرتغاليين نجدة من سلطنة باهانغ صديقتهم في قوة عظيمة فكانت حرباً بحرية، ثم وصلت نجدة برتغالية من كوا بالهند بقيادة الفارس بيثلو، فاندحر الأجيون أمام هذه القوات بعد أن اعتمدوا على السلاح الأبيض، وتأخر قائد أجيه (أورانغ كايا لكسمانا) إلى الدواخل فقاتل قتال الأبطال في الآجام، ثم أسر وسيق إلى سطان باهانغ فسلمه السلطان إلى أصدقائه البرتغاليين، ثم سارت به سفينة قاصدة لشبونة، ولكنه فقد أثناء الطريق في البحر.
وسلطان باهانغ هذا هو سلطان جمهور السلطان عبد الجليل، وكان استولى على جمهور بمساعدة البرتغاليين. ولم يحدث نشاط بحري لأجيه بعد ذلك.
وصول علماء
كان عهد السلطان اسكندر مودا عهد تقدم علمي وديني، بنى مسجده الشهير بالعاصمة كما بنى عدة مدارس، ووصل علماء إلى أجيه، منهم عالمان من مكة في عهد السلطان منصور هما الشيخ أبو الخير بن حجر مؤلف كتاب السيف القاطع في الأعيان الثابتة، والشيخ محمد اليمني العالم الأصولي، فتناظرا في «الأعيان الثابتة» ولم يصلا إلى قول فصل، ثم جاء عالم من الهند هو الشيخ محمد بن حسن بن حميد الرانيري فنشر علم المنطق والبلاغة والأصول والفقه والتصوف فكان هو الحكم. وكان يعيش في عهد السلطان اسكندر مودا عالمان صوفيان هما الشيخ شمس الدين بن أبي عبدالله السمطراني، والشيخ إبراهيم الشامي الشافعي، توفي الأول في 2 رجب 1039هـ، وتوفي الثاني في 12 محرم 1040هـ.
وصول سفن فرنسية
ووصف القصر الملكي والسفن([494])
في يناير 1621م وصلت سفن فرنسية بقيادة Augustien Beauliev مندوباً عن حكومته، معه رسالة وهدايا من ملك فرنسا، فاستقبله السلطان أحسن استقبال.
وأعجب هذا الفرنسي بما شاهده في قصر السلطان وبالحفلة التي أقيمت لأجله، وكتب ما شاء أن يكتب عن أجيه وقال: إن الأهالي يجيدون القراءة والحساب بالعربية، وأنهم من خيرة مقاتلي هذه الجزر، وذكر قوة أجيه البحرية وأنها تملك سفناً كثيرة وكبيرة، وأن لها فرقاً من المشاة ومن الأفيال، وفي موانئها ترسو مئات السفن الحربية، وأنها أفخم من السفن الأوروبية، طول المتوسطة منها 120 قدماً، وأنها ثقيلة وعريضة وعظيمة وجميلة ومرتفعة، فيها غرف ولها مجاذيف طويلة وخفيفة، يمسك كل مجذاف رجلاً، وهم معتنون بها ينظفونها بعد كل حرب، ويحافظون عليها، والمتهاون يؤدب، في كل سفينة عدة مدافع تحمل كل سفينة 800 شخص وذكر أن الأهالي يحبون الأدب والنظافة ويتقنون الصناعة وعمل الحديد والنحاس وصناعة السفن بصورة مدهشة.
فيها كثير من الفيلة، ينتفع بها للحرب وجر السفن إلى البر إذا أريد إصلاحها أو حفظها، والمظنون أنه لا يقل عن 900 فيل، كلها مدربة على القتال تلتفت وتعود وتجري وتربض وتقف وتجلس وتحتمي… الخ حسب الإشارات التي تعطى لها، كما هي مدربة على السلام تجاه القصر.
يحيط بالقصر ساحة مساحتها نحو ميل ونصف ميل، بيضاوية الشكل، يحيط بها خندق عمقه 30 قدماً وكذلك عرضه، ويرتفع السور الحجري إلى نحو 20 قدماً، وبابه الخشبي سميك ذو مفتاح حديدي ثقيل، ويجري إلى القصر ماء زلال في ترعة، على جانبيه أدراج للنزول إلى الماء. وللوصول إلى القصر لا بد من المرور على أربعة أبواب، والسور الأخير الواقع بقرب القصر يبلغ سمكه خمسين خطوة عليه أبراج للحراسة، ويخلف السور الأخير فناء واسع فيه نحو أربعة آلاف جندي وثلاثمائة فيل.
توفي السلطان اسكندر موداً في 29 رجب 1046هـ (1636م).
أعمال الهولنديين بعد
وفاة اسكندر مودا
بعد وفاة اسكندر مودا عاد الهولنديون إلى أملهم القديم، فطفقوا يبثون سفنهم في مضيق ملاكا للاعتداء على السفن التجارية والنهب وإقلاق الأمن في البحر، وكان العداء مستحكماً بينهم وبين البرتغاليين، فأخذ هؤلاء يتقربون إلى أجيه ويخطبون ودها، ولكن ليس من السهل على أجيه أن تلبي رغبتهم وقد ذاقت منهم المر، والهولنديون يريدون العون من جمهور وأجيه لطرد البرتغاليين من ملاكا. وكانت أجيه قد أذنت لهم بالدخول إلى بيراك (في ملايا) لشراء الرصاص عام 1639م.
وأخيراً استولى الهولنديون على ملاكا بعد أن رشوا حاكمها البرتغالي بمبلغ 80 ألف ريال، ولكنهم قتلوه بعد استيلائهم عليها، فسلموا من دفع الرشوة، ـ ذكر هذا مصدر إنكليزي وعدة مصادر هولندية ونهب الهولنديون كل ما وجوده من أملاك الناس واعتدوا على الأعراض، وتناقص عدد السكان بنحو 90 في المئة بعد دخولهم إلى ملاكا بعد أن كان العدد عشرين ألفاً، فلم يبق من سكانها سوى 612 شخصاً، كما يعترف الهولنديون أنفسهم بذلك.
السلطان اسكندر الثاني
1636 ـ 1641م (1046 ـ 1050هـ)
لم يترك اسكندر مودا ولداً فأوصى بالملك لـ”ختنه ابن سلطان باهانغ ولقب اسكندر الثاني علاء الدين معاية شاه، وعمره 25 سنة، وهو اسكندر بن أحمد بن عبد القادر بن زين العابدين، من زوجته بنت السلطان محمود سلطان ملاكا الأخير، كما جاء في «سجاره ملايو».
وصفه مؤرخو عصره بالعدل فقالوا: «إنه ملجأ المحتاجين، يستظلون به، وينالون عطفه من وابل عدله، يبتهج به الناس كما تبتهج الأزهار عندما يمسها الغيث والندى فيفوح شذاها، وقد هبت في أنحاء بلاده رياح السعادة، وشعت شمس العزة، وارتفع علم الدولة وخفقت راياتها، وعم عدله وكمال صفاته، فكانت البلاد عامرة والأغذية متوفرة، فالشعب يرتع في السعادة لعدله في أحكامه. واتكاله على الله في أعماله، وصبره على حالاته، وشدته على المخالفين وكان مهيباً حازماً شفيقاً برعاياه، رحيماً بالفقراء، رؤوفاً بالأطفال، كريماً للغرباء، لا يعود قاصده خائباً، شديداً في تنفيذ أحكام الشريعة، وقد بنى مسجداً في العاصمة سماه «بيت المشاهدة».
وكانت حكومة أجيه تحافظ على الأمن حتى في عرض البحر، فقد جاء الحاج كمال ربان سفينة بنغالية تاجراً، ولكنه نهب عدة زوارق تجارية فطاردته قوته وأعادته وأعيدت المنهوبات لأربابها.
ومما يذكر عن اسكندر الثاني أنه عندما كان في رحلة لزيارة قبور الصالحين في باسي وصل إلى أجيه وفد هولندي فاستقبله رئيس الوزراء وقائد حربه، ولكن السلطان استمر في زياراته.
توفي السلطان بعد سقوط ملاكا بأيدي الهولنديين بشهر واحد.
السلطانة تاج العالم صفية الدين
1641 ـ 1675م (1050 ـ 1086هـ)
تولت زوجة اسكندر الثاني بنت اسكندر مودا بقرار إجماعي من كبراء الدولة، ولقبت تاج العالم صفية الدين. يصفها كتاب «بستان السلاطين» بالتقوى والصلاح وكثرة تلاوة القرآن الكريم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت تنفذ الأحكام بعدالة طبق الشريعة الإسلامية، ذكية حازمة، ميالة إلى الرياضة.
وفي عهدها عثر على منجم للذهب، وانتشر العلم، وهي إدارية أكثر منها عسكرية، والجميع يوالونها، وفي المقدمة العلماء أمثال نور الدين الرانيري والشيخ عبد الرؤوف السكيلي.
نظمت مجلساً للشورى أكثرت فيه من نواب المناطق من بينهم 18 امرأة([495])، غير أن عهدها كان في ظروف عصيبة، فالاستعماريون يقومون بأعمالهم العدوانية ويتوقون إلى السيطرة على أجيه.
قال محمد سعيد (ص 194) ما ملخصه: بعد أن احتل الهولنديون ملاكا في يناير 1641م، وصل في يونيو «هيرمانس» مندوباً عن حكومة بتافيا إلى قدح، ورجا من سلطانها عقد معاهدة تجارية مباشرة للضرب على نفوذ أخيه فيها، فوافق ذلك هوى لدى السلطان، وكان قد التجأ إلى حماية سيام للتخلص من حماية أجيه، فوقع تحت حماية البرتغال، وهو الآن يتفق مع الهولنديين، ثم اضطر أخيراً إلى حربهم تخلصاً منهم.
واستغل الهولنديون إذن حكومة أجيه لهم بشراء الرصاص من بيراك فعقدوا اتفاقية مباشرة مع بيراك في يونيو 1641م، على أن يحتكروا هذه التجارة، فأخذوا يعتدون على السفن، فاحتجت حكومة أجيه على ذلك، فجاء وفد هولندي للمفاوضة عام 1644م فلم تسفر عن نتيجة واستطاعت الملكة بدهائها أن تقلل من كسب الهولنديين تجارياً، وأن تكسب مسلمي الهند وغيرها أرباحاً من تجارة الرصاص حتى صاروا منافسين للهولنديين، وحاول الهولنديون عرقلة تجارية المسلمين ففشلوا، وحاولوا حصار أجيه فأمرت السلطانة بإغلاق مراكزهم. وفي ديسمبر، أذنت لهم في شراء الرصاص من بيراك بدون أن يكون لهم أي امتياز.
وفي سنة 1650م أعاد الهولنديون الطلب، فأوفدت السلطانة مندوباً عنها مع الوفد الهولندي إلى بيراك واتفقوا مع سلطانهم مظفر شاه الثاني، ولكن وقف بعض كبراء بيراك ضد الاتفاق، فحاول الهولنديون تنفيذه بالقوة فحدثت مقاومات دامت أشهراً، واستولى الشعب على المركز الهولندي وقتلوا رجاله.
ثم أعادوا الالتماس سنة 1653م لاحتكار الرصاص ففشلوا، وفي عام 1655م، أبرمت اتفاقية تجارية زيدت فيها مادة تنص على وجوب التعويض على الخسائر التي لحقت الهولنديين سابقاً، وعلى الرغم من مصادقة السلطانة على الاتفاقية فإن الأهالي هاجموا المركز أيضاً، فرأت هولندا أن لا سبيل إلا محاصرة بحر بيراك وأجيه، فدعت السلطانة الهولنديين إلى المفاوضة، وتوجه وفد من أجيه مع الوفد الهولندي إلى بتافا، غير أن الوفد الأجي رفض طلب الهولنديين في رصاص بيراك نزولاً على رفض الأهالي، فاستمر الحصار طول سني 1656 إلى 1659م، ثم أخذ الهولنديون يغرون أمراء المناطق على الخروج عن طاعة أجيه، وما كانت أجيه بالجاهلة فأخذت تضرب على تلك الأيد وتحطم المراكز الهولندية، وعلى الرغم من ذلك فإن تمكن الهولنديين في بعض الجزائر أكسبهم قوة حسبت لها السلطانة حسابها، فلجأت إلى المفاوضة عام 1659م، وعقدت اتفاقية منحت فيها للهولنديين امتيازاً في شراء الرصاص من بيراك، ودفعت أجيه تعويضاً، عما لحق الهولنديين من خسائر، قدره خمسون ألف ريال، ولكن الهولنديين استمروا في إغراءاتهم حتى انحازت إليهم بعض المناطق رغبة في التخلص من سيادة أجيه فوقعت في الابتعاد وثابرت هولندا على سياسية التفريق والإغراء ضد أجيه حتى تمكنت في عام 1666م من الاستيلاء على ايند رابورا، وتيكو، وبادانغ في نفس العام عنوة ثم اضطرت إلى تركها، والتحمت معارك. وفي عام 1670م هاجمت أجيه بادانغ فحطمت جميع الاستحكمات، ثم وصلت نجدات هولندية فتأخرت أجيه، وانفصلت دلي (في سومترا الشرقية) عن أجيه عام 1669م. وتوفيت السلطانة تاج العالم صفية الدين عام 1086هـ (1675م).
السلطانة نور العالم تقية الدين
1675 ـ 1678م (1086 ـ 1088هـ)
تولت نور العالم السلطنة، وفي عهدها وقع الحريق الهائل في مسجد «بيت الرحمن» وفي القصر، فأتت النار على كل ما فيه، وتوفيت في 23 يناير 1678م فتولت بعدها ابنتها.
عناية زكية الدين
1678 ـ 1688م (1088 ـ 1099هـ)
وفي عهدها وصل وفدان إنكليزيان عام 1684م وطلب الوفد الأول من حكومة أجيه السماح له ببناء مركز تجاري تحت حراسة قوة إنكليزية فرفضت السلطانة الطلب، وقد ذكر هذا الوفد قوة عارضة السلطانة وأن جسمها ممتلىء قوة. والوفد الثاني برئاسة ويليام ديميير، وقد كتب انطباعاته في كتاب له([496])، فذكر أنه يحكم البلاد امرأة لديها 12 وزيراً، كان واحد منهم مسؤول عن أعماله الخاصة به.
ووصل وفد من الشريف بركات أمير مكة المكرمة عام 1683م (1094هـ)، ذكر الدكتور سنوك هرخرونيه نقلاً عن كتاب «بلاد الجاوا»([497])، «إن الشريف بركات بعث بهدايا إلى سلطان الهند (سلطان أكبر أورنزيب) وعلى رأس الوفد الحاج يوسف القدسي، وبقي بالهند أربع سنوات لأن سلطان الهند رفض استقباله أوالعلم بما يحمله الوفد من الهدايا، فرحل الوفد إلى أجيه، وكانت تحكم أجيه امرأة، وقدم الوفد الهدايا إلى الملكة، فطلبت الملكة أن يبقى الوفد هناك ريثما تستعد بهدايا للشريف، وعندما كان الوفد هناك حدث حريق، حتى أن الذهب المحفوظ ذاب فصار كتمثال إنسان، فأمرت الملكة أن يكون هذا الذهب ضمن الهدايا للشريف، وأرسلت مبلغاً من المال ليوزع على المحتاجين في مكة، وعاد الوفد إلى مكة، وقد تولى عليها الشريف سعيد بعد والده. أما الهدايا فهي نعال من الذهب وزنها ثلاثة قناطير، وكافور وأنواع من الخشب الممتاز الزكي الرائحة، وثلاثة تماثيل سفن من الذهب، وقناديل للمسجد الحرام، وأوعية بها مواد عطرية، ومثل ذلك للمسجد النبوي بالمدينة، وصلت الهدايا إلى مكة في شعبان 1094هـ (1683م) اهـ، ثم ذكر الخلاف الذي حدث في مكة بشأن هذه الهدايا وتوزيعها وكيف تم أمرها.
الواقع أن الحريق الذي حدث في المسجد والقصر كان في عهد السلطانة السابقة. وتوفيت عناية زكية الدين في 3 أكتوبر وبوفاتها نجم خلاف بين طائفتين، طائفة لا تريد إسناد السلطنة إلى امرأة، وطائفة أخرى على عكسها، فانتصرت الثانية وانتخبت السلطانة كمالات شاه.
السلطانة كمالات شاه
1688 ـ 1699م (1099 ـ 1110هـ)
ولكن الخلاف استمر في موضوع تولية المرأة على الدولة، فتوجه القاضي (الملقب بالملك العادل) إلى مكة لاستفتاء علمائها، فعاد إلى أجيه يحمل الفتوى بعدم جواز تولية المرأة، فاشتدت المقاومة، وانتهت بعزل السلطانة.
السلطان بدر العالم الشريف
هاشم جمال الليل ومن بعده
عين ابن السلطانة كمالات شاه المعزولة، ولقب بدر العالم زين العابدين، ثم تنازل عن الملك عام 1702م، (1114هـ) فتولى السلطان بركاس عالم شريف لامتوى بن الشريف هاشم إلى سنة 1703م، ثم السلطان الشريف جمال الدين (أو جمال العالم) بدر المنير ابن الشريف هاشم جمال الليل السابق الذكر إلى عام 1726م (1138هـ)، وفي عهده بدأت أجيه تسترد عظمتها فاستولت على «باتوبارا» ولكنه عزل، فتولى جوهر العالم عماد الدين وتوفي بعد عشرين يوماً، وهو من أصدقاء وأعوان الشريف جمال الدين فتولى ابنه شمس العالم وهو من أقرباء السلطان جمال الدين فعزل بعد أسابيع، فتولى زين العابدين بن عبد الرحيم بن منصور، ولقب «علاء الدين أحمد شاه مهراج ليلا ملايو (1727 ـ 1735م) وهو من أصل بوكيسي، ومن سلالته كان ملوك أجيه من بعده، ثم تولى ابنه علاء الدين جوهن شاه (1735 ـ 1760م) وقد أوصاه والده باحترام السلطان المعزول الشريف جمال الدين لانتسابه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم تولى ابنه محمود (1760 ـ 1781م) وبعد سنتين من ولايته حدثت حركة انقلاب، قام بها أمير لامبوي الملقب بدر الدين فثار الشعب وقتل بدر الدين.
وفي سنة 1773م، حدثت معارك داخلية وسفكت دماء بثورة قام بها «راج أواهنا ليلا سليمان» وعاد محمود إلى الملك باجماع العلماء والقواد والوجهاء في اجتماع عام مشهود.
كتب الكابتين فورست الإنكليزي ضابط أسطول تجاري ما شهده عام 1762م في أجيه وغيرها (طبع في لندن عام 1792م)، ووصف السلطان بأنه مهذب مثقف وأنه يتحدث الفرنسية، ثم جاء مرة أخرى عام 1764م فأشاد بعظمة القصر وأثنى على السلطان.
كان السلطان محمود محافظاً على التقاليد والمراسيم الملكية وأصول الإدارة، وكان كثير الحذر من كيد الأجانب حتى أنه لم يأذن للإنكليز ببناء مستودع تجاري عام 1773م وفي عام 1778م استردت أجيه مدينة باروس التي كان الهولنديون قد احتلوها. ثم تولى السلطنة محمد بن محمد (1781 ـ 1795م)، الذي تتلمذ على الشريف أبي بكر بن حسين، وفي عهده تردد الإنكليز إلى أجيه للحصول على مواقع لأقدامهم بها فلم يفلحوا، وبعثوا إلى السلطان 300 مدفع صغير فكتب السلطان كتاباً شديد اللهجة وأعاد المدافع.
ثم تولى بعده ابنه حسين، وكان صبياً فتولى الوصاية عليه عمه وأمه، ولما بلغ أشده عام 1802م، تولى الملك مباشرة ولقب «علاء الدين جوهر العالم» وكان يميل إلى الإنكليز فكرهه الناس.
وفي سنة 1809م وصلت سفينة فرنسية بعثها الوالي العام الهولدني دايندلس فاضطرت السفينة إلى اللجوء إلى بناكاهولو لاضطراب البحر، ففتش البريطانيون ما فيها فعثروا على رسائل إلى سلطان أجيه، فكتب حاكم بينانغ البريطاني إلى السلطان يذكره بالأوراق السرية، ويخشى أن تسوء صداقته مع بريطانيا وطلب منه أن يمنع وصول السفن الفرنسية إلى موانىء بلاده.
كان السلطان غير مرغوب فيه في بعض المناطق فاتصل أهلها بجزيرة بينانغ، وكان بها السيد حسين جمال الليل وأصله من أجيه، وأمه بنت السلطانة كمالات، انتقل في صباه إلى سلانغور (ملايا) ثم إلى بينانغ عام 1790م، وتعاطى التجارة مع وطنه أجيه، وكانت البضائع التي يصدرها إلى أجيه معفوة عن الرسوم باعتباره من الأسرة التي لها حق الملك، فلما تولى جوهر العالم أزال هذا الامتياز، غير أن السيد حسين كان ذا علاقة متينة مع عظمة أجيه محبوباً لديهم، وكان رافلس يؤيد بقاء جوهر العالم في السلطنة، ويكون صديقاً لبريطانيا قال في خطاب بعث به: إننا إذا اتخذنا القوة ضد أجيه سنفقد كل شيء.
ودخلت سفينة إلى مياه أجيه بدون أن تلتزم بالقوانين المعمول بها، فأمر السلطان بسجن الربان والحجز على السفينة، فبعث حاكم بينانغ بسفينة لاطلاق الربان المسجون وسحب السفينة المحجوزة.
ثارت بعض المناطق واختارت ابن السيد حسين ليتولى السلطنة ولقبوه بالسلطان شرف سيف العالم، وعزلوا السلطان عام 1815م، وطردوا مستار السلطان الإنكليزي «فنستويك» فالتجأ السلطان المعزول إلى الإنكليز في بينانغ، فلم يقبله الإنكليز وعاد إلى أجيه ولكن الحالة لم تستقر.
عاد جوهر العالم إلى عرشه عام 1817م، وذلك أن تنكو فقيه صهر السلطان الذي كان مناوئاً له عاد إلى موالاته، وليبرهن على صدق ولائه استولى على سفينة للسلطان سيف العالم، وأسر السيد علوي ابن أخي السيد حسين.
وصف الغربيون جوهر العالم بأنه ذو أناة وتدقيق في شؤون الدولة، وأنه يجيد الإنكليزية مخاطبة ومراسلة، مولع بأدب شكسبير.
وضعت اتفاقية تنص على السماح للإنكليز بالتجارة في جميع الموانىء، وعلى أن يحترم الإنكليز بالتجارة في جميع الموانىء، وعلى أن يحترم الإنكليز استقلال أجيه وحمايتها ضد الغزو الخارجي، وأن لا يساعد أحد الطرفين عدو الآخر، وأن يعمل الإنكليز لتنحية سيد العالم عن عرش أجيه، وأن يمنع السلطان أي أوروبي من الإقامة في البلد، وأن لا يعقد اتفاقية مع دولة أخرى إلا بعد موافقة حكومة بريطانيا، وعلى الإنكليز أن يقدموا الأسلحة التي يطلبها السلطان، وأن يدفعوا له مئة ألف ريال قرضة تعاد عند أو فرصة يتمكن فيها من إعادتها. وتم التوقيع على الاتفاقية في 22 أبريل 1819م، ودفع الإنكليز ستة آلاف ريال سنوياً لسيف العالم باسم السلطان لئلا يطالب بالعرش، وهددوه باتخاذ القوة والسجن إذا لم يكف عن المطالبة. توفي جوهر العالم سنة 1823م، وأوصى بالملك لابنه إبراهيم فرفض الشعب الوصية واختاروا ابنه داوود (علاء الدين محمد) وتجرأ الأجانب على هذه الدولة بعدما رأوا ما حل بها من اضطرابات. فوصلت سفينة أمريكية وأطلقت قنابلها على كوالا باتي (الشاطىء الغربي) فدمرت وقتلت، وتكررت أمثال هذه الحادثة في موانىء أخرى، وكذلك فعل الفرنسيون متذرعين بأسباب مختلفة.
واتفقت هولندا والإنكليز عام 1824م، بعد انتهاء الاحتلال البريطاني لجزر الشرق، على محاربة القرصان، وجاء في الملحق أن لا تعتدي هولندا على استقلال أجيه، وألغت بريطانيا من جانبها معاهداتها مع أجيه الموقع عليه في العام 1819م، (بين رافلست وجوهر العالم) ولكن هولندا استمرت في نشاطها للسيطرة على سومترا، ومعنى محاربة القرصان هو الاعتداء على سفن أجيه التجارية في مضيق ملاكا، وقد يكون الاعتداء باسم محاربة الرقيق، مع أن سفن الهولنديين نفسها كانت تحمل الرقيق.
وكان للدولة العثمانية حديث سائر عن عظمتها وقوتها، ولها في النفوس ولاء، وكانت أجيه قد فقدت أي عون فبعثت وفداً سنة 1267هـ (1851م) إلى استانبول برئاسة خليفة نياء روم، وأنى لتركيا أن تنجد.
اتصل الهولنديون بأمير ترمون عام 1830م، لفصل ترمون عن أجيه على أن يدفعوا له سنوياً 2400 روبية، ولم تدم الاتفاقية طويلاً. وحاولوا الاستيلاء على باروس وبعد حروب سقطت باروس عام 1838م ثم استردتها أجيه بعد مدة وجيزة، وضربت حصون العدو في عدة مناطق لكنها اندحرت بعد وصول نجدات.
وثار البحارون الأندونيسيون في السفينة الهولندية (دولبين) وقتلوا ربانها وسلموا السفينة للسلطان، وكذلك فعلوا بربان السفينة البريطانية (زورستر) وأغرقوها، وتعددت أمثال هذه الحوادث. ثم غرقت السفينة البريطانية (روبرت سبكي) وقتل ربانها في أجيه، وبعد مفاوضات فاشلة خرب الإنكليز بلدة باتوبارا ومرودو بالقنابل فحدثت معارك.
وبما أن هولندا كانت تعمل لفصل المناطق عن أجيه بعثت أجيه عام 1854م، بقوة بحرية قوامها 200 سفينة إلى أمراء سومترا الشرقية بقيادة الزعيم حسين، فعادت العلاقات الحسنة مع أجيه، فحار الهولنديون لهذا التحسن السريع، وأخذوا يمدون نفوذهم إلى كثير من الإمارات وفصلوا بين سياك وأجيه، وصارت سياك تحت حمايتهم عام 1858م. وتوفي السلطان علاء الدين محمد عام 1838م، فتولى أخوه إبراهيم (علاء الدين منصور) واستردت أجيه منطقة سنكيل. ومع ذلك فقد أخذ الهولنديون سبيل التودد بعد ما رأوا ما لهذا الشعب من صلابة وجلد في القتال.
في عام 1855م جاء وفد هولندي يعرض صداقته فاستقبله الشعب بهياج وتجمهر الناس صارخين بوجوب طرد القادمين، واسترداد البلدان التي استولوا عليها، فأبلغ السلطان الوفد رغبة الشعب. ولولا هيبة السلطان لتعاظم الهياج.
وصل وفد آخر عام 1856م معلناً الرغبة في الصداقة فأجاب السلطان بنفس الرغبة في خطاب محرر في 22 شعبان 1272هـ.
وفي عام 1857م، توجه (فن سويتن) يحمل هدايا ورسالة من الوالي العام الهولندي يقترح فيها عقد معاهدة، وكان أفراد الشعب يرسلون النظرات الحادة إلى أعضاء الوفد، وزاد التوتر هروب بعض بحارة السفينة الهولندية والتجاؤهم إلى الأهالي، ولم يرض السلطان أن يكرههم على العودة إلى السفينة كما طلب الوفد الهولندي وزاد الشعب غيظاً لاعتقادهم بأنه لولا قسوة الهولنديين لما هرب البحارة، فكان ذلك مما جرت فيه المحادثة والمناقشات الحادة وانتهت بوضع اتفاقية خلاصتها ما يلي:
1 ـ تعقد صداقة بين الطرفين.
2 ـ لرعايا الجانبين اختيا رعوية إحداهما والتنقل والإقامة والتملك والكسب كما لغيرهم.
3 ـ تسري المساعدة والحماية أيضاً للسفن والزوارق وغيرها من وسائل النقل. والتجارة والملاحة، ويتساوى رعايا الدولتين في نيل المعاملة المفضلة بالنسبة لغيرهم في جميع موانىء البلدان وإجراء التسهيلات.
4 ـ يتنازل الجانبان عن جميع المطالب والدعاوى السابقة.
5 ـ يعمل الجانبان للحيلولة دون اللصوصية البحرية والقتل في البلدين.
6 ـ تقدم المساعدات للسفن التي تقذف بها الأمواج إلى الشاطىء.
7 ـ تسهيلاً للمواصلات بين الجانبين يعتمد الحاكم العام الهولندي على حاكم سومترا الغربية.
8 ـ كل خلاف يحل سلمياً.
وفي سنة 1860م، وصلت سفينتان هولنديتان وخالفتا الأنظمة المعمول بها، فأمر السلطان بسحبهما، فاحتجت هولندا، وعندما كانت المحادثات جارية عام 1862م، حدث خلاف في مسألة الحدود، فاقترح السلطان إجراء محادثة فرعية لتسوية الخلاف، وأن لن يغض الطرف عن أي اعتداء وأخيراً بعث بخطاب إلى حكومة بتافيا فأجابت بقبول التفاهم وانتدبت حاكم سومترا الغربية الجنرال «فن سويتين» ولكنه لم يبلغ السلطان جواب حكومته.
وكان لدى الهولنديين صديق لهم يدعى «برهان الدين يلعب على حبلين، فخدم الهولنديين كثيراً واستطاع أن يستميل معظم أمراء سومترا الشرقية إلى جانب الهولنديين.
وفي عام 1863م، هاجمت قوة أجيه الهولنديين في «بولوكمباي» فارتدت على أعقابها. وفي عام 1865م، جهرت هولندا حملة فدخلت إلى سومترا الشرقية في معارك استمرت إلى عام 1870، ثم عقدت اتفاقيات مع إمارتي أساهن وسردانغ وفي سنة 1868م، وصلت بعثة انكليزية وطالبت أمير كروتو بدفع غرامة عن السفينة التي زعم صاحبها الصيني أن الأهالي نهبوا ما فيها، فاضطر الأمير إلى قبول طلب الإنكليز.
وتوفي السلطان منصور عام 1870م، فتولى محمد بن السلطان علي اسكندر، وكان في الرابعة عشرة من عمره، فتولى الوصاية عليه السيد عبد الرحمن بن محمد الزاهر الذي كان قائداً وحاكماً، وذلك في الحين الذي كانت الهجمات الهولندية على الأبواب.
معاهدة هولندية بريطانية
ونتيجتها
وفي عام 1871م، عقدت معاهدة بين هولندا وبريطانيا أطلق فيها لهولندا الحرية لمد نفوذها في جميع أنحاء سومترا، وحينئد وجدت هولندا المجال متسعاً ولا منافس لها فأخذت تنظم الخطط للاستيلاء على أجيه وتبعث جواسيسها، حتى تجرأت عام 1872م، على مطالبة أجيه لتعترف بسيادة هولندا فرفضت أجيه ذلك رفضاً باتاً، وكان مع الوفد الهولندي صديقهم المدعو «تأهيل» مترجماً، ولطالما زار تأهيل أجيه جاسوساً في هيئة تاجر، وعند زيارة الوفد الهولندي كان يتردد إلى القصر ليهيىء المقابلة فكان أول من اتصل به «بنغليم تيبانغ» الشاب الهندي، الذي كان مضحكاً هزلياً، أسلم بعد وصوله إلى أجيه، ولإجادته أضحاك الجماهير استطاع أن يتصل تدريجياً بالقصر حتى صارت له مكانة، وكان عدواً خصيماً للسيد عبد الرحمن الزاهر ورجالات أجيه.
كان الشعب في أشد الغيظ تجاه تأهيل، فطلب الوفد الهولندي من حكومة أجيه أن تحميه من الشعب فرفضت طلبه وقدم الوفد الهولندي مطالب منها السماح بحرية دخول وخروج السفن الهولندية في موانئها، وللتجارة، ووضع بعض الموظفين في المواقع التي تختارها، فرفض السيد عبد الرحمن كل ذلك وقال إن ذلك تمهيد للاستعمار كما جرى في كثير من الأقطار، وأن لا محادثة إلا بعد البحث في مسألة الحدود والمناطق المحتلة فعاد الوفد.
وانحاز أمير بيدي إلى الهولنديين، واستولى الهولنديون على الباخرة الأجيه (سيمبانغ أوليم) الّتي يملكها توكوبايا صديق السيد عبد الرحمن، وفي عام 1872م، وصل وفد هولندي فأعرضت عنه حكومة أجيه، وكان مع الوفد تأهيل، والسيد عبد الرحمن غائب عن العاصمة، وجاء وفد ثالث وما زال السيد عبد الرحمن غائباً، فحمل تأهيل خطاباً إلى «الملك العادل» وكان في رمضان، فاعتذر عن الجواب واقترح أن تكون المحادثة بعد 6 شوال 1289هـ (7 ديسمبر 1872م).
فلم تر هولندا إلا اتخاذ القوة، ففي عام 1873م، قررت الزحف على أجيه إلا إذا اعترفت بسيادتها وبدأ الهولنديون في تجهيز القوات كما أخذ الأجيون في بناء الحصون والاستحكامات.
وفد إلى دولة الخلافة العثمانية وغيرها
بعثت أجيه وفداً إلى مكة المكرمة ثم إلى استانبول برئاسة الحبيب عبد الرحمن بن محمد الزاهر (الملقب مهراج مدير الملك) ونزل الوفد ضيفاً في مكة المكرمة على الشريف عبدالله باشا، ثم سافر إلى استانبول، وعاد إلى مكة المكرمة ثانياً، ثم تلقى من حكومة أجيه أمراً بالسفر إلى أوروبا لعرض قضية الاعتداء الهولندي.
وبعثت وفداً آخر إلى سنغافورة عام 1873م، لشراء بواخر برئاسة «تيبانغ محمد» فلقيه تاجر هولندي عرض عليه باخرة، ولكنه عاد خائباً وكان تيبانغ ميالاً إلى مسالمة الهولنديين، وقد وثق به السلطان ثقة عمياء حتى لقد فوضه في مهمته تفويضاً مطلقاً وأصحبه برسالة بيضاء موقعاً عليها بتاريخ 17 رمضان 1289هـ (18 نوفمبر 1872م) ولكنه بدد النقود التي معه ولم يتحصل على الباخرة، فناوله الهولنديون المبلغ الذي نفد منه، ومع فشله استطاع أن يستخرج من السلطان أمراً بالسفر لمواجهة الحاكم الهولندي في «رياو»، وتوجه الوفد من أفراد ليس فيهم أحد من أعوان السيد عبد الرحمن الزاهر ولا من أعوان «بتغليم بوليم» وظهر أخيراً أن أفراد الوفد صاروا بجانب الهولنديين. وعاد الوفد على سفينة هولندية ومعه الحاكم الهولندي «كرينهوف» واثنان من العملاء علاوة على تأهيل وهما داتؤسيتيا أبو حسن، الكاتب الخاص للمستشار الهولندي «نيونهيسن» ومحمد بادانغ من أهالي لانكت. وكان الحبيب عبد الرحمن ومن معه على خلاف ما يرى تيبانغ محمد، فألفوا لجنة في بينانغ لشراء الأسلحة، ووصلت الأسلحة فعلاً إلى أجيه.
الحرب
نزلت القوات الهولندية إلى البر بقيادة الماجور كوهلر عام 1873م، مؤلفة من 3200 جندي و168 ضابطاً وفوض إلى «نيونهيسن» تقرير السلم أو الحرب، فأمهل السلطان 24 ساعة ليعترف بسيادة هولندا أو الحرب.
بعث بهذا الإنذار بيد تأهيل فعرض السلطان الموضوع على مجلس الدولة فقر رأي الجميع على الدفاع، وعليه أجاب السلطان على الإنذار بالرفض، وسلم الجواب إلى الرسول في 23 محرم 1290هـ (23 مارس 1873م)، فاشتعلت الحرب واستمرت 45 يوماً وكان الأجيون يمطرون المهاجمين بالنيران من الحصون.
وفي 5 أبريل نزلت قوات هولندية في «أولى لوى» فبادر تنكونيك مراكسا إلى الاستسلام، ثم زحف العدو إلى «كوتا مكت» فصب الأجيون النيران على المهاجمين فارتدوا مدحورين إلى الشاطىء تحميهم مدافع سفنهم، ثم أعادوا الهجوم على كوتا مكت فارتدوا مرة أخرى، وأخذ الأجيون يهاجمونهم مستقتلين فاندحر الهولندين تاركين قتلاهم ثم نزلت قوات هولندية أخرى معها المدافع وأعادت الكرة على كوتا مكت فاستقبلهم الأجيون بصيحات تكبير تشق الفضاء وتهز القلوب، وقابلوا الأعداء بحماس مشتعل، وانغمسوا في الحرب حتى اندحر الهولنديون وقتل قائدهم «فن تيل» وبعض الضباط.
عدل الهولنديون عن الهجوم على كوتا مكت فقد استعصت عليهم، قال هولندي شاهد عيان: إن الأجيين يهاجموننا في كل معركة مباغتة على رغم مواجهتهم لجيش مستكمل السلاح، فأدركنا أن مهمتنا شاقة.
وجه الهولنديون زحفهم إلى «لام باسي» وهدفهم المسجد ودليلهم صيني يدعى «خوجيان في» فكمن لهم الأجيون فلما وصلت القوة الزاحفة أمطروها بالنيران فكثر القتلى من المهاجمين. قال المشاهد الهولندي: لقد دحرنا العدو ولكن بعد أن ضحينا بكثير منا، فالأعداء كانوا يهاجموننا من ناحية المسجد، وكانت الهجمات تشتد وتشتد.
واندحر الهولنديون عدة مرات، ثم أطلقوا قنابل النار على المسجد باستمرار فاحترق المسجد واضطر الأجيون المتحصنون فيه إلى الخروج عنه، وأخذوا يعملون الكمائن، فتقدم الهولنديون وهم يرون النار تشتعل في المسجد فيهتفون سروراً، فإذا هم بهجوم مباغت وحصار شديد، واستمرت المعركة ساعتين اضطر الهولنديون بعدها إلى الاندحار، وتقدم الأجيون إلى ناحية المسجد.
وجه الهولنديون هجومهم نحو القصر (العاصمة) وتقدموا إلى «كوتا كونونغن» في 12 أبريل 1873 (صفر 1290) فوقعوا في الحصر. وفي 14 أبريل هجموا على المسجد وحاولوا أن يتسلقوا السور بسلالم طويلة صنعوها، فقابلهم الأجيون بحماسة واستقتل فسقط ضباط وجنود هولنديون قتلى، وكرروا محاولتهم عدة مرات على غير جدوى ودام القتال نحو نصف ساعة كان الجانبان فيه مندفعين بقوة حتى تمكن أفراد من اجتياز السور، وأخذوا يرمون المدافعين بقنابل في أيديهم، ونيران المدافع تحميهم، فاضطر الأجيون إلى التقهقر.
وتولى القيادة «فن دالن» فزحف على العاصمة (القصر) في حين كان الأجيون يتأهبون للهجوم فاصطدم الفريقان في معركة حامية، ووالى الأجيون هجماتهم فاندحر بعض الجنود الهولنديين إلى ناحية المسجد وهرب آخرون إلى الساحل. وهكذا دامت المعارك إلى 17 أبريل ما استطاع الهولنديون الصبر فيها على الهجمات الضاربة فتأخروا إلى سفنهم، وهربت بهم السفن إلى عرض البحر، بعد أن قتل من ضباطهم 103 أشخاص، وعادت الحملة إلى بتافيا، وتوقف القتال ستة أشهر.
لم يأل الهولنديون جهداً في بذل كل ما بوسعهم لبث الفتنة بين زعماء البلاد وإرسال الجواسيس، كما ظهر رجال من أرباب النفوذ من الأهالي يوالون الهولنديين ويتصلون بهم، وهناك صينيون يتصنعون خدمة المسلمين وهم أعوان للهولنديين.
أخذ الأجيون يستعدون للحرب والدفاع عن بلادهم، فحفروا الخنادق ونصبوا المدافع في أماكن متعددة، وأعلنوا الجهاد الديني ونشروا بذلك بلاغاً إلى الشعب.
وأعد الهولنديون الحملة الثانية بقيادة «فن سويتن» ومعه الماجور «برسفيك» ونزلت في «أوجونك باتي» وهي مؤلفة من 389 ضابطاً و8156 جندياً و315 فارساً، معهم كثير من الموظفين المدنيين والخدم والعمال وغيرهم، ومعهم قوات من جنود جاوا الوسطى ومدورا بقيادة جاوبي مجهزين بالمدافع والمعدات الحربية، يرافقهم رهبان ومعلم ديني مسلم هو الحاج محمد الياس، وبعض الأذناب أمثال تأهيل وستيا أبو حسن، ومحمد أرشد وغيرهم، وصينيون وجواسيس من مختلف الأجناس. هكذا كانت الحملة الهولندية بعد أن ضعفت أمام الأجيين الذين يقاتلون طلباً للنصر أو الشهادة.
وبدأ الهولنديون بالاعتداء على السفن ونهبها، وأخذوا يرمون القرى الساحلية بالقنابل، ثم نزلت قواتهم في 9 ديسمبر 1873م، فاستقبلها الأجيون بالنيران، والهولنديون يزحفون خطوة فخطوة، والتحمت معارك استمرت خمسة أيام، وقد احتاط الأجيون فكسوا القلاع والحصون المحيطة بالعاصمة بالأشواك المتشابكة وأشعلوا النار في منزل القاضي (الملك العادل) حتى لا تقع الوثائق المحفوظة فيه بيد العدو.
وكان على ضفاف الأنهر أحياء، فوجه العدو هجماته عليها وعلى حصونها، وكانت المعارك تلتحم عند كل خطوة، وتتوالى النجدات للهولنديين، ولم يتقدموا قليلاً إلا ويدخلون في معارك حامية، وأشدها معركة «تيتي بانجنغ»، ولما نفذت ذخائر الأجيين في هذه المعركة اعتمدوا على السلاح الأبيض، واستعاضوا عن دوي الطلقات بصليل السيوف، فقابلهم الهولنديون بمثل ذلك، واشتبك الجانبان ضرباً ووخزاً، حتى تمكن المهاجمون من اقتحام القلعة واندحر الأجيون، وفي اليوم التالي تراءت جثث طافية على الماء.
تناوب الفريقان النصر، فلا يتقدم الهولنديون يوماً إلا ويعقب ذلك هجوم من جانب الأجيين فيندحر العدو، فأرسل العدو رسولاً جاوياً لعرض الصلح، فثارت حفاظ الأجيين إذ رأوا شخصاً جاوياً يكون رسولاً لعدو الجميع فقتلوه، فأطلق الهولنديون نيران المدافع من السفن على «بيدي» فأحرقوها، وطفقوا ينزلون إلى البر في اليوم التالي، ودام القتال يوماً كاملاً، واندحر العدو بعد ذلك إلى السفن ومعهم القتلى والجرحى.
وفي 25 ديسمبر استولى الهولنديون على قلعة «بنا يونغ» ثم تقدموا، فإذا هم بمعركة أخرى تضطرم في «لمبو» اشترك في الدفاع النساء والأطفال، وكانت القنابل في كل معركة تسبق الجيش الهولندي، فيهجم الجيش بعد أن تمهد القنابل ما أمامه، فلما دنا الهولنديون من القلعة وضعوا الحراب على أطراف البنادق فتلقاهم الأجيون بسيوفهم المصلتة وخناجرهم التي اشتهروا بها، واقتحم القائد الهولندي السياجات، ووصلت نجدة للهولنديين فاستولوا على القلعة.
وتوالى اندحار الأجيين، ولكنهم لا يندحرون إلا بعد معركة حامية أمام كل حصن لهم يستقتلون عنده، فاضطر الهولنديون إلى تضحية أكبر عدد من جنودهم، وكانت المدافع تلقي قذائفها من المواضع التي بدؤوا الزحف منها، ووضعت القلعة أمام أبصارهم وأثرت القذائف في بعض أجزائها، ثم سكتت الطلقات وتقدمت فرقة هولندية بقيادة الكولونيل «فن زوي دوين» و«فن دالن» ونيران المدافع تتساقط على الأجيين، ثم التحم الفريقان بالحراب والسيوف واختلطا، واعتمد كل مقاتل على سيفه وساعده أو حربته، ودافع الأجيون عن المسجد وقد احترق جانب منه فجعلوه حصناً لهم يقاتلون منه ويحمونه، واستمر القتال يوم 6 يناير بأكمله، وكان الأهالي الموالون للهولنديين في الصفوف الأمامية فوقع نحو الثلث منهم قتلى. وفي هذه المعركة جرح كثير من الضباط الهولنديين، واندحر اوجيون واحتل العدو المسجد، فأعاد الأجيون الكرة على العدو، وفقد الهولنديون ـ كما تقول مصادرهم ـ 15 في المئة من ضباطهم و58 بالمئة من جنودهم.
وجه الهولنديون هجماتهم على العاصمة، وصبوا عليها النيران صباً من أفواه المدافع والبنادق في 7 يناير فقاتهلم الأجيون مدافعين بحماس، واستمر القتال إلى يوم 24 منه، يتداول الجانبان الهجمات.
سقوط العاصمة
وانطلقت المدافع ترسل قذائفها، فاشتعلت النيران في المنازل، فقابل الأجيون الطلقات بمثلها، وامتلأ الفضاء بدويها. وفي ليلة 24 يناير 1874م، أمطر الأجيون بنيرانهم العدو ثم أخذت الطلقات تتناقص بتناقص ظلمة الليل حتى كفت تماماً، فارسل «فن سويتن» مئة جندي للاستطلاع فدخلوا العاصمة وقد فرغت من السكان، وغادرها السلطان محمود وعظماء الدولة، وبقي بعض الجنود يدافعون ريثما يصل السلطان ورجال الدولة ومن معهم إلى مأمنهم.
أعجب «فن دالن» ببسالة الأجيين واستقتالهم في الدفاع عن كل معركة، وسقوط العاصمة ليس بذي معنى مهم فقد تركت خاوية، وانتقلت إلى موضع آخر، ولم تخمد المعارك بسقوطها.
استمرار القتال
على الرغم من الاندحار وانتشار الأمراض فإن روح الجهاد في الأجيين ما زالت قوية، وقد مات خلق كثير من الطاعون، منهم السلطان محمود في ذي الحجة 1290 (28 يناير 1874)، وفي 22 محرم 1292 بويع السلطان محمد داوود حفيد السلطان منصور في مسجد «لام نغه» كما سيأتي، تحت وصاية أربعة أشخاص من رجال الدولة.
مات كثير من الهولنديين حتى نقص عددهم إلى ثلاثة آلاف، وعين الكولونيل «بيل» بدلاً من فن سويتن في 25 أبريل 1874، ففاوض الأهالي في النواحي الشرقية والغربية، فعقد عظماء أجيه اجتماعاً ضم نحو خمسمائة شخص أقسموا فيه اليمين على «مواصلة الجهاد في سبيل الله وطرد الكفار الهولنديين».
وعاد الحبيب عبد الرحمن الزاهر من تركيا ووصل بينانغ، فلما علم الهولنديون بعودته دعوه للمفاوضة في سنغافورا، بواسطة السلطان أبي بكر سلطان جمهور، فتوجه ومعه رجال أجيه كانوا في بينانغ برئاسة تكوبايا في 30 مارس 1874 ففشلت المفاوضة.
وفي إبريل اشتعلت نيران المعارك في عدة مواقع فقتل أربعة من ضباط الهولنديين، وهاجم الأجيون «موراكسا» فاحتلوها، واندحر الهولنديون، ووالى الأجيون هجماتهم على المواقع المحتلة، فوصلت نجدات من الهولنديين الأقحاح، وقد تحرجت مواقفهم وقتل كثير من ضباطهم، كما يظهر ذلك مما كتبه الهولنديون الذين يشاهدون المعارك عياناً.
وفي سبتمبر هاجم الهولنديون «لام كروت» ولكنهم اندحروا بعد معركة هائلة، فوالى الأجيون هجماتهم على «بونا يونغ» فدافع عنها الهولنديون، ثم استردوا موراكنا والتجأ إليهم الزعماء الموالون لهم أمثال تكو لام باسي، وتكوينه. وهجم الأجيون فاستولوا على «لام بوي» و«بيرو» و«كوتا عالم» واستولى الهولنديون بعد معارك على عدة مواقع، ولكن الأجيين لم يتركوهم هانئين فكانوا يهاجمونهم ويقلقون راحتهم.
وقتل «فن بيل» فتولى الكولونيل «ويخرس فن كرخم» ثم عين بدلاً عنه الماجور ديمونت في مارس 1876م، والمعارك مستمرة، والدوريات الهولندية معرضة دائماً للخطر فقد يهاجم الأجيون فيقتلون جميع أفرادها، وقد يأتي نحو عشرين شخصاً فيتسورون الأسوار المحصنة في جنح الظلام فيقتلون من يجدونه هولندياً كان أو مرتزقاً، ويخرجون ومعهم ما غنموه من الأسلحة، وقد يكمنون لفرقة هولندية فيبيدونها عن آخرها، وقد يدخل شخص واحد في هيئة تاجر ماشية أو غيرها فإذا صار بين الهولنديين أشهر خنجره وانقض على الضباط يقتل فيهم، وهو بالطبع لا يسلم فيموت شهيداً.
واستولى الهولنديون بعد معارك عنيفة على نواحي كثيرة فدافع عنها الأجيون دفاع المستقتل بل ويقتحمون المعسكرات على أصوات التكبير والتهليل فيبيدون من فيها إلا من نجا بنفسه. ثم تجمعت القوات الهولندية فهاجمها الأهالي مرة أخرى ولكنهم اضطروا أخيراً إلى التقهقر، وسقطت «تامبوا» بأيدي العدو في أغسطس بعد معركة شعواء جرح فيها «فن در هيدن» (الذي عين في آخر يونيو 1876) بدلاً من ديونت، واستسلم أمير سمالانحا وأمير مرودو ثم تكو بائت، ولكن المعارك لم تخمد نيرانها، فكانت تشتعل هنا وهناك، ويرسل الهولنديون الحملات إلى النواحي فتعود مدحورة، كما يقوم الأهالي بهجمات متتابعة على المناطق المحتلة.
حاول فن در هيدن أن يحتل بوسانجن فبلغه أن جيشاً من الأجيين بقيادة الحبيب عبد الرحمن الزاهر قد احتل مناطق 4 مقيم و6 مقيم، وبقيادة هذا القائد عادت المعارك إلى قوتها، فهاجم حصون الهولنديين هجمات عنيفة اضطرب فيها الهولنديون. ثم أعد عبد الرحمن قوة جديدة في «مونتاسيك» وعقد هناك اجتماعاً مع السلطان ورجال الدولة، وأخذ يطوف المناطق حاثاً على الجهاد، فازدادت المعارك ضراماً في كل مكان، وهب الشعب يلبي دعوته للدفاع عن حوزة الدين والوطن، فاضطر الهولنديون لمواجهة ذلك إلى مضاعفة قواتهم.
وفي يونيو 1877م، اجتمع الحبيب عبد الرحمن مع العلماء والزعماء في كاروت بيدي فاشتدت حركته فهاجم الأجيون مراكز الهولنديين، وأشعلوها معارك هائلة في عدة مناطق وأحرقوا مستودعات الأسلحة الهولندية. ووالى الحبيب عبد الرحمن هجماته عى مواقع الهولنديين وطرق مواصلاتهم، وحصن استحكاماته وهدفه العاصمة (بندر أجيه دار السلام) التي سماها الهولنديون كوتاراج.
وصلت قوات هولندية من بتافيا، فضاعف الحبيب عبد الرحمن نشاطه واحتل بعض المواقع مثل كلي كلودا، وكرينغ رايا، وهاجم بوكيت سيروم في يونيو 1878م، وأطراف العاصمة وغيرها، فلقي الهولنديون ضربات قوية وخسائر عظيمة، واستمرت المعارك عدة أشهر، منها معركة «كلي تارون» التي انكسر فيها العدو، وتوالت النجدات الهولندية، نجده بعد نجدة، حتى تجمعت لديهم قوة عظيمة واجهوا بها القوات التي يقودها الحبيب عبد الرحمن، واشترك في قيادة المعارك كثير من القواد بينهم تكو عمر، وتنكو جيء دي تيرو وغيرهم، ولكن الهولنديين بقواتهم العظيمة تمكنوا من الاستيلاء على مركز قيادة الحبيب عبد الرحمن في مونتاسيك وسونوب وانك باتي وانك كالونغ، مركز القائد البطل بوليم.
ثم حدثت معركة «لونغي» وهو المركز الثاني لقيادة الحبيب عبد الرحمن، فانكسر الأجيون في هذه المعركة، حتى أن الحبيب عبد الرحمن ارتمى بين القتلى من المجاهدين متصنعاً الموت، ثم نجا بنفسه ليلاً، وعاد إلى رجاله في 20 أغسطس، وقام الهولنديون بحملات شديدة فاستولوا على نواحي واسعة في أجيه الشمالية، وسقطت سليمون.
وبعث الحبيب عبد الرحمن برسالة يعرض فيها الصلح والاستسلام بشروط قبلها القائد «فن در هيدن» وفي أكتوبر توجه إلى العاصمة المحتلة ومعه بعض أعوانه فاستقبلهم القائد الهولندي، فكان هذا أعظم فوز للهولنديين.
واستمر الأجيون على الكفاح بزعامة «بنغليم بوليم» على رغم انحياز الكثير من القواد عام 1880م، إلى الهولنديين وتوقيعهم على صكوك الاعتراف بسيادة هولندا، وصاروا يقاتلون بجانب الهولنديين أو يأتون لهم بأخبار المجاهدين وتحركاتهم.
الحبيب عبد الرحمن بن محمد الزاهر
كتبت جريدة «يافا بوده» الهولندية ما معناه: أن هذا ا لسيد العلوي هو أكبر زعيم للأجيين، ويعرف في تاريخ أجيه باسم «حبيب عبد الرحمن» وقد تكرر اسمه في التاريخ، خصوصاً عندما نجا بنفسه من السجن المخفور بقوة من الجند، وعندما قام يحاربنا مرة أخرى ويحطم أسطولنا المرابط هناك، حتى كتب أحد ضباطنا في ذلك مذكرة بعنوان (محطم الأسطول) أنه ليس لأحد نفوذ كنفوذه. أما تفصيل ذلك فيمكن العثور عليه في مذكرة مستشارنا السابق في اللغات الشرقية الدكتور سنوك هو خرونيه عن الحالة الدينية والسياسية في أجيه».
«وأهم أسباب نجاح دعوة هذا السيد هو أنه من الساداة الأشراف»، فإن لهذا اللقب شأناً عظيماً لدى الأجيين، وأقدس قبر في أجيه ـ في مذكرة الدكتور سنوك ـ هو قبر تنكر كونينغ المنسوب إلى آل العيدروس الشهيرين».
وجاء في كتاب «أجيه» تأليف الكاتب الهولندي سنتخراف ما ملخصه: «لم يوجد منذ سبعين عاماً زعيم كهذا الزعيم الفذ للأجيين، الحبيب عبد الرحمن الزاهر، ونحمد الله على أن كان زعيماً واحداً فقط، فقد كانت حكومة هولندا تخشاه كثيراً وتبذل جهدها وتتوسل بكل وسيلة لإخضاعه، حتى استسلم في 13 أكتوبر 1878م على أن يخرج من أجيه، فاختار الإقامة في مكة، وخصصت له جراية سنوية قدرها عشرة آلاف دولار، وأقلته سفينة هولندية إلى جدة في 24 نوفمبر 1878م فغرق الهولنديون في السرور إلى أذقانهم لنفيه، ونظموا القصائد وتغنوا بها».
«تلقت الحكومة رسالة بعث بها من مكة محررة في 3 محرم 1302 (أكتوبر 1884م) طلب فيها من حكومة هولندا ألا تولّي على الأجيين رؤساء إلا منهم، وأن لا تقرر أمراً إلا بعد أخذ آرائهم فيما يتعلق بقانون «المقيم» على أن يكون القانون عادلاً فيما يمس الدين والحياة».
«أما الأجيون فما زالوا يعلقون عليه الآمال ويضعون فيه ثقتهم، وقد حج منهم جماعة ولقوه هناك ورجوه أن يعود ليتولى الأمر في أجيه، وكان وهو في مكة كثير التفكير والاهتمام بشؤون أجيه، ولكن آراءه التي قدمها لحكومة هولندا لم تنل قبولاً، وتوفي في 5 سبتمبر 1885م».
هذا ملخص ما في كتاب (أجيه) «أما ولادته ففي حضرموت عام 1249هـ (1833م)، وجاء مع والده محمد وعمره سنتان إلى ملابر، وفي عام 1837م توجه إلى مصر للدراسة وعاد إلى ملابر عام 1842م، لمواصلة الدراسة في كاليكوت، وفي سنة 1848م، أخذ يتنقل في بلدان الهند وسيلان وبلاد العرب لطلب العلم، ثم سافر إلى منخا وتزوج بنت أميرها، وبعد سنة ونصف سنة سافر إلى مكة ثم استانبول، ثم عاد إلى ملابر وتزوج هناك، ثم إلى كاليكوت وحيدر أباد ونشر بها الدين، وتولى رتبة «جمعدار» فقائداً على ألف جندي، ثم سافر إلى كاليكوت وتعاطى مهنة الصياغة فأثرى، ثم سافر إلى أقطار أوروبا، وإيطاليا وألمانيا وفرنسا واستانبول، والهند، فكان يستقبل في كل مكان بالترحاب، أقام في بمبي عدة أشهر وحيدر أباد وكاليكوت وسنغافورا، وفي سنغافورا اتصل بالسلطان أبي بكر سلطان جمهور، فتوظف لديه سنة ونصف السنة ثم انتقل إلى جزيرة بينانغ. وفي سنة 1864م، سافر إلى «بيدي» بأجيه ثم إلى العاصمة (دار السلام) وأقام لدى السيد محمد مهدي في «لام بيسانغ» واتصل بالسلطان إبراهيم منصور وكبراء الديوان وترقى في المناصب حتى أعلاها من بعد السلطان مباشرة وأفاد أجيه منه فوائد جسيمة، وهولندا تدرك كيف تكون قوة أجيه وعندها هذا الشخص المثقف ذو النظرات الثاقبة».
«وبعد سنة من وصول الحبيب عبد الرحمن إلى أجيه بعثت هولندا شخصاً عربياً يسمى علي باحنان، فجاء في زي تاجر وفتح له دكاناً هناك، واستطاع أن يبذر الفتنة بين السلطان والحبيب عبد الرحمن فحدث بينهما فتور، ومع ذلك فقد صار له نفوذ في الميدان السياسي ولم تمر خمس سنوات حتى صار من أعاظم الرجال، حتى أنه لما توفي السلطان إبراهيم منصور اجتمع رجال الدولة وأجمعوا على أن يكون وصياً على خلفه السلطان محمود…».
قوة الأجيين
بنى الهولنديون عام 1885م، حصوناً حول العاصمة، والأجيون يهاجمونها المرة بعد المرة، كما يهاجمون المناطق الموالية للهولنديين فضعفت عزائم الهولنديين وامتلأت قلوبهم رعباً فكان «فن هوتز» يتخذ رجلاً من أهالي جزيرة أميون يدعى «ثينو» لتقوية المسيحية، ومعظم هؤلاء الجنود من أهالي أميون والجزر حولها، فكان ثينو لا يفارقهم في ميادين القتال. لقد يتمّت الحروب أطفالاً، وأرملت نساء، وأهلكت زروعاً وضروعاً، وأحرقت بلداناً، ونشرت الأوبئة فمات الشباب وفنيت الثروات، وطوى الدهر أياماً طويلة في مذابح بشرية وإبادة عامة.
ذكر فن لير أن الجنرال فن در هيدن أخفق في أعماله فجنح إلى اللين لإخضاع الأجيين، وأن السفن التي تغادر أجيه لا تحمل الجرحى فحسب بل تحمل المرضى بمرض الكساح والدماغ والقلب…
ثم ذكر مساعي الأجيين في تقوية صفوفهم، إلى أن قال: إنهم متهورون حتى كانوا يدخلون إلى مراكزنا ليلاً إلى نحو 75 متراً فينهبون المصابيح والخيل من الاصطبل وقال «لقد نصح أحد كبار الأهالي القيادة الهولندية باحترام الأجيين وتركهم ينتصرون قليلاً، وفي نفس الحين يعتقل الموجودون منهم في القرى، وتؤلف كتائب من المختارين للبحث عن مهيجي الثورة، على أن لا يحمل أفراد الكتائب إلا السيوف ومن هذا يتجلى مقدار ما يقاسيه جيشاً من الأخطار».
السلطان محمد داوود وتكو عمر
سقطت العاصمة بيد العدو، وأسر الحبيب عبد الرحمن بعد معارك وسقوط مقر قيادته واستسلم كثير من الأمراء ومال آخرون إلى الهولنديين، ولكن الكفاح استمر بقيادة «بنغليم بوليم» و«تكو عمر» وكانت هولندا في معضلة مالية، إذ خسرت 86 مليون روبية في الحرب التي تستنفذ منها شهرياً نحو 15 أو 20 مليون روبية.
ولما نصب الأجيون عليهم السلطان محمد داوود اتخذ «كومالا» عاصمة له عام 1879م، وتحصن المجاهدون في نواحي بيدي، وكونونغ بيرام، وسفح جبل سلاواه، وهناك اجتمع القواد، وفي مقدمتهم توانكو هاشم المعروف بتدينه، وتوانكو راج كومالا العالم الديني الذي يجيد العربية ولا يحادث العلماء إلا بها. وكان «راج كومانغن» قد انحاز إلى العدو في مايو 1878م، وعاهد الهولنديين على مكافحة العلماء الذين يقودون المعارك.
توجه الجميع إلى «تيرو» حيث العالم الشهير محمد أمين «الملقب تنكو جيء دي تيرو» فقر رأي الجميع على إسناد القيادة إلى الحاج محمد سمان، وعلى ذلك قرئت الفاتحة، فقام هذا العالم بالقيادة من عام 1881 إلى 1891م، ، وبعد وفاته قام ابنه تنكو جي أمين إلى سنة 1896م، ثم تكو عمر إلى سنة 1899م، ثم بنغليم بوليم إلى سنة 1902م، واستمرت المعارك إلى عام 1913م.
قال الدكتور سنوك: «إن الجيس الهولندي أشبه بقرد مصفد بأغلال يؤذيه الأطفال أشد الأذى وهم آمنون». وكانت حكومة هولندا قد بعثت الدكتور سنوك خرونيه هذا إلى أجيه في فبراير 1892 للاطلاع على الحالة عن كثب، فقدم لحكومته تقارير واقتراحات بقيت سرية، ومما ذكره: «أن بأجيه قوة حركة رجعية يديرها رؤساء الدين، دأبهم مقاومة الحكومة، ولن تخمد حركتهم إلا القوة».
أما تكو عمر فقد وصفه القائد الهولندي فن لير بقوله: «إنه بطل ذكي طالما أوقع بنا الهزائم، وقد صارحنا برغبته في الانحياز إلينا ولكنه انحياز ليس بالمجان».
تقدم ـ تكو عمر ومعه 15 من القواد إلى القيادة الهولندية وأقسم يمين الإخلاص، وسلم لها منطقة 25 مقيم فاحتلها الهولنديون، ولقبوه تكوجوهن بهلاوان وأذنوا له بتأليف فرقة من 250 جندياً على نفقة هولندا وجعلوا له الزعامة في منطقة 25 مقيم، فأخضع المجاهدين كما أخظع 22 مقيم و26 مقيم. أغضب فعله العلماء وأفتو بكفره ووجوب قتله، وبما أن للعلماء تأثيراً عظيماً في الشعب هاج الناس والتحمت معارك مع القوات الهولندية، وأعظم معركة ما حدث في 7 مارس 1893 بقيادة العالم «تنكو محمد أمين دبي نيرو»، لم يستطع فيها الهولنديون التقدم وتفرقوا شذر مذر، فكان كل جندي يطلب النجاة لنفسه، وسقط كثير منهم قتلى، فوصلت نجدات هولندية من كل صوب، ولكنها واجهت ضربات قوية، فوقع كثير من ضباطها صرعى وجرحى، وفي 25 مارس سلّم تكو عمر بعض الحصون للهولنديين تلبية لطلبهم فسلموا له الأسلحة والذخائر والأموال.
كجيء هيك عمر ـ صديق الهولنديين ورفيق تكو عمر ـ أبلغ الهولنديين أن تكو عمر وزوجته «جوت نياعدين» يعقدان الاجتماعات السرية، والواقع أن تكون عمر قد اتصلت بالمجاهدين، وأجمعوا على مهاجمة العاصمة و«أوليه ليه»، ولكن انكشف أمره فلم ينفذ ما أجمعوا عليه. وفي 29 مارس 1896 أكد «جوت لام نفه» لحكومة هولندا عزم تكو عمر على العمل ضدها، كما علم الهولنديون من صديقهم «تكونياء ايتم» يوم 30 مارس بعودة تكو عمر إلى قومه، كما بعث إليهم بخطاب يعرب فيه عن استيائه منهم، وذكر الأسباب التي ألجأته إلى الابتعاد عنهم، وجلها إهانات وقعت عليه وعلى أقاربه وسوء معاملة الهولنديين للأهالي وقال: «فلتأمروا الآن أعوانكم أن يستردوا الحصون التي يهاجمها المجاهدون، وأما أنا فلن أحاربكم وما زلت كما كنت معكم».
وفي نفس الشهر هاجم المجاهدون مركز الهولنديين في «انك كالونغ» وانضم إليهم تكو عمر ومعه ألف من أتباعه، وتابعه تكو حسين، وتكو محمود، وسكان مقيم لام نفه ثم تكو تونكوم في أوائل أبريل فانفلت جانب مما ظفر به الهولنديون.
أصبحت المراكز الهولندية عرضة للهجمات، فلم يستطع الهولنديون أن يتقدموا أكثر من خمسة كيلومترات خارج المدينة. قال فن لير يصف الحالة: لا يمكن التساهل ولا التوغل الكثير، فإن الأجيين أعداء أشداء. وقد جهز «خروفلند» 150 جندياً وأردفهم بفرقة احتياطية وقام فيهم خطيباً فقال: إن الأعداء يرمونكم فاثبتوا وتقدموا بقلوب قوية، ولا يستعملن أحد منكم بندقيته وليضع يده على سيفه استعداداً لسله، وحينئذ سترونهم يتركون بنادقهم. ولئن كثر فيكم القتلى فالخطأ خطؤكم لأنكم لم تسارعوا إليهم ولأنكم أتيتموهم متقاربين. فمن الجبن أن تتقاربوا حين تتقدمون. إذا صحت فيكم بكلمة «مرشومي» فردوا هذه الكلمة بأصوات جهيرة وسيوف مصلتة، وطاردوا العدو كالمجانين، ولا تبالوا بمن يقتل ففي الاحتياطي بدل، ومن أطلق بندقيته بدون أمر تعرض للعقاب، يجب أن يهاب الأجيون سيوفنا، وحينئذ أراني مرتاح البال، إنني أرى كثرة قتلاهم هذه الليلة وقتلاكم. هل تؤمنون بسيوفكم؟ هل تقسمون؟ فأجابوا: نعم نقسم.
وجرح أربعة جنود وقتل اثنان وجرح الليوتنانت فويك، وعاد الجيش، وضايق الهولنديون تكو عمر، فانتقل إلى بيدي في 20 سبتمبر 1897. وفي أول يونيو 1898 كانت الهجمات الهولندية موجهة إلى «كاروت» فحدثت عدة معارك في مواقع مختلفة، وانضم تكو عمر إلى بنغليم بوليم، وباشر السلطان القيادة بنفسه، وتقهقرت القوات الهولندية أمام الأجيين الذين وقفوا بقوة بقيادة «هونكنز» وفي هذه المرة اندحر المجاهدون إلى الناحية الغربية.
وفي 13 سبتمبر طاردتهم قوة هولندية من سفينة كانت راسية فلم تترك لهم فرصة لتقوية الصفوف، وأصبحت بيدي ـ حيث يقيم السلطان وبنغليم بوليم ـ هدفاً لهجمات الهولنديين، فانتقل السلطان إلى «كايو»، وقد تحرج موقفه لوجود كثير من المنحازين إلى العدو بل حدثت خلافات وثورات ضد السلطان فتصدى لنصرة السلطان حبيب لونغ وتكوباتي فأعادا للسلطان قوته ونفوذه. حاصر الهولنديون قلعة سمالانغا فاشتدت المعارك وثبت الأجيون، وأعقب ذلك انفجار فتعالى الدخان من القلعة، وفي أواخر هذا العام هجم العدو على المستحكمات في الجبال وغيرها، وتوجهت قوة هولندية بقيادة الماجور «ماتهيس» ومعه تكو سانانغن صديق الهولنديين إلى قرية«بول تنغه» فوجدتها خالية، فواصلت السير إلى القرية التي تليها فقابلها الأجيون بالنيران.
في صباح 13 يونيو واجهت دورية هولندية رجلاً يحمل سيفاً وخنجراً، فقال الضابط «فن در برندهوف» في مقال له([498]): إنني كنت شاهراً سيفي خلف جنودي آملاً أن أتمكن من أسر هذا الرجل، وصحت في وجهه أن ارم سيفك. فلم يتحرك. فكررت صيحتي فلم تفد فأمرته بالجلوس على الأرض فإذا هو ينزع سيفه من قرابه ويندفع إلينا مهاجماً، ثم خر قتيلاً إثر رصاصات أصابته، وكان قد وصل أمام حراب بنادقنا، وكان بالقرب من ذلك المكان منزل فيه ثلاثة أشخاص فقاوم أحدهم حتى قتل. وقال إنه توجه إلى قرية «نيكان» ومعه 40 جندياً وتسعة من الأسرى «فلما وصلنا إلى القرية بتنا ليلتنا على شاطىء نهر «كولوه» في مصلى مبني على أعمدة من الخشب يصعد إليه بسلم خشبي، وكنت في الطبقة العليا ومعي عشرة من الجنود وخادم، وقد أحطنا المصلي بسياج. وفي ليلة 27 يونيو 1902 نحو الساعة الـ 12 والنصف عندما كان كل شيء هادئاً والجنود يحرسون، والجو صاف، والبدر يتناهض من مكمنه في الأفق، ذهبت للنوم، ولم يمض إلا ربع ساعة حتى ذعرت إثر صوت شديد يقول (الله، الله) فهبطت إلى السلم وبيدي سيفي فإذا أنا أمام رجل على السلم بيده بندقية رافعاً رأسه، فانتهزت الفرصة وضربت وجهه بالسيف، ثم صعد جنودي الجرحى تحت ضوء المصباح، فربطت جراحاتهم بقطع الأقمشة التي مزقتها من فراش النوم، ورأيت بينهم السرجنت الذي يعمل في الإسعاف وقد أصيب بطعنة رمح، فلم أستطيع إسعافه، وأصيب بعضهم بأربع أو خمس طعنات، فلما أنهيت عملي مزقت صفحة من مذكرتي وكتبت إلى الماجور «ماتهيس» أستنجده ولكن من يحمل الرسالة إلى «بواله تنغه»؟ وكان قد جرح ثلاثة من الأسرى وقتل ثلاثة وبقي ثلاثة، وهؤلاء يستطيعون أن يبلغوا الرسالة فوعدت من يحمل الرسالة بتخفيف السجن عدة سنوات فتقدم أحدهم، ولم تبزغ شمس اليوم إلا وقد وصل إلى بوله تنغه. لقد حرت في استطاعة هذا الأسير في حلك الليل أن يهتدي إلى الطريق، مع أنه لم يمر فيه إلا مرة واحدة نهاراً، فلعل له حاسة خاصة كحاسة الحمام. وقمت بالحراسة ومعي 14 جندياً، وكنا نحدق بأبصارنا إلى الأشجار والنباتات التي يرسل البدر إليها نوراً خافتاً، فكلما سمعنا صوتاً أو رأينا حركة من خلال الأشجار أرسلنا الطلقات برهاناً على يقظتنا فكانت برهة لا أنساها طول حياتي وكنت أسائل نفسي: ترى هل أوصل الأسير رسالتي؟ فلما وضح النهار رأيت موقع المعركة الصغيرة. كان منظراً مدهشاً، ففي كل مكان قتلى من الجنود والأسرى، وعلمت أن جندياً مفقوداً ومن عادتي أنني لا اتذكر أسماء الناس سريعاً، ولكني لن أنسى هذا ولا بعد مئة عام، أنه لم يفق فقد عثرنا عليه على ضفة النهر وقد أصيب بنحو 26 ضربة سيف، ولا أدري كيف صار هناك؟».
«قتل منا ستة أشخاص وجرح 28 وفقدنا ثلاثة بنادق، وقتل من الأجيين 13 وتركوا سبعة بنادق وأسلحة بيضاء. وفي الساعة السابعة صباحاً سمعت صوت النفير، وصلت النجدة، فكان لصوت النفير في أذني وقع كوقع الموسيقى. قام ضابط النجدة بالتحقيق فعلم أنه في نحو الساعة الـ 12 والنصف ليلاً سمع الحارس صوت تخريب في السياج حول المصلى في موضعين معاً، ورميت حراب إلى ناحية المركز ترافقها أصوات (الله، الله) من عدة جهات، ويظهر أن عدد المهاجمين نحو 25 شخصاً دخلوا إلى أسفل المصلى حيث ينام الجنود فأعملوا فيهم السيف قبل أن يعلموا بما حدث فتصارعوا، ولم تنطلق رصاصة إلا قليلاً، وانتهى كل شيء بعد أربع أو خمس دقائق».
وكلف «كرول» دعوة شيوخ القرى ليعلم أشخاص القتلى الـ 13 فلم يعرفها أحد، وقالوا إن المهاجمين أتوا من أماكن بعيدة خفية فلم يطمئن الهولنديون إلى هذا الجواب فأصدروا أحكاماً قاسية على تكو سونانغن، وسكان المنطقة». وقال: وفي ليلة لم أكتحل فيها بالنوم سمعت الحارس يقول: احذروا السيوف، فجريت إلى الباب بسيفي الذي لا يفارقني بعد وقعة «نيكان» وكانت أفكاري تعود بي إلى تلك الواقعة، ولكن الواقع أنه لم يحدث أي هجوم من العدو، بل كان جاموس داخلاً إلى المعسكر».
«في 11 يوليو 1902، توجهت القوة الهولندية إلى «بوله تنغه» مؤلفة من 450 يمشون متقاطرين في صف طويل حتى وصلوا إلى قرية «سابي» فوجدوها خاوية، وما كادوا يواصلون السير حتى شاهدوا طليعة الخطر فصاحوا: احذروا السيوف، وسمعت طلقات وطارت رماح من ناحية اليمين، فاتجه القائد نحو مصدر الطلقات فأصيب بطعنة رمح وانقض الأجيون الكامنون من الناحية اليسرى فقتلوا وجرحوا 17 جندياً هولندياً وغنموا 5 بنادق و3 سيوف، وكانت معركة مريعة جداً، حتى أصبحت الكتيبة الوسطى عندما تجاوزت الجسر لم تلتق بأحد».
«وصل الكابتن نيفلس بنجدته إلى الجسر فإذا هو أمام رجل يحمل سيفاً فتعاركا وقتل الرجل، وتقدمت الكتيبة الخلفية بقيادة «فن در براندهوف» فرأى رمحاً في الجو متجهاً إليه فلم يصبه، وبرز من الأدغال رجل، فسل الهولندي سيفه وقتله، فإذا ستة آخرون يهجمون برماحهم فأطلق الجنود الرصاص عليهم فقتلوهم».
ثم قال: «سمعت أصواتاً من الأدغال تقول: هجمات السيوف، فإذا الماجور ماتهيس يندحر، فتقدمنا فلقينا الكابتن نيفلس جريحاً وعبرت الجسر فإذا أنا برجل فقتلته، ثم ظهر آخر عليه ثياب صفر على رأسه قلنسوة الزعماء يحمل سيفاً وبخاصرته خنجر ذهبي، فهاجمنا فعالجه الكابتن منتز بضربة على يده وأطلقت عليه السيف مرتين قبل أن يتمكن من سل خنجره وسقط السيف من يدي، فإذا آخر يهجم علّي برمحه فدافع منتز عني، وأطلق الجنود عليه الرصاص فقتل» إلى أن قال: «وعلمت أن صاحب الملابس الصفر المقتول هو كو بنغليم بيريلا وقال: وهاجم الأجيون جانباً آخر من جنودنا فحدثت معركة قتل فيها من المهاجمين 15 رجلاً وجرح هولنديان، وغنم المهاجمون بندقيتين، وكانت الهجمات تجري في وقت واحد في عدة أماكن، وبلغ عدد قتلى الأجيين 23 والهولنديين 12 وغنم الأجيون 8 بنادق».
وذكر الماجور براندهوف هجمات الأجيين بما ملخصه: «إن للعصابات الأجية مهارة ودربة على القتال، كانوا يتخيرون الهجوم تخيراً على أقسام الجيش، والجيش الهولندي منفصلة أجزاؤه بعضها عن بعض، فالأمامي لا يرى من في الوسط، وهذا لا يرى الخلفي، فلما هاجم الأجيون الطليعة لم يعلم بذلك من يليها. هاجموا من اليمين فلما اتجه الهولنديون إلى اليمين هاجم آخرون من الشمال أي من خلفهم وهذه خطة محكمة، وكانت الهجمات تقع في آن واحد على الأقسام فتؤخر تقدم الجنود لأنهم لا يعرفون ما وقع لإخوانهم».
طبيعة الأجي
إن استقتال الأجيين وغيرتهم الدينية وحروبهم الطويلة قد استرعى إعجاب الكثير من الهولنديين أنفسهم فهم يقتحمون غمار الحرب، ويتسابقون لورود حياض المنايا، يدفعهم الحماس الديني معتقدين بأن كل ما يعانونه من حرب وشقاء جهاد في سبيل الله، وأن لهم الجنة، وهم يطلقون على الإفرنجي «الكافر الأبيض» وعلى غيره «الكافر الأسود».
تجد الدماء الفائرة والحماسة اللاهبة في شيوخهم وكهولهم وعجائزهم، فالأم تلقن طفلها في المهد وتترنم بالأغاني التي تذكي فيه روح الانتقام ممن قتل أهله، وتذكره بالمجد المفقود، وقد يعرف الطفل أسماء قاتلي أبيه أو جده. فالشعب الذي يتلقى أطفاله هذه الوصية بالتوارث والتلقين تفور مراجله عند كل حادثة فيندفع للحرب مقتحماً نيرانها ببسالة، ولا تزال هذه العقيدة متوارثة وإن خبت نوعاً، فكل عمل مضر بالدين في نظرهم يجد منهم مقاومة، والهدف هو الشهادة، قد يمرض الطفل فينذر والده أنه إذا شفي أبنه من مرضه أن يقتل كافراً، وهذا كثيراً ما يتكرر ولاسيما في رمضان، غير أن المدارس التي أقامتها حكومة هولندا حولت الأفكار لدى الكثير من الشباب إلى الصيغة العصرية».
قال سنوك هرخرونيه: «إن الأجيين لا تغريهم الأموال والرشوات فهم لا يخضعون إلا للقوة»، ويعارضه في رأيه هذا الوالي العام الهولندي الذي يرى وجوب فرض ضرائب على كل قرية لإضعاف طاقتها المالية، لأن الأجي يدعو إلى الجهاد فيجمع الأموال باسم الجهاد، وحروبهم باسم الدين، والدفاع عن الوطن واجب ديني فإذا ضعفوا استكانوا.
كتب المراسل الحربي لجريدة تَيْمِس اللندنية حينئذ يقول: «إن الأجيين ليسوا من النوع الذي يمكن أن يفرض عليه الاستسلام فرضاً مهماً بلغت أعمال الأبادة، لا يتساوون مع سكان الجزائر الأخرى، إنهم ذوو عزائم قوية وحماس منقطع النظير، يفضلون الموت على الاستسلام إذا عدم الأمل ولكنهم في حاجة إلى الأسلحة الجيدة للتغلب على الأوروبيين، لقد وجد الهولنديون أعداء أكفاء أكثر مما لقيه البريطانيون في إفريقيا الغربية، والأجيون يدركون كيف يحمون أنفسهم كما يعرفون بناء الاستحكامات، فلو جهزت بالأسلحة الحديثة فلن تقع بأيدي المهاجمين، وفي معاركهم التي يقابل بها الفرد الفرد الآخر يبرهنون على أنهم من أكفأ المحاربين. يعتقد البعض أن الأجيين لا يماثلهم أحد من الأجناس الملونة في الصبر على الكفار وشدة الحماس في القتال. ومن هنا يتضح لنا عظم المسؤولية على أعناق الهولنديين».
كتب فن سويتن إلى صديق له عن سياسته في مطاولة الأجيين فقال: «إننا نواجه شعباً في أجيه لم يكونوا متصفين بالبطولة فحسب، ولكنا نواجه رجال حرب منذ العهود القديمة لم يسبق لهم أن استعمروا».
وذكر سنتخراف في كتابه (أجيه) أن الأجيين يحاربون كالليوث، ويفضل الكثير منهم الموت حرقاً على الإستسلام، إنها حروب استقتالية حقاً».
الشيخ محمد سمان بن عبدالله
ابن عبيدالله
تنفو جيء دي تيروم
كان في بلدة «تيرو» عالم جليل هو تنكو جيء محمد أمين داياه جوت ابن الشيخ عبد السلام مودا تيرو ابن موسى بوليم جوت ريوم خال الشيخ محمد سمان، ومعنى (تنكو جيء دي تيرو) علامة تيرو، وهو لقب لا يمنح إلا لشخص واحد في حياته.
عندما عاد الحبيب عبد الرحمن الزاهر من رحلته عقد اجتماعاً للعلماء، فوقع اختيار المجتمعين على الشيخ محمد سمان قائداً.
ربي محمد سمان في أحضان العلماء، وتلقى العلم عن أبيه وخاله محمد أرشد، (تنكو جيء دي يان) وتنكو عبدالله داياه موناسه بلانغ، وتنكو نانجونغ يونغونغ، وغيرهم، ثم تولى التدريس مع خاله فذاع اسم معهد تيرو في أنحاء أجيه.
بعد عودته من الحج واعتبار العلماء إياه زعيماً، زار قبر والده في «موناسة» ورهن بعض أراضيه ليستعين بأثمانها للجهاد ثم توجه إلى كاروت سنة 1298هـ، (1881م) في «تانه ابوي» وينغليم بوليم بودا بالقرب من »لامسي» والحاج جوت في «ماهينغ» وانضم إليه من كان في المناطق المحتلة، وبث الدعاة للحث على حمل السلاح، فوصل الناس من كل صوب، وبذل الأثرياء الأموال، واستعمل الوجهاء وجاهتهم لاجتذاب الأمراء، وجعل مركز القيادة في «مورو».
وأحس الهولنديون بأن تحت الرماد وميض نار، فأمروا بنزع أسلحة أفراد البوليس من الأجيين وتعيين غيرهم من الأندونيسيين، ووضعت حراسات شديدة على الموانىء وبنيت الحصون.
بدأ المجاهدون يقطعون أسلاك الهاتف التي تربط بين الحصون الهولندية، ثم هاجموا قلعة «أيندرابوي» في مايو 1881م وأحرقوها، واندحر الهولنديون من حصن سليمون، ولام بيسانغ، والمجاهدون يقطعون مواصلات العدو، ويحاصرون حصونهم ويشتبكون في معارك لا تنقطع، فاضطر الهولنديون إلى إخلاء بعض الحصون بعد تدميرها، وانسحبوا حتى بلغوا «انك كالونغ» بأواخر عام 1881م، وتكاثرت الهجمات على الدوريات الهولندية فيختطفون أسلحتها.
وقد ذكرنا تأثير علماء الدين ومكانتهم لدى الأجيين، حتى أن الشخص المراد تعيينه قائداً أو ضابطاً مثلاً عليه أن يؤدي القسم أمام «تنكو جيء تانه أبوي» وهو في نظرهم أحد أولياء الله لا تجوز مخالفته أو الحنث في اليمين الذي يلفظ به في حضرته، وبعد تأدية اليمين يتقدم الرجل فيقبل يد الشيخ محمد سمان، ثم يد تنكوجي تانه ابوي، ثم غيرهما من العلماء.
في ابريل 1882م توالت هجمات المجاهدين في عدة مناطق، فجمع الهولنديون قواتهم ورموا بها المجاهدين الذين ردوا عليهم بهجوم عنيف على قلعة «جوت ستوي» فحدثت معارك ضاربة جداً استمرت أياماً، ثم تأخر المجاهدون إلى لام لونغ المحصنة.
ووالى الهولنديون الهجوم فقابلهم الأجيون باستقتال حتى كان الرجل يلقي الرجل فيصارعه إلى أن وصلت نجدة للمجاهدين من «مورو» فقوي جانبهم ومالوا على الهولنديين حتى أفنوهم عن آخرهم في إحدى المعارك، مع أن قنابل الهولنديين تتساقط عليهم من الحصون.
في 12 يونيو 1882 قرر الشيخ محمد سمان حصار كوتاراجا (دار السلام) فعلم الهولنديون بذلك وبعثوا ثلاث فرق إلى ثلاث جهات لحصار المجاهدين، فتخلص هؤلاء من الحصار بعد أن دمروا قلعة «كرونغ بينانغ»، وفي 18 منه استولى المجاهدون على «بولو بروئيه» و«لامبينغ» ثم وصلت نجدة هولندية فاندحر المجاهدون، ثم هاجموا قلعة «كرينغ رايا» وغيرها فصارت لهم حصوناً، ووالوا هجماتهم حتى وصلوا إلى «لام نغة».
وفي 11 سبتمبر حدثت معركة «جوت بلاد» فأحرق المجاهدون القلعة الهولندية في «رابونغ» وفي أول أكتوبر وصلت نجدة للهولنديين بقيادة «تيبانغ محمد» لمجابهة فرقة من المجاهدين بقيادة «بانغ نياء حسن» واستولى المجاهدون على «كلي تاروم» و«بوكن جادا» وغيرهما، وهاجموا «أوليه ليه» فصدتهم النجدات الهولندية وجرح يانغ نياء حسن جرحاً بليغاً.
وحول المجاهدون الهجوم إلى «كوتاراجا» فحدثت معارك قتل فيها القائد الهولندي «فن در ليث» وجرح آخرون، واستمرت المعارك مشتعلة في عدة مناطق، خصوصاً حول «كوتاراجا» فاضطر الهولنديون إلى الانسحاب من قلعة «انك كالونغ» إلى «لا مبارو» وانسحبوا من مواقع أخرى بعد أن دمروا الحصون وحطموا الجسور وحصنوا الاستحكامات في خط طويل جداً، وشدد المجاهدون الحصار ومنعوا وصول الأغذية إلى العدو وحطموا خطوط القطار وقطعوا أسلاك الهاتف.
بلاغ الشيخ محمد سمان
في 16 ربيع الأول 1302 (2 فبراير 1885) أصدر الشيخ محمد سمان بلاغاً بدأه بقوله:
«إن الملك، لله الواحد القهار. بلاغ من الفقير الحاج سمان تيرو، عبدالله المجاهد في سبيل الله في أجيه دار السلام والأمان. هذا تنبيه لأئمة البلا د والأمراء والقواد وجميع المسلمين وبالأخص العزيز «نيك موراكسا» وقائد المسجد الأعظم وسماحة القاضي، إنها أرادة الله ذي القوة والجبروت» في هذا البلاغ دعا الشيخ إلى حمل السلاح والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته. وكتب إلى كبراء الهولنديين مراراً يعرض عليهم السلم والهدنة إذا دخلوا في الإسلام. كتبت بذلك مرة عام 1885م إلى معاون الحاكم الهولندي «فن لا نغن» فأجاب عليه بأن القرآن يقول: لا إكراه في الدين.
استمرار القتال
واستمر المجاهدون في هجماتهم حتى صاروا على بضعة كيلومترات من كوتاراجا، وهاجموا المدينة عدة مرات فامتنعت عليهم، وكانوا يتسللوا إلى مواقع الأعداء فيفتكون بهم، فشدد الهولنديون الحراسة فلم تفدهم حراساتهم.
وانحاز إلى المجاهدين كثير من الأهالي أمثال تكوجوت محمد، وأخوه هشام، وتكو إبراهيم، وتتابعت هجمات المجاهدين على مراكز الأعداء، ولم يأت آخر شهر من عام 1885م، حتى كانوا يهبطون في مصب جانكول، وبولو براس، فأتوا على الهولنديين هناك وحصدوهم حصداً، فلم يبق منهم نافخ رماد، ثم بدأت الهجمات في الموانىء المحتلة وأخذوا يحاصرونها، فاشتعلت نيران المعارك في الشواطىء كلها، وسقطت سكلي بأيديهم في 17 فباير 1886.
وهجم تكو عمر على باخرة هولندية في ميناء ريتائية وأسر ربانها ومات من الأسر، ولكن الباخرة نجت، وعرضت الأمور لافتداء الأسرى، فطلب المجاهدون أن يكون الفداء ذهباً. ووصل تنكو إسماعيل أخو سلطان جمهور إلى «كوملا» للتوسط في الهدنة ومفاوضة الهولنديين، كما حاول الهولنديون مفاوضة المجاهدين بواسطة المنحازين إليهم من الأجيين ففشلوا، ثم توسطوا بالصينيين ففشلوا أيضاً. وجرت المعارك بدون انقطاع والمجاهدون يهاجمون المراكز الهولندية، وكوتاراجا (في ابريل 1887) ويخترقون الخطوط ويشتبكون مع العدو في معارك بالسلاح الأبيض.
وكرر الشيخ محمد سمان دعوته الهولندي «فن تين» عند اشتداد المعارك، ليسلم، فبالإسلام يكون الجميع إخواناً وإلا فليغادروا البلاد.
ووصل نفر من الهولنديين معلنين إسلامهم أمام الشيخ محمد سمان وتسموا بأسماء المسلمين فكان منهم عبدالله وعبد الرحمن حسن وحسين، وأقاموا هناك، وقد قتل بعضهم في الحرب بجانب المجاهدين وفقد بعضهم ولم يعلم مصيره.
وعرض الوالي الهدنة فأجابه المجاهدون بالهجوم على «بولوبراس» في 10 نوفمبر 1887م، وعلى كوالا بنجر وحطموا أربعة مدافع.
ثم هدأت المعارك فطاف الشيخ على المجاهدين وحرضهم على القتال فعادت المعارك إلى قوتها في ابريل 1889 وأخذ المجاهدون يوالون الهجمات على مراكز العدو ويحطمون ما يجدونه من وسائل النقل. وهاجموا «بوهاما» في 16 يوليو 1889 هجوماً عنيفاً من عدة جهات، فوصلت نجدات هولندية من البر والبحر، واشتبكوا في معارك حامية متتابعة جرح فيها تنكو محمد أمين ابن الشيخ محمد سمان جرحاً بليغاً، وقتل الكابتن فن خيساو، والليوتنانت فيرمان، وناخمان، و18 شخصاً من كبار الضباط الهولنديين، وجرح أربعة، و87 من صغار الضباط.
وفي سبتمبر أحرق المجاهدون قلعة «لام بنوروت» بعد معارك دامت زمناً، وبعثت هولندا وفداً من الأجيين المنحازين إليها إلى السلطان محمد داوود تعرض الصلح وتعترف به سلطاناً على عموم أجيه تحت حماية هولندا، فرفض هذا العرض توانكو هاشم وصي السلطان.
وكانت فرقة المرشوسي معروفة بقسوتها، فكان الجندي يعمل ما يشاء من قتل وتعذيب وحرق منازل، وقد يؤمر الرجل بصعود شجرة نارجيل حتى إذا بلغ أعلاها أطلقوا عليه الرصاص فيهوي إلى الأرض قتيلاً، وقد يجمعون سكان منزل فيأمرونهم بالإقعاء ثم يقطعون رقابهم. ولكن ذلك لم يثن من عزائم المجاهدين بل زادهم حماساً، ففي 25 يناير 1890 تعرضوا لفرقة يقودها فيرمان بالقرب من «كرونغ جوت» فقتل الليوتنانت فيرخوس وبعض الجنود. وأخذوا يكثرون الغارات الخاطفة على مراكز العدو.
في 10 جمادى الأولى 1308 (يناير 1891) توفي الشيخ أحمد سمان ودفن في قلعة مورو، فانتخب المجاهدون خلفاً له ابنه الأكبر محمد أمين وحمل نفس اللقب وفي 16 جمادى الثانية 1308 توفي القائد بوليم مودا.
وقاد محمد أمين الجهاد إلى عام 1893 حيث حدث تصدع في صفوف المجاهدين ثم تطور إلى قتال، وفي عام 1896 قتل محمد أمين واستمر تكو عمر في حرب المستعمرين إلى سنة 1899 حيث قتل في معركة أوجونغ كالاك في ملابوه.
وقاد الجهاد توانكو راجا كومالا الملقب (بنغليم بوليم) إلى سنة 1903م، حين استسلم السلطان محمد داوود، وفي عام 1907م، نفي إلى جزيرة جاوا، وتوفي في منفاه سنة 1939م. وفي عام 1905م، أسرت جوت نياء دين زوجة تكو عمر.
دامت حروب أجيه زمناً طويلاً استنفدت من حكومة هولندا 400 مليون روبية تقريباً، وبلغ عدد قتلى الهولنديين 7707 من عام 1890 إلى 1914م، ولكن المعارك لم تخمد تماماً، فقد حدثت ثورات مثل ثورة ملابوه، وباكونحن، وكانت هناك قيادات متفرقة يقود كل جماعة زعيم وهم كثيرون، من بينهم تكو حسن ابن تكو بايا الذي خانه تكو نياء محمد الذي انحاز إلى العدو وأخيراً قتله الخائنون، ومنهم نياء مقام (تاميانغ)، ووان منتوكا أخوه، وتوانكو هاشم بن إبراهيم، وتنكو يوسف، وتكو تيبانغ أمير ييريلا وابنه بياء كام، وأحمد العيدروس وأخوه علي، وتوفي يوسف بعد كفاح مرير عام 1890م.
المرأة الأجية
ذكرنا فيما تقدم وجود ملكات في أجيه باختيار العلماء والأعيان، فكن في مستوى حسن من الذكاء والتقوى والقدرة على تصريف الأمور. وللمرأة الأجية دور بارز في التاريخ، ذكر الدكتور جاكوب أن زعامة المرأة في أجيه لم تكن بالأمر الغريب «فعندما هاجمنا سامالانغا كانت تواجهنا امرأة هي «بوجوت ماليكاي» الوصية على الطفل المرشح للإمارة، فاستطاعت أن تحافظ على سيطرتها، وكانت تهدد بالضرب كل رجل قادر على حمل السلاح يتنصل من الاشتراك في القتال»، وذكر أنه كانت قيادة المعركة في كروتو بيد امرأة هي «جوت نباء كرتي» ومثلها «جوت ماء فاطمة» في أجيه الغربية.
كتبت جريدة يافا بوده الهولندية ما معناه: لعبة المرأة الأجية في الحرب ضد حكومتنا دوراً مهماً جداً، وهي اليوم في طبيعتها كما هي بالأمس، فكما أن كثيرات منهن كن يضمرن العداوة والكره للحكومة ففيهن اليوم من تضم بين جوانحها ضرام عداء أشد مما تضمه قلوب الرجال، ويحدثنا التاريخ بأن المرأة الأجية قد اشتركت مع العصابات في كل معركة ضد حكومة هولندا، فلا عجب إذا رأينا أسماء نساء في قائمة المنفيين عندما أجريت الأحكام العرفية في أجيه».
«وفي أولئك النسوة «جوت نياء دين» زوجة تكو عمر، فقد قامت بأعمال عظيمة، وتولت زعامة عصابة زوجها بعد مقتله، ثم أسرت ونفيت إلى «سومدايغ» بجاوا وبها توفيت عام 1907م، ومنهن الشريفة عائشة الزاهر بنت الزعيم الأكبر للأجيين السيد عبد الرحمن الزاهر المعروف بلقب حبيب عبد الرحمن، فإنها بعد وفاة والدها نفيت عام 1897م، إلى باندونغ بجاوا، ثم سافرت إلى جزيرة بينانغ حيث يقيم كثير من الأجيين المنفيين الذين يعرفون أباها، ولم نعلم سبباً لنفي هذه الشريفة إلى الآن، ولكن من المؤكد أن أهم سبب هو المحافظة على الأمن وسلامة البلاد، ومنهن بنت الشيخ محمد سمان أسرها الهولنديون في إحدى المعارك، وحاول أحدهم أن يلمسها فصاحت في وجهه: لا تلمسني أيها الكافر الدنيء، ونجت بنفسها فأطلق الجنود عليها الرصاص فاستشهدت، ومنهن تنكو باكي العالمة الذكية، كانت ترأس عصابة من النساء لإسعاف الجرحى عام 1881م، تقريباً عندما كان الأجيون يجالدون الهولنديين بقيادة الشيخ محمد سمان، وكان مركزهن في حصن «لام سابون».
وفي كتاب (أجيه) تأليف سنتخراف أن في تاريخ أجيه يعرف معنى (جراند دامس) في السياسة والحرب، فهي تظهر سلطانة أو زوجة لزعيم ذي نفوذ، وفيهن من تشبه سميراميس أو كاترينا الثانية قيصرة روسيا، فالمرأة الأجية لا تتردد في التضحية بروحها وطاقاتها فيما تراه قضية قومية ودينية، فهي تفوق غيرها من النسوة في البسالة ولا سيما من أجل دينها، وتتزعم الكفاح ضد هولندا علناً أو متسترة» و«لقد ذكر ضباطنا في دهشة وتقدير ما رأوه في نساء أجيه»، ثم قال: «إنهن يجاهدن في سبيل الله ويرفضن كل مفاوضة، وكل ما يرضيهن أن تَقتل أو تُقتل».
وقال عن جوت نياء دين: «إنها امرأة عظيمة معروفة في جهادها الحربي عام 1896م، وما بعده من الأعوام لما قتل زوجها فضلت أن تعيش في الآجام على الاستسلام للعدو، وثابرت على جهادها بعد أن قتل رجالها، وبعد أن عميت وتقدم بها السن استمرت في الجهاد، وصبرت على الجوع، وجنود الهولندين يطاردونها من مكان إلى آخر، وقد تمر أسابيع لا تذوق فيها من الطعام غير ما تجده من أوراق الأشجار، ست سنوات مرت وهي معتصمة بالصبر والجلد، مع أنها نشأت في أحضان الرفاهية، وكانت في مستوى النسوة المحترمات، فليتصور المرء تضحياتها لوطنها» اهـ.
جوت نياء دين، بنت تكو بانتا سوتيا قائد منطقة 6 مقيم، ولدت سنة 1848م، ونشأت نشأة دينية كسائر نساء أجيه، والبيئة الأجية مشبعة بروح الدين، كتب عنها فيمن كتب M.H.Izekely- Iulops في كتاب (جوت نياء دين) فذكر أنها كانت تغني لطفلها وهو في المهد بهذه الأبيات:
(أيها الطفل، يا بني، أنت بطل، أبوك وجدك أبطال، فابرز بطولتك، إن الكفار يريدون أن يسيطروا علينا ويستعبدونا ويريدون أن يفرضوا دينهم بدلاً من ديننا، دين الكفار، فدافع عن ديننا دين الإسلام بكل ما لديك من طاقة، وما لديك من حيلة، يا بني اتبع خطوات أبيك تكو إبراهيم ليجمع أعوانه ويجابه الكفار ويطردهم إلى خارج حدود أجيه). «يرتفع ذكر بعضهم لجمالها أو لنسبها أو لنفوذها، فاسم «بوجوت رمبونغ» باعث للدهشة، وبعضهن لمثابرتها على القتال أو لأعمال أخرى بارزة، مثل بوجوت بارين المعروفة في الساحل الغربي».
«وجميع نساء العلماء مقدسات لدى الأهالي، وقد حاربن وقتلن مع أزواجهن، فقلما نجد في العالم كالمرأة الأجية بوجوت بارين لا تماثلها امرأة في الساحل الغربي في سعة نفوذها وسيطرتها، لقد صارت زعيمة «تكونكوب» هي بنت تكو جوت أمت (أحمد) من أسرة عريقة في الزعامة، حلت محل زوجها بعد مقتله، ومرت عليها الأعوام وهي تخوض المعارك التي قد يتخللها سلم».
«ولما ضاعف الهولنديون الجهد في المعارك وضاقت بها الحياة لم تيأس بل ثابرت على الكفاح كأي رجل قوي، يحرسها ثلاثون شخصاً من المختارين، تحمل في يمينها سيفاً صقيلاً لا يفارقها، وهوالسيف المعقوف المعروف في الساحل الغربي كالسيوف التركية، وفي يوم هاجمت ثلة من الجند بقيادة الليوتنانت «هوخرس» مركزها فأصابت رجلها رصاصة وفسد بعد ذلك جرحها فاستسلمت، وعولجت فبتر الطبيب ساقها».
«ليست هي بأول حاكمة في تونكوب فقد حكمت مثيلاتها منذ قرون كما يحكم الرجال… وتوفيت عام 1933م، وما زال اسمها ملء الأفواه في ناحيتها».
«عانى كثير من الأسر في أجيه المشقات والحروب، معرضة للهجمات سنوات، وقد يبقى العناء ملازماً لها إلى آخر فرد منها، وتمر سنوات ويبقى من الأسر طفل، فإذا بلغ أشده أدرك أن الأرض التي يمشي عليها هي ملكه بالوراثة. «بوجوت اسية» في كروتو قائدة ذات حسب، وكان الأحق بالزعامة تكو جوت محمد، ولكنه سلم نفسه للهولنديين عام 1899م، فتولى الزعمة تكوجيء بينتارا أخوه لأمه، فتزوج «جوت موثيا» بنت تكوين داوود الزعيم الذي يكره مصافحة الهولنديين».
«اعتصمت جوت موثيا بالجبال والغابات بعد ضعف قواها، لا تعتف إلا بسيادة السلطان، كانت جميلة شجاعة جريئة، ترتدي في الحفلات السروال الحرير الأسود الأجي، كانت تعطف على أتباعها، يخفق قلبها لأولئك المعتصمين بالأحراج والجبال يعبدون الله ويجاهدون في سبيله، فهناك أبوها وأخوها، وكان زوجها لا يجرؤ على مرافقتها إلى الجبال، فانتهى الأمر بينهما بالطلاق، فتزوجت جوت محمد عدو الهولنديين وذهبا إلى الجبال وتزعما الجماعات، وبسرعة البرق أخذ محمد يتابع الهجمات في مختلف الأماكن».
«وفي يونيو 1902 هجم جيء بينتارا على ثكنة «فن ستين» فقتل ثمانية من جنود الهولنديين، وترك المهاجمون 14 قتيلاً في الثكنة، وفي أغسطس كمن رجاله بين أشجار الحلْفاء لقافلة هولندية تحمل المؤن بحراسة 20 بندقية فأبادوهم عن آخرهم، ثم وصلت نجدة هولندية في 40 جندياً، بعد أن عاد المهاجمون غانمين.
وفي نوفمبر أوقع جوت محمد ضربة قوية على الذين يقودهم الليوتنانت كوك وهم يحاولون عبور نهر على قارب يجدف عليه أجيون ليلاً، فانطلقت رصاصات من الشاطىء وتواثب المجدفون إلى الماء وأغرقوا القارب ونجوا بأنفسهم سابحين، وغرق جميع الجنود وفقدوا 42 بندقية.
وثابر على الجهاد والهجمات على العدو حتى بعد ضعفه، وكذلك حدث في يناير 1905م إذ هاجم نفر من المجاهدين كتيبة هولندية بقيادة فولاير في «موناسه ميرانديه بايا» فأبادوا جنودها ما عدا جندياً واحداً نجا بنفسه. وكان أكثر القتلى من ضربات السيوف على الأكتاف اليسرى، وهذه عادة الأجي فإن ضربته الشديدة إذا وقعت على كتف المضروب نفذت إلى صدره.
في مارس 1905م حوصر جوت محمد في لهو سماوي فاستسلم ثم أعدم، وقد أوصى زوجته جوت موثيا وهي حامل أن تربي من تلده كما تربي ابنها البالغ من العمر خمس سنوات على بغض المستعمر وأن تتزوج بعده «بانغ نانكروي» شيخ قرية «ماتانغ تونغه» بطل المعارك، وكان كثير الأتباع فازداد عدد أتباعه بتزوجه جوت موثيا، ومن أتباعه ابن تكوراجا سابي صاحب الحق في كروتو، وفي عام 1907م، استشهد تكو بين بورا أخو جوت موثيا، فانضم أتباعه إلى نانكروي، فهجم بهم في مايو 1907م على مواقع الهولنديين فقتلوا وغنموا كثيراً من الأسلحة، فطار صيته وتوجه إليه مئات من المجاهدين، من بينهم «بابا باكونغ تنكوس» و«تنكو ذي ماتا اير» أخوه، فاستشهد الأول في اكتوبر 1910، وطارد الهولنديون الثاني اثني عشر عاماً إلى عام 1917م، وهو مثابر على الجهاد. وفي 17 يوليو 1917 بينما كانت ثلة من الجند بقيادة توكيسين الأندونيسي مارة بناحية «سماركيلانغ» إذ رأت مزرعة في تلك الغابة الكثيفة فيها منزلان صغيران، فأطلق الجنود النار على رجلين فقتلا، ثم وجدوا أحدهما متورم الرجلين منجرح قديم. وتألفت عصابة في هذه البقعة واستمرت روح الثورة وأخيراً أسر زعيمها عام 1937م.
أما تنكودي بارات فأكثر جهاده في الجهة الغربية، طارده العدو سنوات حتى عام 1912م، وذلك أن ثلتين من الجنود بحثتا عنه يتقدمهم دليل من أهالي امبون يدعى «ادامبو بولو» فرأوا بالقرب من «الورسوا» أثار أقدام فتتبعوها، ثم رأوا دخاناً يتصاعد من كوخ صغير فاستعدوا للهجوم، وبينهم وبين الكوخ شلال ماء صغير، وتحت الشلال أربعة أكواخ فيها تنكو دي برات وزوجته واثنان من أتباعه وأربعة أطفال، منهم ابنان لتنكو دي بارات. ونزل الجنود مع ماء الشلال المنحدر إلى قرب الكوخ، فعلم بهم تنكو دي بارات ومن معه فتواثبوا متهيئين للقتال كعادتهم التي مرنوا عليها، وأخذوا يدافعون عن أنفسهم خلف الصخور، وكانت زوجته تقاتل معه بجانبه، ثم أصابت يده رصاصة فناول زوجته البندقية وأشهر خنجره بيده اليسرى، فتقدمت الزوجة أمامه تقاتل حتى قتلت وقتل زوجها وأتباعه. وهكذا انتهى جهاد تنكودي بارات ومن معه.
ضياء شهاب
الإحباط
قال السيد محسن الأمين:
ذهبت الوعيدية وهم الذين لا يجوزون العفو عن الكبائر إلى القول بالإحباط واختلفوا في معناه بعد اتفاقهم على اختصاصه بالكبائر (فالجبائية) وهم أتباع أبي علي الجبائي من المعتزلة: على أن المتأخر من المعصية والطاعة يسقط استحقاق المتقدم منها زاد عليه أو نقص أو ساواه فإن كان المتأخر المسقط هو المعصية فهو الإحباط وإن كان الطاعة فهو التكفير فإذا كان طول عمره مطيعاً وختم له بكبيرة لم يتعقبها بطاعة أحبطت جميع أعماله وصار كمن لم يطع أصلاً واستحق الخلود في النار وإن وافى على الإيمان. فكانت الكبيرة عندهم بمنزلة الكفر إذا وافى عليها لم يستحق ثواباً على عمل، وإذا كان طول عمره على الكبائر وختم له بطاعة لم يتعقبها بكبيرة كفرت جميع تلك الكبائر بالغاً ما بلغت وإن لم يتب عنها ومات مصراً عليها يسرق ويزني ويشرب ويسفك الدماء ويقطع السبيل إلا أنه بعد ذلك عمل طاعة واحدة لم يأت بعدها بكبيرة فإنها تمحص عنه جميع تلك العظائم حتى كأنه لم يعلم منها شيئاً ودخل بها الجنة حتماً لأنه صار بمنزلة من لم يعص وقد أطاع.
وحجتهم على ذلك: دعوى تنافي استحقاق الثواب واستحقاق العقاب لاقتضاء أحدهما القرب والآخر البعد وهما ضدان لا يجتمعان بل يزيل المتأخر المتقدم مع ما جاء في الكتاب والسنّة من الإحباط والتكفير.
(والبهشمية) وهم أتباع ابنه أبي هاشم الجبائي قالوا بالموازنة وهي: أن الطاعة والمعصية إن تساويتا تساقطتا حتى كأنه لم يصنع شيئاً لا خيراً ولا شراً فلا يستحق ثواباً ولا عقاباً وإن تفاوتتا سقط الناقص وما يساويه من الزائد وبقي الباقي منه فإن كان طاعة دخل بها الجنة وإن كان معصية دخل النار وذلك أنه لما رأى فساد ما التزمه أبوه وقبحه عدل إلى هذا القول.
ومن الغريب أن السيد نعمة الله الجزائري الأخباري في كتابه (الأنوار النعمانية) ذهب إلى القول بالإحباط بمعنى الموازنة كما حكاه عند السيد محسن الكاظمي صاحب المحصول في مقدمة كتابه (وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة) وأنه شنع بذلك على الأصوليين لقولهم بطرح النقل أو تأويله إذا تعارض مع العقل، قال: ومن هنا تراهم في مسائل الأصول يذهبون إلى أشياء كثيرة قد قامت الدلائل النقلية على خلافها لوجود ما تخيلوه أنه دليل عقلي كقولهم بنفي الإحباط في العمل مع وجود الدلائل من الكتاب والسنة على أن الإحباط الذي هو الموازنة بين الأعمال وإسقاط المتقابلين وإبقاء الراجح حق لا شك فيه. ا.هـ.
وأجاب المحقق الكاظمي في كتابه المذكور بأن ما جاء في الكتاب من الإحباط إنما أريد به حقيقته في اللغة أعني الإبطال حسبما قال عز من قائل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثُوراً} [23]، لا المصطلح بين المتكلمين كما عليه المعتزلة من قولي الجبائية والبهشمية المتقدمين وكلاهما ضلالة بينة اتفق أصحابنا عى المنع منهما وتضليل من يذهب إليهما. كيف وشرط القبول الموافاة على الإيمان. والإحباط إنما تكاثر في الكفار كقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في آلدُّنْيَا وَآلأَخِرَةِ وَأُوْلَئكَ أَصْحَابُ آلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، {إِنَّ آلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِايَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِنَ بِغَيْرِ حَقٍ} «إلى قوله» {أُوْلَئكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، {وَمَن يَكْفُر بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِأيَاتِنَا وَلِقَاءِ الأَخِرَة حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهدِينَ عَلى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [17]، وبعد ذكر المنافقين والكفار {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الأَخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [16]، {أَوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأيَاتِ رَبْهِمْ وَلِقَائهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}. {أُوْلئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ} وفي الذين ارتدوا على أدبارهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} فلم يرد به إلا البطلان من رأس. وأما ما جاء في غيرهم ـ وقلما يكون ـ كقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [2]، فالمراد فوات ثواب ذلك العمل مع حصول الإثم كما تبطل فوات ثواب ذلك العمل مع حصول الإثم كما تبطل بالرياء والعجب والمن والأذى كما قال: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَاقَاتِكُم بِالْمَنْ وَالأَذَى} أو بطلان ما يقع فيه من العمل كما وقع لأم إسماعيل مع الجارية عند الإحرام حيث قال لها أبو عبدالله (ع) عند الرجوع إلى ذلك الموضع: ها هنا حبط عملك. وأين هذا من بطلان ما يسبق من الأعمال أو الموازنة؟.
وقال المحقق الكاظمي أيضاً: إن مقال الجبائي في الإحباط والتكفير مخالف لما استقامت عليه الشريعة ونطق به الكتاب المجيد وتواترت به الأخبار. أما الإحباط فأول ما فيه: أنه لو كان لكان من أعظم الظلم لأنه يسقط أجر سبعين عاماً وهو على الإيمان لا يزايله لمعصية واحدة وهو يعد بالثواب على كل طاعة. على أن من شرط الإحباط عندهم عدم تعقيب المعصية بطاعة وإلا كفرتها، ومعلوم أن الإيمان من أفضل الطاعات بل هو أعظمها حتى أنه لا يقبل شيء منها إلا به وهو مع المعصية وبعدها لفرض الموافاة به فيكون مكفراً لها وحينئذ فلا يعقل الإحباط مع الموافاة به. وأما الشريعة فمعلوم أن المطيعين على رجاء من الله عز وجل إما بمغفرة منه تعالى أو شفاعة شافع وأن المتشرعة بل سائر الناس على المنع من اليأس بل هو من أعظم الكبائر، وما جاء من الوعد على الطاعات كالوعيد على المعاصي أظهر من أن يخفى ولو لم يكن إلا قوله تعالى: {من يعمل مثقال ذرة.. يره} لكفى. وأما التكفير فإنه وإن جاز على الحكيم الرؤوف الرحيم أن يعفو عن المعاصي وإن كبرت مع الموافاة بالإيمان والمحبة والولاية، لكن لا على وجه اللزوم وامتناع المؤاخذة كما يزعم هؤلاء لتوهم تنافي الاستحقاقين ولوتم ما زعموا للزم أن لا يبقى على مؤمن كبيرة قط لتعقبها بالإيمان. وأنى وهو تعالى يقول: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ}، في أمثالها. وما بعد {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآية. وأما مقال ابنه فهو كمقاله في الفساد لمخالفته الكتاب والسنة وطريق العقلاء على أنه لا يتصور مع الإيمان الباقي مساواة ولا زيادة معصية عليه اللهم إلا أن تفضي كثرة المعاصي إلى ذهابه فلا يتصور أيضاً مساواة ولا زيادة طاعة عليه مع أنه يخرج حينئذ عن محل الكلام إذ الكلام مع الموافاة على الإيمان. فهذا هوالحق الذي لا شك فيه أوليست الشريعة تنادي بأربابها بالجزاء على كل طاعة ومعصية إلا أن يعفو الله، متى كان الإسقاط فيهم للإحباط والتكفير أو الموازنة ضربة لازم كما يزعم انظر من الذي يأخذ بمستحسنات العقول هو أو الأصحاب «انتهى».
وأقول: إن من السخافة بمكان ما حكاه من الاحتجاج على الإحباط بتنافي استحقاق الثواب والعقاب لاقتضاء أحدهما القرب والآخر البعد وهما ضدان. فإن القرب والبعد الحاصلين بالطاعة والمعصية لا يراد بهما القرب والبعد المكاني بل المعنوي نظير الرضا والسخط اللذين يجتمعان باختلاف الحيثية كما يرضى الشخص عن عبده أو خدامه بإطاعته له في أمر ويسخط عليه في عصيانه بأمر آخر. وهذان القولان مع أنه لا دليل عليهما من عقل ولا نقل، وقام الإجماع على بطلانهما، ودل عليه الكتاب العزيز كالآيتين المذكورتين وغيرهما مما دل على وعد الله تعالى المطيعين بالثواب وإيعاد العاصين بالعقاب كما هو مقتضى العدل. نعم ورد الشرع بإحباط جملة من المعاصي للطاعات بمعنى إبطال ثوابها يوم القيامة بل ذلك معلوم من الشرع والأدلة النقلية به متواترة معنى، وهذا لا غائلة فيه فيكون وعد الله تعالى بالثواب مشروطاً بعدم وقوع تلك المعاصي كالإرتداد المحبط لجميع الأعمال كما دلت عليه الآيات السابقة وغيرها بل مقتضى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} عدم القبول من الفاسق كما أنه قد ورد تكفير بعض الطاعات للمعاصي بمعنى عفو الله تعالى عن العبد بسبب فعله لبعض الطاعات {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ} والآيات الواردة بذلك كثيرة والأخبار به مستفيضة كما ورد في القتل أنه مكفر لجميع الذنوب. وعن الباقر (ع): كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله عز وجل إلا الدين فإنه لا كفارة له إلا أداؤه (أي تأدية الغير له) أو يقضي صاحبه أو يعفو الذي له الحق. وهذا بخلاف الإحباط الذي ذهب إليه الجبائيان الذي مآله إلى الكسر والأنكسار الذي لا يساعد عليه عقل. أما ما ورد في الميزان ووزن الأعمال يوم القيامة ونجاة من رجحت حسناته واستحقاق العذاب لمن رجحت سيئاته {وَأَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} وهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم كما نطق به الكتاب وفسرت بعضه السنة فهو أمر خارج عن ذلك كما لا يخفى.
الاحتياط
الاحتياط في اللغة: هو الأخذ في الأمور بالاحزم والأوثق، وكذلك هو: المحاذرة والاحتراز من الخطأ واتقاؤه([499]).
وأما اصطلاحاً: فقد قسّم الأصوليّون من الشيعة الاحتياط إلى: شرعيّ وعقليّ، وعرّفوا الأوّل بأنّه: حكم الشارع بلزوم الإتيان بجميع محتملات التكاليف، أو اجتنابها عند الشك بها، والعجز عن تحصيل واقعها مع إمكان الإتيان بها جميعاً أو اجتنابها([500]).
وأما الثاني ـ أي: الاحتياط العقلي ـ والذين قد يسمّى بأصالة الاشتغال، فقد عرّفوه بأنّه: حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز إذا كان ممكناً([501]).
ومن التعريفين يبدو أنّ كلاً منهما أصل عملي([502])، يحدد الوظيفة العمليّة في حالة الشك وعدم الوصول إلى الحكم الشرعي.
الفرق بين الاحتياط العقلي والشرعي:
أولاً: إنَّ الاحتياط الشرعي وظيفة عملية يعينها الشرع، بينما الاحتياط العقلي وظيفة عمليّة من جانب العقل.
ثانياً: إن متعلق الاحتياط الشرعي أهم مطلقاً من متعلق الاحتياط العقلي. فالأول يشمل جميع حالات التكليف المحتمل. فيما يقتصر الثاني على الشبهة البدوية قبل الفحص، وحالات الشك المقرون بالعلم بالتكليف، والذي له شقان: العلم التفصيلي بالتكليف، والشك هنا في الامتثال، والعلم الاجمالي بتكاليف إلزاميّة، والشك هنا ناتج من التردد بين أكثر من طرف.
هذا عند الشيعة.
وأما عندهم فالذي يبدو من خلال تتبع أدلتهم على الاحتياط أنّ بحثهم فيه ناظر إلى الاحتياط العقلي فقط.
حجية الاحتياط الشرعي:
يرى الأصوليون الشيعة أنّ الاحتياط الشرعي ليس بواجب، وذهب الاخباريون منهم ـ أو معظمهم([503]) ـ إلى وجوب الاحتياط في بعض المواضع([504]).
ففي الشبهات التحريميّة الحكمية قالوا بالوجوب، وقد وقع الخلاف بينهم في غيرها، مثل إن كانت الشبهة حكمية وجوبيّة أو كانت موضوعيّة، سواء كانت تحريميّة أو وجوبيّة([505]).
واستدل المثبتون لوجوبه بأدلة من الكتاب والسنة، وقد حمل الأصوليون تلك الأدلة إمّا على الاحتياط في مجال العقائد([506])، أو وجوب الاحتياط قبل الفحص([507])، أو استحباب الاحتياط([508]) أو أنها إرشاد إلى ما يحكم به العقل من الاحتياط في الشك المقرون بالعلم الإجمالي([509]).
حجية الاحتياط العقلي:
إنّ الرأي السائد عند الأصوليين من الشيعة، وعند من طرق باب هذا البحث من غير الشيعة أنّ الاحتياط العقلي حجّة.
وقد ذهب الشيعة إلى أنّ مقتضى هذه الحجيّة في مورد العلم الاجمالي حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعيّة.
وقد استُدل على حجيته بالقاعدة التي تطابق عليها العقلاء من أنّ «الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني»([510]).
وذهب الشيعة إلى أنّ تطبيق هذه القاعدة يتمّ بضميمة منجّزية العلم الاجمالي في موارده، وعلى رأي البعض أن الشبهة البدوية ملحقة بالعلم الإجمالي باعتبار العلم بوجود مجموعة من التكاليف الإلزاميّة([511]).
بينما تطبق القاعدة مباشرة في موارد العلم التفصيلّي المقرون بالشك في الامتثال من دون حاجة إلى ضميمة شيء.
وقد يستند لإثبات حجية الاحتياط العقلي إلى قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل([512]).
أحمد المبلغي
أُحُد
اسم جبل واسم وقعة منسوبة لذلك الجبل. ويقع الجبل إلى شمالي المدينة على بعد حوالي أربعة كيلومترات منها وفيه يقول محمد بن عبد الملك الفقعسي حين ورد إلى بغداد فحن إلى وطنه وذكر أُحداً وغيره من نواحي المدينة فقال من قصيدة:
| إلا ليت شعري هل أبيتن ليلة | بسلع ولم تغلق علي دروب؟ | |
| وهل أُحد بادلنا وكأنه | حصان أمام المقربات جنيب | |
| يخب السراب الضحل بيني وبينه | فيبدو لعيني تارة ويغيب | |
| فإن شفائي نظرة إن نظرتها | إلى أُحد والحرتان، قريب |
وأما الواقعة فكانت في منتصف شهر شوال من السنة الثانية للهجرة وروى بعضهم أنها كانت في السابع من شوال لا في منتصفه (آذار 624م) وهذه تفاصيلها:
لم يهدأ منذ معركة بدر لقريش بال، وظلت حريصة على الثأر لقتلى بدر. وكيف لقريش نسيانهم وهم أشراف مكة وسادتها وذوو النخوة والكرامة من كبارها! وكانت قريش منذ قدم أبو سفيان بن حرب بالعير التي كانت سبب بدر من الشام وعاد الذين شهدوا بدراً وسلموا من القتل فيها ـ قد وقفت العير بدار الندوة، واتفق كبراؤها: جبير بن مطعم، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وحويطب بن عبد العزى وغيرهم، على أن تباع العير وأن تعزل أرباحها وأن يجهز بها بها جيش لقتال محمد، جرار في عدده وعدته، وأن تستنفر بها القبائل ليشاركوا قريشاً في أخذهم بالثأر من المسلمين وأرسلت قريش رسلها إلى العرب يدعونهم إلى نصرهم، قال الواقدي: كان رسل قريش أربعة: عمرو بن العاص، وهبيرة بن وهب، وابن الزبعري، وأبا غرة الجمحي وأصوات النسوة من قريش على أن يسرن مع الغزاة فتشاور القوم، فمن قائل بخروجهن، «فإنه أقمن أن يحفظكم([513])، ويذكركم قتلى بدر، ونحن قوم مستميتون لا نريد أن نرجع إلى دارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه» ومن قائل: يا معشر قريش! هذا ليس برأي أن تعرضوا حرمكم لعدوكم، ولا آمن أن تكون الدبرة([514])، «عليكم فتفتضحوا في نسائكم». وبينما هم يتشاورون صاحت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بمن يعترض خروج النساء: «إنك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك. نعم! نخرج فنشهد القتال، ولا يردنا أحد كما ردت الفتيات في سفرهم إلى بدر حين بلغوا الجحفة([515])، فقتلت الأحبة يومئذ» إن لم يكن معهم من يحرضهم وخرجت قريش ومعها نساؤها وهن خمس عشرة امرأة بينهن أم حكيم زوجة عكرمة، وريطة زوجة عمرو بن العاص، وعلى رأسهن هند وهي أشدهن على الثأر حرقة أن قتل يوم بدر أبوها وأخوها وابنها وأعز الناس عليها ـ خرجت قريش بثلاثة آلاف مقاتل تقصد المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار الندوة، وعلى اللواء الأكبر منها طلحة بن أبي طلحة.
تهيأ القوم للمسير بعد أن أجمعوا عليه والعباس بن عبد المطلب عم النبيّ بينهم واقف على أمرهم مطلع على كل دقيق وجليل من شأنهم، فكتب كتاباً يصف فيه صنيعهم وجمعهم وعدتهم وعديدهم، ودفع به إلى رجل غفاري يسير به إلى النبي حتى بلغ المدينة في ثلاثة أيام فيدفعه إليه. فأما قريش فسارت حتى بلغت الأبواء، ومرت بقبر آمنة بنت وهب، فدفعت الحمية بعض الطائشين إلى التفكير في نبشه. ولكن زعماءها أبوا عليهم هذه الفعلة، حتى لا تكون سنة عند العرب، وقالوا: لا تذكروا من هذا شيئاً فلو فعلنا نبشت بنو بكر وبدر خزاعة موتانا. وتابعت قريش مسيرها حتى بلغت العقيق، ثم نزلت عند السفوح من جبل أُحد على خمسة أميال من المدينة.
وبلغ الغفاري، الذي بعثه العباس بن عبد المطلب بكتابه، المدينة، فوجد محمداً بقباء، فذهب إليه فألفاه على باب المسجد هناك فدفع إليه الكتاب، فقرأه عليه أبي بن كعب، فاستكتمه محمد(ص) ما فيه وعاد إلى المدينة فقصد إلى سعد بن الربيع في داره، فقص عليه ما بعث العباس به إليه واستكتمه أيضاً إياه على أن زوجة سعد كانت بالمنزل وكانت تسمع ما دار فلم يبق سراً. وبعث محمد أنساً ومؤنساً ابني فضالة يتنفسان خبر قريش فألقياها قاربت المدينة وأطلقت خيلها وإبلها ترعى زروع يثرب المحيطة بها. وبعث محمد(ص) من بعدهما الحباب بن المنذر بن الجموح، وخرج سلمة بن سلامة، فإذا طليعة خيل قريش تقترب من المدينة وتكاد تدخلها، فعاد فخبر قومه بما رأى. وخشي الأوس والخزرج وأهل المدينة جميعاً عاقبة هذه الغزوة التي أعدت لها قريش خير ما أعدت في تاريخ حروبها، حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل المدينة وعليهم السلاح بالمسجد خوفاً على النبيّ، وحرست المدينة كلها طيلة الليل. فلما أصبحوا جمع النبي أهل الرأي من المسلمين ومن المتظاهرين بالإسلام ـ أو المنافقين على ما كانوا يدعون يومئذ وما نعتوا في القرآن وجعلوا يتشاورون: كيف يلقون عدوهم.
رأى النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يتحصنوا بالمدينة وأن يدعوا قريشاً خارجها، فإذا حاولوا اقتحامها كانوا أهلها فكانوا أقدر على دفعهم والتغلب عليهم. ورأى عبدالله بن أبي ابن سلول رأي النبيّ وقال: «لقد كنا يا رسول الله نقاتل فيها ونجعل النساء والأطفال في هذه الصياصي ونجعل معهم الحجارة، ونشبك المدينة بالبينان، فتكون كالحصن من كل ناحية، فإذا أقبل العدو رمته النسوة والأطفال بالحجارة وقاتلناه بأسيافنا في السكك. إن مدينتنا يا رسول الله ما دخل عليها عدو فيها إلا أصبناه، وما خرجنا إلى عدو قط منها إلا أصاب منا. فدعهم يا رسول الله وأطعني في هذا الأمر، فإني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم». وكان كلام ابن أبي هذا هو رأي الأكابر من أصحاب الرسول من المهاجرين ومن الأنصار، كما كان رأي الرسول لكن فتياناً ذوي حمية لم يشهدوا بدراً، ورجالاً شهدوها وأمتعهم الله بالنصر فيها وملأ الإيمان قلوبهم أن ليس لقوة أن تغالبهم أو تتغلب عليهم، أحبوا الخروج إلى العدو وملاقاته حيث نزل، مخافة أن يظن أنهم كرهوا الخروج وتحصنوا بالمدينة جبناً عن لقائه. ثم إنهم إلى جانب المدينة وعلى مقربة منها أقوى منهم يوم كانوا ببدر لا يعرف أهلوهم من أمرهم شيئاً، قال قائل منهم: «إني لا أحب أن يرجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها فتكون هذه مجرئة لقريش. وها هم هؤلاء قد وطئوا سعفنا، فإذا لم نذب عن عرضنا([516]) لم يزرع، وأن قريشاً قد مكثت حولاً تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها، ثم جاؤونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا، أفيحسبوننا في بيوتنا وصياصينا ثم يرجعون وافرين لم يكلموا! لئن فعلنا لازدادوا جرأة، ولشنوا الغارات علينا وأصابوا من أطرافنا، ووضعوا العيون والأرصاد عن مدينتنا، ثم لقطعوا الطريق علينا». وتعاقب الدعاة إلى الخروج يتحدث كل حديثه، ويذكرون جميعاً أنهم إذا أظفرهم الله بعدوهم فذلك أرادوا، وذلك الذي وعد الله رسوله بالحق، وإن هم انهزموا واستشهدوا كانت لهم الجنة.
وهز حديث الشجاعة وحديث الاستشهاد القلوب، واستنفر روح الجماعة الأنفس لتجري كلها في هذا التيار، ولتتحدث كلها على هذه النغمة، فلما ظهرت الكثرة واضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدو وملاقاته قال لهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): إني أخاف عليكم الهزيمة، فأبوا مع ذلك إلا الخروج، فلم يكن له إلا أن ينزل على رأيهم.
وكان اليوم يوم جمعة، فصلى النبي بالناس، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم. ودخل محمد بيته بعد صلاة العصر، والناس أثناء غيبته هذه في جدل يتحاورون. قال أسد بن حضير وسعد بن معاذ، وكانا ممن أشاروا بالتحصن بالمدينة، للذين رأوا الخروج منها: «لقد رأيتم رسول الله يرى التحصين بالمدينة، فقلتم ما قلتم واستكرهتموه عل الخروج وهو له كاره، فردوا الأمر إليه فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوى أو رأياً فأطيعوه» ولأن الداعين للخروج لما سمعوا، وحسبوا أنهم خالفوا الرسول إلى شيء قد يكون لله فيه آية. فلما خرج النبيّ إليهم لابساً درعه متقلداً سيفه أقبل عليه الذين كانوا يرون الخروج فقالوا: «ما كان لنا يا رسول الله أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك وما كان لنا أن نستكرهك، والأمر إلى الله ثم إليك»، قال محمد (ص): «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم. وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. انظروا ما آمركم به فاتبعوه، والنصر لكم ما صبرتم». وتقدم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمسلمين إلى أُحد، حتى نزل الشيخين([517]). وهناك بصر بكتيبة لا يعرف أهلها، فسأل عنها فقيل: هؤلاء حلفاء ابن أبي من اليهود([518]) قال: لا يستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك. فانصرف اليهود عائدين إلى المدينة. إذ ذاك جعل حلفاء ابن أبي يقولون له: لقد نصحته وأشرت عليه برأي من مضى من آبائك فكان رأيه مع رأيك، ثم أبى أن يقبله وأطاع الغلمان الذين معه. وصادف حديثهم هوى من نفس ابن أبي فلما أصبحوا انخذل مع كتيبة من أصحابه. وبقي النبي ومعه المؤمنون حقاً وعدتهم سبعمائة ليقاتلوا ثلاثة آلاف قرشي من أهل مكة كلهم موتور من يوم بدر وكلهم على ثأره حريص.
وسار المسلمون مع الصبح حتى بلغوا أُحداً، فاجتازوا مسالكه وجعلوه إلى ظهورهم. وجعل محمد(ص) يصف أصحابه، وقد وضع منهم خمسين من الرماة على شعب في الجبل وقال لهم: «احموا لنا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئونا من ورائنا. والزموا مكانكم لا تبرحوا منه. وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم. وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل». ثم نهى غير الرماة أن يقاتل أحد حتى يأمر هو بالقتال.
فأما قريش فصفت صفوفها وجعلت على الميمينة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعت اللواء إلى عبد العزى طلحة بن أبي طلحة. وجعلت نساء قريش يمشين خلال صفوفها يضربن بالدفوف والطبول، فيكن تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخرتها، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهن يقلن:
ويهاً بني عبد الدار
ويهاً حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
ويقلن:
| إن تقبلوا نعانق | ونفرش النمارق | |
| أو تدبروا نفارق | فراق غير وامق |
واستعد الفريقان للقتال وكل يحرض رجاله. فأما قريش فتذكر بدراً وقتلاها. وأما المسلمون فيذكرون الله ونصره. ومحمد يخطب ويحض على القتال، ويعد رجاله النصر ما صبروا.
وكان أول من أنشب الحرب بين الفريقين أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي، وكان قد انتقل من المدينة إلى مكة يحرض قريشاً على قتال محمد(ص) ، ولم يكن شهد بدراً، فخرج إلى أُحد في خمسة عشر رجلاً من الأوس وفي عبيد أهل مكة، وكان يزعم أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذين يحاربون في صف محمد(ص) ، استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشاً، فخرج فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. فأجابه الأوس المسلمون: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق! ثم نشب القتال بينهم. وحاول عبيد قريش وحاول عكرمة بن أبي جهل وكان على الميسرة، أن يأخذوا المسلمين من جناحهم، ولكن المسلمين رشقوهم بالحجارة حتى ولى أبو عامر ومن معه مدبرين. هنالك صاح حمزة بن عبد المطلب صيحة القتال يوم أُحد: «أمت، أمت»، واندفع إلى قلب جيش قريش. وصاح طلحة بن أبي طلحة حامل لواء أهل مكة: من يبارز! فيبرز له علي بن أبي طالب والتقيا بين الصفين، فبدره علي بضربة فلقت هامته، واغتبط النبيّ وكبر وكبر المسلمون وشدوا. واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبيّ حتى شق صفوف المشركين، فرأى إنساناً يخمش([519])، الناس خمشاً شديداً، فحمل عليه بالسيف فولول، فإذا هند بنت عتبة فارتد عنها، مكرماً سيف الرسول أن يضرب به امرأة. ولما قتل حامل اللواء تتابع إلى حمله تسعة أشخاص من الشجعان فكان كلما حمله واحد منهم هجم علي بن أبي طالب فقتله فيسقط اللواء، قال الطبري: لما قتل علي أصحاب اللواء نظر رسول الله جماعة من المشركين مقبلين إليه فقال لعلي احمل عليهم فحمل عليهم ففرق شملهم. فكلما رأى جماعة قال احمل يا علي فيحمل فيفرقهم. وكان سقوط اللواء لآخر مرة أكبر عامل في هزيمة قريش لأن أحداً لم يجرؤ على حمله بعد قتل من قتل. وقد كان اللواء في الحروب هو الذي يتبعه الجيش فإذا تقدم اللواء تقدم وإذا تقهقر تقهقر الجيش لذلك كان المقاتلون يحرصون على أن يودعوا حمل اللواء إلى الشجعان.
كان حمزة بن عبد المطلب من أعظم أبطال العرب وشجعانهم، وكان قد قتل يوم بدر عتبة أبا هند كما قتل أخاها ونكل بكثير من الأعزة عليها. وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشياً الحبشي خيراً كثيراً إن هو قتل محمداً أو علياً أو حمزة. روى وحشي قال: «فخرجت مع الناس، وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطىء بها شيئاً. فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق([520])، يهذ الناس بسيفه هذاً([521]). فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دفعتها خرجت من بين رجليه وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة».
تمزقت قريش في ثلاثة آلاف من فرسانها أمام هجمات ستمائة مسلم، وأوشكت نسوتها أن يؤخذن أسرى ذليلات وتبع المسلمون عدوهم يضعون السلاح فيه حيث شاؤوا حتى بعد عن معسكره، فجعل المسلمون ينتهبون الغنيمة، وما أكثر ما كانت! وصرفهم ذلك عن اتباع عدوهم ابتغاء عرض الدنيا.
ورآهم الرماة الذين أمرهم الرسول ألا يبرحوا الشعب ولو رأواه وأصحابه يقتلون فقال بعضهم لبعض وقد سال لمرأى الغنيمة لعابهم؛ «لم تقيمون ها هنا في غير شيء وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم! فادخلوا فاغنموا مع الغانمين». قال قائل منهم: «ألم يقل لكم رسول الله لا تبرحوا مكانكم وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا؟!». قال الأولون: «لم يرد رسول الله أن نبقى بعد أن أذل الله المشركين». واختلفوا، فخطبهم أميرهم عبدالله بن جبير أن لا يخالفوا أمر الرسول. فعصاه أكثرهم وانطلقوا، ولم يبق معه إلا نفر دون العشرة. واشترك المنطلقون في النهب وشغلوا كما شغل سائر المسلمين به إذ ذاك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد، وكان على فرسان مكة، فشد برجاله على مكان الرماة فأجلاهم. ولم يفطن المسلمون لفعله لأنهم شغلوا عنه وعن كل شيء بهذه المغانم يعبون منها، حتى لم يبق رجل منهم وقع في يده شيء إلا أخده. وإنهم لكذلك إذ صاح خالد بن الوليد صيحة أدركت قريش معها أنه دار برجاله وراء جيش المسلمين. عند ذلك عاد منهم كل منهزم فأثخنوا في المسلمين ضرباً وقتلاً. وهناك دارت الدائرة، فألقى كل مسلم ما كان بيده مما انتهب وعاد إلى سيفه يسله ليقاتل به. ولكن هيهات هيهات! لقد تفرقت الصفوف وتمزقت الوحدة، وابتلع البحر اللجيّ من رجال قريش هذه الصفوة من المسلمين التي كانت إلى ساعة تقاتل بأمر ربها تنضح عن إيمانها، وهي الساعة تقاتل لتنجو من براثن الموت ومخالب المذلة. وكانت تقاتل متراصة متضامنة، وهي الآن تقاتل مبعثرة متناكرة. وكانت تقاتل تحت قيادة قوية حازمة حكيمة، وهي الآن تقاتل ولا قيادة لها: فلم يكن عجباً أن ترى مسلماً يضرب مسلماً بسيفه وهو لا يكاد يعرفه. وصاح صائح بالناس: إن محمداً قد قتل، فازدادت الفوضى وعظمت البلية، واختلف المسلمون وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضاً وهم لا يشعرون لما هم فيه من العجلة والدهشة، قتل المسلمون مواطنهم المسلم حسيل بن جابر أبا حذيفة وهم لا يعرفونه. وكان أكبر هم كل مسلم أن ينجو بنفسه إلا من عصم الله مثل علي بن أبي طالب على أن قريشاً ما لبثت حين سمعت بمقتل محمد(ص) أن تدافعت تدافع السيل إلى الناحية التي كان فيها، وكان علي قد وقف إلى جانب النبيّ بسيفه يقاتل دونه ووقف معه سهل بن حنيف وأبو دجانة. وأخذت قريش ترميهم بالحجارة فأصاب النبيّ حجر في وجهه. وتمالك الرسول وسار، فإذا به يقع في حفرة حفرها أبو عامر ليقع فيها المسلمون. هنالك أسرع إليه علي بن أبي طالب فأخذه بيده وجعل يسير ومن معه متسلقين أُحداً ناجين من العدو واتباعه إياهم.
قال الطبري: وتفرق عن رسول الله أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وفشا في الناس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسول إلى عبدالله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان يا قوم إن محمداً(ص) قد قُتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم «اهـ» وهذا يدل على أن القائل من المهاجرين، قال الطبري: فقال الله عزّ وجلّ للذين قالوا هذا القول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}(الآية).
قال الطبري وغيره: وفرّ عثمان بن عفان ومعه رجلان من الأنصار حتى بلغوا الجلعب جبلاً بناحية المدينة مما يلي الأغرض فأقاموا به ثلاثة أيام، فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد ذهبتم فيها عريضة!. فأما الذين ظنوا محمداً قد مات ومن بينهم أبو بكر وعمر فانتحوا الجبل يائسين مستسلمين فرآهم أنس بن النضر فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعد! قوموا! فموتوا على ما مات عليه([522]).
وفرحت قريش بما اعتقدت من موت محمد، فراح أبو سفيان يفتقده في القتلى. على أن كعب بن مالك أقبل فعرف محمداً، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا! هذا رسول الله.
فأما قريش فطارت بنصرها سروراً، وحسبت نفسها انتقمت لبدر أشد الانتقام، حتى صاح أبو سفيان: «يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل». وأما هند بنت عتبة زوجه فلم يكفها النصر، ولم يكفها قتل حمزة بن عبد المطلب، بل انطلقت هي والنسوة اللآتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعنَّ الآذان والأنوف، وجعلت هند لنفسها منها قلائد وأقراطاً، ثم إنها بقرت بطن حمزة وجذبت بين يديها كبده، وجعلت تلوكها بأسنانها فلا تستطيع أن تسيغها، وبلغ من شناعة ما فعلت وما فعل النسوة ممن معها، بل ما فعل الرجال كذلك من الفظائع، أن تبرأ بعض المشركين من ذلك وأعلن أنه لم يأمر به وإن كان قد اشترك فيه بل قال يخاطب أحد المسلمين: «إنه قد كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت وما نهيت وما أمرت».
وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها وعاد المسلمون إلى الميدان لدفن قتلاهم. وخرج محمد يلتمس عمه حمزة. فلما رآه قد بقر بطنه ومثل به حزن أشد الحزن وقال: «لن أصاب بمثلك أبداً ما وقفت موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا». ثم قال «والله لئن أظهرنا الله عليهم يوماً من الدهر لأمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب». وفي هذا نزل قوله تعالى: {وإِنْ عَاقْبتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [126]، {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقِ مْمَّا يَمْكُرُونَ} [127]([523])، فعفا رسول الله وصبر ونهى عن المثلة، وسجى حمزة ببردة وصلى عليه وجاءت أخته صفية بنت عبد المطلب، فنظرت إليه وصلّت عليه واستغفرت له. ودفن حمزة، وأمر النبيّ بالقتلى فدفنوا حيث لقوا مصارعهم. وانصرف المسلمون إلى المدينة ومحمد على رأسهم، تاركين وراءهم سبعين من القتلى، يحزّ في نفوسهم ألم لما أصابهم من هزيمة بعد نصر، ومن مذلة وهوان بعد ظفر لا ظفر مثله، وذلك كله لعصيان الرماة أمر النبي واشتغال المسلمين عن العدو بغنائمه.
ودخل النبيّ إلى بيته وجعل يفكر. ها هم أولاء أهل يثرب من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون السرور أشد السرور لما كان من هزيمته وهزيمة أصحابه. وهذا هو يوشك أن يضطرب ويتزعزع، وهذا عبدالله بن أبي ابن سلول قد خرج على الجماعة وعاد من أُحد ولم يشترك في القتال بدعوى أن محمداً لم يسمع رأيه، أو أن محمداً غضب على مواليه من اليهود. فلو أن هزيمة أُحد بقيت الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش لهان أمر محمد وأصحابه على العرب، ولتضعضع سلطانهم بيثرب، ولكانوا عرضة لاستخفاف قريش بهم وإرسالهم دعاية السخر والاستهزاء منهم في أنحاء شبه الجزيرة جميعاً. ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء المشركين وعباد الأوثان على دين الله فتكون الطامة الكبرى. فلا بدّ إذاً من ضربة جريئة تخفف من وقع هزيمة أحد وتردّ إلى المسلمين قوتهم المعنوية، وتدخل إلى روع اليهود والمنافقين الرهبة، وتعيد إلى محمد(ص) وأصحابه سلطانهم بيثرب قوياً كما كان.
فلما كان الغد من أحد، وكان الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن النبيّ في المسلمين بطلب العدو واستنفرهم لمطاردته، على ألاّ يخرج إلا من حضر الغزوة. وخرج المسملون، فوقع في روع أبي سفيان أن أعداءه جاؤوا من المدينة بمدد جديد فخاف لقاءهم. وبلغ محمد حمراء الأسد([524])، وكان أبو سفيان وأصحابه بالروحاء فمر به معبد الخزاعي، وكان قد مرّ بمحمد ومن معه، فسأله عن شأنهم فأجابه معبد ـ وكان لا يزال على الشرك ـ: «إن محمداً قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، وقد اجتمع معه من كان قد تخلّف عنه، وكلهم أشد ما يكون عليكم حنقاً ومنكم للثأر طلباً». على أن أبا سفيان فكّر فيما يكون لفراره من محمد ومن عدم مواجهته اياه بعد انتصاره عليه بأُحد من الأثر. أفلا تقول العرب في قريش ما كان يودّ هو أن تقوله في محمد وأصحابه؟! ولكن هبه رجع إلى محمد فهزمه المسلمون، إذاً ليكونن ذلك القضاء الأخير على قريش قضاء لا تقوم لها من بعده قائمة أبداً. فلجأ إلى الحيلة، فبعث مع ركب من عبد القيس يقصدون المدينة أن يبلغوا محمداً أنه قد أجمع السير إليه وإلى أصحابه ليستأصل بقيتهم. فلما أبلغ الركب الرسالة إلى محمد بحمراء الأسد لم يتضعضع عزمه ولم تهن قوته، بل ظل في مكانه يوقد النار طيلة الليل ثلاثة متتابعة، ليدل قريشاً على أنه على عزمه وأنه منتظر رجعتهم. وأخيراً تزعزعت([525])، همة أبي سفيان وقريش، وآثروا أن يبقوا على نصرهم بأْحد، وعادوا أدراجهم ميممين مكة. ورجع محمد إلى المدينة وقد استرد كثيراً من مكانة تزعزعت على أثر أُحد، وإن كان المنافقون قد بدؤوا يرفعون رؤوسهم ضاحكين من المسلمين([526]).
رثاء حمزة بن عبد المطلب
كانت فاجعة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعمه حمزة فاجعة شديدة، فما رثاه به قوله: لن أصاب بمثلك، ما وقفت موقفاً قط أغيظ عليّ من هذا الموقف. يا عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله. يا حمزة يا فاعل الخيرات يا كاشف الكربات، يا حمزة يا ذاب، يا مانع عن وجه رسول الله.
ولما بلغ فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما جرى خرجت تستقبل أباها وملء عينيها الدمع بكاءً على عمها. وكانت بعد ذلك تأتي قبر حمزة فترممه وتصلحه.
ومما رثي به حمزة ما قالته شقيقته صفية بنت عبد المطلب من قصيدة:
| وقال الخبيران: حمزة قد ثوى | وزير رسول الله خير وزير | |
| أقول وقد أعلى النعي عشيرتي | جزى الله خيراً من أخ ونصير | |
| فوالله ما أنساك ما هبت الصبا | بكاءً وحزناً محضري ومسيري | |
| على أسد الله الذي كان مدرهاً | يذود عن الإسلام كل كفور |
وقال عبدالله بن رواحة من قصيدة مشيراً إلى شماتة هند:
| أبا يعلى لك الأركان هدت | وأنت الماجد البر الوصول | |
| عليك سلام ربك في جنان | يخالطها نعيم لا يزول |
ثم يخاطب هنداً:
| ألا يا هند لا تبدي شماتاً | بحمزة إن عزكم ذليل |
وقال كعب بن مالك:
| قرم تمكن من ذؤابة هاشم | حيث النبوة والندى والسؤدد | |
| عم النبيّ محمد وصفيه | ورد الحمام فطاب ذاك المورد | |
| ولقد أخال بذاك هنداً بشرت | لتميت داخل غصة لا تبرد |
معركة شعرية
وقالت هند بنت عتبة متشفية:
| نحن جزيناكم بيوم بدر | والحرب بعد الحرب ذات سعر | |
| ما كان عن عتبة لي من صبر
|
ولا أخي وعمه وبكري | |
| شفيت نفسي وقضيت نذري | شفيت وحشي علي عمري |
حتى ترم أعظمي في قبري
فردت عليها هند بنت أثالة:
| خزيت في بدر وغير بدر | يا بنت غدار عظيم الكفر | |
| أفحمك الله غداة الفخر | بكل قطاع حسام يفري | |
| حمزة ليثي وعلي صقري | إذ رام «شيب» وأبوك قهري |
فخضبا منه ضواحي النحر
الأحزاب
الأصل في كلمة الأحزاب: كل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب. وجاء في القرآن: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، أي كل طائفة هواهم واحد. وحزب فلان أحزباً، أي جمعهم.
والأحزاب اسم سور ة في القرآن هي السورة الثالثة والثلاثون وعدد آياتها 73 آية جميعها مدنية. وسميت بكلمة (الأحزاب) التي جاءت في أحد آياتها: {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ في الأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} [20]. والمقصود بالأحزاب هنا الذين تحزبوا على الإسلام في وقعة الأحزاب الآتية.
والأحزاب اسم مسجد من المساجد التي بنيت في عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بالمدينة ولما ولي الحسن بن زيد المدينة منع عبدالله بن مسلم بن جندب الهذلي أن يؤم بالناس في مسجد الأحزاب، فقال له: أصلح الله الأمير لم منعتني مقامي ومقام آبائي وأجدادي قبلي؟ قال: ما منعك منه إلا يوم الأربعاء يريد قوله من قصيدة:
| يا للرجال ليوم الأربعاء أما | ينفك يحدث لي بعد النهي طربا | |
| إذ لا يزال غزال فيه يفتنني | يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا | |
| يخبر الناس أن الأجر همته | وما أتى طالباً أجراً ومحتسبا | |
| لو كان يطلب أجراً ما أتى ظهرا | مضمخاً بفتيت المسك مختضبا | |
| لكنه ساقه أن قيل ذا رجب | يا ليت عدة حولي كلها رجبا | |
| فإن فيه لمن يبغي فواضله | فضلاً وللطالب المرتاد مطلبا | |
| كم حرة درة قد كنت آلفها | تسد من دونها الأبواب والحجبا | |
| قد ساغ فيه لما مشي النهار كما | ساغ الشراب لعطشان إذا شربا | |
| أخرجن فيه ولا ترهبن ذا كذب | قد أبطل الله فيه قول من كذبا |
وأشهر ما اشتهر (اسم الأحزاب) في التاريخ الإسلامي علماً على وقعة من وقعات الصراع بين الإسلام وقريش حيث عرفت الوقعة باسم وقعة الأحزاب كما عرفت أيضاً باسم وقعة الخندق وكانت في أوائل شوّال من السنة الخامسة الهجرية (آذار 627).
كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي اختمرت في نفوس أكابر اليهود من بني النضير بعد جلائهم عن المدينة. وتنفيذاً لها خرج نفر منهم، فيهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن أبي الحقيق، ومعهم من بني وائل هوذة وعلى قيس وأبو عمّار، قدموا على قريش مكة. فسأل أهلها حيياً عن قومه، فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. وسألوه عن قريظة، فقال: أقاموا بالمدينة مكراً بمحمد، حتى تأتوهم فيميلوا معكم.
وقالت قريش لليهود: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟! قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلآءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ أَمَنُوا سَبِيلاً} [51] {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [52]. وفي موقف اليهود هذا من قريش وتفضيلهم وثنيتهم على توحيد محمد يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اليهود في بلاد العرب): «كان من واجب هؤلاء ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر الى عدم إجابة مطالبهم، لأن بني إسرائيل الذين كانوا مدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية، كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين. هذا فضلاً عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام وبالوقوف منهم موقف الخصومة».
لم يكف حيي بن أخطب واليهود الذين معه هذا الذي قالوا لقريش في تفضيل وثنيتها على توحيد محمد حتى تنشط لمحارته. وأن يأخذوا وإياهم لذلك بعد أشهر موعداً، بل خرج أولئك اليهود إلى غطفان من قيس عيلان، ومن بني مرة، ومن بني فزارة ومن أشجع، ومن سليم، ومن بني سعيد، ومن أسد. ومن كل من لهم عند المسلمين ثأر، وما زالوا بهم يحرضون على الأخذ بثأرهم ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد، ويحمدون لهم وثنيتهم، ويعدونهم النصر لا محالة. وخرجت الأحزاب التي جمع اليهود لحرب محمد وأصحابه: خرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان في أربعة آلاف مجند وثلاثمائة جواد وخمسمائة وألف ممتط بعيره. وعقد اللواء في دار الندوة لعثمان بن طلحة الذي قتل أبوه وهو يحمل لواء قريش في أُحد. وخرجت بنو فزارة وعلى رأسها عيينة بن حصن بن حذيفة في رجال كثيرين وألف بعير. أما أشجع ومرة فجاء كل منهما في أربعمائة محارب، يتزعم الحارث بن عوف مرة، ويتزعم مسعر بن رخيلة أشجع. وجاءت سليم أصحاب بئر معونة في سبعمائة رجل يقودهم والد أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية في صفّين. واجتمع هؤلاء وانحاز إليهم بنو سعد وأسد، فصاروا في عشرة آلاف رجل أو نحوها، وساروا جميعاً تحت إمرة أبي سفيان قاصدين المدينة.
واتصل نبأ هذا السير بمحمد والمسلمين معه في المدينة ففزعوا. ها هي ذي العرب كلها قد أجمعت أمرها لتسحقنهم ولتقضينّ عليهم ولتستأصلنّهم، وها هي ذي قد جاءت في عدة وعديد ما لها في حروب العرب جميعاً من قبل مثل. وإذا كانت قريش قد انتصرت في أُحد عليهم لما خرجوا من المدينة وكانت دون هذه الأحزاب بمراحل في العدد والعدة، فماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة الألوف المؤلفة من رجال وخيل وإبل وأسلحة وذخيرة؟! لم يكن سبيل إلى غير التحصن بالمدينة. ولكن أيكفي هذا التحصن أمام تلك القوة الساحقة؟! وكان سلمان الفارسي يعرف من أساليب الحرب ما لم يكن معروفاً في بلاد العرب، فأشار بحفر الخندق حول المدينة وتحصين داخلها. وسارع المسلمون إلى تنفيذ نصيحته، فحفر الخندق وعمل فيه النبيّ عليه الصلاة والسلام بيديه، فكان يرفع التراب ويشجع المسلمين بذلك أعظم التشجيع، ويدعوهم إلى مضاعفة الجهد. بهذا الدأب والجهد المتصل تمّ حفر الخندق في ستة أيام. وفي هذه الأثناء كذلك حصنت جدران المنازل التي تواجه مآتي العدو والتي بينها وبين الخندق نحو فرسخين. وعند ذلك أخليت المساكن التي ظلّت فيما وراء الخندق وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصّنت ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة لتكون سلاحاً يرمى به عند الحاجة إليه.
وأقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو أن تلقى محمداً بأُحد، فلم تجد عنده أحداً فجاوزته إلى المدينة حتى فاجأها الخندق، فعجبت إذ لم تكن تتوقع هذا النوع من الدفاع المجهول لها. وبلغ منها الغيظ حتى زعمت أن الاحتماء وراءه جبن لا عهد للعرب به. وعسكرت قريش ومن تابعها بمجتمع الأسيال، وعسكرت غطفان ومن تبعها من أهل نجد بذنب نقمى. أما محمد فخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فجعل ظهره إلى هضبة سلع، وجعل الخندق بينه وبين أعدائه، وهناك ضرب عسكره ونصبت له خيمته الحمراء.
وكان اليهود ثلاثة بطون معاهدين للنبي فنقض بطنان منهم العهد: بنو قينقاع وبنو النضير وبقيت قريظة فدس أبو سفيان حيي بن أخطب إلى بني قريظة لينقضوا العهد ويكونوا معهم، فخرج حيي حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وعهدم فأغلق كعب باب الحصن دونه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه: ويحك يا كعب افتح لي قال: إنك امرؤ مشؤوم وقد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أرَ منه إلا وفاءً وصدقاً، قال: ويحك افتح لي أكلمك قال: ما أنا بفاعل: قال ما أغلقت باب الحصن إلا خوفاً على طعامك أن آكل منه فاحفظه ففتح له فقال؛ جئتكك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على قادتها وسادتها قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه فقال له: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء فدعني وما أنا عليه فإني لم أرَ من محمد إلا صدقاً ووفاءً، فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له على أن أعطاه عهداً وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فينقض كعب بن أسد عهده ومحا الكتاب الذي فيه العهد وقيل: شقه فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسل جماعة يأتون له بالخبر فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فغادروا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبروه. وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وبدا النفاق.
ثم إن نعيم بن مسعود من غطفان أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إني أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة فخرج حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديماً في الجاهلية فقال: قد عرفتم ودي إياكم قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم فقال: إن قريشاً وغطفان جاؤوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وليسوا مثلكم، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، أما هم فإن رأوا فرصة وغنيمة أصابوها وإلا لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم به فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم فقالوا: لقد أشرت برأي ونصح. ثم خرج إلى أبي سفيان وأصحابه وقال: قد عرفتم ودّي إياكم وفراقي محمداً وقد بلغني أمر رأيت حقاً عليّ أن أبلغكموه نصحاً لكم فاكتموا عليّ، قالوا نفعل، قال إن اليهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه هل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فندفعهم إليك فتضرب أعناقهم ثم نكون معك قال: نعم، فإن بعث إليكم اليهود يطلبون رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم. ثم أتى غطفان فقال أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني قالوا: صدقت قال: فاكتموا عليّ قالوا: نفعل ثم قال لهم مثلما قال لقريش فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة أن أعدوا للقتال حتى نناجز محمداً فقالوا: اليوم السبت ولا نعمل فيه شيئاً ولسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم فإنا نخشى أن ضرستكم الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل ولا طاقة لنا به، فقالت قريش: الذي حدثكم نعيم بن مسعود حق، فأرسلوا إلى بني قريظة لا ندفع إليكم رجلاً واحداً فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة: إن الذي قال لكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى قريش وغطفان أنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً وخذل الله بينهم.
فلما اشتد على الناس البلاء ورأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ضعف قلوب أكثر المسلمين من حصارهم لهم ووهنهم في حربهم بعث إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما فجاءا مستخفيين من أبي سفيان وكتبوا كتاب الصلح ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح فبعث (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأخبرهما، فقالا يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أم شيء أمرك الله به لا بدّ لنا منه أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: بل شيء أصنعه لكم لأني رأيت العرب قد رموكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا ضيافة أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنت وذاك، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، فأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون وعدوهم محاصرهم بضعاً وعشرين ليلة وليس بينهم قتال إلا الترامي بالنبل والحجارة فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله.
وروى ابن هشام والطبري أن صفية بنت عبد المطلب كانت في فارع «حصن حسان بن ثابت»، قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان؛ فمرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس بيننا وبينهم أحد يدافع عنا، رسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا إن أتانا آت، فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه فانزل إليه، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا (وكان حسان جباناً) فلما لم أرَ عنده شيئاً احتجزت وأخذت عموداً ونزلت إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ورجعت فقلت لحسان: انزل إليه فاسلبه فلم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال ما لي بسلبه من حاجة.
وجاء فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبدالله بن المغيرة وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب الفهري فأقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما تأملوه قالوا: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها، فقيل لهم: إن معه رجلاً فارسياً أشار عليه بذلك فصاروا إلى مكان ضيق في الخندق كان قد أغفله المسلمون فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم بين الخندق وسلع.
قال ابن هشام والطبري وغيرهما: وخرج علي بن أبي طالب (ع) في نفر معه من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم قالا وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحداً فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه.
ويظهر أنهم لما عبروا الخندق وتقدموا نحو معسكر المسلمين فجالت بهم خيلهم بين الخندق وجبل سلع الذي جعله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف ظهره بادر علي (ع) فرابط عند الثغرة التي اقتحموا خيولهم منها ليمنع من يريد عبور الخندق من ذلك المكان فإنه لم يكن في الحسبان أن المشركين يعبرون الخندق فلما رأوهم عبروه على حين غفلة بادر علي بمن معه ليمنعوا غيرهم وليقاتلوهم إذا أرادوا الرجوع، وهذه منقبة انفرد بها علي (ع) في هذه الغزاة بمبادرته لحماية الثغرة دون غيره حين بدههم هذا الأمر الذي لم يكن في الحسبان وعلموا أن هؤلاء الذين اقتحموا الخندق بخيولهم وأقدموا على ما كان يخال أنه ليس بممكن من أشجع الشجعان.
ويقول المفيد: إن علياً (ع) بعد قتله عمراً وهرب من معه انصرف إلى مقامه الأول يعني الثغرة التي أقحموا خيولهم منها وقد كادت نفوس الذين خرجوا معه إلى الخنق تطير جزعاً وهذا يدل على أن الذين كانوا معه بخروجه خرجوا وإليه استندوا وعليه اعتمدوا وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين ما مر وبين ما يأتي من أنه لما طلب عمرو المبارزة قام علي فقال: أنا يا رسول الله فإنه يدل على أنه كان مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فالظاهر أنه لما سمع عمراً يطلب المبارزة جاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام بين يديه وقال: أنا يا رسول الله فإنه لم يكن ليبارز بغير إذنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال صاحب السيرة الحلبية: فقال عمرو من يبارز؟ فقام علي وقال: أنا له يا نبي الله، قال: اجلس إنه عمرو ثم كرر النداء وجعل يوبخ المسلمين ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا يبرز إليّ رجل.
| ولقد بححت من النداء | بجمعكم هل من مبارز | |
| إني كذلك لم أزل | متسرعاً نحو الهزاهز | |
| إن الشجاعة في الفتى | والجود من خير الغرائز |
فقام علي وقال: أنا له يا رسول الله قال اجلس إنه عمرو ثم نادى الثالثة فقام علي فقال: أنا له يا رسول الله فقال: إنه عمرو فقال وإن كان عمراً (وفي رواية) أنه قال له هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل فقال وأنا علي بن أبي طالب فأذن له وأعطاه سيفه ذا الفقار وألبسه درعه وعممه بعمامته وقال: اللهم أعنه عليه (وفي رواية) أنه رفع يديه إلى السماء وقال إلهي أخذت عبيدة مني يوم بدر وحمزة يوم أحد وهذا علي أخي فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين فبرز إليه علي وهو يقول:
| لا تعجلن فقد أتا | ك مجيب صوتك غير عاجز | |
| ذو نية وبصيرة | والصدق منجي كل فائز | |
| إني لأرجو أن أقيم | عليك نائحة الجنائز | |
| من ضربة نجلاء يبقى | صيتها بعد الهزاهز |
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي، قال ابن من؟ قال: ابن عبد مناف أنا علي بن أبي طالب، فقال غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أشد منك فانصرف إني أكره أن أهريق دمك فإن أباك كان لي صديقاً وكنت له نديماً، قال علي: لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب (وفي رواية) أنه قال: إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك فارجع وراءك خير لك. قال ابن أبي الحديد: كان شيخنا أبو الخير يقول إذا مررنا عليه في القراءة بهذا الموضع: والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه بل خوفاً منه فقد عرف قتلاه ببدر وأُحد وعلم أنه إن ناهضه قتله فاستحيا أن يظهر الفشل فأظهر الإبقاء والإرعاء وإنه لكاذب فيهما، قال ابن إسحاق: فقال له علي: يا عمرو قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعوك رجل إلى خلتين إلا قبلت منه إحداهما، قال: أجل، قال علي فإني أدعوك إلى الله عز جل وإلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام، فقال: لا حاجة لي في ذلك، قال: أدعوك إلى البراز «وفي رواية» أنك كنت تقول لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها قال أجل قال: فإني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتسلم لرب العالمين قال يا ابن أخي اترك هذه فقال له أما إنك خير لك لو أخذتها، قال: وأخرى ترجع إلى بلادك فإن يك محمد صادقاً كنت أسعد الناس به وإن يك كاذباً كان الذي تريد. قال هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً. قال فالثالثة؟ قال: البراز. قال إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحداً من العرب يروعني بها. ولم يا بن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك؟ فقال علي: ولكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو وسل سيفه كأنه شعلة نار وأقبل على علي فتنازلا وتجاولا، وكان جابر بن عبدالله الأنصاري قد تبع علياً (ع) لينظر ما يكون منه ومن عمرو، قال فثارت غبرة فما رأيتهما فسمعت التكبير تحتهما فعلمت أن علياً قد قتله. وفي رواية أنه لما قتله كبر المسلمون فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التكبير عرف أن علياً قتل عمراً، ولما قتل عمرو هرب الذين كانوا معه حتى اقتحمت خيلهم الخندق وتورطت بنوفل بن عبدالله بن المغيرة فرسه في الخندق فرموه بالحجارة، فقال يا معشر العرب قتلة أجمل من هذه ينزل إلي بعضكم أقاتله فنزل إليه علي فقتله وفر عكرمة وضرار.
وفي إرشاد المفيد: روى يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: لما قتل علي بن أبي طالب (ع) عمراً أقبل نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب هلا سلبته يا علي درعه فإنه ليس في العرب درع مثله؟ فقال إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي. وفي السيرة الحلبية عن السهيلي نحوه، قال ابن تيمية: مهوناً أمر قتل علي لعمرو بن عبد ود من جملة كلام له: (إن عمرو بن عبد ود هذا لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة).
وقد رد صاحب السيرة الحلبية على ابن تيمية: راوياً أنه قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه. وقد روى ذلك الحاكم في المستدرك وقال إن عمرو بن عبد ود كان ثالث قريش.
وفي السيرة الحلبية: ويرده أيضاً: (أي قول ابن تيمية) أن عمراً نذر أن لا يمس رأسه دهن حتى يقتل محمداً.
ويرده أيضاً: أن عمراً كان معروفاً باسم فارس يليل. وهو اسم مكان كانت له فيه وقعة مشهورة.
على أن القول أهون من ذلك في الرد على ابن تيمية: إن رجلاً يتزعم فرساناً شجعاناً فيقتحم بهم الخندق الذي يفصل بين جيوشه وجيوش أعدائه ويقف أمام بضعة آلاف من أعدائه تاركاً الخندق وراءه حاجزاً بين قومه وبين نجدته إن أرادوا نجدته ويجرؤ على أن يواجه أعداءه هذه المواجهة الرائعة، ـ إن رجلاً هذا فعله لا يشك إنساناً بشجاعته وبطولته إلا إذا كان هذا الإنسان ابن تيمية.
قال المفيد في الإرشاد: وروى قيس بن الربيع عن ابن هارون العبدي عن ربيعة السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له: يا أبا عبد الله لنتحدث عن علي ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي، فهل أنت محدثي بحديث فيه. فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن علي فوالذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في كفة الميزان ووضع عمل علي في الكفة الأخرى لرجح عمل علي على جميع أعمالهم، وأين كان فلان وفلان وحذيفة وجميع أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عمرو بن عبد ود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا علياً فإنه برز إليه وقتله الله على يده (قال) الرازي في تفسيره: إن النبي قال لعلي بعد قتله لعمرو بن عبد ود: كيف وجدت نفسك معه يا علي؟ قال: وجدتها لو كان أهل المدينة كلهم في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم، قال المفيد: وكان قتل علي (ع) عمراً ونوفلاً سبب هزيمة المشركين وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد قتله هؤلاء النفر: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. وفي الإرشاد: وروى علي بن الحكيم الإودي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: لقد ضرب علي ضربة ما كانت في الإسلام أعز منها يعني ضربة عمرو بن عبد ود، وقد ضرب علي (ع) ضربة ما ضرب في الإسلام أشأم منها يعني ضربة ابن ملجم له (وفيه) روى أحمد بن عبد العزيز حدثنا سليمان بن أيوب عن أبي الحسن المدائني قال: لما قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود نعي إلى أخته (واسمها عمرة وكنيتها أم كلثوم) فقالت: لم يعد موته إن كان على يد كفو كريم لا رقأت دمعتي إن أهرقتها عليه قتل الأبطال وبارز الأقران وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر ثم أنشأت في هذا المعنى شعراً:
| لو كان قاتل عمرو غير قاتله | لكنت أبكي عليه آخر الأبد | |
| لكن قاتل عمرو لا يعاب به | من كان يدعى أبوه بيضة البلد | |
| من هاشم في ذراها وهي صاعدة | إلى السماء تميت الناس بالحسد | |
| قوم أبى الله إلا أن يكون لهم | كرامة الدين والدنيا بلا لدد | |
| يا أم كلثوم ابكيه ولا تدعي | بكاء معولة حرّى على ولد |
وقالت أيضاً في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب:
| أسدان في ضيق المكرّ تصاولا | وكلاهما كفو كريم باسل | |
| فتخالسا مهج النفوس كلاهما | وسط المذاد([527]) مخاتل ومقاتل | |
| وكلاهما حضر القراع حفيظة | لم يثنه عن ذاك شغل شاغل | |
| فاذهب عليّ فما ظفرت بمثله | قول سديد ليس فيه تحامل | |
| ذلت قريش بعد مهلك فارس | فالذل مهلكها وخزي شامل |
ثم قالت: والله لا ثأرت قريش بأخي ما حنت النيب. قال وفي قتل عمرو بن عبد ود يقول حسان بن ثابت:
| أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغي | بجنوب يثرب غارة لم تنظر | |
| ولقد وجدت سيوفنا مشهورة | ولقد وجدت جيادنا لم تقصر | |
| ولقد رأيت غداة بدر عصبة | ضربوك ضرباً غير ضرب الحسر | |
| أصبحت لا تدعي ليوم عظيمة | يا عمرو أو لجسيم أمر منكر |
فلما بلغ شعر حسان بني عامر أجابه فتى منهم فقال يرد عليه في افتخاره بالأنصار:
| كذبتم وبيت الله لا تقتلوننا | ولكن بسيف الهاشميين فافخروا | |
| بسيف ابن عبدالله أحمد في الوغى | بكف عليّ نلتم ذاك فاقصروا | |
| ولم تقتلوا عمرو بن عبد ببأسكم | ولكنه الكفو الهزبر الغضنفر | |
| عليّ الذي في الفخر طال بناؤه | فلا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا | |
| ببدر خرجتم للبراز فردكم | شيوخ قريش جهرة وتأخروا | |
| فلما أتاهم حمزة وعبيدة | وجاء عليّ بالمهند يخطر | |
| فقالوا نعم أكفاء صدق فأقبلوا | إليهم سراعاً إذ بغوا وتجبروا | |
| فجال عليّ جولة هاشمية | فدمرهم لما عتوا وتكبروا | |
| فليس لكم فخر علينا بغيرنا | وليس لكم فخر يعد فيذكر |
وقال مسافع بن عبد مناف بن وهب الجمحي يبكي عمرو بن عبد ود ويذكر قتل علي بن أبي طالب إياه أورده ابن هشام:
| عمرو بن عبد كان أول فارس | جزع المذاد وكان فارس يليل([528]) | |
| ولقد تكنفت الأسنة فارساً | بجنوب سلع غير نكس أميل | |
| يسل النزاع علي فارس غالب | بجنوب سلع ليته لم ينزل | |
| فاذهب علي فما ظفرت بمثله | فخراً فلا لاقيت مثل المعضل |
وقال هبيرة بن أبي وهب الذي كان مع عمرو وهرب يرثي عمرو بن عبد ود ويذكر قتل علي إياه أورده ابن هشام:
| فلا تبعدن يا عمرو حياً وهالكاً | فقد بنت محمود الثنا ماجد الأصل | |
| فمن لطراد الخيل تقرع بالقنا | وللفخر يوماً عند قرقرة البزل | |
| هنالك لو كان ابن عبد لزارها | وفرجها حقاً فتى غير ما وغل | |
| فعنك علي لا أرى مثل موقف | وقفت على نجد المقدم كالفحل | |
| فما ظفرت كفاك فخراً بمثله | أمنت به ما عشت من زلة النعل |
قال ابن هشام والطبري: وبعث الله على المشركين الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم ثم انسحب المشركون راجعين.
موقف علي
هو الذي حسم الأمر
ولا بد لنا هنا من أن نعيد ما ذكرناه في سيرة علي (ع) عن وقعة الأحزاب لارتباطه بهذه التفصيلات عن تلك الوقعة: شبه بعض المؤرخين المعاصرين عبور عمرو بن عبد ود الخندق بعبور اليهود قناة السويس في منطقة البحيرات المرة الدفرسوار في حرب تشرين الأول سنة 1973 وقال:
لو نجح عمرو وصحبه في تثبيت أقدامهم على جانب الخندق الداخلي كما نجح اليهود في تثبيت أقدامهم على ضفة القناة الغربية لعبر جيش أبي سفيان الوثني كله إلى المدينة، ولكان الخطر الذي أحدثه عبور عمرو أعظم من الخطر الذي أحدثه العبور اليهودي، فالمسلمون يومئذ لم يكن لديهم مثل ما كان لدى الجيش المصري من إمدادات وأحلاف عربية وغير عربية.
ومع هذا التشابه بين المعركتين القديمة والحديثة نجد أن بينهما فارقاً كبيراً، إذ كان زوال الخطر الوثني في معركة الأحزاب نتيجة لبطولة شخص واحد ومبادرته وحضور ذهنه، بينما كان زوال الخطر اليهودي نتيجة جهود مصر كلها جيشاً وحكومة وشعباً وعدد من العوامل الداخلية والخارجية حيث تضافرت جميعها لإزالة ذلك الخطر وواقع ما حدث في معركة الأحزاب أن نواة الأمة الإسلامية التي لم يكن لها بديل على وجه الأرض أحدق بها خطر ماحق نيتجة عبور عمرو، فأزال علي بن أبي طالب الخطر ببطولته وحضور ذهنه ومبادرته السريعة (انتهى).
ويلخّص السيد محسن الأمين في موسوعته (أعيان الشيعة) الموقف بما يلي:
لما عبر عمرو بن عبد ود وجماعته الخندق تقدموا نحو معسكر المسلمين فجالت بهم خيلهم بين الخندق وجبل سلع الذي جعله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف ظهره، بادر علي (ع) فرابط عند الثغرة التي أقحموا خيولهم منها ليمنع من يريد عبور الخندق من ذلك المكان، فإنه لم يكن في الحسبان أن المشركين يعبرون الخندق، فلما عبروه على حين غفلة بادر علي بمن معه ليمنعوا غيرهم (انتهى).
ويقول المؤرخ المعاصر بعد كلامه المتقدم موضحاً الأمر:
إن مبادرة علي لسد الثغرة التي أحدثها اجتياز عمرو وصحبه ومنعه الآخرين من اللحاق بعمرو قد أوقفا الخطر وحصراه بعمرو وأصحابه. ولنا أن نقول إن الثغرة لو بقيت مفتوحة لاجتاز عدد كبير من فرسان المشركين إلى المدينة ولساعد اجتيازهم على إقامة جسر بين حافتي الخندق يعبر عليه الجيش كله.
فغفلة ساعة كان من الممكن أن تتحول إلى خطر ماحق. لم يحدث ذلك لأن علياً كان سريع الاستجابة للخطر الجديد هادىء الأعصاب حاضر الذهن غير هياب للمخاطر.
إن قتل عمرو أثبت لجيش أبي سفيان الوثني أنهم غير قادرين على اجتياز الخندق مرة ثانية، وأن ما عجز عمرو عن تحقيقه لا يكون مستطاعاً لسواه، وبذلك أصبح الجيش الوثني أمام أحد أمرين: إما الانسحاب أو متابعة الحصار إلى أن يستسلم المسلمون أو يضطروا لعبور الخندق لقتال المشركين. إن متابعة حصار من هذا النوع كانت غير ممكنة للجيش الوثني، فهو جيش غير نظامي وليس لديه من المواد الغذائية اللازمة للمقاتلين وخيلهم وإبلهم.
وقد حدث جدل بين الوثنيين وحلفائهم اليهود جعل تعاونهم على الحرب صعباً.
إذن كان أمام جيش أبي سفيان الوثني بعد فشل محاولة عمرو وقتله، وتعذر عبور فرسانهم إلى الجانب الآخر من الخندق حل واحد: هو الانسحاب، وهذا ما فعلوه.
ولا ينبغي أن ننسى أمراً مهماً: هو أن قتل عمرو وفرار صحبه وهلاك بعضهم قبل تمكنهم من العودة قوّى معنويات المسلمين كثيراً بعد أن كانت الأكثرية منهم منهارة نفسياً، كما وصفهم القرآن.
لقد عاد إليهم الأمل بالاستمرار والانتصار.
غزوة بني قريظة
كان اليهود الذين بنواحي المدينة ثلاثة أبطن: بنو النضير، وبنو قينقاع، وبنو قريظة وأنه كان بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد ومدة؛ فأول من نقض العهد منهم بنو قينقاع فأجلاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أذرعات، ثم نقضه بنو النضير فأجلى بعضهم إلى خيبر ومنهم حيي بن أخطب وبعضهم إلى الشام وأن حيياً أتى بني قريظة يوم الخندق فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ـ كما مر ـ فلما كان الظهر من صبيحة اليوم الذي رجع فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الخندق أمر بلالاً فنادى في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة وكان مقصده بهذا القول أن يسرعوا إلى بني قريظة فيدركوا صلاة العصر هناك. وقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس.
قال المفيد: قال علي سرت حتى دنوت من سورهم فأشرفوا علي فلما رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو، وقال آخر: قد أقبل عليكم قاتل عمرو بن عبد ود وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون: ذلك وألقى الله في قلوبهم الرعب حتى ركزت الراية في أصل الحصن، وسار إليهم النبي في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرساً فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة وقيل خمسة عشر يوماً حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب وقد كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما عاهده عليه وكانت نهاية بني قريظة التسليم والقتل.
الأحساء
استعملت كلمة (الأحساء) علماً ـ فيما وقفت عليه ـ على أربع وحدات جغرافية، اختلفت مساحةً وإدارة وتاريخاً… وهي حسب مراحلها التاريخية: 1 ـ كانت تطلق على ما يعرف بـ (هجر) عاصمة (البحرين) التي كانت (أعني البحرين) اسماً للمنطقة الممتدة من البصرة إلى عمان.
2 ـ أطلقت على المنطقة الممتدة من البصرة إلى عمان، وهي التي كانت تسمى قديماً (البحرين) ثم سميت (أعني منطقة البحرين) بـ (هجر) و(الأحساء) و(الخط).
3 ـ صارت تطلق على المنطقة الممتدة على الساحل الغربي من الخليج: من حدود الكويت الجنوبية إلى حدود قطر وعمان وصحراء الجافورة حيث يحدها من الغرب الصمان… وهي المنطقة التي تعرف اليوم بـ(المنطقة الشرقية).
عادت تطلق على ما كانت تطلق عليه أولاً، وهو ما يعرف إدارياً الآن بـ (الهفوف) وما يتبعها من قضاء (المبرز وقراهما).
ويبدو أن اسم (هجر) كان أسبق من اسم (الأحساء) في الإطلاق على ما عرف بعاصمة البحرين وتسميتها لها كما ألمحت.
وذكروا أنها سميت بذلك باسم (هجر بنت المكفف) من الجرامقة وقيل هو مأخوذ من(هجرت البعير) إذا ربطته وذلك لارتباط أهلها بها غالباً وعدم ضربهم في الأرض.
وعن الهمداني: القرية بلغة حمير والعرب العاربة، فمنها هجر البحرين وهجر جازان».
أما تسميتها بـ(الإحساء) فقد ذكروا فيه تعليلاً لغوياً وهو: أنه مأخوذ من (الأحساء) جمع (حسى) وهو الماء الذي تنشفه الأرض فإذا صار إلى صلابة أمسكته فإذا حفرت عنه يخرج وكل ما نزحت منه دلواً جمت بآخر.
ويقال (الحساء) أيضاً:
تأسيسها
وأول من أنشأ الأحساء وحصنها هو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، وذلك في سنة 317هـ، على أنقاض مدينة (هجر) التي دمرها القرامطة بعد حصار دام ثلاث سنين.
والمدينة التي بناها القرامطة هي التي تعرف الآن بـ (البطالية) نسبة للبطال بن مالك أخي عبدالله بن علي العيوني لأنها كانت إقطاعاً له، وليست الهفوف كما توهم (شاويش) في مقدمة ديوان ابن مقرب، و(زبال) مستطلع مجلة (العربي) الكويتية.
طبيعتها ومناخها
تقع الأحساء قريبة من حافة البحر، ومرتفعة عن سطحه، وأرضها سهلية صحراوية، وجوهاً صحراوي أيضاً يبرد ليلاً وترتفع حرارته نهاراً.
وتكثر فيها مياه الآبار والعيون والأنهار الصغيرة التي حولت بوفرتها المنطقة إلى واحة جميلة في قلب تلكم الصحراء القاحلة. وتبلغ الآبار الجوفية فيها حوالي (125) بئراً أو عيناً، ويضخ بعضها (30,000) غالون في الدقيقة، وفيها المعدنية، والحارة صيفاً وشتاءً، والباردة صيفاً الحارة شتاءً، مضافاً إليها الآبار الارتوازية التي انتشرت مؤخراً.
ومن أشهر العيون في الأحساء هي: الحقل والتعاضيد وفريحة وبرابر وعصيبة والحارة وأم سبعة والحويرات ونجم والجوهرية وصويدرة ومرجان والزواوي والخدود ومنصور.
اقتصادها
يعتمد الأحسائيون في اقتصادياتهم على الزراعة والعمل في شركة الزيت في المنطقة الشرقية مضافاً إلى قليل من الصناعات المحلية، يدوية وغيرها، وإلى التجارة للاستهلاك المحلي.
1 ـ (الزراعة)
يقول الأستاذ الجاسر: «وإقليم الأحساء هو أخصب إقليم في (جزيرة العرب) من حيث غزارة مياهه وكثرة حاصلاته الزراعية منذ عهد قديم إلى منتصف هذا القرن حينما عثر على الزيت فيه فانصرف أهله عن الاشتغال بالزراعة والحرث إلى أعمال الزيت»([529]).
وربما عادت إلى خصوبتها في الإنتاج الزراعي عند اكتمال مشروع الري والصرف الحديث، الذي يحتل رقعة تمتد حوالي 25 كيلو متراً من الشمال إلى الجنوب و15 كيلومتراً من الشرق إلى الغرب، ويهدف هذا المشروع إلى استصلاح حوالي 50,000 فدان من الأراضي الزراعية وتطبيق وسائل الري والصرف الحديثة فيها، وتأمين الماء عن طريق الضخ للمناطق ذات المناسيب المرتفعة والتي تقدر مساحتها بـ(10,000) فدان.
أما المساحة الصالحة للزراعة في منطقة الأحساء فتقدر بـ (30,000) دونم.
وتعد التمور المحصول الرئيسي، ويقدر عدد النخيل في الاحساء بأكثر من مليوني نخلة كما يقدر محصول النخيل بـ (45,000) طن سنوياً.
وفي الأحساء حوالي ثمانين نوعاً من التمر.
وقد أسس فيها مؤخراً مكبس لتعليب وحفظ التمور، يستطيع تعليب ألف طن سنوياً.
ومن حاصلات الأحساء الزراعية في الفاكهة أيضاً: العنب والتين والبرتقال والتفاح والمشمش والتوت والنبق.
وفي الجنوب: الأرز والحنطة.
وفيها حقول لتدجين وتربية الحيوانات.
2 ـ (الصناعة)
في الأحساء الآن ـ مضافاً إلى الصناعات اليدوية القديمة ـ صناعة حديثة ناشئة لاستهلاكها المحلي غالباً، من أهمها:
1 ـ مصنع العبي، ويستطيع أن ينتج مائة عباءة يومياً مصنوعة من الصوف والوبر، ويعد الوحيد من نوعه في المملكة العربية السعودية.
2 ـ مصنع الإسمنت.
3 ـ مصانع البلاط والطابوق.
4 ـ مصانع الجص.
5 ـ مصنع كبس التمور، وتقدمت الإشارة إليه.
3 ـ (التجارة)
أما التجارة في الأحساء فمحلية تستورد من خارج الأحساء أو خارج السعودية للاستهلاك المحلي.
وأهم صادرات الأحساء التجارية هي التمور ولا تتجاوز أسواقها خارج البلاد إلا إلى إمارات الخليج.
إدارتها
1 ـ (حدودها): يحد الأحساء من الغرب (الفروق) ومن الشمال (الجوف) ومن الشرق (العقير).
2 ـ (مدنها): في الأحساء مدينتان هما: الهفوف والمبرز.
الهفوف: وهي مركز الحكم، أنشأها فاتح باشا في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني في آخر النصف الأول من القرن العاشر الهجري واتخذها مركز حكمه.
وذهب شاويش إلى أنها نفس مدينة (هجر) اتخذها القرامطة عاصمة حكمهم وأسموها (المؤمنية) ثم سميت بالهفوف ـ كما أشرت.
وذهب بعضهم إلى أنها أنشئت من قبل القرامطة عام 317هـ على أنقاض مدينة هجر كما ألمحت إليه أيضاً.
وسكانها خليط من العرب والفرس والترك والكرد، ومن السنة والشيعة.
وتنقسم الهفوف إلى عدة محلات هي: الكوت (وهي مقر الإمارة) والنعاثل والرفعة والصالحية والرقيقة.
المبرز: وتقع على بعد ميلين شمال الهفوف، وتضم ست محلات هي: السياسب والعتبان والعيون والقديمات والمجابل والشعبة.
3 ـ (قراها): في الأحساء حوالي (40) قرية، وتنقسم إدارياً إلى مجموعتين تتبع إحداهما مدينة الهفوف وتتبع ثانيتهما مدينة المبرز.
والتابعة للهفوف هي: بني معن والشهارين والجبيل والطريبيل والدالوة والتيمية والقارة والتوثير، وقرى العمران (الحوطة والعمران الشمالية والعمران الجنوبية وغمسي) والرميلة والسيايرة والمزاوي والعقار والمركز والمنيزلة والفضول والجفر والطرف والجشة والمنصورة.
والتابعة للمبرز هي: المطيرفي والشقيق وجليجلة والقرن والشعبة والمقدام والكلابية والجليلة والبطالية والقرين والعيون الشمالية والحصية والمراح والعوضية والوزية.
سكانها وعقيدتهم
في الأحساء حوالي (335,000) نسمة([530])، منهم حوالي (85,000) يقطنون الهفوف والمبرز وحوالي (250,000) يسكنون القرى. وكلهم مسلمون ينتمون إلى طائفتي السنة والشيعة.
والسنّة يرجعون إلى المذاهب الأربعة.
والشيعة يرجعون إلى فرقتي الأصولية والشيخية.
الصحة
في الأحساء الآن عدة مستوصفات منتشرة في المدن والقرى ومستشفيات حكومية وأخرى أهلية وأطباء حكوميون وآخرون أهليون، وعدة صيدليات حكومية وأخرى أهلية. وكان دخول الطب الحديث إلى الأحساء في عام 1914م، وأول طبيب فيها هو عبدالله الدملوجي.
التعليم
وفي الأحساء الآن عدة مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية ومعاهد علمية ودينية.
وكان فتح أول مدرسة فيها للبنين عام 1938م.
هذا مضافاً إلى وجود الدراسة الدينية الفردية القديمة.
آثارها
تركت عوامل التعرية والإبادة بعض الآثار لتشير إلى تاريخ قديم في المنطقة منها:
1 ـ مسجد عبد القيس: وهو أول مسجد صُلِّيَتْ فيه الجمعة بعد مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). أنشىء من قبل قبيلة عبد القيس التي كانت تقطن هذه المنطقة في قرية من قرى هجر كانت تدعى (جواثى) و(جواثاء).
2 ـ مسجد أم مازن: في قرية كانت تدعى (أم مازن) ثم اندثرت ولم يبق إلا مسجدها.
3 – نخل الأراكة: في قرية كانت تدعى بـ (الأراكة) ثم عفيت ولم يبق إلا نخلها.
4 ـ قلعة صاهود: في المبرز.
معالمها
وأهم المعالم القائمة الآن في الأحساء هي:
1 ـ مسجد القبة في قصر إبراهيم بالهفوف، شيد عام 974هـ.
2 ـ مسجد المقصب في القارة، بني في عام 868هـ.
3 ـ مسجد ابن أبي جمهور في التيمية، يعود تاريخ تأسيسه إلى القرن التاسع الهجري.
4 ـ جبل القارة (وكان يعرف بجبل الشبعان)، وهو كثير الكهوف وبارد صيفاً دافىء شتاءً.
5 ـ بحيرة الأصفر: وتقع شرقي قرية العمران الشمالية على مسافة عشرة كيلو مترات تقريباً.
6 ـ متنزه العمران (مشروع مكافحة الرمال).
7 ـ سوق الخميس في الهفوف.
8 ـ سوق الأحد في القارة.
9 ـ سورة الاثنثن في الجفر.
10 ـ عيون المياه: أم سبعة، والحارة، وعين نجم، والخدود.
تاريخها
لعل من الأجدى منهجياً أن نقسم التاريخ العام لهذه المنطقة إلى فترتين: فترة ما قبل حكم القرامطة وفترة حكم القرامطة وما بعده، وأن نطلق على الفترة الأولى (تاريخ هجر)، وعلى الفترة الثانية (تاريخ الأحساء)، وذل لأن الأحساء القائمة الآن بدأ تاريخها ـ فيما أرى ـ بحكم القرامطة الذين أسسوها على أنقاض (هجر)، وأطلقوا عليها اسم (الاحساء).
ومن هنا لا أراني بحاجة ـ من ناحية منهجية ـ لأن أستعرض تاريخ المنطقة فيما قبل هذا، لأنه تاريخ هجر في واقعه، لا تاريخ الأحساء.
وقد يلاحظ على التاريخ الأول ما فيه من الغموض والارتباك والمفارقات المنهجية.
1 ـ ويبدأ حكم القرامطة للأحساء حوالي سنة 287هـ، وينتهي حوالي عام 466هـ، وكان حاكمها القرمطي الأول أبا سعيد الحسن بن بهران الجنابي المتوفى 301هـ.
وبعد القرامطة تعاقبت على حكم هذه البلاد عدة دول وإمارات، هي:
1 ـ الدولة العيونية 470 ـ 630هـ.
2 ـ إمارة بني عامر بن عوف 630 ـ 700هـ.
3 ـ إمارة آل مغامس 700 ـ 705هـ.
4 ـ إمارة بني مالك بن عامر.
5 ـ إمارة آل زامل (وكان أول حكامهم أجود العقيلي المتولى (821هـ).
6 ـ إمارة آل مغامس ثانية 931هـ.
7 ـ الدولة العثمانية 963هـ.
8 ـ إمارة آل حميد 1077هـ.
9 ـ إمارة آل براك 1081هـ.
10 ـ إمارة آل السعود([531]).
11 ـ إمارة آل عرعر 1188هـ.
12 ـ إمارة آل السعود ثانية 1207هـ.
13 ـ إمارة زيد بن عريعر.
14 ـ إمارة آل السعود ثالثة 1208هـ.
15 ـ إمارة بني خالد.
16 ـ الدولة المصرية 1253هـ.
17 ـ الدولة العثمانية ثانية 1288هـ.
18 ـ الدولة السعودية 1331هـ.
الشيعة في الأحساء
تاريخهم: إن الغموض والارتباك الذي أصاب تاريخ هجر في فترة ما قبل القرامطة، أصاب كذلك تاريخ الشيعة فيها في تلك الفترة فلا يعرف عنه شيء واضح أو واف.
ويرجع ـ فيما أخال ـ بدء تاريخ الشيعة في الأحساء إلى عهد الفتوحات الإسلامية، وذلك لأن التشيع في الجزيرة العربية بدأ والتسنن معاً لأنهما المنهجان الفكريان الإسلاميان الرئيسيان.
وبرز وجودهم في الأحساء ـ فيما أعتقد ـ من القرن الثامن، كما سنتبينه من التعريف بالبيوتات والرجالات الشيعية في الأحساء.
مواطن سكناهم: يؤلف الشيعة في الأحساء نصف السكان تقريباً ويؤلف إخوانهم السنة النصف الآخر.
وينتشرون في مدينة الهفوف التي يقدرون فيها بربع سكانها، ويكثرون في محلة النعاثل، وفيها مسجدها الكبير، كما يوجد لهم في محلات الهفوف الأخرى عدد من المساجد والحسينيات ومقبرة خاصة بهم..
وفي مدينة المبرز، ويكثرون في محلة الشعبة، ولهم في المبرز عدد من المساجد والحسنيات أيضاً.
وفي القرى التالية: (وهي شيعية خالصة): بني معن والشهارين والجبيل والدالوة والتيمية والقارة والتوثير وقرى العمران والرميلة والسيايرة والمزاوي والعقار والمركز والمطيرفي والقرن والجليلة والبطالية والقرين والمنصورة.
ويشاركون إخوانهم السنة في القرى التالية: المنيزلة والفضول والجفر والطرف والجشة والشقيق والشعبة.
ولهم في جميع هذه القرى مساجد وحسينيات يمارسون فيها مراسيمهم من إقامة المآتم والمواكب الحسينية.
والشيعة في الأحساء كلهم عرب من قبائل معروفة وعريقة في عروبتها كآل علي في العمران الذين يرجع نسبهم إلى قبيلة فضل بن ربيعة من طيىء وكآل السلمان في المبرز الذين يرجع نسبهم إلى السادة المشعشعيين من ذرية الإمام موسى الكاظم عليه السلام وغيرهم.
فرقهم المذهبية: أما فرقهم المذهبية فأكثرهم أصوليون يقلدون في شؤونهم الدينية مراجع التقليد في النجف الأشرف والقسم الثاني شيخية، وهم قليلون يسكن جلهم مدينة الهفوف ويسكن بعضهم قرية الجاملة، ويرجعون في أمور دينهم إلى آل الأسكوئي في كربلاء.
أعمالهم: ويشتغل الكثير من سكان المدينتين من الشيعة بالتجارة، ويشغل بعضهم بعض الوظائف الحكومية، والبعض الآخر يقوم بالأعمال اليدوية.
وكذلك سكان القرى، إلا أن انتشار الملاكين والمزارعين فيهم أكثر من سكان المدن.
وفيهم أيضاً العلماء الدينيون والخطباء الحسينيون والأدباء والشعراء.
القضاء: وللشيعة في الأحساء قاض جعفري رسمي يعين من قبل الحكومة يرجعون إليه في شؤون القضاء والمرافعات.
ومقره مدينة الهفوف.
علاقاتهم الاجتماعية: وللشيعة الأحسائيين علاقات اجتماعية من مصاهرة وقرابة وأمثالهما من الشيعة في العراق وإيران والقطيف والمدينة المنورة والبحرين والكويت وسورية ولبنان والباكستان والهند وإمارات الخليج.
التعليم: ويواصل قسم من أبناء الشيعة الأحسائيين الدراسة الدينية في الأحساء والنجف وكربلاء.
ويناهز عددهم في النجف ـ الآن ـ الأربعين.
والقسم الآخر يواصل دراسته في الجامعات والمعاهد العالية.
أقدم البيوتات
الشيعية في الأحساء
يقول الشيخ أبو خمسين في رسالته إليّ:
(أقدم من عرفناه السادة آل حاجي) ويسكنون قرية التوثير، وأول ما نزحوا إلى البلاد في القرن الثامن وسكنوا قرية العيون ثم نزحوا منها وسكنوا قرية التوثير، وهم الآن فيها، وتخرج فيهم رجال لهم الذكرى الطيبة.
و(البوخميس) وينتسبون إلى الوداعية في نجد، نزحوا إلى البلاد في إمارة الأجود العقيلي (القرن التاسع)، وكانوا يسكنون قرية أبو شافع يوم كانت آهلة بالسكان، وعند خرابها انتقلوا إلى الهفوف، وكانت منازلهم فيها بالجهة الغربية منها، ثم انتقلوا إلى الجهة الشرقية منها، وتخرج منهم علماء وزعماء لهم مكانتهم المرموقة. و(المطاوعة) و(آل غنام) الذين سكنوا قرية القرين في القرن التاسع أما المطاوعة فانتقل أكثرهم إلى العراق وهم ذرية في سوق الشيوخ وأما آل غنام فقد ضعفوا ودخلوا في غيرهم حيث صار أكثر العقب نساء.
و(آل علي) ويسكنون قرية العمران، وجدهم علي بن عبد العزيز بن عمران الذي سميت القرية باسمه هو أول من نزح إليها من ملهم في نجد، وكان ذلك سنة 1050هـ، وينتسبون إلى فضل بن ربيعة الطائي، وقد تخرج منهم علماء وزعماء لهم الصيت الممتاز.
و(آل علي) ويسكنون قرية المركز، وأول من نزح إلى البلاد جدهم محمد العلي، جاءها قاصداً إلى الحج وأعجبه مناخها فسكنها، وأصلهم من الحجاز من قبيلة حرب المشهورة.
و(آل ابن محسن) ويسكنون قرية القارة، نزح جدهم الأول السيد عبد المحسن الذي سموا باسمه من المدينة المنورة عام 1050هـ واستوطن التوثير أولاً ثم انتقل إلى قرية القارة، وقد تخرج فيهم زعماء لهم الصيت الجميل.
و(آل السيد سلمان)، أول من نزح إلى البلاد جدهم السيد سلمان وأبوه السيد محمد، وذلك في أواسط القرن الثاني عشر تقريباً، وسكن المبرز في محلة السياسب ثم انتقل إلى المطيرفي، ولما كثرت الذرية تفرقوا في البلاد فسكن بعضهم المبرز وبعضهم الرميلة وبعضهم سوق الشيوخ في العراق، ويرجعون إلى السادة المشعشعيين حكام الحويزة المعروفين بالموالي.
و(آل خضر)، ويسكنون قرية المطيرفي وهم فخذ من المهاشير، انتقلوا إليها من قرية الشقيق، ومنهم العالم الشهير الشيخ أحمد بن زين الدين، وغيرهم.
رجال العلم والأدب والخطابة
نبغ في الأحساء الكثير من رجالات الشيعة في العلم والأدب والخطابة وفي مختلف القرون والفترات التاريخية.
ويغلب على علمائهم التخصص في الفقه الشيعي، وعلى شعرائهم قول الشعر الولائي في ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى خطبائهم الالتزام بخطابة المنبر الحسيني.
وقد رأيت أن أقتصر في تعريفي لهم ـ هنا ـ على المشهورين ممن وقفت على تعريف لهم. آملاً أن ينبري من يلم تلكم الأشتات والمبعثرات في زوايا التاريخ وبطون المدونات الرجالية والتاريخية… وهم:
1 ـ ابن مقرب 572 ـ 630هـ:
علي بن مقرب بن منصور بن مقرب بن الحسن بن غرير بن ضبار بن عبدالله بن علي بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم بن محمد الربعي العيوني، الشاعر الأحسائي الشهير.
ولد في العيون من قرى الأحساء سنة 572هـ وتوفي سنة 630هـ على إحدى الروايات.
له ديوان شعر طبع عدة مرات.
ترجم له في أمل الآمل ورياض العلماء والأنوار الساطعة والطليعة وأعيان الشيعة ومعارف الرجال وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان وغيرها. وترجم له ترجمة خاصة عمران محمد عمران بعنوان (ابن مقرب: حياته وشع
2 ـ أحمد بن فهد:
أوائل القرن التاسع.
شهاب الدين أحمد بن فهد بن حسن بن محمد بن ادريس بن فهد، كان من العلماء الأجلاء، والفقهاء والأتقياء، تلمذ على فخر الدين أحمد بن المتوج البحراني، من مؤلفاته:
1 ـ عدة الداعي.
2 ـ خلاصة التنقيح في مذهب الحق الصحيح في شرح الإرشاد فرغ منه سنة 806هـ.
توفي في أوائل المائة التاسعة في الحلة ودفن فيها، ومرقده فيها إلى الآن معروف مشهور.
ترجم له في أعيان الشيعة والكنى والألقاب وطبقات أعلام الشيعة ومراقد المعارف وأنوار البدرين.
3 ـ إبراهيم بن نزار:
القرن التاسع.
كان من مشايخ إبراهيم بن أبي جمهور، ذكره حفيده محمد بن أبي جمهور في كتابه (غوالي اللآلي) وفي إجازته للرضوي، وعبر عنه بقاضي قضاة الإسلام ناصر الدين الشهير بابن نزار الأحسائي.
ترجم له في أعيان الشيعة. وأنوار البدرين.
4 ـ إبراهيم بن أبي جمهور:
القرن التاسع.
حسام الدين إبراهيم بن حسن بن إبراهيم بن أبي جمهور، كان من العلماء الفضلاء، وصفه حفيده محمد بن أبي جمهور بالولي الفاضل التقي.
ترجم له في أعيان الشيعة.
5 ـ ناصر البويهي ـ 853هـ:
ناصر بن إبراهيم بن صباغ البويهي الأحسائي العاملي، كان فقيهاً أديباً وشاعراً، نشأ في بلده الأحساء وهاجر إلى جبل عامل لطلب العلم وتلمذ فيها على الشيخ ظهير الدين العاملي، قال في أمل الآمل: «وقد وجدت بخط بعض علمائنا نقلاً من خط الشهيد الثاني:
إن ناصر البويهي الأصل الأحسائي المنشأ العاملي الخاتمة كان من أجلاء العلماء والمحققين الفضلاء، خرج من بلاده إلى بلاد الشام المذكورة فطلب بها العلوم ثم أدركه الأجل المحتوم في سنة الطاعون سنة 853هـ وهو من أعقاب ملوك بني بويه».
وله الإجازة من الشيخ علي البياضي النباطي بتاريخ 852هـ.
من مؤلفاته:
1 ـ حاشية على قواعد الأحكام للعلامة الحلي.
2 ـ حاشية على الذكرى للشهيد الأول.
3 ـ رسالة في الحساب.
4 ـ شرح الأبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة للعلامة الحلي.
5 ـ ديوان شعر.
وله عدة حواشي على بعض كتب الفقه والأصول.
ترجم له في أمل الآمل ورياض العلماء وروضات الجنات، وأعيان الشيعة.
6 ـ حسن المطوع:
القرن التاسع.
جمال الدين حسن المطوع الجرواني، ذكره ابن أبي جمهور في غوالي اللآلي وفي إجازته للرضوي وعبر عنه بالتقي الزاهد كما عن أنوار البدرين.
7 ـ علي بن أبي جمهور:
القرن التاسع.
علي بن إبراهيم بن حسن بن إبراهيم بن أبي جمهور، كان فقيهاً راوية نعته ابنه محمد بن أبي جمهور بالزاهد العابد العامل الكامل، وكان من مشايخه في الرواية وأساتذته كما في كتابه غوالي اللآلي.
8 ـ محمد بن أبي جمهور:
بعد سنة 901هـ.
محمد بن علي بن إبراهيم بن حسن بن إبراهيم بن أبي جمهور، من قرية التيمية، ومسجده لا يزال قائماً فيها.
كان فقيهاً مجتهداً ومتكلماً وراوية. يروي إجازة عن أبيه وعلي بن هلال الجزائري وحسن بن عبد الكريم الفتال الغروي وحرز الدين الأوابلي ومحمد بن أحمد الموسوي الحسيني وعبدالله بن فتح الله القمي.
ويروي عنه إجازة محسن بن محمد الرضوي القمي وربيعة بن جمعة وشرف الدين محمود الطالقاني ومحمد بن صالح الغروي الحلي.
من مؤلفاته:
1 ـ غوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية.
2 ـ زاد المسافرين في أصول الدين.
3 ـ كشف البراهين لشرح زاد المسافرين ألفه سنة 878هـ.
4 ـ المجلي في الحكمة، فرغ من تأليفه سنة 895هـ.
5 ـ معين الفكر في شرح الباب الحادي عشر.
6 ـ رسالة في لزوم العمل بأخبار الأصحاب.
7 ـ رسالة في مناظرة الهروي.
8 ـ درر اللآلي العمادية في الأحاديث الفقهية، فرغ من تبييضه سنة 901هـ.
9 ـ 10 ـ التحفة الحسينية (شرح ألفية الشهيد الأول) وله شرح آخر عليها أسماه (المسالك الجامعية) لأنه ألفه أوان اعتكافه بجامع الكوفة.
11 ـ الأقطاب الفقهية والوظائف الدينية على مذهب الإمامية.
12 ـ معين المعين (شرح معين الفكر).
13 ـ الرسالة البرمكية في فقه الصلاة اليومية.
14 ـ الأنوار المشهدية في شرح الرسالة البرمكية.
15 ـ أسرار الحج، فرغ من تبييضه سنة 901هـ.
16 ـ بداية النهاية في الحكمة الإشراقية.
17 ـ تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين.
18 ـ حاشية على تهذيب الأصول للعلامة الحلي.
19 ـ المنجي من الظلام في توضيح مسالك الافهام. (الأصل والحاشية كلاهما له).
20 ـ الدرة المستخرجة من اللمعة في الحكمة.
21 ـ الرسالة الإبراهيمة في المعارف الإلهية.
22 ـ الرسالة الجمهورية.
23 ـ الطوالع المحسنية في شرح الرسالة الجمهورية.
24 ـ إجازته للسيد محسن الرضوي.
25 ـ إجازته للشيخ ربيعة بن جمعة.
26 ـ إجازته للسيد شرف الدين محمود الطالقاني.
27 ـ إجازته للشيخ محمد بن صالح الغروي الحلي حررها في سنة 896هـ وضمنها ذكر مؤلفاته.
توفي بعد سنة 901هـ.
ترجم له أعيان الشيعة وطبقات أعلام الشيعة ومستدرك الوسائل والكنى والألقاب وروضات الجنات وأمل الآمل ومجالس المؤمنين ومناقب الفضلاء وبحار الأنوار والمقاييس ورياض العلماء وغيرها.
9 ـ أحمد السبعي ـ 960هـ ونيف ـ:
فخر الدين أحمد بن محمد بن عبدالله بن علي بن حسن بن علي بن محمد بن سبع (أو سبيع) بن سالم بن رفاعة، يعرف بالسبعي والرفاعي أيضاً. كان فقيهاً جليلاً وشاعراً مجيداً، ومن أجل تلامذة ابن المتوج البحراني، وتتلمذ أيضاً على أحمد بن فهد الحلي، ومن مؤلفاته:
1 ـ سديد الأفهام في شرح قواعد الأحكام للعلامة الحلي، فرغ منه سنة 836هـ.
2 ـشرح ألفية الشهيد الأول في فقه الصلاة.
ومن شعره تخميسه لقصيدة رجب البرسي في مدح أمير المؤمنين (ع).
توفي في الهند سنة 960هـ ونيف.
وترجم له: في أعيان الشيعة وأنوار البدرين والكنى والألقاب ولؤلؤة البحرين ورياض العلماء وروضات الجنات ضمن ترجمة أستاذه ابن المتوج وغيرها.
10 ـ إبراهيم بن يحيى:
القرن الحادي عشر.
الشيخ إبراهيم بن يحيى: كان من علماء دولة الشاه عباس الصفوي وكان والده أيضاً من العلماء، وقال بعض العلماء في وصفه: «كان عالماً زاهداً فاضلاً بارعاً» كما في أعيان الشيعة، وترجم له في رياض العلماء أيضاً.
11 ـ عبد العلي الجزائري:
القرن الحادي عشر.
الشيخ عبد العلي بن الحسين بن علي بن يحيى الجزائري.
من آثاره.
1 ـ حاشية على أربعين منتخب الدين القمي.
2 ـ المقلة العبراء في تظلم الزهراء.
3 ـ طلب الشفا من أخي المصطفى، أرجوزة نظمها في سنة 1054هـ.
12 ـ محمد الحسيني:
القرن الحادي عشر.
شمس الدين محمد الحسيني، كان معاصراً للحر العاملي، المتوفى 1104هـ.
قال عنه في أمل الآمل: «شمس الدين ابن (كذا) محمد الأحسائي ساكن شيراز فاضل عالم فقيه محدث صالح جليل».
من آثاره: كشف الأخطار في طب الأئمة الأطهار، فرغ منه في سنة 1089هـ.
13 ـ محمد السبعي:
القرن الحادي عشر.
السيد محمد بن عبدالله السبعي كان معاصراً للحر العاملي المتوفى 1104هـ الذي وصفه بقوله: «فاضل عالم جليل زاهد فقيه» كما في أمل الآمل.
14 ـ هاشم الحسيني:
القرن الحادي عشر.
السيد هاشم بن الحسين بن عبد الرؤوف الحسيني، يروي عن السيد نور الدين العاملي المتوفى 1068هـ والشيخ جواد الكاظمي 1059هـ.
ويروي عنه السيد نعمة الله الجزائري المتوفى 1112هـ له منه الإجازة بتاريخ 1073هـ.
ترجم له في أنوار البدرين.
15 ـ صالح المطيرفي:
حدود سنة 1226هـ. الشيخ صالح بن زين الدين بن إبراهيم المطيرفي شقيق الشيخ أحمد بن زين الدين العالم المعروف.
عالم فاضل، توفي حدود سنة 1226هـ.
ترجم له: في طبقات أعلام الشيعة.
16 ـ مبارك آل حميدان ـ 1226 ـ:
الشيخ مبارك بن علي آل حميدان الأحسائي القطيفي، فقيه مجتهد، له رسالة عملية مختصرة في الصلاة، توفي سنة 1226هـ في القطيف، وأعقب ثلاثة أولاد كلهم علماء فضلاء وهم: عبدالله ومحمد وعلي.
17 ـ أحمد آل سيف ـ بعد 1233هـ:
الشيخ أحمد بن عبد الإمام بن صالح آل سيف، عالم فاضل، كما ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
18 ـ علي العطية:
القرن الثالث عشر.
علي بن صالح العطية القرين، له بحث في الرضاع مخطوط في سنة 1237هـ.
19 ـ حسين آل عيثان ـ قبل 1240هـ:
الشيخ حسين بن محمد بن علي بن إبراهيم آل عيثان، كان عالماً جليلاً، تلمذ عليه المولى فتح علي الشيرازي.
من مؤلفاته: النجوم الزاهرة في أحكام العترة الطاهرة، ومنظومة في الاجتهاد والأخبار على طريقة الاخبارية، قال فيها: وبعد فالجاني حسين القاري نجل ابن عيثان الفتى الأخباري.
أوردها بتمامها معاصره الميرزا محمد النيسابوري في مصادر الأنوار، توفي قبل عام 1240هـ.
ترجم له في الفوائد الشيرازية وطبقات أعلام الشيعة.
20 ـ أحمد بن زين الدين 1166 ـ 1241هـ:
أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم بن داغر ابن راشد بن وهيم بن شمروخ آل خضر المطيرفي.
ولد في قرية المطيرفي من قرى الأحساء عام 1166هـ وإليها نسبته، وتوفي في منزل قرب المدينة المنورة يقال له هدية سنة 1241هـ وهو في طريقه إلى الحج ودفن في البقيع بالمدينة المنورة.
كان فقيهاً مجتهداً ومتكلماً عارفاً وشاعراً علوياً. وله الإجازة من السيد محمد مهدي بحر العلوم والسيد مير علي الطباطبائي والشيخ جعفر كاشف الغطاء وابنه الشيخ موسى والشيخ حسين آل عصفور والشيخ أحمد آل عصفور والسيد محمد الشهرستاني والشيخ أحمد الدمستاني، ويروي أيضاً عن السيد محسن الأعرجي.
ويروي عنه: الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والسيد كاظم الرشتي والحاج إبراهيم الكلاسي والشيخ أسد الله التستري وولداه محمد تقي وعلي تقي.
خلف مائة وواحداً من المؤلفات كما في ترجمته الخاصة التي هي من تأليف ابنه عبدالله، من أشهرها:
1 ـ جوامع الكلم في مجلدين، ضمنه اثنتين وتسعين رسالة.
2 ـ شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، فرغ من تأليفه سنة 1230هـ.
3 ـ شرح الفوائد الحكمية فرغ منه 1233هـ.
4 ـ شرح العرشية لصدر الدين الشيرازي، فرغ منه في سنة 1234هـ.
وإليه تنسب الفرقة الإمامية الاثني عشرية المعروفة بـ (الشيخية)، وينقسمون إلى قسمين: أتباع الآغا كريم خان الكرماني ويعرفون بالركنية أيضاً، وهم منتشرون في إيران والعراق والكويت. وأتباع الميرزا موسى الأسكوئي الحائري وهم قليلون جداً ويقطنون في مدينة الهفوف وقرية الجليلة من الأحساء وفي الكويت وفي قرية الجماعة الأحسائية في سوق الشيوخ في العراق وفي أسكوء من أذربيجان.
ترجم له: في أعيان الشيعة وطبقات أعلام الشيعة وروضات الجنات والأعلام والروضة البهية وشذور العقيان ونجوم السماء وقصص العلماء ومستدرك الوسائل والتكملة وأنوار البدرين ودليل المتحيرين وله ترجمة خاصة بقلم ابنه عبدالله.
أبناء أحمد بن زين الدين:
القرن الثالث عشر.
أعقب الشيخ أحمد بن زين الدين أربعة أولادهم:
21 ـ علي تقي: وكان عالماً مجتهداً وأديباً شاعراً، وله الإجازة من والده بتاريخ 1236هـ، من مؤلفاته:
1 ـ شرح رسالة الإمام الهادي.
2 ـ نهج المحجة في الإمامة، فرغ منه سنة 1238هـ.
3 ـ رسالة في الرد على بعض العرفاء في التوحيد.
4 ـ الرسائل المتفرقة.
5 ـ حاشية على حجية الإجماع لوالده.
6 ـ منهج السالكين.
7 ـ رسالة في قصة موسى والخضر.
8 ـ رسالة في علم الباري.
9 ـ رسالة في الأمر بين الأمرين.
10 ـ ديوان شعر.
ترجم له في الروضة البهية وأنوار البدرين والذريعة.
22 ـ محمد تقي: وكان عالماً مجتهداً، ومن آثاره: رسالة في الاجتهاد والأخبار.
23 ـ عبدالله: ترجم لوالده ترجمة مفصلة ذكر فيها مؤلفاته وإجازاته.
24 ـ حسن: من آثاره: كتاب حديقة الأخبار في تراجم الأخيار والأشرار، عبر عنه الشيخ آغا بزرك في الذريعة بـ (رجال الشيخ حسن ابن الشيخ أحمد الأحسائي).
25 ـ حسين بن خميس ـ 1241هـ:
الشيخ حسين بن إبراهيم بن خميس من علماء عصره، كما ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
26 ـ أحمد المحسني ـ 1247هـ:
الشيخ أحمد بن محمد بن محسن بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن خميس بن سيف المحسني الربعي المدني الأحسائي الفلاحي. فقيه مجتهد وأديب شاعر من مؤلفاته:
1 ـ رسالة في الجهر والإخفات بالبسملة والتسبيح في الأخيرتين وثالثة المغرب.
2 ـ رسالة في حجية ظواهر الكتاب الكريم.
3 ـ حواشي على تهذيب الأحكام.
4 ـ فائدة في النسبة بين الكفر والشرك.
ترجم له في أعيان الشيعة وطبقات أعلام الشيعة وأنوار البدرين.
27 ـ علي بن فارس ـ حدود 1250هـ:
له رسالة في الكيمياء كما في الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
28 ـ عبد المحسن اللويمي ـ حدود 1250هـ: عبد المحسن بن محمد بن مبارك اللويمي البلادي نسبة إلى قرية البلاد المعروفة الآن بـ (البطالية)، ومسجده فيها لا يزال قائماً إلى الآن.
كان فقيهاً مجتهداً، وله الرواية إجازة عن الشيخ حسين آل عصفور البحراني والشيخ أحمد الدمستاني البحراني والسيد مهدي بحر العلوم والسيد مهدي الشهرستاني الحائري وغيرهم ممن ذكرهم في إجازته لولده.
ويروي عنه إجازة ولده واشيخ سلمان آل عبد الجبار القطيفي والشيخ علي ابن الشيخ مبارك آل حميدان القطيفي، وقد تضمنت إجازته هذه ذكر مشايخه في الرواية ومؤلفاته، ومنها:
1 ـ شرح العوامل الجرجانية في النحو.
2 ـ شرح الأجرومية في النحو.
3 ـ بداية الهداية في علم التجويد.
4 ـ مشكاة الأنوار في فقه الصلاة عن الأئمة الأطهار.
5 ـ التحفة الفاخرة.
6 ـ كفاية الطالب.
7 ـ جامع الوصول عن أصل الوصول.
8 ـ النهج القويم والصراط المستقيم.
9 ـ 10 ـ 11 ـ الرسائل الثلاث في الصلاة (صغرى ووسطى وكبرى).
12 ـ وفاة النبيّ يحيى.
13 ـ وفاة الكاظم.
14 ـ وفاة الحسن.
15 ـ إجازته لابنه والشيخ آل عبد الجبار والشيخ آل حميدان.
هاجر إلى إيران وقطن (سرجون) يقيم الوظائف الشرعية فيها إلى أن توفي في حدود سنة 1250هـ، وله هناك ذرية باقية إلى اليوم ولديها أكثر مؤلفاته.
ترجم له في أنوار البدرين وطبقات أعلام الشيعة.
29 ـ خليفة بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن حاجي بن محمد بن أحمد بن محمد بن موسى بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن أحمد بن موسى بن حسين بن إبراهيم بن حسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الإمام موسى الكاظم.
كان عالماً جليلاً من مشاهير عصره، ولد في القارة من قرى الأحساء وانتقل إلى العراق ودرس على السيد علي الطباطبائي، صاحب الرياض، واختصر شرح أستاذه الصغير وفرغ منه سنة 1228هـ، وله أيضاً رسائل في أصول الدين والتجويد.
توفي بعد عام 1256هـ. وترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
30 ـ حسن المحسني ـ 1213 ـ 1272هـ:
الشيخ حسن بن أحمد المحسني الفلاحي، فقيه مجتهد، وأديب شاعر درس على الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والشيخ خضر شلال والشيخ محسن الأعسم.
من مؤلفائه:
1 ـ رسالة في الخمس.
2 ـ رسالة في المسائل الجبارية في فنون شتى.
3 ـ رسالة في أجوبة الشيخ محمد الصحاف.
4 ـ منظومة في الأصول.
5 ـ كتاب الدرر في الحكمة.
6 ـ رسالة في حل أخبار الطينة.
7 ـ حواشي على المدارك للعاملي.
8 ـ حواشي على المسالك للشهيد الثاني.
9 ـ تعليقة على الجواهر للشيخ محمد حسن النجفي.
10 ـ تعليقة على الكفاية للسبزواري.
11 ـ تعليقة على المفاتيح للكاشاني.
12 ـ تعيقة على الهداية.
13 ـ تعليقة على الحدائق للبحراني.
14 ـ مناسك الحج.
15 ـ ديوان شعر.
ترجم له في طبقات أعلام الشيعة ومعارف الرجال.
31 ـ محمد الخليفة ـ 1281هـ:
السيد محمد ابن السيد خليفة الموسوي الأحسائي القاري، عالم جليل، شغل منصب الوكيل الديني في مدينة البصرة من مؤلفاته: شرح بحث الاستثناء من شرح بدر الدين بن مالك على ألفية أبيه، توفي في الكاظمية سنة 1281هـ، ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
32 ـ موسى المحسني ـ 1239 ـ 1289هـ:
الشيخ موسى بن حسن بن أحمد، المحسني الفلاحي، ولد في الفلاحية (الدورق) سنة 1239هـ وتوفي في كربلاء سنة 1289هـ.
كان فقيهاً مجتهداً وأديباً شاعراً ومرجع تقليد.
تلمذ على والده والشيخ مرتضى الأنصاري والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والشيخ علي ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء.
من مؤلفاته:
1 ـ الباكورة (منظومة في علم المنطق).
2 ـ رسالة في وجوب الاخفات في الركعتين الأخيرتين من الرباعية.
3 ـ رسالة في الفقه جواباً لمسائل الشيخ صالح الدلفي.
4 ـ رسالة في البراءة الأصلية.
5 ـ الندبة المهذبة (بنود على بحر الرمل).
6 ـ بحث في الأمانة.
7 ـ رسالة لعمل مقلديه.
8 ـ تعليق على الجواهر والمفاتيح والمسالك والمدارك.
9 ـ ديوان شعر.
ترجم له في أعيان الشيعة وطبقات أعلام الشيعة والذريعة ومعارف الرجال.
33 ـ باقر الخليفة ـ بعد 1294هـ:
السيد باقر ابن السيد خليفة الموسوي الأحسائي، عالم فاضل شغل منصب الوكيل الديني في البصرة، وتوفي بعد سنة 1294هـ.
ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
34 ـ محمد علي الخليفة ـ 1305هـ:
السيد محمد علي بن محمد بن خليفة الأحسائي، كان عالماً فاضلاً ووكيلاً دينياً في مدينة البصرة، وفيها توفي سنة 1305هـ، ودفن في النجف، من مؤلفاته: حاشية تهذيب المنطق، وتقريرات لدروس بعض أساتذته.
ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
35 ـ هاشم آل السيد سليمان الموسوي حدود 1240 ـ 1309هـ:
السيد هاشم بن أحمد بن حسين بن سلمان المشعشعي الموسوي، ولد في مدينة المبرز حدود سنة 1240هـ وتوفي فيها عام 1309هـ كان فقيهاً مجتهداً وخطيباً بارعاً ومرجع تقليد.
تلمذ في الأحساء على الشيخ أحمد الصفار، ثم في العراق وإيران على أعلامها آنذاك.
ويروي إجازة عن الشيخ عبد علي آل عصفور البوشهري والشيخ طاهر البحراني الشيرازي.
تلمذ عليه جمع من الأحسائيين منهم ابنه السيد ناصر وابن أخته السيد حسين العلي وابن عمه السيد محمد ابن السيد ناصر والشيخ حسين الخليفة والشيخ محمد الخليفة واليخ علي وأخوه الشيخ أحمد ابنا علي الحسين والشيخ أحمد والشيخ حسين ابنا حبيب بن خميس والشيخ علي بن حمد الناصر والشيخ أحمد العيد وأخوه الشيخ حسين العيد والشيخ حسن المؤمن والشيخ علي آل ابن سعد والشيخ محمد بن جبران وابنه الشيخ صالح والشيخ عبدالله الدويل والشيخ عبد الحميد أبو خمسين والشيخ ناصر آل علي بن علي.
ومن مؤلفاته:
1 ـ منظومة في أصول الدين.
2 ـ منظومة في فقه الطهارة.
3 ـ منظومة في أحكام المواريث.
4 ـ أنموذج الحق المبين في أصول الفقه.
5 ـ إيضاح السبيل في الفقه.
6 ـ الرسالة العملية الكبرى.
7 ـ الرسالة العملية الصغرى.
8 ـ شرح التبصرة للعلامة الحلي.
9 ـ شرح دعاء رجب.
10 ـ كشف الحق في التوحيد.
11 ـ رسالة في العقائد.
12 ـ رسالة في تفسير بعض الأحاديث.
13 ـ كشف الغطاء في الحكمة.
ترجم له في أعيان الشيعة والذريعة والأعلام ومعارف الرجال وأنوار البدرين.
36 ـ محمد حسين أبو خمسين 1211 ـ 1316هـ:
الشيخ محمد حسين بن حسين بن علي بن محمد بن أحمد آل أبي خمسين، ولد في الأحساء سنة 1211هـ، وتوفي فيها عام 1316هـ.
كان فقيهاً مجتهداً ومرجع تقليد.
درس في النجف الأشرف، ومن أشهر أساتذته الشيخ علي ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وله الأجازة منه.
من مؤلفاته:
1 ـ شرح الإرشاد للعلامة الحلي.
2 ـ شرح التبصرة للعلامة الحلي.
3 ـ مفاتيح الأسرار في الحكمة الإلهية.
4 ـ منار العارفين (رسالة عملية كبيرة).
5 ـ مصباح العابدين (رسالة عملية صغيرة).
6 ـ الفخري (مقتل الحسين (ع)).
ترجم له في معارف الرجال وأنوار البدرين.
37 ـ سلطان العباد ـ حدود 1262 ـ 1320هـ:
الشيخ سلطان بن محمد بن عبدالله بن عباد آل علي الفضلي، ولد في الحوطة من قرى الأحساء حدود سنة 1262هـ، وتوفي فيها سنة 1320هـ كان من العلماء الأتقياء، تلمذ على السيد هاشم الموسوي والشيخ محمد حسين أبي خمسين.
38 ـ الملا علي الرمضان ـ 1323هـ:
خطيب حسيني وشاعر مكثر في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام)، من مؤلفاته: كشكول في مجلدين، وروضة حسينية، توفي سنة 1323هـ، ترجم له في أنوار البدرين.
39 ـ عبدالله الرمضان:
القرن الرابع عشر.
عالم أديب وشاعر، من آثاره: خير الوصية، وهي قصيدة طويلة نظمها لابنه علي (وهو عالم أديب أيضاً)، وضمنها أكثر الواجبات والمندوبات والمحرمات، ومطلعها:
الدار دار العناء والمحن ودار الفناء ودار الفتن
ترجم له في أنوار البدرين.
40 ـ عبدالله بن علي:
القرن الرابع عشر.
من خطباء المنبر الحسيني ومن شعراء أهل البيت (عليهم السلام)، توفي في سيهات من قرى القطيف.
خلف ديوان شعر في مجلدين، وقصيدة تبلغ ثلاثة آلاف بيت أو تزيد، جارى بها ألفية الشيخ كاظم الأزري الشاعر العراقي التي أولها:
| لمن الشمس في قباب قباها | شف جسم الدجى بروح ضياها |
ترجم له في أنوار البدرين.
41 ـ محمد آل عيثان ـ 1331هـ :
الشيخ محمد بن عبدالله بن علي بن أحمد آل عيثان، كان فقيهاً مجتهداً ومتكلماً عارفاً.
تلمذ في النجف على أعلامها آنذاك، ورجع إليه في التقليد في بلاده.
خلف من المؤلفات:
1 ـ رسالة في معاني الحروف.
2 ـ شرح الرسالة الرضاعية للسيد مهدي القزويني.
3 ـ هداية العباد في أصول الدين.
4 ـ رسالة عملية لمقلديه.
ترجم له في أنوار البدرين.
42 ـ سلمان المحسني ـ 1281 ـ 1341هـ:
الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد المحسني الفلاحي فقيه مجتهد وأديب شاعر، تلمذ على الشيخ محمد طه نجف وأجيز رواية من الشيخ محمد حرز الدين، وتوفي في الفلاحية سنة 1341هـ ودفن في النجف الأشرف.
ترجم له في معارف الرجال وطبقات أعلام الشيعة.
43 ـ طاهر أبو خمسين ـ 1342هـ:
الشيخ طاهر بن محمد حسين بن حسين بن علي بن محمد بن أحمد آل أبي خمسين، ولد في الهفوف ودرس في الأحساء ثم في النجف على أعلامها وأجيز دراية ورواية من السيد أبي تراب الخوانساري وشيخ الشريعة الأصفهاني والسيد محمد علي الامامي الخوانساري والميرزا حسين الخليل، ورواية من الشيخ عبد الهادي شليلة وتوفي في النجف سنة 1342هـ.
ترجم له في معارف الرجال وأنوار البدرين.
44 ـ محمد الخليفة ـ 1348هـ :
الشيخ محمد بن محمد الخليفة ففيه مجتهد تتلمذ في الأحساء على السيد هاشم الموسوي، وفي النجف على شيخ الشريعة الأصفهاني. والشيخ محمد طه نجف والشيخ علي الخاقاني، وله الإجازة منهم دراية ورواية.
من مؤلفاته: رسالة في الرد على الركنية.
توفي في الأحساء عام 1348هـ.
وكان والده الشيخ حسين الخليفة المتوفى سنة 1322هـ من العلماء الفضلاء. وأخوه الشيخ صالح الخليفة من الشعراء المعروفين.
45 ـ موسى أبو خمسين ـ حدود 1295 ـ 1353هـ:
الشيخ موسى بن عبدالله بن علي بن محمد بن أحمد آل أبي خمسين. ولد في الهفوف حدود سنة 1295هـ وقرأ فيها ثم هاجر إلى النجف وتتلمذ على السيد أبي تراب الخوانساري وأجازه دراية ورواية والشيخ حسن مطر الخفاجي وأجازه بالاجتهاد وشيخ الشريعة والأصفهاني وأجازه بالاجتهاد والرواية والسيد محمد كاظم اليزدي.
من مؤلفاته:
1 ـ النص الجلي في إثبات الآيات النازلة في علي (ع).
2 ـ تعليقة على رسائل الشيخ الأنصاري.
3 ـ أبحاث استدلالية في أبواب فقهية متفرقة.
4 ـ رسالة عملية في العبادات.
توفي في النجف سنة 1353هـ.
ترجم له في معارف الرجال وأنوار البدرين.
46 ـ ناصر الموسوي ـ 1291 ـ 1358هـ:
السيد ناصر بن هاشم بن أحمد ابن السيد سليمان المشعشعي الموسوي، ولد في المبرز عام 1291هـ وتوفي فيها عام 1358هـ.
كان فقيهاً مجتمهداً وأديباً شاعراً ومرجع تقليد.
تتلمذ في الأحساء على والده وعلى الشيخ محمد آل عيثان، وفيالنجف على السيد عدنان الغريفي والشيخ محمد طه نجف وشيخ الشريعة الأصبهاني والشيخ علي الخاقاني والميرزا حسين الخليل وآغا رضا الهمداني والشيخ ملا هادي الطهراني والشيخ محمود ذهب والسيد محمد كاظم اليزدي.
وأجيز بالاجتهاد والرواية من شيخ الشريعة الأصفهاني والشيخ مهدي المازندراني والشيخ ضياء العراقي والسيد أبي تراب الخوانساري.
من مؤلفاته:
1 ـ رسالة في الإمامة.
2 ـ الرحلة المكية.
3 ـ أرجوزة في سفراته ومشاهداته.
4 ـ ديوان شعر.
5 ـ مجموعة أبحاث استدلالية في أبواب متفرقة من الفقه.
ترجم له في معارف الرجال وشعراء الغري وذكرى العلامة الإمام السيد ناصر الأحسائي.
47 ـ سلمان آل علي ـ 1359هـ:
الشيخ سلمان بن عبد المحسن آل علي القاري. عالم فاضل وأديب شاعر، شغل منصب الوكيل الديني في الأحساء والبحرين ـ توفي سنة 1359هـ.
48 ـ عمران السليم ـ 1270 ـ 1360هـ:
الشيخ عمران بن حسن السليم آل علي الفضلي، ولد في العمران من قرى الأحساء سنة 1272هـ وتوفي فيها سنة 1360هـ.
كان من الفقهاء المجتهدين.
درس في الأحساء على الشيخ محمد حسين أبي خمسين، وفي النجف على السيد أبي تراب الخوانساري والسيد محمد كاظم اليزدي.
49 ـ حبيب بن قرين ـ 1367هـ:
كان فقيهاً مجتهداً ومتكلماً عارفاً ومرجع تقليد.
تتلمذ في النجف على أعلامها أمثال شيخ الشريعة الأصفهاني.
ذكر في إجازته لوالدي الميرزا محسن الفضلي بتاريخ 1345هـ (وهي إجازة اجتهاد ورواية) أن له الإجازة من الأصفهاني المذكور دراية ورواية.
من مؤلفاته: نعم الزاد ليوم المعاد في أصول الدين وفروعه.
توفي في الأحساء سنة 1367هـ.
50 ـ حسين العلي ـ 1280 ـ 1370هـ:
السيد حسين بن محمد محمد بن علي بن حسين ابن السيد سلمان المشعشعي الموسوي. ولد في المبرز سنة 1280هـ وتوفي فيها سنة 1370هـ.
كان من العلماء الفضلاء، تتلمذ في الأحساء على خاله السيد هاشم الموسوي ثم هاجر إلى النجف وتتلمذ فيها على أعلامها، ثم عاد إلى الأحساء وشغل فيها منصب القاضي الجعفري حتى وفاته.
ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
51 ـ عبدالله الخليفة 1300 ـ 1374هـ:
السيد عبدالله بن محمد علي بن محمد بن خليفة الأحسائي، كان عالماً جليلاً ووكيلاً دينياً في مدينة البصرة، حضر في النجف درس الشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي والشيخ علي الجواهري.
توفي سنة 1374هـ ودفن في النجف.
ترجم له في طبقات أعلام الشيعة.
52 ـ عبد الكريم الممتن 1375هـ:
الشيخ عبد الكريم بن حسين بن محمد الممتن الجبيلي نسبة إلى تربة الجبيل من قرى الأحساء، كان وكيلاً دينياً وأدبياً شاعراً.
ذكره في الأزهار الأرجية وذكر بعضاً من شعره.
53 ـ معتوق السليم ـ 1313 ـ 1377هـ:
الشيخ معتوق بن بن عمران بن حسن السليم آل علي الفضلي، ولد في العمران من قرى الأحساء سنة 1312هـ وتوفي فيها عام 1377هـ كان من الفقهاء المجتهدين.
تتلمذ في الأحساء على والده والسيد ناصر الموسوي، وفي النجف على أعلامها، منهم الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء والشيخ محمد رضا آل ياسين وأجيز منهما بالاجتهاد والرواية.
54 ـ محسن الخليفة ـ 1379هـ:
كان عالماً فاضلاً، تتلمذ في النجف على أعلامها أمثال الميرزا النائيني والشيخ آل ياسين والسيد الأصفهاني، وتوفي في الأحساء سنة 1379هـ.
55 ـ أحمد الرمل:
ولد في سوق الشيوخ في العراق سنة 1307هـ.
خطيب حسيني لامع وأديب شاعر تنقل خطيباً بين الأحساء وإمارات الخليج والكويت والبصرة وخوزستان، إلى أن توفي في مسقط عاصمة عمان في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1375هـ ودفن في النجف الأشرف.
له ديوان شعر بعنوان (صداح البلابل).
56 ـ محمد باقر الشخص ـ 1316 ـ 1382هـ:
السيد محمد باقر بن علي بن أحمد الشخص، ولد في القارة من قرى الأحساء سنة 1314 أو 1316هـ وتوفي في النجف سنة 1382هـ.
كان فقيهاً مجتهداً وأديباً شاعراً.
تتلمذ على الميرزا محمد حسين النائيني والشيخ محمد رضا آل ياسين وأجيز بالاجتهاد منهما والشيخ محمد ياسين الأصفهاني والشيخ آغا ضياء العراقي والسيد عبد الهادي الشيرازي، وأجيز بالرواية من السيد حسن الصدر والسيد عبد الحسين شرف الدين.
خلف من المؤلفات:
1 ـ تقريرات الميرزا النائيني في الأصول.
2 ـ تقريرات الميرزا النائيني في الفقه.
3 ـ الأصول العملية.
4 ـ الأوامر والنواهي.
5 ـ رسالة في اللباس المشكوك.
6 ـ شرح لدروس بعض أساتذته الفقهية والأصولية ـ في مجلدين.
7 ـ رسالة في قاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به.
8 ـ رسالة في التسامح بأدلة السنن.
9 ـ رسالة في قاعدة لا ضرر.
10 ـ رسالة في الاجتهاد والتقليد.
11 ـ المكاسب المحرمة.
12 ـ رسالة في الدائرة الهندسية ومعرفة القبلة.
ترجم له في معارف الرجال وطبقات أعلام الشيعة وشعراء الغري.
57 ـ محمد العلي ـ 1388هـ:
السيد محمد بن حسين العلي آل السيد سلمان الموسوي كان فقيهاً مجتهداً ووكيلاً دينياً مطلقاً، شغل منصب القضاء الجعفري بعد أبيه.
تتلمذ في النجف على الميرزا النائيني والسيد أبي الحسن الأصفهاني والشيخ محمد رضا آل ياسين وأجيز منه بالاجتهاد.
عبد الهادي الفضلي
وقال صاحب أنوار البدرين الذي فرغ مؤلفه من تأليفه سنة 1325هـ: الأحساء هي هجر وينسب إليها رشيد الهجري الذي هو من خواص أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) وهذه المدينة تقابل جزيرة أوال في الكبر أو تزيد وهي ذات الأترج والنخيل والأرز والقطن، وتمرها أجود تمر.
وبندرها المجاور للبحر (العجير) بالتصغير مسير يومين عنها أو أكثر وفيها آثار قديمة ومن أقدم قراها (جواثا) وهي قاعدة بلاد الأحساء في الزمن القديم خربها الرمل. وفي الحديث: أول جمعة أقيمت بعد المدينة في جواثا في بني عبد القيس وفيها الجبل المشهور والمعروف بجبل القارة من عجائب الدنيا فيه مغارات كثيرة عظيمة يتسع بعضها لخلائق كثيرة جسيمة ليس فيه شيء من هوام الأرض وحشراتها أصلاً حتى النمل. إلى أن يقول فهذه المدينة من أكبر وأحسن مدن الإسلام والتي تسمى كوفة العرب ذات الهواء الطيب والماء العذب إلا أنه قد استولى على أهلها الجور والعدوان من الحكام والبدوان وخرب بسبب ذلك كما ينقل مستفيضاً أكثر العمارات من مزارع وبساتين، وخراب طريقها بسبب الأعراب أضعف أهلها بالسلب والانتهاب.
ثم يذكر صاحب أنوار البدرين من نقل القرامطة إليها من الأسرى. إلى أن يقول: ولم يزل القرامطة في دولتهم ومنكراتهم حتى أباد الله دولتهم وأخمد صولتهم بظهور الأمير عبدالله بن علي العيوني الأحسائي آل إبراهيم من ربيعة جد الأمير علي بن مقرب الشاعر الأديب فبقي يغاديهم ويراوحهم مدة سبع سنوات وهو في أربعمائة رجل وربما تزيد قليلاً حتى ذهبت أيامهم وعفت رسومهم وأعوامهم.
الاسر العلمية والأدبية في الاحساء([532])
إن منطقة (الإحساء) ـ كما هي منطقة(البحرين) بشكل عام ـ محاط تاريخها بكثير من الغموض والتشويش، وكلما كان محط النظر متقدماً زمنياً كلما كان الغموض أبلغ وأشد، لذا يجد الباحث صعوبة بالغة وندرة مصادر في أيّ دراسة تاريخية عن هذه المنطقة، ومهما أجهد الكاتب نفسه لا يمكنه القول أنّه أعطى دراسة شافية ولو عن جانب واحد من الجوانب التاريخية لهذه البلاد، لا لأنّ هذه البلاد أسمى وأهم من كل البلاد الاسلامية ـ وإن كان لها مكانتها الخاصّة والمتميزة ـ بل لأنّ الإهمال والنسيان نالها أكثر بكثير من أيّ بلاد أخرى.
وما أقدّمه في هذا المقال هوتعريف موجز عن أهم الأسر العلمية والأدبية في (الأحساء) التي أمكن التعرّف عليها من الغابر والحاضر وحسب ما وصلنا عنها من معلومات، وعذري في هذا الاختصار هوم ما أشرت إليه من ندرة المصادر وشدة الغموص المحيط بتاريخ بلادنا.
هذا وقد راعيت في هذا التعريف الأمور التالية:
1 ـ رتبت عناوين الأسر حسب حروف المعجم.
2 ـ ذكرت أهم الأعلام لكل أسرة مقتصراً على المشهورين وأرباب الأدب والتأليف.
3 ـ كل علم ذكرته أشرت باختصار إلى ولادته ووفاته ومؤلفاته إن تكن، وأخيرا أرجو أن أكون بهذا التعريف المتواضع قد فتحت ولو نافذة صغيرة على تاريخ هذه البلاد المنسية وأزحت جزءا من الستار المسدل على رجالاتها، وأقدم شكري الجزيل مشفوعا بالإجلال والإكبار للأخ الأستاذ محمد سعيد الطريحي ذا الهمة العالية والأيادي البيضاء في إحياء التراث، حيث فتح الباب واسعا بمجلته (الموسم) أمام التراث الشيعي والإسلامي بشكل عام، جزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
1 ـ آل أبي جمهور
الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي صاحب كتاب (عوالي اللآلي)، وهي من أجل الأسر العلمية وأقدمها، اشتهرت في القرن التاسع الهجري وأنجبت عددا من كبار علماء الإمامية، وكان موطنهم في (الأحساء) بلدة (التَّيميَّة) ـ التي كانت ذلك الحين مدينة كبيرة عامرة فيها جمع من كبار العلماء ـ.
واليوم لا نعرف أحداً في (الأحساء) من آل أبي جمهور مما يعني أنهم انقرضوا أو أصبحوا يحملون لقباً آخر كما يحصل لكثير من القبائل بمرور السنين والأعوام.
وهذا من عرفناه من أعلام هذه الأسرة الجليلة:
1 ـ الشيخ حسام الدين إبراهيم بن حسن بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي، جد صاحب (عوالي اللآلي) محمد بن علي بن إبراهيم، عالم جليل، توفي قبل 897م.
2 ـ الشيخ زين الدين علي بن إبراهيم بن حسين بن أبي جمهور، والد صاحب (عوالي اللآلي)، علاّمة جليل القدر، توفي قبل 897هـ. مستدركات أعيان الشيعة: 2/282، رياض العلماء: 3/326.
3 ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي، صاحب كتاب (عوالي اللآلي)، من مشاهير علماء الإمامية، توفي في أوائل القرن العاشر الهجري، له: عوالي اللآلي 1 ـ 4ط، الأقطاب الفقهية ط، المناظرة مع الهروي ط، المجلي لمراءة المنجي ط طبع حجري، درر اللآلي العمادية في الأحاديث الفقهية، التحفة الحسينية في شرح الألفية، الرسالة الجامعية في شرح الألفية أيضاً، معين الفكر في شرح الباب الحادي عشر، رسالة في لزوم العمل بأخبار الأصحاب، الأنوار المشهدية في شرح الرسالة البرمكية كلاهما له، أسرار الحج، بداية النهاية في الحكمة الإشراقية، تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين، الطوالع المحسنية في شرح الرسالة الجمهورية كلاهما له، وغير ذلك كثير.
2 ـ آل البغلي
من الأسر المعروفة في (الأحساء)، وموطنهم فيها مدينة (الهفوف)، ومنها نزح بعضهم إلى (الكويت)، وقد برز منهم في القرن الثالث عشر والرابع عشر بعض الأدباء والفضلاء كان لبعضهم الشأن الرفيع والمقام السامي.
وهذا ما نعرفه الآن من أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ محمد بن علي البغلي الأحسائي، من الشعراء الأعلام فاضل جليل وأديب بارع، توفي بعد 1245هـ، له: ديوان شعر.
2 ـ الشيخ أحمد بن محمد بن علي البغلي الأحسائي، أديب شاعر فاضل، توفي 1315هـ.
3 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن علي البغلي، عالم فاضل وأديب شاعر، توفي 1354هـ، وكان والده الشيخ محمد وأخوه الشيخ حسن من العلماء أيضاً.
3 ـ آل بوخمسين
أصلهم من (الدواسر) في (نجد)، نزح جدّهم سالم الدوسري من وادي الخماسين إلى (الأحساء) في أواخر القرن التاسع الهجري، وموطنهم منذ زمن وإلى الآن مدينة (الهُفوف) عاصمة الأحساء، وتعد هذه الأسرة من البيوتات العلمية الجليلة، برز منهم علماء أعلام ومراجع تقلد كان أشهرهم وأجلّهم الشيخ محمد حسين بوخمسين المتوفى 1316هـ.
وهذا أهم الأعلام في هذه الأسرة الكريمة:
1 ـ الشيخ حسين بن الشيخ علي بن محمد بن أحمد أبو خمسين، كان من العلماء المعاصرين للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي المتوفى 1241هـ.
2 ـ الشيخ محمد حسين بن الشيخ حسين بن الشيخ علي أبو خمسين، كان من مراجع التقليد في بلادنا ومن كبار علمائنا الأعلام، 1211 ـ 1316هـ، له: الإرشاد في الفقه الاستدلالي، شرح (تبصرة المتعلمين)، المصابيح في أصول الدين، مصباح العابدين رسالة عملية صغرى، المعراج وأسراره، معرفة النفس، مفاتيح الأسرار في الحكمة الإلهية، مفاتيح الأنوار في أصول الدين ط، مقرح القلوب ومُحيج الدمع المسكوب، منار العارفين رسالة عملية كبرى، منار العباد في شرح الإرشاد، مناسك الحج، نجاة الهالكين، هداية المسترشدين في معرفة النصوص النورانية عن الأئمة الطاهرين.
3 ـ الشيخ محمد طاهر بن الشيخ محمد حسين بن الشيخ حسين أبو خمسين، كان فقيهاً مجتهداً توفي 1342هـ.
4 ـ الشيخ عبد الحميد بن الشيخ محمد حسين بن الشيخ حسين أبو خمسين، فاضل جليل وأديب شاعر، من أعلام القرن الرابع عشر الهجري، أنوار البدرين: 419.
5 ـ الشيخ موسى بن الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين أبو خمسين، كان فقيهاً مجتهداً ومرجع تقليد، 1295 ـ 1353هـ، له: النص الجلي في إثبات الآيات النازلة في علي (ع)، تعليقة على رسائل الشيخ الأنصاري، رسالة في آداب المتخلي، رسالة في ارضاع، رسالة في التيمم، الرسالة العملية في العبادات.
6 ـ الشيخ محمد باقر بن الشيخ موسى أبو خمسين، عالم فاضل وأديب بارع، ولد 1336هـ، وتولّى القضاء رسمياً في الأحساء منذ عام 1388هـ، له: مودة الآل في الأدب العربي ط، علماء هجر وأدبائها في التاريخ، الأخلاق في القرآن، لماذا نقدّس القرآن، أثر التشيع في الأدب العربي.
7 ـ الشيخ موسى بن عبد الهادي بن الشيخ موسى أبو خمسين، فاضل كاتب من المعاصرين، ولد حدود 1372هـ، له: الطائفية ط، الحسين شمعة ودمعة ط، السياسات التعليمية في الوطن العربي ط، الإسلام دين المستقبل ط.
8 ـ الشيخ حسن بن عبد الهادي بن الشيخ موسى أبو خمسين، ولد حدود 1381هـ، له: علي بن يقطين ط.
4 ـ آل حاجي
من الأسر العلوية الجليلة المعروفة في (الأحساء) ينتهي نسبهم الشريف إلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (ع)، ولقبوا بـ (آل حاجي) نسبة إلى جدّهم الأعلى السيد أبي طالب حاجي بن عبد النبي بن علي بن عبد النبي بن علي بن السيد أحمد المدني، واستيطانهم في (الأحساء) كان من قديم الزمان، وأوّل من نزح إلى البلاد من (المدينة المنورة) في القرن الثامن الهجري جدهم وجد عدد من الأسر العلوية الكبيرة السيد أحمد بن محمد الموسوي المدني، واتصال نسبهم بأهل البيت (عليهم السلام)، يعد من أوضح الأنساب وأجلاها، وقد اطلعت على مشجرتين لنسبهم الشريف عليهما إمضاءَات لثلة من كبار علمائنا الأعلام.
وكانت هذه الأسرة ولا تزال تسكن قرية (التويْثير) بالأحساء، وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري نزح بعضهم إلى إيران واستوطنوا بلدة (مُهْر) من توابع (شيراز) ثم عاد بعض هؤلاء إلى (الخليج) وسكنوا الكويت فعرفوا ب(آل المُهْري).
ومن هذه الأسرة برز عدد من العلماء والأدباء عرفنا منهم الأعلام التالية:
1 ـ السيد هاشم بن علي خان بن إبراهيم بن عبد الحسين بن عبد النبيّ بن عبد الحسين بن عبد الرضا بن عبد النبيّ بن السيد أبي طالب حاجي الموسوي، كان فقيهاً مجتهداً، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري.
2 ـ السيد عبد الحسين بن علي خان بن إبراهيم…، عالم فاضل جليل، توفي بعد 1206هـ، أعلام هجر: 1/370 ـ 372.
3 ـ السيد هاشم بن علي بن هاشم بن علي خان بن إبراهيم، عالم فاضل، توفي 1318هـ، أعلام هجر: 2/خ.
4 ـ السيد عبدالله بن السيد أحمد الحاجّي الموسوي، ويقال له السيد عبد علي أيضاً، من العلماء الأتقياء، كان إماماً للجماعة في مدينة (الهفوف)، بالأحساء، توفي حدود 1392هـ.
5 ـ السيد منصور بن حسن بن محمد بن علي الحاجّي الموسوي، من كبار خطباء المنبر الحسيني، توفي حدود 1389هـ.
6 ـ السيد عباس السيد حسن المهري بن هاشم بن علي بن هاشم بن علي خان آل حاجي الموسوي، عالم جليل القدر، 1333 ـ 1408هـ.
7 ـ السيد سلمان بن السيد أحمد بن محمد بن علي آل حاجّي، أديب شاعر، ولد 1323هـ.
5 ـ آل السيد خليفة
هي أسرة العلاّمة الجليل السيد خليفة بن السيد علي الأحسائي المتوفى 1279هـ، وكان السيد خليفة من كبار علماء الشيعة في القرن الثالث عشر الهجري، هاجر من (الأحساء) واستوطن (النجف الأشرف) وعرف أبنائه وذريته بالانتساب إليه فكانوا يدعون وإلى اليوم بـ (آل خليفة) وآل السيد خليفة، وكانوا معروفين في (النجف والبصرة) بالعراق ولهم مكانتهم المرموقة هناك، ويوجد اليوم بعض منهم في مدينة (سيهات) بالقطيف.
قال الشيخ آقا بزرك الطهراني: (آل خليفة) من الأسر العلوية الشريفة والبيوت العلمية الرفيعة، أصلها من (الأحساء) بالبحرين، هاجر بعض أجدادهم إلى (النجف الأشرف) وبلغ بعضهم الدرجات العالية من العلم والفضل والتقى، وسكن بعضهم (البصرة) مراجع للناس ومرشدين هداة، ولأفرادها في البصرة مكانة مرموقة ومحل رفيع…
أمّا نسبهم الشريف فينتهي إلى السيد أحمد بن محمد الموسوي المدني، والسيد أحمد المدني هذا جد لعدد من الأسر العلوية الكبيرة في (الخليج) والعراق منهم (آل حاجّي) المتقدم ذكرهم و(آل الحمامي) في (النجف) و(آل الشَّخْص) في (الأحساء والكويت) و(آل الخضراوي) في (القطيف) و(آل اللُّعيبي) في (البصرة) وغيرهم.
وهذه خلاصة ما نعرفه عن أعلام هذه الأسرة الجليلة:
1 ـ السيد خليفة بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن أبي طالب حاجي بن عبد النبي بن علي بن عبد النبي بن علي بن أحمد المدني بن محمد بن موسى بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن أحمد بن موسى بن حسين بن إبراهيم بن حسن بن أحمد بن أبي يحيى محمد بن أحمد الزاهد بن إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (ع).
من مشاهير علمائنا في عصره، 1195 ـ 1279هـ، له: مختصر الشرح الصغير في الفقه، مجموعة رسائل في أصول الدين والتجويد.
2 ـ السيد محمد بن السيد خليفة بن علي، عالم جليل القدر، توفي 1281هـ، له: شرح بحث الاستثناء من (ألفية ابن الناظم).
3 ـ السيد علي بن السيد خليفة بن علي، عالم فاضل، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري، طبقات أعلام الشيعة: قرن 13/506.
4 ـ السيد باقر بن السيد خليفة بن علي، من العلماء الأفاضل، توفي 1316هـ.
5 ـ السيد محمد علي بن محمد بن السيد خليفة بن علي، عالم فاضل جليل، توفي 1305هـ، له: تقريرات لدروس أساتذته، حاشية (تهذيب المنطق) دائرة المعارف الشيعية: 3/100، طبقات أعلام الشيعة: قرن 14/1521، الموسم: عدد 9 ـ 10/394، 395.
6 ـ السيد عبدالله بن محمد علي بن محمد بن السيد خليفة بن علي، عالم جليل القدر، 1300 ـ 3741هـ.
6 ـ آل خليفة
من الأسر المعروفة في (الأحساء)، وكانوا ولا يزالون ذوي شرف ووجاهة، وقد برز منهم عدد من رجال العلم والفضيلة كان أبرزهم العلاّمة الكبير الشيخ محمد بن الشيخ حسين الخليفة المتوفى 1348هـ، والجد الأعلى لهذه الأسرة هو الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، وعرفوا بـ (آل خليفة) نسبة إلى جدّهم (خليفة) المذكور، وموطنهم في (الأحساء) مدينة (المُبَرّز) ومنها نزح بعضهم إلى (الدَّمَّام).
وهذا ما نعرفه من أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، من العلماء الفضلاء، توفي 1322هـ.
دائرة المعارف الشيعية: 3/101.
2 ـ الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، علامة جليل القدر وفقيه مجتهد، توفي 1348هـ، له: رسالة في الرد على الركنية.
3 ـ الشيخ صالح بن الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، فاضل جليل وشاعر بارع، توفي حدود 1377هـ.
4 ـ الشيخ محسن بن الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، عالم فاضل جليل، توفي 1379هـ.
5 ـ الشيخ عبدالله بن الشيخ محسن بن الشيخ حسين بن محمد بن خليفة فاضل جليل، توفي 1406هـ، له: تقريرات بحث السيد محمود الشاهرودي في أصول الفقه، الموسم: عدد 9 ـ 10/394.
6 ـ الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، علاّمة جليل القدر، من المعاصرين، ولد 1324هـ.
7 ـ الشيخ صادق بن الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن محمد بن خليفة، عالم فاضل معاصر، ولد 1326هـ.
7 ـ آل الدندن
أسرة معروفة في مدينة (المبرَّز) بالأحساء، برز منهم في القرنين الأخرين علماء أفاضل وشعراء أجلاء، ويعود نسبهم إلى (قريش) أشرف القبائل العربية وأجلّها ـ كما حدثني بعض أفاضلهم ـ وهذا ما نعرفه الآن عن أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ عبدالله بن دندن المُبَرَّزي، عالم جليل القدر، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري. أعلام هجر: 1/396، جوامع الكلم: 2/141.
2 ـ الشيخ أحمد بن حبيب بن خميس الدَّنْدن، عالم جليل شاعر، توفي 1311هـ، له: ديوان شعر، أعلام هجر: 1/108 ـ 111، مستدركات أعيان الشيعة: 2/7.
3 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ عبدالله بن دندن (أبي دندن)، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري.
4 ـ الشيخ ياسين بن الشيخ عبدالله بن دندن (أبي دندن)، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري، ورد ذكره في (فهرست مخطوطات مكتبة آية الله المرعشي) ج13/277.
5 ـ الشيخ حبيب بن خميس الدندن، من كبار الشعراء، عاش وتوفي في القرن الثالث عشر الهجري، له: ديوان شعر.
6 ـ الشيخ حسين بن محمد بن عثمان الدندن، فاضل أديب شاعر، توفي 1362هـ، له: ديوان شعر.
7 ـ الشيخ علي بن علي الدندن، فاضل جليل شاعر معاصر، ولد حدود 1325هـ، وتوفي (22/5/1412هـ 30/11/1991م).
8 ـ الشيخ جواد بن الشيخ علي بن علي الدَّنْدن، من فضلاء المعاصرين، ولد حدود 1370، وله أخ فاضل هو الشيخ واصل الدَّنْدن.
9 ـ الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن علي بن محمد الدَّنْدن، فاضل أديب معاصر، ولد 1372هـ.
10 ـ الشيخ علي بن الشيخ عبّاس الدَّنْدن، فاضل معاصر، ولد حدود 1365هـ.
11 ـ الشيخ عبد المحسن بن عبدالله بن حسن بن حسن الدندن، فاضل أديب شاعر، 1338 ـ 1403هـ.
8 ـ آل الرّمضان
كانت أسرة علمية جليلة أنجبت العديد من كبار العلماء وأجلّائهم، ولا تزال اليوم أسرة معروفة في (الأحساء) تضم عدداً من رجال الأدب والفضل.
وأصلهم البعيد من العراق، ويرجع نسبهم إلى شاعر أهل البيت الشهير دعبل بن علي الخزاعي، وفي كتاب (التعريف ببني رمضان) ـ للأديب الحاج محمد حسين آل الشيخ علي الرمضان ـ: إنَّ أوّل من هاجر من العراق إلى (البحرين) جدّهم الشيخ رمضان بن سلمان بن عبّاس الخزاعي، ولم يُحدد تاريخ هجرته، وبعد فترة من الزمن وفي مطلع القرن الحادي عشر الهجري هاجر بعض أحفاد الشيخ رمضان إلى (الأحساء) واستقروا بها، و(آل الرمضان) اليوم موجودون في كل من (الأحساء) و(البحرين) و(القطيف) و(الكويت).
وهذا ما وصل إلينا عن أعلام هذه الأسرة الكريمة:
1 ـ الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين الرمضان، علاّمة فقيه جليل القدر، توفي 1340هـ، له: خير الوصية ط، ديوان شعر.
2 ـ الشيخ علي بن الشيخ محمد بن عبدالله بن حسين الرمضان، علاّمة جليل وأديب شاعر، توفي شهيداً حدود 1270هـ، له: ديوان شعر، رسائل إخوانية.
3 ـ الشيخ علي بن محمد بن علي الموسى الرمضان، عالم جليل وأديب شاعر ومن خطباء المنبر الحسيني، 1253 ـ 1323هـ، له: ديوان شعر الكشكول، الروضة الحسينية.
4 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن محمد بن علي الموسى الرمضان، عالم فاضل جليل، توفي 1358هـ.
5 ـ ملا موسى بن الشيخ علي بن محمد بن علي الموسى الرمضان، خطيب حسيني كبير وأديب شاعر، توفي 1369هـ، له: ديوان شعر.
6 ـ محمد بن حسين بن محمد بن حسين بن الشيخ علي الشهيد الرمضان، أديب شاعر فاضل معاصر، له: مائدة رمضان (ديوان شعر) ط، التعريف ببني رمضان.
7 ـ جواد بن حسين بن محمد حسين بن الشيخ علي الشهيد الرمضان، أديب كاتب شاعر معاصر، له: مطلع النيرين في تراجم أعلام الحساء والقطيف والبحرين، الأحسائيات في المدائح والمراثي، الكشكول.
9 ـ آل زين الدين
هي أسرة الشيخ أحمد بن زين الأحسائي المتوفى 1241هـ، وكانت قبل الشيخ تُعرف بـ (آل صقر)، وهي أسرة عربية عريقة تنتمي إلى (بني خالد) الذين كانوا يسكنون نواحي (الحجاز).
وقد برز من هذه الأسرة الجليلة عدد من كبار العلماء كان أبرزهم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي.
وإليك أهم أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ زين الدين بن الشيخ إبراهيم بن صقر الأحسائي، من مشاهير علماء الشيعة 1166 ـ 1241هـ، وإليه تنسب الفرقة المعروفة بـ (الشيخية)، له أكثر من 160 مؤلّفاً جلّها مطبوع منها: شرح الزيارة الجامعة الكبيرة 1 ـ 3، شرح العرشية 1 ـ 2 ، شرح المشاعر، جوامع الكلم 1 ـ 2، مجموعة الرسائل الحكمية، ديوان شعر، وغير ذلك.
2 ـ الشيخ صالح بن زين الدين بن إبراهيم بن صقر الأحسائي، عالم جليل القدر، 1168 ـ 1240هـ، له: رسالة في جواب السؤال عن (جابلقاوجابلسا)، رسالة في جواب السيد هاشم الجزائري عن التوبة، رسالة في الرياء والشك، رسالة في شرح (الباب الحادي عشر)، رسالة في علم الكلام، رسالة في معنى (بسم الله الرحمن الرحيم)، رسالة في الحدث الأصغر أثناء غسل الجنابة.
3 ـ الشيخ حسن بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، عالم فاضل، توفي قبل 1241هـ، له: حديقة الأخبار في ترجمة الأخيار والأشرار.
4 ـ الشيخ عبدالله بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، عالم جليل، توفي حدود 1273هـ، له: ترجمة الشيخ أحمد الأحسائي ط.
5 ـ الشيخ محمد تقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، علامة فاضل جليل القدر، توفي 1275هـ، له: رسالة في الاجتهاد والأخبار، جواهر العقول في تقدير القواعد والأصول 1 ـ 2، كتاب في الطلاسم، رسالة في مسائل الدراية والرجال، مجموعة الفوائد.
6 ـ الشيخ علي تقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، من أفاضل علمائنا وأجلّائهم، توفي 1246هـ، له: نهج المحجة في الإمامة 1 ـ 2 ط، منهاج السالكين ط، مشرق الأنوار في الحكمة، رسالة في رد من اعترض على والده في المعاد، رسالة في تفسير (قاب قوسين)، رسالة في شرح (رسالة التوحيد) لعبد الكريم الجيلاني، رسالة موسى والخضر، رسالة في علم الله تعالى، رسالة في أجوبة بعض المسائل، ديوان شعر ط، الكشكول 1ـ 2، شرح رسالة الإمام الهادي (ع)، رسالة في الرد على بعض العرفاء في التوحيد، الرسائل المتفرقة ط، رسالة في الأمر بين الأمرين، حاشية على (حجية الإجماع) لوالده، حاشية على كتاب (الحقائق) في محاسن الأخلاق ـ لمحسن الفيض ـ، حاشية على (كشف الغمة) للأربلي، واضح المنار في علم الأسرار.
7 ـ الشيخ علي بن الشيخ صالح بن زين لادين، عالم فاضل، توفي بعد 1243هـ.
10 ـ آل السبعي
من البيوتات العلمية الجليلة ذات المقام الشامخ والشأن الرفيع، ويعود نسبهم إلى سبع بن سالم بن رفاعة، لذا يقال لهم (السبعي) ـ وأحياناً (السبيعي) ـ كما يقال لهم (الرّفاعي) أيضاً، وكان موطنهم من الأحساء قرية (القارة)، ومنهم برز علماء أجلاّء أشهرهم الفقيه الكبير الشيخ أحمد بن محمد السبعي المتوفى بعد 854هـ.
و(آل السَّبْعي) اليوم موجودين في قرية (الحليلة) ـ بالأحساء ـ ويقال لهم (السَّبَيْعي)، ومنهم الخطيب المرحوم ملا محمد بن حسين المبارك السبيعي المتوفى 1409هـ.
وكان يطلق لقب (السَّبْعي) أيضاً على إحدى الأسر العلوية الجليلة التي أخذت هذا اللقب لانتسابها إلى (آل السَّبْعي) من طرف الأم، ومنهم أيضاً برز عدد من العلماء الأكابر.
وهذا أهم من عرفناهم من أعلام (السَّبْعي) العلويين وغير العلويين.
1 ـ الشيخ محمد بن عبدالله بن علي بن حسن بن علي بن محمد بن سبع بن سالم بن رفاعة السبعي الرفاعي، علاّمة جليل القدر وشاعر كبير، توفي 815هـ، له: ديوان شعر.
2 ـ الشيخ فخر الدين أحمد بن الشيخ محمد بن عبدالله، من مشاهير علماء الشيعة فقيه كبير وأديب شاعر، توفي بعد 854هـ، له: الأنوار العلوية في شرح (الرسالة الألفية)، الحاشية على (الأنوار العلوية)، الدُّرَّة الدُّرِّية في شرح (المسألة النظرية النصيرية)، سديد الأفهام في شرح (قواعد الأحكام)، شرح (الرسالة الألفية) ـ غير ما تقدم ـ، ديوان شعر.
3 ـ الشيخ علي بن الشيخ محمد بن عبدالله…، عالم جليل تقي عابد، توفي شاباً في أوائل القرن التاسع الهجري.
4 ـ السيد محمد بن عبدالله بن علي السبعي بن محمد بن علي بن محمد بن السيد أحمد المدني الموسوي، عالم فاضل جليل، توفي بعد 1097هـ.
5 ـ السيد محمد بن الحسين الحسيني السبعي، عالم جليل، توفي بعد 1097هـ، له: كتاب في الحديث.
6 ـ الشيخ محمد بن حسين السبعي البحراني، علاّمة جليل وأديب شاعر، توفي 1011هـ، له: رسالة في وجوب الـجمعة تخييراً، رسالة في شرح الأحاديث النبوية، رسالة في قبلة البحرين، كتاب في المسائل المتفرقة، ديوان شعر.
7 ـ الشيخ محمد بن أحمد بن صالح السبعي العيني البحراني، عالم جليل فاضل، تاريخ البحرين: خ.
8 ـ الشيخ علي بن الشيخ حسين السبعي، فاضل أديب شاعر، من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، له: ديوان شعر.
9 ـ الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ حسين السبعي، فاضل أديب شاعر، توفي شاباً في أوائل القرن الحادي عشر الهجري.
10 ـ الحاج ملاّ محمد بن محسن بن علي المبارك السبيعي، خطيب حسيني وأديب فاضل، 1325 ـ 1409هـ، له: الدليل البديهي المختصر في إثبات خلافة الأئمة الإثني عشر، ديوان شعر شعبي، العقل المجرّد في المعارف الخمس ط.
11 ـ الحاج ملاّ عبدالله بن ملا محمد بن حسين…، من خطباء المنبر الحسيني، توفي شاباً 1404هـ.
11ـ آل السيد سلمان
من الأسر العلوية الجليلة والبيوتات العلمية العريقة، ولهم في (الأحساء) المقام الشامخ والمنزلة المتميزة، وقد برز منهم عدد من أكابر علماء الإمامية كان بعضهم من مراجع التقليد في منطقة (الخليج).
وفي كتاب (أسرة السلمان) ـ للسيد حسين بن السيد علي الياسين السلمان ـ: «أنّ السيد محمد والد (السيد سلمان) ـ الذي عُرفَتْ الأسرة بالانتساب إليه ـ كان يقطن (الحويزة) من بلاد (خوزستان)، ثم هاجر مع ابنه السيد سلمان إلى (البحرين) في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وبعد مدة هاجر السيد محمد وابنه إلى (الأحساء) واستوطناها وذلك حدود 1151هـ، ولما كثرت الذرية تفرّقوا في البلاد فسكنوا (المُبَرَّز) و(المُطَيْرفي) و(الرُّمَيْلَة) و(القُرَين) من الأحساء، ونزح بعضهم إلى سَيْهات بالقطيف و(سوق الشَّيوخ) بالعراق.
وفي الكتاب المذكور أيضاً: «أنّ جملة من السادة الموسوية في الأحساء ـ هم السادة (آل ياسين) و(آل طه) و(آل إبراهيم) و(الناصر) ـ يلتقون جميعاً مع السادة (السلمان) في جدّهم الأعلى السيد إسماعيل بن حسين بن حسن، وهو الجد الثالث للسيد سلمان بن محمد بن يوسفد بن علي بن إسماعيل، وأيضاً يلتقي سادة (النَّحوي) ـ المعروفون في (المُبَرَّز) ـ مع السادة المذكورين في السيد ناصر بن علي جد السيد حسن ـ المتقدم ـ بن إبراهيم بن ناصر».
وهذا نسب الأسرة إلى الإمام الكاظم (ع) ـ ابتداء من (السيد سلمان) ـ كما في الكتاب المذكور: «السيد سلمان بن محمد بن يوسف بن علي بن إسماعيل بن حسين بن حسن بن إبراهيم بن ناصر بن علم بن صالح بن عيسى بن عبدالله بن جعفر بن موسى بن جعفر بن مسلم بن جعفر بن محمد (صاحب فروزا) بن مسلم بن محمد بن موسى بن علي بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)».
وأمّا أعلامهم فهم كثيرون ولا سيما المعاصرين، لذا سأقتصر على ذكر المشهورين منهم وأرباب الأدب والتأليف فقط.
وهذه خلاصة عن أولئك الأعلام:
1 ـ السيد هاشم بن أحمد بن حسين بن السيد سلمان، من كبار علمائنا فقيه مجتهد ومرجع تقليد، 1246هـ 1309هـ، له: أنموذج الحق المبين في أصول الفقه، إيضاح السبيل في الفقه الاستدلالي، أجوبة المسائل المتفرقة، الرسالة العملية الصغرى، الرسالة العملية الكبرى، رسالة في تفسير بعض الأحاديث، رسالة في العقائد، شرح (التبصرة)، شرح دعاء رجب، كشف الحق في التوحيد، كشف الغطاء في الحكمة، منظومة في أحكام المواريث، منظومة في أصول الدين، منظومة في فقه الطهارة.
2 ـ السيد ناصر بن السيد هاشم بن أحمد…، من أجلاء علماء الشيعة فقيه مجتهد ومرجع تقليد، 1291 ـ 1358هـ، له: حاشية على رسالة الشيخ علي الخاقاني العملية، رسالة في الإمامة، رسالة في صلاة الجمعة، الرحلة المكية (أرجوزة)، مجموعة أبحاث استدلالية، ديوان شعر.
3 ـ السيد علي بن السيد ناصر بن السيد هاشم…، علاّمة جليل القدر ولد 1354هـ له: روحية الإنسان ماديته، نظرية المعرفة، رسالة في أسرة السلمان.
4 ـ السيد محمد بن السيد ناصر بن السيد هاشم…، فاضل أديب معروف، ولد حدود 1352هـ.
5 ـ السيد حسين بن محمد بن علي بن حسين بن السيد سلمان، عالم فاضل جليل القدر، 1280 ـ 1369هـ.
6 ـ السيد محمد العلي بن السيد حسين بن محمد، فقيه مجتهد جليل القدر، توفي 1388هـ.
أعلام هجر: 2/خ. دائرة المعارف الشيعية: 3/103.
7 ـ السيد هاشم بن السيد حسين بن محمد.، عالم فاضل، توفي 1390هـ.
أعلام هجر: 1/329.
8 ـ السيد محمد علي بن السيد هاشم بن السيد حسين…، علاّمة فاضل وأديب شاعر، ولد حدود 1355هـ، له: ديوان شعر 1 ـ 2ط.
9 ـ السيد هاشم العلي بن محمد بن علي بن حسين بن السيد سلمان، عالم فاضل، توفي 1401هـ.
أعلام هجر: 1/330.
10 ـ السيد محسن بن السيد هاشم بن محمد…، عالم فاضل جليل، ولد حدود 1340هـ.
11 ـ السيد أحمد بن السيد هاشم بن محمد…، فاضل جليل، ولد حدود 1347هـ.
12 ـ السيد طاهر بن السيد هاشم بن محمد…، علاّمة فاضل جليل، ولد 1353هـ، له: تعليقة على (الرسائل)، تعليقة على (الكفاية)، تعليقة على (المكاسب)، تقريرات بحث أستاذه السيد يوسف الحكيم.
13 ـ السيد ناصر بن السيد هاشم بن حمد…، علاّمة فاضل جليل، ولد حدود 1350هـ.
14 ـ السيد عبد الأمير بن السيد ناصر بن السيد هاشم…، فاضل أديب شاعر، ولد حدود 1376هـ.
15 ـ السيد محمد بن السيد ناصر بن حسين بن السيد سلمان، عالم أديب شاعر، توفي 1337هـ.
16 ـ السيد محمد الناصر بن السيد علي بن محمد بن ناصر…، عالم فاضل، ولد 1341هـ.
17 ـ السيد عدنان الناصر بن السيد محمد بن السيد علي…، فاضل جليل، ولد حدود 1370هـ.
18 ـ السيد أحمد الطاهر بن محمد بن طاهر بن أحمد بن حسين بن السيد سلمان علاّمة فاضل جليل القدر، ولد 1325هـ، له: حواشي على بعض كتب الفقه والأصول، تقريرات لأبحاث أساتذته.
19 ـ السيد عدنان الهادي بن السيد محمد بن هادي بن أحمد بن صالح بن حسين بن السيد سلمان، عالم أديب وخطيب بارع، ولد 1373هـ.
20 ـ السيد حسين بن السيد علي الياسين بن ياسين بن أحمد بن صالح بن حسين بن السيد سلمان عالم أديب، ولد 1386هـ، له: أسرة السلمان، ديوان شعر، ووالده السيد علي الياسين المولود 1345هـ من أهل العلم أيضاً.
21 ـ السيد محمد رضا الموسوي بن عبدالله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حسين بن السيد سلمان، فاضل أديب، ولد 1380هـ.
22 ـ السيد هاشم بن السيد محمد الحسين آل السيد سلمان، فاضل أديب وخطيب حسيني، ولد حدود 1353هـ.
12 ـ آل السويج
أسرة علوية جليلة، لهم مكانة ومقام في (الأحساء) و(البصرة)، وقد برز منهم علماء وأدباء كان لهم المقام الشامخ، في مقدمتهم السيد محمد بن السيد أحمد السُّوَيْج المتوفى 1345هـ، وموطنه في الأحساء مدينة (الهْفُّوف) ومنها نزح بعضهم إلى (البصرة) بالعراق.
ويعود نسبهم الشريف إلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (ع)، وفي ذلك يقول الخطيب السيد مهدي السويج في أرجوزة له:
| أنسابُنا تحفظ للتعارف | والفضل بالتقوى وبالمعارف | |
| في كتــــب الأنســــــاب كلٌ قـد كتـــــــب | (آل الســــويج) موســـــوية النســــــــــــب | |
| وهذه أرجوزةٌ لما يَزف | من بـ (السُّوَيْج) و(الخطيب) قد عُرف | |
| جائت على أساس تشجير لنا | جاء إلى الأبناء عن آبائنا |
إلى آخر الأرجوزة.
و(السُّوَيْج) أصلها (السُّويْق) تصغير (السُّوق)، وقلب القاف إلى (ج) في بعض الكلمات متعارف في لهجتنا المحلية، وسبب التسمية ـ كما يقول السيد مهدي السويج ـ أنَّ الجد الأعلى للأسرة السيد محمد بن السيد علي الذي عرف بـ (السويج) كان وجيهاً شريفاً له مكانة سامية في مجتمعه. وكانت له دار ضيافة مفتوحة يقصدها مختلف الناس وكانت كالمنتدى الأدبي والديني يتبادل فيها الحاضرون مختلف الأحاديث النافعة، وأحياناً يتبايعون فيها ويتشاورون، فأطلق البعض على هذه الدار كلمة (السوق) لكثرة ما يحصل فيها من بيع وشراء، فلما سمع السيد محمد قال مازحاً: إنّها (سويق) وليست سوقاً، ومنها عرفت الدار بهذا الاسم ثم سرى ذلك إلى العائلة فعرفت بـ (السُّويج) أو (السُّويق) كما يُثبت في الوثائق الرسمية.
وهذا من عرفناه من أعلام هذه الأسرة:
1 ـ السيد محمد بن السيد أحمد بن السيد هاشم بن محمد بن علي السُّويج، فقيه مجتهد، ولد حدود 1270هـ، وتوفي 1345هـ، له: رفع الاشتباه ط، كتاب في الحديث، الرسالة العملية.
2 ـ السيد أحمد بن السيد محمد بن السيد أحمد…، فقيه مجتهد وأديب شاعر، 1317 ـ 1380هـ، له: تعليقات على بعض الكتب الفقهية، ديوان شعر، الكشكول، المحكم في رفض المخضرم ط.
3 ـ السيد مهدي بن السيد محمد بن السيد أحمد…، عالم جليل وأديب شاعر وخطيب معروف ولد 1922م 1341هـ، له مؤلّفات كثيرة منها: الأحكام والحقوق النسائية في الإسلام ط، الأوّليات من ديوان السويجي ط، أم البنين ـ دراسة وتحليل ـ ط، أولاد الإمام علي (ع) وأمّهات الأئمة ط، بين الجدران في تفسير القرآن ج1ط، الروضة المهدية 1 ـ 4 (شعر شعبي) ط، الصحيفة الحسينية ط، القاسم بن الحسن ط، الكشكول ط، كفاية الخطيب 1 ـ 4 ط، كفاية الفقيه 1 ـ 4، كفاية المتفكهين، مذكرات مهدي السويج، مفهوم الاشتراكية في الإسلام ط، موقف الإسلام من القومية ط، وحي البردة ط.
4 ـ السيد حامد بن السيد أحمد بن محمد بن أحمد…، عالم جليل، ولد 1928م ـ 1347هـ، له: بحوث مختلفة في الفقه والأصول، تقريرات لأبحاث أساتذته.
5 ـ السيد محمد زكي بن السيد حامد بن السيد أحمد…، فاضل جليل وأديب شاعر، ولد 1951م ـ 1370هـ، له: بحوث إسلامية متفرقة باللغة الإنجليزية، دروس في تفسير القرآن (باللغة التايلاندية) ط، ديوان شعر، العرف والعادة في الفقه والقانون، الغرامة المالية في الشريعة الإسلامية، القضاء في الإسلام.
6 ـ السيد صالح بن السيد علي بن أحمد بن صالح بن علي بن محمد بن علي السويج، فاضل جليل، توفي 1344هـ.
7 ـ السيد عبد المحسن بن السيد علي بن أحمد…، عالم فاضل وأديب شاعر وخطيب حسيني، 1319 ـ 1398هـ، له: ديوان شعر.
13 ـ آل الشخص
من إبرز الأسر العلوية وأقدمها فى (الأحساء)، وكان لهم في (النجف الأشرف) مكان مرموق وشأن رفيع، وقد برز منهم عدد من رجال العلم والأدب اللامعين، في طليعتهم الفقيه الكبير الحجة السيد محمد باقر الشخص المتوفى 1381هـ الذي كان يعد من أبرز أساتذة الفقه والأصول في النجف ـ وابن أخيه الخطيب الشهير السيد محمد حسن الشخص المتوفى 1408هـ.
والموطن الأصلي لهذه الأسرة منذ أواخر القرن الثامن الهجري وحتى الآن هو بلدة (القارة) بالأحساء، ومنها نزح بعضهم في أوائل القرن الرابع عشر الهجري إلى (النجف) و(الكويت)، وهم اليوم بالأضافة إلى تواجدهم في (القارة) موجودون في مدينة (الهُفُّوف) ـ عاصمة الأحساء ـ وفي (الرياض) و(الدَّمَّام) و(سَيْهات) و(الكويت)، أمّا الذين كانوا في (النجف) فقد عادوا بأجمعهم إلى البلاد.
و(آل الشَّخص) وسادة (الحاجّي) في (الأحساء) و(آل المُهْري) في (الكويت) وإيران و(آل السيد خليفة) و(اللُعيبي) في (البصرة) وسادة (الخضْراوي) في (القُديْح) بالقطيف و(آل الحمَّامي) في النجف كلهم أبناء عم يلتقون في جدهم الأعلى السيد أحمد الموسوي المدني الذي نزح من (المدينة) إلى الأحساء في القرن الثامن الهجري.
وهذا هو نسب الأسرة إلى الإمام الكاظم (ع) ـ ابتداء من الجد الأعلى للأسرة السيد علي المعروف بـ(الشَّخص) ـ: «السيد علي الشخص بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن أحمد بن جعفر بن موسى بن السيد أحمد المدني بن محمد بن موسى بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن أحمد بن موسى بن حسين بن إبراهيم بن حسن بن أحمد بن أبي يحيى محمد بن أبي جعفر أحمد الزاهد بن إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)».
و(الشَّخص) ـ بفتح الشين مشدّدة مع سكون الخاء ـ مأخوذ من الشخصية والتشخُّص والشخوص بمعنى الارتفاع والعلو، وأوَّل من حمل هذا اللقب هو الجد الأعلى للأسرة السيد علي الشَّخْص ـ من أعلام القرن الحادي عشر الهجري ـ حيث كان هذا شخصية متميزة وكان معروفاً بالكرم والشهامة وذا هيبة ووقار.
وهذا أهم أعلام هذه الأسرة:
1 ـ السيد علي بن أحمد بن إبراهيم بن رضي بن إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد بن السيد علي الشخص، عابد زاهد كان يعرف بحمامة الحرم العلوي، توفي في (النجف) حدود 1335هـ.
2 ـ السيد محمد باقر بن السيد علي بن أحمد…، فقيه مجتهد، وعلاّمة جليل القدر، 1315 ـ 1381هـ، له: الأصول العملية، الأوامر والنواهي، تقريرات الميرزا النائيني في الأصول، تقريرات الميرزا النائيني في الفقه، رسالة في الاجتهاد والتقليد، رسالة في الدائرة الهندسية ومعرفة القبلة، رسالة في التسامح بأدلة السنن، رسالة في قاعدة لا ضرر، رسالة في قاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به، رسالة في اللباس المشكوك، شرح دروس بعض أساتذته في الفقه والأصول 1 ـ 2، المكاسب المحرمة.
3 ـ السيد أحمد بن السيد علي بن أحمد…، من كبار خطباء المنبر الحسيني، توفي 1344هـ.
4 ـ السيد عبد الحسين بن السيد علي بن أحمد…، فاضل جليل تقي من خطباء المنبر الحسيني، ولد حدود 1310هـ وتوفي 1402هـ.
5 ـ السيد محمد حسن بن السيد أحمد بن علي بن أحمد…، من كبار الخطباء ومشاهيرهم فاضل جليل وأديب شاعر، 1337 ـ 1408هـ، له: توضيح المعالي في تفسير البلاغ العالي، الدرر الجمة في أحوال الأئمة، ديوان شعر، ذكرى السيد ماجد العوامي ط، ذكرى السيد ناصر الأحسائي ط، زبدة الصحائف في العقل والعلم ومكارم الأخلاق والمعارف 1 ـ 2، مراثي الأئمة (عليهم السلام)، نفائس الأخبار في حياة النبي وآله الأطهار 1 ـ 2، مراثي الحسين (ع)، وقائع الأيّام 1 ـ 10.
6 ـ السيد علي بن السيد أحمد بن علي بن أحمد…، أديب كاتب وخطيب معروف، ولد 1344هـ، له: المآتم الحسينية ط، الحسن والحسين والسياسة بين السلب والإيجاب، شهر رمضان عطاء بلا حدود، رسالة في نسب (آل الشخص).
7 ـ السيد عبد الرضا بن السيد محمد باقر بن علي بن أحمد…، فاضل أديب شاعر، ولد 1352هـ.
8 ـ الدكتور السيد عدنان بن عبد الرضا بن محمد باقر…، أديب كاتب، ولد حدود 1370هـ، له: الزُّمر التوبولوجية في الرياضيات (باللغة الإنجليزية)، الشروط اللازمة لفضاء ـ H كي تكون فضاء ـ 8 (رسالة دكتوراة في الرياضيات بالإنجليزية).
9 ـ السيد هاشم بن عبد الرضا بن محمد باقر…، شاعر أديب، ولد 1373هـ، له الأزهار الأرجية: 5/73، الموسم: عدد 9 ـ 10/550.
10 ـ السيد هاشم بن محمد بن هاشم بن عبد الحسين بن علي بن محمد بن أحمد بن أحمد بن السيد علي الشخص، من كبار خطباء المنبر الحسيني، توفي 1348هـ.
11 ـ السيد محمد بن السيد هاشم بن محمد، بن هاشم…، فاضل تقي وخطيب واعظ معروف، ولد 1345هـ.
12 ـ السيد عبدالله بن السيد هاشم بن محمد بن هاشم…، خطيب كبير وأديب شاعر، ولد 1347هـ.
13 ـ السيد محمد رضا بن السيد عبدالله بن هاشم…، أديب شاعر، ولد حدود 1373هـ، له: الغرابة في البحث البلاغي نظرياً وتطبيقاً (رسالة ماجستير على علوم البلاغة).
14 ـ آل الصحاف
يعود نسبهم إلى (ربيعة) إحدى القبائل العربية الشهيرة، وموطنهم مدينة (الهُفُّوف) عاصمة الأحساء، ومنها نزح بعضهم إلى (القطيف) و(البحرين) و(الكويت) و(البصرة) و(سوق الشيوخ)، و(آل الصحاف) من الأسر العلمية الجليلة التي أنجبت العديد من رجال العلم والأدب كان آخرهم العلاّمة الجليل والشاعر الكبير الشيخ كاظم بن الشيخ علي الصحاف المتوفى 1399هـ.
ويطلق لقب (الصَّحَّاف) على أكثر من أسرة غير هذه الأسرة الأحسائية منهم (آل الصَّحَّاف) في (البحرين) المنتسبون إلى (تميم) وهم من أهل السنَّة والجماعة.
هذه أهم أعلام (الصَّحَّاف) الأحسائيين:
1 ـ الشيخ محمد بن علي الصحاف، جد الشيخ كاظم الصحاف لأمّه، فقيه مجتهد، توفي في (سوق الشيوخ) 1313هـ.
2 ـ الشيخ حسين بن ناصر بن موسى بن حسين بن محمد الصحاف، عالم فاضل جليل، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري.
3 ـ الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن ناصر…، علاّمة جليل القدر وأديب شاعر، ولد حدود 1210هـ وتوفي في (الكويت) 1313هـ، له: ديوان شعر.
4 ـ الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن حسين بن ناصر…، عالم أديب فاضل، له: ديوان شعر.
5 ـ الشيخ علي بن الشيخ محمد بن حسين بن ناصر…، عالم جليل وأديب شاعر ولد حدود 1242هـ وتوفي 1321هـ، له: ديوان شعر.
6 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن محمد…، فقيه جليل القدر وأديب شاعر، توفي 1319هـ، له: ديوان شعر.
7 ـ الشيخ حسين بن الشيخ علي بن محمد…، فقيه مجتهد وأديب شاعر، 1303 ـ 1343هـ، له: الصارم الهندي في الرد على المعتدي، كتاب في أصول الفقه، كتاب في الحكمة، كتاب في الفقه، مسائل في الحكمة ومراتب الأئمة.
8 ـ الشيخ كاظم بن الشيخ علي بن محمد…، عالم جليل القدر وشاعر كبير وخطيب حسيني، 1312 ـ 1399هـ، له: البيان في أحوال بدء الإنسان، تذكرة الأشراف بتراجم آل الصحاف، الجوهرة البديعة في معرفة أصل الشيعة وأصولها، الحق والصواب بين السؤال والجواب، الدر الثمين في مدح النبي وآله الطاهرين (ديوان شعر)، الدليل الحاسم على فتح الطلاسم (رد على قصيدة إيليا أبي ماضي)، روضة الرحمن في أحاديث رمضان، السبيكة الذهبية في معرفة مذهب الجعفرية، العقد الأزهر في قصائد صفر (ديوان شعر)، الفصول في الأصول (منظومة شعرية)، اللؤلؤ المنثور في مآتم عاشور (ديوان شعر)، لوح الفوائد ونور المقاصد، النمط الأوسط والحجة على ن فرَّط أو أفرط.
15 ـ آل علي
أسرة معروفة في (الأحساء) موطنهم مدينة (العِمْران) وقرية (القارة)، و(آل الفضلي) و(العباد) و(السليم) كلهم فروع لهذه الأسرة، وأصلهم البعيد من (نجد) نزح جدّهم (عمران بن فضل) إلى الأحساء سنة 1050هـ، ويرجع نسبهم إلى (الفضل بن ربيعة) جد قبيلة (الفضول) المعروفة التي هي إحدى بطون قبيلة (طيء) العربية الشهيرة.
وكانت ولا زالت هذه الأسرة الكريمة ذات مكانة مرموقة وسمعة طيبة في (الأحساء)، وقد برز منهم علماء أفاضل وأدباء أجلاء. وهذا ما نعرفه عن أعلامهم:
1 ـ الشيخ سلطان بن محمد بن عبدالله بن عبَّاد آل عبَّاد العلي الفضلي، عالم فاضل، ولد حدود 1262هـ وتوفي 1320هـ.
2 ـ الشيخ ميرزا محسن بن الشيخ سلطان…، فقيه مجتهد وعلاّمة جليل القدر، 1309 ـ 1409هـ، له: بحوث متفرقة في الفقه والأصول والحكمة، رسالة في (آل عبَّاد)، رسالة في كيفية وأعمال حج التمتع، عصمة القرآن من الزيادة والنقصان.
3 ـ الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي بن الشيخ ميرزاً محسن بن سلطان علاّمة جليل القدر من مشاهير العلماء المؤلّفين، ولد 1354هـ، له: الإسلام مبدءاً، أسماء الأفعال والأصوات، تحقيق التراث، التربية الدينية، تلخيص العروض، تهذيب البلاغة، ثورة الحسين من خلال نصوصها، حضارتنا في ميدان الصراع، خلاصة علم الكلام، خلاصة المنطق، دروس في فقه الإمامية، دليل النجف الأشرف، الدولة الإسلامية، في انتظار الإمام، فهرست الكتب النحوية المطبوعة، مبادىء أصول الفقه، مختصر الصرف، مختصر النحو، مشكلة الفقر، من البعثة إلى الدولة، إلى غير ذلك من مؤلّفاته الكثيرة وأكثرها مطبوع.
4 ـ الشيخ عمران بن حسن السليم آل علي الفضلي، علاّمة فقيه مجتهد، 1270 ـ 1360هـ.
5 ـ الشيخ معتوق بن الشيخ عمران…، فقيه مجتهد علاّمة وأديب شاعر، 1313 ـ 1377هـ، له: مؤلفات لم نتعرف عليها.
6 ـ الشيخ كاظم الهجري بن الشيخ عمران…، علاّمة جليل القدر وشاعر بارع، 1327 ـ 1399هـ، له: ديوان شعر، ومؤلّفات أخرى في الفقه والأصول والأدب.
7 ـ الشيخ سلمان بن عبد المحسن بن عبدالله آل علي، علاّمة فاضل جليل وأديب شاعر، توفي 1359هـ، له: ديوان شعر.
8 ـ الشيخ عبد الحميد بن الشيخ سلمان…، فاضل أديب وخطيب كبير، ولد 1340هـ، له انباء الحزين في رثاء مولانا الحسين.
9 ـ محمد بن عبدالله بن حسن آل علي الهجري، شاعر كبير وأديب لامع، ولد 1352هـ.
شعراء الغري: 11/172 ـ 178، معجم رجال الفكر والأدب في النجف 462.
10 ـ الحاج ملا محسن بن علي آل علي القاري، من خطباء المنبر الحسيني، ولد حدود 1333هـ.
11 ـ الشيخ محمد بن علي بن علي بن حسين العبَّاد آل علي، فاضل جليل وخطيب بارع، ولد 1383هـ.
16 ـ آل عيثان
من الأسر العلمية العريقة المعروفة في (الأحساء)، وقد أنجبت عدداً من كبار علماء الإمامية وإجلاَّئهم، وقد ضاع ـ مع الأسف الشديد ـ أكثر تراث أولئك الأعلام واندرست أثارهم ولم يصل لأيدينا إلاّ القليل جداً من أخبارهم وأحوالهم.
وموطن هذه الأسرة الجليلة ـ من القديم وإلى اليوم ـ هو قرية (القارة) بالأحساء، ومنها نزح بعضهم إلى نواحي (البصرة) بالعراق.
وهذا ما نعرفه عن أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن حسين بن عيسى آل عيثان، من كبار علمائنا وأجلاَّئهم، من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، له: الحاشية على (مفاتيح الشرائع) للفيض الكاشاني.
2 ـ الشيخ حسين بن الشيخ محمد…، علاّمة فقيه جليل القدر، توفي قبل 1240هـ، له: أرجوزة استدلالية في الاجتهاد والاخبار ط، النجوم الزاهرة في أحكام العترة الطاهرة.
3 ـ الشيخ عبدالله بن إبراهيم آل عيثان، فاضل عالم جليل، توفي بعد 1341هـ.
4 ـ الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي بن أحمد آل عيثان، فقيه مجتهد ومرجع تقليد، 1260 ـ 1331هـ، له: أجوبة مسائل الشيخ حسين الصحاف في الحكمة ومراتب الأئمة، دليل الحيارى في الرد على النصارى (رد على كتاب الباكورة لأحد المسيحيين)، رسالة في أجوبة المسائل الكويتية، رسالة في الزكاة، رسالة في الصوم، الرسالة العملية، رسالة في العصير العنبي، شرح الشهاب الوامض في أحكام الفرائض 1 ـ 2، مناسك الحج، هداية العباد إلى طريق الحق والرشاد ط، رسالة في معاني الحروف، شرح الرسالة الرضاعية للقزويني.
5 ـ الشيخ حسن بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي…، عالم فاضل وأديب شاعر، 1276 ـ 1348هـ، له: ديوان شعر.
6 ـ الشيخ علي بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي…، فاضل جليل وأديب شاعر، توفي 1331هـ.
7 ـ الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي…، عالم جليل فاضل، 1320 ـ 1367هـ.
8 ـ الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي…، فقيه مجتهد وعلاّمة جليل القدر 1322/1401هـ.
9 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن الشيخ علي بن أحمد آل عيثان، علاّمة جليل القدر، ولد حدود 1249هـ وتوفي حدود 1317هـ.
10 ـ الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ علي بن أحمد آل عيثان، فقيه مجتهد، ولد حدود 1253هـ وتوفي 1326.
11 ـ الحاج ملا عبد الحسين بن الشيخ حسن بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي بن أحمد آل عيثان، أديب شاعر وخطيب حسيني، ولد حدود 1340هـ.
12 ـ الحاج حسن بن ملا عبد الحسين…، أديب شاعر معاصر، ولد حدود 1370هـ.
13 ـ الشيخ معتوق بـ الحاج عبدالله آل عيثان، أديب شاعر ولد حدود 1382هـ.
آل الفُضْلي: راجع (آل علي).
17 ـ آل اللُوَيْمي
من الأسر الجليلة المعروفة في الأحساء، برز منهم عدد من العلماء الأفاضل في مقدمتهم العلاّمة الفقيه الشيخ عبد المحسن اللويمي المتوفى 1245هـ، و(اللُّوَيمي) نسبة إلى بني (لام) القبيلة العربية الشهيرة، وفي أوائل القرن الثالث عشر الهجري هاجر بعض أجلاء هذه الأسرة إلى إيران واستوطنوا (سيرجان) من توابع (شيراز) كما استوطن بعضهم (خوزستان)، ولا زال إلى الآن لهم ذرية هناك.
وهذا أهم أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمد بن الشيخ مبارك بن ناصر بن محمد بن ناصر اللُّويمي، علاّمة فقيه جليل القدر، توفي 1245هـ، له: الإجازة الكبيرة، بداية الهداية في التجويد ط، التحفة الفاخرة 1 ـ 3 ط الأوّل، جامع الأصول عن أهل الوصول، رسالتان في أحوال الرجال الذين لم يعرف لهم حال، الرسالة الصغرى في الصلاة، الرسالة الكبرى في الصلاة، الرسالة الوسطى في الصلاة، شرح الأجرومية، شرح العوامل الجرجانية، شرح العوامل المائة، كفاية الطلاّب المودعة علم الإعراب، مشكاة الأنوار في فقه الصلاة عن الأئمة الأطهار، النهج القويم والصراط المستقيم، وفاة الإمام الحسن، وفاة الإمام الكاظم، وفاة النبي يحيى.
2 ـ الشيخ عيسى بن الشيخ محمد بن الشيخ مبارك… عالم فاضل، توفي في إيران أواسط القرن الثالث عشر الهجري.
3 ـ الشيخ محمد بن الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمد…، فاضل عالم، من أعلام القرن الثالث عشر الهجري.
4 ـ الشيخ علي بن الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمد…، علاّمة فاضل جليل، توفي بعد 1240هـ.
5 ـ ملا محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمد…، أديب شاعر، له: قبسة من تاريخ هجر البحرين، ديوان شعر.
6 ـ الدكتور أحمد بن ملا محمد بن إبراهيم…، من خطباء المنبر الحسيني، ولد حدود 1372هـ، له: دراسة حول المناعة ضد الجراثيم (رسالة ماجستير في الطب).
7 ـ الدكتور إبراهيم بن ملا محمد بن إبراهيم…، ولد حدود 1374هـ، له: دراسة ميدانية حول أورام الجهاز العصبي في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية (رسالة دكتوراه في الطب).
8 ـ الشيخ محمد بن الشيخ عبد النبيّ اللويمي، عالم فاضل معاصر، ولد 1365هـ.
18 ـ آل المحسني
من أجل البيوتات العلمية العريقة، أنجبت عدداً كبيراً من رجال العلم الأفاضل، أشهرهم وأجلّهم الفقيه الكبير الشيخ أحمد بن الشيخ محمد المحسني المتوفى 1247هـ، وهو أوّل من حمل هذ اللقب (المحسني) نسبة إلى جده الشيخ محسن.
ويعود نسب هذه الأسرة الكريمة إلى (ربيعة بن نزار) إحدى القبائل العربية الشهيرة، وأصلهم البعيد من (الغُرْيفة) بالبحرين، ومن الأحساء نزح بعضهم في أوائل القرن الثالث عشر الهجري إلى (البصرة) وإلى (خوزستان)، ولا زالوا إلى اليوم هناك، كما لهم امتداد في الكويت أيضاً.
وهذا ما نعرفه الآن عن أعلامهم:
1 ـ الشيخ محمد بن الشيخ محسن بن الشيخ علي بن محمد بن أحمد بن محمد الأحسائي، علاّمة فقيه جليل القدر، توفي 1222هـ، له: نور الأبصار في معاني الأخبار.
2 ـ الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن الشيخ محسن…، من أكابر الفقهاء، علاّمة جليل وأديب شاعر، 1157 ـ 1247هـ، له: الحاشية على (التنقيح الرائع)، الحاشية على (تهذيب الأحكام)، الحاشية على (قواعد العلاّمة)، الحاشية على (المدارك)، الحاشية على (المسالك)، الحاشية على (مفاتيح الشرائع)، ديوان شعر، رسالة في الجهر والإخفات، رسالة في حجية ظواهر الكتاب، رسالة في صلاة الجمعة، رسالة في ما يغفر من الذنوب وما لا يغفر، شرح المختصر النافع، فائدة في النسبة بين الكفر والشرك، مجموعة فوائد، منهل الصفا في أحكام شريعة المصطفى، وقاية المكلف من سوء الموقف في الصلاة والعقائد.
أعلام هجر: 1/230 ـ 256، أعيان الشيعة: 3/71، 135، أنوار البدرين: 411، طبقات أعلام الشيعة: قرن 13/107، مستدركات أعيان الشيعة: 2/33، معارف الرجال: 1/65.
3 ـ الشيخ حسن بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد…، علاّمة فقيه جليل القدر وأديب شاعر، 1213 ـ 1272هـ، له: تعليقة على (جواهر الكلام)، تعليقة على (الحدائق)، تعليقة على (كفاية السبزواري)، تعليقة على (مفاتيح الشرائع)، تعليقة على (الهداية)، الحاشية على (البحار)، الحاشية على (المدارك)، الحاشية على (المسالك) الحاشية على (وسائل الشيعة)، ديوان شعر، رسالة في أجوبة مسائل الشيخ محمد الصحاف، رسالة في حل أخبار الطينة، رسالة في الخمس، المسائل الجبارية، مناسك الحج، منظومة في أصول الفقه.
4 ـ الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد…، عالم فاضل، توفي بعد 1268هـ.
5 ـ الشيخ موسى بن الشيخ حسن بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد…، علاّمة فقيه مجتهد، 1239 ـ 1389هـ، له: الباكورة في علم المنطق، ديوان شعر، رسالة في الرد على صاحب الحدائق لقوله بعدم حجية البراءة الأصلية، رسالة في وجوب الإخفات في الركعتين الأخيرتين، الرسالة العملية، رسالة في جواب الشيخ صالح الدلفي، تعليقة على (الجواهر)، تعليقة على (المدارك)، تعليقة على (المسالك)، تعليقة على (مفاتيح الشرائع)، الندبة المهذبة (شعر).
6 ـ الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشيخ أحمد…، علاّمة فاضل جليل، توفي بعد 1308هـ.
7 ـ الشيخ سلمان بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشيخ أحمد…، علاّمة فقيه مجتهد، 1281 ـ 1341هـ، له: ديوان شعر.
8 ـ الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشيخ أحمد…، عالم فاضل، توفي بعد 1321هـ.
9 ـ الشيخ محمد علي بن الشيخ حسين بن الشيخ موسى بن الشيخ حسن بن الشيخ أحمد…، فاضل جليل، من أعلام القرن الرابع عشر الهجري.
10 ـ الشيخ علي بن الشيخ صالح بن الشيخ محمد بن الشيخ محسن بن الشيخ علي بن محمد بن أحمد بن محمد القريني، عالم جليل وأديب شاعر، توفي بعد 1272هـ، له: كتاب في الرضاع.
11 ـ الشيخ حبيب الله بن الشيخ صالح بن الشيخ علي بن الشيخ صالح…، فقيه مجتهد ومرجع تقليد، 1275 ـ 1363هـ، له: بعض الرسائل وأجوبة المسائل، حواشي متفرقة، رسالة في العقائد، كتاب في الرد على البهائية، مناسك الحج، نعم الزاد ليوم المعاد ط.
19 ـ آل المَزيدي
من الأسر العلمية التي كانت معروفة في (الأحساء) و(البصرة)، وموطنهم مدينة (الهفوف) عاصمة الأحساء، وأوّل من نزح منهم إلى (البصرة) الشيخ حسين بن الشيخ محمد المزيدي المتوفى 1301هـ، وكان ذلك أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ونزح بعضهم إلى (خوزستان) بإيران، كما لهم امتداد في (الكويت) أيضاً، وأول من سكن الكويت منهم قبل أكثر من مائتي عام هو الشيخ موسى المزيدي ومنها بعث بولده الشيخ محمد إلى النجف الأشرف لطلب العلم فمكث فيها قرابة العشرين عاماً. وبعد وفاة والده رجع الناس إليه وبادر إلى تأسيس الجامع المعروف بمسجد المزيدي.
وهذا ما نعرفه الآن من أعلامهم:
1 ـ الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله المزيدي، عالم فاضل جليل، توفي 1301، له: برهان الحق ونهج الصدق، جواب بعض المسائل المتفرقة.
2 ـ الشيخ محمد حسن بن الشيخ حسين بن الشيخ محمد…، فاضل جليل، توفي 1307هـ.
3 ـ الشيخ محمد طاهر بن الشيخ حسين بن الشيخ محمد…، عالم فاضل توفي 1338هـ.
الموسم: عدد 9 ـ 10/169.
4 ـ الشيخ محمد بن الشيخ موسى بن الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله…، علاّمة فاضل جليل، توفي 1327هـ.
5 ـ الشيخ حبيب بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد بن الشيخ موسى…، خطيب فاضل جليل ولد 1332هـ.
20 ـ آل مَطَر
من الأسر المعروفة في (الأحساء)، وموطنهم فيها قرية (الفضول) من قرى الأحساء الكبيرة، وقد اشتهر منهم الخطيب الكبير الشيخ كاظم بن الشيخ محمد صالح المَطَر المتوفى 1390هـ، وكان خطيباً بارعاً ذا شهرة واسعة في منطقة (البصرة) وفي (خوزستان) ودول الخليج، ومن (آل مَطَر) اليوم بعض الطلبة المشتغلين بتحصيل العلوم الدينية كالشيخ جعفر بن الحاج عبّاس المَطَر والشيخ باقر بن الحاج جواد المَطَر.
وهذا ما نعرفه من أعلام هذه الأسرة:
1 ـ الشيخ محمد صالح بن عبد الحسين المَطَر، من كبار الخطباء والشعراء، ولد حدود 1265هـ وتوفي حدود 1335هـ، له: ديوان شعر.
قلائد وفرائد: 19، 169.
2 ـ ملا محمد علي بن الشيخ محمد صالح…، من خطباء المنبر الحسيني، توفي 1363هـ.
3 ـ الشيخ كاظم بن الشيخ محمد صالح…، خطيب شهير بارع وأديب فاضل، 1312 ـ 1390هـ، له: قلائد وفرائد (ديوان شعر) ط.
قلائد وفرائد: 16 ـ 23، ذكرى الإمام السيد ناصر الأحسائي.
4 ـ الحاج ملا جواد بن الشيخ كاظم…، خطيب حسيني وأديب شاعر، ولد 1348هـ.
5 ـ الحاج ملا محمد صالح بن الشيخ كاظم…، خطيب معروف وأديب شاعر، ولد 1351هـ.
21 ـ آل المُمَتّن
عُرِفَتْ هذه الأسرة الكريمة منذ أن برز منها العالم الجليل والأديب الفذ الشيخ عبد الكريم المُمَتّن المتوفى 1375هـ، والذي يعد في عصره في طليعة العلماء والأدباء البارعين.
وموطن هذه الأسرة من القديم وإلى اليوم قرية (الحُبَيْل) بالأحساء وهذا أهم أعلامهم الأفاضل:
1 ـ الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد المُمَتّن، عالم فاضل جليل، توفي 1316هـ. أعلام هجر: 1/307.
2 ـ الشيخ عبد الكريم بن الشيخ حسين…، عالم جليل القدر وأديب بارع 1304 ـ 1375هـ، له: أرجوزة في حلية شرب التتن، ديوان شعر.
3 ـ الشيخ عبد الرحيم بن الشيخ حسين…، فاضل جليل، توفي 1388هـ.
22 ـ آل النّمِرْ
من الأسر المعروفة في (الأحساء) و(الدَّمَّام) ولهم مكانة وشهرة بين الناس، وهم أبناء عم مع (آل النّمْر) في قرية (العَوَّاميَّة) بالقطيف، وأصلهم البعيد من (الأسلميّة) إحدى قرى (نجد)، قدم منها جدّهم عائد بن عفيصان في أوائل القرن الحادي عشر الهجري تقريباً، وكان يتردد بين (الأحساء) و(القطيف) حتى استقرّ في (العوَّامية) وتزوج منها فرزق (عائدٌ) إبناً أسماه (نِمْراً)، ثم رزق (نمرُ) ثلاث بنين هم: نمر وفرج وزاهر، وإليهم تنتسب القبائل الثلاث المعروفة (النِّمْر) و(الفرج) و(الزّاهر).
وأهم أعلام (آل النّمْر) في (العوَّاميَّة) هو الشيخ محمد بن ناصر النمر العلاّمة الجليل المعروف المتوفى 1348هـ.
أمّا (آل النَّمْر) في الأحساء فموطنهم مدينة (الْمَبرَّز) ومنها نزح بعضهم إلى (الدَّمَّام) عاصمة (المنطقة الشرقية)، وقد برز منهم بعض الأفاضل وفي طليعتهم الخطيب الكبير الفاضل ملا ناصر بن حسين النمر المتوفى أواخر شعبان 1395هـ.
وهذا ما نعرفه عن أعلام هذه الأسرة الكريمة:
1 ـ الحاج ملا ناصر بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين النِّمْر، فاضل جليل وخطيب كبير، ولد حدود 1310هـ وتوفي 1395هـ.
2 ـ الحاج ملا محمد بن ملا ناصر…، أديب شاعر وخطيب حسيني، ولد 1350هـ.
3 ـ أحمد بن ملا محمد بن ملا ناصر…، أديب شاعر معاصر، ولد 1378هـ.
4 ـ الشيخ حسن بن ملا محمد بن ملا ناصر…، فاضل أديب كاتب، ولد 1383هـ.
5 ـ رضوان بن ملا محمد بن ملا ناصر…، أديب شاعر، ولد 1385هـ.
6 ـ الشيخ جعفر بن ملا محمد بن ملا ناصر…، أديب شاعر، ولد 1389هـ.
7 ـ محمد بن أحمد بن محمد بن حسين بن أحمد النِّمر، أديب شاعر، توفي 1367هـ، له: اللؤلؤ المنظوم (ديوان شعر) ط.
88 ـ محمد بن علي بن محمد بن حسين النِّمر، أديب شاعر، ولد 1386هـ.
هاشم الشخص
جبل القارة
يقع جبل القارة بالأحساء على بعد 13 كلم إلى الشرق من مدينة الهفوف في وسط واحة خضراء جميلة، ومساحة قاعدته حوالي 1400 هكتار، ويتكون من صخور رسوبية، ويشتهر بوجود عدة كهوف تختلف في مساحتها، ولكن أكبرها يقع في الوسط الشرقي من الجبل، وقد تم تحسينه من قبل بلدية الأحساء من خلال اضافة بعض المرافق من استراحات للزائرين ومواقف للسيارات وبوفيه والعاب أطفال وتشجير عدة أجزاء منه.
وتأتي أهمية تلك الكهوف في كونها تتمتع بجو بارد في فصل الصيف وجو دافىء في فصل الشتاء وأنها تتميز بخلوها من الحيوانات على اختلاف أنواعها؛ وهي بذلك تعتبر من أكبر الكهوف الجبلية أماناً في العالم، ويضاف إلى ذلك الجمال الساحر الذي تظهره الأسقف الجبلية لتلك الكهوف، إذ أن أسقفها تتكون من قطع جبلية صغيرة وكبيرة ملتصقة بعضها ببعض بشكل يظهر وكأنها في طريقها إلى السقوط إلا أنها تبقى وبقدرة الله سبحانه وتعالى ثابتة مع مرور الأيام والأعوام مظللة كهوفها، وينفرد أهالي القارة والقرى المجاورة للجبل بمعرفة الطرق المؤدية إلى تلك الكهوف ومساحاتها المظلمة والمضيئة وما تحويه من عجائب وغرائب.
ومن الملاحظ أن كتب التاريخ لم تتطرق لدور جبل القارة في العصور المتقدمة، إلاّ أن بعض المعلومات المتوفرة لدينا تفيد أن قبائل متنقلة سكنت سفح هذا الجبل، واستمتعت بأحواله الجوية الطبيعية. واتخذت ارتفاعه الشاهق مرصداً طبيعياً لمراقبة الغزاة وقطاع الطرق، ثم تكاثرت تلك القبائل واستقرت في أماكنها واتسع نطاق عمرانها، فتكون على أثر ذلك الاستقرار نشوء القرى التي تحيط بالجبل في الوقت الحاضر وهي: القارة التي تحيط بمعظم محيط الجبل وتليها قرى التويثير والدالوة والتهيمية التي تحيط باجزاء صغيرة منه.
وعندما نبحث عن تاريخ تسمية هذا الجبل باسم «جبل قارة أو جبل القارة» فإن المعنى اللغوي لكلمة «قارة» هو الذي يقودنا إلى معرفة هذه التسمية، فالعديد من المعاجم اللغوية تبين أن هذه الكلمة تعني الجبل الصغير المنقطع عن الجبال وغير المتصل بجبال أخرى، وتشكل كومة صخرية هائلة، وهذا الجبل الصغير الذي لا يزال موجوداً بهذا الوصف يتوسط بلدة القارة، ويقابله من الجهة الشرقية على بعد مائة متر الجبل الكبير الذي كان يطلق عليه اسم «الريان» أو «الشبعان» لأنه محاط بالنخيل والأشجار الريانة.
ولقد تكونت بين «قارة الجبل الصغير والجبل الكبير بلدة تميز أهلها بالعلم والمعرفة والأدب والشجاعة وإكرام الضيف والفلاحة وشيء من التجارة، فغلب على تلك البلدة مع مرور الأيام والسنين اسم «قارة» نسبة إلى «جبل قارة» الجبل الصغير، ثم شمل هذا الاسم الجبل الكبير، فأصبح يعرف في نهاية المطاف باسم «جبل قارة أو جبل القارة» وهو الاسم المشهور بين الناس، كما أن «جبل قارة» الجبل الصغير الذي يتوسط بلدة القارة أصبح يعرف مؤخراً باسم «رأس جبل القارة».
وقد قامت وزارة الشؤون البلدية والقروية ممثلة في بلدية الاحساء بنزع ملكية جميع المباني التي كانت تحيط بذلك الرأس الجبلي وتحويل مساحاتها إلى شارع دائري ساعد على إظهار جمال وروعة ذلك الرأس الجبلي الشامخ الذي يتحدث عن أدواره الطبيعية والتاريخية آباؤنا وأجدادنا، رأس جبل القارة أحد المعالم التاريخية الهامة في الأحساء الذي لا يزال ينطق وبكل وضوح عن دوره الرائد في إيواء عدد كبير من الأسر التي عاشت وتكاثرت في كهوفه خلال الحقبة التاريخية الماضية([533]).
سياسات الإصلاح العثمانية وملامح من آثارها على الوضع في الأحساء والقطيف
(1871 ـ 1908)
يلزم قبل الشروع في طرق موضوع الإصلاحات العثمانية وأثرها على منطقة الأحساء والقطيف، ملاحظة عدّة جوانب تتعلق بطبيعة الإصلاحات ذاتها، كما تتعلق في الجانب الآخر بخصوصية المنطقة موضوع البحث.
فقد جاءت الإصلاحات العثمانية متأخرة، بمعنى أنها لم تبدأ إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، وبالتحديد في عهد محمود الثاني الذي تولى الحكم عام 1807، وكانت ذروة إصلاحاته قد بدأت عام 1839 بما عرف باسم بيان خط شريف غولهانه.
السبب في تأخر الإصلاحات العثانية عموماً: يعود إلى أن القيادة لم تلتفت إلى أنها كانت تقود سفينة آيلة إلى الغرق، وأن التفوق العثماني الذي أدّى إلى اجتياح أوروبا أخذ بالتراجع منذ القرن السابع عشر، منذ عهد السلطان سليمان. كان السلاطين يعتقدون بأنهم ما زالوا بخير، في وقت بدأت فيه النهضة في أُوروبا وتطورت وسائل الحرب لديهم، وأضحت جيوشهم تمخر عباب المحيطات، وتستكشف المستعمرات، وتسيطر على طرق المواصلات البحرية التي كانت بعضها قد اكتشفت حديثاً. من الناحية العملية كان العثمانيون يشعرون بأنهم قد تخلفوا عسكرياً واقتصادياً، وإذا كانوا قد التفتوا إلى ضرورة الإصلاح العسكري، باعتباره المقياس الأول في ذلك الزمان، منذ هزيمتهم عند أبواب فيينا، وتطور آلة الحرب الغربية (المدافع بشكل خاص) فإنهم لم يولوا الجانب الإداري والإقتصادي أهمية تذكر. كانوا يعتقدون بأن ما يجري لهم مجرد تراجع محدود وأن الفاصلة ضئيلة قابلة للتضييق في أسرع وقت. بيد أن المسألة كانت أعمق من ذلك بكثير، فإصلاح الجيش يستدعي إصلاحاً واسعاً يشمل المجتمع بأسره باقتصاده وثقافته وإدارته، وعقلية حاكميه.
السبب الآخر في تأخر الإصلاحات العثمانية عموماً: هو أنها كانت مكلفة، فالتغيير أياً كان يستدعي بروز قوى جديدة، ونهاية أخرى، وكان أهم ما يخيف السلاطين هو الخوف على عروشهم، ذلك أن معارضي الإصلاح من القوى المحافظة في الجيش والمؤسسة الدينية (لم تصبح مؤسسة بالمعنى المعروف إلا في عهد السلطان محمود الثاني) كانوا هم الأقوى، وكان على أي سلطان يريد الإصلاح أن يواجه خطرين حقيقيين: أولهما من معارضي الإصلاح الذين استطاعوا قتل وعزل عدد من السلاطين (السلطان أحمد الثالث أعدم هو ووزيره، وكذلك السلطان سليم الثالث عزل وقتل عدد من وزرائه في ثورة عسكرية محافظة). وثانيهما، المقدرة على ضبط خطواته تسارعاً أو تباطؤاً، وتفادي آثاره السلبية على المجتمع، وكذلك القدرة على التكيف السريع من قبل الحاكمين مع منتجات التغيير واحتوائها ضمن الجهاز الحكومي… ذلك أن الفشل في هذا يؤدي في الغالب إلى إصلاح ولكن بدون سلاطين، والنموذج الواضح هنا أن سياسات الإصلاح العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر أدّت، على سبيل المثال، إلى الإطاحة بثلاثة سلاطين (عبد المجيد وعبد العزيز ومراد) قبل أن تدور الدائرة في آخر الأمر على السلطان عبد الحميد الثاني نفسه بعد ثلاثين عاماً من الحكم.
لهذه الأسباب مجتمعة، كان من المستحيل أن تكون الإصلاحات راديكالية كما يريد الراديكاليون، فالتدريج كانت مسألة غاية في الأهمية وبحاجة إلى أجيال حتى تؤتي ثمارها وتوطينها وفق أعراف وقيم المجتمع نفسه. ورغم الطبيعة المحافظة للإصلاحات، وكذلك طبيعتها الدفاعية التي تستهدف حماية الإمبراطورية من الزوال والتفتت، فإن من الضروري التنبيه إلى أنها أمرٌ لا مفرٌ منه، فقد يقضي الإصلاح على الإصلاحيين، مثلما يقضي التخلف عليهم وعلى مجتمعهم على حد سواء.
وفيما يتعلق بموضوع انعكاسات الإصلاحات العثمانية على المناطق والممتلكات، نرى تفاوتاً كبيراً في الآثار بين منطقة وأخرى، فالمناطق الأكثر غنى والأقرب إلى الإمبراطورية كانت تحظى بأهمية أكبر، كذلك فإن المناطق التي كانت تعاني من مشاكل أمنية نظراً لطبيعة سكانها واختلاف أعراقها وأديانهم، أو تلك التي كانت عرضة للتدخل الأجنبي، حظيت باهتمام أكبر. فمنطقة الأحساء والقطيف لم يصبهما إلاّ النزر اليسير من التغيير، وهو في مجمله منحصر في ثلاثة مواضيع أساسية: الوضع الإداري، الوضع الإقتصادي، والعسكري. بديهي أن موضوع الإقتصاد (الضرائب بوجه خاص) كان الأكثر بروزاً، في حين لم يكن يعني الجانب العسكري الكثير، خاصة وأن الخدمة العسكرية لم تكن مطبقة في المنطقة.
سيطر العثمانيون على المنطقة للمرة الثانية عام 1871م، حين سيّر مدحت باشا، الذي كان والياً لبغداد، ويعدّ من الرواد الإصلاحيين الأوائل في عهده، حملة للسيطرة على المنطقة التي كانت تشهد حرباً أهلية طويلة الأمد، كانت في الأساس انعكاساً للصراع على السلطة في نجد بين أبناء الأمير فيصل بن تركي (عبدالله وسعود) حيث انقسمت القبائل والمناطق والوجهاء المحليون على أنفسهم، وبدأوا بالإقتتال الذي لم ينته إلاّ بدخول القوات العثمانية واستقرارها في حامياتها المحلية، بدعم من الأهالي والقوى المحليّة.
الوضع الإداري
تركز الإصلاح العثماني على تحديث الجانب العسكري، وكان من البديهي أن لا يتم ذلك بدون تحديث النظام الضرائبي ولكي يكون الأخير فاعلاً استدعى الأمير تحديثاً إدارياً وتعليمياً أريد منه تأهيل الكادر المناسب. حاول السلطان عثمان الثاني (1618 ـ 1622) أن يحدّث العسكر، فألغى الإنكشارية ولكنه فشل فقضوا عليه. وبدأ السلطان أحمد بعد قرن المهمة ذاتها عام 1718 ولكنه خسر المعركة مع القوى المحافظة بدعم الإنكشارية. حدث الأمر ذاته مع السلطان سليم الثالث الذي التفت إلى موضوع المالية وإصلاحها إلى جانب الإصلاح العسكري، ضمن ما أسمي بـ (النظام الجديد) ولكن المفتي والإنكشاريين خلعوه. أما السلطان محمود وإن كان قد بدأ بالتحديث العسكري من خلال قضائه المبرم والنهائي على الجيش الإنكشاري وإخضاع القوى الدينية لسلطانه، وكذلك توحيد القوة السياسية في المركز بعد انتزاع سلطة الأعيان والوجهاء في الأناضول والبلقان بشكل خاص، فإن طموحاته كانت تتعدى تأسيس جيش جديد على نمط جيش محمد علي الذي كاد أن ينهي الأمبراطورية العثمانية نفسها.
مع هذا لم تبدأ الإصلاحات الإدارية (المقصود أنظمة المقاطعات وإدارة المناطق) إلا متأخراً، ربما لأنها كانت أقل إلحاحاً، أو لأنها كانت تأتي بالتساوق مع الإصلاحات الأخرى. حتى إصلاحات (غولهانه) التي أعلنت في نوفمبر 1839 فإنها تطرقت إلى الإصلاحات العسكرية والإقتصادية والقضائية، أما الإصلاح الإداري فلم تأت على ذكره، وإن كانت كل هذه الإصلاحات تستدعي بعض الإصلاحات الإدارية.
من المعلوم أن الإصلاحات الإدارية، لم تأت إلا في أواخر العقد السابع من القرن التاسع عشر، وبالتحديد بين عام 1869 و1870، وكان تأثير النظام الفرنسي واضحاً للغاية على النخبة العثمانية في تلك الفترة من خلال ما سُنّ من قوانين. لقد جاءت الأنظمة العثمانية بالشكل المعمول به في فرنسا، فقسمت البلاد إلى مناطق Province، تحتوي على أكثر من سنجق County، ويتكون السنجق من عدد من الأقضية (جمع قضاء) District، والقضاء يتشكل من نواحي (جمع ناحية) Rural Community، وكل ناحية يتبعها عدد من القرى Village.
في عام 1871، عام الإستيلاء العثماني على الأحساء والقطيف، وبعد وصول مدحت باشا بنفسه إلى الأحساء والقطيف، وضع أسس نظام إداري جديد يتماشى مع ما خطط له المركز في استانبول. يقضي النظام تسمية المنطقة كلها باسم سنجق نجد، ولا نعلم في الحقيقة سبباً لهذه التسمية فحدود نجد معروفة جغرافياً وتاريخياً، ولكن من المحتمل أن الحملة العثمانية كانت تؤمل مواصلة سيرها لتسيطر على الداخل النجدي، وعاصمته الرياض، ولكنها لأسباب مختلفة مالية وعسكرية آثرت البقاء على الساحل حيث فرص التموين كافية.
اعتبر مدحت السنجق متصرفية تتبع لولاية بغداد، وقسّمه إلى ثلاثة أقضية/ مقاطعات هي: قضاء الهفوف جعله مركزاً للمتصرف، وقضاء القطيف مركزاً للإدارة المدنية يديره قائمقام معيّن، وقضاء قطر تحكمه السلطة التقليدية فيه من عائلة آل ثاني.
ولوحظ أن قائد الجيش العثماني في الأحساء والقطيف كان هو بذاته على رأس الإدارة المدنية، حيث تمّ تقليص دور السلطات المدنيّة في السنجق، وهذا الترتيب هو في الحقيقة انعكاس لما تمّ اتخاذه من إصلاحات، فقد وجد العثمانيون أن تشابكاً في الأدوار بين السلطات المدنية والعسكرية في المناطق المختلفة قد وقع وأدّى إلى بروز العديد من المشاكل والصدامات أثرت على طبيعة الإدارة الحكومية وضبطها. فاتخذ قراراً بتولي الإدارة شخصيات من ذوي الأصول العسكرية تمتلك قدرة إدارية بحيث تستطيع فرض سلطانها على حكومات المناطق المدنية إضافة إلى سلطتها على العسكر المتواجدين في الحاميات.
أول متصرف عيّنه مدحت باشا، هو نافذ باشا الذي قاد الحملة العسكرية، ثم تبعه عدّة ولاة كلّهم كانوا خريجي المدارس العسكرية ولهم خبرات إدارية. ومن المهم الإلتفات إلى حقيقة أن التعليم النظامي العثماني بدأ بغرض تأهيل العسكريين وتدريبهم على الفنون العسكرية والقتالية الحديثة واستيعاب ما استجدّ من أسلحة، ولذا كان المتعلمون وفق المناهج الحديثة (والتي شملت تعلّم اللغات الأجنبية) هم العسكريون حصراً، ولذا كان من الطبيعي خصوصاً في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أن يكونوا أدارة الدولة في كل المرافق الإقتصادية والسياسية. ولعل من الجدير الإشارة إلى ما أورده المبشر الأميركي بول هاريسون عن انطباعاته حول الموظفين الأتراك، فاعتبرهم أكثر ثقافة من نظرائهم الغربيين، وأكثر إجادة للغات الأجنبية الفرنسية والألمانية إضافة إلى العربية والتركية.
لم تكن السلطات المدنية مفصولة عن العسكرية، وأقرب نموذج إلى ذلك مدحت باشا نفسه، فهو عسكري ووال لبغداد، قبل أن يقود حملة الإصلاحات ويخلع عدداً من السلاطين العثمانيين. والقول بأن حكم العثمانيين عسكري، بالنظر إلى القيادة التي كانت تدير المناطق، صحيح بمفهوم الماضي لا الحاضر. فنحن اليوم وبصعوبة نكاد نميّز بين الحكم العسكري والمدني في دول عديدة من الشرق الأوسط. كثيرون هم العسكر الذي يحكمون وهم يرتدون الملابس المدنية، في حين أن الكثير من المدنيين يتزيّون بملابس العسكر، ويبزّونهم عنفاً وترويعاً لمواطنيهم. في الماضي لم تكن الأمور بهذا الوضوح، ولا بذلك الفصل القاطع بين ما هو مدني وعسكري، ولعلنا ندرك أن الطبقة السياسية الأولى الحاكمة في بلدان المشرق العربي بعد الإستقلال، هي طبقة عسكرية، تركية التعليم والثقافة، وإحدى ثمار التطور التعليمي في عهد السلطان عبد الحميد.
ما يهمنا هنا هو، أن نشير إلى أن النظام الإداري العثماني بمستواه المبسّط قد طبّق في الأحساء والقطيف، بل أن التراث العثماني (وإن لم يكن أصيلاً) بقيت له آثار واضحة يمكن تتبعها في نظام المقاطعات السعودي الذي أعلن عنه في عام 1992، والذي سار على نفس الخطى من حيث التقسيم وإلى حد ما من حيث المهمات.
الأمر الآخر الذي يجدر ذكره، هو أن مدحت باشا، وبين كل السياسيين العثمانيين المخضرمين، كان يعتقد بأن الإصلاح يتطلب قدراً من اللامركزية، بل كان الوحيد الذي يعتقد بأن النظام الفيدرالي هو الأنسب للإمبراطورية العثمانية وهو الوحيد القادر على أن يقف سدّاً أمام النزعات الإنفصالية خاصة في ممتلكات الأمبراطورية في أوروبا (البلقان، اليونان، هنغاريا، رومانيا، وغيرها). ولكن آراءه قوبلت بالرفض، إذ كان يُنظر إلى الفيدرالية كمحفز نحو الإنفصال، وليس كمانع له، وهو رأي محتمل الوقوع، ولكن مما لا شك فيه أن المناطق آنفة الذكر، كانت من أول المناطق التي استقلت بالسلاح عن العثمانيين، وقد تسارع الأمر في تفكيك الأمبراطورية، حينما تبنى قادة انقلاب عام 1908، بعد خلع عبد الحميد تعزيز النزعة التركية في بلد متعدد الثقافة والأعراق والأديان، فانقلبت الموازين ضدّهم، وأنهت ما تبقى لديهم من مواقع في أوروبا والشرق الأوسط.
اللامركزية لم تكن خياراً محبّذاً لدى الباب العالي، وقد جاءت الإصلاحات العثمانية لتزيد من حدة الاستقطاب باتجاه المركز، فالإتصالات والمواصلات التي تسارعت تقنياتها، جعلت المركزية الخيار المتوائم مع نزعات السيطرة، حيث صار بالإمكان استعلام ما يجري عبر التلغراف، وإيصال الجنود عبر البحر أو عبر السكك الحديدية. وفي الأحساء والقطيف، لم تكن حدّة الإستقطاب نحو المركز قويّة، لضعف البنية التحتية، ولكن مع وصول البريد والتلغراف، صار التعاطي مع المركز مباشرة أو مع ولاية بغداد سريعاً فقدت فيه المتصرفية المحلية بعضاً من سلطاتها. وفي الحقيقة، كان لدى المتصرفين في السنجق، وكذلك لدى القائمقامين في القطيف وقطر سلطات كبيرة، ولكنهم لم يستثمروها في تجاوز المشاكل والإضطرابات المتزايدة.
الأمر الآخر المتعلق بالإدارة المحلية، هو أن فترة الحكم العثماني الثاني شهدت انتعاشاً غير عادي لسلطة الأعيان والوجهاء، لا بشكل يتوازى مع سلطة العثمانيين، بل ضمنها، حيث تم استيعابها ضمن النظام المناطقي المعمول به آنئذ. ولا شك أن ذلك الترتيب قد آتى الكثير من الثمار والفوائد لمختلف الأطراف، بل كان حلاً إبداعياً في زمن لم يشهد سوى الإنحسار والفوضى. اقتضى النظام إشراك الوجهاء في الإدارة، عبر مجالس المناطق والنواحي، بحيث لا يقرر القائمقام أو المتصرّق الأمور بمعزل عن الرأي العام، ورأي ذوي الخبرة. ميزة النظام العثماني أنه استطاع استيعاب ما يعتبر نخباً محليّة من عمد ورجال دين وتجار، بحيث لم تعد تشكل خطراً انشقاقياً يشعل السخط العام، في وقت لم تكن لدى السلطة في المركز وفي الأطراف القدرة أو الرغبة في الإصطدام بالقوى المحلية، وقد أدرك السياسيون العثمانيون أن من الأفضل القبول بالسيادة كاملة وإن تقاسم معهم الآخرون السلطة، إلى حد ما.
ومن هذا المنظار، يمكن تفهّم التغيير السريع في الولاة المحليين في المنطقة بسبب الشكاوى التي يتقدم بها الأعيان والمواطنون فالقضية، خاصة في عهد السلطان عبد الحميد، هي أن رضا العامة أصبح منهجاً، وسياسة التراضي والمصالحة التي جربت في الشام وغيرها آتت ثمارها، وخففت من أعباء المركز. أيضاً فإن اللافت للنظر، هو أن القوى المحلية من وجهاء وغيرهم، كانوا يشعرون بأنهم على أرض صلبة، وأن كلمتهم أو رأيهم واعتراضهم يلقى أذاناً صاغية إلى حد ما، فإذا لم تفلح البصرة أو بغداد في إيجاد الحل، عاد الأمر إلى استانبول، وغالباً ما يأتي الحل وفق ما يبتغيه الناس.
وللحق، فإن الشخصية الكارزمية للسلطان عبد الحميد الذي حكم منذ العام 1878، منعت من تمدد السخط ضد الولاة أو الموظفين المحليين إلى أصل الوجود العثماني والسلطان نفسه. بمعنى أن الإعتراض بقي في حدوده الدنيا، وصار لدى الناس القدرة على التمييز بين سياسة المركز والسياسة المحلية. وهذا أدّى بدوره إلى تشجع المواطنين على الإعتراض وإلى غل يد الموظفين من ذوي النزعات العنفية، حيث لم تشهد المنطقة صراعاً حاداً، وإن أكثر ما وجد هو هجمات القبائل على المدن والقرى والقوافل التجارية، ولهذه الأحداث دوافعها التي لا تتعلق فحسب بسياسة الموظفين العثمانيين في الأحساء والقطيف، بقدر ما تتعلق ببنية القبيلة وعقليتها وطبيعة تصرفاتها. ومن الملاحظ جلياً، أن حجم الاعتراض عبر الرسائل والبرقيات كان كثيراً، حتى في الشؤون الصغيرة التافهة، ويبدو لي أن الحجم لا يعكس درجة السخط بقدر ما يعكس قدرة المركز على الامتصاص. وإلا فإن كثيراً من الحكومات لا تتلقى شكاوى ولكن ذلك لا يعني عدم وجودها، لأن المواطنين ليست لديهم القدرة في الأساس على الاعتراض.
التغييرات الاقتصادية
أمران هامان غيّرا النظرة العثمانية إلى المنطقة (الأحساء والقطيف) حدثا مع تولي السلطان عبد الحميد الثاني الحكم، أولهما: أن مفهوم وظيفة الدولة قد تغيّر، من توفير الأمن والاستقرار وجباية الضرائب، أي اعتمادها على ما يدفعه الناس، إلى شموله أن الدولة يجب أن توفر في المقابل إضافة إلى الأمن والاستقرار، قدراً من الخدمات، كالتعليم والصحة والاتصالات والخدمات البلدية وما أشبه. ومع أن العثمانيين قد بدأوا بشكل واضح بتوفير مثل هذه الخدمات منذ العقد الرابع في القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً، إلا أن آثارها لم تكن ملاحظة إلا في المدن الكبيرة والمناطق المهمة. وباعتبار أن الأحساء والقطيف قد دخلتا متأخرتين تحت عباءة الحكم العثماني، فإن ما شملهما كان قليلاً من الخدمات، ولكنها أعطت إشارات واضحة لما ينبغي على الدولة أن تقوم به.
وثانيهما: أنه منذ العام 1881م، تشكلت إدارة جديدة للتحصيل الضريبي، غيّرت من مجرى الاقتصاد العثماني جذرياً، وجعلته أكثر ترفعاً وإلحاحاً في التعسف الضريبي، وأيضاً إلى تقلّص اهتمامهم الإقتصادي بمنطقتي الأحساء والقطيف، بسبب ضآلة ما تشكلانه من مدخولات لخزينة الدولة.
كان الهدف الأساس من احتلال واحتي الأحساء والقطيف، إعادة النفوذ العثماني إلى المناطق التي تخلّى عنها سابقاً، وقد كان الرأي السائد بين الموظفين العثمانيين، أن الحكومة الإمبراطورية قادرة أن تعيد بعضاً من نفوذها، خاصة في المواقع الإستراتيجية بكلمة أخرى، لم يكن هدف العثمانيين من احتلال المنطقة اقتصادي، وقد كان بقاؤهم في الإقليم مكلفاً أكثر مما كان مجلباً لمنفعة اقتصادية صرفة.
ومن هنا، فإن الضرائب بشكل مجمل لم تكن ثقيلة الحمل، وإن كان بعض المتصرفين والمنتفعين من حولهم قد أساؤوا في بعض الأحيان التصرّف لمنفعة شخصية بحتة، وليس بأوامر من السلطات العليا.
بادر العثمانيون فور وصولهم إلى المنطقة بتغيير النظام الضريبي القائم في أكثره على العرب، فأبطلوا الضرائب الزائدة عن الحدّ الشرعي والمتعلقة في أكثرها بالزراعة، وأعيدت بعض الأراضي المغتصبة إلى ملاكها السابقين، وبقيت مساحات كبيرة من بساتين النخيل ـ مجهولة المالك ـ في يد الدولة تديرها عبر إدارة خاصة (الدائرة السنية) حيث تؤجّرها على بعض المزارعين، ويعود ريعها إلى خزينة الدولة. ولكن تكون الفكرة واضحة يجدر ملاحظة المنشور الثاني الذي وزّعه مدحت بعد وصوله إلى الأحساء، حيث جاء فيه: (قد أسقطنا الرسومات التي تؤخذ من الأهالي باسم الجهاد وخدمات المأمورين على تحصيل الزكاة، والزيادة في الخرص المخالف للأحكام الشرعية، ومراد الدولة العلية ترقية أحوال التبعة وزيادة ثروتهم، وأمرنا بإلغائها وعدم أخذها، ونبهنا المأمورين بعد تحليفهم على عدم الزيادة على الواجب الشرعي، والذي يتبيّن منه أنه إرتكب ذلك فقد أوعدناه بالمجازاة الشديدة).
إن المشاكل التي تعرض لها المنشور، تكاد تكون نفسها التي واجهها العثمانيون في كل المناطق الأخرى التي كانت تحت إدارتهم، بما في ذلك الأناضول، فقد كانت طريقة الجباية للضرائب سيئة، ومتعسفة، الأمر الذي أدّى ليس إلى زيادة خزينة الدولة كما يمكن أن يتصور بل إلى تقلصها لأسباب عديدة لاحظها السياسيون العثمانيون. ذلك أن الزيادة في الخرص، والتعسف في الجباية، أدّيا إلى خراب الكثير من الأراضي الزراعية وهجرة أهلها إلى المدن، مما سبب كوارث عديدة، وكذلك أتاح النظام الضرائبي العثماني قبل الإصلاحات فرصاً للإثراء غير المشروع على حساب الدولة. ولذا كان من أهم مبادرات الإصلاح العثماني، زيادة المداخيل عبر نهج مختلف بحيث تتمكن الدولة من تلبية احتياجاتها خاصة العسكرية منها.
الذي حدث هو أن بيان خط شريف غولهانه، انتقد النظام الضرائبي القائم والذي كان يحمل مسمّى (إلتزام Iltizam) الذي كان يعطي اليد الطولى لمتعهدي الضرائب في تقرير حجم الضريبة، والذي أدّى فيما بعد إلى إفساد النظام الضريبي بمجمله، واستبدل بأن يقوم مأمورو الدولة أنفسهم بالجباية يرسلون من المركز، وقد سمّوا بـ(المحصلين Muhassils). والحل الذي وعدت به إصلاحات غولهانه تضمن فيما تضمن أن تكون الضريبة متناسبة مع الثروة والأدوات، وأنه يجب أن لا يتعرض الفلاحون إلى التعسف، كما ودعت الإصلاحات بتخفيض حجم الضرائب على الأراضي وغيرها. لكن هذه الإصلاحات واجهت صعوبات في سنيّها الأولى، فالتحول من نظام إلى آخر، أدّى إلى المزيد من التدهور في الأوضاع، وقد أصبح النظامان قائمان لم يلغ أحدهما الآخر، وكانت النتيجة أن تمت العودة إلى النظام القديم، ضمن وضع أقل سوءً مما كان عليه.
من الأمور المؤسفة، أن الأوضاع الإقتصادية العثمانية تدهورت بسبب الحروب، وانتشرت المجاعة في الأناضول بين عامي 1873 ـ 1874، وزاد الأمر سوءً الفياضانات من جهة وكذلك الجفاف، وانتهى الأمر بالإعتماد أكثر على القروض الأجنبية، في وقت تصاعدت فيه حدة الإضطرابات بسبب تدهور الأحوال. لم يأت الحل إلا متأخراً في عهد عبد الحميد الثاني، فيما عرف بإعلان محرم 1881، حيث شكل تحت الضغط الغربي إدارة لحل مشكلة الديون (PDA- Public Debt Administration) أعطى بموجبه الأوروبيين لكونهم (دائنين) يداً طولى في استيفاء الضرائب، وقد نجحت تلك الإدارة في تدريب الموظفين واستيفاء عائدات كبيرة دون أن تسبب أزمة أو فساداً. ولهذا لم يعاني عهد عبد الحميد من أي أزمة اقتصادية، أو تقع دولته فريسة الإفلاس، بل كان يجد على الدوام المال الكافي لمشاريعه الطموحة في الاتصالات والمواصلات والمنشآت العسكرية، رغم أن عدد السكان زاد في عهده بأكثر من الثلث، كما لم تقع في عهده مجاعات أو كوارث طبيعية أو حروب أو أوبئة كانت في الغالب تأتي على مئات الألوف من السكان، وترهق الباقين بالمزيد من الضرائب.
من هنا لم تكن سلطة عبد الحميد بحاجة كبيرة إلى مدخولات الأحساء والقطيف، فهي من الضآلة بمكان لا يمكنها أن تثير معه أي رغبة في الإلحاح عليها. أيضاً تنبغي الإشارة إلى أن مجال عمل إدارة الديون لم يشمل في حقيقة الأمر منطقة الأحساء والقطيف، اللهم إلاّ في شأن تحديد حجم الضريبة على البضائع القادمة من الهند، وهذا التحديد إمبراطوري، بمعنى أنه يستند إلى نظام مكتوب هو النظام التجاري الذي بدء العمل به سنة 1856. أما رجال الضرائب فقد كانوا أبناء المنطقة أنفسهم (ابن فارس وابن أخوان وغيرهما في القطيف)… وإذا كان هناك من تعدّ، فإنه بالقطع لم يكن سياسة عامة، بل تعديات من الموظفين الكبار الذي كانوا قادرين في أغلب الأحيان على تغيير القائمقام في القطيف، وأحياناً المتصرف نفسه في الهفوف، والأمثلة عديدة ليس هنا مجال ذكرها.
ما كان يأمله العثمانيون هو أن تتمكن واحتا الأحساء والقطيف، بعد أن يعود إليهما الأمن والاستقرار، من توفير دخل يغطي رواتب الجند وعددهم جدّ محدود بالمئات، خاصة في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية. ورغم هذا لم يغط المدخول في معظم السنوات الثلاثين (1871 ـ 1913؟) حجم النفقات، لا لأن الأخيرة كانت كثيرة بل لأن الضرائب كانت محدودة للغاية، وكانت السلطة المركزية قادرة إلى عام 1908 على الأقل على تغطية العجز.
تشير مذكرات مدحت باشا إلى أن إيرادات منطقة الأحساء والقطيف في بداية استيلاء العثمانيين عليها، كانت تكفي مرتبات الموظفين والعساكر والضباط، ويبقى منها جانب لخزينة الدولة، لكن بعد عودته إلى بغداد عاد خلفاؤه إلى نهجهم القديم فأحدثوا رسوماً جمركية إضافية واثقلوا كاهل المواطنين بالضرائب، مما أدّى إلى استيائهم وطرد موظفي الحكومة، وحين عادوا أصلحوا شيئاً مما أفسدوه وأبقوا الضرائب ضمن حدود ما وعد به منشور مدحت المذكور أعلاه (يوسف كمال حتاتة، مذكرات مدحت باشا، ص 182).
أدّت الإصلاحات العثمانية إلى إلغاء بعض الضرائب وتعديل بعضها واستحداث جديد منها، وكان لها كلها صدى واثر واضح على الوضع الاقتصادي في المنطقة حتى بعد رحيل العثمانيين منها بزمن طويل. فعلى سبيل المثال كانت هناك ضريبة رمزية على سفن الغوص قدرها نصف ليرة تركية عن كل سفينة صيد مهما بلغ حجمها، وقد بقيت هذه الضريبة فيما بعد ولكنها كانت أكبر بكثير مما كانت عليه في العهد العثماني، ولم تنته إلا بانهيار تجارة صيد اللؤلؤ في بداية الثلاثينات الميلادية. أيضاً كانت هناك ضريبة على الأغنام Sheep Tax تمَّ في عام 1856م تعديلها لتشمل كل الحيوانات، ويحتمل أن تكون تلك الضريبة موازية للزكاة الشرعية، مع ملاحظة أنه لا توجد إشارات بشأن زكاة الأنعام في المنطقة، ربما لعدم توافر نصابها بين الأهالي المقيمين، أما جباية الزكاة من البدو فقد كانت صعبة، ولا يبدو أن العثمانيين كان بإمكانهم فرضها عليهم… جلّ ما استطاعوه هو فرض رسم ضئيل عن حمل كل بعير يأتي في البادية بغرض بيع المنتجات في أسواق الحضر.
هناك ضريبة أخرى تتعلق بالخدمة العسكرية وقد كانت تسمى قبل الإصلاحات ضريبة الرأس (Pull Tax) وهي تخصّ غير المسلمين مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية. وحين جاءت إصلاحات غولهانه كان أول نتائجها إلغاء هذه الضريبة، واستبدالها بضريبة تحمل عنواناً آخر وهو البدل العسكري Bedeli Askeri، والسبب في إلغائها مهم، وهو أن الإصلاحات كانت تستهدف خلق (هوية وطنيّة عثمانية) تجمع الأعراق والأديان المختلفة، ولا يمكن أن تخلق هذه الهوية على أسس التمييز الطائفي أو الديني أو المناطقي، خاصة بالنسبة لإمبراطورية كان المسيحيون يشكلون ثلث سكانها. لذا كان التغيير جوهرياً وليس في الشكل فحسب، فضريبة البدل العسكري لم تشمل المسيحيين بل المسلمين أيضاً ممن لا يرون الخدمة وبإمكانهم دفع ما يوازيها مالاً، وصار بإمكان المسيحيين أن يخدموا في الجيش شأنهم شأن الآخرين، وكذلك في مؤسسات الدولة الأخرى، حيث تصاعدت أعدادهم بشكل كبير في العقود الأربعة الأخيرة من عمر الإمبراطورية.
تجدر الإشارة إلى أن ضريبة البدل العسكري لم تفرض على سكان المنطقة، شأنها شأن التجنيد الإلزامي. ويبدو أن هناك أسباباً مختلفة وراء هذا الأمر. فرغم أن إصلاحات غولهانه أكدت على ضرورة التجنيد من مختلف المناطق، وعلى أن تكون هناك مدة محددة للخدمة (4 ـ 5 سنوات) إلا أن أثر ذلك لم يكن واضحاً في الأحساء والقطيف، على عكس ما كان في العراق أو الشام مثلاً. لعل الكثافة السكانية الضئيلة في المنطقة، وموقعها الجغرافي المتقدم في الخليج في مواجهة النفوذ البريطاني، إضافة إلى عدم الحاجة للجند بسبب تضاؤل الحروب في عهد السلطان عبد الحميد الثاني كانت من بين الدوافع وراء إهمال موضوع الخدمة العسكرية ومتعلقاتها الضريبية.
بيد أن أثرالتغييرات العثمانية استمر إلى الثلاثينيات الميلادية، فقد عادت ضريبة الرأس (الروسيّة) أو الجهادية) وكذلك ضريبة الأغنام بيعاً وشراءً، وكذلك ضريبة الأسماك (السماكية) إضافة إلى الزكوات ورسوم الموانىء التي وصلت إلى 10% بعد أن كانت 5%.
يبقى أن نشير أخيراً، إلى أن الدولة العثمانية خاصة في عهد السلطان عبد الحميد عنيت بتقديم خدماتها إلى المواطنين في مجالات مختلفة. ومعلوم أن عهد عبد الحميد كان يعد بحق عهد الثورة الثقافية، حيث انتشرت في عهده الصحف والمجلات المختلفة بكل اللغات وفي كل المناطق كالعراق والشام والحجاز وغيرها، وكان المشاركون فيها نساءً ورجالاً، بل وجدت مجالات متخصصة أيضاً. ورغم أن المنطقة لم تصدر منها أية صحيفة أو مجلة، لكنها كانت متابعاً متأثراً لما ينشر، خاصة بين النخب الدينية والتجارية، وهناك إشارات كثيرة على تداول الصحف والمجلات، حتى المعارض منها الذي كان يطبع في باريس ولندن من قبل المعارضة العثمانية. للإشارة فحسب، نذكر أنه حين أراد طالب النقيب متصرف الأحساء الإيقاع بمنصور بن جمعة من خلال وضع صحف معارضة (الخلافة) في منزله ليتهمه بالعداء للدولة وليصادر أمواله.
إنتشار التعليم كان هو الآخر سمة من سمات العهد الحميدي، فبعد أن كانت المدارس النظامية شبه مخصصة لتأهيل الكادر البيروقراطي والعسكري للدولة، أخذت الدولة على عاتقها بناء مدارس للمواطنين في كل المدن الكبيرة في الإمبراطورية، ومن المدهش حقاً أن أول مدرسة نظامية أسسها العثمانيون في المنطقة كانت في الهفوف عام 1902م/1319هـ، وقد بنيت على طراز معماري بديع، ويقول الشيخ الجاسر: أن السلطات اختارت لها موقعاً متوسطاً في حي الكوت وبنتها على طراز حسن يليق بها كمدرسة حيث كانت منعزلة من جميع جهاتها عن البنيان وكان يحيط بها فناء واسع أعد لمزاولة التمارين الرياضية. وكانت المواد التعليمية تشمل اللغة العربية والرياضيات والتاريخ، إضافة إلى اللغة التركية (انظر الحياة العلمية والثقافية والفكرية في المنطقة الشرقية، للدكتور عبدالله ناصر السبيعي، ط1، 1987، ص 46). وأشار المبشر المسيحي زويمر الذي زار المنطقة عام 1900م، في كتابه: الجزيرة العربية مهد الإسلام (الواحة العدد الأول، ص 61 ـ 70) أشار إلى وجود ثلاث مدارس، حين قال: (افتتحت الحكومة التركية ثلاث مدارس في المنطقة، وطبقاً للتقرير التركي الرسمي، فإن مجموع عدد التلاميذ هو 3540 تلميذاً، إلا أن التقرير ذاته يقول بأن العدد الإجمالي للسكان هو ربع مليون نسمة). إن هذا كلّه يشير إلى حقيقة أن التعليم النظامي جاء إلى المنطقة على يد العثمانيين مبكراً قبل أي موقع خليجي آخر، وقد استمرت المدارس العثمانية بالعمل حتى زوال مواقعهم عام 1913، 1331هـ، ولم تؤسس أية مدارس حكومية إلا في العام 1356هـ.
ومن الملاحظ أيضاً، أن السلطات العثمانية في أواخر عهدها، بدأت بإيلاء عناية خاصة بأبناء الطبقات الحاكمة والأعيان بغرض تأهيلهم لتولي المناصب الإدارية في المناطق، واستحدثت من أجل ذلك مدارس خاصة في العاصمة إستنبول، على غرار ما كانت تفعله عدة من الدول الأوروبية، وقد كان ـ على سبيل المثال ـ ابن منصور بن جمعة (عبد العلي) واحداً من أولئك الذين تعلموا في تلك المدارس الخاصة. وتشير بعض الدراسات، إلى أن السلطان عبد الحميد الثاني كان حريصاً في العناية واو الأهتمام بهم، خاصة وأنهم ينتمون إلى بيئات ومدارس فكرية مختلفة، وقد اعتاد على استقبالهم في قصره، وفي كثير من الأحيان يمضي هؤلاء هم ومن معهم أشهراً عديدة.
يضاف إلى هذا كلّه، عرفت المنطقة في العهد الحميدي خدمات البلدية والبريد والتلغراف فقد أسس العثمانيون عام 1902 بلدية في الأحساء وعيّنوا وجيهاً على رأسها، وبطلب من الأعيان تمّ ترئيس محمد أحمد الشعيبي الذي استمرت رئاسته لها حتى عام 1913. أيضاً أسس العثمانيون بلدية في القطيف على نفس الأسس ولتؤدي نفس المهام.
أما مكاتب البريد فقد كانت متعددة في الجبيل والقطيف والهفوف، وكان مأمورو البريد يرسلون الرسائل إلى مختلف أصقاع الأمبراطورية كل أسبوع أو أسبوعين، حسب حركة السفن المتنقلة بين البصرة من جهة والعقير والقطيف من جهة أخرى.
وبشأن الإصلاحات العثمانية الأخرى، كالإصلاح القضائي وغيره، فلم تنعكس على المنطقة، لخصوصيتها المحليّة وطبيعة مؤسساتها البسيطة وثقافتها السياسية المتواضعة، فاعتمد العرف إلى جانب الشرع، وكان العثمانيون يعيّنون بادىء الأمر قضاة من عندهم، ثم ما لبثوا أن اعتمدوا القضاة المحليين المختارين من قبل الناس أنفسهم، سنّة كانوا أم شيعة. ولا ننس أن الإصلاح العثماني اعتمد على احترام خصوصية المناطق الدينية والمذهبية، ضمن ما عرف بالنظام (الملي) ثم جاءت (العثمنة) كي تضع لكل مذهب أو طائفة دينية تمثيلاً في أجهزة الدولة، بحيث يدير المواطنون شؤونهم بأنفسهم تعليمياً وقضائياً وغير ذلك، وكان همّ السلطات العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل، منحصراً في استيعاب الإختلاف مع احترام حرية التعبير الديني والتأكيد على المساواة في المواطنة، حتى لا تثار النزعات القومية الإنفصالية عن السلطنة. ومن هنا نلحظ وبصورة مثيرة، ذلك الإحترام الشديد بين علماء الشيعة في المنطقة وكذلك علماء الشيعة في العراق وإيران للسلطان عبد الحميد، الذي حاول الكثير من الطائفيين جره إلى معارك طائفية مع مواطنيه، ولكنه كان حريصاً على توحيد الصف الديني الداخلي لحماية الإمبراطورية، ضمن سياسة الجامعة الإسلامية التي تبنّاها في الجوهر. من اللافت حقاً كثرة المديح شعراً ونثراً للسلطان، ويحوي كتاب (شعر هجر) العديد من القصائد، كما أن شعراء الشيعة (انظر مثلاً شعر الزهيري) الذين عادة لا يخوضون في مديح الحكومات، امتدحوا العثمانيين والسلطان عبد الحميد بالخصوص.
محمد علي العولة
أحسن القصص
للمؤرخ السندي أحمد بن نصر الله التتوي المعروف بقاضي زاده. وهو مختصر لكتابه الكبير المسمى بالألفي الذي ألفه للملك الهندي محمد أكبر المتوفى (1014هـ). وقد ذكر في أول (أحسن القصص) أنه لما ألف تاريخ ألفي ورأى استطالته اكتفى منه بمعظم التواريخ والسير وسمّاه (أحسن القصص).
توجد منه نسخة خطية في مكتبة السيد صادق كمونة في النجف لعلها ترجع إلى عصر المؤلف. وتوجد نسخة أخرى في المكتبة الرضوية بمشهد (خراسان) أحدث كتابة من الأولى.
إحصاء العلوم
كتاب لأبي نصر الفارابي (259 ـ 339هـ، 872 ـ 950م) يعتبر من أوائل الموسوعات العامة بين المؤلفات العربية التي كتبت للتعريف بموضوع وفروع العلوم وأغراضها من عقلية وطبيعية وإنسانية.
وقد ترجم هذا الكتاب خلال القرون الوسطى إلى اللاتينية كما ترجم إلى العبرية. وقد قام بإحدى الترجمتين اللاتينيتين غوندسل في (القرن الثاني عشر) ونشرت في باريس سنة 1638م. وقام بالثانية جيرار الكريموني (1114م ـ 1187م) ولم تنشر إلا سنة 1932م.
وعدا النسخة العربية المخطوطة المحفوظة في الأسكوريال والتي يمكن تحديد تاريخها بسنة 1310م فإن الشيخ محمد رضا الشبيبي عثر على مخطوطة أخرى في النجف يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر الميلادي فنشرها في مجلة العرفان. ثم عرفت نسخ أخرى مخطوطة في القاهرة ودار العلوم في لكنو في مكتبة شيخ الإسلام الزنجاني.
وقد نشرت في مصر طبعة عربية لإحصاء العلوم، ثم أعيد نشرها مرة ثانية.
قال الفارابي في مقدمة إحصاء العلوم: «قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علماً علماً ونعرف جلّ ما يشتمل عليه كل واحد من أجزائه…».
مفهوم العلم السياسي
في كتاب إحصاء العلوم
وهو بحث كتبه… بيونغ جو وترجم إلى الفارسية، وعنها هذه الترجمة العربية:
1 ـ المقدمة: بدأ الإنحطاط السياسي في الخلافة العباسية في النصف الثاني للقرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وبعد ذلك فقد المسلمون اتحادهم ووحدتهم في جميع بلاده وانقسمت الدولة إلى دويلات وملوك طوائف وقبائل. على أنه في هذه الفترة بلغ الفكر الإسلامي أعلى مراحل تفتحه (م.م. شريف: تاريخ الفلسفة في الإسلام).
في هذه الظروف بدأ الحكماء المسلمون المعروفون بالفلاسفة([534])، يفكرون بأن المعرفة اليونانية وأهدافها العامة يمكن مطابقتها مع الإسلام. وكانت هذه الأفكار تمثل حقيقة جديدة في المجتمع الإسلامي لإيجاد مجتمع يتناسب مع الأهداف الفلسفية. وكانت هذه المجموعة من الفلاسفة والمفكرين تشمل الفارابي (339هـ أو 950م) وابن سينا ( 370-427هـ أو980- 1037م) وابن باجة (533هـ أو 1138م) الذين أوجدوا نسيماً للفلسفة السياسية الأفلاطونية الجديدة ودمجوها مع المبادىء الدينية. مع وجود فوارق بينهم.
ويعتبر الفارابي من أشهر الأسماء في هذا المجال حيث اطلع على الأفكار المركّزة العميقة التي تقبل الجدل. وكان قد التحق ببلاط سيف الدولة الحمداني في حلب ثم توفي في دمشق في سن الثمانين.
وللفارابي خصوصيات في مجال الأفكار السياسية ويعتبر المعلم الثاني بعد أرسطو الموصوف بالمعلم الأول. كما يعرف بأنه أول حكيم وفيلسوف إسلامي في عالم الإسلام وبعبارة أخرى فإن الفارابي هو أول حكيم سياسي إسلامي تحدث عن التناقض بين الفلسفة والوحي واقترح حلولاً لهذا التناقض.
ويناقش الفارابي بكل دقة وأمانة القضايا المتعلقة بالارتباط بين الفلسفة والقوانين الإنسانية أو بين قادة الفكر والحكمة والوحي والنبوة والإمامة ويُعتَقد بأن الفارابي يحدد مكانة العلم السياسي (المدني) في مدينة المجتمع وعالم المعمورة.
وهذه الأمور تمّ بحثها بالتفصيل في المؤلفات السياسية للفارابي أمثال إحصاء العلوم وتحصيل السعادة والمدينة الفاضلة والسياسة المدنية وكتاب الملة وغيرها.
ويوضّح الفارابي لا سيما في كتاب (إحصاء العلوم) مفهوم العلم المدني وهذه التوضيحات تلاحظ في كتاب الملّة وتحصيل السعادة أيضاً.
ومن المحتمل أن الهيكل الأصلي لهذه المؤلفات تعكس بصورة عامة المقدمات الأولية التكوينية لأفكاره السياسية.
إن الهدف من هذا البحث في هذ الإطار هو الإدراك الكامل لمفهوم العلم المدني لدى الفارابي ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف سنقوم بتحليل أفكاره السياسية ودراستها من خلال كتابه (إحصاء العلوم).
2 ـ مجالات الفهم للاصطلاحات السياسية
بصورة عامة وعلى أساس مفاهيم ورؤى (ليوشتيراوس) فإنه يجب أولاً أن ندرس ونبحث المفاهيم العامة للاصطلاحات السياسية مثل الفلسفة السياسية والنظرية السياسية والعلم السياسي والسياسة وغيرها لكي نتعرّف بشكل دقيق أكثر على المفاهيم والرؤى الكلية للفارابي بالنسبة للقضايا السياسية.
فالفلسفة السياسية تعطي توضيحات عامة لكي تجيب على القضايا العامة لتنظيمات المجتمع، كما توضح المفاهيم والنظريات الخاصة بالفكر السياسي أو النظرية السياسية. وعلى هذا فإن مفهوم العدالة يمكن أن يُقبل بصورة عامة من قبل الفكر والنشاط السياسي المتبع. ويبدو أن (شتراوس) يعرّف (الفلسفة السياسية) بأنها الجهد المبذول من أجل معرفة ماهية الشؤون السياسية والأنظمة السياسية حيث يعرّف أيضاً الفلسفة السياسية بالشكل التالي:
«الفلسفة السياسية هي بذل الجهد الواعي والمنسجم بحيث يجعل المبادىء السياسية بديلاً عن العقائد المرتبطة بها» (1959 شتراوس) وكذلك يقول: «الفلسفة يجب أن تكون واضحة وواعية مصحوبة بتدقيق الذهن بين الاختلاف السياسي وبين العقيدة والعلم» وعلى ذلك فإن التدقيق في الحقيقة هو أهم شيء عند الفيلسوف السياسي والمناقشة المنظمة هي الأسلوب الأساسي للفلسفة السياسية.
ويؤكد ليوشتراوس على الفلسفة الكلاسيكية ويقول: إننا عندما نعتبر فلسفة أفلاطون وأرسطو، فلسفة كلاسيكية نقصد بذلك الشكل الكلاسيكي للفلسفة السياسية. وعلى هذا فإن فلسفتهم السياسية هي فلسفة عامة تشمل النظرية السياسية والمهارة السياسية. وإن خصوصيات الفلسفة السياسية تظهر بكل وضوح في قوانين أفلاطون التي تمثل أبرز تأليف سياسي لأفلاطون.
ويمكن اعتبار الفكر السياسي هو ذلك الفكر الذي يشمل النظريات والقيم التي تضم السياسة والعمل السياسي وتحتوي على النظريات التي يمر فيها المجتمع في تنظيماته ويُبذل الجهد لتحقيقها وعن طريق تنفيذها يتم الحكم والسيطرة على الأجهزة الحاكمة في المجتمع والمنفذة لها.
ويقول شتراوس أيضاً: «إن استنباطنا من الفكر السياسي هو التدقيق والتأمل في القيم والنظريات السياسية وتحليلها وان استنباطنا من وجهات النظر السياسية يمكن أن يكون أي تصور أو مفهوم ذهني أو تصوّر عام، حيث أن له أهمية كبيرة من الناحية السياسية، أو أي شيء يدعو الذهن إلى التأمل السياسي حول المبادىء السياسية».
ويضيف شتراوس: «وعلى هذا فإن أي فلسفة سياسية هي فكر سياسي ولكن ليس كل فكر سياسي هو فلسفة سياسية» وبهذا المعنى فإن الفكر السياسي واحد في التمييز بين العلم والعقيدة والمفكر السياسي الذي ليس فيلسوفاً هو بالأصل مرتبط بمجموعة أو سياسة خاصة والفكر السياسي الذي ليس فلسفة سياسية، نجده يطرح قوانينه وأحكامه في الشعر والقصة والبيانات السياسية والخطابات العامة.
وكما يقول شتراوس فإننا يمكننا القول بأن استنباط أغلب الناس من النظرية السياسية هو التأمل الكلي اليومي للأوضاع والأحوال السياسية التي في النهاية تكون موضع قبول للمبادىء المطروحة في العقائد والمعتقدات العامة لدى الناس أو لدى مجموعة كبيرة منهم. وبعبارة أخرى فإن عامة الشعب يقبلون بالمبادىء بدون أية تساؤلات وكذلك يمكن القول بأن النظرية السياسية هي بذل الجهد من أجل توحيد الحقائق العملية لردود فعل الإنسان السياسية مع الحقائق الأخلاقية المطلوبة من وجهة النظر السياسية ومع الأخذ بنظر الاعتبار طبيعية الإنسان السياسية.
من جهة أخرى فإن العلوم السياسية موضوع مستقل في الجامعات باعتباره فرع من الفروع العلمية في الجامعة وتتضمن النظرية السياسية والفلسفة السياسية والاقتصاد السياسي وموضوعات سياسية أخرى.
وفي الحقيقة فإن علم السياسة هو ذلك العلم الذي يقوم بدراسة ماهية توزيع القدرة والذي يستعمل في المستوى الوطني والدولي وأحياناً في مجالات محدودة أخرى، حيث يقول ليوشتراوس: إن العلم السياسي هو اصطلاح مبهم ويشير إلى التجارب والطروحات المنفذة في الشؤون السياسية حيث أن قيمة ذلك العلم تمثلها وتحددها العلوم الطبيعية ويبدو ذلك تماماً عندما بدأ توجّه الناس إلى الدراسة والتحقيق والتجربة العلمية في المختبرات في تقصّي حقائق العلوم الطبيعية وكذلك فإن العلم السياسي سيبدأ عندما تتوفر الأرضية للفلسفة السيايسة عن طريق الدراسة العلمية.
وكمثال على ذلك فإننا نجد رجلاً سياسياً على رأس حكومة ما يتمتع بصورة كاملة بالعلم السياسي والفهم السياسي والعقل السياسي وأبعد من ذلك بميزان المهارة السياسية، أي أن العلم السياسي بمفهومه الأساسي هو كلمة الفلسفة السياسية.
بكلمة أخرى فإن السياسة هي بمنزلة فنّ إدارة البلاد وتوحيد المصالح المختلفة والمتعددة في داخل حكومة واحدة.
إن هذا المفهوم والنظرية السياسية حول الاعتراف بتوحيد المصالح المتناقضة في هذه الأيام قد حظي بقبول الرأي العام.
3 ـ استنباط الفارابي من العلم السياسي (المدني)
قسَّم الفارابي العلوم في كتابه المسمى (التنبيه) إلى قسمين: الأول: هو العلوم النظرية مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء وما وراء الطبيعة والثاني: هو علم الأخلاق والفلسفة والسياسة وتدبير المدن (العلوم المدنية، التنبية ص 19 إلى 21) وفي كتاب إحصاء العلوم وكتاب الملّة يتحدث الفارابي عن الفقه وعلم الكلام (إحصاء العلوم ص 7، 10، 13، الملة والنصوص الأخرى ص 6، 9).
ويستخدم الفارابي في كتبه إحصاء العلوم والملة وتحصيل السعادة، عبارة (العلم المدني) التي يقابلها باللغة الإنجليزية جملة Political Science) أو (Science of State وهذه الترجمة باللغة الإنجليزية تعرّف النظريات السياسية (إحصاء العلوم ص 3 ـ 102 كتاب الملة ص 11 إلى الأخير).
ويعرف الفارابي العلم المدني بالشكل التالي: (يبحث هذا العلم الأفعال والممارسات الإرادية، والملكات الأخلاقية والسجايا والعادات حيث أن الأفعال الإرادية تنشأ من الملكات الأخلاقية)، ثم يذكر الأهداف فيقول: إن الأفعال والممارسات هي التي تقود إلى الأهداف وأن هناك ملكات لدى الإنسان يمكن ترتيبها لتكون راسخة في كيانه وتكون بعض تلك السجايا سبباً لسعادة الإنسان، وبعضها تبدو وكأنها توصله إلى السعادة الحقيقية؛ ولكنها ليست كذلك.
وعلى أية حال فإن للفارابي رأياً هو: بأن السعادة ليست ممكنة في هذا العالم وإن أي شيء ليست غايته السعادة ستكون أقل خيراً أو سعادة مضنونة.
لهذا فإن العلم المدني يجمع بين الأعمال والأفعال حتى تتعيّن الأفعال التي تجلب السعادة الحقيقية الممكنة عن طريق تلك الأفعال وهذه الأعمال الأفعال هي الخيرات والجمالات والفضائل وما عداها فهي الشرور والقبائح والنواقص.
ويجب أن تتحقق هذه الأفعال والأعمال كلها في الإنسان بذلك الشكل الذي تراه في المدن من الفضائل والعادات والسنن الجارية بين الأمم بشكل منظم خاص ومن ثم يتم تنفيذها.
ثم يوضّح الفارابي مفهوم الرئاسة التي تشكلها في الأصل الرؤى السياسية وأنها تمثل الحكومة التي تحافظ على الأفعال والأحكام الجارية والملكات والأخلاقيات (إحصاء العلوم ص 103 وكتاب الملّة ص 145).
ويعتبر الفارابي ان هذه الرئاسة تتم عن طريق المكانة المهمة مثل الملكية ثم يقول بأن الرئاسة هي الحفاظ على الملكية.
ثم يقسّم الرئاسة (الحكومة) إلى قسمين هما: رئاسة فاضلة، ورئاسة جاهلة، وكذلك يقسّم الرئاسة الجاهلة إلى قسمين: رئاسة حقيرة، ورئاسة كريمة تتطابقان مع الأهداف المنشودة لهما.
ويعتقد الفارابي بأن الحكومة الفاضلة يمكن تحقيقها في ظل قوتين وهما: القوة المسيطرة الكاملة على القوانين العامة، والثانية: هي التي تحصل عن طريق إدارة البلاد (الأعمال المدنية) (إحياء علوم الدين ص 104 وكتاب الملة ص 145).
ويؤكد بأن الفلسفة المدنية أو الفلسفة السياسية عندما تعمد إلى دراسة الأفعال والسنن والملكات؛ فستحصل على قوانين عامة، ويوضح كيفية العمل بها وتنفيذها حسب الأوقات والأحوال المختلفة. ثم يوضّح قسمين من هذا البحث والعلم ما هو ضروري لتنفيذ الرئاسة وهما، القسم الأول ويشمل تعريف السعادة موضحاً الفرق بين السعادة الحقيقية والسعادة الخيالية ثم يعود فيتحدث عن الأفعال والأعمال والأخلاق والعادات الإرادية التي يجب أن تسود الشعوب ثم يفصل بين السنن الفاضلة وغير الفاضلة.
ثم يوضّح الفارابي القسم الآخر من شيوع العادات والسنن الفاضلة في المدن وبين الشعوب ويعيّن واجبات الدولة التي يمكن من خلالها إيجاد الأفعال والممارسات والسنن الفاضلة بين الناس والحفاظ عليها. ويقول أيضاً في هذا القسم بأن أفعال الدولة غير الفاضلة تتوضّح أيضاً ثم يعمد إلى شرحها وعدد أنواعها وكيفيتها، ثم يذكر الأسباب والعلل لها بحيث يمكن الاطمئنان والثقة بأن الدول الفاضلة ستكون صامدة راسخة. أي أنها لن تتحوّل إلى السنن والملكات الجاهلية.
كما يذكر طرق التدبير ونوازع الفكر وغيرها ويقول: ان فائدة ذلك تمثل في كيفية إرجاع الحكومة الفاضلة إلى فضيلتها بعد تحولها إلى حكومة جاهلية.
ثم يعود فيذكر أن الحكومة الفاضلة تكون صامدة لعدة أسباب منها فكرية ومنها عملية وان القدرة الناتجة عن التجربة الإدارية لها أثرها الفاعل في إدارة المدن والجماهير، وان المدينة الفاضلة ستكون صامدة ما دام حكامها ملتزمين بتلك المبادىء والظروف والخصوصيات المتواجدة في كيان المدينة الفاضلة وكذلك يجب أن يكون الساسة والحكام الذين يأتون بعد المجموعة الحاكمة الأولى لهم الظروف والأفكار نفسها لتستمر المدينة في فضيلتها.
ثم يعمد إلى السؤال عن الظروف والشروط الطبيعية اللازم تواجدها والبحث عنها لدى أبناء الملوك وأبناء العامة لكي يتبينّ عند ذلك من سيقود البلاد ويكون خلفاً للسلف الفاضل ثم إذا وُجد مثل هذا الشخص فكيف يمكن تثبيت وتربية تلك السمات والخصوصيات المطلوبة لديه لكي يكون حرفياً ومهنياً في قيادة البلاد (إحصاء العلوم ص 106 وكتاب الملة ص 145). ثم يقبل الفارابي بشكل غير طبيعي بعض المبادىء والأفكار فيقول في كتاب الملة: إذا كان الحاكم الخلف له السمات والخصوصيات الكاملة لدى الحاكم الأول السلف فلا حاجة له عند ذلك إلى الفلسفة (كتاب الملة ص 18) وهنا يطرح الفارابي نظرية توضح العلاقات الدولية حيث يقول: يجب أن يكون هناك إئتلاف وعلاقات بين الشعوب الفاضلة.
وتبدو وجهة نظره هذه مشابهة تماماً لأفكاره في موضوع العالم، ويأتي الفارابي بشرح آخر في كتابه (تحصيل السعادة) عن العلم المدني مع أنه لم يوضح ذلك بالتفصيل (تحصيل السعادة ص 16) ويوضح مفاهيم العلم المدني في هذا الكتاب، مبيناً أن العلم المدني يجب أن يوضح الاختلافات بين الخيرات والفضائل والحسنات والشرور والنقائص والسيئات وكذلك يبين كيفية تنفيذ هذه الصفات أفعالاً لكي تكون معقولة ومعلومة ومتمايزة إحداها عن الأخريات.
كما أن هذا العلم يعمد إلى قضايا بحيث أن رعايا الدول بتمسكهم بها بصورة جماعية مدنية يصلون إلى السعادة وتترسّخ تلك السجايا في رغباتهم الفطرية.
4 ـ الخاتمة
يمكننا من خلال المشروع الكامل للفارابي حول (العلم المدني) أن نستنتج بأنه في البداية يوضح أهداف العلم المدني وحسناته ثم يعرّف الدولة التي يمكن تحقيقها عن طريق الملكية أو القدرة الملكية ثم يقسّم الحكومات والدول إلى فاضلة وغير فاضلة حيث يقول: إن الحكومة الفاضلة لها ثلاث سلطات وهي، سلطة العلوم النظرية، وسلطة العلوم التطبيقية، والسلطة التنفيذية، أما الدولة غير الفاضلة فلا تحتاج إلى الفلسفة العملية والنظرية ولها سلطة تنفيذية فقط، أما تعريف الفارابي للسياسة فهو تحقيق الرئاسة والحكومة. والمفهوم الكلي للسياسة لديه هو العلم والفن في إدارة البلاد.
أما تعريفه للفلسفة المدنية التي تتحدد بالقواعد العامة للعلم المدني فيبتعد تماماً عن تعريف الفلسفة الكلاسيكية السياسية لدى شتراوس من حيث الاصطلاح.
ولكنه مع هذه الحالة فإننا حينما ننظر إلى التعريف الشامل للعلم المدني لدى الفارابي الذي تحدده الفلسفة المدنية نجد أنه يوضح في الواقع الفلسفة السياسية الكلاسيكية لشتراوس.
والخلاصة، فإن الإطار الأساسي العام لجميع مؤلفات الفارابي تتطابق مع أفكاره السياسية وكذلك فإنه وقبل أن يطرح بصورة منفصلة وكاملة المدينة الفاضلة، تراه يوضح أفكاره ومبادئه حول العلم المدني.
وبعبارة أخرى فإن مواقفه وأفكاره في مجال الفكر السياسي وضعها في إطار العلم المدني في كتبه (إحصاء العلوم) و(الملة) و(تحصيل السعادة) وان كان من الصعب تحليل وتنظيم أفكار الفارابي السياسية فقط عن طريق مراجعة نظرياته حول العلم المدني.
طبع إحصاء العلوم
وعن إحصاء العلوم وطبعه قالت مجلة العرفان في نيسان 1949م: طبع الدكتور عثمان أمين أستاذ تاريخ الفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول ـ طبع كتاب إحصاء العلوم سنة 1948م في مئة صفحة ـ ومع تكرر طبعاته لم يطبع كهذه الطبعة المقابلة على نسخ عدة والمتقنة الطبع والوضع والتصحيح والتنقيح. وكان أول من نشر إحصاء العلوم للفارابي، الشيخ محمد رضا الشبيبي في المجلد الرابع من العرفان سنة 1921م، وطبعنا منها بعض النسخ على حدة، لكنها كانت كثيرة الأغلاط. وكان الدكتور عثمان طبعها سنة 1931م لكنه لم يرتض تلك الطبعة لأنها لم تكن مقابلة على عدة نسخ ومنها النسخة المنشورة في العرفان لذلك طلب منا النسخة فأرسلناها له وتوفق لمقابلتها على عدة نسخ غيرها، وأشار إلى كل نسخة بحرف رمزي ومنها نسخة العرفان فقد جعل الإشارة لها(ع).
ناشرها دار الفكر العربي.
إحقاق الحق
في نقض إبطال الباطل
تأليف الشهيد القاضي نور الله بن السيد شريف الدين بن السيد ضياء الدين نور الله بن السيد شمس الدين محمد شاه (صاحب المزار المعروف بتستر) ابن مبارز الدين مانده بن جمال الدين الحسين بن الأمير نجم الدين بن علي محمود (أول من هاجر من آمل إلى تستر) ابن أحمد بن تاج الدين الحسين وينتهي نسبه إلى أبي الحسن علي المرعشي بن أبي جعفر عبدالله أمير العراقين جد المراعشة. ولد القاضي نور الله في مدينة تستر سنة 956 هجرية واستشهد بأمر نور الدين محمد جهانگير بادشاه المغولي في أگره من بلاد الهند سنة 1019 هجرية وهو من مشاهير علماء الشيعة وأعاظم متكلميهم وهذا الكتاب من أجلّ كتب الكلام الشيعة وقد صنّفه في مدة سبعة أشهر من غير الليالي وانتهى منه في آخر ربيع الأول سنة 1014 هجرية كما صرّح في آخره (وقد اتفق نظم هذه اللآلي التي وشحت بها عوالي المعالي في سبعة أشهر من غير الليالي… وكان آخرها آخر ربيع الأول المنتظم في سلك شهور سنة ألف وأربع عشرة في بلدة آگره…) وهو رد على كتاب (إبطال نهج الباطل) تأليف فضل الله بن روزبهان الخنجي الشيرازي الأصفهاني ثم القاشاني من أعاظم علماء الشافعية في عصره، ألفه بعد ما طرده الشاه إسماعيل الأول الصفوي الذي جلس على العرش سنة 907 هجرية والمتوفى سنة 930هـ من موطنه أصفهان إلى قهستان، وألفه في مدينة قاشان خلال شهرين، وانتهى منه في 3 جمادى الأولى سنة 909هـ وقد ألف ابن روزبهان كتابه هذا رداً على كتاب (نهج الحق وكشف الصدق) تأليف الحسن بن سديد الدين يوسف الحلي المشهور بالعلامة الحلي المولود في ليلة الجمعة 27 رمضان سنة 648 هجرية والمتوفى ليلة السبت 21 محرم الحرام سنة 726 هجرية. ألفه للسلطان غياث الدين الجايتو محمد خدابنده المتوفى سنة 717 هجرية في إثبات حقائق الشيعة وهو من أجل الكتب الكلامية في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). لذا يشتمل كتاب إحقاق الحق للقاضي نور الله التستري على الكتابين المذكورن وكان منهجه فيه) نقل أقوال العلامة الحلي وابن روزبهان وإذا أراد أن ينقل أقوال وعبارات العلامة الحلي يقول: (قال المصنف رفع الله درجته) وعندما يريد نقل أقوال ابن روزبهان يقول: (قال الناصب خفضه الله) وعندما يريد إبداء آرائه والحكم بين قولين يذكر كلمة (أقول) ثم يفصّل كلامه وبحثه في الموضوع. وقال السيد إعجاز حسين (… صنف هذا الكتاب في مدة يسيرة، أيام قليلة لا يكاد أحد أن ينسخه فيها فضلاً عن أن يصنفه…»([535]) وكان هذا الكتاب سبب استشهاده وذلك بعد أن دسّوا عليه رجلاً من طلبة العلم كان يتظاهر بالتشيع فلازم المؤلف وصار خصيصاً به حيث اطمأن إليه وتمكن أن يكتب كتاب (إحقاق الحق) أو أن يسْرقْ نسخة خط المؤلف وجاء بالكتاب إلى نور الدين محمد جهانگير المغولي (جلس 1014 وتوفي 1037 هجرية) سلطان أگره المتعصب فاجتمع لديه علماء السنة وأشعلوا نار غضبه وأثاروه عليه فأمر السلطان بتجريده من اللباس وضربه بالسياط الشائكة إلى أن انتثر لحم بدنه واستشهد صبراً وقبره مزار معروف في محلة ديال باغ بأگره.
يعتبر كتاب إحقاق الحق من أهم مؤلفات القاضي نور الله التستري بعد كتابه مجالس المؤمنين وترجم كتاب إحقاق الحق إلى الفارسية على يد نصير الدين حسين بن عبد الوهاب البهبهاني بأمر سعد الدين محمد وزير الشاه سليمان الصفوي (جلس 1077 وتوفي 1105 هجرية).
أقدم وأهم نسخ إحقاق الحق
المعروفة في العالم
النسخة الوحيدة بخط المؤلف هي التي أحرقها السلطان نور الدين محمد جهانگير وهناك نسخ كانت قد نسخت عنها، ومنها نسخة عليها حواش كثيرة للمصنف وغيره من أعاظم علمائنا وجاء في آخر بعض تلك الحواشي (منه حفظه الله) وحواش للسيد المير علاء الدين محمد گلستانة بن الشاه أبي تراب محمد الأصفهاني المتوفى سنة 1110 هجرية صاحب شرح نهج البلاغة. ورمز في بعض الحواشي بـ (خ ل) و(العبدجم) وهي من مخطوطات كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي بقزوين.
النسخة المؤرخة سنة 1068 هجرية كتبت عن خط المصنف وهي من مخطوطات مكتبة الشيخ عبد الحسين شيخ العراقين الطهراني ثم انتقلت إلى المكتبة الجعفرية في المدرسة الهندية بكربلاء وشاهدتها هناك. قال شيخنا الأستاذ الشيخ أقا بزرك الطهراني في موسوعته عن هذه النسخة: (… وأقدم نسخة رأيتها ما كتبت عن خط المصنف سنة 1068 هجرية وهي في كتب الشيخ عبد الحسين الطهراني بكربلاء…)([536]).
نسخة كانت في خزانة كتب المجلسي الأول الشيخ محمد تقي وهي اليوم من مخطوطات الشيخ عبد الرحيم الشيرازي الرباني وقد استعان به السيد شهاب الدين المرعشي النجفي حين تصحيح وطبع إحقاق الحق سنة 1377 هجرية.
نسخة بخط الشيخ محمد علي الأبهريجي الأصفهاني بن محمد مؤمن، جاء في آخرها (… أواخر العشر الثاني من الشهر العاشر من السنة السادسة من العشر التاسع من المائة الحادية عشرة…) وهي من مخطوطات مكتبة السيد محمد السليمي الكاشاني وقد استعان بها السيد المرعشي النجفي حين طبعه إحقاق الحق.
نسخة مؤرخة سنة 1129 هجرية بخط الشيخ محمد زكي بن محمد سليم البازرجاني التفرشي وقد قابلها بعض العلماء على نسخة مصححة وفرغ من المقابلة سنة 1131 هجرية وهي من مخطوطات مكتبة السيد أحمد الحسيني الزنجاني، وقد استعان به السيد المرعشي حين طبعه إحقاق الحق.
نسخة قديمة تاريخها قريب من عصر المؤلف من مخطوطات مكتبة الشيخ محمد علي التبريزي صاحب ريحانة الأدب. ثلاث نسخة قديمة بدون تاريخ وهي من مخطوطات مكتبة الروضة الرضوية في خراسان برقم 13961 و308 و9916، وقد طبع إحقاق الحق الطبعة الأولى في طهران سنة 1273 هجرية طبعة حجرية في أربعة مجلدات بدون رقم صفحات، وطبع أيضاً المجلد الأول طبعة حجرية في طهران بدون تاريخ، وطبع بمصر مع إسقاط بعض مطالبه، ثم أعيد طبعه ثانية في مصر سنة 1326 هجرية، نصفه الأول إلى البحث الرابع في تعيين الإمام بتحقيق الشيخ حسن ابن الشيخ دخيل الحجامي النجفي مع مقابلة بالطبعة الحجرية الإيرانية. واهتم السيد المرعشي النجفي بإعادة طبع (إحقاق الحق) في سنة 1377 هجرية مع مقابلته بنسخة خطية قديمة والطبعة الحجرية مع تعليقات هامة في تسعة عشر مجلداً ثم يليه الجزء العشرون حتى الجزء الرابع والعشرين تحت عنوان ملحقات الإحقاق وهو من تأليف السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.
عبد الحسين الصالحي
أحكام الجهاد وأسباب الرشاد «كتاب»([537])
كان ميرزا بزرگ فراهانى المؤسس الحقيقي للفكر الاصلاحي والتقدمي في ايران. وقد اشتهر في تاريخ ايران المعاصر بسبب ابنه المشهور ميرزا أبوالقاسم قائم مقام، وليس بسبب افكاره ودوره في تأسيس تيار الاصلاحات في تاريخ الدولة القاجارية. هو لم يكتف بتربية قائم مقام وتأهيله وتقديمه لتاريخ ايران، ولم يكن المعلم والمرشد لعباس ميرزا والموجه لتصوراته نحو تجديد وتحديث الدولة فقط، بل كان أيضاً المؤسس لمدرسة التقدم ومقاومة الأجنبي ونبذ الأجانب في آذربايجان كما كان بانياً ومؤسساً لأفكار واعتقادات رجالات التقدم في الأدوار القادمة وكان دافعاً بالخصوص لظهور ميرزا تقي خان أمير كبير والسائرين في طريقه. على الرغم من أن ميرزا بزرگ لم يخلِّف كتاباً حول افكاره وتصوراته يمكن على ضوئه التطرق لبيان آرائه وأفكاره لكن نعتقد أنه يمكن بناءً على التقارير التاريخية المتفرقة حول سلوكه وتوجهه السياسي، وبالنظر إلى سيرته السياسية، وكذلك بالاعتماد على مجموعة من المعلومات والآراء التي أدلى بها بعض الدبلوماسيين المعاصرين له بخصوص أفكاره وتوجهاته وآماله، وفي الأخير على ضوء، أبرز أثر له وهو «أحكام الجهاد وأسباب الرشاد» يمكن الإحاطة والإلمام بجوانب من تصوراته وعقيدته السياسية والاجتماعية.
بادىء ذي بدء سنلقي نظرة سريعة على سيرته، ثم سنتطرق بعدها لدراسة تصوراته وآماله لإنقاذ دولته من الإنحطاط والسقوط.
هو من السادات الأشراف الحسينيين([538])
كان جده ميرزا عيسى من رجال الأدب والسياسة المشهورين في صدر الدولة القاجارية. وله ابنان: ميرزا محمد حسين وميرزا محمد حسن. كان ميرزا محمد حسين من أشهر شعراء وكُتّاب الدورة الزندية، ولهذا السبب كانت وزارة أخ كريم خان زند تتشكل من الشعراء والكُتّاب المشهورين، ولهذا السبب أيضاً أسند إليه([539])، كريم خان زند وزارة أخيه صادق خان. كان يتخلص([540])، في شعره بـ: «وفاً»، وكان شاعراً مرموقاً ذا صيت في زمانه. على عكس ميرزا حسن، ولم يكن لوفا ابن، لهذا عندما ولد ميرزا عيسى سلمه أبوه ميرزا حسن طفلاً لأخيه ليتولى تربيته ولما بلغ ميرزا عيسى سن الرشد تزوج بابنة عمه «خانم آقا» وكانت ثمرة زواجه الأول هذا ثلاثة أبناء: ميرزا حسن وميرزا أبو القاسم وميرزا معصوم. أما ابنه الرابع ميرزا موسى وابنته حاجيه فكانا من زوجته الثانية التي تزوجها في آذربايجان([541]).
تجربة آل ميرزا عيسى في شغل الديوان وأجواء حياته المناسبة عند عمه ميرزا حسين وفا، هيأت بسرعة ظروف رشد ونمو مؤهلات ميرزا عيسى ومع تقدم عمر ميرزا بزرگ أصبحت مؤهلاته وقدراته الشخصية محط أنظار عظماء وكبار شيراز. تدل الكتابات التي تركها ميرزا عيسى في العصر القاجاري وبالخصوص كتاب «أحكام الجهاد وأسباب الرشاد» على أنه لم يتمكن في هذا العصر من بلوغ الدرجة العالية في اللغة والأدب الفارسي فقط، بل استطاع إلى حد بعيد أيضاً أن يدرس العلوم العقلية والنقلية والفقه والأصول. ذُكر أنه حينما توفي وفا عم ميزا بزرگ خلّف وراءه مكتبة ضخمة تعادل مائتي ألف روپية ووصلت هذه المكتبة إلى ميرزا بزرگ. إن مثل([542]) هذه المكتبة الضخمة لم يكن لها إلا أن تفتح، لميرزا بزرگ ـ الذي كان يعيش في بيت وفا ـ الباب على عالم واسع من المعلومات العلمية في زمانه.
مع بداية فترة إهمال لطف علي خان زند لميرزا محمد حسن وفا وخروجه من شيراز لزيارة بيت الله الحرام([543])، انتفت أيضاً الظروف اللازمة لدخول ميرزا عيسى إلى ديوان الدولة الزندية ولما لمع نجم إقبال حاج إبراهيم خان كلانتر شيرازي عزل ميرزا عيسى وجعله في خدمته وبعد مدة، وحينما انتهت مرحلة الصراع بين آقا محمد خان قاجار ولطف علي خان زند بارتقاء درجة كلانتر شيرازي في شيراز وارساله إلى طهران بصفته اعتماد الدولة. ولأن هذا الأخير كانت لديه معرفة دقيقة تامة بمؤهلات ميرزا عيسى، لم يتردد في اصطحابه إلى عاصمة القاجاريين وبعد وصول ميرزا عيسى إلى طهران واستقراره فيها تقلد منصب الكتابة للحاج ميرزا إبراهيم خان. وكان هذا المنصب بداية تقدمه في جهاز حكومة الدولة القاجارية ومنذ ذلك الوقت فصاعداً اكتسب ميرزا بزرگ تجارب كثيرة بفضل صحبته لإعتماد الدولة في الحضر والسفر، وأثبت قدراته وذكاءه لكبار الدولة القاجارية إلى حد إن الملك بعثه([544])، إلى آذربايجان مساعداً لعباس ميرزا صحبة الجيش الذي كان تحت إمرة سليمان خان قاجار سنة 1213هـ لإخماد طغيان وخروج جعفر قلى خان دنبلي.
على الرغم من أن حياة ميرزا بزرگ واجهت أزمات حادة بعد أفول نجم إقبال حاج إبراهيم خان الذي كان الحامي الفعلي له وبعد عزله وقتله في بداية حكومة فتحعلي شاه، لكن كفايته ودرايته بشؤون الديوان واهتمام الملك به جعلت فتح علي شاه قاجار يوليه عناية واهتماماً خاصاً. وفي سنة 1218هـ نصبه وزيراً للأمير حسن علي ميرزا حاكم طهران وأسند([545]) إليه شؤون العاصمة.
أهمية حضور ميرزا عيسى وازدياد ثقة واقتناع فتحعلي شاه بكفايته وأهليته أدى بعد مرور سنة واحدة إلى أن قلده الملك منصب نائب السلطنة وقد حصل هذا في ظروف كانت الحرب الإيرانية الروسية فيها مشتعلة على أوسع نطاق مما استدعى البقاء الدائم لعباس ميرزا في آذربايجان. كما أسند([546]) إليه شؤون نيابة الحكومة وإدارة جهاز دار السلطنة في تبريز. بتعيين ميرزا بزرگ وزيراً لنائب السلطنة فبدأت في الواقع حياته السياسية الفعالة وعهد تأثيره في الكثير من القرارات التي يتخذها عباس ميرزا، ذكر دنبلي أن ميرزا بزرگ هو صاحب فكرة بناء النظام الجديد الذي طبقه عباس ميرزا، يقول دنبلي:
«اهتماماته [ميرزا بزرگ] التي كان يوليها للدين والدولة لم تكن في امكان لا وزير كبير ولا أمير ولما ذهب إلى آذربايجان في ركاب ولي العهد رأى روسيا منتصرة ووجد أن الفتنة قد ألقت بظلالها على آذربايجان ورأى أن حكام هذه الحدود قد تعلقوا بعادات قديمة لا ينتظم معها أمرهم وعندما تمت السيطرة على آذربايجان، لاحظ ولي العهد ـ على رغم صغر سنه ـ لاحظ بتمعن الأمور من قريب وبعيد، فرأى أن أمر الرعية والجيش مختل، وسياسة المملكة مهملة وسير العمل مختل، وأمراء وحكام آذربايجان المغترين، قد غرر ببعضهم من ذوى النفوس المريضة وحركوا من طرق روسيا، فوضعوا الإسلام تحت اقدامهم وصرفوا الجند عن قاعدة القتال والجدال. وأوضح نواب ولي العهد وقائم مقامه الأمور له، وبعد أخذ الإذن بنوا النظام الجديد بطريقة خاصة»([547]).
يعتبر ميرزا بزرگ الذي كان حضوره في مسرح السياسة وجهاز القدرة والحكومة يعتبر بدون شك بمثابة إشعاع دولة قصيرة الأمد، وأهمَّ مُشجّع ومحفّز لعباس ميرزا للتوجه إلى بناء النظام الجديد وإذا علمنا أن عباس ميرزا حين عزم على التوجه إلى آذربايجان كانت الوزارة من نصيب ميرزا عيسى وهو شاب يبلغ 18 سنة من العمر كان الوزراء آنذاك يعينون من طرف الأمراء للإشراف على أعمالهم وتربيتهم، فلا ينبغي أن يظل لنا أدنى شك في أن تعليمات ميرزا بزرگ كانت العامل الأساسي وراء توجه نائب السلطنة إلى تحديث وإعادة بناء الدولة. وبالنظر إلى هذه الحقيقة وهي أن عباس ميرزا بعد وفاة هذا الحكيم الفراهاني لم يعر اهتماماً مثل السابق لقضية اكمال تصوراته، سوف ندرك ونقبل بسرعة ارتباط فكرة النظام الجديد لعباس ميرزا بدور وزيره([548]).
كتب دروويل الذي جاء إلى إيران في عهد عباس ميرزا ورأى عن كثب نائب السلطنة، كتب حوله يقول:
«لقد اختار فتحعلي شاه([549])، واحداً من وزرائه باسم ميرزا بزرگ الذي كان رجلاً محتاطاً وسياسياً مقتدراً، اختاره كمساعد له. منذ الوهلة الأولى علمه هذا الرجل رموز الدولة وسعى في تربية خصاله الطيبة التي تميزه اليوم عن الآخرين. هذا الشيخ المحترم منذ ذلك الوقت لم يتركه لحظة واحدة، وهو الآن بصفة قائم مقام صاحب وزارته الأولى»([550]).
همُّ انقاذ الدولة من الانحطاط وفتح السبل لها للخروج من العجز والطريق المسدود دفع بميرزا بزرگ علاوة على تطوير تصوراته عن طريق تشجيع عباس ميرزا، جعله يقطع اشواطاً هامة في مسار الإصلاح وشد مستوى الوعي الوطني، ولم يتوقف ابداً عن العمل في سبيل اعتلاء وعزة الوطن. لهذا السبب طبعاً كتب حوله الدبلوماسي الانجليزي هنري ويلوك قائلاً:
«ميرزا كوچك الوزير الوحيد الذي يحمل في صدره سعادة وطنه»([551]).
مورير دبلوماسي انجليزي آخر الذي لم تكن تربطه علاقة حسنة به بميرزا بزرگ، وكان دائماً يحمل العداء للإيرانيين وينتهج سياسة التحقير، مع هذا لم يستطع أن يتغافل ويغض النظر عن فضائل شخصية وزير عباس ميرزا، وقد كتب عنه: «ميرزا بزرگ أحد أكبر وأعجب الرجال الذين شاهدتهم…»([552]) والجاسوس الإنجليزي في إيران (فريزر) الذي هو مثل مورير اتبع سياسة تحقير وتوبيخ الإيرانيين في كتاباته، كتب حول ميرزا بزرگ: «لو اجتمعت الدنيا لإجباره على أخذ الرشوة وخيانة وطنه ما استطاعت»([553]).
إحدى أهم الإجراءات العديمة النظير التي اتخذها ميرزا بزرگ منذ بداية هجوم الروس على إيران هي سعيه في جمع فتاوى العلماء ثم تدوينها وتنظيمها. وبفضل سعي ميرزا عيسى لم يكتف العلماء ومراجع العصر الكبار بكتابة رسائل في باب وجوب مشاركة عامة الناس في الجهاد ضد الروس وارسالها لميرزا عيسى لنشرها بين الناس فقط، بل أصدروا فتاوى بحلية صرف أموال الخراج في الشؤون الحربية([554]) كان الدافع لتحرك وزير عباس ميرزا لمواجهة العدو هو اعتقاده بتنظيم قدرات الدولة الداخلية، وكان يعلم أنه في حالة العدول عن هذه القناعة والاعتماد على الأجانب فإن مصير الحرب سيكون خاضعاً لقرارات وميول وسياسة الأجانب وللأسف لم يحظ اعتقاد ميرزا عيسى هذا أبداً بدعم جدي من طرف الملك وحاشيته في طهران، وعلى خلاف تصور ميرزا بزرگ كان مصير الحرب في البداية بيد الفرنسيين ثم خضع بعد ذلك للألعاب الدبلوماسية الإنجليزية.
بعد الموافقة الأولية لعباس ميرزا على فكرة ميرزا عيسى المتمثلة في ضرورة الرجوع إلى مراجع التقليد والعلماء للحصول على الفتاوى الشرعية قصد تحريض الناس على الجهاد لمحاربة الروس وتفسير العقلية السائدة بشأن حرب إيران وروسيا وتغيير العقلية من نزاع القصرين الإيراني والروسي إلى النزاع بين المسلمين وغير المسلمين. أرسل قائم مقام سنة 1223هـ الحاج ملا باقر سلماسي ومولانا صدر الدين محمد تبريزي إلى العتبات والمدن الإيرانية الكبيرة لجمع فتاوى مجتهدي كبار الشيعة. فكما ذكر عبد الرزاق دنبلي المؤرخ المعاصر لأحداث تلك الأيام. فقد وصلت فتاوى الجهاد في أقصر مدة إلى آذربايجان([555]). فأخرج ميرزا عيسى ـ الذي أشرنا إلى أنه كان لديه اطلاع واسع على العلوم الفقهية من مجموع هذه الفتاوى كتبه الثلاث القيمة الجهادية تحت عنوان: أحكام الجهاد وأسباب الرشاد أو الجهادية الكبيرة والجهادية الوسطى والجهادية الصغيرة، وقد كتب مقدمة جد قيمة للكتابين الأول والثاني وتدل هذه المقدمة([556]) على اتقانه وتبحره في فنون الأدب الفارسي والبلاغة والفقه الشيعي.
كان موقف قائم في الحروب الإيرانية الروسية ومقابل استعمار الأراضي الشمالية الإيرانية مرتكزاً على الخروج القطعي للقوى الروسية من الأراضي الإيرانية بدون أي قيد أو شرط.
كان ميرزا بزرگ ـ كما تشير كتابات مؤرخي ذلك العصر ـ متشائماً من الانجليز والفرنسيين كما كان يعتبر الروس عدواً لإيران. وكان يعتبر الدولتين (الفرنسية والانجليزية) بعد مدة من تجريب سياستهم في إيران مشاركتين لروسيا في اعتداءاتها. كان ميرزا عيسى يدرك هذه الحقيقة جيداً وهو أنه لا يمكن الإعتماد والثقة بوعود ومواثيق الأجانب بالخصوص عندما تتعارض مصالحهم، وبسبب هذا الوعي وهذه القناعة لم يستطع ميرزا بزرگ أن يقبل أبداً وعود الجنرال گودويچ بشأن عدم الهجوم على إيران، ولم يذعن لاقتراحاته السلمية التي كانت أساساً مجرد شعارات لإغفال القوات الإيرانية وتجديد قوة الجنود الروس. ولم يترك أبداً آذربايجان بدون مدافع، وبناءً على ما كتب دنبلي، لما سمع ميرزاا بزرگ خبر نشاط وفعالية الأجانب وخاصة «هانرى مارتين» الانجليزي في إيران لم يقف مكتوف الأيدي، بل قام بتأليف كتاب يهاجم دعوته باسم «جواب پادري»، كتب دنبلي:
«كان يوسف اسم پاردي أيضاً، كان من الأوروبيين جاء إلى اصفهان ودرس العلم عند علمائها، وكانت لديه مهارة تامة في الخط والعلم والدين الإسلامي. وكان من خبث طينته وفساد طويته ان كتب كلاماً في رد نبوة خاتم الانبياء وأفكار اعجاز القرآن فكتب بعض فضلاء العراق وإيران رداً موجزاً عليه. وفي هذه الأثناء وافت المنية پاردي ووصلت أوراقه إلى يد قائم مقام فأحضر اثنين أو ثلاثة من القسيسين والرهبان العالمين وتفرغ لدراسة التوراة والإنجيل. وتعلم جيداً أصول المسيحية واليهودية وردّ على كلام پاردي. واستطاع أن يعطي الكلام حقه، وهو الآن مشتغل بتحرير ذلك الكتاب»([557]).
من أبرز مظاهر عدم قناعة وثقة ميرزا بزرگ باقتراحات گودويچ السلمية العميلة، هو أن الجنرال گاردان كان يسعى أيضاً لاقناع الملك وحاشيته في طهران بصدق دعاوى القائد العالم للقوات الروسية في جورجيا. ولما رأى ميرزا بزرگ الذي كان حاضراً انذاك في طهران اصرار گاردان على ضرورة الاعتماد والثقة بالجنرال گودويچ، أعلن بصراحة تامة وبجرأة كاملة مخالفته لإصرار گاردان ودعاوى گودويچ واكد أنه لا يمكن الثقة بوعود روسيا. وأسفر هذا الحوار في الأخير عن قيام نزاع ومشاجرة بسبب تمسك گاردان بموقفه. وفي ظل هذه الظروف تسلّم الجنرال گاردان كتاباً رسمياً بشأن الثقة بسلم گودويچ وأنهى صراعه مع ميرزا عيسى. وبمقتضى ذلك الكتاب جعل الملك وحاشيته يقبلون بدعاوى كودويچ([558]) وبعد مدة ليست بالطويلة تغاضى گودويچ عن كل وعوده ومواثيقه وهجم مرة أخرى على الأراضي الإيرانية بدعوى تنفيذ أمر «تزار» فأدرك بعدها الملك وحاشيته دقة نظر ميرزا بزرگ ورؤيته للحوادث وتنبؤه، وصدق حثه على عدم الثقة بالأجانب.
أدى عدم ايفاء نابليون بوعوده لفتحعلي شاه وبقاؤها معلقة إلى خروج مبعوثه من إيران واتاحة الفرصة مرة أخرى لحضور المبعوثين الإنجليز في البلاط الإيراني. وفي البداية دخل سر هارفورد جونز إلى طهران ثم دخل بعده سر گور اوزلي، وسعى كل واحد منهما للتضحية بالمصالح الإيرانية لأجل حفظ مصالح الانجليز وبعد بداية ضغوط اوزلي على الملك وحاشيته سواء في بلاط طهران أو في دار السلطنة في تبريز لأجل الإستسلام لصلح گلستان الذي يضمن ـ بادعاء سفير الإنجليز ـ العودة السريعة للأراضي الإيرانية المستعمرة من الروس، وقف مرة أخرى ميرزا عيسى في وجه حاشية الملك المطالبين بالسلم أمثال: ميرزا شفيع وميرزا أبو الحسن خان أليچي وأكد على وجوب اليقظة أمام الوعود الكاذبة لممثلي الدولة الأجنبية ولم يكتف ميرزا عيسى بعدم الثقة بالجنرال رويشچوف ووعود سر گور اوزلي في مفاوضات السلام الموسومة بـ: «عسگكر» والتي قام سر گور اوزلي بتنظيمها وترتيبها وعرفت حضور جيمز موريز أيضاً، بل كان دائماً الدافع الأساسي لمخالفة عباس ميرزا للاستجابة للسلم([559]).
بعد انعقاد ميثاق «گلستان» لم يكن مقدراً أن يظل ميرزا عيسى مدة طويلة بجانب عباس ميرزا بصفته مستشاره الحميم وصاحب الرؤية الثاقبة لحل معضلات الدولة. فقد ابتلي ميرزا عيسى بداء الوباء في ذي القعدة من سنة 1237هـ، في ظروف عصيبة كانت فيها محاولات حاشية الملك وعناصر أخرى أمثال ميرزا أبو الحسن اليچي مستمرة لأجل استرجاع الأراضي الإيرانية بموجب وعد الجنرال رويشچوف وسرگور اوزلي، والتي كان معلوماً منذ البداية أنها لن تصل إلى نتيجة. في ظل هذه الظروف وعلى إثر هذا الوباء فارق ميرزا عيسى الحياة([560]).
ميزا بزرگ في محاولة لتقوية الإعتبار الوطني.
يتأثر الحكماء وأصحاب العمال بالوقائع المحيطة بهم ويسعون إلى اكمال أفكارهم بنفس القدر الذي يساهمون به في تغيير الفكر الإجتماعي، وهنا يكمن بالضبط الفرق بين الشخصيات المعتقدة بالكمال والجزم والشخصيات المتعصبة. بدراستنا لحياة وأعمال ميرزا بزرگ لا يبقى لدينا أدنى شك في أنه منذ بداية حضوره وفعاليته في جهاز الحكومة في طهران وتبريز كان دائماً معتقداً بأن تجريب مناهجه ورؤاه في الواقع كفيل بإيصالها إلى درجة الكمال والنضج والتقدم خطوة إلى الأمام في كل مرحلة. استطاع ميرزا بزرگ بفضل صدقه مع نفسه وثبات منهجه في رسالته وهي انقاذ وطنه، أن يصل إلى آفاق واضحة لتحقيق آماله وأن لا ينحصر في المعطيات الأولية وأن لا يسقط في دوامة التعصب.
كان ميرزا بزرگ يؤمن في أول تحركاته من أجل انقاذ الوطن من الانحطاط والسقوط طعمة في فم الامبراطورية الروسية بإمكانية فتح سبل لتقوية الأسس العسكرية لدولته عن طريق خلق المنافسة بين الانجليز والفرنسيين ولهذا السبب لم يتردد في التشجيع السري لسرهارفور جونز لاتخاذ سياسة فعالة في إيران والتنافس مع الفرنسيين والروس واتحاده مع الإنجليز كان نابعاً في الأساس من تصوراته الشرقية الحسنة ومن سابق معرفته بجونز في شيراز. لم تعرف([561]) الفعالية السياسية الإنجليزية في إيران دواماً مع مأمورية جونز باعتباره سفيراً ثانياً للإنجليز. مع دخول سر گور اوزلي وفي الوقت الذي كانت فيه المصالح الإنجليزية تسير في اتجاه منفعة الإنجليز، قام ميرزا بزرگ وعلى عكس عناصر أمثال: صدر اصفهاني، ميرزا شفيع وميرزا أبو الحسن شيرازي الذين ظلوا صنائع للأجانب منذ بداية حياتهم إلى نهايتها، بتصحيح مسار فكره السابق حول انقاذ الدولة عن طريق ايجاد المنافسة بين الأجانب وأكد على تتبع مصالح دولته والإستماتة في مواجهة استراتيجية الإنجليز والروس في إيران. ووصل في الأخير إلى ايجاد نظرية تقوية الإعتبار الوطني والعمل على ايجاد التضامن الإعتقادي لشعب إيران ولهذا السبب أيضاً تقرر في خطاب كاسل رى في السادس عشر من يونيو 1813 أن:
«ألفت نظر حضرتكم الشريفة إلى أنه حينما كان سلف جنابكم ماركوئيس ولزلي وزيراً للخارجية، أرسلت لكم خطاباً سرياً فحواه أن ميرزا بزرگ يبطن العداء للانجليز… والآن أكرر أنه بمثابة سد منيع في طريق تحقق السلام بين روسيا وإيران ولا تجمعه بنا ـ نحن الانجليز ـ رابطة حسنة»([562]).
السعي لتوضيح الماهية الوطنية والدينية للحرب مع روسيا:
لم يكن ميرزا بزرگ مفكراً معجباً بالنظريات البعيدة عن الواقع بقدر ما كان حكيماً واعياً بالواقع وعاملاً به. بناء على هذا أدرك بفراسته أن افكاره وسياسته الرامية إلى التعلق بالمساعدات الأجنبية لمواجهة أصعب مشكل في الدولة آنذاك ألا وهو هجوم الروس، غير ذات فاعلية لم يتوان في أن يمحور فكره في اتجاه ايجاد حل لمنع الإنفعال ومنع تضامن طوائف القفقاز مع الروس، وبالإضافة إلى هذا شجع عباس ميرزا على بناء نظامه الجديد فكانت نتيجة هذا التأمل هي محاولاته لزرع بذر التضامن الوطني.
واجه أغلب سكان القفقاز وآذربايجان هجوم القوات الروسية على إيران في ظروف لم يكونوا يدركوا فيها بوضوح ماهية الإعتداء وكانوا شاهدين على تعاون الخائنين المحليين مع الروس. وأدى انقطاع علاقتهم بالبلاط القاجاري وعدم وجود علاقة ورابطة ملموسة ومتقابلة بينهم وبين الحكام القاجاريين، ادى طبعاً إلى تقوية واثبات فكرة أن الحرب الروسية القاجارية كانت في الواقع حرب قوتين هما: البلاط الروسي والبلاط القاجاري. ولأن هذه الرؤية كانت مدعومة من طرف بعض الخائفين الذين كانت تجمعهم مواثيق بروسيا، لم يعد هناك بالطبع مجال للدفاع عن الوطن. فكثيراً ما حصل أن عدد من الناس الذين لم يكونوا على علم بعد بمصير الحاج خليل خان جوانشير([563])، أمثاله كانوا لا يفرقون بين سلطة الروس والبلاط القاجاري.
مع علم واطلاع ميرزا بزرگ على الوقائع، وفي الوقت الذي كان يجد فيه أن القاجارية دولة خاضعة للظروف الحاكمة وليست الدولة المطلوبة، أجبر بالإضافة إلى توضيح ماهية الحرب الإيرانية الروسية والأهداف النهائية للروس ونتائج الانتصار على المسلمين، على وضع الأصبع على هذه النكتة وهي أن الحرب القائمة هي حرب على الماهية الوطنية والعقائدية([564]) بادعاء الروس وراثة صليب القسطنطنية وبهدف الإنجاز على اراضي المسلمين، تسلحوا بالأسلحة الاعتقادية، لهذا أصبح واجباً على مسلمي القفقاز والآذربايجانيين أن يستندوا إلى غيرتهم الوطنية واعتقاداتهم الدينية في النهوض لمواجهة روسيا في الحرب.
على خلاف كثير من رجال السياسة المغترين الذين لا يملكون البصيرة الكافية، كان ميرزا بزرگ عالماً بهذه الحقيقة وهي أن الناس كانوا يعتبرونه واحداً من خادمي الحكومة وكانوا لا يثقون به بالرغم من وجود تفاوت واختلاف كبير في ماهية شخصيته وتصوراته مع الرجال القاجاريين. كذلك كان يعلم جيداً أن الطوائف المختلفة الإيرانية في سامان، على الرغم من أنها كانت تحكمها جميعاً اوثق وأقوى علاقات التضامن الوطني، إلا أنه بسبب الابتعاد لقرون متمادية عن الوصول للحكومة الوطنية، وضعوا أصول وحدتهم في قالب مجموعة إيرانية،… وبالانتقاص من الهوية الوطنية، وضعوا هوية طائفة من العناصر ذوي النفوس المريضة في مقابل الأجانب. كان ميرزا بزرگ يدري أن تجديد أصول التضامن الوطني بين الطوائف المسلمة المختلفة من القفقازيين والآذربايجانيين لا يمكن أن يتم عن طريق الإعتماد على الأصول الوطنية المنسية والمهملة ولا عن طريق محاولات الحكومة القاجارية التي استحدثت شرعيتها من السيف، لهذا كان لزاماً أن يستفيد من عوامل أخرى لأجل الوصول إلى تجديد احساس التضامن الوطني ولأجل طرح المصير المؤسف المشترك بين الطوائف في حالة انتصار الروس. يظهر سير محاولات ميرزا بزرگ في ذلك العهد بوضوح أنه استنتج أن الجوهر الرابط بين الأشكال القومية المختلفة هو الاعتبار الوطني وادراك الواجبات الدينية مقابل العدو الأجنبي. لهذا الغرض لم يتأخر ميرزا برزگ في جلب رضا الملك القاجاري وعباس ميرزا لمرافقته، وأرسل ميرزا محمد باقر سلماسي إلى العتبات والمدن الكبرى للحضور بين يدي المجتهدين، والطلب منهم أن يساهموا في تغيير التفسير الموجود بشأن الحرب، عن أنها «حرب بلاطين» إلى حرب أمة الإسلام ضد «أمة الكفر» وذلك بكتابة رسائل تحث على الجهاد. وبعد وصول فتاوى علماء الشرع الجهادية، انهمك ميرزا في تدوينها وتنظيمها وبالإضافة إلى هذا الإنجاز، أزاح بزرگ الستار عن جوانب وآفاق افكاره وذلك خلال شرحه وتفسيره لمجموعة من المسائل والقضايا الجهادية. كما عمل من خلال تحريك الغيرة الدينية واظهار التناقضات الموجودة بين افكارهم واعمالهم المغرورة، على وضع حدود بين هويته وهوية الروس فالقاسم المشترك في هويتهم هو اعتقادهم بالإسلام، كتب ميرزا بزرگ بصراحة يقول:
«ما هذا الإسلام الذي يذهب أهله تحت راية الكفر بسبب الأنانية، وما هذا المسلم الذي يعلي كلمة الكفر بسبب حبه للوطن؟ لماذا يعطي المسلم الجزية للكافر؟ لماذا يتبع المؤمن الشرك؟ ليس هذا عمل المؤمن وليس هذا وفاء بعهد «ألست»… نعم إذا كنت مدعياً الوفاء اذهب حالاً إلى ميدان الجلاء، وكن هدفاً لسهم البلاء، وضع رقبتك تحت سيف الهجرة، وابحث عن عذاب وبلاء الغيرة لأن الأول والأخير، المولى والعبد، كل من تذوق شهد المحبة وشرب كأس المحنة، نجا من التعليقات والتحق بالفوز والصدق، ومن يظن أن التعب غير موجود، مثل الغني الذي لا كنز له. شمر على ساعد الهمة وارفع القدم في طريق الهجرة حتى تصل إلى مقام النعمة المقصود، وتنال نعمة الرضا المعهود، هذه هي نية صاحب الإرادة، وفكرة مريد السعادة. هذا هو طريق الصفا ومصدر الوفا»([565]).
أشار ميرزا بزرگ في مكان آخر من خلال استفادته من «جهادية» آقا سيد علي طباطبائي إلى أقسام أخرى من الإعتبار الوطني وسعى كذلك إلى الدفع بالشعب نحو التحريك الذهني والعيني:
أيها المتدينون، أيها المسلمون وأيها الشيعة، أيها المتدينون، ويا أيها المسلمون! ويا شيعة علي بن أبي طالب، أغيرتكم تقبل أن يسيطر الروس على عرضكم ومالكم ودينكم، ودولتكم؟ أترفع راية الكفر وتسلب الشهادتان من المسلمين؟ أتصير نساء المسلمين زوجات للكفار»([566]).
علاوة على تزلزل واضطراب إحساس التضامن الوطني بين مختلف طوائف الناس في إيران في زمان ميرزا بزرگ ومع وجود الروس في المناطق المستعمرة ظهرت بين بعض تلك المناطق توجهات للتوافق والمسالمة مع السلطة السياسية والثقافية. كانت غفلة الناس عن كنه التضامن الوطني قابلة للجبران، أما التوجه والاعتقاد بترك الهوية مع الأحساس بحقارة الثقافة الذاتية واحترام ومدح ثقافة المهاجمين فكان داءً له جذور مؤلمة يستحيل معالجتها. لقد أبان الروس منذ الوهلة الأولى لاستعمار القفقاز أنهم يريدون إحداث هذا التغيير الثقافي. لهذا السبب سعى ميرزا بزرگ بالإستناد إلى عنصر التضامن المشترك والمتجذر بين سكان مناطق أرس وبين سكان هذه الضفة من النهر، يعني عنصر الإيمان والأرض المشتركة، سعى في البداية إلى دعوة الأشخاص الذين يستطيعون الهجرة إلى ترك المناطق الإستعمارية، ودعى أيضاً اولئك القادرين على الهجرة إلى الحفاظ على أصالة اعتقاداتهم ووطنيتهم.
لا نشك في أن محاولات ميرزا بزرگ على تمام الأصعدة كانت تنم من أصالة شخصيته، ولكن الحقيقة التي ينبغي قبولها هي أن القيم والآمال والصدق لا تحقق لها على أرض الواقع، كان يحتاج تحقيق آمال ميرزا بزرگ إلى توفر عنصرين عاملين كحد اقل، الأول: المعرفة الدقيقة للناس في سامان بسبب امتياز هويتهم العقدية والوطنية على الروس. الثاني: ادراك دواعي السياسة والإقتصاد في هذا القسم عن ارس. للأسف يجب القول أنه لم يكن لهذين العنصرين وجود ثقافي وسياسي دائم على أرض الواقع. بالإضافة إلى هذا، لم تكن للحكومة القاجارية الكفاية والأهلية اللازمة أو على الأقل لم تكن لها المشروعية لتمثيل إحدى هذه القيم المذكورة. لهذا كان واضحاً ومؤكداً أن أفق آمال وتصورات ميرزا بزرگ لن تذهب بعيداً عن أفق فكره ولن تصل إلى درجات عالية وما كان لتحويل وتغيير الواقع والطرق المسدودة في المجتمع الإيراني لذلك الزمان؛ أن يحرك الغيرة، للحصول على المعرفة اللازمة لمجتمع ذلك الزمان لفهم هذا الكلام وهو أن موافقة الأجانب كانت ستؤدي في أحسن الظروف إلى اتباع الأجانب كظل لهم، لا أقل ولا أكثر. كان يحتاج المجتمع كذلك لأجل ثقته بنفسه ولأجل معرفته مكانته والوقوف في وجه كل الأسباب والعوامل التي تضرب وحدته إلى عوامل أبعد من محض الآمال والتصورات الصادقة لأن عصر فتحعلي شاه كان مفتقداً لكليهما. لنتأمل في كلام ميرزا بزرگ الصادق، عن الإستحالة للخضوع لسلطة العدو وهو يخاطب سكان المناطق المستعمرة قصد انقاذ أنفسهم. فهو بعد التوصية بالمقاومة والجهاد ضد الروس، يخاطب اولئك الذين لا يمتلكون القدرة على مواجهة كفار بني الأصفر فيقول:
«شمر على ساعد الهمة، وارفع القدم في طريق الهجرة، حتى تصل إلى مقام النعمة المقصودة، وحتى تنال نعمة الرضى المعهودة، هذه هي نية صاحب الإرادة وفكرة مريد السعادة، هذا هو طريق الصفا ومنبع الوفا»([567]).
نختم كلامنا حول ميرزا بزرگ وشخصيته وتصوراته بتقرير سر رابرت كارپورتر:
«هذا الإيراني هوحقيقة شريف، رجل تقي في حوالي الخمسين من عمره وجهه يشع دفئاً ورحمة له أعين نافذة ثاقبة، وعند الضرورة تصير كل أعضائه قوية حتى توحي بعمل رجل وزير. كان أهلاً للثقة التي وضعها فيه الأمير في جميع النواحي السياسية في هذه الدولة؛ وطنية بما في الكلمة من معنى، وهي بمنزلة الطفل الرضيع. أما ميرزا بزرگ فهو استثناءً يتمتع بفن إدارة الدولة والقدرة وحسن الإقبال والعظمة النابعة من الحكومة الصحيحة. وهو من الناحية التربوية رجل مقتدر، ليس لديه أي اهتمام بمقام شخصيته، هو مبسوط اليد أكثر من أن يكون يفكر في جلب الربح، ولهذا السبب يحظى بمرتبه عالية»([568]).
انتهى ما كتبه لنا المحقق الإيراني وننتقل الآن من هذا الايجاز إلى التفصيل. تفاصيل ما تقدم من الأحداث التي مر ذكرها عرضاً فيما تقدم من البحث نفصلها فيما يلي من القول:
لما قتل «آقا محمد خان قاجار» أول الملوك القاجاريين ـ لما قتل في مدينة «شوشى» في القفقاس كان ابن أخيه ولي عهده في طهران. وولي عهده هذا هو ابن «حسين علي حسن خان قاجار» المعروف بلقب «جهان سوز» (حارق الدنيا) ابن «محمد حسن خان قاجار» بن «فتح علي خان قاجار»([569])، ولما ولد ولي العهد هذا سمي «فتح علي» باسم جده. ولذلك عرف في أوساط الأسرة باسم «بابا خان»، إذ هو سمي أبيهم الأعلى. ثم اشتهر بهذا الاسم بين العموم.
فلما بلغه نبأ مقتل عمه تولى منصب الملك باسم «فتح علي شاه» في يوم السبت 21 ذي الحجة سنة 1212هـ. وتوفي يوم الخميس 19 جمادى الآخرة سنة 1250هـ. فيكون قد ملك سبعة وثلاثين عاما وخمسة أشهر وتسعة أيام بالحساب الهجري القمري. وكانت ولادته سنة 1185هـ. فيكون عمره يوم تولى الملك سبعة وعشرين عاماً، وعمره حين توفي أربعة وستين عاماً.
ترك «آقا محمد خان» لابن أخيه دولة مستقرة في الظاهر، إذ كان قد أخضع جميع المتمردين، ولكن الواقع أن ما أججه من حروب شديدة وما أراقه من دماء غزيرة في داخل بلاده وفي حدودها([570])، قد أوغر عليه صدوراً كثيرة. ولذلك كانت ممارسة الملك مهمة صعبة على ابن أخيه وخليفته «فتح علي شاه». فقاسى الشدائد من الأحداث الداخلية والخارجية، شدائد امتدت طوال المدة التي قضاها في الحكم، وأوقعها به أولئك الذين نكَّل بهم عمه فأصبحوا أعداء له ولأعقابه من بعده.
وكان أشدها عليه الاحتفاظ بالإيالات الواقعة في القفقاس في الشمال الغربي من إيران. فإن المجازر الرهيبة التي أوقعها عمه في جورجيا التي عرفت باسم گرجستان قد أثارت غضب جميع النصارى المقيمين في تلك النواحي من نهر «أرس» على إيران، وجعلتهم يخشونها ويحذرونها. ووضعت في يد صقالبة([571])، الشمال ذريعة للتوسع، بحجة أنهم مضطرون إلى حماية أهل ملتهم نصارى تلك الأقاليم من تعدي الإيرانيين عليهم.
في غرة المحرم سنة 1211هـ، إذ قام «آقا محمد خان» بالغزوة الثانية لگرجستان (جورجيا) أقام ابن أخيه هذا في العاصمة وسلمه زمام أمور الدولة. ومع ذلك فإنه لما قتل في نواحي نهر «أرس» قامت في وجه «فتح علي شاه» مصاعب ثقيلة وهو يريد تولي المنصب الملكي الذي هو إرث له. وأهم هذه المصاعب كان الاختلافات العائلية التي أوجدها ما عرف عن «آقا محمد خان» من غدر ونقض للعهود ونكران للجميل، حتى إنه غدر بأرحامه الأدنين، وقد ظلت هذه الخلافات راسخة في العائلة القاجارية المالكة بعد ذلك، فما اعتلى العرش واحد منهم إلا نازعه إياه غير واحد من القاجاريين.
ملك «فتح علي شاه» وهو شاب في السابعة والعشرين من عمره. ومع ذلك كانت تنقصه أهم خصال الشبيبة من شجاعة وجرأة. كانت فيه معائب عمه «آقا محمد خان» جميعها من دون حسناته من حسن تدبير وشجاعة. كان، كعمه، محباً للمال، بل إنه فاق عمه في هذه الصفة. فقد كان عمه لا يتأخر في تأدية ما يترت عليه من نفقات لتجهيز الجيوش وأعطيات الجنود. أما «فتح علي شاه» فكان على العكس، ومن أهم أسباب انكساره مرتين في محاربته للروس بخله على جنوده، حتى إنه امتنع عن إمدادهم بالطعام والعلوفة وهم في ميدان الحرب. وكان يتوقع أحياناً أن تشارك إنكلترا في تأدية نفقات حربه هذه!.
روى أحد رجال «فتح علي شاه» أن ولي عهده وقائد جيشه في محاربة الروس «عباس ميرزا» كان يحتاج إلى متعهد للرصاص لصنع طلقات البنادق، وأبوه يبخل عليه بالمال لشراء الرصاص. وقال له مرة: إن ثمن الرصاص غال، وتوفير الرصاص اللازم لعتاد الجيش يقتضي ميزانية ضخمة. فلماذا لا تأمر بجمع الرصاص الذي يسقط على الأرض في ميدان الحرب، وإعادة صهره وصنعه؟.
وزاد في جبن «فتح علي شاه» الطبيعي اعتقاده بالخرافات، كاختصاص نجوم بالسعود وأخرى بالنحوس، وتوسله بالطلاسم والسحر لقضاء الحاجات. ومن ثم كان أبعد شيء عن الحزم والصبر على الشدائد.
وكان أكفأ أبنائه وأشجعهم وأنزهم «عباس ميرزا» نائب الملك وولي العهد. ولم يكن أكبر أبنائه. ولذلك كان من هم أكبر من إخوته يرون أنهم أحق بولاية العهد.وكان «عباس ميرزا» هذا قائد جيوش أبيه في جميع الحروب المهمة التي خاضها. وكان إخوته يسعون إلى إسقاط منزلته وإذلاله في البلاط.
نصب «فتح علي شاه» أبناءه حكاماً على مختلف نواحي إيران، ومنها النواحي الحدودية الحساسة، في المغرب والجنوب والجنوب الغربي والجنوب الشرقي. ولم يقتصر شرهم على ما كان بينهم من خصومة وأن كلاً منهم لا يألو جهداً في الكيد للآخر بكل نوع من أنواع العرقلة في العمل والفتنة. بل كانوا أيضاً يعصون أوامر الحكومة المركزية. وكانت هذه السيرة تؤدي بالضرورة، إلى إضعاف إيران في مواجهة جيرانها والأجانب بصورة عامة، وتسهل على أعدائها طريق الوصول إلى مقاصدهم. فكانت أيام ملك «فتح علي شاه قاجار» أسوأ ما مر بإيران من عهود. ولم يسبق أن فقدت إيران أجزاء مهمة من أرضها بقدر ما فقدته في تلك الحقبة.
الأوضاع الخارجية
وزاد الأمر سوءاً أيام تملك «فتح علي شاه» أن أنظار الدول القوية اتجهت يومئذ إلى ثروات آسيا وأفريقيا، فاندفعت إليهما تستعمر أرضهما أو تستولي عليها بعنوان الحماية، وليس في القارتين قوة مادية ولا معنوية تستطيع مقاومة الطامعين.
في شمال إيران لا تنفك الامبراطورية الروسية الواسعة تزداد سعة وقوة يوماً فيوماً. وفي غرب إيران اتفقت دول أوروبا جميعها على الامبراطورية العثمانية حتى قضت عليها واستولت على تركتها. وفي شرق إيران لا تنفك قبضة انكلترا تزداد استحكاماً وقوة على شبه القارة الهندية. ودول العالم الكبرى، ولا سيما روسيا وفرنسا والنمسا، تتطلع أنظارها إلى ثروات الهند الضخمة المنقادة لكل طامع، ولا تنفك تتحرى كل وسيلة لتقصر يد انكلترا عنها، وإيران جارة الهند والطريق الطبيعية لأوروبا، ولا سيما روسيا وفرنسا، للوصول إليها. فروسيا تسعى جهدها إلى تقليص أرض إيران لتزداد قرباً من الهند، وفرنسا تأمل أيضاً بأن تجعل من أرض إيران طريقها إلى الهند. وإنكلترا تسعى ما استطاعت إلى توسيع الفاصل ما بين مستعمرات روسيا والهند، وتقوية استقلال أفغانستان لتبقى حاجزاً يصد عن الهند.
وفي الجنوب لم يكن لإنكلترا بد من أن تجعل العرب القاطنين في أطراف الخليج خاضعين لحكومة الهند، لكي تطمئن إلى سلامة طريق الهند من تلك النواحي.
هذا ولإيران في الهند نفوذ ثقافي وأخلاقي وحضاري راسخ، بدأ من القرن الهجري الخامس، من زمن السلطان محمود الغزنوي. حتى إن اللغة الفارسية ظلت مدة ثمانية قرون اللغة الرسمية لجميع الحكومات التي قامت في الهند. بل إن اللغة الفارسية كانت هي الرابطة بين طوائف الهند المختلفة. وهي طوائف يستقل كل منها بلغة خاصة لا تفهمها الطوائف الأخرى. وبينها أيضاً تباين في العقائد الدينية. ولم يكن بينها من جامعة غير اللغة الفارسية. بل ظلت اللغة الفارسية اللغة الرسمية للحكومة الإنگليزية في الهند إلى سنة 1850م، الموافقة 1266هـ إذ استطاع الإنكليز يومئذ إبطالها وإحلال اللغة الإنكليزية في محلها. فكان هذا الوضع يعد أيضاً في جملة العوامل التي تضطر الطامعين في الهند إلى إضعاف إيران لإضعاف نفوذها الفكري في الهند.
هذه الأوضاع العالمية جعلت إيران يومئذ ميداناً حامياً للمنافسات القائمة بين دول أوروبا، ولا سيما إنكلترا وروسيا. وبلاط «فتح علي شاه» العاجز يتأرجح بين مختلف الاتجاهات. ولم يتهيأ لإيران يومئذ رجال أكفياء يستطيعون النهوض بالمسؤوليات المترتبة على ما يدبر لإيران من دسائس متنوعة وراء الستار. و«عباس ميرزا» ابن «فتح علي شاه» ونائبه وحده من كان أهلاً لذلك لما أوتي من مواهب فطرية. وقد هيأ يوم كان نائباً عن الملك في تبريز بضعة رجال أكفياء بإرشاداته وتوجيهاته. أشهرهم «الميرزا عيسى الفراهاني» المعروف بلقب «القائمقام» ولقب «الميرزا الكبير» وابنه «الميرزا أبو القاسم» المعروف أيضاً بلقب «القائمقام» وكان كاتباً شاعراً اتخذ لنفسه اسماً مستعاراً هو «ثنائي». ولكن ما حيلة هذين الرجلين العظيمين وسط هذا الخضم من الدسائس والفتن؟! وأدت تلك الأوضاع المتردية إلى نتائجها المشؤومة.
واتفق أن أقام في أوروبا، (أيام) ملك «فتح علي شاه»، رجال عظماء غيروا مصير العالم المتمدن وجعلوا الدنيا بأسرها لعبة قدراتهم السياسية والعسكرية وحولت خطط «نابليون» الأول امبراطور فرنسا و«بولس» و«الاسكندر» امبراطوري روسيا والأمير «مترنيخ» رئيس وزراء النمسا دولاً أقوى من إيران إلى دول عاجزة. فكيف بإيران، وهذه حال ساستها وحكامها؟! وفي تلك الأيام، في القرن التاسع عشر الميلادي الموافق للقرن الثالث عشر الهجري، فقدت إيران أكثر من ثلث أرضها في جهة الشمال الشرقي والشمال الغربي والشرق والغرب.
غرور فتح علي شاه
كان «فتح علي شاه» مستبداً برأيه لا يستشير أحداً في قراراته. وكثيراً ما كان يغضبه أن يشير عليه أحد برأي يخالف رأيه، وكان يرى أن أعمال الدولة جميعها يجب أن توافق هواه الخاص. وأعظم ما منيت به إيران يومئذ من مصائب إنما كان جهل هذا الشاه بكل ما يقتضيه منصبه من أمور، خصوصاً الأوضاع العالمية وتعقيدات ذلك الزمان السياسية، والتعقيدات التي بلغت حداً بعيداً من الغموض والتشعب. وإلى هذا غرور فيه يصرفه عن تحري الحقائق واستكشافها فلا يرى في نفسه حاجة إلى ذلك، ويرى جميع ملوك العالم أدنى منه مكانة.
وكان «فتح علي شاه» يعالج السياسة الخارجية ويعامل الدول الكبرى، أي روسيا وانكلترا وفرنسا والدولة العثمانية، ويدخل ميادين الحرب بمثل هذا الغرور والجهل، فلا يتصور أن دولة من هذه الدول تستطيع التغلب عليه، أو أنه يمكن أن يرتكب خطأ ما.
وكان محباً للمال. يقبض يده عن بذل المال حتى في تجهيز الجيش وأشد حالات الحرب حاجة إلى المال. وبعد كل من الحربين اللتين وقعتا بين روسيا وإيران، وانهزم فيهما «فتح علي شاه» كان حديثه في مفاوضات الصلح جميعها يدور على طلب إنقاص مقدار الغرامة التي تطلبها روسيا من إيران، ولم يتحدث قط عن إنقاص مقدار الأرض التي تحتلها روسيا من إيران! وسيأتي ذكر معاهدة انعقدت بين إيران وإنگلترا. وفي هذه المعاهدة مادة تقضي بأن تمنح إنكلترا إيران مقداراً من المال في كل شهر إذا وقعت حرب بين روسيا وإيران. وقد نقضت إنكلترا هذه المعاهدة، وصار هذا النقض موضوعاً لمذاكرات بين إيران وإنكلترا دامت بضع سنوات، لم يكن «فتح علي شاه» يشكو فيها من شيء إلا رفض انكلترا تأدية المال الموعود!.
ومثل هذا الشاه كان من الطبيعي أن يحشد في بلاطه المتملقين. ومن أجل أن يعفي نفسه من الإنعام عليهم بشيء من ماله الخاص كان يطلق يدهم على الناس يسلبون منهم ما يشاؤون، وهم يخدعونه ويضللونه بالتملق، ويزينون له سيئاته ويجعلونها في عينيه حسنات!.
كانت إيران قد أصبحت، من جهة الشمال والجنوب والشرق، ملعب السياسة الأوروبية ومحط أنظار الطامعين الأجانب. وكانت المحافظة عليها تقتضي رجالاً من أهل الشجاعة والفداء والتدبير والإطلاع على وقائع السياسة العالمية. وكان «فتح علي شاه» وكل رجال بلاطه تعوزهم هذه الصفات.
وكان أعظم خطر تتعرض له إيران يأتيها من ناحية شمالها الغربي والقفقاس، فلما توسع الصقالبة الروس وزال ما يفصل بينهم وبين تلك النواحي وأصبحوا جيراناً لأهلها، اتبعوا سياسة خاصة أفادتهم كثيراً وألحقت بإيران أضراراً عظيمة. وأعلن امبراطور روسيا نفسه رسمياً حامي نصارى القفقاس. وكانت النتيجة أن خرجت تلك النواحي الغنية من إيران.
وبالإجمال كان «فتح علي شاه» في تصرفاته وحروبه جميعها لعبة السياسات الأجنبية. وكان عهده بداية عهد الانحطاط وأشد أشكال الفساد في تاريخ إيران.
اختلاف إيران وروسيا
من أزمنة تاريخية قديمة إلى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ونهاية القرن الثاني عشر الهجري، ظلت حدود إيران الطبيعية من جهة الشمال الغربي جبال القفقاس.
وفي القرن الميلادي الثالث قدمت من تركستان الصينية طوائف من الأتراك الرحَّل واحتلت شيئاً فشيئاً السواحل الشمالية والغربية من بحر الخرز. وأقامت وراء نهر «جيحون» ووراء جبال القفقاس، مجاورة إيران، وبقي هؤلاء في أماكنهم تلك يجاورون أيضاً أقواماً من الأوروبيين عرفوا باسم «الصقالبة» (السلاف) إلى القرن الهجري الرابع، إذ دخلوا إلى إيران من جهة الشرق. وفي القرن الهجري الثامن دخلوها من جهة الغرب.
كان الصقالبة يتقدمون إلى السواحل الشمالية الغربية من بحر الخزر ومصب نهر «الفولغا» ويطردون الأتراك نحو الجنوب، نحو أرض إيران. وفي تلك الحقبة تواجه الإيرانيون والروس. وذكر اسم الروس في تاريخ إيران أول مرة سنة 911هـ إذ قطع جيش روسي بحر الخزر على أسطول من ست عشرة سفينة وأغار على «طبرستان» ووقعت معركة بينهم وبين الإيرانيين.
ومن ذلك التاريخ إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي، القرن الحادي عشر الهجري، قام الروس ببضع هجمات على نواح مختلفة من إيران، لم تؤد إلى احتلالهم شيئاً من أرض إيران ولا جرت وراءها ذيولاً.
وفي سنة 1668م، الموافقة 1079هـ، وقعت مجاعة في نواحي نهر «الدنيير» من روسيا، فهاجرت جماعة كبيرة من أهلها إلى نواحي نهر «الدون». وهناك جندهم أحد القوزاق، واسمه «ستانغورازين» وأخذ يغير بهم على سواحل بحر الخزر ويحتلها شيئاً فشيئاً إلى أن أغار في ربيع تلك السنة من طريق البحر على ساحل إيران بين «دربند» و«باكو».
فأمر «الشاه سليمان الصفوي» الثاني([572])، حاكم «جيلان» أن يصده، ودافع أهالي ذلك الإقليم دفاعاً شديداً ردوه على أعقابه، بعد أن كان عسكره قد وصل إلى أبواب مدينة «رشت». وانتقم «ستانغورازين» لهزيمته بإيقاع مذبحة عظيمة بأهالي مدينة «فرح آباد» من أعمال مازندران. وكان الإيرانيون قد جهزوا أسطولاً لمقاومته فتمكن من إغراقه في سنة 1669م الموافقة سنة 1080هـ، ولكنه لم يعد بعدها إلى التعدي على أرض إيران.
وفي مطلع القرن الثامن عشر الميلادي كان قياصرة روسيا يحادون أرض إيران بسبب إجلائهم الأتراك الغربيين المقيمين وراء جبال القفقاس وإخضاع من بقي منهم لحكمهم، بعد أن ظل هؤلاء الأتراك مدة قرون يفصلون الإيرانيين عن الصقالبة الروس.
وكانت أرمينيا وگرجستان (جورجيا) موضع نزاع حربي طويل بين الملوك الصفويين والملوك العثمانيين. ولكنهما كانتا، في الغالب، تتبعان إيران وتؤديان الخراج إليها. وكانت تحكم «كرجستان» سلسلة من الأمراء النصارى قد تخلقوا بأخلاق المدنية الإيرانية، حتى إن أكثرهم كانت أسماؤهم إيرانية. بل كانوا يبعثون بأبنائهم وأقربائهم إلى أصفهان يقيمون فيها. وكان كثير من بناتهم متزوجات بأمراء من الصفويين.
وأول من عزم على التسلط على إيران من قياصرة روسيا هو «بطرس الكبير». فقد كان يريد الاستيلاء على ممتلكات العثمانيين والتسلط على إيران. وكانت خطته الأساسية هي جعل روسيا مركزاً للاتصال بين آسيا وأوروبا. فبعد أن جعل دول البلطيق تابعة له أراد أن يفتح طريقاً إلى بحار آسيا. وبعد أن حارب الدولة العثمانية في سنة 1711م، الموافقة سنة 1123هـ اتجه نحو إيران. وكان الشاه «سلطان حسين الصفوي»([573]) العاجز أضعف من أن يصد «بطرس الكبير» عن الفتح.
وأرسل «بطرس الكبير» في سنة 1715م الموافقة سنة 1127هـ «آتيمي فولنسكي» سفيراً له إلى إيران. وأعطته وزارة الخارجية القيصرية بياناً مكتوباً بالمطالب التي عليه أن يتحراها في إيران ويزود الوزارة بمعلومات عنها. ولما أطلع «بطرس الكبير» على هذا البيان أضاف إليه بخطه هو نفسه أشياء أخرى. وكان ما طلب منه هو كسب معلومات دقيقة عن طرق المواصلات البرية والبحرية والنهرية الحربية والمدنية بين كل المدن والمرافىء، وغيرها، والأوضاع العامة لكل النواحي، وأي الأنهار (الكبير) يصب في بحر الخزر، وكل ما يتعلق بالقلاع والحصون وأحوال الطرق ولا سيما إقليم «جيلان» وأمثال ذلك.
وأنذر «بطرس الكبير» الملك «واختانغ» ملك كرجستان (جورجيا) بأن يطلعه على أوضاع أرمينيا، إذ أراد أن يعلن نفسه رسمياً حامي نصارى «كرجستان» وأرمينيا. إذ كان هذان الإقليمان يتعرضان أحياناً لغزوات العثمانيين وأذاهم. وكذلك كانوا أحياناً يستاؤون من سلوك الإيرانيين بسبب ما بين الفريقين من اختلاف في الدين.
في هذه الأثناء استولى الأفاغنة على أصفهان عاصمة إيران، وخلع «محمود الأفغاني» الشاه «سلطان حسين الصفوي» عن العرش في 11 المحرم سنة 1135هـ ونصب نفسه ملكاً على إيران.
فلما بلغ هذا الخبر إلى «بطرس الكبير» عزم عل غزو إيران بحجة أنه يريد حماية الملك الصفوي. وفي شهر صفر وشهر ربيع الأول سنة 1135هـ الموافق شهري أيار وحزيران سنة 1722م سار عن طريق نهر «الفولغا» إلى «تيجني نغفو رود» ومنها إلى «حاج طرخان». ومن هناك سار عن طريق البر وابحر إلى مدينة «دربند» وكانت من أرض إيران. وكان جيشه يتألف من اثنين وعشرين ألف راجل وتسعة آلاف فارس من جنوده، ومعهم عشرون ألفاً من القوزاق وعشرون ألفاً من «الكالموك» (شعب من المغول) وثلاثون ألفاً من التتر وخمسة آلاف ملاح. فهذه ست آلاف ومائة ألف جندي.
ومن أين لإيران التي بلغ من ضعفها يومئذ أن تجرّأ عليها حتى الأفاغنة فقضوا عليها، أن تقاوم هذا الجيش العرمرم فلم يلق جيش «بطرس الكبير» غير مقاومة يسيرة قام بها الجنود المحليون من أهل أذربيجان و«جيلان». ثم لم يلبثوا أن انهزموا. وفتح أهالي «دربند» أبوابها وسلموا للفاتح. ولكن «بطرس الكبير» لم يلبث أن تراجع عنها إلى «حاجي طرخان» خوفاً من مجاعة متوقعة. وفي طريق تراجعه بنى قلعة سماها «الصليب المقدس».
ومع ذلك أرسل «بطرس الكبير» فرقة من عسكره لفتح «جيلان» وفي شهر تشرين الثاني سنة 1722م الموافق شهر صفر سنة 1135هـ استسلمت مدينة «رشت». وفي شهر تموز سنة 1723م الموافق صفر 1136هـ، استسلمت «باكو». وفي شهر أيلول سنة 1724م الموافق شهر المحرم سنة 1137هـ عقدت في «سان بطرسبورغ» معاهدة بين وفد إيراني رسمي وبلاط بطرس الكبير تقضي بأن يتعهد القيصر بمساعدة الشاه الصفوي «طهماسب الثاني» وإنجاده بقوة عسكرية بشرط أن يسلم الشاه إلى الدولة الروسية نواحي «دربند» و«باكو» وولايات «جيلان» و«مازندران» و«أسترآباد».
بعد أن خلع «محمود الأفغاني» الشاه «سلطان حسين الصفوي» عن العرش في 11 المحرم سنة 1135هـ. نصب جماعة من رجال البلاط الصفوي الشاه «طهماسب» الثاني» ملكاً على إيران في 20 المحرم من تلك السنة. وقد آل أمره إلى أن خلعه «نادر شاه أفشار». وكان الشاه «طهماسب» هذا يتوسل بكل إنسان وكل شيء ليتمكن من مقاومة الأفاغنة. وكان في جملة وسائله إلى هذه الغاية تلك المعاهدة التي عقدت بينه وبين «بطرس الكبير». ولكن ظهور «نادر شاه» حرم البلاط الروسي من أن يستفيد شيئاً منها.
وقد حمل عجز البلاط الإيراني في تلك الحقبة وتقدم الروس في القفقاس وأذربيجان مسلمي تلك النواحي على الاستنجاد بالبلاط العثماني ـ بل إن دولة كرجستان (جورجيا) المسيحية قبلت في سنة 1722م الموافقة سنة 1135هـ وصاية الدولة العثمانية عليها وصاية اسمية.
ومع ذلك فإن النواحي التي كان «بطرس الكبير» قد اقتطعها من إيران في سواحل بحر الخزر الغربية ظلت في يده. بل إن البلاط العثماني اعترف في المعاهدة التي عقدها بينه وبين روسيا في شهر حزيران سنة 1724م، الموافق شهر رمضان سنة 1136هـ، بأن تلك النواحي هي جزء من أرض روسيا.
وكانت سواحل بحر الخزر الشرقية معدودة أيضاً من أرض إيران. وقد أراد «بطرس الكبير» توسعة مجال حكمه إلى تلك النواحي أيضاً. فبعث في مطلع سنة 1716م الموافق شهر المحرم سنة 1128هـ. بجيش صغير من ثلاثة آلاف جندي من أعراق مختلفة بقيادة شركسي اسمه «كنياز الكساندر بيكوفنش تشركاسكي» إلى تلك النواحي، وأمره ببناء قلعتين إحداهما عند مصب نهر «جيحون» والأخرى في مكان المدينة المعروفة اليوم باسم «كراسنوفودسك». ثم مفاوضة بعض الخانات الحاكمين هناك على محالفة روسيا وإعطائها بعض الامتيازات في بلادهم. وأمره بتحري أوضاع الطرق المؤدية إلى الهند.
ولكن هذا الرسول لم يوفق في مهمته. فقد تحالف عليه بدو تلك النواحي وأهل «خيوه»([574]) وقطعوا الطريق على عسكره وانتهى أمره إلى أن جردوا عسكره من سلاحهم وأسروهم وكانوا قد أذنوا لـ«كنياز ألكساندر بيكوفنش تشركاسكي» هذا بدخول «خيوه» بما هو سفير لروسيا. ولكنهم ضربوا عنقه وعلقوا رأسه على بوابة المدينة.
وانتقم «بطرس الكبير» من هذا العمل بأن ألقى بسفير حاكم «خيوه» الذي في «سان بطرسبورغ» في السجن سنة 1720م الموافقة سنة 1132هـ. وظل في السجن إلى أن مات.
وكان احتلال تلك النواحي من الصعوبة بحيث صرف «بطرس الكبير» النظر عن العودة إلى محاولة احتلالها. وكذلك انصرف عنها خلفاؤه من بعده إلى مدة خمسين ومائة سنة من ذلك التاريخ لم يقدموا فيها على عمل من هذا القبيل.
وظلت روسيا بعد «بطرس الكبير» سبعين عاماً لا تعتدي على أرض إيران. وكان ما يوقفها عن التعدي هو الرعب الذي أوقعته حروب «نادر شاه» بجيران إيران.
وفي عهد «كاترين الثانية»، بعد الحرب الثانية التي وقعت بين روسيا والدولة العثمانية، ولم تبلغ فيها روسيا إلى ما كانت ترجوه من القضاء على العثمانيين، وجعل شعوب البلقان النصرانية أتباعاً لها، ونصب نفسها حامية لهم، وضع رجال البلاط الكاتريني خطة أخرى لبلوغ غايتهم.
ويومئذ كان «بلاتون زوبوف» قائد جيش الفرسان وعشيق الأمبراطورة مطلق اليد في التصرف بشؤون الدولة. وقد عزم على إرسال أخيه «فاليريان» ليستولي على إيران، ويقيم روابط بين روسيا والهند، وبعد أن يحتل مدن إيران ويقيم في كل منها حامية عسكرية، يغير منها على بلاد العثمانيين في آسيا الصغرى. وفي أثناء ذلك يجتاز الجنرال الروسي «الكساندر سوفوروف» البلقان إلى استانبول، ومن ناحية أخرى يدخل الأسطول الروسي مضيق البوسفور ويحاصر العاصمة العثمانية من البحر.
وفي أواخر شهر شباط سنة 1786م الموافق شعبان سنة 1210هـ. سار «فاليريان زوبوف» من «سان بطرسبورغ»، وأعطى وعداً بأن يكون في شهر أيلول من تلك السنة الموافق ربيع الأول سنة 1211هـ. في أصفهان. ولكن حل شهر أيلول و«فاليريان زوبوف» لا يزال يفصله عن حدود إيران ستة كيلومترات تقريباً يكلفه قطعها مشقات عظيمة لوعورة الطريق. فأرسلوا إليه من «سان بطرسبورغ» مهندساً فرنسياً اسمه «دوفالون» ومعه ما يلزم من خرائط جغرافية وأوامر لينظر في أمره. وتبين بعد النظر والتحقيق والتدقيق أنهم إنما يتبعون خطة خيالية واهية. ولذلك توقف عن متابعة السير ومكث في «باكو». إلى أن توفيت الأمبراطورة «كاترين» الثانية في شهر أيلول سنة 1796م الموافق جمادى الأولى سنة 1121هـ. وخلفها على العرش ابنها «بولس»، فبادر فوراً إلى الأمر بتراجع الجيش الروسي عن إيران.
كان «هرقل» ملك كرجستان (جورجيا) قد وضع بلاده في حماية «كاترين الثانية»، وكان حاقداً على دولة إيران بعد الحرب التي شنها عليه «آقا محمد خان قاجار» سنة 1209هـ وكان هذا الوضع في جملة الأسباب التي حملت «كاترين الثانية» على محاولة غزو إيران. وكان «مرتضى قلي خان قاجار» أخو «آقا محمد خان» هارباً منه لاجئاً إلى «كاترين» إذ كان لا يأمن أخاه على نفسه. وكان له أثر في تحريض الأمبراطورة الروسية على تجهيز هذا الجيش لغزو إيران.
ولم ينتج عن تجييش هذا الجيش وإرسال «فاليريان زوبوف» في تلك المهمة سوى شيء واحد هو زيادة ما بين البلاط الروسي والبلاط الإيراني من عداء، فبدأ «فتح علي شاه» ملكه وهو خائف من روسيا. وأدى ذلك إلى نشوب حربين كبيرتين بين الدولتين.
فتح علي شاه ونابليون الأول
كان الفرنسيون أول من حاول فتح الهند من الدول الأوروبية في سنة 1503م الموافقة سنة 908هـ وبعدهم الإنكليز في سنة 1600م الموافقة سنة 1008هـ.
وبعد نجاح الإنكليز وتقدمهم في الهند وخيبة فرنسا وقصور يدها عنها لم يقطع الفرنسيون أملهم من الهند. وكانت روسيا أيضاً تطمع فيها ولذلك ظل موضوع الاستيلاء على الهند يشغل الساسة الفرنسيين والروس زماناً طويلاً. وإذ كانت الطريق البرية الطبيعية للوصول إلى الهند تتصل بإيران فقد اهتمت دول أوروبا ولا سيما من كان منها طامعاً فيها اهتماماً خاصاً بإيران من مطلع القرن التاسع عشر الميلادي والقرن الثالث عشر الهجري. وكان هذا الاهتمام سبباً في إيقاع إيران في مصائب وبلايا طاحنة.
وفي سنة 1804م الموافقة سنة 1219هـ، اعتلى «نابليون بونابرت» عرش فرنسا. وقد خطرت له فكرة جريئة جداً هي أن يغزو الهند من طريق إيران.
ويوم نوى «نابليون» أن يستعين بإيران لإنفاذ خطته الجريئة كان «فتح علي شاه» مشغولاً بالحرب الأولى التي وقعت بين إيران وروسيا ودامت أكثر من عشر سنوات. دامت من سنة 1803م الموافقة سنة 1218هـ إلى 12 تشرين الأول سنة 1813م المواق 8 شوال سنة 1229هـ.
ولما أحس «فتح علي شاه» العاجز في هذه الحرب بأنه لا قبل له بقيصر روسيا «الإسكندر الأول» وجنوده، وسمع بفتوحات «نابليون» الاول واختلافه والقيصر الروسي، عزم على الاستنجاد به لمحاربة «الإسكندر». فكتب في سنة 1219هـ إلى «نابليون» رسالة طلب منه فيها أن يغير على روسيا في الربيع القادم، إذ يكون هو في ذلك الوقت قد مضى إلى محاربتها، وبذلك يستطيعان متحالفين إيقاف روسيا عند حدها.
وقد قوت هذه الرسالة فكرة «نابليون» القديمة، فكرة التقرب من إيران لجعلها طريقه إلى غزو الهند. فعزم على إقامة رابطة بين إيران وفرنسا، وأرسل إلى إيران سفيراً هو مستشرق شاب اسمه «آميده جوبير» ومعه رسالة منه إلى «فتح علي شاه» مؤرخة في 16 شباط سنة 1805م الموافق 16 ذي القعدة سنة 1219هـ. ثم أتبعه بسفير آخر هو ضابط عسكري اسمه «روميو» ومعه رسالة أخرى مؤرخة في 30 آذار سنة 1805م الموافق آخر ذي الحجة سنة 1219هـ.
دخل «فتح علي شاه» الحرب الأولى التي وقعت بين إيران وروسيا في شهر رمضان سنة 1218هـ. دخلها وهو مغتر بما سبق من انتصارات «آقا محمد خان» في «كرجستان» يحسب نفسه كفيئاً لها. ولكنه لم يلبث أن تبين أنه أضعف من أن ينهض بمثل هذا العبء. ومن أجل ذلك استنجد بنابليون.
كانت رغبة إيران ورغبة فرنسا في التصادق والتقارب فيما بينهما متساويتين، بسبب ما لابس أوضاع كل منهما من ظروف.
فنابليون عازم على غزو الهند وطرد الإنكليز منها. وقد تبين له عجزه من غزوها من طريق البحر، وأن طريقه البرية إليها إنما هي إيران، ولا طريق غيرها. ولذلك غير خطته السابقة ووضع خطة جديدة لغزو الهند من طريق إيران. وهذا يقتضيه التقرب إلى إيران ومصادقتها.
وإيران ترى نفسها محتاجة إلى المعونة لاسترداد كرجستان (جورجيا) وقد سلبتها منها روسيا وجعلتها ولاية روسية. وهي آيسة من مساعدة الإنكليز. فتوجهت إلى فرنسا. ومن الطبيعي أن يلقى هذا التوجه هوى في نفس «نابليون». وبهذا يتضح أن سياسة «نابليون» في معاملته لإيران إنما كانت جزءاً من خطته لاحتلال الهند، وكذلك كانت سياسته في معاملته لروسيا، جزءاً من خطته لاحتلال الهند. وقد تغير التخطيط بهذه الخطة ثلاثة مرات، وأخرج على ثلاثة أوجه، بمقتضى تغير الحوادث.
فقبل ذلك، حين تبين لنابليون، أنه غير قادر على غزو الهند من طريق مصر، ارتأى أن يحالف روسيا ليتيسر له العبور إلى حدود الهند من جهاتها لقربها من هذه الحدود. ففاوض قيصر روسيا «بولس الأول» في هذا الموضوع واتفقا سنة 1801م على احتلال «أفغانستان» والنواحي الشرقية من إيران وغيرها بجيش من الروس والفرنسيين وبهذا الاحتلال يقفون على حدود الهند ثم ينطلقون إلى داخلها فيخرجون الإنكليز منها. ويبقى ما احتل من الأرض خالصاً لروسيا. وفي مقابل ذلك تؤيد روسيا احتلال الفرنسيين لمصر والبحر الأبيض المتوسط. وفاوضت الدولتان النمسا للحصول على موافقتها على هذه الخطة في مقابل إطلاق يدها في المستعمرات التي للعثمانيين في أوروبا، وهي الصرب وبلغاريا والبوسنة وغيرها.
ولكن حدث قبل إنفاذ هذه الاتفاقات أن قتل «بولس الأول» قيصر روسيا في شهر نيسان سنة 1801م، وخلفه الكساندر الأول. وخضع هذا لإرادة رؤساء عسكره، إذ أرادوه أن يتخلى عن صداقة فرنسا، ويستبدل بها معادهة صداقة بين روسيا وإنكلترا. وكان رؤساء العسكر هؤلاء من الأغنياء وكبار الملاكين، وبينهم وبين الإنكليز معاملات تجارية رابحة، وبهذا اتخذ تخطيط «نابليون» وجهاً آخر.
ففي سنة 1805م وضعت الحرب التي نشبت بين فرنسا وروسيا إيران وفرنسا كلتيهما في مقابل عدو مشترك لهما، فازداد «نابليون» عزماً على محالفة إيران. وتبودلت السفارات بينه وبين «فتح علي شاه»، وانتهت مفاوضاتهما إلى عقد معاهدة صداقة عرفت باسم «معاهدة فينكن شتاين» بين إيران وفرنسا في 4 أيار سنة 1807م الموافق 25 صفر سنة 1222هـ. وقدمت إلى إيران، بمقتضى هذه المعاهدة؛ بعثة عسكرية فرنسية يرأسها الجنرال «غاردان» لتدريب الجيش الإيراني وتقويته. وان تخطيط «نابليون» هذا الجديد يقضي بتقوية هذا الحلف بالسعي إلى إدخال الدولة العثمانية فيه.
ولكن هذا التخطيط لم يلبث أن اتخذ وجهاً آخر. فبعد شهرين من عقد معاهدة «فينكن شتاين»، و«غاردان» لا يزال في طريقه لم يصل بعد إلى إيران، عقد «نابليون» والقيصر الروسي معاهدة صلح بينهما في مدينة «تيلسيت» في «بروسيا» الشرقية. وأصبحت مهمة «غاردان» في إيران إيقاع الصلح بين إيران وروسيا بدلاً من مساعدة إيران على روسيا، والسعي إلى تسالم الدولة العثمانية وإيران وروسيا بدلاً من السعي إلى إدخال الدولة العثمانية في الحلف الإيراني الفرنسي المقاوم لروسيا. ثم الحصول على معاونة الروس والإيرانيين لنابليون في شق طريقه إلى الهند.
وقبل أن يقرر «نابليون» التقرب إلى «فتح علي شاه» كانت انكلترا قد قامت بمسعى مماثل. ففي سنة 1800م الموافقة سنة 1215هـ أوعز البلاط الإنكليزي إلى شركة الهند الشرقية بإرسال سفير من قبلها إلى إيران. فأرسلت «السير جان مكلوم» ـ وهو مؤلف كتاب تاريخ إيران ـ وشرع بمفاوضة البلاط الإيراني في هذ الموضوع. وإذ رأوا الكلام وحده لا يكفي لإقناع «فتح علي شاه» فقد ارتأوا إقناعه بالإرهاب، وذلك باحتلال إحدى جزر الخليج. ولكنهم لم يلبثوا أن عدلوا عن هذا الرأي إلى رأي آخر، هو الرشوة. فبذل «السيرجان ملكوم» لـ«فتح علي شاه» وحاشيته مقادير ضخمة من المال والهدايا بلغت أكثر من مليوني روبية. وحصل الإنكليز منه على وعد بأن لا يقدم على عمل يضر بمصالحهم، ولكنه أقدم بعد ثلاث سنوات على محاربة روسيا. وإذ وجد نفسه عاجزاً فقد استنجد بفرنسا غافلاً عما بينها وبين إنكلترا من خصومة ومنافسة. وبذلك جلب على نفسه غضب الإنكليز.
سفيرا «نابليون» في إيران
بعث «نابليون» المستشرق «آميده جوبير» سفيراً إلى إيران في 16 شباط سنة 1805م الموافق 16 ذي القعدة سنة 1219هـ وكان هذا السفير يتقن التركية والعربية. وسبق له أن رافق «نابليون» إلى مصر. وكان يومئذ يحرر لنابليون ما يلزمه من أحكام ورسائل باللغة العربية. وله اطلاع واسع على أحوال العالم الإسلامي. وأحوال البلاد الروسية، ولذلك كان خير من يقوم بهذا المهمة من الفرنسيين.
سافر «جوبير» من فرنسا قاصداً إيران عن طريق تركيا. وأمرته دولته بالسفر متنكراً، إذ كانت مهمته سرية، ويخشى أن تمنعه الدولة العثمانية وخصوم فرنسا من متابعة سفره إذا عرفت شخصيته. وسار لا يعوقه مانع إلى أن بلغ أرض كردستان العثمانية. فلما وصل إلى مدينة «بايزيد» من تلك الديار، اعتقله الباشا العثماني الذي كان حاكماً عليها من قبل الدولة العثمانية. اعتقله من غير أن يبين له سبب اعتقاله وألقى به في السجن على حالة مزرية. ويتضح من اعتقاله وسجنه بهذه الكيفية أن يداً خفية دبرت هذه المؤامرة عليه، هي يد الذين يرون في سفره ومهمته هذه ضرراً يصيبهم. وقد ظل هذا التاعس في الحبس إلى أن مات باشا «بايزيد» وحينئذٍ استطاع بمنتهى المشقة أن يوصل خبراً عن حاله إلى «عباس ميرزا» ابن «فتح علي شاه» ونائبه وولي عهده، وكان حاكماً على أذربيجان. فقام البلاط الإيراني بمساعي كثيرة حتى استطاع إنقاذ «جوبير» من الموت وجلبه إلى إيران.
ولما انقطعت أخبار «جوبير» عن «نابليون»، وهو معتقل في السجن، بادر «نابليون» إلى إرسال سفير آخر إلى إيران، هو ضابط عسكري اسمه «روميو» في أوائل تشرين الأول سنة 1805م، الموافقة أوائل رجب سنة 1220هـ. ومعه هدايا ورسالة إلى «فتح علي شاه» مؤرخة في 20 آذار سنة 1805م، الموافق آخر ذي الحجة سنة 1219هـ يطلب مساعدته على سوق جيش إلى الهند، وجعل طريق هذا السفير على بغداد.
فلما وصل «روميو» إلى طهران تلقاه البلاط الإيراني بالترحيب والاحترام. ولكن حدث بعد بضعة أيام من وصوله أن مات موتاً فجائياً من غير مرض أصابه. ولم يستطيع أحد أن يعرف سبب موته، سوى الحدس بأن الذين رأوا في قدومه إلى طهران ضرراً ينالهم قد بادروا إلى القضاء عليه. ودفن السفير في مقبرة تقع خارج طهران في الجنوب.
أما السفير الأول «جوبير» فإنه، بعد أن تخلص من سجنه، سار قاصداً طهران عن طريق أذربيجان. وكان «فتح علي شاه» يومئذ في «السلطانية» فذهب «جوبير» إليها. ودخل على «فتح علي شاه» في 14 شوال سنة 1220هـ الموافق 5 تموز سنة 1806م.
معاهدة «فينكن شتاين»
أقام «جوبير» في إيران مدة شهر تقريباً. ودعا «فتح علي شاه» إلى محالفة فرنسا، وأتم مهمته السياسية على أحسن وجه. واقترح مشروع معاهدة بين الدولتين أرضى به الحكومة الإيرانية. وتقرر أن يصحب معه في عودته سفيراً عن إيران إلى «نابليون» لتوقيع المعاهدة هناك.
وأمر «فتح علي شاه» حاكم قزوين «الميرزا محمد رضا خان» بالسفر مع «جوبير» إلى فرنسا وأرسل معه رسالة وهدايا إلى «نابليون».
وفي 25 صفر سنة 1222هـ. الموافق 4 أيار سنة 1807م دخل السفير الإيراني على «نابليون» في معسكره في «فينكنشتاين» في بولونيا حيث كان مشغولاً بمحاربة «البروسيين». ووقعت المعاهدة في ذلك التاريخ. ويومئذ كان «نابليون» مشغولاً بمحاربة الحلف الرباعي الأوروبي المؤلف من بروسيا وروسيا وانكلترا والسويد لمقاومة «نابليون» وقمعه([575]).
وتقضي هذه المعاهدة بأن تؤيد فرنسا استقلال إيران. وتعترف بأن كرجستان (جورجيا) هي من أملاك صاحب الجلالة ملك إيران. وأن يبذل صاحب الجلالة إمبراطور فرنسا وملك إيطاليا (نابليون) كل مساعيه لتجلو روسيا عن «كرجستان» وأرض إيران، وأن يرسل «نابليون إلى بلاط إيران سفيراً فوق العادة من قبله مع بضعة سكرتاريه. وأن يهيء لإيران ما تحتاج إليه من المدافع الصحراوية والبنادق والحراب على أن تكون أسعارها مساوية لأسعارها في أوروبا. وأن يرسل إلى إيران من تحتاجه من العسكريين والمهندسين الحربيين لتنظيم الجيش الإيراني وأسلحته وقلاعه حسب النمط المتبع في أوروبا.
وتقضي المعاهدة أيضاً بأن يتعهد صاحب الجلالة ملك إيران بقطع العلاقات السياسية والتجارية التي بين بلاده وبين إنكلترا. وأن يبادر فوراً إلى إعلان الحرب على تلك الدولة، وأن يعاملها من هذه الساعة معاملة العدو. وبناء على هذا يتعهد صاحب الجلالة ملك إيران باستدعاء سفيره الذي أرسله إلى بمباي. وأن يطرد على الفور قناصل الشركة الإنكليزية وممثليها وموظفيها الآخرين من إيران ومرافىء الخليج، وأن يصادر كل البضائع الإنكليزية، وأن يصدر حكماً قاطعاً إلى ولاياته بقطع كل رابطة مع الإنكليز، سواء أكانت في البر أم في البحر. وكلما اتحدت إنكلترا وروسيا على حرب فرنسا وإيران فإن فرنسا وإيران تتحدان أيضاً عليهما. ويتعهد شاه إيران بأن يبذل كل نفوذه لحمل الأفاغنة على محالفته على إنكلترا. وحين تتيسر له الطريق في تلك النواحي يسوق جيشاً إلى محاربة الإنكليز في ما يحتلونه من أرض الهند. ويمنح شاه إيران كل التسهيلات اللازمة للسفن الفرنسية التي ترد إلى مرافىء الخليج، ويسمح للعساكر التي يبعث بها أمبراطور فرنسا إلى ما تحتله إنكلترا من أرض الهند، بالمرور من أرض إيران. وتعقد بين إيران وفرنسا معاهدة تجارية.
وكان توقيع هذه المعاهدة دليلاً واضحاً على غباء «فتح علي شاه» وجهله. فقد أقدم على معاداة إنكلترا وتحدي روسيا بلا تحفظ، وهما الدولتان القويتان، وإيران على ما هي عليه من ضعف. وذلك من أجل وعد وعده نابليون بأن يعينه على استعادة «كرجستان»، وفرنسا على ذلك البعد الشاسع منها، ولا طريق لها إلى إيران!.
ولم يحصل من هذه المعاهدة نتيجة عملية لأن مضامينها كانت أوهاماً وخيالات. ولكنها ألحقت بإيران ضرراً سياسياً كبيراً إذ زادت إنكلترا عداء على عداء لإيران.
البعثة العسكرية الفرنسية
نتيجة عملية واحدة فقط ترتبت على المعاهدة. وهي إرسال بعثة عسكرية فرنسية إلى إيران لتنظيم الجيش الإيراني وتدريبه.
وإذا كانت هذه المعاهدة تقضي بأن يرسل «نابليون» سفيراً من قبله إلى إيران. فقد اختار لهذه المهمة الجنرال «كلود ماتيو كونت دو غاردان». وعهد إليه أيضاً برئاسة البعثة العسكرية المطلوبة.
وكانت تتألف من خمسة عشر سياسياً وأربعة عشر عسكرياً، وتظهر الأوامر الخطية التي أمر «نابليون» رئيس البعثة بالعمل بها أن فرنسا كانت في تلك الأيام تضع إيران في المنزلة الأولى من الأهمية في موضوع المنافسة بينها وبين إنكلترا وروسيا.
وكانت مهمة «غاردان» إنفاذ مقتضيات معاهدة «فينكنشتاين». ولكنه كان مأموراً أيضاً بأوامر سرية هي تهيئة خطة اثني عشر ألف جندي فرنسي أو خمسة عشر ألفاً من اجتياز أرض أيران لغزو الهند، وأن يطلب من أيران وضع جزيرة «خارك» الواقعة في الخليج في تصرف فرنسا لتستفيد منها في تحركات الأسطول الفرنسي، وكانت له مهمات أخرى هي:
1 ـ تهيئة الجيش الإيراني على نمط يعطيه شكل جيش أوروبي. وإنشاء مصنع للمدافع.
2 ـ تطمين «فتح علي شاه» إلى أن «نابليون» سيستمر في مساعدته إلى أن يتغلب على قيصر روسيا تغلباً قاطعاً، وتصبح القفقاس كلها ملكاً لإيران.
3 ـ التحقيق في مسالك إيران وتعيين الطريق التي يمكن للجيش الفرنسي أن يسلكها إلى الهند.
وكان في مقدمة الصعوبات التي اعترضت «غاردان» في مهمته تقلب «فتح علي شاه» بين الآراء المختلفة، بين ساعة وساعة، وبطء المواصلات بين إيران وفرنسا. ولا طريق بينهما غير طريق تركيا. وقطعها يستغرق، في المعدل، مدة شهرين من الزمان. وصعوبة أخرى هي التفاوت العظيم بين عقلية الإيرانيين. ولا سيما المسنين الذي تتألف منهم حاشية البلاط، ومفاهيمهم وبين عقلية الفرنسيين ومفاهيمهم، وقد بلغ هذا التفاوت بحيث كان يصعب كثيراً على الإيرانيين أن يتبينوا أوضاع فرنسا ويفهموها.
والوصف الذي عرف «فتح علي شاه» به «نابليون» بسفيره الذي وقع معاهدة «فينكنشتاين» يصح انموذجاً بسيطاً لهذا التفاوت. عرف السفير الإيراني بأنه «العالي الجناب الشهم النصاب([576]) الميرزا محمد رضا خان السفير فوق العادة حاكم قزوين وزير([577]) الأمير محمد علي ميرزا». وعرف المندوب الفرنسي الذي وقع المعاهدة باسم فرنسا بأنه «المسيو هوغ برنار ماره الوزير المشاور حامل وسام اللجيون دو نور ووسام سنت أوبر»!.
ويوم قدوم «روميو» السفير الأول المبعوث من قبل «نابليون» إلى بلاط «فتح علي شاه» أراد الإنكليز أن يبعثوا الريب في نفس الشاه، فأطلعوه على وقائع الثورة الفرنسية ومقتل «لويس السادس عشر» وخلع العائلة الفرنسية المالكة. وقد أرابت هذه المعلومات «فتح علي شاه» وأفزعته، وهو يملك في بلد من آسيا، حيث لا عهد للناس بنظام حكومي من غير الملكية الاستبدادية المطلقة.
وقد اضطر «روميو» يومئذ إلى إطالة الحديث في الجواب على أسئلة «فتح علي شاه» وبيان أسباب تلك الوقائع، وشرح الجرائم والأخطاء التي نسبت إلى «لويس السادس عشر»، وإيضاح ما حصلت عليه فرنسا بعد الثورة وفي عهد «نابليون» من عظمة وقوة، ليطمئن خاطره.
وكان «فتح علي شاه» حريصاً على إخفاء ضعفه بالتظاهر بالقوة والمقدرة. وإذا احتاج إلى أحد أظهر نفسه بمظهر القادر على مبادلة نفع بنفع لا بمظهر المفتقر إلى المعونة. من ذلك أنه يوم ورد «جوبير» سفير «نابليون» إلى طهران عرض عليه يوماً ما يملكه من الجواهر لينبهه إلى غناه ويكسب إعظامه له. وحين أرسل سفيره «الميرزا محمد رضا» القزويني إلى «نابليون» أمره بأن يخفي عن «نابليون» خوفه من روسيا، وأن يظهره على العكس، قادراً على أن يضطلع بحربها وحده، وأن تكليف «نابليون» هو أن يشارك في هذا الأمر مشاركة مساوية لمشاركته. وأن إيران قادرة على المساعدة في غزو الهند، وأن عملها العسكري لا يقتصر على مهاجمة الهند في طريق «كابل» و«قندهار»، بل إن الجنود الإيرانيين سينضمون إلى الجنود الفرنسيين حين يصلون بالسفن إلى أحد مرافىء الخليج. ومن هناك يسير الجيشان معاً إلى الهند.
صل الجنرال «غاردان» ومرافقوه إلى طهران يوم 12 رمضان سنة 1222هـ، الموافق 4 كانون الأول سنة 1807م، وشرعوا في عملهم في تلك السنة. فأنشأوا مصنعاً للمدافع وغيرها من الأسلحة في أصفهان([578]). وأنشأوا مراكز لتدريب الجيش الإيراني.
انقلاب في سياسة «نابليون»
اعترضت الجنرال «غاردان» أيام إقامته في طهران صعوبتان: إحداهما منافسة إنكلترا الشديدة له، منافسة ظاهرة أحياناً خفية أحياناً أخرى، ومظاهرة بعض رجال البلاط المتنفذين للإنكليز. والصعوبة الأخرى هي تغير ما بين فرنسا وروسيا من معاملات سياسية، من الخصومة إلى المصالحة. وهو تغير يؤثر بالضرورة تأثيراً سلبياً على العلاقات التي أريد لها أن تقوم بين فرنسا وإيران بمقتضى معاهدة «فينكنشتاين».
استغرقت رحلة الجنرال «غاردان» ستة أشهر تقريباً حتى وصل إلى طهران. وفي هذه المدة انقلبت السياسة ما بين فرنسا وروسيا رأساً على عقب. ففي 2 تموز سنة 1807م الموافق 26 ربيع الثاني سنة 1222هـ، و«غاردان» لا يزال في طريقه ما بين فرنسا واستانبول، أراد «نابليون» أن يطلق قياصرة الروس يده في مقاومة إنكلترا فصالح روسيا بمعاهدة عقدت في مدينة «تيلسيت» في «بروسيا». وبهذه المعاهدة نقض «نابليون» وعوده التي وعد بها إيران في معاهدة «فينكنشتاين». ولما وصل «غاردان» إلى إيران لم يكن الإيرانيون قد علموا بنبأ تصالح فرنسا وروسيا.
وبعد وصول «غاردان» بمدة قليلة عقد معاهدة أخرى بين فرنسا وإيران وقعها هو عن فرنسا ووقعها الصدر الأعظم «الميرزا شفيع» عن إيران تقضي بأن تبيع فرنسا لإيران مقداراً من البنادق، وأن تمدها بفريق من خبراء بعض الصناعات المدنية. ووقعت المعاهدة في 21 كانوا الثاني سنة 1808م الموالفق 12 ذي القعدة سنة 1222هـ. ولكن هذه المعاهدة لم ينتج عنها شيء ولم تحصل إيران على البنادق الموعودة ولا جاء إليها الخبراء المطلوبون.
كانت معاهدة «تيلسيت» شؤماً على إيران. لأن الروس، وقد ظلوا مدة من السنين يحتفظون بقواهم محتشدة في الحدود الأوروبية خوفاً من «نابليون» واستعداداً للدفاع عن أنفسهم، قد أمنوا جانب «نابليون» بعد هذه المعاهدة، وتفرغوا لمتابعة فتوحاتهم، وأخذوا يعدون تجهيزاتهم الحربية على حدود القفقاس.
وقعت الحرب الأولى بين إيران وروسيا في سنة 1219هـ، وانتهت إلى معاهدة «گلستان» في 29 شوال 1228هـ. الموافق 12 تشرين الأول سنة 1813م.
ووقعت الحرب الثانية سنة 1242هـ، في آب سنة 1826م، وانتهت إلى معاهدة «تركمان شاي» في 5 شعبان سنة 1243هـ، الموافق 10 شباط سنة 1827م.
وبهذا تكون الحرب الأولى قد طالت أكثر من تسع سنوات، والثانية ستة أشهر تقريباً.
ويوم قدم الجنرال «غاردان» إلى طهران في 25 رمضان سنة 1222هـ. الموافق 4 كانون الأول سنة 1807م، كانت الحرب الإيرانية الروسية الأولى لا تزال مستعرة. ولكنها متقطعة تتخللها هدنات، وفي أول المدة التي قضاها «غاردان» في إيران كانت هدنة. ولكن الحرب عادت فاستؤنفت و«غاردان» لم يغادر إيران بعد. وظاهرٌ أن استئنافها حدث حين أمضيت معاهدة «تيلسيت» وعاد البلاط الروسي خلي البال من جهة أوروبا متمكناً من متابعة حروب القفقاس وهو مطمئن الخاطر.
فلما استؤنفت الحرب طلب سفير إيران في باريس من الحكومة الفرنسية أن تباحث «الكونت تولستوي» سفير روسيا في باريس، بما ينفع إيران. ولكن الحكومة الفرنسية تجاهلت ما تعهدت به لإيران في معاهدة «فينكنشتاين» وامتنعت كلياً عن محادثة الحكومة الروسية في هذا الشأن.
ومن جهة أخرى، إذ عرف في إيران نبأ إمضاء معاهدة «تيلسيت» وإنشاء علاقات صداقة بين فرنسا وروسيا، طلب المسؤولون في طهران من الجنرال «غاردان» بما هو سفير فرنسا في إيران، أن يباحث المارشال «غوردو فيتش» قائد الجيش الروسي وحاكم «كرجستان» ويقنعه بالانصراف عن الحرب، فأجاب غاردان طلبهم وقام بمساع في هذا السبيل ولكنه لم يتوصل إلى نتيجة.
وهكذا لم تحصل إيران من معاهدة «فينكنشتاين» ومهمة «غاردان» على شيء من النفع السياسي، بل أضرت بها ضرراً سياسياً كبيراً. وما حصلت عليه منها هو تدريب الجنود الإيرانيين وإنشاء صناعة المدافع والبنادق في إيران.
وساطة غاردان بين إيران وروسيا
كانت الحكومة الروسية القيصرية قد أرسلت إلى طهران في 25 ذي القعدة سنة 1220هـ. الموافق 14 شباط سنة 1806م، قبل مجيء «غاردان» إلى إيران بسنتين تقريباً، سفيراً لها فوق العادة اسمه «أستفانوف» يقترح على الحكومة الإيرانية إيقاع الصلح بين إيران وروسيا. وكان ذلك قبل إمضاء معاهدة «تيلسيت» بسبعة عشر شهراً تقريباً. والظاهر أن روسيا كانت يومئذ بحاجة إلى هذا الصلح لتستطيع حشد جميع قواها العسكرية في أوروبا، ولا تكون مضطرة إلى الاحتفاظ بقوى لها على حدود القفقاس. ولذلك كانت مضطرة إلى مسالمة إيران.
ولكن الحكومة الإيرانية كانت موعودة بمحالفة «نابليون»، وتنتظر قدوم السفير الفرنسي، مغترة بأن هذه المحالفة ستمكنها عن قريب من استرداد ما خسرته من أرضها. فأخذت تماطل السفير الروسي «استفانوف» وتدافعه حتى يئس فعاد إلى بلاده في 26 المحرم سنة 1221هـ. الموافق 16 نيسان سنة 1806م، وبعد شهرين من سفره وصل السفير الفرنسي «جوبير» إلى طهران. وفي ذلك التاريخ استؤنفت الحرب بين إيران وروسيا.
وكانت الحكومة الإيرانية تنتظر قدوم الجنرال «غاردان» كما تنتظر الفرج السماوي. ولذلك تلقته لما وصل، بالإكرام والابتهاج والمودة، وبالغت في ذلك كثيراً، وأجابته إلى كل شيء طلبه. وكان استقبالها للبعثة الفرنسية أشبه بالعيد والمهرجان.
وصلت البعثة في آخر شهر تشرين الثاني سنة 1807م، الموافق رمضان سنة 1222هـ، إلى مدينة قزوين قادمة من تبريز. وقد اضطربت إلى المكث في قزوين لا يؤذن لها بمتابعة السفر إلى العاصمة طهران إلا بعد أربعة أيام من وصولها. وقد ذكر «شارل نيكولا بارون فابويه» أحد أعضاء البعثة في مذكرات له علة هذا التأخير. ويتبين مما ذكره بعض ما كان يتملق به الشاه يومئذ من ألقاب وصفات، ويتبين بعض أحوال «فتح علي شاه»، وما ذكره هذا الفرنسي صحيح يعرفه كل من له اطلاع على تاريخ ذلك العهد وما كان عليه «فتح علي شاه» من إيمان بالخرافات، فقال «فابويه»: «إن صاحب الجلالة الملك البادشاه قبلة العالم قطب الدنيا ظل الله وصاحب ثلاثين أو أربعين لقباً أخرى نسيتها، نظر في حركة الكواكب فرأى أن أعضاء السفارة الفرنسية إذا دخلوا طهران في يوم غير اليوم الرابع من كانون الأول أصابهم النحس…».
ووصلت البعثة الفرنسية إلى طهران في اليوم الرابع من كانون الأول سنة 1807م، الموافق 2 شوال سنة 1222هـ. وكانت جماعة كبيرة من الرسميين قد خرجت إلى اسقبالها. وحين دخل الفرنسيون طهران تجمع جمهور كبير من الأهالي لمشاهدتهم. حتى إن «فتح علي شاه» أرسل مهرجي البلاط ليشاركوا في موكب الاستقبال، وتحول استقبالهم إلى «كرنفال» كتب «فابويه» في مذكراته أن كل مهرج من المهرجين يرتدي تبَّاناً (شورت) قصيراً وسائر بدنه عار من اللباس، يرقصون ويهرجون ورئيسهم يحمل نبوتاً كبيراً يلعب به.
ووصف «فابويه» هذا «فتح علي شاه» لما دخلوا عليه بعد بضعة أيام بأنه كان غارقاً في الجواهر من مفرقة إلى قدمه، قد زين نفسه بما يساوي الملايين منها. والتاج الذي على رأسه والعضاد([579]) الذي على يسراه من أغلى النفائس، ولحيته، وكانت تعد يومئذ أجمل لحية في إيران، تصل إلى ركبتيه.
وبعد خمسة عشر يوماً من وصول «غاردان» إلى طهران، وقع «فتح علي شاه» على «معاهدة فينكنشتاين» في 20 كانون الأول سنة 1807م الموافق 10 شوال سنة 1222هـ. وطرد الإنكليز الذين كانوا في إيران واستدعى سفيره الذي في بمباي. وكان توقيع «فتح علي شاه» على هذه المعاهدة بعد توقيع «نابليون» على معاهدة «تيلسيت» بخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً… ولم يكن خبر معاهدة «تيلسيت» قد وصل إلى إيران يومئذ، وبعد أيام أمضيت اتفاقية شراء الأسلحة من فرنسا واتفاقية تجارية. وسلمت جزيرة «خارك» التي في الخليج إلى الفرنسيين.
والظاهر أن القيصر الروسي طلب من«نابليون» في أثناء مفاوضات الصلح في «تيلسيت» أن تقدم فرنسا في إيران على عمل يضر بروسيا، بل تسعى إلى التقريب بين ايران وروسيا. والذي يدل على ذلك هو أن «نابليون» أمر، فور إمضاء معاهدة «تيلسيت»، الجنرال «غاردان» بالتوسط بين إيران وروسيا. وهكذا جعلت فرنسا من نفسها وسيطاً بين الدولتين بدلاً من أن تكون عوناً لإيران في مقاومتها لروسيا حسب تعهداتها في ماهدة «فينكنشتاين». ولكن وساطة «غاردان» لم تأت بنفع إذ أصرت روسيا على الاحتفاظ بما احتلته من أرض وأصرت إيران على استعادته منها.
بل يظهر من رسالة أرسالها المارشال «غراف فودافيتش» قائد الجيش الروسي في القفقاس إلى الجنرال «غاردان» أن نابليون لم يقتصر على التخلي عن مساعدة إيران وإخلاف مواعيده لها، بل وعد الروس أيضاً بمساندتهم على إيران، وأنه أمر سفيره في طهران بتأييد المطالب الروسية لا المطالب الإيرانية!.
كان «غاردان» يسعى إلى إيقاع الصلح بين إيران وروسيا بوساطة «نابليون». وكانت إيران أيضاً ترى أن هذه الوساطة هي آخر الدواء. أما روسيا فكانت ترفض هذه المداخلة. وكان ما يحمل البلاط القيصري على هذا الرفض أمران أساسيان: أحدهما أنه لم يكن يقبل أن يتخلى عما احتلته روسيا من أرض القفقاس بوجه من الوجوه، والآخر أنه لم يكن مطمئناً إلى «نابليون». وهو متيقن أن محالفته له غير ثابتة ـ وقد تحقق ظنه هذا في ما بعد سريعاً ـ وكان الروس يرون أن خير وسيلة إلى تقليل نفوذ «نابليون» في إيران وجعلها آيسة من مساعدته وصرفها عن مخالفته هي أن لا يدخلوه في أمر الصلح بينهم وبين إيران وأن يسارعوا إلى القضاء على إيران ويرتاحوا من همها. فإذا نازلهم «نابليون» مرة أخرى تفرغوا له ولم يشغلهم شاغل من إيران، ولا اضطروا إلى الاحتفاظ بجيش كبير على حدودها لا يقدرون على الاستفادة منه في ميادين الحرب الأوروبية. ولذلك صدر أمر قاطع إلى المارشال «غودافيتش» بأن يرفض مصالحة إيران ولو كان الواسطة «غاردان»، وأن يكون القول الفصل للروس وحدهم.
قطع علاقات إيران بفرنسا
انتهت مهمة الجنرال «غاردان» في إيران إلى الخيبة. فمن جهة إخلاف «نابليون» وعده لإيران . ومن جهة أخرى كان إنشاء مصنع المدافع في أصفهان قد أهم الإنكليز وأهم الروس لأنه يقوي إيران، وهم يسعون إلى إضعافها. فبذلوا جهدهم في مقاومة هذا العمل، بوساطة عملاء لهم من الإيرانيين. من ذلك ما فعله حاكم أصفهان ووزير مالية «فتح علي شاه» من تحريض العمال الإيرانيين على تخريب وإخفاء الأدوات اللازمة للعمل، وتضليل «فتح علي شاه» بتقارير كاذبة عن قصور الخبير الذي يتولى إنشاء المصنع، مع أن هذا الخبير كان جاداً مخلصاً ماهراً في عمله. وقد صبر على ما لقيه من الأذى صبراً كريماً.
وفي أول شهر تشرين الأول سنة 1808م الموافق شعبان سنة 1223هـ. كان قد صنع عشرين مدفعاً. فأمره «فتح علي شاه» بإرسالها إلى طهران. فأرسلها واستغرق مسيرها من الوقت خمسة أسابيع، في طريق موحلة غير ممهدة. وكانت الخيول أحياناً لا تقوى على جرها بسبب ذلك فيستعينون بأهل القرى الواقعة على طريقهم لإخراجها من الوحل وتخليصها مما يعترض طريقها من عراقيل أخرى.
فلما وصل بها الخبير الفرنسي إلى العاصمة قوبل بفتور من الشاه وغيره، بخلاف ما كان يقابل به في السابق. وتبين أن البعثة العسكرية الفرنسية قد سقطت من الاعتبار السابق الذي كان لها عند الشاه وسائر الإيرانيين. واعترض الشاه على بعض الصنعة في هذه المدافع. ثم وضعت المدافع في مستودع وأغلق بابه. يقول هذا الخبير: بعد ذلك أصبحت وكأني لم أصنع شيئاً بعد سنة من العمل! وبذلك توقع هذا الخبير أنه سيضطر قريباً إلى مغادرة إيران.
بعد ذلك انقطعت العلاقات بين فرنسا وإيران ولم يبق بينهما أخد ورد إلى زمن «محمد شاه قاجار». وغادر الجنرال «غاردان» إيران في 23 نيسان سنة 1809م، الموافق 8 ربيع الأول سنة 1224هـ. من غير أن تطلب منه الحكومة الإيرانية مغادرة بلادها ومن غير أن يستدعى من باريس. وغادرها أيضاً سائر أفراد البعثة. وبدأ عهد جديد من التقارب بين إيران وإنكلترا.
ويظهر من رسالة أرسلها «نابليون» إلى «فتح علي شاه» أن «نابليون» بادر، بعد خروج «غاردان» من إيران، إلى إخراج السفير الإيراني أيضاً من باريس. ورسالة «نابليون» هذه مؤرخة في 23 أيار سنة 1810م الموافق 18 ربيع الثاني سنة 1225هـ ولم يدم قيام تلك العلاقات بين فرنسا وإيران أكثر من أربع سنوات وبضعة أشهر، وذلك من أواخر سنة 1219هـ الموافق سنة 1805م إلى سنة 1225هـ، الموافقة سنة 1809م.
وقد أتم «غاردان» أعمالاً مهمة في تنظيم الجيش الإيراني فقرر للجندي الأدوات اللازمة له، غير السلاح، يحملها في أسفاره الحربية. وأقام مصنعاً للمدافع في أصفهان. ووضع مخططاً لإنشاء حاميات عسكرية ثابتة دائمة من المدن، وبدأ بإنشائها فأقام ثكنة في «دامغان» قطعت دابر قطاع الطرق في تلك النواحي، وتهيأ لمتابعة إنشاء الثكنات في أماكن أخرى. ورأى لزوم إنشاء طرق معبدة لتسهيل التحركات العسكرية وتسيير عربات المدافع. ولكن «فتح علي شاه»، مع اقتناعه بلزوم إنشاء هذه الطرق، كان يرفض الإنفاق عليها ويقول إن نفقاتها يجب أن تبذل من المال الذي تقرر أن يعطيه إياه «نابليون». وأنشأ «غاردان» أيضاً، في جملة إصلاحاته المطبخ العسكري السيار في الجيش الإيراني.
وجميع هذه الإصلاحات لم يكن «غاردان» قادراً على تحقيقها لولا مساعدة «عباس ميرزا» له. فقد كان هو الذي يوفر المال اللازم لها، حتى إنه باع جواهره الخاصة جميعها، وأنفق ثمنها على هذه الإصلاحات.
وقد قبل «عباس ميرزا» بجميع الاقتراحات التي طرحتها البعثة العسكرية الفرنسية، ما عدا اقتراح واحد هو حلق اللحى فقد اقترح المدربون الفرنسيون أن يحلق الجنود الإيرانيون لحاهم أو أن يقصروها، لأن اللحية الطويلة تعوق حركات الجندي في الحرب. وحين تكون الحرب وجهاً إلى وجه إذا كان الجندي ملتحياً وتمكن عدوه من القبض على لحيته أعجزه عن المحاربة، ولكن «عباس ميرزا» أجابهم بأن رجال إيران يصعب عليهم حلق لحاهم.
واتفق يوماً أن انفجرت قنبلة في يد أحد المدفعيين فلم تصبه بأذى سوى أنها أحرقت لحيته. فأخذه المدربون الأوروبيون إلى «عباس ميرزا» وقالوا له هذه نتيجة إطلاق المدفعيين للحاهم! عندئذ أمر «عباس ميرزا» بأن يحلق المدفعيون لحاهم أو يقصروها. فكانوا أول من مارس حلق اللحى في الجيش الإيراني. ثم تبعهم سائر أصناف الجند شيئاً فشيئاً.
وكان الجنود الإيرانيون يلبسون معاطف طويلة كالجبة. فاقترح «غادران» أن تستبدل بها السترة القصيرة لأن المعطف الطويل يعوق حركة الجندي في الحرب. فلقي معارضة شديدة، إذ رأى الناس في السترة القصيرة شكلاً قبيحاً من اللباس، بل عدوا لبسها أمراً مخجلاً وخلاعة. فتنازل «غاردان» عن اقتراحه، واستعاض عنه باقتراح أن يرفع الجندي طرفي الذيل من المعطف ويعلقهما بالحزام الذي على الخصر فتسهل حركته. وهكذا أصبح لباس الجندي الإيراني يشبه لباس «الفراك». ولكن الإيرانيين عادوا فأذعنوا شيئاً فشيئاً حتى قبلوا بإلباس عسكرهم الزي العصري المناسب لحركات الجند الحربية.
وما استفادته إيران من البعثة العسكرية الفرنسية هو:
1 ـ تنبه الإيرانيين إلى حاجتهم إلى اقتباس الفنون العسكرية الغربية.
2 ـ إدخال الرياضة البدنية في برنامج التدريب العسكري.
3 ـ إنشاء مدرسة حربية لتخريج الضباط.
4 ـ تعبيد بعض الطرقات.
5 ـ إطلاع المتخصصين الإيرانيين على أسرار صناعة المدافع.
6 ـ تعليم الإيرانيين صناعة البارود الحديث.
7 ـ تعود الجنود على حلق لحاهم.
8 ـ إلباس الجيش لباساً موحداً جميلاً عملياً.
ولكن، بعد رحيل البعثة الفرنسية عن إيران، أغقت المدرسة الحربية وعطل مصنع المدافع في أصفهان.
عودة العلاقات بين إيران وإنكلترا
بعد عقد معاهدة الصلح بين قيصر روسيا و«نابليون» في «تيليست» قل اهتمام «نابليون» بالتودد إلى إيران. بعد التقارير التي تلقاها من «غاردان» بشأن سوق جيشه إلى الهند من طريق إيران تبين له أن سلوك هذه الطريق ليس سهلاً كما كان يتصور.
فقد كان يخيل إليه أنه قادر على تذليل الصعاب التي تعترض طريقه إلى الهند كما ذلل الصعاب التي اعترضته في فتوحاته في أوروبا، وأنه قادر على أن يعبر إلى الهند كما عبر إليها قبله محمود الغزنوي وتيمورلنك ونادر شاه من صحارى إيران وأفغانستان. ولكن تقارير «غاردان» نبهته إلى فروق الزمان والمكان بين عهد وعهد وبين بلد وبلد. فكانت هذه التقارير سبباً في «عدول نابليون» عن غزو الهند أو أنها كانت من أهم الأسباب في عدوله.
وفي سنة 1809م الموافقة سنة 1224هـ، غادرت بعثة الجنرال «غاردان» الفرنسية أرض إيران عائدة إلى بلادها.
وفي شهر ربيع الثاني سنة 1224هـ الموافق حزيران سنة 1809م عادت إيران إلى إقامة علاقات بينها وبين إنكلترا بعد أن يئست من مساعدة «نابليون» لها، وكانت قد قطعت ما بينها وبين انكلترا من علاقات إرضاء لنابليون وإجابة إلى طلبه. وأرسلت إنكلترا سفيراً لها إلى طهران هو «السير هرفورد جونز». وأرسلت إيران سفيراً لها إلى لندن هو «الميرزا أبو الحسن خان الشيرازي».
معاهدة 1224هـ
وقبيل ذلك كان «عباس ميرزا» قذ اضطر، بعد تصالح «نابليون» والقيصر وانقطاع أمله من مساعدة فرنسا، إلى الالتجاء إلى انكلترا يطلب العون منها على روسيا. وانتهت مساعيه إلى عقد معاهدة بين إيران وإنكلترا في 5 محرم سنة 1224هـ الموافق 19 آذار سنة 1809م.
وهذه المعاهدة تقضي، في جملة ما تقضي به، أن تبطل إيران كل معاهدة معقودة بينها وبين دولة أوروبية. وأن تمنع إيران كل جيش أوروبي من المرور بأرضها إلى الهند. وإذا هاجم جيش أوروبي إيران فإن انكلترا ترسل إليها لمساعدتها أو تمنحها المال والسلاح اللازم لها، وتضع أيضاً في تصرفها مدربين للجيش الإيراني وعمالاً. وإذا وقعت حرب أو خلاف آخر بين إيران ودولة أوروبية، ثم أرادتا الصلح فإن إنكلترا تبذل كل جهدها لإيقاع الصلح ورفع الخلاف. فإن تعذر ذلك بادرت إنكلترا إلى إمداد إيران بالجند أو المال والسلاح، ويستمر الإمداد ما دامت الحرب قائمة. وأن تساعد إيران انكلترا بجيشها إذا وقع اعتداء على الهند من جهة أفغانستان. وقضت المعاهدة أيضاً بمنح إنكلترا امتيازات أخرى في الخليج وجزيرة «خارك».
ووقعها عن الجانب الإيراني «الميرزا محمد شفيع» الصدر الأعظم و«الحاج محمد حسين خان أمين الدولة» وعن الجانب الإنكليزي «السير هرفورد، جونز بريج» سفير انكلترا في طهران.
سفير آخر
وفي سنة 1810م الموافقة سنة 1225هـ عينت انكلترا «السير غور أوزلي» سفيراً لها في إيران. فغادر بلاده قاصداً إيران في شهر تموز من تلك السنة. وصحبه سفير إيران في انكلترا «الميرزا أبو الحسن الشيرازي» ومعه ثمانية من موظفي السفارة الإيرانية.
وبعد مغادرتهم الشاطىء الإنكليزي حملتهم السفينة أولاً إلى «ريو دي جانيرو» عاصمة البرازيل. وإذ كان ذهابهم إليها أمراً مستغرباً. فالبرازيل لا تقع على طريقهم إلى إيران، فقد قيل يومئذ إن الرياح خالفت طريق سفينتهم وحملتهم اضطراراً إلى البرازيل وهو قول يعرف بطلانه كل من له اطلاع على أحوال الملاحة والبحار.
والسبب الحقيقي هو أن البرتغاليين كانوا قد جعلوا من «ريو دي جانيرو» عاصمة للبرتغال ـ والبرازيل يومئذ ملك للبرتغال ـ لأن «نابليون» كان قد احتل اسبانيا في سنة 1808م وأصبح جيشه قريباً من البرتغال. وخشي نائب ملك البرتغال «جوان» الذي أصبح في ما بعد الملك «جوان السادس»([580])، من هجوم يقوم به عليه «نابليون». فنقل مقر حكمه إلى «ريو دي جانيرو» وجعلها عاصمة للبرتغال، وأقام حكومة في البرازيل باسم «حكومة البرتغال الحرة» اعترفت بها انكلترا رسمياً وأعطتها مساعدات مالية.
وكان السفير الإنكليزي «السير غور أوزلي» مضطراً إلى الاجتماع بنائب الملك البرتغالي فقصد إلى «ريو دي جانيرو» قبل إيران، وصحبه في هذه الرحلة السفير الإيراني وموظفو سفارته لا لشيء سوى أن أعمال السفير البريطاني اقتضت أن تكون طريقهم على البرازيل. وهؤلاء الإيرانيون التسعة، السفير وموظفوه، هم أول من دخل أمريكا من الإيرانيين، إذ لا نعهد أحداً قبلهم دخلها من إيران.
وكان مع السفير الإنكليزي بعثة من الضباط العسكريين، وهي أول بعثة عسكرية إنكليزية. وفدت إلى إيران لتدريب الجيش الإيراني. وكانت تتألف من مائة رجل تقريباً، بعضهم جاء من انكلترا وبعضهم التحق بالبعثة من الهند حين وصولها إليها. وكان يرئسها ضابطان برتبة مقدم (ميجر)، أحدهما المقدم «دارسي» للمشاة والفرسان والآخر المقدم «أستين» للمدفعية. ثم رفعت درجتهما إلى رتبة عقيد. وقد توفي «أستين» في إيران وهو يقوم بمهمته.
وغادر السفيران الإيراني والإنكليزي «ريو دي جاينرو» في 25 أيلول سنة 1810م مبحرين إلى «بمباي» في الهند، فبلغوها في شهر كانون الأول سنة 1811م الموافقة سنة 1226هـ، ثم أبحروا منها إلى إيران.
وحمل السفير الإنكليزي إلى «فتح علي شاه» هدايا غالية. وأهداه عربة ملكية صنعت في إنكلترا خصوصاً له. ولما أرادوا نقلها إلى مسكنه اضطروا إلى حملها على الأيدي بسبب ضيق طرقات المدينة. واضطروا إلى هدم زوايا وجدران من أبنية ليوسعوا لها الفضاء اللازم لمرورها. فلما وصلوا بها إلى المسكن استعرضها «فتح علي شاه» ثم أجروها بضع دورات في ساحته. ثم خلع «فتح علي شاه» حذاءه ودخل فجلس فيها وطلب نارجيلة وأخذ يدخنها في مجلسه ذاك. بعد ذاك أذن للناس إذناً عاماً بدخول المسكن ومشاهدة العربة. فلم يبق في طهران رجل ولا امرأة ولا طفل إلا جاء لمشاهدتها.
ولكن «فتح علي شاه» لم يتخذ هذه العربة لركوبه ولا اتخذها ولي عهده «عباس ميرزا» لتعذر مرورها من معابر المدينة لضيقها عنها. ومن جهة أخرى كان يرى أن ركوبها يحط من شأنه وشأن ولي العهد.
معاهدة سنة 1227هـ
نسخت معاهدة سنة 1224هـ بمعاهدة أخرى أكثر تفصيلاً بين إيران وإنكلترا وقع عليها في 29 صفر سنة 1228هـ الموافق 24 آذار سنة 1812م، ووقع عليها عن إيران «عباس ميرزا» وعن إنكلترا «السيرغور أوزلي» سفير انكلترا في إيران.
وهي تقضي أيضاً بأن تلغي إيران كل معاهدة عقدت بينها وبين دولة أوروبية. وأن تمنع إيران كل دولة أوروبية من عبور أرضها إلى الهند. وتقضي أيضاً بأن تتعهد إيران بحماية طريق الهند في نواحي «خوارزم» و«تترستان» و«بخارى» و«سمرقند» وغيرها. وإذا اعتدت دولة أوروبية على إيران أسعفت إنكلترا إيران بما يلزمها من جند. فإن تعذر على انكلترا إرسال جيش للدفاع عن إيران منحتها مساعدة مالية سنوية قدرها مائتا ألف تومان. وتبقى المساعدة العسكرية أو المالية جارية ما دامت الحرب قائمة. وإذا وقعت حرب أو نزاع بين إيران ودولة أوروبية ثم أرادتا الصلح فإن انكلترا تبذل كل ما تقدر عليه من جهد لإيقاع الصلح. فإن تعذر الصلح قامت إنكلترا بمساعدة إيران بالمال أو بالسلاح على نحو ما تقدم. وإذا وقعت حرب بين أفغانستان وإنكلترا فإنها ملزمة بمساعدة إنكلترا مساعدة عسكرية. أما إذا وقعت حرب بين أفغانستان وإيران فإن انكلترا غير ملزمة بمساعدة إيران على أفغانستان. وتعهدت إنكلترا أيضاً بأن تضع في تصرف إيران ما هي بحاجة إليه من الضباط العسكريين لتدريب الجيش الإيراني.
ولكن إيران لم تحصل على فائدة من هذه المعاهدة في محاربتها للروس، إذ نكثت انكلترا بتعهداتها. وكل ما وفت به من تعهداتها هو أنها أرسلت جماعة من ضباطها العسكريين مستشارين ومدربين للجيش الإيراني في الظاهر. ومهمتهم في الواقع، كانت تعويق الجيش الإيراني عن التقدم في الحرب.
أصل الخلاف الإيراني الروسي
الآمال التي علقتها إيران على «نابليون» والوعود التي استغفل بها «نابليون» البلاط الإيراني، والأضرار التي وطنت إيران نفسها على تحملها إلى أقصى حدود الإمكان من أجل استرضاء «نابليون» كل ذلك لم ينفع إيران بشيء يعينها على إزالة ما بينها وبين روسيا من خلاف. لا بل زاد في شدة هذا الخلاف!.
فمن جهة كان اغترار الإيرانيين بـ «نابليون» ووعوده يحملهم على التصلب في معاملة الروس فيرفضون مصالحتهم. ومن جهة أخرى أغضب الروس انصراف الإيرانيين عن مفاوضتهم مباشرة واستهانتهم بما عرضته عليهم روسيا من اقتراحات بشأن الصلح، وتوسلهم إلى ذلك بطرف آخر.
أما أصل الخلاف بين إيران وروسيا فهو تنازعهما على بلاد «كرجستان»([581]). وهذه البلاد إقليم خصب نضر يقع في سفوح جبال القفقاس على السواحل اليمنى من البحر الأسود وأهله من العرق الآري سكنوه من عهود قديمة. وورد ذكرهم في أقدم مستندات تاريخ إيران.
وفي الأزمنة القديمة كان هذا الإقليم يقسم إلى ثلاثة أقسام. أحدها «إيبري» والآخر «كولخيدا» والآخر عرف باسم بلاد «الآلانيين» وهؤلاء «الآلانيون» كانوا من الفرع الآري الإيراني. وكانوا شجعاناً محاربين. سماهم الإيرانيون «آلاني» وسماهم الأوروبيون «آلباني» وسماهم الأرمن «أغوانيان». وفي أوائل العهد الإسلامي غير العرب كلمة «آلان» بكلمة «ألران». وشيئاً فشيئاً صارت كلمة «ألران» تلفظ في الفارسية والعربية «أران». و«أران» اليوم هي جمهورية آذربيجان المستقلة التي كانت تعرف باسم أذربيجان السوفياتية وتقع في شمال نهر «أرس».
وقد شارك الكرجيون في حروب مهمة خاضها الملوك «الهخامنشيون». ولما أخذت الامبراطرية الرومانية تتوسع نحو آسيا الغربية صارت تقترب شيئاً فشياً من «كرجستان». وفي عهد «الأشكانيين» أصبحت «كرجستان» مثل «أرمينيا» موضع نزاع بين إيران والرومان.
وفي القرن الميلادي الخامس تزوج أحد ملوك «كولخيدا» المسمى «زاتوس» بامرأة مسيحية وتنصر. ومن ذلك اليوم دخلت النصرانية إلى كرجستان. والكنيسة الكرجية شعبة خاصة من النصرانية ولها طقوس خاصة بها قريبة من الكنيسة الأرثوكسية اليونانية. وفي عهد «الساسانيين» ظلت تلك النواحي متداولة بين الإيرانيين والرومان، تارة بيد هؤلاء وتارة بيد هؤلاء.
وكانت آخر غزوات الأباطرة البزنطيين لـ «كرجستان» في سنة 617م الموافقة للسنة الهجرية السادسة، إذ غزاها «هرقل» الأمبراطور المعروف وضمها إلى أملاكه. ولكن العرب لم يلبثوا أن غزوها وضموها إلى أملاك الخلفاء. وفي نهاية القرن الهجري الثاني استولت سلالة «بغرات» الأرمنية المالكة في أرمينيا على «كرجستان» وظلت تحكمها مدة طويلة إلى القرن الهجري الخامس إذ استولى السلاجقة على إيران. وبعد ذلك استولوا أيضاً على «كرجستان». وبعد سقوط السلاجقة استولى عليها الأتراك. ولكن الصليبيين إذ استولوا على القدس أنجدوا نصارى «كرجسان» فتمكن هؤلاء من طرد الأتراك، وقامت على الحكم سلالة من الملوك ملكت مستقلة إلى سنة 609هـ.
بعد ذلك استولى المغول على «كرجستان». ثم غزاها «تيمورلنك» ست مرات، من سنة 780 إلى سنة 805هـ وبعد سقوط التيموريين استقلت «كرجستان» مرة أخرى، وقامت فيها ثلاث دول كل منها مستقلة عن الأخرى، وذكرت هذه الدول في المصادر الفارسية بأسماء «كارتيل» و«كاخت» و«إيرت». ويظهر من هذا أن أمراء «كرجستان» كانوا على خلاف في ما بينهم ولم يوفقوا إلى الاتحاد.
وإذ كان الأتراك قد قضوا على الأمبراطورية البيزنطية، فقد فقد ملوك «كرجستان» هؤلاء سندهم القوي الذي كان يحميهم. وإذ كانوا يخشون الأتراك فقد اضطروا إلى الالتجاء إلى دولة قوية تكون أرحم بهم. ولذلك جعل ملوك «كرجستان» في القرن الحادي عشر الهجري من أنفسهم أتباعاً للملوك الصفويين، وقد ساندهم هؤلاء الملوك، ولا سيما «الشاه عباس الأول»، مساندة فعالة وحموهم من تعديات الأتراك.
ومع ذلك كان الكرجيون لا ينفكون يتطلعون إلى الاستقلال. وإذ كان الروس يومئذ قد امتد مجال حكمهم حتى صار قريباً من «كرجستان» وطالت قوتهم أيضاً في أوروبا الشرقية، وكان مذهبهم في النصرانية قريباً من مذهب الكنيسة الكرجية، وشرعت مواصلات بين روسيا و«كرجستان»، فقد حمل ذلك ملوك «كرجستان» على طلب المساعدة من روسيا.
من ذلك مساعدة طلبها «إيفان» ملك «كاخت» في سنة 1558م الموافقة سنة 965هـ. من «إيفان فاسيليوفيتش» الرابع ملك روسيا. وبعدها طلب ملك آخر من ملوك «كرجستان» اسمه «الكساندر» من «رباريس غادنوف» قيصر روسيا أن يساعده في مقاومة «الشاه عباس الصفوي». وفي سنة1619م، الموافقة سنة 1028هـ أرسل «يتمرواز» ملك «كرجستان» بعثة من قبله إلى بلاط «ميخائيل فيدوروفيتش» أول قياصرة أسرة «رومانوف» لمثل هذه الغاية.
ومن ذلك الحين دأبت روسيا على التدخل في شؤون «كرجستان» وأخذ أهلها يخرجون شيئاً فشيئاً من طاعة إيران. وفي القرن الثامن عشر الميلادي والثاني عشر الهجري، وإيران يومئذ واهنة مستضعفة في الحكم الصفوي المتداعي، تولى حكم «كرجستان» الملك المقتدر «واختانغ الرابع». وألغى ما لإيران من حقوق في «كرجستان».
والأحداث التي وقعت في إيران في نهاية الحكم الصفوي وفي عهد الأفشاريين والزنديين جعلت الكرجيين يبتعدون أكثر فأكثر عن إيران ويزدادون قرباً من روسيا يوماً فيوماً. ومن العام 1024 إلى العام 1115هـ، أي مدة تسعين عاماً، كان كل ولاة «كرجستان» يرسلون إليها من قبل البلاط الصفوي ويحكمون فيها باسمه.
ومن عام 1115هـ، أخذ أمراء «كرجستان» يستقلون شيئاً فشيئاً. وعزموا على منع إيران والعثمانيين من التدخل في شؤونهم والتصرف بأرضهم. والطريق التي سلكوها إلى هذه الغاية هي الدخول في رعاية بلاط القياصرة. وقد زاد من تمكنهم من إنفاذ هذه الخطة تبلبل الأوضاع في إيران الذي استمر من عزل «السلطان حسين الصفوي» في 11 المحرم سنة 1135هـ إلى «آقا محمد خان» سنة 1163هـ أي مدة ثلاثين سنة تقريباً.
وفي هذه المدة سعى ملوك «كرجستان» أولاً إلى طلب الحماية لهم من بعض دول أوروبا الغربية. وكان منهم «لويس الخامس عشر» ملك فرنسا. ولكنهم لم يحصلوا على نتيجة فلم يبق لهم من حيلة غير التوسل بروسيا. وكانت روسيا، بعد «بطرس الكبير» قد أصبحت من القوة بحيث لم يبق من طريق أمام «كرجستان» غير وضع نفسها في حماية القياصرة.
وفي سنة 1744م الموافقة سنة 1157هـ حكم على مملكة «كاخت» الملك «هراكليوس الثاني» ابن «تيموراز الثاني». وفي سنة 1762م الموافقة 1175هـ ضم إليها أيضاً مملكة «كارتيل». ولما تملك سلمت «كرجستان» إلى روسيا. وقد عاش هذا الملك إلى سنة 1798م الموافقة سنة 1213هـ وبعد وفاته ملك «كيورجي الثاني عشر»، ويسميه الإيرانيون «گرگين»، إلى سنة 1800م الموافقة سنة 1215هـ وملك بعده «إيفان الثاني عشر» إلى سنة 1801م الموافقة سنة 1216هـ.
كان «هراكليس الثاني» ملك «كارتيل» و«كاخت» شديد الميل إلى روسيا وكانت معاصرته «كاترين الثانية» أمبراطورة روسيا راغبة في فصل الولايات الواقعة في شمال نهر «أرس» عن إيران.
وكان وزيرها ـ وهو عشيقها أيضاً ـ الفيلد مارشال فاتمكين» جاداً في تحقيق هذا الأمر، يسعى إليه بين سكان تلك الولايات، ولا سيما الولايات التي أكثر سكانها من النصارى. أما الولايات التي أكثر سكانها من المسلمين والولايات التي مسلموها أقلية يعتد بها فكانوا لا يقبلون الانفصال عن إيران.
وكان «فاتمكين» يهيىء نفسه ليكون ملكاً على تلك الولايات بعد فصلها عن إيران، حتى إنه هيأ شعار مملكته، المملكة المأمولة هذه! ولكنه لم يوفق إلا في تحقيق استقلال تلك الولايات استقلالاً ظاهرياً وجعلها خاضعة لسيطرة «كاترين» الثانية في الواقع.
وفي 24 تموز سنة 1783م الموافق 23 شعبان سنة 1197هـ. عقدت معاهدة بين «كرجستان» وروسيا في قلعة «غروغيسك» عند حدود القفقاس، وقعها عن الجانب الروسي «الفلد مارشال فاتمكين» مندوب «كاترين الثانية»، ووقعها عن الجانب الكرجي الأمير «باغراتيون» مندوب «هراكليوس» ملك «كرجستان» ولهذه المعاهدة أهمية خاصة في تاريخ العالم. لأن ملك «كرجستان» وضع دولته بمقتضاها في حماية الأمبراطورية الروسية. وهي أول دولة في تاريخ العالم توضع في حماية دولة أخرى. وقد اقتدت دول أوروبا بعد ذلك بهذه السابقة، فوضعت دولة في حماية دول أخرى.
وتصرح المادة الأولى من هذه المعاهدة بأن ملك «كرجستان» لا يعد من الآن فصاعداً «والي» هذه الدولة بل «حليف» روسيا. ومعنى ذلك أن ملك «كرجستان»، وهو تابع لإيران من أربعمئة سنة وعنوانه الرسمي من قبل الملوك الإيرانيين هو «والي كرجستان»، قد أصبح من الآن فصاعداً تابعاً للقياصرة الروس.
بعد ست سنوات من إمضاء هذه المعاهدة وقعت الثورة الفرنسية في سنة 1789م الموافقة سنة 1203هـ، وقد أفزعت هذه الثورة ملوك أوروبا جميعهم، وأوقعتهم في الهلع والرعب. ومنهم «كاترين الثانية» امبراطورة روسيا التي اعتلت العرش من سنة 1762م الموافقة سنة 1175هـ إلى سنة 1796م الموافقة 1210هـ ولذلك رأت «كاترين» أن الوقت غير مناسب للقيام بفتوحات في القفقاس، خصوصاً إنها كانت قد فرغت حديثاً من حربها الثانية التي وقعت بينها وبين تركيا في 1791م الموافقة سنة 1205هـ، وعليها أن تريح عسكرها.
في سنة 1796م الموافقة سنة 1210هـ، قبل وفاة «كاترين» ببضعة أشهر، كان «فلاتون «وبوف» هو المتصرف الآمر الناهي في شؤونها وشؤون الدولة. وقد وضع هو وأخوه «فالريان زوبوف» خطة جريئة. وقبل «زوبوف» كان «فاتيمكين» هو المتصرف بشؤون الأمبراطورية الروسية. وكان يسعى إلى إثارة نصارى البلقان على العثمانيين وضم البلاد الأوروبية التي يسيطر عليها العثمانيون إلى روسيا. ولكن «زوبوف» كان أبعد تطلعاً منه. فقد كان يريد احتلال إيران والوصول إلى حدود الهند والحصول على طريق إلى البحار الدافئة.
كانت خطة «فاليريان زوبوف» هي الاستيلاء على إيران وإقامة حاميات في مختلف مدنها. ثم يغزو أرض العثمانيين من طريق آسيا الصغرى فيخضعهم. ومن جهة أخرى يغزو القائد العسكري المعروف «سوفاروف» اسطنبول من طريق البلقان. وفي أثناء هذه الأعمال يحاصر الاسطول الروسي اسطنبول من البحر، وتقرر أن تكون قيادة الأسطول بيد «كاترين» نفسها.
وفي آخر شهر شباط سنة 1796م الموافق شعبان سنة 1210هـ. سار «فاليريان زوبوف» من «بطرسبورغ» آملاً أن يصل إلى أصفهان في شهر أيلول من تلك السنة، أي بعد سبعة أشهر، على أن يسير الجنرال «كارساكوف» بعشرة آلاف جندي إلى احتلال «تفليس» من طريق القفقاس، ويسير «زوبوف» بعشرين ألف جندي من ساحل بحر الخزر حتى يلتقي بالجنرال «كارساكوف» ثم يسيران معاً إلى أصفهان. وهما يتوقعان أن لا يتعرض لهما أهالي «دربند» و«بادكوبا». والظاهر أن البلاط الروسي لم يكن على اطلاع على أوضاع إيران الداخلية. ويحسبون أن أصفهان لا تزال عاصمة لإيران، فإذا استولوا عليها سلمت إيران إليهم.
وحل شهر أيلول الذي جعله «زوبوف» موعداً لاحتلال أصفهان، وجيشه لم يصل بعد إلى حدود إيران. فأرسلوا إليه من «بطرسبورغ» مهندساً اسمه «دوفلان» ومعه خرائط جغرافية وأوامر عسكرية ليساعده في مهمته. ولكن «كاترين الثانية» توفيت في 17 تشرين الثاني من تلك السنة الموافق 16 جمادى الأولى سنة 1218هـ و«زوبوف» لا يزال في «بادكوبا». وخلفها ابنها «بولس» فتوقف عن متابعة الغزو وألغى خطة «زوبوف».
وقبل هذه الوقائع بلغ خبر الحلف الكرجستاني الروسي إلى «آقا محمد خان قاجار»، فعزم على مهاجمة تلك النواحي. وكان هذا الوقت مناسباً له، إذ كانت «كاترين» ملكة روسيا مرعوبة من الثورة الفرنسية، وقد أوقفها هذا الرعب عن إنجاد الكرجيين حين بلغها نبأ غزو «آقا محمد خان» «كرجستان».
وكان ملك «كرجستان» قد خلع طاعة إيران من اليوم الذي ظاهره فيه البلاط الروسي. وشجع عصيان هذا جماعة آخرون من أمراء تلك النواحي من نهر «أرس»، وأكثرهم يحكمونها بالوراثة فخلعوا طاعة إيران أيضاً وحالفوا «هيراكليوس».
وبدأ «آقا محمد خان» عمله في أواخر سنة 1209هـ بإقامة معسكر عظيم في أطراف طهران متكتماً لا يخبر أحداً بما ينويه. فلما أكتمل له ما أراده من تجهيز الجيش بادر إلى تسييره من طهران لا يخبر أحداً بوجهة سيره. وسار من طريق «أردبيل» إلى جسر «خذا آفرين» المعقود على نهر «أرس»، وكان «إبراهيم خليل» حاكم «قره باغ» قد خربه. فأعاد «آقا محمد خان» بناءه وقطع النهر عليه. ثم أرسل فرقة من جنده لاحتلال إقليم «طالش». وسار هو قاصداً أرمينيا. فقتل جماعة من أهلها وأسر جماعة. ثم سار بعشرة آلاف جندي إلى قلعة «فناه آباد» فحاصرها. ولكنه لم يستطع استخلاصها من «إبراهيم خليل خان» حاكم «قره باغ» الذي ظل مسيطراً على تلك النواحي من سنة 1177 إلى سنة 1221هـ فانصرف عنها قاصداً إلى «تفليس».
فلما وصلها تلقاه «هراكليوس» في خارجها، ودارت بينهما رحى حرب طاحنة. وفي أثناء ذلك هبت رياح شديدة مخالفة لعسكر «هراكليوس»، وكان يتألف من الكرجيين والأرمن، وعجز عن الثبات فعاد إلى المدينة.
وخرج من بوابة أخرى من بوابات المدينة أربعمائة فارس من الشركس كانوا يحالفون «هراكليوس» ووصلوا إلى وراء الفسطاط الذي فيه «آقا محمد خان» وقطعوا بعض أطنابه. ولكن «آقا محمد خان» لم يتحرك من مكانه وأمر حرسه من البندقيين (حملة البنادق) المازندرانيين بإطلاق الرصاص عليهم فقتلوا جماعة من أولئك الشركس وفر من سلم منهم.
وإذا رأى «هراكليوس» أن لا قدرة له على المقاومة عاد إلى «تفليس» وحمل زوجته، واسمها في المصادر الإيرانية «ده فال»، وأخته وابنته، وانطلق بهن إلى إقليم «كاخت» و«كارتيل».
ولما انتهت الحرب أمر «آقا محمد خان» بقتل سبعين رجلاً من رؤساء عسكر «كرجستان». ثم دخل مدينة «تفليس» وأمر بالإغارة والقتل. فكانت واقعة رهيبة فظيعة. وذكر المؤرخون الإيرانيون أن عدد من أسرهم الجنود الفاتحون بلغ خمسة عشر ألفاً بين رجل وامرأة من جميع الأعمار. هذا غير من قتل وغير ما نهب. وأنهم كانوا يقيدون أيدي القسيسين ويلقون بهم في نهر «أرس»([582])، فيغرقون. وأنهم أحرقوا الكنائس وخربوا البيوت ونهبوا كل شيء في المدينة.
وظل «آقا محمد خان» في تفليس تسعة أيام بعد هذه الغارة الفظيعة وما سفك فيها من دماء ونهب من أموال. ثم سار من «تفليس» إلى «كنجه». ومنها سار إلى «شروان»، وهو ماض في غاراته وغزواته. ثم عاد إلى إيران من طريق «دشت مقان».
ومع أن «كرجستان» كانت يومئذ محمية روسية وكان على روسيا أن تمدها بنجدة عسكرية بمقتضى معاهدة «غورغيوسك» فإن روسيا أخلفت وعدها وتركت«كرجستان» تقاوم وحدها. وبذلك سقطت معاهدة الحماية تلك من تلقاء نفسها. وبعد مدة قليلة عاد «جيورجي الثاني عشر» ملك «كرجستان» الجديد فعقد في 23 تشرين الثاني سنة 1799م الموافق 24 جمادى الآخرة سنة 1214هـ. معاهدة بينه وبين «بولس» قيصر روسيا جدد فيها المعاهدة السابقة، وتعهدت روسيا فيها بأن تستدرك ما أهملته في الحرب الماضية فتمده بنجدة عسكرية إذا وقع اعتداء عليه.
وبعد عودة «آقا محمد خان» من هذه الحملة قام «فاليريان زوبوف» بتسيير جيشه قاصداً إنفاذ خطته التي مر ذكرها آنفاً. وحين بلغ هذا الخبر إلى «آقا محمد خان» كان مشغولاً بالحرب في خراسان وما وراء النهر. ثم لما بلغه نبأ موت «كاترين» وعودة «زوبوف» عزم على غزو «كرجستان»، مرة أخرى. فذهب إلى طهران وجهز جيشاً سار به في شهر ذي القعدة سنة 1212هـ في نفس الطريق التي سلكها في المرة السابقة، أي طريق «أردبيل» حتى بلغ ساحل نهر «أرس». وكانوا قد خربوا الجسر المعقود عليه كما فعلوا أول مرة. فأصلحه وعبر إلى الشاطىء الآخر وأغار بعشرة آلاف فارس على قلعة «فناه آباد». واضطر «إبراهيم خليل خان» هذه المرة إلى الفرار إلى إقليم «شكي» و«لكزستان» واحتل «آقا محمد خان» القلعة. وفي تلك الغزوة عند هذه القلعة قتل «آقا محمد خان قاجار» ليلة السبت 21 ذي الحجة سنة 1212هـ بيد خادمه «صادق خان» الكرجي والفراش «خداداد». وكان قد أمر بقتلهما في صباح اليوم التالي بسبب فقدان شيء من الدراهم. فانسلا ليلاً إلى مضجعه وهو نائم فقتلاه.
يقول «سعيد نفيسي» في كتابه «تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي»: إن المؤرخين الإيرانيين لم يعرفوا السبب الأصلي الذي جعل «كاترين الثانية» التي حدثت هذه الواقعة في زمانها تحجم عن إيجاد «هراكليوس» وينقل عن «السير جان ملكوم» وهذا ينقل عن أحد أبناء «كرجستان» أن «هراكليوس» استنجد مراراً بالجنرال «غودافيتش»، وكان هذا يقيم مع جيش على بعد سنة منازل من «تفليس» مأموراً بمساعدة أهل ذلك الإقليم. ولكنه لم يجب «هراكليوس» إلى طلبه استهانة منه بـ«آقا محمد خان» وجيشه، إذ كان يعتقد أن ما يتناقله الناس عن قوته مبالغ فيه. ولذلك لم يكن «غودافيتش» يتوقع أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه.
ولكن «السير جان ملكوم»، بعد أن ينقل هذا الكلام، يرى أن الأصح هو أن «غودافيتش» كان يقيم في قلعة «غورغيوسك» وجنده يتفرقون في نواحي «الجبل الأسود (قره داغ)، وجمعهم وإرسالهم إلى «تفليس» يستغرق ثلاثة أسابيع أو أربعة. ولذلك لم يستطع إنجاد «هراكليوس» في الوقت المناسب. ويحتمل «السيرجان ملكوم» سبباً آخر هو أن «هراكليوس» نفسه كان راغباً عن تدخل الجيش الروسي في هذه الحرب، إذ كان يخشى من استيلائه على بلاده، وكان يرى أن في قوته الكفاية لصد «آقا محمد خان» عن بلاده.
ومهما كانت الحال فإن «كاترين» عزمت، بعد هذه الواقعة، على الانتقام. ويومئذ كان «مرتضى قلي خان قاجار» أخو «آقا محمد خان» في روسيا هارباً من أخيه هذا بعد أن هزمه في حرب وقعت بينهما. وكانت «كاترين» تريد أن تستعين به للقضاء على «آقا محمد خان». وكان القصد من تجييش جيش «فالريان زوبوف» هو الوصول إلى تحقيق هذا الانتقام. ومع أن روسيا عادت فتوقفت عن تسيير هذا الجيش فإنها حصلت منه على فائدة كبيرة. فقد اقتطعت من إيران نواحي «دربند» و«بادكوبا» و«طالش» و«شماخي» و«كنجه».
بدء الحرب بين إيران وروسيا
لم تحصل إيران على فائدة من الحروب التي شنها «آقا محمد خان» على «كرجستان» وكان لهذه الحروب حصيلة واحدة هي أنها زادت في شقاء أهل ذلك الإقليم من جهة وحركت روسيا إلى القيام بأعمال ألحقت بإيران أضراراً عظيمة من جهة أخرى.
مات «هراكليوس الثاني» ملك «كرجستان» في سنة 1798م الموافقة سنة 1213هـ بعيد مقتل «آقا محمد خان». واعتلى «فتح علي شاه» عرش إيران في 24 ربيع الأول سنة 1212هـ.
وكان لـ «هراكليوس» بضعة أبناء أكبرهم اسمه «جيورجي» وعرف في المصادر الإيرانية باسم «گرگين». وقد خلف أباه في الملك. إلا أن أحد إخوته، واسمه «الكساندر» خرج عليه وطلب الملك لنفسه. ويظهر أنه كان مخالفاً لتبعية «كرجستان» لروسيا. ولذلك كان يأمل بأن تؤيده إيران وتساعده في الوصول إلى العرش. فحضر إلى بلاط «فتح علي شاه» وشارك الإيرانيين في الحرب التي وقعت بعد ذلك بين إيران وروسيا وظل مقيماً في إيران إلى أن توفي في طهران، ودفن في الكنيسة القديمة الواقعة في خارج بوابة شاه عبد العظيم.
ولم يطل ملك «جورجي» كثيراً فمات في 28 كانون الأول سنة 1800م الموالفق 10 شعبان سنة 1215هـ في تفليس. وطلب ابنه «داوود» الملك لنفسه. ولكن «جيورجي» كان، قبل موته قد عقد في سنة 1799م الموافقة سنة 1214هـ معاهدة بينه وبين قيصر روسيا «بولس» تقضي بأن يكون القيصر الروسي هو ملك «كرجستان» وأن يكون لأعقاب «جيورجي» عنوان «نائب الملك» فيها.
وبعد مدة قليلة قتل رجال البلاط الروسي القيصر «بولس» ونصبوا مكانه على العرش ابنه «ألسكندر الأول» في 24 آذار سنة 1801م الموافق 9 ذي القعدة سنة 1215هـ. وكان «بولس» قبيل مقتله قد أصدر في 18 كانون الثاني سنة 1801م المواق 3 رمضان سنة 1215هـ. مرسوماً باعتبار «كرجستان» جزءاً من امبراطوريته. وذكر في هذا المرسوم أن أعيان «كرجستان» قد طلبوا منه أن يقبل بهذا الأمر. ولذلك أمر عساكره باحتلالها. وعلى هذا تكون «كرجستان» قد أصبحت إحدى ولاياته قبل جلوس «ألكساندر الأول» بشهرين وبضعة أيام.
كان سكان تلك البلاد في نواحي نهر «أرس»، من مسلمين وأرمن وكرج من قديم الزمان يختلط بعضهم ببعض ولم تكن الحدود بين «كرجستان» و«أرمينيا» وبلاد المسملين، وهي «كنجه» و«إيروان» و«نخجوان» و«داغستان» و«شوان» ثابتة متميزة. وكلما استولى ملك من ملوكها أغار على بلاد آخر واقتطع قسماً مما يجاوره منها فضمه إلى ملكه. فطوراً ملوك الكرج وطوراً ملوك الأرمن. وغالب التفوق كان للملوك المسلمين فإذا ذكرت «كرجستان» يومئذ لا تعرف الحدود التي ينتهي إليها مجالها. وكذلك «أرمينيا». ولذلك كان وضع يد روسيا على «كرجستان» يومئذ يطال أيضاً بعض النواحي المجاورة.
ولم يغير موت «كاترين» و«هيراكليوس» و«جرجين» و«آقا محمد خان» شيئاً من أوضاع «كرجستان». فظل الكرج غير راضين عن إيران. والبلاط الروسي يطمع فيها وفي ما يجاورها من النواحي. ويوم استدعى القيصر «بولس» عسكره من «كرجستان» وأوقف محاربة إيران، لم تعيّن الحدود بين الفريقين بمعاهدة، وظلت هذه الحدود مبهمة، وظل كل من الفريقين على ما كان عليه من دعاوى ومطامع.
وفي 15 أيلول سنة 1801م الموافق 7 جمادى الأول سنة 1216هـ، أي بعد ثمانية أشهر تقريباً من صدور مرسوم القيصر «بولس». أصدر القيصر «ألكساندر الأول» مرسوماً آخر باعتبار «كرجستان» جزءاً من أرض روسيا، بل إنه في هذه المرة أغفل ذكر «نيابة الملك» في «كرجستان». ودخل الجيش الروسي إلى ذلك الإقليم وتحول إلى ولاية من ولايات روسيا. وفرضت عليه اللغة الروسية وقوانين روسيا وعاداتها ورسومها. ومن عارض هذا العمل من الكرج اعتقل وقضي عليه. وأجاب الروس على اعتراض إيران بجواب قاس عنيف.
وبعد صدور هذا المرسوم الثاني بإلحاق «كرجستان» بالامبراطورية الروسية أرسلت الحكومة الروسية الجنرال «تسيتسيانوف» إلى «تفليس» حاكماً على «كرجستان».
ظل «فتح علي شاه» من مبدأ تملكه إلى مدة خمسة أشهر أو ستة أشهر مشغولاً بما قام في وجهه من فتن وثورات داخلية، غير قادر على أن يقوم بعمل يقتضيه ما كان يقع في تلك النواحي من نهر «أرس». فلم يلق جيش القيصر مقاومة في «كرجستان» سوى ما كان يقوم به «ألكسندر» بن «هيراكليوس» الذي نازع أخاه على الملك من تحريض الناس في أطراف «كرجستان» على مقاومة الدولة الروسية المحتلة. ووقعت حوادث مقاومة في ناحية «قره باغ» وامتدت إلى داخل «كرجستان».
وأرسل القيصر كتيبتين من العسكر بقيادة الجنرال (كوليسكوف) والجنرال «لازواروغ» إلى «تفليس» لإخماد هذه الثورة، فأوقعا في المقاومة هزيمة كبيرة.
ونقل «نفيسي» عن «عبد الرزاق بيك مفتون الدنبلي» مؤرخ بلاط «فتح علي شاه» أن الجنرال «تسيتسيانوف» أسر «ده ده فال» زوجة «جرجين» بعد وفاة زوجها وأسر بعض أبنائها وأرسلهم إلى العاصمة الروسية. وكان قبل ذلك قد أرسل إلى «ده ده فال» الجنرال «لازاروف» ليدعوها إلى السفر إلى العاصمة الروسية. فلما اقترب منها طعنته بسكين كانت تخفيها فقتلته. ولذلك أسرها «تسيتسيانوف» وأرسلها إلى العاصمة. وذكر ذلك المؤرخ أيضاً أن ابنها الأمير «تيموراز» فر من «كرجستان» ولجأ إلى إيران.
واقتضت استراتيجية «تسيتسيانوف» في احتلاله إقليم «كرجستان» أن يحتل أيضاً ناحية «كنجه» وناحية «ايروان». فأرسل إلى «جواد علي قاجار» حاكم «كنجه» من قبل إيران، يطلب منه أن يرسل إليه خراج تلك الناحية السنوي فبادر الحاكم إلى إخبار البلاط الإيراني بما طلبه منه «تسيتسيانوف». فأرسلت إليه الحكومة الإيرانية من طهران جيشاً ينجده. ولكن قبل وصول هذه النجدة، كان «تسيتسيانوف» يحاصر «كنجه» في شهر كانون الأول سنة 1803م الموافق رمضان سنة 1218هـ.
وعجز الحاكم عن الدفاع ووقع خلاف بينه وبين أحد رؤساء عسكره وخانه أرمن «كنجه» فسلموا إلى الروس. وفي فجر الأول من شوال من تلك السنة هجم الروس على قلعة المدينة ودارت معركة استمرت ثلاث ساعات وقتل فيها «جواد خان» حاكم «كنجه» وأحد أبنائه، واحتل العسكر الروسي المدينة، وأوقع بأهلها مذبحة عطيمة. بل إنهم غيروا اسمها فسموها «اليزابت بول» باسم «اليزابت بتروفنا» بنت «بطرس الكبير»([583]).
وفي أيام تلك الواقعة كان «فتح علي شاه» مشغولاً بحرب في خراسان. وفي نفس اليوم الذي فتح مدينة «مشهد» وصله خبر سقوط مدينة «كنجه» بيد الروس. وكانت هذه الواقعة مبدأ سلسلة من الحروب بين إيران وروسيا دامت مدة عشر سنوات تقريباً وانتهت بمعاهدة عرفت باسم «معاهدة گلستان».
وبعد قليل من هذه الواقعة نشب الخلاف بين روسيا «ونابليون». وارتأى «نابليون» أن يتقرب من إيران ليشغل بها روسيا. وأمل «فتح علي شاه» أن يتغلب على روسيا ويسترد منها ما اغتصبته من أرض إيران بمعاونة «نابليون» له.
وكانت روسيا غير قادرة على أن تحشد في القفقاس من الجند أكثر مما حشدته، إذ كانت مضطرة إلى إبقاء قسم كبير من جيشها في أوروبا لمحاربة «نابليون» ولذلك لم تكن قادرة على القيام بحملة حاسمة في الجبهة الإيرانية.
وأدرك البلاط الإيراني شيئاً فشيئاً أنه عاجز عن المقاومة، وأن صلاح أمره لا يشتد في المحاربة. وكان أميل إلى أن يتوصل إلى غايته بوساطة من «نابليون».
وبسبب وضع البلدين، إيران وروسيا، العسكري هذا كان أكثر الوقائع من تلك الحرب التي دامت عشر سنوات، يقتصر على مناوشات محلية متقطعة ضيقة المجال، إلى أن أمنت روسيا جانب «نابليون» وأصبحت خلية البال من جهة أوروبا. عندئذ حشدت قواها العسكرية جميعها في القفقاس، وسيأتي تفصيل ذلك.
غزو «إيران»
لما بلغ «فتح علي شاه» نبأ احتلال الروس لمدينة «كنجه» جهز في 28 ذي القعدة سنة 1218هـ جيشاً وجعل قيادته العامة لابنه «عباس ميرزا» نائب الملك، وكان أكثر إخوته كفاءة، وارتأى «فتح علي شاه» أن يذهب نفسه إلى أذربيجان ليكون قريباً من ميدان الحرب، وينجد المحاربين بمدد عند اللزوم. وسار «عباس ميرزا» بجيشه من تبريز في الرابع عشر من شهر صفر سنة 1219هـ قاصداً إلى «إيروان»، وعسكر على شاطىء نهر «زنجي».
وكان الجنرال «تسيتسيانوف» قد سار، بعد احتلاله «كنجه» قاصداً «إيروان». فوصل إلى قربها يوم الأحد 19 ربيع الأول سنة 1219هـ. وأراد احتلال مدينة «إتشميازين» التي فيها مركز الجاثليق الأرمني وتعد أهم مركز ديني للأرمن. فلما بلغ ذلك إلى «عباس ميرزا» سار إليه بفرقة من عسكره وهاجمه بالقرب من «إتشميازين». ووقعت بين العسكرين جولات من الحرب دامت ثلاثة أيام لم ينتصر فيها أحد منهما على الآخر. فتركا القتال وعاد كل منهما إلى معسكره، وقد قتل جماعة وأسر آخرون من الطرفين. وكان بين من أسرهم الإيرانيون جماعة من القوزاق الروس.
ويومئذ كان على «إيروان» حاكم اسمه «محمد خان قاجار»، وكان قد انحاز إلى الروس. فلما رأى أنهم لم يتقدموا في هذه الحرب أراد أن يصانع الإيرانيين. فأرسل إلى المعسكر الإيراني رسالة يطلب فيها حضور الوزير «الميرزا محمد شفيع» إلى قلعة «إيروان» لمفاوضته. فذهب إليه وأعلن الحاكم له طاعته لحكومة إيران وأرسل ابنه مع هدايا إلى «عباس ميرزا» وتعهد بأن لا يعصي له أمراً.
ولما بلغ ما فعله حاكم «إيروان» إلى الجنرال «تسيتسيانوف» بادر إلى مفاجأة الجيش الإيراني بالهجوم عليه، واستؤنفت الحرب مرة أخرى.
وفي هذه الأثناء تمرد بعض من كان في الجيش الإيراني من فرسان «شمس الدين لو» والقوزاق، وأغاروا على مؤخرته. ووقعت البلبلة في جيش «عباس ميرزا» وفر جنوده منهزمين. وبذلك خلت الطريق أمام «تسيتسيانوف» فدخل إلى «إيروان» وجعل من مسجدها معسكراً له ونصب عليه المدافع مواجهة للقلعة حيث يقيم الحاكم «محمد خان قاجار» وشرعت الحرب بينهما.
واضطر «عباس ميرزا» إلى الذهاب إلى أبيه «فتح علي شاه» وكان يقيم في «السلطانية» بالقرب من «زنجان» فروى له تفاصيل الوقائع. فأرسل «فتح علي شاه» نجدة من الجنود الخراسانيين بقيادة «إسماعيل بيك» الدامغاني، وسار هو أيضاً في أثرهم حتى التحقوا بمعسكر «عباس ميرا» على بعد ثلاثة فراسخ من «إيروان» فحمل بهم «عباس ميرزا» على المدينة ودارت الحرب في مقابل مسجد «إيروان» إلى الليل.
وفي الصباح نبه «محمد خان قاجار» حاكم المدينة «فتح علي شاه» إلى أن حراس القلعة هم من الأرمن ويخشى أن ينحازوا إلى الروس لما بينهم وبين الروس من رابطة الدين. فبعث «فتح علي شاه» بجماعة من جنده إلى القلعة فاحتلوها.
ورأى «تسيتسيانوف» أن يبيت جيش «فتح علي شاه». ولكن «حسن خان يوزباشي» قائد طليعة الجيش الإيراني علم بقراره فأخبر به «فتح علي شاه»، فاستعد له وهيأ جنوده للمقاومة وقبيل الفجر، إذ اقترب الروس منهم، دارت معركة شديدة. ولكن الروس لم يحصلوا على فائدة فتفرقوا منهزمين. وتتبعهم العسكر الإيراني إلى أن أمرهم «فتح علي شاه» بمحاصرتهم ومنع وصول الطعام إليهم.
ووقعت أيضاً معركتان في مكانين آخرين انهزم الروس فيهما. وفي إحداهما فقد الروس أربعة آلاف جندي بين قتيل وأسير. وأمر «فتح علي شاه» ببناء منارة إلى جانب المعسكر من رؤوس القتلى منهم.
بعد هذه الواقعة سار الجنرال «تسيتسيانوف» في أول ربيع الثاني سنة 1219هـ عائداً إلى «تفليس» إذ كان فصل الشتاء قريباً. وتتبعه الجنود الإيرانيون عدة مرات فأسروا منه وغنموا، وعلى هذا النحو انتهت حرب تلك السنة.
ثم نصب «فتح علي شاه» حكاماً على تلك النواحي. ومنهم «محمد خان قاجار» أقره على عمله السابق حاكماً على «إيروان» وأعاد إليه ابنه الذي كان قد أرسله رهينة إلى «عباس ميرزا». وسار «فتح علي شاه» بعد ذلك من تبريز عائداً إلى طهران فوصلها في 14 رجب سنة 1219هـ، ومعه «عباس ميزا».
حروب سنة 1220هـ
بعد ذلك استبقى «فتح علي شاه» ابنه «عباس ميرزا» في معيته في طهران مدة. وفي ربيع سنة 1220هـ أرسله إلى أذربيجان ليتابع محاربة الروس. وأرسل معه «القائمقام الميرزا عيسى الفراهاني» مساعداً ومشاوراً. وكان هذا من رجال بلاطه العارفين الخبيرين بشؤون الحكم.
وغادر «عباس ميرزا» طهران في 14 صفر سنة 1220هـ، وفي 24 صفر من تلك السنة لحق به «فتح علي شاه» وأقام في السلطانية. ومن هناك أرسل بعض الأمراء والحكام إلى بعض النواحي من آذربيجان لاستكمال تدابير «عباس ميرزا» العسكرية. ثم ذهب إلى «أوجان» في 13 ربيع الأول من تلك السنة.
وهناك بلغ إلى «فتح علي شاه» خبر بأن «إبراهيم خليل خان» حاكم قره باغ» بالإرث من سنة 1177هـ قد خلع طاعة إيران وحالف روسيا. فأمر ابنه «عباس ميرزا» بأن يبدأ بمحاربته ويستولي على قلعة «فتاه آباد». فلما علم «إبراهيم خليل خان» بذلك أرسل إلى «تسيتسيانوف» ـ وكان في «كنجه» ـ ليستنجد به فأرسل إليه هذا فرقة عسكرية لنجدته. وبعث «عباس ميرزا» جيشاً بقيادة «إسماعيل خان» الدامغاني إلى حربه. والتقى الجيشان على بعد أربعة فراسخ من جسر «خدا آفرين» الذي على نهر أرس. ووقعت حرب بينهما، وكاد الإيرانيون ينهزمون لولا أن خف «عباس ميرزا» لما علم بذلك، إلى نجدتهم، فحميت بينهم حرب شديدة انهزم فيها الروس وجنود «قره باغ» وفروا إلى «شوشي». وكان فرارهم شاقاً لاضطرارهم إلى سلوك أرض مكتظة بالشجر. وتعقبهم «عباس ميرزا» إلى «آق أغلان» وغنم منهم كثيراً. ثم نصب من قبله أحد رجاله على «آق أغلان» وعاد إلى «فناه أباد» ليحاصرها.
وفي أثناء عودته التقى بالروس وأعوانهم من الكرج في عدة مواضع ووقعت بينه وبينهم معارك شديدة انتصر فيها «عباس ميرزا» ورجاله.
وقد مر أن «محمد خان قاجار» حاكم «إيروان» كان قد خان ودخل في طاعة الروس، ثم أعلن التوبة وأرسل ابنه رهينة عند «عباس ميرزا»، فعفا عنه «فتح علي شاه» وأعاد إليه ابنه وأقره على عمله السابق في حكومة «أيروان».
ولكن هذا الحاكم عاد فنقض توبته ودخل في طاعة الروس مرة أخرى. فسار إليه «إسماعيل خان شام بياتي قاجار» حاكم مدينة «خوي» بأمر من «فتح علي شاه»، واستطاع أن يحتل قلعة «إيروان» ويعتقل هذا الحاكم.
الحرب في «جيلان» وبحر الخزر
في سنة 1220، والجيش الإيراني مشغول بمحاربة الروس وعساكر «تسيتسيانوف» في أذربيجان، وصل إلى المسؤولين الإيرانيين خبر بوقوع أحداث في «جيلان».
فقد أراد الجنرال « تسيتسيانوف» وكان يقيم في «كنجه» أن يشغل الجيش الإيراني بجبهة أخرى. فعهد إلى واحد من أمهر ضباطه اسمه «شيفت» أن يقوم بحملة على «جيلان» بمساعدة أسطول بحر الخزر. وأنزلت أثنتا عشرة سفينة روسية قوة عسكرية على ساحل البحر في أرض «طالش»، ومنها شنت حملة على مرفأ «أنزلي». وإذ كان المحافظون على المرفأ غير قادرين على المقاومة لعدم التكافؤ بينهم وبين المغيرين، فقد اضطروا إلى الفرار إلى «رشت». واحتل العسكر الروسي «أنزلي» لا يلقى مقاومة، ومنها سار قاصداً إلى «رشت».
ولكن «الميرزا موسى منجم باشي» اللاهيجي حاكم «جيلان» جهز جيشاً، وأقام استحكامات عسكرية له في «فيره بازار» وتصدى للمغيرين بالمقاومة، ونشبت بينهما معركة شديدة قتل فيها من الروس ألف جندي، وفر من سلم منهم راجعاً على أعقابه إلى «أنزلي» ومنها أبحروا على السفن التي جاؤوا عليها عائدين إلى روسيا، ولم تستفد روسيا من هذه الحملة شيئاً.
حروب أخرى
وكان الجنرال «تسيتسيانوف» قد اضطر إلى إنجاد أحد قواده في إحدى المعارك. فاضطر لذلك إلى الخروج من «كنجه» بالنجدة المطلوبة. فلما عرف «فتح علي شاه» بخروجه أمر «عباس ميرزا» بمهاجمة «كنجه» فهاجمها واحتلها، ولكن الروس تحصنوا في قلعتها، وكانت مؤونتهم كافية لحصار طويل على حين كان سكان المدينة تعوزهم المؤونة فاضطر إلى حمل فريق منهم إلى تبريز وغيرها لتوفير المؤونة. ووقعت بينه وبين الروس معارك في نواحي أخرى انتصر فيها. ولكنها كانت حرباً غير حاسمة.
وفي إحدى هذه الوقائع تعرض «عباس ميرزا» لكمين إقامة كرجيون من أتباع الروس، وأطلقوا عليه رصاصة أصابت (جزمته) ولم تؤذه.
ثم عاد «فتح علي شاه» إلى طهران وذهب «عباس ميرزا» إلى تبريز وأرسل «محمد خان قاجار» حاكم إيروان» الخائن إلى طهران إلى بلاط أبيه.
احتلال الروس لقلعة «شوشي»
ورأى «تسيتسيانوف» أن الجند الإيرانيين قد تركوا الميدان خالياً بسبب فصل البرد فعزم على احتلال قلعة «شوشي» مقر حاكم ولاية «قره باغ» وكان حاكمها يومئذ «إبراهيم خليل خان». فطلب منه «تسيتسيانوف» أن يريه القلعة حيث يسكن الحاكم وأن يكون ضيفاً عليه وكانت خدعة منه ولكن الحاكم صدقه ودعاه إلى القلعة، فدخلها وأقام فيها أربعمائة جندي يحتلونها، وبذلك وضع يده عليها وخرجت من يد «إبراهيم خليل خان» ثم سار منها إلى «كنجه».
ويومئذ أرسل حكام «قبة» و«دربند» و«بادكوبا» رسالة إلى «عباس ميرزا» قالوا فيها إن العقيد الروسي «شيفت» المذكور آنفاً لا بد من أن يغير، وهوعائد من «جيلان»، على «باكو». فيجب إرسال نجدة تصده عنها. فأرسل «عباس ميرزا» فرقة من الفرسان والمشاة لهذه الغاية.
وأرسى العقيد «شيفت» أسطوله في مقابل «باكو» ودارت معركة شديدة بينه وبين العسكر الإيراني، ثبت فيها «حسين قلي خان» حاكم «بادكوبا» بكل شجاعة، واستطاع أن يغرق بضع سفن من الأسطول الروسي ضرباً بالمدافع. ثم نزل العسكر الروسي إلى الساحل وهجموا على المدينة. ودامت الحرب بضعة أيام رأى العقيد «شيفت» بعدها أن النصر غير متيسر له، فعاد بجنده إلى السفن، ورحل عن المدينة.
من جهة أخرى سار «تسيتسيانوف» من «كنجه» قاصداً إلى «شروان». فأرسل «مصطفى خان الشرواني» حاكم «شروان» خبراً بذلك إلى «عباس ميرزا». فأرسل هذا إليه نجدة بقيادة «بيرقلي خان قاجار». فلما وصلت النجدة إلى شاطىء نهر «كر» على بعد أثني عشر فرسخاً من «شروان» وصل إلى قائدها «بير قلي خان قاجار» خبر بأن مصطفى خان الشرواني حاكم «شروان» قد دفعه الخوف إلى مفاوضة الجنرال «تسيتسيانوف» على الصلح وأنه قد اجتمع به. وأن «تسيتسيانوف» قد سار، ومعه «مصطفى خان الشرواني» قاصداً إلى «باكو» للانتقام من «حسين قلي خان» حاكم «بادكوبا» وهازم العقيد الروسي «شيفت». وأن العقيد «شيفت» قد التحق به بمن بقي معه من جنوده.
ولما بلغت هذه الأخبار إلى «عباس ميرزا» بادر إلى إرسال «حسين قلي خان» مع جماعة من الجند إلى «باكو» وأتبعه بنجدات أخرى من الفرسان والمشاة والمدافع. ثم لحق بهم، وكان في تبريز، في 22 ذي القعدة سنة 1220هـ عن طريق أردبيل. وفي أردبيل وصلته تقارير بأن قواد جنده قد استقروا في أماكنهم الاستراتيجية متهيئين. ووصله خبر أيضاً بأن الجنرال «تسيتسيانوف» يكابد من مشقات كثيرة بسبب شدة البرد وقلة الزاد.
مقتل «تسيتسيانوف»
أما واقعة مقتل «تسيتسيانوف» قائد الجيش الروسي فقد حدثت على هذا النحو.
لما اقترب «تسيتسيانوف» من «باكو» اشتد برد الشتاء وهطلت أمطار وثلوج كثيرة. ونفق كثير من دوابه التي تنقل مدافعه وأعوزه الطعام والعلوفة، فوقع في مضيقه لا يدري ما يفعل. ووقع «مصطفى قلي خان» الرواني و«حسين قلي خان قاجار» المكلفان بالدفاع عن «باكو» في مثل ما وقع فيه «تسيتسيانوف» من ضيق. وانتهى أمر الطرفين المتحاربين إلى أن تقرر أن يجتمع «حسين قلي خان» و«تسيتسيانوف» في خارج المدينة للتفاوض على إيقاع الهدنة. ولكن «حسين قلي خان» كان قد بيت أمراً للغدر بخصمه «تسيتسيانوف». فقد تقرر أن يرافقه في هذا الاجتماع ثلاثة من رجاله، وكان منهم ابن عمه «إبراهيم خان قاجار». فواطأه على اغتيال «تسيتسيانوف» في أثناء الاجتماع فلما جلسوا للمفاوضة كان مجلس «إبراهيم خان قاجار» وراء الجنرال «تسيتسيانوف». وفيما الجنرال و«حسين قلي خان قاجار» يتبادلان الحديث، أشار هذا إلى «إبراهيم خان» إشارة متفقاً عليها بينهما، فأطلق من بندقية كانت في يده على ظهر «تسيتسيانوف» رصاصة مرت من صدره فوقع قتيلاً وقتلوا مرافقيه أيضاً. ثم احتزوا رأسه وأرسلوه إلى طهران. وكان قتل «تسيتسيانوف» في شهر ذي الحجة سنة 1220هـ بهذه الخدعة، ولم يجد جنده بداً من العودة إلى قواعدهم.
نتيجة الحروب الأولى
هذه الحروب الأولى التي دامت إلى آخر سنة 1220هـ لم تنته إلى نتيجة حاسمة. وقد اشتركت فيها نخبة من الضباط الروس المجربين. واشتهر في إيران أن «مرتضى قلي خان قاجار» آخا «أقا محمد خان قاجار» كان يساعد الجيش الروسي هذا في السر في بلاد القفقاس. وكان قد خاصم أخاه ثم فر خوفاً منه إلى روسيا لاجئاً وأقام في «بطرسبورغ» من سة 1211هـ.
والنتيجة المهمة التي ترتبت على هذه الحرب هي مقتل الجنرال الأمير «تسيتسيانوف» وبعد مقتله وقعت حادثة مهمة أخرى هي أن «جلاسينوب» أحد قواد الجيش الروسي حاصر مدينة «دربند». وبعد حرب وقعت بينه وبين القائد «علي خان» استطاع أن يحتل تلك المدينة. وقد ألحق الاحتلال الروسي لمدينة «دربند» بإيران ضرراً جسيماً. ولا يقتصر الضرر على أن هذه المدينة هي بوابة بحر الخزر بل يتعداه أيضاً إلى أن سواحلها المرتفعة مشرفة إشرافاً كاملاً على أذربيجان و«مقان». وهي مركز عسكري مهم جداً لمن يحاول الاستيلاء على تلك النواحي.
سياسية إيران في هذه الأحداث
في هذه الحروب جميعها اقتصرت وسيلة إيران في منازلة الروس على القوى العسكرية التي لها في القفقاس، وتحريض الأعيان من مسلمي تلك النواحي على مقاومة الروس بقواهم العسكرية الخاصة وأحياناً ببذل أموالهم الخاصة. وكانت عدتها للحصول على معونتهم هي اندفاعهم إليها بما يفرقهم عن الروس من اختلاف في العرق وفي الدين فقط، من غير أن تمدهم بشيء من المساعدة.
ولكن لما اشتدت الأمور، اضطر «عباس ميرزا» نائب الملك إلى الخروج من تبريز بعشرين ألف مقاتل وعبور نهر «أرس» إلى تلك النواحي. إلا أنه لم يصنع شيئاً، وكان يلقى الهزيمة في أكثر محارباته. وامتدت هذه الحروب إلى سنة 1228هـ ووقعت فيها مناوشات، منها الكبير ومنها الصغير، في نواح مختلفة مما وراء نهر «أرس». هذا وبلاط طهران لا ينفك يوالي التجهيزات العسكرية وإرسالها إلى نواحي القفقاس، والمعارك تنشب هنا وهناك. ولكن النتائج كانت، بوجه الإجمال، خسارة على إيران.
ومع ذلك فإن «فتح علي شاه» كان مغروراً مطمئناً إلى أنه متغلب على الروس لا محالة! ولذلك ارتكب خطأ لا يرجى إصلاحه، إذ رفض كل طلب للصلح تقدمت به روسيا إلى إيران، وكان يجيب أحياناً على مثل هذا الطلب بأجوبة قاسية غليظة، لجهله بأوضاع العالم العامة والأمور السياسية والعسكرية في ذلك العصر.
من ذلك أن الفتوحات التي قام بها «نابليون» في سنة 1220هـ الموافقة سنة 1806م، حملت روسيا على إلقاء السلام إلى إيران لتطمئن من جهتها، وتتفرغ لمعالجة أمورها في أوروبا فأرسلت في 25 ذي القعدة سنة 1220هـ الموافق 14 شباط سنة 1806م من قبلها سفيراً إلى طهران اسمه «استيفانوف»، يعرض الصلح على إيران، ولكن البلاط الإيراني لم يعتن به ولا اهتم باقتراحه. وكان لممثلي «نابليون» في بلاط «فتح علي شاه» أثر كبير في حمله على اتخاذ هذا الموقف. وأقام ذلك السفير الروسي في طهران مدة شهرين اثنين ويوم واحد لا يحصل على نتيجة. فغادر طهران في 26 المحرم سنة 1221هـ الموافق 16 نيسان سنة 1806م عائداً إلى بلاده. وكل ما حصل عليه هو وعد من «فتح علي شاه» بأنه يتوقف عن المحاربة ما توقفت عنها روسيا.
ويتضح من هذا أن إيران ذهبت في هذه المنازعات ضحية السياسة الفرنسية ومنافعها. وقد كان صلاح أمر «نابليون» في أن تكون قوى روسيا متفرقة بأن يبقى فريق من جيشها مرابطاً في القفقاس في وجه إيران لا يشارك في حروب أوروبا. وبذلك تضعف مقاومتها لـ«نابليون» فيتمكن من التغلب عليها. ولذلك حرض البلاط الإيراني على رفض المصالحة. وانقاد البلاط له متبعاً خطة فجة واهية، لجهله بالأوضاع العالمية وجهله بما عليه روسيا القيصرية من قوة عسكرية، وضيع الفرص المؤاتية وأصبح آلة طيعة بيد «نابليون». وكانت نتيجة ذلك أن تصبح إيران في كل حرب تخوضها أضعف من سابقتها وأكثر خسارة لأرضها.
الجهاد
مع شروع البعثة العسكرية الإنكليزية بتدريب الجيش الإيراني شرع السفير الإنكليزي «السير غور أوزلي» بمساعي لإيقاع الصلح بني الشاه والقيصر، بموافقة كل من إنكلترا وروسيا.
وكان السفير الإنكليزي، يقيم في تبريز إذ كانت السنة المتبعة يومئذ أن يقيم سفراء الدول الأجنبية في تبريز بعد تقديم أوراق اعتمادهم إلى «فتح علي شاه» في طهران.
وكان من القواد العسكريين الذين أرسلتهم روسيا إلى محاربة إيران قائد مقتدر هو الجنرال «كوتليارفسكي». وفي 20 تشرين الأول سنة 1812 م الموافق 13 شوال سنة 1227هـ هاجم الجنرال «عباس ميرزا» وهو معسكر عند «أصلان دوز» وشاركه في هذا الهجوم «مهدي خان» حاكم «قره باغ» الإيراني ـ وكان قد انحاز إلى الروس ـ معه ألفا فارس من القره باغيين.
وأوقع «كوتليارفسكي» بجيش «عباس ميرزا» هزيمة نكراء. فاضطر «فتح علي شاه» في سنة 1812م الموافقة سنة 1227هـ، وكان يقيم في «السلطانية»، إلى طلب الصلح بوساطة السفير الإنكليزي «السير غور أوزلي» وقام هذا بمفاوضة الجنرال «رتيشتشوف» القائد العام للجيش القيصري الذي في «كرجستان» وحاكم الأقاليم الإيرانية المحتلة العسكري ممثلاً للقيصر ومفاوضة «عباس ميرزا» ولي العهد ممثلاً للشاه. ولكن هذه المفاوضات لم تأت بنتيجة إيجابية، إذ أصرت إيران على استرداد جميع الأقاليم التي احتلتها روسيا، وأصرت روسيا على التمسك بها وإلحاقها بأرضها. ووقعت في أثناء ذلك مناوشات حربية أخرى انتهت إلى هزيمة الإيرانيين.
ويومئذ طرح موضوع إعلان الجهاد للبحث. وقد روى المؤرخ الفرنسي «جان يونير» هذا الأمر في كتابه «أبطال إيران المجهولون في محاربة روسيا القيصرية»([584]) على هذا النحو، ننقله ملخصاً:
قبل حضور السفير الإنكليزي «السير غور أوزلي» إلى السلطانية إجابة لطلب «فتح علي شاه» حضر إلى إيران جماعة من علماء الدين الشيعة المقيمين في النجف وكربلاء وسامراء وغيرها من بلاد العراق.
وسبب حضورهم هو أن جماعة من مسلمين الولايات التي احتلتها روسيا في شمال إيران قدموا إلى العراق وشكوا إلى المراجع الدينية فيه ما يلقاه مسلمو تلك الولايات من جور الجنرال الروسي «رتيشتشوف» حاكم تلك الولايات العسكري. ومن ذلك منعهم من إقامة شعائرهم الدينية. وإجبارهم على الخضوع لقوانين مذلة جائرة.
فارتأى «الشيخ محمد حسين النجفي» وغيره من مراجع الدين العراقيين مباحثة مراجع إيران في موضوع إعلان الجهاد. فحضروا إلى إيران لهذه الغاية. وحضر معهم من كان قد هاجر إليهم من مسلمي القفقاس.
وحين وصولهم إلى طهران كان «فتح علي شاه» قد عاد إليها حديثاً من «السلطانية» بعد تلك المفاوضات الطويلة بينه وبين السفير الإنكليزي. فاستقبلهم استقبالاً حسناً، وأكرم مثواهم. ووافقهم على إصدار فتوى بالجهاد وأرسل «الشيخ محمد حسين النجفي» رسائل إلى رجال الدين المقيمين في الولايات يطلب منهم إصدار فتوى بوجوب الجهاد، فأجابو بالإيجاب.
وكان «فتح علي شاه» يعلم أن استصدار فتوى بالجهاد من العلماء أمر ممكن. ولكنه كان يعلم أيضاً أن إنفاذ هذه الفتوى أمر صعب. فالإيرانيون، وإن كانوا لا ينقصهم الشجاعة والثبات والفداء، ينقصهم المال والسلاح والعلم بفنون الحرب، إذ لم يسبق أن تلقوا تربية عسكرية حسب الأصول الحديثة. فهم لذلك غير قادرين على محاربة الجيش الروسي المدرب المسلح بالأسلحة الحديثة. ومع ذلك فإن موافقة رجال الدين على إعلان الجهاد أفادت «فتح علي شاه» فائدة اجتماعية وسياسية. فقد قوت مكانته في الداخل من جهة، ووضعت، من جهة أخرى، في يده سلاحاً دبلوماسياً هوالتهديد بالجهاد في مفاوضاته السياسية للصلح.
لم يكن في يد «فتح علي شاه» سوى وسيلة وحيدة للتغلب على الروس واسترداد الأقاليم الإيرانية التي احتلوها، وهي تجنيد رجال العشائر، إذ كانوا أكفاء لهذا الأمر. وهذا شيء اعترف به الإنكليز والروس كلاهما. ذلك لما كان يتحلى به رجال العشائر من حماسة وشجاعة فائقة وصبر على الشدائد. وفي أحد تقارير الجنرال «غاردان» إلى «نابليون» وصف رجال العشائر الإيرانية بأنهم أحسن جنود الدنيا، واعترف بأنهم أفضل من العسكر الفرنسي. هذا مع التنبيه إلى شدة اعتزاز الفرنسيين بعسكرهم واعتقادهم بأن لا جندي فوق الجندي الفرنسي.
ولكن تجنيد رجال العشائر يحتاج إلى المال. ولم يتمكن «فتح علي شاه» من توفير المال اللازم، إما لشحه وإما لفقره.
وبدأ التجنيد للجهاد. وخرجت أول كتيبة من المجاهدين من طهران وسارت إلى قزوين لتتخذ طريقها من هناك إلى الولايات المحتلة. وإذ كان «فتح علي شاه» غير حاضر لبذل نفقات المجاهدين فقد أوعز إلى حاكم قزوين بإرجاعهم منها وإخبارهم بأن الشاه يتعهد بأن يخرج بتدابيره العسكرية «رتيشتشوف» من القفقاس ويريح مسلميها من شره، فأعادهم الحاكم من قزوين. وأقنع «فتح علي شاه» الشيخ محمد حسين النجفي بالانصراف عن الجهاد وذلك بوعده له بأن يجند رجال العشائر لحرب «رتيشتشوف» فهم أكفأ لها من رجال المدن. وبذلك توقف «الشيخ محمد حسين النجفي» عن تجنيد الناس للجهاد. ولم يكن «فتح علي شاه» في الواقع عازماً على تجنيد رجال العشائر، ولكنه وعد بهذا الأمر ليجعله وسيلة إلى صرف الأنظار عن إعلان الجهاد.
هذه خلاصة ما ذكره «جان يونير» عن قضية الجهاد التي طرحت يومئذ للبحث. أما «سعيد نفيسي» فلم يأت في كتابه: «تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي» على ذكر «الشيخ محمد حسين النجفي» ولا على ذكر قضية إرجاع المجاهدين من قزوين. وأورد بحث موضوع الجهاد هذا على هذا النحو نقلاً عن مؤرخين إيرانيين. وننقل كلامه هنا ملخصاً:
أفتى المجتهدون يومئذ بأن أحكام الجهاد تجري على هذه المحاربة. وزيد في ألقاب الشاه وألقاب ولي العهد لقب «الغازي» و«المجاهد في سبيل الله». وأرسل ولي العهد «عباس ميرزا» و«الميرزا عيسى الفراهاني» المعروف بلقب «قائم مقام» ولقب «الميرزا الكبير»، بعد استئذانهما «فتح علي شاه»، اثنين من العلماء إلى النجف لاستفتاء المرجع الديني «الشيخ جعفر النجفي» وغيره من المجتهدين في موضوع الجهاد هذا.
فكتب «الشيخ جعفر» أن محاربة روسيا في هذه الأيام جهاد واجب على الجميع. وكتب غيره من مجتهدي العراق أيضاً مثل هذه الفتوى. وقد جمع «الميرزا عيسى الفراهاني» فتاوى المجتهدين هذه في رسالة خاصة.
وقام الوعاظ على منابر أذربيجان يحرضون الناس على الجهاد. وأقبل الناس على التطوع له. وقُدّر عدد المتطوعين للجهاد في أذربيجان بمائة ألف تقريباً.
هذه خلاصة ما ذكره «سعيد نفيسي». والظاهر أن هذه الحركة الجهادية لم تأت بنتيجة عملية.
معاهدة «كُلستان»
بعد الهزيمة التي أوقعها الجنرال «كوتليارفسكي» بجيش «عباس ميرزا» في 20 تشرين الأول سنة 1812م الموافق 13 شوال سنة 1227هـ، وخيبة المفاوضات التي قام بها السفير الإنكليزي «السير غور أوزلي» اضطر «فتح علي شاه» في سنة 1813م الموافقة سنة 1228هـ، وقد زحمته تلك الشدائد والأحداث، إلى إرسال «أبو الحسن خان الشيرازي» إلى «قره باغ» للحصول على الصلح. والتقى هذا بالجنرال «رتيشتشوف» في محلة «كلستان» في المعسكر الروسي عند نهر «زيوه» من «قره باغ». ووقعا معاهدة صلح بين إيران وروسيا في 12 تشرين الأول سنة 1813م الموافق 29 شوال سنة 1228هـ. وعرفت هذه المعاهدة باسم «معاهدة گلستان». وحضر توقيعها السفير الإنكليزي «السير غور أوزلي».
وبهذا انتهت تلك الحروب التي لم تحصل إيران منها على غير الخسارة، ودامت أكثر من عشر سنوات، من سنة 1218 إلى سنة 1229هـ، إلى أن لجأ البلاط الإيراني إلى إنكلترا لإخراجه من هذا المأزق.
وتقضي هذه المعاهدة بأن ما كان في يد إيران من أرض في هذا التاريخ هو لإيران. وأن ما احتلته روسيا من أرض هو لروسيا. ويتعهد الطرفان بأن يبقى عسكر كل منها حيث كان يوم إمضاء هذه المعاهدة، لا يتجاوزه. ويكون ما بين العسكرين هو الحدود الفاصلة بين إيران وروسيا، إلى أن تعين في ما بعد الحدود تعييناً دقيقاً واضحاً بين البلدين.
وكان هذا الإبهام في الحدود، وفي مقتضيات معاهدة «گلستان»، سبباً في تخطي إيران لهذه المعاهدة وادعائها الغبن، وإقدامها على محاربة روسيا مرة ثانية. وكل ما حصل في هذه المعاهدة من فائدة هو إقامة سلام موقت متزلزل مدة ثلاثة عشرة سنة من ذلك التاريخ إلى سنة 1242هـ… الموافقة لسنة 1826م، بين إيران وروسيا.
ويتبين من هذه النتيجة أن أكثر أعمال الإنكليز إتقاناً في هذه الوساطة إنما كان إبقاؤهم أصل الاختلاف قائماً بين الدولتين وغير محسوم، وترك الحدود على وضع مبهم لتبقى الطريق إلى حرب أخرى مفتوحة دائماً.
بعد ذلك أرسلت إيران «أبو الحسن خان الشيرازي» سفيراً لها إلى «بطرسبورغ» مع هدايا نفيسة. ودخل على القيصر رسمياً في 20 كانون الأول سنة 1815م الموافق 18 المحرم سنة 1231هـ باحتفال فخم.
وفي سنة 1816م الموافقة سنة 1231هـ عزل القيصر الروسي الجنرال «رتيشتشوف عن منصب القائد العام لجيش «كرجستان» ونصب في مكانه الجنرال «أكليس بتروفيتش يرمولوف». وعهد إليه أيضاً بسفارة روسيا في إيران. وفي 17 نيسان سنة 1817م الموافق آخر جمادى الأولى سنة 1232هـ دخل على «فتح علي شاه» في «السلطانية»، إذ كان يومئذ مقيماً هناك، وحمل السفير هذا إلى الشاه هدايا نفيسة.
مقدمات الحرب الإيرانية الروسية الثانية
تصالح إيران وروسيا الذي اقتضته معاهدة «گلستان» المعقودة بينهما سنة 1228هـ لم يكن تصالحاً مستقراً. ولم يدم أكثر من ثلاثة عشر عاماً. فقد ظلت الحدود بين الدولتين مبهمة. ولو أنها بينت بخط حدودي معين لما بقي مجال للخلاف، واستقر الوضع استقراراً إن لم يكن دائماً فإلى مدة طويلة على الأقل. وقد تعمد الإنكليز، وهم واسطة انعقاد تلك المعاهدة، جعل هذا الخلل فيها ليبقى الوضع بين الدولتين قابلاً للخلاف دائماً.
وكان هذا التدبير من جملة التدابير التي اتخذتها إنكلترا لإبقاء إيران ضعيفة، إذ يصرفها انشغالها بالخلاف عن التقوّي، فلا يخشى منها هجوم على الهند أو مساعدة منها لغيرها على الهجوم. ومن أجل ذلك أيضاً ساعدت إنكلترا على اقتطاع «هرات» وقسم من إقليم «سيستان» من إيران، وضمهما إلى أفغانستان، واقتطعت أيضاً منها قسماً من إقليم «بلوجستان» وضمته إلى الهند، وهو اليوم تابع للباكستان، وهذه النواحي كانت دائماً جزءاً من إيران. وباقطاعها أبعدت إنكلترا إيران عن حدود الهند وأضعفتها. وظروف إيران جميعها تضطرها إلى الرضوخ للسيطرة الإنكليزية. وبذلك أمنت إنكلترا جانبها، وأصبحت طريق الهند مصانة في يدها.
وطريق الهند هذه هي الجنوب من أفغانستان الواقع في شمال الهند «الباكستان»، وما يتصل به من نواحي آسيا المركزية. وجميعها كانت في تلك الحقبة خاصعة للسيطرة الإنكليزية.
وهذه النواحي كانت، من أزمنة قديمة، أسهل الطرق لغزو الهند. فالإسكندر المقدوني غزا الهند سنة 327 قبل الميلاد من طريق آسيا المركزية وأفغانستان. ومنها غزاها العرب سنة 659م الموافقة سنة 39هـ وفتحوا إقليم «مولتان» و«السند». ومنها غزاها «ناصر الدين سبكتكين» مؤسس الأسرة الغزنوية المالكة في إيران. وبعده سلكها أيضاً ابنه «محمود الغزنوي» إلى الهند، واستمر غزوه لها من سنة 390 إلى سنة 418هـ وفتح الملك «محمد بن سالم الغوري» مدينة «لاهور» الهندية سالكاً هذه الطريق. وغزا «جلال الدين فيروز شاه الخلجي» الهند سنة 869هـ من طريق أفغانستان. وغزاها من هذه الطريق الملك الأفغاني «شيرشاه سوري» سنة 947هـ ومنها غزا الهند «تيمورلنك» في سنة 800هـ. ومثله الأمير التيموري «ظهير الدين بابر» غزاها من هذه الطريق في 15 شعبان سنة 937هـ. وغزا «نادر شاه» الهند في سنة 1152هـ من هذه الطريق. وغزاها «أحمد خان دراني الأبدالي» ملك الأفغان سبع مرات من سنة 1161هـ إلى سنة 1180هـ.
لقد غزيت الهند من قبل فاتحين كُثُر، من زمن الإسكندر المقدوني إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، ثلاثاً وثلاثين مرة. وكل منهم غزاها من طريق آسيا المركزية وأفغانستان هذه. وبهذه يثبت أن أحسن الطرق لغزو الهند إنما هو من النواحي الواقعة في شمالها. ولذلك أراد «نابليون» أن يغزوها أيضاً من هذه الطريق. وما أكثر ما سعى قياصرة روسيا إلى احتلال أقاليم آسيا المركزية ليقتربوا، ما أمكنهم الأقتراب، من حدود الهند.
وتضمنت خطة إنكلترا للسيطرة على هذه الطريق صرف إيران من التفرغ لتقوية نفسها بإشغالها بالخلافات الواقعة بينها وبين روسيا.
كان الصقالبة الروس، من يوم عرفوا في التاريخ إلى هذا اليوم، لا ينفكون يتزايد عددهم ويذيبون في عرقهم الأعراق الأخرى المجاورة لهم، بسرعة عجيبة، مثل على ذلك أن عدة الفنلنديين كانت في القرن الميلادي التاسع عشرة أضعاف عدة الصقالبة الروس. والفنلنديون اليوم لا تتجاوز عدتهم ثلاثة ملايين ونصف المليون تقريباً في مقابل ثلاثة وثلاثين ومائة مليون صقلبي روسي.
وقد ذادوا، من جهة الشمال والجنوب، جيرانهم عن أرضهم واستولوا عليها واقتربوا في هاتين الجهتين من البحر إلى أقصى ما يستطيعون، تساورهم أمنية القياصرة القديمة، أمنية الوصول إلى البحار الدافئة، ومن أجل ذلك سعوا إلى توسيع مجال حكمهم في غرب بحر الخزر وشرقه. ولم يكن يعوقهم من جهة الشرق عائق مهم. فعبروا النهرين «جيحون» و«سيحون» بسرعة، وتقدموا نحو آسيا المركزية حتى بلغوا حدود تركستان الصينية من جهة وحدود «تركمانستان» من جهة أخرى وتوقفوا عند سواحل «جيحون» و«مرغاب» و«أترك».
أما في جهة غرب بحر الخزر فكان يصدهم عن التقدم عائق عظيم، هو جبال القفقاس الشاهقة الصعبة، الجبال التي كان القدماء يعتقدون أنها آخر الدنيا ويسموها «جبل قاف». ومع ذلك فسرعان ما اجتازوها وتقدموا حتى بلغوا ساحل نهر «أرس»، متذرعين بدعوى أنهم يريدون حماية نصارى «كرجستان». وأقاموا في حدود إيران لا يشغلهم عنها شيء سوى ما وقع بينهم وبين «نابليون» من مناوشات متقطعة، امتدت من سنة 1805م إلى سنة 1814م (1220 ـ 1229هـ). بل كانوا، حتى في هذه السنوات التسع، لا ينفكون يمدون قواهم التي على حدود إيران بحشود جديدة مستريحة من الجنود كلما توقفت المناوشات بينهم وبين «نابليون» أو دخلوا معه في الصلح.
كان محالاً أن تنجح خطة «نابليون» الفجة المهوسة، خطة الهجوم على الهند من طريق إيران وبمساعدتها. وتبين «فتح علي شاه» أنه كان مخدوعاً بأمله بأن يتفوق على روسيا بسبب انشغالها أحياناً بمناوشات حربية في غرب أوروبا. فما حلت سنة 1228هـ حتى كان قد أيس من «نابليون» كلياً. وكانت إنكلترا يومئذ قريبة من روسيا. فلم يجد بداً من الرضا بمعاهدة «گلستان». ولكنه كان لا ينفك يرجو أن يتمكن من محاربة روسيا واسترداد الأقاليم التي فقدها بمقتضى معاهدة «گلستان». وكان الإنكليز يشجعونه على ذلك. بل إنهم وعدوه بالمساعدة. وغايتهم أن تستسلم إيران بهذا الأمل إليهم كلياً، إذ لم يكن «فتح علي شاه» يجد يومئذ من يرجو مساعدته غيرهم. وبذلك تطمئن إنكلترا إلى أنها قطعت الطريق على كل هجوم محتمل على أفغانستان والهند.
انتهت الحرب الإيرانية الروسية بعقد معاهدة «گلستان» في 29 شوال سنة 1228هـ الموافق 12 تشرين الأول سنة 1813م. وبدأت الحرب الثانية في 10 ذي الحجة سنة 1241هـ الموافق 16 تموز سنة 1826م.
وما بين الحربين انقضت ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد عشر يوماً تسالمت فيها إيران وروسيا على ما كان يبدو في الظاهر. ولكن البلاط الإيراني كان في هذه المدة لا ينفك يهيئ في السر أحياناً وفي العلن أحياناً لحرب أخرى. ولم تكن روسيا غافلة عن ذلك، بل كانت تراقب أوضاع إيران مراقبة كاملة في جزئياتها وكلياتها.
وكانت روسيا في تلك الحقبة قد ارتفع شأنها في أنحاء العالم، فلا بد أن ألحقت بنابليون تلك الهزيمة الشنعاء في مقاومتها له في هجومه عليها سنة 1227هـ الموافقة سنة 1812م.
وكانت إيران قد أنهكتها الحروب الداخلية، ثم الحرب الأولى التي وقعت بينها وبين روسيا، وطالت متتابعة تسع سنوات. ولم ينفعها بشيء استنجادها بفرنسا ثم إنكلترا. فأوضاعها الداخلية، المعنوية والمادية، مختلفة مشوشة، على حين كانت روسيا في أوج اعتزازها وانتصارها، ولا مانع بينها وبين التمدد إلى أرض آسيا.
وكان ولي العهد «عباس ميرزا» بفطانته وما حنكته به التجارب يرى مسالمة روسيا واجتناب محاربتها، إذ لا قبل لإيران بها وبقوتها، ولن تعود محاربتها على إيران بغير الضرر. إلا أن أباه «فتح علي شاه» كان يصر على الحرب ولا دافع له إلى هذا الإصرار غير الغرور. فاضطر ابنه إلى التسليم برغبته وهو غير مقتنع.
وفي جملة ما غر «فتح علي شاه» بالنصر أن قيصر روسيا «الكساندر» كان قد توفي في 18 ربيع الثاني سنة 1241هـ الموافق أول كانون الأول سنة 1825م وخلفه ابنه «نيقولا الأول». وذلك قبل نشوب الحرب الثانية بسبعة أشهر وستة عشر يوماً. وحسب «فتح علي شاه» أن هذا القيصر ليست له كفاءة أبيه وقوته. وسواء أكان الأمر كذلك أم لم يكن فإن أوضاع إيران الداخلية لم تكن مؤاتية، بوجه من الوجوه، لدخولها في الحرب.
من ذلك مثلاً وضع «فتح علي شاه» العائلي. فقد كان أبناؤه متعادين متخاصمين. وكان «عباس ميرزا» يتفوق عليهم جميعهم بما تحلى به من فضل ومعرفة وبصيرة وشجاعة وعزة نفس. ولكن إخوته كانوا يقاومونه بدلاً من أن يساندوه ويعاونوه. وقد خسر «عباس ميرزا» كثيراً من المعارك لحجب إخوته وأعوانهم المعونة عنه.
ومن ذلك تلاعب كبار موظفي الضرائب والشؤون المالية في الولايات بالأموال، وتسلطهم على الناس باختراعهم عناوين مختلفة لضرائب وهمية يسلبون بها أموالهم بالغصب والإكراه.
ومن ذلك فساد طريقة التجنيد، إذ ظلت في عهد «فتح علي شاه» كما كانت في عهد الصفويين. فقد كان اعتماد جيشه في الدرجة الأولى على رجال العشائر البدوية من جميع الأعراق. وذلك بأن تهيىء كل طائفة منهم جماعة من الجنود الفرسان والمشاة تكون عدتها بحسب عدة أفراد الطائفة، وتكون لوازم تهيئتها على نفقة الطائفة، ومن ذلك تجهيزهم بالسلاح والخيول. ويأتي في الدرجة الثانية من الأهمية الفلاحون والقرويون من أهل النواحي الكثيرة السكان، يتطوع بعض شبانها في الجيش براتب نزر.
وكان هذا الجيش يقع على المدنيين وقوع البلاء. فحيثما حل رجاله أكرهوا الناس على إعطائهم الطعام وعليق دوابهم ورعوا زروعهم.
ومن ذلك ابتعاد هوى الناس عن القاجاريين، إذ كانوا حديثي عهد بهم لم يعتادوا على حكمهم بعد. وعهدهم بالصوفيين والافشاريين والزنديين غير بعيد. ولكل من هذه الأسر الثلاث مريدون كثيرون، يعدون القاجاريين غاصبين.
ولذلك ظلت الأسرة القاجارية المالكة مدة طويلة لا تعتمد على مناصر غير بدو عشيرتها، بدو القاجاريين سكان الخيام. ولكن حتى هذه القبيلة تفرقت كلمتها، منذ البداية، بسبب فتك «آقا محمد خان» بأخوته، وما أوقعه بفريق منها من أذى، فتعادى أفرادها وتنابذوا ودبت بينهم الفتن. ودام هذا الخلاف إلى زمن «محمد شاه قاجار» حفيد «فتح علي شاه» وخليفته في الملك، فقد خرج عليه إخوته ونازعوه الملك، وكذلك خليفته من بعده «ناصر الدين شاه» خرج عليه إخوانه ونازعوه الملك.
وكان كثير من رؤساء القاجاريين حكاماً على نواحي مختلفة من الولايات الواقعة في جنوب القفقاس شمالي نهر «أرس». فلما اقترب الغزو الروسي من تلك النواحي انحاز أولئك الحكام القاجاريون إلى الروس ودخلوا في طاعتهم، ولم يثبت على المقاومة منهم سوى حاكم «كنجه». وكان المسلمون من سكان تلك النواحي، وهم من أشد المسلمين تمسكاً بالإسلام، يجهلون الأسباب الحقيقية في انكسار إيران، فعدوا أولئك الحكام الخونة مسؤولين عن وقوعهم في أيدي الروس يتحكمون فيهم، وساء ظنهم بالقاجاريين عموماً.
أقام «آقا محمد خان قاجار» عرش أسرته هذه على أساس من القتل والقسوة والفظاظة والتعدي. وكانت أوضاع إيران الاقتصادية والاجتماعية في زمانه وبعد زمانه مختلة مشوشة، قد ضعضعتها تجهيزات الجيوش المتتابعة، من يوم وفاة «كريم خان زند» إلى نهاية الحرب الإيرانية الروسية الأولى، أي مدة خمس وثلاثين سنة متتابعة.
وكان لـ «عباس ميرزا» ثلاثة إخوة أكبر منه، وهم«محمد علي ميرزا دولت شاه» ويكبره بسبعة أشهر وثلاثة أيام. و«محمد قلي ميرزا ملك آرا» ويكبره بثلاثة أشهر ويومين. و«محمد ولي ميرزا» ويكبره بشهرين وأربعة أيام. ولكن «فتح علي شاه» اختار «عباس ميرزا» دونهم لولاية العهد امتثالاً لوصية أوصاه بها عمه «آقا محمد خان» وهي أن يكون ولي العهد قاجاري الأب والأم ليحظى بتأييد القاجاريين عمومة وخؤولة. وكان «عباس ميرزا» كذلك، أما إخوته هؤلاء فكانوا لأمهات غير قاجاريات. وكان لـ «فتح علي شاه» أيضاً أصهار يتولون مناصب مهمة في الدولة.
وكان لكل من أبنائه في ولايته جيش مسلح خاص به. وكانوا جميعهم يحسدون «عباس ميرزا»، لا على ولاية العهد وحدها، بل لأن أباه عهد إليه أيضاً بولاية أذربيجان أوسع ولايات إيران وأهمها. وكانوا كلما تقرر أن ينجدوه في محاربته لروسيا بعسكر أو تقرر أن يشاركوا في نفقات الحرب بقسط من عائداتهم أحجموا عن الاستجابة. حتى كان السبب في كثير من انكسارات العسكر الإيراني في الحربين انقطاع المدد العسكري عنه وخلو يده من المال. وكان عليه وحده أن ينفق على تجهيز الجيوش من عائدات أذربيجان.
معاهدة سنة 1229هـ([585])
بعد انقضاء سنتين وشهرين واثنين وعشرين يوماً على عقد المعاهدة الثانية، معاهدة سنة 1227هـ، بين إيران وإنكلترا، عقدت بين الدولتين معاهدة ثالثة في 12 ذي الحجة سنة 1229هـ الموافق 25 تشرين الثاني سنة 1814م، ووقعها عن إيران «الميرزا محمد شفيع» الصدر الأعظم و«الميرزا الكبير القائم مقام» و«الميرزا عبد الوهاب نشاط معتمد الدولة»، ووقعها عن إنكلترا المستر «هنري إليس» القائم بأعمال السفارة الإنكليزية في طهران.
وهذه المعاهدة لا تفرق، بوجه الإجمال، عن المعاهدة السابقة المعقودة بين إيران وإنكلترا في 29 صفر سنة 1227هـ الموافق 14 آذار سنة 1812م بشيء إلا شيئاً واحداً هو أنها قيدت مساعدة إنكلترا لإيران في حالة نشوب حرب بينها وبين دولة أوروبية بشرط لا تتضمنه المعاهدة السابقة.
ففي المعاهدة السابقة تلتزم إنكلترا بمساعدة إيران مساعدة عسكرية أو مالية في حالة وقوع حرب بينها وبين دولة أوروبية بلا قيد ولا شرط. وفي المعاهدة الثالثة الجديدة تلتزم إنكلترا بمساعدة إيران إذا كانت الدولة الأوروبية هي البادئة بالحرب لا إيران. فإن كانت إيران هي البادئة بالحرب فلا شيء على إنكلترا.
وهذا الشرط يعفي إنكلترا من كل مساعدة لإيران. والسبب هو أن الدولة الأوروبية التي يحتمل أن تحارب إيران إنما هي روسيا لا غيرها من الدول الأوروبية. وإذ كانت روسيا قد رضيت بما احتلته من أرض إيران وقنعت بما ربحته من معاهدة «گلستان» فإن إنكلترا مطمئنة إلى أنها لن تحارب إيران يقيناً، ولن تكون هي البادئة بالحرب إذا وقعت.
وإذ كانت إيران هي الخاسرة في معاهدة «گلستان»، ولا تنفك مستاءةً لما اغتصب من أرضها، تسعى جهدها إلى استرداده، فلا بد من أن تكون هي، لا روسيا، البادئة بالحرب إذا وقعت. فإذا حدث ذلك كانت إنكلترا غير ملزمة بمساعدتها، وتركت الدولتين تتعاركان. وفي تعاركهما إضعاف لهما كليهما، وهذا ما تريده إنكلترا.
الاستعداد للحرب
إلى نهاية ثلاث سنوات من التوقيع على معاهدة «گلستان» لم يتحدث أحد في موضوع تعديلها. وكان «عباس ميرزا» قد أيس من الروس. فاضطر إلى تغيير نهجه السياسي وأخذ يتقرب من الإنكليز. وزاد في ابتعاده عن الروس أن السفير الروسي «يرمولوف» لم يعترف بولايته للعهد، وأخذ يواطىء عليه أخاه «محمد علي ميرزا» ويعده بمساعدة روسيا له للوصول إلى العرش بعد وفاة «فتح علي شاه». وانقاد له «محمد علي ميرزا» وأصبح طوع يديه. وجاهر «عباس ميرزا» بمعاداته للروس علانية. وشرع بتهيئة وحدات عسكرية منظمة مجهزة، يساعد على ذلك الإنكليز، وهو يأمل أن يستعيد في مستقبل قريب ما ألحق بروسيا من أقاليم إيرانية بمقتضى معاهدة «گلستان« أو استعادة معظمهما على الأقل. وكان يرجو أن يحصل على مساعدة من إنكلترا إذا وقعت حرب بين إيران وروسيا من أجل ذلك.
وفي 20 كانون الثاني سنة 1816م الموافق 19 ربيع الأول سنة 1231هـ سلم أبو الحسن الشيرازي» سفير إيران في روسيا وزير الخارجية الروسي «الكونت نسلرود» مذكرة طلب فيها عقد معاهدة جديدة بين إيران وروسيا، معاهدة تفصل ما أجمل وتوضح ما أبهم في معاهدة «گلستان». وطلب إعادة الأقاليم الإيرانية التي استولت عليها روسيا إلى إيران، أو إعادة بعضها، على أن تؤدي إيران إلى روسيا ما تكلفته من مال نفقات الحرب.
وبدأ السفير الإنكليزي في «بطرسبورغ» المطلب الإيراني. ولكن وزير الخارجية الروسي رده رداً قاسياً، وعد تأييده تدخلاً في شؤون روسيا غير مقبول.
ورد الوزير الروسي على طلب السفير الإيراني بأن روسيا إنما استلحقت تلك الأقاليم لأن أهلها أنفسهم رغبوا في الدخول في طاعتها. ومع ذلك فإن القيصر قد أمر سفيره في إيران «الجنرال يرمولوف» بإعادة النظر في الحدود بين إيران وروسيا. وبعد وصول تقريره تعطي روسيا جوابها القطعي في هذا الموضوع.
ولكن السفير الروسي «الجنرال يرمولوف» ظل مصراً على إبقاء الحدود بين الدولتين على ما قررته معاهدة «گلستان» وظل «عباس ميرزا» مصراً على استرداد الأقاليم المفقودة، جاداً في إقامة تجهيزات عسكرية بلغت من القوة والتنظيم إلى حد أهم السفير الروسي وشغل خاطره. وكان هذا السفير مؤقناً أن إيران مقدمة على الحرب لا محالة. وكانت تقاريره إلى البلاط الروسي تحذر دائماً من ذلك. ولكن القيصر وسائر المسؤولين الروس كانوا يخالفونه في هذا الرأي ولا يكترثون بتقاريره» مطمئنين إلى أن إيران لن تقدم على الحرب. وكانوا أيضاً لا يريدون حرباً إذ كانوا قانعين بما حصلوا عليه من أرض إيران.
وفي سنة 1825م الموافقة سنة 1241هـ توفي «الكساندر الأول» امبراطور روسيا، وخلفه أخوه «نيقولا الأول». وفي سنة 1826م الموافقة سنة 1241هـ أرسل هذا القيصر إلى إيران سفيراً له فوق العادة اسمه «الأمير منشيكوف»، وأرسل معه هدية ثمينة للشاه. واستقبله الشاه في «السلطانية».
واتفق أن كان «عباس ميرزا» قد حصل، قبيل وصول «منشيكوف»، على موافقة أبيه «فتح علي شاه» على إعلان حرب ثانية على روسيا.
ولكن «منشيكوف» ومثله القيصر «نيقولا الأول»، كان غافلاً عن احتمال وقوع الحرب، مطمئناً إلى جنوح إيران إلى السلام. وكان من مظاهر ذلك تلك الهدية الثمينة التي حملها معه من القيصر إلى الشاه. وكان من مظاهره أيضاً موضوع الأحاديث التي بدأ بها «منشيكوف» محادثته للشاه. فقد تحدث إليه في موضوع الصلح القائم بين الدولتين. ونبهه بالالتماس إلى لزوم إرسال مندوب عن الشاه إلى القيصر لتهنئته بالتاج وتعزيته بوفاة أخيه القيصر السابق. ولكن «فتح علي شاه» تلقى كلامه غير مكترث به.
عودة إلى موضوع الجهاد
كانت الأنباء يومئذ لا تنفك متواصلة عما يرتكبه الروس من ظلم وتعد على مسلمي الأقاليم الإيرانية التي احتلوها. ووصلت أنباء عن ذلك إلى العراق. فكتب المرجع الديني «السيد محمد الأصفهاني»([586])، وكان يقيم في كربلاء، رسالة إلى المسؤولين في بلاط «فتح علي شاه» قال فيها أن مجاهدة روسيا هي اليوم فرض واجب، فما هو رأي ملك المسلمين؟.
وكان «فتح علي شاه» راغباً عن الإفتاء بالجهاد، ومثله ولي العهد الأمير «عباس ميرزا» لعلمهما بأنه غير ممكن عملياً، ولكنه كان يخشى غضب العامة وانحرافها عنه إذا خالف رأي رجال الدين، إذ كانت العامة منقادة لهم ترى وجوب طاعتهم ومخالفة مخالفيهم، فلم يجد «فتح علي شاه» بداً من مسايرتهم فأجاب على رسالة «السيد محمد الأصفهاني» برسالة قال فيها:” نحن لا ننفك دائبين على تذكر واجب الجهاد المبارك. وقد وضعت نفسي في سبيل نشر الدين وإعزاز الشريعة”.
فلما وصلت الرسالة إلى «السيد محمد الأصفهاني» بادر إلى الحضور إلى إيران، ووصل إلى طهران في شهر شوال سنة 1241هـ. فاستقبله الأمراء والعلماء استقبالاً حافلاً بالاحترام والمودة، وأكرم «فتح علي شاه» مثواه.
وأرسل «السيد محمد الأصفهاني» إلى علماء إيران رسائل يدعوهم فيها للحضور إلى طهران، وتحريض الناس على الجهاد وتجنيدهم له. وتبرع «فتح علي شاه» بثلاثين ألف تومان من ماله الخاص لنفقات المجاهدين.
وفي يوم الجمعة 17 ذي القعدة سنة 1241هـ اجتمع العلماء في معسكر الشاه في «مرج السلطانية»، وكان اجتماعهم هذا بعد وصول السفير الروسي «منشيكوف» إلى «السلطانية» بسبعة أيام، وحصل اجتماعهم وهو لا يزال في «السلطانية».
ورأى العلماء في هذا الاجتماع أن من تخلف عن مجاهدة الروس فقد عصى الله واتبع الشيطان. وأيد الشاه وولي العهد وكبار رجال الدولة كلامهم، إلا «الميرزا عبد الوهاب معتمد الدولة» أحد كبار رجال البلاط، و«الحاج أبو الحسن خان الشيرازي» سفير إيران في روسيا ـ كان قد أصبح يومئذ وزيراً للشؤون الخارجية ـ فإنهما خالفا قرار العلماء، ولكن المجتهدين أرسلوا إليهما رسالة عنيفة فيها تهديد ووعيد، قالوا فيها: لقد ضعفت عقيدتكما. وإلا فكيف تعدان مجاهدة الكفار أمراً مكروهاً؟ فاضطرا إلى السكوت عن المعارضة والاستسلام للفتوى.
وأجمع علماء الدين على الإفتاء بفتوى مكتوبة مفادها أن تكليف الشاه الشرعي هو ترك مصالحة روسيا ومداراتها، وإعلانها العداوة لما يقوم به الروس في الأقاليم المحتلة من تعد على الأعراض وسخرية بالإسلام، وهي أمور تعد عاراً وتستلزم النزاع والحرب. وأن ملك المسلمين، بما هو مفروض عليه إطاعة أحكام أئمة الدين، ومثله جميع المسلمين، يجب عليه وعليهم الجهاد. وكل تساهل في هذا الأمر كفر وضلالة.
وقام السفير الروسي بمباحثة رجال الدولة في هذا الموضوع، وحاول أن يثنيهم عن العزم على الحرب فلم يصغوا إليه. واتفق يومئذ أن اجتاز بعض الحاميات العسكرية الروسية القائمة على الحدود في الشمال حدودها إلى الأرض المعدودة يومئذ من أرض إيران. فزاد ذلك في غضب رجال الدين وإصرارهم على الجهاد. وزار السفير الروسي علماء الدين وحاول أن يقنعهم بالتخلي عن الجهاد فلم يقبلوا.
واستدعى «فتح علي شاه» السفير الروسي، وطلب منه مغادرة إيران. وأهدى إليه وإلى مرافقيه بعض التحف وزوده المال اللازم لسفره، وعين أحد كبار رجال البلاط لمرافقته والقيام بواجب ضيافته حتى يبلغ إلى «تفليس». وسافر السفير الروسي يوم الجمعة 24 ذي القعدة سنة 1241هـ، وكان ذلك بداية الحرب الثانية بين إيران وروسيا.
وبعد قيام الحرب، وقع عسكر المجاهدين الإيرانيين في ضائقة عظيمة من قلة الزاد والعلوفة، وكثر فيه القتل والأسر، وعم الخراب والرعب. وفي أثناء ذلك مرض السيد محمد الأصفهاني فخرج من تبريز قاصداً قزوين. ولكنه توفي في الطريق، وقيل إنه توفي في قزوين في أواخر سنة 1242هـ، ونقل جثمانه إلى كربلاء فدفن فيها.
رواية أخرى
وروى الفرنسي «جان يونير»، في كتابه: «أبطال إيران المجهولون في محاربة روسيا القيصرية»([587])، حركة الجهاد هذه على هذا النحو.
قبيل الحرب الثانية التي وقعت بين إيران وروسيا نهض عالم آخر([588])، من علماء الشيعة القاطنين في بلاد ما بين النهرين إلى المناداة بالجهاد. وكان سبب نهوضه هو أيضاً شكوى مسلمي القفقاس مما يلقونه من جور الروس إليهم وإذلالهم لهم. ويومئذ كان الجنرال «رتيشتشوف» قد عزل من حاكمية القفقاس وحل محله في هذا المنصب الجنرال «يرمولوف». وكان يوقع بمسلمي القفقاس من الأذى والظلم ما كان يوقعه بهم سلفه. فشكوا أمرهم إلى «السيد محمد» مرجع تقليد الشيعة في بلاد ما بين النهرين. فأرسل «السيد محمد» رسائل إلى علماء الدين في مختلف الولايات الإيرانية يدعوهم فيها إلى إنقاذ مسلمي القفقاس مما يقع عليهم من اضطهاد فأجابوه بأنهم حاضرون للجهاد.
عندئذٍ عزم «السيد محمد» على الحضور من العراق إلى إيران. فسار إليها ومعه جماعة من العلماء. وكانت له شهرة ونفوذ واسعان، فخرج الناس إلى استقباله في الحدود بين إيران والعراق، وبلغ بعضهم إلى «كرمانشاهان» يستقبلونه عندها. وهيأ «فتح علي شاه» له ولرفاقه العلماء ضيافة تليق بمقامه في طهران.
ويوم حضر قبل ذلك «الشيخ محمد حسين النجفي» إلى إيران لهذه الغاية كان «فتح علي شاه» راغباً عن إصدار فتوى بالجهاد. ولكنه تظاهر بالقبول لأن نهوض العلماء إلى الجهاد ينفعه سياسياً.
أما يوم حضر «السيد محمد» ورفاقه من العلماء إلى طهران فقد كان «فتح علي شاه» غير راغب في الجهاد، لا في الباطن ولا في الظاهر، إذ كان غير مستعد لبذل نفقات الجهاد.
وقد جعلته معاهدة «گلستان» التي انتهت إليها الحرب الأولى شديد النفور من الحرب، فهو يتجنب الوقوع في حرب جديدة، وقد كانت الحرب الأولى تكلفه كل الدخل القومي. ولم تكن إيران يومئذ تنظم مخصصات مالية عامة سوى رواتب موظفي البلاط والحراس الليليين، وبعض موظفي الحكومة الآخرين. والبعض الآخر من هؤلاء الموظفين كانت عائدات عملهم ما يعطيهم إياه اصحاب المعاملات أجراً على إتمام معاملاتهم، ولا رواتب لهم.
وكان حكام الولايات والإيالات لا يتناولون راتباً. لا بل كانوا هم يؤدون المال إلى «فتح علي شاه» بدلاً من أن تؤدى إليهم رواتب. وإلا لم يحصلوا على مناصب الحكم. ودخلهم مما يسلبونه من الناس. بل كان أبناء «فتح علي شاه» أنفسهم، وأكثر حكم الولايات في أيديهم، لا يحصلون على منصب الحكم ما لم يؤدوا مالاً إلى أبيهم.
ولم يكن على «فتح علي شاه» من تكليف مالي مهم سوى تكليف واحد هو مخصصات الجيش. وكانت هذه المخصصات محتملة في أيام السلم. أما في أيام الحرب فكانت تصبح باهظة.
ويمكن القول إن ما اضطر «فتح علي شاه» إلى بذله من ماله نفقة للحرب الأولى بينه وبين القيصر كان هو همه الأصلي لا ما خسره من أرضه في تلك الحرب!.
فإذا تحققت الدعوة إلى الجهاد عملياً وسار المجاهدون إلى أذربيجان ووصلوا إلى شمال نهر «أرس» ليحاربوا الجنرال «يرمولوف»، فلا بد من أن يدخل «فتح علي شاه» في الحرب، إذ كان «فتح علي شاه» يعلم أن المجاهدين لن يثبتوا في وجه الروس، لأنهم ينقصهم العتاد الحربي والتدريب العسكري والدراية بفنون الحرب، وأن «يرمولوف» سيتعقبهم متقدماً في أرض إيران إلى أبعد مما في يده منها، وحينئذ يضطر «فتح علي شاه» إلى ملاقاته بالجيش النظامي وتحمل نفقات مالية ثقيلة.
وجميع المستندات التاريخية التي حصلنا عليها تدل على أن «فتح علي شاه» كان بعد معاهدة «گلستان»، غير راغب في محاربة القيصر.
فلما وصل «السيد محمد» وعلماء الشيعة المقيمون فيما بعد ما بين النهرين إلى طهران استدعى «فتح علي شاه» ابنه «عباس ميرزا» من أذربيجان، حيث كان يقيم، إليه في طهران، وباحثه في موضوع الإعلان بالجهاد. فكان رأي «عباس ميرزا» إرجاع «السيد محمد» ورفاقه إلى العراق وصرف النظر عن الجهاد، لأنه سيؤدي إلى حرب شديدة بينه وبين القيصر، حرب لا يعرف إلى أين تنتهي. فأمر «فتح علي شاه» ابنه ولي العهد بالذهاب إلى «السيد محمد» وإقناعه بأن الصلاح في صرف النظر عن الجهاد.
فذهب «عباس ميرزا» إلى منزل «السيد محمد» وعقد جلسة طويلة معه ومع العلماء الذين يرافقونه. وبرهن لهم في حوار طويل بالأدلة المنطقية وحساب الأرقام أن القيام بالجهاد أمر متعذر، وأنهم يقدمون على مغامرة لن تعود على إيران بغير الضرر. وأفهمهم أنه وأباه موافقان على الجهاد مؤمنان بوجوبه على كل مسلم. فهذا أمر لا خلاف فيه. ولكن في إعلان الجهاد صعوبة لا يمكن تذليلها، وهي توفير المال اللازم لنفقة المجاهدين. وبين لهم «عباس ميرزا» بالحساب أن إيران عاجزة عن توفير هذا المال، وقال: لو أن الشاه كان مستطيعاً توفير هذا المال لما احتاج الأمر إلى الإفتاء بالجهاد لأن هذا المال، لو توفر، لكفى لتجهيز رجال العشائر، وكان هؤلاء الرجال أكفياء للحصول على النصر. وشبه «عباس ميرزا» بقوله إن عنيت بالخوف الخوف من الجرح أو الموت برصاصة أو ضربة سيف أو طعنة رمح فأنت مخطىء. فلا أبي ولا أنا ولا جنودي نهاب الموت. نعم أبي يخاف من أن يوصلنا هذا الأمر إلى أصعب الشرين، إذ يصبح إفلاسنا الجزئي كلياً! وما أجبرنا على قبول معاهدة «گلستان» لم يكن الخوف من الموت بل كان الفقر! ولو توفر لنا المال لواصلنا تلك الحرب التي دامت عشر سنوات تسعين سنة أخرى. ولكن أعوزنا المال فعجزنا عن تهيئة نفقات الحرب. وكنا أحياناً نعجز عن إيصال الطعام إلى الجنود. واتفق مرة أن ظلت وحدة كبيرة من وحداتنا العسكرية خمسة أيام بلا طعام، إذ عجزنا عن تهيئة المال اللازم لشراء الكفاف لها من الطعام، فضلاً عن الأسلحة والمهمات الحربية الأخرى! وعدنا أمبراطور فرنسا بالمساعدة ولم يف بوعده. ووعدنا سفراء إنكلترا كذلك بالمساعدة ولم تف إنكلترا بهذا الوعد، وآل أمرنا إلى أن فرضت معاهدة «گلستان» علينا فرضاً!.
ومع كل ما عرضه «عباس ميرزا» من أدلة وبراهين على أن إعلان الجهاد أمر غير عملي وبلا نتيجة، فإنه عجز عن إقناع «السيد محمد» ورفاقه بالعدول عنه، وانتهت تلك الجلسة الطويلة إلى نتيجة سلبية. وظل «السيد محمد» ورفاقه من العلماء مصرين على متابعة العمل للجهاد. وساء ظنهم بالشاه وولي عهده، واتهموهما بمواطأة القيصر وموافقته.
وعاد «عباس ميرزا» إلى زيارة «السيد محمد» ورفاقه مرة ثانية. فقد أمره أبوه بأن يطلب منهم العودة إلى العراق، فذهب إليهم لهذه الغاية. واستغرقت المذاكرة بينه وبينهم مدة طويلة، وتبين بعدها أن «السيد محمد» غير راغب في العودة.
والإنصاف يقتضي القول: إنَّ إصرار «السيد محمد» ورفاقه العلماء على الجهاد وتصلبهم في الثبات على عزمهم على المجاهدة أمر يستحق الإعجاب. إذ كان دافعهم إلى ذلك رسوخ إيمانهم وإخلاصهم لله.
وكان الخاصة يعلمون أن الناس لا يستطيعون الذهاب إلى الجهاد، إذ لا أحد يستطيع تهيئة نفقاتهم. أما العامة فكان تفكيرهم طفولياً فجاً يستسهلون الجهاد ويظنونه أمراً مستطاعاً. فلما تبين لهم أن «فتح علي شاه» وابنه «عباس ميرزا» يخالفان الإفتاء بالجهاد لم يجدوا علة لذلك سوى أنهما قد واطآ القيصر وانحازا إليه، وخليا بينه وبين مسلمي القفقاس يتسلط عليهم. وكانوا يقولون: لو صدرت فتوى بالجهاد في الحرب الأولى لما خسرت إيران ما خسرته من ولايات الشمال. ولو صدرت هذه الفتوى اليوم لاستطاع الإيرانيون استرداد ما خسروه.
وأول فوج خرج إلى الجهاد كان من مدينة زنجان. ثم خرج الفوج الثاني من مدينة قزوين. وكانا يقصدان إلى تبريز. وخرج فوج آخر من طهران متخذاً طريقه إلى أذربيجان. ولم يمنع «فتح علي شاه» خروجهم ، إذ لو فعل لقاتلوه. هذا هو علمه بأن كيفية خروجهم لا تقوم على أصل من أصول المحاربة وأن مصيرهم إلى الخيبة.
وكان ما حملوه من الزاد لا يكفيهم غير بضعة أيام. وبعضهم كان يحمل مالاً، ولكن أكثر طريقهم كان في الصحراء والمنازل العامرة بعيد بعضها عن بعض فلا يستطيعون شراء ما يحتاجون إليه في وقت الحاجة إليه. وقد لا يجدون في المنازل حين يبلغونها ما هم بحاجة إليه. وكان سلاحهم السيوف، وبعضهم كان يحمل البنادق والطبنجات. وبعضهم مشاة وبعضهم فرسان. ولم يلتزموا في سيرهم القواعد العسكرية المتبعة في مثل هذا السير، إذ كانوا يجلهونها. مثلاً حين أظلهم المساء في أول يوم من مسيرهم لم يفطنوا إلى أن من الممكن أن يكون العدو كامناً لهم فيبيتهم ويقضي عليهم. ولو فطنوا إلى ذلك لما عرفوا انتخاب المكان المناسب لحط الرحال والمبيت.
وكان الوقت خريفاً فحُمَّ كثير منهم بسبب النوم في العراء والتعرض لبرد الهواد. فعاد فريق إلى بلده وتابع فريق سيره وهو محموم.
ولم يكونوا يعلمون أين هو ميدان الحرب، متوقعين أن يعلموا به بعد وصولهم إلى تبريز.
وقاسى الطهرانيون بخاصة من المصاعب أكثر مما قاسى القزوينيون والزنجانيون. إذ كان هؤلاء معتادين على تحمل البرد مستعدين لما يلزم للوقاية، بسبب برودة المناخ في إقليمهم. أما الطهرانيون، وإقليمهم يعد، نسبياً، إقليماً حاراً، فقد غفلوا عن الاستعداد لما يلزم للوقاية من البرد من أغطية وملابس. وحين وصل من أدام السير منهم إلى قزوين للالتحاق بمجاهديها كان هؤلاء قد غادروها إلى زنجان، في طريقهم إلى تبريز. فتوقف فريق منهم في قزوين لعجزهم عن متابعة السفر. وتابع فريق سيره إلى زنجان. ولكنهم لم يلبثوا أن ندموا إذ كانوا كلما تقدموا في السير ازداد الطقس برداً، وهم على ما هم عليه من قلة الزاد وفقدان الملابس والأغطية التي تقيهم البرد. وتبينوا أن هذا السفر ليس على ما كانوا يتصورون من السهولة، وأنه سفر يتعذر على المرء أن يقوم به إذا لم يتهيأ له بما يلزم من أسباب الوقاية من البرد.
وكان عدد المرضى من الطهرانيين يزداد يوماً فيوماً، ولما وصل المجاهدون إلى زنجان اشتد البرد إلى درجة عجز فيها الطهرانيون، حتى الذين سلموا منهم من المرض، عن متابعة السير، لفقدانهم كل وسيلة من وسائل السفر في ذلك الإقليم البارد.
وكما كانت إدامتهم السفر إلى تبريز أمراً صعباً كانت عودتهم إلى طهران كذلك أيضاً. وفيما هم مترددون بين إدامة السفر إلى تبريز والعودة إلى طهران ثلجتهم السماء حتى قطعت الطرق، وأصبحوا عاجزين عن سلوك كلا الطريقين، طريق تبريز وطريق طهران. هذا والفصل لا يزال خريفاً فكيف إذا حل فصل الشتاء؟!.
وكان مجاهدو قزوين وزنجان قد وصلوا قبل ذلك إلى تبريز، وبعد الثلج اضطروا إلى التوقف فيها. واضطر مجاهدو طهران إلى التوقف في زنجان.
وكان هذا العذاب نتيجة الخبط الذي ارتكبه المجاهدون لجهلهم بفنون الحرب. فقد كان عليهم أن يتريثوا حتى انقضاء أيام البرد وذوبان الثلوج. فالسفر في تلك الأقاليم الباردة كان يتوقف في ذلك الفصل، فصل البرد، ولا يقوم به غير القوافل التي تضطر إلى حمل الأثقال في كل فصول السنة. بل كان العسكر القيصري نفسه وعسكر «فتح علي شاه» نفسه يتوقفان في أيام حرب العشر السنوات الماضية عن التحارب في هذا الفصل. فكيف تستطيع هذه الأفواج الثلاثة من المجاهدين التي خرجت من قزوين وزنجان وطهران، أن تحارب في هذا الفصل، وهي مجردة من وسائل السفر الضرورية وأدوات الحرب، جيش القيصر المجهز بكل ما يلزمه من الوسائل، المستقر في شمال نهر «كور» وجنوبه؟!.
وانقطع مجاهدو قزوين وزنجان في تبريز لا طعام لهم ولا مسكن ولا وقود، فأسعفهم حاكم تبريز، بأمر من «عباس ميرزا» بما يحتاجونه من ذلك، وانقطع مجاهدو طهران في زنجان، وكان حاكمها عاجزاً عن إسعافهم فأسعفهم بعض الأثرياء والأعيان، ولولا ذلك لقضوا جوعاً وبرداً.
على هذا النحو توقف سير المتطوعين للجهاد من أهل المدن الثلاث، زنجان وقزوين وطهران، إذ أوقفهم البرد عن متابعة السير إلى جنوب نهر «كور» والإغارة على جيش القيصر. وبعد ذوبان الثلوج وانفتاح الطرق كانت حماسة المتطوعين أقل منها يوم خروهم من بلداتهم. وتقرر أن يستأنفوا سيرهم بعد عيد النوروز في فصل الربيع.
وكما كان متوقعاً عند «فتح علي شاه» و«عباس ميزا» أرسل القيصر إلى «فتح علي شاه» مذكرة عد فيها سماحه بخروج المجاهدين من المدن الثلاث إلى أذربيجان خرقاً لمعاهدة «گلستان». وقد أرسل القيصر هذه المذكرة، والمتطوعون لا يزالون منقطعين في تبريز وزنجان والثلج لم يذب بعد.
وأجاب «فتح علي شاه» على مذكرة القيصر بأن الناس تتملكهم مشاعر دينية قوية ولا يستطاع صدهم عن الخروج إلى الجهاد.
ولكن القيصر لم يقبل لهذا الجواب، وقال: لا يعقل أن يخرج محاربون من بلادك من دون موافقتك وإذن منك، ولو شئت منعهم لامتنعوا.
والحق أن «فتح علي شاه» لم يكن قادراً على منع أولئك المتطوعين من الخروج إلى الحرب. بل كان راغباً عن محاربة القيصر مريداً لمسالمته. وفوق هذا كان القيصر هو البادىء فقد كانت حامياته، قبل خروج المجاهدين، لا تنفك تخترق، بين الفينة والفينة، الحدود التي قررتها معاهدة «گلستان» وتغير على الأرض التي كانت تعد من إيران حسب مقتضيات تلك المعاهدة. ويوم عد القيصر خروج المتطوعين الإيرانيين خرقاً لمعاهدة «گلستان» كان أولئك المتطوعون منقطعين في تبريز وزنجان لم يقدموا على عمل حربي، على حين كانت حاميات القيصر تتعدى الحدود أحياناً كما ذكرنا. ومع ذلك فقد جعل القيصر خروج المتطوعين الإيرانيين ذريعة له إلى استئناف الحرب، وسيَّر جيشاً بقيادة الجنرال «أريستوف» إلى أذربيجان، مدَّعياً أن «فتح علي شاه» هو البادىء، بالحرب، إذ سمح للمتطوعين بالخروج إلى الجهاد!.
عندئذٍ عاد «فتح علي شاه» وهو يرى «أريستوف» يسير إلى تبريز ليحتلها ويحتل غيرها من نواحي أذربيجان، لا يستطيع الوقوف مكتوف اليدين عازفاً عن الدفاع. فخرج من طهران، كارهاً، إلى أذربيجان ليكون قريباً من ميدان الحرب، وعهد بقيادة الجيش الإيراني إلى «عباس ميرزا».
لقد أقدم «فتح علي شاه» على هذه الحرب اضطراراً لا اختياراً. وليس صحيحاً ما ذكره بعض المؤرخين الشرقيين من أن «فتح علي شاه» وجد نفسه، بعد صدور الفتوى بالجهاد وخروج الناس في بعض المدن إلى الجهاد، عند مفترق طريقين: إما أن يمنع الناس من الجهاد وإما أن يمضي إلى محاربة القيصر، فاختار الثانية. وهو لو استطاع منع الناس من الخروج إلى الجهاد لفعل. ولكنه كان يرمي حينئذ عند الجمهور بالكفر والمروق من الدين([589]).
بداية الحرب الثانية
ونقل «سعيد نفيسي» عن المؤرخين الإيرانيين والأجانب ما خلاصته:
لم تنجع محادثات السفير الروسي «الأمير منشيكوف» لرجال الدولة الإيرانية على ترك الخلاف. وكذلك محادثاته للمجتهدين وعلماء الدين ظلت بلا فائدة. وضيق إصرار هؤلاء الأمر على «فتح علي شاه» وأجبره على الحرب. واضطر إلى استدعاء السفير الروسي وأبلغه ما أجمع عليه العلماء والرؤساء من رأي، وطلب منه العودة إلى بلاده وأتحفه ومرافقيه بهدايا وأعطاه مالاً لنفقات السفر، وعهد إلى أحد رجال الدولة بمرافقته ورعايته بالضيافة والخدمة إلى أن يبلغ به إلى «تفليس». وغادر السفير «السلطانية» يوم الجمعة 24 ذي القعدة سنة 1241هـ، ووصل إلى «تفليس» في أول أيلول سنة 1826م الموافق شهر صفر سنة 1242هـ.
وكان «عباس ميرزا» قد حضر، قبيل سفر السفير الروسي، من تبريز إلى «السلطانية» ليعارض مساعي هذا السفير إلى تحقيق الصلح، ويهيء الأسباب لاخراجه من إيران. وبعد ذهاب السفير من «السلطانية»، أرسلت فوراً فرق العسكر الأولى، وكانت قد جمعت قبل ذلك في «السلطانية»، إلى ميدان الحرب، وتبعها على الأثر رجال الدين المتطوعون للجهاد. وخرجت أول فرقة بعد ذهاب السفير بعشرة أيام، ولحق بها «عباس ميرزا» بعد سبعة عشر يوماً من ذهاب السفير.
وكان العقلاء من رجال الدولة الإيرانية يرون أن قرار الحرب هذا لا يقوم على قاعدة صحيحة معقولة، وأنه سيفضي بإيران إلى كارثة محتومة، وأن «عباس ميرزا» مع كل ما اتصف به من حصافة وتجربة وتعقل، قد ارتكب خطأ جسيماً بإقدامه على الحرب. وأن الخلاص من معاهدة «گلستان»، أو على الأقل، إيقاف روسيا عما ترتكبه أحياناً من تجاوز للحدود التي عينتها تلك المعاهدة، لا يتسنى لإيران بالحرب، لأن روسيا أقوى منها كثيراً.
وكان من هؤلاء المعارضين الشاعر الكاتب «الميرزا عبد الوهاب معتمد الدولة» المعروف باسمه المستعار «نشاط»، وكان من كبار رجال بلاط «فتح علي شاه». وكان من المعارضين أيضاً أبو الحسن خان الشيرازي» وزير الشؤون الخارجية. ولكن حماسة الناس غلبت التعقل وحسن التدبير فتراجع المعارضون واضطروا إلى السكوت والتسليم.
الحرب الإيرانية الروسية الثانية
وكانت أول واقعة من وقائع الحرب الإيرانية الروسية الثانية إقدام «حسين خان»، حاكم «إيروان»، في 22 ذي الحجة سنة 1241هـ الموافق 28 تموز سنة 1826م، على اختراق الحدود التي عينتها معاهدة «گلستان» بخمسة آلاف من جنده واحتلال بعض ما في يد الروس من أرض. ولم يكن العسكر الروسي الذي في القفقاس متهيئاً للحرب، إذ لم تكن الحكومة الروسية تتوقع إقدام إيران على الحرب، مخالفة بذلك توقعات سفيرها وقائد عسكرها في إيران الجنرال «يرمولوف».
وعلى حين كان «عباس ميرزا» ورجاله يعدون عدتهم للحرب كان القيصر الروسي يعد عدته لتوطيد الصلح القائم بينه وبين البلاط الإيراني بمقتضى معاهدة «گلستان»، ويرسل «الأمير منشكوف» سفيراً له فوق العادة إلى «فتح علي شاه» يحمل إليه الهدايا والتحيات، ويلمس منه إرسال وفد لتهنئته بالملك وتعزيته بأخيه. وقد حدث أول إقدام لإيران على الحرب وهذا السفير لا يزال في إيران. ومن أجل ذلك كله لم يكن الجيش الروسي يومئذ متهيئاً للحرب، فانهزم بضع مرات في أوائل الحرب، وتأخر إعلان روسيا للحرب رسمياً ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، فنشر هذا الإعلان في موسكو يوم 26 ربيع الأول سنة 1242هـ الموافق 16 تشرين الأول 1826م.
وأخذت الحرب تشتد يوماً فيوماً، والروس لا ينفكون يتراجعون منهزمين. ودخل جيش «عباس ميرزا» إقليم «قره باغ» واحتل مدينة «كنجه»، وحاصر مدينة «شوشي» في أول شهر آب سنة 1826م الموافق 26 ذي الحجة سنة 1241هـ. ولكن الجنرال «يرمولوف» عاد فأرسل جيشاً لاسترداد «كنجه». والتقى هذا الجيش بالجيش الإيراني، وعليه «محمد ميرزا» ابن «عباس ميرزا»، بالقرب من« كنجه». فلم يقوَ الجيش الايراني على الثبات للمدفعية الروسية، ففر «محمد ميرزا» وتبعه جيشه منهزماً وأصبح احتلال «كنجه» ميسوراً للروس.
وفي أثناء ذلك، أمدت موسكو «الجنرال يرمولوف» بأحد نوابغها العسكريين، وهو الجنرال «إيفان فيدوروفيتش فاسكييفيتش»، وفوضت إليه القيام بكل عمل يراه صالحاً، حتى عزل «يرمولوف» إذا اقتضى رأيه عزله. ووصل «فاسكييفيتش» هذا إلى القفقاس في 10 أيلول سنة 1826م الموافق 7 صفر سنة 1242هـ. وفي 17 أيلول الموافق 14 صفر من تلك السنة تسلم القيادة ودخل ميدان الحرب.
ووقع أول لقاء بينه وبين الجيش الإيراني في نواحي «كنجه». فأوقع «فاسكييفيتش» بالإيرانيين الهزيمة وغنم مقداراً من الذخائر وأسر جنده ألفاً من الجنود الإيرانيين. ووقعت مناوشات أخرى انتصر فيها الروس وقتلوا ألفي جندي تقريباً من الإيرانيين، واحتلوا ناحية «قراشاي» حيث كان يعسكر «عباس ميرزا». وأرسل «فاسكييفيتش» إلى القيصر «نيقولا الأول» نبأ هذا النصر.
وقد وقعت حرب «كنجه» هذه قبل ثلاثة أيام من نشر إعلان الحرب على إيران في موسكو، وحصل النصر للجيش الروسي بعد عشرة أيام من نشره.
وكان هذا النصر أول انتصار يحرزه القيصر بعد تملكه. فأرسل إلى «فاسكييفيتش» يشكره برسالة عاطفية حماسية، ويحرضه إلى احتلال «إيروان»، وأهدى إليه سيفاً مرصَّعاً مكتوباً عليه «من أجل كسر الإيرانيين في إليزابيت بول».
وبعد انكسار العسكر الإيراني في «كنجه» أخذت أموره تزداد سوءاً يوماً فيوماً. ووقعت في ميدان الحرب مجاعة تأثر بها العسكر الروسي أيضاً.
وكان بين ضباط الجيش الروسي الكبار جماعة من أهل القفقاس الأصليين، وأكثرهم من الكرج والأرمن، وبعضهم من المسلمين، وقد دخل أولئك جميعهم في الجيش الروسي بعد احتلاله لتلك النواحي، حتى إنهم غيروا أسماءهم بأسماء روسية ووصلوا بها لاحقة «أوف» التي تأتي في آخر أسماء الأعلام الروسية. وإذ كان هؤلاء الضباط يعرفون الألسنة المحلية، ومنها اللسان التركي أكثر الألسنة تداولاً في تلك النواحي، فقد أنس بهم الأهالي، وكان هذا الأمر من جملة أسباب تقدم الروس.
وفي 17 أيلول سنة 1824م الموافق 14 صفر سنة 1242هـ فك «عباس ميرزا» الحصار عن مدينة «شوشي» وتراجع عنها. وفي 30 أيلول وأول تشرين الأول سنة 1826م الموافق 27 و28 صفر سنة 1242هـ تراجع «عباس ميرزا» في نواحي «أصلان دوز» وفر مشاته متفرقين في الجبال، ولم يبق معه من جيشه غير الفرسان.
ومع حلول فصل الشتاء توقفت العمليات الحربية ما عدا مناوشات متقطعة قصيرة. وفي أثناء ذلك أمرت القيادة الروسية أحد ضباطها، واسمه «مادانوف» بمهاجمة «مدينة «أهر»، فسار إليها. وفي أثناء سيره خرب كثيراً من القرى الواقعة في طريقه وأسر بضعة آلاف من العائلات ونهب مخازن الطعام، لا يلقى معارضة حتى قارب «أهر».
ويفيد تقريب كتبه «فاسكييفيتش» إلى القيصر إلى أن «عباس ميرزا» كان قد جمع يومئذ خمسة آلاف جندي من المشاة فأمرهم المسير إلى «أهر». ولكنهم تمردوا على أمره، وأعلنوا أنهم باقون في مكانهم. وأخذوا يتحدثون في ما بينهم بأنهم يأملون بالتسليم بلا حرب. وكان السكان المحليون يشجعونهم على ذلك.
وكذلك وقع خلاف بين الجنرال «يرمولوف» والجنرال «فاسكييفيتش». وكان الأول يسعى إلى إبعاد الثاني عن القفقاس وإعادته إلى روسيا. فأرسل القيصر رئيس أركانه العامة «ديبيتش» إلى القفقاس للتحقيق في هذا الخلاف، ووصل هذا إلى «تفليس» في 4 آذار سنة 1827م الموافق 5 شعبان سنة 1242هـ.
وجاء في المصادر الروسية أن رسولاً من قبل حاكم «إيروان» العسكري وصل إلى «تفليس» مع وصول «ديبيتش» إليها، وكان يحمل رسالة من حاكم «إيروان» إلى الجنرال «يرمولوف» يبلغه فيها أن الإيرانيين يريدون المهادنة. وأن رسولاً آخر من قبل وزير الشؤون الخارجية الإيراني وصل حاملاً رسالة موجهة إلى وزير الخارجية الروسي «الكونت نسلرود» وفيها أنه مفوض كل التفويض بعقد معاهدة صلح بين إيران وروسيا. ولكن سرعان ما رفض «ديبيتش» هذا الاقتراح، لأنه اشترط تسليم القلاع القائمة على حدود إيران إلى روسيا، واشترط أيضاً أن ترتهن روسيا من إيران قسماً من أرضها، يعين في ما بعد، لتضمن وفاء إيران بما تتعهد به في معاهدة الصلح، ولكن المندوب الإيراني رد بأن «عباس ميرزا» اضطرته تعديات موظفي روسيا في الحدود إلى مهاجمة الأرض الروسية، ولم يكن بادئاً بالحرب. فقطع «ديبيتش» كلامه ورد عليه بغلظة قائلاً: إن لم تعترف إيران بخطأها فلن يقبل الأمبراطور اقتراح الصلح. وختم كلامه بقوله: إن يكن هذا شأنكم فلا مباحثة بيننا بعد اليوم!.
وانتهى تحقيق «ديبيتش» في موضوع اختلاف «يرمولوف» و«فاسكييفيتش» إلى أن أمر القيصر بعزل «يرمولوف» وإسناد القيادة العسكرية العامة في القفقاس إلى «فاسكييفيتش»، فتسلم منصبه هذا في 9 نيسان سنة 1827م الموافق 12 رمضان سنة 1242هـ.
وبهذا التغيير ازدادت أمور إيران سوءاً. إذ كان القائد الجديد أعرف من سلفه بالفنون العسكرية وأوفر منه نشاطاً لأنه أصغر منه سناً. وكان إلى ذلك، مقرباً من القيصر «نيقولا» لا يرد له قولاً.
في 25 نيسان سنة 1827م الموافق 28 رمضان سنة 1242هـ احتل الروس مدينة «إتشميادزين» من ولاية «إيروان»، وكان الإيرانيون قد أخلوها في اليوم السابق. وهذه المدينة فيها أعظم كنائس الأرمن وهي مركز جاثليقهم، وواصل الروس تقدمهم في الولاية.
وفي هذه الأثناء أنشأ الروس في معسكر «فاسكييفيتش» مكتباً للنظر في الأمور المدنية والعلاقات الخارجية. وفي 5 أيار سنة 1827م الموافق 8 شوال سنة 1242هـ كتب «الكونت نسلرود» وزير خارجية روسيا إلى «فاسكييفيتش» يبلغه تعيين أحد مستشاري الدولة رئيساً لهذا المكتب وإسناد أمور العلاقات الخارجية إليه، وأن رئيس المكتب هذا مأمور بعمل ما يلزم لدعوة إيران إلى المفاوضة. وأوصاه برفض تدخل الإنكليز في مفاوضات الصلح. وكان الكاتب الروسي المعروف «غريبايدوف» أحد أعضاء هذا المكتب الذين قدموا إلى معسكر «فاسكييفيتش» لهذه الغايبة، وهو ابن أخت «فاسكييفيتش».
وفي ذلك التاريخ، أي 5 أيار سنة 1827م الموافق 8 شوال سنة 1242هـ، كان «فاسكييفيتش» قد عزم على محاصرة مدينة «إيروان». وفي 9 أيام الموافق 12 شوال من تلك السنة كان الجيش الروسي قد احتل ما حول المدينة من جهة الشمال وجهة الشرق.
وفي 8 تموز الموافق 13 ذي الحجة من تلك السنة دخل الجيش الروسي ولاية «نخجوان» وحاصر قلعة «عباس آباد». وقدم «عباس ميرزا» و«فتح علي شاه» من تبريز بجيش كثيف إلى تلك النواحي، وعكسرا في مدينة «خوي».
ودارت عدة معارك انتهت إلى هزيمة الإيرانيين واحتل الروس قلعة «عباس آباد»، وهي عمدة الدفاع عن مدينتي «إيروان» و«نخجوان». وفي أول شهر تشرين الأول سنة 1827م الموافق 10 ربيع الأول سنة 1243هـ احتلوا قلعة «سردار آباد» من ولاية «نخجوان» واحتلوا أماكن أخرى، وقتلوا كثيراً وأسروا كثيراً من الجند ومن رؤساء العسكر وأسروا بعض رجال العائلة المالكة.
وفي 12 تشرين الأول الموافق 21 ربيع الأول من تلك السنة احتلوا مدينة «إيروان» وأسروا من الجند المدافعين ثلاثة أفواج وغنموا كثيراً من المعدات الحربية وغيرها. وخربت بيوت المدينة جميعها تقريباً وامتلأت الطرق بجثث القتلى من الجند الإيرانيين. وأمر «فاسكييفيتش» بتحويل أحد مساجد المدينة إلى كنيسة تذكاراً لهذا النصر. واستغرقت الحرب لاحتلال قلاع «عباس آباد» و«سردار آباد» و«إيروان» ثلاثة أشهر.
ويفتح «إيروان» علا صيت «فاسكييفيتش» وأصبح أشهر قائد عسكري في روسيا. وأنعم عليه القيصر بكثير من الامتيازات. ومن ذلك الإنعام عليه بلقب درج عليه الروس، وهو نسبة من يفتح فتحاً عظيماً إلى البلد الذي يفتحه. وقد أنعم على «فاسكييفيتش» بلقب «إيروانسكي»، أي «إيرواني».
احتلال تبريز
كان «الكونت نسلرود» وزير خارجية روسيا قد أمر الجنرال «فاسكييفيتش» بأن يقترح الصلح على إيران بعد أول انتصار مهم يحصل عليه.
وبعد احتلال الروس لقلعة «سردار آباد» وقبل احتلالهم لمدينة «إيروان» أمر «فتح علي شاه» ابنه «عباس ميرزا» بأن يبادر إلى مصالحة الروس ويتخلى لهم عن ولايتي «نخجوان» و«إيروان»، إذ كان قد يئس من النصر.
ولكن «عباس ميرزا» خالف أباه فلم يطلب المصالحة، إذ كان فصل الشتاء قريباً، وهو يأمل أن يعوق برد أذربيجان الشديد تحركات الروس فتطول حرب «إيروان»، وكذلك كان يقوم بتحريض أهالي النواحي التي احتلها الروس وراء نهر «أرس» على الثورة. وقد نجح في إثارة الداغستانيين، ولكن الروس أخمدوا ثورتهم بسرعة. وكان لا يزال مخدوعاً بمواعيد الإنكليز مع كل ما بدا منهم من إخلاف للمواعيد. ويجدر بالذكر أن السفير الإنكليزي وأعضاء سفارته وفريق من الضباط الإنكليز الذين كان لهم في الظاهر عنوان «المستشارين في الجيش الإيراني، كانوا يرافقون «فتح علي شاه» و«عباس ميرزا» في مختلف ميادين الحرب ويحرضونهما على متابعة الحرب ورفض المصالحة.
ولما فتح «فاسكييفيتش» مدينة «إيروان» أصبح مستعداً لوقف الحرب. وأبلغ الروس الدولة الإيرانية أنهم حاضرون للصلح بشرط أن تؤدي إليهم إيران غرامة حربية مقدارها عشرون مليون روبل، ولكن «عباس ميرزا» تباطأ لا يرد بجواب صريح.
عندئذ عزم «فاسكييفيتش» على احتلال مدينة «تبريز»، ثم طهران، والقضاء على الدولة الإيرانية. وفي شهر تشرين الأول سنة 1827م الموافق شهر ربيع الأول سنة 1243هـ تحركت ثلاثة جيوش روسية من ثلاث نواح مختلفة، أحدها خرج من «إيروان» بقيادة «فاسكييفيتش»، قاصداً تبريز من طرق مختلفة.
وكانت الأوضاع الداخلية في النواحي التي يحتلونها، وهم يقصدون إلى تبريز، سيئة جداً. وقد وجد الروس في اختلال هذه الأوضاع عوناً كبيراً لهم على التقدم.
كانت عمدة الأعمال التجارية والصناعية يومئذ بيد الأرمن وكان الأرمن يحقدون على الإيرانيين لما كانوا يلقونه من ظلم أيام تجييش الجيوش على يد الموظفين الإيرانيين. وكانت عدة أولئك الأرمن يومئذ تقدر بستين ألفاً في أذربيجان. وكانوا يعاونون الروس إذ كانوا على دينهم من جهة، ويكرهون الإيرانيين من جهة أخرى.
وكان أتراك أذربيجان تجمعهم بأتراك روسيا آصرة القرابة والقومية واللغة. وكان أكثرهم يتعاطى الفلاحة، ومحاصيلهم لا تنفك عرضة للإغارة والآفات الزراعية على مدى سبعة عشر عاماً من الحروب، من عهد «آقا محمد خان» إلى اليوم. فهم لذلك، لا ينفكون متذمرين ناقمين. والأكراد تفرقهم عن موظفي الدولة القاجارية الذين كانوا يتولون شؤونهم فوارق مذهبية. فهم حاقدون ناقمون. وقد استطاع «عباس ميرزا»، بشق النفس، أن يجند منهم كتيبة فرسان. ولكنهم لم يفيدوه بشيء في الميدان. وكانوا يولون الأدبار عند أول فرصة. وينهبون، وهم في طريق الفرار، كل ما تقع عليه أيديهم، ثم يأوون إلى خيامهم في منازلهم.
وفي 19 تشرين الأول سنة 1827م الموافق 18 ربيع الأول سنة 1243هـ احتل «أريستوف» أحد قادة تلك الجيوش الثلاثة مدينة «مرند».
وكانت تبريز على حال في منتهى السوء من التشويش والاختلال. فقد عجز حاكمها العسكري «اللهيار خان آصف الدولة» عن تجنيد الناس للحرب إذ عصوا أمره ولم يذعنوا له، فتوسل إلى حملهم على الطاعة بالإرهاب.
وكان «السيد محمد الأصفهاني المجاهد» الذي أفتى بالجهاد، وقد مر ذكره قد حضر إلى تبريز ليشارك في الحرب. فلما اقترب الروس من تبريز خرج مع جماعة متجنداً لحربهم. ولكنه لم يلبث أن وقع في الحيرة واختلطت عليه الأمور وتداخلت. ثم مرض فعاد قاصداً إلى قزوين، وقضى نحبه في الطريق، وقيل في قزوين وحمل جثمانه إلى كربلاء فدفن فيها ـ كما مر ـ.
وفي صباح 23 تشرين الأول سنة 1827م الموافق 22 ربيع الأول سنة 1234هـ وصلت طليعة الجيش الروسي الذي يقوده «أريستوف»، وكانت بقيادة المقدم «فانكراتيف»، إلى ظاهر تبريز، ودخل المدينة سلماً واحتل المراكز العسكرية واستولى على مستودعات الأسلحة ومصانعها. وبعد بضع ساعات وصل الجيش كله ودخل المدينة على إيقاع الموسيقى العسكرية.
وكان حاكم المدينة العسكري «اللهيار خان» قد اختبأ في خرابة. فعثر عليه أحد قوزاق البحر الأسود وعرفه وقبض عليه وجاء به إلى «أريستوف»([590]). وفي ذلك اليوم نفسه عبرت بقية الجيش الروسي، وكانت متوقفة في «جلفا» وراء نهر «أرس» ودخلت أذربيجان.
مساعي الصلح
وفي أواخر تشرين الأول الموافقة أواخر ربيع الأول من تلك السنة، ذهب سكرتير السفارة الإنكليزية «كامفبل» وحاكم تبريز «فتح علي خان» إلى «فاسكييفيتس»، وكان لا يزال في «نخجوان»، يقترحان عليه الدخول في مفاوضات للصلح. وقد أحسن «فاسكييفيتش» استقبال السكرتير الإنكليزي، ولكنه أبلغه أنه يستقبله بوصفه ضيفاً لا مفاوضاً، وأنه يرفض تدخله في هذا الأمر، والمفاوضة تكون بينه وبين رسول «عباس ميرزا» فقط. وطلب هذا من «فاسكييفيتش» بلهجة استغاثة، أن يوقف تقدم الجيش الروسي، على أن يصله في أقرب وقت رسول من الشاه نفسه يحمل معه القسط الأول من الغرامة الحربية التي سبق أن طلبها شرطاً للمصالحة.
ولكن «فاسكييفتش» رفض اقتراحه وقال له إنه سائر الى «مرند» وحين يصل إليها تكون شروطه للمصالحة أصعب.
وفي 28 تشرين الأول سنة 1827م الموافق 27 ربيع الأول سنة 1243هـ دخل «فاسكييفيتش» إلى مدينة «مرند». وهناك بلغه نبأ بأن «عباس ميرزا» ذهب إلى «خوي» وأن عسكره في «قره داغ» قد شتتهم العسكر الروسي، وبلغه أيضاً نبأ تسليم تبريز.
وفي ذلك اليوم حمل إليه رسول من «عباس ميرزا» رسالة يطلب فيها الاجتماع به للمذاكرة في موضوع الصلح. وكان سكرتير السفارة الإنكليزية يرافق رسول «عباس ميرزا» هذا، ولكنه لم يكن طرفاً في الحديث. وأجاب «فاسكييفيتش» على طلب «عباس ميرزا» برسالة قال فيها: في تبريز فقط يمكن أن نتلاقى لا في غيرها، وقال أيضاً: ليقم عباس ميرزا في (خوي) مطمئناً، وأنا آمر جندي بأن لا يضايقوه بشيء.
وفي اليوم التالي حمل «فتح علي خان» حاكم تبريز رسالة أخرى من «عباس ميرزا» إلى «فاسكييفيتش»، فالتقى به وهو في طريقه إلى تبريز، وكان مضمون هذه الرسالة كمضمون الأولى. ولكن «فاسكييفيتش» رفض الملاقاة وزاد عى ذلك أنه أصبح لا يرضى بمقدار الغرامة التي سبق أن طلبها، وأنه يطلب زيادتها بالمقدار عينه.
وفي 31 تشرين الأول الموافق 30 ربيع الأول دخل «فاسكييفيتش» إلى تبريز.
وبعد بضعة عشر يوماً من احتلال تبريز استشار الروس مخاتير المدينة في تعيين مقادير الضرائب وكيفية توزيعها على المكلفين، وأتم الروس هذا العمل حسب ما أشار به المخاتير. ولكن الأهالي لم يعجبهم ترتيب الضرائب هذا وأغلقوا متاجرهم وتجمهروا في الساحات العامة وهددوا بالثورة. فاعتقل الروس جماعة وسجنوهم، وعندئذ سكن الناس وعاد الهدوء إلى المدينة.
ويجدر بالذكر أن الحالة النفسية والفكرية التي كان عليها الإيرانيون يومئذ كان لها أثر كبير في فتور الناس عن المقاومة. فقد كانت إيران منهكة بحروب وفتن متواصلة طالت عليها أكثر من مائة عام، من انقراض الدولة الصفوية إلى زمن «فتح علي شاه». فبعد عهد زاهر بالقوة والعظمة نعمت به إيران أيام حكم الصفويين تداولتها سلسلة من فجائع القتل والخراب والإرهاب وسوء السياسة والانشقاقات الداخلية. فلما آل الأمر إلى القاجاريين بلغت الحال مبلغاً عظيماً من السوء، خصوصاً أيام حكم «فتح علي شاه» وحروبه الطويلة الخاسرة، وما أوقعته بإيران من إذلال وإضعاف. وفوق هذا كان الإيرانيون يكرهون القاجاريين ويعدونهم غرباء مغتصبين. بل كانوا لا يزالون يحنون إلى عهود الصفويين ويعطفون عليهم ويرون أنهم كانوا أحق بالحكم من غيرهم لأنهم من السلالة النبوية، وأنهم قد غصبوا حقهم. ويرون أن ما مني به «فتح علي شاه» من هزائم وانكسارات إنما كان عقاباً إليهاً!.
كان «عباس ميرزا» قد فر إلى ناحية «سلماس» من أذربيجان، ينتظر جواب «فاسكييفيتش» على طلبه للصلح. ويستفاد من المصادر الروسية التاريخية أن جماعة من حكام الإقليم الإيرانيين عرضوا يومئذ على «فاسكييفيتش» أن يسلموا إليه «عباس ميرزا»، ولكنه رفض وفضل أن يبقيه طليقاً ليكون ممثل إيران في مفاوضات الصلح لعقد الميثاق الذي ينوي فرضه على إيران.
وفي أواخر شهر تشرين الأول سنة 1827م الموافقة أوائل جمادى الأولى سنة 1243هـ عسكر «عباس ميرزا» في ناحية «أرومية» قرب نهر «غازي شاي». ويومئذ عرض حاكم «أرومية» وحاكم «خوي» على «فاسيكييفيتش» أن يستسلما إليه. بل عرضا عليه أن يعاوناه على قطع دابر ما تبقى من جند «عباس ميرزا».
وأرسل إليه رؤساء العشائر في نواحي أخرى رسلاً من قبلهم، وبعضهم حضروا بأنفسهم، يؤذنونه بأنهم حاضرون للتسليم إليه. وهب البداة من سكان الخيام في أذربيجان يشغبون على الحكومة الإيرانية ويقاومونها، حتى قطعوا الطريق بين طهران وأذربيجان.
وأرسل القيصر الروسي إلى «فاسكييفيتش» أمراً بالاكتفاء باحتلال ولايتي «نخجوان» و«إيروان» وجعل «أرس» الحد الفاصل بين ما احتلته روسيا وأرض إيران. وأمره أيضاً بأن لا يحالف خصومهم القاجاريين ولا يسعى إلى إسقاطهم من الحكم مراعاة لما تعهدت به روسيا في معاهدة «گلستان» من المحافظة على منصبهم في الملك والإبقاء على ولاية العهد لعباس ميرزا. ولذلك لم يطلب «فاسكييفيتش» من أحد من حكام تل النواحي ولا من البداة سكان الخيام ولا أهل المدن أن يساعدوه بالخروج على دولتهم وخيانتها.
وعهد «فاسكييفيتش» إلى أحد ضباطه بإدارة الأعمال في أذربيجان، وأقام معه مجلساً استشارياً يعاونه، مؤلفاً من أربعة ضباط من الروس و«ميرفتاح» و«فتح علي خان» حاكم تبريز السابق.
وفي يوم 2 تشرين الثاني سنة 1827م الموافق 12 ربيع الثاني سنة 1243هـ حضر إلى تبريز، بلا إعلام سابق، «الميرزا أبو القاسم القائمقام»([591])، مدير أعمال «عباس ميرزا»، مرسلاً من قبل ولي العهد، لمباحثة «فاسكييفيتش» في أمر الصلح، وهو مفوض إليه تفويضاً مطلقاً أن يقدم على كل ما يراه مناسباً.
محادثات الصلح
ولكن «فاسكييفيتش» حصر المحادثة في خط محدود وعلى نحو معين لا تحيد عنه. وهو أنه حول القائمقام إلى رئيس المكتب السياسي الروسي «أوبريسكو»، وكان يقيم على بعد سبعة كيلو مترات ونصف الكيلومتر من تبريز، لمباحثته ووضع قرار بالمصالحة على أساس ثلاث مواد هي:
1 ـ أن تتخلى إيران لروسيا عن ولاية «إيروان» وولاية نخجوان».
2 ـ أن تجلو إيران عن ناحية «طالش» وتسلمها إلى روسيا. وكانت هذه الناحية قد اقتطعت من إيران وألحقت بروسيا بمقتضى معاهدة «گلستان». ولكن إيران عادت فاحتلتها في أول الحرب الثانية.
3 ـ أن تؤدي إيران إلى روسيا سبعة ملايين ونصف المليون تومان، أي ما يساوي ثلاثين مليون روبل فضة، غرامة حربية.
وعين «فاسكييفيتش» مُدداً تؤدى فيها هذه الغرامة أقساطاً، على أن يبقى الجيش الروسي محتلاً أذربيجان إلى أن يؤدي آخر قسط من الغرامة. عندئذ يجلو الروس عن أذربيجان، وإلا ظلت في أيديهم.
وعاد «القائمقام الميرزا أبو القاسم» إلى «عباس ميرزا»، وكان في «خوي»، يحمل شروط «فاسكييفيتش» للصلح. فأجابه «عباس ميرزا» برسالة وافق فيها على تلك الشروط. وعين يوم 4 تشرين الثاني سنة 1827م الموافق 24 ربيع الثاني سنة 1243هـ موعداً لملاقاته في بلدة «دهخوارقان». وحدث في أثناء ذلك أن فرقة من الجيش الروسي سارت إلى مدينة «شبستر» فخف «عباس ميرزا» إلى الخروج من «خوي» والسير إلى «شبستر» لملاقاة الروس سلماً. وفور خروجه من «خوي» بادر حاكمها إلى الذهاب إلى تبريز ودخل على «فاسكييفيتش» فسلم إليه مفاتيح قلعة «خوي» وأخبره أن فيها قدراً وافراً من الغلال والمدافع وجميع لوازم المدفعية. فأقره «فاسكييفيتش» على عمله في حاكمية «خوي»، وأرسل من قبله ضابطاً روسياً حاكماً عسكرياً عليها، ومعه فوج من العسكر.
خرج «عباس ميرزا» من «خوي» قاصداً «شبستر» في صباح 17 تشرين الثاني سنة 1827م الموافق 27 ربيع الثاني سنة 1243هـ، ومعه خمسون ومائة من رجاله، فأرسل القائد الروسي فرقة من جنوده لاستقباله، وحياه حين وصوله بطلقات مدفعية.
وفي ذلك اليوم نفسه وصل «فسكييفيتش» إلى «دهخوارقان» واستقبله فيها «خسرو ميرزا» ابن «عباس ميرزا»، وكان في السادسة عشرة من عمره. وفي اليوم التالي أرسل «فاسكييفيتش» من قبله الجنرال «الكونت سوشتيلين» مع بضعة ضباط إلى «عباس ميرزا» ليصحبوه إلى دهخوارقان». وفي هذه الوقائع جميعها بالغ الروس كثيراً في الاحتفال بولي العهد الإيراني وتكريمه والتقرب إليه بالعبارات المعسولة.
وفي اليوم التالي بدأت المفاوضات بين «عباس ميرزا» و«فاسكييفيتش». وقبل «عباس ميرزا» بجميع ما طلبه الروس، ومع ذلك فإن محادثات «دهخوارقان» لم تصل إلى نتيجة حاسمة. فعاد «عباس ميرزا» إلى طهران، يرافقه السفير الإنكليزي لمتابعة مساعي التمهيد للصلح، وأرسل «فاسكييفيتش» معه جماعة من عسكره يشيعونه بمظاهر الاحترام إلى أول طريق طهران. وحين ودعه قال له: لن يتوقف عسكرنا عن التقدم ما لم توضع الغرامة بين يديه!.
وفي 27 كانون الثاني سنة 1828م الموافق 10 رجب سنة 1243هـ احتل الروس مدينة «أرومية» سلماً وفتحت لهم أبواب قلعتها. وفي هذه الأثناء دخلوا أيضاً مدينة «مراغة» ونواحيها سلماً. وأقروا عليها حاكمها الإيراني «جعفر قلي خان»، وخلت جميع النواحي من جنوب أذربيجان الغربي من العسكر الإيراني. ورحلت بقية قليلة من جنود «عباس ميرزا» إلى زنجان ساعة اقتراب الروس من «مراغة».
وفي 6 شباط سنة 1828م الموافق 20 رجب سنة 1243هـ دخل الروس مدينة «أردبيل» بلا مقاومة. وظلت قلعتها ثابتة لا تسلم، وكان على حامية القلعة اثنان من أبناء «عباس ميرزا». ومع أن أباهما كان قد أمرهما بتسليم القلعة فإنهما خالفا أمره.
ونهب العسكر الروسي المخطوطات النفسية التي في مكتبة مزار «الشيخ صفي الدين الأردبيلي» وأرسلها «فاسكييفيتش» مع مفاتيح أردبيل إلى القيصر.
وطالت بعد ذلك المذاكرات والمراسلات في موضوع مقدار الغرامة حتى تبين الروس أن إيران لا تستطيع أن تؤدي إليهم أكثر من خمسة ملايين تومان، تعادل عشرين مليون روبل فضة.
وواصل الروس تقدمهم وعبأ «فاسكييفيتش» عسكره، وأرسل فرق العمال والمهندسين يشقون الطرق اللازمة لمسير عسكره إلى طهران.
معاهدة «تركمان شاي»
عندئذ بادرت الحكومة الإيرانية إلى إرسال أول قسط من الغرامة وسلمته إلى الجيش الروسي في 13 شباط سنة 1828م الموافق 27 رجب سنة 1243هـ. وأرسل «عباس ميرزا»، وكان في طهران، إلى «فاسكييفيتش» أن الشاه أمره بالمسير إلى تبريز لعقد معاهدة صلح على أساس الشروط التي أملاها الروس في اجتماع «دهخوارقان» السابق، وأنه قادم إلى تبريز قريباً.
فأرسل «فاسكييفيتش» رسولاً من قبله إلى ملاقاة «عباس ميرزا» واصطحابه إلى «تركمان شاي». وهي قرية كبيرة تقع على بعد اثنين وأربعين كيلومتراً من مدينة «ميانة». وقد اختارها «فاسكييفيتش» لتكون محلاً للمفاوضة لأسباب استراتيجية.
وأعد الجنرال «سوشتيلين» ما يلزم من الوسائل لإقامة ضيافة فخمة لعباس ميرزا. وكانت هناك تلة كبيرة جداً لعظام قتلى من الجنود الروس قتلوا سنة 1826م (1242هـ). فدفنها «سوشتيلين» ونصب على مدفنها صليباً كبيراً.
وفي 19 شباط سنة 1828م الموافق 3 شعبان سنة 1243هـ وصل «عباس ميرزا» وثلاثة من رجال الدولة إلى «تركمان شاي»، وبدأت المفاوضات.
وفي منتصف الليل ما بين 21 و22 شباط سنة 1828م الموافق 5 و6 شعبان سنة 1243هـ، وقع الطرفان الإيراني والروسي على معاهدة الصلح. وأطلقت طلقة ومائة طلقة مدفعية إيذاناً للناس بإيقاع الصلح.
ومن جملة ما قضت به هذه المعاهدة اقتطاع ولاية «إيروان» وولاية «نخجوان» من أرض إيران وإلحاقها بأرض روسيا. وأن تؤدي إيران إلى روسيا غرامة حربية مقدارها خمسة ملايين تومان تساوي عشرين مليون روبل فضة. وأن يكون لسفن روسيا التجارية حق حرية الملاحة في بحر الخزر. ولا يسمح به لغيرها من السفن الحربية. ونصت المعاهدة أيضاً على أن تتعهد روسيا بالاعتراف بأن ولاية عهد إيران لعباس ميرزا ولأعقابه من بعده، وعقدت بينهما أيضاً معاهدة تجارية.
مقتل «غريبايدوف»
أول سفير لروسيا في إيران، بعد عقد معاهدة «تركمان شاي»، هو الكاتب الروسي «الكساندر سرغييفيتش غريبايدوف». وهو ابن أخت «فاسكييفيتش». وكان يقيم في إيران في أثناء الحرب موظفاً عند خاله. وبعد التوقيع على معاهدة «تركمان شاي» في إيران أرسل «فاسيكييفيتش» نسختها الأصلية معه إلى «بطرسبورغ» ليوقع القيصر عليها. وبعد التوقيع عينه القيصر سفيراً لروسيا في إيران، فعاد إليها ومعه نسخة المعاهدة الموقع عليها. ووصل إلى طهران في الخامس من شهر رجب سنة 1244هـ الموافق 11 كانون الثاني سنة 1829م.
وكان في معاهدة «تركمان شاي» بند موضوعه استرداد أسرى الحرب والهاربين اللاجئين من دولة إلى دولة، سواء أكان الأسر واللجوء قبل الحرب أو في أثنائها. وقد وقع خلاف بين إيران وروسيا على تفسير هذا البند وتطبيقه. خلاف استمر سبعة عشر عاماً تقريباً إلى أن حل باتفاقية جديدة.
ويوم أصبح «غريبايدوف» هذا سفيراً لروسيا في إيران بلغ هذا الخلاف أقصى درجاته. فقد كانت عادة ذلك الزمان أن يسترق الأسرى. وكان بين هؤلاء نساء من الأرمن ونصارى «كرجستان»، منهن مسترقات ومنهم من تزوجن مكرهات بإيرانيين ولهن منهم أبناء. وكان أولئك الأسرى من الكرج والأرمن يرغبن في العودة إلى ديارهم وأهلهم. وكان «غريبايدوف» يرى أن ذلك من حقهم بمقتضى البند الخاص بالأسرى من معاهدة «تركمان شاي»، ويسعى جاهداً إلى استخلاصهم.
ويوم كان «غريبايدوف» في قزوين في طريقه إلى طهران عائداً من روسيا توقف هناك يريد استخلاص من في قزوين من الأسرى الأرمن والكرج وإعادتهم إلى بلادهم. ولكن المستفيدين من استبقاء هؤلاء الأسرى في الأسر والعبودية عارضوه وقاوموه، حتى خشيت الحكومة الإيرانية من أن يصيبوه بأذى، فبادرت إلى إخراجه من قزوين حفظاً له.
وفي طهران عاود مساعيه فلقي معارضة شديدة وتعذر على الأسرى أن يفوزوا بأمنيتهم. ولجأ فريق منهم من الأرمن والكرج إلى السفارة الروسية. وشاع بين الناس أن امرأتين أرمنيتين كانتا وقد تزوجتا من إيرانيين وولدتا منهما أولاداً، أرسل «غريبايدوف» من انتزعهما عنوة عن بيت الزوجية وحملهما إلى السفارة الروسية.
وقد نشط بعض رجال الدين إلى تحريض الناس وإثارتهم على السفير متذرعين بهذه الإشاعة. فحرَّضوهم على مهاجمة السفارة الروسية فهاجموها.
فهب «غريبايدوف» إلى الدفاع. وكان المدافعون معه بضعة رجال من الإيرانيين كانوا حراساً للسفارة وفرقة من القوزاق جاء بهم معه من روسيا وعدتهم من عشرين إلى ثلاثين قوزاقياً، وموظفو السفارة. ووقعت بين المهاجمين والمدافعين معركة حامية في يوم الجمعة 10 كانون الثاني سنة 1829م الموافق 24 رجب سنة 1244هـ.
وقتل برصاص الحرس ستة رجال من المهاجمين. فحملهم الناس ووضعوا كل قتيل منهم في مسجد من مساجد طهران. فضج رجال الدين بالاستنكار. وهجم ثلاثون ألفاً تقريباً من الرجال على السفارة الروسية فحاصروها وأخذوا يرمون المدافعين عنها بكل ما تصل إليه أيديهم، حتى الحجارة والأخشاب.
ولما بلغ الخبر إلى «فتح علي شاه» بادر إلى إرسال فرقة من ألفي جندي لحماية السفارة. ولكنهم وصلوا بعد فوات الأوان. فقد كان موظفو السفارة، وعدتهم خمسة وثلاثون، قد قتلوا إلا واحداً منهم هو السكرتير الأول. ولم يبق حياً من القوزاق غير اثنين. وكان «غريبايدوف» نفسه قد قتل أيضاً بحجر وقع على صدغه. قتل ولما يمض على وصوله إلى طهران غير تسعة عشر يوماً، وحمل جثمانه إلى «تفليس» فدفن فيها.
سفارة «خسرو ميرزا»
وأثار مقتل السفير «غريبايدوف» غضب الدولة الروسية، ولقد همت بأن تستأنف حرباً ثالثة على إيران، لولا أنها كانت قد شرعت حرباً على الدولة العثمانية.
وبعد سبعة أشهر من تلك الواقعة أرسل «عباس ميرزا» أحد أبنائه «خسرو ميرزا» من طريق «تفليس» إلى «بطرسبورغ» للاعتذار إلى القيصر عن تلك الفتنة. وحمله رسالة إلى القيصر من «فتح علي شاه» ورسالة منه. ورافقه في هذه السفارة بعض الكبار من رجال الدولة ومنهم الكاتب الشاعر «محمد خان» المعروف باسم «فاضل خان الغروسي».
وفي أثناء سير هذه البعثة في طريق القفقاس التقت بالشاعر الروسي الكبير «بوشكين» وهو مجند في جيش «فاسكييفيتش» وذاهب إلى محاربة العثمانيين. وقد نظم «بوشكين» قصيدة في موضوع التقائه هذا بالشاعر الإيراني «فاضل خان» في هذه الرحلة. وقد أعجب القيصر الروسي بشمائل الأمير الإيراني الشاب «خسرو ميرزا» حتى إنه أعفى إيران من تأدية القسط الأخير من الغرامة الحربية إكراماً له.
- () الشيخ أبو عبدالله ياقوت الحموي: معجم البلدان ج1، ص 53 القاهرة مطبعة السعادة عام 1323هـ 1906م الطبعة الأولى. ↑
- () الشيخ عبد الجليل القزويني: النقض ص 199 تحقيق: الدكتور جلال الدين المحدث، طهران سنة 1358 هجرية شمسية. ↑
- () القاضي نور الله الشوشتري: مجالس المؤمنين ج1، ص 88 ـ 89 طهران، منشورات إسلامية سنة 1375 هجرية. ↑
- () السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة ج1، ص 194 بيروت دار التعارف سنة 1403هـ 1983م. ↑
- () السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة ج10، ص 138 بيروت دار التعارف 1403هـ 1983م. ↑
- () الشيخ عبد الجليل القزويني: النقض ص 119 تحقيق: الدكتور جلال الدين المحدث، طهران 1358 هجرية شمسية. ↑
- () نفس المصدر ص 119. ↑
- () الشيخ منتجب الدين علي: الفهرست ص 111 تحقيق: الدكتور جلال الدين المحدث، قم منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () الميرزا عبدالله الأصفهاني: رياض العلماء ج5، ص 157 قم الطبعة المرعشية سنة 1401 هجرية. ↑
- () الشيخ أقا برزك الطهراني: الثقات العيون ص 264 بيروت دار الكتاب العربي سنة 1392هـ 1972م. ↑
- () السيد مهدي بحر العلوم: رجال السيد بحر العلوم ج2، ص 179 ـ 181 النجف الأشرف سنة 1385هـ 1965م. ↑
- () الشيخ أقا بزرك الطهراني: الأنوار الساطعة ص 26 بيروت دار الكتاب العربي سنة 1972م الطبعة الأولى. ↑
- () جمال الدين أحمد المعروف بابن عنبة: عمدة الطالب ص 342 ـ 343 النجف الأشرف المطبعة الحيدرية. ↑
- () انظر الحقائق الراهنة ص 5، بيروت دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى سنة 1975م. ↑
- () انظر عمدة الطالب ص 197، الطبعة النجفية، ومشاهد العترة الطاهرة ص 14 ـ 15 النجف سنة 1387هـ 1968م. ↑
- () نفس المصدر ص 197، ومشاهد العترة الطاهرة ص 14 ـ 15 النجف الأشرف سنة 1387هـ 1968م. ↑
- () السيد جمال الدين أحمد المعروف بابن عنبة: الفصول الفخرية ص 137 تحقيق: الدكتور جلال الدين المحدث، طهران 1387 هجرية. ↑
- () نفس المصدر ص 1878، وعز الدين إسماعيل الأزورقاني: الفخري ص 83 تحقيق: السيد مهدي الرجائي، قم المكتبة المرعشية. ↑
- () السيد جمال الدين أحمد المعروف بابن عنبة: الفصول الفخرية ص 118 تحقيق: الدكتور جلال الدين المحدث طهران 1387 هجرية. ↑
- () نفس المصدر ص 191. ↑
- () ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة ص 111 الطبعة الثانية، القاهرة، مطبعة التقدم سنة 1322 هجرية. ↑
- () هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي (ت 443هـ /1051م) من أعظم علماء المسلمين وأكثرهم أصالة، كتب في علوم الفلك والتنجيم والرياضيات والعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ والأنساب والفلسفة الاجتماعية وقد ولد في 3 ذي الحجة 362هـ/ 4 ـ 10 ـ 973م في (Khiva or Kath) مدينة خوارزم أو ضواحيها على الأرجح (كان في دلتا أموداريا السوفياتية اليوم على الشاطىء الجنوبي لبحر خزر أو قزوين آرال)، ثم تتلمذ على أبي نصر الجيلاني وكانت له علاقة صداقة ومراسلات مع معاصريه ابن سينا وعيسى المسيحي، وخدم السلطان منصور بن نوح الساماني (387 ـ 389هـ/997 ـ 999م)، ثم أبي الحسن قابوس شمس المعالي في جرجان، والسلطان أبي الحسن علي بن مأمون وأخيه الخوارزمشاه أبي العباس مأمون قبل أن ينخرط في خدمة الغزنويين، ومعهم زار الهند وسكن غزنة (في أفغانستان اليوم) حيث بقي يؤلف ويكتب حتى وفاته، وعمره حوالي 78 سنة مملوءة بالإنتاج القيم، والخدمة للعلم، وتقدم الإنسانية الفكرية. ↑
- () إن كتاب البيروني، الصيدنة في الطب قد تم تحقيقه ونشره، مع تقديم وتقييم مختصر في كراتشي ـ الباكستان تحت إشراف مؤسسة همدرد الوطنية، ورئيسها الحكيم محمد سعيد، في جزئين سنة 1973م، وقد ترجم إلى الروسية مع شرح وتعليقات بقلم عبيدالله كريموف، طشقند، 1974م. هذا آخر كتاب للبيروني وقد توفي قبل أن تتاح له فرصة تبييض المسودة التي أعدها للمقارنة بين صيدنة البيروني ومفردات الطب للغافقي. ↑
- () قدمنا: كتابي البيروني في الصيدنة وفي الجواهر يمكن اعتبارهما من أروع ما كتب بالعربية في العصر الوسيط في موضوعهما، فهما حافلان بالأفكار الجديدة النيرة عن حياة المؤلف وشخصيته وآرائه الأصيلة في العلوم والاجتماع والاقتصاد حتى أن أدورد سخاو يعتبره أعظم عقلية عرفها التاريخ. ↑
- () كتاب الجماهر في معرفة الجواهر للبيروني تم طبعه وتحقيقه في حيدر آباد، دائرة المعارف العثمانية، 1355هـ/ 1936م، بواسطة المستشرق فرتيفز كركو وقد اعتمد في عمله على ثلاث نسخ: الآستانة بمكتبة طوب كاباي، والآن مكتبة أحمد الثالث تحت رقم طب 2047 193 ق تم نقلها سنة 626هـ. وهي أصح النسخ بخط أحمد بن صديق بن محمد لبيب، ونسخة راشد بالقيصرية، ونسخة الاسكوريال رقم 905 عربي (الطبعة جيدة ما خلا اخطاء قليلة). أما كاتب هذه المقالة فقد اعتمد بالإضافة لهذا: على نسخة جامعة هارفارد، والتي ربما هي نسخة عن مخطوط الاستانة السابق ذكره، كما وقد فحص نسخة في مكتبة البودليان بجامعة أكسفورد بانكلترا (ناقصة) ذكرها أيضاً E. B. Puscy في فهرست مخطوطات بودلين العربية الشرقية طبع اكسفورد، 1835، ص 126، وتوجد نسخة بالقاهرة، المكتبة التيمورية، رقم 153 طبيعيات.ونقول: يأتي بحث خاص بكتاب الجماهر. ↑
- () الجوهر في العربية هو: كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وهنا أطلق على الأعلاق النفيسة من الجواهر (المجوهرات)، والجوهري هو: صانع وبائع الجواهر. والفلز بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي هو: أصلاً نوع من النحاس الأبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبث الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الأرض كلها، أو ما ينقيه الكير من كل ما يذاب منها. وهنا يشتمل على الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. وإن نفعها بالتداول وليس بالخزن في باطن الأرض إذ لم تكن آنذاك متاحف عامة بعد لعرضها على الجماهير. انظر القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، الطبعة الثانية، القاهرة، البابي الحلي، 1371هـ/1952م، ج1: 410 ومجلد 2: 5193. ↑
- () البيروني، في الجواهر، طبعة 1936م، السابق ذكره ص 31، 49. بلغت مدينة غزنة زمن المؤلف أعلى درجات الأهمية والعظمة والنفوذ، وامتدت سلطة ملوكها من أواسط الهند إلى إيران، وفي ذلك الباكستان والافغانستان والبلاد المجاورة لهما، ويعتبر الأمير محمود الغزنوي مؤسسها الحقيقي. انظر: محمد ناظم، حياة السلطان محمود الغزنوي وزمنه، كمبردج إنكلترا، 1931م. ↑
- () كلمة الترويحة استعملت في شهر رمضان المبارك لاستراحة العابدين بعد كل أربع ركعات، فسميت: صلاة التراويح لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين (مفردها ترويحة) ثم أطلقت: على الجلسة مطلقاً للترويح عن النفس، انظر: لسان العرب لجمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري ابن منظور، طبعة القاهرة، بولاق، ج3: 287 ـ 289. ↑
- () المقدمة لكتاب البيروني في الجواهر تتضمن: مبادىء وخواطر واتجاهات لا بد أنها كانت تحوم في فكر هذا العالم القدير والباحث المدقق، والاجتماعي الخبير العارف بأحوال الطبيعة البشرية؛ والآن قد حانت له الفرصة للمشاركة، بل والمساهمة بها والكشف عنها كأفكار متواترة في كتاب علمي، لا ينتظر أن تثير أية ضجة أو معارضة من أعدائه، وأولئك الذين يحاربون كل اكتشاف، ويناوئون كل فكر جديد محدث انظر مقدمة أ.م. بلنسكي، في علم المعدنيات، موسكو، 1963م، والجمعية الإيرانية، كتاب تذكاري البيروني(1362هـ) كلكتا الهند، 1951م، بول كراوس، «البيروني عالم القرون الوسطى الإيراني»، مجلة الإسلام الالمانية، 26 (1940م) ص 15، وما كتبه أيلهارد فيديمان في أعمال البيروني في العلوم الطبيعية، أولانجن، ألمانيا، وبنوع خاص أطروحة صديقنا المرحوم الدكتور محمد يحيى الهاشمي في كتاب البيروني في الجواهر، بون المانيا، 1935م (بالألمانية). ↑
- () كان أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي (809 ـ 873هـ)، وعلي بن العباس المجوسي (ت 994هـ)، وغيرهما بعدهما قد ذكرا: حول ثمانية رؤوس ينبغي أن تعلم قبل قراءة كل كتاب كغرضه ومنفعته وسمعته وجهة تعليمه ومرتبته واسم الواضع وصحة وقسمة الكتاب. وقد تبع نصحهم كثير من مؤلفي هذه الحقبة. انظر: كامل الصناعة الطبية للمجوسي، طبع بولاق ج1: 9 ـ 12، والخطط المقريزية، بولاق ج1: 3، والمسائل في الطب للمتعلمين لحنين بن إسحاق العبادي، تحقيق: محمد أبو ريان، ومرسي عرب، وجلال موسى، دار الجامعة المصرية، 1978. ↑
- () كتاب الجماهر، انظر طبعة 1936، ص 2، وأيضاً أيلهارد فيديمان، حول حركات الشمس والقمر، مجلة الإسلام، ج4 (1913) ص 5 ـ 13، وفاضل الطائي، «مع البيروني في كتابه الجماهر في معرفة الجواهر، مجلة المجمع العلمي العراقي، ج24 ـ 25 (1974م)، ص 52 ـ 58، ومحمد جمال فندي وإمام إبراهيم أحمد، البيروني، دار الكتاب العربي، 1968. ↑
- () لقد استفاد البيروني مما كتبه فيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي (ت حوالي سنة 871م في العاصمة العباسية) حول خواص الجواهر، ونعوت الأحجار ووصفها، ولكنني شخصياً لم أجد أية نسخ مخطوطة بعد للتأكد وللتعريف بالكندي وأعماله في هذا الباب، انظر: الكندي فيلسوف العرب الأول لمحمد كاظم الطريحي، بغداد، مكتبة المعارف، 1962م، وفؤاد سيد، فهرس المخطوطات المصورة، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، 1963م، ص 2 ـ 3، والأب ج. مكارثي، التصانيف المنسوبة إلى فيلسوف العرب، بغداد، 1963، ويذكر ابن النديم في الفهرست (طبعة القاهرة، 1929م)، ص 371 ـ 379 رسالتين للكندي في أنواع الجواهر الثمينة، وفي أنواع الحجارة المعدنية (الفلزات). ↑
- () البيروني في الجواهر، طبعة 1936م، ص 31 ـ 32، 409 ونسخة هارفارد ص 44 ـ 46، وإننا نجد في الواقع اقتباسات وإشارات إلى كتب ومؤلفين أخر كارسطوطاليس، وجالينوس، وجابر بن حيان والرازي، وأحمد بن علي، وابن الحسن الترنجي والمسالك للجبهاني والممالك والمسالك للمسعودي، ومنافع الأحجار لعطارد بن محمد، والموازنة لأبي القاسم الآمدي، والنبات لأبي حنيفة الدينوري، وأسفار مختلفة من التوراة تبحث في هذا المجال. ↑
- () البيروني قدم آراء أصيلة في العلوم الطبيعية، ونظرات صائبة في مظاهر وطبائع الممالك الطبيعية الثلاثة، كما نجد هنا في نظريته في تغذي النبات وصعود النسغ من جذوره إلى بقية أجزائه العالية / بان ولكزنسكي في استنتاجاته حول نظريات البيروني في انتخاب الأنواع وفكرة التطور.يعتبر البيروني بأنها أفكار عابرة غير مقصودة، مع أن هذا المفكر المسلم العبقري حاول أن يضع أعظم آرائه أصالة وجدية بهذا الأسلوب، كما نجد في مقدمته لكتاب الجواهر وذلك حتى لا يثير ضجة حوله ممن لا يقيمون وزناً للتفكير الحر، والذين يحاربون التجديد والأصالة في البحث العلمي، والملاحظات الشخصية المتحررة. وهنا مثلاً نجد تعليقاً هاماً بالنسبة لتاريخ علم النبات يثبت مقدرة البيروني في العلوم الطبيعية، انظر: في تحقيق معالم الهند، حيدر آباد، العثمانية، المجلدان 1957 ـ 1958م، وتحقيق ادورد ساخو، لندن، 1885م، (وطبع 1910م)، ج1: ص 400 بالإنكليزية (ص 200 النص العربي). ↑
- () يعطينا البيروني تحليلاً علمياً لأحوال الحواس الخمس ووظائفها ونفعهما للجسم، ككل وقد تكلم في ذلك علماء الإغريق مثل ثيوفراستس، وكتب عنه الكثيرون في العصر العربي الإسلامي كالمجوسي الآنف الذكر وغيره، انظر: عبد اللطيف موفق الدين البغدادي، مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية، دراسة وتحقيق بقلم: بول غليونجي وسعيد عبده، الكويت، وزارة الإعلام، 1972م في 205 ص. ↑
- () يوضح البيروني كمعاصره ابن الهيثم: أن البصر يحدث بضوء ترسله الأجسام في الهواء إلى العين، فترى الأشكال والهيئات، وكيف أن الهواء أيضاً يحمل الأصوات إلى الآذان؛ وأن الهواء يحمل كذلك حوامل الروائح ويوصلها إلى الأنف، حيث تنفصل مثل انفصال البخار عن الماء الغالي. وما أصدق قوله: إن الرطوبة من لعاب الفم هي التي توصل طعم ما نأكل أو نشرب لحاسة الذوق من مسام في فجوات الفم واللسان واللهاة؛ وإنه بدون هذه الرطوبة لا تحس الطعوم. وجدير بالذكر أن المؤلف يشير إلى مراكز لهذه الحواس؛ وإن تفرقت مواضعها في البدن، ويستنتج أنه كان يشير إلى مراكز في الدماغ لبعض الحواس كالبصر والسمع، انظر: عبد اللطيف البغدادي، مقالتان في الحواس، تحقيق: غليونجي، 1972م، ص 77 ـ 88. ↑
- () في الجواهر طبعة 1936م، ص 4، يؤكد البيروني: بأن العظام (وليس الطعام كما في النص خطأ) لا حس لها، في حين يوجد حس في الأسنان بسبب وجود عروق دموية فيها؛ وأن الجلد أكثر الأعضاء حساً، وتعرضاً للأحساس. أبو بكر الرازي، الحاوي، مطبعة العثمانية، حيدر آباد ـ الهند، (1955م)، ص 3 ـ 4. ↑
- () يقتبس المؤلف آيات من القرآن الكريم حول إدراك عظمة الخالق من مصنوعاته، وهذا يتفق مع سفر المزامير في الآية 19: 1 «السماوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه» وكذا رسالة رومية 1: 2 «لأن أمور الله غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته». انظر: كمال اليازجي معالم الفكر العربي في العصر الوسيط، طبعة رابعة منقحة، بيروت، 1966 ص، 322 ـ 330. ↑
- () تدل هذه المناقشات على إنسانية البيروني وسمو نفسه، فحواس الشم والذوق واللمس برأيه تخدم نمو الجسد ولذاته ورغائبه؛ لذا بالإمكان السمو بها إلى درجات عالية ومثالية بواسطة ضبط النفس وقمع رغبات الجسد، وبالتفكير بالأمور الجليلة الطاهرة، والعيشة، النقية، وكان أبو بكر الرازي في كتابه الطب الروحاني ينزع هذه النزعة ذاتها، حقق الكتاب، وله ترجمة بالإنكليزية أيضاً عام 1950م. ↑
- () يرى البيروني ميل الإنسان لإنشاء مجتمع كأمر طبيعي تمليه الغريزة والحاجة للأمن، وتوفير أسباب العيش المختلفة، ومن قبل تكلم ابن خلدون في مقدمته عن العمران والنظم الإجتماعية والاقتصاد. ↑
- () لقد عالج البيروني تاريخ استعمال النقود والمسكوكات، وصناعة الأختام وأسباب انتشارها وأوزانها وأشكالها، وندرة الأحجار الكريمة والمقايضة بها وأثمانها- معادن الذهب والسكة في الإسلام والمعاملات التجارية. ثم إن الدكتور محمد يحيى الهاشمي في: «نظريات الإقتصاد عند البيروني» في مجلة المجتمع العلمي العربي، دمشق، مطبعة ابن زيدون، 1937م، ج15، ص 456 ـ 465، وفي مجلد العالم أبو ريحان البيروني، أسبوع العلم الرابع عشر، دمشق، مطبعة الجامعة، 1974م، ص 181 ـ 189، يعتبر البيروني رائداً في علم الاقتصاد، وإن «الأزمات مهما تراءت لنا بمظهر مادي هي في الحقيقة أزمة روحية»، انظر: السكة في الإسلام لعبد الرحمن محمد، القاهرة، مطبعة المكتبة المصرية، 1957م، وأيضاً صبح الأعشى، لأبي العباس أحمد القلقشندي، القاهرة، 3: 436 ـ 41، 461 ـ 63 وقد اكتشف هذه النظرية الإقتصادية في مقدمة البيروني في شرحها. ↑
- () اعتبر البيروني التطور ونظرية النمو ضمن إطار إيمانه بالله كخالق العالمين. ورأى أن كل ما خلقه الله كان حسناً وكاملاً، ومع تمجيده لقوة العقل والمنطق إلا أنه كمؤمن رأى أن أهمية العقل أولاً؛ هي في فهم كلمة الحق والإصغاء لقول الأنبياء والمرسلين، وبقي أميناً في اعتقاده بشرعية الحكم للخلفاء العباسيين، مدافعاً عن كيانهم ضد المقاومين والفاتنين عليهم، معترفاً بولايته لهم حتى الرمق الأخير من حياته، فهم الأصل ولهم الأختيار والشرع؛ ليجروا عدلاً كأمراء المؤمنين، وقد منحهم الله حتى الكنوز في باطن الأرض وتحت الجبال الثوابت ومن كل بمقدار وبكل حكمة وفطنة، انظر: جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، القاهرة، ج1: ص 140 ـ 146. ↑
- () كما كانت الأدوية والعطور والأطايب تغش بما هو دون من مفردات الطب، كذلك كانت الجواهر تغش بالنحاس وغيره، انظر: أحمد القلشندي، صبح الأعشى، ج2: 97 ـ 118: وحول المعاملات بالسكة، انظر: مقالة صالح الحمارنة، «العملة العربية الإسلامية في بلاد شمال وشرقي أوروبا ودلالتها في العلاقات التجارية»، دراسات (عمان، الجامعة الأردنية)، ج2 (أيار 1975م) 39 ـ 57. ↑
- () يوضح البيروني أن الذهب والفضة والأعلاق النفسية الأخرى هي هبات إلهية أعطيت لسد أعواز الناس للمتاجرة؛ ولكن الإنسان مفطور على الطمع، ومحبة المال التي هي أصل لكل الشرور، فزاغ من غباوته عن الإيمان، وطعن نفسه بأوجاع كثيرة، مع ذلك يعظم الناس ويجلون مالكها حتى تعاطيها باليد له جاذبية خاصة، فكنزها الكثيرون للمتعة، وطلباً في تأمين عيش رغيد. أما قيمة المال الحقيقية فهي وضع لا طبع، لم تمدح بالشرع، بل اصطلح عليها في المعاملات التجارية فيه، لا تروي من ظمأ ولا تدفع أذى إنما «دعي المال خيراً» لأن من يجود به يؤمن حاجات الناس الضرورية، مع أن هذا ليس من طبعه، في الجواهر، طبعة 1936م ص 7 ـ 9، ويحيى الهاشمي، «نظريات الاقتصاد» ص 186 ـ 189. ↑
- () لويس معلوف، المنجد في اللغة، طبعة 15 بيروت، المطبعة الكاثوليكية، 1956م ص 625، وانظر: علي أحمد الشحات، أبو الريحان البيروني، القاهرة. دار المعارف 1968م ص 135 ـ 145. ↑
- () لقد اقتبس المؤلف الآيات التالية: سورة الحديد: 20 {آعْلَمُوَا أَنَّما آلْحَيَاةُ آلدُّنْيَا لِعَبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في آلأَمْوَالِ وَآلأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ آلكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي آلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا آلْحَيَاةُ آلدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ آلْغُرُورِ}، ومن سورة آل عمران: 14 {زُيْنَ لِلنَّاسِ حُبُّ آلشَّهَوَاتِ مِنَ آلِنسَاءِ وَآلْبَنِينَ وَآلْقَنَاطِيرِ آلْمُقَنَطَرةِ مِنَ آلذَّهَبِ وَآلْفِضَّةِ وَآلْخَيْلِ آلْمُسَوَّمَةِ وَآلأَنْعَامِ وَآلْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ آلْحَيَاةِ آلدُّنْيَا وَالله عِندَهُ حُسْنُ آلْمَئَابِ} وللتفسير اعتمدنا كتاب الشيخ حسين محمد مخلوف، كلمات القرآن تفسير وبيان، القاهرة، البابي الحلبي 1390هـ/ 1970م. ↑
- () في سورة التوبة: 33 نجد أيضاً كشفاً لحالة روحية كئيبة حول أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كانوا يتكالبون على جمع الأموال وكنز الدراهم طامعين في عطايا الفقراء والمساكين مع أنه كان يجدر بهم الإنفاق وتقديم يد العون لهؤلاء الناس {آلرِجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى آلِنْسَاءِ بِمَا فَضَلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ آللَّهُ وَآلّاَتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَآهْجُرُوهُنَّ في آلْمَضَاجِعِ وَآضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إنَّ آللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} فصاروا بذلك عثرة بدل أن يكونوا بركة انظر سفر ارميا، فصل 23: 1 ـ 4 وإنجيل متى، فصل 6: 24 ـ 35. ↑
- () العين: هو الذهب المضروب للمعاملة التجارية وهو النقد المتداول بين الناس والعتيد من المال. والعينة هي خيار المال في حين أن الورق (ج أوراق) هي الدراهم المضروبة انظر معلوف، المنجد في اللغة. وحول الصعاليك انظر العصر الجاهلي لشوقي ضيف، القاهرة، دار المعارف، ط 5، 1971م ص، 375 ـ 385. ↑
- () سورة الرحمن: 22: 23 {يَخْرُجُ مِنْهُمَا آللُّؤْلُؤُ وَآلْمَرْجَانُ} الآية: 22، فَبِأَيّ آَلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ}، وسورة النحل: 14 وفاطر: 12 {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى آلْفُلَكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} سورة الرحمن: 56 ـ 57 أيضاً {كَأَنَّهُنَّ آلْيَاقُوتُ وَآلْمَرْجَانُ} انظر حمارنه، فهرس الظاهرية الطب والصيدلة، دمشق، مجمع اللغة العربية، 1969م ص 110 ـ 114. ↑
- () هو أبو بكر الخوارزمي (325 ـ 383هـ/ 935 ـ 993م) ويبدو أن البيروني لم ينجذب كثيراً لزينة الجواهر ورونقها ولم يحسبها صالحة للسكة والمقايضات؛ إذ كان يرى جمالاً أحرى في جواهر الأخلاق ودرر الحكمة التي انجذبت نفسه إليها. ↑
- () كان البيروني قد لاحظ سوء استعمال العقاقير المخدرة، والتي تسبب اعتياداً يصعب التخلص منه إذ أن الكثيرين من الصوفية ومن عامة الشعب أخذوا بتعاطي الأفيون والحشيش ليس لأجل المداواة والشفاء فحسب بل كمخدرات. ↑
- () في الحكمة القديمة في قوله تعالى: {أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض فأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض} سفر التكوين 1: 28 وأيضاً 9: 2 ولكن البيروني فجأة ينتقل للحديث عن أهمية نظافة الفم والبدن اجتماعياً وصحياً ويشرح كيف أن التعرق يزدحم قليلاً قليلاً لسد مسام الجلد لذا وجبت النظافة والاستحمام مشبهاً ريح النفس الطيب بالمسك والعنبر. ↑
- () يقتبس المؤلف سورة المائدة: الآية 5، {يَأَيُّهَا آلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إلَى آلصَّلاَةِ فَآغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرافِقِ وَآمْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى آلْكَعْبَينِ} وفي الحديث الشريف: «النظافة من الإيمان». ↑
- () يقتبس المؤلف هنا عدة روايات ننقل بعضاً منها لطرافتها واهميتها في علمي الاجتماع والنفس كقول أم توصي ابنتها عند زواجها: «إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق وأنهاكِ من إكثار العتاب فإنه يورث البغضاء، وعليك بالزينة وأزينها الكحل بالطيب وأطيبه الماء». وقول أخرى «كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً وعليك باللطف فإنه أبلغ من السحر والماء فإنه رأس الطيب». وأخرى أيضاً «كوني لزوجك فراشاً يكن معاشاً وكوني له وطاء يكن لك غطاء وإياك والاكتئاب إذا كان فرحاً والفرح إذا كان مكتئباً ولا يطلعن منك على قبيح ولا يشمن منك إلا أطيب الريح ولا تفشين له سراً لئلا تسقطين من عينيه وعليك بالماء والدهن والكحل فإنه أطيب الطيب». ومع أننا لا نعرف شيئاً يذكر عن حياة البيروني الخاصة إلا أننا من هذا نميل للظن بأنه كان متزوجاً فما ألْهتْه علومه وأبحاثه عن التأمل بما يجعل الحياة الزوجية طيبة هنيئة. ↑
- () من المواضيع الهامة في عصرنا هذا بالنسبة للصحة العامة هي تأمين بيئة صالحة صحياً مع نظافة الجسم والثياب للمحافظة عى الصحة البدنية والنفسية. ↑
- () وبرأي البيروني فإن نظافة الهندام تعني أيضاً حسن الطوية الداعية للطاعة وعز القناعة والأخذ بالأصوب لخير الإنسان في الحياتين العاجلة والآجلة ونرى في ذلك اهتمام علماء المسلمين بالطيوب وأدوية الزينة. ↑
- () في غاية الأهمية ما يذكره البيروني عن الحكم في الأفغانستان قبل انتشار الدين الإسلامي فيها ولعل العاصمة كانت آنذاك كابل (ربما هي كابول عاصمة البلاد الحالية) معبراً عن الأسباب التقليدية والدينية في قيام نظم الحكم واستمرار الملكية. ↑
- () في سخرية لاذعة يقارن البيروني بين نفع الماء للأرض والنبت، ونفع الجواهر للزينة وفي معاملات الناس التجارية؛ فمهما علا مصدر الماء لا بد أن يصل الأرض الواطئة ليسقي البذور وينبت النبات وهكذا يوضح المؤلف أهمية الإصلاح الاجتماعي حتى تحظى طبقات الشعب الكادحة بقسطها من ثراء الدولة لتأمين رفاه العيش وهي نظرة إصلاحية إنسانية تدل على مشاعر المؤلف تجاه طبقات الشعب الفقيرة ووجوب الاهتمام برخائها أكثر من الاهتمام بالزينة والأبهة الملكية الخارجية، والتيجان المرصعة بالجواهر، انظر الوصف في كتاب الخطط لتقي الدين أحمد المقريزي، طبعة بولاق، القاهرة، 1270هـ، ج1: 413 ـ 416: والذخائر والتحف، للقاضي الرشيد بن الزبير، تحقيق محمد حميد الله، الكويت، وزارة الإعلام، 1959م، وجرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، ج5، القاهرة، بدون تاريخ، ص 128 ـ 134. ↑
- () يمين الدولة محمود الغزنوي (388 ـ 421هـ/ 998 ـ 1030م) غزا الهند وأسقط الدولة السامانية وخطب للخليفة القادر، ولما استولى على مدينة خوارزم قبض على البيروني واستاذه عبد الصمد فقتل الآخر واستبقى البيروني لمعرفته بعلم النجوم. ↑
- () لقد هزم السلاجقة مسعوداً سنة 431هـ هزيمة منكرة وبعد أن أفلت من الأسر ثار مواليه عليه ونهبوا خزائنه وناصروا أخاه محمداً الذي قتل أنصاره مسعوداً في حرب أهلية سنة 432هـ. ↑
- () البهلول «السيد الجامع لكل خير أو الضحاك» ولكن صار مثلاً لما لا نفع مما جمعه من الخيرات. ↑
- () يروي لنا البيروني قصص بعض من دفنوا كنوزهم في الأرض ففقدت. ↑
- () يعطينا البيروني هنا آراء جديدة في صلاح الحكم العادل والشورى مع أنها تحمل معاني مثالية غير متوفرة في العالم السياسي على حقيقته، ولا شك أن المبادىء الدينية كان لها الأثر الكبير في ذلك الاتجاه عند المؤلف. ↑
- () قسم البيروني كتابه في الجواهر إلى مقدمة عرفناها مع تعليقات وشرح باختصار ثم مقالتين فصل فيهما، بين الجواهر ذات الألوان البراقة والصفات الطبيعية الجذابة كالياقوت واللؤلؤ وبين المعادن ذات الوزن النوعي والصفات الخاصة بها ومنها الصلب كالنحاس والفضة ومنها اللين الرجراج كالزئبق والهش كالطاليقون مما له أهمية في تاريخ علمي الكيمياء غير العضوية والطبيعية. ↑
- () انظر سبك شناسي ج1، ص 183 وتاريخ مماليك ج1، ص 65. ↑
- () انظر حواشي جهانگشاي الجويني ج3، ص 300 تعليق محمد القزويني. ↑
- () ستأتي كلمة عن أبي فراس في موضع آخر. ↑
- () مهيار الديلمي ممن اتهموا بالشعوبية. ومن المعلوم أن مهيار فارسي الأصل، فكان من الطبيعي أن يذكر قومه الفرس بالخير، دون أن يسيء إلى العرب، بل إنه فعل أكثر من ذلك، حين تغنى بأصله الفارسي ودينه العربي فقال فيما قال:
وجمعت المجد من أطرافه سؤدد الفرس ودين العرب فكان بهذا القول عند من تنطحوا لهذه الأمور شعوبياً لأنه يذكر سؤدد قومه!!. فكان الأصل عند هذا الفريق من الناس هو أنه لا يبرأ غير العربي من تهمة الشعوبية إلا بأن يتبرأ من قومه ولو كان مسلماً مفاخراً بإسلامه، وأنه يحق لهم وحدهم بأن يتغنوا بقومهم، ولا يحق ذلك لغيرهم من الأمم!!
على أن باذري بذرة الشعوبية الأولى، هم – مع الأسف – من العرب، وقد بذرت هذه البذرة في ظل الحكم الأموي وفي رعايته. قال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: كتاب مثالب العرب أصله لزياد ابن أبيه، فإنه لما ادعى أبا سفيان أباً، علم أن العرب لا تقر له بذلك مع علمهم بنسبه، فعمل كتاب ( المثالب) وألصق بالعرب كل عيب وعار وباطل وأفك وبهت. ثم ثنى الهيثم بن عدي وكَان دعياً فأراد أن يعرّ أهل الشرف تشفياً منهم، وأما كتاب المثالب والمناقب الذي بأيدي الناس اليوم فإنما هو للنضر بن شميل الحميري، وخالد بن سلمة المخزومي وكانا أنسب أهل زمانهما، أمرهما هشام بن عبد الملك أن يبينا مثالب العرب ومناقبها، وقال لهما ولمن ضم إليهما: دعوا قريشاً بما لها وعليها، فليس لقريش ذكر في ذلك الكتاب «انتهى».
ومثله قال أبو الفرج الأصبهاني.
على أن الأمر عند هؤلاء المتنطحين أسوأ من ذلك، فمن كان فارسي الأصل وفاخر بأهله، فإن هذا الفخر مغفور له ولا يعد شعوبياً، إذا كان من أعداء أهل البيت المنابذين لهم!.
فابن حزم مثلاً المجوسي الأصل، الفارسي النسب، إذا فاخر بذلك وقال:
سما بي ساسان ودارا وبعدهم قريش العلى اعياصها والعنابس فما أخرت حرب مراتب سؤددي ولا قعدت بي عن ذرى المجد فارس كان هذا القول مقبولاً منه لا اعتراض عليه، لأنه من النواصب المعادين لأهل البيت الشاتمين لأشياعهم، مضافاً إلى ذلك أن جده الأعلى خلف من معدان بن سفيان بن يزيد كان مولى يزيد بن أبي سفيان، وهو في بيتيه المتقدمين يباهى بذلك، لهذا فهو لا يؤاخذ بافتخاره بأصله الفارسي ولا ينسب إلى الشعوبية بل يثنى عليه ويمجّد لأن معاداة أهل البيت والتهجم على اتباعهم تغفر كل سيئة. أما مهيار الديلمي الذي يعتز بانتمائه إلى الإسلام مع اعتزازه بقومه، فهو يؤاخذ ويهاجم ويتهم بالشعوبية، لأنه أخلص الولاء لأهل البيت وأحب علي بن أبي طالب ومدحه بقصائده الخالدات، وهذا ذنب تستحل معه كل التهم!. ابن حزم الذي يعتز بساسان ودارا، ويقرن اعتزازه هذا، بأعياص قريش وعنابسها الأمويين، ليس بشعوبي، ومهيار الديلمي الذي يعتز هو الآخر بكسرى، ويقرن هذا الاعتزاز لا (بالاعياص والعنابس)، بل بالإسلام ويعتبر انتسابه إليه مجداً باذخاً هو شعوبي!.. لماذا؟ لأن الأول غض من علي بن أبي طالب، وتعرض له بالسوء، وفضّل عليه حتى نساء النبي، وشتم محبيه، ولأن الثاني أحب علي بن أبي طالب ومدحه!..
هكذا يكتب تاريخ العرب والإسلام!..
«حسن الأمين» ↑
- () معجم البلدان ج1، ص 172. ↑
- () نزهة القلوب ص 85. ↑
- () مختصر كتاب البلدان، ص 285. ↑
- () تقويم البلدان، ص 386. ↑
- () تقع قره باغ ونخجوان فيما وراء نهر أرس والقسم الشرقي لولايات ما وراء القفقاز. ↑
- () ماركوارت ـ ايرانشهر.J. Marquart Eranshahr, 1901, 108- 140. ↑
- () المسالك والممالك ص 17. ↑
- () معجم جغرافيا إيران ج4، ص 42. فرهنگ جغرافيايى إيران. ↑
- () أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 374. ↑
- () نزهة القلوب 105 ـ 108. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص 658. ↑
- () نزهة القلوب ص 105. ↑
- () مرآة البلدان طبع عام 1294هـ. ق المجلد الأول ص 194. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص 797. ↑
- () نزهة القلوب، ص 105. ↑
- () معجم البلدان ج2، ص 132. ↑
- () حدود العالم من المشرق إلى المغرب، (تصحيح الدكتور ستوده) ص 161. ↑
- () Monorsky, Hudud Al Alam p.398. ↑
- () ابن حوقل ـ صورة الأرض ص 339. ↑
- () مرآة البلدان ج1، ص 122 ـ 124. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص 77. ↑
- () مراة البلدان ج1، ص 150 ـ 154. ↑
- () حمد: الله المستوفي. ص 106 ـ 107، لسترنج، الجغرافيا التاريخية لأراضي الخلافة الشرقية ص 192 ـ 195. ↑
- () سترد كلمة أخرى عن جمهورية آذربيجان في الآتي من القول. ↑
- () في العهد السلجوقي ذكرت آذربيجان في الشعر العربي عندما فتحت القلعة المعروفة بـ (حصن النحاس)، وهي التي يسميها الأبيوردي في ديوانه روين دز. وردت في مكان آخر باسم: دوس در. قال الشاعر:
لطفت رأيك في (صمن النحاس) وقد أعيا الملوك وسيقت نحوه السوق ولم يدع غفوة في جفن ذي أرق بأذربيجان إلا بزها الفَرَق - () عن اللغة التركية في آذربيجان، راجع البحوث التي ستأتي. ↑
- () عن أنور باشا، راجع: بخارى. ↑
- () ) تقدمت تفاصيل عن ذلك. ↑
- () لدراسة تغلغل ونفوذ الطوائف التركمانية في العهد الصفوي والأشعار التركية للشاه إسماعيل تراجع تحقيقات البروفسور مينورسكي Mr. Minorsky، التي كتب إحداها باللغة الانكليزية على تذكرة الملوك صفحة 137 ـ 138 (طبع أوقاف كتب لندن عام 1943م)، وكتب الأخرى في مقالة بعنوان The Poetry os Shah Isma’il نشرت في مجلة مدرسة الألسنة الشرقية في لندن في المجلد العاشر. ↑
- () نسمي المتكلمين بالتركية أتراكاً توسعاً واختصاراً. ↑
- () كان لتلك الدعوة دوي في أنحاء آذربيجان لأن جرائد القفقاز كانت ترد أيامئذ بلاد آذربيجان في مدة أقصر وبثمن أرخص من جرائد طهران، وشاعت لأجل ورود تلك الجرائد ـ القراءة بالتركية بين الآذربيجانيين شيوعاً لم يعهد من قبل ولكنهم لم يستجيبوا للدعوة. ↑
- () لا تزال عشائر الترك الساكنون حوالي أسترآباد المعروفون بتركمان محافظين على مذهبهم السابق «التسنن» على أن هؤلاء قد حافظوا على أزيائهم وكثير من عوائدهم أيضاً ولم يخالطوا الفارسيين إلا قليلاً. ↑
- () اصطلح الكتاب الروسيون القفقازيون على تسمية كلتا اللهجتين اللتين يتكلم بها أهل القفقاز والآذربيجانيين بالتركية الآذربيجانية أو الجغتائية، لأنه لم يكن إلى أواخر القرن الماضي كبير فرق بين اللهجتين تتميزان به ولكننا لا نسمي في هذه المقالة بالآذربيجانية إلا التركية التي يتكلم بها في إيران. ↑
- () في العربية تؤكد الألوان بألفاظ مخصوصة نحو الأسود الحالك الأحمر القاني الأصفر الفاقع، الأخضر الناضر، وفي الفارسية تؤكذ بتكرار اللفظ (سياه سياه) وفي التركية تؤكد بألفاظ منحوتة. ↑
- () خلال البحوث الأثرية في منطقة أفشار في آذربيجان الغربية، حصل كاتب هذه السطور على عدد من المستندات التاريخية القيمة التي تتعلق بحكام أفشار المحليين وهي تشخص وضع هؤلاء القوم في المنطقة المذكورة إلى حد معين. ومن ثم رأينا من المناسب أن نعتمد بعض هذه المستندات في شرح حول تاريخ الأفشاريين في هذه المنطقة. ↑
- () ينبغي أن لا يشتبه بين هذا الشخص وسليمان خان قاسم أو الملقب بصاحب الاختيار ورئيس قبيلة أفشار المقيم في ساو جبلاغ، والشخص الأخير هو حفيد نصرالله خان أفشار المعروف بزهرمار خان وقد توفي عام 1309هـ، وكان (أمير كبير) قد أناط به مهمة كبيرة، ويمكن الرجوع في هذا المجال إلى المجلد الأول من روضة الصفا تأليف هدايت، ص 445 طبع قم. ↑
- () حسام السلطنة هو أخو محمد شاه عم الملك ناصر الدين شاه، وللمزيد من المعلومات حوله يراجع كتاب: (تاريخ رجال إيران) تأليف بامداد، ج2، ص 104 وما بعدها. طبع زوار طهران 1347هـ. ↑
- () أمير النظام: هو لقب القائد العام للقوات المسلحة في زمن القاجاريين. ↑
- () هو ابن سبعين الاشبيلي، فيلسوف عربي وصاحب طريقة صوفية واشتهر بأجوبته التي ردَّ على الأسئلة التي وجهها فريدريك الثاني إلى علماء سبتة. ↑
- () د. محمود فهمي زيدان الاستقراء والمنهج العلمي، مؤسسة شباب الجامعة الاسكندرية ط 4، 1980، ص 27. ↑
- () انظر د. ماهر عبد القادر محمد علي، فلسفة العلوم الطبيعية، دار المعارف الجامعية، الاسكندرية، مصر 1979، ج1، ص 15، مع ملاحظة أن هذا المثال الذي يأتي به أرسطو كما أورده المؤلف يخالف واقع حال الإنسان وبقية الأنواع التي يذكرها بأن لها مرارة. ↑
- () د. جلال عبد الحميد موسى، منهج البحث العلمي عند العرب، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1972، ص 36 ـ 37. ↑
- () د. زكي نجيب محمود، المنطق الوضعي، مكتبة الأنجلو المصرية، ط5، 1980، ج2، ص 157. ↑
- () أرسطوطاليس، منطق أرسطو، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي، ج2 ص 385. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () سيتضح نقد فيلسوفنا الفارابي لهذه النتيجة ومقدماتها بعد قليل. ↑
- () د. جلال محمد عبد الحميد موسى، منهج البحث العلمي عند العرب ص 40. ↑
- () انظر د. علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار المعارف، 1967، ط2، ص 20 ـ 21، فيقول (أما أمثال الشراح المشائين أمثال الفارابي) وليس هذا هو الخطأ الوحيد الذي يقع فيه الأستاذ المرحوم النشار وإنما ذكر له تاريخاً لوفاته خطاً. ↑
- () أبو نصر الفارابي، الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، 1968، ص 104. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق د. عثمان أمين، مكتبة الأنجلو، 1968، ط2، ص 67. ↑
- () المصدر السابق، ص 68. ↑
- () أبو نصر الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين، تحقيق د. ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، 1980، ط 3، ص 80. ↑
- () أبو نصر الفارابي، الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق د. محسن مهدي، دار المشرق بيروت، ص 108. ↑
- () أبو نصر الفارابي، كتاب ما ينبغي أن يقدم قبل تعلم الفلسفة، طبعة لايدان، هولندا، 1890، ص 10. ↑
- () أبو نصر الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين، تحقيق د. ألبير نصري نادر، ص 82. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () د. محمود فهمي زيدان الاستقراء والمنهج العلمي ص 110. ↑
- () أبو نصر الفارابي الجمع بين رأيي الحكيمين، تحقيق د. أبير نصري نادر، ص 82. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () المصدر السابق والصفحة. ↑
- () رغم ثورة فرنسيس بيكون على المنطق الأرسطي وكذلك جون استيوارت مل ورينه ديكارت ونيوتن إلا أن الصياغات القانونية التي انتهوا إليها هي صياغات يقينية وليست احتمالية بخلاف دعوة فيلسوفنا الفارابي. ↑
- () انظر د. ماهر عبد القادر محمد علي، فلسفة العلوم الطبيعية (المنطقي الاستقرائي)، ص 184. ↑
- () انظر د. محمود فهمي زيدان، الاستقراء والمنهج العلمي، ص 133، حيث يقترب الفارابي من تصور وليام نيل للاحتمال. ↑
- () أبو نصر الفارابي، كتاب البرهان وكتاب شرائط اليقين من تعليق ابن ماجه على البرهان، تحقيق. د. ماجد فخري، دار المشرق، بيروت 1987، ص 24 ـ 25. ↑
- () انظر: هانز ريشنياج، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة د. فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1979، ص148، ما نصه (فنحن نعلم من أبحاث ميكانيكا الكم الحديثة أن الحوادث الذرية المنفردة لا تقبل تفسيراً سببياً تحكمها قوانين الاحتمال). ↑
- () انظر هنري بوانكاريه، قيمة العلم، ترجمة الميلودي شعموم دار التنوير، بيروت 1982، ص153، ما نصه (إن كل قانون يمكن أن يستبدل بآخر أكثر تقريبية واحتمالاً، إن هذا القانون الجديد لا يمكن أن يكون بدوره إلا موقتاً). ↑
- () انظر غاستون باشلر، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط2، 1403 هـ، ص171. فهو يدعونا إلى أهمية المذهب العقلي المفتوح على العلم. ↑
- () انظر برتراند رسل، مشاكل الفلسفة، ترجمة محمد عماد الدين إسماعيل وعطية محمود هنا، ص57 وقوله (إن ما ينبغي أن نبحث عنه هو الاحتمال فقط). ↑
- () مذكرات أبُّت ص 10 ـ 12 ودانشنامه إيران وإسلام ج1، ص 88 ـ 99 طهران عام 1354ش. ↑
- () هذا البحث وبحث تركستان يتمم احدهما الآخر. ↑
- () من المناطق التي ازدهرت فيها العقائد الشيعية في مستهل هجمات تيمور حسب التقارير الموجودة هي منطقة ما وراء النهر وخاصة عاصمتها سمرقند ثم توقف ذلك الازدهار.إن هجرة السادات العلويين وغالبيتهم من الزيدية أو من بقية سلالات الإمام زين العابدين (ع)، تلك الهجرة الواسعة إلى ما وراء النهر وخاصة إلى سمرقند وترمذ وبخارا يمكن أن تكون سبباً لتهيئة الجو في هذه المناطق لقبول التشيع.على أن الأمر تطور بعد ذلك وتحول الحال إلى العكس بسبب الحملات المناهضة فأخذ التشيع بالضعف وبدأت الحرب على الشيعة تزداد قوة أكثر فأكثر.(ح). ↑
- () كان مير عالم بن الأمير عبد الأحد، أميراً لبخارى منذ سنة 1910، ثم ابعدته الثورة الشيوعية إلى افغانستان حيث عاش في كابل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وكان وزيره شيعياً. وكان ابن الوزير سنة 1934م لاجئاً إلى طهران مقيماً فيها. (ح). ↑
- () كان التركمان يعيثون فساداً في النواحي الشمالية من خراسان، وكذلك في المناطق الشرقية من إيران وأعلنوا العصيان وسلبوا الأمن والاستقرار، وراحوا بعد انتصارهم على والي خراسان حشمت الدولة ما بين عامي 1859 و1860، يسلبون وينهبون ويقتلون الناس الأبرياء، واسروا من النساء والأطفال عدداً كبيراً، بحيث يذكر الجنرال السير پرسي سايسكن في كتابه (تاريخ إيران) أنه: «انخفضت قيمة العبيد في آسيا الوسطى فبلغت أقل مما كانت عليه قبل جيل». ↑
- () راجع عن الفارابي ما تقدم وعن ابن سينا ما يأتي. ↑
- () تاريخ قم تأليف حسن بن محمد ترجمه إلى الفارسية حسن بن علي، ص 62 تحقيق السيد جلال الدين الطهراني منشورات توني طهران سنة 1361 ش. ↑
- () انظر أعيان الشيعة ج5، ص 37. ↑
- () انظر مستدركات أعيان الشيعة ج3، ص 262. ↑
- () نفس المصدر ج3، ص 252. ↑
- () انظر إلى جمع من النساء والأميرات اللواتي يلقبن بآغا في مستدركات أعيان الشيعة ج1، ص 3 ـ 4 وج4،ص،8 بيروت دار التعارف الطبعة الأولى. ↑
- () كان ذلك بفضل تنظيمات نصير الدين الطوسي والأسس التي ركّزها وتابعها بعده تلاميذه (ح). ↑
- () كان اهتمامه بالشيعة لأن الشيعة كانوا العامل الأهم في إسلامه (ح). ↑
- () مصادر البحث: الحوادث الجامعة، مروج الذهب، ابن الأثير، ابن خلدون، ابن كثير، شذرات الذهب، طبقات سلاطين الإسلام، الضوء اللامع، تاريخ بخارى، حبيب السير، عجائب المقدور، تاريخ العراق، لغت نامه، بدائع الزهور، السلوك، حافظ أبرو. ↑
- () أي: حسن الطويل. ↑
- () Kyra Katerina. ↑
- () Calo Johannes. ↑
- () Despina. ↑
- () السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة ج3، ص 300 بيروت دار التعارف، سنة 1403هـ 1983م. ↑
- () غياث الدين الحسيني المعروف بـ خواند أمير: تاريخ حبيب السير ج3، ص 430، طهران منشورات مكتبة الخيام الطبعة الأولى 1333 هجرية شمسية. ↑
- () نفس المصدر ج4، ص 430. ↑
- () انظر دائرة المعارف تشيع ج1، ص 133 الطبعة الأولى طهران بنياد إسلامي طاهر. ↑
- () عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين ج3، ص 241 بغداد الطبعة الأولى 1357هـ 1939م. ↑
- () عباس العزاوي: تاريخ النقود العراقية: ص 84 ـ 85 بغداد 1377هـ 1958م، الطبعة الأولى. ↑
- () انظر مسكوكات قديمة إسلامية قتالوغي ج4، ص 482. ↑
- () عباس العزاوي: تاريخ النقود العراقية: ص 85 ـ 87 بغداد 1377هـ 1958م، الطبعة الأولى. ↑
- () نفس المصدر ص 85. ↑
- () انظر أعيان الشيعة (المجلد العاشر). ↑
- () المقصود بذلك هو المتصوفة المعتقدون بابن خفيف الشيرازي المشهور بالشيخ الكبير والشيخ أبي إسحاق الكازروني المشهور بالشيخ المرشد. ↑
- () سول قبيلة إيرانية كان أفرادها يسكنون في لرستان في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). ↑
- () التبرائيون هم الأشخاص الذين أمرهم الملك إسماعيل الأول بعد جلوسه على العرش، وتأسيسه للدولة الصفوية بالسير في الأزقة والطرقات وهم يمدحون علياً (ع)، وخلفاءه ويتبرؤون من غيره ولكن بعد أن جلس طهماسب الأول على العرش وجفت الدماء تغيرت الأوضاع بعد خمسين عاماً من نشاط التبرائيين وسيرهم في الأزقة والطرقات ونشر الكتب وافتتاح المكاتب. (فرهنك دهخدا). ↑
- () القورجيون: هم زبدة الجيش حيث ينتخبون من خيرة أفراد القزل باش، وهم بمثابة الحرس الملكي الخاص. ↑
- () كتاب الحوادث: (43). ↑
- () جاء في كتاب الحوادث ما نصه: «وفيها ـ أي في سنة 634هـ وصل أمير الحاج أبو فراس بن أبي فراس ومعه العرب «الأجاودة» الذين تعرضوا لأذية الحاج ومنعوهم الحاج في سنة 632هـ، وكل منهم قد كشف رأسه وجعل على عنقه كفنه وبيده سيفه ومعهم نساؤهم وأولادهم، فقصدوا باب النوبي وقبلوا الأرض، ورمى النساء براقعهن وضججن بالبكاء والتضرع، فعرفوا قبول توبتهم، والعفو عنهم، وأنعم عليهم بالكسوات وغيرها وعادوا إلى أماكنهم» (90) هذا ما ورد في كتاب الحوادث عن ظفر هذا الأمير بعرب «الأجاودة» من المنتفك في ذلك العصر، وهي حادثة تدل على شجاعة هذا الأمير وكفايته الحربية، وكانت وفاة هذا الأمير سنة 641هـ، أي بعد مبايعة المستعصم آخر خلفاء بني العباس بسنة واحدة، وتكرر ذكره في كتاب الحوادث وترجم له مؤلف هذا الكتاب ترجمة حسنة نوه فيها بشجاعته وزعامته، وذكر المناصب التي تولاها في الأيام الناصرية والمستنصرية ومنها إمارة الحج ثلاث عشر حجة، ويقول صاحب الحوادث أيضاً: فارق الحاج سنة 621هـ، وقصد الملك الكامل صاحب مصر فتلقاه بالقبول وجعله مقدماً على أمرائه، فلما بلغه القبض على الوزير القمي وعزله سنة 626هـ عاد إلى بغداد وكان يحدث نفسه على ما يظهر بأن يخلف الأمير جمال الدين قشتمر في منصبه فلم يجب إلى ذلك فامتنع من الركوب والمشاركة في المواكب، وكان يخرج موكبه وفيه ولده نيابة عنه (189، 190) وانظر عن بعض آل أبي فراس الجامع المختصر لابن الساعي (9/271)، وعني سبط بن الجوزي بتسجيل السنوات التي تولى بها إمارة الحج. ↑
- () المعجم: (4/ باب الملقبين عماد الدين) ونقلناها في اللباب أو مختارات من تلخيص مجمع الآداب، وورد في الترجمة المذكورة ما يأتي «عماد الدين أبو المظفر محمد بن الحارث بي فراس بن حسان بن جعفر بن أبي فراس النخعي الحلي الأمير من بيت الإمارة والولاية ذكره شيخنا تاج الدين بن الساعي في تاريخه وقال «في شهر ربيع الأول سنة 635هـ، ألحق عماد الدين محمد بن فراس بالأمراء، ورتب شحنة للحلة السيفية، ثم ظهرت منه أمور وجبت عزله فعزل سنة 643هـ، ورتب عوضه الأمير قطب الدين سنجر، ثم رتب عماد الدين شحنة بالكوفة عوض الأمير ناصر الدين آقوش ثم عزل، وذلك لمعاقرته العقار وإهماله الأمور واشتشهد في الواقعة سنة 656هـ، انظر اللباب (30)، ويلاحظ أن كتاب الحوادث خال من ذكر هذا الأمير الملقب عماد الدين وقد اقتصر فيه على أخبار مجير الدين وحسام من البيت المذكور. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 9. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 28. ↑
- () هذا الشيخ ذكره الشهيد الثاني في بحث رواية الأبناء عن الآباء في شرح الدراية فقال: وعن خمسة آباء، وقد اتفق منه رواية الشيخ الجليل بابويه بن سعد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه عن أبيه سعد عن أبيه محمد عن أبيه الحسن عن أبيه الحسين، وهو أخو الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد عن أبيه علي بن بابويه. انتهى «منه دام ظله». انظر: شرح بادية الدراية ص 125، ويذكره المؤلف في الترجمة رقم (8). ↑
- () وأقول: وينقل الشيخ الفقيه عماد الدين أبو عبدالله محمد بن علي بن أبي القاسم بن محمد الطبري كثيراً ما في كتاب «بشارة المصطفى» بدون واسطة عن الشيخ الإمام الرئيس الزاهد أبي محمد الحسن بن الحسين بن الحسن [بن الحسين] ابن بابويه بقراءة محمد بن أبي القاسم المذكور عليه في خانقائه بالري في سنة عشرة وخمسمائة، وهو يروي عن الشيخ الطوسي بلا واسطة في سنة عشرة وخمسمائة، وهو يروي عن الشيخ الطوسي بلا واسطة في سنة خمس وخمسين وأربعمائة املاءً من لفظه بالمشهد المقدس الغروي، فتأمل.وتارة يروي محمد بن أبي القاسم المذكور عن الشيخ أبي محمد الحسن بن الحسين بن بابويه عن عمه أبي جعفر، محمد بن الحسن عن أبيه الحسن بن الحسين بن بابويه عن عمه أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه الصدوق. فلا تغفل «ع».أقول: الشيخ أبو محمد الحسن هذا هو الأول، وهو جد الشيخ منتجب الدين شمس الإسلام حسكا، ولا أرى وجهاً للتأمل في ذلك. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 42. ↑
- () الغيبة للطوسي: 188. ↑
- () رجال الطوسي: 467، خلاصة الأقوال: 50. ↑
- () هو الوزير السعيد إسماعيل بن عباد الطالقاني المدعو بالصاحب وبالكافي، والذي ظهر لنا أنه من أعاظم الإمامية، فما نقله السيد السعيد رضي الدين ابن طاووس عطّر الله مرقده في كتاب «اليقين» عن الشيخين المفيد والسيد المرتضى رحمهما الله من أنه من علماء المعتزلة، مما لا ينبغي التعويل عليه، وقد أوضحنا ذلك في الأزهار «منه دام ظله».أقول: بحث الشيخ محمد حسن آل يس في كتابه «الصاحب ابن عباد» عن مذهب ابن عباد بحثاً يجب الرجوع إليه بهذا الصدد. ↑
- () رجال النجاشي: 50. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 90. ↑
- () انظر فهرست منتجب الدين: 28، والترجمة رقم (3) من هذا الكتاب. ↑
- () كذا، والصحيح «في الدراية». ↑
- () شرح بداية الدراية: 125. ↑
- () كذا، وفي المصدر «من أصحابنا». ↑
- () فهرست منتجب الدين: 111. ↑
- () سعد بن الحسين بن الحسن بن بابويه «خ ل». ↑
- () انظر الترجمة الرقم (8). ↑
- () خلاصة الأقوال: 94، رجال النجاشي: 184. ↑
- () الفهرست للطوسي: 13. ↑
- () لولده الصدوق أيضاً كتاب يسمى «كتاب الأخوان» أيضاً، وقفت عليه «منه دام ظله». ↑
- () هو محمد بن إسحاق بن النديم، يظهر من السيد السعيد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس في كتاب «الإقبال» وكتاب «اليقين» الاعتماد عليه «منه دام ظله». ↑
- () لم نجد هذا في نسخة فهرست ابن النديم المطبوعة. ↑
- () انظر الفهرست للطوسي: 54، رجال النجاشي: 35. ↑
- () الذكرى ص 4، ونص كلامه «وقد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن ابن بابويه رحمه الله عند اعواز النصوص لحسن ظنهم به وأن فتواه كروايته». ↑
- () ويؤيده أن الصدوق عد الرسالة التي له من الأصول المعتمدة التي عليها المعوّل وإليها المرجع «منه دام ظله».انظر: من لا يحضره الفقيه: 1/4. ↑
- () شرح بداية الدراية: 125. ↑
- () وقد وعد في آخره أن يؤلف كتاب ا«الأربعين عن الأربعين من الأربعين مع الأربعين» ولعله قد وفق لهذا التأليف أيضاً.فلاحظ «ع». ↑
- () انظر شرح بداية الدراية: 125. ↑
- () الفهرست للطوسي: 156، والزيادات منه. ↑
- () وهو أيضاً يروي عن التلعكبري تارة بلا واسطة وتارة بالواسطة، وهذا لا يخلو من غرابة، فتأمل «ع». ↑
- () رجال الطوسي: 495. ↑
- () رجال النجاشي: 276. ↑
- () أقول: الاختصار في الأنساب شائع، كقولهم «محمد بن بابويه» و«علي بن طاووس» وأمثالهما. وأما النظر في كونه من أولاد الصدوق فهو في محله، فإن هذا الرجل (رض) قد كان من أولاد «بويه» من سلاطين الديالمة، ولما لم يشتهر لفظ «بويه» صحفوه وجعلوه «بابويه»، وذلك اما من غلط الكتاب أو من بعض العلماء ظناً منه أن «بويه» غلط الكاتب والصواب «بابويه». فتأمل ترشد إن شاء الله تعالى «ع». ↑
- () فهرست منتجب الدين: 97. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 135. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 197. ↑
- () فهرست منتجب الدين: 189. ↑
- () العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين: 6/143. ↑
- () تاريخ التراث العربي: 2/79. ↑
- () يروي فريق من مؤرخي هذه الفترة أن شمس الدين الجويني شقيق علاء الدين كان له الفضل الأكبر في العفو عن أخيه، واكتفى حكام بغداد بحلق لحيته فحلقت، وكان يجلس في الديوان ويستر وجهه بيده، ولم ينس علاء الدين هذه الإهانة لما عاد إلى الحكم، وأطلق كلمة عبر بها عن حقده الكامن وتصميمه على أخذ ثأره فقال لشحنة بغداد «علي بهادر» من الجماعة المتآمرين عليه (إن الشعر إذا حلق نبت والرأس إذا حلق لم ينبت) ويا لها من كلمة تشعر بالتشفي والتصميم على الانتقام. ↑
- () أشار غير واحد من المؤرخين ومنهم صاحب الحوادث الجامعة إلى كيفية إسلام السلطان أحمد، وذلك بعد اتصاله بشيخ غريب الأطوار يسمى الشيخ عبد الرحمن، وهو في الأصل من أبناء مماليك الخليفة المستعصم أسر في واقعة بغداد، وظفر بأشياء نفيسة من الجواهر، واستخدم حاجباً في بعض معسكرات المغول، وأظهر الزهد والتصوف حتى صار يعرف بالشيخ، وتنسب إليه حيل وشعوذات غريبة، انظر بعض أحوال هذا الشيخ واتصاله بالمغول وعلاقته بالسلطان أحمد، كتاب الحوادث (431، 432)، وقد ترجم له ابن الفوطي مرتين في معجمه في باب الملقبين بكمال الدين (5/201)، وسمى والده في الترجمة الأولى (مسعود) وفي الثاني (يحيى)، قال: ويعرف بقراجة، وورد ذكر هذا الشيخ في رسالة مشهورة للسلطان أحمد وجه بها إلى سلطان مصر مؤرخة سنة 680هـ بالعبارة التالية «شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن فهو نعم العون في أمور الدين» راجع مختصر تارخ الدول لابن العبري (507) وفي جوانب سلطان مصر له تكرر الثناء على الشيخ المذكور (510 من الكتاب المذكور)، وكان مصير هذا الشيخ غريباً فإنه في سفارته الثانية من السلطان أحمد إلى الشام سنة 682 حبس بأمر السلطان، وكان ذلك آخر العهد به، ونودي في الشام أن لا يذكره أحد (الحوادث الجامعة 431) والغالب أن السلطان اعتمد ذلك بهذا الشيخ بعد أن عرف حاله وبراعته في السحر والشعوذة، وقد أجمل ابن الفوطي في معجمه وصاحب الحوادث الجامعة في حوادثه مجريات هذه السفارة سفارة الشيخ عبد الرحمن ورفاقه إلى الشام، فليس في الكتابين تفصيل ما جرى له مع السلطان «قلاوون» بعد وصول هؤلاء السفراء وعلى رأسهم الشيخ إلى دمشق، غير أن بعض المؤرخين الشاميين مثل ابن الفرات في تاريخه عنوا بسرد تفاصيل هذه السفارة وما جرى خلالها، ويبدو لمن يتصفح تاريخ ابن الفرات (8/64) أن الملك المنصور اهتم جداً بهذه السفارة وهؤلاء السفراء، وخرج من القاهرة يريد الشام ولا غرض له إلا الاجتماع بالشيخ عبد الرحمن ومن معه من التتر رسل أحمد تكدار كما جاء في تاريخ ابن الفرات وهو يسميه (أحمد آغا سلطان بن هولاكو) في حوادث سنة 683هـ، من كتابه ثم ذكر بعد ذلك وصول الملك المنصور إلى دمشق ونزوله بقلعتها، ووافق وصوله ورود الأخبار من بلاد التتر بظفر «أرغون» بعمه أحمد تكدار وقتله وجلوس أخيه على تخت السلطنة بالأوردو، ويلي ذلك في تاريخ ابن الفرات وصف رائع لاستظهار الملك المنصور صاحب مصر والشام واستعداده لمقابلة سفراء التتر بأبهة ملوكية قصد منها إثارة روح الإكبار والإعجاب في نفوس الرسل المذكورين، وفي هذا الصدد يقول ابن الفرات: لما تحقق الملك المنصور «قلاوون» كلام القصاد ـ أي الرسل الذين أخبروا بمقتل السلطان أحمد على يد ابن أخيه أرغون ـ رسم أن يلبس ألف وخمسمائة مملوك (1500) شمعة من كل مملوك شمعة، فلما لبس المماليك ما أمروا بلبسه وأوقدوا تلك الشموع أمر السلطان الملك المنصور بإحضار الشيخ عبد الرحمن ورفيقيه الأمير «سمداغو» التتري والصاحب شمس الدين محمد بن الصاحب شرف الدين وزير صاحب ماردين رسل الملك أحمد آغا سلطان بن هولاكو الذين حضروا في ذي الحجة سنة 682هـ، كما شرحناه فلما حضروا بين يدي الملك المنصور أدوا الرسالة التي حضروا لأجلها من عند أحمد آغا وسمعها منهم وأعادهم إلى مكانهم، ثم استحضرهم مرة ثانية وسمع مقالتهم وردهم إلى مكانهم، ثم استحضرهم مرة ثالثة وسمع مقالتهم حتى استوعب ما عندهم من الأخبار، وما وردوا به من الرسالة ثم أعلمهم في المرة الثالثة أن مرسلهم الملك أحمد آغا سلطان قد قتل وملك مكانه أرغون بن أباقا بن هولاكو وجلس على تخت المملكة، هذا ما ورد في تاريخ ابن الفرات عند استقبال الوفد التتري برئاسة الشيخ عبد الرحمن، ويلاحظ من هذا الاستظهار وتلك الطريقة في استجواب الوفد مرة بعد أخرى واستدعائهم إن قلاوون تغيرت نيته بعد سقوط مرسلهم أو منفذهم إليه وأضمر التضييق على الرسل وأخذهم بالشدة تقرباً إلى السلطان الجديد أرغون لأنه أصبح صاحب السلطنة القائمة في مملكة التتر فلا مناص من الأخذ بسياسة الأمر الواقع في هذه الحالة، ولو كان ملك المغول الجديد وثنياً خلف ملكاً مسلماً على المملكة، وحسبنا للتأكد من صحة هذا الاستنتاج أن نرجع إلى ما جاء في تاريخ ابن الفرات بعدما تقدم فإنه يقول: ثم أمر السلطان أن ينقلوا من قاعة «رضوان» إلى بعض قاعات القلعة في هذه الليلة وأن يرتب لهم بقدر الكفاية فنقلوا ونقصوا رواتبهم التي كانت قد رتبت لهم قبل ذلك، وقيل لهم مهما كان معكم للملك أحمد آغا سلطان من الذهب أعطوه للملك المنصور فلم يعترفوا بشيء، فبعث إليهم الملك المنصور الأمير (شمس الدين سنقر الأعسر) استاذ الدار، وقال قد رسم السلطان بانتقالكم إلى غير هذا المكان فليجمع كل واحد منكم قماشه، فقام كل واحد من الجماعة وحمل قماشه، فلما صاروا كلهم في دهليز الدار فتشوهم وأخذوا منهم جملة كثيرة من الذهب واللؤلؤ وغير ذلك، ويقال إنه كان في يد الشيخ عبد الرحمن سبحة لؤلؤ قيمتها تزيد على مائة ألف درهم، فأخذت منه في جملة ما أخذ، واعتقلوا فمات الشيخ عبد الرحمن في هذه السنة، وبقي أصحابه في الاعتقال مدة وضيق عليهم ثم كتب الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بدمشق المحروسة إلى الملك المنصور بسببهم فرسم بإطلاقهم، واستمر الأمير شمس الدين محمد بن الصاحب في الاعتقال، ونقل إلى قلعة الجبل بمصر المحروسة واعتقل بها مدة طويلة ثم أفرج عنه بعد ذلك، وولي نيابة دار العدل بالديار المصرية، وقال ابن الفرات في مكان آخر من تاريخه (8/13): «توفي الشيخ عبد الرحمن المذكور في ثامن عشر شهر رمضان سنة 683هـ، بالاعتقال بقلعة دمشق المحروسة ودفن بمقابر الصوفية»، هذا ما ورد في تاريخ ابن الفرات ومن ذلك نعلم أن مؤرخي الشام ومصر كالمقريزي في كتاب السلوك وابن الفرات في تاريخه كانوا أكثر اطلاعاً على تفاصيل هذه السفارة وعلى خاتمة سفراء التتر إلى سلطان المماليك، ترى ماذا كانت معاملة السلطان قلاوون للقوم لو بقي مرسلهم السلطان أحمد على قيد الحياة؟ لا نشك بأنها تكون معاملة من نوع آخر فإن العلائق بين تكدار وبين قلاوون كانت وثيقة جداً قبل ذلك كما يظهر من الرسائل المتبادلة بين هذين السلطانين المسلمين وهذا الضرب من النفاق السياسي كان مألوفاً في تلك العصور، وليست هذه أول مرة يعلن هؤلاء السلاطين الممايك غدرهم على هذه الصورة، وراجع عن أحمد بن هولاكو تكدار الصفحات الآتية من تاريخ ابن الفرات (3، 8، 24، 26، 27). ↑
- () مدينة بخراسان يراجع عنها مراصد الاطلاع. ↑
- () انظر الحوادث الجامعة (419) وراجع عن مأساة مجد الملك اليزدي هذا مع آل الجويني ترجمة شمس الدين محمد الجويني المطولة في مجالس المؤمنين للقاضي نور الله (432، 437). ↑
- () لقبه في الحوادث وفي الجزء الرابع من المعجم عماد الدين لا صدر الدين. ↑
- () عنوان الترجمة مجد الملك لا مجد الدين. ↑
- () الحوادث الجامعة. ↑
- () المصدر المذكور (432) ومن هذا الفصل وغيره يظهر لك أن العراق ومن ضمنه بغداد أصبح ولاية من ولايات المملكة المغولية وهي ولاية مضافة أو ملحقة بمملكة المغول. أما قاعدة هذه المملكة الواسعة وكرسيها ففي آذربيجان ومن حواضرها تبريز والسلطانية ومراغة. ↑
- () انظر ما جاء في تاريخ أبي الفداء عن نكبة علاء الدين الجويني على يد أباقا خان وأن ذلك بسبب ما نسب إليه من مواطأة المسلمين، وقد ترجم له ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب ونقلنا ترجمته في ملخصه، ومن مقارنة ما ورد في هذا الكتاب عن الجويني بما ورد عنه في الحوادث الجامعة يتعزز رأي من يرى نسبة الكتابين إلى مؤلف واحد. ↑
- () قال صاحب الحوادث الجامعة: كان مولده ـ يعني الصاحب علاء الدين الجويني ـ في عاشر ربيع الأول سنة 623 ولي العراق إحدى وعشرين سنة وشهوراً وكان عادلاً حسن السيرة أديباً فاضلاً، جمع تاريخاً للمغول سماه (جهان كشا) وله رسائل جيدة واسعة حسنة هذا ما قاله صاحب الحوادث الجامعة أما كتابه فإنه ألفه بالفارسية، وله ذكر في الآداب السلطانية لابن الطقطقي (38) وذكره صاحب كشف الظنون وانظر (439) من الحوادث الجامعة. ↑
- () من ذلك قصيدة لجمال الدين ياقوت المستعصمي الكاتب وردت في الحوادث الجامعة (428، 429) هنأ بها شرف الدين هارون وعبر عن غبطة العراقيين بتعيينه حاكماً على العراق مستهلها:
الحمد لله قد مضى الترح وقد أتانا السرور والفرح ومنها:
إن الذين اصطلوا لدولتكم نيران بغي زنادها قدحوا دارت رحاكم على رؤوسهم فطحنوا حسبة بما نطحوا وكل حزب يسر حزبكم يربح في سعيه الذي ربحوا يا شرف الدين والذي شرفت بمدحه المادحون والمدح ما غلق الله من (عطا ملك) باباً لملك عليك ينفتح آنست بغداد بعد وحشتها فصدرها باللقاء منشرح - () (بوقا) ويسمى (بقا) من أشهر أمراء الجيش المغولي في العصر والساعد الأيمن للطاغية آرغون في تغلبه على عمه السلطان أحمد، وهو الذي أعلن من قلعة (تلا) مدفن هولاكو في آذربيجان قرب مراغة وهي قلعة حصينة في بحيرة أرُمية نقول هو الذي أعلن سلطنة آرغون وسعى في قتل السلطان أحمد سنة 683هـ، بحجة خروجه على دين آبائه وأجداده، وما أوهاها من حجة عند المغول، فإنهم قوم لا يعنيهم إلا الملك والسلطان، ومن أجل هذه الخدمات التي قام بها الأمير «بوقا» استوزر آرغون وأسند إليه نيابة السلطنة، وأمر أخاً له يسمى الأمير أروق، ولكن آرغون عاد بعد سنوات فأمر بقتل الأمير بوقا نائب السلطنة وأولاده ومنهم أخوه الأمير أروق وكان في ديار بكر وأنفذ إليه من قبض عليه ثم قتله بحجة تغيير نياتهم في طاعة السلطان وذلك في سنة 688هـ. ↑
- () المصدر المذكور (437 ـ 439) قال صاحب الحوادث لما أحضر ليقتل سأل المهلة ساعة يوصي بها فأمهل فكتب بخطه وصية بالفارسية في آخرها «فإن وجد الناظر فيها خللاً فلا غرو فإني سطرتها وأنا عريان والسيف مشهور» ويلاحظ أن اعتذار شمس الدين الجويني مما عسى أن يكون في وصيته من الغلط دليل على منتهى ضبط الأعصاب ورباطة الجأش، فلما فرغ من ذلك قتل وحملت جثته إلى تبريز ودفن إلى جانب أخيه علاء الدين، وقال المؤلف أيضاً في حوادث سنة 685هـ: «وفيها قتل الخواجة هارون الجويني، أمر السلطان بقتله في حدود الروم». ↑
- () قال صاحب كتاب الحوادث في أخبار سنة 689هـ: «فيها سأل السلطان عمن تخلف من أولاد شمس الدين محمد بن الجويني صاحب الديوان فأخبر بهم فأمر بقتلهم، وكان في تبريز منهم مسعود وفرج الله فقتلا ودفنا في تربة أبيهما، أما مسعود فإنه كان قد أعرس منذ ليال ـ وأيّ أوان عرس هذا؟ ـ وأما فرج الله فإنه كان صبياً في المكتب، فلما أخرج ليقتل توهم أنهم يريدون تأديبه لئلا ينقطع عن المكتب فجعل يقول بالفارسية «والله ما بقيت أنقطع عن المكتب» فرقت الناس له، وكان أخوهم نوروز في الروم، فسارت الإيلجية إليه فقتل هناك. انظر هذا المصدر (460، 462). ↑
- () قال صاحب الحوادث الجامعة في حوادث سنة 687هـ، (وفيها وصل إلى بغداد جماعة من اليهود من أهل تفليس، وقد رتبوا ولاة على تركات المسلمين فأجروا الأمر على أن لا يوارثوا ذوي الأرحام فأنكر الأمير (أروق) ذلك وأمر بأن يعمل بمذهب الشافعي كما كان يعمل قديماً) هذا ما جاء في كتاب الحوادث ويلي ذلك إشارة إلى فتنة نشبت بين العوام، خشي النواب أو اليهود القادمون من تفليس على أنفسهم ونهبت بيوتهم وحتى اضطروا إلى مغادرة بغداد عائدين إلى بلادهم، ولكنهم قتلوا في طريقهم إلى تلك البلاد (454، 455) وبعد هذا التاريخ بثلاث سنوات تجددت فتنة عامة في العراق وفي بغداد خاصة مردها إلى هذه السياسة المالية اليهودية وقتل فيها سعد الدولة وأخوه فخر الدولة، ونهبت دور اليهود كافة وأخذت أموالهم ودام ذلك ثلاثة أيام وقتل من زعماء اليهود في هذه الحوادث مهذب الدولة بن الصفي والغالب أن هذه الحوادث الأخيرة كانت عامة في جميع العراق. قال صاحب الحوادث الجامعة: ولم يبق بلد من بلدان العراق إلا وجرى فيه على اليهود من النهب مثلما جرى في بغداد حتى أسلم منهم جماعة، ثم عادوا بعد ذلك) (466، 467) وقد وقع في هذه الحوادث من المثلة والتقطيع والتنكيل والقسوة ما جرت به العادة في عصور المغول هذه. ↑
- () المرجع عينه (454، 455، 461) ومن أشهر رجال اليهود في دولة آرغون رجل اسمه سعد الدولة بن الصفي اليهودي عين مشرفاً على العراق ـ يعني مفتشاً عاماً ـ قال صاحب الحوادث الجامعة في أخبار سنة 687هـ، «فيها وصل سعد الدولة بن الصفي اليهودي، وأعيد أمر الاشراف في العراق إليه ثم طولب ولاة الأعمال والضمناء بما عليهم من البقايا وضويقوا على ذلك، فأدوا أموالاً كثيرة، وفي غير فصل من فصول كتاب الحوادث إشارة إلى مبلغ تقدم اليهود في أيام الطاغية آرغون خصوصاً في إدارة الشؤون المالية، واعتماد آرغون عليهم في ذلك، قال في حوادث سنة 689هـ، «فيها سطر ببغداد محضر يتضمن الطعن على سعد الدولة، فعرف سعد الدولة بذلك فلما وصل المنفذ به أخذه منه وعرضه على السلطان آرغون فحكمه في كل من كتب فيه فتأنى في مؤاخذتهم واستعمل الحزم لكنه تقدم بصلب جمال الدين بن الحلاوي ضامن تمغات بغداد» (461، 462)، وراجع الكتاب نفسه (278، 284) عن تكتل اليهود وعصمتهم الشديدة في بغداد وهتافهم «يا آل خيبر» في خصومة وقعت بينهم وبين المسلمين في حادث غرق بغداد سنة 654هـ، قبل واقعة بغداد بسنة واحدة. ↑
- () افتري عليه افتراءات مذهبية، ترى تفصيلها في (أعيان الشيعة). ↑
- () رياض العلماء. ↑
- () كانت هجرة الأسرة الأولى من العراق إلى إيران بعد قيام الدولة الصفويَّة (في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي)؛ حيث هاجر رئيس الأسرة السيد جعفر ربَّما كان ذلك في عهد الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الأول (930 ـ 984هـ/ 1524 ـ 1576م).ويبدو مِنْ مُشجَّرَة كتبَها النسَّابة السيد رضا البحراني ابن السيد علي الغريفي المتوفى سنة 1339هـ/1921م: إنَّ السيد جعفر كان يُلَّقب بالأمير، وهو لقب رسميّ ديني لمن يتوَّلى منصب إمارة الحج في الدولة الصفوية.وقد دأبَ أولاد السيد جعفر على تولِّي هذا المنصب بعده؛ فانتقل إلى ولده السيد محمد باقر (وكان من العلماء الكبار). وكانت مدينة (قزوين) قد أصبحت عام 963هـ/ 1555م، عاصمة الدولة الصفوية في زمن الشاه طهماسب بدلاً من مدينة (تبريز) التي كانت هي العاصمة في عهد والده الشاه إسماعيل.
ثم تولَّى أمارة (الحاج) بعدَهُ السيد أبو القاسم (أو القاسم). وكان من الأعلام وله تصانيف كثيرة في العلوم العقلية والنقلية، وكانت امارتُه للحج في زمن السلطان سليمان (1077 ـ 1105هـ/1666 ـ 1694م)، والسلطان حسين الصفوي (1105 ـ 1135هـ/1694 ـ 1723م).
وللأمير أبو القاسم أولادٌ كل منهم شكل أُسرة مستقلة. فالسيد رضا هو أبو الأسرة القزوينيَّة التي ما زالت تسكن مدينة (قزوين) حتى اليوم. وقد اشتهر منها السيد رضا بن السيد أبو القاسم (الذي كان من كبار مجتهدي القرن الثالث عشر/ التاسع عشر الميلادي)، ولا يزال في عقبه علماء كبار.
ومن ولد السيد أبو القاسم: السيد مير مُحمَّد، وعقبُه في (خُراسان).
وقد رجع حفيدُه السيد محمد إلى العراق بعد انهيار الدولة الصفوية سنة 1135هـ/1722م وسيطرة الفُوضى على البلاد بعد تولي نادر شاه الأفشاري مقاليد السلطة عام 1142هـ/1729م.
وفي هذا العهد تعرضَّتْ المؤسسة الدينيَّة للأضطهاد في إيران، فهاجر أغلب الفقهاء إلى العراق، واستقرَّ معظمهم في مدينة (كربلاء) منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وأصبحت هذه الحاضرة مركزاً علمياً ضخماً استقطب العلماء أكثر من نصف قرن من الزمن، وانتج مجتهدين كباراً لعبوا دوراً متميزاً في حركة الاجتهاد وتطورها. ↑
- () السلسلة الذهبيَّة في تراجم أعيان العائلة القزوينيَّة، أوراق مخطوطة كتبها السيد حميد القزويني، ولم يُتمَّها، (خرج منها ترجمة السيد أحمد القزويني، وولديه السيد حسن، والسيد حسين). ↑
- () الصدر، تكملة أمل الآمل، ج1، ص 170؛ والطهراني، الكرام البررة، ص 368، 377. ↑
- () الشيخ مهدي الفتوني العاملي: هاجر من النبطيَّة أوائل سني حكم أحمد باشا الجزَّار، وقد أصبح أستاذ العلماء الآساطين. ومن تلامذته السيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد شُبَّر الحويزي. ↑
- () وهي مُشجَّرة مخطوطة كتبها أحد أفراد الأسرة حدود سنة 1895م، وفيها تعريف مختصر عن المشهورين منهم. ↑
- () ترجمَ الطهراني في الكرام البررة، ج1، ص 458 السيد جواد القزويني، وظنَّ أنَّه كان من العلماء قياساً على أخيه السيد مهدي القزويني. والواقع أنَّهُ كان مُزارعاً، ولم يكن عالماً دينيَّاً. ↑
- () 1222هـ/ 1807م. ↑
- () المُتوفى سنة 1246هـ/ 1831م. ↑
- () هو الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتُوفى سنة 1228هـ/ 1813م. ↑
- () تُوفي الشيخ موسى سنة 1241هـ/ 1826م. ↑
- () تُوفي الشيخ علي سنة 1253هـ/1837م. ↑
- () تْوفي الشيخ حسن سنة 1262هـ/1846م. ↑
- () إنتقلَ إلى الحلّة سنة 1253هـ/1837م. ↑
- () 1294هـ/ 1877م. ↑
- () 1299هـ/ 1882م. ↑
- () تُوفيَ الميرزا جعفر سنة 1298هـ/ 1881م. ↑
- () السيد حيدر الحلّي توفيَ سنة 1306هـ/ 1889م. ↑
- () كان السيد عبود من المشتغلين بالدراسات العلميَّة، ذكيَّاً، محبوباً. وردَ في المُشجَّرة «أنَّ جميع معاصريه من عشيرته لما قَرُبَ موتُهُ جعلوا يلطمون عليه، ويبكونه، وتركوا المرحوم عمَّه السيد باقر على جلالته وهو مريض مستحضر، عليهما رحمة الله». ↑
- () وفي سلسلة نسب هذه الأسرة تتصل الكثير من الأِسر العلوية منها السادة آل سلمان، وآل موسى، وآل الصافي، وألبو خليف، والمطانشة، والبوحبيب، والسادة الزُوامل، والسادة المكاصيص، والصُوافي، والدنّين، والأبخات، وآل الشرع، والسادة الموزان، وكُلُّ هؤلاء يتصلون بأولاد السيد صالح بن السيد علي الشجري الذي استوطن العراق عام 704هـ/ 1305م. ↑
- () كيف يصحّ هذا والسيد نعمة الله مات في سنة 1112 أي بعد موت المجلسي بسنتين أو بسنة واحدة على الخلاف في موت المجلسي ولعل الصواب السيد نور الدين الجزائري أو ابنه السيد عبدالله الجزائري. ↑
- () الرسالة، ص 7. ↑
- () حياة الإمام البروجردي باللغة الفارسية. ↑
- () الرسالة ص 10 إلى ص 14. ↑
- () من الوثائق العائدة للسادة آل طعمة وثيقة مؤرخة في 14 شوال سنة 843 هجرية مصدرة بتوقيع السلطان يعقوب، وفيها ختم: السيد إدريس بن جماز، يحتفظ بها السيد مجيد بن السيد محمد علي بن السيد مجيد آل طعمة. ↑
- () كانت زيارتنا لقرية آوه في جبال آلموت في أوائل صيف 1411هـ/ 1991م. ↑
- () انظر لسان الميزان ج2، ص 317 طبعة حيدر آباد الدكن سنة 1330 هجرية. ↑
- () انظر أعيان الشيعة ج5، ص 396 ـ 408 بيروت دار التعارف عام 1403هـ/ 1983م، وقد ذكر شيخنا الأستاذ الشيخ أقا بزرك الطهراني في غير واحد من أجزاء الذريعة معبراً عن العلامة الحلي بآية الله منها في ج2، ص 444 في مادة أنوار الملكوت في شرح الياقوت وقال (… الشرح لآية الله العلامة الشيح جمال الدين الحسن…). ↑
- () انظر: هدية الأحباب ص 117 طهران مؤسسة أمير كبير 1363 ش الطبعة الثانية. ↑
- () انظر مادة الآخوند ومادة الآغا. ↑
- () على أنه لا بد لنا من القول إن هذه الألقاب في هذا العصر قد ابتذلت إلى الحد الذي يصح فيها قول الشاعر: (ألقاب مملكة في غير موضوعها)، على أن لقب (العلامة) لا يزال مصوناً في إيران، وهو مبتذل إلى حد الهوان في لبنان (ح). ↑
- () كان اسم الأبلة باسمها اليوناني Apologos معروفاً في المئة الرابعة قبل الميلاد، فقد ذكره نيارخس Nearchus البحار الأقريماني وقد كان قائداً لأسطول الاسكندر الكبير، واشتهر برحلته البحرية التي طالت خمسة أشهر، وقال فيها إن هذه المدينة مستودع تجارات خليج فارس، واسم هذه المدينة ظهر في الخارطة الثانية المرفقة برحلته المقابلة لصفحة 285 منها، وعنوان الرحلة في طبعتها الانكليزية.The Voyage of Nearcus from the Indus to the Euphrates (ed. W. Vineant, London 1707). ↑
- () انظر الأنساب للسمعاني ج1، ص 105، الطبعة الأولى الهند 1382 ـ 1962م. ↑
- () أبو القاسم محمود الزمخشري: الجبال والأمكنة والمياه ص 24 تحقيق الدكتور إبراهيم السامرائي بغداد 1968م. ↑
- () ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج3، ص 23 بيروت دار صادر عام 1399هـ/ 1979م. ↑
- () انظر حدود العالم ص 149 والمسالك والممالك للاصطخري ص 163، من منشورات انتشارات علمي وفرهنگي الطبعة الثالثة. ↑
- () أبو عبدالله محمد المعروف بالمقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 307 تحقيق الدكتور محمد مخزوم بيروت دار إحياء التراث العربي عام 1408هـ/ 1987م. ↑
- () أبو سعد عبد الكريم السمعاني (الأنساب) ج1، ص 103 ـ 107، الطبعة الأولى حيدر آباد الهند عام 1382هـ/ 1962م. ↑
- () حمد الله المستوفي القزويني: نزهة القلوب ص 64 ـ 65 تحقيق محمد دبير سياقي طهران منشورات مكتبة طهوري. ↑
- () أحمد المعروف باليعقوبي: البلدان ص 38 الطبعة الأولى النجف الأشرف مكتبة المرتضوية سنة 1337هـ/ 1918م. ↑
- () أبو عبدالله ياقوت الحموي: معجم البلدان ج1، ص 97 الطبعة الأولى القاهرة مطبعة السعادة عام 1323هـ/ 1906م. ↑
- () انظر الفخري في أنساب الطالبيين ص 157، الطبعة الأولى قم عام 1409 هجرية من منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () أبو الحسن علي المعروف بالعمري: المجدي ص 35 تحقيق الدكتور أحمد المهدوي قم عام 1409 هجرية الطبعة الأولى منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () انظر الشجرة المباركة في أنساب الطالبية ص 64 الطبعة الأولى قم عام 1409 هجرية، منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () جمال الدين أحمد المعروف بابن عنبة: عمدة الطالب ص 94 95، الطبعة النجية الثانية عام 1380هـ 1961م. ↑
- () انظر الشجرة المباركة في أنساب الطالبية ص 85 قم الطبعة الأولى منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () عبد الكريم الرافعي القزويني: التدوين في أخبار قزوين ج3، ص 74 ـ 75، بيروت دار الكتب العلمية عام 1408هـ 1987م. ↑
- () السيد أحمد الگيلاني: سراج الأنساب ص 42 ـ 43 تحقيق السيد مهدي الرجاني قم من منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () أبو طالب إسماعيل الأزورقاني: الفخري في أنساب الطالبيين ص 145 قم الطبعة الأولى منشورات المكتبة المرعشية. ↑
- () نفس المصدر ص 158. ↑
- () أبو سعد عبد الكريم السمعاني: الأنساب ج1، ص 103 حيدر آباد الهند الطبعة الأولى عام 1382هـ/ 1962م. ↑
- () حمد الله المستفوي القزويني: نزهة القلوب ص 65 تحقيق محمد دبير سياقي طهران منشورات مكتبة طهوري الطبعة الأولى. ↑
- () انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج14، ص 173 ـ 176 بيروت دار الأضواء. ↑
- () خانقاه ويقال زاوية ويقال رباط: محال تجمع الصوفية والعرفاء والدراويش ويسكن فيها القطب أو المرشد لتعليم رسوم وآداب التصوف. ↑
- () الرباط: الغرفة الخاصة في الخانقاه أو محل خاص للقطب والمرشد الصوفي. ↑
- () انظر آثار البلاد: ص 288. ↑
- () انظر مادة آق قويونلو. ↑
- () انظر سراج الأنساب ص 95 تحقيق السيد مهدي الرجائي قم الطبعة الأولى المكتبة المرعشية. ↑
- () حمد الله المستوفي؛ تاريخ كزيده ص 328هـ تحقيق الدكتور عبد الحسين نوائي طهران منشورات أمير كبير. ↑
- () نفس المصدر ص 409. ↑
- () انظر تاريخ زنجان ص 419 طهران منشورات مكتبة المصطفوي الطبعة الأولى. ↑
- () قال العلامة الحلي: في كتاب التذكرة، باب الجعالة: (لو قال: من استقى من ماء دجلة ورماه في الفرات وغير ذلك مما لا يعده العقلاء مقصوداً فله كذا، لم يصح) وعليه تكون الجعالة على العبث كالجعالة على الحرام، لا تستحق أجراً. ↑
- () كتاب تذكرة العلامة، باب الضمان، وكتاب المسالك، باب الديات. ↑
- () انظر السنهوري نظرية الالتزام: ص 1142. ↑
- () قال السنهوري: ليست قاعدة الإثراء بلا سبب ملحقة بالفضالة، بل الفضالة هي التي تلحق بها «نظرية الالتزام ص 1120». ↑
- () كتاب المسالك المجلد الثاني، باب الديات. ↑
- () وفصل بعض الفقهاء بين بقاء الثمن في يد الغاصب وبين تلفه فحكم بالرجوع في الأول دون الثاني. وقال السيد الحكيم في كتاب نهج الفقاهة: إن المشتري يرجع على البائع الغاصب مطلقاً، سواء أبقي الثمن أم تلف، كما هو حكم المقبوض بالعقد الفاسد. ↑
- () نظرية الالتزام للسنهوري. ↑
- () قلاة «بكسر القاف» جمع قلة «بفتح القاف»: النقر في الصخر أو الأرض الصلبة يستنقع فيها الماء. ↑
- () رجال النجاشي. ↑
- () الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن النبيّ أو الأئمة أو عن الذي روى عنهم. وبلغت عدة الأصول أربعمائة كلها ألفت في عهد الأئمة الذين ينتهي عهدهم في حدود سنة 260هـ. ↑
- () ارشاد الفحول، ص 250. ↑
- () الكفاية، ج2، ص 347. طبع النجف. ↑
- () أُصول الفقه له. ↑
- () مجلة حضارة الإسلام، ج1، عدد 2، ص 7. ↑
- () راجع مصباح الأصول، 434. ↑
- () مصادر التشريع. ↑
- () الرسالة، له. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 250. ↑
- () تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 138. ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه، ص 389. ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه، ص 389. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 90. ↑
- () الكفاية. ↑
- () المستصفى جزء 2 ص 103. ↑
- () المراغي في رسالة الإسلام. ↑
- () سلم الوصول، ص 342. ↑
- () حاشية الرشتي على الكفاية. ↑
- () الكفاية. ↑
- () مصباح الأصول. ↑
- () الرشتي في شرح الكفاية، ج2، ص 34. ↑
- () سلم الوصول ص 342. ↑
- () علم أصول الفقه لخلاف. ↑
- () الإمام الصادق لأبي زهرة، ص 537. ↑
- () خلاصة التشريع الإسلامي لخلاف، ص 342. ↑
- () خلاصة التشريع الإسلامي، ص 343. ↑
- () خلاصة التشريع الإسلامي، ص 343. ↑
- () الإمام الصادق، ص 540. ↑
- () رجال النجاشي، ص 455، ترجمة محمد بن عذافر. ↑
- () خلاصة التشريع الإسلامي، ص 341 وما بعدها. ↑
- () خلاصة التشريع، ص 342. ↑
- () محمود الشهابي: مقدمة فوائد الأصول. ↑
- () سيأتي القول عن ابن إدريس. ↑
- () الاجتهاد في الشريعة للمراغي، ص 357 من مجلة رسالة الإسلام، س1، ج3 نقلاً عنه. ↑
- () عبد المتعال الصعيدي في كتابه: من أين نبدأ. ↑
- () الاجتهاد في الشريعة للمراغي ص 357 من رسالة الإسلام. ↑
- () الاجتهاد في الشريعة للمراغي ص 357 من رسالة الإسلام. ↑
- () الاجتهاد في الشريعة للمراغي ص 357 من رسالة الإسلام. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () الكفاية وشرحها للشيخ الرشتي، ح2، ص 351. ↑
- () المستصفى، ج2، ص 121. ↑
- () احكام الأحكام، ج3، ص 158. ↑
- () اقرأ هذه الأقوال في احكام الأحكام للآمدي، ج3، ص158. ↑
- () اقرأ هذه التفصيلات في المستصفى،ج2 ، ص112. ↑
- () الآمدي في الأحكام، ج3، ص158. ↑
- () القوانين المحكمة، ج2، ص 163. ↑
- () المستصفى، ج2، ص 102. ↑
- () سلم الأصول، ص 295. ↑
- () فرائد الأصول، ج1، ص 142. ↑
- () تاريخ التشريع الإسلامي. ↑
- () راجع أحمد أمين. ↑
- () نظرة عامة في الفقه الإسلامي. ↑
- () إبطال القياس لابن حزم وراجع أيضاً (الاحكام في أصول الأحكام) ج؟ ص 537 وما بعدها. ↑
- () إرشاد الفحول. ↑
- () راجع للتحقق من شأن هذا الحديث بصورة أوسع: (الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم) ص 339. ↑
- () انظر كولد تسهر. ↑
- () المقدمة لابن خلدون. ↑
- () نظرة عامة في تاريخ الفقه: 221 ـ 222. ↑
- () فوائد الأصول للكاظمي، ج3، ص 4. ↑
- () فوائد الأصول. ↑
- () سورة الرعد: الآية 4. ↑
- () سورة الرعد: الآية 3. ↑
- () سورة آل عمران: الآية 189. ↑
- () سورة ياسين: الآية 62. ↑
- () سورة الإسراء: الآية 36. ↑
- () سورة يونس: الآية 36. ↑
- () سورة يونس: الآية 59. ↑
- () كفاية الأصول. ↑
- () الفوائد المدنية للاسترآبادي. ↑
- () حاشية المشكيني عن الكفاية. ↑
- () راجع دراسات السيد الخوئي، ج3. ↑
- () أجود التقريرات للسيّد الخوئي. ↑
- () حسن سعيد، دليل العروة الوثقى. ↑
- () روضات الجنات، ص 536. ↑
- () روضات الجنات، ص 536. ↑
- () أعيان الشيعة، ج44، ص 33. ↑
- () التبيان ـ المقدمة. ↑
- () روضات الجنات، ص 553. ↑
- () روضات الجنات. ↑
- () روضات الجنات. ↑
- () راجع عن التقليد بحثاً في موضعه. ↑
- () الفهرس، ص 25. ↑
- () العلة المستنبطة تظهر بعدة أساليب، وهي:1- إعتبار اثر أو شيء علة نتيجة لنفي الأمور الأخرى كأن يقال: إن الشارع حكم بحلية العصير قبل صيرورته مسكراً، وحكم بحليته إذا انقلب خلا ففقد خصوصية الاسكار، وحرمه في حالة كونه خمراً – أي مسكراً – فقط، فنعلم من ذلك أن الحرمة تدور مدار الاسكار.2- السبر والتقسيم لاحتمالات العلة ونفي جميع الإحتمالات إلا احتمالاً واحداً، فيقال في مثال الخمر: أن الشارع حرم الخمر إما لأنه مائع، أو لأنه ملون بلون كذا، أو لأن له رائحة معينة، أو لأن له طعماً معيناً، أو لأنه مسكر، وبعد نفي جميع الإحتمالات – عدا الاسكار – لوجود مائعات محللة ذات صفات مماثلة ما عدا الإسكار، فيتعين أن يكون هو العلة في التحريم.
3- تنقيح المناط، وهو إلغاء الفوارق بين الأصل المعلوم حكمه وبين الموضوع المشكوك حكمه فيقال مثلاُ أن الخمر والنبيذ متفقان في الاسكار ومختلفان في أن الخمر يتخذ من العنب، والنبيذ يتخذ من التمر، وهذا المقدار من الفرق لا يؤثر في الحكم.
4- تخريج المناط، وهو تعيين العلة باستحسان العقلية الذوقية، كأن يقال: إن الاسكار بما يؤدي إليه من فقدان العقل ينبغي أن يكون علة التحريم، وأن القتل العمد بما يمثل من ظلم أدّى إلى إعدام إنسان بريء ينبغي أن يكون علة القصاص. ويعتبرون ذلك من القياس المنهي عنه.
وقد اتفق فقهاء الشيعة على حرمة اعتماد العلة المستنبطة في مقام الإجتهاد الفقهي، وقد كان الفقيه الأقدم ابن الجنيد يعمل بالقياس ثم عدل عن ذلك وحرمه. والحجة عند الشيعة في ذلك هو الأخبار المتواترة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). ↑
- () الشهيد الصدر لم يستدل على جدوى هذه المنهجية في العلوم التجريبية وحسب (راجع الأسس المنطقية للاستقراء) بل استخدمها كذلك في شرح أصول الدين (راجع مقدمة الفتاوى الواضحة) وفي المباحث الأصولية والفقهية أيضاً (راجع اقتصادنا ص 402 ـ 429، والمعالم الجديدة ص 161). ↑
- () راجع؛ الشهيد محمد باقر الصدر بحوث إسلامية، مقال: الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد، ص 80 ـ 84. ↑
- () راجع حاشية الكفاية: ص 206 ـ 207. ↑
- () بحث الشهيد مطهري في كتابه «المقالات العشر» تحت عنوان «دور الرؤية الكونية للفقيه في فتاواه» يمكن أن ينير لنا الطريق في هذا المجال. ↑
- () راجع؛ الشيهد مطهري، الفصل الأول من الأعمال الكاملة، ج3، ختم النبوة، ص 153 ـ 179. ↑
- () رينه ديفيد، صاحب كتاب «الأنظمة الحقوقية المعاصرة» ناقش فقه أهل السنّة وأنظمتهم الحقوقية، واعتبر النزعة الشكلية لهذا الفقه من عوامل انسجامه مع الزمن، وضرب مثلاً من الحيل الشرعية لتبرير الربا وما إلى ذلك (راجع الكتاب ص 458 ـ 460). ويذكر صبحي المحمصاني في كتابه «فلسفة التشريع في الإسلام» براهين انصار الحيل الشرعية ومعارضيها، وينتهي إلى أنها خلاف قواعد مثل «الأمور بمقاصدها» (راجع الكتاب ص 208 ـ 218). ↑
- () يمكن التماس الجواب عن السؤال الأول، من موقف الإمام الصادق (ع) من الشخص الذي أراد تحقيق العدالة الاجتماعية واكتساب الثواب عبر السرقة من الاغنياء والتصدق على الفقراء، ونهي الإمام له عن عمله هذا. كما نستطيع تحصيل جواب السؤال الثاني من تأكيد أئمة الدين على حفظ اهداف الأحكام، والنهي عن الجمود على الظواهر (وخصوصاً من تصدي الإمام علي (ع) للمارقين والقاسطين). ↑
- () لا شك أن المراد من العلة في الفقه والأصول ليس المعنى الفلسفي للكلمة (التأثير الوجودي أو الطبيعي). إذ إن الحكم الفقهي (مثل وجوب الوضوء أو وجوب صيام القضاء) يمكن أن تكون له عدة أسباب في آن واحد، بينما من المستحيل حصول مثل هذا في العلل والتعليلات الفلسفية (الواحد لا يصدر إلا عن الواحد)، ثم إن تحقق السبب في الفقه يمكن أن يكون قبل أو بعد أو مع المسبب. ويجوز تأثير المابعد في الماقبل (مثل الشرط المتأخّر) بينما يستحيل هذا الأمر في عالم الواقع. ↑
- () المقصود تحقيق المناط بالمعنى الأعم الذي يشمل كل أنواع اكتشاف المناط، وليس تنقيح المناط بالمعنى الأخص (في بحث القياس) حيث تكتشف علة القياس بالسبر والتقسيم. ↑
- () يجب البحث عن سبب اختيار مثل هذا التعبير في موضوع علة التشريع وعلة التعميم (راجع: مناط الأحكام للملا نظر علي طالقاني، ص 16). ↑
- () يمكن تقسيم الحكم إلى هذين القسمين أيضاً، أي الحكمة الثبوتية أو المصلحة المقصودة من قبل الشارع من تشريع الحكم (من دون أن تكون مقصودة بالذات) والحكمة الإثباتية أو المصلحة التي تبيّنت للمجتهد. ↑
- () ذهب صاحب الفصول هو الآخر إلى الفرز بين هذين النوعين من العلل تحت عناوين؛ العلل المجعولة شرعاً والعلل الحقيقية. واعتبر العلل المعروفة من النوع الأول من العلل (راجع الفصول، فصل في حجية القياس المستنبط العلة) وتقسيم العلل إلى علل تشريع وعلل تعميم يمكن إرجاعه إلى تقسيمها إلى علل ثبوتية علل إثباتية. ↑
- () القواعد، ج1، ص 39، وقد ورد قيد الانضباط لإخراج الحكمة من التعريف ولهذا لم يجعل الشارع الحكم دائراً بمدار الحكمة. (راجع: الأصول العامة للفقه المقارن، ص 311). ↑
- () المستصفى ج2، ص 54. ↑
- () نفس المصدر، ص 72، وراجع كذلك ص 288 ـ 289. ↑
- () اشترطوا أربعة أمور في العلة: 1 ـ أن تكون وصفاً ظاهراً وقابلاً للاكتشاف. 2 ـ أن تكون وصفاً منضبطاً ومعيناً، لا مشتتاً غامضاً. 3 ـ أن تكون مناسبة، أي مظنّة لتحقق الحكم. 4 ـ أن لا يكون الوصف منحصراً بالأصل، وإنما جائز السريان (راجع: عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، ص 78). ↑
- () راجع: الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص 310. ومن باب التشبيه، يمكن تشبيه استخدام السبب في القياس، بالبرهان الاعم من إنّي ولمّي، وباستخدام العلة في البرهان اللمّي. ↑
- () الفرق بين موضوع الحكم ومتعلق الحكم، هو أن موضوع الحكم يطلق على الأعيان كالخمر والصلاة والغناء و…، بينما يطلق متعلق الحكم على أفعال المكّلف كالشرب وإقامة الصلاة والإنشاد و… وموضوع الحكم إما شرعي (مثل الصلاة) أو عرفي (مثل الغِناء). ↑
- () قدّم الشهيد الصدر بحثاً مفصلاً في هذا المجال ضمن مقال بعنوان «الفهم الاجتماعي للنصوص في فقه الإمام الصادق (ع)»، (راجع: بحوث إسلامية، ص 90 ـ 99). ↑
- () مجلة «نقد ونظر» العدد الأول، ص 87 ـ 90 (حوار مع الشيخ معرفة). ↑
- () كتاب البيع، ج2، ص 47. ↑
- () الوسائل، ج2، ص 105. ↑
- () استخدم الإمام الخميني في آرائه الفقهية وبشكل متكرر مناسبات الحكم والموضوع كدليل من الأدلة. (راجع: البيع، ج1، ص 112 وج2، ص 470، ج4، ص 185، ج5، ص 312، وص 402، والطهارة، ج1، ص 314 ـ 315، ج2، ص 22، وكتاب الخلل في الصلاة، ص 181 وص 224، والمكاسب، ج3، ص 153 وص 263 ـ واستخدمه أيضاً كجزء من الدليل، ودليل مساعد للأدلة الأخرى، راجع: البيع، ج4، ص 304، ج2، ص 444 والمكاسب، ج1، ص 124، واستخدمه أحياناً كقرينة للتأكيد على المطلب، راجع: الطهارة، ج1، ص 129، ج2، ص 34، ج2، ص 439، وكتاب الخلل، ص 34). ↑
- () بحوث إسلامية، ص 98 ـ 99. ↑
- () قواعد الأحكام (طبعة حجرية) ص 6 وراجع أيضاً: المدخل، ص 187. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 95. ↑
- () مجلة «كيهان فرهنگي» السنة 11، العدد 8، ص 12 ـ 13 (حوار مع السيد البجنوردي). ↑
- () صحيفة النور (صحيفةٌ نور) ج21، ص 15. ↑
- () الإمام الخميني، المكاسب المحرمة، ج1، ص 37 و71. ↑
- () الإمام الخميني، بدائع الدرر، ص 88، وبحوث إسلامية للشهيد الصدر ص 83 و84. ↑
- () راجع فلسفات إسلامية، مقالة الفقهاء والتجديد. ↑
- () بالطبع يجب أن لا ننسى أنه لا توجد حدود وتخوم دقيقة بين هذه المناهج الرامية إلى انتزاع القواعد الفقهية، وغالباً ما يكون من الضروري استخدام منهجين أو أكثر منها. ↑
- () للاطلاع على الماضي التاريخي لاستخدام الاستقراء في اصول الفقه الشيعي راجع: «آينه پژوهش» العدد 27، ص 22 و23. ↑
- () المعالم الجديدة، ص 161 ـ 165. ↑
- () الأعمال الكاملة، ج3 (الحلقة الثانية من الحلقات) ص 544. ↑
- () المعالم الجديدة، ص 162. ↑
- () نفس المصدر، ص 162. ↑
- () نفس المصدر، ص 163. ↑
- () نفس المصدر ص 164. وفي اقتصادنا (ص 395 ـ 396) يؤكد أن اكتشاف قاعدة كلية يحتاج فضلاً عن جمع النصوص والأحكام وتصنيفها الدقيق، إلى عمليات تركيب وتحليل هذه المواد الأولية، والنظر بها نظرة تجزيئية وشمولية (النظر إلى المفردات والنصوص الجزئية في ضوء الكل) ليمكننا عن هذا الطريق تكوين قاعدة عامة من تلك المفردات ومن مركبها. ↑
- () الحلقات، الحلقة الثانية (الأعمال الكاملة، ج3، ص 464) ولا بد من الالتفات إلى أن السند المنطقي والمعرفي لمثل هذه البحوث عند الشهيد الصدر هو نظرية الاحتمالات التي قدمها في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، وقرر هناك أن الاستقراء أمر موضوعي وقابل للاختبار وله معاييره. ↑
- () راجع ترمينولوجيا الحقوق، مادة «وحدة الطريق». ↑
- () راجع منطق الحقوق، ص 1350 ـ 1356 وص 1565، و«دانشنامه حقوقي» [الموسوعة الحقوقية]، ج4، ص 513. ↑
- () شرح اللمعة، باب الشهادات. ↑
- () «نقد ونظر» العدد الأول (حوار مع السيد حسن المرعشي) ص 86. ↑
- () من كتابات الإمام الخميني التي استخدم فيها هذه القاعدة؛ الطهارات ج2، ص 131، وفي باب الضمان، البيع، ج1، ص 296، والانفال، ج3، ص 24. ↑
- () جواهر الكلام، ج39، 262. ↑
- () الكفاية، ص 443، الرسائل للإمام الخميني، ج2، ص 105، البيع، ج2، ص 101. ↑
- () الإمام الخميني، بدائع الدرر في قاعدة لا ضرر، ص 113. ↑
- () التنقيح، ج2، ص 226. ↑
- () النائيني (أجود التقريرات) ج2، ص 494. ↑
- () جواهر الكلام، ج38، ص 210، وج8، ص 187. ↑
- () اقتصادنا (المجلد العاشر من الأعمال الكاملة) ص 373 ـ 375. ↑
- () الشهيد مطهري، النظام الاقتصادي في الإسلام، ص 191 ـ 192. ↑
- () مجلة «كيهان فرهنگي» حوار مع الشيخ معرفة، السنة 11، العدد 8. ↑
- () دراسات في ولاية الفقيه، ج2، ص 357. ↑
- () كتاب «الإسلام ومتطلبات العصر» ج2، ص 137 ـ 141، الاعمال الكاملة ج3، ص 190، وكذلك: نظام حقوق المرأة في الإسلام، وكتاب الخاتمية. ↑
- () لدراسة أسس الاقتصاد الإسلامي، راجع الشهيد مطهري، ص 27، ولأجل دراسة أعمق لمبدأ العدل والعدالة الاجتماعية في الإسلام من وجهة نظر الشهيد مطهري، راجع نفس المصدر، ص 152 ـ 154 وص 157. ↑
- () نفس المصدر، ص 167 ـ 170. ↑
- () منطق الحقوق، ص 1308 ـ 1309. ↑
- () نفس المصدر، ص 1309 ـ 1311. ↑
- () نفس المصدر، ص 1407 ـ 1422، ويرى مصداق هذه المسألة في «نظرية إدارة العقد» التي استطاعت إزالة إشكالات عقود الوقوف مثل العقود الفضولية. كما يرى مبدأ التغيير والساحات الحقوقية الحرة من هذا النمط من النظريات. ↑
- () فمثلاً في ظروف الاضطرار، يحللون أخد الضرائب أو التصرف في أموال الآخرين بموجب قاعدة لا ضرر، أو تقديم الأهم على المهم، كما أن الكذب يكون جائزاً في ظروف الخطر بموجب قاعدة التقية. ↑
- () من النماذج المهمة في هذا المجال تنظيم المجموعة القانونية المسماة «مجلة الأحكام العدلية» في زمن العثمانيين، حيث حاول الفقهاء الحنفيون تصنيف كتاب يماثل القانون الوضعي المتداول وعلى النمط الحديث، وقد كان لهذا المشروع، وما أحاط به من شروح للقواعد وقوانين ومباحث تطبيقية دور مؤثر في دفع الفقه السني باتجاه ابداع النظريات. وكان لفقهاء وحقوقيين من أمثال عبد الرزاق السنهوري والشيخ أحمد الزرقاء سهم وافر في هذا المجال. ↑
- () ثمة استثناءان حسب علم كاتب السطور من بين فقهاء القرنين الماضيين هما المرحوم الملا نظر علي طالقاني والمرحوم محمد حسين النائيني. ↑
- () من أهم المصادر التي راجعناها في هذا الباب؛ اقتصادنا، المدرسة الإسلامية، الإسلام يقود الحياة، مقالة بعنوان «من فقه النص إلى فقه النظرية» وتكتسب دراسة هذه المقالة أهمية كبيرة لدخولها في مباحث فقه النظرية، مجلة «قضايا إسلامية» العدد الأول بقلم: سلام زين العابدين. ↑
- () الإسلام يقود الحياة (ج3، مجموعة الآثار) ص 22 ـ 24 وص 31 ـ 37. ↑
- () منطق الحقوق، ص 1260. ↑
- () نقس المصدر، ص 1329. ↑
- () من المؤسف أن هؤلاء الكتاب يتجاهلون فيما يكتبون ويفكرون – يتجاهلون الوجود الشيعي وعطاءاته مع أن هذا الوجود يكاد يزيد عن ربع الوجود الإسلامي. ونحن ننشر هنا هذه الآراء حرصاً منا على عرض وجهات النظر الإسلامية كلها. ↑
- () أبي القاسم محمود الزمخشري: الجبال والأمكنة والمياه ص 51 بغداد 1968م. ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ح5، ص 395 ـ 396 القاهرة دار المعارف. ↑
- () عدة الأصول للشيخ الطوسي، ص 232 وأصول الفقه للخضري، ص 270. ↑
- () المصدر السابق وغيره. ↑
- () أُصول الفقه، ص 555. ↑
- () أُصول الفقه، ص 555. ↑
- () عدة الأصول، ص 232. ↑
- () سورة النساء: الآية، 115. ↑
- () سلم الوصول، ص 272، والظاهر أن هذا التقريب لصاحب نهاية السؤال وإن لم يقوسه كما يوحي ارجاعه في الهامش إليه. ↑
- () أُصول الفقه للخضري، ص 279 نقلاً عنه. ↑
- () سورة الإسراء: الآية، 71. ↑
- () راجع الطوفي في مناقشاته لها، ص 100 وما بعدها من رسالته المنشورة في مصادر التشريع الإسلامي، والشيخ الطوسي في العدة، ص 234 وما بعدها. ↑
- () سورة البقرة: الآية، 143. ↑
- () الطوفي في رسالته السابقة، ص 103. ↑
- () الطوفي في رسالته السابقة، ص 103. ↑
- () سورة آل عمران: الآية، 110. ↑
- () عدة الأصول، ص 242. ↑
- () سورة آل عمران: الآية، 103. ↑
- () الخضري أصول الفقه، ص 279 وما بعدها. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 106. ↑
- () كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، للشيخ أسد الله المعروف بالمحقق الكاظمي، ص 6. ↑
- () كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، ص 6، وما بعدها. ↑
- () عد الطوفي الشيعة من جملة منكري الإجماع لا يعرف له وجه لأنهم من القائلين نوعاً بحجيته، ولعل سر الاشتباه في النسبة ما اطلع عليه من إنكارهم الإجماع في يوم السقيفة، ولكن مناقشتهم له هنا من وجهة صغروية لعدم انعقاده بمخالفة جماعة كبيرة من كبار الصحابة أمثال بني هاشم، وأبي ذر، وعمار وغيرهم. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 105. ↑
- () مصادر التشريع، 106 (رسالة الطوفي). ↑
- () مصادر التشريع، ص 106 (رسالة الطوفي). ↑
- () الخضري في أصول الفقه، ص 277، وغيره. ↑
- () راجع أصول الفقه للشيخ المظفر، ج3، ص 92، وما بعدها. ↑
- () المعتبر، ص 6. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ص 933. ↑
- () أُصول الفقه للخضري، ص 281. ↑
- () أُصول الفقه للخضري، ص 281. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 72. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 72. ↑
- () كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، ص 4. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 72. ↑
- () باساي جزء من أجيه. وحتى اليوم لا يزال يسمى شهر المحرم في أجيه «أسن أو سين» وهو محرف عن «حسن وحسين» ولا يزال الأجيون يصورون على بعض أعلامهم صورة «ذي الفقار» سيف علي بن أبي طالب (ع). ↑
- () هكذا قال مولتاتولي حينما نبه حكومة هولندا التي كانت تستعد للزحف على أجيه. ↑
- () «أجيه سبانجانغ ابد» ج1، قال إن النشرة التي أرفقها السلطان لميدلتون محفوظة في مكتبة أكسفورد تحت رقم 4. ↑
- () «أجيه» «سبانجانغ ابد» ج1 ـ 182 و179 باختصار. ↑
- () «أجيه سبانجغ ابد» ج1 ـ 192 عن مذكرات توانكو أحمد في مقال بجريدة واسبادا 11 ـ 12 ـ 1659م. ↑
- () A new Voyage Round the World. ↑
- () The Slekkaanshe Gerantschap naar Stijch in 1683. ↑
- () بصحيفة أيندس خيدس عام 1939م. ↑
- () المصباح، للفيومي (مادة حوط). ↑
- () الأصول العامة للفقه المقارن، للحكيم/ 495. ↑
- () المصدر السابق/ 521. ↑
- () راجع: مصطلح: الأصل. ↑
- () عناية الأصول 4/68. ↑
- () الحدائق الناضرة 1/65. ↑
- () عناية الأصول 4/70. ↑
- () فرائد الأصول 1/342. ↑
- () عناية الأصول 4/70. ↑
- () القوانين المحكمة للأصول/ 261، والوافية/ 193. ↑
- () كفاية الأصول/ 393، وفرائد الأصول 1/342. ↑
- () فواتح الرحموت 2/182، الأصول العامة للفقه المقارن/ 37. ↑
- () يرى البعض أنّ الاحتياط في الشبهة البدوية قبل الفحص لا يتم فيه دليل منجّزية العلم الاجمالي، فالمصير إذاً إلى قاعدة وجود دفع الضرر المحتمل. ↑
- () الأصول العامة للفقه المقارن/ 522، وانظر: روضة الناظر، لابن قدامة/ 22، وهداية الأبرار، للكركي/ 224، ومنتهى الأصول، للبجنوردي 2/195. ↑
- () يحفظكم: يغضبكم. ↑
- () الدبرة (بفتح الباء وتسكن) هنا: الهزيمة وتكون أيضاً بمعنى النصر. ↑
- () الجحفة: موضع على طريق المدينة من مكة على ثلاث أو أربع مراحل من مكة، وهي ميقات أهل مصر والشام. ↑
- () العرض (بكسر العين وسكون الراء) هنا كل واد فيه شجر. ↑
- () الشيخين: موضع، كان به في الجاهلية اطمان «أي حصنان» فيهما شيخ أعمى وعجوز عمياء يتحدثان. فسمي المكان الشيخين لذلك. ↑
- () كان عبدالله بن أبي معتبراً من المنافقين. وكان من رأيه عدم الخروج. ↑
- () خمش فلاناً: ضربه وقطع عضواً منه. ويقال: خمش وجه فلان إذا خدشه ولطمه. ↑
- () الأورق: من الأبل: والآدم، قيل ما في لونه بياض إلى سواد. ↑
- () يهذ: يقطع. ↑
- () الطبري وهيكل. ↑
- () سورة النحل، الآيتان: 126 و127. ↑
- () موضع على ثمانية أميال من المدينة. ↑
- () تزعزعت: تفرقت. ↑
- () هيكل. ↑
- () المذاد موضع بالمدينة حيث حفر الخندق. ↑
- () جزع بالجيم والزاي والعين المهملة كمنع يقال جزع الأرض والوادي إذا قطعه أو قطعه عرضاً (والمذاد) بفتح الميم والذال المعجمة بعدها ألف فدال مهملة قال ابن الأعرابي: موضع بالمدينة حيث حفر النبي (ص) الخندق (ويليل) بمثناتين تحتيتين مفتوحتين ولامين أولاهما ساكنة اسم واد كانت له فيه وقعة مشهورة وحاصل معنى البيت أن عمرو بن عبد ود كان أول فارس عبر الخندق وكان فارس يليل حتى كأنه لم يكن فيه فارس سواه على المبالغة. ↑
- () مقدمة تحفة المستفيد (ي). ↑
- () قافلة الزيت 46. ↑
- () لدى قيام الحركة الوهابية في أواخر القرن الثامن عشر استولوا فيما استولوا عليه من بلاد على الأحساء. وعندما زحفت جيوش محمد علي باشا على الوهابيين استعادتها منهم ثم اضطربت فيها الأمور فقاد مدحت باشا والي بغداد العثماني حملة إلى الأحساء سنة 1289هـ (1872م). وجعل منها متصرفية تابعة للبصرة. وبقيت بأيدي العثمانيين إلى نشوب حرب البلقان عام 1331هـ (1913م) حيث اغتنم عبد العزيز السعود فرصة انشغال الدولة بقتال البلقانيين وهاجم الأحساء واحتلها (ح.أ). ↑
- () يأتي في بحث (المنطقة الشرقية) عرض عام لهذه الأسر. وهذا البحث هنا وذاك البحث هناك يتمم أحدهما الآخر. ↑
- () مجلة الواحة. ↑
- () إصطلاح فلاسفة: أخذه العرب من كلمة (فيلوسوفوس) اليونانية، وجعلوه (فيلسوف) جمعها (فلاسفة) ومصدرها (فلسفة) (مونتگمري) وات 202). ↑
- () انظر كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار ص 27. ↑
- () الشيخ أقابزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج1، ص 291 بيروت دار الأضواء. ↑
- () كاتب البحث محقق إيراني. ↑
- () دنبلي، عبد الرزاق (مفتون دنبلي)، تذكرة نگارستان دارا، باهتمام الدكتور خيام پور، تبريز 1322، ص 113. ↑
- () كتب دنبلي أن وفا بعد جعفر خان كان يحظى باعتبار وعز في قصر جعفر خان ولطفعلى خان زند. ↑
- () محمد معصوم شيرازي (معصو معليشاه)، طرائق الحقائق، تصحيح محمد جعفر محجوب، طهران، انتشارات مكتبة سنائي، بي تا، المجلد الثالث، ص 250/ نگارستان دارا، ص 125. ↑
- () مذاكرات وخاطرات بزرگ قائم مقام فراهاني، ص 34؟؟؟؟. ↑
- () إبراهيم دگان، سالنامه فرهنگ اراك، ملحق، حاج ميرزا محمد حسين وزير الزندية. ↑
- () نگارستان دارا، ص 164. ↑
- () تاريخ ذو القرنين الخطي، الجزء الأول، ص 37/ روضة الصفا لناصري الجزء التاسع، ص 347. تاريخ منتظم لناصري الجزء الثالث، ص 1449/ تاريخ صاحبقراني، خطي، المكتبة الوطنية الإيرانية الجزء الأول، گ 68 ألف/ ميرزا حسن حسيني فسائي شيرازي، فارسنامه ناصري، تصحيح وتحشية الدكتور منصور ستگار فسائي، طهران، انتشارات أمير كبير، 1367، الجزء الأول، ص 474. ↑
- () مآثر السلطانية ص 229 ـ روضة الصفا لناصري، الجزء التاسع، ص 246 ـ 247 ناسخ التواريخ، الجزء الأول، ص 193. ↑
- () تاريخ ذو القرنين، خطي، الجزء الأول، ص 47/ مآثر السلطانية ص 100/ زينة التواريخ، خطي، گ 450 ألف جهان آرا، خطي، ص 144/ محمد تقي بن محمد مهدي نوري، اشرف التواريخ، خطي، مكتبة آستان قدس رضوي، گ 65 ألف/ محمد إبراهيم بدايع نگار، تاريخ القاجارية، خطي المكتبة المركزية لجامعة طهران، الجزء الأول گ 24ب/ روضة الصفا لناصري/ الجزء التاسع ص 390/ ناسخ التواريخ، الجزء الأول ص 125/ تاريخ منتظم لناصري، الجزء الأول ص 1469/ تاريخ صاحبقراني، خطي، الجزء الأول، گ 78ب/ فارسنامه لناصري، الجزء الأول، ص 687/ اكسير التواريخ، ص 104. ↑
- () نگارستان دارا، ص 142. ↑
- () لقد صرح ويلوك شارژدافر الانجليزي الذي عايش الشروط الروحية والفكرية لعباس ميرزا قبل وفاة ميرزا بزرگ قائلاً: «لقد تغير اسلوب عباس ميرزا بعد وفاة ميرزا بزرگ، لأن السيطرة التي كان يتمتع بها عند ولي العهد كانت تخفي عيوب عباس ميرزا النفسية، والآن وقد توفي ميرزا بزرگ، اتضحت طبيعة نائب السلطنة الواقعية… كان مكتب خدمته في البداية يبعث على الامل، أما الآن فهو يبعث على اليأس…» أمير كبير وإيران، ص 161. ↑
- () الأهل: آقا محمد خان. ↑
- () دروويل، السفر في إيران، ص 173- 174. ↑
- () أمير كبير وإيران، ص 161. ↑
- () James Morier, vol 1.P: 282. ↑
- () امير كبير وإيران، ص 161. ↑
- () انظر: نجفي، شيخ جعفر، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، أصفهان، انتشارات مهدوي، سنگي، بي تا، كتاب الجهاد ص 394/ أحكام الجهاد وأسباب الرشاد يعكس هذه الآراء أيضاً. ↑
- () مآثر السلطانية، ص 145/ تاريخ ذو القرنين، خطي، الجزء الأول ص 108/ روضة الصفا لناصري، الجزء التاسع ص 456. ↑
- () أحكام الجهاد وأسباب الرشاد. الديباجة والمقدمة. ↑
- () المآثر السلطانية ص 145 مكرر. ↑
- () المآثر السلطانية، ص 194 ـ تاريخ ذو القرنين، خطي، الجزء الأول، ص 103 ـ ناسخ التواريخ الجزء الأول، ص 172. ↑
- () تاريخ ذو القرنين، خطي، الجزء الأول، ص 115 ـ المآثر السلطانية، ص 234 ـ صدر التواريخ ص 61. ↑
- () روضة الصفا لناصري، الجزء التاسع، ص 613/ ناسخ التواريخ، الجزء الأول، ص 335/ مجمع الفصحاء الجزء السادس، ص 1، 891. ↑
- () انظر إلى سر هارفور جونز، آخر أيام لطفعليخان زند، ترجمة: هما ناطق، جان گرني، طهران، انتشارات امير كبير، 1356، ص 18. ↑
- () أبو القاسم طاهري، تاريخ العلاقات التجارية والسياسية بين إيران، والانجليز، طهران، جمعية الآثار الوطنية 1353، ص 470. ↑
- () بالاطلاع على تقارير قتله هو وعائلته بيد الروس بعد ندمه على التعاون معهم. انظر إلى المصادر التالية:تاريخ ذو القرنين، خطي، الجزء الأول، ص 90/ جهان آرا، خطي × ص 215/ زينة التواريخ، خطي گ 443 ألف/ روضة الصفا لناصري، الجزء التاسع، ص 422/ تاريخ منتظم لناصري، الجزء الثالث، ص 1481/ المآثر السلطانية، ص 169 ـ 170/ ناسخ التواريخ، الجزء الأول ص 150/ گلستان ارم، ص 189. ↑
- () كان يسمي الروس به كفار بني الأصفر. أحكام الجهاد وأسباب الرشاد، ص 103. ↑
- () أحكام الجهاد وأسباب الرشاد، ص 38. ↑
- () أحكام الجهاد وأسباب الرشاد، ص 168. ↑
- () أحكام الجهاد وأسباب الرشاد، ص 39. ↑
- () طاهري، تاريخ العلاقات التجارية والسياسية الإيرانية الانجليزية، الجزء الأول، ص 519. ↑
- () يوم كان «الشاه طهماسب الثاني الصفوي» يحاصر «الملك محمود السبستاني» في مدينة مشهد في خراسان، كان «نادر قلي أفشار» (نادر شاه) لا يزال ضابطاً من قواد جيش الشاه الصفوي هذا. وكان «فتح علي خان قاجار» من رؤساء هذا الجيش أيضاً. وكان «نادر قلي أفشار» يرى في «فتح علي خان قاجار» منافساً له قد يعترض تطلعاته إلى الحكم في المستقبل. فقتله في أثناء هذا الحصار سنة 1139هـ.ق. بموافقة «الشاه طهماسب» في ضاحية مشهد المعروفة باسم «خواجة ربيع». ↑
- () راجع التفاصيل في كتابنا: «من التاريخ». ↑
- () الصقالبة Selaves هم عند مؤرخي العرب الشعوب السلافية القاطنة بين جبال الأورال والبحر الأدرياتيكي في أوروبا الشرقية والوسطى. وهم فرعان: صقالبة الشمال: الروس والروس البيض والبولونيون، وصقالبة الجنوب: الصرب والكرواتيون والسلوفاكيون والبلغاريون. ↑
- () ملك من 3 ربيع الثاني سنة 1077هـ إلى 13 ذي الحجة 1105هـ. ↑
- () تولى الملك بعد أبيه «الشاه سليمان الصفوي» في 14 ذي الحجة 1105هـ. وخلعه محمود الأفغاني في 11 المحرم سنة 1135هـ. ↑
- () مدينة في جمهورية أوزبكستان على حافة صحراء قراقورم. تشتهر بصناعة السجاد وبآثارها الإسلامية من العصور الوسطى. أصبحت في أواخر القرن السادس عشر الميلادي عاصمة خانية خيوه التي خلفت مملكة خوارزم. احتفظت باستقلالها حتى سنة 1872م، حينما أصبحت محمية روسية. ضمت نهائياً للاتحاد السوفياتي سنة 1920. ↑
- () كان نابليون و«بولس» قيصر روسيا قد وضعا خطة لغزو الهند عن طريق القفقاس وإيران. وعقدا بينهما اتفاقاً تعهد فيه القيصر بأرسال جيش من خمسين ألف جندي إلى إيران والسير به، بمساعدة من إيران، إلى الهند من طريق مدينة «هرات» ـ وكانت يومئذ لا تزال تابعة لإيران ـ وفي سنة 1801م، الموافقة سنة 1216هـ، قبل أن يقيم «نابليون» رابطة بينه وبين إيران، قتل القيصر «بولس» وخلفه «الإسكندر الأول». ورفض هذا القيصر الحلف المعقود بين سلفه وبين نابليون، وانحاز إلى الدول المخالفة لنابليون.وبذلك قطع نابليون أمله من مساعدة روسيا له. وعقد هذه المعاهدة بينه وبين إيران لتكون وسيلته إلى تسيير جيشه من أرضها إلى غزو الهند. ↑
- () النصاب: الأصل. ↑
- () «وزير» كانت تستعمل بمعنى: مساعد. ↑
- () لا يزال بعض هذه المدافع موجوداً اليوم. وهي منصوبة في بعض الأماكن العامة بما هي من الآثار.ومنها مدفع عرف باسم «مدفع اللؤلؤ». وكان أشهر هذه المدافع، وهو منصوب اليوم في حديقة نادي الضباط. وكان قبل ذلك منصوباً في أحد شوارع طهران. وصار للعامة يومئذ اعتقاد به أن له أثراً في قضاء الحاجات ونوال المرام فينذرون له النذور. ↑
- () العضاد (بكسر العين) ما يشد على العضد من حرز أو حلية. ↑
- () لم تكن البرتغال يومئذ قد نصبت لها ملكاً. ↑
- () هي المعروفة اليوم باسم جورجيا. ↑
- () ذكر سعيد نفيسي في كتابه «تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي أن النهر الذي يمر في «تفليس» اسمه «كور» لا «أرس» وأن المؤرخين الإيرانيين أخطأوا في تسميته. ↑
- () ملكت على روسيا من سنة 1741 إلى سنة 1762م، الموافقة سنة 1154 ـ 1176هـ. وفي مطلع الانقلاب البلشفي أعاد الروس إلى تلك المدينة اسمها الأول «كنجه» ثم غير اسمها فسموها «كيروف آباد» باسم أحد زعماء الانقلاب «كيروف». ↑
- () ترجمه إلى الفارسية «ذبيح الله منصوري»، وما نأخذه هنا هو عن هذه الترجمة. ↑
- () كانت المعاهدات التي تعقد بين إيران والدول الأجنبية تصاغ بأسلوب متكلف بالأسجاع والكنايات والاستعارات والأوصاف المبالغ فيها إلى درجة الإفراط. وهذا أنموذج من مقدمة إحدى المعاهدات المعقودة بين إيران وإنكلترا نثبته بياناً للعقلية التي كانت دارجة بين الناس يومئذ.«أين خجسته أوراق دسته كليست كه أزكلزاربي خاروفاق رسته، وبدست اتفاق وكلاي حضرتين سنيتين بهيتين برسم عهد نامه مفصل برطبق صدق وخلوص بيوست مي كردد».لاحظ السجع في: خجسته. دسته. رسته. بيوسته. كلزار. بي خار. وفاق. اتفاق. طبق. صدق.
وترجمتها: هذه الأوراق المباركة وردة قد نمت في روضة الوفاق التي لا شوك فيها، تتداولها يد الاتفاق، يد وكلاء الحضرتين السنيتين البهيتين، مرسومة معاهدة مفصلة طبق الصدق والخلوص الدائمين.
وهذا أنموذ آخر في وصف السفير الإنكليزي المفاوض. «عالي جاه، رفيع جايكاه، عزت وفخامت همراه، شهامت وصداقت اكتناه، فكان ودرايت آكاه، دولت خواه، بلا اشتباه، سفير بي نظير، روشن ضمير، صايب تدبير، عمدة الأعاظم المسيحية إلخ».
وهذه ترجمته: العالي الجاه، الرفيع المقام، رفيق العزة والفخامة، مكتنه الشهامة والصداقة، من عنده الفطانة والدارية، مريد الخير بلا اشتباه، السفير الذي لا نظير له، المضيء الضمير، الصائب التدبير، عمدة الأعاظم المسيحية إلخ».
وهذا أنموذج في وصف مفاوض إيراني:
«أمير الأمراء الكرام، مؤتمن الحضرة العليا السامية، أمين الدولة البهية السنية، قوام العزة والنباهة، نظام الجلالة والنبالة الحاج محمد حسين خان».
وهذا وصف ملك الإنكليز في مقدمة إحدى المعاهدات. «الملك الشهير السعيد، سلطان العدل، من شعاره نشر المكارم، صدر أرائك الملك والسلطان، مشرف ذلك الجلالة والسعادة، الأمير الباذل العادل السخي، عاهل إنكلترا، والهند الذي بلاده جاه الفلك في مجتمع الممالك الفسيح المسالك، أدام الله تعالى أيام ملكه الباهرة».
وهذا وصف شاه إيران في مقدمة تلك المعاهدة:
«الحضرة العليا، من قدرته القدر وهمته القضاء، سماء الحشمة، عادل الدنيا، الأمير المكرم، معان الفلك، الملك الأعظم، ذو الطالع السعيد، مالك رقاب الأمم، غوث الإسلام والمسلمين، عوذ الملة والدين، بطل الماء والطين، ملك الدولة المباركة، دولة إيران وطوران، الجم الاقتدار، لا زالت مشارق إقباله تتداولها مطالع كواكب الإجلال». ↑
- () هو الذي عرف بعد ذلك باسم السيد محمد المجاهد. ↑
- () ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية «ذبيح الله منصوري» ونأخذ هذا البحث ملخصاً عن ترجمته هذه. ↑
- () الأول هو «الشيخ محمد حسين النجفي» وقد مر ذكره. ↑
- () انتهت رواية «جان يونير» عن موضوع الجهاد. ↑
- () ظل «اللهيار خان آصف الدولة» هذا مدة من الزمن أسيراً عند الروس. ثم دخل في خدمتهم وأصبح موظفاً عندهم. ↑
- () هو ابن «الميرزا عيسى» المعروف بلقب «القائمقام» ولقب «الميرزا الكبير»، وقد مر ذكره. وقد خلف أباه هذا في منصب مدير أعمال «عباس ميرزا». وكانا كلاهما من كبار رجال الدولة. ↑